welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 4*
تألیف :العلامة الحلی*

نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 4

صفحه 1
   
    نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 4
 
4

صفحه 2

صفحه 3
للإمام جمال الدين أبي منصور الحسن بن
يوسف بن المطهّر
المعروف بالعلاّمة الحلّي
(648 ـ 726 هـ )
الجزء الرابع
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
العلاّمة الحلّي ، حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق .
نهاية الوصول إلى علم الأُصول / جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي ; اشراف آية الله جعفر السبحاني ; تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).ـ قم: موسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1428 ق . = 1386 .
ج.    ISBN 978 - 964 - 357 - 239 - 0 (دوره)
ISBN 978 - 964 - 357 - 284 - 6 (ج.4)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1 ـ أُصول فقه شيعه ـ ـ قرن 8 ق . الف . سبحانى تبريزى ، جعفر ، 1347 هـ . ق ـ ، مشرف . ب . مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . ج. عنوان .
9ن8ع/ 8/158BP    312 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلوماتwww.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   نهاية الوصول إلى علم الأُصول
الجزء:    الجزء الرابع
المؤلــف:   العلاّمة الحلّي
إشــراف:   العلاّمة المحقّق آية الله العظمى جعفر السبحاني
تحقيق:   اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعــة:   الأُولى ـ 1428 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   1000 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5
(وَمَا كَـانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَـآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَـرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مّنْهُمْ طَآئفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 6

صفحه 7
مقدمة: التشريع الإسلامي والمسائل المستجدّة   

التشريع الإسلامي

و

المسائل المستجدّة

كلّما تكاملت الحضارة الإنسانية وتعددت ألوانها واجه التشريع الإسلامي أحداثاً جديدة لا عهد للأزمنة السابقة بها ولم تتعرض لها المصادر فلذلك صارت حاجة المجتمع إلى تأسيس أُصول جديدة أمراً قطعياً لا ينكر وذلك لأنّ نصوص الكتاب والسنّة محدودة وحوادث المجتمع غير محدودة ; فكيف يمكن أن تفي النصوص المحدودة بالحوادث الطارئة غير المتناهية؟
هذا ما دعا الفقهاء العظام ـ أنار الله برهانهم ـ إلى سد هذا الفراغ في التشريع الإسلامي بتأسيس أُصول وقواعد يستنبط منها أحكام هذه الموضوعات ومن أهم هذه الأُصول هو القياس.

صفحه 8
وهذا الجزء الّذي يزّفه الطبع إلى القراء الكرام أخذ على عاتقه البحث عن القياس وقد أغرق في البحث فلم يبق في القوس منزعاً.
فناسب أن أُقدّم شيئاً حول القياس حتّى يقف القارئ الكريم على موقف الفقه الإمامي من هذه القاعدة الّتي هي الركن الركين للفقه السنّي وأُشير في هذا التقديم إلى أقسام القياس وأنّ موضع الفقه الإمامي بالنسبة إليه هو القول الوسط فلا يرفضه بتاتاً ولا يأخذ به بدون شرط وقيد، ولعلّ القارئ الكريم يلمس ما ذكرنا من قراءة هذه المقدمة المتواضعة.
وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً تسلّط الضوء عليه.

1. القياس لغة

القياس لغة يستعمل في معنيين:
1. التقدير: قال في «لسان العرب»: قاس الشيء يقيسه قيساً إذا قدّره على مثاله، والمقياس المقدار.1
ومن ذلك يقال: قاس الثوب بالذراع إذا قدّره به.
2. المساواة: يقال: فلان لا يقاس بفلان، أي لا يساوى به.
قال الإمام علي(عليه السلام): «لا يقاس بآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الأُمّة أحد».2أي لا يساوى بهم أحد.

1 . لسان العرب: مادة «قاس».
2 . نهج البلاغة: الخطبة2.

صفحه 9
ويمكن إرجاع المعنى الثاني إلى المعنى الأوّل، لأنّ الحكم بالمساواة وعدمها يلازم التقدير قبله، فمعنى قول الإمام: أي لا يقدر أحد بآل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يصحّ أن يقال: علم فلان مثل علم الإمام أو جزء منه، ويؤيد ذلك ما ذكره أبو الحسين أحمد بن فارس في «مقاييس اللغة» الّذي ألّفه لتوحيد أُصول المعاني قال: قوس، أصل واحد يدلّ على تقدير شيء بشيء ثمّ يصرّف فتقلب واوه ياءً، المعنى في جميعه واحد.
فالقوس الذراع، وسمّيت بذلك لأنّه بها يقدر بها المذروع.1
وبذلك يعلم أنّ ما ذكروه له من معان أُخرى، كالاعتبار والتمثيل والتشبيه والمماثلة كلّها مشتق من معنى واحد.

2. القياس اصطلاحاً

قد عرّف القياس بتعاريف مختلفة منذ زمن قديم إلى يومنا هذا،ومن هذه التعاريف:
1. حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما.2
2. مساواة فرع بأصل في علّة حكمه. وهو خيرة الآمدي في «الإحكام».3

1 . مقاييس اللغة:5/40، مادة «قوس».
2 . تقريب الوصول إلى علم الأُصول:122. وقد ذكر محقّق الكتاب في الهامش أنّ هذا التعريف لأبي بكر الباقلاني ووافقه عليه أكثر المالكية.
3 . الإحكام في أُصول الأحكام:3/170.

صفحه 10
3. إثبات حكم مثل المقيس عليه للمقيس.وهو خيرة السيّد المرتضى في «الذريعة»1 والشيخ الطوسي في «العُدّة».(2)
4. إثبات مثل حكم الأصل في الفرع بعلّة جامعة بينهما. وهو خيرة أبي الحسين البصري في «المعتمد».2
5. إثبات حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علّة الحكم. وهو خيرة الغزالي في «شفاء الغليل».(4)
وأوضح التعاريف هو أن يقال: استنباط حكم واقعة لم يرد فيها نصّ من حكم واقعة ورد فيها نصّ، لتساويهما في علّة الحكم ومناطه وملاكه.
وعامّة التعاريف تشير إلى حقيقة واحدة، ولا جدوى في النقض والإبرام وانّها غير جامعة ولا مانعة.

3. اصطلاح آخر في القياس

وهناك اصطلاح آخر للقياس صار مهجوراً بين الأُصوليّين، وهو: التماس العلل لغاية تصحيح النصوص وعرضها عليها، والقياس بهذا المعنى كان رائجاً في عصر الإمام الصادق(عليه السلام).
وقد استعمل هذا المصطلح في رواية أبان قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع امرأة كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون». قلت:قطع ثلاثاً؟ قال:

1 . الذريعة:2/669.   2 . العدة:2/647.
2 . المعتمد: 2 / 446.   4 . شفاء الغليل: 18.

صفحه 11
«ثلاثون». قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون». قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، ونقول: إنّ الّذي جاء به شيطان.
قال(عليه السلام): «مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثُلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».1
والقياس في هذا الحديث هو بهذا المعنى، أي التماس العلل، ثمّ عرض النصوص على العلل المستنبطة والقضاء فيها بالقبول إن وافق، والرد إن خالف. وهذا النوع من القياس محظور في الشريعة الإسلامية، وأنّى للعقول هذه المنزلة.
وعلى هذا الأصل رفض الشيطان السجود لآدم قائلاً بأنّه أفضل منه ومخاطباً اللّه سبحانه وتعالى:(أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طين)2، ولو قيل: إنّ أوّل من قاس هو الشيطان، فالمراد به، هو القياس بهذا المعنى المهجور.
 
4. إمكان التعبّد بالقياس
اختلفت كلمة الفقهاء في شأن العمل بالقياس، وأهمّ المذاهب في ذلك مذهبان:

1 . الوسائل: ج19، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
2 . الأعراف:12.

صفحه 12
الأوّل: القياس أصل من أُصول التشريع ومصدر لاستنباط الأحكام الشرعية يجوز التعبّد به عقلاً وشرعاً. وهو رأي جمهور أهل السنّة سلفاً وخلفاً.
الثاني: جواز التعبّد به عقلاً، ولكنّه ممنوع في الشريعة . وهو مذهب الإمامية.
قال المرتضى: والّذي نذهب إليه أنّ القياس محظور في الشريعة استعماله، لأنّ العبادة لم ترد به، وإن كان العقل مجوّزاً ورود العبادة باستعماله.1
وعلى هذا درج الإمامية عبر العصور، ونكتفي هنا بما قاله الشيخ الطوسي (385ـ 460هـ) في هذا المجال ، وتبعه فيه السيد ابن زهرة الحلبي (511ـ 585هـ)، إذ صرّحا بجواز التعبّد به عقلاً ، وإليك النصّ : ويجوز من جهة العقل التعبّد بالقياس في الشرعيات، لأنّه يمكن أن يكون طريقاً إلى معرفة الأحكام الشرعية ودليلاً عليها، ألا ترى أنّه لا فرق في العلم بتحريم النبيذ المسكر مثلاً بين أن ينصّ الشارع على تحريم جميع المسكر، وبين أن ينصّ على تحريم الخمر بعينها، وينص على أنّ العلّة في هذا التحريم الشدّة.
ولا فرق بين أن ينص على العلّة، وبين أن يدلّ بغير النص على أنّ تحريم الخمر لشدّتها، أو ينصب لنا أمارة تغلب في الظن عندها انّ تحريم

1 . الذريعة في أُصول الشريعة:2/675.

صفحه 13
الخمر لهذه العلّة مع إيجابه القياس علينا في هذه الوجوه كلّها، لأنّ كلّ طريق منها، يوصل إلى العلم بتحريم النبيذ المسكر،ومن منع من جواز ورود العبادة بأحدها كمن صنع من جواز ورودها بالباقي.1
هذان المذهبان هما المهمان، وهناك مذاهب أُخرى أشار إليها الشيخ الطوسي في «العدّة» فمن أراد التفصيل فليرجع إليها.2
وخلاصة الكلام: أنّ القياس دليل ظنّي كسائر الظنون: مثل خبر الواحد، والإجماع المنقول به، فكما يجوز ـ عند العقل ـ أن يأمر الشارع بالعمل بهما، كذلك القياس، والمحاذير المتوهمة في العمل بالقياس، أعني:
المحاذير الملاكية.
والمحاذير المبادئية.
والمحاذير الخطابية.3
مشتركة بين عامّة الأدلّة الطبيعية، وقد فرغنا من حلّها في أبحاثنا العليا

1 . غنية النزوع:386، قسم الأُصول، الطبعة الحديثة. قوله:«يوصل إلى العلم» أي إذا كان الدليل الدالّ على هذه التسوية دليلاً قطعيّاً.
2 . عدة الأُصول:2/650ـ 692; ولاحظ الذريعة:2/675ـ 680.
3 . إذا كان الحكم الواقعي هو وجوب شيء، ودلّ خبر الواحد أو القياس ـ على القول بحجّيته ـ على حرمته فتتوهم عندئذ محاذير ثلاثة:
أ. المحذور الملاكي: اجتماع المصلحة باعتبار كون الحكم الواقعي هو الوجوب، والمفسدة باعتبار كون الحكم المستفاد منهما هو الحرمة.
ب. المحذور المبادئيّ: اجتماع الإرادة أو الحب في نفس المشرّع باعتبار كونه واجباً، والكراهة والبغض باعتبار كونه حراماً.
ج. المحذور الخطابي: اجتماع الوجوب والحرمة وهو بمنزلة اجتماع الضدين في شيء واحد.

صفحه 14
في مبحث الجمع1 بين الحكم الواقعي والظاهري، وفي وسع القارئ أن يرجع إلى المصدر أدناه.
وبذلك يعلم عدم صحّة ما ذكره الدكتور عبد الحكيم عبد الرحمن أسعد السعدي مؤلف كتاب «مباحث العلّة في القياس عند الأُصوليّين» حيث نسب إلى جمهور الإمامية والظاهرية، انّ التعبّد بالقياس مستحيل عقلاً وشرعاً.2
أمّا الإماميّة فإنّهم مجمعون على الإمكان العقلي، ولكن ينكرون وقوعه شرعاً. وأما الظاهرية، فتقع صحّة النسبة إليهم على عاتق مؤلّف «مباحث العلّة في القياس».

5. أقسام القياس

القياس ينقسم إلى منصوص العلّة ومستنبطها.
فالأوّل: عبارة عمّا إذا نصّ الشارع على علّة الحكم وملاكه على وجه عُلِم، انّه علّة الحكم الّتي يدور الحكم مدارها، لا حكمتُه الّتي ربّما يتخلّف الحكم عنها.
والثاني: عبارة عمّا إذا لم يكن هناك تنصيص من الشارع عليها، وإنّما قام الفقيه باستخراج علّة الحكم بفكره وجُهده، فيطلق على هذا النوع من القياس، مستنبط العلّة.

1 . إرشاد العقول:3/112ـ 127.
2 . مباحث العلّة في القياس: 43.

صفحه 15
وينقسم مستنبط العلّة إلى قسمين:
تارة يصل الفقيه إلى حدّ القطع بأنّ ما استخرجه علّة الحكم ومناطه، وأُخرى لا يصل إلاّ إلى حدّ الظن بكونه كذلك.
وقلّما يتّفق لأحد أن يقطع بأنّ ما وصل إليه من العلّة هو علّة التشريع ومناطه واقعاً، وانّه ليس فيه ضمائم أُخرى لها مدخلية في الحكم، وراء ما أدرك.
وسيوافيك أنّ القياس في منصوص العلّة خارج عن محط النزاع، إذ ليس هو من باب ضم الفرع إلى الأصل، أو استخراج حكم الفرع من حكم الأصل بجهة جامعة بينهما، بل هو عمل بالنصّ في كلا الموردين، دون أن يتشكل هناك فرع وأصل.

6. الفرق بين علّة الحكم وحكمته

التفريق بين العلّة والحكمة هو أحد الأُمور الّتي يجب على الفقيه أن يميّز بينها. و الفرق بينهما كالتالي:
أ. لو كان الحكم دائراً مدار شيء وجوداً وعدماً فهو علّة الحكم ومناطه، كالإسكار بالنسبة إلى الخمر، ولذلك لو انقلب الخمر خلاً لحلّ شربه.
فإن قلت: اتّفق الفقهاء على أنّ ما يُسكِر كثيره فقليله أيضاً حرام. وعلى هذا فالقليل من الخمر ـ كالقطرة ـ حرام، ولكنّه ليس بمسكر، فصار الحكم أعمّ من العلّة.

صفحه 16
قلت: قد دلّ الدليل الخارجي على حرمته، ولولاه لما قلنا بحرمته. وإنّما حرّم الشارع القليل منه، لأنّ الإنسان إذا شرب القليل فسوف تدعوه نفسه إلى شرب أكثر وربّما ينتهي الأمر إلى شرب ما يُسكر.
ب. إذا لم يكن الحكم دائراً مدار ما يتوهم أنّه علّة، بل كان أوسع منها، فهي حكمة الحكم، وهذا كما في المثال التالي:
إنّه سبحانه تبارك وتعالى فرض على المطلّقة تربص ثلاثة قروء بُغية استعلامِ حالها من حيث الحمل وعدمه، وأضاف سبحانه بأنّها لو كانت حاملاً فعدتها وضع حملها. قال تعالى:
(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحامِهنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ).1
وقال في آية أُخرى: (وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).(2)
ولكن ليس استعلام حال المطلقة ملاكاً للحكم وعلّة لوجوب الاعتداد، وإنّما هو من حِكَمِ الحُكْم الّتي تلازمه في أكثر موارده. ولذلك لو علم حال المطلقة وخلوِّ رحمها عن الحمل بسبب غيبة زوجها عنها مدّة سنة، أو انكشفت حالها بواسطة الطرق العلمية المفيدة لليقين، فمع ذلك كلّه يجب عليها الاعتداد، وليس لها ترك الاعتداد بحجة أنّ رحمها خال عن الحمل فلا فائدة في الاعتداد.

1 . البقرة:228.   2 . الطلاق:4.

صفحه 17
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الاستعلام يمثّل حكمة الحكم لا علّته، فليس الحكم دائراً مداره.
قال أبو زهرة: الفارق بين العلّة والحكمة، هو أنّ الحكمة غير منضطبة، بمعنى أنّها وصف مناسب للحكم يتحقّق في أكثر الأحوال، وأمّا العلّة فهي وصف ظاهر منضبط محدود، أقامه الشارع أمارة على الحكم.1
ومن ذلك يعلم فساد من حرّم المتعة أو الزواج المؤقّت بتوهّم أنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكون الأُسرة وإيجاد النسل وهو يختص بالنكاح الدائم دون المنقطع الّذي لا يترتّب عليه سوى الاستجابة للغريزة الجنسية وصبّ الماء وسفحه.
قال الدكتور الدريني: شُرّع النكاح في الإسلام لمقاصد أساسية قد نصّ عليها القرآن الكريم صراحة ترجع كلّها إلى تكوين الأُسرة الفاضلة الّتي تشكّل النواة الأُولى للمجتمع الإسلامي بخصائصه الذاتية من العفّة والطهر والولاية والنصرة والتكافل الاجتماعي، ثمّ يقول: إنّ اللّه إذ يربط الزواج بغريزة الجنس لم يكن ليقصد مجرّد قضاء الشهوة، بل قصد أن يكون على النحو الّذي يحقّق ذلك المقصد بخصائصه من تكوين الأُسرة الّتي شرع أحكامها التفصيلية في القرآن الكريم.
وعلى هذا الأساس فإنّ الاستمتاع مجرّداً عن الإنجاب وبناء الأُسرة، يُحبط مقصد الشارع من كلّ أصل تشريع النكاح.2

1 . أُصول الفقه:223، ولاحظ أيضاً ص 233منه.
2 . الدكتور الدريني في تقديمه لكتاب «الأصل في الأشياء الحلية».

صفحه 18
أقول: عزب عن الدكتور أنّ الإنجاب وتشكيل الأُسرة من فوائد النكاح ومصالحه، ولأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منه بشهادة أنّه يصحّ الزواج مع القطع بعدم الإنجاب، كما في الصور التالية:
1. زواج العقيم بالمرأة الولود.
2. زواج المرأة العقيم بالرجل المُنجب.
3. زواج العقيمين.
4. زواج اليائسة.
5. زواج الصغيرة.
6. نكاح الشاب بالشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.
ولأجل انقسام ما يدلل به الأحكام إلى قسمين: علّة وحكمة، اختلف الفقهاء في تفسير الحكمة الواردة في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الهرّة: «إنّها ليست بنجس، إنّها من الطّوافين عليكم و الطّوافات».1
فلو كان المفهوم من الرواية أنّ الطواف علّة الحكم وأنّه يدور مداره صحّ إلحاق الحيوانات الأُخرى كالفأرة وغيرها بها، وأمّا لو قلنا بأنّه حكمة الحكم لا علّته لتوقف الإلحاق.

1 . سنن الترمذي:1/154، كتاب الطهارة، رقم الحديث92.

صفحه 19
 
7. منصوص العلّة والعمل بالسنّة
إذا نصّ الشارع على علّة الحكم وملاكه، أي ما يدور الحكم مداره على نحو لا يتخلّف الحكم عنه، كما إذا قال الخمر حرام لأنّه مسكر، فإلحاق سائر المسكرات به ليس عملاً بالقياس المصطلح، بل عمل بالسنّة الشريفة والضابطة الكلية، ولنذكر مثالاً على ذلك:
روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الإمام الرضا(عليه السلام)، أنّه قال: «ماء البئر واسع لا يُفسده شيء، إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فيُنزح حتّى يذهب الريح، ويطيب طعمه، لأنّ له مادة».1
فإنّ قوله: «لأنّ له مادة» بما أنّه تعليل لقوله: «لا يفسده شيء» يكون حجّة في غير ماء البئر أيضاً، فيشمل التعليل بعمومه، ماء البئر، وماء الحمام والعيون وصنبور الخزّان الكرّ وغيرها، فلا ينجس الماء إذا كان له مادة، فالعمل عندئذ بظاهر السنّة لا بالقياس، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحته دفعة واحدة.
وبعبارة أُخرى: يكون العمل بالملاك المنصوص، عملاً بظاهر السنّة لا بالقياس، وشأن المجتهد وعمله ليس إلاّ تطبيق الضابطة الّتي أعطاها الشارع على جميع الموارد دفعة واحدة، فليس هناك أصل ولا فرع، ولا

1 . وسائل الشيعة1، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

صفحه 20
انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحتها.
وإن شئت قلت: هناك فرق بين استنباط الحكم عن طريق القياس وبين استنباط الحكم عن طريق تطبيق القاعدة المعطاة على مواردها.
ففي الأوّل ـ أي استنباط الحكم عن طريق القياس ـ يتحمّل المجتهد جُهداً في تخريج المناط، ثمّ يجعل الموضوع الوارد في الدليل أصلاً، والّذي يريد إلحاقه به فرعاً.
وأمّا الثاني فيكفي فيه فهم النصّ لغة بلا حاجة إلى الاجتهاد، ولا إلى تخريج المناط، فيكون النصّ دالاً على الحكمين بدلالة واحدة.
يقول سبحانه:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ)1 دلّت الآية على وجوب الاعتزال في المحيض، وعلّل بكونه أذى، فلو دلّت الآية على كونه تمام الموضوع للحكم فيتمسّك بها في غير المحيض إذا كان المسّ أذى كالنفاس وليس ذلك من مقولة العمل بالقياس، بل من باب تطبيق الضابطة على مواردها.
وبذلك يعلم ما في كلام الأُستاذ:«محمد أبو زهرة» حيث زعم أنّ نفاة القياس يرفضون النص وقال: إنّ تعليل النصوص هو أساس الخلاف بين مثبتي القياس ونفاته، فنفاته نفوا التعليل فقصروا النصوص على العبارة،

1 . البقرة:222.

صفحه 21
ومثبتوه أثبتوا التعليل، فاعتبروا القياس إعمالاً للنصوص.
وقال أيضاً: وفي الحق أنّ نفاة القياس قد أخطأوا إذ تركوا تعليل النصوص، فقد أدّاهم إهمالهم إلى أن قرّروا أحكاماً تنفيها بداهة العقول، فقد قرّروا أنّ بول الآدمي نجس للنصّ عليه، وبول الخنزير طاهر لعدم النص، وأنّ لعاب الكلب نجس، وبوله طاهر، ولو اتّجهوا إلى قليل من الفهم لفقه النص ما وقعوا في مناقضة البديهيات على ذلك النحو.1
أقول: ما ذكره من أنّ نفاة القياس تركوا تعليل النصوص، كلام مجمل.
فإن أراد الموضع الّذي كان الحكم معلّلاً في نفس النصّ ودلّ الدليل أو القرائن المفيدة للعلم، بأنّه علّة تامة للحكم وليس بحكمة، فيعمل به نفاة القياس، إذ لا يرونه من أقسام القياس، بل عملاً بالنص، إذ ليس هناك أصل ولا فرع، بل الجميع داخل تحت التعليل مرة واحدة، فإذا قال: علّة حرمة الخمر هي الإسكار، فالنبيذ والخمر وغيرهما من المسكرات داخلة تحت التعليل على نسق واحد دون أن يكون هناك أصل وفرع.
وإن أراد الموضع الّذي ورد النص على الحكم ولم يشتمل على التعليل وإنّما توصّل المجتهد بجهده وكدّه إلى العلة ومع ذلك لا يعلم أنّها علّة الحكم أو حكمته، وعلى فرض أنّها علّة هل هي علة تامة أو علة ناقصة ؟ فلو أراد هذا فنفاة القياس ما تركوا النص في مورده، وإنّما تركوه فيما ليس مورداً له.

1 . أُصول الفقه:212.

صفحه 22
وأمّا ما ذكره من أنّ نفاة القياس قرّروا أحكاماً تنفيها بداهة العقول كطهارة بول الخنزير والكلب، فلا أظن أنّ لهؤلاء نصيباً من الفقه، ولو أنّهم رجعوا إلى أئمّة أهل البيت لوقفوا على أنّ الجميع نجس دون أن يكون هناك حاجة إلى القياس.
فهذا هو الإمام الصادق يقول(عليه السلام):«اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه».1

8. تقسيم العلّة باعتبار المناسبة إلى أقسام:

ثمّ إنّهم قسّموا العلل باعتبار المناسبة إلى أقسام أربعة:
1. المناسب المؤثر.
2. المناسب الملائم.
3. المناسب الملغى.
4. المناسب المرسل.
وفسّروا الأوّل بما اعتبره الشارع علّة بأتمّ وجوه الاعتبار، ودلّ صراحة وإشارة على ذلك.
يقول عبد الوهاب خلاّف: مادام الشارع دلّ على أنّ هذا المناسب هو علّة الحكم، فكأنّه دلّ على أنّ الحكم نشأ عنه وأنّه أثر من آثاره، ولهذا سمّاه الأُصوليون «المناسب المؤثر»، وهو العلّة المنصوص عليها، ولا خلاف بين

1 . وسائل الشيعة:2، الباب8 من أبواب النجاسات، الحديث2. ولاحظ بقية أحاديث الباب.

صفحه 23
العلماء في بناء القياس على المناسب المؤثر، ويسمّون القياس بناءً عليه قياساً في معنى الأصل.1
أقول: لو كان محط النزاع هو هذا القسم فهو ليس من القياس بشيء، فإنّه إذا نصّ الشارع بأنّ الحكم نابع عن هذا الأصل، فلا يبقى هناك شكّ في أنّ الحكم يدور مداره من غير فرق بين الأصل والفرع بل لا أصل ولا فرع.
وفسّروا الثاني ـ أي المناسب الملائم ـ بأنّه هو الّذي لم يعتبره الشارع بعينه علّة لحكمه في المقيس عليه وإن كان قد اعتبره علّة لحكم من جنس هذا الحكم في نص آخر، ومثّلوا له بالحديث القائل: «لا يُزوِّجُ البكرَ الصغيرة إلاّ وليّها» ففي رأي أصحاب القياس أنّ الحديث اشتمل على وصفين كلّ منهما صالح للتعليل وهو الصغر والبكارة، وبما أنّه علّل ولاية الولي على الصغيرة في المال في آية: (وَابْتَلُوا الْيَتامَى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ)(2)، ومادام الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على المال، والولاية على المال والولاية على التزويج نوعان من جنس واحد هو الولاية، فيكون الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، وبهذا يقاس على البكر الصغيرة من في حكمها من جهة نقص العقل وهي المجنونة أو المعتوهة، وتقاس عليها أيضاً الثيّب الصغيرة.

1 . مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نصّ فيه:45.   2 . النساء:6.

صفحه 24
أقول: وبذلك أسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث مع إمكان، أن تكون جزءاً من التعليل، كما هو مقتضى جمعها مع الصغر لو أمكن استفادة التعليل من أمثال هذه التعابير.1
وفسّـروا الثالث بما ألغى الشارع اعتباره مع أنّه مظنّة تحقيق المصلحة، أي بناء الحكم عليه من شأنه أن يحقّق مصلحة، ولكن دلّ
دليل شرعي على إلغاء اعتبار هذا المناسب ومنع بناء الحكم الشرعي
عليه.
ومثّلوا له بفتوى من أفتى أحد الملوك بأنّ كفّارته في إفطار شهر رمضان هو خصوص صيام شهرين متتابعين، لأنّه وجد أنّ المناسب مع تشريع الكفّارات ردع أصحابها عن التهاون في الإفطار العمدي، ومثل هذا الملك لا تهمّه بقية خصال الكفّارة لتوفّر عناصرها لديه، فإلزامه بالصيام أكثر مناسبة لتحقيق مظنّة الحكمة من التشريع.2
يلاحظ عليه: بأنّ التعيين يخالف حكم الشارع الذي جعل وجوب الخصال الثلاث من باب التخيير لمطلق المكلّفين، ملوكاً كانوا أو رعية; فمثل هذا يعدّ نوعاً من التقدّم بين يدي اللّه سبحانه قال تعالى: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ).3

1 . الأُصول العامة للفقه المقارن:298.
2 . مصادر التشريع الإسلامي لخلاف:46.
3 . الحجرات:1.

صفحه 25
أضف إلى ذلك أنّه من قبيل القياس المهجور، أي التماس العلل وعرض النصوص عليها والتصرف فيها حسب ما يناسب العلل المستنبطة، وهذا المستنبط تخيّل له أنّ الغاية الوحيدة من إيجاب الخصال هو تعذيب المفطر لكي لا يعود إلى الإفطار وهو لا يحصل إلاّ بإيجاب صيام شهرين متتابعين، فنفى التخيير وأوجب عليه التعيين، لكنّه تصرّف خاطئ، إذ ليس للعقول التماس العلل والكشف عن واقعها ثمّ تطبيق النصوص عليها، فكأنّ العقل مشرّع، له ان يقيّد إطلاق النص، دون أن يكون هناك اضطرار أو حرج أو ضرر، بل أقصى ما هناك مصلحة متخيّلة، وقد تكون الغاية أحد هذين الأمرين:
1. ردع المتهاون في الإفطار العمدي.
2. إطعام الفقراء وإشباع بطونهم أو كسوتهم.
وفسّروا الرابع(أي المناسب المرسل) بأنّه هو الّذي يظهر للمجتهد أنّ بناء الحكم عليه لابدّ أن يحقّق مصلحة ما، مع أنّ الشارع لم يُقم على اعتباره أو إلغائه أي دليل.
أقول: إنّ هذا داخل في البحث عن المصالح المرسلة ولا يمتّ إلى القياس بشيء.
فاتّضح من ذلك أنّ القسم الأوّل خارج عن محط النزاع، وهو عمل بالنص في كلا الموردين.
كما أنّ القسم الثاني الذي مثّلوا له بالحديث الآنف الذكر مخدوش

صفحه 26
بعدم العلم بكون الصِّغَر علّة تامة في كلا الموردين، بل يحتمل أن يكون للبكارة في النكاح مدخلية وإن لم يكن كذلك في مورد المال.
وأمّا القسم الثالث فهو من قبيل التماس العلل لصرف النصوص عليها، وهو محظور عقلاً وشرعاً.
وأمّا الرابع فهو الوصف الذي لم يرتّب الشارع حكماً على وفقه ولم يدلّ دليل شرعي على اعتباره ولا على إلغاء اعتباره فهو مناسب أي يحقّق مصلحة، ولكنّه مرسل أي مطلق عن دليل اعتبار ودليل إلغاء، وهذا هو المسمّى بالمصالح المرسلة1 الّتي سيوافيك بيانها.

9. قياس الأولوية

إنّ للأُصوليّين مصطلحات ثلاثة متقاربة، وهي:
أ. لحن الخطاب.
ب. فحوى الخطاب.
ج. دليل الخطاب.
أمّا الأوّل فهو ما حذف من الكلام شيء ولا يستقل المعنى إلاّ
به، كقوله سبحانه: (فَأَوحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ).2

1 . علم أُصول الفقه: 82.
2 . الشعراء:63.

صفحه 27
أي ضرب فانفلق.
وأمّا الثاني فهو ما يسمّى أيضاً بتنبيه الخطاب ومفهوم الموافقة، وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى، وهو نوعان:
1. تنبيه بالأقل على الأكثر كقوله سبحانه: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفّ).1
فإذاحرم التأفيف، حرم الشتم والضرب بطريق أولى.
ومثله قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأمَنْهُ بِدِينار لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ).2
فإذا كان الرجل غير مأمون بدينار، فأولى أن يكون كذلك بالنسبة إلى ألف دينار.
2. وتنبيه بالأكثر على الأقل، كقوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ).3
فمن كان يؤتمن على القنطار، فأولى أن يكون كذلك في الأقلّ منه.
وأمّا الثالث ـ أعني: دليل الخطاب ـ فهو مفهوم المخالفة الّذي يبحث عنه في باب المفاهيم.
والّذي يهمّنا في المقام أنّ فحوى الخطاب أو مفهوم الموافقة أو قياس الأولوية ليس عملاً بالقياس بل هو عمل بالحجة، لأنّ المفهوم الموافق مدلول عرفي يقف عليه كلّ مَن تدبّر في الموضوع.

1 . الإسراء:23.
2 . آل عمران:75.
3 . آل عمران:75.

صفحه 28
وبذلك يعلم أنّ بعض ما استدلّ به على حجّية القياس، من مقولة القياس الأولوي، كقوله(عليه السلام): «فدين اللّه أحقّ بالقضاء»، كما سيوافيك.

10. تنقيح المناط

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف وخصوصيات لا يراها العرف دخيلة في الموضوع ويتلقّاها من قبيل المثال، كما إذا ورد في السؤال: رجل شكّ في المسجد بين الثلاث والأربع فأجيب بأنّه يبني على كذا، فإنّ السائل وإن سأل عن الرجل الّذي شكّ في المسجد، لكنّ العرف يتلقّى تلك القيود، مثالاً، لا قيداً للحكم، أي بأنّه يبني على كذا، فيعمّ الرجل والأُنثى، ومَن شكّ في المسجد والبيت.
إنّ تنقيح المناط إذا كان في حدّ يساعده الفهم العرفي، فممّا لا إشكال فيه، ولا صلة له بالقياس كما في المثال السابق، إذ لا أصل ولا فرع، بل الحكم يعمّ الرّجل والأُنثى، والشاك في المسجد والبيت، بنفس الدليل مرة واحدة.
ولعلّ من هذا القبيل قصة الأعرابي الذي قال: هلكت يا رسول اللّه، فقال له: «ما صنعت؟» قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، قال: «اعتق».1
والعرف يساعد على إلغاء القيدين وعدم مدخليتهما في الحكم.
1. كونه أعرابياً.

1 . صحيح مسلم، كتاب الصيام، الحديث187. وقد روي بطرق مختلفة وباختلاف يسير في المتن.

صفحه 29
2. مواقعة الأهل.
فيعمّ البدوي والقروي ومواقعة الأهل وغيرها، فيكون الموضوع من أفطر بالوقاع في صوم رمضان.
إنّ تنقيح المناط من المزالق للفقيه، فربّما يُلغي بعض القيود باستحسان، أو غيره مع عدم مساعدة العرف عليه، ومن هنا ينبغي الاحتياط التام في تنقيح موضوع الحكم والاقتصار على ما يساعد عليه فهم العرف على إلغاء القيد، وإن شك في مساعدة العرف على الإلغاء وعدمها، فليس له تعميم الحكم.
وعلى كلّ حال، فهذه التعميمات، لا صلة لها بالقياس، وإنّما هي استظهار مفاد الدليل واستنطاقه حسب الفهم العرفي.
وهذا ما يعبر عنه في الفقه الإمامي، بإلغاء الخصوصية، أو مناسبة الحكم والموضوع، مضافاً إلى التعبير عنه بـ«تنقيح المناط».
وليعلم أنّ قسماً من الأحكام المستنبطة باسم القياس عند أهل السنّة داخل في هذا العنوان، أي إلغاء الخصوصية حسب فهم العرف دون أن يكون هناك أصل وفرع، وقد مرّ أنّ مثل هذا من مقولة المداليل العرفية وإن لم تكن مصرحاً بها، وإليك بعض الأمثلة:
1. دلّ قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا إِلى ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)1، على ترك البيع وقت النداء.

1 . الجمعة:9.

صفحه 30
ومن المعلوم أنّ ذكر البيع من باب المثال الشائع والعلّة هو كونه شاغلاً عن الصلاة، فعندئذ فلا فرق بين البيع والإجارة والرهن أو أي معاملة من المعاملات وقت النداء، بل كلّ فعل يُشغل الإنسان عن الصلاة وإن كان مذاكرة علمية، وليس هذا من مقولة القياس كما توهّمه الأُستاذ عبد الوهاب خلاف.1
2. قد ثبت بالنص أنّ قتل الوارث مورّثه لغاية الحصول على الإرث عاجلاً يحرمه من الإرث. فلو فرضنا وجود نفس تلك الغاية في قتل الموصى له للموصي يكون محروماً من مال الوصية، لأنّ قتله فيه كان لأجل استعجال الشيء قبل أوانه، فيرد عليه قصده ويعاقب بحرمانه. هذا إذا ثبت أنّ القتل كان لتلك الغاية.
3. لو ورد في النصّ أنّ الورقة الموقع عليها بالإمضاء حجّة على الموقّع فيلحق بها الورقة المبصومة بالأصبع، وذلك لأنّ الميزان في الحجية هو العلم بشخصية الممضي وهو تارة يحصل بإمضائه وأُخرى ببصمة إصبعه.
فعلى القائلين بالقياس إخراج هذه الأمثلة ـ الّتي يساعد العرف على إلغاء الخصوصية فيها ـ عن مقولة القياس.

1 . علم أُصول الفقه:60.

صفحه 31
 
11. التشابه غير التماثل
من الأُمور الّتي يجب أن يركّز عليها هو الفرق بين تشابه الأمرين وتماثلهما. فالتماثل عبارة عن دخول شيئين تحت نوع واحد وطبيعة واحدة، فالتجربة في عدة من مصاديق طبيعية واحدة يفيد العلم بأنّ النتيجة لطبيعة الشيء لا لأفراد خاصة، ولذلك يقولون: إنّ التجربة تفيد العلم، وذلك بالبيان التالي:
مثلاً: إذا أجرينا تجربة على جزئيات من طبيعة واحدة، كالحديد، تحت ظروف معينة من الضغط الجوي، والجاذبية، والارتفاع عن سطح البحر، وغيرها مع اتّحادها جميعاً في التركيب، فوجدنا أنّها تتمدد مقداراً معيناً، ولنسمّه(س)، عند درجة خاصة من الحرارة ولنسمّها (ح). ثمّ كررنا هذه التجربة على هذه الجزئيات، في مراحل مختلفة، في أمكنة متعددة، وتحت ظروف متغايرة، ووجدنا النتيجة صادقة تماماً: تمدد بمقدار (س) عند درجة (ح). فهنا نستكشف أنّ التمدد بهذا المقدار المعين، معلول لتلك الدرجة الخاصة، فقط، دون غيرها من العوامل، وإلاّ لزم أن تكون ظاهرة التمدد بمقدار(س) معلولة بلا علّة، وحادثة بلا جهة، لصدق النتيجة في جميع الظروف، والأمكنة، وهو أمر محال، لأنّ المفروض وحدة الأفراد في جميع الخصوصيات، إلاّ الزمان، والمفروض عدم تأثيره في الحكم. وعلى هذا يحكم العقل بأنّ الحديد، بجميع جزئياته وتراكيبه، يتمدد بمقدار (س) عند درجة (ح).

صفحه 32
وأمّا التشابه فهو عبارة عن وقوع فردين مختلفي الطبيعة تحت صفة واحدة توجب التشابه بينهما، وهذا كالخمر والفقاع فإنّهما نوعان وبينهما تشابه وهو الإسكار.
وأوضح من ذلك مسألة الاستقراء، فإنّ ما نشاهده من الحيوانات البرية والبحرية، أنواع مختلفة. فلو رأينا هذا الحيوان البري وذلك الحيوان البحري كلّ يحرك فكّه الأسفل عند المضغ نحكم بذلك على سائر الحيوانات من دون أن تكون بينها وحدة نوعية أو تماثل في الحقيقة، والدافع إلى ذلك التعدّي في الحكم هو التشابه والاشتراك الموجود بين أنواع الجنس الواحد رغم اختلافها في الفصول والأشكال، ومن هنا لا يمكن الجزم بالحكم والنتيجة على وجهها الكلي لإمكان اختلاف أفراد نوعين مختلفين في الحكم.
وبذلك يعلم أنّ القياس عبارة عن إسراء حكم مشابه إلى مشابه لا حكم مماثل إلى مماثل، ومن المعلوم أنّ إسراء الحكم من طبيعة إلى طبيعة أمر مشكل لا يصار إليه إلاّ إذا كان هناك مساعدة من جانب العرف لإلغاء الخصوصية، وإلاّ يكون الإسراء فعلاً بلا دليل، مثلاً دلّ الكتاب العزيز على أنّ السارق والسارقة تقطع إيديهما، والحكم على عنوان السارق، فهل يلحق به النبّاش الّذي ينبش القبر لأخذ الأكفان؟
إنّ التسوية بين العنوانين أمر مشكل، يقول السرخسي:
لا يجوز استعمال القياس في إلحاق النبّاش بالسارق في حكم

صفحه 33
القطع، لأنّ القطع بالنصّ واجب على السارق، فالكلام في إثبات السرقة حقيقة، وقد قدّمنا البيان في نفس التسوية بين النبّاش والسارق في فعل السرقة.1
والحاصل: أنّ هناك فرقاً واضحاً بين فردين من طبيعة واحدة، فيصحّ إسراء حكم الفرد إلى الفرد الآخر لغاية اشتراكهما في الإنسانية، وأنّ حكم الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحد، لكن بشرط أن يثبت أنّ الحكم من لوازم الطبيعة لا الخصوصيات الفردية.
وأمّا المتشابهان فهما فردان من طبيعتين ـ كالإنسان والفرس ـ يجمعهما التشابه والتضاهي في شيء من الأشياء، فهل يصحّ إسراء حكم نوع إلى نوع آخر؟ كلاّ، ولا، إلاّ إذا دلّ الدّليل على أنّ الوحدة الجنسية سبب الحكم ومناطه وملاكه التام.

12. تخريج المناط

إذا قضى الشارع بحكم في محل من دون أن ينصّ بمناطه، مثلاً: إذا حرّم المعاوضة في البُرّ إلاّ مثلاً بمثل، فهل يصحّ تعميم الحكم إلى الشعير وسائر الحبوب بمناط أنّ الجميع مكيل أو موزون أو لا؟وهذا هو بيت القصيد في القياس، فلو أمكن للمستنبط استخراج العلّة التامة للحكم فله أن يقيس، لأنّ المعلوم ـ أي الحكم ـ لا يتخلّف عن علّته. إنّما الكلام في كون المجتهد متمكّناً من استخراج مناط الحكم من الدليل استخراجاً قطعياً لا

1 . أُصول السرخسي:2/157.

صفحه 34
ظنياً، إذ لا عبرة بالظن ما لم تثبت حجّيته، وقد ذكروا لاستخراج المناط طرقاً مختلفة، أشهرها السبر والتقسيم.
قال الأُستاذ عبد الوهاب خلاّف: السبر معناه الاختبار، ومنه المسبار. والتقسيم هو حصر الأوصاف الصالحة لأن تكون علّة في الأصل، وترديد العلّة بينها بأن يقال: العلّة إمّا هذا الوصف أو هذا الوصف، فإذا ورد نصّ بحكم شرعي في واقعة ولم يدلّ نص ولا إجماع على علّة هذا الحكم، سلك المجتهد للتوصل إلى معرفة علّة هذا الحكم مسلك السبر والتقسيم: بأن يحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم،وتصلح لأن تكون العلّة وصفاً منها،ويختبرها وصفاً وصفاً على ضوء الشروط الواجب توافرها في العلّة، وأنواع الاعتبار الّذي تعتبر به، بواسطة هذا الاختبار يستبعد الأوصاف الّتي لا تصلح أن تكون علّة، ويستبقي ما يصلح أن يكون علّة، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف علّة.1
وما ذكره الأُستاذ خلاّف سهل في مقام البيان، ولكنّه شاق في مقام التطبيق، وإليك توضيح ذلك:
أوّلاً: يُحتمل أن يكون الحكم في الأصل معللاً عند اللّه بعلّة أُخرى غير ما ظنّه القائس، ففي قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزوّج البكر الصغيرة إلاّ وليّها» جُعل الملاك في صغر السنّ أو قصور العقل، ولذا ألحق بها أصحاب القياس الثيب الصغيرة، بل المجنونة والمعتوهة، وذلك بتخريج المناط وانّه هو

1 . علم أُصول الفقه :84.

صفحه 35
قصور العقل وليس للبكارة مدخلية في الحكم، فهل يمكن ادّعاء القطع بذلك، وقد قال سبحانه: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَليلاً)؟1
إذ الإنسان لم يزل في عالم الحسّ تنكشف له أخطاؤه، فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة، فكيف بملاكات الأحكام ومناطاتها المستورة عن العقل إلاّ في موارد جزئية كالإسكار في الخمر، أو إيقاع العداء والبغضاء في الميسر، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات؟ وأمّا ما يرجع إلى العبادات والمعاملات خصوصاً فيما يرجع إلى أبواب الحدود والديات فالعقل قاصر عن إدراك مناطاتها الحقيقية وإن كان يظن شيئاً.
قال ابن حزم: وإن كانت العلّة غير منصوص عليها، فمن أيّ طريق تعرف ولم يوجد من الشارع نصّ يبين طريق تعرفها؟ وترك هذا من غير دليل يعرّف العلّة ينتهي إلى أحد أمرين: إمّا أنّ القياس ليس أصلاً معتبراً، وإمّا أنّه أصل عند اللّه معتبر ولكن أصل لا بيان له وذلك يؤدي إلى التلبيس،وتعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، فلم يبق إلاّ نفي القياس.
ثانياً: لو افترضنا أنّ المقيس أصاب في أصل التعليل، ولكن من أين يعلم أنّها تمام العلّة، ولعلّها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضم إليه في الواقع ولم يصل القائس إليه؟
ثالثاً: احتمال أن يكون القائس قد أضاف شيئاً أجنبياً إلى العلّة الحقيقية لم يكن له دخل في المقيس عليه.

1 . الإسراء:85.

صفحه 36
رابعاً: احتمال أن يكون في الأصل خصوصية في ثبوت الحكم وقد غفل عنها القائس، ويعلم ذلك بالتدبّر في الأمثلة التالية:

1. قياس الولاية في النكاح بالميراث

يقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في الميراث    المقيس عليه
فيقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في ولاية النكاح    المقيس
فإنّ علّة التقديم في الميراث امتزاج الإخوة   وهو الجامع

2. قياس الجهل في المهر بالبيع

إنّ الجهل بالعوض يفسد البيع بالاتّفاق   المقيس عليه
فالجهل بالمهر يفسد النكاح   المقيس
لوجود المعاوضة والجهل فيها   الجامع

3. قياس ضمان السارق بالغاصب

إنّ الغاصب يضمن إذا تلف المال تحت يده   المقيس عليه
والسارق أيضاً يضمن وإن قطعت يده   المقيس
تلف المال تحت اليد العادية   الجامع
فإنّ تخريج المناط في هذه الموارد وعشرات من أمثالها تخريجات ظنية وهي بحاجة إلى قيام الدليل، وإلاّ فيمكن أن يكون للميراث

صفحه 37
خصوصية غير موجودة في النكاح أو يكون الجهل بالعوض مفسداً في البيع دون النكاح، لأنّ البيع مبادلة بين المالين بخلاف النكاح فإنّه علاقة تجمع بين شخصين، فالعلّة هو الجهل بالعوض لا الجهل بالمهر، والمهر ليس عوضاً.
وبسبب المخاطر الناجمة عن سلوك هذا الطريق، إذ كيف يتأتّى للعقل الفردي الإحاطة بأسرار التشريع ومناطاته حتّى يقف عن طريق السبر والتقسيم على ما هو المناط، نرى أنّ الإمام الشافعي يتشدّد في هذا الأمر قائلاً: ليس للحاكم أن يقبل، ولا للوالي أن يدع أحداً، ولا ينبغي للمفتي أن يفتي أحداً إلاّ متى ما يجتمع له أن يكون عالماً علم الكتاب... وعالماً بلسان العرب، عاقلاً يميز بين المشتبه، ويعقل القياس، فإن عدم بعضاً من هذه الخصال لم يحل له أن يكون قياساً.
ثمّ إنّ أبا زهرة بعد أن نقل كلام الشافعي هذا، يقول: وفي الحقّ أن تعرّف العلل واستخراجها من النصوص والأحكام هو عمل الفقيه الحاذق الّذي عالج النصوص وتحرى فهمها فهماً عميقاً، وتعرَّف مقاصد الشريعة في عمومها وفي خصوصها.1
والّذي يغرّ القائلين بالقياس في إمكان استخراج المناط هو الاستشهاد بأمثلة يكون المناط فيها واضحاً، كما فعل الغزالي حيث قال وهو يتحدث عن تنقيح المناط: مثاله: أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب ينوطه به وتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة فيجب حذفها عن

1 . أُصول الفقه:230.

صفحه 38
درجة الاعتبار حتّى يتسع الحكم: مثاله إيجاب العتق على الأعرابي حيث أفطر في رمضان بالوقاع مع أهله فإنّا نلحق به أعرابياً آخر بقوله(عليه السلام): حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، أو بالإجماع على أنّ التكليف يعمّ الأشخاص ولكنّا نلحق التركي والعجمي به، لأنّا نعلم أنّ مناط الحكم وقاع مكلّف لا وقاع أعرابي ونلحق به من أفطر في رمضان آخر، لأنّا نعلم أنّ المناط هتك حرمة رمضان لا حرمة ذلك الرمضان، بل نلحق به يوماً آخر من ذلك الرمضان; ولو وطأ أمته أوجبنا عليه الكفّارة، لأنّا نعلم أنّ كون الموطوءة منكوحة لا مدخل له في هذا الحكم، بل يلحق به الزنا، لأنّه أشدّ في هتك الحرمة، إلاّ أنّ هذه إلحاقات معلومة تنبئ على تنقيح مناط الحكم بحذف ما علم بعادة الشرع في موارده ومصادره في أحكامه أنّه لا مدخل له في التأثير.1
أقول: ما ذكره من المثال خارج عن محط النزاع لما عرفت من أنّ حذف الخصوصية في حديث الأعرابي إنّما هو من المداليل العرفية.
إنّما الكلام في الموارد الصعبة الّتي يُحار العقل في استخراج مناط الحكم فيها، وهل أنّ ما استخرجه هو المناط بعينه أو أنّ المناط غيره؟
وعلى فرض كونه مناطاً فهل هو مناط تام، أو جزء المناط؟ وبذلك يعلم أنّ أكثر من يستدلّ على حجّية القياس بإمكان استخراج مناطه يمثل بالخمر والنبيذ.

1 . المستصفى:2/232، ط مصر.

صفحه 39
قال الأُستاذ خلاّف: وكذا ورد النصّ بتحريم شرب الخمر ولم يدلّ نص على علّة الحكم، فالمجتهد يردّد العلية بين كونه من العنب أو كونه سائلاً أو كونه مسكراً، ويستبعد الوصف الأوّل لأنّه قاصر، والثاني لأنّه طردي غير مناسب، ويستبقي الثالث فيحكم بأنّه علّة.1

خاتمة المطاف: في مرتبته في الحجّية

إنّما يحتج بالقياس ـ على القول بحجّيته ـ إذا لم يكن هناك دليل نقلي كالكتاب والسنّة، أو إجماع من الفقهاء على حكم الموضوع، لأنّ حجّية القياس محدّدة بـ «ما لا نصّ فيه»، ولو افترضنا وجود النص، ينتفي القياس بانتفاء موضوعه.
قال عبد الوهاب خلاف: مذهب جمهور علماء المسلمين أنّ القياس حجّة شرعية على الأحكام العملية، وأنّه في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية، بحيث إذا لم يوجد في الواقعة حكم بنص أو إجماع، وثبت أنّها تساوي واقعة نُصَّ على حكمها، في علّة هذا الحكم، فإنّها تقاس بها ويحكم فيها بحكمها، ويكون هذا حكمها شرعاً، ويسع المكلّف اتّباعه و العمل به، وهؤلاء يطلق عليهم: مثبتو القياس.2
وقال الأُستاذ محمد مصطفى شلبي: كان على المجتهد الباحث عن أحكام اللّه إذا لم يجد الحكم في كتاب اللّه أو في سنّة رسول اللّه أو فيما

1 . علم أُصول الفقه:85.
2 . علم أُصول الفقه:61.

صفحه 40
أجمع عليه في عصر سابق، أن يبحث في الوقائع الّتي ثبت لها حكم بواحد من الأدلّة الثلاثة السابقة، عن واقعة تشبه الّتي يبحث عن حكمها، فإذا وجدها بحث عن المعنى الّذي من أجله شُـرّع حكمها وهو المسمّى في الاصطلاح بعلّة الحكم، فإذا عرفه ووجد أنّه موجود في الواقعة الجديدة غلب على ظنّه أنّهما متساويان في الحكم بناء على تساويهما في العلّة فيلحقها بها ويثبت لها حكمها.
وهذه العملية هي الّتي تسمّى القياس. وهو دليل نصبه الشارع لمعرفة الأحكام، لكنّه لا يلجأ إليه إلاّ إذا لم يجد ما هو أقوى منه، ولذلك كان في المرتبة الرابعة في قائمة الأدلّة.1
هناك عدّة ملاحظات:
الأُولى: إذا كان القياس دليلاً في ما لم يكن هناك دليل شرعي من الكتاب والسنّة والإجماع، فكيف يخصّص به عموم الكتاب وإطلاقه حيث ذهب الأئمّة الأربعة والإمام الأشعري وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي الحسين البصري إلى جوازه2، مع أنّ موضوعه ما لا نصّ فيه، والإطلاق والعموم دليل في المسألة.
وتوهّم أنّ القياس خاص، والخاص يقدّم على العام، غير تام، وذلك لأنّ الخاص إنّما يقدّم على العام فيما إذا ثبتت حجّيته في مقابل الكتاب،

1 . أُصول الفقه الإسلامي:189.
2 . لاحظ الإحكام للآمدي:2/213; تيسير التحرير:1/321.

صفحه 41
كالخبر المتواتر أو المستفيض أو خبر الواحد ـ على قول ـ لا ما إذا حدّدت حجّيته بـقيد «ما لا نصّ فيه» والمراد من النصّ مطلق الدليل والإطلاق والعام دليلان، ومع وجودهما لا موضوع للقياس حتّى يكون حجّة فيقدم عليه.
الثانية: إذا كانت أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) حجّة بنصّ حديث الثقلين، وثبت عند الفقيه السنّي صحّة الحديث المروي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) كان عليه الأخذ بالحديث مكان الأخذ بالقياس لعدم الموضوع للقياس بعد صحّة الخبر.
ولا عذر لهم في ترك التحرّي والتحقيق في الأحاديث المروية عن علي وأولاده(عليهم السلام).
الثالثة: انّ الأُستاذ مصطفى شلبي صرّح بأنّ الموجود في ذهن المجتهد هو غلبة الظن بأنّهما متساويان في الحكم، والتساوي فيه فرع الظن بالتساوي في العلّة، وإلاّ فلو كان هناك علم بالتساوي في العلّة التامة، لحصل العلم بالتساوي في الحكم، كما هو الحال في الحكم بحرمة النبيذ للعلم بتساويه مع الخمر في العلّة، وعندئذ يسأل ما هو الدليل على حجّية هذا الظن الّذي يُبنى عليه الفقه الإسلامي في مختلف الأبواب، وسيوافيك دراسة أدلّته.
ما تقدّم يسلّط الضوء على المقصود، وها نحن نذكر أدلّة نفاة القياس.
ثمّ نذكر أدلّة مثبتيه أيضاً، وذلك ضمن البحثين التاليين:

صفحه 42
 
البحث الأوّل:
أدلّة نفاة القياس
قد نسب إلى نفاة حجّية القياس أدلّة غير تامّة غالباً، فنحن نعرض عنها ونأتي بما هو الصحيح المتقن عندنا في عدم حجّيته:
وقد نقل الشيخ الطوسي أدلّة نفاة القياس وقال:«على جميعها اعتراض»، ثمّ ذكر الاعتراضات، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «عدة الأُصول» .1

الشكّ في الحجّية يساوق القطع بعدمها

إنّ الأثر تارة يترتّب على الوجود الواقعي للشيء كتحريم الخمر المترتّب على الخمر الواقعي،وأُخرى يترتّب على واقعه ومشكوكه معاً، كالطهارة حيث إنّ الطاهر الواقعي ومشكوك الطهارة كلاهما محكومان بالطهارة واقعاً أو ظاهراً.
وثالثة أُخرى يترتّب على الوجود العلمي للشيء بأن يكون معلوماً للمكلّف.

1 . عدة الأُصول: 2 / 667 ـ 668.

صفحه 43
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المراد من الحجّة في المقام هو ما يحتجّ به المولى على العبد، والعبد على المولى.
والغاية من جعل أمر ـ كالظن ـ حجّة هو كونه منجزاً للواقع إذا كان مصيباً وموافقاً للواقع، ومعذّراً للمكلّف إذا كان مخالفاً له، وهذا ما يعبّر عنه في علم الأُصول بأنّ الغاية من الحجية، هو المنجّزية والمعذّرية.
هذا من جانب ومن جانب آخر، انّ المنجزية والمعذرية ليستا من آثار الحجّة الواقعية و إن لم يقف عليها المكلّف،إذ في ظرف عدم الوقوف عليها، تكون البراءة الشرعية والعقلية محكّمة لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون»، وحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.
فعلى ضوء هذين الأمرين وفي ظرف الشكّ في حجّية ظن من الظنون كخبر الواحد أو القياس يكون الشاك قاطعاً بعدم الحجّية، وينتج الشكُ في الحجّية، القطع بعدمها، لما عرفت من أنّ الغاية منها هو المنجزية والمعذرية، وهما من آثار معلوم الحجّية لا مشكوكها.
وهنا بيان آخر ربّما يكون أوضح من السابق وهو:
إنّ البدعة أمر محرم إجماعاً من غير خلاف; وهي عبارة عن إدخال ما يعلم أنّه ليس من الدين أو يشكّ انّه منه، في الدين; والاعتماد على الظن الذي لم يقم دليل على جواز العمل والإفتاء على وفقه، التزام بكون مؤدّاه حكم اللّه في حقّه وحقّ غيره،وهذا هو نفس البدعة، لأنّه يُدخل في الدين ما يشكّ انّه من الدين.

صفحه 44
وبعبارة أُخرى: انّ العمل بالظن عبارة عن صحّة إسناد مؤدّاه إلى الشارع في مقام العمل، ومن المعلوم أنّ إسناد المؤدّى إلى الشارع والعمل به إنّما يصحّ في حالة الإذعان بأنّ الشارع جعله حجّة، وإلاّ يكون الإسناد تشريعاً قولياً وعملياً دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة،وليس التشريع إلاّ إسناد ما لم يعلم أنّه من الدين إلى الدين.
قال سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُل ءاللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُون).1
فالآية تدلّ على أنّ الإسناد إلى اللّه يجب أن يكون مقروناً بالإذن منه سبحانه، وفي غير هذه الصورة يعدّ افتراءً، سواء كان الإذن مشكوك الوجود كما في المقام أو مقطوع العدم، والآية تعمّ كلا القسمين، والمفروض أنّ العامل بالظن شاك في إذنه سبحانه ومع ذلك ينسبه إليه.
وقال سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون).2
تجد انّه سبحانه يذم التقوّل بما لا تُعلم حدوده من اللّه، سواء أكان مخالفاً للواقع أم لا، والعامل بالظن يتقوّل بلا علم.
وتترتّب على ذلك النتيجة التالية:
إنّ الضابطة الكلية في العمل بالظن هي المنع، لكونه تشريعاً قولياً

1 . يونس:59.
2 . الأعراف:28.

صفحه 45
وعملياً محرّماً وتقوّلاً على اللّه بغير علم، فالأصل في جميع الظنون ـ أي في باب الحجج ـ هو عدم الحجّية، إلاّ إذا قام الدليل القطعي على حجّيته.
وعلى ضوء ذلك فنفاة القياس في منتدح عن إقامة الدليل على عدم حجّيته، لأنّ الأصل عدم حجّية الظن إلاّ ما قام على حجّيته الدليل، وإنّما يلزم على مثبتي القياس إقامة الدليل القطعي على أنّ الشارع سوّغ العمل بهذا النوع من الظن كما سوغ العمل بخبر الثقة، ولو قام الدليل القطعي على حجّيته، لخرج عن البدعة وصار ممّا أذن اللّه به وممّا يُتعبَّد به، وهذا ما نبحثه في البحث الثاني. فإن ثبت الدليل القاطع على حجّية هذا الظن نخرج من الأصل بالدليل، وإلاّ كان الأصل هو المرجع.
 
البحث الثاني:
أدلّة مثبتي القياس
استدلّ القائلون بالقياس بوجوه من الأدلّة من الكتاب والسنّة والعقل. فلنقدّم البحث فيما استدلّوا به من الآيات.

الآية الأُولى: آية الرد إلى اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)

قال تعالى : (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي

صفحه 46
الأمرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْء فَرُدُّوهُ إِلى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُم تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً).1
لم تزل الآية يستدلّ بها كابر بعد كابر على حجّية القياس، ولبّ الدليل هو: «أنّ العمل بالقياس رد إلى اللّه سبحانه ورسوله» وإليك التفصيل:
إنّه سبحانه أمر المؤمنين إن تنازعوا واختلفوا في شيء، ليس للّه ولا لرسوله ولا لولي الأمر منهم فيه حكم، أن يردّوه إلى اللّه والرسول، وردّه وإرجاعه إلى اللّه وإلى الرسول يشمل كلّ ما يصدق عليه أنّه ردّ إليهما، ولا شكّ أنّ إلحاق ما لا نصّ فيه بما فيه نصّ لتساويهما في علّة حكم النص; من رد ما لانصّ فيه إلى اللّه والرسول، لأنّ فيه متابعة للّه ولرسوله في حكمه.2
وقال أبو زهرة: وليس الرد إلى اللّه وإلى الرسول إلاّ بالتعرّف على الأمارات الدالّة منهما على ما يرميان إليه، وذلك بتعليل أحكامهما والبناء عليها، وذلك هو القياس.3
وقال محمد مصطفى شلبي: وفي هذه الآية يأمر اللّه المؤمنين عند الاختلاف والتنازع في شيء ليس للّه ولا لرسوله حكم صريح فيه أن يردّوه إلى اللّه ورسوله، ومعنى الردّ إلى اللّه والرسول إرجاع المختلف فيه إلى

1 . النساء:59.
2 . علم أُصول الفقه :61.
3 . أُصول الفقه:207.

صفحه 47
كتاب اللّه وسنّة رسوله، فيلحق النظير بنظيره، وما تنازعته الأشباه يلحق بأقربها شبهاً، ولا يتحقّق ذلك إلاّ في الاشتراك بالعلّة فيؤول الأمر إلى الأمر بالقياس.1
ولا يخفى أنّ القوم كلّهم قد ضربوا بسهم واحد بمعنى انّهم عبّروا عن حقيقة واحدة بألفاظ متقاربة.
والّذي يجب علينا هو تحديد معنى «الرد إلى اللّه ورسوله»، ليتبين أنّ العمل بالقياس ردٌّ إلى اللّه ورسوله، أو هو عمل بالظن بأنّه حكم اللّه.
أقول: إنّ الرد إلى اللّه سبحانه ورسوله يتحقّق إمّا بالرجوع إليهم وسؤالهم عن حكم الواقعة، قال سبحانه:(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُون).2
أو إرجاعها إلى الضابطة الكلّية الّتي ذكرها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمثلاً إذا شككنا في لزوم شرط ذكره المتعاقدون في العقد وعدمه، فنرجع إلى الضابطة الّتي ذكرها الرسول في باب الشروط وقال: «إنّ المسلمين عند شروطهم، إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً».
قال القرطبي في تفسير قوله : (فَرُدُّوهُ إلَى اللّهِ وَالرَّسُول) أي ردّوا ذلك الحكم إلى كتاب اللّه، أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر إلى سنّته بعد وفاته. وهذا قول مجاهد والأعمش وقتادة وهو الصحيح ـ إلى أن

1 . أُصول الفقه الإسلامي:200; ولاحظ أُصول السرخسي:2/129 وغيره.
2 . الأنبياء:7.

صفحه 48
قال ـ : وقد استنبط عليّ (عليه السلام) ـ مدّة أقلّ الحمل ـ وهو ستّة أشهر من قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)1 وقوله تعالى:(وَالْوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ)2، فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهراً بقيت ستة أشهر.
وأين هذا(أي الرد إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله)، من الرجوع إلى القياس، لأنّ قياس ما لا نصّ فيه على ما نصّ فيه لأجل تساوي الواقعتين في شيء أو في أشياء نحتمل أو نظنّ أن تكون جهة المشاركة هي العلّة لبناء الحكم، ليس ردّاً إلى اللّه ورسوله، لأنّ العلّة، ليست منصوصة في كلامه أو كلام نبيّه، بل مستنبطة بطريق من الطرق الّتي لا نذعن بإصابتها بل عملاً بالظن بأنّه حكم اللّه.
وبذلك يظهر ضعف تفسير الشيخ أبي زهرة الآنف الذكر، ذلك أنّ الاهتداء بتعليل الأحكام إلى نفسها إنّما يصحّ إذا كانت العلّة مذكورة في كلامه سبحانه أو كلام رسوله، لا ما إذا قام العقل الظنّي باستخراج العلّة بالسبر والتقسيم أو بغيرهما من الطرق.
وحصيلة الكلام أوّلاً: أنّه لا مشاحة في الكبرى وهي:
وجوب الرد إلى اللّه ورسوله، وإنّما النزاع في الصغرى وهي: هل العمل بالقياس ردّ إلى اللّه ورسوله، أو عمل بالظن بأنّه حكم اللّه؟ وذلك

1 . الأحقاف:5.
2 . البقرة:233.

صفحه 49
لأنّ العلّة لو كانت منصوصة في كلامه سبحانه أو في كلام نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أو ما حصل اليقين بكونه العلّة، يصحّ أنّه ردّ إلى اللّه، لأنّه عمل بالتعليل الشامل للأصل والفرع.
وأمّا إذا كانت العلّة مظنونة، أي نحتمل انّها العلّة أو أنّها جزء علّة أو أنّ العلّة غيرها، فمع هذه الاحتمالات كيف يصدق عليه أنّه ردّ إلى اللّه ورسوله؟!
وثانياً: انّ الآية نزلت في مورد التخاصم والتحاكم، كما يدلّ عليه قوله سبحانه في نفس الآية:(فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيء فَرُدُّوهُ إِلى اللّهِ وَالرَّسُولِ)، وقوله سبحانه بعد هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُريدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه)1. ومن المعلوم أنّ الرجوع إلى القياس الظني لا يفضّ نزاعاً ولا يقطع اختلافاً، وإنّما يقطع النزاع الرجوعُ إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله اللّذين لا يختلف فيهما اثنان، ولذلك تختلف فتاوى العلماء القائلين بحجيّة القياس في موارد كثيرة حيث إنّ البعض يرى توفر شروط العمل به دون البعض الآخر، ومثله لا يقطع الخصومة.
وثالثاً: انّ مصب الآية هو التنازع فلو دلّت الآية على حجّية القياس في باب التحاكم لاختصت دلالتها به، وتعميمها إلى باب الإفتاء، يحتاج إلى دليل والتمسّك بالقياس في هذا المورد،يستلزم الدور، لأنّ حجّية الآية في

1 . النساء:60.

صفحه 50
مورد الإفتاء تتوقّف على حجّية القياس، والمفروض، انّ حجيته موقوفة على دلالة الآية.

الآية الثانية: آية الاعتبار

قال سبحانه:(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لأوّلِ الْحَشرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّهِ فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيِهِمْ وَأَيْدِي الْمؤمِنينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصارِ).1
والحشر هو الاجتماع، قال سبحانه: (وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحىً)2، وهو كناية عن اللقاء بين اليهود (بني النضير المقيمين في المدينة) والمسلمين.

كيفية الاستدلال

إنّه سبحانه ذكر ما حلّ بهم ونبّه على علّته وسببه ثمّ أمر بالاعتبار وذلك تحذير من مشاركتهم في السبب، فلو لم تكن المشاركة في السبب تقتضي المشاركة في الحكم، ما كان لهذا القول معنىً.3
يقول الأُستاذ محمد مصطفى شلبي: وهو تحذير لهم وبيان أنّ سنّة

1 . الحشر:2.
2 . طه:59.
3 . عدة الأُصول:2/673.

صفحه 51
اللّه في خلقه أنّ ما جرى على الشيء يجري على نظيره وأنّ المسببات مرتبطة بأسبابها، فإذا وجد السبب وجد المسبب، وما القياس إلاّ إلحاق النظير بنظيره في إعطائه حكمَه وربط للحكم بعلته يوجد معهما حيثما وجدت،فتكون الآية أمراً بأمر عام يشمل القياس وغيره، والأمر يفيد المشروعية بصرف النظر عن كونه للوجوب أو الندب.1
وقال عبد الوهاب خلاّف: وهذا يدلّ على أنّ سنّة اللّه في كونه،
أنّ نعمه ونقمه وجميع أحكامه هي نتائج لمقدّمات أنتجتها، ومسببات لأسباب ترتّبت عليها، وأنّه حيث وجدت المقدّمات نتجت عنها نتائجها، وحيث وجدت الأسباب ترتّبت عليها مسبباتها،وما القياس إلاّ سيرٌ
على هذه السنن الإلهي، وترتيب المسبب على سببه في أيّ محل وجد فيه.2
يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ المثبت والنافي ركّزا على تفسير قوله سبحانه: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصارِ) فالمثبت يقول: إنّ لفظ الاعتبار من العبرة، وهو العبور من شيء إلى شيء، فيدلّ على أنّ من وظائف الإنسان هو العبور من شيء إلى مشابهه. فالقياس من تلك المقولة، أي عبور من الأصل إلى الفرع.
ولكن نفاة القياس يركّزون على أنّ المراد هو الاتّعاظ، أي فاتّعظوا بقصة بني النضير، وأين هو من القياس؟!

1 . أُصول الفقه الإسلامي:199.
2 . علم أُصول الفقه:62.

صفحه 52
أقول: سواء أفسِّر الاعتبار بالاتّعاظ أم بالعبور من شيء إلى شيء، فإنّ المرمى في كليهما واحد، لأنّ الاتّعاظ أيضاً لا يخلو من العبور، أي العبور ممّا شاهد إلى ما لم يشاهد.
وبذلك يظهر أنّ النزاع في قوله: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصارِ) نزاع لا طائل تحته. إنّما الكلام في كون الاعتبار بالمسائل الكونية الّتي هي سنن اللّه سبحانه،هل هي من مقولة القياس أو لا صلة لها به؟
والتحقيق هو الثاني، وذلك لأنّ من شرائط العمل بالقياس هو أن لا يكون الدليل الدالّ الّذي دلّ على العلّة، متناولاً حكم الفرع لا بعمومه ولا بخصوصه، فإذا كان الدليل الدالّ على العلّة شاملاً للفرع والأصل في درجة واحدة غير أنّ أحد المصداقين كان ملموساً والآخر غير ملموس، فهذا خارج عن كونه قياساً، والمقام من تلك المقولة.
توضيحه: انّ الآية بصدد بيان سنّة اللّه في الظالمين من غير فرق بين بني النضير وغيرهم، و أنّ إجلاء بني النضير من قلاعهم وتخريبهم بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين كان جزاء لأعمالهم الإجرامية ومن مصاديق تلك الضابطة الكلّية، حيث إنّه سبحانه وتعالى يعذب الكافر والمنافق والظالم بألوان العذاب ولا يتركه، فليس هناك أصل متيقّن ولا فرع مشكوك حتّى نستبين حكم الثاني من الأوّل بواسطة المشابهة، بل كلّ ذلك فرض على مدلول الآية.
وكم لها من نظائر في القرآن الكريم، قال سبحانه: (فَسِيرُوا فِي

صفحه 53
الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبينَ * هذا بَيَانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقينَ).1
وقال سبحانه: (فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظّالِمينَ بِبَعيد).2
وأدلّ دليل على أنّ الآية ليست بصدد بيان حجّية القياس، هو أنّك لو وضعت كلمة أهل القياس مكان قوله: (أُولي الأَبْصارِ) فقلت: فاعتبروا يا أهل القياس، لعاد الكلام هزلاً غير منسجم.
وثانياً: نفترض أنّ الآية بصدد بيان أنّ حكم النظير، يستكشف من حكم النظير، ولكن مصبّها هو الأُمور الكونيّة لا الأُمور التشريعية والأحكام الاعتبارية، فتعميم مدلول الآية من الأُولى إلى الثانية يحتاج إلى دليل، وإثبات التعميم بالتمسّك بالقياس مستلزم للدور.
وثالثاً: نفترض أنّها بصدد إضفاء الحجّية على القياس في التشريع أيضاً، وأنّ حكم الفرع يعلم من حكم الأصل فيما إذا توفّرت علّة الحكم بينهما بحيث يجعلهما كصنوان على أساس واحد، ولكن ما هو المسلك الكاشف عن توفّر العلّة، فالآية ساكتة عنه، فهل المسلك الكاشف هو:
1. تنصيص الشارع عليها في كلامه؟

1 . آل عمران:137ـ 138.
2 . هود:82ـ 83.

صفحه 54
2. أو الإجماع على وحدة العلّة؟
3. أو تنقيح المناط حسب فهم العرف من الكلام؟
4. أو تخريج المناط بالسبر والتقسيم؟
وبما أنّ الآية ساكتة عن هذه الجهة فلا يصحّ الاستدلال بها على حجّية القياس على وجه الإطلاق.

الآية الثالثة: آية النشأة الأُولى

قال سبحانه: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظامَ وَهِيَ رَميمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الّذي أَنْشَأها أَوّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ).1
وجه الاستدلال: أنّ الآية الثانية جواب لما ورد في الآية الأُولى، أعني: قوله: (مَنْ يُحْيِي الْعِظامَ وَهِيَ رَميم) فأُجيب بقياس إعادة المخلوقات بعد نشأتها، على بدء خلقها وإنشائها أوّل مرة ليقنع الجاهلين بأنّ من يقدر على خلق الشيء، وإنشائه أوّل مرّة، قادر على أن يعيده مرة ثانية.
وهذا الاستدلال بالقياس، إقرار بحجّيته وصحّة الاستدلال به.2
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ اللّه سبحانه لم يُرد الحديث عن القياس، فهو أجلّ من أن يَقيس شيئاً على شيء، وإنّما أراد الاستدلال وإلقاء البرهان، فأشار إلى سعة قدرته ووجود الملازمة بين القدرة على إنشاء العظام

1 . يس:78ـ 79.
2 . علم أُصول الفقه :62.

صفحه 55
وإيجادها أوّل مرّة بلا سابق وجود، وبين القدرة على إحيائها من جديد، بل القدرة على الثاني أولى، فإذا ثبتت الملازمة بين القدرتين والمفروض أنّ الملزوم وهي القدرة على إنشائها أوّل مرّة موجودة، فلابدّ أن يثبت اللازم، وهي القدرة على إحيائها وهي رميم، فأين هو من القياس؟!
و لو صحّت تسمية الاستدلال قياساً، فهو من باب القياس الأولوي الذي فرغنا عن كونه خارجاً عن مورد النزاع.
ويدلّ على ذلك أنّه سبحانه لم يقتصر على هذا البرهان، بل أشار إلى سعة قدرته بآية أُخرى بعدها وقال: (أَوَ لَيْسَ الّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَليمُ).1
والآيات كسبيكة واحدة، والهدف من ورائها تنبيه المخاطب على أنّ استبعاد إحياء العظام الرميمة في غير محلّه، إذ لو كانت قدرته سبحانه محدودة لكان له وجه، وأمّا إذا وسعت قدرته كلّ شيء بشهادة أنّه خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً، وخلق السماوات والأرض وخلقها أعظم من الإنسان، لكان أقدر على معاد الإنسان وإحياء عظامه الرميمة.
وليس كلّ استدلال عقلي، قياساً.
وثانياً: لو سلّمنا بدلالة الآية على حجّية القياس، فإنّ مصبّها هو قياس الأُمور الكونيّة بعضها ببعض فيما إذا كانت الجهة المشتركة بين المقيس والمقيس عليه أمراً واضحاً، كالشمس في رائعة النهار، وأين هذا من القياس

1 . يس:81.

صفحه 56
في الأُمور التشريعية الاعتبارية في الموارد التي يصل المجتهد فيها إلى الجهة المشتركة بالسبر والتقسيم وربّما بالظن بوجود العلة المشتركة، فتعميم مفاد الآية، إلى التشريع لا يصحّ إلاّ بضرب من القياس، والاستدلال عليه بالآية عندئذ يستلزم الدور، كما مرّ نظيره.

الآية الرابعة: آية جزاء الصيد

قال سبحانه: (لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ هَدْياً بِالِغَ الْكَعْبَةِ).1
قال الشافعي: فأمرهم بالمثل، وجعل المثل إلى عدلين يحكمان فيه، فلمّا حُرِّم مأكولُ الصيد عامّاً، كانت لدوابّ الصيد أمثال على الأبدان. فحكم مَن حكم من أصحاب رسول اللّه على ذلك، فقضى في الضَّبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق،وفي اليربوع بجفرة.2
والعلم يحيط أنّهم أرادوا في هذا، المِثْلَ بالبدن لا بالقِيَم،ولو حكموا على القيم اختلفت أحكامهم، لاختلاف أثمان الصيد في البلدان، وفي الأزمان وأحكامهم فيها واحدة.
والعلم يحيط أنّ اليربوع ليس مثل الجفرة في البدن، ولكنّها كانت

1 . المائدة:95.
2 . العَناق، هي الأُنثى من أولاد المعز، ما لم يتمّ له سنة، والجفرة ما لم يبلغ أربعة أشهر، وفصل عن أُمّها وأخذ في الرعي.

صفحه 57
أقرب الأشياء منه شَبهاً، فجعلت مثله، وهذا من القياس، يتقارب تقارب العنز والظبي،ويبعد قليلاً بُعْدَ الجفرة من اليربوع.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الآية تدلّ على أنّه يشترط في الكفّارة أن تكون مماثلة لما قتله من النعم إمّا مماثلة في الخلقة كما هو المشهور أو المماثلة في القيمة كما هو المنقول عن إبراهيم النخعي، وعلى أيّ تقدير فلا صلة له بحجّية القياس في استنباط الأحكام الشرعية وكونه من مصادرها، لأنّ أقصى ما يستفاد من الآية أنّ المُحْرِم إذا قتل الصيد متعمّداً فجزاؤه هو ذبح ما يُشبه الصيد في الخلقة كالبدنة في قتل النعامة،والبقرة في قتل الحمار الوحشي وهكذا، وهل اعتبار التشابه في مورد يكون دليلاً على أنّ الشارع أخذ به في جميع الموارد، أو يقتصر بمورده ولا يصحّ التجاوز عن
المورد إلاّ بالقول بالقياس غير الثابت إلاّ بهذه الآية، وهل هذا إلاّ دور واضح؟
إنّ وزان التمسّك بالآية في حجّية القياس نظير الاستدلال عليها بقول الفقهاء في ضمان المثلي بالمثلي والقيمي بالقيمي، حيث اقتصر في براءة الذمّة، بالمماثلة، في العين أو قيمتها.
وثانياً: أنّ محطّ البحث هو كون القياس من مصادر التشريع للأحكام الشرعية الكلّية، وأين هذا من كون التشابه معياراً في تشخيص مصداق الواجب على الصائد؟

1 . الرسالة:490ـ491.

صفحه 58
وربّما يستدلّ بالآية بوجه آخر، وهو انّه سبحانه أوجب المثل وجعل طريق تشخيص المماثلة هو الظن.
يلاحظ عليه: أنّ حجّية الظنّ في مورد لا يكون دليلاً على اعتباره في سائر الموارد كما سيوافيك.
وقد استدلّ الشوكاني بوجه ثالث قريب من الوجه الثاني، وهو انّه سبحانه أوجب المثل ولم يقل أيّ مثل فوكّل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا، نظيره أنّه أمر بالتوجّه إلى القبلة بالاستدلال وقال: (حَيْثُ مَاكُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).1
يلاحظ عليه: أنّ الشارع وإن ترك لنا تشخيص الموضوعات، إلاّ أنّه جعل لها طرقاً كالبيّنة، وقال «يحكم به ذوا عدل» مضافاً إلى الطرق العلمية في مورد القبلة.
ثمّ إنّ القوم استدلّوا بآيات أُخرى تفتقد كثيراً إلى الدلالة، فالأولى صرف عنان الكلام إلى الاستدلال بالسنّة.

1 . البقرة:236.

صفحه 59
 
الاستدلال بالسنّة
استدلّ مثبتو القياس بروايات متعدّدة، نذكر منها ما يصلح للدراسة في بدء النظر ونضرب صفحاً عمّا لا يصلح لها.

1. حديث معاذ بن جبل

احتجّ غير واحد من مثبتي القياس بحديث معاذ. فقد روي أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا بعثَ معاذاً إلى اليمن قال له: بم تحكم؟ قال: بكتاب اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: الحمد للّه الّذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضي اللّه ورسوله.
يقول الشلبي: هذا الحديث أقرّ مبدأ الاجتهاد بالرأي، حيث لا يوجد نصّ من القرآن والسنّة، و الاجتهاد بالرأي عام شامل للقياس وغيره، فيكون القياس مشروعاً بإذن رسول اللّه.1
هذا ويظهر من الإمام الشافعي أنّ الاجتهاد يساوي القياس وليس أعمّ منه. قال: فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ ثمّ أجاب: أنّهما اسمان لمعنى واحد.

1 . أُصول الفقه الإسلامي:200.

صفحه 60
وقال في موضع آخر: أمّا الكتاب والسنّة فيدلاّن على ذلك، لأنّه إذا أمر النبيّ بالاجتهاد، فالاجتهاد أبداً لا يكون إلاّ على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلاّ بدلائل، والدلائل هي القياس.1
وقال أبو الحسين البصري: وجه الاستدلال به أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)صوّبه في قوله: أجتهد رأيي عند الانتقال من الكتاب والسنّة، فعلمنا أنّ قوله: أجتهد رأيي، لم ينصرف إلى الحكم بالكتاب والسنّة.2
يلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فإنّ الاستدلال بحديث معاذ فرع صحّة السند وإتقان الدلالة.
ومن سوء الحظ أنّ السند مخدوش والدلالة مثله.
أمّا السند فينتهي إلى الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص.3
قال البخاري: لا يصحّ حديثه. وقال الذهبي: تفرّد به أبو عون محمد ابن عبيد اللّه الثقفي عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة، وما روى عن الحارث غير ابن عون، فهو مجهول.4
نعم ربّما يحاول تصحيح الحديث بما ذكره الغزالي بقوله:« إنّ الأُمّة

1 . الرسالة:477و 505.
2 . المعتمد:2/222.
3 . مسند أحمد:5/230; سنن الدارمي:170; سنن أبي داود:3/303 برقم 3593; سنن الترمذي:3/616 برقم 1328.
4 . ميزان الاعتدال:1/439 برقم1635.

صفحه 61
تلقّته بالقبول». ولكن خفي عليه أنّ الاستدلال به على القياس جعله مشهوراً، وتصوّر أنّ الأُمّة تلقّته بالقبول، حتّى أنّ الجوزجاني قد أورده في «الموضوعات» وقال: هذا حديث باطل، رواه جماعة عن شعبة، وقد تصفّحت هذا الحديث في أسانيد الكبار والصغار، وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه، فلم أجد له طريقاً غير هذا... إلى أن قال: فإن قيل: إنّ الفقهاء قاطبة أوردوه واعتمدوا عليه. قيل: هذا طريقه والخلف قلّد السلف.1
وأمّا الدلالة ـ إذا افترضنا صحّة الحديث ـ فيلاحظ عليها أنّها مبنيّة على مساواة الاجتهاد بالقياس أو شموله له، وكلا الأمرين ممنوعان، بل الظاهر أنّ المراد من الاجتهاد هو الاجتهاد في كتاب اللّه وسنّة رسوله حتّى يتوصّل إلى حكم اللّه عن طريقهما.
فإن قلت: لا يصحّ تفسير الاجتهاد في الحديث، بالاجتهاد في كتاب اللّه وسنّة رسوله، لأنّ الفقيه إنّما ينتهي إلى الاجتهاد بعد ما لم يجد حكم الموضوع في كتاب اللّه وسنّة رسوله، وعندئذ لا معنى أن يفسّر قوله: «اجتهد رأيي» أي اجتهد في كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
قلت: الأحكام الواردة في القرآن والسنّة على قسمين:
قسم موجود في ظواهر الكتاب والسنّة ولا يحتاج في الوقوف عليه إلى بذل الجهد، بل يعرفه كلّ من يعرف اللغة.

1 . عون المعبود شرح سنن أبي داود: 9/510.

صفحه 62
وقسم منه غير موجود في ظواهر الكتاب والسنّة لكن يمكن التوصّل إليها عن طريقهما بالتدبّر فيهما، وهذا هو الاجتهاد الدارج بين العلماء. فأين هذا من القياس الّذي ورد فيه النصّ على حكم الأصل دون الفرع؟!
قال المرتضى: لا ينكر أن يكون معنى قوله: «أجتهد رأيي» أي أجتهد حتّى أجد حكم اللّه تعالى في الحادثة، من الكتاب والسنّة، إذ كان في أحكام اللّه فيهما ما لا يتوصّل إليه إلاّ بالاجتهاد، ولا يوجد في ظواهر النصوص فادّعاؤهم أنّ إلحاق الفروع بالأُصول في الحكم لعلّة يستخرجها القياس، هو الاجتهاد الّذي عناه في الخبر، ممّا لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه.1
والحاصل: أنّ الاستدلال بالحديث مبني على اختصاص الاجتهاد بالقياس أو شموله له وهو موضع شكّ، بل القدر المتيقّن من الحديث هو الاجتهاد المألوف في عصر النبي، وهو بذل الجهد في فهم الكتاب والسنّة وما عليه المسلمون.
وثانياً: كان مصب القضاء غالباً هو الشبهات الموضوعية دون الحكمية،ويمكن فصل الخصومة فيها بقاعدة العدل والإنصاف، أو بما هو المعروف بين العرف والعقلاء، ممّا يرضى به المتخاصمان، وأين هو من القياس في الأحكام الشرعية؟!
وثالثاً: أنّ تجويز القياس في القضاء لا يكون دليلاً على تجويزه في

1 . الذريعة:2/776.

صفحه 63
الإفتاء، لأنّ القضاء أمر لا يمكن تأخيره، بخلاف الإفتاء، فالاستدلال بجواز القياس في القضاء على جوازه في الإفتاء، مبنيّ على صحّة القياس، وهو دور واضح.
ورابعاً: أنّ القضاء منصب خطر، إذ به تصان الدماء والأعراض والأموال، كما به تباح النواميس والشؤون الخطيرة، فهل يمكن أن يبعث النبي رجلاً ويخوّل له النبي التصرف في مهام الأُمور، بإعمال الرأي من دون أن يحدّده على وجه يصونه عن الخطأ ومجانبة الواقع، والقائلون بحجّية القياس ذكروا لإعماله شروطاً وموانع لم يكن معاذ يعرف معشارها، ومعه كيف بعثه وقرر عمله بالقياس وهو غير عارف بالشروط والموانع؟! وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المراد من الاجتهاد هو استخراج حكم الواقعة من المصدرين ـ الكتاب والسنّة ـ بالتأمّل فيهما، لا إعمال الرّأي بأقسامه المختلفة الّتي ربّما لا تمس الواقع غالباً.
وهذا يكشف عن وجود خصوصية في معاذ تصدّه عن استعمال الرأي الخارج عن حدود الكتاب والسنّة، وإلاّ لما خوّله أمر القضاء من دون تحديده.
ويشهد على ما ذكرنا ما حكي من سيرة معاذ حيث إنّه لم يكن يجتهد برأيه في الأحكام وإنّما كان يتوقّف حتّى يسأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
روى يحيى بن الحكم أنّ معاذاً قال: بعثني رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أُصدِّق أهل اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كلّ ثلاثين تبيعاً، ومن كلّ أربعين

صفحه 64
مُسِنَّةً قال: فعرضوا عليّ أن آخذ من الأربعين فأبيت ذاك، وقلت لهم: حتّى أسأل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك.
فقدمتُ، فأخبرت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمرني أن آخذ من كلّ ثلاثين تبيعاً، ومن كلّ أربعين مُسِنَّة.1
فإذا كانت هذه سيرته فكيف يقضي بالظنون والاعتبارات؟!

2. حديث الخثعمي

أخرج النسائي عن عبد اللّه بن الزبير قال جاء رجلُ من خثعم إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّ أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب وأدركته فريضة اللّه في الحجّ فهل يجزئ أن أحجّ عنه؟ قال: أنت أكبر ولده، قال: نعم، قال: أرأيت لو كان عليه دينٌ أكنت تقضيه؟ قال: نعم، قال: فحجّ عنه.2
وأخرج النسائي عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول اللّه إنّ أبي مات ولم يحجّ أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دَيْن أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين اللّه أحقّ.3
وأخرج النسائي عن عبد اللّه بن عباس: أنّ رجلاً سأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ أبي أدركه الحجّ وهو شيخٌ كبيرٌ لا يثبت على راحلته فإن شددته خشيت أن

1 . مسند أحمد:5/240; المسند الجامع:15/230.
2 . سنن النسائي:5/117، باب تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين.
3 . المصدر نفسه.

صفحه 65
يموت، أفأحجّ عنه؟ قال: أرأيت لو كان عليه دينٌ فقضيته أكان مجزئاً؟ قال: نعم. قال: فحجّ عن أبيك.1
وقد استدلّ بهذا الحديث بصوره المختلفة الّتي رواها النسائي وغيره، على حجّية القياس.
يقول السرخسي: هذا تعليم المقايسة وبيان لطريق إعمال الرأي.2
وقال الآمدي: إنّه ألحق دَيْن اللّه بدَيْن الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس.3
يلاحظ على الاستدلال بهذا الحديث بصوره المختلفة بوجهين:
الأوّل: أنّ القياس الوارد في كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من باب القياس الأولوي،وذلك لأنّه إذا وجب الوفاء بحقوق الناس حسب النص فحقوق اللّه أولى بالقضاء والوفاء ـ كما نصّ عليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديث ـ و أين هذا من مورد النزاع؟! وقد تقدّم أنّ القياس الأولويّ عمل بالنصّ، لأنّه مدلول عرفي وليس عملاً بالقياس.
الثاني: أنّ القياس من أقسام الاستنباط وهو استخراج حكم الفرع من الأصل بالدقّة وإعمال النظر وبعد التأنّي والتفكير، وذلك لأنّ الحكم يكون في الأصل منصوصاً، وفي الفرع غير منصوص، فيُستنبط حكم الفرع من دليل الأصل بفضل القياس.

1 . المصدر نفسه.
2 . أُصول الفقه:2/130.
3 . الإحكام:3/78.

صفحه 66
ولكن المقام يفقد هذا الشرط، فإنّ الأصل والفرع على صعيد واحد ، ومنضويان تحت ضابطة واحدة،وهي وجوب قضاء الدين.
فإنّ اسم الدين يقع على الحجّ كوقوعه على المال، وإذا كان كذلك دخل في قوله تعالى:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْن)1. ومع التنبيه على العلّة قد أثبت الحكم في الفرع والأصل معاً، وما هذا حاله لا يدخل في القياس.2
وإن شئت قلت: إنّ المخاطب كان يحضره حكم أحد الموردين دون الآخر، فأرشده النبي إلى ما كان يحضره من قضاء دين الناس، حتّى ينتقل إلى حكم ما لا يحضره، بحجة أنّ الموردين من أقسام الضابطة الكلية، أعني: وجوب أداء الحق ممّن عليه، إلى من له، من غير فرق بين كونه من حقوق اللّه أو حقوق الناس.
إنّ ما ورد في هذه الأحاديث ليس من القياس في شيء، بل من قبيل تطبيق الكبرى على الصغرى. فالكبرى ـ و هي مطوية ـ «كلّ دين يُقضى» هي في واقعها أعمّ من ديون اللّه وديون الآدميين،وقد طبقها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على دين اللّه لأبيه، فحكم بلزوم القضاء، وأين هذا من القياس المصطلح؟3
إنّ المقام أشبه بما يقال: إنّ من شرائط الاستدلال بالقياس أن لا

1 . النساء:11.
2 . انظر عدّة الأُصول:2/718.
3 . الأُصول العامّة للفقه المقارن:329.

صفحه 67
يتناول دليل الأصل، إثبات الحكم في الفرع، وإلاّ لغى التمسّك بالعلّة المشتركة، كما إذا قيل: النبيذ حرام بجامع الإسكار الموجود في الخمر، فإنّ دليل الأصل كاف في إثبات الحكم له من دون حاجة إلى التعليل، وهو قوله: «كلّ مسكر خمر وكلّ مسكر حرام».1
وجه الشبه: انّ الكبرى الشرعية: «يجب قضاء الدين» يتناول حكم الفرع كما يتناول حكم الأصل، غير أنّ المخاطب كان غافلاً عن أحد الفردين، نبّه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه مثل حق الناس يجب قضاؤه.

3. حديث عمر

عن جابر بن عبداللّه، عن عمر بن الخطاب، قال: هششت فقبَّلتُ وأنا صائم، فقلت: يا رسول اللّه أتيت أمراً عظيماً قبّلتُ وأنا صائم، فقال: «أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟» فقلت: لا بأس بذلك، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ففيم».2
قال السرخسي: هذا تعليم المقايسة، فإنّ بالقبلة يُفتتح طريق اقتضاء الشهوة ولا يحصل بعينه اقتضاء الشهوة، كما أنّ بإدخال الماء في الفم يفتح طريق الشرب ولا يحصل به الشرب.3
وقال ابن قيّم الجوزية: ولولا أنّ حكم المثل حكم مثله،وأنّ المعاني

1 . انظر: مباحث العلّة في القياس: 225.
2 . سنن أبي داود:2/311، كتاب الصوم رقم 2385; مسند أحمد:1/21.
3 . أُصول الفقه:2/130.

صفحه 68
والعلل مؤثرة في الأحكام نفياً وإثباتاً، لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى، فذكر ليُدلّ به على أنّ حكم النظير حكم مثله، وأنّ نسبة القبلة الّتي هي وسيلة للوطء كنسبة وضع الماء في الفم الّذي هو وسيلة إلى شربه، فكما أنّ هذا الأمر لا يضرّ، فكذلك الآخر.1
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ الحديث يمكن الاستدلال به على بطلان القياس لا على إثباته، لأنّ عمر ظنّ أنّ القُبلة تبطل الصوم قياساً على الجماع، لاشتراكهما في كونهما من أسباب الالتذاذ الجنسي، فردَّ عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ الأشياء المماثلة المتقاربة لا تتساوى أحكامها.
وثانياً: أنّ القياس عبارة عن استفادة حكم الفرع من حكم الأصل، بحيث يستمد الفرع حكمه من الأصل، وليس المقام كذلك، بل كلاهما على مستوى واحد كغصني شجرة.
وإن شئت قلت: إنّ المبطل هو الشرب لا مقدّمته (المضمضة)، كما أنّ المبطل هو الجماع لا مقدّمته(القُبلة)، فبما أنّ المخاطب كان واقفاً على ذلك الحكم في الشرب ، دون الجماع، أرشده النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى تشبيه القُبلة بالمضمضة إقناعاً للمخاطب، لا استنباطاً للحكم من الأصل.
وكم فرق بين كون المتكلم في مقام استنباط حكم الفرع من الأصل،

1 . إعلام الموقعين:1/199.

صفحه 69
وكونه في مقام إرشاد المخاطب إلى حكم اللّه وإقناعه بالمثال؟ وهذا المورد وما تقدّم من قبيل الثاني دون الأوّل.

4. حديث الأعرابي

روى البخاري عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)جاءه أعرابيّ فقال: يا رسول اللّه إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود(وإني أنكرته)، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق1»؟ قال: نعم، قال: «فأنّى كان ذلك؟»، قال: أراه عرق نزع، قال: «فلعلّ ابنك هذا عرق نزعه2» .3
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الأصل المقرر في الشرع هو أنّ الولد للفراش، ولمّا كان الأعرابي بصدد نفي الولد بحجة عدم التوافق في اللون حاول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبطل حجته بأنّ عدم التوافق لا يكون دليلاً على عدم ولادته منه، وذلك لأنّه يوجد نظير ذلك في الحيوانات، فربّما تلد الإبل الحمر ولداً أورق يغاير لونه لون والديه. وأين هذا من القياس؟
وإن شئت قلت: الحديث بصدد رفع استبعاده وإقناعه وإزالة شكّه ببيان انّ هذه القاعدة (لزوم التوافق في اللون) ليست ضابطة كلية، بل ربّما تنتقض كما في الأورق من الإبل.

1 . الأورق: الإبل الأسود غير الحالك، أي الّذي يميل إلى الغبرة.
2 . نزع: أي رجع إليه.
3 . صحيح البخاري: 8/173، كتاب الحدود.

صفحه 70
وثانياً: أنّ القياس يتشكّل من أصل وفرع وجهة جامعة، وعندئذ يقاس الفرع على الأصل، وعلى ضوء هذا فما هو الأصل في الرواية وما هو الفرع؟!
فهل ولادة الإبل أصل وولادة الإنسان فرع، مع أنّ كلا النوعين في الإيلاد واللقاح سواء؟
يقول ابن حزم: وهل من قال: إنّ توالد الناس مقيس على توالد الإبل، إلاّ بمنزلة من قال: إنّ صلاة المغرب إنّما وجبت فرضاً، لأنّها قيست على صلاة الظهر، و إنّ الزكاة إنّما وجبت قياساً على الصلاة.1

وحصيلة الكلام:

أوّلاً: أنّ هذه الروايات روايات أُحادية لا تفيد العلم اليقين،
فكيف يمكن أن يستدلّ بما لا يفيده في المقام؟ وقد عرفت أنّ الأصل في العمل بالظن ومنه القياس هو الحرمة، فلا يخرج عن الأصل إلاّ بدليل قطعي.
وثانياً: أنّ هذه الأحاديث ليست بصدد الاستدلال على الحكم الشرعي، بل بصدد رفع الاستبعاد وإرشاد الطرف إلى الحكم الشرعي بأسهل الطرق، وحاشا أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد استدلّ بالقياس على الحكم الشرعي، فإنّه عالم بعامّة الأحكام عن طريق الوحي، وقد وصفه سبحانه

1 . الإحكام في أُصول الاحكام: 7 / 413.

صفحه 71
بقوله: (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).1
وفضله سبحانه على نبيّه هو علمه، فمن وُصف علمه بالعظمة، فهو غني عن أن يلتجئ إلى القياس، وإنّما ابتغى (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الموارد رفع الاستبعاد عن المخاطب أو إرشاده إلى الحكم الشرعي بأسهل الطرق.
وقد استدلّوا بروايات غير صحيحة ولا ظاهرة في المقصود أعرضنا عن ذكرها، ونتطرق هنا إلى استدلالهم بالعقل.
 
الاستدلال على حجّية القياس

بالدليل العقلي

ويقرر بوجوه:

الأوّل: وحدة المناط تقتضي وحدة الحكم

إنّه سبحانه ما شرّع حكماً إلاّ لمصلحة، وأنّ مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعةُ المسكوت عنها، الواقعة المنصوص عليها في علّة الحكم الّتي هي مظنّة المصلحة، قضت الحكمة والعدالة أن تُساويها في الحكم، تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع

1 . النساء:113.

صفحه 72
من التشريع، ولا يتّفق وعدل اللّه وحكمته أن يحرّم الخمر لإسكارها محافظة على عقول عباده، ويبيح نبيذاً آخر فيه خاصيّة الخمر، وهي الإسكار، لأنّ مآل هذا، المحافظةُ على العقول من مسكر، وتركها عرضة للذهاب بمسكر آخر.1
يلاحظ عليه: أنّ الكبرى مسلّمة، وهي أنّ أحكام الشرع تابعة للمصالح والمفاسد، إنّما الكلام في إمكان وقوف الإنسان على مناطات الأحكام وعللها على وجه لا يخالف الواقع قيد شعرة، وأمّا قياس النبيذ على الخمر فهو خارج عن محلّ الكلام، لأنّا نعلم علماً قطعياً بأنّ مناط حرمة الخمر هو الإسكار، ولذلك روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّه سبحانه حرّم الخمر وحرّم النبيّ كلَّ مسكر.2 ولو كانت جميع الموارد من هذا القبيل لما اختلف في حجّية القياس اثنان.
ولأجل إيضاح هذا المعنى، وتبيان أنّ المكلّف ربّما لا يصل إلى مناطات الأحكام، نقول:
إذا نصّ الشارع على حكم ولم ينصّ على علّته ومناطه، فهل للمجتهد التوصّل إلى معرفة ذلك الحكم عن طريق السبر والتقسيم بأن يحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم، وتصلح لأنّ تكون العلّة واحدة منها، ويختبرها وصفاً وصفاً، وبواسطة هذا الاختبار يستبعد الأوصاف الّتي لا يصحّ أن تكون علّة، ويستبقي ما يصحّ أن يكون علّة،

1 . مصادر التشريع الإسلامي:34ـ 35.
2 . الكافي:1/266.

صفحه 73
وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصّل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة؟
ولكن في هذا النوع من تحليل المناط إشكالات واضحة مع غضّ النظر عن النهي الوارد عن العمل بالقياس:
أوّلاً: نحتمل أن تكون العلّة عند اللّه غير ما ظنّه بالقياس، فمن أين نعلم بأنّ العلّة عندنا وعنده واحدة؟
ثانياً: لو افترضنا أنّ المقيس أصاب في أصل التعليل، لكن من أين نعلم أنّها تمام العلّة، فلعلّها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضمّ إليه في الواقع ولم يصل المُقيس إليه؟
ثالثاً: نحتمل أن تكون خصوصية المورد دخيلة في ثبوت الحكم، مثلاً لو علمنا بأنّ الجهل بالثمن علّة موجبة شرعاً في فساد البيع، ولكن نحتمل أن يكون الجهل بالثمن في خصوص البيع علّة، فلا يصحّ لنا قياس النكاح عليه، إذا كان المهر فيه مجهولاً، فالعلّة هي الجهل بالثمن، لا مطلق الجهل بالعوض حتّى يشمل المهر، ومع هذه الاحتمالات لا يمكن القطع بالمناط.
وقد ورد على لسان أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) النهي عن الخوض في تنقيح المناط.
وتجلية للأمر، نذكر هذا المثال، وهو أنّ الجارية تحت العبد إذا أُعتقت فلها الخيار إن شاءت مكثت مع زوجها، وإن شاءت فارقته، أخذاً

صفحه 74
بالسنّة حيث إنّ«بريدة» كانت تحت عبد، فلمّا أُعتقت، قال لها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «اختاري فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، وإن شئت أن تفارقيه».1
وقياساً على ذلك، قالت الحنفية بأنّ الجارية تحت الحرّ إذا أُعتقت لها الخيار كالمعتقة تحت العبد، لاشتراكهما في كونهما جاريتين اعتقتا، ولكن من أين عُلم أنّ الانعتاق تمام المناط للحكم؟ فلعلّ كونها تحت العبد وافتقاد المماثلة جزء العلّة؟ فما لم يُقطع بالمناط لا يمكن إسراء الحكم، وهذا هو الّذي دعا الشيعة إلى التحذير من خطورة العمل بالقياس وطرح تخريج المناط الظني الّذي لا يغني من الحقّ شيئاً.

الثاني: النصوص متناهية والوقائع غير محدودة

إنّ نصوص القرآن والسنّة محدودة ومتناهية، ووقائع الناس وأقضيتهم غير محدودة ولا متناهية، فلا يمكن أن تكون النصوص المتناهية وحدها مصادر تشريعية لما لا يتناهى.
وبعبارة أُخرى: القياس هو المصدر التشريعي الذي يسايرالوقائع المتجدّدة، ويكشف حكم الشريعة فيما يقع من الحوادث، ويوفّق بين التشريع والمصالح.2

1 . الكافي: 1 / 266، برقم4.
2 . مصادر التشريع الإسلامي:35، انظر المنخول:327 و 359.

صفحه 75
يلاحظ عليه:
أوّلاً: أنّ عدم إيفاء النصوص عند أهل السنّة بالإجابة عن جميع الأسئلة المتكثّرة، لا يكون دليلاً على حجّية القياس، فربّما تكون الحجّة غيره، إذ غاية ما في الباب أنّ عدم الوفاء يكون دليلاً على أنّ الشارع قد حلّ العقدة بطريق ما، وأمّا أنّ هذا الطريق هو القياس، فلا يكون دليلاً عليه.
إنّ فقهاء السنّة لو رجعوا إلى الطرق والأمارات والأُصول العملية الأربعة1 التي مضى الإيعاز إليها في الباب الأوّل لاستغنوا عن اعتبار القياس، وهذه الضوابط والأمارات واردة في حديث أئمّة أهل البيت عن جدّهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والقوم لما أعرضوا عن أحد الثقلين ـ أعني: العترة الطاهرة في حديث الرسول ـ وقعوا في هذا المأزق وزعموا انّ النصوص غير وافية ببيان الأحكام غير المتناهية، وقد غفلوا انّ غير المتناهي هي الجزئيات والمصاديق، وهو لا يوجد مشكلة إذا كانت الضوابط العامة قادرة على إعطاء حكمها.
وثانياً: أنّ المستدلّ اتّخذ المدّعى دليلاً وقال: «والقياس هو المصدر التشريعي الذي يساير الوقائع المتجدّدة»،مع أنّ الكلام في أنّ القياس هل هو مصدر تشريعيّ حتّى نأخذ به في مسايرته مع الوقائع المتجدّدة أو لا؟ومجرّد كونه يساير الحوادث لا يكون دليلاً على كونه حجّة، فانّ القوانين الوضعيّة في الغرب تساير الوقائع أيضاً ، فهل يصحّ لنا أخذها بذلك الملاك؟!

1 . البراءة، الاحتياط، التخيير، الاستصحاب.

صفحه 76
إنّ العمل بالقياس ـ ما لم يدعمه دليل قطعي ـ تشريع وبدعة وإدخال في الدين ما لم يعلم كونه منه، فهل ثمّة ضرورة لاقتحام البدعة مع إمكان الخروج من المأزق بروايات أئمّة أهل البيت الذين هم عدل الكتاب وقرناؤه في حديث الثقلين؟ وهل أنّ رواياتهم وأحاديثهم(عليهم السلام)المتصلة الإسناد برسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) والمستقاة من ينبوع علمه، أقلّ منزلة من القياس الظنّي؟!
 
الثالث: في العمل بالقياس دفع للضرر المظنون
القياس يفيد الظنّ بالحكم وهو يلازم الظنّ بالضرر فيجب دفعه.
قال الرازي: إنّ من ظنّ أنّ الحكم في الأصل معلّل بكذا وعلم أو ظنّ حصول ذلك الوصف في الفرع، وجب أن يحصل له الظنّ بأنّ حكم الفرع مثل حكم الأصل. ومعه علم يقيني بأنّ مخالفة حكم اللّه تعالى سبب العقاب، فتولّد من ذلك الظن، وهذا العلم، ترك العمل به سبب للعقاب، فثبت أنّ القياس يفيد ظن الضرر.1
وقال الأرموي: العمل بالقياس دفع ضرر مظنون، وأنّه واجب. فيكون العمل بالقياس واجباً.
أمّا الأوّل: فلأنّه إذا ظن تعليل الحكم في الأصل بوصف، وظن أنّ ذلك الوصف موجود في الفرع، فحينئذ يظن أنّ ذلك الحكم ثابت في الفرع. وعنده عُلم«أنّ مخالفة حكم اللّه سبب للعقاب». فيتولد من هذا

1 . المحصول:2/288.

صفحه 77
«العلم» وذلك«الظن» ظن أنّ خلاف القياس ضرر، وا لعمل يدفع ذلك.
وأمّا الثاني: ـ أي أنّ دفع الضرر واجب فواضح عند العقل ـ.1
يلاحظ عليه: أنّ الرازي والأرموي خلطا بين موردي القاعدتين العقليتين المحكَمتين:
1. قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
2. وجوب دفع الضرر المظنون بل المحتمل.
فإنّ القاعدتين لا غبار عليهما لكن لم يعرفا موردهما.
أمّا القاعدة الأُولى، فهي قاعدة محكمة دلّ العقل والنقل على صحّتها، ودلالة العقل واضحة فإنّ استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان شيء لا ينكر، وأمّا دلالة النقل فيكفي قوله سبحانه:(وَما كُنّا مُعذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً).2 وبعث الرسول كناية عن إتمام الحجّة وبيان التكليف.
فإذا لم يرد في واقعة دليل شرعي على الحرمة أو الوجوب يستقل العقل بقبح عقاب المكلّف إذا خالف ما ظنّ أنّه هو الحكم فيها، وذلك لأنّ ما يترتب عليه إمّا أن يكون ظناً بالضرر الأُخروي، أو ظناً بالضرر الدنيوي.
أمّا الضرر الأُخروي فهو مقطوع الانتفاء بحكم تقبيح العقل مثل ذلك العقاب وتأييد الشرع له، ففي مثل ذلك المورد لا يكون الظن بالحرمة أو

1 . الحاصل من المحصول:3/119. لاحظ ذيل كلامه في أنّ دفع الضرر واجب، فقد أطال الكلام بما لا حاجة إليه.
2 . الإسراء:15.

صفحه 78
الوجوب، ملازماً للظن بالضرر أبداً، لعدم تمامية الحجّة على المكلّف.
وأمّا الضرر الدنيوي، فهو وإن كان ملازماً للظنّ بالحكم غالباً، نظراً إلى تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، لكنّه ليس بواجب الدفع إلاّ إذا كان ضرراً عظيماً لا يتحمل، ففي مثله يستقل العقل بدفعه.
وحصيلة الكلام: أنّ القياس لما لم تثبت حجّيته فالظن بالحكم لأجله،لا يلازم الظن بالضرر الأُخرويّ أبداً، وأمّا الضرر الدنيوي فهو وإن كان يلازمه غالباً، لكنّه غير واجب الدفع دائماً إلاّ في المورد الذي ذكرناه.
ونتيجة ما تقدّم، هي: انّ الظنّ الحاصل بالحكم لأجل القياس الذي لم تثبت حجّيته لا يكون ملازماً للظن بالعقوبة ولا يكون داخلاً في قاعدة «لزوم دفع الضرر المظنون».
وأمّا القاعدة الثانية التي زعم الرازي أنّ المقام من مصاديقها وجزئياتها، فموردها ما إذا قام الدليل على الحكم الكلي، وعلى وجود الموضوع له، فعندئذ يجب دفع الضرر بصوره الثلاث:
أ. تارة يكون الضرر (العقاب) مقطوعاً، كما إذا علم بأنّ الخمر حرام وانّ هذا المائع خمر.
ب. وأُخرى يكون الضرر مظنوناً، كما إذا علم بأنّ الخمر حرام، وعلم أنّ أحد الإناءين خمر، فشرب أحدهماـ لا كليهما ـ مظنة للضرر الأُخروي.
ج. وثالثة يكون الضرر (العقاب) مشكوكاً، كما إذا تردّد الخمر بين أوان عشر، فشرب أحدها، يكون محتملاً للضرر.

صفحه 79
فالضرر بتمام صوره واجب الدفع للعلم بالكبرى، أعني: الحكم الكلّي، والعلم بالموضوع معيناً أو مردّداً بين إناءين أو أوان كثيرة.
فاللازم على الفقيه تنقيح مصاديق القاعدتين حتّى لا يخلط بين مواردهما، كما خلط الرازي وغيره.
 
الاستدلال على القياس بالإجماع
استدلّ القائلون بحجّية القياس، بإجماع الصحابة على العمل به، كما عمل به من جاء بعدهم من التابعين والفقهاء.
قال الغزالي: والّذي ذهب إليه الصحابة (رضي اللّه عنهم) بأجمعهم وجماهير الفقهاء والمتكلّمين بعدهم (رحمهم الله)، وقوع التعبّد به شرعاً.1
وقال الأرموي: العمل بالقياس مجمع عليه والإجماع حجّة.
ثمّ قال: وإنّما قلت: «إنّه مجمع عليه» لوجوه:
أحدها: قول عمر: «اعرف الأشياء والنظائر،وقس الأُمور برأيك»من غير إنكار أحد من الصحابة عليه.
وثانيها: إنكار ابن عباس على زيد بن ثابت في عدم حجبه الأخ بالجد وقياس ابن عباس الجد على ابن الابن من غير إنكار من الصحابة.
وثالثها: اتّفاقهم على القول بالرأي، مع أنّ «الرأي» هو: القياس.

1 . المستصفى:2/234.

صفحه 80
أمّا «اتّفاقهم على القول بالرأي» فقول أبي بكر في الكلالة: «أقول فيها برأيي».
وعن عمر ـ في الجد ـ: «أقضي برأيي» وعن علي(عليه السلام):«اجتمع رأيي ورأي عمر في أُمّ الولد: أن لا تباع، وقد رأيت الآن بيعهن».
وأمّا «أنّ الرأي هو: القياس»: فلأنّهم يجعلونه قسيماً للنص و«قسيم النص» هو: القياس.
فثبت إجماع الصحابة على القول بالقياس.
وأمّا «إنّ الإجماع حجّة»: فلما مرّ.1
أقول: يأتي أنّ العمل بالقياس كان مورد خلاف بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من الفقهاء، وستوافيك نصوص الخلاف.
وأمّا ما احتجّ به من الوجوه على الإجماع فالجميع مخدوش.
أمّا الأوّل: أعني قول عمر: «اعرف الأشياء والنظائر وقس الأُمور برأيك» فقد قاله لأبي موسى الأشعري حين ولاّه على البصرة.2
فلعلّ المراد هو معرفة مصاديق الشيء الكلّي الّذي ورد النص على حكمه، إذ ربّما يغفل الإنسان عن حكم مصداق لضابطة كلية، فالمراد استخراج حكم مصاديق الضابطة الّتي ورد على وفقها النص كما هو الحال

1 . الحاصل من المحصول:3/110ـ 111.
2 . المستصفى:2/244.

صفحه 81
في الدين، ففي قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِها أَوْ دَيْن).1ضابطة كلية تدفع الفقيه إلى الحكم بقضاء مطلق الدين من غير فرق بين ديون الناس وديونه سبحانه.
ومنه يظهر معنى قوله: «وقس الأُمور برأيك».
وأمّا إنكار ابن عباس على زيد بن ثابت في عدم حجبه الأخ بالجد، فإنّما هو لأجل أنّ ابن الابن ابنٌ، وأب الأب أب، فالأوّل يدخل في قوله سبحانه:(يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ).2
والثاني يدخل في قوله تعالى: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ)(3). فيكون الجدّ حاجباً للأخ لكونه مصداقاً ادّعائياً للأب.
وأمّا الثالث: أعني اتّفاقهم على الرأي فلم يعلم أنّ المراد بالرأي هو القياس ولم يثبت أنّ الرّأي مساوق للعمل بالقياس، بل لعلّهم اعتمدوا فيه على ضرب من الاستدلال والتأمّل.
وبشأن تعويل بعض الصحابة على الرأي، يقول الشيخ المظفر: يجب الاعتراف بأنّ بعض الصحابة استعملوا الاجتهاد بالرأي وأكثروا، بل حتّى فيما خالف النص تصرّفاً في الشريعة باجتهاداتهم،والإنصاف أنّ ذلك لا ينبغي أن ينكر من طريقتهم،ولكن لم تكن الاجتهادات واضحة المعالم عندهم من كونها على نحو القياس، أو الاستحسان، أو المصالح المرسلة، ولم يعرف عنهم، على أيّ كانت اجتهاداتهم، أكانت تأويلاً للنصوص، أم

1 . النساء:12.
2 . النساء:11.   3 . النساء:11.

صفحه 82
جهلاً بها، أم استهانة بها؟ ربّما كان بعض هذا، أو كلّه من بعضهم، وفي الحقيقة إنّما تطوّر البحث عن الاجتهاد بالرأي في تنويعه وخصائصه في القرن الثاني والثالث.1
ومع تعدّد أسباب العمل بالرأي وبعضها لا يمتّ إلى الشريعة بصلة، وتصريح بعض الصحابة بإنكار الرأي والقياس(كما يأتي)، كيف يمكن ادّعاء الإجماع على العمل بالقياس؟

الاستدلال بالإجماع ببيان آخر

ثمّ إنّ الرازي استدلّ بإجماع يعتمد على مقدّمات ثلاث:
المقدّمة الأُولى: إنّ بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس والقول به.
المقدّمة الثانية: إنّه لم يوجد من أحدهم إنكار أصل القياس، فلأنّ القياس أصل عظيم في الشرع نفياً أو إثباتاً، فلو أنكر بعضهم لكان ذلك الإنكار أولى بالنقل من اختلافهم، ولو نقل لاشتهر، ولوصل إلينا، فلمّا لم يصل إلينا علمنا أنّه لم يوجد.
المقدّمة الثالثة: إنّه لمّا قال بالقياس بعضهم ولم ينكره أحد منهم فقد انعقد الإجماع على صحّته.2

1 . أُصول الفقه:2/172.
2 . المحصول:2/262ـ 269. وقد صرح في ص 292: أنّ مذهب أهل البيت إنكار القياس.

صفحه 83
وهذه المقدمات الثلاث قابلة للنقاش والرد.
أمّا الأُولى: فلنفترض أنّ بعض الصحابة عمل بالقياس على وجه الإجمال ولكن لم يُشخّص تفاصيله، وانّهم هل عملوا بمنصوص العلّة أو بمستنبطها؟ وعلى فرض العمل بالثاني فلم يعلم ما هو مسلكهم في تعيين علّة الحكم ومناطه، فهل كان بالسبر والتقسيم أو من طريق آخر؟ ومع هذا الإجمال كيف يمكن أن يتّخذ عمل الصحابة دليلاً على حجّية القياس في عامة الموارد وعامة المسالك إلى تعيين علّة الحكم ومناطه.
وأمّا الثانية: فلأنّ تسمية عمل البعض مع سكوت الآخرين إجماعاً غير صحيح جدّاً، لأنّ الإجماع عند الأُصوليين عبارة عن اتّفاق علماء عصر واحد على حكم شرعي.1
ومن المعلوم أنّ عمل البعض لا يعدّ دليلاً على الإجماع وإن سكت الآخرون، فالسكوت قد يكون ناجماً عن عدم إحاطة بعضهم بالأحكام، أو تعبيراً عن موافقة بعضهم للأخذ بالرأي على حساب التعبّد بالنصوص لمآرب خاصة، أو عدم امتلاك بعضهم للجرأة الأدبية التي تتيح له إبداء الموقف الرافض.
ثمّ إنّ الصحابة لم يكونوا مجتمعين في المدينة المنورة، بل توزّعوا على ميادين الجهاد وتفرّقوا في البلدان المفتوحة، فكيف عُلم اتّفاقهم على هذين الأمرين حتّى تحقّق الإجماع؟

1 . المستصفى:1/110.

صفحه 84
وأمّا الثالثة: وهو عدم إنكار أحد منهم فهو أيضاً محجوج بالروايات القطعية عن بعض الصحابة والتابعين في استنكار القياس. وسيوافيك
بيانها.

استنكار الصحابة للعمل بالقياس

رويت كلمات عن بعض الصحابة تحذّر من العمل بالقياس، منها:
1. عن عمر بن الخطاب: إيّاكم وأصحاب الرأي، فإنّهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلّوا وأضلّوا .1
وقد شاع عند القائل بالقياس أنّ الرأي هو القياس أو أعمّ منه ومن غيره.
وعلى كلّ تقدير يعمّ القياس.
2. وعن علي(عليه السلام) قال: «لو كان الدين يؤخذ قياساً لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره».2
3. وعن ابن عباس: يذهب قرّاؤكم وصلحاؤكم، ويتّخذ الناس علماءً جهّالاً: يقيسون الأُمور بآرائهم.3

1 . الإحكام لابن حزم:6/779ـ 780، تحقيق أحمد شاكر; الفقه والمتفقّه للخطيب البغدادي: 5/181.
2 . الإحكام للآمدي:4/44.
3 . المستصفى:2/247باختلاف يسير في المتن.

صفحه 85
وقال: إذا قلتم في دينكم بالقياس: أحللتم كثيراً ممّا حرم اللّه، وحرّمتم كثيراً ممّا أحلّ اللّه.
4. عن الشعبي، عن مسروق، عن عبداللّه بن مسعود أنّه قال: ليس عام إلاّ والذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام ، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهب خياركم وعلماؤكم، ثمّ يحدث قوم يقيسون الأُمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم.
5. عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر قال: يا جابر إنّك من فقهاء البصرة وستُستفتى، فلا تُفتينّ إلاّ بكتاب ناطق أو سنّة ماضية.
6. عن زيد بن عميرة، عن معاذ بن جبل، قال: تكون فتن يكثر فيها الملل ويفتح فيها القرآن حتى يقرؤه الرجل والمرأة، والصغير والكبير، والمؤمن والمنافق، فيقرؤه الرجل فلا يتبع، فيقول: واللّه لأقرأنّه علانية،فيقرؤه علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجداً ويبتدع كلاماً ليس من كتاب اللّه ولا من سنّة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فإيّاكم وإيّاه، فإنّها بدعة ضلالة. قالها ثلاث مرات.
هذا وقد ذكر ابن حزم أحاديث أُخرى على لسان الصحابة في ذم القياس أعرضنا عنها خوفاً من الإطالة ، ونقتصر على سرد أسمائهم:
أبو هريرة، وسمرة بن جندب، وعبد اللّه بن أبي أوفى،ومعاوية.1

1 . أُنظر الإحكام في أُصول الأحكام :6/508ـ 511; إعلام الموقعين عن ربّ العالمين :1/240ـ 242، طبعة دار الكتاب العربي.

صفحه 86
هذا بعض ما نقل عنهم حول إنكار العمل بالقياس.
وأمّا العترة الطاهرة(عليهم السلام)فحدّث عنهم ولا حرج فقد تواترت كلماتهم على إنكار القياس، وقد اعترف الرازي بإنكار العترة العمل بالقياس، وقال: إنّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) إنكار القياس.1
وهانحن نذكر كلماتهم(عليهم السلام):

القياس في كلمات العترة الطاهرة(عليهم السلام)

1. عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)، عن أبيه(عليه السلام) أنّ علياً (عليه السلام)قال: «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس،ومن دان اللّه بالرأي لم يزل دهره في ارتماس».
2. كتب الإمام الصادق(عليه السلام) في رسالة إلى أصحابه أمرهم بالنظر فيها وتعاهدها والعمل بها،وقد جاء فيها:«لم يكن لأحد بعد محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه ثمّ قال: واتّبعوا آثار رسول اللّه وسنّته فخذوا بها ولا تتبعوا أهواءكم ورأيكم فتضلّوا».
3. روى سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسى الكاظم(عليه السلام):«ما لكم وللقياس، إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس».
4. عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إنّ السنّة لا تقاس، ألا ترى أنّ المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، يا أبان إنّ السنّة إذا قيست محق الدين».

1 . المحصول:2/292.

صفحه 87
5. عن عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام)عن القياس؟ فقال: «وما لكم وللقياس، إنّ اللّه لا يسأل كيف أحلّ وكيف حرّم».
6. عن أبي شيبة الخراساني، قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلاّ بعداً، وإنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس».
7. عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام) بمنى إذ أقبل أبو حنيفة على حمار له، فلمّا جلس قال: إنّي أُريد أن أُقايسك، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام) : «ليس في دين اللّه قياس».
8. عن زرارة بن أعين قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي(عليهما السلام): «يا زرارة إيّاك وأصحاب القياس في الدين، فانّهم تركوا علم ما وُكّلوا وتُكلِّفوا ما قد كفوه، يتأوّلون الأخبار، ويكذبون على اللّه عزّ وجلّ، وكأنّي بالرجل منهم ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه، وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه، قد تاهوا وتحيّروا في الأرض والدين».1

القياس في كلمات التابعين

إنّ لفيفاً من التابعين ممّن يؤخذ عنهم العلم قد خالفوا القياس بحماس وندّدوا به، وإليك نزراً من كلماتهم ليعلم أنّ القياس لم يكن أمراً متفقاً عليه بين أوساط التابعين كما لم يكن كذلك بين الصحابة:

1 . راجع الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي.

صفحه 88
1. عن داود بن أبي هند قال: سمعت محمد بن سيرين، يقول: القياس شؤم، وأوّل من قاس إبليس فهلك، وإنّما عُبدت الشمسُ والقمرُ بالمقاييس.
2. قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن علي أنّ شريحاً القاضي قال: إنّ السنّة سبقت قياسَك.
3. عن المغيرة بن مقسم، عن الشعبي، قال: السنّة لم توضع بالقياس.
4. وعن عامر الشعبي أيضاً: إنّما هلكتم حيث تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس.
5. عن جابر، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئاً بشيء، قيل: لِمَ؟ قال: أخشى أن تزل رجلي.
وكان يقول: إيّاكم والقياس والرأي، فإنّ الرأي قد يزل.
إلى غير ذلك من المواقف والأقوال التي يطول بذكرها الكلام، ونكتفي هنا بسرد أسماء التابعين الذين نالوا من القياس:
إياس بن معاوية، مالك بن أنس، وكيع بن الجراح،حماد بن أبي حنيفة، ابن شبرمة، مطر الوراق، عطاء بن أبي رباح، أبو سلمة بن عبد الرحمن.1
أفبعد هذا الإنكار المتضافر عن العترة ولفيف من الصحابة والتابعين

1 . أُنظر: الاحكام في أُصول الاحكام لابن حزم:6/511ـ 514; اعلام الموقعين:1/243ـ 246; عدّة الأُصول: 2/688ـ 690.

صفحه 89
يصحّ ادّعاء الإجماع على صحّة القياس وأنّه لم يخالفه أحد؟! هذا إذا لم نقل إنّ الإجماع قام على نفي القياس.
وهذا يدلّ على أنّ هذا العنصر قد دخل حيّز التشريع الإسلامي بموافقة بعض ومخالفة البعض الآخر له، وانّ ادّعاء الإجماع في مثل هذه المسألة أمر لا يليق بمن تتبّع كلمات الفقهاء في هذا الصدد، وقد نقل ابن قيم الجوزيّة كلمات الموافقين كما نقل كلمات المخالفين للقياس، وإن كان في كثير من المباحث عيالاً على كتاب «الإحكام» لابن حزم الأندلسيّ.

الآن حصحص الحقّ

لقد أثبتت البحوث السابقة حول ما أُقيم من الأدلّة على حجّية القياس انّه ليس هناك دليل صالح قاطع للنزاع، مفيد للعلم بأنّ الشارع جعل القياس حجّة فيما لا نصّ فيه، وهناك نكتة جديرة بالتأمّل ، وهي انّه إذا كان للقياس في الشريعة المقدّسة هذه المنزلة في التشريع الإسلامي، فلماذا لم يقع في إطار البيان الصريح من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما وقع قول الثقة أو حجّية البيّنة في إطاره؟
وقد عرفت أنّ ما استدلّوا من كلام الشارع في ذلك المجال كلّها انتزاعات شخصية فرضت عليه، وانّ عقيدة المستدلّ جرّته إلى أن يبحث عن الدليل حول عقيدته، فلذلك جمع أشياء من هنا وهناك ليثبت بها مدّعاه، والجميع بريء ممّا يرتئيه.
***

صفحه 90
هذا ما أردنا بيانه حول القياس وآراء المثبتين والنافين له وقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ موقف الإمامية من هذه القاعدة هو القول الوسط فلا ترفضه بتاتاً ولا تأخذ به بدون شرط وقيد.
وفي الختام أود الإشارة إلى أنّ لجنة التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)استفادت في هذا الجزء والجزء الّذي يليه من نسخة خطية جديدة حصلنا عليها مؤخراً، وهي النسخة الموجودة في مركز إحياء التراث الإسلامي في قم المقدسة والّتي تحمل الرقم 1685، وتاريخ نسخها سنة 1041 هـ ، وتحتوي على 940 ورقة، وهي نسخة جيدة واضحة الخط، وقد رمزت لها بحرف (د).
وقد جاء في آخرها: وكان الفراغ منه في ثامن شهر رمضان المبارك سنة أربع وسبعمائة، ومصنّف الكتاب حسن بن يوسف بن مطهر الحلّي. وصلّى الله على سيد المرسلين محمد النبي وآله الطاهرين. تحريراً في تاريخ خمسة شهر ربيع الثاني 1041 هـ .
فجزاهم الله خير الجزاء ووفقهم ووفقنا لما فيه خدمة لهذا الدين الحنيف والحمد لله رب العالمين.
جعفر السبحاني
قم المقدسة
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
   

صفحه 91

البحث الرابع: في المناسب

وفيه مطالب:

المطلب الأوّل: في تعريفه

وله تعريفات:
الأوّل : قال أبو زيد1: المناسب عبارة عمّا لو عرض على العقول تلقته بالقبول .
وهو موافق للوضع اللغوي حيث يقال: هذا مناسب لذلك، أي ملائم له، غير أنّه لا طريق للمناظر إلى إثباته على خصمه، لأنّه قد يقول: إنّ عقلي لا يتلقّاه بالقبول فلا يكون مناسباً بالنسبة إلي، وإن تلقاه عقل غيري بالقبول فإنّه ليس الاحتجاج علي بتلقّي عقل غيري له بالقبول أولى من الاحتجاج على غيري بعدم تلقّي عقلي له بالقبول .
وبهذا الاعتبار منع أبو زيد وجماعة من التمسك في إثبات العلّة في المناظرة بالمناسبة والإحالة ولم يمنع من التمسك في حقّ المناظر نفسه، لأنّ العاقل لا يكابر نفسه.
الثاني: أنّه الّذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلاً وإبقاءً. ويعبّر

1 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 3 / 294، الفصل الأوّل: في تحقيق معنى المناسب.

صفحه 92
عن التحصيل بجلب النفع، وعن الإبقاء بدفع الضرر، لأنّ ما قصد إبقاؤه فإزالته مضرّة وإبقاؤه دفع المضرّة. ثمّ هذا التحصيل والإبقاء قد يكون معلوماً ومظنوناً، وعلى التقديرين فقد يكون دينياً ودنيوياً.
والمنفعة: اللذة أوما يكون وسيلة إليها. والمضرة: الألم أو ما يكون وسيلة إليه. واللذة قيل: إدراك الملائم. والألم قيل: إدراك المنافي. والحقّ أنّهما غنيان عن التعريف، لأنّهما من الوجدانيات، فإنّا ندرك بالضرورة التفرقة بينهما وبين كلّ واحد منهما وبين غيرهما، فهو أظهر من كلّ ما يعرّف به.
الثالث: أنّه الملائم لأفعال العقلاء في العادات، فيقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة لملاءمة جمعهما في سلك واحد، وهذا الثوب يناسب هذه العمامة، أي الجمع بينهما ملائم. وهذا تعريف من يأبى تعليل أحكامه تعالى بالحكم والمصالح، أو السابق عليه تعريف من يعتقد التعليل.1
الرابع: المناسب: وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصوداً من شرع ذلك الحكم. سواء كان الحكم وجودياً أو عدمياً، وسواء كان المقصود جلب مصلحة أودفع مفسدة.
وقد عرفت أنّ هذه المناسبة تسمى تخريج المناط، وهو تعيين العلّة بمجرّد إبداء المناسبة من ذاته لا من نص ولا غيره، كالإسكار في التحريم،

1 . ذكر التعريفين الثاني والثالث الرازي في المحصول: 2 / 319 ـ 320 .

صفحه 93
والقتل العمد العدوان في القصاص، فإن كان الوصف خفياً أو غير منضبط اعتبر ملازمه وهو المظنة كالسفر للمشقّة، والفعل المعروف عند العقلاء انّه عمد في العمدية، لأنّ الخفي لا يعرّف الخفي.

المطلب الثّاني: في تقسيم المناسب

وفيه أنواع:
الأوّل: كون المناسب مناسباً إمّا أن يكون حقيقياً، أو إقناعياً .
فالحقيقي إمّا أن يكون لمصلحة يتعلق بالدنيا، أو بالآخرة. وأقسام الأول ثلاثة:
أ. أن تكون رعاية المصلحة في محلّ الضرورة، وهي المتضمّنة حفظ أحد المقاصد الخمسة :
حفظ النفس بشرع القصاص، وقد نبّه عليه تعالى بقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)1.
حفظ المال بشرع الضمان والحدود .
وحفظ النسب بشرع زاجر الزنا، فإنّ المزاحمة في الأبضاع تفضي إلى اختلاط النسب المفضي إلى قطع التعهّد عن الأولاد وإلى التوثّب على الفروج بالتغلّب، وهو جالب للفساد والقتال .

1 . البقرة: 179 .

صفحه 94
وحفظ الدين بشرع زاجر الردّة، والمقاتلة لأهل الحرب، وقد نبّه عليه تعالى في آيات الجهاد .
وحفظ العقل بشرع تحريم المسكر، وقد نبّه عليه تعالى بقوله:(أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ)1. ويلحق به ما هو مكمّل للضروري، كحدّ قليل المسكر.
ب. أن تكون رعاية المصلحة في محل الحاجة من غير ضرورة، كتمكين الولي من تزويج الصغيرة، فإنّ مصالح النكاح غير ضرورية له في الحال إلاّ أنّ الحاجة بوجه ما حاصلة، وهي تقييد الكفء الّذي قد يفوت لا إلى بدل. وكذا المعاملات الّتي وضعها الشارع كالبيع والإجارة والقراض والمساقاة وجميع المعاملات وبعضها آكد من بعض ; وقد يوجد فيه ما يكون ضرورياً، كالإجارة على تربية الطفل الصغير وشراء المطعوم والملبوس له ولغيره ; ومكمل له، كرعاية الكفاءة ومهر المثل في الصغيرة فإنّه أفضى إلى دوام النكاح.
ج. أن لا تكون في محلّ الضرورة ولا الحاجة، وهي الّتي تجري مجرى التحسينات، كسلب العبد أهلية الشهادة لنقصه عن المناصب الشريفة جرياً على ما أُلف من محاسن العادات وتقرير الناس على مكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم. وهذا على قسمين :
الأوّل: أن لا يقع على معارضة قاعدة معتبرة، كتحريم تناول

1 . المائدة: 91 .

صفحه 95
القاذورات; وسلب أهلية الشهادة عن العبد، لأنّها منصب شريف، والعبد نازل القدر، والجمع بينهما غير ملائم.
الثاني: أن يقع على معارضة معتبرة كالكتابة، فإنّها وان استحسنت في العادة إلاّ أنّها في الحقيقة بيعُ الرجل مالهُ بمالِهِ، وهو غير معقول. وأمّا الّذي يكون مناسباً لمصالح الآخرة فهي الحكم المذكورة في رياضة النفس، وتهذيب الأخلاق، والمداومة على فعل الشرائع والعبادات فإنّ منفعتها في سعادة الآخرة.

تذنيبٌ

كلّ واحدة من هذه المراتب قد يقع فيه ما يظهر كونه من ذلك القسم، وقد يقع فيه ما يخفى، ويختلف ذلك بحسب اختلاف الظنون .
مثاله: أنّ حفظ النفس بشرع القصاص من باب المناسب الضروري وممّا نعلم أنّه من هذا الباب شرع القصاص في المثقَّل، فإنّا نعلم أنّه لولا شرع القصاص فيه لحصل الهرج والمرج، ولتأدّى الأمر إلى أنّ كلّ من يريد قتل غيره يعدل عن المحدّد إلى المثقَّل دفعاً للقصاص عن نفسه، إذ ليس في المثقَّل زيادة مؤنة ليست في المحدَّد، بل ربّما كان أسهل، فلا يجوز في كلّ شرع تُراعى فيه مصالح الخلق عدم وجوب القصاص بالمثقَّل .
أمّا إيجاب قطع الأيدي باليد الواحدة فإنّه وإن كان من هذا الباب، لأنّا لو لم نُوجب قطع الأيدي باليد الواحدة لآل الأمر إلى أنّ كلّ من يريد قطع

صفحه 96
يد إنسان استعان بغيره ليدفع القصاص عن نفسه، فتبطل حكمة شرع القصاص، إلاّ أنّه محتمل لعدم الدخول فيه لاحتياجه إلى الاستعانة، وقد لا يحصل، فليس وجه الحاجة إلى وجه القصاص هنا كوجه الحاجة إلى شرعه في المنفرد.

تنبيه

الإجارة خارجة عن الأقيسة الحاجية 1، فإنّ مقابلة العوض الموجود بالمعدوم خارج عن القياس الشرعي في المعاوضات، فإنّ قياسها مقابلة الموجود بمثله لكن احتمل ذلك في الإجارة لمكان الحاجة.
واعلم أنّ الحاجة العامّة تجري مجرى الضرورة الخاصة في حقّ آحاد الأشخاص، والبيع ملتحق بقاعدة الضروري من جهة إمساس الحاجة إلى تناول العروض بالعروض، لأنّ العروض لا يراد لذاتها بل لمنافعها، ومتعلّق تصرّفات الخلق في الأعيان محال على منافعهم منها، ثمّ المنافع إذا عرضت نوعاً من العروض وظهر من الحاجة إليها في المسكن والمركب وغيرهما التحق هذا بالأُصول الكلية، واشتراط مقابلة الموجود بالموجود من باب الاستصلاح والحمل على الأصلح والأرشد، ولا يظهر تعلّق هذا الفن بالحاجة والضرورة، ولهذا يسمى القياس الجزئي لا بمعنى جزئياته في شخص واحد، بل الأصل الذي لابدّ من رعاية الضرورة ثمّ الحاجة والاستصلاح في حكم الوجوه الخاصة في حكم الجزئي عند النظر في المصالح والضوابط الكلية .

1 . في «أ» و «د»: الحاجة».

صفحه 97
وأمّا المناسب الإقناعي فهو الذي يظن به في الظاهر كونه مناسباً، لكن يظهر مناسبته عند البحث، كتعليل الشافعية تحريم بيع الخمر والميتة والعذرة بالنجاسة، وقياس الكلب عليه .
ووجه المناسبة: أنّ كونه نجساً يناسب إذلاله، ومقابلته بالمال في
البيع إعزاز له، والجمع بينهما باطل. وهذا وإن كان مظنون المناسبة
في الظاهر لكنّه ليس في الحقيقة كذلك، لأنّ معنى نجاسته عدم جواز الصلاة معه، ولا مناسبة بين المنع من استصحابه في الصلاة وبين المنع من بيعه .
فائدة: قد عرفت أنّ المقصود من الحكم إمّا جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، أو مجموعهما. وهذا إنّما هو بالنسبة إلى العبد لا إلى الرب لتعاليه عن جلب النفع ودفع الضرر .
والنفع قد يكون مقصوداً للعبد، لأنّه ملائم له وموافق لنفسه، ولهذا إذا خيّر بين وجود ذلك وعدمه اختار وجوده .
وتحصيل المصلحة ودفع المفسدة المتعلّقة بالدنيا إمّا أن يكون
شرع الحكم فيها مقتضياً لتحصيل أصل المقصود ابتداء، أو دواماً، أو تكميلاً.
فالأوّل كالقضاء بصحّة التصرف الصادر من الأهل في المحل تحصيلاً للأصل المقصود المتعلّق به من الملك أو المنفعة، كما في البيع والإجارة ونحوهما .

صفحه 98
وأمّا الثاني فكالقضاء بتحريم القتل وإيجاب القصاص على القاتل عمداً عدواناً لإفضائه إلى دوام المصلحة .
وأمّا الثالث فكالحكم باشتراط الشهادة ومهر المثل في النكاح.
 
النوع الثاني من القسمة1
المقصود إمّا أن يكون حاصلاً من شرع الحكم يقيناً أو ظناً، أو يتساوى الأمران، أو بترجيح عدم الحصول .
فالأوّل، كإفضاء الحكم بصحّة التصرف بالبيع إلى إثبات الملك .
والثاني، كشرع القصاص المرتب على القتل العمد العدوان صيانة للنفس المعصومة عن الفوات، فإنّه مظنون الحصول راجح الوقوع، فإنّ غالب حال العاقل أنّه إذا علم أنّه يُقتل إذا قتل، لم يقدم على القتل فتبقى نفس المجني عليه وأشباه ذلك من الزواجر، وليس ذلك مقطوعاً به إذ الإقدام على القتل مع شرع القصاص يقع كثيراً .
والثالث تقريباً، كشرع الحد على شرب الخمر، لحفظ العقل، فإن أفضاه إلى ذلك متساو 2 حيث نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه، لا على وجه الترجيح والغلبة لأحد الفريقين على الآخر في العادة.
والرابع، كإفضاء الحكم بصحة نكاح الآيسة إلى مقصود التوالد، فإنّه

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 298، الفصل الثالث من المسلك الخامس.
2 . في الإحكام: «متردد».

صفحه 99
وإن أمكن عقلاً إلاّ أنّه بعيد عادة، فكان الإفضاء إليه مرجوحاً .
وهذه الأربعة وإن كانت مناسبة من حيث الموافقة للنفس، إلاّ أنّ أعلاها القسم الأوّل للقطع به، ثمّ الثاني لرجحانه، ثمّ الثالث لتساويه، ثمّ الرابع لمرجوحيّته .
وقد اتّفق القائلون بالقياس على صحّة التعليل بالأولين وعلى
صحّة التعليل بالآخرين في آحاد الصور الشاذة، وكان المقصود ظاهراً من الوصف في غالب صور المتن وإلاّ فلا، كما في صحّة نكاح الآيسة لمقصود التوالد فإنّه وإن كان غير ظاهر بالنسبة إلى الآيسة إلاّ أنّه ظاهر فيما عداها .
فعلى هذا لو خلا الوصف المرتب عليه الحكم من المقصود الموافق للنفس قطعاً وإن كان ظاهراً في غالب صور الجنس لم يصحّ التعليل به لعدم مناسبته، كما في لحوق النسب في نكاح المشرقي للمغربية، وشرع الاستبراء في شراء الجارية ممّن باعها منه في مجلس البيع الأوّل، لعلمنا بفراغ رحمها من غيره قطعاً، وإن كان ظاهراً في غالب صور الجنس فيما عدا هذه الصورة، لأنّ المقصود من شرع الأحكام هو الحكم المنوط به، فشرع الحكم مع انتفاء الحكمة يقيناً لا يكون مفيداً، فلا يرد به الشرع خلافاً لأبي حنيفة.

صفحه 100
 
النوع الثالث:
الحكمة اللازمة لضابطها إمّا أن تكون ناشئة عنه، أو لا تكون.
والثاني إمّا أن يكون للوصف دلالة على الحاجة إليها، أو لا.
فالأوّل كشرع الرخصة في السفر لدفع المشقّة الناشئة من السفر.
والثاني كالحكم بصحّة البيع لإفضائه إلى الانتفاع بالعوض، فإنّ الانتفاع لازم لصحة البيع ظاهراً وليس ناشئاً عن البيع، لكن البيع وهو التصرف الصادر من الأهل في المحلّ وهو الإيجاب والقبول دلالة على الحاجة إليه .
والثالث كما في ملك نصاب الزكاة، فإنّه يناسب إيجاب الزكاة من حيث إنّه نعمة، والنعمة تناسب الشكر لإفضائه إلى زيادتها على ما قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ)1، والزكاة صالحة لئن تكون شكراً لما فيها من إظهار النعمة، وإظهار النعمة يعد في العرف شكراً، ولا يخفى أنّ مثل هذا المقصود وهو زيادة النعمة ملازم لترتيب إيجاب الزكاة على ملك النصاب وليس زيادة النعمة ناشئة عن ملك نفس النصاب كما كانت المشقّة ناشئة عن السفر، ولا لملك النصاب دلالة على الحاجة إلى زيادة النعمة كدلالة البيع على الحاجة إلى الانتفاع.

1 . إبراهيم: 7 .

صفحه 101
 
النوع الرابع:1
الوصف المناسب إمّا أن يعلم أنّ الشارع اعتبره، أو يعلم أنّه ألغاه، أو لا يعلم واحد منهما .
فالأوّل إمّا أن يكون اعتباره بنص، أو إجماع، أو ترتيب الحكم على وفقه في صورة بنص أو إجماع .
فإن كان معتبراً بنص أو إجماع يسمّى المؤثر .
وإن كان معتبراً بترتيب الحكم على وفقه في صورة فأقسامه العقلية تسعة .
لأنّه إمّا أن يكون معتبراً بخصوص وصفه، أو بعموم وصفه، أو بخصوصه وعمومه .
فإن كان معتبراً بخصوص وصفه دون عموم وصفه فإمّا أن يكون معتبراً في عين الحكم المعلل، أو في جنسه، أو في عينه وجنسه .
وإن كان معتبراً بعموم وصفه فإمّا أن يكون معتبراً في عين الحكم، أو جنسه، أو في عينه وجنسه .
وأما إنّ لم يكن الوصف معتبراً فإمّا أن يظهر مع ذلك إلغاؤه، أو لا يظهر ذلك. غير أنّ الواقع منها في الشرع لا يزيد على أربعة.

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 323 ; والآمدي في الإحكام: 3 / 311 .

صفحه 102
أ. ما يؤثر نوع الوصف في نوع الحكم، مثل السكر فإنّ حقيقته اقتضت حقيقة التحريم، فكان النبيذ ملحقاً بالخمر، لأنّه لا تفاوت بين العلّتين وبين الحكمين إلاّ اختلاف المحلَّين، وهو لا يقتضي اختلاف الحال ظاهراً.
ب. تأثير النوع في الجنس كالأُخوّة من الأب والأُم، فإنّها تقتضي التقديم في الميراث فيقاس عليه التقديم في النكاح، فالإخوة من الأبوين نوع واحد في الموضعين غير أنّ ولاية النكاح ليست مثل ولاية الإرث لكن بينهما مجانسة في الحقيقة. وهذا القسم دون الأوّل في الظهور، لأنّ المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلّين أقلّ من المفارقة بين نوعين مختلفين.
ج. تأثير الجنس في النوع، كإسقاط قضاء الصلاة عن الحائض تعليلاً بالمشقّة، فإنّه قد ظهر تأثير جنس المشقّة في إسقاط قضاء الصلاة، وذلك لتأثير المشقّة في السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين.
د. تأثير الجنس في الجنس، كتعليل الأحكام بالحِكم الّتي لا تشهد لها أُصول معيّنة، كإقامة الشرب مقام القذف إقامةً لمظنّة الشيء مقامه قياساً على إقامة الخلوة بالزوجة مقام وطئها في الحرمة .
واعلم أنّ للجنسية مراتب فأعمُّ أوصافِ الأحكام كونها حكماً، ثمّ ينقسم إلى الخمسة .
والواجب منها ينقسم إلى عبادة وغيرها، والعبادة إلى صلاة وغيرها، والصلاة إلى فرض ونفل، فما ظهر تأثيره في الفرض أخصّ ممّا ظهر تأثيره

صفحه 103
في الصلاة، وما ظهر تأثيره في الصلاة أخصّ ممّا ظهر تأثيره في العبادة .
وكذا في جانب الوصف أعمُّ أوصافه كونه وصفاً يناط به الاحكام فيدخل فيه الأوصاف المناسبة وغيرها. وأخصّ منه المناسب وأخصّ منه الضروري، وأخصّ منه ما هو كذلك في حفظ النفس.
وبالجملة فالأوصاف إنّما يلتفت إليها إذا ظُنَّ التفات الشارع إليها، وكلّ ما كان التفات الشارع إليه كان ظن اعتباره أقوى، وكلّ ما كان الوصف والحكم أخصّ كان ظنّ كون ذلك الوصف معتبراً في حقّ ذلك الحكم آكد، فيكون مقدّماً على ما يكون أعمّ منه .
وأمّا المناسب الذي علم أنّ الشرع ألغاه وهو المناسب الّذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه وظهر مع ذلك إلغاؤه وإعراض الشرع عنه في صوره، فهو ممّا اتفق على إبطاله وامتناع التمسّك به وعدم اعتباره أصلاً، كقول بعض العلماء لبعض الملوك لمّا جامع في نهار رمضان وهو صائم: يجب عليك صوم شهرين متتابعين، فلمّا أنكر عليه حيث لم يأمره بالعتق مع اتّساع ماله قال: لو أمرته بذلك يسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في قضاء وطئه، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم مبالغة في زجره. فهذا وإن كان مناسباً غير أنّه لم يشهد له شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت إلغائه بنص الكتاب .
وأمّا المناسب الذي لا يعلم أنّ الشرع ألغاه، ولا شهد له أصل من الأُصول في الشريعة بالاعتبار بطريق من الطرق، فذلك إنّما يكون

صفحه 104
بحسب أوصاف أخصّ من كونه وصفاً مصلحياً، لأنّ عموم كونه وصفاً مصلحياً مشهود له بالاعتبار، وهذا القسم هو المسمّى بالمصالح المرسلة، وسيأتي.
واعلم أنّ كلّ واحد من هذه الأقسام الأربعة مع كثرة مراتب العموم والخصوص قد يقع في كلّ واحد من هذه الأقسام الخمسة أعني: الضّرورية والحاجة وغيرهما، ويحصل هناك أقسام كثيرة ويقع فيما بينها معارضات وترجيحات، ولا يمكن ضبط القول فيها لكثرتها.

النوع الخامس1

الوصف باعتبار الملائمة، وشهادة الأصل على أربعة أقسام: مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل. لأنّ الوصف المناسب إمّا أن يكون معتبراً في نظر الشرع أو لا .
والأوّل إن كان اعتباره بنصٍّ أو إجماع سمّي المؤثر .
وإن كان باعتبار ترتيب الحكم على وفقه في صورة، فإن ثبت بنصٍّ أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو بالعكس، أو كان جنسه معتبراً في جنس الحكم فهو الملائم، ويراد بالجنس هنا القريب .
وإن لم يثبت بالإجماع ولا النصّ اعتبار عينه في جنس الحكم ولا العكس ولا جنسه في جنس الحكم ولا دلّ على كونه علّة نصّ ولا إجماع،

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 325 .

صفحه 105
بل ثبت اعتبار خصوص الوصف في خصوص الحكم سمّي المناسب الغريب .
وإن كان المناسب لم يشهد له أصل من الأُصول بالاعتبار بطريق من الطرق ولا ظهر إلغاؤه في صورة من الصور فهو المرسل، وهذا المرسل إن اعتبر جنسه البعيد في جنس ذلك الحكم سمّي ملائماً أيضاً، كما يقول: إنّ قليل النبيذ وإن لم يسكر حرام قياساً على قليل الخمر، ويعلل تحريم قليل الخمر بأنّه يدعو إلى كثيرها، وهذا مناسب ولم يعتبره الشرع لكن اعتبر جنسه البعيد، فإن الخلوة لمّا كانت داعية إلى الزنا حرّمها الشارع بتحريم الزنا، فكان هذا من هذه الجهة ملائماً لجنس تصرف الشرع ; وإن لم يعتبر جنس ذلك الوصف البعيد في جنس ذلك الحكم سمّي أيضاً غريباً، كالتعليل بالفعل المحرم وهو القتل، والتطليق بالثلاث في مرض الموت لغرض فاسد وهو استعجال الميراث في القاتل والفرار من توريثها في حمل من يطلق ثلاثاً في المرض على القاتل في الحكم بالمعارضة بنقيض مقصود القاتل والزوج حتى صار توريث البينونة كحرمان القاتل، فيقال: المطلقة ثلاثاً في مرض الموت ترث، لأنّ الزوج قصد الفرار فيعارض بنقيض مقصوده قياساً على القاتل فإنّه لا يرث لأنّه استعجل الميراث، فعورض بنقيض مقصوده كأنّ تعليل حرمان القاتل بهذا تعليلاً بمناسب
لا يلائم جنس تصرف الشرع، لأنّا لا نرى الشرع في موضع آخر التفت
إليه .
فالمرسل إذا كان غريباً أو ثبت إلغاؤه كان مردوداً بالاتّفاق ; وإن كان

صفحه 106
ملائماً فقد اختلفوا فيه، فقبله الجويني والغزالي وهو منقول عن الشافعي ومالك، وذهب آخرون إلى ردّه لأنّ ما لا يكون معتبراً في الشرع بعينه ولا بجنسه القريب لا يكون دليلاً شرعياً .
وشرط الغزالي 1 في هذا النوع أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية، كما لو تترّس الكفّار بجمع من المسلمين ونعلم أنّا لو تركناهم استولوا على المسلمين وقتلوا الترس، ولو رمينا الترس لخلص أكثر المسلمين، فخرج بقيد الضرورية ما لو تترّس الكافر في قلعة بمسلم فلا يحلّ رمي الترس لعدم الضرورة، وبالقطعية ما إذا لم نعلم تسلطهم لو كففنا عن رمي الترس; وبالكلية امتناع طرح واحد من السفينة المشرفة على الهلاك، لأنّ المصلحة ليست كلية، إذ يحصل بغرق السفينة هلاك عدد مخصوص بخلاف استئصال كافّة المسلمين .
واعلم أنّ الذي أثر نوع الوصف في نوع الحكم وأثر جنسه في جنسه متّفق على قبوله بين القايسين، كقياس القتل على الجارح في وجوب القصاص، فخصوص كونه قتلاً معتبر في خصوص كونه قصاصاً وعموم جنس الجناية معتبر في عموم جنس العقوبة .
وأمّا المناسب الّذي ليس بملائم ولا شهد له أصل، فهو مردود بالإجماع، كحرمان القاتل من الميراث معارضة له بنقيض قصده لو قدرنا عدم النص .

1 . المستصفى: 1 / 175 .

صفحه 107
وأمّا المناسب الملائم الّذي لا يشهد له أصل معين بالاعتبار، بل اعتبر جنسه في جنسه لكن لم يوجد له أصل يدلّ على اعتبار نوعه في نوعه، فهو المصالح المرسلة .
وأمّا المناسب الّذي شهد له أصل معيّن لكنّه غير ملائم، أي شهد نوعه لنوعه لكن لم يشهد جنسه لجنسه كمعنى الإسكار، فإنّه يناسب تحريم تناول المسكر صيانة للعقل، وقد شهد لهذا المعنى الخمر بالاعتبار لكن لم يشهد له سائر الأُصول، وهذا هو المسمّى بالمناسب الغريب، وقد تقدّم.

المطلب الثالث: في أنّ المناسبة هل تبطل بالمعارضة ؟1

الأكثر على أنّ المناسبة لا تبطل بالمعارضة، لأنّ كون الوصف مناسباً إنّما هو لاشتماله على جلب منفعة أو دفع مفسدة، وذلك لا يبطل بالمعارضة لوجوه:
الأوّل: المناسبتان المعارضتان إن تساويا لم يكن إبطال إحداهما بالأُخرى أولى من العكس، فإمّا أن تبطل كلّ واحدة منهما بالأُخرى وهو محال، لأنّ المقتضي لعدم كلّ منهما وجود الأُخرى، والعلّة حاصلة مع المعلول فيوجدان معاً حال عدمهما. وإمّا أن لا تبطل إحداهما بالأُخرى حالة التعارض وهو المطلوب. وإن كانت إحداهما أقوى لم يلزم التفاسد

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 303 ـ 308، الفصل الخامس.

صفحه 108
أيضاً، لأنّه لو لزم التفاسد لكان باعتبار التنافي بينهما، لكنّا بيّنّا عدمه، لأنّهما اجتمعا، وإذا زالت المنافاة لم يلزم من وجود إحداهما عدم الأُخرى .
ولهذا يحسن من العاقل أن يقول: الداعي إلى إثبات الحكم موجود غير أنّه يمنعني عنه مانع ولو اختلت المناسبة لم يحسن ذلك.
الثاني: المفسدة الراجحة إذا صارت معارضة بمصلحة مرجوحة، فإن لم ينتف من الراجح لأجل المرجوح شيء لزم مساواة المفسدة المعارضة لمصلحة مرجوحة للمفسدة الخالصة عن شوائب المصلحة، وهو باطل بالضرورة .
وإن انتفى من الراجح شيء لأجل المرجوح، فهو باطل، لأنّ القدر الذي يندفع من المفسدة بالمصلحة يكون مساوياً لتلك المصلحة، فيعود التقسيم في القدرين المتساويين بأنّه ليس اندفاع أحدهما بالآخر أولى من العكس، فإمّا أن يندفعا معاً أو لا، والأوّل محال والثاني المطلوب .
وأيضاً ليس اندفاع بعض أجزاء الراجح بالمرجوح وبقاء بعضه أولى من اندفاع الباقي وبقاء المرتفع لتساوي الأجزاء في الماهية.
الثالث: تقرّر في الشرع إثبات الأحكام المختلفة باعتبار الجهات المختلفة، كالصلاة في الدار المغصوبة فإنّها سبب الثواب، من حيث إنّها صلاة، وسبب العقاب من حيث الغصب، والجهة المقتضية للثواب مشتملة على المصلحة، والمقتضية للعقاب مشتملة على المفسدة، فالمصلحة والمفسدة إن تساويا ارتفع كلّ منهما بالأُخرى، فلا تبقى مصلحة ولا

صفحه 109
مفسدة فلا يترتب عليهما مدح ولا ذم، وقد فرض ترتّبهما عليهما، هذا خلف .
وإن ترجّحت إحداهما كانت المرجوحة معدومة، فيكون الحاصل إمّا المدح وحده أو الذم وحده، وقد فرضنا حصولهما معاً. هذا خلف، وهذا مبني على أنّ الصلاة في الدار المغصوبة عبادة من جهة ومعصية من أُخرى.
الرابع: العقلاء يقولون في فعل معين: إنّ الإتيان به مصلحة في حقي لولا ما فيه من المفسدة، ولولا صحّة اجتماع وجهي المصلحة والمفسدة، وإلاّ لما صح هذا الكلام.
الخامس: قد يتعارض في نظر الملك عند الظفر بجاسوس عدوه قتله، زجراً له ولأمثاله عن الحبس المضرّ به والإحسان إليه وإكرامه إمّا للاستهانة بعدوه، أو لقصد كشف أسراره، وأيّهما سلك لم يعد خارجاً عن قانون الحكمة ومقتضى المناسبة.
السادس: إذا اجتمع الأخ من الأب مع الأخ من الأبوين في الميراث، فقد يتعارض في نظر الناظر تقديم الأخ من الأبوين لاختصاصه بقرابة الأُمومة، والتسوية ] بينهما [ لاشتراكهما في جهة العصوبة وإلغاء قرابة الأُمومة. وتفضيل الأخ من الأبوين لاختصاصه بمزيد القرابة، ومع ذلك فالعقل يقتضي بتأذي النظر من غير احتياج إلى ترجيح بأنّ ورود الشرع بالاحتمال الأوّل مناسب غير خارج عن قانون الحكمة، ولو كان ترجيح

صفحه 110
الوصف المصلحي معتبراً في مناسبته لما كان كذلك.
اعترض على الأوّل: بأنّك إن أردت أنّ مناسبة الوصف تبتني على أنّه لابدّ في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة فمسلم، لكن لا يلزم من وجود بعض ما لا بدّ منه في المناسبة تحقّق المناسبة. وإن أردت أنّها مستقلة بتحقّق المناسبة، فممنوع، لأنّ المصلحة وإن كانت متحقّقة في نفسها فالمناسبة أمر عرفي، وأهل العرف لا يعدون المصلحة المعارضة بالمفسدة المساوية أو الراجحة مناسبة، ولهذا فإنّ من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت عليه عشرة، يعدّ سفيها خارجاً عن تصرفات العقلاء، ولو كان مناسباً لماكان كذلك، وعلى هذا لا يلزم من اجتماع المصلحة والمفسدة تحقّق المناسبة .
وقول القائل: «الداعي موجود» فالمراد به المصلحة دون المناسبة، وقوله: «يمنعني عنه مانع» وإن كان صحيحاً في العرف، فليس ذلك إلاّ لإخلال المانع المفسدي بمناسبة المصلحة، لا بمعنى أنّ الانتفاء محال على المفسدة مع وجود المناسب للحكم .
وعلى هذا نقول بأنّ مناسبة كلّ واحدة من المصلحة والمفسدة تختل بتقدير التساوي وبتقدير مرجوحية إحداهما فالمختل مناسبتها دون مناسبة الراجحة ضرورة فوات شرط المناسبة، لا لأنّ كلّ واحدة علة للإخلال بمناسبة الأُخرى ليلزم في ذلك ما قيل.
وعلى الثالث: بأنّ الكلام إنّما هو مفروض في إثبات حكم لمصلحة

صفحه 111
يلزم من إثباته تحصيلاً للمصلحة مفسدة مساوية أو راجحة. وما ذكر من مفسدة تحريم الغصب، وهي شغل ملك الغير غير لازمة في ترتيب حكم المصلحة عليها وهو صحّة الصلاة، فانّا وإن لم نقض بصحّة الصلاة فالمفسدة اللازمة من الغصب لا تختل بل هي باقية بحالها، ولو كانت لازمة من حكم المصلحة لا غير لانتفت المفسدة المفروضة بانتفاء حكم المصلحة، وليس كذلك، وحيث لم تكن مفسدة تحريم الغصب لازمة عن حكم مصلحة، كان من المناسب اعتبار كلّ واحد منهما في حكمهما، وهي المصلحة والمفسدة، إذ لا معارضة بينهما على ما تقرر.
وعلى الخامس: أنّه ما لم يترجّح في نظر الملك وأهل العرف
مصلحة ماعيّنه من أحد الطريقين من الإحسان أو الإساءة خرج عن قانون الحكمة.
وعلى السادس: نمنع الجزم بمناسبة ما عيّن دون ظهور الترجيح في نظر الناظر، وبعد ظهور الترجيح فليس الجزم بمناسبة الوصف في نفس الأمر قطعاً لجواز أن يكون في نفسه مرجوحاً وإن لم يطلع عليه .
وقيل تحرم المناسبة بمفسدة تلزمه راجحة أو مساوية لقضاء العقل بأن لا مصلحة مع مفسدة مثلها .
وإذا ثبت هذا وجب على المجتهد في آحاد المسائل النظر إلى وجه ترجيح إحداهما على الأُخرى إمّا بطريق إجمالي يطرد في جميع المسائل بأن يقول لو لم يقدر ترجيح المصلحة على ما عارضها من المفسدة مع

صفحه 112
البحث وعدم الاطّلاع على ما يمكن إضافة الحكم إليه في محل التعليل سوى ما ذكرته، لزم ثبوت الحكم تعبّداً .
وهو خلاف الأصل ; لأنّ غالب الأحكام التعقّل دون التعبّد، فإدراج ما نحن فيه تحته أولى; ولأنّ معقول المعنى أقرب إلى الانقياد وأدعى إلى القبول فكان أفضى إلى المقصود من شرع الحكم أو بطريق تفصيلي بحسب المسائل .
واعترض بأنّ ما ذكرتم من البحث عن وصف آخر يمكن إضافة الحكم إليه مع عدم الظفر به، وإن دلّ على ترجيح جهة المصلحة فهو معارض بما يدلّ على عدم ترجيحها، وهو عدم الاطلاع على ما به تكون راجحة على معارضها مع البحث عنه وعدم الظفر به، وليس أحد البحثين أولى من الآخر .
لا يقال1 : ما ذكرناه أولى من جهة أنّ بحثنا عن وصف صالح للتعليل، وذلك لا يتعدى محل الحكم، فمحله متحد، وبحثكم إنّما هو عمّا به الترجيح، وهو غير منحصر في محل الحكم، فإن ما به الترجيح قد يكون بما يعود إلى ذات العلّة، وقد يكون بأمر خارج عنها كما يأتي، فكان ما ذكرناه أولى .
لأنّا نقول: ما به الترجيح إن كان خارجاً عن محل الحكم، فلا يتحقّق به الترجيح في محل الحكم .

1 . ذكر الإشكال والجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3 / 307 .

صفحه 113
وإن كان في محل الحكم فقد استوى البحثان في اتّحاد محلّهما ولا ترجيح بهذه الجهة .
وبتقدير تسليم اتحاد محل بحث المستدل والتعدّد في محل
بحث المعترض، فإنّ الظنّ الحاصل من البحثين إمّا أن يكون متساوياً، أو متفاوتاً.
وبتقدير المساواة ورجحان ظن المعترض، فلا ترجيح في جانب المستدل وإنّما يترجّح بتقدير ان يكون ماظنه راجحاً .
ومعلوم أنّ ما يقع على تقدير من تقديرين أغلب ممّا لا يقع إلاّ على تقدير واحد. ويجب أن يعلم أنّ اشتراط الترجيح في تحقق المناسبة إنّما يتحقّق على رأي من لا يرى تخصيص العلّة .
وأمّا من يرى جواز تخصيصها وجواز إحالة انتفاء الحكم على تحقّق المعارض مع وجود المقتضي فلابدّ له من الاعتراف بالمناسبة، وإن كانت المصلحة مرجوحة أو مساوية فإنّ انتفاء الحكم بالمانع مع وجود المقتضي إمّا أن يكون لمقصود راجح على مقصود المقتضي للإثبات أو مساوياً له أو مرجوحاً بالنسبة إليه، فإن كان راجحاً فقد قيل بمناسبة المقتضي للإثبات مع كون مقصوده مرجوحاً، وإلاّ فلو لم يكن مناسباً كان الحكم منتفياً لانتفاء المناسب لا لوجود المانع .
وإن كان مساوياً فكذلك أيضاً .

صفحه 114
وإن كانت مفسدة المانع مرجوحة، فقد قيل بانتفاء الحكم له، ولولا مناسبته للانتفاء لما انتفى الحكم به، فإنّه لو جاز أن ينتفي الحكم بما ليس بمناسب، لجاز أن يثبت بما ليس بمناسب.

المطلب الرابع: في أنّ المناسبة هل تدلّ على العلية أم لا؟1

ذهب القائسون إلى أنّ المناسبة والاعتبار يدلّ على كون الوصف علّة، لأنّ المناسبة تفيد ظن العلّية لوجهين:
الأوّل: أنّه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد، وهذه مصلحة، فيحصل ظنّ أنّه تعالى إنّما شرعه لهذه المصلحة. فالمقدّمات ثلاث، ويدلّ على الأوّل وجوه:
أ. أنّه تعالى خصَّص الواقعة المعيّنة بالحكم المعيّن لمرجّح لاستحالة ترجيح أحد المتساويين لا لمرجّح، فذلك المرجّح يستحيل عوده إليه تعالى إجماعاً، فهو عائد إلى العبد وليس مفسدة له ولا ما ليس بمصلحة ولا مفسدة إجماعاً، فهو لمصلحة العبد.
ب. أنّه تعالى حكيم إجماعاً، فلا يفعل إلاّ لمصلحة وإلاّ لكان عابثاً، والعبث على الله تعالى محال، لقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا )2 ،

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 327 .
2 . المؤمنون: 115.

صفحه 115
(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً)1 ، (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ)(2) .
وللإجماع .
ولأنّ العبث سفه، فيكون نقصاً، والله تعالى منزّه عنه، وتلك المصلحة ليست عائدة إليه إجماعاً فهي إلى العبد.
ج. أنّه تعالى كرّم الآدمي، لقوله تعالى: (وَ لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)2، فالسعي في تحصيل مطلوبه ملائم لأفعال العقلاء، مستحسن عندهم، فظنّ الإكرام للآدمي يستلزم ظن أنّه لا يشرع إلاّ ما يكون مصلحة له.
د. أنّه تعالى خلق الآدمي للعبادة، لقوله تعالى: (وَ مَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ
)3، والحكيم إذا أمر عبده أزاح عذره
وسعى في تحصيل منافعه، ليفرغ باله فيتمكن من الاشتغال بأداء المأمور واجتناب المنهي، فإذن كونه مكلّفاً يقتضي أنّه تعالى لا يشرع إلاّ ما هو مصلحة له.
هـ . النصوص الدالة على أنّ مصالح الخلق ودفع مضارّهم مطلوب للشرع .
كقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)4 .

1 . آل عمران: 191 .   2 . الدخان: 39.
2 . الإسراء: 70 .
3 . الذاريات: 56.
4 . الأنبياء: 107 .

صفحه 116
(خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)1 .
(يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)2.
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)3 .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة».4
]وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».5
ز. أنّه تعالى وصف نفسه بأنّه رؤوف رحيم بعباده، وأنّ رحمته وسعت كلّ شيء وشرع ما لا مصلحة للعبد فيه ليس برحمة ولا رأفة .
فثبت بذلك أنّه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد .
ثمّ إنّ المعتزلة صرّحوا بذلك وكشفوا الغطاء حتى قالوا: إنّه تعالى يقبح منه فعل القبيح والعبث، بل يجب أن يكون فعله مشتملاً على مصلحة وغرض .
وأمّا الفقهاء فقد صرّحوا بأنّه تعالى إنّما شرع هذا الحكم لهذا المعنى،

1 . البقرة: 29 .
2 . البقرة: 185 .
3 . الحج: 78 .
4 . مسند أحمد: 5 / 266; مجمع الزوائد: 2 / 260 و ج 4 / 302 و ج 5 / 279; المعجم الكبير للطبراني: 8 / 170 و 216 و 223 ; شرح نهج البلاغة: 15 / 144; تفسير الرازي: 7 / 118 و 135 و 157 ; بحار الأنوار: 64 / 136 و ج 65 / 319 و ج 66 / 42 وج 69 / 234 .
5 . مسند أحمد: 1 / 313 ; مجمع الزوائد: 4 / 110; سنن ابن ماجة: 2 / 784 برقم 2340 ـ 2341 ; من لا يحضره الفقيه: 4 / 334 برقم 5718 ; بحار الأنوار: 73 / 345 .

صفحه 117
ولأجل هذه الحكمة هم يكفرون من قال بالغرض مع أنّ معنى اللام للغرض لا غير .
ويقولون: إنّه وإن كان لا يجب على الله تعالى رعاية المصالح، إلاّ
أنّه تعالى لا يفعل إلاّ ما يكون مصلحةً لعباده تفضّلاً منه وإحساناً لا
وجوباً .
وأمّا المقدّمة الثانية: وهي اشتمال الفعل على هذه المصلحة فظاهر، لأنّا إنّما نحكم بعلّيّة الوصف إذا عرفنا كونه كذلك.
وأمّا الثالثة: وهي أنّ الداعي له تعالى إلى شرع ذلك الحكم هو هذه المصلحة فلوجهين:
أ. المصلحة المقتضية لشرع الحكم ليس غير هذه المصلحة،
لأنّ ذلك الغير لم يكن مقتضياً لهذا الحكم في الأزل، وإلاّ لكان الحكم
ثابتاً في الأزل، وذلك يفيد ظن استمرار هذا السّلب على ما يأتي في الاستصحاب.
ب. العلم بكون الحاكم حكيماً مع العلم باشتمال الحكم على هذه الجهة من الحكمة يفيد في الشاهد تعليل مشروعية ذلك الحكم بتلك الحكمة. فانّا لو اعتقدنا في ملك البلد أنّه لا يفعل إلاّ لحكمة، ثمّ دفع إلى فقير مالاً، ومعلوم أنّ فقره يناسب الدفع إليه ولم تخطر صفة أُخرى تناسب الدفع، ظنّنا أنّ علّة الدفع الفقر، وإن كنّا نجوز غيره، لكنّه مرجوح فلا يقدح في الظن .

صفحه 118
ولو ظهر وجهان كالفقر والعلم، فإن تساويا انتفى ظن العلّة في واحد بعينه. فإذن العلم بحكمة الفاعل وبحصول جهة معينة من الحكمة والغفلة عن غيرها يقضي بظن استناد الفعل إلى تلك الحكمة فيكون في الغائب كذلك، لأنّ الظن دار مع العلمين وجوداً وعدماً، والدوران دليل العليّة ظاهراً، فيحصل ظنّ أنّ العلم بحكمة الفاعل وباشتمال الفعل على جهة مصلحة مع الغفلة عن سائر الجهات علّة لحصول الظن بأنّ ذلك الحكيم أتى بذلك الفعل لتلك الحكمة، والعلّة تستلزم الحكم أينما حصلت. فإذا حصل ذلك العلمان في أفعاله تعالى وأحكامه حصل ظن أنّه تعالى إنّما شرع الحكم لتلك المصلحة، فالمناسبة تفيد ظن العلّيّة.
الوجه الثاني: في أنّ المناسبة تفيد ظنّ العلّيّة بعد تسليم أنّ فعله ليس لغرض .
إنّ دورانَ الأفلاك وطلوعَ الكواكب وغروبها وبقاءَها على أشكالها وأنوارها غيرُ واجب، لكنّ الله تعالى لمّا أجرى عادته على البقاء على حالةواحدة لاجرم يحصل ظن البقاء، وكذا نزول المطر عند الغيم الرطب، وحصول الشبع والري عقيب الأكل والشرب، والاحتراق عند ملاقاة النار غير واجب، لكن العادة لما اطّردت حصل ظن يتاخم العلم بالبقاء على مناهجها .
والحاصل: أنّ تكرر الشيء مراراً كثيرة يقتضي ظنّ أنّه متى حصل فإنّما يحصل على ذلك الوجه. وحينئذ نقول: لما تأمّلنا الشرائع وجدنا

صفحه 119
اقتران الأحكام والمصالح بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر.
فإذن العلم بحصول أحدهما يقتضي ظن حصول الآخر وإن انتفى التأثير بينهما. فالمناسبة دليل العلّيّة، لوجوب العمل بالظن لإجماع الصحابة عليه ووجوب اتّباعه في أحكام الشرع. كما اشتهر في زمن عمر تقدير حد الشارب ثمانين لقول علي (عليه السلام): إنّه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى أن يقام عليه حدّ المفتري إقامة للشرب الذي هو مظنة الافتراء مقام الافتراء في حكمه .1
وكحكمهم في إمامة أبي بكر بالظن، وقياسهم العقد على العقد في الإمامة .
وكقول أبي بكر: أقول في الكلالة برأيي .2
و قول عمر: أقول في الجد برأيي، وقضى فيه بآراء مختلفة.3
والاعتراض 4 أن يقول: لِمَ قلتم: إنّه تعالى شرع الأحكام لمصلحة العباد ؟
قوله: تخصيص الصورة المعينة بالحكم المعين لابدّ له من مرجّح .

1 . مستدرك الحاكم: 4 / 376 ; سنن البيهقي: 8 / 321 ; فتح الباري: 12 / 59 ; سنن الدارقطني: 3 / 117; الكافي: 7 / 215 ح 7; تهذيب الأحكام: 10 / 90 ح 3 ; الإحكام: 3 / 317 .
2 . بحار الأنوار: 34 / 377; إحقاق الحق : 335 و 339 ; الإحكام: 3 / 318 ; المستصفى: 289 .
3 . الإحكام: 3 / 318 ; المستصفى: 287 .
4 . ذكره الرازي مع الجواب عنه في المحصول: 2 / 332 ـ 333 .

صفحه 120
قلنا: سواء ادّعيت احتياج التخصيص إلى مخصّص أو لم تدع لا يمكنك القول بتعليل أحكامه تعالى بالمصالح ; أمّا مع الاحتياج فلأنّ فعل العبد وإن وقع منه تعالى استند الكفر والمعصية إليه، فيستحيل القول بأنّه لا يفعل إلاّ لمصلحة العبد .
وإن وقع من العبد، فإن لم يتمكّن من ترك المعصية مع أنّ القدرة والداعي الموجبين لها من فعله تعالى كان قد فعل في العبد ما يوجب المعصية، ويمتنع عقلاً انفكاكه عنهما، فلا يمكن القول بأنّه تعالى يُراعي مصلحة العبد .
وإن تمكن من الترك افتقر في ترجيح أحد الممكنين إلى مرجّح، فإن كان من العبد عاد التقسيم، وإن كان منه تعالى فإن وجب الترجيح عنده عاد الأمر إلى أنّه تعالى فعل فيهما ما يوجب المعصية فلا يراعي المصالح، وإن لم يجب افتقر إلى مرجح آخر ويتسلسل أو ينتهي إلى الوجوب .
لا يقال 1: عند حصول المرجِّح يكون الفعل أولى بالوقوع من غير انتهاء إلى حد الوجوب.
لأنّا نقول: حصول الترجيح ولا حصوله مع الأولوية ان كانا ممكنين فلنفرض وقوعهما، فنسبة الأولوية إلى الترجيح واللاّترجيح على السواء، فاختصاص أحد زماني الأولوية بالوقوع دون الثاني ترجيحاً للممكن المتساوي من غير مرجِّح، وهو محال .

1 . ذكره الرازي مع الجواب عنه في المحصول: 2 / 334 .

صفحه 121
فاذن القول بافتقار التخصيص إلى المخصِّص، يمنع من تعليل أحكامه تعالى بالمصالح، وأمّا مع عدم احتياج التخصيص إلى المخصص فامتناع القول بتعليل أفعاله وأحكامه بالمصالح ظاهر .
وأيضاً فإنّ هذا يدلّ على امتناع تعليل أفعاله بالمصالح، وهو من وجوه1:
الأوّل: أنّه تعالى خلق أفعال العباد، فلا يراعي في أفعاله المصالح وبيان الأُولى من وجوه:
أ. أنّ العبد لو كان موجداً لأفعاله لكان عالماً بتفاصيلها، والتالي باطل فالمقدّم مثله .
بيان الشرطية: أنّ فعله واقع على كيف وكم مخصوصين مع جواز وقوعه على غيرهما، ولابدّ لذلك الاختصاص من مخصِّص، وإلاّ لزم القدح في إثبات الصانع، إذ المقتضي للعلم به اختصاص حدوث العالم بوقت وقدر معينين مع جواز وقوع غيرهما، والتخصيص مسبوق بالعلم، لأنّه عبارة عن قصد إيقاعه على ذلك الوجه، والقصد إلى إيقاعه كذلك مشروط بالعلم بذلك الوجه، لاستحالة قصد الغافل .
وأمّا بطلان التالي أنّ الفعل يصدر من النائم مع عدم خطور شيء من التفاصيل بباله، بل الغافل يفعل أُموراً كثيرة لا يعلمها، كالبطء في الحركة فإنّه إن كان عبارة عن تحلّل السكنات، فالفاعل للحركة البطيئة يفعل حركة

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 334 ـ 341 .

صفحه 122
في بعض الأحيان وسكوناً في البعض الآخر مع عدم علمه بذلك. وإن كان عبارة عن كيفية قائمة بالحركة فكذلك ان فاعل الحركة لا يعرفها، ثمّ ذلك البطء يختلف فقد فعل عرضاً مخصوصاً في عرض آخر مع جواز أن يحصل سائر مراتب البطء مع عدم خطور شيء بباله، فعلمنا أنّه قد يفعل ما لا يعلم فالعبد غير موجد.
ب. مقدور العبد مقدور لله تعالى، لأنّه ممكن والإمكان علة المقدورية، فيجب وقوعه بقدرته تعالى، لأنّ قدرة العبد لو صلحت للإيجاد، وفرضنا أنّ كلاً منهما أراد إيجاده اجتمع على الفعل مؤثّران مستقلاّن، وهو محال، لوجوبه مع المؤثّر المستقل فيستغني بكلّ منهما حال احتياجه إليهما .
ج. لو أراد العبد تحريك جسم حال ما أراد الله تعالى تسكينه، وقدرة كلّ منهما مستقلة بالإيجاد لم يكن وقوع أحد المقدورين أولى، فإمّا أن يقعا معاً وهو جمع بين الضدين أو يرتفعا معاً، وهو محال، لأنّ المانع من وجود كلّ منهما وجود الآخر، والمانع حاصل حال تحقّق الامتناع، فيوجدان معاً حالة عدمهما .
لا يقال: قدرته تعالى أولى بالإيجاد، لأنّها أقوى .
لأنّا نقول: إنّها أقوى بمعنى أنّها مؤثّرة في أُمور أُخر لا تؤثر فيها قدرة العبد، أمّا ما يتعلّق بذلك المقدور، فلا لأنّا لو فرضناه واحداً فيستحيل فيه التفاوت، فيستحيل التفاوت في التأثير فيه.
د. لو قدر العبد على مقدور ما لقدر على الجميع، والتالي باطل

صفحه 123
بالضرورة، فإنّه لا يقدر على خلق السماوات والأرض فالمقدّم مثله .
وبيان الشرطية: أنّ المصحّح للمقدورية الإمكان وهو واحد في الجميع، فقد ثبت أنّ العبد غير موجد لأفعاله، بل الله تعالى، فالمعاصي من فعله تعالى، ومعلوم أنّ الغالب على العالم الكفر والمعاصي فيمتنع القول بأنّه تعالى لا يفعل إلاّ لمصلحة العبد .
لا يقال: لا نسلّم انّه تعالى الخالق لأفعال العبد، لكنّ للمكلّف اختيار الإيمان والكفر، والله تعالى أجرى عادته بخلق ما يختاره العبد منهما، فمنشأ المفسدة اختيار المكلّف .
لأنّا نقول: حصول اختياره أحدهما إن كان من فعل العبد خاصة لم يكن الله تعالى فاعلاً لجميع أفعال العبد، وإن كان من فعله تعالى توجّه الإشكال.
] الوجه [ الثاني: أنّ القادر على الكفر إن لم يقدر على الإيمان، لزم الجبر، وهو يقدح في رعاية المصالح. وإن قدر فلابدّ وأن ينتهي إلى مرجّح من فعله تعالى يجب عنده الفعل، فيلزم الجبر وهو يقدح في اعتبار المصلحة.
الثالث: أنّ تكليف ما لا يطاق واقع، فيمتنع رعاية المصالح .
وبيان الأوّل من وجوه:
أ. أنّه تعالى كلّف بالإيمان من علم كفره وصدور الإيمان منه محال، لاستحالة انقلاب علمه جهلاً.

صفحه 124
ب. ان كلّفه حال استواء الداعي (مع أنّ الفعل)1 حينئذ
محال، لامتناع الرجحان حال الاستواء، فقد كلّف بالمحال أو حال الرجحان والراجح واجب والمرجوح ممتنع، وبأيهما كلّف لزم تكليف المحال، لأنّ ترجيح المرجوح جمع بين الضّدين وترجيح الراجح تحصيل الحاصل.
ج. القدرة إذا حصلت في العبد فإن أمر بإيقاع الفعل في ذلك الزمان لزم المحال، لأنّه إذا وجد المقدور في ذلك الزمان، فلو أمر الله تعالى بإيقاعه في ذلك الزمان كان أمراً بإيجاد الموجود .
وإن أمر في الزمان الثاني لزم المحال أيضاً، لأنّه إذا لم يتمكّن منه في الزمان الأوّل كان أمره بالفعل أمراً لغير القادر .
لا يقال: لم يؤمر في الحال بإيقاعه فيه بل في ثانيه.
لأنّا نقول: إن لم يكن لقولك يوقعه مفهوم زائد على الفعل لم يكن لقولك: إنّه أمر في الحال بإيقاع الفعل في الثاني إلاّ أنّه أعلم في الحال بأنّه لابدّ وأن يكون في الزمن الثاني بحيث يصدر عنه الفعل، ففي هذا الزمان لم يحصل إلاّ الإعلام، فأمّا الإلزام فإنّما يحصل في الثاني، فيعود الأمر إلى أنّه أمر بإيقاع الفعل حال وقوعه .
وإن كان له مفهوم زائد، فإن حصل في الزمن الأوّل وقد أمر في الأوّل به، لزم كونه مأموراً بالشيء حال وقوعه .

1 . في «ب» و «د»: فالفعل.

صفحه 125
وإن لم يحصل إلاّ في الثاني عاد ما ذكرنا من الحاصل في الأوّل إعلام لا إلزام، والإلزام إنّما يحصل في الثاني فيلزم ما ذكرنا من الأمر بالإيقاع حالة الوقوع.
د. قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ )1 المخبر عنهم فيه كانوا مأمورين بالإيمان، ومنه تصديق الله تعالى في كلّ ما أخبر عنه فقد امروا بتصديق الله تعالى في إخبارهم انّهم لا يؤمنون وهو تكليف ما لا يطاق.
هـ . فعل العبد إنّما يحصل إذا خلق الله فيه داعية تُلجِئه إلى الفعل، وإذا أُلجئ إلى فعل الكفر كان تكليف الإيمان تكليفاً بمالا يطاق.
و. الأمر بالمعرفة إن توجّه حال المعرفة لزم الأمر بتحصيل الحاصل، وإن توجّه لاحالها استحال حينئذ أن يكون عارفاً فحال كونه بحيث يستحيل أن يعرف أمر الله تعالى لما توجّه عليه الأمر، كان تكليفاً بما لا يطاق.
ز. أنّه تعالى أمر بالترك وهو غير مقدور، لأنّ معناه بقاؤه على العدم الأصلي والعدم نفي محض والقدرة مؤثرة، فالجمع بينهما متناقض، ولأنّ التأثير في الباقي محال .
لا يقال: الترك فعل الضد، وهو وجودي .

1 . البقرة: 6 .

صفحه 126
لأنّا نقول: الإلزام قائم، لأنّ الواحد منّا قد يؤمر بترك الشيء الذي لا يعرف له ضداً، فلو أمرنا في ذلك الوقت بفعل ضده لكنّا قد أمرنا بفعل شيء لا نعرف ماهيّته، فيكون ذلك تكليفاً بالمحال. وإذا ثبت تكليف مالا يطاق امتنع تعليل أفعاله تعالى بالمصالح .
] الوجه [ الرابع: تخصيص خلق العالم بوقت حدوثه دون ما قبله وما بعده لا لغرض، لانتفاء الوقت والزمان قبل العالم، بل ليس إلاّ (الله تعالى و)1 العدم الصرف، ويستحيل أن يحصل فيه وقت يكون منشأ للمصلحة وآخر للمفسدة .
الخامس: أنّ تقدير الأفلاك والكواكب والعناصر والجبال والبحار بمقاديرها المعيّنة لا يجوز أن يكون لمصلحة الخلق، للعلم بأنّه لو زاد في مقدار الفلك ] مقدار [ جزء لا يتجزّأ لم يتغيّر بسببه شيء من مصلحة العباد ولا مفاسدهم .
السادس: أنّه ] تعالى [ خلق الكافر الفقير بحيث يكون في المحنة من أوّل عمره إلى آخره، وفي الآخرة يكون معذّباً دائماً مع أنّه تعالى يعلم في الأزل أنّه إذا خلقه وكلّفه بالإيمان لم يستفد من ذلك إلاّ البلاء والمحنة، فكيف يقال: إنّ ذلك مصلحة له؟!
السابع: أنّه تعالى خلق الخلق وركَّب فيهم الشهوة والغضب حتى ربّما قتل بعضهم بعضاً، وفجر بعضهم ببعض، وقد كان يقدر على خلقهم

1 . ما بين القوسين من المحصول: 2 / 340 .

صفحه 127
في الجنة ابتداءً ويغنيهم بالمشتهيات الحسنة عن القبيحة .
لا يقال: إنّما فعل ذلك ليعطيه العوض وليكون لطفاً لمكلّف آخر .
لأنّا نقول: لو أعطاه العوض ابتداءً كان أولى، ولا يحسن إيلام زيد ليكون لطفاً لعمرو .
الثامن1: الأُمّة بين قائلين: منهم من جعل أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، فيلزم أن يكون خالقاً للكفر والمعاصي وأنواع الشرور مع انتفاء الحكمة والمقاصد في خلقها ; ومنهم من قال أنّها مخلوقة للعبد، وإنّما كانت مخلوقة له بواسطة خلق الله تعالى القدرة على ذلك، وخلق القدرة الموجبة لهذه الأُمور لا يكون لحكمة.
التاسع: لو استلزم فعله الحكمة، لما أمات الأنبياء وأنظر ابليس، ولما أوجب تخليد أهل النار فيها، لعدم الحكمة فيه.
العاشر: لو كان فعله لحكمة ومقصود، فعند تحقّقها إن وجب الفعل كان الله تعالى مضطراً غير مختار، وإن لم يجب أمكن وجوده تارة وعدمه أُخرى، فإن ترجّح أحدهما لمقصود تسلسل، وإن كان لا لمقصود فالمطلوب.
الحادي عشر: لو كان فعله لغرض ومقصود، فإن كان ذلك المقصود قديماً لزم قدم الصنع والمصنوع، وإن كان حادثاً فإن توقّف على مقصود تسلسل، وإلاّ فالمطلوب.

1 . من الوجه الثامن إلى الوجه التاسع عشر ذكرها الآمدي في الإحكام: 3 / 318 ـ 321 .

صفحه 128
الثاني عشر: أنّ حكم الله تعالى كلامه، وهو قديم، والمقصود يستحيل أن يكون قديماً لاستحالة وجود قديم غير الله تعالى وصفاته، وإذا كان حادثاً لزم تعليل القديم بالحادث وهو محال .
الثالث عشر: لو كان فعله لغرض، فإن كان فعله لذلك الغرض أولى من تركه، لزم أن يستكمل بذلك الفعل، وإن لم يكن أولى امتنع الفعل لعدم الأولوية .
الرابع عشر: الحكم والمقاصد خفية، وفي ربط الأحكام الشرعية بها ما يوجب الحرج في حقّ المكلّف باطّلاعه عليها والبحث عنها، والحرج منفي بقوله تعالى: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)1.
الخامس عشر: أنّ وجود الحكمة ممّا يجب تأخّره عن وجود شرع الحكم، والمتأخّر يمتنع أن يكون علّة للمتقدّم.
السادس عشر: لو شرع الأحكام للحكم، لكانت مفيدة لها قطعاً، لأنّه تعالى قادر على تحصيل تلك الحكمة قطعاً، فلو فعل ما فعله قصداً لتحصيل تلك الحكمة، لكان الظاهر منه أنّه يفعله على وجه تحصل به تلك الحكمة قطعاً، وأكثر الأحكام من الزواجر وغيرها لا يفيد ما قيل إنّها حكم لها قطعاً.
السابع عشر: أنّه تعالى قادر على تحصيل الحكمة من دون شرع الحكم، فيكون توسط شرعه عبثاً.

1 . الحج: 78 .

صفحه 129
الثامن عشر: أنّ الحكمة إنّما تطلب في حقّ من تميل نفسه إلى جلب نفع أو دفع ضرر، والله تعالى منزه عنه.
التاسع عشر: أنّ الحكمة إنّما تطلب في حق من لو خلا فعله من الحكمة لحقه الذم وكان عابثاً، والله تعالى منزّه عنه، لأنّه يتصرّف في ملكه كيف شاء .
فظهر بذلك أنّه ليس الغالب في أفعاله تعالى رعاية المصالح ولا يغلب على الظن تعليل أحكامه بالمصالح، كما لو رأينا شخصاً غالب أفعاله عدم الالتفات إلى المصالح ثمّ رأيناه حكم بحكم لا يغلب على الظن اشتمال ذلك الحكم على المصلحة، هذا في حق الإنسان المحتاج إلى رعاية المصلحة والإله يتعالى عن المصالح ، ثم رأينا غالب أفعاله ما لا يكون مصلحة للخلق كيف يظن تعليل أحكامه بالمصالح؟!
سلّمنا أنّ أفعاله تعالى معلّلة بالمصالح، وأنّ هذا الفعل مصلحة من هذا الوجه، فلِمَ قلت: إنّ هذا القدر يقتضي ظنّ أنّ ذلك الحكم معللاً بهذه المصلحة؟ واعتمادكم على الوجه الأوّل مبني على الاستصحاب والثاني مبني على الدوران .
وعلى الوجه الثاني لم قلت: إنّه لما حصل الظنّ في المثال المذكور وجب حصوله في حقّه تعالى. والدوران إنّما يفيد الظن إذا لم يظهر وصف آخر في الأصل، وقد وجد هنا لوجهين 1:

1 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 342 .

صفحه 130
أ. إنّما حكمنا بذلك في حقّ الملك، لعلمنا بميل طبعه إلى جلب المصلحة ودفع المفسدة، وهو مفقود في حقّه تعالى.
ب. المعتبر ليس دفع عموم الحاجة، بل دفع الحاجة المخصوصة، فمن عرف عادة الملك أنّه يراعي هذا النوع أو ذاك حصل له ظن انّ غرض الملك من هذا الفعل إمّا هذا أو ذاك، وعادة الله تعالى في رعاية أجناس المصالح وأنواعها مختلفة، ولذلك قد يكون الشيء قبيحاً عندنا وهو حسن عند الله تعالى وبالعكس، ولهذا المعنى نقطع الآن بقبح شريعة موسى وعيسى (عليهما السلام) وبحسن شريعتنا، والتفاوت غير معلوم الآن، فظهر الفرق بين الصورتين .
سلّمنا أنّ ما ذكرتم يدلّ على قولكم لكنّه معارض بوجوه1:
الأوّل: انّ أفعاله لو كانت لدفع حاجة العبد لارتفعت جميع الحاجات لاشتراكها في أصل كونها حاجة وتباينها بخصوصياتها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فما به الامتياز لكلّ نوع من أنواع الحاجة عن باقي أنواعه لا يكون حاجة .
فإذن التعليل بكونه حاجة يوجب سقوط تلك الزوائد عن العلّيّة، وارتباط الحكم بمسمّى الحاجة الذي هو القدر المشترك بين كلّ أنواعه، فإذا كان المسمّى علّة لشرع ما يصلح أن يكون دافعاً له، لزم اندفاع كلّ الحاجات، لكن اللازم باطل قطعاً، فيبطل التعليل بالحاجة.

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 342 .

صفحه 131
الثاني: تعليل أحكامه تعالى بالمصالح يفضي إلى مخالفة الأصل، لأنّ العبادات التي كانت في شرع موسى وعيسى (عليهم السلام) كانت حسنة في ذلك الزمان وصارت قبيحة الآن، فلابدّ وأن يكون ذلك، لأنّه حصل في ذلك الزمان شرط لم يحصل الآن، أو وُجد الآن مانع لم يكن موجوداً في ذلك الوقت، ولكن توقيف المقتضي على وجود الشرط أو تخلّف حكمه لمانع، خلاف الأصل.
الثالث: الحكم لا يجوز تعليله بالحكمة، لعدم انضباطها فتكون خفية; ولا بالوصف المشتمل عليها، لأنّه إنّما يكون علّة للحكم لاشتماله على الحكمة، فتكون الحكمة علّة لعلّة الحكم، فيعود المحذور .
سلّمنا استلزام شرع الحكم للحكمة لكن لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب علّة، ولو دلّ لزم كون أجزاء العلّة المناسبة عللاً، فجاز أن يكون جزء علة فلا يلزم من وجوده في الفرع وجود الحكم .
وهذه الشبه أورد أكثرها الإمام فخر الدين الرازي ثمّ أجاب 1 بأنّ أفعال الله تعالى مشروعة للمصالح على ما بيّنّا، والوجوه العقلية التي ذكرت لو صحّت لقدحت في التكليف، والكلام في القياس نفياً وإثباتاً فرع على القول بالتكليف، فلا تكون مسموعة.
وأمّا الفرقان المذكوران بين الشاهد والغائب فإنّما يقدح في قول من

1 . المحصول: 2 / 343 .

صفحه 132
يوجب عقلاً تعليل أحكامه تعالى بالمصالح. ومن لا يوجبه لكن يفعل تفضلاً وإحساناً لم يقدح الفرق في قوله .
والمعارضات الثلاثة الأخيرة منقوضة بتعليل أفعالنا بالدواعي والأغراض فإنّها آتية فيها .
وفيه نظر، لامتناع الجمع بأنّه تعالى يفعل لا لغرض وأنّه شرّع أفعاله للمصالح.
وأجاب غيره 1 عن الأوّل: بأنّ القدرة إنّما تتعلّق بالحدوث والوجود لا غير، والكفر وأنواع المعاصي والشرور راجعة إلى مخالفة نهي الشارع، وليس ذلك من متعلّق القدرة في شيء .
سلّمنا أنّ الجميع مخلوقة لله تعالى، فنحن لا ندّعي ملازمة الحكمة لأفعاله مطلقاً حتى يطرد ذلك في كلّ مخلوق، بل إنّما ندّعي ذلك فيما يمكن مراعاة الحكمة فيه، وذلك فيما عدا الشرور والمعاصي، ولا ندّعي ذلك قطعاً بل ظاهراً .
سلّمنا لزوم الحكمة لأفعاله مطلقاً، لكن لا نسلّم امتناع ذلك فيما ذكروه من الصور قطعاً، لجواز أن يكون لازمها حكم لا يعلمها سوى الرب تعالى وهو الجواب عن الثامن والتاسع .
وفيه نظر، لأنّ الكفر والمعاصي والظلم وغيرها من الأفعال متحقّقة ثابتة في الخارج فلابدّ لها من مؤثر سواء أثر في حقيقتها أو وجودها، وذلك

1 . المجيب هو الآمدي في الإحكام: 3 / 322 .

صفحه 133
المؤثر إن كان هو الله تعالى انتفت حكمته، وهو محال .
سلّمنا لكن المخالفة لنهي الشرع إن لم يكن متعلّق القدرة والمؤثر امتنع اللوم والذنب على العبد وبطل التكليف، وإلاّ عاد الإشكال. وإذا لم يجب ملازمة الحكمة لأفعاله، بل فيما عدا الشرور لم يحصل الظن برعاية هذه الحكمة لجواز إلحاقها بالشرور في عدم مراعاتها أو في نفسها، وتجويز كون الشرور لحكم، وكذا المعاصي وأنواع الظلم والكفر، يخرجها عن حقائقها، وهو غير محلّ النزاع .
بل الحق في الجواب أن يقول: لا نسلّم استناد الأفعال إليه تعالى ولا يستلزم الفعل العلم مفصّلاً، بل ولا مجملاً، فإنّ العلل مؤثّرة وفاعلة لآثارها مع انتفاء الشعور، نعم الفاعل بالقصد لابدّ وأن يكون عالماً لكن لا يجب التفصيل في علمه، بل الشرط تعلّق العلم بما تعلّق به الاختيار، والاختيار إنّما يتعلّق به على الإجمال لا التفصيل، فإن تعلّق به على التفصيل وجب فيه العلم كذلك وقدرة العبد مع قدرته تعالى لا يستلزم وقوع الفعل منهما، لعدم استلزام القدرة التأثير، ونمنع عدم الأولوية لإمكان تخصيص استناد الوقوع إلى الله تعالى ، لأنّه أقوى. وهذا دليل أخذه الأشاعرة من المتكلّمين في الوحدانية، وهو هناك يتمشّى ولا يتمشّى هنا. ولا يلزم من قدرته تعالى على شيء عموم قدرته، ولا يلزم من الوجوب المستند إلى مجموع القدرة والداعي الجبر، على ما سلف، ووجوب المعرفة عقلي والترك مقدور وهو إمّا نفس اللايفعل أو أن يفعل الترك .

صفحه 134
وفي الرابع نظر، لأنّ المصلحة لا تتوقف على حصول وقت،
فإنّ الوقت نفسه لابد في وجوده من المصلحة ولا يفتقر إلى وقت
آخر .
وفي الخامس نظر، لأنّ خفاء المصلحة لا يستلزم عدمها
وكذا المفسدة، فجاز أن يكون زيادة جزء لا يتجرى مفسدة وعدمها مصلحة .
وأُجيب عن السادس والسابع: بأنّ الحكمة في ذلك إن كانت ممتنعة لم يلزم امتناعها في ما هي ممكنة فيه، وإن كانت جائزة أمكن وجودها ونحن لا نطّلع عليها .
والحق في الجواب انّ خلق الكافر مصلحة، فإنّ الإيجاد لا نزاع في كونه مصلحة، وكذا الإقدار والتكليف، فإذا اختار المكلّف المعصية المستلزمة لذاتها العقاب لم يخرج الحسن بسببه عن حسنه.
وعن العاشر: أنّ وجود الفعل وان قدر تحقّق الحكمة، غير واجب، بل هو تبع لتعلّق القدرة والإرادة به. ومع ذلك فالباري لا يكون مضطراً بل مختاراً.
وعن الحادي عشر: أنّ المقصود حادث لا يفتقر إلى مقصود آخر، فإنّا إنّما ندّعي ذلك فيما هو ممكن، وافتقار المقصود إلى مقصود آخر غير ممكن لإفضائه إلى التسلسل الممتنع، وإن كان مفتقراً إلى مقصود، فذلك المقصود هو نفسه لا غيره، فلا تسلسل.

صفحه 135
وعن الثاني عشر: أنّ الحكم ليس هو نفس الكلام القديم، بل الكلام بصفة التعلّق، فكان حادثاً، وإن كان الحكم قديماً والمقصود حادثاً، فإنّما يمتنع تعليله به لو كان موجباً للحكم، وليس كذلك، بل إمّا بمعنى الأمارة، والحادث يجوز أن يكون أمارة على القديم، وأمّا بمعنى الباعث فلا مانع في تجويز كونه متأخّراً، ويكون حكم الله تعالى القديم لأجل ما سيوجد من المقصود الحادث .
وفيه نظر، فإنّ الحكم لو كان حادثاً وهو مفسر بأنّه خطاب من
الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين، كانت صفة الله تعالى حادثة، وهو محال.
وعن الثالث عشر: أنّ الغرض أولى من تركه، لكن بالنظر إلى المخلوق.
وفيه نظر، فإنّ هذا العذر إنّما يصحّ من المعتزلة، لأنّ عمدة الأشاعرة في نفي الغرض على هذا الحرف، فلا يجوز لهم إنكاره، وإلاّ لبطل أصل مذهبهم .
وعن الرابع عشر: نمنع الحرج في ربط الأحكام بالحكم المضبوطة بأنفسها، أو بأوصاف ظاهرة ضابطة لها لعدم العسر في معرفتها، وإن كان في استخراج ذلك نوع حرج لكن فيه فائدة وهي زيادة الثواب.
وعن الخامس عشر: أنّ المتأخّر يجوز أن يكون غاية، وكلّ العلل الغائية متأخّرة في الوجود وإن كانت متقدّمة في الماهية.

صفحه 136
وعن السادس عشر: يجوز أن يكون المقصود من شرع الحكم حصول الحكمة ظاهراً لا مطلقاً.
وعن السابع عشر: بإمكان أن يكون حصول الحكمة بدون شرع الحكم محالاً، فلا يكون مقدوراً ولا يستلزم العجز .
سلّمنا الإمكان والقدرة عليه فلا يلزم أن يكون شرع الحكم غير مفيد مع حصول الفائدة به وان قدر إمكان حصول الفائدة بطريق آخر.
وعن الثامن عشر: نمنع ما ذكروه في رعاية الحكمة، بل الحكمة إنّما تطلب من فعل من لو وجدت الحكمة في فعله لم يكن ممتنعاً، بل واقعاً في الغالب.
وعن التاسع عشر: بأنّ ما ذكروه إنّما يلزم في حقّ من يجب مراعاة الحكمة في فعله، والله تعالى ليس كذلك .
وفيه نظر، لما بيّنّا من المنافاة بين ذلك وبين التعليل في القياس، بل الحق في الجواب ما قاله المعتزلة من أنّه تعالى لو أخلّ بالحكمة لحقه الذم، لكن لمّا امتنع لحوق الذم له من حيث الحكمة، امتنع إخلاله بالحكمة من هذه الحيثية وإن كان قادراً على الإخلال .
واعلم أنّ التحقيق يقتضي أن هذا الطريق لا يصلح لإثبات العلّيّة، أمّا على رأي الأشاعرة فظاهر، لامتناع تعليل أفعاله تعالى عندهم بالحكم والأغراض، فكيف يصحّ مع ذلك القول بأنّ الله حكم في الأصل بكذا لأجل كذا.

صفحه 137
وأمّا على رأي المعتزلة فلأنّ جهات المصالح إنّما تقتضي الإيجاب عليه تعالى لو خلا الفعل في نفس الأمر عن المفاسد، ولا يلزم من حصول المصلحة المعيّنة انتفاء المفاسد، ولا من عدم العلم بها انتفاؤها، فجاز أن يشتمل التعليل بما ذكروه على نوع مفسدة، فلا يصدر منه تعالى.
وعند هذا ظهر صحّة ما قلناه من بطلان القياس إلاّ مع النصّ على العلّيّة.

البحث الخامس: في المؤثر 1

وهو أن يكون الوصف مؤثّراً في جنس الحكم في الأُصول دون وصف آخر، فيكون أولى بأن يكون علّة من الوصف الذي لا يؤثر في جنس ذلك الحكم ولا في عينه، وذلك كالبلوغ الذي يؤثر في رفع الحجر عن المال فيؤثِّر في رفع الحجر عن النكاح دون البنوّة، لأنّها لا تؤثر في جنس هذا الحكم وهو رفع الحجر. وكقولهم: إذا قدِّم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في الميراث فينبغي أن يقدّم في ولاية النكاح .
لا يقال: لم قلتم إنّ الأُخوّة من الأبوين لمّا أثّرت في التقديم في الأرث أثّرت في التقديم في النكاح .
لأنّا نقول: بيّنوا ذلك بالمناسبة أو بأن لا فارق بين الأصل والفرع إلاّ كذا، وهو ملغيّ. فهذا الطريق لا يتمشى إلاّ بطريق المناسبة والسبر.

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 344 .

صفحه 138
في ماهيّة الشبه   
 
البحث السّادس: في الشبه 1
وفيه مطلبان:

المطلب الأوّل: في ماهيته

اختلف الناس في تفسيره مع أنّ اسم الشبه وإن أُطلق على كلّ قياس ألحق الفرع فيه بالأصل بجامع بشبهه فيه .
فقال قوم: إنّه ما تردّد الفرع فيه بين أصلين، ووجد فيه المناط الموجود في كلّ واحد من الأصلين، إلاّ أنّه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الأوصاف التي بها مشابهته للآخر، فإلحاقه بما هو أكثر مشابهة هو الشبه، كالعبد المقتول خطأً إذا زادت قيمته على دية الحرّ، فإنّه قد اجتمع فيه مناطان متعارضان :
النفسية وهو مشابه للحر فيها، ومقتضاه عدم الزيادة على الدية.
والمالية وهو مشابه للدابة، ومقتضاه الزيادة .
إلاّ أنّ مشابهته للحر في الآدمية واستحقاق الثواب والعقاب، ومشابهته للدابة في كونه مملوكاً مقوماً في الأسواق، فكان إلحاقه بالحر لكثرة مشابهته أولى، وليس هذا من الشبه في شيء، لأنّ كلاًّ من المناطين مناسب وما ذكر من كثرة المشابهة إن كانت مؤثرة فهي من باب الترجيح

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 344 .

صفحه 139
لأحد المناطين على الآخر، وذلك لا يخرجه عن المناسب وإن افتقر إلى نوع ترجيح .
وفسّره آخرون بما عرف فيه المناط قطعاً غير أنّه مفتقر في آحاد الصور إلى تحقيقه. كما في طلب المثل في جزاء الصيد بعد أن عرف أنّ المثل واجب بقوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)1، وليس
هذا أيضاً شبهي، فإنّ الكلام مفروض في العلّة الشبهية، والنظر هنا إنّما هو في تحقيق الحكم وهو الأشبه، لا في تحقيق المناط وهو معلوم بدلالة النصّ.
ودليل أنّ الواجب هو الأشبه أنّه أوجب المثل، ومعلوم أنّ الصيد لا يماثله شيء من النعم، فكان ذلك محمولاً على الأشبه، كيف وهومقطوع به، والشبه مختلف فيه، وكيف يكون المتفق عليه هوالمختلف فيه .
ومنهم مَن فسّره بما اجتمع فيه مناطان مختلفان، لا على سبيل الكمال إلاّ أن أحدهما أغلب من الآخر، فالحكم بالأغلب حكم بالأشبه، كاللعان الموجود فيه لفظ الشهادة واليمين، وليسا بمتمحضين، لأنّ الملاعن مدّع فلا تقبل شهادته لنفسه ولا يمينه. وهذا وإن كان أقرب ممّا تقدّم إلاّ أنّه متى غلبت إحدى الشائبتين ظهرت المصلحة الملازمة لها في نظرنا، فيجب الحكم بها ولكنّه خارج 2 عن التعليل بالمناسب .3

1 . المائدة: 95 .
2 . في الإحكام: 3 / 326: غير خارج.
3 . راجع الإحكام: 3 / 325 ـ 326 .

صفحه 140
وقال القاضي أبو بكر1: الوصف إن كان مناسباً للحكم بذاته سمّي المناسب ; وإن لم يكن مناسباً بذاته فإن كان مستلزماً لما يناسبه بذاته فهو الشبه، كتعليل التحريم بالرائحة الفاتحة المستلزمة للشدّة المطربة ; وإن لم يكن مناسباً بذاته ولا مستلزماً للمناسب بذاته فهو الطرد، فجعل الشبه قياس الدلالة وهو الجمع بين الأصل والفرع بما لا يناسب الحكم ولكن بما يستلزم ما يناسب .
وقال قوم: الوصف الذي لا يناسب الحكم إمّا أن يكون قد عُرف بالنصِّ تأثيرُ جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم، وإمّا أن لا يكون كذلك .
والأوّل الشبه، لأنّه من حيث إنّه غير مناسب يُظنّ عدم اعتباره في حقّ ذلك الحكم، ومن حيث عُلم تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم مع أنّ سائر الأوصاف ليس كذلك يكون ظنّ استناد الحكم إليه أقوى من ظنّ استناده إلى غيره .
والشافعي يسمِّي هذا القياس قياس غلبة الأشباه. وهو تردّد الفرع بين أصلين، فإذا كانت مشابهته لأحدهما أقوى أُلحِقَ به، فأمّا الذي يقع فيه الاشتباه فالمحكيّ عن الشافعي أنّه كان يعتبر الشبه في الحكم كمشابهة العبد المقتول للحر ولسائر المملوكات .

1 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 344 .

صفحه 141
وعن ابن عُلَيّة1 ان كان يعتبر الشبه في الصورة كردّ الجلسة الثانية في الصلاة إلى الجلسة الأُولى في عدم الوجوب .
والوجه أنّه متى حصلت المشابهة فيما يُظن كونه علّة الحكم، أو مستلزماً لما هو علّة له صحّ القياس سواء كان ذلك في الصورة أو في الأحكام .
ومنهم من فسّره 2 بما يوهم المناسبة من غير اطّلاع عليها، لأنّ الوصف المعلّل به إمّا أن تظهر فيه المناسبة بوقوف من هو أهل معرفة المناسبة عليها، وذلك أن يكون ترتيب الحكم على وفقه ممّا يفضي إلى تحصيل مقصود من المقاصد المبيّنة أوّلاً، فهو المناسب .
وإن لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام ممّن هو أهله، فإمّا أن يكون مع ذلك لم يؤلف من الشرع الالتفات إليه في شيء من الأحكام، أو قد ألف.
والأوّل الطردي الذي لا التفات إليه، كما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة بالخل مانع 3 لا تبني القنطرة على جنسه فلا تجوز إزالة النجاسة به كالدهن، وكما لو علّل في مسألة من المسائل بالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه .
وإن كان الثاني فهو الشبهي، وذلك لأنّه بالنظر إلى عدم الوقوف على

1 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 345 .
2 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 326 .
3 . في الإحكام: 3 / 327: في إزالة النجاسة بمائع.

صفحه 142
المناسبة فيه بعد البحث يجزم المجتهد بانتفاء مناسبته، وبالنظر إلى اعتباره في بعض الأحكام يوجب إيقاف المجتهد عن الجزم بانتفاء المناسبة، فهو مشابه للمناسب في عدم الجزم بنفي المناسبة عنه، ومشابه للطردي في عدم الجزم بظهور المناسبة فيه فهو متوسط بين المناسب والطردي بحيث ينحط عن الأوّل ويرتفع عن الثاني .
مثاله قول الشافعي في إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فإنّ الجامع هو الطهارة، ومناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة. وبالنظر إلى كون الشارع اعتبرها في بعض الأحكام كمسّ المصحف والصلاة والطواف يوهم اشتمالها على المناسبة .
وأقرب الاصطلاحات الأخير، وهو الّذي ذهب أكثر القايسين إليه، ثمّ يتلوه في القرب قول القاضي.
   

المطلب الثاني: في أنّ الشبه ليس بحجّة

هذا مذهب القاضي أبي بكر1 لوجهين:
الأوّل: الوصف الذي سمّي بالشبه إن لم يكن مناسباً فهو طردي مردود بالاتّفاق، وإن كان مناسباً خرج عن كونه شبهاً إلى كونه مناسباً، وهو مقبول عند القايسين إجماعاً.

1 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 345 ـ 346 .

صفحه 143
الثاني: المعوّل في العمل بالقياس وإثباته على عمل الصحابة، ولم يثبت عنهم التمسّك بالشبه .
واعلم انّا لمّا بيّنّا أنّ المناسبة لا تصلح دليلاً على العلّيّة، فالشبه أولى بالمنع .
وذهب جماعة 1 إلى أنّه يفيد العلّيّة، لأنّه يفيد ظنّ العلّيّة، لأنّه لمّا استلزم العلّة كان الاشتراك فيه يفيد الاشتراك في العلّة.
وعلى التفسير الآخر لمّا ثبت احتياج الحكم إلى علّة، فهي إمّا هذا الوصف، أو غيره. ثمّ رأينا جنس هذا الوصف أثر في جنس ذلك الحكم، ولم يوجد هذا المعنى في باقي الأوصاف حصل ميل القلب إلى اسناد الحكم إلى ذلك الوصف أقوى من مثله إلى اسناده إلى غير ذلك الوصف ; وإذا ثبت الظنّ وجب أن يكون حجّة، لوجوب العمل بالظنّ .
واعترض 2 على الأوّل: بمنع ردّ الوصف لو لم يكن مناسباً، بل إذا كان مستلزماً للمناسب، أو عرف بالنصّ تأثير الجنس القريب لذلك الحكم لم يكن مردوداً فإنّه المتنازع.
وعلى الثاني: بالتعويل في إثبات هذا النوع من القياس على عموم ] قوله تعالى: [ (فَاعْتَبِرُوا)3 أو على أنّه يجب العمل بالظن .

1 . منهم: الرازي في المحصول: 2 / 345 .
2 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 346 .
3 . الحشر: 2 .

صفحه 144
وفيه نظر، فإنّا قد بيّنّا أنّ المناسب ليس بعلّة، فملزومه لا يكون ملزوماً للعلّة، ونمنع احتياج كلّ حكم إلى علّة وإلاّ تسلسل .
سلّمنا، لكن نمنع الحصر لإمكان أن يكون العلّة ماعداهما .
سلّمنا، لكن جاز أن تكون العلّة مجموعهما .
سلّمنا، لكن جاز أن تكون العلّة أحد جزئيات أحدهما.
سلّمنا، لكن جاز وجود مانع في الفرع أو عدم شرط في الأصل.

البحث السابع: في الدوران

وهو ثبوت الحكم عند ثبوت وصف، وعدمه عند عدمه: إمّا في صورة واحدة، كالعصير لمّا انتفى الإسكار عنه أولى انتفى التحريم، ولمّا حدث وصف الإسكار فيه حدثت الحرمة فلمّا زال السّكر وصار خلاًّ زال التحريم.
أو في صور متغايرة، وهو غير دالّ على العلّيّة عند الأكثر .
وقال بعض المعتزلة: إنّه يفيد يقين العلّيّة. وقال آخرون: إنّه يفيد ظنّ العلّيّة. 1 والحقّ الأوّل لوجهين:
الأوّل: أنّ بعض الدورانات لا يفيد ظنّ العلّيّة، فلا يفيد شيء منها ذلك.
وبيان الأوّل من وجوه:(2)

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 347 .   2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 349 .

صفحه 145
أحدها: أنّ العلّة والمعلول متلازمان، فالدوران مشترك بينهما، والعلّيّة غير مشتركة.
ثانيها: الفصل مساو للنوع، فالنوع إذا أوجب حكماً، فالدّوران كما حصل مع النوع حصل مع الفصل الّذي هو جزء العلّة مع أنّه ليس علّة.
ثالثها: العلّة كما يدور الحكم معها فقد يدور مع شرطها المساوي وجوداً وعدماً، مع أنّه ليس بعلّة إجماعاً.
رابعها: المعلولات المتساوية وكلّ منها دائر مع الآخر وجوداً وعدماً ولا علّية بينها.
خامسها: الجوهر والعرض متلازمان ولا علّية، وكذا ذاته تعالى وصفاته، وكذا صفاته بعضها مع بعض .
سادسها: المضافان متلازمان وجوداً و عدماً مع انتفاء العلّة، لاستلزامها تقدّم العلّة.
سابعها: المكان والمتمكّن والحركة والزمان متلازمان مع عدم العلّيّة.
ثامنها: الجهات الستّ لا ينفك بعضها عن البعض مع انتفاء العلّيّة.
تاسعها: علمه تعالى دائر مع كلّ معلوم وجوداً وعدماً، فإذا كان المعلوم جوهراً علمه جوهراً، وكذا إذا لم يكن جوهراً يعلمه أنّه غير جوهر مع انتفاء العلّيّة، لأنّ شرط كون العلم علماً تعلّقه بالشيء على ما هو به، فما لم يكن المعلوم في نفسه واقعاً على ذلك الوجه استحال تعلّق العلم به

صفحه 146
على ذلك الوجه، فتعلّق العلم به على ذلك الوجه مشروط بوقوعه على ذلك الوجه ، فلو كان وقوعه على ذلك الوجه مشروطاً بعلمه به دار .
ويستحيل أن يكون المعلوم علة للعلم، لأنّ علم الله تعالى صفة واجبة، فلا علّة لها. ثمّ إنّ علمه تعالى واقع بما لا يتناهى من المعلومات فهنا دورانات لانهاية لها بدون العلّيّة.
عاشرها: الاعراض عند الأشاعرة غير باقية، والألوان والأشكال تحدث شيئاً فشيئاً، فحين عدم اللون والشكل فنيت الألوان والأشكال وغيرهما من جميع الأعراض عن جميع الأجسام، وحين حدث فيه لون وشكل حدثت سائر الأعراض في جميع الأجسام، فقد حصل دورانات كثيرة من دون علّيّة.
حادي عشرها: الفلك بل كلّ جسم إذا تحرك تحرّكت جميع أجزائه، فحركة كلّ جزء إنّما حدثت عند حدوث حركة جميع الأجزاء، وحين كانت حركة ذلك الجزء معدومة كانت حركات سائر الأجزاء معدومة، فقد حصلت دورانات كثيرة بدون العلّيّة.
ثاني عشرها: كلّ حيوان يتنفّس، ومعلوم أنّ تنفّس كلّ واحد مقارن لتنفّس الآخر، أو متأخّر بشيء لا يعتدّ به، فقد وجدت هذه الدورانات بدون العلّيّة .
ثالث عشرها: الحكم كما دار مع الوصف المفروض علة كذا دار مع تعيّنه وجوداً وعدماً، وخصوص المحل، وخصوص وقوعه في الزمان

صفحه 147
المعيّن والمكان، وكلّ ذلك لا يصلح للعلّية، لأنّها عدميّات.
رابع عشرها: الحد والمحدود كلّ منهما دائر مع الآخر وجوداً و عدماً، وكذا لوازم المعلول ولوازم العلّيّة كالرائحة المخصوصة المقترنة بالشدة المطربة في الخمر الموجودة عند وجودها المعدومة عند عدمها مع انتفاء العلّيّة في جميع ذلك. وبالجملة فالكلام في ذلك غير منحصر وإذا انفك بعض الدورانات عن العلّية انتفى ظنها ; لأنّه إذا انفك بعضها عن العلّيّة فإن استلزم البعض الآخر العلّيّة، فإمّا لذاته وهو محال، وإلاّ لزم الترجيح من غير مرجِّح لوجود الذات فى الموضعين ; وإمّا لغيره فلا يكون المدار نفسها يقتضي العلية، بل هي مع شيء آخر و المجموع المركب من شيئين مغاير لإفراده.
] الوجه [ الثاني: وهو الّذي عوّل عليه المتقدِّمون في القدح ان الاطِّراد وحده ليس طريقاً إلى علّيّة الوصف إجماعاً. والانعكاس غير معتبر في العلل الشرعية، فإذا كان كلّ منهما ليس طريقاً، فالمجموع كذلك .
واعترض1 على الأوّل: بأنّا لا نوجب ظنّ العلّيّة من مطلق الدوران، بل يشترط عدم دليل قادح في كونه علّة .
وعلى الثاني: لا يلزم من عدم إفادة كلّ واحد ظن العلّيّة عدم إفادته في المجموع، لأنّ المجموع قد يخالف الآحاد .
وفيه نظر، لأنّ مطلق الدوران لا يفيد العلّة، وعدم دليل القدح لا

1 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 352 .

صفحه 148
يستلزم دليل الإثبات، والمجموع وإن خالف الآحاد لكن العلّة هنا ليست مسندة إلى مطلق الدوران، لما تقدّم ولاخصوصية يشار إليها بالعلّيّة .
واحتجّوا بوجهين1:
الأوّل: هذا الحكم لابدّ له من علّة، فإمّا هذا الوصف، وهو المطلوب.
أو غيره، فإن كان موجوداً قبل حدوث هذا الحكم، لزم تخلّف الحكم عن علّته، وهو خلاف الأصل. أو لم يكن والأصل البقاء على ما كان فيحصل ظنّ أنّه بقى كما كان علّة ; وإذا حصل ظنّ أنّ غيره ليس علّة، حصل ظنّ أنّه العلّة .
لا يقال 2: الحكم كما دار مع حدوث ذلك الوصف وجوداً وعدماً، فكذا دار مع حدوث تعينه بعينه وخصوصيته المحل، فيكون تعيّنه بعينه وحدوثه في ذلك المحل معتبراً في العلّية وهو يمنع التعدية .
لأنّا نقول: معنى التعيّن أنّه ليس غيره، وهو أمر عدمي، وإلاّ لساوى التعيّنات القائمة بسائر الذوات في كونها تعيّناً، ويمتاز عنها بالخصوصية، فيكون للتعيين تعيّن آخر، ويتسلسل وحصول الوصف في المحل لو كان وجودياً لكان وصفاً لذلك الوصف، فكونه وصفاً للوصف زائد عليه ويتسلسل. وإذا كان التعيّن والحصول في المحل المعيّن عدميين، استحال كونه علّة، لأنّ قولنا إن كذا علّة نقيض قولنا ليس بعلّة، وهو عدمي لصحّة

1 . منهم الرازي في المحصول: 2 / 347 .
2 . ذكره مع الجواب عنه: الرازي في المحصول: 2 / 348 .

صفحه 149
اتّصاف المعدوم به في الجملة، ووصف المعدوم لايكون موجوداً ونقيض العدمي ثبوتي، فالعلّة ثبوتية فلا يصحّ وصف المعدوم بها، لامتناع قيام الموجود بالمعدوم. ويستحيل أن يكون جزء علة، لأنّ مع حصول غيره من الأجزاء إن حصلت العلّية فسائر الأجزاء من دون العدمي علّة تامة، فلا يكون العدمي جزءاً ; وإن لم يحصل وحصلت بحصوله فالعليّة إنّما حدثت لأجل هذا الجزء فجزء العلّة علّة تامّة لعلية العلّة، وقد تقدم بطلان كون العدم علّة.
الثاني: بعض الدورانات يفيد ظنّ العلّيّة; لأنّ مَن دُعي باسم فغضب، ثم تكرّر الغضب مع الدعاء بذلك الاسم ، حصل هناك ظن استناد الغضب إلى الدعاء بذلك الاسم وذلك الظنّ حصل من الدوران، لأنّ الناس يعلّلون به فيقولون: رأينا الغضب مع الدعاء بذلك الاسم مرة بعد أُخرى; فيكون كلّ دوران كذلك، لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ)1. والعدل: التسوية، ولا تحصل بين الدورانات إلاّ بعد اشتراكها في إفادة الظن.
وفي الأوّل: نظر من وجوه.
أ. نمنع تعليل كلّ حكم على ما سبق، وإلاّ لزم التسلسل.
ب. نمنع الحصر، لجواز أن تكون العلّة المجموع أو جزئيات أحد القسمين.

1 . النحل: 90 .

صفحه 150
ج. التخلّف وإن كان على خلاف الأصل، إلاّ أنّ التعليل بالمدّعى على خلاف الأصل أيضاً .
د. التخلّف يلزم لو كان السابق علّة تامّة، أمّا إذا كان جزءاً أو مشروطاً بمتجدّد حالة الحكم فلا.
هـ . التقسيم وارد في هذا الوصف، فإنّه إن كان سابقاً لزم التخلّف، وإن كان مقارناً لم يكن ثابتاً أو لا فلا تكون علّيّته ثابتة، والأصل البقاء.
و. والتعيّن جزء من الموجود فلا يكون عدماً.
ز. نمنع الاشتراك المعنوي بين التعيّنات.
ح. يجوز اشتراكها في كونها تعيّنات، وهو اعتباري فلا تسلسل.
ط. لو كان عدمياً لم يكن عدماً مطلقاً، بل عدماً ما فله خصوصية، فجاز تعليل العلّيّة به، لأنّها وصف اعتباري أيضاً، وإلاّ لزم التسلسل، وكذا حصول الوصف في المحلّ.
ي. كما أنّ قولنا ليس علة عدميّ الاتصاف العدمي به، كذا قولنا: إنّه علّة، ولا يجب في نقيض العدمي الثبوت لجواز الانقسام.
ك. لا يلزم من توقّف العلّيّة على حصول الجزء العدمي كونه علّة تامّة فيها.
وفي الثاني نظر، إذ لنا بل أن يقول للمستدلّ به: إنّه قد شارك الحمار في الحيوانية، فيجب اعتقاد مشاركته في جميع صفاته للآية.

صفحه 151
 
البحث الثامن: في السبر والتقسيم
اعلم أنّ التقسيم إن كان منحصراً في طرفي النقيض كان حقّاً، كما يقول: الحكم إمّا معلّلاً، أو لا. فإن كان معلّلاً فإمّا بالوصف الفلاني، أو بغيره ويبطل الاقسام إلاّ التعليل بالمدّعى، وهذا هو المعوّل عليه في معرفة العلل العقلية .
وقد يوجد مثل ذلك في الأُمور الشرعية، كما لو ثبت الإجماع على أنّ حرمة الربا معلّلة، وعلى انحصار علّتها في المال أو القوت أو الكيل أو الطعم ثمّ تبطل الثلاثة الأُول، فيتعيّن الرابع .
وأمّا التقسيم الّذي لا يُدّعى الحصر فيه فإنّه يكون منتشراً كما إذا لم يدّع الإجماع، بل يقال: الحكم إمّا معلّل أو لا. والتالي باطل، لأنّه خلاف المتعارف من أنّ الحكم لا يخلو عن علّة إمّا على جهة الوجوب كما يقول المعتزلة، أو على جهة الإمكان كما يقول الأشاعرة .1
وبتقدير جواز خلوّه عن العلّة يكون الخلو على خلاف الغالب المألوف من شرع الأحكام، وهو يدلّ ظاهراً على تعليل الحكم، فتلك العلّة، إمّا ظاهرة أو خفيّة .
والثاني باطل، وإلاّ لكان الحكم تعبّداً، وهو خلاف الأصل لوجوه2:

1 . كما ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 289; المسلك الرابع.
2 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 289 .

صفحه 152
الأوّل: إثبات الحكم بجهة التعقّل أغلب من إثباته بجهة التعبدّ، وإدراج ما نحن فيه تحت الغالب أغلب على الظنّ.
الثاني: الحكم إذا كان معقول المعنى، كان على وفق المألوف من تصرّفات العقلاء وأهل العرف، والأصل تنزيل التصرّفات الشرعية على وزان التصرّفات العرفية.
الثالث: إذا كان معقول المعنى، كان أقرب إلى الانقياد وأسرع في القبول، فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم فكان أولى.
وإذا كان لابدّ من علّة ظاهرة، فإذا قال الناظر: بحثت فوجدت محلّ الحكم قد اشتمل على وصفين أو ثلاثة مثلاً، ولم اطّلع على ما عداه، والأصل في الأشياء العدم، ثمّ إنّ الوصف الفلاني غير صالح للتعليل وكذا الوصف الآخر، فيتعيّن المدّعى .
والاعتراض من وجوه 1:
أ. ليس كلّ حكم معللاً وإلاّ لزم التسلسل، فلم لا يجوز أن يكون هذا الحكم من قبيل مالا يعلّل.
ب. سلّمنا العلّيّة لكن نمنع الحصر .
لا يقال: لو وجد وصف آخر لعرفه الفقيه الباحث .

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 353 ـ 354 ; والآمدي في الإحكام: 3 / 290 .

صفحه 153
لأنّا نقول: لعلّه قصّر في البحث والسبر .
سلّمنا، لكن لعلّه عرف وصفاً آخر وستره ترويجاً لكلامه.
ج. سلّمنا عدم الاطّلاع، لكن عدم العلم لا يستلزم العلم بالعدم، ولئن دلّ على عدمه بالنسبة إلى الباحث فلا يدلّ على عدمه بالنسبة إلى الخصم، فإنّه ربّما كان عالماً بوجود وصف آخر وراء المذكور، فحينئذ لا ينتهض بحث المستدلّ دليلاً في نظر خصمه على العدم.
د. سلّمنا الانحصار، لكن لا نسلم فسادها.
هـ . سلّمنا فساد المفردات، فلم لا يجوز أن يكون مجموع وصفين أو ثلاثة منها علّة واحدة.
و. سلّمنا فساد جميع الأقسام مفرداً ومركباً إلاّ المدّعى لكن ] لِمَ [ لا يجوز انقسامه إلى نوعين ويكون العلّة أحدهما؟ وهذه الأسئلة كلّها ترجع إلى منع الحصر .
واستدلّوا على الحصر بوجهين1:
الأوّل: المناظر تلو الناظر، فلو اجتهد الناظر وبحث عن الأوصاف، ولم يطّلع إلاّ على القدر المذكور، ووقف على فسادها إلاّ الواحد فلابدّ وأن يحكم قلبه بربط ذلك الحكم بذلك الوصف، ويكون ظنّه أقوى من ظنّ ربطه بغيره، والظنّ يجب العمل به. وإذا ثبت ذلك في حق المجتهد وجب

1 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 354 .

صفحه 154
أن يكون كذلك في حق المناظر، إذ لا معنى للمناظرة إلاّ إظهار مأخذ الحكم.
الثاني: جميع الأوصاف كانت معدومة، وكانت بحيث يصدق عليها أنّها لا توجب هذا الحكم، والأصل في كلّ أمر بقاؤه على ما كان. فهذا القدر يفيد ظنّ عدم سائر الأوصاف، فيحصل ظنُّ الحصر، ومطلوبنا هذا القدر.
قوله: لا نسلم فساد سائر الأقسام .
قلنا: يمكن إفسادها بجميع المبطلات للعلّيّة، كالنقض وعدم التأثير وغيرهما، ولا يمكن إفسادها بعدم المناسبة، لاحتياجه حينئذ إلى أن
يبيّن خلوّ ما يدّعيه عن هذا المفسد، وإنّما يتمّ ذلك ببيان مناسبته، ولو بُيِّن ذلك استغنى عن طريقة السبر لدلالة المناسبة والاقتران على كون المعنى علّة.
واعلم أنّ طرق الحذف أربعة 1:
الأوّل: أن يبيّن المستدلّ أنّ الوصف المدّعى كونه علّة قد ثبت به الحكم في صورة بدون الوصف المحذوف، ويسمّى الإلغاء، وهو شديد الشبه بنفي العكس الّذي ليس بمقبول. ولابدّ من بيان ثبوت الحكم مع الوصف المدّعى كونه علّة، فإنّه لو ثبت دون المحذوف كان ذلك إلغاء للمستبقي أيضاً، فحينئذ يظهر استقلال المستبقي بالتعليل، ومع ظهور ذلك يمتنع إدخال الوصف المحذوف في التعليل في محل التعليل، لأنّه يلزم منه

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 3 / 291 ـ 293 .

صفحه 155
إلغاء وصف المستدلّ في الفرع مع استقلاله ضرورة تخلف ما لم يثبت كونه مستقلاً، وهو ممتنع .
ويمتنع أيضاً إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف المحذوف لا غير، لأنّه إثبات الحكم بما لم يثبت استقلاله وإلغاء ما ثبت استقلاله، وهو باطل .
واعترض1 بأنّ دعوى استقلال الوصف المستبقي في صورة الإلغاء بالتعليل من مجرد إثبات الحكم مع وجوده وانتفاء الوصف المحذوف غير صحيح، فإنّه لو كان مجرّد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الإلغاء كافياً في التعليل بدون ضميمة ما يدلّ على استقلاله بطريق من طرق إثبات العلّة لكان ذلك كافياً في أصل القياس، ولم يكن إلى البحث والسبر حاجة، وكذا غيره من الطرق فلابدّ من بيان الاستقلال ونفي كون الباقي جزء علة بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلّة، وعند ذلك إن شرع المستدل في بيان الاستقلال ببعض الطرق إثبات العلّة، فإنّ بين الاستقلال في صورة الإلغاء بالبحث والسبر، كما أثبت ذلك في الأصل الأوّل فقد استقلت صورة الإلغاء بالاعتبار وأمكن أن تكون أصلاً لعلّته، وعرفنا انّ الأصل الأوّل لا حاجة إليه، فإنّ المصير إلى أصل لا يمكن التمسّك به في الاعتبار، إلاّ بذكر صورة أُخرى مستقلة بالاعتبار، يكون تطويلاً بغير فائدة .
وإن بيّن الاستقلال بطريق آخر لزمه مع هذا المحذور محذور آخر،

1 . الإحكام: 3 / 292 .

صفحه 156
وهو الانتقال في إثبات كون الوصف علّة من طريق إلى طريق آخر،
وهو تشنيع في مقام النظر ويعني بنفي العكس بيان إثبات الحكم بعد انتفاء العلّة.
الثاني: طرد المحذوف إمّا مطلقاً، وهو أن يكون ما يحذفه من جنس ما عهد من الشارع عدم الالتفات إليه في الأحكام، كالطول والقصر .
الثالث: وأمّا بالنسبة إلى ذلك الحكم، وهو أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألف من الشارع عدم الالتفات إليه في جنس ذلك الحكم، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أعتق شريكاً له من عبد قوم عليه نصيب شريكه».1 فإنّه وإن أمكن تقرير مناسبة بين وصف الذكورة وسراية العتق، غير أنّا لمّا عهدنا من الشرع عدم الفرق بين الذكورة والأُنوثة في أحكام العتق ألغينا صورة الذكورة فيه دون بقية الأحكام.
الرابع: عدم ظهور المناسبة في الوصف المحذوف للحكم المعلل، ويكفي المناظر أن يقول: بحثت فلم أجد فيه مناسبة، وعدم الوجدان مع البحث التام ممّا يوجب الظن بعدمه .
فإن عارض المعترض وقال: بحثت في الوصف المستبقي فلم أجد فيه مناسبة فيلزم إلغاؤه .
فعند ذلك إن بيّن المستدل المناسبة فيه، فقد انتقل في إثبات العلّة من طريق السبر إلى طريقة المناسبة، وهو قبيح عند أهل النظر. وإن لم يبيّن

1 . الإحكام: 3 / 292. ولم نجده في المصادر الحديثية.

صفحه 157
ذلك لم يكن الوصف المعترض بالحذف أولى من وصف المستدل .
فنقول: إن كان قد سبق من المعترض تسليم مناسبة كلّ من الوصفين لم يسمع منه بعد بيان المستدلّ نفي المناسبة في الوصف المحذوف، منع المناسبة في المستبقي، لكونه مانعاً لما سلمه ; ولا يجب على المستدلّ بيان المناسبة في الوصف المستبقي. وإن لم يسبق من المعترض تسليم ذلك، فللمستدل ترجيح سبره على سبر المعترض بموافقته للتعدية. وموافقته سبر المعترض للقصور، والتعدية أولى من القصور.

البحث التاسع: في الطردي

وهو عبارة عن الوصف الّذي لا يعلم مناسبته، ولا استلزامه للمناسب إذا جامع الحكم الوصف في جميع الصور المغايرة للمتنازع. وهذا هو معنى الاطِّراد .
وبالغ بعضهم فيه فقال: إذا وجد الحكم مقارناً لوصف في صورة واحدة، حصل ظنّ العلّيّة .
والحق أنّه لا يدلّ وإن كان ملازماً لما تقدّم من أنّ الشيئين قد يتلازمان ولا علّيّة بينهما، كالجوهر والعرض، وكالحد والمحدود، وكالمضافين .
ولأنّ الاطّراد كون الوصف بحيث لا يوجد إلاّ وقد وجد معه الحكم، وهذا لا يثبت إلاّ إذا ثبت أنّ الحكم حاصل معه في الفرع، فلو توقّف معرفة

صفحه 158
ثبوت الحكم في الفرع على كون الوصف علّة، وبيّنتم علِّيَّته بكونه مطِّرداً، لزم الدور .
وأمّا التفسير الثاني فإنّه أولى بعدم الدلالة مع أنّ تجويزه يفتح باب الهذيان كما يقال في إزالة النجاسة بالخل مانع لا تبنى القنطرة على جنسه، فلا تجوز إزالة النجاسة به، كالدهن. وكقول بعضهم في مسألة اللمس: طويل مشقوق، فلا ينقض الوضوء بمسه كالبوق .
وأيضاً تعيين الوصف للعلّيّة من دون باقي الأوصاف بحكم محض وشبه في الدين، وهو باطل، لقوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ)1.
احتجّ القائلون 2 بالعلّيّة على التفسير الأوّل بأنّ عادة الشرع إجراء النادر في كلّ باب بالغالب، فإذا رأينا الوصف في جميع الصور المغايرة لمحلّ النزاع مقارناً للحكم ثمّ رأينا الوصف حاصلاً في الفرع وجب أن يستدلّ به على ثبوت الحكم. وبأنّا نحكم بجلوس القاضي في الدار التي يشاهد فرسه على بابها لإفادة اقترانهما في بيان سائر الصور اقترانهما هنا.
وفيه نظر، للمنع من إجراء النادر مجرى الغالب في مثل التلازم، بل مطلقاً فإنّ أكثر العمومات مخصوصة والاستدلال بفرس القاضي استدلال بالعلّة الموصلة للقاضي على المعلول وهو وصوله .

1 . مريم: 59 .
2 . راجع المحصول: 2 / 355 ـ 356 .

صفحه 159
قالوا:1 لا دور، لأنّا لا نستدلّ بالمصاحبة في كلّ الصور على العلّيّة، بل فيما عدا الفرع .
وفيه نظر، لأنّ المصاحبة لو دلّت على العلّيّة لدلّت في صور المصاحبة، والشرع لم يثبت المصاحبة فيه .
واعتذروا 2 عن انفكاك العلّيّة عن الاطّراد في بعض الصور بعدم قدحه في التعليل، كالغيم الرطب الدالّ على العلّيّة ظاهراً .
وفيه نظر، فإنّ دلالة الغيم على ظهور العلّيّة لا باعتبار المقارنة، بل باعتقاد أنّ الغيم الرطب له صلاحية التأثير ولم يوجد غيره فيظن أنّه سبب، فإذا وجد ظنّ وجود معلوله .
وأمّا التفسير الثاني فاعتذروا عن النقض بأنّ مجرّد المقارنة يفيد ظنّ العلّيّة بشرط عدم خطور وصف آخر هو أولى بالرعاية، لكن هذا الشرط ساقط عن المعلّل، لأنّ نفي المعارض ليس من وظيفته، والتمثيل بالدهن إنّما بطل بحصول العلم الضروري بوجود وصف آخر هو أولى بالاعتبار من الوصف المذكور، فإنّا متى علمنا أنّ لزوجة الدهن غير مزيلة للنجاسة، علمنا أنّ هذا الوصف أولى بالاعتبار من كونه بحيث لا تبنى القنطرة على جنسه.
ولا يكفي في القدح في مثل هذا التعليل خطور وصف آخر بالبال ;

1 . القائل هو الرازي في المحصول: 2 / 356 .
2 . المعتذر هو الرازي في المحصول: 2 / 356 .

صفحه 160
لأنّ ذلك الوصف الآخر إن لم يكن متعدّياً إلى الفرع كان ما اعتبرناه أولى للأمر بالقياس ومن ضروراته تعليل حكم الأصل بعلّة متعديّة، إلاّ أن يذكر الخصم وصفاً آخر متعدياً إلى فرع آخر، فهناك يحتاج المعلِّل إلى الترجيح. وإن كان متعدياً إلى الفرع لم يضرّ، لأنّ المراد من العلّة هنا المعرِّف، وقيام معرف آخر لهذا الحكم لا يمنع من كون ما ذكرته معرِّفاً له .
وفيه نظر، لأنّ مجرّد المقارنة لو دلّ على العلّيّة لزم الدور، أو الترجيح من غير مرجّح، أو تخلّف المدلول عن الدليل وهو على خلاف الأصل.
وأيضاً ظنّ العلّيّة إنّما يحصل لو ظن انتفاء غيره من الأوصاف إمّا مع تجويزه فلا، والمعلّل انتهض 1 لإثبات المدلول ولا يتمّ إلاّ بنفي المعارض وإبطال مثال الدهن لا يقتضي إزالة الشياع لإمكان غيره .
قال: والأمر بالقياس لو سلم فإنّما يتمّ مع وجود الشرائط الّتي من جملتها التعليل بالوصف المتعدّي، فلا يجوز جعله مقدّمة في المطلوب.
قال الغزالي2 ونعم ما قال: معنى الطرد سلامته عن المفسد واحد وهو النقض، وذلك لا يقتضي صحّة التعليل، وهو كقول القائل: زيد عالم، لأنّه لا دليل يفسد دعوى علمه. ويعارضه أنّه جاهل، لأنّه لا دليل يفسد دعوى جهله. والحقّ أنّه لا يعلم كونه عالماً بانتفاء دليل الجهل، ولا كونه جاهلاً بانتفاء دليل العلم، بل يتوقف فيه إلى ظهور الدليل، وكذا الصحّة والفساد .

1 . في «أ» و «ب»: انتقض .
2 . المستصفى من علم الأُصول: 2 / 314 ـ 315، المسلك الثاني.

صفحه 161
وقولكم: ثبوت حكمها معها دليل كونها علّة; غلط، لأنّ قولكم: «ثبوت حكمها» إضافة للحكم لا تثبت إلاّ بعد قيام الدليل على كونها علّة، فإذا لم تثبت لم يكن حكمها، بل كان حكمه علّته، واقترن بها. والاقتران لا يدلّ على الإضافة، فقد يلازم الخمر لون وطعم يقترن به التحريم، ويطرد وينعكس، والعلّة الشدّة. واقترانه بما ليس بعلّة كاقتران الأحكام بطلوع كوكب وهبوب ريح .
وبالجملة فنصب العلّة مذهب يفتقر إلى دليل، كوضع الحكم، وكما لا يكفي في إثبات الحكم أنّه لا نقض عليه، ولا مفسدة، بل لابدّ من دليل، فكذلك العلّة.

البحث العاشر: في تنقيح المناط

قال الغزالي1: إلحاق المسكوت بالمنصوص قد يكون باستخراج الجامع، وقد يكون بإلغاء الفارق فيقال: لا فرق بين الأصل والفرع إلاّ كذا، أو لا تأثير له في الحكم، فيشتركان في الحكم، وتسمّيه الحنفية بالاستدلال، ويفرّقون بينه و بين القياس .
وهذا يمكن إيراده على وجهين2:
الأوّل: أن يقال: هذا الحكم لابدّ له من مؤثِّر، فإمّا المشترك أو المميّز.3

1 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 358 ـ 359 .
2 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 359 .
3 . يعني به: القدر المشتركُ بين الأصل والفرع، أو القدرُ الّذي امتاز به، الأصل عن الفرع.

صفحه 162
والثاني باطل، لأنّ الفارق ملغيّ، فيثبت علّيّة المشترك، فيلزم من حصوله في الفرع ثبوت الحكم، وهذا وإن كان جيداً، إلاّ أنّه استخراج العلّة بالسبر والتقسيم من غير تفاوت البتة.
الثاني: أن يقال: الحكم لابدّ له من محلّ، وليس المميز جزءاً من المحل، فهو المشترك فإذا حصل في الفرع ثبت الحكم فيه، مثل ما به امتياز الإفطار بالأكل عن الإفطار بالوقاع ملغيٌّ، فالمحلّ هو المفطر، فأين حصل مسمّى المفطر وجب حصول الحكم. وهو ضعيف، إذ لا يلزم من ثبوت الحكم في المفطر ثبوته في كلّ مفطر، فإنّه إذا صدق هذا الرَّجل طويل صدق الرِّجل طويل، لأنّ الرِّجل جزء من هذا الرَّجل; ولا يلزم من صدق قولنا: الرّجل طويل صدق كلّ رجل طويل، فكذا هنا .
وفيه نظر، فإنّ صدق الرجل طويل لا يعني به أنّ المحل هو مطلق الرجولية، بل الرّجل المخصوص، وكون الرجل من حيث هو جزءاً من هذا الرجل لا يقتضي اتّصافه بما يتّصف به الرجل الخاص إذا استند الوصف إلى الخصوصية.

البحث الحادي عشر: في بقايا مسائل من هذا الباب

الأوّل: قال بعضهم: الدليل على أنّ هذا الوصف علّة عجز الخصم عن فساده. وهو باطل، إذ ليس جعل العجز عن الإفساد دليلاً على الصحّة أولى من جعل العجز عن التصحيح دليلاً على الفساد، بل هذا أولى، لأنّا لو أثبتنا كلّ ما لا يُعرف دليل فساده لزم إثبات ما لا نهاية له، وهو باطل. أمّا لو لم

صفحه 163
نثبت كلّ ما لا نعرف دليلاً على صحّته لزمنا أن لا نثبت ما لا نهاية له، وهو حقّ.
الثاني: قال بعضهم: هذا القياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع فيدخل تحت الأمر بالاعتبار. أو يقال: هذا تسوية بين الأصل والفرع فيدخل تحت الأمر بالعدل. وهو ضعيف، لأنّ أقصى ما في الباب عموم اللفظ في هاتين الآيتين، وتخصيص العموم جائز بالإجماع .
وأجمع السّلف على أنّه لابدّ من دلالة على تعيين الوصف للعلّيّة.
الثالث: قال أبوحنيفة: مسح الرأس لا يتكرر، تشبيهاً له بمسح الخف، والتيمّم، والجامع أنّه مسح، وللمانع أن يمنع أنّ الحكم في الأصل معلّل بكونه مسحاً، بل لعلّه تعبّد ولا علّة له، أو معلّل بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا. والنزاع وقع في علّة الأصل، وهو أنّ مسح الخفّ لم لا يستحب تكراره؟ أيقال: إنّه تعبّد لا يعلل، أو لأن تكراره يؤدي إلى تمزيق الخف. والشافعي يقول: يستحب التكرار، لأنّه أصل يؤدّى بالماء فيتكرر، كالأعضاء الثلاثة.1
الرابع: تحقيق المناط وهو النظر في معرفة وجود العلّة في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها إمّا بنص أو اجماع أواستنباط، كما في القبلة فانّها مناط وجوب استقبالها، وهي معروفة بإيماء قوله تعالى: (وَحَيْثُ مَا

1 . راجع المستصفى من علم الأُصول: 2 / 320 .

صفحه 164
كُنْتُمْ فَوَلُّوا)1، وكون هذه الجهة هي جهة القبلة حالة الاشتباه، مظنون بالاجتهاد والنظر في الأمارات .
أمّا إذا كانت معلومة بالإجماع، فكالعدالة الّتي هي مناط وجوب قبول الشهادة وهي معلومة بالإجماع .
وكون هذا عدلاً فمظنون بالاجتهاد .
وأمّا إذا كانت مظنونة بالاستنباط، فكما في الشدة المطربة الّتي هي مناط تحريم الشرب في الخمر والنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط، وقد وقع الإجماع على صحّة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا علمت العلّة بنص أو إجماع، وإنّما الخلاف فيما إذا علمت بالاستنباط .
وأمّا تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دلّ النص على كونه علّة من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار ممّا اقترن به من الأوصاف، كلّ واحد بطريقة كالتعليل بالوقاع في قضية الأعرابي، فإنّه وإن كان مومى إليه بالنص، غير أنّه يفتقر في معرفته عيناً إلى حذف كلّ ما اقترن به من الأوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد، بأن يبيّن أن كونه أعرابياً، و ] كونه [ شخصاً معيناً، أو ذلك الزمان، أو غير ذلك من كون الموطوءة زوجة أو امرأة معينة وشبهه، لا مدخل له في التأثير بما يساعد من الأدلّة، حتّى يتعدّى إلى كلّ من وطئ في نهار رمضان عامداً، وهو مكلّف صائم، وهذا دون الأوّل وإن اعترف به بعض منكرى القياس. وأمّا

1 . البقرة: 144 .

صفحه 165
تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علّة الحكم الّذي دلّ عليه النصّ أو الإجماع دون علّته. كالاجتهاد في كون الشدة علّة لتحريم الخمر حتى يقاس عليه، وهذا دون النوعين السابقين، ولذلك أنكره الشيعة والظاهرية وبعض معتزلة بغداد.1

1 . راجع الإحكام: 3 / 335 ـ 336 .

صفحه 166
 
الفصل الرابع :

في مبطلات العلّة

وفيه مباحث:

الأوّل: النقض

وفيه مطالب:
الأوّل: اختلف الناس في تخصيص العلّة فذهب أكثر الشافعية إلى أنّ وجود الوصف مع عدم الحكم يقدح في كونه علّة .
وذهب الأكثر إلى أنّ علّيّة الوصف إذا ثبتت بالنصّ لم يقدح التخصيص في علّيّته; وإن ثبتت بالاستنباط، قال أكثر الحنفية ومالك وأحمد: يجوز تخصيصها، ومنع منه آخرون .
وقال آخرون: إنّ علِّيَّة الوصف وإن ثبتت بالمناسبة أو الدوران، لكن إذا كان تخلّف الحكم عنه لمانع لم يقدح في علّيّته. أمّا إذا كان التخلّف لا لمانع فالأكثر على أنّه يقدح في العلّيّة. ومنهم من قال: لا يقدح أيضاً .
وقيل: العلّة إن كانت قطعية لم يتخلّف الحكم عنها بغير دليل ;

صفحه 167
ولا بدليل قطعي، لاستحالة تعارض القطعيين ; ولا بظنّي فلا تعارض القطعي.
وإن كانت ظنّية فإن كان التخلّف في معرض الاستثناء، كتخلّف إيجاب المثل في لبن المصراة عن العلّة الموجبة له، وهي تماثل الأجزاء بالعدول إلى إيجاب صاع من التمر.
وتخلّف وجوب الغرامة على مباشر الجناية في باب ضرب الدية على العاقلة .
وتخلّف حرمة الربا مع وجود الطعم في العرايا لم يقتض بطلان العلّة، وهي حجّة فيما عدا المستثنى، سواء كانت العلّة منصوصة أو مستنبطة، لأنّ الدليل من النصّ والاستنباط قد دلّ على العلّة. وتخلّف الحكم حيث ورد بطريق الاستثناء عن قاعدة القياس مقرر لصحّة العلّة لا مانع لها .
وإن كان التخلّف لا في معرض الاستثناء، فالعلّة إن كانت منصوصة وأمكن حمل النصّ على أنّ المنصوص عليه جزء العلّة، كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين المأخوذ من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الوضوء مما خرج»1، فإنّه إذا تخلّف عنه الوضوء في الحجامة أمكن أخذ قيد الخارج من السبيلين في العلّة، وتأويل النصّ بصرفه عن عموم الخارج النجس إلى

1 . السنن الكبرى: 1 / 116 و 159 ; الجامع الصغير: 2 / 722 ; كنز العمال: 9 / 331 برقم 26283 وص 486 برقم 27087 وص 493 برقم 27121 .

صفحه 168
الخارج من أحدهما، أو حمله على تعليل حكم آخر غير الحكم المصرّح به في النص، كقوله تعالى: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)1معلّلاً، بقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ)2، فإنّ الحكم المعلّل المصرّح به إنّما هو خراب البيت، وليس كلّ من شاقّ الله ورسوله يخرب بيته، فأمكن حمل الخراب على استحقاق الخراب، وجد الخراب أو لم يوجد، وجب التأويل لما فيه من الجمع بين التعليل بتأويله ودليل إبطال العلّة المذكورة .
وإن لم يمكن تأويله بغير الوصف المذكور والحكم المرتب عليه، فغايته امتناع إثبات حكم العلّيّة لما عارضها من النص النافي لحكمها، والعلّة المنصوصة في معنى النص وتخلف حكم النص عنه في صورة لما عارضه لا يوجب إبطال العمل به في غير صورة المعارضة، فكذا المنصوصة .
وإن كانت ] العلّة [ مستنبطة، فتخلف الحكم إن كان لمانع أو
فوات شرط، كما في تعليل إيجاب القصاص على القاتل بالقتل
العمد العدوان، وتخلف الحكم عنه في الأب والسيد بمانع السيادة والأُبوة لم يكن مبطلاً للعلّيّة فيما عدا صورة المخالفة، لأنّ دليل الاستنباط يدلّ على العلّيّة بالمناسبة والاعتبار، وقد أمكن إحالة نفي الحكم على ما ظهر من المانع لا على إلغاء العلّة، فيجب الحمل عليه جمعاً بين دليل العلّيّة

1 . الحشر: 2 .
2 . الأنفال: 13 .

صفحه 169
ودليل مانعية الوصف النافي للحكم، والجمع أولى من الإبطال.
احتج المانعون بوجوه 1:
الأوّل: قال أبوالحسين البصري: إنّ تخصيص العلّة ممّا يمنع من كونها أمارة على الحكم في شيء من الفروع، سواء ظنّ أنّها جهة المصلحة أو لا. لأنّا إذا علمنا أنّ علّة تحريم بيع الذهب بمثله متفاضلاً هو كونه موزوناً ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بمثله متفاضلاً مع أنّه موزون، فإن علمنا إباحته بعلة أُخرى يقاس بها الرصاص على أصل مباح ككونه أبيض مثلاً، فإنّا حينئذ لا نعلم تحريم بيع الحديد بمثله متفاضلاً بمجرّد الوزن، بل بكونه موزوناً غير أبيض، فإنّا لو شككنا في كونه أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلاً، كما لو شككنا في كونه موزوناً فظهر أنّا لا نعلم بعد التخصيص تحريم شيء لكونه موزوناً فقط، فبطل أن يكون الموزون وحده علة، بل هو مع كونه غير أبيض. وعلى هذا يكون الكلام فيما إذا دلّ على إباحة بيع الرصاص نصّ، سواء علمت علّة الإباحة أو لم تعلم .
اعترض2 بتسليم أنّ علّة القياس أمارة على حكم الفرع معرفة له، وانّ التخلّف في صورة أُخرى للمعارض لا يمكن معه إثبات الحكم في فرع من الفروع دون العلم بانتفاء ذلك المعارض، لكن لا يلزم أن يكون انتفاء المعارض من جملة المعرف للحكم، إنّما هو ما كان باعثاً عليه في الأصل، وانتفاء المعارض إنّما توقّف إثبات حكم الأمارة عليه ضرورة أنّ

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 3 / 247 ـ 248 .
2 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 249 .

صفحه 170
الحكم لا يثبت مع تحقّق المعارض النافي له، فكان نفيه شرطاً في إثبات حكم الأمارة (لا انّه)1 داخل في مفهوم الأمارة .
وفيه نظر، فإنّ الأمارة هي ما يعرف منها ثبوت ما جعلت أمارة عليه، فإذا لم يحصل بمجرد الوصف بل يشترط عدم المانع كانت الأمارة المجموع، ولا تضرّ التسمية بكونه شرطاً أو جزءاً.
الثاني: اقتضاء العلّة للحكم إمّا أن يعتبر فيه انتفاء المعارض فلا تكون علة إلاّ عند انتفاء المعارض، فالحاصل قبل انتفاء المعارض بعض العلّة لا تمامها، أو لا يعتبر، فيحصل الحكم وإن حصل المعارض فلا يكون معارضاً.
اعترض بجواز توقّف الاقتضاء على الانتفاء ولا يلزم كون العلّة جزءاً، لجواز كون انتفاء المعارض شرطاً لتأثير العلّة في الحكم، فإنّ العلّة إن فسّرت بالمؤثّر، فإن كان قادراً جاز توقّف صحّة تأثيره على انتفاء المعارض لوجوه2:
أ. الفعل حال في الأزل لأنّه ما لا أوّل له، وهو ينافي الفعل الّذي له أوّل، فإذن تتوقّف صحّة تأثيره تعالى في الفعل على نفي الأزل، والقيد العدمي لا يجوز أن يكون جزءاً من المؤثِّر الحقيقي، فهو إذن شرط صحّة التأثير.

1 . في الإحكام: 3 / 249: لأنّه.
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 362 .

صفحه 171
ب. تحريك القادر الجسم إلى جهة مشروط بعدم معارضة حر قادر آخر إلى ضدها، والقيد العدمي لا يكون جزءاً من المؤثِّر الحقيقي.
ج. القدرة لا يصحّ منها إيجاد سواد في محلّ إلاّ بشرط عدم البياض فيه، والعدم لا يكون جزءاً .
وإن كان موجباً أمكن اشتراطه بالعدمي كالهويّ الصادر عن الثقيل بشرط عدم المانع، وسلامة الحاسّة توجب الإدراك بشرط عدم الحجاب.
وإن فسّرت بالداعي لم يكن العدم جزءاً منه، كمن أعطى فقيراً، إذا جاءه آخر فقال: لا أعطيه لأنّه يهودي; فعدم كون الأوّل يهودياً لم يكن جزءاً من المقتضي في إعطاء الأوّل، لأنّه حين أعطى الفقير الأوّل لم تكن اليهودية خاطرةً بباله فضلاً عن عدمها، وما لا يكون خاطراً بالبال لم يكن جزءاً من الداعي.
وإن فسّرت بالمعرّف فكذلك، فإنّ العام المخصوص دليل على الحكم، وعدم التخصيص ليس جزءاً من المعرِّف، وإلاّ لوجب ذكره في الاستدلال. فقد ثبت أنّ عدم المعارض وإن كان معتبراً، لكنّه ليس جزءاً من العلّة .
سلّمنا كونه جزءاً، لكن يرجع النزاع إلى اللفظ للاتّفاق بين مجوّز تخصيص العلّة ومانعه على افتقار التعليل إلى ذلك العدم، وأنتم سلّمتم أنّ المعلِّل لو ذكر ذلك القيد في ابتداء التعليل استقامت العلّة، فلم يبق النزاع إلاّ في كون القيد العدمي هل يسمّى جزء من العلّة أم لا؟ وهو لفظي.

صفحه 172
وأُجيب 1 بسبق بيان: أنّه لو توقّف اقتضاء العلّة على نفي المعارض لم يكن الحاصل عند وجود المعارض تمام العلّة، بل جزءَها .
قوله: يلزم جعل القيد العدمي جزءاً .
قلنا: إن فسّرنا العلّة بالموجب أو الداعي امتنع جعل القيد العدمي جزءاً من علّة الوجود، فحيئنذ لا يجعل عدم المعارض جزء العلّة، بل انّه يدلّ على حدوث أمر وجودي انضم إلى ما كان موجوداً قبل. وصار المجموع علّة تامّة، فلم يلزم من قولنا: العلّة التامّة إنّما وجدت حال عدم المعارض أن يجعل عدم المعارض جزء العلّة.
وإن فسّرنا العلّة بالمعرِّف لم يمتنع جعل القيد العدمي جزءاً
بهذا التفسير، كما نجعل انتفاء المعارضة جزءاً من دلالة المعجز على الصدق.
قوله: لو كان عدم التخصيص جزءاً من المعرِّف لوجب على المتمسّك بالعام المخصوص ذكرعدم المخصِّصات .
قلنا: معلوم عدم جواز التمسّك بالعام قبل ظنّ عدم المخصِّصات، وعدم وجوب ذكره من أوضاع الجدليين، والتمسّك بها ممتنع في الأُمور الحقيقية .
قوله: يصير الخلاف لفظياً .

1 . ذكر الإشكال والجواب عنه: الرازي في المحصول: 2 / 363 .

صفحه 173
قلنا: ممنوع، فإنّا إذا فسّرنا العلّة بالداعي أو الموجب لم نجعل العدم جزءاً من العلّة، بل كان كاشفاً عن حدوث جزء العلّة. ومن يجوِّز التخصيص لا يقول بذلك. وإن فسّرنا بالمعرف ظهر الخلاف في المعنى أيضاً، لأنّ من أثبت العلّة بالمناسبة بحث عن ذلك القيد العدمي، فإن وجد فيه مناسبة صحّح العلّة، وإلاّ أبطلها. ومن يجوِّز التخصيص لا يطلب المناسبة البتة من هذا القيد العدمي .
وفيه نظر، لأنّ مَن يجوِّز تخصيص العلّة يمنع من كون الحاصل عند وجود المعارض جزء العلّة، بل العلّة نفسها. والأصل فيه أنّ العلّة ] إن [ عنى بها جميع ما يوجد به الشيء فهو جزء، وإن عنى مبدأ التأثير فهو تمام العلّة، فيرجع النزاع إلى اللفظ.
واعترض على أصل الدليل بتسليم عدم توقّف اقتضاء علّة الحكم على عدم المعارض .
قوله: يلزم حصول الحكم وإن حصل المعارض .
قلنا: ممنوع، فإنّ العلّة وإن كانت مقتضية للحكم فإنّما يلزم وجود الحكم لو انتفى المعارض الراجح أو المساوي، ولا يلزم منه القدح في المعارض ولا في العلّة.
الثالث: بين كون المقتضي مقتضياً اقتضاء حقيقياً بالفعل وبين كون المانع مانعاً حقيقياً بالفعل منافاة ذاتية، وشرط حدوث الضد انتفاء السابق فلا يعلّل انتفاء الأوّل بطريان الحادث، وإلاّ دار، فلمّا كان شرط كون المانع

صفحه 174
مانعاً خروجَ المقتضي عن الاقتضاء لم يجز أن يكون خروجه عن الاقتضاء بالفعل لتحقّق المانع بالفعل، وإلاّ دار، فإذن خرج المقتضي عن الاقتضاء بذاته لا بالمانع، والإجماع على أنّ ما يكون كذلك لا يصلح للعلّيّة .
وفيه نظر، فإنّ المانع أن يقول بل شرط انتفاء السابق حدوث الطارئ، ولأنّه مانع من تعاقب الأضداد إذ الإيراد متّجه على كلّ ضد حدث على محلّ ضده، فإنّ طرده مشروط بعدم الأوّل، فلو علّل عدم الأوّل بطرده دار، بل يعدم لذاته فلا يكون ممكناً .
واعترض أيضاً بأنّه إن عنى بالشرط معنى يقتضي تقدّمه على المشروط فليس شرط أحد المتباينين انتفاء الآخر، وإلاّ كان كلّ واحد من النقيضين مشروطاً بنفسه ضرورة أنّ انتفاء كلّ واحد منهما عين ثبوت الآخر، وإن عنى بالشرط ما يتقدّم المشروط عند عدمه لم يلزم الدور.
واعترض1 أيضاً بمنع المنافاة بين اقتضاء المقتضي واقتضاء المانع، لاستحالة الجمع بينهما، وإن استحال الجمع بين حكمهما. وحينئذ فلا يلزم من تحقّق المانع خروج المقتضي من جهة اقتضائه لا بذاته، ولا بغيره بخلاف المتنافيات بالذات.
الرابع: الوصف وجد في الأصل مع وجود الحكم، وفي التخصيص مع عدمه، ووجوده مع الحكم لا يقتضي قطع العلّيّة، ووجوده في صورة التخصيص مع عدم الحكم يقتضي قطع عدم العلّيّة هناك. ثمّ الحاصل في

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 250 .

صفحه 175
الفرع كما أنّه مثل وصف الأصل، فكذا هو مثل صورة النقض فليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فلمّا تعارضا لم يجز إلحاقه بواحد منهما فلا يكون علّة.
اعترض المجوزون1 بأنّ الأصل في الوصف المناسب مع الاقتران العلّيّة، فإذا تخلّف الحكم عنه في صورة النقض ووجدنا فيها وصفاً يصلح للمانعية أسندنا التخلّف إليه عملاً بذلك الأصل .
أجاب المانعون2 بأنّ الأصل ترتيب الحكم على المقتضي، وحيث لا ترتيب، فلا علّيّة عملاً بهذا الأصل، فيعارض هذا الأصل أصلكم فيتساقطا ويرجع إلى الأصل، وهو عدم العلّيّة .
اعترض المجوّزون(3) بأنّ كلامهم أرجح :
أمّا أوّلاً ، فلأنّا لو اعتقدنا عدم تأثير هذا الوصف، لزم ترك العمل بالمناسبة مع الاقتران من كلّ وجه. ولو اعتقدنا أنّه مؤثِّر علمنا بما ذكرتم من الدليل من بعض الوجوه، لإفادة الوصف الأثر في بعض الصور، والعمل بالدليل من وجه أولى من تركه بالكلية .
وأمّا ثانياً، فلأنّ الوصف المدّعى مانعيّته في صورة التخصيص يناسب انتفاء الحكم، والانتفاء حاصل معه، فيحصل ظنّ استناد الانتفاء إلى المانع، فيمتنع استناده إلى عدم المقتضي .

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 364 .
2 و 3 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 365 .

صفحه 176
وحينئذ نقول: معكم أصل واحد هو أنّ الأصل ترتّب الحكم على العلّة ومعنا أصلان; دلالة المناسبة مع الاقتران على علّيّة المانع لانتفاء الحكم، والعمل بالأصلين أولى من الواحد.1
أجاب المانعون 2 عن الأوّل بمنع دلالة المناسبة مع الاقتران على العلّيّة، بل المناسبة مع الاقتران والاطّراد دليل العلّيّة، فإن حذفتم الاطِّراد فهو المتنازع .
وعن الثاني. نمنع جواز تعليل انتفاء الحكم في محل التخصيص بالمانع، لأنّه كان حاصلاً قبل المانع، والحاصل يستحيل تحصيله ثانياً.
أجاب المثبتون3 عن هذا بوجهين:
أ. العلل الشرعيّة معرِّفات، فجاز تعليل المتقدّم بالمتأخّر.
ب. المانع علّة نفي الحكم لا لانتفائه، والنفي: المنع من الدخول في الوجود، بعد كونه بعرضية الدخول .
أجاب المانعون عن أ. بأنّه لو كان المراد المعرِّف، لم يلزم من تعليل ذلك الانتفاء بعدم المقتضي امتناع تعليله بالمانع أيضاً، لجواز اجتماع الأدلّة على مدلول واحد، وبعضها وجودي وبعضها عدمي.

1 . العبارة في المحصول كما يلي: ومعنا أصلان: أحدهما: أنّ المناسبة مع الاقتران دليل على كون الوصف في الأصل علّة لثبوت الحكم فيه. الثاني: أنّ المناسبة مع الاقتران في صورة التخصيص دليل على كون المانع علّة لانتفاء الحكم فيها، ومعلوم أن العمل بالأصلين أو من العمل بالأصل الواحد.
2 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 365 ـ 366 .
3 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 366 .

صفحه 177
وعن ب. بأنّ المانع لا يؤثر في إعدام شيء، لاستدعائه سابقية الوجود، وهنا لم يوجد الحكم فيمتنع إعدامه، فإذن المستند إلى المانع نفس العدم السابق .
واعترض 1 على أصل الدليل بأنّه وإن كان وجود الوصف مع الحكم فى الأصل لا يوجب القطع بكونه علّة، لإفادته ظنّ العلّيّة، فوجوده مع عدم الحكم في صورة النقض يمنع أنّه يقتضي القطع بأنّه ليس بعلّة، بل ظنّ العلّيّة باق بحاله، وانتفاء الحكم إنّما كان لوجود المعارض النافي للحكم على ما هو معلوم من قاعدة القائل بتخصيص العلّة.
الخامس: لا طريق إلى صحّة العلّة الشرعية سوى جريانها مع معلولها، فإذا لم تجر معه لم يكن إلى صحّتها طريق .
واعترض (2) بمنع أن اطّراد العلّة طريق إلى صحّتها فضلاً عن كونه لا طريق سواه .
وفيه نظر، لأنّ الطرد وإن لم يدلّ على العلّيّة لكن عدمه يشعر بنفي العلّيّة.
السادس: الشرعية كالعقلية، وكما امتنع تخصيص العقلية فكذا الشرعية .
واعترض (3) بمنع التخلّف في العقلية، بل يجوز عند فوات القابل لحكمها.

1 ، 2، و 3 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 250 .

صفحه 178
سلّمنا: امتناع التخلّف، فليس ذلك لدلالة الدليل على تعلّق الحكم بها، ولا لكونها علة، بل لكونها مقتضية للحكم لذاتها، وهو غير متحقّق في الشرعية، لأنها لا تقتضي لذاتها، بل لوضع الشرع لها أمارة على الحكم في الفرع .
وفيه نظر، لأنّ القابل جزء من العلّة، والشرعية عند المعتزلة مقتضية لذاتهاوالشارع كاشف .
سلّمنا، لكن معنى جعل الشرع الحكم بوجود الحكم عند وجود الوصف، فالتخلّف مناف.
السابع: العلّة في القياس طريق إلى إثبات الحكم في الفرع، فإذا وجدت في فرعين امتنع أن تكون طريقاً إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر، كما في الإدراكات والأدلّة العقليّة .
اعترض 1 بأنّه ليس العلّة في امتناع الافتراق في الدليل المتعلّق بمدلولين، وامتناع الافتراق في الإدراك المتعلّق بمدركين، كونه طريقاً لا دليلاً، بل لكون الدليل العقلي موجباً لذاته، ولكون الإدراك ممّا يجب العلم عنده عادة بخلاف العلل الشرعية، على ما تقدّم .
وفيه نظر، لأنّ معنى كونه طريقاً ليس التأثير عندكم، بل ترتّب الحكم عليه، وإذا تخلّف انتفى كونه طريقاً.
الثامن: لو جاز وجود العلّة الشرعية في فرع دون آخر لم

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 251.

صفحه 179
يكن البعض بالإثبات أولى من البعض الآخر .
اعترض1 بأنّ علّة اختصاص التخلّف في البعض اختصاصه بالمانع.
وفيه نظر، لأنّ انتفاء المانع حينئذ يكون جزءاً من العلّة، لأنّها عندكم بمعنى الأمارة.
احتجّ مَن جوز تخصيص العلّة بوجوه2:
الأوّل : دلالة العلّة على الحكم في محالّها كدلالة العام على
جميع الأفراد، وكما أنّ التخصيص العام لا يقدح في عمومه، فكذا تخصيص العلّة.
اعترض3 بالمطالبة بالجامع ثمّ بالفرق، فإنّ دلالة العام المخصوص على الحكم وإن كانت موقوفة على عدم المخصص، إلاّ أنّ عدم المخصِّص إذا ضم إلى العام صار المجموع دليلاً على الحكم .
أمّا العلّة فإنّ دلالتها متوقفة على عدم المخصِّص، وذلك العدم لا يجوز ضمّه إلى العلّة على جميع التقديرات ; لأنّ منهم من منع كون القيد العدمي جزءاً من علّة الحكم الوجودي. ومن جوّزه شرط فيه المناسبة فوجب ذكره في أول الأمر ليعرف أنّه هل يصحّ لأن يكون جزءاً لعلّة الحكم أم لا؟

1 . المصدر السابق .
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 366 ـ 367 .
3 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 368 .

صفحه 180
الثاني: اقتضاء الوصف لذلك الحكم في ذلك المحلّ إن توقّف على اقتضائه الحكم في محل آخر، فإن لم ينعكس لزم الترجيح من غير مرجّح، وإن انعكس دار. وإن لم يفتقر أحدهما إلى الآخر لم يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر، فلا يلزم من انتفاء كون الوصف مقتضياً لذلك الحكم في هذا المحل انتفاء كونه مقتضياً لذلك الحكم في المحلّ الآخر .
اعترض1 بأنّ العلّة إن فسّرت بالموجب أو الداعي كان شرط كونه علّة للحكم في محلّ أن يكون علّة له في جميع المحال ; لأنّ العلّة إنّما توجب الحكم لماهيتها، ومقتضى الماهية الواحدة واحد، فإن كانت الماهية موجبة لذلك الحكم في موضع، وجب كونها كذلك في كلّ المواضع، وإلاّ فلا .
وأيضاً لا نسلّم لزوم الدور لو توقف كلّ منهما على الآخر، لأنّه توقّف معية لا توقّف تقدّم .
وفيه نظر، فإنّ التوقّف إنّما يتحقق في الشرط أو العلّة لا في المصاحبة، لأنّ معنى كونه متوقّفاً ترتّبه عليه.
الثالث: أجمعوا على جواز ترك العمل بالدليل في بعض الصور لوجود أقوى، مع جواز التمسّك بالأوّل عند عدم المعارض، فإنّ الإنسان قد يلبس الثوب لدفع الحرّ والبرد، فإذا توعّده ظالم بالقتل لو لبسه، ترك ] العمل [ بمقتضى الدليل الأوّل، وإن عمل به في غير هذه الصورة. وإذا كان

1 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 369 .

صفحه 181
حسناً في العادة فكذا في الشرع، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن».1
واعترض 2 بتسليم ما قالوه، لكنّه ينعطف من الفرق بين الأصل والفرع، وصورة التخصيص قيد على العلّة، ولم يدلّوا على فساده.
الرابع: العلّة الشرعيّة أمارة فوجودها في بعض الصور دون حكمها لا يخرجها عن كونها أمارة، لأنّه ليس من شرط الأمارة الاستلزام دائماً، كالغيم الرطب في الشتاء مع المطر المتخلّف عنه أحياناً.
واعترض(3) بأنّ النظر في الأمارة إنّما يفيد ظنّ الحكم إذا ظنّ بانتفاء ما يلازمه انتفاء الحكم، فإنّ من رأى الغيم الرطب في الشتاء بدون المطر في وقت ثمّ رآه أُخرى، لم يظن نزول المطر إلاّ مع ظن انتفاء الأمر الّذي لازمه عدم المطر في الأُولى، وهو غير قادح في قولنا.
الخامس: الوصف المناسب بعد التخصيص يقتضي ظنّ ثبوت الحكم. فإنّا إذا عرفنا من الإنسان كونه مشرَّفاً مكرَّماً مطلوب البقاء، ظننّا حرمة قتله، وإن لم يخطر ببالنا في ذلك الوقت ماهية الجناية فضلاً عن عدمها فعلمنا أنّ مجرّد النظر إلى الإنسانية مع ما لها من الشرف يفيد ظن حرمة القتل، وأنّ عدم كونه جانياً ليس جزءاً من المقتضي لهذا الظن; وإذا

1 . شرح نهج البلاغة: 12 / 86 ; تفسير الرازي: 1 / 200 و 204 و ج 2 / 226 وج 3 / 198 وج 4 / 151 وج 11 / 176; تفسير الآلوسي: 29 / 113 .
2 و 3 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 369 .

صفحه 182
كان كذلك فأينما حصلت الإنسانية حصل ظن حرمة القتل. وإذا ثبت أنّه يفيد ظنّ الحكم وجب العمل به، لوجوب العمل بالظنّ .
اعترض 1 بتسليمه، لكن ندّعي أنّه ينعطف من الفرق بين الأصل وصورة التخصيص قيد زائد على العلّة.
السادس: أنّ بعض الصحابة قال بتخصيص العلّة. روي عن ابن مسعود أنّه كان يقول: هذا حكم معدول به عن القياس، وكذا مثله عن ابن عباس، ولم ينكر عليهما أحد، فكان إجماعاً .
اعترض (2) بتسليم أنّهم قالوا بذلك، لكنّهم لم يقولوا إنّ ذلك القياس جائز أم لا.
السابع: وجد في الأصل المناسبة مع الاقتران في ثبوت الحكم وفي البعض المناسبة مع الاقتران في انتفاء الحكم، فلو أضفنا في صورة التخصيص انتفاء الحكم إلى انتفاء حكم المقتضي لزم ترك العمل بالأصلين والعمل بأصل واحد، وهو أنّ الأصل استناد عدم الحكم إلى عدم المقتضي. ومعلوم أولوية مخالفة أصل واحد لإبقاء أصلين من عكسه، فإحالة انتفاء الحكم على المانع أولى من إحالته على عدم المقتضي .
واعلم أنّ بعضهم منع تعليل انتفاء الحكم بالمانع لوجهين 2:
الأوّل: تعليل انتفاء الحكم بالمانع أوفوات الشرط في صورة

1 و 2 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 369 .
2 . الإحكام: 3 / 244 .

صفحه 183
التخلّف يتوقّف على وجود المقتضي للحكم فيها، إذ لو لم يكن موجوداً كان انتفاء الحكم لانتفاء المقتضي لا للمانع ولا لفوات الشرط. والقول بكون الوصف المذكور علّة يتوقّف في صورة التخلّف على وجود المانع أو فوات الشرط، فإنّا إذا لم نتبين وجود المانع ولا فوات الشرط وجب أن يكون انتفاء الحكم لانتفاء علّته، وعند ذلك يظهر عدم علية الوصف فإذا توقّف كل من المقتضي والمانع على الآخر دار، وهو ممتنع نشأ من التعليل بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلّف .
اعترض 1 بأنّا لا نسلّم أنّ تعليل انتفاء الحكم بالمانع يستدعي وجود المقتضي، لصحّة انتفائه بالمانع مع وجود المقتضي المعارض له فمع عدمه أولى .
سلّمنا توقّف التعليل بالمانع على وجود المقتضي لكن يمنع توقّف وجود المقتضي على وجود المانع، فإنّ كون المقتضي مقتضياً إنّما يعرف بدليله من المناسبة والاعتبار، أو غير ذلك من الطرق. وهو متحقّق فيما نحن فيه، فيجب القضاء بكونه مقتضياً. والمانع معارض إن وجد انتفي حكم المقتضي مع بقاء المقتضي بحاله مقتضياً، وإن لم يوجد عمل المقتضي عمله .
سلّمنا توقّف كلّ منهما على الآخر، لكن توقّف معية لا توقّف
تقدّم.

1 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3 / 244 .

صفحه 184
وفيه نظر، لأنّ عدم العلّة ذاتية لعدم المعلول، والمانع إنّما كان علّة للعدم لاقتضائه على عدم شيء باعتباره كان المقتضي علّة، فالتعليل بعدم المقتضي أولى من التعليل بوجود المانع. وإذا فرضت العلّتان ثابتتان في فرع كان العدم مستنداً إلى علّته الذاتية، فشرط التعليل وجود المقتضي. ولو سلّمنا صحّة انتفائه بالمانع مع وجود المقتضي فإنّه لعدم العلّة الأُخرى. والمناسبة وإن دلّت مع الاقتران على العلّيّة لكن المتخلّف يقتضي ظن عدمها. فإذن لا يصحّ الحكم بكونها علّة في صورة التخلّف .
الثاني: انتفاء الحكم في صورة التخلّف كان متحقّقاً قبل وجود المانع، وفي تعليله بالمانع تعليل المتقدّم بالمتأخّر، وهو محال، سواء كان المانع بمعنى الأمارة أو الباعث .
اعترض 1 بأنّ الّذي تعلّل نفيه بالمانع إنّما هو انتفاء الحكم الّذي صار بسبب وجود المقتضي بعرضية الثبوت عرضية لازمة لا مطلق الحكم، وذلك ممّا لا يسلّم تقدّمه على المانع المفروض .
وفيه نظر، فإنّ المعلّل هنا ليس الانتفاء لسبقه، فليس إلاّ وصف عرضية الثبوت، وذلك غير انتفاء الحكم.

1 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3 / 245 .

صفحه 185
 
المطلب الثاني: في جوابه
وإنّما يكون بأمرين 1:
الأوّل : منع وجود تمام الأوصاف في صورة النقض.
وفيه مباحث 2:
أوّلها: إذا منع المستدل من وجود العلّة في صورة النقض كان جواباً يندفع به السؤال .
مثاله لو قال: لا زكاة في الحلي لأنّه مال غير نام، فلا تجب فيه الزكاة كثياب البذلة.
فيقول المعترض: ينتقض بالحلي المحظور، فإنّه غير نام مع وجود الزكاة فيه .
فيقول المستدلّ: لا نسلم أنّ الحلي المحظور غير نام، وإنّما كان منع وجود العلّة في صورة النقض دافعاً له، لأنّ النقض هو وجود العلّة ولا حكم، فإذا لم توجد العلّة في صورة النقض انتفي النقض .
واختلفوا فقال قوم : لا يمكن المعترض من الاستدلال على
وجود العلّة في صورة، لأنّه انتقال من مسألة إلى أُخرى قبل تكميل
الاستدلال على الأُولى وهو قبيح، ولأنّه مشتمل على قلب القاعدة في

1 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 369 ـ 371 .
2 . راجع المحصول: 2 / 370 ـ 371 ; الإحكام: 4 / 93.

صفحه 186
المناظرة بانقلاب المستدل معترضاً والمعترض مستدلاً .
نعم لو قال المعترض: ما دللت به على وجود المعنى في الفرع يقتضي وجوده في صورة النقض، فهذا إن صحّ كان نقضاً على دليل وجود العلّة في الفرع لا على كون ذلك الوصف علّة للحكم، فيكون انتقالاً من السؤال الّذي بدأ به إلى غيره .
وقال آخرون: له ذلك، لأنّ به يتحقّق انتقاض العلّة وهو قد انتصب لبيان ذلك ولا يتم الدعوى إلاّ باستيفاء الدليل وذكر مقدّماته .
وفصّل آخرون فقالوا: إن تعيّن ذلك طريقاً للمعترض في هدم كلام المستدلّ وجب قبوله منه تحقيقاً لفائدة المناظرة، وإن أمكنه القدح بطريق آخر أفضى إلى المقصود فلا .
وفيه نظر، لأنّه إن كان مسموعاً لم يخرج عن ذلك بتعدّد الطرق الأُخرى، وإن لم يكن لم يصر طريقاً بانتفاء غيره .
نعم لو كان المستدلّ قد دلّ على وجود العلّة في محلّ التعليل بدليل هو موجود في صورة النقض، فإذا منع وجود العلّة، فإن قال المعترض: فقد انتقض الدليل الّذي دللت به على وجود العلّة، لا يكون مسموعاً لكونه انتقالاً من النقض على نفس العلّة إلى النقض على دليلها .
كما قلنا مثاله: لو قال في مسألة تبييت النية وتعيينها، أي بمسمّى الصوم، فوجب أن يصحّ كما في محلّ الوفاق، ودلّ على وجود الصوم بقوله: الصوم عبارة عن الإمساك مع النيّة، وهو موجود فيما نحن فيه .

صفحه 187
فيقول المعترض: بما لو نوى بعد الزوال .
وإن قال المعترض للمستدل: ابتداء أمرك لا يخلو من حالين :
إمّا أن تعتقد وجود الصوم في صورة النقض، أو لا .
فإن كان الأوّل، انتقضت عليك .
وإن كان الثاني انتقض دليلك على وجود العلّة، كان متجهاً .
وإن أورد ذلك لا في معرض نقض دليل وجود العلّة، بل في معرض الدلالة به على وجود العلّة في صورة النقض، فالحكم فيه على ما سبق في الدلالة على نفي الحكم في صورة النقض.
ثانيها: المنع من وجود الوصف في النقض إنّما يمكن لوجود قيد في العلّة يندفع به النقض، وذلك القيد قد يكون له معنى واحد ويكون وقوع الاحتراز به ظاهراً ; كقولنا: طهارة عن حدث، فتفتقر إلى النية كالتيمّم فنقضه بإزالة النجاسة غير وارد. لأنّا قلنا: عن حدث، وإزالة النجاسة ليست عن حدث .
وقد يكون خفيّاً كقولنا في السلم في الحال: عقد معاوضة، فلا يكون الأجل من شرطه، فلا ينتقض بالكتابة، لأنّها ليست معاوضة، بل عقد إرفاق.
وقد تتعدد المعاني فيقال اللفظ عليها إمّا بالتواطؤ أو بالاشتراك.
فالأوّل، كقولنا: عبادة متكررة فتفتقر إلى تعيّن النية كالصلاة .
فلو قيل: ينتقض بالحج، فإنّه متكرّر على زيد وعمرو .

صفحه 188
فقولنا المتكرر مقول على المتكرر في الأزمان، وعلى المتكرر في الأشخاص، والأظهر الأوّل، وهو مرادنا .
ومثال الثاني قولنا: جمع الطلاق في قرء واحد فلا يكون مبتدعاً، كما لو طلّقها ثلاثاً في قرء واحد مع الرجعة بين الطلقتين .
فلو قيل: ينتقض بما لو طلقها في الحيض .
قلنا: أردنا بالقرء الطّهر.
ثالثها: هل يجوز دفع النقض بوصف طردي؟
جوّزه القائلون بالطرد وبعض المانعين. والوجه المنع، لأنّ أحد أجزاء العلّة إذا لم يكن مؤثّراً لم يكن المجمع مؤثّراً. ولأنّه لو جاز تقييده بالقيد الطردي لجاز تقييده بصرير الباب ونعيق الغراب، ولا نزاع في بطلانه.
الأمر الثاني: في الجواب كذا منع تخلّف الحكم، وفيه أبحاث1:
أحدها: إذا منع المعلل تخلّف الحكم في صورة النقض اندفع السؤال لما ذكرنا في منع وجود العلّة .
كما لو قال الشافعي في مسألة الثيب الصغيرة يثبت 2 فلا يجوز إجبارها كالثيب البالغ .
فيقول المعترض: ينتقض بالثيب المجنونة، فإنّه يجوز إجبارها .

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 371 ـ 372 .
2 . في الإحكام: 4 / 94 ; (ثيب).

صفحه 189
فيقول المستدلّ: بمنع صحّة إجبار الثيب المجنونة. وهل يمكن المعترض من الاستدلال على تخلّف الحكم في صورة النقض؟ البحث فيه كما تقدّم في دلالته على وجود العلّة.
ثانيها: انتفاء الحكم إن كان مذهباً للمستدلّ والمعترض معاً كان متوجهاً، وكذا إن كان مذهباً للمعلّل، لأنّ المعلّل إذا لم يف بمقتضى علّته في الاطّراد فلئن لا يجب على غيره كان أولى .
كما لو قال في مسألة الرطب بالتمر، باع مال الربا بجنسه متفاضلاً، فلا يصحّ كما لو باع صاعاً بصاعين.
فيقول الحنفي ينتقض على أصلك بالعرايا، فإنّه يصحّ، وإن باع مال الربا بجنسه متفاضلاً .
وجوابه بوجوه 1:
أ. أن يبين في صورة النقض مناسباً يقتضي النفي من مانع أو فوات شرط مع اقتران الحكم به على أصله.
ب. أن يقول: النقض إنّما هو من قبيل المعارض لدليل العلّة. فتخلف الحكم عن العلّة إنّما هو على مذهب أحد الفريقين، وثبوت الحكم على وفق العلّة المعلّل بها بالاتّفاق. ولا يتساوى المتّفق عليه والمختلف فيه، فلا يقع في معارضة دليل العلّة.

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 95 .

صفحه 190
ج. أن يبيّن أنّ تخلّف الحكم عن العلّة في معرض الاستثناء، والمستثنى لا يقاس عليه ولا يناقض به كالعرايا .
وإن كان مذهباً للمعترض فقط لم يتوجه، لأنّ خلاف المعترض في تلك المسألة كخلافه في الأُولى، وهو محجوج بذلك في المسألتين معاً.
كما لو قال المعترض: هذا الوصف لا يطرد على أصل، فلا يلزمني الانقياد إليه .
وجوابه أن يقول المستدل: ما ذكرته حجّة عليك في الصورتين، إذ هي محل النزاع، ومذهبك في صورة النقض لا يكون حجّة في دفع الاحتجاج، وإلاّ كان حجّة في محل النزاع، وهو محال.
ثالثها: المنع من عدم الحكم قد يكون ظاهراً وهو ظاهر، وقد يكون خفيّاً وهو على وجهين:
أ. كقولنا في السلم الحال: عقد معاوضة، فلا يكون الأجل من شرطه.
فإذا قيل: ينتقض بالإجارة. قلنا: الأجل ليس بشرط فيها، بل تقدير المعقود عليه.
ب. كقولنا: عقد معاوضة فلا ينفسخ بالموت كالبيع .
فإذا قيل: ينتقض بالنكاح. قلنا: هناك لا يبطل بالموت، لكن انتهى العقد.
رابعها: أقسام الحكم أربعة:

صفحه 191
أ. أن يكون مجملاً في طرف الثبوت، ويعني به أن يدّعي ثبوته، ولو في صورة ما ; وهذا لا ينتقض بالنفي المفصل، وهو النفي عن صورة معينة، لأنّ الثابت مجملاً يكفي ثبوته في صورة ما فجاز التغاير وإنّما يناقضه تعميم النفي.
ب. أن يكون مجملاً في طرف النفي وهو أن لا يثبت البتّة ولا في صورة واحدة، وهو ينتقض بالثبوت المفصّل، لأنّ ادّعاء عموم النفي يناقضه الثبوت في صورة معيّنة، كقوله تعالى: (قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَر مِنْ شَيء قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى)1.
ج. أن يكون مفصّلاً في طرف الثبوت ولا يناقضه النفي المفصّل إلاّ مع اتّحاد المحل بل النفي المجمل، فإنّ نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية.
د. أن يكون مفصّلاً في طرف النفي، فلا يناقضه الإثبات المفصّل إلاّ مع اتّحاد المحل، ولا الإثبات المجمل، لأنّه في قوة الإثبات المفصّل، بل الإثبات العام، لأنّ نقيض السالبة الجزئية موجبة كلّية.
خامسها: الحكم الّذي لا يكون ثابتاً تحقيقاً بل تقديراً هل يدفع النقض؟ كقول الشافعي: علّة رق الولد ملك الأُم، فإذا نقض بالمغرور بحرية الجارية فإنّ ولده ينعقد حراً، فقد وجد رقّ الأُمّ وانتفي رق الولد تحقيقاً لكنّه موجود تقديراً، فإنّ الغرم يجب على المغرور، ولولا أنّ الرق في حكم الحاصل المندفع وإلاّ لما وجبت قيمة الولد، فيه خلاف.

1 . الأنعام: 91 .

صفحه 192
سادسها: هل يجب على المستدلّ بالعلّة المخصوصة ذكر نفي المانع في ابتداء دليله والاحتراز عن النقض؟ اختلفوا .
فقال قوم: يجب، لأنّه مطالب بذكر ما يعرّف الحكم، والمعرّف ليس تلك الأمارة فقط، بل مع عدم المخصِّص فيجب ذكرهما معاً .
ولأنّه أقرب إلى الضبط وأبعد من النشر .
ولأنّ ما أشار إليه المعلّل من الوصف إذا كان منتقضاً فإمّا أن
يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لا لمعارض، فلا يكون الوصف
علّة .
وإمّا لمعارض فقد ثبت أنّ للعلّة معارضاً متّفقاً عليه، فلابدّ من نفيه في الدليل، لأنّ المناظر تلو الناظر، وليس للناظر الحكم جزماً عند ظهور سببه دون ظهور انتفاء معارضه، فكذلك المناظر. ومقتضى هذا الدليل بيان نفي كلّ الموانع ابتداءً، إلاّ أنّ إيجاب ذلك يفضي إلى العسر والمشقّة. فأسقطنا عنه كلفة نفي المعارض المختلف فيه لعسر نفيه، فتبقى الموانع المتفق عليها على حكم الأصل فيجب أن يذكر .
وقال آخرون: لا يجب، لأنّ المستدل مطالب بذكرما هو الموجب للحكم والمؤثر فيه، وذلك هو الوصف. أمّا نفي المانع فلا مدخل له في التأثير، فلا يجوز ذكره في الابتداء .
   
وأيضاً ما يقع به الاحتراز عن النقض إن كان من أجزاء العلّة لم تكن العلّة علّة بدونه، ومثل هذا لا خلاف في وجوب ذكره في العلّة لعدم تمام

صفحه 193
العلّة دونه، ومن نازع فيه فقد نازع في أنّه هل يجب على المستدلّ ذكر العلّة أم لا؟ وهو معلوم البطلان .
وإن لم يكن فإن كان إشارة إلى نفي المعارض، فقد تعرض لما لا يسأل عنه لكونه مسؤولاً بعد الفتوى عن الدليل المقتضي للحكم ، وانتفاء المعارض ليس من الدليل، ولو قيل إنّه من الدليل كان خلاف الغرض في هذا القسم، وإن لم يكن إشارة إليه فالنقض غير مندفع به، لأنّ النقض عبارة عن وجود العلّة ولا حكم، فإذا كان المذكور خارجاً عن العلّة ولا إشارة فيه إلى نفي المعارض، فالعلّة ما دونه، وقد وجدت في صورة النقض ولا معارض فكان النقض متجهاً.

المطلب الثالث: في بقايا مباحث النقض

الأوّل: تخلّف الحكم عن العلّة لا لمانع يقدح في العلّيّة، لأنّها إن لم تكن مستلزمة للحكم لم تكن علة، وإن كانت مستلزمة وجب كونها كذلك أبداً، ولو كانت كذلك أبداً لم يزل هذا الحكم إلاّ لمزيل، وهذا المزيل هو المانع فحيث زالت تلك المستلزمية لا لمزيل، علمنا عدم اتّصاف تلك الذات بالمستلزمية، فلا يكون علّة .
وفيه نظر، لأنّ نفي العلّيّة على تقدير عدم الاستلزام ووجوب دوامه نفس المتنازع .
وقيل: لا يقدح، لأنّا لم ندّع في هذه العلّة كونها مستلزمة للحكم

صفحه 194
قطعاً، بل ظاهراً، فتخلّف الحكم في بعض الصور لا يقدح في غالبية الاستلزام، فلا يكون مفسداً للعلّيّة.
الثاني: تخلّف الحكم عن العلّة على أقسام ثلاثة 1:
أ. أن يعرض في صوب جريان العلّة ما يمنع اطّرادها، وهو النقض. وينقسم إلى ما يعلم أنّه ورد مستثنىً عن القياس مع استبقاء القياس، وقد اختلف في أنّه هل يقدح في العلّة أم لا؟
قال قوم: لا يقدح، سواء ورد على علّة مقطوعة، كإيجاب صاع من التمر في لبن المصراة، فإنّ علّة إيجاب المثل في المثليّات تماثل الأجزاء ; والشرع لم ينقض هذه العلّة، إذ عليها التعويل في الضمانات، لكن استثنى هذه الصورة، وكما يعلم أنّ من لم يقدم على الجناية لا يؤاخذ بضمانها ثم ينتقض بضرب الدية على العاقلة أو على علّة مظنونة كالتعليل بالطعم فإنّه لا ينتقض بمسألة العرايا، لأنّها وردت على سبيل الاستثناء وانّه رخصة للحاجة، ولم يرد ورود النسخ للربا. ودليل كونه مستثنىً وروده على علّة الكيل، وكلّ علة 2 وردت على كلّ المذاهب.
وكذا إذا قلنا: عبادة مفروضة، فتفتقر إلى تعيين النية، لم ينتقض بالحج، فإنّه ورد على خلاف قياس العبادات، لأنّه لو أهلّ بإهلال زيد صحّ، ولم يعهد مثله في العبادات. وإنّما قلنا بعدم قدحه، لأنّ الإجماع لمّا انعقد على تعليل حرمة الربا بأحد الأُمور الأربعة، ومسألة العرايا واردة على

1 . ذكرها الغزالي في المستصفى: 2 / 354 .
2 . في المستصفى: وعلى كلّ علّة.

صفحه 195
الجميع، وهذه المسألة، واردة قطعنا بصحّتها، والنقض لا يقدح في مثل هذه العلّة.
وقيل: إنّه يقدح، وهل يجب الاحتراز عنه في اللفظ؟ منهم من أوجبه، ومنهم من منعه .
وإلى ما لا يرد مورد الاستثناء فإن ورد على المنصوصة لم يتصور إلاّ بأن ينعطف قيد على العلّة، ويظهر أنّ المذكور ليس تمام العلّة.
وإن ورد على المستنبط لا في معرض الاستثناء، وانقدح جواب من محل النقض من طريق الإخالة إن كانت العلّة مُخِيَلةً، أو من طريق الشبه إن كانت شبهاً، فهذا يبيّن أنّ المذكور لم يكن تمام العلّة، وانعطف قيد على العلّة من مسألة النقض، يندفع به النقض .
أمّا إذا كانت العلّة مُخِيلة ولم ينقدح جواب مناسب، وأمكن أن يكون النقض دليلاً على فساد العلّة، وأمكن أن يكون معرفاً اختصاص العلّة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبهية وتفصيلها عن غير مجراها، فهذا الاحتراز عنه مهم في الجدل للمناظر. وهل يعتقد المجتهد في هذه العلّة: الانتقاض والفساد، أم التخصيص؟
الأقوى أنّه في محل الاجتهاد، ويتبع كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه.
كقولنا: صوم رمضان يفتقر إلى تبييت النيّة، لأنّ النية لا تنعطف على ما مضى، وصوم جميع النهار واحد، وأنّه لا يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع فإنّه لا يصحّ إلاّ بنية ولا يتجزأ على المذهب الحق، فيحتمل أن ينقدح عند

صفحه 196
المجتهد فساد هذه العلّة بسبب التطوع، وأن ينقدح له أنّ التطوع ورد مستثنىً رخصةً لتكثير النوافل، فإنّ الشرع قد سامح في النفل بما لا يسامح به في الفرض. والمُخِيل الّذي ذكرناه يستعمل في الفرض، ويكون وصف الفرضية فاصلاً بين مجرى العلّة وموقعها، ويكون ذلك وصفاً شبهياً اعتبر في استعمال المخيل، وتميّز بمجراه عن موقعه. ومن أنكر قياس الشبه جوّز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهي، فأكثر العلل المُخِيلَة خصّص الشرع اعتبارها بمواضع لا ينقدح في تعيين المحل معنى مناسب على قانون أصل العلّة. وهذا التردّد إنّما ينقدح في معنى مؤثر لا يحتاج إلى شهادة الأصل، فإنّ مقدّمات هذا القياس مؤثّرة بالاتّفاق من قولنا: إنّ كلّ صوم واجب، وإنّ النيّة عزم لا ينعطف على الماضي، وإنّ الصوم لا يصحّ إلاّ بالنيّة.
ب. أن ينتفي حكم العلّة لا لخلل في نفس العلّة، بل لمعارضة علّة أُخرى، كعلّيّة ملك الأُم في رق الولد، ولا ينتقض بالمغرور بحرية الجارية كما تقدّم.
ج. أن يكون النقض مائلاً عن صوب جريان العلّة، ويكون تخلّف الحكم لا لخلل في ركن العلّة، لكن لعدم مصادفتها محلّها، أو شرطها،
أو أهلها ; كقولنا: السرقة علّة القطع، وقد وجدت في النبّاش فيجب
القطع. فقيل يبطل بسرقة ما دون النصاب، وبسرقة الصبي، ومن غير
حرز.

صفحه 197
وكقولنا: البيع علّة الملك. وقد جرى، فليثبت الملك في زمن الخيار.
فقيل: يبطل ببيع المستولدة، والموقوف، والمرهون. لهذا لا يلتفت المجتهد إليه، لأنّ نظره في تحقيق العلّة دون شرطها ومحلّها، فهو مائل عن صوب نظره.
الثالث: هل يجوز أن يقال في مثل مسألة المصراة أنّ العلّة، وهي تماثل الأجزاء موجودة، لكن اندفع إيجاب المثل إلى إيجاب الصاع بمانع البصريّة كما قلتم في مسألة المغرور بحرية الجارية 1؟
قلنا: لا يجوز، لأنّ التماثل ليس علّة لذاته، بل بجعل الشرع إيّاه علامةً على الحكم، فحيث لم يُثبت الحكم، لم يجعله علامةً، فلم يكن علّة; كما لا نقول: الشدة الموجودة قبل تحريم الخمر كانت علة، لكن لم يرتّب الشارع عليها الحكم، وإنّما صارت علّة حيث جعلها الشارع علّة، وما جعلها علّة إلاّ بعد نسخ إباحة الشرب. فكذلك التماثل ليس علّة في مسألة المصراة بخلاف مسألة المغرور، فإنّ الحكم فيه ثابت تقديراً، وكأنّه ثبت ثمّ اندفع، فهو في حكم المنقطع لا الممتنع .
ولو نصب شبكةً ثم مات فحصل فيها صيد، كان في حكم مال الميت تقضى منه ديونه، ويستحقّه ورثته ; لأن نصب الشبكة سبب ملك الناصب، لكن الموت حالةَ حصول الصيد دفع الملك فتلقّاه الوارث، وهو في حكم الثابت للميت والمنتقل إلى الوارث.

1 . في المستصفى: 2 / 360: «الولد».

صفحه 198
 
المطلب الرابع: في الكسر
وهو تخلف الحكم المعلّل عن معنى العلّة، وهو نقض يرد على المعنى دون اللفظ، وهو الحكمة المقصودة من الحكم، كما يقول في صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها قياساً على صلاة الأمن، فيظنّ المعترض أنّه لا تأثير لكون العبادة صلاة في هذا الحكم، وأنّ المؤثّر هو وجوب القضاء، فينقضه بصوم الحائض، فإنّه يجب قضاؤه ولا يجب أداؤه.
وفيه نظر، فإنّ هذا مثال النقض المكسور، وسيأتي .
وكقول الحنفي في مسألة العاصي بسفره فسافر، فوجب أن يترخّص في سفره كغير العاصي ويبين مناسبة السفر بما فيه من المشقّة .
فيقول المعترض: ما ذكرته من الحكمة وهي المشقة، منتقضة، فإنّها موجودة في حقّ الحمال وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر، مع أنّه لا رخصة .
واختلفوا في أنّه هل هومبطل للعلّة؟
والوجه أنّ الكلام إنّما هو مفروض في الحكمة التي ليست منضبطة بنفسها بل بضابطها، ولا يخفى أنّ مقدارها لا ينضبط، بل يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال. وعادة الشرع في مثل هذا الرد إلى المظان الظاهرة الجليّة دفعاً لعسر التميز والتخبط في الأحكام. فحينئذ يمتنع التعليل بها دون ضابطها، وإذا لم يكن علّة فلا معنى لإيراد النقض عليها.

صفحه 199
اعترض 1 بأنّ المقصود من شرع الحكم هو الحكمة دون ضابطها، وحينئذ يحتمل أن يكون مقدار الحكمة في صورة النقض مساوياً لمقدارها في صورة التعليل، وأن يكون أزيد، وأن يكون أنقص وعلى تقديري المساواة والزيادة، فقد وجد في صورة النقض ما كان موجوداً في صورة التعليل، وعلى تقدير النقصان لا يكون موجوداً .
وما يتم على تقديرين أغلب على الظن ممّا لا يتم إلاّ على تقدير واحد، وحينئذ يظهر إلغاء ما ظنه المعلّل علّة .
وأُجيب بأنّ الحكمة وإن كانت هي المقصودة، لكن على وجه
تكون مضبوطة إمّا بنفسها، أو بضابطها، وما فرض من الحكمة في صورة النقض مجردة عن ضابطها، فامتنع كونها مقصودة ; وبتقدير القصد فالنقض من قبيل المعارض لدليل كونها معلّلاً بها. وعلى هذا فانتفاء الحكم مع وجود الحكمة في دلالته على إبطال علّيّة الحكمة مرجوح بالنظر إلى دليل التعليل بها. وذلك لأنّه من المحتمل ان يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض، ومع هذا الاحتمال فتخلف الحكم عنها لا يدلّ على إبطالها .
فإن قلت 2: بحثت وسبرت فلم أطّلع على ما يصلح معارضاً في صورة النقص، فيظهر استناد الانتفاء إلى انتفاء العلّة. عورض بقول المعلّل:

1 . ذكره مع الجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3 / 253 .
2 . ذكره مع الجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3 / 253 .

صفحه 200
بحثت في محلّ التعليل، فلم أظفر بما يصلح للتعليل سوى ما ذكرته، فهو العلّة.
فإن رجّح المعترض بحثه باشتماله على موافقة انتفاء الحكم لانتفاء علّته، إذ هو الأصل، نفياً للتعارض. عورض بما في بحث المستدل من موافقة ما ظهر من دليل العلّة من المناسبة والاعتبار، فيتعارضان. ويترجّح كلام المستدلّ بأنّ مقدارالحكمة في محل التعليل، وإن كان مظنون الوجود في صورة النقض، فيحتمل عدمه فيها وإلاّ كان مقطوعاً به لا مظنوناً. وهو موجود في صورة التعليل قطعاً مع اقتران الحكم به قطعاً، وهو دليل العلّيّة، وما هو دليل البطلان فوجوده في صورة النقض ظّناً مع انتفاء الحكم قطعاً، والمقطوع به من وجهين راجح على ما هو مقطوع به من وجه ومظنون من آخر .
وهذا الترجيح غير آت في النقض على المظنّة، فلهذا كان النقض لازماً على المظنّة دون الحكمة .
فإن قلت: لوفرض وجود الحكمة في صورة النقض قطعاً فما حكمه؟ ] قلنا: [منعنا وقوعه، وبتقديره قال بعضهم: لا التفات إليه لعسر معرفته في آحاد الصور مع خفائه وندوره، بخلاف التوسّل إلى معرفة الضوابط الجلية فكان حط هذه الكلفة عن المجتهد وردّ الناس إلى الضوابط الجلية المشتملة على احتمال الحكم غالباً مناسباً.
اعترض 1 بأنّ المشقّة وإن وجدت على تقدير البحث عن وجود

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 254 .

صفحه 201
الحكمة في آحاد المسائل، إلاّ أنّا نعلم أنّ المقصد الأقصى في إثبات الأحكام هو المقاصد والحكم، فعلى تقدير وجود الحكمة في بعض الصور كما وجدت في محل التعليل قطعاً لو لم يجب التعليل بها في غير محل التعليل، لزم انتفاء الحكم مع وجود حكمته قطعاً، وهو ممتنع. كما يمتنع إثبات الحكم مع انتفاء حكمته قطعاً في ما عدا الصورة النادرة، وكذا لو لم نقل بإلغائها عند تخلّف الحكم عنها مع ثبوتها قطعاً، لزم إثبات الحكم بها مع الضابط مع كونها ملغاة قطعاً.
ومعلوم أنّ المحذور بإثبات الحكم لحكمة ألغاها الشارع إذ نفي الحكم مع وجود حكمته يقيناً أعظم من محذور المشقة بالبحث عن وجود الحكمة والمقاصد في آحاد المسائل .
وعلى هذا يكون الكلام فيما لو فرض وجود الحكمة في صورة النقض أزيد منها في محلّ التعليل يقيناً. نعم إن ثبت في صورة
النقض حكم هو أليق بها بأن النفي بتحصيل الحكمة وزيادة، ولو
رتب عليها في تلك الصور الحكم المعلّل اختلّ الزائد في صورة النقض
لم يكن نقضاً للحكمة، ولا إلغاءً، بل يجب تخلف الحكم المعلل وإثبات اللائق الوافي بتحصيل الزيادة لما فيه من رعاية أصل المصلحة وزيادتها كما لو علّل وجوب القطع قصاصاً بحكمة الزجر فيقول المعترض:
مقصود الزجر في القتل العمد العدوان أعظم، ومع ذلك لا يجب به القطع فيقول المستدلّ: الحكمة في النقض وإن كانت أزيد لكن ثبت حكم آخر هو أليق، وهو وجوب القتل. وجواب الكسر بعدما مرّ منع وجود المعنى

صفحه 202
المشار إليه في صورة النقض، ومنع تخلف الحكم عنه وباقي 1 أجوبة سؤال النقض.

المطلب الخامس: في النقض المكسور

وهو النقض على بعض أوصاف العلّة ; كقولنا في بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة عند العاقد حالة العقد، فلا يصحّ، كما لو قال: بعتك عبداً.
فيقول المعترض: ينتقض بما لو تزوّج امرأة لم يرها .
وقد اختلفوا في سماعه فالأكثر على ردّه، لوقوع التعليل بالمجموع من كونه مبيعاً ومجهولاً، لا بمجرّد جهالة الصفة، والمنكوحة ليست مبيعة. وإبطال التعليل ببعض أوصاف العلّة ليس إبطالاً لها .
أمّا لو بيّن المعترض عدم تأثير الوصف الآخر الّذي وقع به الاحتراز عن النقض لا منفرداً ولا منضماً مع الآخر ; فالمستدلّ حينئذ إن تمّ على التعليل بالمجموع، بطل التعليل لعدم التأثير لا بالنقض .
وإن ترك الكلام على التعليل بالوصف المنقوض، بطل التعليل بالنقض، لكونه وارداً على جميع العلّة .
لا يقال 2: المحذوف وإن لم يؤثر بنفسه ولا مع ضمه إلى غيره،

1 . في أ: «ويأتي».
2 . ذكره مع الجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3 / 256 .

صفحه 203
يمكن أخذه في التعليل (لتحرز به)1 عن النقض، وإنّما يخرج عن التعليل لو عرى عن الفائدة .
لأنّا نقول: فائدة الاحتراز به تتوقف على كونه جزء العلّة، حتى لو لم يكن جزء كانت العلّة ماعداه، فالنقض حينئذ يكون وارداً عليها، وكونه من أجزاء العلّة يتوقّف على إمكان الاحتراز به عن النقض، وهو دور.

البحث الثاني: عدم التأثير

قيل 2: إنّه عبارة عن بقاء الحكم بدون ما فرض علّة. وهو قادح في العلّية ; لأنّ الحكم لما بقي بعد عدمه وكان موجوداً قبل وجوده، علمنا استغناءه عنه، والمستغني عن الشيء لا يكون معلّلاً به .
وهو حقّ إن فسّرنا العلّة بالمؤثر لا المعرِّف، لجواز تعريف السابق بالحادث كالعالم مع الباري تعالى .
وقيل: عدم التأثير أبدأ 3 في الدليل لا تأثير له البتة، بل يكون وصفاً طردياً كالطول والقصر والسواد والبياض، أو يكون وصفاً ثبت اعتباره بالإحالة أو الشبه لكن قد استغنى في إثبات الحكم بما عداه، كما يقال
في بيع الغائب مبيع غير مرئي، فلا يصح بيعه كالطير في الهواء والسمك
في الماء، فإنّ عدم الرؤية وإن اشتمل على نوع إحالة لكن قد اكتفي

1 . في الإحكام: لفائدة الاحتراز.
2 . القائل هو الرازي في المحصول: 2 / 375 .
3 . في «أ» و «د» بزيادة «أجزى».

صفحه 204
في إثبات الحكم في الأصل بدونه، وهو العجز عن التسليم .
وأقسامه أربعة 1:
الأوّل: عدم التأثير في الوصف، بأن يكون الوصف المأخوذ في الدليل طردياً لا مناسبة فيه ولا شبه، كما يقال في صلاة الصبح: صلاة لا يجوز قصرها، فلا تقدم في الأداء على وقتها كالمغرب، فإنّ عدم القصر وصف طردي بالنسبة إلى الحكم المذكور.
الثاني: عدم التأثير في الأصل بأن يكون الوصف قد استغني عنه في إثبات الحكم بغيره. كما قلنا في تعليل بيع الغائب بالجهالة قياساً على السمك في الماء، فإن عجز عن التسليم استقل بالحكم .
وقد اختلف في قبوله، فردّه أبوإسحاق الإسفرائيني ومن تابعه، لأنّه إشارة إلى علّة أُخرى في الأصل، ولا يمتنع تعليل الحكم بعلّتين .
ومنهم من قبله بناء على امتناع التعليل بعلّتين، وسيأتي.
الثالث: عدم التأثير في الحكم بأن يذكر في الدليل وصفاً لا تأثير له في الحكم المعلّل، كما في مسألة المرتدّين إذا أتلفوا ما لنا في دار الحرب: مشركون أتلفوا مالاً في دار الحرب فلا ضمان كالحربيّ فإنّ الإتلاف في دارالحرب طردي لا تأثير له في نفي الضمان ضرورة استواء الدارين في الإتلاف. وهذا يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم إن كان طردياً، أو إلى سؤال الإلغاء إن كان مؤثّراً.

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 89 .

صفحه 205
الرابع: عدم التأثير في محلّ النزاع، وهو أن يكون الوصف المذكور في الدليل لا يطرد في جميع صور النزاع، وإن كان مناسباً كما لو قال في مسألة ولاية المرأة: زوّجت نفسها من غير كفو فلا يصحّ نكاحها، كما لو تزوّجت من غير كفو، فإنّ تزويجها نفسها من غير كفو وإن كان مناسباً للبطلان غير أنّه لا يطّرد في جميع صور النزاع من حيث إنّ النزاع وقع في التزويج من كفو وغيره .
واختلف في قبوله أيضاً، فردّه قوم بناء على منع جواز الفرض في الدليل مطلقاً، وقبله من لم يمنع، وفصّل آخرون فقالوا: كلّ فرض جعله المستدلّ وصفاً في العلّة مع اعترافه بطرده فهو مردود، وإن لم يكن كذلك فهو مقبول .
وإذا بطل القسم الرابع وهو عدم التأثير في محلّ النزاع، ورجع حاصل الثالث وهو عدم التأثير في الحكم إلى عدم التأثير في الوصف أو الإلغاء، لم يبق سوى عدم التأثير في الوصف وهو الأول، وعدم التأثير في الأصل وهو الثاني. والأوّل راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف، وسؤال المطالبة يغني عنه، وجوابه جوابه فلا يجتمعان، وعدم التأثير في الأصل يرجع إلى المعارضة في الأصل، وجوابه جوابه .
وبعد هذا كلّه فقد يكون أخذ الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مقيداً بأن يكون مشيراً إلى نفي المانع الموجود في صورة النقض، أو وجود الشرط الفائت فيها، لقصد دفع النقض، أو مشيراً إلى قصد الفرض

صفحه 206
في الدليل في بعض صور النزاع، كما في مثال أخذ الإتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، ولا يكون عديم التأثير، إذ هو غير مستغن عنه في إثبات الحكم، إمّا لقصد دفع النقض، أو لقصد الفرض.

البحث الثالث: في العكس

العكس لغة ردّ أوّل الأمر إلى آخره وآخره إلى أوّله، وأصله شدّ رأس البعير بخطامه إلى ذراعه .
وعند قوم: جعل المحكوم عليه محكوماً به والمحكوم به محكوماً عليه مع بقاء الكيف .
وأمّا في اصطلاح الفقهاء والأُصوليّين فإنّه يطلق على معنيين 1:
الأوّل: كقول الحنفي: لمّا لم يجب القتل بصغير المثقل لم يجب بكبيره بدليل عكسه في المحدود. وهو أنّه لما وجب بكبير الجارح وجب بصغيره، وهو باطل لإمكان إيجاب القصاص بكلّ جارح وبالكبير من المثقل خاصّة.
الثاني: انتفاء الحكم عند انتفاء العلّة وقبل أن يحصل مثل ذلك الحكم في صورة أُخرى لعلّة تخالف العلّة الأُولى .
والمراد هنا أحد هذين، وقد اختلفوا في اشتراطه في العلل :
فقالت المعتزلة كافّة: إنّ العكس غير واجب في العلل العقلية

1 . ذكرهما الآمدي في الإحكام: 3 / 257 .

صفحه 207
والشرعية، لاشتراك المختلفات في كون كلّ واحد منها مخالفاً للآخر، وهذه المخالفة من لوازم المهية واشتراك اللوازم مع اختلاف الملزومات يعطي عدم الاشتراط، وأمّا في الشرعيات فسيأتي الدلالة على جواز تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة في الشرعيات، وهو يقتضي عدم اعتبار العكس.
والأشاعرة 1 أوجبوا العكس في العلّة العقلية دون الشرعية، وقيل: جنس الحكم المعلل إن لم يكن له سوى علّة واحدة، كتعليل جنس وجوب القصاص في النفس بالقتل العمد العدوان، فإنّه لا علّة له سواء، لزم من انتفاء علّته انتفاؤه لا من حيث استلزام نفي العلّة الواحدة نفي الحكم، بل لأنّ الحكم لابدّ له من دليل، ولا دليل .
وإن كان معلّلاً بعلل في كلّ صورة بعلّة; كما في إباحة الدم بالقتل العمد العدوان، والردّة عن الإسلام، والزنا في الإحصان، وقطع الطريق، وكذا نواقض الوضوء، لم يلزم من نفي بعض العلل نفي جنس الحكم، لجواز وجود علّة أُخرى وإنّما يلزم بتقدير انتفاء جميع العلل.
هذا حكم جنس الحكم المعلّل.
وأمّا آحاد أشخاص الحكم في آحاد الصور فإنّه يمتنع تعليله بعلّتين، بل بعلّة واحدة على البدل، فلا يلزم من نفي العلّة المعينة نفيه لجواز وجود بدلها .

1 . راجع الإحكام: 3 / 256 ـ 257 .

صفحه 208
لا يقال: العلّة كالدليل العقلي، وكما لا يلزم من نفي الدليل نفي المدلول كذا لا يلزم من نفي العلّة الواحدة نفي الحكم .
لأنّا نقول: نعني بانتفاء الحكم عند انتفاء علّة الواحدة نفي العلم به لا نفيه في نفسه.
وفيه نظر، لرجوع هذا على طوله إلى اختيار عدم العكس .
واعلم أنّ المستدلّ لو سلّم وحدة العلّة ثمّ وجد الحكم دونها لزم الانتقاض .

البحث الرابع: في القلب

وفيه مطالب:

الأوّل: ماهيّة القلب

] وماهيّته: [ أن يعلّق على العلّة المذكورة في قياس نقيض الحكم المذكور فيه، ويردّ إلى ذلك الأصل بعينه. وإنّما شرطنا اتّحاد الأصل; لأنّه لو رد إلى أصل آخر لكان حكم ذلك الأصل الآخر إن كان حاصلاً في الأوّل كان ردّه إليه أولى، لأنّ المستدلّ لا يمكنه منع وجود تلك الصلة فيه، ويمكنه منع وجودها في أصل آخر.
في أقسام القلب   
وإن كان غير حاصل، كان أصل القياس الأوّل نقضاً على تلك العلّة، لأنّ ذلك الوصف حاصل فيه مع عدم الحكم.

صفحه 209
 
المطلب الثاني: في أقسامه
وهي اثنان 1:
الأوّل: قلب الدعوى
الثاني: قلب الدليل
أمّا الأوّل فضربان: أ. أن يكون الدليل مضمراً فيها ; كقول الأشعري: اعلم أنّ كلّ مرئي موجود، فهو دعوى يشتمل على إضمار الدليل .
وتقديره، لأنّه موجود، لأنّ الوجود هو مصحّح الرؤية عنده .
فيقول المعتزلي: اعلم بالضرورة أنّ كلّ ما ليس في جهة لا يكون مرئياً، فهو دعوى يقابل الأُولى من حيث إنّ الموجود ينقسم إلى ما هو في جهة، وإلى ما ليس في جهة .
فالقول بأنّ ما ليس في جهة غير مرئي يقابل: انّ كلّ موجود مرئي. ودليله مضمر فيه. وتقديره: أنّ انتفاء الجهة مانع من الرؤية.
ب. أن لا يكون الدليل مضمراً فيها، كقولنا: اعلم بالضرورة أنّ النظر يفضي إلى العلم .
فيقول المعترض: اعلم بالضرورة أنّ النظر لا يفضي إلى العلم. وهذا هو مقابل الفاسد بمثله، والمقصود منه استنطاق المدعي باستحالة دعوى

1 . ذكرهما الآمدي في الإحكام: 4 / 110 .

صفحه 210
الضرورة من خصمه في محل الخلاف، فيقال: وهذا لازم لك أيضاً .
وقد أورد في هذا الباب قلب الاستبعاد في الدعوى. كقول الشافعي في مسألة إلحاق الولد بأحد الأبوين المدّعيين له: تحكيم الولد في ذلك تحكم بلا دليل .
فقال الحنفي: وتحكيم القائف في ذلك أيضاً بغير دليل والمقصود منه استنطاق المدّعي بأن ما ذكره ليس بتحكّم، بل له مأخذ صحيح، فيقول المعترض: وكذا ما ذكرته، وهو بعيد، لأنّ المعترض وإن عرف بأنّ ما ذهب إليه تحكّم لم تغن معارضته للمستدلّ بتحكّمه في مذهبه في إبطال دعواه تحكّم في مذهب خصمه. وان يبين مأخذه فيه فهو الجواب ولا حاجة إلى القلب .
وأمّا قلب الدليل فهو أن يبيّن أنّ ما ذكره المستدلّ دليل عليه. فإمّا أن يسلّم المعترض ما ذكره المستدل من الدليل يدل له من وجه، أو يبيّن انتفاء الدلالة من كلّ وجه .
والثاني قلّ أن يوجد مثاله في غير النصوص، وهو كما لو استدلّ في توريث الخال بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الخال وارث من لا وارث له».1
فيقول المعترض: المراد نفي توريث الخال بطريق المبالغة، كقولنا: الجوع زاد من لا زاد له والصبر حيلة من لا حيلة له. ومعناه نفي كون الجوع

1 . سنن الترمذي: 3 / 285 برقم 2186 ; سنن الدارمي: 2 / 380 ; سنن الدارقطني: 4 / 49 برقم 4076 ; كنز العمال: 11 / 5 برقم 30378 وص 14 برقم 30417.

صفحه 211
زاداً والصبر حيلة. وهو قلب في دلالة الألفاظ ببيان أنّ اللفظ يدلّ على المستدلّ لا له. قالوا: ولولا ذلك لكان اللفظ متناقضاً حيث إنّ الخال وارث وقد وصف مورثه بأنّه لا وارث له. ولا يمكن حمله على نفي ما عداه من الوارث، فإنّه يرث عند هذا القائل مع الزوج والزوجة، ولا على نفي العصبات، فإنّ بنت الأخ وغيرها من ذوي الأرحام كذلك، فالتخصيص يكون عبثاً. ومن قلب الألفاظ أيضاً أن يبين أنّه يدلّ على مناقضة مذهبه أيضاً مع تسليم صلاحية دلالته على مذهب المستدل، كقول الحنفي في نصيب الساحة «لا ضرر ولا إضرار» فيقلب ذلك في حق المالك فإن قطع اختصاصه من العين المملوكة إضرار به ومن ضرورة دلالته على نفي الضرر عن المالك دلالته على نقيض مذهب المستدل وهذا الضرب في الرتبة دون الأوّل وهما مختصان بالظواهر ولا اتحاد لهما .
امّا الأوّل فلأنّه مركب من بيان عدم الظهورية 1 وبيان دلالته على نقيض مذهبه، وحاصل أحدهما يرجع إلى منع الظهورية2، وحاصل الآخر إلى المعارضة وفيهما ضعف.
وأمّا الثاني فحاصله يرجع إلى المعارضة أيضاً وفيه كلام وان سلم المعترض أنّ ما ذكره المستدلّ يدل له من وجه فهو غير قلب دلالات ألفاظ، بل هو قلب العلل وأقسامه ثلاثة 3:
الأوّل: أن يتعرّض المعترض في القلب لتصحيح مذهبه.

1 . في «ب» و «د»: الظهور به .
2 . في «ب» و «ج»: الظهور به.
3 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 113.

صفحه 212
الثاني: ان يتعرّض لإبطال مذهب المستدلّ صريحاً بأن يجعله حكماً للدليل بلا واسطة.
الثالث: أن يتعرّض لإبطال مذهب المستدل التزاماً.
فالأوّل: كقول الحنفي في مسألة الاعتكاف: لبث محض فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة .
فيقول المعترض: لبث محض فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة. فالحكمان المذكوران في الأصل والقلب لا يتنافيان في الأصل ويتنافيان في الفرع، وكلّ منهما قد تعرض في دليله لتصحيح مذهبه، إلاّ أنّ المستدلّ أشار بعلّيته إلى اشتراط الصوم بطريق الإلزام، والمعترض أشار إلى نفي اشتراطه صريحاً .
وعند التحقيق فتعليل المستدل في هذا المثال لنفي القربة ليس تعليلاً بمناسب يقتضي نفي القربة، بل بانتفاء المناسب من حيث إنّ اللبث المحض لا مناسبة فيه البتة للقربة. وتعليل المعترض بأمر طردي فإنّه لا مناسبة في اللبث المحض لنفي اشتراط الصوم .
وقد يتّفق أن يكون كلّ من المعترض والمستدلّ قد تعرض لتصحيح مذهبه صريحاً، كقولنا: طهارة تراد لأجل الصلاة فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث .
فيقول المعترض: طهارة تراد لأجل الصلاة فتصحّ بغير الماء كطهارة

صفحه 213
الحدث، فقد تعرض كلّ منهما في الدليل لتصحيح مذهبه صريحاً والعلّة في الطرفين شبيهة.
وأمّا الثاني: فكقول الحنفي في مسح الرأس: عضو من أعضاء الوضوء، فلا يكفي فيه أقلّ ما ينطلق عليه الاسم كسائر الأعضاء .
فيعارض بأنّه عضو من أعضاء الوضوء، فلا يعتذر بالربع كسائر الأعضاء. وهذان الحكمان لا يتناقضان لذاتيهما، لأنّهما حصلا في باقي الأعضاء، بل يتنافيان في الفرع بواسطة اتّفاق الخصمين، فكلّ منهما قد صرّح في دليله بإبطال مذهب خصمه، وليس فيه ما يدل على تصحيح مذهب أحدهما، إذ لا يلزم من إبطال مذهب الخصم تصحيح مذهبه، لإمكان أن يكون الصحيح مسح الجميع كقول مالك.
نعم لو انحصر القول في مذهبين واتّفق الناس على بطلان الثالث، لزم من تعرض كلّ منهما بإبطال مذهب خصمه تصحيح مذهبه.
وأمّا الثالث: فكقول الحنفي في بيع الغائب عقد معاوضة فيصحّ مع الجهل بالعوض كالنكاح .
فيقول الشافعي: عقد معاوضة فلا يشترط فيه خيار الرؤية، كالنكاح.
وهذان الحكمان غير متنافيين في الأصل، لأنّه اجتمع في النكاح الصحّة وعدم الخيار، لكن لا يمكن اجتماعهما في الفرع. فالمعترض لم يصرّح بإبطال مذهب المستدلّ في القول بالصحّة، بل بطريق الالتزام، فإنّ القائل بالصحّة قائل بخيار الرؤية، فالخيار لازم الصحّة، فإذا انتفي انتفى

صفحه 214
الملزوم ومنع بعضهم من قبول هذا النوع من القلب، لأنّ دلالة الوصف على ثبوت الحكم لا بواسطة أظهر من دلالته على انتفاء الحكم بواسطة .
ويلحق بالثالث قلب التسوية. كقول الحنفي في إزالة النجاسة بالمايع طاهر مزيل للعين والأثر فتحصل به الطهارة كالماء .
فيعارض بأنّه مائع طاهر مزيل للعين والأثر فيستوي فيه طهارة الحدث والخبث كالماء، فإنّه يلزم من القول بالتسوية في الخل بين طهارة الحدث والخبث عدم حصول الطهارة بالخل في الخبث لعدم حصولها به في الحدث والحكم التسوية .
وكقوله في طلاق المكره: مكلّف مالك للطلاق فيقع طلاقه كالمختار، فيقول القالب: فيجب أن يستوي حكم إيقاعه وإقراره كالمختار .
وقدح بعضهم فيه بأنّ الحاصل في الأصل اعتبارهما معاً وفي الفرع عند القالب عدم وقوعهما معاً، فكيف تتحقّق التسوية ؟
وجوابه: أنّ عدم الاختلاف بيّن الحكمين حاصل في الفرع والأصل، لكن في الفرع في جانب العدم، وفي الأصل في جانب الثبوت، وذلك لا يقدح في الاشتراك في أصل الاستواء .
وأعلى مراتب القلب ما بين فيه أنّه يدلّ على المستدلّ ولا يدلّ عليه، ثم يليه النوع الثاني وهو ما بيّن فيه أنّه يدل له وعليه.
وأعلى مراتب هذا النوع ما صرّح فيه بإثبات مذهب المعترض، وهو القسم الأوّل منه .
   
ثمّ ما صرّح فيه بإبطال مذهب المستدل فإنّه دون ما قبله من حيث إنّه

صفحه 215
لا يستلزم تصحيح مذهبه كما تقدّم، وهو القسم الثاني منه .
الثالث فإنّه وإن شارك ما قبله من القسم الثاني في إبطال مذهب المستدلّ، إلاّ أنّه يدلّ عليه بطريق الالتزام وما قبله بصريحه .
وهذا النوع من القلب لا تعرض فيه لدلالة المستدل بالقدح، بل غايته بيان دلالة أُخرى منه تدلّ على نقيض مطلوبه، فكان شبيهاً بالمعارضة، وإن فارقها من جهة أنّه معارضة نشأت من نقيض 1 دليل المستدل.

المطلب الثالث: في أنّه مقبول أم لا

اختلف الناس في ذلك فردّه قوم لوجهين2:
الأوّل: الحكم الّذي علّقه القالب على العلّة لابد وأن يكون مخالفاً للحكم الّذي علّقه القائس عليها ; وإلاّ لكان تكريراً في اللفظ. ثمّ الحكمان إن أمكن اجتماعهما لم يقدح في العلّة، لإمكان تعدّد المعلول ; وإن لم يمكن اجتماعهما فهو محال، لوجوب اتحاد أصلي القالب والقائس، والصورة الواحدة يمتنع أن يحصل فيها حكمان متنافيان.
الثاني: العلّة المستنبطة يجب أن تكون مناسبة للحكم، ويمتنع مناسبة الوصف الواحد لحكمين متناقضين فيجب أن يكون طردياً بالنسبة إلى أحدهما ; فإن كان طردياً بالنسبة إلى علّة المستدل، فالقياس باطل فلا

1 . في الإحكام: 4 / 115: «نفس ».
2 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 376.

صفحه 216
حاجة إلى القلب ; وإن كان بالنسبة إلى ما استند إليه المعترض، فهو باطل أيضاً.
وأُجيب عن الأوّل: بأنّ هنا احتمالاً آخر وهو: أن لا يكون الحكمان متنافيين فيصحّ اجتماعهما في الأصل، ودلّ أمر خارج على تنافيهما في الفرع، فإذا بيّن القالب أنّ الوصف الحاصل في الفرع ليس بأن يقتضي امتناع أحد الحكمين أولى من الآخر، كان الأصل شاهداً لهما بالاعتبار، لما بيّنّا من عدم المنافاة بينهما في الأصل. ويقتضي امتناع حصول الحكم في الفرع لما أنّه ليس حصول أحدهما أولى من الآخر، وقد قامت الدلالة على امتناع حصولهما في الفرع. وهذا كما أنّه جواب فهو صالح للدلالة على إمكان القلب.
وعن الثاني: أنّ المناسبة لا تكون حقيقية، بل إقناعية، فبالقلب ينكشف أنّها ما كانت حقيقية. والحقّ القبول، لأنّه نوع معارضة اشترك فيه الأصل والجامع فكان أولى بالقبول.

المطلب الرابع: في مناسبته للمعارضة

القلب معارضة إلاّ في شيئين1:
الأوّل: لا يمكن فيه الزيادة في العلّة بخلاف سائر المعارضات.
الثاني: لا يمكن منع وجود العلّة في الفرع والأصل لاتّحاد أصله مع

1 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 377 .

صفحه 217
أصل المستدلّ، وكذا فرعه مع فرعه. وأمّا سائر المعارضات فيمكن فيها ذلك التغاير، ولا فرق بينهما فيماعدا هذين الوجهين .
فعلى هذا للمستدلّ منع حكم القالب في الأصل وأن يقدح في تأثير العلّة فيه بالنقض، وعدم التأثير، وأن يقول بموجبه أمّا إذا أمكنه بيان اللازم من ذلك القلب لا ينافي حكمه، وأن يقلب قلبه إذا لم يكن قلب القلب مناقضاً للحكم، لأنّ قلب القالب إذا فسد بالقلب الثاني سلم أصل القياس من القلب.

المطلب الخامس: في القول بالموجب

وهو تسليم ما جعله المستدلّ حكماً لعلّته مع بقاء الخلاف .
ومهما توجّه على هذا الوجه كان المستدلّ منقطعاً، لظهور أنّ ما ذكره من الدليل لم يكن متعلّقاً بمحلّ النزاع وهو أقسام:
الأوّل: أن ينصب المستدلّ دليله على تحقيق مذهبه، وما نقل عن إمامه. كقول الشافعي في الملتجئ إلى الحرم وجد سبب جواز استيفاء القصاص فجاز استيفاؤه. فيقول الخصم: أقول بموجب هذا الدليل وانّ استيفاءه القصاص عندي جائز، وإنّما النزاع في جواز هتك حرمة الحرم.
الثاني: أن ينصب دليلاً على إبطال ما يظنه مدركاً لمذهب خصمه. كما لو قال في مسألة القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع من وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه. فيقول الخصم: أقول

صفحه 218
بموجب هذا الدليل وانّ التفاوت في الوسيلة لا يمنع من التفاوت في المتوسل إليه ; إنّما النزاع في وجوب القصاص .
ولا يلزم من إبطال ما ذكر من الموانع إثبات وجوب القصاص، لجواز انتفاء المقتضي لذلك، أو وجود المانع، أو فوات شرط .
وورود هذا النوع أغلب من الأوّل في المناظرات، فإنّ خفاء المدارك أغلب من خفاء الأحكام، لكثرة المدارك وتشعّبها وعدم الاطّلاع على معرفة ما هو دليل الخصم، بخلاف الأحكام، لقلة الذّهول عنها .
ولهذا يشترك الخواص والعوام في معرفة الحكم المنقول دون معرفة المدارك، فاحتمال الخطأ في اعتقاد كون المدرك المعيّن هو مدرك الإمام أقرب من احتمال الخطأ فيما ينسب إلى الإمام من الحكم المدلول عليه.
واختلف الجدليون فقال قوم: يجب تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب في هذا النوع، لاحتمال أن يكون هذا المأخذ عنده، فإذا علم عدم تكليفه بإبداء المأخذ عند إيراد القول بالموجب، فقد يعاند قول ذلك مع قصد إيقاف كلام خصمه، ولا كذلك إذا أوجب عليه بيان المأخذ فكان أفضى إلى انتفاء الخبط .
ومنعه آخرون إذ لا وجه لتكليفه بذلك بعد قيامه بشرائط القول بالموجب، وهو استبقاء محل النزاع. وهو الأظهر، لأنّه عاقل متديّن، وهو أعرف بمأخذ إمامه، وظاهر حاله الصدق فوجب تصديقه في ما ادّعاه .

صفحه 219
ثمّ لو أوجبنا ذكر المأخذ فإن منعنا المستدلّ من إبطاله والاعتراض عليه انتفت فائدة ذكر المأخذ لإمكان ادّعاء ما لا يصلح للتعليل ترويجاً لكلامه لوثوقه بامتناع ورود الاعتراض عليه .
وإن مكنّاه لزم انقلاب المعترض مستدلاً وبالعكس، واشتماله على الخبط ظاهر.
الثالث: أن يسكت المستدلّ عن الصغرى غير مشهورة، مثل ما ثبت قربه فشرطه النية كالصلاة ويحمل قوله: والوضوء قربة. فيقول المعترض: أقول بالموجب وأمنع من إيجاب النية في الوضوء ولو ذكرها المستدلّ لم يكن للمعترض إلاّ المنع. فقول الجدليّين في الثلاث انقطاع أحدهما صحيح في الأوّلين لما ذكرمن توجيهها عليه، وبعيد في الثالث لاختلاف المرادين، فلا يرد النفي والإثبات على محل واحد، لأنّ أحدهما أراد بالقربة غير ما أراد به الآخر. وحينئذ يصير النزاع لفظياً .
وجواب القول بالموجب بالاعتبار الأوّل من وجوه 1:
الأوّل: أن يقول المسألة مشهورة بالخلاف فيما فرضت فيه الكلام إن أمكن والشهرة بذلك دليل وقوع الاختلاف فيه.
الثاني: أن يبيّن لزوم محلّ الخلاف فيما فرض فيه الكلام .
كما لو قال: لا يجوز قتل المسلم بالذمّي.
فيقول المعترض: أقول بالموجب، لأنّه يجب، والواجب ليس بجايز.

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 118 .

صفحه 220
فيقول المستدلّ: عنيت بقول: لا يجوز التحريم، ويلزم من ذلك نفي الوجوب لاستحالة لزوم التبعية بفعل الواجب.
الثالث: أن يقول المستدل: القول بالموجب فيه تغيير كلامي عن ظاهره فلا يكون قولاً بموجبه .
كما لو قال المستدل في زكاة الخيل: حيوان يجوز المسابقة عليه فوجبت فيه الزكاة كالإبل .
فيقول المعترض: عندي يجب فيه زكاة التجارة، والنزاع إنّما هو في زكاة العين.
فيقول المستدل: إذا كان النزاع في زكاة العين، فظاهر كلامي منصرف إليها لقرينة الحال; ولظهور عود الألف واللام في الزكاة إلى المعهود .
وأيضاً لفظ الزكاة يعمّ العين والتجارة، فالقول به في زكاة التجارة قول بالموجب في صورة واحدة، وهو غير متّجه، لأنّ موجب الدليل التعميم فالقول ببعض الموجب لا يكون قولاً بالموجب، بل ببعضه .
وكذا في مسألة إزالة النجاسة: مايع لا يزيل الحدث فلا يزيل الخبث، كالمرق .
فيقول المعترض: أقول بموجبه، فإنّ الخل النجس لا يزيل الحدث ولا الخبث .
فيقول المستدلّ: ظاهر كلامي إنّما هو الخل الطاهر، ضرورة وقوع

صفحه 221
النزاع فيه ; وإيراد القول بالموجب على وجه يلزم منه تغيير كلام المستدلّ عن ظاهره، لا يكون قولاً بموجبه، بل بغيره فلا يكون مقبولاً .
والجواب عن القول بالموجب بالاعتبار الثاني من وجوه1:
الأوّل: أن يكون المستدلّ قد أفتى بما يقع مدلولاً لدليله وفرض المعترض الكلام معه فيه، وطالبه بالدليل عليه، فإذا قال بالموجب بعد ذلك فقد سلّم ما وقع النزاع فيه ; وأفسد عليه القول بالموجب، بالمطالبة بالدليل عليه أوّلاً .
وبمثل هذا يمكن أن يجاب عن القول بالموجب بالقول بالاعتبار الأوّل.
الثاني: أن يبيّن أنّ المسح الماخذ ويبين اشتهاره بين النظّائر.2
الثالث: أن يبيّن أنّ محل النزاع لازم من مدلول دليله إن أمكن بأن يكون المعترض قد ساعد على وجود المقتضي لوجوب القصاص، وكانت الموانع الّتي يوافق المستدلّ عليها مرتفعة، والشروط متحقّقة، فإذا أبطل كون المانع المذكور مانعاً لزم منه الحكم المتنازع فيه.
وعن الثالث بأنّ الحذف لإحدى المقدّمتين شائع ودليلي 3 عبارة عن مجموعهما.

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 119 .
2 . كذا في النسخ الّتي بأيدينا، وفي الإحكام: 4 / 120 العبارة كما يلي: الثاني: أن يبيّن أنّ لقب المسألة مشهور بذلك بين النظّار.
3 . في «ج» و «د»: ودليل .

صفحه 222
 
المطلب السادس: في الفرق
والكلام فيه مبني على جواز تعليل الحكم الواحد بعلّتين وعدمه.
واختلف في ماهيته فقال بعضهم: إنّه لا يخرج عن المعارضة في الأصل أو الفرع .
وعند بعض القدماء: انّه عبارة عن مجموع الأمرين، حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقاً .
ولهذا اختلفوا فمنهم من قال: إنّه غير مقبول لما فيه من الجمع بين أسئلة مختلفة. وهي المعارضة في الأصل والمعارضة في الفرع .
ومنهم من قال بقبوله، واختلفوا مع ذلك في كونه سؤالين أو سؤالاً واحداً .
فقال ابن سريج: إنّه سؤالان، وجوّز الجمع بينهما لكونه أدلّ على الفرق .
وقال غيره: بل سؤال واحد لاتّحاد مقصوده، وهو الفرق وإن اختلفت صيغته .
   
وقال بعض القدماء: ليس هذا سؤال الفرق، وإنّما هو عبارة عن بيان معنى في الأصل له مدخل في التأثير، ولا وجود له في الفرع فيرجع حاصله إلى بيان انتفاء علّة الأصل في الفرع، وبه ينقطع الجمع .
وجوابه على كلّ التقادير لا يخرج عمّا ذكرناه في جواب المعارضة في الأصل والفرع. وسيأتي باقي الاعتراضات إن شاء الله تعالى.

صفحه 223
 
الفصل الخامس:

فيما يصحّ التعليل به وما يمتنع

وفيه مباحث:

الأول: في التعليل بعلّتين

وفيه مطلبان:

الأوّل: في جواز ذلك في المنصوصة

لا خلاف في جواز تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلل متعددة في كلّ صورة بعلّة، وإنّما الخلاف فيما إذا اتحدّ المحل .
أمّا في المنصوصة فقد جوّزه الأكثر 1، ومنع منه القاضي أبو بكر والجويني .
احتجّ الأوّلون 2 بأنّ القتل والردة والزنا كلّ واحد لو انفرد كان

1 . وأيّده الغزّالي في المستصفى: 2 / 364، الباب الرابع: في أركان القياس، قائلاً: اختلفوا في تعليل الحكم بعلّتين، والصحيح عندنا جوازه، لأنّ العلّة الشرعية علامة، ولا يمتنع نصب علامتين على شيء واحد، وإنّما يمتنع هذا في العلل العقلية. ودليل جوازه وقوعه، فإنّ من لمس ومس وبال في وقت واحد ينتقض وضوؤه ولا يحال على واحد من هذه الأسباب.
2 . وهو قول الرازي في المحصول: 2 / 380 .

صفحه 224
مستقلاًّ بحلّ القتل، وهي غير متضادة، فيصحّ اجتماعها. وحينئذ إذا وجدت دفعة كان حل الدّم مستنداً إليها كلّها لعدم الأولوية. فإمّا أن لا يصدر عن شيء منها الإباحة وهو خلاف الإجماع، أو عن الكلّ وهو المطلوب. وكذا من أحدث أمرين دفعة وجب الوضوء بهما، وثبوت الولاية على الصغير المجنون، وتحريم الوالدة المرضعة، وتحريم وطء الحائض المعتدة المحرمة، ونظائره كثيرة.
والاعتراض من وجوه 1: الأوّل. لا نسلّم وحدة الحكم، فإن حلّ القتل بسبب الردّة غيرُ حلِّهِ بسبب القتل. فإنّ الأوّل يسقط بالتوبة دون الثاني، والثاني يسقط بعفو الولي دون الأوّل. وإذا تغايرت علّة العدم تغايرت علّة الوجود بالضرورة، لأنّها هي هي لا أنّها إذا حضرت اثرت الوجود وإن عدمت اثرت العدم. ولأنّ القتل المستحق بسبب الجناية يجوز لولي الدم العفو عنه والمستحق بسبب الردة لا يتمكّن الولي من إسقاطه وهو يدلّ على تغاير الحكمين.
الثاني: سلّمنا وحدة الحكم لكن نمنع اقتران العلل دفعة، بل لابد وأن يتقدّم أحدها فيحال الحكم عليه.
في جواز التعليل في المنصوصة   
الثالث: سلمنا الاقتران لكن يجوز اشتراكها بأسرها في أمر واحد هو العلّة، فتكون العلّة واحدة.
الرابع: سلّمنا عدم الاشتراك لكن يجوز أن يكون شرط كون كلّ

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 380 ـ 381 .

صفحه 225
واحد علّة مستقلّة انتفاء الغير، فإذا وجدَ الغير زال شرط الاستقلال بالعلّيّة، فلا يكون كلّ واحد منها علّة تامّة عند الاجتماع، بل يصير كلّ واحد عند الاجتماع جزء العلّة، والمجموع العلّة التامّة.
الخامس: سلّمنا، لكن يجوز أن يكون البعض أولى كجهة الجناية فإنّ التعليل بها أولى من التعليل بالردّة، لأنّ حق الآدمي مقدّم، لأنّه مبني على الشح والمضايقة، وحقّ الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة من حيث تضرر الآدمي بفوات حقّه دون الله تعالى .
والطهارة عن الاحداث متعدّدة، ولهذا لو نوى رفع أحدها ارتفع خاصة عند بعض الفقهاء .
وثبوت الولاية على الصغير المجنون مستنداً إلى الصغر لسبقه على الجنون لعدم العلم به إلاّ بعد حين .
وتحريم نكاح الوالدة المرضعة مستنداً إلى الولادة دون الرضاع لسبقها عليه .
والوطء في حقّ الحائض المعتدة المحرمة غير محرم على التحقيق، وإنّما المحرم في حق الحائض ملابسة الأذى، وفي حق المعتدة
تطويل العدة، وفي حق المحرمة إفساد العبادة، وهي أحكام متعدّدة لا حكم واحد .
والجواب عن الأوّل1. انّ إبطال حياة الشخص الواحد أمر واحد،

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 382 .

صفحه 226
وهو إمّا ممنوع عنه شرعاً بوجه ما، أو لا. والأوّل حرمة، والثاني حل; فإذا كانت الحياة واحدة فالإزالة أيضاً واحدة، والإذن فيها أيضاً واحد .
لا يقال: يجوز أن يكون الفعل الواحد حراماً من وجه وحلالاً من وجه، فجاز أن يتعدّد الحل لتعدُّد جهاته، فيكون الشخص الواحد مباح الدم من حيث إنّه مرتدّ، ومن حيث إنّه زان، ومن حيث إنّه قاتل .
لأنّا نقول: القول بأنّ الفعل حلال من وجه حرام من آخر غير معقول، لأنّ معنى الحل قول الشرع: مكّنتك من هذا الفعل ولا تبعة عليك في فعله أصلاً، وهذا المعنى إنّما يتحقّق إذا لم يكن وجه يقتضي المنع أصلاً، بل ليس من شرط الحرمة أن يكون حراماً من جميع جهاته ; لأنّ الظلم حرام مع أنّ حدوثه وعرضيته وكونه حركة لا يقتضي الحرمة. وإذا ثبت هذا فنقول حلّ الدم على هذا الوجه يستحيل أن يتعدّد، لأنّ هذا الإطلاق يستحيل أن يتعدّد، والعلم به ضروري .
وفيه نظر، لأنّا لو سلّمنا وحدة بطلان الحياة إلاّ أنّ إيقاعها متعدّد الجهات متكثّر الاعتبارات، فجاز أن يكون إيقاعها على وجه حراماً، كما لو أوقعه على وجه الظلم ; وأن يكون إيقاعها على وجه آخر مباحاً، كما لو أوقعه على وجه الزجر أو الاستيفاء. ولا ينافي هذا قول الشارع: مكنتك من هذا الفعل ولا تبعة عليك، لجواز أن يقول: أبحتك القتل على وجه الاستيفاء.
قوله: لو أسلم زال أحد الحلّين وهو يعطي التغاير .

صفحه 227
قلنا: لا نسلّم زوال أحد الحلّين، بل يزول كون ذلك الحلّ معلّلاً بالردّة فالزائل ليس الحل، بل وصف كونه معللاً بالردّة .
لا يقال: إذا كان ذلك الحل باقياً، سواء وجدت الردّة أو لا كان مستغنياً عن الردّة، والغني عن شيء لا يعلّل به .
لأنّا نقول: العلّة هنا بمعنى المعرِّف، فيزول الإشكال .
قوله: ولي الدم مستقل بإسقاط أحد الحلين .
قلنا: ممنوع، بل هو متمكّن من إزالة أحد الأسباب، فإذا زال ذلك السبب زال انتساب الحكم إليه، فأمّا زوال الحكم نفسه، فممنوع .
وفيه نظر، لأنّ الردة حينئذ لا تكون علّة في الإباحة، بل في وصف العلّة، لأنّ الزائل الثاني دون الأوّل، وهو غير محلّ النزاع لتعدّد المعلولات حينئذ.
وعن الثاني1: بأنّه مكابرة لعدم المنافاة بين هذه الأُمور فيصحّ اجتماعها، ونحن نبني الكلام على تقدير وقوع ذلك الجائز.
وفيه نظر، لأنّ المانع من تعليل الحكم الواحد بعلل مختلفة نمنع عدم المنافاة بينها، ولا يكون مكابراً في عدم الاجتماع لاستلزامه أمراً محالاً.
وعن الثالث (2): بالإجماع على أنّ الحيض من حيث إنّه حيض مانع

1 و 2 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 383 .

صفحه 228
من الوطء، وكذا العدة والإحرام ; فالقول بأنّ العلّة هي ] القدر [المشترك خلاف الإجماع. ولأنّ الحيض وصف حقيقي، والعدّة أمر شرعي، والأمر الحقيقي لا يشارك الشرعي إلاّ في عموم كونه أمراً، فلو كان هذا القدر هو العلّة لمنع الوطء لا ينتقض بمالا يتناهى من الأُمور .
وفيه نظر، لمنع الإجماع على التعليل بالخصوصيات، فإنّ المانع لا يقول به، وكذا الثاني لأنّ العدّة وإن كانت أمراً شرعياً لكن ذلك لا يستلزم نفي الشركة بينهما وبين الحيض إلاّ في مطلق الأمر به، فجاز أن يكون بينهما قدر مشترك علم الشارع بصلاحيته للتأثير، فاسند الحكم إليه وعدم العلم بالوجدان ليس علماً بالعدم.
وعن الرابع 1: بالإجماع على أنّ الحيض يمنع من الوطء شرعاً، وهو يقتضي كونه علّة، سواء وجد القيد العدميّ الّذي هو عدم الإجزاء، أو لا.
وفيه نظر، لأنّ الاسناد إلى خصوصية الحيض إنّما كان لأصالة عدم غيره فتكون العلّة ثابتة مع حصول شرطها فيثبت التحريم .
واحتجّ الآخرون بوجوه2:
الأوّل: جواز تعليل الحكم الواحد بعلّتين يفضي إلى نقض العلّة، لأنّ الحكم إذا اجتمعت عليه علل متعدّدة فإذا وجد واحدة منها تعيّن حصول

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 383 .
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 381 .

صفحه 229
الحكم، فإذا وجدت الثانية بعد ذلك فإن أوجبت حكماً مثل الأوّل اجتمع المثلان، وإن أوجبت خلافه أو لم يوجب شيئاً لزم النقض، لوجود العلّة من دون ذلك الحكم.
الثاني: العلل الشرعية مؤثِّرة بجعل الشرع إيّاها مؤثِّرة، فإذا اجتمع على المعلول الواحد علّتان فإن أثّر كلّ واحدة منهما في بعض ذلك الحكم لزم ببعض الحكم، ولأنّه إخراج لكلّ منهما عن علّيّة ذلك الحكم، ولأنّ معلول كلّ منهما حينئذ غير معلول الأُخرى. وإن أثر في جميع الحكم لزم استغناؤه عن إحداهما، لأنّه لما وقع بإحداهما استحال وقوعه بالأُخرى لاستحالة إيقاع الواقع.
الثالث: العلّة لابد وأن تناسب الحكم، فلو تعدّدت علة الحكم الواحد لزم مناسبته لشيئين مختلفين، فيكون الواحد مساوياً لمختلفين، والمساوي للمختلفين مختلف، فالشيء الواحد يكون مخالفاً لنفسه، وهو محال.
وأُجيب عن الأوّل1. بأنّ الحكم الحاصل بالعلّة السابقة إنّما يمتنع حصوله باللاحقة إذا فسّرنا العلّة بالمؤثِّر .
أمّا إذا فسّرناها بالمعرِّف فلا.
وعن الثاني. بأنّه مبني على أنّ ما لا يكون مؤثّراً في الحكم لذاته يجعله الشارع مؤثراً فيه، وقد سبق بطلانه .

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 383 ـ 384 .

صفحه 230
وعن الثالث. لا نسلم أنّ المناسبة شرط العلّية.
سلّمنا لكن يجوز أن يشترك الحكمان في جهة واحدة، ثمّ إنّ العلّة تناسبهما بحسب ذلك الوجه الواحد.
وأيضاً فيه نظر، فإنّا لا نعني بالمناسبة المساواة في الماهية، بل إضافة الفعل الصالح لحصول المطلوب إلى حصول المطلوب .
وقد فرض الغزالي 1 الكلام في صورة واحدة تسقط عنها كثير من الأسئلة، وهي ما إذا جمعت بين لبن زوجة أخيك وأُختك وجعلته في حلق المرتضع دفعة واحدة فإنّها تحرم عليك، لأنّك خالها وعمها، ولا يتوجه في هذه أكثر الأسئلة.
   

المطلب الثاني: في أنّ المستنبطة هل يجوز تعدّدها؟

اختلف الناس في ذلك فجوّزه قوم، ومنع منه آخرون وهو المعتمد2 لوجوه:
الأوّل: من أعطى فقيهاً فقيراً قريباً احتمل أن يكون الداعي
الفقه خاصة، أو الفقر خاصّة، أو القرابة خاصّة، أو مجموعها، أو اثنين
منها، وهذه الاحتمالات الخمسة متنافية، لأنّ جعل الداعي الفقر لا
غير ينافي كون غيره داعياً، أو جزءاً منه. وإذا تنافت الاحتمالات، فإن

1 . وهو قول الغزّالي في المستصفى: 2 / 365 .
2 . وهو مختار الرازي في المحصول: 2 / 384 .

صفحه 231
بقيت متساوية، امتنع حصول ظن واحد منها على التعيين، فلا يجوز
الحكم بكونها علّة. وإن ترجّح بعضها، فذلك الترجيح يحصل بأمر وراء المناسبة والاقتران، لاشتراكه بين الخمسة. فإذن الراجح هو العلّة دون المرجوح.
الثاني: الصحابة أجمعوا على قبول الفرق ; لأنّ عمر لمّا شاور عبدالرحمن في قضية المجهضة قال: إنّك مؤدِّب ولا أرى عليك بأساً. فقال علي (عليه السلام): «إن لم يجتهد فقد غشّك، وإن اجتهد فقد أخطأ، أرى عليك الغرّة».1
وجه الاستدلال: أنّ عبدالرحمن شبّهه بالتأديب المباح، وأنّ علياً (عليه السلام)فرّق بينه و بين سائر التأديبات بأنّ التأديب الّذي يكون من جنس التعزيرات لا يجوز فيه المبالغة المنتهية إلى حد الإتلاف، وهو يدلّ على إجماعهم على قبول الفرق. وهو يقدح في جواز تعليل الحكم الواحد بعلّتين مستنبطتين.
الثالث: لوكان معلّلاً بعلّتين، فإن استقلت كلّ واحدة بالتعليل ومعنى استقلاله التعليل به دون غيره، فهو خلاف الفرض، وإن استقلت إحداهما خاصة، أو لم تستقل إحداهما، فالعلّة ليست إلاّ واحدة.
الرابع: لو جاز لما تعلّق الفقهاء في علّة الزنا بالترجيح، إذ من ضرورته صحّة الاستقلال .

1 . أُصول السرخسي: 1 / 304 ; المحصول: 2 / 384. ولم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

صفحه 232
اعترض بأنّهم تعرضوا للإبطال لا للترجيح، ولو سلّم فللإجماع على اتحاد العلّة هنا .
وأعلم أنّ القاضي أبابكر جوّز في المنصوصة دون المستنبطة، وهو قول الغزالي1، لأنّ المستنبطة تستلزم الحرمة 2 لدفع التحكم(3) ، فإن عيّنت بالنص رجعت منصوصة.
واعترض: بأنّه يثبت الحكم في أفرادها فيستنبط القائس3.
وقال آخرون: يجوز في المستنبطة دون المنصوصة، لأنّ المنصوصة قطعية والمستنبطة وهمية، فلا يجوز التعدّد في الأُولى كالعقلية، ويجوز في الثانية لتساوي إمكان التعليل بالنسبة إليهما، لأنّه لا يمكن أن لا يجعل شيء منهما علّة لبقاء الحكم بلا علة ولا أن يجعل الكلّ علّة واحدة لثبوت الاستقلال في محال افرادها، فتعيّن أن يجعل كلّ منهما علّة.
والجواب كما تقدم من أنّه لا يعد في المنصوصة، لأنّ كون المنصوصة قطعية لا ينافي اجتماعها، لأنّها أمارات .
وقال الجويني: إنّه جائز لكنّه لم يقع، لأنّه لو لم يكن تعليل الحكمين بعلّتين ممتنعاً شرعاً لوقع عادة ولو نادراً، لأنّه ممكن ولو وقع لعلم، ولكنّه لم يعلم فلا يكون واقعاً. وزعم أنّ هذا برهان قاطع واضح لكلّ أحد، وهو ممنوع بكثير من الوقائع الّتي وقعت ولم يعلم، وبعدم استلزام الإمكان الوقوع .

1 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 3 / 258 .
2 . في «ب»: الجزئية.   3 . في «أ»: الحكم.
3 . في «ب»: العكس، وفي «ج»: العاكس.

صفحه 233
واعلم أنّ القائلين بالوقوع اختلفوا فيما إذا اجتمعت، فقال قوم: إنّ كلّ واحد علّة مستقلة حالة الاجتماع كما لو انفردت، وقال آخرون: إنّها جزء العلّة، وقال قوم: إنّ العلّة واحدة لا بعينها .
احتجّ الأوّلون بأنّه لو لم يكن كلّ واحدة علّة فإمّا أن تكون العلّة هي المجموع أو واحدة منها لا بعينها، أو واحدة معيّنة.
والكلّ باطل ; أمّا الأوّل فلأنّ التقدير أنّ كلّ واحدة علّة مستقلّة فكيف يكون جزءاً؟!
وأمّا الثاني والثالث فلأنّه تحكّم محض.
واحتجّ الآخرون بأنّه لو كان كلّ واحد علّة لزم اجتماع المثلين، لاستلزام كلّ منهما حكماً مساوياً لما تستلزمه الأُخرى، ولأنّ الحكم إن ثبت بالجميع فالمطلوب، وإلاّ لزم التحكّم .
واحتجّ الفريق الثالث بأنّه لو لم تكن العلّة واحدة لا بعينها لزم إمّا أن تكون العلّة واحدة معيّنة وهو تحكم، أو كون العلّة المجموع وهو باطل، لأنّه يلزم كون كلّ واحد جزءاً، فيتعيّن المطلوب .
قال أبوالحسين1: إذا علّل حكم الأصل بعلّتين، فإمّا أن تكون أحداهما هي الدليل على حكم الأصل أو لا، بل يكون الدليل نصاً أو إجماعاً. والثاني يجوز أن يصحا معّاً، لأنّ العلّة إمّا أمارة ويجوز أن يدلّ على

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 267.

صفحه 234
الحكم أمارات، أو وجه مصلحة فجائز أن يكون الشيء صلاحاً من وجهين.
وإن كان إحداهما دليلاً على حكم الأصل فإمّا أن تكون دليل حكمه من غير أن يقاس بها على أصل آخر، أو بأن يقاس .
مثال الأوّل: ردّنا التطاول في الشهادة على السرقة إلى التطاول في الشهادة على الزنا في أنّ الحاكم لا يحكم بهما بعلّة أنّ كلّ واحد منهما حق من حقوق الله تعالى، وليست هذه العلّة هي الّتي لها لم يحكم الحاكم بالشهادة على الزنا إذا تطاول عهدها، لكن العلّة في ذلك أنّ الشهود على الزنا مخيّرون بين إقامة الشهادة بحق الله تعالى و بين الستر على المشهود عليه، فإذا أخّروا الشهادة علمنا أنّهم آثروا الستر على المشهود عليه فإذا شهدوا من بعد، تبيّنا أنّ عداوة تجددت لهم. والعداوة تتهم الشهود. و قد منع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبول شهادة العدو. فيظهر لنا أنّهم من ذوي العداوة، لا أنّا نقيسهم على ذوي العداوة. وهذه العلّة لا يمكن ذكرها في السرقة، لأنّه يجوز أن يكون الشهود إنّما أخّروا الشهادة، لأنّ المسروق منه أخّر المطالبة، فقد بان أنّ علّة حكم الأصل هو طريق الحكم. فجرت مجرى النصّ الدالّ على حكم الأصل، وكما يجوز أن تدلّ دلالة على أنّ لبعض أوصاف الأصل المنصوص على حكمه تأثيراً في ذلك الحكم، فيجعل علّته، ويقاس بها فرع من الفروع، جاز أيضاً في بعض ما ثبت حكمه لعلّة من العلل أن تدل دلالة على أنّ لبعض أوصافه تأثيراً في ذلك الحكم، فتجعل علّة فيه، ويقاس بها على الفروع .

صفحه 235
وأمّا الثاني وهو إذا كانت العلّة الّتي هي دليل حكم الأصل يقاس بها على ذلك الأصل على أصل آخر، فإن لم يمكن أن يقاس الفرع الآخر بتلك العلّة على الأصل الأوّل، فالخلاف فيه كالخلاف فيما تقدّم. وإن أمكن كرد الذرة إلى الارز بعلّة الكيل وردّ الارز إلى البر بهذه العلّة، تطويل لا فائدة فيه، لإمكان ردّ الذرة إلى البر بهذه العلّة.

البحث الثاني: في جواز تعدّد معلول العلّة الواحدة

العلّة قد يكون لها حكم واحد وهو ظاهر، وقد يكون لها أكثر من حكم واحد فإمّا أن تكون متماثلة، أو متضادّة، أو مختلفة غير متضادّة.
والأوّل إن كانت في ذات واحدة فهو محال، لاستحالة اجتماع المثلين، ومَن سوّغه سوّغ ذلك وإن تعدّد جاز، كالقتل الحاصل بفعل زيد وعمرو فإنّه يوجب القصاص على كلّ واحد منهما .
والثاني لا يخلو إمّا أن يتوقّف إيجابها لها على شرط أو لا. فإن توقّف فالشرطان إن لم يجتمعا جاز ذلك، فتكون العلّة موجبة لحكمين متضادّين عند حصول شرطين لا يجتمعان، كاقتضاء الجسمية الحركة عند الخروج عن المكان الملائم والسكون عند الحصول فيه .
وإن أمكن اجتماعهما، فهو محال، لأنّهما إذا اجتمعا فلم تكن العلّة باقتضاء أحدهما أولى من اقتضاء الآخر، فوجب أن تقتضيهما جميعاً، وهو محال، أو أن لا تقتضي واحداً منهما، فتخرج العلّة عن العلية، وبهذا يظهر بطلان عدم توقفها في اقتضائها المتضادين على شرط .

صفحه 236
وأمّا الثالث فإنّه جائز، كتحريم الصوم والصلاة ومسّ المصحف بالحيض، لأنّ العلّة إمّا بمعنى الباعث ولا امتناع في أن يكون الوصف الواحد باعثاً للشرع على حكمين مختلتفين، أي مناسباً لهما، كمناسبة شرب الخمر للتحريم ووجوب الحد، وكذا التصرف بالبيع من أهله في محلّه، فإنّه مناسب لصحّة البيع ولزومه .
أو بمعنى الإمارة ويمكن عقلاً وشرعاً نصب أمارة واحدة على حكمين مختلفين، كالحد والضمان في السرقة .
لا يقال 1 : إذا كان الوصف مناسباً لأحد الحكمين، فمعناه أنّه لو رتب ذلك الحكم عليه لحصل مقصوده، فحينئذ يمتنع أن يكون مناسباً للحكم الآخر، لأنّه لو ناسبه لكان بمعنى أن ترتيبه عليه يحصل المقصود منه، وفي ذلك تحصيل الحاصل لكونه حاصلاً بالحكم الآخر .
وأيضاً إذا كان الوصف الواحد مناسباً لحكمين مختلفين امتنع أن يناسبهما من جهة واحدة، فإنّ الشيء لا يكون مناسباً لشيء من جهة ما يناسب مخالفه، وإن ناسبهما من جهتين مختلفتين كانت علة الحكمين مختلفة لا أنّها متّحدة .
لأنّا نقول: إنّ معنى المناسب أعم ممّا ذكروه، لأنّ المناسب ينقسم إلى ما يترتب الحكم الواحد عليه، ويستقل بتحصيل مقصوده، وذلك ممّا يمنع كونه مناسباً للحكمين بهذا التفسير .

1 . ذكره مع الجواب عنه في الإحكام: 3 / 261 .

صفحه 237
وإلى ما يتوقّف حصول مقصوده على ترتيب الحكم عليه. وإن لم يكن ذلك الحكم وافياً بتحصيل المقصود دون الحكم الآخر .
وعلى هذا فامتناع مناسبة الوصف الواحد للحكمين بالتفسير الأوّل وإن كان لازماً فلا يمتنع أن يكون مناسباً للحكمين بالتفسير الثاني .
وإذا عرف أنّ معنى مناسبة الوصف للحكمين توقف حصول المقصود منه على شرع الحكمين لم يمنع أن يكون الوصف مناسباً لهما من جهة واحدة.1

البحث الثالث: في أقسام التعليل

اعلم أنّ كلّ حكم ثبت في محلّ فإمّا أن يكون علّة ذلك الحكم نفس المحلّ، أو جزءاً منه، أو خارجاً عنه .
والخارج إمّا أن يكون عقلياً، أو عرفياً، أو شرعياً، أو لغوياً .
والعقلي إمّا وصف حقيقي، أو إضافي، أو سلبي، أو ما يتركّب من هذه الأقسام، أعني الحقيقية مع الإضافية أو مع السلبية، أو الإضافية مع السلبية، أو الحقيقية مع السلبية، أو الحقيقية مع الإضافية والسلبية .
فالحقيقية مطعوم فيكون ربوياً .
والإضافية مكيل فيكون ربوياً .

1 . في نسخة «أ»: تمّ المجلد الثالث ويتلوه الرابع.

صفحه 238
والسلبية في طلاق المكره لم يرض به، فلا يقع .
والحقيقية مع الإضافية بيع صادر من أهله في محلّه .
والحقيقية مع السلبية قتل بغير حق .
والحقيقية والإضافية والسلبية قتل عمد عدوان .
والوصف الشرعي كقولنا في المشاع يجوز بيعه فيجوز رهنه.
والعرفي كقولنا في بيع الغائب مشتمل على جهالة مجتنبة في
العرف.
والاسم كقولنا في النبيذ يسمّى خمراً فيحرم، كالمعتصر من العنب.
وأمّا التعليل بالجزء فإن كانت العلّة قاصرة، فالجزء هو الفصل المميّز، إذ لو كان بالمشترك لكانت القاصرة متعدية. وإن كانت متعدية فالجزء هو المشترك وإلاّ كانت قاصرة .
واعلم أنّ العلّة إذا كانت خارجة عن الماهية فإمّا أن تكون وصفاً لازماً، كالطعم في البر، أو لا فتكون متجدداً. فإمّا أن يكون التجدّد ضرورياً بحسب العادة، كانقلاب العصير خمراً، أو بالعكس ; أو لا يكون، فإمّا أن يتعلّق باختيار أهل العرف مثل كون البر مكيلاً، أو باختيار الشخص الواحد كالردة والقتل .
وأيضاً الوصف الّذي جعل علّة إمّا أن يعلم وجوده بالضرورة كالإسكار بالخمر، أو بالنظر ; فإمّا أن يعلم كونه من الدين ضرورة مثل كون

صفحه 239
الجماع في نهار رمضان مفسداً للصوم، وقد لا يكون وهو ظاهر .
وأيضاً العلّة إمّا من فعل المكلّف كالقتل الموجب للقصاص، أو لا كالبكارة في ولاية الإجبار .
وأيضاً العلّة والحكم إمّا ثبوتيان أو عدميان، فلا نزاع فيهما. أو الحكم ثبوتي والعلّة عدمية، وفيه خلاف. أو الحكم عدمي والعلّة ثبوتية، وهو الّذي يسمّى في عرف الفقهاء التعليل بالمانع. واختلفوا في أنّه هل هو مشروط بوجود المقتضي ؟
وأيضاً العلّة إمّا ذوات أوصاف كقولنا قتل عمد عدوان، أو لا كالطعم.
وأيضاً العلّة قد تكون وجه المصلحة، مثل كون الصلاة ناهية عن الفحشاء، وكون الخمر موقعة للبغضاء. وقد تكون إمارة المصلحة، كجعلنا جهالة أحد البدلين في فساد البيع، مع أنّا نعلم أنّ فساد البيع في الحقيقة معلّل بما يتبع الجهالة من تعذُّر التسليم، ولهذا جاز البيع عند بعضهم إذا لم يمنع الجهالة من صحّة التسليم، كالصبرة المشار إليها .
وأيضاً اقتضاء العلّة الحكم قد يقف على شرط، كالزنا المتوقّف اقتضاء العلّة تعذُّر اقتضاؤه للرجم على شرط الإحصان، وقد لا
يكون.
وأيضاً العلّة قد تكون علّة لإثبات الحكم في الابتداء فقط، كالعدّة في منع النكاح ; وقد تكون العلّة في الابتداء والانتهاء، كالرضاع في إبطال النكاح ; وقد تكون العلّة قوته على الدفع لا على الرفع، كالعدّة والردّة

صفحه 240
فإنّهما يدفعان النكاح ولا يرفعانه وقد يكون قوته عليهما .
واعلم أنّ من شرط العلّة اختصاصها بمن له الحكم، وإلاّ لم يكن باقتضاء 1 حصول الحكم بشيء أولى من اقتضائه لغيره.(2)

البحث الرابع: في التعليل بمحل الحكم

اختلف الناس في جواز التعليل بمحلّ الحكم أو جزئه، فذهب الأكثر إلى المنع، وآخرون إلى الجواز .
والوجه التفصيل بناء على صحّة التعليل وهو الجواز إن كانت العلّة قاصرة .
أمّا في المتعدِّية فلا يجوز بالمحل ويجوز بجزئه، سواء كانت العلّة منصوصة، أو مستنبطة ; فإنّه لا استبعاد في أن يقول الشارع: حرمت الخمر لكونه خمراً، ولا في استلزام محلّ الحكم حكم باعثه إلى ذلك الحكم كاستلزام الأوصاف العامة لمحلّ الأصل والفرع .
وأمّا في المتعدية فلا يجوز قطعاً لامتناع وجود خصوصية المحل في الفرع .
لا يقال2: لو كان محل الحكم علّة للحكم لكان الشيء الواحد قابلاً فاعلاً، وهو محال :

1 . في «د»: ناقضاً.   2 . راجع المحصول: 2 / 385 ـ 387 .
2 . ذكر الإشكال والجواب عنه الرازي في المحصول: 2 / 387 ـ 388 .

صفحه 241
أمّا أوّلاً: فلأنّ المفهوم من كونه قابلاً مغاير للمفهوم من كونه فاعلاً، لصحّة تعقّل أحدهما دون الآخر; فإن كانا داخلين لزم التركيب في ذلك المحلّ، وكان الجزء الّذي هو موصوف بالقابلية غير الجزء الّذي هو موصوف بالفاعلية، فلا يكون القابل هو الفاعل .
وإن كانا خارجين عاد البحث في أنّ المفهوم من كون تلك الماهية علّة لأحد اللاّحقين غير المفهوم من كونه علة للاّحق الآخر، ويكون الكلام فيهما كالكلام في الأوّل ويتسلسل .
وإن كان أحدهما داخلاً والآخر خارجاً، لزم تركيب الماهية، فإنّ كلّ ما له جزء فهو مركب، ويلزم إمّا كون الفاعلية جزءاً أو القابلية ; وكلاهما محال، لأنّهما نسبتان بين الماهية وغيرها، والنسبة خارجة عن المنتسبين، والخارج لا يكون داخلاً، فلا يمكن دخول شيء منهما في الماهية .
وأمّا ثانياً: فلأنّ نسبة القابل إلى المقبول نسبة الإمكان، ونسبة الأثر إلى المؤثر نسبة الوجوب ; فلو كان الشيء الواحد موصوفاً بهما بالنسبة إلى شيء واحد، لزم اتصاف تلك النسبة الواحدة بالوجوب والإمكان معاً، وهو محال .
لأنّا نقول: القابلية والفاعلية من الصفات الاعتبارية لا تحقّق لهما في الخارج، فلا يصحّ القسمة بأنّهما إمّا داخلان أو خارجان أو بالتفريق، ولا امتناع في اتّصاف الماهية بالنسبة بالوجوب والإمكان باعتبارين.

صفحه 242
 
البحث الخامس: في العلّة القاصرة
اختلف الناس في جواز التعليل بالعلّة القاصرة، وهي الوصف المختص بالأصل بعد اتّفاقهم على جوازه إن كانت منصوصة أو مجمعاً عليها، وعلى اشتراط التعليل بالمتعدّية في صحّة القياس، كتعليل الشافعي تحريم الربا في النقدين بجوهر الثمنية .
فذهب أكثر المتكلّمين والشافعي وأحمد بن حنبل والقاضي أبوبكر والقاضي عبد الجبار وأبوالحسين البصري وأكثر الفقهاء إلى الجواز .
وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأبوعبد الله البصري وأبوالحسن الكرخي إلى المنع .
والوجه الأوّل لوجوه1:
الأوّل 2 : صحّة تعدية العلّة إلى الفرع موقوفة على صحّتها في نفسها، فلو توقّف 3 صحّتها في نفسها على صحّة التعدية إلى الفرع، دار. وإذا لم تتوقّف صحّة العلّة في نفسها وإن لم تكن متعدية .
وفيه نظر، فإنّ التعدية والتعليل وصفان عارضان للماهية، فجاز أن يكون صحّة الثانية موقوفة على ثبوت الأُولى، ولا دور .
واعترض 4 بجواز أن يقال: صحّتها في نفسها لا تتوقّف على صحّة

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 3 / 239 ـ 240 .
2 . هذا الوجه يمثّل قول الرازي في المحصول: 2 / 403 .
3 . في المحصول: 2 / 403: توقفت .
4 . ذكر الاعتراض وأجاب عنه الرازي في المحصول: 2 / 403 ـ 404 .

صفحه 243
تعديتها، بل على صحّة وجودها في غير الأصل، فلا دور .
أُجيب بأنّ الحاصل في محل آخر لا يكون هو بعينه، لاستحالة حلول الشيء في محلّين، بل مثله، فكلّ ما يحصل له من الصفات عند حلول مثله في محلّ آخر يكون ممكن الحصول له عند عدم حلول مثله في محلّ آخر، لأنّ حكمَ الشيء حكمُ مثله، وإذا أمكن حصول تلك الأُمور فبتقدير تحقّق ذلك، وجب أن تكون علّة، لأنّ تلك العلّيّة ما حصلت إلاّ بسبب تلك الأُمور.
واعترض 1 أيضاً بأنّ المراد بالتعدية الموقوفة على صحّة العلّة إن كان ثبوت الحكم بها في الفرع، فهو مسلم ; وإن أردتم بالتعدية وجودها في الفرع لا غير، فهو ممنوع .
فنقول: التعدية بالاعتبار الأوّل ليست شرطاً في صحة العلّة، فلا دور ; وإنّما نقول بأنّ شرط صحّة العلّة التعدية بالاعتبار الثاني، وهو غير مستلزم للدّور، فإنّ صحّة التعدية وإن كانت مشروطة بوجودها في غير محلّ النص، فوجودها فيه غير متوقّف على صحّتها في نفسها، فلا دور .
سلّمنا توقّف التعدية على الصحّة وتوقّف الصحّة على التعدية، فإنّما يلزم الدور لو كان ذلك التوقّف توقّف المشروط أو المعلول، أمّا إذا كان توقّف المعية كالمضافين، فلا.
الثاني: دار الحكم مع الوصف القاصر وجوداً وعدماً فكان علّة

1 . ذكر الاعتراض وأجاب عنه الآمدي في الإحكام: 3 / 239.

صفحه 244
كالمتعدي، وهو يتوقّف على كون الدوران دليلاً .
الثالث: جاز أن يكون علّة عند دلالة النص عليها إجماعاً، فكذا عند الاستنباط .
واعترض بالفرق لأنّ علّيتها عند دلالة النص عليها مستفادة من النص، ودلالة النصّ عليها غير متحقّقة حال استنباطها، فلا يلزم أن يكون علّة.
أُجيب بأنّ النصّ إذا دلّ على علّية الوصف القاصر، وجب الحكم بعلّته المستنبطة لما بينهما من الاشتراك في الحكمة .
اعترض بأنّه قياس في الأسباب، وسيأتي بطلانه.
الرابع: الوصف القاصر إذا كان مناسباً للحكم والحكم ثابت على وفقه، غلب على الظن كونه علّة للحكم بمعنى كونه باعثاً عليه، ولا معنى لصحّة العلّة سوى هذا.
احتجّ المانعون بوجوه1:
الأوّل: العلّة القاصرة غير مفيدة فلا تصلح للتعليل وإلاّ كان عبثاً. وبيان الأوّل انّ الفائدة من ذلك ان يتوسل به إلى معرفة الحكم، وهي مفقودة هنا، لأنّه لا يمكن التوسل بها إلى معرفة الحكم في الأصل لاستفادته من النص أو الإجماع ; ولأنّها مستنبطة منه فتكون فرعاً عليه، فلا تكون مثبتة له، وإلاّ لكان فرعاً عليها، وهو دور. ولا في غيره لعرائه عنها وشرط التعليل الوجود.

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 404 .

صفحه 245
الثاني: الدليل ينفي القول بالعلّة المظنونة، لأنّه اتّباعُ الظن المنهي عنه ترك العمل به في التعدية لفائدة التوسّل بها إلى معرفة الحكم في غير محلّ النص، وهي منفية في القاصرة فتبقى على الأصل.
الثالث: العلّة الشرعية أمارة، فلابد وأن تكون كاشفة عن شيء، والقاصرة لا تكشف عن شيء من الأحكام فلا تكون أمارة، فلا تكون علّة.
والجواب عن الأوّل. نمنع حصر الفائدة في تعريف الحكم وهنا فوائد أُخرى:1
الأُولى: معرفة مطابقة الحكم الشرعي لوجه الحكمة والمصلحة، وهو أمر معتبر، لأنّ النفوس أقبل للأحكام المطابقة للحكم والمصالح، وأدعى إلى الانقياد بخلاف الحكم المحض والتعبّد الصرف. فيكون أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع من شرع الحكم فكان مفيداً .
الثانية: لا فائدة أكثر من العلم بالشيء، فإنّا إذا علمنا الحكم ثمّ اطلعنا على علّته، علمنا أو ظننّا ما كنّا غافلين عنه جاهلين به، وهو أمر مطلوب للعقلاء وفائدة كلية.
الثالثة: إذا كانت العلّة قاصرة، فبتقدير ظهور وصف آخر متعد في محلها يمتنع (تعدية) 2 الحكم به دون ترجيحه على العلّة القاصرة، وهو فائدة جليلة .

1 . راجع المحصول: 2 / 405 ; الإحكام: 3 / 240 .
2 . الإحكام: 3 / 240 .

صفحه 246
سلّمنا أنّه لابدّ وأن يُتَوسّل بالعلّة إلى حكم، لكن في جانب الثبوت، أو العدم .
الأوّل ممنوع، والثاني مسلّم. وهنا أمكن التوسّل به إلى عدم الحكم، فإنّه إذا غلب على الظن كون حكم الأصل معلّلاً بعلّة قاصرة، امتنعنا من القياس عليه، فلا يثبت الحكم في الفرع .
لا يقال: يكفي في الامتناع من القياس عدم وجدان التعدية فلا حاجة إلى العلّة القاصرة .
لأنّا نقول: يجوز وجود وصف متعدٍّ مناسب، فلو لم يجز التعليل بالقاصرة بقي المتعدّي خالياً عن المعارض، فيثبت الحكم في الفرع ; ومع جواز التعليل بالقاصرة صار معارضاً، فلا يثبت الحكم في الفرع .
سلّمنا عدم الفائدة ونمنع البطلان، لإمكان أن يكون علّة مؤثرة في الحكم، مع أنّ الطالب لها يكون طالباً لما لا ينتفع به .
سلّمنا أنّ ما لا فائدة له لا يجوز إثباته، لكن لا يجوز ذلك قبل أن يعلم انتفاء الفائدة أو بعده. الأوّل ممنوع، والثاني مسلّم. وهنا المستنبط للعلّة حال طلبه لا يعلم أنّها متعدّية أو قاصرة، فلا يمكنه منعه عن ذلك الطلب. وبعد وقوفه على القاصرة لا يمكنه منعه عن معرفتها، لأنّ ذلك خارج عن وسعه.
وفيه نظر، لأنّ معرفته لا تستلزم التعليل بها، فإنّا نسلّم أنّه بحث ووجد العلّة القاصرة، لكنّا نقول: إذا عرف أنّها قاصرة منع من التعليل بها .

صفحه 247
سلّمنا، لكن ينتقض ما ذكرته بالعلّة المنصوصة.
وعن الثاني1. نمنع عدم التمسك بالمظنون. وقد سبق الجواب عن الآيات .
وعن الثالث2. انّ المتعدّية كما أنّها وسيلة إلى إثبات الحكم، فالقاصرة وسيلة إلى نفيه، لكن القاصرة أولى لأنّها على وفق الأصل، والمتعدية على خلافه.
قوله: إنّها لا تكشف عن حكم.
قلنا: يكشف عن المنع من استعمال القياس.

البحث السادس: في مدرك حكم الأصل

اختلف الشافعية والحنفية في حكم أصل القياس المنصوص عليه هل هو ثابت بالعلّة أو النصّ ؟
فقالت الشافعية بالأوّل، لأنّ الحكم إنّما يستند إلى علّته .
وقالت الحنفية بالثاني لوجوه3:
الأوّل: الحكم في الأصل مقطوع به، والعلّة المستنبطة منه مظنونة فلا يستند المقطوع إليها.

1 . راجع المحصول: 2 / 406 .
2 . راجع المحصول: 2 / 406 .
3 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 3 / 270، المسألة العشرون.

صفحه 248
الثاني: العلّة مستنبطة من حكم الأصل ومتفرّعة عليه وتابعة له في الوجود، فلو ثبت الحكم بها دار.
الثالث: قد ثبت الحكم تعبّداً من غير علّة، فلو كان ثابتاً بالعلّة لم يثبت مع عدمها.
والخلاف هنا لفظي، لأنّ الشافعية عنوا بالعلّة الباعث للشارع على الحكم في الأصل لا أنّها معرفة لنا إثباته فيه، بل انّها أمر مناسب يغلب على الظن أنّ الشرع أثبت الحكم لأجله. والحنفية وافقوا عليه وإذا قالوا: «العلّة غير مثبتة للحكم» لم يريدوا نفي أنّها باعثة، بل أنّها غير معرفة للحكم في الأصل بالنسبة إلينا، والشافعية يسلّمونه.1

البحث السابع: في التعليل بالحكم هل هو جائز أم لا؟

اعلم أنّ الوصف الحقيقي إذا كان ظاهراً منضبطاً جاز التعليل به بالنصّ عندنا ومطلقاً عند القائلين بالقياس ; وأمّا الّذي لا يكون كذلك، كالحاجة إلى تحصيل المصلحة ودفع المفسدة وهي الّتي يسمّيها الفقهاء بالحكمة فقد اختلفوا، فالأكثر على منعه، وجوّزه الأقل، وفصّل آخرون بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنصها والحكمة المضطربة الخفية فجوّز التعليل بالأُولى دون الثانية.

1 . جاء في نسخة «أ»: وإلى هنا آخر الجزء الثالث من النسخة الّتي هي بخط المصنّف ـ أدام الله ظلاله ـ .

صفحه 249
احتجّ الأوّلون بوجوه1:
الأوّل: الحكم إن كان معلّلاً بمطلق الحاجة، كان كلّ حاجة معتبرة ; وإن كان لحاجة مخصوصة مع أنّها من الأُمور الباطنة فلا يمكن الوقوف على مقاديرها، وامتياز كلّ مرتبة من المراتب الّتي لا تتناهى عن الأُخرى، فيمتنع التعليل بالمعين الّذي لا يعلم .
الثاني: لو صحّ التعليل بالحكمة لما صحّ تعليله بالوصف، والتالي باطل فكذا المقدّم .
بيان الشرطية: أنّ الحكم لابدّ له من فائدة تعود إلى العبد، للإجماع على أنّ الشرائع مصالح إمّا وجوباً على رأي المعتزلة، أو تفضّلاً على رأي الأشاعرة ; فالمؤثّر في الحكم في الحقيقة هو الحكمة، والوصف إنّما جعل مؤثراً لاشتماله عليها، فإذا أمكن استناد الحكم إلى الحكمة لم يجز استناده إلى الوصف، فإنّ كلّ ما قدح في استناده إلى الحكمة قدح في استناده إلى الوصف، لأنّ القادح في الأصل قادح في الفرع، ولا ينعكس، فاستناده إلى الوصف تكثير لإمكان الغلط من غير حاجة، وهو غير جائز، ولمّا جاز علمنا تعذّر التعليل بالحكمة.
الثالث: لو جاز التعليل بالحكمة لوجب طلبها، لأنّه مأمور بالقياس ولا يمكن إلاّ عند وجود العلّة ولا يمكن إلاّ عند الطلب، وما يتوقّف عليه الواجب واجب، والتالي باطل ; لأنّ الحكمة لا تعرف إلاّ بواسطة معرفة

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 389 .

صفحه 250
الحاجة، والحاجة خفية لا يعرف مقدارها إلاّ بمشقة عظيمة فلا تكون واجبة، لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)1.
الرابع: استقراء الشريعة يدلّ على أنّ الحكم معلّل بالأوصاف لا بالحِكَمِ ; لأنّا لو فرضنا حصول الأوصاف كالنكاح والبيع والهبة والعارية عارية عن المصالح، استندت الأحكام إليها ; ولو فرضنا حصول المصالح دون هذه الأوصاف لم تثبت بها الأحكام الملائمة لها، وهو يدلّ على امتناع التعليل بالحِكَمِ.
الخامس: الدليل ينفي التمسّك بالعلّة المظنونة، لقوله (وَ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)2 خالفناه في الوصف الجلي لظهوره، والحاجة ليست كذلك فتبقى على الأصل.
السادس: الحكمة تابعة للحكم، لأنّ حصول الزجر تابع لحصول القصاص، وعلّة الشيء يستحيل تأخّرها عن الشيء فالحكمة ليست
علة .
والجواب عن الأوّل3. لا نزاع في أنّ المناسبة طريق إلى علّة الوصف بمعنى أنّا نستدلّ باشتمال الوصف على المصلحة على كونه علّة; فإن كان دليل العلّية اشتماله على كلّ مصلحة، وجب كون كلّ وصف

1 . الحج: 78 .
2 . النجم: 28 .
3 . ذكر الرازي الأجوبة في المحصول: 2 / 391 ـ 392 .

صفحه 251
اشتمل على أي مصلحة كانت علة لذلك الحكم ; أو اشتماله على مصلحة معينة، فإن امتنع الاطّلاع عليها امتنع الاستدلال باشتمال الوصف عليها على كونه علّة، لتوقّف العلم باشتمال الوصف عليها على العلم بها، وإن أمكن اندفع الإشكال.
وعن الثاني. أنّ التعليل بالحكمة وإن كان راجحاً على التعليل بالوصف باعتبار ما قلت، لكن التعليل بالوصف راجح باعتبار سهولة الاطّلاع على الوصف وضبطه وعسر ذلك في الحكمة; فلمّا ترجّح كلّ منهما من وجه حصل التساوي .
وعن الثالث. إنّا وإن اختلفنا في جواز التعليل بالحكمة، لكنّا أجمعنا على أنّ الوصف إنّما هو علّة لاشتماله على الحكمة ; فإن لم يقتضِ ذلك وجوب طلب الحكمة مع ثبوت العلّية بطل قولك، وإن اقتضى بطل قولك أيضاً.
وعن الرابع. نمنع دلالة الاستقراء على التعليل بالوصف لوجود التعليل بالحِكَمِ في صور كثيرة، كالتوسط في إقامة الحد بين المهلك وغير الزاجر، وكذا الفرق بين العمل اليسير والكثير.
وعن الخامس. أنّ الحكمة علّة لعلّيّة الوصف، فهي أولى بالجواز أن تكون علّة للحكم من الوصف، فإن اقتضى منع العمل بالظن بطلان التعليل بالحكمة اقتضى في الوصف.
وعن السادس. أنّ الحكمة ثمرة الحكم في الخارج لا الذهن .

صفحه 252
واحتجّ المجوّزون بأنّ ظن استناد الحكم في مورد النص إلى الحكمة وحصول تلك الحكمة في صورة أُخرى توجب ظن حصول الحكم في تلك الصورة والعمل بالظن واجب .
والحكمة أيضاً علّة لعلّيّة العلّة فأولى أن تكون علّة .
بيان الأولى أنّ الوصف إنّما يؤثر في الحكم إذا اشتمل على جلب نفع، أو دفع ضرر، وكونه علة معلل بهذه الحكمة; فإن لم يمكن العلم بتلك الحكمة المخصوصة، استحال معرفة كون الوصف علّة باعتباره. وإن أمكن وهو مؤثر في الحكم والوصف غير مؤثر كان إسناد الحكم إلى الحكمة المعلومة المؤثرة أولى من إسناده إلى الوصف الّذي ليس بمؤثر.

البحث الثامن: في التعليل بالعدم

الحكم إن كان عدمياً جاز تعليله بالعدمي; وإن كان ثبوتياً قيل لا يجوز تعليله بالوصف العدمي، وقيل بالجواز.
احتج الأوّلون بوجوه1:
الأوّل: العلّية صفة ثبوتية لأنّها نقيض اللاّعلّية المحمولة على العدم فتكون عدمية ; وإذا كان اللاعلّية عدمية فالعلية ثبوتية، لاستحالة اتّصاف النقيضين بالعدم ; وإذا كانت العلّية ثبوتية استحال وصف العدم بها، لامتناع قيام الصفة الوجودية بالمحل المعدوم وإلاّ لزم الشك في وجود الأجسام،

1 . ذكرها الرازي مع الأجوبة عنها في المحصول: 2 / 393 ـ 396 .

صفحه 253
لأنّا إنّما نشاهد من الجسم لونه وحصوله في مكان معين ومقداره، فلو جوّزنا قيام الموجود بالمعدوم جوّزنا قيام هذه الصفات بجسم معدوم، وهو سفسطة.
الثاني: العلّة يجب أن تتميّز عمّا ليس بعلّة سواء أُريد بها المعرِّف أو الداعي أو المؤثر. والتمييز عبارة عن تخصيص كلّ من المتميِّزين عن صاحبه بحيث لا يكون تعيّن هذا حاصلاً لذلك، وبالعكس. وهذا إنّما يعقل في الأُمور الثبوتية، فإنّ العدمات نفي محض وعدم صرف لا يعقل فيها الامتياز والتخصيص .
الثالث: العدم إن عرى عن جميع النسب من كلّ وجه لم يكن مختصاً بذات دون أُخرى ولا بوقت دون آخر، فلا يكون علّة لحكم معيّن، ولا في شخص معين. وإن كان له انتساب بوجه ما كان ذلك الانتساب ثبوتياً لكونه نقيض اللاّانتساب، فيكون العدم موصوفاً بالثبوت وهو محال.
الرابع: المجتهد إذا بحث عن العلّة لم يجب عليه سبر الأوصاف العدمية لعدم تناهيها، ويجب عليه سبر كلّ وصف يمكن أن يكون علّة، فإذن الوصف العدمي لا يصلح للعلّيّة.
الخامس: قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى)1والعدم نفي محض، فلا يكون من سعيه فلا يترتب الحكم عليه، لأنّ كلّ حكم فإنّه يحصل للإنسان بسببه جلب نفع أو دفع ضرر، فالعدمي لا يكون علّة .

1 . النجم: 39 .

صفحه 254
لا يقال: الامتناع عن الفعل عدم مع صحّة الأمر به وكونه منشأ لمصلحة أو مفسدة .
لأنّا نقول: الامتناع عبارة عن فعل أمر يترتّب عليه عدم ذلك الشيء، فلا يكون الامتناع عدماً محضاً.
السادس: يصحّ قول القائل: «أي شيء وجد حتى حدث هذا الأمر؟» ولو لم يكن الحدوث متوقّفاً على وجود شيء لما صحّ هذا الكلام، كما لو قال: «أي رجل مات حتى حدث لفلان هذا المال؟» حيث لم يكن حدوث المال متوقّفاً على ما قيل.
السابع: لو كان عدماً لكان مناسباً أو مظنة والعدم المطلق باطل والمخصص إن كان وجوده منشأ مصلحة فباطل إن يكون عدمه مناسباً أو مظنة ، لاستلزام عدمه فوات تلك المصلحة وإن كان منشأ مفسدة كان مانعاً فعدمه عدم المانع، فلا يكون مناسباً ولا مظنة. وإن كان وجوده ينافي وجود المناسب لم يصلح عدم ذلك الأمر مظنّة لها، بل ذلك الأمر وهو ما ينافيه، أعني: المناسب ; لأنّ المناسب إن كان ظاهراً تعيّن للعلّيّة بنفسه فلا يحتاج إلى مظنّة، وإن كان خفياً فنقيضه خفي والخفي لا يعرف الخفي. وإن لم يكن وجود ذلك الأمر ينافي المناسب كان وجوده كعدمه بالنسبة إلى ذلك الحكم، إذ وجوده ليس منشأ مصلحة ولا مفسدة.
الثامن: لم يسمع أحد يقول العلّة كذا أو عدم كذا .
والجواب عن الأوّل. المعارضة بأنّ العلّيّة لو كانت ثبوتية لكانت من

صفحه 255
عوارض ذات العلّة، فكانت مفتقرة إلى تلك الذات، وكانت ممكنة، فكانت علّيّة العلّة لتلك العلّة زائدة عليها ويتسلسل.
وعن الثاني. أنّ العلّة وإن كانت متميّزة عمّا ليس بعلّة، لكن التميّز لا يستدعي كون التميّز ثبوتياً، فإنّ عدم أحد الضدين يصحِّح حلول الضد الآخر فيه، وعدم ما ليس بضد ليس كذلك. وعدم اللازم يقتضي عدم الملزوم، وعدم غيره لا يقتضيه فقد وقع الامتياز في العدمات.
وعن الثالث. أنّ العلّة عدم مخصوص، ولا نسلم أنّ الخصوصية ثبوتية، وإلاّ لكانت في نفسها أمراً مخصوصاً، ويتسلسل.
وعن الرابع . لا نسلم أنّ المجتهد لا يبحث في السبر والتقسيم عن الأوصاف العدمية. سلّمنا لكن سقط التكليف لتعذّره لعدم تناهي العدمات.
وعن الخامس. انّا نعلم بالضرورة كوننا مكلّفين بالامتناع فالعدم ينتفي، ولا يجوز أن يكون الامتناع فعلاً ترتب عليه ذلك العدم، وإلاّ لكان الممتنع عن الفعل فاعلاً، وهو محال .
وفيه نظر، لمنع استحالته، فإنّ الامتناع عن فعل لو كان فعلاًخاصاً مغايراً لذلك الفعل لم يلزم منه محال.
وفي السادس. نظر، إذ لا عبرة في أمثال هذه المباحث العقلية بالألفاظ الصادرة عن العامة .
سلّمنا، لكنّهم قد يقولون أي شيء حدث أو أي سلطان عدم حتى حصل الأمر الفلاني .

صفحه 256
واحتجّ المجوّزون بأنّه يحصل دوران الحكم مع بعض العدمات، والدوران 1 يفيد ظنّ العلّية .
تذنيب: الإضافات عدمية، لأنّ جزءها وهو مطلق الإضافة عدمي، إذ لو كان وجودياً لكان أينما حصل هذا المسمّى كان وجودياً. فإذا فرضنا في إضافة انّها وجودية كانت صفة حالّة في المحل، وحلولها إضافة بينها وبين ذلك المحل، فكان مسمّى الإضافة حاصلاً في حلول تلك الإضافة في ذلك المحل .
وإذا كان ذلك المسمّى وجودياً كانت إضافة الإضافة أمراً وجودياً زائداً على الإضافة الأُولى إلى غير النهاية، وهو محال، فثبت أنّ مسمّى الإضافة يمتنع أن يكون وجودياً. فلا يكون شيء من الإضافات المخصوصة وجودياً، لأنّ الإضافة المخصوصة ماهيّة مركّبة من الإضافة ومن قيد الخصوصية، فلو كانت وجودية لكان الوجودي إمّا قيد الإضافة، أو قيد الخصوصيّة .
والأوّل باطل، لما قلنا. والثاني أيضاً باطل، لأنّ خصوصية الإضافة صفة للإضافة، فلو كانت الخصوصية أمراً ثبوتياً لزم حلول الوجودي في النفي المحض، وهو محال. فثبت أنّ شيئاً من الإضافات يمتنع أن يكون وجودياً. إذا ثبت هذا فمن منع التعليل بالأُمور العدمية منع من التعليل بالأُمور الإضافية، ومن سوّغ هناك سوّغه هنا .

1 . في «أ»: الاقتران.

صفحه 257
وفيه نظر، فإنّه لا يلزم من كون المطلق وجودياً كون أنواعه كذلك، لجواز أن تكون المخصّصات عدمية.

البحث التاسع: في تعليل الحكم الشرعي بمثله

اختلف الناس في جواز تعليل الحكم الشرعي بحكم آخر شرعي فجوّزه الأكثر، ونفاه الأقل.
احتجّ الأوّلون بأنّ الدّوران يفيد ظن العلّيّة، فإذا حصل في الحكم الشرعي حصل ظن العلّيّة، ولأنّا نعلّل تحريم البيع بالنجاسة .
واحتجّ الآخرون بوجوه1:
الأوّل: ما جعل علّة يحتمل أن يكون متقدّماً على ما جعل معلولاً، فلا يصلح للعلّيّة حينئذ، وإلاّ لزم تخلُّف الحكم عن العلّة وهو نقض للعلّة، والأصل عدمه .
وأن يكون متأخّراً فلا يصلح للعلّيّة أيضاً، لأنّ المتأخّر لا يكون علّة للمتقدّم .
وأن يكون مقارناً فليس جعله علّة أولى من العكس، ولأنّه حينئذ يحتمل أن يكون هو العلّة وأن يكون غيره. فهو على ثلاثة تقادير ليس علّة وعلى تقدير واحد يكون علّة، والعبرة في الشرع إنّما هو بالغالب، فعدم

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 397 .

صفحه 258
العلّيّة أغلب على الظن من ثبوتها، وكلّ حكم غلب على الظن عدم التعليل به، امتنع أن يكون علّة.
الثاني: العلّة إمّا أن تفسّر بالدّاعي أو بالمؤثر أو بالمعرِّف. والأوّلان باطلان هنا، لأنّ القائل بهما يقول المؤثر والداعي جهات المصالح والمفاسد، فالقول بأنّ الحكم الشرعي مؤثراً أو داع خلاف الإجماع، وهو باطل وكذا الثالث، لأنّ المعرف بحكم الأصل هو النص لا غير.
الثالث: شرط العلّة تقدّمها على المعلول، وتقدّم أحد الحكمين على الآخر غير معلوم، فلا يجوز الحكم بالعلّية.
الرابع: إذا أثبت الشرع حكمين في صورة واحدة فليس لأحدهما مزيّة في الوجود والافتقار والمعلومية، فليس جعل أحدهما علّة أولى من العكس، فإمّا أن يحكم بالعلّيّة بينهما من كلا الطرفين وهو دور، أو نفيها من كليهما وهو المطلوب.
وأُجيب عن الأوّل. بجواز التأخير، لأنّ المراد من العلّة المعرِّف، والمتأخّر قد يعرف المتقدّم .
وبجواز التقدّم ولا يلزم النقض، فإنّ الحكم ليس علّة لذاته، بل باعتبار الشرع له بقران الحكم الآخر به، كما في تعليل تحريم شرب الخمر بالشدة المطربة، فإنّ الشدة وإن كانت متقدّمة على التحريم فلا يقال أنّها علّة قبل اعتبارها في الشرع بقران الحكم بها، وليس تخلف الحكم مقتضياً بعضها قبل ورود الشرع .

صفحه 259
وبجواز التقارن وأولوية العلّيّة لأحدهما، لأنّا نفرض الكلام فيما إذا كان أحد الحكمين مناسباً للحكم الآخر من غير عكس.
وعن الثاني. أنّ المراد من العلّة المعرِّف، والنص وإن كان علّة لثبوت الحكم في الأصل لكن في الفرع عرف الحكم بالعلّة.
وعن الثالث. نمنع اشتراط التقدّم في العلّيّة.
وعن الرابع. بجواز أن يكون كلّ منهما علّة لصاحبه، بمعنى كون كلّ منهما معرِّفاً لصاحبه.

تذنيب

إذا جعلنا العلّة بمعنى المعرِّف جاز أن يكون الحكم الشرعي علّة في الحكم الحقيقي، كما يعلّل إثبات الحياة في الشَّعَر بأنّه يحرمُ بالطلاق، ويحلّ بالنكاح، فيكون حيّاً كاليد، لإمكان جعل الحكم الشرعي معرفاً للأمر الحقيقي .

فائدة

يجوز التعليل بالأوصاف العرفية عند مجوّزي القياس، كالشرف والخسّة والكمال والنقصان، بشرط الضبط والاطّراد حتى يكون متميّزاً عن غيره ولا يختلف باختلاف الأوقات، إذ لو اختلف باختلافهما جاز تجدّده بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يجوز التعليل به.

صفحه 260
 
البحث العاشر: في الوصف المركّب
اختلف الناس في جواز التعليل بالعلّة المركّبة، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، فجوّزه الأكثر، ومنعه الأقل. ونحن لمّا اشترطنا في العلّة التنصيص وجاز أن ينص الشارع على التعليل بمجموع أمرين أو أُمور بحيث لا يكون الحكم مسنداً إلى بعض تلك الأوصاف جاز أن تكون مركبة، ومن لم يشترط النص اختلفوا على ما قلناه .
واحتجّ المجوّزون1 بإمكان قيام الدليل على أن تكون الهيئة الاجتماعية من الأوصاف المتعدّدة علّة إمّا لمناسبة أو شبه، أو سبر أو تقسيم، أو غير ذلك من طرق الاستنباطات والتخريج مع اقتران الحكم أو الدوران وبالجملة دليل علّيّة الوصف الواحد يمكن ثبوته هنا.
احتجّ المانعون بوجوه2:
الأوّل: لو كانت العلّة مركّبة لزم النقض في العلّة العقلية، والتالي باطل فالمقدّم مثله .
بيان الشرطية: أنّ عدم كلّ جزء من أجزاء المركب علّة تامة لعدم علّيّة تلك الماهية، لأنّ كون الماهية علّة صفة من صفات الماهية، وتحقّق الصفة موقوف على تحقّق الموصوف، فعدم كلّ جزء علّة تامة لعدم علّيّة تلك

1 . الإحكام: 3 / 234، المسألة السادسة.
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 399 .

صفحه 261
الماهية، فإذا عدم جزء من أجزائها عدمت العلّيّة، فإذا عدم آخر لم يؤثر شيئاً لانتفاء العلّيّة بعدم الجزء الأوّل فلا يحصل مرة أُخرى فقد عدم جزء من الماهية ولم يترتب عليه عدم علّيّة تلك الماهية فقد حصل النقض في العلّة العقلية، لأنّ اقتضاء عدم جزء الماهية عدم علّيّة تلك الماهية أمر حقيقي، سواء كانت علّة الشيء عقلية أو وضعية .
لا يقال: هذا يقتضي نفي المركّبات، لأنّ عدم كلّ جزء من أجزاء المركب علّة مستقلّة لعدم تلك الماهية، فيعود المحال .
لأنّا نقول: الماهية هي نفس مجموع تلك الأجزاء، فلم يكن عدم بعض تلك الأجزاء علّة لعدم شيء آخر، بخلاف العلّيّة فإنّها حكم زائد على الماهية وعدمها معلّل بعدم كلّ جزء فافترقا.
الثاني: كون الشيء علّة لغيره صفة لذلك الشيء زائدةً عليه، سواء حصلت لذاته أو بالفاعل لإمكان تصوّر الشيء حال الجهل بالعلية ولصحة كذا علّة، فإن كان مركباً فإن حصلت بكلّ جزء تمامها فكلّ جزء علّة وهو محال، لاستحالة تعدد محل الواحد الشخصي ولاستلزامه كون كل واحد من تلك الأجزاء علّة تامّة، إذ معنى كون الشيء علّة حصول صفة العلّيّة له، وإن حصل في كلّ جزء جزء منها لزم انقسام الصفة العقلية فيكون للعلّيّة نصف وثلث، وهو غير معقول.
الثالث: كلّ جزء ليس بعلّة فإن لم يحصل عند الاجتماع زائد لم تكن الأجزاء بمجموعها علّة كما لم يكن بافرادها، وإن حصل فالمقتضي له إن

صفحه 262
كان كلّ واحد من الأجزاء فكلّ جزء علّة فهو علّة، هذا خلف. وإن كان المجموع فالكلام في اقتضاء المجموع لذلك الأمر الحادث كالكلام في اقتضاء ذلك المجموع للعلّة، فيلزم أن يكون بتوسط حدوث أمر آخر ويتسلسل.
الرابع: لو كانت العلّة مركّبة لتوقّف وجودها على وجود كلّ واحد من أجزائها، ويلزم منه كون عدم كلّ جزء علّة مستقلّة لعدمها، والتالي باطل فالمقدّم مثله.
والشرطية ظاهرة ممّا تقدّم، وبطلان التالي انّ تلك الأجزاء لو عدمت فإن كان عدم كلّ جزء علّة مستقلّة لعدم العلّة. ومعنى الاستقلال أنّه المفيد لذلك دون غيره، لزم امتناع استقلال كلّ واحد منها، وإلاّ كان البعض لزم الترجيح من غير مرجّح، وإن لم يكن شيء منها علّة لزم خروج كلّ جزء عن كونه مستقلاً ; وقيل: إنّه كذلك، هذا خلف.
الخامس: كلّ واحد من تلك الأوصاف إن كان مناسباً للحكم كان علّة مستقلّة لوجود المناسبة والاقتران، وإن لم يكن مناسباً ولا شيء منها، فضم ما لا يصلح للتعليل إلى ما يصلح له لا يكون مفيداً للتعليل، وإن كان البعض فهو العلّة .
وأُجيب عن الأوّل. بأنّ النقض إنّما يلزم لو جعلنا عدم الجزء علّة لعدم علّية الماهية، وهي بناء على كون العدم علّة، وهو ممنوع .
وليس بجيد، لما مر من أنّ العلّيّة صفة اعتبارية، فجاز اتّصاف العدم

صفحه 263
بها. وأيضاً ليس عدم كلّ جزء علّة لعدم صفة العلّيّة، لأنّ وجود كلّ جزء شرط للعلّيّة فعدمه يكون عدماً لشرطية العلّيّة. والتحقيق في الجواب: انّ عدم الماهية مستنداً إلى عدم أي جزء كان لا إلى عدم كلّ واحد، بل عدم كلّ واحد لما اشتمل على عدم أي جزء كان صار علّته بالعرض لاشتماله عليها.
وعن الثاني. أنّ العلّيّة ليست صفة ثبوتية، وإلاّ لزم التسلسل، فلا يصحّ أن يقال: إمّا أن يحلّ كلّ واحد من الأجزاء بتمامها، أو ينقسم بحسب انقسام أجزاء الماهية ; ولأنّ معنى كون المجموع علّة قضاء الشارع بالحكم رعاية لما اشتملت عليه الأوصاف من الحكم وليس ذلك صفة لها، ولأنّه ينتقض بكون الشيء خبراً أو أمراً أو غير ذلك.
وعن الثالث. أنّه منقوض لكلّ واحد من العشرة، فإنّه ليس بعشرة، وعند الاجتماع تحصل العشرة .
فإذا عرفت هذا فنقول: نقل أبو إسحاق الشيرازي عن بعضهم أنّه لا يجوز أن تزيد الأوصاف على سبعة. ولا وجه له.

تنبيه

قد عرفت أنّ الشرط هو الّذي يلزم من عدم الحكم ولا يكون جزءاً من العلّة، أو أنّه الّذي يلزم من عدمه مفسدة دافعة لوجود الحكم .
إذا ثبت هذا فاعلم أنّ بعضهم لم يفرّق بين جزء العلّة ومحلّها وشرط

صفحه 264
ذات العلّة وشرط علّتها، وهم المثبتون للطرد المنكرون لتخصيص العلّة، لأنّ العلّة الشرعية ما يكون معرِّفاً للحكم، وإنّما يكون معرِّفاً عند اجتماع كلّ القيود من الشرط والإضافة إلى الأهل والمحلّ، فكلّ قيد جزء المعرّف فيكون جزء العلّة .
نعم قد يكون بعض هذه القيود أقوى في الوجود من بعض، فإنّ حقيقة القتل أقوى في الوجود من صفته، أعني: إضافته إلى القاتل وإلى المقتول، لاحتياج هذه إليها. وقد يناسب بعض القيود دون بعض، أو يكون أقوى مناسبة 1، ولا يخرج المجموع عن كونه هو المعرف لهذا التفاوت، فلا فرق بين الجزء والشرط .
وفائدة هذا البحث أنّه لو صدر بعض الأجزاء عن إنسان والباقي عن آخر، فإن تساوت في القوة والمناسبة اشتركا وإلاّ نسب الفعل إلى فاعل الجزء الأقوى. وهذه فائدة حاصلة على تقدير تسميته جزء العلّة أو شرطها.
ومنهم من سلَّم الفرق، وزعم أنّ العلّة إن عرفت بالنص فما دلّ النصّ على كونه مناطاً، هو العلّة. وسائر القيود الّتي عرف اعتبارها بدلائل منفصلة ] نجعلها [ شرائط .
وإن عرفت بالاستنباط فالمناسب هو العلّة والمعتبر في تحقّق المناسبة، ولا يكفي فيها جزء العلّة وما ليس مناسباً ولا جزءاً منه فهو الشرط وإن عرفنا العلّة بغير المناسبة من باقي الطرق لم يظهر الفرق والنزاع لفظي.

1 . في المحصول: 2 / 402: أو يكون بعضها أقوى في المناسبة من بعض.

صفحه 265
 
تنبيه
الإجماع على أنّه لا يجوز التعليل بالاسم، كتعليل تحريم الخمر بأنّ العرب سمّته خمراً، للعلم الضروريّ بأنّ مجرّد الألفاظ لا تأثير لها في الأحكام. فإن أُريد به تعليله بمسمّى هذا الاسم من كونه مخامراً للعقل، كان تعليلاً بالوصف لا بالاسم.

البحث الحادي عشر: في التعليل بالصفات المقدّرة

المشهور أنّه لا يجوز التعليل بذلك خلافاً لبعض الفقهاء. كقولهم: المُلكُ معنى مقدَّر شرعي في المحل أثره إطلاق التصرُّفات، أو أنّ المُلكُ الحادث يستدعي سبباً حادثاً وهو قوله: بعت واشتريت، وهاتان مركَّبتان من حروف متتالية لا يوجد أحدهما مع الآخر، فلا وجود حقيقي لهاتين الكلمتين، بل وجودهما تقديري بمعنى أنّ الشارع قدَّر بقاء تلك الحروف إلى وقت حدوث المُلك لوجوب وجود العلّة عند وجود المعلول. وقد يذكرون هذا التقدير في جانب الأثر فيقولون: إنّ من عليه الدين يكون ذلك الدين مقدَّراً في ذمَّته .
وهذا الكلام تخيّل لا تحقيق فيه، لأنّ الوجوب إمّا خطاب الشرع كقول الأشعري، أو كون الفعل في نفسه بحيث يكون للإخلال به مدخل في استحقاق الذم كقول المعتزلة .
وعلى التقدير الأوّل لا حاجة في تعلّق الخطاب إلى معنى حادث

صفحه 266
يكون علة له، لأنّ ذلك التعلّق قديم فلا يكون معلّلاً بالمحدَث .
وفيه نظر، فإنّ التعلّق أمر إضافي لا يعقل قدمه إلاّ بقدم مضافة1، نعم المتعلّق يمكن دعوى قدمه عندهم .
وعلى التقدير الثاني فالمؤثِّر في الأحكام إنّما هي جهات المصلحة والمفسدة فلا حاجة إلى بقاء الحروف .
وأيضاً المقدّر على وفق الواقع، والحروف لو وجدت مجتمعة خرجت عن أن تكون كلاماً، فلو قدّر الشارع بقاء الحروف الّتي حصل منها قوله: «بعت واشتريت» لم يحصل عند اجتماعها هذا الكلام، لعدم أولوية سماعها على هذه الصيغة على سماعها على باقي تعاليها.2
وتقدير المال في الذمّة باطل، ومعناه أنّ الشرع مكّنه إمّا في الحال، أو في المستقبل بأن يطالبه بذلك القدر من المال، فهذا معقول شرعاً وعرفاً.
فأمّا التقدير في الذمّة فلا حاجة في العقل والشرع إليه .
واعترض بأنّ تفسير الوجوب بتعلّق الخطاب ينافي قول الأشاعرة بحدوثه فيفتقر إلى سبب حادث، وكون الحكمة مؤثرة في الحكم لا ينافي كون الوصف مؤثراً لما تقدّم، وكون التقدير على وفق الواقع ليس معناه أنّ المقدّر يعطى حكمه3 لو كان موجوداً بل معناه أن يعطى حكم مؤثر موجود.

1 . في «أ»: إضافية.
2 . كذا في النسخ ولعلّ الصحيح: على باقي صيغها.
3 . في «أ»: حكمة، وفي «ج»: حكم.

صفحه 267
 
البحث الثاني عشر: في التعليل بالأمارة
اختلفوا في جواز كون العلّة في الأصل بمعنى الأمارة المجرّدة، فأثبته قوم ومنعه آخرون .
وشرطوا 1 في العلّة أن تكون في الأصل بمعنى الباعث، أي تكون مشتملة على حكمة صالحة تصلح أن تكون مقصودة للشارع في شرعية الحكم ; إذ لو كانت وصفاً طردياً لا حكمة فيه بل مجرد أمارة على التعليل، لزم الدور ; لأنّ علّة الأصل مستنبطة من حكمه ومتفرّعة عنه، فلو كانت معرفة لحكم الأصل لكان متوقّفاً عليها ومتفرّعاً عنها، وهو دور .
وأيضاً لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم، والحكم في الأصل معلوم بالنصّ لا بالعلّة المستنبطة منه .
وفيه نظر، فإنّ العلل عند الأشاعرة كلّها أمارات ولا يجوز إثبات الفرضية في شيء منها.

تذنيبٌ

إذا كانت العلّة بمعنى الباعث، فشرطها أن يكون ضابط الحكمة المقصودة للشرع من إثبات الحكم أو نفيه، بحيث لا يثبت الحكم مع علم انتفاء الحِكَم في صور ما، وإلاّ كان فيه إثبات الحكم مع انتفاء الحِكَم المطلوبة منه قطعاً، وهو ممتنع، كما لو قيل حكمة القصاص إنّما هي صيانة

1 . وهو قول الآمدي في الإحكام: 3 / 224، المسألة الثانية.

صفحه 268
النفس المعصومة عن الفوات، فمن ضبط صيانة النفس عن الفوات بالجرح خاصة لزمه شرع القصاص في جارح الميت ضرورة وجود الضابط مع تيقّن انتفاء الحكمة أو نفي الحكم مع وجود علّته، وهو محال .
لا يقال 1: وإن لزم من ذلك إثبات الحكم في صورة بدون حكمة ذلك الضابط في الأصل المذكور، فإنّما يمتنع الضبط به إن لو لم يكن له سوى حكمة واحدة. أمّا إذا جاز أن يكون الوصف الواحد ضابطاً في كلّ صورة لحكمة، فانتفاء حكمة إحدى الصورتين عن الأُخرى لا يوجب أن يكون ثبوت الحكم في الصورة الّتي انتفت عنها تلك الحكمة عرياً عن الفائدة، بل يكون ثبوته بالحكمة الخاصة بتلك الصورة، فالضابط لها ولحكمة الحكم في الصورة الأُخرى شيء واحد .
لأنّا نقول: إذا اتّحد الضابط فاختصاصه في كلّ صورة بحكمة مخالفة للحكمة المختصّة به في الصورة الأُخرى، أمّا أن يكون ذلك لذاته والمخصص يخصص بتلك الصورة دون الأُخرى .
والأوّل باطل، وإلاّ لزم الاشتراك بين الصورتين في الحكمتين ضرورة اتّحاد المستلزم لها .
وإن كان الثاني فما به التخصيص في كلّ واحدة من الصورتين، ولا وجود له في الأُخرى يكون من جملة الضابط، فالضابط للحكمتين يكون مختلفاً وإن كان مركباً من الوصف المشترك ومابه تخصّصت كلّ صورة.

1 . ذكر الآمدي الإشكال والجواب عنه في الإحكام: 3 / 262 ـ 263 .

صفحه 269
 
فائدة
شرط جماعة 1 في ضابط الحكمة أن يكون جامعاً بحيث لا توجد الحكمة يقيناً في صورة دونه، لأنّ الحكم إن ثبت في الصورة التي وجدت الحكمة فيها دون الضابط، لزم استناد الحكم إلى الحكمة دون ضابطها وهو محال لما فيه من الاستغناء عن الضابط لإمكان إثبات الحكم بالحكمة دونه ; وإن لم يثبت لزم إهمال تبيين الحكمة مع العلم بأنّ الحكم لم يثبت إلاّ بها، كمن ضبط العمدية باستعمال الجارح، حيث إنّه يلزم منه إهمال العمدية مع تيقّن وجودها في الحرق أو التغريق أو المثقل كالحجر العظيم .
اعترض 2 بأنّ المحذور إنّما يلزم لو امتنع تعليل الحكم في صورتين بعلّتين. ومع جوازه فلا يمتنع أن تكون حكمة الحكم في الصورتين واحدة، ولها في كلّ صورة ضابط بحسب تلك الصورة، وذلك لا يستلزم إهمال الحكمة ولا إلغاء الضابط.

البحث الثالث عشر: في تعليل الأصل بعلّة متأخّرة

اختلفوا في جواز تعليل حكم الأصل بعلّة متأخّرة عن ذلك الحكم في الوجود، كتعليل إثبات الولاية للأب على الصغير الّذي عرض له الجنون بالجنون، فإنّ الولاية ثابتة قبل عروض الجنون .

1 . نقله الآمدي في الإحكام: 3 / 263، المسألة الخامسة عشرة.
2 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 264 .

صفحه 270
فذهب جماعة إلى منعه 1 ; لأنّ العلّة إمّا بمعنى الباعث، ويلزم من تأخّرها عن الحكم ثبوت الحكم بغير باعث، أو بباعث غير العلّة المتأخّرة عنه، لاستحالة ثبوت الحكم بباعث لا تحقّق له مع الحكم .
وإمّا بمعنى الأمارة، وهو باطل، لامتناع التعليل بمجرد الأمارات ; ولأنّها إذا كانت بمعنى الأمارة ففائدة الأمارة إنّما هو في تعريف الحكم، وقد عرف قبلها ضرورة سبقه في الوجود عليها، وتعريف المعروف محال.
لا يقال: إنّما يستقيم ما ذكرتم لو امتنع تعليل الحكم الواحد بعلّتين، أمّا على تقدير جوازه فلا يمتنع تعليله بعلّة مصاحبة وأُخرى متأخّرة .
لأنّا نقول2: قد بيّنّا امتناع تعليل الحكم بعلّتين في صورة واحدة، ولو قدرنا جوازه فإنّما يجوز بتقدير أن لا تكون إحدى العلّتين متقدّمة على الأُخرى .
وفيه نظر، لجواز أن يكون بمعنى الباعث والغاية متأخّرة في الوجود، وبمعنى المعرِّف ويجوز تأخّره، لأنّ المعرِّف في الأصل النص وفي الفرع العلّة المتأخّرة.

1 . وهو مختار الآمدي في الإحكام: 3 / 264 .
2 . ذكر الإشكال والجواب عنه في الإحكام: 3 / 264 ـ 265 .

صفحه 271
 
البحث الرابع عشر: في أنّ تعليل العدمي بالوجودي لا يتوقّف
على وجود المقتضي
الحكم إذا كان عدماً وكانت العلّة له وجود مانع أو فوات شرط اختلفوا في اشتراط وجود المقتضي لإثباته. وهذا البحث متفرّع على جواز تخصيص العلّة، فإنّا لو أنكرناه امتنع الجمع بين المقتضي والمانع. أمّا على تقدير جوازه فإنّه ممكن.
احتجّ المانع من اشتراطه بوجوه 1:
الأوّل. الوصف الوجودي إذا كان مناسباً للحكم العدمي، أو كان دائراً معه وجوداً أو عدماً حصل ظنّ العلّيّة، والظن حجّة.
الثاني. بين وجود المقتضي ووجود المانع معاندة ومضادَّة، والشيء لا يتقوّى بضدّه، بل يضعف به. فإذا جاز التعليل بالمانع حال ضعفه لوجود المقتضي كان التعليل به حال قوته بانتفاء المقتضي أولى بالجواز .
الثالث. لو شرطنا وجود المقتضي لزم منه التعارض بينه و بين المانع أو فوات الشرط، والتعارض على خلاف الأصل لما فيه من إهمال أحد الدليلين، وعند انتفاء المقتضي لو أحلنا نفي الحكم على نفي المقتضي مع تحقّق ما يناسب نفي الحكم من المانع أو فوات الشرط. لزم منه إهمال

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 410 ; والآمدي في الإحكام: 3 / 265، المسألة 17 .

صفحه 272
مناسبة المانع أو فوات الشرط مع اقتران نفي الحكم به، وهو خلاف الأصل.
اعترض على الثاني. بأنّه لا يلزم من انتفاء الحكم بالمانع أو فوات الشرط مع وجود المقتضي الشرط في أعماله لما يأتي انتفاؤه له مع فوات شرط أعماله .
وفيه نظر، لما بيّنّا أنّ المقتضي مناف للمانع فلا يعقل علّيّة المانع مع المضاد ونفيها مع عدمه.
وعلى الثالث. أنّه وإن لزم من وجود المقتضي التعارض بينه
وبين المانع أو فوات الشرط، فهو أهون من نفيه لوجود المانع مع فوات شرط أعماله ; ولهذا كان نفي الحكم بالمانع وفوات الشرط مع وجود المقتضي متّفقاً عليه بين مجوّزي تخصيص العلّة، مختلفاً فيه مع انتفاء المقتضي.
وبتقدير انتفاء المقتضي فنفي الحكم له دون ما ظهر من المانع وفوات الشرط وإن أفضى إلى إلغاء مناسبة المانع وفوات الشرط مع اعتباره إلاّ أنّه أولى من انتفائه للمانع أو فوات الشرط. ولهذا اتّفقوا على استقلاله بالنفي عند عدم المعارض ووقع الخلاف في استقلال المانع أو فوات الشرط بالنفي، فكان النفي له أولى .
ولا يمكن إحالة النفي على نفي المقتضي والمانع معاً، لأنّ كلّ منهما إن استقل بالنفي لزم تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلّتين

صفحه 273
مستقلّتين، وإن لم يستقلّ واحد منهما فهو محال، لأنّ نفي المقتضي بتقدير انتفاء معارضه مستقل بالنفي إجماعاً، وفيه إخراج المستقل عن الاستقلال وهو ممتنع .
وإذا ثبت أنّه لابدّ في التعليل بالمانع وفوات الشرط من وجود المقتضي فلابدّ من بيانه إمّا بطريق إجمالي أو تفصيلي يدلّ على وجوده وعلّيّته بما يساعد من الأدلّة .
وإن اتّفق أن كان الشارع قد نصّ على نفي الحكم، فهو دليل ظاهر على وجود المقتضي، لأنّه لو لم يكن المقتضي موجوداً كانت فائدة التنصيص على النفي التأكيد لاستقلال نفي المقتضي بالنفي .
والأصل أن يحمل كلام الشرع على فائدة التأسيس، لكونها أصلاً، وإنّما يتمّ ذلك بالنظر إلى وجود المقتضي.
لا يقال: اعتقاد وجود المقتضي ـ حملاً للكلام على فائدة التأسيس ـ يستلزم نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه، وهو خلاف الأصل أيضاً. وليس مخالفة محذور مخالفة المقتضي مع كونه على خلاف الأصل دفعاً لمحذور حمل الكلام على فائدة التأكيد أولى من العكس .
لأنّا نقول1: المحذور اللازم من نفي الحكم مع وجود المقتضي مخالفة المقتضي خاصة وهو غالب في الشرع، ومحذور التأكيد مع كونه

1 . ذكر الإشكال والجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3 / 267 .

صفحه 274
نادراً فيه مخالفة لما ظهر من مناسبة المانع واعتباره، مع أنّ الغالب من حال الشرع اعتبار المناسبات لا إلغاؤها .
ولا يخفى أنّ التزام محذور قد عهد التزامه في الشرع غالباً وليس فيه التزام محذور آخر، أولى من التزام محذور لم يعهد التزامه في الشرع غالباً وفيه التزام محذور آخر .
احتجّ المشترطون بوجوه 1:
الأوّل . إذا علّلنا انتفاء الحكم بالمانع فالمعلَّل إمّا عدم مستمر، أو متجدّد .
والأوّل باطل، لحصول العدم المستمر قبل حصول هذا المانع، بل قبل الشرع فلا يكون شرعياً، إذ الشرعي ما لو سكت الشرع عنه لثبت، والحاصل قبل يمتنع تعليله بالمتأخّر.
والثاني تسليم المقصود، لأنّ عدم الحكم لا يحصل فيه التجدُّد، إلاّ إذا منع من الدخول في الوجود بعد أن كان بعرضية الدخول في الوجود، وذلك لا يتحقّق إلاّ عند قيام المقتضي.
الثاني. استناد انتفاءالحكم إلى انتفاء علّته أظهر من إسناده إلى حصول المانع، فإن تساوى ظن انتفاء العلّة وظنّ وجود المانع امتنع التعليل بوجود المانع، لأنّ عدم العلّة ووجود المانع لمّا تساويا ظناً واختصّ عدم العلّة بمزيّة أولوية إسناد الحكم إليه من إسناده إلى وجود المانع، كان تعليل

1 . ذكرها الرازي مع الأجوبة عنها في المحصول: 2 / 410 ـ 413 .

صفحه 275
عدم الحكم بعدم علّته أقوى من تعليله بوجود المانع ; والأقوى راجح فلا يجوز تعليل عدم الحكم بالمانع وإن كان ظنُّ عدم العلّة أظهر، فالتقريب 1أقوى. وإن كان مرجوحاً بالنسبة إلى وجود المانع فظنّ العدم إنّما يكون مرجوحاً لو كان ظنّ الوجود راجحاً، وهو يدلّ على توقّف التعليل بالمانع على رجحان وجود المقتضي، وهو المطلوب.
الثالث. التعليل بالمانع يتوقّف على وجود المقتضي عرفاً، لأنّ من قال: «الطير إنّما لا يطير لأنّ القفص منعه» كان تعليله موقوفاً على العلم بحياة الطير وقدرته، إذ بتقدير موته يمتنع التعليل بالقفص، فكذا شرعاً لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح»2.
الرابع. عدم المقتضي مستلزم لعدم الحكم، فلو حصل عدم المقتضي امتنع استناد ذلك العدم إلى وجود المانع، لأنّ تحصيل الحاصل محال، فثبت أنّه لابدّ من وجود المقتضي.
وأُجيب عن الأوّل. بأنّ العلّة الشرعية معرِّفة فيجوز تأخيرها .
قوله: إنّما يصير الحكم شرعياً إذا كانت بحيث لو سكت الشرع لثبت.

1 . في المحصول: 2 / 411: فالتقدير.
2 . مستدرك الحاكم: 3 / 78 ; مجمع الزوائد: 1 / 177 ; المعجم الأوسط: 4 / 58، نقلت الرواية في هذه المصادر عن ابن مسعود ; تفسير الرازي: 1 / 200 و 204 و ج 2 / 226 و ج 3 / 198 و ج 4 / 151 و ج 11 / 176 ; تفسير الآلوسي: 29 / 113 ; شرح نهج البلاغة: 12 / 86 .

صفحه 276
قلنا: نحن لا نعني بكون هذا الاقتضاء شرعياً إلاّ أنّه لم يعرف إلاّ من قبل الشرع، وهو حاصل بدون ما قلتموه .
وعن الثاني. أنّ مجرّد النظر إلى وجود المانع يقتضي ظنّ عدم الحكم، بدون الالتفات إلى الأقسام الّتي ذكرتموها.
وعن الثالث. لا نسلّم أنّ ظن إسناد عدم الحكم إلى وجود المانع يتوقّف على العلم بوجود المقتضي عرفاً; ألا ترى أنّا إذا علمنا وجود سبع في طريق، كفى في ظن عدم حضور الإنسان وإن لم يخطر ببالنا في ذلك الوقت سلامة أعضائه، بل يجعل هذا القدر دليلاً لنا ابتداءً فنقول: مجرّد النظر إلى المانع يفيد ظنّ عدم الحكم عرفاً، فليفده شرعاً.
وعن الرابع. لا نسلّم أنّ ترادف الأدلّة والمعرِّفات على الشيء الواحد خلاف الأصل.
   

البحث الخامس عشر: في بقايا مباحث العلّة

الأوّل: يجب أن لا تكون العلّة المستنبطة من الحكم المعلّل به ممّا ترجع إلى الحكم الّذي استنبطت منه بالإبطال عند من جوز التعليل بالمستنبطة ; كتعليل وجوب الشاة في باب الزكاة بدفع حاجة الفقير، لاشتماله على رفع وجوب عين الشاة لقيام غيرها مقامها، وارتفاع الأصل المستنبط منه يوجب إبطال العلّة المستنبطة منه ضرورة توقّف علّتها على اعتبارها .

صفحه 277
وأن لا تكون طردية محضة، كالطول والقصر، والسواد والبياض، ونحوه ; لأنّ الوصف الطردي لا يكون باعثاً .
وفيه نظر، لأنّ العلّة عند الأشاعرة بمعنى الأمارة. وبالجملة فهم لا يقفون في هذا الباب على شيء، بل إذا أُورد عليهم إشكال ينحل بكون العلّة معرفاً التجأوا إليه، فإذا أُورد عليهم ما يلزم من التعليل بالأوصاف الطردية التجأوا إلى أنّها بمعنى الباعث .
وأن لا يكون لها في الأصل معارض لا تحقّق له في الفرع، وأن لا تكون مخالفة لنص خاص أو إجماع.
وشرط قوم 1 أن لا تكون مخصّصة لعموم القرآن، وهو حق عندنا حيث أبطلنا تخصيص القرآن بالقياس .
وأن لا تعارضها علّة أُخرى تقتضي نقيض حكمها. وإنّما يصحّ ذلك لو كانت العلّة المعارضة لها راجحة عليها وممتنعة التخصيص .
وشرط قوم انتزاعها من أصل مقطوع بحكمه، وجوّز آخرون القياس على ما ثبت أصل حكمه بدليل ظني .
وشرط آخرون 2 عدم مخالفتها لمذهب الصحابي مستنداً إلى علّة مستنبطة من أصل آخر، إلاّ أن تكون علّته مع ظهورها راجحة .

1 . راجع الإحكام: 3 / 268، المسألة الثامنة عشرة.
2 . راجع الإحكام: 3 / 268 .

صفحه 278
وشرط قوم 1 أن يكون وجودها في الفرع مقطوعاً به، ومنعه الباقون، لأنّ وجودها من جملة المقدّمات الّتي يتوقّف عليها الحكم في الفرع، فيكفي فيه الظن كما في وجودها في الأصل وفي كونها علّة، وفي نفي المعارض عنها في الأصل والفرع.
الثاني: اتّفقت الأشاعرة 2 على أنّ نصب الوصف سبباً وعلّة من الشارع، وأنّ دليله لابد وأن يكون شرعياً. وسواء كان كونه سبباً وعلّة وحكماً شرعياً، أو لا .
وإنّما اختلفوا في الدليل الدالّ على العلّة الجامعة في القياس .
فقال بعضهم: يشترط فيه أن لا يتناول إثبات الحكم في الفرع، كقول الشافعي في مسألة الفواكه: مطعوم، فجرى فيه الربا قياساً على البر، ثمّ يستدلّ على علّيّة الطعم بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تبيعوا الطعام بالطعام إلاّ مثل بمثل»3 فإنّه وإن دلّ على كون الطعم علّة من حيث الإيماء، إلاّ أنّه يدلّ على تحريم الربا في الفواكه بعموم لفظه .
وقد يتناول دليل العلّيّة حكم الفرع بخصوصه دون حكم الأصل ; كقول الحنفي في مسألة الخارج من غير السبيلين: خارج نجس، فينقض الوضوء كالخارج من السبيلين. ثمّ يستدلّ على علّيّة الخارج النجس

1 . راجع الإحكام: 3 / 268 .
2 . راجع الإحكام: 3 / 268 ـ 270، المسألة التاسعة عشرة.
3 . صحيح مسلم: 5 / 47، باب بيع الطعام مثلاً بمثل ; مسند أحمد: 6 / 400 .

صفحه 279
للنقض بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضّأ».1 فإنّ القيء والرعاف والمذي من حيث هو خارج نجس عنده مناسب لنقض الوضوء، فترتّب الحكم عليه في كلام الشارع يدلّ على التعليل به، لكنّه مع ذلك يتناول حكم الفرع بخصوصه دون حكم الأصل ; لأنّ دليل العلّة إذا استقلّ بالدلالة على الحكم فالاستدلال بالعلّة على الحكم على وجه لابد من إثباتها بدليل يستقلّ بإثبات الحكم المتنازع فيه تطويل بغير فائدة.
واعترض بأنّ الاقتضاء إلى التطويل مناقشة جدلية لا يقدح في صحّة القياس.
الثالث: قد يستدلّ بذات العلّة على الحكم، كقولنا: قتلٌ عمدٌ عدوانٌ، فيكون موجباً للقصاص .
وقد يستدلّ بوصف العلّيّة كقولنا: القتلُ العمدُ العدوان سبب لوجوب القصاص، وقد وجد فيجب القصاص .
والأوّل صحيح دون الثاني، للفرق بين القتل وبين كونه سبباً للقصاص، لانفكاكهما في التصوّر والسببية إضافية فيتوقّف ثبوتها على كلّ واحد من المضافين ; فدعوى سببية القتل لوجوب القصاص يتوقّف على ثبوت القتل، وثبوت وجوب القصاص لأنّ قولنا: هذا سبب لذلك يستدعي تحقّق هذا وتحقّق ذاك حتى يحكم على هذا بكونه سبباً لذلك. فإذا كان

1 . سنن البيهقي: 1 / 142 ; سنن الدارقطني: 1 / 161 .

صفحه 280
دعوى السببية يتوقّف على ثبوت الحكم لم يجز إثبات الحكم بها، وإلاّ دار، فلا يمكن الاستدلال بالعلّيّة على الحكم.
الرابع: لو سلّمنا توقّف التعليل بالمانع على وجود المقتضي فلا حاجة إلى ذكر دليل منفصل على وجود المقتضي، بل يكفي إمّا أن لا يكون المقتضي ثابتاً في الفرع فينتفي الحكم فيه وهو المطلوب، أو يكون لكنه إنّما يثبت فيه تحصيلاً لمصلحة ودفعاً لحاجة، وهذا المعنى قائم في الأصل، فيثبت المقتضي في الأصل. وإذا ثبت ذلك صحّ جواز تعليل عدم الحكم فيه بالمانع.
الخامس: قال قوم1: يجب أن يكون ثبوت الوصف الّذي جعله علّة في الأصل متّفقاً عليه. وهو باطل. لأنّه لما أمكن إثباته بالدليل حصل المقصود، والحق أنّ ذلك قد يعلم بالضرورة، أو بالبرهان، وقد يظنّ بالأمارة.
السادس: حكى عن أبي عباس ابن شريح أنّ الثابت بالقياس إنّما هو الأسماء في الفروع ثمّ تعلّق عليها الأحكام، وكان يتوصل بالقياس إلى أنّ الشفعة شركة ثمّ يجعلها موروثة، وانّ وطي البهيمة زنا ثمّ تعلّق به الحد، وبعض الشافعية كان يقيس النبيذ على الخمر في تسميته خمراً لاشتراكهما في الشدة ثمّ يحرمه بالآية .
وأكثر الفقهاء على أنّ العلل تثبت بها الأحكام ; فإن قصد ابن شريح

1 . راجع المحصول: 2 / 413 .

صفحه 281
المنع من إثبات الأحكام في الفروع بالعلل، فهو قول بإبطال القياس في أكثر المسائل عندهم، لأنّها إنّما تعلّل فيها أحكامها دون أسمائها، والامارة إنّما تدلّ على أنّ الوصف له تأثير في الحكم لا في الاسم، فإنّ علّة تحريم البرّ كونه مكيلاً مثلاً لا مسمّى بأنّه برّ، والأمارة إنّما تدلّ على أنّ للكيل أو للطعم تأثيراً في تحريم التفاضل لا في كونه مسمّى بأنّه بر ثم يرد الأرز إليه ليثبت فيه حكمه ابتداء لا تبعاً للاسم، لأنّا نطلب بالقياس التسمية.
وان أراد أنّ العلل قد يتوصّل بها إلى الأسماء في بعض المواضع ولم يمنع من أن يتوصّل بها إلى الأحكام ; فإن أراد بالعلل العلل الشرعية وبالأسماء الأسماء اللغوية، فهو باطل، لسبق اللغة على الشرع، فلا يجوز إثبات أسمائها بأُمور طارئة عليها ; ولأنّ جميع أمارات الشرع يتعلّق بالأحكام لا باللغات .
وإن أراد أنّ الأسماء قد ثبتت في اللغة بقياس غير شرعي نحو 1 أن يعلم أنّهم سمّوا الجسم الأبيض الذي حضرهم لوجود البياض فيه، لعلمنا أنّه إذا انتفى عنه البياض لم يسمّوه بذلك، فإذا وجد فيه سمّوه بذلك، ثمّ يقيس عليه ما غاب عنه من الأجسام البيض، فغير بعيد .
وإن أراد أنّ من الأسماء الشرعية ما ثبت بالعلل، فغير بعيد أيضاً، لأنّا نعلم أنّ الشريعة سمّت الصلاة صلاة لصفة من الصفات متى انتفت عنها لم تسمّ في الشريعة صلاة، فيعلم أنّ ما يشاركها في تلك الصفة يسمّى صلاة.

1 . في «ب»: بجواز، وفي «ج»: يجوز .

صفحه 281
المنع من إثبات الأحكام في الفروع بالعلل، فهو قول بإبطال القياس في أكثر المسائل عندهم، لأنّها إنّما تعلّل فيها أحكامها دون أسمائها، والامارة إنّما تدلّ على أنّ الوصف له تأثير في الحكم لا في الاسم، فإنّ علّة تحريم البرّ كونه مكيلاً مثلاً لا مسمّى بأنّه برّ، والأمارة إنّما تدلّ على أنّ للكيل أو للطعم تأثيراً في تحريم التفاضل لا في كونه مسمّى بأنّه بر ثم يرد الأرز إليه ليثبت فيه حكمه ابتداء لا تبعاً للاسم، لأنّا نطلب بالقياس التسمية.
وان أراد أنّ العلل قد يتوصّل بها إلى الأسماء في بعض المواضع ولم يمنع من أن يتوصّل بها إلى الأحكام ; فإن أراد بالعلل العلل الشرعية وبالأسماء الأسماء اللغوية، فهو باطل، لسبق اللغة على الشرع، فلا يجوز إثبات أسمائها بأُمور طارئة عليها ; ولأنّ جميع أمارات الشرع يتعلّق بالأحكام لا باللغات .
وإن أراد أنّ الأسماء قد ثبتت في اللغة بقياس غير شرعي نحو 1 أن يعلم أنّهم سمّوا الجسم الأبيض الذي حضرهم لوجود البياض فيه، لعلمنا أنّه إذا انتفى عنه البياض لم يسمّوه بذلك، فإذا وجد فيه سمّوه بذلك، ثمّ يقيس عليه ما غاب عنه من الأجسام البيض، فغير بعيد .
وإن أراد أنّ من الأسماء الشرعية ما ثبت بالعلل، فغير بعيد أيضاً، لأنّا نعلم أنّ الشريعة سمّت الصلاة صلاة لصفة من الصفات متى انتفت عنها لم تسمّ في الشريعة صلاة، فيعلم أنّ ما يشاركها في تلك الصفة يسمّى صلاة.

1 . في «ب»: بجواز، وفي «ج»: يجوز .

صفحه 282
 
الفصل السادس:

في باقي أركان القياس

وفيه مباحث:

الأوّل: في أصل الحكم

في الأصل المقيس عليه قسمان :

الأوّل: أن يكون على وفق قياس الأُصول

وشرائط الأصل فيه ستة 1:
الأوّل: ثبوت حكم الأصل، لأنّ القياس تشبيه الفرع بالأصل في ذلك الحكم، وإنّما يمكن بعد ثبوت الحكم في الأصل، فلا يجوز القياس على أصل نسخ حكمه، لأنّ الحكم إنّما تعدّى من الأصل إلى الفرع بناء على الوصف الجامع، وذلك يتوقّف على اعتبار الشارع، فإذا لم يكن الحكم المترتّب على وفقه ثابتاً شرعاً لم يكن معتبراً.

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 427، الباب الثاني: في شرائط الأصل.

صفحه 283
الثاني: أن يكون طريق معرفة حكم الأصل سمعياً إن كان القياس شرعياً، أمّا عند الأشاعرة فظاهر،1 لأنّ جميع الأحكام عندهم إنّما تعرف بالسّمع .
وأمّا عند المعتزلة، فلأنّه لو كان الطريق عقلياً لكانت معرفة ثبوت الحكم في الفرع عقلية، وكان القياس عقلياً لا سمعياً .
اعترض 2 بأنّ ثبوت الحكم في الفرع يتوقّف على ثبوته في الأصل، وعلى تعليله بالوصف المعين. وعلى حصوله في الفرع فلو قدرت المعرفة الأُولى عقلية جاز أن يكون الباقيان سمعيين، فتكون معرفة حكم الفرع بمقدّمات سمعية، والمبني على السّمعي سمعي، فيكون ثبوت حكم الفرع سمعياً.
الثالث: أن لا يتناول دليل الأصل الفرع، وإلاّ كان اتّصاف أحدهما بالأصالة والآخر بالفرعية ترجيحاً من غير مرجّح .
وفيه نظر، لأنّ المراد إن كان عدم التناول ولو بوجه ما، خرج عنه القياس المنصوص على علّته، مثل حرمت الخمر للإسكار، لتناوله النبيذ بنوع نظر واجتهاد ; وإن كان عدم 3 التناول من بعض الوجه جاز أن يكون أحدها أصلاً لقوة الدلالة فيه والآخر فرعاً بضعفها فيه.

1 . وهو قول الرازي في المحصول: 2 / 427 .
2 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 427 .
3 . ليس في «د».

صفحه 284
الرابع: وجوب ظهور كون ذلك ] الأصل [ معلّلاً بوصف معين، لافتقار ردّ الفرع إليه إلى هذه الواسطة.
الخامس: عدم تأخّر حكم الأصل عند بعضهم، كقياس الوضوء على التيمّم المتأخّر عن الهجرة في وجوب النية، وقد سبق الخلاف فيه. والوجه أن يقال: إن لم يوجد دليل على حكم الفرع سوى ذلك القياس امتنع تقديم حكم الفرع، وإلاّ لزم حصول الحكم من غير دليل، وهو تكليف مالا يطاق، أو أنّه لم يكن حاصلاً فيكون كالنسخ، وإن وجد دليل غيره جاز لجواز تعدّد الأدلّة دفعة ومترتّبة.
السادس: أن لا يكون حكم الأصل ثابتاً بالقياس ولا متفرعاً عن أصل آخر. وهو مذهب أكثر الشافعية والكرخي، خلافاً للحنابلة وأبي عبد الله البصري،1 لأنّ المشترك بين الأصلين إن كان هو المشترك بين الفرع والأصل القريب أمكن رد الفرع إلى البعيد فبلغوا ذكر القريب. مثاله قول الشافعي في السفرجل: «مطعوم» فيجري فيه الربا قياساً على التفاح، ثم يقيس التفاح في تحريم الربا على البر بواسطة الطعم وإن تغايرا ; فإن كانت العلّة في القريب مؤثرة ـ أي ثابتة بنص أو إجماع ـ أمكن إثبات الحكم في الفرع بالعلّة المؤثّرة، ولا حاجة إلى القياس على القريب ثم قياس القريب على البعيد ; وإن كانت مستنبطة كقول الشافعي في فسخ النكاح بالجذام: عيب ثبت به الفسخ في البيع فيثبت به الفسخ في النكاح قياساً على الرتق

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 3 / 215، القسم الأوّل: في شرائط حكم الأصل.

صفحه 285
والقرن، ثم يقيس الرتق والقرن على الجب والعنة بواسطة فوات الاستمتاع لم يصح القياس، لأنّ الحكم في الفرع المتنازع فيه أوّلاً إنّما يثبت بما يثبت به حكم أصله، فإذا كان حكم أصله ثابتاً بعلّة أُخرى وهي ما استنبطت من الأصل الأخير، امتنع تعدية الحكم بغيرها ; لأنّ غيرها لم يثبت اعتبار الشرع له ضرورة أنّ الحكم الثابت معه ] ثابت [ بغيره اتّفاقاً ; فلو ثبت الحكم به في الفرع الأوّل مع عدم اعتباره، كان ذلك إثباتاً للحكم بالمعنى المرسل الخالي عن الاعتبار، وهو محال .
ولو قلنا بجواز تعليل الحكم بعلّتين امتنع هنا، لأنّه لا يمكننا إثبات الحكم في الأصل القريب إلاّ بأن يتوصّل إليه بالعلّة الثابتة في البعيد، ومتى توصّلنا إلى ثبوت تلك العلّة امتنع تعليله بالعلّة الثابتة في الفرع، لأنّ تلك العلّة إنّما عرفت بعد أن عرف تعليل الحكم بعلّة أُخرى، ومتى عرف ذلك كلّه كانت العلّة الثابتة 1 عديمة الأثر فيمتنع التعليل بها .
هذا كلّه إذا كان حكم الأصل مقبولاً من جهة المستدلّ ممنوعاً من جهة المعترض ; وأمّا إن كان بالعكس، كقول الحنفي في مسألة تعيين النية: إذا نوى النفل أتى بالمأمور به، فصحّ; كما لو نوى النفل في الحج الواجب، فإنّ حكم الأصل لا يقول به الحنفي بل الشافعي، فلا يصحّ من المستدلّ بناء الفرع عليه، لأنّه يتضمن اعترافه بالخطأ في الأصل لوجود العلّة فيه من دون الحكم .

1 . في «أ» و «ب»: التامّة.

صفحه 286
أمّا لو قال المستدلّ: هذا هو عندك علّة الحكم في الأصل، وهو موجود في محلّ النزاع، فيلزمك الاعتراف بحكمه، وإلاّ فيلزم إبطال المعنى وانتقاضه لتخلف المعنى عنه من غير مانع، ويلزم من إبطال التعليل به امتناع إثبات الحكم به في الأصل ; فهو أيضاً كالأوّل في الفساد، فإنّ الخصم يقول: الحكم في الأصل ليس عندي ثابتاً بناء على هذا الوصف ; ولأنّ حاصل ما ذكر يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في الفرع ضرورة تصويبه في اعتقاده كون الوصف الجامع علّة للحكم في الأصل المقيس عليه وهو غير لازم، إذ ليس تخطئته في الفرع وتصويبه في التعليل بأولى من العكس، وحينئذ لا يتم الإلزام.

القسم الثاني: أن يكون الحكم في المقيس عليه بخلاف قياس الأُصول

وقد اختلفوا فقال بعض الشافعية والحنفية: يجوز القياس عليه مطلقاً.1
وقال الكرخي 2: لا يجوز إلاّ باعتبارات ثلاثة:
الأوّل: أن يكون قد نصّ على علّة الحكم، فإنّ النصّ عليه كالتصريح بوجوب القياس عليه.
الثاني: أن يجمع الأُمّة على تعليله وإن اختلفوا في تعيين العلّة.

1 . ذكره عنهم الرازي في المحصول: 2 / 429 .
2 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 429 .

صفحه 287
الثالث: أن يكون القياس عليه موافقاً للقياس على أُصول أُخر .
والوجه أنّ الوارد بخلاف قياس الأُصول إن كان مقطوعاً به كان أصلاً بنفسه، لأنّه المراد بالأصل في هذا الموضع، فساوى القياس عليه القياس على غيره، فوجب أن يرجِّح المجتهد بين القياسين .
وتوضيحه: أنّ العموم إذا لم يمنع من قياس يخصّه فأولى أن لا يكون القياس على العموم مانعاً من قياس يخالفه، لأنّ العموم أقوى من القياس.
احتجّ المخالف: بأنّ الخبر يخرج من القياس ما ورد فيه، وما عداه باق على قياس الأُصول .
واعترض 1: بأنّه إذا خرج ما ورد فيه ودلّت أمارة على علّيّته اقتضى إخراج ما شاركه في تلك العلّة. ثمّ ليس بأن لا يخرج لشبهه بالأُصول بأولى من أن يخرج لشبهه بالمنصوص عليه. أمّا إذا كان غير مقطوع به فإن لم يكن علّة حكمه منصوصة، وإلاّ كان القياس عليه أقوى من القياس على الأُصول، فالقياس على الأُصول أولى من القياس عليه، لأولوية القياس على ما طريق حكمه معلوم على ما لا يكون الطريق معلوماً. وإن كانت منصوصة استوى القياسان، لاختصاص القياس على الأُصول بعلم طريق حكمه، وإن كان طريق علّته غير معلوم بل مظنون وهذا بالعكس فقد حصل لكلّ منهما مزية قوة .
وإذا عرفت أنّ شرط حكم الأصل أن لا يكون معدولاً به عن سنن

1 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 429 ـ 430 .

صفحه 288
القياس، فاعلم أنّ المعدول به عن سنن القياس:
إمّا أن لا يعقل معناه، فإمّا أن يكون مستثنى عن قاعدة كلّية عامّة، كقبول شهادة خزيمة وحده. فإنّه مع كونه غير معقول المعنى مستثنى عن قاعدة الشهادة ; أو غير مستثنى، كأعداد الركعات وقدر نصب الزكاة ومقادير الحدود والكفّارات فإنّه مع كونه غير معقول المعنى غير مستثنى من قاعدة سابقة عامّة. وعلى كلا التقديرين يمتنع فيه القياس .
وإمّا أن يكون قد شرع ابتداء ولا نظير له، فلا يجري فيه القياس لعدم النظير، سواء عقل معناه كرخص السفر لدفع المشقة، أو لا كاليمين في القسامة وضرب 1 الدية على العاقلة ونحوه.

تتمة

يشتمل على ما جعل شرطاً عند بعضهم دون بعض وهو ثلاثة 2:
الأوّل: زعم عثمان البَتّيّ 3 أنّه لا يقاس على الأصل إلاّ بعد أن تقوم دلالة على جواز القياس عليه .

1 . في «ب» و «د»: وجوب .
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 430 ـ 431 .
3 . هو أبوعمرو عثمان بن مسلم بن جرموز البتّي البصري، كان يبيع البتوت ـ ثياباً بالبصرة ـ فنسب إليها. روى عن: أنس بن مالك، والحسن البصري، وأبي الخليل صالح بن أبي مريم، وعامر الشعبي. وروى عنه: إسماعيل بن علية، وأشعث بن عبدالملك، وحماد بن سلمة، وسفيان الثوري، وغيرهم. تهذيب الكمال: 19 / 493 برقم 3862 .

صفحه 289
وخالف الباقون لعموم: (فَاعْتَبِرُوا)1، ولأنّ ظن التعليل وحصوله في الفرع يقتضي ظن مساواة حكم الفرع حكم الأصل والعمل بالظن واجب، ولعدم اشتراط الصحابة ذلك في قياساتهم كمسألة الحرام والجدِّ وغيرهما.
الثاني: زعم بشرالمريسي 2 أنّ شرط الأصل انعقاد الإجماع على تعليل حكمه وثبوت النص على عين تلك العلّة .
وخالف فيه الباقون لما تقدّم، ولمّا شرطنا نحن التنصيص على العلّة كان قول بشر هو الوجه.
الثالث: قال قوم: الأصل المحصور بالعدد ولا يجوز القياس عليه. كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خمس يقتلن في الحرم». 3 قالوا: لا يجوز القياس عليه، لأنّ التخصيص بالذكر يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه، ولأنّ جواز القياس عليه يبطل الحصر .
وجوّزه الباقون للعموم، وقد ورد القياس عندهم على الأشياءالستة في الربا.

1 . الحشر: 2 .
2 . هو أبو عبدالرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي البغدادي المريسي، كان عين الجهمية في عصره، له تصانيف منها: كتاب الإرجاء، كتاب الرد على الخوارج، وكتاب الاستطاعة، والرد على الرافضة في الإمامة وغيرها. توفّي في آخر سنة ثماني عشرة ومائتين وقد قارب الثمانين. سير أعلام النبلاء: 10 / 199 برقم 45 .
3 . بداية المجتهد: 292. وفي صحيح البخاري: 4 / 99، كتاب بدء الخلق ; وصحيح مسلم: 4 / 18، باب ما يندب للمحرم: خمس فواسق يقتلن في الحرم.

صفحه 290
   
 
البحث الثاني: في القياس المركّب 1
ونعني به أن يكون حكم الأصل متّفقاً عليه بين المناظرين ويكون مختلفاً فيه بين الأُمّة ولا يكون حكم الأصل منصوصاً عليه ولا مجمعاً عليه.
أمّا مركب الأصل أو الوصف فالأوّل ما اتّفق فيه الخصمان على حكم الأصل واختلفا في العلّة ; كقول الشافعي في مسألة قتل الحر بالعبد: عبد فلا يُقتل به الحر كالمكاتب ، فإنّ الأصل وهو المكاتب غير منصوص عليه ولا مجمعاً عليه بين الأُمّة، لوقوع الخلاف في وجوب القصاص على قاتله، وإنّما هو متّفق عليه بين الشافعي وأبي حنيفة .
فللحنفي أن يقول: العلّة في المكاتب المتّفق عليه جهالة المستحقّ للقصاص من السيد أو الورثة لا العبودية. فإن سلمت العلّة بطل إلحاق العبدية، وإن بطلت منعت الحكم في الأصل، لأنّ الحكم فيه إنّما ثبت بناء على هذه العلّة. وقلت بوجوب القصاص في المكاتب فيمتنع القياس لعدم انفكاكه عن عدم العلّة في الفرع أو منع الحكم في الأصل ولا محذور في نفي الحكم لانتفاء مدركه، إذ لم يلزم منه مخالفة نص ولا إجماع.
وسمّي هذا النوع قياساً مركباً لاختلاف الخصمين في علّة الأصل.
واعترض2: بأنّه لو كان علّة التسمية ذلك اطّرد 3 في كلّ قياس

1 . راجع الإحكام: 3 / 218 ـ 221، الشرط السادس .
2 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3 / 219 .
3 . في «أ» و «ج»: لطرد، وفي «ب»: اطراد .

صفحه 291
اختلف في علّة أصله وإن كان منصوصاً عليه أو متّفقاً عليه بين الأُمّة .
وفيه نظر، لعدم وجوب اطّراد الاسم باطّراد علّته .
وقيل: العلّة في التسمية اختلاف الخصمين في تركيب الحكم على العلّة في الأصل، فإنّ المستدلّ يزعم أنّ العلّة مستنبطة من حكم الأصل وهي فرع له. والمعترض يزعم أنّ الحكم في الأصل فرع على العلّة وهي مثبتة له; وأنّه لا طريق إلى إثباته غيرها، وأنّها غير مستنبطة منه ولا هي فرع عليه، ولذلك منع ثبوت الحكم عند إبطالها. وسمّي مركب الأصل، لأنّه نظر في علّة حكم الأصل .
والثاني وهو مركب الوصف ما وقع الاختلاف فيه في وصف المستدلّ هل له وجود في الأصل أم لا؟ كقول المستدلّ في تعليق الطلاق بالنكاح تعليق فلا يقع قبل النكاح، كما لو قال: زينب الّتي أتزوّجها طالق. فللخصم أن يقول: لا نسلّم وجود التعليق في الأصل، بل هو تنجيز فإن ثبت أنّه تعليق منعت الحكم وقلت بصحّته، كما في الفرع، ولا محذور في المنع لعدم النص والإجماع. وسمّي مركّب الوصف، لأنّه خلاف في نفس الوصف الجامع .
إذا عرفت أقسامه 1 فنقول: المجتهد إن كان له مدرك في ثبوت حكم الأصل غير النص أو الاجماع فالقياس صحيح عند القائلين به، لأنّه غلب في ظنّه صحّة القياس فلا يكابر نفسه فيما أوجب ظنّه ; وإن لم يكن

1 . أي أقسام القياس المركّب.

صفحه 292
له مدرك غيرهما تعذّر القياس لتعذّر إثبات حكم الأصل .
وأمّا المناظر فإمّا أن يكون الخصم مجتهداً أو مقلّداً .
فإن كان مجتهداً وظهر في نظره إبطال المدرك الّذي بُني عليه حكم الأصل، فله منع حكم الأصل، وحينئذ لا ينتفع بالقياس بالنسبة إلى الخصم.
وإن كان مقلِّداً فليس له منع حكم الأصل وتخطئة إمامه فيه، لعجزه عن تقرير 1 كلامه مع المستدلّ لاحتمال أن يكون المأخذ لإمامه غير ما عنيه المعترض، ولو كان فلا يلزم من عجز المقلّد عجز إمامه، لأنّه أعرف بوجه ما ذهب إليه .
وقيل: إنّه وإن كان لابدّ من تخطئة إمام المعترض إمّا في أصل القياس أو فرعه، فليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع، وهو خطأ ; لأنّه كما ليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع، فليس للمستدل تخطئة إمام المعترض في الفرع دون الأصل ولا أولوية .
لا يقال: التخطئة في الفرع أولى لوقوع الخلاف بين إمام المستدلّ وإمام المعترض، بخلاف حكم الأصل.
لأنّا نقول 2: كما وقع الخلاف في الفرع بين الإمامين فكذا وقع في الأصل بين الأئمة، لعدم الإجماع فيه، وليس موافقة إمام المستدل في الفرع أولى من موافقة المخالف في الأصل.

1 . في «ب» و «د»: تقدير.
2 . ذكر الإشكال والجواب عنه الآمدي في الإحكام: 3 / 221 .

صفحه 293
 
البحث الثالث: في الفرع
ويشترط فيه أُمور 1:
الأوّل: أن يوجد فيه مثل علّة حكم الأصل من غير تفاوت لا في الماهية ولا في الزيادة ولا النقصان ; لأنّ القياس التعدية من محلّ إلى آخر، وإنّما تحصل إذا كان الحكم المثبت في الفرع مثل المثبت في الأصل .
ولا ينتقض بقياس العكس لما بيّنّا: أنّ قياس العكس عبارة عن التمسّك بنظم التلازم ابتداءً، ثمّ إنّا نثبت مقدّمته الشرطية بقياس الطرد .
وفيه نظر، لأنّ العلّة لو كانت موجودة في الفرع أزيد كان ثبوت الحكم فيه أولى.
الثاني: أن يكون خالياً عن معارض راجح يقتضي نقيض ما اقتضته علّة القياس إن جوّزنا تخصيص العلّة، وإلاّ فلا حاجة إلى اشتراطه.
الثالث: أن تكون علّة الفرع مشاركة لعلة الأصل، إمّا في عينها كتعليل تحريم شرب النبيذ بالشدة المطربة المشتركة بينه و بين الخمر، أو في جنسها كتعليل وجوب القصاص في الأطراف بجامع الجناية المشتركة بين القتل والقطع، لأنّ التعدية إنّما تثبت لو شارك الفرع الأصل في عموم علّته أو خصوصها .

1 . راجع المحصول: 2 / 431 ـ 433، الباب الثالث في الفرع; الإحكام: 3 / 273 ـ 276، القسم الثالث في شروط الفرع.

صفحه 294
الرابع: إنّما يماثل حكم الفرع حكم الأصل في عينه، كوجوب القصاص في النفس المشترك بين المثقل والمحدّد، أو جنسه كإثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها قياساً على إثباتها في مالها، فإنّ المشترك جنس الولاية لا عينها، ولولاه بطل القياس، لأنّ شرع الأحكام ليس مطلوباً لذاته، بل لاقتضائه إلى مقاصد العباد، سواء ظهر المقصود أو لا، فإذا ماثل حكم الفرع الأصل علمت المماثلة بين ما يحصل به من المقصود وبين ما يحصل من حكم الأصل لاتّحاد الوسيلة .
أمّا لو خالف حكم الفرع حكم الأصل مع أنّه الوسيلة إلى تحصيل المقصود فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفاً لإفضاء حكم الأصل إليها .
والمخالفة بينهما في الإفضاء إمّا أن يكون لزيادة في إفضاء حكم الأصل إليها، فلا يلزم من شرع الحكم في الأصل رعاية الأصل المقصود وزيادة الإفضاء إليه بشرع حكم الفرع تحصيلاً لأصل المقصود دون زيادة الإفضاء إليه، لأنّ زيادة الإفضاء إلى المقصود مقصودة للعقلاء أو في إفضاء حكم الفرع، وهو ممتنع للاتّفاق على امتناع ثبوت مثل حكم الفرع في الأصل .
وعند ذلك فتنصيص الشارع على حكم الأصل دون حكم الفرع يدلّ على أنّ حكم الأصل أفضى إلى المقصود من حكم الفرع، إذ لو كان حكم الفرع أفضى لكان أولى بأن ينص عليه .

صفحه 295
اعترض: بأنّ هذا فرع الاختلاف في الأحكام الشرعية. وهو باطل
عند الأشاعرة 1، لأنّ حكم الله تعالى كلامه، وذلك لا اختلاف فيه، بل
في تعلّقاته ومتعلّقاته، وحكمه تعالى بالوجوب والتحريم من حيث هو كلام الله تعالى واحد لا تخالف بينهما ; وإن اختلفا فلخارج، كالذمّ على الترك أو على الفعل بسبب اختلاف محل الخطاب ; وذلك لا يوجب اختلاف ماهية الحكم، كاشتراك الصّلاة والصوم في الوجوب، والقتل والزنا في التحريم .
سلّمنا الاختلاف لكن يجوز أن يكون إفضاء حكم الفرع إلى المقصود أتمّ من إفضاء حكم الأصل إليه. ولا يلزم التنصيص عليه بجواز قصد التنبيه بالأدنى على الأعلى، أو يحتمل وجود مانع من التنصيص عليه لا وجود له في حكم الأصل .
وأُجيب بأنّ حكم الشرع ليس مطلق الخطاب، بل المقيد بتعلّق خاص، فإذا اختلفت المتعلّقات اختلفت الأحكام لدخولها في حقيقتها.
ولو كانت فائدة تخصيص حكم الأصل بالتنصيص عليه للتنبيه به على حكم الفرع لكان حكم الفرع ثابتاً بحكم الموافقة لا بالقياس، ولجاز إثباته في الأصل، وهو ممتنع .
والمانع من التنصيص منتف ; لأنّه إمّا أن يكون من لوازم صورة الأصل، أو من لوازم مثل حكم الفرع، أو من لوازم اجتماع الأمرين .

1 . وهو قول الآمدي في الإحكام: 3 / 274 .

صفحه 296
فإن كان الأوّل، لزم منه امتناع إثبات حكم الأصل في الأصل بطريق الأولى ضرورة كون مقصوده أدنى من مقصود حكم الفرع على ما وقع به الفرض .
وإن كان الثاني، لزم منه امتناع ثبوته في الفرع أيضاً ضرورة انّ ما هو المانع من إثباته في الأصل من لوازم نفس ذلك الحكم .
وإن كان الثالث، فالأصل عدمه .
وفيه نظر، لما تقدّم من أنّ التعلّق حادث، لأنّه إضافة متأخّرة عن المتعلّق الحادث، فلا يكون جزءاً من حكمه تعالى لقدمه عندهم.
الخامس: قال بعضهم: يجب أن يكون حصول العلّة في الفرع معلوماً لا مظنوناً.
والباقون على خلافه،1 لعموم (فَاعْتَبِرُوا)2; ولأنّ القاضي يحدّ الزاني والسّارق عند الظهور له ويقضي بوجوبه مع عدم علمه بوجود الزنا، لأنّ الشهادة تثمر الظن لا العلم ; ولأنّه قد حصل ظنّ التعليل بذلك الوصف وظنّ وجوده في الفرع، فيحصل ظنّ أنّ الحكم في الفرع مثل الحكم في الأصل، فيجب العمل عليه.
السادس: قال أبو هاشم3: حكم الفرع يجب أن يكون منصوصاً

1 . وهو مذهب الرازي في المحصول: 2 / 431 ـ 432 .
2 . الحشر: 2 .
3 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 432 .

صفحه 297
عليه إجمالاً حتى يدلّ القياس على تفصيله، والجدّ لولا ورود الشرع بتوريثه جملة وإلاّ لم يستعمل الصحابة القياس فيه مع الإخوة. وخالفه الباقون، لأنّ الأدلّة لا تقتضي ذلك.
السابع : يشترط أن لا يكون الفرع منصوصاً عليه ، وإلاّ لثبت
حكمه بالنصّ لا بالقياس، فإن وجد فيه نص جاز أن يستدلّ عليه بالقياس عند من جوّزه، لجواز ترادف الأدلّة على مدلول واحد. ومنعه بعضهم،
لأنّ معاذاً إنّما عدل إلى الاجتهاد بعد فقد النص فلا يجوز استعماله مع وجوده. ولدلالة الدليل على بطلان العمل بالقياس، لإفادته الظنّ المنهي عن اتباعه ترك العمل به في غير المنصوص لحاجة، فيبقى المنصوص على الأصل.
وأُجيب بدلالة قصة معاذ على جواز التمسّك بالقياس عند فقد النصّ، فأمّا عند وجود النصّ فلا دليل فيه على جوازه، ولا بطلانه .
واعترض: بأنّ جواز القياس فيها معلّق بعدم وجدان النص بكلمة «ان»، والمعلّق بالشرط بكلمة «انّ» عدم عند عدمه .
وفيه نظر، لأنّ المعلّق ليس جواز القياس، بل فعل الاجتهاد، لأنّه قال: فإن لم تجد قال: اجتهد رأيي، وهو يدلّ على أنّه إذا وجد لا يجتهد، أمّا بأنّه لا يجوز فلا.

صفحه 298
 
البحث الرابع: في الأحكام المتعلّقة بالحكم
وفيه مطالب:

الأول: في القياس في العقليّات

ذهب أكثر المتكلّمين إلى صحّة القياس في العقليّات، ومنه نوع يسمّى إلحاق الغائب بالشاهد. ولابدّ فيه من جامع عقلي .1
أمّا العلّة، كقول الأشاعرة 2: العالمية شاهداً معلّلة بالعلم، فوجب في الغائب ذلك .
وأمّا الحدّ كما يقال: حد العالم شاهداً من له العلم، فيجب طرد الحد في الغائب .
وأمّا الشرط كما يقال: العلم مشروط بالحياة شاهداً، فكذا الغائب .
وأمّا الدليل كما يقال: التخصيص والأحكام يدلاّن شاهداً على الإرادة والعلم، فكذا في الغائب .
وأقواها العلّة، ويتوقّف القياس بها على مقدّمتين: التعليل بالعلّة، ووجودها في الفرع .
فإن حصل العلم بالمقدّمتين، حصل بثبوت الحكم في الفرع. وإن

1 . في المحصول: 2 / 414 بزيادة العبارة التالية: والجامع اربعة: العلّة، والحدّ، والشرط، والدليل.
2 . وهو مذهب الرازي في المحصول: 2 / 414 .

صفحه 299
كانت إحداهما ظنية، كان الحكم فيه ظنياً. وإنّما قلنا بحصول العلم عند حصوله بالمقدّمتين ; لأنّه إذا ثبت تأثير ذلك المعنى فإمّا أن يعتبرفي المؤثر به حصوله في صورة الأصل، فيلزم إدخال قيد كون المعنى هناك في تمام العلّة، إذ مرادنا به كلّ ما لابد منه في المؤثرية، وإمّا أن لا يعتبر فيلزم التعليل في الفرع وإلاّ لكان في الأصل تمام العلّة ومستلزماً للحكم وهو في الفرع تمام العلّة وليس مستلزماً فيكون ترجيحاً من غير مرجّح، لعدم اختلافه في الصورتين لا باعتبار زوال شيء كان، ولا باعتبار تحدد ما لم يكن، ولا فرق في العقليات وغيرها.
لا يقال: حاصله الاستدلال بحصول العلّة على حصول المعلول، وليس ذلك بقياس .
لأنّا نقول1: بل هو القياس، فإنّا إذا رأينا الحكم في صورة ثمّ دلّ الدليل على أنّ المؤثر هوكذا وعلى حصوله في الفرع حصل علم ثبوته فيه. نعم تعيّن المقدّمتين مشكل، لأنّ الحاصل في الفرع وإن كان مثل الحاصل في الأصل لكن لابدّ من مغايرة تمايز وهوية وإلاّ اتّحدا شخصاً، فجاز أن يكون للتعيين مدخل في العلّية في الأصل أو في المانعية في الفرع .
وقد استدلّ المتكلّمون على تعيين العلّة بوجوه 2:
الأوّل: التقسيم غير الحاصر تعويلاً على أنّهم بحثوا فلم يجدوا قسماً آخر، وهو دليل العدم، كالمبصر إذا لم يشاهد في الدار مطلوبه بعد النظر

1 . ذكر الإشكال والجواب عنه الرازي في المحصول: 2 / 415 .
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 416 .

صفحه 300
إلى جوانبها نهاراً، فإنّه يقطع بعدمه. وهو ضعيف، إذ كثير من الموجودات غير معلوم لنا بعد الطلب والبحث، والقياس على البصر خال عن الجامع، ومعه فهو إثبات القياس بنفسه.
الثاني: الدوران الخارجي. وقد تقدّم ضعفه.
الثالث: الدوران غير الخارجي، كقولهم: متى عرفنا كون التكليف أمراً بالمحال، عرفنا قبحه وإن جهلنا غيره. ومتى لم نعرف كونه أمراً بالمحال لم يعرف قبحه وإن عرفنا جميع الصفات فقد دار العلم بقبحه مع العلم بكونه أمراً بالمحال في الذهن. وهذا الدّوران الذهني يفيد الجزم باستناد القبح إلى الأمر بالتكليف وهو يشتمل ] على [ أمرين:
أ. لمّا لزم من علم الأمر بالتكليف العلم بقبحه، لزم تعليل قبحه بكونه أمراً بالتكليف .
ب. لمّا لم يلزم من علم باقي صفاته العلم بقبحه لم يؤثر باقيها في القبح ولابدّ من الدلالة عليهما، لأنّهما نظريان.
وينتقض الأوّل بالمضافين 1، فإن علم أُبوّة شخص يستلزم بنوة آخر، وبالعكس مع استحالة تعليل أحدهما بالآخر لوجوب مقارنتهما وتقدّم العلّة.
وأمّا الثاني. فلا يمكن القطع بأنّ معرفة سائر الصفات لا يحصل معها علم القبح إلاّ بعد معرفة جميع الصفات، إذ لو جوّزنا وجود صفة لا نعرفها

1 . في «د»: بالمضاف.

صفحه 301
جوزنا وجوب العلم بالقبح عند العلم بها، ومع التجويز لا تتم المقدّمة .
سلّمنا عدم لزوم علم القبح من العلم بسائر الصفات فلِمَ قلت: إنّه يدلّ على أنّ سائر الصفات ليست مؤثرة في القبح؟
وهاتان المقدّمتان أحدهما من الفلاسفة: فإنّ العلم بالعلّة علّة علم المعلول، وكلّ ما هو علّة للقبيح يلزم من العلم به العلم بالقبح .
وزعموا: أنّ اليقين بوجود المعلول إنّما يحصل من العلم بعلّته، فلمّا لزم علم القبح عند علم كونه أمراً بالتكليف ] بالمحال [، علمنا أنّ علّة القبح ذلك. وهاتان المقدّمتان قد بيّنا ضعفهما في كتاب «النهاية».

المطلب الثاني: في القياس هل يجري في اللغة أم لا؟

قد سبق البحث في ذلك في أوّل الكتاب، ولمّا تعلّقت هذه المسألة بالقياس وأهملنا بعض الحجج من الجانبين أثبتناها هنا أيضاً .
قال ابن جني في «الخصائص»: إنّه قول أكثر علماء العربية، كالمازني وأبي علي الفارسي .
وهو قول ابن سريج، وأنكره أكثر الشافعية وجمهور الحنفية .1
احتجّ الأوّلون بوجوه2:
الأوّل: عصير العنب لا يسمّى خمراً قبل الشدة، فإذا حصلت سُمّي

1 . نقله عنهم الرازي في المحصول: 2 / 418 .
2 . وهي مذهب الرازي في المحصول: 2 / 418 ـ 419 .

صفحه 302
به، فإذا تكرر ذلك حصل ظن انّ علّة ذلك الاسم هو الشدة ; فإذا رأيناها حاصلة في النبيذ، حصل ظن ثبوت الاسم لظن وجود علّته; وإذا حصل ظن أنّه مسمّى بالخمر وعلمنا أو ظننّا تحريم الخمر، حصل ظن أنّ النبيذ حرام والظن حجّة، فوجب الحكم بحرمة النبيذ .
اعترض: بأنّ الدّوران يفيد ظن العلّيّة فيما يحتملها، وهنا لم يوجد الاحتمال لعدم المناسبة بين شيء من الألفاظ وشيء من المعاني، فاستحال أن يكون المعنى داعياً للواضع إلى التسمية .
سلّمنا ظنّ العلّيّة، لكن إنّما يلزم من وجودها في الفرع حصول الحكم فيه لو جعلها الشرع علة، فإنّه لو قال: «أعتقت غانماً لسواده» لم يعتق سودان عبيده، لأنّ ما يجعله الإنسان علّة لحكم لا يجب أن يتفرّع عليه الحكم في صورة وجوده، فكذا هنا لا يلزم من كون الشدة علّة (للاسم حصوله في صورة وجود الشدّة) 1، إلاّ إذا عرف أنّ الواضع هو الله تعالى .
وأُجيب عن: أ. أنّه لا يمكن جعل المعنى علّة للاسم إذا فسّرت العلّة بالداعي أو المؤثر، ويمكن لو فسّرت بالمعرف كما جعل ] الله [الدلوك علّة لوجوب الصلاة، لا بمعنى أنّه مؤثر أو داع بل أنّه معرف .
وفيه نظر، لأنّ المعرّف إنّما يجب وجود المعرف معه لو استند التعريف إلى الله تعالى، أمّا إلى غيره فلا.
وعن ب. أنّ اللّغات توقيفية، وهو ممنوع لما تقدّم .

1 . العبارة في المحصول: 2 / 419 كما يلي: لذلك الاسم حصول ذلك الاسم أينما حصلت الشدة.

صفحه 303
الثاني: وهواعتماد المازني والفارسي أنّ أهل اللغة أجمعوا على رفع كلّ فاعل ونصب كلّ مفعول، وكذا وجوه الإعرابات، ولم يثبت إلاّ قياساً، لأنّهم لما وصفوا بعض الفاعلين به واستمروا فيه، علم أنّه ارتفع لكونه فاعلاً، وانتصب لكونه مفعولاً .
ولا يعارضه وجود فاعل غير مرتفع ولا مفعول غير منتصب، لجواز تخلّف المعلول لمانع، وهو غير قادح في العلّيّة عند من جوّز تخصيصها، ومن يمنعه يجعل القيد العدمي جزءاً منها .
وفيه نظر، لأنّ التعميم ليس بالقياس، بل بالوضع كأسماء الأجناس.
الثالث: إجماع أهل العربية على رفع ما لم يسمّ فاعله لشبهه بالفاعل في إسناد الفعل إليه. ولم تزل النحاة من البصريين والكوفيّين يعلّلون أحكام الإعراب بأنّ هذا يشبه ذاك في كذا، فيشبهه في الإعراب، وإجماعهم في اللغة حجّة .
وفيه نظر، فإنّ النحويّين لم يدّعوا التعليل في الموضع، بل ذكروا وجه الحكم.1
احتجّ الآخرون بوجوه2:
الأوّل: قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا)3دالّ على أنّ الأسماء بأسرها توقيفية، فلا يثبت شيء منها بالقياس.

1 . في «أ»: الحكمة.
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 420 .
3 . البقرة: 31 .

صفحه 304
الثاني: لو صرّح أهل اللغة وقالوا: «قيسوا» لم يجز القياس، كقوله: «أعتقت غانماً لسواده» ثمّ يقول: «قيسوا» فإنّه لا يجوز، فإذا لم يجز عند التصريح بالأمر بالقياس، فمنع الجواز مع أنّه لم ينقل عن أهل اللغة نص في ذلك أولى.
الثالث: القياس إنّما يجوز عند تعليل حكم الأصل المتوقّف على المناسبة، وهي منفية بين اللفظ والمعنى، وإذا امتنع التعليل امتنع القياس.
الرابع: وضع اللغة ينافي جواز القياس فإنّهم لم يطردوا الأسماء مع الاتّفاق فيما يظن علّة، فقد سمُّوا الفرس الأسود أدهم ولم يسمّوا الحمار الأسود به، وسمُّوا الفرس الأبيض أشهب دون الحمار الأبيض، و ] سمّوا  [صوت الفرس: «صهيلاً» وصوت الحمار: «نهيقاً» وصوت الكلب: «نباحاً»، والقارورة سمّيت به للاستقرار، وهو 1 موجود في الحياض والأنهار مع انتفاء التسمية، والخمر سمّي باسمه لمخامرتها العقل، ثمّ المخامرة حاصلة في الإفيون وغيره مع انتفاء الاسم، والقطع في الأنف يسمى جدعاً دون غيره .
اعترض 2 على الأوّل . أنّه تعالى لم يبيّن أنّه علّم الكلّ توقيفاً فجاز أن يكون البعض توقيفاً والبعض الآخر تنبيهاً بالقياس، أو أنّ آدم علمها توقيفاً وعلمناها نحن قياساً كالقبلة قد تدرك حساً واجتهاداً .

1 . أي ذلك المعنى الحاصل من التسمية.
2 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 421.

صفحه 305
وفيه نظر، لأنّ المفهوم من التعليم التوقيف، ولهذا يقال: لم تعلّمني الجميع بل البعض واستنبطت منه الباقي، وعلمنا نحن بالقياس إنّما يصحّ مع ثبوت المناسبة، وهي غير معقولة هنا، لأنّا لا نعلم الداعي إلى تخصيص الألفاظ ببعض المعاني ولم يضعوا علامة عليه ليقاس عليه مشاركة.
وعلى الثاني. بادّعاء تواتر النقل عن أهل اللغة بأنّهم جوّزوا القياس، فإنّ كتب النحو والتصريف والاشتقاق مشحونة بالأقيسة، وأجمع العلماء على وجوب الأخذ بها، لعدم إمكان التفسير للقرآن والأخبار إلاّ بتلك القوانين .
وعلى الثالث. بأنّ العلّة هي المعرِّف لا الداعي ولا المناسب، فلا يقدح عدم المناسبة فيه. وقد تقدّم ضعفه.
وعلى الرابع. أنّ هذه الصورة لا تقدح في العمل بالقياس كصور النظّام.
والتحقيق أنّ اسم الخمر مثلاً إن جعلتموه موضوعاً للنبيذ باعتبار أنّه صادق عند تحقّق الإسكار وكاذب عند عدمه، فيكون الإسكار علّة في الوضع، لم يجب التعدية لعدم وجوبها في المأخوذ من المعنى، كالقارورة والدبران وغيرهما، فهذا أولى .
وإن قلتم: «إنّه موضوع للخمر، لأنّه وضع للإسكار» فهو باطل، لانتفاء الاشتراك والمجاز حينئذ .
وإن قلتم: «إنّه علامة» لم يجب الاطراد كما قلناه.

صفحه 306
 
المطلب الثالث: في منع القياس في الأسباب
اختلف الناس في ذلك. فذهب أكثر الشافعية إلى جواز القياس في الأسباب، ومنع منه أبو زيد 1 والحنفية، وهو الحقّ .2
مثاله: إثبات كون اللواط سبباً للحد بالقياس على الزنا ; لأنّ قياس اللواط على الزنا في كونه موجباً للحد إن كان بقولنا: إنّ كون الزنا موجباً للحدّ، لأجل وصف مشترك بينه و بين اللواط، كان الموجب للحدّ هو ذلك المشترك، فيخرج وصفا الزنا واللواط عن السببية ، لأنّ الحكم لما استند إلى القدر المشترك استحال استناده إلى خصوصية كلّ واحد منهما. فإذن: شرط القياس بقاء حكم الأصل، والقياس في الأسباب ينافي بقاء حكم الأصل، بخلاف القياس في الأحكام فإنّ ثبوت الحكم في الأصل لا ينافي التعليل بالمشترك. وإن كان لا بذلك بل قيل: إنّ كون الزنا موجباً للحد ليس لوصف مشترك بينه و بين اللواط، استحال قياس اللواط عليه، لانتفاء الجامع .
لا يقال: الجامع بين الوصفين لا يكون له تأثير في الحكم، بل تأثيره

1 . هو أبو زيد عبدالله بن عمر بن عيسى الدبوسي، نسبته إلى دبوسية وهي مدينة بين بخاري وسمرقند ; له مصنّفات منها: «تأسيس النظر ـ ط» فيما اختلف به الفقهاء أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي، «الأسرار» في الأُصول والفروع، «تقويم الأدلّة» في الأُصول، وغيرها. توفّي في بخارى سنة 430 هـ عن عمر يناهز 63 سنة. الأعلام: 4 / 109 .
2 . وهو مختار الرازي في المحصول: 2 / 421، المسألة الثالثة، والآمدي في الإحكام: 4 / 67، المسألة الخامسة .

صفحه 307
في علِّيَّة الوصفين، والحكم إنّما يحصل من الوصف .
لأنّا نقول 1: هذا باطل، لأنّ علِّيَّة العلّة صالحة لعلّية الحكم، فلا حاجة إلى الواسطة .
وأيضاً الحكمة الّتي يكون الوصف سبباً بها في الحكمة الّتي لأجلها يكون الحكم المرتّب على الوصف ثابتاً، وحينئذ فقياس أحد الوصفين على الآخر في حكم السببية لابد وأن يكون لاشتراكهما في حكمة الحكم بالسببية .
وتلك الحكمة إمّا أن تكون منضبطة بنفسها غير مضطربة، أو خفية غير منضبطة .
فإن كان الأوّل، فإمّا أن يقال: بأنّ الحكمة إذا كانت منضبطة صحّ التعليل بها، فتكون مستقلة بإثبات الحكم المرتّب على الوصف، ولا حاجة إلى الوصف المحكوم عليه بكونه سبباً للاستغناء عنه ; وإمّا أن لا يصحّ، فيمتنع التعليل والجمع بين الأصل والفرع بها .
وإن كانت خفية مضطربة ; فإن كانت منضبطة بضابط لها، فهو السبب، وهو القدر المشترك بين الأصل والفرع ولا حاجة إلى النظر إلى خصوص كلّ من الوصفين المحكوم على أحدهما بالأصالة، وعلى الآخر بالفرعية.

1 . ذكر الإشكال وأجاب عنه الرازي في المحصول: 2 / 422 .

صفحه 308
وإن لم تكن منضبطة بضابط، فالجمع بها ممتنع لاحتمال التفاوت فيها بين الأصل والفرع، لاختلاف الحكم باختلاف الصور والأشخاص والأزمان والأحوال .
لا يقال: يجوز أن يكون الجامع هو الحكمة، والتفاوت وإن احتمل إلاّ أنّ احتمال التساوي أرجح ; لأنّ الحكمة يحتمل أن تكون في الفرع مساوية لما في الأصل، وأن تكون راجحة، وأن تكون مرجوحة. والمساواة ثابتة على الأوّلين وكونها مرجوحة ثابتة على الثالث، ووقوع احتمال من اثنين أغلب من احتمال واحد بعينه; ثمّ ينتقض بجعل القتل بالمثقل سبباً لوجوب القصاص بالقياس على القتل بالمحدد، وجعل اللواط سبباً للحد بالقياس على الزنا، والنية في الوضوء شرطاً لصحّة الصلاة بالقياس على نية التيمّم.
لأنّا نقول: ما ذكروه من ظهور التساوي في الحكمة إن كان كافياً في الجمع، فليجمع بين الأصل والفرع في الحكم المرتب على السبب، ولا حاجة إلى الجمع بالسبب ; وإن لم يكن كافياً، فهو المطلوب .
وما ذكروه من إلزامات، فلا وجه لها .
أمّا قياس المثقل على المحدد، فليس في السببية، بل في إيجاب القصاص بجامع القتل العمد العدوان، وهو السبب لا غير .
في القياس هل يجري في الحدود والكفّارات والرخص والتقديرات أم لا؟   
وأمّا قياس اللواط على الزنا، فإنّما كان ذلك في وجوب الحد بجامع

صفحه 309
إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً، محرماً شرعاً وذلك هو السبب مع قطع النظر عن خصوصيتي الزنا واللواط .
وأمّا قياس الوضوء على التيمم، فإنّما هو في اعتبار النية بجامع الطهارة المقصودة للصلاة، وذلك هو السبب لا أنّ القياس في الاشتراط.

المطلب الرابع: في القياس هل يجري في الحدود والكفّارات والرخص والتقديرات أم لا؟

اختلف الناس في ذلك. فجوّزه الشافعي، ومنعه الإمامية والحنفية، وكذا منع الكرخي من قطع النبّاش بالقياس ومن تعليل الكفّارات وإثبات كفّارة أُخرى بقياس وسوى بين الكفّارات الجارية مجرى العقوبات وبين ما لا يجري مجراها وهوالحق لنا بعد ما تقدّم من بطلان القياس انّ القياس انّما يثمر الظن وتجويز خلافه شبهة فيدرأ به الحد لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ادرأوا الحدود بالشبهات».
والتقديرات كنصب الزكاة وأعداد الركعات ومواقيت الصلاة غير معقولة المعنى، والعقل قاصر عن إدراكها ولا يهتدي إليها، فلا يجري فيها القياس .
والرخص منحة من الله تعالى فلا يعدى بها مواضعها .
والكفّارات على خلاف الأصل لكونها منفية بالنّص النافي للضرر.
وأيضاً الشرع أوجب القطع في السرقة ولم يوجبه بمكاتبة الكفّار مع

صفحه 310
أولوية القطع فيه، وأوجب الكفّارة في الظهار لكونه منكراً وزوراً ولم يوجبها في الردّة مع أنّها أشد، فحيث لم يجب ذلك فيما هو أولى علم امتناع القياس فيه .
اعترض 1 على الأوّل. بأنّ الحكم المعدّى من الأصل إلى الفرع هو وجوب الحدّ والكفّارة من حيث هو وجوب، وهو معقول .
ويمتنع احتمال الخطأ في القياس إذا قلنا: كلّ مجتهد مصيب .
سلّمنا احتمال الخطأ لكن نمنع كون ذلك شبهة مع الظن بجواز إثبات الحدود والكفّارات بخبر الواحد مع احتمال الخطأ لما كان الظنّ فيه غالباً.
وعلى الثاني. بأنّ غايته منع الشرع من إجراء القياس في بعض صور وجوب الحد والكفّارة، وهو غير دالّ على المنع مطلقاً. وبالفرق بين السرقة ومكاتبة الكفّار، لأنّ داعية السرقة موجودة في الأراذل وهم الأكثر، فلولا شرع القطع غلبت مفسدة السرقة بخلاف مكاتبة الكفار .
والحاجة في شرع الكفّارة في الظهار أكثر منها في الردّة ترتّب شرع القتل عليها.
وفي الأوّل نظر، لأنّا نسلم أنّ الوجوب معقول، لكن ترتيب ذلك الوجوب على بعض الأفعال أو قدر الواجب غير معقول، وهو المطلوب بالقياس.

1 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 4 / 66 .

صفحه 311
وفي الثاني نظر، لأنّا لمّا رأينا الشرع أهمل القياس فيها وخالف بين الصور المتماثلة وماثل بين المختلفة ولم نجد في موضع شرعية القياس فيه، علمنا عدم جريانه.
احتج الآخرون بوجوه 1:
الأوّل. عموم قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا).
الثاني. إطلاق قول معاذ: «أجتهد رأيي» مع أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) صوبه على إطلاقه.
الثالث. حصل ظنّ الحكم فيجب العمل به ، لوجوب الاحتراز عن الضرر المظنون .
وقد تقدّم الجواب عن ذلك كلّه. والشافعي ناقض الحنفية في مسائل: أمّا الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتى تعدَّوها إلى الاستحسان حيث زعموا في شهود الزنا أنّ المشهود عليه يجب رجمه بالاستحسان مع أنّه خلاف العقل، فالعمل بما يوافق العقل أولى.
وأمّا الكفّارة فقد قاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع ، وقاسوا قتل الصيد ناسياً على قتله عمداً مع تقييد النص بالعمد .
لا يقال : هذا ليس بقياس، بل هو الاستدلال على موضع الخلاف بحذف الفوارق الملغاة.

1 . وهو مختار الرازي في المحصول: 2 / 424 .

صفحه 312
لأنّا نقول 1: ما لم يبيّنوا تعليل حكم الأصل، وأنّ العلّة إمّا المشترك أو المميز، وأنّ الثاني لا يصلح للعلّيّة، فيجب الأوّل وهو يستلزم حصول الحكم في الفرع ; لم يتم الاستدلال، وهو عين القياس، واستخراج العلّة بطريق السبر والتقسيم .
وقيل: إن إيجاب الكفّارة بالإفطار بالأكل والشرب ليس بالقياس على الوقاع، لأنّ العلّة مومى إليها في قصة الأعرابي، وهي عموم الإفساد، فالحكم في الأكل والشرب يكون ثابتاً بالاستدلال لا بالقياس، لافتقار القياس إلى النظر إلى حكم الأصل، إذ هو أحد أركان القياس لضرورة اعتبار العلّة الجامعة، والعلّة إذا كانت منصوصة أو مومى إليها، فقد ثبت اعتبارها بالنص لا بحكم الأصل، ومهما كان الحكم في الأصل غير ملتفت إليه في اعتبار العلّة لاستقلال النص باعتبارها، فلا يكون حكم الفرع ثابتاً بالقياس لافتقار العمل بالقياس إلى النظر إلى حكم الأصل، ولا نظر إليه هنا، بل غايته دلالة النص في الوقاع على الحكم وعلى العلّة، والحكم في الفرع إذا ثبت بعلّة منصوصة لا يكون حكماً بالقياس ولا بالنص، لعدم دلالة النص عليه وإن دلّ على العلّة. ولا إجماع لوقوع الخلاف، بل ثبوته بما يسمّى استدلالاً.
وأمّا المقدرات فقد قاسوا فيها حتى ذهبوا إلى تقديراتهم في الدلو والبئر .
في النفي والحكم القطعي هل يثبت بالقياس أم لا؟   
وأمّا الرخص فقد بالغوا في القياس فيها، فإنّ الاقتصار على الأحجار

1 . ذكر الإشكال وأجاب عنه الرازي في المحصول: 2 / 425 .

صفحه 313
من أعظم الرخص، ثم حكموا بذلك في جميع النجاسات، سواء كانت نادرة أو معتادة وانتهوا فيها إلى نفي إيجاب استعمال الأحجار .
وقالوا العاصي بسفره يترخّص، فأثبتوا الرخصة بالقياس مع أنّ القياس ينفيها، فإنّ الرخصة إعانة، والمعصية لا تناسبها.1

المطلب الخامس: في النفي والحكم القطعي هل يثبت بالقياس
أم لا؟

اختلفوا في النفي الأصلي هل يمكن التوصّل إليه بالقياس أم لا؟ بعد اتّفاقهم على اكتفاء حكم العقل فيه بالاستصحاب .
والوجه استعمال قياس الدلالة فيه لا العلّة، للاستدلال بعدم الأثر والخواص على عدم العلّة وذي الخاصة، والانتفاء الأصلي حاصل قبل الشرع، فلا يعلّل بوصف يوجد بعد ذلك .
اعترض: بأنّ علّة الشرع إنّما هي بمعنى المعرِّف، ويجوز تأخير الدليل عن مدلوله .
وهذا إنّما هو في العدم خاصة، أمّا الأعدام فهو حكم شرعي متجدّد فجاز جريان القياس فيه .
وأمّا ما طريقه العلم فقد اختلفوا في جواز استعمال القياس فيه. والضابط أنّه إن أمكن حصول اليقين بالعلّيّة وحصولها في الفرع حصل

1 . راجع المحصول: 2 / 424 ـ 426 المسألة السادسة ; والإحكام: 4 / 64 ـ 67، المسألة الرابعة.

صفحه 314
العلم القطعي بمساواة حكم الفرع حكم الأصل، وجاز التكليف
الشرعي به، لكن الإشكال في تحصيل العلم بهما في الأحكام الشرعية.
فأمّا ما طريقه الظن، فالإجماع بين القائسين على جواز استعمال القياس فيه.
في أنّه هل يمكن إثبات أُصول العبادات بالقياس؟   

المطلب السادس: في أنّه هل يمكن إثبات أُصول العبادات بالقياس؟

اختلف الناس في أنّه هل يمكن إثبات أُصول العبادات بالقياس ؟
أمّا الإمامية فالمنع منه عندهم ظاهر، ووافقهم على ذلك الجبائي والكرخي، وبنى الكرخي عليه أنّه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس .
ويمكن حمل الخلاف على وجهين 1:
الأوّل: أن يقال: لو شرعت الصلاة بإيماء الحاجب لبيّنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بياناً ظاهراً، وينقله أهل التواتر إلينا حتى يصير معلوماً لنا قطعاً، فلمّا لم يكن كذلك علمنا بطلان القول بها .
ويبطل بالوتر عند الحنفية فإنّه واجب عندهم مع عدم القطع بوجوبه.
لا يقال: لو جوّزنا في ذلك عدم بلوغ التواتر فلعله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوجب صوم شوال، وإن لم ينقل ذلك بالتواتر .

1 . ذكرهما الرازي في المحصول: 2 / 423.

صفحه 315
لأنّا نقول: المعتمد في هذه الإجماع.
الثاني: أن يقال: لا ندّعي العلم قطعاً على تقدير المشروعية، لكن نَمنع من استعمال القياس فيه .
وهو تحكّم محض، لأنّه إذا جاز الاكتفاء بالظن كفى القياس، مع الاستدلال بعموم (فَاعْتَبِرُوا)، وهذا لا يلزم الإمامية بل الحنفية خاصة.

تتمة: تشتمل على مسائل:

الأُولى: قال أبوإسحاق الشيرازي: لا يجري القياس فيما طريقه العادة والخلقة، كأقل الحيض والنفاس والحمل وأكثرها، لعدم العلم بأسبابها وعدم ظنّها، فيجب الرجوع فيها إلى قول الشارع.
الثانية: لا يجوز إثبات القياس بما لا يتعلّق به عمل كدخول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مكة بقتال أو صلح، أو قِرانه وإفراده، فإنّ أمثال هذه تطلب لتعرف لا ليعمل بها، فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظنّ.
الثالثة: القياس الوارد بخلاف النصّ المتواتر مردود إن نسخَهُ إجماعاً،1 وإن خصّصَهُ بخلاف سبق في العموم 2، وبخلاف الآحاد3تقدّم حكمه.

1 . ذكر الرازي العبارة في المحصول: 2 / 426 كما يلي: القياس إذا ورد بخلاف النصّ، فالنصّ إمّا أن يكون متواتراً أو آحاداً. فإن كان متواتراً فالقياسُ إن نسخَهُ كان مردوداً.
2 . أي ذكرنا الخلاف فيه في باب العموم والخصوص .
3 . أي إذا ورد القياس بخلاف الخبر الواحد.

صفحه 316
الرابعة: يجوز التعبّد بالنص في جميع الأحكام، وهو ظاهر، بل هو الواجب عند الإمامية، فإنّه تعالى نصّ على جميع الأحكام إجمالاً ودخلت تفاصيلها فيها، كالنصّ على البيع فيندرج فيه كلّ بيع، وكذا النصّ على تحريم الربا فيندرج فيه كلّ ما صدق عليه اسم الربا ولا يجوز التعبّد بالقياس في كلّ الأحكام عند الأشاعرة، 1 لتوقّفه على ثبوت الحكم في الأصل، وأحكام الأُصول شرعية عندهم إذ العقل إنّما يدلّ على البراءة الأصلية فما عداها لا يثبت إلاّ بالشرع، فلو كانت تلك الأحكام مثبتة بالقياس، دار .
وأمّا المعتزلة فلمّا كان العقل لا يفي بإدراك جميع الأحكام وأنّه لا بدّ له من كاشف شرعي لا جرم امتنع ذلك عندهم أيضاً.
الخامسة: ذهب شاذ إلى جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية، لأنّها من جنس واحد، ولهذا تدخل جميعها تحت حدّ واحد، وهو حدّ الحكم الشرعي ويشترك فيه، وقد جاز على بعضها أن يكون ثابتاً بالقياس، والجائز على بعض المتماثلات جائز على الجميع ; وهو باطل، لأنّ جميع الأحكام الشرعية وإن دخلت تحت حدّ الحكم الشرعي، وكان الحكم الشرعي من حيث هو حكم شرعي جنساً لها غير أنّها متنوّعة مختلفة بأُمور موجبة لتمايزها واختلافها ; فجاز استناد ما جاز عليها إلى ما به التعيين والامتياز لا إلى المشترك .

1 . المحصول: 2 / 426، المسألة العاشرة.

صفحه 317
وقد بيّنّا عدم جواز إجرائه في الأسباب والشروط مع أنّ
وصف السببية والشرطية عند الأشاعرة شرعي. 1 ولأنّ من المعاني ما ليس بمعقول المعنى، كضرب الدية على العاقلة ونحوه، وما كان كذلك فإجراء القياس فيه متعذّر لتوقّفه على تعقّل علّة حكم الأصل وتعديتها إلى الفرع.

1 . راجع الإحكام: 4 / 69 ـ 70 .

صفحه 318
   
 
الفصل السابع:

في الاعتراضات

وهي مع كثرتها ترجع إلى قسمين: المنع في المقدّمات، والمعارضة في الحكم بذكر دليل يدلّ على نقيض دعوى المستدل.
أمّا المناقشات الجدلية والمؤاخذات اللفظية فهي عن التحقيق بمعزل، وإنّما الّذي يبحث عنه في هذا الكتاب ما يكثر نظر المحقّقين فيه، وهو خمسة وعشرون اعتراضاً1:

] الاعتراض [ الأوّل: الاستفسار

وهو السؤال عن معنى اللفظ وطلب شرح دلالته، وإنّما يحسن هذا النوع من الاعتراض إذا كان اللفظ مشتملاً على إجمال بحيث يتردّد بين مجملين أو أزيد تردداً على السواء، أو على غرابة يحتاج السامع معها إلى الاستفسار ليحصل له الوقوف على المعنى وعلى السّائل بيان ذلك لصحّة سؤاله، لأنّ شرط قبول الاستفسار الإجمال أو الغرابة .

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 73 ـ 122، الباب الخامس: في الاعتراضات الواردة على القياس.

صفحه 319
لا يقال: ظهور الدليل شرط في صحّته، وإنّما يتمّ الظهور لو لم يكن اللفظ مجملاً، فنفي الإجمال إذن شرط في الدليل، وبيان شرط الدليل على المستدلّ لا المعترض .
لأنّا نقول 1: ظهور الدليل وإن كان متوقّفاً على نفي الإجمال غير أنّ الأصل عدم الإجمال. وسؤال الاستفسار يستدعي الإجمال المخالف للأصل، فكان بيانه على المستفهم، ولو قال: إنّي لا أفهم منه شيئاً فيكون مجملاً أو غريباً; فإن كان اللفظ ظاهراً مشهوراً عند أهل اللغة والشرع، لم يسمع منه لانتسابه إلى العناد إذ الغالب عدم خفائه عليه. أمّا لو بين الإجمال أو الاشتراك صحّ السؤال ويكفي السائل بيان تردّد اللفظ بين احتمالين من غير احتياج إلى بيان التسوية بينهما، لأنّ الأصل عدم الترجيح، ولعسر قدرته على بيان التسوية وقدرة المستدلّ على الترجيح .
ولو قال المعترض: «اللفظ مستعمل في كلا المعنيين والتفاوت يستدعي ترجيحاً بأمر، والأصل عدمه» كفاه .
وجواب هذا السؤال في دفع الإجمال بجهة الغرابة، التفسير ان عجز عن إبطال غرابته .
وفي دفع الإجمال بجهة الاشتراك منع تعدّد محامل اللفظ ان أمكن. أو بيان الظهور في مقصوده إمّا بالنقل عن أهل اللغة، أو الشرع، أو بيان أنّه مشهور فيه والشهرة دليل الظهور، أو بقرائن معه، أو بتفسيره. ولو قال: يلزم

1 . ذكر الإشكال وأجاب عنه الآمدي في الإحكام: 4 / 74 .

صفحه 320
ظهوره في أحدهما دفعاً للإجمال، أو قال: يلزم ظهوره فيما قصدت لعدم ظهوره في الآخر اتّفاقاً، فقد اختلف فيه فصوّبه بعض أهل النظر دون بعض، بناء على أنّ المجاز هل هو أولى من الاشتراك أو لا ؟

الاعتراض الثاني: فساد الاعتبار

ويشبه أن يكون حاصله راجعاً إلى المنازعة في الاحتجاج بجنس الدليل المذكور كما لو استدلّ المعلّل بالقياس على مانعه فيقول الخصم: ما ذكرته فاسد الاعتبار، أي انّك اعتبرت ما لا يصلح أن يكون دليلاً وجعلته دليلاً .
وحاصله: منع اعتبار ما ذكره من القياس في بناء الحكم عليه، لا لفساد في وضع القياس وتركيب مقدّماته. كما لو خالف القياس النص فإنّه فاسد الاعتبار لعدم صحّة الاحتجاج به مع النص المخالف له، وهذا أقرب في التمثيل من قياس الكافر على المسلم في صحّة الظهار، وقياس الصّبي على البالغ في إيجاب الزكاة من جهة ظهور الفرق بين الأصل والفرع ; وكذا كلّ قياس ظهر فيه الفارق، لأنّ كلّ قياس ثبت النص على خلافه كان باطلاً. وهذه الأمثلة ترجع إلى إبداء الفارق بين الأصل والفرع، وهو سؤال مغاير لسؤال فساد الاعتبار، وسيأتي .
وجواب هذا السؤال من وجوه 1:
أ. الطعن في سند النص إن أمكن.

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 76 .

صفحه 321
ب. منع الظهور، أي كون النص ظاهراً في مقصود السائل.
ج. التأويل.
د. القول بالموجب، وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع ومن جملته حذف صغرى غير مشهورة.
هـ . المعارضة بنص آخر مثله ليسلم القياس الأوّل.
و. أن يبيّن أنّ القياس من قبيل ما يجب ترجيحه على النصّ المعارض له ببعض وجوه الترجيحات .
مثاله: قول بعض الشافعية في مسألة تارك التسمية: «ذبح من أهله في محلّه» فيحل كناسي التسمية، فيعترض بقوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ)1. فيقول المستدلّ: إنّه مأوّل بذبح الكفّار بدليل جري ذكر الله على قلب المؤمن وإن لم يسمّ، أو بترجيح الفرع وهوالمتذكّر على الأصل وهو الناسي، لأنّ المتذكّر أقرب إلى مقصود الذكر من الناسي، وذبح الناسي مخصوص بالاتّفاق فذبح المتذكّر أولى . ومثال الجواب القول بالموجب: انّ اعتراض المعترض إنّما ممنوع بأن يقول: هذا ذبح لم يذكر اسم الله عليه، ومالم يذكر اسم الله عليه لا يحل للآية، فلو لم يذكر المعترض الصغرى سلّم المستدلّ الآية ونازع في حصول المقصود ; فإن أبدى المعترض فارقاً بين الأصل والفرع كان ذلك سؤالاً آخر، وهو من قبيل المعارضة في الأصل والفرع لا من فساد الاعتبار .

1 . الأنعام: 121 .

صفحه 322
 
الاعتراض الثالث: فساد الوضع
ويشبه أن يكون حاصله يرجع إلى المنازعة دلالة الدليل في محلّ الاستدلال بعد الموافقة على كونه دليلاً في جنسه، وقد ضرب له أمثلة ثلاثة1:
الأوّل: دعوى وقوعه فيما لا يمكن تعليله، كما إذا استدلّ الشافعي في الحدود والكفّارات على الحنفي فإنّ له أن يقول: القياس إنّما هو فرع تعقّل العلّة في الأصل، وحكم الأصل غير معقول.
الثاني: دعوى وقوعه في مقابلة النص فيكون باطلاً، إذ الظن المستفاد من النصوص أكثر من الظن المستفاد من الأقيسة ولا وجه للاحتجاج به.
الثالث: دعوى إشعار الوصف بنقيض الحكم، كما لو قيل في مسألة النكاح بلفظ الهبة: ما ينعقد به غير النكاح لا ينعقد به النكاح كالإجارة. وفي معنى هذا كلّ تعليل أوجب تلقّي التوسع من التضييق، والتخفيف من التغليظ، والإثبات من النفي، وبالعكس بأن يقول ما ذكرته يشعر بنقيض حكمك، لأنّ انعقاد غير النكاح نقيض انعقاد النكاح به، لا عدم الانعقاد، فإنّ الاعتبار يقتضي الاعتبار لا عدمه .
وعلى هذا فكلّ فاسد الوضع فاسد الاعتبار، وليس كلّ فاسد الاعتبار فاسد الوضع، لأنّ القياس قد يكون صحيح الوضع وإن كان اعتباره فاسداً

1 . راجع الإحكام: 4 / 76 ـ 77 .

صفحه 323
بالنظر إلى أمر خارج. ولهذا قدّم سؤال فساد الاعتبار على سؤال فساد الوضع، لأنّ النظر في الأعم يجب أن يتقدّم على النظر في الأخص، لاشتماله على ما اشتمل عليه الأعم وزيادة. وأقرب الأمثلة الثاني فإنّ حاصل الأوّل يرجع إلى المطالبة ومنع التأثير، وحاصل الثالث يرجع إلى منع التأثير والمعارضة .
والجواب عن النوع الأوّل ببيان كون القياس حجّة على وجه يعمّ محلّ الاستدلال وموضع معرفة ذلك لا يقال بالأُصول .
وعن الثاني بالقدح فيما يدّعيه ظاهراً بطريق من الطرق المثبتة 1 أو لا، أو أن يبيّن رجحان ما التجأ إليه على ما ادّعى ظاهراً من كتاب أو سنّة إن أمكن ذلك .
وعن الثالث ببيان كونه مناسباً للحكم من جهة أُخرى لكن لا يكفي الاقتصار على ذلك ما لم يقدح في مناسبة المعترض، أو أن يرجّح ما ذكره على ما ذكره المعترض .
هذا كلّه إذا كان ما أبداه المعترض من المناسب معتبراً، وإلاّ فيكفي المستدلّ بيان المناسبة 2 وقران الحكم بها لا غير .
وإذا عرف ما قرر في فساد الوضع فلقائل أن يقول: اقتضاء الوصف لنقيض الحكم المرتّب عليه إن ادّعي أنّه مناسب لنقيض الحكم من الجهة

1 . في «أ»: المبنية، «ب»: المنفية.
2 . في «د»: الملازمة.

صفحه 324
الّتي تمسّك بها المستدلّ، لزم منه كون وصف المستدلّ غير مناسب لحكمه، ضرورة كون الوصف الواحد لا يناسب حكمين متقابلين من جهة واحدة، إلاّ أنّه يرجع إلى القدح في المناسبة وعدم التأثير، لا انّه سؤال آخر وإن كان ذلك من جهة أُخرى، لم يمتنع مناسبة وصف المستدل لحكمه من الجهة الّتي تمسّك بها .
ثم لا يخلو إمّا أن يكون جهة المناسبة لنقيض الحكم معتبرة في صورة، أو لا .
فإن لم يعتبر كان ما يبديه المستدلّ من جهة المناسبة كافية في دفع السؤال، ضرورة كونها معتبرة ومناسبة المعترض غير معتبرة ; وإن كانت مناسبة المعترض معتبرة فإن أورد المعترض ما ذكره في معرض المعارضة قد انتقل عن سؤاله الأوّل إلى سؤال المعارضة، ووجب على المستدلّ الترجيح لما ذكره ضرورة التساوي في المناسبة والاعتبار. وإن لم يورد ذلك في معرض المعارضة، وبقي مصراً على السؤال الأوّل فلا يحتاج المستدلّ إلى الترجيح لكونه خاصاً بالمعارضة .
وقيل: فساد الوضع كون الجامع قد ثبت اعتباره بنص أو إجماع
في نقيض الحكم. كقول الشافعي: مسح فيسن فيه التكرار، كالاستطابة
فيرد أنّ المسح معتبر في كراهة التكرار على الخف. وجوابه ببيان المانع لتعرضه للتلف، وهو نقض إلاّ انّه يثبت النقيض، فإن ذكره بأصله فهو القلب فإنّ بين مناسبة النقيض من غير أصل من الوجه المدعى فهو القدح في

صفحه 325
المناسبة ومن غيره لا يقدح لإمكان اشتمال الوصف على جهتين، ككون المحل المشتهى فإنّه يناسب الإباحة لإراحة الخاطر والتحريم لقطع أطماع النفس .

الاعتراض الرابع: منع حكم الأصل

ولمّا كان منع حكم الأصل من قبيل النظر في تفاصيل القياس تأخّر عمّا قبله من الأسئلة، لكونها نظراً في القياس من جهة الجملة لا التفصيل. والنظر في الجملة مقدّم على النظر في التفصيل .
كقول الشافعي في إزالة النجاسة بالخل: مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل حكم النجاسة كالدهن. فيقول الحنفي : أمنع الحكم في الأصل، فإنّ الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة .
وقد اختلف الفقهاء 1 في انقطاع المستدلّ إذا توجّه منع حكم الأصل عليه .
فقال قوم: إنّه يكون منقطعاً، لأنّه أنشأ الكلام للدلالة على حكم الفرع لا على حكم الأصل ; فاذا منع حكم الأصل، فإن لم يشرع في الدلالة عليه لم يتمّ مطلوبه، وهو انقطاع .
وإن شرع فقد ترك ما هو بصدده وعدل عمّا أنشأه من الدليل على حكم الفرع إلى الدلالة على حكم الأصل، وهذا معنى الانقطاع .

1 . ذكر الأقوال الآمدي في الإحكام: 4 / 79 ـ 80 .

صفحه 326
وقال قوم: لا يكون منقطعاً، لأنّه إنّما أنشأ الدليل على حكم الفرع ولا يتمّ مقصوده إلاّ بالدلالة على حكم الأصل، فكما يتوقّف دليله على وجود علّة الأصل في الأصل وعلى وجودها في الفرع وعلى وصف العلّيّة، فكذا يتوقّف على إثبات حكم الأصل، لأنّه أحد أركان القياس، وكما لا يمنع أحد من تقرير القياس عند منع وجود علّة الأصل ومنع كونها علّة فيه، ومنع وجودها في الفرع بإثبات مطلوبه والاستدلال على ما منع في ذلك، فكذا يجب أن لا يمنع هنا من الاستدلال على الحكم، لتساوي الكلّ في افتقار القياس إليه .
وقال آخرون: إن كان المنع خفياً بحيث يخفى على أكثر الفقهاء لم يكن منقطعاً لظهور عذره بخفائه، وإن كان ظاهراً فهو منقطع. واختاره أبو إسحاق الإسفرائني .
وقال قوم: يتبع في ذلك عرف كلّ مكان وقع البحث فيه ومصطلح أهله في ذلك. وهو اختيار الغزالي .
وقال آخرون: إن لم يكن له مدرك غيره جاز القياس، لئلاّ تبطل الفائدة المطلوبة مخافة التطويل، وهو ممتنع ; وإن كان له مدرك غيره، فإن كان المنع خفياً جاز وإلاّ فلا، لما فيه من ارتكاب المحذور مع إمكان التوصل إلى المطلوب دونه .
وقال قوم: لا يعدّ منقطعاً إذا دلّ على موقع المنع .
وقال أبو إسحاق الشيرازي: هذا المنع لا يسمعه المستدلّ، بل يقول:

صفحه 327
إنّما قست على أصلي، ولا تجب الدلالة عليه وهو بعيد ; فإنّ الحجّة إن قصد المستدلّ إثباتها لنفسه، فلا وجه للمناظرة ; وإن قصد إثباتها على الخصم لم يستقم، إذ لا يقوم على الخصم مع منع الأصل، وإنّما يتصوّر الاستغناء عن الدلالة على حكم الأصل إذا كان اللفظ الدالّ على الأصل عامّاً، وهو إمّا ممنوع أو غيره كالدّهن، فإنّه وإن منع الحكم في الطاهر منه، فهو غير ممنوع في الدهن النجس .
وعند ذلك فله أن يقول: إنّما قست على الدّهن النجس دون الطاهر; وإن كان قياسي عليهما، فغايته القياس على أصلين وقد بطل التمسّك بأحدهما، فيبقى التمسّك بالآخر. وإذا ذكر الدليل على موقع المنع .
قال قوم: يكون المعترض منقطعاً ليبيّن فساد المنع وتعذر الاعتراض منه على دليل المستدلّ لإفضائه إلى التطويل فيما هو خارج عن المقصود الأصلي في أوّل النظر .
ومنهم من قال: لا يعد منقطعاً، ولا يمنع من الاعتراض على دليل المنع، ولا يكتفي من المستدلّ بما يدّعيه دليلاً، وإلاّ لما كان لقبول المنع معنى، بل الانقطاع إنّما يتحقّق في حقّ كلّ منهما لعجزه عن إثبات ما يروم إثباته أو نفي ما يروم نفيه .
وإذا ثبت المستدلّ حكم الأصل ; فإن كان بنصّ، فشرطه أن لا يتناول حكم الفرع، كما لو قال: الأرز مطعوم فيجري فيه الربا كالذرة، ودلّ
على ثبوت الحكم في الذرة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تتبعوا الطعام بالطعام، لأنّه

صفحه 328
قياس المنصوص على المنصوص، ولا وجه له .
وكذا إن أثبته بالإجماع. وإن كان طلب إثباته بالقياس قال قوم: لم يكن له ذلك، لأنّ الجمع في 1 الحالتين إن كان الجامع متحد فلنقس على المتفق عليه من غير توسط المختلف فيه، إذ التطويل لغير فائدة عبث; وإن اختلف انقطع الإلحاق، إذ ليس من ضرورة تسليم الحكم في صورة وجد فيها علّة الأصل تسليمه فيما لم يوجد فيه .

الاعتراض الخامس: التقسيم

وهو في عرف الفقهاء عبارة عن ترديد اللفظ بين محامل أحدها ممنوع، والآخر مسلّم ; غير أنّ المطالبة متوجهة ببناء الغرض عليه إذ لو لم يكن يتردّد بين احتمالين لم يكن للترديد معنى، بل كان يجب حمل اللفظ على ما هو دليل عليه. ولابدّ من تساويهما، إذ لو كان ظاهراً في أحدهما لم يكن للتقسيم وجه، بل كان يجب تنزيل اللفظ على ما هو ظاهر فيه، سواء كان ممنوعاً أو مسلماً .
مثاله قولهم: في تيمم الحاضر الصحيح وجد سبب التيمم بسبب تعذّر الماء، فساغ التيمم. فيقول المعترض: السبب تعذّر الماء مطلقاً، أو تعذّر الماء في السفر، أو المرض. الأوّل ممنوع .
وكما لو قال المستدل في البيع بشرط الخيار، وجد سبب ثبوت

1 . في «د»: بين .

صفحه 329
الملك للمشتري، فوجب أن يثبت الملك وبين وجود السبب بالبيع الصادر من الأهل في المحلّ. فيقول المعترض: السبب هو مطلق البيع أو البيع المطلق الذي لا شرط فيه. الأوّل ممنوع، والثاني مسلّم فلم قلتم بوجوده.
قيل: التقسيم وإن كان من شرطه تردّد اللفظ بين المحملين على السواء، فليس من شرطه كون أحدهما ممنوعاً، والآخر مسلماً، بل قد يسلم كلا الاحتمالين بشرط اختلافهما باعتبار ما يرد على كلّ منهما من الاعتراضات، إذ مع اتّحادهما فيما يرد عليهما من الاعتراضات مع تساويهما في التسليم لم يبق للتسليم معنى، بل كان يجب تسليم المدلول وإيراد ما يختصّ به، ولو اشتركا في المنع انتفت فائدة التقسيم إجماعاً. ولا يكلّف المعترض بيان تساوي الاحتمالين في دلالة اللفظ عليهما مفصّلاً، ويكتفي في تصحيح التقسيم ببيان إطلاق اللفظ بإزائهما، لعسر الأوّل، فإنّ كلّ وجه يبيّن التساوي فيه للمستدلّ المطالبة بعدم التفاوت من وجه آخر ولو كلّف البيان الإجمالي في التساوي، فلا عسر بأن يقول: التفاوت يستدعي رجحان أحدهما، والأصل عدمه .
ولو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدلّ عليهما وأورد الاعتراض عليهما، كما لو قال في تيمم الصحيح الحاضر: وجد السبب بتعذر الماء فساغ التيمم فيقول: السبب تعذّر الماء أو تعذّره في السفر أو المرض. الأوّل ممنوع، والثاني مسلّم. وحاصله: منع وجود العلّة في الأصل لكنّه سمّي تقسيماً لأنّه بعدُ تقسيم .

صفحه 330
ولو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدل عليهما وأورد الاعتراض عليهما، كما لو قال المستدلّ في مسألة الملتجئ: وجد سبب استيفاء القصاص، فيجب استيفاؤه. ويبيّن وجود السبب بالقتل العمد العدوان، فيقول المعترض: متى يمكن القول بالاستيفاء مع وجود المانع وهو الالتجاء إلى الحرم، أو مع عدمه؟ الأوّل ممنوع، والثاني مسلّم ; لكن لم قلت: إنّه لم يوجد، وبيان وجوده أنّ الحرم مانع، وبينه بطريقة لم يخل إمّا أن يورد ذلك بناء على تردّد اللفظ المستدلّ بين الاحتمالين المذكورين، أو على دعواه التلازم بين الحكم ودليله .
والأوّل باطل، لعدم تردّد لفظ السبب بين ما ذكر من الاحتمالين .
وإن كان الثاني فإن اقتصر على المطالبة ببيان انتفاء المانع فهو غير مقبول، لما تقرر في من حط مؤنة ذلك عن المناظر في الموانع والمعارضات المختلف فيها، وإن أضاف إلى ذلك الدلالة على وجود المعارض، رجع حاصل السؤال إلى المعارضة، ولا حاجة إلى التقسيم.
واعلم أنّ بعضهم منع من اتّجاه هذا السؤال، لأنّ الاحتمالات إن تساوت كفى سؤال الاستفسار عنه، وإن كان اللفظ في البعض أظهر منه في الآخر فلا وجه للتقسيم، لما فيه من ترك ظاهر كلام المستدلّ، بل الواجب أن يمنع ما هو الظاهر من كلامه إن كان ممنوعاً، وإلاّ فلا. وإن أبدى المعترض في تقسيم ما لا مدخل له تحت كلام المستدلّ وبنى كلامه عليه، كان ذلك عدولاً عن كلام المستدلّ إلى غيره، ولا وجه لإيراده في التقسيم،

صفحه 331
بل حاصله يرجع إلى المعارضة والوجه سماعه على التقدير الأوّل .
وجوابه من وجوه 1:
الأوّل: أن يعيّن المستدلّ بعض محامل لفظه ويبيّن وضع اللفظ بإزائه حقيقة لغة إمّا بالنقل اللغوي أو الشرعي أو العرفي، أو ببيان كونه مشهوراً فيكون حقيقة، لأنّه الغالب. وحينئذ يبطل التقسيم، لأنّ شرطه التساوي في الدلالة و قد فات.
الثاني: أن يقول: إنّه وإن لم يكن ظاهراً بحكم الوضع فيما عيّنه من الاحتمال غير أنّه ظاهر بعرف الاستعمال، كلفظ الغائط ونحوه.
الثالث: أنّه وإن لم يكن ظاهراً بالأمرين، إلاّ أنّه ظاهر في عرف الشرع كالصلاة.
الرابع: أنّه وإن تعذر ظهوره بأحد الاعتبارات المذكورة، لكنّه ظاهر بحكم القرائن المساعدة له في كلّ مسألة.
الخامس: أنّه وإن تعذّر بيان كونه ظاهراً بالطريق المفصّل من هذه الطرق، فله دفع التقسيم بوجه إجمالي، وهو أنّ الإجمال على خلاف الأصل فيجب اعتقاد ظهور اللفظ في بعض احتمالاته ضرورة نفي الإجمال عن اللفظ. ثمّ يثبت كونه ظاهراً فيما عيّنه بهذا الطريق الإجمالي، وهو أن يقول: إذا ثبت أنّه لابدّ من ظهوره في بعض المحامل نفياً للإجمال، وجب اعتقاد ظهوره فيما عيّنه المستدلّ، ضرورة الاتّفاق على عدم ظهوره فيما

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 83 .

صفحه 332
عداه ; أمّا عند المعترض، فلادّعائه الإجمال ; وأمّا عند المستدلّ، فلادّعائه ظهوره فيما ادّعاه خاصة.
السادس: أن يبيّن أنّ اللفظ له احتمال آخر غير ما تعرّض له المعترض بالمنع والتسليم، وأنّه المراد فيندفع التقسيم إلاّ أن يكون المعترض قد احترز عن ذلك بأن عين مجملاً، وقال: إن أردت هذا فمسلّم، وإن أردت غيره فممنوع .
وإن أراد المستدلّ العدول إلى الفقه فإن كان قادراً على تنزيل كلامه على أحد القسمين: المسلّم والممنوع، فالأولى في الاصطلاح الصناعي تنزيله على المسلّم دون الممنوع، وإن جمع بينهما فهو جائز شرعاً لكنّه تطويل; وإن لم يمكنه تنزيل كلامه على غير الممنوع، فلا محيص له عنه وكان منقطعاً .
وموقع سؤال التقسيم بعد منع حكم الأصل لكونه متعلّقاً بالوصف المتفرع عن حكم الأصل، وأن يكون مقدّماً على منع وجود الوصف لدلالة منع الوجود على تعيين الوصف والتقسيم على الترديد .
وأن يكون مقدّماً على سؤال المطالبة بتأثير الوصف المدعى عليه، لكونه مشعراً بترديد لفظ المستدل بين أمرين. والمطالبة بتأثير الوصف مشعرة بتسليم كونه مدلولاً للفظ لا غير ضرورة تخصيصه بالكلام عليه، وإلاّ كان التخصيص به غير مفيد، وإيراد ما يشعر بالترديد بعد ما يشعر بتسليم اتّحاد المدلول يكون متناقضاً .

صفحه 333
 
الاعتراض السادس: منع وجود العلّة في الأصل
ولكون النظر في علّة الأصل متفرعاً عن حكم الأصل، وجب تأخيره عن النظر في حكم الأصل، وعن التقسيم .
ومثاله: قول الشافعي في مسألة جلد الكلب: حيوان يغسل الإناء من ولوغه سبعاً فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير. فيقول الخصم: يمنع وجوب الغسل سبعاً من ولوغ الخنزير .
وجوابه يذكر ما يدلّ على وجوده من عقل أو حسّ أو شرع، على حسب حال الوصف في كلّ مسألة، أو أن يفسر لفظه بما لا يمكن الخصم منعه وإن كان احتمال اللفظ له بعيداً، كما لو قال في المثال: أعني به ما إذا لم يغلب على ظنه الطهارة .
وإن فسّر لفظه بما له وجود في الأصل، غير أنّ اللفظ لا يحتمله، فقد اختلفوا في قبوله، فردّه جماعة وقبله بعض المتأخّرين. والأوّل أقرب،
لأنّ قصد الوضع تحصيل المعنى من اللفظ وتعريف الغير ما في الضمير وانّما يتم مع ضبط الوضع، فلو قُبل من كلّ أحد تفسير كلامه بما لا يحتمله لغة عند عجزه في المناظرة، أدّى ذلك إلى اضطراب اللغة وإبطال فائدة وضعها.

صفحه 334
 
الاعتراض السابع: منع علّيّة الوصف المذكور
ويلقّب بسؤال المطالبة ويسأل عنه بلم والحاجة داعية إليه، إذ هو أعظم مقاصد النظر وأعظم الأسئلة الواردة على القياس، لعموم وروده على كلّ وصف يدّعى كونه علّة، وتشعب مسالكه، واتّساع طرق إثباته .
وقد اختلفوا في قبوله، والوجه قبوله، لأنّ ما يدّعى كونه علة إمّا أن يكون معتقداً له أو ليس. فإن لم يكن معتقداً له، امتنع صحّة الإلحاق به; وإن كان معتقداً استحال أن يكون بمجرد التحكم، فلابدّ له من دليل، فيجب إظهاره تحصيلاً للفائدة والانقياد إليه. ولا يمكن الالتجاء إلى كون الحكم ثابتاً على وفقه، لأنّ الجامع في الأصل يجب أن يكون بمعنى الباعث، والوصف الطردي لا يصحّ أن يكون باعثاً فيمتنع التمسّك به في القياس، فلو لم يقبل منع تأثير الوصف والمطالبة بتأثيره أفضى ] ذلك [ إلى التمسّك بالأوصاف الطردية لعلمه بامتناع مطالبته بالتأثير ولا يخفى وجه بطلانه .
وقد احتجّ الرادّون له بوجوه 1:
الأوّل: لو قُبل هذا السؤال لزم التسلسل، إذ ما من دليل ينصب عليه ويذكره المستدلّ على كون الوصف علة، إلاّ وقد يتوجّه للمعترض أن يقول: لم قلت إنّه دليل.
الثاني: المستدلّ قد أتى بدليل الواجب عليه وهو القياس الّذي هو

1 . ذكرها الآمدي مع الإجابة عنها في الإحكام: 4 / 87 ـ 88 .

صفحه 335
عبارة عن رد الفرع إلى الأصل بجامع، فيخرج عن وظيفته، إذ الأصل انّ كلّ وصف ثبت الحكم عقيبه أن يكون علّة، إلاّ أن يتبين فساده.
الثالث: أن يقول: ما وقفت عليه بعد البحث والسبر ليس إلاّ هذا، فإن كان معك شيء غيره فاذكره، وإلاّ فيجب أن يعترض على ما أبديته أو يعترف بما قلته.
الرابع: أن يقول: يلزمك الاعتراض على ما أبديته، وإلاّ فعجزك دليل صحّته. واستدلّ بكون المعجزة دليل صدق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس ذلك إلاّ لعجز الناس عن الاعتراض عليها ; وإذا كان ذلك دليل صدق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّه من أعظم أُصول الدين، فليس يثبت به كون ما نحن فيه دليلاً بطريق الأولى.
الخامس: الأصل أن كلّ ما ثبت الحكم عقيبه في الأصل أن يكون علّة، فمن ادّعى أنّ الوصف الجامع ليس بعلة فعليه الدليل.
السادس: قولهم: حاصل هذا السؤال يرجع إلى المنازعة في علّة الأصل، ويجب أن يكون متنازعاً فيها ليتصوّر الخلاف في الفرع.
السابع: حاصل القياس يرجع إلى تشبيه الفرع بالأصل، والشبه حجّة، وقد تحقّق ذلك بما ذكر من الوصف الجامع، فلا حاجة إلى إبداء غيره.
الثامن: قولهم: هذا الوصف مطرد لم يتخلّف حكمه عنه في صورة، فكان صحيحاً.
والجواب عن الأوّل: بمنع التسلسل، فإنّه لو ذكر ما يفيد أدنى ظن

صفحه 336
بالتعليل كفاه ولا يسمع بعد ذلك مطالبة أصلاً، لأنّه يكون عناداً، لأنّ المطالبة بعلّية ما غلب على الظن كونه علّة بعد ذلك عناد محض، فيكون مردوداً إجماعاً. كيف وانّ هذا يوجب أن لا يقبل ما أتى به المستدلّ أيضاً، فإنّ الفرق بينهما ممّا لا حاصل له.
وعن الثاني: بمنع تحقّق القياس بجامع لا يغلب على الظن كونه علّة.
وعن الثالث: بأنّ البحث مع عدم الاطّلاع على ما عدا الوصف المذكور استدلالاً على تصحيح العلّة بالسبر وهو من الطرق المثبتة لها على ما تقدّم، وفي ذلك قبول المطالبة والجواب عنها وليس برد لها في نفسها.
وعن الرابع: انّه لو كان عجز المعترض عن الاعتراض دليل صحة العلّة، لكان عجز المستدلّ عن تصحيح العلّة دليل فسادها، ولا أولوية ; ولأنّه لو جاز أن يثبت كون الوصف علّة بعجز المعترض عن الاعتراض، لوجب أن يثبت الحكم المتنازع فيه بعجز المعترض عن الاعتراض على إبطال ما ادّعى من الحكم في الفتوى، ولم يقل به أحد ; والفرق بين العجز وما نحن فيه ظاهر، فإنّ العلم الضروري حاصل في المعجزة باستنادها إلى غير قوة البشر.
وعن الخامس: بمنع أصالة علّيّة كلّ ما يثبت الحكم معه من الأوصاف.
وعن السادس: أنّ علّة الأصل وإن كان متنازعاً فيها، فلابدّ من دليل ظنيّ يدلّ على كونها علّة كما في الحكم المختلف فيه.

صفحه 337
وعن السابع: أنّ إثبات الحكم في الفرع متوقّف على ظن إثباته، ولا نسلّم أنّ مطلق المشابهة بين الأصل والفرع في مطلق وصف مفيد للظن.
وعن الثامن: بما تقدّم من إبطال التعليل بالوصف الطردي .

الاعتراض الثامن: القدح في مناسبة الوصف المعلّل به

بما يلزم من ترتيب الحكم على وفقه لتحصيل المصلحة المطلوبة منه وجود مفسدة مساوية لها، أو راجحة عليها، وقد سبق وجه الاختلاف فيه وبيان إبطاله، إلاّ أن يبيّن ترجيح المصلحة على المفسدة بطريق إجمالي أو تفصيلي .

الاعتراض التاسع: القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى ما علّل به من المقصود

كما لو علّل حرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب المؤدّي إلى الفجور، فإذا تأبّد انسدّ باب الطمع المفضي إلى مقدّمات الهم والنظر المفضية إلى ذلك. فيقول المعترض: بل سدّ باب النكاح أفضى إلى الفجور والنفس مائلة إلى ما منعت عنه .
والجواب 1: أنّ الحرمة المؤبدة ممّا يمنع من النظر إلى المرأة بشهوة عادة، والامتناع العادي على مر الزمان يصير كالامتناع الطبيعي، وبه يتحقّق انسداد باب الفجور، كالأُمّهات.

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 91 .

صفحه 338
 
الاعتراض العاشر: كون الوصف باطناً خفيّاً
كالرضا والقصد لو علل بهما، فإنّهما من الأوصاف الباطنة الخفية الّتي لا يُطّلع عليها بأنفسها والحكم الشرعي خفي، فلا يعرّف بالخفي .
وجوابه 1 بضبط الرضا بما يدلّ عليه من الصبغ 2 الظاهرة، وضبط القصد بما يدلّ عليه من الأفعال الظاهرة. وكلّ ذلك معلوم في المسائل الخلافية .

الاعتراض الحادي عشر: كون الوصف مضطرباً غير منضبط

كالتعليل بالحكم والمقاصد، مثل التعليل بالجرح والمشقّة والزجر والردع. فإنّ هذه الأوصاف ممّا تضطرب وتختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال وعادة الشرع في مثل هذه رد الناس إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعاً للمشقة والعسر في البحث عنها، ومنعاً عن الاضطراب في الأحكام عند اختلاف الصور بسبب الاختلاف في هذه الأوصاف بالزيادة والنقصان .
المعارضة في الأصل بأمر آخر غير ما علّل به المستدلّ   
وجوابه3: إمّا ببيان انضباط ما علل به بنفسه أو بضابطه، كالسفر الّذي هو ضابط للحرج والمشقّة.

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 92 .
2 . في «أ» و «ج»: الصنع، وفي «د»: الصيغ.
3 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 92 .

صفحه 339
 
الاعتراض الثاني عشر: المعارضة في الأصل بأمر آخر غير ما علّل
به المستدلّ
وحاصله راجع إلى إبداء وصف في الأصل وراء ما ذكره المستدلّ يصلح أن يكون علّة، كمعارضة من علّل تحريم ربا الفضل في البر بالطعم بالكيل أو القوت; أو أن يكون جزءاً من العلّة، كمعارضة من علّل وجوب القصاص في القتل بالمثقل بالقتل العمد العدوان بالجارح في الأصل ونحوه.
وقد اختلف الجدليون فيه: فقبله قوم، ومنعه آخرون .
واحتج المانعون 1 بأنّا لو قدرنا انفراد ما ذكره المستدلّ كان علّة، وليس ذلك إلاّ لصلاحية التعليل لا لعدم المعارض ; فإنّ العدم لا يكون علّة، ولا جزءاً منها، فإذا وجد المعارض فالصلاحية باقية بحالها لم ينجزم2، فالتعليل به بعد وجود المعارض أيضاً شائع، أقصى ما في الباب أنّه قد وجد أمر آخر صالح للتعليل، ولا امتناع من ازدحام علّتين على حكم واحد. ولأنّه لا معنى للعلّة إلاّ ما ثبت الحكم عقيبها، وهذا المعنى موجود في الوصفين فكان كلّ منهما علّة .
واحتجّ من قبله بأنّه متى ظهر في الأصل ما يصلح للتعليل وراء ما

1 . راجع الإحكام: 4 / 97، الاعتراض الخامس عشر.
2 . في «أ»: تنخرم.

صفحه 340
ذكره المستدلّ فالاحتمال دائر بين أُمور أربعة: بين أن يكون الحكم مضافاً إليهما معاً ; أو إلى واحد منهما معين أو مبهم على وجه لو تعيّن أحدهما امتنع التعليل بالآخر ; أو إلى كلّ واحد منهما، فإن كان مضافاً إليهما امتنع الإلحاق، وإن كان معيناً لزم الترجيح من غير مرجّح، وإن كان مبهماً امتنع الإلحاق أيضاً، إذ ليس اعتبار ما عيّنه المستدلّ على وجه يمتنع معه التمسّك بما عيّنه المعترض بأولى من العكس، فيتقابل الجانبان، ولا يمكن التعليل بكلّ منهما، لاستحالة تعدّد العلل .
وهل يجب على المعترض أن يبيّن في الفرع نقيض ما عارض به في الأصل ويردّه إلى الأصل، كما لو قال في البيع الفاسد مثلاً: إنّه عقد معاوضة فيستوي بين صحيحه وفاسده كالكتابة؟ فقال المعترض: السبب في الأصل إنّما هو العتق، وذلك ممّا ندب الشارع إلى تحصيله بأبلغ الطرق، بخلاف البيع فإنّه عقد تمليك فأشبه النكاح، فقد اختلفوا فيه :
فقال قوم: لا يجب عليه ذلك، فإنّه إن كان موجوداً في الفرع فيفتقر المستدلّ إلى بيان وجوده فيه ليصح الإلحاق، وإن لم يبيّن ذلك انقطع الجمع .
ومنهم من قال: لابدّ له من نفيه عن الفرع، لأنّ مقصوده الفرق، وذلك لا يتمّ دون نفيه عن الفرع .
وقيل بالتفصيل :
فإن المعترض إن قصد الفرق، فلابدّ له من نفيه ; وإن لم يقصد الفرق

صفحه 341
بل إبطال التعليل بما عيّنه المعارض، لم يجب. والمختار أنّ له المعارضة في الأصل بأمر وراء ما ذكره المستدل .
وإن قدر كونه موجوداً في الفرع، فإنّه إن كان صالحاً للتعليل أو لدخوله فيه، فالمستدلّ لا يمكنه عدم إدراجه في التعليل مع صلاحيته، وإن أدرجه كان منقطعاً حيث بيّنّا أنّ ما استند إليه أوّلاً لم يكن هو المدرك بل غيره أو بعضه. هذا إن كان المقصود ليس هو قطع الإلحاق فقط بل التكسّب وبيان وجه الانقطاع، وأمّا إن كان المقصود بالمعارضة ليس إلاّ قطع الإلحاق فقط، فلابدّ من بيان انتفائه عن محلّ الاستدلال إمّا بطريق إجمالي أو تفصيلي ولا يفتقر إلى بيان كون نقيض الوصف في الفرع معتبراً، إذ القطع متحقّق دونه، اللّهم إلاّ أن يقصد به المعارضة في الأصل وبنقيضه المعارضة في الفرع فإنّه حينئذ يجب أن يكون معتبراً .
هذا كلّه إذا كان المقيس عليه أصلاً واحداً .
وإن تعدّد فقد منع قوم منه لإفضائه إلى النشر مع إمكان حصول المقصود بالواحد منها .
ومنهم: من جوزه، لأنّه أقوى في إفادة الظن. وهو ضعيف، إذ ليس غرض المستدلّ من الدلالة تسهيل الكلام على المعترض، بل إفحامه وسدّ باب الكلام عليه والاحتراز عنه على وجه يمنعه عن الوصول إليه، وهو مقصود عند أهل الجدل والوجه المنع من ذلك لحصول المقصود بالاقتصار على الواحد منها، والجمع وإن كان أغلب على الظن وأبلغ في

صفحه 342
التحصيل، لكنّه تكلّف بما ليس بمطلوب، إذ المطلوب منه إنّما هو ما يحصل أصل الظن لا ما هو أغلب، وإلاّ لم يتمّ للمستدلّ مطلوبه ضرورة أنّ فوق كلّ ظن ظناً أغلب .
وعلى القول بجواز القياس على أُصول متعدّدة هل يجوز الاقتصار في المعارضة في الأصل على أصل واحد؟ منهم من جوّزه، لأنّ المستدل قصد إلحاق الفرع بجميع الأُصول، فإذا وقع الفرق بين الفرع وبعضها تمّ مقصود المعترض من إبطال غرض المستدلّ .
ومنهم من قال: لابدّ من المعارضة في كلّ أصل، لأنّه إذا عارض في البعض دون البعض فقد بقي قياس المستدلّ صحيحاً على الأصل الّذي لم يعارض فيه، وبه يتمّ مقصوده من إثبات الحكم أو نفيه .
واختلف الموجبون للمعارضة في جميع الأُصول 1:
منهم: من أوجب اتّحاد المعارضة في الكلّ بأن يعارض بما يشترك فيه الجميع، دفعاً لانتشار الكلام، ولأن يكون مقابلاً في اتّحاده لاتحاد وصف المستدلّ .
ومنهم: من لم يوجب ذلك وجوز المعارضة في كلّ أصل بغير ما في الأصل الآخر، لجواز أن لا يساعده في الكلّ علّة واحدة. فلا يكون للحكم علّة واحدة عند تعدّد المحال، بل له في كلّ محل علّة، ولا مانع منه .

1 . ذكر الاختلاف في الأقوال الآمدي في الإحكام: 4 / 99 .

صفحه 343
فإن اقتصر على المعارضة في أصل واحد فهل يجب على المستدل إبداء العذر عنه ؟
قال بعضهم بوجوبه، لأنّه التزم صحّة القياس على الجميع .
ومنهم من لم يوجب ذلك، لأنّ مقصوده إنّما هو إثبات الحكم، وهو لا يختل بتعذّر القياس على بعض الأُصول دون البعض .
والجواب عن سؤال المعارضة في الأصل بوجوه 1:
الأوّل: منع وجود الوصف المعارض به في الأصل.
الثاني: المطالبة بتأثير الوصف إن كان طريق إثبات العلّة من جانب المستدلّ المناسبة أو الشبه دون السبر والتقسيم.
الثالث: أن يبيّن كونه ملغى في جنس الأحكام كالطول والقصر ونحوه.
الرابع: أن يبيّن أنّه ملغى في جنس الحكم المعلّل، وإن كان مناسباً كالذكورة في باب العتق.
الخامس: أن يبيّن أنّه عدم معارض في الفرع، مثل قياس المكره على المختار بجامع القتل، فيعترض بالطواعية2، فيجيب بأنّ عدم الإكراه المناسب نقيض الحكم، وذلك طرد.

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 99 ـ 100 .
2 . في «أ»: بتوابعه.

صفحه 344
السادس: أن يبيّن أنّه قد استقلّ بالحكم في صورة دون الوصف المعارض به، بظاهر أو إجماع. مثل: لا تبيعوا الطعام بالطعام في معارضة المطعوم بالكيل، ومثل: من بدّل دينه في معارضة التبديل بالكفر بعد الإيمان غير متعرض للتعميم. لأنّ الطعم في الأوّل علّة مستقلّة بظاهر لا تبيعوا الطعام، فإنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلّيّة، والتبديل في الثاني علّة بظاهر من بدل، ولا يتعرض المستدلّ لعموم صورة التبديل لئلاّ ينتقض عليه تبديل الكفر بالإيمان .
وحينئذ يمتنع أن يكون علّة مستقلة في محلّ التعليل، لما فيه من إلغاء المستقل واعتبار غير المستقل .
ويمتنع دخوله في التعليل لما فيه من إلغاء ما علّل به المستدلّ في الفرع مع استقلاله لفوات ما لم يثبت استقلاله، وهو ممتنع. اللهم إلاّ أن يبدي المعارض في صورة الإلغاء وصفاً آخر غير ما عارض به في الأصل، فلابدّ من إبطاله، وإلاّ فالقياس متعذر .
ولا يمكن أن يقال في جوابه: إنّ كلّ وصف اختصّ بصورة، فهو ملغى بالصورة الأُخرى .
وهذا هوالمسمّى في الاصطلاح بتعدّد الوضع .
فإنّ للمعترض أن يقول: العكس غير لازم في العلل الشرعية لجواز ثبوت الحكم في كلّ صورة بعلّة غير علّة الصورة الأُخرى .
وإذا جاز ثبوت الحكم في صورتين بعلّتين مختلفتين فلا يلزم من

صفحه 345
إثبات الحكم في كلّ صورة بعلّة مع عدم علّة الصورة الأُخرى فيها، إلغاء ما وجد في تلك الصورة.
السابع: أن يبيّن رجحان ما ذكره على ما عارض به المعترض بوجه من وجوه الترجيحات الآتية فيما بعد .
فيتعين التعليل بما عينه، إذ لا سبيل إلى التعليل بما أبداه المعترض، لما فيه من المحافظة على المرجوح وإلغاء الراجح. ولا سبيل إلى إدخاله أيضاً في التعليل، إذ يلزم منه تخلّف الحكم في الفرع مع وجود الراجح، وهو ممتنع .
وهنا ترجيح آخر، وهو أن يكون أحد الوصفين في الأصل المستنبط منه متعدّياً والآخر قاصراً فإمّا أن يكون في طرف الإثبات، أو النفي .
فإن كان الأوّل فإمّا أن يكون الوصف المتعدي جزءاً من العلّة، أو خارجاً عنها بأن يكون المعارض في الأصل بالوصف القاصر لا غير. فإن كان خارجاً، فإمّا أن يكون المتعدي مساوياً للقاصر في جهة اقتضائه، أو أنّ الترجيح لأحدهما .
فإن كان مساوياً في جهة الاقتضاء، فالتعليل بالمتعدي أولى، للاتّفاق عليه والخلاف في القاصر، والمتّفق عليه أولى بالعلّيّة .
ولأنّ فائدة المتعدّي أكثر، إذ فائدة القاصر إنّما هي في ظهور الحكمة الباعثة في الأصل لسرعة الانقياد، وهو ثابت في المتعدي وزيادة تعريف1الحكم في الفرع، وهو أعظم فوائد العلّيّة .

1 . في «أ»: تقريب.

صفحه 346
لا يقال: إنّه يلزم منه إهمال المناسب القاصر .
لأنّا نقول 1: إنّه معارض بمثله، حيث يلزم من التعليل بالقاصر إهمال المناسب المتعدّي مع رجحانه، والتعليل بالقاصر وإن وافق النفي الأصلي في الفرع، بخلاف المتعدّي إلاّ أنّه مخالفة لما وقعت مخالفته في الأصل بما لم تظهر مخالفته، ولو علمنا بالقاصر لموافقته النفي الأصلي، لكان فيه العمل بموافقة ما وقع الإجماع عليه على مخالفته ومخالفة ما لم يقع الاتّفاق على مخالفته، وهو المتعدي، فكان مرجوحاً .
لا يقال: التعليل بالمتعدي يستلزم مخالفة ما لم يتّفق على مخالفته من الوصف القاصر وما اتّفق على مخالفته من النفي الأصلي، فكان فيه مخالفة ظاهرين :
أحدهما متّفق على مخالفته، والآخر غير متّفق على مخالفته. والتعليل بالقاصر يلزم منه العمل بهذين الظاهرين ومخالفة ظاهر واحد، وهو المتعدي.
لأنّا نقول 2: إنّه معارض بمثله، فإنّه بعد أن ثبت الحكم في الأصل لمعنى وإن كان قاصراً، فالأصل أن يثبت في الفرع بما وجد مساوياً لوصف الأصل في الاقتضاء، نظراً إلى تماثل مقصود الشارع، والمحافظة على هذا الأصل أولى من المحافظة على النفي الأصلي، لكون النفي الأصلي مخالفاً

1 . ذكر الإشكال وأجاب عنه الآمدي في الإحكام: 4 / 101 .
2 . ذكر الإشكال وأجاب عنه الآمدي في الإحكام: 4 / 102 .

صفحه 347
في الأصل بمثل ما قيل باقتضائه للحكم في الفرع .
فحينئذ يترجّح ما ذكرناه من جهة أنّ العمل بالمتعدّي عمل به وبأصل مترجّح على النفي الأصلي، والعمل بالقاصر عمل به وبأصل مرجوح بالنظر إلى الأصل المعمول به من جانبنا، فكان إمكان ما ذكرناه أولى .
واعلم أنّه لا يكفي في جواب المعارضة إثبات الحكم في صورة دون الوصف المعارض به، لجواز إثبات الحكم بعلّة أُخرى. وكذا لو أبدى المعترض في صورة الإلغاء وصفاً آخر يخلف ما ألغى المستدل فيه إلغاء الوصف المعارض به وما يقوم مقامه، وإلاّ كان وصف المستدل في كلّ صورة جزء العلّة، وكذا كلّ واحد من الوصف المعارض به وما يقوم مقامه، وإذ ذاك يكون معتبراً لا ملغى، وإنّما سمّي هذا تعدّد الوضع لتعدّد أصل العلّة، لأنّها تعدّدت بأصلين .
مثاله: أمان من مسلم عاقل فيصحّ كالحر، لأنّهما مظنتان لإظهار مصالح الإيمان، فيعترض بالحرية1، فإنّها مظنّة الفراغ في النظر فيكون أكمل، فلا يجوز الإلحاق فبلغها بالمأذون له في القتال .
فيقول المعترض: خلف الاذن الحرية إمّا لأنّ الإذن مظنّة لبذل الوسع والفراغ في النظر، أو لعلم السيد بصلاحية العبد المأذون للأمان.
وجوابه: إلغاء الوصف الّذي ذكره المعترض خلفاً للإلغاء، فإن أبدى

1 . في «ب» و «ج»: بالخبرية.

صفحه 348
وصفاً آخر كان جوابه الإلغاء أيضاً إلى أن يقف إمّا المعترض أو المستدل، ولا يكفي إلغاء الوصف بضعف المعنى مع تسليم مظنّة الحكم ; كما لو علّل المستدلّ قتل المرتدّة بالردة بالقياس على قتل المرتدّ بها، فيعترض بالرجولية فإنّها مظنّة الإقدام على القتال وهي العلّة في الأصل، فيلغيها بمقطوع اليدين فإنّ الرجولية فيه ضعيفة، وإنّما لم ينفعه لأنّه لمّا سلّم كونها مظنّة فلا ينفعه ضعفها في صورة، كما لو علّل القصر في السفر بالمشقّة مع أنّها تضعف في المرفّه له.

الاعتراض الثالث عشر: سؤال التعدية

هو أن يعين المعترض في الأصل معنى ويعارض به ثمّ يقول للمستدلّ: ما علّلت به وإن تعدّى إلى فرع مختلف فيه، فالذي علّلت به أيضاً قد تعدّى إلى فرع مختلف فيه ولا أولوية. كقول الشافعي في مسألة إجبار البكر البالغ: فجاز إجبارها كالبكر الصغيرة. فيقول الحنفي: البكارة وإن تعدّت إلى البالغ البكر فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة. واختلفوا في قبوله.
والوجه أنّه لايخرج عن سؤال المعارضة في الأصل مع زيادة التسوية في التعدية .
   
وجوابه بإبطال ما عارض به المعترض وحذفه عن درجة الاعتبار بما سبق في سؤال المعارضة في الأصل.

صفحه 349
 
الاعتراض الرابع عشر: منع وجود الوصف المدّعى علّة في الفرع
كقولهم في أمان العبد: أمان صدر من أهله في محلّه فيصح كالمأذون، فيمنع المعترض الأهلية في الفرع وهو العبد الغير المأذون له في الحرب.
وجوابه ببيان وجود ما أراد من الأهلية في الفرع، وهو كجواب منع وجود الوصف في الأصل.
واختلفوا في أنّه هل للسائل أن يقرر هذا السؤال أم لا ؟
منع منه قوم، لأنّ المستدلّ مدّع لوجوده في الفرع فعليه إثباته، وليس على المعترض نفيه، وإلاّ لانتشر الكلام.

الاعتراض الخامس عشر: المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض حكم المستدلّ

إمّا بنصٍّ، أو بإجماع ظاهر، أو بوجود مانع الحكم في الفرع، أو بفوات شرط الحكم عنه ولابد من بيان تحقّقه بطريق كونه مانعاً، أو شرطاً على أحد الطرق الّتي أثبت المستدلّ بها كون الوصف الّذي علّل به علّة من التأثير أو الاستنباط .
وقد اختلفوا في قبول هذا السؤال، فقبله قوم وردّه آخرون.
احتجّ الأوّلون 1 بأنّ قصد المعترض هدم ما بناه المستدلّ، وهو

1 . وهو مختار الآمدي في الإحكام: 4 / 107 .

صفحه 350
حاصل هنا، إذ دليله مقاوم لدليله، ولا منع عليه في سلوك طريق للهدم دون طريق، ولو منع من ذلك لزم سدّ باب فائدة البحث والاجتهاد والمناظرة.
واحتجّ الآخرون بأنّ من شأن المعترض الهدم ولكن الدليل المعارض يكون استدلالاً وتبياناً لا هدماً ويلزم منه القلب.
وجواب هذا السؤال أن يقدح فيه المستدلّ بكلّ ما للمعترض أن يقدح فيه أن لو كان المستدلّ متمسّكاً به .
وإن عجز المستدلّ عن ذلك كان له دفع السؤال بالترجيح عند قوم لأنّه مهما ترجح ما ذكره المستدلّ بوجه ما من وجوه الترجيح تعيّن العمل به، وهو المقصود .
ومنع من ذلك قوم، لأنّ ما ذكره المعترض وإن كان مرجوحاً فهو اعتراض، واختلفوا في أنّه هل يجب على المستدلّ أن يذكر في دليله الإيماء إلى الترجيح ؟
فأثبته قوم، لتوقّف العمل بالدليل عليه فكان من أجزاء الدليل، فلو لم يذكره لم يكن ذاكراً للدليل .
ونفاه آخرون، لأنّه مسؤول عن الدليل وقد أتى به، والترجيح خارج عن مسمّى الدليل فلا يجب ذكره، وتوقّف العمل بالدليل على الترجيح من توابع ورود المعارضة لدفعها لا أنّه جزء من الدليل.
اختلاف ضابط الحكمة في الأصل والفرع مع اتحاد الحكمة    

صفحه 351
 
الاعتراض السادس عشر: اختلاف ضابط الحكمة في الأصل
والفرع مع اتحاد الحكمة
كما في مسألة شهود القصاص تسبّب بالشهادة إلى القتل فوجب عليهم القصاص زجراً لهم عن التسبّب، قياساً على المكره فإنّه يجب عليه القصاص لتسببه في القتل بالإكراه .
فيقول المعترض: الضابط في الفرع الشهادة، وفي الأصل الإكراه، والمقصود فيهما وإن كان واحداً ـ وهو الزجر ـ فلا يمكن تعدية الحكم به، لأنّ الضابط في الأصل غير موجود في الفرع، والضابط في الفرع يحتمل قصوره عن ضابط الأصل في الإفضاء إلى المقصود .
والجواب عنه: أنّ الجامع ما اشتركا فيه من التسبب المنضبط عرفاً، أو تبيين المساواة بين ضابط الفرع وضابط الأصل في الإفضاء إلى المقصود، لأنّ احتمال التساوي أرجح وان افتضاءه أكثر من افتضاء ضابط الأصل. كما لو كان أصل هذا القياس المغري للحيوان بأن يقال في المسألة تسبّبوا إلى القتل عمداً عدواناً فوجب القصاص زجراً لهم عن التسبّب، قياساً على وجوب القصاص على المغري للحيوان على الآدمي بأنّ إفضاء الضابط إلى المقصود في الفرع أرجح من إفضاء ضابط الأصل إليه، من حيث إنّ انبعاث الولي للتشفّي والانتقام في الفرع أغلب من انبعاث الحيوان بالإغراء بسبب نفرته من الآدمي وعدم علمه بجواز القتل وعدمه .

صفحه 352
وإذا كان كذلك فلا يضر اختلاف أصلي التسبّب، وهو كون أصل أحدهما شهادة وأصل الآخر إكراهاً أو إغراء، فإنّه اختلاف في فرع وأصل، فكأنّه قبل الشهادة يوجب القصاص قياساً على الإكراه والإغراء والجامع كون كلّ واحد منهما سبباً، واختلاف الأصل والفرع وكونه شرطاً في القياس غير قادح في صحّته وإن بلغ الاختلاف إلى التضاد، كما يقاس الإرث في طلاق المريض على القاتل في منع الإرث، كما تقدّم في المناسبة.
ولا يفيد المستدلّ أن يقول: التفاوت بين ضابط الأصل والفرع ملغىً مراعاةً لحفظ النفس، كما أنّه ألغى التفاوت بين قطع الأنملة وقطع الرقبة، لوجوب القصاص على قاطع الأنملة عند افتضاء القطع إلى الهلاك قياساً على قاطع الرقبة، وإنْ كان التفاوت بينهما ظاهراً غير خفي مبالغة في صيانة النفس. وإنّما لا يفيد، لأنّه لا يلزم من إلغاء تفاوت القاتل إلغاء كلّ تفاوت، فإنّه قد ألغى التفاوت بين العالم والجاهل فيقتل أحدهما بالآخر ولم يلغ التفاوت بين الحر والعبد.

الاعتراض السابع عشر: اختلاف جنس المصلحة مع اتّحاد الضابط بين الأصل والفرع

كقوله في اللواط: أولج فرجاً في فرج مشتهى طبعاً، محرّم شرعاً، فيجب الحدّ كالزاني.
   
فللمعترض أن يقول: الضابط وإن اتّحد إلاّ أنّ جنس المصلحة

صفحه 353
مختلف، لأنّ الحكمة في الفرع هي صيانة النفس عن رذيلة اللواط، وفي الأصل دفع محذور اختلاف الأنساب. وقد يتفاوتان في نظر الشرع فمناط الحكم بإحدى الحكمتين دون الأُخرى، وحاصل هذا السؤال يرجع إلى المعارضة .
وجوابه كجوابه، وهو أنّ التعليل إنّما وقع بالضابط المشترك المستلزم لدفع المحذور اللازم من عموم الجماع، والتعرّض لحذف ما اختصّ به الأصل بأحد الطرائق الموجبة للحذف، كالسبر والتقسيم وغير ذلك .

الاعتراض الثامن عشر: مخالفة حكم الفرع لحكم الأصل

بأن يقال: حكم الفرع بخلاف حكم الأصل، فلا قياس، لأنّ القياس عبارة عن تعدية حكم الأصل إلى الفرع بواسطة الجامع بينهما، ومع اختلاف الحكم لا تحصل التعدية من الأصل .
والجواب عنه 1 ببيان اتّحاد الحكم:
إمّا عيناً كما في قياس وجوب الصوم على وجوب الصلاة، وقياس صحّة البيع على صحّة النكاح وانّ الاختلاف إنّما هو عائد إلى المحلّ، وهو غير قادح في صحّة القياس لكونه شرطاً فيه .
وامّا جنساً، كما في قياس وجوب قطع الأيدي باليد الواحدة على وجوب قتل الأنفس بالنفس الواحدة، وانّ الاختلاف إنّما هو في عين

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 110 .

صفحه 354
الحكم، فكان ملائماً إن كان الاشتراك في جنس العلّة، أو مؤثراً إن كان الاشتراك في عينها، وهو غير مبطل للقياس عند القائلين به .
وأمّا إن اختلف الحكم جنساً ونوعاً، كما في إلحاق الإثبات
بالنفي أو الوجوب بالتحريم، وبالعكس، فقد تقدّم الخلاف في صحّته وفساده .
وباقي الاعتراضات من القلب والنقض والكسر والقول بالموجب وغير ذلك قد تقدّم .1
واعلم أنّ الاعتراضات إمّا أن تكون من جنس واحد، كالنقوض أو المعارضات في أحد ركني القياس ـ أعني: الأصل أو الفرع ـ أو من أجناس متعددة، كالمنع والمطالبة، والنقض والمعارضة .
فإن كان الأوّل جاز إيرادها معاً باتّفاق الجدليّين إذ لا يلزم منه تناقض، ولا خروج من سؤال إلى غيره .
وإن كان الثاني فإن كانت الأسئلة غير مترتّبة جاز الجمع بينها عند الجمهور، ومنع منه أهل سمرقند فإنّهم أوجبوا الاقتصار على سؤال واحد لقربه إلى الضبط وبعده عن الخبط .2
وإن كانت مترتّبة فقد اختلفوا،(3) فمنع الأكثر من إيرادها معاً، لأنّ المناظر إذا طالب بتأثير الوصف بعد منع وجوده فقد نزل عن المنع وأشعر

1 . راجع الفصل الرابع: في مبطلات العلّة، ص 168 من هذا الجزء.
2 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 122 .            3 . راجع الإحكام: 4 / 122 ـ 124 .

صفحه 355
بتسليم وجوده، لأنّه لو بقي على منع وجود الوصف لما طالب بتأثيره، لأنّ تأثير ما لا وجود له محال، وحينئذ فلا يستحق المعترض جواباً إلاّ عن السؤال الأخير .
وجوّزه آخرون بأن يطلب تأثير الوصف بعد منع وجوده على تقدير التسليم لوجوده بأن يقول: لو سلّمنا وجوده تقديراً، فلا نسلّم تأثيره، وإذا كان كذلك فلترتّب الأسئلة وإلاّ كان منعاً لتسليم ما ثبت تسليمه .
فأوّل ما يقدّم سؤال الاستفسار فإنّ من لا يعرف مدلول اللفظ لا يعرف ما يتّجه عليه.
ثم سؤال فساد الاعتبار، لأنّه نظر في فساده من حيث الإجمال .
ثمّ فساد الوضع، لأنّه أخصّ من سؤال فساد الاعتبار، والنظر في الأعم مقدّم.
ثمّ منع الحكم في الأصل .
ثمّ منع وجود العلّة فيه، لأنّ العلّة مستنبطة من حكم الأصل فيتأخّر السؤال عنها عن السؤال عنه .
ثمّ ما يتعلق بعلّية الوصف، كالمطالبة، وعدم التأثير والقدح في المناسبة، والتقسيم، وكون الوصف غير ظاهر ولا منضبط، وكون الحكم غير صالح لإفضائه إلى المقصود .
ثم النقض والكسر لكونه معارضاً لدليل العلّة .

صفحه 356
ثمّ المعارضة في الأصل، لانّه معارض لنفس العلّة فهو متأخّر عن النقض.
ثمّ التعدية والتركيب، لأنّهما في الحقيقة معارضة في الأصل .
ثمّ منع وجود العلّة في الفرع، ومخالفة حكمه لحكم الأصل، ومخالفته للأصل في الضابط، والمعارضة في الفرع، وسؤال القلب، والقول بالموجب.

صفحه 357
المقصد الثاني عشر: في الاستدلال
وفيه مقدّمة وفصول:
أمّا المقدّمة ففي بيان ماهية الاستدلال لغة ] فهو [: استفعال من طلب الدليل والطريق المرشد إلى المطلوب .
وأمّا في اصطلاح الفقهاء فإنّه يطلق تارة بمعنى ذكر الدليل، سواء كان نصّاً أو إجماعاً أو غيرهما .
ويطلق تارة على نوع خاص من أنواع الأدلّة ـ وهو المراد هنا ـ وهو عبارة عن دليل لا يكون نصّاً ولا إجماعاً ولا قياساً .
وقيل: ولا قياس علّة، فيدخل نفي الفارق والتلازم. وأمّا نحو وجد السبب أو المانع أو فقد الشرط هل هو دليل أم لا ؟
قيل: إنّه دليل، وقيل: إنّه دعوى دليل .
والقائلون بأنّه دليل قبل انّه استدلال، لأنّه ليس بنصّ ولا إجماع ولا قياس .
وقيل: إذا اثبت السبب أو المانع أو الشرط بغيرالإجماع والنصّ والقياس فهو استدلال، وإلاّ فلا وإنّما عرفناه بسلب غيره لسبق معرفة غيره عليه، وأنواعه تذكر في فصول:

صفحه 358
   
 
الفصل الأوّل:

في التلازم

وهو عبارة عن الحكم بوجوب صدق قضية على تقدير صدق قضية أُخرى،1 ويسمّى الصادق الأوّل لازماً والثاني ملزوماً، وهو نسبة بينهما عقلية، ولا يستلزم صدقها صدق كلّ واحد من متعلّقها، بل ولا صدق أحدهما، فإنّ التلازم قد يصدق بين كاذبين، أو كاذب وصادق، على أن يكون الملزوم كاذباً دون العكس، وإلاّ لزم صدق الكاذب وكذب الصادق، وقد يمكن ذلك في الملازمة الجزئية.
والملازمة إمّا كلّيّة، وهي الّتي يحكم فيها بوجوب صدق اللازم على تقدير صدق الملزوم في كلّ زمان، مع كلّ أمر لا يلزم من اجتماعه معه محال.
وإمّا جزئية وهي الّتي حكم فيها بوجوب صدق اللازم على تقدير صدق الملزوم في بعض الأزمنة، أو مع بعض الأُمور الّتي لا يلزم من اجتماعه معه محال.

1 . في «د» بزيادة: أو حكم آخر.

صفحه 359
والملازمة الكلّيّة إذا ضم إليها استثناء عين مقدمها انتج 1 عين تاليها تحقيقاً للعموم، وإن ضم استثناء نقيض التالي انتج 2 عين المقدم تحقيقاً للزوم. ولمّا كان اللازم في بعض القضايا غير مقصور على شيء واحد، بل قد يكون لازماً لأُمور متعدّدة متباينة لا جرم لم يلزم من وجود اللازم ولا من عدم الملزوم شيء تصحيحاً للعموم، ولو كان اللازم مساوياً لملزومه لزم من هذه الحيثية نتائج أربع، وإن كانت الملازمة جزئية اشترط في انتاج الاستثناء كلية، لجواز اختلاف زماني الاستثناء وصدق المقدّم لولاه .
واعلم أنّ المتلازمين إمّا أن يكونا ثبوتيين، أو عدميين، أو الملزوم ثبوتياً واللازم عدمياً، أو بالعكس .
وأيضاً المتلازمان إمّا أن يتلازما طرداً وعكساً، أو طرداً لا عكساً.
فإن تلازما طرداً وعكساً جاز أن يكونا ثبوتيين ويقينيين، كالجسم والتأليف فإنّه لمّا كان الجسم ملزوماً للتأليف وبالعكس طرداً وعكساً، كان الجسم الثبوتي ملزوماً للتأليف الثبوتي طرداً وعكساً، وعدم الجسم السلبي ملزوماً لعدم التأليف السلبي طرداً وعكساً .
وإن تلازما طرداً لا عكساً، كالجسم والحدوث فإنّ الجسم مستلزم للحدوث دون العكس، وهما ثبوتيان تلازما ثبوتاً 3 طرداً، فإنّ كلّ

1 . في «أ»: ابيح .
2 . في «أ» و «د»: ابيح .
3 . في «ب» و «د»: ثبوتياً.

صفحه 360
جسم محدث، وتلازما نفياً1 عكساً، فإنّ عدم الحدوث مستلزم لعدم الجسم .
وأمّا المتنافيان فإن تنافيا وجوداً وعدماً ـ أعني: طرداً وعكساً ـ كالحدوث ووجوب البقاء حصل بينهما تلازم من ثبوت ونفي طرداً وعكساً، فإنّ كلّ محدث ليس بواجب، وكلّ ما ليس بمحدث فهو واجب. وإن تنافيا إثباتاً كالتأليف والقدم حصل بينهما استلزام الثبوت للنفي طرداً وعكساً، فإنّ التأليف مستلزم لعدم القدم والقدم مستلزم لعدم التأليف، فالأوّل طرد والثاني عكس .
وإن تنافيا نفياً حصل التلازم بين نفي وثبوت طرداً وعكساً.
مثال الأوّل: مَن صحّ طلاقه صحّ ظهاره، وتثبت هذه الملازمة بالطرد، وتقوى بالعكس، فتثبت بدوران صحّة الظهار مع صحّة الطلاق وجوداً وعدماً حتى يلزم كون صحّة الطلاق علّة لصحّة الظهار فيستلزمها .
ويقرّر بأنّ الصحّتين أثران لمؤثر واحد، ويلزم من ثبوت أحد الأثرين ثبوت الآخر لثبوت المؤثر .
ويقرر أيضاً بثبوت المؤثر بأن يقال: مؤثر صحّة الظهار ثابت مع صحّة الطلاق من غير تعيين للمؤثر بأن يقال: إنّما صحّ طلاقه لكذا بشهادة المناسبة، وتلك العلّة موجودة في ظهاره فيصحّ، وإلاّ كان انتقالاً إلى قياس العلّة ولم يكن استدلالاً .

1 . في «ب»: وملازمته .

صفحه 361
مثال الثاني: وهو التلازم بين العدمين: لو صح الوضوء بغير نيّة لصحّ التيمّم ويثبت بالطرد، كما تقدّم في جانب الثبوت .
ويقرر بانتفاء أحد الأثرين فينتفي المؤثر فينتفي الأثر الآخر، ويقرر أيضاً بانتفاء المؤثر .
مثال الثالث: وهو أن يكون الملزوم ثبوتاً واللازم عدماً: ما كان حلالاً لا يكون حراماً .
مثال الرابع: عكسه: ما لا يكون مباحاً يكون حراماً. أو تقررها بأنّ الملازمتان بثبوت التنافي بين الحكمين أو بين لوازمهما. فإذا تقرر ذلك وثبت أحدهما لزم انتفاء الآخر، مثل الوجوب على المديون مع عدم الوجوب على الفقير بما 1 لا يجتمعان، والثاني ثابت بالإجماع فيلزم انتفاء الأوّل .
ويمكن بيان عدم الاجتماع بالنص وبالقياس بواسطة التلازم بأن يقال: لو وجبت على المديون لوجبت على الفقير، أو: لو لم يجب على الفقير لم يجب على المديون. ويبيّن كلاًّ من الملازمتين بالنص أو القياس، وكلّ واحدة من هاتين الملازمتين مستلزمة لعدم الاجتماع بين الوجوب على المديون وعدمه على الفقير، أو بواسطة إثبات أحد الأمرين بأن يقال: الثابت إمّا عدم الوجوب على المديون، أو الوجوب على الفقير لدلالة الدليل على كلّ منهما وهو; النص والقياس والتلازم، وإنّما كان يلزم عدم الاجتماع بين الأمرين .

1 . في «أ» و «د»: ممّا .

صفحه 362
ويرد على أنواع التلازم والتنافي منع المقدّمتين الشرطية والاستثنائية أو إحداهما. ويرد ما تقدّم في القياس ماعدا أسئلة نقص الوصف الجامع الاختصاص بالقياس لعدم تعيين العلّة هنا ويختصّ التلازم بسؤال آخر إذا كان الجامع بين الأصل والفرع أحد موجبي الأصل أي علته، كقولهم في قصاص الأيدي باليد الواحدة أحد موجبي علّة الأصل وهو تفويت النفس. وإذا كان كذلك فيجب في الفرع بدليل وجود الموجب الثاني لعلّة الأصل وهو الدية على تقدير وجودها في الفرع. وتقرر وجوبها في القصاص في الفرع بأنّ الدية أحد الموجبين فيستلزم الموجب الآخر، لأنّ علّة الموجبين في الأصل ـ إن اتّحدت ـ كان لزوم المطلوب واضحاً، لاستلزام وجود أحد موجبيها في الفرع وجودها المستلزم لوجود الموجب الآخر وهو القصاص على الكلّ. وإن تعددت فتلازم الحكمين في الأصل دليل تلازم العلّتين. فيعترض المعترض بما ذكر من السؤال وهو المختص بقياس الدلالة. وتقرير الاعتراض والجواب قد سبق.

صفحه 363
 
الفصل الثاني:

في الاستصحاب 1

وفيه مباحث:

الأوّل: في أنّه هل هو حجّة أم لا؟

اختلف الناس في أنّ استصحاب الحال هل هو حجّة أم لا ؟
فذهب أكثر الحنفية وجماعة من المتكلّمين كأبي الحسين البصري والسيد المرتضى 2 وغيرهما إلى أنّه ليس حجّة، ومن هؤلاء مَنْ جوّز به الترجيح لا غير .
وذهب جماعة من الشافعية كالمزني والصّيرفي والغزالي وغيرهم إلى أنّه حجّة .3

1 . الاستصحاب في اللغة: أخذ الشيء مصاحَباً أو طلب صحبته، وفي الاصطلاح: إبقاء ما كان على ما كان. وهو أمارة ظنية عند قدماء الأُصوليين، لكن المعروف بين المتأخّرين أنّه أصل كسائر الأُصول، بل مرتبته متقدّمة على سائر الأُصول العملية، أعني: أصالة البراءة، وأصالة التخيير، وأصالة الاحتياط. راجع الوسيط في أُصول الفقه لآية الله جعفر السبحاني: 2 / 150 .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 345 ـ 346 .
3 . وهو مختار الآمدي في الإحكام: 4 / 133; والرازي في المحصول: 2 / 549 .

صفحه 364
احتجّ الأوّلون بوجوه 1:
الأوّل: التسوية بين الوقتين في الحكم إمّا باعتبار اشتراكهما في المقتضي للحكم فيكون قياساً أو لا باعتبار ذلك، فتكون التسوية بين الوقتين في الحكم من غير دليل، وهو باطل بالإجماع.
الثاني: لو كان الأصل في كلّ شيء استمراره ودوامه، لكان حدوث جميع الحوادث على خلاف الدليل المقتضي لاستمرار عدمها، وهو خلاف الأصل.
الثالث: الإجماع منعقد على أنّ بيّنة الإثبات مقدّمة على بيّنة النفي، ولو كان الأصل في كلّ متحقّق دوامه، لكانت بيّنة النفي مقدّمة لاعتضادها بهذا الأصل.
الرابع: مذهب الشافعي أنّه لا يجزي عتق العبد الّذي انّقطع خبره، عن الكفّارة ولو كان الأصل البقاء لأجزأ.
الخامس: المعتبر في الأحكام الشرعية ليس مطلق الظن، وإلاّ لكانت شهادة العبيد والنساء والفسّاق والصبيان مقبولة لحصول أصل الظن، بل الظن الغالب ونحن نمنع انّ أصالة البقاء تفيد غلبة الظن، لأنّ الأصل عدم هذه الزيادة بعين ما ذكرتم.
في أنّ الاستصحاب هل هو حجّة أم لا؟   
السادس: ظن الاستمرار ثابت قبل الشرع أمّا بعده فلا، لعدم الأمن بالتغيّر، وورود الدليل المغيّر، فلا يبقى ظن الاستمرار حاصلاً .

1 . راجع الإحكام: 4 / 136 ـ 137 .

صفحه 365
والاعتراض على الأوّل; بأنّ التسوية بين الزمانين ليست بالقياس، بل لأنّ العلم بثبوته في الحال يقتضي ظن ثبوته على ذلك الوجه في الزمان الثاني، والعمل بالظن واجب، ولا يلزم من نفي القياس نفي كلّ دليل، لأنّ القياس دليل خاص ولا يلزم من نفيه نفي كلّ دليل.
وعلى الثاني; بأنّا خالفنا الأصل في الحوادث لوجود السبب الموجب للحدوث، ونفي حكم الدليل مع وجوده لمعارض أولى من إخراجه عن الدلالة وإبطاله بالكلّيّة مع ظهور دلالته .
وعلى الثالث ; بأنّ تقديم الشهادة المثبتة على النافية وإن كانت معتضدة بأصل براءة الذمة، فإنّما كان لاطّلاع المثبت على السبب الموجب لمخالفة براءة الذمّة وعدم اطّلاع النافي عليه لإمكان حدوثه حال غيبة النافي عن المنكر بتعذّر صحبته له واطّلاعه على أحواله في سائر الأوقات .
وعلى الرابع; نمنع ما ذهب إليه الشافعي وقوله ليس حجّة، وبتقدير تسليمه فالفرق أنّ الذمّة مشغولة بالكفّارة يقيناً ولا تحصل البراءة منها إلاّ بيقين وجود العبد ولا يقين.
وعلى الخامس; نمنع اشتراط غلبة الظن، بل أصل الظن كاف، وردّ الشهادة في الصور المذكورة لم يكن لعدم صلاحيتها، بل لعدم اعتبارها في الشرع، بخلاف مانحن فيه من استصحاب الحال فإنّه معتبر.
وعلى السادس; أنّه بعد ورود الشرع إذا لم يظفر بدليل يخالف الأصل نفي ذلك الأصل تغلباً على الظن، نعم أنّه قبل ورود الشرع أغلب

صفحه 366
على الظن لتيقّن عدم المعارض فيه بعد ورود الشرع لظن عدم المعارض .
واحتجّ الآخرون بوجوه 1:
الأوّل. الإجماع منعقد على أنّ الإنسان لو شك في وجود الطهارة ابتداء لا تجوز له الصلاة، ولو شك في بقائها جازت له الصلاة، ولو لم يكن الأصل في كلّ متحقّق دوامه لزم إمّا جواز الصلاة في الصورة الأُولى، أو عدم الجواز في الصورة الثانية، وهو خلاف الإجماع .
وإنّما قلنا ذلك، لأنّه لو لم يكن الراجح هو الاستصحاب لم يخل إمّا أن يكون الراجح عدم الاستصحاب، أو أنّ الاستصحاب وعدمه سيان .
فإن كان الأوّل لزم منه امتناع جواز الصلاة في الصورة الثانية، لظن فوات الطهارة .
وإن كان الثاني فإما أن يكون استواء الطرفين ممّا تجوز معه الصلاة أو لا تجوز. فإن كان الأوّل لزم منه جواز الصلاة في الصورة الأُولى، وإن كان الثاني لزم عدم جواز الصلاة في الصورة الثانية، وكلّ ذلك ممتنع.
الثاني. العقلاء بأسرهم إذا تحقّقوا وجود شيء أو عدمه وله أحكام مختصّة به، سوّغوا القضاء بها في المستقبل، حتى جوّزوا إنفاذ الودائع إلى من عرفوا بوجوده قبل ذلك بمدد متطاولة، ويشهدون ببقاء الدين على من أقرّ من مدة به، ولولا أصالة البقاء لم يجز ذلك.

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 133 .

صفحه 367
الثالث. ظن البقاء أغلب من ظن التغيّر، لأنّ الباقي لا يتوقّف على أكثر من وجود الزمان المستقبل ومقارنة الباقي له، وأمّا التغيّر فيتوقّف على وجود الزمان المستقبل، وتبدّل الوجود بالعدم، أو بالعكس ; ومقارنة الوجود أو العدم بذلك الزمان. والمتوقّف على شيئين أغلب ممّا يتوقف عليهما وعلى ثالث .
الرابع 1: العلم بتحقّق أمر في الحال يقتضي ظنّ بقائه في الاستقبال، لأنّ الباقي مستغن عن المؤثِّر والحادث مفتقر إليه، والمستغني عن المؤثِّر راجح الوجود بالنسبة إلى المفتقر إليه. أمّا استغناء الباقي، فلأنّه لو افتقر إلى المؤثّر لكان المؤثّر إمّا أن يصدر عنه أثر أو لا .
والثاني مؤدٍّ إلى التناقض من حيث فرض المؤثِّر وعدم التأثير .
وأمّا الأوّل فالأثر الصادر عنه إمّا أن لا يكون هو الموجود، أو لا بل أمر متجدّد، فلم يكن المؤثر مؤثّراً في الباقي بل في أمر حادث، وأمّا الباقي فإنّه مستغن عنه ; أو يكون هو الموجود أو لا، وهو تحصيل الحاصل ; أمّا احتياج الحادث فبالضرورة، وأمّا رجحان المستغني عن المؤثر على المفتقر إليه، لأنّ المستغني لابدّ وأن يكون الوجود به أولى، إذ لو كان الوجود مساوياً للعدم لاستحال الرجحان إلاّ بمنفصل، فكان يلزم افتقاره إلى المؤثر، وقد فرضناه مستغنياً عنه ; هذا خلف. فإذن وجود الباقي راجح على عدمه.

1 . هذا الوجه ذكره الرازي في المحصول: 2 / 549 .

صفحه 368
وأمّا الحادث فليس أحد طرفيه راجحاً على الآخر، إذ لو كان راجحاً لاستحال افتقاره إلى المرجِّح، وإلاّ لكان ذلك المرجِّح مرجِّحاً لما هو في نفسه مترجِّح، فيكون تحصيلاً للحاصل .
فإذن الباقي أولى بالوجود، والحادث ليس أولى بالوجود، ولا معنى لظن وجوده إلاّ أنّ اعتقاد وجوده أولى، فالباقي راجح الوجود بالنسبة إلى الحادث .
ولأنّ الباقي لا يعدم إلاّ عند وجود المانع، والمفتقر إلى المؤثر كما يعدم عند وجود المانع فقد يعدم عند عدم المقتضي. وما لا يعدم إلاّ بطريق واحد أولى بالوجود ممّا يعدم بطريقين، ولا معنى للظن إلاّ اعتقاد أنّه أولى بالوجود .
وأمّا وجوب العمل بالظن فلقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن نحكم بالظاهر».1
ولأنّه لو لم يجب لزم ترجيح المرجوح على الراجح، وهو بديهي البطلان. ولأنّ العمل بالقياس وخبر الواحد والفتوى وباقي الظنون المعتبرة شرعاً إنّما وجب ترجيحاً للأقوى على الأضعف. وهو قائم هنا فيثبت الحكم، وهو وجوب العمل به .
اعترض بمنع ظن بقاء المعلوم ثبوته في الحال إلى ثانيه .
قوله: الباقي مستغن .

1 . تفسير الرازي: 3 / 215 ; تفسير الآلوسي: 15 / 73 ; سبل الهدى والرشاد: 10 / 315 ; المحصول: 2 / 550 .

صفحه 369
قلنا 1: إن عنيتم أنّ كونه باقياً مستغن عن المؤثر، فهو ممنوع. ولأنّه مناقض لقولكم: الحادث مفتقر، لأنّ كونه باقياً حادث، إذ لم يكن باقياً حال الحدوث ثمّ تجدّد .
وإن عنيتم شيئاً آخر فاذكروه .
سلّمنا لكن يجوز أن يكون للباقي مؤثر يؤثر في أمر لم يكن حاصلاً، لأنّ معنى البقاء حصوله في هذا الزمان بعد أن كان حاصلاً في آخر قبله، لكنّ حصوله في هذا الزمان لم يكن حاصلاً قبل حصول هذا الزمان، لأنّه نسبة للحاصل بالقياس إلى هذا الزمان والنسبة متأخّرة. فإذن كونه باقياً حادث، وأثر المؤثر المنفي هو هذا الأمر .
لا يقال: يلزم كون أثر المبقي حادثاً فلا يكون مبقياً بل محدثاً .
لأنّا نقول 2: المراد من افتقار الباقي إلى المبقي افتقار حصوله في الزمن الثاني إلى المؤثر، فيمتنع صدق البقاء عليه إلاّ لمؤثر .
ثمّ البحث عن كون الواقع بذلك المؤثر أمر مستمر، أو جديد خارج عن المقصود .
سلّمنا لكن يجوز أن يكون أثره شيئاً كان حاصلاً قبل.
قوله: تحصيل للحاصل .3

1 . ذكر الرازي الإشكال والإجابة عنه في المحصول: 2 / 551 .
2 . ذكر الرازي الإشكال والاجابة عنه في المحصول: 2 / 551.
3 . في المحصول: 2 / 552: تحصيل الحاصل محال.

صفحه 370
قلنا: ان عنيت بتحصيل الحاصل أن يجعل عين الوجود أوّلاً حادثاً في الثاني، فهو محال قطعاً، لكن نمنع أن يكون استناد الباقي ] إلى [ المؤثر يوجبه. وإن عنيت أنّ الوجود الّذي صدق عليه في الزمن الأوّل أنّه إنّما ترجّح لهذا المؤثر، صدق عليه في الزمن الثاني أيضاً أنّه ترجّح لهذا المؤثر منعنا استحالته .
سلّمنا أنّ ما ذكرتم يدلّ على استغناء الباقي لكن يعارضه أنّ الباقي حال بقائه ممكن لإمكانه حال الحدوث، والإمكان من اللوازم، وكلّ ممكن له مؤثر، فالباقي حال بقائه له مؤثر. وأمّا افتقار الممكن إلى المؤثر، فلأنّه لمّا استوى طرفاه، افتقر في ترجيح أحدهما إلى مؤثر .
لا يقال: يجوز أن يكون الإمكان إنّما يحوج إلى المؤثر بشرط الحدوث، وهو منتف حالة البقاء، فلا يتحقّق الافتقار .
لأنّا نقول 1: لا يجوز جعل الحدوث معتبراً في تحقق الاحتياج، لأنّ معناه مسبوقية الشيء بالعدم، ومسبوقية الوجود بالعدم صفة للوجود، فتكون صفة الوجود متأخّرة عنه بالذات تأخر الصفة عن موصوفها، فالحدوث متأخرعن الوجود والمتأخر عن الإيجاد المتأخّر عن احتياج الأثر إلى المؤثر المتأخّر عن علّة احتياجه إليه ; فلو كان الحدوث معتبراً في ذلك الاحتياج إمّا بأن يكون علّة له، أو جزءاً منها، أو شرطاً فيها، لزم الدور .
سلّمنا، استغناء الباقي وافتقار الحادث، لكن نمنع رجحان المستغني.

1 . ذكر الرازي الإشكال وأجاب عنه في المحصول: 2 / 552 ـ 553 .

صفحه 371
قوله: الباقي أولى بالوجود والحادث ليس أولى، ولا معنى للظن إلاّ اعتقاد أنّه أولى .
قلنا: إن عنيت بالأولوية امتناع العدم عليه، فهو باطل، لقبول الباقي العدم. وإن عنيت أمراً آخر فبيّنه. ولا يمكن الاعتذار بثبوت متوسط بين الاستواء الصرف الّذي هو الإمكان، والتعيّن المانع من النقيض الّذي هو الضرورة. لأنّ مع هذه الأولوية إن امتنع النقيض فهو الضرورة; وإن لم يمتنع فمع الأولوية يصحّ عليه الوجود تارة، والعدم أُخرى، فحصول أحدهما بدلاً عن الآخر إن توقّف على انضمام قيد إليه، لم يكن الحاصل قبله كافياً في تحقّق الأولوية. وإن لم يتوقّف فنسبة تلك الأولوية إلى الطرفين على السوية، فترجيح أحدهما على الآخر لا لمرجح زائد، ترجيح لأحد طرفي الممكن على الآخر، وهو محال .
قوله: الباقي لا يعدم إلاّ عند وجود المانع، والمفتقر إلى المؤثر قد يعدم بذلك. ويعدم المقتضي، وما يعدم بطريق واحد أولى بالوجود ممّا يعدم بطريقين .
قلنا: غايته انّه يمكن تحقيق عدم الحادث بطريقين، ولا يمكن تحقّق عدم الباقي إلاّ بطريق واحد، فلِمَ قلت: إنّ هذا القدر يقتضي رجحان الباقي في الوجود على الحادث ؟
سلّمنا الرجحان من هذا الوجه، لكنّه يقتضي عدم الرجحان من وجه آخر. فإنّ الشيء لا يصدق عليه كونه باقياً إلاّ إذا حصل في الزمان الثاني،

صفحه 372
فحصوله في الزمان الثاني أمر حادث، فإذا لم يكن وجود الحادث راجحاً، لم يكن وجود الباقي المتوقّف عليه راجحاً، لأنّ المتوقّف على ما لا يكون راجحاً غير راجح .
سلّمنا أنّ الباقي راجح الوجود، ولكن ما لم يتحقّق كونه باقياً لا يتحقّق كونه راجح الوجود. وإنّما يصدق عليه البقاء إذا حصل في الزمن الثاني. فالحاصل: أنّا ما لم نعرف وجوده في الزمن الثاني لا نعرف كونه راجح الوجود، وأنتم جعلتم رجحان الوجود دليلاً على وجوده في الزمن الثاني، فيدور .
سلّمنا رجحان الباقي في الوجود الخارجي على الحادث، لكن لِمَ قلت: إنّه راجح في الظن؟
واعترض على الأوّل، أيضاً بوجوه 1:
أ. نمنع الإجماع على الفرق، فإنّ مالكاً ذهب هو وجماعة إلى التسوية في عدم الصحّة.
ب. سلّمنا أنّه لو لم يكن الأصل البقاء في كلّ متحقّق، للزم رجحان الطهارة أو المساواة في الصورة الأُولى، ورجحان الحدث أو المساواة في الصورة الثانية. لكن لا يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الأُولى جواز الصلاة، لامتناع الصلاة بعد النوم والإغماء والمسّ على الطهارة، وإن كان وجود الطهارة راجحاً، ولامتناع الصلاة مع ظن الحدث في الصورة الثانية

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 135 .

صفحه 373
حيث قلتم: إنّ ظن الحدث لا يلحق بيقين 1 الحدث.
ج. سلّمنا دلالة ما ذكرتم على أصالة البقاء في الصلاة 2 والحدث، لكن نمنع أنّه يلزم من ذلك في الطهارة والحدث أن يكون الأصل في كلّ متحقّق غيرهما البقاء، فإنّ كثيراً من الموجودات يستحيل فيها البقاء، كالحركة والزمان.
وعلى الثاني، أنّه لا يدلّ على ظن البقاء بل إنّما كان ذلك مجوزاً منهم لاحتمال إصابة الغرض فيما فعلوه، وذلك كاستحسان الرمي إلى الغرض لقصد الإصابة، لاحتمال وقوعها وإن لم تكن الإصابة ظاهرة، بل مرجوحة أو مساوية.
وعلى الثالث، لا نسلم أنّ ظن البقاء أغلب من ظن التغيّر. وما ذكرتموه من زيادة توقّف التغيّر على تبدّل الوجود بالعدم أو بالعكس، معارض بما يتوقّف عليه البقاء من تجدّد مثل السابق .
سلّمنا أنّ ما يتوقّف عليه التغيير أكثر، لكن لا نسلّم أنّه يدلّ على غلبة البقاء على التغيّر، لجواز أن تكون الأشياء المتعدّدة الّتي يتوقّف عليها التغيّر أغلب في الوجود من الأعداد الثلاثة الّتي يتوقّف عليها البقاء، أو مساوية لها وإن سلّمنا أنّ البقاء أغلب من التغيّر، لكن لا نسلّم كونه غالباً على الظن، لجواز أن يكون الشيء أغلب من غيره، وإن غلب على الظن عدمه في نفسه.

1 . في الإحكام: 4 / 135: بتيقّن.
2 . في الإحكام: 4 / 135: الطهارة.

صفحه 374
سلّمنا دلالة ذلك على الأغلبية، لكن فيما يقبل البقاء لا فيما لا يقبله فلِمَ قلتم: إنّ الأعراض الّتي وقع النزاع فيها قابلة للبقاء، خصوصاً عند الأشاعرة المانعين من بقاء الأعراض .
والجواب قوله 1: ما المراد من استغناء الباقي ؟
قلنا: لا شكّ في أنّ الباقي هو الّذي حصل في زمان بعد أن كان بعينه حاصلاً في آخر، وهو يقتضي أن تكون الذات الحاصلة في هذا الزمان عين الذات الحاصلة في الآخر .
فتلك الذات الحاصلة في الزمانين إن حصل فيها في الزمن الثاني
أمر لم يكن حاصلاً في الأوّل، كان المتجدّد مغايراً للذات الباقية، فيكون الباقي في الحقيقة هو الذات، لا الكيفية المتجددة. فنحن ندّعي أنّ ذلك الباقي يستحيل استناده إلى المؤثر حال بقائه. وحينئذ لا يكون استناد الكيفية المتجدّدة إلى المؤثر قادحاً في قولنا: الباقي غير مستند للتغاير بينهما .
وإن لم يحصل في الزمن الثاني أمر متجدّد، بل الحاصل فيه ليس إلاّ الذات الحاصلة في الأوّل، بطل قولهم: إنّ كونه باقياً كيفية حادثة، وإنّها مفتقرة إلى المؤثر .
فعلى التقديرين يسقط السؤال .
وفيه نظر، لأنّ فرض البقاء فرض المتجدّد، وإذ البقاء لم يكن أوّلاً

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 555 .

صفحه 375
لكن تجدّد ثانياً، وحصول الذات في الزمن الثاني مفتقر إلى المؤثر لتجدّده، والباقي مفتقر إليه، والمفتقر إلى المفتقر إلى شيء مفتقر .
قوله: حصوله في الزمن الثاني كيفية زائدة على الذات، وهي مفتقرة إلى المؤثر .
قلنا: هذا باطل. وبتقدير ثبوته فهو غير قادح في الدليل. أمّا البطلان، فلأنّ حصوله في الزمن الثاني لو كان كيفية زائدة على الذات لكان حصوله في ذلك الزمان كيفية أُخرى; فلزم التسلسل، وهو محال .
ولأنّ العدم قد يصدق عليه أنّه باق; فلو كان تحقّقه في الزمن الثاني كيفيّة ثبوتية، لزم قيام الصفة الموجودة بالموصوف الّذي هو نفي محض. وإنّه محال .
وفيه نظر، فإنّ الموجود 1 في الزمن الثاني كالموجود (2) في الزمن الأوّل، فإن افتقر الثاني إلى المؤثر من غير تسلسل افتقر الأوّل، فإن اسند أصل الوجود إلى الفاعل في الثاني فكذا في الأوّل .
وأمّا أنّ بتقدير ثبوته فالمقصود حاصل، فلأنّ حصوله في الثاني لما كان حادثاً كان إسناده إلى المؤثر إسناداً للحادث إلى المؤثر لا للباقي، وكلامُنا ليس إلاّ في الباقي.
وفيه نظر، لأنّ إسناد الباقي إلى المؤثر هو إسناد الحادث إليه على ما بيّنّاه .
قوله: ما الّذي تعني بتحصيل الحاصل ؟

1 . في «ب» و «ج»: الوجود .   2 . في «ب» و «ج»: كالوجود.

صفحه 376
قلنا: يعني به أنّ الشيء الّذي حكم العقل عليه بأنّه كان حاصلاً قبل ذلك يحكم عليه بأنّ حصوله الآن لأجل هذا الشيء، وهو محال بالبديهية، لأنّه لمّا كان حاصلاً قبل ذلك، فلو أعطاه الآن هذا المؤثر حصولاً، لكان قد حصل نفس ماكان حاصلاً، وهو محال .
وفيه نظر، فإنّ الفاعل كما أعطى في الأوّل الوجود كذا أعطاه مقارنة الوجود للزمن الأوّل، فكذا يقول في الثاني تعطيه مقارنة الوجود للزمن الثاني .
قوله: الباقي حال بقائه ممكن، وكلّ ممكن مفتقر .
قلنا: لا نسلّم بل الممكن إنّما يفتقر إلى المؤثر بشرط كونه حادثاً .
وفيه نظر، فإنّ العقل حاكم بأنّ علّة الاحتياج الامكان لوجوب افتقار المتساوي في ترجيحه، بخلاف الحدوث فإنّ العقل لو جوّز وجوب الحادث حكم باستغنائه حينئذ .
قوله: الحدوث متأخّر .
قلنا: لا نريد به أنّ كونه حادثاً شرط للافتقار، بل نريد به أنّ كونه بحيث لو وقع بالمؤثر لكان حادثاً شرط لافتقار الأثر إلى المؤثر، وكونه بهذه الحيثية أمر متقدّم .
وفيه نظر، فإنّ التلازم بين وجوده المستند إلى المؤثر وبين حدوثه لا يجوز أن يكون علّة، لافتقاره إلى المؤثر ما لم يثبت الملزوم، وهو محال، لاستلزامه توقّف الافتقار على الإيجاد والحال بالعكس .

صفحه 377
قوله: ما المراد من الأولوية ؟
قلنا: درجة متوسطة بين التساوي والتعيين المانع من النقيض .
قوله: هذا محال لاقتضائه ترجّح أحد المتساويين على الآخر لا لمرجّح.
قلنا: لا نسلّم أنّ ذلك ممتنع مطلقاً، بل ذلك إنّما يمتنع بشرط الحدوث .
وفيه نظر، لأنّ رجحان المتساوي لذاته إن كان لذاته، لزم اقتضاء الذات صفتين متناقضتين، وهو محال بالضرورة ; وإن كان لغيره فالمطلوب لوجود 1 هذا الشرط لم يحتج إلى إثبات متوسط بين التساوي والترجيح المانع من النقيض، فإنّ المتساوي حينئذ يجوز وجوده لا لمرجّح .
قوله: لم قلت: إنّه لمّا أمكن حصول عدم الحادث بطريقين، وعدم الباقي لا يحصل إلاّ بطريق واحد، كان وجود الحادث مرجوحاً .
قلنا: لأنّ عدم حدوث الحادث أكثر من عدم الباقي، لأنّه يصدق على ما لا نهاية له أنّه لم يحدث. وأمّا عدم الباقي بعد حدوثه فهو متناه لاشتراط وجوده في عدمه بعد وجوده. فإذا كان الوجود متناهياً، كان العدم بعد الوجود متناهياً. وإذا كان عدم الحادث أكثر من عدم الباقي بعد وجوده، والكثرة موجبة للظن، ثبت أنّ عدم الحادث غالب على عدم الشيء بعد بقائه، ولا معنى للظن إلاّ ذلك .

1 . في «د»: ولوجوب .

صفحه 378
واعلم أنّه يمكن الاستدلال بهذه الثلاثة ابتداء .
وفيه نظر، لأنّا نمنع أوّلاً انحصار عدم الباقي بوجود المانع، بل قد يعدم لعدم المقتضي كالحادث، وإنّما يتم الانحصار لو كان مستغنياً عن المؤثر، وهو المتنازع، سلّمنا الانحصار، لكن كثرة عدم الحادث على عدم الباقي لا يقتضي كون عدم الحادث بطريقين وعدم الباقي بطريق واحد، موجباً لترجيح الباقي على الحادث، بل هو مقتض للترجيح .
قوله: كونه باقياً يتوقّف على حدوث حصوله في الزمن الثاني، فكونه باقياً يتوقّف على الحدوث الّذي ليس براجح، والمتوقّف على ما لا يكون راجحاً ليس براجح .
قلنا: هذا إنّما يلزم لو كان حصوله في الزمن الثاني كيفية وجودية حادثة، وهو محال لإفضائه إلى التسلسل. ثمّ إنْ سلّمنا صحّة ذلك، لكنّا نقول: لمّا ثبت أنّ الحدوث مرجوح، والذات إذا كانت حادثة، فهناك أمران حادثان: أحدهما: الذات، والآخر: حصول الذات في ذلك الزمان .
وأمّا إذا كانت الذات باقية، فالحادث أمر واحد وهو حصوله في ذلك الزمان دون الذات. فإذن الحادث مرجوح من وجهين، والباقي من وجه، فوجب أن يكون الباقي راجحاً على الحادث من هذا الوجه .
وفيه نظر، إذ لا يلزم من توقّف البقاء على الحدوث اشتراط الوجود في البقاء، لجواز أن يكونا ذهنيين وأحدهما مشروط بالآخر، والباقي محتاج إلى الحادث باعتبار ذاته ووصفه، إذ لا يراد بالحادث هنا ذات

صفحه 379
حقيقية، بل ما يصدق عليه هذا الاسم، سواء كان ذاتاً أو صفة.
قوله: ما لم يعرف كونه باقياً لا يثبت رجحانه .
قلنا: لا حاجة إلى ذلك، بل نقول: هذا الّذي وجد الآن لا يمتنع
عقلاً أن يوجد في الزمان الثاني، وأن يعدم، لكنّ احتمال الوجود راجح على احتمال العدم من الوجه الّذي ذكرناه، فالعلم بوجوده في الحال يقتضي اعتقاد رجحان وجوده على عدمه في ثاني الحال، فإذن العلم بالأوليّة مستفاد من العلم بوجوده في الحال. وعلى هذا التقدير; يسقط الدور .
قوله: الباقي راجح على الحادث في الوجود الخارجي، فلِمَ قلت: إنّه يكون راجحاً عليه في الوجود الذهني ؟
قلنا: لأنّ الذهني مطابق للخارجي وإلاّ كان جهلاً 1.
وفيه نظر، فإنّ الجهل يلزم لو حكم الذهن بخلاف الخارج، أمّا إذا لم يحكم فلا .
وفي هذا الباب مباحث لا يمكن ذكرها هاهنا، لأنّها من علم الكلام، وقد ذكرناها في كتاب «نهاية المرام».
قيل: (2) القول بالاستصحاب أمر لابدّ منه في الدين والشرع والعرف.
أمّا الدين: فلافتقاره إلى الاعتراف بالنبوّة المتوقّف على توسّط

1 . راجع المحصول: 2 / 555 ـ 558 .   2 . في المحصول: 2 / 558: اعلم أنّ.

صفحه 380
المعجز، ومعناه ليس إلاّ فعل خارق للعادة، ولا يحصل فعل خارق للعادة إلاّ عند تقرر العادة، ولا معنى للعادة إلاّ أنّ العلم بوقوعه على وجه مخصوص في الحال يقتضي اعتقاد انّه لو وقع لما وقع الاّ على ذلك الوجه، وهو عين الاستصحاب .
وفيه نظر، فإنّ المعجز ليس هو فعل خارق للعادة مطلقاً، بل ما يعجز البشر عن فعله، وليس ذلك من الاستصحاب .
وأمّا في الشرع: فلأنا إذا عرفنا أنّ الشرع تعبَّدنا بحكم ما كاجماع أو غيره، لم يمكننا العمل به إلاّ إذا علمنا أو ظننا عدم طريان الناسخ. فإن علمنا ذلك بلفظ آخر افتقرنا فيه إلى اعتقاد عدم الناسخ، فإن كان ذلك بلفظ آخر تسلسل، فلابدّ من الانتهاء إلى التمسّك بالاستصحاب، وهو: أنّ علمنا بثبوته في الحال يقتضي ظنّ وجوده في الزمن الثاني. وأيضاً فالفقهاء بأسرهم على كثرة اختلافهم اتّفقوا على أنّا متى تيقّنا حصول شيء وشككنا في حدوث المزيل، أخذنا بالمتيقّن. وهو عين الاستصحاب، لأنّهم رجّحوا بقاء الباقي على حدوث الحادث .
وفيه نظر، لأنّ الشرع إذا تعبّدنا بحكم فإمّا أن يدلّ على الاستمرار والوحدة، أو يكون مطلقاً. فإن كان الثاني والثالث لم يحكم بالاستمرار ولا ظنّه، وإن كان الأوّل لم يكن ظن الاستمرار من حيث الاستصحاب، بل باعتبار نصّ الشارع عليه، وانّه 1 لا يزول إلاّ بالناسخ .
وأمّا العرف: فلأنّ من خرج من داره، وترك أولاده فيها على حالة

1 . في «أ» و «د»: لأنه .

صفحه 381
مخصوصة كان اعتقاده لبقائهم على تلك الحالة الّتي تركهم عليها راجحاً على اعتقاده لتغيّر تلك الحالة. ومن غاب عن بلده فإنّه يكتب إلى أصدقائه في الأُمور الّتي كانت موجودة حال حضوره، وما ذاك إلاّ لرجحان اعتقاد البقاء على اعتقاد التغيير، بل لو تأمّلنا بأنّ أكثر مصالح العالم ومعاملات الخلق مبني على القول بالاستصحاب، والنوم سبب ظاهر لوجود الخارج الناقض للطهارة، فلهذا امتنع فعل الصلاة معه.
وعن الأوّل من الاعتراض على الأوّل 1. أنّه يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الأُولى صحّة الصلاة تحصيلاً للمصلحة مع ظن الطهارة كالصورة الثانية. وامّا النوم فإذا كان مظنة الخارج وجب إدارة الحكم عليه كما هو الغالب من تصرفات الشارع لا على حقيقة الخارج دفعاً للعسر والحرج. وهو جواب الإغماء والمس .
ويلزم من رجحان الحدث في الصورة الثانية امتناع صحّة الصلاة زجراً له عن التقرّب إلى الله تعالى والوقوف بين يديه مع ظن الحدث،
فإنّه قبيح عقلاً وشرعاً، ولذلك نهى عنه، والشاهد له بالاعتبار الصورة الأُولى .
قوله: إنّه لا تأثير للحدث المظنون عندكم .
قلنا: إنّما لا يكون مؤثراً بتقدير عدم القول بالاستصحاب كالتقدير الّذي نحن فيه، وإلاّ فلا.

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 137 ـ 138 .

صفحه 382
وعن الثاني 1. أنّه لو لم يكن الاستصحاب والاستمرار مقتضي الدليل في كلّ متحقّق، لكان الاستمرار في هاتين الصورتين على خلاف حكم الأغلب الأعم. إن كان عدم الاستمرار هو الأغلب، أو أن يكون عدم الاستمرار على خلاف الغالب إن كان الاستمرار هو الأغلب، وهو على خلاف الأصل، فإن تساوى الطرفان فهو احتمال من ثلاثة، ووقوع احتمال من احتمالين أغلب من احتمال واحد بعينه.
وعن الثالث2 . أنّا ندّعي أصالة البقاء فيما يمكن بقاؤه إمّا بنفسه كالجوهر، أو بتجدد أمثاله كالأعراض، وعليه بناء الأدلة المذكورة، وعلى هذا فالأصل في الزمان بقاؤه بتجدد أمثاله.
وأمّا الحركات فإن كانت من قبيل ما يمكن استمراره، فهو من جملة صور النزاع، وإن لم يكن اندفع النقض به .
وفيه نظر، لأن أصالة البقاء فيما يمكن بقاؤه بنفسه إنّما كان باعتبار استغنائه عن المؤثر كما قالوه، وهذا لا يتحقّق فيما لا يمكن بقاؤه.
وعن الاعتراض على ] الوجه [ الثاني3. أنّ الإقدام على الفعل لغرض موهوم غير ظاهر، إنّما يكون فيما لا خطر في فعله ولا مشقة كما ذكروه من المثال .
وأمّا ما يلزم الخطر والمشقة في فعله، فلابدّ وأن يكون لغرض ظاهر

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 138 .
2 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 138 .
3 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 138 ـ 139 .

صفحه 383
راجح على خطر ذلك الفعل ومشقّته على ما تشهد به تصرّفات العقلاء وأهل العرف من ركوب البحار ومعاناة المشاق من الأسفار، فإنّهم لا يركبون ذلك إلاّ مع ظهور المصلحة لهم في ذلك، ومن فعله لا مع ظهورها في نظره عدّ سفيهاً، وتنفيذ الودائع والإرسال إلى الغائب من هذا القبيل، فكان الاستصحاب ظاهراً فيه.
وعن الأوّل. من الاعتراض على ] الوجه [ الثالث 1. بزيادة افتقار التغيّر إلى تجدد علّة موجبة للتغيّر، بخلاف البقاء لإمكان اتّحاد علّة المتجددات.
وعن الثاني. بأنّ الشيء إذا كان موقوفاً على شيء واحد والآخر على شيئين، فما يتوقّف على شيء واحد لا يتحقّق عدمه إلاّ بتقدير عدم ذلك الشيء، وما يتوقّف تحقّقه على أمرين يتم عدمه بعدم كلّ واحد من ذينك الأمرين .
ولا يخفى أنّ ما يقع عدمه على تقديرين يكون عدمه أغلب من عدم ما لا يتحقّق عدمه إلاّ بتقدير واحد، وما كان عدمه أغلب كان تحقّقه أندر، وبالعكس مقابله.
لا يقال: عدم الواحد المعيّن إمّا أن يكون مساوياً في الوقوع لعدم الواحد من الشيئين أو غالباً أو مغلوباً، ولا تتحقّق غلبة الظن فيما ذكرتموه بتقدير غلبة الواحد المعيّن ومساواته، وإنّما يتحقّق ذلك بتقدير كونه

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 139 .

صفحه 384
مغلوباً، ووقوع أحد الأمرين لا بعينه أغلب من وقوع الواحد المعيّن لما ذكرتموه.
لأنّا نقول1: إذا نسبنا أحد الشيئين بعينه إلى ذلك الواحد المعين إمّا أن يكون عدمه أغلب من المعيّن، أو مساوياً، أو مغلوباً. فإن كان الأوّل لزم ما ذكرناه، وإن كان الثاني فكذلك، لترجيحه بضم عدم الوصف الآخر إليه، وإن كان مغلوباً فنسبة الوصف الآخر إليه لا تخلو من الثلاثة، ويترجّح ما ذكرناه بتقديرين آخرين منها، وإنّما لا يترجّح ما ذكرناه بتقدير أن يكون كلّ من الوصفين مرجوحاً، فإذن ما ذكرناه يتمّ على تقديرات أربعة ولا يتم على تقدير واحد .
قوله: البقاء وإن كان أغلب من التغيّر فلا يلزم أن يكون غالباً على الظنّ.
قلنا: إذا كان البقاء أغلب من مقابله فهو أغلب على الظن منه، ويجب المصير إليه نظراً إلى أنّ المجتهد مؤاخذ بما هو الأظهر عنده .
   
قوله: إنّما يدل ما ذكرتموه على غلبة الظن فيما هو قابل للبقاء .
قلنا: الأعراض إن كانت باقية فلا إشكال، وإن لم تكن باقية بأنفسها فممكنة البقاء بطريق التجدّد، كسواد الغراب وبياض الملح. وعلى كلّ تقدير فالكلام إنّما هو واقع فيما هو ممكن التجدّد من الأعراض، لا فيما هو غير ممكن.

1 . ذكر الإشكال وأجاب عنه الآمدي في الإحكام: 4 / 139 ـ 140 .

صفحه 385
 
البحث الثاني: في حكم استصحاب الإجماع في محلّ الخلاف
اختلف الناس فيه فقال الأكثر: إنّه ليس حجّة، وبه قال الغزالي.1
وقال آخرون: إنّه حجّة. 2
ومثاله: انّ مَن قال: المتيمّم إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في الصلاة، لانعقاد الإجماع على صحّة صلاته ودوامها بطريان وجود الماء كطريان هبوب الريح وطلوع الشمس وسائر الحوادث، فنحن نستصحب دوام الصلاة إلى أن يدلّ دليل على كون رؤية الماء قاطعاً .
وكقول الشافعي في مسألة الخارج من غير السبيلين: إذا تطهّر ثمّ خرج منه خارج من غير السبيلين فهو بعد الخروج متطهّر ولو صلّى فصلاته صحيحة، لانعقاد الإجماع على هذين الحكمين قبل الخارج، والأصل في كلّ متحقّق دوامه إلى أن يوجد المعارض والأصل عدمه .
لا يقال: القول بصحة الصلاة وثبوت الطهارة في محلّ النزاع لابدّ له من دليل وليس نصّاً ولا قياساً وإلاّ لم يكن إثبات الحكم في محل الخلاف بناء على الاستصحاب، بل على ما ظهر من النصّ أو القياس ولا إجماعاً لأنّه مختلف فيه ولا إجماع في محلّ الخلاف، وإن كان الإجماع قبل خروج الخارج ثابتاً .

1 . المستصفى من علم الأُصول: 1 / 224 .
2 . وهو مختار الآمدي في الإحكام: 4 / 141 .

صفحه 386
لأنّا نقول 1: متى يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل، إذا قيل إنّه ينزل منزلة الجواهر أو الأعراض؟ ممنوع، بل هو باق بعد ثبوته بالإجماع لا بدليل، لما سبق تقريره في مسألة الاستصحاب مسلّم، لكن لم قلتم بأنّه يتنزل منزلة الأعراض .
سلّمنا تنزله منزلتها ، وأنّه لابد له من دليل، لكن لا نسلّم انحصار الدليل المنفي فيما ذكروه من النص والإجماع والقياس، إلاّ إذا بيّنتم انّ الاستصحاب ليس دليلاً، وهو نفس النزاع .
سلّمنا أنّ الاستصحاب بنفسه لا يكون دليلاً على الحكم الباقي بنفسه، لكنّه دليل الدليل على الحكم. لما تقدّم في مسألة الاستصحاب من وجود غلبة الظن ببقاء كلّ ما كان متحقّقاً على حاله، وهو يدلّ من حيث الإجمال على دليل موجب لذلك الظن .
قال الغزالي: المستصحب إن أقرّ بأنّه لم يقم دليلاً في المسألة، بل قال: أنا ناف، ولا دليل على النافي، فسيأتي بيان وجوب الدليل على النافي; وإن ظن إقامة دليل فقد أخطأ، فإنّا نقول: إنّما يُستدام الحكم الّذي دلّ الدليل على دوامه ; وهو إن كان لفظ الشارع فلابدّ من بيانه، فلعلّه يدلّ على دوامها عند عدم الخروج لا عند وجوده. وإن دلّ بعمومه على دوامها عند العدم والوجود معاً، كان ذلك تمسكاً بالعموم، فيجب إظهار دليل التخصيص .

1 . ذكر الآمدي الإشكال وأجاب عنه في الإحكام: 4 / 142 .

صفحه 387
وإن كان بإجماع، فالاجماع إنّما انعقد على دوام الصلاة عند العدم دون الوجود ; ولو كان الإجماع شاملاً حال الوجود كان المخالف له خارقاً للإجماع، كما أنّ المخالف في انقطاع الصلاة عند هبوب الرياح وطلوع الفجر خارق للإجماع، لأنّ الإجماع لم ينعقد مشروطاً بعدم الهبوب وانعقد مشروطاً بعدم الخروج وعدم الماء. فإذا وجد فلا إجماع. فيجب أن يقاس حال الوجود على حال العدم المجمع عليه بعلّة جامعة ; فأمّا أن يستصحب الإجماع عند انتفاء الإجماع، فهو محال. وهذا كما أنّ العقل دلّ على البراءة الأصلية بشرط عدم دليل السمع، فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، فكذا هنا انعقد الاجماع بشرط العدم، فانتفى الإجماع عند الوجود .
وهذه الدقيقة، وهي أنّ كلّ دليل يضاده نفس الخلاف فلا يمكن استصحابه مع الخلاف ; والإجماع يضادّه نفس الخلاف، إذ لا إجماع مع الخلاف، بخلاف العموم والنص ودليل العقل، فإنّ الخلاف لا يضاده، فإنّ المخالف مقرّ بأنّ العموم يتناول بصيغته محل الخلاف، فإنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صيام لمن لم يبيّت»1، شامل بصيغته صوم رمضان مع خلاف الخصم فيه فيقول: أُسلِّم شمول الصيغة لكنّي أخصّه بدليل، فعليه الدليل ; وهنا المخالف لا يسلِّم شمول الإجماع محل الخلاف، لاستحالة الإجماع مع الخلاف ولا يستحيل شمول الصيغة مع الدّليل. فهذه دقيقة يجب التنبيه لها.

1 . عوالي اللآلي: 3 / 132 ح 5 ; بحار الأنوار: 80 / 90 .

صفحه 388
ويرد عليه ما تقدّم من عدم الانحصار في النص والإجماع والقياس.
قال: فان قيل الإجماع يحرّم الخلاف فكيف يرتفع بالخلاف ؟
أجاب بأنّ هذا الخلاف غير محرّم بالإجماع ولم تكن المخالفة خارقة للإجماع، لأنّ الاجماع إنّما انعقد على حالة العدم، لا على حالة الوجود، فمن ألحق الوجود بالعدم فعليه الدّليل .1
لا يقال: دليل صحّة الشروع دالّ على الدوام إلى أن يقوم دليل على الانقطاع .
لأنّا نقول: ليس ذلك الدليل الإجماع، لأنّه مشروط بالعدم، فلا يكون دليلاً عند العدم، فإن كان نصّاً فيه فبيّنه لننظر هل يتناول حال الوجود أم لا ؟
لا يقال: بِمَ تنكرون على من يقول: الأصل أنّ ما ثبت دام إلى وجود قاطع فلا يحتاج الدوام إلى دليل في نفسه، بل الثبوت هو المحتاج، كما إذا ثبت موت زيد أو بناء دار كان دوامه بنفسه لا بسبب .
لأنّا نقول: هذا وهم باطل، فإنّ كلّ ثابت جاز دوامه وعدمه، فلابدّ لدوامه من سبب ودليل سوى دليل الثبوت، ولولا دليل العادة على أنّ الميت لا يحيا، والدار لا تنهدم بعد البناء إلاّ بهادم أو طول الزمان، لما عرفنا دوامه بمجرّد موته، كما لو أخبر عن قعود الأمير وأكله ودخوله الدار ولم تدل العادة على دوام هذه الأحوال فإنّا لا نقضي بدوامها، فكذا خبر الشرع

1 . المستصفى من علم الأُصول: 1 / 380 ـ 381 .

صفحه 389
عن دوام الصلاة مع عدم الماء ليس خبراً عن دوامها مع وجوده فيفتقر دوامها إلى دليل آخر .
لا يقال: ليس مأموراً بالشروع فقط، بل به وبالإتمام .
لأنّا نقول: إنّه مأمور بالشروع مع العدم وبالإتمام معه، أمّا مع الوجود فهو المتنازع .
لا يقال: إنّه منهيّ عن إبطال العمل، وفي استعمال الماء إبطال العمل.
لأنّا نقول: هذا دليل آخر غير الاستصحاب مع ضعفه، لأنّ المراد بالبطلان إن كان إحباط العمل، فلا نسلم أنّه لا يثاب على فعله ; وإن كان أنّه أوجب عليه مثله، فليس الصحّة عبارة عن ما لا يجب مثله كما تقدّم .
لا يقال: الأصل أنّه لا يجب شيء بالشك ووجوب استيناف الصلاة مشكوك فيه، فلا يرفع به اليقين .
لأنّا نقول: إنّه معارض بأنّ وجوب المضيّ في هذه الصلاة مشكوك فيه، وبراءة الذمة بهذه الصلاة مع وجود الماء مشكوك فيه، ثمّ نقول: من يوجب الاستيناف يوجبه بدليل يغلب على الظن كما يرفع البراءة الأصلية بدليل يغلب على الظنّ، كيف واليقين قد يرفع بالشّك في بعض المواضع؟ فالمسائل فيه متعارضة، كما إذا اشتبهت ميتة بمذكاة، ورضيعة بأجنبية، وماء طاهر بماء نجس، ومن نسى صلاة من خمس صلوات .
واحتجّ الآخرون بأنّه تعالى صوب الكفّار في مطالبتهم الرّسل بالبرهان حتى قال: (تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا

صفحه 390
بِسُلْطَان مُبِين)1 وقد اشتغل الرسل بالبرهان المغيّر للاستصحاب.
والجواب: أنّهم لم يستصحبوا الإجماع، بل النّفي الأصلي الّذي دلّ العقل عليه، إذ الأصل في فطرة الآدمي أن لا يكون بيّناً وإنّما يعرف ذلك بآيات وعلامات، فهم مصيبون في طلب البرهان ومخطئون في المقام على دين آبائهم بمجرّد الجهل من غير برهان.2

البحث الثالث: في أنّ النافي هل عليه دليل أم لا؟

اختلف الناس في ذلك فذهب قوم إلى أنّه لا دليل عليه .
وقال آخرون: لابدّ له من دليل. وهو قول السيّد المرتضى 3 وأبي الحسين البصري والغزالي،4 وهو الحقّ.
وفصّل آخرون بين العقليات والشرعيات، فأوجبوا الدليل في العقليات دون الشرعيات .
لنا: انّ النافي مدّع كالمثبت، فإن كان ما ادّعاه نفي علمه أو نفي ظنه لم يطالب بدليل، لأنّه جاهل، والجاهل لا يطالب بالدليل على جهله ولا يلزمه ذلك، كما لا يطالب على دعواه عدم الألم والجوع. وإن كان العلم بنفي أمر فإن كان ضرورياً لم يطالب ببرهان، لأنّه إن كان صادقاً في دعوى الضرورة

1 . إبراهيم: 10.
2 . المستصفى: 1 / 381 ـ 383.
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 827 .
4 . المستصفى: 1 / 384 .

صفحه 391
فالضروري لا يطالب بالدّليل عليه، وإن لم يكن صادقاً لم يطالب بالدليل أيضاً ويكفي المنع في انقطاعه حيث إنّه لا يقدر على تحقيق الضرورة في ذلك والنظر لا يدّعيه، وإن ادّعى العلم بنفيه لا بالضرورة فلابدّ له من طريق يفضي إليه، إذ حصول علم غير ضروري من غير طريق مقتض إليه محال، وإذا وجب أن يكون عن طريق وجب عند الدعوى والمطالبة بدليلها ذكره لينظر فيه كما يجب على مدّعي الإثبات .
وبالجملة فإنّ الممكن متساوي الطرفين، فلا يجوز الحكم بأحدهما إلاّ لمرجح هو الدّليل، ولا فرق بين طرفيه في ذلك بالضرورة وقد وقع الإجماع على وجوب إقامة الدليل على مدّعي الوحدانية وقدم الله مع أنّ حاصل دعوى الوحدانية نفي الشريك، وحاصل دعوى القدم نفي الحدوث والأولية، وقد نبّه الله تعالى في قوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)1 على ذكر دليل على النفي .
ولو لم يطالب النافي بالدليل، لزم أن يدّعي كافر نفي النبوّة ونفي الصانع ولا يطلب منه الدّليل، وهو باطل إجماعاً .
وأيضاً لو سقط الدليل عن النافي لم يعجز المثبت عن تعبير مقصوده الإثباتي بالنفي، فيقول بدل قوله: محدث: ليس بقديم، وبدل أنّه قادر: ليس بعاجز .
احتجّوا بوجهين:

1 . الأنبياء: 22 .

صفحه 392
الأوّل: لا دليل على منكر الدين، لأنّه ناف، ولا على من أنكر النبوة من لم يقم على دعواه دليل، ولا على من أنكر وجوب صلاة سادسة أو صوم شوّال.
الثاني: الدليل على النفي متعذر كإقامة الدليل على براءة الذمّة .
والجواب عن الأوّل من وجوه1:
أ. نفي الدليل عن المنكر ليس لكونه نافياً ولا لدلالة العقل على سقوط الدليل عن النافي، بل بحكم الشرع، وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»2 ولا يجوز قياس غيره عليه، لأنّ الشرع إنّما قضى به للضرورة، إذ لا يمكن إقامة دليل على النفي، لأنّ ذلك إنّما يعرف بملازمة عدد التواتر له من أوّل وجوده إلى وقت الدعوى فيعلم انتفاء أسباب اللزوم قولاً وفعلاً بمراقبة الخطاب، وهو محال، فكيف يكلّف البرهان على ما يستحيل إقامة البرهان عليه ; بل المدّعى لا دليل عليه أيضاً، لأنّ قول الشاهدين يحصل به الظن بجريان سبب اللزوم كإتلاف أو دين وذلك في الماضي أمّا في الحال فلا يعلم الشاهد شغل الذمة بجواز البراءة بأداء أو براء فلا سبيل للخلق إلى معرفة شغل الذمة وبراءتها إلاّ بقوله تعالى أو قول رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا ينبغي أن يظن أنّ على المدّعى دليلاً، فإنّ قول الشاهد صار دليلاً بحكم الشرع .

1 . ذكرها الغزالي في المستصفى: 1 / 385 .
2 . عوالي اللآلي: 1 / 453 ح 188 و 190 و ج 2 / 258 و 345 ; سنن البيهقي: 8 / 123 و ج 10 / 252 .

صفحه 393
وفيه نظر، فإنّا لا نشترط في الدليل إفادته العلم، بل ما يحصل به الظن دليل أيضاً، وهو هنا ثابت وهوالشهادة مع الاستصحاب.
ب. المدّعى عليه يدّعي علمه الضروري ببراءة ذمّته، وقد يعجز الخلق كلّهم عن معرفته فالنافي في العقليات إن ادّعى معرفة النفي ضرورة، فهو محال، وإن أقرّ بأنّه مختص بمعرفته اختصاصاً لا يمكن أن يشاركه فيه إلاّ الله، فعند ذلك لا يطالب بالدليل، كما إذا أخبر عمّا يجده من نفي الجوع والشبع، فحينئذ يستوي النفي والإثبات.
ج. النافي في مجلس الحكم عليه دليل وهو اليمين كما على المدّعي دليل، وهو البيّنة، وهو ضعيف، فإنّ اليمين يجوز أن تكون كاذبة فأي دلالة لها من حيث العقل لولا حكم الشرع. نعم هو كالبيّنة لجواز أن يشهد بالزور فاستعماله من هذا الوجه صحيح، أو يقال كما وجب على النافي في مجلس الحكم أن يعضد جانبه بزيادة على دعوى النفي فليجب ذلك في فن الأحكام.
د. يد المدّعى عليه دليل على نفي ملك المدّعي، وهو ضعيف، لأنّ اليد تسقط دعوى المدّعي شرعاً، فإنّ اليد قد تكون من غصب أو عارية له فلا دلالة.
وعن الثاني1. نمنع التعذّر، فإنّ النزاع إن كان في العقليات أمكن أن يدلّ على نفيها بأنّ إثباتها يفضي إلى محال فيكون محالاً، كقوله تعالى:(لَوْ

1 . ذكره الغزالي المستصفى: 1 / 386 .

صفحه 394
كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)ومعلوم أنّهما لم يفسدا، فيدلّ ذلك على نفي الشريك فيمكن، إثباته بالقياس الشرطي .
أو يقال للمثبت لو ثبت ما ادّعيته لعلم بالضرورة، وهو باطل للخلاف. أو بالدليل، ولا دليل هنا وهو باطل لانقلابه على النافي فإنّه يقال: لو انتفى لعلم الانتفاء بضرورة أو استدلال، وهما منتفيان .
واعلم أنّ الدليل المساعد على النفي إمّا نص وارد من الشارع يدلّ على النفي، أو إجماع من الأُمة، أو استصحاب النفي الأصلي مع عدم الدليل المعتبر القاطع، أو الاستدلال بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، وهل يمكن الاستدلال على النفي بالقياس الشرعي؟
اختلف القائلون بالقياس فيه بناء على الاختلاف في جواز تخصيص العلّة، ولا فرق في ذلك بين قياس العلّة والدلالة والقياس في معنى الأصل.
   

صفحه 395
 
الفصل الثالث:

في الاستحسان

وفيه بحثان:

الأوّل: في ماهيته

وهو استفعال مأخوذ من الحسن، ويطلق على ما يميل إليه الإنسان ويهواه من الصور والمعاني وإن كان مستهجناً عند غيره. وليس المتنازع فيه ذلك، بل ولا يتحقّق استحسان مختلف فيه .
واختلف أصحاب أبي حنيفة في تعريفه 1 فقال بعضهم: إنّه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد ولا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه .
وأورد عليه أنّ المجتهد ان تردد فيه بين أن يكون دليلاً محققاً ووهماً فاسداً، امتنع التمسّك به إجماعاً ; وإن تحقّق أنّه دليل شرعي، فلا خلاف في جواز التمسّك به، وإن كان بعيداً ; وإنّما النزاع في تخصيصه باسم

1 . راجع الإحكام: 4 / 163 ـ 164 .

صفحه 396
الاستحسان عند العجز عن التعبير عنه دون حالة إمكان التعبير عنه، وهو نزاع لفظي .
وقال قوم: إنّه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه يخرج من الاستحسان عندهم بالعدل عن موجب القياس إلى النصّ من الكتاب أو السنّة أو العادة .
أمّا الكتاب: فكما في قوله: «مالي صدقة» فإنّ القياس يقتضي لزوم التصديق له ; وقد استحسن تخصيص ذلك بمال الزكاة لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً )1 ولم يرد سوى مال الزكاة .
وأمّا السنّة: فكاستحسانهم أن لا قضاء على من أكل ناسياً في نهار رمضان، والعدول عن حكم القياس إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن أكل ناسياً: «الله أطعمك وسقاك» .2
وأمّا العادة: فكالعدول عن موجب الإجارات في ترك تقدير الماء المستعمل في الحمام وقدر اللبث، وتقدير الأُجرة للعادة في ترك المضايقة في ذلك .
وقال بعضهم: إنّه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه، ويرجع حاصل ذلك إلى تخصيص العلّة .
في ماهيّة الاستحسان   
وقال الكرخي3: الاستحسان هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم

1 . التوبة: 103 .
2 . سنن البيهقي: 4 / 229; فتح الباري: 4 / 136; كنز العمال: 8 / 602 برقم 24338 .
3 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 4 / 164 .

صفحه 397
به في نظائرها إلى خلافه، لوجه هو أقوى، ويدخل فيه العدول عن حكم العموم إلى (مقابله للدّليل)1 المخصّص، والعدول عن حكم الدليل المنسوخ إلى (مقابله للدّليل)(2) الناسخ وليس باستحسان عندهم .
وقال أبوالحسين البصري: الاستحسان ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأوّل.(3)
قال: ولا يلزم عليه العدول عن العموم إلى القياس المخصّص، لأنّ العموم لفظ شامل ولا يلزم عليه أن يكون أقوى القياس استحساناً، لأنّ الاقوى ليس في حكم الطارئ على الأضعف، فإن كان طارئاً فهو استحسان.
فإن قلت: قد قال محمد بن الحسن الشيباني في عدّة مواضع من كتبه: تركنا الاستحسان للقياس ; كما لو قرأ آية السجدة في آخر السورة، فالقياس يقتضي الاجتزاء بالركوع، والاستحسان يقتضي عدمه، بل يسجد لها. ثمّ إنّه قال بالقياس .2
فهذا الاستحسان إن كان أقوى من القياس، فكيف تركه؟ وإن لم يكن أقوى بطل الحد .
قلنا: ذلك المتروك إنّما يسمّى استحساناً، لأنّه وإن كان الاستحسان وحده أقوى من القياس وحده، لكن اتّصل بالقياس شيء آخر، صار

1 و 2. في «ج» و «د»: مقابلة الدليل.   3 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 296 .
2 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 560 .

صفحه 398
المجموع أقوى من الاستحسان كما في هذه المسألة، فإنّه تعالى أقام الركوع مقام السّجود في قوله: (وَ خَرَّ رَاكِعاً وَ أَنَابَ)1. وهذا الحدّ يقتضي كون الشريعة بأسرها استحساناً، لأنّ مقتضى العقل هو البراءة الأصلية، وإنّما يترك ذلك لدليل أقوى منه، وهو نصّ أو إجماع أو قياس. وهذا الأقوى في حكم الطارئ على الأوّل، فيكون الكلّ استحساناً، وهم لا يقولون بذلك، لأنّهم يقولون: تركنا القياس للاستحسان، وهو يقتضي المغايرة بينهما، فالواجب أن يزاد في الحد قيد آخر فيقال: ترك وجه من وجوه الاجتهاد مغاير للبراءة الأصلية، والعمومات اللفظية، لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الأوّل.(2)
في أنّ الاستحسان ليس بحجّة   

البحث الثاني: في أنّه ليس بحجّة

اختلف الناس في ذلك فذهب أبوحنيفة وأصحابه إلى أنّه حجّة. وبه قال أحمد بن حنبل. وأنكره الإمامية 2 والشافعي وباقي الجمهور 3 حتى

1 . ص: 24 .   2 . راجع المحصول: 2 / 560 ـ 561 .
2 . رأي الإمامية في الاستحسان هو: إنّ المجتهد إذا استند إلى ما يستقل به العقل من حسن العدل وقبح الظلم، أو إلى دليل شرعي فلا إشكال في كونه حجة، لأنّه أفتى بالدليل لا بمجرّد الاستحسان; وأمّا إذا استند لمجرد استحسان فكره وذوقه فهو تشريع باطل ومحرّم. فالاستحسان ليس له قيمة في مجال الإفتاء، بل الاعتبار بالدليل، فلو كان هناك دليل للعدول فالمنكر والمثبت أمامه سواء، وإن لم يكن فلا وجه للعدول. راجع الوسيط في أُصول الفقه للعلاّمة السبحاني: 2 / 79 ـ 80 .
3 . وهو مختار الرازي في المحصول: 2 / 561 حيث قال: اتّفق أصحابنا على إنكار الاستحسان. وراجع الإحكام: 4 / 162 .

صفحه 399
قال الشافعي: من استحسن فقد شرّع .1
وهذا الخلاف ليس راجعاً إلى اللفظ، لوروده في القرآن. قال تعالى: (فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )2، (وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)3 وغير ذلك.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): « ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»4.
وكذا ورد في ألفاظ سائر المجتهدين ; قال الشافعي في المتعة: «استحسن أن يكون ثلاثين درهماً» وقال (في باب الشفعة) 5: «استحسن ان يثبت للشفيع الشفعة إلى ثلاثة أيام».
وقال في المكاتب: «استحسن أن يترك له شيء».
فإذن الخلاف ليس في اللفظ، بل في المعنى ولا يتحقّق موضع الخلاف، لأنّ من قال: إنّه دليل ينقدح في نفس المجتهد يعتبر عبارته عنه، فلا نزاع فيه ; لأنّه إن شك فيه فمردود إجماعاً، وإن تحقّق فمعمول به إجماعاً.
ومَن قال: هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى، فلا نزاع فيه .

1 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 561; والآمدي في الإحكام: 4 / 162; والغزالي في المستصفى: 1 / 409 ، وغيرهم .
2 . الزمر: 18 .
3 . الأعراف: 145 .
4 . عوالي اللآلي: 1 / 381 ; بحار الأنوار: 22 / 45. ورواه في مسند أحمد: 1 / 379 ; مستدرك الحاكم: 3 / 78 ; مجمع الزوائد: 1 / 177 عن عبدالله بن مسعود.
5 . ما بين القوسين من المحصول: 2 / 561 .

صفحه 400
ومَن قال: تخصيص قياس بأقوى منه، فلا نزاع معه أيضاً .
ومَن قال: إنّه العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى، فلا نزاع معه .
وأمّا من قال: إنّه العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس، كدخول الحمام وشرب الماء من السقّاء، فإن استند إلى جريانه في زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم)أو زمان المجتهدين من الصحابة مع علمهم به وعدم الإنكار، صار حجّة إجماعاً، وإلاّ فهو مردود، لأنّ الشرع هو الحاكم على العادة دون العكس، فإن تحقّق استحسان مختلف فيه فليس بحجّة على ما اخترناه، إذ لا دليل عليه، فلا يجوز الحكم به، لأنّه يكون حكماً في الدين بغير دليل، إذ لا فرق بين تشريع الحكم وبين تشريع ما يدلّ عليه وليس دليلاً في نفس الأمر.
احتجّوا 1 بأنّه تعالى أورد: (فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن القول، وأمر بقوله: (وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ )2 باتّباع أحسن ما أُنزل، ولولا أنّه حجّة لما كان كذلك .
وبقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» ولولا أنّه حجّة لما كان عند الله حسناً .
واجتمعت الأُمّة على استحسان دخول الحمام من غير تقدير زمان السكون والماء والأُجرة .

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 4 / 165 ـ 166 .
2 . الزمر: 55 .

صفحه 401
والجواب: ليس في الآيات دليل على أنّ الاستحسان حجّة .
سلّمنا، لكن المراد به ما هو دليل، والدليل منحصر في النصّ والإجماع وغيرهما من الأدلّة المشهورة لا المتنازع .
وقوله: «ما رآه المسلمون حسناً» يريد ما أجمعوا عليه، والإجماع لابدّ له من دليل .
ودخول الحمام شائع لجريانه في زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا من حيث الاستحسان.

صفحه 402
 
الفصل الرابع:
   

في المصالح المرسلة

قد عرفت فيما تقدّم حقيقة المصلحة وأقسامها في ذاتها، وانقسامها باعتبار شهادة الشارع لها بالاعتبار وعدمه إلى أقسام ثلاثة 1:
الأوّل: المعتبر وهو ما شهد الشرع باعتباره، وهو المناسب الّذي تقدّم بيانه.
الثاني: ما شهد الشرع ببطلانه وإلغائه كقول العالم للملك لمّا جامع في نهار رمضان: عليك صوم شهرين متتابعين، فلمّا أنكر عليه حيث لم يأمره بالإعتاق قال: لو أمرته بذلك يسهل عليه .
وهو باطل، لأنّه حكم على خلاف حكم الله تعالى لمصلحة تخيلّها الإنسان بحسب رأيه. ثم إذا عُرف ذلك من العلماء ارتفعت ثقة الملوك بفتاويهم، وارتفع غرضهم من الانقياد إلى قولهم وامتثال الشرائع الحقّة.
الثالث: ما لم يشهد له نصّ بالاعتبار، ولا الإلغاء وهو المناسب المرسل، وقد سبق أنّ المناسبة إمّا أن تكون في محلّ الضرورة أو الحاجة

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 578 .

صفحه 403
أو التتمّة، فقال الغزالي: الواقع في محل الحاجة والتتمّة لا يجوز الحكم فيها بمجرّد المصلحة، لأنّه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي. وأمّا الواقع في رتبة الضرورة فلا يبعد أداء اجتهاد مجتهد إليه . كالكفّار إذا تترّسوا بجماعة من المسلمين، فلو كففنا عنهم استولوا على دار الإسلام وقتلوا المسلمين كافّة. والترس أيضاً. ولو رمينا الترس قتلنا مسلماً لم يذنب، ولا عهد مثله في الشرع .
فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكلّ حال، فحفظ كلّ المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ المسلم الواحد واعتبرنا هذه المصلحة لاشتمالها على كونها ضرورية قطعية كلية .1
إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في الاستدلال بالمصالح المرسلة، فالإمامية والشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع ذلك، ونقل عن مالك القول به وأنكر أصحابه ذلك عنه، ولعلّ النقل مختصّ بما ذكره الغزالي .2
لنا: إنّ المصالح منها ما ثبت اعتباره وعهد من الشارع الالتفات إليه، ومنها ما ثبت إلغاؤه وعهد من الشرع إبطاله، وهذا القسم متردّد بين الأمرين، وليس إلحاقه بأحد القسمين أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار يعرف أنّه من قبيل المعتبر دون الملغى .

1 . المحصول: 2 / 578 بتصرف، نقلاً عن المستصفى: 1 / 293 ـ 295 .
2 . المستصفى: 1 / 297 .

صفحه 404
لا يقال: ما ذكرتموه فرع تصوّر وجود المناسب المرسل، وهو غير متصور. لأنّا أجمعنا على أنّ هناك مصالح معتبرة في نظر الشرع في بعض الأحكام، وأي وصف قدر من الأوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر فكان من قبيل الملائم الّذي أثر جنسه في جنس الحكم، وقد قلتم به .
لأنّا نقول 1: كما أنّه من جنس المصالح المعتبرة فهو من جنس المصالح الملغاة، فإن لزم من كونه من جنس المعتبر اعتباره لزم من كونه من جنس الملغى بالنظر إلى حكم واحد، وهو محال .
فإذن لابدّ من كونه معتبراً بالجنس القريب منه لنأمن إلغاءه، فيما إذا لم يكن كذلك .
واحتجّ مالك 2 بأنّ كلّ حكم يعرض فإمّا أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة، أو مفسدة خالية عن المصلحة، أو يكون خالياً عن المصلحة والمفسدة بالكلّية، أو يكون مشتملاً عليهما معا، وهذا على ثلاثة أقسام:
أن يكونا متساويين، أو تكون المصلحة راجحة، أو المفسدة. فالأقسام ستة:
الأوّل: أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة ; وهذا يجب في الحكمة أن يكون مشروعاً، لأنّ المقصود من الشرائع رعاية المصالح.
الثاني: أن يستلزم مصلحة راجحة ; وهذا لابدّ وأن يكون أيضاً

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 168 .
2 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 579 ـ 580 .

صفحه 405
مشروعاً، لأنّ ترك الخير الكثير، لأجل الشرّ القليل شرٌ كثير .
الثالث: أن يتساويا ; وهذا يكون عبثاً فوجب أن لا يشرع.
الرابع: أن يخلو عن الأمرين ; وهو أيضاً عبث، فلا يكون مشروعاً.
الخامس: أن يكون مفسدة خالصة، ويمتنع أن يكون مشروعاً قطعاً.
السادس: أن يكون المفسدة راجحة وهو أيضاً غير مشروع، لأنّ المفسدة الراجحة واجبة الدفع بالضرورة .
وهذه الأحكام المذكورة في هذه الأقسام الستة كالمعلومة بالضرورة أنّها من دين الأنبياء، وهي المقصود من وضع الشرائع .
والكتاب والسنّة دالاّن على أنّ الأمر كذلك، تارة بالتصريح، وتارة بموافقة الأحكام لما قلناه. غاية ما في الباب: أنّا نجد بعض الوقائع داخلاً تحت قسم من هذه الأقسام، ولا يوجد له في الشرع ما يشهد له بحسب جنسه القريب، لكن لابدّ وأن يشهد الشرع بحسب جنسه البعيد وهو كونه خالص مصلحة أو مفسدة، أو غالب مصلحة أو مفسدة .
فظهر أنّه لا توجد مناسبة إلاّ ولها في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار، إمّا بحسب جنسها القريب أو البعيد .
فيجب القطع بكونه حجّة، لأنّا إذا علمنا اعتبار المصلحة الغالبة على المفسدة شرعاً، ثم ظننا غلبة مصلحة هذا الحكم على مفسدته حصل ظن اعتبار هذه المصلحة شرعاً. والعمل بالظن واجب لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنا أقضي

صفحه 406
بالظاهر».1 ولأنّ ترجيح الراجح من مقتضيات العقول، ولقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا)2 وهو يتناول المتنازع، لأنّ الاستدلال بكونه مصلحة على كونه مشروعاً مجاوزة. ولأنّ الصحابة لم يعتبروا الشرائط الّتي اعتبرها المتأخّرون في الأصل والفرع والعلّة، بل كانوا يعتبرون المصالح لعلمهم بأنّ القصد من الشرائع رعاية مطلق المصلحة.

1 . ورد نحوه في سنن النسائي: 8 / 234 .
2 . الحشر: 2 .

صفحه 407
 
الفصل الخامس:

في شرع من قبلنا

وفيه مباحث:

الأوّل: في أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هل كان متعبداً قبل النبوة بشرع من قبله أم لا؟

اختلف الناس في ذلك. فمنهم من نفى ذلك وقال: إنّه لم يكن قبل النبوة متعبّداً بشرع من تقدّمه من الأنبياء. وهو اختيار أبي الحسين البصري 1 وجماعة .
ومنهم من جزم بأنّه كان متعبّداً بشرع من تقدّمه. وهؤلاء اختلفوا فقال بعضهم: إنّه كان متعبّداً بشرع نوح، وقال آخرون: بشرع إبراهيم، وقال بعضهم: بشرع موسى، وقال آخرون: بشرع عيسى، وقال آخرون: بما ثبت أنّه شرع .
وأمّا الباقون من الأُصوليّين كالسيد المرتضى 2 والقاضي عبد الجبار والغزالي 3 وغيرهم فإنّهم توقّفوا في ذلك وجوّزوا كلا الأمرين. وهو

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 337 .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 595 .
3 . المستصفى: 1 / 391 .

صفحه 408
الأقوى، لأنّ العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه الله تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي، ولا يمتنع أن يعلم الله تعالى أنّه لا مصلحة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل نبوته في العبادة بشيء من الشرائع، كما أنّه غير ممتنع أن يعلم أنّ له في ذلك مصلحة وإذا جاز كلّ منهما ولا دلالة توجب القطع على أحدهما وجب الوقف.1
في أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هل كان متعبداً قبل النبوة بشرع من قبله أم لا؟   
احتجّ المنكرون بوجهين 2:
الأوّل: لو كان متعبّداً بشرع أحد لوجب عليه الرجوع إلى علماء تلك الشريعة والاستفتاء منهم، والأخذ بقولهم، ولو كان كذلك لاشتهر ولنقل بالتواتر قياساً على سائر احواله ; وحيث لم ينقل، علمنا أنّه لم يكن متعبّداً بشرعهم.
الثاني: لو كان على ملّة قوم، لافتخر به أُولئك ولنسبوه إلى أنفسهم، ولو كان كذلك لاشتهر .
لا يقال: لو لم يكن متعبّداً بشرع أحد لاشتهر .
لأنّا نقول: الفرق أنّ قومه ما كانوا على شرع أحد، فبقاؤه لا على شرع البتّة لا يكون مخالفاً للعادة ، فلا تتوفّر الدواعي على نقله. أمّا كونه على شرع أحد لمّا كان بخلاف عادة قومه، وجب أن يُنقل .
والاعتراض: لا نسلم وجوب الرجوع، لأنّ المتواتر معلوم وغيره لا

1 . راجع الإحكام: 4 / 145 .
2 . ذكرهما الرازي في المحصول: 1 / 518 .

صفحه 409
يفيد ونمنع وجوب الاشتهار، فإنّ كثيراً من الأحكام الّتي كلّفنا بمعرفتها وجدت في زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعبّدنا بها لم تشتهر، كفصول الأذان، فكيف حال الأخفى؟
واحتج الآخرون بوجهين 1:
الأوّل: دعوة من تقدّمه عامّة فيكون داخلاً فيها لعدم النسخ قبل نبوته.
الثاني: انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة كان يصلّي ويحج ويعتمر، ويطوف بالبيت ويعظّمه، ويذكّي اللحم ويأكله، ويركب البهيمة ويتجنب الميتة، والعقل غير دالّ على ذلك .
والاعتراض: لا نسلّم عموم دعوة من تقدّمه، فإنّه لم ينقل في ذلك لفظ يدل على التعميم .
سلّمنا، لكن تلك الدعوة لم تنقل إليه بالتواتر ولا بالاشتهار الموجب للظن الغالب، بل تكون الشرائع قد اندرست وتعذّر التكليف بها لعدم نقلها وتفصيلها، ولذلك بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الزمان، وهو المراد من زمان الفترة.
وركوب البهائم حسن في العقل، لأنّه طريق إلى حفظها ونفعها بالعلف وغيره .
وأكل اللحم المذكّى حسن، إذ لا مضرة فيه على حيوان وفيه نفع للآكل .

1 . ذكرهما الرازي في المحصول: 1 / 519 .

صفحه 410
والصلاة والحج والعمرة والطواف لا يدلّ على أنّه كان متعبّداً به شرعاً، لاحتمال أن يكون ذلك بطريق التبرّك بفعل مثل ما نقل إجمالاً عن الأنبياء، واندرس تفصيله. ولو فعله من غير شرع لم يكن حراماً، على أنّ بعض علماء الإمامية ذهب إلى أنّه كان متعبّداً بما يلهمه الله تعالى إيّاه، فجاز أن يكون من هذا القبيل .
إذا ثبت هذا، فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة لم يكن على ما كان قومه عليه، بل كان متجنّباً لأصنامهم، معرضاً عن أزلامهم، ولا يأكل من ذبائحهم على النصب. هذا هو مذهب الإمامية، لما تقدّم من وجوب العصمة قبل النبوة وبعدها.

البحث الثاني: في جواز تعبّد نبي بمثل شريعة نبي تقدّمه

اعلم أنّ البحث في ذلك متعلّق بعلم الكلام، لكنّا ذكرناه هنا مختصراً لتوقّف البحث الآتي عليه، وهو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد البعث هل كان متعبّداً بشرع من تقدّمه أم لا؟ لابتنائه عليه، إذ لو لم يجز تعبّد نبي بشرع من تقدّمه، سقط هذا البحث .
في حاله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد النبوة   
وقد قيل: إنّ ذلك يجوز بأحد الشرطين: إمّا بأن تندرس الأُولى فيجدّدها الثاني، أو بأن يزيد فيها ما لم يكن منها. ويمنعون من جواز ذلك على غير أحد هذين الشرطين، وإلاّ كان عبثاً، فلا يجب النظر في معجزته مع أنّ النظر في المعجزات واجب .

صفحه 411
وهذا ليس بشيء، لأنّ بعثة النبي الثاني لا تكون عبثاً إذا علم الله تعالى أنّه يؤمن عندها، وينتفع من لم ينتفع بالأُولى .
ولو لم يكن الأمر أيضاً كذلك، كانت البعثة الثانية على سبيل ترادف الأدلّة على أمر واحد، ولا يمكن نسبة نصب الأدلّة على شيء واحد إلى العبث .
ولا نسلّم وجوب النظر في معجزة كلّ نبي، لأنّ ذلك يختلف، فإن خاف المكلّف من الضرر لو لم ينظر وجب، وإلاّ فلا.

البحث الثالث: في حاله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد النبوة

اختلف الناس في ذلك فذهب جماهير المعتزلة والأشاعرة، وكثير من الفقهاء إلى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن متعبّداً بشرع أحد. وهو مذهب السيّد المرتضى1 وأكثر الإمامية .2
ونقل عن أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في رواية وبعض الشافعية أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان متعبّداً بشرع مَن تقدّمه بطريق الوحي إليه، لا من

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 598 .
2 . قال الشيخ الطوسي في «عدّة الأُصول»: 2 / 590 ـ 591 ; عندنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن مُتعبّداً بشريعة مَن تقدّمه من الأنبياء، لا قبل النبوّة ولا بعدها، وأنّ جميع ما تعبّد به كان شرعاً له. ويقول أصحابنا: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل البعثة كان يوحى إليه بأشياء تخصّه، وكان يعمل بالوحي لا اتباعاً لشريعة قبله... ثم قال: والّذي يدلّ على ما ذهبنا إليه إجماع الفرقة المحقّة، لأنّه لا اختلاف بينهم في ذلك، وإجماعها حجّة.
وللمزيد من الاطلاع راجع: قوانين الأُصول للميرزا القمي: 494.

صفحه 412
جهة كتبهم المبدّلة ونقل أربابها. ثمّ اختلفوا فقال قوم: إنّه كان متعبداً بشرع إبراهيم، وقيل: بشرع موسى وقيل شرع عيسى (عليهم السلام) .1
والأصل في ذلك أنّ القائل بأنّه كان متعبّداً بشرع من قبله، إن أراد أنّه تعالى كان يوحي إليه بمثل الأحكام الّتي أمر بها من قبله في كلّ الشرع ; فهو معلوم البطلان بالضرورة، لأنّ شرعنا خالف شرع من تقدّمنا في كثيرمن الأحكام أو في بعضه، وهو مسلم إجماعاً، لكن ذلك لا يقتضي إطلاق القول بأنّه متعبّد بشرع غيره، لأنّ فيه إيهام التبعية لغيره، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن متّبعاً لغيره، بل كان أصلاً في شرعه .
وإن أراد أنّه تعالى أمره بأخذ الأحكام من كتبهم والرجوع إلى أحكام من تقدّمه ممّا لم ينسخ فهوالمتنازع. والحق خلافه لوجوه:2
الأوّل: لو كان متعبّداً بشرع أحد لوجب أن يرجع في أحكام الحوادث النازلة إلى شرع المتبوع، ولم يتوقّف فيما لم يسبق إليه الوحي فيه على نزوله عليه، لكنّه لم يرجع في ذلك إلاّ إلى ما يوحى إليه، وإلاّ لاشتهر ; ولأنّ عمر طالع ورقة من التوراة فغضب (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: «ألم آت بها بيضاء نقية، لو كان أخي موسى حياً لما وسعه إلاّ اتّباعي»3 وهذا يدلّ على أنّه لم يكن متعبّداً بشرع أحد .

1 . راجع الإحكام: 4 / 147 ; المحصول: 1 / 519 .
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 1 / 520 ـ 523.
3 . تفسير الرازي: 8 / 123 ; المغني: 6 / 192. وورد هذا الحديث بتفاوت في المصادر التالية: دعوات الراوندي: 170 ح 475 ; عوالي اللآلي: 4 / 121 ح 199; تفسير القرطبي: 13 / 355 ; تفسير البيضاوي: 1 / 311.

صفحه 413
لا يقال: نمنع الملازمة، لاحتمال أن يكون (صلى الله عليه وآله وسلم) غير متعبّد في تلك الصورة بشرع من قبله فتوقّف فيها إلى نزول الوحي عليه، أو أنّه علم خلو شرعهم عن حكم تلك الواقعة فانتظر الوحي; أو لأنّ أحكام تلك الشرائع إن كانت منقولة بالتواتر لم يحتج في معرفتها إلى الرجوع إليهم وإلى كتبهم، وإن كانت منقولة بالآحاد لم يجز قبولها، لأنّ أُولئك الرواة كفّار فلا تقبل روايتهم .
سلّمنا الملازمة، لكن قد ثبت رجوعه إلى التوراة في الرجم لمّا احتكم إليه اليهود .
لأنّا نقول: لمّا لم يرجع في شيء من الوقائع إليهم، علم أنّه غير متعبّد في شيء منها بشرع من قبله .
والعلم بخلو كتبهم عن تلك الوقائع لا يحصل إلاّ بالطلب الشديد والبحث الكثير، فكان يجب أن يقع منه ذلك الطلب والبحث .
وكون الدليل متواتراً لا يمنع من النظر فيه لجواز تواتر مثله 1، وافتقاره في الدلالة على ما يدلّ عليه إلى بحث وتأمل ونظر دقيق ; فلمّا لم يشتغل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنظر في كتبهم والبحث عن كيفية الدلالة على الأحكام، علم أنّه غير متعبّد بها .
والرجوع إلى التوراة في الرجم لم يكن لإثبات الشرع بها، لأنّها

1 . في «أ»: عينه، وفي «ج»: متنه.

صفحه 414
محرّفة عنده فكيف يرجع إليها ويعتمد على ما تشتمل عليه؟ ولأنّه لم يرجع إليها في غير الرجم، ولأنّ من أخبره بوجوب الرجم في التوراة لم يكن ممّن يقع العلم بخبره. فثبت أنّ رجوعه إليها إنّما كان ليقرر عليهم أنّ ذلك الحكم ثابت في شرعهم كما هو ثابت عنده (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّهم أنكروه كذباً و عناداً.
الثاني: لو كان متعبّداً بشرع من قبله لوجب على علماء الأمصار أن يرجعوا في الوقائع إلى شرع من قبله، ضرورة أنّ التأسي به واجب، وحيث لم يفعلوا ذلك علمنا بطلانه.
الثالث: لمّا بعث معاذاً وقال: «بِمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي» ولم يذكر شيئاً من كتب الأنبياء السابقين، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أقرّه على ذلك ودعا له وقال: «الحمد لله الّذي وفق رسول رسول الله لما يحبّه الله ورسوله». 1ولو كانت من مدارك الأحكام الشرعية لجرت مجرى الكتاب والسنّة في وجوب الرجوع إليها، ولم يجز العدول عنها إلى اجتهاد الرأي إلاّ بعد البحث عنها واليأس من معرفتها.
لا يقال: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صوبه على حكمه بالاجتهاد (إذا علم من الكتاب)2، والتوراة، كتاب ولأنّه لم يذكر التوراة، لأنّ في القرآن آيات تدل

1 . مسند أحمد: 5 / 230 و 242 ; سنن أبي داود: 2 / 162 برقم 3592 ; سنن الترمذي: 2 / 394 برقم 1342 ; سنن الدارمي: 1 / 60 .
2 . في المحصول: 1 / 522: إلاّ إذا عُدِمَهُ في الكتاب.

صفحه 415
على الرجوع إليها، كما أنّه لم يذكر الإجماع لاشتمال القرآن على الرجوع إليه .
لأنّا نقول: إطلاق الكتاب انما يفهم منه القرآن خاصة، ولا يحمل على غيره إلاّ بدليل. ولأنّ معاذاً لم يعرف منه تعلّم التوراة والإنجيل والعناية بتمييز المحرّف منها عن غيره، كما عُهد منه تعلّم القرآن. واشتمال القرآن على آيات تدلّ على الرجوع إليها سيأتي .
سلّمنا، لكن ذلك لا يكفي في الإسقاط وترك الذكر كالسنّة والقياس.
الرابع: لو كانت كتب الأنبياء حجّة علينا لوجب حفظها على الكفاية كما في القرآن والأخبار، والرجوع إليها عند اختلافهم في الوقائع الّتي اختلفوا فيها، كمسألة العول وميراث الجد، والمفوِّضة، وبيع أُم الولد، وحد الشرب، والربا في غير النسيئة، ودية الجنين، والردّ بالعيب بعد الوطي، والتقاء الختانين، وغير ذلك .
ولما لم ينقل عن أحد منهم مع كثرة الوقائع المختلف فيها وطول أعمارهم، مراجعة التوراة وغيرها من كتب الأنبياء، خصوصاً و قد أسلم من أحبارهم من تقوم الحجّة بقولهم، كعبد الله بن سلام وكعب ووهب وغيرهم، ولا يجوز القياس إلاّ بعد اليأس من الكتاب، وكيف يحصل اليأس قبل العلم؟
الخامس: لو كان متعبّداً بشرع من تقدّمه في الكلّ أو في البعض، لما نسب شيء من شرعنا إليه على التقدير الأوّل، ولا كلّ الشرع إليه على

صفحه 416
التقدير الثاني، كما لا ينسب شرعه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى من هو متعبّد بشرعه من أُمته، وهو خلاف الاجماع .
لا يقال: ما ينسب إليه ممّا كان متعبّداً به من الشرائع أنّه من شرعه بطريق التجوّز لكونه معلوماً لنا بواسطة وإن لم يكن هو الشارع له .
لأنّا نقول : إنّه ترك الظاهر المشهور المتبادر إلى الفهم من غير دليل فلا يسمع.
السادس: إجماع المسلمين على أنّ شريعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ناسخة لشريعة من تقدّم، فلو كان متعبدّاً بها لكان مقرراً لها ومخبراً عنها، لا ناسخاً لها ولا مشرعاً، وهو محال .
لا يقال: نحن نقول بذلك وإن كان من شرعه مخالفاً لشرع من تقدّم فهو ناسخ له، وما لم يكن من شرعه بل كان متعبّداً فيه بشرع من تقدّمه فلا، ولهذا لا يوصف شرعه بأنّه ناسخ لبعض ما كان مشروعاً قبله لوجوب الإيمان وتحريم الكفر والزنا والقتل والسرقة وغيرها ممّا اتّفق فيه الكلّ .
لأنّا نقول 1: إطلاق الأُمّة بأنّ شرع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ناسخ للشرائع السالفة يفهم منه أمران: رفع أحكامها، وأنّها غير متعبّد بها. فما لم يثبت رفعه من تلك الأحكام بشرعه لا يكون ناسخاً له. فيبقى المفهوم الآخر، وهو عدم تعبّده به، فلا يلزم من مخالفة دلالة الدليل على أحد مدلوليه مخالفته بالنظر إلى المدلول الآخر .

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 151 .

صفحه 417
احتجّ المثبتون بوجوه 1:
الأوّل: قوله تعالى: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)2 أمره باقتدائه بالهدى المضاف إليهم، وشرعهم من هديهم، فوجب عليه اتّباعه.
الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح )(3)، وقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا )3 فدلّ على وجوب اتّباعه لشريعة نوح.
الثالث: قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)4أمره باتّباع ملّة إبراهيم (عليه السلام)، والأمر للوجوب.
الرابع: قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) 5 والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جملة النبيّين فيجب عليه الحكم بها.
الخامس: روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) راجع التوراة في رجم اليهودي.6
وروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه طلب منه القصاص في سن كسرت فقال: كتاب الله يقضي بالقصاص، وليس في الكتب ما يقضي بالقصاص في السنّ

1 . ذكرها مع الأجوبة عنها: الرازي في المحصول: 1 / 523 ـ 524 ; والآمدي في الإحكام: 4 / 149 ـ 153 .
2 . الأنعام: 90 .   3 . النساء: 163 .
3 . الشورى: 13 .
4 . النحل: 123.
5 . المائدة: 44 .
6 . راجع سنن ابن ماجة: 2 / 854، باب رجم اليهودي واليهودية.

صفحه 418
سوى التوراة، وهو قوله تعالى: (وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ )1.2
وروي عنه أنّه قال: من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها، وتلا قوله تعالى: (وَ أَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري )3 وهو خطاب مع موسى (عليه السلام).4
والجواب عن الأوّل. أنّه تعالى أمره بأن يقتدي بهدى مضاف إلى الجميع، والهدى الّذي اتّفقوا عليه هو الأُصول دون الأحكام الفرعية الّتي وقع النسخ فيها .
سلّمنا، لكن الاتّباع إنّما كان يوحى إليه وأمر مجدد، لا أنّه بطريق عموم خطابهم له (عليه السلام) .
وعن الثاني. أنّه يقتضي تشبيه الوحي بالوحي لا تشبيه (الموحى به بالموحى به) 5 .
وقوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً) المراد بالدين أصل التوحيد لا ما نسخ من شرعه، ولهذا لم ينقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)البحث عن شريعة نوح (عليه السلام)، وذلك مع التعبّد بها في حقّه ممتنع، وحيث خصص نوحاً بالذكر

1 . المائدة: 45 .
2 . الإحكام: 4 / 150. ولم نعثر عليه في المصادر الحديثية.
3 . طه: 14 .
4 . سنن الدارمي: 1 / 280 ; سنن النسائي: 1 / 293 ; مجمع الزوائد: 1 / 322 ; المعجم الأوسط: 6 / 182 ; المعجم الكبير: 22 / 107 ; كنز العمال: 7 / 540 برقم 20160 ; أحكام القرآن: 1 / 378 و 652 ; تفسير القرطبي: 11 / 177 ; الإحكام: 4 / 150 .
5 . في «ب»: الموحى بالموحى به .

صفحه 419
مع اشتراك جميع الأنبياء في الوصية بالتوحيد كان تشريفاً له وتكريماً، كما خصص روح عيسى بالإضافة إليه، والمؤمنين بلفظ العباد.
وعن الثالث. الملّة محمول على الأُصول دون الفروع، لأنّه يقال: ملّة الشافعي وأبي حنيفة واحدة وإن اختلفا في الفروع، ولقوله بعد هذه الآية: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)1، ولأنّ شريعة إبراهيم (عليه السلام) قد اندرست، ولقوله تعالى: (وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)2 ولو كان المراد من الدين الأحكام الفرعية لكان من خالفه فيها من الأنبياء سفيهاً، وهو محال.
وعن الرابع. ان قوله: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فإنّ جميع النبيّين لم يحكموا بجميع ما في التوراة بالضرورة، فوجب التخصيص إمّا في الأنبياء بأن يكون بعض النبيّين حكم بجميع ما فيها وهو غير نافع لهم ; أو فيما اشتملت عليه بأن يكون جميع الأنبياء حكموا ببعض ما فيها، ونحن نقول بموجبه، فإنّ نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم بما اشتملت عليه من معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وكيفية الخلق، وغير ذلك من القصص غير الأحكام الفرعية، على أنّ قوله (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) صيغة إخبار لا أمر، وذلك لا يدلّ على وجوب اتّباعها.
وعن الخامس. رجوعه (صلى الله عليه وآله وسلم)في الرجم إلى التوراة ليعرفهم مساواة الشرعين على ما تقدّم .

1 . النحل: 123 .
2 . البقرة: 130 .

صفحه 420
ونمنع خلو كتابنا من وجوب القصاص في السنّ، ويدلّ عليه قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)1.
ولم يذكر الخطاب مع موسى (عليه السلام)، لكونه موجباً لقضاء الصلاة عند النوم والنسيان، بل أوجب ذلك بوحي جديد، ونبّه على أنّ أُمّته مأمورة بذلك كما أنّ موسى (عليه السلام) مأمور.
   

1 . البقرة: 194 .

صفحه 421
 
الفصل السادس:

في مذهب الصحابي

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في أنّه ليس بحجّة

اتّفق الناس كافّة على أنّ مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس حجّة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماماً كان أو غيره، حاكماً كان أو مفتياً ; إلاّ الإمامية فإنّ قول الإمام عندهم حجّة، لأنّهم يشترطون العصمة فيه.1
واختلف الأُصوليون في كونه حجّة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين .
فذهب الإمامية،2 والأشاعرة، والمعتزلة، والشافعي في أحد قوليه،

1 . ان قول الصحابي ليس حجّة على الغير ما لم يستند إلى المعصوم، واما إذا كان الصحابي إماماً معصوماً كعلي والحسن والحسين(عليهم السلام)، فقوله حجّة لا بما أنّه صحابي بل بما أنّه إمام معصوم حجّة من الله سبحانه على العباد، وإلى ما ذكرنا يشير المصنّف بقوله: لانهم يشترطون العصمة فيه .
2 . إنّ لقول الصحابي صوراً يختلف حكمها باختلاف الصور:
   أ. لو نقل قول الرسول وسنّته يؤخذ به إذا اجتمعت فيه شرائط الحجّية .
   ب. لو نقل قولاً ولم يسنده إلى الرسول ودلّت القرائن على أنّه نقل قول لا نقل رأي، فهو يعد في مصطلح أهل الحديث من الموقوف للوقف على الصحابي من دون إسناد إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فليس حجّة لعدم العلم بكونه قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
   ج. إذا كان للصحابي رأي في مسألة ولم يقع موقع الإجماع إمّا لقلّة الابتلاء، أو لوجود المخالف، فهو حجّة لنفس الصحابي وليس بحجّة للآخرين.
وقول الصحابي ليس بحجة عند الإمامية والأشاعرة والمعتزلة.
وثمّة كلمة قيمة للشوكاني (المتوفّى 1255 هـ) قال فيها: والحق أنّ رأي الصحابي ليس بحجّة...
وهناك حقيقة مرّة وهي أنّ حذف قول الصحابي من الفقه السنّي الّذي يعدّ الحجر الأساس للبناء الفقهي على صعيد التشريع، يوجب انهيار صَرْح البناء الّذي شُيّد، وبالتالي انهيار القسم الأعظم من فتاواهم، ولو حلَّ محلّها فتاوى أُخرى ربّما استتبع فقهاً جديداً لا أُنس لهم به. الوسيط في أُصول الفقه للعلاّمة جعفر السبحاني: 2 / 88 ـ 89 .

صفحه 422
وأحمد بن حنبل في إحدى الرّوايتين عنه، والكرخي إلى أنّه ليس حجّة مطلقاً .
وذهب مالك بن أنس وأبو بكر الرازي والبرذعي من الحنفية، والشافعي في القول الآخر، وأحمد في الرواية الأُخرى إلى أنّه حجّة مقدّمة على القياس .
في أنّ مذهب الصحابي ليس بحّجة   
وقال قوم: إن خالف القياس فهو حجّة، وإلاّ فلا .
وقال قوم: إنّ الحجّة في قول أبي بكر وعمر لا في غيرهما .1
والحقّ الأوّل.
لنا وجوه 2:

1 . راجع الإحكام: 4 / 155 .
2 . راجع المحصول: 2 / 562 ; الإحكام: 4 / 155 ـ 157 .

صفحه 423
الأوّل: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا)1 أمر بالاعتبار، وهو ينافي جواز التقليد .
وفيه نظر، فإنّ المجاوزة من الدليل إلى المدلول اعتبار، وكما يتناول النصّ والإجماع وغيرهما من الأدلّة كذا يتناول قول الصحابي، لأنّه إذا كان حجّة واستدلّ به على الحكم كان اعتباراً.
الثاني: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) 2 أوجب الردّ عند الاختلاف إلى الله والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالردّ إلى مذهب الصحابي يكون تركاً للواجب، وهو ممتنع .
اعترض بمنع دلالة الأمر على الوجوب .
سلّمنا، لكن عند إمكان الرد، وهو أن يكون الحكم المختلف فيه مبّيناً في الكتاب أو السنّة، أمّا على تقدير عدم كونه مبيّناً فيهما فلا. ونحن إنّما نقول باتّباع مذهب الصحابي مع عدم الظفر بما يدلّ على حكم الواقعة من الكتاب .
وفيه نظر، لما تقدّم من أنّ الأمر للوجوب والأمر بالردّ في المختلف إلى ما لا بيان فيه تكليف بما لا يطاق، فوجب اشتمال الكتاب والسنّة على كلّ مختلف فيه من الأحكام. وظاهر اشتمالها عليه فإنّ العمومات وغيرها من قضايا العقل كالبراءة الأصلية والاستصحاب وغيرهما وافية بجميع

1 . الحشر: 2 .
2 . النساء: 59 .

صفحه 424
الأحكام، ومذهب الصحابي إذا كان دليلاً وجب البحث فيه والنظر في كيفية دلالته عند معارضة الكتاب أو السنّة، كما في الكتاب والسنّة فلا تكون دلالته مشروطة بعدمها 1 كغيره من أنواع الأدلّة.
الثالث: إجماع الصحابة على جواز مخالفة كلّ واحد من آحاد الصحابة، ولم ينكر أبوبكر وعمر على من خالفهما، بل ربّما رجعا إليه، كقضايا كثيرة رجع عمر فيها عن رأيه واجتهاده ومذهبه إلى قول علي (عليه السلام)وغيره من الصحابة ; ولم ينكر أبوبكر على عمر ولا عمر على أبي بكر في مخالفة كلّ منهما صاحبه. ولو كان مذهب الصّحابي حجّة لماكان كذلك، وكان يجب على كلّ واحد منهم اتّباع الآخر، وهو محال .
اعترض بأنّ الخلاف إنّما هو في كون مذهب الصحابي حجّة على من بعده من مجتهدي التابعين لا مجتهدي الصحابة، فلم يكن الإجماع دليلاً على محلّ النزاع .
وفيه نظر، فإنّ الإجماع على عدم وجوب تقليد الصحابي لمثله يستلزم عدمه في حقّ التابعي، إذ علّة التقليد العلم والزهد، ولو فرض وجودهما في التابعي وجب وجود المعلول لوجود علّته.
الرابع: الصّحابي من أهل الاجتهاد، والخطاء ممكن عليه، فلا يجب على المجتهد التابعي العمل بمذهبه كالصحابيين والتابعيين .
اعترض 2 بأنّه لا يلزم من امتناع وجوب العمل بمذهب الصحابي

1 . في «أ» بعدمهما، وفي «د»: بعدها.
2 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 156 .

صفحه 425
على صحابي مثله، وامتناع وجوب العمل بمذهب التابعي على تابعي مثله امتناع وجوب عمل التابعي بمذهب الصحابي مع تفاوتهما على ما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «خير القرون القرن الذي أنا فيه» .1
وفيه نظر، لما تقدّم من الاشتراك في العلّة فيجب الاشتراك في المعلول، ولأنّا نعلم أنّ في التابعين من هو أفضل من كثير من الصحابة في العلم والزهد فلا يحسن القول بوجوب تقليده.
الخامس: الصحابة اختلفوا في مسائل كثيرة وذهب كلّ واحد منهم إلى خلاف مذهب الآخر ; كما في مسائل الجدّ مع الإخوة، وقوله: أنتِ عليّ حرام، 2 وغيرهما ; فلو كان مذهب الصّحابي حجّة على غيره من التابعين، لكانت حجج الله تعالى مختلفة متناقضة، ولم يكن اتّباع أحدهم أولى من الآخر .
اعترض 3 بأنّ اختلاف مذاهب الصحابة لا يخرجها عن كونها حججاً في أنفسها، كأخبار الآحاد والنصوص الظاهرة، ويكون العمل

1 . ورد هذا الحديث باختلاف في الألفاظ في المصادر التالية: صحيح مسلم: 7 / 184 و 185، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم; سنن أبي داود: 2 / 403 برقم 4657 ; سنن الترمذي: 3 / 340 برقم 2322 ; مسند أحمد: 2 / 228 و ج 4 / 440. وقد ورد هذا الحديث في بعض كتب الشيعة مع الردود عليه ; راجع الإفصاح للمفيد: 49، باب الروايات الدالة على تنزيه كافة الصحابة والرد عليها; الصوارم المهرقة: 19 .
2 . صحيح البخاري: 6 / 166، كتاب الطلاق ; سنن البيهقي: 7 / 350 .
3 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 157.

صفحه 426
بالواحد منها متوقّفاً على الترجيح، ومع عدم الوقوف على الترجيح فالواجب الوقف أو التخيير .
وفيه نظر، لأنّ كون كلّ واحد منها حجّة يستلزم عدم كونه حجّة، لأنّ كلّ واحد منهم يعتقد حقّية ما ذهب إليه وبطلان ما ذهب إليه الآخر، وهذا يصلح أن يكون دليلاً برأسه، والفرق ظاهر بين أقوال الصحابة والأخبار والنصوص الّتي يمكن الجمع بينهما.
السادس: قول الصحابي عن اجتهاد ممّا يجوز عليه الخطاء، فلا يقدّم على القياس، كالتابعي.
اعترض1 بأنّ اجتهاد الصحابي وإن جاز عليه الخطاء فلا يمنع ذلك من تقديمه على القياس كخبر الواحد، ولا يلزم من امتناع تقديم مذهب التابعي على القياس امتناع ذلك في مذهب الصحابي لما تقدّم من الفرق بينهما.
وفيه نظر، فإنّ خبر الواحد قدّم على القياس لجواز أن يكون أصله الخبر، ولمّا امتنع ترجيح الفرع على الأصل امتنع تقديم القياس على الخبر بخلاف مذهب الصحابيّ .
وقد تقدّم عدم الفرق بين التابعي والصحابي، بل قد يوجد في التابعين من هو أفضل من بعض الصحابة.

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 157 .

صفحه 427
السابع: التابعي المجتهد متمكّن من تحصيل الحكم بطريقه، فلا يجوزله التقليد فيه كالأُصول .
اعترض1 بأنّ اتّباع مذهب الصحابي إنّما يكون تقليداً له لو لم يكن حجّة متّبعة، وهو محلّ النزاع، وخرج عليه الأُصول فإنّ القطع واليقين معتبر فيها، ومذهب الغير من أهل الاجتهاد فيها ليس بحجّة قاطعة، فكان اتّباعه في مذهبه تقليداً من غير دليل، وهو غير جائز .
وفيه نظر، فإنّ معنى التقليد ليس إلاّ العمل بقول الغير من غير حجّة، ولو كان قول الصحابي حجّة لكان باعتبار الزهد والعلم، وإذا وجدا في غيره تساويا، فكما لم يكن قول غيره حجّة كذا قوله .
واحتجّ المخالف بوجوه 2:
الأوّل: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)3وهو خطاب مع الصحابة، والمعروف واجب القبول.
الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» 4جعل الاهتداء لازماً للاقتداء بأي واحد كان منهم، وذلك يقتضي أن يكون قوله حجّة .

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 4 / 157 .
2 . ذكرها مع الأجوبة عنها الرازي في المحصول: 2 / 562 ـ 563 ; الآمدي في الإحكام: 4 / 158 ـ 160.
3 . آل عمران: 110 .
4 . راجع إحقاق الحق: 3 / 93 ـ 96، حيث ذكر مصادر الحديث من كتب أهل السنّة ثم ناقش فيها سنداً ودلالة.

صفحه 428
الثالث: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر».1
الرابع: أجمعوا على أنّ عبد الرحمن بن عوف ولّى علياً (عليه السلام) الخلافة بشرط الاقتداء بالشيخين، فامتنع، فولّى عثمان فقبل، ولم ينكر أحد ذلك على عثمان، وكان ذلك بمحضر جماعة من الصحابة فكان إجماعاً.
الخامس: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي»2 أشار بذلك إلى الخلفاء الأربعة، وقوله: «عليكم» للإيجاب، 3وهو عامّ.
السادس: الصحابي إذا قال ما يخالف القياس فلا محمل له إلاّ أنّه اتَّبع الخبر، وإلاّ كان قولاً في الدين لمجرّد التشهي وهو حرام.
السابع: قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه منكر كان حجّة، فكان حجة مع عدم الانتشار كقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الثامن: مذهب الصحابي إمّا أن يكون عن نقل أو اجتهاد، فإن كان الأوّل كان حجّة، وإن كان الثاني فاجتهاد الصحابي راجح على اجتهاد

1 . مسند أحمد: 5 / 382 ; سنن البيهقي: 5 / 212 و ج 8 / 153. وراجع الإفصاح للمفيد: 219، مسألة إثبات أنّ حديث «اقتدوا باللذين...» موضوع .
2 . سنن الترمذي: 5 / 44 ـ 45، باب ما جاء في الأخذ بالسنّة واجتناب البدع; سنن أبي داود: 2 / 261، باب في لزوم السنة; مسند أحمد: 4 / 126. وقد وردت هذه الفقرة بزيادة «المهديين» بعد «الراشدين» ضمن حديث في الكتب المذكورة أعلاه.
وراجع رسالة في حديث «عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء...» للسيد علي الميلاني .
3 . لم نعثر عليه في المصادر الحديثية، ولكنّه موجود في المستصفى: 1 / 401، والمحصول: 2 / 563 .

صفحه 429
التابعي ومن بعده لترجّحه بمشاهدة التنزيل ومعرفة التأويل، ووقوفه من أحوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعرفة مراده من كلامه على ما لم يقف عليه غيره، فكان حال التابعي إليه كحال العامي بالنسبة إلى المجتهد التابعي، فوجب اتّباعه له.
والجواب عن الأوّل. المراد الإمام المعصوم على ما تقدّم .
سلّمنا، لكن لا يجوز إرادة كلّ واحد لوقوع الخلاف بينهم فيكون الخطأ واقعاً من أحدهم فلا يكون معروفاً، بل المراد مجموع الأُمّة ولا اختصاص لذلك بالصحابة كما تقدّم في الإجماع.
وعن الثاني. بأنّه خطاب مشافهة فيكون راجعاً إلى العوام. ويؤيّده قوله: «اقتديتم» ولأنّه وإن كان عاماً في أشخاص الصحابة، فلا دلالة فيه على عموم الاقتداء في كلّ ما يقتدى فيه. وعند ذلك فقد أمكن حمله على الاقتداء بهم في كلّ ما يروونه عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس الحمل على غيره أولى من الحمل عليه .
وفيه نظر، فإنّ الاقتداء لايفهم من الرواية.
وعن الثالث. لو سلّمنا صحّة نقله قلنا بموجبه، فإنّه يجوز الاقتداء بهما في تجويزهما لغيرهما، مخالفتهما بموجب الاجتهاد. وأيضاً فلو اختلفا كما اختلفا في التسوية في العطاء فأيّهما يتّبع.
وعن الرابع. أنّ قول عثمان معارض برد علي (عليه السلام)، ونمنع الإجماع وعدم الإنكار .

صفحه 430
سلّمنا، لكن ترك الإنكار لأنّهم حملوا الاقتداء على المتابعة في السيرة والسياسة دون المتابعة في المذهب، لدلالة الإجماع على أنّ مذهب الصحابي ليس حجّة على غيره من الصحابة من المجتهدين.
وعن الخامس. أنّ السنّة هي الطريقة، وهي عبارة عن الأمر الّذي يواظب الإنسان عليه فلا تتناول ما يقوله الإنسان مرة واحدة. وأيضاً لو سلّمنا صحّة السند فإنّا نقول بموجبه، لأنّه تحريض على ملازمة مجموع السّنتين، أو تقول: إنّه حرص على ملازمته سنّة الخلفاء ولا يجوز أن يتناول ما اختلفوا فيه وإلاّ لزم التناقض أو الترجيح من غير مرجّح، فوجب أن يتناول ما اتّفقوا عليه، وهو مسلّم، لأنّ علياً (عليه السلام) أحدهم، وقوله حجّة.
و عن السادس. انّه ربّما صار إلى ما يظنّه دليلاً وليس في نفس الأمر كذلك. نعم لو تعارض قياسان وقال الصحابي بما يوافق أحدهما، جاز الترجيح بقول الصحابي أمّا جعله حجّة فلا. وأيضاً فينتقض بقول التابعي مع أنّه ليس حجّة إجماعاً.
وعن السابع. إن قلنا: إنّ قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه منكر يكون إجماعاً، فالحجّة في الإجماع لا في مذهب الصحابي، وهو غير متحقّق فيما إذا لم ينتشر; وإن لم يكن إجماعاً، فلا حجّة فيه مطلقاً مع أنّه ينتقض ما ذكرتم بمذهب التابعي فإنّه إذا انتشر في عصره ولم يوجد له منكر كان حجّة، ولا يكون حجّة بتقدير عدم انتشاره إجماعاً.
   
وعن الثامن. لا نسلّم أنّ مستنده الفعل، إذ لو كان معه نقل لأبداه

صفحه 431
ورواه، لأنّه من العلوم النافعة، والظاهر من حال الصحابة نشر العلم وأقوال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلم يبق إلاّ أن يكون عن رأي واجتهاد. وحينئذ لا يبقى حجّة على غيره من المجتهدين بعده، لجواز أن يكون دون غيره في الاجتهاد والصحبة، وإن كانت مميزة لكن رتبة الاجتهاد أعلى، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه».1

البحث الثاني: في تقليد الصحابي

الحق أنّه لا يجوز للعالم تقليد الصحابي في الفروع وهو أحد أقوال الشافعي، لأنّ المانع من تقليد العالم لغيره آت في حقّ الصحابي وغيره من غير فرق وسيأتي .
لا يقال: كيف لا يقع الفرق بين الصحابة وغيرهم وقد أثنى الله تعالى ورسوله عليهم حيث قال: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ )2، وقال: (وَ السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ )3، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «خير القرون قرني» .
لأنّا نقول: الثناء يوجب حسن الاعتقاد فيهم وأن يظن بهم خيراً، ولا يوجب تقليدهم، لورود الثناء في حق آحاد الصحابة مع إجماع الصحابة على جواز مخالفتهم.

1 . الكافي: 1 / 403 ضمن ح 1 و 2 ; الخصال: 149 ; أمالي الصدوق: 432 ; بحار الأنوار: 2 / 148 و 161 و 164 و ج 21 / 138 ح 33 و ج 27 / 68 ; مسند أحمد: 4 / 80 و 82 و ج 5 / 183 ; سنن الدارمي: 1 / 74 و 75 ; سنن ابن ماجة: 1 / 84 و 86 ; سنن أبي داود: 2 / 179 .
2 . الفتح: 18 .
3 . التوبة: 100 .

صفحه 432
وللشافعي قول ثان قديم: إنّه يجوز تقليدالصّحابي في قوله إذا انتشر ولم يخالفه أحد .
وله ثالث: إنّه يقلّد وإن لم ينتشر .1
وقد فرّع الشافعية على القول القديم للشافعي فروعاً سبعة:2
الأوّل: قال الشافعي في كتاب «اختلاف الأحاديث»،3: روي عن علي (عليه السلام)أنّه صلّى في ليلة ست ركعات، في كلّ ركعة ست سجدات .
قال: لو ثبت ذلك عن علي (عليه السلام) لقلت به، فإنّه لا مجال للقياس فيه، فالظاهر أنّه فعله توقيفاً.
الثاني: قال في موضع: قول الصحابي إذا انتشر، ولم يخالف، فهو حجّة. وضعّفه الغزالي، لأنّ السّكوت ليس بقول، فأيّ فرق بين الانتشار وعدمه؟ وقد تمسّك الغزالي بمثل هذا الإجماع في القطع على أنّ خبر الواحد حجّة، وهو تناف.
الثالث: قال الشافعي: إذا اختلفت الصحابة فالأئمة الأربعة أولى، وإن اختلفت الأربعة، فقول أبي بكر وعمر أولى.
الرابع: قال في موضع آخر: يجب الترجيح بقول الأعلم والأكثر قياساً، لأنّ زيادة علمه تقوي اجتهاده وتبعده عن التقصير .

1 . راجع المحصول: 2 / 564 .
2 . ذكرها الرازي في المحصول: 2 / 565 .
3 . في المحصول: كتاب اختلاف الحديث .

صفحه 433
الخامس: ان اختلف الحكم والفتوى عن الصحابة فقد اختلف قوله، فقال مرّة: الحكم أولى، لأنّ العناية به أشد. وقال أُخرى: الفتوى أولى، لأنّ سكوتهم عن الحكم محمول على الطاعة.
السادس: هل يجوز ترجيح أحد القياسين بقول الصحابي؟ الحق عندهم أنّه في محلّ الاجتهاد، فربّما يتعارض ظنّان، والصحابي في أحد الجانبين فتميل نفس المجتهد إلى موافقة الصحابيّ، ويكون ذلك أغلب على ظنّه.
السابع: إذا حمل الصحابيّ لفظ (الخبر) على أحد معنييه. منهم مَن جعله ترجيحاً. وقال القاضي أبوبكر: إذا لم يقل علمت ذلك من قصد الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لقرينة شاهدتها لم يكن ترجيحاً.

صفحه 434
 
الفصل السابع:

في باقي أدلة شرعية اختلف فيها المجتهدون

وفيه مباحث:

الأوّل: في حكم الأفعال

قد سبق فيما تقدّم هذا البحث على الاستقصاء ونحن الآن بصدد بيان أنّ الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع بطرق شرعية لنفع هذين الأصلين في الشرع. أمّا الأوّل فيدلّ عليه وجوه 1:
الأوّل: قوله تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)2، واللام تقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع. والاعتراض من وجوه:
أ. نمنع اقتضاء اللام الاختصاص بجهة الانتفاع، لقوله تعالى: (وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا )3، (للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ