welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : غاية الوصول وإيضاح السبل/ج 2 *
تألیف :العلامة الحلی*

غاية الوصول وإيضاح السبل/ج 2

صفحه 1
غاية الوصول
وإيضاح السبل
2

صفحه 2

صفحه 3
تقديم وإشراف
الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
غاية الوصول وإيضاح السبل
في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل
لابن الحاجب
تأليف
الحسن بن يوسف بن المطهر
المعروف بالعلاّمة الحلّي
(648 ـ 726 هـ)
الجزء الثاني
تحقيق وتعليق
الشيخ آ. مرداني پور
النعماني

صفحه 4
العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق.
      غاية الوصول وإيضاح السبل في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل ج 2 / لابن الحاجب ; تأليف الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي; تحقيق وتعليق: آ. مرداني پور ; تقديم وإشراف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1432 ق . = 1390 .
      (دورة)    ISBN : 978 - 964 - 357 - 343 - 0
2 ج .      (ج. 1)    ISBN: 978 - 964 - 357 - 344 - 7
      (ج. 2)    ISBN:978 - 964 - 357 - 345 - 4
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 ـ ابن الحاجب، عثمان بن عمر، 570 ـ 646 ق. مختصر منتهى السؤل والأمل ـ ـ نقد وتفسير. 2. أُصول الفقه ـ ـ القرن 7 ق. الف. مرداني پور، 1340 هـ . ش ـ. المحقق. ب. السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق ـ . المشرف. ج. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). د. العنوان. هـ . عنوان: مختصر منتهى السؤل والأمل. شرح.
1390 8026م2الف/ 8/155 BP    311 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   غاية الوصول وإيضاح السبل
الجزء:   الجزء الثاني
المؤلــف:   العلاّمة الحلّي
تقديم وإشــراف:   الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
المحقّـق:   الشيخ آ. مرداني پور
الطبعــة:   الأُولى ـ 1432 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   1100 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
         تسلسل النشر:665                  تسلسل الطبعة الأُولى:382
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5

صفحه 6
   
   غاية الوصول وإيضاح السُبُل / ج 2

صفحه 7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف بريته وخاتم رسله محمد وآله الطاهرين.
أمّا بعد :
فإنّ علم الأُصول من المبادئ الّتي تدور عليها رحى الاستنباط، فمن أنكره فإنّما ينكره بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان به .
إنّ المستنبط مالم تثبت عنده حجّية ظواهر الكتاب خصوصاً بعد تخصيصها وتقييدها، وحجّية الخبر الواحد ، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي يبحث عنها في علم الأُصول، لا يستطيع استنباط الأحكام، ولذلك قام المحقّقون من الفريقين بدراسة الأُصول الّتي لا غنى للمستنبط عنها، وتدوينها تحت اسم علم الأُصول .
ومن الكتب الّتي أُلّفت في هذا المضمار وصار محوراً لدراسة هذا العلم عبر قرون: «مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل».
وقد قام لفيف من العلماء بشرحه منهم نادرة الآفاق ونابغة العراق الشيخ حسن بن يوسف المشتهر بالعلاّمة الحلي(رضي الله عنه).
وقد بلغ شرحه في التحقيق والتدقيق إلى حدّ وصفه علماء الفريقين بالحسن والجودة، فهذا ابن حجر يقول في «الدرر الكامنة»: وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حلّ ألفاظه وتقريب معانيه .1 وكان عليه أن يزيد على ما قال: وتحقيق مرامه ومختاره، إلى غير ذلك من المزايا الّتي يقف عليها من سبر الكتاب.

1 . الدرر الكامنة: 2 / 71 .

صفحه 8
وقد كانت نسخ الكتاب من النوادر إلى أن قامت مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)بتحقيق هذا الكتاب ونشر الجزء الأوّل منه، وهذا هو الجزء الثاني تقدّمه إلى القرّاء الكرام، وبه يتم الكتاب.
ويمتاز هذا الجزء بأنّه قد استفيد في تحقيقه من نسخة ثالثة حصلت عليها المؤسسة وقد رمز لها: نسخة «ج» .
وفي ختام الكلام نشكر المحقّق البارع الثبت الشيخ آ. مرداني پور النعماني، الذي بذل جهوده في تصحيح الكتاب على نسخه الثلاث وإيضاح ما أشكل من مفاهيمه ومعانيه .
والّذي تنبغي الإشارة إليه أن أكثر ما نقل في الهامش هو تعليقات ممن درّس الكتاب وحشّى عليه، فأكثرها لا صلة له بالمتن وبذلك صار الكتاب يحتوي على أُمور ثلاثة:
1. المتن لابن الحاجب.
2. الشرح للعلاّمة الحلّي.
3. التعليقات على الشرح لمدرسي الكتاب.
فشكر الله مساعي علمائنا الذين بذلوا جهودهم وصرفوا أعمارهم في بناء صرح الحضارة العلمية.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم / مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
11 ذي القعدة الحرام يوم ميلاد الإمام الرضا (عليه السلام) من شهور سنة 1432 هـ
   

صفحه 9
 
شكر وتقدير
أحمد الله سبحانه وأشكره على توفيقه لتحقيق هذا الأثر الثمين، كما أتقدم بالشكر إلى محققي مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)حيث آزروني في تصحيح هذا الكتاب وإخراجه بهذه الحلّة الجميلة وعلى رأسهم:
1. الأُستاذ محمد بيت الشيخ .
2. الشيخ محمد الكناني.
3. السيد محسن البطاط.
وفي الختام أرى لزاماً عليّ أن اقدم شكري واعتزازي لاستاذي وشيخي العزيز آية الله جعفر السبحاني (دام ظله) الّذي كلفني بتحقيق هذا الكتاب وأعانني عليه بكل ما احتاجه من المصادر.
وللجميع مني الشكر والتقدير
والحمد لله رب العالمين
محقّق الكتاب
آ. مرداني پور

صفحه 10

صفحه 11
قال: النهي: اقتضاء كفٍّ عن فعل على جهة الاستعلاء، وما قيل في حدّ الأمرِ من مزيّف وغيره، فقد قيل مقابله في حدّ النهي.
والكلام في صيغته، والخلاف في ظهور الحظر لا الكراهة وبالعكس أو مشتركةٌ أو موقوفةٌ كما تقدّم.
وحكمُها: التكرار والفور، وفي تقدّم الوجوب قرينةٌ.
نقل الأُستاذ الاجماع، وتوقّف الإمامُ، وله مسائل مختصّة.*
مبحث النهي    

[ مبحث النهي ]

* أقول: لمّا فرغ من البحث في الأمر وبيان حقيقته، شرع الآن في النهي ; وحدّه: «بأنّه اقتضاء كفٍّ عن فعل على جهة الاستعلاء» وإنّما قيّد الكفَّ بكونه
كفَّاً عن فعل، احترَازَاً عن الأمر على ما مضى 1; ولا ينتقض بقولنا: «كفّ عن الزنا» لأنا نعني بقولنا: «عن فعل» [ هو الـ ] مشتق من المقتضي والزنا ليس بمشتق من   2

1 . يشير إلى أن النهي عُرّف باقتضاء كفٍّ عن فعل، لغاية إخراج الأمر، لأنّه اقتضاء فعل ، عن جهة الاستعلاء. على ما مضى سابقاً.

صفحه 12
<--- كف ;1 ولا بقولنا: «كف» عن كف الصلاة لأنّ الكفّ غير فعل .2
وقيْدُ الاستعلاءِ لابد منه في النهي كالأمر ; والحدود الّتي قيلت في الأمر فقد قيلت في النهي مقابلاتها، والتزييف على ما مضى .
والكلام في صيغته أي في أن النهي على أُصول الاشاعرة هل له صيغة تخصُّه أم لا؟ والخلاف في أنّ الصيغة تقتضي التحريم أو الكراهة أو الاشتراك او أنها موقوفة، كما في الأمر .
وحكم الصيغة في النهي التكرار والفور، ونقل الاستاذ ابوإسحاق الاسفرائني الاجماع على ان تقدُّم الوجوب على النهي قرينة لكون النهي الوارد بعده للحظر ; وتوقف 3 إمام الحرمين في ذلك، وللنهي مسائل مختصّة به.4

1. يعني يجب أن يكون النهي فعلاً مشتقاً يدل على طلب الكف عن عمل ـ كالزنا مثلاً ـ كقوله: «لا تزن» وليس قولنا: «كف عن الزنا» كذلك، فما هو المشتق أعني «كفّ» لم يتعلّق به النهي، وما تعلّق به النهي كالزنا ليس بمشتق .
2 . ربّما ينتقض تعريف النهي بقولنا: كفّ عن الكف عن الصلاة، بأنّه اقتضاء كف عن فعل مع أنّه في الواقع أمر بالصلاة.
فأجاب الشارح بأنّ الكف ليس فعلاً لأنّه أمر عدمي، فلا ينطبق عليه تعريف النهي الذي هو اقتضاء كف عن فعل.
3 . ووجه التوقف هو أن الوجوب السابق قد يصلح قرينة لمنع حمل النهي على ظاهره خلافاً لما ذهب إليه الاسفرائني.
4 . وبقوله: «وللنهي مسائل» يشير إلى ما يلي هذه الفقرة من متن وشرح.

صفحه 13
قال: النهي عن الشيء بعينه يدل على الفساد شرعاً لا لغة، وقيل: لغة.
وثالثها: في الإِجزاءِ لا السّببيّة.
لنا: أنّ فسادَهُ سلبُ أحكامِهِ، وليس في اللفظ ما يدلّ عليه لغة قطعاً.
وأمّا كونه يدل شرعاً فلأنّ العلماء لم تزل تستدل على الفساد بالنهي في الربويات والأنكحة وغيرها.
وأيضاً: لو لم يَفْسدْ، لزم من نفيه حكمةٌ للنهي، ومن ثبوته حكمةٌ للصحة، واللازم باطل لأنّهما في التساوي ومرجوحية النهي، [ و ] يمتنع النهي لخلوه عن الحكمة، وفي رجحان النهي تمتنع الصحة [ لذلك]. *
* أقول: الفعل المنهي عنه إمّا أن يُنهى عنه لعينه أو لغيره، فالأوّل كالنهي عن البيع الفاسد والصلاة الفاسدة، والثاني كالنهي عن البيع يوم الجمعة وقت النداء لأجل الصلاة .
وأمّا الثاني فالمشهور بين العلماء أنّه لا يدل على الفساد، ونقل عن مالك وأحمد بن حنبل أنّه يدل عليه، وقوّاه الشيخ أبو جعفر الطوسي أيضاً; وأمّا الأوّل فقد اختلف الناس فيه فذهب الجمهور إلى أنّه يدل على الفساد، وذهب آخرون إلى أنّه لا يدل عليه .
وقال أبوالحسين البصري أنّه يدل عليه في العبادات لا في المعاملات، وإلى هذا القول أشار المصنف بقوله: «وثالثها: في الإِجزاءِ لا في السببية»، فإنّ الفساد في العبادات عبارة عن عدم إِجزائها فالنهي عنها يقتضي الفساد ; وأمّا الفساد   2

صفحه 14
<--- في المعاملات فالمراد منه عدم ترتب أثره عليه وهو لا يدل، كما في البيع وقت النداء .
والذاهبون إلى أنّه يدل على الفساد، اختلفوا في جهة الدلالة فذهب قوم إلى أنّه يدلّ عليه شرعاً لا لغة وهو مذهب المصنف واختيار السيد المرتضى (رحمه الله) ; وذهب آخرون إلى أنّه يدل عليه لغة .
واحتج المصنف على مذهبه:
إمّا على عدم الدلالة اللغوية فلأن الفساد معناه سلب احكامه عنه وليس في لفظ النهي ما يدلّ عليه بإحدى الدلالات الثلاث، فانتفت الدلالات اللغوية .
وأمّا ثبوت الدلالة الشرعية فلأنّ العلماء لم يزالوا مستدلين على فساد العقود بالنهي عنها كالاستدلال على فساد الربا والزنا والأنكحة الباطلة بالنهي عنها من غير وقوع انكار منهم لذلك، وهذا إجماع دال على الدلالة الشرعية.
وأيضاً لو لم يدل على الفساد لزم من نفي المنهي عنه ـ لكونه مطلوب الترك بالنهي ـ حكمة للنهي، ومن ثبوته ـ لكون الغرض جواز التصرف فيه وصحته ـ حكمة للصحة 1، واللازم باطل فالملزوم مثله.    2

1 . ومن الطريف ما ذكره الآمدي من أنّه: [... وإن جوزنا خلو أفعال الله تعالى عن الحِكَم والمقاصد، غير أنا نعتقد أن الأحكام المشروعة لا تخلو عن حكمة ومقصود راجع إلى العبد... ]الإحكام: 2 / 210 .
هذا، مع أن فعل الله واحد ولكن تارة يتجلى في الجعل التكويني وأُخرى في الجعل الاعتباري، فعندما يكون الفعل واحداً فلابدّ وأن يكون حكمه واحداً لا يخضع للتبعض بحال.
والعجب ان السبكي عكس وقال: [... وإنّا وإن جوزنا خلو الاحكام عن الحِكَم فلا نقول وقع شيء إلاّ على وفق الحكمة...] رفع الحاجب: 3 / 30.
إلاّ أنّ محاولة السبكي هي الأُخرى لم تكلل بالنجاح عند من انعم النظر في مقالته.

صفحه 15
<--- بيان الملازمة: إنّ النهي طلب العدم فذلك الطلب إمّا أن يكون لحكمة وغرض، أو لا يكون، والثاني عبث وهو قبيح، فالأوّل حق .
وأمّا بطلان الثاني فلأنّه لا تخلو تلك الحكمة إمّا أن تكون راجحة على حكمة الصحة أو مساوية أو مرجوحة، والقسمان الأخيران باطلان والاّ لزم أنْ يكون النهي قبيحاً لأنّه غير مشتمل على الحكمة الراجحة حينئذ، وإلى هذا أشار بقوله: «لأنّهما» أي لأنّ الحكمين في حال التساوي والمرجوحية، والأوّل باطل أيضاً لأنّه لو كان النهي راجحاً لمنع شرعية الصحة لأنّه إخلال بالمصلحة الخالصة أعني: القدر الراجح من المصلحة المشتمل عليها النهي.1

1 . قد أشار الشارح في نهاية الوصول إلى هذا الاستدلال فجاءت عبارته بهذا الشأن أوضح عند قوله:
[... المنهيُّ عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الراجحة، وإلاّ لزم أن يكون الأمر والنهي بخلاف الحكمة، ولا منشأ المصلحة المساوية، وإلاّ لكان النّهي عبثاً]. نهاية الوصول: 2 / 89 .

صفحه 16
قال: اللغة: لم تَزَلِ العلماء.
وأُجيب: لفهمهم شَرعاً، بما تقدّم.
قالوا: الأمرُ يقتضي الصحّةَ، والنهي نقيضهُ، فيقتضي نقيضها.
وأُجيب: بأنّه لا يقتضيها لُغَةً، ولو سُلِّمَ فلا يلزم اختلافُ أحكام المتقابلات، ولو سُلّم فإنّما يلزم ألاّ يكون للصحة لا أن يقتضي الفساد.*
* أقول: القائل بأنّ النهي يدل على الفساد لغة احتج بوجهين :
الأوّل: أنّه لم يزل العلماء يستدلون بالنهي على الفساد فلو لم يفهموا منه الدلالة عليه وإلاّ لما صحّ منهم ذلك.
والجواب: إنّما استدلوا على ذلك بالوضع الشرعي لا بالنظر إلى اللغة لما بيّنا أولاً من أنّه لا دلالة فيه من حيث اللغة .
الثاني: الأمر يقتضي الصحة إجماعاً فالنهي يقتضي الفساد، لأنّ النهي نقيض الأمر فيقتضي نقيض نقيض الأمر، ونقيض الصحة الفساد فيكون النهي مقتضياً للفساد .
والجواب: لا دلالة للأمر على الصحة من حيث اللغة وإنّما اقتضاه من حيث الشرع، سلّمنا أنّ الأمر يقتضي الصحة لكن لا نسلّم أنّ النهي المقابل له يجب أن يقتضي نقيض ما اقتضاه فإنّ المتقابلات قد تتساوى في المعلولات، سلَّمنا لكن الواجب ان النهي يقتضي نقيض ما اقتضاه الأمر ـ أعني عدم الصحة ـ لا أن يقتضي الفساد، وبينهما فرق كثير.

صفحه 17
قال: النافي: لو دَلَّ، لناقَضَ تصريح الصحةِ، و «نهيتك عن الربا لعينه» و «تملّك به» يصح .
وأُجيب بالمنع بما سبق.*
* أقول: القائل بأنّه لا يدل على الفساد مطلقاً لا شرعاً ولا عقلاً، احتج بأنّ النهي لو دل على الفساد لزم التناقض بين النهي عن الشيء والحكم بصحته ; والتالي باطل فالمقدم مثله، وبيان الشرطية ظاهر ; وبيان بطلان التالي أنّه يصح أنْ يُقال: نهيتك عن الربا لعينه، وتملك به، وإذا صحّ ذلك لم يلزم التناقض.
والجواب: المنع من الملازمة، لما سبق في هذا الكتاب 1 من أنّ التصريح بخلاف الظاهر ولا يتناقض كقولك: «رأيت إنساناً» [ رأيت إنساناً منقوشاً ] 2، وهو كذلك هاهنا.

1 . وذلك في الصفحة 563 من الجزء الأوّل حيث قال: [التصريح قد يدلّ دلالة لا يدل عليها الظاهر وتكون مانعة من دلالة الظاهر على ما يدل عليه كالمخصص للعموم].
2 . وردت هذه العبارة في نسخة «ب» فقط وقد مرّ مضمونها في مبحث «الحقيقة والمجاز» من هذا الكتاب، والاصحّ هو الجمع بين عبارتي النسختين [ «الف» و «ب» ] فنقول: كما أنّه لا تضارب بين «رأيت إنساناً» و «رأيت إنساناً منقوشاً»، كذلك لا تضارب بين العبارتين في المقام أعني: «نهيتك عن بيع الربا بعينه» و «فإن وقع، فالبيع صحيح».

صفحه 18
قال: القائل يدل على الصحة: لو لم يدل لكان المنهيُّ عنهُ غير الشرعي، والشرعي الصحيح، كصوم يوم النحر، والصلاة في الأوقات المكروهة.
وأُجيب: بأنّ الشرعي ليس معناه المعتبر; لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعي الصلاة»، وللزوم دخول الوضوء وغيره في مسمّى الصلاة.
قالوا: لو كان ممتنعاً لم يُمنع. [ و ] أُجيب بأن المنع للنهي.
وبالنقض بمثل: (وَلاَ تَنْكِحُوا) و «دعي الصلاة» .
قولهم: نحمِلُه على اللغويّ، يوقعهم في مخالفة أنّ الممتنع لا يُمنع، ثم هو متعذر في الحائض.*
   

[ دليل أن النهي يدل على الصحة وردّه]

* أقول: نُقل عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني أنّهما قالا: النهي عن الشيء يدل على الصحة، ونازعهم في ذلك جماعة الاشاعرة والمعتزلة .
احتجّا بأنّ النهي من الشرع عن الصلاة والصوم والبيع إنّما هو على الأُمور الشرعية 1، وإلاّ لكان المنهيُّ عنه غير الشرعي وهو محال، ولما صحت الصلاة في الاماكن المكروهة ولكان الصائم يوم النحر بغير نية مأثوماً [ وليس مأثوماً بالإجماع ](2) ; والشرعي إنّما هو الصحيح المعتبر معناه بحسب عرف الشرع   2

1 . في نسخة «ب»: [عن الأُمور الشرعية].   2 . في نسخة «ج»، فحسب.

صفحه 19
<--- لا الباطل كالنهي عن صوم يوم النحر وعن الصلاة في الاوقات المكروهة لأنّ الأصل تنزيل لفظ الصلاة والصوم على موضوعيهما الشرعيين، والصلاة والصوم في عرف الشرع هو الفعل المعتبر في حكمه شرعاً 1 [ فإنّهما منهيّ عنهما وهما صحيحان  ].2
والجواب: ليس الصوم الشرعي ولا الصلاة الشرعية عبارة عن الصحيح المعتبر حكمه شرعاً لوجهين :
الأوّل: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) للحائض: «دعي الصلاة أيام حيضك» فقد نهى الحائض عن الصلاة في أيام الحيض وهي بالاتفاق غير صحيحة ; وكذلك نهيه عن بيع المضامين والملاقيح3، فإذَن النهي لا يدل على الصحة الشرعية.
الثاني: أنّه يلزم أنْ يكون الوضوء وغيره من شروط الصلاة داخلاً في مسمّى الصلاة، لأنّ المقصود من الصلاة إذا كان هو الصلاة الصحيحة ـ وهي لا تصحّ 4بدون شرائطها ـ كانت الشروط لا محالة أجزاء من المسمى، وعندي في هذه الملازمة نظر .   2

1 . يتوقف استدلال أبي حنيفة والشيباني في دعواهما على أمرين:
الأوّل: التوالي الفاسدة الّتي تترتب على عدم القول بالصحة في المقام.
الثاني: الأصلُ الّذي يقتضي تنزيل الفاظ العبادات والمعاملات على موضوعاتها الشرعية الّتي هي الأفعال المعتبرة في احكامها عند الشارع.
2 . في نسخة «ب» فقط، مع تعديل منا في إرجاع الضمائر لغرض الايضاح .
3 . الملاقيح (مفردها: لِقاح): وهو ما في ظهور فحول الأبل والخيل من ماء.
والمضامين (مفردها: مضمون): ما في ارحام الأَناثى من أجنة.
4 . وفي نسخة «ب»: «لا تقع».

صفحه 20
<--- واحتجوا أيضاً بأنّه لو لم يكن صحيحاً لكان ممتنعاً، والممتنع يستحيل النهي عنه فإنّه لا يصحّ أن يقال للأعمى: لا تبصر، كما لا يقال له: أبصر، ولكنّه قد نهي عنه فدل على الصحة.
والجواب: المنع، أي الامتناع إنما هو للنهي لا لذات المنهيّ عنه; والحاصل: إنّ المقدم إن كان المراد منه الامتناع الذاتي فالملازمة مسلّمة ولا ينفعك، وإن كان هو الامتناع مطلقاً فالملازمة ممنوعة، وأيضاً ينتقض ما ذكرتم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعي الصلاة أيام أقرائك» وبقوله تعالى: (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ)1 وإنه بالاتفاق لا يدل على الصحة لكونهما ممتنعين.
قالوا: لا نسلم امتناعهما لكونهما محمولين على المعنى اللغوي والممتنع هو المعنى الشرعي .
قلنا: يلزمكم مخالفة مذهبكم وهو أن الممتنع لا يمنع لأنّ النكاح اللغوي هو الوطء، ممتنع أيضاً شرعاً مع كونه منهيّاً عنه ; ثمّ إن حملهُ على اللغوي متعذّر في الحائض لأنّها غير منهيّة عن الدعاء.2
النهي عن الشيء لوصفه   

1 . النساء: 22.
2 . عند البحث عن إن «أصل النهي يدل على الفساد؟»، اشار السبكي إلى النهي عن بيع أم الولد، وتعقيباً تعرض محقّقا الكتاب للأقوال في المسألة فقالا:
«وقالت الشيعة أيضاً بجواز بيعها ولكن الشيعة لا يعتد بخلافهم!» رفع الحاجب: 3 / 48 .
إنّ رأي الشيعة هو أنّ أم الولد تعتق من سهم ولدها من الأرث، وأين هذا من دعوى جواز بيع أم الولد؟

صفحه 21
قال: مسألة: النهي عن الشيء لوصفه، كذلك، خلافاً للأكثر.
وقال الشافعي: يُضادُّ وجوبَ أصلِه يعني: ظاهراً، وإلاّ وَرَدَ نهي الكراهةِ.
وقال أبو حنيفة: يدلُّ على فساد الوصف لا المنهيّ عنه.
لنا: استدلالُ العلماء على تحريم صومِ العيد بنحوه، وبما تقدّم من المعنى .
قالوا: لو دلّ لناقض تصريح الصّحة، وطلاق الحائِضِ وذبح مِلكِ الغيرِ معتبرٌ.
وأُجيبَ: بأنّه ظاهرٌ فيهِ، وما خُولف فبدليل صَرفِ النهي عنه.*
* أقول: اختلفوا في النهي عن الشيء لأجل وصفه هل يدل على فساد أصله أم لا؟ فذهب المصنف إلى أنّه يدل عليه شرعاً لا لغة .
وعن الشافعي أنّه يضاد وجوب أصله ظاهراً، واحترز بذلك عن نهي الكراهة كالصلاة في الاماكن المكروهة، فإنّ النهي عن الصلاة لو كان يضاد وجوبها قطعاً لما كانت الصلاة في الأماكن المكروهة صحيحة وذلك باطل بالاتفاق، وأمّا إذا كان يدل ظاهراً فلا يلزم لجواز ترك الظاهر لدليل .
وذهب أبوحنيفة إلى أنّه يدل على فساد الوصف لا على فساد الأصل.
واحتج المصنف باستدلال العلماء على تحريم صوم يوم العيد بالنهي   2

صفحه 22
<--- عنه، وذلك يدل على المطلوب ; وأيضاً بما تقدم في المسألة المتقدمة 1 من أنّه لو لم يفسد لزم نفيه حكمة للنهي المنهي عنه، وقد تقرر .2
احتجوا 3: بأنّه لو دلّ على الفساد لناقض تصريح الصحة، وليس كذلك فإنّ الناهي لو قال: «لا تصلِّ في المكان المعيّن، وإنْ صليت صحت صلاتك» لم يعد مناقضاً; وأيضاً نُهي عن طلاق الحائض، وعن ذبح الحيوان المملوك للغير، وهو معتبر اتفاقاً.4
والجواب: بأنّ النهي ظاهر في الفساد، لا قطعي فلا ينافي ما ذكرتم من الصور لأنّ الظاهر قد يُعدل عنه لدليل من خارج.5
النهي يقتضي الدوام    

1 . يعني مسألة: «النهي عن الشيء بعينه يدل على الفساد». راجع ص 13 من هذا الجزء.
2 . لاحظ صفحة 14، س 12 وما بعده في توضيح العبارة.
3 . هذا هو احتجاج القائل بأن النهي عن الشيء بعينه لا يدل على الفساد.
4 . أي: يقع الطلاق ويحل أكل الذبيحة اجماعاً مع انهما اقترنا بالنهي.
5 . يبدو أن العلاّمة بصدد بيان أصل القاعدة دون المناقشة في الأمثلة الّتي وردت لأيضاحها وذلك لأن ما قيل في مثال «النهي عن الطلاق» يعارض ما عليه فقهاء مدرسة آل البيت(عليهم السلام)حيث يحكمون عندئذ ببطلان الطلاق .
يقول الشيخ محمد حسن النجفي بهذا الشأن في موسوعته: «جواهر الكلام» ما نصّه:
«يشترط في المطلقة [ أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس ] بمعنى بطلان الطلاق فيهما، بلا خلاف أجده فيه نصاً وفتوى بل الإجماع بقسميه عليه...».    جواهر الكلام: 32 / 29 ـ 30.

صفحه 23
قال: مسألة: النهي يقتضي الدوامَ ظاهراً.
لنا: استدلالُ العلماءِ مع اختلاف الأوقات .
قالوا: نُهيت الحائضُ عن الصلاة والصوم.
قلنا: لأنّه مُقَيَّدٌ.*
* أقول: النهي عن الشيء هل يقتضي الدوام أم لا؟1
ذهب قوم إلى أنّه يقتضيه وهم الجمهور، وذهب آخرون إلى أنّه لا يدل، وهو مذهب فخر الدين الرازي.
واستدل المصنف على مذهبه باستدلال العلماء ـ على اختلافهم واختلاف أوقاتهم ـ على أنّ النهي يقتضي الدوام بمطلق النهي، وذلك إجماع منهم حصل من غير معارض، 2 فكان حجة .
احتجوا 3: بأنّ المنهيّ قد يرد بدون الدوام تارة، ومعه أُخرى، أمّا الثاني فظاهر، وأمّا الأوّل فكما في نهي الحائض عن الصلاة والصوم، فإنّه لا يقتضي الدوام بالاتفاق .
والجواب: إنّ التقييد بالوقت إنّما جاء من خارج النهي وهو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):   2

1 . وقد عنون الشارح المعظم المسألة في «نهاية الوصول»: 2 / 71، بما يلي: «المبحث الثاني: في أن النهي يقتضي التكرار».
2 . قال الآمدي في دلالة النهي على الدوام: [ اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائماً خلافاً لبعض الشاذين!  ] الإحكام: 2 / 215 .
3 . دليل القائلين بعدم دلالة النهي على الدوام.

صفحه 24
قال: مسألةٌ: «العام والخاص» .
أبو الحسين: العَامُّ: اللَّفظُ المُستغرِقُ لِمَا يَصلُحُ لَهُ، وليس بمانع; لأنّ نحوَ: «عشرة»، ونحوَ: «ضرَبَ زيدٌ عمراً» يدخُلُ فيه.
الغزّاليُّ: اللفظُ الواحدُ الدّالُّ من جهة واحدة على شيئين فصاعداً، وليس بجامع لخروج المعدوم والمستحيل لأن مدلولهما ليس بشيء، والموصولات لأنّها ليست بلفظ واحد; ولا بمانع لأنَّ كل مُثنَّى يدخل فيه، ولأنّ كُلَّ معهود ونكرة يدخل فيه; وقد يلتزم هذين.
والأَولى ; ما دلّ على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقاً ضربةً.
فقولنا: «اشتركت فيه»; ليخرج نحو: «عشرة»، و «مطلقاً» ; ليخرج المعهودون، و «ضربة» ; ليخرج نحو: «رجُل».
والخاصّ بخلافه. *
<--- «دعي الصلاة أيام أقرائِك»، وكذلك كلّ نهي لا يدل على الدوام فإنّه إنّما يكون كذلك لقرينة لفظية أو عقلية، والكلام في النهي المجرد عن القرائن.
   

[ بحث العام والخاص ]

* أقول: اختلف الناس في حدّ العام :
فالذي حدّه أبوالحسين به هو أنّه: «اللفظ المستغرق لما يصلح له،   2

صفحه 25
<--- بخلاف النكرة فإنّها صالحة لكلّ واحد واحد عِلى البدل، وليست مستغرقة لما يصلح له ».
واعترض عليه بما ذكره المصنف وهو أنّه غير مانع لأنّه تدخل فيه اسماء الأعداد نحو عشرة فإنّها تستغرق كل ما يصلح له ; ويدخل فيه نحو: «ضرب زيد عمراً» فإنّه يستغرق جميع ما يصلح له، لأنّه صالح للاثنين وقد تناولهما لكن لا بلفظ واحد بل بلفظين ومع ذلك فإنّه ليس بعام بالاتفاق.
وقد حدّه الغزالي بأنّه: «للفظ الواحد الدّال من جهة واحدة على شيئين فصاعداً»، فاللفظ الواحد احترز به عن قولنا: «ضرب زيدٌ عمراً»، فإنّه قد دلّ على شيئين لكن لا بلفظ واحد; وبقولنا: «من جهة واحدة» عن ذلك أيضاً فإنّه يدلّ على الأثنين لكن لا من جهة واحدة بل من جهتين .
واعترض عليه بأنّه غير جامع لخروج المعدوم والمستحيل عنه فإنّهما ليسا بشيئين على مذهبه ومع ذلك فقد يوجد العموم فيهما ; وتخرج عنه أيضاً الموصولات لأنّها لاتدل بانفرادها بل بانضمام صِلاتها إليها وهي مع صلاتها الفاظ متعددة مع أنّها عامّة بالاتفاق ; وليس بمانع لأنّه يدخل فيه المثنى والمجموع والنكرة فإنّها تدلّ على شيئين فصاعداً وهي ليست بعامة اتفاقاً ; وكذلك ألفاظ الأعداد ; و يدخل فيه أيضاً المعهود والنكرات فإنّها تدل على شيئين ; وله أن يلتزم دخول هذين في العام .
ولما بطل ماذكر من الحدود، حدّه هو بأنّه: «مادل على مسميّات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقاً ضربة واحدة» فقوله: «ما دل» جنس; وإنّما قال: ما دل ولم   2

صفحه 26
<--- يقل: لفظ دال، كما قال غيره، لأنّ العموم عنده كما هو عارض للفظ كذلك هو عارض للمعاني على ما يأتي; فلو جعل الجنس اللفظ لخرج العموم العارض للمعاني; وقوله: «على مسميّات» يندرج فيه المعدوم والموجود ويفصله عما دلّ على مسمى واحد ; وقوله: «باعتبار أمر اشتركت فيه» احترز بذلك عن اسماء الأعداد فإنّها وإن دلّت على مسميّات متعددة لكن لا باعتبار أمر اشتركت فيه بل باعتبار وضع اسم العدد له ; وقوله: «مطلقاً» احترز به عن المعهودين كقولنا: ضرب زيد عمراً ; وقوله: «ضربة» احترز به عن النكرة فإنّها تدلّ على مسميّات كثيرة ولكن لا دفعة واحدة بل على البدل .
وإذا عرفت معنى العام فالخاص ما يقابله وهو: ما دلّ على مسمّى واحد .
وقيل في حدّه: «إنّه الذي ليس بعامّ» وهو خطأ.1
العموم من عوارض الألفاظ   

1 . لأن الخاصّ عندما يعرّف بأنّه الّذي ليس بعام فلابد أن يعرَّف العام بأنّه الّذي ليس بخاصّ وهذا دور، ومن شرائط التعريف أن لا يستلزم الدور.
وبعبارة أُخرى بأنّ العام والخاص مفهومان متضادان، لم يكن تعريف احدهما بسلب حقيقة الآخر أولى من العكس، ومن شرائط التعريف أن يكون المعرِّف أجلى مفهوماً وأعرف من المعرَّف، وهو لم يتوفر هنا.

صفحه 27
قال: مسألة: العموم من عوارض الألفاظ حقيقةٌ، وأمّا في المعاني فثالثها الصحيح كذلك.
لنا: أن العموم حقيقةٌ في شمول أمر لمتعدد، وهو في المعاني كعموم المطر والخصْب، ولذلك قيل: عمّ المطرُ والخصبُ ونحوُهُ .
وكذلك المعنى الكليُّ، لشموله الجزئيات، ومن ثمّ قيل: العامُّ ما لا يمنع تصوُّرُهُ عن الشركة.
فإن قيل: المُرادُ: أمرٌ وَاحِدٌ شامِلٌ، وعُمومُ المطر ونحوُهُ ليس كذلك.
قلنا: ليس العموم بهذا الشرط لُغَةً .
وأيضاً: فإنَّ ذلك ثابتٌ في عموم الصوتِ والأمرِ، والنهي، والمعنى الكلّيِّ.*
* أقول: اختلف الناس في أنّ العموم هل يَعرضُ للمعاني عروضه للألفاظ؟ فقال قوم إنّه عارض لها وإليه ذهب المصنف ، وقال آخرون: إنّه ليس بعارض لها حقيقةً ; وتوقف الباقون .
احتج الأوّلون بأنّ العموم حقيقة في شمول أمر لأشياء متعددة ; وهذا يصحّ في المعاني كما يصحّ في الألفاظ كعموم المطر والخصب، ولهذا يقال: عمَّ الناسَ المطرُ وعمّهم الخِصبُ وعمّهم الخيرُ وعمهم العطاءُ، وكذلك المعنى الكلي كالحيوان عامّ أيضاً لشموله الجزئيات المتعددة ; ولأجل ذلك حدّوا العام بأنّه   2

صفحه 28
<--- ما لا يمنع نفس تصوره وقوع الشركة فيه .
لا يقال: المراد من شمول العام لأفراده إنّما هو الشمول مع اتحاد النسبة واتحاد المعنى الذي قيل له أنّه عام كقولنا الرجال فإنّه لفظ قد وضع للدلالة ونسبته إلى زيد وعمرو في الدلالة واحدة فيسمى عامّاً باعتبار اتحاد نسبته إلى المدلولات الكثيرة; وليس كذلك المطر والخِصب فإنّ المطر الحال بهذا الموضع غير الحال بالموضع الآخر، وكذلك العطاء الحاصل لِزيد مغاير لِلْعطاءِ الحاصل لعمرو .
لأنّا نقول: ليس اشتراط الوحدة في العام من حيث الوضع اللغوي; سلَّمنا، لكن ذلك ثابت في عموم الصوت فإنّ الصوت الواحد في الخارج يعم السامعين وإن اتحدت نسبته إليهم، وكذلك الأمر والنهي الّذي هو الطلب النفساني فإنّه يعمّ المأمورين مع وحدته ووحدة نسبته، وكذلك المعنى الكلي كالحيوان من حيث هو غير مقيّد فإنّه يدلّ على المعنى الواحد المتكثّر افراده مع وحدة نسبته إليهم، فيلزم أن تكون هذه الأشياء عامّة لصدق حدّ العامّ عليها .
هل أنّ العموم له لفظ يدل عليه لغوياً أم لا؟   

صفحه 29
قال: مسألة: الشافعي والمحققون: للعموم صيغةٌ، والخلاف في عمومها وخصوصها، كما في الأمر.
وقيل: مشتركةٌ [ وقيل: ]1 بالوقف في الإخبار لا الأمر والنهي، والوقف إمَّا على معنى: «ما ندري» وإمَّا: نَعْلَمُ أَنّهُ وُضِعَ، وَلاَ نَدري أحقيقةٌ أم مجازٌ؟
وهي أسماء الشروط والاستفهام والموصولات، والجموع
المعرَّفةُ تعريف جِنس، والمضافة، واسم الجنس كذلك، والنكرة في النفي.
لَنَا: القطع في: «لا تضرب أحداً»، وأيضاً: لم تزل العلماء تستدل بمثل: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ)، (الزَّانِيَةُ)، (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) ; كاحتجاج عمر في قتال أبي بكر مانعي الزكاة: أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله، وكذلك: «الأئمة من قريش»، «ونحن معاشرالأنبياء لا نُورِّثُ»، وشاع وذاع، ولم ينكره أحدٌ.
قولهم: «فُهِمَ بالقرائن» يؤدّي إلى ألاّ يَثبُتَ للفظ مدلولٌ ظاهرٌ أبداً.
والاتفاق في: «من دخل داري، فهو حُرٌّ» أو: «طالقٌ» أنَهُ يَعُمُّ.
وأيضاً كثرة الوقائع.
واستُدِلَّ بأنّه معنى ظاهِرٌ محتاجٌ إلى التعبير عنه كغيره .

1 . اضفنا لفظة «قيل» لانسجام السياق .

صفحه 30
وأُجيب: قد يُستغنى بالمجاز وبالمشترك.*
* أقول: اختلف الناس في أنّ العموم هل له لفظ يدل عليه من حيث الوضع اللغوي أم لا؟
فذهب جماعة المرجئة إلى أنّ العموم ليس له صيغة تدل عليه مختصّة به وهو مذهب السيد المرتضى .
وذهب آخرون ـ وهم الجمهور ـ إلى أنّ له صيغة تدلّ عليه .
وقيل بالوقف مطلقاً، وقيل بالوقف في الإِخبار لا في الأمر والنهي ; والقائلون بالوقف قسمان:
منهم من يقول: إِنّا لا ندري هل هو موضوع للعموم أو للخصوص، أو أنّه مشترك بينهما ؟
ومنهم من يقول: إنّا نعلم أنّه وضع لأحدهما والآخر مجاز فيه ولا نعلم المعنى الحقيقي من المجازي .
وذهب المصنف إلى أنّ العموم له صيغة تدل عليه وهي اسماء الشرط كـ «من دخل داري أكرمه» و «ما يصنع اصنع»; واسماء الاستفهام كـ «مَنْ قام» و «وَمَنْ فعل»; والموصولات كـ «الذي يدخل الدار مكرّم»; والجموع المعرّفة بلام الجنس لا بلام العهد كقوله: (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )1، والجموع المضافة كقولك: «عبيدي احرار»; واسم الجنس المعرّف، كقوله: (وَ أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(2);   2

1 . التوبة: 3 .   2 . البقرة: 275.

صفحه 31
<--- والنكرة في النفي كقولك: «لا رجل في الدار» .
و الدليل على أنّ النكرة المنفية للعموم، القطع بأنّ قولك: «لا تضرب أحداً» للعموم، فإنّه لو ضرب واحداً من الناس لكان مخالفاً .
وعلى أنّ اسم الجنس للعموم استدل العلماء قديماً وحديثاً على أنّ كلّ من زنى يجلد وكلّ من سرق تقطع يده لقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَ الزَّاني فَاجْلِدُوا...)1ولقوله: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا) 2 وذلك إجماع لا مخالف له، فيكون حجّة.
وعلى أنّ الجمع المضاف للعموم، استدلالهم أيضاً بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ... )3 على أن كَلّ ولد ذكر يرث ضعف الأُنثى.
وعلى أن الجمع المعرّف بلام الجنس للعموم، باحتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أُمرتُ أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلاّ الله» تمسك عمر بالعموم ولم ينازعه أحد في ذلك، واعتمد أبوبكر على القتال بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إلاّ بحقّها» 4; ولو لم يكن للعموم لكان المخلص من هذا الاحتجاج أنّ هذه الصيغة ليست للعموم، وكذلك احتجاج الأنصار في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الأئمة من قريش» ولم ينازعهم المهاجرون في ذلك; وأيضاً احتج أبوبكر على فاطمة (عليها السلام)   2

1 . النور: 2.
2 . المائدة: 38 .
3 . النساء: 11 .
4 . الضمير في «إلاّ بحقها» يعود إلى لفظي «الدماء» و «الأموال» المذكورين في ذيل الحديث الّذي رواه عمر.

صفحه 32
<--- بما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث»1.    2

1 . تحدّث السبكي تبعاً للماتن عن رواية «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» وذلك في تحقيق القول عن أنّ للعموم صيغاً أو لا؟ فقال: [ وهو حديث، قال شيخنا الذهبي: ليس في شيء من الكتب الستة، والأمر كما قال، بل ولا رأيته في شيء من كتب الحديث، ثم رواه الهيثم بن كليب الشاشي من حديث أبي بكر ولفظه: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» وضع «إنا» موضع «نحن»، ولذلك خرّجه النسائي في «سننه الكبير» وهوغير معدود عند المحدثين من الكتب الستة، إنّما يعدون السنن المشهورة التي له، وعليها يخرجون الأسماء والاطراف.
وروى البخاري ومسلم: «لانورث ما تركنا صدقة» قد وقع الاحتجاج به على من ظن أنّهم يورثون علم الإسلام وشاع هذا الاحتجاج وامثاله، «وذاع ولم ينكره أحد» فكان اجماعاً على أنّ الصيغ للعموم]. رفع الحاجب: 3 / 78 .
إن هذه الرواية قد تفرد بنقلها أبو بكر ـ كما صرّح ابن حجر في الصواعق ـ وقد أوردها عند تخاصمه مع فاطمة (عليها السلام)حين صادر ضيعة فدك التي اقطعها لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أيّام حياته; ولسنا بصدد معالجة قضية كانت محط أخذّ ورد على مر التاريخ ومازالت، وإنّما نقول ـ بغض النظر عن كل المناقشات التي دارت حول الرواية متناً وسنداً إلى هذه اللحظة ـ ، قد عارض أصل الحديث وعمومه جمع كثير من الناس منهم الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وسيدة النساء فاطمة (عليها السلام)، وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومولى رسول الله رباح، ووصيفة فاطمة أم ايمن، واسماء بنت عميس زوجة أبي بكر نفسه آنذاك وزوجة الشهيد جعفر الطيار سابقاً .
قال الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام)في رسالته إلى عثمان بن حنيف: [... كانت بايدينا فدك من كل ما اظلته السماء فشحَّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين ونعم الحكم الله...].
وقالت فاطمة (عليها السلام) في خطبتها الغرّاء على رؤوس الاشهاد من المهاجرين والأنصار حين ألمَّ بها الحزن من كل جانب لفقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وذلك بعد عشرة أيّام فقط من رحيله المفجع، فقالت محتجة على أبي بكر:
[يابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فريّاً!].
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: 16 / 251 .
فأين الإجماع؟!
أضف إلى ما ذُكر أنّ الرواية مخالفة لقوله سبحانه: (وَ وَرِثَ سُلَيَْمانُ دَاوُدَ) النمل: 16. وقول زكريا: (يَرِثُنيِ وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) مريم: 6. والرواية الّتي تعارض كتاب الله يضرب بها عرض الجدار.
إذن لا مجال للاستشهاد بهذه الرواية لتصوير التمسك بالعموم ولابد من تبديلها بشاهد آخر.
ومن اراد أن يستزيد في الاطلاع على أصل الموضوع ـ أعني قضية فدك ـ فليراجع دراسات شيخنا الأُستاذ جعفر السبحاني ـ دام ظله ـ في كتابه القيم «اشراقات ولائية ـ فروغ ولايت» حيث يبحث فيه عن حياة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)من شتى الجوانب ومختلف الابعاد.

صفحه 33
<--- لا يقال: العموم في هذه المواضع إنّما استفيد من قرائن منضّمةً إلى اللفظ لا من الوضع.
لأنّا نقول: لا نسلم ذلك، فانّ هذا يقتضي أنْ لا يثبت للفظ ما مدلوله ظاهر ; فإنّه حينئذ يقال: لم لا يكون المدلول استفيد من قرينة منضمة إلى الأصل ؟
وأيضاً يدّل على أنّ صيغة «مَنْ» في المجازات للعموم، اتفاق الفقهاء على أنّ قول الانسان: «من دخل داري فهو حر أو طالق» عامّ في كلّ عبد وامرأة اتصف بالدخول 1.    2

1 . قد وردت العبارة واضحة ومختصرة في نسخة «ب»:
[ وللاتفاق في: «من دخل داري فهو حر أو طالق» أنّه يعمّ].
وهناك اضافة وردت في نسخة «ب» فحسب هي:
[... وأيضاً كثرة الوقائع...] .
وعلق السُبكي في شرحه قائلاً:
[... وفي بعض النسخ هنا، «وأيضاً كثرة الوقائع»، وليست في أصل المصنّف، ولا حاجة إليها ]رفع الحاجب: 3 / 79 .
وما افاده حق لا غبار عليه لأن كثرة الوجود لا تحقق ظهوراً كما هو معروف .

صفحه 34
<--- واحتج بعض القائلين بالعموم على أنّ هذه الصيغ موضوعة له، بأنّ العموم معنى معقول يسد الحاجة إلى التعبير عنه، فوجب أن توضع له لفظ في اللغة لوجود القدرة والداعي الموجبين للفعل، ولم يوضع لفظ في اللغة سوى هذه بالاتفاق فتكون هذه الالفاظ موضوعة للعموم .
اجاب المصنف بأن تمنع المقدمة الثانية1 وذلك لأنّ التعبير عن العموم قد يحصل باللفظ المجازي و قد يحصل باللفظ المشترك فلم لا يجوز أن تكون هذه الالفاظ موضوعة للخصوص ويجوز لها في العموم، أو تكون مشتركة بين الخصوص والعموم؟! فلا إضطرار حينئذ في وضع لفظ مختص بالعموم.
   

1 . يريد بالمقدمة الثانية الممنوعة قوله: «... فوجب أن يوضع له لفظ في اللغة...».

صفحه 35
قال: الخصوص متيقّن; فجَعْلُهُ له حقيقةً، أولى.
رُدّ بأنه إثبات لُغَة بالترجيح، وبأن العموم أحوطُ، فكان أولى.
قالوا: لا عَامَّ إلاّ مُخَصَّصٌ; فيظهر أنها للأغلب.
رُدّ بأن احتياج تخصيصها لدليل يُشعر بأنّها للعموم.
وأيضاً: فإنّما يكون ذلك عند عدم الدليل.
الاشتراك: أُطلقت لهما، والأصلُ الحقيقة.
أُجيب: بأنّه على خلاف الأصل، وقد تقدم مثُلُهُ .
الفارق: الإجماع عَلى أنّ التكليف للعام، وذلك بالأمر والنهي.
وأُجيب: بأنّ الإجماع على الأخبار للعام.*

[ دليل القائل بأن صيغة العموم موضوعة للخصوص ]

* أقول: احتج القائلون بأنها موضوعة للخصوص بوجهين :
الأوّل: أنّه إن كان موضوعاً للخصوص فالخاص مراد للوضع وإن كان موضوعاً للعموم كان الخاص مراداً دخوله تحت العموم، فالخاص مراد باليقين وما عداه مشكوك فيه، فيجب حمل اللفظ المطلق على المتيقّن الذي هو الخصوص لكونه أولى .
والجواب: أنّ هذا اثبات اللغة بالترجيح والأولوية، وهو غير جائز، فإنّ   2

صفحه 36
<--- اللغة إنّما تثبت بالوضع ; وأيضاً يُعارض هذا بكون العموم أحوط، فإنّه إذا عمل بالعموم كان الخاص داخلاً فيه ولا ينعكس .
الثاني: كل عام فهو مخصوص إلاّ قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ) 1، فالخصوص اغلب صوراً من العموم، فيحمل اللفظ العري عن القرينة عليه لاغلبيته.
والجواب: أنّ التخصيص الوارد في مقابلة العام إنّما يثبت بدليل خارجي، وإذا كان كذلك كان التخصيص دليلاً على كونها في الوضع للعموم لأنّ اللفظ إذا كان لا يفهم منه معنى إلاّ بقرينة كانت دلالته على ذلك المعنى بطريق المجاز; وأيضاً فإنّما يجب الحمل على الأغلب إذا لم تفهم الدلالة على وجوب الحمل على الأقل، وهاهنا ليس الأمر كذلك فإنّ الدليل الذي ذكرناه قد دلّ على أنّ هذه الألفاظ وضعت للعموم فيجب المصير إليه ولا يصلح ما ذكرتم للمعارضة.
واحتج السيد المرتضى على مذهبه ; من أنّه مشترك بين العام والخاص بأنه مستعمل في الخصوص والعموم، والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون اللفظ الذي يستعمل في العموم مشتركاً بينه و بين الخصوص .
والجواب: إنّ الاشتراك على خلاف الأصل 2 وقد تقدّم مثل هذا في باب الأمر.3   2

1 . البقرة: 29 .
2 . وهناك جواب آخر في رد مبنى الشريف المرتضى وهو أن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز فلا ينكشف الوضع من خلال كثرة وقوعه.
3 . وذلك في الصفحة 524 من الجزء الأوّل عند قوله: [... إنّ صيغة إفعل وردت في الوجوب و... ] .

صفحه 37
<--- واحتجّ من فرّق بين الأمر والنهي وبين الأخبار بأنّ الإجماع قد دلّ 1 بأنّ الأوامر والنواهي المكلف بهما للعموم فإنّ قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ)2 وقوله: (لاَ تَقْرَبُوا الزِّنى)3 عامّاً إجماعاً ; وأمّا الإخبارات فإنّ الإجماع لم يدلّ على عمومها فوجب التوقف إلى أن يأتي دليل من خارج يدل على أنّها للعموم .
والجواب: أنّ الإجماع قد دلّ على أنّ الإخبار للعام أيضاً كقوله: (وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)4، (وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ )5 إلى غير ذلك من الإخبارات [الدالة على الوعد والوعيد وغيرها ] 6.

1 . وجاء في نسخة «ب» عقيب «... بأنّ الإجماع قد دل...» ما يلي: [... على أن التكليف للعام أي لعامة المكلفين، وذلك إنّما هو بالأمر والنهي فلو لم يكن الأمر والنهي للعموم لما كان التكليف عامّاً... ] .
2 . البقرة: 43 .
3 . الاسراء: 32 .
4 . الحديد: 3 .
5 . المائدة: 120 .
6 . في نسخة «ب» فقط.

صفحه 38
قال: مسألة: الجمع المنكّر ليس بعامٍّ.
لنا: القطعُ بأنّ «رجالاً» في الجموع ; كرجل في الوحدان، ولو قال: «له عندي عبيدٌ» صح تفسيره بأقل الجمع .
قالوا: صح إطلاقه على كُلِّ جمع، فحملُهُ على الجميع حَملٌ على جميع حقائقه .
ورُدّ بنحو «رَجُل»، وَأنّه إنّما صحّ على البدل.
قالوا: لو لم يكن للعموم، لكان مختصّاً بالبعض.
رُدّ: بـ «رجُل»، وأنّه موضوع للجمع المشترك. *

[ دلالة الجمع المنكَّر على العموم ]

* أقول: ذهب الجمهور إلى أنّ الجمع المنكّر لا يدل على العموم، وذهب الجُبَّائي إلى أنّه يدل عليه ; واحتج الجمهور بإنّ رجالاً في الجموع كرجل في الآحاد بالاتفاق، ولمّا كان رجل في الآحاد لا يدلّ على العموم بل على رجل واحد غير معيّن، كذلك رجال يدلّ على جماعة اقلهم ثلاثة غير معينين بل هو صالح للعموم والخصوص، وأيضاً إذا قال الانسان لزيد: «عندي عبيدٌ» صحّ تفسيره بالثلاثة اتفاقاً، ولو كان للعموم لما صحّ هذا التفسير .
احتجوا بأنّه يصلح لكلّ جمع من الجموع، فحمله على الجميع حمل له على جميع حقائقه، فيكون أولى من حمله على البعض لعدم الأولوية1.   2

1 . هذا دليل من قال بأن الجمع المنكَّر يدل على العموم .

صفحه 39
<--- والجواب: ينتقض ما ذكرتم بالنكرة الشائعة في جنسها على البدل كرجل فإنّه صالح لكلّ واحد واحد و مع هذا فإنّه لا يُحمل على الجميع إجماعاً فكذلك في الجمع المنكّر [ و ] 1 لأنّه إنّما يصحّ حمله على الجموع الكثيرة على سبيل البدل كصحة حمل رجل على كلّ رجل على البدل [ فلا يحمل على الكل على الجمع]2.
قالوا: لو لم يكن للعموم لكان مختصّاً بالبعض بحيث إذا استعمل في غيره يكون مجازاً فيه وليس كذلك بالاتفاق .
والجواب: المعارضة [ برجل فإنّه ليس للعموم ولا هو موضوع لرجل معيّن، وأيضاً فإنا نقول: ]3 إنّ اللّفظ وضع للجمع المشترك بين الجموع الكثيرة فصدقه على كل جمع كصدق مطلق الجمع عليه، صدق رجل على كلّ رجل على البدل.4

1 . في نسخة «ب» فقط .
2 . في نسخة «ج» فقط، وبعبارة أوضح: عندما يصح اطلاق لفظ «رجال» المنكّر على كل جمع بنحو البدل لا يصح حمله على جميع مصاديق الجموع، فلا يفيد العموم.
3 . قد وردت هذه العبارة في نسخة «ب» فحسب واما في نسخة «أ» وردت العبارة التالية بدلاً عنها: [... ووجه المشابهة... ] .
4 . الفقرة الأخيرة لم ترد في نسخة «ج» .

صفحه 40
قال: مسألة: أبنية الجمع لاثنين، تَصِحُّ، وثالثها مجاز.1
الإمام: ولواحد .
لنا: أنّه يسبق الزائد، وهو دليل الحقيقة والصحة.
(فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ)2 والمراد: أَخَوَان.
واستدلال ابن عباس بها، ولم يُنكر عليه، وَعُدِل إلى التأويل.
قالوا: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ)، والأصلُ الحقيقة.
ورُدّ بقضية ابن عبّاس .
قالوا: (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ)3 .
هل اللفظ الموضوع للجمع يتناول الواحد والاثنين ؟   
وردّ: بأن فرعون مُرَادٌ .

1 . وردت العبارة في «منتهى الوصول والأمل...» كالتالي: «مسألة: يصح إطلاق أبنية الجمع على اثنين مجازاً، وثالثها حقيقة» منتهى الوصول والأمل في علمي الأُصول والجدل: 105 .
وهو الصحيح لأنهم اتفقوا على أن الجمع حقيقة في الثلاثة واختلفوا في أن يكون حقيقة في الأثنين والواحد.
توضيح ذلك:
إن محل النزاع هو أن لفظة الجمع مثل «المسلمون» يطلق على مُسلِمين اثنين حقيقة أو لا؟ بعض قال يطلق حقيقة وبعض آخر قال إنّما يطلق مجازاً.
وما يُضْعف موقف القائل بانّه يطلق على اثنين حقيقة هو أن واضع اللغة قد خصص للإثنين صيغة أُخرى وهي صيغة التثنية فلا داعي لوضع لفظ آخر.
وقد اصبح المذهب المستقر هوالقول بان ابنية الجمع حقيقة فيما زاد على الإثنين واما المذهب الآخر فقد غدا في ذمة التاريخ .
2 . النساء: 11.
3 . الشعراء: 15 .

صفحه 41
قالوا: «الاثنان فما فوقهما جماعةٌ» .
وأُجيبَ: في الفضيلةِ، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يُعرِّف الشرع لا اللغة.
النافون: قال ابن عباس: «ليس الأخوان إخوةً» .
وعورض بقول زيد: «الأَخوان إخوةٌ».
والتحقيق: أراد أحدهما حقيقة والآخر مجازاً.
قالوا: لايقال: «جاءني رجلان عاقلون»، ولا «رجالٌ عاقلان».
وأُجيب: بأنهم يُراعون صورةَ اللفظِ.*
* أقول: الجمع لفظ يطلق و يراد به المعنى الذي يفهمه أهل اللغة من اجتماع الشيء مع غيره، وقد يراد به اللفظ الذي يفهم منه الجمع كقولنا: رجال ونحوه ; والمقصود بالبحث هاهنا هو الثاني فنقول: اختلف الناس في اللفظ الموضوع للجمع هل يتناول الواحد أو الاثنين أو لا ؟
فذهب جماعة من الشافعية وزيد بن ثابت ومالك و داود والقاضي والاستاذ أبي اسحاق إلى أنّه يتناول الاثنين على سبيل الحقيقة ويقولون: أقل الجمع اثنان.
وذهب ابن عباس والشافعي وأبو حنيفة ومشايخ المعتزلة إلى أنّه لا يتناول إلاّ الثلاثة فمازاد، وذهب قوم إلى أنّه يتناول الاثنين على سبيل المجاز. [ وهو اختيار المصنّف على ما يظهر من سياق كلامه ] 1 .
وذهب إمام الحرمين إلى أنّه يمكن ردّ لفظ الجمع إلى الواحد.    2

1 . في نسختي «ب» و «ج» .

صفحه 42

<---[ استدلال المصنّف في المقام ]

واحتجّ المصنف على أنّه موضوع للثلاثة فما زاد، بوجهين:
الأوّل: سبق الفهم إليه، فان من قال: «أكرم الرجال»، يسبق فهم السامع إلى أنّه قصد مازاد على الاثنين ـ والعلم بذلك ضروري ـ وسبق الفهم دليل على الحقيقة على ما مضى في علامات الحقيقة والمجاز.
واستدل على أنّه يصحّ إطلاق الجمع على الاثنين [ على سبيل المجاز 1 ]بقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ)2 والمراد الأخوان .
الوجه الثاني: في كونه موضوعاً للثلاثة فما زاد، استدلال ابن عباس بهذه الآية على عثمان لما حجب الأُم عن السدس بالاخوين فقال له ابن عباس: «ليس الأخوان إخوة في لسان قومك» فقال عثمان: «إنّي لا استطيع أن انقض أمراً كان قبلي»3 فعدل عثمان إلى التأويل وأيدّه ابن عباس على قوله، فدّل على أن الجمع يتناول بالحقيقة ما زاد على الأثنين، فقول عثمان دليل.
وقد كان أولى بالمصنّف أن يذكر هذا الوجه عقيب الوجه الأوّل إلاّ أنّه ذكر بينهما الاستدلال على صحة اطلاق الجمع على الاثنين 4.   2

1 . في نسخة «ج» فقط.
2 . النساء: 11 .
3 . وهو المعتمد لدى الإمامية.
4 . وردت العبارة في نسخة «ب» كما يلي: [ الاستدلال على صحة اطلاق الجمع على الاثنين مجازاً... ] والصحيح ما اثبتناه.

صفحه 43

<---[ استدلال المثبتين]

احتجّوا بوجوه :
أحدها: قوله: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ) والأصل في الاطلاق الحقيقة، والحقيقة إنّما هو الاثنين .1
والجواب: يبطل ما ذكرتم بقضية ابن عباس فإنّه جعلها للثلاثة [ووافقه عثمان وعدل إلى التأويل]2.
الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) والمراد موسى وهارون (عليهما السلام).
والجواب: أنّ فرعون مراد معهم أيضاً .
الثالث: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الاثنان فما فوقهما جماعة» .
والجواب: المراد من ذلك أنّهما يدركان فضيلة الجماعة لأنّه مستفاد من الشرع لا من اللغة.3

[ استدلال النافين ]

واحتجّ النافون لصحة اطلاق الجمع على الاثنين بوجهين :   2

1 . وفي نسختي «ب» و «ج»: [ فيكون تناول الجمع للأثنين حقيقة... ] .
2 . في نسختي «ب» و «ج» .
3 . وفي نسخة «ب» أيضاً وردت العبارة كما يلي: «لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يعرّف الشرع لا الِلُّغة»، وهذا غير صحيح لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يتحدث وفق قوانين اللغة إلاّ ما خرج بالدليل .

صفحه 44
<--- الأوّل: قول ابن عباس: ليس الأخوان أُخوة .
والجواب: المعارضة بقول زيد: «الأخوان أُخوة».1
والتحقيق في هذا المقام أنّ ابن عباس أراد نفي الجمع عن الاثنين بطريق الحقيقة، وزيداً أراد إثباته لهما بطريق المجاز .
الثاني: لا يصحّ وصف الاثنين بالجمع ولا بالعكس فإنّه لا يقال: جاءني رجلان عاقلون، ولا جاءني رجال عاقلان، فلا يصحّ الاطلاق .
والجواب: أنّ الوصف يُراعى فيه جانب اللفظ، وصيغة الجمع مغايرة لصيغة الاثنين، وليس النزاع في ذلك.2
هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟   

1 . قال السُبكي: «... وهذا لايحفظ عن زيد، نعم هو من القائلين برد الأم إلى السدس في الأخوين». رفع الحاجب: 3 / 102 .
2 . أي: ليس النزاع في لفظة الجمع بل في ابنيته، أعني صيغ المجموع.

صفحه 45
قال: مسألة: إذا خصّ العام، كان مجازاً في الباقي.
الحنابلة: حقيقة .
أبوالحسين: إن خصّ بما لا يستقل من شرط أو صفة أو استثناء.
الرازي: إن كان غير منحصر.
القاضي: إن خُصَّ بشرط أو استثناء.
عبدالجبار: إن خُصّ بشرط أو صفة.
وقيل: إن خُصَّ بدليل لفظيِّ.
الإمامُ: حقيقةٌ في تناولِهِ; مجاز في الاقتصار عليه .
لنا: لو كان حقيقة لكان مشتركاً ; لأن الفرض أنّه حقيقة في الاستغراقِ .
وأيضاً: الخصوصُ بقرينة، كسائر المجاز.*

[ هل العام بعد التخصيص حقيقة أو مجاز؟ ]

* أقول: اختلف الناس في العام إذا خُصّ هل يكون حقيقة في الباقي أو يكون مجازاً فيه على أقوال :
أحدها: قول الجمهور أنّه يكون مجازاً فيه .
وثانيها: أنّه يكون حقيقة، وهو قول الحنابلة .
وثالثها: قول أبي الحسين: إنّ المخصص ان كان ممّا يستقلّ بنفسه سواء   2

صفحه 46
<--- كان دليلاً عقلياً كالدليل الدالّ على أنّ غير القادر ليس بمراد في الخطاب، أو دليلاً لفظياً كقول المتكلم: لم ارد البعض الفلاني، كان مجازاً ; وإن كان غير مستقل بنفسه كالشرط و الاستثناء والصفة كان حقيقة في الباقي .
ورابعها: قال أبوبكر الرازي ـ من أصحاب أبي حنيفة ـ : إن كان الباقي جمعاً كان العام حقيقة فيه، وإلاّ كان مجازاً فيه .
وخامسها: قال القاضي أبو بكر: إن كان المخصص شرطاً أو استثناء كان العام حقيقة في الباقي، وإلاّ كان مجازاً فيه .
وسادسها: قال القاضي عبدالجبار: إنَّ المخصص إن كان شرطاً أو صفة كان العام حقيقة في الباقي، وإلاّ كان مجازاً فيه.
وسابعها: ذهب بعض الناس إلى أنّ المخصص إن كان دليلاً لفظياً كان العام حقيقة في الباقي، وإلاّ فهو مجاز فيه .
وثامنها: ذهب إمام الحرمين إلى أنّ العام حقيقة في تناوله للباقي ومجاز في الاقتصار عليه .
واحتجّ المصنف على أنّه مجاز في الباقي كيف كان المخصص، بوجهين:
الأوّل: أنّه لو كان حقيقة فيه بعد التخصيص لكان اللفظ مشتركاً، والتالي باطل فالمقدّم مثله، بيان الشرطية: أنّ التقدير إنّ اللفظ للعموم بطريق الوضع فإذا كان للخصوص أيضاً كان اللفظ مشتركاً لوجوب المغايرة بين العموم والخصوص، وبيان بطلان التالي: أن الأصل عدم الاشتراك .
الثاني: أنّ الخصوص لا يفهم من لفظ العام إلاّ بقرينة وذلك دليل المجاز .

صفحه 47
قال: الحنابلة: التناول باق، فكان حقيقةً.
وأُجيب: بأنّه كان مع غيره.
قالوا: يَسبقُ، وهو دليل الحقيقة.
قلنا: بقرينة، وهو دليل المجاز .
الرازي: إذا بقيَ غيرَ منحصر، فهو معنى العمومِ.
وأُجيب: بأنّه كان للجميع .
أبو الحسين: لو كان ما لايستقل يوجب تجوّزاً في نحو: «الرجال المسلمون»، و: «أكرم بني تميم إن دخلوا»، لكان نحو: «مسلمون» للجماعة مجازاً، ولكان نحو: «المسلم» للجنس أو العهد مجازاً، ونحو: (أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا)1 مجازاً.
وأُجيب: بأن الواو في «مسلمون» كألفِ «ضارب» وواو «مضروب»، والألف واللام في «المسلم» وإن كان كلمة حَرفاً أو اسماً ، فالمجموع: الدّال، والاستثناءُ سيأتي.
والقاضي: مِثله، إلاّ أنّ الصفة عنده كأنها مستقلةٌ.
وعبدالجبار: كذلك، إلاّ أن الاستثناء عنده ليس بتخصيص .
المخصِّص باللفظية: لو كانت القرائن اللفظية توجب تجوّزاً... إلى آخره، وهو أضعف».

1 . العنكبوت: 14 .

صفحه 48
الإمام: العامُّ كتكرار الآحاد ; وإنّما انحصر، فإذا خرج بعضها، بقي الباقي حقيقة.
وأُجيب بالمنع، فإنَّ العام ظاهرٌ في الجميع، فإذا خُصَّ خرج قطعاً، والمتكرر نَصٌّ. *
* أقول: احتجت الحنابلة على مذهبهم في أنّه يكون حقيقة بعد التخصيص بأنّ لفظ العام يتناول لما عدا المخصوص قبل التخصيص على سبيل الحقيقة والتناول باق، فالحقيقة باقية .
والجواب: المنع من بقاء الحقيقة وذلك لأنّ اللفظ إنّما كان حقيقة في الباقي لانضمام غيره إليه، وبعد التخصيص فات الشرط ففات كون اللفظ حقيقة.
واحتجوا أيضاً بأنّ الباقي بعد التخصيص يسبق إلى الفهم فيكون حقيقة.
والجواب: أنّ الفهم إنّما كان بالقرينة، وذلك دليل المجاز .
واحتجّ الرازي على مذهبه بأنّ معنى العموم هو تناول اللفظ لشيئين فصاعداً من غير حصر فإذا خص العام وبقي منه عدد غير منحصر كان معنى العموم ثابتاً في الباقي، فيكون حقيقة ثابتة.
والجواب: أنّ اللفظ كان قبل التخصيص موضوعاً للجميع، وبعد التخصيص خرج عن ذلك.
واحتجّ أبو الحسين على أنّ التخصيص بالمتصل يبقي اللفظ حقيقة في الباقي معه بأنّ من قال: «من دخل داري أكرمته»، يفيد معنى، فإذا قال: «من   2

صفحه 49
<--- دخل داري من الكرماء أكرمته»، يفيد معنى آخر وهو الإخبار بالإكرام للدّاخلين من الكرام وهذه الإفادة على سبيل الحقيقة، وكذلك لو قال: «من دخل داري إن كان مسلماً اكرمته إلاّ زيداً» أفاد على سبيل الحقيقة الإخبار بالإكرام لمن عدا زيدا ; وكذلك لو قال: «من دخل داري ان كان مسلماً اكرمته».
ولو كان افادة لفظ الشرط والصفة والاستثناء لهذه المعاني ممّا يجعل اللفظ الدالّ على معناه أوّلاً دالاً على سبيل المجاز ـ لكونه غير مستقل بالدلالة ـ لكان الواو والنون للجمع يصيِّران دلالة اللفظ مجازية، وليس كذلك ; فإنّه لا يقول أحد: إنَّ قولَنا: مسلم، يدلّ على معناه بالحقيقة وإذا دخل عليه الواو والنون فقيل مسلمون يخرج تلك الدلالة عن الحقيقة، ولكان لام الجنس والعهد في قولنا المسلم يصيِّران اللفظ دالاً على جهة المجاز لدلالتهما على معنى الجنسية والعهدية مع عدم استقلالهما، ولكان نحو قوله تعالى: (أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا) يدلّ على تسع مائة وخمسين على سبيل المجاز ; وليس كذلك .
وأجاب المصنف عن واو الجمع بأنّه بمنزلة ألف «ضارب» وواو «مضروب» الدالين على الفاعلية والمفعولية 1 فإنّهما لا استقلال لهما بالدلالة، ولذلك الألف واللام في نحوالمسلم الدالان على العهد أو الجنس فإنّ المجموع من الاسم والالف واللام هو الدال، وأمّا الاستثناء فسيأتي الكلام عليه في بابه .   2

1 . قد ادرجت العبارة التالية في نسختي «ب» و «ج» في المتن بعد كلمتي «الفاعلية والمفعولية»، والظاهر أنّها سيقت للتوضيح وليست من المتن في شيء: [ ووجه المشابهة بينهما أن الواو والنون يدلان على زيادة من غير ابطال لدلالة المزيد عليه وكذلك ألف «ضارب» وواو «المضروب» فإنهما دالان على معنى الفاعلية والمفعولية الزائدين على معنى المصدر المستفاد من الضرب، بخلاف الاستثناء والصفة والشرط، وأما الألف واللام في المسلم... ] .

صفحه 50
<--- وأمّا القاضي فإنّه احتجّ بما احتجّ به أبو الحسين في الاستثناء والشرط وأمّا الصفة فإنّها عنده كالمستقلة بالدلالة، ومن ثمّ استقلت الصفة بالإفادة دون الموصوف، في مثل: رأيت الكريم، بخلاف الشرط والاستثناء ففرّق بين الصفة وبين الشرط والاستثناء.
وأمّا عبد الجبار فإنّه أيضاً كأبي الحسين في الاحتجاج على الصفة والشرط وأمّا الاستثناء فإنّه عنده غير مخصص .
وأمّا من قال بأَنّ التخصيص بالدلائل اللفظية لا يوجب التجوز فاحتجّ بأنّه
لو أوجبت القرينة اللفظية التجوّز لأوجبه الالف واللام والواو والنون في الجمع ; وقد مضى تقريره والجواب عنه ; وهذا أضعف احتجاجاً من الأول، ووجه زيادة الضعف أن المحتج الأول قد يتمسك بالقياس بجامع عدم الاستقلال بخلاف المحتج ههنا .
واحتجّ امام الحرمين بأنّ قولنا: «اكرم الرجال» بمنزلة قولنا: «اكرم زيداً وعمرواً وخالداً» وإنّما إختُصر بحذف [البعض بخلاف ] 1الاسماء المتعددة واتيان حرف دال على تلك الاشخاص فإذا خرج بعض تلك الأشخاص يبقى اللفظ متناولاً للباقي على سبيل الحقيقة .
حجية العام بعد التخصيص    
والجواب: المنع من التسوية بين قولنا: «أكرم الرجال» وبين قولنا: «أكرم زيداً وخالداً»، فإنّ العام ظاهر في الجميع فإذا خُصّ العام خرج المخصوص قطعاً; وأمّا المتكرر فإنّه نص في الآحاد فلو اخرج لكان نقضاً.

1 . لم يرد هذان اللفظان في نسخة «ج» .

صفحه 51
قال: مسألة: العام بَعْدَ التخصيص بمبيّن، حجّةٌ .
وقال البلخي: إنْ خُصَّ بمتصل .
وقال البصريُّ: إنْ كان العمومُ منبئاً عنه; كـ (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)1وإلاّ فليس بحجّة، كـ (السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ)(2) فإنّه لا ينبئُ عن النصاب والحرز.
عبدالجبّار: إن كان غيرَ مفتقر إلى بيان; كـ (الْمُشْرِكِينَ) بخلاف: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ) فإنّه مفتقر قبل إخراج الحائض.
وقيل: حُجّةٌ في أقل الجمع.
وقال أبو ثور: ليس بحجّة.
لنا: ما سبق من استدلال الصحابة مع التخصيص .
وأيضاً : القطع بأنّه إذا قال: «أَكرم بني تميم، ولا تُكرم فلاناً» فَتَرك، عُدَّ عاصياً .
وأيضاً: فإن الأصل بقاؤه.
واستُدِلّ لو لم يكن حُجّة، لكانت دلالته موقوفةً على دلالته على الآخر. واللازم باطِلٌ، لأنّه إن عُكِسَ دور، وإلاّ فتحكمٌ.
وأُجيب: بأنّ الدور إنّما يَلزَمُ بتوقف التقدّم، وأمّا بتوقف المعيّة، فلا.

1 . التوبة: 5 .   2 . المائدة: 38 .

صفحه 52
قالوا: صار مجملاً ; لتعدد مجازه فيما بقي وفي كُلٍّ مِنْهُ.
قُلْنَا: لِمَا بَقِي بِمَا تَقَدَّمَ.
أَقلُّ الجمع: هُو المتحققُ، وَمَا بقيَ مشكوكٌ.
قلنا: لا شكّ مع ما تقدّم.*
   

[ حجّية العام بعد التخصيص ]

* أقول: اختلف الناس في أنّ العام بعد التخصيص هل هو حجّة أم لا؟
أمّا القائلون بأنّه يكون حقيقة في الباقي فإنّه يكون حجّة عندهم.
وأمّا القائلون بأنّه لا يبقى كذلك، فقد قال قوم إنّه إن بُيّن المخصص كقوله: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) فاذا قال لم أرد اليهود كان المخصوص مبيّناً، فهذا يكون حجّة في غيره، وإن لم يُبيّن لم يكن حجة لأنّه لا فرد من الافراد إلاّ ويجوز أنْ يكون هو المخصوص، كما إذا قال: لم ارد بعض المشركين .1
وقال البلخي: إنّه إن خُصّ بدليل متصل كان حجّة وذلك كالاستثناء والصفة والشرط، وإن خصّ بدليل منقطع لم يكن حجّة .
وقال أبو عبد الله البصري: إن كان العموم منبئاً عنه فإنّه يكون حجّة كما في قوله تعالى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) فإنّ الدليل الدالّ على منع قتل أهل الذمة غير مانع من التمسك بعموم المشركين، وإن كان المخصص قد منع من تعلق الحكم   2

1 . قال الآمدي : [ واتفق الكل على أن العام، لو خص تخصيصاً مجملاً، فإنّه لا يبقى حجة كما لو قال: «اقتلوا المشركين إلاّ بعضهم» ]. الإحكام: 2 / 252 .

صفحه 53
<--- بالاسم العام واقتضى تعلقه بشرط لا يُنبئ عنه العام لم يكن حجّة كما في قوله: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)1 فإنّ قيام الدليل على اعتبار النصاب والحرز منع من التمسك بعموم اللفظ حيث لم يكن في اللفظ العام ما يُنبئ عن الشرط المذكور .
وقال القاضي عبد الجبار: إن كان العام بمثابة لو تركناه وإياه لصحّ منا امتثال ما أُريد منه وفعل ما لم يُرد، كان حجّة كما في قوله: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) فإنّه بعد التخصيص بأهل الذمة يمكننا العمل به، ولولا ظهور المخصص لأمكننا العمل بما أُريد وما لم يرده; أمّا إنّ العام مفتقر إلى بيان حتى يصح الامتثال كما في قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ) فإنّه قبل إخراج الحائض لا يصحّ منا العمل به لعدم الفهم بمعنى الصلاة فإنّ هذا لا يكون حجّة .
وقال قوم: إنّه يكون حجّة في أقل ما يطلق عليه اللفظ العام وهو أقل الجمع فإنّه هو المتيقن .
وقال أبو ثور وعيسى بن أبان: إنّه ليس بحجّة مطلقاً.
وذهب جماعة من الفقهاء إلى أنّه حجّة مطلقاً .
واستدل المصنّف على مذهبه بثلاثة أوجه :
الأوّل: إجماع الصحابة 2 على نحو الاستدلال بالعام المخصوص من   2

1 . التوبة: 38 .
2 . والآمدي ادّعى الشهرة في المقام فقال:
[... وبيان اشتهاره ما نقل عن الصحابة من عملهم بالعمومات المخصصة فيما وراء صورة التخصيص، نقلاً شائعاً ذائعاً... ]. الإحكام: 2 / 255 .

صفحه 54
<--- غير وقوع انكار بينهم .
الثاني: أنّا نعلم قطعاً أنّ من قال لعبده: «اكرم بني تميم ولا تكرم فلاناً» فترك إكرام من عدا فلاناً، عُدّ عاصياً ; ولو لم يكن حجّة في الباقي1 لما صح هذا .
الثالث: أنّ العام قبل التخصيص كان متناولاً لما عداه وحجّة فيه، فيبقى بعد التخصيص كذلك لأنّ الأصل بقاء ما كان على ما كان .
واستدل بعض الناس على أنّ العام المخصوص حجّة بأنّه لو لم يكن حجّة في الباقي وقد كان قبل التخصيص، لكانت دلالة العام على الباقي موقوفة على دلالته على الآخر ; والتالي باطل فالمقدم مثله والشرطية ظاهرة .
وبيان بطلان التالي أنّه لو كان دلالته على الباقي موقوفة على دلالته على الآخر فدلالته على الآخر إمّا أن تكون موقوفة على دلالته على الباقي أو لا، والأول يلزم منه الدور، والثاني تحكم لأنّه ترجيح بلا مرجح .
والجواب: إنّ هذا يتم على تقدير أن يكون التوقف توقف التقدّم والبعدية بأن تكون دلالته على الباقي متأخرة عن دلالته على الآخر ودلالته على الآخر متأخرة عن دلالته على الباقي، أمّا إذا كان التوقف توقف المعيّة كتوقف أحد المضافين على الآخر فلا.
احتج المخالف بأنّه بعد التخصيص يصير مجملاً فلا يكون حجّة   2

1 . ورد حرفا «وإلاّ» بعد عبارة: «حجة في الباقي» وبما أنهما كانا مخلّين في السياق، أسقطناهما، علماً بأنّهما لم يردا في نسخة «ب».

صفحه 55
<--- بانفراده، إمّا الصغرى فلأنّه بعد التخصيص يحتمل أن يكون مجازاً في كل الباقي ويحتمل أن يكون مجازاً في أحد أفراده المتكثرة، ومع حصول الاحتمال يتحقق الاجمال ; وامّا الكبرى فظاهرة .
والجواب: بل هو مجاز في كل الباقي لما مضى من أن الصحابة أجمعوا على أنّه الباقي .
واحتجّ القائلون بأنّه حجة في أقل الجمع بأنّه هو المتحقق وما عداه مشكوك فيه .
والجواب: لا شك في ماعداه لما بيّناه 1 أولاً.

1 . من الأدلة الّتي دلت على لزوم الحمل على تمام الباقي.

صفحه 56
قال: مسألة: جواب السائل: غير المستقل، دونَهُ، تابعٌ للسؤال في عمومه اتفاقاً، والعامُ على سبب خاص: بسؤال مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا سُئل عن بئر بُضاعة: «خلق الله الماء طهوراً لا يُنجسُهُ شيءٌ إلاّ ما غَيَّر لونَهُ، أو طعمه، أو ريحهُ» أو بغير سؤال، كما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مَرَّ بشاةِ ميمونة، فقال «أيُّما إهاب دُبغ فقد طَهُر» معتبرٌ عمومه على الأكثر، ونُقل عن الشافعي خِلافُهُ .
لنا: استدلال الصحابة بمثله; كآية السرقة وهي في سرقة المِجَنِّ أو رداء صفوان، وآية الظهار في سلمة بن صخرِ، وَآية اللعان في هلال بن أُميَّةَ أو غيرِهِ.1
وأيضاً: فإنَّ اللفظ عامٌ، والتمسُّكُ بهِ.*

[ هل إن الجواب تابع للسؤال في عمومه؟ ]

* أقول: الخطاب الوارد جواباً للسؤال إمّا أن يكون مستقلاًّ بنفسه أو لا يكون بل إنّما يتم بالسؤال، والثاني اتفق العلماء على أنّه تابع للسؤال في عمومه كما [ روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّه ] 2 سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: «أينقص إذا جفّ؟» فقيل: نعم، فقال: «فلا إذاً» .
وأمّا في خصوصه فقد اختلفوا فيه والأولى عندي أنّه يجري مجراه إذ   2

1 . وفي الإحكام: 2 / 259: «... إلى غير ذلك» .
2 . الإضافة من كتاب الإحكام: 2 / 256 .

صفحه 57
<--- اللفظ لا عموم له وذلك كما إذا سأله (صلى الله عليه وآله وسلم)انسان عن الوضوء بماء البحر فقال له: «يجزيك».
وأمّا الخطاب العام الوارد على سبب خاص سواء كان بسؤال كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لما سُئِل عن بئر بضاعة: «خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء» أو بغير سؤال كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين مر بشاة ميمونة : «أيما إهاب 1 دُبغَ فقد طَهُرَ»، فقد اختلفوا فيه فذهب الجمهور إلى أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ونقل عن الشافعي خلاف ذلك، وهو مذهب مالك وأبي ثور والمزني .
واحتجّ المصنف على مذهب الجمهور بوجهين :
الأول: استدلال الصحابة بالعمومات الواردة على اسباب خاصّة فإنّهم استدلوا على آية السرقة وقد وردت في سرقة المِجن أو رداء صفوان، واستدلوا على الظهار مطلقاً وإن وردت الآية في سَلَمَة بن صَخرَ، وبآية اللعان وقد وردت في هلال بن أُمية، وغير ذلك من الآيات الّتي استدل بها الصحابة متمسكين بعموم الفاظها من غير التفات منهم إلى اسبابها الواردة عليها .
الثاني: أنّ اللفظ عام والتمسك إنّما هو باللفظ فلا اعتبار بخصوص السبب لأنّه لا يصلح أن يكون معارضاً فإنّه يحتمل أن يقول الشارع: تمسكوا بعموم اللفظ من غير التفات إلى خصوص سببه من غير مناقضة، وإذا عقل ذلك دلّ على عدم التعارض.

1 . الإهاب، هو جلد الشاة قبل أن يدبغ.

صفحه 58
أدلّة القائلين بأنّ اللفظ العام مقصور على السبب    
قال: قالوا: لو كان عامّاً، لجاز تخصيص السبب بالاجتهاد.
أُجيب: أنّه اخْتُصَّ بالمنع; للقطع بدخوله، عَلَى أنّ أبا حنيفة أخرج الأَمَةَ المُسْتَفرشةَ من عمومِ «الولد للفراش» ; فلم يُلحق وَلَدُها مع وروده في ولد زَمعةَ .
وقد قال عبدالله بن زمعة: هوأخي وابنُ وليدة أبي; وُلِد على فراشه.
قالوا: لو عَمَّ لم يكن في نقل السبب فائدة.
قلنا: فائِدتُه: منعُ تخصيصه، ومعرفةُ الأسباب.
قالوا: لو قال: «تَغدَّ عندي»، فقال: «والله، لاتغديتُ»، لم يَعُمَّ.
قلنا: لِعرف خاصٍّ.
قالوا: لو عَمَّ لمْ يَكُنْ مطابقاً.
قلنا: طابق، وَزادَ.
قالوا: لو عمّ، لكان حكماً بأحد المجازات بالتحكم، لفوات الظهور بالنصوصية.
قلنا: النصُّ خارجيٌّ بقرينة. *
* أقول: احتجّ القائلون بأنّه مقصور على السبب بوجوه:
الأوّل: أنّه لو كان عامّاً لجاز تخصيص السبب بالاجتهاد كما يجوز تخصيص غيره به ـ والجامع كون كل واحد منهما داخلاً تحت لفظ عام قابل للتخصيص ـ والتالي باطل اتفاقاً فالمقدّم مثله .   2

صفحه 59
<--- والجواب: المنع من الملازمة والقياس باطل لوجود الفرق وذلك أَنّ تناول اللفظ العام الوارد عقيب سبب السبب، تناول قطعيّ، وتناوله لغيره على سبيل الظاهر، وإخراج ما دلّ عليه اللفظ ظاهراً من الارادة شائع بخلاف إخراج ما دلّ عليه قطعاً.
على أنّ أبا حنيفة كان من المقدّمين في النظر وقد منع من بطلان التالي حتى أخرج الأَمّة المستفرشة عن عموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الولد للفراش» ولم يلحق ولدها بمولاها مع أنّه ورد في واقعة وليد بن زمعة1 وقال عبد الله: هو أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه .
الثاني: لو عمّ لم يكن في نقل السبب فائدة، والتالي باطل فالمقدّم مثله والشرطية ظاهرة .
والجواب: لا نسلم أنّ الفائدة هي قصر العام على السبب بل هناك فوائد أُخر ونحن نذكرمنها فائدتين :   2

1 . جاءَ المقطع التالي في نسخة «ب» بعد كلمة «زمعة»:
[ ورد في واقعةِ ابنِ ولِيْدَةِ زَمْعة ـ ... ـ فلمّا كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال: ابن أخي كان قد عهد إليّ فيه; فقام أخوه عبدالله بن زَمْعة فقال له: هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فترافعا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال : «هو لك ياعبدالله بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر!»] .
والظاهر أن هذا المقطع قد أُقتبس من روايات قد وردت في مصادر مثل:
صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات، برقم 2053.
سنن ابن ماجة: 1 / 646، برقم 2006 ـ 2007.
سنن أبي داود: 2 / 282، برقم 2273 .

صفحه 60
<--- ـ الأُولى: منع تخصيص السبب عن اللفظ العام لكونه دالاً عليه بالقطع.
ـ الثانية: معرفة الأسباب الموجبة لمعرفة الفوائد الّتي لأجلها شرّعت الأحكام .
الثالث: لو عمّ موضع السبب وغيره لكان المجيب بقوله: «والله لا تغدّيت» للقائل: «تغدّ عندي» عامّاً، والتالي باطل اتفاقاً فالمقدّم مثله .
والجواب: أنّ التخصيص هاهنا إنّما حصل من أمر خارج وهو العرف الخاص.
الرابع: الجواب ينبغي أن يكون مطابقاً للسؤال، والعامّ غير مطابق للخاص فلو كان عاماً لما طابق .
والجواب: المنع من الشرطية فإنّ الجواب بالعام جواب بالمطابق وزيادة .
الخامس: لو عم الخطاب مع السبب الخاص لكان حكماً بأحد المجازات بالتحكم، والتالي باطل فالمقدّم مثله. بيان الشرطية: إنّا نجزم بكون صورة السبب التي هي أحد مجازات العام ـ لأنّ كل صورة منه مجاز ـ مرادة من الخطاب العام لفوات الظهور وهو كونها محتملة للارادة منه بالنصوصية أي بسبب كون الخطاب نصاً فيها وأمّا التحكم فلتساوي نسبة العموم إلى جميع الصور الداخلة تحته وعدم أولوية كونه نصاً في البعض دون بعض.
في اللفظ المشترك   
والجواب: إن اردتم بعدم الأولوية عدمها بالنظر إلى العام دون أمر خارجي عنه فهو مسلّم، لكن لانسلم أن ما نحن فيه كذلك، لأن كونه نصاً في البعض خارج بقرينة وهي ورود الخطاب بياناً لذلك البعض، وإن أردتم بعدمها العدم مطلقاً فهو ممنوع.

صفحه 61
قال: مسألة: المشترك يصحّ اطلاقه على معنييه مجازاً لا حقيقة وكذلك مَدُلولا الحقيقة والمجاز.
وعن القاضي والمعتزلة: يصحُ حقيقةً إنْ صحّ الجمع.
وعن الشافعي: ظاهرٌ فيهما عند تجرد القرائن كالعام.
أبو الحسين والغزّالي: يصح ان يُرادا، لا أنّه لغة.
وقيل: لا يصح أن يُرادا.
وقيل: يجوز في النفي لا الاثبات، والأكثرُ: أَنّ جمعه باعتبار مَعنييه، مبني عليه.
لنا في المشترك: أنّه يسبق احدهما، فإذا أطلق عليهما، كان مجازاً.
النافي للصحة: لو كان المجموع حقيقة لكان مريد أحدهما خاصّة غير مريد، وهومحال.
وأجيب: بأن المراد المدلولان معاً لا بقاؤه لكلّ مفرداً.
وأمّا الحقيقة والمجاز فاستعماله لهما استعمال في غير ما وضع له أوّلاً، وهو معنى المجاز لكلٍّ مفرداً.
النافي للصحة: لو صحّ لهما لكان مريداً ما وضعت له أو لا غير مريد، وهو محال.
وأُجيب بأنّه مريد ما وضع له أوّلاً وثانياً بوضع مجازي.
الشافعي: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ... )1.

1 . الحج: 18 .

صفحه 62
(إِنَّ اللهَ وَ مَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً)1.
وهي من الله رحمةٌ ومن الملائكة استغفارٌ.
وَأجيب: بأنّ السجود: الخضوع، والصلاة: الاعتناء بإظهار الشرف، أو بتقدير خبر أو فعل حُذفِ لدلالة ما يقارنه، أو بأنّه مجاز بما تقدّم. *
* أقول: اختلف الناس 2 في اللفظ المشترك المفرد 3 فهل يصح اطلاقه على معانيه جمعاً أم لا؟ وكذلك اختلفوا في اللفظ الدالّ على شيء بالحقيقة وعلى آخر بالمجاز هل يصحّ اطلاقه عليهما معاً أم لا؟ واثبته جماعة من الاصوليين واختلفوا فقال الجمهور منهم: أن الحقيقة والمشترك والمجازيطلق عليها بطريق المجاز .
وقال القاضي والمعتزلة: انّه يطلق عليها بطريق الحقيقة إن صحّ الجمع بين إرادة المعنيين .
ونُقل عن الشافعي أنّه ظاهر في المعاني عند تجرده عن القرائن الدالّة على ارادة أحدها دون الآخر كاللفظ العام .
وذهب أبوالحسين البصري والغزّالي إلى أنّه يصح أن يستعمل في   2

1 . الأحزاب: 56 .
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 223 ; الإحكام للآمدي: 2 / 261، المسألة 7.
3 . وليعلم أن الاشتراك والمساواة والحقيقة والمجاز... من صغريات مقولة العموم بالمعنى الأعم، فهي من هذه الزاوية دخلت محط البحث.

صفحه 63
<--- المعاني لا من حيث الوضع اللغوي .
وذهب آخرون إلى أنّه لا يصحّ وقيل: إنّه يصحّ في النفي دون الإثبات .
وأمّا اللفظ المشترك المجموع فقد اختلفوا فيه أيضاً، وأكثر الجمهور ذهبوا إلى أنّ حكمه حكم اللفظ المفرد .
وقد ذهب قوم من الذين قالوا إنّه لا يصحّ اطلاق اللفظ المفرد على معنييه إلى صحّة اطلاقه في المجموع .
واستدل المصنّف على أنّه ليس بحقيقة في المعاني بأنّ اللفظ موضوع لإحدها فإذا استعمل في المجموع فقد استعمل اللفظ في ما ليس بموضوع له، فيكون ذلك بطريق المجاز .
احتج المانع من الاستعمال مطلقاً بأنّ اللفظ إذا وضع للمفردين على البدل فإمّا أن يكون مع ذلك موضوعاً للمجموع أو لا يكون، فإن كان الأول كان المستعمل للفظ في المجموع مستعملاً له في بعض ما وضع له لا في جميع ما وضع له وذلك خلاف المفروض، وإن كان الثاني كان المستعمل له في المجموع مستعملاً له فيما (لم) يوضع وذلك غير جائز ; اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّه مستعمل له في المجموع وفي الافراد وذلك محال لأنّ استعماله في المجموع يقتضي عدم الاكتفاء بدونه واستعماله في الافراد يقتضي الاكتفاء بكلّ من افراده وذلك تناقض وإليه اشار المصنف بقوله: «لكان مريد أحدهما غير مريد».1   2

1 . وردت العبارة التالية في نسخة «ب» فقط : [ والمصنّف عبّر عن هذه الحجة بما ذكره في الكتاب وقال: لو كان الاطلاق في المجموع صحيحاً لكان مريدا أحدهما غير مريد له وبرهان الملازمة أن المستعمل مريد لأحد المعنيين وغير مريد له لاستعماله في معنى آخر وإليه اشار المصنّف بقوله لكان مريد أحدهما غير مريد ] .

صفحه 64
<--- والجواب: أنّ اللفظ المشترك ليس موضوعاً للمفردين على البدل بحيث إذا أُريد أحدهما لا تصحّ إرادة الآخر، وإذا كان كذلك فنقول: المراد هو المدلولان معاً لا بقاؤه لكلٍّ مفرداً ; وأمّا الحقيقة والمجاز فانّ اللفظ إذا اطلق عليهما كان ذلك بطريق المجاز وذلك لأنّ استعماله فيهما استعمال له فيما ليس بموضوع له وضعاً أوّلاً، لأنّه وضع لأحد المعنيين ولا شكّ في المغايرة بين كلّ واحد وبين المجموع.
واحتجّ من قال بأنّه لا يصحّ استعماله في كلا معنيي 1 الحقيقة والمجاز لأنّه لو صحّ ذلك لكان مريد ما وضع اللفظ له أوّلاً، غير مريد، أمّا إرادته فمن حيث إرادة الحقيقة، وأمّا عدم إرادته فمن حيث إرادة المجاز، وذلك تناقض.
والجواب: أنّه مريد لما وضع له في الوضع الأوّل، وفي الوضع الثاني بطريق المجاز، فالحاصل أنّه مريد من اللفظ غير ما وضع له .
واحتجّ الشافعي على أنّ اللفظ المشترك يصحّ اطلاقه على كلا معنييه، بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبَالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)2 والسجود المستعمل في حق الناس المراد به وضع الجبهة على الأرض والمستعمل في حقّ غيرهم المراد به الخضوع، وكذلك   2

1 . وفي نسخة «ب»: [... في كلّي معنى الحقيقة والمجاز... ] .
2 . الحج: 18 .

صفحه 65
<--- قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ وَ مَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي)1 والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الدعاء .
والجواب عن الآية الأُولى: أنّ السجود المراد به الخضوع وهو مشترك بين الجميع، وعن الآية الثانية أنّ الصلاة المراد بها الاعتناء بإظهار شرفه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويحتمل أن يكون الخبر في الآية الثانية محذوفاً وقد دلّ الخبر الثاني عليه لمشاركته إياه في اللفظ ويكون التقدير: «إن الله يصلي على النبي وملائكته يصلون على النبي» وأن يكون الفعل محذوفاً2 في الآية الأُولى، ويحتمل أن يكون المجموع مراداً من حيث إنّه مجاز لا بطريق الحقيقة على ما تقدّم.3

1 . الأحزاب: 56 .
2 . يريد من الفعل في قوله: «يكون الفعل محذوفاً» هو فعل «يسجد» فإذا قدرنا قبل الشمس والقمر فعلَ «يسجد» لا يعد استعمالاً للّفظ في معنيين، وبذلك يرتفع المحذور.
3 . بذا يشير إلى ما تقدم منه (قدس سره)في قوله: «إنّه مريد لما وضع له في الوضع الأوّل...»، وذلك في الصفحة السابقة.

صفحه 66
   
قال: مسألة: نفي المساواة، مثل: (لاَ يَسْتَوِي ) يقتضي العموم كغيرها.
أبو حنيفة: لا يقتضيه .
لنا: نفيٌ على نكرة، كغيرهِ.
قالوا: المساواة مطلقاً أعمُّ من المساواة بوجه خاص، والأعم لا يُشعر بالأخص.
وأُجيب: بأن ذلك في الإثبات ; وإلاّ لم يَعمَّ نفيٌ أبداً.
قالوا: لو عمّ، لم يَصدُق ; إذ لا بُدَّ من مساواة، ولو في نفي ما سواهما عنهما.
قلنا: إنّما تُنفى مساواةٌ يَصِحُ انتفاؤها.
قالوا: المساواة في الاثبات للعموم، وإلاّ لم يستقم إخبارٌ بمساواة، لعدم الاختصاص، ونقيض الكليِّ الموجَبِ جزئيٌّ سالبٌ.
قلنا: المساواة في الاثبات للخصوص، وإلاّ لم تصدق أبداً، إذ ما من شيئين إلاّ وبينهما نفيُ مساواة ولو في تعيّنهما، ونقيض الجزئي الموجب كُليُّ سالب.
والتحقيق أن العموم من النفي. *

[ في نفي المساواة]

* أقول: نفي المساواة بين الشيئين 1 كما في قوله تعالى: (لاَ يَسْتَوِي   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول : 2 / 176 .

صفحه 67
<--- أَصْحَابُ النَّارِ وَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)1 للعموم بمعنى أنّه يقتضي نفي المساواة من كلّ وجه عند الشافعية، وذهب أبوحنيفة إلى أنّه يصدق نفي المساواة بوجه ما .
واحتجّ القائلون بالعموم بأنّ هذه الصيغة نكرة دخل عليها حرف النفي فيكون للعموم كغيرها على ما مضى.
احتجّ المانعون 2 بوجوه :
الأول: أن المساواة أعمّ من المساواة من كلّ وجه أو من بعض الوجوه، ولا دلالة للعام على الخاصِّ .
والجواب: هذا صحيح في جانب الاثبات دون النفي، فإن نفي العامّ يقتضي نفي الخاصّ وإلاّ لم يَعمُّ نفي أحد أبداً، فإنّ لفظة رجل أعم من هذا الرجل بعينه، ومع ذلك فإن نفيه نفي لكل رجل .
الثاني: لو كان نفي المساواة يقتضي العموم لما صدق ذلك النفي البتَّة، فإنّه ما من شيئين إلاّ وهما متساويان بوجه ما، فإنَّ كلَّ ماهيتين بسيطتين كانتا أو مركبتين، يشتركان في نفي ما عداهما عنهما .
والجواب: أنّ النفي إنّما يقصد به ما يصحّ انتفاؤه دون ما يمتنع .
الثالث: أنّ المساواة في جانب الاثبات للعموم فتكون في السلب لغيره .
أمّا المقدمة الأُولى فلأنها لو لم تكن للمساواة من كلّ وجه لامتنع   2

1 . الحشر: 20 .
2 . انظر: المعتمد: 1 / 232 ـ 233 ; الإحكام للآمدي: 2 / 362، المسألة 8 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 268، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

صفحه 68
<--- الإخبار بمساواة الشيء لغيره، لأنّه لا اختصاص لبعض الوجوه دون البعض. وأمّا الثانية فلأنّ الموجبة الكلية نقيضها السالبة الجزئية ولماكانت المساواة كالموجبة الكلية كان 1 نفيها دالاً على الجزئية دون الكلية .
والجواب: أنّ المساواة في جانب الاثبات المخصوص، 2 لأنّه ما من شيئين إلاّ وهما مختلفان ولو في تعينّهما وتشخصهما وإلاّ لكانا واحداً، هذا خُلف. فنقيض المساواة للعموم لأنّ نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية .
والتحقيق : أن العموم مستفاد من النفي.3

1 . وردت في نسخة «ب» لفظة «كان» بدل «الكلية»، والأفضل الجمع بينهما .
2 . في نسخة «ب»: للخصوص .
3 . يعني أنّه لا دلالة «للمساواة» على العموم لا نفياً ولا اثباتاً وإنّما العموم يستفاد من النفي بالذات ففي قوله: (لاَ يَسْتَوِي)العموم يفهم من «لا» فحسب.
ومن الطريف ما افاده السُبكي في رفع الحاجب حيث يقول: «... لا تحقيق في هذا المسمّى بالتحقيق، والعموم والخصوص سواء...»!. رفع الحاجب: 3 / 150 .

صفحه 69
قال: مسألة: المقتضي: ـ وهو ما احتمل أحد تقديرات، لاستقامة الكلام ـ لا عموم له في الجميع.
أما إذا تعيّن أحدها بدليل كان كظهوره، ومثّل بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رُفع عن أُمتي الخطأ والنسيان» .
لنا: لو أُضمر الجميع، لأُضمر مع الاستغناء.
قالوا: أقربُ مجاز إليهما ـ باعتبار رفع المنسوب إليهما ـ عمومُ أحكامهما.
أُجيب: بأنّ باب غير الإضمار في المجاز أكثر; فكان أولى، فيتعارضان، فيسلم الدليل.
قالوا: العرفُ في مثل: «ليس للبلد سلطانٌ» نفيُ الصفات.
قلنا: قياس في العرف.
قالوا: يتعيّن الجميعُ، لبطلان التحكم إن عُيِّن، ولزوم الإجمال إن أُبهم.
قلنا: ويلزم من التعميم: زيادة الإضمار، وتكثير مخالفة الدليل، فكان الإجمال أقربَ.*

[ في أن المقتضي لا عموم له ]

* أقول: المقتضي ـ وهو الّذي لابدّ من إضماره ليتم الكلام إذا احتمل   2

صفحه 70
<--- أحد تقديرات يستقيم بإضمار أحدها ـ هل هو عام في تلك التقديرات أم لا؟ اختلف الناس في ذلك، 1 والحقّ أنّه لا يقتضي العموم .
وأعلم أنّ المضمر أمّا أن يدلّ دليل خارجي على تعيينه وإمّا أن لا يدلّ، فإن كان الأوّل فهو كالظاهر ومثاله قوله تعالى: (وَ اسْأَلِ الْقَرْيَةَ)2 وتمثلوا في القسم الثاني بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان»3 فإنّ هذا الكلام إنّما يستقيم بعد إضمار شيء آخر لوجود الخطأ والنسيان في الأُمّة قطعاً، وذلك المضمر يحتمل أشياء كثيرة .
والخلاف واقع في القسم الثاني، والدليل على أنّه لا عموم له أنَّ إضمار أحد التقديرات كاف ويكون اللفظ مع ذلك المضمر غير محتاج إلى الإضمار فلو أضمرنا معه اشياء أُخر لزم الإضمار مع الاستغناء، وهو خلاف الأصل.
احَتَجّ القائلون بالعموم بأنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي الخطأ والنسيان» دال بالحقيقة على رفع ذاتهما وبالمجاز على رفع احكامهما من حيث ان رفع الذات مستلزم لارتفاع الاحكام ; والحقيقة هاهنا متعذرة فيجب الحمل على المجاز، والمجازات هاهنا مختلفة بالأولوية فإنَّ رفع جميع الأحكام أولى من رفع بعض الأحكام لأنّ الأوّل أقرب من حيث إنَّ رفع الخطأ والنسيان رفع لذاتهما، ورفع جميع الاحكام اقرب إلى رفع الذات من رفع بعضها فيجب الحمل عليه. وإلى هذا   2

1 . انظر: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 185 ; الإحكام للآمدي: 2 / 364، المسألة 9 .
2 . يوسف : 82 .
3 . وسائل الشيعة: ج 2 (كتاب الصلاة)، الباب 30 من أبواب الخلل في الصلاة ،الحديث 2; سنن ابن ماجة: 1 / 659، برقم 2043 و 2045 .

صفحه 71
<--- أشار المصنف بقوله: «أقرب مجاز إليهما» يعني إلى الخطأ والنسيان، وقوله: «باعتبار رفع المنسوب إليهما» إشارةٌ إلى العلّة الّتي لأجلها صحّ التجوز، وقوله: «عموم احكامهما» خبرُ قوله: «أقرب مجاز».
والجواب: أنّ المجاز بغير إضمار اكثر من المجاز بالإضمار فيكون أولى، وكلّ ما قلّ فيه الإضمار كان أولى، فتتعارض جهتا الرجحان ويبقى الدليل الأول1 سالماً عن المعارض .
واحتجوا أيضاً بأنّ العرف قاض بالحمل على جميع الصفات فإنّه إذا قيل: ليس للبلد سلطان، إنّما عنوا به نفي جميع الصفات لا نفي الذات .
والجواب: أنّ هذا قياس في العرف .2
واحتجوا أيضاً بأنّ المضمر إنْ تعيّن لزم التحكّم لأنّه ليس بعض الاحكام أولى من الباقي، وإن لم يتعين لزم الاجمال .
والجواب: أنّ تعميم الإضمار يستلزم زيادة الإضمار، وهو خلاف الأصل فيكون الإجمال أولى.

1 . وهو الّذي اشار إليه بقوله: «والدليل على أنّه لا عموم له...» .
2 . والقياس في العرفيات لا يجري فلا يصح الاحتجاج به هنا أيضاً. وقال السبكي معلّقاً: «ولك أن تمنع كون هذا قياساً وتقول: بل هو مثال ما نحن فيه». رفع الحاجب: 3 / 162 .

صفحه 72
قال: مسألة: مثل: «لا آكُلُ» و «إن أكلتُ» عامٌ في مفعولاته، فيقبل تخصيصه .
وقال أبو حنيفة: لا يقبل تخصيصاً .
لنا: أنّ «لا آكُلُ» لنفي حقيقة الأكل بالنسبة إلى كل مأكول، وهو معنى العموم، فيجب قبوله للتخصيص.
قالوا: لو كان عامّاً، لعمّ في الزمان والمكان.
وأُجيب: بالتزامه وبالفرق بأنّ «أكلتُ» لا يُعقل إلاّ بمأكول; بخلاف ما ذُكر .
قالوا: «إنّ أكلتُ»، و «لا آكُلُ» مُطلقٌ; فلا يصحُّ تفسيرهُ بمخصص; لأنَّه غيرُهُ.
قُلنا: المُرَادُ: المقيَّدُ المطابق للمطلق، لاستحالة وجود الكلي في الخارج، وإلاّ لم يحنث بالمقيّد. *

[ هل أنّ الأفعال المتعدّية تعم مفعولاتها؟ ]

* أقول: اختلفوا 1 في قول الإنسان : «واللهِ لا أكلت» وقولهِ: «ان أكلتُ فأنتِ طالق»، وبالجملة الافعال المتعدية إلى المفعولات هل تعم جميع المفعولات أم لا؟ فذهب جماعة من الأشاعرة إلى أنّها عامّة في مفعولاتها، وعن أبي حنيفة: إنّها لا   2

1 . الإحكام للآمدي: 2 / 365، المسألة 10 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 188 .

صفحه 73
<--- تعم بل تتناول الماهية من حيث هي هي.
والفائدة أنّه إذا كان عامّاً قَبِل التخصيص، وإذا أُريد به الماهية من حيث هي لا يقبل التخصيص ; فعند الشافعي لو نوى بالأكل مأكولاً معيّناً صَحَّ ولا يحنث بالباقي وعند أبي حنيفة لا يصح. وإلى الأول 1 ذهب المصنّف واحتجّ عليه: بإنّ «لا آكل» نفي لحقيقة الأكل بالنسبة إلى كلّ مأكول ولا معنى للعموم إلاّ ذلك، وإذا كان عامّاً قَبِل التخصيص .
واحتج أبو حنيفة بوجهين :
الأوّل: أنّه لو كان الفعل عامّاً بالنسبة إلى المفعولات لكان عامّاً بالنسبة إلى ظرفي المكان والزمان والتالي باطل فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة لاشتراكهما في المفعولية واستلزام الفعل للجميع .
والجواب: الشرطية مسلّمة، وبطلان التالي ممنوع، فإنّا نلتزم بعموم الفعل للظرفين، ولو سلمنا بطلان التالي لكن الفرق واقع بين الظرفين والمفعول به فإنَّ الأكل لا يُعقل إلاّ بمأكول بخلاف الظرفين فإنّه قد يعقل الفعل مع الغفلة عنهما وإن كان قد يستلزمهما .
الثاني: أن دلالة الفعل على مطلق المأكول، والمطلق لا دلالة له على العموم ولا على الخصوص لأنّه أعمُّ منهما وإذا لم يدل على العموم لم يقبل التخصيص وهومن حيث هو مطلق لا يصحّ تفسيره بمخصص لأنّ المخصص غير
المطلق.   2

1 . يعني: العام في جميع مفعولاته، القابل للتخصيص .

صفحه 74
<--- والجواب: أنّ المراد من التقييد إنّما هو التقييد بالمطابق للمطلق لا المخالف له لاستحالة وجود الكليّ من حيث هو كليّ في الخارج 1 وإلاّ لم يحنث بأكل شيء معيّن ضرورة كونه لم يتناوله اليمين .2
الفعل المثبت لا يكون عامّاً في أقسامه   

1 . الكليّ على ثلاثة أقسام: كليّ طبيعي، وكليّ منطقي، وكليّ عقلي.
لو لاحظت ذات الكليّ بما هي ذات من دون النظر إلى شيء آخر فالكليّ حينئذ كلي طبيعي.
ولو لاحظت مفهوم لفظ الكلي بما هو كليّ من دون النظر إلى الذات فالكليّ حينذاك هو الكليّ المنطقي.
وإن لوحظت الذات المتصفة بالكليّ المقيّدة به فهو الكليّ العقلي.
ففي المقام ظن المستشكل بأن الكليّ هنا هو الكليّ العقلي والكليّ العقلي لا أفراد له في الخارج فلا يقبل التقييد بطبيعة الحال.
واجيب بأن هذا الكليّ هو الكليّ الطبيعي الموجود في الخارج بوجود أفراده وإلاّ لم يحنث من يرتكب فرداً لانّه لم يتناول الطبيعي المقيد بالكلي .
وعليه فالعموم حاصل فهو يقبل التخصيص .
2 . بحار الأنوار: 79 / 339 ; مسند أحمد: 2 / 4 ; سنن البيهقي: 3 / 165 ; كنز العمال: 8 / 249 .

صفحه 75
قال: مسألة: الفعل المثبت لا يكون عامّاً في أقسامه; مثل: «صَلّى داخِلَ الكعبة» ; فلا يَعمُّ الفرض والنفل، ومثل: «صلّى بعد غيبوبة الشفق» فلا يعمُّ الشفقين إلاّ على رأي.
و «كان يجمع بين الصلاتين في السفر» لا يعمُّ وقتيهما.
وأمَّا تكررُ الفعلِ، فيستفاد من قول الراوي: «كان يجمع» ; كقولهم: «كان حاتمُ يُكرِمُ الضيفَ» .
وأما دخول أُمّته، فبدليل خارجيٍّ، من قول، مثل: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلّي» 1، و «خذوا عني مناسككُمْ»2 أو قرينة; كوقوعهِ بعد إجمال، أو إطلاق، أو عموم، أو بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ)3 أو بالقياس.
قالوا: قد عمّ نحو: «سها، فسجد»، و «أمَّا أنا فأُفيض الماءَ» وغيرهِ...
قلنا: بما ذكرناه أوّلاً لا بالصيغة. *
* أقول: الأفعال الواقعة إنّما تقع على وجه واحد من الجهات الّتي يحتمل أن تقع عليها، فلا تكون عامةً في تلك الجهات وذلك كما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه صلّى داخل الكعبة، فإنّ الصلاة الواقعة يحتمل أن تكون فرضاً ونفلاً لكنّها إنّما تقع على أحد الوجهين دون الآخر فلا تعمهما لامتناع وقوعها على جهتي الفرض   2

1 . عوالي اللآلي: 1 / 198 و ج 3 / 85 برقم 76 ; بحار الأنوار: 82 / 279 ; سنن البيهقي: 2 / 345 ; سنن الدارقطني: 1 / 280 .
2 . عوالي اللآلي: 1 / 215 برقم 73 ; سنن البيهقي: 5 / 125 .
3 . الأحزاب: 21.

صفحه 76
<--- والنفل.
وكذلك اللفظ المشترك بين معنيين أحدهما سابق على الآخر، ونُقل أن الفعل وقع عقيب أحد المعنيين كما نُقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه صلّى بعد غيبوبة الشفق، فإنّ الشفق مشترك بين الحمرة المغربية والمشرقية،1 فمن قال لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا معنييه، قال بذلك هاهنا، ومن قال بجواز استعماله فيهما حمله هاهنا على أنّه صلّى بعد الشفقين .
وكذلك قوله: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يجمع بين الصلاتين في السفر، فإنّه يحتمل أنّه فَعَلهما في وقت الأُولى ويحتمل أنّه فعلهما في وقت الثانية وليس فيه ما يعمّ وقتيهما بمعنى أنّه جمع بينهما في الوقتين وأمّا تكرر الفعل وأنّه هل وقع ذلك منه في سفر النسك وغيره فلا يستفاد من نفس وقوع الفعل وإنّما هو مستفاد من فحوى كلام الراوي لأنّه لم تجر العادة بأن يقال: «كان فلان يكرم الضيف»، إذا فعل ذلك مرة واحدة، بل مع التكرار .
وأمّا دخول الأُمة تحت هذه الأحكام فغير مستفاد من هذه الروايات بل من دليل خارجي لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «صلّوا كما رأيتموني أصلي»، و «خذوا عني مناسككم» أو من قرينة خارجية كما إذا وقع الفعل عقيب اجمال خاطبنا الله تعالى به أو وقع عقيب اطلاق أو عموم أو بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)2فإنّه دال على وجوب التأسّي به أو بالقياس بفعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
لا يقال: إن العموم مستفاد من فعله (صلى الله عليه وآله وسلم)لا غير، ولهذا اتفقت الصحابة   2

1 . وفي نسخة «ب» بدل «المشرقية» وردت كلمة «البياض».
2 . الأحزاب: 21 .

صفحه 77
<--- على وجوب السجود عقيب السهو بما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه سها فسجد 1، وأيضاً فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا سئل عن حكم أجاب بفعله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن ذلك أنّه لما سألته أُم سلمة عن الاغتسال فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أمّا أنا فأفيض الماء على رأسي»، ومن ذلك أنّه لما سئل عن قُبلة الصائم، فقال: «أنا افعل ذلك»، 2 إلى غير ذلك من الاخبار   2

1 . إن سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من المسائل الّتي احتدم فيها التعارض بين العدلية ومن خالفهم: والمخالف قد جوَّز السهو على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فيما يرتبط بغير تلقّي الوحي وإبلاغه إلاّ أنَّ العدلية لم يجوزوا عليه ذلك مطلقاً .
وقد تمسّكوا فيما ذهبوا إليه بالبرهان العقلي والدليل النقلي، فالبرهان العقلي يقتضي بأنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأمسِّ الحاجة إلى كسب ثقة مخاطبيه في ابلاغ رسالته وإعمال قيادته فإذا ما جوزنا السهو عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)في الشؤون الشخصية والاعتيادية فإن ذلك ينتهي بالأمر إلى فقد ثقة مخاطبيه به وزعزعة اعتمادهم عليه حتّى في تلقّي الوحي وتبليغ الرسالة لأنَّ الساهي يسهو مطلقاً، والعقليّة العاميّة لا تميّز بين مقام ومقام، فالذي يسهو في مجريات الحياة الاعتيادية يسهو في غيرها أيضاً الإمام، ممّا يؤدي إلى نقض الغرض الأساس الّذي من أجله بُعث الأنبياء ألا وهو توجيه الناس نحو السعادة العاجلة في الدنيا والفلاح والسعادة الآجلة في الآخرة .
وهذا هو سر ما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)من أنّه: «جُعل مع النبي روح القدس وهي لا تنام ولا تغفل ولاتلهو ولا تسهو». [ بصائر الدرجات: 454 ] وقد ورد في الذكر الحكيم أيضاً عن المسيح عيسى بن مريم: (وَ أَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) [ البقرة: 253 ] .
فهناك تسديد رباني دائم يعصم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الانزلاق في ميادين الحياة ومعتركاتها بأسرها.
وأما الروايات الّتي نسبت السهو للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فهي اخبار آحاد لا تقوم عليها عقيدة صحيحة وإيمان قويم يرضي العقل البشري ويلزمه بالركون إليه .
وقد عالج شيخنا الأُستاذ جعفر السبحاني ـ حفظه الله ـ الشبهات المثارة حول عصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في كتابه القيّم الجاد: الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف»: 3 / 288 ـ 317; والإلهيات: 3 / 200 ـ 208 .
2 . الاحكام للآمدي: 2 / 254 .

صفحه 78
   
قال: مسألة: نحوُ قولِ الصحابي: نهى (صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيع الغرر، و: قضى بالشفعة للجار، يَعمُّ الغرر والجار.
لنا: عَدْلٌ عارفٌ، فالظاهِرُ الصِّدْقُ ; فَوَجب الاتباعُ .
قالوا: يحتمِلُ: إن كان خاصّاً، أو سَمِعَ صِيغَة خاصّةً ; فتوهَّمَ، والاحتجاجُ للمحكيّ .
قلنا: خِلاف الظّاهر.*
<---الواردة في هذا المعنى ولولا أن يكون حكمه (صلى الله عليه وآله وسلم) جارياً على الأُمة بمجرد فعله وإلاّ لما جاز التأخير عن وقت الحاجة .
لأنّا نقول: إنّما استفدنا كون حكمنا مثل حكمه بما ذكرنا من الأدلة من القول أو القرينة أو القياس لا بمجرد الصيغة أي صيغة الفعل .1

[ في رواية الراوي ]

* أقول: اختلفوا 2 في قول الصحابي: قضى بالشفعة للجار 3 ونهى   2

1 . يرى السُبكي أن مسألة التعميم أجنبية عن موضع البحث فقال: «لقائل أن يقول: دخول الأُمة وعدم دخولهم لا تعلّق له بهذه المسألة الّتي هي معقودة بخصوص الفعل أو عمومه، بل هي مسألة أُخرى تقدّمت في مسألة التأسي... وعذر الآمدي والمصنّف أنهما استشعرا سؤالاً، وهو أن يقال: فكيف دخلت الأُمّة في ذلك؟ فاجابا عنه...» رفع الحاجب: 3 / 171 .
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 196 ; الاحكام للآمدي: 2 / 368، المسألة 12 .
3 . التاريخ الكبير للبخاري: 1 / 112 .

صفحه 79
<--- عن بيع الغرر 1 هل يتناول كل جار وكلّ غرر أم لا؟ فذهب قوم إلى أنّه للعموم، ومنع آخرون.
احتج المثبتون بأنّ الصحابي عدل عارف فالظاهر من حاله الصدق فيما يخبر به وقد أخبر بصيغة العموم الّتي هي الشفعة والجار لكونهما معرّفين بلام الجنس، فوجب الاتباع .
احتجّوا بأنّه حكاية حال ويحتمل أنّه كان خاصّاً أو أنّ الراوي سمع صيغة خاصّة فتوهمهما للعموم، والحجّة إنّما هي المحكي لا الحكاية .
والجواب: أنّ هذا خلاف الظاهر لما بيّنا أنّ الظاهر من حال الراوي أنّه لعدالته ومعرفته لا يحكي إلاّ ما علم ثبوته.

1 . سنن أبي داود: 3 / 254، برقم 3374 ; مسند أحمد: 2 / 376 ; جامع الأُصول: 1 / 527 ، برقم 346 ـ 347 ; الخلاف للشيخ الطوسي: 3 / 155، المسألة 345 من كتاب البيوع .

صفحه 80
في الحكم إذا عُلّق على علّته   
قال: مسألة: إذا علّق حكماً على علّة عمّ بالقياس شرعاً لا بالصيغة.
وقال القاضي: لا يَعُمُّ.
وقيل: بالصيغة، كما لو قال: حَرَّمت المسكر; لكونه حلواً.
لنا: ظاهرٌ في استقلال العلّة، فوجب الاتباع، ولو كان بالصيغة لكان قول القائل: «أعتقت غانماً; لسواده» يقتضي عتق سُودان عبيده; ولا قائل به .
القاضي: يحتمل الجزئية .
قلنا: لا يُترك الظاهر للاحتمال.
الآخر: «حَرَّمتُ المسكر لإسكاره» مثل: «حرّمت الخمر لإسكاره» .
وأجيب: بالمنع.*
* أقول: اختلف الناس في الحكم إذا عُلِّق في بعض موارده على علته .
قال قوم: إنّه يعمّ في كل موارد العلّة، وقال آخرون: لا يعمّ، والقائلون بالعموم منهم من قال: إنّه يعمّ من حيث الصيغة، ومنهم من قال: إنّه يعمّ من حيث الأمر بالقياس، وهو مذهب المصنف، مثال ذلك إذا قال: حَرّمتُ المسكرَ لكونه حلواً .
واستدل المصنف على مذهبه أمّا على عمومه [ فلأنّ قوله: حرمت المسكر لكونه حلواً، ظاهرٌ في تعليل التحريم بالحلاوة على سبيل الاستقلال إذ لو كان جزء العلّة لكان من الواجب ذكرها وإذا كانت الحلاوة مستقلة بالعلّية وجب   2

صفحه 81
<--- اتباعها 1] .
وإمّا أنّه لا يدل على العموم من حيث الصيغة فلأنّه لو كانت الصيغة تدل على العموم لكان قول القائل: «اعتقت غانماً لسواده» دالاً على عموم العتق في كل اسود، وليس كذلك اتفاقاً .
واحتج القاضي: بأن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «حرمت المسكر لكونه حلواً» يحتمل الجزئية أي يحتمل أن يقال: المراد منه: «حرمت المسكر لكونه حلواً مسكراً» لا بمجرد الحلاوة، فلا يدل على العموم.
والجواب: أن العموم ظاهر وما ذكرتموه محتمل، ولا نترك الظاهر بالمحتمل.
واحتج القائل الآخر وهو الّذي يذهب إلى أنّه يدل على العموم من حيث الصيغة: أنَّ قول القائل: «حرمت المسكر » مثل قوله: «حرمت الخمر لاسكاره» ولماكان الأول يقتضي العموم من حيث الصيغة فكذلك الثاني .
والجواب: المنع من المساواة.2

1 . جاءت الفقرة في نسخة «ب» كالآتي: [ فلأنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا علّق حكماً على علّة كان ذلك ظاهراً في استقلال العلّة في ايجاب ذلك الحكم فوجب اتباعه ].
2 . إن المستدل على التعميم بالصيغة يسعى أن يبرهن على ما يرمي إليه بالتساوي فهو يدّعي أن قولك: «حرمت المسكر» يفيد العموم بالصيغة ـ أو باللفظ ـ كذلك قولك: «حرمت الخمر لاسكارها» لأن معنى العبارتين واحد.
وأجاب المصنّف أن التساوي هنا ممنوع لأن قولك: «حرمت الخمر لإسكارها» يفيد العموم بالعلّة في حين أن قولك: «حرمت المسكر» يفيد العموم باللفظ ـ بالصيغة ـ فمن أين جاء التساوي؟! هذا وإن أردت التساوي في افادة عموم الحكم فهو صحيح لكنه خارج عن محط النزاع.
تنبيه:
قد وردت العبارة في النسخ: «ألف» و «ب» و «ج» في المثال الثاني كالآتي: «حرمت المسكر لإسكاره»، والصحيح ما اثبتناه.

صفحه 82
قال: مسألة: الخلاف في أنّ المفهوم: «له عموم» لا يتحقق لأنَّ مفهوميّ الموافقة والمخالفة عامٌ فيما سوى المنطوق به، ولا يختلفون فيه.
ومن نفى العمومَ كالغزّاليّ، أراد أنَّ العموم لم يَثبت بالمنطوق به، ولا يختلفون فيه أيضاً. *
* أقول: المفهوم أمّا أن يكون مفهوم الموافقة وأمّا أن يكون مفهوم المخالفة، مثال الأول: الحكم بتحريم ضرب الأبوين بمفهوم تحريم التأفيف، ومثال الثاني: عدم إيجاب الزكاة في المعلوفة لإيجابها في السائمة .
إذا عرفت هذا فنقول: اختلفوا في المفهوم هل له عموم أم لا؟ بعد تسليم كونه حجّة، واثبته جماعة، ونفاه الغزالي1، وهذا الخلاف لفظيٌ لأنّه لا خلاف في أنّ الحكم عام فيما سوى المنطوق لأتفاقهم على تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى وعلى عدم إيجاب الزكاة في المعلوفة .
العطف على العام هل يقتضي عموم المعطوف أم لا ؟   
نعم لا خلاف في أنّ اللفظ لم يدلّ بمنطوقه على تحريم الضرب ولا على عدم إيجاب الزكاة في المعلوفة .2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول : 2 / 200، 518، 521 ; المستصفى: 2 / 140 ـ 141 .
2 . فإنَّنا لانتمسك باللفظ في المقام بل بالسكوت فإذا قال: في سائمة الغنم زكاة، فنفي الزكاة عن المعلوفة ليس باللفظ; وهكذا في قوله تعالى: (فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ) (الإسراء: 23)، فإنّه دل على تحريم الشتم مثلاً لا باللفظ المنطوق حتّى نتمسك بعمومه، إذن الدلالة هنا عقلية لا بمعنى الاستغناء عن اللفظ تماماً.

صفحه 83
قال: مسألة: قالت الحنفية: مِثلُ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقتل مُسلمٌ بكافر ولا ذو عهد في عهده» : معناه «بكافر» ; فيقتضي العموم إلاّ بدليل، وهو الصحيح.
لنا: لو لم يُقدَّر شيءٌ لامتنع قتله مطلقاً، وهوباطل; فيجب الأوّل للقرينة.
قالوا: لو كان ذلك، لكان: «بكافر» الأوَّل ـ للحربي فقط; فيفسد المعنى ; ولكان (وَبُعُولَتُهُنَّ) للرجعية والبائِن; لأنّه ضمير (وَالْمُطَلَّقَاتُ) .
قلنا: خُصَّ الثاني بالدليل .
قالوا: لو كان، لكان نحو: «ضربت زيداً يوم الجمعة، وعَمَراً» أي: يوم الجمعة.
وأُجيب: بالتزامه، وبالفرق بأن ضرب عمرو في غير يوم الجمعة لا يمتنع. *
* أقول: العطف على العام هل يقتضي عموم المعطوف أم لا؟ اختلفوا، فاوجبه الحنفية ونفاه الجماهير1 ; ومثاله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقتل مسلمٌ بكافر ولا ذو عهد في عهده»2 فإن ذا العهد معطوف على المسلم فيكون حكمه حكمه في   2

1 . كذا في جميع النسخ.
2 . سنن الترمذي: 2 / 433 ; مسند أحمد: 2 / 180 ; سنن ابن ماجة: 2 / 887 ; سنن البيهقي: 3 / 92 ; فتح الباري: 13 / 36 ; سنن الدارقطني: 3 / 79 .

صفحه 84
<--- العموم والخصوص لاشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم وصفته، فيصير التقدير: «ولا ذو عهد في عهده بكافر» ولمّا كان الكافر الثاني المراد منه الحربي ضرورة أنّ ذا العهد يُقتل بذي العهد فوجب أن يكون الأول المراد منه أيضاً الحربي، لأنّه لو كان المراد مطلق الكافر لكان الثاني كذلك.
هذا مذهب الحنفية ويظهر منه ان الكافر في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لايقتل مسلم بكافر» ليس عامّاً; وكلام المصنّف يدل على أنهم يسلّمون أن الكافر المراد منه العموم حتّى لا يقتل المعاهد بالكافر حربياً كان أو ذمّياً إلاّ إذا خُصّ بدليل، وإليه أشار بقوله: «فيقتضي ـ أي: العطف ـ العموم» يعني 1 عموم الكافر المقدّر المعطوف على الأوّل الّذي هو عامٌّ إلاّ بدليل.
واحتجّ المصنف على مذهب الحنفية بأنّه إن لم يُقدَّر شيءٌ امتنع قتل ذي العهد مطلقاً، هذا خلف، وإن قُدِّر فيجب تقدير الأول لوجود القرينة الدالة عليه وهي دلالة سياق الكلام على أنّ المقدَّر هو الكافر، وإذا وجب تقدير الكافر فيعمّ إلاّ إذا خُصّ بدليل .
قالوا: لو كان الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في العموم والخصوص واجباً لكان قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بكافر» الأول المراد منه الحربي لا غير، لأنّ ذا العهد يقتل بالكافر غير الحربي، ولو كان كذلك لفسد المعنى لأنّ المسلم لا يقتل بالكافر مطلقاً سواء كان حربياً أو غير حربي. وأيضاً لو كان كذلك لكان قوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ)2 يتناول الرجعية والبائن لأنّ الضمير   2

1 . مغني المحتاج: 4 / 16 ; الحاوي الكبير: 12 / 15 ; الفقه على المذاهب الأربعة: 5 / 284 .
2 . البقرة: 228 .

صفحه 85
<--- فيه يرجع إلى المطلَّقات كما أنّ المعطوف عليه وهو المطلقات شامل لهما، ولمّا لم يكن كذلك علمنا أنّ المعطوف لا يساوي المعطوف عليه في العموم والخصوص.
والجواب: المنع من الملازمتين المذكورتين في الآية والخبر لأنّا إنّما خصصنا في الخبر والآية، المعطوفَ بما خُصص به لوجود الدليل لا من حيث الصيغة .
قالوا: لو كان كذلك لكان العطف على الفعل المتخصص في الظرف يقتضي التخصص به كما تقول: «ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً» أي يوم الجمعة، وليس كذلك.
والجواب: إنّا نلتزم ذلك، وبالفرق بين الصورتين1 فإنَّ ضرب عمرو في غير يوم الجمعة غير ممتنع بخلاف ما ذكرناه من الصورة.

1 . قد ورد ما يأتي في متن نسخة «ب»، وأما في نسخة «أ» فورد في الهامش; وبما أن المتن في نسخة «أ» تام يتبين أن ما ورد في هامشها أضيف للتوضيح ولذلك ندرج الفقرة في الهامش كما يلي: [ لأن الدليل الّذي ذكرناه هناك لا يتمشَّى هاهنا، لأن ضرب عمرو لا يمتنع ابقاؤه على عمومه وعدم تخصيصه بيوم الجمعة لأن ضرب عمرو في غير يوم الجمعة غير ممتنع بخلاف ما ذكرناه من الصورة. ويظهر من هذا أن المصنّف يذهب إلى المساواة في التخصيص بين المعطوف والمعطوف عليه إذا كان ترك التخصيص يوجب فساد المعنى كالحديث، وإليه أشار بقوله: مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)].

صفحه 86
قال: مسألة:
مثل: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)1، (لَئِنْ أَشْرَكْتَ )، ليس بعام للأُمّة إلاّ بدليل من قياس أو غيره .
وقال أبو حنيفة وأحمد: عامٌ إلاّ بدليل.
لنا: القطع بأن خطاب المفرَد لا يتناول غيره لُغَةً.
وأيضاً: يجبُ أن يكون خُروج غيره تخصيصاً.
قالوا: إذا قيل لمن له منصب الاقتداء: «اركبْ لمناجزة العدو» وغيره، فُهِمَ لغةً: أنّه أمرٌ لأتباعِهِ مَعَهُ. ولذلك يقال: «فَتَحَ وكَسَرَ» والمرادُ: مع أتباعه .
قلنا: ممنوعٌ، أو فُهِم، لأن المقصود متوقفٌ على المشاركة; بخلاف هذا.
في الخطاب المصدَّر بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   
قالوا: (إِذَا طَلَّقْتُمُ) يدل عليه.
قلنا: ذُكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أوّلاً للتشريف، ثم خوطب الجميع .
قالوا: (فَلَمَّا قَضَى) ولو كان خاصَّاً لم يتعدّ.
قلنا: نقطع بأنّ الالحاق للقياس.
قالوا: فمثِلُ: (خَالِصَةً لَكَ)، (نَافِلَةً لَكَ) لا يفيد.

1 . المزمل: 1 .

صفحه 87
قلنا: يُفيدُ قَطْعَ الإلحاق.*

[ في الخطاب المصدَّر بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ]

* أقول: اختلف الناس1 في الخطاب الّذي صُدّر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هل هو عام فيه وفي أُمّته أو ـ هو ـ خاص به ولا يعم أمته إلاّ بدليل خارجي؟ فذهب الاكثر إلى أنّه خاص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والعموم إنّما يستفاد من أمر خارج عن اللفظ 2. ونُقل عن أبي حنيفة وأحمد أنّهما قالا: إنّه يقتضي التعميم إلاّ أن يدل دليل على أنّ المراد هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أُمّته وذلك مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)، «يَا أَيُّهَا النَّبي (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)»3.
والدليل على ما ذهب إليه الجمهور من وجهين :
الأول: إنّ الخطاب الأفرادي لا يتناول الجمع من حيث اللغة فلا يكون عامّاً.
الثاني: أنّه لو كان للعموم لكان إخراج غيره تخصيصاً لذلك الخطاب وهو باطل فإنّه لم يقل أحد بأنّ الدليل إذا دلّ على أنّ الأُمّة غير مرادين من قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) يكون ذلك الإخراج تخصيصاً .4
احتج المخالف بوجوه:
الأوّل: أنّ العادة في الاستعمال العرفي أن السلطان إذا أمر العظيم من   2

1 . انظر: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 180 ; الإحكام للآمدي: 2 / 371 .
2 . في نسختي «ب» و «ج»: [ من قياس الأُمّة عليه وغيره ] .
3 . الزمر: 65 .
4 . وفي نسخة «ب»: [... تخصصاً] .

صفحه 88
<--- اتباعه بالسعي إلى العدو ومحاربته فإنّه أمر لاتباع ذلك العظيم، ولأجل ذلك يقال: «فتح الوزير المدينة وكسر العدو»، وليس ذلك الفعل حاصلاً منه بانفراده .
والجواب المنع من هذه العادة1.
سلّمنا، لكن فهم المشاركة لم تحصل هاهنا من [ أمر ] 2 العظيم بل من حيث إنّ المقصود يحصل بالمشاركة بخلاف ما نحن فيه .
الثاني: إن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)3 صُدِّر الخطاب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ عممه بعد ذلك، وذلك يدل على أن كلّ خطاب صُدِّر بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه غير منحصر فيه إلاّ بدليل من خارج .
والجواب: أنّ الخطاب هاهنا صُدِّر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تشريفاً له ثمّ خوطب الجميع.
الثالث: قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ)4 نفي الحرج ليقتدي به الناس وكان ذلك عامّاً.
والجواب: القطع بأنّ الالحاق إنّما هو بالقياس لأَنّ قولَه: «لئلا يكون على المؤمنين حرج» ليس فيه دلالة على أنّ نفي الحرج من مدلولات قوله تعالى: (زَوَّجْنَاكَهَا) بل حاصله أنّ رفع الحرج عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لمقصود رفع الحرج عن المؤمنين، وذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة دفع الحاجة وحصول   2

1 . وفي نسختي «ب» و «ج» ورد الجواب كالآتي: [ المنع من الفهم لغة ولهذا يصح أن يقال: أمر المقدّم ولم يأمر الاتباع ] .
2 . في نسختي «ب» و «ج» فقط.
3 . الطلاق: 1 .
4 . الأحزاب: 37 .

صفحه 89
<--- المصلحة، وعموم الخطاب غير متعيّن لذلك .
الرابع: لو لم يكن للعموم لكان التقييد في قوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)1 وفي قوله: (وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ)2 بتخصيصه غير مفيد .
والجواب: أنّ الفائدة في هذه التقييدات قطع الالحاق به وقياس الناس عليه.

1 . الأحزاب: 50 .
2 . الإسراء: 79 .

صفحه 90
قال: مسألة: خطابه لواحد ليس بعامّ، خلافاً للحنابلة.
لنا: ما تقدم مِن القطعِ ولزوم التخصيص، ومن عَدَم فائدةِ: «حُكَمي عَلَى الواحد...» .
قالوا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ)، «بعثت إلى الأسودِ والأحمر»، يدلّ عليه .
وأجيب: بأنّ المعنى تعريف كُلّ ما يختص بِهِ، ولا يلزمُ اشتراكُ الجميع.
قالوا: «حُكمي على الواحد حُكَمي على الجماعة» يأبى ذلك.
قلنا: محمول على أَنّه: «عَلَى الجماعة بالقياس، أو بهذا الدَّليل»، لا أنّ خِطاب الواحد للجميع.
قالوا: نقطع بأنّ الصحابة حَكَمتْ عَلىَ الأُمة بذلك، كحُكُمِهِم بحكم ماعز في الزنا وغيره .
قلنا: إن كانوا حَكموا، للتَّسَاوِي في المعنى، فهو القياس، وإلاّ فخلاف الاجماع.
دلالة خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لواحد   
قالوا: لو كان خاصّاً، لكان: «تجزئُك، ولا تجزئ أحداً بعدك» وتخصيصُهُ عليه الصلاة والسلام خُزَيْمَةَ بقبولِ شهادتهِ وَحُدهُ ، زيادةٌ من غير فائدة.1

1 . بحار الأنوار: 2 / 272 ; شرح سنن النسائي للسيوطي: 2 / 188 ; عوالي اللآلي: 1 / 456، برقم 197، و ج 2 / 98، برقم 270 .

صفحه 91
قلنا: فائدتهُ: قطع الإلحاق، كما تقدم.*

[ دلالة خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لواحد ]

* أقول: اختلف الناس في أنّ خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لواحد هل هو بعينه خطاب لغيره من الناس أم لا؟
فذهب الجمهور إلى أنّه ليس بعامّ وإنّما يتناول من خوطب به، وذهبت الحنابلة وجماعة أخرى إلى أنّه عَامٌّ .
واستدل المصنف على أنّه ليس بعامٍّ بوجوه:
الأوّل: بما تقدم من القطع بأنّ الخطاب الّذي يتناول المفرد لا يتناول الجمع من حيث اللغة فلا يكون عامّاً .
الثاني: ومن لزوم التخصيص وهو أنّه لو كان عامّاً لكان إخراج غير مَنْ تناوله الخطاب تخصيصاً، وليس كذلك اتفاقاً .
الثالث: يلزم أن لا يكون لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» فائدةٌ، لأن التقدير أن حكمه على الواحد هو بعينه حكمه على الجماعة.1    2

1 . ما ورد في المتن هو الّذي جاء في نسختي «ب» و «ج»، والّذي ورد بدل ذلك في نسخة «أ» لا يخلو من ارباك واضطراب وهو كما يلي:
[... فإذا انضم القطع بأن الخطاب الافرادي لا يتناول الجمع إلى أن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» غير مفيد للمطلوب، ثم المراد من عدم العموم وبيان عدم فائدة «حكمي على الواحد» للمطلوب ما سيأتي ].

صفحه 92
<--- احتجوا بوجوه :1
أحدها: قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ)2 وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بعثت إلى الاسود والأحمر» أي: العرب والعجم أو الإنس والجن! على ما قيل، فإنّ هذين النصّين يدلان على أنّ حكمه غير مختص بواحد دون آخر .
والجواب: أَنّ المعنى من ارساله إلى كافة الناس وبعثته إليهم تعريف كلّ واحد منهم ما يختص به كالحائض والطاهر والمقيم والمسافر وغير ذلك لا أنّ كلّ وأحد من أُمته يشارك الآخر في أحكامه .
الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» 3 يأبى تخصيص أحد من الأُمة بالحكم .
والجواب: أن الحكم هوالخطاب وقد بيّنا أنّ الخطاب الإفرادي لا يتناول الجميع فالمعنى الحاق الجميع بالواحد بالقياس أو بهذا النص لا بعموم الخطاب.
الثالث: إجماع الصحابة على عموم وقائعه (صلى الله عليه وآله وسلم)، في أحكام جزئية لاشخاص معدودة وذلك أنّهم حكموا بوجوب الرجم في الزنا لحكمه (صلى الله عليه وآله وسلم)   2

1 . استدل المصنّف على صحة ما ذهب إليه الجمهور من أنَّ خطاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لواحد بعينه ليس بعام وإنّما يتناول من خوطب به .
ثم أتى على عرض أدلّة الحنابلة وجماعة أُخرى للبرهنة على صحة ما ذهبوا إليه بقوله: «احتجوا بوجوه» ثم الرد عليهم .
2 . سبأ: 28 .
3 . مسند أحمد: 1 / 250 ; مجمع الزوائد للهيثمي: 8 / 258، باب عموم بعثه (صلى الله عليه وآله وسلم); فتح الباري: 11 / 62 .

صفحه 93
على ماعز1 بذلك، وضربوا الجزية على المجوس لضربه على مجوس هجر وغير ذلك من الوقائع.
والجواب: أنّ حكمهم بذلك أمّا أن يكون مع معرفتهم بالتساوي في السبب أو لا؟ والثاني خلاف الاجماع، والأول هو القياس بعينه، فالحاصل أنّ الإِلحاق إنّما كان بسبب القياس لا بعموم الخطاب .
الرابع: لو لم يكن حكمه على الواحد عامّاً في حقّ الكل لكان قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأبي بردة 2 لمّا ضحّى بعَناق 3: «يجزيك ولا يجزي أحداً بعدك» 4 لا فائدة فيه فإنّ عدم الحاق غيره به مستفاد من الأصل، 5 وكذلك تخصيصه (صلى الله عليه وآله وسلم): لخزيمة بقبول شهادته، غير مفيد .
والجواب: إن الفائدة قطع الإلحاق والقياس على من خصصه (صلى الله عليه وآله وسلم)كما تقدم.6

1 . ماعز بن مالك الأسلمي، هو الّذي أتى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)معترفاً بالزنا، فرجمه. لاحظ أُسد الغابة: 4 / 8، برقم 4558 .
2 . أبو بردة: هو هانئ بن نيار بن عمرو، حليف الأنصار، غلبت عليه كنيته، وهو خال البراء بن عازب، شهد العقبة وبدراً وسائر المشاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مات سنة 45 هـ في أوّل زمان معاوية بعد شهوده مع علي (عليه السلام)حروبه كلها، لاحظ: أسد الغابة: 5 / 53 .
3 . العَنَاق [ ج: أعْنُقَ ] انثى أولاد المعز والغنم من حين الولادة إلى استكمال الحول .
4 . البخاري: كتاب العيدين برقم 955، وكتاب الاضاحي برقم 5556، باختلاف بالنص.
5 . المراد من «الأصل» هنا هو انتفاء عموم الخطاب، لو سُلِّم بالانتفاء جدلاً .
6 . فقد تقدم [ ص 91 ] من أن الإلحاق إنّما كان بسبب القياس لا بعموم الخطاب، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)خصصه بالحكم لقطع الإلحاق بسبب القياس لا لقطع الإلحاق بعموم الخطاب; وبذلك ينتقض الاستدلال في الوجه الرابع.

صفحه 94
   
قال: مسألة: جمع المذكر السالم كـ (الْمُسْلِمِينَ)، ونحو «فعلوا» ـ ممّا يُغلَّبُ فيه المُذَكّرُ ـ لا يدخل فيه النساء ظاهراً; خلافاً للحنابلة.
لنا: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ)1 ، ولو كان داخلاً لما حَسُن. وإن قدِّر مجيئُهُ للنصوصية، ففائدة التأسيس أولَى.
وأيضاً: قالت أُمُّ سَلَمَةَ: يا رسول الله، إنَّ النساء قُلْنَ: «ما نرى الله ذكرَ إلاّ الرِّجال»، فأنزل الله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ)، ولو كُنَّ داخلات، لَمْ يَصحَّ تقريرهُ للنفي.
وأيضاً: فإجماع العربية على أنَّه جمعُ المذكّر.
قالوا: المعروف تغليب الذكور.
قلنا: صحيحٌ، إذا قُصد الجميعُ، ويكون مجازاً.
فإن قيل: الأصلُ الحقيقة.
قلنا: يلزم الاشتراك، وقد تقدّم مثله.
قالوا: لو لم يدخلنَ، لما شاركنَ المذكّرين في الأحكام.
قلنا: بدليل من خارج، ولذلك لم يَدخلن في الجهاد والجمعة وغيرها .
قالوا: لو أوصى لرجال ونساء بشيء، ثُمَّ قال: أوصيت لهم بكذا،

1 . الأحزاب: 35 .

صفحه 95
دخل النساء بغير قرينة، وهو معنى الحقيقة.
قلنا: بل بقرينة الإيصاء الأوّل. *

[ دخول النساء في الجمع المذكّر ]

* أقول: الجمع قسمان; جمع مذكر وجمع مؤنث. واتّفق الناس 1 على أنّ جمع المؤنث لا يدخل تحته المذكّر. وجمع المذكّر على قسمين: جمع تصحيح وجمع تكسير، والثاني اتفقوا على انّ المؤنث غير داخل تحته وإنّما النزاع وقع في جمع التصحيح كـ «المسلمين» ونحو «فعلوا» من المضمرات فقال المحققون: إنّه لا يدخل فيه النساء ظاهراً وإن جاز دخولهن فيه بقرينة، وخالفت الحنابلة في ذلك.
واستدل المصنف على عدم الدخول بوجوه :
الأول: قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) ولو كانت النساء داخلات تحت لفظة المسلمين لما حسن كما أنّه لا يحسن أن يقال: إنّ المسلمين والمسلمات إشارة إلى جماعتين، لا يقال: إنّه إنّما جيء به وان كان داخلاً تحت لفظ المسلمين لأجل التنصيص كما في قوله تعالى: (وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)2لأنّا نقول: إن فائدة التأسيس أولى من فائدة التوكيد.
الثاني: رُوي عن أُمّ سلمة أنّها قالت: يا رسول الله إنّ النساء قلن: «إنّ الله
تعالى ذكر الرجال ولم يذكر النساء» فنزل قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 184 ; الإحكام للآمدي: 2 / 375 .
2 . البقرة: 98 .

صفحه 96
<--- وَالْمُسْلِمَاتِ)فتقرير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النساء على ذلك النفي دليل على عدم الدخول.
الثالث: إجماع أهل اللسان على أَنّ هذا جمع المذكر والجمع تكرير الواحد فالواحد من هذا الجمع مذكر .
احتجوا 1 بوجوه :
أحدها: أنّ المعهود من عادة لسان العرب أن المذكَّر والمؤنث إذا اجتمعا غلب المذكر على المؤنث.
والجواب: أنّ هذا حق إذا قصد الجميع ـ اعني الرجال والنساء ـ ويكون مجازاً، أمّا إذا أُطلق ولم يعلم القصد فإنّه إنّما يتناول الذكور.
لا يقال: الأصل الحقيقة، وإذا كان مع القصد يتناول النساء على سبيل الحقيقة، كان مطلقاً على سبيل الحقيقة .
لأنّا نقول: لو كان حقيقة في المذكّر والمؤنث مع أنّه حقيقة في المذكر إجماعاً لزم الاشتراك، والأصل عدمه، وإذا تعارض الاشتراك والمجاز كان المجاز أولى لما تقدم .
ألفاظ العموم هل تعمّ المذكّر والمؤنث ؟   
وإلى رجحان المجاز على الحقيقة أشار المصنف بقوله: وقد تقدم مثله.2
الثاني: لو لم يدخلن لما شاركن المذكرين في الأحكام، والتالي باطل   2

1 . احتجاجات القائلين بأنَّ جمع المذكر السالم يدل على المؤنث أيضاً .
2 . قد تقدم في الجزء الأوّل من هذا الكتاب: ص 170، حيث قال: «إن الحق أن المجاز أولى لكونه أغلب...».

صفحه 97
قال: مسألة: مَنْ الشرطية: تشمل المؤنث، عِندَ الأكثر.
لنا: أنّه لو قال: «مَنْ دخل داري، فهو حُرٌّ»، عُتَقْنَ بالدخول.*
<--- اتفاقاً فإنّ قوله: (وأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)1 يتناول الذكور والاناث.
والجواب: الدخول إنّما استفيد من خارج لا من نفس اللفظ بدلالة عدم الدخول في الجهاد مع أنّه ورد بصيغة الجمع السالم وكذلك في الجمعة وغيرها من الأحكام المختصّة بالذكور.
الثالث: أن الإنسان لو أوصى لرجال أو نساء بشيء ثمّ قال: أوصيت لهم بهذا، انصرف الموصى به إلى الموصى لهم من الذكور والاناث من غير قرينة، ولا معنى للحقيقة سوى ذلك.
والجواب: لا نسلم عدم القرينة بل الإيصاء الأول قرينة دالة على الدخول.
* أقول: اختلفوا في ألفاظ العموم الّتي لا علامة فيها للتذكير والتأنيث كـ «مَنْ» في الشرط هل يعمهما أم لا؟ فاثبته الاكثر ونفاه جماعة يسيرة.
واحتجّ الجمهور 2 بأنّ القائل إذا قال: من دخل داري فهو حر، فإنّه معتق بهذا القول الذكور والإناث مع الدخول، وهذا إجماع، ولولا أنّه للعموم فيهما، وإلاّ لما صحّ ذلك.

1 . البقرة: 43 و 110 .
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 183 .

صفحه 98
في دخول العبد في ألفاظ العموم   
قال: مسألة:
الخطاب بـ «الناس»، و «المؤمنين»، ونحوهما: يشمل العبيد عند الأكثر.
وقال الرازي: إن كانَ لحقِّ الله.
لنا: أن العبد من الناس والمؤمنين قطعاً; فوجب دخُولُهُ.
قالوا: ثبت صَرْفُ منافِعِهِ إلى سيِّدهِ، فلو خُوطِبَ بصرفها إلى غيره لَتَنَاقَضَ.
رُدَّ: بأنّه في غير تضايُقِ العبادات ; فلا تناقض.
قالوا: ثبتَ خروجه مِنْ خطاب الجهاد والحجّ والجمعة وغيرها.
قُلنا: بدليل، كخروج المريض والمسافر. *
* أقول: اختلف الناس 1 في دخول العبد تحت الخطاب بالتكاليف بألفاظ العام كلفظة الناس والمؤمنين ونحوهما، فاثبته الجمهور ونفاه جماعة يسيرة، ونقل عن أبي بكر الرازي 2 أن العبد داخل تحت الخطاب بحقوق الله تعالى دون حقوق الناس .
والدليل على ما ذهب إليه الجمهور أنّ اللفظ عام للعبيد ولم يوجد مخصّص فوجب دخولهم تحته، أمّا عموم اللفظ فظاهر لأنّا نعلم قطعاً أنّ العبد من   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 352 ; المستصفى: 1 / 144 ; الإحكام للآمدي: 2 / 397 .
2 . يلاحظ أنّ العلاّمة الحلي في النهاية قال: «قال الرازي»، ولكنه هنا قال: «نقل عن الرازي».

صفحه 99
<--- الناس والمؤمنين، وأمّا أنّه لم يوجد مخصص فلأنّ البحث على هذا التقدير .1
وأمّا وجوب الدخول على ذلك التقدير فظاهر .
وأمّا الحمل على العموم على وجود هذا اللفظ فظاهر أيضاً.
احتجوا2 بأنه قد ثبت صرف منافع العبد إلى السيد، فلو خوطب بصرفها إلى غيره لزم التناقض .
والجواب: أنّ السيد ليس بمالك لجميع منافع العبد في كلّ وقت، فإن وقت تضايق العبادات لا يملك السيد منافع العبد، وعلى هذا التقدير لا يلزم التناقض .
واحتجوا أيضاً بأنّ العبد غير داخل تحت الخطاب بالجهاد والحجّ والزكاة وغيرها مع عمومها .
والجواب: أنّ خروجه عن هذه العبادات بدليل خاصّ كخروج المريض والمسافر.

1 . يريد أن التخصيص خلاف الأصل لأن الأصل عدمه. وقد وردت العبارة الّتي في نسختي «ب» و «ج» فقط بعد كلمة التقدير: «وأما وجوب الدخول على ذلك التقدير فظاهر» ويبدو أنها تعبير آخر عما ورد في المتن.
2 . حجة النافين دخول العبد تحت الخطاب.

صفحه 100
قال: مسألة: مثل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)1، (يَا عِبَادِي)2، يشمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عند الأكثر.
وقال الحليمي: إلاّ أن يكون معه: «قل» .
لنا: ما تقدّم .
وأيضاً: فهموهُ، لأنّه إذا كانَ لم يفعل (صلى الله عليه وآله وسلم)سألوه فيذكر التخصيص.
قالوا: لا يكون آمراً مأموراً، ومبلِّغاً مبلَّغاً بخطابِ واحد، ولأن الآمر أعلى ممن دونه.
قلنا: الآمر الله سبحانه، والمبلِّغ جبريل (عليه السلام).
قالوا: خُصّ بأحكام، كوجوب ركعتي الفجر، والضحى، والأضحى، وتحريم الزكاة، وإباحة النكاح بغير وليِّ ولا شهود ولا مهر، وغيرها.
قلنا: كالمريض والمسافر وغيرهما، ولم يخرجوا بذلك من العمومات.*
هل أن الخطابات العامّة تشمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)   

[ هل أن الخطابات العامّة تشمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)]

* أقول: إذا ورد خطاب على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بلفظ عامّ كقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، (يَا عِبَادِي)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) هل يشمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)   2

1 . البقرة: 21 .
2 . العنكبوت: 56 .

صفحه 101
أم لا؟
ذهب الجمهور إلى الدخول، ومنعه جماعة من الفقهاء. 1
ونقل عن الحليمي 2 وأبي بكر الصيرفي 3: انّ كلّ خطاب لم يصدَّر بالأمر بالتبليغ فهو داخل كهذه الآيات، وامّا إذا صُدِّر بالأمر بالتبليغ فلا، كقوله: «قل يا أيها الذين آمنوا» .
والدليل على ما ذهب إليه الجمهور وجهان :
الأوّل: ماتقدم من كونه لفظاً عامّاً غير مخصص، فوجب دخول من هو عامّ فيه مطلقاً .
الثاني: أن الصحابة فهموا دخول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت هذه الأوامر، والدليل عليه أنّهم كانوا يسألونه ـ إذا لم يفعل ـ عن السبب فيذكر المخصّص .4
ولولا أنّهم عقلوا دخوله تحت الخطاب، وإلاّ لما صحّ ذلك .
احتجوا5: بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لو كان داخلاً تحت الخطاب لكان آمراً   2

1 . المستصفى: 1 / 145 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 138 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 350 .
2 . الحليمي: الحسين بن الحسن بن محمد، أبو عبدالله، فقيه شافعيٌّ، كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر، مات في بخارى سنة 403 هـ ، لاحظ: الأعلام للزركلي: 2 / 235 .
3 . أبو بكر الصيرفي: هو محمد بن عبدالله المعروف بابن الصيرفي، فقيه شافعي، تفقّه على ابن سريج. توفي بمصر سنة 330 هـ . لاحظ: وفيات الأعيان: 4 / 199، برقم 574 .
4 . وفي نسخة «ج» اضافة كما يلي: [ كما في الصوم، فقال: «لست منكم ابيت...» الحديث وكما في الحج فقال: «إني سقت الهدي...» ]
5 . أي احتج المانعون من شمول الخطاب للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 102
<--- مأموراً ومبلِّغاً مبلَّغاً بخطاب واحد وذلك محال، ولأنّ شرط الآمر كون الآمر أعلى رتبة من المأمور، وذلك يُمنع في حقّ الواحد مع نفسه.
والجواب عن هذا: أنّ الآمر في الحقيقة هو الله تعالى والمبلغ هو جبريل(عليه السلام).
قالوا: خُصّ بأحكام كوجوب ركعتي الفجر والضحى والأضحى، وتحريم الزكاة وجواز النكاح من غير ولي ولا شهود و لا مهر وغير ذلك، وذلك يدلّ على حصول مرتبة ومزية له (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أُمته في الأحكام، فوجب أن لا يدخل تحت خطابهم .
والجواب: أن تخصيصه في بعض الأحكام لدليل خاصّ لا يخرجه عن عموم الخطاب، كما أنَّ خروج المريض والمسافر عن وجوب الصوم لا يخرجهما عن الدخول تحت الخطاب بغيره من الأوامر.
   

صفحه 103
قال: مسألة: مثل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ليس خطاباً لمن بعدهم; وإنّما ثبتَ الحُكمُ بدليل آخر من إجماع، أو نصٍّ، أو قياس; خلافاً للحنابلة.
لنا: القطع بأنّه لا يُقال للمعدومينَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) .
وأيضاً: إذا امتنع في الصبيّ والمجنون، فالمعدوم أجدر.
قالوا: لو لم يكن مخاطباً له، لم يكن مرسلاً إليه، والثانية اتفاقٌ.
وأُجيب: بأنّه لا يتعيّن الخطاب الشفاهي، بل لبعض شفاهاً، ولبعض بنصب الأدلة بأنّ حُكمهم حُكم من شافههم .
قالوا: الاحتجاج به دليل التعميم.
قلنا: لأنّهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر ; جمعاً بين الأدلة. *

[ تكليف المعدوم ]

* أقول: اختلفوا في مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)1، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)(2) ـ بعد اتفاقهم على تناوله الموجودين المكلفين حالة الخطاب ـ هل يدخل فيه من سيوجد ؟ لا على معنى أنّهم مكلّفون بما كُلف به الموجودون، فإنّ ذلك متفق عليه ولكن بمعنى أنّ الخطاب متناولاً لهم كتناول الموجودين؟ فذهبت المعتزلة إلى اختصاصه بالموجودين ووافقهم على ذلك جماعة من   2

1 . البقرة: 21 .   2 . التوبة: 34 .

صفحه 104
<--- الشافعية والحنفية، وهو مذهب الإمامية 1، وأنّ المعدومين حال الخطاب غير داخلين تحته إلاّ بدليل خارج. وذهبت الحنابلة وجماعة من الفقهاء إلى أنّ الخطاب المذكور متناول لمن بعدهم كتناول الموجودين .
واحتج النافون 2 بوجهين :
الأوّل: العلم الضروري حاصل بأنّ المعدوم ليس بانسان ولا مؤمن فلا يدخل تحت لفظة الناس، كما أنّ الملائكة لا يدخلون تحت هذا اللفظ .
الثاني: اتّفقوا على عدم دخول الطفل والمجنون تحت هذا الخطاب وإن إتصفا بالانسانية فالمعدوم أولى بعدم الدخول.
احتجّ المثبتون بوجهين:
الأوّل: لو لم يكن المعدوم داخلاً تحت الخطاب لم يكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مرسلاً إليه .
والتالي باطل اتفاقاً فالمقدّم مثله والشرطية ظاهرة، فإنَّ الرسول إنّما أُرسل إلى من يخاطبه ويكلفه فإذا لم يكن المرسل إليه من أهل التكليف والخطاب استحال إِرسال الرسول إليه .
في دخول المخاطب تحت عموم خطابه    
والجواب: أن الارسال يكفي فيه الخطاب مطلقاً وهو أعمّ من الخطاب   2

1 . ليست الإمامية في المسألة على رأي واحد، فراجع بهذا الصدد: نهاية الوصول إلى علم الأُصول للشارح المعظم : 1 / 594، و ج 2 / 193 ; والمحصول في علم الأُصول لشيخنا الأُستاذ السبحاني: 2 / 529 .
2 . يريد بالنافين: المعتزلة وجماعة من الشافعية والحنفية والإمامية.

صفحه 105
قال: مسألة: المخاطب داخل في عموم متعلّق خطابه عند الأكثر أمراً أو نهياً أو خبراً; مثل: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)  ، «مَنْ أحسن إليك فأكرمه»، أو «فلا تُهنه» .
قالوا: يلزمُ: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء).
قُلْنَا: خُصَّ بِالعَقْلِ. *
<--- شفاهاً ومنقولاً، ولو اشتُرط في الارسال الخطاب الشفاهي لما كان من لم يَرَ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مخاطباً ولا مرسلاً إليه، والتالي باطل اتفاقاً فالمقدّم مثله، فحينئذ المشترط هو مطلق الخطاب وهو يكون لبعض الناس شفاهاً ولبعضهم بالنقل وبنصب الأدلة بأنّ حكمهم حكمهم .
الثاني: قالوا احتجّت العلماء دائماً بمثل هذا الخطاب على أنّ المعدومين مخاطبين به، ولو لم يكن للعموم لما صحّ ذلك .
والجواب: أنّهم فهموا دخولهم تحته لا بهذا الخطاب بل بأدلة أُخر جمعاً بين الدليلين.
* أقول: ذهب الجمهور 1 إلى أن المخاطب داخل تحت عموم خطابه سواء كان خبراً مثل قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)2 أو أمراً مثل قول السيد لعبده: من أحسن إليك فأكرمه، أو نهياً كقوله: من أحسن إليك فلا تهنه.   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 483 و ج 2 / 348 ; العدّة في أُصول الفقه: 1 / 242 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 137 ; التبصرة: 73 ; المعتمد: 1 / 137 .
2 . البقرة: 29 .

صفحه 106
قال: مسألة:
في عموم قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً )   
مثل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ) لا يقتضي أخذ الصدقة من كلِّ نوع من المالِ، خلافاً للأكثر .
لنا: أنّه بصدقة واحدة يصدقُ أنّه أخذ صدقةً، فيلزم الامتثال.
وأيضاً: «فإنَّ كُلَّ دينار مالٌ»، ولا يجب ذلك بالإجماع .
قالوا: المعنى: «من كل مال»، فيجب العموم.
قلنا: «كُلٌّ» للتفصيل; ولذلك فُرِّق بينَ: «للرجال عندي درهمٌ» وبين «لكلِّ رجل عندي درهمٌ»، باتفاق.*
<--- والدليل عليه: أنّ اللفظ متناول له لكونه من ألفاظ العموم على ما مرّ ولم يوجد مانع يمنع من التناول فوجب المصير إليه .
وقد ذهب شذوذ إلى أنّه غير داخل فاستدلوا بقوله تعالى: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء)1 فلو كان المخاطب داخلاً تحت عموم خطابه لزم أن يكون الله تعالى خالقاً لنفسه [ وهو محال]،(2) هذا خلف .
والجواب: أنّ هذه الآية مخصوصة بدليل العقل فلا يلزم الاطراد.2
* أقول: اختلفوا 3 في قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)(5)   2

1 . الزمر: 62 .   2 . ليس في نسختي: «ب»، و «ج».
2 . أي: أنَّ الدليل العقلي قد خصص عموم هذه الآية فلا يلزم الاطراد ليدخل الباري أيضاً تحت هذا العموم .
3 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/201; الذريعة إلى أُصول الشريعة:278.   5. التوبة: 103.

صفحه 107
<--- هل يقتضي أخذ الصدقة الواحدة من كلّ نوع من أنواع مال كلّ واحد أو أخذ الصدقة الواحدة من نوع واحد من أنواع المال؟ فقال جماعة بالعموم وأنكره الكرخي.
واحتج المصنف على مذهبه بأنّه إذا أخذ صدقة واحدة من نوع واحد من أنواع المال صدق أنّه أخذ منها، ضرورة أنّ النكرة لا تعم فيلزم الامتثال. وأيضاً فـ [ إنّ ] كلَّ دينار بل كلَّ درهم يصدق عليه أنّه مال ولا يجب أخذ الصدقة منه بالاجماع فلو كان اللفظ عامّاً لوجب أخذ الصدقة منه، إلاّ مع وجود مانع، والأصل عدمه .
واحتج الأوّلون 1 بأنّ المعنى من كلّ مال من حيث إنّه جمع مضاف، والجمع المضاف قد ثبت أنّه للعموم .
والجواب: أنّ الفرق حاصل لأنّ كلاًّ من الفاظ العموم دالَّة على التفصيل ولهذا وقع الفرق بين قول القائل: «للرجال 2 عندي درهم» وبين قوله: «لكلّ رجل عندي درهم» بالاتفاق فاوجبوا تعدد الدراهم في الصورة الثانية دون الأولى ; وعندي في ذلك نظر .3

1 . يعني الجماعة القائلة بتعميم كل نوع .
2 . وردت العبارة التالية بعد كلمة «الرجال» في نسخة «ج» فحسب:
[ ومن منع مطابقة المثال لما فيه النزاع فقد قال إنَّ الإضافة لا مدخل لها فيه للاتفاق على الفرق أيضاً بين قوله: «لجيراني عليّ درهم» و «لكل جار عليّ درهم عندي درهم» وبين قوله: «لكل رجل عندي درهم» بالاتفاق ].
3 . ولعلّ النظر ينشأ من أنَّ التمثيل خاطئ لأنَّ المقصود بالمال هو النصاب فيؤخذ من كل نصاب بحسبه، وأين هذا من التمثيل ؟

صفحه 108
   
قال: مسألة: العام بمعنى المدح والذم ; مثل: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم )، (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) عامٌ.
وعن الشافعي خلافه.
لنا: عامٌّ، ولا منافي; فعمَّ كغيره.
قالوا: سيقَ لقصدِ المبالغة في الحثّ أو الزجر، فلا يلزم التعميم.
قلنا: التعميم أبلغُ .
وأيضاً: لا تنافي بينهما. *
* أقول: العامُّ المأتي به للمدح أو الذم كقوله تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم )1، وقوله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم )2 عام عند الأكثر .
وذهب الشافعي إلى أنّه ليس بعامٍّ .3
واستدلّ المصنّف على مذهبه بأنّه لفظ وضع للعموم ولا منافي لإرادته، فيعمّ كغيره من الألفاظ .
أمّا كون اللفظ للعموم فلأنّا نتكلم في ذلك، وأمّا عدم المنافي فلأنّ المنافي ليس إلاّ المدح والذم، وهو غير صالح للمانعية من العموم فإنّه لا استبعاد في   2

1 . الانفطار: 13 ـ 14 .
2 . التوبة: 34 .
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 259 ; التبصرة: 193 ; العدة في أُصول الفقه: 2 / 438 .

صفحه 109
قال: التخصيص: قصرُ العامِّ على بعض مسمياته.
أبوالحسين: إخراجُ بعض ما يتناولهُ الخطاب عَنْهُ، وأراد: ما يتناوله بتقدير عدم المخصّص، كقولهم: «خُصِّص العام».
وقيلَ: تعريف أنّ العمومَ للخصوصِ.
وأُورِدَ الدَّورُ.
وأُجيب: بأنَّ المُرَادَ في الحدِّ: التخصيصُ اللغويُّ.
ويُطلقُ التخصيص على قصر اللفظ وإن لم يكن عامّاً، كما يُطلق عليه: «عامٌّ» لتعددِهِ ; كـ «عشرة»، و «المسلمين» لمعهودين، وضمائر الجمع.
ولا يستقيم تخصيصٌ إلاّ فيما يستقيم توكيدُهُ بـ «كُلِّ».*
<--- إرادة العموم مع إرادة أحدهما .
قال الشافعي: إن هذا اللفظ ليس المقصود منه العموم وإنّما سيق لقصد المبالغة في الحث على الطاعة أو الزجر عن المعصية فلا يلزم التعميم .
والجواب: أنّ المبالغة مع العموم أبلغ فيجب الحمل عليه، وأيضاً فقد بيّنا عدم التنافي بينهما فيجب إرادتهما معاً لوجود المقتضي.

[ التخصيص ]

* أقول: لما فرغ من البحث عن العموم وأحكامه شرع في البحث   2

صفحه 110
<--- عن المخصوص، وقبل ذلك شرع في معنى التخصيص وقد حدّه المصنّف: «بأنّه قصر العام على بعض مسمياته»، وعليه مأخذان لفظيّان:
الأوّل: أنّه يخرج عنه الإخراج من اسماء العدد عمّا ثبت لها كقولك: «أكرم هؤلاء العشرة إلاّ زيداً» فإنّ هذا تخصيص مع أنّه ليس بقصر للعام، ضرورة أنّ أسماء العدد ليست من الفاظ العموم عنده .
الثاني: قوله: «على بعض مسمياته» يشعر بأن كلّ فرد من أفراد العموم مسمى بالعموم وهو فاسدٌ .
وقد عرّفه أبو الحسين 1 بأنّه: إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه،2 وأراد: ما يتناوله بتقدير عدم المخصّص، وإلاّ لزم التناقض 3 .   2

1 . المعتمد: 1 / 234 .
2 . في نسختي «ب» و «ج» زيادة:
[ أي عن الخطاب ] ويبدو أنها اضيفت للتوضيح .
3 . في نسختي «ب» و «ج» وردت العبارة التالية بعد كلمة: «وإلاّ لزم التناقض»: [وذلك كما يقولون: «خصص العام» فإنّ مرادهم أنّه إخراج بعض ما يتناوله بتقدير عدم المخصّص، لأنّ مع وجود المخصّص لا يتحقق الإخراج; أمّا عند أرباب الخصوص فلأن الخطاب عندهم يحمل على أقل ما يحتمل اللفظ فلا يتصور فيه الإخراج وأمّا عند أرباب الاشتراك فلأن العمل باللفظ المشترك في بعض محامله ليس بإخراج لبعض ما تناوله الخطاب بل هو استعمال اللفظ في بعض محامله دون بعض، وأمّا عند القائلين بالعموم فلأن اللفظ عندهم حقيقة في الاستغراق ومجاز في الخصوص، فإن لم يقم الدليل على مخالفة الحقيقة وجب اجراء اللفظ على جميع محامله من غير إخراج وإن قام وجب حمله على المجاز أعني الخصوص والاخراج حينئذ، فظهر أنَّ قولهم: العام مخصوص، مجاز بناء على تفسير أبي الحسين ولا يستقيم إلاّ بإضمار على ما ذكره المصنّف ].

صفحه 111
<--- وقد عرفه قوم بأنّه: «تعريف أنّ [ لفظ ] العموم للخصوص»1 .
وأُورد عليهم لزوم الدور، واعتذروا عنه بأنّ المذكور في الحدّ التخصيص اللغوي، والمحدود هو الصناعي .
واعلم أنّ التخصيص يطلق على قصر اللفظ على بعض أفراد مايتناوله، وإن لم يكن عامّاً كما يطلق عليه العام لتعدده وتكثّره، كقولنا: «عشرة» وقولنا: «المسلمون» لقوم معهودين وضمائر الجمع لمعهودين أيضاً، وهو إشارة إلى ما ذكرناه أوّلاً.
واعلم أنّ التخصيص غير صالح لكلّ عام 2 بل إنّما يصحّ فيما يدخله الشمول والعموم وهو كلّ ما يصحّ توكيده بكلّ، سواءٌ كان ذلك معنى أو لفظاً لأنّ التخصيص صرف اللفظ من العموم إلى الخصوص، وما لا شمول له فلا يُتصور فيه هذا الصرف .
 

1 . يريد أن التخصيص هو تعريف أن المقصود من العام بعض افراده. وبحسب الآمدي: [ هو تعريف أن المراد باللفظ الموضوع للعموم حقيقةً إنّما هو الخصوص ]. الإحكام: 2 / 300 .
2 . وفي نسختي «ب» و «ج»: [ لكل لفظ ] .

صفحه 112
قال: مسألة : التخصيص جائز إلاّ عند شذوذ.*
* أقول: اتّفق القائلون1 بالعموم على صحّة التخصيص إلاّ عند شذوذ منهم حتى أن بعض الناس تمادى في ذلك وقال: كل عامّ قد دخله التخصيص، إلاّ قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ )2.
حجّة الجمهور الوقوع، فإن قوله تعالى: (وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)3مخصوص، وكذلك قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيء)4 وغير ذلك.
احتجّ الأقلُّون بأنّ التخصيص في الخبر يوجب الكذب، وفي الأمر يوجب البَداءَ .
في غاية التخصيص   
والجواب: أنَّ مع الاحتمال للتخصيص ووجود الدليل لا إيجاب لما ذكرتم، كما في المجاز .5

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 212 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 189 .
2 . البقرة: 29 .
3 . المائدة: 120 .
4 . النمل: 23 .
5 . أما أنّه يوجب الكذب حيث أن فيه مخالفة المخبر للخبر، فغير سليم لأنّه ـ على الصحيح ـ كانت هناك مصلحة في ورود الخبر عامّاً قبل التخصيص، كما أنّه ـ وبعد فترة ـ نشأت مصلحة أُخرى اقتضت تخصيصه، فمع هكذا اقتضاءات لا يبقى معنى محصل للكذب في محط الكلام .
وكذلك لا معنى للقول بأن التخصيص في الأمر يوجب البداء! لأن البداء لا يجري إلاّ في التكوينيات .
على أن في بعض المصادر وردت كلمة «النسخ» بدل كلمة «البداء»، وهنا أيضاً المؤاخذة لا ترد لأن «النسخ» غير التخصيص حيث إن النسخ ابطالٌ لأصل الحكم بعد العمل به في حين أن التخصيص خروج بعض افراد الحكم من تحته مع بقاء الحكم على ما كان عليه سواءً أعُمل به أم لم يُعمل.

صفحه 113
قال: مسألة:
الأكثر: أنّه لابدّ في التخصيص من بقاء جمع يقرب من مدلوله.
وقيل: يكفي ثلاثة. وقيل: اثنان. وقيل: واحدٌ.
والمختار: أنّه بالاستثناء والبدل، يجوز إلى واحد، وبالمتصل، كالصفة، يجوز إلى اثنين، وبالمنفصل في المحصور القليل، يجوز إلى اثنين مثل: «قتلت كل زنديق»، وقد قتل اثنين، وهم ثلاثةٌ، وبالمنفصل في غير المحصور أو العدد الكثير.
المختار: المذهب الأوّل.
لنا: أنّه لو قال: «قتلتُ كلَّ مَنْ في المدينة» وقد قتل ثلاثة عُدَّ لاغياً، وخطِّئ، وكذلك: «أكلت كلَّ رمانة» وكذلك لو قال: «من دخل» أو «أكلَ»، وفسره بـ «ثلاثة».
القائل باثنين أو ثلاثة: ما قيل في الجمع.
وردَّ: بأنَّ الجمع ليس بعام.
القائل بالواحد: «أكرم الناسَ إلاّ الجهّال».
وأجيب: بأنّه مخصوص بالاستثناء ونحوه.

صفحه 114
قالوا: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )، وليس محلّ النزاع.
قالوا: لو امتنع ذلك، لكان لتخصيصه، وذلك يمنع الجميع.
وأُجيب: بأنَّ المنعَ تخصيص خاصّ بما تقدّم.
قالوا: قال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ )، وأريد نُعَيْم بن مسعود، ولم يعد مستهجناً، للقرينة.
قلنا: «النّاس» للمعهود، فلا عموم.
قالوا: صحّ: «أكلت الخبز» و «شربت الماء»، لأقَلَّ .
قلنا: ذلك للبعض المطابق للمعهود الذهني، مثله في المعهود الوجودي، فليس من العموم والخصوص في شيء.*

[ في غاية التخصيص ]

* أقول: اختلف الناس 1 في أنّ التخصيص هل له نهاية لا يجوز التعدّي عنها ـ بعد اتفاقهم على أنّه لا يجوز التخصيص بحيث لايبقى من العام شيءٌ ـ أم لا؟ أمّا الفاظ المجازاة 2 والاستفهام فقد اتّفقوا على جواز انتهائها في التخصيص إلى الواحد 3 وأمّا غيرهما فقد قال أبو الحسين: أنّه لابدّ في جميع ألفاظ   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 213 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 226 ; المعتمد: 1 / 236 ; التبصرة: 125 .
2 . كذا في جميع النسخ، وفي بعض المصادر (المجازات)، وهو الصحيح.
3 . قال الشارح في نهاية الأُصول: «اتفق الناس كافة على جواز انتهاء التخصيص في الفاظ الاستفهام والمجازاة إلى الواحد، واختلفوا فيما عداهما...» نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 213 .

صفحه 115
<--- العموم المخصوصة من كثرة يراد منها ولا يجوز انتهاؤها إلى الواحد إلاّ على سبيل التعظيم مجازاً، وقال القفّال 1: أَنّه يجوز إنتهاؤها إلى ثلاثة لا أقل، وقد ذهب آخرون إلى أَنّه يُكتفى فيها بالاثنين، وقيل بالواحد.
واختار المصنّف أَنَّ التخصيص بالاستثناء والبدل يجوز إلى الواحد، والتخصيص بالمتصل غيرهما كالصفة يجوز إلى اثنين، وكذلك التخصيص بالمنفصل في العام المحصور كما يقول القائل: قتلت كل زنديق، وكانوا ثلاثة، وقيل اثنين.
وأمّا غير المحصور فاوجب بقاء عدد مشتمل على كثرة يقرب من مدلول العام، واحتجّ على الدعوى الأخيرة بالاستعمال فإنّ من قال: قتلت كلَّ من في المدينة، وكان قد قتل ثلاثة، عدَّه الناس لاغياً; وكذلك إذا قال: أكلت كل رمانة; وكذلك لو قال: من دخل داري، أو مَنْ أكل، وفسره بثلاثة. وإنّما عدّه الناس من قبيل اللغو لكون اللفظ الدّال على العام لا يصح استعماله فيه، فلو جاز التخصيص إلى حيث ينتهي العام إلى الثلاثة وغيرها من الاعداد الّتي لا يقرب استعمال العام منها لكان التخصيص يخرج اللفظ عن حقيقته ويوجب الغاء العام، والتالي باطل   2

1 . هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي القفّال الكبير (291 ـ 365 هـ)، من أكابر علماء عصره بالفقه والحديث واللغة، وعنه انتشر المذهب الشافعي في بلاده، رحل إلى العراق والشام والحجاز، له تصانيف منها: أُصول الفقه (مطبوع)، وشرح رسالة الشافعي. أنظر الاعلام:6 / 274 .

صفحه 116
<--- فالمقدم مثله.
احتجّ من قال بأَنّه يجوز التخصيص إلى الاثنين ومن قال يجوز إلى ثلاثة بما ذكرناه في الجمع أنّه يصح استعمال الجمع في الاثنين أو في الثلاثة على الخلاف.
والجواب: أنّ الجمع من هذا الباب 1 فإن صيغ الجمع المنكرة ليست عامة ولا يلزم من استعمالها في الاثنين والثلاثة استعمال صيغ العموم فيها .
واحتجّ من قال يجوز إلى الواحد بوجوه :
أحدها: أن من قال لعبده: أكرم الناس إلاّ الجهال، وجب إكرام مْنَ عدا الجهال وإن كان واحداً ; ولولا أنّ لفظ الناس يتناوله والاّ لما وجب الإكرام.
والجواب: أَنّ هذا مخصوص بالاستثناء ونحوه فإِنّا قد بيّنا أَنّه يجوز الانتهاء فيه إلى الواحد .
الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)2 ذكر صيغة العام مع أنّ المراد منها الخاص .
والجواب: أنّ هذا محمول على التعظيم، وليس ذلك محل النزاع.
الثالث: لو امتنع ذلك لكان إنّما يمتنع لكون العامّ قد خُصّ، وذلك لا يجوز لصيرورته مجازاً بعد التخصيص، لكن ذلك لو كان مانعاً في الواحد لكان مانعاً في كلّ تخصيص سواء كان الباقي عدداً أكثر أو لا؟ من حيث إنّ التخصيص يصيّر العام مجازاً، ولمّا كان ذلك باطلاً بالاتفاق فكذا ما ذكرتموه.   2

1 . أي: باب العام.
2 . الحجر: 9 .

صفحه 117
<--- والجواب: أن الممتنع إنّما هو تخصيص خاصّ، وهو التخصيص بحيث ينتهي إلى الواحد لا مطلق التخصيص، والفرق لما تقدم.1
الرابع: قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ)2 وأراد بالناس نُعيم بن مسعود3، ولم يُعد مستهجناً لأجل القرينة .
والجواب: أنّ «الناس» ليس للعموم والقرينة، وإنّما هو للعهد فلا يَرد نقضاً.
الخامس: الإستعمال، فإنّ من قال: أكلت الخبز وشربت الماء، صحّ استعماله فيما إذا أكل أو شرب أقل مأكول ومشروب .
والجواب: أنّ المراد من الخبز والماء البعض المطابق للمعهود الذهني وهو حقيقة في الخبز والماء من حيث هما هما فليس من العموم والخصوص لأنها4قابلة لهما لكن لمّا تعذر وجود الماهيّة في الخارج بدون فرد من افرادها حمل على ذلك البعض لضرورة الوجود فاللازم للبعض المطابق للمعهود الذهني مثله في المعهود الخارجي، لاشتراكها في عدم الاستغراق وإن افترقا بكون العهد الخارجي شخصياً لا يقبل الشركة، والمطابق للمعهود الذهني قابل .

1 . من لزوم اللغو.
2 . آل عمران: 173 .
3 . وهو الاشجعي الّذي قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سرّاً أيّام الخندق، فأسلم وكتم إسلامه، وعاد إلى الأحزاب المجتمعة لقتال المسلمين، فعمل على ايقاع القتال بين قبائل قريظة وغطفان وقريش. فتفرقوا، مات نحو سنة 30 هـ . الاعلام: 8 / 41 .
4 . أي الماهيّة وقد أشار إليها بقوله: «المعهود الذهني».

صفحه 118
في المخصّص المنفصل والمتصل   
قال: المُخصص: متصلٌ ومنفصلٌ.
المتصل: الاستثناء المتصل، والشرط، والصفة، والغايةُ، وبدلُ البعض .
والاستثناء في المنقطع:
قيل: حقيقة.
وقيل: مجازٌ.
وعلى الحقيقة: قيل: متواطئٌ وقيل: مشتركٌ. ولابد لصحته من مخالفة في نفي الحكم، أو في أنّ المستثنى حكمٌ آخر، له مخالفة بوجه; مثل: «ما زاد إلاّ ما نقص»، ولأن المتصل أظهر، لم يحملهُ فقهاء الأمصار على المنقطع إلاّ عند تعذّره.
ومن ثمّ قالوا في: «له عندي مائة درهم إلاّ ثوباً» وشبهه: إلاّ قيمة ثوب. *
* أقول: الدليل المخصص للعموم على قسمين 1: متصل ومنفصل.
فالمتصل أربعة، في المشهور:
أحدها: الاستثناء المتصل، 2 كقولك: قام القوم إلاّ زيداً.   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 240 ـ 242 ; المعتمد: 1 / 244 .
2 . في نسخة «ج» بعد كلمة «المتصل» وردت العبارة التالية : [إذ لا مدخل للمنقطع في التخصيص إجماعاً] ويبدو أنها كانت تعليقة في الهامش ثم اقحمت في المتن من دون مبرّر.

صفحه 119
<--- وثانيها: التخصيص بالشرط، كقولك: أكرم القوم إن قاموا .
وثالثها: التخصيص بالصفة، كقولك: أكرم القوم العلماء .
ورابعها: التخصيص بالغاية، كقولك: أكرم الناس إلى وقت كذا.
وزاد المصنّف قسماً خامساً وهو بدل البعض من الكل، كقولك: قام القوم ثلثهم .
وأمّا الاستثناء في المنقطع فقد قيل: إنّه حقيقة لأَنّه مستعمل فيه والأصل الحقيقة، وقد قيل: إنّه مجاز لأن الاستثناء إذا أُطلق فُهم منه المتصل ولإنَّ الاستثناء مأخوذ من الثني 1 ولا يتحقق إلاّ في المتصل.
والقائل الأول ذهب قوم منهم إلى أَنّ الاستثناء مقول بالتواطئ على المتصل والمنقطع دفعاً للاشتراك وذهب آخرون إلى أنّه مشترك بينهما اشتراكاً لفظياً.
ولابدّ لصحّة الاستثناء من مخالفه في نفي الحكم وفي اثبات حكم آخر للمستثنى له مخالفه بوجه للمستثنى منه كقولك مازاد إلاّ ما نقص وما نفع إلاّ ما ضرّ .
ولا شكّ في أنّ الاستثناء المتصل أظهر من المنفصل2 فلأجل ذلك   2

1 . قال الآمدي : [... أن الاستثناء مأخوذ... من التثنية، وكأنّ الكلام كان واحداً فثني... ]. الإحكام: 2 / 313 .
2 . إنَّ المقطع التالي مضطرب جدّاً في جميع النسخ، وما يلي ورد في نسخة «ب» مع التصرّف: [لأن المتصل إخراج والمنقطع يختص بالمخالفة من غير اخراج فلا إشتراك معنوياً.
إذا عرفت هذا فنقول اتفق الناس على أنّه لابد لصحة الاستثناء المنقطع من مفارقته للمتصل من مخالفة بين المستثنى والمستثنى منه، اما في نفي الحكم كقولنا ما جاءني زيد إلاّ عمرو أو في اثبات حكم آخر للمستثنى، له مخالفة بوجه ما للمستثنى منه كقولك: ما زاد إلاّ ما نقص وما نفع إلاّ ما ضر، ولا شكّ في أنَّ الاستثناء المتصل أظهر من المنفصل ].

صفحه 120
<--- ذهب فقهاء الأمصار إلى حمل الاستثناء على المتصل كما في قول القائل: له عندي مائة إلاّ درهماً فان ذلك يقتضي الإقرار بتسعة وتسعين درهماً، اللهم إلاّ إذا تعذّر حملة على المتصل; ولأجل هذا أيضاً قالوا: إنْ قال: له عندي مائة درهم إلاّ ثوباً، المراد منه إلاّ قيمة ثوب من الدراهم ; فتأولوا المنفصل وردّوه إلى المتصل لظهوره.
   

صفحه 121
قال: وأمّا حدّه فعلى التواطؤ: مَا دلَّ على مخالفة بـ «إلاّ» غير الصفة، وأخواتها، وعلى الاشتراك والمجاز: لا يجتمعان في حدٍّ; فيقال في المنقطع: ما يدلُّ على مخالفة بـ «إلاّ» غير الصفة وأخواتها من غير إخراج.
وأمّا المتصل فقال الغزّالي: قولٌ ذو صيّغ مخصوصة محصورة، دالٌّ على أن المذكور به لم يُرد بالقول الأوّل.
وأُورد على طرده: التخصيصُ بالشرط، والوصف بـ «الّذي» والغاية، ومثل: «قام القوم، ولم يقم زيدٌ» .
ولا يرد الأوّلان .
وعلى عكسه: «جاء القوم إلاّ زيداً»; فإنَّه ليس بذي صيغ.
وقيل: لفظ متصل بجملة، لا يستقل بنفسه، دالٌ على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به، ليس بشرط ولا صفة ولا غاية.
وأُورد على طرده: «قام القوم إلاّ زيدٌ» وعلى عكسه: «ما جاء إلاّ زيدٌ»; فإنّه لم يتصل بجملة، وإنّ مدلوله كل استثناء متصل مراد بالأوّل.
والاحتراز من الشرط والصفة، وَهْمٌ، والأولى: إخراجٌ بـ «إلاّ» وأخواتها. *

[ تعريف الاستثناء]

* أقول: اختلفوا في حدّ الاستثناء 1 فقال القائلون بالتواطؤ: إنّه ما دلّ   2

1 . عدّة الأُصول: 2 / 477 ; المنخول: 229 ; الإحكام للآمدي: 2 / 389 .

صفحه 122
<--- على مخالفة بـ «إلاّ» غير الصفة واخواتها، وإنّما قيّد بـ «إلاّ» بكونها غير الصفة لأنّ «إلاّ» قد يرد بمعنى «غير» صفة فحينئذ لا يكون استثناء بل يكون وصفاً، فتخصيص العام بتلك يكون تخصيص العام بالصفة لا بالاستثناء، وأمّا على تقدير الاشتراك أو المجاز فلا يجمعان في حدٍّ لأنّهما حقيقتان مختلفتان حينئذ والحقائق المختلفة لا تجتمع في حدٍّ واحد بل ينبغي حد كل واحد منهما :
أما المنقطع فحدّه: «أنّه ما دلّ على مخالفة بإلاّ غير الصفة واخواتها من غير إخراج شيء من الأول». وهذا الأخير يخرج المتصل .
وأمّا المتصل فقد حدّه الغزّالي: «بأنّه قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دالٌ على أنّ المذكور به لم يرد بالقول الأوّل» 1 .
وأورد على طرده التخصيص بالشرط والوصف بـ «الّذي» 2 ، والغاية وبقولنا «قام القومُ ولم يقم زيدٌ» لأنّ هذه الالفاظ صيغٌ مخصوصة محصورة تدل على أنّ المذكور لم يرد بالقول الأول وليس باستثناء، والأولان 3 غير واردين لأنّا اخذنا في حدّه ان المذكور به غير مراد بالأول والمخصوص في الشرط والصفة غير مذكورين فلا يدخلان تحت الحد فلا يردان نقضا.    2

1 . المستصفى: 2 / 179، وقد ورد في نسختي «ب» و «ج» بعد جملة «القول الأوّل» ما يلي: [ قال: وإنَّما قلت: «قول»، احترازاً عن التخصيص; لأنّه قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل.
وقلت: «ذو صيغ» احترازاً عن قول القائل: «رأيت القوم ولم أر زيداً» إذ المراد من الصيغ ادوات الاستثناء] ويبدو أنَّها من إضافات المعلّقين كغير هذا المورد.
2 . وقد وردت بعد كلمة «الّذي» في نسختي «ب» و «ج» العبارة التالية: «لا الوصف مطلقاً ليكون ذا صيغ مخصوصة» وكأنها اضيفت للتوضيح .
3 . أي: الشرط والوصف بالذي .

صفحه 123
<--- وأُورد على عكسه قام القوم إلاّ زيداً فإنّه استثناء وليس ذا صيغ مختلفة .
وقيل في حدّه «انّه لفظ متصل بجملة على أنّ مدلوله غير مراد بما اتصل به ليس بشرط ولا صفة ولا غاية» [ قولنا: «متصل بجملة» احتراز عن المخصصات المنفصلة، وقولنا «لا يستقل بنفسه» احتراز عن قولنا قام القوم ولم يقم زيد، وقولنا «دال» احتراز عن المهمل، وقولنا «على أن مدلوله» اردنا به مدلول جزءه كمدلول زيد في قولنا «جاءني القوم إلاّ زيداً»، وقولنا «غير مراد بما اتصّل به» يعني بالقوم، احترازاً عن الاسماء المؤكدة والناعتة. كقولنا «قام القوم العلماء كلهم، وباقي الحد ظاهر ] 1.
ويرد على طرده «قام القوم إلاّ زيداً»، فانّه ليس باستثناء مع صدق الحدّ عليه، وعلى العكس «ما جاء إلاّ زيد» فانّه لم يتصل بجملة ; وأورد على العكس أيضاً ان مدلول كلّ استثناء متصل مراد بالأوّل على المذهب الاصحّ في الاستثناء.
[ فانّه ليس باستثناء مع صدق الحد عليه، وعلى عكسه ما جاء إلاّ زيد، فإنّه لم يتصل بجملة. وأورد على عكسه أيضاً أنَّ مدلوله كلَّ استثناء متصل مراد بالأوّل على المذهب الأصحّ في الاستثناء ]. 2
والاحتراز عن الشرط والصفة وَهْم لما بينا من عدم دخولهما في الأول، والأَولى ان يقال في حده «انّه اخراج بإلا وأخواتها» فالأخراج جنس والتقييد بإلاّ وأخواتها يميزه عن غيره.

1 . هذا المقطع ورد في نسخة «ج» فحسب وقد سقط من نسختي «أ» و «ب» مع أنَّه جزء مقوِّم للنص .
2 . هذا المقطع ورد في نسختي «ب» و «ج» وقد جاء في نسخة «أ» المقطع التالي بدلاً عنه: [فإنّ زيداً استثناء متصل وهو مراد بالأول وهذا ضعيف لانّ المستثنى ليس بمراد نعم اللفظ متناول له ولنفس المراد وعلى العكس ما جاء إلاّ زيد فإنّه لم يتصل بجملة].

صفحه 124
قال: وقد اختلف في تقدير الدلالة في الاستثناء.
فالأكثر: المُرادُ بـ «عشرة» في قولك: «عشرة إلاّ ثلاثةً»: سبعةٌ، وَ «إلاّ»: قَرينةٌ لذلك عالتخصيص بغيره.
وقال القاضي: «عشرةٌ إلاّ ثلاثةً»: بإِزاء سبعة، كَاسْمين: مُرَكَّب، وَمُفَرد.
وَقيلَ: المراد بـ «عشرة» عشرةٌ: باعتبار الافراد، ثمَّ أُخرجت «ثلائة»، والاسنادُ بَعدَ الإخراج، فَلَمْ يُسند إلاّ إلى سبعة، وهو الصحيح.
لنا: أنّ الأوّل غيرُ مستقيم; للقطع بأنّ من قال: «اشتريت الجارية إلاّ نصفها» ونحوه، لم يُرِدِ استثناء نصفها من نصفها، ولأنّه كانَ يتسلسلُ، وَلأنا نقطع بأنّ الضمير للجارية بكمالها، ولإجماع العربية على أنّه إخراجُ بعض من كُلٍّ، وَلإبطال النصوص، وللعلم بأنّا نُسقطُ الخارج، فنعلم أنّ المُسندَ إليه ما بقي.
والثاني: كذلك ; للعلم بأنّه خارج عن قانون اللغة، إذ لا تركيب من ثلاثة، ولا يُعرَّب الأوّل، وهو غير مضاف، ولامتناع إعادة الضمير على جُزءِ الاسم في: «إلاّ نصفها» ولإجماع العربية... إلى آخره. *

[ تقدير دلالة الاستثناء ]

* أقول: اختلفوا في تقدير الدلالة في الاستثناء في قولهم: له عندي   2

صفحه 125
<--- عشرة إلاّ ثلاثة، بعد اتفاقهم على أنّ الّذي يلزم المقر سبعة، فقال قوم: إنّ لفظة العشرة هاهنا المراد بها سبعة و «إلاّ» قرينة دالة على أنّ المتكلم استعمل لفظة العشرة في السبعة كسائر المخصّصات لا بمعنى أنّ العشرة مع الاستثناء موضوعة للسبعة. وقال القاضي: إنّ للسبعة لفظين ; أحدهما سبعة، والآخر عشرة إلاّ ثلاثة وذلك كاسْمين ; مفرد ومركب، وقال قوم: إنّ المراد بعشرة عشرة ثمّ أخرجت ثلاثة والإسناد إنّما هو بعد الإخراج فالإسناد إلى سبعة، وإليه ذهب المصّنف واستدل بابطال القولين على صحّة مذهبه.
أمّا إبطال الأول فمن وجوه :
الأوّل: أنَّ من قال: اشتريت الجارية إلاّ نصفها أو إلاّ ثلثها ونحوه، لو كان المراد بالجارية ما بعد الاستثناء وهو النصف لكان قد استثنى النصف من النصف، وهو محال.
الثاني: أَنّه كان يلزم التسلسل لأنّ منْ قال: له عندي هذه الجارية إلاّ نصفها، لو كان المراد بالجارية النصف لكان الاستثناء من النصف، وكأنّ تقدير الكلام: «له عندي نصف الجارية إلاّ نصفها» فيكون قد استثنى من نصف النصف، وهكذا إلى ما لا يتناهى .
الثالث: أنّا نقطع بأنَّ قوله: «إلاّ نصفها» الضمير فيه عائد إلى الجارية بكمالها لا إلى ابعاضها.
الرابع: أجمع أهل العربية على أنَّ الإستثناء المتصل اخراج بعض من كلّ، فلو كانت الجارية موضوعة لنصفها لكان الاستثناء اخراج بعض من بعض ويؤدي ذلك إلى الاستثناء من غير الجنس.    2

صفحه 126
<--- الخامس: يلزم ابطال نصوصية الألفاظ الناصّة، والتالي باطل اتّفاقاً.
وبيان الشرطية: حكمهم أنَّ المراد من العشرة السبعة مع كون العشرة نصّاً في مدلولها، وهذا الالزام مشترك لأنّ المصنف يحكم بأنّ المراد من المشركين بعد الحكم بالاسناد في قوله: اقتلوا المشركين إلاّ أهل الذمة، هو غير أهل الذمة مع كونه نصّاً في الجميع.
السادس: أنّا نعلم قطعاً أنّا نسقط الخارج فيُعلم أَنَّ المسند إليه ما بقي فوجب أَنْ يكون اللفظ بعد الاسثتناء غير خارج عن موضوعه.1
وأمّا إبطال الثاني فمن وجوه:
الأول: أنّه خارج عن قانون اللغة لأنّه لم يوضع فيها لفظ مركّب من ثلاثة ألفاظ .
الثاني: أنّه لم يعهد في اللغة لفظٌ مركّب من ثلاثة ويُعرّب الأوّل منها وهو العشرة مثلاً مع عدم الاضافة.
الثالث: أنّه يمتنع إعادة الضمير على جزء الاسم في مثل قولنا: «له عندي هذه الجارية إلاّ نصفها» فلا يكون المراد بالجارية نصفها.2
الرابع: إجماع العربية 3 على أنّ الاستثناء إخراج بعض من كُلّ.

1 . في نسخة «ج» وردت العبارة التالية بعد كلمة «موضوعه»:
[ وإلاّ لكان إذا اسقط المستثنى لم يبق شيء] وكأنّها من اضافات المعلقين .
2 . فلابدّ أن يعود الضمير إلى تمام الاسم لا إلى بعضه.
3 . أي: أهل اللغة العربية.

صفحه 127
قال: قال الأوّلون: لا يستقيم أن يُراد «عشرةٌ» بكمالها; للعلم بأنّه ما أقرَّ إلاّ بـ «سبعة» فيتعيّن .
وأُجيب: بأن الحكم بالإقرار، باعتبار الإسناد، ولم يُسند إلاّ بعد الإخراج.
قالوا: لو كان المُرادُ عشرةً امتنع من الصادق; مثل قوله تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا).
وأجيب: بما تقدَّمَ.
القاضي: إذا بَطَلَ أن يكونَ عشرةً، وبطل أن يكونَ سبعةً تعيّن أن يكون الجميع لسبعة.
وأُجيب: بما تقدَّمَ .
فتبيّن أنّ الاستثناء على قول القاضي، ليس بتخصيص، وعلى الأكثر، تخصيص، وعلى المختار، محتملٌ.*
* أقول: احتج الفريق الأول :
بأنّ من المعلوم أنّ المراد ليس عشرة بكمالها فإنّا نعلم أنّه ما أقر إلاّ بسبعة فيتعين أن يكون المراد بالعشرة السبعة 1.
والجواب: أن الحكم بالإقرار باعتبار الإسناد والمقرّ لم يسند إلاّ بعد   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 254 .

صفحه 128
<--- الإخراج.
قالوا: لو كان المراد عشرة لامتنع من الصادق الاستثناء فالتالي باطل فإنّ الله تعالى قال: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا)1، وبيان الشرطية: إنّ الإخراج بعد الحكم بالجميع، تناقض .
والجواب: ما تقدّم من الإسناد بعد الإخراج.
قال القاضي: إذا بطل أن يكون المراد عشرة وبطل أن يكون المراد بلفظة العشرة سبعة، تعيّن أن يكون الجميع ـ أعني العشرة مع الاستثناء ـ لسبعة.
والجواب: بما مضى، فظهر من هذا أنّ الاستثناء على قول القاضي ليس بتخصيص لأنّه جعل الاستثناء والمستثنى والمستثنى منه لفظاً واحداً دالاًّ على ما بقي ولايراد بالعشرة شيءٌ ; وعلى قول الأكثر أنّه تخصيصٌ لأنّه قصر العام على بعض مسمياته، وعلى ما اختاره المصنّف يحتمل الأمرين.
ووجه احتمال الأمرين: أنّ العشرة باعتبار الافراد تكون عامّة لآحادها فكان الاستثناء تخصيصاً، وباعتبار أنّ الاستثناء بعد الإخراج لا يكون عامّاً .
الاتصال في الاستثناء   

1 . العنكبوت: 14 .

صفحه 129
قال: مسألة : شرط الاستثناء: الاتصالُ لفظاً، أو ما في حُكمِهِ، كقطعِهِ لتَنفُّس، أو سُعال ونحوهِ.
وعن ابن عباس: يصحّ وإن طال شهراً.
وقيل: يجوز بالنيّة كغيرهِ، وحُمِلَ عليه مذهب ابن عباس، لقربه.
وقيل: يصح في القرآن خاصّة.
لنا: لو صحّ لم يقل (صلى الله عليه وآله وسلم): «فليكفَّر عن يمينه» مُعيَّناً، لأنّ الاستثناء أسهل، وكذلك جميع الإقرارات والطلاق والعتق، وأيضاً: فإنّه يؤدي إلى ألا يعلم صدقٌ ولا كذبٌ.
قالوا: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «والله، لأغزونَّ قريشاً»، ثم سكت .
وقال بعده: «إن شاء الله ».
قلنا: يحمل على السكوت العارض، لِمَا تقدم.
قالوا: سأله اليهود عن لبث أهل الكهف، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «غداً أجيبكم»، فتأخّر الوحيُّ بضعة عشر يوماً، ثم نزل: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ )1 .
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن شاء الله» .
قلنا: يُحمل على أفعلُ، إن شاء الله.

1 . الكهف: 23 ـ 24 .

صفحه 130
وقول ابن عباس متاؤَّل بما تَقَدَّمَ، أو بمعنى المأمور به. *

[ الاتصال في الاستثناء ]

* أقول: اتفق المحقّقون 1 على أن شرط الاستثناء الاتصال لفظاً أو حكماً كالقاطع بسعال أو بنَفَس أو بشبههما. ونقل عن ابن عباس 2 جواز الانفصال إلى شهر، 3 وقيل: يجوز تأخير الاستثناء لكن مع إضمار الاستثناء متصلاً بالنية كغيره،4 وعلى هذا حمل قول ابن عباس، وقيل: يصحّ في القرآن الاستثناء المنفصل .
واحتجّ المصنف بأنّه روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من حلف على شيء فرأى غيره خيراً منه فليكِّفر عن يمينه وليأت الّذي هو خير».5   2

1 . لاحظ : نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 236 ; والمستصفى: 2 / 180 .
2 . لاحظ : الإحكام للآمدي: 2 / 291 ; والحاصل من المحصول: 1 / 537 .
3 . وردت العبارة التالية في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «إلى شهر»: [ وقال أصحاب مالك يجوز بالنية كغيره، أي يجوز تأخير الاستثناء لكن مع اضمار الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه ويكون المتكلم مديناً فيما بينه وبين الله تعالى كغير الاستثناء يعني التخصيص، وعلى هذا حمل قول ابن عباس لقربه من الحق ] .
الطابع التوضيحي ظاهر من السياق وهي اضافة توضيحية مفيدة.
وأما ما نسب إلى ابن عباس في الفاصل الزمني بين المستثنى والمستثنى منه فقد اختلفت فيه الروايات فقيل أنَّه شهر، وقيل سنة، وقيل غيره، والأكثر شهرة عنه هو السنة.
4 . أي كغير الاستثناء.
5 . تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 38 ; فتح القدير: 1 / 233 .

صفحه 131
<--- وجه الاستدلال أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أرشد المكلفين إلى حلّ أيمانهم لمصالحهم بالتكفير، ولو جاز الاستثناء المتأخر لكان إرشاده إليه أولى فإنّه أسهل الطريقين، وأيضاً كان يلزم إبطال جميع الإقرارات والطلاق والعتق فإنّ أهل اللغة لا يسمعون فيها الاستثناء المتأخر بل ولا يعدّونه استثناء، فإنّ القائل إذا قال لزيد: «عندي عشرة» ثمّ لبث شهراً فقال: «إلاّ واحداً» لم يُسمع منه هذا الاستثناء .
وأيضاً يؤدِّي إلى عدم العلم بالصدق والكذب لأنَّ مَنْ أخبر بأنّ كلَّ الناس قاموا، وكان القائم بعضهم، لو كُذّب لكان له أن يقول: إنّي عازم على الاستثناء .
احتجّ المخالف بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «والله لأغزون قريشاً» 1 ثم سكت، وقال: إن شاء الله تعالى .
والجواب: أن السكوت يجوز أن يكون لعارض، فلا ينفع في المطلوب .
قالوا: سأله اليهود عن لبث أهل الكهف، فقال: غدا أجيبكم فانقطع عنه الوحي بضعة عشر يوماً، ثم نزل قوله تعالى:(وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ ) فقال: إنْ شاءَ اللهُ .
والجواب: أنّ الاستثناء بالمشيئة إنّما عاد إلى العزم على الفعل كأنّه قال: أفْعلُ إنْ شاء الله.2 وأيضاً ابن عباس كان من فصحاء العرب وهو ترجمان القرآن   2

1 . سنن أبي داود: 2 / 98 ; سنن البيهقي: 10 / 47 و48; مجمع الزوائد: 4 / 182 ; كنز العمال: 4 / 438 و 443 .
2 . أي أنّه عندما نزلت الآية شدّ عزمه على أن يفعل واستثنى بقوله: (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ)، لاحظ: فتح الباري: 11 / 521 ; تفسير ابن كثير: 3 / 83 .

صفحه 132
   
<--- وقد قال بصحة المنفصل .
والجواب: أنَّ قوله متأول بما تقدّم من جواز نيّة الاستثناء وانفصاله لفظاً أو أنّه متأول بالمأمور به ويعني «به» الاستثناء بمشيئة الله تعالى، وهذا إنّما يرد على تقدير أنْ نقول: الاستثناء بالمشيئة يجوز فيه الانفصال، والقصة الّتي ذكروها 1 قد بيّنا أَنّها غير دالة على المطلوب .

1 . قال الشارح عن قصة ابن عباس في كتابه نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 240 : [... أنَّ قول ابن عباس إن ثبت... ] .
فالشارح يشكّ في صدوره، كما شكّ البعض فقال: ما روي عن ابن عباس لم يصّح، ولعلّ الآفة من الراوي .

صفحه 133
قال: مسألة: الإستثناء المستغرقُ: باطل بالاتفاق.
والأكثرُ: على جواز المساوي والأكثَرِ .
وقالت الحنابلة والقاضي: بمنعهما.
وقال بعضهم والقاضي أيضاً: بمنعه في الأكثر خاصَّة .
وقيل: إن كان العددُ صريحاً.
لنا: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)، والغاوون أكثرُ ; بدليل: (وَ مَا أَكْثَرُ النَّاسِ)، والمساوي أولى .
وأيضاً: «كلكم جائع إلاّ من أطعمته» .
وأيضاً: فإن فقهاء الأمصار: «على أنّه لو قال: عليَّ عشرةٌ إلاّ تسعةً» لم يلزمه إلاّ درهمٌ، ولولا ظهوره، لما اتفقوا عليه عادةً.
الأقل: مقتضى الدليل منعه.. إلى آخره.
وأُجيب: بالمنع، لأن الإسناد بعد الإخراج ولو سُلِّم فالدليل متبع.
قالوا: عشرة إلاّ تسعة ونصف وثلث درهم، مستقبح ركيك.
وأُجيب: بأن استقباحه لا يمنع صحته كـ «عشرةٌ إلاّ دانقاً ودانقاً».. إلى عشرين. *

[ حكم استثناء كل أفراد المستثنى منه ]

* أقول: إتّفق الناس على أنّ الاستثناء المستغرق للمستثنى منه باطل 1   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 248 .

صفحه 134
<--- كقول القائل: «عندي عشرة إلاّ عشرة». واختلفوا في جواز الاستثناء من المتساوي فالأكثر على جوازه، والقاضي والحنابلة منعوهما كقوله له: عندي عشرة إلاّ خمسة.1 وقال آخرون: إنّه يمتنع استثناء الأكثر خاصّة، وجوزوه في المتساوي و هو قول القاضي أبي بكر 2 أيضاً كقوله له: عندي عشرة إلاّ تسعة، وذهب آخرون من أهل اللغة إلى استقباح الاستثناء من العدد الصريح 3 فمنع من قوله: «له عندي مائة إلاّ تسعة وتسعين»، وجوز: «خذ الدراهم إلاّ ما في الكيس الفلاني» وإن كان أكثر، وذهب قوم إلى المنع من استثناء [ العقد الصحيح] 4 كقوله له عندي مائة إلاّ عشرة وجوز إلاّ خمسة.
واستدل المصنف على جواز الاستثناء مطلقاً بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)5 استثنى الغاوين من العباد، والغاوون أكثر بدليل قوله تعالى:   2

1 . المستصفى: 2 / 184 ; الإحكام للآمدي: 2 / 398 .
2 . التقريب: 3 / 144 .
3 . العدد الصريح كقوله: خذ المائة إلاّ تسعين، وغير الصريح كقوله: خذ الدراهم إلاّ ما في الكيس وإن كان ما في الكيس أكثر.
4 . وردت عبارة [ العدد الصحيح ] بدلاً عن [ العقد الصحيح ] في جميع النسخ المعتمدة، والصحيح ما اثبتناه.
يقول الشارح في نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 249 : [ ونُقل عن بعض أهل اللغة استقباح استثناء عقد صحيح... ]. وأكثر من مصدر يؤيد صحة ما جاء في كتاب النهاية.
5 . الحجر: 42 .

صفحه 135
<---(وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)1 وإذا جاز استثناء الاكثر فاستثناء المساوي أولى .
الثاني: إذا قال الانسان لجماعة اطعم اكثرهم: «كلكم جائع إلاّ من اطعمته» 2، صح الاستثناء مع أنّ الاستثناء أكثر .3
الثالث: اتّفق الفقهاء على أنّ من قال: «له عندي عشرة إلاّ تسعة» أنّه يلزمه درهم واحد، ولولا أنَّ جواز الاستثناء ظاهر والاّ لما صحّ ذلك .
احتجّ من قال باستثناء الأقل: أنَّ الدليل يمنع من جواز الاستثناء، فإنَّ من أقرّ بعشرة ثمّ استثنى يكون جاحداً لما أقرّ به فلا يكون مسموعاً ; إلاّ أنّا جوزناه في الأقل لمعنى مفقود في الأكثر وهو أن الأقل قليل الخطور بالبال فربما أقرّ المقر ثمّ استدرك ما نسيه من الأوّل فاستثنى، أمّا الأكثر فليس كذلك .
والجواب: المنع من ذلك فإنّا لا نسلّم أنَّ الإسناد قبل الاستثناء إلى الجملة بأسرها، ولو سلم 4 فالدليل متبع، وأيضاً فإنّ من قال: له عندي عشرة إلاّ   2

1 . يوسف: 103 .
2 . هذا مقطع رواية حكاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن ربه: «.. عبادي كلكم جائع إلاّ من اطعمته...» وقد اخرجه مسلم في كتاب البر والصلح والآداب، باب تحريم الظلم.
3 . لاحظ : المحصول للرازي: 1 / 410 .
4 . ورد المقطع التالي بعد كلمة «لو سلم» في نسختي «ب» و «ج»: [ أنّه على خلاف الأصل لكن يصار إلى خلاف الأصل لوجود الدليل، والدليل هاهنا موجود وهي الدلائل الثلاثة الّتي ذكرناها أوّلاً والدليل متبع أيضاً ] السياق ينبئ أن المقطع جيء به لغاية التوضيح وليس من المتن في شيء إلاّ الايضاح.

صفحه 136
<--- تسعة ونصفاً وثلثاً، مستقبح ولا علة لذلك إلاّ لكونه استثناء الأكثر. 1
في الاستثناء عقيب الجمل المعطوفة بعضها على بعض   
والجواب: الاستقباح لا يمنع من الصّحة كمن قال: له عندي عشرة إلاّ دانقاً ودانقاً إلى عشرين فإنّه يستقبح ومع ذلك فهو صحيح إجماعاً.

1 . الدانق سدس الدرهم، والسدس خرنوبين والدرهم الإسلامي ستة عشر خرنوباً; وجمع الدونق: دوانق.
والخرنوب اسم شجر واسم ثمره، وواحدها خرنوبة وهي تساوي 241 من القمحة. وفي اصطلاح الصاغة يقال: «خرّوبة» .

صفحه 137
قال: مسألة: الاستثناءُ بَعْدَ جُمَل بالواو:
قالت: الشافعية: للجميع.
والحنفية: إلى الأخيرة .
والغزاليّ والقاضي: بالوقف .
والشريفُ: بالاشتراك.
أبو الحسين: إن تبيّن الاضراب عن الأولى، فللأخيرة، مثل أن يختلفا نوعاً أو اسماً وليس الثاني ضميرهُ، أو حكماً غير مشتركين في غرض، وإلاّ فللجميع.
والمختار: إنْ ظهر الانقطاع فللأخيرة، والإتِّصال للجميع، وإلاّ فالوقف.
الشافعية: العطف يُصيّر المتعدد كالمُفرد.
وأُجيب: بأنّ ذلك في المفردات.
قالوا: لو قال: «والله، لا أكلتُ، ولا شربت، ولا ضربتُ; إن شاء الله» عاد إلى الجميع.
وأُجيبَ: بأنّه شرطٌ، فإنْ أُلحق به فقياسٌ، وإنْ سُلّم فالفرق: أنّ الشرط مُقدّر تقديمُهُ، وَإنْ سُلِّم فلقرينة الاتصال، وهي اليمين على الجميع.
قالوا: لو كُرِّرَ، لكان مستهجناً.

صفحه 138
قلنا: عند قرينة الاتصال، ولو سُلِّم فللطول مع إمكان «إلاّ كذا» من الجميع.
قالوا: صالِحٌ، والبعض تحكّم كالعام.
قلنا: صلاحيته لا توجب ظهوره فيه، كالجمع المُنكّر.
قالوا: لو قال: «له عليّ خمسة وخمسة إلاّ ستة» كان للجميع.
قلنا: مفردات.
وأيضاً: فللاستقامة. *
* أقول: اختلف الناس 1 في الاستثناء عقيب الجمل المعطوف بعضها على بعض فذهبت الشافعية إلى أَنّ الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل المذكورة،2وذهبت الحنفية إلى أَنَّه يرجع إلى الجملة الأخيرة3، وتوقف القاضي أبو بكر 4والغزّالي وذهب السيد الشريف المرتضى (رحمه الله) إلى الاشتراك .
وقال أبو الحسين: إنْ تبيَّن أنَّ المتكلم قد اضرب عن الجملة الأُولى إلى الأخيرة فالاستثناء مختصّ بالأخيرة وذلك بأن تكون الجملتان مختلفتين بالنوع والاسم كقوله: اكرم العلماء وبنو تميم كرماء إلاّ العراقيين .
أو تكون الجملتان اتحدتا نوعا واختلفتا إسما وحكماً، كقوله: أكرم بني   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 260 ; المستصفى: 2 / 185 .
2 . انظر المعتمد: 1 / 245 .
3 . لاحظ: الإحكام للآمدي: 2 / 400 ; المحصول: 1 / 413.
4 . التقريب والارشاد: 3 / 147.

صفحه 139
<--- تميم وجالس بني ربيعة، إلاّ الجهّال .
أو تكون الجملتان اتحدتا نوعاً وحكماً واختلفتا بالاسم كقوله: أكرم بني تميم، وأكرم بني ربيعة إلاّ الجهال .
ورابعها: أن يتحدا نوعاً ويشتركا إسماً ويكون الثاني غير ضمير في الأول ويختلفا حكما مع عدم اشتراكهما في الغرض، كما إذا قال: أكرم بني تميم واستأجر بني تميم إلاّ الطوال.
وإن لم يكن على أحد هذه الانحاء كان الاستثناء عائداً إلى الجميع وذلك بأن تتحد الجملتان نوعاً واسماً لا حكماً إلاّ أنَّ الحكمين قد اشتركا1 في الغاية كقوله: أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلاّ الطوال، فإنّ الاستثناء عائد إلى الجملتين لانّ الغرض منهما الإعظام فاستثناء الطوال من النوع الأوّل 2 من الاعظام يؤدي بخروجهم عن النوع الثاني 3 وتتحد الجملتان بالنوع وتختلفان بالحكم واسم الأُولى مضمر في الثانية كقوله: اكرم بني تميم واستأجرهم إلاّ الطوال، أو بالعكس كقوله: أكرم وجالس بني تميم إلاّ الطوال .
واختار المصنف أنَّ المتكلمَ إذا ظهر منه انقطاع الجملة الأخيرة عن الأُولى كان الاستثناء راجعاً إلى الأخيرة، وإن ظهر منه اتصالهما كان الاستثناء راجعاً إليهما، وإن لم يظهر فالوقف .
واستدلت الشافعية بوجوه :   2

1 . وفي نسخة «ج»: [ الجملتين قد اشتركتا ] .
2 . في نسخة «ب»: [ النوع الثاني ] .
3 . في نسخة «ب»: [ النوع الأوّل ] .

صفحه 140
<--- الأوّل: العطف يصيّر المتعدد في حكم المفرد فإنّ من قال: رأيت بكر بن وائل وبكر بن سعد وبكر بن ربيعة، ثمّ قال: رأيت البكرين، كان الثاني كالأوّل في الإفادة مع إفراد الثاني وتعدد الأوّل. وإذا كان العطف يصيّر المتعدد كالمفرد ولا شك في أنّه لو استثني من الثاني إلاّ بكر بن ربيعة رجع الاستثناء إلى جميع المذكورين، فكذلك إذا استثني من المتعدد .
والجواب: أن العطف يصيّر المتعدد كالواحد في المفردات أمّا في الجمل فلا.
الثاني: الاستثناء بالمشيئة عائد إلى الجمل بأسرها فالاستثناء بغيرها كذلك فإنّ من قال: «والله لا أكلت ولا شربت ولا ضربت إنْ شاء الله» عاد إلى الجميع اتفاقاً، فكذلك في غيرها بالقياس; والجامع عدم استقلال كلّ واحد منهما.
والجواب: أنّ هذا في الحقيقة ليس باستثناء بل هو شرط فإنْ أُلحق الاستثناء به فقياس في اللغة [ والقياس في اللغة ] باطل. وإن سلم جوازه1 إلاّ أنّ الفرق واقع، ومع قيام الفارق لا يتم القياس .
وبيان الفرق أنّ الشرط وإن تأخّر في اللفظ إلاّ أنّه متقدم في المعنى. وإن سُلّم عدم الفرق إلاّ أنّ الاستثناء هاهنا إنّما عاد إلى الجمل بأسرها لأنّ الثانية متصلة بالأُولى فإنّ المفهوم من ذلك أنَّ اليمين وقعت على الجميع وليس الكلام في الجمل الّتي يفهم منها الاتصال .
الثالث 2: لو كرر الاستثناء مع كلّ جملة لَعُدَّ المتكلم مستهجناً ولم يبق   2

1 . أي جواز القياس في اللغة.
2 . جاءت في نسختي «ب» و «ج» العبارة التالية بعد كلمة «الثالث»: [ الحاجة قد تدعو إلى الاستثناء عن الجمل المتعاقبة و... ]. لا دور لهذه العبارة في النص فيبدو أنها اضيفت فاسقاطها أولى وأرجح.

صفحه 141
<--- إلاّ تعقيب الكل بالواحد.
والجواب: أنّه إنّما يُعدّ مستهجناً إذا كانت هناك قرينة دالّة على الاتصال أمّا مع عدمها فلا. ولو سلم فإنّما نعدّه مستهجناً لطول الكلام مع إمكان عدم التطويل فإنّه لو قال: إلاّ كذا من جميع الجمل المتقدمة لماكان طولاً .
الرابع: أن الاستثناء يصح عوده إلى الجميع فعوده إلى البعض تحكم، وذلك كالعام.
والجواب: نسلّم أنّه صالح لكن لا نسلّم أنّه ظاهر منه وذلك كالجمع المنكّر، فإنّه صالح للجميع، وليس ظاهراً فيه .
الخامس: لو قال: «عليّ خمسة وخمسة إلاّ ستة» كان الاستثناء عائداً إلى الجميع، وإلاّ لزم استثناء الأكثر من الأقل، وإذا كان كذلك هاهنا فكذلك في كل جملة لعدم الاشتراك .
والجواب: أن الاستثناء هاهنا من مفردين لا من جملتين، وليس النزاع فيه1.
سلّمنا لكنّا إنّما اوجبنا العود إلى الجميع ليصح الاستثناء، بخلاف ما ذكرنا من الجمل فإنّه لو عاد إلى الأخيرة لم يلزم منه فساد.

1 . في نسخة «ب» فحسب ورد ما يلي بعد كلمة «النزاع فيه»: [ لوقوع الفرق بينهما إذ العطف يصيّر المفردات في حكم الواحد] واضح أنها مضافة لأنّه لا يتوقف المعنى عليها.

صفحه 142
في أدلّة الحنفية على رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة   
قال: المخصصُ: آية القذف; لم ترجع إلى الجلد إتفاقاً .
قلنا: لدليل وهو حق الآدمي، ولذلك عاد إلى غيره .
قالوا: عليَّ عشرة إلاّ أربعة إلاّ اثنين، للأخير .
قلنا: أين العطف؟!
وأيضاً: المفردات .
وأيضاً: للتعذُّر، فكان الأقرب أولى، ولو تعذَّر، تعيَّن الأوّل، مثلُ: «عليَّ عشرة إلاّ اثنين إلاّ اثنين».
قالوا: الثانيةُ حائلةٌ كالسكوت.
قلنا: لو لم يكن الجميع بمثابة الجملة.
قالوا: حُكمُ الأولى يقين، والرفع مشكوك.
قلنا: لا يقين مع الجواز للجميع.
وأيضاً: فالأخيرة كذلك، للجواز بدليل.
قالوا: إنّما يرجعُ، لعدم استقلاله، فيتقيّد بالأقل، وما يليه هو المتحقّق.
قلنا: يجوز أن يكون وضعه للجميع، كما لو قام دليل.
القائل بالإشتراك، حَسَّنَ الاستفهامَ.
قلنا: للجهل بحقيقته أو لرفع الاحتمال.
قالوا: صحّ الإطلاق، والأصل الحقيقةُ.

صفحه 143
قلنا: والأصل عدم الاشتراك. *

[ حجّة الحنفية على مذهبهم ]

* أقول: احتجّ المخصّص برجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، وهم الحنفية 1 بوجوه :
الأوّل: آية القذف لم يرجع فيها الاستثناء إلى جميع الجمل المتقدّمة اتفاقاً، (2) فإنّه لا يرجع إلى الجلد فإنّ التائب لا يسقط عنه بتوبته الجلد، وإذا لم يرجع فيها دلّ على أنّه غير راجع في الوضع إلى الجميع.
والجواب: أنّ الاستثناء هاهنا إنّما لم يرجع إلى الجلد لمعنى مناسب مختصّ به، فإنّ التوبة إنّما تسقط حقوق الله تعالى، والجلد من حقوق الآدميين فلا يسقط بالتوبة، فلأجل ذلك عاد إلى بعض الجمل دون الباقي، ولأجل هذا قلنا: إنّه عائد إلى غير الجلد من جميع المذكورات قبل.
الثاني: أنّه لو قال: له عليّ عشرة إلاّ أربعة إلاّ اثنين، عاد الاستثناء الأخير إلى الاستثناء الأوّل (3) خاصّة، فكذلك في الجمل المتعاقبة .
والجواب: ليس هاهنا عطف جملة على أخرى والنزاع إنّما وقع فيه، وأيضاً الاستثناء هاهنا من مفردات لا من جمل والفرق واقع، وأيضاً إنّما وقع الاستثناء هاهنا عن الأخير لتعذّر عوده إلى الجميع لأنّه لو عاد إلى العشرة والأربعة لزم التناقض، ولا يمكن أن يُقال: إنّه عاد إلى العشرة وحدها، لأنّه يكون عائداً إلى الأبعد مع صحة عوده إلى الأقرب وهو باطل اتّفاقاً ; ولو تعذّر عوده إلى الأقرب   2

1 . لاحظ : المعتمد:1/246.   2. قيل هو الاتفاق بين أبي حنيفة والشافعي.   3. يعني: الأربعة.

صفحه 144
<--- لوجب العود إلى الأوّل وحده كقوله: له عليّ عشرة إلاّ اثنين إلاّ اثنين، فإنّ الاستثناء الثاني لا يصحّ عوده إلى الاستثناء الأوّل 1 ولا إلى المستثنى منه والاستثناء الأوّل2.
قلت: إنّما يعود إلى المستثنى منه لأجل التعذّر .
الثالث: الجملة الثانية حائلة بين الاستثناء والجملة الأُولى، فكانت مانعة من العود إلى الأُولى كالسكوت .3
والجواب: إنّا لا نسلّم ذلك فإنّ الجمل هاهنا بمثابة جملة واحدة.
الرابع: أنَّ حكم الجملة الأولى حاصل بيقين والرفع بعود الاستثناء إليه مشكوك فيه فلا يرفعه، فوجب عدم عوده إليه، فاختصّ بالأخيرة.
والجواب: لا يقين مع جواز العود إليه، وأيضاً فالجملة الأخيرة كذلك لأنّه يجوز أن يعود إلى الأُولى بدليل، كما مثلّناه في قوله: له عليّ عشرة إلاّ اثنين إلاّ اثنين، فكان يجب أن لا يعود إليها وذلك باطل اتفاقاً.
الخامس: الاستثناء لا يتمّ بنفسه فلأجل ذلك أوجبنا عوده [ إلى ماتقدّم مع مخالفته للأصل ولمّا اكتفي بالجملة الواحدة كان باقي الجمل على أصله من عدم عوده ]إليها، وإذا وجب عوده إلى الواحدة عاد إلى الأخيرة، لأنّه هو المتحقق.4   2

1 . لأنّه لا يصح استثناء اثنين من اثنين.
2 . أي أن الاستثناء الثاني لا يعود إلى المستثنى منه والاستثناء الأوّل معاً.
3 . لأن السكوت يدل على استكمال الغرض بالجملة السابقة فالجملة التالية تعد كلاماً مستأنفاً لا صلة له بما سبق، كذلك ما جاء في المتن.
4 . كان الجواب في نسختي «ب» و «ج» كما يلي: [ لا نسلِّم رفع الحاجة بالواحدة وإنّما يصح ذلك لو لم يكن وضع الاستثناء للعود إلى الجميع، أما إذا كان كذلك فلا. وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون موضوعاً للعود إلى الجميع فتندفع الحاجة بالواحدة، كما إذا قام دليل على عوده إلى الجميع فإنّه يعود إليه اجماعاً، لعدم اندفاع الحاجة إلى البعض حينئذ] .
وإن كانت في هذا النص اضافات مفيدة ، ولكن ما ورد في المتن هو الأفضل الأنسب.

صفحه 145
<--- والجواب: لم لا يجوز أن يكون موضوعاً للعود إلى الجميع كما إذا قام دليله على ذلك فلا يلزم مخالفة الأصل.
واحتجّ الشريف المرتضى1 بوجهين :
الأوّل: أنّه يحسن الاستفهام في أنَّ الاستثناء هل هو عائد إلى الجميع أو إلى البعض، والاستفهام إنّما يكون للاشتراك .
والجواب 2 قلنا: نعني بذلك أنّ المستفهم يطلب بالاستفهام تحقق الحقيقة لجهله بها أو رفع الاحتمال وإنْ بَعُدَ، إنْ عنيتم الأول فهو ممنوع وإنْ عنيتم الثاني فهو مسلّم .
الثاني: صحّ الاطلاق في الرجوع إلى الكل وإلى البعض، والاستعمال دليل الحقيقة.
والجواب: أنّ الأصل عدم الاشتراك وإذا تعارضا وجب القول بالمجاز لأنّه أولى، لما تقدم.3

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 197 ـ 210 .
2 . كان الجواب في نسخة «ج» حسب ما يلي:
[ والجواب: يجوز أن يكون السؤال للجهل بحقيقته، أي لعدم المعرفة بالمدلول الحقيقي والمجازي أصلاً; وبتقدير أن يكون عالماً بمدلول الحقيقي والمجازي جاز أن يكون الاستفهام لحصول اليقين ورفع الاحتمال وإن بَعُدَ] .
يرد هنا أيضاً ما أوردناه في الهامش السابق.
3 . وقد تقدّم البحث في ذلك في باب العموم .

صفحه 146
   
قال: مسألة: الاستثناء من الإثبات نفيٌ، وبالعكس، خلافاً لأبي حنيفة .
لنا: النقلُ.
وأيضاً: لو لم يكن، لم يكن «لا إله إلاّ الله» توحيداً.
قالوا: لو كانَ، للزم من: «لا علم إلاّ بحياة»، و «لا صلاة إلاّ بطهور»1، ثبوت العلم والصلاة بمجردهما.
قلنا: ليسَ مخرجاً من العلم والصلاة، فإن اختار تقدير: «إلاّ صلاة بطهور» يطّرد، وَإنِ اختارَ: «لا صلاة تثبتُ بوجه إلاّ بذلك» ـ فلا يلزم من الشرط المشروطُ، وإنّما الإشكال في المنفي الأعم في مثله وفي مثل «ما زيدٌ إلاّ قائم»، إذ لا يستقيم نفي جميع الصفات المعتبرة.
وأُجيب بأمرين:
أحدُهما: أن الغرض المبالغة بذلك.
والآخر: أنّه آكدُها، والقولُ بأنّه منقطع بعيدٌ، لأنّه مفرّغ وكل مفرّغ متصل لأنّه من تمامه. *

[ الاستثناء من الاثبات نفي ]

* أقول: اتّفق الناس على أنّ الاستثناء من الإثبات نفي 2، والأكثر   2

1 . عوالي اللآلي: 2 / 184 و 209 و ج 3 / 8 .
2 . أي قام الاجماع على أن الاستثناء من الاثبات نفي.

صفحه 147
<--- على العكس 1 وأبوحنيفة منع من ذلك 2 وجعل هناك واسطة بين الحكم بالنفي والحكم بالاثبات وهو عدم الحكم والاستثناء من الحكم بالنفي لا يستلزم الحكم بالاثبات لأنّه أخصّ، 3 وهو في غاية من قوة.
واحتج الاكثر بالنقل 4 وبأنّه لولا ذلك لم يكن قولنا: «لا اله إلاّ الله» توحيداً، والتالي باطل اتفاقاً فالمقدّم مثله .
واحتج أبوحنيفة بأنّه يلزم من قولنا: لا علم إلاّ بحياة، ولا صلاة إلاّ بطهور، ثبوت العلم والصلاة بمجرد ثبوت الحياة والطهور كاستلزام قلولنا: «لا عالم إلاّ زيد» ثبوت العلم لزيد، وليس كذلك قطعاً .
والجواب: أَنّ الاستثناء هاهنا ليس من العلم والصلاة والاّ كان الاستثناء منقطعاً فإذن لابدّ من صرفه عن حقيقته، فأمّا أن يكون التقدير (لا صلاة) إلاّ صلاة بطهور و (لا علم) إلاّ علم بحياة، فلا نزاع ولزم المطلوب وهو أنّ الاستثناء من النفي إثبات واطراد 5 .   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 256 .
2 . أي اتّفق الأكثر على أن الاستثناء من النفي اثبات، وقد عارض أبو حنيفة في ذلك.
3 . أي الحكم بالاثبات; والحكم بالأخصّ لا يستلزم الحكم بالأعمّ.
4 . أي احتج الأكثر على أن الاستثناء من النفي اثبات بالنقل عن علماء اللغة في هذا الشأن وهم الحجّة وعليهم الاعتماد في ذلك.
5 . وقد ورد في نسختي «ب» و «ج» بدل كلمة: «وإن كان» ما يلي:
«ولا ينهض الحديث حينئذ نقضاً إذ معناه على ما اختاره هو أنّه لا تحصل الصلاة بمجرد الطهور وأما أن يكون...». وهي اضافة توضيحية لا تخدم انسجام الاسلوب وانسيابيَّته .

صفحه 148
<--- وإن كان التقدير: لا صلاة تثبت بوجه إلاّ بطهور، 1 علمنا أن ذلك إنّما سيق لبيان شرطية الطهور للصلاة ولا يلزم من حصول الشرط حصول المشروط .
ثمّ إنّ المصنف بعد الجواب عن اشكالهم في الاستثناء استشكل بما هو اصعب من هذا، وهو المنفي الأعم في مثل هذه الصورة 2 ومثل قولنا: ما زيد   2

1 . وفي النسختين السابقتين أيضاً بعد كلمة: «إلاّ بطهور»:
«فلا يلزم ما ذكره من النقض أيضاً لأن معناه على ما اختاره هو أن الطهور شرط الصلاة متى كان الحديث إنّما سيق لبيان..» .
وهذا كسابقه لا طائل تحته، وسياق المتن وطريقة تناوله للموضوع يأبيانه .
2 . في نسختي «ب» و «ج» زيادة، وبما أنها تُبدِّد الغموض في بعض جوانب النص، آثرنا الحاقها في الهامش على طولها: [ في الأوّل أن الصلاة لا صفة من الصفات المعتبرة في كونها صلاة شرعية إلاّ الطهارة وفي الثاني أنّ زيداً لا صفة له من الصفات المعتبرة في كونه زيداً إلاّ القيام ووجه الإشكال أنّه يلزم من عدم الطهارة نفي جيع الصفات المعتبرة في كونها صلاة وهو غير مستقيم لجواز اجتماع أكثر الصفات المعتبرة في كونها صلاة كاستقبال القبلة وستر العورة وغير ذلك مع عدم الطهارة، وكذا يلزم من عدم القيام نفي جميع الصفات المعتبرة في زيد وبطلانه ظاهر، ولا يرد هذا الإشكال على قولنا لا علم إلاّ بحياة، ضرورة انتفاء جميع الصفات المعتبرة في العلم مع انتفاء الحياة فيكون الضمير في قوله: (في مثله) راجعاً إلى قوله: لا صلاة إلاّ بطهور.
وأجاب المصنّف بأمرين:
الأوّل: إنّ القصد هاهنا بتعميم النفي، المبالغة، كأنَّ قائلاً قال: ما زيد عالماً، فقيل: ما زيدُ إلاّ عالم .
الثاني: أِنّ هاتين الصفتين أعني صفة الطهور وصفة القيام آكد الصفات المعتبرة وليس المراد أن لا صفة لهما غيرهما، ولمّا كان هذا الاشكال إنّما يتأتى على تقدير كون الاستثناء متصلاً ليحتاج إلى تقدير المستثنى منه عامٌ كما ذُكر لا على تقدير كونه منقطعاً لعدم الحاجة إليه، واستشعر أن يمنع كونه متصلاً بجواز كونه منقطعاً سارع إلى استبعاده بأن الاستثناء هاهنا من المفرّغ والاستثناء من المفرّغ متصلٌ قطعاً لأنّه من تمام الكلام، وشرط الاستثناء المنقطع أن يأتي بعد تمام الكلام ].

صفحه 149
<--- إلاّ قائم، فإنّ التقدير إذا كان (ما زيد) على صفة معتبرة (إلاّ قائم) كان ذلك خلفاً من القول، وأجاب المصنف بأمرين :
الأوّل: أنّ القصد هاهنا بتعميم النفي، المبالغة .
الثاني: أنّ القصد بالمستثنى آكد الصفات المعتبرة.
واستبعد قول من جعل الاستثناء هاهنا منقطعاً لأَنّ الاستثناء من زيد لا يصحّ، والاستثناء من الصفات لا يصحّ أيضاً، لما مرّ بأنّ الاستثناء هاهنا من المفرّغ والاستثناء من المفرّغ متصل قطعاً لأنّه من تمام الكلام، وشرط الاستثناء المنقطع أن يأتي بعد تمام الكلام.

صفحه 150
قال: (التخصيص بالشرط):
الغزّالي: الشرطُ ما لا يوجد المشروطُ دونَهُ، ولا يلزم أن يوجد عندهُ .
وأُورد: أنّه دور، وعلى طرِدِه جُزءُ السبب.
وقيل: ما يتوقف تأثيرُ المؤثر عليه.
وأُورد على عكسه: الحياةُ في العِلْمِ القديمِ.
والأَولى: ما يستلزم نفيهُ نفيَ أمر، على غير جهة السببية.*

[ التخصيص بالشرط ]

* أقول: لما فرغ من التخصيص بالاستثناء شرع في بيان التخصيص بالشرط، وقبل ذلك اخذ يعرّف الشرط، وقد ذكروا في تعريفه أقوالاً:
أحدُها: قال الغزّالي: الشرطُ ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن يوجد عنده .1
والاعتراض أنّ هذا دور فإنّ المشروط لا يُعرَّف إلاّ بالشرط فلو عُرّف الشرط به لزم الدور. وأيضاً فإن هذا ينتقض طرداً بجزء السبب فإنّه لا يوجد المسبب إلاّ عند وجوده ولا يلزم أن يوجد عنده .
في أقسام الشرط    
وثانيها: قال بعض الأشاعرة: 2 إنّه ما يقف عليه تأثير المؤثر .   2

1 . المستصفى: 2 / 188 .
2 . لاحظ : المحصول: 1 / 422 .

صفحه 151
قال: وهو عقلي، كالحياة للعلم، وشرعيٌّ، كالطهارة، ولغويٌّ، مثل «أنت طالق، إن دخلت الدار»، وهو في السببية أغلب، وإنّما استعمل في الشرط الّذي لم يبق للمسبّب سواه، فلذلك يخرج به ما لولاه لدخل لغة، مثل: «أكرم بني تميم، إن دخلوا» فيقصرُهُ الشرط على الداخلين، وقد يتحد الشرط ويتعّدد، على الجمع، وعلى البدل، فهذه ثلاثة كُلّ منها مع الجزاء كذلك، فتكون تسعة .
والشرط كالاستثناء في الإتصال وفي تعقبِهِ الجُمل.
وعن أبي حنيفة للجميع ففرقٌ.
وقولهم في مثل: «اكرمك، ان دخلت الدار» ما تقدم خبر، والجزاء محذوف، مراعاة لتقدّمه، كالأستفهام والقسم، فإن عنوا: «ليس بجزاء في اللفظ»، فمسلّم، وان عنوا: «ولا في المعنى» فعنادٌ.
والحق: أنّه لمّا كان جُملة، روعيت الشائبتان. *
<--- وهو ينتقض عكساً بالحياة لواجب الوجود فإنّها شرط في وجود علم الله تعالى مع أنّه لا تأثير هناك .
والأولى أن يقال 1 في حدّه: إنّه ما يستلزم نفيه نفي أمر على غير جهة السببية بأن يكون سبباً تاماً أو جزءاً منه، فالأول كالجنس بينه و بين السبب، والثاني فصل يفصله عن السبب وجزئه ويدخل فيه شرط الحكم وشرط السبب معاً.
* أقول: الشرط على أقسام ثلاثة :   2

1 . لاحظ: الإحكام للآمدي: 2 / 407 ـ 408 .

صفحه 152
<--- أحدها: أن يكون عقلياً كالحياة للعلم والإرادة وغيرهما .
وثانيها: أن يكون شرعياً كالطهارة للصلاة فإنّها ليست شرطاً عقلياً وإنّما الشارع جعلها شرطاً .
وثالثها: أن يكون لغوياً، كقوله: أنت طالق إنْ دخلت الدار، فإنَّ هذا وأمثاله من الشروط الّتي وضعها أهل اللغة وهي: أنّ، وإذا و مهما، وحيثما وإذما، وغيرها من الأدوات ; وهذا الشرط اللغوي يأتي في السبب أكثر منه في الشرط العقلي.
(وإنّما استعمل في الشرط الّذي لم يبق للمسبب شرط سواه، هذا في الأغلب وكذلك يخرج به من المشروط ما لولاه لدخل لغة مثل: اكرم بني تميم ان دخلوا، فيقصره الشرط على الداخلين ولولا الشرط لاكرم كلّ بني تميم ).1
واعلم أنّ الشرط قد يكون واحداً و قد يكون متعدّداً والمتعدّد أمّا أن   2

1 . في نسختي «ب» و «ج» جاء المقطع التالي: بدلاً عما ورد بين المعقوفتين في النص، وواضح أنّها إضافة توضيحية، ولا بأس بذكرها :
[ على معنى أَنَّ المقرون به احدى هذه الصيّغ يطلق عليه السبب كما يقال في المثال المذكور: «دخول الدار سبب للطلاق» وإنّما اطلق السبب عليه لأن غالب استعمال الشرط اللغوي إنّما هو في الشرط الّذي لم يبق للمسبب سواه، مثاله: «أكرم بني تميم إن دخلوا» يُشعر بأنّه لم يبق من اسباب إكرامهم وشرائطه إلاّ الدخول ولهذا قلّ قولهم: «صل إن توضأت»، فتوقف الصلاة على شرائط أُخرى ولأجل أن الشرط هو ما يستلزم نفيه نفي آخر على غير جهة السببية، يخرج به مالولاه لدخل لغة نحو قولك: «أكرم بني تميم إن دخلوا»، قصراً لشرط الإكرام على الداخلين، ويخرج منه الإكرام حالة عدم الدخول، ولولا الشرط لعمّ الإكرام جميع الأحوال.
وقيّد بقوله: لغةً، ليدخل فيه مثل قولنا: «أكرم بني تميم أبداً إن قدرت»، لأن حالة عدم القدرة معلوم الخروج بدليل عقلي من غير الشرط، لكن خروجها عنه عقلاً لا ينافي دخولها فيه لغةً، فيصدق في هذه الصورة أنّه لولا الشرط لدخل لغة].

صفحه 153
<--- يكون على الجمع أو على البدل، فهذه ثلاثة أقسام بالنظر إلى الشرط، وهاهنا ثلاثة أُخرى بالنسبة إلى المشروط فالجميع تسعة :
1. مثال الشرط الواحد مع المشروط الواحد: إن دخل الدار أعطه ديناراً .
2. ومثال الشرط المتعدّد على الجمع مع وحدة المشروط: إن دخل وضرب أعطه ديناراً .
3. ومثال المتعدّد على البدل مع وحدة المشروط: إن دخل أو ضرب أعطه ديناراً، ففي هذا القسم يتوقف الإعطاء على أحدهما، وفي الّذي قبله عليهما .
4. ومثال الشرط الواحد مع تعدّد المشروط على الجمع: ان دخل فأعطه ديناراً وأكرمه .
5. ومثال الشرط الواحد مع التعدّد على البدل : إن دخل فأعطه ديناراً أو أكرمه.
6. ومثال الشرط المتعدّد على الجمع والمشروط كذلك: إن دخل وضرب أعطه ديناراً وأكرمه .
7. ومثال الشرط المتعدّد على البدل والمشروط متعدّد على الجمع: إن دخل أو ضرب أعطه وأكرمه .
8. ومثال الشرط المتعدّد على الجمع والمشروط متعدّد على البدل: إن دخل وضرب أعطه ديناراً أو أكرمه .
9. ومثال الشرط المتعدّد على البدل والمشروط كذلك: إن دخل أو ضرب أعطه ديناراً أو أكرمه .   2

صفحه 154
<--- واعلم أنّ حكم الشرط في وجوب اتصاله بالمشروط وفي أَنَّ حالة دخوله على الجمل هل يعود إلى الجميع أو إلى الأخيرة، حكم الاستثناء إلاّ أنّ أبا حنيفة في الاستثناء جعله عائداً إلى الأخيرة وفي الشرط جعله عائداً إلى الجميع ففرق بينهما، من ثَمَّ قال بعض الناس: وفي مثل قولنا: «أُكرمك إنْ دخلت» قال بعض الناس: إنَّ «أكرمك» خبر، و «الجزاء» 1 محذوف لأنّ الشرط متقدّم على المشروط و (اكرمك) متقدّم على «إن دخلت»، راعوا في ذلك تقدّم الشرط على المشروط، كما أنّ الاستفهام والقسم متقدّمان.
قال المصنف: إن عنوا بذلك أَنّه ليس بجزاء في اللفظ فهو حق وإن عنوا به أنّه ليس بجزاء في المعنى فهو عناد.
والحق أنّه لمّا كان المتقدّم جملة خبرية مستقلة من حيث اللفظ دون المعنى، روعيت الشائبتان أي شائبة الاستقلال اللفظي، فحكم بكونه خبراً، وشائبة عدم الاستقلال المعنوي، فحكم بأن الجزاء محذوف لكونه مذكوراً من حيث المعنى .
   

1 . أي: إنّ: «أُكرمكَ» خبر لمبتدأ محذوف وهو «أنا»، والجزاء محذوف يدل عليه خبر المبتدأ.

صفحه 155
قال: (التخصيص بالصفة) مثلُ: أكرِم بني تميم الطوال، وهي كالاستثناء في العود على متعدّد.
(التخصيص بالغاية) مثل: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا، فتقصرهُ على الداخلين كالصفة. وقد تكون هي والمقيّد بها متحدّين ومتعددين; كالشرط، وهي كالاستثناء في العود على المتعدّد.*

[ التخصيص بالصفة ]

* أقول: حكم الصفة في إخراج بعض العام الخارج عما صدقت عليه الصفة كحكم غيره من المخصّصات، وحكمها إذا وردت عقيب الجمل المتعدّدة حكم الاستثناء 1 في أنّها هل تعود إلى الجميع أو إلى الأخيرة.
وحكم ما بعد الغاية مخالف لحكم ما قبلها فهي من جملة المخصّصات مثل: أكرم بني تميم أبداً إلى أن يدخلوا، فقد خصّصت الإكرام بهم بعدم الدخول وأخرجت ما بَعْدَهُ، وأدواتها: «إلى» و «حتّى ».
وقد تكون الغاية وصاحبها متحدّين كما في هذا المثال و قد يكونان متعدّدين كقوله: «اكرم بني تميم أو أعطهم إلى أن يدخلوا أو يقوموا»، وقد يكون على التفريق .
والاقسام هاهنا ـ كما قلنا في الشرط ـ والأمثلة واضحة. وحكم الغاية في دخولها على الجمل المتعدّد كحكم الاستثناء.

1 . نهاية الأُصول إلى علم الأُصول: 2 / 280 .

صفحه 156
قال: (التخصيص بالمنفصل) مسألة: يجوز التخصيص بالعقل .
لنا: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء )، وأيضاً: (وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، في خروج الاطفال بالعقل .
قالوا: لو كان تخصيصاً لصحّت الإرادة لُغَةً.
قلنا: التخصيص للمفرد، وما نُسب إليه: مانعٌ، وهو معنى التخصيص.
قالوا: لو كان مخصّصاً، لكان متأخِّراً، لأنّه بيانٌ .
قلنا: لكان متأخراً بيانُهُ لا ذاتُهُ.
قالوا: لو جاز به، لجاز النسخُ.
قلنا: النسخ على التفسيرين محجوبٌ عن نظر العقل.
قالوا: تعارضا.
قلنا: فيجب تأويلُ المحتمل.*

[ التخصيص بالأدلّة المنفصلة ]

* أقول: لما بحث عن المخصص المتصل شرع في بيان التخصيص بالأدلة المنفصلة 1 وبدأ بالدليل العقلي، والحق أنّه يجوز أن يكون مخصّصاً ويدلّ   2

1 . لاحظ: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 281 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 213.

صفحه 157
<--- عليه قوله تعالى: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء )1 فإنّ هذا تخصيص بالعقل فإنّ ذاته ليست مخلوقة لذاته. وعند المعتزلة افعال العباد ليست مخلوقة له. وأيضاً قوله تعالى: (وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)2 مخصص بالاطفال بدليل العقل فإنّه لايجوز عقلاً ورود التكليف على من لم يعقل التكليف. واحتج المانع بوجوه:
الأوّل: أن التخصيص هو الإخراج لبعض ما يتناوله اللفظ وذلك إنّما يكون مع صحة الارادة لغة، 3 ولو كان مايخرجه العقل تخصيصاً لوجب أن يكون اللفظ صالحاً لما اخرجه العقل، وذلك باطل قطعاً لأنا نعلم بالضرورة أنَّ المتكلم لا يصح أنْ يريد لغة بلفظِهِ الدلالة على ما هو مخالف لصريح العقل .
والجواب: أن التخصيص للطفل بالعقل إنّما وقع للفظ العام أعني لفظة الناس لا بالنظر إلى أفراده عقلاً، واخرج عنه العقل بعض افراده بالنظر إلى النسبة المذكورة، كان ذلك مانعاً من إرادة الجميع من اللفظ الصالح له قبل النسبة، ولا معنى للتخصيص إلاّ ذلك .
الثاني: لو كان العقل مخصّصاً لكان متأخراً لأنّه بيان، والبيان متأخر عن المبيّن.   2

1 . الزمر: 62 .
2 . آل عمران: 97 .
3 . قد ورد في نسخة «ج» بعد قوله: «صحة الإرادة لغة» ما يلي:
[ لاستحالة تناول اللفظ لما لا يصح إرادته منه لغة ] .
وهو نفس ما جاء في آخر الاشكال، فاسقاطه أفضل.

صفحه 158
<--- والجواب: أنّه يكون متأخراً من حيث إنّه بيان لا من حيث الذات.1
الثالث: لو جاز التخصيص بالعقل لجاز النسخ به لاشتراكهما في كون كلّ واحد منهما رفعاً لبعض ما يصلح تناول اللفظ له ; أمّا التخصيص ففي الأعيان وأمّا النسخ ففي الأزمان، والتالي باطل.
والجواب: أنّ النسخ على قول من يقول إنّه بيان: انتهاء مدة الحكم، وعلى قول من يقول: إنّه رفع حكم شرعي بطريق شرعي; غير حاصل بالعقل:
أمّا الأوّل: فلأنّه لا يمكن الإطلاع بالعقل على انتهاء مدة الحكم الّذي نطق فيه بالدوام .
وأمّا الثاني: فكذلك، فإنّه كيف يمكن للعقل أَنْ يرفع الحكم الّذي كان ثابتاً، على أن للمانع أن يمنع ذلك ويجوِّز النسخ بالعقل، فإنّ مقطوع اليدين منسوخ عنه غسل اليدين بالعقل .2
الرابع: أَنَّ الدليل العقلي والنقلي قد تعارضا فليس كون العقل مخصّصاً أولى من أن يكون الدليل العقلي مشروطاً دلالته بعدم المعارض من عموم الكتاب .
تخصيص الكتاب بالكتاب   
والجواب: أنَّ التعارض إذا وقع بينهما وجب تأويل النقل بالمحتمل لا بما لا يحتمله لأنّه إنْ عمل بهما لزم العمل بالنقيضين، وإن تركا لزم ترك النقيضين، وإن عمل بالنقل الّذي هو فرع، وابطل الأصل، لزم إبطالهما فلم يبق إلاّ تأويل النقل حتّى يكون ذلك عملاً بهما .

1 . أي أن العقل متقدّم ذاتاً لكنه متأخر صفة وبياناً وهو المطلوب، فلا يرد الاشكال.
2 . وهو ليس من النسخ في شيء حتّى على التفسير الثاني لأنّ غاية ما يمكن أن يقال عنه: أنّه غير منجز في حق من قطعت يداه لوجود مانع، وأين هذا من النسخ؟!

صفحه 159
قال: مسألة: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب .
أبوحنيفة والقاضي والإمام: إن كان الخاصُّ متأخّراً، وإلاّ فالعامُّ ناسخٌ، فإن جُهِلَ تساقطا.
لنا: (وَأُولاَتُ الأحْمَالِ) مخصّص لقوله: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ)، وكذلك: (وَ الُْمحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ)، مخصّص لقوله تعالى: (وَ لاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ).
وأيضاً: لا يبطل القاطع بالمحتمل.
قالوا: إذا قال: اقتلْ زيداً، ثم قال: لا تقتل المشركين، فكأنّه قال: لا تقتل زيداً، فالثاني ناسخ.
قلنا: التخصيص أولى; لأنّه أغلبُ، ولأنّه لا رفع فيه كما لو تأخّر الخاصّ.
قالوا: على خلاف قوله: (لِتُبَيِّنَ) .
قلنا: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء)، والحق أنّه المُبيّن بالكتاب وبالسنة.
قالوا: البيان يستدعي التأخّر.
قلنا: استبعادٌ.
قالوا: قال ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث.

صفحه 160
قُلنا: يُحمل على غير المخصّص، جمعاً بين الأدلة.*

[ تخصيص الكتاب بالكتاب ]

* أقول: اختلفوا في تخصيص الكتاب بالكتاب فاثبته جماعة من المحققين، ومنع منه قوم،1 ونقل عن أبي حنيفة والقاضي وإمام الحرمين أن الخاصّ إن كان متأخّراً فهو مخصّص، وإن كان متقدّماً فالعام ناسخ، وإن جهل تساقطا.
والدليل على جواز التخصيص وقوعه في قوله تعالى:(وَ أُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)(2) فإنّه ورد مخصّصاً لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ
يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَ عَشْرًا
)،2وفي قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)(4) فإنّه ورد مخصّصاً لقوله تعالى : (وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)(5)، وأيضاً الخاص مقطوع به في دلالته ومتنه والعامّ مقطوع به في متنه لا في دلالته، فلا يترك المقطوع به لأجل المحتمل .
احتج المخالف بوجوه :
أحدها: أنّه إذا قال: اقتل زيداً ثمّ قال: لا تقتل المشركين، فكأنّه قال: لا تقتل زيداً، لأنّ العام متناول لكلّ فرد فرد ولا شكّ أن الثاني ناسخ، فكذا الأوّل .
والجواب3: التخصيص أولى من النسخ لأنّه أغلب، والحمل على   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 286 .   2 . الطلاق: 4 .
2 . البقرة: 234 .   4 . المائدة: 5 .   5 . البقرة: 221 .
3 . ورد الجواب في نسختي «ب» و «ج» كما يلي: [والجواب: أن العام المتأخّر يحتمل أن يكون ناسخاً للخاصّ المتقدّم وأن يكون مخصّصاً به فلا أولوية. سلمنا ثبوت الأولوية لكن الأولوية للتخصيص لأنّه أغلب، والحمل على الأغلب أولى سواء عرف التاريخ أو جُهل، ولأنّه لا رفع فيه بل هومنع من الثبوت].
من الناحية الفنية ما ورد في المتن أكثر اتقاناً وأوضح بياناً، على أنّه يمكن القول: إنَّ العام ظاهر والخاص أظهر والأظهر مقدّم، سواءٌ تقدّم في مقام البيان أو تأخّر.

صفحه 161
<--- الأغلب أولى، ولأنّه لا رفع فيه بخلاف النسخ الّذي يقتضي رفع الحكم بعد ثبوته، كما لو تأخّر الخاص فإنّ التخصيص فيه أولى من النسخ.
الثاني: أَنَّ التخصيص بالكتاب يقتضي أن يكون الكتاب مبيِّناً، والتالي باطل لقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)1.
والجواب: المعارضة بقوله: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء)(2) في صفة الكتاب، والحق أن المبيّن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيانه تارة يكون بالكتاب وتارة بالسنة.
الثالث: قالوا: البيان يستدعي التأخّر عن المبيَّن، فكيف يكون الخاصّ المتقدّم مبيِّناً.
والجواب: أن هذا استبعادٌ محض فإِنّه يمكن أن يكون المبيِّن وارداً قبل ورود المبيَّن.2
الرابع: قال ابن عباس: كُنّا نأخذ بالأَحدثِ فالأَحدثِ، فعلى تقدير أن يكون الأحدث هو العام وجب العمل به وترك الخاص .
والجواب: لا منافاة في ذلك لأنّه يمكن حمله على غير المخصّص جمعاً بين الأدلة.

1 . النحل: 44.   2 . النحل: 89 .
2 . وقد جاء في نهاية العبارة في نسختي «ب» و «ج» ما يلي:
[ كما يذكر أحد المخاطبين كلاماً لصاحبه ليبيّن به كلاماً آخر له متأخراً ].
ويبدو أنها اضافة توضيحية أُلحقت بالمتن.

صفحه 162
   
قال: مسألة: يجوز تخصيص السنة بالسّنة.
لنا: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، مخصص لقوله: «فيما سقت السماء العُشر»، وهي كالتي قبلها في الخلاف. *
قال: مسألة: يجوز تخصيص السنة بالقرآن.
لنا: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء) .
وأيضاً: لا يبطلُ القاطع بالمحتمِل.
قالوا: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ)، وقد تقدّم.**

[ تخصيص السنة بالسنة ]

* أقول: هذه المسألة ظاهرة .1
** أقول: مذهب أكثر المتكلّمين والفقهاء 2 أنّه يجوز تخصيص السنة المتواترة بالقرآن، وخالف فيه جماعة، واحتج المصنف بوجهين:
الأوّل: قوله تعالى في صفة الكتاب: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء) والمخصّص مبيّن والسنة شيء.
الثاني: أنّه إذا ورد الكتاب الخاص والسنة العامّة كان العمل بالكتاب أولى لأنّه مقطوع في متنه ودلالته بخلاف السنة العامّة وقد تقدّم هذان الوجهان .
واحتجّوا بقوله: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) فلا يجوز التخصيص بالكتاب لأنّه يقتضي أن يكون الكتاب مبيِّناً، وقد مضى الجواب عنه.

1 . لاحظ : نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 290 .
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 292 .

صفحه 163
قال: مسألة: يجوز تخصيص القرآن بخبرِ الواحد.
وقال به الأئمة الأربعة، وبالمتواتر إتفاقاً .
ابنُ أبان: إن كان خُصَّ بقطعي.
الكرخي: إن كان خُصّ بمنفصل.
القاضي: بالوقف.
لنا: أنّهم خصّوا: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ) بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تُنكح المرأةُ على عمتها ولا على خالتها»، و (يُوصِيكُمُ اللهُ) بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يرث القاتل ولا الكافر من المسلم، ولا المسلم من الكافر»، و: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث».
وَأُورِدَ: إن كانوا أجمعوا، فالمخصّص الإجماع، وإلاّ فلا دليل.
قلنا: اجمعوا على التخصيص بها.
قالوا: رد عُمر حديث فاطمة بنت قيس، «إنّه لم يجعل لها سُكنى ولا نفقةً» لمّا كان مخصّصاً لقوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ) ولذلك قال: كيف نترك كتاب ربِّنا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت».
قلنا: لتردُّده في صدقها، ولذلك قال: لا ندري أصدقت أم كذبت.
قالوا: العامّ قطعي والخبر ظنَّي.
وزاد أبن ابان والكرخي: ولم يضعف بالتجوّز.
قلنا: التخصيص في الدلالة، وهي ظنيّة، فالجمع أولى .

صفحه 164
القاضي: كلاهما قطعيٌ من وجه، فوجب التوقف.
قلنا: الجمع أولى. *
* أقول: اختلف الناس 1 القائلون بالعمل بخبر الواحد هل يخصّ به عموم الكتاب أم لا؟ فذهب إليه جماعة من الأُصوليين والشافعي ومالك وأبوحنيفة وأحمد.
وقال قوم: لا يجوز أصلاً .
وقال عيسى بن أبان: إنْ كان العامّ قد خُصّ قبل ذلك بدليل قطعي جاز، وإلاّ فلا .
وقال الكرخي: إن كان العام قد خصّ قبل ذلك بدليل منفصل جاز، وإلاّ فلا .
والقاضي أبو بكر توقف، 2 وإنّما جوَّز ابن أبان والكرخي تخصيصه بخبر الواحد بعد ما اشترطاه لأنّه عندهما يصير مجازاً بذلك فيجوز تخصيصه لخروجه عن القطع حينئذ واتّفق الكل على جواز تخصيص القرآن بالسنة المتواترة .
واحتجّ المصنف على الوقوع باجماع الصحابة على ذلك فإِنّهم خصّوا قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)3 بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تُنكح المرأةُ على عمّتها ولا على خالتها» وهو خبر واحد، وخَصّوا قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 298 ; العدّة في أُصول الفقه: 1 / 344 ; التبصرة: 132 ; المحصول: 1 / 432 .
2 . التقريب والإرشاد: 3 / 185 .
3 . النساء: 24 .

صفحه 165
<--- فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)1 بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «القاتل لا يرث»2 و: «الكافر لا يرث المسلم، ولا المسلم الكافر»3 وبقوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث»4، وهذه أخبار آحاد.5
اعترضوا على ذلك بأنّ الصحابة إن كانوا قد اجمعوا على التخصيص بهذه الاخبار فالمخّصص الإجماع، وإن لم يكونوا قد أجمعوا فلا دلالة فيه .
والجواب: أَنّهم أجمعوا على التخصيص استناداً إلى هذه الاخبار لا مطلقاً فلا يكون المخصّص هو الإجماع .
واحتجّوا بأنّ عمر بن الخطاب رد حديث فاطمة بنت قيس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أنّه «لم يجعل لها سكنى ولا نفقة» لمّا كان ذلك الحديث مخصِّصاً لقوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ)6، و [ لذلك ] قال: كيف نترك كتاب ربنا بقول إمرأة لا ندري أصدقت أم كذبت.
والجواب: أنَّ عمر إنّما رد هذا الحديث لما كان شاكّاً في صدق الراوي   2

1 . النساء: 11 .
2 . مسند أحمد: 2 / 178 و 195 .
3 . مسند أحمد: 5 / 202 ; المدوّنة الكبرى: 3 / 389 ; سنن البيهقي: 6 / 218 .
4 . لقد أشرنا في هامش الصفحة (32) من هذا المجلد إلى أن هذه الرواية المزعومة لا تصلح شاهداً، فراجع .
5 . وهناك إضافة توضيحية في نسختي «ب» و «ج»، هي: [ والوقوع يستلزم الجواز قطعاً ] وهي إضافة لا بأس بها وإن لم يتوقف تمام المعنى عليها.
6 . الطلاق: 6 .

صفحه 166
<--- ويدل عليه قوله: لا ندري اصدقت أم كذبت، والنزاع إنّما وقع في الحديث الّذي يرويه الصادق لا في مطلق الحديث .
قالوا: العام قطعيّ والخاص ظنيّ فلا يكون معارضاً له. وقال ابن ابان والكرخي: «أن العام غير المخصص بما ذكر» لأنّه قطعي غير ضعيف بسبب التجوّز، والخاص ظني فلا يعارضه .
والجواب: أنّ التخصيص إنّما هو لدلالة العام وهي ظنية فقد يعارض العام الظني في دلالته القطعي في متنه والخاص الظني في متنه القطعي في دلالته، فيجب الجمع إذا امكن وهو ممكن هاهنا بأن يُجعل العامُّ دليلاً في غير مورد الخاصّ.
قال القاضي أبو بكر: العام قطعي من وجه والخاص قطعي من وجه، وقد تعارضا وليس أحدهما أولى بالإبطال، 1 فيجب التوقف.
والجواب: أنْ 2 الجمع أولى.
في تخصيص القرآن والسنة بالإجماع، وتخصيص العام بالمفهوم   

1 . في نسختي «ب» و «ج»: [ أولى بالعمل ] .
2 . في نسختي «ب» و «ج» اضيف ما يلي: [ نقول: لا نسلم أنّه لا أولوية لأحدهما بل نقول إن الخبر أولى لأن العمل يحصل معه الجمع بين الدليلين ] وهي اضافة قليلة الجدوى.

صفحه 167
قال: مسألة: الإجماعُ يخصّص القرآنَ والسنةَ، كتنصيف آية القذف على العبد، ولو عملوا بخلاف نصِّ، تضمن ناسخاً. *
قال: مسألة: العام يُخصُّ بالمفهوم، إن قيل به ; ومُثِّل: «في الأنعام الزكاة»، «في الغنم السائمة زكاة» ; للجمع بين الدليلين.
فإن قيل: العامُّ أقوى، فلا معارضة .
قلنا: الجمعُ أولى كغيره. **
* أقول: هذه المسألة 1 ممّا اتفقوا عليها2 وذلك لأنّهم أجمعوا على أنّ آية القذف خاصّة بالأحرار، فإنَّ العبيد والإماء يُحدّون نصف حدِّهم، وأعلم أن الاجماع في الحقيقة ليس بمخصّص وإنّما هو دليلٌ عليه، وكذلك إذا عمل أهل الاجماع بخلاف نصٍّ فإِنّه لا يكون ناسخاً وإنّما يكون مخصّصاً للناسخ ودليلاً عليه.
** أقول: ذهب القائلون 3 بأنّ المفهوم حجّة إلى جواز تخصيص العموم به سواء كان المفهوم من قبيل مفهوم الموافقة كقوله: «اضرب كلّ من دخل داري» و «زيد لا تقل له أُفٍّ» فإنّ ذلك يدلّ على تحريم الضرب لأنّ الكلام سيق لتحريم الإهانة لزيد فيجب كفّ الأذى عنه .
أو كان من قبيل مفهوم المخالفة كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في الانعام زكاة»، ثم   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 293 .
2 . في نسختي «ب» و «ج» إضافة ملحقة لتفسير الضمير في «عليها» كما يلي:
[ وهي في جواز تخصيص الكتاب والسنة بالاجماع، والدليل عليه الوقوع] .
3 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 331 .

صفحه 168
<--- قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «في سائمة الغنم الزكاة»، فإن ذلك يدل بمفهومه على المنع من وجوب الزكاة في المعلوفة .
والدليل على جواز التخصيص به أنّه دليل شرعيّ وقد يعارض هو والعامّ فيجب الجمع .
قالوا: العام أقوى من المفهوم فلا يكون معارضاً له. قلنا: الجمع أولى من السقوط كغيره مثل خبر الواحد والعموم.1
فعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يخصّص العموم   

1 . في نهاية المقطع في نسختي «ب» و «ج» إضافة هي: [ واعلم أن الواو في قوله: «ومثل» يشعر بأنَّ مراده بالمفهوم في صدر المسألة مفهوم الموافقة حتّى يصح عطف مفهوم المخالفة عليه ]. والسياق ينبئ بأنّها ملحقة بالنص فلا مبرر لادراجها فيه .

صفحه 169
قال: فعله (صلى الله عليه وآله وسلم)يخصّص العموم، كما لو قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الوصال» أو «الاستقبال»، للحاجة أو: «كشف الفخذ حرام على كل مسلم»، ثم فعل، فإن ثبت الإتباع بخاصٍّ، فنسخٌ، وإن ثبت بعامٍّ، فالمختار تخصيصه بالأوّل .
وقيل: العملُ بموافق الفعل .
وقيل: بالوقف .
لنا: التخصيص أولى ; للجمع .
قالوا: الفعلُ أولى ; لخصوصه .
قلنا: الكلامُ في العمومين.*
* أقول: إذا فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلاً مخالفاً لما دل عليه العموم كما إذا قال: «الوصال» 1 أو «استقبال القبلة عند الحاجة» أو «كشف الفخذ عند الصلاة حرام على كلّ مسلم» ثمّ فعل أحدها فلا يخلو أمّا أَنْ يثبت وجوب اتباعه (صلى الله عليه وآله وسلم) بدليل خاصّ لفعل معيّن كقوله: «صلوا كما رأيتموني أُصلي»2 أو يثبت وجوب اتباعه بدليل عام كقوله ـ تعالى ـ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)3،   2

1 . وهو أن توصل المرأة شعرها بشعر غيره لتغش به، فهي واصلة وفعلها وصال .
2 . عوالي اللآلي: 1 / 198 و ج 3 / 85 ; بحار الأنوار: 82 / 279 ; سنن البيهقي: 2 / 345 ; سنن الدارقطني: 1 / 280 .
3 . الأحزاب: 21 .

صفحه 170
<--- فإن كان الأول كان الفعل ناسخاً 1 لما ثبت أولاً .
وإن كان الثاني كان هناك عامّان متعارضان أحدهما الدليل الدال على اتباعه والثاني الدليل الدال على الفعل، وقد اختار المصنف تخصيص الدليل الدال على اتباعه بالدليل الدال على الفعل، فحينئذ يكون العام ثابتاً في حقّنا على ما هوعليه وقد خصّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منه بفعله .2
وقال قوم: إنّ العمل بموافق الفعل أولى من العمل بالعموم .3
وقال آخرون: بالوقف .
إِحتجَّ المصنف بأنّ التخصيص أولى لأنّ فيه الجمع بين الدليلين، قالوا: الفعل أولى لانّه أخصّ.
أجاب : بأنّ الكلام واقع في العمومين.4
إذا علم (صلى الله عليه وآله وسلم)بفعل مخالف   

1 . في نسختي «ب» و «ج» اضافة توضيحية لا بأس بها: [لحكم العام المتقدم، وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كشف الفخذ حرام عند الصلاة على كل مسلم» أما بالنسة إليه فظاهر، وأمّا بالنسبة إلى الأُمّة فلوجوب التأسي به بدليل خاص وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «صلّوا كما رأيتموني أُصلي» ] .
2 . لاحظ الذريعة إلى أُصول الشريعة: 231; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 294 .
3 . وفي نسخة «ب» إضافة لا تخلو من ارتباك فكان حذفها أَولى .
4 . مثل عموم وجوب التأسي وعموم حرمة الوصال ، وأمّا الفعل فدلالته اجمالية، فلا يقع الكلام فيه .

صفحه 171
قال: مسألة: الجمهور: إذا علم (صلى الله عليه وآله وسلم)بفعلِ مخالف، ولم يُنكره كان مخصّصاً للفاعل، فإن تبيّن معنى، حُمِلَ عليه موافقُهُ بالقياس، أو بـ «حكمي على الواحد».
لنا: أن سكوته دليلُ الجواز، فإنْ لَمَ يتبيّنَ، فالمختار: ألاّ يتعدّى، لتعذُّر دليلهِ. *
* أقول: اتّفق الاكثرون 1 على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا علم بفعل واحد من أصحابه لأمر من الأمور مخالف للعموم ولم ينكره عليه مع القدرة فإِنّه يكون مخصّصاً للعموم في حق الواحد، ثمّ أمّا أن يبين هناك معنى يوجب تخصيص ذلك الفاعل من العموم أو لا يُبيّن، فإن كان الأول فكل من شارك الفاعل في ذلك المعنى كان حكمه حكمه بالقياس، أو بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» 2.
وإن كان الثاني: فالحق أنّه لا يتعدى ذلك الحكم عن الفاعل إلى غيره لعدم الدليل الدال على التعدي 3 مع وجود الدليل العام الدال على الفعل، والدليل على التخصيص أَنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما سكت عن الانكار لأنّه قد كان الفعل جائزاً لذلك الفاعل والاّ لما ساغ الاهمال.

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 296 .
2 . عوالي اللآلي: 1 / 456، برقم 197، و ج 2 / 98، برقم 270 ; شرح سنن النسائي للسيوطي: 2 / 188 .
3 . قد ورد في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «لعدم الدليل على التعدي» ما يلي:
[ إذ لا قياس حينئذ لعدم المعنى الجامع. لا يقال: الدليل موجود وهو قوله: «حكمي على الواحد»، لأنا نقول لو علمنا به لبطل العموم بالكلية فلم يبق إلاّ تخصيص هذا الحديث بالتخصيص منه (صلى الله عليه وآله وسلم)جمعاً بين الأدلة بخلاف ما إذا بيّن الجامع لبطلان العام بالقياس لا بالحديث ].
وهو تعليل مضاف على ما يبدو.

صفحه 172
مذهب الصحابي ليس بمخصص   
قال: مسألة: الجمهور: أنّ مَذهب الصحابي ليس بمخصّص، ولو كان الراوي، خلافاً للحنفية والحنابلة .
لنا: ليس بحجّة .
قالوا: يستلزم دليلاً، وإلاّ كان فاسقاً ; فيجب الجمع .
قلنا: يستلزم دليلاً في ظنِّه فلا يجوز لغيره إتباعه .
قالوا: لو كان ظنيّاً، لبيّنه .
قلنا: لو كان قطعيّاً لبيّنه.
وأيضاً: لم يخف عن غيره .
وأيضاً: لم يجز لصحابي مخالفته، وهو اتفاق. *
* أقول: ذهب المحققون 1 إلى أنّ مذهب الصحابي إذا كان على خلاف العموم لا يخصّصه سواء كان الصحابي راوياً أو لم يكن .
وذهب آخرون إلى أنّه يخصّ به .
وفرق ثالث بين الراوي وغيره، فأوجب التخصّيص بقول الراوي دون غيره .
والدليل على أنّه غير مخصّص أنّه ليس بحجّة فلا يعارض العام الذي هو حجة .   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 342 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 236 ; المحصول: 1 / 450; المستصفى: 2 / 157 .

صفحه 173
<--- قالوا: قول الصحابي: لابد وأن يكون لدليل وإلاّ كان فاسقاً لأنّ القول في الدين بمجرد التشهي حرام. وإذا كان قوله إنّما هو لدليل فذلك الدليل يكون مخصّصاً للعموم، للجمع .
والجواب: أنّا نسلم أنّه إنّما قال لدليل، لكن لدليل في ظنه أو لدليل في نفس الأمر، فالأوّل مسلّم والثاني ممنوع.
وإذا كان الدليل إنّما هو في ظنه لم يجز لغيره اتباعه .
قالوا: لو كان ظنّياً لوجب عليه أن يبيّنه لينظر غيره فيه .
والجواب: أَنّا نعارضه ونقول: لو كان قطعيّاً لوجب أن يبيّنه ليصير إليه. وأيضاً لو كان قطعيّاً [ لم يخف عن غيره لأن القطعي منحصر في الكتاب والسنّة المتواترة والإجماع، وشيء منها لا يخفى عن أحد من الصحابة، ولمّا خفي دلّ على أنّه ليس بقطعي ] 1 لما ساغ لغيره من الصحابة مخالفته، والمخالفة سائغةٌ بالاتفاق.
 

1 . ما بين المعقوفتين في «ب» و «ج» فقط .

صفحه 174
إذا وافق الخاص حكم العام   
قال: مسألة: الجمهور: إنّ العادة في تناول بعض خاصٍّ ليس بمخصّص خلافاً للحنفية، مثل: «حَرَّمتُ الربا في الطعام»، وعادتهم تناولُ البُرِّ.
لنا: أن اللفظ عامٌّ لُغةً وعرفاً، ولا مخصِّص .
قالوا: يتخصّص به كتخصيص الدابة بالعُرف والنقد بالغالب.
قُلنا: إن غَلَبَ الإسم عليه كالدابة أختصّ به، بخلاف غلبة تناولهِ، والفرضُ فيه.
قالوا: لو قال: اشترْ لي لحماً، والعادة تناول الضأن، لم يُفهم سواه.
قلنا: تلك قرينة في المطلق، والكلام في العموم.*
* أقول: اختلف الناس 1 في أنّ العادة هل تخصّص العموم أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنّها غير مخصّصة .
وقالت الحنفية: أنّها مخصّصة وذلك مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حرّمت الربا في الطعام» فإنّ هذا يتناول المعتاد وغيره، وفي العادة إنّما يتناول هذا اللفظ البرّ مثلاً، فلا اعتبار بالعادة عند الجمهور .
واحتجّوا على ذلك بأنّ اللفظ عام لغة وعرفاً والحجّة فيه لا في العادة فإنّه هو الحاكم على العادة فلا يصلح للتخصيص .
قالوا: اللفظ العام يتخصّص بالبُر للعادة كتخصيص الدابة بالعرف   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 346 .

صفحه 175
قال: مسألة: الجمهور: إذا وافق الخاصُّ حُكمَ العامِّ، فلا تخصيص، خلافاً لأبي ثور، مثل و «أيُّمَا إهاب دُبِغَ فقد طَهُرَ»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ في شاة ميمونة ـ : «دباغها طهورُها» .
لنا: لا تعارض، فليُعمل بهما.
قالوا: المفهوم يخصّص العموم.
قلنا: مفهوم اللقب مردود.*
<--- بالفرس، والنقد بالغالب لكونه معتاداً .
والجواب: إنْ كان الاسم غالباً على ذلك الخاص كلفظ الدابة الغالب على الفرس اختصّ به، وليس النزاع فيه وإنّما النزاع في اللفظ العام إذا غلب تناوله له هل يُخصّ به أم لا؟ 1 .
قالوا: لو قال لعبده اشتر لي لحماً، وكانت العادة تناول لحم الضأن، لم يفهم سواه.
والجواب: أنّ هذا إنّما حصل لقرينة صارفة للمطلق عن اطلاقه، والكلام إنّما هو في العام، والفرق بين العام والمطلق ظاهر.2
* أقول: اتّفق المحققون على أنّ العام لا يخصّص بذكر أحد أفراده إذا   2

1 . يقصد أن العرف في الأوّل تصرَّف في اللفظ فاختص بالفرس دون الثاني فلا عموم.
2 . تختلف الصياغة في «ب» بعض الشيء ولكن ليس ما ورد فيها بذي بال فلا يستحق الاحتفاء به .

صفحه 176
<--- كان حكم ذلك الفرد موافقاً لحكم العام، مثاله ما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «أيّما إهاب دُبغ فقد طهر»1 ثم مرّ بشاة ميمونة فقال: «دِبَاغُها طَهُورها»2 وقال أبو ثور 3: إن ذلك العام مخصوص بذلك الخاص بعينه حتى أنّه لا يتناول بعد ذلك غيره .
والدليل على عدم التخصيص أنّ المخصص لابد وأن يكون معارضاً للعام ولا تعارض بين العام وأحد افراده فليعمل بهما .
احتج أبو ثور: بأنّ المفهوم يخصّص العموم على ما مضى.
والجواب: أن المفهوم المخصّص ليس مفهوم اللقب كما في هذه الصورة.
لا يقال: إنّه لا فائدة حينئذ في التخصيص كما في مفهوم الوصف لأنّا نقول: الفائدة التنصيص الموجب لعدم التخصيص فيه، أو لشدّة الاهتمام أو لغير ذلك من الفوائد.
رجوع الضمير إلى البعض هل يكون مخصّصاً   

1 . صحيح الترمذي: 4 / 221، برقم 1782، كتاب اللباس; مسند أحمد: 1 / 219 .
2 . عوالي اللآلي: 1 / 42 ; صحيح مسلم (كتاب الحيض)، برقم 692 ـ 701 .
3 . هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، الفقيه صاحب الإمام الشافعي، له مصنفات، ذكر في بعض كتبه اختلاف مالك والشافعي، وذكر مذهبه، وهو أكثر ميلاً إلى الشافعي، توفّي سنة 240 هـ . لاحظ : الاعلام للزركلي: 1 / 37 .

صفحه 177
قال: مسألة: رجوع الضمير إلى البعض ليس بتخصيص .
الإمام وأبو الحسين: تخصيص .
وقيل بالوقف ; مثل: (وَالْمُطَلَّقَاتُ)، مع (وَبُعُولَتُهُنَّ).
لنا: لفظتان ; فلا يلزم من مجاز أحدهما مجازُ الآخر.
قالوا: يلزم مخالفة الضمير.
وأُجيب: بأنّه كإعادة الظاهر. الوقف لعدم الترجيح.
وأُجيب: بظهور العموم فيهما; فلو خصّصنا الأوّل، خصصنّاهما، ولو سُلِّمَ، فالظاهر أقوى.*
* أقول: إذا كان الضمير عقيب لفظ عام وهو عائد إلى بعض أفراده هل يكون ذلك مخصّصاً للعموم أم لا؟ فذهب جماعة من الأشاعرة والقاضي عبد الجبار وغيره من المعتزلة إلى أنّه لا يكون مخصّصاً ; وأبوالحسين البصري والإمام ذهبا إلى أنّه مخصّص، وذهب جماعة إلى الوقف.1
والمثال الكاشف عن محل النزاع قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)،2 فإنّ هذا عام في البوائن والرجعيات. ثمّ قال بعد   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 363 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 228; المحصول: 1 / 456 ; البرهان في أُصول الفقه: 1 / 266 ; المعتمد: 1 / 284 .
2 . البقرة: 228 .

صفحه 178
<--- ذلك:(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ)1 أعاد الضمير إلى المطلقات الّذي هو لفظ عامّ مع أنّ العود إنّما يصحّ في الرجعيات .
واستدل المصنّف على أنّه غير مخصّص بأنّ اللفظ عام والأصل جريه على عمومه، والضمير راجع إليه، فمن حقه أن يرجع إلى جميع الأفراد الّتي تناولها اللفظ الظاهر فإذا دلّ الدليل على تخصيص الضمير ببعض الأفراد وخروجه عن حقيقته ـ الّتي هي العموم إلى المجاز ـ وجب المصير إليه، ولم يكن ذلك موجباً لتخصيص اللفظ العام وخروجه عن حقيقته، فإنّه لا يلزم من المخالفة للأصل في بعض المواضع المخالفة في الجميع.
احتجّ القائلون بالتخصيص [ بأنّه يلزم مخالفة ظاهر الضمير على تقدير عموم الأوّل دونه ] 2 بأنّ الضمير من حقه أن يرجع إلى الظاهر السابق، والظاهر السابق يمتنع عوده إلى جميع أفراده، فوجب أن يكون المراد من اللفظ العام، الخاصَّ الّذي يصحّ عود الضمير إليه.3
والجواب: [ لا نسلم لزوم مخالفة الظاهر لأن ] 4 الضمير كاعادة الظاهر ولماكان الظاهر (لو أعيد) غير مستلزم للمخالفة لتخصيص الظاهر الأول إذا   2

1 . البقرة: 228 .
2 . في نسخة «ب» و «ج» فحسب.
3 . وقد وردت العبارة في نسختي «ب» و «ج» كما يلي: [... والظاهر السابق عام فلو عاد الضمير إلى بعض افراده مع أن ظاهره مشعر بعوده إلى الكل، لزم مخالفة ظاهر الضمير على ما قلنا ]ولعلّه أوضح ممّا ورد في المتن .
4 . في «ب» و «ج» فقط.

صفحه 179
<--- خصص فكذلك اعادة الضمير .
وامّا القائلون بالتوقف فقد قالوا: إنّه ظهر بالكلامين إمكان التخصيص وعدمه فوجب التوقف .
والجواب: العموم ظاهر في الظاهر والمضمر، [ لأن ظاهره يشعر برجوعه إلى الكل] 1 فلو خصّصنا الأول لزم مخالفة الظاهر وهو العموم في الموضعين، ولو خصّصنا الثاني يلزم مخالفة العموم في أحدهما فيكون هذا أرجح، ولو سلمنا عدم الرجحان من هذه الحيثية إلاّ أنّ الظاهر أقوى، فالعموم المستفاد منه أقوى من التخصيص المستفاد من المضمر.
 

1 . في نسختي «ب» و «ج» .

صفحه 180
قال: مسألة: الأئمة الأربعة والأشعريُ، وأبو هاشم، وأبو الحسين: جواز تخصيص العموم بالقياس .
ابنُ سريج: إن كان جليّاً .
ابنُ أبان: إن كان العامُّ مخصّصاً.
وقيل: إن كان الأصل مُخرجاً.
والجُبائي: تقدّم العام مطلقاً.
والقاضي والإمام: بالوقف.
والمختار: إن ثبتت العِلَّة بنصٍّ أو إجماع، أو كان الأصل مُخصّصاً، خُصّ به وإلاّ فالمعتبر القرائن في الوقائع، فإن ظهر ترجيح خاصٌ فالقياس، وإلاّ فعموم الخبر .
لنا: أنها كذلك كالنصّ الخاص، فتخصّص بها للجمع بين الدليلين.
واستُدِلَّ: بأن المستنبطة: إمّا راجحة، أو مرجوحةٌ أو متساويةٌ، والمرجوح والمساوي لا يُخصّص، ووقوع احتمال من اثنين أقرب من واحد معيّن.
وأُجيب: بجريه في كلِّ تخصيص، وقد رُجِّحَ بالجمع. *
في جواز تخصيص العموم بالقياس   
* أقول: القائلون بأنّ القياس حجّة اختلفوا في أنّه هل يجوز تخصيص العام به أم لا 1؟ فذهب الأشعري وجماعة من المعتزلة والشافعي ومالك   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 318; المستصفى: 2 / 162 ; المعتمد: 2 / 275 .

صفحه 181
<--- وأبوحنيفة وأحمد إلى تجويز التخصيص به ; وقال ابن سريج: يجوز التخصيص بالقياس الجلي دون الخفي، وعنوا بالجلي قياس المعنى وبالخفي قياس الشبهة .
وقال عيسى بن أبان: يجوز التخصيص إن كان العام قد خُصّص قبل ذلك .
وقال قوم: يجوز التخصيص إن كان أصل القياس من الصور التي أُخرجت من العموم، وذهب أبوعلي إلى أنّ العام يقدّم مطلقاً، والقاضي أبو بكر 1 وإمام الحرمين (2) قالا بالوقف .
والذي ذهب إليه المصنف أنَّ العلّة إنْ ثبتت عليّتها بنصّ أو إجماع أو كان الأصل المقيس عليه مخصصاً مطلقاً سواء خصّ بالمتصل أو بالمنفصل فإنّه يجوز التخصيص بالقياس، وإن لم يكن كذلك اعتبر بالقرائن في الوقائع فإِن ظهر ترجيح لأصل القياس خصّ به وإلاّ فالعمل بالعموم. واستدل على ذلك بأنها إذا كانت بهذه الشروط تكون كالنص الخاص فتخصص بها جمعاً بين الدليلين .
واستدل بعضهم على أنّ العلّة المستنبطة لا تخصّص العموم بأنّ تلك العلّة قد تكون راجحة على العموم وقد تكون مرجوحة وقد تكون مساوية، وعلى تقديري المساواة والمرجوحية امتنع التخصيص بها، فإذن المخصّص ليس إلاّ العلّة الراجحة، وهذه تقديرات ثلاثة يجوز التخصيص على تقدير واحد منها ولا يجوز على الباقيين، ولا شكّ أَنّ وقوع تقديرين أغلب من وقوع تقدير واحد، فيكون عدم التخصيص أغلب من وقوعه فلا يجوز حينئذ .
والجواب: أن هذا عائد في كلّ تخصيص وقد رجّحنا الخاص بالجمع فلو كان هذا مبطلاً للتخصيص لوجب أن لا يكون هناك مخصّص.

1 . الارشاد والتقريب: 3 / 195 .   2 . البرهان في أُصول الفقه: 1 / 286 .

صفحه 182
قال: الجبائي: لو خصّ به، لزم تقديم الأَضعف لما تقدّم في خَبر الواحد ; من أنَّ الخبر يجتهد فيه في أمرين... إلى آخره.
وأُجيب: بما تقدّم ; وبأنّ ذلك عند إبطال أحدهما وهنا إعمالٌ لهما، وبإلزام تخصيص الكتاب بالسنة والمفهوم لهما.
واستُدل: بتأخيره في حديث معاذ، وتصويبه.
وأُجيب: بأنّه أَخَّرَ السنة عن الكتاب، ولم يمنع الجمع.
واستُدل: بأن دليل القياس الإجماع، ولا إجماع عند مخالفةِ العموم.
وأُجيب: بأنَّ المؤثرةَ ومَحَلَّ التخصيص يرجعان إلى النص; كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الواحد» وما سواهما; وإِنْ ترجَّح الخاصُّ، وجب اعتباره، لأنّه المعتبر كما ذُكر في الإجماع الظّني، وهذه ونحوُها قطعية عند القاضي، لِمَا ثبت من القطع بالعمل بالرّاجح من الأمارات، ظنيةٌ عند قوم; لأنّ الدليل الخاصّ بها ظنيُّ. *
في اعتراض الجبائي على جواز تخصيص العموم بالقياس    
* أقول: احتجّ أبو علي الجبائي على أنّه لا يجوز تخصيص العام بالقياس بوجوه :
أحدها: أنّه لو خصّ به لزم تقديم الأضعف على الأقوى 1 لأنّ العام يجتهد فيه في أمرين: أحدهما أنّه غير مخصص، والثاني أنّ الراوي لم يكذب في نقله   2

1 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الأقوى»:
[لما تقدم في الخبر من أن الخبر يجتهد فيه في أمرين: أحدهما: العدالة، والثاني: الدلالة ].

صفحه 183
<--- إن كان من أخبار الآحاد .
وأمّا القياس فيحمل من المطاعن أكثر من ذلك لأنّه يتوقف على حكم الأصل وعلى التعليل بالعلة المستنبطة، وعلى وجود تلك العلّة في الفرع وعلى عدم المانع وعلى حصول كلّ الشرائط، ولا شكّ1 في أنّ ما يحتمل نوعاً من الفساد أكثر وجوداً مما يحتمل أنواعاً كثيرة والعمل بالأكثر أولى فالعام أولى من القياس.
والجواب: ما تقدّم من أنّ العام قطعي من وجه، ظني من آخر والقياس كذلك [فالجمع أولى]2 وأيضاً فما ذكرتموه إنّما يتم إذا قلنا ببطلان أحدهما، والذي ذكرناه إعمال لهما فهو أولى، وأيضاً يلزم من ذلك أن لا يخصّ الكتاب بالسنة فإنّها أضعف، وأَنْ لا يُخَص الكتاب والسنة بالمفهوم لضعفه عن المنطوق فيهما.
الثاني: أنَّ معاذاً لما أرسله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قاضياً إلى اليمن قال له: بم تحكم؟
قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنّة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي. 3 فصوّبه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)على ذلك وهذا يدل على تأخير القياس عن الكتاب والسنة، فكيف يكون مُخصِّصاً لهما، فإنّ ذلك يقتضي تقديمه عليهما .
والجواب: أنّ معاذاً أخّر السنة عن الكتاب وصوبه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يمنع ذلك من الجمع بين عموم الكتاب والسنة، بل خَصّ العموم بالسنة، فعلمنا أنّ التأخير غير مانع للجمع.   2

1 . كذا في النسختين، وفي نسخة «أ»: «لا سبيل» وما اخترناه أولى.
2 . في نسختي «ب» و «ج» فقط .
3 . كتاب الأُم: 7 / 315 ; المغني: 11 / 395 ; كنز الفوائد: 296 ; تفسير ابن كثير: 1 / 4 .

صفحه 184
<--- الثالث: أنَّ دليل القياس إنّما هو الإجماع، والإجماع غير مقبول عند مخالفة العموم، فالقياس غير مقبول .
والجواب: أنّ العلّة المؤثرة 1 ومحل التخصيص يرجعان إلى النص أيضاً [ كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ] : «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» وما [ سوى ]هذين إِنْ يُرجَّح فيه الخاص وجب اعتباره لأنّه المعتبر كما ذكرنا في الإجماع الظني،2 وهذه الأمارات ظنية عند قوم، والدلالة ـ نفياً واثباتاً ـ ظنية غير قطعية خلافاً للقاضي أبي بكر فإنّه قال إنّها قطعية لانّه قد ثبت بالقطع أنّ العمل إنّما يجب بالراجح، وهذه الأمارات راجحة قطعاً.3
   

1 . العلّة المؤثرة هي علّة الحكم الثابتة بنص أو إجماع.
2 . راجع الصفحة (164) من هذا الجزء.
3 . جاء هذا المقطع في نسختي «ب» و «ج» مفصّلاً وهو يتعارض مع الأُسلوب الإختزالي المتبع في شرح الكتاب، فضربنا عنه صفحاً وإن كان فيه بعض الفائدة.

صفحه 185
قال: المطلق والمقيّد.
المطلق: ما دلّ على شائع في جنسه فتخرج المعارفُ، ونحو: «كل رَجْل» ونحوه وستغراقِها، والمقيّد بخلافه، ويُطلقُ المقيّد على ما أُخرج من شياع بوجه كـ «رقبة مؤمنة»، وما ذُكر في التخصيص من متفق ومختلف، ومختار ومزيف، جار فيه . *

[ المطلق والمقيّد]

* أقول: المطلق هو اللفظ الدالّ على معنى كُلّي من حيث هو شائع في جنسه لا من حيث أنّه عام ولا من حيث أنّه خاصّ ولا من حيث هو كلّي ولا جزئي، فتخرج عنه المعارف الدالّة على الاشخاص الجزئية، ومثل: «كلّ رجل» فإنّه عام والمطلق غير دال على العموم.
وإذا عرفت المطلق فالمقيّد ما يقابله وهو الدالّ على معنى جزئي غير شائع ; وقد يطلق المقيّد على ما أُخرج من شياع بوجه ما كرقبة مؤمنة فإنّها مخرجة من مطلق الرقبة .
والمباحث المذكورة في التخصيص فما اتّفقوا عليه أو اختلفوا فيه أو كان مزيفاً أو مختاراً فإنّها آتية هاهنا، ونزيد هاهنا مسألة.

صفحه 186
قال : مسألة: إذا وَرَدَ مطلقٌ ومقيّدٌ: فإن اختلف حكمهما; مِثلُ: «اكسُ، وأطعِمْ»، فلا يُحَملُ أحَدُهُمَا على الآخر بوجه اتفاقاً ومثلُ: «إن ظاهرتَ، فاعتق رقبة» مع: «لا تملك رقبةً كافرةً»، واضحٌ، فإنْ لم يختلف حُكمهما; فإن اتحد موجبهما مثبتين، حُمل المطلق على المقيّد، لا العكس بياناً لا نسخاً .
وقيل: نسخٌ، إن تأخّر المقيّد.
لنا: أنّه جمع بينهما، فإن العمل بالمقيّد عَمَلٌ بالمطلق.
وأيضاً: يخرج بيقين وليس بنسخ، لأنّه لو كان التقييد نسخاً، لكان التخصيص نسخاً.
وأيضاً لكان تأخر المطلق نسخاً.
قالوا: لو كان تقييداً، لوجب دلالةُ «رقبة» على «مؤمنة» مجازاً.
وأُجيب: بأنّه لازمٌ لَهُم إذا تقدّم المقيّد، وفي التقييد بالسلامة، والتحقيق أنَّ المعنيَّ: رقبةٌ من الرقاب، فرجع إلى نوع من التخصيص سُمّيَ تقييداً .
في حمل اللفظ المطلق على المقيّد   
فإن كانا منفيين عُمِلَ بِهِمَا، مِثْلُ: «لا تعتق مكاتباً، لا تعتق مكاتباً كافراً»، وإن اختلف موجبهما، كالظهار والقتل.
فعن الشافعي: حملُ المطلق على المقيّد. فقيل بجامع، وهو المختار، فيصير كالتخصيص بالقياس على محلِّ التخصيص، وشذّ عنه بغير جامع .

صفحه 187
وأبو حنيفة: لا يُحملُ. *
* أقول: إذا ورد لفظ مطلق ولفظ مقيّد فلا يخلو الحكمان إمّا أن يتحدّا أو يختلفا، فإن اختلفا فلا خلاف في أنّه لا يحمل المطلق منهما على المقيّد، مثل: أطعم رقبة مؤمنة، وأكس رقبة، 1 لأنّه يمكن الجمع بينهما من غير تناف إلاّ في صورة واحدة وهي في مثل قوله في كفارة الظهار: «اعتقوا رقبة»، ثمّ قال: «لا تملكوا رقبة كافرة»، فإن الإجماع هاهنا منعقد على أنَّ تقييد النهي بالكافرة يوجب تقييد العتق في الظهار 2 بالمُسْلِمة .
أمّا إن لم يختلف الحكمان فالسببان أمّا أن يتحدا أو يختلفا فإنْ إتَّحدا فإمّا أن يكونا مثبتين أو منفيين فإنْ كانا مثبتين حمل المطلق على المقيّد كقوله في الظهار «اعتقوا رقبة مؤمنة» «اعتقوا رقبة»، ويكون هذا الحكم3 بياناً للرقبة المطلقة لا نسخاً للإطلاق، وقيل: إنْ تأخر المقيد فهو نسخ، والدليل على الحمل مطلقاً أنّه جمع بينهما في العمل، فإن العامل بالمقيّد عامل بهما، وليس كذلك العامل بالمطلق فيكون الأول أولى. وأيضاً فإِنّه إذا عمل بالمقيّد خرج من عسر عهدة التكليف بيقين وليس كذلك لو عمل بالمطلق ; وإنّما لم يكن هذا الحمل نسخاً لأَنّه لو كان كذلك لكان تخصيص العام نسخاً له لأنّه مخالف له ورد متأخراً عنه، ولكان المطلق إذا   2

1 . ورد في نسختي «ب» و «ج» المثال التالي :
[مثل: أطعم طعاماً من أطعمة العراق وأكس ثوباً، فإنّه لا يقيّد الثوب بقيد العراق].
2 . وردت العبارة التالية في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الظهار»:
[بنفي الكفر لامتناع الجمع بينهما ولذلك قال: واضح، أي تقييد الرقبة المطلقة].
3 . في نسختي «ب» و «ج» بدل كلمة «الحكم» وردت كلمة «الحمل» .

صفحه 188
<--- تأخّر عن المقيّد ناسخاً 1، وليس كذلك بالاتفاق.
احتجّوا بأنّه لو كان تقييداً لكان المراد باللفظ المطلق إنّما هو المقيّد فيكون المراد من لفظ الرقبة إنّما هو المؤمنة 2 لكن دلالة الرقبة على المؤمنة إنّما هو بالمجاز لأنّ المطلق لم يوضع للمقيّد للتنافي بينهما فإنّ المطلق هو التخيير بين أي افراد الرقاب كان والمقيد دال على المنع من ذلك، وإذا كان مجازاً والأصل عدمه كان ذلك نسخاً لا تقييداً.
والجواب: أنَّ ما ذكرتموه آت فيما إذا [ تقدّم المقيّد على المطلق ]3   2

1 . وقد جاء بعد كلمة «ناسخاً» في نسختي «ب» و «ج» ما يلي:
[ لأنّه مزيل للخروج عن العهدة بخصوصية المقيّد، كما أنّ المقيّد المتأخر مزيل للخروج عن العهدة بأي نوع كان ].
ويبدو انّه تعليل مضاف.
2 . وهناك إضافة تعليلية في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «المؤمنة» هي:
[ لأنَّ المعنى بكونه بيان على ما ذهبتم إليه كونه مبيناً لمراد المتكلم ] .
3 . وردت العبارة في نسخة «أ» كما يلي:
[... بعد المطلق على المقيد... ] .
والصحيح ما اثبتناه في المتن، إلاّ أن في نسختي «ب» و «ج» مقطع مطّول سنذكره تالياً لما يحمله من طابع توضيحي، وهو كالتالي:
[... تقدم المقيد على المطلق مع أنكم تحملون المطلق على المقيّد حينئذ، على أنَّ المقيّد بيان فيعود محذور دلالة المطلق على المقيّد مجازاً، وأيضاً فينتقض بتقييد الرقبة في الظهار بالسلامة عن العيوب لأن الرقبة مطلقة فدلالتها على السلامة مجاز، والتحقيق في هذا أن المطلق دال على عتق أي رقبة كانت، فيكون المرجع بالتقييد إلى التخصيص.
وبهذا التحقيق اندفعت الملازمة أعني قوله: لو كان حمل المطلق على المقيّد تقييداً لكان دلالة المطلق عليه مجازاً، ووجه اندفاعها أَنَّ معنى قوله: اعتق رقبة، ليس هوالأمر برقبة شخصية بل برقبة من الرقاب أي برقبة معيّنة من المعيّنات لاستحالة وجود المطلق من غير تشخّص، ولا شكّ أنّه إذا كان معنى قوله: «اعتق رقبة من الرقاب» الأمر لمعيّن من المعيّنات، سُميّ تقييداً لأنّه قد أخرج من شياع بوجه.
وإذا كان كذلك فلا نسلم كونه مجازاً لأن دلالة معيّن من المعيّنات على أي معيّن فرض من ذلك الجنس يكون حقيقة، ضرورة كون معيّن من المعيّنات مشتركاً بالاشتراك المعنوي بين جميع المعيّنات ].

صفحه 189
<--- ومع ذلك فإنّ المطلق هناك يحمل على المقيّد وأيضاً فينتقض بتقييد الرقبة بالمسلمة، والتحقيق في هذا أَنَّ المطلق دالّ على عتق أي رقبة كان فيكون المرجع بالمقيّد إلى التخصيص .
وأمّا إذا كان الحكمان منفيين مثل قوله: لا تعتق مكاتباً، لا تعتق مكاتباًكافراً، فإنّه يعمل بهما بمعنى أَنّه لا يعتق أحدهما بلا خلاف، لإمكان الجمع من غير تعارض، وأمّا إذا اختلف السبب كقوله في كفارة الظهار: «اعتق رقبة» وفي القتل «اعتق رقبة مؤمنة» فمنهم من حمل المطلق على المقيّد بمعنى أنّ التقييد لفظاً في أحدهما يقتضي تقييد الآخر لفظاً،1 وهو مذهب الشافعي 2.
ومنهم من ذهب إلى أنَّ المطلق يُحمل على المقيّد بالقياس إنْ تمَّت شرائطه وإلاّ فلا 3.   2

1 . لاحظ: المحصول للرازي: 1 / 459 .
2 . في نسخة «ب» بعد كلمة «الشافعي»:
[ على ما نقل عنه في الشاذ] .
3 . وبعد كلمة «وإلاّ فلا» في نسخة «ج»:
[ وهو المنقول عنه ظاهراً ] .

صفحه 190
<--- ومنهم من منع مطلقاً سواء كان هناك جامع أو لا، والمذهب الأول عندي باطل فإِنّه لا منافاة بين قوله: «اعتق رقبة في الظهار مهما كانت» وبين قوله: «اعتق رقبة مؤمنة في القتل»، وإذا لم يكن التنافي موجوداً لم يكن تقييد أحدهما مقتضياً تقييداً للآخر; والمذهب الأخير1 وهو مذهب أبي حنيفة غير لائق على أصله وهو القول بالقياس، لأَنّه مهما تمّ شرائط القياس وجب العمل به، فإذا فرضنا الشرائط حاصلة في تقييد المطلق بما قيّد به المقيّد وجب التقييد عملاً بالقياس، ويكون ذلك جارياً مجرى التخصيص بالقياس على محل التخصيص.2
   

1 . في نسخة «ج»:
[ المذهب الآخر ] .
2 . في نسختي «ب» و «ج» بدل قوله:
«ويكون ذلك جاريا...» ورد المقطع التالي:
[ واحتج أصحابُه بأنّه لا دليل على التقييد غير القياس ويلزم منه رفع ما اقتضاه المطلق من الخروج عن العهدة بأي نوع كان بالقياس، والنص لا ينسخ بالقياس .
والجواب: لا يلزم نسخ النص، بل تقييده ببعض مسمياته وذلك لا يزيد على تخصيص العام بالقياس عندكم على محل التخصيص ] .

صفحه 191
قال: البيان والمبيّن :
يُطلق البيان على فِعلِ المُبيِّن، وعلى الدليل، وعلى المدلول، فلذلك قال الصيرفي: إخراج الشيء من حيّز الإشكال إلى حيّز التجلّي والوضوح .
وأُورد: البيانُ ابتداءً، والتجوز بالحيّز، وتكريرُ الوضوح.
وقال القاضي والأكثرُ: الدليل.
وقال البصري: العلمُ عن الدليل.
والمبيَّن: نقيض المُجمل، ويكون في مفرَد، وفي مُرَكَّب، وفي فِعل، وإن لم يسبق إجمالٌ. *

[ مبحث البيان والمبيَّن ]

* أقول: البيان يطلق تارة على فعل المُبيِّن وهو العلم الحاصل به، ويطلق على الدليل الدال على ذلك العلم، ويطلق على المدلول، والسبب فيه أَنَّ البيان يتعلق بالتعريف لما ليس بمعروف بالدليل فهو لا يخلو عن هذه الثلاث فجعله كل قوم بإزاء واحد منها ; فذهب الصيرفي1 إلى أنّ البيان هو التعريف فلذلك   2

1 . هو محمد بن عبدالله المعروف بابن الصيرفي، الفقيه الشافعي، تفقّه على ابن سريج، ومن غرائبه: إيجاب الحدّ على من وطىء في النكاح بغير وليٍّ، لأنّه كان يعتقد تحريم ذلك، توفي بمصر سنة 330 هـ . لاحظ : وفيات الأعيان: 4 / 199، برقم 574; تاريخ بغداد: 5 / 449، برقم 2977 ; موسوعة طبقات الفقهاء: 4 / 421، برقم 1207 .

صفحه 192
<--- جعله: «إخراج الشيء من حيّز الإِشكال إلى حيّز التجلّي والوضوح» وهو غير جامع فإنّه لا يدخل فيه البيان المبتدأ وهو الّذي يدل على الحكم من غير سابقة اجمال، وأيضاً فهذا الحدّ قد اشتمل على التجوّز والتكرير، أمّا التجوّز ففي لفظة الحيّز لأنّها موضوعة بالحقيقة للمكان المختصّ بالأجسام، وأمّا التكرير ففي لفظة الوضوح، فإن التجلي هو الوضوح، والتكرير زيادة لا يجوز ذكرها في الحدّ .
وقال القاضي أبو بكر والجمهور: «إنّ البيان هو الدليل».
وقال أبو عبد الله البصري: «إِنَّ البيان هو العلم الحاصل عن الدليل».
وأمّا المبيَّن فإنّه نقيض المجمّل وهو الّذي يدلّ بظاهره على المعنى المقصود منه سواء سبقه إجمال وانضاف إليه بيانه، أو لم يسبقه، وهو يقع في المفرد والمركب والفعل.1
الفعل هل يكون بياناً ؟   

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 391 و 427 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 248 ; عدة الأُصول: 1 / 403 ; المعتمد: 1 / 294 ; المستصفى: 2 / 28 ; المحصول: 1 / 461 .

صفحه 193
قال: مسألة: الجمهور: إنَّ الفعل يكون بياناً.
لنا: أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بيّن الصلاة والحجّ بالفعل; وقوله: «خذوا عنّي» و «صلّوا كما...» يدُلّ عليه.
وأيضاً: فإنَّ المشاهدة أدلُّ، وليس الْخَبَرُ كالمعاينة.
قالوا: يطول فيتأخر البيان.
قلنا: وقد يطول بالقول.
ولو سُلِّمَ، فما تأخّرَ، للشروع فيه، ولو سُلِّمَ، فلسلوك أقوى البيانين، ولو سُلِّمَ فما تأخّرَ عن وقّت الحاجة. *
* أقول: المشهور أَنَّ الفعل قد يكون بياناً للمجمل وإِنْ كان قد نازع فيه قوم، والدليل عليه أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن الصلاة والحجّ بالفعل، ويدلّ عليه أن قوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» و «خذوا عنّي مناسككم» 1 يدل على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن هذين التعليمين 2 بفعله.
لا يقال: إِنّ البيان وقع بهذا القول، لأنّا نقول: إِنّ هذا القول دالّ على أَنّ الفعل بيان لا على أنّه بيان3 وذلك يؤكد ما ذكرناه. وأيضاً فلا شكّ أَنّ دلالة الفعل على الصفة أظهر من دلالة القول عليها.   2

1 . عوالي اللآلي: 1 / 215، برقم 73 ; سنن البيهقي: 5 / 125 .
2 . في نسختي «ب» و «ج» بدل «التعليمين»، «الفعلين» .
3 . وفي نسخة «ج» بدل «بيان»، وردت كلمة «بيانه».

صفحه 194
<--- قالوا: البيان بالفعل يقتضي الطول فيتأخر البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز .
قلنا: قد يكون القول أطول خصوصاً في أفعال الصلاة .
سلَّمْنا أنّ القول لا يقتضي التأخير لكن لا نسلم أَنّ الفعل يقتضيه لحصول الشروع فيه .
سلَّمْنا أَنّه يقتضي التأخير لكن التأخير لسلوك أقوى البيانين غير ممتنع .
سلَّمنا التأخير لكن التأخير عن وقت الحاجة ممتنع، أمّا التأخير لا عن وقتها فلا نسلم امتناعه [ وهو هاهنا كذلك ].1
لو ورد بعد المجمل قول وفعل   

1 . في نسختي «ب» و «ج» فحسب .

صفحه 195
قال: مسألة: إذا ورد بعد المجمل قول وفِعل; فإن اتفقا، وعُرف المتقدّم فهو البيان، والثاني تأكيد .
فإن جُهل فأحدهما، وقيل: يتعيّن غيرُ الأرجح للتقديم، لأنَّ المرجوح لا يكون تأكيداً.
وأُجيب: بأنَّ المستقل لا يلزم فيه ذلك.
فإن لم يتفقا كما لو طاف بعد آية الحجّ طوافين، وَأَمَرَ بطواف واحد فالمختار: أنّ القول بيانٌ، وفِعله ندبٌ أو واجب، متقدّماً أو متأخراً، لأن الجمع أولى.
أبو الحسينِ، المتقدّم بيانٌ; ويلزم نَسخُ الفِعلِ متقدّماً، مع إمكان الجمع. *
* أقول: لما بيّن أَنَّ كلّ واحد من القول والفعل صالح لأنّ يكون بياناً فَرَّع على ذلك مسألة وهي: إنّهما إذا اجتمعا هل يكون البيان بالقول أو بالفعل ؟
وتقريره أنْ نقول: الفعل أمّا أن يكون موافقاً للقول أو مخالفاً له فإن كان موافقاً، فإن عرف المتقدّم منهما، فالمتقدّم بيان والمتأخّر تأكيدٌ له، إلاّ أن يكون المتأخر مرجوحاً بالنسبة إلى المتقدّم فإنَّ فيه خلافاً لأنَّ المرجوح عند قوم لا يؤكد الراجح، والمصنّف جوّز ذلك لأنّ كلّ واحد منهما مستقل بالبيان فجاز التوكيد وإِنْ كان المؤكّد مرجوحاً .
وأمّا إِن جهل المتقدّم فإن أحدهما يكون بياناً والآخر تأكيداً على الجملة   2

صفحه 196
<--- وإنْ لم يعلمه على التفصيل، إلاّ أنْ يكون أحدهما أرجح فإنَّ البيان يكون هو المرجوح على ما مضى، وقد مرّ قول المصنف فيه، وأَمّا إِن اختلفا كما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: بعد آية الحج: «من قرن حجّاً إلى عمرة فليطف طوافاً واحداً ويسعى سعياً واحداً» 1 وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه طاف طوافين وسعى سعيين;2 فقد اختلفوا فيه فمذهب المصنف أنَّ القول هو البيان ويحمل فعله على أَنّه ندب أو على أنّه واجب مختصٌّ به سواء كان متقدّماً أو متأخراً، لأنّ البيان لوكان هوالفعل لكان القول معطلاً إن ورد متأخّراً، أو يكون الفعل ناسخاً إنْ كان متقدّماً، ولو جعلنا البيان بالقول حصل الجمع بين مقتضى القول والفعل فيكون أولى .
وذهب أبوالحسين البصري إلى أَنّ البيان هو المتقدّم من القول والفعل كما في صورة الإِتفاق، فإن كان المتقدّم هو الفعل كان الطواف الثاني واجباً، وإِنْ كان هو القول لم يكن واجباً .
والزم المصنف أبا الحسين كون الفعل منسوخاً بالقول إذا كان الفعل متقدّماً والأصل عدم النسخ فإذن الجمع أولى من النسخ وقد أمكن، فيجب المصير إليه.3
هل أنّ البيان يجب أن يكون مساوياً للمبيّن؟   

1 . مسند أحمد: 2 / 67 .
2 . سنن الدارقطني: 2 / 263، برقم 130 ; تفسير القرطبي: 2 / 392 .
3 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 432 ; المعتمد: 1 / 311 ; الإحكام: 3 / 28 .

صفحه 197
قال: مسألة: المختار: أَنَّ البيان أقوى.
والكرخي: يلزمُ المساواة.
أبو الحسين: بجواز الأدنى.
لنا: لو كان مرجوحاً، أُلغي الأقوى في العام إذا خُصِّص، والمطلق إذا قُيِّد، وفي التساوي: التحكم. *
* أقول: اختلفوا في أنَّ البيان هل يجب أن يكون مساوياً للمبيَّن أو يجوز أن يكون أضعف؟ فذهب الكرخي إلى وجوب المساواة، وذهب أبوالحسين البصري إلى أنّه يجوز أن يكون أدنى، وذهب المصنف إلى أَنّ البيان يكون أقوى من المبيَّن.1
وقد فصّل آخرون فقالوا: إِنْ كان البيان للمجمل، كفى في تعيين أحد محتمليه أدنى ما يفيد الترجيح. وإنْ كان البيان للعام أو للمطلق فلابدّ وأنْ يكونَ أقوى.
ودليل المصنّف إنّما ينهض بهذا القول لأنّه قال: لو كان البيان مرجوحاً لزم الغاء الأقوى في العام إذا خصّص والمطلق إذا قيّد وإلاّ لغا الأقوى، والعمل بالأضعف باطل، فهذا إنّما يدل على المذهب المفصَّل.
وردَّ المصنّف على الكرخي بأَنَّ البيان لو كان مساويا للمبيّن، لكان تخصيص أحدهما بكونه بياناً والآخر بكونه مبيّناً تحكماً من غير دليل.

1 . المعتمد: 1 / 313 .

صفحه 198
امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة   
قال: مسألة: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، إلاّ عند مجوّز تكليف ما لا يُطاق، وإلى وقت الحاجة يجوز.
والصيرفيُّ والحنابلة: ممتنع .
والكرخي: ممتنع في غير المجمل.
وأبو الحسين: مثلُهُ في الإجمالي لا التفصيلي، مثل: «هذا العموم مخصوص»، و «المطلق مقيّدٌ»، و «الحكم سينسخ».
والجبائي: ممتنع في غير النسخ.
لنا: (فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ) إلى (... الْقُرْبى)، ثم بيّن (صلى الله عليه وآله وسلم)أنَّ
السلب للقاتل: إمَّا عموماً، وإمّا برأي الإمام، وأنّ ذوي القربى بنو
هاشم دون بني أُميّة وبني نوفل، وَلَم يُنقل اقترانٌ إجمالي مع أن الأصل عدمُهُ.
وأيضاً: (أَقِيمُوا الصَّلاَةَ) ثم بيّن جبريلُ والرسولُ (عليهما السلام)، وكذلك الزكاة، وكذلك السرقة، ثُم بيّن على تدريج .
وأيضاً: فإنّ جبرائيل (عليه السلام)قال: «إقرأ»، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «وما أقرأ»، وكرّر ثلاثاً، ثم قال: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) .
واعتُرض: بأنّه متروكُ الظاهر، لأن الفورَ يمتنع تأخيره، والتراخي يُفيد جوازه في الزمن الثاني، فيمتنع تأخيره.

صفحه 199
وأُجيب: بأن الأمَر قبل البيان لا يجبُ به شيءٌ، وذلك كثير.*
* أقول: اتّفق الجمهور من العقلاء على أَنّه يمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة 1، وجوّزه القائلون بجواز تكليف ما لا يطاق، وأَمّا تأخير البيان إلى وقت الحاجة فجوّزه الجمهور من الأشعرية وجماعة من أصحاب أبي حنيفة، وذهب أبو بكر الصيرفي وأبو اسحاق 2 والحنابلة وبعض الحنفية إلى أنّه ممتنع .
وذهب الكرخي وجماعة من الفقهاء إلى أنّه يجوز تأخير بيان المجمل دون غيره، وأَمّا أبوالحسين البصري فإنّه فصّل هاهنا وقال: كل ما له ظاهر استعمل في غيره فإِنّه لا يجوز تأخير بيانه الإجمالي ولم يوجب التفصيلي، وأَمَّا ما ليس له ظاهر  فإنّه يجوز تأخير البيانين فيه ; مثال الأول: العام إذا خصّص، والحكم إذا نسخ، والمطلق إذا قُيّد، فإنّ ظاهر العام أنّه غير مخصّص، وظاهر الحكم أَنّه غير منسوخ، وظاهر المطلق أَنّه غير مقيّد، فإذا أستُعمل في هذه وجب أن يُبيَّن اجمالاً وهو أنْ يقول: العام مخصوص، والحكم منسوخ، والمطلق مقيّد، ولا يجب بيان الباقي ولا مدة النسخ .
ومثال الثاني: المجمل فإِنّه لا دلالة ظاهرة له فلا يجب بيانُه إلاّ وقت الحاجّة، وأمّا الجُبّائيان والقاضي عبدالجبار فقد أوجبوا البيان إلاّ في النسخ .
واحتجّ المصنف على جواز التأخير مطلقاً بوجوه :   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 440 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 270 ; المعتمد: 1 / 315 .
2 . أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي، فقيه انتهت إليه رئاسة الشافعية بالعراق بعد ابن سريج، مات سنة 340 هـ، لاحظ الاعلام للزركلي: 1 / 28 .

صفحه 200
<--- الأول: قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى)1 وهذا عام في كلّ ما يغنم، ثم إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن أنَّ السلب للقاتل إمّا بالعموم المستفاد من كون الغنيمة للقاتل وإمّا برأي الإمام، وأيضاً بيّن أن ذا القربى بنو هاشم دون بني أُمية وبني نوفل فلمّا سُئل عن ذلك قال: «إنّا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام ولم نزل هكذا» وشبك بين اصابعه، ولم يُنقل اقتران البيان الاجمالي .
وأيضاً فالأصل عدمه فهذا يبطل مذهب أبي الحسين .
الثاني: أنّ الله تعالى قال: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)(2) وكذلك قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(3) وهذه آيات مجملة وعامة ثم انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجبرئيل بيّنا ذلك للمكلفين بعد نزول الخطاب على التدريج .
الثالث: أن جبرئيل في ابتداء الوحي نزل إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: إقرأ، قال: وما أقرأ، قال: إقرأ، قال: وما أقرأ كرره ثلاثاً قال: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ)(4)،2 وهذا يدل على جواز تأخير البيان.
في أدلّة القائلين بجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة   
لا يقال: إنَّ هذا متروك الظاهر لأَنَّ الأمر إنْ اقتضى الوجوب على الفور امتنع تأخيره مع بيانه لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة أو الوجوب على التراخي يمتنع تأخير بيانه، لانّه يفيد جواز الفعل في الزمن الثاني والأمر لا يخلو عن الفور والتراخي، 3 لأنّا نقول: هذا بناءٌ على أَنّ الأمرَ قبل البيان يجب به شيء إمّا   2

1 . الانفال: 42 .      2 . البقرة: 110       3. المائدة: 38.   4 . العلق: 1 .
2 . مسند أحمد: 6 / 233 ; صحيح البخاري: 1 / 3 ; صحيح مسلم: 1 / 97 ; سنن البيهقي: 7 / 51 .
3 . جاء في نسخة «ج» بعد كلمة التراخي :
[ فعلم أنّه لا يجوز حمله على الظاهر فلا يجوز التمسك به ] .

صفحه 201
قال: واستُدل بقوله: (أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) وكانت معيّنة، بدليل تعيّنها بسؤَالهم مؤخّراً، وبدليل أنّه لم يؤمَرُ بمُتجَدِّد، وبدليل المطابقة لِمَا ذُبح.
وأُجيب: بِمنع التعيين، فلم يتأخّر بيان، بدليل (بَقَرَةً) وهو ظاهرٌ، وبدليل قول ابن عباس: «لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم»، وبدليل: (وَ مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ).
واستُدل بقوله: (إِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ)، فقال ابن الزِّبَعْرَى: فقد عُبِدتَ الملائكة والمسيح، فنزل: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ).
وأُجيب بأَنَّ «ما» لِمْا لا يَعقِل، ونزول (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ)، زيادة بيان لِجهل المعترضِ مع كونه خَبَراً.
واستُدل بأنّه لو كان ممتنعاً، لكان لذاتهِ أو لغيرهِ بضرورة أو نظر، وهما منتفيان.
وعُورض لو كان جائزاً... إلى آخِره.*
<--- على الفور أو على التراخي، ونحن نمنع ذلك بل إنّما يجب بعد البيان، وهذا كثير النظائر كقول السيد لعبده: إفعل .
* أقول: إِنّ جماعة من الأُصوليين القائلين بجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة كالغزّالي وغيره استدلوا على قولهم بوجوه استضعفها المصنّف :1   2

1 . لاحظ: الذريعة إلى أُصول الشريعة: 271 ; المستصفى: 2 / 40 ; المحصول: 1 / 477 .

صفحه 202
<--- الأول: قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)1 أمرهم بذبح بقرة معيّنة ولم تكن مبيّنة، ودليل الصغرى أَنّهم لمّا سألوا عن المأمور به بيَّنها الله تعالى وقال: (إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَ لاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ)(2) ثم سألوه زيادة البيان فقال: (إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) ثمّ سألوا زيادة البيان فقال: (إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ) فعود الضمير في كل آية إليها دليل على تعيينها ; وأيضاً لو لم تكن معيّنة لكان المأمور به في الآية الثانية غير المأمور به في الآية الأُولى، وذلك باطل اجماعاً، وأيضاً لَمَّا طابق الأمر ما ذبحوه دلّ على الإتحاد والتعيين، وأما الكبرى فظاهرة لانها لو كانت مبيّنة لكان السؤال عبثاً.
واعترض المصنف وغيره 2 على هذه الدلالة بمنع التعيين والدليل عليه انّه أمَرَ بذبح بقرة وهي لفظة نكرة غير دالّة على التعيين3.
وأيضاً قال ابن عباس: لو ذبحوا أيّة بقرة كانت لأجزتهم ولكنهم شدّدوا في السؤال فشدَّد الله عليهم. 4 وذلك دليل على عدم التعيين لأَنّ طلبَ زيادة البيان ليس بتشديد، وأيضاً لو كانوا مأمورين بذبح البقرة المعيّنة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان لكن الله عَنَّفهم بقوله: (فَذَبَحُوهَا وَ مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)5 فيُعلم   2

1 . البقرة: 67.   2 . البقرة: 68 .
2 . لاحظ : المحصول للرازي: 1 / 483 .
3 . وفي نسختي «ب» و «ج» اضافة لا بأس بها وهي:
[ وإذا لم تكن دالّة على التعيّين لم يكن فيه تأخير البيان ] .
4 . الدر المنثور: 1 / 190 ; تفسير ابن كثير: 1 / 192 .
5 . البقرة: 71 .

صفحه 203
<--- من ذلك أَنَّهم إِنّما أُمروا بذبح بقرة مطلقة .
ويمكن الجواب :
عن الأول: بأَنَّ البقرة وإِنْ كانت مطلقة في ظاهر اللفظ إلاّ أَنّ المراد غير الظاهر وهذا لا يمنع ما ذكروه بل هو إحدى مقدماتهم الّتي استدلوا بها على جواز تأخير البيان .
وعن الثاني: بأَنّه خبر واحد لا يعارض عموم الكتاب .
وعن الثالث: بأَنّه ليس فيه دلالة على التعنيف وإن كان دالاًّ عليه إلاّ أَنّه ليس فيه دلالة على انّهم استحقوا التعنيف لأَجل تفريطهم في أول القصة، بل يجوز أَنْ يكونوا قد استحقوا التعنيف لأجل أنّهم فرّطّوا في الفعل بعد حصول البيان التام .
الثاني: لمّا نزل قوله: (إِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ)1.
قال ابن الزِّبَعْرَى: لأخصمنّ محمداً، ثم قال: قد عُبِدَتْ الملائكة والمسيحُ. فتوقف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الجواب إلى أن نزل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى)2 فخصصت الآية الأُولى .
واجاب المصنف: بأنّ الآية الأولى ليست عامّة في الملائكة والمسيح وغيرهم لأَنَّ «ما» موضوعة لما لا يَعقِل، والملائكة والمسيح غير داخلين   2

1 . الأنبياء: 98 .
2 . الأنبياء: 101 .

صفحه 204
<--- تحتها، ونزول قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى) ليس مخصّصاً لذلك العموم بل هو زيادة بيان لجهل المعترض، مع أَنّه خبر وليس 1 فيه دلالة على التخصيص.
الثالث: أنّ تأخير البيان إلى وقت الحاجة لو كان ممتنعاً لكان امتناعه إمّا أن يكون لذاته أو لغيره، وعلى كلا التقديرين فإمّا أَنْ يُعلم ذلك بالضرورة أو بالنظر، والقسمان باطلان، فلا امتناع .
والاعتراض بالمعارضة 2 فإنّا نقول لو كان جائزاً فإما أن يُعرف بضرورة العقل أو بنظره، والقسمان باطلان فلا جواز ولا أولوية.
في أدلّة المانعين من تأخير البيان إلى وقت الحاجة   

1 . في نسخة «ج» فقط وردت الاضافة التالية: [ أي قول ابن الزبعرى من الإلحاد والمسألة علمية فلا يجوز إثباتها به ]، وكلمة «وليس» في النسختين.
2 . في جميع النسخ وردت كلمة «المعارضة» من دون «الباء» والصحيح ما أثبتناه.

صفحه 205
قال: المانع: بيان الظاهر: لو جاز لكان إلى مدَّة معيّنة، وهو تحكُّمٌ، ولم يقل بهِ، أو إلى الأبدِ ; فيلزم المحذور.
وأُجيب إلى معيّنة عند الله، وهو وقت التكليف .
قالوا: لو جاز لكان مُفْهِماً، لأنّه مخاطبٌ فيستلزمه، وظاهرُهُ جهالةٌ، والباطنُ متعذِّرٌ.
وأُجيب: بجريه في النسخ لظهوره في الدوام، وبأنّه يُفهم الظاهرُ مع تجويزه التخصيص عند الحاجة، فلا جهالة ولا إحالة.
قال عبدالجبّار: تأخيرُ بيان المجمل يُخلُّ بفعل العبادة في وقتها; للجهل بصفتها; بخلاف النسخ.
وأُجيب: بأن وقتها وَقْتُ بيانها.
قالوا: لو جاز تأخير بيان المُجمل، لجاز الخطاب بالمهمل، ثم يُبين مُرَادُه.
وأُجيب: بأنّه يُفيد أنّه مخاطب بأحد مدلولاته، فيُطيعُ ويَعصِي بالعَزْمِ بخلاف الآخَر.
وقال الجبّائي: تأخير بيان التخصيص يوجب الشكَّ في كل شخص، بخلاف النسخ.
وأُجيب: بأنَّ ذلك على البدل، وفي النسخ يُوجب الشكَّ في

صفحه 206
الجميع، فكان أجدرَ.*
* أقول: احتجّ المانع من تأخير البيان في ما له ظاهرٌ; بأَنَّه لو جاز التأخير لكان إمّا إلى مدّة معيّنة أو إلى الأبد، والأول باطل لأَنّه تحكّم، فإنَّ تخصيص تلك المدة بذلك المعيّن تخصيص من غير مخصّص. والثاني باطل لأنّه يلزم تكليف ما لا يطاق .
والجواب: لِمَ لا يجوز التأخير إلى مدّة معيّنة معلومة لله تعالى، وهو وقت الحاجّة؟
واحتجّوا أيضاً بأَنّه لو كان التأخير جائزاً لزم المحال، لأنّ المخاطب مفهم لما يخاطب به، وإلاّ لكان الخطاب عبثاً. وإذا كان الفهم لابدّ منه فنقول: الظاهر غير مراد وهو المفهوم، فالحمل عليه جهالة، وغير الظاهر غير معلوم، فالحمل عليه متعذّر.
والجواب: المعارضة بالنسخ فإنّه يفهم منه الدوام ومع ذلك فلا يجب بيان أَنَّ الحكم منسوخ، وأيضاً فإنّا نفهم الظاهر مع تجويز التخصيص عند الحاجّة، ولا يلزم الجهل فإنّ الجهل لازم من الجزم بأَنَّ المراد هو الظاهر، والأوّل غير وارد على أبي الحسين .
واحتجّ عبد الجبار بأنّ تأخير البيان في المجمل يخلُ بفعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها حينئذ. وأمّا النسخ فإنّ صفة الفعل مبيّنة فجاز التأخير فيه دون الأوّل.
وأجاب المصنف: بأنّ هذا فيه مغالطة لأنّ وقت العبادة هو وقت بيانها لا وقت الأمر بها، فقوله: تأخير بيان المجمل يقتضي الإخلال بالفعل في وقته، غير صحيح .
واحتجّوا أيضاً على امتناع تأخير بيان المجمل بأنّه لو جاز تأخيره   2

صفحه 207
<--- لجاز الخطاب بالمهمل، لأنّ المجمل لا يفهم منه شيءٌ فيكون كالمهمل، والتالي باطل اتّفاقاً فالمقدّم مثله.
وأجاب بالفرق بين الخطاب بالمجمل والخطاب بالمهمل، بأَنَّ الخطاب بالمجمل يفهم المخاطب منه الأمر بأحد محتملاته فتطمئن نفسه على الطاعة أو المعصية ويحصل الثواب بذلك،1 وهذا من أعظم فوائد التكليف، بخلاف المهمل الّذي لا يُفهم منه شيءٌ البتة .
واحتجّوا على المنع من جواز تأخير التخصيص، بأنّ تأخيره يوجب الشكَّ في كلّ شخص شخص أنّه هل هو مأمور أم لا، بخلاف النسخ .
وأجاب: بأنّ الشكّ الحاصل من جواز تأخير التخصيص أقلّ من الشكّ الحاصل من جواز تأخير النسخ، لأنَّ الشكّ هناك إنّما هو شكٌّ في كلّ شخص على البدل، بخلاف الشكّ في النسخ، فإِنّه يقتضي الشكّ في الكل، فكان جواز تأخير التخصيص أولى.

1 . وفي النسختين: [ له الثواب أو العقاب بذلك ] .

صفحه 208
قال: مسألة: المختار على المنع: جوازُ تأخيرهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)تبليغَ الحكمِ إلى وقت الحاجة للقطع بأنّه لا يلزم منه محالٌ، ولعلّ فيه مصلحةٌ .
قالوا: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ).
وأُجيب بعدَ كونه للوجوب والفور: أنّه للقرآن. *
* أقول: هذه المسألة من تفاريع المسألة الأُولى فالقائلون بأنّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز تأخير التبليغ من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)1. والمصنف اختار تفريعاً على هذا القول بأنّه يجوز تأخير تبليغه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى وقت الحاجة، واستدلَّ بإنّ التأخير لا يستلزم المحال فكان ممكناً أمّا الأوّل فلأنّ الاستحالة ليست ذاتية قطعاً ولا حاصلة بالغير، لأنّ الأصل عدمه، وأمّا الثاني فظاهر، وأيضاً فإِنّه يجوز أن يكون في التأخير مصلحة لا يعلمها، وعلى هذا التقدير يجوز التأخير .
احتجّ المانع بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)2 أمره بتبليغ ما أنزل إليه، فلو أَخَرّه لم يقع الإمتثال، وأجاب المصنّف بوجوه:
أحدها: المنع من كون الأمر للوجوب .
هل يجوز إسماع العام من دون إسماع المخصّص الموجود؟   
الثاني: المنع من كونه للفور .
الثالث: المراد بالمنزل هاهنا هو القرآن 3، وذلك لا يستلزم تبليغ   2

1 . لاحظ: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 476 ; المعتمد: 1 / 315 .
2 . المائدة: 67 .
3 . إلاّ أن آل البيت (عليهم السلام) ـ وهم ادرى بما في البيت ـ وابن عباس وجابر وآخرين ذهبوا إلى خلاف ذلك لانّهم قالوا: إنَّ الله أوحى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأَنْ يستخلف عليّاً فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من الصحابة فنزلت الآية، عندها أخذ بيد علي فقال: ألست أولى بكم من انفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهم والِ من والاه وانصر من نصره واخذل من خذله...
وقد صوّر حسان بن ثابت الموقف فقال فيما قال:
وبلّغهم ما أنزل الله ربَّهم *** إليك ولا تخش هناك الأعاديا!
فقال له: قم يا علي فإنَّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهادياً
فمن كنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له انصار صدق مواليا

صفحه 209
قال: مسألة: المختار على المنع: جواز تأخير إسماع المخصّص الموجود.
لنا: أنّه أقرب من تأخيره مع العدم.
وأيضاً: فإنّ فاطمة (عليها السلام)سمعت: (يُوصِيكُمُ اللهُ) ولم تسمع: «نحن معاشر الأنبياء» .
وسمعوا: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)ولم يسمع الأكثرُ: «سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب»، إلاّ بعد حين. *
<--- جميع الأحكام.
* أقول: هذا تفريع ثان على القول بالمنع من جواز التأخير 1، وهو أَنّه هل يجوز اسماع العامّ من دون اسماع المخصّص الموجود أم لا؟
أمّا القائلون بجواز التأخير في البيان فإنّهم يقولون بأولوية التأخير هاهنا.   2

1 . لاحظ : نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 479 ; المعتمد: 1 / 331 .

صفحه 210
<--- وأمّا المانعون فقد اختلفوا ; والمصنّف اختار تفريعاً على القول بالمنع أَنّه يجوز تأخيره واستدل بأَنّ تأخير الإِسْماعِ أقرب من تأخير البيان به، وقد بيَّن جواز تأخيره.
وأيضاً فإنّ فاطمة (عليها السلام) سمعت (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ)1 ولم تسمع الخبر الّذي نقله الجمهور2 وهو قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث». وسمع الصحابة قوله تعالى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)3 ولم يسمع أكثرهم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المجوس: «سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب»4 إلاّ بعد زمان طويل.
هل يجوز إسماع بعض المخصّص وتأخير البعض الآخر؟   

1 . النساء: 11 .
2 . وفي نسختي «ب» و «ج»:
[ أبو بكر ] .
وقد نقلنا في هامش (ص 32) من هذا الجزء أَنَّ ابن حجر في الصواعق قد صرح بأن أبا بكر قد انفرد بنقل هذه الرواية وقد عارض أصل الحديث وعمومه جمع كثير من الناس منهم الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وسيدة النساء فاطمة، وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين، ومولى رسول الله رباح، وأُم أيمن وصيفة فاطمة، واسماء بنت عميس زوجة أبي بكر نفسه آنذاك وزوجة الشهيد جعفر الطيار سابقاً .
إذن الاستشهاد بهذا المورد في غير محلّه .
3 . التوبة: 5 .
4 . عوالي اللآلي: 2 / 99 ; سنن البيهقي: 7 / 173 ; فتح الباري: 6 / 186 ; تفسير القرطبي: 8 / 110.

صفحه 211
قال: مسألة: المختار على التجويز: جوازُ بعض دون بعض.
لنا: أن (الْمُشْرِكِينَ) بُيّن فيه الذمي، ثم العبد، ثم المرأة، بتدريج، وآية الميراث بيّن (صلى الله عليه وآله وسلم)القاتل والكافر، بتدريج .
قالوا: يُوهِمُ الوجوبَ في الباقي; وهو تجهيلٌ .
قلنا: إذا جاز إيهامُ الجميعِ، فبعضُه أولى.*
* أقول: هذا تفريع على القول بجواز تأخير البيان، وهو أنّه هل يجوز إسماع بعض المُخصِّص وتأخير البعض الآخر؟ ومنع منه قوم، واستدل المصنّف بأنّ [ قوله تعالى في ] آية (الْمُشْرِكِينَ) 1 بيّن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه الذمي ثم العبد ثم المرأة على التدريج; وآية الميراث بيّن (صلى الله عليه وآله وسلم) القاتل والكافر بتدريج .
قالوا: تأخير البعض يوهم الوجوب في الباقي فيكون خطأً لأنّه جهالة .
والجواب: أنّ هذا التفريع إنّما هو على القول بجواز تأخير البيان، فإذا جاز تأخير إسماع كل المخصّصات، فجواز إسماع البعض وتأخير الباقي أولى.2

1 . التوبة: 5 .
2 . وردت العبارة في نسخة «أ» وهي النسخة المعتمدة كما يلي:
[... فإذا جاز تأخير اسماع كل المخصّصات فليس يجوز تأخير اسماع البعض وتأخير الباقي أولى] .
وفي نسخة «ج» بدل «فليس» جاءت كلمة «فلأن»، ومهما يكن فالصحيح ما أثبتناه وهو: «فإذا»!

صفحه 212
قال: مسألة: يُمنع العمل بالعموم قبل البحث عن المُخصص إجماعاً .
والأكثرُ: يكفي بحيث يغلبُ انتفاؤه .
القاضي: لابُدَّ من القطع بانتفائه، وكذلك كُلُّ دليل مع معارضه.
لنا: لو اشتُرط لبَطَل العملُ بالأكثر.
قالوا: ما كَثُرَ البحثُ فيهِ تُفِيدُ العادَةُ القطعَ، وإلاّ فبحث المجتهد يُفيدُهُ، لأنَّهُ لَوْ أُريدَ لاطّلع عليه.
ومُنِعا، وأُسند بأنَّهُ يَجِدُ مَا يَرْجِعُ بِهِ.*
* أقول: نُقل هاهنا الاجماع على أنّه لا يجوز العمل بالعام قبل البحث عن المخصّص1، وقد رأيت بعض الأُصوليين نقل عن أبي بكر الصيرفي جواز العمل به ابتداءً ما لم تظهر دلالة مخصّصة.
والجمهور: أَنّه يكفي في العمل بالعام البحث الموجب للظنِّ بانتفاءِ المخصّص.
يُمنع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص   
وقال القاضي أبو بكر 2: إِنّه لابدّ من القطع بانتفاء المخصّص، وكذلك كلّ دليل مع معارضه .
واستدلَّ المصنّف على إبطال قول القاضي بأَنّه لو اشتُرط القطع بطل   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 485.
2 . التقريب والارشاد: 3 / 425.

صفحه 213
<--- العمل باكثر العمومات لعدم القطع بانتفاء المخصصات لها، والتالي باطل فالمقدّم مثله.
قال القاضي: القطع هاهنا ممكن لأَنّ ما كَثُرَ البحث فيه بين العلماء زماناً طويلاً مع عدم اطلاعهم على المخصّص، يفيد القطع بانتفائه عادة، وإلاّ فبحث المجتهد فيه مع عدمه يفيد القطع بعدمه، لأَنَّه لو أُريد المخصّص لنصب الله عليه دليلاً، ولونصب عليه دليلاً لاطّلع عليه المجتهد، فلمَّا لم يُظفر بالمخصّص دلّ على انتفائه.
والوجهان ممنوعان، وسند المنع أَنَّ المجتهد بعد مدة قد يُفتي بحكم ما ثم يجد ما يرجع به عن ذلك الحكم، فلو كان البحث يوجب الانتفاء لما رجع لدليل ظهر له.

صفحه 214
قال: المجمل: المجموع، وفي الاصطلاح مالم تتضح دلالته.
وقيل: اللفظ الّذي لا يُفهمُ مِنهُ عند الاطلاق شيء، ولا يطّرد، بالمهمل والمستحيل، ولا ينعكس، لجواز فهم أحد المحامل، والفعل المجمل، كالقيام من الركعة، لإحتمالِ الجواز والسهو.
أبو الحسين: ما لا يمكن معرفةُ المراد منه، ويَرِدُ، المشترك المبيّن، والمجاز المراد، بُيّن أو لم يُبيّن .
وقد يكون في مفرد بالأصالة، وبالإعلال، كـ «المختار»، وفي مركب، مثل (أَوْ يَعْفُوَا)1، وفي مرجع الضمير، وفي مرجع الصفة، كطبيب ماهر، وفي تعدّد المجاز بعد مَنْعَ الحقيقة.*
في المجمل والمبيّن   

[ المجمل والمبيّن 2]

* أقول: المجمل 3 يطلق في اللغة على المجموع، وأمّا في الاصطلاح فقد اختلفوا في تعريفه فالذي ارتضاه المصنّف: أنّه الّذي لم تتضح دلالته ويدخل فيه اللفظ والفعل معاً.
وقال قوم: إنّ المجمل هو اللفظ الّذي لا يفهم منه عند الاطلاق شيء.   2

1 . البقرة: 237 .
2 . لم يرد هذا البحث متناً وشرحاً في النسخة «أ».
3 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 391 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 245 ; المحصول: 1 / 462 ; المعتمد: 1 / 294 ; المستصفى: 2 / 28 .

صفحه 215
<--- وهذا الحدّ ينتقض طرداً وعكساً، أمّا الطّرد فلأنّ المهمل يصدق عليه أَنّه لا يفهم منه عند الإطلاق شيءٌ وليس بمجمل، وكذلك المستحيل فإنّه ليس بشيء، فاللفظ الدال عليه لا يفهم منه شيء مع أَنَّه ليس بمجمل.
وأمّا العكس فإنَّ المجمل قد يفهم منه أَحدُ محامله فقد صدق المحدود دون الحدّ، وكذلك الفعل المجمل كما إذا نُقل أَنَّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قام من الركعة الثانية، فإِنَّ هذا الفعل مجمل لأَنَّه يحتمل أَنْ يكون القيام عن سهو1 وعن جواز القيام وليس بلفظ فلا يصدق عليه الحد.
وقد حدّه أبو الحسين البصري بأَنَّه الّذي لا يمكن معرفة المراد منه، أي من نفسه .
واحترز بذلك عن المجمل المبين فإِنَّه يمكن معرفة المراد منه بالبيان لا من نفسه .
ويرد عليه [ طرداً ] المشترك المبيّن فإنّه لا يمكن معرفة المراد من نفسه بل بواسطة البيان مع أَنّه ليس بمجمل لكونه مبيّناً، وفيه نظر .
ويرد عليه [ كذلك طرداً ] المجاز المراد ـ سواء بُيّنَ أو لم يُبيّن ـ فإِنّه لا يمكن معرفة المراد منه مع أَنّه ليس بمجمل لكونه مبيّناً .
وقيّد المشترك بالمبيّن لأَنّه بدون البيان مجمل، بخلاف المجاز فإنّه ليس بمجمل سواء بُيّن أو لم يبيّن.    2

1 . لا يعتري الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)نسيان ـ على الصحيح ـ وما ورد من اخبار بهذا الشأن فهو مطروح لا مسوغ للاعتماد عليه .

صفحه 216
في تمييز ما أُلحق بالمجمل وليس منه وبالعكس   
قال: مسألة: لا إجمال في نحو: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)1، (وَأُمَّهَاتُكُمُ)2. خلافاً للكرخي والبصري.
لنا: القطع بالاستقراء أَنّ العُرف، الفعل المقصودُ منه.
قالوا: ما وجب للضرورة يُقيّد بِقَدْرِها، فلا يُضمرُ الجميع، والبعض غَيْرُ مُتَّضِح.
اُجيب: مُتَّضِحٌ بما تقدّم.*
<--- وأعلم أنّ الإجمال قد يكون في مفرد إمّا بالأصالة كالعين المشتركة بين معانيها وأمّا بالإعلال كالمختار الصالح للفاعل والمفعول، وإنّما صلح لهما بواسطة الإعلال، وقد يكون في مركب مثل قوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)3 وقد يكون في مرجع الضمير كقولنا: «كل ما يعلمه الحكيم فهو كما يعلمه»، فإِنّه تارة يرجع إلى العلم وتارة إلى العالم، وقد يكون في مرجع الصفة كقوله: «زيد طبيب ماهر» فإنّ ماهراً قد يرجع إلى الطبيب وقد يرجع إلى زيد ويتفاوت المعنى باعتبارهما، وقد يكون الاجمال في المجاز المتعدد بعد المنع من الحمل على الحقيقة.
* أقول: ذهب المحققون إلى أَنَّه لا إجمال في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ   2

1 . المائدة: 3.
2 . النساء: 23 .
3 . البقرة: 237. والإجمال في الآية هو أنَّ الّذي بيده عقدة النكاح قد يكون الولي وقد يكون الزوج .

صفحه 217
<--- عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)، وقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ)، وبالجملة لا إِجمال في إِضافة التحريم إلى الأَعيان. وذهب أبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري إلى أَنّه مجمل .
حجة الجمهور أَنَّ القطع حاصل، فيكون التحريم إذا اضيف إلى الأَعيانِ كان العرف قاضياً فيه بتحريم المعنى المقصود منه، مثلاً الفعل المقصود من الميتة هو الأَكل فالتحريم المضاف إليها يكون بالحقيقة مضافاً إلى [ تناولها، والفعل المقصود من الأمهات والأخوات هو النكاح فالتحريم للمضاف إليهن يكون مضافاً إلى ]1نكاحهّن، وحينئذ لا إجمال.
إِحتج المخالف بأَنّ الإضمار هاهنا لابدّ منه لاستحالة إضافة التحريم إلى الأَعيان، وإذا كان الإضمار لابدّ منه، قُيِّد الإضمار بقدر الضرورة إليه ولا يتعدّى محل الحاجة، وبالبعض كفاية فلا يجوز إضمار الجميع، فتعيّن إضمار البعض، والبعض غير متضّح، فتحقق الإجمال .
والجواب: لا نسلّم عدم إيضاح البعض بل هو متضّح لما تقدّم من قضاءِ العادة.2

1 . هذه الاضافة وردت في نسخة «ج» فحسب، ولكنها جزء مقوّم للنص يبدو أنّه سقط من النسخ الأُخرى .
2 . يعني قضاء الإرادةِ العرفية لأهل اللغة بالمقصود.

صفحه 218
قال: مسألة: لا إجمال في نحو: (وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ).
لنا: إِنْ لم يثبت في مثله عرفٌ في بعض كمَالِكَ، والقاضي، وابن جنّي: فلا اجمال .
وإن ثبت ; كالشافعي، وعبد الجبّار، وأبي الحُسين: فلا إِجمالَ.
قالوا: العرف في نحوِ: «مسحتُ بالمنديل»، البعض.
قلنا: لأنَّهُ آلَةٌ، بخلاف: مسحتُ بوجهي.
فأمّا «الباءُ» للِتَّبعيض، فَأضعفُ.*
* أقول: ذهب المحققون 1 إلى أَنّ قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)2 ليس بمجمل، وذهب شذوذ إلى إجماله .
واعلم أَنَّ النّاس اختلفوا هاهنا، فذهب قوم إلى أنّ إدخال «الباء» على الفعل المتعدي بنفسه لا يقتضي التبعيض عرفاً، وهو مذهب مالك والقاضي وابن جنّي.
وذهب آخرون إلى أَنّه يقتضيه وهو مذهب الشافعي وعبدالجبّار وأبي الحسين البصري والشيعة.3
واعْلم أَنَّ على كل واحد من هذين القولين لا إجمال، أَمّا إذا ثبت أَنَّ العرف يقتضي التبعيض فلا إجمال حينئذ، لأَنَّ دلالة العرف ظاهرة .   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 407 .
2 . المائدة: 6 .
3 . عوالي اللآلي: 1 / 232 ; الإحكام للآمدي: 1 / 154 .

صفحه 219
<--- وأَمّا إذا لم يثبت فلا إجمال أيضاً، لأَنَّ الأصل وجوب مسح جميع الرأس، ولا مُعارض له .
احتج المخالف: بأَنَّ العرف يقتضي الفرق بين قولنا: «مسحت بالمنديل» وبين قولنا: «مسحتُ المنديل»، فإنّ الأوّل يقتضي التبعيض دون الثاني.
والجواب: أنَّ المنديل آلة فيظهر فيه الفرق بخلاف: مسحت بوجهي، فإنّا لا نسلّم أَنّه يقتضي التبعيض.
واعلم أنَّ الشافعي نُقل عنه أنَّ «الباء» هاهنا للتبعيض، واستضعف المصنّف ذلك من حيث إنّه لم ينقل عن العرب.1

1 . قال الشارح (قدس سره)في نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 408: إِفادة «الباء» للتبعيض اختيار الإمامية.

صفحه 220
قال: مسألة: لا إجمال في نحو: «رُفع عن أُمتي الخطأ والنسيان»، خلافاً لأبي الحسين، والبصري.
لنا: العُرفُ في مثله قبل الشرع ، المُؤَاخَذَةُ والعقابُ، ولم يَسقُط الضّمانُ: إمّا لأنّه ليس بعقاب، أو تخصيصاً لِعمُوم الخبر، فلا إجمال.
قالوا: اُجيب بما تقدَّم في الميتة. *
* أقول: اختلفوا في مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا» فقال قوم: إِنّه مجمل وهو مذهب أبي الحسين وأبي عبدالله البصريّ، وقال آخرون: إِنّه ليس بمجمل وهو الحق. والدليل عليه أَنَّ مثل هذا ظاهر في رفع المؤاخذة والعقاب باستقراء العرف قبل الشرع، فلا إجمال حينئذ .
لا يقال: إنَّ الخاطي والناسي يلحقهما الضمان، وهو من انواع العقاب والمؤاخذة.
لأنا نقول: لا نسلم أَنّه عقاب. سَلَّمْنا لكن وجوب الضمان يكون مخصّصاً لعموم رفع العقاب والمؤاخذة.
احتج المخالف بأَنَّ إِخْباره (صلى الله عليه وآله وسلم)برفع الخطأ والنسيان عن الأُمّة لا يراد منه الحقيقة لوجودهما قطعاً فلابدّ من إضمار، وليس بعض الأنواع أولى من الباقي، ولا يجوز إضمار الجميع، لأَنَّ ما وجب للضرورة بقيد، مقيّد بقدرها فتحقق الاجمال حينئذ .
فالجواب: لا نسلم عدم الأَولوية، وبيانه ما تقدّم في مسألة المَيِتِةِ من العرف.

صفحه 221
قال: مسألة: لا إِجمال في نحو: «لا صلاة إلاّ بطهور» خلافاً للقاضي.
لنا: إِنْ ثبت عُرفٌ شرعيٌ في الصحيح فلا إِجمال، وإلاّ فالعُرفُ في مثله نفي الفائدةِ مثلُ: لا علم إلاّ ما نفع، فلا إِجمال ولو قُدِّرَ انتفاؤُهما فالأَولى نفي الصحة، لأنّه يصير كالعدم، فكان أقرب إلى الحقيقة المتعذّرةِ.
فإن قيل: إثبات اللغة بالترجيح.
قلنا: إثبات المجاز بالعرفِ في مثله .
قالوا: العرف شرعاً مختلفٌ في الكمال والصحة.
قلنا: مختلفٌ، للاختلاف، ولو سُلِّم فلا استواء، لترجُّحه بما ذكرناه.*
* أقول: اختلفوا في مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بطهور» فقال القاضي أبو بكر: إِنَّه مجمل، وقال الجمهور: إِنّه ليس بمجمل، وهو الحق.
والدلّيل عليه أَنَّه نقول: العرف الشرعي قاض في مثل نفي هذه الحقائق الشرعيّة بنفي صحتها. سلّمنا أَنَّه لا عرف شرعي فيه، لكن العرف المشهور بين النّاس في مثل نفي هذه الاشياء إنّما هو نفي فائدتها كقولهم: «لا علم إلاّ ما نفع» .
سلمنا إِنتفاءِ العُرفَيْن لكنّا نقول: لابدّ هاهنا من المجاز لتحقق مسمّى الصلاة وأولى المجازات هاهنا صرف النفي إلى الصحة وبيان الأولوية، إِنّ حقيقة اللفظ   2

صفحه 222
هي نفي الصلاة وعدمها، وأقرب مجاز إليها هو نفي الصحة لأنّه مساو للعدم، وعلى كل تقدير لا إجمال .
فإِنْ قيل: هذا إِثبات اللغة بالترجيح، وهو باطل لأنَّ اللغة وضعية منقولة.
قلنا: لا نسلّم أَنّه إِثبات اللغة بل هو إِثباتُ أوْلوية بعض المجازات بالعرف في مثله .
قالوا: العرف الشرعي مختلف في الكمال والصحة أي متردِّدٌ بينهما على سواء، فإِنّ العرف الشرعي في مثل هذه الاشياء يَحتَمل نفي الصحة ونفي الكمال.
والجواب: لا نسلّم تردّد اللفظ بين نفي الكمال ونفي الصحة لعرف شرعي، لأَنّ عرف الشرع في مثل هذا النفي نفي الحقيقة الشرعيّة، بل التردّد فيه إنّما هو لاختلاف الفقهاء في تقديره.
سلّمنا التردّد لكن لا نسلم الاستواء بين نفي الكمال ونفي الصحة، بل الترجيح لنفي الصحة لقربه من المعدوم على ما بيّناه.

صفحه 223
قال: مسألة: لا إجمال في نحو: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)1 .
لنا: إِنَّ اليد إلى المنكب حقيقةٌ، لصحة: «بعض اليد» لما دُونَهُ، والقطع إبانةُ المتّصل، فلا اجمال.
واستدُلَّ: لو كان مشتركا في الكُوع والمرفق والمنكب، لزم الإجمال.
وأُجيب: بأَنُّه لو لم يكن، يلزم المجاز.
واستدُلّ: يُحتمل الاَشتراك والتواطُؤ وحقيقة أحدهما، ووُقوعُ واحد من اثنين أَقرب من واحد مُعيَّن.
وأُجيب: بأَنّه إِثبات اللغة بالترجيح، وبإِنّهُ لا يكون مُجملٌ أبداً.
قالوا: تُطلق اليدُ على الثلاثِ، والقطعُ على الإبانةِ وعلى الجرح فثبت الإجمال.
قلنا: لا إجمال مع الظهور. *
* أقول: ذهب بعض الأُصوليين 2 إلى أَنّ آية السرقة مجملة في اليد والقطع. والمحققون على خلافه، والدليل عليه أَنَّ اليد حقيقة في العضو المخصوص من الأَنامل إلى المنكب، ولهذا صحّ اطلاق بعض اليد على ما دون المنكب. ولو   2

1 . المائدة: 37 .
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 416; المحصول: 1 / 471 .

صفحه 224
<--- كانت اليد تطلق على البعض حقيقة لما صحّ اطلاق بعض اليد عليه، وأَمّا القطع فإنّه حقيقة في إبانة المتصل، وعلى هذا التقدير لا إجمال فيهما.
واستدّل بعضهم على نفي الإجمال هنا بأنَّ اليد لو كانت موضوعة للعضو من الأَنامل إلى المنكب وإلى الكوع وإلى المرفق على سبيل الحقيقة، لزم الاشتراك والأصل عدمه فلا إجمال.
والجواب: المعارضة بأَنْ نقول: لو لم يكن موضوعاً للثلاث على سبيل الاشتراك لزم المجاز، وهو خلاف الأصل.
قال هؤلاء: يحتمل أن يكون لفظ اليد موضوعاً للثلاث على سبيل الاشتراك، وأنْ يكون موضوعاً للقدر المشترك بينها، وأنْ يكون حقيقة في أحدها مجازاً في الآخر ; وهذه احتمالات ثلاثة .
ولا شكّ في أَنَّ وقوع احتمال واحد معيّن أبعد من وقوع احتمالين، لكن الإجمال إنّما يلزم على تقدير أن يكون اللفظ مشتركاً.
والجواب: أنّ هذا اثبات اللغة ـ أعني كون اليد متواطياً أو حقيقة في واحد ومجازاً في آخر ـ بالترجيح، وهو باطل 1 بالاتفاق ; وأيضاً فهذا الّذي ذكرتموه لو كان صحيحاً لزم إِبطال كل مجمل لإنسحاب ما ذكرتموه فيه.
في حمل اللفظ الوارد من الشرع على معنى تارة وعلى معنيين أُخرى   
احتجّ المخالف: بأَنّ اليد تطلق على الثلاث، والأصل الحقيقة فيلزم   2

1 . في نسخة «ج» ـ بين كلمتي «بالترجيح» و «هو باطل» ـ وردت العبارة التالية:
[... أعني يكون وقوع أحد احتمالين أغلب على الظن من وقوع واحد منهما بعينه... ] .
ويبدو أنها دخيلة على النص، ولا تتماشى مع ما عهدناه من أسلوب الشارح المفضال .

صفحه 225
قال: مسألة: المختار أَنّ اللفظ لِمعنى تارة، ولِمعنيين أُخرى ـ من غير ظهور ـ : مجملٌ.
لنا: أَنّه معناه.
قالوا: يظهر في المعَنيين، لتكثير الفائدةِ.
قلنا: إثبات اللغة بالترجيح، ولو سُلِّم، عُورضَ بأَنَّ الحقائق لمعنى واحد أكثر، فكان أظهر.
قالوا: يحتمل الثلاثة، كالسارق. *
<--- الاشتراك، وأيضاً القطع يطلق على الإِبانة وعلى الجرح فيكون الإجمال ثابتاً في اليد والقطع.
والجواب: لا نسلّم يساوي الاطلاق 1، وبيانه ما تقدّم.
* أقول: اختلفوا في أَنَّ اللفظ الوارد من الشرع إذا أَمكن حمله على ما يفيد معنى واحداً تارة، وعلى ما يمكن حمله على معنيين، أُخرى ـ من غير ظهور أحد المحملين ـ هل يكون مجملاً أم لا؟
ذهب الأكثرون إلى أَنّه ليس بمجمل، وذهب الغزّالي وغيره إلى أَنّه مجمل، وهو اختيار المصنّف .
واحتجَّ عليه بأنّ اللفظ هاهنا يمكن حمله على معنى واحد وعلى   2

1 . أي لا نسلم أن الإجمال يساوي الاطلاق وإنّما يساوي عدم الظهور، وقد تقدّم أن اليد ظاهرة في العضو من الأنامل إلى المنكب والقطع في إبانة المتصل .

صفحه 226
<--- معنيين، وليس هناك ظهور لأحد المحملين على الآخر فيكون مجملاً، إذ معنى المجمل هو هذا.
حجّة المخالف وجهان :
الأوّل: أنّ حمله على المعنيين أولى من حمله على المعنى الواحد، ضرورة كونه أكثر فائدةً، وحمل كلام الشارع على ما هوأكثر فائدة أولى، ومع الظهور لا إجمال .
والجواب: أنّ هذا اثبات اللغة بالترجيح، لأَنّه استدلال على ظهوره في المعنيين لكونه أكثر فائدة.
سَلَّمنا، لكن يعارضه بأَنَّ الحقائق أي الألفاظ الموضوعة على معانيها بالحقيقة إنّما وضعت لمعنى واحد في الأغلب، والحمل على الأغلب أولى، فكان ظاهراً في المعنى الواحد.
الثاني: أنّه يحتمل أنْ يكون اللفظ موضوعاً للمعنى الواحد وللمعنيين على سبيل الاشتراك، ويحتمل التواطؤ، ويحتمل أَنْ يكون حقيقة في أحدهما، مجازاً في الآخر. والاشتراك لازم على تقدير وقوع واحد من هذه الثلاث، ولا شكّ في أَنَّ وقوع واحد من اثنين أقرب، كما مرّ في السارق ; والجواب ما تقدّم.
لا إجمال في ماله محمل لغوي ومحمل في حكم شرعي   

صفحه 227
قال: مسألة: مالَهُ محمل لغوي ومحملٌ في حكم شرعي مِثلُ: «الطواف بالبيت صلاة»، ليس بمجمل.
لنا: عُرف الشارع تعريفُ الاحكام، ولم يُبعث لتعريف اللغة.
قالوا: يصلح لهما، ولم يتَّضح.
قلنا: يتضح بما ذكرناه.*
* أقول: اختلفوا 1 في اللفظ الوارد من الشرع إذا امكن حمله على معنى لغوي وحمله على حكم شرعي متجدد، هل يكون مجملاً أم لا؟
ذهب جماعة من الأُصوليين إلى أَنّه مجمل، وهو اختيار الغزّالي وبعض الإمامية.
وذهب آخرون إلى أنّه ليس بمجمل بل هو ظاهر في الحكم الشرعي وهو اختيار المصنّف، مثاله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الطواف بالبيت صلاة» 2 فإِنّه يحتمل أنْ يكون المراد منه أَنَّه كالصلاة في افتقارهِ إلى الطهارة، ويحتمل أَنْ يكون المراد: إنّ الطّواف صلاة لغويّة، لاشتمالهِ على الدعاء .
واحتجّ عليه: بأنَّ المعهود من الشرع إنّما هو تعريف الاحكام، ولم يبعث لتعريف اللغة، فكان اللفظ الصادر عنه ظاهراً في الحكم الشرعي المتجدّد.
احتجّ المخالف: بأنّ هذا اللفظ صالح للمعنى اللغوي والشرعي، لأَنَّ   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 421 ; المستصفى: 2 / 33 .
2 . عوالي اللآلي: 1 / 214; سنن البيهقي: 5 / 85 ; سنن الدارمي: 2 / 44 ; كنز العمال: 5 / 49، برقم 12002 .

صفحه 228
لا إجمال في ماله مسمّى لغوي وشرعي   
قال: مسألة: لا إجمال فيما له مسمّى لغوي ومسمّى شرعي .
وثالثها، للغزالي في الاثبات، الشرعي، وفي النهي، مجمل.
ورابعها: في النّهي: فاللغويّ فالإثبات مثل: «إنّي صائمٌ» .
لنا: أنّ عُرفه يقضي بظهوره فيه .
الإجمال يصلح لهما.
الغزالي في النهي: تعذّر الشرعيّ للزوم صحَّتهِ.
وأُجيب: ليس معنى الشرعي: الصحيح، وإلاّ لزم في «دعي الصلاة» الإجمال.
الرابع: في النهي، تعذَّر الشرعي، للزوم صحتهِ، كبيع الحر والخمر.
وأُجيب بما تقدّم وبأنَّ: «دعي الصلاة» للُّغوي وهو باطل. *
<--- المعهود من الشارع استعمال الالفاظ في معانيها اللغوية في الأَغلب، وهذا مع ما ذكرناه دالّ على الإجمال وكونه غير متضّح في أحد المعنيين.
والجواب: لا نسلّم عدم الايضاح بل الحكم الشرعي أوضح، لما ذكرناه أوّلاً.
* أقول: اختلف القائلون بالاسماء الشرعية في أَنّه إذا ورد لفظ له مسمّى لغوي ومسمّى شرعي هل يكون مجملاً أم لا؟ ذهب القاضي أبو بكر تفريعاً على القول بها إلى أَنها مجملة، وذهب بعض الحنفيّة والشافعية إلى أنّه غير مجمل، وهو اختيار المصنّف. وقال الغزّالي1: إنْ ورد في الاثبات حمل على   2

1 . المستصفى: 2 / 35 .

صفحه 229
<--- الشرعي كقولهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)لعائشة لما سألها: هل عندك شيء؟ فقالت لا، قال: «إنّي لصائم إذن»1 فإنّه يحتمل الصوم الشرعي ومطلق الامساك إلاّ أَنّ الأوّلَ أظهر، وإنْ ورد في النفي كنهيه عن صوم يوم النحر فهو مجمل، وذهب آخرون إلى أنّه في الاثبات ظاهر في المسمّى الشرعي وفي النفي ظاهر في اللغوي.
احتج المصنّف: بإنّ عرف الشارع يقضي بظهور اللفظ في المسمّى الشرعي لما مرّ، فلا إجمال حينئذ.
احتج القائلون بالإجمال: بأنّه صالح للغوي والشرعي على ما مرّ.
والجواب قد تقدّم.2
احتجَّ الغزّالي بأنّ اللفظ في النهي يتعذّر حمله على المعنى الشرعي، وإلاّ لزم صحة الفعل وهو الصوم مثلاً، ضرورة استلزام النهي الصحة إذ الممتنع يستحيل النهي عنه .
والجواب: ليس معنى الصوم الشرعي الصوم الصحيح بل الإمساك مع الهيئات المخصوصة، ولو كان الصوم الشرعي هو الصحيح لكان النهي في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعي الصلاة أيّام اقرائك»3 مجملاً لما قلتم، وليس كذلك للقطع بأنّ المراد النهي عن الهيئة المخصوصة.    2

1 . سنن البيهقي: 4 / 203 و 275 .
2 . وهو أن نهي الشارع لا يستلزم الصحة.
3 . وسائل الشيعة: ج 2 ، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 4، والباب 7 من أبواب الحيض، الحديث 2 ; عوالي اللآلي: 2 / 207 ; ومسند أحمد: 6 / 42 .

صفحه 230
<--- واحتج أصحاب المذهب الرابع: بإنَّ لفظ البيع في نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيع الحر والخمر 1 لو كان ظاهراً في البيع الشرعي لزم أَنْ يكون متصوراً، لاستحالة النهي عما لا يتصور، والتالي باطل إجماعاً ; وإذا تعذر ظهوره في المعنى الشرعي ـ والاجمال متعذّر لما علم ـ ثبت ظهوره في اللغوي.
والجواب: منع استلزام النهي، الصحة على ما مضي; وأيضاً يلزم أن يكون: «دعي الصلاة» للمعنى اللغوي، وهو باطل قطعاً، لأَنّ الحائض غير ممنوعة من الدّعاء.
   

1 . وسائل الشيعة: ج 19، باب تحريم منع الأجير اجره، الحديث 4 ; عوالي اللآلي: 3 / 253 ; المصنّف: 10 / 193 .

صفحه 231
قال: الظاهر والمؤوّل:
الظاهر: الواضح، وفي الاصطلاح ما دلّ دلالّة ظنيّة. إمّا بالوضع، كالأسد، أو بالعرف، كالغائط.
والتأويل: من آل، يئول، أي: رجع .
وفي الاصطلاح: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، وإن أردت الصحيح، زدت: «بدليل يصيِّرهُ راجحاً».
الغزّالي: احتمالٌ يعضدهُ دليلٌ يصير به اغلب على الظنِّ من الظاهر.
وَيَرِدُ: أنَّ الاحتمال ليس بتأويل، بل شرطٌ، وعلى عكسه التأويل المقطوع به .*

[ مبحث الظاهر والمؤول ]

* أقول: الظاهر في اللغة هو الواضح، يقال: ظهر كذا أي وَضُحَ وانكشف، وفي الاصطلاح عبارة عن: «اللفظ الدالّ دلالة ظنية إمّا بالوضع كالأسد في معناه الحقيقي، أو بالعرف كالغائط المنقول إلى قضاء الحاجة»1.   2

1 . في نسختي «ب» و «ج» اضافة تُوضِحُ قيود تعريف الظاهر:
[ فـ «الدلالة الظنية» احتراز عن اللفظ الدال على معناه بالقطع وعن اللفظ المشترك الّذي لا يدل ظنّاً على شيء من معانيه، وقولنا: «بالوضع أو العرف» احتراز عن دلالة الأسد على الشجاع عند القرينة الّتي يكون بها أظهر منه في الحيوان المفترس، فإنّه وإن دل على الشجاع واحتمل الحيوان المفترس احتمالاً مرجوحاً، لكن لمّا لم تكن دلالته بأحد الوضعين لم يكن ظاهراً].
أقول: لم يكن سبك المطالب في هذا المقطع سبكاً محكماً جديراً، حتّى يرقى إلى مستوى دَرْجِهِ في المتن، فكان وضعه في الهامش أجدر.

صفحه 232
<--- والتأويل في اللغة: الرجوع، وفي الاصطلاح عبارة عن: «حمل الظاهر على المحتمل المرجوح» 1 وإنْ أردتَّ حدّ التأويل الصحيح زدت على ما ذكرناه قولك: «بدليل يصيّرهُ راجحاً».
وقد حدّه الغزّالي بانّه: احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من الظاهر.
وهذا فيه نظر من وجهين :
الأوّل: أن الاحتمال ليس بتأويل بل هو شرط له .
الثاني: يخرج عنه التأويل المقطوع به 2 بأَنّه تأويل وليس باحتمال.
في التأويل البعيد للحنفية   

1 . وفي النسختين أيضاً اضافة لتوضيح قيود تعريف المؤول:
[ فبـ «الظاهر» نخرج النص والمشترك المحمول على أحد معنييه. وقولنا: «المحتمل» احترازاً عن حمله على ما لا يحتمله، وقولنا: «المرجوح» احتراز عن حمل الظاهر على معناه ] .
وشأن هذه الاضافة شأن سابقتها .
2 . وفي «ج» فقط إضافة تبدو أنها دخيلة على النص وردت بعد كلمة «المقطوع به» .
[ وهو أن يصرف اللفظ عما هو ظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع، لخروجه عن ذكره بقوله: «بدليل يصير به أغلب على الظن» والقطع ينافي الظن ] .

صفحه 233
قال: وقد يكون قريباً، وترجح بأدنى مرجح، وقد يكون بعيداً ; فيحتاج للأقوى، وقد يكون متعذراً فيُرَدُّ.
فمن البعيد: تأويل الحنفية قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لابن غيلان وقد أسلم على عشر نِسوة: «أمسك أربعاً، وفارق سائرهن»، أي: ابتدئ النكاح، أو أَمسك الأوائل فإنّه يبعدُ أن يخاطب بمثله متجدد في الإسلام من غير بيان، ومَعَ أنّه لم يُنقل تجديد قط.
وأما تأويلهم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لفَيْروز الديلمي وقد أسلم على أُختين: «أمسك أيَّتَهما شئت» فأبعدُ ; لقوله: «أيتهما». *
* أقول: التأويل منه ما هو قريب يترجح بأدنى مرجح، ومنه ما هو بعيد فيحتاج إلى المرجح الأقوى، ومنه ما هو متعذر فَيُردّ ولا يحمل عليه1 .
فمن البعيد تأويل الحنفية2 قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لابن غيلان 3 وقد أسلم على عشر: «أمسك أربعاً وفارق سائرهنَّ»4.5 وقد تأولوه بتأويلات ثلاث:   2

1 . وفي نسختي «ب» و «ج» إضافة بعد قوله «يحمل عليه»:
[ ولمّا تعذر الضابط المميز لهذه ـ بعضها من بعض ـ لكونها من الأُمور الاضافية، فرب قريب عند شخص بعيد عند آخر، لا جرم ذكر المصنّف أمثلة للبعيد لينبّه المتعلم منها للباقين ].
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 495 .
3 . هو غيلان بن سلمة، لاحظ أُسد الغابة: 3 / 447، برقم 4191 .
4 . سنن الترمذي: 3 / 435 ; برقم 1128 ; مسند أحمد: 2 / 13 ; سنن ابن ماجه: 1 / 628، برقم 1953 ; مستدرك الحاكم: 2 / 193 ; سنن البيهقي: 7 / 181 .
5 . وفي النسختين أيضاً بعد قوله «سائرهن»:
[لأن مذهبهم أَنَّ الكافر إذا أسلم وتحته أكثر من أربع بطل نكاحهن إِنْ نكحهن معّاً، وما بعد الأربع إِنْ نكحهن على الترتيب، قياساً على المسلم، ومذهب الباقي التخيير مطلقاً ] .

صفحه 234
<--- أحدها: يحتمل أنّه أراد بالإمساك ابتداء النكاح، ويكون معنى قوله: «امسك اربعاً» أي: انكح منهن أربعاً، وقوله: «وفارق سائرهن» أي: لا تنكح سائرهن .
الثاني: يحتمل أَنّه أراد الأمر للزوج بأختيار الأوائل منهن .
الثالث: يحتمل أن يكون النكاح واقعاً في بدو الإسلام قبل تحريم مازاد على الأربع، وأَنكحة الكفار إنّما بطل منها ما كان مخالفاً لما ورد به الشرع في حال وقوعها.
وقد ذكر المصنف وجهين دالّين على بُعد هذه التأويلات :
الأوّل: أنّه يبعد عادة أَنْ يخاطب بمثل هذا الخطاب من يكون متجدد الاسلام من غير بيان سابق لشروط النكاح، مع أَنّ الحاجّة داعية إلى ذلك لقرب عهده بالإسلام .
الثاني: أنّه لم ينقل تجديد النكاح في الصورة المذكورة مع أنّ الظاهر من حال الزوج المأمور امتثال أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالامساك .
وأمّا تأويلهم لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لفيروز الديلمي1 وقد أَسلم على أُختين: «امسك أيتهما شئت و فارق الأُخرى»2، بالتأويلات المذكورة، فأبعد من التأويلات المذكورة في الصورة الأُولى لأَنّه خيّره بإمساك أيتهما شاء، فجعل الخيرة إليه في الإمساك والفراق، ومذهبهم ليس كذلك لأنّهما غير واقعين بخيرته عندهم، لوقوع الفراق بنفس الاسلام، وتوقف النكاح على رضاء الزوجة.

1 . يكنى أبا عبدالله، وهو قاتل الأسود العنسي الّذي ادعى النبوة، لاحظ: أُسد الغابة: 3 / 463، برقم 4247 .
2 . سنن البيهقي: 7 / 185 .

صفحه 235
قال: ومنها: قَوْلُهُمْ في: (إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)1، أي إطعام طعام ستّين مسكيناً، لأن المقصود دفعُ الحاجة، وحاجَةُ ستّين كحاجة واحد في ستّين يوماً; فجُعِلَ المعدوم مذكوراً، والمذكور عدماً مع إمكان قصده لفضل الجماعة وبركتهم، وتضافُر قلوبهم على الدعاء للمُحسنِ.*
* أقول: هذا أحد التأويلات البعيدة للحنفية، قالوا: لأنّ المقصود دفع الحاجة ولا فرق بين إطعام ستّين مسكيناً يوماً واحد وبين إطعام مسكين واحد، ستّين يوماً في دفع الحاجة، وإن وقع بينهما افتراق في شيء غير ذلك فلا اعتداد به في نظر الشارع، إذ المصالح إنّما هي باعتبار الحاجات، والشارع إِنّما نظره إلى المصالح، وإذا كان كذلك وجب هذا التأويل .
ووجه بُعده أمران :
أحدهما: أَنّهم جعلوا مفعول إطعام هو طعام، وهو معدوم فجعلوه موجوداً ليصح عليه أن يكون مفعولاً، وجعلوا ستّين مسكيناً في تقدير العدم مع صلوحه للمفعولية، ولا شكّ في أَنَّ هذا ضعيف فما يتفرع عليه يكون ضعيفاً .
الثاني: أَنّه يمكن في الجماعة حصول مستجاب الدعوة، وأيضاً تطابق الجماعة على الدعاء وبركتهم ليس كحال الواحد، فجاز أن يكون ذلك مطلوباً للشارع بل هو أولى.

1 . المجادلة: 4.

صفحه 236
قال: ومنها قولُهُم: «في أربعين شاة شاةً» أي: قيمةُ شاة، بما تقدّم، وهو أبعدُ إذ يلزم ألا تجب الشاةُ، وكلُ معنى إذا استنبط من حكم أبطله، باطلٌ. *
* أقول: ومن تأويلات الحنفية 1 البعيدة قولهم في معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): « في أربعين شاة شاة»، أنّ المراد قيمة شاة بما تقدم، وهو أَنّ المقصود دفع الحاجة سواء كان بالشاة أو بقيمتها لتساويهما في هذا المعنى وافتراقهما فيما لا مصلحة فيه .
ووجه البعد أَنَّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في أربعين شاة شاة» 2 ظاهر في تخصيص الشاة بالوجوب عيناً لاختصاصها بالذكر، ولو حمل على ذلك التأويل بناء على أَنّ المقصود إنّما هو دفع الحاجة، رفع الحكم وهو وجوب الشاة بما استنبط من العلّة الّتي هي دفع الحاجة ; ولا شكّ أنّ كلّ معنى استنبط من حكم وأدّى ذلك الاستنباط إلى بطلان ذلك الحكم فإنّه يكون باطلاً لاستلزام بطلان الأصل بطلان الفرع.
 

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 498 .
2 . وسائل الشيعة: ج 6 ، الباب 6 من أبواب زكاة الانعام، الحديث 1; وسنن ابن ماجة: 1 / 577، برقم 1805 ; وسنن ابن داود: 2 / 98، برقم 1568 .

صفحه 237
قال: ومنها: حمل: «أيُّما امرأة نكحَتْ نفسها بغير إذن وليّها، فنكاحها باطلٌ باطلٌ» على الصغيرةِ والأمةِ والمكاتبةِ، و «باطلٌ» أيْ: يَئُولُ إليهِ غالباً ; لاعتراض الوليِّ، لأنّها مالكةٌ لِبُضعِها، فكان كبيع سلعة .
واعتراض الأولياء: لدفع نقيصة إن كانت، فأبطل ظهورَ قصدِ التعميم بتمهيد أصل مع ظهورِ «أيٍّ» مؤكدةً بـ «ما»، وتكرير لفظ البُطلانِ، وحملُهُ على نادر بعيدٌ كاللُغز مع إمكان قصده، لمنع استقلالها فيما يليقُ بمحاسن العادات.*
* أقول: هذا أحد تأويلاتهم البعيدة،1 وهو حمل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما امرأة نكحِت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثاً»2 على ثلاث معان :
أحدها: أَنّه اراد بالمرأة الصغيرة .
الثاني: أَنّه إن أراد الكبيرة فلعلّه أراد الأمة والمكاتبة .
الثالث: يحتمل أَنّه أراد بالبطلان مصيره إليه في أغلب الاحوال، بتقدير اعتراض الولي عليها إذا زوجت نفسها من غير كفؤ لأَنّها مالكة لبضعها فكان كبيع سلعة، [واعتراض الأَولياء عليها فإِنَّ ذلك البيع مع تعرض الأولياء يصير باطلاً]3   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 506 .
2 . بحار الأنوار: 37 / 239 ; عوالي اللآلي: 1 / 306 ; مسند أحمد: 6 / 47 و 66 و 166 ; سنن البيهقي: 7 / 105 ; سنن الدارمي: 2 / 137 ; سنن ابن ماجة: 1 / 605 .
3 . في نسختي «ب» و «ج» بدل ما بين المعقوفتين وردت العبارة التالية:
[ حتّى يكون رضاها هو المعتبر .
لا يقال: لو كانت مالكة لم يكن لاعتراض الولي وجه.
لأنّا نقول: الوجه فيه دفع النقيصة إِنْ كانت، وهي أَن تكون قد زوجت نفسها من غير كفؤ ].
وهي أكثر تفصيلاً ولا بأس بها.

صفحه 238
<--- وإنّما كانت هذه التأويلات بعيدة لأنّها مبطلة للعموم الظاهر من قصده (صلى الله عليه وآله وسلم)ظهوراً يقارب العلم لأَنّه اراد تمهيد أصل التعميم مع ظهور «أي» الدالة1 عليه مع تأكيدها بلفظة «ما» وتكرير البطلان مرة بعد أُخرى، ومع حصول هذه الأُمور يعلم قطعاً أَنّ المقصود ما دلّت عليه هذه الألفاظ وهوالعموم وحمل مثل هذا العموم على نادر وهو المكاتبة بعيد، لأنّه يجري مجرى الألغاز فإن الظاهر منها شيء والمراد منها أمرٌ آخر نادر، ولا شكّ في أَنَّ المكاتبة نادرة فحملها عليه نادر، مع إمكان قصد المنع من استقلال المرأة سواء كانت حرة أو أمة أو مكاتبة وصغيرة أو كبيرة فيما يليق بالعادة المنع من استقلالها وهو البضع، فيجب المصير إليه.
والحمل على الصغيرة إنّما كان بعيداً لما ذكرناه أوّلاً; ولأَنّ نكاحها لنفسها عندهم صحيح موقوف على الإِجازة، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم ببطلانه، والحمل على الأمة ضعيف لما مرَّ، ولأنّه عقَّب بقوله: «فإِنْ مسّها فلها المهر بما استحلَّ من فرجها» والمهر إنّما يستحقه السيد لا هي.

1 . وردت الكلمة في نسخة «أ»:
[ الدلالة ] والصحيح ما اثبتناه .

صفحه 239
قال: ومنها حملهم: «لا صيام لمن يُبيّت الصيام من الليل» على القضاء والنذر; لِما ثبت عندهم من صحة الصيام بنية من النهار، فجعلوه كاللُّغَزِ، فإنْ صحّ المانع من الظهور، [ طُلب ] أقرب تأويل. *
* أقول: من التأويلات البعيدة 1 لهم حمل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل»2 على صوم القضاء والنذر لأَنَّ مذهبهم صحة الصوم وإنْ لم تحصل النيّة من الليل إذا وجدت بالنهار، وإنّما كان هذا بعيداً لأَنَّ الصوم نكرة3وقد دخل عليه حرف النفي فيفيد العموم على ما سبق، ولا شكّ أَنَّ المتبادر إلى الإِفهام إنّما هو الصوم الأصلي المكلف به في أصل الشرع، فالحمل على القضاء والنذر حمل للظاهر على النادر، وذلك يجري مجرى اللغز .4
لا يقال: لا يصح إرادة الظاهر من هذا النفي لأنّه يقتضي نفي الصوم، والأَعيان لا يصح نفيّها.
لأَنَّا نقول: مع تسليم أَنَّ النفي لا يصحّ على الأَعيان الشرعية، يجب   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 508 ; المستصفى: 2 / 59، الإحكام للآمدي: 3 / 41 .
2 . عوالي اللآلي: 3 / 132; سنن النسائي: 4 / 196 ; سنن البيهقي: 4 / 202 .
3 . قد انفردت نسخة «أ» بالعبارة التالية الّتي اقحمت بين كلمتي: «لأن الصوم نكرة» ، «وقد دخل عليه حرف النفي»، وهي:
[... ضرورة كون اللفظ جملة فعلية والجمل تكرار عند ارباب اللسان... ] .
فلو كان لها معنى محصل لا نعلم من أين جاءت وكيف دخلت في النص .
4 . وردت في نسخة «أ» بعد كلمة «اللغز» كلمة «بعيد» ولا معنى لها في السياق، والأفضل أن يؤتى بكلمة «في القول» بدلاً عنها كما في «الإحكام».

صفحه 240
قال: ومنها: حملُهم: (وَ لِذِي الْقُرْبى) على الفقراء منهم ; لأنَّ المقصود سَدُّ الخَلَّةِ; ولا خَلّة مع الغِنى فعطّلوا لفظ العموم مع ظهور أَنَّ القرابةَ سَبَبُ الاستحقاق مع الغنى.
وَعَدَّ بَعْضُهُمْ حَمْلَ مالك: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ...)1 إلى آخرها; على بيان المصرف من ذلك، وليس منه ; لأَنَّ سياقَ الآية قبلَها من الردّ على لمزهم في المعطين، ورضاهم في إعطائهم، وسخطهم في منعهم، يَدّل عليه.*
<--- تأويله بأقرب تأويل وهو نفي الصحة، لأَنَّ نفي الذات يستلزم نفي جميع الصفات ونفي الصحة كذلك، فتقاربا بخلاف غيرها من الصفات، وكان الحمل عليها أولى.
* أقول: ومن التأويلات البعيدة عندهم 2 حمل قوله تعالى:(وَلِذِي الْقُرْبى)3 في آية الخُمس على الفقير منهم، وإنّما حملوه على أنّ المقصود من دفع الخمس هو سد الخلة، ولا خلة مع الغنى فلا يجوز الدفع .
وإنّما كان ذلك بعيداً لأنَّ دفع الخمس إنّما كان تعظيماً لشأنهم وبياناً لشرفهم ومنزلتهم، وإذا كان المقصود إنّما هو ذلك كانت القرابة علة للدفع ظاهراً، ولا اعتبار بالحاجة الخفية مع أَنّها غير مذكورة.4   2

1 . التوبة: 60 .
2 . المستصفى: 2 / 59 .
3 . الأنفال: 41 .
4 . قال الشارح في نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 509:
[... تأوّل علماؤنا ذي القربى بالإمام خاصة القائم مقام الرسول بعده، لنقل وارد عن الأئمة(عليهم السلام) ] .

صفحه 241
<--- وقال قوم: إِنَّ حمل مالك آية الزكاة على بيان المصرف لا على التمليك لكلّ صنف صنف، من قبيل التأويلات البعيدة، وسبب بُعدِه أَنَّ الله تعالى أضاف إليهم الصدقة بلام التمليك وعطف بواو التشريك، والحمل على بيان المصرف يوجب المنع من التشريك الّذي هو ظاهر من الآية.
والمصنف لم يستبعد هذا التأويل لأَنّ سياق الآية يدل عليه لأنّ الله تعالى ذكر حال قوم يلمزون في الصدقات ويقولون أَنَّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) يعطي الصدقات من أَحبَّ فإنْ أَعطاهم رضوا وإِنْ منعهم سخطوا، فالله تعالى أراد الردَّ عليهم وذكر أنَّ ما يفعله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو حق لأَنّه يعطيها المستحقيّن وهم الاصناف الّتي عدَّها الله تعالى.

صفحه 242
مبحث المفهوم والمنطوق   
قال: المفهوم
الدلالة: منطوق، وهو ما دّل عليه اللفظ في مَحَلّ النطقِ، وَالمفهومُ بخلافه، أي: لاَ في مَحَلِّ النُّطقِ.
والأوّل صريحٌ وهو ما وضع اللفظُ لَهُ، وغيرُ الصريح بخلافِهِ، وهو ما يلزم عنه، فإنْ قُصِدَ وتوقَّفَ الصُدقُ أو الصحةُ العقلية أو الشرعية عليه، فدلالة اقتضاء، مثل: «رُفِعَ عن اُمتي الخطأ والنسيان»، و (وَ اسْأَلِ الْقَرْيَةَ)1 و «أعتق عبدك عنِّي على ألف»; لاستدعائه تقرير المِلْكِ، لتوقف العتق عليه .
وإنْ لم يَتَوقف واقترن بِحُكم، لَوْ لم يَكن لتعليله; كان بعيداً فتنبيه وإيماءٌ، كما سيأتي، وإن لم يُقصد، فدلالة إشارة; مِثلُ: «النساءُ ناقصاتُ عَقل ودين» قيل: وما نُقصان دينهن؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «تمكث إحداهُنَّ شطر دهرها لا تُصلِّي» فليس المقصود بيان أَكْثَرِ الحيضِ، وأَقَلِّ الطهْرِ، ولكنَّه لَزِمَ من أَنَّ المبالغَةَ تقتضي ذكر ذلك.
وكذلك: (وَحَمْلُهُ وَ فِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا)2 مَعَ: (وَ فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ )3.
وكذلك: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ...)4 يلزم منه جواز

1 . يوسف: 82 .
2 . الاحقاف: 15.
3 . لقمان: 14 .
4 . البقرة: 187 .

صفحه 243
الإصباح جُنباً.
ومِثلُهُ: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ)إلى (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ)1. *

[ مبحث المفهوم والمنطوق]

* أقول: الدلالة اللفظية إمّا أن تكون مستفادة من منطوق اللفظ أومن مفهومه، ونعني بمنطوق اللفظ ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق كقوله: «في سائمة الغنم الزكاة»2 فإن هذا اللفظ يدل بمنطوقه (على وجوب الزكاة في السائمة; والمفهوم بخلاف هذا وهو ما دلّ عليه اللفظ في غير محل النطق كدلالة الحديث المذكور)3على عدم الزكاة في غير السائمة، والأوّل على قسمين :
ـ إمّا أن يكون صريحاً .
ـ أو لا يكون .
فالصريح ما وضع اللفظ له، وغير الصريح بخلافه وهو ما يلزم عنه فإنْ قُصد وتوَقَّف صدق المتكلم عليه أو توقَّف عليه الصحة العقلية أو الشرعية فتسمَّى تلك الدلالة: دلالة الاقتضاء كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمتي الخطاء والنسيان وما استكرهوا عليه» فإِنَّ هذا يدل على رفع الخطأ، والمقصود رفع حكم الخطأ وهو مما يتوقف عليه صدق المتكلم، وكذلك قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فإنّ هذا دالٌّ على   2

1 . البقرة: 187 .
2 . تهذيب الاحكام: 1 / 234، برقم 243 ; عوالي اللآلي: 1 / 399، برقم 50 .
3 . ما بين القوسين في نسختي «أ» و «ج».

صفحه 244
<--- سؤال القرية والمقصود سؤال أهلها، وهو ممّا تتوقف عليه الصحّة العقلية، وكذلك قوله: «اعتق عبدك عني على ألف» فإنَّه يستدعي التمليك لتوقف العتق عليه، وهذا ممّا تتوقف عليه الصحة الشرعية. وأمّا إنْ لم يتوقف عليه أحد هذه الثلاثة واقترن التعليل بحكم لو لم يكن لتعليله كان تعبداً، فهو تنبيه وإيماء كما سيأتي بيانُ أقسامِهِ .
وإن لم يُقْصَد لكن يتبع ما يدلُّ اللفظ عليه فيُسمى دلالة الاشارة، مثاله: تمسّك العلماء في تقدير أقّل الطهر واكثر الحيض بخمسة عشر يوماً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنهن ناقصات عقل ودين» فقيل: ما نقصان دينهن؟ فقال: «تقعد إحداهن في قَعْر بيتها شطر دَهرها لا تصوم ولا تصلي»1 فهذا إنّما سيق لبيان نقصان الدين وما وقع النطق قصداً إلاّ به لكن حصل فيه إشارة إلى أكثر الحيض وأقل الطُهر وأَنّه لا يكون فوق شطر 2 الدهر وهو خمسة عشر من الشهر إذ لو تصور الزيادة لتعرض لها عند قصد المبالغة في نقصان دينها.
وكذلك تقدير أقل مدة الحمل بستة أشهر لقوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَ فِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا) وقد قال في موضع آخر (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)3.   2

1 . وسائل الشيعة: ج 5 ، الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2 ; عوالي اللآلي: 1 / 232 ; سنن ابن ماجة: 1 / 659، برقم 2043، و2045 ; صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، برقم 304 ; صحيح مسلم; كتارة الإيمان، باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات، برقم 145 .
2 . وقد ورد في كتب اللغة: شطر كل شيء نصفه.
3 . لقمان: 14 .

صفحه 245
<--- وكذلك القول بأَنَّ من وطئ ليلاً و اصبح جنباً لم يفسد صومه أخذاً من قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ) . 1 وبقوله: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ)2فحد الغاية للجواز إلى طلوع الفجر، فلو لم يجز الإصباح على الجنابة لوجب تحريم الوطىء قبل الفجر بمقدار ما يقع فيه الغُسل.
 

1 . ورد في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الرفث»، ما يلي:
[ فإنَّ آخر جزء من الليل يصدق عليه أنّه من الليل فجاز الرفث فيه] .
وهي إضافة مخلِّة لأنَّ النتيجة الحاصلة من الآيتين تذكر في النهاية، على أن مضمون هذه العبارة قد تكرر في الجملة الأخيرة.
2 . البقرة: 187 .

صفحه 246
مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة   
قال: ثمّ المفهوم مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة :
فالأوّل: أن يكون المسكوت موافِقاً في الحكم، ويسمّى «فحوى الخطاب» و «لحن الخطاب»، كتحريم الضَّرب من قوله تعالى: (فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ)1، وكالجزاء بما فوق المثقال من قوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة) ، وكتأدية ما دُون القنطار من قوله: (يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ)، وعدمِ الآخر من: (لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ)، وهو تنبيهٌ بالأدنى، فلذلك كان في غيره أولى.
ويُعرف بمعرفةِ المعنى، وأَنّه أشدُّ مناسبة في المسكوت، وَمِن ثم قال قوم: هو قياس جَليٌّ .
لنا: القطع بذلك لغة قبل شرع القياس.
وأيضاً: فأصْلُ هذا القياس قد يندرج في الفرع مثلُ: «لا تُعطِهِ ذرَّةً».
قالوا: لولا المعنى، لَمَا حُكِم.
وأُجيب: بأَنَّه شرطه لغة، ومن ثمَ قال به النافي للقياس.
وقد يكون قطعيّاً، كالأمثلة، وظنيّاً كقول الشافعي في كَفَّارة العمد واليمين الغَمُوس. *
* أقول: دلالة اللفظ على المفهوم 2 إمّا أن تكون موافقة لدلالته   2

1 . الاسراء: 23.
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 512 ـ 515 ; المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 443; المحصول في علم الأُصول: 2 / 236 .

صفحه 247
<--- على المنطوق أو مخالفةً، ويسمى الأول مفهوم الموافقة وفحوى الخطاب ولحن الخطاب أي معناه، والثاني مفهوم المخالفة. مثال مفهوم الموافقة دلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، وكدلالة قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ)1 على المجازاة لما فوق المثقال، وكدلالة قوله تعالى: (وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَار لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ)2على تأدية ما دون القنطار في الأول وعدم تأدية ما زاد على الثاني، وهذا تنبيه بالأَدنى على الأَعلى، ويكون الحكم في محل السكوت أولى منه في محل النطق، وإنّما يكون كذلك إذا عرف المقصود من الحكم في محل النطق وعرف أَنَّه أشدُ مناسبة للحكم في محل السكوت للحكم في محل النطق، ولأَجلِ اعتبار هذا المشترك ووجوده في محل النطق والسكوت، سمّاه قوم قياساً، ولأجل كون الحكم في محل السكوت أولى منه في محل النطق سمّوه جليّاً، ونفى الآخرون تسميته قياساً .
وإليه ذهب المصنّف واحتج عليه بوجهين :
الأوّل: إنَّ هذا معلوم قطعاً من اللغة عند قصد المبالغة قبل شروع القياس .
الثاني: إِنَّ أصلَ هذا القياس قد يشتمل عليه حكم الفرع فلا يكون قياساً .
بيان الأوّل: إنَّ من قال لغيره: «لا تعط زيداً حبّة» فإنّه يفهم منه النهي عن إعطاء ما زاد على الحبّة، مع أنّه لو أعطاه الزائد لكان قد أعطاه الحبّة المنهي عنها، فالنهي عن الحبّة يستلزم النهي عن الزائد .   2

1 . الزلزلة: 7 .
2 . آل عمران: 75 .

صفحه 248
<--- وأمّا الثاني: فظاهر .
واحتج القائلون بكونه قياساً بأَنّه لولا المعنى لما حكم في الفرع بحكم الأصل، لأَنّ المنطوق ليس إلاّ النهي عن التأفيف، لكن لمّا كان النهي إنّما وقع طلباً للإِحترام وكان ذلك المعنى موجوداً في النهي عن الضرب وجب أَنْ يكونَ الضرب منهيّاً عليه، فالحكم بكون الضرب منهيّاً عنه إنّما حصل بالقياس .
والجواب: كون المعنى في محل السكوت أولى منه في محل النطق، شرط لتحقق الفحوى من حيث اللغة، وهذا لا يدل على كونه قياساً.
وقوله: «ومن ثم، قال به النافي للقياس»، يحتمل أحد أمرين :
أحدهما: أنْ يكون المراد منه أَنَّ القائلين بنفي القياس قائلون بمثل هذا أعني: فحوى الخطاب، فلو كان قياساً لكان النافي له نافياً لهذا القياس.
الثاني: أن يكون المراد منه ما ذكره بعض المستدلين على أَنَّ فحوى الخطاب ليس بقياس، وهو أَنَّ هذا يشترط فيه كون الحكم في محل المسكوت عنه أولى منه في محل المنطوق، والقياس لا يشترط فيه ذلك فيلزم أن لا تكون فحوى الخطاب قياساً. ويكون المراد بقوله: «ثم» الاشارة إلى ما أجاب به من كون الأولوية شرطاً له .
والاحتمال الأول أظهر .
واعْلَمْ أَنّ أولوية إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق على قسمين :
إمّا أن يكون قطعيّاً ، وإمّا أن يكون ظنيّاً.
في دليل الخطاب وأصنافه   
مثال الأوّل: الأمثلة الّتي ذكرت هنا، فإِنّا لَمّا علمنا أَنّ التأفيف إنّما عُلم تحريمه لأجل دفع الأَذى لأنَّ الضربَ أكثر أذى، كان أولى منه بالتحريم .   2

صفحه 249
قال: مفهوم المخالفة أن يكون المسكوت عنه مخالفاً، ويسمى دليل الخطاب، وهو أقسام: مفهوم الصفة ومفهوم الشرط، مثلُ: (وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْل)، والغاية مثل: (حَتَّى تَنْكِحَ)، والعددُ الخاصُّ مِثلُ: (ثَمَانِينَ جَلْدَةً)، وشرطه أن لا تظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت، فيكون موافقة، ولا خَرجَ مخرج الأغلب مثل: (اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ)، (فَإِنْ خِفْتُمْ)، «أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليّها»، ولا لسؤال ولا حادثة، ولا تقدير جهالة أو خوف أو غير ذلك ممّا يقتضي تخصيصه بالذكر.*
<--- ومثال الظني قول الشافعي في كفارة العمد: فإنّ الله تعالى أوجب الكفارة في كفارة الخطأ بقوله: (وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة)1 فإنّ هذا وإِنْ دلّ على وجوب الكفارة في العمد لأَنّه أولى بالمؤاخذة إلاّ أَنّه ليس بقطعيّ، لأنّ الكفارة لا يعلم وجوبها في الخطأ معللاً بالمؤاخذة لقوله: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» والمراد رفع المؤاخذة، بل نظراً للخاطئ بإيجاب الكفارة عليه ليسقط ذنب التقصير، وجناية العمد فوق جناية الخطأ، وحينئذ لا يجب من كون الكفارة في محل الخطأ والأَدنى واجبة، كونها واجبة في المحل الأعلى فإِنّها لا يلزم من إسقاطها لأدنّى الديتين اسقاطها لأعلاهما، وكذلك سقوط الكفارة في اليمين الغموس.2
* أقول: لما فرغ من البحث عن مفهوم الموافقة شرع في بيان مفهوم المخالفة3 والبحث عن أقسامه، أَمّا حدّه فهو: «ما يكون مدلول اللفظ في   2

1 . النساء: 92 .
2 . اليمين الغموس هي اليمين الكاذبة الّتي تغمس صاحبها في الإثم.
3 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 516 ـ 517 ; الإحكام للآمدي: 2 / 46; المستصفى من علم الأُصول: 2 / 140.

صفحه 250
<--- محل السكوت مخالفاً لمدلوله في محل النطق» ويُسمى دليل الخطاب، وهو على أصناف عشرة:
أحدها: مفهوم الصفة وهو أنْ يكون اللفظ عامّاً وقد اقترن بصفة خاصّة، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في سائمة الغنم الزكاة».
الثاني: مفهوم الشرط كقوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْل)1 .
الثالث: مفهوم الغاية كقوله تعالى : (فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)2.
الرابع: تعليق الحكم بعدد خاص مثل: (ثَمَانِينَ جَلْدَةً)(3) .
الخامس: مفهوم «إنّما» كقوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا)3 .
السادس: التخصيص بالوصف الطارئ كقوله: «في السائمة زكاة»4 وهو قريب من التخصيص بالوصف.
السابع: مفهوم اللقب كتخصيص الاشياء الستة في الذكر بتحريم الربا.
الثامن: مفهوم الاسم المشتق الدال على الجنس كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا   2

1 . الطلاق: 6 .
2 . البقرة: 230 .   3 . النور: 4 .
3 . المائدة: 55 .
4 . تهذيب الاحكام: 1 / 234، برقم 643 .

صفحه 251
<--- تبيعوا الطعام بالطعام»1، وهو قريب من السابع.
التاسع: مفهوم الاستثناء كقولنا: لا عالمَ إلاّ زيدٌ.
العاشر: مفهوم حصر المبتدأ في الخبر كقولنا: العالم زيدٌ.
والمصنّف ذكر من هذه الأقسام هاهنا أربعة، وسنذكر الباقي فيما بعد، وهذه الأصناف توجد متفاوتة في القوّة والضعف .
واعلم أَنّ من شرط مفهوم المخالفة في دلالته على نفي الحكم عمّا سواه أَنْ لا تظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت، فيكون ذلك من قبيل مفهوم الموافقة، وأنْ لا يخرج مخرج الأغلب كقوله تعالى:(وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ)2 فإنّ الغالب كون الربيبة في الحجر، فذكر هذا الوصف لكونه أغلب، لا لأنّ المراد منه تخصيصه بالتحريم حتى أنّهن إذا لم يكن في الحجر فيكنَّ محللات. وكقوله: (وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا)3 وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليِّها، فنكاحها باطل» ; ومن شرطه أَنْ لايكون التخصيص إنّما وقع للسؤال عن محل النطق أَنَّه لا يكون حادثةً وأَنْ لا يكون تقدير جهالة أو خوف أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر.4

1 . بدائع الصنائع: 5 / 219 و 299 ; المجموع: 11 / 244 ; المغني: 4 / 126 .
2 . النساء: 23 .
3 . النساء: 35 .
4 . ورد هذا المقطع في نسختي «ب» و «ج» بتفصيل أكثر وذكره لا يخلو من فائدة:
[... وكقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِي مَا افْتَدَتْ بِهِ)(البقرة: 229)، إذ الباعث على التخصيص بالذكر هو العرف الجاري في مثله من أَنَّ الزوجين لا يتقاطعان على المحّبة وإنّما تبذل المرأة المال المحبوب ويستبذل الزوج عليها مالاً إذا ظهر الشقاق بينهما فلهذا لم تختص المفاداة بظهور الشقاق بل حادث وقت الوفاق، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليّها فنكاحها باطل» فإن التخصيص على تقدير المفهوم يقتضي صحة النكاح بنفسها إذا أذن لها وليّها، لكن لمّا كان من العادة أَنَّ المرأة إنّما تزوج نفسها إذا كانت متزوجة بل تولي أمرها إلى الأولياء، كان التخصص هاهنا للعادة .
وحاصل هذه الأمثلة: أنَّ مع احتمال كون سبب التخصيص هوالعادة، يغلب على الظن أَنَّ سببه ليس عدم الحكم عما عداه .
ومن شرطه أَنْ لا يكون التخصيص إنَّما وقع للسؤال عن محل النطق كما لو سُئل (صلى الله عليه وآله وسلم): هل في سائمة الغنم زكاة؟ فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «نعم»، فهاهنا لا يدل على عدم الحكم عمّا عداه .
وأنْ لا يكون خرج لحادثة كما لو قيل في حضرته (صلى الله عليه وآله وسلم): لزيد غنم، فيقول: «فيها زكاة»، فإنّه لايدل التخصيص هاهنا على عدم الحكم عمّا عداه.
لأن الموجب للتخصيص هو القرينة الحاليّة أو لتقدير جهالة بأن يكون من يخاطبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يعلم أنَّ الزكاة تجب في السائمة ويعلم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من حاله ذلك فيخبره بذلك، أو خوف أو غير ذلك ممّا يقتضي تخصيصه بالذكر إذ الباعث على التخصيص إذا ثبت امتنع التمسك بمفهوم المخالفة].

صفحه 252
في مفهوم الصفة   
قال: فأمّا مفهوم الصفة فقال به: الشافعي، وأحمد، والأشعري، والإمامُ، وكثيرٌ.
وَنفاهُ: أبو حنيفة، والقاضي، والغزّاليُّ، والمعتزلةُ.
البصريّ: إن كان للبيان كالسائمة، أو للتعليم كالتحالف، أو كان ما عدا الصفة داخلاً تحتها كالحكم بالشاهدين.
المثبتون: قال أبو عبيد في: «ليُّ الواجد يُحلُّ عقوبته وعرضه» يدل على أن ليَّ من ليس بواجد لا يُحل عقوبته وعرضهُ، وفي: «مطل الغني

صفحه 253
ظلُمٌ»، مثلُهُ.
وقيل له في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خيرٌ له من أَنْ يمتلئَ شِعراً»، المُرادُ: الهجاءُ وهجاءُ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: لو كان كذلك، لم يكن لذكر الامتلاء معنى، لأنَّ قليله كذلك، فأُلزم من تقدير الصفة المفهوم .
وقال به الشافعي، وهما عالمان بلغة العرب، فالظاهر فهمّهما ذلك لغة.
قالوا: بنيا على اجتهادهما.
أُجيب: بأن اللغة تثبت بقول الأئمة من أهل اللغة، ولايقدح فيها التجويز.
وعورضا: بمذهب الأخفش.
وأُجيب: بأنّه لم يثبت كذلك، ولو سُلِّمَ فمن ذكرناه أرجح، ولو سُلّم فالمُثْبِتُ أَوْلَى. *
* أقول: اختلف الناس في تخصيص العام بالوصف 1 هل يدل على نفي الحكم عما عداه أم لا؟ فذهب الشافعي ومالك و أحمد وأبوالحسن الأشعري وإمام الحرمين وجماعة من الفقهاء والمتكلّمين، ومن أهل العربية أبو عبيدة واتباعه إلى أَنّه يدلّ.2   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 481 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 286 ـ 287 ; المستصفى: 2 / 196 .
2 . الأُم: 3 / 206; المجموع: 13 / 424 ; الموطأ: 2 / 674 ; بدائع الصنائع: 7 / 173 ; تلخيص الحبير: 10 / 337 ; وسائل الشيعة: 18، باب تحريم المماطلة بالدين مع القدرة على أدائه، الحديث 3 .

صفحه 254
<--- وذهب أبو حنيفة والقاضي والغزّالي والمعتزلة إلى أنّه لا يدلّ.
وذهب أبو عبد الله البصري إلى أنّه يدلّ في مواضع ثلاث:
أحدها: أن يكون الخطاب قد ورد للبيان كقوله: «في الغنم السائمة زكاة».1
الثاني: أَنْ يكون وروده للتعليم كما في خبر التحالف عند التحالف والسلعة قائمة.
الثالث: أن يكون ماعدا الصفة داخلاً تحتها كالحكم بالشاهدين فإنَّه يدلُّ على نفيه عن الشاهد الواحد لدخوله في الشاهدين، وأُمّا في غير هذه المواضع فلا يدلّ.
احتج المثبتون مطلقاً بوجوه:
أحدها: أَنّ أبا عبيدة بن سلام2 كان من أئمة اللغة وقد قال بدليل الخطاب فيكون حجّةً فإنَّه روي عنه في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ليّ الواجد يحلُّ عقوبته وعرضه» أنَّ المراد أَنَّ ليَّ من ليس بواجد لا يحل عقوبته ولا عرضه، وكذلك في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «مطل الغني ظلم»، وقال أيضاً في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لئن يمتلِئَ جوفُ أَحدِكُمْ قيحاً خيرٌ له من أَنْ يمتَلِيءَ شِعراً»3 وقد قيل له أَنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّما أراد الهجاء من الشعر أو أراد

1 . عوالي اللآلي: 4 / 72 ; بحار الأنوار: 29 / 568; مسند أحمد: 4 / 222 ; صحيح البخاري: 3/ 85 ; سنن ابن ماجة: 2 / 811 ; سنن النسائي: 7 / 316 ; سنن البيهقي: 6 / 51 .
2 . هو القاسم بن سلام الهروي، أبو عبيد، من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقه، توفي سنة 224 هـ . له كتاب «غريب الحديث». وفي الكثير من الكتب الأُصولية «أبوعبيدة» تصحيفاً وجمعاً له مع أبو عبيدة معمر بن مثنى المتوفى سنة 211 هـ . انظر: الاعلام للزركلي: 5 / 176 .
3 . وسائل الشيعة: ج 7، باب كراهة انشاد الشعر يوم الجمعة ولو بيتاً وإن كان حقاً، الحديث 3، لسان الميزان: 6 / 164، فتح الباري: 10 / 453 .

صفحه 255
<--- هجاء نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم) لو كان ذلك هوالمراد لم يكن لتعليق ذلك بالكثرة وذكر الامتلاء معنى لأن القليل من الهجاء كالكثير1 فألزم من تقدير الصفة نفي الحكم عما عداها وهو المفهوم، وقد قال به الشافعي أيضاً، وهو من فضلاء أهل الأدب، فلولم يفهما ذلك لم يقولا به .
اعترضوا على ذلك بأَنّ أباعبيدة والشافعي إنْ قالا ذلك نقلاً عن أهل اللغة كان حجة، ولكنا نمنع ذلك فإنّه ليس في كلام أبي عبيدة ما يدلّ على ذلك، وإنْ كانا قالا ذلك عن نظرهما فهو ليس بحجّة .
اجاب المصنف عن ذلك بأَنَّ فضلاء اللغة يُقلدُون فيما يقولونه، وإِنْ كان هذا التجويز قائماً ولا يقدح ذلك فيما ينقلونه .
واعترض على ذلك بأنّ الأخفش كان من فضلاء الادب ولم يقل بذلك .
وأَجاب بالمنع من النقل عنه، ثمّ لو سلِّم ذلك ومنع مساواته لهما، ثمّ سلم وذكر وجه الأرجحية، فإنّ المثبت راجح على النافي.

1 . غريب الحديث: 1 / 162 ـ 163 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 470 ـ 475 .

صفحه 256
في أدلّة المصنّف على تخصيص العام بالوصف    
قال: وأيضاً لو لم يدل على المخالفة، لم يكن لتخصيص محل النطق بالذكر فائدةٌ، وتخصيصُ آحاد البلغاء لغير فائدة ممتنع، فالشارع أجدر .
واعْتُرض: لا يثبت الوضع بما فيه من الفائدة .
وأُجيب: بأنّه يُعلم بالاستقراء إذا لم يكن للفظ فائدة سوى واحدة تعيّنت، وأيضاً: ثبتت دلالة التنبيه بالاستبعاد اتفاقاً، فهذا أولى.
واعْتُرض بمفهوم اللقب.
وأُجيب: بأنّه لو أُسقط لاختلّ الكلام، فلا مقتضى للمفهوم فيه .
واعْتُرِضَ: بأنَّ فائدته تقويةُ الدلالة حتّى لا يتوهّم تخصيصٌ.
وأُجيب: بأنَّ ذلك فرع العموم، ولا قائل به، ولو سُلِّم في بعضها خرَجَ، فإنَّ الفرض أنّه لا شيء يقتضي تخصيصه سوى المخالفة.
واعْتُرض: بأنَّ فائدته ثوابُ الاجتهاد بالقياس فيه.
وأُجيب: بأنّه بتقدير المساواة يخرجُ وإلاّ اندرج. *
* أقول: هذه حجة أُخرى استدل بها المصنّف 1 وهي: أَنّه لو لم يدلّ المفهوم على المخالفة لم يكن للتخصيص فائدة، ولو خصص آحاد البلغاء   2

1 . بدأ المقطع في نسخة «أ» بما يلي:
[... هذه تمام الوجوه الّتي استدل المصنف منها... ] .

صفحه 257
<--- لغير فائدة عد عابثاً، فإنّه لو قال القائل: الإنسان الطويل حيوان، كان التخصيص بالطول غير مفيد لأَنّ القصير لما كان مشاركاً للطويل في ذلك لزم ما قلنا، وإذا امتنع التخصيص من آحاد الناس لغير فائدة فالشارع أولى بالامتناع .
اعترض على ذلك بعض المتأخرين بأَنَّ هذا الدليل يرجع إلى إثبات الوضع لما فيه من الفائدة، لأَنْكم قلتم لا فائدة للتخصيص سوى نفي الحكم عمّا عدا ذلك الموصوف، فيكون اللفظ موضوعاً له ودالاًّ عليه، ومعلوم أَنّ اثبات الوضع بذكر فائدته لا يستقيم .
أجاب المصنف عن ذلك بأَنّا لا نُثبِتُ هذا الوضع لا بذكر فائدته لا غير، بل نقول: نعلم أَنَّ اللفظ لابدّ له من فائدة ثم ظَننّا عدم الفوائد سوى النفي بالاستقراء، فنظّنُ حينئذ أَنَّ اللفظ موضوع لتلك الفائدة، ومنها أنّ دلالة التنبيه1 تثبت بمجرد الاستبعاد2، كما قلنا أولاً في أقسام الدلالة إنّه إذا اقترن الحكم بمعنى لو لم يكن علة استبعد ذكره معه، فإنّه يكون ذلك المعنى علة، وهذا هو التنبيه 3 فدليل الخطاب أولى .
واعترض على دليل الخطاب بمفهوم اللقب ووجهه أن يقول: لو   2

1 . ورد في نسختي «ب» و «ج» بدل «ومنها أن دلالة التنبيه... » العبارة التالية:
[ سلمنا أنّه اثبات الدلالة الوضعية لما فيها من الفائدة لكن لا نسلم استحالته فإنا قد اتفقنا على أن دلالة التنبيه تثبت... ] .
2 . وقد ورد في النسختين بعد كلمة «الاستبعاد» ما يلي:
[ حذراً عن لزوم الاستبعاد في كلام الشارع ] .
3 . وفي النسختين أيضاً بعد كلمة «التنبيه » ورد ما يلي:
[ فإِثبات دلالة المفهوم حذراً عن لزوم الممتنع في كلام الشارع... ] .

صفحه 258
<--- كان التخصيص للمنطوق يفتقر إلى الفائدة وأَنَّ تلك الفائدة ليست إلاّ سلب الحكم عمّا عداه لوجب أَنْ يكون الأمر كذلك في مفهوم اللقب، ولمّا اجمع المحققون على عدم الدلالة، فكذلك هاهنا .
وأَجاب بالفرق بين مفهوم اللقب ومفهوم الصفة فإنّ اللقب لو أُسقِطَ من الكلام لاختل، بخلاف مفهوم الصفة، فإِنّ من حذف زيداً في قوله: ضرب زيد، إختلَّ كلامه، وليس كذلك لو حذف الطويل من قوله: ضرب زيد الطويل، ولما ظهر الفرق لم يكن التخصيص بالذكر في اللقب يوجب النفي عما عداه .
واعترض أيضاً على دليل الخطاب بأَنّ لقائل أن يقول: لِمَ لا يجوز أن تكون الفائدة هي [ تقوية الدلالة حتى لا يتوهم تخصيص وتمحل الصفة بالاجتهاد.
واجاب: بأنّ ذلك فرع العموم ولا قائل به في مثل قولنا: زيد الطويل مضروب، ولو سُلّم في البعض كقوله: في الغنم السائمة زكاة، لكن لو كانت الفائدة ما ذكرتم لزم الخروج عن صورة النزاع فإنّ الفرض أَنّه لا شيء يوجب التخصيص سوى المخالفة، فلو كانت الفائدة في ذكر السائمة ليس إلاّ المنع من تخصيصها عن وجوب الزكاة لبقي الوجوب في المعلوفة بعموم قوله في الغنم، فإذا لم يجب فيها لأجل مخصّص آخر خرج البحث عن موضع النزاع ] .1   2

1 . وردت صياغة هذا المقطع في نسختي «ب» و «ج» كما يلي:
[ تقوية دلالة العام كالغنم على ما تحته كالسائمة والمعلوفة حتّى لا يتوهم تخصيص بالاجتهاد. واجاب بأَنَّ دفع توهّم تخصيصها بالاجتهاد وإن كان فائدة، لكن التقييد بالصفة كالغنم السائمة إنّما يدفع التوهم لو دلّ على الحكم فيهما لكن دلالته على الحكم فيهما فرع كونه عامّاً فيهما. ولا قائل يقول بعموم الغنم السائمة في السائمة والمعلوفة، لأنّه لم يدلّ على الوجوب في المعلوفة بالإتفاق وسلم العموم، ولو سلم العموم ودلالته في بعض الصور على ثبوت الحكم في المسكوت عنه كما لو قال: «اعتق رقبة ناقصة» فإنّه يدلّ قطعاً على جواز عتق التام لخروجه عن محل النزاع، لأنّ التقدير أَنّه لا شيء يقتضي تخصيصه سوى المخالفة لكن ههنا شيء اقتضى تخصيصه بالذكر وهو التنبيه على ثبوت الحكم في المسكوت بطريق الأولى ] .

صفحه 259
<--- واعترض أيضاً عليه بأَنّ فائدته حصول الثواب بالاجتهاد في قياس صورة المسكوت عنه عليه.
وأجاب: بأنّ المسكوت عنه وإِنْ كان مساوياً للمنطوق أو راجحاً في المصلحة المناسبة1 للحكم، خرج عن محل النزاع، إذ الشرط في مفهوم المخالفة أَنَّ لا يكون المسكوت عنه مساوياً للمنطوق ولا أولى ويصير حينئذ مفهوم موافقة وقد تقدّم، وإن لم يكن مساوياً، ولا أولى إندرج فيما لا فائدة فيه سوى المخالفة لإستحالة القياس حينئذ.

1 . وفي نسخة «أ»: [ المانعة ] .

صفحه 260
قال: واستُدلَّ: لو لم يكن للحصر لزم الاشتراك إذ لا واسطة، وليس للاشتراك باتفاق.
وأُجيب: إنْ عنى السائمة فليس محل النزاع، وإن عنى إيجاب الزكاة فيها فلا دلالة على واحد منهما.
الإمام: لو لم يُفد الحصر لم يُفد الاختصاص به دون غيره، لأنّه بمعناه والثانية معلومة، وهو مِثلُ ما تقدّم، فإنّه إن عنى لفظ السائمة فليس محل النزاع، وإنْ عنى الحكم المتعلّق بها فلا دلالة على الحصر، ويجريان معاً في اللقب، وهو باطل.
واستُدل بأنّه لو قيل: الفقهاء الحنفية أئمة فضلاءْ، لنفرت الشافعية، ولولا ذلك لما نفرت .
وأُجيب: بأنَّ النَّفْرَةَ من تركهم على الاحتمال كما يُنفر من التقديم أو لتوهم المعتقدين ذلك .
واستُدلّ بقوله: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً)، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لأزيدنّ على السبعين» ، ففهم أنّ ما زاد بخلافه، والحديث صحيح.
وأُجيب بمنع فهم ذلك، لأنّها مبالغة فتساويا، أو لعلّه باق على أصله في الجواز، فلم يفهم منه.
   
واستدل بقول معلى بن أُميّة لِعُمر: ما بالنا نَقْصُر وقد أَمِنّا، وقد قال تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ )1، فقال عمر: تعجبت ممّا تعجبت منه

1 . النساء: 101 .

صفحه 261
فسألته (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «إنّما هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»، ففهما نفي القصر حال عدم الخوف، وأقرَّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأُجيب بجواز أَنَّهما استصحبا وجوب الإتمام، فلا يتعيّن .
وأستُدلّ بأَنَّ فائدتَه أكثرُ فكان أولى، تكثيراً للفائدة، وإنّما يلزم من جعلِ تكثيرِ الفائدة يدلُّ على الوضع.
وما قيل من أنّه دور، لأَنَّ دلالتَهُ تتوقف على تكثير الفائدة وبالعكس، يلزمُهُم في كلِّ موضع .
وجوابُه: أَنَّ دلالته تتوقف على تعقّل تكثير الفائدة عندها لا على حصول الفائدة.
واستُدلّ: لو لم يكن مخالفاً لم يكن السَّبْعُ في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «طُهُورُ إناءِ أحدِكُم إذا ولغ الكلبُ فيه أَنْ يَغْسِلَهُ سبعاً» مُطهرّةً، لأنَّ تحصيلَ الحاصلِ مُحَالٌ، وكذلك: «خَمسُ رَضَعات يُحَرِّمْنَ».*

[أدلة المثبتين لدليل الخطاب]

* أقول: هذه استدلالات من قال بدليل الخطاب،1 [ و ] اعترض عليها المصنف:
منها: أَنَّ التخصيص بالوصف لو لم يكن دالاًّ على نفي الحكم عما عداه،   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 475 ـ 480 .

صفحه 262
<--- لزم وقوع الاشتراك1، والتالي باطل فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنَّ التخصيص قد ورد دالاًّ على نفي الحكم عن غيره فيكون حقيقة فيه، لأَنّ الأصل في الاستعمال، وإذا كان حقيقة فيه فلو كان موضوعاً للأمر المطلق ـ وهو الدلالة على محل التخصيص مع عدم الدلالة على النفي عن غيره ـ لزم الاشتراك، وأمّا بطلان التالي فظاهر لأنّه متفقّ عليه .
والاعتراض 2 أَنْ يقولَ: إنْ عنيتم بوقوع الاشتراك وقوعه في السائمة، فهو غيرمحل النزاع وغير لازم أيضاً، وإنْ عنيتم وقوعه في إيجاب الزكاة فيها فلا دلالة على إيجاب الزكاة في غيرها ولا على نفيه، فإنّه قد يرد مع كلّ واحد منهما، فهو أعمّ منهما، ولا دلالة للعامّ على الخاصّ.3
ومنها حجّة الإمام وتقريرها: أنّ التعليق بالوصف لو لم يفد الحصر لم   2

1 . في النسختين بدل «وقوع الاشتراك» ورد ما يلي:
[ اشتراك المعلوفة والسائمة في الوجوب ] .
2 . والاعتراض للمصنّف كما مرّت الاشارة إليه .
3 . وقد ورد في النسختين مكان المقطع الآنف الذكر، المقطع التالي:
[ أنّه لا واسطة بين حصر الحكم في السائمة وبين الاشتراك فإذا انتفى الحصر على الاختصاص ثبت الاشتراك يُعني تعميم الحكم.
والجواب: إن أردت بقولك: «لو لم يكن التقييد للحصر» أَنّه لو لم يكن لحصر السائمة أي اختصاصها بهذا الصنف من الغنم، فالملازمة مسلّمة، لكنه غير محل النزاع، إذ لا نزاع في اختصاصها به، وإن اردت أَنّه لو لم يكن لحصر إيجاب الزكاة فيها ـ أعني في السائمة ـ لزم الاشتراك، منعنا الملازمة، والواسطة بين الحصر والاشتراك ثابتة، إذ النزاع في دلالة اللفظ، ولا يلزم من عدم دلالة المقيّد على التخصيص دلالته على الاشتراك لجواز أَنْ لا يدلّ على شيء منهما، بل يدلّ على الإيجاب مطلقاً].

صفحه 263
<--- يفد الاختصاص به دون غيره لأنّه في معناه والتالي باطل [والمقدّم مثله والملازمة ظاهرة لأن الاختصاص به دون غيره يعني الحصر، فما لا يفيد الحصر لا يفيد الاختصاص، وبيان بطلان التالي أن فائدة الاختصاص به دون غيره معلوم ] 1قطعاً.
والاعتراض أن هذا قريب من الحجّة الأُولى، فإنّه إن عنى2 لفظة السائمة فليس محل النزاع، وإن عنى الحكم المتعلق بها لم يفد الحصر على أنّ هذين الاستدلالين واردان على اللقب، وهو باطل .3
ومنها: أنّ القائل لو قال: «الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء» لنفرت منه الشافعية، ولا موجب لنفورهم سوى فهمهم من ذلك أن تخصيص الحنفية بالفضل يوجب النفي عن غيرهم .
والاعتراض: لا نسلم أَنَّ الموجب للنفور ما ذكرتم، بل هاهنا أمران يوجبانه:   2

1 . في نسختي «ب» و «ج» فقط وإتيانها في المتن ضروري.
2 . وردت العبارة التالية في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «إنْ عنى» :
[... بقوله: «إنّه لولم يفد الحصر» أنّه لو لم يفد حصر السائمة واختصاصها بالصنف المخصوص فاختار أنّه يفيد، لكنه غير مفيد له، لأنّه ليس محل النزاع على ما تقدّم. وإنْ عنى أنّه لو لم يفد حصر الحكم فيها لم يفد الاختصاص بها دون غيرها، قلنا: لا نسلم، إذ معنى الاختصاص بها دون غيرها دلالة وجوب الزكاة فيها دون غيرها، وهذا المعنى لا يتوقف على دلالته على انحصار الوجوب فيها ] .
3 . قد وردت العبارة التالية في نسخة «ج» فقط بعد كلمة «باطل»:
[ لكن يجاب عنه بما أجاب حين أورد، وهذان جاريان في أربعة من المفهومات ] .
إلاّ أنّه لا داعي لدرجها في المتن.

صفحه 264
<--- الأول: إِنَّ تخصيص الحنفية بذلك يوجب القطع بفضلهم، وترك غيرهم يوجب الاحتمال، وذلك يوجب النفور كما ينفرون من تقديم الحنفية عليهم وإِنْ كانا مذكورين .
الثاني: إنّهم ينفرون لأَنَّهم يريدون نفي توهُّم من يتوهم أَنّ التخصيص بالصفة يدل على نفي الحكم عمّا عداه .
ومنها: قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)1.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «والله لأَزيدنَّ على السبعين»2 فهم (صلى الله عليه وآله وسلم) إنَّ ما زاد على العدد بخلافه، وذلك يؤيد ما ذكرناه .
والاعتراض من وجهين :
الأوّل: المنع من فهم ذلك، وذلك لأَنَّ المقصود من الآية نفي المغفرة لهم، لأَنَّه تعالى قال : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)، فعلمنا أَنَّ المغفرة قد انتفت مطلقاً وإنّما مثَّلَ بالعدد المخصوص طلباً للمبالغة كما هو عادة العرب، وقد جاء في القرآن ذلك في قوله تعالى: (ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا)3، وإذا كان المقصود من العدد إنّما هو المبالغة استوى ذكره وعدمه، لأَنَّه لا تكون الفائدة هي نفي الحكم عمّا عداه 4.   2

1 . التوبة: 80 .
2 . فتح الباري: 8 / 253 ; الدر المنثور: 6 / 224 ; الإحكام للآمدي: 3 / 74 ; تفسير الرازي: 16 / 147 ; تفسير الميزان: 9 / 354.
3 . الحاقّة: 32 .
4 . وقد عقب بعد كلمة «عداه» في نسخة «ج» بما يلي:
[ وإنّما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لأزيدن» استمالة للأحياء منهم وترغيباً في الدين ] وهي إضافة لا بأس بها لو صحّ الخبر، لأن إمام الحرمين قد ضعفه.

صفحه 265
<--- الثاني: لعل ما زاد على السبعين تجوز فيه المغفرة، لا أنّه موجب للمغفرة، وذلك يكفي في قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لتجويز أن تحصل لهم المغفرة وذلك لا يلزم فهم دليل الخطاب 1 .
ومنها: أَنَّ يعلى بن أُميّة قال لعمر: ما بالنا نقصر من الصلاة وقد أَمنّا والله تعالى قال: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ)2 فقال عمر: تعجَّبتُ ممّا تعجَّبتَ منه فسألته (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «إنّما هي صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» 3 ففهم عمر وابن أميّة نفي القصر حال عدم الخوف واقرهما الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك، وذلك هو دليل الخطاب .
والجواب: المنع من فهم دليل الخطاب بذلك، وإنّما حصل لهما هذا الشكّ لأَنَّهما استصحبا وجوب الإِتمام، فلمّا نزلت آية التقصير بطل ذلك الاستصحاب مادام الشرط ـ وهو الخوف ـ حاصلاً، فلمّا زال الشرط لزم زوال التقصير، وإذا كان كذلك لم يلزم دليل الخطاب .   2

1 . قد ورد في نهاية العبارة في نسخة «ج» ما يلي:
[ وفهمه (صلى الله عليه وآله وسلم)لا من الآية بل من الإستصحاب ودليل العقل ] .
وهو كلام غير لائق لأنَّ الاستصحاب للشاكّ، وهل أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يشكّ فيما نزل عليه؟!
حاشا له ومعاذا !
2 . النساء: 101 .
3 . صحيح مسلم: 2 / 143، باب صلاة المسافر; سنن ابن ماجة: 1 / 339، برقم 1065 ; سنن أبي داود: 1 / 269، برقم 1199; عوالي اللآلي: 2 / 61، برقم 164 .

صفحه 266
<--- ومنها: أَنَّ تعليق الحكم على الوصف لا شكّ في دلالته على ثبوت الحكم فيه، وإذا جعلناه دليلاً على نفي الحكم عن غيره كان أكثر فائدة، وجعل اللفظ دالاًّ على ما هو اكثر فائدة أولى، فيكون اللفظ موضوعاً لذلك النفي أيضاً .
والاعتراض: أَنَّ هذا إنّما يلزم على من جعل تكثير الفائدة يدل على الوضع، ونحن نمنع ذلك .
واعلم أنّ بعض المتأخرين إعترض على هذه الدلالة أيضاً بلزوم الدور، قال: لأَنَّ دلالَتَهُ على نفي الحكم عن غيره تتوقف على [ تكثير الفائدة لأَنَّ دلالتَهُ تتوقف على الوضع إجماعاً، والوضع على تكثير الفائدة، لِما قلتم من كون الوضع معلّلاً بتكثير الفائدة والعلّة متقدّمة و]1 تكثير الفائدة يتوقف على الدلالة لأَنّها لا تحصل من دونها .
واعترض المصنف على هذا بأَنّه وارد على كلّ موضع 2 لأَنّ القائل إذا قال: زيد موضوع لهذه الذات، فإنَّ 3 دلالته عليها تتوقف على حصول الفائدة المتوقفة على الدلالة .   2

1 . وقد جاء هذا المقطع في النسختين وادراجه في المتن لازم لأنّه يبدو انّه سقط من نسخة «أ» .
2 . قد وردت العبارة التالية في النسختين بعد كلمة «الوضع»:
[ تدعى فيه الدلالة بأن يقال: دلالة اللفظ تتوقف على الوضع المتوقف على الفائدة لاستحالة أن يصدر من المختار الحكيم الوضع من غير فائدة المتوقفة على الدلالة ] وواضح أنَّها إضافة توضيحية ولكن لا بأس بها.
3 . ما في نسخة «أ»:
[ لأن ] والصحيح ما اثبتناه .

صفحه 267
<--- ثم إِنَّه أجاب عن أصل الدور وقال: إنَّ الدلالة تتوقف على الوضع والوضع على تعقّل تكثير الفائدة عند الدلالة لا على حصول الفائدة، فاندفع الدور 1.
ومنها: أنّه لو لم يكن ما عدا محل التخصيص مخالفاً له لم تكن السبع في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أَنْ يغسله سبعاً» مطهرة لأنَّ تحصيل الحاصل محال.
وبيانه: أَنَّ ما دون السبع إنْ كانت مطهّرة، كان استناد التطهير إلى السبع ملزوماً لتحصيل الحاصل وإنْ لم تكن مطهرّة لزم المطلوب وهو أنَّ التخصيص بالذكر يدل على نفي الحكم عما عدا محل التخصيص ; وكذلك القول في قوله: «خمس رضعات يُحَرِّمْنَ»2، بل في كل عدد إستند إليه حكم من الأحكام.
 

1 . جاء في النسختين في نهاية العبارة ما يلي:
[ والحاصل أن تَكثُّر الفائدة علّة غائيّة للوضع فتُقدّم عليه في التصّور وتتأخر في الوجود فحينئذ تتوقف دلالته على الوضع والوضع على تعقل تكثير الفائدة عند الدلالة المتوقف على دلالته فلا دور ].
ولكنها زيادة لا ضير فيها .
2 . سنن أبي داود: 2 / 224، برقم 6062; المحلّى: 10 / 14، كتاب الرضاع، المسألة 1868 .
والمشهور عند الإمامية هو اعتبار خمس عشرة رضعة.

صفحه 268
قال: النافي: لو ثبت لثبت بدليل، وهو عقليٌ ونقلي... إلى آخره .
وأُجيب بمنع اشتراط التواتر والقطع بقبول الآحاد، كالأصمعي أو الخليل، أو أبي عبيدة أو سيبويه .
قالوا: لو ثبت لثبت في الخبر، وهو باطل; ولأنَّ من قال: في الشَّام «الغنم السائمة» لم يدل على خلافِه قطعاً.
وأُجيب بالتزامه وبأَنّه قياسٌ، ولا يستقيمان .
والحق الفرقُ بأَنَّ الخبر وإنْ دَلَّ على أَنَّ المسكوت عنه غير مُخبر به، فلا يَلْزَم أَلاّ يكون حاصلاً، بخلاف الحُكم، إذْ لا خارجيَّ له فيجري فيه ذلك.
قالوا: لو صحّ لما صحّ: «أدّوا زكاة السائمة والمعلوفة» كما لا يصح: «لا تقل له أفٍّ، واضربْهُ» للتناقض ولعدم الفائدة .
وأُجيب بأَنَّ الفائدة عدمُ تخصصه ولا تناقُض في الظواهر.
قالوا: لو كان لما ثبت خلافه للتعارض، والأصل عدمه، وقد ثبت في نحو: (لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً).
أُجيب: بأَنَّ القاطع عارض الظاهِرَ فلم يَقوَ، وتَجِبُ مخالفة الأصل بالدليل.*

[ أدلة النافين لدليل الخطاب ]

* أقول: احتجّ القائلون بعدم دليل الخطاب بوجوه :   2

صفحه 269
<--- الأوّل: لو دلّ تقييد الحكم بالوصف على نفيه عما عداه1 لكانت تلك الدلالة إمّا ثابتة بالعقل أو بالنقل، والأوّل باطل لأَنّ العقل لا مجال له في اللغات، والثاني باطل لأَنّ النقل إما متواتر أو آحاد، والمتواتر لا سبيل إلى الإدِّعاء به في هذا المقام، والآحاد لا يفيد القطع فلا يكون حجة.
والجواب: لم لا يثبت بالنقل الآحادي، والتواتر غير مشترط، ويجوز التمسّك بالآحاد في مثل هذه المسائل مع أَنّا نقطع بأَنَّ العلماء لم يزالوا يستدلّون على الأحكام بقول بعض الأُدباء المشهورين كالأصمعي والخليل وأبي عبيدة وسيبويه وغيرهم، فعلمنا أَنّ التواتر غير مشترط.
الثاني: لو كان تخصيص الحكم بالصفة يدل على نفيه عما عداها في الأمر، لكان تخصيصه بها يدل على نفيه عما عداه في الخبر، والتالي باطل فالمقدّم مثله. وبيان الشرطية: القياس والجامع ما اشتركا فيه من كون كلّ واحد منهما نوعاً من الكلام قد يقيّد بالوصف، وأَمّا بطلان التالي فظاهر فإنّا نعلم أَنَّ من قال: في الشام «الغنم السائمة» لم يدل على خلافه قطعاً.
والجواب: أَنّا نلتزم في الخبر ذلك، وأيضاً فهو قياس في اللغة فلا يسمع. والمصنف أبطل كل واحد من الجوابين 2، وذكر أَنّ الحقّ الفرق بين الخبر   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 480 .
2 . وقد أُوضِحَ الجوابان في النسختين بما يلي:
[ أَما الأوّل فلأَنّه لم يثبت القول بالتزام ذلك في الخبر عند القائلين بدليل الخطاب. وأَمّا الثاني فإِنّه ليس بقياس وإنّما هو تمثيل لأَنَّ القياس في اللغة هو إلحاق مسكوت عنه في التسمية بمسمّى آخر لمعنى جامع بينهما ولا شكّ في أَنّه ليس كذلك هاهنا.
وذكر أَنَّ الحق الفرق بين الخبر والحكم الشرعي، وبيانه: أنْ نقول لا نسلم أَنّه لو دلّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في الغنم السائمة زكاة» على عدم الوجوب في المعلوفة، لدّل قولنا: «في الغنم السائمة نتاج» مثلاً على عدم النتاج في المعلوفة لأَنَّ الخبرَ وهو قولنا: «في الغنم السائمة نتاج» وإنْ لم يدل على عدمه أنَّ المسكوت عنه وهو المعلوفة مخبر به ـ أي وإنْ لم يدل على أنَّ في المعلوفة نتاجاً ـ فلا يلزم أنْ لا يكون النتاج حاصلاً في المعلوفة لأن الخبر يفتقر إلى الخارج وهو متعلقه ـ كثبوت النتاج في مثالنا ـ لا يتوقف هو ولا نفيه على الخبر لجواز ثبوته، مع عدم الإخبار عنه وعن عدمه وعدمه مع الإخبار به، بخلاف الحكم الّذي هو خطاب الشارع كقوله: «في الغنم السائمة زكاة» لأنّه لا خارجيَّ له، لأنّه متعلق له كالخبر حتّى يجري فيه ما جرى في الخبر، (اظن أنّ حاصله منع قياس الخبر على الحكم).
وفي عبارة المصنّف تسامح لأنّه كان ينبغي أن يقول كما قلنا نحن، لأنّه يلزم من عبارته أَنَّ الخبر يدل على ما لا يتناهى] .

صفحه 270
<--- والأمر، بأَنّ الخبرَ لا يدل على أَنَّ المسكوت عنه غير مخبر به ولا يلزم من ذلك أَنْ لا يكون المسكوت عنه بخلاف ما أُخبر به في نفس الأمر بخلاف الحكم فإنّه لا خارج له، فإذا عُلِّق على صفة كان المسكوت عنه بخلافه إذْ لا حكم في الخارج.
الثالث: لو كان تعليق الحكم على صفة يستلزم نفي الحكم عن ما عداها، لزم أن لا يصحّ قولنا: «أدّوا زكاة السائمة والمعلوفة»1 كما أَنَّه لا يصحّ أَنْ يقال: «ولا تقل لهما أف واضربهما» وأيضاً يلزم التناقض لأَنّ وجوب الزكاة في السائمة إذا كان دالاًّ على عدم وجوبها في المعلوفة، كان التعقيب بوجوب الزكاة في المعلوفة ينزل منزلة قوله: «لا يجب في المعلوفة ويجب فيها»، ومعلوم حصول التناقض في ذلك   2

1 . عوالي اللآلي: 4 / 48 ; بحار الأنوار: 77 / 6 ; مسند أحمد: 2 / 427 ; صحيح مسلم: 1 / 162 ; سنن أبي داود: 1 / 19، برقم 71 ; سنن البيهقي: 1 / 247 و 440 .

صفحه 271
<--- وإلاّ لما حصلت الفائدة بقوله: «والمعلوفة» .
والجواب: الفائدة عدم تخصيص المعلوفة بالاجتهاد.
قوله: «يلزم التناقض» قلنا: هذا ممنوع فإنّه لا تناقض بين الألفاظ الظاهرة والصريحة بل يجب الجمع بينهما .
ووجهه: أَنَّ التعليق يدلّ على النفي ما لم يكن هناك نصٌّ على المساواة.
الرابع: لو كان التعليق على الوصف يستلزم عدم الحكم عما غايره 1، لزم التعارض في ما يكون مساوياً والأصل عدمه، وقد ثبت في نحو قوله تعالى: (لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً )2.
والجواب: أَنَّ القاطع إذا عارض الظاهر لم يقو الظاهر على دفعه، ويجب مخالفة الأصل عند ظهور دليل يدل على المخالفة أقوى منه 3.

1 . وقد أوضح المعنى في النسختين بما يلي:
[ لما ثبت خلافه وهو ثبوت الحكم عند عدم الصفة أَما الملازمة فللزوم التعارض بين دليل الخطاب والدليل الدال على ثبوت الحكم مع عدم الصفة والتعارض على خلاف الأصل، وأَمَّا بطلان التالي فلثبوت الحكم مع عدم الصفة في نحو قوله تعالى... ] .
2 . آل عمران: 130 .
3 . وهناك إضافة في النسختين:
[ وما ذكرتموه من الآية دليل ظاهر على عدم التحريم للربا عند أكله غير مضاعف لأَنَّ قولَه: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبَا) نص في تحريمه مطلقاً فكان أولى بالإعمال، على أنَّ نقول أَنّ التخصيص فيما ذكرتم خرج مخرج الأَغلب لأَنَّ الربا في الأغلب إنّما يكون (يؤكل) إذا كان مضاعفاً، وإذا خرج مخرج الأغلب لم يدل على الحصر على ما بينا فيما مضى ].

صفحه 272
قال: وأَمّا مفهوم الشرط، فقال به بعضُ من لا يقولُ بالصفة.
والقاضي، وعبدالجبار، والبصري على المنع.
للقائل به ما تقدَّم، وأيضاً يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط.
وأُجيب: قد يكون سبباً.
قلنا: أجدَرُ إنْ قيل بالاتحاد، والأصلُ عدَمُهُ إنْ قِيلَ بالتعدُّدِ.
وأُورد: (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)1.
وأُجيب بالأغلب وبمعارضة الإجماع. *

[ مفهوم الشرط ]

* أقول: اختلفوا في الحكم المعلق على الشرط هل ينتفي بانتفائه2، فذهب الكرخي وأبوالحسين البصري إلى ذلك، وذهب القاضي أبوبكر وابوعبدالله البصري وعبدالجبار إلى المنع .
احتج القائلون به بوجهين:
أحدهما: ما تقدّم من حديث ابن أُمية 3 في القصر.   2

1 . النور: 33.
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 461 ; الإحكام للآمدي: 3 / 61 ; التقريب والإرشاد: 3 / 363 ; المعتمد: 1 / 142.
3 . وهو يعلى بن أُميّة بن أبي عبيدة، اسمه عبيد ويقال زيد، التميمي الحنظلّي، قيل هو أوّل من أرّخ الكتب، توفي سنة 47 هـ ، وهوالّذي سأل عمر: ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمِنّا؟ فأجابه عمر بقوله: عجبت ممّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». عوالي اللآلي: 2 / 326، وأخرجه الترمذي وابن ماجة والبيهقي في سننهم.

صفحه 273
<--- الثاني: أنّه يلزم من انتفاءِ الشرط انتفاءُ المشروط وإلاّ لم يكن شرطاً وإلاّ لزم أن يكون كلّ شيء شرطاً لكلّ شيء لأَنّه إذا كان لا يلزم من وجوده وجود المشروط ولا من عدمه عدمه فكلّ أمرين مختلفين يكون أحدهما شرطاً للآخر وهو باطل قطعاً، والداخل عليه حرف الشرط يسمّى شرطاً لغةً.1
وأُجيب عن هذا بأَنّ الشرط قد يكون سبباً ولا يلزم من عدم السبب عدم المسبب لجواز قيام سبب آخر يقتضي وجود المسبب 2 .
والاعتراض عليه: أنَّ كونه سبباً أجدر في مطلوبه لأَنّه أبلغ من الشرط ويلزم من عدمه عدم المسبب إنْ كان واحداً والتعدد معدوم بالأصل.
قال القاضي وأبوعبد الله:
إنّ الشرط لا يلزم من نفيه نفي المشروط لما في قوله تعالى: (وَ لاَ   2

1 . والداخل عليه حرف الشرط يسمّى شرطاً لغة.
2 . وقد جاء الجواب في النسختين كما يلي:
[ وأُجيب على هذا بأنّ الشرط قد يكون المراد به الشرط اللغويّ وهو ما دخل عليه حرف الشرط وحينئذ لا نسلّم أَن المشترط (المشروط) يعدم بعدمه لأنّه قد يكون سبباً ولا يلزم من عدم السبب عدم المسبب لجواز قيام سبب آخر يقتضي وجود المسبب، وقد يكون المراد منه ما هو شرط في نفس الأمر ولا شكّ في عدم المشروط بعدمه، وليس فيه نزاع بل النزاع وقع في أنّ الداخل عليه حرف الشرط هل هو شرط حقيقي أم لا ؟]

صفحه 274
قال: مفهوم الغاية: قال به بعضُ من لا يقول بالشرط، كالقاضي وعبدالجبار.
للقائل به ما تقدّم، وبأنّ معنى: «صوموا إلى أن تغيب الشمسُ» آخرُهُ غيبوبةُ الشمسِ، فَلَو قُدِّر وجوبٌ بعدَه لم يكن آخِراً.*
<--- تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)1 فإِنّه لو كان انتفاء الشرط ملزوماً لانتفاء المشروط لجاز الاكراه إذا لم يُردن التحصّن .
والجواب: أَنّ الإِكراه إنّما يكون حالة ارادة التحصّن 2 لا حالة إرادة عدمه، ولو سُلِّم فهو معارض بالاجماع.

[ مفهوم الغاية]

* أقول: اختلفوا في تعليق الحكم بغاية، هل يدلّ على نفيه عما عداها، أم لا؟ وذلك كما في قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)3 و (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)،(4) فذهب أكثر الفقهاء وجماعة من المتكلّمين كالقاضي أبي   2

1 . النور: 33.
2 . وقد جاء في النسختين بعد كلمة «التحصن» ما يلي:
[ في الاغلب وحينئذ لا يرد علينا لأن الكلام في مفهوم المخالفة والآية ليست منه لانتفاء شرط مفهوم المخالفة وهو أَن لا يخرج القيد مخرج الاغلب، ولو نُسلّم فهو معارض بالاجماع لأَنَّ الاجماع دال على تحريم الإكراه مطلقاً، فهو معارض لظاهر الآية، وقد مرّ أَنَّ مع تعارض الدليلين يكون العمل بالأقوى الّذي هو الإجماع القطعي ] .
ولا بأس به لأنّه يلقي الضوء على النص .
3 . البقرة: 187 .   4 . البقرة: 222 .

صفحه 275
قال: وأمّا مفهوم اللقب فقال به الدقّاق، وبعضُ الحنابلة، وقد تقدّم، وأيضاً فإنّه كان يلزم من: «محمد رسول الله» و «زيدٌ موجودٌ» وأشباهه، ظهورُ الكفر.
واستُدِلَّ بأَنّه يَلزمُ منه إبطالُ القياس، لظهور الأصل في المخالفة.
وأُجيب: بأنَّ القياس يستلزم التساوي في المتفق عليه، فلا مفهوم، فكيف به هاهنا.
قالوا: لو قال لمن يخاصمه: ليست أُمّي بزانية، ولا أُختي، تبادرت نسبةُ الزنا إلى أُمِّ خصمه وأُخته، وَوَجب الحدُّ عند مالك وأحمد .
قلنا: من القرآئن، لا مِمَّا نحن فيه. *
<--- بكر والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وغيرهم إلى أَنّه يدلّ.
وخالف في ذلك جماعة من الحنفية والفقهاء والمتكلّمين.
احتج القائلون بأنّه يدل بمثل ماتقدم في الوصف، وأيضاً بقوله: « صوموا إلى أن تغيب الشمس» معناه صوموا صوماً آخره غيبوبة الشمس، فلو قُدِّر وجوبٌ بعد الغاية، لم تكن الغاية غايةً بل وسطاً، وهو محال.

[ مفهوم اللقب]

* أقول: اختلف الناس في تعليق الحكم بالاسم 1 هل يدل على نفيه   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 467 ; المحصول: 1 / 360 .

صفحه 276
<--- عمّا عداه أم لا؟ فذهب المحققون إلى أَنّه لا يدلّ، وذهب الدقّاق1 وبعض الحنابلة إلى أَنّه يدلّ .
والدليل على أَنّه لا يدلّ [ما تقدّم من أنّ مفهوم اللقب مردود، وأيضاً فإنَّ ]2قول القائل: «عيسى رسول الله» و «زيد موجود» لو دلّ على نفي الرسالة عن غير عيسى ونفي الوجود عن غير زيد لزم أَنْ لا يكون محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنَّ لا يكون الإله موجوداً، وذلك كفرٌ ظاهر .
واستدل بعض النافين لمفهوم اللقب بأنّه لو كان تعليق الحكم على الاسم يدل على نفيه عما عداه بطل القياس والتالي باطل فالمقدّم مثله، وبيان الشرطية انّ القياس إنّما يكون حجّة على تقدير نفي النص في الفرع، فإذا كان النص الدالّ في الأصل دالاًّ على نفي الحكم عن الفرع كان العمل به متعيّناً، فيبطل القياس.3
والجواب: أنّ القياس المتفق عليه يستلزم تساوي الفرع4 والأصل فيه   2

1 . هو محمد بن محمد بن جعفر البغدادي الفقيه الشافعي، قيل: كان فقيهاً أُصولياً ولي القضاء بـ «كرخ» بغداد، توفّي سنة 392 هـ . لاحظ: تاريخ بغداد: 3 / 229، برقم 1294، وفيه: المعروف بابن الدقاق .
2 . في نسختي «ب» و «ج» فحسب .
3 . وقد ورد في النسختين بعد كلمة «القياس» ما هذا نصه:
[ وإلى بيان الشرطية أشار بقوله: «لظهور الأصل في المخالفة»، أي لظهور المقيس عليه في مخالفة الفرع، لأَنَّ النص أو الإجماع الدالّ على حكم الأصل بمنطوقه يكون دالاًّ ظاهراً على نفي الحكم عن الفرع بمفهومه ] .
4 . ورد بعد كلمة «الفرع» في النسختين ما يلي:
[... المختلف فيه المسكوت والأصل المنطوق المتفق عليه في المصلحة المناسبة للحكم، وشرط مفهوم المخالفة عدم مساواة المسكوت للمنطوق في المصلحة فلا مفهوم مع التساوي إذنْ لتنافيهما، ولو كان مفهوم الصفة الّذي هو أقوى الاصناف، فكيف بمفهوم اللقب مع أنّه أضعفها].

صفحه 277
قال: وأمّا الحصر بـ «إنّما» فقيل: لا يفيد، وقيل: منطوقٌ.
وقيلَ: مفهومٌ.
الأوّل: إنّما زيدٌ قائم، مثل: إنَّ زيداً قائم، والزائدُ كالعَدَم .
الثاني: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ ) بمعنى: ما إلهكم إلاّ الله سبحانه، وهو المدَّعي، وأمّا مثلُ: «إنّما الأعمال بالنيّات» و «إنّما الولاءُ لمن أعتق» فضعيفٌ، لإنّ العموم فيه لغيره، فلا يستقيم لغير المعتق ولاءٌ ظاهراً. *
<--- كما في كثير من الأقيسة الّتي أُصولها الاحكام المعلقة على الصفات فلا يفهم هناك، فكيف به هاهنا مع كونه معلقاً على اللقب.
احتجّ المخالف بالعرف فإنّ من قال لغيره المخاصم له: ليست أُمي بزانية ولا أُختي، تبادر إلى الفهم نسبة الزنا إلى أُمّ المخاطب وأُخته، ووجب الحدّ عند مالك وأحمد، وذلك يدل على المفهوم .
والجواب: لو سُلِّم ذلك لكان إنّما تعرف المخالفة من القرائن، لا ممّا نحن فيه.

[ الحصر]

* أقول: اختلف الناس في «إنّما» هل تفيد الحصر أم لا؟ فذهب   2

صفحه 278
<--- الأكثرون إلى أَنّها تفيده، وقال آخرون: إنّها لا تفيده، واختلف الأولون: فقال قوم: إنّ الإِفادةَ إنّما حصلت بمنطوق اللفظ، وقال آخرون: إنّها حصلت بمفهومه .
احتجّ النافون للإِفادة: بأَنَّ قولنا: إنّما زيد قائم، في معنى: أَنّ زيداً قائم، والزائد ـ وهو لفظة ما ـ كالمعدوم لا فائدة له، وهذا ممنوع إذ هو نفس الدعوى .
واحتجّ المثبتون: بأَنَّ معنى قوله تعالى: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ )1: ما إِلهكم إلاّ الله سبحانه، وهو المراد من الحصر.
لا يقال: لو دلّ لفظ «إنّما» على الحصر بمنطوقه لما صحّ عمل بغير نيّة، ولا الولاء لغير المعتق عملاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما الولاء لمن اعتق»،2 و «إنّما الأعمال بالنيّات»3، والتالي باطل لعموم صحة العمل في المنويّ وغيره، والولاء للمعتق وغيره، لمن كاتب أو باع العبد من نفسه .
لأَنّا نقول: العموم مستفاد من غير الحديث كالإجماع مثلاً، أَمّا نظراً إلى نفس الحديث فلا يستقيم لغير المعتق ولاءٌ ظاهراً، ولا عمل بغير نيّة.
 

1 . طه: 98 .
2 . الأُم: 4 / 81 ; المجموع: 9 / 366 ; الموطأ: 2 / 562 ; عوالي اللآلي: 2 / 306 .
3 . بدائع الصنائع: 2 / 40 ; تلخيص الحبير: 1 / 311 ; وسائل الشيعة: ج 1، باب وجوب النية في العبادات الواجبة، الحديث 7; عوالي اللآلي: 1 / 81 ; صحيح البخاري: 1 / 2 ; سنن ابن ماجة: 2 / 1413 ; سنن أبي داود: 1 / 49 ; سنن البيهقي: 1 / 41 .

صفحه 279
قال: وأمّا مفهوم الحصر.
فمِثلُ: صديقي زيدٌ، والعالم زيدٌ، ولا قرينَةَ عهد.
فقيلَ: لا يُفيد.
وقيل: منطوقٌ.
وقيل: مفهومُ.
الأوّل: لو أفادهُ لأفاد العكس، لأنّهُ فيهما لا يصلح للجنس، ولالمعهود مُعيَّن، لعدم القرينة، وهو دليلهم، وأيضاً: لو كان لكان التقدّمُ يُغيِّرُ مَدلول الكلمة.
القائل به: لو لم يُفدهُ لأخبر عن الأعمّ بالأخصّ، لتعذُّر الجنس والعهد، فوجب جَعَلهُ لمعهود ذهني بمعنى الكامل والمنتهي.
قلنا: صحيح واللام للمبالغة، فأين الحصر؟
وأُجيب: بل جعله لمعهود ذهني مثل: «أكلت الخبز» ومثل: «زيد العالم» هو المعروف .
وأيضاً يلزمه: زيد العالم، بعين ما ذكر .
وهو الّذي نصَّ عليه سيبويه في: «زيد الرجل» .
فإنْ زَعَم أنّه يُخبر بالأعم فغلط، لأَنَّ شرطه التنكيرُ.
فإِنْ زُعِم أَنَّ اللام لزيد فغلط لوجوب استقلالهِ بالتعريف منقطعاً عن زيد، كالموصول. *

[ مفهوم الحصر ]

* أقول: اختلفوا في مثل قولنا: «العالم زيد» و «صديقي عمرو» هل   2

صفحه 280
<--- يفيد حصر العلم في زيد والصداقة في عمرو أم لا؟ فذهبت جماعة الحنفية والقاضي إلى أنّه1 لا يدلّ. وقال الغزالي: إنّه يدل بمفهومه وقال آخرون: إنّه يدلّ بالمنطوق.
واحتجّ الأوّلون بأَنّ هذا اللفظ لو أفاد الحصر لأَفاده مع العكس والتالي باطل اتفاقاً فالمقدم مثله، وبيان الشرطية: أَنَّ اللام في الأصل والعكس لا تصلح للجنس ولا للعهد لعدم القرينة، فليس لها دلالة حينئذ إلاّ الحصر فوجب 2 أَنْ يكونَ مراداً، وإلاّ لخرج اللفظ عن الدلالة3.
وهذا هو بعينه دليلهم على الحصر .   2

1 . ورد هذا المقطع في النسختين بعد كلمة «أنّه» كالتالي: [... يدل بمفهومه، وقال آخرون: إنّه يدل بالمنطوق .
والمراد بالحصر هو أنَّ هذا التركيب هل يدلّ على أَنَّ مدلول المبتدأ فيه هو معهود ذهني مقيّد بما يصير به مطلقاً مساوياً للمحمول حتّى يكون معنى قول القائل: «صديقي زيدٌ» أنَّ الصديق الكامل في الصداقة ـ وغير ذلك من الصفات الّتي باقترانها يتساوى الموضوع والمحمول ـ هو زيدٌ. وكذلك في قولنا: «العالم زيد» أي المنتهي في العلم وغيره من الصفات المختصّة (المخصصة المقيّدة المقتضية) للمساواة] .
وليُعلم أن هذا المقطع ورد أيضاً في حاشية النسخة «أ».
2 . جاء بيان الشرطية في نسختي «ب» و «ج» كما يلي: [ وبيان الشرطية أنّ لفظة صديقي والعالم لا تصلح للجنس إذ يكذب: «كل صديقي زيد» و «كل العالم زيد» ولا للمعهود المعيّن لعدم القرينة فليس لهما دلالة حينئذ إلاّ الحصر، وهو كونه دالاًّ على معهود ذهني بمعنى الكامل في الصداقة زيد فوجبت... ] .
3 . ورد في النسختين بعد كلمة «الدلالة» ما يلي: [ وإنّما قدَّرْنا هذه الإفادة لأَنّه بعينه دليل القائلين بالحصر، وإذا كان كذلك في الأصل ففي العكس كذلك، لأَنّه لا معهود معيّن هناك ولا يصلح للجنس أيضاً لاستحالة قولنا: «زيد كل صديقي» و «زيد كلّ العالم» ] .

صفحه 281
<--- وأيضاً لو كان يفيد الحصر لكان التقديم بغير مدلول الكلمة، والتالي باطل فالمقدّم مثله، والشرطية ظاهرة لأَنّ قولنا: «زيد صديقي» لا شكّ في أَنَّه لا يفيده ; وأَمّا بطلان التالي فظاهر أيضاً، لأَنَّ التقديم والتأخير إنّما هو تصرف في الألفاظ قد يغيّر بعض معانيها الحاصلة بالتركيب، ولا يغير المعاني الإفرادية.
احتجّ الآخرون: بأَنَّ قولنا: «العالم زيد» لو لم يكن للحصر لكان قد اخبر بالخاصّ عن العام، والتالي باطل لكذب قولنا: «الحيوان انسان» والمقدّم مثله، والشرطية ظاهرة لأَنَّ العالم ليس للعهد ولا للجنس لتعذرهما ـ على ما مرّ ـ فوجب جعله لمعهود ذهني وهو معنى الكامل المنتهي وذلك يستلزم ما قلناه .
والجواب: أَنّه لمعهود 1 ذهني مثل قولنا: «أكلت الخبز» و «زيد العالم»، وهذا هو المعروف، وإنْ كنّا لا نريد به الإستغراق ; وأيضاً يلزمه قولنا: «زيد العالم» لعين ما ذكر فإنَّ المراد بالعالم ليس هو الجنس ولا العهد لتعذرهما بل: المعهود الذهني، ويلزم ما ذكره، اللّهم إلاّ أنْ يجوز الإخبار بالاعم عن الاخص وهو خطأ لأنَّ شرط الخبر2 التنكير وأَن جعل اللام في قولنا: «زيد العالم»، لزيد، كان خطأ أيضاً لأنّ اللام معرّفة بالاستقلال وإن لم 3 يمكن كسر 4 زيد، كالموصول.

1 . ورد بعد كلمة «لمعهود» في النسختين ما يلي:
[ لا بالمعنى الّذي ذكرتموه من المعهود المقيّد بل المرادُ المعهود المطلق مثل قولنا... ] .
2 . وجاء بعد كلمة «الخبر» في النسختين ما يلي:
[ جعله التنكير أي شرط جعل الأعم مخبراً به التنكير لما عرف من قواعدهم لأن الالف واللام في المحمول تدل على المساواة ] .
3 . ورد في «ب» فقط بعد كلمة «لم»: [ يذكر زيدٌ لكونه خبر المبتدأ ووجوب الخبر بالتعريف عند كونه معرفة واستلزام ذلك وجوب إستقلال اللام بالتعريف منقطعاً عن زيد وهذا الاستقلال يمنع كون اللام لزيد لتوقف تعريفه حينئذ على تقدم قرينة زيد ] .
4 . كذا في نسخة «أ» ولكن يبدو أن الصحيح هو تنكير زيد.

صفحه 282
قال: النسخ: الإزالةُ، نسخت الشمسُ الظلّ، والنقل: نسخت الكتاب، ونسختْ النحلُ، ومنه المناسخات.
فقيل: مشترك. وقيل: للأوّل. وقيل: للثاني .
وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعيٍّ متأخر، فيخرج المباحُ بحكم الأصل، والرفع بالنوم والغفلة، وبنحو: صلِّ إلى آخِر الشهر.
ونعني بالحكم ما يحصُلُ على المكلف بعد أن لم يكن، فإنّ الوجوب المشروط بالعقل لم يكن عند انتفائه قطعاً، فلا يَردُ: الحكمُ قديمٌ، فلا يرتفع ; لأنّا لم نعنه، والقطع بأنّه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب، وهو المعنيُّ بالرفع.
الإمام: اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأوّل، فيردُ أنَّ اللفظ دليلُ النسخ ولايطرد، فإن لفظ العدل: «نُسِخَ حكم كذا» ليس بنسخ، ولا ينعكس ; لأنّه قد يكون بفعله (صلى الله عليه وآله وسلم). ثُم حاصلُهُ اللفظ الدّال على النسخ، لأنّه فسّرَ الشرطَ بانتفاء النسخ، وانتفاءُ انتفائهِ حُصُولُهُ.
وقال الغزاليُّ: الخطابُ الدّال على إِرتفاع الحُكم الثابت بالخطاب المتقدّم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيهِ عنهُ.
وأُورد: الثلاثة الأُوَلُ، وأنَّ قولهَ: على وجه... إلى آخرهِ زيادةٌ.
وقالت الفقهاء: النصُ الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع التأخر عن مورده.
وأُورد: الثلاثة الأُول، فإنْ فرُّوا من الرفع لكون الحكم قديماً والتعلق قديماً، فانتهاءُ أمد الوجوب يُنافي بقاءه عليه، وهو معنى الرفع،

صفحه 283
وإنْ فّروا لأَنَّه لا يَرْتَفِعُ تعلّقُ بمستقبل لَزِمَهم منعُ النسخ قبل الفعل كالمعتزلة وإنْ كان لأنّه بيانُ أمدِ التعلّق بالمستقبل المظنون إِستمرارهُ، فلابدَّ من زوالِهِ.
المعتزلة: اللفظُ الدال على أَنَّ مثلَ الحكم الثابت بالنصِّ المتقدّم زائلٌ على وجه لولاه لكان ثابتاً، فيردُ ما على الغزّالي، والمقيّد بالمَّرة بفعل.*

[ مبحث النسخ ]

* أقول: النسخ 1 يطلق في اللغة على معنيين :
أحدهما: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظلَّ .
والثاني: النقل، يقال: نسخت الكتاب أي نقلته، ونسخت النحلُ العسلَ، أي نقلته، ومن بابهِ المناسخات وهو انتقال الإرث من واحد إلى آخر .
واختلف الناس هاهنا فقال القاضي والغزّالي: إنّه مشترك بين الإزالة والنقل، وقال أبوالحسين: إنّه موضوع للإزالة، وقال القفّال: إِنّه موضوع للنقل .
وأمّا في الاصطلاح فقد اختلفوا في معناه فحدَّه قوم: «بأَنّه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر»، فرفع الحكم جنس، والتقييد بالشرعي، فصل له يخرج به رفع الحكم في الأصل من الإباحة المرفوعة بالحكم الشرعي، وقولنا: بدليل شرعي فصل له آخر يخرج به رفع الحكم بالنوم والغفلة، فإنّه ليس رفعاً بدليل شرعي،   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 579 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 299 ; عدة الأُصول: 2 / 485 ; المحصول: 1 / 526 ; المعتمد: 1 / 367 .

صفحه 284
<--- وقولنا: متأخر فصل آخر يخرج به المخصصات المتصلة كالشروط والغايات والاستثناءات ; وحينئذ ينطبق الحدّ على النسخ.
واعترض على هذا بعض الأُصوليين بأَنّ الحكم خطاب الله المتعلّق بافعال المكلفين بالاقتضاءِ أو التنجيز أو بالوضع عند الأشاعرة، وخطاب الله تعالى قديم فكيف يصحّ عدمه ؟
وأجاب المصنف عن هذا: بأَنّ المراد بالحكم هاهنا ما يحصل على العبد بعد أَنْ لم يكن 1 فإنّ المشروط بالفعل غير ثابت عند انتفائه، ولا شكّ في أَنَّ الفعل حادث فيكون الوجوب حادثاً، ولا نعني بالحكم هاهنا ما ذكرتموه، وأيضاً فإنَّنا نقطع بأَنّه إذا ثبت تحريم شيء بعد أَنْ كان واجباً انتفى ذلك الوجوب وهو المعني من الرفع 2 .
وحدّة الإمامُ3 بأنّه اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام [الحكم ]الأول. والاعتراض عليه من وجوه:
أحدها: أَنّ اللفظ ليس بنسخ وإنّما هو دليل النسخ .
الثاني: أَنَّ هذا الحدّ لا يطَّرِد فإنّ العدل إذا قال: نُسخ الحكم الفلاني، كان   2

1 . جاء بعد كلمة «لم يكن» في النسختين بدلاً عن قوله: «فان المشروط بالفعل» ما يلي:
[ وهو تعلق الخطاب بافعال المكلفين تعلق التنجيز لا التعلق المعنوي، فلهذا فإن وجوب المشروط بالعقل... ] .
2 . في النسختين بعد كلمة «الرفع» ورد ما يلي: [ بعد أَن كان رفع الخطاب المتعلق إنّما يكون برفع تعلق الخطاب بالمكلف لا برفع نفس الخطاب] .
3 . يعني به الجويني والموجود في البرهان: 2 / 842 هو: أن النسخ هو في اللفظ الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع التأخير عن مورده .

صفحه 285
<--- ذلك لفظاً ظاهراً في الدلالة على انتفاء شرط دوام [ الحكم ]الأول 1 وليس بنسخ إجماعاً.
الثالث: أَنّه لا ينعكس لأنَّ النسخ قد يكون بالفعل كما يكون بالقول.2
الرابع: أَنَّ حاصل هذا الحدّ أنَّ النسخَ هو اللفظ الدالّ على النسخ لأَنّه قال: اللفظ الدال على انتفاء شرط دوام الأول. 3
وفيه شرط دوام الأول بانتفاء النسخ وانتفاء الغاية حصوله، ويلزم من ذلك الدور المحال.
وحدّه الغزّالي: بأَنّه الخطاب الدالّ على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدّم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه، وهذا الحدّ أخذه الغزالي من القاضي أبي بكر .
وقصد بـ «الخطاب» كلّ خطاب سواء دل بمفهومه أو بمنطوقه وخرج عنه الموت واشباهه، فإنَّ به يرتفع الحكم وليس بنسخ لما لم يكن خطاباً، وقيَّد: «بالخطاب المتقدّم» لأَنّ رفع الأحكام العقلية ليس بنسخ، وقيد بقوله: «على وجه لولاه لكان ثابتاً» لتخرج عنه الاحكام المقيّدة بالمدّة، فإنَّ ذلك الحكم يرتفع عند إنتهاء المدّة لذاته، وقيد «بالتراخي» لتخرج عنه المخصّصات المتصلة .   2

1 . في النسختين بعد كلمة «الأوّل» ورد ما يلي: [ لدلالته على انتفاء الحكم الأوّل ظاهراً لكونه لفظ عدل، ودلالة ظهور انتفاء الحكم الأوّل على ظهور انتفاء شرط دوامه].
2 . الكاشف عن المحصول: 5 / 216 .
3 . وفي النسختين ورد ما يلي:
[ وقال مرادي من شرط دوام الحكم الأوّل هو انتفاء النسخ وانتفاء انتفائه هو حصوله... ] .

صفحه 286
<--- وترد على هذا الحدّ الثلاثة الأُولى المورودة على الحدّ الأوّل، لأَنَّ الخطاب دليل النسخ وليس به، وأيضاً فالعدل إذا قال: هذا الحكم منسوخ، فإِنّه خطاب دالٌّ على ارتفاع الحكم، 1 وأيضاً فالنسخ قد يكون بالفعل فكيف يصحّ منه تخصيصه بالخطاب؟ ويرد على ذلك أَنَّ هذا2 قد اشتمل على زيادة لا فائدة فيها، وهو قوله: «على وجه لولاه لكان ثابتاً» لأَنّه إنّما ذكر احترازاً عن الأَحكام المقيّدة بالمدة، وهذا يخرج بقولنا: رفع الخطاب الثاني لأنَّ هذه الصورة، الحكم فيها يرتفع لا بالخطاب بل بانتهاء مدة الحكم، وقوله أيضاً: «مع تراخيه عنه» لا فائدة فيه لأنّه وقع احترازاً عن الاستثناء والشرط والصفة، وهذه الأمور تخرج بالرفع، لأَنّ هذه مثبتات للخطاب فإنَّ تقييد الحكم بالوصف ليس برافع لذلك الحكم بل هو مبيّن لأنّ بعض الصور لم يتناولها الخطاب وكذلك الشرط والاستثناء.
وحدَّه الفقهاء: بأنّه النص الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع التأخّر عن مورده .
وترد عليه الثلاثة الأُول المورودة على الحدّين الأولين، وهؤلاء القوم إن طلبوا الفرار من التحديد بالرفع لأَنّ الحكم عندهم قديم والتعلق قديم 3 فلا يصح رفعهما، ورد عليهم ذلك بعينه لأنَّ انتهاء مدّة الوجوب ينافي بقاء الوجوب وإلاّ لم تكن تلك نهاية المدّة، وإذا لم ينف الوجوب حصل رفعه ; مع أَنّهم قد أَخذوا في حدِّهم انتهاءَ مدّة الحكم.   2

1 . ورد في النسختين بعد كلمة «الحكم» :
[ عندنا إذ المراد لولاه لكان ثابتاً عندنا ولو كان المراد لكان ثابتاً في نفس الأمر لم يرد ] .
2 . وفي نسخة «ج» بدل «ذلك أن هذا» ورد ما يلي: [ الحدّ أيضاً أنّه... ].
3 . وردت بعد كلمة «قديم» في النسختين ما يلي: [ يعني التعلق المعنوي لا تعلق التنجيز] .

صفحه 287
<--- وإِنْ فرّوا من الرفع لأجل أَنَّ التعلق بفعل المستقبل لا يرتفع،1 لزمهم المنع من النسخ قبل الفعل كما هو مذهب المعتزلة لأَنَّ نسخ الفعل قبل حضور وقته نسخ للتعلق بالفعل المستقبل، وإِنْ كان2 لأَنَّه عندهم بيان أمد التعلق المستقبل 3المظنون استمراره 4 وليس برفع، فلابدّ معه الإزالة الّتي هي معنى الرفع .
وحدّه المعتزلة: بأنّه اللفظ الدالّ على أنّ مثل الحكم الثابت بالنصّ المتقدّم زائل على وجه لولاه لكان ثابتاً.
وإنّما قالوا: «مثل الحكم» لأَنَّ الحكمَ إمّا أَنْ يكون ثابتاً أو لا، فإنْ كان ثابتاً استحال رفعه، وإِنْ لم يكن استحال رفعه، فالمرفوع إذن ليس إلاّ مساوي الثابت .
ويرد على هذا الحدّ ما أُورد على حدّ الغزّالي، ويرد عليه النص المقيّد بالمرة الواحدة 5 فإنّه مستحيل نسخه حينئذ، والمعتزلة يلتزمونه.6

1 . ورد في النسختين بعد كلمة « يرتفع » ما يلي: [ لأن ما لم يوجد يستحيل رفعه ] .
2 . أي: وإن كان الفرار من كلمة الرفع.
3 . وفي النسختين مكان كلمة «المستقبل» العبارة التالية:
[... للحكم بالفعل المستقبل أعني التعليق... ] .
4 . ورد في النسختين بعد كلمة «استمراره» ما يلي: [ فلابد من زوال التعلق المذكور إذ بعد بيان الأمد لا ينتفي ظن تعلق الاستمرار للقطع بانقطاع التعلق وهو المعني من الرفع ] .
5 . في النسختين بعد كلمة «الواحدة» :
[ بفعل، أي ما أُمر بفعله مرة واحدة مدة العمر ثم نُسخ فإنَّ اللفظ الدال عليه لا يكون دالاً على أَنَّ مثل الحكم الثابت بالخطاب المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ـ أي المثل ـ ثابتاً لأَنّه يكون هو بعينه ثابتاً لا مثله ] .
6 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول : 2 / 588 .

صفحه 288
في جواز النسخ   
قال: والإجماع على الجواز والوقوع. وخالفت اليهود [ في الجواز  ]وأبو مسلم الأصفهاني في الوقوع .
لنا: القطع بالجواز، وإنْ اعتبرت المصالح فالقطع أَنَّ المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات .
وفي التوراة: أَنَّه أَمَرَ آدم (عليه السلام)بتزويج بناته من بنيه، وقد حُرِّم ذلك باتفاق.
واستُدلَّ بإباحة السبت ثم تحريمه، وبجواز الختان ثُمّ إيجابه يوم الولادة عندهم، وبجواز الأُختين ثم التحريم.
وأُجيب: بأَنَّ رفعَ مُباح الأصلِ ليس بنسخ.
قالوا: لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر: هذه شريعةٌ مؤبدةٌ.
قلنا: مختلقٌ.
قيل: من ابن الراوندي، والقطعُ أَنّهُ لو كان عندهم صحيحاً لقضت العادة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم).
قالوا: إنْ نَسَخَ لحكمة ظهرت له لم تكن ظاهرةً له فهو البَدَاء، وإلاّ فعبثٌ.
وأُجيب: بَعدَ اعتبارِ المصالح أَنَّها تختلف باختلاف الأَزمان

صفحه 289
والأحوال، كمنفعة شرب دواء في وقت أو حال وضرره في آخَرَ، فلم يتجدَّد ظهور بما لم يكن.
قالوا: إِنْ كان مقيّداً فليس بنسخ، وإنْ دلّ على التأبيد لم يُقبَل، للتناقض بأنّه مؤبَّد ليس بمؤبد، ولأَنّه يؤدِّي إلى تعذُّر الإِخبار بالتأبيد، وإلى نفي الوثوق بتأبيد حكمِ ما، وإلى جواز نسخ شريعتِكم.
وأُجيب: بأنّ تقييد الفعل الواجب بالتأبيد لا يمنع النسخ كما لو كان معيّناً، مثل: «صُمْ رمضانَ» ثم ينسخ قبله، فهذا أجدر.
وقوله: «صَم رمضان أبداً» بالنص يوجب أَنَّ الجميع متعلَّقُ الوجوب، ولا يلزم الاستمرار، فلا تناقض كالموت، وإنَّما الممتنع أنْ يُخْبِر بأنَّ الوجوب باق أبداً، ثم ينسخ.
قالوا: لو جاز لكان قبل وجوده، أو بعده، أو معه، وارتفاعُهُ قبل وجوده أو بعده باطل ومعه أجدر، لاستحالة النفي والإِثبات.
قلنا: المراد أَنَّ التكليف الّذي كان زال كالموت لا أَنَّ الفعل يرتفعُ.
قالوا: إمّا أنَّ يكونَ الباري سبحانه عَلِمَ استمراره أبداً، فلا نسخ أو إلى وقت معيّن، فليس بنسخ.
قلنا: إلى الوقت المعيّن الّذي علم أَنّه ينسخه فيه، وعِلْمُهُ بارتفاعه بالنسخ لا يمنع النسخ.
وعلى الاصفهانيّ: الاجماعْ على أَنَّ شريعتَنا ناسخة لما يخالفها،

صفحه 290
ونسخ التوجُّهِ والوصيُّةِ للاقربين بالمواريث، وذلك كثيرٌ.*
* أقول: اتّفق المسلمون على جواز النسخ خلافاً لبعض اليهود1، واتّفقوا أيضاً على الوقوع وخالف في ذلك أبومسلم بن بحر الاصفهاني.
واستدل المصنف على الجواز بأنّا نقطع بذلك قطعاً لا شكّ فيه، فإنّه ليس بمستحيل أنْ يكلِّف الله تعالى عبيده في وقت فعلاً ثمّ يرفعه عنهم.
وأمّا إِنْ اعتبرت المصالح في التكليف كما هو مذهب المعتزلة فالجواز ثابت أيضاً، لأَنّا نعلم أَنّ المصالح تتغير بتغير الأوقات .
ويرد على اليهود وقوع النسخ فإنّه قد ورد في التوراة أَنّه أُمرِ آدم(عليه السلام) بتزويج بناته من بنيه وقد حُرّم ذلك بالاتفاق، وأيضاً فإِنَّ الله تعالى قال لنوح وقت خروجه من الفلك: «أني جعلت لك كلّ دابة مأكلاً لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه»، وقد حرم كثيراً من الدواب على من بعده من أرباب الشرائع، وغير ذلك من الوقائع الكثيرة في التوراة، وذلك يدلّ على وقوع النسخ .
وقد استدلّ بعضهم على الجواز بأُمور :
منها: إِباحة العمل يوم السبت، قد كان حاصلاً ثم نُسخ ذلك وحرِّم .
ومنها: جواز الختان قد كان ثابتاً في شرع إبراهيم (عليه السلام) بعد الكبر، ثمّ صار واجباً يوم الولادة عندهم، لأنّ موسى (عليه السلام)أوجبه.
ومنها: أن الأُختين قد كانتا مباحتين جمعاً في شرع يعقوب (عليه السلام) ثمّ حُرِّمتا .
واعترض المصنف على هذه الإِلزامات بأَنّ هذه الأحكام المتجددة   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 602 .

صفحه 291
<--- غيرُ ناسخة لما تقدمها، لأَنَّ المتقدّم إنَّما هو الإباحة الثابتة بالعقل، ورفع الحكم العقلي ليس بنسخ على ما مضى .
واحتجّ اليهود على مقالتهم بوجوه :
أَحدَها: أَنّ موسى (عليه السلام) نُقِل عنه نقلاً متواتراً أنّ شريعته مؤبدة فلو جاز نسخها لبطل هذا القول ويلزم تكذيب موسى (عليه السلام) .
والجواب: هذا الحديث مختلق، وقيل إنّه من ابن الراوندي1، والقطع حاصل بأَنّه لو كان هذا الحديث عندهم صحيحاً لعارضوا به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقضاء العادة بذلك، فلمّا لم يعارضوه به دلّ على كذبه فيه .
الثاني: إِنَّ الحكم المنسوخ إِمّا أَنْ يُنسخ لحكمة ظهرت له تعالى لم تكن ظاهرة، وإِمّا أن لا يكون، والأول يلزم منه البداء 2 وهو محال، والثاني يلزم   2

1 . أحمد بن يحيى بن محمد بن إسحاق أبو الحسين الراوندي أو ابن الراوندي، كان من متكلمي المعتزلة ثم اعتنق مذهب الشيعة الإمامية ونسبت إليه بعض الآراء، توفي سنة 245 هـ .
انظر: طبقات المتكلمين: 1 / 363 .
وقد ورد في نسخة «ج» بعد قوله «ابن الراوندي» ما يلي:
[... لتعارض دعوى الرسالة من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)... ] .
2 . لقد ورد لغط عظيم بين علماء الجمهور قديما وحديثاً بشأن البداء، عند الشيعة وكأنّه لم يرق لهم أن يصغوا لما قاله أئمتهم من آل البيت(عليهم السلام)وعلمائهم في البداء فأخذوا بالمعنى الحقيقي اللغوي للفظة فتاورثوها خلفاً عن سلف! يقول ابن الحاجب في كتابه «منتهى الوصول والأمل...» [ ص 154 و 155 ] في معرض حديثه عن النسخ:
[... وخالف... في جوازه... الروافض وإن اعترفوا بوقوعه إلاّ أنّهم فسروه بالبداء لجهلهم بالفرق، والبداء: الظهور بعد الخفاء، وذلك مستحيل على الله تعالى، والنسخ رفع الحكم في الوقت الّذي علم الله أنّه يرتفع فيه، فلم يحصل إلاّ ما علمه، فلا ظهور بعد خفاء، قالوا: إن نسخ لحكمة ظهرت له بعد إن لم تكن ظاهرة فهو معنى البداء، وإلاّ فهو عبث، وهو محال...].
ولقوله هذا مواضع للنظر:
أوّلاً: لم يذكر المصدر الّذي اعتمده في بيان رأي الشيعة ـ وحسب ما يقول: الروافض ـ في البداء .
ثانياً: لم نعرف مصدراً شيعياً قط عرّف البداء بما عرّفه ابن الحاجب فهي فرية افتراها خصوم الشيعة وتسلمها هؤلاء للتشهير بهم، والموضوعية كانت تقتضي قليلاً من الرويَّة والإنصاف وتقوى الله في قوم واجهوا اعتى موجات التشويه والتعمية والتظليل في حقهم على مرّ التاريخ.
ولأجل وضع الأُمور في محالها نلقي الضوء على «البداء» المجمع عليه عند الشيعة اجمالاً في هذه العجالة:
إن البداء عند الشيعة يختص بالتكوينيات، والمستند عندهم في ذلك هو قوله تعالى: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)الرعد: 39 .
أي كل وقت وحين يحدث أُموراً ويجدِّد احوالاً كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد قيل له: ما ذلك الشأن ؟
فقال: «من شأنّه سبحانه وتعالى أن يغفر ذنباً ويفرّج كرباً ويرفع قوماً، ويضع آخرين...» .
هذا هو الّذي قالت به الشيعة قديماً وحديثاً [ كما يقول الإمام شرف الدين العاملي ] وتسميه بداءً، وغير الشيعة يقولون به، لكنهم لا يسمونه بداءً فالنزاع في الحقيقة إنّما هو في تسميته بهذا الاسم وعدم تسميته به.
يقول الإمام شرف الدين:
[ هذا هو البداء الّذي تقول الشيعة به، تجوزاً في اطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة، لأن الله عزوجل أجرى كثيراً من الأشياء الّتي ذكرناها على خلاف ما كان يظنه الناس فأوقعها مخالفة لما تقتضيه الأمارات بمصيرها ومصير الأشياء كلها، وعلمه بهذا كله قديم أزلي، لكن لما كان تقديره لمصير الأُمور يخالف تقديره لأوائلها، كان تقدير المصير أمراً يشبه «البداء» فاستعار له بعض سلفنا الصالح هذا اللفظ مجازاً، أو كأنَّ الحكمة قد اقتضت يومئذ هذا التجوز].
ومن الطريف ما تفوه به ابن الحاجب في مقالته حيث قال: خالف الروافض في جوازه وإن اعترفوا بوقوعه!
وهذا ممّا يضحك الثكلى؟! كيف يقولون بوقوعه ولا يقولون بامكانه! وقد جرى على السنتهم: «خير دليل على امكان الشيء وقوعه!».
فما تفوه به من غريب المقال حقاً.
وقد كانت محاولة منيفة ومشرّفة لشيخنا الأُستاذ المحقّق السبحاني في البداء في كتابه القيم «الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف» جامعة لأطراف البحث بدَّد فيها الشبهات الّتي تحوم حول مقولة «البداء» في خاطر البعض فبارك الله في جهده الكريم علماً للأُمة ونبراساً لها.

صفحه 292

صفحه 293
<--- منه العبث .
والجواب هذا مبنيّ على أنَّ الأحكامَ مشروطةٌ بالمصالح وليس كذلك، ولو سُلِّم فنقول هذا إنّما يتمّ على تقدير استمرار المصلحة، أَمّا على تقدير اختلافها باختلاف الاوقات والاحوال فلا، وذلك كالدَّواءِ فإِنّه قد ينفع في وقت ويضر في آخر، وعلى هذا التقدير لا يلزم ظهور أمر خفي.
والثالث: الحكم المنسوخ إمّا أَنْ يكون مقيّداً بوقت وإمّا أَنْ يكون مؤبَّداً، فإن كان مقيّداً بوقت لم يكن زوال الحكم حينئذ نسخاً بل إنّما زال لإِنتهاء مدّتِهِ، وإنْ كانَ دالاًَّ على التأبيد لم يقبل النسخ وإلاّ لزم التناقض لأَنَّ الحكم دال على التأبيد والنسخ دال على عدمه، ولأَنَّه لو جاز نسخ الحكم المؤبد تعذر الإخبارُ عن التأبيد، فإِنَّه ما من حكم أُخبر عنه بالتأبيد إلاّ ويجوز أن يكون منسوخاً، وأيضاً لو وقع النسخ   2

صفحه 294
<--- في الحكم المؤبَّد لم يبق وثوق بتأبيد حكم أصلاًّ 1، فإنّه يلزم من ذلك جواز نسخ شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن قُيّدت بالتأبيد.
والجواب أنْ نقول: تقييد الفعل بالتأبيد لا يمنع النسخ، وكيف لا يكون ذلك وهو شرطه، وأبلغ من هذا ما ذهب إليه الأشاعرة من جواز نسخ الفعل قبل حضور وقته ; وقولهم: «يلزم التناقض للإخبار بأنّه مؤبّد وليس بمؤبّد»، ممنوع لأَنَّ الأمرَ بشيء في المستقبل ـ وإِنْ كان بصيغة التأبيد كقولهم: «صم رمضان أبداً» ـ يوجب بدلالة النص أَنَّ الجميع متعلق الوجوب، ولا يلزم من ذلك استمرار الوجوب فلا يتناقض كالموت 2، نعم الممتنع: الإخبار ببقاء الوجوب أبداً ثم النسخ .3
الرابع: لو جاز النسخ لكان إِمّا قبل الفعل أو بعده أو معه، والكلّ باطل، أمّا الأوّل فلأَنّ ارتفاع الشيء مسبوق بوجوده، وأمّا الثاني فلأَنّ ارتفاع الفعل الّذي وجد وانقضى محال، وأَمّا الثالث فلأَنّه يلزم منه ارتفاع الشيء حال وجوده، وذلك يستلزم اجتماع النقيضين وهو أبلغ في الاستحالة.
والجواب: المراد من النسخ إنّما هو رفع التكليف الّذي كان ثابتاً على المكلف، كما تقول في الموت 4 ولا نعني بذلك أنَّ الفعل يرتفع.   2

1 . في النسختين بعد كلمة «أصلاً» وردت العبارة التالية:
[... وذلك ينفي الوثوق بوعده ووعيده وأيضاً... ] .
2 . في نسخة «ج» بعد كلمة «الموت»: [ فإن تعلق خطاب الوجود بالمكلف يدل على أن جميع عمره ولو كان مائة سنة متعلق الوجوب لا أنّه يستمر الوجوب مائة سنة ] .
3 . المعتمد: 1 / 372 .
4 . يريد: كما أنَّ التكليف يرتفع بالموت.

صفحه 295
<--- الخامس: إمّا أنّ يكون الله تعالى علم استمرار الحكم أبداً أو إلى وقت معيّن، وعلى التقديرين لا نسخ، أَمّا الأول فلأنّ علم الله تعالى يستحيل انقلابه جهلاً. وأَمّا الثاني فلأنّ ارتفاع الحكم المقيّد بالغاية عند وجود الغاية ليس بنسخ .
والجواب: أَنّ الله تعالى يعلمه مستمراً إلى وقت الارتفاع بالنسخ، وعلمه بارتفاعه بالنسخ لا يمنع من النسخ بل يقويه ويحققه .
وأَمّا الرد على الاصفهاني فالإجماع على أَنَّ شريعتنا ناسخة لما يخالفها، على أَنَّ التوجه إلى القبلة ناسخ للتوجه إلى بيت المقدس، وآية المواريث عندهم ناسخة لآية الوصية للأقربين، وأمثال ذلك كثيرة.

صفحه 296
قال: مسألة: المختار: جواز النسخ قبل وقت الفعل، مثل:
حُجّوا هذه السنة، ثم يقول قبله: لا تحُجّوا. ومنع المعتزلة
والصيرفيُّ.
لنا: ثبت التكليف قبل وقت الفعل، فوجب جوازُ رفعه، كالموت.
وأيضاً، فكُلُ نسخ كذلك، لأنّ الفعل بعد الوقت ومعه يمتنع نسخه.
واستُدلَّ بأَنَّ ابراهيم(عليه السلام)أُمِرَ بالذبح بدليل: (إفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ )1وبالإقدام وبترويع الولد، ونُسخ قبل التمكّن.
واعْتُرض: بجواز أنْ يكون موسعاً.
وأُجيب بأَنَّ ذلك لا يمنع رفع تعلّقِ الوجوب بالمستقبَل، لأَنَّ الأمرَ باق عليه، وهوالمانع عندهم، وبأنّه لو كان موسّعاً لقضت العادة بتأخيره رجاءَ نسخِهِ أو موته، لِعِظَمِهِ.
وأَمّا دَفْعُهُم بمثل: لم يُؤمر، وإنّما تَوَهَّم، أو أُمِرَ بمقدماتِ الذبح، فليس بشيء، أو ذَبَحَ وكان يلتحم عَقِيْبَهُ، أو جُعِل صفيحة نُحَاس أو حديد، فلا يُسمع، ويكون نسخاً قبل التمكّن.
   
قالوا: إنْ كان مأموراً به ذلك الوقت توارد النفي والإثبات، وإن لم يكن فلا نسخ.

1 . الصافات: 102 .

صفحه 297
وأُجيب: بأنَّه لم يكن بَل قَبْله، وانقطع التكليف عندَهَ كالموت. *

[ جواز النسخ قبل وقت العمل ]

* أقول: اختلفوا في جواز النسخ قبل دخول وقت الامتثال 1، مثل: «حجّوا في هذه السنة» ثمّ يقول قبل الوقت: «لا تحجّوا في هذه السنة» فذهب الأشاعرة إلى جوازه، وذهبت المعتزلة إلى المنع منه، وهو مذهب أبي بكر الصيرفي وبعض أصحاب أحمد بن حنبل.
احتجّ المجوزون بوجوه:
الأوّل: أنّ التكليف قبل وقت الفعل واقع اتفاقاً فوجب جواز رفعه حينئذ كالموت. 2
الثاني: لو منع من النسخ قبل الفعل لزم إبطال النسخ أصلاً، فإنَّ كلَّ نسخ إنّما هو رفع الحكم قبل وجود وقته، لأنَّ الفعل بعد الوقت ومعه يمتنع نسخه، وإلاّ لزم نسخ المرتفع واجتماع النقيضين، فلم يبق النسخ وارداً إلاّ على الفعل قبل حضور وقته .
وهذان الوجهان ارتضاهما المصنف، وهما ضعيفان ; أَمّا الأول فلأَنّا لا نسلم جواز رفع التكليف الثابت قبل الفعل، وإلاّ لم يحصل منه فائدة التكليف   2

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 317 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3 / 23 ; المحصول: 1 / 544 ; المعتمد: 1 / 377 .
2 . في النسختين بعد كلمة «الموت» :
[ أي كرفعه بالموت لاشتراكهما في قطع تعلّق التكليف عن المكلف ] .

صفحه 298
<--- فيكون التكليف عبثاً 1، وأَمَّا الموت فيُمنع كون مَنْ علم الله تعالى أَنَّه يموت قبل الفعل 2 مكلّفاً، وأمّا الثاني: فالفرق حاصل لأَنَّ التكليف الّذي فُعل في بعض الأوقات جاز رفعه في البعض الآخر لحصول الفائدة منه ولجواز تغيّر المصلحة فيه بحسب تغيّر الوقت، أَمّا التكليف الّذي لم يُفعل البتة ولا حضر وقت فعله، لو رفع لفُقِدت الفائدة منه واستحال تغيّر المصلحة فيه بحسب تغيّر الوقت.
الثالث: أنَّ إبراهيم (عليه السلام) أُمر بذبح ولده ونُسخ ذلك قبل التمكّن، وأَمّا الصغرى فبدليل قوله: (إفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ )3 يعني في قوله: (إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)4 .5 وبالإِقدامِ على الذبح وترويع الولد وتخويفه6، وأمّا الكبرى فظاهرة.7   2

1 . في نسخة «ج» فقط بعد كلمة «عبثاً» :
[ قلت: لا نسلم بل الابتلاء من أعظم الفوائد ] .
2 . في نسخة «ج» بعد كلمة «الفعل»:
[ قلت: نعم، لأنّه مخاطباً به ] .
3 . الصافات: 102 .
4 . الصافات: 102 .
5 . في النسختين بعد الآية :
[ ولما روي من أنَّ الله تعالى قال لإبراهيم: اذبح ولدك ] .
6 . في النسختين بعد كلمة «تخويفه»:
[ وذلك حرام من غير الأمر بالذبح والاذن فيه ] .
7 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «فظاهرة»:
[ وأما النسخ فلقوله: (وَ فَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم) وأما أَنَّ النسخ كان قبل التمكن فلأنّه لو كان بعد التمكن لَعصى بتأخيره .
وأُعترض على هذا بأنَّ العصيان إنّما يلزم لو كان الأمر مضيّقاً لا يجوز التأخّر عنه وهوغير معلوم فلم لا يجوز أن يكون الوقت موسّعاً وكان النسخ بعد مضي زمان يسع للذبح فلا يلزم العصيان ولكون النسخ قبل التمكّن ] .

صفحه 299
<--- واعترض بعض الأُصوليين على هذا بأنّه إنّما يلزم ذلك على تقدير أن يكون النسخ وقع قبل التمكّن من الإمتثال، ونحن نمنع ذلك بل إنّما وقع بعد التمكن من الامتثال، والخلاف وقع في ذلك لا في جواز النسخ قبل التمكّن، ولا يتم ذلك إلاّ ببيان أَنَّ الأمرَ على الفور، وأَنَّ وقت الأمر كان مضيّقاً لا موسّعاً ثمّ ينسخ، ولكن ذلك ممنوع .
وأجاب المصنف عن هذا الاعتراض من وجهين:
أحدهما: أَنَّ كونه موسّعاً لا يمنع رفع تعلّق الوجوب بالمستقبل،1 لأنّ الأمر باق، 2 وهو المانع عندهم من نسخ الشيء قبل فعله.
الثاني: إِنَّ هذا الأمرَ لو كان موسّعاً لوقع التأخير من إبراهيم (عليه السلام) بقضاء العادة بذلك رجاءً لنسخه أو موته 3 فيزول عنه التكليف بذلك لعظم هذا الأمر .   2

1 . ورد في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «المستقبل»:
[ أي من كون نسخ الذبح قبل التمكن من فعله لكونه قبل دخول وقته ]
2 . ورد في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «باق»:
[... على المكلف في الوقت الموسّع إذا لم يأت بالمأمور به، وإذا كان الأمر باقياً عليه في الوقت الموسّع ـ وبقاء الأمر عليه هو المانع عند الخصوم من جوازالنسخ حينئذ لأَنّه يلزم عندهم توارد النفي والاثبات ـ فيمتنع النسخ حينئذ في جميع أَزمنة الموسّع وإذا امتنع نسخ الذبح في الوقت الموسع وبعده بالإِتفاق وقد ثبت نسخه، فيكون قبل وقته، وهو المطلوب ].
3 . جاء في النسختين بعد كلمة «موته»: [... موت إبراهيم (عليه السلام) لكبر سنه... ]

صفحه 300
<--- واعْلم أَنّ جماعةً من الاصوليين دفعوا اصل الاستدلال من وجوه:
أَحدها: أَنّه (عليه السلام) لم يُؤمر بالذبح وإنّما تَوهَّم ذلك، أو أَنَّه أُمِرَ بمقدمات الذَبْح وهذا ليس بشيء لأَنّ قوله: (إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)1 ـ مع أَنّ منامات الأنبياء (عليهم السلام) لا يتطرق إِليها الغلط لكونها وحياً ـ يدفع ذلك، وأيضاً فلو لم يكن مأموراً بالذبح لم يكن محتاجاً إلى الفِداء.
الثاني: أَنّه امتثل وذبح وكان كُلَّما قطع جزءً لحمهُ الله تعالى.
الثالث: أنّه جعل على حلقه (خلفه) صفيحة نحاس أو من حديد وكان يمتنع من الذبح .
وهذان العذران ضعيفان، أمّا الأول فلانّه لو كان كذلك لما أُحتيج إلى الفداء. وأمّا الثاني فلأنّه تكليف ما لا يطاق فهو باطل عند المعتزلة، وأيضاً فلأنّه قد ينسخ الفعل قبل التمكّن منه، وذلك عين المطلوب .
واحتجّ المانعون بأنّ التكليف في وقت الفعل إِنْ كان مأموراً به مع رفعه عنه لزم توارد النفي والاثبات، وهو التكليف وعدمه وهو محال، وإنْ لم يكن مأموراً به في ذلك الوقت لم يكن نسخ .
جواز النسخ عند الجمهور إذا قارنه لفظ التأبيد   
وأجاب المصنف بأَنّه في ذلك الوقت ليس بمكلَّف لوجود الناسخ وقد كان مأموراً قبل ذلك الوقت بالفعل فيه، ولولا النسخ لاستمرَّ الأمرُ إلى ذلك الوقت بل انقطع التكليف عند ذلك الوقت للناسخ كالموت.

1 . الصافات: 102 .

صفحه 301
قال: مسألة: الجمهور [ على ] جواز النسخ مثل: صوموا أبداً، بخلاف: الصومُ واجبٌ مستمرٌ أبداً.
لنا: لا يزيد على: صُمْ غدّاً ثم ينسخ قبله.
قالوا: متناقض.
قلنا: لا منافاة بين إيجاب صوم غد وانقطاع التكليف قبله، كالموت.*
* أقول: اتّفق الجمهور على أنّ الحكم إذا قارنه لفظ التأبيد قبِل النسخ إذا كان أمراً 1، واختلفوا في الخبر .
واستدلّ المصنّف بأَنّ قوله: «صوموا أبداً» لا يزيد على قوله: «صوموا غداً» مع قبول الأخير النسخ قبل الفعل على ما مضى فيكون الأول قابلاً له، وأيضاً شرط النسخ وروده على أمر أريد منه الدوام، والتأبيد هو الدوام، فكيف يكون شرط الشيء منافياً له ؟
احتجّوا: بأنَّ الأمرَ به على التأبيد مع رفعه ممّا يتناقضان .
والجواب: أَنّه لا منافاة بين إيجاب صوم غد، وانقطاع التكليف بالناسخ قبله، كما في الموت وقد مضى.

1 . وجاء بعد كلمة «أمراً» في النسختين ما يلي:
[ وخالف فيه جماعة يسيرة، بخلاف ما إذا كان خبراً كقوله: «الصوم واجب مستمرُ أبداً» لأنّه يلزم منه التناقض ] .

صفحه 302
قال: مسألة: جواز النسخ من غير بدل .
لنا: أنَّ مصلحة التكليف قد تكون في ذلك، وأيضاً فإنّه قد وقع كنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر، وتحريم إدّخار لحوم الأَضاحي .
قالوا: (نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا).
وأُجيب بأَنَّ الخلاف في الحكم لا في اللفظ. سلمّنا لكن خُصِّصَ. سلمنا ويكون نسخه بغير بدل خيراً لمصلحة عُلِمت، ولو سُلِّم أنّه لم يقع، فمن أينَ لم يَجُز.*
* أقول: إِتّفق الجمهور 1 على جواز النسخ لا إلى بدل، وخالف في ذلك بعض الناس، والدليل على جوازه أَنَّ مصلحة التكليف قد تكون في عدمه في وقت والشكّ في أنّ التكليف تابع للمصلحة عند المعتزلة، فكان في ذلك الوقت ساقطاً. وعند الأشاعرة الأمر فيه ظاهر فإِنّهم لا يعللون بالمصالح. وأيضاً فإنّ النسخ لا إلى بدل قد وقع وهو دليل على الجواز وبيان وقوعه نسخ وجوب الإِمساك بعد الفطر في الليل، وتحريم إِدِّخار لحوم الأضاحي، وتقديم الصدقة عند المناجاة، وغير ذلك.
احتج المخالف بقوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)2 .
والجواب من وجوه:    2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3 / 43 ; المحصول: 1 / 546 .
2 . البقرة: 106 .

صفحه 303
أحدها: أَنّ الخلاف إنّما وقع في وجوب الاتيان بحكم آخر لا في الاتيان بآية أخرى .
الثاني: أَنّ هذا عام ويجوز تخصيصه وقد خُصِّص بما ذكرناه أوّلاً.
الثالث: لِمَ لا يجوز أَنْ يكون عدم الحكم خير من وجوده لمصلحة علمها الله تعالى، فإذا رفعه يكون قد أَتى بالخير.
الرابع: أَنَّ هذا يدل على عدم الوقوع لا على عدم الجواز.

صفحه 304
جواز النسخ بالأثقل   
قال: مسألة: الجمهور على جواز النسخ بأَثْقل.
لنا: ما تقدّم، وبأَنَّه نُسخ التخيير في الصوم والفدية، وصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت بالحدِّ.
قالوا: أبعدُ في المصلحة.
قلنا: يَلزمُكم في إِبتداءِ التكليفِ، وأيضاً، فقد يكون عَلِمَ الأَصلَحَ في الأَثْقل كما يُسْقِمُهم بعد الصِّحَّة ويُضعِفَهم بعد القوّةِ.
قالوا: (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ )، (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ).
قلنا: إِنْ سُلِّم عمومٌ فسياقُها للمآلِ في تخفيف الحساب وتكثير الثواب، أو تسميةٌ للشيء بعاقِبَتِهِ مثلُ:
لِدُوا للموت وابْنُوا للخرابِ
وَإِنْ سُلِّم الفورُ فمخصوص بما ذكرناهُ كما خُصَّتْ ثِقَاُل التكاليفِ والإِبتِلاَءُ باتِّفاق.
قالوا: (نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)والأشقُّ ليس بخير للمكلّف.
وأجيب: بأنّه خيرٌ باعتبار الثواب. *

[ جواز النسخ بالأثقل ]

* أقول: اتّفق الجمهور على جواز نسخ الشيء بالأثقل منه، 1 وخالف   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3 / 45 .

صفحه 305
<--- في ذلك بعض أهل الظاهر، والدليل على جوازه ما قدّمناه من كون التكليف منوطاً بالمصلحة وجاز مقارنة المصلحة للأَثقل .
وأيضاً فإِنّه قد وقع وذلك لأَنَّ الله تعالى أَوْجب في إِبتداءِ الإسلام صوم رمضان أو الصدقة عنه ثمّ نسخ ذلك بتعين الصوم، ولا شكّ أَنّ تعيين الصوم أَثقل من التخيير بينه و بين الفداء، وأيضاً نسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان وهو أثقل، ونسخ الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم وهو أثقل.
احتجّوا1 بوجوه:
أحدها: أَنّ التكليف بالأَثقل أبعد في المصلحة، 2 فيكون غير واقع.
والجواب: أَنّ هذا لازم في التكليف المُبتدأ 3، وأيضاً فقد يكون الأَصلح في الأَثقل4 في علمه، كما أَنّه يمرّض الصحيح لمصلحة ويضعّف القوي لمصلحة .
الثاني: قوله تعالى: (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) 5 وقوله: (يُرِيدُ   2

1 . أي المانعون.
2 . في النسختين بعد كلمة «المصلحة»:
[ لكونه إضراراً في حق المكلفين لأنَّ المكلف إِنْ فعل لحصلت له المشقة العاجلة، وإنْ لم يفعل حصل العقاب ].
3 . في النسختين بعد كلمة «المبتدأ» :
[ لفعل المكلف من الإباحة والإطلاق إلى مشقة التكليف ] .
4 . بدل قوله: «الاصلح في الأثقل» في النسختين ما يلي:
[ يكون أصلح في الثقل إلى الأثقل ] .
5 . النساء: 28 .

صفحه 306
<--- اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )1 وذلك يقتضي المنع من النسخ بالأثقل .
والجواب: لا نسلِّم العموم في كلّ تكليف، ولو سُلِّم ذلك فالمراد منها 2أَحوال الآخرة في تخفيف الحساب وتكثير الثواب، أو يكون المراد منه العاقبة مثل قوله: «لِدُوا للموت وابنوا للخراب»3، ولو سلمنا أنَّ المراد به الأحوال الدنيوية لكنّه مخصوص بما ذكرناه من الأحكام كما خُصَّت ثقال التكاليف، والابتلاء منه بالإتفاق.
الثالث: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)4 والأشق ليس بخير ولا مماثل.
جواز نسخ التلاوة   
والجواب: أنّ الأشق خير باعتبار الثواب .

1 . البقرة: 185 .
2 . في النسختين بعد كلمة «منها» :
[ التخفيف في كل شيء في المآل بتخفيف الحساب وتكثير الثواب أو في الحال ويكون المراد منه العاقبة مجازاً مثل قوله: «لِدُوا للموت وابنو للخراب». ولو سلَّمنا أَنَّ المراد به التخفيف والتيسير في كل شيء فالحال حقيقة وهو المراد بقوله: «ولو سلم الفور» يعني التخفيف في كلِّ شيء حالاً، لكن الآية مخصوصة بما ذكرناه من الأَدلة الدّالة على الوقوع جمعاً بين الأدلة كما خصصت ثقال التكاليف المبتدأة وبالابتلاء منه بالاتفاق ] .
3 . الفصول المهمة في أُصول الأئمة: 1 / 297 .
وهو شطر من بيت نسب للإمام علي (عليه السلام)والبيت هو: له مَلَكٌ يُنَادي كُلَّ يوْم *** لِدُوا للموت وأبْنوُا للخرابِ ***
4 . البقرة: 106 .

صفحه 307
قال: مسألة: الجمهور على جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس; ونسخهما معاً. وخالف بعض المعتزلة.
لنا: القطع بالجواز، وأيضاً: الوقوع عن عمر: كان فيما أُنزل: «الشيخ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتَّة»، ونُسِخَ الاعْتِدادُ بالحول.
وعن عائشة: كان فيما أُنزل: «عشر رضعات مُحرِّمات» .
والأَشبه جواز مس المحدث للمنسوخ لفظه.
قالوا: التلاوة مع حكمها كالعلم مع العالمية، والمنطوق مع المفهوم، فلا ينفكّان.
واُجيب: بمنع العالمية والمفهوم، ولو سُلّم فالتلاوة أمارة الحكم ابتداءً لا دواماً فإذا نُسخَ لم ينتف المدلول، وكذلك العكس.
قالوا: بقاء التلاوة توهم بقاء الحكم فيوقع في الجهل .
وأيضاً فتزول فائدة القرآن.
قلنا: مبنيُّ على التحسين، ولو سُلّم فلا جهل مع الدليل لأَنَّ المجتهد يعلم، والمقلد يرجع إليه، وفائدته كونه معجزاً وقرآناً يُتلى. *

[ جواز نسخ التلاوة ]

* أقول: التلاوة والحكم عبارتان1 غير متلازمتين، فعند الجمهور   2

1 . في جميع النسخ وردت كلمة «عبادتان»، والصحيح على ما يبدو ما اثبتناه .

صفحه 308
<--- جواز نسخ كلّ واحدة منهما مع بقاء الأُخرى ونسخهما معاً، وخالف بعض المعتزلة في ذلك .
والدليل على الجواز ; أَنّه لا يلزم منه محال قطعاً، وأيضاً الوقوع دالّ عليه، رُوي عن عمر أَنَّه قال:
«كان فيما أنزل الله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» .1
وقد نسخت التلاوة دون الحكم .
وروي عن عائشة: «كان فيما أُنزِل عشر رضعات محرِّمات، فنسخت بخمس» وليس في المصحف عشر رضعات محرِّمات ولا حكمها، فهما منسوخان.
ونسخ الاعتداد بالحول 2 مع بقاء التلاوة .3
والأولى على هذا البحث جواز مس المحدث للمنسوخ لفظه لخروجه عن كونه قرآناً، وعدم جواز مسه للمنسوخ حكمه مع بقاء تلاوته لبقائه قرآناً.
احتجّوا 4: بأَنّ منزلة التلاوة من الحكم كمنزلة العلم من العالمية، والحركة من المتحركية، والمفهوم من المنطوق، ووجه المشابهة بينهما أَنّ العالمية لا تتحقق من دون العلم، والمتحركية لا تتحقق من دون الحركة، والمفهوم لا يتحقق من   2

1 . المجموع: 20 / 7، إعانة الطالبين: 4 / 166 ; الموطأ: 2 / 824 .
2 . في نسخة «ج» بعد «الحول»: [ وهو قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج)البقرة: 240.
3 . إشارة إلى الآية 240 من سورة البقرة.
4 . أي المانعون .

صفحه 309
<--- دون المنطوق، والحكم لا يتحقق من دون التلاوة فقد وقعت المشابهة بينهما في الاستلزام، ولَمَّا امتنع هناك انفكاك العلم عن العالمية فكذا هاهنا .
والجواب: المنع من مغايرة الحركة للمتحركية والعلم للعالمية 1، ولو سُلِّم ذلك فالتلاوة أمارة للحكم ابتداءً لا دواماً فلا يلزم من نسخها نسخ المدلول ولا العكس 2 .
واحتجّوا أيضاً: بأنَّ بقاء التلاوة من دون الحكم يوهم بقاؤه فيلزم الوقوع في الجهل وتزول فائدة القرآن 3، وهي التبيان والإيضاح.
والجواب: هذا مبنيٌ على قاعدة الحسن والقبح وهي ممنوعة عند الأشاعرة ; ولو سُلِّم فالجهل إنّما يلزم لو لم يوجد دليل على النسخ، أمّا مع وجوده فلا، والدليل يفهمه المجتهد، والمقلد يرجع إلى المجتهد، وفائدة بقاء التلاوة إِعجاز المتلو وكونه قرآناً يُتلى فتحصل منه فائدة الثواب.

1 . في النسختين بعد كلمة «للعالمية»:
[... والمنع من تحقق المفهوم أو من استلزام المنطوق له... ].
وما في الإحكام للآمدي: 3 / 155 : [... ولا الملازمة بين المنطوق والمفهوم ليصح التمثيل ].
2 . في النسختين بعد كلمة «العكس»:
[ بخلاف العلم والمنطوق فإنهما دليلان على العالمية والمفهوم دواماً ] .
3 . بعد كلمة القرآن في النسختين:
[ أيضاً، إذ اللفظ من دون حكم عبث ] .

صفحه 310
   
قال: مسألة: المختار: جواز نسخ التكليف بالإخبار بنقيضه، خلافاً للمعتزلة .
وأما نسخ مدلول خبر لا يتغيّر، فباطلٌ. والمتغيّر كإيمان زيد، وكفرهِ مثلُهُ; خلافاً لبعض المعتزلة. واستدلالهم بمثل: «أنتم مأمورون بصوم كذا» ثم يُنسخ برفع الخلاف.*

[ جواز نسخ التكليف بالإخبار بنقيضه ]

* أقول: إِتّفق الناس على جواز نسخ تلاوة الخبر، وعلى جواز نسخ التكليف به بأَنْ يكون قد كُلِّفنا الإخبار بشيء، ثمّ ينسخ عَنَّا التكليف بالإخبار عنه، سواء كان ذلك الخبر مما يتغيّر مدلوله كوجود زيد أو لا يتغير كوجود الله تعالى.
واتّفقوا على امتناع نسخ مدلول الخبر إذا كان لا يتغير، وإنّما الخلاف وقع في مقامين :
الأول: هل يجوز نسخ الإخبار بشيء بالإخبار بنقيضه إذا كان مدلول الخبر لا يتغير؟
اتفقت المعتزلة على امتناعه لأنّه كذب، والتكليف بالكذب قبيح غير واقع من الله تعالى، والاشاعرة لَمّا بطل عندهم هذا الأصل جوزوا ذلك .
الثاني: هل يجوز نسخ مدلول الخبر إذا كان متغيّراً كالإخبار بإيمان زيد؟ هل يجوز رفعه؟
ذهب القاضي أبو بكر والجبّائي وأبو هاشم وغيرهم إلى امتناعه، وذهب   2

صفحه 311
<--- أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وأبوالحسين البصري1 إلى جوازه، وفصّل آخرون فقالوا: الخبر إنْ كان ماضياً استحال نسخه وإِنْ كان مستقبلاً كان جائزاً.
واحتجّ المانع: بأنّه يكون كذباً، كما لو قال: أهلك الله زيداً، ثمّ قال: ما أهلك الله زيداً.
وأجاب المجوزون: بأَنَّ الإخبار هاهنا عن أمر متحدّ، فيستحيل رفعه بخلاف الإِخبار عن المتكرر فإِنَّه لمّا كان عامّاً جاز رفع بعضه، ويكون الناسخ معرِّفاً لإخراج بعض ما تناوله اللفظ، كما في الأوامر والنواهي.
واستدلالهم ـ يعني استدلال المجوزين ـ بجواز نسخ الخبر الّذي يكون مدلوله حكماً شرعياً تكليفياً نحو: «أنتم مأمورون بصوم كلّ رمضان» يرفع الخلاف بينهم وبين المانعين لأنَّهم أيضاً يجوزون نسخه، قالوا: لأَنَّ الخبر إذا كان على ما وصفنا كان في معنى الأمر، فيجوز نسخ حكمه كما جاز نسخ حكم الأمر والنهي.

1 . عدة الأُصول: 2 / 537 ; المعتمد: 1 / 388 .

صفحه 312
قال: مسألة: يجوز نسخ القرآن بالقرآن كالعدّتين، والمتواتر بالمتواترِ، والآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر، وأَمَّا نسخُ المتواتر بالآحاد فنفاه الأكثرون، بخلاف تخصيص العامِّ، كما تقدَّم.
لنا: قاطعٌ فلا يقابله المظنون.
قالوا: وَقَعَ بأَنَّ أهلَ قُباءَ سمعوا مناديه (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا إنَّ القبلة قد حُوِّلت، فاستداروا، ولم يُنْكر عليهم.
أُجيب: عَلِموا بالقرائن، لما ذكرناه.
قالوا: كان يرسل الآحاد بتبليغ الأَحْكامِ مبتدأةً وناسخةً.
أُجِيبَ: إلاَّ أَنْ يكون ممّا ذكرناه، فيعلم بالقرائن، لما ذكرناه.
قالوا: (قُلْ لاَ أَجِدُ )1 نسخ بِنَهْيِهِ عن أكلِ «كُلِّ ذي ناب من السباع» فالخبرُ أجدرُ.
أُجيب: إمَّا بمنعهِ، وإمَّا بأنَّ المعنى: لا أجدُ الآن. وتحريم حلال الأصل ليس بنسخ.*

[ نسخ القرآن بالقرآن ]

* أقول: إِتّفقَ المجوزون للنسخ على جواز نسخ القرآن بمثله (2) كما   2

1 . الأنعام: 145 .   2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3 / 75 .

صفحه 313
<--- في الاعتداد بالحول المنسوخ بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر، أو في وجوب تقديم الصدقة بقوله: (َأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات)1الآية، ووجوب ثبات الواحد للعشرة بقوله: (اَلآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ)(2). واتفقوا أيضاً على جواز نسخ السُنَّة المتواترة بالسنة المتواترة، ونسخ الآحاد من السنة بالمتواتر منها، ونسخ الآحاد بالآحاد كتحريم زيارة القبور وإباحتها; واختلفوا في نسخ المتواتر منها بالآحاد بعد اتفاقهم على جوازه عقلاً، فمنعه الجمهور واثبته أهل الظاهر .
واحتجّ الجمهور: بأَنّ المتواتر قاطع والآحاد مظنون فلا يقابله بل يعمل بالمتواتر ويطرح المظنون .
احتجّ الظاهريون بوجوه:
أحدها: أَنّ وجوب التوجّه إلى بيت المقدس كان ثابتاً بالسُنَّة المتواترة وأهل قُباءَ كانوا يصلّون إليه، فلمّا نسخ جاءهم منادي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لهم: «إِنَّ القبلة قد حُوِّلت» فاستداروا في الصلاة بمجرد خبره،2 والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُنكر عليهم ذلك .
والجواب: يُحتمل أَنَّهم إنّما رجعوا للقرائن المنضمّة إلى ذلك الخبر كإعلان الناس بذلك وقربهم من مسجده (صلى الله عليه وآله وسلم) 3، والقرائن قد تفيد العلم ومثل هذا   2

1 . المجادلة: 13.   2 . الأنفال: 66 .
2 . تذكرة الفقهاء: 3 / 5 ; ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: 3 / 157 ; الأُم: 1 / 115; المجموع: 3 / 243 ; الموطأ: 1 / 195 ; المغني: 1 / 484 .
3 . في النسختين بعد كلمة مسجده: [... لا يقال: يستلزم ما ذكرتموه انسداد باب العلم بخبر الواحد، لأنّه يمكن اقترانه بقرائن يكون عمل الصحابة بناء عليها لا على إخبار الآحاد. لأنا نقول: نحن إنّما قلناه هاهنا لحصول التعارض بين المقطوع والمظنون، وإليه أشار بقوله: «لما ذكرنا» أي لعدم مقابلة المظنون للمقطوع. الثاني أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)... ] .

صفحه 314
<--- الخبر يجوز النسخ به .
الثاني: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يُنفذ آحاد الناس إلى اقطار الأَرض ليبلِّغوهم الاحكام المبتدأة والناسخة من غير فرق بينهما، ولولا قبول الآحاد في ذلك وإلاّ لما وجب القبول ولَما ساغ للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الإِنفاذ .
والجواب: 1 إنّما كان يفعل ذلك إذا انضم إلى ذلك الخبر من القرائن ما يوجب .
الثالث: أَنّه قد نُسخ قوله تعالى: (لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ)2 «الآية» بتحريم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ ذي ناب من السباع 3، مع أَنّه من الآحاد، وإذا نُسخ4بالنهي فنسخه بالخبر أولى.
في تعيين الناسخ والمنسوخ   
والجواب: المنع من أَنَّ هذا منسوخ بهذا الحديث 5، وأيضاً فلأنّ   2

1 . في كلا النسختين بعد كلمة «الجواب»:
[ ما ذكرتم من الإِرسال والقبول صحيح، إلاّ أَنَّ يكون الخبر ما ذكرناه، وهو كونه ناسخاً لمتواتر، فإنّه يعلم صدقه بالقرائن لما ذكرناه من أنّ القاطع لايقابل المظنون ] .
2 . الأنعام: 145 .
3 . الرسالة: 208 ; الأُم: 1 / 22 ; المجموع: 9 / 7 ; الموطأ: 2 / 496 ; عوالي اللآلي: 1 / 183 .
4 . في النسختين بعد كلمة «إذا نسخ»: [ القرآن بالخبر الواحد فنسخ الخبر المتواتر به أولى ].
5 . في النسختين بعد كلمة «الحديث» ما يلي:
[ لجواز أن يكون تناول الوحي إلى زمان فقط فلا ينسخه النهي بعده ;
سلمنا أنّه نسخ ولكن نمنع أنّه نسخ نهيه لجواز أن يكون المراد عدم الوجدان حالة الإخبار فيبقى ما عدا الثلاثة على الإِباحة الأصلية ] .

صفحه 315
قال: ويَتَعَّينُ الناسخ بِعلم تأخُرِهِ أو بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا ناسخٌ، أو ما في معناهُ مثلُ: «كنت نهيتكم»، أو بالإجماع، ولا يثبتُ بتعيين الصحابيِّ، إذ قد يكون عن اجتهاد; وفي تعيين أحد المتواترين نظرٌ.
ولا يثبت بقبليّته في المصحف، ولا بحداثة الصحابيِّ، ولا بتأخُّر اسلامه، ولا بموافقةِ الأصل، وإذا لم يُعلم ذلك فالوجهُ الوقفُ لا التخييرُ.*
<--- مدلول الآية عدم الوجدان حالة الإِخبار، فتحريم ذي ناب من السباع إنّما يكون رافعاً لحكم الأصل وهو الاباحة، 1 فلا يكون نسخاً .
* أقول: الحكمان المتنافيان 2 إذا كانا معلومين أو مظنونين وعُلم تأخر أحدهما عن الآخر فالمتأخّر ناسخ للمتقدّم، وقد يعرف كون أحدهما ناسخاً للآخر بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا ناسخ لذلك أو يقول ما هو في معناه كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»،3 فإنَّ هذا دالٌ على نسخ النهي.   2

1 . والصحيح أن يقول «البراءة» بدل «الإباحة» لأن طريقة الاستدلال هي أنَّ عدم التحريم يثبت بالآية ولازم ذلك بقاء البراءة الأصلية لا ثبوت الإباحة، والبراءة هي الّتي رفعت بالحديث كما اشار البعض فليست من النسخ في شيء.
2 . لاحظ : نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3 / 87 .
3 . وسائل الشيعة: 14، باب جواز أكل لحوم الاضاحي بعد ثلاثة أيّام، الحديث 7; الفصول المختارة: 131 ; عوالي اللآلي: 1 / 45 ; بحار الأنوار: 10 / 441 ; المستدرك: 1 / 374 ; المعجم الاوسط: 3 / 219 ; تفسير الرازي: 30 / 144 ; الإحكام، للآمدي: 3 / 146 .

صفحه 316
<--- وقد يعرف النسخ بالاجماع كما إذا أجمعت الأُمّة على أَنَّ هذا الحكم ناسخ لذاك، وقد يعرف ذلك بقول الراوي: «كان هذا الحكم ثابتاً في السنة الفلانية وهذا في السنة الفلانية»، فإنَّ المتأخّر يكون ناسخاً للمتقدّم .
وهاهنا طُرُق أُخرى ذهب المحققون إلى أنّها غير صالحة لذلك :
منها: قول الصحابي: «كان الحكم كذا ثم نسخ»، وإنّما لم يكن صالحاً لجواز أَنْ يكون قد قال هذا عن اجتهاد.
ومنها: أَنْ يقول في أحد الخبرين المتواترين: «أَنَّه كان قبل الآخر» لأَنّ ذلك يتضمن نسخ المتواتر بالواحد. والمصنف يشكّك هاهنا 1 من حيث أَنَّ النسخ ليس قول الواحد، وإنّما هو بالمتواتر الآخر، والخبر إِنَّما هو معيّن لذلك، فإنّا كنّا عالمين بأَنَّ أحدهما ناسخ للآخر .
والقاضي عبد الجبار جعل هذا الطريق صالحاً للعلم بالناسخ، ويُمثِّل في ذلك بقبول قول القابلةِ في أَنَّ هذا الولد من إحدى المرأَتَينِ، فإِنَّ هذا القول يتضمن ثبوت النسب من صاحب الفراش وإِنْ كان النسبُ لا يثبتُ بقولها، ومع ذلك فلا يضر وكذلك هاهنا .
ومنها: أَنْ يكونَ أَحدُهما مثبتاً في المصحف قبلَ الآخر، فإنّ ترتيب   2

1 . في النسختين بعد كلمة «هاهنا»:
[ لِتعارض دليلي قبول قوله والمنع، أَمّا دليل المنع فهو أَنَّه يتضمن نسخ المتواتر بقول الواحد وأَمّا دليل القبول فهو أَنَّ النسخ ليس بقول ] .

صفحه 317
<--- الآيات في المصحف ليس على ترتيبها في النزول كما في الاعتداد.
ومنها: أَنْ يكونَ الصحابي حدثاً، فإِنّه يجوز أَنْ يكونَ من تقدَّمت صحبته متأخر النقل .
ومنها: أَنْ يكون الصحابي متأخر الاسلام، فإِنّه لا يقتضي كون ما نَقَله ناسخاً لقول من تقدّم اسلامُه .
ومنها: أَنْ يكون أحدهما قد وافق الأصل، فإِنَّه لا يدلُّ على كونه ناسخاً .
وإذا لم يُعرَفُ الناسخ من المنسوخ فالوجه الوقف لا التخيير .
وأَمّا إذا كان أحدهما معلوماً والآخر مظنوناً فالعمل بالمعلوم متعيّن، لأَنَّه إنْ كان متأخّراً فهو ناسخ، وإِنْ كان متقدّماً استحال نسخه بالمظنون.

صفحه 318
جواز نسخ السنة بالقرآن   
قال: مسألة: الجمهور على جواز نسخ السنة بالقرآن، وللشافعي قولان.
لنا: لو أمتنع لكان لغيرهِ، والأصل عدمُهُ، وأيضاً: التوجُّهُ إلى البيت المقدس بالسنَّةِ، ونُسخَ بالقرآن، والمباشَرَةُ باللَّيْل كذلك، وصوم يوم عاشوراء.
وأجيب: بجواز نسخهِ بالسنَّة، ووافق القرآن.
وأُجيب: بأنَّ ذلك يَمْنَعُ تعيينَ ناسخ أبداً.
قالوا: (لِتُبَيِّنَ)1، والنسخ رفعٌ لا بيانٌ.
قلنا: المعنى: لِتُبَلِّغَ، ولو سُلِّم فَالنَّسخُ أيضاً بيانٌ، ولو سُلِّم فَأَيْن نَفْيُ النسخِ؟
قالوا: منفّرٌ .
قلنا: إذا علم أنّه مبلغٌ فلا نفرةَ.*
* أقول: اتّفق المحققون 2 على جواز نسخ السنَّة بالقرآن، وللشافعي في ذلك قولان :
أحدهما: أَنّه يجوز .   2

1 . النحل: 44.
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول : 3 / 83 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 337 .

صفحه 319
<--- والآخر: أَنّه يمتنع .
والدليل على الجواز وجهان :
أحدهما: أنّه لو امتنع لكان امتناعه إمّا أن يكون لذاته أو لغيره، والأَوّل باطل قطعاً والثاني يخالف أيضاً، لأنّ الأصل عدم ذلك الغير.
الثاني: الوقوع فإنّ التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتاً بالسُّنة ـ لأَنَّه ليس في القرآن ما يدلّ عليه ـ ثمّ نسخ بالقرآن، وأيضاً المباشرة بالليل قد كانت محرّمة على الصائم بالسُنَّة، وقد نُسخت بالقرآن .1
وأيضاً صوم عاشوراء قد كان واجباً بالسُنّة ثمّ نسخ بالقرآن بقوله:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)2.
اعترضوا على هذا من وجهين :
أَحدهما: أَنَّه يجوز أَنْ يكونَ النسخ إنّما وقع بالسُنَّة ووافق القرآن، واستغني به عن نقل السنة .
الثاني: يَجوزُ أَنْ تكونَ تلك الأَحكام ثابتة بالقرآن، وقد نُسخت بهذا القرآن ونسخت تلاوتها أيضاً .
وأجاب المصنف عن الأول بوجه يمكن الجواب به عن الثاني، وهو أَنَّ تجويزَ ذلك يمنع من تعيين الناسخ فإِنَّه ما من آية يُدَّعى أَنّها ناسخة لأُخرى إلاّ ولقائل أَنْ يقول: لم لا يجوز أن تكون هذه الآية منسوخة بغيرها؟ أو أَنْ يكون   2

1 . فيض القدير في شرح الجامع الصغير: 3 / 612 .
2 . البقرة: 185 .

صفحه 320
<--- حكم هذه الآية قد كان ثابتاً بغيرها؟ ولمّا كان ذلك باطلاً عَلِمْنا اَنَّ النسخ إنّما هو بالمخالف الظاهر .
ولقائل أن يقولَ: إنَّ تعيين الناسخ قد ذكرتم له طرقاً، والّذي ذكرناه إنّما يرفع أحدَها لا جميعها، فقول المصنف تجويز هذا يقتضي أَنْ لا يتعين ناسخ، ممنوع .
إحتَجَّ الشافعي بقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ)، 1 والنسخ ليس ببيان بل هو رفع للمُنزل .
والجواب: المعنى من البيان هاهنا التبليغ، لأَنّا لو حَمْلناه على الإِيضاح لم يكنْ عامّاً، ولو سُلّم فالنسخ بيان 2، ولو سُلِّم أَنَّ النسخ ليس ببيان لكن قوله: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) ليس فيه دلالة على أَنّه لا يكون ناسخاً.
واحتجُّوا أيضاً: بأنّ السنّة لو نُسخت بالقرآن لزم التنفير عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّ في ذلك إِيهام الخلق بأنّ الله تعالى لم يرضَ بسنَّةِ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك يخلّ بالمقصود من البعثة .
والجواب: إذا عَلِمَ الناسُ أَنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مبلِّغ فلا نَفْرة.
نسخ القرآن بالخبر المتواتر   

1 . النحل: 44 .
2 . في النسختين بعد كلمة «بيان»:
[ لإِنقطاع التكليف من النص الّذي ظاهره الدوام ] .

صفحه 321
قال: مسألة: الجمهور على جوازِ نسخِ القرآن بالخبر المتواتر، ومَنَع الشافعي.
لنا: ما تقدّم.
واسْتُدِلَّ بأَنّ: «لا وصيَّة لوارث» نَسَخ الوصيَّةَ للوالدين والأقربين، والرجمُ للمحصنِ نَسَخ الجلد.
وأُجيب: بأنّه يلزم نسخُ المعلوم بالمظنون، وهو خلاف الفرض.
قالوا: (نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)1، والسُنَّة ليست كذلك، ولأنّه قال: «نأتِ» والضمير لله تعالى.
وأُجيب: بأَنّ المراد الحُكمُ، لأَنَّ القرآن لا تفاضل فيه، فيكون أصلحُ للمكلَّف أو مساوياً، وصحَّ «نأتِ» لأَنَّ الجميع من عنده .
قالوا: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ)(2) .
قلنا: ظاهرٌ في الوحي، ولو سُلِّم فالسنَّة بالوحي. *
* أقول: ذهب جمهور المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة2 إلى جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وهو مذهب مالك وأصحاب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد، وذهب الشافعي والظاهريون إلى المنع.
والدليل على الجواز ما تقدّم بأَنّه لو امتنع لكان لغيره، والأصل عدم ذلك   2

1 . التوبة: 106 .   2 . يونس: 15 .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 330 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3 / 75 ـ 76 .

صفحه 322
<--- الغير، وقد مضى في المسألة المتقدّمة .
واسْتَدلَّ المجوزون على 1 ذلك بأَنَّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا وصية لوارث»2 ناسخ لقوله تعالى: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَ الأَقْرَبِينَ)،3 وأيضاً فالرجم للمحصن ثابت بالسُنة وقد نسخ آية الجلد .
والجواب: أَنَّ هذا يقتضي نسخ المعلوم، بخبر الواحد4 وهو ممتنع.
احتج المانعون بوجهين :
الأول: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)، 5 والسُنَّة ليست خيراً من القرآن ولا مساوية له، ولأَنَّه تعالى قال: (نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا) فجعل الضمير عائداً إليه تعالى .
الاجماع لا ينسخ حكمه   
والجواب: المراد من المأتي إنّما هو الحكم لأَنَّ القرآن لا تفاضل فيه فيكون المراد بالخير هاهنا ما هو الأصلح للمكلف أو المساوي في الصلاح للأوّل6   2

1 . بعد كلمة «على» في النسختين: [ جواز ذلك بالوقوع فإن قوله...].
2 . عوالي اللآلي: 2 / 115 ; الفصول المهمة في أُصول الأئمة: 2 / 475; كتاب الأُم: 4 / 104 .
3 . البقرة: 180 .
4 . في النسختين بعد كلمة «الواحد» :
[... لأنَّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا وصية لوارث»، و «رجم المحصن» آحاد، إذ لو تواتر لبقي متواتراً إلى الآن، لأنّهما واردان في واقعتين مهمتين بتوفر الدواعي على نقلهما وذلك خلاف الفرض، لأَنَّ الكلام مفروض في جواز نسخ القرآن بالمتواتر لا بخبر الواحد،... احتج المانعون... ].
5 . البقرة: 106 .
6 . في النسختين بعد كلمة «للأوّل» ما يلي:
[ لا نسلم أن السنّة كذلك إذ المراد من نسخ الآية نسخ حكمها لا نسخ لفظها وكأنّه قال: نأت بحكم خيرٌ من حكم الآية المنسوخة لا بلفظ خير من لفظها، لأنّه وصف البدل بالخير والقرآن لا تفاضل فيه إلاّ باعتبار الحكم، وحكم السُنة الناسخة قد يكون (خيراً) أو مثلاً لحكم الآية المنسوخة من حيث كونه أصلح للمكلف أو مساوياً له باعتبار الثواب وغيره ] .

صفحه 323
قال: مسألة: الجمهور: الاجماع لا يُنْسَخ .
لنا: لو نُسخ بنصٍّ قاطع، أو باجماع قاطع كان الأوّل خطأً، وهو باطلٌ، ولو نُسخ بغيرهما فأبعد للعلم بتَقْديم القاطع.
قالوا: لو أجمعت الأُمَّةُ على قولين فإِجماعٌ على أَنّها اجتهادية، فلو اتُّفق [ على ] أحدُهما كان نسخاً .
قلنا: لا نسخ بعد تسليم جوازه، وقد تقدِّمت. *
<--- والضمير صح إِعادَتُهُ إلى الله تعالى وإِنْ كان النسخ بالسنَّة، لأَنَّ حكم السنة والقرآن من عنده تعالى .
الثاني: قوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي)1 نفى التبديل من عنده فوجب أَنْ يكونَ المبدل هوالله تعالى .
والجواب: المقصود هاهنا تبديل الوحي، (2) ولو سَلَّمْنا ذلك فالتبديل بالسُنة ليس تبديلاً من عنده بل بالوحي من الله تعالى أيضاً.
* أقول: اتَّفق الجمهور على أَنَّ الإجماع لا ينسخ حكمه 2 وجوَّزه   2

1 . يونس: 15 .   2 . في النسختين بعد كلمة «الوحي»:[ لا تبديل حكم الآية ] .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 328 ; عدّة الأُصول : 2 / 538 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3 / 61 و 91 ; المحصول: 1 / 559 .

صفحه 324
<--- الأقل، والدَّليل على المنع أَنّه لو نُسخ فإِمّا أَنْ يكون بنص قاطع أو بإجماع قاطع أو بغيرهما، وعلى التقديرين الأوّلين يلزم منه أَنْ يكون الاجماع الأَوَّل خطأ لأَنَّه يكون قد انعَقَد مخالفاً للقاطع، وعلى التقدير الأخير وهو أَنْ يكون قد نُسِخ بطريق مظنون، يلزم نسخ المعلوم بالمظنون، وهو محال .
احتجّوا 1 بأَنّ الأُمَّة إذا اختلفت في المسألة على قولين فقد أَجْمَعَتْ على أَنَّ المسألة إِجْتهاديةٌ، فإِذا اتفقوا بعد ذلك على أَحدِ القولين فقد أَجمعوا على أَنّها غير إجتهادية، فيكون هذا الثاني ناسخاً للأوّل .
الإجماع لا ينسخ بالإجماع   
فالجواب: أنّ هذا الإجماع الثاني غير مسلّم بل يمتنع حصوله، وقد تقدّم هذا، ولو سلَّمنا جوازه لكنه ليس بنسخ لأَنَّ الإجماع الأول مشروط بأَنْ لا يحصل الإِتفاق على أحد القولين، فإِذا حصل الإِتِّفاق على أحدِهما فقد زال شرط الإِجماع الأول، فيزول لزوال شرطه لا للناسخ.

1 . أي المجوزون للنسخ .

صفحه 325
قال: مسألة: الجمهور على أَنَّ الإجماع لا يُنسخ به، لأَنَّه إنْ كان عن نصٍّ فالنصُّ الناسخُ، وأِنْ كان عن غير نصٍّ والأوّل قطعيّ فالأجماع خطأٌ، أو ظنّيٌّ فقد زال شرط العمل به، وهو رجحانُهُ.
قالوا: قال أَبنُ عباس لعثمان: كيف تحجبُ الأُمَّ بالأَخوين وقد قال الله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ)،1 والأخوان ليسا إخوةً; فقال: حجبها قومّك يا غلامُ.
قلنا: إِنَّما يكون نسخاً بثبوت المفهوم قطعاً، وأَنَّ الأَخوين ليسا إخوة قطعاً، فيجب تقدير النصّ، وإلاّ كان الأجماع خطأ. *
* أقول: اتّفق الجمهور على أَنَّ الإجماع لا يُنسخ به 2، وخالف في ذلك جماعةٌ يسيرةٌ.
والدليل على المنع أنَّ الإجماع الثاني إمّا أن يكون عن نص أو لا يكون، فإنْ كان الأول كان الناسخ في الحقيقة إنّما هو النص لا الإجماع، وإنْ كان الثاني فإمّا أنْ يكون الأول 3 قطعيّاً أو لا يكون، فإنْ كان قطعيّاً كان الاجماع الثاني خطأٌ لأَنَّه إجماع عن دليل ظنيٍّ مخالف للدليل القطعي، وإِنْ كان ظنيِّاً لم يكن الثاني ناسخاً له بل زال الدليل الأول لزوال شرطه وهو رجحانه .   2

1 . النساء: 11.
2 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول : 3 / 93 ; المستصفى: 1 / 241 .
3 . جاء في النسختين بعد كلمة «الأوّل»:
[ أي دليل المنسوخ ] .

صفحه 326
<--- احتجَّ المخالف بقول ابن عباس لعثمان: كيف تحجب الأُمَّ عن الثلث بالأَخوين والله تعالى قال: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ)1 والأخوان ليسا إخوة. فقال عثمان: حجبها قومك يا غلام. وذلك دليل النسخ بالإجماع .
والجواب من وجوه :2
أحدها: إِنَّ كون هذا ناسخاً إنّما يتمّ بعد بيان كون المفهوم حجةً قطعاً لأَنَّ الله تعالى لمّا حجب بالأُخوة فالمفهوم يقتضي أَنَّ غير الأُخوة لا يحُجبون، فعثمان لمّا احتجَّ على ابن عباس بالإجماع على أَنَّ الأَخوين يحجبان كان ذلك رافعاً للمفهوم.
الثاني: أَنَّ هذا إنّما يكون ناسخاً على تقدير أَنْ يكون الأَخوان ليسا اخوةً ونحن نمنع ذلك، وقد مضى البحث فيه في باب العموم.
القياس المظنون لا يكون ناسخاً ولا منسوخاً   
الثالث: لو سلَّمنا هذين المقامين لكنْ يجبُ تقدير نص يكون رافعاً لذلك الحكم، وإلاّ كان الإجماع خطأ.

1 . النساء: 11 .
2 . جاء الجواب في النسختين كما يلي:
[ والجواب: إِنَّ كون هذا الإجماع ناسخاً إنّما يتمّ بعد بيان أمرين:
أحدهما: كون المفهوم حجّة قطعاً حتّى يكون التقدير: فإن لم يكن له إخوة فلا يكون لأُمِّهِ السدس، بل الثلث .
الثاني: إِنَّ الأَخوين ليسا إخوة، ونحن نمنع ذلك، وقد مضى البحث فيه في باب العموم والمفهوم.
ولو سلّمنا هاذين المقامين لكن يجب تقدير نصٍّ دال على الحجب، وإلاّ كان الإجماع على الحجب خطأ فيكون الناسخ هو ذلك النص ] .

صفحه 327
قال: مسألة: المختارُ: أنّ القياس المظنُونُ لايكون ناسخاً ولا منسوخاً.
أمّا الأوّل: فلأنّ ما قبلَهُ إِنْ كان قطعيّاً لم ينُسخَ بالمظنون، وإنْ كان ظنيّاً تبيَّنَ زوال شرط العمل به، وهو رجحانه ; لأنّه ثبت الظنّي مقيّداً كان المصيبُ واحداً أو لا.
وأمّا الثاني: فلأَنَّ ما بعدهُ قطعيّاً أو ظنيّاً يبيّن زوال شرط العمل به، وأَمَّا المقطوع فيُنسخَ بالمقطوع في حياتهِ، وأمَّا بعدهُ فيتبيَّن أَنَّه كان منسوخاً.
قالوا: صحَّ التخصيصُ، فيصحُّ.
قلنا: منقوضٌ بالإجماع، والعقلِ، وخبر الواحد. *
* أقول: القياس إمّا أن يكون ظنيّاً أو قطعيّاً، أمّا الظني فمنهم من منع من كونه ناسخاً ومنهم من جوّزه1، واختار المصنف المنع واستدلّ عليه بأَنَّ المنسوخ إِمّا أَنْ يكون قطعيّاً أو ظنيّاً فإِن كان الأول استحال أن يكون منسوخاً بالظنيّ،2 وإِنْ كان الثاني فالقياس الثاني لابدَّ وأَنْ يكون راجحاً عليه، فالدليل الأول حينئذ لا يبقى دليلاً لزوال شرطه وهو الرجحان بحصول الرجحان الثاني، لأَنَّه إنّما كان دليلاً مقيّداً بإِنْ لا يُرجَّح عليه غيره سواء قلنا أَنَّ المصيب واحد أو أكثر .   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول : 3 / 63 و 93 ; المستصفى: 1 / 241 ; المحصول: 1 / 560 ; المعتمد: 1 / 402.
2 . في النسختين ورد بعد كلمة «بالظني» ما يلي:[ للإجماع على تقدم القاطع على المظنون ] .

صفحه 328
<--- واختلفوا أيضاً في أَنَّ القياس الظني هل يكون منسوخاً أم لا؟ فذهب القاضي عبد الجبار في أحد قوليه والحنابلة إلى المنع من ذلك، وجوَّزه أبو الحسين البصري في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) 1، واختار المصنف المنع لأَنَّ الناسخ له سواء كان قطعيّاً أو ظنيّاً لا يكون ناسخاً بل يكون الأول زائلاً لزوال شرطه وهو الرجحان .
وأَمّا القياس القطعيّ فيجوز نسخه بالقطعي في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإِنّه لا استبعاد في أَنْ يحرّم التفاضل في البُرِّ 2 وتبعه بالقياس فيقيس عليه الأُرز لكونه مطعوماً، ثم ينسخ التحريم في الأُرز بنص دالٍّ على جواز التفاضل فيه، أو بقياس آخر بأَنْ ينصّ على جواز التفاضل في بعض الأشياء المشاركة للأُرز ويسقط الجامع بينه و بين الأُرز فيُنسخ ذلك بالحكم، وأَمّا بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّ القياس الأول يبيّن أَنّه كان منسوخاً لاستحالة حدوث نص آخر بعد وفاته .
احتجّ المجوّز مطلقاً بأنّه يجوز التخصيص بالقياس فيجوز النسخ به.
في جواز النسخ بفحوى الخطاب   
والجواب: ينتقض هذا القياس بالإجماع والعقل وخبر الواحد، فإِنَّ كلّ واحد منها يصح أَنْ يكون مخصّصاً ويمتنع أن يكون ناسخاً.

1 . في النسختين بعد كلمة «النبي»:
[ لإِنَّ الموجود في زمانه يجوز نسخه بالنص على خلاف حكمه في الفرع وبالقياس بأَنْ ينصَّ على خلاف ذلك الحكم في صورة يكون القياس عليها أقوى، وأَما الموجود بعد وفاته كما إذا اجتهد مجتهد في الحكم وأَدّاه إلى التحريم، ثم يطلع على دليل أرجح من قياسه فإنّه يلزم منه رفع حكم قياسه الأوّل ولا يسمى نسخاً ، قال: وهذا إنّما يتمّ على القول بأنّ كلَّ مجتهد مصيب إذْ لو كان المصيب واحداً لم يقيّد بالقياس الأوّل فلا يكون منسوخاً ] .
2 . وقد جاء في النسختين بعد كلمة «البُرِّ» ما يلي: [ وبالنص على العلّة الّتي هي الطعم ] .

صفحه 329
قال: مسألة: المختار: جوازُ نسخ أصل الفحوى دُونهُ، وامتناعُ نسخ الفحوى دُونَ أصلهِ، ومنهم من جوزهما، ومنهم من منعهما.
لنا: أَنَّ جواز التأفيف بعد تحريمه لا يستلزمُ جواز الضَّرب ; وبقاءُ تحريمه يستلزم تحريم الضّرب، وإلاّ لم يكن معلوماً منه.
المجُوِّزُ دلالتان، فجاز رفعُ كُلٍّ منهما.
قلنا: إذا لم يكن استلزامٌ .
المانع: الفحوى تابع، فيرتفعُ بارتفاعَ متبوعهِ.
قلنا: تابعٌ للدلالةِ لا للحكم، والدلالة باقيةٌ. *
* أقول: اتّفق الناس 1 على جواز النسخ بفحوى الخطاب، وعلى جواز نسخ حكمه مع حكم الأصل، وإنّما اختلفوا في أنّه هل يجوز نسخ أصل الفحوى دون الفحوى أم لا؟ وفي أَنَّه هل يجوز نسخ الفحوى دون الأصل؟ فقال المصنف إِنّه يجوز نسخ الأصل دون الفحوى ويمتنع نسخ الفحوى دون الأصل .
وجماعة من الأصوليين جوزوهما وجماعة أخرى منعوهما.
واحتجّ المصنف على جواز الأول بأَنَّ جواز التأفيف بعد تحريمه لا يستلزم جواز الضرب فجاز ثبوته دونه وذلك يوجب جواز نسخ الأصل وبقاء الفحوى .
واستُدّل على امتناع الثاني بأَنَّ تحريم الضرب معلوم من تحريم   2

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 329 ; المحصول: 1 / 563 .

صفحه 330
<--- التأفيف، للعلم بأَنَّ القصد الإعظام فبقاء تحريم التأفيف يستلزم بقاء تحريم الضرب وإلاّ لم يكن معلوماً منه .
قال المجوزون للنسخين أَنَّ دلالة الأصل مغايرة لدلالة الفحوى فجاز رفع كلّ واحدة منهما وبقاء الأُخرى ورفعهما معاً .
والجواب: لا شكّ في تغايرهما ولكن لا يلزم جواز نسخ أحدهما وبقاء الأُخرى، 1 إلاّ أنّ ينتفي الإستلزام، لكن الإستلزام موجود في أَحدِهما للآخر وكان نسخ اللازم مع بقاء الملزوم محالاً .
احتجّ المانعون 2 منهما بأَنّ الفحوى تابع للأصل ويستحيل بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع.
والجواب: أَنّ التابع إنّما هو تابع للدلالة لا للحكم، والدلالة لاشكّ في بقائها.3
لو نسخ حكم أصل القياس فهل يبقى معه حكم الفرع ؟   

1 . في النسختين بعد كلمة «الأُخرى»:
[ لحصول الاستلزام بينهما لما بيّنا من استلزام الفحوى للأصل فكان نسخ اللازم مع بقاء الملزوم محالاً ] .
2 . جاءت العبارة بعد كلمة «المانعون» كما يلي:
[ من نسخ حكم الأصل دون نص حكم الفحوى بأن الفحوى ] .
3 . في النسختين بعد كلمة «بقائها»:
[ بعد نسخ حكم الأصل ] .

صفحه 331
قال: مسألة: المختار: أنّ نسخَ حُكمِ أصلِ القياسِ لا يبقى معه حُكمُ الفرع.
لنا: خرجت العلَّة عن الإعتبار، فلا فرع.
قالوا: الفرعُ تابعٌ للدلالة لا للحُكم، كالفحوى.
قلنا: يلزم من زوال الحكم زوال الحكمة المعتبرة، فيزول الحكم مطلقاً، لانتفاء الحكمة.
قالوا: حكمتم بالقياس على انتفاء الحُكم بغير علّة.
قلنا: حكمنا بانتفاء الحُكم لانتفاء علَّته.*
* أقول: ذهبت الحنفية إلى أنّ نسخ أصل القياس يبقى معه حكم الفرع، والباقون أنكروا ذلك، وهو الحقّ، والدليل على ذلك أن ثبوت الحكم في الفرع إنّما كان للعلّة المعتبرة في نظر الشرع بحكم الأصل، فإذا بطل حكم الأصل خرجت العلّة المستنبطة عن الاعتبار في نظر الشرع فلا يكون التابع لها ـ وهو الحكم في الفرع ـ موجوداً.
قالت الحنفية: الفرع تابع [للدلالة في الأصل ] 1 ولا شكّ في بقائها، وليس فرعاً للحكم فيه كما في الفحوى .2
قلنا: يلزم من زوال الحكم في الأصل زوال الحكمة المعتبرة، لأَنّها لو   2

1 . جاءت العبارة في النسختين كما يلي:[ ... الفرع تابع لدلالة الأصل على علّة الحكم... ].
وهي اوضح.
2 . في النسختين بعد كلمة «الفحوى»:[ فإنّه تابع لدلالة المنطوق لا لحكمه] .

صفحه 332
في ثبوت حكم الناسخ قبل تبليغ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)   
قال: مسألة: المختار: أنّ الناسخ قبل تبليغه (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يثْبُتُ حُكمُه.
لنا: لو ثبتَ لأدَّى إلى وجوب وتحريم، للقطع بأنَّه لو تَرَك الأوّل أثمَ.
وأيضاً، فإنّهُ لو عَمِلَ بالثاني عصى اتفاقاً.
وأيضاً: يلزم قبلَ تبليغ جبريل (عليه السلام)، وهو اتِّفاقٌ.
قالوا: حُكمٌ، فلا يُعتبرُ عِلْمُ المُكلّفِ .
قلنا: لابد من اعتبار التمكن، وهو منتف.
<--- كانت باقية لكان الحكم باقياً، وإذا انتفت الحكمة انتفى الحكم مطلقاً لانتفاءِ حكمته .
قالوا: حكمتم بانتفاء الحكم في الفرع لإِنتفائه في الأصل ولم تذكروا الجامع فيكون قياساً فاسداً .
قلنا: إنّما حكمنا بانتفاء الحكم عن الفرع لإِنتفاءِ سببه وهو الحكمة لا بالقياس على الأصل.
* أقول: اختلف الناس 1 فيما إذا ورد النسخ إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبلِّغ الأُمّة، هل يتحقق بذلك النسخ في حقهم أم لا؟ فذهب بعض الشافعية إلى أنّه يثبت حكم الناسخ في حقهم، ونفاه بعضهم وبعض أصحاب أبي حنيفة وأحمد، وهو اختيار المصنّف .
واستدلّ عليه بوجوه ثلاثة :   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3 / 99 .

صفحه 333
<--- الأوّل: أنّه لو ثبت حكم النسخ لزم اجتماع الأحكام المتضادّة على المكلف، والتالي باطل فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ المكلّف إذا كان مكلَّفاً بوجوب الفعل فإنّه يثاب على فعله ويعاقب على تركه ما لم يبلغْه النسخ إجماعاً، ولأجل هذا اعْتَدَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأهل قباء بالركعات الّتي فعلوها لمّا استداروا إلى القبلة حين سماعهم النسخ، وإذا كان كذلك فلو كان النسخ ثابتاً وإن لم يبلغهم، 1 لزم القول بتحريم الفعل فيلزم ما ذكرنا من المحذور .
الثاني: أنَّ المكلف لو عمل بما ورد به النسخ قبل سماعه النسخ لكان عاصياً بالإِتفاق، ولو كان حكم النسخ ثابتاً عليه لماكان عاصياً بل كان مطيعاً.
الثالث: يلزم ما ذكروا في جبرئيل (عليه السلام) وإنّه قبل تبليغه الناسخ يكون حكمه ثابتاً، وهو باطل بالاتفاق.
احتجّوا 2 بأنّ النسخ حكم فلا يعتبر فيه علم المكلّف [ كما لو عزل الوكيل عن التصرف فإنّه لا ينعقد تصرفه بعد ذلك وإن لم يعلم بعزله] .3
والجواب: لابدّ في الحكم من اعتبار التمكّن، وإلاّ لزم تكليف مالا يطاق، ولا يمكن مع عدم العلم ونحن نمنع انعزال الوكيل قبل العلم بالعزل.

1 . في نسخة «أ»: [ ينفعهم ] .
2 . أي احتجَّ المثبتون.
3 . وجاءت العبارة في النسختين كما يلي:
[ كسائر الأحكام المتجدّدة فإنّها أوجبت عليه وإنْ لم يعلمْها...] .

صفحه 334
في الزيادة إذا كانت عبادة مستقلة هل تكون نسخاً لحكم المزيد عليه؟   
قال: مسألة: العبادات المستقلَّةُ ليست نسخاً، وعن بعضهم: صلاةٌ سادسةٌ نسخٌ.
وأمّا زيادة جزء مشترط، أو زيادةُ شرط، أو زيادةٌ ترفع مفهوم المخالفة، فالشافعية والحنابلة: ليس بنسخ، والحنفيّةُ: نسخ.
وقيل: الثالثُ نسخٌ.
عبدالجبار: إنْ غيَّرتَهُ حتّى صار وجودهُ كالعدم شرعاً، كزيادة ركعة في الفجر، وكعشرين على القذف، وكتخيير في ثالث، بعد اثنين، فنسخ.
وقال الغزّالي: إن اتحدت كركعة في الفجر فنسخٌ، بخلاف عشرين في القذف .
والمختار: إنْ رَفَعت حُكماً شرعيّاً بعد ثبوته بدليل شرعيٍّ، فنسخٌ، لأنّهُ حقيقتهُ، وما خالفه ليس بنسخ.
فلو قال: «في السائمة الزَّكاة» ثم قال: «في المعلوفة الزَّكاة» فلا نسخ، فإنْ تُحُقَّق أنَّ المفهوم مرادٌ فنسخٌ، وإلاّ فلا، ولو زِيد ركعةٌ في الصبح فنسخٌ، لتحريم الزيادة ثم وجوبِها.
والتغريب على الحدَّ كذلك.
فإن قيل: منفيٌ بحكم الأصل.
قلنا: هذا لو لم يثبت تحريمه.
فلو خُيَّر في المسح بعد وجوب الغَسْل فَنَسخٌ، للتخيير بعد

صفحه 335
الوجوب.
ولو قال: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ )1، ثم ثبت الحكم بشاهد ويمين فليس بنسخ إذ لا رفع لشيء، ولو ثبت مفهومه ومفهوم (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ)(2) إذ ليس فيه منع الحكم بغيره.
ولو زِيد في الوضوءِ اشْتُرِاط غسل عضو فليس بنسخ، لأَنَّه إنَّما حصل وجوبُ مباح الأصل.
قالوا: لو كانت مُجزِئة ثُمَّ صارت غيرَ مجزئة.
قلنا: معنى «مجزئة» امتثالُ الأمر بفعلِها، ولم يَرْتَفِع، وارْتَفَع عدمُ توقّفها على شرط آخر، وذلك مستندٌ إلى حكم الأصل.
وكذلك لو زيد في الصلاة ما لم يكن محرَّماً.*
* أقول: اتّفق الناس على أنّ الزيادة إذا كانت عبادة مستقلة بنفسها لا يكون نسخاً لحكم المزيد عليه كوجوب صلاة على الصلوات، أو حجّ أو غير ذلك، إلاّ ما نُقِل عن بعض الحنفية أنَّ زيادة صلاة سادسة يكون نسخاً نظراً إلى خروج الوسطى المأمور في القرآن بالمحافظة عليها عن كونها وسطى، وإنّما اختلفوا في نحو زيادة جزء مشترط كزيادة ركعة في الصلاة أو زيادة شرط كزيادة صفة في الكفارة كالإيمان في العتق، أو زيادة ترفع مفهوم المخالفة كما إذا قال: «في السائمة زكاة» ثمّ قال: «في المعلوفة الزكاة» فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّ ذلك ليس بنسخ وذهبت   2

1 . البقرة: 282 .   2 . البقرة: 282.

صفحه 336
<--- الحنفية إلى أَنّه نسخ 1 .
وقال القاضي عبد الجبار إنْ كانت الزيادة مغيّرة لحكم المزيد عليه حتى يكون وجودها كالعدم لو لم يفعل، 2 فهو نسخ كزيادة ركعة على ركعتي الفجر،3وكالتخيير في ثالث 4 بعد التخيير في اثنين وإلاّ فلا .
وقال الغزّالي إنْ كانت الزيادة مع المزيد عليه في حكم الشيء الواحد فنسخ، كزيادة ركعة على ركعتين وإلاّ فلا، كزيادة عشرين في الحدّ.
واختار المصنّف أنَّ الزيادة إِنْ ثبتت بحكم شرعي ورفعت حكماً آخر شرعيّاً متراخياً5 عن الأوّل، فهو نسخ وإلاّ فلا .
وهذا هو مذهب أبي الحسين البصري وقد فرّع أبوالحسين على مذهبه من المسائل الفقهية عدة أحكام :
منها: أنّ إيجاب الزكاة في المعلوفة هل يوجب النسخ لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)   2

1 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «نسخ»: [ وذهب قوم إلى أن الزيادة ان كانت رافعة لمفهوم المخالفة فهي نسخ وإلاّ فلا ] .
2 . في نسختي «ب» و«ج» بعد كلمة «يفعل»: [ في نظر الشرع على معنى انّه لو فعله كما لو كان يفعله أوّلاً وجب استينافه ] .
3 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الفجر»: [ لارتفاع اجزائهما وكزيادة عشرين في حدّ القذف لارتفاع أجزاء الثمانين وكالتخيير بين ثلاثة بعد التخيير في اثنين كما لو خُيّر بين (الطعام) الإطعام والصيام، ثم زاد العتق لأنّه يكون نسخاً لتحريم (كتحريم) ترك الفعلين السابقين وإلاّ فلا ] .
4 . كذا في جميع النسخ، ويبدو أن الصحيح: ثلاثة .
5 . لو كانت الكلمة «متأخراً» لكان أفضل.

صفحه 337
<--- في سائمة الغنم الزكاة أم لا ؟
والحق فيه أنْ يقول: إنْ كان في دليل الخطاب حجّة في الشرع1 كان ذلك نسخاً لأَنَّ وجوب الزكاة في السائمة دالٌّ على عدم وجوبها في المعلوفة، فرفع ذلك العدم يكون رفعاً لحكم شرعيٍّ وإنْ لم يكن حجّة لم تكن نسخاً لأنَّ إيجابها في المعلوفة يكون رفعاً لحكم عقلي وهو البراءة الأصلية .
ومنها: أنَّ زيادة ركعة في الصبح هل يكون نسخاً أم لا؟ فقال أبوالحسين أَنَّها غير نسخ لحكم الدليل الدالّ على وجوب صلاة الصبح لأَنّ زيادة الركعة إمّا أن يكون نسخاً للركعتين، أو نسخاً لأَجزائهما ووجوبهما، أو نسخاً لوجوب التشهد عقيب الركعتين، والأوّل باطل لأنّ النسخ لا يتعلق بالأفعال. وأيضاً فالركعات لم يرتفعا ولا يجوز أن يكون نسخاً للأجزاء لأنهما مجزيتان، وإنّما كانتا مجزئتين من دون ركعة أُخرى، والآنَ لا يجزيان إلاّ مع الركعة وذلك تابع لوجوب ضم ركعة أخرى، ووجوب ركعة أخرى لا يرفع إلاّ نفي وجوبها، ونفي وجوبها حصل بالعقل ولا يجوز أن يكون نسخاً لوجوبهما لأَنّهما الآن واجبتان ولا يجوز أن يكون نسخاً لوجوب التشهد عقيب الركعتين لأَنّه إنّما كان واجباً آخر الصلاة، وذلك غير مرتفع ولا تتغير، وإنّما المتغيّر آخر الصلاة .
وعندي في ذلك نظر فإنّ الزيادة رفعت وجوب الجلوس في التشهد عقيب الركعتين وهو حكم شرعي فيكون نسخاً لهذا الوجوب.
وذهب المصنف إلى أَنّ هذه الزيادة تكون نسخاً لأَنّها رفعت تحريم   2

1 . وفي نسختي «ب» و «ج» : [ مفهوم الخطاب مراداً من لفظ الشارع ] .

صفحه 338
<--- الزيادة على الركعتين، وقد رد به بعض الاصوليين على أبي الحسين وهو غير صحيح فإنّ تحريم الزيادة جاز أن يكون مستفاداً من دليل آخر، والدليل الدالّ على وجوب الركعتين لا نسلم أَنّه يدل على تحريمها حتى تكون الزيادة نسخاً لذلك الدليل، نعم أَنّه يكون نسخاً للدليل الدالّ على الزيادة .
ومنها: أَنَّ زيادة التغريب على الحدّ هل هي نسخ أم لا؟ ذهب المصنف إلى أَنَّها تكون نسخاً بمثل ما مرّ. وقال أبو الحسين أنّها غير نسخ لأنّها لا ترفع إلاّ النفي الأصلي، ورفعه ليس بنسخ. وقال المصنّف إنّما لا يكون نسخاً لو لم يثبت النفي بالشرع، وقد ثبت فيكون هذا الرفع نسخاً .1
ومنها: أَنَّ التخيير بين الغسل والمسح بعد وجوب الغسل بعلمه 2 هل يكون نسخاً أم لا؟ ذهب المصنّف إلى أنّه نسخ لأنّه تخيير بعد الوجوب 3 فيكون رافعاً4 للوجوب فيكون نسخاً.
قال أبو الحسين: إنّه ليس بنسخ لأَنَّ هذا التخيير يكون مزيلاً لتحريم   2

1 . وردت زيادة في «ب» و «ج» بعد كلمة «نسخاً»:
[ ويمكن أَنْ يعود قوله: «فإنْ قيل» إلى الفرعين أعني زيادة ركعة وزيادة التغريب لعدم الفرق بينهما عنده، ويكون قوله: «لو لم يثبت تحريمه» أي تحريم الزيادة في الموضعين بالشرع ] .
2 . إنَّ لفظة «بعلمه» وردت في نسخة «أ» فحسب، والصحيح أن تكون «على التعيين» لأن الكلام عن التخيير بين المسح على الخفين وغسل الرجلين بعد أن كان الوجوب غسل الرجلين تعييناً.
3 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الوجوب»: [... لأحدهما بعينه... ] .
4 . في نسختي «ب» و «ج» أيضاً بعد كلمة «رافعاً»:
[... لتعيَّن وجوب أحدهما... ] .

صفحه 339
<--- ترك ما أُوجب علينا، وتحريم تركه كان معلوماً بالبقاء على حكم العقل لأنَّ قوله: «أوجبت هذا الفعل» يقتضي أَنَّ الإخلال به مُدخِلاً في استحقاق الذم، وهذا لا يمنع من أَنْ يقوم مقامه واجب آخر وإنّما يُعلم أنَّ غيره لا يقوم مقامه، لأَنَّ الأصلَ عدم وجوبه، ولو وجب بالشرع لدلّ عليه بدليل شرعي، فصار علمنا بنفي وجوبه موقوفاً على أنَّ الأصلَ نفي وجوبه، فالمُثبِتُ لوجوبِه إنّما رَفَعَ حكماً عقليّاً، أَمّا إذا قال الله: «هذا الفعل واجب وحده» أو «لا يقوم غيره مقامه» فإنَّ التخيير بعد ذلك يكون نسخاً، وهذا عندي هو الحق .
ومنها: إذا جوَّزنا الحكم بشاهد ويمين هل هو نسخ لقوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتَانِ)1 .
والحق فيه أَنّه ليس بنسخ لأَنَّ مقتضى الآية جواز الحكم بالشاهدين وأنَّ شهادتهما حجّة وليس في ذلك دلالة على عدم حجّة أخرى إلاّ من حيث المفهوم.
وذهب المصنّف إلى أَنَّه ليس بنسخ مطلقاً 2 لأَنّ دلالة المفهومين أعني مفهوم قوله: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ) وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) غير الدالين على المنع من الحكم بشيء آخر .
ومنها: أَنّ زيادة اشتراط غسل عضو آخر غير الأعضاء الستة في الوضوء   2

1 . البقرة: 282 .
2 . وجاءت العبارة في نسخة «ب» وقريبة منها في نسخة «ج» بعد كلمة «مطلقاً» كما يلي:
[ إذْ لا رفع لشيء ولو ثبت مفهومه أي مفهوم قوله: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ) ومفهوم ( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ) لأَنَّ المفهومين غير دالين على المنع ] .

صفحه 340
<--- هل هو نسخ أم لا؟
فالحق أَنّه ليس بنسخ لوجوب الأَعضاءِ المتقدّمة لثبوته معها ولا لاجزائها عند الاقتصار عليها لأَنَّ معنى الإجزاء امتثال الأمر بفعلها وقد حصل.1
نعم المرتفع عدم توقف الإِجزاءِ على شرط آخر لأَنّ الإِجزاءَ قد كان حاصلاً قبل الزيادة غير متوقف على شرط والآن إنّما حصل متوقفاً على شرط الزيادة ورفع ذلك العدم ليس بنسخ لأَنّه رَفْعٌ للعدم الأصلي، وكذلك إذا زيد في الصلاة شرط آخر لم يكن محرَّماً بل كان مباحاً في الأصل لا بدليل شرعي .
ومنها: أَنّ قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)2 جعل أوّل الليل غايةً للصوم فيكون ذلك بمنزلة قوله: آخر الصيام الليل، فإِيجابُ الصوم إلى غيبوبة الشفق يُخرِجُ الأول من كونه غاية وطرفاً مع أَنَّ الخطاب دالّ عليه فيكون نسخاً، أمّا لو قال: «صوموا النهار» ثمّ أوجب الصيام إلى الغيبوبة، لم يكن ذلك نسخاً بل هو رافع للحكم العقلي أعني: العدم الأصلي .
ومنها: لو قال الله تعالى: «صلّوا إن كنتم متطهرين» فيه إثبات لشرط الصلاة وليس فيه دلالة على أَنّه ليس له بدل، فجاز إثبات بدل آخر، ولا يكون نسخاً لأَنَّ إثبات بدل للشرط لا يخرج عن كونه شرطاً .
في نسخ سنّة من سنن العبادة لا يعتبر نسخاً للعبادة   
وهذان الأَخيران لم يذكرهما المصنّف.

1 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «حصل»:
[ ولا لعدم وجوب غسل ذلك العضو لأَنَّ إيجابَ مباحِ الأصلِ ليس نسخاً على ما عُرف ] .
2 . البقرة: 187 .

صفحه 341
قال: مسألة: إذا نقص جزءُ العبادة أو شرْطُها، فنسخٌ للجزء والشرط لا للعبادة.
وقيل: نسخٌ للعبادة.
عبدالجبّار: إنْ كان جُزءاً لا شرطاً.
لنا: لو كان نسخاً لوجوبها افتقرت إلى دليل ثان، وهو خلاف الإجماع.
قالوا: ثبت تحريمها بغير طهارة وبغير الرَّكعتين ثم ثَبَت جوازُها أو وجوبها بغيرهما.
قلنا: الفرضُ لم يتجدَّد وجوبٌ. *
* أقول: اتّفق الناس على أَنّ نسخ سُنَّة من سنن العبادة لا يكون نسخاً لها كنسخ ستر الرأس، وإنّما اختلفوا في نسخ ما يتوقف عليه صحة العبادة من جزء أو شرط هل هو نسخ للعبادة بعد اتفاقهم على أَنّه يكون نسخاً للجزء والشرط؟ فذهب أبو الحسن الكرخي وأبو الحسين البصري إلى أَنّه ليس بنسخ لها، وجماعة من المتكلّمين ذهبوا إلى أَنّه نسخ لها وهو مذهب الغزّالي .
وذهب القاضي عبد الجبار الى أَنّ نسخ جزء العبادة نسخ لها دون نسخ الشرط .
واستدل المصنف على مذهبه بأَنَّ نسخ الجزء والشرط لو كان نسخاً للعبادة لزم افتقار إِيجاب الباقي من العبادة إلى دليل آخر، وهو باطل إجماعاً .   2

صفحه 342
في نسخ وجوب معرفة الله تعالى وتحريم الكفر وغيره   
قال: مسألة: المختار: جواز نسخ وجوب معرفتهِ وتحريم الكفر وغيره، خلافاً للمعتزلة، وهي فرع التحسين والتقبيح .
والمختار: جواز نسخ جميع التكاليف، خلافاً للغزّالي.
لنا: أحكامٌ كغيرها.
قالوا: لا ينفكّ عن وجوب معرفةِ النسخ والنّاسخ.
وأجيب بأنّه يعلمهما، وينقطع التكليف بهما وبغيرهما، والله أعلم.*
<--- احتجّوا1 بأَنّ الصلاة قد كانت محرّمة ـ يعني محرّمة بغير طهارة وبغير الركعتين ـ ثم ثبت جوازها أو وجوبها بغيرهما، وذلك عين 2 النسخ.
والجواب: 3 أنّ التقدير عدم تحدد وجوب آخر، بل التقدير رفع الجزء 4والشرط.
* أقول: اتّفقت المعتزلة على امتناع نسخ وجوب معرفة الله تعالى وامتناع نسخ تحريم الكفر والظلم وغيره من الواجبات والقبائح العقلية،5 وذهب   2

1 . أي احتجَّ المثبتون للنسخ .
2 . في نسخة «أ»: [ غير].
3 . ورد الجواب في نسختي «ب» و «ج» كما يلي: [ أنّ ما ذكرتموه وإِنْ دلَّ على نسخِها لكن هاهنا ما يدلّ على عدمِهِ وهو أنّه لو انتسخ أصلها لتجدد وجوب الباقي، لكن التقدير عدم تجدد وجوب آخر لانعقاد الإجماع على عدم الدليل على تجدد الوجوب ] .
4 . في نسخة «أ»: [ الجزاء ]، والصحيح ما أثبتناه .
5 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3 / 59 ; المستصفى: 1 / 234 .

صفحه 343
<--- الأشاعرة إلى جوازه .
وهذه المسألة فرع التحسين والتقبيح العقليين لأنَّ المقتضي للوجوب والقبح إنّما هي صفات وأحكام لا تتغير بتغير الشرائع والأديان عند المعتزلة فامتنع التقبيح 1 عليها لاستحالة الأمر بالقبح والنهي عن الحسن، والأشاعرة جعلوا الاحكام مستندة إلى الأوامر والنواهي، ولا حسن ولا قبح فجاز تغيُّرها بأسرها .
ثم اختلفوا أيضاً في أنَّه هل يجوز نسخ جميع التكاليف أم لا؟
فاختار الغزّالي المنع، وذهب غيره من الأشاعرة إلى الجواز .
احتجّ المجوزوِّن بأَنّ هذه أحكام فجاز نسخها كغيرها. واحتجّ الغزّالي بأَنَّ المنسوخ لا ينفك عن وجوب معرفة النسخ والناسخ وهو الله تعالى2 ، وذلك تكليف .
والجواب 3: أَنَّه فعلهما وانقطع التكليف بعد معرفتهما بهما وبغيرهما.

1 . في نسختي «ب» و «ج»:
[ النسخ ] .
2 . في نسختي «ب» و «ج» فحسب .
3 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الجواب»:
[ لا نسلم امتناع الإِنفكاك فإنّا وإنْ قُلنا إِنَّ النسخ لا يحصل دون علم المكلف بالنسخ والناسخ، لكنَّه (لا) يمتنع تحقق النسخ بجميع التكاليف في حقّه عند علمه بالنسخ، وإنْ لم يكن مكلفاً بمعرفة النسخ والناسخ، وإنْ سلَّمنا لزوم كونه مكلفاً بمعرفتهما فيجوز أن يعلمهما وينقطع التكليف بعد معرفتهما بهما وبغيرهما ] .

صفحه 344
القياس   
قال: القياس: التقدير والمساواة.
وفي الإصطلاح: مساواة فرع الأصل في علَّة حكمهِ.
ويلزم المصوِّبة زيادةٌ «في نظر المجتهد»، لأنّه صحيحٌ، وإنْ تبيَّن الغلط والرجوع، بخلاف المخطِّئةِ، وإن أريد الفاسد معه قيل: تشبيه.
وأُورد: قياس الدَّلالة، فإنّه لا يُذكر فيه علّةٌ.
وأُجيب: إمّا بأَنَّه غير مراد، وإمّا بأنَّه يتضمن المساواة فيها.
وأُورد: قياس العكس، مثل: لَمَّا وجب الصيّام في الاعتكاف بالنذر، وجب بغير نذر.
عكسه: الصلاة لَمَّا لم تجب فيه بالنذر، لم تجب بغير نذر.
وأُجيب: بالأوّل، أو بأنّ المقصود مساواةُ الاعتكاف بغير نذر في اشتراط الصوم له بالنذر بمعنى: «لا فارق»، أو بالسَّبر، وذكرت الصلاة لبيان الإلغاء، أو قياس الصوم بالنذر على الصلاة بالنذّر.
وقولهم: بذل الجهد في استخراج الحقِّ، وقولهم: الدليل المُوَصِّل إلى الحق، وقولهم: العلمُ عن نَظَر، مردودٌ بالنص والإجماع، وبأَنّ البذل حال القائس، والعلم ثمرةُ القياس.
أبو هاشم: حمل الشيء على غيره باجراءِ حكمه عليه، ويحتاج: «بجامع» .
وقول القاضي: «حمل معلوم على معلوم في اثبات حكم لهما أو

صفحه 345
نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من اثبات حكم أو صفة أو نفيهما» حسنٌ إلاّ أنَّ حمل ثمرتهِ، وإثبات الحُكم فيهما معاً، ليس به، بل هو في الأصل بدليل غيره، وبجامع كاف.
وقولهم: ثبوت حكم الفرع ـ فرع القياس، فتعريفه به دور.
وأُجيب: بأنَّ المحدود القياس الذهني، وثبوت حكم الفرع الذهني والخارجي ليس فرعاً له. *

[ القياس ]

* أقول: لما فرغ من البحث عن الطرق النقلية وكيفية الاستدلال بها من الكتاب والسنة والإجماع، شرع الآن في الطريق العقلي وهو القياس وهو أحد الطرق المفيدة للأحكام عند الجمهور خلافاً للشيعة، وسيأتي الخلاف فيه .
واعْلم أَنّ القياس له حدّ لغوي واصطلاحي:
أَمّا حدّه في اللغة فهو التقدير والمساواة، يقال: قاس القذة بالقذة، أي حاذاها بها وساواها .
وأَمّا حدّه في الاصطلاح فقد اختلفوا في تعريفه، وقد عرّفه المصنف بأَنّه «مساواة فرع لأصل في علة حكم».1 ويلزم المصوِّبة أن يزيدوا في هذا الحدّ   2

1 . في نسختي «ب» و «ج» بعد أن تبدلت كلمة «حكم» إلى «حكمه» ورد ما يلي:
[ أي فيما هو علّة حكم الأصل في نفس الأمر، وحذف المصنّف لفظة «الأصل» الّذي هو مفعول المساواة للقرينة ] .

صفحه 346
<--- قولنا: «في نظر المجتهد» لأنّ القياس حينئذ يكون صحيحاً وإِنْ تبيَّن الغلط 1والرجوع عنه على مذهبهم ولا يشترط المساواة في نفس الأمر بخلاف المخطِّئة فإن القياس الفاسد في نفس الأمر لا يكون عندهم صحيحاً سواء غلب على ظن المجتهد صحته أو لا، وإِنْ أُريد تحديد القياس الشامل للصحيح والفاسد قيل تشبيه فرع بأصل في علة حكمه 2 .
وأُوردِ على حد القياس بأَنّه ينتقض بقياس الدلالة وهو القياس الّذي ذُكر فيه الجامع وليس هو العلّة بل هو دليل عليها كالجمع بين النبيذ والخمر بالرائحة .
ووجه إيراده ظاهر فإنّ النبيذ 3 أخذ في حدّ القياس [ لكن علة الحكم]4وقياس الدلالة لم تُذكر فيه العلّة بل دليلُها .
والجواب من وجهين:
أحدهما: أَنّ قياس الدلالة غير مراد من هذا الحدّ .
الثاني: أَنَّ الإستواء في دليل العلّة يتضمن الإِستواءِ في العلّة [ وأُورد على   2

1 . ورد في النسختين بعد كلمة «الغلط» ما يلي:
[ وهو كون ما توهم أنّه علّة غير علّة في نفس الأمر ] .
2 . قد ورد في النسختين بعد كلمة «حكمه» ما يلي:
[ عند المخطئة ومع زيادة «في نظر المجتهد» وإنّما شمل القسمين على المذهبين لأَنَّ التشبيه قد يكون بين المتساويين في علة الحكم وقد يكون بين غيرهما ] .
3 . وفي نسختي «ب» و «ج»: [ المصنّف ] .
4 . وفي نسختي «ب» و «ج» أيضاً :
[ ذكر علّة الحكم ] .

صفحه 347
<--- حدّ القياس أيضاً أنّه ينتقض بقياس العكس وهو تحصيل نقيض حكم الشيء في غيره لإفتقارهما بالعلّة ]1 كما نقول: الصوم شرط في الاعتكاف لأَنّه لَمّا كان واجباً فيه بالنذر كان واجباً بغيره، وعكسه الصلاة 2 فإنّها لَمَّا لم تكن واجبة في الاعتكاف بالنذر لم تكن واجبة بغيره.3
والجواب: أَنَّ قياس العكس لا يسمّى في الحقيقة قياساً، لأَنّه ليس عبارة عن تسوية الفرع بالاصل في الحكم بل هو عبارة عن وجود نقيض الحكم في الفرع وإنْ سُمّي به لكن يكون وقوع لفظ القياس عليه وعلى قياس الطرد بالاشتراك اللفظي والمحدود أحد المسمين به فلا ينتقض الحدّ بخروج الآخر منه لأنّه غير مراد، أو نقول: المقصود من القياس 4 تسوية الصوم بالنذر له بغير نذر ينفي الفارق بينهما، أو بالسبر وذكرت الصلاة لبيان الغاء الفارق 5 فنقول المقصود من القياس   2

1 . ورد هذا المقطع في نسختي «ب» و «ج»، وقد سقط من نسخة «أ» مع أنّه جزء مقوّم للنص .
2 . في نسختي «ب» و «ج» :
[بدليل عكسه في الصلاة ] .
3 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «بغيره» :
[ والأصل الصلاة والفرع الصوم وحكم الصلاة أنها ليست شرطاً في الاعتكاف والثابت في الصوم نقيضيه وقد افترقا في العلّة لأَنّ العلّة في الصلاة أنّها لم تكن شرطاً حالة النذر وهي غير موجودة في الصوم لأَنّه شرط حالة النذر] .
4 . جاء في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «القياس» ما يلي:
[هاهنا مساواة الاعتكاف بغير نذر في اشتراط الصوم بالنذر له ينفي الفارق بينهما ] .
5 . وقد ورد في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الفارق» ما يلي:
[ حتّى لو قيل لا نسلم عدم الفارق لوجوده فهو النذر .
وأُجيب بأنّه ملغي إذ لو أثَّر لأثَّر في الصلاة، ولم يؤثر فيها اتفاقاً، أو نقول المقصود...] .

صفحه 348
<--- هاهنا قياس الصيام بالنذر على الصلاة بالنذر، وذلك بأن نقول لو لم يكن الصوم شرطاً للاعتكاف لم يُصِر شرطاً له بالنذر، لكنَّ الصوم شرط له بالنذر .
ثمّ إنّا نثبت المقدمة الشرطية بالقياس على الصلاة، فإنّ الصلاة لَمَّا لم تكن في نفسها شرطاً لم تُصِر شرطاً بالنذر، وهذا في الحقيقة من باب قياس الطرد .
وقد حدّ بعض الناس القياس بأَنَّه: «بذل الجهد في استخراج الحق».
وحدّه آخرون بأنّه: «الدليل الموصل إلى الحق».
وحدّه آخرون بانّه: «العلم الحاصل عن نظر ».
وهذه الحدود مردودة لانتقاضها بالنص والإجماع، والحدّ الأخير ضعيف أيضاً لأَنَّ النظر حال للقايس، والعلم ثمرة القياس وفائدته، فلا يجوز التحديد به.
وحدّه أبوهاشم بانّه: «حمل الشيء على غيره بإجراء حكمه عليه».
وهذا الحدّ ناقص لإِخلاله بذكر الجامع، ولابدّ منه .1
وحدَّه القاضي أبوبكر وارتضاه الجمهور بأَنّه: «حمل معلوم على معلوم في اثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من اثبات حكم أو صفة أو نفيهما».
واستحسنه المصنف ومع ذلك فقد أورد عليه بأمور :
أحدها: أَنَّ حمل معلوم على معلوم ثمرة القياس، 2 فكيف يصحّ   2

1 . واضيف بعد كلمة «لابد منه» في النسختين ما يلي:
[ ليطرد لأن الحمل بغير جامع ليس بقياس ] .
2 . وقد ورد في النسختين بعد كلمة «القياس»:
[ لأَن المراد من الحمل هاهنا ثبوت حكم أحد المعلومين للآخر ] .

صفحه 349
<--- التحديد به.
وثانيها: أنَّ قوله في اثبات حكم لهما يشعر بأَنَّ اثبات الحكم في الأصل والفرع معاً بالقياس، وليس كذلك .
وثالثها: أَنَّ قوله: «بأمر جامع بينهما» كاف عن قوله: «من اثبات حكم أو صفة أو نفيهما» فإِنَّ هذا ذكر أقسام الجامع والمأخوذ في الحدّ إنّما هو مطلق الجامع .
واعترض بعض المتأخرين على هذا الحدّ بأن ثبوت حكم الفرع إنّما حصل بالقياس، فأخذه في التعريف يكون دوراً لأَنّه يكون ركنه مع أَنّه ثمرته .
وأجاب المصنف: بأنّ المحدود إنّما هو القياس الذهني [وثبوت حكم الفرع الذهني والخارجي معاً ليس فرعاً للقياس الذهني، فالحاصل أَنّه قد اختلفت الجهتان، فلا دور]1.

1 . ما بين المعقوفتين في نسخة «أ» فقط، وفي نسختي «ب» و «ج» :
[ وهي ماهية القياس وهي متوقفة على تصور ثبوت حكم الفرع الخارجي لكن تصور ثبوته ليس فرعاً للقياس الذهني بل للخارجي فلا دور، وإنّما ذكر الفرع الذهني وان كان الجواب يتم بالفرع الخارجي جواباً عن سؤال وهو أن يقال: سلَّمنّا أَنَّ القياس الذهني لا يتوقف على الفرع الخارجي، لكن يتوقف على الفرع الذهني، فيلزم الدور. وأجاب بأنّه لا يتوقف عليه أيضاً ] .

صفحه 350
أركان القياس   
قال: وأَركانه: الأَصلُ، والفرعُ، وحُكُم الأصل، والوصف الجامعُ.
الأَصل:
الأكثر: محلُّ الحُكمِ المُشبَّه به .
وقيل: دليلُهُ .
وقيلَ: حُكمُهُ.
والفرعُ: المَحَلُّ المشُبَّهُ.
وقيل: حُكمُهُ .
والأَصل: ما ينبني عليه غيره، فلا بُعد في الجميع، ولذلك كان الجامعُ فرعاً للأصل، أصلاً للفرع.*
* أقول: لَمَّا كان القياس هو التسوية بين الأصل والفرع في علة الحكم وجب أَنْ تكون أركانه الّتي لا تتم ماهيته ولا تتحصل حقيقته إلاّ بها، هذه الأربعة1 أعني:
الأصل، والفرع، والحكم الحاصل في الأصل، والجامع بين الأصل والفرع وهو العلّة .
أَمّا الأصل: فقد اختلفوا في تفسيره فذهب جماعة الفقهاء إلى أنَّ الأصل هو محل الحكم المشبَّه به، كما إذا قسنا النبيذ على الخمر في التحريم لعلَّة الإِسكار فالخمر هومحل الحكم المشبَّه به .
قالوا: لأَنَّ الأصلَ ماكان حكم الفرع مستفاداً منه ومردود إليه وهذا متحقق في نفس الخمر.   2

1 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول : 3 / 614 .

صفحه 351
<--- وذهب جماعة من المتكلمين إلى أَنّ الأصل1 هو النص الدالّ على الحكم الأصل وهو قوله: «حرمت عليكم الخمر» .
قالوا: لأَنّ الأصل ما بُني عليه غيره والتحريم إنّما بُني على هذا النص 2 فكان هو الأصل .
وذهب جماعة أخرى إلى أنَّ الأصل هو الحكم الثابت في الخمر 3 والفرع هو المحل المشبَّه وهو النبيذ وقيل التحريم في النبيذ .
والمصنف قال: إنَّ كلّ واحد من هذه الأقوال غير مستبعد لأَنَّ الأصلَ ما بُني عليه غيرُه وهو صادق على الجميع .
وفي هذا بحث ولأجل ذلك كان الوصف الجامع وهو الإِسكار ـ مثلاً ـ فرعاً للأصل، أصلاً للفرع، وذلك لأَنَّ التحريم ثابت في الخمر بالنصّ .
ثمّ إِنّا استنبطنا العلّة بعد ثبوت هذا النص فوجدناها الإسكار فكأنّ كون الإسكار علّة فرع على ثبوت التحريم في الخمر، ثمّ إنّا وجدنا الإسكار ثابتاً في النبيذ فاستفدنا منه ثبوت التحريم فيه، فكان ذلك فرعاً له.

1 . وجاءت العبارة في النسختين:
[هو الدليل الدال على حكم الأصل كالنص والاجماع ] .
2 . في نسخة «ب»: [ الدليل ] .
3 . جاء في نسخة «ب» بعد كلمة «الخمر»:
[ لأَنَّ الأصلَ ما ينبني عليه غيره ويكون العلم به موصلاً إلى العلم بغيره وهذا متحقق في الحكم لا في المحلِّ لأنّه لا يتفرع حكم النبيذ على الخمر إلاّ مع حكمه ولا في النص والاجماع إذ لو أستفيد حكم الأصل بغيرهما أمكن القياس ] .

صفحه 352
   
قال: ومن شرط حكُم الأصل أَنْ يكون شرعيَّاً، وأَنْ لا يكون منسوخاً، لِزوال اعتبار الجامع، وأَنْ يكون غير فرع، خلافاً للحنابلة والبصريّ .
لنا: إن اتَّحدت، فذكرُ الوسط ضائعٌ، كالشافعيَّة في السفرجل: «مطعومٌ» فيكون ربويّاً، كالتُفَّاح، ثم نقيسُ التفاحَ على البُرَّ، وإن لم تتَّحد فسد، لأنّ الأُولى لم يثبت اعتبارها، والثانية ليست في الفرع، كقوله في الجُذام: عيبٌ يُفسخ به البيع، فيفسحُ به النكاحُ، «كالقرنِ والرَّتق» ثم يقيسُ القَرَن على الجَبِّ، لفوات الإستمتاع.
فإن كان فرعاً يخالفه المستدلُ، كقول الحنفيِّ في الصوم بنيَّة النَّفل: «أَتى بما أُمر به» فيصحُّ، كفريضة الحجِّ ففاسد، لأنَّهُ يتضمنٌ اعترافهُ بالخطأ في الأصل.*

[ شروط حكم الأصل]

* أقول: لَمّا فرغ من تعريف الأصل والفرع شرع في بيان شروطهما، أَمّا الأصل فشرطه أُمور :
الأوّل: أنْ يكون الحكم في الأصل شرعيّاً لأنّه إِنْ كان عقليّاً فالمتعدي إلى الفرع إنّما هو ذلك الحكم العقلي فيكون القياس عقليّاً، والغرض هاهنا من القياس إنّما هو القياس الشرعي .
الثاني: أنْ لا يكون الحكم في الأصل منسوخاً لأَنّ الحكم إنّما يتعدى   2

صفحه 353
<--- من الأصل إلى الفرع بناء على الجامع وهو متوقف على اعتبار الشارع له فإذا لم يكن الحكم المرتب عليه ثابتاً في الأصل لم يكن معتبراً.
الثالث: أَنْ لا يكون حكم الأصل متفرعاً عن أصل آخر، وهذا ممّا ذهب إليه أكثر الأشاعرة وأبوالحسين الكرخي وخالف فيه الحنابلة وأبوعبد الله البصري.
إِحتجّ الأوّلون بأَنَّ العلّة بين الأصل والفرع إنْ إِتَّحدت مع العلّة بين الأصلين فذكر الثاني يكون ضائعاً، وهذا مثل قياس الشافعية في السفرجل أَنّه ربوي بالقياس على التفاح لأنّه مطعوم، ثمّ قاسوا التفاح على البُر بجامع الطُعم وإنْ تغايرت العلتان كان فاسداً كما نقول في الجذام أَنّه عيب يُفسخ به البيع فيفسخ به النكاح قياساً على القرن والرتق،1 ثم يقيس القرن والرتق على الجَبْ 2 بجامع فوات الاستمتاع، وقد كانت العلّة الأُولى الجامعة بين الجذام والرتق كونه عيباً يفسخ به البيع.
ووجه فساده أَنّ العلّة الأُولى [ ـ وهي فوات الاستمتاع ـ لم يثبت اعتبارها في نظر الشارع والعلّة الثانية ـ وهي كونه عيباً ـ يفسخ به البيع، غير ثابت في الفرع]3هذا إذا كان حكم الأصل له فرعاً مقبولاً عند المستدل ممنوعاً عند المعترض،   2

1 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الرتق»:
[ فإذا منع كون القرن والرتق يُفسخ به قاسوا القرن والرتق على الجب... ] .
2 . الجَبْ: القطع، فهو مجبُوب: إذا إستؤصلت مذاكيره.
3 . وقد جاءت العبارة في نسختي «ب» و «ج» كما يلي:
[ كونه عيباً لم يثبت اعتبارها في نظر الشارع لثبوت الحكم في الفرع (الأصل ـ في «ج») بغيرها اتفاقاً وهو فوات الاستمتاع، والعلّة الثانية وهي فوات الاستمتاع غير ثابتة في الفرع وهو المجذوم ].

صفحه 354
<--- وأَمّا إذا كان مقبولاً عند المعترض ممنوعاً عند المستدل فهو فاسد كما لو قال الحنفي في مسألة تعيين النيّة عندما إذا نوى النَفْل في الصوم أنّه أتى بما أُمر به فيصح كالحج إذا نوى الفرض فيه بنية النفل1 فإِنَّ الحكم في الأصل مما لا يقول به الحنفي ويقول به الشافعي، ووجه فساده لأَنَّ هذا القياس يتضمن إعترافه بالخطأ في الأصل 2 وأمّا إذا قال المستدل: هذا هو عندك علة الحكم في الأصل وهو موجود في محل النزاع فيلزمك الاعتراف بحكمه وإلاّ فيلزم ابطال المعنى وانتقاضه لتخلف الحكم عنه من غير مانع، ويلزم من ابطال التعليل به امتناع اثبات الحكم به في الأصل، فهو أيضاً كالأول في الفساد، لأنَّ للخصم أَنْ يقول: الحكم في الأصل ليس عندي ثابتاً بناءً على هذا الوصف، وأيضاً فإِنَّ حاصل ما ذُكر يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في الفرع ضرورة تصويبه في اعتقاده كون الوصف الجامع علة للحكم في الأصل المقيس عليه، وهو غير لازم إذْ ليس بتخطئته في الفرع وتصويبه في التعليل بأولى من العكس، وحينئذ لا يتمّ 3 الإلتزام .

1 . كذا في النسخ الثلاث وفي الإحكام: 3 / 217 :
[... كما إذا كان عليه فريضة الحج ونوى النفل... ] .
2 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الأصل» :
[لوجود العلّة فيه مع عدم الحكم عند هذا ولا يصح من المستدل بناء الفرع عليه ] .
3 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «لا يتم» ورد ما يلي:
[ الإلزام وسمّى المصنف الحج فرعاً لكونه مختلفاً فيه مجازاً ] .

صفحه 355
قال: ومنها: ألاَّ يكون معدولاً به عن سنن القياس، كشهادة خزيمة، وأعدادِ الركعاتِ، ومقادير الحدود والكفَّارات .
ومنهُ: ما لا نظير له، كان له معنى ظاهرٌ، كترخّص المسافر، أو غير ظاهر كالقسامة.*
* أقول: هذا أحد شروط الأصل وهو أنْ لا يكون حكمه معدولاً به عن سنن القياس لتعذر التعدية، وهو على قسمين:
الأوّل: ما لا يعقل معناه، وهو إِمّا يُستثنى عن قاعدة كلية ثبت استقرارها في الشرع، كشهادة خزيمة فإِنّه غير معقول المعنى ومع ذلك فهو مستثنى عن قاعدة الشهادة الّتي استقرت في الشرع، وإمّا غير مستثنى كأعداد الركعات ومقادير نصب الزكوات، فإنّها غير معقولة المعنى لكنّها غير مستثناة عن قاعدة سابقة.
الثاني: ما شُرِّع ابتداء ولا نظير له سواء كان له معنى ظاهراً كترخص المسافر من حيث دفع المشقة، أو لم يكن كاليمين في القسامة وضرب الدية على العاقلة، فهذه الأنواع كلّها لا يرى1 فيها القياس.
 

1 . في نسختي «ب» و «ج»:
[ لا يجري ] .

صفحه 356
قال: ومنها: ألاّ يكون ذا قياس مُرَكّب.
وهو أنْ يستغني بموافقة الخصم في الأصل، مع منعه علَّة الأصل، أو منعه وجودها في الأصل، فالأوّل: مركَّب الأصل، مثل: «عبدٌ» ،فلا يقتل به الحُرُّ، كالمُكاتب، فيقول الحنفي: العلَّة جهالة المستحقِّ من السيد والورثة، فإِن صحَّت، بطل الإِلحاق، وإن بَطَلَت، مُنع حكم الأصل، فما ينفكُّ عن عدم العلّة في الفرع أو منع الأصل.
الثاني: مُركَّبُ الوصف، مثل: تعليق للطَّلاق. فلا يصحُّ قبل النكاح، كما لو قال: «زينب الّتي أتزوَّجها طالقٌ»، فيقول الحنفيّ: العلّة عندي مفقودةٌ في الأصل، فإنّ صحَّ بطل الإلحاق، وإلاّ مُنعَ حُكم الأصل، فما ينفكّ عن عدم العلّة في الأصل أو منع الأصل.
فلو سَلَّم أَنّها العلّة وأَنّها موجودةٌ، أو أثبتَ أَنّها موجودةٌ انْتهض الدليل عليه، لاعترافهِ كما لو كان مجتهداً، وكذلك لو أثبت الأصل بنصٍّ، ثمَّ أثبت العلَّة بطريقها، على الأصحِّ، لأنَّه لو لم يُقْبل لم تُقْبل مقدَّمةٌ تَقْبل المنع.
ومنها: ألاَّ يكون دليل حكم الأَصل شاملاً لحُكم الفرع.*
* أقول: إذا كان الأصل متفقاً على حكمه بين الأُمّة جاز القياس عليه عند القائلين به، وإذا كان مُتَّفقاً عليه بين الخصمين مَنَع قوم من القياس عليه وجوّزه آخرون ; والمصنّف ذهب إلى الأول، ومثل هذا القياس يسمّى القياس المركب، وهو الّذي يكون الحكم في أصله غير منصوص عليه ولامجمع عليه وهو قسمان :   2

صفحه 357
<--- الأوّل: مركب الأصل وهو ما اتّفق فيه الخصمان على حكم الأصل [واختلفا في العلّة .
الثاني: مركب الوصف وهو ما إذا اختلف الخصمّان في وصف المستدل هل له وجود في الأصل ] 1 أم لا؟
مثال الأوّل: كما إذا قال الشافعي 2 في مسألة [ قتل ] الحرّ بالعبد: «عبد فلا يقتل به الحرّ كالمكاتب» فالمقيس عليه وهو المكاتب غير متفق عليه ولا منصوص وإنّما اتّفق الشافعي وابوحنيفة على عدم وجوب القصاص على قاتله، فللحنفي أنْ يقول: «العلّة من عدم وجوب القصاص في المكاتب ليست العبودية، إنّما هي جهالة المستحق للقصاص، من السيد أو الورثة». فإنْ سُلِّمت العلّة بطل إلحاق العبد به، وإنْ بطلت منعت الحكم في الأصل، لأَنَّ الحكم فيه إنّما ثبت بناءً على هذه العلّة وقلت بوجوب القصاص في المكاتب، فالقياس يكون ممتنعاً حينئذ لأَنّه لا ينفكّ عن عدم العلّة في الفرع، أو منع الحكم في الأصل .
مثال الثاني: كما إذا قال المستدل في مسألة تعليق الطلاق بالنكاح3: «تعليق»، فلا يصحّ قبل النكاح كما لو قال: «زينب الّتي اتزوجها طالق»، وللحنفي أَنْ يقول: لا نسلم وجود التعليق في الأصل بل هو تنجيز، فإِنْ صحّ هذا المنع 4   2

1 . قد سقط هذا المقطع من نسخة «أ» وورد في نسختي «ب» و «ج»، وهو جزء من النص.
2 . في نسختي «ب» و «ج»: [ قول الشافعي ] .
3 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «بالنكاح» وردت الاضافة التالية:
[ وهي قولنا: إن تزوجت زينب فهي طالق].
4 . في «ب» و «ج» بعد كلمة «المنع»: [ يعني عدم وجود التعليق ] .

صفحه 358
<--- بطل الإِلحاق لعدم وجود العلّة، وإنْ بطل 1 صح الإلحاق ومَنْعتَ الحكم في الأصل وقُلتَ: إنّه صحيح كما في الفرع، فالقياس يكون ممتنعاً لأَنّه لا ينفكّ عن منع حكم الأصل أو منع العلّة فيه، فلو سلَّم الخصمُ أَنَّ العلّةَ هو الوصف المذكور 2وأَنّها موجودة في الأصل بنص، ثم أَثبت العلّة بأحد طرائقها، إِنْتَهَضَ أيضاً الدليل عليه على المذهب الحقّ، لأَنّه لو لم يقبل ذلك لم تُقبل مقدّمة تقبل المنع، والتالي باطل فالمقدّم مثله .
ومن الشرائط أَنْ لا يكون الدليل الدال على إِثبات حكم الأصل دالاًّ على إِثبات حكم الفرع وإلاّ فليس أحدهما أولى بالأصالة من الآخر بالفرعية.

1 . أي: وإن بطل هذا المنع.
2 . ورد المقطع التالي في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الوصف المذكور» :
[ أعني العبودية في الأوّل وأنَّ العلّة ـ علّة التعليق في الثاني ـ موجودة في الأصل ـ أو أَثبت الخصم أنها موجودة ـ إِنتهض الدليل عليه لإِعترافه بعلِّيَّة وصف المستدل، وبوجود العلّة في الأصل; كما ينتهض القياس عليه إذا كان ناظراً في المسألة بطريق الاجتهاد، فإنّه لا يكابر نفسه فيما أداه اجتهاده ويوجبه ظنُه فكذلك فيما إذا كان مناظراً، وكذلك ـ أي ينتهض الدليل عليه ـ لو أَثبت المستدل حكم الأصل بنص مطلقاً ثم أَثبت العلّة بأحد طرائقها على المذهب الحق خلافاً لطائفة ذهبوا إلى أنّه إنّما يجوز القياس على أصل إذا كان الدليل على حكمه نصّاً أو اجماعاً خاصّاً به أو لم يقم دليلٌ خاصّ على جواز القياس عليه خلافاً لعثمان البتيّ حيث ذهب إلى أَنّه لا يجوز القياس على أصل حتّى يقوم دليل خاص على جواز القياس عليه أو لم يقم نصّ على (تبيين) تلك العلّة ولا إجماع على كون حكم الأصل معلّلاً خلافاً للمريسيّ والكرخي وإنّما ينتهض الدليل عليه لأَن الخصم لو لم يقبل المقدّمة الممنوعة ـ وهي علّية المشترك أو جواز القياس عليه ـ وإنْ لم يقم دليل خاصّ بعد اثبات المستدلّ أمامهما بالدليل، لزم أنْ لا تُقبل مقدّمة قابلة للمنع وإن أقيم عليها الدلّيل إذ لا علة إلاّ كونها قابلة للمنع وذلك يوجب أَنْ لا تُقبل إلاّ البديهيات ].

صفحه 359
قال: ومن شروط علّة الأصل: أن تكون بمعنى الباعث، أي: مشتملة على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكمِ، لأنّها إذا كانت مجرّدَ أمارة، وهي مستنبطة من حُكم الأصلِ كان دوراً.*

[ شروط علّة الأصل]

* أقول: لما فرغ من شرائط الأصل شرع الآن في بيان شرائط علّة الأصل، وهي أُمور:
الأوّل: ذهب الجمهور إلى أَنّه لابدّ وأَنْ تكون العلّة في الأصل للحكم بمعنى الباعث، أي تكون مشتملة على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم .
قالوا: لأَنَّها لو كانت وصفاً طردياً لا حكمة فيه بل مجرد أَمارة، لزم الدور المحال لأَنّ علّة الأصل 1 مستنبطة من حكم الأصل ومتفرّعة عليه،2 فلو كانت معرِّفة لحكم الأصل لزم توقف كلّ واحد منهما على الآخر.
 

1 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الأصل»:
[ من حيث هي ] .
2 . في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «متفرعة عليه» ورد ما يلي:
[ ومن حيث هي أمارة لا فائدة فيها سوى تعريف الحكم، كأَنَّ الحكم متفرعاً منها وهو دور ] .

صفحه 360
قال: ومنها: أن يكون وصفاً ضابطاً لحكمة لا حكمةً مجرّدةً; لخفائها، أو لعدم انضباطها، ولو أمكن اعتبارها، جاز على الأصحّ.*
* أقول [الثاني ]: اختلف الناس في جواز التعليل بالحِكَمِ المجرّدة عن الأوصاف الضابطة لها، فذهب الجمهور إلى المنع من ذلك، وخالف فيه جماعة يسيرة ; وذهب آخرون إلى التفصيل فجوّزوا التعليل بالحِكَمِ المنضبطة دون المضطربة الخفيّة.
احْتجَّ المانعون بأَنّ الحكمة من الأمور الخفية الّتي لا يمكن ضبطها ومعرفتها، وإِنْ أَمكن ذلك في بعض المصالح فتكليف العبد الإِطلاع عليها في كلّ حكم، وأَنّه هل يصحّ التعليل بها أم لا؟ نوع مشقّة، وهي منتفية لقوله تعالى: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)1.
واحْتجَّ المجوزون بأَنَّ الحكمة علّة لعلّة الحكم، فتعليل الحكم بها أولى من تعليله بالوصف، وأمّا الذين فصّلوا فقالوا: إنَّ التعليل بالوصف إنَّما كان لاشتماله على نوع من الحكمة، فإِذا كانت الحكمة معلومة ظاهرة كان التعليل بها أولى من التعليل بالوصف المساوي له في الظهور، وأَمّا إذا كانت الحكمة خفيّة فالتعليل لها متعذر لاختلافها باختلاف الأشخاص والأزمان.

1 . الحج: 78 .

صفحه 361
قال: ومنها: ألاّ تكون عدَماً في الحُكم الثبوتيِّ.
لنا: لو كان عدماً لكان مناسباً أو مَظِنَّتَهُ.
وتقرير الثانية: أنّ العدم المطلق باطلٌ، والمخصّص بأمر إن كان وجودُهُ منشأ مصلحة فباطلٌ، وإن كان منشأ مفسدة فمانعٌ، وعدم المانع ليس علَّةً، وإن كان وجوده ينافي وجود المناسب، لم يصلُح عدمُهُ مظنَّة لنقيضه، لأَنّه إِنْ كان ظاهراً تعيَّن بنفسه، وإن كان خفيّاً فنقيضُهُ خفيٌ، ولا يصلُحُ الخفيُّ مظنَّةً للخفي، وإنْ لم يكن فوجودُهُ كعدمه.
وأيضاً: لم يسمع أحدٌ يقول: العلَّة كذا أو عدمُ كذا.
واسْتُدِلَّ: بأنّ لا علّة عدمٌ، فنقيضهُ وجود، وفيه مصادرةٌ، وقد تقدّم مثلهُ.
قالوا: صحَّ تعليلُ الضرب بانتفاء الإمتثال.
قلنا: بالكفِّ، وألاّ يكون العدمُ جزءاً منها لذلك.
وألاّ تكون المتعدّية المحلّ ولاجزءاً منه، لإِمتناع الإلحاق، بخلاف القاصرة .
قالوا: انتفاءُ معارضة المعجزة جُزءٌ من المعرِّفِ لها، وكذلك الدوران، وجزؤُهُ عدمٌ.
قلنا: شرط لاجُزْء.*
* أقول: اختلف الناس في جواز التعليل للحكم الثبوتي بالعلّة العدمية،   2

صفحه 362
<--- فاثبته قوم ونفاه آخرون، وإليه ذهب المصنف، وقد اسْتدلَّ الباقون بوجوه ثلاثة :
الأوّل: العلّة لو كانت عدمية لكانت مناسبة أو مظنّة المناسبة، والتالي بقسميه باطل فالمقدّم مثله، والشرطيّة قد مضى بيانها.1
وبيان بطلان التالي وهو الّذي أشار إليه المصنف بالثانية ـ فإِنّه يسمي المقدمة الإِستثنائية بالثانية ـ إنَّ التعليلَ إمّا أَنْ يكون بالعدم المطلق أو المخصّص، والأول باطل قطعاً لعدم اشْتماله على الحكمة 2، والثاني كذلك لأَنّه إِنْ كان وجود ذلك الأمر [ الّذي يخصص به العدم ] 3 منشأً للمصلحة، 4 لم يكن عدمه منشأً   2

1 . قد جاء في نسختي «ب» و «ج» بدلاً عن قوله: «قد مضى بيانها»، ما يلي:
[ والشرطية ظاهرة لأنَّ الكلام في العلّة بمعنى الباعث، وهو لابدّ وأن يكون مناسباً للحكم أي يكون وصفاً ظاهراً منضبطاً يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من حصول مصلحة أو دفع مفسدة أو يكون مظنة المناسب أي ملازماً للوصف المذكور إذا لم يكن ظاهراً أو منضبطاً كالسفر الّذي هو مظنة المشقة الخفية وبيان بطلان... ] .
2 . قد ورد في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «الحكمة» ما يلي:
[ ولأن العدم المطلق لو كان علّة لحكم أو مضنة له لعمّ ذلك الحكم جميع الصور إذ لا صورة إلاّ وهناك عدم خاص مشتمل على العدم المطلق ] .
3 . في نسختي «ب» و «ج» فحسب .
4 . ورد في نسختي «ب» و «ج» بعد كلمة «المصلحة» مقطع مطول كما يلي:[ أو المفسدة أو لا يكون حينئذ إما أن يكون وجوده ينافي وجود المناسب أو لا ينافيه فهذه أربعة:
الأوّل: أن يكون وجود ذلك الأمر الّذي يُخصّص به العدم منشأ مصلحة للحكم الثبوتي فباطل، أن يكون عدمه مناسباً أو مظنة لاستلزام عدمه فوات تلك المصلحة.
وأما الثاني: وهو أن وجود ذلك الأمر منشأ مفسدة فلأن ذلك الأمر حينئذ يكون مانعاً فيكون عدمه عدم المانع فليس بعلّة أي فليس بمناسب ولا مظنة اتفاقاً.
وأما الثالث: وهو أن يكون وجود ذلك الأمر ينافي وجود المناسب (في نسخة «ج»: فلأنه لو كان كذلك لم يصح عدم ذلك الأمر مظنّة لمقابل ذلك الأمر وهو ما تنافيه، أعني المناسب) وذلك لأن المناسب إن كان ظاهراً تعيّن للعلية بنفسه ولا إِحتياج إلى مظنته وإِن كان خفياً، فنقيض ذلك الأمر خفيٌ لأَنَّ عدم الخفي خفيٌ أيضاً لتوقف تعقل العدم على الخفي.
وأما الرابع: وهو أَنْ لا يكون وجود ذلك الأمر ينافي المناسب فكذلك لأن وجوده يكون كعدمه بالنسبة إلى ذلك الحكم، لأن التقدير أن وجوده ليس منشأ مصلحة ولا مفسدة ولا منافياً للمناسب، وإذا تساوى وجوده وعدمهُ لا يكون عدمه مناسباً للحكم ولا مظنته ] .

صفحه 363