welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : غاية الوصول وإيضاح السبل/ج 1 *
تألیف :العلامة الحلّی*

غاية الوصول وإيضاح السبل/ج 1

صفحه 1
غاية الوصول
وإيضاح السبل

صفحه 2

صفحه 3
تقديم وإشراف
الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
غاية الوصول وإيضاح السبل
في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل
لابن الحاجب
تأليف
الحسن بن يوسف بن المطهر
المعروف بالعلاّمة الحلّي
(648 ـ 726 هـ)
الجزء الأوّل
تحقيق وتعليق
الشيخ آ. مرداني پور
منشورات مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق.
      غاية الوصول وإيضاح السبل في شرح مختصر السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل / لابن الحاجب ; تأليف الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي; تحقيق وتعليق: آ. مرداني پور ; تقديم وإشراف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1430 ق . = 1387 .
      (دورة)    ISBN : 978 - 964 - 357 - 343 - 0
2 ج .      (ج. 1)    ISBN: 978 - 964 - 357 - 344 - 7
      (ج. 2)    ISBN:978 - 964 - 357 - 345 - 4
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 ـ ابن الحاجب، عثمان بن عمر، 570 ـ 646 ق. مختصر منتهى السؤل والأمل ـ ـ نقد وتفسير. 2. أُصول الفقه ـ ـ القرن 7 ق. الف. مرداني پور، 1340 هـ . ش ـ. المحقق. ب. السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق ـ . المشرف. ج. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). د. العنوان. هـ . عنوان: مختصر منتهى السؤل والأمل. شرح.
1387 8026م2الف/ 8/155 BP    311 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   غاية الوصول وإيضاح السبل
الجزء:   الجزء الأوّل
المؤلــف:   العلاّمة الحلّي
تقديم وإشــراف:   الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
المحقّـق:   الشيخ آ. مرداني پور
الطبعــة:   الأُولى ـ 1430 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   1100 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الصف والإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدمة المشرف   
   غاية الوصول وإيضاح السبل / ج 1
مقدمة المشرف
آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني

الأواصر العلمية

بين علماء الشيعة والسنّة

العلاقة بين علماء الشيعة والسنّة كانت وطيدة وراسخة عبر القرون، ولم تمنع الاختلافات الفكرية أو العقائدية من حصول الزمالة بينهم في مجالات العلم والفكر والأدب، والسبب في ذلك هو وجود مشتركات كثيرة بينهم، فكان العمل على ضوئها موجباً لنشر الثقافة الإسلامية وإرساء دعائمها، وهذا هو التاريخ يُحدّثنا عن تبادل التحديث بينهم وتتلمذ لفيف من علماء السنة لدى علماء الشيعة وبالعكس في شتى مجالات المعارف الإسلامية، وسنذكر نماذج لهذه الوشائج والعلاقات الحسنة بين علماء الفريقين:
1. الشيخ الكليني: محمد بن يعقوب الرازي (المتوفّى 329 هـ) مؤلف «كتاب الكافي» في سبعة اجزاء وهو أحد الجوامع الحديثية للشيعة.
ترجم له الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر وذكر

صفحه 8
أسانيده إليه كما أورد بعض مروياته عنه، وقال:
قدم دمشق وحدّث ببعلبك عن أبي الحسين محمد بن علي الجعفري السمرقندي، ومحمد بن أحمد الخفّاف النيسابوري .
روى عنه أبو سعد الكوفي شيخ الشريف المرتضى، وأبو عبد الله أحمد بن إبراهيم، وأبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي، وعبد الله بن محمد بن ذكوان.
ثم قال: أنبأنا أبو الحسن بن جعفر قال: أنا جعفر بن أحمد بن الحسين بن السراج، أنا أبو القاسم المحسن بن حمزة... الورّاق بتنيس أنا أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الديبلي بتنيس في المحرم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، أنا أبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي، أخبرني محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم إلى أن انتهى الاسناد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».1
2. الشيخ الصدوق محمد بن الحسين بن بابويه (306 ـ 381 هـ) شدّ الرحال لطلب الحديث إلى ارجاء العالم الإسلامي كالريّ، واستراباد، وجرجان، ونيسابور، ومشهد الرضا (عليه السلام)، ومرو الروذ، وسرخس، وإيلاق، وسمرقند، وفرغانة، وبلخ من بلاد ماوراء النهر، وهمدان، وبغداد، والكوفة، وفيد، ومكة، والمدينة .
فقد اخذ في هذه البلاد الحديثَ عن مشايخها من غير فرق بين السني والشيعي، وقد بلغ عدد مشايخه إلى مائتين وستين شيخاً من أئمة الحديث، وإليك اسماء بعض مشايخه من محدثي السنة الذين أخذ الحديث عنهم:

1 . تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: 56 / 297.

صفحه 9
حدّثه بنيسابور أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضبي المرواني النيسابوري، وقد روى عنه في علل الشرائع .1
كما حدّثه بإيلاق، بكر بن علي بن محمد بن فضل الحنفي الشاشي 2الحاكم.3
كما أخذ عنه الحديث جماعة من السنّة منهم: محمد بن طلحة النعالي البغدادي من شيوخ الخطيب البغدادي، وأبو بكر محمد بن علي بن أحمد، وآخرون.4
3. الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي (المتوفّى: 413 هـ) وهو التمليذ العبقري للشيخ الصدوق (قدس سره) وبدراسة حياته تتجلى لنا مكانته السامية في أوساط الأُمّة، وقدرته الفائقة على اجتذاب القلوب، فقد كان يرتاد مجلسه العلماء وطلاّب المعرفة من كافة الطوائف الّتي احتشدت عند موته باكية، نادبة عالمها الفذ، ذا القلب الكبير، والإيمان الراسخ، والعطاء الثرّ.
وإليك بعض كلمات المؤرخين الّتي تصف جلالته وسمو شخصيته، والتفاف الناس حوله:
كان له مجلس بداره بدرب رباح يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف 5 .

1 . علل الشرائع: 56.
2 . الشاش مدينة في ماوراء النهر ثم ماوراء نهر سيحون .
3 . إكمال الدين: 170 .
4 . موسوعة طبقات الفقهاء: 4 / 434 .
5 . المنتظم: 15 / 157 ; البداية والنهاية: 12 / 17 .

صفحه 10
وقال الذهبي نقلاً عن تاريخ ابن أبي طيّ: كان قوي النفس كثير البّر عظيم الخشوع عند الصلاة والصوم .1
كما نقل عنه ابن حجر في لسان الميزان: ما كان ينام من الليل إلاّ هجعة ثم يقوم يصلي أو يطالع أو يدرس أو يتلو القرآن.2
توفي ببغداد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً. وصلى عليه الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بميدان الاشْنان وضاق على الناس مع كبره 3.
وكان يوم وفاته يوماً لم يُر أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والمؤالف .4
4. إمام الأدب والتفسير والفقه الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) وصفه ابن بسام الاندلسي في اواخر كتاب الذخيرة بقوله: كان هذا الشريف إمام أئمة العراق بين الاختلاف والاتفاق، إليه فزع علماؤها، وعنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجَمّاع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره وعرفت له أشعاره وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، إلى تواليفه في الدين وتصانيفه في أحكام المسلمين ممّا يشهد أنّه فرع تلك الأُصول ومن أهل ذلك البيت الجليل 5.
ويقول ابن خلكان في وصف كتابه الأمالي: وله الكتاب الّذي سماه «الغرر

1 . سير اعلام النبلاء: 17 / 344 .
2 . لسان الميزان: 5 / 368 .
3 . رجال النجاشي: 403، برقم 1067.
4 . الفهرست للشيخ الطوسي: 685 .
5 . وفيات الأعيان: 3 / 313، برقم 443 نقلاً عن ابن بسّام.

صفحه 11
والدرر» وهي مجالس أملاها تشتمل عن فنون من معالي الأدب تكلم فيها على النحو والفقه وغير ذلك، وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير وتوسع في الاطلاع والعلوم.1
5. شيخ الطائفة الطوسي محمد بن الحسن (385 ـ 460 هـ)، أخذ عن مشايخ الشيعة كالمفيد والمرتضى، وفي الوقت نفسه أخذ عن غيرهم كأبي علي بن شاذان وأبي منصور السكري .2
يقول الذهبي: كان الشيخ الطوسي مقيماً ببغداد وكانت داره منتجعاً لروّاد العلم، وبلغ الأمر من الإكبار له أن جعل له القائم بأمر الله كرسي الكلام والإفادة 3 .
ويقول الشيخ محمد أبو زهرة المصري أحد كبار علماء السنة: كان شيخ الطائفة في عصره غير منازع وكتبه موسوعات فقهية، وعلمية، وكان مع علمه بفقه الإمامية، وكونه أكبر رواته، عالما بفقه السنة، وله في هذا دراسات مقارنة، وكان عالماً في الأُصول على المنهاجين الإمامي والسنّي.4
6. فقيه الطائفة أبو جعفر محمد بن المنصور المعروف بابن إدريس الحلّي (543 ـ 598 هـ) ذكر في كتابه صلته بفقهاء أهل عصره من الشافعية، قال: وقد كتب إليّ بعض فقهاء الشافعية، وكان بيني وبينه مؤانسة ومكاتبة: هل يقع الطلاق الثلاث عندكم؟ وما القول في ذلك عند فقهاء أهل البيت(عليهم السلام)؟ فأجبته: أما مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فإنّهم يرون أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد وحالة واحدة

1 . المصدر نفسه.
2 . مقدمة «التبيان»: 52 ـ 53، عند عدّ مشايخه، برقم 7 ـ 8 .
3 . سير اعلام النبلاء: 18 / 334، برقم 155 .
4 . موسوعة طبقات الفقهاء: 5 / 281 .

صفحه 12
دون تخلل المراجعة لا يقع منه إلاّ واحدة .1
7. المؤرّخ الكبير عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني من أعلام القرن السادس أخذ الحديث من شيخ الشيعة علي بن عبيد الله المعروف بمنتجب الدين صاحب الفهرس المعروف (المتوفى سنة 600 هـ )، وقال في حقه: علي بن عبيد الله بن حسن بن حسين بن بابويه، الرازي، شيخ ريّان من علم الحديث، سماعاً وضبطاً وحفظاً وجمعاً، يكتب ما يجد ويسمع ممن يجد، ويقلّ من يدانيه في هذه الأعصار في كثرة الجمع والسماع والشيوخ الذين سمع منهم وأجازوا له، وذلك على قلّة رحلته وسفره. ثم ذكر مشايخه على التفصيل، إلى أن قال: لم يزل كان يترقب بالري ويسمع من دبّ ودرج، ودخل وخرج وجمع الجموع وكان يسوّد تاريخاً كبيراً للري فلم يُقض له نقله إلى البياض، وأظن أن مسوّدته قد ضاعت بموته، ومن مجموعه كتاب الأربعين الّذي نبأه 2 على حديث سلمان الفارسي (رضي الله عنه) ، المترجم لأربعين حديثاً وقد قرأته عليه بالريّ سنة أربع وثمانين وخمسمائة .3
ويظهر أيضاً أنّه قرأ عليه في سنة أُخرى أيضاً يقول: وقد قرأت عليه في شوّال سنة خمس وثمانين وخمسمائة .4
8. إمام اللغة والادب مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الفيروزآبادي مؤلف كتاب «القاموس» الطائر الصيت، روى عن فخر المحققّين محمد بن الحسن الحلّي (682 ـ 771 هـ) كتاب «التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح

1 . السرائر: 2 / 678 ـ 679.
2 . ويحتمل أنّه «بناه».
3 . التدوين في أخبار قزوين : 3 / 372 و 374 ـ 375 .
4 . نفس المصدر: 3 / 377 .

صفحه 13
العربية» وذكر روايته عنه في اجازته لابن الحلواني قال: أجزت للمولى الإمام، الحبر الهمام، البحر الهلقام، زبدة فضلاء الأيام فخر علماء الأنام، عماد الملة والدين «عوض» الفلك آبادي الشهير بابن الحلواني سقاه الله تعالى من الكلم الغرّ عذاب نطافها كما رزقه من أثمار العلوم لطاف اقطافها، أن يروي عني هذا الكتاب المسمّى بـ «التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح العربية» بحق روايتي عن شيخي ومولاي ـ علامة الدنيا ـ بحر العلوم وطود العلى فخر الدين أبي طالب محمد بن الشيخ الإمام الأعظم، برهان علماء الأُمم، جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر، بحق روايته عن والده بحق روايته عن مؤلّفه الإمام الحجة برهان الأدب، ترجمان العرب ولي الله الوالي رضي الدين أبي الفضائل الحسن بن محمد الصغائي ـ رضي الله عنه وأرضاه وقدس مهجعه ومثواه ـ إلى أن قال: وكتبت هذه الأحرف في شهر ربيع الأوّل عمّت محاسنه ـ سنة سبع وخمسين وسبعمائة .1
9. أسوة الحكماء والمتكلمين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي المعروف بنصير الدين (597 ـ 672 هـ) وصفه الصفدي بقوله: كان رأساً في علم الأوائل لا سيّما في الإرصاد والمجسطي، ويقول بروكلمان الألماني: هو أشهر علماء القرن السابع وأشهر مؤلفيه اطلاقاً أخذ عن علماء السنة ككمال الدين بن موسى بن يونس بن محمد الموصلي الشافعي (المتوفّى 639 هـ) .
كما أخذ عنه العديد من كبار السنة كقطب الدين محمد بن مسعود الشيرازي، وشهاب الدين أبو بكر الكازروني، وأبو الحسن علي بن عمر القزويني الكاتبي .2
وقد ألف كتاباً أسماه بـ « تجريد العقائد» وقد طار صيت هذا الكتاب واشتهر

1 . الجاسوس على القاموس: 129 ـ 130، طبعة القسطنطينة.
2 . موسوعة طبقات الفقهاء: 7 / 244.

صفحه 14
في الأوساط العلمية وشرحه غير واحد من السنّة كشمس الدين محمد الاسفرائيني البيهقي، وشمس الدين محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الاصفهاني (المتوفى 984 هـ)، وعلاء الدين علي بن محمد المعروف بالفاضل القوشجي (المتوفى 879 هـ) الّذي وصف الكتاب المذكور بقوله: تصنيف مخزون بالعجائب، وتأليف مشحون بالغرائب، فهو وإن كان صغير الحجم، وجيز النظم، لكنه كثير العلم، عظيم الإسم، جليل البيان، رفيع المكان، حسن النظام، مقبول الأئمة العظام، لم يظفر بمثله علماء الأعصار، ولم يأت بمثله الفضلاء في القرون والأدوار، مشتمل على إشارات إلى مطالب هي الأمهات، مشحون بتنبيهات على مباحث هي المهمات، مملوء بجواهر كلها كالفصوص، ومحتو على كلمات يجري أكثرها مجرى النصوص، متضمن لبيانات معجزة في عبارات موجزة.1
10. جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (570 ـ 646 هـ) الأُصولي الطائر الصيت من كبار العلماء في الأدب والفقه والأُصول حيث ألف «الشافية» في الصرف و «الكافية» في النحو وقد شرحهما إمام الأدب والعربية في عصره رضي الدين الاسترآبادي (المتوفّى 686 هـ) يصفه السيوطي بقوله: الرضي الإمام المشهور صاحب شرح الكافية لابن الحاجب، الّذي لم يؤلّف عليها ـ بل ولا في غالب كتب النّحو ـ مثلها، جمعاً وتحقيقاً، وحسنَ تعليل. وقد أكبّ النّاس عليه، وتداولوه واعتمده شيوخ هذا العَصْر فمَن قَبْلهم، في مصنّفاتهم ودروسهم، وله فيه أبحاث كثيرة مع النّحاة، واختيارات جَمّة، ومذاهب ينفرد بها; ولقبه نجم الأئمة، ولم أقف على اسمه ولا على شيء من ترجمته; إلاّ أنّه فرغ من تأليف هذا الشرح سنة ثلاث وثمانين وستمائة.(2)

1 . شرح التجريد لعلاء الدين القوشجي: 1 .   2 . بغية الوعاة: 1 / 567، برقم 1188 .

صفحه 15
وألف ابن الحاجب كتاباً في أُصول الفقه أسماه «منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل» وهو مطبوع ـ ثم اختصره وسمّاه «مختصر السؤل والأمل» وهو أيضاً مطبوع ويعرف بمختصر ابن الحاجب، وكان مداراً للتدريس لقرون وقد اعتنى العلماء بشرحه، فقد ذكر محقّق كتاب «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب» شرّاح المختصر فأنهى عددهم إلى خمسة وأربعين .1
وممن شرحه إمام الشيعة في الفقه والأُصول الحسن بن يوسف بن مطهر الحليّ (648 ـ 726 هـ)، الّذي يصفه ابن حجر في لسان الميزان بقوله: عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم وكان آية في الذكاء 2.
وذكر شرحه ابن حجر في الدرر الكامنة، وقال: وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حل ألفاظه وتقريب معانيه .3
هذه نبذة عن الأواصر العلمية بين علماء الشيعة والسنة في مجالات الأدب والحديث والأُصول وغيرها، وهذه هي سيرة السلف الصالح، الّتي نأمل أن يقتدي بها الخلف الصالح من خلال الأخذ بالمشتركات وانتهاج الأسلوب العلمي في مناقشة المسائل المختلف فيها، بعيداّ عن التعصب والتحزّب .
وبما أن كتاب مختصر ابن الحاجب في أُصول الفقه كان كتاباً دراسياً حتّى في الاوساط الشيعية، فقد كان المحقّق الاردبيلي يدرّس شرح العضدي على المختصر

1 . رفع الحاجب: 1 / 191 ـ 224 .
2 . لسان الميزان: 2 / 317 برقم 1295 ذكره ـ للأسف بعنوان الحسين بن يوسف المطهر، مع ان اسمه الحسن، كما انّه عنونه أيضاً باسم الحسين في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: 2 / 71 .
3 . الدرر الكامنة: 2 / 71 .

صفحه 16
المذكور لتلميذيه المعروفين الحسن بن زين الدين المعروف بصاحب المعالم، والسيد محمد بن علي المعروف بصاحب المدارك،1 فلذلك عمدنا إلى إحياء ذلك الميراث القيّم الّذي كاد أن يعفي عليه الدهر ولم نعثر إلاّ على نسختين منه نشير إلى خصائصهما في آخر هذه المقدمة.
***
وقبل الحديث عن مؤلف هذا المختصر وشارحه نذكر ما الفه علماء الشيعة في أُصول الفقه إلى زمن العلاّمة الحلي (رحمه الله) أي نهاية القرن السابع، وأما الثامن فالعلاّمة الحلّي من ابطال ذلك العلم فيه وقد ألف كتباً وربّى جيلاً من العلماء الأفاضل.
لم يكن علم أُصول الفقه أمراً مغفولاً عنه في عصر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد أملى الإمام الباقر (عليه السلام) واعقبه الإمام الصادق (عليه السلام) قواعد كلية في الاستنباط ومشى على ضوئها أصحابهما، وقد جمع ما أملاه الإمامان المحدّث الحر العاملي (المتوفّى 1104 هـ) في كتاب خاص أسماه «الفصول المهمة في أُصول الأئمة ».
كما جمع العلاّمة السيد عبدالله شبر (المتوفّى 1242 هـ) تلك الأحاديث في كتاب خاص اسماه «الأُصول الأصلية».
وتلاه السيد الشريف هاشم بن زين العابدين الخوانساري (المتوفّى 1318 هـ) فأودع تلك الأحاديث بشكل خاص في كتاب أسماه «أُصول آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)». هذا ما يرجع إلى القرنين الأولين.
وأما في القرن الثالث فلم نقف إلاّ على كتاب «اختلاف الحديث ومسائله» لفقيه الشيعة يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208 هـ) .(2)

1 . ريحانة الادب: 3 / 392 ; روضات الجنات: 7 / 48 .   2 . رجال النجاشي: 211، برقم 810 .

صفحه 17
وفي القرن الرابع قام العلمان الجليلان من بيت بني نوبخت بدور رئيسي في هذا الصدد، وهما:
أ. أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237 ـ 311 هـ) فقد ألّف الكتب التالية:
1. الخصوص والعموم.
2. الأسماء والأحكام.
3. إبطال القياس.
يقول النجاشي: كان شيخ المتكلمين من أصحابنا وغيرهم، له جلالة في الدنيا والدين، ثم ذكر الكتابين الأولين .1
ويقول ابن النديم: هو من كبار الشيعة وكان فاضلاً عالماً متكلماً وله مجلس يحضره جماعة من المتكلمين، ثم ذكر الكتاب الأخير له .2
ب. الحسن بن موسى النوبختي، يعرّفه النجاشي بقوله: شيخنا المتكلم المبّرز على نظرائه قبل الثلاثمائة وبعدها، ثم ذكر أن له كتاب: «خبر الواحد والعمل به ».3
وفي القرن الخامس بلغ علم الأُصول مرحلة جديدة، وقد بسط أصحابنا فيها الكلام ونذكر منهم ما يلي:
1. محمد بن محمد بن النعمان المفيد (336 ـ 413 هـ) وهو شيخ الشيعة في

1 . رجال النجاشي: 31، برقم 67 .
2 . فهرست ابن النديم: 225 .
3 . رجال النجاشي: 63، برقم 148 .

صفحه 18
عصره، صنف كتاباً باسم «التذكرة بأُصول الفقه» وقد طبع ضمن مصنفات الشيخ المفيد.
2. الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) عرّفه النجاشي بقوله: حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه 1، ألّف كتاباً باسم «الذريعة» فرغ منه عام 430 هـ وقد حقق وطبع مؤخراً طبعة أنيقة .2
3. سلاّر بن عبد العزيز الديلمي الشيخ المقدم في الفقه والأدب، ألّف كتاب «التقريب في أُصول الفقه ».3
4. الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) الشيخ الجليل صاحب المؤلفات الكثيرة ألّف كتاب «العُدّة في أُصول الفقه» وهو مطبوع منتشر.
وفي القرن السادس ازدهر علم أُصول الفقه أكثر ممّا سبق ونذكر ممّا أُلّف فيه الكتابان التاليان لمؤلفين جليلين هما:
1. ابن زهرة الحلبي (511 ـ 558 هـ) وكتابه باسم : «غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع» خصّ الجزء الأوّل من هذا الكتاب بعلم الكلام وأُصول الفقه، وهو مطبوع.
2. سديد الدين الحمصي الرازي، قال عنه منتجب الدين الرازي: الشيخ الإمام سديد الدين علامة زمانه في الأُصولين، ورع ثقة; وبعد أن ذكر مصنفاته الّتي منها: «المصادر في أُصول الفقه»، و «التبيين والتنقيح في التحسين والتقبيح » . قال: حضرت مجلس درسه سنين .(4)

1 . رجال النجاشي: 270، برقم 708.
2 . حقق وطبع في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، عام 1429 هـ .
3 . الذريعة: 4 / 365 .   4 . فهرست منتجب الدين: برقم 389 .

صفحه 19
وقد فرغ من كتابه «المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد» عام 581 هـ في الحلّة الفيحاء عند منصرفه من زيارة الحرمين بالحجاز.1
وقد أشار إلى كتابه هذا ابن إدريس في سرائره قال: ولقد أحسن شيخنا محمود الحمصي (رحمه الله) فيما أورده في كتابه «المصادر في أُصول الفقه».(2)
وقد أكثر ابن إدريس المدح عليه ولا بأس بذكر ما قاله في حقه; قال: سألني شيخنا محمود بن علي بن الحسين الحمصي، المتكلم الرازي (رحمه الله) عن معنى الحديث (قول أبي جعفر (عليه السلام) قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) بردّ الحبيس وانفاذ المواريث)، فقلت: الحبيس: الملك المحبوس على بني آدم من بعضنا على بعض مدة حياة الحابس دون حياة المحبوس عليه، فإذا مات الحابس فإنّ الملك المحبوس يكون ميراثاً لورثة الحابس، وينحلّ حبسه على المحبوس عليه، فقضى (عليه السلام) برده إلى ملك الورثة... إلى أن قال: فأعجبه ذلك، وقال كنت اتطلع على المقصود فيه، وحقيقة معرفته وكان منصفاً غير مدع لما لم يكن عنده معرفة حقيقة، ولا من صنعته، وحقّاً ما أقول: لقد شاهدته على خُلق قل ما يوجد في أمثاله من عودة إلى الحق وانقياده إلى ربقته وترك المراء ونصرته كائناً ما كان صاحب مقالته وفقه الله وإيّانا لمرضاته وطاعته .2
وفي القرن السابع ألّف نجم الدين الحلي المعروف بالمحقّق (602 ـ 676 هـ) ذلك الإمام الكبير في الفقه والأُصول، كتابه: «المعارج في أُصول الفقه» وقد طبع عدة مرات، وهو مع صغر حجمه إلاّ أنّه كبير المعنى.
قال صاحب اعيان الشيعة: ومن كتبه «نهج الوصول إلى معرفة علم الأُصول».(4)

1 . المنقذ من التقليد: 17 .   2 . السرائر: 3 / 290 .
2 . السرائر: 2 / 190 ـ 191 .            4 . اعيان الشيعة: 4 / 192 .

صفحه 20

المؤلف والشارح بين يدي أصحاب التراجم

الكتاب الّذي نقدّمه إلى القرّاء الكرام هو تأليف عالمين كبيرين معروفين في الأوساط العلمية الإسلامية، وهما غنيان عن التعريف والتوصيف إلاّ أننا سنذكر موجزاً من حياتهما ليكون ذلك كالتقدير لما بذلاه من جهود مضنية في إرساء وإغناء المعارف الإسلامية.

المؤلف

هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الدوني 1 ثم المصري، الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب، الملقب بـ «جمال الدين». كان والده حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي، وكان كردياً. واشتغل ولده أبو عمرو المذكور بالقاهرة في صغره بالقرآن الكريم ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك ثم بالعربية والقراءات وبرع في علومها واتقنها غاية الإتقان. ثم انتقل إلى دمشق ودرّس في جامعها في زاوية المالكية وكان الأغلب عليه علم العربية .2
ولد ابن الحاجب سنة 570 أو 571 هـ ، بـ «إسنا» من بلاد الصعيد (3).
وقال ابن خلكان: كان من أحسن خلق الله ذهناً... وجاءني مراراً بسبب أداء شهادات وسألته عن مواضع في العربية مشكلة فأجاب أبلغ جواب بسكون كثير وتثبت تام .3

1 . ولعل الصحيح هو الدويني نسبة إلى دوين في آخر آذريبجان من جهة ايران، وبلاد الكرك. معجم البلدان: 2 / 558 .
2 . وفيات الأعيان: 3 / 248، برقم 413 .      3 . سير أعلام النبلاء: 23 / 265 .
3 . وفيات الأعيان: 3 / 248، برقم 413 .

صفحه 21
ويقول السيوطي: وصنف في الفقه مختصراً، وفي الأُصول مختصراً، وفي النحو الكافية وشرحها ونظمها، والوافية وشرحها، وفي التصريف الشافية وشرحها، وفي العروض قصيدة، وشرح المفصّل سماه الإيضاح، وله الأمالي في النحو.
ثمّ أضاف: ومصنفاته في غاية الحسن وقد خالف النحاة في مواضع وأورد عليهم إشكالات وإلزامات مفحمة يعسر الجواب عنها، وكان فقيهاً مناظراً مفتياً مبّرزاً في عدة علوم متبحراً ثقة ديّناً ورعاً متواضعاً .1 إلى غير ذلك من كلمات أصحاب التراجم الّتي تشبه بعضها بعضا.

تصانيفه

ألف ابن الحاجب تصانيف ـ كما قال السيوطي ـ في نهاية الحسن، وإليك اسماء بعضها:
1. الكافية في النحو (مطبوع).
2. الشافية في الصرف (مطبوع).
3. المقصد الجليل وهي قصيدة في العروض (مطبوع).
4. مختصر في الفقه ويسمى جامع الأمهات.
5. منتهى السُؤل 2 والأمل في علمي الأُصول والجدل (مطبوع).
6. مختصر منتهى السُؤل والأمل، ويعرف بمختصر ابن الحاجب (مطبوع).
إلى غير ذلك من التصانيف الّتي حفلت بذكرها كتب التراجم، وقد انهاها

1 . بغية الوعاة: 2 / 165 برقم 1632 .
2 . طبع بعنوان «منتهى الوصول والأمل»، من قبل دار الكتب العلمية (بيروت، 1405 هـ) .

صفحه 22
محقّق كتاب «رفع الحاجب» إلى أربعة وعشرين مؤلّفاً.
وفي ختام كلامنا عن المؤلف نتحف القارئ الكريم بشيء نافع وجميل وهو أن السيوطي يقول عند ذكر مؤلفاته: وله في العروض قصيدة وفي نظمه قلاقة 1فلو صحت هذه النسخة فالمعنى ان في نظمه قلقاً واضطراباً .
ولكن المنقول في الروضات عن الذهبي: وفي نظمه بلاغة .2
ولعلّ الصحيح هو الثاني، لأنّه حسب الظاهر في مقام المدح لا الذم، وعلى كل تقدير فنحن نعرض هنا شيئاً من شعره الرائق في المؤنثات السماعية والّتي جمعها في ثلاثة وعشرين بيتاً، وقد سمعتها لأوّل مرة من أُستاذي الكبير ميرزا محمد علي المدرس الخياباني (1296 ـ 1373 هـ) مؤلف «ريحانة الأدب» .
وكنت قد عزمت على شرح هذه القصيدة وأنا في أواسط العقد الثاني من عمري ولم يُقدّر لي القيام بذلك.
قال ابن الحاجب:
نفسي الفداء لسَائل وافاني *** بمسائل فاحَت كَغصن البانِ
أسماء تأنيث بغَير علامة *** هِي يا فَتى في عُرفهم ضَربان
قَد كانَ مِنها ما يؤنَث ثَمَّ ما *** هُوَ ذُوِ خيار لاختلاف مَعان
أمّا الّتي لابُدّ مِن تأنيثها *** ستُّونَ مِنها العين والاُذنانِ

1 . بغية الوعاة: 2 / 135 .
2 . روضات الجنات: 5 / 174. لم نعثر عليه في «سير أعلام النبلاء» ولا في «تاريخ الإسلام»، مع أنّ أكثر ما ذكره صاحب الروضات في ترجمته مأخوذ من هذين المصدرين. ولعله أخذ هذا الموضع من غير الذهبي دون أن يشير إلى مصدره .

صفحه 23
والنفس، ثمّ الدّار، ثمّ الدّلو من *** أعدادها والسنّ والكَتفانِ
وجَهنّم، ثمّ السَّعير وعقرب *** والأرض، ثم الإست، والعَضُدان
ثمّ الجحيم ونارها ثمّ العصا *** والرِّيح منها وَاللَّظى وَيَدان
والغول والفردوس والفلك الّتي *** في البحر ـ تجري وهي في القرآن
وعروض شعر والذراع وثعلب *** والملح ثم الفاس والوركان
والقوس ثمّ المنجنيق وارنب *** والخمر ثمّ البئر والفخذان
وكذاك في ذهب وفهر حكمهم *** ابداً وفي ضرب بكلّ معان
والعين والينبوع والدّرع الّتي *** هي من حديد قطُّ والقدمان
وكذاك في كبد وفي كرش وفي *** سقر ومنها الحرب والنعلان
وكذاك في فرس وكأس ثمّ في *** أفعى ومنها الشمس والعقبان
والعنكبوت تدبُّ والموسى معا *** ثمّ اليمين واصبع الإنسان
والرّجل منها والسراويل التي *** في الرّجل كانت زينة العريان
وكذا الشّمال من الاناث ومثلها *** ضبع ومنها الكفُّ والسّاقان
***
أمَّا الّذي قد كنت فيه مخيّراً *** هو كان سبعة عشر في التّبيان
السّلم، ثم المسك، ثم القدر في *** لغة ومنها الحال كلّ أوان

صفحه 24
والليث منها والطّريق وكالسُّرى *** ويقال في عنق كذا ولسان
وكذا السّماء والسّبيل مع الضحى *** ثمّ السلاح لقاتل الطعان
والحكم هذا في القفا أبداً وفي *** رحم وفي السكين والسُّلطان
فقصيدتي تبقى واني اكتسي *** ثوب الفناء وكلّ شيء فان1
وما أفاده في آخر القصيدة: «وقصيدتي تبقى...» كلام حق، فقد بقيت قصيدته في الاذهان والكتب وإن بَلى جسمه .
ولعل هذا المقدار في التعرف على المصنّف كاف ولمن أراد المزيد فليرجع إلى المعاجم خصوصاً «موسوعة طبقات الفقهاء» حيث وردت فيها مصادر ترجمته.2

الشارح

لا عتب على اليراع إن وقف عن الإفاضة في تحديد شخصية لامعة تُعدّ من أبرز النوابغ والفطاحل الذين يضنّ بهم الزمان إلاّ في فترات قليلة، فإن شارح المختصر هو من تلك الطبقة العليا ومن أعاظم الفقهاء والأُصوليين. وفي كلمة: انّه

1 . روضات الجنات: 5 / 186 ـ 187 .
2 . موسوعة طبقات الفقهاء، تأليف اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام): 7 / 152 .

صفحه 25
شيخ الإسلام، والمجتهد الأكبر، والمتكلم الفذ، والباحث الكبير، جمال الدين أبو منصور المعروف بالعلاّمة الحلي، وبآية اللّه على الإطلاق، و بابن المطهّر. ولد في شهر رمضان سنة 648 هـ و أخذ عن والده الفقيه المتكلم البارع سديد الدين يوسف، و عن خاله شيخ الإمامية المحقّق الحلي الذي كان له بمنزلة الأب الشفيق له، فحظى باهتمامه ورعايته، ولازم الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي مدة و اشتغل عليه في العلوم العقلية وبرع فيها وهو لا يزال في مقتبل عمره.
يعرّفه معاصره أبو داود الحلي، بقوله: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، وصاحب التحقيق و التدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول و المنقول.1
وقال الصفدي: الإمام العلاّمة ذو الفنون، عالم الشيعة وفقيههم، صاحب التصانيف التي اشتهرت في حياته... و كان يصنف و هو راكب... و كان ريّض الأخلاق، مشتهر الذكر... وكان إماماً في الكلام والمعقولات.2
وقال ابن حجر في لسان الميزان: عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم، وكان آية في الذكاء... و كان مشتهر الذكر، حسن الأخلاق.3
ويقول في الدرر الكامنة: اشتغل في العلوم العقلية فمهر فيها وصنّف في الأُصول والحكمة وكان رأس الشيعة بالحلّة، واشتهرت تصانيفه وتخرج به جماعة، وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حل ألفاظه وتقريب معانيه،

1 . رجال أبي داود: 119، برقم 461.
2 . الوافي بالوفيات: 13/85، برقم 79.
3 . لسان الميزان: 2/317.

صفحه 26
وصنف في فقه الإمامية وكان قيّماً بذلك داعية إليه... إلى أن قال: بلغت تصانيفه مائة وعشرين مجلداً .1

تصانيفه في علم الأُصول

قد تقدم تصريح ابن حجر بأن تصانيف العلاّمة قد بلغت مائة وعشرين مجلداً ومن أراد أن يطلع على تصانيفه في مختلف العلوم الإسلامية من الفقه والأُصول والمنطق والكلام والفلسفة والتفسير والرجال فعليه أن يرجع إلى ما ألفه السيد عبد العزيز الطباطبائي (رحمه الله) في ذلك المضمار وأسماه بـ «مكتبة العلاّمة الحلّي». إلاّ أننا نقتصر في المقام بذكر تصانيفه في علمي المنطق والأُصول، لأنّ هذا التقديم مختص بأحد كتبه في هذين المضمارين، فنقول: إن العلاّمة الحليّ قد ضرب في علمي المنطق والأُصول بسهم وافر فألّف فيهما مختصرات ومتوسطات ومطوّلات، نشير أوّلاً إلى كتبه في علم الأُصول ثم نتطرق فيما بعد إلى كتبه في المنطق، فنقول: إن له في الأُصول سبعة كتب هي:
1. «مبادئ الوصول إلى علم الأُصول»، (مطبوع) ذكره المصنّف لنفسه في الخلاصة، وفي إجازته للسيد المهنّا.
2. «منتهى الوصول إلى علمي الكلام والأُصول» ذكره المصنّف في الخلاصة، وفي إجازته للسيد المهنّا، فرغ منه يوم الجمعة السادس عشر من شهر جمادى الأُولى سنة 687 هـ .
3. «نهج الوصول إلى علم الأُصول»، ذكره المصنّف في الخلاصة،

1 . الدرر الكامنة: 2 / 71 .

صفحه 27
وإجازته للسيد المهنّا. وأحال في مبحث الحقيقة الشرعيّة من هذا الكتاب إلى كتاب «نهاية الوصول» .
4. «تهذيب الوصول إلى علم الأُصول»، (مطبوع) ذكره المصنّف في الخلاصة، وإجازته للسيد المهنّا، وله شروح كثيرة.
5. «نهاية الوصول إلى علم الأُصول». ذكره المصنّف في إجازته للسيد المهنّا .
وعرّفه في «الخلاصة» بقوله: كتاب جامع في أُصول الفقه لم يسبقه أحد، فيه ما ذكره المتقدّمون والمتأخّرون ألّفه بالتماس ولده فخر الدين. وقد قامت بتحقيقه اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) وطبع في خمسة اجزاء.
6. «غاية الوصول وإيضاح السبل» في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل 1 لابن الحاجب (المتوفّى 646 هـ) ذكره المصنّف في خلاصة الرجال، وهذا هو الكتاب الّذي بين يدي القارئ الكريم.
7. «النكت البديعة في تحرير الذريعة»، وهو في شرح «الذريعة في أُصول الفقه» تأليف السيد الشريف المرتضى.

تصانيفه في المنطق:

ألّف العلاّمة في هذا المضمار ما يقرب من عشرة كتب نشير إلى بعضها:
1. الأسرار الخفية في العلوم العقلية: فالجزء الأوّل منه في المنطق، وهو مطبوع.

1 . عبّر ابن الحاجب عن المنطق بالجدل.

صفحه 28
2. الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد: شرح فيه قسم المنطق من كتاب التجريد لاستاذه المحقّق نصير الدين الطوسي، وهو مطبوع منتشر.
3. القواعد الجلية في شرح الشمسية: توجد نسخه في المكتبات.1
4. مراصد التدقيق ومقاصد التحقيق في المنطق والطبيعي والإلهي: ألفه لسعد الدين صاحب الديوان توجد نسخه في المكتبات .(2)
ثم أن البحاثة السيد عبد العزيز الطباطبائي ذكر له أربعة كتب في المنطق، وبما أنها مفقودة فقد أعرضنا عن ذكرها .2

منهج التحقيق

من أجل اخراج هذا الكتاب بهذه الحلّة القشيبة تم الاعتماد على نسختين قديمتين من نُسَخِه، وهما:3
الأُولى: وهي الموجودة صورتها في مكتبة «مجمع البحوث الإسلامية» في مشهد المقدسة. وعليها تملك الباحث المتتبع الشيخ محمد السماوي المتوفّى عام 1370 هـ ، وقد كانت النسخة عنده مجهولة المؤلف لكنه عرف مؤلفها من خلال النقل فيها عن كتب العلاّمة، حيث يحيل فيه إلى «الاسرار الخفية في العلوم العقلية» و «مناهج اليقين في أُصول الدين» وإليك نص عبارته:

1 . مكتبة العلاّمة الحلّي: 160.   2 . نفس المصدر: 185 .
2 . نفس المصدر: 52، 63، 77، 114، 135، 173، 206.
3 . ذكر السيد عبد العزيز الطباطبائي لهذا الكتاب تسع نسخ خطية وذكر مشخصاتها، إلاّ أنّه لم يذكر ـ ضمنها ـ النسخة الأُولى (نسخة الشيخ السماوي (رحمه الله)). انظر مكتبة العلاّمة الحلي: 134 ـ 135 .

صفحه 29
أقول: أحمد الله الّذي كشف لي عن هذا الكتاب العزيز واظهره على يدي بالقرائن، الّتي منها: تحويله في المنطق على كتاب «الاسرار»، وفي الكلام على كتاب «مناهج اليقين» مكرراً في المقامين، ومنها تصريحه في ابطال ما يُعترض به على الإمامية أو ينسب إليهم ممّا لا يقولون به، ومنها تصريحه مراراً بمذهب السيد المرتضى والشيخ الطوسي قائلاً من أصحابنا إلى غير ذلك، ولولا أن كتاب «الاسرار الخفية» وكتاب «مناهج اليقين» للعلاّمة عندي لما كشف لي، فالحمد لله على ما منح والصلاة على محمد وآله وعلماء دينه الجارين على منواله كتبه محمد السماوي عفي عنه في بغداد 1349 هـ .
وما اشار إليه (قدس سره) من الكتابين هو الّذي يذكره الشارح (رحمه الله) في مقدمة هذا الكتاب، فيقول: ولما لطف الله تعالى لنا بإملاء كتابي «الاسرار [الخفية ]» و «المناهج [ مناهج اليقين ] في المباحث العقلية وتحصيل العقائد اليقينية» توجّهنا بالطلب نحو املاء شيء في هذا العلم، ولمّا كان الكتاب الموسوم بمختصر منتهى السوؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل... الخ.
ثم ان الشيخ السماوي يقول في ظهر الصفحة الأُولى من الكتاب : ثم وجدت نسخة أُخرى ناقصة أيضاً واكملتها على نسخة أُخرى ناقصة أيضاً وجدت في خزانة الرضا (عليه السلام) والّذي اظنه قوّياً ان جملة من هذه النسخة (الّتي تملّكها) بخط العلاّمة اعلى الله مقامه نظراً لما ملكته من خطه (قدس سره) . وقد مدح ابن حجر هذا الكتاب في الدرر الكامنة عند ذكره للعلاّمة باسم الحسين لا الحسن بن يوسف بن المطهر فانظر هناك.. محمد السماوي وحرر في سنة 1362 هـ .
وجاء في آخر هذه النسخة: فهذا اخر ما اردنا ايراده على هذا الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين محمّد النبي وآله الطيبين الطاهرين،

صفحه 30
وكان آخر فراغه يوم السبت الثاني والعشرين من شهر رجب سنة 697 سبع وتسعين وستماية.
ولعل ما ذكره الشيخ السماوي ونقلناه بنصه كاف في التعريف بالنسخة، غير أنّه بقي لنا كلام في تاريخ تأليفها ونسخها، وسيوافيك عن قريب.
النسخة الثانية: وهي الموجودة صورتها في مكتبة العتبة الرضوية المقدسة في مشهد الرضا (عليه السلام)، وأصل النسخة في مكتبة الوزيري في يزد برقم 1955، وهي تقع في 229 ورقة، وجاء في آخرها: اتفق الفراغ من تحريره ضحوة يوم الجمعة في اواخر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وسبعمائة ببلدة السلطانية حماها الله تعالى على يد أضعف عباد الله محمد بن محمود بن محمد ملك الطبري كفّر الله عن سيئاته، وفرغ مصنفه من تسويدها في ليلة الثامن من شهر رمضان المبارك من سنة تسع وسبعين وستماية، والحمد لله والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .

تنويه

جاء في آخر النسخة الأُولى العبارة التالية: «وكان آخر فراغه يوم السبت، الثاني والعشرين من شهر رجب سنة 697 هـ ، والظاهر أن العبارة من انشاء المؤلف لا الناسخ، وقد مرّ ان العلاّمة السماوي الخبير في معرفة النسخ الخطية «ان جملة من هذه النسخة بخط المؤلّف» أو خط من أملى عليه المؤلف مباشرة ويشهد على ذلك عدم وجود اسم للناسخ ولا لتاريخ الكتابة وعلى ضوء ذلك فالمعتمد في تاريخ تأليف الكتاب هو ما جاء فيها.1

1 . ذكر السيد عبد العزيز الطباطبائي (رحمه الله) انّه توجد مخطوطة كتبت في 5 رجب سنة 691 هـ في مكتبة فخر الدين النصيري في طهران، كتبها حسن بن حسين بن أحمد بن مطلوب النيلي لنفسه من خط مولانا الإمام العلاّمة جمال الحق والدين مصنفه ادام الله أيامه فرغ منه في خامس شهر رجب المبارك سنة احدى وتسعين وستمائة وذلك بالحلّة السيفية، وبهامش الورقة الأخيرة منها سجّل تاريخ فراغ المصنّف سنة 679 هـ . (انظر: مكتبة العلاّمة الحلّي: 134 ).

صفحه 31
ولكن الظاهر من النسخة الثانية أنّه فرغ من تسويدها في ليلة الثامن شهر رمضان المبارك من سنة تسع وسبعين وستمائة، والظاهر أن ذلك من إنشاء الناسخ وحكايته، وعلى هذا يكون المعتمد هو الأوّل، وأما السبعين المذكورة فيحتمل أن تكون تسعين لوجود التشابه بين الكلمتين في الخط ، وهذا كثير الاتفاق في النسخ الخطية .
على أن المؤلف قد ذكر أنّه قد ألف هذا الشرح بعد تأليفه لكتابه «الاسرار الخفية» و «مناهج اليقين» بشهادة أنّه قد فرغ من تأليف «مناهج اليقين» سادس ربيع الآخر سنة 681 هـ ، كما في نسخة مكتبة ملك .1
وأما: «الأسرار الخفية في العلوم العقلية» فهي فاقدة لتاريخ التأليف.
على أن المؤلف غار في هذا الكتاب وذكر مباحثاً عميقة يناسب أنّه كتبها في أواسط عمره لا في مقتبل شبابه. فلو كان تاريخ النسخة 679 هـ لكان عمره 31 سنة، وأما لو كان التاريخ 697 هـ فيكون عمره 51 سنة، وهو الأنسب.

1 . مكتبة العلاّمة الحلي: 92 .

صفحه 32
 
شكر وتقدير
وفي الختام نتقدم بالشكر الجزيل إلى صديقنا العزيز حجة الإسلام والمسلمين الشيخ علي أكبر الآلهي الخراساني مسؤول مجمع البحوث الإسلامية في مشهد الرضا (عليه السلام) والّذي اتحفنا بمصورتي مخطوطتي الكتاب، فشكراً له، فكم له من أياد بيضاء على العلم وأهله وجهود خيّرة من أجل نشر الثقافة الإسلامية.
ونتقدم بالشكر الوافر إلى محقّق الكتاب الشيخ آ. مرداني پور الّذي بذل جهوداً مشكورة في تحقيق الكتاب وأردفه بتعليقات مفيدة وهو أحد ابنائنا الفضلاء حيث حضر دروسنا في علم أُصول الفقه لأكثر من دورة حضور جد واستفادة، فشكر الله مساعيه.
ونشكر أيضاً اعضاء اللجنة العلمية في مؤسستنا وهم ; محمد عبدالكريم، ومحمد الكناني، وخليل النايفي، الذين تولوا مقابلة مخطوطتي الكتاب وتصحيح متنه على ضوء المخطوطتين وإرجاع رواياته إلى مصادرها، وترجمة أعلامه وترقيم آياته وغير ذلك من الاعمال الفنية الهامة الّتي ساهمت بأن يخرج الكتاب بهذه الصورة الرائعة، فجزاهم الله خير الجزاء والحمد لله رب العالمين .
جعفرالسبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
15 من ذي القعدة الحرام 1428 هـ

صفحه 33
مقدمة المحقّق   

مقدمة المحقّق

كانت رحلة شيقة وشاقة في الوقت نفسه، وذلك برفقة شيخي وأُستاذي الكريم آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني (دام ظله) حيث كان طوال الرحلة يسدد الخطى ويعدّل الاعوجاج وينقد ما كنت اكتبه من تعليق وتحقيق نقداً واعياً ودقيقاً نتلافى به بعض العثرات الحادثة.
حينما فاتحني سماحته للقيام بتحقيق هذا الكتاب كنت راغباً عن تحمل المسؤولية لما لمثل هذا العمل من تعقيد في النص وصعوبة في المضمون، وما في النسخة الخطية من تشويش ومعوقات، إلاّ انني قد رأيت رغبة من سماحته لانجاز ذلك، فبدأت متوكلاً على الله سبحانه لا لرغبة في العمل بل استجابة لرغبته ـ حفظه الله ـ ، ولكن كان ما كان! لأنّ النهوض بهذه المهمة الصعبة عاد عليّ شخصياً بالكثير من الفوائد العلمية حيث فتح لي آفاقاً جديدة كنت بأَمسِّ الحاجة إليها، ولذلك أشعر بأني مدين في ذلك لشيخي الأُستاذ ورعايته الأبوية اتجاهي في هذا المعترك.
ولابد هنا من الاشارة إلى ان الدخول في اجواء الكتاب والتفاعل معها، حفَّزني إلى ان تكون لي مساهمات متواضعة تمثلت في كتابة تعليقات في الهامش لايضاح بعض الآراء والأفكار والمواقف، أملي أن تكون نافعة للمتلقي في معالجة بعض الصعوبات الّتي تعترض طريقه اثناء قراءة المتن والشرح .
دونما شك، لولا متابعة وإشراف سماحته ـ حفظه الله ورعاه ـ لم اتمكَّن من

صفحه 34
اكمال المهمة ابداً، فبفضل جهوده المتواصلة ظهر هذا العمل المنسي إلى النور ليكون ساقية لأهل الفكر ومصدراً معتمداً لأساتذة علم الأُصول المقارن.
وقد استوفى سماحته البحث في مقدمته الشيقة الجامعة لتعريف هذا الكتاب فلم يبق باقية; لكني رأيت من الضروري ان اتحدث قليلاً عن تجربتي الشخصية مع هذا العمل، لأني وجدت الشارح ـ العلاّمة الحلي (قدس سره) ـ قد برز في شرحه المتفوق هذا، موضوعياً محنكاً لا يعيقه عائق في الاسترسال فكان ـ وللإنصاف ـ ابن بجدتها وملازم ارومتها ، وان اردنا تلخيص معالم منهجه في هذا الشرح الكريم فهي كالآتي:
1.الأدب الرفيع ودماثة الاخلاق ولين العريكة في التعامل مع الآراء والمذاهب.
2. الابتعاد عن السجالات المذهبية العقيمة الّتي لا تخدم العلم ولا تكون سبباً لتطويره بذريعة الدفاع عن المذهب.
3. النقد الهادئ الرصين البنّاء الّذي لا يخرج العمل عن كونه شرحاً لكتاب; ففي الغالب تجده يعبر عن رأيه في ما لا يرتضيه بقوله: «فيه نظر!»، وهذا إنّما يكشف عن رباطة جأش الشارح المعظم حيث يكبح جماح رغباته عند حدودها. أجل في البحوث المنطقية توسع في نقده بعض الشيء وذلك لمبررات وجيهة لا مجال للحديث عنها.
4. اضافة افكار جديدة لاثراء الشرح، ومنها درج رأي مدرسة آل البيت(عليهم السلام)الأُصولية .
5. ان العلاّمة (قدس سره) بفضل احاطته بمختلف العلوم الإسلامية، تمكن من ان يعالج موضوعات كل علم وردت في المتن حسب قواعد ذلك العلم بحنكة وطول باع وقوة عارضة فقام بالواجب على احسن ما يرام.
وبذا تمكن الشارح المفضال أن يضع منهجاً رزيناً ومتقناً لمن اراد أن يتبع

صفحه 35
الطريق الأمثل في عملية الشرح والايضاح .
أن ما بين يدي القارئ المفضال هو الجزء الأوّل من جزئي كتاب «غاية الوصول والأمل...»، وقد حوى بين دفتيه فصولاً وأبواباً هي كما يلي:
مبادئ علم الأُصول، علم المنطق [ للصلة الوثيقة القائمة بين العلمين]، مبادئ اللغة، بحث الوضع، مباحث الاحكام، بحث الأدلة الشرعية من كتاب وسنة واجماع، عدالة الصحابة، اقسام الخبر، ومباحث الأمر.
نرجو من الله العلي القدير أن يكون في عوننا لمواصلة المشوار في الجزء الثاني من هذا الكتاب القيم الجاد.
وفي الخاتمة اتقدم بشكري وتقديري لاستاذي الجليل سماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني لرعايته الابوية ولشفقته وتوجيهاته القيّمة الّتي تصلح ان تكون أساساً لاعمال أُخرى لاتقل مكانة وجدّية عن هذا العمل.
كما اتقدم باعتذاري لو كان هناك تقصيراً ينشأ من العجز البشري عادة!
ولا يفوتني أن أُقدّم جزيل شكري وثنائي لزملائي في اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) الذين ساهموا في أمر التصحيح والمقابلة، كما اشكر السيد الجليل محسن البطاط الذي شاركنا في إنجاز هذا المشروع من خلال نضد حروف الكتاب واخراجه في حلة قشيبة لائقة.
والحمد لله رب العالمين
 
آ. مرداني پور
5 ذي القعدة 1428 هـ

صفحه 36

صفحه 37
مقدمة الشارح   

مقدمة الشارح

الحمد لله ذي العزّة والجلال والقدرة والكمال، المنزّه عن الأشباه والنظائر والأمثال، المتقدّس عن إدراك الحسّ وارتسام الخيال، الذي خلق الإنسان في أحسن اعتدال من غير احتذاء بغيره ولا تقدّم مثال، وشرّفه بالعقل المميّز بين الحسن والقبح من الأفعال، وتمم كمال الممكن بإرساله الرسل ليتّضح له في شرعه الحرام والحلال; أحمده على ما أولانا من الإفضال، وأشكره على ما أعطانا من النوال، واستزيده من النعم في هذه الدنيا وفي المآل; وصلّى الله على سيّد المرسلين المخصوص ببلوغ أقصى نهايات الكمال، محمّد المصطفى وعلى آله خير آل، المعصومين من الزلل في القول والفعال.
أمّا بعد، فقد أطبقت العقلاء واتّفقت العلماء على انّ أشرف النفوس الإنسانية بتكميلها في قوتها العملية، سبب مُعد لتحصيل السعادة الأُخروية، وذلك غير ممكن إلاّ بامتثال الشرائع السمعية والاقتداء بالأوامر الإلهية فكان من لطف الله تعالى بالبريّة، نصب الأحكام الشرعية.
ولمّا توقفت الأحكام على معرفة مصدرها وكيفية صفاته، وعلى معرفة الصادع بها والنظر في معجزاته، وكان علم الكلام هو المتكفل بهذه الأشياء; وجب

صفحه 38
تقديم العلم به على العلم بالأحكام. ثمّ لمّا كانت الأحكام متلقاة من الخطاب الإلهي، ومستفادة من الأمر النبوي وكانت ضروب الخطاب متكثرة الاعتبارات، متباينة في الدلالات ; وجب أن يوضع لكيفية استخراج الأدلة قانون يرجع إليه ويعوّل عليه، وذلك هو الفن المرسوم 1 بأصول الفقه. ولمّا لطف الله تعالى لنا باملاء كتابيّ: «الاسرار الخفية» و «مناهج اليقين» في المباحث العقلية وتحصيل العقائد اليقينية، توجهنا بالطلب نحو املاء شيء في هذا العلم .
ولمّا كان الكتاب الموسوم بـ «مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل»2 من مصنّفات الإمام العلاّمة جمال الدين ملك المناظرين أبي بكر عمر بن الحاجب،3 قد احتوى من المسائل الشريفة والمباحث اللطيفة والايرادات اللائحة والأجوبة الواضحة، على ما لم يوجد في المبسوطات ولم يسطر في كثير من المطولات إلاّ انّه قد بلغ في الاختصار إلى حد الايجاز حتّى كاد يعدّ من الالغاز، فالناظر فيه لا يحصل إلاّ على قليل من معانيه; صرفنا الهمّة في كشف أغواره، وايضاح أسراره، وإظهار ما التبس فيه من المشكلات، وإبراز ما استتر من المعضلات، ولم نتجاوز حدّ الشرح في هذا الكتاب بذكر ما يعتمد عليه في

1 . في «ب»: الموسوم .
2 . إن ابن الحاجب قد اختصر «الإحكام في أُصول الأحكام» للآمدي واضاف إليه مباحث المنطق وسمّاه «منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل» ثم اختصر الأخير فأسماه «مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل».
3 . كذا في «الف» وأمّا «ب» فقد جاء فيها «ابن بكر بن عمر بن عثمان الحاجب»، والصحيح ـ كما في أكثر من مصدر ـ أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس المعروف بـ «ابن الحاجب».

صفحه 39
المسائل، بل اقتصرنا على تحليل معانيه 1 ووسمناه بـ «غاية الوصول وإيضاح السبل 2 في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل»، معتصمين بالله تعالى ومتوكلين عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

1 . إنّ الشارح (قدس سره)لم يكتف في مطاوي الكتاب بالشرح والتحليل السطحيين، بل طفق يعالج القضايا المطروحة بدقة وعمق في المجالات الّتي تعرّض لها المصنّف في هذا المقام وبسبب المعارك الّتي احتدمت في ثنايا الكتاب، نجده قد برز ناقداً محنكاً، ومنظِّراً متميزاً في معترك مختلف الآراء.
2 . لعلّ التسجيل الصحيح لهذه المفردة هو «السَبَلْ» وذلك لأجل استقامة السجع وهي بمعنى: «المطر النازل من السحاب قبل أن يصل إلى الأرض» كما في كتب اللغة.

صفحه 40
مبادئ علم الأُصول   

صفحه 41
قال: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وسلّم.
أمّا بعد ; فإنّي لما رأيت قصور الهمم عن الإكثار، وميلها إلى الإيجاز والإختصار; صنّفت مختصراً في أصول الفقه ،1 ثمّ اختصرته على وجه بديع وسبيل منيع، لا يصدّ اللبيب عن تعلّمه صاد، ولا يرد الأديب 2 عن تفهمه راد، والله اسائل (3) أن ينفع به، وهو حسبي ونعم الوكيل .
***
وينحصر في; المبادئ، والأدلة السمعية، والاجتهاد، والترجيح3.*

[ مبادئ علم الأُصول ]

* أقول: النظر في أصول الفقه إنّما هو نظر في طرق الأحكام الشرعية وكيفية الاستدلال بها، والأحكام الشرعية كما تلزم 4 المجتهد، تلزم (6) غيره ، ولكلّ   2

1 . ستجد أن المصنّف قد توسع حتّى شمل بحثه علمي المنطق والكلام، وذلك لمبررات موضوعية نبه عليها.
2 . في نسخة «ب»: الأريب .   3 . في نسخة «ب»: أسألُ .
3 . هذا التقسيم الرباعي هو نفس التقسيم الّذي يتبناه الآمدي في «الإحكام» من ذي قبل وجعله مفاصل لبحوث كتابه هذا.
4 . في نسخة «الف» ونسخة «ب»: يلزم .         6 . في نسخة «ب»: يلزم .

صفحه 42
قال: فالمبادئ: حدّه، وفائدته، واستمداده.*
<---واحد منهما طريق إلى تحصيل ما كلف به، فطريق المجتهد الاجتهاد وطريق غير المجتهد الاستفتاء.
والاجتهاد قد يكون بالأدلة العقلية وقد يكون بالأدلة السمعية، فيجب النظر في الأدلة السمعية في هذا العلم، وأمّا الأدلة العقلية فانّها غير دالّة على معرفة الأحكام عند المصنف فإنّه لا يقول بالوجوب العقلي وغيره من الأحكام فلهذا لم يجعل النظر في كيفية دلالتها 1 من هذا العلم على الاجتهاد وكيفيته.
ولما كانت الدلائل السمعية قد تتعارض بإن يرد عامّان أو خاصّان أو عامّ وخاصّ، أو يحصل فرع يمكن رده إلى أصلين متعارضين، وجب النظر في الترجيح.
وأمّا النظر في المبادئ، فإنّما وجب لكون كلّ علم لابدّ من مباد ينبني ذلك العلم عليها فوجب النظر في المبادئ.
* أقول: المبادئ لكلّ علم قد تكون تصوّرات وقد تكون تصديقات، فالتصورات هي الحدود، والحدود :
أمّا حدود موضوع العلم .
وأمّا حدود أجزائه .
أو حدود جزئياته .
   
أو حدود أعراضه الذاتية.
والمصنف جعل الحدّ ـ الذي هو المبدأ هاهنا ـ هو حدّ العلم، وكون   2

1 . أي: الدلالة العقلية.

صفحه 43
قال: أمّا حدّه لقباً، فالعلم بالقواعد الّتي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية.*
<---العلم محدود بما حدّه المصنف، فيه نظر; فإنّه إنّما عرّفه بإضافته إلى المعلوم، وإضافته إلى المعلوم من الأمور الخارجة عنه، فإنّ العلم من الصفات الحقيقية التي تلزمها الإضافة فيكون هذا الذي ذكره من قبيل الرسوم.
وأمّا التصديقات، فهي المقدمات الّتي يبتني العلم عليها، وبيانها إنّما يكون في علم آخر وهو المراد من الاستمداد من ذلك العلم .
وإمّا الفائدة فهي الغرض من ذلك العلم، وفي كونه من المبادئ، نظر.

[ تعريف علم أُصول الفقه ]

* أقول: أصول الفقه لفظ مركب، كل واحد من جزئيه قد وضع في اللغة على معنى وقد استعمل أحد جزئيه في العرف على معنى آخر، ثمّ إنّ مجموع اللفظين قد جعلا علماً على علم خاص، فلهذا المركب اذن، حدّان :
احدهما: بحسب اللقب وهو الذي جعل فيه مجموع اللفظين علماً على هذا العلم .
والثاني: بحسب الاضافة والتركيب .
والفرق بينهما ظاهر، فإنّ الأوّل لا إلتفات فيه إلى الأجزاء 1 من دلالتها على ما وضعت له، وإنّما الالتفات فيه إلى الاستعمال الطارئ، والثاني على العكس.
وقدم المصنف الحد بحسب اللقب على الحد بحسب الاضافة لكونه هو   2

1 . في نسخة «ب»: حال الأجزاء.

صفحه 44
<---المطلوب هاهنا بالذات، وذكر في تحديده: العلم فإنّه جنس عال، وقوله: بالقواعد، إشارة إلى الأمور الكلية الّتي يبتني عليها غيرها .
وقوله: الّتي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام... احترز به عن القواعد التي يستنبط منها العلم بالماهية والصفات، وقيّد الأحكام بالشرعية ليخرج الأحكام العقلية عنه.
وقوله: الفرعية عن أدلتها التفصيلية... ليخرج الأحكام الشرعية التي لا تكون فرعية .
وهذا الحد فيه نظر لانطباقه على علم الخلاف.1

1 . قد قيل في تعريف علم الخلاف:
      «هو علم تعرف به كيفية ايراد الحجج الشرعية ودفع الشبهة وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية»، وهو الجدل الّذي هو قسم من المنطق إلاّ انّه خص بالمقاصد الدينية.
      وفي المبررات الموضوعية لظهور هذا العلم قالوا:
      لما انتهى الأمر إلى اقتصار الناس على تقليد الأئمة الأربعة، جرى الخلاف بين المتمسكين بها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية، فجرت بينهم مناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه، ولابد لصاحب هذا العلم من معرفة القواعد الّتي يتوصل بها إلى استنباط الاحكام كما يحتاج المجتهد، إلاّ أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط وصاحب الخلاف يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل من أن يهدمها المخالف بأدلته.
      ينظر: كشف الظنون: 1 / 721 ; مقدمة ابن خلدون: 456 .
      ويبدو أنّ مراد المؤلف من «الجدل» في عنوان كتابه: «... في علمي الأُصول والجدل»، هو علم الخلاف، والله العالم.

صفحه 45
قال: وأمّا حدّه مضافاً، فالأُصول: الأدلة ; والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.*
* أقول: هذا هو الحدّ بحسب المعنى الثاني وهو الذي ينظر فيه من حيث الأجزاء وكيفية دلالتها على ما وضعت له، وهذا الحدّ إنّما يتألف من حدود الأجزاء فانّه بهذا المعنى مركب، والمركب يستحيل معرفته دون معرفة أجزائه من حيث جعلت أجزاء، فالأصول هي الأدلة، فإنّ أصل كلّ شيء ما يسند إليه والمدلول يسند إلى الدليل.
والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية بالاستدلال، فالعلم: جنس، والتقييد بالأحكام، ليخرج 1 العلم بالذوات والصفات، وتقييد الأحكام بالشرعية، لتخرج الأحكام العقلية، وتقييد الشرعية بالفرعية، ليخرج ما ليس بفرعي منها كالعلم بكون انواع الأدلة حجّة.(2)
وقوله: عن أدلتها التفصيلية... ليخرج عنه اعتقاد المقلد .
وقوله: بالاستدلال... ليخرج علم واجب الوجود وعلم الملائكة.2
لا يقال: الفقه من باب الظنون فكيف تجعلون جنسه العلم؟
لانّا نقول: الظنّ إنّما هو في طريقه .   2

1 . في «ب»: عنه .   2 . في «ب»: حججاً.
2 . لان العلم الحاصل بالاستدلال حصولي، وعلم واجب الوجود وعلم الملائكة حضوري في غنىً عن الاستدلال لحضور المعلوم فيه عند العالم، هذا وفي كيفية علم الباري بين العلماء خلاف.

صفحه 46
قال: وأورد: إن كان المراد البعض، لم يطردّ 1 لدخول المقلِّد، وان كان الجميع، لم ينعكس2 لثبوت «لا أدري».*
<--- وهاهنا سؤال وهو أن يقال: الدليل إذا كان إحدى مقدماته ظنية كان ظنياً فكيف تجعلون الطريق ظنياً والفقه علماً؟
والجواب أن نقول: هاهنا مقدمتان يقينيتان تفيدان العلم بالأحكام الفقهية وهما:
إنّ المكلّف متى نظر في الأخبار وغيرها من الطرق، حصل عنده ظن بثبوت ذلك الحكم وهذا يقينيّ .
وكلّ من حصل له ظن بثبوت الحكم، وجب عليه ذلك الحكم بالإجماع.
وهما تنتجان القطع بوجوب الأحكام الشرعية.
* أقول: هذا سؤال يرد على حد الفقه، وتقريره: الفقه هو العلم بالأحكام، فإمّا أن يريد العلم ببعض الأحكام، أو يريد العلم بجملة الأحكام، والقسمان باطلان:
أمّا الأوّل فلعدم الإطراد، أعني وجود الحدّ بدون المحدود، فإنّ المقلِّد الّذي استفاد بعض المسائل، يكون قد وُجد فيه الحدّ دون المحدود فانّه لا يسمّى فقيهاً مع إنّه عالم .
وأمّا الثاني فلعدم الانعكاس، أعني وجود المحدود بدون الحدّ، فإنّ كثيراً من العلماء يسمّون فقهاء مع عدم علمهم بجملة الأحكام الشرعية، فانّه قد نقل   2

1 . أي لم يكن مانعاً لدخول الغير.
2 . أي لم يكن جامعاً لجميع الأفراد .

صفحه 47
قال: وأجيب بالبعض، ويطرد لأنّ المراد بالأدلة الأمارات، وبالجميع، وينعكس لأنّ المراد تهيئته للعلم بالجميع.*
<--- عن الإمام مالك انّه سُئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: «لا أدري»، مع أنّه كان فقيهاً، وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: لثبوت «لا أدري».
ومن شرائط الحدّ، الاطراد والانعكاس فانّ التعريف بالأعمّ غير حاصل وكذلك بالأخص.
* أقول: المصنف أجاب عن هذا السؤال على تقدير كلّ واحد من قسمي المنفصلة:
أمّا على تقدير أن يكون المرادُ البعضَ، فالاطراد حاصل لانّ المقلِّد [ لا ]يدخل في هذا الحد لأنّ المراد بالأدلة إنّما هي الأمارات والمقلِّد إنّما يستفيد الحكم من الأمارة الدّالة على صدق المقلَّد، وعلى هذا التقدير [ لا ]يكون المقلِّد فقيهاً، ويطرّد الحد.1
ويحتمل أن يكون مراد المصنف: إنّ المقلِّد لا يكون فقيهاً لأنّ المقصود من الأدلة، الأمارات وهي التي يلزم من الظن فيها ظنّ وجود الشيء، والمقلِّد ليس بناظر. لكنّ هذا الاحتمال بعيد لأنّ تعليله في خروجه عن الفقه بكون الأدلة أمارات، غير مفيد في هذا.   2

1 . حاصل كلامه: ان المقلِّد يعتمد على كبرى واحدة وهي أن كلَّ ما أفتى به المفتي فهو حجة. وهذا بخلاف المجتهد فانّه يعتمد في كل مسألة على كبرى، وبالتالي يعتمد في عامة الفقه على أمارات وكبريات متوفرة.

صفحه 48
قال: وأمّا فائدته، فالعلم بأحكام الله تعالى.*
قال: وأمّا إستمداده، فمن الكلام والعربية والأحكام. أمّا الكلام، فلتوقف الأدلة الكلية على معرفة الباري تعالى، وصدق المبلّغ، ويتوقف 1 على دلالة المعجزة.**
<---والأولى أن يقال: أنّ المقلِّد غير فقيه لأنّا نشترط في الفقيه كونه عالماً بالأحكام التفصيلية من طريق الاستدلال .
وأمّا على تقدير أن يكون المراد بالأحكام الجميع، فالإنعكاس ثابت لأنّ المراد من العلم ليس هو العلم بالفعل بجميع الأحكام بل هو الاستعداد التام القريب من الفعل على معنى أن يكون مقتدراً على استخراج الأحكام الجزئية من القواعد الكلية.

[ فائدة علم الأُصول وإستمداداته ]

* أقول: قد بيّنا أنّ أصول الفقه إنّما هو النظر في طرق الأحكام الشرعية، فالمقصود منه تحصيل الطريق الذي به يتوصل إلى معرفة الأحكام الشرعية التي وقع التكليف بها لتحصل السعادة الأخروية .
** أقول: العلم بأدلة الأحكام الشرعية وكونها مفيدة لها شرعاً، يتوقف :
على معرفة الله تعالى ، فإنّ معرفة الوجوب الشرعي بدون معرفة   2

1 . أي: صدق المبلغ.

صفحه 49
قال: وأمّا العربية، فلأنّ الأدلة من الكتاب والسنة عربية، وأمّا الأحكام، فالمراد تصوّرها ليمكن اثباتها ونفيها وإلاّ جاء الدور.*
<---الموجب، محال .
وعلى معرفة صفاته من كونه قادراً عالماً .
وعلى معرفة صدق الرسول (صلى الله عليه وآله) المتوقف على دلالة المعجزة .
والبحث في هذه الأمور إنّما هو في علم الكلام، فمبادئ هذا العلم 1 تتبين في علم الكلام فلهذا العلم استمداد منه.
* أقول: الأدلة التي تستفاد منها الأحكام الشرعية مأخوذة من الكتاب والسنّة وهما عربيان، فتتوقف دلالة اللفظ على معرفة موضوعاتها اللغوية من جهة الحقيقة والمجاز والخصوص والعموم والحذف والإضمار وغير ذلك ممّا يتبين في علم العربية، فلهذا العلم إستمداد من ذلك العلم.
وامّا إستمداد هذا العلم من الأحكام، فلأنّ الناظر في هذا العلم ناظر في طرق الأحكام فلابدّ وأن يكون متصوراً لحقائق تلك الأحكام، فإنّ الشيء الذي لا يكون متصوراً، يستحيل القصد إليه بالاثبات أو بالنفي .
ولا يراد هاهنا بالعلم بالأحكام، العلم من جهة التصديق حتّى يكون هذا العلم مستمداً من العلم بوجود الأحكام، لأنّ العلم بالوجود إنّما يثبت بالأدلة فلو تتوقف الأدلة عليه لزم الدور.

1 . أي: علم الأُصول.

صفحه 50
قال : الدليل لغة : المرشد ، والمرشد : الناصب والذاكر وما به الارشاد. وفي الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، وقيل: إلى العلم به فتخرج الأمارة، وقيل: قولان فصاعدا يكون 1 عنه قول آخر، وقيل: يستلزم لنفسه، فتخرج الأمارة.*

[ تعريف الدليل واقسامه ]

* أقول: أصول الفقه هي أدلة الفقه، فالكلام فيها يحوج إلى معرفة الدليل وانقسامه إلى ما يفيد العلم والظن ومعرفتهما ومعرفة النظر من حيث التصور، فلهذا ذكر المصنف تعريف هذه الأمور.
فالدليل في اللغة يطلق على المرشد والمرشد هو الناصب للدليل، وقد يطلق على الذاكر للدليل، ويطلق أيضاً على ما فيه دلالة وإرشاد.
وأمّا في الاصطلاح فقد يطلق في عرف الفقهاء على ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، سواء كان ذلك المطلوب علماً أو ظناً .
وإنّما قلنا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر ولم نقل ما يتوصل بصحيح النظر فيه، لأنّ الدليل الذي لا ينظر فيه لا يخرج عن كونه دليلاً لعدم النظر فيه، وقيدنا النظر بالصحيح ليخرج النظر الفاسد. وقولنا: إلى مطلوب خبري، احتراز عن الحدّ الذي يتوصل به إلى مطلوب تصوري .   2

1 . في نسخة «ب»: حتّى يكون.

صفحه 51
قال: ولابدّ من مستلزم للمطلوب، حاصل للمحكوم عليه، فمن ثَمَّ وجبت المقدمتان.*
<---وأمّا الأصوليون فانّهم يخصصون الدليل بما يفيد العلم وحينئذ تخرج الأمارة لانّها تفيد الظن، وقد حده الاوائل بأنّه: قول مؤلف من أقوال يلزم عنها قول آخر، فالقول كالجنس، وقولنا: مؤلف من أقوال، تخرج عنه القضية، فانّها مركبة من مفردين، وقولنا: يلزم عنه قول آخر: احتراز من مجموع أي قضيتين كانتا، فانّه يستلزم أحدى تينك القضيتين وهذا يشمل الدليل والأمارة وإذا قُيِّد المستلزم بقولنا لذاته، خرجت الأمارة فانّها لا تستلزم لذاتها لأنّ الأمارة قد تحصل من دون حصول الشيء الذي عليه الأمارة فإنّ وجود الغيم الرطب، أمارة لوقوع المطر وقد ينفك عنه ولوكان الاستلزام ذاتياً، امتنع الانفكاك.

[ المباحث المنطقية ]

* أقول: كل مطلوب تصديقي فانّه إنّما يكتسب بمقدمتين لا أقّل ولا أكثر، فإنّ المطلوب ـ وهو نسبة المحمول إلى الموضوع ـ إذا كانت 1 مجهولة فلابدّ من واسطة تتوسط بينهما تكون مستلزمة للمطلوب وهو الحدّ الأوسط ـ يكون ثابتاً للموضوع ويكون المحمول ثابتاً له ـ فتحصل المقدمتان، كمن يجهل أن العالم حادث فيأخذ الوسط وهو التغيّر ويجعله محمولاً على العالم وموضوعاً للحدوث فتحصل مقدمتان :   2

1 . الضمير يرجع إلى المطلوب وتأنيث الفعل باعتباره تفسيره بالنسبة .

صفحه 52
قال: والنظر، الفكر الّذي يطلب به علم أو ظن.*
<--- أحدهما: العالم متغيّر .
والثانية: كلّ متغير حادث .
وهما يستلزمان المطلوب.

[ حد النظر والعلم ]

* أقول: لفظة النظر تطلق على النظر البصريّ وتطلق على النظر الفكري، والمطلوب هاهنا بالتعريف هو الثاني فلهذا قيده1 المصنف بقوله: الفكر. وعرفه بانّه «الذي يطلب به علم أو ظن وهو تعريف له بحسب الغاية».
والتعريف التام أنْ يقال: «النظر هو ترتيب أمور ذهنية يتوصل بها إلى أمر ذهني » فـ «الأمور الذهنية» شاملة للقياس وللحد، والأمر الذهني يتناول المطلوب الخبريّ والمحدود ; وقولنا: «إلى أمر ذهني» أعمّ من أن يكون علماً أو ظناً.

1 . في «الف»: قصده.

صفحه 53
قال: والعلم 1 لا يحد، فقال الإمام: لعسره، وقيل: لانّه ضروري من وجهين :
أحدهما: انّ غير العلم لا يعلم إلاّ بالعلم فلو علم العلم بغيره كان دوراً.
وأُجيب: بأنّ توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره، لا على تصوره فلا دور .
الثاني: إنّ كلّ أحد يعلم وجوده ضرورة.
وأُجيب: بأنّه لا يلزم من حصول أمر، تصوره أو تقدم تصوره .*
* أقول: اختلف الناس في ماهية العلم اختلافاً عظيماً وأنّه هل يُحد أم لا؟ لا لخفاء حقيقتها بل لشدة وضوحها، فقال قوم لا يحد واختلفوا، فذهب إمام الحرمين 2 والغزالي 3 إلى انّه إنّما لا يحد لعسره4 فإنّ تحديد الأشياء   2

1 . في بعض النسخ: قيل: لا يُحَدّ.
2 . هو أبو المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني (419 ـ 478 هـ) إمام الاشاعرة، وأحد مجددي منهج أبي الحسن الأشعري، خرج من نيسابور إلى الحجاز وأقام بمكة ثم المدينة فلقب بامام الحرمين. وقد ترجم له شيخنا السبحاني وذكر آراءه ونظرياته بالتفصيل في «بحوث في الملل والنحل»: 2 / 416 ـ 424.
3 . هو حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي (450 ـ 505 هـ)، تلمذ لإمام الحرمين، وتولى التدريس في مدرسة نظام الملك ببغداد، له الكثير من التصانيف في الفلسفة والكلام والتصوف وغير ذلك. وقد ترجم له شيخنا السبحاني أيضاً وذكر نماذج من آرائه في «بحوث في الملل والنحل: 2 / 425 ـ 442» .
4 . وللآمدي في كتاب «الإحكام» رأي آخر في تصوير ما ذهب إليه العلمان، لاحظ : الإحكام: 1 / 29; البرهان في أُصول الفقه: 1 / 115 ; المستصفى في أُصول الفقه: 1 / 25 .

صفحه 54
<---الظاهرة كالمدركات الحسية مثل رائحة المسك وطعم العسل ممّا يعسر جداً وكيف يمكن ذلك والوقوف على الفصول من أصعب الأشياء لا سيّما مع مشاركة الخاصة للفصل في كثير من الأشياء، ومشاركة العرض للجنس في أمور كثيرة، فلعلّ المذكور جنساً اشتبه بالعرض العام والمذكور فصلاً اشتبه بالخاصة، وإذا كان حال المدركات كذلك فالادراك نفسه أشد تعذراً في التحديد.1
ثمّ إنّهم التجأوا في تعريفه إلى المثال فقالوا: ينبغي أن يقاس الادراك بالبصيرة الباطنة بالادراك بالبصر الظاهر [ والتجأوا] إلى القسمة أيضاً، وهذا ضعيف ; فإنّ القسمة والمثال إن افادا التمييز، صلحا للتعريف الرسمي وإنْ لم يفيداه، لم يصلحا للتعريف .
وذهب جماعة من الأوائل والمتأخرين ومنهم فخر الدين الرازي 2 إلى أنّ العلم لا يحد لأنّه ضروري 3، واستدلوا بوجهين ذكرهماالمصنف وذكر تعريفهما :
الوجه الأوّل: انّ ما عدا العلم من الأشياء إنّما يعلم بالعلم، فالعلم إمّا أن   2

1 . قال الغزالي: وإذا عجزنا عن حدّ المدركات، فنحن عن تحديد الإدراكات أعجز، يراجع: المستصفى: 1 / 67 .
2 . هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري (543 ـ 606 هـ) أصله من طبرستان، ومولده في الري وإليها نُسب، وهو من أئمة الأشاعرة في عصره، وله الكثير من التصانيف المهمة ومنها مفاتيح الغيب في تفسير القرآن الكريم. اقرأ ترجمته وآراءه في ما كتبه شيخنا جعفر السبحاني في «بحوث في الملل والنحل: 2 / 451 ـ 462» .
3 . يلحظ بهذا الصدد: «الإحكام» للآمدي: 1 / 29. والرازي يُعدّ من المتأخرين، وذهب ابن سهلان الساوي (المتوفّى 450 هـ) إلى ذلك أيضاً. وقال السُبْكي في رفع الحاجب: 1 / 260: والإمام في «المحصول» ذهب إلى أنّه ضروري، لكن لم يقل انّه لا يحد...

صفحه 55
قال: ثم نقول: لو كان ضرورياً لكان بسيطاً، إذ هو معناه، ويلزم أن يكون كلّ معنى علماً.*
<--- يعلم بشيء منها أو بنفسه، وعلى التقدير الأوّل يلزم الدور وعلى التقدير الثاني يلزم منه تقدّم الشيء على نفسه وهما محالان.
وأجاب المصنف عن هذا الوجه بأن قال: نختار القسم الأول وهو كون العلم مكتسباً من غيره; قوله: يلزم الدور، قلنا: ممنوع فانّ جهة التوقف هاهنا مختلفة، بيانه: انّ غير العلم من الماهيات يتوقف تصوره على حصول العلم بالغير لا على تصور العلم، وتصور العلم يتوقف على حصول غيره لا على تصوره، فالحاصل ان العلم وغيره من الماهيات يتوقف تصور كلّ واحد منهما على حصول الاخر فالافتقار في الصفات لا في الماهيات .
الوجه الثاني: أنّ كلّ عاقل يعلم وجوده ويعلم لذّته وألمه والنار حارّة والماء بارد وأنَّ النفي والإثبات لا يجتمعان ولايرتفعان إلى غير ذلك من القضايا الضرورية وهذه علوم خاصة، وإذا كانت العلوم الخاصة ضرورية، كان مطلق العلم ضرورياً لاستلزام ضرورة العلم بالمركب ضرورة العلم بالبسائط .
وأجاب المصنف عن هذا بأنّ العلم بالخاص حاصل ولا يلزم من حصول العلم بشيء، العلم بالعلم بذلك الشيء فإنّه لا يلزم من حصول أمر، تصوره ولا تقدم تصوره.
* أقول: لما أجاب المصنف عن الدليلين المذكورين، عارض معارضة تدلّ على انّ العلم غير ضروري وهي تبتني على قاعدة ذكرها المصنف فيما بعد وهي ان التصور الضروري هو الّذي لا يتقدمه تصور يتوقف عليه لانتفاء التركيب في متعلقه كالوجود والشيء، وهذه القاعدة ممّا اصطلح عليها هو وحده .   2

صفحه 56
قال: وأصح الحدود، صفة توجب تميّزاً 1 لا يحتمل النقيض فيدخل ادراك الحواس، كالأشعري وإلاّ، زيد في الأمور المعنوية.*
<--- وإذا عرفت هذا فنقول: لو كان العلم ضرورياً لكان بسيطاً ويكون مساوياً للوجود والشيء، لانّه لا يكون أعمّ منهما وهو ظاهر ولا أخص والاّ لكان مركباً ; وإذا كان مساوياً للوجود والشيء، صدق على كلّ ما صدقا عليه وهما صادقان على جميع المعاني فيكون السواد والبياض وغيرهما علوماً وهو محال.
واعلم أنّ هذه المعارضة رديئة جداً:
امّا أوّلاً: فلأنّ البسيط ليس هو معنى الضروري فلا يجب أن يصدق على الضروري أنّه بسيط فإنّ من المركبات ما تكون تصوراتها ضرورية كقولنا:
النفي والاثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان .
وأمّا ثانياً: فلأنّه لو سلم أنّ الضروري يجب أن يكون بسيطاً لكن لم يلزم أن يكون مساوياً للوجود والشيء.
قوله: لو كان أخص لكان مركباً،2 قلنا: هذا ممنوع وإنّما يلزم التركيب لو كان الخصوص، خصوص النوع تحت الجنس.

[ أصحّ الحدود في تعريف العلم ]

* أقول: لما ابطل المصنف المذهب الأوّل وهو ان يكون تصور   2

1 . في «ب»: تمييزاً.
2 . ان هذه العبارة غير واردة في المتن، ولعل الشارح المعظم قد استخلصها من لازم كلام الماتن.

صفحه 57
<--- العلم ضرورياً واختار المذهب الثاني وهو ان يكون كسبياً، شرع في تحديده، ونقل عن قدماء المعتزلة حدود مدخوله، والذي ذكره المصنف هاهنا أنّ العلم صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض، فقولنا: صفة جنس، وقولنا: توجب تمييزاً، يفصله عن سائر الصفات التي لا تقتضي التمييز كالحياة والقدرة وما شاكلهما، وقولنا: لا يحتمل النقيض، يفصله عن سائر الاعتقادات .
وأعلم أنّ هذا الحدّ كما يتناول العلم بالأمور الكلية المعقولة، يتناول الإدراك بالأمور الجزئية المحسوسة بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، وقد نازع جماعة في أنّه هل هو نوع من العلم أم لا؟ فذهب أبوالحسن الأشعري 1 إلى أنّه من قبيل العلوم2، وقال قوم 3 إنّه نوع مغاير للعلم.
والمصنف ذكر الحدّ على وجه يشتمل القسمين على ما ذهب إليه الأشعري وأشار إليه بقوله: فيدخل ادراك الحواس، كالأشعرييعني كما ذهب إليه الأشعري.   2

1 . هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبدالله الأشعري البصري (260 ـ 324 هـ) شيخ أهل السنّة والجماعة وإمام الأشاعرة من أهل البصرة، كان معتزلياً تربى في بيت أبي علي الجبائي وتتلمذ عليه، وتاب من ذلك بعد أن أقام على عقيدتهم أربعين سنة. انظر: وفيات الاعيان: 1 / 464 .
2 . وقد عرف العلم بقوله: «العلم هو ما يوجب لمن قام به كونه عالماً». المواقف للأيجي: 5 / 53.
3 . يلحظ : شرح المقاصد للتفتازاني: 52 / 313.
وقال الشارح (قدس سره): والجمهور قد اطلقوا العلم على الادراك الكلي ولم يطلقوه على الّذي يقع بحسب الحواس. انظر: الاسرار الخفية في العلوم العقلية: 560 .

صفحه 58
قال: واعْتُرِض بالعلوم العادية، فانّها تستلزم جواز النقيض عقلاً. وأجيب بأنّ الجبل إذا عُلم بالعادة أنّه حجر، استحال أن يكون حينئذ ذهباً ضرورة وهو المراد ; ومعنى التجويز العقلي، انّه لو قدّر، لم يلزم منه محال لنفسه، لا انّه محتمل.*
<--- قوله: وإلاّ، زيد في الأمور المعنوية، إشارة إلى المذهب الثاني وهو قول من يجعل الإدراك نوعاً مغايراً للعلم فإنّه يحد العلم بحد أخصّ ممّا ذكره 1وهو أن يزيد فيما ذكرنا. قوله: في الأمور المعنوية، فإنّ الادراك إنّما يتناول الشيء المحسوس والأمور المعنوية إنّما يدركها العقل .(2)
* أقول: هذا إيراد يرد على حدّ العلم وهو ان يقال: هذا الحدّ غير منعكس فلا يصلح للتحديد، بيانه: أنّكم قلتم العلم صفة توجب التميز بحيث يرتفع معه احتمال النقيض وهذا الحد لا يصدق في علوم كثيرة وهي جميع العاديات، فإنّ الجبل يعلم أنّه حجر حال غيبتنا والبحر ماء، وإنّا حين خروجنا من منازلنا نعلم أنّ ما فيها من الأواني لا تنقلب أشخاصاً، مع انّ احتمال النقيض في الكل ثابت لأنّ الله تعالى قادر على جميع هذه الأُمور فلعلّ البحر ينقلب دما والحجر ذهباً حال غيبتنا2، ومع هذا الاحتمال لا يصدق الحدّ مع انّ المحدود ثابت وهو العلم .
وأجاب المصنف عنه انّ الاحتمال لا نسلم انّه ثابت لانّ البحر والجبل يعلما بالعادة انّهما لم ينقلبا ويستحيل عليهما الانقلاب بالضرورة ومع هذا العلم كيف يبقى الاحتمال للنقيض .   2

1 . في «ب»: ذكر .   2 . يراجع كشف المراد للشارح (قدس سره): 232 [ المسألة السادسة عشرة ].
2 . في نسخة «ب»: غبنا.

صفحه 59
قال: اعلم أنّ ماهية 1 الذكر الحكميّ إِمّا أن يحتمل متعلقه النقيض بوجه، أو  لا، والثاني: العلم، والأوّل: امّا أن يحتمل النقيض عند الذاكر لو قَدَّره أو لا، والثاني: الاعتقاد، فإن طابق فصحيح وإلاّ ففاسد، والأوّل: إمّا أن يحتمل النقيض وهو راجح أو لا، والراجح: الظن والمرجوح: الوهم والمساوي: الشكّ وقدعلم بذلك حدودها.*
<--- والتجويز العقلي الذي ذكرتموه مسلم لكن لا يقدح في الجزم الحاصل فانّ معنى التجويز هاهنا كونه في نفس الأمر ممكناً .
وتحقيق هذا ان نقول: الممكن قد يكون ممكناً في الخارج وهو الّذي يجوز وجوده ويجوز عدمه في الخارج .
وقد يكون ممكناً في الذهن على معنى انّ الذهن يجوز عنده كلّ واحد من الطرفين بدلاً عن صاحبه ولا يلزم من ثبوت أحد الإمكانين ثبوت الآخر فإنّ واجب الوجود إذا شك الذهن فيه وانّه هل هو واجب أم لا، يجوّز العقل فيه كلّ واحد من الطرفين، وإذا كان كذلك، لم يلزم من إمكان انقلاب البحر والحجر دماً وذهباً، إمكان الإنقلاب في الذهن وهذا الجواب لا يخلو من دخل.

[ في تعريف الذكر الحكمي ]

* أقول: الذكر الحكمي 2 مثل قولنا: «قام زيد» و «زيد قائم» والذي عنه ذُكر الحكمي هو قيام زيد في الذهن ومتعلقه هو قيام زيد في نفس الأمر، وهو :   2

1 . في رفع الحاجب: 1 / 274: ما عنه، وكذلك في «ب» من النسختين.
2 . الذكر الحكمي ـ كما قيل ـ الكلام الخبري الدال على معنى الخبر، وماهية الذكر الحكمي هو مفهوم الكلام الخبري.

صفحه 60
<--- أمّا أن يكون محتملاً للنقيض بوجه ما، كما يحتمل في نفس الأمر أو عند الذاكر بتقديره أو بتشكيك المشكك .
أو لا يكون محتملاً لشيء من هذه الوجوه .
والثاني هو العلم ويستجمع أموراً ثلاثةً: الجزم والمطابقة والثبات. والأوّل  ـ وهو الذي يكون محتملاً للنقيض ـ فإنّه على قسمين :
الأوّل: أن يكون محتملاً للنقيض في نفس الأمر وليس بمحتمل للنقيض عند الحاكم 1 وهذا هو الاعتقاد، فان طابق المعتقد فهو صحيح والاّ ففاسد. وإنّما قال: لو قدره... احترازاً عمّا يحتمل متعلقه النقيض بتشكيك المشكك لا بتقديره.
الثاني: أن يكون محتملاً للنقيض عند الذاكر كما انّه محتمل له في نفس الأمر وهذا على اقسام ثلاثة:
الأوّل: ان يكون الطرف المذكور أرجح من نقيضه وهذا يسمّى الظن .
الثاني: أن يكون نقيض المذكور أرجح من المذكور وهذا هو الوهم .
والثالث: أن يتساوى الطرفان وهذا هوالشك .
ومن هذا التقسيم ظهر حدود هذه الأُمور .
واعلم أنّ المصنّف قد جعل الاعتقاد قسيماً للعلم والظن، وفيه نظر .
ثمّ قوله في الاعتقاد: إن كان مطابقا كان صحيحاً، مع اشتراطه في الاعتقاد أن لا يكون محتملاً للنقيض عند الذاكر ويكون محتملاً في نفس الأمر، تشتمل   2

1 . في نسخة «ب»: عند الذاكر لو قدره .

صفحه 61
قال: والعلم ضربان: علم بمفرد، ويسمى تصوّراً ومعرفة، وعلم بنسبة ويسمى تصديقاً وعلماً.*
<--- على التناقض. 1
والأولى أن يقال: ما عنه الذكر2 الحكميّ إمّا أن يقارن جزماً أوْ لا، والأوّل إمّا أن يكون مطابقاً، أو لا، والأوّل إمّا أن يكون ثابتاً أو لا، والأوّل هو العلم، والثاني هو اعتقاد المقلد للحق، والثالث هو الجهل المركب .
والذي لا يقارن جزماً ان قارنه الترجيح لاحد الطرفين، فالراجح الظن والمرجوح الوهم وإلاّ فهو3 الشك.4

[ التصور والتصديق ]

* أقول: يريد قسمة العلم إلى التصور والتصديق فقال: المعلوم أمّا أن يكون مفرداً كزيد ويسمّى تصوراً ومعرفة، وامّا أن يكون نسبة بين مفردين ويسمى تصديقاً وعلماً كعلمنا بنسبة القيام إلى زيد.   2

1 . جاء في هامش النسخة «ب» ما يلي:
[ إذ الّذي يحتمل النقيض في نفس الأمر لا يكون مطابقاً فيكون اعتقاداً فاسداً فلا ينقسم الاعتقاد إلى الصحيح والفاسد ].
2 . يلاحظ أنا قد رجحنا سابقاً عبارة «ماهية الذكر الحكمي» على «ما عنه الذكر الحكمي» كما في بعض النسخ.
3 . في «ألف»: المساوي.
4 . يلاحظ: «الاسرار الخفية في العلوم العقلية»: 14 .

صفحه 62
قال: وكلاهما ضروري ومطلوب :
فالتصور الضروري ما لا يتقدمه تصور يتوقف عليه لانتفاء التركيب في متعلقه كالوجود والشيء. والمطلوب بخلافه أي تطلب مفرداته فيحد.
والتصديق الضروري ما لا يتقدمه تصور تصديق يتوقف عليه. والمطلوب بخلافه أي يطلب بالدليل.*
<--- واعلم أنّ هذه القسمة غير سديدة لأنّ التصور ليس علماً بمفرده لا غير، ولا التصديق هو العلم بالنسبة ذاتها فإنّ العلم بنسبة القيام إلى زيد في مثل قولنا: زيد قائم، من باب التصور، والتصديق ليس إلاّ الحكم بوقوع النسبة أو لا وقوعها، لا تصور النسبة.
* أقول: كلّ واحد من التصور والتصديق إمّا أن يكون ضرورياً وإمّا أن يكون مطلوباً أي مطلوب الاكتساب، فالتصور الضروري هو الذي لا يتقدمه تصور يتوقف هذا التصور الضروري عليه، ومثل هذا :
إمّا أن يكون في البسائط كالوجود والشيء وهو الذي انتفى التركيب عنه، وإلى هذا أشار بقوله: لانتفاء التركيب في متعلقه، يعني في متعلق التصور الضروري.
امّا المركبات فانّها لا تتصور إلاّ بعد تصور أجزائها فتصورها متوقف على تصور أجزائها ومستفاد منه فهي من قبيل ما التصور فيه يكون مكتسباً .   2

صفحه 63
<--- واعلم انّ هذا الذي ذكره المصنف ممّا اصطلح عليه هو وحده فإنّ التصور الضروري كما يقع في المفردات قد يقع في المركبات، نعم إذا كان تصور مفردات تلك المركبات مكتسباً، كان التصور مكتسباً، وإذا كان بديهياً فقد يكون التصور بديهياً ثمّ قد يكون بعض البسائط يكتسب تصوره بالرسوم، فتعليل كون التصور ضرورياً بكون متعلقه بسيطاً، ليس بشيء.
ومن هذا ظهر ضعف قوله: والمطلوب بخلافه أي تطلب مفرداته فيحد، فإنّ المطلوب قد يكون بسيطاً .
والحق أن تصور الضروري هو الّذي لا يتوقف على طلب وكسب، فالتصور الكسبي هو الّذي يتوقف .
وأمّا التصديق الضروري فهو الذي لا يتقدمه تصديق يتوقف هذا عليه بل إنّما يتوقف على تصور مفرداته لا غير كقولنا: النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، فإنّ هذا تصديق بديهي لا يتوقف على تصديق سابق عليه وإنّما يتوقف على تصور النفي وتصور الاثبات وقصور الاجتماع واما التصديق المكتسب فهو الّذي يتوقف على تصديق سابق فيكون دليلاً على ثبوته كقولنا: العالم حادث، فإنّ تصور العالم وتصور الحدوث لا يكفي في التصديق بل لابدّ من واسطة بها يتبيّن المطلوب وهي التغيّر، فنقول: العالم متغير، وكلّ متغير حادث، فيستفاد العلم بالحدوث بواسطة هذين التصديقين السابقين.

صفحه 64
قال: وأُورد على التصور: إن كان حاصلاً، فلا طلب وإلاّ فلا شعور به فلا طلب.
وأُجيب بانّه يشعربها وبغيرها 1 والمطلوب تخصيص بعضها بالتعيين.
وأورد ذلك على التصديق، وأُجيب بأنّه تتصور النسبة بنفي أو اثبات ثمّ يطلب تعيين أحدهما ولا يلزم من تصور النسبة حصولها وإلاّ لزم النقيضان.*
* أقول: هذا اشكال أورده بعض تلامذة إفلاطون عليه، وأجاب عنه المعلم الأوّل 2; ووجه ايراده :
أنّ المطلوب من التصورات والتصديقات :
إمّا أن يكون معلوماً .
وإمّا أن يكون مجهولاً .
والأوّل محال لأنّ المعلوم حاصل والطلب لا يتوجه إلى الحاصل وإلاّ لكان تحصيل الحاصل وهو محال.
والثاني محال أيضاً لأنّ المجهول لا يقع به شعور وما لا شعور به يستحيل أن تكون النفس طالبة له .   2

1 . في نسخة «الف»: يعرفها.
2 . أي: ارسطو.

صفحه 65
<--- وأجاب عنه بما أجاب به المصنف هاهنا ووجهه أن يقال :
هذه القسمة غير حاصرة فإنّ المطلوب يجب أن يكون معلوماً من وجه ومجهولاً من وجه:
أمّا في التصورات، فإنّ الماهية تكون متصورة من جهة عارض كمن يتصور ماهية الإنسان من حيث إنّه ضاحك، فإنّ الضاحك مفهومه أنّه شيء ذو ضحك فهو من حيث المفهوم شامل للإنسان وغيره فإذا طلب ماهية الإنسان، كان الطلب متوجهاً إلى تخصيص الإنسان من حمله ما صدق عليه الضاحك من حيث المفهوم فالمطلوب هاهنا معلوم من جهة، صادق يصدق عليه وعلى غيره من حيث المفهوم، ومجهول من حيث هو هو، فيطلب من تلك الجهة وهي جهة التعيين ولا غير .
ولا تحسبنَّ انّ مفهوم الضاحك ولو كان يستحيل وجوده الاّ في الإنسان، موضوع بازاء ما يصدر عنه الضحك من الأناسي ; فإنّ الألفاظ المشتقة لا تدل1على شيء ما ، صدر عنه المشتق، فأمّا ماهية ذلك الشيء في نفسه، فلا تعطيه العبارة إلاّ من خارج المفهوم.
فان قلت: إذا كان المطلوب معلوماً من وجه ومجهولاً من آخر، توجَّه عليك الاشكال فإنّ المعلوم لا يطلب ولا المجهول.
قلت: نعم، إنّما يطلب الماهية التي يصدق عليها هذان الاعتباران وحينئذ سقط السؤال .   2

1 . في النسختين «يدل» والصحيح ما اثبتناه.

صفحه 66
قال: ومادة المركب: مفرداته، وصورته: هيئته الحاصلة.*
<--- وأمّا في التصديقات فإنّ المجهول فيها إنّما هو النسبة المعينة أعني نسبة الثبوت أو نسبة الانتفاء وهي معلومة من جهة التصورات ولا يلزم من
تصور نسبة الوجود أو العدم حصول النسبة وايقاعها فإنّا نتصور النقيضين كما في حالة الشكّ مثلاً ولا يلزم حصول النسبتين وإلاّ لزم وجود النقيضين وهو محال.

[ مادة المركب ]

* أقول: كلّ مركّب فانّه إنّما يتركب من أجزاء مترتبة نوعاً ما من الترتيب، سواء كان التركيب خارجياً أو ذهنياً، فإنّ الأجزاء الّتي يتركب منها المركب وهي المفردات، هي الأجزاء المادية مثل قولنا: العالم مؤلف 1 وكلّ مؤلف حادث، والترتيب المعين وهو جعل العالم حداً أصغر والتأليف حداً أوسط والحدوث حداً أكبر، هو الصورة وهي الهيئة الحاصلة للمركب بعد انضمام الأجزاء وهي الجزء الذي بحصوله يحصل المركب بالفعل وامّا الأجزاء المادية، فإنّها لا تستلزم حصول المركب بالفعل بل بالقوة.

1 . في نسخة «الف»: وقولنا.

صفحه 67
قال: والحد: حقيقي ورسمي ولفظي، فالحقيقي: ما أنبأ عن ذاتياته الكلية المركبة، والرسمي: ما أنبأ عن الشيء بلازم له مثل الخمر مائع يقذف بالزبد، واللفظي: ما أنبأ بلفظ أظهر مرادف، مثل العِقار: الخمر.*

[ مبحث التصورات ]

* أقول: الحدّ في اللغة هو المنع وهو هاهنا مأخوذ من هذا المعنى فإنّ الحدّ يمنع من دخول شيء في الماهية أو خروجه عنها، وقد قسمه المصنّف هاهنا إلى ثلاثة أقسام، والأوائل يطلقون الحد على الأوّل لا غير وان اطلقوه على الباقين 1، فبنوع من المجاز .
والأوّل: هو الحد الحقيقي وهو الذي يتركب من ذاتياته مثل قولنا في تحديد الإنسان انّه الحيوان الناطق وينبغي ان يقيد هذا بقولنا: «حيث لا يشذ منها شيء»، فهذا الحد قد أنبأ عن ماهية الإنسان بواسطة ذكر ذاتياته وهي الحيوان والناطق وهما كليان وقد تركبّا تركباً حصل بواسطته ماهية الإنسان، واحترز بقوله: الكلية، عن المشخِّصات، فانها ذاتية للشخص من حيث هو شخص وان كانت لا تذكر في الحد لأن الشخصيات لا تحد. وهذا الحد إنّما يكون تاماً إذا ذكر فيه جميع الذاتيات .
والثاني: هو الحدّ الرسمي مثل قولنا في تعريف الخمر: إنّه مائع يقذف بالزبد، فإنّ هاتين الصفتين من عوارض الخمر لا من مقوماته، والتعريف بالعارض يطلق عليه اسم الرسم وقد أنبأ هذا التعريف عن الخمر ببعض لوازمه .   2

1 . كذا في النسختين ولعل الاصحّ: الباقيين.

صفحه 68
قال: وشرط الجميع الاطّراد والانعكاس، أي إذا وجد وجد، وإذا انتفى، انتفى.*
<--- والثالث: الحد اللفظي مثل قولنا في تفسير العقار: انّه الخمر، فإنّ هذا التعريف في الحقيقة ليس تعريفاً وإنّما هو تبديل لفظ بلفظ آخر يرادفه في المعنى.

[ شروط التعريف ]

* أقول: التعريف بالشيء يشترط فيه المساواة بين المعرِّفِ والمعرَّف وإلاّ لكان المعرِّف إمّا أعمّ أو أخص، وكلاهما لا يفيد 1 للتعريف .
أمّا الأعم فلأنّه لا يفيد التمييز وأقل مراتب التعريف إفادة التمييز، فإنّك لو قلت في تعريف الإنسان إنّه الحيوان، لم يحصل تمييزه عن غيره من الحيوانات فلا تحصل أقل فائدة للتعريف .
وامّا الأخص فلأنّه أخفى من الأعم، فإنّ الأعم أكثر وجوداً من الأخص فهو أعرف والأعرف لا يجوز تعريفه بالأخفى فوجب تحقق المساواة والمساواة إنّما تحصل إذا كان وجود أحدهما يستلزم وجود الآخر وعدمه يستلزم عدمه وهذا هو معنى الإطراد والإنعكاس، فالاطراد هو الاستلزام في جانب الوجود، والانعكاس هو الاستلزام في جانب العدم.

1 . في نسخة «ب»: لا يصلح .

صفحه 69
قال: والذاتي ما لا يتصور فهم الذات قبل فهمه كاللونية للسواد والجسمية للإنسان، ومن ثمَّ لم يكن للشيء حدان ذاتيان وقد يعرَّف بأنّه غير معلل وبالترتيب العقلي.*

[ بيان الذاتي ]

* أقول: لما ذكر انّ الحدّ يتألف من الذاتيات، احتاج إلى تعريف الذاتي ما هو؟ وقد ذكر القدماء، له خواص ثلاث:
أحدها: ما عرَّفه المصنّف به وهو: «أنّ الذاتي هو الّذي لا يمكن تصور الماهية قبل تصوره ـ مثل اللونية للسواد والجسمية للإنسان ـ» فإنّ تصور ماهية الإنسان قبل تصور ماهية الجسم محال، فإنّ تصور ماهية الإنسان إنّما يتم بعد تصور أجزائها، فلو كان بعض 1 أجزائها متأخراً عنها في التصور لزم الدور، ويلزم من هذه الخاصية أن لا يكون للشيء حدّان ذاتيان لأنّ الحدّ هو الذي يستلزم تصوره تصور المحدود، فإذا كان أحد المعرفين حدّاً كفى في تصور الماهية، فيحصل تصور الماهية، وإن لم يتصور الحد الآخر فلا يكون الحد الآخر ذاتياً لأنّ الذاتي لا يتصور سبق الماهية عليه في التصور.
الخاصية الثانية: هي أنّ الذاتي لا يفتقر في وجوده لما هو ذاتي له إلى علة مغايرة لعلة الماهية، فإنّ السواد ليس لوناً بالفاعل بل الجاعل للسواد هو الذي جعله لوناً، وإليه أشار المصنف بقوله: وقد يعرف بانّه غير معلل لا بمعنى انّه لا   2

1 . في نسخة «الف»: تصور نفس .

صفحه 70
قال: وتمام الماهية هو المقول في جواب: ما هو، وجزؤها المشترك، الجنس ; والمميز، الفصل ; والمجموع منهما، النوع.*
<--- يفتقر إلى العلة بل لا يفتقر إلى علة مغايرة.
الخاصية الثالثة: التقدم في جانب الوجود الذهني، والخارجي، والعدم الخارجي والذهني ; فإنّ الماهية المركبة لا توجد إلاّ بعد وجود أجزائها ومتى عدم احد أجزائها عدمت; سواء كان الوجود أو العدم مستنداً إلى الخارج أو إلى الذهن، وليس هذا التقدم حكماً حاصلاً للجزء حالة وجوده لا غير، فإنّ الجزء لو لم يكن موجوداً لكان العقل يقضي بهذا الترتيب ; وإلى هذه الثالثة أشار بقوله: وبالترتيب العقلي أي قد يُعرَّف الذاتي بالترتيب العقلي.

[ بيان تمام الماهية ]

* أقول: الطلب بما هو إنّما يتوجه إلى طلب تحقيق الحقيقة، وتحققها إنّما يكون لمجموع ذاتياتها فالجواب بغيره لا يقع على الوجه المطابق فلا يقع في جواب ما هو إلاّ تمام الماهية، وتمام الماهية إنّما يكون بذكر أجزائها المشتركة والمميزة، فالجزء المشترك كالحيوان في مثل تعريف الإنسان بانّه الحيوان الناطق، هو الجنس ; والمميز وهو الناطق، هو الفصل ; والمجموع المركب من الجنس والفصل، هو النوع.
وأعلم أنّ كل مميز ذاتي فهو فصل وليس كلّ مشترك جنساً، فإنّ من الأجزاء ما يكون مشتركاً ولا يكون جنساً كالفصول العالية والمتوسطة.

صفحه 71
قال: والجنس: ما اشتمل على مختلف بالحقيقة، وكلٌّ من المختَلف، النوع، ويطلق النوع على ذي آحاد متفقة بالحقيقة ، فالجنس الوسط، نوع بالأوّل لا الثاني، والبسائط بالعكس.*
* أقول: الجنس كالحيوان هو الذي يشمل أشياء مختلفة بالحقائق كالإنسان والفرس وغيرهما، والاشتمال ينبغي أن يوجد هاهنا بالمعنى الأخص من مفهومه وهو اشتمال المقوَّم على ما يقومه وإلاّ انتقض بالعرض العام ومع هذا التقييد ينتقض بفصول الاجناس .
والتعريف التام للجنس هو أن يقال: أنّه الكلي المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو من حيث هو كذلك .
وامّا النوع فانّه يطلق على معنيين أحدهما اضافي والآخر حقيقي: فالاضافي: هو الكلي الّذي يقال عليه وعلى غيره الجنس في جواب ما هو قولاً أولياً، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وكلّ من المختلف النوع، يعني انّ النوع بهذا المعنى هو كلّ واحد من المختلفات يقع بحسب جنس الذي عرَّفه بانّه الذي يشتمل على مختلفات الحقيقة.
والحقيقي: هو الكلي الّذي يقال على كثيرين مختلفين بالعدد فقط في جواب ما هو، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: ويطلق النوع على ذي آحاد متفقة بالحقيقة، يعني من المقومات الّتي تقال في جواب ما هو، وإلاّ انتقض بالخاصة والفصل الأخير .
وأشار المصنف إلى الفرق بين هذين المعنيين بأنَّ كلّ واحد منهما قد    2

صفحه 72
قال: والعرضي بخلافه وهو لازم وعارض، فاللازم ما لا تتصور مفارقته وهو لازم للماهية بعد فهمها كالفردية للثلاث والزوجية للأربعة، ولازم للوجود خاصة كالحدوث للجسم والظل له ; والعارض بخلافه، وقد لا يزول كسواد الغراب والزنجي وقد يزول كصفرة الذهب.*
<--- يوجد دون صاحبه :
أمّا وجود الاضافي بدون الحقيقي فكالجنس المتوسط كالجسم فانّه نوع اضافي لانّه كلّي يقال عليه وعلى غيره من الجواهر الجنس، وهو الجوهر في جواب ما هو قولاً أوليَّاً وليس بنوع حقيقي فإنّ أفراده مختلفة الحقيقة لا بالعدد فقط .
امّا وجود الحقيقي بدون الاضافي فكالانواع البسيطة الّتي لا تندرج تحت الجنس كالعقل عند من لا يجعل الجوهر جنساً فإنّه نوع حقيقي لكونه مقولاً على كثيرين مختلفين بالعدد لا غيره 1 في جواب ما هو وليس بنوع إضافي لامتناع اندراجه تحت جنس.
* أقول: العرضي ما يقال بخلاف الذاتي وهو الذي يمكن أن يتصور فهم الذات قبل فهمه وهو ينقسم إلى قسمين لازم ومفارق :
فاللازم هو الّذي لا تتصور مفارقته وهو ينقسم :
إلى لازم للماهية بعد فهمها كالفردية للثلاثة والزوجية للأربعة، فإنّ هذين الوصفين من لوازم الثلاثة والاربعة من حيث الماهية لا بالنظر إلى الوجود وحده، فإنّا لو تصورنا الثلاثة والاربعة وكانتا معدومتين، كان هذان الوصفان لاحقين بهما   2

1 . في نسخة «ب»: غير .

صفحه 73
<--- بعد فهمهما، فهما لازمان للماهية.
وإلى لازم للوجود خاصة كالحدوث للجسم والظل له عند مسامتته للشمس1.
فإنّ هذين الوصفين لا يلزمان ماهية الجسم من حيث هي هي، فإنّ كثيراً من الناس يتصور ماهية الجسم ولا يتصور حدوثه ولا وقوع الظل له، فهما لازمان لوجود الجسم لا لماهيته.
وأمّا العارض 2 فهو الذي تتصور مفارقته للماهية وهو ينقسم إلى أمرين:
أحدهما: أن يكون مصاحباً له لا يزول عنه كسواد الغراب وسواد الزنجي.
والثاني: أن يكون مفارقاً له كصفرة الذهب .
والفرق بين القسم الأوّل من هذين وبين القسم الثاني من قسمي اللازم، انّ لازم الوجود تستحيل مفارقته 3 وهذا وان كان لا يفارق، فإنّه يمكن مفارقته.

1 . المسامتة: المقارنة.
2 . المراد من العارض هنا هو العرضي المفارق.
3 . لانّه يلزم الخلف ويكون المفروض لازماً، غيرُ لازم.

صفحه 74
قال: وصورة الحد، الجنس الاقرب ثمّ الفصل، وخلل ذلك، نقص.
وخلل المادة، خطأ ونقص.*

[ صورة الحدّ ]

* أقول: الحدّ قول مؤلف من ذاتيات الشيء ويشتمل على الجنس والفصل فهومركب وكلّ مركب فله اجزاء صورية واجزاء مادية.
فالجزء الصوري للحدّ ذكر الجنس الأقرب أولاً ثمّ الفصل ثانياً حتى تتحصل صورة مطابقة لصورة الشيء، والأجزاء المادية هي الجنس والفصل .
والخلل في الأوّل إنّما يكون بتقديم الفصل على الجنس وهذا يكون نقصاً في التحديد، فإنّ الحد التام هو الذي يشتمل على مجموع الذاتيات والناقص ما أخلّ فيه ببعضها، فإذا قدم الفصل، اختل الجزء الصوري فكان الحد ناقصاً وليس بخطاء فإنّ الحدود قد تكون تامّة وقد تكون ناقصة، والخلل في الثاني يقع على وجوه ذكرها المصنف وحصرها في أمرين; خطأٌ ونقصٌ .1

1 . في نسخة «ب» بزيادة:
[ فالخطأ ما يتعلق بالمعاني والنقص ما يتعلق بالألفاظ ].

صفحه 75
قال: فالخطأ كجعل الموجود والواحد جنساً، وكجعل العرضي الخاص بنوع فصلا، فلا ينعكس وترك 1 بعض الفصول فلا يطرد، وكتعريفه بنفسه مثل: الحركة عرض نُقْلة، والإنسان: حيوان بشر، وكجعل النوع والجزء جنساً، مثل: الشر ظلم الناس، والعشرة خمسة وخمسة.*

[ خلل الحدّ ]

* أقول: هذا هو الخطأ المختص بالحدود وهو يقع من جهة الجنس ويقع من جهة الفصل وقد يقع من جهتهما :
أمّا الأول: بأن يؤخذ بدل الجنس لازمه كأخذ الموجود والواحد جنساً فنقول: الإنسان موجود ناطق أو واحد ناطق ; أو يؤخذ النوع فيجعل جنساً كما
نقول: الشر ظلم الناس، فإنّ الظلم نوع من الشر جعل مكان الجنس ثم قُيّد
بكونه ظلم الناس ; أو يؤخذ الجزء فيجعل جنساً كما نقول: العشرة خمسة وخمسة، فإنّ الخمسة الأُولى جزء من العشرة ذكرت في مقام الجنس وقيدت بالخمسة الأُخرى.
وأمّا الثاني: بأن يجعل العرضي الخاص بنوع فصلاً كما نقول: الإنسان حيوان ضاحك، فالضاحك خاصة للإنسان اقيمت مقام الفصل ويلزم من التحديد بمثل هذا عدم الانعكاس فانّه لا يلزم من نفي الضحك نفي الإنسان .
وأمّا الثالث: بأن ترك بعض الفصول كما نقول: الإنسان حيوان ناطق،   2

1 . كذا في النسختين وفي نسخ أُخرى: كترك.

صفحه 76
قال: ويختص الرسمي باللازم الظاهر لا بخفيٍّ مِثْلِه، ولا أخفى وبما لا1 تتوقف عقليته عليه، مثل: الزوج عدد يزيد على الفرد بواحد وبالعكس، فإنّهما متساويان، ومثل: النار جسم كالنفس، فإنّ النفس أخفى; ومثل: الشمس كوكب نهاري، فإنّ النهار يتوقف على الشمس.*
<--- من غير ان نذكر المايت2 منه 3 . على رأي من يجعل الناطق مشتركاً بين الإنسان والملائكة. ويلزم من التحديد بمثل هذا، عدم الاطراد فانّه ليس كلّ حيوان ناطق إنساناً 4 ; أو نعرف الشيء بنفسه كما نقول: الحركة عرض نُقْلة، فان النُقْلَة هي الحركة لكنّه قد يدل فيه لفظ بلفظ، أو نقول: الإنسان حيوان بشر، فانّ البشر هو الإنسان لكنّه قد بدّل فيه اللفظ ; ولهذين المثالين مناسبة في التمثيل لما يقع الخلل فيه من جهة الفصل.
* أقول: هذه الاغلاط التي ذكرها، لا يمكن ان تدخل في الحدود فلهذا ذكرها في الرسوم، فالرسم يجب أن يكون أعرف من الرسوم 5 فانّ التعريف بالأخفى غير مفيد والخلل في هذا أن لا يذكر الأظهر بل إمّا المساوي في المعرفة والجهالة أو الأخفى أو ما تتوقف عقليته عليه:
مثال الأول أن نقول: الزوج هو العدد الذي يزيد على الفرد بواحد فانّ   2

1 . في نسخة «ب»: لا بما.
2 . المايت: اسم فاعل من باب: مات يَمِيْت مَيْتاً وهو الّذي تفارق روحه الجسد فيحل به الموت.
3 . في نسخة «ب»: فيه .
4 . باعتبار ان الملائكة من الحيوان الناطق ـ حسب الفرض ـ مع أنّها ليست من الإنسان في شيء.
5 . كذا في النسختين ويبدو ان الصحيح: المرسوم.

صفحه 77
قال: والنقص كاستعمال الألفاظ 1 الغريبة، والمشتركة، والمجازية.*
<--- الفرد يساوي الزوج في المعرفةوالجهالة ـ على رأي من يقول انّ التقابل بينهما تقابل الضدين ومن يجعل التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، يكون الزوج عنده أعرف ـ ونذكر في مثال هذا تعريف أحد المتضايفين بصاحبه .2
ومثال الثاني قولنا:النار جسم يشبه النفس، فانّ النفس أخفى من النار .
ومثال الثالث أن نقول:الشمس كوكب تطلع نهاراً، والنهار هو الوقت الذي تطلع فيه الشمس، فيلزم توقف كلّ واحد منهما في المعرفة على صاحبه، وهو دور.
وأعلم انّ كلّ واحد من هذه الأمور الثلاثة أشد محذوراً ممّا قبله ولهذا رتبها المصنف على هذا المثال.
* أقول: هذا الخلل مشترك في الحدود والرسوم فإنّ تحديد الشيء لغير اتحاد إنّما يكون بالفاظ يحصل منها التنصيص على المعنى فيجب أن يكون ذلك اللفظ ظاهر الدلالة على المعنى المراد منه وإلاّ لاشتغل الطالب للماهية بالنظر في اللفظ، وصرفه ذلك عن الإلتفات إلى المعنى.
 

1 . فقط في نسخة «ألف».
2 . كمن يقول: «الأب هوالّذي له ابن» أو «الابن هو الّذي له أب».

صفحه 78
قال: ولا يحصل الحد ببرهان لانّه وسط يستلزم حكماً على المحكوم عليه، فلو قُدِّر في الحد، لكان مستلزماً عين المحكوم عليه ولانّ الدليل يستلزم تعقل ما يستدل عليه، فلو دلّ عليه دليل لزم الدور.*
* أقول: مقصود المصنف أن يبين كيفية انتقاص الحدود فذكر أولاً انّه لا يكتسب بالبرهان ـ أن 1 بعض الأوائل 2 قد خالف فيه ـ وذكر على ذلك دليلين :
الأوّل: إنّ البرهان هووسط يستلزم حكماً على المحكوم عليه فإنّا إذا قلنا العالم حادث، لأنّه متغير فالمتغير وسط، استلزم حكماً على العالم مغايراً له وهو المراد بالبرهان ; فلو كان الحد يستفاد من الوسط لكان مستلزماً عين المحكوم فانّ الحد هو المحدود .
والثاني: إنّ طلب الدليل إنّما يكون بعد تعقل المدلول عليه، فلو كان المدلول عليه يستفاد تعقله من الدليل المرتب تعقله على تعقله 3 لزم الدور.
واعلم انّ هذين الدليلين ضعيفان جداً .
أمّا الأوّل: فإنّ المحدود والحدّ متغايران وكيف لا يكون كذلك وأحدهما كاسب للآخر، ولأنّ المحدود هو الماهية والحدّ هو الأجزاء مفصلة ولا شك في المغايرة بين الماهية والأجزاء.   2

1 . في نسخة «ب»: فأن.
2 . يطلق وصف الأوائل والأولون في المعقول على الحكماء السبعة في الفلسفة الاغريقية، أعني: تالس الملطي وانكساغورس وأنكسيمانس وأنبادقليس وفيثاغورس وسقراط وافلاطون.
3 . في نسخة «ب»: المترتب على تعقله.

صفحه 79
قال: فإن قيل: فمثله في التصديق، قلنا: دليل التصديق على ثبوت النسبة أو نفيها لا على تعقلها1.*
<--- وأمّا الثاني: فلأنّ الدليل يكفي فيه تعقل المدلول عليه ببعض اعتباراته، فتغايرت جهة التوقف فلا دور; بل الحق أن نقول لو افتقر الحد إلى وسط لكان حمل الحد (2) أمّا أن يكون حمل الحدّ به 2 فيكون الوسط والمحدود متحدين في الماهية، هذا خلف ; أو على ما صدق عليه الوسط فيكون الحد حدّاً لأمور متغايرة فإنّ ما صدق عليه الوسط أعم من أن يكون هوالمحدود أو لوازمه وعوارضه، وأمّا أن لا يكون حمل الحدّ به 3 فلا يستفاد منه التحديد بل مطلق الحمل على المحدود .
* أقول: هذا إيراد يرد على الوجه الثاني وقد أجاب المصنف عنه .
وتقرير الإيراد أن يقال: أنكم ذكرتم أنّ الدليل يستلزم تعقل ما يستدل عليه، فإذا طلب الدليل على حدوث العالم، وجب أن يكون متعقلاً،4 فلو استدلّ عليه لزم الدور فيلزم أن تكون التصديقات غير مكتسبة بالبراهين .
وتقرير الجواب: أنّ دليل التصديق ليس على تعقل حدوث العالم، بل على ثبوت الحدوث للعالم أو نفيه والدليل لا يتوقف على ثبوت الحدوث أو نفيه بخلاف ما دل في الحدود.(6)

1 . في نسخة «ألف»: تعلقها.            2 . في نسخة «ب»: على الوسط.
2 . في نسخة «الف»: على الوسط، ولكن اسقاطها انسب لاستقامة العبارة.
3 . في نسخة «الف» ونسخة «ب» والنسخة المحققة من «الاسرار الخفية» وردت كلمة: الحدِّيَّة; إلاّ أن الصحيح على ما يبدو هو ما اثبتناه لانّه عدل لما ورد في الشق الأوّل من رد الدليل الثاني ، كما أن سياق الفكرة يساعد عليه، والله العالم.
4 . في نسخة «ألف»: متعلقاً.            6 . في نسخة «الف»: ذكر في الحدوث.

صفحه 80
قال: ومن ثَمَّ لم يُمنع الحدُ ولكن يُعارض ويبطل بخلله، أمّا إذا قيل الإنسان حيوان ناطق وقصد مدلوله لغة أو شرعاً، فدليله النقل بخلاف تعريف الماهية.*
قال: ويسمى كلّ تصديق قضية، ويسمى في البرهان مقدمات.**
* أقول: هذا فرع لكون الحد غير مكتسب بالبرهان، فإنّ الحدّ لما كان غير مستفاد من الدليل، لم يتوجه عليه المنع والاّ لوجب على الحادِّ إقامة الدليل على الحدّ، وقد قلنا انّه تستحيل اقامة الدليل عليه، بل طريق المنازعة فيه أن يعارضه بحد آخر حتى تلمح التفاوت من 1 الحدين من الزيادة والنقصان أو يبطل الحد بذكر 2 الخلل فيما يوجب ابطال الحد، هذا في الحدود الحقيقية.
أمّا في الحدود اللفظية كمن يقول: الإنسان في اللغة موضوع للحيوان الناطق، أو الصلاة في الشرع موضوعة للأفعال المخصوصة، وجب عليه اقامة الدليل وهو النقل عن أهل اللغة والشرع، بخلاف الماهية إذا أراد تعريفها وبيان شرح حقيقتها.

[ مبحث التصديقات ]

** أقول: التصديق هو الحكم إمّا بالإيجاب أو بالسلب وهو مرادف للقضية والخبر، فإنّ القضية هي قول يقال لقائلها أنّه صادق أو كاذب، فإذا جعلت القضية جزاءً من القياس، سمي مقدمة، فالمقدمة أخص من القضية والخصوص حصل لها باعتبار عارض عرض لها.

1 . في نسخة «ب»: بين.
2 . في نسخة «ألف»: يبطل بذكر.

صفحه 81
قال: والمحكوم عليه فيهما إمّا جزء معين أو لا، والثاني إمّا مبيّن جزئيته أو كليته أو لا; صارت أربعةً: شخصية، وجزئية محصورة، وكليّة ومهملة، كل منهما موجبة وسالبة.*

[ تقسيمات القضية ]

* أقول: هذا تقسيم للقضية باعتبار أحد جزئيها وهو المحكوم عليه، وتحقيق القول فيه أنّ نقول:
المحكوم عليه في القضية وفي المقدمة إمّا أن يكون شخصاً معيّناً أو لا يكون،
والأوّل: تسمى القضية فيه شخصية وهي إمّا موجبة أو سالبة، مثال الموجبة: زيد كاتب، ومثال السالبة: زيد ليس بكاتب .
وإمّا الثاني [ أي لا يكون شخصاً معيناً ]: فإنّه ينقسم إلى قسمين :
الأوّل: أن يكون الحكم على الأفراد التي صدق عليها الموضوع .
والثاني: أن يكون الحكم على نفس الماهية .
والأوّل [ أي: على الافراد التي صدق عليها الموضوع ] : إمّا أن يكون الحكم فيه على جميع الأفراد وإمّا أن يكون على بعضها وإمّا أن لا يذكر الكلّ ولا البعض، والأوّل: تسمى القضية فيه كلية وهي إمّا موجبة أو سالبة، مثال الموجبة: كلّ إنسان حيوان ومثال السالبة: لا شيء من الإنسان بحجر. والثاني: تسمى القضية فيه جزئية وهي امّا موجبة أو سالبة مثال الموجبة: بعض الإنسان كاتب، ومثال السالبة:    2

صفحه 82
<--- بعض الإنسان ليس بكاتب. والثالث: تسمى القضية فيه مهملة فهي إمّا موجبة أو سالبة، فالموجبة كقولنا: الإنسان كاتب، والسالبة كقولنا: الإنسان ليس بكاتب .
وأمّا الثاني: وهو الّذي يكون الحكم فيه على نفس الماهية فإنّه، ينقسم إلى قسمين:
الأوّل: أن يكون الحكم على نفس الماهية من حيث هي هي لا باعتبار العموم ولا باعتبار الخصوص وتسمى القضية الطبيعية، والمتأخرون يذكرون في مثالها: الإنسان نوع والحيوان جنس، وهو خطأ فإنّ النوعية والجنسية إنّما عرضتا للانسان والحيوان باعتبار العموم العارض لهما.
الثاني: أن يكون الحكم على الماهية باعتبار عروض العموم لها، وهذه لم يذكرها المتقدمون ونحن نسمّيها القضية العامة .
وهاتان الأخيرتان 1 لم يذكرهما المصنف لقلة فائدتهما ونحن لمَّا تعرضنا للحصر 2، وجب علينا ايرادهما.

1 . يريد (قدس سره)شقَّي الحكم على نفس الماهية، أي: الحكم لا باعتبار العموم والخصوص والحكم باعتبار عروض العموم.
2 . قد أوضحنا فروع القضية من خلال المخطط المشاهد في الصفحة التالية.

صفحه 83
سالبة
موجبة
الحكم فيه على جميع الافراد
(القضية كلية)
      سالبة         موجبة
الحكم فيه على بعض الافراد
(القضية جزئية)
      سالبة         موجبة
وأمّا أن لا نذكر الكل ولا البعض
               (القضية مهملة)
أن يكون الحكم على الأفراد الّتي صدق عليها الموضوع
أنّ الحكم فيها على نفس الماهية
إمّا أن يكون المحكوم شخصاً معيناً (فالقضية شخصية)
أن لا يكون المحكوم عليه
      شخصاً معيّناً
الحكم على نفس الماهية من حيث هي لا باعتبار عروض الكلية لها    (القضية الطبيعية)
الحكم على الماهية باعتبار عروض العموم لها (القضية العامة)
القضية

صفحه 84
قال: والمتحقق في المهملة، الجزئية فأهملت.*
قال: ومقدمات البرهان قطعية1، لأنّ لازم الحقّ حقّ، وتنتهي إلى ضرورية والاّ لزم التسلسل.**
* أقول: المهملة في قوة الجزئية لأنّها لا تخلو إمّا أن تصدق كلّية أو جزئية، فإن كانت كلّية، صدقت وهي جزئية، وإن كانت جزئية، صدقت جزئية ; فالمهملة يستلزم صدقها صدق الجزئية وكذلك على العكس فإنّ المحمول إذا صدق على شخص معين صدق على ما صدق 2 عليه الماهية فيستلزم صدق الجزئية صدق المهملة، فإذن كلّ واحد من الجزئية والمهملة يستلزم صدق الأُخرى وهو المراد بقولنا: المهملة في قوة الجزئية، وإذا كانت المهملة في قوة الجزئية استغنى بالبحث عن الجزئية عن البحث عنها.

[ البرهان ومقدماته ]

** أقول: المطلوب من البرهان إنّما هو الحكم القطعي وهو لا يحصل إلاّ من مقدمات قطعية، فإنّ الحقّ يستلزم الحقّ قطعاً وغيره لا يستلزم، فهو إنّما يتألف من القطعيات، ثمّ إنّ تلك القطعيات إنّ كانت مستفادة من غيرها، كان حكم غيرها، حكمها في كونها قطعية، لا كونها كسبية ; بل يجب الانتهاء إلى مقدمات ضرورية غنية عن الاكتساب والاّ لزم التسلسل أو الدور وهما محالان.

1 . في نسخة «ب»: لتنتج قطعياً.
2 . كذا في النسختين والاصحّ: صدقت.

صفحه 85
قال: وأمّا الأمارات فظنيّة أو اعتقاديّة، إن لم يمنع مانع، إذ ليس بين الظن والاعتقاد وبين أمر1 ربطٌ عقلي، لزوالهما مع قيام موجبهما.*
قال: ووجه الدلالة في المقدمتين، إنّ الصغرى خصوص والكبرى عموم، فيجب الاندراج فيلتقي موضوع الصغرى ومحمول الكبرى.**
* أقول: الأمارات إمّا أن تكون ظنية أو اعتقادية يحصل بها ظن أو اعتقاد إذا لم يمنع مانع، فانّ وجود المانع هاهنا ممكن إذ ليس بين الظن والمظنون ربط عقلي ولا بين الاعتقاد والمعتقد، فيجوز زوال الظن والاعتقاد مع قيام الموجب لهما، بخلاف البرهان الّذي يفيد القطع، فانّه يستحيل زواله مع قيام موجبه.
** أقول: قد توهم بعض الناس أنّ الدلالة هي الدليل، وهو خطأٌ فإنّ الدلالة نسبة بين الدليل والمدلول والنسبة مغايرة للمنتسبين، وإذا ثبت التغاير بين الدلالةوالدليل، فنقول:
وجه دلالة الدليل على المدلول أنّ الصغرى أخصّ من الكبرى فتندرج تحتها ويلتقي موضوع الصغرى ومحمول الكبرى، مثاله: ان [ بـ ] قولنا الإنسان حيوان والحيوان جسم، جعلنا موضوع الصغرى هو الإنسان وهو مندرج تحت محمولها، ومحمولها وهو الحيوان جعلناه موضوعاً للكبرى، فاندرج موضوع الصغرى
تحت موضوع الكبرى وكان أخصّ منه، وكلّ حكم صدق على أفراد العام صدق على الخاص بالضرورة، فيصدق الجسم على الإنسان الذي هو بعض أفراد
الحيوان.

1 . مراد المصنّف من الـ «أمر» هنا هو «المعتقد» ، والظاهر أنّه من إفادات الشارح.

صفحه 86
قال: وقد تحذف إحدى المقدمتين للعلم بها.*
* أقول: إحدى المقدمتين لا تنتج وإنّما ينتج مجموع المقدمتين على ما مر، ويرد عليه سؤال وهو أن يقال: انّه يصدق قولنا: الإنسان حيوان فهو جسم، ولما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً .
والجواب عنه أن نقول: قولنا: الإنسان حيوان فهو جسم، قياس حذف فيه إحدى مقدمتيه للعلم بها وهي قولنا: وكلّ حيوان جسم ; وقولنا: لما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً، قياس حذف فيه إحدى المقدمتين لوجود ما يدلّ عليها فإنّ لفظة «لما» كما دلّت على مطلق الاتصال، دلّت مع ذلك على تسليم المقدم فكان القياس هكذا: كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس طالعة.
واعلم أنّه قد تحذف إحدى المقدمتين للعلم بها في القياس البسيط بل في المركب وهو المسمّى بالقياس المطويّ مثل أن نقول: كلّ إنسان ناطق و كلّ ناطق حيوان وكلّ حيوان جسم وكل جسم جوهر، ينتج كلّ إنسان جوهر لكن بواسطة مقدمات محذوفة، فإن قولنا: وكلّ حيوان جسم، كبرى لصغرى محذوفة وهي قولنا: كلّ إنسان حيوان، وينتجان كلّ إنسان جسم، ثمّ نقول: كلّ إنسان جسم وكلّ جوهر جسم وينتجان: كل إنسان جوهر، الّذي هو المطلوب، فهذه المقدمات قد حذفت للعلم بها.

صفحه 87
قال: والضروريات :
منها المشاهدات الباطنة وهي ما لا تفتقر إلى عقل كالجوع والألم.
ومنها الأوليات وهي ما يحصل بمجرد العقل كعلمك بوجودك، وان النقيضين يصدق أحدهما .
ومنها المحسوسات وهي ما تحصل بالحس .
ومنها التجريبيات وهي ما تحصل بالعادة كإسهال المسهل والإسكار.
ومنها المتواترات وهي ما تحصل بالاخبار تواتراً كبغداد ومكة.*

[ مواد البرهان ]

* أقول: لما ذكر البرهان وأنّه يتألف من مقدمات امّا ضرورية ابتداءً وإمّا منتهية إلى الضروريات، وجب عليه بيان الضروريات. وتقريره أن نقول :
الحكم إمّا أن يكفي فيه مجرد تصور الطرفين ويقال له الأولى كالعلم بأنّ النقيضين لا يجتمعان، فإنّ من تصور النقيضين وتصور عدم الاجتماع كفاه هذان التصوران في الحكم بأنّ النقيضين لا يجتمعان .
وأمّا أن لا يكفي بل لابدّ من الاستعانة ببعض القوى فنقول :
تلك القوة إمّا أن تكون باطنة وهي كإدراك الجوع والألم وتسمى المشاهدات الباطنة والوجدانيات، ولا يفتقر هذا الإدراك إلى العقل فإنّه قد يحصل للبهائم .   2

صفحه 88
قال: وصورة البرهان اقتراني واستثنائي، فالاقتراني ما لا يذكر اللازم ولا نقيضه فيه بالفعل، والاستثنائي نقيضه.*
<--- وأمّا أن تكون ظاهرة فإمّا أن تكون وحدها كافية أو لا تكون، والأوّل هو المحسوسات كمن يحكم بأنّ النار حارة والشمس مشرقة، وهذه أيضاً لا تفتقر إلى العقل. والثاني لا يخلو إمّا أن يكون المعيِّن لها هو تكرار الأثر عقيب الملاقاة أو نقل الأخبار المتواترة، والأوّل هو التجربيات كالحكم بأنّ السقمونيا1 مسهل للصفراء لتكرر وقوع ذلك منها عقيب ملاقاة البدن، والثاني هو المتواترات كالعلم بوجود مكة وبغداد. وهذان القسمان لابدّ فيهما من العقل فإنّ الحكم الأوّل إنّما يحصل لوجود قياس عقلي وهو أنّ هذا الأثر لو كان اتفاقياً لما كان دائمياً ولا أكثر وهذا القياس هو الفارق بين هذا الحكم والحكم المستفاد من الاستقراء، وكذلك الثاني فإنّه لابدّ فيه من قياس وهو انّه يمتنع اطباق هذا الخلق الكثير على الكذب.

[ صور البرهان ]

* أقول: لما ذكر مادة البرهان شرع في بيان الصورة حتى تحصل الاحاطة بتمام الماهية. وأعلم أنّا ذكرنا أنّ البرهان إنّما يتألف من مقدمتين فالمطلوب لا يجوز أن يكون إحدى تينك المقدمتين وإلاّ كان البرهان مشتملاً على المصادرة على المطلوب الأوّل وهو من باب الأُغلوطات بل قد يكون جزءً من أحدهما أو خارجاً. والمقدمة التي تشتمل على قضية فإنها تكون لا محالة شرطية، فالاستثنائي يشتمل على مقدمة شرطية أحد جزئيها المطلوب أو نقيضه، وعلى مقدمة هي وضع   2

1 . السَّقَمُونيا، نبتة يستخلص منها دواء مسهل للبطن تزول به دوده.

صفحه 89
قال: فالأوّل بغير شرط ولا تقسيم، ويسمى المبتدأ فيه موضوعاً، والخبر محمولاً، وهي الحدود، والوسط الحدّ المتكرر، وموضوعه الأصغر ومحموله الأكبر، وذات الأصغر الصغرى وذات الأكبر الكبرى.*
<--- أو رفع.1
وأمّا الاقتراني فإنّه الذي لا تكون النتيجة ولا نقيضها مذكوراً فيه بالفعل كما نقول: كلّ إنسان حيوان وكلّ حيوان جسم فالنتيجة وهي قولنا: كلّ إنسان جسم، غير موجودة بالفعل في القياس ولا نقيضها .
وأمّا الاستثنائي فنقيض الاقتراني وهو أنّ يكون اللازم أو نقيضه مذكوراً فيه بالفعل كما نقول: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود ثم نقول: لكن الشمس طالعة ينتج فالنهار موجود، فقولنا: النهار موجود ـ وهو عين النتيجة ـ جزء من الشرطية المذكورة، أو نقول: لكن النهار ليس بموجود ينتج فالشمس ليست بطالعة وهو نقيض الموجود في القياس، وفي هذا الكلام تساهل وشكوك ذكرناها في كتاب «الاسرار».2
* أقول: القياس الاقتراني ينقسم إلى ما يتألف من الحمليات ويسمى القياس الحملي، وإلى ما يتألف من الشرطيات أو منها ومن الحمليات ويسمى القياس الشرطي.
والشرطيات أمّا أن تكون متصلات وهو المراد بقوله: بغير شرط يعني   2

1 . إن القياس الاستثنائي يتركب من مقدمة شرطية ومقدمة حمليّة، يستثنى فيها عين أحد جزئي الشرطية أو نقيضه، لينتج عين الآخر أو نقيضه ..
2 . يراجع كتاب «الاسرار الخفية» للشارح (قدس سره)، المبحث الرابع: «في القياس الاستثنائي»: 185.

صفحه 90
قال: ولما كان الدليل قد يقوم على ابطال النقيض والمطلوب نقيضه، وقد يقوم على الشيء، والمطلوب عكسه، احتيج إلى تعريفهما، فالنقيضان كل قضيتين إذا صدقت إحداهما، كذبت الأُخرى وبالعكس.*
<--- أن يكون القياس غير مشتمل على مقدمة متصلة.
وأمّا أن تكون منفصلات وهو المراد بقوله: ولا تقسيم، وحينئذ ينفى الحملي وهو يشتمل على مقدمتين اشتركتا في بعض الحدود وتباينتا في البواقي، مثاله كل إنسان حيوان وكلّ حيوان جسم، فالإنسان وهو المبتدأ يسمى الموضوع في الصغرى والحيوان في الكبرى وهو المبتدأ يسمى الموضوع أيضاً والحيوان المخبر به عن الإنسان في المقدمة الأُولى، يسمى المحمول وكذلك الجسم في الكبرى، فهذان حدّان هما طرفان، والحد المتوسط بينهما وهو الحيوان هو المتكرر، فإنّه قد وقع تارة محمولاً في الصغرى، وتارة موضوعاً في الكبرى، وموضوع 1 هذه، المتوسط وهو الإنسان يسمى الأصغر لاندراجه تحته، ومحموله وهو الجسم يسمى الأكبر لاندراجه تحته، والمقدمة التي فيها الحد الأصغر تسمى الصغرى، والمقدمة الّتي فيها الحد الأكبر تسمى الكبرى.
* أقول: مثال الأول، كما يقع في الأقيسة الخلفيّة،2 ومثال الثاني، كما   2

1 . في نسخة «ب»: موضوعه هذا وهو الإنسان.
2 . جمع لقياس الخلف; وهو قياس يستعمله المستدل عند عجزه عن الاستدلال المباشر، فيأتي بالدليل على بطلان نقيض مطلوبه ليثبت صدق مطلوبه لأن النقيضين لا يكذبان معاً، وابطال النقيض لاثبات المطلوب يسمى بـ «قياس الخلف». يلحظ: «المنطق» للشيخ المظفر (قدس سره): 2 / 227 .

صفحه 91
قال: فإن كانت شخصية، فشرطها أن لا يكون بينهما في المعنى إلاّ النفي والإثبات فيتحد الجزءان بالذات والإضافة والجزء والكل والقوة والفعل والزمان والمكان والشرط.*
<--- يقع في الاشكال الثلاثة المغايرة للأول. والتعريف الذي ذكره للتناقض، تعريف ناقص والتعريف التام ان نقول: التناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما وكذب الأُخرى ; فالاختلاف جنس يقع فيه اختلاف المفردات واختلاف القضايا، ثمّ اختلاف القضايا قد يكون بالسّلب والايجاب وقد يكون بغيرهما.
وإنّما ذكرنا الاختلاف بالسلب والإيجاب ليخرج عنه قولنا: هذا الموجود واجب، هذا الموجود ممكن، فانّهما قضيتان يلزم من صدق احديهما كذب الأُخرى وبالعكس وليسا متناقضتين. ومثل هذه الصورة داخلة في التعريف الّذي ذكره المصنف، وإنّما ذكرنا قيد الذات ليخرج مثل قولنا: هذا إنسان، هذا ليس بناطق، فإنّهما قضيتان اختلفتا بالسلب والإيجاب، يلزم من صدق احداهما كذب الأُخرى وبالعكس، لكنهما غير متناقضتين لأنّ الاقتسام ليس لذات الاختلاف بل لأنّ الإنسان يلزمه الناطق، وبين ثبوت الشيء وسلب لازمه المساوي، معاندة في الصدق والكذب، وهذه الصورة أيضاً تدخل في الحدّ الذي ذكره المصنف، وما ذكرناه نحن هو المنطبق على حدّ التناقض وهو الذي ذكره المتقدمون.

[ شروط التناقض ]

* أقول: القضية الشخصية هي التي موضوعها شخص معيّن، وشرط   2

صفحه 92
<--- التناقض فيها الاتحاد في كلّ شيء إلاّ في النفي والإثبات، والأشياء الّتي تتحد القضية باعتبار اتحادها هي التي ذكرها، وهي: الذات في كلّ واحد منهما حتّى يكون الموضوع والمحمول في كلّ واحد منهما هو المذكور في الأخرى، كما تقول، زيد كاتب زيد ليس بكاتب ; فإنّ مع اختلاف الموضوع لا يلزم التناقض فانّه قد يصدق زيد كاتب وعمر ليس بكاتب .
وكذلك إذا اختلف المحمول قد يصدقان، كما تقول: زيد كاتب، زيد ليس بنجار .
والاضافة، فإنك لو قلت: زيد أب أي لعمر وزيد ليس بأب أي لخالد، كانت الاضافة مختلفة فإنّ أبوة عمر مغايرة لأبوة خالد وجاز صدقهما .
والجزء أو الكلّ، فإنّك لو قلت: الزنجي أسود، أي بعضه، ليس الزنجي بأسود أي ليس كلّ أجزائه ; كان الجزء والكلّ مختلفين فيهما وجاز صدقهما.
والقوة أو الفعل، فإنّك لو قلت: الخمر مسكر في الدن 1 أي بالقوة، الخمر ليس بمسكر في الدن أي بالفعل ; اختلفت القضيتان بالقوة والفعل وجاز صدقهما.
والزمان، فإنك لو قلت: زيد موجود أي في هذا اليوم، زيد ليس بموجود أي في الأمس ; لم يلزم التناقض لاختلاف الزمان المقتضي لاختلاف الحكم .
والمكان، فإنّك لو قلت: زيد موجود أي في الدار، زيد ليس بموجود أي في السوق ; لم يلزم التناقض لوقوع الاختلاف في الحكم لاختلاف المكان .
والشرط، فإنّك لو قلت الأبيض مفرّق للبصر أي بشرط البياض، الأبيض ليس بمفرق للبصر أي بشرط زوال البياض، لم يقع تناقض لاختلاف الحكم بسبب   2

1 . الدّنُّ: إناء عظيم يشبه الحُبَّ غير انّه اطول وقيل: هو أصغر من الحب.

صفحه 93
قال: وإلاّ لزم اختلاف الموضوع لأنّه إن اتحدّا، جاز أن يكذبا في الكلّية، مثل: كلُّ إنسان كاتبٌ ; لأنّ الحكم بعرضيٍّ خاصٌ بنوع، وَأَنْ يصدقا في الجزئية، لأنّه غير متعيّن.*
قال: فنقيضُ الكلية المثبتة، جزئية سالبة، ونقيض الجزئية المثبتة كلية سالبة.**
<--- تغاير الشرط .
امّا إذا روعيت هذه الأمور المعدودة وجعلت واحدة منهما لزم التناقض جزماً.
* أقول: إذا لم تكن القضية شخصيّة، كانت محصورة وحينئذ يلزم اختلاف الموضوع في الكلية والجزئية حتّى يكون في إحدى القضيتين كليّاً، وفي الأخرى جزئياً، حتى يقع بينهما تناقض فإنّهما لو اتحدتا في الكلّية أو الجزئية جاز كذبهما إن كانتا كليتين مثل أن تقول: كلّ إنسان كاتب بالفعل، ولا شيء من الإنسان بكاتب بالفعل، فإنّ الكتابة بالفعل لما كانت مختصة بالإنسان، لم يصدق سلبها عنه ولما كانت من الخواص القاصرة، لم يصدق ايجابها على كلّ افراده. وإذا كانتا جزئيتين جاز صدقهما كما في هذه المادة بعينها، فإنّه يصدق فيه بعض الإنسان كاتب بالفعل وبعضه ليس بكاتب، لأنّ الموضوع هاهنا غير متعين حتّى يلزم توارد السلب والإيجاب على شيء واحد .
واعلم أنّ هذا الشرط وحده غير كاف ما لم ينضم إلى ما تقدم من الشروط المذكورة في الشخصية .
** أقول: لمّا بيّنا أنّ التناقض مطلقاً إنّما يكون مع المخالفة في الكيف   2

صفحه 94
قال: وعكس كلّ قضية، تحويل مفرديها على وجه يصدق.*
<--- وبيّنا أنّه لا يكون في المحصورات الاّ مع المخالفة في الكم أيضاً، ظهر انّ نقيض الكلية المثبتة أعني الموجبة، جزئية سالبة حتّى يكون الجزئي مخالفاً للكلي وهو الإشارة إلى المخالفة في الكمّ، والسلب مخالفاً للإيجاب وهو الإشارة إلى المخالفة في الكيف وبالعكس. ونقيض الجزئية الموجبة، كلية سالبة; فنقيض قولنا: كلّ إنسان حيوان، بعض الإنسان ليس بحيوان وبالعكس، فإنّ إحدى القضيتين إذا ناقضت أُخرى، كانت الأُخرى مناقضة للأُولى ونقيض قولنا: بعض الإنسان حيوان، لا شيء من الإنسان بحيوان وبالعكس .
والمصنف لم يذكر تناقض ذوات الجهة وفي ذكره تطويل لا يليق ايراده هاهنا وقد ذكرناه في كتاب «الأسرار» على الاستقصاء.1

[ العكس المستوي ]

* أقول: لما فرغ من ذكر التناقض شرع في بيان العكس المستوي، وحدّه بأنّه: تحويل مفردي القضية على وجه يصدق، ومثال هذا أنّا إذا عكسنا قولنا: كلّ إنسان حيوان، كان قولنا: بعض الحيوان إنسان، فقد كان الإنسان موضوعاً في الأصل والحيوان محمولاً، وفي العكس جعلنا الحيوان موضوعاً والإنسان محمولاً، فقد حولنا كلّ واحد من مفردي القضية إلى مكان صاحبه .
وقد عرّف العكس بعض القدماء بأنّه: «عبارة عن جعل الموضوع محمولاً والمحمول موضوعاً»، وهذا الحد يختص بالحمليات، والذي ذكره المصنف   2

1 . يراجع: «الأسرار الخفية»: 68. وليعلم أنّ بحث الجهات في المنطق غيرُ بحث الجهات في الحكمة.

صفحه 95
قال: فعكس الكلية الموجبة، جزئية موجبة ; وعكس الكلية السالبة مثلها، وعكس الجزئية الموجبة مثلها، ولا عكس للسالبة الجزئية.*
<--- يعم الحمليات والشرطيات كما نعكس قولنا: كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، إلى قولنا: قد يكون إذا كان النهار موجوداً فالشمس طالعة، فقد جعلنا المقدم في الأصل تالياً في العكس، والتالي في الأصل مقدماً في العكس .
واعلم أنّه يشترط في العكس الموافقة في الكيف اصطلاحاً 1 ولم يذكره المصنف. وتجب أيضاً الموافقة في الصدق، لا بمعنى أنّ العكس يجب أن يكون صادقاً بل بمعنى أنّه متى صدق الأصل صدق العكس، فإنّ العكس لازم للأصل وكذب اللازم مع صدق الملزوم، محال. وهذا الشرط ذكره المصنف بقوله: على وجه يصدق، ولا يريد بالصدق هاهنا، الصدق الفعلي بل على ما فسرنا. وبعض القدماء 2 يشترطون الموافقة في الكذب أيضاً وهو خطأ فإنّ كذب الملزوم لا يوجب كذب اللازم، وأيضاً فإنّ قولنا: كلّ حيوان إنسان، كاذب، مع صدق قولنا: بعض الإنسان حيوان.
* أقول: الكلية لا تخلو إمّا أن تكون موجبة أو سالبة، والجزئية لا تخلو   2

1 . وقال الشارح (قدس سره)في «الأسرار» :
«واشتراطُ حفظ الكيف حصل بالاصطلاح وأما الصدق فواجب...». لاحظ: «الأسرار الخفية»: 81 .
وقال شارح الشمسية: «وأنمّا وقع الاصطلاح عليه لأنهم تتبعوا القضايا فلم يجدوها في الأكثر بعد التبديل صادقة لازمة إلاّ موافقة لها في الكيف».
2 . هو أثير الدين المفضل بن عمر الأبهري (المتوفّى 663 هـ) في كتابه «ايساغوجي»، على ما قيل.

صفحه 96
<--- أيضاً من إحديهما، فهذه أربعة أنواع على ما مرّ :
فالموجبة الكلّية تنعكس كنفسها في الكيف دون الكمّ فعكسها إذن موجب جزئي، أمّا المتابعة في الكيف فلما ذكرناه أوّلاً، وأمّا عدم متابعتها في الكمّ فلأنّه يصدق كلّ إنسان حيوان ولا يصدق كلّ حيوان إنسان، وحاصله: أنّ المحمول قد يكون أعمّ من الموضوع ويستحيل حمل الخاص على كلّ أفراد العام بل ينعكس جزئية، مثلاً: لو لم يصدق بعض ج ب في عكس قولنا كلّ ب ج، لصدق نقيضه وهو لا شيء من ج ب ونجعله كبرى، والأصل صغرى، هكذا: كلّ ب ج و لا شيء من ج ب ينتج لا شيء من ب ب، وهو محال.
والسالبة الكلية تنعكس كنفسها في الكمّ والكيف، لأنّه إذا صدق لا شيء من ج ب، صدق لاشيء من ب ج، وإلاّ لصدق بعض ب ج ونجعله صغرى فنقول: بعض ب ج ولا شيء من ج ب للأصل، ينتج بعض ب ليس ب، هذا خلف .
وأمّا الموجبة الجزئية فتنعكس كنفسها في الكمّ والكيف، لانّه إذا صدق بعض ج ب، يصدق بعض ب ج وإلاّ فلا شيء من ب ج فنجعله كبرى للأصل ونقول: بعض ج ب و لا شيء من ب ج و ينتج بعض ج ليس ج، هذا خلف .
وأمّا السالبة الجزئية فلا تنعكس لأنّه يصدق: ليس كلّ حيوان انساناً، وإلاّ لصدق ليس كلّ إنسان بحيوان.
والشرطيات المتصلة على هذا المنهاج، فإنّه إذا صدق كلّما كان 1 ـ أو قد يكون ـ إذا كان أب فـ : ج د، صدق قد يكون إذا كان ج د فـ : أ ب، و إلاّلصدق نقيضه وهو: ليس البتة إذا كان ج د فـ : أ ب فنجعله كبرى للصغرى، وينتج ليس البتة   2

1 . في نسخة «ب»: أو .

صفحه 97
قال: وإذا عُكِست الموجبةُ الكليةُ بنقيضِ مفرديها، صدقت ; ومِنْ ثَمَّ انعكست السالبة سالبة جزئية.*
<--- ـ أو قد لا يكون ـ إذا كان أ ب فـ : أ ب وهو محال، وكذلك إذا صدق ليس البتة إذا كان أ ب فـ : ج د، صدق ليس البتة إذا كان ج د فـ : أ ب وإلاّ فقد يكون إذا كان ج د فـ : أ ب وينتج مع الأصل: قد لا يكون إذا كان ج د، فـ : ج د، وهو محال .
والسالبة الجزئية لا تنعكس لانّه يصدق قد لا يكون إذا كان هذا حيواناً فهو إنسان، ولا يصدق قد لا يكون إذا كان هذا إنساناً فهو حيوان .
وأعلم أنّ هذا الحكم ليس على إطلاقه بل في موجهات معيّنة في ذكرها طول، فليطلب من كتاب «الأسرار».1

[ عكس النقيض ]

* أقول: هذا نوع من العكس يقال له عكس النقيض، وهو عبارة عن جعل نقيض المحكوم عليه محكوماً به، ونقيض المحكوم به محكوماً عليه مع الموافقة في الكيف والصدق .
ولنمتحن هذا في المحصورات الأربع فنقول:
الموجبة الكلية إذا عُكست بنقيض مفرديها صدقت، مثلاً: إذا صدق كل ج ب، صدق كلّما ليس ب ليس ج، وإلاّ صدق: ليس بعض ما ليس ب، ليس ج وهو يستلزم بعض ما ليس ب ج وينعكس إلى قولنا: بعض ج ليس ب، وكان كل    2

1 . ولعل مراده ما أشار إليه بقوله:
«ولابد من ان نذكر هنا بعض المذاهب المخالفة لما أصّلناه، ونبيِّن خطأها ونذكر شكوكاً وحلاً لها». راجع «الأسرار الخفية»: 84 .

صفحه 98
قال: وللمقدمتين، باعتبار الوسط، أربعة أشكال :
فالأوّل: محمول لموضوع النتيجة، موضوع لمحمولها .
الثاني: محمول لهما .
الثالث: موضوع لهما .
الرابع: عكس الأوّل.*
<--- ج ب، هذا خلف .
والموجبة الجزئية لا تنعكس لأنّه يصدق: بعض الحيوان غير إنسان، ولا يصدق بعض الإنسان غير حيوان .
والسالبة الكلية والسالبة الجزئية تنعكسان سالبة جزئية لأنّه إذا صدق: لا شيء من ج ب، أو ليس بعض ج ب، صدق: ليس بعض ما ليس ب ليس ج، وإلاّ لصدق: كلّ ما ليس ب ليس ج، وتنعكس هذه الموجبة الكلية بنقيض مفرديها هذا العكس إلى قولنا: كلّ ج ب و هو يضاد الكلي ويناقض الجزئي، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: ومن ثَمَّ انعكست السالبة سالبة، فإنّا إنما بيّنا عكس السالبتين بأن عكسنا قولنا: كلّ ما ليس ب ليس ج وهو موجبة كلية إلى قولنا: كلّ ج ب .
وكذلك البحث في عكس نقائض المتصلات.

[ الأشكال القياس ]

* أقول: الحدّ الأوسط ـ وهو المتكرر في المقدمتين باعتبار وضعه عند الحدّين الآخرين ـ يكون على ثلاثة أقسام لا غير:   2

صفحه 99
قال: فاذا رُكِّب كلُّ شكل باعتبار الكلية والجزئية والموجبة والسالبة، كانت مقدراته ستة عشر ضرباً، الأوّل أبيّنها، لذلك يتوقف غيره على رجوعه إليه وينتج المطالب الأربعة1.*
<--- الأوّل: أن يكون موضوعاً في إحدى المقدمتين محمولاً في الأخرى.
الثاني: أن يكون محمولاً فيهما.
الثالث: أن يكون موضوعاً فيهما .
الأوّل ينقسم إلى قسمين لأنّه أمّا أن يكون محمولاً في الصغرى وموضوعاً في الكبرى أو بالعكس، فهذه أربعة أقسام سمَّوا كل قسم منها شكلاً:
فالأوّل: هو الذي يكون الأوسط فيه محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى .
والثاني: هو الّذي يكون الأوسط فيه محمولاً في المقدمتين .
والثالث: هو الّذي يكون الأوسط فيه موضوعاً في المقدمتين .
والرابع: هو الذي يكون الأوسط فيه موضوعاً في الصغرى محمولاً في الكبرى وهو عكس الأوّل.
* أقول: كلّ شكل يشتمل على مقدمتين: إحداهما صغرى والأُخرى   2

1 . يريد بالمطالب الأربعة، نتائج الضروب الأربعة من موجبة كلية وموجبة جزئية وسالبة كلية وسالبة جزئية.
ولابد من التنبيه هنا على أنّ المطالب جمع مطلب، وهي تطلق على الأدوات الّتي يطلب بها المجهول التصوري أو التصديقي مثل «ما» و «هل» ; وأمّا المطلوب وهو نتيجة القياس قبل تحصيلها، يجمع على مطاليب، وعليه يكون تعبير المتن من سهو الناسخ أو من هفوة القلم.

صفحه 100
<--- كبرى، والصغرى لا تخلو عن أربعة أقسام: أمّا أن تكون موجبة كلية أو سالبة كلية أو موجبة جزئية أو سالبة جزئية.
وعلى هذه التقادير الأربعة فالكبرى أحدها،1 ومضروب الأربعة في نفسها ستة عشر فكل شكل من الأشكال الأربعة إذا ركب مقدمتاه، حدث له باعتبار الكم والكيف ستة عشر ضرباً، لكنها ليست كلها منتجة بل بعضها عقيم لوجوب اشتراط مايشترط في كلّ شكل منها على ما يأتي .
وقدم الشكل الأول على باقي الأشكال لكونه أوضحها، فانّ الشكل الثاني إنّما يتبين بالردّ إليه بأن نعكس كبراه، والثالث بعكس صغراه، والرابع بعكس مقدمتيه معاً.
ولمّا كان الثاني موافقاً للأول في أشرف مقدمتيه أعني الصغرى لكونها موجبة، ومخالفاً له في الكبرى، كان تالياً للاول ثم يتلوه الثالث لموافقته إيّاه في الكبرى، وتأخر الرابع لبعده عنه في المقدمتين معاً.
والشكل الأوّل ينتج المحصورات الأربع أعني: الموجبتين والسالبتين على ما يأتي، فله 2 هذه الخصوصية أيضاً.
شرط انتاج الشكل الثاني   

1 . للشارح (قدس سره)في هذا المجال عبارة أوضح أوردها في «الجوهر النضيد»: 102، فراجع.
2 . في نسخة «ب»: علة.

صفحه 101
قال: وشرط نتاجه إيجاب الصغرى أو حكمه ليتوافق الوسط، وكلّية الكبرى ليندرج فينتج، فتبقى أربعة: موجبة كلية أو جزئية وكلية موجبة أو سالبة. الأوّل: كلّ وضوء عبادة وكلّ عبادة بنيّة، الثاني: كلّ وضوء عبادة وكلّ عبادة لا تصح بدون النية، الثالث: بعض الوضوء عبادة وكلّ عبادة بنيّة، الرابع: بعض الوضوء عبادة وكلّ عبادة لا تصح بدون النية.*
* أقول: هذان الشرطان هما شرطا الإنتاج في الأوّل بحسب الكمّ والكيف:
الشرط الأوّل: إيجاب الصغرى أو حكمه يعني السالبة المركبة التي تنقلب من السلب إلى الإيجاب كالوجوديات والممكنات الخاصة السوالب ـ إن قلنا بجواز كون الصغرى ممكنة ـ فإنّ مثل هذه السوالب يلزم منها الإيجاب ; وإنّما اشترطنا إيجاب الصغرى أوحكمه لحصول الاختلاف في السوالب البسيطة الموجب لعقم القرينة كما نقول: لا شيء من الإنسان بفرس وكلّ فرس صاهل; والحق السلب وهو لا شيء من الإنسان بصاهل، ولو قلنا في الكبرى: وكلّ فرس حيوان لكان الحقّ الايجاب وهو كلّ إنسان حيوان، وكذلك لو أضفنا إلى السالبة الصغرى كبرى سالبة فإنّا نقول (والصغرى بحالها): ولا شيء من الفرس بحجر والحق السلب، ونقول: ولا شيء من الفرس بناطق والحق الإيجاب .
وإذا حصل الاختلاف في الإيجاب والسلب لم تتعين إحداهما للإنتاج فلا تحصل النتيجة، فإنّ القياس إنّما يراد به تعيين أحد الطرفين، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: ليتوافق الوسط، يعني به: ليتوافق الوسط مع الأصغر، فإنّ الإنسان والفرس غير متوافقين فلا يتعدى الحكم الّذي على الأوسط إلى الأصغر، أمّا   2

صفحه 102
<--- مع وجود الإيجاب فإنّ ذات الأوسط تكون هي ذات الصغر فالحكم على الأوسط يكون حكماً على الأصغر.
الشرط الثاني: كلية الكبرى ليندرج الأصغر تحت الأوسط فيكون الحكم على الأوسط حكماً على الأصغر، ومع الجزئية لا يلزم هذا فيحصل الاختلاف كما نقول: كلّ إنسان حيوان وبعض الحيوان ناطق، والحقّ كلّ إنسان ناطق; ولو قلنا في الكبرى: وبعض الحيوان فرس، كان الحق السلب والسبب فيه عدم الاندراج، فإنّ الحكم على بعض الحيوان بالفرسية، ليس هو الصادق على الإنسان فلا يتعدى الحكم .
ومع حصول هذين الشرطين، يسقط من الستة عشر، اثنا عشر، ويبقى المنتج أربعة ; فإنّ بإيجاب الصغرى تسقط السالبتان مع المحصورات الاربع وذلك ثمانية أضرب، وكلية الكبرى تسقط أربعة أخرى هي الجزئيتان مع الموجبتين، فبقيت المنتجة أربعة:
الأوّل: من موجبتين كليتين، ينتج: موجبة كلية، كقولنا: كلّ وضوء عبادة وكلّ عبادة بنيّة، ينتج: كلّ وضوء بنيّة.
الثاني: من كليتين والكبرى سالبة، ينتج: سالبة كلية، كقولنا: كلّ وضوء عبادة وكلّ عبادة لا تصحّ بدون النيّة، ينتج: كلّ وضوء لا يصحّ بدون النيّة.
الثالث: من موجبتين والصغرى جزئية، ينتج: موجبة جزئية، كقولنا: بعض الوضوء عبادة وكلّ عبادة بنيّة، ينتج: بعض الوضوء بنيّة.
الرابع: من موجبة جزئية صغرى وسالبة كلية كبرى، ينتج: سالبة   2

صفحه 103
قال: الشكل الثاني، شرط إنتاجه، إختلاف مقدمتيه في الإيجاب والسلب وكليّة كبراه; تبقى أربعة، ولا ينتج إلاّ سالبة. أمّا الأوّل، فلوجوب عكس إحداهما وجعلها الكبرى، فموجبتان باطل وسالبتان لا تتلاقيان.*
<--- جزئية، كقولنا: بعض الوضوء عبادة وكلّ عبادة لا تصحّ بدون النيّة، ينتج: بعض الوضوء لا يصح بدون النيّة ; وحينئذ ظهر أنّ هذا الشكل ينتج المحصورات الأربع.
* أقول: الشرط في الشكل الثاني ـ وهو الذي يكون الأوسط محمولاً فيهما ـ أمران:
أحدهما: إختلاف مقدمتيه في الكيف، حتى تكون إحداهما موجبة والأُخرى سالبة.
والشرط الثاني: كليّة الكبرى .
ومع اعتبار هذين الشرطين يسقط من الستة عشر، إثنا عشر ضرباً لأنّ باعتبار الشرط الأوّل يسقط الموجبتان الكليتان، والجزئيتان، والموجبة الجزئية الصغرى مع الكلية الكبرى وبالعكس، والسالبتان الكليتان، والجزئيتان، والسالبة الجزئية الصغرى مع السالبة الكلية الكبرى، وبالعكس، صار ثمانية.
وباعتبار الشرط 1 الثاني يسقط أربعة أخرى هي الموجبة الجزئية الكبرى مع السالبتين، والسالبة الجزئية الكبرى مع الموجبتين; تبقى أربعة أضرب، وينتج سالبة إمّا جزئية أو كلية; ولا ينتج الإيجاب على ما يأتي .2   2

1 . في نسخة «ب»: لا توجد كلمة «الشرط».
2 . باعتبار أنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدمتين كمّاً وكيفاً.

صفحه 104
<--- ثمّ إنّ المصنف لمّا ذكر الشرطين، شرع في بيان اشتراطهما ببيان غير واضح، وأنا أوضح ما ذكرَ ثمَّ اذكرُ وجه نقصانه ثمّ أُبين الحقَ في ذلك فأقول: إنّما اشترط الشرط الأوّل ـ وهو الإختلاف ـ ، لأنّ الشكل الثاني إنّما يبينُ إنتاجُه بواسطة ردِّه إلى الشكل الأوّل لكونه هو البيِّن بذاته، وغيره إنّما يبينُ بواسطته وذلك إنّما يكون بعكس إحدى مقدمتيه، أمّا الكبرى كما في الضرب الأوّل وأمّا الصغرى، ثمّ جعلها كبرى ثمّ عكس النتيجة كما في الضرب الثاني، وعلى تقدير الاتفاق في الكيف، لا يخلو امّا أن تكون المقدمتان معاً موجبتين، أو تكونا سالبتين، فإن كانتا موجبتين فإن عكست الكبرى حتى ارتدت إلى الأوّل من غير واسطة، إن كانت جزئية وهي لا تصلح كبرى للأوّل، وإن عكست الصغرى وجعلتها كبرى لزم أيضاً المحذور المذكور ; وإن كانتا سالبتين فإن عكست الكبرى أو الصغرى وجعلتها كبرى حتى رجع القياس إلى الأوّل، لم يحصل شرط الانتاج ـ وهو الملاقاة بين الأوسط والأصغر ـ فلا يتعدى الحكم على ما مرّ في الشكلّ الأوّل .
وأمّا وجه نقصانه فهو إنّ هذا الشكل ليس انتاجه لرجوعه إلى الأوّل دائماً لرفع الاكتفاء بالأوّل عنه، بل أحد وجوه بيان إنتاجه عندنا هو الرجوع إلى الأول، ولا يلزم من عدم بيان الانتاج، عدم الانتاج .
وأيضاً هاهنا وجوه أُخر من البيانات لانتاج هذا الشكل غير الرجوع إلى الأوّل كالخُلف والإفتراض، اللهم إلاّ أن يجعل الرجوع إلى الأوّل، شرطاً في انتاج هذا الشكل في نفس الأمر، فحينئذ يتم كلامه، لكن هذه الدعوى في غاية المنع وكيف يُصنع بالضرب الرابع من هذا الشكل؟! فإنّ انتاجه إنّما يبين بالخلف أو    2

صفحه 105
قال: وإمّا كلية الكبرى، فلأنّها إن كانت التي تنعكس، فواضح، وإن عكست الصغرى فلابدّ أن تكون سالبة لتتلاقيا، ويجب عكس النتيجة ولا تنعكس لأنّها تكون جزئية سالبة.*
<--- بالافتراض، ولا يتم بالردّ إلى الأوّل على ما سيأتي .
وأمّا بيان ما هو الحقّ في ذلك، فأعلم أنّ هذا الشرط ـ وهو الاختلاف كيفاً ـ لابدّ منه لأنّ المتباينين والمتوافقين يشتركان في إيجاب أشياء لهما1 وسلب أُخر عنهما، ولا يقتضي ذلك صدق أحد المتباينين على الآخر ولا سلب أحد المتوافقين عن صاحبه كما نقول: لا شيء من الإنسان بحجر ولا شيء من الفرس بحجر، مع أنّ الحقّ السلب ; ولو قلنا في الكبرى: ولا شيء من الناطق بحجر، كان الحقّ الإيجاب ونقول: كلّ إنسان حيوان وكلّ فرس حيوان، مع أنّ الحقّ السلب، ولو قلنا في الكبرى: وكلّ ناطق حيوان، كان الحقّ الإيجاب.
* أقول: لما ذكر الدليل على اشتراط الأمر الأول، شرع في بيان اشتراط الأمر الثاني ببيان غير واضح أيضاً، ونحن نقرر ما قال أوّلاً فنقول: قد ذكرنا أنّ هذا الشكل إنّما يظهر بيان انتاجه بالرد إلى الأوّل، وذلك إنّما يكون بعكس الكبرى أو بعكس الصغرى وجعلها كبرى ثمّ عكس النتيجة، وذلك إنّما يتم إذا كانت الكبرى كليّة، لأنّ العكس :
إن كان الكبرى، فواضح وجوب كونها كلية حينئذ، لأنّ القياس يصير   2

1 . في نسخة «الف»: أسبابهما.

صفحه 106
<--- من الأوّل ونحن قد اشترطنا في الأوّل كلية كبراه .
وإن كان الصغرى فيجب ان تكون سالبة ليحصل الالتقاء، لأنّها: إن كانت موجبة انعكست جزئية وجعلت كبرى والكبرى صغرى، فتكون الكبرى في الأوّل جزئية وهو محال ; وإذا كانت سالبة كلية فإذا عكست وجعلت كبرى ثمّ جعلت الكبرى جزئية صغرى، كانت النتيجة سالبة جزئية والسالبة الجزئية لا تنعكس فلا يصدق الانتاج .
والإيراد الذي ذكرناه على بيانه الأول عائد بعينه هاهنا، والحقّ أنْ نقول: لو كانت الكبرى جزئية حصل الاختلاف الموجب للعقم، فإنّا نقول: كلّ إنسان حيوان وليس كلّ جسم بحيوان، والحق الايجاب ; ولو قلنا في الكبرى: وليس كل حجر بحيوان، كان الحق السلب ; وكذلك نقول: لا شيء من الإنسان بحجر وبعض الجسم حجر، والحقّ الايجاب، ولو قلنا في الكبرى: وبعض الجماد حجر، كان الحق السلب ; ومع حصول الاختلاف لم يبق تيّقن بكيفية النتيجة 1 ، فلا إنتاج.
 
الضروب المنتجة   

1 . في نسخة «ب»: الصحة.

صفحه 107
قال:
الأوّل: كليتان، والكبرى سالبة: الغائب مجهول الصفة، وما يصحّ بيعه ليس بمجهول الصفة ; ويُبيَّن بعكس الكبرى.
الثاني: كليتان، والكبرى موجبة: الغائب ليس معلوم الصفة، وما يصحّ بيعه معلوم، ولازمه كالأوّل ويُبيَّن بعكس الصغرى، وجعلها الكبرى بعكس النتيجة 1.
الثالث: جزئية موجبة، وكلية سالبة: بعض الغائب مجهول، وما يصحّ بيعه ليس بمجهول ; ولازمه: بعض الغائب لا يصحّ بيعه، ويُبيَّن بعكس الكبرى .
الرابع: جزئية سالبة وكلية موجبة: بعض الغائب ليس بمعلوم، وما يصحّ بيعه معلوم ; ويُبيّن بعكس الكبرى بنقيض مفرديها.*
* أقول: إذا عكست الكبرى في الضرب الأوّل، صار القياس من الشكل الأوّل هكذا: الغائب مجهول الصفة، ولا شيء ممّا هو مجهول الصفة يصحّ بيعه، فلا شيء من الغائب يصح بيعه وهو المطلوب.
وإذا عكست الصغرى في الضرب الثاني ثمّ جُعلت كبرى، كان القياس أيضاً من الأوّل هكذا : ما يصح بيعه معلوم الصفة، ولا شيء ممّا هو معلوم الصفة بغائب، ينتج لا شيء ممّا يصحّ بيعه بغائب; ثمّ نعكس هذه النتيجة إلى قولنا: لا شيء   2

1 . في نسخة «ب»: وعكس النتيجة.

صفحه 108
قال: ويبيّن فيه أيضاً وفي جميع ضروبه بالخُلف، فنأخذ نقيض النتيجة وهو: كلّ غائب يصحّ بيعه، فنجعله الصغرى فينتج نقيض الصغرى الصادقة، ولا خلل إلاّ من نقيض المطلوب، فالمطلوب صَدَقَ.*
<--- من الغائب يصحّ بيعه، وهو اللازم من الضرب الأوّل.
والضرب الثالث يبيّن بما تبيّن به الضرب الأوّل وهو عكس كبراه.
وأمّا الضرب الرابع فقد التجأ فيه إلى العكس أيضاً لكن بعكس النقيض لا بعكس المستوي، فإنّ كبرى الضرب الرابع إذا عكست بعكس النقيض صارت هكذا: كل ما ليس بمعلوم لا يصحّ بيعه، فإذا ضممناه إلى الصغرى، صار القياس من الأول هكذا: بعض الغائب ليس بمعلوم، وكل ما ليس بمعلوم لا يصحّ بيعه، فبعض الغائب لا يصح بيعه وهو المطلوب. وإلى عكس النقيض أشار المصنف بقوله: بنقيض مفرديها.
الشكل الثالث وشرط انتاجه   
* أقول: هذا هوالطريق العام في بيان نتائج الأشكال الثلاثة الأخيرة وهوالمسمى بـ «قياس الخلف»، وذلك بأن نأخذ نقيض المطلوب ونضمه إلى إحدى المقدمتين لينتج ما يناقض الأُخرى أو يضادّها، مثاله: لو لم تصدق نتيجة الضرب الرابع ـ وهي قولنا: بعض الغائب لا يصح بيعه ـ مع صدق المقدمتين، لصدق نقيضها وهي قولنا: كلّ الغائب يصحّ بيعه، فنجعله صغرى وكبرى القياس، كبرى ; هكذا: كلّ الغائب يصحّ بيعه، وكلّ ما يصحّ بيعه معلوم، ينتج: كلّ الغائب معلوم، وهو يناقض صغرى القياس وهي قولنا: بعض الغائب ليس بمعلوم، وهذا خلف محال لم يلزم من الكبرى، لأنّها مفروضة الصدق ولا من القياس، لأنّه منتج لذاته ليس فيه   2

صفحه 109
قال: الشكل الثالث: شرطه، ايجاب الصغرى، أو في حكمه، وكلية إحداهما تبقى ستة، ولا ينتج إلاّ جزئية.
أمّا الأوّل فلأنّه لابدّ من عكس إحداهما وجعلها الصغرى، فإن قدَّرت الصغرى سالبة وعكستها، لم تتلاقيا، وإن كان العكس في الكبرى وهي سالبة، لم تتلاقيا مطلقاً، وإن كانت موجبة، فلابد من عكس النتيجة، ولا تنعكس.*
<--- خلل صوري، فهو إذن لازم من الصغرى الّتي هي نقيض المطلوب، فنقيض المطلوب محال لاستلزامه المحال، فالمطلوب حقّ لاستحالة خروج الصدق عن النقيضين.
وقوله: ويبيّن فيه، الضمير في «فيه»، يعود إلى الضرب الرابع; وفي قوله: وفي جميع ضروبه، إلى الشكل الثاني.
* أقول: الشرط في انتاج هذا الشكل أمران :
الأوّل: إيجاب الصغرى أو حكمه، بمعنى أنّها تكون سالبة مركبة يلزمها الإيجاب .
والثاني: كلية إحداهما، أمّا الصغرى أو الكبرى .
ومع هذين الشرطين يبقى الناتج ستة: الموجبة الكلية الصغرى مع المحصورات الأربع، والموجبة الجزئية الصغرى مع الكليتين.
أمّا بيان اشتراط الأمر الأوّل، فلأنّ هذا الشكل إنّما يُبيَّن إنتاجه بواسطة   2

صفحه 110
قال: وأمّا كليّة احداهما فلتكن هي الكبرى آخراً بنفسها أو بعكسها.*
<--- ردّه إلى الأوّل، بعكس الصغرى أو بعكس الكبرى ثمّ جَعْلها صغرى وعكس النتيجة، وعلى هذا التقدير يجب إيجاب الصغرى لأنّها لو كانت سالبة ثمّ عكستها، صارت القرينة من الشكل الأوّل والصغرى فيه سالبة، وقد بيّنا فيما مضى أنّ مثل هذه القرينة لا تنتج لعدم التلاقي بين الأوسط والأصغر، وإن كان العكس الكبرى فلا يخلو إمّا أن تكون سالبة أو موجبة، فإن كانت سالبة، لم تحصل الملاقاة مطلقاً أي مع العكس وبدونه، فإنّ [ ضرب ]السالبتين عقيم ; وإن كانت موجبة وعكستها، صارت جزئية فإذا جُعلت صغرى، صارت القرينة 1 من الأوّل وانتجت جزئية سالبة وهي لا تنعكس.
وأعلم أنّ الذي أوردناه فيما مضى، آت هاهنا; والحقّ أنْ نقول: لو كانت سالبة لم تحصل الملاقاة، أمّا مع سلب الكبرى فلصدق قولنا: لا شيء من الإنسان بفرس ولا شيء من الإنسان بصاهل، والحق الإيجاب، ولو قلنا في الكبرى: ولا شيء من الإنسان بحجر، كان الحق السلب، وأمّا مع إيجابها فلصدق قولنا: لا شيء من الإنسان بفرس، وكلّ إنسان حيوان ; والحقّ الإيجاب، ولو قلنا في الكبرى: وكلّ إنسان ناطق، كان الحقّ السلب.
* أقول: هذا بيان اشتراط الأمر الثاني، وتقريره: إنّ الشكل الأوّل ـ   2

1 . المراد بـ «القرينة» هنا هو «الضرب» في الأشكال الأربعة، ويطلقون على تأليف المقدمتين اقتراناً.

صفحه 111
قال: وأمّا إنتاجه جزئية، فلانّ الصغرى عكس موجبة أبداً، أو في حكمها.*
<--- قد ذكرنا ـ أنّ من شرطه، كلية كبراه، وهذا الشكل يرجع إليه بعكس
إحدى مقدمتيه فلابدّ من كلية إحداهما لتكون هي الكبرى آخر الأمر ـ يعني بعد العكس ـ أمّا بنفسها كما في الضروب التي كبرياتها كلية، أو بعكسها كما في الضروب التي تكون كبرياتها جزئية فإنّها تبيّن بعكس الكبرى وجعلها صغرى، ثمّ عكس النتيجة، فكلية الكبرى الآن هاهنا إنّما حصلت بعد عكس الكبرى التي هي جزء من القياس .
والحقّ أنّ هذا تطويل ردئٌ والأوّلى أنْ نقول: لو كانتا جزئيتين، لم تحصل الملاقاة لاحتمال جنسية الأوسط للأصغر والأكبر، كما نقول: بعض الحيوان إنسان وبعضه فرس، مع إمتناع الإيجاب، ولو قلنا في الكبرى: وبعضه ناطق، كان الحق الإيجاب.
* أقول: هذا الّذي ذكره في تعليل جزئية النتيجة، يشبه ما ذكره أوّلاً في اشتراط ما ذكر في الإنتاج، وتقرير قوله أن نقول: النتيجة إنّما وجب كونها جزئية، لأنّ هذا الشكل يرجع إلى الأوّل، بعكس صغراه الموجبة أو السالبة المركبة، وهي إنّما تنعكس جزئية فيصير الاقتران من الشكل الأوّل من صغرى جزئية وكبرى، وهو ينتج الجزئي; وهذا فيه نظر .
والحقّ أن يقول: قد يحتمل أن يكون الأوسط نوعاً لأحد الطرفين ويكون الآخر فصلاً له، فيكذب حمل الفصل على كلّ أفراد الجنس، مثاله: كلّ إنسان   2

صفحه 112
<--- حيوان وكلّ إنسان ناطق، ويُحتمل أن يكون الاوسط والأكبر نوعين للأصغر، فيمتنع سلب الأكبر عن كلّ أفراد الأصغر، مثاله: كلّ إنسان حيوان، ولا شيء من الإنسان بفرس ; وإذا لم ينتج هذان الضربان الكلية، لم تنتجها البواقي لأنّ هذين الضربين أخصّ البواقي 1 أو لأنّا نذكر هذين المثالين جزء المقدمات. 2

1 . لأن الضرب الأوّل هو أخصّ الضروب المنتجة للإيجاب، والضرب الثاني أخصّ الضروب المنتجة للسلب، وإذا كان الأخص عقيماً، يكون الأعم عقيماً بالأولى. يراجع «شرح المطالع»: 255 .
2 . لعل المراد هو انّه: لو لم نقل بجزئية النتيجة في الضروب الستة من الشكل الثالث، يحتمل فيها أمّا كذب حمل الفصل على كل أفراد الجنس وذلك فيما إذا كان الأوسط نوعاً لأحد الطرفين والآخر فصلاً له، وأما امتناع سلب الأكبر عن كل أفراد الأصغر، كما تبيّن في المثالين.

صفحه 113
قال :
الأوّل: كلتاهما كلّية موجبة : كل بُر مقتات وكل بُر ربوي، فينتج:
بعض المقتات ربوي، ويبيّن بعكس الصغرى .
الثاني: جزئية موجبة وكلية موجبة: بعض البُر مقتات وكل بُر ربوي، فينتج مثله، ويبيّن كالأول .
الثالث: كلية موجبة وجزئية موجبة: كل بُر مقتات وبعض البر ربوي، فينتج مثله، ويبيّن بعكس الكبرى وجعلها الصغرى وعكس النتيجة .
الرابع: كلية موجبة وكلية سالبة: كل بر مقتات وكل بُر لا يباع بجنسه متفاضلاً، فينتج: بعض المقتات لا يباع، ويبيّن بعكس الصغرى.
الخامس: جزئية موجبة وكلية سالبة: بعض البر مقتات وكل بُر لا يباع بجنسه متفاضلاً، فينتج ويبيّن مثله .
السادس: كلية موجبة وجزئية سالبة: كل بر مقتات وبعض البُر لا يباع [ بجنسه ] فينتج مثله ويبيّن بعكس الكبرى على حكم الموجبة وجعلها الصغرى وعكس النتيجة.*
* أقول: إذا عكست الصغرى في الضرب الأوّل، صارت هكذا:
بعض المقتات بُر، فإذا ضم إلى الكبرى، صارت القرينة من الأوّل وأنتجت ما ذُكر، وكذلك الضرب الثاني، والضرب الثالث إذا عُكست كبراه صارت: بعض الربوي بُر، فإذا جُعلت صغرى للصغرى، صار القياس هكذا: بعض الربوي بُر   2

صفحه 114
قال: ويبين مع جميعه بالخلف أيضاً، فيأخذ نقيض النتيجة كما تقدم، إلاّ أنّك تجعله الكبرى.*
<--- وكل بُر مقتات وأنتج من الأوّل: بعض الربوي مقتات ثمّ نعكس النتيجة إلى قولنا: بعض المقتات ربوي، والضرب السادس 1 بيّنه المصنف بعكس كبراه على حكم الموجبة وذلك بأن يردَّ هذه السالبة إلى الموجبة المعدولة المحمول فنقول: بعض البُر هو لا يباع بجنسه، ثم نعكس هذه الموجبة إلى قولنا: بعض ما لا يباع بجنسه بُر، ونضمه إلى الكبرى لينتج: بعض ما لا يباع بجنسه مقتات، ثم نعكس هذا إلى قولنا: بعض المقتات لا يباع بجنسه، وفي هذا البيان نظر.
* أقول: الضمير في قوله: ويبين، عائد إلى هذا الضرب الأخير، وفي قوله: جميعه، عائد إلى الشكل الثالث، وقوله: كما تقدم، حوالة على ما ذكر في الشكل الثاني ; ثمّ فرق بينهما بأنّ النقيض يجعل هاهنا كبرى، وفي الشكل الثاني جعلناه صغرى; وبيان الخلف في الضرب الأخير أن نقول: لو لم يصدق بعض المقتات لا يباع، صدق نقيضه وهو كل مقتات يباع ; فنجعله كبرى، وصغرى القياس صغرى، هكذا: كل بُر مقتات وكل مقتات يباع، ينتج: كلّ بُر يباع، وهو يناقض الكبرى، وكذلك يجري هذا البيان في جميع ضروب هذا الشكل، وهو بيان عام.
الشكل الرابع   

1 . يلاحظ أنّه في النسختين لم يشر إلى الضربين الرابع والخامس، وقد أُشير إليهما في شرح آخر. أنظر: رفع الحاجب: 1 / 331 .

صفحه 115
قال: الشكل الرابع، وليس تقديماً وتأخيراً للأوّل، لأنّ هذا نتيجته عكسه، والجزئية السالبة ساقطة لأنّها لا تنعكس، وإنْ بقيتا وقلبتا، فإن كانت الثانية لم يتلاقيا وإن كانت الأولى لم تصلح للكبرى، وإذا كانت الصغرى موجبة كلية، فالكبرى على السلب 1، وإن كانت سالبة كلية فالكبرى موجبة كلية، لأنها إن كانت جزئية وبقيت، وجب جعلها الصغرى وعكس النتيجة ; وإن عكست وبقيت، لم تصلح للكبرى ; وإن كانت سالبة كلية، لم يتلاقيا بوجه ; فإن كانت موجبة جزئية، فالكبرى سالبة كلية لأنّها إن كانت موجبة كلية وفَعَلْتَ الأوّل، لم تصلح للكبرى وإن فَعَلْتَ الثاني، صارت الكبرى جزئية، وإن كانت جزئية موجبة فأبعد، فينتج منه خمسة.*
* أقول: قد يتوهم أنّ الشكل الرابع، هو الشكل الأوّل لكن قد غير ترتيب المقدمتين فيه ; فالمصنف أزال هذا الوهم لأنّ نتيجة هذا الشكل، عكس نتيجة الشكل الأول، والمنتج للعكس غير المنتج للأصل .
وأعلم انّ السالبة الجزئية لا يجوز استعمالها في هذا الشكل كما في الأوّل، ونحن نقرر ما ذكره المصنف فنقول: هذا الشكل يرجع إلى الأوّل إمّا بتغيير الترتيب وعكس النتيجة، وإمّا بعكس المقدمتين ; ويرجع إلى الثاني بعكس الصغرى، وإلى الثالث بعكس الكبرى; فالسالبة الجزئية أمّا أن تكون صغرى أو كبرى: فإن «كانت صغرى» لم يمكن بيان النتيجة بالردّ إلى الأوّل، لأنّ البيان إمّا بالعكس   2

1 . كذا في النسختين وفي غيرهما: الثلاث. انظر: رفع الحاجب: 1 / 335 .

صفحه 116
<--- للمقدمتين وهذه لا تنعكس، وإمّا بالقلب فتكون كبرى الأوّل سالبة جزئية وهو عقيم; ولا بالثاني، لأنّها لا تنعكس ; ولا بالثالث، لأنّ الكبرى إن كانت سالبة لم تحصل الملاقاة فإنّه يصدق: ليس كلّ إنسان بفرس، ولا شيء من الصاهل بإنسان، فيجب أن تكون موجبة وهي تنعكس جزئية ولا قياس عن جزئيتين.
وإن «كانت كبرى» لم يمكن بيانها: بالرد إلى الأول، لأنّ صُغرى الأول يجب ان تكون موجبة وكبراه كلية فلا يمكن بيانه بالطريقين ; ولا بالرد إلى الثاني، لأنّ كبرى الثاني يجب أن تكون كلية ; ولا بالثالث، لأنّها لا تنعكس .
وقول المصنّف: لأنّها لا تنعكس، إشارة إلى أنّه لا يمكن بيان النتيجة بالرد إلى الأول بواسطة عكس المقدمتين، ولا بالرد إلى الثاني إن كانت صغرى، ولا إلى الثالث إن كانت كبرى .
وقوله: وإن بقيتا وقلبتا فإن كانت الثانية لم يتلاقيا، وإن كانت الأُولى لم تصلح للكبرى، يعني به: وإذا لم يرجع في البيان إلى العكس بل إلى القلب ; وهو تغيير الترتيب الذي هو الطريق الثاني في وجه رجوع هذا الشكل إلى الأوّل.
وقوله: فإن كانت الثانية، يريد به: إن كانت السالبة الجزئية هي الكبرى قبل القلب، لم يتلاقيا لاشتماله على قياس يكون صغراه في الأول سالبة، وقد بيّنا في الأول عدم التلاقي.
وقوله: وإن كانت الأولى، لم تصلح للكبرى، يريد به: إن كانت السالبة الجزئية هي الصغرى قبل القلب ثمّ جُعِلَت الكبرى، بإن غيَّر الترتيبَ، كانت الكبرى في الأوّل جزئية والجزئية لا تصلح لذلك. وليس فيما ذكره المصنف إبطال   2

صفحه 117
<--- بالرد إلى الثاني على كونها كُبرى، ولا إبطال بالردّ إلى الثالث على تقدير كونها صغرى، ونحن قد ذكرناه، وفي هذا البيان نظر .
والحق أنّ السالبة الجزئية لا تصلح صغرى لصدق قولنا: ليس كل إنسان بفرس وكل ناطق إنسان، والحق السلب ; ونقول: ليس كلّ حيوان بإنسان وكل ناطق حيوان، والحق الإيجاب; ومع السالبة عقيم لما ذكرناه، ولا كبرى فإنّه يصدق: كلّ إنسان حيوان وليس كلّ حساس بإنسان، مع كذب السلب ; ولو قلت في الكبرى: وليس كلّ حجر بإنسان، كان الحقّ السلب ; فإذا ظهر ذلك يبيّن أنّ السالبة الجزئية لا يجوز استعمالها في هذا الشكل فتسقط منه سبعة أضرب .
وأعلم أنّ الصغرى الموجبة الكلّية يجوز استعمالها مع الكبريات الثلاث، أعني: الموجبة الكلية والجزئية والسالبة الكلية وتكون ناتجة، فهذه ثلاثة أضرب.
وإذا كانت الصغرى، سالبة كليّة فاستعمالها مع الموجبة الكلية لا غير، وهذا ضرب آخر، لأنّها لو استعملت مع غيرها فأمّا أن تكون مع الموجبة الجزئية أو مع السالبة الكلّية وهما عقيمان :
أمّا الأوّل: فلأنّ هذا القياس لا يمكن بيانه بالردّ إلى الأوّل بواسطة القلب، لأنّه حينئذ تكون النتيجة سالبة جزئية ويجب عكسها حينئذ، لكن السالبة الجزئية لا تنعكس، ولا بالعكس لأنّا إذا عكسنا المقدمتين كانت الصغرى في الأوّل سالبة والكبرى فيه جزئية. والمصنف اختار في إبطال هذا القسم إختلال الشرط الثاني لاحتمال أن تكون السالبة مركبة ; ولا إلى الثاني بواسطة عكس الصغرى، لأنّ الكبرى حينئذ تكون جزئية في الثاني وهو عقيم; ولا إلى الثالث لأنّ الصغرى   2

صفحه 118
<--- حينئذ تكون سالبة فيه. والحق أن نقول: لأنّه يصدق لا شيء من الإنسان بفرس وبعض الحيوان إنسان، مع كذب السلب .
وأمّا الثاني: فلعدم التلاقي مطلقاً فإنّه يصدق: لا شيء من الإنسان بفرس ولا شيء من الصاهل بإنسان مع كذب السلب، ولو قلنا في الكبرى ولا شيء من الحجر بإنسان، كان الحق السلب، وإذا كانت الصغرى موجبة جزئية فالكبرى سالبة كلية لا غير، وهو ضرب واحد لأنّها لو كانت الكبرى موجبة كلية، لم يمكن بيانها بالرد إلى الأوّل بواسطة القلب لصيرورة الكبرى في الأوّل جزئية، ولا بالعكس لانعكاس الموجبة الكلية إلى الموجبة الجزئية.
وقول المصنف: فَعَلْتَ الأوّل، أشار به إلى القلب ; والثاني أشار به إلى العكس، ولا يمكن البيان بالرد إلى الثاني لعدم انتاج الموجبتين فيه، ولا إلى الثالث لكون الكبرى جزئية حينئذ ولا ينتج عن جزئيتين، ولو كانت الكبرى موجبة جزئية كان المحال المذكور لازماً بغير واسطة العكس، وإليه أشار المصنف بقوله: فأبعد، والحق أنّه يصدق: بعض الحيوان إنسان وكلّ فرس حيوان، مع كذب الايجاب، فقد اتضح من هذا أنّ المنتج فيه خمسة أضرب.
والضابط في شرط الإنتاج أمران :
الأوّل: هو عدم اجتماع الحصتين أعني السلب والجزئية فيه إلاّ إذا كانت الصغرى موجبة جزئية .
الثاني: كلما كانت الصغرى موجبة جزئية، كانت الكبرى سالبة كلية .

صفحه 119
قال:
الأوّل: كل عبادة مفتقرة إلى نيّة، وكل وضوء عبادة، فينتج: بعض المفتقر وضوء; ويبين بالقلب فيهما وعكس النتيجة .
الثاني: مثله والثانية جزئية .
الثالث: كل عبادة لا تستغني، وكل وضوء عبادة، فينتج: كل مستغن ليس بوضوء ; ويبين بالقلب وعكس النتيجة .
الرابع: كل مباح مستغن، وكل وضوء ليس بمباح، فينتج: بعض المستغني ليس بوضوء ; ويبين بعكسهما .
الخامس: بعض المباح مستغن، وكل وضوء ليس بمباح; وهو مثله.*
* أقول: الضرب الأوّل: هو المركب من الموجبتين الكليتين وينتج الموجبة الجزئية، والبيان بتغيير الترتيب حتى يصير من الأوّل وعكس النتيجة الكلية إلى الموجبة الجزئية، ولا ينتج هذا الضرب الكلية، فإنّه يصدق: كلّ إنسان حيوان و كلّ ناطق إنسان، مع كذب كلّ حيوان ناطق .
والضرب الثاني: يكون من موجبتين والكبرى جزئية، مثاله: كلّ عبادة مفتقرة إلى نية، وبعض الوضوء عبادة، ينتج: بعض المفتقر وضوء، وبيانه بالقلب أيضاً وعكس النتيجة .
والثالث: ما يتركب من الصغرى السالبة الكلية مع الكبرى الموجبة   2

صفحه 120
   
قال: والإستثنائيُّ ضربان: ضرب بالشرط ويسمى المتصل، والشرط مقدماً، والجزاء تالياً، والمقدمة الثانية إستثنائية.*
<--- الكلية، وينتج سالبة كلية .
الرابع: ما يتركب من كليتين لكن الكبرى هي السالبة، وينتج سالبة جزئية بعكس المقدمتين، مثاله: كل مباح مستغن وكل وضوء ليس بمباح، فإنّ الصغرى تنعكس إلى قولنا: بعض المستغني مباح، والثانية تنعكس إلى قولنا: كلّ مباح ليس بوضوء، وهما ينتجان: بعض المستغني ليس بوضوء، ولا ينتج السالبة الكلية فإنّه يصدق: كل إنسان حيوان ولا شيء من الفرس بإنسان، مع كذب السلب الكلي.
والخامس: ما يتركب من الصغرى الموجبة الجزئية مع الكبرى السالبة الكلية، مثاله: بعض المباح مستغن، وكلّ وضوء ليس بمباح، ينتج: بعض المستغني ليس بوضوء، البيان بعكس المقدمتين أيضاً، ويمكن البيان بالخلف والعكس والافتراض.

[ القياس الإستثنائي ]

* أقول: لمّا فرغ من الكلام في الإقترانيات، شرع في الإستثنائيات 1 وهي الأقيسة الّتي تكون النتيجة أو نقيضها مذكوراً فيها بالفعل، وهي على قسمين، فإنّه لمّا اشتمل على المقدمة الشرطية وكانت الشرطية تنقسم إلى متصلة ومنفصلة ; كان القياس منقسماً باعتبار هذين إلى قسمي المتصل والمنفصل، مثال المتصل: إن   2

1 . إنّ المقسم هنا هو القياس البسيط، إذاً تُعدّ الاستثنائيات قسيمة للإقترانيات.

صفحه 121
قال: وشرط نتاجه أن يكون الاستثناء بعين المقدم، فلازمه عين التالي، أو بنقيض التالي، فلازمه نقيض المقدم ; وهذا حكم كُلِّ لازم مع ملزومه، وإلاّ لم يكن لازماً، مثل: إن كان هذا إنساناً فهو حيوانٌ، وأكثر الأوّل بـ «إن»، والثاني بـ «لو».*
<--- كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وهذا فيه حرف الشرط وهي لفظة «إن» أو ما يقوم مقامها ; والشرط هو قولنا: إن كانت الشمس طالعة، يسمى المقدم، لتقدمه في الطبع. والجزاء هو قولنا: فالنهار موجود، يسمى التالي، لتأخره عن الأوّل; فإذا استثنينا وقلنا: لكن الشمس طالعة، كانت هذه مقدمة ثانية وهي الاستثنائية، وكذلك لواستثنيا النقيض للنقيض.
* أقول: شرط القياس الاستثنائي أن تكون المتصلة لزومية وهي الّتي يكون المقدم فيها موجباً للتالي أو مضايفاً له وأن يكون الاستثناءُ لعين المقدم أو لنقيض التالي :
أمّا الشرط الأوّل، فلأنّها لو كانت إتفاقية، لم يُعدُّ القياس شيئاً فإنّ المقدمة المستثناة والمستنتجة معاً يجب أن تكونا معلومتي الثبوت قبل تركيب القياس .
وأمّا الثاني فلأنّه لو استثنى نقيض المقدم أو عين التالي، لم يلزم النتيجة، فإنّ المقدّم يجوز أن يكون أخصّ 1 من التالي، وعلى هذا التقدير فلا يلزم من رفع الخاص ولا من إثبات العام شيء .
وإذا تحقق هذان الشرطان فالمنتج في هذا القياس أمران :   2

1 . في نسخة «أ»: أعمّ، وما أثبتناه هو الصحيح، ويشهد عليه ذيل كلام الشارح.

صفحه 122
قال: ويسمى [ ما ] بـ «لو»، قياس الخلف، وهو إثبات المطلوب بإبطال نقيضه.*
<--- أحدهما استثناء عين المقدم لانتاج عين التالي، مثل: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان، لكنَّهُ إنسان، فإنّه يلزم منه أنّه حيوان .
الثاني استثناء نقيض التالي لانتاج نقيض المقدم، كما لو قلت: لكنّه ليس بحيوان، فإنّه يلزم منه أنّه ليس بإنسان، وإنما وجب انتاج هذين الاستثنائين لأنّ معنى اللزوم، هو وجود التالي عند وجود المقدم وعدم المقدم عند عدم التالي، فإنّ المقدّم لمّا كان واجباً، لن يكون أخص أو مساو، وكان وجود الأخص أو المساوي يستلزم وجود الأعم أو المساوي ; وعدم الأعم أو المساوي يستلزم عدم الأخص أو المساوي، كان استثناء عين المقدم ونقيض التالي منتجين، بخلاف غيرهما .
وقد يتوهم من لا تحقيق له أنّ اللزوم إذا كان من الطرفين، كانت النتائج أربعة، والحق أنّ هاهنا لزومين.
وقوله: وأكثر الأوّل بـ «إن» والثاني بـ «لو»، إشارة إلى إرادة استثناء عين المقدم غالباً إذا كانت المتصلة مشتملة على حرف «إن» الموجب للربط، وإرادة استثناء نقيض التالي، انما يكون غالباً إذا كانت المتصلة مشتملة على حرف «لو» الموجب للربط.
* أقول: الأقيسة الخُلفية بوضع مقدماتها نقائض المطلوب ويُستنتج فيها نقائض التوالي لينتج نقائض المقدمات، فهو غالباً إنّما يكون بحرف «لو» لأنها دالة على ثبوت الإمتناع 1.   2

1 . في نسخة «ب»: الامتناع للامتناع.

صفحه 123
قال: وضربٌ بغير الشرط، ويسمّى المنفصل، ويلزمه تعَدُّدُ اللازم مع التنافي، فإنْ تنافيا إثباتاً ونفياً، لزم من اثبات كلّ نقيضُهُ، ومن نقيضه عينهُ، فيجيءُ أربعةً، مثاله: العدد إمّا زوج أو فرد، لكنّه ... إلى آخرها، وإن تنافيا إثباتاً لا نفياً، لزم الأمران، مثاله: الجسم إمّا جماد أو حيوان، وإن تنافيا نفياً لا إثباتاً لزم الأخيران، مثاله: الخنثى إمّا لا رجل أو لا امرأة.*
<--- واعلم أنّ قياس الخلف من القياسات المركبة وهو إنمّا يتم بقياسين; اقتراني واستثنائي، ولابدّ فيه من مقدمتين صادقتين أو مفروضتي الصدق، مثاله: لو لم يصدق قولنا: لا شيء من ج ب، صدق بعض ج ب، وهذه مقدمة متصلة مقدمها فرض المطلوب غير حق، وتاليها ما يلزم ذلك وهو كون نقيضه حقاً، ويضمها إلى مقدمة أخرى صادقة، وهي قولنا: لا شيء من ب أ، ينتج لو لم يصدق لا شيء من ج ب، صدق ليس بعض ج أ، ثمّ نستثني نقيض هذه النتيجة، فنقول: لكن ليس بعض ج أ، أي: كلّ ج أ، ينتج: نقيض المقدم وهي صدق قولنا: لا شيء من ج ب، فهو إثبات للمطلوب بإبطال نقيضه.
* أقول: هذا هو القسم الثاني من اقسام الاستثنائيات وهو الذي تكون المقدمة الشرطية فيه منفصلة ; ولابدّ فيه من قضيتين يحصل بينهما التنافي، واطلاق اللازم في قول المصنف: ويلزمه تعدد اللازم مع التنافي على القضيتين، لا يخلو من تسامح .
وأعلم أنّ التنافي من القضيتين امّا أن يكون في الوجود والعدم معا وتسمى المنفصلة المشتملة عليهما حقيقية، وإمّا أن لا يكون كذلك وتسمى القضية   2

صفحه 124
<--- المشتملة عليهما غير حقيقية، وهي لا تخلو :
إمّا أن تشتمل على قضيتين حكم بالتنافي عنهما في الوجود مع جواز الجمع بينهما في العدم، وهذه تسمى مانعة الجمع .
وإمّا أن تشتمل على قضيتين حكم بالتنافي بينهما في العدم مع جواز جمعهما في الوجود، وتسمى مانعة الخلو ; والقضية الأُولى إنّما تتركب من القضية ونقيضها، أو منها و ما ساوى نقيضها، كقولنا: [ العدد] إمّا زوج، أو لا زوج أو العدد إمّا زوج أو فرد، والثانية إنّما تتركب من القضية والأخص من نقيضها، كقولنا: هذا الشيء إمّا أن يكون حجراً أو شجراً، فإنّ الشجر أخصّ من اللاحجر ; والثالثة إنّما تتركب من القضية والأعمّ من نقيضها، كقولنا: زيد إمّا أن يكون في البحر أو لا يغرق، فإنّ عدم الغرق أعمّ من عدم الكون في البحر .
إذا عرفت هذا فنقول: القضية التي جعلت مقدمة في القياس الاستثنائي أمّا أن تكون حقيقية أو مانعة الجمع أو مانعة الخلو:
فإن كان الأوّل، كانت النتائج اربعاً، فإن استثنينا عين كلّ واحدة منهما، ينتج نقيض الأُخرى لاستحالة الجمع بينهما، واستثناء نقيض كلّ واحدة منها ينتج عين الأُخرى لاستحالة الخلو عنهما كقولنا: العدد إمّا زوج أو فرد لكنّه زوج فهو ليس بفرد، لكنّه فرد فهو ليس بزوج، لكنه ليس بزوج فهو فرد، لكنّه ليس بفرد فهو زوج، وإلى هذه النتائج الثلاث أشار المصنف بقوله: إلى آخرها .
وإن كان الثاني، كانت النتائج إثنتين هما الأولان، أعني الذي ينتج باستثناء العين لأنّ استثناء عين كلّ واحدة منهما ينتج نقيض الأُخرى لاستحالة الجمع ;   2

صفحه 125
قال: وَيُرَّدُ الاستثنائي إلى الإقتراني; بأن يُجْعَل الملزوم وسطاً، والإقتراني إلى المنفصل بذكر مُنافيه معه.*
<--- ولا ينتج الأخيران لأنّ استثناء نقيض كلّ واحدة منهما، استثناءُ لوجود العام، فلا يلزم منه وجودُ الخاص، كقولنا: الجسم امّا جماد أو حيوان، لكنّه جماد فهو ليس بحيوان، لكنّه حيوان فهو ليس بجماد .
وإن كان الثالث، كانت النتائج اثنتين وهما الأخيران أعني الذي ينتج باستثناء النقيض لأنّ استثناء نقيض كل واحد منهما، ينتج عين الأُخرى لاستحالة الخلو، ولا ينتج الأولان لعدم استلزام وجود العام وجود الخاص، كقولنا: الخنثى إمّا لا رجل أو لا امرأة، لكنّه رجل فهو لا امرأة، لكنّه امرأة فهو لا رجل.
* أقول: إذا أردنا ردّ الاستثنائي إلى الإقتراني، جعلنا الملزوم وهوالمقدم وسطاً، مثاله: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان لكنّه إنسان فهو حيوان ; فإذا أردنا ردَّه قلنا: هذا إنسان وكل إنسان حيوان، وينتج: هذا حيوان، فالإنسان وهو الملزوم قد صار في هذا القياس وسطاً، ومثاله في المنفصلات كقولنا: العدد إمّا زوج أو فرد لكنه زوج فليس بفرد، هذا العدد زوج وكل زوج ليس بفرد فهذا ليس بفرد.
ومثال رد الإقتراني إلى المنفصل أن تقول في هذا المثال: إمّا أن يكون هذا إنسان حيواناً أو لا يكون، ثم نستثني العين لانتاج النقيض.

صفحه 126
قال: والخطأ في البرهان لمادته وصورته، فالأوّل يكون في اللفظ للاشتراك أو في حرف العطف، مثل: الخمسة زوج وفرد، ونحوهُ: حلو حامض، وعكسه: طبيب ماهر ; ولاستعمال المتباينة كالمترادفة كالسيف والصارم.*

[ حصول الخطأ في البرهان ]

* أقول: الخطأ في القياس: إمّا أن يكون في المادة وإمّا أن يكون في الصورة وإمّا أن يكون فيهما معاً ; والمصنف لم يذكر الجميع، ونحن نشرح ما قاله ونحيل بالباقي على كتاب «الأسرار»1 فنقول: إمّا الخطأ من قبل المادة 2 فإمّا أن يكون لفظياً وإمّا أن يكون معنوياً:
فالأوّل 3: يكون في جوهر اللفظ المفرد ويكون في أحواله، أمّا الّذي يكون في جوهره فإن يكون مشتركاً بين معنيين، فإذا أُطلق على أحد المعنيين وفهم منه غير ما أُريد به، وقع الخطأ ويدخل تحت المشترك، المشترك وهو الّذي يكون اللفظ قد وضع لماهيتين على سبيل الحقيقة والمجاز، والحقيقة واشباه ذلك 4   2

1 . يراجع: «الأسرار الخفية في العلوم العقلية» ـ الطبعة المحققة ـ ص 219 (المقالة السادسة: في المغالطات).
2 . أي: مادة القياس و هي الّتي تقابل صورته الّتي تتمّثل في الأشكال الأربعة .
3 . يأتي القسم الثاني (وهو المعنوي) في شرح المقطع التالي.
4 . قوله: اشباه ذلك; مثل المنقول. وقد اشكل الشارح في الجوهر النضيد على الماتن ـ الخواجه ـ حيث استعمل المشترك بهذا المعنى أيضاً . يراجع: الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد: 10 .

صفحه 127
قال: ويكون في المعنى لالتباسها بالصادقة ; كالحكم على الجنس بحكم النوع وجميع ما ذُكر في النقيض 1 وكجعل غير القطعي كالقطعي وكجعل العرضي كالذاتي وكجعل النتيجة مقدمة بتغيير ما، ويسمى المصادرة ومنه المتضايفة وكل قياس دوري، والثاني ان يخرج عن الأَشْكَالِ.*
<--- والّذي يكون في أحواله لم يتعرض له المصنف .
وقد يكون الخطأ في اللفظ المركب في نفس التركيب وذلك مثل قولنا: الخمسة زوج وفرد، فإن الواو إن أُريد بها الجمع في الذوات، كان القول صادقاً، فإن الخمسة تتركب من عددين: زوج وفرد ; وإن أُريد بها الجمع في الصفات، كان كاذباً; ولهذا المثال اشتباه بما يكون اللفظ فيه مشتركاً .
وقد يكون الخطأ في المركب لا في نفس التركيب بل إمّا لأنّ اللفظ مركب وفُصِّل أو بالعكس، فيكذب، إذاً نقرّب حالته، مثال الأوّل: قولنا: هذا حلو حامض، للمرِّ، فإنّه صدق عليه هذان المعنيان جميعاً ويكون عليه تفاريقه; ومثال الثاني:
أنّا إذا فرضنا زيدا طبيباً وخياطاً وهو غير ماهر في الطب وماهر في الخياطة، فإنّه يصدق عليه أنّه طبيب بإنفراده وأنّه ماهر بانفرداه أي في الخياطة ; وإذا جمع، كذب لإيهامه أنّه ماهر في الطب.
وقد يكون الخطأ لوقوع الاشتباه بين لفظين أحدهما يدل على الذات والآخر على الصفة: كالسيف والصارم إذا أُخذا داليّن على الذات.
* أقول: هذا هو القسم الثاني من الاغلاط وهو الّذي يكون الغلط فيه   2

1 . كذا في النسختين وفي بعض النسخ: النقيضين.

صفحه 128
<--- معنوياً وهو على أقسام نذكر منها نحن هاهنا ما ذكره المصنف وهو:
أن يكون السبب فيه الاشتباه بالصادق كالحكم على الجنس بما حكم به على النوع، مثاله: أن من رأى سيّالاً أصفر مُرَّاً كالمِرّة 1 فيظن أنّ كلّ سيّال أصفر مرَّ، وربما كان حلواً كالعسل، والسبب في هذا الغلط، هو إيهام العكس .
أو يقع الغلط بسبب الإغفال للشرائط الثمانية المذكورة في التناقض .
أو يقع الغلط بسبب جعل الأُمور المظنونة كالقطعية وهو إنَّما يستعمل كثيراً في الجدل .
أو يكون الغلط بسبب جعل العرضي كالذاتي أو بالعكس كأخذ الماشي جنساً للحيوان وأخذ الحيوان عرضياً .
وأن يكون السبب فيه جعل النتيجة مقدمة بتغيّر لفظي كما نقول الإنسان ضاحك، لأنّ الإنسان بشر والبشر ضاحك، فالكبرى هي النتيجة بعينها بُدِّل لفظ فيها بلفظ، وهذا النوع يسمى المصادرة على المطلوب .
ومن المصادرة على المطلوب ; المتضايفات كما نقول: زيد أب لأنّ له إبناً.
ومن المصادرة على المطلوب القياسات الدورية وهي التي يثبت فيها إحدى مقدمتي قياس بقياس يتألف من نتيجة القياس الأوّل وعكس المقدمة الأُخرى عكساً كلّياً، كما تقول: كلّ إنسان ناطق و كل ناطق ضاحك، ينتج: كلّ إنسان ضاحك، ثمّ يستدل على قولنا: كلّ إنسان ناطق، بقولنا: كلّ إنسان ضاحك وكلّ ضاحك ناطق.
وقوله: والثاني أن يخرج عن الأشكال، يشير به إلى ما يقع الاختلال   2

1 . «المِرَّة» مادة صفراء في المرارة وهي الكيس اللازق بالكبد.

صفحه 129
<--- فيه من جهة الصورة وذلك إنّما يكون لخروجه عن أحد الأَشْكالُ المنتجة:
إمّا بأن لا يكون بين القضيتين إشتراك في حد أوسط أو بكون الإشتراك حاصلاً لكن قد أهمل بعض الشرائط المعتبرة في الإنتاج كالاستنتاج من سالبة صغرى في الأوّل أو كبرى جزئية فيه وعلى هذا القياس .

صفحه 130
قال: مبادئ اللغة .
ومن لطف الله تعالى إحداث الموضوعات اللغوية ; فلنتكلم على حدّها وأقسامها، وابتداء وضعها، وطريق معرفتها.*

[ المباحث الأُصولية ]

[ مبادئ اللغة ]

* أقول 1: إنّ النوع الإنساني خلق لا كغيره من الأنواع الحيوانية، فإنّه يفتقر في معاشه إلى أُمور لا يمكن بقاؤه بدونها وتلك الأُمور لابدّ فيها من المعاونة والمشاركة، والمعاونة والمشاركة إنّما تتم إذا عرف كلّ شخص ما في ضمير غيره
من الأشخاص ; وتلك المعرفة لابدّ فيها من طريق. ولما كانت الحركات والإشارات والرقوم تحتاج إلى تعسف وهي غير وافية بهذا الغرض فإنّه ليس كل ما في
الضمير يمكن الإشارة إليه إشارة حسّية ولا يوضع له رقم يدل عليه وكان الهواء الخارج من النفس أمراً ضرورياً; وجب في عناية الله تعالى بالرعية وضع الألفاظ التي تحصل بسبب تقطيع الأصوات الحاصلة من الهواء لكونه أخف وأتم تحصيلاً للغرض .
   2

1 . نسترعي انتباه القارئ الكريم إلى أنَّ البحث من بداية الكتاب إلى هنا كان في المسائل المنطقية ومن هنا إلى الخاتمة في المسائل الأُصولية فاليعلم ذلك.

صفحه 131
قال: الحدّ: كلّ لفظ وضع لمعنى.*
<--- وأعلم أنّ البحث عن المبادئ اللغوية لا يخلو عن أربعة أقسام:
[ 1 ] عن معرفة حدّها ; فإنّ الطالب لماهية إنّما يتوصل إليها بتحديدها .
[ 2 ] وعن ذكر أقسامها ; فإنّه بعد الفراغ عن البحث عن الماهية، لابدّ من البحث عن أقسام تلك الماهية .
[ 3 ] وعن ابتداء الوضع ; فانّه بعد البحث عن ما مضى، لابدّ من البحث عن سبب تحصيل الماهية وإنّه هل هو توقيفي أواصطلاحي .
[ 4 ] وعن طريق المعرفة من أنّها ضرورية أو نظرية.

[ البحث الأوّل: في حدّ المبادئ ]

* أقول: اللفظ: جنس للمهمل والدال على معنى، فإذا قيل بالثاني خرج الأوّل.
وأعلم أنّ دلالة اللفظ على المعنى قد تكون بالوضع وقد تكون بالعقل وقد تكون بالطبع.
واللغة إنّما هي اللفظ الدال على معنى بالوضع، وإلى هذا أشار المصنف، بقوله: وضع، أما ما يدل بالعقل كدلالة الصوت على المصوت، وبالطبع كدلالة آخ على أذى الصدر، فليس من الألفاظ اللغوية. وفي قول المصنف: كلّ لفظ وضع لمعنى، تسامح، فإنّ لفظي الكل والبعض لا يجوز ذكرهما في تحديد الماهيات.

صفحه 132
قال: أقسامها: مفرد ومركب، المفرد: اللفظ بكلمة واحدة وقيل ما وضع لمعنى ولا جزء له يدل فيه; والمركب بخلافه فيهما، فنحو (بعلبك) مركب على الأوّل لا الثاني، ونحو (يضرب) بالعكس.*

[ البحث الثاني: في أقسام الألفاظ ]

* أقول: الألفاظ تنقسم بحسب ما تدلّ عليه، وبحسب اعتبار نسبة بعضها إلى بعض وبحسبها في أنفسها ; وهذه القسمة التي ذكرها المصنف، هي بالاعتبار الأخير.1
فإنّ اللفظ إن كان كلمة واحدة، فهو مفرد كزيد، وإن كان مشتملاً على كلمتين أو أكثر، فهو مركب كغلام زيد .
هذا إذا عنى بالمفرد، التلفظ بكلمة واحدة وبالمركب ما يخالفه ; وإن عنى بالمفرد ما وضع لمعنى لا جزء له يدل فيه وبالمركب ما يخالفه، كانت القسمة إلى المفرد وإلى المركب، قسمة بالاعتبار الأوّل، ولا شك في مغايرة هذه القسمة للأُولى 2، لتغاير الاعتبار فيهما، والمفرد بالمعنى الأوّل مغاير له بالمعنى الثاني وبينهما عموم من وجه، فإنّهما يصدقان على زيد فإنّه كلمة واحدة فيصدق عليه الحد الأوّل للمفرد وهو لفظ وضع لمعنى، ولا جزء له يدل فيه، فيصدق عليه الحد الثاني، ويتباينان في الصدق، فإنّ المفرد بالمعنى الأول لا يصدق على مجموع (بعلبك) إذا جعل علماً على البلدة المعروفة ; ولا على (عبد الله) إذا جعل علماً   2

1 . أي: بحسب الألفاظ في انفسها.
2 . مراده من «الأُولى» هو الألفاظ بحسب انفسها، ومن «هذه» هو الألفاظ بحسب ما تدل عليه.

صفحه 133
قال: ويلزمهم أن نحو: ضارب و مُخرَج ممّا لا ينحصر، مُرَكّبٌ.*
<--- على شخص، لاشتمالهما على لفظين اضيف احدهما إلى الآخر بل يكون مركباً ويصدق عليهما المفرد بالمعنى الثاني لعدم دلالة جزء كلّ واحد منهما على ماوضع له قبل التركيب والعلمية، لانتفاء القصد له والدلالة تابعة للقصد، ونحو (يضرب) وامثاله من الافعال المضارعة التي لغير الغائب، غير مفرد 1 بالمعنى الثاني لاشتمالها على جزء دال هو التاء و النون والهمزة، فإنّها تدل على الفاعلين فهي مركبة وهي مفردة بالمعنى الأوّل لأنّها لفظة واحدة .
ولقائل أن يقول: الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد فنحو (بعلبك) مفرد بالاعتبارين، إمّا بالاعتبار الثاني فظاهر وإمّا بالاعتبار الأوّل فلأنّه ليس متضمناً لكلمتين إذ لا دلالة لاجزائها حالة العلمية.
* أقول: أخذ (2) يعترض على المنطقيين في تعريفهم المفرد بما ذكره ثانياً وهو الذي ليس له جزء دال ; ووجه اللزوم أمران:
الأوّل: إن نحو ضارب ومُخرج وما شاكلهما من اسماء الفاعلين والمفعولين، لها دلالة على المصدر وعلى شيء وُجد له المصدربسبب التصريف الذي هو الجزء الصوري، وكذلك الافعال الماضية فإنّها دالة على المصدر نحو أمرها وعلى الزمان بصيغها .
الثاني: 2 إن نحو ضارب المنوّن يدل على أحد الزمانين .
والجواب عن الأول: أن الجزء المذكور في تعريف المفرد، إنّما هو   2

1 . في نسخة «ب»: مفردة.   2 . أي: المصنّف.
2 . فقط في نسخة «ب».

صفحه 134
قال: وينقسم المفرد إلى اسم، وفعل، وحرف.*
قال: ودلالته اللفظية في كمال معناها: دلالة مطابقة، وفي جزئه دلالة تضمّن، وغير اللفظية: التزامٌ، وقيل: إذا كان ذهنياً.**
<--- الجزء المسموع الملفوظ به [ بانفراده ] 1 المتميّز عن سائر الاجزاء في السمع، والجزء الصوري ليس بهذه المثابة .
وعن الثاني: أنّ التنوين ليس دالاّتً على أحد الزمانين بل الدال عليه إنّما هو اسم الفاعل، والتنوين علامة على كون اسم الفاعل دالاً عليه، أو نقول: إنّه مع التنوين مركب ولا استبعاد في ذلك.

[ تقسيم المفرد ]

* أقول: المفرد جزء من المركب، فالعلم به متقدم على العلم بالمركب، ولذلك بدأ المصنف بالبحث عنه وقسَّمه إلى اقسام ثلاثة تشترك في جنس وهي كونها ألفاظاً دالة على معاني مفردة بالوضع، ويتميز الحرف عنهما بعدم استقلاله في الدلالة، ويشترك الفعل والاسم في ثبوت ما عُدم عن الحرف، ثم يتميز الفعل عن الاسم بالدلالة على الزمان المعيّن ; والاسم عن الفعل بعدمه.

[ تقسيم دلالة المفرد ]

** أقول: الدلالة اللفظية عبارة عن فهم المعنى من اللفظ عند اطلاقه أو تخيله بالقياس إلى العالم بالوضع وهي لا تخلو من ثلاثة أقسام، لأنّها إمّا أن   2

1 . فقط في نسخة «ب».

صفحه 135
<--- تدل على المعنى الموضوع له، أو على جزء المعنى، أو على الخارج عنه .
والأوّل: يسمى دلالة المطابقة لتطابق المعنى واللفظ، أي: توافقهما كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق .
والثاني: يسمى دلالة التضمّن لتضمّن المعنى الموضوع له اللفظ المفروض، مدلولاً عليه كدلالة الإنسان على الحيوان أو الناطق .
والثالث: يسمى دلالة الالتزام للزوم المعنى المدلول عليه الموضوع له كدلالته على قابل صنعة الكتابة .
وأعلم أنّ في ما ذكره المصنف إشكالين:
الأوّل: أنّه جعل دلالة الإلتزام غير لفظية ; فإن كان المراد من اللفظية، الوضعية; فيجب عليه إن لا يجعل دلالة التضمّن أيضاً لفظية، إذ اللفظ الموضوع لكمال الحقيقة، ليس موضوعاً لاجزائها ; وان كان المراد منها ما حصلت الدلالة بمشاركة من الوضع، فالالتزام أيضاً بهذه المثابة، فإنّه لولا وضع الإنسان لمعناه،
لم يلزم من إطلاق الإنسان فهم لازمه.
والحق في هذا الباب أنّ الدلالة اللفظية صرفا إنّما هي دلالة المطابقة، والباقيتان حاصلتان بمشاركة الوضع والعقل.
والاشكال الثاني: إنّ قوله: وقيل إذا كان ذهنياً، يشعر بحصول الدلالة الالتزامية وان لم يكن اللزوم ذهنياً، وهو خطأ، فإنّ الملازمة الذهنية شرط في الدلالة الالتزامية، لأنّ اللفظ غير موضوع للمعنى والتقدير عدم لزوم انتقال الذهن من المعنى إلى الخارج، فحينئذ لا يكون اللفظ دالاً على الخارج أصلاً.

صفحه 136
قال: والمركب جملة وغير جملة، والجملة: ما وضع لإفادة نسبة ولا يتأتى إلاّ في اسمين، أو في فعل واسم، ولا يرد: حيوان ناطق، و(كاتب) في: (زيد كاتب)، لأنها لم توضع لإفادة نسبة.*

[ تقسيم المركب ]

* أقول: لما فرغ من الكلام في تقسيم المفرد، انتقل إلى الكلام في تقسيم المركب وهو على قسمين بحسب ما يدل عليه .
الأوّل الجملة وهو ما وضع لافادة نسبة كقولنا: «زيد كاتب» وهو المسمى عند النحويين كلاماً، وهذا المركب هو الّذي يحسن السكوت عليه .
وإنّما قسم المصنف المركب إلى الجملة وغيرها لا إلى الكلام وغيره لوجهين :
الأوّل: أنّ الكلام على مذهبه قد يطلق على الحروف المسموعة وعلى الكلام النفساني، فعدل عن اللفظ المشترك إلى ما لا اشتراك فيه .
الثاني: أنّ الكلام في اصطلاح الأُصوليين، لا يشترط فيه الإفادة ولا الإسناد.
وأعلم أنّ الجملة لا تتألف إلاّ من اسمين أو من اسم وفعل يكون الاسم محكوماً عليه والفعل محكوماً به، وذلك لأنّ التركيب في هذه الثلاثة 1، يمكن على تسعة أوجه: اثنان تامان وهما ما ذكرناه، والبواقي غير تامة لاشتمالها على   2

1 . يريد بالثلاثة، الاسم والفعل والحرف ; والوجوه التسعة هي ما يحصل من ضرب الثلاثة في نفسها.

صفحه 137
قال: وغير الجملة، بخلافه ويسمى مفرداً أيضاً.*
<--- فعل محكوم عليه أو حرف محكوم عليه وبه، وهو باطل . وأعلم أنّ المصنّف أورد إشكالاً على ما ذكره في حدّ الجملة، وتقريره أن نقول: هذا الحد غير مطرد، فإنّه قد وجد ما ذكرتم في مثل قولنا: «حيوان ناطق»، وفي مثل قولنا: كاتب، في قولنا: «زيد كاتب»، فإن الأوّل قد وضع لإفادة نسبة النطق إلى الحيوان، والثاني وضع لإفادة نسبة الكاتب إلى ذات زيد، مع أنّ المحدود غير موجود فيهما، إذ لا يصدق على كلّ واحد من هذين المثالين اسم الجملة .
وأجاب بالمنع من وجود الحد إذ المراد بالنسبة، النسبة الخبرية وهي غير موجودة في المثالين، وفي هذا الجواب نظر، والأَولى تقييد الحدّ بقولنا: «يحسن السكوت عليها».
* أقول: غير الجملة هو الّذي لم يوضع لإفادة نسبة، ويسمى المفرد
أيضاً ، فيكون اسم المفرد مشتركاً بين هذا وبين ما مضى، والفرق بينهما أنّ
الأوّل 1 لا يصدق على تركيب الصفة والموصوف، ولا على المركب من المهملات أو من المهمل والمستعمل ; بخلاف هذا 2 فإنّ هذين 3 يدخلان في هذا
المفرد.

1 . يقصد من «الأوّل»، هو الّذي عرّفه سابقاً بقوله: «فإن اللفظ إن كان كلمة واحدة فهو مفرد».
2 . أراد باسم الإشارة في قوله: «بخلاف هذا»، هو الّذي لم يوضع لإفادة نسبة.
3 . يرمي الشارح (قدس سره)بقوله: «هذين»، إلى ما تركب من صفة وموصوف وما تركب من المهملات أو المهمل والمستعمل.

صفحه 138
قال: وللمفرد باعتبار وحدته ووحدة مدلوله وتعددهما أربعة أقسام.*
قال: فالأوّل: إن اشترك في مفهومه كثيرون ; فهو الكلي، فإن تفاوت كالوجود للخالق والمخلوق، فمشكك وإلاّ فمتواطئ، وإن لم يشترك فجزئي ويقال للنوع أيضاً جزئي، والكلي ذاتي وعرضي كما تقدم. **

[ تقسيمه بوجه آخر ]

* أقول: هذه قسمة أخرى للمفرد باعتبار نسبته إلى مفرد آخر، وهي تشتمل على أقسام أربعة:
الأوّل: أن يكون اللفظ واحد والمعنى واحد.
الثاني: أن يكون اللفظ كثيراً والمعنى كثيراً.
الثالث: أن يكون اللفظ واحداً والمعنى كثيراً.
والرابع: أن يكون اللفظ كثيراً والمعنى واحداً.
** أقول: هذا هو القسم الأوّل من الأربعة وهو الّذي يكون اللفظ واحداً والمعنى واحداً، وهو على قسمين:
الأوّل: أن يكون مفهومه لا يمنع من وقوع الشركة فيه كالحيوان .
والثاني: أن يكون مفهومه مانعاً من الشركة كزيد والأوّل يسمّى كلياً .
واعلم أنّ الشركة لا يشترط وجودها بالفعل، فإنّ لفظة الشمس كلية وإن لم تقع فيها شركة ; ولا تشترط أيضاً الشركة الذهنية، فإنّ من الألفاظ ما يحكم   2

صفحه 139
قال: الثاني من الأربعة: مقابله، متباينة. الثالث: إن كان حقيقة للمتعدد فمشترك، وإلاّ فحقيقة و مجاز. والرابع: مترادفة .
وكلها مشتق وغير مشتق، صفة وغير صفة. *
<--- العقل بامتناع الشركة فيها كواجب الوجود مع كونه كلياً، بل احتمال
الشركة .
والكلي إذا نسب إلى افراده فإن كان وجوده فيه متفاوتاً بأن يكون في أحد تلك الأفراد أولى من وجوده في الآخر كالوجود للخالق والمخلوق، فإنّه للخالق أولى منه للمخلوق ; أو يكون في أحدها أقدم منه في الآخر كالوجود أيضاً بالنسبة إليهما. أو يكون في أحدهما أشّد منه في الآخر كالبياض على الثلج والعاج، فإنّه في الثلج أشدّ منه في العاج، فإنّه يسمى مشككاً ; وإن كان وجوده فيها متساوياً ; فإنّه يسمى متواطياً كالإنسان فإنّه لا يقال أنّه في زيد أشدّ منه في عمرو ولا هو في زيد أولى أو أقدم منه في عمرو .
وأمّا الثاني وهو الذي يمنع من الشركة فإنّه يسمى الجزئي كزيد. وأعلم أنّ لفظة الجزئي قد يقال على معنى آخر اعم من هذا بالاشتراك وهو أن يكون المعنى مندرجاً تحت غيره فيقال للنوع أنه جزئي بالقياس إلى الجنس بهذا المعنى.
وينقسم الكلي إلى ذاتي وهو الذي يكون متقدماً في التصور والوجود على ما هو ذاتي له، وإلى عرضي وهو الذي لا يكون كذلك ; وقد تقدّم البحث عنهما.
* أقول: هذه هي الأقسام الثلاثة الباقية من الأربعة :   2

صفحه 140
<--- أحدها: أن يكون اللفظ كثيراً والمعنى كثيراً كالإنسان والفرس، فإنّهما لفظان دالان على معنيين مختلفين ويقال لها المتباينة، وهذا القسم مقابل للأوّل من الأربعة لأنّ اللفظ كثير والمعنى كثير، والأوّل بخلافه فيهما .
وثانيها: أن يكون اللفظ واحداً والمعنى كثيراً ; وهو على قسمين: الأوّل: أن يكون اللفظ حقيقة في كلّ واحد من المعنيين كالقرءِ الموضوع للطهر والحيض معاً، وضعا أولاً وهوالمشترك بالنسبة إلى كلا المعنيين والمجمل بالنسبة إلى كلّ واحد منهما. الثاني: أن يكون اللفظ حقيقة في أحد المعنيين ومجازاً في الآخر كالأسد فإنّه وضع أولاً للحيوان المفترس وثانياً للرجل الشجاع .
وثالثها: أن يكون اللفظ كثيراً والمعنى واحداً وتسمّى الالفاظ المترادفة، كالإنسان والبشر .
وأعلم أنّ هذه الاربعة تنقسم إلى ما يكون مشتقاً وإلى ما لا يكون كذلك، وقد مضى أمثلة غير المشتق ; وأمّا مثال المشتق من الأول فكالقائم، ومن الثاني كالقائم والقاعد ومن الثالث كالشاعر، فإنّه يطلق على ما له شعر وعلى ما له شعور. والأشبه أنّ الإشتراك في مثل هذه المشتقات إنّما هو للإشتراك الواقع في المشتق منه، ومن الرابع كالجالس والقاعد.
وتنقسم أيضاً هذه الاربعة إلى صفة وإلى غير صفة وهو ظاهر ممّا مر.

صفحه 141
قال: مسألة: المشترك واقع عن الأصحّ.
لنا: أنّ القُرءَ للطهر والحيض معاً عن البدل من غير ترجيح.*

[ وقوع الاشتراك] 1

* أقول: قد ذهب قوم إلى امتناع وقوع الاشتراك، وآخرون إلى الوجوب، وهذان باطلان وسيأتي بيان ذلك، وذهب المحققون إلى الامكان، ثمّ اختلفوا فقال بعضهم أنّه غير واقع وأنَّ كلّ ما يتوهم أنّه مشترك، فإنّه ليس كذلك بل يكون إمّا حقيقة في أحد المعنيين ومجازاً في الآخر، أو يكون متواطياً .
والمصنف ذهب إلى أنّه واقع، والاستدلال عليه استدلال على إمكان الوقوع والدليل على الوقوع أنّ القُرءَ وضع للطهر بخصوصيته وللحيض بخصوصيته من غير نقل من إحدهما إلى الآخر فيكون حقيقة فيهما فيكون مشتركاً; و هذا الاستدلال(2) ذكره أبو الحسين 2.
وفيه نظر لجواز أن يكون القُرء وضع لمعنى مشترك بين الطهر والحيض أو يكون حقيقة في أحد المعنيين ومجازاً في الآخر، وقد خفي ذلك ; وهذان الاحتمالان راجحان على الاشتراك لما يأتي.3
وأعلم أنّ هذا وإن كان محتملاً إلاّ أنّ الأغلب على الظن دفع هذا الاحتمال.

1 . انظر: المحصول: 1 / 97 ـ 102 .         2 . انظر: المعتمد: 1 / 17 و 300.
2 . هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيّب البصري المعتزلي، المتوفّى ببغداد 436 هـ ، صاحب كتاب المعتمد في أُصول الفقه، وله أيضاً; تصفح الأدلة، وغرر الأدلة، وشرح الأُصول الخمسة، وكتاب في الإمامة وأُصول الدين.
3 . يلحظ بهذا الشأن هامش ص 146.

صفحه 142
قال: وأُستُدل: لو لم يكن، لخلت أكثر المسميات لأنها غير متناهية.
وأُجيب بمنع ذلك في المختلفة والمتضادة ولا يفيد في غيرها، ولو سلم فالمتعقَّل متناه، وإن سلم فلا نسلم، أن المركب من المتناهي متناه، وأُستدُل باسماء العدد، وإن سلم، منعت الثانية ويكون كأنواع الروائح. *
* أقول: هذا إشارة إلى استدلال بعض الأُصوليين القائلين بوجوب وقوع الاشتراك، والمصنف قد أورد عليه اشكالات، وتقرير الإستدلال أن نقول: لو لم يكن المشترك واقعاً في اللغة، لخلت أكثر المسميات عن الاسماء، والتالي باطل فالمقدم مثله.
بيان الشرطية: أنّ المعاني غير متناهية، والألفاظ متناهية، فلو لم يوضع اللفظ الواحد للمعاني المتكثرة، لزم خلو ما زاد على عدد الألفاظ من المعاني عن الأسماء ; وبيان صدق المقدمة الأُولى ظاهر، وبيان صدق الثانية: أنّ الألفاظ مركبة من الحروف وهي متناهية، والمركب من المتناهي يكون لا شك متناهياً فالألفاظ متناهية .
وأمّا بيان بطلان التالي فلأنّ تلك المعاني ممّا تدعو الحاجة إلى معرفتها والتعبير عنها فلابدّ لها من لفظ يدل عليها .
وأجاب عنه المصنف بمنع صدق المقدّمة الأُولى القائلة بأنّ المعاني غير متناهية، وبيان ذلك أن يقال: المعاني المتضادة والمختلفة لا نسلم أنّها غير متناهية، وما الدليل عليه1؟! وأمّا غيرها من المتماثلة، فلا يفيد عدم تناهيها في هذا الموضع، فإنّ جزئيات الإنسان غير متناهية مع أنّ لفظة الإنسان موضوعة لها.   2

1 . أي: وما الدليل على عدم التناهي؟

صفحه 143
قال: وأُستُدِل: لو لم يكن، لكان الموجود في القديم والحادث متواطئاً لأنّه حقيقة فيهما، وأمّا الثانية فلأنّ الموجود ان كان الذات، فلا إشتراك، وإن كان الصفة فهي واجبة في القديم، فلا إشتراك. وأُجيب; بأن الوجوب والإمكان لا يمنع التواطؤ كالعالم والمتكلم.*
<--- سلمنا أنّ المعاني غير متناهية لكن لا نسلم أنّها متعقلة، فإنّ الذهن لا يمكنه إستحضار ما لا يتناهى، فالمتعقل يكون متناهياً والوضع إنّما يكون للمعاني المعقولة لا لغيرها ; فهذا ما على المقدمة الأُولى .
ثمّ إنّ المصنف انتقل إلى الإيراد على الثانية فقال: لا نسلّم أنّ الألفاظ متناهية، قوله: لأنّها مركبة من الحروف المتناهية; قلنا: لا نسلم أنّ المركب من الأشياء المتناهية يكون متناهياً وسند هذا المنع اسماء العدد فإنّها غير متناهية مع أنّها مركبة من الحروف المتناهية، وفي هذا السند نظر .
ثمّ إنّ المصنف انتقل إلى الإيراد على المقدمة الإستثنائية بقوله: وإن سُلِّمَ، منعت الثانية; أي: وإن سلِّم أنّ الالفاظ متناهية، منعت الثانية، أي: المقدمة الثانية
التي هي الإستثناء، وسند المنع، أنواع الروائح فإنّها لم توضع لها اسماءٌ مع كثرتها وشدة الحاجة إلى التعبير عنها، فليس خلو بعض المعاني عن وضع اسماء لها بمحال.
* أقول: هذا إستدلال ثان على وقوع اللفظ المشترك في اللغة، وتقريره: أن نقول: لا شك في وقوع اسم الموجود على القديم والمحدث، فلو لم يكن مشتركاً على معنى أن يكون موضوعاً لكلّ واحد منهما بخصوصيته، لكان متواطئاً على   2

صفحه 144
<--- معنى أنّه يكون موضوعاً لأمر مشترك بينهما، وإلاّ لزم أن يكون حقيقة في أحدهما ومجازاً في الآخر، أو أن يكون حقيقة في غيرهما ومجازاً فيهما ; وهذان باطلان وإلاّ لجاز نفيه عمّا هو مجاز فيه منهما، إذ من علامات المجاز صحة النفي ولا يصحّ نفيه عن شيء منهما فليس مجازاً في أحدهما، فظهر أنّه لو لم يكن مشتركاً لكان متواطئاً، وإلى ما ذكرنا أشار المصنف بقوله: لأنّه حقيقة فيهما، والتالي باطل لأنّ الموجود إمّا أن يكون نفس ذات الشيء، أو يكون زائداً عليها ; وعلى كلا التقديرين لا تواطؤ، أمّا على التقدير الأول فظاهر، لأنّ ذات القديم مغايرة لذات المحدث ومخالفة له فلا يكون الموجود مشتركاً فلا يكون قول الموجود عليهما بالتواطؤ، وأمّا على التقدير الثاني فلأنّ الموجود واجب في القديم تعالى وممكن فيما عداه، فتكون كلّ واحدة من الصفتين مغايرة للأُخرى لاستحالة كون الواجب لذاته، ممكناً لذاته أو مماثلاً للممكن لذاته ; لأنّ حكم المتماثلين واحد، فيصح على الموجود الواجبي، الإمكان وبالعكس لكون الوجوب والإمكان من اللوازم المستندة إلى الذات وحينئذ يلزم عدم الاشتراك في الأمر المعنوي فلا تواطؤ.
وإلى بيان إبطال التالي أشار المصنف بقوله: وأمّا الثانية، يعني المقدمة الاستثنائية ; والمصنف أجاب عن هذا الاستدلال بأنّ الوجوب والامكان من الصفات العارضة للمعنى المشترك فهي غير مانعة من التواطؤ كما أنّ العالم واجب لذاته في القديم وممكن في المحدَث، مع أنّ إطلاق لفظة العالم بالتواطؤ عليهما وكذلك لفظة المتكلم ; ولقائل أن يقول: ليس الإمكان والوجوب من العوارض للموجودات المفارقة ، 1 بل من الأُمور اللازمة فيعود المحذور.   2

1 . المفارقة صفة للعوارض .

صفحه 145
قال: قالوا: لو وضعت، لاختلَّ المقصود من الوضع ; قلنا: يعرف بالقرائن، وإن سلِّمَ فالتعريف الإجمالي مقصود كالاجناس.*
<--- وما ذكرتموه من مثال العالم والمتكلم، فنحن نمنع وجوبهما في القديم تعالى لذاتيهما، وكيف يمكن القول بذلك مع إحتياجهما إلى الذات الموصوفة بهما.
* أقول: هذا إستدلال مَنْ مَنَعَ من وقوع المشترك في اللغة، وتقريره أن نقول: المقصود من الألفاظ ووضعها، إنّما هو التفاهم حالة التخاطب على ما مرّ، ومتى كان كذلك، استحال وضع الألفاظ المشتركة لاشتمالها على نقض الغرض من وضعها، وذلك لأنّ السامع للفظ المشترك لا يحصل له الفهم بمراد المتكلم لاستحالة تخصيص أحد المعاني المندرجة تحته دون غيره بالمعقولية من غير مرجح.
وأجاب المصنف بأمرين:
أحدهما: انّ التفاهم حاصل حالة التخاطب بانضمام القرائن، فلا يحصل نقض الغرض .
الثاني: أن نقول: المقصود من الوضع التفاهم على سبيل الإجمال أو التفصيل، وهو حاصل هاهنا، فإنّه إذا سمع اللفظ المشترك، عرف أن مراد المتكلم منه أحد الأمرين، وإن لم يعرف ذلك الأمر على التفصيل (ع)1، وسنده أنّ اسماء الاجناس تفيد الماهيات الموضوعة لها من دون إفادتها تفاصيل ماتحتها.

1 . ورد هذا الحرف بهذه الشاكلة في النسختين، ولعلّه يرمز إلى ما يلي: «عُرّفَ على الإجمال» .

صفحه 146
وقوع المتشرك في القرآن الكريم    
قال: مسألة:
ووقع في القرآن، على الأصحّ كقوله تعالى: (ثَلاَثَةَ قُرُوء)1 و (عَسْعَسَ)2 لـ (أَقبَلَ) و (أَدَبَرَ).*
قال: قالوا: إنْ وقع مُبَّيناً، طال بغَيرْ فائِدَة، وغير مُبيَّن; غير مفيد.
* أقول: القائلون بوقوع اللفظ المشترك في اللغة اختلفوا في وقوعه في القرآن، فذهب المحققون إلى أنّه واقع، والدليل عليه أنّ لفظة «القُرْء» بإجماع أهل اللغة 3، موضوعة للطهر والحيض على الإشتراك، ولفظة «عسعس» موضوعة للإقبال والإدبار على ما نقله صاحب الصحاح 4 وغيره من أهل اللغة، واعلم أنّ في هذا نظر.

1 . البقرة: 228 .
2 . التكوير: 17 .
3 . قال: «بإجماع أهل اللغة»، غير ان ما قاله علماء اللغة في هذا الشأن يقوض تلك الدعوى من الأساس لأنّ كلمة القرء عندهم ـ أو قل عند بعضهم ـ قد وضعت أوّلاً وبالذات للوقت; ولأجل التناسب الموجود بين الوقت من جانب والحيض والطهر من جانب آخر، استعملت كلمة القرء فيهما; وقد تحدث ابن منظور عن ذلك في «لسان العرب» بالتفصيل، وكذلك صاحب «تاج العروس»، ممّا يجعل دعوى الإجماع في غير محلها.
ولعل الشارح المفضال لهذا السبب ولغيره قال: «في هذا نظر»، وقد مرّ رفضه لوضع كلمة القرء للطهر والحيض معاً فيما سبق، فلاحظ.
4 . الصحاح للجوهري: 3 / 949، مادة «عسس» .

صفحه 147
وأُجيبَ فائدته مثلها في الأجناس، وفي الأحكام الإستعداد للإمتثال إذا بُيِّن.*
* أقول: هذا إستدلال من منع من وقوعه في القرآن، وتقريره: أنّ المشترك إنْ ورد مع القرينة المبيّنة لما يراد منه من أحد المعاني الموضوعة له هذا اللفظ، لزم التطويل بغير فائدة، إذ قد كان يمكن التعبير عن ذلك المعنى باللفظ الواحد الموضوع له بخصوصيته، فيكون ذكر القرينة تطويلاً بغير فائدة فيكون قبيحاً; وإن ورد لا مع القرينة المبيّنة، لم يكن مفيداً فيكون الخطاب به عبثاً فيكون قبيحاً .
وأجاب المصنف بالمنع في الملازمة الثانية، وسنده أسماء الأجناس1 ; اللهم إلاّ أن يكون المُتردد فيه، الفائدة التفصيلية وحينئذ لمنع الملازمة بين عدم الإفادة وبين كون الخطاب عبثاً [ وجه ] 2.
ثمّ إنّ المصنف ذكر فائدة أُخرى في الأحكام زائدة على هذا وهي: أن يكون المخاطب مستعداً لامتثال ما أُمر به إذا بُيِّن له، فيحصل له الثواب الّذي هو أعظم الفوائد.

1 . أي: شأن المشترك شأن أسماء الأجناس حيث إن المعرفة فيها إجمالية، فكما تقصد المعرفة التفصيلية فكذلك تقصد المعرفة الاجمالية فلا يكون عديم الفائدة.
2 . لابد من هذه الإضافة لكي تستقيم العبارة.

صفحه 148
قال: مسألة: المترادف واقع، على الأصحّ كأسد وسبع، وجلوس وقعود. قالوا: لو وقع، لَعَرِيَ عن الفائدة، قلنا: فائدته التوسعة وتيسير النظم والنثر والروي أو الروية 1، وتيسيرُ التجنيس والمطابقة. قالوا: تعريف للمعرَّف 2، قلنا: علامة ثانية.*
في المترادف   

[ المترادف ]

* أقول: قد نقل عن جماعة من شذوذ الناس إنكار المترادف،3 والحق أنّه ليس كذلك والدليل عليه أنّ لفظي الأسد والسَبُع وضعا لمعنى واحد، وكذلك الجلوس والقعود، والحنطة والبر، وغير ذلك من الألفاظ، ولا يعنى بالمترادف إلاّ هذا.
واستدل المنكرون بوجهين :
الأوّل: أنّه يلزم من وقوع الترادف نقض الغرض من وضع الألفاظ وذلك لأنّا قد بيّنا أنّ الغرض منها إنّما هو تحصيل الفائدة بالمراد عند السماع، وهذه الفائدة تحصل بوضع أحد اللفظين فيكون وضع اللفظ الآخر خالياً عن الفائدة.
والجواب: أنّ الفائدة غير منحصرة فيما ذكرتم، فإنّ من جملة الفوائد توسيع العبارة وتسهيل النظم والسجع وغير ذلك، ومثل هذا قد يحصل باستعمال احد اللفظين دون الآخر .   2

1 . كذا في نسخة «ب» وفي نسخة أُخرى: للروي أو الوزن. انظر: رفع الحاجب: 368 .
2 . كذا في نسخة «ب» وفي نسخ أُخرى: المعرَّف. انظر: رفع الحاجب: 1 / 369 .
3 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 22 ; والمحصول: 1 / 95 .

صفحه 149
قال: الحد والمحدود، ونحو: «عطشان بطشان» 1، غير مترادفين، على الأصحّ لأنّ الحد يدل على المفردات وبطشان لا يفرد.*
<--- الثاني: إنّ الغرض من اللفظ إنّما هو تعريف المراد وهذا يحصل بسماع أحد اللفظين فيكون عند الآخر تعريفاً للمعرَّف .
والجواب: أنّ توارد العلامات على شيء واحد، ممكن.
* أقول: قد ظُن في كثير من الأشياء أنّها مترادفة وليست كذلك، فإنّ جماعة ظنّوا أنّ الحد والمحدود من قبيل المترادفات لدلالتهما على الذات المحدودة، وكذلك التابع والمتبوع نحو: «عطشان بطشان» ; والحق خلاف هذا، فإنّ الحدّ يدل بالتفصيل على ما يدل عليه الاسم بالإجمال، فله دلالة على المفردات كقولنا في تحديد الإنسان: «إنّه الحيوان الناطق» فإنّه دال على المفردات بالمطابقة; وأمّا الإنسان فأنّه يدل عليها بالتضمن، فأحدهما غير الآخر وكيف لا يكون كذلك والحد يدل على الأجزاء التي هي علل المحدود، والمحدود يدلُّ على الماهية الحاصلة عقيب الأجزاء .   2

1 . وفي نسخ أُخرى «نطشان» بدل «بطشان». إن كلمة نطشان محوَّرة عن كملة عطشان والسر في ذلك ـ كما قيل ـ هو أنّه ربّما أرادوا توكيد الصفة فاستوحشوا من إعادتها ثانية لأنّها كلمة واحدة فغيّروا منها حرفاً ثم اتبعوها الأُولى.
وأمّا بالنسبة إلى كلمة بطشان، فما ورد في المصادر اللغوية هو كلمة نطشان والّذي ورد في كتب الأُصول من أمثال كتاب «زبدة الأُصول» للشيخ بهاء الدين العاملي و «هداية المسترشدين» للشيخ محمد تقي الرازي هو كلمة بطشان، والأمر سهل وذلك لأنّ القانون الّذي سمح بتبديل كلمة عطشان إلى نطشان، يسمح بتبديلها إلى بطشان أيضاً، وإن لم ترد الكلمة في المصادر اللغوية.

صفحه 150
قال: مسألة: يقع كل من المترادفين مكان الآخر لأنّه بمعناه ولا حَجْرَ في التركيب. *
قال: لو صح لصحّ (خداي أكبر)، وأُجيب بالتزامه، وبالفرق بإختلاط اللغتين. **
<--- وأمّا التابع فإنّه قد اختلف فيه، فذهب قوم إلى أنّه لا يدل على شيء أصلاً ; وآخرون ذهبوا إلى أنّه دالّ على ماهية المتبوع .
وعلى القول الأول لا إشكال وأمّا على القول الثاني فالفرق بينه وبين المترادف ان التابع لا يجوز إفراده عن المتبوع فإنّه لا يجوز أن نقول «بطشان» من غير تقدم ذكر عطشان، بخلاف المترادف.
* أقول: اختلف الناس في ذلك، فذهب الأكثرون إلى أنّه يجوز إقامة كلّ واحد من الألفاظ المترادفة مكان صاحبه، وذهب آخرون إلى المنع .
واستدلّ الاوّلون 1 بأنّ كلّ واحد من المترادفين، يفيد عين فائدة الآخر ; فإذا صحّ انضمام المعنى إلى معنى آخر باستعمال أحد اللفظين، صحّ انضمامه إلى ذلك المعنى باستعمال اللفظ للآخر لأنّ الإنضمام من عوارض المعاني فلا حَجْرَ في التركيب في الألفاظ.
في الحقيقة والمجاز   
** أقول: هذا إشارة إلى إستدلال المانعين، وتقريره: أنّه لا فرق في كون اللفظة موضوعاً للمعنى باصطلاح لغة واحدة أو لغتين، فإن كلاًّ منهما يطلق   2

1 . ليس المراد من «الأولون» هم الذين مرت الإشارة إليهم في صفحات سابقة، بل المراد هم الفريق الأوّل من الفريقين وهو القائل بجواز إقامة كل لفظ مكان صاحبه في الألفاظ المترادفة.

صفحه 151
قال: مسألة: الحقيقة اللفظ المستعمل في وضع أول.*
<--- عليه لفظ المترادف، وإذا جاز إقامة كلّ من المترادفين مقام الآخر، جاز (خداي أكبر)، والتالي باطل ; فالمقدم مثله .
وأجاب المصنف:
أوّلاً: بالمنع في بطلان التالي والتزم صحة (خداي أكبر).
وثانياً: بالمنع في الملازمة بوجود الفارق بين أن يكون المترادف من لغة أو من لغتين، فإنّه يلزم من هذا اختلاط اللغات بخلاف الأوّل ; وإذا كان هذا الفرق ثابتاً جاز أن يكون المنع مستنداً إلى هذا الفارق.

[ الحقيقة والمجاز ]

* أقول: ممّا تنقسم إليه الألفاظ، الحقيقة والمجاز،1 وقد حُدّت الحقيقة بحدود مدخولة لا حاجة إلى ذكرها، وقبل الخوض في التحديد نقول: الحقيقة فعيلة من الحق، والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية; والحق يعني به الثابت وهو هاهنا مجاز .
والمجاز مفعل من الجواز، وهو حقيقة في الأجسام ; وقد أُستعمل هاهنا مجازاً، فلفظا الحقيقة والمجاز، مجاز في استعمال الأُصوليين .
إذا عرفت ذلك، فأعلم أنّ الحقيقة هي اللفظ المستعمل في وضع أوّل في اللغة الّتي وقع فيها التخاطب وذلك لأنّ من الالفاظ ما يستعمل في ما وضعت له أوّلاً كالأسد المستعمل في الحيوان المفترس، ومنها ما يستعمل لا فيما وضع له   2

1 . انظر: الاحكام للآمدي: 1 / 25; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 243 .

صفحه 152
قال: وهي لُغويَّة وعرفية وشرعية كالأسد والدابة والصلاة.*
<--- أولاً كالأسد في الرجل الشجاع ; والأوّل يقال له الحقيقة، والثاني يقال له المجاز. والقيد الأخير 1 وإن لم يذكره المصنف، فإنّه لابد منه لتدخل الحقيقة الشرعية والعرفية في الحدّ .
وأعلم أنّ في هذا الحدّ نظر وذلك لأنّ الأوّل 2 من الأُمور الإضافية الّتي لا تعقل إلاّ بين شيئين، وحينئذ يكون حدّ الحقيقة مستلزماً للمحال3. وأولى الحدود ما ذكره أبو الحسين البصري وهو: أنّ الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الإصطلاح الّذي وقع التخاطب به4.
* أقول: لما كانت الحقيقة عبارة عن اللفظة المستعملة فيما وضعت له، وكان الواضع ; تارة أهل اللغة، وتارة الشرع، وتارة العرف ; انقسمت الحقيقة بانقسام الواضع :
فاللغوية كالأسد فإنّ لفظة الأسد موضوعة في اللغة للحيوان المفترس في أصل الإصطلاح .
والحقيقة العرفية كالدّابة، فإنّ لفظة الدابة وضعت في اللغة لكلّ مايدبّ، وخصصت في العرف بالفرس والحمار .
تعريف المجاز   
والحقيقة الشرعية كالصلاة فإنّها في أصل اللغة عبارة عن الدعاء، وفي   2

1 . يقصد بالقيد الأخير، قوله: «وقع فيها التخاطب».
2 . «الأوّل»، هو الّذي ورد في قوله: «في وضع أوّل».
3 . في نسخة «ب»: للمجاز.
4 . انظر: المعتمد: 1 / 28 .

صفحه 153
قال: والمجاز المستعمل في غير وضع أوّل على وجه يصحّ . *
<--- الشرع وضعت للأفعال المخصوصة .

[ تعريف المجاز ]

* أقول: لما كان المجاز مقابلاً للحقيقة، كان حدّه مقابلاً لحدّها، فالمجاز هو اللفظ المستعمل في غير وضع أوّل كالأسد في الرجل الشجاع; وقوله: على وجه يصحّ، إشارة إلى ثبوت العلاقة بين الحقيقة والمجاز فإنّه لا يجوز استعمال التجوّز مطلقاً، بل لابدّ من علاقة بين موضع الحقيقة والمجاز .
ويمكن أن يكون قوله: على وجه يصحّ، إشارة إلى صحّة استعماله فيما وضع له مع أنّه لم يستعمل فيه 1; وتكون الفائدة في هذا القيد، الإحتراز عن أسماء الأعلام كزيد وعمر فإنّها ليست حقيقة ولا مجازاً مع أنّها استعملت في غير وضع أول، إلاّ أنّه لا يصح إستعمالها في وضع الأوّل; لا يقال: استعمال اسم الدابة في الفرس خارج عن هذا الحدّ، إذ هو استعمال اللفظ في ما وضع له مع أنّه مجاز ولأنّ الكاف في قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)، من باب المجاز مع إنّه ليس يدل على شيء; لأنّا نقول:
أمّا الأوّل: فجوابه أنّ الخاص مغاير للعام فاللفظ الموضوع للعام غير موضوع للخاص بخصوصيته فكان استعماله فيه على سبيل المجاز .
وأمّا الثاني: فقد أُجيب عنه بأنّ الكاف غير مستعملة فيما وضعت له   2

1 . الضمير يعود على «ما وضع له» .

صفحه 154
قال: ولابدّ من العلاقة، وقد تكون بالشكل كالإنسان للصورة، أو في صفة ظاهرة كالأسد على الشجاع، لا على الأَبْخرَ لخفائها، أو لأنّه كان عليها كالعبد، أو آيلٌ كالخمر، أو للمجاورة مثل جرى الميزاب. *
<--- وإلاّ لزم نفي مثل المثل وهو إثبات للمثل، ونفي لله تعالى وهو كفر وشرك ; فلفظة كمثله، مستعملة في نفي المثل على سبيل المجاز ; وفي هذا الجواب نظر .
والحقّ أنّ نفي مثل المثل لا يستلزم ثبوت المثل لأنّ نفيه قد يكون لثبوت المثل ونفي مماثل المثل، وقد يكون لنفي المثل أصلاً ; فإنّ السالبة قد تصدق عند عدم الموضوع، وعلى هذا التقدير يكون الكاف مستعملاً على سبيل الحقيقة في نفي المثل ولا يلزم أيضاً نفي الله تعالى.
* أقول: أنّه لابدّ في التجوز من العلاقة بين موضع الحقيقة وموضع المجاز، وإلاّ لجاز التجوز عن كلّ معنى بكل لفظ وهو باطل ; ولأنّه يلزم أن يكون اطلاق اللفظ عليه من باب الاشتراك لامن باب المجاز .
وقد اشترط قوم بينهما الملازمة الذهنية، وهو خطأٌ، فإنّ أكثر التجوزات عارية عن الملازمة الذهنية، والعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي قد تكون بالشكل كما تقول للصورة المنقوشة على الحائط في هيئة الإنسان ، أنها إنسان لاشتراكهما في الشكل .
   
وقد تكون العلاقة للاشتراك في صفة ظاهرة بينهما كما تطلق لفظة الأسد على الرجل الشجاع لاشتراكهما في الشجاعة وهي ظاهرة في الأسد لا في البَخَرِ1   2

1 . «البخر» رائحة نتنة تخرج من فم الأسد.

صفحه 155
قال: ولا يشترط النقل في الآحاد على الاصحّ .
لنا1: لو كان نقلياً لتوقف أهل العربية عليه، ولا يتوقفون.*
<--- الّذي هو صفة خفية، فعلى هذا لايجوز استعمال لفظة الاسد في الأَبْخَرِ.
وقد تكون العلاقة بينهما لأجل اتصاف المحل بالمعنى أوّلاً كالعبد إذا أُعتِق فإنّه يطلق عليه بعد العتق لفظة العبد لكونه قد كان عليها.
وقد تكون لصيرورته إلى المعنى في ثان الحال، وإن لم يكن في الحال متصفا به كالعصير إذا اطلق عليه لفظة الخمر .
وقد تكون العلاقة هي المجاورة كما تقول: جرى الميزاب، والجاري إنّما هو الماء، فاستعمال لفظة الميزاب في الماء، تجوزاً لأجل المجاورة ; فهذا ما ذكره المصنف .
وقد ذكر غيره وجوهاً أُخر منها: اطلاق اسم السبب على المسبب، ومنها: العكس، ومنها: اطلاق اسم الشيء على ضده، ومنها: اطلاق اسم الكلّ على الجزء وبالعكس، ومنها: تسمية المتعلِّق باسم المتعلَّق كتسمية المعلوم علماً.

[ شروط المجاز ]

* أقول: اختلف الناس في ذلك فذهب قوم إلى أنّه لا يشترط في اطلاق الاسم على مسماه المجازي في كلّ صورة النقل عن أهل اللغة، بل تكفي فيه العلاقة المذكورة; وذهب آخرون إلى الاشتراط مع العلاقة، والمصنف اختار   2

1 . كلمة: «لنا» ترمز إلى كلمة «دليلنا» دائماً فليلحظ ذلك.

صفحه 156
قال: وأُسْتُدلَّ: لو كان نقلياً، لما افتقر إلى النظر في العلاقة، وأُجيب بأن النظر للواضع، وان سُلِّمَ; فللاطلاع على الحكمة.*
<--- المذهب الأوّل .
وقد احتج الذاهبون إليه 1 بوجوه:
أحدها ما ذكره المصنف وهو أنّ النقل لو كان مشترطاً، لتوقف أهل العربية في تجوزاتهم على النقل، والتالي باطل فالمقدم مثله ; وبيان الشرطية ظاهر، وبيان بطلان التالي أنّهم يستعملون كثيراً من المجازات مع عدم النقل، كاستعمال الفاعل والمفعول وانواع الإعراب والبناء إلى غير ذلك مما اصطلحوا عليه فيما وضعوه له مع أنّه غير منقول عنهم.
* أقول: هذه إشارة إلى إستدلال ثان على ما ذهب إليه المصنف، نقله عمَّن تقدّمه من الأُصوليين وهو غير مرضي عنده، وتقريره أن نقول: لو توقف المجاز على النقل لما افتقرنا إلى النظر في العلاقة بين مواضع الحقيقة والمجاز، والتالي باطل فالمقدم مثله ; بيان الملازمة: أنّ المجاز إذا كان باستعمال أهل اللغة لا غير فالذي ينصُّون عليه ينبغي أن يُتَّبع استعمالهم فيه وإن لم تعلم العلاقة بينه و بين المعنى الحقيقي فيكون البحث عن العلاقة غير مفيد; وبيان بطلان التالي ظاهر، فإنّا لا نجد لفظاً مجازياً إلاّ ويُجتهد في استخراج وجه العلاقة بينه و بين المعنى الحقيقي .
وأجاب المصنف :
أوّلاً: بمنع بطلان التالي وذلك لأنّ الناظر في العلاقة إنّما هو الواضع، أمّا   2

1 . أي: عدم اشتراط النقل في المجاز.

صفحه 157
قال: قالوا: لو لم يكن، لجاز «نخلة» لطويل غير إنسان، و «شبكة» للصيد، و «ابن» للأب وبالعكس، وأُجيب بالمانع.*
قال: قالوا: لو جاز لكان قياساً أو اختراعاً، وأُجيب باستقراء أنَّ العلاقة مصِّححة كرفع الفاعل.**
<--- نحن فلا.
وثانياً: تسليمه ومنع الملازمة، قوله: وإلاّ لم تكن فيه فائدة; قلنا: ممنوع، بل فيه فائدة وهي الاطلاع على حكمة الواضع.
* أقول: هذا استدلال المشترطين للنقل، وتقريره: أن نقول لولم يتوقف المجاز على النقل لجاز التجوّز لنا في كلّ اسم وجدنا بين معناه الحقيقي ومايريد أن يتجوز فيه، اشتراكاً ما ـ فيما ذكرتم ـ والتالي باطل، فالمقدّم مثله، والملازمة ظاهرة ; وبيان بطلان التالي أنّه: لا يجوز استعمال «نخلة» لما فيه طول غير الإنسان، فلا يقال للحبل: «نخلة»، مع الاشتراك في الطول الّذي هو سبب في التجوّز بالنخلة عن الإنسان ; ولا يجوز «شبكة» للصيد، ولا «الابن» للأب وبالعكس ; مع أنّ العلاقة وهي السببية موجودة فيها .
وأجاب المصنف بأنّ العلاقة مجوزة مطلقاً، وما ذكرتموه إنّما كان لتحقق المانع من أهل اللغة، فإنّهم نصُّوا على أنّه لا يجوز استعمال هذه الأسامي فيما ذكرتم من المعاني، فعدم الاستعمال إنّما هو لوجود المانع لا لعدم المقتضي.
** أقول: هذا استدلال ثان على أنّ المجاز متوقف على النقل، وتقريره   2

صفحه 158
<--- أن نقول: لو لم يكن نقل أهل اللغة معتبراً في محل التجوز، فتسميته باسم الحقيقة إمّا بالقياس عليه وإمّا بالاختراع من الواضع المتأخر، والتالي بقسميه باطل فالمقدم مثله، بيان الملازمة: أنّ استعمال الاسم الحقيقي في المعنى المجازي إن كان لأجل وجود الاشتراك في أمر معنوي، كان هو القياس كما نقول: النبيذ يسمى خمراً، لأنّ الخمر إنّما سمي بذلك لمخامرة العقل ; وهذا المعنى موجود في النبيذ فيجب اطلاقه عليه; وإن لم يكن لأجل مشترك،1 كان هو الاختراع .
وأمّا بطلان القسمين :
أمّا الأوّل: فلما يأتي في أنّ اللغة لا تثبت بالقياس .
وأمّا الثاني: فلأنّه يكون خارجاً عن اللغة .
والجواب: يجوز أن يكون أهل اللغة نصّوا نصاً جلّياً على جواز إطلاق الاسم الحقيقي على ما كان بينه و بين معناه علاقة ما تكون منصوصة من قبلهم، فلا يلزم القياس ولا الاختراع; كما إنّا لما استقرأنا لغة العرب في رفع الفاعل حكمنا برفعه مطلقاً ولم نكن بذلك خارجين عن قانون اللغة، مخترعين لرفع الفاعل الّذي نتلفظ به نحن ولا نكون قائسين من غير نص منهم; كذلك هاهنا استقرأنا جميع الألفاظ المجازية فوجدناها مشتملة على العلاقة فحكمنا حكماً مطلقاً بأنّ العلاقة مصححة للتجوّز، وفي هذا الجواب نظر.

1 . كذا في النسختين والصحيح: «لأجل الاشتراك» بقرينة عدلها.

صفحه 159
قال: وقالوا: يعرف المجاز بوجوه: بصحة النفي كقولك للبليد: ليس بحمار، عكس الحقيقة، لامتناع (ليس بإِنسان)، وهو دور.*
قال: وبأن يتبادر غيره ـ لولا القرينة ـ عكسَ الحقيقة، وأُورد المشترك، فإن أُجيب بأنّه متبادر غير معيّن، لزم أن يكون المعيّن مجازاً.**

[ علامات الحقيقة والمجاز ]

* أقول: إنّ جماعة الأُصوليين يفرقون بين الحقيقة والمجاز بأُمور1:
أحدها ما ذكره المصنف وهو صحّة النفي، فإذا أُطلق اللفظ على المعنى وصح نفيه عنه علم أنّه مجاز وإلاّ فهو حقيقة كما يطلق على البليد لفظة الحمار مع أنّه يصحّ سلبها عنه فيقال: إنّه ليس بحمار، ويكون هذا السلب صادقاً، فيعرف بأنّه مجاز عكس الحقيقة، فإنّه لا يصحّ سلب الإنسان لما كان لفظة الإنسان حقيقة فيه ; وألزمهم المصنّف: في هذا، الدَّور; ووجه اللزوم أنّ إطلاق اللفظ على المعنى دال على صدقه عليه، وإنّما يصحّ سلبه إذا عرف انّ ذلك الاطلاق مجاز; فحينئذ تتوقف صحّة السلب على معرفة المجاز، فلو كان صحّة السلب علامة معرفة المجاز لزم الدور.
** أقول: هذه علامة ثانية منقولة عنهم للمجاز وهي أن يكون المدلول لا يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ بل يتبادر غيره، إلاّ مع القرينة فيعلم أنّه مجاز فيه وحقيقة في المتبادر إليه .   2

1 . ذكر بعضها الآمدي في الإحكام: 1 / 27 ـ 30 .

صفحه 160
<--- وأُورد عليهم باللفظ المشترك والمنقول، وتقريره: أنّ اللفظ المشترك لا يسبق إلى الذهن كلّ واحد من معنييه فيكون مجازاً في كل واحد منهما، والمنقول يسبق الذهن إليه دون غيره مع أنّه مجاز فيه.1
وأُجيب عن المشترك بأن المتبادر إلى الذهن واحد غير معيّن .
واعترض المصنف على هذا الجواب بأنّه: يلزم منه أن يكون مجازاً في المعيّن لعدم تبادر الذهن إليه .
وقد أجاب بعضهم عن المنقول بأنّ المتبادر إليه الذهن إن عُلِم أنّه مجاز، إندفع الإلزام ; وإن لم يُعلم كان حقيقة، إذ الغالب في الحقيقة التبادر، فيلحق هذا بالغالب .
وعن المشترك أمّا عام في جميع محامله، فلا إشكال وإلاّ هو لواحد من مدلوليه على البدل، فهو حقيقة في الواحد على البدل لا في المعيّن والّذي هو حقيقة فيه فهو متبادر إلى الفهم عند إطلاقه وهو الواحد على البدل والذي يتبادر إلى الفهم وهو الواحد المعيّن، غير حقيقة فيه .
وهذان الجوابان رديئان .
أمّا الأوّل: فلأنّه يدخل في الحقيقة ما ليس منها، فإنّ المنقول ليس من   2

1 . وفي حاشية نسخة «الف» ورد ما يلي:
ويمكن أن يقال: إن تبادر المعنى إلى الذهن ، يدل على كون اللفظ حقيقة فيه; وانتقال التبادر إلى معنى آخر وقت الإستعمال يدل على أن اللفظ حقيقة في المتبادر إليه ; واما إنتفاء التبادر أصلاًّ، لا يدل على الغالب كونه مجازاً فيهما أو في أحدهما وإنّما هو علامة الاشتراك ويكون دليلاً على كونه حقيقة في المعنيين.

صفحه 161
قال: وبعدم إطراده ولا عكس، وأُورد: السخي، والفاضل لغير الله، والقارورة للزجاجة، فإن أُجيب بالمانع، فدورٌ.*
<--- باب الحقيقة، على أنّه إذا جوز مبادرة الذهن في المجاز ولو في موضع ما، لم تكن المبادرة دليلاً على الحقيقة وكيف يستندر المنقول وهو كثير لا يحصى .
وأمّا الثاني: فلأنّه يجعل المشترك من باب المتواطئ وذلك لأنّ اللفظ لم يوضع لواحد لا بعينه بل وضع لواحد بعينه فمبادرة الذهن إلى الواحد لا بعينه، دليل على المبادرة فيما ليس بحقيقة.
* أقول: هذه علامة ثالثة للمجاز وهي عدم الإطراد، فإنّ الرجل الطويل يقال له «نخلة» ولا يقال لغيره من الطوال، فيعلم أنّه مجاز فيه; وهذه العلامة غير منعكسة أي لا يلزم أن يكون كلّ ما يطرد حقيقة، فإنّ بعض المجازات قد تطرّد ; فالحاصل: إنّ عدم الإطراد دليل المجاز، وليس الإطراد دليلاً على الحقيقة، وهو المراد بقوله: ولا عكس، وأُورد على هذا لفظة السخي فإنّها موضوعة للكريم، والفاضل للعالم، والله تعالى كريم وعالم، ولا يقال له: سخي ولا فاضل ; ويقالان لغيره فهاتان اللفظتان غير مطردتين مع كونهما حقيقتين في الكريم والعالم، وكذلك القارورة حقيقة في الزجاجة المخصوصة لكونها مقرّاً للمائعات، وهذا المعنى موجود في الكوز ولا يسمى قارورة، فهذه الحقيقة غير مطرّدة.
أجابوا بأنّ المنع الشرعي حصل في تسمية الله تعالى بالسخي والفاضل، والمنع اللغوي حاصل في تسمية الكوز بالقارورة، وإذا كان عدم الاطراد لمانع، لا يخرج اللفظ عن كونه حقيقة ويصيّره مجازاً ; وألزمهم المصنّف [بـ]1 الدور   2

1 . ينبغي زيادة حرف الباء لسلاسة العبارة.

صفحه 162
قال: وبجمعه على خلاف جمع الحقيقة كأُمور جمع أمر للفعل، وامتناع أوامر، ولا عكس. *
<--- وذلك لأنّ عدم الإطراد .1
[ إذا كان للمانع لم يلزم المجاز، فحينئذ إنّما يعلم أنّ اللفظ مجاز، فإذا عُلم أنّ عدم الاطراد لا لمانع ولكن إنّما يعلم أنّ عدم الاطراد لا للمانع إذا عرف انّه مجاز حينئذ يلزم الدور].
* أقول: هذه علامة رابعة للمجاز ذهب إليها الغزّالي2 وهي الخلاف في الجمعين وذلك لأنّه إذا كان الاسم قد اتفق على كونه حقيقة في غير المسمّى المذكور ثمّ وجد جمعه بخلاف جمع هذا المسمى علم أنّه مجاز فيه، كما أنّه قد وقع الاتفاق على أنّ لفظة الأمر حقيقة في القول وهو يجمع فيه بأوامر فنقول إنّه مجاز في الفعل لمخالفته في الجمع، فإنّ الأمر إذا استعمل بمعنى الفعل فإنّما يُجمع على أُمور لا على أوامر .
وفي هذا نظر، فإنّ اختلاف الجمع ليس فيه شعور بكون اللفظ حقيقة فيما أُستعمل فيه أو مجازاً، وقوله: ولا عكس، إشارة إلى أنّه ليس يجب أن يكون   2

1 . ورد في هامش نسخة «ألف» تصويراً للدور بما يلي: لابدّ له من سبب هو المانع من الإطراد، لأن العلاقة المصححة موجودة، والمانع من الإطراد إمّا أن يكون هو العلم بكون اللفظ مجازاً وإمّا أن يكون الشرع أو اللغة، والأخيران باطلان لأنّ التقدير عدمهما، فالمانع هو الأوّل لا غير; فظهر أن عدم الاطراد إنّما يكون دليلاً على المجاز إذا عرف كونه مجازاً، وذلك دور ظاهر.
2 . انظر: المستصفى: 2 / 25 .

صفحه 163
قال: وبإلزام تقييده مثل: (جُنَاحُ الذُّلِّ)1 و «نار الحرب». وبتوقفه على المسمّى الآخر مثل: (وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ)2.*
قال: واللفظ قبل الاستعمال ليس بحقيقة ولا مجاز.**
<--- كلّ مجاز يخالف جمعه جمع الحقيقة، فإنّ الحمار للحيوان المخصوص يجمع على حمر وكذلك للبليد.
* أقول: هاتان علامتان أُخريان في الفرق بين الحقيقة والمجاز :
أولاهما: التقييد مثل (جُنَاحُ الذُّلِّ) فإنّ لفظة الجناح مجاز هاهنا ويلزم تقييدها لتشعر بالمجاز ولا كذلك في إستعمالها في المعنى الحقيقي، وكذلك: نار الحرب .
وثانيتهما: توقفه على المسمّى الآخر كقولنا (وَ مَكَرَ اللهُ) فإنّه مجاز لا حقيقة لتوقفه على المسمى الآخر وهو المكر منهم.
** أقول: الحقيقة هي استعمال اللفظ فيما وضع له أولاًّ، والمجاز هو استعماله لا فيما وضع له; فشرط تحقيق الحقيقة والمجاز هو الاستعمال، فقبله لا يكون اللفظ حقيقة ولا مجازاً وهو حين الوضع لانتفاء الشرط.

1 . الاسراء: 24.
2 . آل عمران: 54.

صفحه 164
قال: وفي استلزام المجاز الحقيقة خلاف، بخلاف العكس .
المُلزم: لولم يستلزم لَعَري الوضع عن الفائدة.
النافي: لو استلزم لكان لنحو: «قامت الحرب على ساق» و «شابت لِمَّةُ الليل»، حقيقة.*
* أقول: إختلف الأُصوليون في استلزام المجاز للحقيقة، فذهب إليه قوم حتى جعلوا كلّ مجاز مسبوقاً بحقيقة .
والمحققون على خلاف هذا، فإنهم جوّزوا وجود لفظ مجازيّ من دون الحقيقة .
وقد وقع الاتفاق على أنّ الحقيقة لا تستلزم مجازاً فإنّه يجوز إستعمال اللفظ فيما وضع له ولا ينتقل من ذلك المعنى إلى غيره .
واحتج الأوّلون1 بإنّ فائدة الوضع إنّما هي الاستعمال فيما وضع له فلولم يوجد هذا الاستعمال، كان الوضع عبثاً ; فإذاً وجود استعمال اللفظ فيماوضع له واجب وهو المعنى بالحقيقة .
وهو ضعيف لأنّ بعض فوائده، استعمال اللفظ في المعنى المجازي المناسب للمعنى الأصل فإنّه لولا الوضع لمّا صحّ التجوّز، وأيضاً يجوز أن تكون الفائدة هي الاستعمال ثانياً.
واحتجّ الآخرون 2 بأنّه قد وجدت مجازات خالية عن الحقائق   2

1 . أي: الذين جعلوا كل مجاز مسبوقاً بحقيقة.
2 . أي: الذين جوزوا وجود لفظ مجازي من دون أن يكون مسبوقاً بحقيقة.

صفحه 165
قال: وهو مشترك الإلزام، للزوم الوضعِ.*
قال: والحقّ أنّ المجاز في المفرد ولا مجاز في التركيب، وقول عبد القاهر في نحو: احياني بطلعتك 1 أن المجاز في الإسناد بعيد، لاتحاد جهته.**
<--- كقولنا: قامت الحرب على ساق، وشابت لِمَّة الليل ; فإنّها ليست حقائق في شيء إذ لم توضع لشيء أصلاً.
* أقول: أخذ يعترض على الجمهور في استدلالهم بما ذكروه فقال: إنّه لازم عليكم أيضاً كما الزمتموه على الخصم ، ووجه لزومه أن يقول الجمهور: وإن لم يشترطوا في المجاز الحقيقة لكنّهم اشترطوا الوضع; فلقائل أن يقول: لو كان الوضع مشترطاً لكان لقولنا: قامت الحرب على ساق وشابت لِمَّةُ الليل وامثالهما، معاني وضع هذا اللفظ بازائها أوّلاً ثمّ استعملت في غيرها، والتالي باطل فالمقدم مثله ; وحينئذ يكون هذا الإلزام مشتركاً .
ووجه الجواب واحد، اللهم إلاّ أن ينقلوا الوضع دون الاستعمال وهو متعذر.
** أقول: ذكر عبدالقاهر 2 أنّ المجاز على ثلاثة أقسام :
أحدها: أن يقع على المفردات كالاسد والحمار .   2

1 . في نسخ أُخرى: أحياني إكتحالي بطلعتك.
2 . هو أبو بكر عبد القاهر بن عبدالرحمن بن محمد الجرجاني النحوي واضع أُصول البلاغة، كان من أئمّة اللّغة، من كتبه «أسرار البلاغة» و «دلائل الإعجاز» و «إعجاز القرآن»، توفّي سنة 471 هـ . لاحظ الأعلام : 4 / 48 .

صفحه 166
<--- وثانيها: أن يقع في التركيب والإسناد كقولنا: «طلعت الشمس»، «ومات زيد» فإنّ مفردات هذه الالفاظ قد استعملت فيما وضعت له، والمجاز قد وقع في التركيب إذْ اسناد الطلوع والموت إلى الشمس وإلى زيد على سبيل المجاز .
وثالثها: أن يقع فيهما كما في قولنا: «أحياني إكتحالي بطلعتك»، فإن اسناد الإحياء إلى الإكتحال غير حقيقي وكذلك الإكتحال نفسه .
إذا عرفت هذا فنقول:
لمّا ذكر المصنف أنّ الإلزام مشترك، ذكر وجه التخلّص منه، وهو منع الملازمة الّتي نقلها عن الجمهور في قولهم: «لو استلزم المجاز الحقيقة لكان كقولنا: قامت الحرب على ساق، حقيقة»، فإنا نقول: إنّما يجب أن تكون له حقيقة، لو كان مجازاً، ونحن نمنع من كونه مجازاً إذْ المجاز إنّما يقع في المفردات لا في المركبات، وإذا كان كذلك كانت المفردات هي المستعملة مجازاً ولها حقائق قد استعملت فيها، أمّا المركبات، فلا.
ثم أخذ يردُّ على عبد القاهر في قوله: إنّ المجاز قد يقع في الاسناد، بأنّ جهة الإسناد واحدة فلا يتصور فيه المجاز .
وعندي في هذا نظر، فإنّ المجاز في مثل قولنا: طلعت الشمس، ظاهر أنّه ليس في المفردات; وقوله: جهة الاسناد متحدة ; ممنوع، فإنّ الاسم إذا كان بحيث يصح اسناده إلى لفظ آخر اسناد الفاعلية ; كان اسناده إليه اسناد المفعولية على سبيل المجاز.

صفحه 167
قال: ولو قيل: لو استلزم، لكان لِلَفْظ «الرَّحمن» حقيقة ولنحو «عسى»; لكان قويّاً. *
قال: مسألة: إذا دار اللفظ بين المجاز والاشتراك، فالمجاز أقرب، لأن الاشتراك يُخلُّ بالتفاهم ويؤدي إلى مُستبعد من ضد أو نقيض; ويحتاج إلى قرينتين ولأن المجاز أغلب ويكون أبلغ وأوجز وأوفق ويتوصل به إلى السجع والمقابلة والمطابقة والمجانسة والروي. **
* أقول: أَخذَ ينقض على من يدعي استلزام المجاز الحقيقة، بوجود المجاز من دون الحقيقة وذلك كما في لفظة «الرحمن»، ولفظة «عسى» واشباهها ; فإنّ الأُولى موضوعة للانعطاف، والثانية موضوعة للتصرف لكونها فعلاً، والأفعال موضوعة للزمان والحدث، ولم يستعمل الرحمن إلاّ في الله تعالى، وعسى إلاّ في غير المتصرف من غير دلالة على الزمان.

[ دوران اللفظ بين الاشتراك والمجاز ]

** أقول: الأحوال اللفظية المانعة من الافادة تكون على خمسة أقسام هي:
الاشتراك، والنقل، والمجاز، والاضمار، والتخصيص ; لأنّ مع زوال الاشتراك والنقل، يكون اللَّفظ حقيقة واحدة، ومع زوال المجاز والاضمار يكون المراد تلك الحقيقة، ومع زوال التخصيص يكون المراد كلتيهما; فانحصرت في خمسة. والتعارض بينهما على عشرة أوجه، ذكر المصنف منها نوعاً واحداً لكثرته   2

صفحه 168
<--- وهو التعارض بين الاشتراك والمجاز.
وقد ذهب المحققون إلى أنّ المجاز أولى لوجوه :
أحدها: أنّ الاشتراك يخلُّ بالتفاهم إذا خلا عن القرائن لأنّه ليس بعض الحقائق أولى من بعض في إفادة اللفظ إياها وليس كذلك في المجاز لأنّه إن وجد مع القرينة، حمل على المجاز والاّ فعلى الحقيقة فهو دائماً مفيد بخلاف الاشتراك.
الثاني: أنّ الاشتراك يؤدي إلى ارتكاب أمرمستبعد وهو افادة اللفظ للنقيضين أو للضدين في حالين مختلفين، وذلك بأن يكون اللفظ موضوعاً للشيء ولنقيضه، أو له ولضده، بخلاف المجاز فإنّه لا يجوز إلاّ فيما يكون بينه و بين المعنى الحقيقي مناسبة ما أو ملازمة، على ما ذهب إليه بعضهم ; وفي هذا الآخر نظر، فإنّ الحقّ 1أنّه لا يجوز أن يكون اللفظ موضوعاً للنقيضين على سبيل الاشتراك [ وليس بجيد لجواز إسناده إلى قبيلتين ] 2، وأما الضدّ فإنّه كما يكون اللفظ موضوعاً للضدين، كذلك يتجوّز في أحد الضدين وهو مشهور .
الثالث: إنّ الاشتراك يحتاج إلى قرينتين لا دفعة واحدة ولكن في وقتين، يكون المراد في أحدهما إحدى الحقيقتين وفي الآخر الأُخرى ; بخلاف المجاز فإنّه لا يفتقر إلاّ إلى قرينة واحدة تصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه .
الرابع: أنّ المجاز أغلب وأكثر من الإشتراك، والأكثرية دليل الأولوية فإن حمل اللفظ على الأغلب أولى .   2

1 . في نسخة «ب»: فان بعضهم قال.
2 . في نسخة «ب»: فقط.

صفحه 169
قال: وعورض بترجيح الاشتراك باطراده فلا يضطرب، وبالاشتقاق فيتسع، وبصحة المجاز فيهما فتكثر الفائدة; ولاستغنائه عن العلاقة، وعن الحقيقة، وعن مخالفة ظاهر، وعن الغلط; عند عدم القرينة.
وما ذكر من أنّه أبلغ، فمشترك فيهما; والحق أنّه لا يقابل الأغلب شيء ممّا ذكر.*
<--- الخامس: الفوائد الحاصلة من المجاز أكثر من الفوائد الحاصلة من الاشتراك، فإن من جملة فوائد المجاز، البلاغة والوجازة والتوصل إلى السجع والمقابلة والمطابقة والمجانسة ولزوم الروي في النثر والنظم ; وشيء من هذه لا يحصل بالاشتراك، فيكون حمل اللفظ على ما يحصِّل أكثر الفائدتين، أولى.
* أقول: هذه معارضات لما ذكره أوّلاً من الأدلة المرجحة للمجاز :
أحدها: أنّ الاشتراك مطرد بخلاف المجاز، وذلك لأنّا قد بيّنا فيما تقدم أنّ من علامات المجازعدم الاطراد، ولا شكّ أنّ استعمال اللفظ في المعنى استعمالاً مطرداً، أولى من استعماله غير مطرد لحصول الاضطراب من الثاني دون الأوّل.
وثانيها: أنّ الاشتراك يحصل معه الاشتقاق من المعنيين بخلاف المجاز، ومع حصول الاشتقاق يحصل الاتساع، وهي فائدة مفقودة مع المجاز .
وثالثها: أنّ الاشتراك يحصل معه التجوّز فيما يناسب كلّ واحد من المعنيين دون المجاز، فإنّه قد تحصل المناسبة بين أمرين آخرين ولا تحصل المناسبة بين أحد الأمرين وبين كلّ واحد من الآخرين، فيكون المجاز في الأوّل دون الثاني فتكثر الفائدة .   2

صفحه 170
<--- ورابعها: أنّ الإشتراك لا يفتقر إلى العلاقة المصححة لاستعمال اللفظ في أحد مدلوليه بخلاف المجاز .
وخامسها: أنّ الاشتراك يستغني عن مسبوقية الحقيقة بخلاف المجاز.
وسادسها: أنّ مع الاشتراك لا تقع مخالفة الظاهر، بخلاف المجاز فإنّه إذا اريد باللفظ معناه المجازي، يلزم مخالفة الظاهر وهواستعمال اللفظ في معناه الحقيقي .
وسابعها: أنّ الاشتراك لا يلزم منه الغلط بخلاف المجاز، وذلك لأنّ السامع للفظ المشترك إن وجد قرينة دالة على أحد المعنيين، علم أنّ المراد ذلك المعنى وإلاّ فلا يلزم الجهل، بخلاف المجاز فإنّه إذا لم توجد القرينة، صرفه السامع إلى الحقيقة; ويجوز أن يكون خطأً لإحتمال إرادة اللفظ المجاز.
وقوله: وما ذكر من أنّه أبلغ، فمشترك فيهما، إشارة إلى المساواة بين المجاز والاشتراك في البلاغة، فإنّها قد تحصل بهما فلا يمكن الاستدلال بها على أولوية المجاز .
ثمّ إنّ المصنف بعدما ذكر هذه المعارضات أشار إلى الجواب عنها بوجه إجمالي وهو أنّ الحقّ أنّ المجاز أولى لكونه أغلب، وهذا لا يقابله شيء ممّا ذكر من المعارضات.

صفحه 171
قال: مسألة: الشرعية واقعة خلافاً للقاضي، واثبت المعتزلة الدينية أيضاً .
لنا: القطع بالاستقراء; إن الصلاة للركعات والزكاة، والصيام، والحج كذلك; وهي في اللغة ; للدعاء، والنماء، والإمساك مطلقاً، والقصد مطلقاً.*

[ الاسماء الشرعية ]

* أقول: اختلف الناس في الأسماء الشرعية لا بمعنى أنّها ممكنة الوقوع أو، لا; فإنّ الإِمكان لا منازعة فيه إذ لا يستبعد أن يضع الشارع لفظاً من ألفاظ اللغة أو غيرها على معنى من المعاني لم يسبقه على ذلك الوضع أحد، بل الخلاف في الوقوع والمنازعة مفروضة فيما يستعمله الشارع من ألفاظ اللغة في معنى من المعاني لم يسبقه أهل اللغة في الاستعمال، هل يخرج به عن وضعهم أم لا؟
فذهب القاضي أبو بكر 1 إلى المنع من ذلك ; وأطبقت المعتزلة والخوارج على جوازه 2، والمعتزلة فصّلوا هاهنا فقالوا: اسماء الأفعال كالزكاة والصلاة تسمّى شرعية وأسماء الذوات كالمؤمن والفاسق تسمى دينية.   2

1 . هو أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بابن الباقلاني المتوفّى 403 هـ . وليد البصرة وساكن بغداد، المتكلم على مذهب الأشعري; انتهت إليه الرئاسة في مذهبه، ذكر في فهرس تآليفه أن له 52 كتاباً غير أنّه لم يصل إلينا منها إلاّ ما طبع وهي: إعجاز القرآن، التمهيد، الإنصاف. انظر ترجمته في «بحوث في الملل والنحل»: 2 / 404 ـ 409 .
2 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 31 .

صفحه 172
قال: قولهم: «باقية، والزيادات شروط»، رُدّ بأنّه في الصلاة; وهو غير داع ولا متَّبع.*
<--- واستدل المصنف بأنّ القطع حاصل بعد الإستقراء بأنّ الصلاة مستعملة في الأفعال المخصوصة، والزكاة مستعملة في إخراج المال، والصيام في الإمساك المخصوص، والحجّ في قصد البيت استعمالاً على سبيل الحقيقة، ضرورة سبق فهم هذه المعاني عند إطلاق هذه الألفاظ دون غيرها ; وهي في اللغة موضوعة لغير هذه الحقائق فإنّ الصلاة موضوعة في اللغة للدعاء، والزكاة للنمو، والصوم للإمساك مطلقاً، والحجّ للقصد مطلقاً.
* أقول: هذا إشارة إلى إيراد 1 المانعين من وقوع الأسماء الشرعية [على هذا الدليل ]2 مع الجواب، وتقريره: أنّ هذه الألفاظ لم تخرج عن موضوعاتها اللغوية، بل استعملت فيها، والقيود المذكورة إنّما هي شروط لصحَّة وقوع الفعل على الوجه المطلوب شرعاً ; فإنّ الصلاة وضعت في اللغة للدعاء واستعملت في الشرع للدعاء أيضاً لكن الدعاء مطلقاً غير كاف ما لم تنضم إليه شروط هي: الركوع، والسجود، وغير ذلك. وكذلك باقي الأسماء .
أجاب المصنف عن هذا بأنّ لفظة الصلاة في الوضع اللغوي إنّما للدعاء أو للإتِّباع، وهذان المعنيان غير حاصلين في صلاة الأخرس المنفرد، فإنّه غير داع ولا مُتَّبع، ويقال للفعل الصادرعنه أنّه صلاة بالمعنى الشرعي.

1 . في نسخة «ألف»: حجة.
2 . في نسخة «ب»: فقط .

صفحه 173
قال: قولهم: مجاز، إن أُريد استعمال الشارع لها، فهو المدعى، وإن أُريد به أهل اللغة، فخلاف الظاهر; لأنّه لم يعرفوها، ولأنَّها تفهم بغير قرينة.*
قال: القاضي: لو كانت كذلك، لفهمها المكلَّفَ، ولو فهمها، لنقل ; لأنّا مكلفون مثلهم; والآحاد لا تفيد ولا تواتر; والجواب: أنها فُهِمَت بالتفهيم بالقرائن كالأطفال.**
* أقول: هذا إيراد آخر على دليل القائلين بالوقوع وهو أن يقال: استعمال الشارع لتلك الألفاظ ليس دليلاً على الحقيقة، فإنّ الاستعمال قد يكون على سبيل المجاز وهو هاهنا كذلك، فإنّ المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أوّلاً سواء كان المستعمِل الشرع أو غيره; وأجاب المصنف بأمرين :
أحدهما: أن يقول: إن عنيتم بالمجاز، المستند إلى استعمال الشارع ; فإنّه هو المتجوز فهو المطلوب، وإن عنيتم به المستند إلى أهل اللغة; فهو ممنوع وهو ظاهر، فإنّ أهل اللغة لم ينتبهوا لهذه المعاني فكيف يستعملون بأزائها ألفاظاً.
الثاني: إن نمنع كونها مجازاً وذلك لأنّا قد بيّنا أنّ من علامات الحقيقة السبق إلى الفهم، ولا شكّ أنّ هذه الالفاظ متى أُطلقت فهمت هذه المعاني الشرعية من غير احتياج إلى قرينة فهي إذن حقائق فيها .
** أقول: هذه حجّة القاضي أبي بكر على نفي الحقيقة الشرعية، وتقريرها أن نقول: لو كان وضع هذه الألفاظ لمعانيها مستفاداً من الشرع لوجب أن يفهمه المكلف قبل المخاطبة [ بالتوقيف من الشرع ]1 وإلاّ لكان التكليف بالفهم   2

1 . في نسخة «ب» فقط .

صفحه 174
قال: قالوا: لو كانت، لكانت غير عربية لأنّهم لم يضعوها، وأمّا الثانية فلأنّه يلزم أنْ لا يكون القرآن عربياً.*
<--- من دون مسبوقية المعرفة بالوضع تكليفاً بما لا يطاق وهو محال .
[والفهم إنّما يكون بعد التفهيم، والتفهيم إنّما يكون بالنقل ] 1 والنقل أمّا أن يكون متواتراً أو آحاداً، والأوّل، ليس بحاصل ; والثاني، ليس بحجة.
والجواب أن نقول: لا نسلم أنّ [ لزوم تكليف ما لا يطاق لأن ذلك إنّما يلزم لو قلنا أنّه كلفه بالفهم قبل ] 2 التفهيم [ لكنا لا نقول بذلك ]3، إنّما يكون بالنقل بل بالقرائن المتعاقبة مرّة بعد أخرى4 وبالتكرير كما إذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «كنت أصلّي» عند مشاهدتهم له، فإنّ الحكم حينئذ بأنّ الصلاة موضوعة لذلك الفعل، حاصل ; كما أنّ الطفل إذا قيل له: «هات الشيء الفلاني» وكرر عليه مراراً، حَكَم بأنّه اسم له.
* أقول: هذه حجّة ثانية للقاضي، وتقريرها أن نقول: لو كانت هذه الألفاظ حقائق شرعية، لكانت غير عربية، والتالي باطل فالمقدم مثله ; بيان الشرطية: إنّ معنى كون اللفظ عربياً هو أنّه وضع لما فهم منه في طريق العرب ; لا لأنّ    2

1 . لا توجد في نسخة «ب» وبدلها الموجود هو ما يلي:
ولو عرّفه الشرع ذلك لنقل إلينا لأنّا مكلفون مثلهم.
2 . في نسخة «ب» فقط.
3 . في نسخة «ب» فقط .
4 . في نسخة «ب» بدل العبارة الّتي تبدأ بـ «لا نسلم» وتنتهي بـ «المتعاقبة مرة بعد أُخرى»، صورة الجواب كما يلي:
[ قوله: التفهيم إنّما يكون بالنقل; قلنا: ممنوع، بل قد يحصل بالقرائن المتعاقبة... ] وهو أوضح ممّا ورد في المتن.

صفحه 175
قال: وأُجيب بأنّها عربية بوضع الشارع لها مجازاً، أو (أَنْزَلْنَاهُ)ضمير السورة، ويصح اطلاق اسم القرآن عليها كالماء والغسل بخلاف نحو: المِائَةِ والرغيف، ولو سُلِّم، فيصح اطلاق العربي على ما غالبه عَرَبي، كشِعْر فيه فارسيةٌ وعربيةٌ.*
<--- اللفظ منطوق العرب، والتقرير: أنّ هذه الألفاظ لن يضعها العرب، وبيان بطلان التالي أن نقول: لاشكّ أنّ القرآن قد اشتمل على هذه الألفاظ، والقرآن عربي فهذه الألفاظ عربية، والمقدمة الأُولى ظاهرة.
وبيان صدق المقدمة الثانية قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)1; وإلى بيان الملازمة أشار المصنّف بقوله: لانّهم لم يضعوها، وإلى بيان بطلان التالي أشار بقوله: لأنّه يلزم ألاَّ يكون القرآن عربياً، والثانية هي المقدمة الاستثنائية.
* أقول: لما قرر حجة القاضي أخذ في الايردات عليها من وجوه :
أحدها: المنع في الشرطية، قوله: لأنّ معنى كون اللفظ عربياًكونه موضوعاً من طريق العرب، قلنا: لا نسلم بل يجوز أن يكون اللفظ قد وضعه غير العرب لمعنى لمناسبة بينه وبين ما وضعته العرب فيكون مجازاً عربياً، نعم لا يكون حقيقة عربية، وفرق بين نفي مطلق العربية وبين نفي الحقيقة العربية .
الثاني: سلَّمنا الملازمة لكن نمنع بطلان التالي، قوله: القرآن عربي وقد اشتمل على مثل هذه الالفاظ ; قلنا: لا نسلم أنّ القرآن عربي; وقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)، يجوز أن يكون الضمير فيه عائداً على السِّور ; لا يقال   2

1 . يوسف: 2 .

صفحه 176
قال: المعتزلة: الإيمان التصديق، وفي الشرع العبادات، لأنها الدِّين المعتبر، والدين الإسلام، والإسلام الايمان، بدليل: (وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا )1 فثبت أن الإيمان العبادة; وقال: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )(2)، وعورض بقوله تعالى: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُواوَ لَكِنْ قُولُوا
أَسْلَمْنَا
)2.*
<--- القرآن اسم لمجموع السور فإطلاقه على بعضها لا يجوز، وأيضاً فإنّه يكون مجازاً والاصل عدمه ; لأنّا نقول: لا نسلم أنّ القرآن اسم للمجموع بل هو اسم لكلام الله تعالى ولو كان آية واحدة ، والاشتقاق يساعد عليه; وإذا كان اسماً لكلام الله تعالى، صحّ إطلاقه على المجموع وعلى الآحاد على سبيل الحقيقة كاطلاق الماء
على الكثير وعلى الجرّة3، وكذلك الغسل ; بخلاف الرغيف والمائة فإنّ مثل هذه الألفاظ إنّما وضعت للمجموع الّذي لا تتساوى اجزاؤه، فلا يصحّ اطلاقها عليها.
الثالث: سلمَّنا أنّ القرآن اسم للمجموع لكن نقول: وجود مثل هذه الألفاظ في القرآن لا تخرجه عن العربية كالقصيدة العربية إذا وجدت فيها ألفاظ يسيرة فارسية، فإنّه يصدق عليها أنّها عربية وكذلك الفارسية إذا وجدت فيها ألفاظ عربية، كما أنّ الثوب الأسود يصدق عليه اسم الأسود وإن وجدت فيه شعرات بيض.
* أقول: هذا إشارة إلى حجة المعتزلة على ثبوت الأسماء الشرعية ـ   2

1 . آل عمران: 85 .   2 . الذاريات: 35 .
2 . الحجرات: 14.
3 . الجرّة: إناء فخّاري ذو فم واسع وعروتان وجوف كبير.

صفحه 177
<--- الدينية، وتقريره أن نقول: الإيمان في اللغة وضع للتصديق1، ونقل في الشرع إلى العبادات لأنّ العبادات هي الدين المعتبر، لقوله تعالى: (وَ مَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَ يُؤتُوا الزَّكَاةَ وَ ذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)(2) و هو إشارة إلى ما سبق من العبادات، فقد ثبت أنّ العبادات هي الدين
والدين هو الإسلام لقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ )2 والإسلام هو الإيمان لأنّه لو كان غيره لما كان مقبولاً من فاعله لقوله تعالى: (وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)(4) لكن كلّ من صدر عنه الايمان قُبل منه، فيكون الإسلام هو الايمان .
فقد ظهرمن هذا أنّ العبادة هي الدين والدين هو الإسلام والإسلام هو الايمان، فينتج أنّ العبادة هي الإيمان، وهو المطلوب .
وقوله: قال: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)3 إشارة إلى دليل ثان على أنّ الإسلام هو الإيمان، وتقريره: أنّ الاستثناء على ما يأتي هو إخراج جزء ما لولاه لكان داخلاً، وإنّما يكون بهذه المثابة لو كان المستثنى من جنس المستثنى منه، وقد استثنى الله تعالى المسلمين من المؤمنين في قوله: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(6) فوجب أن يكون الإسلام من جنس الإيمان .   2

1 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 35 .         2 . البيّنة: 5 .
2 . آل عمران: 19 .   4 . آل عمران: 85 .
3 . الذاريات: 35 .   6 . الذاريات: 36 .

صفحه 178
قال: وقالوا: لو لم يكن لكان قاطع الطريق مؤمناً، وليس بمؤمن لأنّه مُخزى بدليل: (مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ )1، والمؤمن لا يخزى بدليل: (يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا )(2)، وأُجيب بأنّه للصحابة، أو مستأنف.*
<--- ثمّ إنّ المصنف عارض الآيتين الدالتين على أنّ الإسلام هو الإيمان بقوله تعالى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)2، وجه الاستدلال أنّه تعالى نفى إيمانهم وأثبت إسلامهم فيتغايران.
* أقول: هذا إشارة إلى دليل آخر للمعتزلة على أنّ الإيمان ليس هو التصديق وإنّما هو فعل العبادات، وتقريره أن نقول: لو لم يكن الإيمان عبارة عن فعل العبادات لكان قاطع الطريق مؤمناً، والتالي باطل فالمقدّم مثله; والشرطية ظاهرة لأنّه حينئذ مصدِّق، وبيان بطلان التالي: أن قاطع الطريق يُخزى والمؤمن لا يُخزى;
أمّا الصغرى فلأنّه يدخل النار لقوله: (وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(4) وكل من يدخل النار فإنّه يخزى لقوله: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)3، وأمّا الكبرى فلقوله تعالى : ( يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا معه)(6).
وأجاب المصنّف عن الكبرى بوجهين :   2

1 . آل عمران: 192 .   2 . التحريم: 8 .
2 . الحجرات: 14 .   4 . البقرة: 7 .
3 . آل عمران: 192 .   6 . التحريم: 8 .

صفحه 179
قال: مسألة: المجاز واقع، خلافاً للاستاذ بدليل ; الأسد للشجاع، والحمار للبليد، وشابت لمة الليل. *.
<--- الأوّل: أنّها ليست عامّة في كلّ المؤمنين، وظاهر أنّه كذلك لأنّه تعالى خصّهم بالمعية والصحبة ولا يلزم من كون المؤمنين المصاحبين غير مخزيين أن يكون غيرهم بهذه الصفة .
الوجه الثاني: أنّ الواو ليست للعطف وإنّما هي للاستئناف.

[ وقوع المجاز ]1

* أقول: قد وقع الخلاف بين الأُصوليين في وقوع المجاز في اللغة، فأثبته المحققون ونفاه الأُستاذ أبوإسحاق2، واحتجّ المحققون بأنَّ أهل اللغة اطلقوا الأسد على الرجل الشجاع، والحمار على البليد، وشابت لمّة الليل، على المفهوم منه، فلا يخلو إمّا أن يكون ذلك الإطلاق بطريق الحقيقة، أو بطريق المجاز ; والأوّل باطل وإلاّ لزم الاشتراك ضرورة كون هذه الألفاظ حقائق فيما سوى هذه المعاني، والإشتراك على خلاف الأصل; فتعيّن القسم الثاني.
لا يقال: المجاز على خلاف الأصل أيضاً، لأنّا نقول أنّه: وإن كان على   2

1 . أنظر: الإحكام للآمدي: 1 / 37 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول للعلاّمة: 1 / 253 .
2 . أبو اسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الاسفراييني المعروف بالأُستاذ الملقب بركن الدين ولد في اسفرايين ـ بين نيسابور وجرجان ـ ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له فيها مدرسة عظيمة فدرّس فيها، له رسالة في أُصول الفقه، توفي سنة 418 هـ . لاحظ: الاعلام للزركلي: 1 / 61 .

صفحه 180
قال: المخالف: يُخل بالتفاهم، وهو استبعاد.*
قال: مسألة: وهو في القرآن، خلافاً للظاهرية، بدليل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)1، (وَ اسْأَلِ الْقَرْيَةَ)(2)، (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ )(3)، (فَاعْتَدُوا
عَلَيْهِ )2، (سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا )(5) وهو كثير.**
<--- خلاف الأصل لكنّه أولى عند التعارض لما مرّ.3
* أقول: احتجّ أبواسحاق على قوله: بأنّ المجاز يُخل بالتفاهم ; لأنّه إذا أُطلق اللفظ تبادرت الحقيقة إلى الذهن، وعلى تقدير إرادة المجاز لا يكون المعنى المقصود من اللفظة مفهوماً، والإخلال بالفهم لا يقصده الحكيم .
والجواب: إنّ مع القرينة تزول هذه المفسدة أيضاً، فإنّ هذا إستبعاد محض.
** أقول: نُقل عن أهل الظاهر: أنّ القرآن غير مشتمل على شيء من المجازات، وهو مكابرة، فإنّ قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)، موضوع لنفي مثل المثل على سبيل الحقيقة وهو غير مراد هاهنا وإلاّ لزم نفيه تعالى وإثبات مثل له، هكذا قيل; وفيه نظر، فإذا المراد منه نفي المثل فيكون قد أُريد باللفظ غير ما وضع له وهو المعنى بالمجاز .   2

1 . الشورى: 11 .   2 . يوسف: 82 .   3 . الكهف: 77 .
2 . البقرة: 194.   5 . الشورى: 40.
3 . اورد السُبكي على الشارح في هذا المقام وقال: المجاز إلى الآن لم يثبت فكيف يفزع إليه. رفع الحاجب: 1 / 410.
يلاحظ عليه: ان الشارح بصدد ترجيح احد الاحتمالين على الآخر وهو لا يتوقف على ثبوت المحتمل قطعاً وإلاّ خرج عن محط البحث .

صفحه 181
قال: قالوا: المجاز كذب بأنّه ينتفي، فيصدق ; قلنا: إنّما يكذب إذا كانا معاً للحقيقة .
قالوا: يلزم أن يكون الباري تعالى متجوزاً، قلنا: مثله يتوقف على الإذن. *
<--- وكذلك قوله تعالى: (وَ اسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فإنّه موضوع لسؤال القرية، والمراد منه سؤال أهلها; والمجاز الأول إنّما بسبب الزيادة والثاني بسبب النقصان .
وكذلك قوله تعالى: (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) فانّ الجدار يستحيل استناد الإرادة إليه، وهذا مجاز في التركيب.
وقوله تعالى: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) من باب المجاز أيضاً لأنّ الجزاء على الاعتداء ليس باعتداء وهو مجاز بسبب النقل.
وكذلك قوله: (سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا )وأمثال هذه كثيرة لا تحصى.
* أقول: هذان دليلان استدل بهما أهل الظاهر على نفي المجاز في القرآن مع الجواب عنهما:
أحدهما: أنّ المجاز كذب ولا شيء من القرآن بكذب، أمّا الصغرى فلصدق انتفائه كما تقول للبليد أنّه ليس بحمار فتكون صادقاً، وإذا كان النفي صادقاً كان الايجاب كاذباً لاستحالة اجتماع الصدق في السلب والإيجاب، وأمّا الكبرى فظاهرة.
والجواب: أن الكذب إنّما يلزم لو توارد السلب والإيجاب على المعنى الحقيقي، أمّا إذا كان المراد في أحدهما المعنى الحقيقي وفي الآخر المجازي،   2

صفحه 182
قال: مسألة: في القرآن مُعرَّب، وهو عن ابن عباس وعكرمة، ونفاه الأكثرون.
لنا: (المشكاة) هندية، و (استبرق)، و (سجّيل) فارسية، و (قسطاس) روميّة.
قولهم: ممّا اتفق فيه اللغتان كالصابون والتنور، بعيد; وإجماع العربية على أنّ نحو (إبراهيم) منع من الصرف للعجمة والتعريف، يوضحه.*
<--- لم يلزم الكذب ; فأمّا على تقدير أن يريد بالحمار البليد، لا يلزم كذبه على تقدير نفي الحمار الحقيقي عن البليد .
الثاني: لو كان القرآن مشتملاً على المجاز لكان الله متجوزاً، والتالي باطل إتفاقاً فالأوّل مثله ; وبيان الملازمة أنّ وجود اسم المعنى ليس يستدعي الإشتقاق، وبيان بطلان التالي ظاهر.
والجواب: المنع من الملازمة، وما ذكروه ينتقض بانواع الروائح القائمة بمحالها مع عدم الاشتقاق، وأيضاً لو سلمنا وجوب الاشتقاق لكنّا نقول: أنّ أسماء الله تعالى توقيفية فلا يجوز الاطلاق عليه إلاّ مع الإذن وهو غير ثابت هاهنا.

[ المعرَّب في القرآن ]

* أقول: اختلف الناس في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية، فذهب   2

صفحه 183
<--- ابن عباس1 وعِكْرِمة2 إلى وقوعه ونفاه الباقون ; والمصّنف إختار الأوّل واحتج عليه بأمرين :
الأوّل: أنّ القرآن قد اشتمل على لفظة «المشكاة» وهي هندية، وعلى لفظة «استبرق» و «سجّيل» وهما فارسيتان، وعلى لفظة «قسطاس» وهي رومية، وعلى لفظة «طه» وهي بالنبطية .
أجاب الباقون عن هذا بأنّ: هذه الألفاظ لا يلزم من كونها من لغات غير العرب، أن لا تكون لغة للعرب ; فإنّه يجوز اتفاق اللغات على لفظة واحدة كـ «الصابون» و «التنُّور» فإنّه قد قيل انّهما مما اتفق فيهما جميع اللغات، فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك في هذه الالفاظ، والمصنف استبعد ذلك الوجه .
الثاني: أن النحاة اتفقوا على أنّ إبراهيم وإسماعيل إنّما لم يُصرفا للعجمة والتعريف، وذلك يدلّ على اشتمال القرآن على كلمات غير عربية.3

1 . هو عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب القرشي الهاشمي أبو العباس المدني (المتوفى: 68 هـ)،ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان محبّاً لعلي (عليه السلام)وملازماً لطاعته في حياته وبعد مماته. انظر في ترجمته: أعيان الشيعة: 8 / 55 ـ 57 .
2 . وهو أبو عبدالله القرشي البربري الأصل، مولى ابن عباس مات 104 هـ ، انظر في ترجمته : الخلاصة: 383 برقم 13; ومعجم رجال الحديث: 2 / 178، برقم 7765 .
3 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 40 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 259 .

صفحه 184
قال: [ احتجّ ] المخالف 1 بما ذكر في الشرعية وبقوله: (أَاَعَجَمِيٌّ وَعَرَبي)2، فنفى أن يكون متنوعاً، وأُجيب بأنّ المعنيَّ من السياق: أكلام أعجمي ومخاطب عربي لا يفهم وهم يفهمونها؟! ولو سلم نفي التنوع، فالمعنى: أعجمي لا يفهم.*
* أقول: هذان دليلان على عدم اشتمال القرآن على كلمة غير عربية :
أولهما: ما مضى في الحقيقة الشرعية من أنّها لو كانت ثابتة لما كان القرآن كلّه عربياً، والتالي باطل; وقد تقدّم الكلام في هذه الحجة فيما مضى .3
الثاني: قوله تعالى: (أَاَعَجَمِيٌّ وَعَرَبي); ونفي التنوع الموجب لسقوط اعتراضهم بتنوعه بين أعجمي وعربي، ولا ينتفي التنوع وفيه أعجمي .
وأجاب المصنف بالمنع من نفي التنوع :
أوّلاً، فإنّ المعنيّ من سياق الآية: أكلام عجمي ومخاطب عربي لا يفهم؟ وبتسليم نفي التنوع لكن لا مطلقاً بل بين أعجمي غير مفهوم وبين عربي، ولا يلزم من نفي التنوع المقيد، نفي مطلق التنوع، ولا يندرج أيضاً في الانكار لفهمهم إياه.

1 . في جميع النسخ «المخالف» فقط، وزدنا كلمة «احتجَّ» لكي يتم المعنى ويستقيم.
2 . فصلت: 44 .
3 . لاحظ كلام الشارح (قدس سره)(ص 168) عند تقريره لحجة القاضي أبي بكر الثانية لنفي «الحقيقة الشرعية».

صفحه 185
قال: مسألة: المشتق ما وافق أصلاً بحروفه الأصول ومعناه، وقد يُزادُ بتغيير ما، وقد يَطّرد كاسم الفاعل وغيره، وقد يختص كالقارورة والدَّبَرَان.*

[ المشتق ]

* أقول: يشترط في الاشتقاق بقاء الحروف الأُصول والمعنى،1 أمّا بقاء المعنى فلأنّ المراد من الاشتقاق إنّما هو حصول الزيادة في المعنى، وأمّا بقاء الحروف الأُصول فلأنّها لو لم تكن باقية، لم يكن ذلك اشتقاقاً بل وضع لفظة جديدة; اللّهم إلاّ أن يمنع مانع من بقاء الحروف كخف من الخوف، فإنّ المانع من التقاء الساكنين أوجب حذف بعض الحروف وإن كان ثابتاً في الأصل فهو كأنّه موجود بالفعل في الفرع .
واعلم أنّ جماعة من الأُدباء اشترطوا في الاشتقاق التغيّر إمّا بالزيادة أو النقصان أو بهما، في الحركة أو في الحروف أو في المجموع، فالأقسام خمسة عشر.
ويرد على هؤلاء مثل طَلَبَ من الطلب وغَلَبَ من الغلب وحَلَبَ من الحلب، فإنّ هذه الأفعال مشتقات من هذه المصادر مع عدم التغير لبقاء الحركات على ما هي عليه في المصادر .
أجابوا عن هذا بأنّ حركة الإعراب لمّا كانت غير لازمة لتبدلها، لم يعتد بها في الأبنية; ولمّا كانت حركة البناء لازمة أُعتدّ بها فيها.
إذا تقرر هذا فنقول: هذه الأفعال متحركة الأواخر حركة البناء، ومصادرها متحركة حركة الإعراب، والأُولى كالجزء من الكلمة لبنائها والثانية عارضة    2

1 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 43 .

صفحه 186
<--- لتبدلها بغيرها فكانَ التغيير حاصلاً وهو من باب الزيادة .
ولنا في هذا نظر فانّا نقول: ما تعني بحركة الإعراب ؟ إن عنيت بها الحركة الشخصية من الرفع أو الجر أو النصب، سلمنا أنّها غير لازمة ولكن لم قلت أن مطلق حركة الاعراب غير لازمة؟ ونظر الإشتقاقي ليس في حركة معيّنة بل في مطلق الحركة; وإن عنيت بها مطلق الحركة، منعنا عدم اللزوم.
فإن قلت: الإعراب طارئ على الاسم، حاصل بعد كمال حروفه للاصول فأصله السكون، وقول النحويين أنّ أصل الأسماء الإعراب، لا ينافي هذا لأنّ نظر النحوي في الاسم من حيث عروض التركيب له ولا شك أن الإعراب من هذه الحيثية أصلٌ للأسماء ; ونظر الإشتقاقي في الإسم من حيث الوضع الأفرادي [ لازم، لكن ] 1.
قلت: فالفعل أيضاً اصله الوقف نظرا إلى الوضع على أنّ النحويين نصّوا على أنّ أصل الأفعال البناء وإنّ البناء أصله الوقف، فكيف تجعل حركته العارضة البنائيّة اصلاً يعتدّ بها .
وأعلم أنّ الاشتقاق قد يطَّرد كما في اسماء الفاعلين والمفعولين المشتقة من الافعال، وقد يختص ببعض الأسامي كالقارورة 2 والدَّبَرَانِ 3 المأخوذان من الاستقرار والدُّبوُر، وليس كلّما يستقر فيه الشيء أو يحصل له الدبور يصدق عليه هذان الإسمان.

1 . ليس في نسخة «ب» .
2 . القارورة: إناء صغير يتخذ للطيب والدواء ونحوهما، تجمع على قوارير وهي مفردة قرآنية.
3 . الدَّبران: أحد منازل القمر يشتمل على خمسة كواكب، قيل إنّما سمّي بذلك لأنّه يتبع الثريا، والمراد من الدُّبُور هو الانصرام والمضي كما تقول دَبَرَ الليل دُبُوراً.

صفحه 187
قال: مسألة: اشتراط بقاء المعنى في كون المشتق حقيقة، ثالثها: إن كان ممكناً، اشترط.
المشترط: لو كان حقيقة وقد انقضى، لم يصح نفيه.
أُجيب: بأنّ المنفي الأخصُّ، فلا يستلزم نفي الأعمّ، قالوا: لو صحّ بعده لصح قبله.
أُجيب: إذا كان الضارب من ثبت له الضرب، لم يلزم.*
* أقول: اختلف الناس في أنّ بقاء المعنى المشتق منه، هل يشترط في إطلاق الاسم المشتق حقيقة أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّه مشترط مطلقاً .
وثانيها: أنّه غير مشترط مطلقاً .
وثالثها: إن كان البقاء ممكناً، اشترط وإلاّ فلا .
والمصنف نبه على القولين الأوّلين بذكر الثالث .
إحتج المشترطون بأمرين :
الأوّل: لو كان إطلاق الضارب على من حصل منه الضرب وانقضى، على سبيل الحقيقة ; لما صحّ نفيه عنه ; والتالي باطل فالمقدم مثله ; بيان الشرطية ما مضى من أن علامة الحقيقة كذب النفي، وبيان بطلان التالي أنّه يصحّ نفيه في الحال، فإذا صحّ نفيه في الحال، صحّ نفيه مطلقاً ; أمّا المقدمة الأُولى فلأنّا نعلم بالضرورة أنّه يصدق على من انقضى الضرب منه أنّه ليس بضارب الآن. وأمّا صدق المقدمة    2

صفحه 188
<--- الثانية فظاهر، ضرورة استلزام صدق المركب صدق أجزائه.
والمصنف أجاب عن هذا الوجه بأنّ الضرب في الحال أخصّ من مطلق الضرب والمنفي إنّما هو الأخص ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
وتحرير هذا الجواب أن نقول: قولكم: والتالي باطل، ممنوع، وقولكم في بيانه أنّه يصحّ نفيه في الحال فيصدق نفيه ; قلنا: لا نزاع في صحّة النفي الحالي ولكن قولكم: فيصدق نفيه، إن عنيتم به أنّه يصدق نفيه في كلّ وقت حتى يصدق انّه ليس بضارب في كلّ وقت، فهو ممنوع، والملازمة غير واضحة بل هي كاذبة ; وإن عنيتم أنّه يصدق نفيه مطلقاً، فهو مسلّم ولكن لا يلزم من النفي المطلق نفي الضرب في الماضي.
الوجه الثاني:1 قياس العكس، وهو أن نقول: لو صدق على من انقضى الضرب منه أنّه ضارب، لصدق عليه قبل وجود الضرب منه، والمشترك بينهما هو وجود الضرب منهما في أحد الوقتين أعني الماضي أو المستقبل، والتالي باطل اتفاقاً، فإنّ الذي لم يوجد منه الضرب أصلاً مع صحة وجوده منه، لا يصدق عليه أنّه ضارب .
وأجاب المصنف بالفرق بين المقيس والمقيس عليه بالنظر إلى موضوع اللفظة، وذلك لأنّ اللفظة وضعت لمن ثبت له الضرب، والذي وجد منه الضرب وانقضى يصدق عليه أنّه ثبت له الضرب، بخلاف الذي لم يوجد منه الضرب أصلاً، ومع قيام الفرق لا يلزم القياس.

1 . في النسختين «الف» و «ب»: «الوجه الثاني»، وهو ثاني الأمرين الذين أشار لهما الشارح عند إيضاح كلام المصنّف لبيان رأي القائل باشتراط بقاء المعنى المشتق منه ليكون المشتق حقيقة، وهو الّذي يعنون اليوم بالتلبس بالمبدء وانقضاء التلبس به.

صفحه 189
قال: النافي: أجمع أهل العربية على صحة «ضارب أمس» وأنّه اسم فاعل. أُجيب: مجاز كما في المستقبل باتفاق ; قالوا: صحّ «مؤمن وعالم». أُجيب: مجاز لامتناع «كافر»، لكفر متقدم.
قالوا: يتعذر في مثل: «متكلم» و «مخبر»; أُجيب بـ : أن اللغة لن تبن على المشاحة في مثله بدليل صحة الحال، وأيضاً: فإنّه يجب أن لا يكون كذلك.*
* أقول: هذه حجج النافين للاشتراط، وهي ثلاث:
الأُولى: قالوا اجمعت النحاة على صحة قولنا: زيد ضارب أمس، وهو اسم فاعل.
والجواب: لِمَ لا يجوز أن يقال: إنّ هذا الصدق على سبيل المجاز، كما أنهم يجوزون في مثل قولهم: زيد ضارب غدا، وهو اسم فاعل، واتفقوا على أنّه ليس بحقيقة .
الثانية: قالوا: يصدق على النائم انّه عالم ومؤمن وهما غير حاصلين له في حالة النوم .
والجواب: انّ هذا الصدق على سبيل المجاز، وإلاّ لصدق على المسلم بعد كفرانّه كافر، لكفر تقدم .
ولقائل أن يقول: الأصل عدم المجاز، والتمثيل بضارب في الجواب الأوّل غير مفيد لما بيَّنا من وقوع الفرق بين ما كان منه بمعنى الماضي والمستقبل; والتمثيل بكافر في الثاني ضعيف لانّا نقول: انّه يصدق عليه انّه كافر ولكن الشرع   2

صفحه 190
قال: مسألة: لا يشتق اسم الفاعل لشيء والفعل قائم بغيره خلافاً للمعتزلة.
لنا: الاستقراء.*
<--- منع من اطلاق هذا اللفظ عليه .
الثالثة: إنّ الافعال التي لا توجد إلاّ في زمان التكلم والخبر 1 تشتق منها اسماء الفاعلين ويطلق على ما تصدر عنه تلك الأفعال على سبيل الحقيقة، مع استحالة بقاء تلك الافعال .
والجواب أن يقول المشترط: هو وجود المعنى بتمامه إن أمكن أو وجود آخر جزء منه إن لم يمكن ; فان قلت: كيف يصحّ اطلاق الاسم حقيقة على شيء لم يوجد منه إلاّ جزؤه؟
قلت: إن اللغة لم تبن على المشاحة في مثل هذه الأُمور، فإنّه قد اطلق الحال على زمان الحال أو فعله حقيقة مع أنّ الموجود منها ليس الاّ جزء واحد ; وأيضاً فإنّه يجب أن لا يكون وجود ما منه الاشتقاق بتمامه شرطاً فيما يجب فيه من المعاني الّتي لا توجد إلاّ في زمان لأنّه إنّما يشترط البقاء إذا امكن وجوده بتمامه [ وأيضاً لو امتنع إطلاق اسم حقيقة على المدلول إذا كان عرفاً، لكان الواجب أن لا يكون اطلاق الحال على زمان الحال وفعله حقيقة وهو خلاف الاجماع](2).
* أقول: اختلف الناس في جواز إطلاق المشتق [ أي في أنّه يجوز إطلاق المشتق ]2 على ذات مع أنّ ما منه الاشتقاق قائم بغيره أو لا؟ فأجازه   2

1 . وفي نسخة «الف»: المتكلم والمخبر.         2 . ليست في نسخة « ب» .
2 . ليست في نسخة «ب» .

صفحه 191
قال: قالوا: ثبت قاتل وضارب والقتل للمفعول ; قلنا: القتل التأثير وهو للفاعل. *
قال: قالوا: أُطلق الخالق على الله باعتبار المخلوق وهو الأثر لأن الخلق المخلوق، وإلاّ لزم قدم العالم أو التسلسل .
وأُجيب: أولاً: بأنّه ليس بفعل قائم بغيره; وثانياً: أنَّه للتعلق الحاصل بين المخلوق والقدرة حال الإيجاد، فلما نسب إلى الباري صحّ الاشتقاق جمعاً بين الادلة.**
<--- المعتزلة وقالوا: لأنّ الله تعالى متكلم بكلام قائم بغيره من الاجسام لاستحالة قيام الحادث بذاته تعالى، وقيام العرض لا في محل .
والأشاعرة منعوا من ذلك وقالوا أنّه تعالى متكلم بكلام قائم بالنفس، وأثبتوا كلاماً آخر غير الحروف والأصوات. وتحقيق هذه المسألة ذكرناه في كتاب «المناهج»1، واحتج المصنف بالاستقراء.
* أقول: هذه حجّة المعتزلة على أنّ اسم الفاعل قد يصدق على شيء، والمصدر على غيره، فإنّ القاتل والضارب اشتُقّا من القتل والضرب وهما فعلان صدرا منه في ذات المفعول .
أجاب المصنف: بأنّ القتل ليس هو الاثر الحاصل في ذات المفعول بل هو التأثير وهو حاصل في الفاعل،وفيه نظر: لأن التأثير عندهم هو الأثر والالزم التسلسل.
** أقول: هذه حجّة ثانية للمعتزلة على أنّه لا يشترط قيام ما منه   2

1 . يراجع: «مناهج اليقين في أُصول الدين»: 60، البحث الثالث في العدم.

صفحه 192
<--- الاشتقاق بما صدق عليه الاسم المشتق، وتقريرها أن نقول: قد أُطلق الخالق على الله تعالى وهو اسمُ فاعل مشتقٌ من الخلق، والخلق هو الأثر الذي هو المخلوق ليس صفة قائمة بذات الله تعالى كالعلم وذلك لأنّ الخلق لو كان أمراً مغايراً للمخلوق، لكان إمّا أن يكون قديماً أو حادثاً، والقسمان باطلان .
فكونه مغايراً باطل، إمّا أنّه لا يجوز أن يكون قديماً ; فلأنّه نسبة بين الخالق والمخلوق والنسبة بين المنتسبين1 متأخرة عنهما، والقديم إذا كان متأخراً عن شيء كان ذلك الشيء قديماً بالضرورة فيلزم قدم العالم .
وإمّا أنّه لا يجوز أن يكون محدثاً فلأنّه لو كان كذلك لكان مخلوقاً و يكون نسبة الخالقية إليه مغايرة لنسبتها إلى العالم لوجوب تغاير النسب عند تغاير المنتسب إليه، وإذا كانت مغايرة فإن كانت قديمة، لزم قدم العالم ; وان كانت محدثة فافتقرت إلى خالقية أُخرى وتسلسل .
وأجاب المصنف بوجهين :
الأوّل: أنّ النزاع إنّما وقع في جواز الاشتقاق من فعل قائم بالغير، وما ذكرتموه من الخالقية فليس محل النزاع لأنّ الخلق ليس بفعل قائم بالغير بل هو ذات الغير فلا يلزم مطلوبكم الّذي هو جواز الاشتقاق من العقل القائم بالغير.
الثاني: إنّ الخلق عبارة عن التعلّق الحاصل بين المخلوق والقدرة حال الإيجاد، فلمّا نسب هذا التعلق إلى الباري، صحّ الاشتقاق وإنّما أُطلق الخلق   2

1 . في نسخة «ب»: الشيئين.

صفحه 193
قال: مسألة: الأسود ونحوه من المشتق يدل على ذات متصفة بسواد لا على خصوص من جسم وغيره بدليل صحة: الأسود جسم. *
<--- على هذا المعنى المجازي الّذي هو من باب إطلاق اسم الملزوم ـ أعني الخلق الحقيقيـ على اللازم ـ أعني التعلّق ـ جمعاً بين الأدلة .
وهذان الوجهان ضعيفان:
أمّا الأوّل: فلأنّ المخلوق عند جمهور المعتزلة إنّما هو الوجود وهو قائم بالذات الموجودة، وليس الفاعل فاعلاً في الذوات ; وعند آخرين منهم أنّ الفاعل إنّما فعله في جعل الذات موجودة ليس في الذات ولا في الوجود .
وأمّا الثاني: فلانّ ذلك التعلق ليس تقديم، لكونه نسبة بين المخلوق والقدرة والنسبة متأخرة فهو حادث وغير قائم بذاته تعالى لاستحالة قيام الحوادث به وهو عرض فهو إذن قائم بالغير، وفي هذا بحث.
* أقول: المشتقات ليس فيها إشعار بخصوصية الذات التي يصدق عليها المشتق فإنّ الأسود ليس إلاّ شيء وجد له السواد من غير دلالة على كون ذلك الشيء جسماً أو عرضاً والدليل عليه أنّ قولنا: الأسود جسم، صادق ومفيد; ولو كان الأسود معناه جسم أسود لكان تكريراً، ولو كان غيره كان نقصاً.

صفحه 194
قال: مسألة: لا تثبت اللغة قياساً، خلافاً للقاضي، وابن سُريج، وليس الخلاف في نحوِ: «رجُل»، ورفع الفاعل، أي: لا يسمّى مسكوت عنه إلحاقاً بتسمية لمعيّن لمعنىً يستلزمه وجوداً وعدماً، كالخمر للنبيذ للتخمير، والسارق للنبَّاش للآخذ خفية، والزاني للاّئطِ للأيلاج المحرّم، إلاّ بنقل، أو استقراء التعميم.*

[ ثبوت اللغة ]

* أقول: الثابت باللغة 1 إمّا أن يكون لفظاً وإمّا أن يكون حكماً من أحكامه، والثاني: كرفع الفاعل ونصب المفعول ; وهذا ممّا يجوز القياس فيه لأنّ أهل اللغة نصوّا على جواز القياس فيه. والأوّل: لا يخلو إمّا أن يكون صفة وإمّا أن يكون علماً وإمّا أن يكون اسم جنس ; والأوّل والثاني2، اتفقوا على امتناع القياس فيهما:
إمّا في الصفات فلأنّ اسماءها وضعت للفرق بينهما كالعالم والقادر فهي واجبة الإطراد نظراً إلى تحقق معنى الاسم، فإنّ مسمّى العالِم مَن قام به العلم وهوثابت في كلّ من قام به العلم وكان ذلك الإطلاق ثابتاً بالوضع .
وأمّا اسماء الاعلام فلأنّها غير موضوعة لمعان موجبة لها، والقياس لابدّ فيه من جامع يكون معنى موجباً للوضع.
والثالث: وهو أن يكون اللفظ اسم جنس فهو اللفظ الموضوع للماهية   2

1 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 44 .
2 . يريد بالأوّل والثاني: الصفة والعلم، والثالث: اسم الجنس.

صفحه 195
قال: لنا: اثبات اللغة بالمحتمل.*
<--- بقيد الوحدة كرجل وخمر، فلا يخلو إمّا إن يكون معناه مقارناً لمعنى يستلزمه وجوداً وعدماً ويكون صالحاً للعليَّة في الوضع ويكون متعدياً إلى غير صورة الوضع، أو لا يكون ; والثاني 1 كالرجل، وليس النزاع واقعاً فيه بل في القسم الأوّل وهو كاسم الخمر فإنّه أُطلق على النبيذ وهو معنى مسكوت عنه أي لم يضعه اللغوي له إلحاقاً له بتسمية معنى الخمر المعيّن لأجل معنى يستلزمه وجوداً وعدماً هو التخمير، وكذلك اطلق السارق على النباش2 بواسطة مشاركته للسارق من الأحياء في الأخذ خفية، وأُطلق الزاني على اللائط لمشاركته للزاني في إيلاج الفرج في الفرج المحرّم، فمثل هذا أثبته القاضي أبوبكر وابن سريج 3 من الأشعرية، وجماعة من الفقهاء وأهل الادب، ونفاه جمهور الحنفية وجماعة من أهل الأدب وإليه مال المصنف.
* أقول: تقريره أن نقول: لا يخلو إمّا أن يكون أهل اللغة نصّوا على وضع الخمر لكلّ مسكر، أو للمعتصر من العنب لا غير، أو لا ينقل شيء من الأمرين ; وعلى التقدير الأوّل: تكون التعدية مستفادةً من اللغة لا من القياس، وعلى التقدير الثاني: يكون المعدِّي للفظ إلى النبيذ خارجاً عن قانون اللغة، وعلى التقدير الثالث: يحتمل أن يكون الوصف الجامع دليلاً على التعدّية ويحتمل أنْ لا يكون،   2

1 . أي: الّذي لا يكون صالحاً للعليَّة، ولا متعدّياً إلى غير صورة الوضع، وهو الّذي لا يقع النزاع فيه كما أشار إليه الشارح (قدس سره).
2 . النبّاش: الّذي ينبش القبور ليسرق ما فيها .
3 . أحمد بن عمر بن سريج، القاضي أبو العباس البغدادي أحد فقهاء الشافعية، مات سنة 306 هـ انظر الأعلام للزركلي: 1 / 185 .

صفحه 196
قال: قالوا: دار الاسم معه وجوداً وعدماً.
قلنا: ودار مع كونه من العِنب، وكونه مال الحيِّ، وقُبلاً.*
قال: قالوا: ثبت شرعاً، والمعنى واحد.
قلنا: لولا الاجماع لما ثبت، وقطع النباش وحدّ النبيذ إما لثبوت التعميم واما بالقياس، لا لأنه سارق أو خمر [بالقياس1 ].**
<--- ومع الاحتمال تمتنع التعدّية.
* أقول: احتج المثبتون بالدوران وهو أنّ الوصف وهو الإسكار، دار مع الاسم ـ وهو لفظة الخمر ـ وجوداً وعدماً ; أمّا وجوداً ففي صورة الخمر وأمّا عدماً ففي الماء مثلاً، ودوران الشيء مع الوصف دليل على العلّية وكذلك الحال في السرقة، فإنّها دارت مع الأخذ خفية وجوداً وعدماً، أمّا وجوداً ففي أخذ مال الحي وأمّا عدماً فظاهر; كذلك لفظة الزنا دارت مع الإيلاج المحرم وجوداً في صورة النكاح في القبل وعدماً في كثيرمن الصور .
والجواب: أنّ دلالة الدوران ضعيفة، ومع تسليمها نقول: اللفظ دار مع المخصوص وجوداً وعدماً، فإن لفظة الخمر دارت مع الاسكار المستفاد من عصير العنب وجوداً وعدماً أمّا وجوداً ففي تلك الصورة وأمّا عدماً فظاهر; ولفظة السرقة دارت مع أخذ مال الحي خُفية أمّا وجوداً ففي تلك الصفة وأمّا عدماً فظاهر; ولفظ الزنا دار مع الإيلاج في القبل المحرّم وجوداً في تلك الصورة وعدماً ظاهر، وإذا كانت هذه الاشياء مدارات وجوداً وعدماً لا يمكن أن يكون ما ذكرتم مداراً.
** أقول: هذه حجّة ثانية للمثبتين وهو أنهم قالوا: ثبت العمل بالقياس   2

1 . كذا في بعض النسخ، يلاحظ: رفع الحاجب: 1 / 428 .

صفحه 197
<--- في الشرعيات لما يأتي وهو عام في كلّ قياس، إذ معناه واحد وهو حمل فرع على اصل لمعنى مشترك بينهما; فيجب العمل بالقياس هاهنا لأنّه أحد أفراد ما دلّ الدليل على جوازه .
والجواب: أنّ الاجماع قد دلّ على إلحاق الفرع بالأصل عند ظن الاشتراك في علّة الحكم، بخلاف هذا، ولولا الاجماع لما ثبت ذلك وهو مفقود هاهنا .
واعلم أنّ مذهب الشافعي ومذهبنا: قطع النبَّاش وحد شارب النبيذ; فتوهَّم قوم أنّ الشافعي إنّما صار إلى ذلك لأجل القياس في اللغة وهو أن الدليل قد دل على أن شارب الخمر يحد، وأنّ السارق يقطع ; ولم يدل على أن شارب النبيذ يحد ولا على أن النبَّاش يقطع ; وإنّما صار إلى ذلك لأنّ النبيذ يسمى خمراً والنبش يسمى سرقة .
فذكر المصنف لمذهب الشافعي محملاً وهو: أنّ الحكم إنّما ثبت في النبيذ لتعميم الاسم، لأنّه نقل عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّ من التمر خمراً» ; فتسمية النبيذ خمراً تكون بالتوقيف لا بالقياس، وإنّما ثبت القطع في النبَّاش لا لأنّه سارق بل بالقياس عليه; والمشترك بينهما المفسدة الحاصلة منهما المناسبة للحد المعتبر شرعاً.

صفحه 198
قال: الحروف:
معنى قولهم: الحرف لا يستقل بالمفهومية; أن نحو «من» و «إلى» مشروط في دلالتها على معناها الإفرادي، ذكر متعلقها ; ونحو «الابتداء» و «الانتهاء» و «ابتدأ» و «انتهى»، غير مشروط فيها ذلك.*
قال: وأمّا نحو «ذو» و «فوق» و «تحت» و «إن»، لم تذكر إلاّ بمتعلقها لأمر، فغير مشروط فيها ذلك لما علم من أنّ وَضْعَ «ذو» بمعنى صاحب; ليتوصل به إلى الوصف باسماء الاجناس، اقتضى ذكر المضاف إليه. وإنّ وَضْع «فوق» بمعنى مكان ليتوصل به إلى علوّ خاصّ اقتضى ذلك، وكذلك البواقي.**

[ اوضاع الحروف ]

* أقول: الحروف لا تدل على معانيها الموضوعة لها إلاّ مع انضمام لفظ آخر إليها، فإنّ قولنا: «زيد في» غير مفيد فائدة قولك: «زيد في الدار»، وكذلك «سرت من وإلى» لا يفيدان البداية والنهاية ما لم ينضم إليهما لفظ آخر ; أمّا الابتداء والانتهاء، فإنّهما يدّلان على معانيهما من غير افتقار إلى ضميمة.
** أقول: إنّه ربما يتوهم متوهم انتقاض الخاصيَّة المذكورة للحرف بهذه الأسامي; فإنّ «ذو» لا تفيد فائدة ما لم تنضّم إلى غيرها من القرائن، وكذلك لفظة «تحت» لابدّ لها من ضميمة ولفظة «فوق» وما شابه هذه الالفاظ ممّا يتضمن الدلالة على النسبة; فأشار المصنف إلى وجه الخلاص عن هذا الوهم، وذلك لأنّ   2

صفحه 199
قال: مسألة: الواو للجمع المطلق، لا لترتيب، ولا معيّة، عند المحققين. لنا: النقل عن الأئمة انها كذلك.*
<--- هذه الالفاظ في أصل وضعها إنّما كانت لمعان قائمة بنفسها لا تفتقر في الدلالة على تلك المعاني إلى قرينة لكنّها بالنظر إلى غاياتها المتضمنة للدلالة على النسب، افتقرت إلى القرائن ; فإنّ لفظة «ذو»، وضعت في الأصل لما وضعت له لفظة «صاحب» لكن لما كان الغرض من وضعها إنّما هو التوصل إلى وصف الاسماء باسماء الأجناس، وجب اقترانها باسم جنس لتتم بذلك غايتها لا دلالتها; وكذلك لفظة «فوق» وضعت لمكان عال وأُتي بها ليتوصل بها إلى خصوصية العلو المستفاد من الضميمة، فوجب لذلك ذكر الضميمة، فإن قولنا: «زيد فوق السطح» إنّما يخصص العلو باقتران السطح، وكذلك ما شابه هذه الالفاظ.
* أقول: اختلف الناس في الـ «واو»، فقال المحققون أنّها لمطلق الجمع لا تفيد الترتيب والمعية،1 قال أبو علي الفارسي2 : «اتّفق اللغويون والنحويون ـ البصريون والكوفيون ـ على أنّها للجمع المطلق من غير ترتيب» 3 ونقل عن الفرَّاء4 أنّها تفيد الترتيب فيما يستحيل الجمع فيه، كقوله تعالى:(ارْكَعُوا   2

1 . انظر: البرهان في أُصول الفقه: 1 / 136 .
2 . هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الأصل أحد الأئمة في علم اللغة، وُلد في «فسا» من أعمال فارس سنة 288 هـ وتوفي سنة 377 هـ ، ومن تأليفاته «الإيضاح» في قواعد العربية. انظر: الاعلام للزركلي: 2 / 179 .
3 . انظر: البحر المحيط: 2 / 257 .
4 . الفراء هو أبو عمر محمد بن عبدالواحد بن أبي هاشم البغدادي (261 هـ ـ 345 هـ)، من علماء العربية، لازم «ثعلباً» في العربية فأكثر عنه إلى الغاية، استدرك على «الفصيح» لثعلب كراساً فأسماه «فائت الفصيح»، وله كتاب «الياقوتة» و «الموضح» و «الساعات» و «غريب الحديث» الّذي ألفه على مسند أحمد بن حنبل. انظر: سير أعلام النبلاء: 15 / 508 ; وفيات الاعيان: 4 / 329 ـ 333 .

صفحه 200
قال: واستُدّل: لو كان للترتيب لتناقض: (وادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ) مع الأُخرى; ولن يصح (تقابل زيد وعمرو)، ولكان: (جاء زيد وعمرو بعده) تكريراً، و (قبله) تناقضاً.
وأُجيب بأنّه مجاز لما سنذكره.*
<--- وَاسْجُدُوا)1 وهو منقول عن الشافعي مطلقاً، والدليل على إفادتها لمطلق الجمع النقل عن أئمة اللغة .2
* أقول: هذا إشارة إلى أدلة القائلين بأنّها تفيد الجمع من غير ترتيب ; والمصنف استضعفها :
الوجه الأوّل: لو كانت الواو تفيد الترتيب لتناقض قوله تعالى: (وادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَ قُولُوا حِطَّةٌ )3 مع قوله تعالى: (وَ قُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا   2

1 . الحج: 77 .
2 . ورد في حاشية نسخة «ب» ما يلي:
[ هكذا ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في «شرح اللمع في أُصول الفقه» له، وهو في النقل اثبت من غيره انظر: شرح اللمع: 1 / 537 . ]
أقول: عنى به ابا اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي (المتوفّى سنة 476 هـ)، صاحب التبصرة في أُصول الفقه.
3 . الاعراف: 161 .

صفحه 201
قال: قالوا: (ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا)، قلنا: الترتيب مستفاد من غيره، قالوا: (إِنَّ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةَ)1، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ابدؤوا بما بدأ الله به» 2، قلنا: لو كان له لما احتيج إلى (ابدؤوا)، قال: ردّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على قائل: (ومن عصاهما فقد غوى) وقال: «قل ومن عصا الله ورسوله»، قلنا: لِترْك افراد اسمه بالتعظيم، بدليل ان معصيتهما لا ترتيب فيها، قالوا: إذا قال لغير المدخول بها انت طالق وطالق وطالق، وقعت واحدة بخلاف: أنتِ طالق ثلاثاً، وأُجيب بالمنع، وهو الصحيح.
وقول مالك: والأظهر أنها مثل «ثم»، إنّما قاله في المدخول بها، نعني تقع الثلاث ولا ينوي في التأكيد. *
<--- الْبَابَ سُجَّدًا )3 والقصة واحدة .
الثاني: أنّها لو كانت للترتيب، لما صدق قولنا: (تقابل زيد وعمر)، فإنّ المقابلة إنّما تصدق عند وجود فعلين دفعة واحدة .
الثالث: أنّها لوكانت للترتيب، لكان قولنا: (جاء زيد وعمرو بعده) تكريراً، و (جاء زيد وعمرو قبله) تناقضاً .
والجواب: جاز أن تكون هذه قرائن دالّة على التجوز، والكلام في الحقيقة.
* أقول: هذه حجج القائلين بأنها للترتيب مع وجه ضعفها:   2

1 . البقرة: 158 .
2 . مسند أحمد: 3 / 320، ونقله.
3 . الاعراف: 161 .

صفحه 202
<--- الأُولى: أنّها أفادت الترتيب في قوله: (ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا)، بدليل أنّه لا يجوز تقديم السجود على الركوع فيفيد في غيره دفعاً للاشتراك والمجاز. والجواب: أنّ الآية إنّما دلت على ايجابهما جمعاً لا على الترتيب، والترتيب إنّما أُستفيد من خارج .
الثانية: أنّه لما نزل قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ)، قالت الصحابة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): بم نبدأ؟ قال: «ابدؤوا بما بدأ الله تعالى به»، وذلك يدل على أنّها للترتيب إذ لو لم تفده، لم يكن احدهما مبتدأ.
والجواب: أنّ هذه الحجة تنقلب عليكم لأنّها لو أفادت الترتيب، لما احتاجوا إلى السؤال عن البداية .
الثالثة: أنّ واحداً قام بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى و من عصاهما فقد غوى ; فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بئس خطيب القوم انت، قل: ومن عصى الله ورسوله فقد غوى»1، ولولم يكن للترتيب، لم يكن فرق بين ما امره (صلى الله عليه وآله وسلم)به وما نهاه عنه .
والجواب: لا نسلم أنّ النهي إنّما حصل لحصول الترتيب، بدليل أنّ معصية الله تعالى ومعصية رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لا ترتيب بينهما، بل كل منهما تستلزم الأُخرى، بل النهي إنّما كان لترك ذكر اسم الله تعالى بالتفصيل، ولا شك أنّ الإفراد بالذكر أنسب بالتعظيم.
الرابعة: قالوا: لو قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق وطالق، فإنها   2

1 . صحيح مسلم: 3 / 12 ; سنن أبي داود: 4 / 295 برقم 4981 .

صفحه 203
<--- تطلق واحدة لا غير، ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً ; فإنّها تطلق ثلاثاً، ولو كانت الواو للجمع من غير ترتيب لما افترقت الصورتان.
والجواب: المنع من عدم وقوع الثلاث، وقد ذهب إليه جماعة، منهم: أحمد بن حنبل، وبعض أصحاب مالك، والليث بن سعد 1، وفي بعض أقوال الشافعي. وهو الصحيح عند المصنف .
ثمّ إنّه يُأوَّل ما نقل عن مالك من أنّ الواو بمنزلة ثمّ، وثمّ للترتيب فكذلك الواو، إنّما جعلها بمنزلة ثمّ في المدخول بها، بمعنى أنّها تقع بها الطلقات الثلاث ولا تقبل نيته في إرادة التأكيد كما لا تقبل في ثم [هذا على هذه الرواية أعني تشديد الواو وبناء الفعل للمفعول ويروى بتخفيف الواو وبناء الفعل للفاعل ومعناه على هذه الرواية أن تقع الثلاث في المدخول بها في حال عدم نية التأكيد فيكون قوله: ولا ينوي في التأكيد، حالاً. وهذه الرواية أولى لوقوع الاتفاق على قبول نية التأكيد ]2.
وأمّا من يمنع من وقوع الطلقات الثلاث مع أنّ الواو غير دالّة على الترتيب عنده، فوجه الجواب عنه أن نقول: قوله: أنت طالق ثلاثاً، كلام واحد لأنّ الثلاث وقعت تفسيراً للأوّل، والكلام إنّما يتم بآخره، بخلاف العطف، فإنَّ الطلاق الثاني ليس تفسيراً للأوّل، فيكون الأوّل قد وقع تامّاً وحصلت به البينونة، فلا يلحق به الطلاق الثاني.

1 . هو شيخ الديار المصرية وعالمها وهو اصبهاني الأصل ومصري السكن، كان الشافعي يراه أفقه من مالك ويتأسف على وفاته، توفي في 175 هـ عن 81 سنة. انظر: تذكرة الحفاظ: 1 / 224 برقم 210 .
2 . ما بين المعقوفتين في نسخة «ب» فقط .

صفحه 204
قال: البحث الثالث1:
في ابتداء الوضع: ليس بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية.
لنا: القطع بصحة وضع اللفظ للشيء ونقيضه وضده، وبوقوعه كالقرءِ والجون.
قالوا: لو تساوت، لم يختص ; قلنا: يختص بإرادة الواضع المُختار.*

[ البحث الثالث: في ابتداء الوضع ]

* أقول: إفادة اللفظ للمعنى امّا أن تكون لذات اللفظ أو لا لذاته، أمّا الأوّل فهو مذهب عبّاد بن سليمان 2 ، وقد أطبق المحققون على إبطاله بأنّا نعلم قطعاً   2

1 . «ابتداء الوضع»، هو عنوان المبحث الثالث من المباحث الّتي عنونها المصنّف في مستهلبحثه لهذا الفصل بـ «مبادئ اللغة»، وهو يشير بذلك إلى موضوعات لغوية:
الأوّل: في حدّها، الثاني: في أقسامها، الثالث: في ابتداء وضعها، الرابع: في طرق معرفتها.
ولا بأس هنا بإلقاء الضوء على خارطة البحث فيما مضى وفيما يأتي، قد اشرنا في هامش سابق بأن مختصر ابن الحاجب هو تلخيص لتلخيص كتاب «الإحكام» للآمدي وهوقد قسم مباحث الجزء الأوّل من كتابه إلى: المبادئ الكلامية، المبادئ اللغوية، المبادئ الفقهية والأحكام الشرعية ; وابن الحاجب قد اتبع اثره في هذا التقسيم الثلاثي إلاّ أنّه غيَّر العنوان الأوّل إلى: «مبادئ الأُصول» وادرج تحته بحوثاً منطقية تبعاً للغزالي في «المستصفى»، على ما يبدو.
2 . هو أبو سهل عبّاد بن سليمان الصيمري البصري المعتزلي المتوفّى حدود سنة 250 هـ ، من أصحاب هشام الغوطي، صنف كتاب «إنكار ان يخلق الناس أفعالهم» و «إثبات الجزء الّذي لا يتجزأ». أنظر: سير اعلام النبلاء: 10 / 551 .

صفحه 205
<--- أنّه كما قد وضع لفظة الأَسود لهذه الهيئة المخصوصة، فقد كان يصحّ وضعها للهيئة المحسوسة من الأبيض ; وكذلك قد كان يصحّ وضعها لعدم السواد ولا يكون بين الشيء وبين النقيضين علاقة طبيعية .
ودليل الصحة، الوقوع، فإنّهم قد اتفقوا 1 على أنّ لفظة القُرء وضعت للحيض والطهر وهما متناقضان، والجون وضع للسواد والبياض وهما الضدان.
واستدل عبّاد على مذهبه بأنّه لولا المناسبة الطبيعية بين اللفظ والمعنى الموضوع له، لكانت نسبة ذلك المعنى إلى ذلك اللفظ كنسبته إلى غيره، فتخصيص وضع اللفظ له دون ما عداه من المعاني وما عدا اللفظ من الالفاظ يكون ترجيحاً من غير مرجح 2 .
والجواب: المخصص إرادة الواضع المختار الّذي يرجحّ بإرادته أحد الطرفين من غير مرجّح، هذا إن قلنا بالتوقيف، وإن قلنا بالاصطلاح فكذلك، أو يكون المخصص هو مسبوقية المعنى دون غيره حال حضور اللفظ المعيّن.

1 . قد مرت الإشارة إلى زيف دعوى الاجماع في هذا الشأن على ضوء ما أفاده الشارح (قدس سره)وذلك في هامش صفحة 141، فراجع .
2 . ذكر الرازي هذا الاستدلال عن عباد، في محصوله: 1 / 58 .

صفحه 206
قال: مسألة: قال الأشعري: علّمها الله بالوحي، أو بخلق الأصوات، أو بعلم ضروري.
البهشمية: وضعها البشر واحد أو جماعة ; وحصل التعريف بالاشارة والقرائن كالأطفال.
الأُستاذ: القدر المحتاج إليه في التعريف توقيف وغيره محتمل. وقال القاضي: الجميع ممكن.*

[ دلالة الألفاظ ]

* أقول: لما أبطل مذهب عبّاد، شرع في تفصيل أقوال الأُصوليين فيه، وتحقيقه أن نقول: إفادة اللفظ للمعنى إمّا أن تكون بالتوقيف أو بالوضع أو بهما أو نتوقف :
والأوّل: مذهب أبي الحسن الأشعري وأصحابه فإنهم قالوا: إنّ الله أوحى إلى بعض الأنبياء بالأسماء، أو خلق أصواتاً في بعض الأجسام، أو خلق علماً ضرورياً لبعض الناس بإفادة اللفظ لمعناه .
والثاني: مذهب أبي هاشم 1 واصحابه فإنّهم قالوا: إنّ دلالة هذه الألفاظ إنّما حصل بالوضع من واحد أو من جماعة وقع بينهم الاصطلاح عليها ; ثمّ إنّ غيرهم عرفوا وضع اللفظ للمعنى بواسطة الإشارات والقرائن كما في حق   2

1 . هو عبدالسلام بن محمد بن عبدالوهاب الجبّائي، أبو هاشم (277 ـ 321 هـ)، من كبارمتكلمي المعتزلة، له آراء انفرد بها وتبعته فرقة سميّت «البهشمية»، له مصنفات منها: الشامل فيالفقه، وتذكرة العالم، والعدّة في الأُصول .

صفحه 207
قال: ثمّ الظاهر قول الأشعري.
قال: (وَ عَلَّمَ آدَمَ)1 ; قالوا: ألهمه أو علمّه ما سبق.
قلنا: خلاف الظاهر.
قالوا: الحقائق، بدليل: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ)(2).
قلنا: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ)(3) يبين أن التعليم لها والضمير للمسميات. *
<--- الأطفال.
والثالث: ينقسم إلى قسمين: الأوّل: أن يكون التوقيف سابقاً على الوضع وهو مذهب الاستاذ أبي إسحاق وغيره ; والثاني: أن يكون الوضع هو السابق، وقد ذهب إليه جماعة من الأُصوليين .
والرابع: مذهب القاضي أبي بكر وجماعة من الأُصوليين.2
* أقول: هذا اشارة إلى استدلال الأشعري مع ما يرد عليه والجواب عنه، وتقريره: أنّ الله تعالى ذكر أنّ الأسماء توقيفية بقوله: (وَ عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ)، فوجب أن تكون الحروف والأفعال كذلك لأنّه لا قائل بالفرق; ولأنّ الإسم إنّما   2

1 . البقرة: 31.   2 و 3 . البقرة: 31 .
2 . إن مذهب القاضي أبي بكر ومن لَفَّ لِفَّه ـ على ما في (الإحكام للآمدي: 1 / 57 ـ 59) ـ هو :
أن كل واحد من هذه المذاهب ممكن بحيث لو فرض وقوعه لم يلزم عنه محال لذاته; وأمّاوقوع البعض دون البعض، فليس عليه دليل قاطع; و [ أمّا ] الظنون فمتعارضة يمتنع معها المصير إلى التعيين.

صفحه 208
قال: واستُدِلَّ بقوله: (وَ اخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ)1، والمراد اللغات باتفاق.
قلنا: التوقيف والإقدار; في كونه آية، سواء. *
<--- سمّي بذلك لكونه علامة على المسمّى، والأفعال والحروف كذلك فهي أسماء أيضاً .
اعترضوا عليه بأن قالوا: المقصود من التعليم يحتمل أنّه ألهمه الاحتياج إلى هذه الألفاظ وأعطاه ما لأجله قدر على الوضع.
سلّمنا أنّ المقصود ليس هو الإلهام فلم لا يجوز أن يقال: أنّه علمه إياها بمعنى أنّه عرَّفه ما اصطلح عليه غيره ممّن سبق.
والجواب: أن هذا خلاف الظاهر، فلا يصار إليه الاّ لدليل.
قالوا: المراد إنّما هو تعليم الحقائق لا الأسماء، بدليل قوله تعالى: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ)(2) ولو كان المراد الأسماء لقال ثم عرضها، والجواب: ليس المقصود هو الحقائق بل الأسماء بدليل قوله تعالى: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ)فإنّه يدلّ على أنّ التعليم إنّما كان للأسماء إذ القصد إنّما هو تعجيزهم، والضمير في قوله (ثُمَّ عَرَضَهُمْ)للمسميات، ولا منافاة في ذلك.
* أقول: هذا اشارة إلى دليل على أنّ اللغات توقيفية وهو مذهب المصنف إلاّ أنّه استضعف هذا الدليل، ومن عادته أنّه إذا أستضعف دليلاً على ما يذهب إليه يصدره بقوله: واستُدلَّ!   2

1 . الروم: 22.   2 . البقرة: 31 .

صفحه 209
قال: البهشمِيَّة: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)1، دلّ على سبق اللغات وإلاّ لزم الدور .
قلنا: إذا كان آدم (عليه السلام)هو الّذي علمها، اندفع الدور. وأمّا جواز أن يكون التوقيف بخلق أصوات أو بعلم ضروري، فخلاف المعتاد. *
<--- وتقريره أن نقول: الله تعالى قال: (وَ مِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَ اخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ)(2) وليس المراد منه الحقيقة لاتفاق الألسنة
اللحمانية، فإذن المراد هو اللفظ الحاصل من الألسنة استعمالاً للسبب في المسبَّب وهو من أحسن وجوه المجاز، ويصير التقدير: ومن آياته توقيف 2 لغاتكم المختلفة أي تعليمها، وإذا كانت الالفاظ مستندة إلى الله تعالى بطل الاصطلاح .
ووجه ضعفه أن نقول: استعمال اللسان في التوقيف مجاز واستعماله في الإقدار على اللفظ مجاز آخر وليس أحدهما أولى من الاخر، وهما مستويان في كون كلّ واحد منهما آية فلا يجوز الحمل على أحدهما إلاّ لدليل .
ولقائل أن يقول: المجاز الأوّل أولى، لوجهين:
الأوّل: إنّه استعمال لفظ السبب في المسبب .
الثاني: إنّ اختلاف القدرة كما وقع في النطق وقع في غيرها فتخصيصه بالذكر ليس بأولى من غيره.
* أقول: استدل أبوهاشم على أنّ اللغات إصطلاحية بقوله تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)، دلّ على مسبوقية الرسالة باللغات فلو   2

1 . إبراهيم: 4 .   2 . الروم: 22.
2 . يقال: وقَّفَ فلاناً على الشيء، أي: اطلعه عليه.

صفحه 210
قال: الأُستاذ: إن لم يكن المحتاج إليه توقيفياً، لزم الدورُ لتوقُّفِهِ على اصطلاح سابق.
قلنا: يعرف بالترديد والقرائن كالأطفال. *
<--- كانت توقيفية لزم الدور .
والجواب: أن الدور مندفع على تقدير أن يكون الله تعالى علمّها آدم ثمّ إنّه (عليه السلام)عرّفها غيره [ لأن الآية دلّت على مسبوقية البعثة إلى القوم، وآدم (عليه السلام) لم يكن له قوم ابتداءً ] 1 .
وأعلم أنّ بعض الناس 2 أجاب عن هذا أيضاً بأنّ التوقيف لا ينحصر في ما يأتي به الرسول بل قد يكون بخلق اصوات في الجمادات أو بخلق علم ضروري فينا، وعلى هذا التقدير يندفع الدور ; والمصنّف استبعد هذا بانّه خلاف العادة.
* أقول: استدل الأُستاذ على كون بعض اللغة توقيفياً بإن الإصطلاح على أنّ اللفظ الموضوع لمعنى ما من المعاني مسبوق بألفاظ دالّة على معرفة الاصطلاح فتلك الألفاظ إن أُستفيد دلالتها من الوضع لزم الدور و إن كان من التوقيف فهو المطلوب .
وأجاب المصنف بإنّ معرفة الاصطلاح تحصل من القرائن كما في حق الأطفال.

1 . في نسخة «ب» فقط.
2 . انظر: التقريب والارشاد للباقلاني: 1 / 320 ـ 326 .

صفحه 211
قال: البحث الرابع: طريق معرفتها بالتواتر فيما لا يقبل التشكيك كالأرض والسماء والحر والبرد; وبأخبار الآحاد في غيره. *

[ البحث الرابع: في معرفة طرق اللغات ]

* أقول: هذا آخر الأبحاث الاربعة، وهو البحث عن معرفة طرق اللغات، وهو ينقسم إلى ما يعلم بالضرورة وضعه للمعنى، وإلى ما لا يكون كذلك:
والأوّل: إنّما يحصل بالتواتر إذ سائر ما عداه من الضروريات غير حاصل هنا وذلك كالسماء، والأرض، والحر، والبرد، والماء، والنار، وغير ذلك من الألفاظ المتداولة بين الناس كافة .
والثاني: إنّما يحصل بالنقل الّذي لا يبلغ حد التواتر وهو الآحاد كالألفاظ الّتي ليست مشهورة عند الناس كافّة.

صفحه 212
قال: الأحكام:
لا يحكم العقلُ بأَنَّ الفعلَ حسنٌ أو قبيحٌ في حكم الله تعالى، ويطلق لثلاثة أُمور اضافية: لموافقة الغرض ومخالفته، ولما أُمِرْنا بالثناء عليه والذم، ولما لا حرج فيه ومقابله; وفعل الله ـ تعالى ـ حسن بالاعتبارين الأخيرين.
وقالت المعتزلة والكرّامية والبراهمة: الأفعال حَسَنةٌ وقبيحة لذاتها.
فالقدماء: من غير صفة. وقوم: بصفة، في القبيح.
والجبائية بوجوه واعتبارات.*
* أقول: اختلف الناس في التحسين والتقبيح 1، فذهبت الأشعرية إلى أن الافعال لا توصف بحسن ولا قبح لذواتها، وأنّ العقل لا يقضي بحسن ولاقبح في أحكام الله تعالى، وإنّ اسم الحسن والقبح يطلق على ثلاثة أمور إضافية:
أحدها: إطلاق الحسن على ما يوافق الغرض، والقبيح على ما يخالفه; وليس ذلك ذاتياً للفعل لتبدله بتبديل الاغراض .
وثانيها: إطلاق الحسن على ما أمرنا الشارع بالثناء على فاعله، والقبيح على ما أمرنا بالذم عليه.   2

1 . إن لشيخنا الأُستاذ السبحاني ـ دامت تأييداته ـ دراسة مستوعبة ودقيقة في مقولة «الحسن والقبح» يقل نظيرها، فقد عالج المقولة معالجة شاملة تعرّض فيها لآراء المفكرين في المسألة قديماً وحديثاً، وفي نهاية المعترك خلص إلى نتيجة تقترب في مضمونها ممّا خلص إليه العلاّمة الطباطبائي من قبل في أكثر من موضع من بحوثه الفلسفية.

صفحه 213
<--- وثالثها: إطلاق الحسن على ما لا حرج فيه، والقبيح على ما يقابله.
والحسن بالمعنى الثالث أعمّ منه بالمعنى الثاني لدخول المباح فيه وعدم دخوله في الثاني .
وأعلم أنّ الحسن بالإعتبار الأوّل غير صادق في حقّ الله تعالى عندهم 1 لأنّ أفعاله غير معللّة بالأغراض ; ويصدق عليها بالإعتبارين الأخيرين ; أمّا أفعالنا فإنّه يصدق عليها الحسن والقبح بالإعتبارات الثلاثة.
وقالت المعتزلة والكرّامية 2 والبراهمة 3 والخوارج 4 والثنوية5وغيرهم أنّ الأفعال حسنة وقبيحة لذاتها:
فمنها ما يدرك بالعقل إمّا بالضرورة كحسن رد الوديعة، وشكر المنعم، وقبح الظلم، وكفران النعمة; وامّا بالنظر والاستدلال كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع .   2

1 . أي: عند الأشاعرة.
2 . الكرّامية: هم أتباع أبي عبدالله محمد بن كرّام المتوفّى سنة 255 هـ .
3 . البراهمة: قوم من أهل الهند، ينتسبون إلى رجل منهم يقال له «براهم» وقد مهّد لهم نفي النبوات أصلاً، وقرّر استحالة ذلك في العقول. وهم على أصناف، ومنهم (أصحاب التناسخ) الذين يقولون بتناسخ الأرواح. انظر: الملل والنحل: 2 / 250 ـ 255 .
4 . الخوارج: وهم الذين فارقوا علياً (عليه السلام)في صفين بعد قبول التحكيم، وهم يكفرون علياً وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن صوبهما أوصوب أحدهما أو رضي بالتحكيم، ويكفرون أصحاب الكبائر ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة، حقاً وواجباً; وقالوا بجواز الإمامة في غير قريش. انظر: معجم الفرق الإسلامية: 112 .
5 . الثنوية: فرقة من القدرية (المعتزلة) وهي الّتي قالت: إن الخير من الله والشر من إبليس. انظر: معجم الفرق الإسلامية: 75 .

صفحه 214
أدلة الحسن والقبح العقليين   
قال: لنا: لو كان ذاتياً لما اختلف، وقد وجب الكَذِب، إذا كان فيه عصمة نبيٍّ من القتل والضرب وغيرهما.
وأيضاً: لو كان ذاتياً لاجتمع النقيضان في صِدِقِ من قال: «لأكذبن غداً» وكَذِبِهِ 1.*
<--- ومنها ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة، وقبح الزنا ; وليس الشارع هو الموجب للتحسين والتقبيح بل كاشف وموضِّح .2
ثمّ اختلفوا، فذهب أوائل المعتزلة إلى أنّ الحسن والقبح غير مختصّين بصفة موجبة للحسن والقبح ; وذهب آخرون إلى أنّ اختصاص بعض الأفعال بالحسن وبعضها بالقبح إنّما هو بصفات زائدة عليها ; وقال قوم أنّها مختصة بصفة في القبيح دون الحسن ; وذهب الجُبّائيان إلى أنّ سبب الاختصاص هي الوجوه والاعتبارات كما أنّ منها لطم اليتيم فإنّ اللطمة إن كانت باعتبار التأديب فهي حسنة، وإن كانت باعتبار الظلم فهي قبيحة.
* أقول: تقرير الوجه الأوّل أن نقول: لو كان الكذب قبيحاً لذاته لوجب وجود القبح كلما وجد الكذب، والتالي باطل فالمقدم مثله ; وبيان الشرطية: إنّ   2

1 . أصل هذه المقولة ينسب إلى سقراط وإفلاطون حيث يقال إن سقراط قال يوماً عن إفلاطون:
كل ما يقوله إفلاطون فهو كَذِبٌ !
وقد اجاب إفلاطون:
سقراط صادق فيما يقول !
وهذا هو الّذي اصطلح عليه في القاموس الفلسفي المعاصر، بالإشكالية.
2 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 61 .

صفحه 215
<--- العلل الذاتية يستحيل تخلف معلولاتها عنها وإلاّ لما كانت علة لذاتها، فإن قلت: إِنّ العلل الذاتية قد تتخلف عنها معلولاتها عند وجود الموانع ; قلت: فالعلة الثانية إذن الماهية مع انتفاء المانع وليس الكلام فيه ; وبيان بطلان التالي: أنّ الكذب قد يستحسن عند اشتماله على مصلحة كتخليص نبي أو ولي.
وأمّا الوجه الثاني1، فتقريره: إنّ الكذب لو كان قبيحاً لذاته والصدق حسناً لذاته، لكان قول القائل لأكذبنّ غداً، مشتملاً على القبح والحسن الذاتيين ; لأنّه إن صدق قوله، لزم منه إيجاد القبيح والفعل المستلزم للقبيح يكون قبيحاً، فالصدق إذن قبيح ; وإن لم يصدق قوله، لزم منه إيجاد القبيح أيضاً ; فعلى التقديرين يلزم منه حصول القبح وذلك يلزم منه إجتماع الحسن والقبح فيه .2
وللمعتزلة أن يقولوا: أمّا الأوّل3، ففاسد لأنّ تخليص النبي قد يحصل من غير حصول الكذب وذلك بأن يأتي بصورة الإخبار من غير قصد إليه أو مع قصد إليه لكن مع التعريض ; ولو قُدِّر أنّه لا يحصل إلاّ مع الكذب فلا نسلم أنّ الكذب حسن هاهنا، وكون التخليص حسناً لا يستلزم حسن الكذب المؤدي إليه .
وأمّا الثاني4: فالجواب عنه: أنّ الأفعال القبيحة أو الحسنة قد تصحبها أفعال منافية لها، ولا يلزم من حسن تلك الأفعال أو قبحها حسن ما يصحبها أو قبحه ; فهذا الخبر من حيث انّه اشتمل على القبيح يكون قبيحاً ومطلق الصدق   2

1 . وهو لزوم التناقض إذا ما قلنا إن الحسن والقبح ذاتيان.
2 . انظر: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 129 .
3 . أي: الوجه الأوّل وهو دوران القبح مدار الكذب.
4 . أي: الوجه الثاني وهو لزوم التناقض المشار إليه آنفاً.

صفحه 216
قال: واسْتُدِلَّ: لو كان ذاتياً لزم قيام المعنى بالمعنى لأن حسن الفعل زائد على مفهومه ; وإلاّ، لزم من تعقلّ الفعل تعقلّه; ويلزم وجوده، لأنَّ نقيضه: «لا حسن» وهو سلب، وإلاّ استلزم حصولُهُ محلاًّ موجوداً، ولم يكن ذاتياً، وقد وصف الفعل به فيلزم قيامه به، واعتُرِضَ باجرائه في الممكن ; وبأن الاستدلال بصورة النفي على الوجود دور، لأنّه قد يكون ثبوتياً أو منقسماً فلا يُفيدُ ذلك.*
<--- حسن فيكون الصدق المشتمل عليه هذا الخبر حسناً أيضاً، ولا يلزم من قبح الكذب المصاحب له، قبحه ; وبالجملة فلهم أن يقولوا: إنّا إنّما نحكم بالحسن والقبح في الافعال الخالية عن المعارض، أمّا مع وجود المعارض فلا.
* أقول: هذه حجّة بعض الأشاعرة على أنّ الحسن والقبح ليسا ذاتيين للفعل، مع بيان ضعفه، وتقريره أن نقول: لو كان الحسن ذاتياً للفعل لزم قيام العرض بالعرض، والتالي باطل فالمقدّم مثله، بيان الشرطية: أن حسن الفعل زائد على الفعل، لأنّه لو كان نفس الفعل لزم من تعقل الفعل تعقله، والتالي باطل ـ فإنّا قد نعقل أفعالاً كثيرة مع الجهل والغفلة عن حسنها وقبحها ـ فالمقدم مثله .
وإذا ثبت أنّ الحسن زائد على الفعل، فنقول: إنّه وجوديّ لأنّه نقيض لا حسن وهو أمر سلبي ـ لأنّه لو كان ثبوتياً لاستلزم محلاًّ موجوداً و هو باطل، فإنّ كثيراً من المعدومات توصف بأنّها غير حسنة ـ وإذا كان أمراً سلبياً وجب أن يكون نقيضه ثبوتياً ; وأيضاً لو كان الحسن سلبياً لم يكن ذاتياً أي غير مستند إلى ذات الفعل لأنّ العدمات ليست ثابتة وما ليس بثابت استحال إسناده إلى علّة [ وذلك ينافي   2

صفحه 217
<--- مذهبهم ] 1، وإذا ثبت أنّه موجود وهو وصف للفعل، لزم قيام العرض ـ وهو الحسن ـ بالعرض، وهو الفعل.
وأعلم أنّه قد يمكن حمل قوله: ولم يكن ذاتياً، على أنّه لم يكن جزءاً من الفعل وليس دليلاً آخر على أنّ الحسن ثبوتي إلاّ أنّ هذا مرجوح إذ قد بيَّن فيما مضى أنّ الحسن زائد على الفعل وإذا كان زائداً، لم يكن ذاتياً.
وأمّا بيان بطلان التالي2 فلأنّ معنى قيام الشيء بالشيء هو حصوله في الحيز تبعاً لحصول محله فيه، فالعرض الحال في العرض الحاصل في الحيز تبع لحصول جوهر فيه، فكان بالحقيقة قائماً بالجوهر لا بالعرض .
واعترض المصنف بأنّ الدليل الدالّ على وجود الحسن يمكن اجراؤه في «الإمكان»3 فنقول: إنّه ثبوتي لأنّه نقيض «لا إمكان» العدمي ونقيض العدمي، ثبوتي فالإمكان ثبوتي ويلزم منه التسلسل أو وجوب الممكن .
وأيضاً الاستدلال بصورة السلب على الوجود دور لأنّا إنّما نعلم أنّ لا حسن عدمي إذا علمنا أنّه نقيض الحسن وأنّ الحسن أمر وجودي وأنّ نقيض الوجودي سلبي، فلو أخذنا نستدل على أنّ الحسن وجودي لأنّ نقيضه عدمي، لزم   2

1 . فقط في نسخة «ب» .
2 . يريد الشارح (قدس سره)تفنيد إبطال التالي وحاصله:
   إن قيام العرض بالعرض غير ممتنع إذا انتهى القيام إلى الجوهر، فالحسن في المقام قائم بالفعل وهو قائم بالجوهر.
3 . فيقتضي أن يقوم العرض بالعرض أيضاً .

صفحه 218
قال: واسْتُّدِلَّ: فعل العبد غير مختار، فلا يكون حسناً ولا قبيحاً لذاته، اجماعاً لأنّه إن كان لازماً، فواضح، وإن كان جائزاً، فإن افتقر إلى مرجّح، عاد التقسيم، وإلاّ فهو اتفاقي، وهو ضعيف، فإنّا نفرّق بين الضرورية والاختيارية; ضرورةً ويلزم عليه فعل الباري، وأن لا يوصف بحسن ولا قبح شرعاً; والتحقيق إنّه يترجح بالاختيار.*
<--- الدور،1 وهذا لأنّه قد يمكن أن يكون «لا حسن» ثبوتي أو منقسم إلى ثبوتي وعدمي وعلى هذا التقدير فلا فائدة في الاستدلال بصورة السلب.
* أقول: هذا استدلال ثان 2 على أنّ الحسن والقبح ليسا ذاتيين، وتقريره: أنّ أفعال العباد غير إختيارية فلا تكون حسنة ولا قبيحة، والكبرى متفق عليها، وبيان الصغرى: أنّ فعل العبد إمّا أن يكون واجباً أو جائزاً، فإن كان واجباً لزم الجبر فلا يكون مختاراً، وهو المطلوب، وإن كان جائزاً فإمّا أن يفتقر إلى مرجّح في ترجيح أحد طرفيه على الآخر أو لا يفتقر، فإن كان الأوّل، فمع ذلك المرجح إمّا أن
يكون الفعل واجباً أو جائزاً ; ويعود التقسيم إلى أن ينتهي إلى الوجوب وهو
قول بالجبر ; وإن لم يفتقر، كان صدور الفعل ممكناً دائماً مع أنّه يقع في وقت دون وقت لا لمرجح فيكون وقوعه في ذلك الوقت على سبيل الاتفاق لا على سبيل   2

1 . إنّما يستلزم الدور على بعض الصور لأنّه قد يكون السلب ثبوتياً ـ كما قيل ـ مثل اللامعدوم أو منقسماً إلى الوجودي والعدمي كاللاممكن حيث إنّه ينقسم إلى الواجب الوجودي والممتنع العدمي، وحينئذ الثبوتي يتوقف على نفسه ; وعلى أية حال، القضية الكلية تنتقض في هذا المورد فلا تصلح دليلاً لنقض دعوى الخصم القائل بذاتية الحسن والقبح للافعال.
2 . الاستدلال الأوّل كان لزوم قيام العرض بالعرض .

صفحه 219
<--- الوجوب، والفعل الاتفاقي لا يصدر عن الاختيار .
والجواب: أن هذا استدلال على ما يعلم بطلانه بالضرورة، وذلك لأنّا نعلم قطعاً الفرق من الأفعال الضرورية والاختيارية، فإنّ حركة الحجر إلى اسفل ليست متساوية لحركة الحيوان عند اندفاعه الارادي إلى جهة من الجهات، ومستند هذا الفرق، الضرورة .
ولإنْ سلمنا سلامته عن هذا لكنّه ينتقض بالباري تعالى فإن هذا التقسيم وارد فيه، وذلك لأنّ صدور الفعل عنه أمّا أن يكون واجباً أو جائزاً، ويعود التقسيم، مع أنّه باطل وإلاّ لزم القِدَم .
ولإنْ 1 سلَّمنا ذلك لكنّه كما أنّ هذا الدليل منع من وصف الفعل بالحسن والقبح لذاته، فإنّه يمنع من وصفه بالحسن والقبح الشرعي، مع أنّه باطل بالإجماع.
ثمّ إنّ المصنف بعد أن ذكر هذه المناقضات، ذكر التحقيق في الجواب عن هذه الشبهة وهو أنّ فعل العبد يترجّح على تركه بالاختيار، فإن قلت: التقسيم وارد لأنّ مع الاختيار إن وجب الفعل لزم الجبر والاّ لزم الاتفاق.
قلت: عنه جوابان:
أحدهما: وهو الحق، أنّ الفعل مع الاختيار يكون واجباً ولا يلزم من وجوبه الجبر إذ هو وجوب لاحق حصل بعد فرض وجود العلة التامّة الّتي هي القدرة والداعي، ولا يلزم من حصول هذا الوجوب حصول الوجوب السابق   2

1 . أي: لو سلمنا أن دليل الجبر تام لتزييف القول بذاتية الحسن والقبح، لكنه يستلزم تزييف القول بشرعية الحسن والقبح أيضاً فالإشكال عام.

صفحه 220
قال: وعلى الجُبَّائيَّة: لو حَسُن الفعلُ أو قَبُحَ لغير الطلب، لم يكن تعلق الطلب لنفسه، لتوقفه على أمر زائد.
وأيضاً لو حَسُن الفعلُ أو قَبحُ لذاته أو لصفته، لم يكن الباري مختاراً في الحكم، لأنّ الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول، فيلزم الآخر، فلا اختيار.*
<--- والموجب للجبر إنّما هو الوجوب بالمعنى الثاني لا الأوّل .
الثاني: أن المختار يرجح أحد طرفي مقدوره لا لمرجح ; وتحقيق هذا قد ذكرناه في كتاب «المناهج»1 في علم الكلام إذ هو الموضع المختص به.2
* أقول: هذان وجهان ردّ بهما المصنّف قول أبي علي 3، وابنه أبي هاشم من كون الفعل حسنا أو قبيحاً لجهات واعتبارات 4:   2

1 . لاحظ : مناهج اليقين: 371، الجواب الأوّل في الرد على الأشعري.
2 . يبحث هذا الموضوع في علم الأُصول المعاصر بعنوان: «الطلب والارادة»، وقد افردت رسائل لبحثه، إلاّ أن الحق الحقيق هو ما اشار إليه الشارح المفضال (قدس سره)بأنّه من اختصاصات علم الكلام، الأمر الّذي دفع ببعض الأُصوليين إلى اقصائه من البحث الأُصولي، كما صنع العلاّمة المظفر (قدس سره)، ودفع ببعض آخر إلى تقليصه كما صنع المحقّق العراقي حيث لخصه في نصف صفحة ; ونعم ما صنعوا! ولا بأس بالتنبيه على أن مصطلح «الطلب والارادة» قد ورد في مبحث: «هل المندوب مأمور به؟»، الآتي في هذا الكتاب.
3 . أبو علي الجبّائي وهو محمد بن عبدالوهاب بن سلام (235 ـ 303 هـ) من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه نسبت الطائفة الجبّائية، نسبته إلى (جَبا) من قرى البصرة، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب، وله تفسير مطوّل. انظر: الاعلام: 6 / 256 .
4 . انظر: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 127 و 133 .

صفحه 221
<--- الأوّل: أن الفعل لو كان حسناً أو قبيحاً لغير الأمر والنهي الّذي هو عبارة عن الطلب، لم يكن تعلق الطلب لنفس الفعل، والتالي باطل فالمقدّم مثله; بيان الشرطية: أنّ الفعل إذا كان حسنه مستنداً إلى وجه واعتبار، كان متوقفاً في حسنه على ذلك الوجه والاعتبار الزائد على ذات الفعل ; والبارئ إنّما يأمر بالفعل لأجل الحسن فيكون الطلب متوقفاً على ذلك الوجه الّذي باعتباره يكون الفعل حسناً ; وبيان بطلان التالي: أنّه خلاف المفروض، فإنّا نفرض الكلام في فعل تعلق الطلب به [ ولأن تعلق الطلب بالمطلوب، تعلق عقلي لا يتوقف على شيء زائد على المطلوب ] 1.
الثاني: أن الافعال لو كانت حسنة أو قبيحة لذاتها أو لصفات، لم يكن البارئ تعالى مختاراً في الحكم ; والتالي باطل فالمقدّم مثله; بيان الشرطية: أنّ الفعل الحسن راجح على القبيح، فلو حكم الله تعالى علينا بالقبيح لكان يأمرنا بفعل المرجوح وهو ضد الحكمة وخلاف المعقول، فيتعين الأمر بالآخر وهو الحسن ; وإذا كان تعلق الأمر بطرف الحسن واجباً وتعلقه بطرف القبيح ممتنعاً، لزم نفي الإختيار .
وهذان الوجهان ضعيفان: أمّا الأوّل: فلأنّ قولكم: لو كان الحسن لغير الطلب، لما تعلق الطلب بنفس الفعل ; ان عنيتم بأنّه لا يكون أمراً بالفعل من حيث هوهو، فهو مسلّم ; ولِمَ قلتم أنّه محال؟! وقولكم: أنّه على خلاف الفرض، ممنوع [ والتعلق العقلي لا يتوقف على شرط ] (2) ; وإن عنيتم به أنّه لا يكون أمراً بالفعل من حيث هو فعل مشتمل على ذلك النوع من المصلحة، فهو ممنوع .
وأمّا الثاني: فلأنّ حسن الفعل وقبحه لا يؤثِّران في الاختيار ; وكون   2

1 . في نسخة «ب» فقط .   2 . في نسخة «ب» فقط .

صفحه 222
قال: ومن السمع: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً )1، لاستلزام مذهبه خلافه. *
<--- الحسن واجب للاختيار نظراً إلى الحكمة، لا يلزم منه أن يكون واجباً
مطلقاً .
والوجه الثاني إنّما يرد على قدماء المعتزلة لا على أبي علي وأبي هاشم القائلين بالوجوه.
* أقول: هذا استدلال على نفي الحسن والقبح العقلي من حيث السمع، ووجهه: أنّ الله تعالى نفى التعذيب إلاّ ببعثة الرسل فلو كان الفعل حسناً أو قبيحاً بالفعل، للزم وقوع التعذيب وإن لم توجد الرسل ـ لأنّ مذهبهم 2 أنّ الحسن هو الّذي يستحق فاعله المدح والثواب والقبيح هو الّذي يستحق فاعله الذم والعقاب ـ وذلك يستلزم خلاف الآية .
والمعتزلة اعتذروا عن هذا بوجهين :
الأوّل: يجوز أنْ يكون المقصود من الرسول هو العقل .
الثاني: يجوز أنْ يكون المقصود: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ) بالأوامر الشرعية (حتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)، توفيقاً بين الأدلّة .

1 . الاسراء: 15.
2 . أي: الأشاعرة، لأنهم القائلون بالحسن والقبح الفاعليين.

صفحه 223
قال: قالوا: حسن الصدق النافع والإيمان، وقُبح الكذب الضار والكفران، معلومٌ بالضرورة من غير نَظر إلى عرف أو شرع أو غيرهما.
والجواب المنع بل بما ذُكر .
قالوا: إذا استويا في المقصود مع قطع النظر عن كل مقدار، آثر العقل الصدق.
وأُجيب: بأنّه تقدير مستحيل، فلذلك يُستبعد منع إيثار الصدق، ولو سُلّم، فلا يلزم في الغائب، للقطع بأنّه لا يقبُحُ من الله تمكين العبد من المعاصي ويقبح منّا.*
* أقول: هذان دليلان للمعتزلة على أنّ الحسن والقبح عقليان1:
الأوّل: أنّ العاقل يحكم بحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار من غير نظر ولا شرع، فإنّ البراهمة المنكرين للشرائع، يُعرفون بهما.
وأجاب المصنف بالمنع بل إنّما يحكم بالحسن والقبح بما ذكر من العرف أو الشرع ; والمعتزلة قالوا لو فرضنا انفسنا خالية عن موجبات الشرع و عن الأُمور العادية، لقضينا بالحسن في رد الوديعة والقبح في الظلم وغير ذلك .
الثاني: أنّ الإنسان لو خير بين الصدق والكذب مع تساويهما في جميع المصالح المطلوبة، لاختار الصدق، وهذا ضروري، وإنّما يختار الصدق لأنّه   2

1 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 64 .

صفحه 224
<--- حسن في العقل .
وأجاب المصنف بأنّ: هذا الفرض مستحيل الوقوع ; فلذلك استبعد منع اختيار الصدق، وهذا لأنّ المحال جاز أن يستلزم المحال .
وأيضاً لو سلّم هذا في حقنا لم يلزم مثله في حقّ الله تعالى، فإنّا نقطع بأنّه لا يقبح من الله تعالى تمكين الظالم من الظلم ويقبح منّا ذلك، وإذا جاز أن يكون في افعال الله تعالى ما هو حسن ويكون قبيحاً لو فعلناه، لم يطَّرد القياس .
وأعلم أنّ [ المنع من ] 1 إمكان وجود هذا الفرض يجري مجرى المكابرة، فإنّا نفرضه في شخص خيّره السلطان في الصدق والكذب مع تحصيل المصلحة معهما.
وأمّا الفرق بين فعلنا وفعله تعالى في تمكين الظالم وكون أحدهما حسناً والآخر قبيحاً، فممنوع، وعلى تقدير تسليمه نقول: إنّما حسن من الله تعالى ذلك لأنّه مكلِّف، فلو منعه من الظلم ففيه يبطل التكليف ; بخلاف العبد .2
 

1 . في نسخة «ب» فقط .
2 . إن البحث في «الحسن والقبح»، في غاية الأهمية إلاّ أن محله هو علم الكلام; ولهذا السبب تجد أن علم الأُصول المعاصر قد رحَّل هذه المقولة إلى مواضعها، وعند الحاجة يعاملها بوصفها من «الأُصول الموضوعة»، أي الّتي تبحث في محلها وتتم البرهنة عليها هناك.

صفحه 225
قال: قالوا: لو كان شرعيَّاً، لزم إفحامُ الأنبياء، فيقول: لا أنظر في معجزتك حتّى يجب النظر، وبالعكس، أو لا يجب حتّى يثبت الشرع ويُعكس.
والجواب: أن الوجوب عندهم نظريٌ فنقوله بعينه، على أن النظر لا يتوقف على وجوبه، ولو سُلّم فالوجوب بالشرع، نظر أو لم ينظر، ثبت أو لم يثبت. *
* أقول: هذا استدلال آخر1 على أنّ الوجوب لا يثبت بالشرع، وتقريره:
أنّه لو لم يثبت الوجوب إلاّ بالشرع لزم إفحام الأنبياء، والتالي باطل فالمقدم مثله ; بيان الشرطية: أنّ النبي (عليه السلام) إذا أتى إلى الإنسان وقال: اتبعني; فيقول له: لا اتبعك حتى انظر في معجزتك، ولا أنظر في معجزتك حتى أعرف وجوب النظر، ولا أعرف وجوب النظر إلاّ بقولك; فينقطع النبي .
أو يقول: لا يجب عليّ النظر حتى يثبت الشرع، ولا يثبت الشرع حتى أنظر ; فيلزم الإفحام .
وبيان التالي ظاهرٌ.   2

1 . هذا استدلال آخر للقائلين بأن الوجوب ثبت بالعقل، وحاصل الاستدلال هو: لو لم يثبت الوجوب إلاّ بالشرع، لزم افحام الأنبياء وذلك بالبيان الّذي ورد في المتن والشرح.
ثم أن الشارح تبعاً للماتن أجاب عنه ـ كما سيوافيك ـ والأَولى بأن يجاب أن الحسن ليس من مقولة العرض بل هو ادراك عقلي ينتقل إليه الإنسان من موافقة الفعل مع الفطرة الإنسانية العليا ; والتفصيل يطلب من كتاب «التحسين والتقبيح العقلييان» لشيخنا الاستاذ المحقّق السبحاني» ـ دامت تأييداته ـ .

صفحه 226
<--- وأجاب المصنف عن هذه المعارضة وَحَلَّ [ الإشكال ]1، أمّا المعارضة فهي أن نقول: عندكم وجوب النظر وإن كان بالعقل، لكنه ليس بضروري بل هو نظريٌ فللمدعوّ أن يقول: لا أنظر حتّى أعرف وجوب النظر، ولا أعرف وجوب النظر إلاّ إذا نظرت، فيلزم الإفحام .
وأمّا الحل: فنقول: لا نسلم أنّ النظر يتوقف على وجوبه، فإنّه قد يحصل النظر لمن لم يعرف وجوبه ; ولو سلم توقفه عليه، لكن لا نسلم أنّه يتوقف على معرفة وجوبه بل يتوقف على وجوبه في نفس الأمر وهو مستفاد من الشرع سواء نظر أو لم ينظر، ثبت أو لم يثبت ; وذلك بأن يقول متى ظهرت المعجزة وكان صدق النبيّ ممكناً وكان المدعوّ عاقلاً متمكناً من النظر، فقد استقر الشرع وثبت، والمدعوّ مفرط في حق نفسه .
وللمعتزلة أن يقولوا :
أمّا المعارضة فالجواب عنها أنّ النظر وإن كان واجباً بالنظر لكن للأُمور النظرية :
منها ما هي واضحة جلية للكل وهي الّتي تسمى فطرية القياس .
ومنها ماهي خفيّة تحتاج إلى بحث وكسب.
ووجوب النظر من قبيل القسم الأوّل فإنّ النظر يحصل به دفع الضرر وما يحصل به دفع الضرر فهو واجب، وهاتان المقدمتان قطعيتان وانسباق الذهن منهما إلى النتيجة انسباق طبيعي فهو واضح جلي للكل فهو يجري مجرى   2

1 . ما بين المعقوفتين اضيف للإيضاح.

صفحه 227
قال: قالوا: لو كان ذلك، لجازت من الكاذب، ولامتنع الحكم بقبح نسبة الكذب على الله قبل السمع، والتثليث وانواع الكفر من العالم. واجيب بان الأوّل إن امتنع فَلِمَدْرَك آخر، والثاني يلزم إن أُريد التحريم الشرعي.*
<--- الضروريات; ولهذا عدّ الأوائل 1 ما كان من هذا القبيل من النظريات، في المبادئ.
وأمّا الحل، فقولكم: إنّ النظر لا يتوقف على وجوبه ; فنقول: لم ندَّع أنّ وجود النظر من الإنسان يتوقف على وجوبه، بل للمكلَّف أن يمتنع من النظر إلاّ بعد معرفة الوجوب.
وأمّا قولكم: الشرع يثبت بظهور المعجزة سواء حصل النظر أم لا، فضعيف; لأن إمكان صدق النبي لا يُوجب ايجاب اتباعه بل إنّما يجب على المكلف اتِّباع من علم صدقه، ويعود المحذور لأنّ الإنسان ما لم يعرف وجوب النظر عليه لا يجب عليه وإن كان الشرع قد ثبَّت [ التكّليف ]2، وإلاّ لزم تكليف ما لا يطاق.
* أقول: هذا دليل للمعتزلة على أنّ الحسن مستفاد من العقل، وذلك لأنّه لو لم يكن القبح والحسن ذاتيين لجاز اظهار المعجزة على يد الكاذب لانتفاء قبحه، ولجاز الكذب على الله تعالى قبل ورود الشرع بصدقه، ولجاز للعالم أن يصدر   2

1 . أي: الفلاسفة الأوائل الذين مرّت الإشارة إليهم.
2 . ادرجنا ما بين المعقوفتين لتكميل العبارة، وما في النسخة في موضعه لم يقرأ .
علماً بأن ما بعد: «لأن الإنسان»، إلى نهاية العبارة لا يوجد في نسخة «ب».

صفحه 228
   
قال: مسألتان على التنزّل:
الأُولى: شُكر المنعم ليس بواجب عقلاً، لأنّه لو وجب، لوجب لفائدة; وإلاّ لكان عبثاً وهو قبيح; ولا فائدة لله تعالى لتعاليه عنها; ولا للعبد في الدنيا، لأنّه مشقةٌ ولا حظّ للنفس فيه، ولا في الآخرة; إذ لا مجال للعقل في ذلك. *
<--- عنه انواع الكفر من التثليث وغيره 1; والتوالي باطلة فالمقدم باطل، والشرطية ظاهرة .
وبيان بطلان التوالي أنّه لا ينفي إمكان الفرق بين النبي الصادق والكاذب على تقدير المُلازمة الأُولى، ولارتفع الوثوق بالوعد والوعيد على تقدير الملازمة الثانية، ولزم خرق الاجماع على تقدير الملازمة الثالثة.
وأجاب المصنّف: عن الأوّل بأنّ الحكم بالامتناع ليس لأن إظهار المعجزة على يد الكاذب قبيح لذاته، بل الحكم بالامتناع قد يكون لمدرك آخر سوى العلم بالقبح، وذلك لأنّا نعلم الصدق عند اظهار المعجزة على سبيل العادة وإن جوّزنا ظهورها على يد الكاذب و هذا هو الجواب (2) عن الملازمة الثانية، وعن الثالثة أنّا نلتزم بعدم التحريم إن أُريد به التحريم الشرعي.

[ مسألتان فرعيتان ]

* أقول: هاتان المسألتان يبحث عنهما الأشاعرة على تقدير تسليم   2

1 . قبل بيان الشرع.   2 . لا توجد في نسخة «ب» .

صفحه 229
<--- أصل المعتزلة وهو الحسن والقبح العقليان، ولهذا قال المصنف على سبيل التنزّل أي: على تقدير تسليم الأصل المذكور فانّه لولا الأصل لسقط البحث عنهما.

[ الأُولى: مسألة شكر المنعم ]

المسألة الأُولى: في أنّ المنعم، لا يجب شكره عقلاً. قالوا 1: والدليل عليه أنّه لو وجب لوجب إمّا لفائدة أو لا لفائدة، والتالي بقسميه باطل فالمقدّم مثله، والملازمة ظاهرة.
وبيان بطلان القسم الثاني: أنّه يكون الوجوب عبثاً .
وبيان بطلان الأوّل: أنّ الفائدة الحاصلة من الوجوب إمّا أن تكون راجعة إلى الله تعالى، وهو باطل لاستغنائه عن الفوائد ; وإمّا أن تكون راجعة إلى العبد وهو باطل لأنّ تلك الفائدة امّا عاجلية أو آجلية، والأوّل باطل لأنّ الشكر في الدنيا تعجيل للمشقة لا للفائدة ولاحظ للنفس فيه ; والتالي باطل لأنّ الثواب الأُخروي لا مجال للعقل فيه .
وللمعتزلة أن يقولوا: لم لا يجب الشكر لا لفائدة؟!
قوله: لأنّه يكون عبثاً، قلنا: لا نسلم، فإنّه يجوز أن يكون واجباً لكونه شكراً، والافعال المستندة إلى غيرها لذواتها لا يلزم أن تكون عبثاً إذ لا يستتبع غيرها من الفوائد ; سلمنا 2، لكن لم لا يجوز أن تكون الفائدة هي تحصيل الثواب في الآخرة؟!   2

1 . أي: الأشاعرة المنكرون للحسن والقبح العقليين.
2 . أي: سلمنا أن وجوب الشكر لفائدة.

صفحه 230
قال: قولهم: الفائدة الأَمن من احتمال العقاب في الترك، وذلك لازم الخطُور، مردود بمنع الخطور في الأكثر، وإن سُلم فمعارض باحتمال العقاب على الشكر; لأنّه تصرف في ملك غيره، أو لأنّه كالإستهزاء، كمنْ شكر ملكاً على لقمة، بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أكبر.*
<--- قوله: لا مجال للعقل فيه، قلنا: لا نسلم. وأعلم أنّ هذا المنع إنّما يظهر عندما يتبيّن أنّ الثواب أو العقاب هل هو عقلي أو سمعي والبحث فيه ذكرناه في كتاب «المناهج».1
* أقول: هذا جواب المعتزلة عما أورده عليهم، وهو أنّهم قالوا: لم لا يجوز أن تكون الفائدة الأمن من احتمال العقاب بتقدير عدم الشكر إذ هو محتمل، والعاقل لا يخلو عن إخطار هذا المعنى بباله، ولا شكّ أنّ دفع الخوف عن النفس من أعظم الفوائد العاجليَّة.
ورده المصنف بأنّ :
منع الخطور أوّلاً، والخوف إنّما يحصل على تقدير الخطور .   2

1 . انظر: «مناهج اليقين في أُصول الدين»: 506، وقد ورد فيه:
اتفق أهل العدل على استحقاق العاصي العقاب بمعصيته، وخالفهم في ذلك الأشاعرة .
ثم اختلف العدلية:
فقالت المعتزلة والزيدية والقائلون بالوعيد: إن العلم به عقلي، وقالت المرجئة ومن وافقها من الإمامية: إن العلم به سمعي.

صفحه 231
قال : الثانية : لا حكم فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح.
وثالثها : لهم الوقف على الحظر و الإباحة . و أما غيرها فانقسم عندهم إلى الخمسة ، لأنها لو كانت محظورة و فرضنا ضدين، لكلف بالمحال.*
<--- وثانياً: بالمعارضة بالمثل وذلك لأنّ الخوف من العقاب وإن كان حاصلاً على تقدير ترك الشكر لكنّه حاصل على تقدير فعله لأنّه تصرف في ملك الغير بغير اذنه وهو قبيح عندهم، أو لأنّ الشكر على هذه النعم يجري مجرى الاستهزاء بالمنعم وذلك لأنّ نعم الله تعالى علينا بالنسبة إلى ملكه أقلّ من نعمة الملك على بعض خدمه بلقمة بالنسبة إلى ملكه، فلو أخذ ذلك العبد بشكر مولاه في المحافل على ما أنعم عليه من اللقمة لعدّه العقلاء مستهزئاً.
وهذا الكلام لا يخلو من ضعف ظاهر .

[ الثانية: حكم الأشياء قبل الشرع ]

* أقول: هذه المسألة الثانية المتفرعة على الحسن والقبح العقليين وهي أن الاشياء قبل ورود الشرع فيها، هل فيها حكم أم لا؟ فذهب الأشاعرة إلى نفيه، والمعتزلة قالوا: المنتفع به إمّا أن يكون إضطرارياً كالتنفس في الهواء أو إختيارياً كأكل الفاكهة :
والأوّل: لابدّ من القول بإباحته والاّ لزم تكليف مالا يطاق .
والثاني: على ثلاثة أقسام:   2

صفحه 232
<--- أحدها: أن يكون ذلك الفعل المنتفع به حسنا، فإن استوى فعله وتركه فمباح، وإن ترجح تركه فمكروه، وإن ترجّح الفعل ترجيحاً يستتبع الذم بتركه، فهو الوَاجب وإلاّ فهو المندوب .
والثاني: أن يكون قبيحاً وهوالحرام .
وثالثها: أن لا يكون للعقل فيه قضاء بحسن ولا قبح، فقد اختلفوا: فذهب معتزلة البصرة وطائفة من فقهاء الشافعية والحنفية إلى أنّها على الإباحة; وذهب معتزلة بغداد وبعض الشافعية إلى أنّها على الحظر; وأبوالحسن الأشعري وغيره قالوا: أنّها على الوقف، وفسّروه إمّا بعدم الحكم وهو قول الأشعري، وإمّا بوجوده وعدم العلم بتعيينه وهو قول بعضهم.
واستدل المصنف على نفي الحكم بأنّها1 لو كانت محظورة وفرضنا ضدين كالحركة والسكون، لزم التكليف بالمحال .
وأعلم أنّ الضدين هاهنا يجب أن يُحملا على معنى أخص ممّا نفهم منهما وهو أن يقال فيه:
فرضنا ضدين يستحيل خلو المحل عنهما، لأنّا لو جوزّنا خلوّ المحل عنهما، لم يلزم التكليف بالمحال [ وإذا حمل على هذا، لم تكن صورة النزاع، إذ الكلام مفروض فيما لا يكون إضطرارياً ] 2 وإذا انتفي الحظر والإباحة بمعنى الحكم الشرعي بالإذن، فلا حكم أصلاًّ.

1 . مرجع الضمير «الاشياء» المتقدم ذكرها.
2 . في نسخة «الف» فقط.

صفحه 233
قال: الاستاذ: إذا ملك جواد بحراً لا ينزف، وأحبّ مملوكه قطرة، فكيف يدرك تحريمها عقلاً؟ *
قال: قالوا: تصرف في ملك الغير .
قُلنا: ينبني على السمع، ولو سُلِّم ففي مَنْ يلحقه ضررٌ ما، ولو نسلِّم، فمُعَارضٌ بالضرر الناجز. **
* أقول: هذا دليل أبي اسحاق على نفي التحريم وهو أنّ الجواد إذا كان مالكاً بحراً لا ينزف بطلب مملوكه قطرة، فإنّه يقبح1 القول بأنّه ممنوع منها مع أنّه لا ضرر على ذلك الجواد ; فكذلك الله تعالى الجواد لذاته المالك للأشياء، وإذا طلب عبد من عبيده تناول غذاء خلقه كيف أنّه محرم عليه؟! وهذا إقناعي2.
** أقول: هذا دليل القائلين بالحظر وهو أنّ تناول الغذاء، تصرف في ملك الغير بغير اذنه فيكون قبيحاً ; والمصنف أجاب عن هذا بأنّ القبح منفي إذ هو مبني على السمع ولا سمع، ولو سلم أنّ القبح حاصل من دون السمع لكن
لا نسلم أنّ التصرف في ملك الغير مطلقاً قبيح بل التصرف في ملك من
يلحقه الضرر، وأمّا من لا يلحقه الضرر فلا يحكم فيه بالقبح ; ولهذا يحسن منا الإستظلال بحائط الغير، والنظر في مرآته لحصول النفع الخالي من الضرر وإن كان تصرّفاً في ملك الغير ; ولو سلم ذلك كله لكنّا نعارضه بحصول الضرر بترك اللذة العاجلة .

1 . في نسخة «ب»: يصح.
2 . أي: جدلي ولم يكن برهانياً.

صفحه 234
قال: وان أراد المبيح أن لا حرج، فمسلّمٌ، وإن أراد خِطاب الشارع، فلا شَرْعَ، وإن أراد حكم العقل بالتخيير، فالفرض أنّه لا مجال للعقل فيه .
قالوا: خَلَقهُ وخَلَقَ المنتفع به، فالحكمة تقتضي الإباحة. قلنا: معارضٌ بأنّه ملِكُ غيره، وخَلَقه ليَصْبِرَ فَيُثابُ.
وإن أراد الواقف أنّه وَقَفَ لِتعارُض الأدلةِ، ففاسدٌ.*
* أقول: القائلون بالإباحة من الأشاعرة افترقوا إلى فِرقتين:
أحدهما: القائلون بأنّها ما لاحرج فيها أي لا يستتبع ذماً و لاعقاباً.
والثانية: القائلون بأنّها ما أُذن في فعلها وتركها إذناً على السواء .
وأمّا المعتزلة فإنهم قالوا: الإباحة هي ما حكم العقل فيها [ بـ ] التخيير1 بين الفعل والترك ; فالمصنف قال: إن أردتم بالإباحة التفسير الأوّل فهو مسلّم إذ الذم والعقاب إنّما يحصل بالشرع ولا شرع ; وإن أردتم بها التفسير الثاني فلا إباحة إذ الكلام فيما قبل الشرع; وإن أردتم التفسير الثالث، فلا حكم عقلي إذ الكلام فيما لا حكم للعقل فيه .
ثمّ إن القائلين بالإباحة بالمعنى الأخير2، قالوا: إنّ الله تعالى خلق المنافع مع إمكان أن لا يخلقها، وخلق المنتفِع بها ; فلابدّ من غرض وإلاّ كان عابثاً ; وذلك الغرض يستحيل عوده إليه تعالى لاستغنائه عن المنافع، ويستحيل ان يكون الغرض هو الاضرار لانّه غير مطلوب للحكيم; فإذن الغرض هو النفع وذلك يدلّ على الإباحة وإلاّ لزم نقض الغرض .   2

1 . زيدت «الباء» للمناسبة.
2 . أي: قول الفرقة الثانية القائلة بأن الإباحة هي ما أُذن في فعلها وتركها إذناً على السواء.

صفحه 235
قال: الحكم، قيل: خطابُ الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين، فورد مِثلُ: (وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ)1 فزيد بالاقتضاء أو التخيير، فورد كون الشيء دليلاً وسبباً وشرطاً، فزيدَ: أو الوضع [ فاستقام ] (2). وقيلَ: بل هو راجع إلى الاقتضاء والتخيير. وقيل: ليس بحكم. *
<--- والمصنف أجاب عن هذا المعارضة وحلّ 2: أمّا المعارضة ; فما ذكرها من جانب القائلين بالحظر; وأمّا الحل، فقوله: لم لا يجوز أن يكون خَلَقه ليصبر المكلف على ترك التناول فتحصل له المشقّة بذلك الترك وهو يستلزم حصول الثواب. ثمّ ذكر أن الواقف إن أراد به الوقف لتعارض الأدلة، ففاسد إذ قد بينا فسادها فلا تعارض; وإن أراد به أنّه وقف لتوقف الحكم بهذه على ورود السمع فهو حق.

[ تعريف الحكم الشرعي]

* أقول: اختلف الأشاعرة في تفسير الحكم،3 فقال الغزّالي: «إنّه خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلفين» 4، والخطاب: «هو اللفظ المتواضع عليه   2

1 . الصافات: 96 .   2 . في بعض النسخ فقط.
2 . هكذا في النسختين والافضل ان يقال: [... بمعارضة وحل ] فيرتفع التعثر عن الصياغة حينئذ.
3 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 70; المحصول في علم الأُصول: 1 / 15، الكاشف عن المحصول: 1 / 225 ; الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 9 ـ 10 ; نهاية الأُصول إلى علم الأُصول: 1 / 85 .
4 . وما ورد في المستصفى للغزّالي في تعريف الحكم، هو ما يلي: إن الحكم عندنا عبارة عن: «خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين». المستصفى: 1 / 112 .
ثم إن كلمة «الشرع» الّتي لم ترد في تعريف الماتن والشارح، ربما تدفع الاشكال الّذي أُورد على تعريف الغزالي لأن المراد هو البارئ سبحانه بوصفه مشرّعاً لا بوصفه خالقاً، تقدست اسماؤه.

صفحه 236
<--- المقصود به الإفهام»، وربما زيد فقيل: «لمن هو منتهي لفهمه»، واحترزوا بهذه الزيادة عن النائم ; والأولى سقوطها .
وقد أُورد على هذا الحدّ للحكم بأنّه غير مانع لدخول قوله تعالى: (وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ) فيه فإن هذا خطاباً لله تعالى متعلق بأفعال المكلفين مع أنّه ليس بحكم اتفاقاً .
ثمّ جاء بعض المتأخرين 1 فزاد في الحد المذكور زيادة فقال :
«الحكم: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير»، فخرج عنه قوله تعالى: (وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ) .
وقد أُورد على هذا الحدِّ بأنّه غير جامع لخروج بعض الأحكام عنه كحكم الله تعالى بأنّ الشيء دليل، وحكمه بأن الدلوك سبب لوجوب الصلاة، وحكمه بأن الوضوء شرط للصلاة ; فإنّ هذه أحكام شرعية وليست خطاباً متعلقاً بالاقتضاء أو التخيير ; فزاد فيه بعض المتأخرين2: أو الوضع، فإنّ الله تعالى لما جَعَلَ الدلوك سبباً لوجوب الصلاة، كان ذلك بوضعه تعالى.   2

1 . نسب هذا التعريف إلى أبي الخير عبدالله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي، وأختاره فخر الدين الرازي والعلاّمة الزركشي وغيرهما، على ما قيل .
2 . وقد قيل بأن هذا التعريف قد ارتضاه جمهور الأُصوليين.

صفحه 237
قال: وقيل: الحكم خطاب الشرع بفائدة شرعية تختصّ به، أي: لا تُفهم إلاّ منه لأنّه إنشاءٌ فلا خارج له.*
<--- وذهب جماعة إلى أنّ هذه الأشياء عائدة إلى الاقتضاء أو التخيير وذلك لأنّ الإنسان مكلّف بالصلاة عند الدلوك وهذا هو معنى السببية، وكذلك أمثالها.
وذهب آخرون إلى أنّ مثل هذه الأشياء ليست بأحكام 1; والنزاع في هذا ليس فيه كثير فائدة.
* أقول: هذا تفسير بعض الأشاعرة للحكم وهو أنّه خطاب الشارع بفائدة شرعية واحترز بالفائدة الشرعية، عن الإخبار عن المعقولات والمحسوسات .
واعترض عليه بأنّ الفائدة إن أردت بها الحكم، لزم الدور ; وإن أردت الفائدة الّتي لا تكون عقلية ولا محسوسة، بطل طرد الحدّ بإخبار الشارع عن المغيّبات كقوله تعالى: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ )2 فإن هذا خطاب الشارع بفائدة غير عقلية ولا محسوسة، ومع ذلك فليست حكماً شرعياً إتفاقاً; ولمّا كان بطلان الحدّ بإبطال طرده بالإخبار، قيّد الخطاب بقيد يكون معه إنشائياً فقيل: تختص به.
فقوله: خطاب الشارع، كالجنس ويخرج عنه خطاب غيره، وباقي الحدّ، احتراز عن الإخبار بالمحسوسات والمعقولات ونحوها .
[ وقولنا: يختص به، أي: يكون إنشاءً لا إخباراً، وفسّر الاختصاص بعدم    2

1 . أي: لا يرى بأنها أحكام شرعية بل هي أحكام عقلية صاغها العقل الإنساني فهي خارجة عن محل النزاع .
2 . الروم: 3 .

صفحه 238
<--- فهم الفائدة إلاّ من ذلك الخطاب، وعلل ذلك بكونه إنشاء وإشارة إلى العلة في كون الإنشاء كذلك بقوله: فلا خارج له ، وذلك لأن الإخبار عن الشيء يستدعي كونه سابقاً على الإخبار، فكل خبر يستدعي أمراً خارجياً سابقاً عليه تحقيقاً أو تقديراً; ولمّا كان لكل خبر أمرٌ خارجي دون الإنشائي، اعتقدوا أنَّ الإنشائي ما لا يمكن أن يفهم مدلوله إلاّ منه إذ لا خارجي له يفهم منه، بخلاف الخبر، فإنّه يمكن أن يفهم مدلوله من الخارجي، فتلخص من هذا أن حدّالحكم هو الخطاب الإنشائي من الشارع بفائدة غير عقلية ولا حسية .
ويرد عليه مع هذه التطويلات، قوله تعالى: (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ )1 وقوله: (نِعْمَ الْعَبْدُ)2، فإنّه خطاب إنشائي عن الشارع بفائدة غير عقلية ولا حسيّة]3.
وقوله: لا تفهم إلاّ منه، تفسير لمعنى الاختصاص، فإنّ الفائدة الحاصلة من الخطاب لو كانت حاصلة منه ومن غيره، لما كان الخطاب حكماً شرعياً ; وعلل عدم الفهم من غيره بكون الخطاب انشاء لا خارج له، فإنّه لو كان إخباراً لجازحصوله من غير الخطاب.

1 . الذاريات: 48.
2 . سورة ص: 30 .
3 . ما بين المعقوفتين في نسخة «ب» فقط .

صفحه 239
قال: فإن كان طلباً لفعل غير كفٍّ، ينتهض تركه في جميع وقته سبباً للعقاب، فوجوبٌ ; وإن انتهض فعلُهُ خاصّة للثواب، فندبٌ; وإن كان طلباً لكفٍّ عن فعل، ينتهض فعله سبباً للعقاب، فتحريم. ومن يُسقط «غير كَفٍّ» في الوجوب، يقول: طلباً لنفي فعل في التحريم .
وإن انتهض الكفُّ خاصة للثواب، فكراهة; وإن كان تخييراً فإباحةٌ; وإلا فوضعي. وفي تسمية الكلام في الأزل خطاباً، خلافٌ. *

[ أقسام الحكم الشرعي]

* أقول: هذا تقسيم للحكم 1 وهو ظاهر قوله: ومن يُسقط «غير كف» في الوجوب ; يقول: طلباً لنفي فعل في التحريم، أشار إلى الخلاف الواقع بين الأُصوليين من أنّ المراد بالنهي هل هو نفي الفعل أو فعل الضد ; فقال أبو هاشم بالأول وقالت الأشاعرة بالثاني، فعلى رأي الأشعرية يجب أن يفسروا2 التحريم بانّه طلب الكلف .
وامّا على رأي أبي هاشم فإنّه لا يحتاج إلى ذلك بل الوجوب هوطلب الفعل والتحريم هو طلب نفي الفعل، وباقي الكلام ظاهر.
والخلاف الواقع في تسمية الكلام أولا، خطاباً; إنّما نشأ من قبل اللفظ،   2

1 . انظر: التقريب والارشاد: 1 / 293; المستصفى: 1 / 127 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1/ 92 .
2 . في نسخة «ب» وردت العبارة بعد: «... يجب أن يفسروا...» كالآتي: [الوجوب بأنّه طلب لفعل غير كف لأنّهم قالوا: طلب فعل مطلقاً فدخل تحتها التحريم فإنّه طلب فعل لكنه فعل وكف، وأن يفسروا التحريم بأنّه طلب لكف عن فعل].

صفحه 240
قال: الوجوب: الثبوت والسقوط، وفي الاصطلاح ما تقدّم. والواجب: الفعل المتعلق للوجوب كما تقدّم، وما يعاقب تاركه مردودٌ بجواز العفو، وما أوعد بالعقاب على تركه مردود لصدق إيعاد الله، وما يخاف مردود بما يُشك فيه .
القاضي: ما يُذمُّ تاركه شرعاً بوجه ما ; وقال: «بوجه ما» ليدخل الواجب الموسّع والكفاية، حافظ على عكسه; فأخلّ بطرده ; إذ يردُ الناسي والنائمُ والمسافرُ، فإن قال: يسقط الوجوب بذلك; قلنا: ويسقط بفعل البعض.
والفرض والواجب مترادفان; الحنفية: الفرض المقطوع به، والواجب: المظنون. *
<--- لأن من يقول: الخطاب هو الكلام الّذي نعلم منه انه يقصد به إفهام من هو متهيّئ لفهمه، فهو ليس بخطاب ; ومن قال: الخطاب هو الكلام نعلم منه أنّه يقصد به الإفهام، فهو خطاب.
* أقول: الوجوب في اللغة عبارة عن الثبوت والاستقرار، وقد يطلق على السقوط ; قال الله تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا )1 أي: سقطت .
وأمّا في عرف الفقهاء فعبارة عمّا تقدم وهو: «الطلب للفعل الذي لا    2

1 . الحج: 36.

صفحه 241
<--- يكون كفَّاً إذا انتهض تركه في جميع الوقت سبباً للعقاب ».
وأمّا الواجب فالصحيح أنّه الفعل الّذي تعلق الوجوب به .
وقد ذكر في تعريفه أشياء رديَّة :
أحدها: أنّه ما يعاقب تاركه، فقيل عليه: أنّه قد يحصل العفو، فعندما توعد بالعقاب على تركه، فقيل عليه أنّ وقوع ما أوعد الله تعالى به واجب لوجوب صدقه، والعقاب ليس بواجب .1
وقيل: ما يخاف العقاب على تركه، فورد عليه: المشكوك في وجوبه، فإنّ الشاك يخاف من العقاب لاحتمال أن يكون واجباً .
فقال القاضي أبو بكر: الواجب هو ما يذم تاركه شرعاً بوجه ما2، وقوله: شرعاً بناءً على مذهبه من أن مدرك الوجوب هوالشرع، قال: وقولي «بوجه ما»، أردت به المعنى الشامل للواجب الموسع، فإنّ تاركه يذم شرعاً لا مطلقاً ولكن إذا تركه في جميع أجزاء الوقت ; والواجب على الكفاية لأنّه يلام على تركه إذا ترك الجميع ; والواجب المخيّر فإنّه يذم شرعاً على تركه إذا ترك معه بدله [ وهو العزم]3.
وجمهور الأُصوليين ارتضوا هذا التعريف، والمصنف اعترض عليه بأنّه لا يطرّد، فإنّ الساهي والنائم والمسافر ـ وغيرهم من أصحاب الأعذار ـ لا يجب   2

1 . لأن التوعد بالعقاب على الترك خبر كما قيل .
2 . يراجع الاحكام للآمدي: 1 / 139 .
3 . في نسخة «أ» فقط .

صفحه 242
<--- عليهم الصوم مثلاً، لقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)1، ولا يذمون على تركه على وجه، [ إذ بتقدير انتفاء الأعذار لو تركوا لذُمُّوا ما قيم الذم على وجه، وليس واجباً، فأنتفى الاطراد ; كما أن الواجب على الكفاية بتقدير ترك الجميع يذم، فإن أجاب : بأن الوجوب ثابت على ذلك التقدير وإنما يسقط بالنوم والسهو والسفر، قلنا: فالواجب على الكفاية يسقط بفعل البعض ولا حاجة إلى القيد في الكفاية كما لم يحتج في المسافر وغيره ; كذلك الواجب الموسّع والمخيّر.] 2أصلاً ; فإن أجاب بأنّ: الوجوب ساقط بالنوم والسهو والسفر وإذا كان الوجوب ساقطاً عنهم فإنّما لم يذّموا على تركه لعدم الوجوب عليهم قلنا فالواجب المخير يسقط بفعل البعض فإنّما لم يذّموا على تركه حال الإتيان بذلك البعض لسقوط الوجوب لا لفعل ذلك البعض وكذلك على الكفاية والواجب الموسع ; وفي هذا نظر .
وأعلم أنّ الحقّ أنّ الواجب والفرض اسمان مترادفان لما ذكرنا من قبل ; وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنّ الفرض ما كان من ذلك مقطوعاً به، والواجب ما كان منه مظنوناً، قالوا: لأنّ الفرض هو التقدير والمظنون لم يعلم كونه مقدراً ; وهو خطأ، فإنّ الإختلاف وقع في طريق اثبات الحكم فلا يلزم اختلاف ما ثبت به ; على أنّ أهل اللغة قالوا: الفرض هوالتقدير مطلقاً سواء كان مقطوعاً به أو مظنوناً، والبحث في هذا قليل الفائدة.

1 . البقرة: 145 .
2 . ما بين المعقوفتين في نسخة «ب» والشبه واضح بينه وبين ما بعده.

صفحه 243
قال: الأداء: ما فعل في وقته المقدّر له أوّلاً شرعاً، والقضاء: ما فُعِلَ بعد وقت الأداء استدراكاً لما سبق له وجوب مطلقاً، أخّرَه عمداً أو سهواً، تمكّن من فعله كالمسافر، أو لم يتمكّن لمانع من الوجوب شرعاً كالحائض، أو عقلاً كالنائم، وقيل: لما سَبقَ وجوبُه على المستدرك، ففعل الحائض والنائم قضاءٌ على الأول لا الثاني، إلاّ في قول ضعيف. والإعادة: ما فُعل في وقت الأداء ثانياً، لخلل، وقيل: لعذر. *

[ الأداء والقضاء والإعادة]1

* أقول: قيّد الفعل المأتيّ به في الأداء بالأولية احترازاً من الإعادة وهو يشمل الواجب المضيّق والموسع ; وأمّا القضاء فقد اختُلف في حدّه، فقال قوم: أنّه ما فعل بعد وقت الأداء استدراكاً لما سبق له [ انعقاد سبب]2 وجوب مطلقاً وقال آخرون: أنّه ما فعل بعد وقت الأداء استدراكاً لما سبق وجوبه على المسَتْدرِكِ.
ويتفرع على الحدّين: صوم الحائض هل هو قضاءٌ أم لا؟
فعلى الحدّ الأوّل يكون قضاء لأنّه فعل لما سبق له [ سبب ](3) وجوب مطلقاً; وعلى الثاني، فيه خلاف، فإنّ المحققين من الحادّين بالمعنى الثاني قالوا: أنّ الحائض لا يجب عليها الصوم وإنّما وجب عليها القضاء بأمر مجدد، وذهب   2

1 . انظر: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 109 ; المستصفى: 1 / 179 ; المحصول: 1 / 27 ; الكاشف عن المحصول: 1 / 288 .
2 . في نسخة «ب» فقط.   2 . في نسخة «ب» فقط .

صفحه 244
قال: مسألة: الواجب على الكفاية على الجميع، ويسقط بالبعض.
لنا: إثمُ الجميع بالترك باتفاق .
قالوا: يسقط بالبعض. قلنا: استبعاد .
قالوا: كما أُمِرَ بواحد مُبْهَم أمرُ بعض مُبْهم. قلنا: إثمُ واحد مبهم لا يعقل، قالوا: (فَلَوْلاَ نَفَرَ)1. قلنا: يجبُ تأويلُهُ على المسقط، جمعاً بين الأدلّة. *
<--- آخرون منهم إلى أنّه واجب عليها ولكنّها ممنوعة عنه شرعاً .
فعلى مذهب المحققين من هؤلاء لا يكون قضاء لأنّه لم يجب عليها سابقاً، وعلى مذهب الآخرين يكون قضاء، ولهذا قال المصنف: إلاّ في قول ضعيف، والباقي ظاهر.

[ الواجب على الكفاية]

* أقول: مذهب المحققين من الأُصوليين أنّ الواجب على الكفاية واجب على الجميع لابمعنى أنّه لو لم يفعل كلّ واحد منهم لاستحق العقاب، بل بمعنى أنّه لو لم يفعله واحد منهم أصلاً استحقوا بأجمعهم العقاب، ولو فعله واحد سقط عنهم بأسرهم العقابُ وذلك فيما يكون الغرض منه تحصيل ذلك الفعل 2 ; فإن حصل بالبعض كالجهاد المطلوب منه حراسة المسلمين، سقط عن الباقين وإلاّ فلا.   2

1 . التوبة: 122 .
2 . قيل ان هذا هو مذهب جمهور فقهاء السنّة.

صفحه 245
<--- وهذا التكليف منوط بالظن فإن حصل ظن أنّ أحداً فعله سقط عن الظان وإن لم يفعله أحد حينئذ، وإن حصل ظن أن أحداً لم يفعله، تعيّن عليه فعله ولحقه العقاب بتركه.
وذهب آخرون إلى أنّه واجب على واحد غير معيّن .1
والدليل على الأوّل أنّه لو لم يكن واجباً على الكلّ لما استحقوا العقاب على تركه والتالي باطل بالإجماع فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة .
قالوا: لو كان واجباً على الكل لما سقط بفعل البعض، والتالي باطل بالاجماع فالمقدم مثله، بيان الشرطية: أن الشيء كيف يكون واجباً على زيد ويسقط بفعل عمرو ؟2 والجواب: المنازعة في الشرطية، وما ذكرتموه مجرد استبعاد.
قالوا: يصح الإيجاب بواحد مبهم غير معيّن كخصال الكفّارة فليصح الايجاب على واحد غير معيّن، والجواب: الإثم بترك واحد غير معين ممكن بخلاف الإثم على واحد غير معيّن لأنّه غير موجود وما لا يكون موجوداً كيف يتوجه عليه الإثم .3
قالوا: قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)، أوجب على كل فرقة أن يخرج منهم طائفة وذلك غير معيّن فيكون هذا إيجاباً على واحد غير معيّن.   2

1 . هذا التعريف الثاني للواجب الكفائي وينسب إلى بعض السنّة.
2 . هذا دليل الرأي الثاني في تعريف الواجب الكفائي .
3 . وبعبارة اوضح: في توجيه التكليف لابد من تعيّن خارجي.

صفحه 246
قال: مسألة: الأمر بواحد من الأشياء كخصال الكفارة مستقيم.
وقال بعض المعتزلة: الجميع واجب. وبعضهم: الواجب ما يُفعل. وبعضهم: الواجب واحدٌ معيّن، ويسقط به وبالآخر.
لنا: القطعُ بالجواز; والنصُّ دلّ عليه، وأيضاً وجوب تزويج أحد الخاطبين، وإعتاق واحد من الجنس، فلو كان التخيير يوجب الجميع، لوَجَبَ تزويج الجميع، ولو كان معيّناً لخصوص أحدهما، امتنع التخيير.*
قلنا: المراد من هذا الإيجاب من يسقط الواجب بتعلمه جمعاً بين الأدلة، [ فإن الدليل الّذي ذكرناه قد دلّ على الوجوب على الجميع وهذا يعطي الوجوب على البعض فإذا ما أولناه بالمسقط أي بمن يسقط بالمباشرة منه الوجوب على الجميع كان ذلك جمعاً بين الدليلين من غير بعد] 1.

[ الواجب المخيّر ]

* أقول: اختلف الناس في الواجب المخيّر 2:
فذهب الأشعرية إلى أن الواجب منها واحد غير معيّن وإليه صارت الفقهاء.
وذهب الجبّائيان ومن تابعهما إلى أنّ الجميع واجب على التخيير .
وقال بعض المعتزلة: إنّ الواجب ما يفعله المكلّف.   2

1 . ما بين المعقوفتين في نسخة (ب) فقط، وهو توضيح للرد الّذي سبقه وبه تنتهي أدلة الرأي الثاني واجوبتها.
2 . المعتمد: 1 / 77 ; الاحكام للآمدي: 1 / 74 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 488 .

صفحه 247
<--- وآخرون: إنّ الواجب واحد معيّن ويسقط التكليف بفعله أو بفعل الآخر والظاهر أنّه لا خلاف بين الجبائيين والأشعرية في المعنى وذلك لأنّهما لم يحكما بوجوب الجميع على معنى أن ترك الجميع موجب لوجوب العقاب عليها بأسرها ; بل بمعنى أن أي واحد منها فعل، فعله بنيّة الوجوب ويسقط التكليف به لأنّه فعل الواجب، وإذا أخلّ بها أجمع استحق العقاب على ترك الواجب من أُمور كان احدها واجباً .
والمصنّف استدل على مذهبه وهو القول بوجوب واحد لا بعينه :
إمّا جوازاً فظاهر، فإنّه يجوز أن يقول السيد لعبده إفعل أحد هذين الفعلين ولا أُوجبهما معاً عليك وإن تركتهما معاً عاقبتك وأنت مخيّر في إتيان أيّهما كان، فإنّ هذا لا يمكن أن يقال: إنّه أوجبهما معاً، ولا أن يقال: إنّه لم يوجب عليه شيئاً، ولا أن يقال: إنّه أوجب عليه واحداً معيّناً ; فلم يبق إلاّ أنّه أوجب عليه واحداً لا بعينه.
وأمّا وقوعاً، فالنص دال عليه كإيجاب الكفّارات المخيّرة ; وأيضاً إذا وكلته في تزويجها بأحد الخاطبين وإعتاق أحد العبدين، فإنّه لا يصحّ أن يزوجها بهما معاً ولا يعتق العبدين معاً; ولو كان التخيير يوجب الجمع لوجب تزويج الاثنين، ولو كان التخيير يوجب التعيين لكان التخيير ممتنعاً إذ يستحيل أن يخيّر بين فعل الواجب وما ليس بواجب.

صفحه 248
قال: المعتزلة: غير المعيّن مجهول، ويستحيل وقوعه، فلا يكلّف به.
والجواب أنّه معيّن من حيثُ إنَّهُ واجبٌ، وهوواحدٌ من الثلاثة،
فينتفي الخصوص، فيصح إطلاق غير المعيّن عليه. *
* أقول: هذا دليل المعتزلة على أنّ الكل واجب، قالوا: لأنّ الواجب لو كان واحداً غير معيّن لزم تكليف ما لا يطاق، والتالي باطل إجماعاً إمّا عندنا فبالعقل وأمّا عند الأشاعرة فبالسمع; وبيان الشرطية: أنّ الوجود إنّما يصير موجوداً بعد تشخصّه وتعيّنه فإنّ غير المعيّن لا وجود له إلاّ في الذهن فهو محال الوجود، فلو كُلّف بالإتيان به لزم التكليف بالمحال .
وأجاب المصنف: بأنّ الواجب معيّن وذلك لأنّ الواجب هو أحد الثلاث وهو أمر كلّي صادق على الثلاث فتعيّن ومغاير لماعداه من الكليّات ويمكن الإتيان به وذلك بأن يأتي المكلف بواحد من جزئياته، وإذا كان الواجب هو أحد الثلاثة الذي هو الكلي، لم يكن لقيد التشخّص مدخل في الإيجاب فينتفي الخصوص فيصحّ اطلاق غير المعيّن على الواجب بهذا المعنى.

صفحه 249
قال: قالوا: لو كان الواجب واحداً من حيث هو أحدُها لا بعينه مبهماً، لوجب أن يكون المخيّر فيه واحداً لا بعينه من حيث هو أحدُها.
فإن تعدّدا، لزم التخيير بين واجب وغير واجب، وإن اتحدا لزم اجتماع التخيير والوجوب.
وأجيب بلزومه في الجنس وفي الخاطبين. والحق أن الّذي وجب لم يخيّر فيه، والمخيّر فيه لم يجب لعدم التعيين. والتعدد يأبى كونَ المتعلّقينِ واحداً، كما لو حرّم واحداً، وأوجب واحداً.*
* أقول: هذا دليل ثان للمعتزلة على أن الكل واجب، قالوا: لو لم يكن الكلّ واجباً لكان واحد منها واجباً، وإلاّ لم يكن شيء منها واجباً ; فذلك الواحد إمّا أن يكون معيّناً أو لا يكون، والقسمان باطلان، فالقول بعدم وجوب الكلّ باطل :
أمّا أنّه لا يجوز أن يكون الواجب واحداً معيّناً فلأنّه يلزم أمّا عدم التخيير أو وقوع التخيير بين الواجب وما ليس بواجب وهما باطلان .
وإمّا أنّه لا يجوز أن يكون الواجب واحداً لا بعينه فلإنّه حينئذ يلزم أن يكون واحداً من الثلاثة غير واجب وإلاّ لكان الكلّ واجباً وهو المطلوب.
وإذا كان واحد منها غير واجب فلا يخلو إمّا أن يكون ذلك الواحد مغايراً لذلك الواجب أو يكون هو هو بعينه ، ويلزم من الأوّل وقوع التخيير بين الواجب وبين ما ليس بواجب; ومن الثاني اجتماع الوجوب وعدمه في شيء واحد، وهو باطل.
وأجاب المصنف بالمعارضة بالأمر بإعتاق واحد من العبيد والتزويج   2

صفحه 250
قال: قالوا: يَعمّ ويَسْقط وإن كان بلفظ التخيير كالكفاية.
قلنا: الإجماع ثَمَّ على تأثيم الجميع، وهنا: بترك واحد [ لا بعينه ]1، وأيضاً: فتأثيم واحد لا بعينه غير معقول بخلاف التأثيم على ترك واحد من ثلاثة.*
<--- بواحد من الخاطبين، ثمّ ذكر الحق في ذلك وهو أنّ الواجب غير مخيّر فيه والمخيّر فيه غير واجب:
أمّا الأوّل: فلأنّ الواجب هو واحد غير معيّن وهو مخيّر فيه بينه و بين غيره.، [وقولهم: إنّه واجب مخيّر فيه مجازٌ والمراد مخيرٌ في أفراده] (2).
وأمّا الثاني: فلأنّ المخيّر فيه هو التعيّنات وهو غير واجب، إذ الكلام فيما إذا لم يعيّن المكلّف أحد الأفعال الثلاثة، وتعدد المتعلَّق يستلزم تعدد المتعلِّق، وهاهنا قد تعدد المتعلَّق إلى الواجب والتخيير فيتعدد متعلّقهما كما إذا أوجب واحداً وحرّم واحداً.
* أقول: هذا دليل ثالث للمعتزلة وهو القياس على الواجب على الكفاية; قالوا: الواجب على الكفاية واجب على الكل مع سقوط التكليف بفعل واحد منهم، فكذلك الواجب المخيّر واجب بأنواعه وإن سقط بفعل واحد منها، والجامع بينهما كون كلّ واحد يسقط بفعل الآخر.
وأجاب المصنف بالفرق:
أمّا أوّلاً: فلأنّ الإجماع منعقد على أنّ الواجب على الكفاية يأثم الجميعُ   2

1 . في بعض النسخ.   2 . ما بين المعقوفتين في نسخة «ب» فقط .

صفحه 251
قال: قالوا: يجب أن يعلم الآمر الواجب، قلنا: يعلمُهُ حَسَبما أوجبه، فإذا أوجبه غيرَ مَعيّن، وَجَبَ أن يعلمه غيرَ معيّن.*
قال: قالوا: علم ما يفعل فكان الواجب. قلنا: فكان الواجب; لكونه واحداً منها لا بخصوصه، للقطع بأن الخلق فيه سواءٌ. **
<--- بتركه; وهاهنا إنّما يقع الأثمُ بترك واحد منها، فلذلك قلنا: أنّ الواجب على الكفاية واجب على الجميع، ولم نقل بإيجاب الجميع في الواجب المخيّر .
وأمّا ثانياً: فلأنّا إنّما أوجبنا على الجميع ثَمَّة، لأنّ تأثيم واحد غير معيّن غير معقول، وهاهنا التأثيم بترك واحد غير معيّن معقول، وإذا وقع الفرق امتنع القياس.
* أقول: هذا دليل رابع للمعتزلة، وهو: أن الواجب هو الذي تعلّق به الإيجاب، وإذا كان الواجب واحداً من الخصال الثلاث، علم الله تعالى بما تعلق به الإيجاب فيتميز ذلك في علم الآمر وكان هو الواجب.
وأجاب المصنف: بأنّ العلم إنّما يتعلق بالشيء على ما هو به فإذا كان واجباً غير معيّن علمه كذلك، وإلاّ، لما تعلق العلم به كما هو.
** أقول: هذا دليل خامس للمعتزلة، وهو أنّ الواجب إذا كان واحداً لا بعينه ويتعين بفعل المكلف، فالله تعالى يعلم ما سيعينه العبد فيكون الواجب معيّناً عند الله، وإن لم يكن معيناً عند العبد قبل الفعل، ويلزم منه التخيير بين الواجب وما ليس بواجب وهو محال فإذن الجميع واجب.
وأجاب: بأنّ ذلك الشيء إنّما يكون واجباً لا لخصوصه بل لكونه واحداًمن الثلاث، فإنّا نقطع بأنّ الخلق في الواجب المخيّر سواء، فلو اختار أحد   2

صفحه 252
قال: الموسّع:
الجمهور: إنّ جميع وقت الظهر ونحوه وقت لأدائه .
القاضي: الواجب الفعل أو العزم ويتعيّن، وقيل: وَقْتُهُ أوَّلُهُ، فإن أخَّرَه فقضاءٌ.
بعض الحنفية: آخَرُهُ، فإن قدّمه، فنفلٌ يُسقِط الفرض.
الكرخيُّ: إلاّ أن يبقى بصفة التكليف، فما قدّمه واجب.
لنا: أن الأمر قُيّد بجميع الوقت، فالتخييرُ تحكّمٌ والتعيين تحكّمٌ، وأيضاً لو كان معيّناً لكان المصلّيّ في غيره مقدّماً، فلا يصحُّ، أو قاضياً فيعصي، وهو خلاف الإجماع. *
<--- المكلفين نوعاً واختار آخر نوعاً آخر، لزم ان يكون الواجب على أحدهما غير الواجب على الآخر وهو ينافي القول بالتسوية.

[ الواجب الموسّع ]

* أقول: اختلف الناس في الواجب الموسّع1، فأنكره قوم زعموا أنّ التوسع يناقض الوجوب وزعموا أنّ الوقت لا يزيد على الفعل، وذهب المحقّقون إلى جوازه.   2

1 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 77 ; ونهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 503 ـ 505 .

صفحه 253
<--- واختلف الأوّلون على ثلاثة أقوال :
الأوّل: ما ذهب إليه بعض الأشاعرة وهو أنّ الوجوب مختص بأوّل الوقت فإن أخرّه إلى ثانيه كان قضاء.
الثاني: ما ذهب إليه بعض الحنفية وهو أنّ الوجوب مختص بآخر الوقت فإن قدّمه كان نفلاًّ يسقط به الواجب كما في تقديم الزكاة .
الثالث: ما نقل عن الكرخيّ أنّ الصلاة المأتي بها في أوّل الوقت واجبة إن بقي المكلف على صفات التكليف وإلاّ كانت نفلاً .
واختلف الآخِرون 1 على قولين :
الأوّل: ما ذهب إليه أكثر المتكلمين وهو مذهب الأشاعرة والجبّائيين من أنّ الوجوب متعلق بجميع أجزاء الوقت إلاّ أنّ الترك في أوّل الوقت إنّما يجوز لو أتى المكلف بالبدل وهو العزم .2
الثاني: ما ذهب إليه أبو الحسين البصري ومن تابعه إلى أنّ الوجوب متعلق باجزاء الوقت ولا حاجة إلى البدل ويكون هذا الواجب في الحقيقة كالواجب المخيّر فإنّ حاصله يرجع إلى أنّ المكلّف مخيّر بين أن يأتي بالفعل في أوّل الوقت أو وسطه أو آخره، ويتعيّن عند الآخر الفعل .
وهذا مذهب المصنف واستدل عليه بوجهين :
الأوّل: أنّ الله تعالى أوجب علينا الصلاة من الزوال إلى الغروب فالتخيير   2

1 . لابد من كسر الخاء لتكون عدلاً لـ (الأولون).
2 . انظر: المعتمد: 1 / 124 ـ 126 ; والمحصول للرازي: 1 / 281 .

صفحه 254
قال: القاضي: ثبت في الفعل والعزم حُكمُ خِصالَ الكفارة.
وأُجيب بأن الفاعل مُمتثلٌ لكونها صلاةً قطعاً لا لأحد الأمرين، ووجوب العزم في كلّ واجب من أحكام الإيمان .
الحنفية: لو كان واجباً أوّلاً عصى بتأخيره لأنّه تركٌ.
قلنا: التأخير والتعجيل فيه كخصال الكفارة. *
<--- بين الفعل والعزم تحكّم، وتعيّن الوقت الأوّل أو الآخر تحكّم أيضاً من غير دليل، فوجب سقوطه .
الثاني: أن الوجوب لو كان معيّناً بوقت لكان ايقاعه في غيره مقدّماً فلا يجزيه، أو يكون قضاء فيكون عاصياً بتأخيره عن وقته; والقسمان باطلان لأنّه خلاف الإجماع.
* أقول: لما استدل على مذهبه، أراد إبطال مذهب القاضي والحنفية فذكر أوّلاً ما استدلوا به :
أمّا القاضي فقال: لا معنى للواجب المخيّر إلاّ الذي يستحق العقاب بترك أنواعه وأي نوع فعل خرج عن العهدة، وهذا المعنى متحقق في الفعل والعزم لأنّ المكلّف لا يجوز له ترك الفعل في أوّل الوقت وترك العزم عليه لأنّ العزم على ترك الفعل عزم على الحرام والعزم على الحرام حرام فالعزم على ترك الفعل حرام، فالعزم على الفعل واجب لأنّ المكلّف لا ينفك عن أحدهما إلاّ إذا كان غافلاً وهو غير مكلّف حينئذ .
وأجاب المصنف بأنّ الفاعل إنّما يكون ممتثلاً في أوّل الوقت بفعل   2

صفحه 255
قال: مسألة: من أخّر مع ظن الموت قبل الفعل عصى إتفاقّاً، فإن لم يمُتْ ثمَّ فعله في وقته، فالجمهور: أداءٌ; وقال القاضي: قضاءٌ، فإن أراد وجوبَ نيّة القضاء فبعيد، ويلزمُهُ لو اعتقد انقضاء الوقت قبل الوقت، فيعصي بالتأخير. وَمَنْ أخّر مع ظنّ السلامةِ، فماتَ فجأةً فالتحقيق لا يعصي، بخلاف ما وقْتُهُ العمرُ.*
<--- الصلاة لكونها صلاة لا لكونها أحد الأمرين اللذين هما الصلاة والعزم، وإيجاب العزم لا يدّل على التخيير لأنّ العزم واجب في كلّ حكم واجب، من أحكام الإيمان بعين ما ذكرتم .
وأمّا الحنفية فقالوا: لو كان الفعل واجباً في أوّل الوقت لعُصي بتركه إذ هو لازم للواجب، والتالي باطل بالإجماع فالمقدّم مثله.
وأجاب المصنف بأنّ التأخير والتقديم كخصال الكفارة فكما أنّ ترك أحد الخصال لا يكون عصياناً إلاّ على تقدير ترك الباقي كذلك بترك التقديم إنّما يكون عصياناً على عزم 1 ترك الفعل المؤخر فكما أنّ النوع المعيّن من خصال الكفارة لا يوصف بالندبية كذلك الفعل المقدّم لا يوصف بالندبيّة أيضاً.

[ تأخير الواجب الموسّع ]2

* أقول: الواجب الموسّع قد يتضيّق في بعض الأوقات وذلك منوط   2

1 . في نسخة «ب» بدل «ترك» ورد: تقدير.
2 . انظر: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 502 ; الإحكام للآمدي: 1 / 79 .

صفحه 256
<--- بالظن، فإنّ المكلّف إن ظن الموت قبل آخر الوقت فإنّه لا يجوز له التأخير إلى آخر الوقت إجماعاً فلو أخّر عاصياً ثمّ ظهر فساد ظنه هل يصير الفعل قضاء أم لا ؟
قال الجمهور أنّه يكون أداءً لا قضاءً لأنّ ذلك الظن قد انكشف بطلانه وفساده فلا أثر له في الأحكام الشرعية الثابتة.
وقال القاضي أنّه يكون قضاء لأنّه حال الظن كان الوقت قد تضيّق عليه وتعيّن الفعل وقد خرج ذلك الوقت فيكون الفعل بعده قضاء.
قال المصنف: إن أراد القاضي بالقضاء أنّه يجب عليه نية القضاء، فهو بعيد، ووجه بعده أنّه قد كان قبل الظن وقتاً للأداء والأصل بقاؤه على ما كان، ولا يلزم من عصيانه بالتأخير وجوب نية القضاء وصيرورة الأداء قضاءً.
ثمّ ألزم المصنف القاضي إلزاماً وهو أنّ المكلّف لو اعتقد قبل وجود الوقت أن الوقت قد انقضى فإنّه يكون عاصياً بتأخيره ولا يلزم منه الإتيان بذلك الفعل بنية القضاء .
وأمّا من أخّر مع ظن السلامة فمات فجأة 1، فقال قوم أنّه يعصي لأنّه ترك الواجب مع القدرة على الإتيان به .
وقال المحققون من الأُصوليين أنّه لا يعصي، وذلك لأنّه إذا أخّر الصلاة عن أولها مع عدم علمه بالعاقبة فإنّه فعل فعلاً جائزاً له إذ لا يجوز أن يقال إنّه لا يحلّ له التأخير مع العزم على الفعل وإلاّ لما كان واجباً موسّعاً ; وإذا كان جائزاً كيف يعصي بفعله؟!
وقوله: بخلاف ما وقته العمر ; يشعر بإنّ ما يكون وقته العمر   2

1 . هذا عدل لقوله: [... ان ظن الموت قبل آخر الوقت... ] .

صفحه 257
قال: مسألة: ما لا يتم الواجبُ إلاّ به، وكان مقدوراً شرْطاً، واجب.
والأكثر: وغيرَ شرط، كترك الأضداد في الواجب، وفعلِ ضدٍّ في المحرّم، وغسل جزء من الرأس. وقيل: لا، فيهما.
لنا: لو لم يجب الشرط، لم يكن شرطاً.*
<--- كالمنذورات وقضاء الواجبات فإنّه بخلاف هذا ; والحقّ أنّهما سواء إلاّ أنّ في الواجب الموسّع غاية معلومة لا يجوز التأخير عنها وهو آخر الوقت وها هنا ليست الغاية معلومة، فنقول :
إن جوزنا له التأخير أبداً مع أنّه لا يعصي بالترك لم يكن ذلك الفعل واجباً ; وإن جوزنا له التأخير إلى غاية فتلك الغاية إن كانت غير معيّنة، لزم تكليف ما لا يطاق فإنّه يكون مكلفاً بأن لا يؤخر الفعل عن تلك الغاية المجهولة وهذا هو عين تكليف ما لا يطاق; وإن كانت معيّنة، فتلك الغاية ليست إلاّ وقت غلبة ظنه بالموت.
ويمكن أن يكون قولُه: بخلاف ما وقته العمر، إشارةً إلى الحج، فإنّه يعصي بتأخيره من سنة إلى أُخرى عند الشافعي لأنّه لا يغلب على الظن البقاء إلى سنة أُخرى، خلافاً لأبي حنيفة.

[ مقدمة الواجب ]

* أقول 1: الأمر إمّا أن يكون مطلقاً كالصلاة، أو مشروطاً كالزكاة، فإنّها مشروطة بتحصيل المال :   2

1 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 81 ; المعتمد: 1 / 93 ; المستصفى: 1 / 138 ـ 139 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 518 .

صفحه 258
<--- ففي القسم الثاني اتفق الناس على أنّ الشرط ليس بواجب التحصيل .
وأمّا القسم الأوّل، فإن كان متوقفاً على شيء لا يتم ذلك الشيء إلاّ به فهو على قسمين بالنظر إلى ذلك الشيء، فإنّه إمّا أن يكون مقدوراً للمكلّف كالوضوء أو لا يكون كالقدرة واليد في حصول 1 أعضاء الوضوء ; ففي القسم الثاني2 لا يكون المتوقف عليه واجباً بالإجماع .
وأمّا القسم الأوّل3 فقد اختلف الناس فيه :
فذهبت الواقفية 4 إلى أنّ ذلك الشيء إن كان سبباً لتحصيل الواجب، كان واجباً وذلك لأنّ عند حصول السبب يكون المسبب واجباً ; وإن كان غير سبب لم يكن واجباً فإنّه لا يلزم من حصول الشرط حصول المشروط، وإلى هذا ذهب السيد المرتضى، وذهب جماعة إلى أنّه يكون واجباً سواء كان شرطاً أو كان سبباً.
أمّا إذا لم يكن شرطاً كترك ضد الواجب الذي لا يتم الواجب إلاّ به، وفعل ضد المحرّم الذي لا يتم ترك المحرم إلاّ به ; هل يكون واجباً أم لا؟
ذهب الأكثرون إلى أنّه يكون واجباً، وذهب آخرون إلى أنّه لا يكون واجباً وإليه ذهب المصنف.5   2

1 . في نسخة «أ»: وغيرها من اعضاء الوضوء .
2 . أي: الّذي لا يكون مقدوراً.
3 . أي: ان يكون مقدوراً للمكلف.
4 . الواقفية هنا: فرقةٌ من المعتزلة وهم القائلون بالوقف في خلق القرآن. لاحظ : معجم الفرق الإسلامية: 269 .
5 . كأنَّ السبكي يشير إلى ما افاده الشارح (قدس سره)في قوله: «وإليه ذهب المصنّف»، عندما قال:
«ومحاولة بعض الشارحين أن المصنّف يختار وجوب الشرط دون السبب، ايقاع للمصنّف في خرق الاجماع الّذي سينقله هو من بعد، وإلزام له بما لا ينتهض به توجيه». رفع الحاجب: 1 / 531.
نقول: أن وظيفة الشارح استخراج ما تفيده عبارة المصنّف، واما معالجة التعارض الّذي يقع في كلامه ـ مثل المعارضة لدعوى الاجماع هنا ـ فليست من مهامه.

صفحه 259
قال: وفي غيره، لو استلزم الواجب وجوبه، لزم تعقّل الموجب له ولم يكن تعلق الوجوب لنفسه ولامتنع التصريح بغيره ولعصى بتركه، ولصحّ قول الكعبي في نفي المباح، ولوجبت نيتهُ.*
<--- وقال قومٌ إنّه لا يكون واجباً في الجميع .
واستدلّ المصنّف على إيجاب الشرط بأنّه لو لم يكن واجباً لما كان شرطاً، والتالي باطل لكونه خلاف التقدير فالمقدّم مثله، وبيان الشرطية أنّه لو لم يكن واجباً لكان تاركه غير عاص فعلى تقدير تركه إمّا أن يبقى مأموراً بالفعل المشروط أو لا يبقى، والثاني باطل وإلاّ لم يكن الأمر مطلقاً وقد فرض كذلك، هذا خُلفٌ; والأوّل باطل لأنّه إمّا أن يكون مكلَّفاً بالفعل مع الإتيان بشرطه أو بدونه، والأوّل يلزم منه تكليف ما لا يطاق ـ وهو الإتيان بالشرط حالة عدمه ـ ، والثاني يقتضي خروج الشرط عن كونه شرطاً.
* أقول: يريد بغيره،1 غير الشرط الشرعي وذلك كالاسباب والشروط الحسّية كصوم أوّل جزء من الليل وغسل جزء من الرأس، إذ لا يمكن غسل الوجه الاّ بغسل جزء من الرأس ولا الإتيان بالصوم إلى الليل الاّ بصوم جزء منه ;    2

1 . إذاً أراد الماتنّ بـ «وفي غيره» الإشارة إلى عدم وجوب غير الشرط الشرعي.

صفحه 260
<--- وكفعل الأضداد في المحرّمات وترك الاضداد في الواجبات، فإنّ فيها خلافاً:
والمحققون على أنّها واجبة كالشروط الشرعية، والمصنف ذهب إلى انّها
غير واجبة ; والفرق بين هذه الشروط وتلك 1، إنّ تلك الشروط كالاجزاء
من المسميات بخلاف هذه فإنّ الصلاة الشرعية لا تطلق الاّ على ما حصل معها الوضوء فكان الأمر لتحصيل الصلاة الشرعية أمراً بتحصيل اجزائها; وأمّا هاهنا فليس الأمر بالصوم أمراً بصوم أوّل جزء من الليل، فإنّه لو فرض الإتيان بالصوم من غير الإتيان بصوم جزء من الليل لكان الآتي بالصوم آتياً بالصوم الشرعي بخلاف الصلاة .
واستدل المصنف على عدم وجوب أمثال هذه بأنّه لو كان إيجاب الفعل مقتضياً لإيجاب ما يتوقف عليه مما ليس بشرط شرعي، لوجب أن يكون الموجب للفعل متعقلاً لذلك الشيء الذي توقف عليه الواجب دائماً، والتالي باطل، فإنّ الموجب للشيء قد يغفل عن ما يتوقف عليه .
وأيضاً لوجب قيام ما يدل على وجوبه والعقل ليس دالاً على إيجاب الشيء، والنص ليس فيه إشعار إلاّ بوجوب صوم النهار مثلاً، امّا بصوم جزء من الليل فلا، وحيث لم يوجد ما يدلّ على وجوبه لم يكن واجباً .
ولأنّ الثواب والعقاب إنّما يحصلان عند الإتيان بصوم النهار أو بتركه لا بصوم جزء مِنْ الليل وبتركه، وإذا كان الثواب والعقاب إنّما يحصلان على فعل    2

1 . يريد بـ «هذه الشروط»، الشروط الحسية; وبـ «تلك الشروط»، الشروط الشرعية.

صفحه 261
<--- الغير لم يكن تعلق الوجوب لنفس فعل الصوم بالليل.1 ولأنّه لو كان الصوم أول الليل واجباً لامتنع التصريح بعدم وجوبه لكنه قد يصرح المكلِّف بعدم وجوب الشرط الحسّي كما أنّ الشرع دلّ على عدم وجوب الصوم بالليل .
ولأنّه لو كان الصوم أول الليل واجباً لعصى المكلّف بتركه، ولا يعصي بتركه إجماعاً فلا يكون صوم أوّل الليل واجباً .
ولأنّه لو كان فعل الضد واجباً في ترك المحرم، لزم قول الكعبي 2 في نفي المباح بأن فعل المباح به يحصل ترك الحرام .
ولأنّه لو كان واجباً لوجبت نيته لأنّه عبادة شرعية فيجب فيه النية ولما لم يجب بنية إجماعاً لم يكن واجباً.

1 . وقد ورد في نسخة «ب» بعد عبارة: «... فعل الصوم بالليل». ما يلي:
[ ويمكن أن يفهم منه أن الواجب لو استلزم وجوب غير الشرط الشرعي لم يكن تعلق الأمر الّذي هو الطلب لنفس الطلب بل لشيء آخر والتالي باطل لأن الطلب لا يعقل إلاّ متعلقاً، وقد مضى مثل ذلك في الحسن والقبح العقلي].
2 . هو عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي، أبو القاسم البلخي الخراساني، أحد أئمة المعتزلة وكان رأس طائفة منهم تسمّى «الكعبية»، وله آراء ومقالات انفرد بها، أقام ببغداد مدة طويلة، ولد سنة 273 هـ وتوفّى في بلخ سنة 319 هـ . له تصانيف، منها: التفسير، السنّة، مقالات الإسلاميين، وأدب الجدل، وغيرها. انظر: الأعلام: 4 / 65 ; وريحانة الأدب: 5 / 65 .

صفحه 262
قال: قالوا: لو لم يجب لصح دونه، ولما وجَبَ التوصُّلُ إلى الواجب، والتوصّلُ واجبٌ بالإجماع.
وأُجيب: إن أُريد بـ «لا يصح وواجبٌ» لابُدَّ مِنْهُ، فَمُسَلَّمٌ، وإن أُريد:
مأمورٌ به، فأين دليلهُ، إن سُلِّمَ الإجماع ففي الاسباب بدليل خارجيّ.*
* أقول: هذه حجة القائلين بوجوب الاسباب والشروط الحسيّة وتقريرها أنها:
لو لم تكن واجبة لصح الفعل دونها لأنّه لو لم يكن الفعل صحيحاً دونها لزم تكليف مالا يطاق على تقدير عدمها، ولما كان التكليف بالمحال باطلاً لاجرم كان القول بعدم صحة الفعل دونها باطلاً ; وإذا كان الفعل صحيحاً دونها لم تكن شروطاً حسية ولا أسباباً للفعل فيكون غير الفرض ; ولأنّها لو لم تكن واجبة لما وجب التوصل إلى الواجب لأن دونها يحصل التوصل إلى الواجب والتوصل واجب بالاجماع.
وأجاب المصنف بأنّ قولكم لو لم تكن واجبة لصحّ الفعل دونها ولا يصحّ الفعل دونها فهي واجبة ; إن أردتم [ بقولكم: لا يصح دونه، أنّه لابدّ منه في تحصيل الفعل ; فهو مسلّم ولكن لا نسلم أن يكون واجباً، فإنّه نفس المتنازع فيه، وإن أردتم ] 1 [ بالوجوب عدم صحّة وجود الفعل بدونه، فهو مسلم لكنه لا يبقى فرق بين المقدم والتالي وان اردتم بالوجوب ] (2) إنّه يكون مأموراً به فأين الدليل على هذا؟ ولذلك قولكم: «لو لم يجب لما وجب التوصل إلى الواجب، والتوصل   2

1 . ما بين المعقوفتين فقط في نسخة «ب» .      2 . ما بين المعقوفتين في نسخة «أ» فقط.

صفحه 263
<--- إلى الواجب واجب بالاجماع»، إن عنيتم بوجوب التوصل أنّه لابد منه فهو مسلم; وإن عنيتم به الأمر، فهو ممنوع لعدم الدليل.
ثمّ إن سُلِّم الإجماع 1 على ان التوصل إلى الواجب واجب لكنّه إنّما يصحّ في الاسباب لدليل خارجي لا لنفس الأمر بالفعل بخلاف غير الأسباب من الشروط الحسية، وذلك الدليل 2 هو أن نفرق بين السبب وغيره بما ذكره السيد المرتضى وهو أنّ عند وجود السبب يكون المسبب واجباً فمحال أن يكلف بالفعل بشرط وجود السبب وذلك لأنّه ينفي كأنّه كلّفه بالفعل بشرط وجود الفعل وهو محال بخلاف [ غير ] 3 الأسباب فإنّه لا استبعاد في أن يكلفنا بالصلاة بشرط كوننا متطهرين.
وأعلم أنّ ما ذكره المصنف ضعيف جداً، والدليل الذي ذكرناه على وجوب الشرط الشرعي أنّه في كل مايتوقف عليه الواجب والفرق الذي ذكرناه من جانب المصنف ; في غاية الضعف.

1 . هذا هو الإجماع الّذي مرت الاشارة إليه في كلام السُبكي [ الهامش، ص 250 ]، وقد اعاد الكرة هنا عند قوله:
      «وهذا يعرّفك أن المصنّف يختار وجوب السبب، بل يسلم قيام الإجماع عليه». انظر: رفع الحاجب: 1 / 534 .
على أن الإنصاف إن الاجماع المزعوم هذا، غير مسلّم عند المصنّف كما يفيده صريح عبارته، فلا يصح اسناد اختيار وجوب السبب إليه بموجبه.
2 . أي: الدليل الخارجي الآنف الذكر، ويمكن القول بان مراد المصنّف من «الدليل الخارجي» هو الإجماع الّذي قال عنه: «إن سُلّم».
3 . في نسخة «ب» فقط .

صفحه 264
قال: مسألة: يجوز أن يحرّم واحداً لا بعينه، خلافاً للمعتزلة، وهي كالمخيّر.*
قال: مسألة: يستحيل أن يكون الشيءُ واجباً حراماً من جهة واحدة إلاّ عند بعض من يجوِّزُ تكليف المُحال. وأمّا الشيءُ الواحِدُ، لَهُ جهتان; كالصلاة في الدار المغصوبة، فالجمهور: تصح، والقاضي: لا تصح، ويَسقُطُ الطلبُ عِنْدَها. وأحمدُ وأكثرُ المتكلّمين: لا تصح، وَلاَ يسقط.
لنا: القطع بطاعة العبد وعصيانه، بأمره بالخياطة، ونهيه عن مكان مخصوص، للجهتين.**

[ تحريم واحد لا بعينه ]

* أقول 1: لا استبعاد في أن يقول السيد لعبده لا تكلّم زيداً أو عمراً فقد حرّمت عليك كلام أحدهما لا بعينه ولا أُحرّم عليك كلام الجميع جمعاً ولا كلام واحد بعينه فلم يبق المحرّم إلاّ واحداً لا بعينه وقد مضى مثل هذا في الواجب المخيّر.

[ اجتماع الأمر والنهي بعنوانين ]

** أقول (2): اختلف الناس في ذلك، وتحقيق القول فيه أن نقول: الشيء الواحد أمّا أن تكون وحدته بالنوع أو بالشخص :
أمّا الأوّل فالمحققون على أنّه يمكن ورود النهي والأمر إليه كالسجود    2

1 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 83 .      2 . انظر : المحصول في علم الأُصول: 1 / 340 .

صفحه 265
<--- للصنم والله تعالى ; ونقل عن بعض المعتزلة المنع من ذلك وقال: إنّ السجود ماهية واحدة لا يصحّ تعلق الأمر والنهي بها وأمّا النهي عن السجود للصنم فليس نهيّاً عن السجود في الحقيقة بل عن الطاعة للصنم وهو غير السجود، وهذا ضعيف كما ترى .
وأمّا الثاني فلا يخلو إمّا أن يكون ذا جهتين متعددتين أو لا يكون، أمّا الثاني فقد اتفق المحققون على أنّه لا يجوز ورود الأمر به والنهي عنه، وإنّما خالف في ذلك القائلون بجواز تكليف ما لا يطاق ; وأمّا الأوّل فالجهتان لا تخلوان أما ان تكونا متلازمتين أو لا، ففي الثاني يجوز ورود الأمر والنهي به 1 كما إذا قال السيد لعبده: «خِطَّ الثوب ولا تدخل الدار» فإنّه لو خاط الثوب في الدار لكان الفعل هاهنا منهياً عنه من حيث دخول الدار ومأموراً به من حيث خياطة الثوب، ويكون بالحقيقة هاهنا فعلان متغايران ; أمّا إذا كانتا متلازمتين فالحقّ استحالته 2، وإلاّ لزم وقوع الأمر والنهي على ذات واحدة معينة من جهة واحدة لأنّ الأمر بالشيء أمر بما لا يتم ذلك الشيء إلاّ به .
إذا عرفت هذا فنقول: اختلفوا في الصلاة في الدّار المغصوبة، فذهب جمهور الأشاعرة وأكثر الفقهاء إلى جوازها; وذهب الجبّائيان وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر والإمامية والزيدية إلى المنع، وهو الحقّ عندي.
واستدل المصنف على جواز تعلق الأمر والنهي بشيء واحد من جهتين بأنّ العبد يعد طائعاً وعاصياً إذا خاط الثوب المأمور به ودخل الدار المنهي عنها.

1 . أي: بالواحد عندما تكون وحدته شخصية.
2 . أي: استحالة ورود الأمر والنهي في شيء واحد.

صفحه 266
قال: وأيضاً لو لم يصح لكان لاتحاد المتعلقين ; إذ لا مانع سِوَاهُ اتفاقاً، وَلا اتّحادَ ; لأن الأمرَ للصلاةِ، والنهي للغصب. واختيار المكلّف جمعهما لا يخرجهما عن حقيقتهما.*
* أقول: هذا دليل ثان على ما ذهب إليه، وتقريره أن نقول: لو لم يصح تعلق الأمر بالصلاة في الدار المغصوبة والنهي عنها، لكان المانع من صحّة تعلقهما إنّما هو اتحاد المتعلق إجماعاً إذ لا مانع سواه لكن الاتحاد هاهنا منفي لأنّ الصلاة في الدار المغصوبة قد اشتمل على جهتين: أحدهما كونها صلاة والأُخرى كونها في الدار المغصوبة وهما متغايرتان ويصح انفكاك إحداهما عن الأُخرى إذ توجد صلاة في غير مكان مغصوب والدخول في المكان المغصوب من غير صلاة، واختيار المكلف الإتيان بالصلاة في الدارالمغصوبة لايخرجهما عن حقيقتهما وهو التغاير وعدم التلازم ; وإذا تغايرت الجهتان ولم يتلازما لم يكن متعلق الأمر والنهي واحداً وإذا لم يكن واحداً صحّ تعلقهما معّاً به .
وفي هذا نظر، وذلك لأنّ الصلاة في الدار المغصوبة أحد أجزائها الكون ـ الذي هو الحركة والسكون ـ وهذا الكون منهي عنه، فأحد أجزاء هذه الصلاة منهي عنه مع الأمر بأجزائها أجمع، هذا خلف ; والصلاة مطلقاً وإن انفكت عن الكون المعيّن لكن الصلاة المعيّنة غير منفكة عنه والكلام إنّما هو في أمر واحد بالشخص; وبهذا الاعتبار ظهر الفرق بين الصلاة في الدار المغصوبة والخياطة في المكان المنهي عنه.1

1 . لأن «الكون» من الأجزاء المؤسسة للصلاة وهو منهي عنه في المقام فلا يتأتى قصد القربة منه فيؤدي إلى بطلانها، وأمّا الخياطة فليس الكون من أجزائها، لأنها عبارة عن ادخال الأُبرة في الثوب نعم يتوقف عمل الخياطة على الكون ، وبذا يتضح الفرق بين الموردين.

صفحه 267
قال: واستُدِلَّ: لو لم يصح لما ثبتت صلاة مكروهة، ولا صيامٌ مكروهٌ، لتضادِّ الأحكام.
وأُجيب: بأنّه إنِ اتّحَدَ الكونُ، مُنِعَ، وإلاّ لم يفسد لرجوع النهي إلى وصف مُنْفَكٍّ.*
* أقول: هذا استدلال من ذهب إلى مذهب المصنّف إلاّ أنّ المصنف لم يرتضه، وتقريره أن نقول: لا فرق بين استحالة اجتماع التحريم والوجوب في فعل واحد وجوازه وبين استحالة اجتماع الكراهة والإيجاب أو الندب في فعل واحد وجوازه فإنّه كما يتضاد الوجوب والتحريم، يتضاد الوجوب والكراهة والندب والكراهة ; إذا عرفت هذا فنقول: لو استحال اجتماع التحريم والوجوب في فعل واحد، لاستحال اجتماع الكراهة والوجوب في فعل واحد، والتالي باطل فالمقدّم مثله ; وبيان الشرطية قد ظهر 1، وبيان بطلان التالي أنّه يكره الصلاة في الأمكنة الّتي نص الشارع على كراهية الصلاة فيها كمعاطن 2 الإبل والأودية وغيرها، وكذلك قد كُره الصوم في أيّام معيّنة، ولا شك انّ الصلاة مطلقاً واجبة والصوم مطلقاً واجب ولقد اجتمع الوجوب والكراهة [هاهنا ]3.   2

1 . قد ورد في حاشية نسخة «أ» ما يلي:
[ أي بقوله: فإنّه كما تضاد الوجوب إلى آخره... ].
2 . مَعَاطِن جمعٌ، مفرده مَعْطَنْ وهو محل بروك الإبل عند الماء .
3 . في نسخة «ب» فقط .

صفحه 268
قال: واسْتُدِلَّ: لو لم يصح لما سقط التكليف. قال القاضي: وقد سقط بالإجماع، لأنهم لم يأمروهم بقضاء الصلوات; وَرُدَّ بمنع الإجماع مع مخالفة أحمد، وهو أقعد 1 بمعرفة الإجماع. *
<--- أجاب المصنف بأنّه إن كان الكون متحداً، منعنا صحة الصلاة والصوم في الاماكن المذكورة والاوقات المعيّنة [ للنهي، وبالجملة نمنع اجتماع الحكمين ] 2; وإن تغايرا، لم يُفد لأنّه يكون متعلق النهي هو الكون في ذلك المكان ومتعلق الأمر هو الصلاة مطلقاً وهما وصفان متغايران ينفك أحدهما عن الآخر فجاز تعلقهما به كما مر ; ويريد بـ «الكون» في قوله: «إن اتحد الكون»، متعلق الاحكام فأنّه كالمحل لها.
ويحتمل أن يكون المراد بالكون هو المفهوم المتعارف ويكون الجواب خاصّاً بالصلاة، وتقريره: أنّ الصلاة في الدار المغصوبة كونٌ واحدٌ ـ أي: فعل واحد ـ واطلق عليها «الكون»، لكون «الكون» لازماً لها وذلك الكون «غصب» و «صلاة»، فالصلاة المكروهة إن كانت كذلك منعنا صحتها; وإن لم تكن كذلك كان متعلق الكراهة شيئاً خارجاً عن الصلاة ووصفها اللازم، كالتعرض لخطر السيل في بطن الوادي ونِفارِ الإبل في معاطنها، منعنا الملازمة حينئذ.
* أقول: هذا استدلال ثان 3، وتقريره: أنّ الصلاة في الدار المغصوبة لو   2

1 . أقعد، أي: أقرب; يقال: هو أقعد الآباء، أي: اقربهم إلى الجد الأعلى.
2 . في نسخة «ب» فقط; علماً بأن ما قبل كلمة «النهي» لم يقرأ والأنسب ما اثبتناه.
3 . يقوم الدليل الأوّل على عدم استحالة اجتماع الوجوب والحرمة، والثاني على سقوط التكليف. وقد نبه الشارح (قدس سره)على أنّه كلما أتى المصنّف بكلمة «إسْتُدلَّ» يعني عدم ارتضائه الإستدلال .

صفحه 269
قال: [ قال ] القاضي والمتكلمون: لو صحّت، لاتحدَ المتعلقان ; لأنّ الكونَ واحدٌ وهو غصبٌ. وأُجيبِ باعتبار الجهتين كما سبق.*
<--- لم تكن صحيحة لما سقط التكليف بفعلها، وقد سقط بالإجماع، فإنّهم لم يأمروا الظلمة 1 بالقضاء للصلوات المأتي بها في المواضع المغصوبة فالصلاة صحيحة، وبيان الشرطية ظاهر [ فإن الأصل بقاء ما كان على ما كان ولا يسقط التكليف إلاّ بفعل المأمور به ] (2) والقاضي لما سلم الاجماع احتاج إلى التمحل في الجواب عن هذا الاستدلال فقال: إنّ التكليف يسقط عند الإتيان بهذه الصلاة ولا تكون هذه الصلاة علّة في الإسقاط .
والمصنف منع الإجماع وهو الحق فإنّ أحمد نازع في صحة الصلاة وسقوط التكليف بها، وهو أيضاً مذهب الشيعة; ومع هذا الخلاف كيف يصحّ ادعاء الاجماع.
* أقول: هذه حجة القاضي أبي بكر والمتكلمين على أنّ الصلاة في الدار المغصوبة لا تكون صحيحة، قالوا: لأنّها لو كانت صحيحة لزم اتحاد متعلق الأمر والنهي، والتالي باطل فالمقدم مثله; بيان الشرطية: إنّ الكون في الدّار المغصوبة أمر واحد شخصي غير متعدد وهو منهي عنه، فلو كانت الصلاة مأموراً بها لكان الكون الذي هو جزء منها مأموراً به، ضرورة استلزام الأمر بالمركب الأمر باجزائه ; وامّا بطلان التالي فظاهر .
وأجاب بالمنع في اتحاد الكون اتحاداً شخصياً بل هو وإن كان واحداً لكن له جهتان هما جهتا غصب وصلاة فيكون متغايراً فيجوز تعلق الأمر والنهي بهذا   2

1 . أي: الآتون بالصلاة في المكان المغصوب .            2 . في نسخة «ب» فقط.

صفحه 270
قال: قالوا: لو صحت، لصح صومُ يوم النحر بالجهتين. وأُجيب بأنّ صومَ يومِ النحر غير مُنفكٍّ عن الصوم بوجه، فلا تتحقق جهتان، أو بأن نهي التحريم لا يعتبر فيه تعددٌ إلاّ بدليل خاصٍّ فيه.*
<--- الواحد من هاتين الجهتين كما مرّ تقريره.
* أقول: هذا استدلال ثان 1 على بطلان الصلاة، وهو أنّها لو كانت صحيحة لصح صوم يوم النحر، لأنّ فيه جهة كونه صوماً وهو مأمور به وجهة كونه صوماً واقعاً في يوم النحر وهو منهي عنه، وإذا تعددت الجهتان جاز التكليف بالفعل ; ولكن صوم يوم النحر ليس بصحيح، فلا تكون الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة .
أجاب عنه: بأنّ الفرق واقع بين الصلاة والصوم في يوم النحر [ لأنّ الصوم هاهنا لازم لصوم يوم النحر، والصوم في يوم النحر منهيٌ عنه وهو ملزوم للصوم المطلق على معنى أنّ الصوم في يوم النحر منهي عنه] 2 لا أنّ ايقاع الصوم في يوم النحر منهي عنه ; فالحاصل أنّ المنهي عنه هو الواقع لا الوقوع3، خلافاً لأبي حنيفة.
وإذا كان الصوم الواقع هو المنهي عنه وهو ملزوم للصوم المطلق، لم يكن ثَمّ تعدد جهات تنفكّ أحدهما عن الأُخرى ; بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة   2

1 . كان الدليل الأوّل يعتمد على وحدة متعلق الحرمة والوجوب، والثاني يعتمد النقض بالصوم في يوم النحر.
2 . ما بين المعقوفتين ليس في نسخة «ب».
3 . قال الآمدي: «وأبو حنيفة اعتقد أن المحرّم نفس الوقوع لا الواقع وهما غيران فلا تضاد...». الإحكام في أُصول الأحكام: 1 / 162 .

صفحه 271
قال: وأمّا منْ توسّط أرضاً مغصوبة، فحظُ الأُصولي فيه بيان استحالة تعلق الأمر والنهي معاً بالخروج، وخطأ أبي هاشم، وإذا تعيّن الخروج للأمر، قُطع بنفي المعصية (به) بشرطه. وقولُ الإمام: باستصحاب حكم المعصية مع الخروج، ولا نهي، بعيد ولا جهتين لتعذر الامتثال.*
<--- فإنّ النهي فيها تعلق بالغصب والأمر بالصلاة، وكل واحد منفكّ عن الآخر; وأيضاً النهي المقتضي للتحريم لا يعتبر فيه تعدد جهات الاّ بدليل خاص لأن نهي التحريم يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه واعتبار الجهتين يقتضي جواز الاتيان به وهما متنافيان، ولما دل الدليل على صحّة الصلاة في الدار المغصوبة وجب 1ووجد نهي الغصب، وكان ذلك دليلاً على تعدد الجهات ; أمّا هاهنا فلا ، وفي هذا الكلام نظر.
* أقول: يريد ان يفرق بين الخروج من الدار المغصوبة وبين الصلاة فيها، والفرق أنّ الصلاة في الدار المغصوبة ذا جهتين يصح تعلق الأمر والنهي بهما; أمّا الخروج من الدار المغصوبة فليس له جهتان يتعلق الأمر والنهي بهما بل الخروج واجب مأمور به ويستحيل تعلق النهي به; وبالجملة، الجواب على الأُصولي بيان استحالة تعلق الأمر والنهي بالخروج بل يتعلق به أحدهما ولا يجب عليه التعيين، إنّما ذلك على الفقيه .
وقوله: وخطأ أبي هاشم، عطف على قوله: استحالة، فإنّ أبا هاشم   2

1 . أي: وجب فعل الصلاة.

صفحه 272
<--- يذهب إلى أنّه يكون عاصياً بالخروج والمقام معاً، وإنّما كان هذا القول خطأ لأدائه إلى التكليف بالمحال، فإنّ الخروج متعيّن للأمر فلا يكون الخارج عاصياً بالخروج، .1
وإمام الحرمين قال إنّه قد كان عاصياً فيكون هذا الحكم مستصحباً مع الخروج 2 ; وهذا القول بعيد لأنّه ليس ثمَّ نهيٌّ يدل على العصيان بالخروج ; لا يقال: لم لا يجوز أن تكون هناك جهتان يتعلق الأمر والنهي بهما؟ لأنّا نقول: لو كان الخروج منهيّاً عنه بوجه ما، لزم تعذر الامتثال للأمر بالخروج مع النهي عنه وذلك جمع بين الحركة والسكون .
[ ولا جهتان متعددتان يصح تعلق الأمر والنهي بهما. وهذا القول بعيد، ووجه بعده أنّه مأمور بالخروج فلو كان عاصياً به لزم بعد الامتثال.]3
الاستدلال على ان المندوب مأمور به   

1 . ورد في نسخة «ب» بعد كلمة «بالخروج» ما يلي:
[(والقطع بعدم المعصية عند الخروج إنّما يكون شرطاً أن يقع الخروج على جهة التوبة; فإنّه لو قصد بالخروج التصرف في ملك الغير لم تنتف المعصية عنه].
والأولى ان يقال: «والقطع بعدم المعصية عند الخروج إنّما يتحقق إذا وقع الخروج على جهة التوبة...».
2 . راجع البرهان: ج 1 ، المقدمة: 203.
3 . فقط في نسخة «أ» .

صفحه 273
قال: مسألة: المندوب مأمور به خلافاً للكرخيِّ والرازيِّ.
لنا: إنّه طاعةٌ وأنهم قسّموا الأَمرَ إلى إيجاب وَندب .
قالوا: لو كان، لكان تركُهُ معصية ; لأنها مخالفةُ الأمر، وَلَمَا صَحَّ: «لأمرتهُمُ بالسواك» .
قلنا: المعيّن الأمرُ للإيجاب فيهما.*

[ هل المندوب مأمور به؟]1

* أقول: ذهب الكرخي 2 وابوبكر الرازي 3 من أصحاب أبي حنيفة إلى أنّ المندوب غير مأمور به ; وذهب الجمهور إلى أنّه مأمور به .

[ أدلّة المثبتين]

احتج المثبتون 4 بوجهين:   2

1 . انظر : الإحكام للآمدي: 1 / 86 .
2 . هو أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي (المتوفّى 340 هـ) كان معتزلياً، أخذ الكلام عن أبي عبدالله البصري، وله رسالة في الأُصول، عليها مدار فروع الحنفية. انظر: الاعلام: 4 / 193 ; موسوعة طبقات الفقهاء: 4 / 257 .
3 . هو أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصّاص من أهل الري، انتهت إليه رئاسة الحنفية، وألف كتاب «أحكام القرآن» وكتاباً في أُصول الفقه، سكن بغداد ومات فيها سنة 370 هـ . انظر : الاعلام للزركلي: 1 / 171 .
4 . المثبتون هم جمهور الفقهاء الذين اثبتوا أن المندوب مأمور به; ويأتي بعد ذلك قول المانعين.

صفحه 274
<--- الأوّل: أن فعل المندوب يسمى طاعة بالاتفاق، وليس هذا الوصف حاصلاً له لذاته وإلاّ لكان طاعة على تقدير كونه منهياً عنه، ولا لكونه موجوداً وحادثاً وغير ذلك من الصفات التي شاركه فيها غيره من الحادثات وإلاّ لكان كلّ حادث طاعة، ولا لكونه مراداً لله تعالى وإلاّ لكان كل مراد الوقوع طاعة وليس كذلك فإن القبائح الصادرة عن العباد مرادة لله تعالى عندهم 1 ولا تكون طاعة، ولا لكونه مثاباً فإنّ المأمور به الآتي بما أُمِرَ به يسمّى طائعاً وإن لم يُثب ولم يُعاقب، ولا لكونه موعوداً بالثواب والاّ لزم تحققه لأنّ الخلف في خبر الله تعالى محال ; لكن الثواب غير لازم للمندوب إجماعاً منهم فلم تبق العلّة في كونه طاعة سوى كونه امتثال الأمر.
فهذا تقرير الوجه الأوّل، وهو ضعيف لأنّا نقول:
لا نسلّم أوّلاً أنّ الآتي بالمندوب يكون طائعاً وكيف يكون كذلك ومذهب جماعة من الأشاعرة أنّ الأمر للوجوب، فالآتي بالمندوب لا يسمّى طائعاً   2

1 . قال الآمدي في الأبكار:
      ... أن الله ـ تعالى ـ مريد لجميع الجائزات والكفر والفساد من جملتها، فيكون مريداً له...
أبكار الافكار في أُصول الدين: 1 / 220.
وهو معارض لما ورد في الكتاب العزيز لأنّه:
أوّلاً ـ الظلم من جملة الممكنات والله سبحانه يقول: (وَ مَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ)غافر: 31 .
(وَ مَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ) آل عمران: 108 .
ثانياً: انّه ـ جل وعلا ـ وصف الكفر بالظلم وذلك في قوله: (وَ الْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة: 254.
فكيف يريد الله سبحانه ما هو مصداق للظلم الّذي نفاه عن نفسه في الآيتين؟ سبحانه وتعالى عما يصفون!

صفحه 275
<--- عندهم.
وأيضاً يمتنع كون الطاعة هي موافقة الأمر وحصرهم فيما ذكروه غير مستند إلى دليل وعلى تقدير الحصر فلم لا يجوز أن يكون طاعة لكونه مراداً لله تعالى .
وقولهم القبائح مرادة وغير مأمور بها مبني على أنّ الطلب غير الإرادة وهو ممنوع 1.
سلمنا لكن لم لا يجوز أن يقال إنّما يسمى طائعا لكونه آتياً بما يوافق الطلب ومطلق الطلب ليس أمراً بل الطلب الجازم .
الوجه الثاني2: إن أهل الإثبات اتفقوا على صحة انقسام الأمر إلى أمر إيجاب وأمر ندب، ومورد القسمة مشترك بين القسمين .   2

1 . وقد عالج شيخنا الأُستاذ السبحاني مسألة «الطلب والارادة» في مجلس درسه العامر ببراعة وقوة وكفاءة عالية بحيث لم يُبق لها ما يعتمد عليه ـ لله دره ـ وفي هذه العجالة لا يسع المجال للتطرق إلى معالجاته فإلى مجال آخر بإذن الله .
      والشارح المفضال في كتابه «مناهج اليقين» رد على القول بانفكاك الارادة عن الطلب بعد نعته بأنّه سخيف، وفي ما يلي نأتي بما افاده (قدس سره)في بيان منا:
      أوّلاً: لاعلم لنا بصفة زائدة على الإرادة في حقه تعالى .
      ثانياً: برغم المغايرة مفهوماً بين الطلب والأرادة لا يعقل انفكاكهما بتاتاً لأنّه يستحيل أن تكره شيئاً ثم تريده، والمريد للقبيح ـ في قولهم انّه يريد الفساد والكفر ولايطلبهما ـ ناقص في حين انّه ـ سبحانه ـ غني، حكيم، عزيز; فله صارف عن ارتكابه; والكتاب العزيز لا يصف الباري بالطالب ولا مرة مع انّه يصفه بالمريد دوماً وأبداً.
انظر : مناهج اليقين في أُصول الدين: 176 .
2 . أي: الوجه الثاني للمثبتين .

صفحه 276

<---[ أدلة المانعين ]

والمانعون يمنعون هذا التقسيم، ويحتج المانعون بوجهين :
الأوّل: أنّ المندوب لو كان مأموراً به لكان تاركه عاصياً لأنّ العصيان هو المخالفة للأمر ولا يكون عاصياً وإلاّ لاستحق العقاب فيكون واجباً، هذا خلف .
الثاني: لو كان المندوب مأموراً به لما صح قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لولا أن أشق على أمّتي لأمرتهم بالسواك».
وجه الاستدلال: أن «لولا» حرف دال على امتناع الشيء لوجود غيره، فهذا يدل على أن الأمر بالسواك قد امتنع لوجود المشقة مع أنّ السواك مندوب بالاتفاق; فالمندوب ليس مأموراً به .
أجاب المصنف عن الوجهين بوجه واحد وهو أنّ المعصية عبارة عن الإتيان بمخالفة الأمر الدال على الإيجاب ولذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لأمرتهم بالسواك» أشار به إلى أمر الإيجاب .
وأعلم أنّ التحقيق في هذه المسألة أن نقول المراد من كون المندوب مأموراً به إمّا أن يكون هو أن المندوب يصدق عليه لفظ المأمور، أو أنّ المندوب هل هو مطلوب، أم لا؟
   
أمّا الأوّل: فالبحث عنه إنّما يكون ببيان أنّ الأمر هل هو للوجوب أم لا ؟
وأمّا الثاني: فالحق أنّه مطلوب قطعاً.

صفحه 277
قال: مسألة: المندوب ليس بتكليف، خلافاً للأُستاذ، وهي لفظيّةٌ.*
قال: مسألة: المكروه منهيٌ عنه غير مكلف به، كالمندوب، ويُطلقُ أيضاً على الحرام، أو على ترك الأَولى. **
* أقول: ذهب جماعة من الأُصوليين إلى أنّ المندوب ليس من أحكام التكليف، وخالفهم في ذلك ابواسحاق الاسفرائيني وهذه المسألة لفظية، 1 فإنّهم إن عنوا بالتكليف ما أُمر به أو ما يحصل الثواب بفعله، فالمندوب من التكاليف ; وإن عنوا به ما هو مطلوب طلباً مانعاً من النقيض فالمندوب ليس كذلك.

[ في معاني المكرو ]

** أقول: المكروه بالاشتراك على ثلاثة معان :
أحدها: ما نُهيَ عنه نهي تنزيه لا تحريم كالصلاة في الاماكن المخصوصة والاوقات المخصوصة ويُحد هذا المعنى بأنّه المنهي الّذي لا ذمّ على فعله وهو غير مكلف به، على قياس ما مرّ في المندوب .
الثاني: الحرام .
الثالث: ترك ما مصلحته راجحة كترك المندوب ويحدّ هذا المعنى بترك الأولى.2

1 . أي: أن النزاع بينهم لفظي.
2 . إنّ السبكي في «رفع الحاجب» غيّرَ التقسيم الثلاثي المدرج آنفاً في محتواه فقال:
المكروه فيه مباحث:
أحدها: «منهي عنه».
والثاني: أنّه «غير مكلف به»...
والثالث: أنّه «يطلق أيضاً على الحرام»... «وعلى ترك الأَولى»..
إلاّ أن محقّق الكتاب جاء في الهامش بالتقسيم الثلاثي المذكور أعلاه في ثنايا الشرح، ولعل ما جاء به كان لتلافي التشويش الحاصل في تقسيم السُبكي غير أنّه لم يُشر إلى شرح العلاّمة ابن المطّهر أصلاً. انظر: رفع الحاجب: 1 / 562 ـ 563 .

صفحه 278
قال: مسألة: يطلق الجائز على المُباح، وعلى ما لا يمتنع شرعاً أو عقلاً، وعلى ما استوى الأمران فيه، وعلى المشكوك فيه فيهما بالإعتبارين.*
قال: مسألة: الإباحة حكم شرعي، خلافاً لبعض المعتزلة.
لنا: أنها خطاب الشارع.
قالوا: انتفاء الحَرَجِ، وهو قَبْلَ الشرع. **

[ ماهية الجائز ]

* أقول: يطلق الجائز على المباح وهو الذي لا يتعلق بفعله ولا بتركه مدح ولا ذم ; وعلى ما لا يمتنع وجوده شرعاً وهو بهذا المعنى أعمّ من الأوّل ; وعلى ما لا يمتنع وجوده عقلاً وهو أعمّ من الثاني; وعلى ما لا يمتنع وجوده ولا عدمه وهو أخص من الثالث ; وعلى المشكوك في وجوده وعدمه في الشرع أو العقل باعتبار ما لا يمتنع وباعتبار استواء الطرفين.

[ الاباحة حكم شرعي]

** أقول: هذه المسألة أيضاً لفظية وذلك لأنّ الإباحة إن أُريد بها ما   2

صفحه 279
قال: مسألة:
المباح غير مأمور به، خِلافاً للكعبي.
لنا: أن الأمر طلب يستلزم الترجيح ولا ترجيح. *
<--- انتفى الحرج عن فعله وتركه فليست حكماً شرعياً لأنّه قبل الشرع لا حرج ، وإن أُريد الخطاب الوارد من الشرع بانتفاء الحرج عن الطرفين فهي من الأحكام الشرعية، بناءً منهم على أنّ الحكم هو خطاب الشرع.
* أقول: ذهب الكعبي وأتباعُه من المعتزلة إلى نفي المباح وأن كلّ فعل يفرض فإنه واجب مأمورُ به; والمحققون على خلاف هذا، وذلك لأن الأمر طلب الفعل وذلك يستدعي ترجيح الفعل على الترك والمباح لا ترجيح فيه1.

1 . تضاربت الآراء في تبيين مراد الكعبي في نفي المباح في الشريعة، والمصنف ذهب إلى الرأي القائل بأن مراده هو أنّ كل ما ظنناه مباحاً فهو مأمور به وواجب، وذلك من ناحية انّه به يترك الحرام.
وقد اجاب المصنّف على ذلك بأن الأمر هو طلب الفعل وهو يقتضي ترجيح الفعل على الترك والمباح لا ترك فيه.
وهذا الكلام محجوج لا يصدق على اطلاقه لأن المباح قد يكون مقدمة لترك الحرام ـ كما مرت الاشارة إليه ـ فيكون راجحاً; إلاّ أن يقال أن موضع النزاع هو الإقتضاء الذاتي، والمباح في ذاته عديم الترجيح. ينظر : الإحكام للآمدي: 1 / 88 ; المستصفى: 1 / 142 ; رفع الحاجب: 2 / 6 ـ 8 .

صفحه 280
قال: قال: كلّ مباح تُرِكَ حرامٌ وتركُ الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب، وتأول الإجماع على ذات الفعل لا بالنظر إلى ما يستلزم جمعاً بين الأدلة .
وأجيب بجوابين:
أحدهما: أنّه غير معيّن لذلك، فليس بواجب، وفيه تسليمُ أنَّ الواجبَ وَاحِدٌ، فما فَعَلَهُ، فَهُوَ واجبٌ قطعاً.
الثاني: إلزامهُ أن الصلاة حرامٌ، إذا تُرِك به واجبٌ، وهو يلتزمه باعتبار جهتين .
ولا مُخَلِّصَ إلاّ بأنّ ما لا يتم الواجب إلاّ به من عقلي أو عادي، فليس بواجب.
وقول الأُستاذ: «الإباحة تكليف» بعيدٌ.*
* أقول: هذه حجة الكعبي مع الجواب عنها، وتقريرها: أنّ كلّ مباح فإنّه ترك حرام وكلّ ما يحصل به ترك الحرام فإنّه يكون واجباً .
أمّا المقدمة الأُولى فلأنّ كلّ فاعل للمباح فإنّه بفعله ذلك يكون تاركاً للحرام، وأمّا الكبرى فلأنّ ترك الحرام واجب ولا يتم إلاّ بضد من أضداده وما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب ففعل الضد واجب لكن الضد هو المباح فقد تبيّن أنّ المباح واجب.   2

صفحه 281
<--- ثمّ إنّ الجمهور أورد عليه أنّ هذا القول خلاف الإجماع فيكون باطلاً.
وبيان أنّه خلاف الإجماع أنّ الاجماع قد انعقد على أنّ الأحكام تنقسم إلى وجوب وندب وإباحة وكراهة وتحريم، فالقول بنفي المباح يكون قولاً بخرق هذا الإجماع .
فتأول الكعبي هذا الاجماع بأنّه يجب حمله على ذات الفعل مع قطع النظر عن تعلق الأمر به بسبب توقف الحرام عليه فإنّه حينئذ لا يكون مأموراً به ، أمّا إذا اعتبر كون المباح يتوقف عليه ترك الحرام وكان ترك الحرام واجباً فإنّه يكون واجباً ; وإنّما إلتجأ إلى هذا التأويل جمعاً بين الأدلة.
ثمّ إنّ الجمهور أجابوا عن هذه الحجة بجوابين :
الأوّل: إن ترك الحرام وإن كان واجباً وأن هذا الواجب يحصل بفعل الضد لكن لا يلزم من ذلك أن يكون ذلك الضد واجباً لأنّه إنّما يكون واجباً إذا لم يكن للفعل إلاّ ضدٌ واحدٌ، أمّا إذا تعددت الأضداد فلا يلزم وجوب أحدها على التعيين لأنّه قد يحصل المطلوب بفعل غير ذلك الضد.
واعترض عليهم بعض المتأخرين بأنّ هذا تسليم أنّ الواجب واحد لا بعينه، لأنّه إذا كان ترك الحرام واجباً وأنّه لا يتم الاّ بفعل أحد الأضداد وإن ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهوواجب، لزم الجزم بوجوب أحد الأضداد لا بعينه لكن ذلك يتعيّن بفعل المكلف فإنّه إذا فعل يكون واجباً إجماعاً، فعلى تقدير أن يختار المكلف فعل المباح يكون ذلك واجباً .
الوجه الثاني: الإلزام وهو أنّ المندوب يلزم أن يكون واجباً، بل المحرّم   2

صفحه 282
قال: مسألة: المباح ليس بجنس للواجب، بل هما نوعان للحكم.
لنا: لو كان جنسَهُ، لاستلزم النوعُ التخييرَ.
قالوا: مأذون فيهما، واختُصَّ الواجب، قلنا: تركتم فصلَ المُباحِ. *
<--- إذا ترك به محرم آخر يلزم أن يكون واجباً بل الصلاة تكون حراماً إذا ترك بها واجبٌ آخر، وهذا باطل بالإجماع فكذا ما ذهبتم إليه .
وأجاب عنه بعض الأُصوليين بما ذكره المصنف وهو أنّ له أن يلتزم بذلك فإنّه لا استبعاد في أن يكون الشيء واجباً حراماً، أو مندوباً واجباً من جهتين كما مثلّوا به في الصلاة في الدار المغصوبة.
ثمّ قال المجيب إنّه لا جواب عن هذا إلاّ بالتزام أن ما لا يتم الواجب إلاّ به فإنّه لا يكون واجباً ولكن ذلك على خلاف القاعدة المشهورة بينهم، والمصنف لما كان عنده أنّ ما لا يتم الواجب إلاّ به فإنّه لا يكون واجباً إذا كان شرطاً شرعياً دون ماعداه، خصص بقوله: من عقلي أو عادي.
وأعلم أنّ الأُستاذ أبا اسحاق الاسفرائيني ذهب إلى أنّ المباح تكليف وهذا في غاية البعد إذ التكليف مأخوذ مما فيه كلفة ومشقة، ولا مشقة مع التخيير.

[ هل أنّ المباح جنس للواجب ؟]

* أقول: ذهب جماعة من الأُصوليين إلى أنّ المباح جنس للواجب والجائز بالمعنى الأخص، والمصنف منع هذا وجعلهما نوعين للحكم متباينين.    2

صفحه 283
<--- وفائدة المسألة تظهر في نسخ الواجب هل يبقى معه الجواز قطعاً أم لا؟ فالقائلون بأنّ الجائز جنس للواجب ذهبوا إلى بقائه .
والمانعون قالوا أنّ الحكم بعد النسخ يبقى كما كان قبل الوجوب.
واحتج المصنف على ذلك بأن المباح لو كان جنساً للواجب لكان الواجب الذي هو النوع مستلزماً للتخيير والتالي باطل فالمقدم مثله، وبيان الملازمة أنّ الواجب ملزوم للجائز حينئذ لاستلزام النوعِ الجنسَ، والجائز مستلزم للتخيير إذ هو معناه فيكون الواجب مستلزماً للتخيير ضرورة أنّ المستلزم للمستلزم للشيء مستلزم لذلك الشيء; وأمّا بطلان التالي فظاهر إذ يلزم منه خروج الواجب عن كونه واجباً .
احتج القائلون بالجنسية بأنّ المباح هو المأذون فيه، والواجب هو المأذون فيه مع المنع من الترك، فالمأذون فيه هاهنا الذي هو حقيقة المباح جزء للواجب مشترك بينه و بين غيره فيكون جنساً له .
والجواب: أنّكم قد اغفلتم فصل المباح وذلك لأنّ المباح هو المأذون في فعله الذي لا يذم بتركه، ولا شكّ في أنّ المباح بهذا الاعتبار ليس جنساً .
والحق أنّ هذه المسألة لفظية فإنّ المباح إن عُني به المأذون في فعله مطلقاً، فلا شكّ في جنسيته للواجب والمباح بالمعنى الأخصّ والمندوب ; وإن عُني به المأذون في فعله الذي لا يُذم على تركه فلا شكّ في أنّه لا يكون جنساً، ولعلّ وقوع الخلاف إنّما هو نشأ من قبل الغلط بسبب الاشتراك اللفظي.

صفحه 284
قال: مسألة: خطاب الوضع 1، كالحكم على الوصف بالسببية الوقتية كالزوال، والمعنوية كالإسكار والملك والضمان والعقوبات.*

[ خطاب الوضع ]

* أقول: لما فرغ من الكلام في خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلف بالإقتضاء أو التخيير ; شرع في خطابه تعالى المتعلق بالوضع 2 وهو على أنواع:
أحدها: الحكم على الوصف المعيّن بكونه سبباً، ويعني به الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفاً للحكم الشرعي.
وإنّما اشترط في السبب كونه ظاهراً وكونه منضبطاً لأنّ الاسباب إنّما وضعت معرّفات للأحكام المستفادة من الخطاب المتعسّر على الخلق معرّفته خصوصاً بعد انقطاع الوحي، فكان من لطف الله تعالى نصب أُمور تكون معرّفةً للأحكام النازلة بالمكلفين فيجب أن تكون تلك الأُمور مضبوطة ظاهرة وإلاّ لكان نصبها مناقضاً للغرض، ولكان المكلّف بالفعل تزداد مشقته إذ يجب عليه فهم الحكم وفهم الوصف الخفيّ، وذلك ممّا ينافي العناية .
إذا عرفت هذا فنقول: السبب ينقسم إلى وقتي وإلى معنوي:
أمّا الأوّل فكالزوال فإنّه سبب لوجوب الظهر بمعنى أنّه معرِّف لوجوبها لا أنّه علة للوجوب .   2

1 . وهو الّذي نسميه في مصطلح اليوم بالحكم الوضعي.
2 . انظر : الإحكام للآمدي: 1 / 91 ; المحصول في علم الأُصول: 1 / 24 .

صفحه 285
قال: وبالمانع للحكم لحكمة تقتضي نقيض الحكم، كالأبُوّة في القصاص، وللسبب بالحكمة تُخِلَّ بحكمة السبب، كالدّين في الزكاة.*
قال: فإن كان المستلزم عدمه، فهو شرط فيهما، كالقدرة على التسليم والطهارة.**
<--- وأمّا الثاني فكالإسكار فإنّه أمر معنوي معرّف للتحريم، وكالمُلك فإنّه سبب لإباحة المنفعة، وكالإتلاف فإنّه سبب للضمان، وكالزنا فإنّه سبب موجب للعقوبة; فهذه أسباب معنوية وضعها الشارع معرّفات للأحكام الشرعية.
* أقول: هذا هو النوع الثاني من أنواع خطاب الوضع، وهو الحكم على الوصف بأنّه مانعٌ.
وأعلم أنّ المانع قد يكون مانعاً للحكم وقد يكون مانعاً للسبب .
أمّا مانع الحكم فرسموه بأنّه «الوصف الوجودي الظاهر المنضبط المستلزم لحكمة مقتضاها نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب» وذلك كالأُبوة المانعة من القصاص مع القتل العمد العدواني، وما اشتملت عليه هو كون الوالد سبب وجود الولد فلا يكون الولد سبباً معدماً له.
وأمّا مانع السبب فرسموه بأنه الوصف المخل وجوده بحكمة السبب كالدّين في باب الزكاة مع ملك النصاب، فالفارق بين مانع الحكم ومانع السبب هو وجود حكمة السبب وعدمها.
** أقول: هذا هو النوع الثالث من أنواع خطاب الوضع وهو الحكم على الوصف بأنّه شرط .   2

صفحه 286
قال: وأمّا الصحّة والبطلان أو الحكم بهما، فأمرٌ عقليٌ، لأنها إمّا كون الفعل مسقطاً للقضاء، وإمَّا مُوافَقَةُ أمر الشارع، والبطلان والفساد نقيضُها.
الحنفية: الفاسدُ المشروع بأصله، الممنوع بوصفه.*
<--- وأعلم أنّا قد ذكرنا أنّ الوصف المانع للسبب هو المستلزم وجوده لإخلال حكمة السبب، وأنّ الوصف المانع للحكم هو المستلزم وجوده لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب ; فإن كان الوصف يستلزم عدم ذلك لا وجوده سُميَّ شرطاً، فشرط السبب ما كان عدمه مستلزماً للإخلال بحكمة السبب كالقدرة على التسليم في باب البيع.1
وشرط الحكم ما كان عدمه مستلزماً لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب كعدم الطهارة في الصلاة مع الاتيان بمسمى الصلاة2.

[ الصحة والبطلان ]

* أقول: هذان نوعان آخران من أنواع خطاب الوضع وهو الحكم على   2

1 . في نسخة «ب» وردت العبارة التالية بين كلمتي «باب البيع وشرط الحكم»: [ الّذي هو سبب لثبوت الملك، إذ حكمة البيع حلّ الانتفاع بالمبيع، المتوقف على القدرة على الانتفاع، المتوقف على القدرة على التسليم، فعدمها مخلّ لحكمة السبب]. والظاهر أنّ العبارة من غير المؤلِّف اُضيفت لأجل التوضيح ثم أُدرجت في نسخة «ب» في المتن.
2 . ورد المقطع التالي في هامش نسخة «أ» وفي نسخة «ب» أُدرج في المتن، ونحن ارتأينا درجه في الهامش كما في نسخة «أ»: [ لاشتمال عدم الطهارة مع ثبوت الصلاة على ما يقتضي نقيض حكم السبب، أعني عدم الثواب لكونه نقيض الثواب الّذي هو حكم المسبب مع بقاء حكم السبب وهو التوجه إلى الله تعالى. ]

صفحه 287
قال: وأمّا الرخصة، فالمشروعُ لعُذر مع قيام المحرّم لولا
العذر، كأكل الميتة للمُضطر، والقصر والفِطرِ في السفر واجباً ومندوباً ومُباحاً.*
<--- الفعل بالصحة والبطلان وهما عقليان، وذلك لأنّ الصحة إمّا أن تكون في العبادات أو في المعاملات:
أمّا العبادات فلها تفسيران: احدهما، ما ذهب إليه الفقهاء، وهو أنّها عبارة عن سقوط القضاء بالفعل، والثاني: ما ذهب إليه المتكلّمون وهو أنّها عبارة عن موافقة أمر الشارع فمن صلّى مع ظن الطهارة ثمّ تبيّن خلاف ظنه، كانت صلاته غير صحيحة بالتفسير الأوّل لأنّها غير مسقطة للقضاء، وصحيحة بالتفسير الثاني لكونها موافقة لأمر الشارع.
وأمّا المعاملات فالصحة في العقد عبارة عن ترتب أحكامه المطلوبة منه عليه، وأمّا البطلان فإنّه يقال لما يقابل هذه المعاني،1 والفساد مرادف للبطلان.
والحنفية ذهبوا إلى أنّ الفساد غير البطلان وذلك لأنّ الفساد عندهم هو ما كان مشروعاً بأصله ممنوعاً بحسب وصفه كالربا فإنّه مشروع من حيث إنّه بيع ممنوع من حيث اشتماله على الزيادة ; والباطل ما كان ممنوعاً بحسب أصله ووصفه معاً.
* أقول: الفعل الذي يجوز للمكلف الإتيان به إن كان مع قيام المقتضي للمنع فهو الرخصة والاّ فهو العزيمة .   2

1 . ورد في هامش النسختين: [ ولا شك في أن هذه المعاني عقلية لأن الصلاة إذا اشتملت على شرائطها حكم العقل بصحتها بكل واحد من التقديرين، سواء حكم الشارعُ بها أو لا .
وفيه نظر، فإن كون الفعل موافقاً لأمر الشارع يتوقف على ثبوت الأمر.]

صفحه 288
<--- وقد حدّ المتقدمون الرخصة بحدود مدخولة كقول بعضهم: «الرخصة ما رُخّص فيه مع كونه حراماً ».
وهو مع اشتماله على الدور، مشتمل على التناقض .
وقال آخرون: «الرخصة ما أُبيح فعله مع كونه حراماً ».
وهو غير سليم عن الإشكال الثاني وإن كان سليماً عن الأول .
وقال بعض الأشعرية: «الرخصة ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرم».
وهو فاسد لأنّ الرخصة كما تكون في الأفعال تكون في التروك.
وقال آخرون: «انّ الرخصة هوالمشروع فعله لعذر مع قيام المحرم
لولا العذر».
وهو الذي ذكره المصنف ، وهو قريب ; فما أباحه الله تعالى في الأصل من الأكل والشرب لا يسمى رخصة ويسمي تناول الميتة رخصة، وكذلك سقوط الصوم عن المسافر، والتيمم مع وجود الماء إذا لم يتمكن من الاستعمال للمرض ; أو البيع بأكثر من ثمن المثل يسمى رخصة، أما إذا لم يوجد الماء فإنّه لا يسمى رخصة لعدم ورود التكليف بالوضوء لاستحالة التكليف بالمحال .
وأعلم أنّ الرخصة قد تكون واجبة كتناول الميتة استحفاظاً بالنفس، وقد لا تكون كالقصر.

صفحه 289
قال: (مسألة): المحكوم فيه الأفعالُ. شرطُ المطلوب الإمكان ونُسِبَ خلافه إلى الأشعري، والإجماع على صحة التكليف بما عَلِمَ الله أنّه لا يقع.
لنا: لو صحّ التكليف بالمستحيل لكان يستدعي الحصول لأنّه معنى الطلب، ولا يصح لأنّه لا يُتصور وقوعُهُ، واستدعاء حصوله فرعه لأنّه لو تصور مثبتاً، لزم تصورُ الأمرِ على خلاف ماهيته، وهو محال.*

[ التكليف بما لا يطاق ]

* أقول: اختلف الناس في التكليف بما لا يطاق 1 فذهب الأشعري إلى جوازه، والمحققون إلى امتناعه، مع وقوع الاجماع على أنّ التكليف بما علم الله عدمه واقعٌ، فإنَّ أبا جهل كُلّف بالإيمان مع علم الله تعالى بعدمه منه.
والغزّالي ذهب إلى امتناع وقوع التكليف بالمحال لذاته دون ما كان مستحيلاً باعتبار غيره، وإليه ذهب المصنفُ، واستدلّ الغزّالي بما ذكره المصنف، وتقريره أنّه لو كان التكليف بالمحال جائزاً لكان المحال يستدعي الحصول والتالي باطل فالمقدم مثله .
بيان الشرطية: أنّ التكليف طلب ما فيه كلفة، والطلب عبارة عن استدعاء الحصول .   2

1 . انظر: المنخول: 79 و85 ; الإحكام للآمدي: 1 / 96 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 545.

صفحه 290
قال: فإن قيل: لو لم يُتصور، لم يُعلم إحالة الجمع بين الضدّين; لأن العلم بصفة الشيء فرعُ تصوره.
قلنا: الجمع المتصوّر جمع المختلفات، وهو المحكوم بنفيه، ولا يلزم من تصوره منفيّاً عن الضدين تصورُهُ مثبتاً.
فإن قيل: يتصور ذهناً للحكم عليه، لا في الخارج .
قلنا: فيكون الخارجُ مستحيلاً، (والذهني بخلافه)، وأيضاً يكونُ الحكمُ بالاستحالة على ما ليس بمستحيل، وأيضاً الحكم على الخارج يستدعي (تصوره في) الخارج. *
<--- وبيان بطلان التالي: أن المحال لا يتصور وقوعه، ومستدعي الحصول متصور وقوعه فالمحال لا يكون مستدعي الحصول، أمّا الصغرى فلأنّه لو كان متصور الوقوع لزم تصور الشيء على خلاف ما هو عليه وهو محال.
وأمّا الكبرى فلأنّ استدعاء الحصول فرع على تصور المطلوب، فإذا لم يكن الأصل ثابتاً لا يكون الفرع موجوداً.
* أقول: هذا اشكال على صغرى القياس المبطل للتالي المذكور، وتقريره أنّ الجمع بين الضدين لو لم يتصور لم يعلم كونه محالاً والتالي باطل فالمقدّم مثله، بيان الشرطية: إنّ العلم بكون الجمع بينهما محالاً علمٌ بصفة الشيء والعلم بالصفة مسبوق بالعلم بالموصوف، فالعلم بكون الجمع محالاً مسبوق بالعلم بالجمع، فلو لم يكن العلم بالجمع حاصلاً لم يكن العلم بالصفة حاصلاً ; وبيان بطلان   2

صفحه 291
<--- التالي ظاهر .
وأجاب المصنف بأنّ العلم لم يتعلق بالجمع بين الضدين الذي هو محال بل تعلّق بالجمع الذي يقع بين المختلفات وهو المحكوم بنفيه، فالحاصل انّا نحكم على الضدين بأنهما لا يقع بينهما الاجتماع الذي يقع بين المختلفين، ولا يلزم من تصور نفي الاجتماع بينهما تصور ثبوت الجمع بينهما .
لا يقال: لم لا يجوز أن يتصور في الذهن وإن كان محالاً في الخارج؟
لأنّا نقول: الثابت في الذهن ثابت في الخارج، لأنّ الذهن ثابت في الخارج، فالثابت فيه يكون ثابتاً فيما هو ثابت في الخارج، وكلّ ما هو ثابت فيما هو ثابت في الخارج فهو ثابت في الخارج فيكون المستحيل موجوداً في الخارج [ ولا يستحيل في الخارج ]1 فلا يستحيل في الذهن، وقوله: ولا في الخارج أي: ولا مستحيل في الخارج .
وأيضاً، الثابت في الذهن موجود فيه والموجود في الذهن يستحيل أن يكون محالاً في الذهن فلا يكون الحكم بالاستحالة على ما في الذهن وإلاّ لكان الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل .
وأيضاً، الحكم في الخارج بالاستحالة يستدعي المطابقة وإلاّ لكان جهلاً فيكون في الخارج شيء مستحيل وهذا غير متصور .
وأعلم أنّ لنا في هذه الكلمات نظراً.

1 . في نسخة «أ» فقط .

صفحه 292
قال: المخالف: لو لم يصح، لم يقع; لأنَّ العاصي مأمورٌ، وَقَدْ عَلِمَ اللهُ أنّه لا يقعُ، وأخبرَ أنّه لا يؤمن ; وكذلك من علم بموته وَمَنْ نُسِخَ عنه قبل تمكنه، ولأن المكلّف لا قدرة له إلاّ حال الفعل، وهو حينئذ غير مكلف، فقد كُلِّف غير مستطيع، ولأن الافعال مخلوقة لله تعالى، ومن هذين نُسبَ تكليفُ المحال إلى الأشعري.
وأُجيب بأن ذلك لا يمنع تصوّر الوقوع لجوازه منه فهو غير محل النزاع، وبأنّ ذلك يستلزم أنَّ التكاليف كلها تكليف بالمستحيل، وهو باطل بالاجماع. *

[ القول بجواز التكليف بالمحال]

* أقول: هذه حجة القائلين بجواز التكليف بالمحال، وتقريرها أن نقول:
لو لم يصح التكليف بالمحال لم يقع، والتالي باطل فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة.
وبيان بطلان التالي من وجوه:
أحدها: أنّ العاصي غير قادر على الطاعة وهو مأمورٌ بها، وذلك تكليف بما لا يطاق.
أمّا المقدمة الاولى فلأنّ الله تعالى علم بأنّه لا يطيع، وأخبر عنه بأنّه لا
يؤمن بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ   2

صفحه 293
<--- لاَ يُؤْمِنُونَ)1، وإلى غير ذلك من الآيات.
ويلزم من تعلق علم الله تعالى ومن إخباره بعدم إيمانهم عدم تمكنهم منه إذ لو كانوا قادرين لصح منهم وقوع الايمان ويلزم من ذلك انقلاب علم الله تعالى جهلاً وكذب خبره تعالى الله عن ذلك، وأمّا المقدمة الثانية فبالاجماع.
الثاني: أن الله تعالى كلف من علم بموته ومن ينسخ عنه الفعل قبل تمكنه ; وذلك هو بعينه تكليف ما لا يطاق .
الثالث: أن القدرة غير متقدمة على الفعل ومتى كان كذلك لزم تكليف ما لا يطاق، أمّا المقدمة الاولى فقد بيّناها في كتاب: «المناهج في اصول الدين»2، وأمّا المقدمة الثانية فلأنّ التكليف أمّا أن يقع قبل وجود القدرة أو معها أو بعدها، والكلّ يلزم منه التكليف بالمحال; أمّا على التقدير الأوّل فظاهر فإن من لا قدرة له على الفعل إذا كُلف به كان مكلفاً بما لا يقدر عليه ، وأمّا على التقدير الثاني فإنّ القدرة لا وجود لها إلاّ مع وجود الفعل والفعل حينئذ يكون واجباً لاستحالة الجمع بين النقيضين ; وأمّا على التقدير الثالث فكذلك .   2

1 . البقرة: 6 .
2 . جاء الشارح في كتابه «مناهج اليقين» بدليلين للأشاعرة لأجل البرهنة على أن القدرة غير متقدمة على الفعل ثم فندهما، نكتفي هنا بايراد أحد الدليلين ونحيل القارئ الكريم للإطلاع على الدليل الآخر وردِّ المؤلف على كلا الدليلين إلى كتاب «المناهج» ذاته وهو من باكورة اعمال الشارح المفضال، فقال (قدس سره):
   «احتجت الأشاعرة بأن القدرة عرض، والعرض لا يبقى، فالقدرة لاتبقى ; أمّا الصغرى فظاهرة، وأما الكبرى فسيأتي بيانها، وإذا لم تكن باقية فلو تقدمت الفعل لم يكن الفعل واقعاً بها...» لاحظ : مناهج اليقين في أُصول الدين: 151 .

صفحه 294
<--- الرابع: أنّ الافعال مخلوقة لله تعالى ومتى كان كذلك لزم التكليف بالمحال .
أمّا المقدمة الأُولى فلأنّ قدرة العبد لو كانت موجدة لكان إمّا مع وجوب أن يوجد1 أو مع جوازه، ويلزم من الأوّل المطلوب لأنّ الفعل لمّا كان واجباً مع القدرة والقدرة من خلق الله تعالى كان الفعل مستنداً إليه ; وأمّا الثاني 2 فلا يخلو إمّا أن يترجح أحد طرفي الفعل على الآخر أو لا يترجح والثاني محال، والأوّل لا يخلو إمّا أن يكون الفعل واجباً مع ذلك المرجح أو لا، والتالي باطل وإلاّ لزم التسلسل أو الانتهاء إلى عدم الترجيح وهما محالان، والأوّل لا يخلو إمّا أن يكون ذلك المرجح من فعل الله تعالى أو من فعل العبد، والأوّل يلزم منه أن تكون الأفعال مخلوقة له تعالى، والثاني يلزم منه التسلسل .
وأمّا المقدمة الثانية فظاهرة .
وأعلم أنّ هذين المذهبين ـ أعني عدم تقدم القدرة على الفعل وكون الافعال مخلوقة لله تعالى ـ ذهب إليهما أبوالحسن الأشعري فلزمه القول بوقوع التكليف بالمحال 3 .

1 . أي: مع وجوب أن يوجد الفعل.
2 . أي: مع جواز أن يوجد الفعل .
3 . ورد في نسخة «ب» بعد كلمة «بالمحال»، ما يلي:
[على ما بيّنا وجهه، فلأجل ذلك نسب إليه القول بوقوع التكليف بالمحال.]

صفحه 295
قال: قالوا: كَلَّف أبا جهل تصديق رسولهِ في جميع ما جاء به، وَمِنْهُ أنّه لا يصدقّه، فقد كلفه بأن يصدقَه في أن لا يُصَدِّقَهُ، وهو مستلزم ألاّ يُصَدِّقَهُ. والجواب: أنّهُمْ كُلِّفوا بتصديقه، وإخبارُ رَسُولِهِ كإخبار نوح (عليه السلام)، ولا يُخرج الممكن عن الإمكان بخبر أو علم، نعم لو كُلِّفوا بعد علمهم لانتفت فائدةُ التكليفِ، ومِثْلُهُ غيرُ واقع.*

[ رد المصنّف على الاشعري]

وأجاب المصنف بوجهين :
الأوّل: أنّ هذا الذي فرضتموه مانعاً من الفعل لا يقتضي امتناع الفعل لذاته فإنّ الإيمان من الكافر جائز وإنّما امتنع لتعلق علم الله تعالى به وهو أمر خارج.
فالاستحالة ليست ذاتية، والكلام إنّما هو في المحال لذاته.
الوجه الثاني: إنّ هذا الذي ذكرتموه يقتضي أن تكون التكاليف بأسرها تكليفاً بالمحال وهو خلاف الإجماع فيكون باطلاً.
وأعلم أنّ الجواب التفصيلي ذكرناه في كتاب «المناهج»1.

[ دليل آخر للتكليف بالمحال ]

* أقول: هذه حجة أخرى للقائلين بوقوع التكليف بالمحال وهو أنّ أبا جهل قد كُلِّف بتصديق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في جميع ما جاء به مع أنّ الرسول أخبر بأنّه لا يؤمن فيكون مكلفاً بتصديق هذا الخبر فيكون مكلّفاً بتصديقه في عدم تصديقه، وهو   2

1 . مناهج اليقين في أُصول الدين: 151 .

صفحه 296
قال: مسألة: حصول الشرط الشرعي ليس شرطاً في التكليف قطعاً،خلافاً لأصحاب الرأي، وهي مفروضةٌ في تكليف الكفّار بالعبادات، والظاهر الوقوع.
لنا: لو كان شرطاً، لم تجب صلاةٌ على محدث وجنب، ولا قبل النيّة، ولا «الله أكبر» قبل النيّة، ولا اللام قبل الهمزة، وذلك باطل قطعاً.*
<--- جمع بين الضدّين .
وأجاب بأنهم كلفوا بتصديقه فيما جاء به من التوحيد والرسالة، والأدلة قائمة والعقل حاضر فلم يخرجوا عن الإمكان بسبب علم الله تعالى أو إخباره بعدم إيمانهم لأنّ العلم والخبر تابعان للمخبر عنه فلا يغيران حكمَه.
وإخبار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عن أبي جهل بعدم الإيمان منه كإخبار نوح في قوله تعالى:(أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ)1 فليس مطلق الاخبار مانعاً من التمكن غير أنّهم لو علموا بأنّهم لا يؤمنون كان التكليف بإيمانهم قبيحاً لعدم فائدته لأنّ فائدته هو الاختبار والابتلاء، وهو لا يتحقق مع علم المكلف بعدم اتباع الفعل ومثل هذا التكليف غير واقع وإن جاز وقوعه.

[ التكليف والشرط الشرعي ]

* أقول: اختلف الناس في أنّ حصول الشرط الشرعي 2 هل هو شرط   2

1 . هود: 36 .
2 . انظر: المحصول في علم الأُصول: 1 / 316 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 570 .

صفحه 297
قال: قالوا: لو كلف بها، لصحّت منه.
قُلنا: غير محل النزاع. قالوا: لو صَحَّ، لأمكنَ الامتثالُ، وفي الكفر لا يمكنُ وبعدَهُ يسقط. قلنا: يُسْلِمُ، ويفعل كالمُحدِث. *
<--- في التكليف بالمشروط أم لا؟ فذهب الحنفية وأبو حامد 1 من الشافعية إلى أنّه شرط، وذهب الجمهور من المعتزلة والأشاعرة إلى أنّه غير شرط، مثالهُ العبادات كالصلاة والزكاة والحج، هل التكليف بها مشروط بالإسلام حتى يكون الكافر غير مأمور بها أم لا ؟
والحق أنّ الكفّار مأمورون وأن حصول الشرط ليس شرطاً في التكليف، والدليل على ذلك أن الوضوء شرط للصلاة وليس شرطاً في التكليف بها وكذلك النية والتكبير وحروف التكبير، كلّ واحد منها شرط في المتأخّر مع أنّه ليس شرطاً في التكليف اجماعاً.2
* أقول: هذان وجهان استدل بهما الحنفية على أنّهم غير مأمورين بالفروع:
الأوّل: أن الكافر لو كان مكلفاً بالعبادات لصحّ وقوعها منه والاّ لزم التكليف بالمحال، والتالي باطل إجماعاً فالمقدم مثله .
الثاني: لو كان مكلفاً بالعبادات لأمكن الامتثال، والتالي باطل فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة; وبيان بطلان التالي: أنّ الإمتثال إمّا أن يكون قبل الإيمان أو   2

1 . أبو حامد أحمد بن محمد بن طاهر الإسفراييني، ولد بالعراق سنة 344 هـ ، كان يقال له: الشافعي الثاني، له كتاب في أُصول الفقه، توفي سنة 406 هـ . انظر: الأعلام: 1 / 203 .
2 . وبحسب المصطلح الأُصولي المعاصر: انّه شرط الواجب وليس شرط الوجوب .

صفحه 298
<--- بعده، والأوّل باطل لاستحالة ادائها حال الكفر 1، والثاني باطل إجماعاً لسقوطها عنه .
والجواب عن الأول أنّه غير محل النزاع فإنّ النزاع إنّما وقع في أنّه حالة كفره هل يكون مكلفاً؟ بمعنى أنّه يستحق عقاب الآخرة على الكفر الأصلي أو على ترك العبادة أم يستحق العقاب على الكفر لا غير ؟2
وعن الثاني: أنّا لا نسلم عدم الإمكان فإنّه يمكنه أن يسلم ويوقع الفعل،
وهذا كالمُحدِث 3 فانّ جميع ما ذكرتموه في حق الكافر يرد مثله في
المحدث.4

1 . وردت العبارة التالية في هامش نسخة «أ»:
قال إمام الحرمين في كتاب البرهان:
«وهذا منقوض أوّلاً باعتقاد النبوات، واعتقاد صدق الأنبياء(عليهم السلام) ; فإن ذلك غير ممكن فيمن لا يعتقد الصانع المختار، ولا خلاف أن الكفار أجمعين مخاطبون بتصديق الأنبياء(عليهم السلام)...» راجع بهذا الشأن: البرهان للجويني: 1 / 92.
2 . وفي هامش «أ»: أو يقول النزاع وقع في أنّه حالة كفره هل يكون متعبداً بالفعل بأن يأتي به بعد اتيانه بالإيمان أم لا؟
3 . وقد ورد في هامش نسخة «أ» أيضاً:
... البرهان قد نقل عن أبي هاشم انّه قال: «ليس المحدث مخاطباً بالصلوات، ولو استمر على حدثه دهره لقى الله تعالى غيرمخاطب بالصلاة... ».
وما في البرهان هو: «وقد نُقل عن أبي هاشم الجبائي أنّه قال... الخ» (البرهان: 1 / 93).
4 . المحدث هو المرتد الّذي احدث بدعة في الدين.

صفحه 299
قال: الوقوع: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ)1، و (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)(2) .
قالوا: لو وقع، لوجب القضاء، قُلنا: القضاء بأمر جديد، وليس بينه وبين وقوع التكليف ولا صحته ربط عقلي.*
* أقول: لما استدل على الجواز، شرع في الاستدلال على وقوع هذا الجائز
بالنص وهو قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا )2، وقوله تعالى: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) ; وجه الاستدلال بالآية الأُولى، أنّ الله تعالى لما عدّد المحرمات الّتي هي الشرك وقتل النفس والزنا، عقّب بقوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا )، واشار بلفظة «ذلك» إلى ما تقدم، فيكون هذا العقاب في مقابلة جميع المحرمات .
لا يقال: لم لا يجوز عود الاشارة إلى الشرك؟ لا سيّما وقد أتى بلفظة ذلك الدالّة على البعد وعلى التوحيد.
لأنّا نقول: لو لم يكن للباقي مدخل في العقاب، لكان ذكره معه قبيحاً.
ووجه الاستدلال بالآية الثانية، أنّ الله تعالى حكى عن الكفار سبب دخولهم
النار بقوله: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ) إلى قوله: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)(4); وهذا يدل على انّهم استحقوا العقاب بسبب ترك الصلاة ; وقول من
قال انّ التقدير: (لم نك من المعتقدين للصلاة)، مجاز من غير دليل ولا حاجة وكان الأصل عدمه فوجب القول بنفيه.   2

1 . النساء: 30 .   2 . المدثر: 43.
2 . الفرقان: 68 .   4 . المدثر: 46 .

صفحه 300
قال: مسألة: لا يكلف إلاّ بفعل; فالمكلّف به في النهي كفّ النفس عن الفعل، وعن أبي هاشم وكثير: نفيُ الفعل .
لنا: لو كان، لكان مستدعي حصوله منه، ولا يتصور لأنّه غير مقدور له.
وأجيب: بمنع أنّه غير مقدور له، كأحد قولي القاضي، وَرُدّ بأنّه كان معدوماً واستمر، والقدرة تقتضي أثراً عقلاً، وفيه نظر. *
<--- احتجت الحنفية بأنّ تكليف الكافر لو كان واقعاً لوجب عليه القضاء، والتالي باطل إجماعاً فالمقدّم مثله; والشرطية تظهر ببيان أنّ فوات الأمر يقتضي وجوب القضاء.
والجواب: الحقّ أنّ القضاء إنّما يجب بأمر جديد وليس بين وجوب القضاء ووقوع التكليف ولا صحة التكليف ربط عقلي بحيث يلزم من وجود التكليف أو صحته، وجوب القضاء; وإذا انتفت الدلالة اللفظية والمعنوية على وجوب القضاء بطلت الملازمة التي ذكروها.

[ هل أن المنهي عنه فعل؟ ]

* أقول: اختلف الناس في متعلق النهي، فقال أبوهاشم وأتباعه إنّه عدم الفعل ; وعند الأشعرية إنّه فعل لضد المنهي عنه، واحتجّوا 1 على ذلك بأنّه لو   2

1 . أي: أبو هاشم واتباعه.

صفحه 301
<--- كان مكلفاً بنفي الفعل لكان مستدعي الحصول من المكلف، والتالي
باطل فالمقدم مثله; والشرطية ظاهرة، وبيان بطلان التالي أنّ المكلف غير قادر
على نفي الفعل وإذا لم يكن قادراً لا يكون مطلوباً منه الفعل وإلاّ لزم تكليفٌ بما لا يطاق .
أجابوا 1 عن هذا بالمنع من كون العدم غير مقدور، فإنّ القادر على الزنا قادر على تركه أعني عدمه قطعاً ; وهذا أحد قولي القاضي أبي بكر.
وأُجيب عن هذا المنع بالاستدلال على أنّ العدم غير مقدور وذلك من وجهين :
الأوّل: أنّ العدم نفي الأثر، والنفي لا يتعلق بالفاعل لأنّ الفاعل من له الفعل، والعدم ليس بفعل .
الثاني: أنّ المعدوم مستمر والمستمر مستغن عن السبب الجديد .
ثم إن المصنف تردد في هذا وذكر أنّ فيه نظراً، وذلك لأنّا نمنع كون الفاعل من له الفعل فإنّه نفس المتنازع ; ونمنع كون العدم المستمر لا يتعلق بالفاعل فإنا نعني بتعلقه به أن لا يخرج الفعل إلى الوجود لا أن يؤثر العدم.

1 . أي: الأشاعرة.

صفحه 302
قال: مسألة: قال الأشعري: لا ينقطع التكليف بفعل حال حدوثه، ومنعه الإمامُ والمعتزلة، فإن أراد الشيخُ أنّ تعلقه لنفسه فلا ينقطع بعده أيضاً، وإن أراد أنَّ تنجيز التكليف باق، فتكليفٌ بإيجاد الموجود، وهو محالٌ، ولعدم صحة الإبتلاء، فتنتفي فائدة التكليف.
قالوا: مقدورٌ حينئذ باتفاق، فيصح التكليف به.
قلنا: بل يمتنع بما ذكرناه. *

[ انقطاع التكليف بالفعل عند حدوثه ]

* أقول: اختلف الناس 1 في أنّ التكليف هل يتوجه على العبد حال شروعه في الفعل أم لا؟ مع اتفاقهم على جواز توجهه نحوه قبله إلاّ من شذّ ـ وعلى امتناع توجهه نحوه بعد الفعل ـ فقالت الأشعرية به، ونفاه المعتزلة وإمام الحرمين.
والمصنف ذهب إلى ما ذهب إليه المعتزلة أيضاً ثمّ2 استفسر عن الحقّ في معنى تعلق التكليف 3 بالمكلّف حال الفعل فقال :
إن عنيت به أنّ التكليف يتعلق بالمكلف لذات التكليف بمعنى أنّ   2

1 . عندما ترد كلمة «الناس» في اخبار أئمة آل البيت(عليهم السلام)يراد بها اتباع مدرسة الخلافة، والظاهر ان الشارح ـ طاب ثراه ـ سار على هذا المسار .
2 . ورد في هامش نسخة «أ»:[ رُد قول أبي الحسن بانّه إن اراد بعدم الانقطاع لا يعتد به ].
3 . جاءت العبارة في نسخة «أ» كما يلي:
[ ثم استفسر أن الحق عن معنى تعلق التكليف... ] ونرى أنّ الصحيح ما اثبتناه .

صفحه 303
<--- التكليف لا يفعل إلاّ مع وجود المكلف فهذا المعنى قائم بعد وقوع الفعل لأنّ بعد وقوعه يصدق على التكليف أنّه لو وجد لاقتضى 1 وجود المكلف وذلك يستلزم بقاء التعلق بعد انقضاء الفعل، وإن عنيت به أن الطلب الجازم بإيقاع الفعل في الحال حاصل حال الحدوث فهو باطل لأنّه يكون أمراً بايجاد الموجود وتحصيل الحاصل ; وأيضاً فإنّه لا فائدة في التكليف حينئذ لأنّ فائدته هو الاختبار وهو منتف حال الفعل.
واحتجت الأشعرية بأنّه مقدور حال الفعل اتفاقاً ـ سواء قلنا بتقديم القدرة أو لم نقل ـ وإذا كان مقدوراً صحّ التكليف به.
وأجاب المصنف بالمنع من ذلك 2 ومستند المنع ما ذكره أوّلاً.

1 . ما اوردناه في المتن في نسخة «أ»، وفي نسخة «ب» وردت العبارة كالآتي:
«ردّ قول أبي الحسن بأنّه إن أراد بعدم الانقطاع أن التكليف لنفسه يتعلق بالفعل والمتعلق لنفسه بالشيء لا ينقطع عنه وإلاّ لما كان متعلقاً لنفسه، لزم أن لا ينقطع بعد حدوث الفعل بعين ما ذكره وهو خلاف الإجماع ; وإن إراد بتأخير التكليف ـ أي: كونه مكلفاً بالاتيان بالمأمور به ـ باق، لزم التكليف المحال لكونه تكليفاً بايجاد المُوجَد».
2 . في نسخة «ب»: صحة التكليف .

صفحه 304
قال: المحكوم عليه المكلف.
مسألة:
الفهم شرط التكليف. وقال به بعضُ من جوّز المستحيل ; لعدم الابتلاء.
لنا: لو صحّ لكان مستدعى حصولُه منه طاعة، كما تقدّم، ولصحّ تكليف البهيمة ; لأنهما سواء في عدم الفهم.*

[ شرط الفهم في التكليف ]1

* أقول: اطبق المحققون من الأُصوليين على أنّ الفهم شرط التكليف وإليه ذهب بعض القائلين بجواز التكليف بالمستحيل، وفرق بين هذا التكليف وبين التكليف بالمستحيل لأنّ في التكليف بالمستحيل تحصيل فائدة التكليف وهو الاختبار دون هذا التكليف ; وذهب الباقون منهم إلى جوازه .
والدليل على امتناعه أنّه لو كان الغافل مكلفاً لاستُدعي الفعل منه على وجه الطاعة إذ هو معنى التكليف، والتالي باطل لعدم تصوره لكونه من المستحيلات فالمقدم مثله .
وأيضاً لو جاز تكليف غير الفاهم كالصبي غير المميز والمجنون، لجاز تكليف البهيمة لاستوائهما في عدم الفهم; ولمّا كان التالي باطلاً قطعاً كان المقدم كذلك.

1 . انظر: نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 600 ; الإحكام للآمدي: 1 / 107 .

صفحه 305
قال: قالوا: لو لم يصح لم يقع، وقد أُعتِبر طلاق السكران وَقَتْلُهُ وإتلافُه.
وأُجيب: بأن ذلك غير تكليف، بل من قبيل الأسباب; كقتل الطفل وإتلافه .
قالوا: (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى)1، قلنا: يجب تأويلُهُ، إما بِمثلِ: لا تمت، وأنت ظالم، وإمَّا علَى أنَّ المُرَادَ الثمل; لمنعه التثبت كالغضب.*
* أقول: استدل القائلون بالجواز بوجهين:
الأوّل: أنّه لو لم يصح تكليف غير الفاهم لم يقع، والتالي باطل، فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة، وبيان بطلان التالي أنّه قد اعتبر طلاق السكران وقتله وإتلافه وترتيب احكام عليها مع أنّها صادرة عن غير الفاهم.
والجواب: أنّ هذا غير تكليف، بل هو من قبيل الأسباب الذي هو أحد أنواع خطاب الوضع، كأن الله تعالى جعل طلاق السكران سبباً لترتب حكمه عليه وكذلك باقي أفعاله كما في قتل الطفل فإنّه سبب لوجوب الديّة، وكذلك الإتلاف سبب لوجوب الضمان على الولي .
الوجه الثاني: قالوا: قال الله تعالى: (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى)وهذا الخطاب بالنهي متوجه حالة السكر فيكون تكليفاً للغافل.
وأجاب: بأنّ هذا لا يحمل على حقيقته بل لابدّ من التأويل لما بيّنا من   2

1 . النساء: 43.

صفحه 306
قال: مسألة: قولهم: الأمر يتعلق بالمعدوم، ولم يُرَد تنجيز التكليف، وإنما أُريد التعلق العقلي.
لنا: لو لم يتعلق به، لم يكن أزلياً; لأن من حقيقته التعلُّق، وهو أزلي.*
<--- الدليل، والتأويل من وجهين :
الأوّل: النهي عن السكر حالة إرادة الصلاة كما يقال: «لا تمت وأنت ظالم» أي: لا تظلم وقت الموت.
الثاني: المراد من السكران هو الثّمِل 1 وهو المنتشي 2 الذي ظهر فيه مبادئ النشاط والطرب ولم يزل عقله ; وسمّي سكراناً لما يؤول إليه غالباً على سبيل المجاز، وإنّما تعلق النهي عن الصلاة في هذه الحالة ; وإن أمكنه إيقاعها لعدم التثبت كما في حق الغضبان.

[ الحكم على المعدوم ]

* أقول: اختلف الناس في أمر المعدوم فذهب الأشعرية إلى جوازه، والمعتزلة إلى امتناعه .   2

1 . ثمِل يثمَل ثمَلاً: أخذ به الشراب فهو ثَمِلٌ أي: سكران.
2 . نشى ينشى نشواً فهو نشوان، أي: سكران، وأنتشى ينتشي فهو منتشي ، قال الشاعر:
يا من غدى قلبي كنرجس طرفها *** في الحب لاصاح ولا هو منتشي
والنشوة: السكر أو أوله.

صفحه 307
قال: قالوا: أمر ونهي وخبر من غير متعلق موجود، محال. قُلنا: محلُّ النزاع، وهو استبعادٌ.
ومن ثمّةَ قال ابن سعيد: إنما يتصف بذلك فيما لا يزال، وقال: القديمُ الأمرُ المشترك، وأُورد أنَّها أنواعُهُ، فيستحيل وجوده.
قالوا: يلزم التعدّد. قلنا: التعدد باعتبار المتعلقات لا يوجب تعدداً وجودياً.*
<--- وأعلم أنّ مراد الأشعرية بأمر المعدوم 1 ليس هو الطلب المنجّز فإنّ المجنون والصبي عندهم غير مأمورين فكيف يكون المعدوم مأموراً؟! وإنّما عنوا بذلك قيام الطلب القديم بذات الله تعالى للفعل من المعدوم على تقدير وجوده واستعداده لفهم الخطاب، فإذا وجد واستعد للفهم كان مكلفاً بذلك الطلب القديم من غير تجدد طلب آخر .
واستدل المصنف على ذلك بأنّ الأمر لو لم يتعلق بالمعدوم على هذا الوجه لم يكن الأمر أزلياً، والتالي باطل، فالمقدّم مثله، بيان الشرطية: أنّ من حقيقة الأمر التعلق بالغير، فإذا لم يكن التعلق أزلياً لم يكن الأمر أزلياً ; وبيان بطلان التالي ما يظهر في علم الكلام من قدم كلامه على مذهبه، وقد أوضحنا الحق في «مناهج اليقين».2
* أقول: قالت المعتزلة وجود أمر ونهي وإخبار لغير مأمور ولا منهي   2

1 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 108 ; المحصول: 1 / 328 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 594 .
2 . راجع البحث في «مناهج اليقين»: ص 287 (في انّه متكلم)، و ص 305 (مسألة: ذهبت الأشاعرة...).

صفحه 308
<--- ولا مخبر، محال فإنّه ينزل منزلة الجالس في البيت وحده وهو يقول: يا غانماً قمْ، و يا سالماً لا تذهب، ولما كان هذا قبيحاً والقائل له يُعد سفيهاً كان وقوع ذلك من الله تعالى محالاً .
أجاب المصنف بأنّ استحالة هذا هو نفس النزاع، وما ذكرتموه مجرد استبعاد فلا يلزم منه الامتناع .
ثمّ إنّ عبد الله بن سعيد 1 ـ لقوة كلام المعتزلة وقوة مذهب أصحابه عنده من قدم الكلام ـ رام الجمع بين المذهبين فاعترف بقدم الكلام النفساني وبحدوث الأمر والنهي والإخبار وغيرها من التراكيب وجعل هذه الأُمور اعراضاً للكلام حادثة، والكلام الذي هو القديم هو الأمر المشترك.
والأشاعرة لم يرتضوا هذا المذهب لأنّ هذه الأُمور انواع للكلام فيستحيل وجوده أزلاً بدون وجود نوع منها فيلزم قدمها أو قدم بعضها ; ولعبد الله أن يمنع ذلك .
ثمّ قالت المعتزلة: وجود الأمر والنهي والاخبار إذ لا يستدعي وجود
التعدد في اشخاص الناس، والتعدد من لواحق الوجود، فيلزم قدم المأمورين والمنهيين.
التكليف بما عُلم انتفاء شرط وقوعه   
وأجاب المصنف: بأنّ التعدد باعتبار المتعلق ـ وهو الأمر والنهي ـ لا   2

1 . عبد الله بن سعيد بن كلاّب أبو محمد القطان، متكلّم من العلماء توفّي سنة 245 هـ يقال له: «ابن كُلاب» وكلاب بضم الكاف وتشديد اللام، قيل لُقِّب بها، لأنّه كان يجتذب الناس إلى معتقده إذا ناظر عليه، كما يجتذب الكلاب الشيء له كتب منها: الصفات ، خلق الأفعال، والرد على المعتزلة، لاحظ : الأعلام للزركلي: 4 / 90 .

صفحه 309
قال: مسألة: يصحّ التكليف بما عَلِمَ الآمرُ انتفاء شرط وقوعِهِ عِندَ وَقتِهِ، فلذلك يُعلم قَبلَ الوقت، وخالف الإمامُ والمعتزلة، ويصحُّ مع جهل الآمر اتفاقاً .
لنا: لو لم يصح لم يَعص أحدٌ أبداً، لأنه لم يحصل شرطُ وقوعه من إرادة قديمة أو حادثة.*
<--- يستدعي تعدداً موجوداً، وينزّل ذلك منزلة تعدد المعلومات فإنّها متعددة باعتبار تعلق العلم بها لا أنّها موجودة في نفس الأمر متعددة1 .
* أقول: اختلف الناس في صحّة التكليف المشروط بشرط غير واقع عند وقت الفعل إذا كان الآمر عالماً بعدم وقوعه، فجوّزه جماعة من الاشعرية وذهبوا إلى أنّ المأمور يكون عالماً بأنّه مكلف 2.   2

1 . ورد المقطع التالي في هامش «أ»، وفي «ب» ادرج في المتن:
[ ويحتمل أن يكون هذا اعتراضاً على ما أجاب به عن الأوّل وهو تسليم أن الأمر والنهي والخبر أُمور قديمة. وتقريره: أنّه لو كانت قديمة لزم أن يكون كلامه تعالى متعدداً والاتفاق واقع على أن كلامه في الأزل واحد.
والجواب: إن أُريد بالتعدد التعدد الوجودي لا التعدد بحسب المتعلقات مع وحدة الذات، منعنا الملازمة ; وان أُريد به التعدد باعتبار المتعلقات مع وحدة الذات، فنفي التالي ممنوع لأنّ الاتفاق واقع على أن التعدد الوجودي غير حاصل، اما إذا قلنا أنّ الكلام الأزلي (خبر) ويختلف اعتباره فتارة يكون أمراً وتارة يكون نهياً وهو في نفسه واحد، فإنّه ممكن.]
2 . وقد ورد في نسخة «ب» بعد كلمة «المكلف» ما يلي:
[ وقول المصنّف «فلذلك يعلم قبل الوقت» إشارة إلى هذا، أي: لأجل صحة التكليف بما علم الآمر انتفاء الشرط وقوعه بعلم المأمور قبل الوقت أنّه مكلّف.]

صفحه 310
قال: وأيضاً، لو لم يصحّ لم يُعلَمْ تكليفٌ، لأنّه بعده، ومعه ينقطع، وقبله لا يُعْلَمُ، فإن فرضه مُتسعاً، فرضناه زمناً زمناً، فلا يُعلم أبداً. وذلك باطل، وأيضاً لو لم يصح، لم يَعلمْ إبراهيم (عليه السلام)وجوب الذبح، والمنكر معاند.*
<--- وخالفهم الامام 1 والمعتزلة واتفق الجميع على أنّ الآمر لو كان جاهلاً بعدم الشرط جاز التكليف منه، مثال الأوّل: أنّ الله تعالى لو علم أنّ زيداً سيموت غداً هل يصحّ أن يكلفه اليوم بالصوم في غد؟ ومثال الثاني: أنّ السيد لو أمر عبده بخياطة الثوب في غد فإنّه مشروط ببقائه إلى الغد مع أنّ السيد ليس بعالم بهذا الشرط.
احتج المصنف على مذهبه بثلاثة أوجه:
الأوّل: أنّه لو لم يصحّ التكليف بما علم عدم شرطه لم يعص أحد، والتالي باطل إجماعاً 2، فالمقدّم مثله .
وبيان الشرطية: أنّ شرط الفعل هو وجود الإرادة القديمة ـ عند الأشعرية والمحدثة ـ التي للعبد ـ عند المعتزلة ـ فالعاصي غير مريد للطاعة عند المعتزلة والله تعالى ليس بمريد لها منه عند الأشعرية وقد علم الله تعالى بعدم الإرادتين فيكون عالماً بعدم الشرط ولو لم يكن مأموراً بالطاعة حال عدم الشرط لم يكن عاصياً في حال عدم الارادة وهي حال لا ينفك منها عاص أصلاً فلا يوجد عاص.
* أقول: هذان الوجهان الباقيان:   2

1 . إمام الحرمين الجويني.
2 . أي: بإجماع الأشعرية والمعتزلة.

صفحه 311
<--- الأوّل: أنّه لو لم يصحّ التكليف مع العلم بعدم الشرط لم يعلم وجود تكليف أصلاً والتالي باطل فالمقدم مثله، لأنّ الله تعالى إذا أمر زيداً بالصوم في هذا اليوم فإنّ صومه حينئذ موقوف على بقائه وهو غير معلوم له قبل اليوم فيكون شاكّاً في شرط التكليف فيلزم الشك في المشروط فلا يعلم التكليف بالصوم قبل وقت الفعل; وكذلك حال الوقت لأنّها حالة الفعل والتكليف منقطع فيها بعد الوقت، لذلك، فإن فرضوا زمان التكليف متسعاً بحيث إذا مضى أحد جزئيه علم المكلف أنّه متمكن ـ بخلاف المضيق ـ فإنّه لا يعلم أنّه متمكن إلاّ بعد انقضاء الوقت ; نقلنا الكلام إلى اجزاء ذلك الزمان وذلك لأنّ التكليف لم يعلم قبل أوّل الزمان الموسّع ولا في أول الزمان ولا بعده لانقطاع التكليف فيهما وكذلك في باقي الاجزاء.
الثاني: أنّه لو لم يصح لم يكن ابراهيم (عليه السلام) مأموراً بالذبح لأنّه قد انتسخ عنه الفعل قبل وقوعه لقوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم)1 لكنه (عليه السلام) كان مأموراً به ; والمنازع في ذلك مكابر، وسيأتي تمام البحث ان شاء الله تعالى.
 

1 . الصافات: 107.

صفحه 312
قال: وقال القاضي: الإجماع على تحقق الوجوب والتحريم قبل التمكّن.
المعتزلة: لو صحّ، لم يكن الإمكان شرطاً فيه.
وأُجيب: بأن الإمكان المشروط أن يكون ممّا يتأتّى فعِلُهُ عادةً عند وقته واستجماع شرائطه، والإمكان الّذي هو شرط الوقوع محل النزاع، وبأنّه يلزم ألا يصحَّ مع جهل الآمر.
قالوا: لو صَحّ لصَحّ مع علم المأمور.
وأُجيب: بانتفاء فائدة التكليف، ولهذا يطيع ويعصي بالعزم والبِشْر والكراهة.*
* أقول: احتج القاضي على مذهبه ـ وهو صحّة التكليف ـ بالاجماع، فقال: إنّه قد تحقق الإجماع من السلف قبل ظهور المخالف 1 على أنّ كلّ بالغ عاقل مأمور بالطاعات منهي عن المعاصي قبل التمكن ممّا أُمر به ونُهي عنه، وإذا كان الاجماع بذلك ثابتاً كان القول به لازماً .
واحتج المعتزلة على مذهبهم بوجهين:
الأوّل: قالوا: لو صحّ التكليف بما علم الآمر بانتفاء شرطه، لم يكن الإمكان شرطاً في الفعل، والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية: إنّ الفعل بدون شرطه محال وإلاّ لم يكن الشرط شرطاً، وإذا كان محالاً فلو كلف مع عدمه لزم   2

1 . أي: المعتزلة.

صفحه 313
<---التكليف بالمحال، وأمّا بطلان التالي1 فبالإجماع 2 أمّا عندنا فبالعقل وأمّا عندكم فبالسمع .
وأجاب المصنف بأنّ الإمكان المشروط تحققه في صحة التكليف أن يكون الفعل مما يتأتّى فعله عادة عند حضور وقته واستجماع شرائطه والإمكان الذي هو شرط الوقوع مغاير لهذا الإمكان وهو الذي [ يعني به كون المكلف متمكناً من الفعل وهذا هو الّذي ] 3 وقع فيه النزاع 4 .
ثمّ عارضهم 5 بالآمر الجاهل فإنّه غير عالم بوجود الشرط فيلزم أن لا يصحّ منه التكليف .
الوجه الثاني 6: قالوا: لو صحّ التكليف بما علم الآمر عدم شرطه، لصح التكليف إذا علم المأمور عدم الشرط، والتالي باطل فالمقدم مثله .
وأجاب المصنف بأنّ فائدة التكليف منتفية هاهنا بخلاف الأوّل، فإن الأوّل قد يطيع بالعزم والبِشْر وقد يعصي بالعزم على الترك والكراهة، أمّا إذا كان عالماً   2

1 . المراد من «التالي» هو: «عدم كون الامكان شرطاً في الفعل».
2 . معقد الاجماع هو: «أن الامكان شرط الفعل»، إلاّ أن كلاً من المعتزلي والاشعري سلك طريقه، فالمعتزلي سلك طريق العقل والاشعري سلك طريق النقل، وبذا قد قرع المعتزلي الاجماع الّذي ادعاه القاضي بالاجماع الّذي ادعاه هو .
3 . ما بين المعقوفتين في نسخة «ب» فقط .
4 . قد وردت العبارة التالية في هامش نسخة «أ» وادرجت في نسخة «ب» في المتن بعد كلمة «النزاع»:
[ فإنَّ عندنا أن هذا الامكان شرط في الامتثال لا شرط في التكليف، فإن التكليف قد يقع لا ليحصل امتثال بل ليقع به الاختبار.]
5 . أي: عارض المصنّف المعتزلة.
6 . أي: الوجه الثاني في احتجاج المعتزلة على مذهبهم.

صفحه 314
   
قال: الأدلة الشرعية: الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإجماعُ، والقياس والاستدلال، وهي راجعة إلى الكلامِ النفسي، وهي نسبةٌ بين مفردين، قائمةٌ بالمتكلمِ والعلم بالنسبة ضروريٌ، ولو لم تقُم به، لكانتِ النسبة الخارجية، إذ لا غيرهُما والخارجيةُ لا يتوقفُ حُصُولها على تَعقَّل المفردين وهذه متوقفةٌ.*
<--- بعدم الشرط فإنّه يكون عالماً بامتناع الفعل، فلا توجد فائدة التكليف فيه .

[ تعريف الادلة الشرعية]

* أقول: لما فرغ عن الكلام في الأحكام وما يتعلق بها، شرع في الكلام في مداركها 1، وهي على خمسة أقسام :
ووجهه أنّ الدليل أمّا أن يستفاد نقلاً عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لا، والأوّل أمّا أن يكون متلواً ـ وهو الكتاب ـ أو لا يكون وهو السنة، والثاني أمّا أن يستفاد من جماعة لا يجوز عليهم التواطؤ ولا الكذب وهو الاجماع، وامّا أن لا يكون كذلك، وهو امّا أن يكون حمل معلوم على معلوم لجامع وهو القياس، أو لا يكون وهو الاستدلال.
وهذه الخمسة وإن كانت أدلة أُصولاً لظهور الحكم بها لكن أصلها هو الكتاب لأنّه قول الله المشروع للأحكام، والسنة اخبار عنه، والاجماع أصله احدهما، وكل من القياس والاستدلال مبني على استفادة حكم من معقول بالنص.
فقد تبين أنّ أصلها هو الكتاب والكتاب هو كلام الله تعالى، ولمّا كان كلام الله تعالى في الحقيقة إنّما هو الكلام النفسي الذي هو صفة قائمة بذاته ـ عند   2

1 . انظر: المستصفى: 1 / 190 .

صفحه 315
<--- المصنف ـ لا جرم صارت الأدلة في الحقيقة راجعة إليه.
وهذه الصفة عبارة عن نسبة بين مفردين قائمة بذات المتكلم 1 لأنّها لو لم تكن قائمة بذاته كانت أمراً خارجاً عنه، والأمور الخارجية لا يتوقف ثبوتها على ثبوت أمر ذهني يغايرها، وهذه النسبة تتوقف على ثبوت المنتسبين في الذهن فلا ثبوت لها خارج الذهن ; وفي هذا كلّه نظر.2

1 . في «ب» وردت العبارة التالية:
[ فإن قلنا: العالم حادث لابد فيه من نسبة هي الكلام النفسي وهي قائمة بذات المتكلم ].
2 . لعل فكرة «الحديث النفساني» كانت الانطلاقة الأُولى في مباحث علم الكلام، وقد دارت عليها رُحى البحث نفياً واثباتاً، بل احتدمت حولها معارك فكرية وفعلية ضارية بين المناصرين والمعارضين لها حتى أُريقت الدماء وأزهقت النفوس وأُهدرت الكرامات، فكانت فتنة طخياء كلفت المسلمين ثمناً باهضاً.
وقد أشبع شيخنا الأُستاذ السبحاني ـ أطال الله عمره الشريف في صحة وعافية ـ المسألة بحثاً وتمحيصاً في موسوعته الفخيمة البهيِّة: «بحوث في الملل والنحل» فدرسها تاريخياً وموضوعياً مع مناقشة كافة الآراء الرئيسة فيها.
      وقد انتهى به البحث إلى أن المسألة قد تغيرت عبر الزمان وتطورت فلم تبق على ما كانت عليه حتّى اتخذت طابعاً عقلانياً مرضياً، فبعد اتيانه برأي العضدي في المواقف، قال:
      [ فقد أحسن العضدي وأنصف، وستوافيك البرهنة على أن ما يسمونه «كلاماً نفسياً» أمر صحيح، لكنه ليس خارجاً عن اطار العلم والارادة وليس وصفاً ثالثاً وراءهما. ]
      بحوث في الملل والنحل: 2 / 319 .
      ومن السلف الصالح الّذي عالج مسألة «الكلام النفساني» في أكثر من كتاب له هو الشارح المبجل ـ وهو خرّيت هذا الفن الجليل بلا منازع ـ فأماط الغطاء عما هو حق حقيق في المسألة وقد قال في كتابه «نهاية الوصول إلى علم الأُصول»: «وهذه الدّعاوي كلّها مع غرابتها عن برهان، غير متصورة والبحث في ذلك قد ذكرناه في كتبنا الكلامية».
      نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 1 / 358 .
      وعليه فليراجع:
      تسليك النفس إلى حظيرة القدس: 143 .
      مناهج اليقين في أُصول الدين: 305، 387، 388 .

صفحه 316
قال: الكتاب: القرآن، وهو الكلام المنزَّل للإعجاز بسورة مِنهُ، وقولهم: ما نقل بين دفتي المصحف تواتراً ، حدٌّ للشيء بما يتوقف عليه، لأنّ وجود المصحف ونقله، فرعُ تصور القرآن.*

[ مبحث الكتاب العزيز ]

* أقول: بحث الأُصولي إنّما يتعلق بالكلام الذي هو الحروف والأصوات، أمّا النفساني فإنّما يبحث عنه المتكلم، ولأجل ذلك أهمل المصنف الكلام في النفساني وبحث عن الكلام بالمعنى المشهور فقيّد في تعريف «الكتاب 1» الكلام بالمُنزّل ليخرج النفساني، وقيّد المنزّل بالاعجاز ليخرج الكلام المنزّل الذي أوحاه الله إلى رسوله مما ليس بقرآن، وقوله: المنزّل للإعجاز بسورة منه، احتراز عن السورة والآية، فصار هذا التعريف منطبقاً على الكتاب العزيز .
وقد عرفه الغزّالي بأنّه الذي نقل بين دفتي المصحف نقلاً متواتراً.
واعترض عليه المصنفُ بلزوم الدور، فإنّ وجود المصحف ونقله مسبوق بتصور القرآن، لما عرف من أنّ التصديق مسبوق بالتصور فلو عرف القرآن بهما لزم الدور.

1 . انظر: الإحكام للآمدي: 1 / 113 ; المستصفى: 1 / 193 .

صفحه 317
قال: مسألة: ما نقل آحاداً فليس بقرآن; للقطع بأنْ العادةَ تقضي بالتواتر في تفاصيل مِثْلِهِ. وقوَّة الشُبهة في: «بسم الله الرحمن الرحيم» منعت من التكفير من الجانبين.
والقطع أنها لم تتواتر في أوائل السُّور قرآناً، فليست بقرآن فيها قطعاً كغيرها، وتواترت بعضُ آية في «النمل» فلا مخالف. *
* أقول: الحق أنّ القرآن لابد وأن يكون متواتراً في جملته وتفاصيله، فإن العادة قاضية بأنّ مثل هذا المعجز يستحيل أن يخفى بحيث لا ينقله إلاّ الآحاد كما نقل عن ابن مسعود أنّه قرأ: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فإذن ما ينقل بالآحاد فليس بقرآن، وقد وقع الخلاف في أنّه هل هو حجّة أو لا؟
وأمّا البسملة فقد وقع الخلاف في أنّها هل هي من القرآن أو لا؟ فذهب الإمامية إلى أنّها آية من كلّ سورة وهو أحد قولي الشافعي; وذهب جماعة من الأُصوليين منهم القاضي أبو بكر إلى أنّها ليست من القرآن في غير سورة النمل، فالشبهة قوية فيها، فلأجل ذلك منعت من التكفير في الجانبين1 فإذنّ من ينكر بعض القرآن المتواتر كافر، وكذلك من يزيد في القرآن ما هو متواتر فقدانه منه .
ثمّ إنّ المصنف قطع بأنّها لم تتواتر في أوائل السور قرآناً، ثم استنتج من ذلك أنّها ليست قرآناً فيها قطعاً لما مهدّه من القاعدة الأُولى أنّ ما ينقل آحاداً فليس من القرآن .
ثمّ ذكر أنّها قد تواترت في أوائل كلّ سورة وتكرارها غير موجب لعدم   2

1 . أي: الإمامية ومن وافقهم، والأُصوليين ومن تبنى فكرتهم، وقيل هو رأي المالكية أيضاً .

صفحه 318
قال: قولهم: مكتوبةٌ بخطِّ المُصحَفِ، وقول ابن عباس: «سرق الشيطانُ من الناس آيةً» لا يُفيد، لأنّ القاطع يقابِلُهُ.*
<--- كونها من القرآن كغيرها من الآيات.1
* أقول: هذا استدلال من يقول أنّها من القرآن مع الجواب، وتقريره:
أنّها مكتوبة بخط المصحف فتكون من القرآن، أمّا الأُولى فظاهرة وأمّا
الثانية فلأنّ الصحابة كانت تتشدّد فيما هو دون ذلك من صيانة القرآن عما
ليس منه ، كإنكارهم على من يكتب أوائل السور 2 ، والتعشير 3 ،   2

1 . وقد وردت العبارة في نسخة «ب» كما يلي:
[ ثم ذكر أنها قد تواتر من بعض آية في سورة «النمل» من غير مخالف فهي من القرآن فيها ونحن نقول بأنها تواترت في أوائل كل سورة، وتكرارها غير موجب لعدم كونها من القرآن كغيرها من الآيات ].
2 . ليس المراد من أوائل السور هو الحروف المقطعة الّتي تسمى بـ «فواتح السور»; بل المراد ما كان يكتب في بداية كل سورة مثل قولهم فاتحة سورة كذا وخاتمة سورة كذا.
قال يحيى بن أبي كثير: «كان القرآن مجرداً في المصاحف، فأوّل ما أحدثوا فيه النقط على الباء والتاء والثاء، وقالوا: لا بأس به، هو نور له، ثم أحدثوا نقطاً عند منتهى الآية، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم». الجامع لأحكام القرآن: 1 / 63 .
وأول من نقَّط هو أبو الأسود الدؤلي بتوجيه من الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام); وأوّل من أمر بالتعشير ـ على ما قيل ـ هو المأمون العباسي; وأول من ادخل الحركات الاعرابية في المصحف الشريف هو أحمد بن خليل الفراهيدي، وهو أيضاً من اتباع آل البيت (عليهم السلام).
3 . كان القرّاءُ يُقسِّمون آيات السور إلى عشرات لأجل التسهيل في التعليم ولذلك اخذوا يُزيِّنون آخر الآية العاشرة بالذهب وسمي هذا الفعل بالتعشير، وقد إسُتكره ذلك لأنهم عدُّوه تصرفاً غير مأذون به في بنية نص الكتاب العزيز.

صفحه 319
<--- والنقط1; فلما لم ينكروا في كتابة البسملة بخط القرآن، عُلم أنّها منه; وأيضاً نقل عن ابن عباس أنّه قال: «سرق الشيطان من الناس آية من القرآن» ـ إلى أن ترك بعضهم قراءة التسمية في أول كلّ سورة ولم ينكر عليه ـ 2 فدل على كونها من القرآن .
وتقرير الجواب [أن التسّمية لو كانت من القرآن في أوّل كلّ سورة لم يخلُ إمّا أن يشترط القطع في اثباتها أو لا يشترط، فإن كان الأوّل بطل استدلالكم، ضرورة كونه مفيداً للظن لا للقطع; وإن كان الثاني لزم اثبات التتابع في صوم اليمين كما قلناه أوّلاً. وإلى هذا الجواب أشار المصنف بقوله: لأنّ القاطع يقابله، يعني يقابل هذا الاستدلال]3.

1 . نَقَطَ يَنْقُطُ نَقْطاً الحروف، جعل لها نُقَطاً فهو نقّاط والحروف مُنقَّطة.
من المعروف المتسالم عليه هو أنّ الحروف في عصر التنزيل كانت خالية من التنقيط، والتنقيط إنّما حدث في وقت متأخر لتفادي الأخطاء الّتي كانت ترتكب أثناء تلاوة الكتاب الكريم; فمع أن التنقيط كان من وحي الحاجة الماسّة، أثارت ردود فعل معارضة عنيفة حرصاً من أهلها على حماية الكتاب العزيز من أدنى تصرف قد يعرِّض النص القرآني إلى تشويش وإرباك محتمل; فعبارة الشارح (قدس سره): «كانكارهم»، تلمح ـ فيما تلمح إليه ـ إلى هذا الحدث في مسار تاريخ القرآن المجيد.
2 . يبدو أن هذه الجملة اعتراضية ولذلك ميزناها عن السياق.
3 . في نسخة «ب» بدل ما بين المعقوفتين، العبارة التالية: [ وأجاب المصنّف: «بأن القاطع يقابله»، يعني أن القاطع وهو عدم التواتر في المحل يقابل ما ذكرتم] .

صفحه 320
قال: قولهم: لا يشترط التواتر في المحل بعد ثبوت مثله، ضعيف، يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن المكرر، وجواز اثبات ما ليس بقرآن منه مثل (وَيْلٌ)1 و (فَبِأَيِّ)(2).*
* أقول: هذا ايراد على الجواب مع التخلص منه، وتقريره أن يقال: الاختلاف لم يقع في كون التسمية من القرآن في الجملة حتى يشترط القطع في نقلها، وإنّما وقع 2 في وضعها آية في أوّل السور بعد ثبوت مثله، فإنّ البسملة متواتر أنّها من القرآن وأمّا كونها أوائل السور فذلك لا يشترط فيه القطع فلا يلزم المحذور الذي ذكرتم .3
والجواب: بأنّ ذلك يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن المكرر، وجواز اثبات ما ليس من القرآن منه، مثل: (وَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ )4، ومثل: (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)5 فإنّ لقائل أن يقول: إنّها متواترةولكنّها غير   2

1 . المرسلات: 19 .   2 . الرحمن: 16 .
2 . أي: الاختلاف .
3 . ورد في نسخة «ب» بعد كلمة «ذكرتم»، ما يلي:
   [والحاصل: ان القرآن يجب أن يكون متواتراً على ما دلت العادة عليه، اما كل واحد واحد منه فلا، لأن التواتر في المحل غير مشترط].
4 . تكررت (وَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ) في القرآن الكريم عشر مرات و (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)واحداً وثلاثين مرة.
5 . وقد ورد في نسخة «ب» بعد الآية: (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ما يلي:
[ ووجه الملازمة: أما جواز إسقاط كثير من القرآن، فلجواز توافق الطائفة ـ الّتي كلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالقائه ما اُنزل عليه من القرآن عليهم ـ على عدم نقل بعض ما سمعوه منه من المكررات لعدم وجوب النقل والاظهار عليهم حينئذ إذ الاظهار والنقل إنّما أُوجب عليهم بناء على وجوب التواتر في المحل وإذا انتفى انتفى; وأمّا بيان جواز إثبات ماليس من القرآن منه، فلجواز أن يكون الثابت من افراد المكرّرات بعضها ويكون ثبوت البعض الآخر بالآحاد بناء على عدم اشتراط التواتر في المحل بعد ثبوت مثله ].

صفحه 321
قال: لا يقال: يجوز ولكنّه اتفق تواتر ذلك; لأنا نقول: لو قُطع النظر عن ذلك الأصل، لم يُقطع بانتفاء السقوط، ونحنُ نقطع بأنّه لا يجوز، والدليل ناهضٌ ; ولأنّه يلزم جواز ذلك في المستقبل، وهو باطل.*
<---متواترة المحال فلا تكون متكررة بالتواتر فيجوز اسقاطها ; ولما كان ذلك باطل فكذا ما ذكروه.
* أقول: هذا إيراد على الجواب مع الجواب عنه، وطريق الايراد هو تسليم التالي الّذي ادّعى المصنف بطلانه وذلك لأنّ المصنف قال: لو لم يشترط التواتر في المحل لجاز سقوط كثير من القرآن المكرر، والتالي باطل .
قال المعترض: لا نسلم بطلان التالي بل يجوز الاسقاط بالنظر إلى الأصل لكنّه قد اتفق أنّ تواتر التكرار في (وَيْلٌ) و (فَبِأَيِّ) بخلاف التسمية الّتي لم يتواتر تكرُّرها، فالحاصل أن الفارق بين التسمية والمتكرر من القرآن إنّما هو تواتر التكرار في المكرر بخلاف التسمية .
الجواب: فانا مع قطع النظر عن ذلك الأصل، نقطع بأنّ السقوط لا يجوز وكذا الإثبات ; والدليل ناهض على عدم الجواز وهو ما سبق في وجوب   2

صفحه 322
قال: مسألة: القراءات السبع متواترة.
لنا: لو لم تكن كذلك لكان بعض القراءات غير متواتر كملك ومالك ونحوهما وتخصيص أحدهما بحكم باطل لاستوائهما.*
<--- اشتراط التواتر فيما هو قرآن، وأيضاً يلزم مما ذهبتم إليه جواز السقوط والاثبات في المستقبل من الزمان وهو باطل قطعاً.1
* أقول: القراءات السبع2 متواترة، واستدل [ المصنّف ] بأنها لو لم تكن كذلك لكان بعض القرآن غير متواتر، والتالي باطل فالمقدم مثله ; بيان الشرطية: أنّ القرآن قد اشتمل على مثل: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) و (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)وقد قرأ بأحدهما بعض القرآء وبالآخر البعض الآخر، فأمّا أن نقول بتواترهما وهو   2

1 . ما يفي بالغرض هو ما اثبتناه، وقد ورد ما يلي قبل المقطع المثبت في المتن وهو لا يخلو من اضطراب وتشويش:
   [ انّا لو قطعنا النظر عن ذلك الاصل وهو اتفاق تواتر المكرر فانقطع بانتفاء الشرط ولا بانتفاء الاثبات أيضاً لكون القطع بهما مستفاداً من المكرر بل يجوزهما وهو باطل].
2 . القراءات جمع للقراءة وهي مصدر، تقول: قرأ يَقْرؤُ قِراءَة، وفي علم القراءات هي مذهب كل واحد من القراء; والقراء السبعة هم:
   1. عبدالله بن عامر اليحصبي (ت 118 هـ).
   2. عبدالله بن كثير الداري (ت 120 هـ).
   3. عاصم بن النجود الأسدي (ت 127 هـ).
   4. حمزة بن حبيب الزيات التميمي (ت 156 هـ).
   5. نافع بن عبدالرحمن الليثي (ت 169 هـ).
   6. حفص بن سليمان البزار الأسدي (ت 180 هـ).
   7. علي بن حمزة الكسائي (ت 189 هـ).

صفحه 323
قال: مسألة: العمل بالشاذّ غير جائز مثل «فصيام ثلاثة أيّام متتابعات» واحتجّ به أبو حنيفة.
لنا: ليس بقرآن ولا خبر يصحّ العمل به.
قالوا: يتعيّن أحدهما فيجب.
قلنا: يجوز أن يكون مذهباً، وان سُلّم فالخبرُ المقطوعُ بخطئه لا يعمل به ونقله قرآناً خطأ. *
<--- المطلوب ; أو بتواتر أحدهما وهو تحكّم باطل لاستوائهما في النقل فلا أولوية، فلا يبقى إلاّ أنهما غير متواترين وأمّا بطلان التالي فظاهر .
ولقائل أن يقول: المعلوم بالتواتر أن أحدهما من القرآن وأما تعيين أحدهما أو هما معاً فلا ; وكيف والذي يستند إليه القرّاء سبعة نفر لا يحصل العلم بقولهم فضلاً عما اختلفوا فيه.

[ حكم الشاذّ من القراءات ]

* أقول: اختلف الناس في [ العمل ] بالقراءات الشاذّة1 كقيد الأيام في صوم الكفّارة بالتتابع، فذهب الشافعي إلى نفيه ولهذا لم يوجب التتابع; وأوجبه أبوحنيفة بذلك. احتج الشافعي بأنّه لو كان قرآناً لوجب على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)تبليغه إلى من تقوم الحجة بقوله وهو الخبر المتواتر الذي لا يتطرق عليه الكذب،   2

1 . انظر : المستصفى: 1 / 194 .

صفحه 324
قال: المحكم: المتضح المعنى، والمتشابه: مقابُلهُ، أمّا لإشتراك أو لإجمال أو ظهور تشبيه.*
<--- فلما لم يبلغه إلى أهل التواتر دل على أنّه ليس من القرآن وليس بخبر يصح العمل به، فإنّ القارئ لم يذكره على أنّه خبر منقول عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
احتج أبوحنيفة بأنّه متردد بين أن يكون قرآناً و بين أن يكون خبراً، وعلى التقديرين فهو حجّة ; والجواب: يجوز أن يكون مذهباً وتفسيراً للآية فلا تبقى حجّة، وإن سُلِّم أنّه بمذهب ولكن الخبر إنّما يصحّ العمل به على تقدير ان لا يُقطع بخطائه وهذا مقطوع بكونه خطأً فإنّه نَقْلُه قرآناً فهو خطأ وإلاّ لتواتر، وإذا كان خطأ لم يكن حجة.

[ المحكم والمتشابه ]

* أقول: لمّا كان القرآن مشتملاً على المحكم والمتشابه وجب عليه1تعريفهما، وقد عُرِّفا بأُمور مدخولة كقولهم: «المحكم هو ما عرفه الراسخون في العلم والمتشابه هو ما علمه الله تعالى»، وقولهم: «المتشابه هو الحروف المقطوعةوالمحكم ما عداه»، وقولهم: «المحكم هو الحلال والحرام والوعد والوعيد والمتشابه هوالقصص والأمثال»، وغير ذلك .
والأولى في تعريفهما ما ذكره المصنف، وهو: «أنّ المحكم هو المتضّح المعنى والمتشابه ما يقابله»، وهو(2) يكون لتطرق الاحتمال كما في الألفاظ   2

1 . أي: على المصنّف.   2 . أي المتشابه.

صفحه 325
قال: والظاهر: الوقف على (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)1 لأنّ الخطاب بما لا يفهم، بعيد.*
<--- المشتركة كقوله: (ثَلاَثَةَ قُرُوء)(2) والمجازية، أو المجملة، أو كان ظاهره التشبيه، كقوله تعالى: (تَجْري بِأَعْيُنِنَا )2 ، ( وَ السَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد )(4); إلى غير ذلك من الآيات الدالة على التشبيه.
* أقول: اختلف الناس في جواز الخطاب بما لا يفهم، فذهب المحققون إلى امتناعه; وذهب قوم غير محققين إلى جوازه والدليل على امتناعه كونه نقصاً والله تعالى حكيم يتعالى عن ذلك .
احتج المجوزون بأمرين:
أحدهما: أنّ الحروف المقطّعة غير معلومة وقد خوطبنا بها .
والثاني: أن الواو في قوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ)، للإبتداء لا للعطف والاّ لوجب عود الضمير في قوله: (يَقُولُونَ ) إلى المذكورين قبل، فيكون الله تعالى داخلاً، فيه وهو محال .
والجواب: عن الأوّل: أنّ الناس اختلفوا في تفسيرها والظاهر أنّها أسامي السور.
وعن الثاني: إنّ الواو للعطف وإلاّ لزم الخطاب بما لا يعلم وهو قبيح، ولا   2

1 . آل عمران: 7 .   2 . البقرة: 228 .
2 . القمر: 14.   4 . الذاريات: 47 .

صفحه 326
قال: مسألة:
والأكثر على أنّه لا تمتنع عقلاً على الأنبياء معصيةٌ، وخالف الروافضِ، وخالف المعتزلةُ إلاّ في الصغائر، ومعتمدهم التقبيح العقلي والإجماع على عصمتهم بعد الرّسالة من تعمد الكذب في الأحكام لدلالة المعجزة على الصدق وجوّزه القاضي غلطاً .
وقال: دلّت على الصدق اعتقاداً. وأمّا غيرُه من المعاصي، فالإجماع على عصمتهم من الكبائر وصغائر الخسّة، والأكثر على جواز غيرهما.*
<--- استبعاد في عود الضمير في «يقولون» إلى بعض المذكورين قبل المخصص.

[ السنة الشريفة ]

* أقول: لما فرغ من البحث عن الكلام في الكتاب، انتقل إلى البحث عن السنّة،1 ولما كانت السنّة متلقاة من أقوال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأفعاله، وجب أن يبحث أوّلاً عن الأقوال والأفعال وأنها هل هي حقّة أو لا؟ وذلك إنّما يكون ببيان عصمتهم فنقول:
مذهب الإمامية أنّ الأنبياء معصومون قبل الرسالة وبعدها عن صغائر الذنوب وكبارها لأن جواز المعصية ممّا يناقض مقتضى الحكمة، فإنّ ارسال من لم    2

1 . انظر : المحصول: 1 / 501 ; الاحكام للآمدي: 1 / 119 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 2 / 525 .

صفحه 327
<--- يكن بهذه الصفة يقتضي التنفير المنافي للإرسال.
وذهب أكثر المعتزلة والقاضي أبوبكر وأكثر الأشاعرة إلى أنّه لا يمتنع صدور المعصية عنهم كبيرة وصغيرة قبل الرسالة، بل جوزوا ارسال من أسلم عقيب كفره.
أمّا بعد الرسالة فقد وقع الاتفاق على امتناع كذبهم في الاحكام وما دلت المعجزة على صدقهم كالتبليغ عن الله تعالى بطريق التعمد واختلفوا في ذلك على سبيل السهو فذهب إليه القاضي ومنع منه الباقون، وقال: المعجزات إنّما دلت على صدق الصادر عن الاعتقاد ولم تمنع من الكذب الصادر عن الغلط ; وهو خطأ وإلاّ لزم عدم الوثوق بالتبليغ على تقدير السهو .
وأمّا ماعداها دلت المعجزة على صدقهم فيها، فهل يجوز عليهم المعصية فيها أم لا؟ فالإجماع منعقد على امتناع الكبائر والصغائر الدالّة على نقص المروءة كسرقة شيء يسير. ونقل عن الفضيلية1 جواز صدور الكفر منهم لأنهم يجوزون صدور الذنب عنهم والذنب عندهم كفر.
وأمّا غير الكبائر والصغائر الدالة على الخسّة والضِّعة فالأكثر على جوازها، والحق ينافيه.2

1 . هي طائفة من الخوارج، وقيل إنهم شريحة من الأزارقة ـ أتباع نافع بن هلال الأزرق ـ إلاّ أن المصادر الرئيسية في «الفرق والمذاهب» لم تأت لهم بذكر ممّا يكشف عن أنها لم تكن جماعة تستحق الاهتمام والتمحيص للتعرف عليها.
2 . هذا البحث برمّته بحث كلامي لا يصلح للتطرق إليه في هذا المقام، ولهذا السبب اقصاه الأُصوليون المتأخرون عن بحوثهم إلى مواضعه في علم الكلام.

صفحه 328
قال: مسألة: فعلُهُ (صلى الله عليه وآله وسلم): ما وضح فيه أمر الجبلّية كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، أو تخصيصُهُ: كالضُحى، والوتر، والتهجّد والمشاورة والتخيير والوصال والزيادة على أربع ـ فواضحٌ، وما سواهما إنَ وضَحَ أنّه بيان بقول، أو قرينة مثل: «صلّوا» أو «خذوا»، وكالقطع من الكوع، والغسل إلى المرافق ـ اعتُبرِ اتفاقاً، وما سواه إن عُلِمتْ صفتهُ فأُمتُهُ مثله، وقيل في العبادات، وقيل كما لم تُعلم. وإن لم تعلم فالوجوب، والندب، والإباحةُ، والوقفُ ; والمختار: إن ظهر قصد القربة فندبٌ، وإلاّ فمباحٌ.*
* أقول: اختلف الناس في أفعال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هل هي حجة في شرع مثل ذلك الحكم في حق أُمته أم لا؟ وتقرير الخلاف أن نقول :
الافعال التي ترجع إلى الجبلّية كالقيام والقعود والأكل والشرب وغير ذلك، أو التي ثبت اختصاصه (صلى الله عليه وآله وسلم) بها كوجوب الضّحى1، ووجوب الوتر، ووجوب   2

1 . إن الآمدي في (الإحكام: 1 / 228); والماتن في (منتهى الوصول والأمل: 48 ) حينما عدّا مختصات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ذكرا في جملتها: «الضّحى» و «الأضحى» .
الأضحى جمع لمفردة الأضحاة المرادفة لمفردة الأضحية، وتجمع على أضاحي أيضاً وهي شاة ونحوها يضحّى بها في عيد الأضحى.
وقيل إنّه ممّا اختص به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)هو أن يذْبح الاضحية خارج منى.
وأما مفردة الضّحى فالمراد بها صلاة نافلة يبدأُ وقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال وعدد ركعاتها بين ركعتين إلى ثمان ركعات، وقد نسب إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثلاث عليّ واجب وعليكم سنة: الضحى والأضحى والوتر». شرح الأزهار: 1 / 318 .
وقيل: «خُص النبي بوجوب الأضحى والضحى والتهجد والوتر». مواهب الجليل: 5 / 3 .
وقد بحث أُستاذنا الشيخ السبحاني ـ دامت بركاته ـ صلاة الضّحى بحثاً مستفيضاً شاملاً، أقوالاً ورواية ـ متناً وسنداً ـ وكانت الحصيلة النهائية لبحثه الموقر هي أنّه لم يقم دليل واضح معتمد يمكن الأخذ به والتعويل عليه في تشريع مثل هذه الصلاة، والأصل في العبادات ـ كما هو معروف ـ عدم التشريع حتّى يقوم الدليل; ومن هذا المنطلق حكم ـ دامت افاضاته ـ على أن صلاة الضّحى بدعة لم ينزل الله بها من سلطان! [ راجع: البدعة ـ مفهومها، حدها، آثارها ومواردها ـ ص 162 ].
إلاّ أن هناك فرقاً بين الغرض الّذي كان يرمي إليه الشيخ الأُستاذ وما كان الماتن بصدده، لأن سماحة الشيخ انطلق من زاوية التشريع وعدمه والماتن من زاوية المختصات وعدمها ; ولكن عندما يثبت عدم تشريع هذا الحكم ـ أو الشك فيه على أقل تقدير ـ لا يبقى مجال للبحث عن أنّه من المختصات أم لا!

صفحه 329
<--- التهجد والمشاورة والتخيير لنسائه، وصوم الوصال، والزيادة على أربع حرائر، فلا خلاف في أنّها مختصة به ولسنا متعبدون بها.
وامّا ما عدا ذلك فان كان فعله بياناً لنا فلا خلاف في كونه حجة، وكونه بياناً قد يكون بالقول مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «صلّوا كما رأيتموني أُصلي»1 فإنّه دلّ على أن فعله (صلى الله عليه وآله وسلم)بيان لقوله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ) وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خذوا عنيّ مناسككم»2; وقد يكون بالقرينة كما إذا أُورد لفظ مجّمل ولم يبيّنه حتّى وقعت الحاجة إليه ففعل فعلاً صالحاً للبيان، فإنّه يكون بياناً كقطع يد السارق من الكوع المبيّن لآية السرقة، وكذلك الغَسل إلى المرافق المبيّن لآية الغسل.
وأمّا إذا لم يكن بياناً فلا يخلو إمّا أن يعلم صفة الفعل من وجوب أو ندب أو لا يعلم، فإن علم انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فعله واجباً أو ندباً، فقد اختلف الناس فيه، فذهب    2

1 . عوالي اللئالي: 1 / 198 ; صحيح البخاري: 1 / 155 ; السنن الكبرى: 2 / 245 .
2 . عوالي اللئالي: 1 / 215 ; السنن الكبرى: 5 / 125 .

صفحه 330
قال: لنا: القطع بأنّ الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله (صلى الله عليه وآله وسلم)المعلوم صفته. وقوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى ) إلى آخرها، وإذا لم يعلم وظهر قصد القربة ثبت الرجحان فلزم الوقوف عندَهُ، والوجوبُ زيادةٌ لم تثبت، وإذا لم يظهر فالجواز والوجوب، والندب زيادة لم تثبت، وأيضاً لمّا نفى الحرج بعد قوله تعالى: (زَوَّجْنَاكَهَا)فُهمت الاباحةُ مع احتمال الوجوب والندب.*
<--- قوم إلى أنّ حكم أُمتّهِ حكمه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذهب آخرون إلى أنَّ أُمتَهُ مثله في العبادات دون غيرها، وذهب آخرون إلى أن حكمه حكم ما لم يعلم صفته.
وأمّا إذا لم يعلم صفته فقد اختلفوا على أقوال: قال قوم: إنّها على الوجوب، وقال آخرون على الندب، وقال آخرون على الإباحة، وتوقف قوم في الجميع1، وقال آخرون إن ظهر قصد التقرب بالفعل فهو ندب وإلاّ فهو مباح، وهو اختيار المصنف، وبعض من جوّز المعاصي على الأنبياء(عليهم السلام)، قال: إنّها على الحظر.
* أقول: هذا استدلال المصنف على مذهبيه :
امّا الأوّل: وهو وجوب التأسي به (صلى الله عليه وآله وسلم)في ما عُلمت صفته فقد استدل عليه بوجهين :   2

1 . في هامش نسخة «أ» ورد ما يلي:
[ وفي البرهان وذهبت الواقفة إلى الوقف ].
وقد وردت العبارة في البرهان كما يلي:
[ وذهب الواقفة إلى الوقف، فإنهم في ظواهر الأقوال سبّاقون إليه ] .
انظر : البرهان في أُصول الفقه لإمام الحرمين الجويني: 1 / 322 .

صفحه 331
<--- الأوّل: الإجماع وهو رجوع الصحابة إلى أفعاله وإتباعه فيها كتقبيل الحجر، والقبلة للصائم، ووجوب الغسل من إلتقاء الختانين، وغير ذلك من الوقائع الشهيرة مع عدم الإنكار من أحد منهم وذلك يدلّ على اتفاقهم على وجوب متابعته.
الثاني: القرآن وهو قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً)1 ولولا وجوب اتباعه والتأسي به في فعله لم يكن للآية معنى .
وأمّا الثاني: وهو ما إذا لم تُعلم صفة الفعل فإنّه على وجهين :
الأوّل: أن نعلم قصد القربة من فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يدل على القدر المشترك بين الوجوب والندب في حقه وحق أُمته لأن قصد التقرب قدر مشترك بين الوجوب والندب، والقدر المشترك ليس فيه إشعار بأحد جزئياته فيكون المعلوم هو القدر المشترك، وخصوصيتا الوجوب والندب مشكوك فيهما، غير أنّ خصوصية الندب معلومة بالعقل لأن الأصل براءة الذمة من قيد الوجوب .
الثاني: أن لا نعلم قصد التقرّب منه وذلك يحتمل الوجوب والندب والاباحة وهو قدر مشترك بين هذه الانواع وليس فيه إشعار بأحدها غير أنّ الإباحة هو الأصل والوجوب والندب زيادتان لم يثبتا، وأيضاً قوله تعالى:
(فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) يدلّ من حيث المفهوم على الإباحة فإن نفي الحرج يفهم منه ذلك، مع احتمال الوجوب والندب.

1 . الاحزاب: 37 .

صفحه 332
قال: الموجب: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ)1 .
أُجيب: بأنّ المعنى: «ما أمركم» لمقابلة. [ (وَ مَا نَهَاكُمْ)]2
قالوا: (فَاتَّبِعُوهُ)3 .
أُجيب: في الفعل على الوجه الّذي فعله أو في القول، أو فيهما.
قالوا: (لَقَدْ كَانَ )(4) إلى آخرها، أي: مَنْ كان يؤمن فله فيه أُسوة حسنة.
قلنا: معنى التأسي: إيقاع الفعل على الوجه الّذي فعله.
قالوا: خلع نعله فخلعوا، فأقرّهم على استدلالهم وبيَّن العلة.
قلنا: لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «صلّوا» أو لفهم القربة.
قالوا: لما أمرهم بالتمتع تمسَّكوا بفعله.
قلنا: لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خذوا» أو لفهم القربة.
قالوا: لما اختلف في الغُسلِ بغير إنزال سأل عمرُ عائشة فقالت: فعلته أنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فاغتسلنا.
قلنا: إنّما استفيد من «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»، أوْ لأنّه بيان: (وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً)(5) أو لأنّه شرط الصلاة أو لفهم الوجوب.

1 . الحشر: 7 .   
2 . ما بين المعقوفتين ورد في نسخ أُخرى .
3 . الأنعام: 153 .   4 . الأحزاب: 21 .   5 . المائدة: 6.

صفحه 333
قالوا: أُحوط، كصلاة، ومطلقة لم تتعيّنا. والحق أنّ الاحتياط فيما ثبت وجوبه، أو كان الأصل كالثلاثين، فأمّا ما احتمل بغير ذلك فلا.*
* أقول: هذه حجج القائلين بوجوب التأسي به (صلى الله عليه وآله وسلم) مطلقاً مع الجواب عنها:
الأوّل: قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) أمر بالأخذ لِما أَتى به، والأخذ هاهنا مجاز في الامتثال والفعل الذي فعله مأتيٌ به فوجب علينا اتباعه فيه .
والجواب: أن الإتيان هاهنا المعنيُّ به الأمر القولي لا الفعلي، والدليل عليه ذكر مقابله وهو قوله: (وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، فإنّ مقابل النهي ليس إلاّ الأمر القولي.1
ولقائل أن يقول: الإِتيان أعم من الفعل والقول فيجب اتباعه فيه مطلقاً للأمر، وقوله: (وَمَا نَهَاكُمْ) وإن كان مقابلاً للأمر القولي لكنّه لا استبعاد في الأمر بالإمتثال في الفعل والقول، والإمتثال في النهي بما نهى عنه .
الثاني: قوله: (فَاتَّبِعُوهُ) و «اتقوا» أمر باتباعه واتباعه امتثال قوله واتيان مثل فعله، والأمر للوجوب .
والجواب: إنّ اتباع شخص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) غير مراد، فلابدّ من إضمار وهو إمّا اتباع أقواله أو أفعاله، واضمارهما معاً غير جائز لأنّه كلما قلَّ الإضمار كان   2

1 . في هامش نسخة «أ» ورد ما يلي:
[ قال إمام الحرمين: الآية محتملة، وغاية المستمسك بها أن يسلم له ظهورها في غرضه، والظهور مع تطرق فنون الظنون لا يقنع في القطعيات ].
راجع بهذا الصدد: البرهان في أُصول الفقه لإمام الحرمين الجويني: 1 / 323 .

صفحه 334
<--- أولى فيضمر هاهنا القول لكونه متفقاً عليه. وان وجب اضمار الفعل لكن الاتباع إنّما يكون في فعل عُلمت صفته أمّا فيما لا تعلم صفته فلا، فالحاصل أنّ المضمر إمّا القول أو الفعل الّذي علمت صفته أو هما معاً لا الفعل الّذي لا تعلم صفته.
الثالث: قوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)1 أي: من كان يرجو الله واليوم الآخر فله فيه(صلى الله عليه وآله وسلم)اُسوةٌ; فمن لم يكن له فيه اسوة ـ أي: إتباع ـ لم يكن واجباً، بعكس النقيض; وذلك
يدلّ على وجوب الاتباع .
والجواب: إنّ معنى التأسي هو الإتيان بمثل فعل الغير على الوجه الّذي فعله، فلابدّ من العلم بوجه الفعل حتى يقع التأسي، وإذا كان مجهولاً امتنع التأسي به .
الرابع: إن الصحابة خلعوا نعالهم لمّا خلع، ففهموا وجوب المتابعة وأقرّهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك، وبيّن لهم العلة التي اختص بها حتى حصل الفرق في تلك الواقعة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ أخي جبرئيل أخبرني أنّها قذرة».
والجواب: أنّه لما سبق قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «صلوا كما رأيتموني أُصلي» فُهم وجوب المتابعة لذلك الأمر، أو لأنّهم فهموا القربة بقوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد )(2).
الخامس: انّه أمرهم بالتمتع ولم يتمتع، فقالوا له: «ما بالك تأمرنا بالتمتع ولا تتمتع» ففهموا من فعله وجوب متابعته .
والجواب: إنّهم إنّما فهموا ذلك من قوله: «خذوا عني مناسككم»2، أو   2

1 . الاحزاب: 21 .   2 . الاعراف: 31 .
2 . صحيح مسلم (كتاب الحج) برقم 310 ; سنن أبي داود: 1970 ; سنن الترمذي: 1 / 168، وغيرها.

صفحه 335
<--- انهم فهموا القربة من فعله فطلبوا الإتيان بمثله.
السادس : إن الصحابة اختلفوا في وجوب الغُسل من غير انزال، فسألَ عمرُ عائشة فقالت: «فعلته أنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاغتسلنا»، فتابعوا فعله وعملوا عليه.
والجواب: إنّما تابعوا في ذلك لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» ; أو لأنّه بيان لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا)1، والبيان يجب متابعته فيه على ما سلف ; أو لأنّه شرط للصلاة فإنّه نوع من الطهارة، ففهموا اتباعه بقوله: «صلّوا»; أو لأنّهم فهموا الوجوب من فعله فتابعوه.
السابع: دليل الاحتياط، وذلك لأنّ الفعل يحتمل الوجوب والندب والاباحة; فعلى تقدير الاتيان به تتخلص النفس من العقاب، إن كان واجباً يتعين ; وعلى تقدير عدم الاتيان به يحتمل أن يكون واجباً فيكون الإخلال به موجباً للعقاب، وذلك مثل صلاة شخص فائتة نسي تعيينها، فإنّه يجب عليه الإتيان بالصلوات الخمس حتى تبرأ ذمته بيقين ; وكما إذا طلق الإنسان زوجة من زوجاته ثمّ نسيها فإنهن يحرمن عليه تغليباً للاحتياط.
والجواب: أنّ الاحتياط إنّما يكون في شيء ثبت وجوبه كالصلاة المنسية [ وترك الحرام في المطلقة] (2) أو كان الأصل فيه الوجوب كصوم الثلاثين من رمضان إذا غمّ الهلال، فإنّه يجب صومه لأنّ الأصل وجوب صوم ثلاثين ; أمّا ما يحتمل ان يكون واجباً، فغير واجب فلا [يجوز فيه الاحتياط لاحتمال التحريم مع عدم اعتضاده بالأصل الّذي هو أحد الأمرين المذكورين، و]2 هاهنا كذلك،   2

1 . المائدة: 6 .   2 . في نسخة «ب» فقط.
2 . في نسخة «ب» فقط.

صفحه 336
قال: الندبُ: الوجوبُ يستلزمُ التبليغَ، والإباحة منتفية بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ) وهو ضعيفٌ. الإباحة: هو المتحقق لوجوب الوقوف عنده.
وأُجيب: إذا لم يظهر قصد القربة.*
<--- فإنّ الفعل لم يثبت وجوبه ولا الأصل وجوبه .
وبعض الناس قال أنّ الاحتياط إنّما يقال به إذا خلا الفعل عن احتمال الضرر قطعا وفيما نحن فيه يحتمل ان يكون الفعل حراماً قطعاً.
وهذا غير صحيح لأنّه لو غم الهلال ليلة الثلاثين احتمل أن يكون الصوم حراماً وأن يكون واجباً ومع ذلك فالاحتياط القول بوجوبه وإن احتمل أن يكون حراماً، وإلى بطلان هذا المذهب أشار المصنف بقوله: والحق أنّ الاحتياط إنّما يكون فيما ثبت وجوبه أو كان الأصل .

[ آراء أُخرى في التأسّي ]

* أقول: لمّا أبطل أدلة من قال بالوجوب في التأسي فيما لم يعلم صفة الفعل مطلقاً، شرع في ابطال حجة الآخرين :
دلالة سكوته (صلى الله عليه وآله وسلم)عن فعل الغير   
أمّا القائل بالندب فاستدَّل بأنّ الفعل راجح على الترك بقوله:(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)1 والوجوب منتف لأنّه يستلزم التبليغ وإلاّ وقع التكليف بالمجهول، والجواب عن الآية ما مر.   2

1 . الأحزاب: 21.

صفحه 337
قال: مسألة: إذا علم بفعل ولم ينكره قادراً، فإن كان كمُضيّ كافر إلى كنيسة فلا أَثَرَ للسكوتِ اتفاقاً، وإلاّ دلّ على الجواز، وإن سبق تحريمهُ، فنسخ، وإلاّ لزم ارتكاب محرم، وهو باطلٌ، فإن استبشر به فأوضح، وتمسك الشافعي في القيافة بالاستبشار، وترك الإنكار لقول المُدلجيِّ وقد بدت له أقدام زيد وأسامة: إنّ هذه الاقدام بعضها من بعض.*
<--- وقوله: الوجوب يستلزم التبليغ، قلنا: نعني التبيلغ القولي أو المطلق الشامل للفعل وللقول عملاً بالعموم، وأيضاً فكما أنّ الوجوب يستلزم التبليغ فكذلك الندب لأنّه تكليف .
وأمّا القائل بالإباحة فقال إنّه معلوم قطعاً والأصل عدم الزيادة فوجب القول به.
والجواب: إذا ظهر قصد القربة دلّ على الترجيح المنافي للإباحة.

[ دلالة سكوته (صلى الله عليه وآله وسلم)عن فعل الغير]

* أقول: إذا فعل أحد في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلاً وعلم به الرسول ولم ينكره مع القدرة على الإنكار فلا يخلو:
إمّا أنّ يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّن قبحه قبل ذلك، أوْ لا; فإن كان الأوّل فلا يخلو إمّا أن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على الفعل وعلم تكرار تقبيح   2

صفحه 338
قال: وأورد: إن ترك الانكار لموافقة الحق، والاستبشار بما يلزم الخصم على أصله لأنّ المنافقين تعرضوا لذلك.
وأجيب: بأنّ موافقة الحق لا تمنع إذا كان الطريق منكراً، وإلزام الخصم حصل بالقيافة فلا يصلحُ مانعاً.*
<--- النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك الفعل، أوْ لا; فإن كان الأوّل، لم يدل السكوت على الجواز اتفاقاً وذلك كما في حق ترك الإنكار على اليهود في المضيّ إلى الكنيسة لما علموا من تكرار التقبيح عليهم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن كان الثاني، دل على الجواز ويكون ذلك نسخاً لما سبق من التحريم .
وأمّا إذا لم يبيّن قبحه قبل ذلك فإنّه يدل على الجواز أيضاً وإلاّ لزم ارتكاب محرّم، فإن ترك الارتكاب مع القدرة معصية لا يجوز عندنا على الأنبياء.
وعند المصنّف وغيره من الجمهور وإن كان يجوز لكنه مستبعد، فإن الغالب على الظن عدم صدور المعصية منه وبالخصوص إذا وقع الاستبشار بذلك الفعل فإنّه أوضح في باب الاستدلال على جواز الفعل; كما تمسك الشافعي بما نقله عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)من ترك الانكار والاستبشار 1 في باب القيافة لما قال مُجزَّز المدلجيّ 2 ـ وقد ظهرت أقدام زيد وأُسامة من تحت الملحفة ـ : إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض.
صلة أفعال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بافعاله وبأقواله   
* أقول: هذا إيراد أورده القاضي أبو بكر على الشافعي، وتقريره أن   2

1 . وقد ورد في هامش نسخة «ب» :
[ ولولا أن القيافة حق يجوز اثبات الانساب بها لأنكرها ولما استبشر بها ].
2 . في أسد الغابة: مجزِّز المُدْلجي القائف، وإنّما قيل له: مجزّز، لأنّه كان كلّما أسر أسيراً جزّ ناصيته. لاحظ أُسد الغابة: 4 / 48، برقم 4680 .

صفحه 339
قال: مسألة: الفعلان لا يتعارضان كـ «صوم» و «أكل» لجواز الأمر في وقت، والاباحة في وقت آخر. إلاّ أن يدل دليل على وجوب تكرير الأوّل له، أو لأُمتّه، فيكون الثاني ناسخاً. فإن كان معه قول، ولا دليل على تكرر ولا تأس به، والقول خاصٌ به وتأخر فلا تعارض. فإن تقدم فالفعل ناسخ قبل التمكن عندنا، فإن كان خاصّاً بنا فلا تعارض، تقدم أو تأخّر.*
<--- نقول: ترك الإنكار إنّما كان لأنّ فعل المدلجيّ كان موافقاً للحق، وكان المنافقون يغمزون في نسب زيد وأُسامة طلباً لأذى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان الشرع حاكماً بالتحاق أُسامة بزيد وكان قول المدلجيّ موافقاً لقول الشارع، فكان ترك الانكار لذلك من حيث إنّه الزام المنافقين على أصلهم الّذي هو القيافة ومكذّب لهم لأنّ المنافقين تعرضّوا للغمز وكان أصلهم الذي هو القيافة مكذباً لهم، فاستبشر لذلك ; ولا يدل ذلك على صحة الطريق; ألا ترى أنّ الفاسق لو شهد بالحق ولم ينكر عليه [لم يدل]1 على قبول قول الفاسق .
وأجاب المصنف عن هذا بأنّ موافقة الحق لم تمنع من الانكار إذا كان الطريق منكراً وإلاّ لكان ترك الإنكار موهماً حقيّة الطريق، وإلزام الخصم الّذي حصل بالقيافة لا يصلح أن يكون مانعاً من الانكار.

[ صلة أفعال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بافعاله وبأقواله ]

* أقول: أفعال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تتعارض لأنّها إمّا متماثلة فلا تعارض كصلاة الظهر في وقتين ، أو مختلفة: أمّا غير متضادة كصوم وصلاة فلا تعارض   2

1 . في نسخة «ب»: [... لكان ذلك دليلاً... ] .

صفحه 340
<--- أيضاً أومتضادة كصوم يوم وأكل في آخر، ولا تعارض هاهنا أيضاً لجواز أحد الأمرين أعني الواجب أوالندب في وقت والجواز في وقت آخر إذ الافعال لا عموم لها فلا يكون أحد الفعلين رافعاً للآخر ; اللهم إلاّ أن يدل دليل خارجي غير
الفعل على وجوب تكرير الأوّل له أو لأُمّتِهِ فيكون الفعل الثاني ناسخاً للحكم
الأوّل.
فهذا حكم الأفعال المتضادة. وأمّا إذا كان المعارض للفعل قولاً فلا يخلو:
[ 1]: إمّا أن لا يكون هناك دليل يدل على تكرار الفعل ولا على تأسي الأُمّة به .
[ 2 ]: أو يكون هناك دليل يدل عليهما.
[ 3 ]: أو يكون هناك دليل يدلّ على تكرار الفعل دون التأسي .
[ 4 ]: أو يكون هناك دليل دالّ على التأسي دون التكرار.
فإن كان الأوّل1 فلا يخلو إمّا أن يكون القول خاصّاً به أو بنا أو عام له ولنا :
[ الف ]: فإن كان خاصّاً به فلا يخلو إمّا أن يكون القول متأخراً أو متقدماً   2

1 . أي: حينما لا يكون دليل على التكرار والتأسي، وهذا مخططه:
القسم الأوّل
عدم وجوب التكرار والتأسي

الف. القول خاص به :   ب. خاص بنا:   ج. القول عام لنا وله:
* القول متأخر ك لا تعارض   * لا تعارض    * الفعل متقدمك لا تعارض
* القول متقدم ك الفعل ناسخ   * القول متقدمك لا تعارض
* يُجهل الأمران ك؟ [ لم يذكر الشارح الفرع الثالث من «ألف»].

صفحه 341
قال: فإن كان عامّاً لنا وله فتقدم الفعل والقول له وللأُمّة كما تقدّم، إلاّ أن يكون العامُ ظاهراً فيه، فالفعل يخصص على ما سيأتي.*
<--- أو يُجهل الأمران :
[ * ] فإن كان القول متأخراً فلا تعارض أيضاً لأنّه يجوز ان يفعل الفعل في وقت ثمّ يقول بعد وقت آخر ـ إمّا مع التراخي أو بدونه ـ لا يجوز لي مثل هذا الفعل، ولا يكون هذا القول رافعاً لحكم الفعل الماضي قطعاً ولا للمستقبل لعدم عمومية الفعل .
[ * ] وإمّا أن يكون القول متقدماً مثل أن يقول يجب عليّ في الوقت الفلاني الفعل الفلاني ثمّ تلبّس بضد ذلك الفعل في ذلك الوقت، فهذا الفعل يكون ناسخاً لذلك القول. وهذا الفرض غير جائز عند المعتزلة ـ الاّ عند من يجوّز عليه المعاصي ـ فإنّهم لا يجوزون نسخ الفعل قبل التمكن من الامتثال، وعند الاشاعرة يجوز ذلك. وهذا البحث سيأتي .
[ ب ] وإمّا إذا كان القول خاصّاً بنا فلا تعارض سواء تقدّم الفعل أو تأخر لعدم اجتماع الفعل والقول في محل واحد.
* أقول: [ ج ] هذا هو الفرض الثالث 1 وهو أن يكون القول عامّاً لنا وله، مثل أن يقول: يجب عليّ وعلى أُمتي كذا، فلا يخلو إمّا أن يكون المتقدم هوالقول أو الفعل:
[ * ] فإن كان هو الفعل فلا تعارض، أمّا بالنسبة إليه فلعدم عمومية الفعل وأمّا بالنسبة إلينا فلأنّ الفرض أنّ الفعل لم يدل دليل على تأسي الأُمّة به فيه .   2

1 . الفرض الثالث من القسم الأوّل.

صفحه 342
قال: فإن دلّ دليلٌ على تكرير وتأس، والقول خاصّ به، فلا معارضة في الأُمّة، وفي حقّه المتأخّرُ ناسخ، وإن جُهِل فثالثها المختارُ الوقف «للتحكم».*
<--- [ * ] وأمّا إن كان القول هوالمتقدم فلا تعارض أيضاً أمّا بالنسبة إليه فكما تقدم وكذلك بالنسبة إلينا ; فحينئذ حكم هذا القسم وهو ما إذا كان القول عامّاً لنا وله، حكم ما تقدم إلاّ في شيء واحد وهو أنّ القول إذا كان ظاهر العموم له (صلى الله عليه وآله وسلم)(مثل أن يقول: «يجب علينا» لا صريحاً مثل أن يقول: «يجب عليّ وعلى أُمتي» كما مرّ، وهو متقدم، فإن الفعل تخصيص لذلك العموم وقد كان في الأوّل نسخاً.
* أقول: هذا هو القسم الثاني 1: وهو أن يكون هناك دليل يدل على تكرار الفعل وعلى تأسي الأُمّة به، فأما أن يكون القول خاصاً به أو بنا أو عاماً له ولنا :
[ الف ] فإن كان الأوّل فلا معارضة في حق الأُمّة لجواز اختصاصه بما   2

1 . القسم الثاني من الأقسام الأربعة الّتي مر ذكرها، وهذا مخططه:
وجود الدليل على التكرار والتأسي


ألف. يكون خاصاً به:   ب. إذا كان خاصاً بنا:   ج. عام له ولنا:
ـ [ لا معارضة في حق الأُمّة].   ـ [ لا تعارض بالنسبة له (صلى الله عليه وآله وسلم)]   ـ التاريخ معلوم ك المتأخر ناسخ
ـ وفي حقه (صلى الله عليه وآله وسلم) :                ـ وبالنسبة للأُمّة:   ـ التاريخ غير معلوم ك يقع الخلاف كما مضى.
* إذا كان القول متقدماً ك الفعل ناسخ في حقه      * إذا كان القول متأخراً ك القول ناسخ
* إذا كان الفعل متقدماً ك القول ناسخ في حقه      * إذا كان القول متقدماً ك الفعل ناسخ
* لا يعلم الحال ك لا معارضة لأُمّته،             * يُجهل التاريخ ك يؤخذ بالقول (وهو اختيار المصنف)
وأما له ففيه ثلاثة أقوال:

صفحه 343
<--- دلّ عليه القول دون الفعل، وأمّا في حقّه فلا يخلو إمّا أن يكون القول متقدماً أو الفعل، أو لا يُعلم :
[ * ] فإن كان الأوّل، بفعله يكون ناسخاً للقول في حقّه إن كان بعد التمكّن من الامتثال عندنا أو مطلقاً عند الاشاعرة .
[ * ] وإن كان الثاني، فالقول يكون ناسخاً للفعل في حقه دون أُمتهِ لاختصاص القول به .
[ * ] وإن كان الثالث، فلا معارضة بين الفعل والقول بالنسبة إلى أُمته لعدم تناول القول لهم، وأمّا بالنسبة إليه ففيه ثلاثة مذاهب :
الأوّل: إنّه يجب العمل بالقول .
الثاني: إنّه يجب العمل بالفعل .
الثالث: الوقف حتى يقوم دليل التاريخ، وهو الّذي اختاره المصنف لأنّه يُحتمل أن يكون القول متقدماً وأن يكون متأخّراً ولا ترجيح، فالقول بالعمل بالقول أو بالفعل يكون تحكّماً محضاً من غير دليل وهو باطل.
والمصنف أشار إلى المذهبين بقوله: فثالثها.
احتج القائلون بالأول بأن القول أبين في الدلالة من الفعل، ولأنّ العمل بالقول يفضي إلى نسخ الفعل في حقّه (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أُمته، والعمل بالفعل يفضي إلى ابطال القول بالكلية.
وهذان الوجهان عندي ضعيفان :   2

صفحه 344
قال: وان كان خاصّاً بنا فلا معارضة فيه، وفي الأُمّة المتأخر ناسخٌ، فإن جُهِلَ فثالثها المختار يُعملُ بالقول لأنّه أقوى لوضعه لذلك، ولخصوص الفعل بالمحسوس; وللخلاف فيه، ولإبطال القول به جملةً والجمع ولو بوجه أولى.
قالوا: الفعل أقوى لأنّه بُيّن به القول مثل: «صلّوا» و «خذوا عنّي» وكخطوط الهندسة وغيرها.
قلنا: القول أكثر، ولو سُلِّمَ التساوي رجح بما ذكرناه، والوقف ضعيف للتعبّد بخلاف القول الأوّل. *
<--- أمّا الأوّل فلأنّ الفعل قد يكون أبين، وأيضاً فكون القول أبيّن لا يقتضي تأخره زماناً ولا أولوية تأخره فلا يقتضي أولوية العمل بالقول .
وأمّا الثاني فلأنّ الفعل والقول أيّهما تأخر كان ناسخاً للآخر في حقه وحكم أُمته مستفاد من الفعل سواء تقدّم أو تأخر فلا أولوية أيضاً .
واحتج القائلون بالثاني بأنّ الفعل أدّلُ فيكون أولى، وقد مر ضعفه.
* أقول: [ ب ] هذا هو الفرض الثاني 1 وهو أن يكون القول خاصّاً بنا ولا تعارض بالنسبة إليه، وأمّا بالنسبة إلى الأُمّة فلا يخلو إمّا أن يكون القول متأخراً أو متقدماً أو يُجهل التاريخ:
[ * ] وعلى التقديرين الأولين يكون المتأخر منهما ناسخاً للمتقدم وهو ظاهر .   2

1 . الفرض الثاني من القسم الثاني.

صفحه 345
<---[ * ] وعلى التقدير الثالث الخلاف هنا كالخلاف في الفرض الأوّل، واختار المصنف هنا العمل بالقول لوجوه :
الأوّل: أن القول أقوى لأنّ فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوضع أمراً لنا: وقوله وضع امراً لنا.
الثاني: أن القول شامل للأُمور المحسوسة كالصلاة والصوم، وللمعقولة كالمعارف والاعتقادات، والفعل يختص بالأُمور المحسوسة فيكون الأوّل أكثر فائدة فيكون أولى .
الثالث: إنّ الناس اختلفوا في الأمر الفعلي ولم يختلفوا في الأمر القولي والمُجمع عليه أولى من المختلف فيه .
الرابع: أنّ العمل بالفعل يقتضي إبطال القول بالكلية أمّا في حقه فلعدم شموله له، وأمّا في حقنا فظاهر والعمل بالقول يقتضي ابطال الفعل في حقنا دونه، والعمل بما 1 يحصل معه الجمع بين الدليلين ـ ولو بوجه ما ـ أولى من العمل بما يُلغي أحدهما بالكلية .
احتجّ القائلون بأولوية الفعل بأنّ الفعل أقوى من القول، فإنّ القول قد يتبين به الفعل كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي» فإنّه بيَّنه بفعل الصلاة ; وكذلك: «خذوا عني مناسككم» بيّن بأفعاله له (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحجّ، وكذلك خطوط الهندسة فإن بالعمل تظهر الدعوى .
والجواب: إن القول أكثر من الفعل والأكثرية دليل الأرجحية، ولو سُلم التساوي كان القول 2 أرجح بما ذكرناه أوّلاً، والقول بالوقف في هذا   2

1 . وفي نسخة «أ» بدل «بما» وردت لفظة «لا».
2 . في نسخة «أ» بدل «القول» وردت كلمة «الفعل».

صفحه 346
قال: فإن كان عامّاً فالمتأخّر ناسخ فإن جُهِلَ فالثلاثة. *
قال: فإن دلّ دليل على تكرير في حقّه لا تأس، والقول به خاصٌّ أو عامٌّ فلا معارضة في الأُمة، والمتأخر ناسخ في حقه، فإن جُهل فالثلاثة، فإن كان خاصّاً بالأُمّة فلا معارضة.**
<--- الفرض ضعيف لوقوع التعبّد بالقول هنا بخلاف الأوّل [ وهو ما إذا كان القول خاصّاً به ]فإنّ الوقف فيه هو أولى .
* أقول: [ ج ] هذا هوالفرض الثالث 1 وهو أن يكون القول عامّاً لنا وله فلا يخلو إما أن يكون التاريخ معلوماً أو لا يكون :
[ * ] وعلى التقدير الأوّل يكون المتأخر ناسخاً .
[ * ] وعلى التقدير الثاني يقع الخلاف كما مضى.
** أقول: هذا هو القسم الثالث 2 وهو أن يكون هناك دليل يدل على تكرر الفعل في حقه وليس هناك ما يدل على تأسّي الأُمّة به، فإنّه على ثلاثة أقسام :   2

1 . الفرض الثالث من القسم الثاني.
2 . القسم الثالث من الأقسام الأربعة وهذا مخططه:
ثبوت التكرار في حقّه دون ثبوت التأسّي لنا

الف. أن يكون القول خاصاً به (صلى الله عليه وآله وسلم) :   ب. أن يكون عاماً لنا وله (صلى الله عليه وآله وسلم):   ج. أن يكون خاصّاً بالأُمّة:
- لا معارضة في حق الأُمّة لعدم تعبدهم بالفعل. ـ لا معارضة في حق الأُمّة لعدم تعبدهم بالفعل. - بالنسبة إليه لا معارضة
ـ وامّا بالنسبة له (صلى الله عليه وآله وسلم):                ـ امّا بالنسبة له:   ـ بالنسبة إلينا لا معارضة
* إن علم التاريخ كان المتأخر ناسخاً.      * إن علم التاريخ كان المتأخر ناسخاً.
* إن جهل التاريخ فالخلاف كما مضى.      * إن جهل التاريخ فالخلاف كما مضى.

صفحه 347
قال: فإن دلّ دليل على تأسّي الأُمّة به دون تكرّره في حقّه، والقول خاصٌ به، وتأخّر، فلا معارضة. فإن تقدّم فالفعل ناسخ في حقّه، فإن جُهِلَ فالثلاثة، فإن كان خاصّاً بالأُمّة فلا معارضة في حقه، والمتأخر ناسخ في الأُمة، فإن جُهل فالثلاثة، فإن كان القول عامّاً فكما تقدم.*
<--- أحدها: أن يكون القول خاصّاً به.
الثاني: أن يكون القول عامّاً لنا وله.
وفي هذين القسمين لا معارضة في حقّ الأُمة لعدم تعبدّهم بالفعل، وأمّا بالنسبة إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)فإن عُلم التاريخ كان المتأخر ناسخاً وإن جُهل فالخلاف كما مضى.
الثالث: أن يكون القول خاصّاً بالأُمة فلا معارضة، أمّا بالنسبة إليه فلعدم تناول القول له، وأمّا بالنسبة إلينا فلعدم تعبدّنا بالفعل.
* أقول: هذا هو القسم الرابع 1 وهو أن يكون هناك دليل يدلّ على تأسي الأُمّة به لا على تكرر الفعل، فاقسامه ثلاثة أيضاً :   2

1 . القسم الرابع من الأقسام الأربعة، وهذا مخططه:
الدليل على تأسي الأُمّة فقط

الف. أن يكون القول خاصّاً به:   ب. أن يكون القول خاصاً بالأُمّة:   ج. إن يكون القول عامّاً لنا وله:
ـ فإن كان القول متأخراً فلا معارضة:   - لا معارضة في حقه.   ـ حكمه أيضاً كما مضى.
* أما في حقنا فلاختصاصه بالقول.         ـ وفي حق الأُمّة، المتأخر ناسخ.
* وأما في حقه فلعدم تكرار الفعل.            ـ ومع الجهل، الخلاف كما مضى.
ـ وإن كان متقدماً:
* فالفعل ناسخ في حقه فقط .
* وان جهل التاريخ فالخلاف كما مضى.

صفحه 348
   
قال: الإجماع: العزمُ والاتفاق، وفي الاصطلاح: اتفاق المجتهدين من هذه الأُمّة في عصر على أمر. ومَنْ يرى انقراض العصر يزيد: «إلى انقراض العصر».
ومن يرى أنّ الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من ميّت أو حيّ وجوّز وقوعه، يزيد: «لم يسبقهُ خلاف مستقر».
الغزّالي: «اتفاق أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)على أمر من الأُمور الدينية» ويرد عليه أنّه لا يوجَدُ ولا يطرّد بتقدير عدم المجتهدين، ولا ينعكس بتقدير اتفاقهم على عقلّي أو عرفيّ.*
<--- أحدها: أن يكون القول خاصّاً به; فان كان متأخراً فلا معارضة :
أمّا في حقنا فلإختصاصه بالقول، وأمّا في حقه فلعدم تكرار الفعل .
وإن كان متقدماً فالفعل ناسخ في حقه لا في حقنا .
وإن جُهل التاريخ فالخلاف كما مضى.
الثاني: أن يكون القول خاصّاً بالأُمّة فلا معارضة في حقه، وفي حق الأُمّة المتأخرُ ناسخٌ، ومع الجهل الخلاف كما مر .
[ الثالث: ] وإن كان القول عامّاً لنا وله فحكمه أيضاً كما مضى.

[ مباحث الاجماع ]

* أقول: هذا هو الأصل الثالث من أُصول الأدلة وهو الإجماع1 وهو   2

1 . انظر : المنخول: 399 ; المحصول: 2 / 3 ـ 98 ; العدة في أُصول الفقه: 1 / 601 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول: 3 / 125 ـ 282 .

صفحه 349
<--- في اللغة يقال بالاشتراك على معنيين للاعزام ومنه قوله تعالى (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ)1، والاتفاق ومنه: «أجمعوا على كذا»، أي: اتفقوا عليه، وفي الاصطلاح عبارة عن «اتفاق المجتهدين من هذه الأُمّة في عصر على أمر من الأُمور» فالاتفاق كالجنس، والفصل بقولنا: «المجتهدين» على اتفاق العامة فانّه لا اعتداد به; وبقولنا: «من هذه الأُمّة» عن اتفاق للأُممّ السالفة، فإنّه ليس بحجّة علينا ; وقولنا: «في عصر» المعني به عصر ما، حتّى يكون إجماع أهل كلّ عصر حجّة، فإنّه لا يشترط في الإجماع اتفاق المجتهدين في جميع الأعصار ; وقولنا: «على أمر» يعم النفي والإثبات معا .
ومن يشترط في الاجماع انقراض أهل العصر زاد في الحدّ: «إلى انقراض العصر» يعني يستمر الاتفاق إلى وقت الانقراض .
ومَنْ يشترط في الإجماع عدم سبق الخلاف المستقر، زاد في الحد: «مع عدم استقرار الخلاف».
وقد حدّ الغزّالي الإجماعَ بأنّه عبارة عن: «اتفاق أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على أمر من الأُمور الدينية»، وهو باطل من ثلاثة أوجه :
الأوّل: أنّ الإجماع على هذا التقدير لا يتحقق، فإنّه لا يمكن المعرفة باتفاق للأُمّة بأسرهم من زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة.
الثاني: أن هذا الحد لا يطّرد فإنّه إذا فرض والعياذ بالله ـ عدم المجتهدين، يكون الاجماع ثابتاً وليس كذلك; فإنّ قول العوام لا اعتداد به.   2

1 . يونس: 71 .

صفحه 350
قال: وخالف النظّام وبعض الروافض في ثبوته.
قالوا: انتشارهم يمنع نقل الحكم إليهم عادة.
وأُجيب: بالمنع لجدهم وبحثهم.
قالوا: ان كان غير قاطع، فالعادة تُحيل عَدَمَ نقلِهِ، والظني يمتنع الاتفاق فيه عادة لاختلاف القرائح.
وأُجيب بالمنع فيهما فقد يستغني عن نقل القاطع وقد يكون الظني جلياً.
قالوا: يستحيل ثبوته عنهم عادة، لخفاء بعضهم أو انقطاعه، أو أسرِه، أو خموله، أو كذبه، أو رجوعه قبل قول الآخر، ولو سُلّم فنقلُه مستحيلٌ عادةً، لأن الآحاد لا تفيد، والتواتر بعيدٌ.
وأُجيب عنهما بالوقوع، فإنا قاطعون بتواتر النقل بتقديم النص القاطع على المظنون.*
<--- الثالث: أنّه لا ينعكس فإنّه لو اتفق المجتهدون على أمر عقلي أو عرفي لكان إجماعاً، وإن لم يكن على أمرمن الأُمور الدينية.
* أقول: نُقل عن النظّام وبعض الإمامية أنّ الإجماع لا يتحقق، واستدلوا بوجوه:
الأوّل: أنّ الأُمة منتشرون في البلاد المتباعدة وذلك ممّا تقضي العادة   2

صفحه 351
<--- فيه بامتناع نقل الحكم اليهم فلا يحصل الاتفاق .
والجواب: المنع من العادة بل العادة توجب نقل الحكم إليهم، فإن من جدّ وبحث لابدّ وأن يصل إلى معرفة الحكم.
الثاني: إمّا أن يكون اجماعُهم عن دليل أو لا عن دليل، والقسمان باطلان فالإجماع باطل .
أمّا الأوّل: فلأنّ ذلك الدليل إمّا أن يكون مقطوعاً به أو مظنوناً; فالأوّل باطل لأنّ العادة قاضية بنقل الأدلة القاطعة، ولكن دليل الحكم الّذي أجمعوا عليه غير منقول فلا يكون قاطعاً، والثاني: باطل لامتناع اتفاق الجمع الكثير على الأمارة الموجبة للظن كما يمتنع اتفاقهم على أكل طعام معين في وقت معين وكيف لا يكون كذلك وبعض المجتهدين لا يجوّز ثبوت الحكم عن الأمارة، فالقرائح عليه غير متوافقة كعدم توافقها على الأكل المعيّن .
وأمّا الثاني 1: فلأنّه يستلزم الخطأ فلا يكون الاجماع حقّاً.
والجواب: المنع من ابطال قسمي القسم الأوّل :
أمّا المتواتر فلأنّه قد يستغنى عن نقله وهو هاهنا كذلك فإن بحصول الاجماع حصل الاستغناء عنه فلم يجب نقله .
وأمّا الظني فانّه قد يكون جليّاً وحينئذ يكون حاصلاً عند كل مجتهد فيحكم بما سبق إليه ذلك الدليل، ويحصل الاتفاق .
الثالث: أن معرفة الإجماع متوقفة على معرفة أقوال المجتهدين   2

1 . الثاني من الوجوه لعدم تحقق الإجماع.

صفحه 352
<--- ومعرفة أقوالهم متوقفة على معرفة كلّ واحد واحد منهم وذلك ممّا تقضي العادة بامتناعه، فإنّه قد يكون هاهنا مجتهد [ لا يُعلم حاله]1 ولو سلم معرفة كلّ واحد منهم، لكنّه يحتمل أن يفتي بعضهم بذلك الحكم ظاهراً وإن كان في اعتقاده يفتي بخلافه، والكذب على واحد واكثر جائز. ولو سُلّم أنّه أفتى عمّا يعتقده لكنه من المحتمل أن يفتي أحدهم بحكم وقبل أن يفتي الآخر بذلك يرجع الأوّل عن ما أفتى به فلا يحصل الاتفاق .
ولو سلم، فنقله يستحيل عادةً لأنّ نقل الإجماع إمّا أن يحصل بالتواتر وهو باطل لبعده فإنّه يلزم أن يتواتر جماعة لا يجوز عليهم الكذب على أن كلّ واحد قد أفتى بذلك الحكم، وإمّا أن يحصل بالآحاد وهو غير مفيد.
والجواب: أن وقوع الإجماع دافع لهذه الشبهة وهو حاصل، فإنّا نقطع بتواتر النقل بتقديم النص القاطع على المظنون عند كلّ مجتهد.
وإذا كان كذلك فقد اندفعت الاستحالتان أعني استحالة الثبوت عنهم واستحالة الفعل عادة، وإليه أشار المصنّف بقوله: وأُجيب عنهما أي عن الاستحالتين.

1 . وردت العبارة في نسخة «ب» كما يلي:
[ لا يُعلم وجودُه البتة، أو يعلم وجوده أوّلاً لكن أنقطع عن الناس بحيث لا يعلم حاله أو أَمره بحيث لا يمكن استعلام حاله أو يكون خامل الذكر يعني أنّه لا يُعرف كونه مجتهداً مع أنّه كذلك ].

صفحه 353
قال: وهو حجة عند الجميع، ولا يُعتَدُّ بالنظّام وَبَعض الخوارج والشيعة.1
وقول أَحمد: من ادّعى الإجماع فهو كاذبٌ، استبعادٌ لوجودهِ.
الأدلةُ: منها:

1 . ينبغي أن يكون البحث العلمي نزيهاً حيادياً بعيداً كل البعد عن لغة الاستفزاز والتجريح والتهكم ولكن نجد ـ وللأسف ـ أن كتاب «رفع الحاجب» لم يلتزم بهذا المبدأ الاخلاقي في عمله فتهكم وهزأ برأي الشيعة في الاجماع [ ج 2، ص 144 ]، ولدفع الشبهة الّتي عساها كانت مثاراً لهذا السلوك، نوضح رأيهم في المقام فنقول:
إن الحجة لدى الشيعة إنّما تختص بالوحي المتمثل بالكتاب والسنة; وأمّا العقل، فلأجل كونه كاشفاً عن حكم الشرع في مجالات خاصّة محرّرة في موضوعها واما الاجماع، فمع قطع النظر عن الوحي ; ليس بحجة لعدم حجية قول غير المعصوم كائناً من كان.
هذا هو الأصل الّذي اعتمدته الإمامية في أُصولها وفروعها المذهبية.
نعم إذا توفرفي الاجماع احد ملاكين، يحتج به حينذاك دونما كلام وهما:
* . ان يكون الاجماع كاشفاً عن موافقة الإمام المعصوم للمجمعين كما إذا اتفق فقهاء المدينة ـ على سبيل المثال ـ في عصر أئمة أهل البيت(عليهم السلام) على حكم شرعي يستكشف من خلاله دخول المعصوم فيهم; وهذا يقتصر على عصر الظهور الّذي انتهى بغيبة الإمام المنتظر (عج) ـ بامر من الله سبحانه ـ عام 260 هـ .
** . أن يكون الاجماع كاشفاً عن وجود دليل شرعي معتمد لدى المجمعين وصلهم ولم يصلنا، فهذا يكشف عن وجود نص روائيّ كان متوفراً آنذاك لديهم.
وما لم يتوفر فيه احد هذين الملاكين، لا حجّية للاجماع بتاتاً لأن المجمعين ليسوا أنبياء ولا أوصياء وشريعتنا الغراء قد ختمت برحيل نبينا الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) .
أجل، هذا هو الأصل الّذي اعتمدوه وساروا عليه، ومن الواضح ان تصديق ذلك وتبنيه يتطلب دراسة اوليات وأُصول حُققت في مصادرهم ; ولعل النائي عنها يستصعب استيعابها ولكن لا يحق له بحال ان يتهكّم بها ويسخر منها، والله من وراء القصد.

صفحه 354
أجمعوا على القطع بتخطئة المخالفِ، والعادةُ تحيل إجماع هذا العدد الكثير من العُلَمَاءِ المحقِّقين على قطع في شرعيّ من غَيْرِ قاطع فَوَجَبَ تَقديرُ نَصٍّ فيه.
وإجتماع الفلاسفة، وإجتماع اليهودِ، واجتماع النصارى غيرُ
وارد.
لا يُقال: أثبتم الإجماع بالإجماع أو أثبتم الإجماع بنص يتوقف عليه; لأنّ المُثْبَتَ كونُهُ حُجَّةً، ثبوتُ نصٍّ عن وجود صورة مِنْهُ بطريق عاديٍّ لا يتوقّفُ وجودُها ولا دلالتها على ثبوتِ كونِهِ حُجَّةً، فلا دور. *

[ أدلة الإجماع ]

* أقول: اتفق الاكثرون على أن الإجماع حجة، ونقل عن النظّام خلاف ذلك ورأيت بعض المحققين يذكر أنّ النظّام إنّما منع من تحقق الإجماع، إمّا على تقدير تحققه فإنّه يكون حجّة عنده. ونقل عن بعض الخوارج المنع من كونه حجّة .
وأمّا الشيعة فقد نقل المصنف عنهم إنكار كونه حجّة وليس هذا النقل بصحيح .
ونقل عن أحمد انكار الإجماع لمجرد الاستبعاد الذي ذكرناه أولاً، والاستبعاد ليس بحجّة .
ثمّ إنّ المصنف بعد ذكر الخلاف استدل على كونه حجّة بأوجه:   2

صفحه 355
<--- الأوّل: أنّ المجتهدين اجمعوا على تخطئة مخالف الاجماع فيكون مخطئاً .
أمّا المقدمة الأولى فظاهرة، وأمّا الثانية فلأنّ العادة تحيل إجماع هذا العدد الكبير على حكم من غير قطع فإنّ الاتفاق من غير دليل أو على أمارة، مستبعد جداً 1 فإذن لابدّ من نصِّ قاطع دالّ على ذلك الحكم .
لا يقال ينتقض هذا بإجماع الفلاسفة واليهود والنصارى على الباطل،2 لأنّا نقول: العادة تحيل تعمّد الكذب على الجمع الكثير وليس، بمستبعد تخيلهم ما ليس بقاطع قاطعاً، فالفلاسفة واليهود والنصارى لم يجتمعوا على تعمّد الكذب وإنّما اجتمعوا على تخيّل ما ليس بقاطع قاطعاً ; ولأجل هذا شرطنا في التواتر الاستناد إلى محسوس، ولمّا كان هذا الحكم شرعياً والحكم الشرعي لا يحصل إلاّ عن دليل أو أمارة، والأمارة تحيل العادة اتفاقهم عليها فإذن هذا الحكم إنّما يحصل بالدليل   2

1 . ورد المقطع التالي في هامش نسخة «أ»:
[ استضعف الغزالي الدليل فقال: اجاز القطع على ما ليس بقاطع بانّه قاطع لقطع اليهود على بطلان نبوة عيسى ومحمد وهم أكثر من عدد التواتر، وكذا المنكرون لحدوث العالم والنبوات وساير انواع البدع والضلالات، عددهم بالغ مبلغ التواتر ويحصل الصدق باخبارهم ولكنهم اخطأوا بالقطع في غير محل القطع فيلزمه أن يجعل اجماع اليهود والنصارى حجة ولا يخصَّص هذه الأُمّة لاتحاد العلّة].
وما في الطبعة المحققة يختلف بعض الشيء عما ورد آنفاً، راجع المستصفى: 1 / 338.
2 . ويلاحظ على ذلك: أنّه لا معنى محصل للإجماع في القضايا العقلية من رأس، لأن مصبّ الإجماع الأُمور الحسّية أو ما هو قريب منها، فلا عبرة للإجماع في المسائل العقلية
المحضة.

صفحه 356
قال: ومنها: أجمعوا على تقديمه على القاطع فدلّ على أنّه
قاطع، وإلاّ تعارض الاجماعان لأن القاطع مقدّم ; فإن قيل يلزم أن
يكون المحتج عليه عدد التواتر لتضمنُّ الدليلين ذلك. قلنا: إن سُلّم فلا يَضرّ. *
<--- أعني النص ـ فيكون الاجماع هنا قد استند إلى أمر محسوس، فافترق
البابان.
لا يقال: انّكم اثبتم الاجماع بالاجماع، أو أنّكم أثبتم الاجماع بنص يتوقف على الاجماع لانّكم قلتم الاجماع الثاني الدال على تخطئة مخالف الاجماع لا يقع إلاّ عن نص فيكون ثبوت النص مستفاداً من كون الاجماع الثاني حجة الذي هو دليل على كون مطلق الاجماع حجة، وكلاهما دور .
لأنّا نقول: الذي ثبت به كون الاجماع مطلقاً حجّة إنّما هو ثبوت نص
دالّ عليه وثبوت ذلك النص مستفاد من وجود صورة من صور الإجماع لا
مطلقاً.1
* أقول: هذه حجّة ثانية على كون الإجماع حجّة وهو: أنّ الامة أجمعت   2

1 . وردت العبارة التالية في نسخة «ب» فقط :
[وهو الإجماع الثاني وإنّما كان هذا الإجماع مفيداً، بوجود النص للعادة على ما قلناه; ووجود تلك الصورة ـ أعني الإجماع الثاني ـ ودلالتها على ثبوت ذلك النص، لا يتوقفان على كون الاجماع مطلقاً حجّة فلا دور; أما عدم توقف وجود تلك الصورة عليه، فلأن وجدانها مستفاد من التواتر لا من كون الاجماع حجّة وأما عدم توقف دلالتها، فلأن دلالتها مستفادة من العادة ].

صفحه 357
قال: الشافعي (وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ )1 وليس بقاطع لاحتمال في متابعته، أو مناصرته، أو الاقتداء به، أو في الإيمان فيصير دوراً ; بخلاف التمسك بالظاهر إنما يثبتُ بالاجماع بمثله في القياس. *
<--- على تقديم الإجماع على قواطع الأدلة، فوجب أن يكون الإجماع قاطعاً لأنّ غير القاطع لا يقدّم على القاطع بالإجماع فلو لم يكن الإجماع قاطعاً لتعارض الإجماعان .
وقد ألزم بعض الأُصوليين من سلك هذين الطريقين المعنويين أن لا ينعقد الاجماع عنده الاّ إذا بلغ المجمعون عدد التواتر حتى يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب 2. والمصنف التزم هذا وجعله غير ضار له فيما يرويه.
* أقول: لما ذكر الحجّة عنده على كون الإجماع حجّة، شرع في حجج المتقدمين على ذلك وبيان ضعفها .
ومن تلك الحجج ما استدل به الشافعي وهو قوله تعالى: (وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ   2

1 . النساء: 115 .
2 . ورد في حاشية النسخة «ب»: بعد عبارة «التواطؤ على الكذب»، ما يلي:
[ لأن العادة إنّما تحيل الكذب على مثل هؤلاء. والمصنّف أجاب عن هذا بالمنع أوّلاً: من الإلزام لأن المحققين لا يحكمون في شرعيّ بأنّه قاطع إلاّ إذا كان قاطعاً بالعادة، ثم (ثانياً:) التزم هذا وجعله غير ضار له فيما لو وجد لأنّه لا يدّعي كون كلّ إجماع حجة قاطعة بل البعض بهذا الدّليل والباقي كذلك لعدم الفصل ] .

صفحه 358
<--- مَا تَوَلَّى)1.2

1 . النساء: 115 .
2 . قد استند علماء أُصول الفقه في بحوثهم الأُصولية للبرهنة على حجية الاجماع بالكتاب، إلى الآية المشار إليها آنفاً، وقد دار النقاش بينهم حول مدى دلالتها على المدعى; وقد ذهب شيخنا المفضال السبحاني ـ وهوالموهوب حقاً في فهم الخطابات القرآنية ـ إلى عدم دلالة الآية على شيء من المدعى. ولمعرفة ما ذهب إليه نأتي بتصويره للاستدلال بالآية أوّلاً، ثم بتفنيده لذلك فحاصل ما افاده:
إن الآية تتكون من جملتين:
ـ (وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ).
ـ (وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ).
ومن الجزاء لهما أعني: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) ; وبشهادة وحدة الجزاء تكون مشاقة الرسول حراماً مثل اتباع غير سبيل المؤمنين، وبناءً على ذلك يصبح اتباع سبيل المؤمنين واجباً إذ لا واسطة بين الحرمة والوجوب وهذا يقتضي أن يكون الاجماع حجة.
وقد رد على ذلك ـ دامت تأييداته ـ بما هذا حاصله:
لا يمكن الذهاب إلى ما ذهب إليه المستدل لأنّه سبحانه عطف سلوك غير سبيل المؤمنين على معاداة الرسول بـ «واو» الجمع; كما جعل الجزاء: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) جزاء للجملتين وهذا يكشف عن أن المعطوف عبارة أُخرى عن المعطوف عليه وذلك لأن معاداة الرسول وحدها كافية في الجزاء وبحسب هذا يكون المراد من اتباع غير سبيل المؤمنين، هو شقاق الرسول بعينه.
اضف إلى ذلك أن اعتبار سبيل المؤمنين وحجيته ينشأ من وجود المعصوم بين ظهرانيهم وموافقته لسبيلهم، وهذا لا يدل في شيء منه على حجية مطلق سبيل المؤمنين وان لم يكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بينهم ; وباختصار أن الآية لا تدل على حجية الاجماع بتاتاً .
وللمزيد من الاطلاع في هذا الخصوص راجع كتاب «الوسيط في أُصول الفقه» لشيخنا الأُستاذ الّذي يقدر فريداً في صنفه.

صفحه 359
قال: الغزّالي بقوله لا «تجتمع أُمتي...» من وجهين:
احدهما: تواتُر المعنى، لكثرتها كشجاعة عليّ، وَجُودِ حَاتِم، وهو حَسَنٌ .
والثاني: تلقي الأُمّة لها بالقبول، وذلك لا يخرجها عن الآحاد. *
<--- وتقرير الاستدلال أن يقول: الله تعالى جمع بين مشاقّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)واتباع غير سبيل المؤمنين في التوعيد، فيجب أن يكون كل واحد منهما له هذا الحكم فإنّه يستحيل الجمع بين محرّم ومحلّل في التوعيد، وإذا ثبت تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين كان اتباع سبيل المؤمنين واجباً ; والحكم المجمع عليه هو سبيل المؤمنين، فيجب اتباعهم فيه .
والاعتراض أنّه: يحتمل أن يكون المراد: (وَ مَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَ رَسُولَهُ)1ويقابله (وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ); في متابعته ونصرته ودفع الاعداء عنه أو الاقتداء به.
وإذا [ احتمل ذلك و ] (2) أُحتمل ما ذكرتم، لم تبق دلالته قاطعة على الإجماع ; أقصى ما في الباب أنّه يدل ظاهراً وحينئذ يلزم منه الدور، لأنّ التمسك بوجوب العمل بالظاهر إنّما يثبت بالإجماع، فلو ثبت الإجماع بدليل ظاهر لزم الدور، وهذا بخلاف التمسّك بالظاهر في كون القياس حجة كما تمسكوا بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا) لأنّ التمسك بالظاهر ما ثبت بالقياس، فافترق البابان .
* أقول: هذه حجة استدل بها الغزالي وهو التمسّك بالسنة، فإنّه روى   2

1 . الانفال: 13 .   2 . في نسخة «ب» فقط .

صفحه 360
قال: واستُدّل: إجماعُهم يدلُ على قاطع في الحكم، لأنّ العادة امتناع اجتماع مثلهم على مظنون. وأُجيب: بمنعه في القياس الجليّ; وأخبار الآحاد، بعد العلم بوجوب العمل بالظاهر. *
<--- عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لاتجتمع أُمّتي على خطأ»1 و وجه الاستدلال به من وجهين:
الأوّل: أن نقول إنّ معنى هذا الخبر قد ورد وروداً متواتراً بالفاظ نقلت آحاداً كما في شجاعة علي (عليه السلام) وسخاء حاتم، فإنّه وإن كانت الوقائع الدالة على الشجاعة والسخاء نقلت آحاداً إلاّ أنّ المعنى الحاصل من تلك الوقائع نقل نقلاً متواتراً، واستحسنه المصنف .
الثاني: أن الأُمّة تلقّت هذا الخبر بالقبول، فبعض احتجّ به وبعض تأوله من غير طعن فيه .
وأورد عليه المصنف بأنّ تلقيّه بالقبول لا يخرجه عن الآحاد، فكيف يجوز الاستدلال به في مثل هذه المسألة العلمية؟!
وهو ضعيف، فإنّه لا استبعاد في الاستدلال بالظن على مثل هذه المسائل.
* أقول: هذه حجة إمام الحرمين، وتقريرها انّ اجماع الخلق الكثير على الحكم إمّا أن يكون لدلالة أو أمارة، أو لا لهما ; والأخيران باطلان بالعادة، فالأوّل حق .
والجواب: لِمَ لا يجتمعون على الحكم معوّلين على قياس جلي أو على خبر واحد بعد علمهم وجوب العمل بالظاهر؟ فلا يلزم أن يكون دليل الحكم مقطوعاً به.

1 . روى الحديث بعبارات وطرق مختلفة وضعيفة في الغالب; وقرره بن ماجة والحاكم في مستدركه.

صفحه 361
قال: المخالف: (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيء)، (فَرُدُّوه)، ونحوه، وغايته الظهور، وبحديث معاذ حيث لم يذكره. وأُجيب بأنّه لم يكن حينئذ حجّة.*

[ أدلة المخالفين]

* أقول: هذه حجج المخالف على كون الاجماع حجة وهي الكتاب والسنة والمعقول :
أمّا الكتاب فقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيء)1 ذكر أنّ الكتاب هو المبيّن للأحكام فلا يكون الاجماع مدركاً، وقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)(2)، ولم يذكر الاجماع فوجب أن لا يكون حجة .
والجواب: أنّ غاية ما ذكرتم، الظهور ; فلا يعارض ما تقدم2، على أنّ كون الإجماع حجّة لا يخرج الكتاب عن كونه تبياناً، فإنّ فيه بيان كون الاجماع حجة إذ لا يجوز أن يكون المراد أنّ الكتاب مبيّن لتفاصيل الأحكام الجزئية ; وقوله: (فَرُدُّوهُ)إنّما يكون عقيب تنازع الحكم المجمع عليه، بخلاف ذلك .
وأمّا السنّة فما رُويَ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنّه لما بَعثَ معاذاً إلى اليمن قال له: بمّ تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن   2

1 . النحل: 89 .   2 . النساء: 59 .
2 . في نسخة «ب: [ ما تقدم من الدلائل القطعية ] .

صفحه 362
قال: مسألة:
وفاق من سَيُوجد لا يعتبر اتفاقاً، والمختار أنّ المقُلّد كذلك، وميل القاضي إلى إعتباره، وقيل: يُعتبر الأُصوليّ، وَقيل: الفروعيّ.
لنا: لو اُعتبر لم يتصوّر. وأيضاً المخالفة عليه حرام فغايته مجتهد خالفَ وَعُلم عصيانُه. *
<--- لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي; ولم يذكر الإجماع .
والجواب: إنّ الاجماع ليس بحجّة في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ العبرة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم).1
وأمّا المعقول فما تقدم من امتناع اجتماع الخلق على الحكم الواحد، وقد تقدّم الجواب عنه.

[ حكم دخول مَنْ سيوجد والمقلّد في الإجماع ]

* أقول: اتّفق القائلون بكون الاجماع حجة على أنّ الاجماع ينعقد وإن لَمْ يُعلم قول من سيوجد ; واختلفوا في المقلّد الموجود هل يعتبر قوله في الاجماع أم لا؟ فذهب المحققون إلى عدم اعتباره؟ وذهب آخرون إلى اعتبار قوله، وقد مال إليه القاضي أبوبكر ; وقال آخرون: يعتبر قول الأُصولي في الفروع لأنّ له أهلية   2

1 . في نسخة «ب»: [ فلذلك لم يذكره ].

صفحه 363
<--- الإجتهاد ; وقال آخرون: يعتبر قول الفروعي في الأُصول.
واَستَدلَ المصنّف1 بوجهين :
الأوّل: أن قول العامي لو اعتبر لم يتصور تحقق الإجماع، والتالي باطل فالمقدم مثله ; بيان الشرطية: أنّ العوام كثيرون منتشرون في البلاد، غير معروفين ولا يمكن الاطلاع على أقاويلهم2 فلو كان قولهم مشترطاً في الاجماع يلزم من الجهل بالشرط الجهل بالمشروط، فحينئذ لا يتصور انعقاد الإجماع; وأمّا بطلان التالي فظاهر .
الثاني 3: أنَّ المخالفة الحاصلة من المقلد للمجتهد حرام، وإذا كان قولهم حراماً لم يعتد به ; ولي