welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 3*
تألیف :العلامة الحلی*

نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 3

صفحه 1
مقدّمة المشرف: إجماع العترة الطاهرة (عليهم السلام)   
    نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 3
نهاية الوصول
إلى
علم الأُصول

صفحه 2

صفحه 3
إشراف
العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني
نهاية الوصول
إلى
علم الأُصول
للإمام جمال الدين أبي منصور الحسن بن
يوسف بن المطهّر
المعروف بالعلاّمة الحلّي
(648 ـ 726 هـ )
الجزء الثالث
تحقيق
الشيخ إبراهيم البهادري(رحمه الله)

صفحه 4
فهرستنويسى پيش از انتشار توسط : موسسه تعليماتى وتحقيقاتى امام صادق (عليه السلام)
العلاّمة الحلّي ، حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق .
نهاية الوصول إلى علم الأُصول / جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي ; اشراف جعفر السبحاني ; تحقيق إبراهيم البهادرى .ـ قم: موسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1427 ق . = 1385 .
ج.    ISBN 964 - 357 - 239 - 0 (دوره)
ISBN 964 - 357 - 152 - 1 (ج.1)
ISBN 964 - 357 - 200 - 5 (ج.2)
ISBN 964 - 357 - 238 - 2 (ج.3)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
1 ـ أُصول فقه شيعه ـ ـ قرن 8 ق . الف . سبحانى تبريزى ، جعفر ، 1347 ش. ق ـ ، مشرف . ب. بهادرى ، إبراهيم، 1325 ـ ، محقق . ج . مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . د. عنوان .
9ن8ع/ 8/158BP    312 / 297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلوماتwww.imamsadeq.org :
اسم الكتاب:   نهاية الوصول إلى علم الأُصول / الجزء الثالث
المؤلــف:   العلاّمة الحلّي
إشــراف:   آية الله جعفر السبحاني
المحقّـق:   الشيخ إبراهيم البهادري (رحمه الله)
الطبعــة:   الأُولى ـ 1427 هـ
المطبعـة:   مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)
الكمّيّـة:   1000 نسخة
الناشــر:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)
الإخراج الفني:   مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

صفحه 5
(وَمَا كَـانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَـآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَـرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مّنْهُمْ طَآئفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 6

صفحه 7

مقدّمة المشرف:

آية الله جعفر السبحاني

إجماع العترة الطاهرة

يُعدّ كتاب «نهاية الوصول إلى علم الأُصول» موسوعة أُصولية تتكفّل ببيان القواعد الأُصولية الّتي يبتني عليها استنباط الأحكام الشرعية، وقد نهج مؤلفه (رحمه الله) في ترصيف هذا الكتاب المنهجَ المقارن، فلذلك نجده يعرض آراء الأُصوليّين من مختلف المذاهب الإسلامية ويذكر أدلّتهم في مسألة واحدة ثم يقضي ويبرم ويخرج بالنتيجة المطلوبة، وقلّما تجد مثيلاً لهذا الكتاب بين المؤلّفات الأُصولية، إذ يسلك أغلب الأُصوليّين منهجاً خاصّاً يوافق مذهب إمامه ومتبنّياته.
ومن المسائل الأُصولية الهامّة الّتي وردت في هذا الجزء: مسألة الإجماع محصّله ومنقوله وما تبتني عليه حجّية الاتفاق، وقد أغرق المصنّف نزعاً في التحقيق فلم يُبق في القوس منزعاً.

صفحه 8
ومن العناوين الطرّة في هذا الفصل الّتي الفتت نظري هو إجماع العترة الّذي غفل عنه أكثـر الأُصوليين، إلاّ نجم الدين الطوفي، فقد عدّه
من مصادر التشريع الإسلامي في رسالته 1.
وياللعجب أنّ بعض الأُصوليّين يعدّون إجماع أهل المدينة، بل إجماع أهل الكوفة وإجماع الخلفاء من مصادر التشريع، بل ربّما يعدّون ما هو أنزل من ذلك كقول الصحابي، ولكن لا يذكرون شيئاً عن إجماع العترة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً!!
ومع ذلك كلّه فقد اختصر المؤلّف الكلام في هذا البحث، على الرغم من ضرورة التفصيل فيه حتّى يتّضح الحق بأجلى صُوره، ولذلك رأينا أن نذكر في تقديمنا هذا شيئاً ممّا يرجع إلى حجّية أقوال العترة الطاهرة فضلاً عن إجماعهم، وذلك بالبيان التالي:

إجماع العترة 2

كلّ من كتب في تاريخ الفقه الإسلامي وتعرض لمنابع الفقه والأحكام غفل عن ذكر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)وحجّية أقوالهم فضلاً عن حجّية اتّفاقهم، وذلك بعين الله بخس لحقوقهم، وحيث إنّ المقام يقتضي الاختصار نستعرض المهم من الأدلّة الدالّة على حجّية أقوالهم فضلاً عن اتّفاقهم على

1 . رسالة الطوفي كما في كتاب: «مصادر التشريع الإسلامي» لعبد الوهاب خلاّف: 109.
2 . وهو نفس تعبير الطوفي في رسالته، وإلاّ فالحجّة عندنا قول أحد العترة فضلاً عن إجماعهم .

صفحه 9
حكم من الأحكام، كقوله سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا)1.
والاستدلال بالآية على عصمة أهل البيت، وبالتالي حجّية أقوالهم رهن أُمور:
الأوّل: الإرادة في الآية إرادة تكوينية لا تشريعية، والفرق بين الإرادتين واضحة، فإنّ إرادة التطهير بصورة التقنين تعلّقت بعامّة المكلّفين من غير اختصاص بأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، كما قال سبحانه: (وَ لَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ)2.
فلو كانت الإرادة المشار إليها في الآية إرادة تشريعية لما كان للتخصيص والحصر وجه مع أنّا نجد فيها تخصيصاً بوجوه خمسة:
أ. بدأ قوله سبحانه بالأداة (إِنَّمَا) المفيدة للحصر.
ب. قدّم الظرف (عَنْكُمُ) وقال: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) ولم يقل ليذهب الرجس عنكم، لأجل التخصيص.
ج. بيّن من تعلّقت إرادته بتطهيرهم بصيغة الاختصاص، وقال: (أَهْلَ الْبَيْتِ) أي أخصّكم.
د. أكّد المطلوب بتكرير الفعل، وقال: ( وَيُطَهِّرَكُمْ) تأكيداً لقوله: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) .

1 . الأحزاب: 33 .
2 . المائدة: 6 .

صفحه 10
هـ . أرفقه بالمفعول المطلق، وقال: (تَطْهِيراً) .
كلّ ذلك يؤكد أنّ الإرادة الّتي تعلّقت بتطهير أهل البيت غير الإرادة الّتي تعلّقت بعامّة المكلّفين.
ونرى مثل هذا التخصيص في خطابه لمريم البتول قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)1.
الثاني: المراد من الرجس كلّ قذارة باطنية ونفسية، كالشرك، والنفاق، وفقد الإيمان، ومساوئ الأخلاق، والصفات السيئة، والأفعال القبيحة الّتي يجمعها الكفر والنفاق والعصيان، فالرجس بهذا المعنى أذهبه الله عن أهل البيت، ولا شكّ انّ المنزّه عن الرجس بهذا المعنى يكون معصوماً من الذنب بإرادة منه سبحانه، كيف وقد ربّاهم الله سبحانه وجعلهم هداة للأُمّة كما بعث أنبياءه ورسله لتلك الغاية.
الثالث: المراد من أهل البيت هو: علي وفاطمة وأولادهما، لأنّ أهل البيت وإن كان يطلق على النساء والزوجات بلا شك، كقوله سبحانه: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)2، ولكن دلّ الدليل القاطع على أنّ المراد في الآية غير نساء النبي وأزواجه، وذلك بوجهين:
أ. نجد أنّه سبحانه عندما يتحدّث عن أزواج النبي يذكرهنّ بصيغة

1 . آل عمران: 42.
2 . هود: 73 .

صفحه 11
جمع المؤنث ولا يذكرهنّ بصيغة الجمع المذكر، فإنّه سبحانه أتى في تلك السورة (الأحزاب) من الآية 28 ـ 34 باثنين وعشرين ضميراً مؤنثاً مخاطباً بها نساء النبي، وهي كما يلي:
1. كُنْتُنَّ، 2. تُرِدْنَ، 3. تَعَالَيْنَ، 4. أُمَتِّعْكُنَّ، 5. أُسَرِّحْكُنَّ .1
6. كُنْتُنَّ، 7. تُرِدْنَ، 8 . مِنْكُنَّ .(2)
9. مِنْكُنَّ .2
10. مِنْكُنَّ.(4)
11. لَسْتُنَّ، 12. إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، 13. فَلاَ تَخْضَعْنَ، 14. قُلْنَ.3
15. قَرْنَ، 16. فِي بُيُوتِكُنَّ، 17. تَبَرَّجْنَ، 18. أَقِمْنَ، 19. آتِينَ، 20. أَطِعْنَ اللهَ . (6)
21. اذْكُرْنَ، 22. فِي بُيُوتِكُنَّ .4
وفي الوقت نفسه عندما يذكر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في آخر الآية 33 يأتي بضمائر مذكّرة ويقول: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ... وَ يُطَهِّرَكُمْ)، فإنّ هذا العدول دليل على أنّ الذكر الحكيم انتقل من موضوع إلى موضوع آخر، أي من نساء النبي إلى أهل بيته، فلابدّ أن يكون المراد منه غير نسائه.

1 . الأحزاب: 28 .   2 . الأحزاب: 29 .
2 . الأحزاب: 30 .   4 . الأحزاب: 31 .
3 . الأحزاب: 32.   6 . الأحزاب: 33 .
4 . الأحزاب: 34.

صفحه 12
ب. أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أماط الستر عن وجه الحقيقة، فقد صرّح بأسماء من نزلت الآية بحقّهم حتّى يتعيّن المنظور منه باسمه ورسمه ولم يكتف بذلك، بل أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء ومنع من دخول غيرهم.
ولم يقتصر على هذين الأمرين (ذكر الأسماء وجعل الجميع تحت كساء واحد) بل كان كلّما يمرّ ببيت فاطمة (عليها السلام) إلى ثمانية أشهر يقول: الصلاة، أهل البيت: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).
وقد تضافرت الروايات على ذلك، ولولا خوف الإطناب لأتينا بكلِّ ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن نذكر من كلّ طائفة إنموذجاً:
أمّا الطائفة الأُولى: أخرج الطبري في تفسير الآية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نزلت الآية في خمسة: فيّ وفي علي (رضي الله عنه)وحسن (رضي الله عنه)، وحسين (رضي الله عنه)، وفاطمة رضي الله عنها، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) الحديث 1.
وأمّا الطائفة الثانية: فقد روى السيوطي وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرج رسول الله غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما فأدخلهما معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه، ثمّ قال:

1 . ولمن أراد المزيد فليرجع إلى تفسير الطبري والدر المنثور للسيوطي في تفسير آية التطهير.

صفحه 13
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).
ولو لم تذكر فاطمة في هذا الحديث، فقد جاء في حديث آخر، حيث روى السيوطي، قال: واخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد، قال: نزل على رسول الله الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه، قال: «اللّهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي».
وفي حديث آخر جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى فاطمة ومعه حسن وحسين، وعلي حتّى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه ، ثمّ تلا هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).
وأمّا الطائفة الثالثة: فقد أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).
والروايات تربو على أربع وثلاثين رواية، رواها من عيون الصحابة: أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، ابن عباس، أبو هريرة الدوسي، سعد بن أبي وقاص، واثلة بن الأسقع، أبو الحمراء ـ أعني: هلال بن حارث ـ وأُمهـات المؤمنيـن: عائشة وأُمّ سلمة.1

1 . وللوقوف على مصادر هذه الروايات لاحظ : صحيح مسلم: 7 / 122 ـ 123 ; تفسير الطبري: 22 / 5 ـ 7 ; الدر المنثور : 5 / 198 ـ 199 ; جامـع الأُصول لابن الأثير: 10 / 103.

صفحه 14
وبذلك تبيّنت حجية أقوال كلمات أهل البيت(عليهم السلام)في مجالي العقيدة والشريعة لاعتصامهم بحبل الله تعالى، فإذا كان قول واحد منهم حجة فكيف هو حال إجماعهم؟
فما أصدق قول القائل:
فوالِ أُناساً قولهم وكلامهم *** روى جدُّنا عن جبرئيل عن الباري
رزقنا الله زيارتهم في الدنيا، وشفاعتهم في الآخرة.

عصمة أُولي الأمر

دلت آية التطهير على عصمة أهل البيت(عليهم السلام)كما عرفت آنفاً وفي الوقت نفسه دلّت آية الطاعة ـ بالإضافة إلى وجوب طاعتهم ـ على عصمة الرسول وأُولي الأمر، أعني قوله سبحانه: (أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)1.
والاستدلال مبني على دعامتين :
1 . إنّ الله سبحانه أمر بطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق ; أي في جميع الأزمنة والأمكنة ، وفي جميع الحالات والخصوصيات ، ولم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشيء كما هو مقتضى الآية .
2 . إنّ من الأمر البديهي كونه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر

1 . النساء: 59 .

صفحه 15
والعصيان : (ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْر)1 من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداءً من دون تدخّل أمر آمر أو نهي ناه ، أو يقومون به بعد صدور أمر ونهي من أُولي الأمر .
فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين (وجوب إطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق ، وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان) أن يتّصف أُولو الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق ، بخصوصية ذاتية وعناية إلهية ربّانية ، تصدّهم عن الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة . وليس هذا إلاّ عبارة أُخرى عن كونهم معصومين ، وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية ، لما صحّ الأمر بإطاعتهم على وجه الإطلاق بدون قيد أو شرط . فنستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة . وممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره ، ويطيب لي أن أذكر نصّه حتّى يمعن فيه أبناء جلدته وأتباع طريقته ، قال :
إنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار

1 . الزمر : 7 .

صفحه 16
الواحد ، وأنّه محال ، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً.1
بيد أنّ الرازي ، وبعد أن قادته استدلالاته المنطقية إلى هذه
الفكرة الثابتة المؤكّدة لوجوب العصمة بدأ يتهرّب من تبعة هذا الأمر ،
ولم يستثمر نتائج أفكاره ، لا لسبب إلاّ لأنّها لا توافق مذهبه في تحديد الإمامة ، فأخذ يؤوّل الآية ويحملها على غير ما ابتدأه وعمد إلى إثباته ، حيث استدرك قائلا بأنّا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم ، عاجزون عن الوصول إليه ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منه ، فإذا كان الأمر كذلك ، فالمراد ليس بعضاً من أبعاض الأُمّة ، بل المراد هو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة .
إلاّ أنّ ادّعاءه هذا لا يصمد أمام الحقيقة القويّة التي لا خفاء عليها ، وفي دفعه ذلك الأمر مغالطة لا يمكن أن يرتضيها هو نفسه ، فإنّه إذا دلّت الآية على عصمة أُولي الأمر فيجب علينا التعرّف عليهم ، وادّعاء العجز هروب من الحقيقة ، فهل العجز يختص بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية؟ لا أظنّ أن يقول الرازي بالثاني . فعليه أن يتعرّف على المعصوم في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعصر نزول الآية ، وبالتعرّف عليه يعرف معصوم زمانه ،

1 . مفاتيح الغيب (للرازي): 10 / 144 .

صفحه 17
حلقة بعد أُخرى ، ولا يعقل أن يأمر الوحي الإلهي بإطاعة المعصوم ثمّ لا يقوم بتعريفه حين النزول ، فلو آمن الرازي بدلالة الآية على عصمة أُولي الأمر فإنّه من المنطقي والمعقول له أن يؤمن بقيام الوحي الإلهي بتعريفهم بواسطة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم); إذ لا معنى أن يأمر الله سبحانه بإطاعة المعصوم ، ولا يقوم بتعريفه .

إكمال: أهل السنّة ووجه حجّية الإجماع

قد حقّق المصنّف في ثنايا بحثه عن حجّية الإجماع، أنّ الإجماع بما هو هو ليس بحجّية شرعية وليس من أدلّة التشريع، وإنّما هو حجّة لأجل كشفه عن دليل شرعي يُعدّ حجّة في المسألة.
وأمّا الإجماع عند أهل السنّة فهو من أدلّة التشريع ويُعدّ حجّة في عرض الكتاب والسنّة، وهذا لا يعني تقابله معهما، بل بمعنى أنّ كلّ واحد حجّة في مضمونه ومحتواه، وذلك بالبيان التالي:
إذا اتّفق المجتهدون من أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)في عصر من العصور على حكم شرعي، يكون المجمع عليه حكماً شرعياً واقعياً عند أهل السنّة ولا تجوز مخالفته، وليس معنى ذلك أنّ إجماعهم على حكم من تلقاء أنفسهم يجعله حكماً شرعياً، بل يجب أن يكون إجماعهم مستنداً إلى دليل شرعي قطعي أو ظنّي، كالخبر الواحد والمصالح المرسلة والقياس والاستحسان.

صفحه 18
فلو كان المستند دليلاً قطعياً من قرآن أو سنّة متواترة يكون الإجماع مؤيداً ومعاضداً له; ولو كان دليلاً ظنّياً كما مثلناه، فيرتقي الحكم حينئذ بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين.
ومثله ما إذا كان المستند هو المصلحة أو دفع المفسدة، فالاتّفاق على حكم شرعي استناداً إلى ذلك الدليل يجعله حكماً شرعياً قطعياً، كزيادة أذان لصلاة الجمعة في عهد عثمان لإعلام الناس بالصلاة كي لا تفوتهم، حتّى صار الأذان الآخر عملاً شرعياً إلهياً وإن لم ينزل به الوحي.1
فلو صحّ ذلك فقد أعطى سبحانه للإجماع واتّفاق الأُمّة منزلة
كبيرة على وجه إذا اتّفقوا على أمر، يُصبح المجمع عليه حكماً شرعياً
قطعياً كالحكم الوارد في القرآن والسنّة النبويّة، ويكون من مصادر
التشريع.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان الإجماع بما هو هو من أدلّة التشريع وأنّ الدليل الظني ببركة الإجماع يرتقي إلى مرتبة القطع واليقين ويكون حجّة في عرض سائر الحجج، فمعنى ذلك أنّ التشريع الإسلامي لم يختتم بعد رحيل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّ هناك نبوة بعد نبوّته، وهو على خلاف ما اتّفق المسلمون عليه من إغلاق باب الوحي والتشريع واختتام النبوة، فلا محيص عن القول إلاّ بالرجوع إلى ما عليه الشيعة الإمامية من أنّ الإجماع كاشف عن الدليل الصادر عن الصادع بالحق (صلى الله عليه وآله وسلم)كما أنّ حجّية العقل في

1 . الوجيز في أُصول الفقه لابن وهبة: 49.

صفحه 19
مجالات التشريع من هذه المقولة فليس العقل مشرعاً وإنّما هو كاشف عن الحكم الإلهي في موارد خاصة .
هذه خلاصة القول في المقام والتفصيل يطلب من موسوعاتنا الأُصولية.

خبر مؤسف

يعزّ علينا أن نكتب هذا التقديم ونحن نفتقد علماً من أعلام التحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ألا وهو العلاّمة الشيخ إبراهيم البهادري تغمده الله برحمته الواسعة الّذي لبّى دعوة ربّه في خامس شهر شعبان المعظم من شهور عام 1426 هـ ، وقد شُيّع جثمانه الطاهر في موكب مهيب ودفن في مدينة قم المقدسة .
والشيخ البهادري (رحمه الله) بكلمة قصيرة كان رجلاً زاهداً دؤوباً في العمل لا يبتغي إلاّ مرضاة الله تعالى، فهو من أبرز مصاديق ما قاله العلاّمة الكبير السيد هبة الدين الشهرستاني: إن الناشر (والمحقّق) لصحائف العلماء الأُمناء، يؤمّن لقومه الحياة الطيبة أكثر ممّن ينوّرون الطرق في الظلماء، و ] يمهدون السبيل [ إلى الماء .1
كرّس المغفور له عمره في تحقيق تراث أهل البيت(عليهم السلام)ونشر علومهم ، مدة من عمره تناهز ربع قرن .

1 . مجلة المرشد: 1 / 78، ط . بغداد.

صفحه 20
وقد قام بتحقيق كتب قيّمة نذكر منها: «تحرير الأحكام» للعلاّمة الحلّي في ستة أجزاء، و «الاحتجاج» للطبرسي في جزأين، و «معالم الدين في فقه آل ياسين» لابن قطّان الحلّي في جزأين، و «غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع» لابن زهرة الحلبي في جزأين، و «إصباح الشيعة» للكيدري، وغيرها.
ومن أبرز ما حقّقه في أواخر عمره الجزء الأوّل والثاني وبداية الجزء الثالث من هذه الموسوعة الأُصولية.
فسلام الله عليه يوم ولِد، ويوم ماتَ ويومَ يُبعث حيّاً.

شكر وتقدير

وقد أُنيطت مهمة إتمام هذا المشروع إلى لجنة التحقيق في المؤسسة المتمثّلة بالمحقّقين الأفاضل:
1. السيد عبد الكريم الموسوي.
2. الشيخ خضر ذو الفقاري.
3. الحاج محمد عبد الكريم بيت الشيخ .
فقام الأفاضل ـ وفّقهم الله ـ بتحقيق الكتاب على أكمل وجه وبجميع مراحله من مقابلة النسخ الخطية، وتقويم نص الكتاب وضبطه، ومراجعة النصوص مع مصادرها الأصلية، وتخريج الأحاديث من كتب الفريقين،

صفحه 21
وإعراب الآيات وتخريجها، وتصحيح الكتاب بدقّة حتّى ظهر بهذا الشكل اللائق، فشكر الله سعيهم ووفّقهم للمزيد من البذل والعطاء وخدمة الإسلام .
والحمد لله رب العالمين
جعفرالسبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدسة ـ إيران
25 من صفر المظفر
1427 هـ

صفحه 22
   

صفحه 23
الفصل الثالث:

في المنسوخ

وفيه مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في النسخ قبل الفعل

نسخ الشيء قبل فعله ضربان:
الأوّل: نسخه بعد انقضاء وقته، ولا خلاف في جوازه، لأنّ مثل الفعل يجوز أن يصير مفسدةً في المستقبلِ، ومصلحةً في الحال، فيأمر بفعله في الحال، ثمّ ينهى عنه في المستقبل.
ولا فرق بين المطيع والعاصي في حسن توجّهِ الأمرِ والنهي معاً إليهما، فإنّه قد يحسن أن يأمر بالفعلِ من يعصيه، كما يحسن أن يأمر من يطيعه.
وإذا كان لو أمره فأطاع، لجاز النسخ إجماعاً، فكذا إذا أمره فعصى، لأنّ بالطّاعة والمعصية لا يتغيّر حسنُ النسخ التابع لتعريف المصالح في المستقبل .

صفحه 24
وأيضاً، فقد بيّنا أنّ الكفّار مخاطبون بالشرائع، فالنسخ قد يتناولهم وإن عصوا بالترك، وإذا جاز ذلك فيهم، جاز في غيرهم .
الثاني: نسخه قبل حضور وقته، أو نقضه، وقد اختلف الناس في ذلك :
فمنعه المعتزلة وبعضُ أصحابِ أبي حنيفة، وأبوبكر الصيرفي من الشافعية .
في النسخ قبل الفعل   
وذهب الأشاعرة وأكثر الشافعية إلى جوازه .
والحق الأوّل لوجوه:
الأوّل: لو جاز ذلك لزم كونُ الشخصِ الواحدِ مأموراً به، منهيّاً عنه عن فعل واحد في وقت واحد على وجه واحد، والتالي مُحالٌ، فالمقدّمُ مثلُهُ.
بيان الشرطية: أنّ المسألة مفروضةٌ فيه، فإنّه لمّا أمره غدوةً بصلاةِ ركعتين عند الغروبِ، ثمّ نهاه وقتَ الظهر عن صلاةِ ركعتين عند الغروبِ، فقد تعلّق الأمرُ والنهيُ بشيء واحد في وقت واحد من وجه واحد1ومكلِّف واحد ومكلَّف واحد، حتّى لو اختلّ شرط منها لم تكن صورة النزاع.
ولأنّ قوله: صلِّ عند الغروب ركعتين، موضوعٌ للأمرِ بالصلاةِ في ذلك الوقت لا غير، لغةً وشرعاً، وقوله: لا تصلّ عند الغروب ركعتين، موضوعٌ للنهي عنها في ذلك الوقتِ لغةً وشرعاً .
ولأنّ النّهي لو تعلّق بغيرِ ما تعلّق به الأمرُ، فإن كان المنهيّ عنه أمراً،

1 . في «ب» و «ج»: من جهة واحدة.

صفحه 25
يلزم من الانتهاء عنه وقوعُ الخلل في متعلّق الأمرِ، فيكون المتأخّر رافعاً للمتقدّم استلزاماً، فيتوارد الأمرُ والنهيُ على شيء واحد في وقت واحد من وجه واحد .
وإن لم يلزم، لم يكن صورة النزاع .
ولأنّا أجمعنا على أنّ الأمر بالشيءِ يجامع النّهيَ عن غيره، إذا لم يلزم من الانتهاء عنه الإخلالُ بالمأمور به .
وبيان بطلان التالي: أنّ متعلّقَ الأمرِ إن كان حسناً، استلزم النهيُ عنه القبيحَ أو الجهلَ، أو الحاجةَ، وإن كان قبيحاً، استلزم الأمر به أحدها، واللوازم ممتنعةٌ في حقّه تعالى.
الثاني: إذا أَمَرَ بالفعلِ في وقت معيّن، ثمّ نَهى عنه، فقد بان أنّه لم يُرد إيقاعَه، ويكون قد أمر بما لم يُرده، ولو جاز ذلك، لم يبق لنا وثوقٌ بأقوال الشارع، لجواز أن يكون المرادُ بذلك القولِ ضدَّ ما هو دالٌّ على إرادته، وهو مُحالٌ.
الثالث: أنّه يُفضي إلى أن يكون الفعلُ الواحدُ مأموراً به منهيّاً عنه، والأمر والنهي عند المجوِّزين كلامُهُ تعالى، وكلامُهُ صفةٌ واحدةٌ، فيكون الكلامُ الواحدُ أمراً ونهياً بشيء واحد في وقت واحد، وهو مُحالٌ.
اعترضوا 1 على الأوّل: بأنّه مبنيٌّ على الحسنِ والقبحِ العقلييّنِ، وهو ممنوعٌ .

1 . من المعترضين الآمدي في الإحكام: 3 / 91، والرازي في محصوله: 1 / 544 ـ 545 .

صفحه 26
لا يقال: إن لم يكن حسناً ولا قبيحاً، فإمّا أن يكون مشتملاً على مصلحة أو مفسدة، ويلزم الأمر بالمفسدةِ، والنهي عن المصلحةِ.
لأنّا نقول: إنّه مبنيٌّ على رعاية الحكمة، في أفعاله تعالى، ونحن لا نقول به، بل يجوز أن يكون الأمرُ والنهيُ لا لمصلحة ولا لمفسدة وإن سُلِّمَ عدمُ خلُوِّهِ من المصلحةِ والمفسدةِ، لكن لانسلِّم أنّه يلزم منه الأمرُ بالمفسدةِ والنهيُ عن المصلحةِ، بل جاز أن يقال: إنّه مشتملٌ على المصلحةِ حالةَ الأمر، ومشتملٌ على المفسدةِ حالةَ النّهي، ولا مفسدةَ حالةَ الأمرِ، ولا مصلحةَ حالةَ النّهي.
وأيضاً لو سُلِّمَ الحسنُ والقبحُ، لكن كما يحسنُ الأمرُ والنهيُ لحكمة تنشأ من المأمور به والمنهيّ عنه، فقد يحسنانِ أيضاً لحكمة تتولّد من نفسِ الأمرِ والنهيِ، فإنَّ السيّدَ قد يقول لعبده: إذهب إلى القرية غداً راجِلاً، وغرضُهُ حصولُ الرّياضة في الحالِ، وعزمُهُ على أداء ذلك الفعلِ، وتوطينِ النفسِ عليه، مع علمه بأنّه يسقط عنه غداً .
والأمرُ بالفعلِ إنّما يحسنُ إذا كان كلٌّ من المأمور به، والأمرِ منشأَ المصلحةِ، فلو كان المأمورُ به منشأَ المصلحةِ دون الأمرِ أو بالعكس، لم يكن الأمرُ به حسناً، فالآمر لما أمر كان كلٌّ منهما 1 منشأَ المصلحةِ، فحسن منه الأمر .

1 . الضمير يرجع إلى المأمور به ونفس الأمر.

صفحه 27
وفي الوقت الثاني بقي المأمورُ به على حالة منشأ المصلحة، ولم يبق الأمرُ، فحسن النهيُ عنه .
لا يقال: لمّا بقي الفعلُ منشأَ المصلحةِ كما كان، فالنهيُ عنه يكون منعاً عن منشأِ المصلحة، وهو غيرُ جائز.
لأنّا نقول: يكفي في المنع من الشيءِ اشتمالُهُ على جهة واحدة من جهاتِ المفسدةِ، وهذا المأمور به وإن بقيَ منشأ المصلحة، لكنّ الأمرَ بهِ لمّا صار منشأ المفسدة، كان الأمرُ بِهِ قبيحاً، نظراً إلى نفسِ الأمرِ، وإن كان حسناً، نظراً إلى المأمور به، وذلك كاف في قبحه .
وأيضاً، نمنع اتِّحادَ متعلَّقِ الأمرِ والنهيِ، فإنّه جائزٌ أن يتناولَ النهيُ مثلَ الفعلِ الّذي تناوله الأمرُ الأوَّلُ، أو أنَّ الأمرَ تناولَ اعتقادَ وجوبِ الفعلِ أو العزم عليه، والنهي تناول الفعلَ أو أنّ لهذه الصلاةِ في هذا الوقتِ المخصوصِ وجهينِ، يقع على كلٍّ منهما، فإذا وقعت على أحدهما كانت واجبةً، وإذا وقعت على الآخر، كانت قبيحة، فالأمرُ تناولها على وجهِ الحسنِ، والنهيُ تناولَها على وجه القبح.
ثمّ اختلفوا في كيفيّة اختلاف الوجهينِ، فقال قومٌ: هو مأمورٌ بشرط بقاءِ الأمرِ، منهيٌّ عنه عند زواله، وهما حالتان مختلفتان.
وقال آخرون: إنّه مأمورٌ بالفعل بشرط أن يختاره، ويعزم عليه، وينهى عنه إذا علم عدم اختياره، وجعلوا حصولَ ذلك في علم الله تعالى بشرط هذا النسخ.

صفحه 28
وقال آخرون: يأمر بشرطِ كونِهِ مصلحةً، وإنّما يكون مصلحةً مع دوام الأمر، أمّا بعد النهي فيخرج عنها.
وقال قوم: إنّما يأمر في وقت يكون الأمر مصلحةً، ثمّ يتغيّر الحال، فيصير النهيُ مصلحةً، وإنّما يأمر الله تعالى به مع علمه بأنّ الحالَ ستتغيّر ليعزم المكلّف على فعله إن بقيت المصلحة في الفعل، والكلُّ متقاربٌ.
وعلى الثاني: بأنّ الأمر ليس من شرطه إرادة المأمور به وعدم الوثوق بأقوال الشارع إن أرادوا به أنّه إذا خاطب بما يحتمل التأويل أنّا لا نقطع بإرادته لِما هو الظاهر من كلامه، فمسلّمٌ، ولكن نمنع امتناعَهُ، فإنّه أوّل المسألة .
وإن أرادوا به أنّه لا يمكن الاعتماد على ظاهره، مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات البعيدةِ، فغيرُ مسلّم، وغير ذلك، ليس بمتصوّر.
وعلى الثالث: أنّه يلزم كون الفعل الواحد في وقت واحد مأموراً منهيّاً معاً، أو لا معاً، الأوّلُ ممنوعٌ والثاني مسلّمٌ .
ونمنع وحدة كلامه ] تعالى [ على مذهب عبد الله بن سعيد. وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري نمنع إحالته .
قولهم: يلزم ] منه [ أن تكون الصفة الواحدة أمراً نهياً.
قلنا: إنّما تسمّى الصفةُ الواحدةُ بهذه الأسماء بسبب اختلاف تعلّقاتها ومتعلّقاتها، فإن تعلّقت بالفعلِ سُمّيت أمراً، وإن تعلّقت بالنّهيِ سُمّيت نهياً، وذلك إنّما يمتنع إذا اتّحد زمان التعلّقِ بالفعلِ والتركِ، أمّا مع اختلافه فلا،

صفحه 29
والمأمور والمنهيّ وإن كان زمانه متّحداً، لكنَّ زمانَ تعلُّقِ الأمرِ به غيرُ زمان تعلُّقِ النهيِ به، ومع التغاير فلا امتناع.
والجواب: قد تقدّم إثبات الحسن والقبح العقليّين، وحكمته تعالى قد أثبتناها في كتبنا الكلاميّة، ولولا هذان المقامان انتفت الشرائع بالكلّية، وبقاء الأمر وانتفاء النهي لا يكونان وجهاً في قبح الفعل ولا حسنه، ولا يؤثِّرانِ في وقوعه على وجه يقتضي مصلحةً أو مفسدةً، فإنَّ الفعلَ لا يحسن بالأمرِ ولا يقبح بالنهيِ، ولا تأثير لهما في الوجوه الّتي يقع عليها.
قوله: قد يكون المأمور به منشأَ المصلحةِ دون الأمرِ، فيحسن النهيُ بعد الأمرِ عند كونهما معاً منشأَ المصلحة .
قلنا: قد بيّنا أنّ الأمرَ والنهيَ لا مدخل لهما في وجوه الأفعال من حسن وقبح، ولا تأثير لهما في الوجوه الّتي يقع عليها.
لا يقال: انّهما وان لم يقتضيا قبحَ فعل ولا حسنَهُ، ولم يؤثِّرا في وجه يقعُ الفعلُ عليه، لكنّهما دليلان على وجهي الحسنِ والقبحِ، وإذا دلاّ، فلابدّ من ثبوتِ وجه يقتضي أحدَهُما، لأنّ الدلالة إنّما تدلّ على صحّته، فلا استبعاد في أن يأمر الله تعالى بالصلاةِ وقتَ الغروبِ، وتكون الصلاة واجبةً في ذلك الوقتِ متى استمرّ حكمُ الأمرِ بها، وان لم يَرِدْ نهيٌ عنها، وإن ورد النهيُ يغيِّر حالَها، فإذا أَمَرَ بالصلاةِ اعتقد وجوبَها عليه، متى لم يَنْهَ عنها، فإذا ورد النهيُ اعتقد قبحَها، ويكون الغرضُ في هذا التكليفِ مصلحةَ المكلّفِ، كأنّا نقدّرُ أنّه تعالى عَلِمَ أنّه إن كَلَّفَهُ على هذا الوجهِ، كان مصلحةً له، في واجب عليه يفعله أو قبيح يجتنبه.

صفحه 30
لأنّا نقول: هذه الصلاة المأمور بها، إن كان فعلها في هذا الوقت مصلحةً في الدينِ، لم يتغيّر حالها بورود النهيِ، ويجب قبحُ النهيِ المتناولِ لها، وإن كانت مفسدةً في نفسِها، لم يتغيّر حالها بتناول الأمرِ أو استمرارِهِ، فيجب قبحُها وقبحُ الأمرِ المتناول.
قوله: نمنع الاتّحاد لتعلّق النهي بمثل ما تعلّق بالأمر، لا بعينه .
قلنا: إنّه باطلٌ من وجوه:
الأوّل: غيرُ محلّ النزاع، إذ المسألة مفروضة في النسخ الّذي هو رفعٌ، وليس هنا رفعٌ حينئذ.
الثاني: المكلَّفُ لا يميّز بين فعله المثلين في وقت واحد، فتكليف فعلِ أحدهما بعينه، وتجنّب الآخر المنهيّ عنه بعينه، مع أنّهما لا يتميّزانِ، تكليفٌ بمالا يُطاق.
الثالث: يمتنع أن يكون أحدهما مصلحةً والآخرُ مفسدةً، لتماثلهما، واتّحاد وقتهما ومتعلّقهما .
قوله: الأمر يتعلّق بالاعتقاد أو العزم .
قلنا: هذا باطل من وجوه:
الأوّل: العزمُ والاعتقادُ مغايران1 للصلاة، ولا يعبّر عنهما بها، والأمر

1 . في «أ»: متغايران.

صفحه 31
ورد بالصّلاة، فلا يتناولهما لغةً ولا شرعاً، لا حقيقةً ولا مجازاً.
الثاني: لو كان اسمُ الصلاةِ عبارةً عنهما شرعاً، لما تأخّر بيانُهُ عن وقتِ الخطابِ، وذلك يُخْرِجُ البحثَ عن مسألة النسخ إلى مسألة تأخير البيان.
الثالث: لابدّ في الأمرِ بالاعتقادِ أو العزمِ من فائدة، ولا فائدة مع عدم وجوبِ الفعلِ الّذي تعلّقا به.
لا يقال: الفائدة اختبار المكلَّفِ.
لأنّا نقول: حقيقة الاختبار إنّما تجوز على من لا يعرف العاقبة 1 دون من يعلمها .2
وفيه نظرٌ، فإنّ العلم تابعٌ.
الرابع: لا يحسن إيجابُ العزم والاعتقاد على الإطلاقِ، والفعلُ غيرُ واجب، لقبح اعتقاد وجوبِ ما ليس بواجب .
لا يقال: أُمِر ] المكلّفُ [ بالعزمِ على الفعلِ بشرطِ كونِهِ واجباً.
لأنّا نقول: لا حاجة إلى هذا التمحّل 3 فإنّه يمكنكم أن تقولوا: «أُمر بالفعلِ بشرط كونه واجباً» ولا تضمروا العزمَ الّذي ليس بمذكور.4
وفيه نظرٌ، للفرق بين: «أمرتك بالعزمِ بشرط كونِ الفعل واجباً» وبين:

1 . في «أ»: الغاية.
2 . الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1 / 377 .
3 . في «أ»: التحمّل.
4 . الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1 / 377 .

صفحه 32
«أوجبتُ عليكَ الفعلَ بشرط كونه واجباً».
الخامس: ليس القولُ بأنّه أُمر بالعزمِ على الصلاةِ بشرط كونها واجبةً، ويتوصّل إلى ذلك بظاهر النهي، بأولى من القولِ بأنّه نهى عن إرادة الفعلِ المأمور به بشرط كونه قبيحاً، لا يتجدّد به أمرٌ آخر، ويجوز ورود أمر آخر ويتوصّل 1 إلى ذلك بظاهرِ الأمرِ.
قوله: يجوز أن يكون للفعلِ وجهان، يُؤمر به باعتبار أحدِهِما، ويُنْهى عنه باعتبار الآخر.
قلنا: هذا باطل، أمّا أوّلاً فلأنّه غيرُ محلِّ النزاعِ، إذ النّزاعُ في فعل اتّحد الوجهُ فيه، والوقتُ وجميعُ الأُمور المعتبرة فيه .
وأمّا ثانياً، فلأنّه لا نسخ حينئذ، إذ المأمورُ بِهِ والمنهيُّ عنه باقيانِ على حدّ التكليفِ، لم يرتفع أحدهما، والتمحّلات 2 الّتي ذكروها في وجهِ التغايرِ باطلةٌ، فإنَّ الشرطَ ما يتصوّر أن يوجد وأن لا يوجد، وما لا بدّ منه لا معنى لشرطيّته، والمأمور به لا يقع مأموراً إلاّ عند دوامِ الأمرِ، وعدمِ النهي، فكيف يحسن أن يقول: «آمرك بشرط أن لا أنهاك»؟ فكأنّه قال: آمرك بشرط أن آمرك، وبشرط أن يتعلّق الأمرُ بالمأمورِ، وبشرط كونِ الفعلِ المأموِرِ بِهِ حادثاً،] أ [ وعرضاً، وغير ذلك ممّا لابدّ منه، وهذا لا يصلح للشرطيّة .
ولأنّه تعالى يستحيل أن يأمر بشرطِ أن لا ينهى عنه، لأنّه تعالى عالمٌ

1 . في «أ» و «ج»: ويجوّزوا ورود أمر آخر ويتوصلّوا.
2 . في «أ»: والمحتملات.

صفحه 33
بأنّ هذا الشرطَ لا يحصل، فلا يأمر به، والأمر بشرط إنّما يحصل ممّن لا يعرف العواقبَ.
قال الغزالي: والعجب من إنكار المعتزلة ثبوتَ الأمرِ بالشرط، مع أنّهم جوّزوا الوعيد 1 منه تعالى بشرط، فوَعَدَ على الطاعة ] ثواباً [بشرط عدم ما يُحْبِطها من الفسق والردة، وعلى المعصية العقابَ، بشرط خلوّها عمّا يكفّرها من التوبة.2
وفيه نظرٌ، للفرق بين «آمرك بشرط أن لا أنهاك» وهو عالم بالعاقبة، وبين: «أُثيبك إن أطعتَ وأُعاقبك إن عصيت» لوقوع الثاني خبراً عن فعله، بخلاف الأوّل .
ولأنّ النهي 3 ليس بوجه يقع عليه الفعل .
احتجّ المجوّزون بوجوه:
الأوّل: أنّه تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل، ثمّ نسخه قبل الفعل.
الثاني: قوله تعالى : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ)4 دلّ على أنّه يمحو كلَّ ما يشاء محوَهُ، على كلّ وجه، فيدخل محو العبادة قبل دخول وقتها.

1 . في المصدر: الوعد.
2 . المستصفى: 1 / 218 .
3 . في «ج»: عدم النهيّ.
4 . الرعد: 39 .

صفحه 34
الثالث: أنّه تعالى أَمَرَ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلةَ الإسراء بخمسين صلاة، فأشار عليه موسى(عليه السلام)بالرجوع، وقال له: «أُمّتك ضعفاء لا يطيقون ذلك فاستنقص اللهَ ينقصك»، فسأل الله تعالى في ذلك فنسخ الخمسين على التدريج إلى أن بقيَ خمسُ صلوات1، وذلك نسخٌ قبلَ الفعل وقبلَ وقته.
الرابع: يجوز أن يأمر الله تعالى زيداً بفعل في الغد، ويمنعهُ منهُ بمانع عائق له منه قبلَ الغدِ، فيكون مأموراً بالفعل في الغدِ بشرط انتفاءِ المانعِ، وإذا جاز الأمرُ بشرطِ انتفاءِ المانع مع تعقّبه بالمنع، جاز الأمرُ بالفعلِ بشرطِ انتفاءِ الناسخ مع تعقّبه بالنّسخ.
الخامس: أنّه تعالى نَسَخَ تقديمَ الصدقةِ بين يدي المناجاة قبل فعلها.
السادس: النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صالَحَ قريشاً يوم الحديبية على ردّ من هاجر إليه،2 ثمّ نسخ ذلك قبل الردّ بقوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ )3.
السابع: وافَقَنا الخصمُ على أنّه تعالى لو أمر بالمواصلة في الصومِ سنةً، جاز أن ينسخه 4 عنّا بعد شهر منها، وذلك نسخٌ للصّومِ فيما بقي من السّنة قبل حضور وقته.

1 . صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة برقم 3207 ; صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله برقم 162 ; جامع الأُصول: 5 / 283 برقم 3237 ; بحار الأنوار: 18 / 330 .
2 . أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب الصلح مع المشركين برقم 2700 .
3 . الممتحنة: 10 .
4 . في «أ» و «ج»: وأن ينسخه .

صفحه 35
الثامن: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أُحِلَّتْ لي مكّة ساعةً من نهار».1 ومع ذلك منع من القتال فيها، وهو نسخٌ قبل وقت الفعل.
التاسع: التكليف قبل وقت الفعل ثابت، فوجب جواز رفعه بالنسخ، كما جاز رفعه بالموت، لاشتراكهما في قطع تعلُّقِ التكليفِ عن المكلَّفِ.
العاشر: لو منع من النسخ قبل وقت الفعل لزم إبطالُ النسخ بالكلّية، فإنَّ كلَّ نسخ إنّما هو رفع الحكم قبل وجود وقته، لأنَّ الفعلَ بعد الوقت ومعه يمتنع2 نسخه، وإلاّ لزم اجتماع النقيضين، فلم يبق النسخ وارداً إلاّ على الفعل قبل حضور وقته، وبالجملة فالنسخ إنّما يتحقّق فيما لم يفعل، وما فعل كيف ينسخ؟
الحادي عشر: الطهارة انّما تجب لوجوبِ الصلاةِ، ومع ذلك فقد يمنع المكلَّف بالموتِ عن الصلاة، وإن كان قد توضّأ، فأيُّ فرق بين منعه بالموت ومنعه بالنهيِ.
والجواب عن الأوّل من وجوه:
الأوّل : يمنع الأمر بالذبح، بل بمقدّماته، من الإضجاع، وأخذِ المديةِ، مع الظنِّ الغالبِ بالأمرِ بالذبح، ولهذا قال: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا)3.

1 . صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد برقم 1833; صحيح مسلم: 4 / 110، كتاب الحجّ برقم 1355 ; سنن النسائي: 5 / 211 ; سنن البيهقي: 5 / 177 و 195 ; مسند أحمد بن حنبل: 1 / 253 .
2 . في «ج»: ممتنع.
3 . الصافات: 105 .

صفحه 36
ولو كان قد فعل بعضَ ما أُمِر بِهِ لقال: «قد صدّقت بعض الرؤيا».
لا يقال: قوله تعالى: (إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ )1 لابدّ وأن يعود إلى شيء، والمذكورُ الذبحُ، فوجب صرفُهُ إليه، فكان مأموراً به .
ولأنّ قوله تعالى : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ)2 إشارة إلى الذبح، لعدم وصف مقدّماته بأنّها بلاءُ مبينٌ.
ولقوله تعالى: (وَ فَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم)3، ولولا الأمرُ بالذّبح لما احتاج إلى الفداء .
لأنّا نقول: الرؤيا لا تدلّ على كونه مأموراً بذلك .
وقوله: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) يفيد ] الأمر [ في المستقبل، فلا ينصرف إلى ما مضى من رؤياه في المنام .
وإضجاعُ الابنِ، وأخذُ المدية مع غلبة الظنِّ بأنّه مأمورٌ بالذبح بلاءٌ عظيمٌ .
والفداءُ كان لما يتوقّعه من الذبحِ.
الثاني: يمنع أنّه نسخ عنه، لما روي أنّه كان كلّما قطع موضعاً من الحلقِ، وتعدّى إلى غيره أوصل الله تعالى ما تقدّم قَطْعُهُ .

1 . الصافات: 102 .
2 . الصافات: 106 .
3 . الصافات: 107 .

صفحه 37
ويمنع اشتراطُ بطلانِ الحياة في حقيقةِ الذبحِ، بل هو قطعٌ في مكان مخصوص مطلقاً، فإنّه يقال: ذُبِحَ هذا الحيوانُ ولم يمت بعدُ .
وأيضاً، رُوي أنّ الله تعالى جَعَلَ على عنقه صفيحةً من حديد، فكان إذا أَمَرَّ إبراهيم (عليه السلام) السّكِّينَ لم يقطع شيئاً من الحلقِ.
ولا يتمشّى على قواعد المعتزلة أنّه تكليفُ مالا يُطاق، إلاّ إذا كان مأموراً بالإضجاع وإمرار السكِّين على الحلقِ لا بالذّبح، فهو يرجع إلى الأوّل.
الثالث: قيل: إنّه منام لا أصل له، فلا يثبت به الأمرُ .1
وهو خطأٌ، فإنّ منام الأنبياء وحيٌ معمولٌ بِهِ، وأكثرُ وحيِ الأنبياءِ كان بالمنامِ، وقد نُقِلَ أنّ وحيَ النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بالمنام ستّة أشهر، ولهذا قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «الرؤيا الصالحة جزءٌ من ستّة وأربعين جزءاً من النبوّة»2، وكانت نسبةُ ستّةِ أشهر من ثلاث وعشرين سنةً من نبوّته كذلك .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما احتلم نبيٌّ قطّ». 3 يعني ما تشكّلَ له الشيطان في المنامِ على الوجه الّذي يتشكَّلُ لأهل الاحتلام .
ولأنّه لو كان خيالاً لا وحياً، لم يجر لإبراهيمَ (عليه السلام)العزمُ على الذبحِ المحرَّمِ بمجرّد منام لا أصلَ له، ولَما سمّاه بلاءً مبيناً، ولَما احتاجَ إلى الفداء .

1 . لاحظ الإحكام: 3 / 87 .
2 . مجمع الزوائد: 7 / 172، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة; مسند أحمد بن حنبل: 2 / 314 .
3 . المعجم الكبير للطبراني: 11 / 180 برقم 11564 ; مجمع الزوائد: 1 / 267، باب الاحتلام .

صفحه 38
الرابع: لا نسلِّمُ أنّه نَسَخَ الذبحَ قبل التمكُّنِ من الامتثالِ، بل كان بعده، والخلافُ إنّما هو فيما قبلَ التمكُّنِ لا بعده، ولا سبيل إلى بيانِ أنّه نسخ قبل التمكّنِ من الامتثالِ إلاّ بعد بيانِ أنّ مطلقَ الأمرِ يقتضي الوجوبَ على الفورِ، أو أنّ وقتَ الأمرِ كان مضيَّقاً و 1 امتناع الصغائر على الأنبياء .2
واعترض: بأنّ ذلك لا يمنع رفعَ تعلّقِ الوجوبِ بالمستقبلِ، لأنّ الأمرَ باق عليه، وهو المانع عندهم، ولأنّه لو كان موسَّعاً، لقضت العادةُ بتأخّره، رجاء نسخه، أو موته لكبر سنّه، وعظم هذا الأمر .
وفيه نظرٌ، لأنّ الأنبياء(عليهم السلام)أسرعُ امتثالاً من غيرهم إلى الأوامر، والأمرُ وإن كان موسَّعاً، إلاّ أنّ تقديمَهُ أولى، ومنزلة النبوّةِ تمنع من الإخلال بالأولويّة (ويمنع كون المانع تعلّق الأمر مطلقاً، وإلاّ امتنع النّسخُ عند القائلين بالرّفع).3
وعن الثاني بوجوه:
الأوّل: أنّها تدلّ على محوِ كلّ ما يشاءُ، وليس فيها ما يدلّ على أنّه يشاءُ محوَ العبادة قبلَ دخول وقتها، مع كونه ممتنعاً، فإن بيّن إمكانَ مشيئة ذلك بغير الآية، ففيه تركُ الاستدلالِ بالآية.
الثاني: حقيقةُ المحوِ هي محوُ الكتابة، والمرادُ به محوُ ما يكتبه

1 . أي مع امتناع الصغائر.
2 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3 / 88 .
3 . ما بين القوسين يوجد في «ج».

صفحه 39
الملكانِ من المُباحاتِ، وتبقية ما يشاء1 من الطاعاتِ والمعاصي.
الثالث: قيل: المراد به محو البلايا والنكبات بالصدقة، على معنى أنّه لولاها لنزل ذلك.
الرابع: رُوي أنّه تعالى يمحو من اللوح المحفوظ ما يشاء، ويثبت ما يشاء، لما يتعلّق بذلك من صلاح الملائكة .2
وعن الثالث بوجوه:
الأوّل: أنّه خبر واحد فلا يقبل فيمايجب أن يعلم.
الثاني: الخبر يتضمّن ما يدفعه العقلُ، وفيه من الشّبه والأباطيل ما
يدلّ على فساده، لتضمّنه أنّ المصالح الدّينيّة تتعلّق بمشورة الخلق
وإيثارهم .
الثالث: أنّه يقتضي نسخَ شيء قبلَ وقته، وقبل تمكُّنِ المكلَّفِ من العلمِ به، وعلّة المخالفِ تقتضي منعَ ذلك، لأنّه يُجَوِّزُ هذا النسخَ على أن يكون الغرضُ في التعبّد بالمنسوخِ العزمَ على أدائه، والاعتقاد لوجوبه، وهذا لا يتمّ إلاّ مع علم المكلَّفِ بالتعبّدِ بالمنسوخِ.
اعترض على الأوّل3: بأنَّ المسألة اجتهاديّةٌ، فجاز إثباتها بخبر الواحد.

1 . وفي النسخ الّتي بأيدينا: «ما أثبتنا» والصحيح ما أوردناه في المتن.
2 . ذكره المرتضى في الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 440، ولم نعثر عليه في غير هذا الموضع .
3 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3 / 90 .

صفحه 40
وعلى الثاني والثالث: بأنّه قد نسخ عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد علمه .
سلّمنا أنّه نسخ عن المكلَّفين قبل علمهم به، ولكن لِمَ قالوا بامتناعه؟
وفائدةُ الثوابِ والعقابِ باعتقاد الوجوبِ والعزمِ على فعلِهِ مبنيٌّ على رعاية الحكمة في أفعاله .
وفيه نظرٌ، لأنّها وإن كانت اجتهاديّةً، لكن قصّة المعراج من الأُمور الشهيرة، فكان يجب اشتهار روايته إلى أن يتاخم العلم .
والنسخُ على النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غيرُ مفيد في منع القبح من النسخ عن الأُمّةِ قبل تمكُّنهم من العلم بما كُلِّفوا فيه، فلا معنى لذكره هنا .
وحكمته تعالى ثابتةٌ في علم الكلام .
وعن الرابع: يمنع أن يأمره بفعل ثمّ يمنعه عنه، لأنّه إمّا أن يأمره مطلقاً، أو بشرط زوال المنع، فإن كان الأوّل، فمَنْعُهُ منه بعدَ ذلك يكون تكليفاً بما لا يُطاق، وهو مُحالٌ، وإن كان الثاني فالأمر بالشرطِ لا يجوز وقوعُهُ من العالِمِ بعواقبِ الأُمورِ، على ما تقدّم .
ويخالف هذا ما إذا أَمَرَ جماعةً أن يفعلوا الفعلَ في غد، فإنّه يجوز
أن يمنع بعضَهُمْ من الفعلِ، لكنّا نستدلُّ بهذا المنع على أنّ ذلك البعضَ غيرُ مراد بالخطابِ، ولا مكلَّفٌ به، ولا يجوز أن يمنع جميعَهُمْ .
وعن الخامس: أنّ النسخ بعد حضورِ وقتِ الفعل، ولهذا ناجى عليٌّ (عليه السلام)رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن قَدَّمَ الصّدقةَ، ولهذا عاتبهم الله تعالى بقوله: (أَأَشْفَقْتُمْ

صفحه 41
ـ إلى أن قال : ـ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ)1، فعلم أنّ وقتَ الفعلِ كان قد حضر سواء ناجاه غيره أو لا .
وعن السادس: بإمكان أنّ قوله: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ)2 نزل بعد مضيِّ وقت، كان يجوز أن يُهاجرن إليه، فيردّهن، فيكون النسخ واقعاً بعد وقتِ الفعلِ وقد روى الواقدي3: أنّ أبا جندل4 لمّا ردّه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى قريش انحاز مع جماعة ممّن أسلم من قريش، وكان يمنع من قدوم الميرة على أهل مكّة، فأرسلت قريش إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بأرحامها إلاّ ردّ أبا جندل5 والنفر

1 . المجادلة: 13 .
2 . الممتحنة: 10 .
3 . هو محمد بن عمر بن واقد المتوفّى سنة 207 هـ ، صاحب المغازي .
4 . الّذي انحاز مع جماعة هو أبو بصير ابن عتبة بن أسيد بن جارية حليف بني زهرة، حيث أسلم بعد قدوم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة، فطلبت قريش ردّه إلى مكّة انطلاقاً من التصالح الّذي عُقِد في أرض الحديبيّة. فرده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مع نفرين بعثتهما قريش للقبض عليه فانطلق أبو بصير معهما فقتل أحد الشخصين في الطريق ثم أتى المدينة مخاطباً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وفت ذّمتك.
ثمّ انّه هو مع قريب من سبعين رجلاً، ضيّقوا على قريش عيرهم، فما يظفرون بأحد منهم إلاّ قتلوه. وعند ذلك ضاق الخناق على قريش فكتبوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يسألونه بأرحامهم إلاّ تُدخل أبا بصير وأصحابه ـ أي يردّهم إلى المدينة ـ فلا حاجة لنا بهم. المغازي للواقدي: 2 / 629 .
5 . واما أبو جندل فهو بن سهيل بن عمرو، أسلم في مكّة قبل عقد الصلح في الحديبيّة، فبينما يكتب كتاب الصلح فيها انفلت أبو جندل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقام أبوه وضرب وجهه وأصرّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يردّه إليه فقبل خضوعاً لكتاب الصلح. ولما صرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأردُّ إلى المشركين؟ فقال رسول الله: يا أبا جندل اصبر فان الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً. السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 347 .
وبذلك ظهر أنّ الصحيح هو «أبو بصير» مكان «أبي جندل» في الموضعين .

صفحه 42
الّذين معه إليه، وأن لا يردّ عليهم أحداً هاجر إليه ، فإذا كان العهد وقع على ردِّ المهاجرين إليهم، لأنّهم آثروا ذلك وشرطوه، فمتى كرهوه زال الشرط، فلم يجب ردُّهُمُ، ولم يكن ذلك نسخاً.
وعن السابع: بأنّ نسخَهُ قبلَ السّنَةِ يدلُّنا على أنّه عنى بالسّنة بعضَها، ولم يكن أراد الفعلَ إلاّ في بعض السَّنَةِ، فيكون النسخُ بياناً للمرادِ بالخطابِ على وجه يكون الأمر تناول غير ما تناوله النهي، وليس كذلك إذا ورد النسخُ قبل حضور كلِّ شيء من أوقات الفعلِ، لأنّه يكون قد نسخ جميع ما تناوله الأمر فيتّحدُ متعلّقُ الأمرِ والنهيِ.
وعن الثامن: أنّ إباحة القتال في تلك الساعة، لا تقتضي وقوعَهُ فيها، لعدم وجوب إيقاع المباح، فلا يمتنع أن يكون نهي عن القتال بمكّة بعد تلك الساعة .
على أنّ قوله: «أُحِلَّتْ لي مكّة ساعةً» لا يدلّ على إباحة القتال، بل لعلّه أراد بذلك إباحةَ قتل قوم معيَّنين، كابن خَطَل 1 وغيرِهِ، فالنهيُ عن القتالِ لا يكون نسخاً لإباحة القتال.
في أنّ إثبات البدل ليس شرطاً في النسخ   
وعن التاسع: بمنع تكليف من يعلم موته قبل تمكُّنه من الفعلِ.
وعن العاشر: بمنع الملازمة، والفرقُ ظاهرٌ، فإنَّ وقوعَهُ بعد
الامتثالِ يشعر بعدم إرادة مابعده من خطاب التكليفِ، بخلاف ما لو اتَّحد المتعلّق.

1 . هو عبد الله بن خطل الّذي أسلم ثم ارتدّ مشركاً وأهدر رسول الله دمه. لاحظ السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 58، فصل فتح مكّة.

صفحه 43
وعن الحادي عشر: بأنَّ الطهارة لم تجب على الواحدِ مِنّا لأجلِ وجوبِ الصّلاة عليه، وكيف يكون كذلك، وهو لا يعلم قبل مُضيِّ وقتِ الصّلاة وجوبَها عليه؟ بل إنّما تجب الطهارةُ لظنّ وجوبِ الصلاة عليه، وهو يظنّ وجوبَها عليه، وإن جوّز المنع .1
وفيه نظرٌ، فإنَّ مطلقَ الظَّنّ لا يقتضي وجوبَ الطهارة بل ] الظنّ [الصّادق .
والتحقيق: أنّ وجهَ وجوبِ الطهارة إن 2 كان هو الصّلاة، منعنا وجوبَها و ورودَ الخطاب بها على من أحرم قبل تمكُّنه من الصّلاة، لكن ذلك 3 مظنونٌ، والمعلوم توجّه الأمر بالطّهارة، فلهذا جزمنا بوجوبها وإن لم يعلم بقاء المتطهّر.

المبحث الثاني: في أنّ إثبات البدل ليس شرطاً في النسخ

اعلم أنّه كما يحسن النّسخ إلى البدل كذا يحسن نسخه إلى غير بدل عند المحقّقين، خلافاً لقوم .
والبدل قد ينافي المبدل، كالتوجّه إلى بيت المقدس والكعبة، وقد لا ينافيه، كصوم عاشوراء ورمضان، لأنّه تعالى نَسَخَ وجوبَ الصدقةِ بين يدي

1 . الاستدلال للسيد المرتضى في الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 442 .
2 . في «أ»: وإنْ .
3 . أي التمكّن من الصلاة إلى آخرها.

صفحه 44
النّجوى، ووجوبَ الإمساك بعد الفطر في الليل، وتحريمَ ادّخار لحوم الأضاحي، من غير بدل في ذلك كلّه .
ولأنّ المقتضيَ للمنعِ زائلٌ ومقتضي الجوازِ ثابتٌ، فثبت الجواز:
أمّا المقدمة الأُولى، فلأنّ المقتضيَ للمنع .1
إمّا امتناعُ تسميته نسخاً، وهو باطلٌ، لأنَّ النسخَ، هو الإزالةُ، ولا دليل على اشتراط البدل في الاسم، فلا يشترط فيه كغيره .
ولأنّ الأُمَّةَ سمَّتْ رفعَ صدقة المناجاة نسخاً، ولا بدل هناك .
وإمّا انتفاء حسنه، وهو باطلٌ، لجواز أن يكون مثل المصلحةِ مفسدة في وقت آخر، من غير أن يقوم مقامَها فعلٌ آخر، كما يجوز ذلك، وإن قام مقامَها ] فعلٌ[ آخر، ولا فرق في العقل بينهما، فجاز نسخها إلى غير بدل، كما جاز إلى بدل .
في جواز النسخ إلى الأثقل   
وإمّا لعدم وقوعه في الشرع، وهو باطلٌ لوقوعه في المناجاةِ
وغيرِها .
ولأنّ عدمَ الوقوعِ لا ينافي الجوازَ .
وإمّا لورود الشرع بمنع وقوعه، وهو باطلٌ، لأنّ وقوعَهُ في الشرع يدلّ

1 . استدلّ القائل بعدم صحّة النسخ بلا بدل بوجوه أربعة أشار المصنّف إلى الوجه الأوّل بقوله: «إمّا امتناع تسميته نسخاً...» وعطف الثلاثة الباقية إليه بلفظة «إمّا» والجميع يأتي في كلامه في مقاطع أربعة .

صفحه 45
على بطلان ذلك، ولم يوجد في الشريعة ما يدلّ على المنع.
احتجّوا بقوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)1 .
والجواب: أنّ نسخَ الآية يفيد نسخَ لفظِها، ولهذا قال: (نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) وليس لنسخ الحكمِ ذكرٌ .2
وفيه نظرٌ، لأنّ النسخَ شرعاً هو رفعُ الحكمِ، والأصلُ حملُ اللّفظِ الشرعيِّ على ما وضعه، لا على العرف اللغويِّ .
والوجه في الجواب أن يقال: يجوز أن يكون نفيُ ذلك الحكمِ وإسقاط التعبُّدِ بِهِ خيراً من ثبوته في ذلك الوقت.

المبحث الثالث: في جواز النسخ إلى الأثقل

ذهب المحقِّقون إلى ذلك، خلافاً لبعضِ أهل الظاهرِ وبعضِ الشافعية، ومنع بعضُهُمْ من الوقوعِ دون الجوازِ .
لنا: أنّه تعالى في ابتداء الإسلام خَيَّرَ بينَ صومِ رمضان والفديةِ بالمالِ، فأوجب الصوم مخيّراً ثمّ حتم الصومَ عيناً، ولا شكّ في أنّ التعيينَ أثقلُ من التخييرِ .

1 . البقرة: 106 .
2 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 546 .

صفحه 46
ونَسَخَ الحَبْسَ في البيوتِ بالجلد والرّجم، وهو أشقّ .
وأمر الصحابة بتركِ القتالِ، ثمّ أَمَرَهُمْ بالقتالِ مع التشديدِ بأن يثبت الواحد لعشرة .
ونَسَخَ جوازَ تأخيرِ الصلاةِ عند الخوفِ إلى إيجابِها في أثناءِ القتالِ.
ونَسَخَ صومَ عاشوراء بصومِ رمضان، وهو أثقلُ .
وكانت الصّلاةُ ركعتين عند قوم فصارت أربعاً في الحضرِ.
احتجّوا بوجهين:
الأوّل: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا) أي أخفّ (أَوْ مِثْلِهَا)1 أي مساو.
الثاني: قوله تعالى: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) ] أي [ يريد الله أن يُخَفِّفَ عليكم.
والجواب: لا نسلّم أنَّ الأخفَّ مطلقاً خيرٌ، بل الأشقّ خيرٌ، لكثرة ثوابه وكونه أصلح في المعاد، وإن كان أثقلَ في الحال .
واليُسْرُ محمولٌ على اليُسْرِ في الآخرة، لئلاّ يتطرّق إليه مخصِّصاتٌ كثيرةٌ، وكذا التخفيف.
في جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس   

1 . البقرة: 106 .

صفحه 47
 
المبحث الرّابع: في جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس
ذهب أكثر العلماء إلى ذلك، ونقل عن شاذٍّ من المعتزلة المنعُ .
لنا: العقلُ والنقلُ، أمّا العقلُ فلأنّ التلاوةَ حكمٌ شرعيٌّ يثاب المكلَّفُ عليه، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «من قرأ القرآن وأعربه، فله بكلّ حرف منه عشرُ حسنات».1
والحكم أيضاً شرعيٌّ وقد بيّنا إمكانَ اختلافِ الأوقاتِ في نسبة المصلحةِ لعبادة معيّنة إليها، فتكون العبادةُ مصلحةً في وقت ومفسدةً في آخر، ولهذا جَوَّزْنا النسخ، فجاز في هاتين العبادتين أن تكونا مصلحتين في وقت ومفسدتين في آخر، وأن تكون إحداهما مصلحةً في وقت والأُخرى مفسدةً في بعضِ الأوقاتِ دون بعض، أو أن تكون إحداهما مصلحة في وقت والأُخرى في آخر، فلا استبعاد حينئذ في نسخهما معاً، ونسخ إحداهما كغيرهما من العبادات .
وأمّا النقل فما ورد من نسخ التلاوة خاصّةً فيما رُوي من قوله : الشيخ والشيخة إن زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله.2

1 . لم نعثر عليه في الجوامع الحديثيّة بعينه، نعم نقله الآمدي في الإحكام: 3 / 96; ولاحظ كنز العمال: 1 / 532 برقم 2389 ـ 2390.
2 . سنن الترمذي: 4 / 38 برقم 1431 ; وسنن البيهقي: 8 / 211 ; ومسند أحمد بن حنبل: 5 / 132.
أقول: إنّ نسخ التلاوة دون الحكم مردودٌ عند الإماميّة والمصنّف أعرف بمذهبهم، وإنّما ذكره في المقام مجاراة، وما ذلك إلاّ لأنّ القرآن معجز بلفظه ومعناه، متّحد بأناقة لفظه وفخامة معناه، فقد أدهشت فصاحة ألفاظه وجمال عباراته، وبلاغة معانيه وسموّها، وروعة نظمه وتأليفه وبداعة أُسلوبه، عقول البلغاء.
والآيات الّتي أُدعي بقاء حكمها ليست إلاّ عبارات لا تداني آيات القرآن في الفصاحة
والبلاغة، والروعة والجمال. وقد نُسِج قوله: الشيخ والشيخة، على منوال قوله سبحانه:
(الزّانيةُ وَالزّاني فاجْلِدُوا كُلَّ واحد مِنهُما مِائةَ جَلْدة ولا تأْخُذُكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللّه).
النور: 2 .
وأمّا الآية المزعومة فأين أُسلوبها من اسلوب القرآن الخلاّب للعقول، وإنّما هي عبارة متداولة على ألسنة الناس.
أنّ هذا القول هو نفس القول بالتحريف، ومن اخترع هذا المصطلح فقد حاول أن يبرِّر هذا النوع من التحريف.
وقد نقل البيهقي في سننه، بأنّ الجلد جاء في كتاب الله وأمّا الرجم فقد جاءت به السنةُ، حيث قال:
أُتي عليّ (عليه السلام)بشراحة الهمدانية قد فجرت... ثمّ جلدها ورجمها ثمّ قال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بالسنة. السنن الكبرى: 8 / 220 .
ومن العجب أنّ القوم يجوزّون هذا النوع من النسخ الذي هو عبارة عن نوع من التحريف ثمّ يتّهمون الشيعة بالتحريف .
انظر في الوقوف على رأي الإماميّة في نسخ التلاوة دون الحكم، الذريعة للسيد المرتضى: 1 / 499; ومعارج الأُصول للمحقّق الحليّ: 244 .
وممّن حقّق المقام، من أهل السنة، أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 398 .

صفحه 48
وعن أنس بن مالك في قتلى بئر معونة: «بَلِّغوا إخوانَنا أنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا».1
وعن أبي بكر: كنّا نقرأ من القرآن «لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفرٌ بكم».2

1 . فتح الباري: 7 / 385 .
2 . تفسير القرطبي: 2 / 66; ومجمع الزوائد: 1 / 97، بابٌ في من ادّعى غير نسبه أو تولّى غير مواليه .

صفحه 49
وأمّا العكس، ففي الاعتداد بالحولِ،1 وثبات الواحد للعشرة2، والصدقة قبل المناجاة3 إلى غير ذلك من الآيات .
والفائدة فيه حصولُ العلم بأنّه تعالى أزال مثلَ هذا الحكم رحمةً منه على عباده .
وأمّا نسخهما لما4 روي أنّ سورة الأحزاب كانت تعدل البقرة .5

1 . إشارة إلى الآية 234 و 240 من سورة البقرة .
2 . إشارة إلى الآية 65 و 66 من سورة الأنفال .
3 . إشارة إلى الآية 12 و 13 من سورة المجادلة .
4 . في «ب» و «ج» : فما.
5 . مسند أحمد بن حنبل: 5 / 132، وقال القرطبي في تفسيره: 14 / 113: كانت سورة الأحزاب تعدل البقرة، وكانت فيها آية الرجم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله والله عزيزٌ عليمٌ».
ثم نقل عن عائشة أنّها قالت: كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مائتي آية، فلمّا كتب المصحف لم يقدر منها إلاّ على ما هي الآن.
أقول: القول بنسخ التلاوة والحكم يرجع في الحقيقة إلى القول بتحريف كتاب الله العزيز الّذي أجمعت الأُمّة ـ إلاّ الحشوية ـ على بطلانه، كيف وقد أخذ الله على نفسه أن يحفظه من كلّ دنس وتحريف وقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(الحجر: 9 ).
وتفسير هذا النوع من التحريف بنسخ التلاوة والحكم تلاعب بالألفاظ وتعبير آخر للتحريف،
وقد عرفت أنّ القرآن معجز بلفظه ومعناه، فما معنى رفع هذا الحجم الهائل من الآيات القرآنية؟ أكان هناك نقص في لفظه ومنطوقه أو نقص في حكمه ومعناه؟! نعوذ بالله من التفوّه بذلك.
ثمّ إنّ هذا النوع من النسخ باطل عند علماء الشيعة الإمامية وما ربما يرمى به الشيخ الطوسي من أنّه قال بنسخ التلاوة والحكم فهو افتراء عليه، وإنّما ذكره عن جانب القائلين به حيث قال: والثالث ما نسخ لفظه وحكمه، وذلك نحو ما رواه المخالفون عن عائشة أنّه كان فيما أنزل الله «عشر رضعات» التبيان: 1 / 13 .
فمن قال بهذا النوع من النسخ فقد غفل عمّا يترتب عليه من المضاعفات.
ولنعم ما قال الشيخ المظفر: إنّ نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلى القول بالتحريف. أُصول الفقه: 2 / 49 .

صفحه 50
احتجّوا: بأنّ الحكمَ مع التلاوة ينزّل منزلة العِلْمِ مع العالِمِيَّةِ، والمنطوقِ مع المفهومِ، وكما لا يمكن الانفكاكُ بين العِلْمِ والعالِمِيَّة، والمنطوق والمفهوم، فكذا هنا .
ولأنّ بقاء التلاوة خاصّةً، يوهم بقاءَ الحكم فيؤدّي إلى اعتقاد الجهلِ، وهو قبيحٌ من الحكيم.
ولأنّ بقاءَ التلاوةِ دونَ الحكمِ يستلزم خُلُوَّ القرآنِ عن الفائدة .
ولأنّ بقاء الحكم خاصّةً، يُشْعِرُ بزواله، لأنّ الآية ذريعةٌ إلى معرفة الحكمِ، فإذا نسخت، أشعر ذلك بارتفاع الحكمِ، وهو تعريضُ المكلَّفِ لاعتقادِ الجهلِ .
ولأنّ هذا النسخ عبثٌ، حيث لم يلزم من ذلك إثباتُ حكم ولا رفعُهُ .
والجواب: نمنع التساوي بين العِلْمِ والعالِمِيّةِ، والمفهومِ والمنطوقِ، وبين التلاوةِ والحكمِ، بل التلاوةُ كالأمارةِ والعلامةِ على الحكمِ في ابتداء ثبوتِهِ دونَ دوامِهِ .
في نسخ الخبر   
وإنَّما يلزم الجهلُ ببقاء الحكمِ لو لم ينصب اللهُ تعالى على نسخه للحكم دليلاً .

صفحه 51
ونمنع انتفاءَ الفائدةِ، وقد سلفت، أو لحكمة خفيّة، أو للثوابِ على تلاوتها.
والجهل لازم لو لزم من انتفاء دلالةِ الحكمِ انتفاؤُهُ، وهو ممنوعٌ .
ونمنع العبثَ، وقد سبق.

المبحث الخامس: في نسخ الخبر

منع أكثر الناس من نسخ الأخبار، واختاره أبو عبد الله البصري وقاضي القضاة1، والسيّد المرتضى2، وأبوالحسين .3
وتحرير القول فيه: أنّ النسخ إمّا أن يكون لنفس الخبر أو لمدلوله; فان كان الأوّل، فإمّا أن تُنسخ تلاوتُهُ أو تكليفُنا به، بأن نكون قد كُلِّفْنا أن نُخبر بشيء فُينسخ عنّا التكليفُ بذلك الإخبار .
وهذانِ جائزانِ إجماعاً، سواءٌ كان ما نُسِخَتْ تلاوتُهُ ماضياً أو مستقبلاً، وسواءٌ كان ما نُسِخَ تكليفُ الإخبار به ممّا لا يتغيّر مدلولُهُ، كالإخبار بوجود الله تعالى وحدوثِ العالم، أو يتغيّر، كالإخبار بكفر زيد وإيمانِهِ، لأنَّ ذلك حكمٌ شرعيٌّ، فجاز اختلافُ الأوقاتِ فيه، بأن يكون في بعضِها مصلحة

1 . نقله عنه في المعتمد: 1 / 387 .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 455 .
3 . المعتمد: 1 / 387 .

صفحه 52
وفي بعضِها مفسدة، وذلك كما ندب المتطهِّرُ إلى القرآن، وحرم على الجنب بعضه .
وإذا جاز الاختلاف بالمصلحة والمفسدة بالنسبة إلى الأحوال، جاز بالنسبة إلى الأزمان .
وهل يجوز أن ينسخ تكليفنا بالإخبار عمّا لا يتغيّر تكليفاً بالإخبار بنقيضه ؟
الحقُّ، المنعُ، وعليه العدليّةُ كافّةً، لأنّه كذبٌ فيقبح منه تعالى تكليفاً به .
وأطبقت الأشاعرةُ على جوازِهِ، وجوازِ أنْ يُكَلِّفَنا بالإخبار بنقيض الحقِّ، لانتفاء الحسن والقبح عندهم .
أمّا ما يتغيّر، فإنّه يجوز أن نُؤْمَرَ بالإخبار بنفي ما أمرنا أن نُخْبر به، مثل أنْ نُؤْمَرَ بالإخبار بكفر زيد، ثمّ نُؤْمَرَ بالإخبار عن إيمانه .1
وفي هذا الإطلاق نظرٌ، والوجه أن يقال: يشترط أن لا يتضمّن الكذب باجتماع شرائط التناقضِ فيه، ولا فرق في ذلك بين الماضي والمستقبل.
وإن كان لمدلول الخبر فنقول: فائدة الخبر ومدلوله إمّا أن لا تتغيّر كالإخبار عن الله تعالى وصفاته، وقبحِ الظلمِ، فهذا لا يجوز نسخ الفوائد فيه إجماعاً، لأنّ الإخبار عن زوالها كذبٌ .
وإمّا أن تتغيّر، فإن كانت أحكاماً، كالإخبار عن وجوب الحجّ أبداً، فإنّه

1 . لاحظ المعتمد: 1 / 389 ـ 390 .

صفحه 53
يجوز نسخه في المستقبل، لأنّ المقتضيَ لنسخِ الحكمِ، إنّما هو جوازتغيره من المصلحة إلى المفسدة قائمٌ هنا، فيثبت مقتضاه .
وإن كانت غيرَ أحكام، فإنّه يجوز نسخها أيضاً، سواء كانت ماضيةً أو مستقبلةً، وإن لم يسمّ نسخاً .
أمّا المستقبلة، فيجوز أن يُخْبِر الله تعالى بأنّه يعذِّبُ العُصاة أبداً، فإنّه يجوز أن يدلّنا في المستقبل بأنّه أراد بالتأبيد ألفَ سنة، إمّا مع الإشعار في ابتداء الخطاب عند أبي الحسين1 أو مطلقاً عند آخرين .
وأمّا الماضي، فيجوز أن يُخْبرَ الله تعالى بأنّه عَمَّرَ زيداً ألفَ سنة، ويشعرنا بأنّه أراد البعضَ، ثمّ يدلّنا في المستقبل أنّه عَمَّرَهُ ألف سنة إلاّ خمسين .
ومنع مشايخ المعتزلة غير أبي الحسين وجماعة من الفقهاءِ من نسخ الوعد والوعيد، وبعضُهم مَنَعَ من نسخِ مدلولِ الخبرِ مطلقاً، سواءٌ كان حكماً شرعيّاً أو لا، وسواءٌ كان ماضياً أو مستقبلاً .
ومنع آخرون من نسخ الماضي دون المستقبلِ .
والوجهُ، الجوازُ مطلقاً، لأنَّ ما دلّ عليه الأخبار، إذا كان متكرّراً، والخبر عامٌّ فيه، أمكن أن يكون الناسخ مبيّناً لإخراجِ بعضِ ما تناوله اللّفظ، وأنّ المرادَ بعضُ ذلك المذكور، كالأمر والنّهي.

1 . لاحظ المعتمد: 1 / 388 .

صفحه 54
احتجّ المانعون: بأنَّ نسخَ الخبرِ يوهم الكذبَ، بخلاف الأمرِ والنّهيِ.
والجواب: إيهام الكذب إنّما يلزم لو اتّحد المدلولان، أمّا مع التغاير فلا، والتغاير هنا ثابتٌ، لأنّ قوله: «لأُعذّبن الزانَي أبداً» وإن دلّ بظاهره على التأبيد، إلاّ أنّ قرينة النسخ دلّت على أنّ المرادَ بذلك مدّةٌ معيّنةٌ، كالأمر والنهي، فإنّ التعبّد بهما إذا كان مؤبَّداً، ثمّ نسخه، لم يلزم البداءُ.
لا يقال: إنّما لم يلزم البداء لدلالة النهي على أنّ الأمر لم يتناول ما تناوله النهي .
لأنّا نقول: والدليل الناسخ دلّ على أنّ الخبر المنسوخ لم يتناول ما تناوله الدليل الناسخ، وإذا تغاير المتعلّقان، ارتفع الكذب، كما ارتفع البداءُ في الأمرِ والنهيِ.
احتجّ الفارقون: بأنّ الخبرَ المتناولَ للأحكامِ في معنى الأمرِ بالفعلِ، فإنَّ معنى «أمرتكم» و «نهيتكم» و «أوجبت عليكم» مساو لمعنى الأمرِ والنهىِ، بخلاف غيره .
والجواب: لا فرق بينهما، فإن كان أحدهما مستلزماً للكذبِ، كان الآخر كذلك .
وقولهم معارض بمثله، فإنّ قولكم: «إنّما دخل النسخ على الخبرِ، لأنّه في معنى الأمرِ» معارض بقولنا: «إنّما دخل على الأمرِ لأنّه في معنى الخبر عن وجوب الفعل»1 .

1 . الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1 / 388 .

صفحه 55
وفيه نظرٌ، فإنّ أحداً لم يقل انّ النسخ دخل الأمر لرجوعه إلى الخبر بخلاف العكس .
والتحقيق أن نقول: الخبر حكايةٌ عن المخبر تابع له، وهيئتهُ مطابقة للمخبر عنه، سواءٌ كان ماضياً أومستقبلاً، فالمخبر عنه إن زال بعد ثبوته، كان نسخاً في أصل الخبرِ، وحكايةً عن المخبر بالأصالة، وفيه بالتبعيّة، لكن ذلك لا يسمّى نسخاً في الحقيقة .
قال الجبائيّان: لو قال: «أهلك الله عاداً» ثمّ قال: «ما أهلكهم» كان
كذباً.
والجواب: إهلاكهم غير متكّرر، فإذا قال: «ما أهلك بعضهم» كان تخصيصاً للأشخاصِ، لا نسخاً في الأزمان، بخلاف الخبر عن تكرار الفعل.

تذنيب

قال قاضي القضاة1: يبعد أن يبقى وجوبُ الفعلِ، ويحرم العزم على أدائه، إلاّ أن يجوز كون العزم عليه مفسدة، ويستحيل أن يحرم علينا إرادته المقارنة له، لأنّه لا يكون الفعل واقعاً على ما أُمرنا أن نوقعه عليه إلاّ مع مقارنتها.

1 . نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 390 .

صفحه 56
في جواز نسخ الأمر المقيّد بالتأبيد   
 
المبحث السّادس: في جواز نسخ الأمر المقيّد بالتأبيد
ذهب بعض الناس إلى أنّ الله تعالى لو قال لنا: «افعلوا هذا الفعلَ أبداً» لم يجز نسخه .
والحقُّ، خلافُهُ، كما ذهب إليه الأكثر لوجوه:
الأوّل: لفظ التأبيد يقتضي استغراق الأزمنة المستقبلة، كما يقتضي لفظُ العمومِ استغراقَ الأشخاص المندرجة تحته، وكما جاز إخراجُ بعضِ الأشخاص بلفظ يقتضي التخصيصَ، كذا جاز إخراجُ بعضِ الأزمنةِ بلفظ يقتضي النسخَ، والجامع هو الحكمة الداعية إلى جواز التخصيص.
الثاني: النسخ إنّما يرد على عبادة أُمِرَ بها بلفظ يفيد الاستمرار، أو دل الدليل على أنّ المراد به الاستمرار، لامتناع وروده على المرّة الواحدة، ولفظ «التأبيد» كغيره من الأدلّة والألفاظِ المفيدةِ للاستمرار، فكما جاز دخولُ النسخِ على هذه الألفاظِ، إمّا بمقارنة إشعار النسخ لها، أو من غير مقارنة، على اختلاف المذهبين، كذا جاز دخوله على لفظ «التأبيد» ولا معنى للفرق بينهما.
الثالث: العادةُ في لفظِ التأبيدِ المستعملِ في الأمرِ، المبالغةُ في طول الزمانِ لا الدوام، فإنّه المفهوم من قولِ القائلِ: «لازِمْ فلاناً أبداً»، أو «أحْبِسْه أبداً» أو «امضِ إلى السوق أبداً».

صفحه 57
احتج المخالف بوجوه:
الأوّل: لفظ «التأبيد» يفيد استمرارَ وجوبِ الفعل في كلّ أوقات الإمكان، فجرى مجرى أن ينصّ الله تعالى على وجوب العبادة في كلِّ
وقت من تلك الأوقاتِ على سبيل التنصيص، فكما لا يجوز النسخ هنا، فكذا ثَمَّ .
الثاني: لو أمر بالعبادة بلفظ يقتضي الاستمرارَ، لجاز دخولُ النسخِ عليه، فلو جاز ذلك مع التقييد بالتأبيد، لم يكن في التقييد به فائدةٌ.
الثالث: لو جاز نسخ ما ورد بلفظ «التأبيد» لم يكن لنا طريقٌ إلى العلم بدوام العبادة.
الرابع: لفظ «التأبيد» يفيد الدوامَ، إذا وقع في الخبرِ، فإذا أخبر بلفظ يفيد التأبيدَ، لم يجز نسخُهُ، فيجب في الأمر مثلُهُ .
والجواب عن الأوّل: بالفرق بين ذكر الشيء مفصّلاً ومجملاً، ولهذا جاز التخصيص في اللفظ العامِّ وإن تناول كلَّ فرد فرد، بخلاف إخراج بعضِ الأفراد الّتي فُصِّلَتْ .
وأيضاً، فإنّ ذلك يمنع من النسخِ كلِّهِ، لأنّ المنسوخَ لابدّ من كونِهِ لفظاً يفيد الاستدامةَ إمّا بنفسه، أو بدلالة، لامتناع وروده على المرّة.
وأيضاً، نمنع تنزيلَهُ منزلةَ التنصيصِ على كلِّ وقت بعينه، بل هو في العرف يطلق على المبالغة، كما في قولنا «لازم فلانا أبداً» .

صفحه 58
وعن الثاني: بالمنع من الملازمة، فإنّ الفائدةَ تأكيدُ الاستمرارِ والمبالغة فيه، وذلك لا يمنع من النسخ، كما لا يمنع تأكيدُ العامِّ من تخصيصه، وكما يعلم بعد التخصيصِ أنّ المرادَ بتأكيد العمومِ المبالغةُ فيه، كذا يعلم
بعد النسخ أنّ المراد من التأبيد، تأكيدُ المبالغة في الاستمرارِ لا نفس الاستمرار .
وعن الثالث: أنّه إنّما يتمّ لو كان لفظُ «التأبيد» يفيد العلمَ ولا طريق سواه، وهما ممنوعانِ، لِما بيّنا من أنّه يفيد المبالغةَ في الاستمرارِ.
ولأنّ الألفاظ لا تفيد العلمَ الضّروريَّ، ويجوز أن يخلق الله تعالى فينا العلمَ الضّروريَّ بالدّوام أو يقترن باللّفظِ قرائن تفيدُهُ .
وعلى قول أبي الحسين طريق آخر: أنْ لا يقترن بالأمر ] بالعبادة [ ما يدلّ على أنّ المرادَ به بعضُ الأزمان، إمّا مجملاً أو مفصلاً .1
وعن الرابع: بالمنع في الخبر أيضاً، فإنَّ إفادةَ الدوامِ فيهما لا يمنع
من قيام الدلالة على أنَّ المرادَ به غيرُ ظاهره، كما في جميع ألفاظ
العموم.
في امتناع نسخ جميع التكاليف   

1 . المعتمد: 1 / 383 .

صفحه 59
 
المبحث السّابع: في امتناع نسخ جميع التكاليف
اتّفق العقلاء على جواز رفع التكاليف بإعدام العقل الّذي هو شرطُ التكليفِ، ولا يسمّى نسخاً، وعلى استحالة أن يكلّف اللهُ تعالى أحداً بالنّهي عن معرفته، إلاّ عند من يُجَوِّزُ تكليفَ المُحالِ، لأنّ تكليفه بالنّهي عن معرفته، يستدعي العلمَ بنهيه، المتوقّف على العلم به، فإنَّ غيرَ العارفِ بِهِ، يمتنع عليه معرفة نهيه، فإذاً تحريم معرفته يتوقّفُ على معرفته، وهو دورٌ ممتنعٌ1 .
وفيه نظرٌ، فإنّه لا دور هنا، نعم انّه تكليفٌ بالمُحال، وكذا لا يجوز أن يكلّفه معرفةَ شيء من الحوادثِ على خلاف ما هو به، لأنّه مُحالٌ يستحيل فعلُهُ وتركُهُ .
بقي الخلافُ في موضعين:
الأوّل: هل يجوز نسخُ وجوبِ معرفته تعالى، وشكر المنعم، وتحريم الكفر والظلم، وغير ذلك ممّا قيل بوجوبه لحسنه، وتحريمه لقبحه، وبالجملة ما يجب استمراره على وجه واحد من الأفعال إمّا لصفة هو عليها كوجوب الإنصاف، وقبح الكذبِ والجهلِ، أو لكونه لطفاً لا يتغيّر، كالمعرفة بالله تعالى، وعدله وتوحيده ؟

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3 / 122 .

صفحه 60
فمنع منه المعتزلة كافّةً، للحسنِ، والقبحِ، ورعايةِ الحكمة في أفعاله تعالى، فإنَّ المقتضي لهذه الأحكام إنّما هو صفاتٌ ذاتيّةٌ لا يجوز تبديلها وتغييرها، وربما بنوا على هذا صحّةَ إسلام الصّبي، فإنّ وجوبه بالعقل، وانّ استثناء الصّبي عنه غيرُ ممكن .
وجوزّه الأشاعرة، بناءً على نفي الحسن والقبح العقليّينِ، وعدم وجوبِ رعايةِ الحكمة في أفعاله تعالى.
الثاني: على تقدير جواز نسخ هذه الأحكام، هل يجوز من الله تعالى بعد أن كَلَّفَ العبدَ أن ينسخ عنه جميعَ التكاليفِ ؟
منع منه الغزّالي، لأنّه لا يعرفُ النسخَ من لا يعرف الناسخَ، وهو الله تعالى، ويجب على المكلّفِ معرفةُ النسخِ والناسخِ، والدليل المنصوب عليه، فيبقى هذا التكليف بالضرورة .1
قيل عليه2: النسخُ وإن قلنا إنّه لا يحصل في حقّ المكلّفِ دون علمه بنزول 3 النسخ فلا يمتنع تحقّقُ النسخِ بجميع التكاليف في حقّه عند
علمه بالنسخ، وإن لم يكن مكلَّفاً بمعرفة النسخ.
في استحالة نسخ الإجماع   

1 . المستصفى: 1 / 234 .
2 . القائل هو الآمدي في الإحكام: 3 / 123 .
3 . في «أ» و «ب»: بزوال .

صفحه 61
 
المبحث الثامن: في استحالة نسخ الإجماع1
ذهب أكثر الناس إلى ذلك، وجَوَّزَه الأقلّ .
لنا: أنّ الإجماع إنّما ينعقد بعد وفاةِ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه مادام حيّاً لا ينعقد2 الإجماع من دونه، لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)سيّد المؤمنين، وإذا وجد قوله لم يعتبر قول غيره، فالإجماع إنّما ينعقد بعده(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويستحيل حينئذ نسخه بالكتابِ والسنّةِ، لاستحالة حدوثهما بعده(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا إجماع، وبعده يستلزم حكمَ جميعِ الأُمّة على خلافِ الكتابِ والسنّةِ، فيكون باطلاً .
وبالإجماع 3 لأنّ الثاني، إن لم يكن عن دليل، كان خطأً، وإن كان عن دليل، فإن كان موجوداً حال انعقاد الإجماع الأوّل، لزم كون الأوّل خطأً، وهو مُحالٌ، وإن لم يكن موجـوداً، استحـال تجدُّدُهُ .
لا يقال: ينتقض بإجماع الأُمّة على تسويغ العاميِّ بأخذ أحد قولهما،

1 . قد ذكر المصنّف لنسخ الإجماع في ثنايا كلامه صوراً، وهي:
1. نسخ الإجماع بالكتاب.
2. نسخ الإجماع بالسنّة.
3. نسخ الإجماع بالإجماع.
4. نسخ الإجماع بالقياس.
ثمّ أخذ في تحقيقها، فلاحظ.
2 . في «أ»: لم ينعقد .
3 . أي ويستحيل نسخ الإجماع بالإجماع .

صفحه 62
ثمّ على تحريمه لو اتَّفقت على أحدهما، فالثاني 1 ناسخ للأوّل.
لأنّا نقول: أنّما سَوَّغَت ] الأُمَّةُ [ للعاميِّ الأخذَ بأيِّ القولين شاء، بشرط أن لا يحصل الإجماع على أحد القولين، فكان الإجماع الأوّل مشروطاً بهذا الشرط، فإذا اتّفقت زال شرط ] الإجماعِ [ الأوّل، فانتفى، لانتفاء شرطه من غير نسخ .
وبالقياس2، لأنّ شرط صحّته، عدمُ الإجماع، فإذا وجد لم يكن القياس صحيحاً، فلا يجوز نسخُهُ به .
ولأنّ القياس لابدّ له من أصل، والحكم في ذلك الأصلِ إمّا أن
يكون بدليل متجدّد بعد الإجماع الأوّل، أو سابق عليه، فإن كان بمتجدّد،
فهو إمّا إجماعٌ أو قياسٌ، لاستحالة تجدّد النصّ، فإن كان إجماعاً، فلابدّ له
من دليل، وإن كان قياساً على أصل آخرَ، تسلسل أو انتهى إلى أصل ثابت بالنصّ .
في نسخ القياس   
والتسلسلُ مُحالٌ، والنصُّ يجب أن يكون سابقاً على الإجماع الأوّل، وحينئذ صحّة القياس عليه مشروطٌ بعدم الإجماع الأوّل على مناقضته، ونسخ الإجماع الأوّل متوقّفٌ على صحّته، وهو دورٌ ممتنعٌ .
وإن كان نصّاً، لزم سبقه، فيكون الإجماعُ على خلافِهِ خطأً، وإن كان

1 . أي الإجماع الثاني.
2 . أي يستحيل نسخ الإجماع بالقياس.

صفحه 63
سابقاً، فعدولُ أهلِ الإجماعِ عنه، دليلٌ على عدم صحّة القياس عليه، وإلاّ كان إجماعهم خطأً، وهو مُحالٌ.
وعلى رأي الإماميّة الإجماعُ إنّما يتحقّقُ بقولِ المعصوم، لأنّه سيّدُ المؤمنين، فالعبرة بقوله، ولا يجوز نسخُهُ، لعدم تجدّدِ دليل من كتاب أو سنّة بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) .
والقياس لا عبرة به مع قول المعصوم .
قال المرتضى: إنّ الإجماع مستقِرٌّ قبل انقطاع الوحي وبعده على ما يأتي .
ولأنّه تعالى أمر باتّباع المؤمنين قبل الوحي وبعده، والنسخ لا يتناول الأدلّة، بل الأحكام، فجاز أن يثبت حكمُ دليل بالإجماع قبل انقطاع الوحي، ثمّ ينسخ بآية تنزل.1

المبحث التاسع: في نسخ القياس

منع قاضي القضاة من نسخ القياس 2 وتبعه الحنابلة، لأنّ القياس تبع للأصول، فلم يجز رفعُهُ مع ثبوتها، إذ لا يتصوّر رفعُ حكمه مع بقاء أصله .
ولأنّه إنّما يثبت بعد انقطاع الوحي وقال: إنَّ القياس إن كان معلومَ العلَّةِ، جاز نسخُهُ، لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لو نَصَّ على أنَّ علَّةَ تحريمِ الربا في البُرِّ

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 457 .
2 . نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 402 .

صفحه 64
هي الكيلُ، وأَمَرَ بالقياسِ، لكان ذلك كالنصِّ في تحريم الربا في الأرز، فكما جاز أن يحرّم الربا في الأرز ثمّ ينسخه، جاز أن يَنسخ عنّا تحريمَ الأرز المستفاد بهذه العلّة المنصوص عليها، ويمنع من قياسه على البُرِّ.
ومنعت الإماميّة منه، لأنّه ليس دليلاً عندهم .
وقال أبو الحسين: إن كان القياس موجوداً في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بأن يكون قد نَصَّ على أصل كتحريم بيع البُرِّ بالبُرِّ متفاضلاً، وتعبّد النّاس بقياس غير البُرِّ على البُرِّ 1 بواسطة الكيل مثلاً، بأمارة تدلّ عليه، فإذا قضى بتحريم بيع الأرُزّ بناءً على القياس على البُرِّ، أمكن نسخُهُ بالنصِّ على إباحة بيع الأرُزّ، وبالقياس على ما نصّ على إباحته من المأكولات وتعبّد بالقياس عليه بواسطة كونِهِ مأكولاً بأمارة هي أقوى من أمارة التحريم .
وإن كان بعده،2 بأن يؤدّي اجتهاد مجتهد بعد البحث عن الأدلّة إلى تحريم شيء، ثمّ يطّلع على نصٍّ أو قياس أرجحَ أو إجماع متقدّم، أو تختلف الأُمّةُ على قولين قياساً ثم تجتمع على أحدهما، فإنّ إجماعهم الثاني رافعٌ لحكم القياس الّذي اقتضاه القولُ الآخرُ، لزم رفع حكم قياسه الأوّل، وإن كان ذلك لا يسمّى نسخاً .
في حكم الفرع هل يبقى مع نسخ حكم أصله؟   
وهذا كلّه انّما يتمّ على القولِ بإصابة كلّ مجتهد، حيث إنّه تعبّد بالقياس الأوّل، ثمّ رفع، ومن منعه، لم يكن القياس الأوّل متعبّداً به .3

1 . في «أ»: بقياس غير البرّ بالبرّ.
2 . أي وإن كان القياس موجوداً بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
3 . لاحظ المعتمد: 1 / 402 ـ 403 .

صفحه 65
وقيل1: علّة القياس إن كانت منصوصةً، فهي في معنى النصِّ، فيمكن نسخ حكمه بنصٍّ أو بقياس في معناه.
ولو ذهب إليه ذاهبٌ بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لعدم اطِّلاعِهِ على ناسخه بعد البحثِ عنه، فإنّه وإن كان متعبّداً باتِّباع ما أوجبه ظنُّهُ، فرفعُ حكمِهِ في حقّهِ بعد اطِّلاعه على الناسِخِ لا يكون نسخاً متجدِّداً، بل ظهر أنّه كان منسوخاً، وبين الأمرين فرقٌ .
وإن كانت ] العلّة [ مستنبطةً بنظر المجتهد، فحكمها في حقّهِ غيرُ ثابت بالخطابِ، فرفعُهُ في حقّهِ عند الظفرِ بدليل يُعارضه، ويترجّح عليهِ لا يكون نسخاً على قولِ أنَّ النسخَ رفعُ حكمِ خطاب، وإن شارك النسخ في رفع الحكمِ وقطع استمراره، سواء قلنا إنَّ كلَّ مجتهد مصيبٌ أو لا.

المبحث العاشر: في حكم الفرع هل يبقى مع نسخ حكم أصله؟

اختلف الناس في نسخ حكمِ أصلِ القياسِ هل يبقى معه حكم الفرع أم لا ؟
فذهبت الحنفّيةُ إلى بقائه، خلافاً للباقين .
والوجهُ، الأخيرُ.
لنا: أنّ ثبوتَ الحكمِ في الفرعِ تابعٌ لاعتبار العلّة في نظر الشرع بإثبات

1 . القائل هو الآمدي في الإحكام: 3 / 111 .

صفحه 66
حكمِ الأصلِ، فإذا نُسِخَ حكمُ الأصلِ خرجت العلّةُ المستنبطةُ عن الاعتبار، فبطل تابعُ الاعتبار .
قالوا: يلزم ممّا ذكرتم نسخُ حكمِ الفرعِ بالقياسِ على حكمِ الأصلِ، حيث حكمتم بتبعيّة رفعِ حكمِ الفرع لرفعِ حكمِ الأصلِ، والنسخُ بالقياسِ باطلٌ .
سلّمنا، لكن إنّما يلزم من انتفاء المتبوعِ انتفاءُ التابعِ لو افتقر الحكم في دوامِهِ إلى دوام سببه، وهو ممنوعٌ .
سلّمنا، لكن ينتقض بالأبِ، فإنَّ ولدَهُ الصغيرَ تابعٌ له في الإسلام والكفر، ولا يلزم من زوالِ إسلامِ الأبِ زوالُ إسلامِهِ.
والجواب: ليس رفعُ حكمِ الفرع بالقياسِ على رفعِ حكمِ الأصلِ، وإلاّ لافتقر إلى علَّة جامعة، بل رفعُهُ لانتفاء علّتِهِ .
والحكم إن افتقر في دوامِهِ إلى دوام علّته فالمطلوب، وإلاّ فالإجماع على أنّه لابدّ من دوام احتمال الحكمة، حتّى أنّه لو انتهتْ حكمةُ الحكمِ قطعاً، امتنع بقاؤُهُ بعدها، وإذا وجب دوامُ احتمال الحكمة، وجب اعتبارها، لاستحالة بقاءِ الحكمِ لحكمة غيرِ معتبرة، وإذا انتسخ حكمُ الأصلِ زال اعتبارُها .
وليس إسلامُ الأبِ علّةً لإسلام الولد، ولا دوامُ إسلامِ الأبِ معتبراً في دوامِ إسلام الابنِ، حتّى يلزمَ من الانتفاءِ الانتفاءُ، لأنَّ المرتدّ بحكمِ المسلمِ.
في نسخ الفحوى   

صفحه 67
 
المبحث الحادي عشر: في نسخ الفحوى
اتّفق النّاس كافّةً على جواز النسخ بفحوى الخطابِ، كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، لأنّه إن دلّ على تحريم الضربِ لغةً، فاللفظ المفيد للشيءِ من جهة اللّغة يجوز أن يقع النسخ به، وإن كان يدلّ من جهة الأولى فهو آكد من اللّفظِ، فجاز النسخ به أيضاً .
واتّفقوا على جواز نسخهما معاً.
وإنّما اختلفوا في جواز نسخ الأصل دون الفحوى، وبالعكس، وأطبق الأكثرُ على أنّ نسخ الأصلِ يُفيد نسخَ الفحوى، لأنَّ الفحوى تابعٌ فلا يتصوّر بقاؤه مع ارتفاع متبوعه .
وأمّا نسخُ الفحوى دون الأصلِ فقد تردّد فيه القاضي عبد الجبارفجوّزه تارةً، لأنّه جار مجرى التنصيص على تحريم التأفيف والضربِ، فكأنّه حرّمهما، فرفعُ حكمِ أحدِهِما لا يفيد رفعَ حكمِ الآخر، ومنع أُخرى، وهو اختيار أبي الحسين1 لئلا ينتقض الغرض، فإنَّ الغرض من تحريم التأفيف الإعظام ] للوالدين [، فلو سوّغ الضرب نقض غرضه .

1 . قال في المعتمد: 1 / 404: فامّا نسخ الفحوى مع ثبات الأصل، فقد أجازه قاضي القضاة في «كتاب العمد»، وقال في «شرحه»: يجوز ذلك إلاّ أن يكون فيه نقض الغرض. ومنع منه في «الدرس»، وهو الصحيح.

صفحه 68
وقال المرتضى: لا يحسن أن يقال: «لا تقل لهما أفّ واضربهما» لكن يحسن (أن يقول)1 «لا تضربهما وإن قلتَ لهما أفٍّ» فيجوز نسخ الأكبر وتبقية الأصغر، ولا يجوز عكسه، ثمّ قال:
وغير ممتنع أن يقال: إنَّ الحالَ فيما بيّنّا يخالف المصالح الدّينية، لامتناع أن يمنع من التأفيف في الشاهد إلاّ لأجل الترفيه والتنزيه عن الاضرار به، فلا يجوز أن يجامع إرادة الاضرار الأكبر، ومصالح الدّين غير ممتنع أن تختصّ تارةً بالأكبر والأُخرى بالأصغر، فالأولى جوازُ نسخِ كلٍّ منهما مع تبقية صاحبه2 .
وفيه نظرٌ، لأنّ البحث في المفهوم، وهو الّذي عرف الغرض وثبوته في محلّ السكوت، وأولويّة ثبوته فيه، فحينئذ يمتنع نسخ الأصغر مع بقاء الأكبر.
وقيل 3: إثبات تحريمِ الضربِ في محلّ السّكوتِ، إن ثبت بالقياسِ كان نسخُ حكمِ الأصلِ موجبـاً لرفع حكمِ الفرعِ، لاستحالة بقاء الفرع دونَ أصلِهِ، وإن لم يُسمّ ذلك نسخـاً، وإنَّ رفعَ حكمِ الفرعِ لا يُوجبُ رفعَ حكمِ الأصلِ، فإنَّ رفعَ التابعِ لا يُوجبُ رفعَ متبوعِهِ .

1 . ما بين القوسين يوجد في المصدر.
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 458 ـ 459 .
3 . القائل هو الآمدي في الإحكام: 3 / 113 .

صفحه 69
وإن ثبت باللّفظِ لغةً، فدلالةُ اللفظِ على تحريم التأفيفِ بجهة صريح اللّفظِ، وعلى تحريم الضربِ بجهة الفحوى، وهما دلالتانِ مختلفتانِ، غير أنَّ دلالةَ الفحوى تابعةٌ لدلالة المنطوقِ، فأمكن أن يقال: رفعُ حكمِ إحداهما لا يستلزم رفعَ حكمِ الأُخرى .
لا يقال: إذا كانت دلالةُ الفحوى تابعةً لدلالةِ المنطوقِ، امتنع بقاءُ الفرعِ مع رفع الأصلِ.
ولأنّ الغرضَ إعظام الأبوين، فرفعُ حكمِ الفحوى مُخِلٌّ بالغرضِ من دلالة المنطوقِ، فيمتنعُ معهُ بقاءُ حكمِ المنطوقِ .
لأنّا نقول: دلالةُ الفحوى وإن كانت تابعةً، لكن نسخ حكمِ المنطوق ليس نسخاً لدلالته، بل لحكمِهِ، ودلالةُ الفحوى تابعةٌ لدلالةِ المنطوقِ على حكمه، لا أنّها تابعةٌ لحكمه، ودلالتُهُ باقيةٌ بعد نسخ حكمِهِ، كما كانت قبل نسخِهِ، فما هو أصلٌ لدلالةِ الفحوى غيرُ مرتفع، وما هو مرتفعٌ ليس أصلاً للفحوى .
وأمّا الثاني، فغاية ما يلزمُ من نسخِ حكمِ الفحوى إبطالُ الغرضِ من أصل إثبات الحكمِ فيه، ولا يخفى أنَّ غرضَ إثباتِ التحريم للتأفيفِ، مغايرٌ لغرضِ تخصيصِهِ بالذكر، تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، ولا يلزم من إبطال أحدِ الغرضين إبطال الآخر.1

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3 / 112 ـ 113 .

صفحه 70
وفيه نظرٌ، فإنَّ تحريمَ الضربِ إنّما استفيد من تحريمِ التأفيفِ، فرفعُهُ يقتضي البقاء على ما كان الحكمُ عليه قبل التنصيصِ، ونسخُ الفحوى يستلزم إبطالَ الأصلِ، لأنّ الفحوى هي الغاية، فإبطالُها يستلزمُ إبطالَ ذي الغاية.
في حدّ الناسخ   

صفحه 71
 
الفصل الرابع:

في الناسخ

وفيه مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في حدِّه

يطلق الناسخ على الناصبِ للدلالة الناسخة، فيقال إنّه تعالى ناسخٌ للتوجّه إلى بيت المقدس، قال تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا)1 وقال: (فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ)2 .
وعلى الحكم، فيقال: «وجوبُ صومِ رمضان ناسخُ وجوبَ صومِ عاشوراء» .
وعلى المعتقِدِ لنسخ الحكم، فيقال: «فلانٌ نَسَخَ الكتابَ بالسنّة» أي يعتقد ذلك .
وعلى طريق النسخِ، فيقال: «القرآنُ ناسخٌ للسنّة» و «آية كذا نسخت آيةَ

1 . البقرة: 106 .
2 . الحجّ: 52 .

صفحه 72
كذا»، وكذا خبر الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وفعله وتقريره، إلاّ أنّ الإجماع وقع على أنّه مجازٌ في الحكم والمعتقد .
وإنّما الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في أنّه حقيقةٌ في الله تعالى، أو في الطّريق المعرِّفِ، لارتفاع الحكم .
فعند المعتزلة: أنّه حقيقةٌ في الطريق فقالوا في حدّه: الناسخ قولٌ صادرٌ من الله تعالى، أو رسوله، أو فعل منقول عن رسوله يفيد إزالةَ مثلِ الحكمِ الثابتِ بنصٍّ صادر عنه تعالى، أو عن رسولهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو فعل منقول عنه، مع تراخيه عنه، على وجه لولاه لكان ثابتاً .
وعند الأشاعرة: الناسخ في الحقيقةِ هو الله تعالى، وأنّ خطابَهُ الدالَّ على ارتفاعِ الحكمِ هو النسخُ، ويسمّى ناسخاً مجازاً .
والتحقيق: أنّ النزاع هنا لفظيٌّ، لأنَّ الناسخَ إن كان هو الفاعل، فهو اللهُ تعالى، وإن كان هو الدّليل، فهو الطريق، ولكلّ أحد إطلاقه على ما يشاء.
وقد حدّ قاضي القضاة الطريقَ الناسخَ بأنّه: «ما دلّ على أنّ مثلَ الحكمِ الثابتِ بالنصِّ غيرُ ثابت على وجه، لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه».
وغرضه بهذا الحدّ أن يتناولَ كلَّ ما كان طريقاً إلى النسخ، سواءٌ كان متواتراً أو آحاداً، قاله أبو الحسين، قال: ويخرج منه خبر الواحد، لأنّه لا يوصف بأنّه دليلٌ على الحقيقة، وما دلّ على نسخِ الحكمِ الثابتِ بالعقل، ويلزم أن يكون العجز ناسخاً، لأنّه دلّ على أنّ مثل الحكمِ الثابتِ بالنصّ غيرُ

صفحه 73
ثابت، وأن تكون الأُمّةُ إذا اختلفت على قولين فسوَّغَتْ للعاميِّ الأخذَ بأيِّهما شاء، ثمّ أجمعت على أحدهما أن يكون ذلك «ناسخاً»، لأنّها كانت نصَّتْ على إباحة تقليد الطائفة الأُخرى .
ثمّ حدّه هو بأنّه: «قولٌ صادرٌ عن الله تعالى، أو منقول عن رسوله، أو فعل منقول عن رسوله يفيد إزالةَ مثلِ الحكم الثابت بنصّ صادر عن الله تعالى أو بنصٍّ أو فعل منقولين عن رسوله، مع تراخيه عنه، على وجه لولاه لكان ثابتاً» .1
ويدخل فيه خبرُ الواحدِ، لأنّهُ وإن كان أمارةً، لكنّه يوصف بأنّه يفيد إزالةَ مثلِ الحكمِ الثابتِ .
ويخرج منه اتِّفاقُ الأُمَّة بعد الخلاف، لأنّ قولَها ليس صادراً عن الله تعالى وعن رسوله .
ولا يكون الشرع ناسخاً لحكم العقل، لأنّ العقلَ ليس بقول ولا فعل منقول عن الرسول، ولهذا لا يلزم عليه «العجز المزيل للحكم» ولا تقييد الحكم بغاية، أو شرط، أو صفة، أو استثناء لعدم تراخيه .
ولا البداء، لأنّه إزالةُ نفسِ الحكمِ، ولا ما إذا أمرنا الله بفعل واحد، ثمّ نهانا عن مثله، لأنّه وإن أزال مثل الحكم، إلاّ أنّه لو لم يكن هذا النهي، لم يكن مثل حكم الأمر ثابتاً .2

1 . المعتمد: 1 / 266 .
2 . الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1 / 267 .

صفحه 74
وفيه نظرٌ، لأنّ ذكر جزئيّاتِ المحدود في الحدِّ غلطٌ .
والأولى أن يقال: الناسخ طريقٌ شرعيٌّ يدلّ على أنّ ذلك الحكمَ الّذي كان ثابتاً بطريق شرعيٍّ لا يوجد مثله بعد ذلك مع تراخيه عنه، على وجه لولاه لكان ثابتاً.

المبحث الثاني: في شرائط الناسخ على الإجمال

وهي أُمور:
الأوّل: أن يكون خطاباً، فارتفاع الحكم بموتِ المكلّف ليس نسخاً، لأنّ ثبوت الحكم مادام حيّاً فلا يحتاج إلى الرفع.
الثاني: أن يكون متراخياً.
الثالث: وروده بعد الوقتِ لا قبله عند المعتزلة خاصّةً.
الرابع: دخوله على خطاب يدخله التخصيصُ، لاستحالة اتِّحاد متعلَّق الأمرِ والنهيِ .
ولا يشترط أن يكون رافعاً للمثلِ بالمثلِ، بل أن يكون رافعاً فقط .
ولا في ناسخ القرآن أن يكون قرآناً، ولا في ناسخ السنّة أن يكون سنّةً، بل يكفي أن يكون ممّا يصحّ النسخُ به .
في جواز نسخ الكتاب بمثله وبالسنّة المتواترة   
ولا أن يكونا نصّينِ قاطعين، بل يجوز نسخُ خبرِ الواحدِ بمثلِهِ وبالمتواتِرِ، وإن لم يجز نسخُ المتواتر بخبرِ الواحدِ .

صفحه 75
ولا أن يكون الناسخ منقولاً بمثل لفظِ المنسوخِ، بل أن يكون ثابتاً بأيِّ طريق كان .
ولا أن يكون مقابلاً للمنسوخِ من كلّ وجه حتّى لا ينسخ الأمر إلاّ بالنهي، والنهي إلاّ بالأمرِ، بل يجوز نسخ كليهما بالإباحة، وأن ينسخ الواجب المضيّق بالموسّع .
وإنّما يشترط أن يكون رافعاً حكماً من المنسوخِ أيَّ حكم كان.
ولا كونهما ثابتين بالنصِّ، بل يجوز أن يكون بلحن القولِ، أو بفحواه وظاهره.

المبحث الثالث: في جواز نسخ الكتاب بمثله وبالسنّة المتواترة

اتّفق القائلون بجواز النسخ سمعاً، على جواز نسخ الكتاب بمثله، لوقوعه في آية الاعتداد1، والمناجاة مع تقديم الصدقة2، وثبات الواحد للعشرة3، وغير ذلك .
وأمّا نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة، فقال بجوازه ووقوعه أكثرُ العلماء، وهو قول جمهور المتكلّمين من الأشاعرة، والمعتزلة، والإماميّة، ومن الفقهاء مالك، وأصحاب أبي حنيفة، وابن سريج .

1 . إشارة إلى الآية 234 و 240 من سورة البقرة.
2 . إشارة إلى الآية 12 و 13 من سورة المجادلة.
3 . إشارة إلى الآية 65 و 66 من سورة الأنفال .

صفحه 76
وقطع الشافعي، وأكثر الظاهريّة وأحمد بن حنبل في رواية إلى امتناع ذلك .
لنا: أنَ كلَّ واحد منهما دليلٌ يوجب العلمَ والعملَ، وكما جاز نسخ الكتاب بمثله، جاز نسخُهُ بالسنّة لمساواتها له .
وأمّا الوقوع، 1فلأنّ جلدَ الزاني ثابتٌ بقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَ الزَّاني فَاجْلِدُوا)2 وقد نسخ بالرّجم الثابت بالسنّة.
وهو ممنوعٌ، أمّا أوّلاً فلما فيه من نسخ القرآن بخبر الواحد، وأمّا ثانياً فلجواز نسخه بقرآن نُسخت تلاوته، كما روي عن عمر أنّه قال: كان فيما أنزل «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله ورسوله» .
لا يقال: روي عن عمر أنّه قال: لولا أنّني أخشى أن يقال: زاد عمر في القرآنِ ما ليس منه، لكتبتُ «الشيخ والشيخة إذا زنيا» على حاشية المصحف، وهو يدل على أنّه لم يكن قرآناً.
لأنّا نقول: يحتمل أنّه منسوخُ التلاوة، ولا يلزم أنّه لم يكن قرآناً .
لا يقال: «الشيخ والشيخة» لم يثبت بالتواتر، بل بقول عمر، ونسخ المتواتر بالآحاد ممتنع .
لأنّا نقول: والسنّة وهو رجم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو من باب الآحاد،

1 . ما ذكره المصنّف حول الوقوع فإنّما هو خيرة الآمدي في الإحكام، وأمّا مختاره (قدس سره)فسيأتي قوله: «والتحقّيق...».
2 . النور: 2 .

صفحه 77
وغايته إجماع الأُمّة على الرّجمِ، والإجماع ليس بناسخ، بل ] هو [ دليلٌ على وجود الناسخ المتواتر، وليس إحالتُهُ على سنّة متواترة لم تظهر لنا أولى من إحالته على قرآن متواتر لم يظهر ] تواتره [بسببِ نسخ تلاوته .1
والتحقيق: أنّ لفظَ الزّانية والزاني إن كان عامّاً كان رجمُ المحصن تخصيصاً لا نسخاً، وإن كان مطلقاً كان تقييداً، فلا نسخ هنا (إلاّ مع ثبوت المتأخر عن وقت العمل وهو ممنوع).2
واحتجّوا على الوقوع أيضاً: بأنَّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا وصيّة لوارث»3 ناسخٌ لآية الوصيّة.
وهو ضعيفٌ، لأنّه خبر واحد، لأنّه لو كان متواتراً لبقي الآن كذلك، لتوفّر الدواعي على نقله، من حيث إنّه في واقعة مهمّة، وحيث لم يبق متواتراً دلّ على أنّه لم يكن متواتراً.
على أنّه قد منعه أكثر الناس مع اتِّفاقهم على منع نسخ المتواتر بخبر الواحد.
احتجّ الشافعي بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) 4 أخبر بأنّه يأتي بخير منه أو مثله، فيجب أن يكون من جنسه، كما

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3 / 104 .
2 . ما بين القوسين يوجد في «ج».
3 . سنن ابن ماجة: 2 / 905 برقم 2712 ; مسند أحمد بن حنبل: 4 / 186، 187، 238، 239 .
4 . البقرة: 106 .

صفحه 78
لو قال إنسانٌ: ما آخذ منك من ثوب إلاّ آتيك بخير منه، فإنَّه يفيد إتيانه بثوب خير منه، وجنس القرآن قرآنٌ.
وبأنّه المنفرد بالإتيان بذلك الخير، وذلك هو القرآن الّذي هو كلامه، دون السنّة الّتي يأتي بها الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولأنّ قوله: (نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا) يفيد أنّ المأتيّ خيرٌ من الآية، والسنّة ليست خيراً من القرآن .
ولأنّ قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)1 دلّ على أنّ الآتي بخير منها هوالمختصّ بالقدرة على إنزاله، وهو القرآن دون غيره .
الثاني: قوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)2 فوصفه 3 بأنّه مُبَيِّنٌ للقرآن، ونسخ القرآن رفعه، والرفع ضدّ البيان.
الثالث: قوله تعالى: (وَ إِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَة)4أخبر بأنّه المبدِّل.
الرابع: حكى تعالى عن المشركين أنّهم قالوا عند تبديل الآية بالآية: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَر)5، ثمّ إنّه تعالى أزال هذا الإبهام6 بقوله: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ

1 . البقرة: 106 .
2 . النحل: 44 .
3 . الضمير يرجع إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
4 . النّحل: 101 .
5 . النحل: 101 .
6 . أي أزال الإبهام عن وجه تبديل الآية بآية أُخرى، وفي بعض النسخ «الإيهام» أي أزال الوهم عن وجه التبديل .

صفحه 79
الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ)1، وهو يدلّ على أنّ ما لم ينزِّله روح القدس من ربّك لا يكون مزيلاً للإبهام.
الخامس: قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)(2) يدلّ على أنّ القرآنَ لا تنسخه السنّة.
السادس: أنّه يوجب التهمة (والنفرة)2.
السابع: السنّة إنّما وجب اتّباعها بالقرآنِ، وهو قوله تعالى: (وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)3 و قوله: (وَاتَّبِعُوهُ)4 .
فهي فرع القرآنِ، فلا ترجع عليه بالإبطال، كما لا يُنسخ القرآنُ والسنّةُ بالقياسِ المستنبط منهما.
الثامن: القرآن أقوى من السنّةِ، لأنَّ معاذاً قدّمه في الحكم ] على السنّة  [وأقرّه (صلى الله عليه وآله وسلم).5
ولأنّ لفظه معجزٌ .
ولوجوب الطهارة من الجنابة والحيض على تاليه، ومطلقاً على من مسّه، فلا يرفع ] الأقوى [ بالأضعف.

1 . النحل: 102 .   2 . يونس: 15 .
2 . ما بين القوسين من المحصول: 1 / 557 .
3 . الحشر: 7 .
4 . الأعراف: 158 .
5 . تقدّم تخريج الحديث في الجزء الثاني: ص 322 .

صفحه 80
والجواب عن الأوّل من وجوه:
الأوّل: قال أبو هاشم قوله (نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا) ليس المراد منها أنّ ذلك الخير يكون ناسخاً، فجاز أن يكون مغايراً له، يحصل بعد النسخ .
ويؤيِّده أنّ الآية دلّت على ترتيب الإتيان بذلك الخير على نسخ الآية الأُولى فلو كان نسخها مرتّباً على الإتيان بذلك الخير دار.
الثاني: قال أبو هاشم أيضاً: المفهوم من نسخِ الآية نسخُ التلاوةِ دون الحكمِ فقط، فإنّه لا يطلق النسخُ على ما نُسخ حكمُهُ وبقيت تلاوتُهُ، ولهذا يقال: «ما نسختُ الآيةَ بل نسختُ حكمها».
ومنعه أبو الحسين، لأنّ الناس يطلقون النسخ على آية المناجاة، وتلاوتها باقية.1
الثالث: نمنع كونَ الخيرِ من جنس الآيةِ المنسوخةِ، والمثال معارَضٌ بمثل: «من يلقني بحمد وثناء جميل ألقه بخير منه»، فإنّه لا يقتضي أنّ الّذي يلقاه به من جنس الحمدِ والثناءِ، بل من العطاء .
على أنّا نمنع بالجنسيّة بين الثوب وجزائه، فإنّه لابدّ من إضمار، وليس إضمارُ «ثوب خير منه» أولى من إضمار «شيء خير منه».
والقرآن والسنّة متساويان في إسنادهما2 إليه تعالى، فإنّ المراد بالإتيان شرع الحكم وإلزامه، والسنّة كالقرآن في أنّ المثبِتَ لهما هو الله تعالى .

1 . المعتمد: 1 / 397 .
2 . في «ج»: استنادهما.

صفحه 81
وليس المرادُ من نسخ الآية نسخَ رسمِهما لعدم التفاضل بين الآيات في الخيريّة، لتساويها كلِّها في كونها خيراً، بل نسخ حكمها .
وجاز أن يكون حكمُ السنّة الناسخة خيراً من حكم القرآن المنسوخ، ويكون أصلح في التكليف، وأنفع للمكلّفِ .
والله تعالى هو المتمكِّنُ من تبديل الحكم وإزالته، والإتيان بخير منه، سواء كان ظهوره بالقرآن أو السنّة، وهو المنفرد بالقدرة عليه .
وعن الثاني: النسخ نوع من البيانِ، كما أنّ التخصيصَ نوعٌ منه، لتشاركهما فى مطلق التخصيص .
وأيضاً، تحمل «لتبيِّنَ» على معنى «لتظهر» لكونه أعمَّ من بيانِ المجملِ والعمومِ، لأنّه يتناول كلَّ شيء حتى المنسوخِ، وإظهارُ المنسوخِ أعمُّ من إظهاره بالقرآنِ .
ولأنَّ وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه «مبيّنٌ» لا يمنع من كونه ناسخاً .
والتحقيق أن نقول: النسخ إمّا أن يكون بياناً أولا، فإن كانَ الأوّل اندرج تحت العمومِ، وإلاّ جاز صدوره عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ الآية مختصّةٌ بما يحتاج إلى البيان.
وعن الثالث: أنّ المبدِّلَ هو الله تعالى سواء كان بالقرآنِ أو السنّة.1
والتحقيق أنّه لا حجّة في هذه الآية لدلالتها على الملازمة بين التبديل

1 . لاحظ المحصول للرازي: 1 / 557 .

صفحه 82
وقولهم بالافتراء، وليس فيها دلالة على أنّ النسخ إنّما يكون بالآية.
وعن الرابع: أنّها لا تدلّ على امتناع نسخ القرآن بالسنّة إلاّ أن تكون السنّةُ لم ينزل بها روحُ القدس، وهو ممنوعٌ، لأنّها من الوحي وإن كانت لا تتلى .
ولأنّ من يتّهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يشكّ في نبوّته، ومن تكون هذه حاله، فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مفتر عنده، سواءٌ نسخ الكتاب بمثله أو بالسنّة، والمزيل لهذه التهمة هو التمسك بمعجزاته .
وعن الخامس: أنّها تدلّ على أنّه لا ينسخ إلاّ بوحي ونحن نقول بموجبه، لأنّ السنّة منه .
وعن السادس: أنّ النفرة زائلةٌ، لقوله تعالى: (وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى).1
وعن السابع: انّ السنّة لم ينسخ أصلها بل غيره ولا امتناع فيه .
ولأنّ القرآن، دلّ على وجوب اتّباعه، فإذا حكم بنسخ الآية وجب اتِّباعه فيه .
في نسخ السنّة المتواترة بمثلها و بالقرآن   
ولأنّ السنّة، لم ترفع القرآن بل حكمه، وحكمه ليس أصلاً لها، فالمرتفع ليس الأصل.
وعن الثامن: أنّ ما ذكروه لا يمنع من نسخه، كما لو تعارض عمومُ الكتابِ وخصوصُ السنّة، فإنّه يجب تقديمُ خصوصِ السنّة على عمومِ

1 . النجم: 3 .

صفحه 83
الكتابِ، وكذا لو تعارض ] دليلٌ[ عقليٌّ وعمومُ آية، فإنَّ العقلَ يقدّم، وكذا الإجماعُ وخبرُ الواحد .
على أنّ السنّةَ الناسخةَ ليست منافيةً للقرآنِ، بل مبيِّنةٌ ومخصِّصَةٌ للأزمان.

المبحث الرابع: في نسخ السنّة المتواترة بمثلها و بالقرآن

اتّفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ السنّة المتواترة بمثلها، لتساويهما في الدلالة وقوّتها، ووجوب الرجوع إليها .
وأمّا نسخ السنّة بالقرآنِ، فذهب إليه أكثرُ الناس من الأشاعرةوالمعتزلة، والإماميّة، والشافعي في أحد قوليه، ومنع في الآخر من جوازه عقلاً، ووقوعه سمعاً .
لنا وجوهٌ:
الأوّل: أنّهما دليلانِ من الله تعالى قطعيّانِ، فكما جاز نسخ أحدهما بجنسه، جاز بغيره، لتساويهما .
الثاني: التوجُّهُ إلى بيت المقدس، كان واجباً في ابتداء الإسلام بالسنّة، لعدم قرآن يدلّ عليه ، إلاّ قوله: (فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)1 وليس دليلاً عليه، بل على التخيير بين الجهات .

1 . البقرة: 115 .

صفحه 84
اعترض 1: بجواز وجوبه بقرآن نُسخت تلاوته، أو أنّ نسخه بالسنّة أيضاً، ولا يلزم من ثبوت التوجّه إلى الكعبة بالكتابِ أن يكون التحويل عن بيت المقدس بالكتاب، لأنّ الظاهر أنّه حُوِّلَ عن بيت المقدس، ثمّ أُمر بالتوجّه إلى الكعبة، ولهذا كان تقلّبُ وَجْهَه في السّماء، لانتظار ما يُؤمر بعد التحويل .
وأُجيب 2 بأنّ تجويز ذلك يسدّ باب إثبات النسخ بشيء من
الأدلّة لشيء منها، إذ ما من ناسخ إلاّ ويجوز فيه أن يكون النسخ تقدّمه
بدليل آخر، وما من دليل منسوخ إلاّ ويكون المنسوخ دليلاً غيره يوافقه في حكمه .
وإنّما حكمنا بالنسخ في الآيات الّتي اعتقدنا النسخ فيها، للصلاحيّة والاقتران، لأنّها طريقٌ صالحٌ للارتفاع، وقد قارنها الارتفاع، فيسند إليها.
وفيه نظرٌ: لأنّ الطرق الدالة على معرفة الناسخِ والمنسوخِ إذا وُجدت في شيء، حكمنا بثبوتهما فيه، ولا ينسدّ الباب، وأمّا المنسوخ فإنّه متى وجد ما ينافيه من الأدلّة، حكم بأنّه منسوخٌ وإن استند الحكم إلى غيره.
الثالث: قوله تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ)3 نَسَخٌ لتحريم المباشرة بالليلِ على الصائمِ في ابتداء الإسلامِ، وقد كان ثابتاً بالسنّة.

1 . المعترض هو الرازي في محصوله: 1 / 554 .
2 . المجيب هو الآمدي في الإحكام: 3 / 103 .
3 . البقرة: 187 .

صفحه 85
الرابع: نُسِخَ صومُ يوم عاشوراء بصوم رمضان، وكان صوم عاشوراء ثابتاً بالسنّة.
الخامس: صلاة الخوف وردت في القرآنِ ناسخةً لما ثبت بالسنّة من جواز تأخيرها إلى انقضاء القتالِ، حتّى قال (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الخندق، وقد أخّر الصلاة: «حشا اللهُ قبورَهُمْ ناراً»1 لحبسهم له عن الصلاة.
السادس: قوله تعالى: (فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)2 نَسَخَ ما كان (صلى الله عليه وآله وسلم)قد صالح أهل مكّة عام الحديبيّة على أنّ من جاءه مسلماً ردّه، حتّى أنّه رَدَّ أبا جندل وجماعةً من الرّجالِ، فجاءت امرأةٌ، فأنزل الله تعالى:(فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ)والسؤالانِ المذكورانِ واردانِ هنا.
السابع: لو امتنع ، فإمّا من حيث القدرة والصحّة، أو من حيث الحكمة، والقسمان باطلان:
أمّا الأوّل: فبأن يقال: إنّه تعالى لا يُوصَف بالقدرة على كلام ناسخ لسنّة نبيِّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو لو أتى بكلام هذا سبيله، لم يكن دالاًّ على النسخِ، وهما باطلان، لأنّه تعالى قادرٌ على جميع أقسام الكلامِ، ولا يجوزُ خروجُ كلامِهِ عن كونه دليلاً على ما هو موضوع له.
وأمّا الثاني: فبأن يقال: لو نسخ الله تعالى كلامَ نبيِّه، لنُفِّر عنه وأوهم أنّه

1 . صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب التغليظ في تفويت صلاة العصر 1306 و 1308 و 1310 ; مسند أحمد بن حنبل: 1 / 113 و 137 ; مجمع الزوائد: 1 / 323 (وفي المصادر المذكورة: ملأ الله قبورهم ناراً).
2 . الممتحنة: 10.

صفحه 86
لم يرضَ بسنّته. وهو باطلٌ، لأنّ النسخَ يرفع الحكم بعد استقرار مثله، وذلك يمنع من هذا التوهم، لأنّه لو لم يَرضَ بها سُنّة لم يقرّ عليه، على أنّ ذلك لو نفّر عنه لنفرّ نسخ سنتّه بمثلها.
احتج الشافعي بقوله تعالى: ( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)1، وهو يدلّ على أنّ كلامه بيانٌ للقرآن، والناسخ بيانُ المنسوخ، فلو كان القرآنُ ناسخاً للسنّةِ، لكان القرآن بياناً للسنّةِ، فيكون كلٌّ منهمابياناً لصاحبه.
والجواب: لا دلالة فيه على أنّه لا يتكلّم إلاّ بالبيان .
سلّمنا، لكنّ البيانَ ] هو [ الإبلاعُ، لأنّه عامٌّ في كلّ القرآنِ، بخلاف بيان المراد، لتخصيصه بالمجمل (سلّمنا لكن جاز اختلاف الحجّة)2.
في نسخ خبر الواحد   

المبحث الخامس : في نسخ خبر الواحد

اتّفق القائلون بالنسخ والعمل بخبرالواحد، على جواز نسخ خبر الواحد بمثله، وقد وقع في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»3 .
واتّفقوا على نسخ خبر الواحد بالتواترِ من القرآن والسنّة .

1 . النحل: 44 .
2 . ما بين القوسين يوجد في بعض النسخ. أي اختلاف السنّة، فتارة يكون مفاده مبيّناً للقرآن، وأُخرى يكون حكماً مستقلاًّ يصح أن يكون القرآن ناسخاً له .
3 . أخرجه ابن ماجة في سننه: 1 / 501 برقم 1571 ; والبيهقي في سننه الكبرى: 4 / 76 ـ 77 ; وأبو داود في سننه: 3 / 218 برقم 3235 .

صفحه 87
واختلفوا في وقوع نسخ المتواتر به، بعد اتّفاقهم على جوازه، فأثبته داود وأهلُ الظاهر، ونفاه الباقون .
أمّا الجواز فظاهرٌ، لأنّ الخبرَ طريقٌ إلى معرفة الأحكام ومخصِّصٌ للعموماتِ المتواترةِ، والنسخ نوعٌ منه .
وأيضاً، لا استبعاد في أن يتعبّدنا الله تعالى برفع حكم متواتر بما يصل إلينا آحاداً.
والتحقيق: أنّ خبرَ الواحدِ ليس هو الناسخ، بل كلامه إلى رسوله 1هو الناسخ، وإنّما وصوله إلينا بالآحاد، وقد تعبّدنا الله تعالى بالعمل بخبرِ الواحدِ، ولا فرق بين أن يرفع الحكم عن بعضِ الأشخاص وبعض الأزمان .
وأمّا عدم الوقوع، فلوجوه:
الأوّل: ترك الصحابة العملَ به إذا رَفَعَ حكمَ الكتابِ، قال علي(عليه السلام): لا ندع كتاب ربنا وسنّة نبيّنا بقول أعرابي بوّال على عقبيه .2
وقال عمر: لا ندع كتاب ربِّنا وسنّة نبيِّنا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت.3

1 . وفي بعض النسخ «بل كلام الرسول» وما في المتن هو الأصحّ.
2 . قاله (عليه السلام)فيمن تزوج امرأة ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقاً ولم يكن دخل بها، فروى معقل بن سنان الأشجعي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قضى في «بروع» ابنة «داشق» ان لها مثل مهر نسائها ولها الميراث، فقال علي (عليه السلام): لا تستحق إلاّ الميراث فقط، ولا تستحق مهراً ولا متعة لأنّ المتعة لم ترد إلاّ للمطلقة، والمهر عوض عن الوطء ولم يقع من الزوج، ولا نقبل قول أعرابي بوّال على عقبيه فيما يخالف كتاب الله وسنّة نبيه. لاحظ نيل الاوطار: 6 / 172 ـ 173 .
3 . تقدم تخريج الحديث في الجزء الثاني: ص 301 .

صفحه 88
واعترض1: بأنّه لا يلزم من امتناع العملِ بخبر واحد لا يعلم صدقه امتناع العمل به مطلقاً، ولهذا علَّلا بعدم الدّراية بصدقهما .
وفيه نظرٌ، فإنّ خبرَ الواحدِ لا يفيد العلم مطلقاً، فلو علّل الردّ بعدم إفادته العلمَ، لزم ردُّهُ مطلقاً، بل الإعراض2 أنّ عليّاً(عليه السلام) عَلَّلَ بالفسق.
الثاني: الآحاد ضعيفٌ، والمتواتر أقوى، فلا يرفع الأضعف الأقوى. ونقض بالتخصيصِ، ولأنّه وإن ضعف من حيث كونه آحاداً إلاّ أنّه أقوى من جهة خصوصه، والظنّ الحاصل من الخاصِّ إذا كان آحاداً أقوى من الظنِّ الحاصل من العامِّ المتواتر، لأن تطرّقَ الضّعفِ إلى الواحد من جهة كذبه، واحتمال غلطه، وتطرّق الضعف إلى العامِّ من جهة تخصيصه، واحتمال إرادة بعضِ ما دلّ عليه دون البعضِ، واحتمال تطرّقِ التخصيصِ إلى العامِّ أكثر من تطرُّقِ الكذب إلى العدل، فكان الظنُّ المستفادُ من خبر الواحدِ أقوى.
الثالث: النهي ورد بالعملِ بخبر الواحدِ، فلا يكون ناسخاً، وسيأتي الجواب عنه.
احتج الظاهريون بوجوه:
الأوّل: يجوز تخصيص المتواترِ بخبرِ الواحدِ، فجاز نسخه به، والجامع دفعُ الضّررِ المظنون، بل النسخ أولى، لأنّه يرفع مثلَ الحكمِ بعد

1 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3 / 100 .
2 . في «ج»: الاعتراض .

صفحه 89
كونِ الحكمِ مراداً، فالمتواتر والتخصيصُ يفيدان ما يتناوله ما كان مراداً من العامِّ.
الثاني: خبر الواحد دليلٌ شرعيٌّ، فإذا عارض المتواتر، وجب تقديمُ المتأخِّرِ، كغيره بجامع الدلالة.
الثالث: نسخ الكتاب بأخبار الآحاد قد وقع في قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً...)1 بنهيه عن أكل كلّ ذي ناب من السّباع.
وقوله: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)(2) منسوخ بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تُنكْحُ المرأةُ على عمَّتها ولا على خالتها».2
وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ... )3 منسوخ بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا وصيّة لوارث» .4
والجمع بين وضع الحملِ والمدّة منسوخٌ بأبعد الأجلين .
وإذا جاز نسخُ الكتابِ بخبرِ الواحدِ، جاز نسخ المتواتر به، لعدم القائل بالفرق .
الرابع: قَبِلَ أهلُ قبا نسخَ القبلةِ بخبر الواحدِ، ولم ينكر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عليهم.

1 . الأنعام: 145 .   2 . النساء: 24 .
2 . تقدّم تخريج الحديث: 2 / 154 .
3 . البقرة: 180 .
4 . تقدّم تخريج الحديث ص 77 .

صفحه 90
الخامس: كان(صلى الله عليه وآله وسلم) يُنْفذ الآحادَ إلى الأطرافِ لتبليغ الأحكام الّتي من جملتها الناسخ والمنسوخ.
السادس: الحكم بأخبار الآحادِ معلومٌ بدليل قاطع، فالحكم به كالحكم بالآية، فجاز نسخ الآية به، كما جاز بآية مثلها .
والجواب عن الأوّل: بالفرق بين النسخِ والتخصيصِ بالإجماع، ودليلهم دلّ على الجواز العقليّ، أمّا الوقوعُ فالإجماع منع منه.
وعن الثاني: أنّ المتواتر مقطوعٌ بِهِ، بخلافِ الواحِدِ، فجاز أن يكون هذا التفاوت مانعاً من ترجيح خبرِ الواحد.
وعن الثالث: بالمنع من النسخ في هذه الآيات، لأنّ قوله: (قُلْ لاَ أَجِدُ)إنّما يتناول المُوحى إليه إلى تلك الغاية، ولا يتناول ما بعده، فلم يكن النهي ] الوارد [ بعدهُ نسخاً.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تُنكح المرأة على عمّتها» مخصِّصٌ تلقّته الأُمّةُ بالقبولِ، ولا ناسخ له .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا وصيّة لوارث» مَنَعَهُ جماعةٌ كثيرة .
في أنّ الإجماع لا يقع ناسخاً   
والاعتداد بأبعد الأجلين، جاز أن يكون الإجماع صدر عن خبر، ثمّ لم ينقل ذلك الخبرُ أصلاً، استغناءً بالإجماع عنه، وإذا جاز ذلك، فأولى أن يصدر إجماعُهُمْ عن خبر، ثمّ يضعف نقله استغناءً بالإجماع عنه، فلا يمتنع أن يكون الخبر مقطوعاً عندهم، ثمّ يضعف نقله، لإجماعهم على العمل بموجَبِهِ .

صفحه 91
على أنّا نمنع النسخ هنا.
وعن الرابع: لعلّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرهم بذلك قبل وقوع الواقعة، فلهذا قبلوا خبرَ الواحدِ فيه، أو لعلّه انضمَّ إليه من القرائن ما أفاد العلم، كقربِ1المسجد وارتفاع الأصوات بأنّ القبلة قد استدارت .
وعن الخامس: باحتمال أن يكون المبعوث مفتياً لا راوياً .
وعن السادس: أنّ ما ثبت من الإجماع يمنع من كون الحكم بأخبار الآحاد معلوماً إذا كانت رافعةً لحكم الكتاب.

المبحث السادس: في أنّ الإجماع لا يقع ناسخاً

هذا مذهب الأكثر، خلافاً للسّيد المرتضى،2 وبعض المعتزلة، وعيسى بن أبان .
لنا: أنّ المنسوخ بالإجماع إما نصٌّ أو إجماعٌ أو قياسٌ، والكلُّ باطلٌ.
أمّا الأوّل، فلاقتضائه وقوعَ الإجماع على خلاف النصِّ، وخلافُ النصِّ خطأٌ، فالإجماع يكون خطأً .
وأمّا الثاني، فلأنّ الإجماعَ المتأخِّرَ إن اقتضى كونَ الأوّلِ وقع خطأً، استلزم تخطئةَ الإجماعِ، وهو باطلٌ، وإن اقتضى كونَه صواباً إلى هذه الغاية،

1 . في النسخ الّتي بأيدينا «لقرب» والأصحّ ما أثبتناه.
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 451 ـ 452 .

صفحه 92
فالأوّلُ إن كان مطلقاً، لم يكن مفيداً للحكمِ الموقّتِ إلى غاية، وإن كان مقيّداً إلى غاية فذلك الإجماع ينتهى عند حصول تلك الغاية بنفسه، فلا يكون الإجماع المتأخّر رافعاً له.
وأمّا الثالث، فلأنّه إنّما يتصوّر لو اقتضى القياس حكماً، ثمّ أجمعوا على خلافه فحينئذ يزول حكم ذلك القياس بعد ثبوته، لتراخي الإجماع عنه، وهو مُحالٌ، لأنّ شرطَ صحّةِ القياسِ عدمُ الإجماعِ، فإذا وُجِدَ فقد زال شرطُ صحّة القياسِ، وزوالُ الحكمِ لزوال شرطه لا يكونُ نسخاً.1
وفيه نظرٌ، لأنّا إذا كنّا متعبّدين بالقياسِ ثمّ دلّ على شيء، وجب علينا العمل به، وتجدّد الإجماعِ ليس بمُحال، فإذا تجدّد ارتفع حكم القياسِ، وهو معنى النسخ .
ولو كان كونُ عدمِ ظهورِ الإجماعِ شرطاً في القياسِ مانعاً من النسخِ، لكان كلُّ دليل كذلك، إذ كلُّ دليل مشروطٌ بانتفاء معارض متجدّد، فظهورُ الناسخِ مزيلٌ لشرط الدليل الأوّل، فيزول لزوال شرطه من غير نسخ.
احتجوا: بأنّ الإجماع دليلٌ قطعيٌّ فجاز النسخ به كالقرآن والسنّة المتواترة .
في أنّ القياس لا يكون ناسخاً   
وبأنّ ابن عباس (رضي الله عنه) لما قال لعثمان: كيف تحجب الأُمّ عن الثلث بالأخوين، والله تعالى يقول (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ)2

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 561 .
2 . النساء: 11 .

صفحه 93
والأخوانِ ليسا بإخوة؟ قال عثمان: حجبها قومك يا غلام.1 وهو دليل النسخ بالإجماع.
والجواب عن الأوّل: النّقض بالقياسِ عند القائلين به، والفرق بأنّ القرآن والسنّة أصلانِ بخلاف الإجماع.
وعن الثاني: أنّ الحكم ليس بمنسوخ، بل إنّه دلّ على صدق الجمع على الاثنين وهو نزاع في اللغة.

المبحث السابع: في أنّ القياس لا يكون ناسخاً

اختلف الناس في ذلك، فمنعه الإماميّة، لاعتقادهم بطلانَ القياسِ، وذهب جماعةٌ كثيرةٌ ممن سوّغه إلى ذلك أيضاً .
وقال آخرون: يجوز النسخ به لدليل ظنيٍّ وقطعيٍّ .
وفصّل بعضُ الشافعية فقال: يجوز النسخ بالقياس الجليِّ دون الخفيِّ.
قال الغزالي: إن أراد بالجليّ المقطوع به فصحيحٌ أمّا المظنون فلا.2
وما يتوهّم القطع به 3 ثلاث مراتب:
الأُولى: ما يجري مجرى النصِّ وأوضح منه، كتحريم الضرب لتحريم

1 . لم نعثر عليه في الجوامع الحديثيّة، نعم نقله الآمدي في الإحكام: 3 / 110 ; والغزالي في المنخول: 221 .
2 . المستصفى: 1 / 241.
3 . كذا في المصدر، ولكن في النسخ الّتي في أيدينا: «فيه».

صفحه 94
التأفيف، فلو كان قد ورد نصٌّ سابقٌ بإباحة الضرب، كان هذا القياس المتأخّر ناسخاً.
الثانية: لو ورد نصٌّ بأنّ العتق لا يسري، ثمّ ورد قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من اعتق شركاً من عبد قُوِّمَ عليه الباقي» لقضينا بسريان عتق الأمة، قياساً على العبد، لأنّه مقطوعٌ به، للعلم القطعيّ بأنّ قصدَ الشارعِ إلى المملوك، لأنّه مملوكٌ لا الذكوريّة.
الثالثة: أن يرد النصُّ بإباحة النّبيذ، ثمّ يقول الشارع: حرَّمْتُ الخمرَ لشدّتها، فإنّه ينسخ إباحةَ النّبيذ بقياسه على الخمر إن تعبّدنا بالقياس عند قوم، ومطلقاً عند آخرين، لعدم الفرق بين: حَرَّمْتُ كلّ مشتدٍّ، وحرَّمْتُ الخمر لشدّتها، ولذلك أقرَّ النظّام والمفيد من الإماميّة بالقياسِ على العلّةِ المنصوصةِ، وإن أنكرا أصلَ القياسِ وهو الذي اخترناه نحن .
لنا على المنع: أنّه لا يجوز أن ينسخ كتاباً، ولا سنّةً، ولا إجماعاً، بالإجماع ولا قياساً آخر، لأنّ الثاني لابد وأن يترجّح على الأوّل، فحينئذ إمّا أن نقول إنّ القياسَ الأوّل ليس بقياس، لعدم ترجيحه، والترجيح شرط في الاقتضاء، أو نقول: إنّه وإن لزم منه رفع حكمه فهو في معنى النسخ، لكنّه ليس بنسخ لأنّا قلنا: النسخ هو خطاب دالٌّ على الارتفاع .
احتج المخالف 1 بقوله تعالى: (اَلآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ

1 . احتجّ بوجهين، ثانيهما قوله: ولأنّ النسخ، الخ .

صفحه 95
أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ)1 نسخ وجوبَ ثباتِ الواحد للعشرة، وليس مصرّحاً به، وإنّما هو منبّه عليه، وهو نفس نسخ حكم النصّ بالقياس .
ولأنّ النسخ أحد البيانين، فجاز بالقياس كالتخصيص .
والجواب: ليس ثبات الواحد للاثنين الرافع لثبوت الواحد للعشرة مستفاداً من القياسِ، بل من نفس مفهوم اللفظ.
والقياس 2 ينتقض بالإجماعِ ودليلِ العقلِ وخبرِ الواحدِ، فإنّها تُخصِّصُ ولا يُنسخ بها.

تذنيب

استحالة رفع المعلومِ بالمظنون ليس عقليّاً، لإمكان أن يتعبّدنا بنسخ النصّ بالقياس على نصّ آخر، نعم يستحيل أن يتعبّد بنسخ النصّ بقياس مستنبط من ذلك النصِّ لأدائه إلى مناقضته لنفسه، وإنّما دلّ عليه السّمع، كقول معاذ: «أجتهد رأيي»3 بعد فقد النصِّ، وإجماعُ الصحابةِ على ترك القياس لو عارض خبر واحد، فكيف المتواتر؟ لاشتهار قولهم عند سماع خبر الواحد، لولا هذا لقضينا فيه برأينا.

1 . الأنفال: 66 .
2 . إجابةٌ عن الوجه الثاني .
3 . تقدّم تخريج حديث معاذ في الجزء الثاني: 321 .

صفحه 96
في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ   
 
المبحث الثامن: في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ
قد يعلم ذلك باللفظ، وبالتاريخ مع التنافي .
أمّا اللفظ، فـ ] هو [ أن يوجد لفظُ النسخ، فيقال: هذا ناسخٌ لذلك، أو هذا منسوخٌ بكذا، أو نسخ كذا بكذا إمّا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو الإمام، أو الأُمّة كلّها .
وأمّا التاريخ مع التنافي، فبأن يتنافى الحكمانِ بحيث لا يمكن الجمع بينهما مع علم التاريخ، إمّا بأن يتناقضا كقوله تعالى: (اَلآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ)1 فإنّه نسخ ثبات الواحد للعشرة، لأنّ التخفيف نفيٌ للثقل المذكور، أو يتضادّا كالتحويل من قبلة إلى أُخرى لتضادِّ التوجّهِ إليهما .
ويعلم التاريخ تارةً باللفظ، بأن يكون أحد الخبرين قبل الآخر، أو يوجد في اللفظ ما يدلّ على التقديم، مثل: «كنتُ نهيتكم»، (اَلآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ)وتارةً بغيره، وهو وجوه:
الأوّل: أن يقول: هذا الخبر ورد في سنة كذا، والآخر في سنة كذا.
الثاني: أن يُعَلِّق أحدَهُما على زمان معلومِ التقدّمِ، والآخرَ بالعكس، كقوله: كان هذا في غزاة بدر، والآخر في غزاة أُحُد، وهذه الآية نزلت قبل الهجرة، وهذه بعدها .
الثالث: أن يروِيَ أحدَهُما متقدِّمُ الصحبة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويروي الآخرَ

1 . الأنفال: 66 .

صفحه 97
متأخِّرُها، مع انقطاع صحبة الأوّل عند ابتداء صحبة الآخر، بخلاف ما لو دامت .
وهنا طرقٌ ضعيفةٌ.
الأوّل: قال قاضي القضاة:1 إذا وافق أحدُ الخبرينِ حكمَ العقلِ، علمنا تقدّمه، وليس كذلك، لإمكان ابتداء الشريعة بما 2 يخالف الأصل، ثمّ نسخ بما يقتضيه العقل.
الثاني: قال القاضي عبد الجبار أيضاً3: إذا قال الصحابي في أحد الخبرين المتواترين: إنّه كان قبل الآخر، قُبِل ذلك وإن لم يُقْبل قولُهُ في نسخ المعلومِ، كما تُقْبل شهادةُ الاثنين في الإحصانِ الّذي يترتّب عليه الرجمُ، وإن كان لا يُقبل في إثبات الرجم، ويُقبل قولُ القابلة في أنّ الولد من أحد المرأتين، وإن كان يترتّب على ذلك ثبوتُ النّسبِ للولدِ من صاحبِ الفراشِ، مع عدم قبول شهادتها في النسبِ، فلا يمتنع أن لا يتعلّق الحكم بالشّيءِ، ويتعلّق بسبب من أسبابه .
قال أبو الحسين: هذا يقتضي الجواز العقلي في قبول الخبر الواحد في تاريخ الناسخ، ولا يقتضي وقوعَهُ إلاّ إذا بيّن أنّه يلزم من ثبوت أحدِ الحكمينِ ثبوتُ الآخر، وليس كلّ شيء لم يمتنع فهو ثابت لا محالة، بل يحتاج ثبوته إلى دليل .4

1 . نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 417 .
2 . في «ج»: لِما.
3 . نقله عنه في المعتمد: 1 / 418 .
4 . المعتمد: 1 / 418 .

صفحه 98
وفيه نظرٌ، فإنَّ القاضي لم يستدلّ على الثبوتِ بعدم الامتناع، بل ذكر أنّ هذا المانع لا يصلح للمانعية.
الثالث: لو قال الصحابي: كان هذا الحكم ثمّ نسخ، كقولهم: إنّ خبر «الماء من الماء» نُسِخَ بخبر «التقاء الختانين» لم يكن حجّةً، لجواز أن يكون قوله عن اجتهاد .
وفصّل الكرخي فقال: إن عيّن الناسخ فقال: هذا منسوخ بكذا، لم يقبل، لجواز ان يكون قوله عن اجتهاد ولا يجب الرّجوع إليه، وإن لم يُعَيِّن بل قال: هذا منسوخٌ، وجب قوله، لأنّه لولا ظهور النسخ فيه لم يُطْلق .1
وهو باطلٌ، لجواز ظهوره في ظنّه، لا في نفسِ الأمرِ.
الرابع: الاعتبار بكون أحدهما مثبتاً في المصحف بعد الآخر، فإنّ ترتيب الآيات في المصحف ليس على ترتيب النزول، كآية العدة2، ولا يكون تساوي أحدهما من إحداث الصحابة، لأنّه قد ينقل عمن تقدّمت صحبته وإن روى عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من غير واسطة، لجواز أن تكون رواية متقدم الصحبة متأخّرةً، ولا أن يكون إسلام أحدهما أسبق.
في أنّ الناسخ إذا كان مع جبرئيل(عليه السلام) أو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، هل يثبت حكمه أم لا؟   

1 . نقله عنه الرازي في محصوله: 1 / 572 .
2 . فإنّ قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج)، قد ورد في سورة البقرة الآية رقم 240، وفي الوقت نفسه نسخها قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَ عَشْراً) في نفس السورة برقم 234، فقد تقدّم الناسخ على المنسوخ في ترتيب الآيات .

صفحه 99
 
المبحث التاسع: في أنّ الناسخ إذا كان مع جبرئيل(عليه السلام) أو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، هل يثبت حكمه أم لا؟
اتّفق الناس كافّةً على أنّ الناسخ إذا كان مع جبريل(عليه السلام)، لم ينزل به إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يثبت له حكمٌ في حق المكلّفين، بل هم في التكليف بالحكم الأوّل على ما كانوا عليه قبل إلقاء الناسخ إلى جبرئيل(عليه السلام).
واختلفوا فيما إذا ورد النسخ إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبلِّغ الأُمَّةَ، هل يتحقّق النسخ في حقّهم بذلك أم لا؟
ذهب بعض الشافعية إلى الإثبات، وبعضُهُمْ إلى النفي، وبه قالت الحنفيّة وأحمد بن حنبل، والوجهُ الأوّلُ.
لنا وجوهٌ.
الأوّل : التكليف منوطٌ بإذن الشرع وقد ارتفع، فيرتفع لازمه.
الثاني: النسخ إسقاط حقٍّ، لا يعتبر فيه رضا من عليه، فلا يعتبر علمه كالطلاق والعتق.
الثالث: نسخ الحكمِ إباحة تركه الّذي هو حقّ الشارع، فيثبت قبل علم من أُبيح له، كما لو أباح ثمرة بستانه لكلّ داخل، فإنّه يباح للجاهل كالعالم.
الرابع: إذا علم المكلّفُ نسخَ الحكمِ تحقّق رفعه، فإمّا أن يستند الرفع

صفحه 100
إلى النسخِ أو إلى العلم بالنسخ، والثاني باطلٌ، فإنّ العلم غيرُ مؤثِّر في الرفعِ، فيتعيّن الأوّل.
الخامس: النسخ إباحة تركِ الفعلِ بعد إيجابه، أو إباحة فعله بعد حظره، فلا يتوقّف على علم من أبيح له، كما لو قال لزوجته: إن خرجتِ بغير إذني فأنتِ طالق، ثم أذن لها من حيث لا تعلم، فإنّه يثبت حكم الإباحة في حقّ الزّوجة، ولا يقع الطّلاق بخروجها.
احتجّ المخالف بأنّ النسخَ له لازم، وهو ارتفاعُ حكمِ الخطابِ السابقِ، وامتناع الخروج بالفعل الواجب أوّلاً عن العهدة، ولزوم الإتيان بالفعل الواجب الناسخِ، والإثم بتركه، والثواب على فعله، وهذه اللّوازمُ منتفيةٌ، فينتفي ملزومها .
أمّا عدم ارتفاع الحكم السابق، فلأنّ المكلّف يُثاب على فعله، ويخرج به عن العهدة، ويأثم بتركه له قبل بلوغ النسخ إليه، ولهذا فإنّ أهل «قُبا» لمّا بلغهم نسخُ التوجّه إلى بيت المقدسِ بالتوجّه إلى الكعبة استداروا، ولم يأمرهم (صلى الله عليه وآله وسلم)بإعادة ما فعلوه إلى الجهة المنسوخة .
في أنّ الزّيادة على النصِّ هل هي نسخ أم لا؟   
وأمّا عدم لزومِ الخطابِ بالنسخِ للمكلّفِ قبل البلوغ، فلقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً )1، وقوله: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)2 .

1 . الإسراء: 15 .
2 . النساء: 165 .

صفحه 101
ولأنّ المكلّف، لو فعل العبادةَ الّتي ورد بها الناسخ على وجهها، كان عاصياً آثماً غيرَ خارج عن العهدة .1
وفيه نظرٌ، للمنع من الثوابِ على فعله، نعم يُثابُ على عزمِهِ وطاعته وانقياده إلى أوامره تعالى .
ويمنع الإثم بتركه قبل بلوغ النسخ إليه، فإنّه المتنازع، والجاهل بالقبلة لا يعيد صلاته .
ولأنّ التكليف منوطٌ بالعلمِ ولم يعلموا، فصحّت صلاتهم.
والنسخ لا يستلزم التعذيبَ، لاشتراطه بالعلم.

المبحث العاشر: في أنّ الزّيادة على النصِّ هل هي نسخ أم لا؟

اعلم أنّ الزيادة إمّا أن تكون متّصلةً بالمزيد عليه، أو منفصلةً .
والأوّل إمّا أن تكون مؤثِّرةً في المزيد عليه، بأن يعتبر حكمه في الشريعة، حتّى لو وقع مستقلاًّ من دونها لم يعتدّ به، كزيادة ركعتين على ركعتين كما روي أن فرض الصلاة كان ركعتين، فزيد في الحضر .
وإمّا غير مؤثِّرة، كزيادة عشرين على حدّ القاذفِ، والتغريب على حدّ الزاني، والرّجم على حدّ المحصن .
وأمّا المنفصلة فكزيادة صلاة سادسة أو صوم شهر ثان، أو صدقة غير الزكاة .

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3 / 114 .

صفحه 102
وقد اتّفق العلماء كافّةً على أنّ الأخيرة ليست ناسخةً، لأنّها لم ترفع حكماً شرعيّاً، وإنّما جعل أهلُ العراق زيادةَ صلاة سادسة على الصلوات الخمسِ نسخاً، لقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلَوةِ الْوُسْطىَ)1، لأنّه يجعل ماكان وسطى غيرَ وسطى.
واعترضهم قاضي القضاة2 بالتزام أنّ زيادةَ عبادة على آخر العبادات، يكون نسخاً لأنّه يجعل الأخيرة غير أخيرة، ولو كانت الفروض عشراً خرجت عن كونها عشراً .
وفيه نظرٌ، لوقوع الإطلاق الشرعي على الوسطى بذلك، بخلاف ما ذكرتموه، وإنّما الخلاف في القسمين الأوّلين، وهو زيادة الركعتين وزيادة العشرين في الجلد، فقال الشيخان: أبو علي وأبو هاشم وأصحاب الشافعيإنّهما ليسا نسخاً على كلّ حال .
وقال أبو عبد الله البصري وأبو الحسن الكرخي: إنّ الزّيادة نسخ على كلّ حال .
ومنهم من فصّل، فقال السيّد المرتضى3 وقاضي القضاة: إن كانت الزيادة قد غيّرت المزيد عليه تغييراً شرعيّاً حتّى صار المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة على حدّ ما كان يفعل قبلها، كان وجوده كعدمه، ووجب استينافه كان نسخاً، كزيادة الركعتين وإلاّ فلا، كزيادة التغريب .

1 . البقرة: 238 .
2 . نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 406 .
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 444 .

صفحه 103
وقال أبو علي وأبو عبد الله: إن كانت الزيادة مغيّرةً حكم المزيد عليه في المستقبلِ كانت نسخاً، وإن لم تغيّر حكمه في المستقبل بل كانت مقارنة له لم يكن نسخاً، فزيادة التغريب في المستقبل على الحدِّ يكون نسخاً .
فأمّا الزيادة الّتي لا (تنفك عن) 1 المزيد عليه، فنحو أن يجب علينا ستر الفخذ، فيجب علينا سترُ بعض الركبة، ولا يكون وجوب ستر بعضها نسخاً، ولم يجعلوا الزيادة عند التعذّر نسخاً، نحو قطع الرجل السّارق بعد قطع يديه وإحدى رجليه .
وقال قوم: إن كان النصُّ أفاد من جهة دليل الخطابِ أو الشرطِ خلافَ ما أفادَتْهُ الزيادةُ، كانت نسخاً، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «في سائمة الغنم زكاة»2، فإنّه يفيد نفي الزكاة عن المعلوفة بدليل الخطاب، فإذا زيدت الزكاة في المعلوفة، كانت نسخاً .
وقال أبو الحسين ونعم ما قال3: الكلام في الزيادة على النصِّ يقع في مواضع ثلاثة لا رابع لها:
الأوّل: في معنى النسخ.
الثاني: في اسمه.
الثالث: في حكمه .

1 . في النسخ الّتي بأيدينا: تقبل، وما أثبتناه من الإحكام: 3 / 185، المسألة 18.
2 . تقدّم تخريج الحديث في الجزء الثاني: 337 .
3 . المعتمد: 1 / 410 .

صفحه 104
أمّا الأوّل: فبأن يقال هل الزيادة على النصّ تفيد معنى النسخ أم لا؟ والحقّ أنّها تفيده، لأنّ معنى النسخ هو الإزالة، وكلُّ زيادة فهي مزيلة لحكم من الأحكام، لأنّ إثباتَ كلِّ شيء لا أقلّ من أن يقتضيَ زوالَ عدمِهِ الّذي كان، وإنّما يتمّ كلامه هذا لو استعمل النسخ هنا بالمعنى اللغوي.
وأمّا الثاني: فبأن يقال: هل الزيادة على النصّ تسمّى نسخاً أم لا؟ والحقّ أنّ الزائد بهذه الزيادة الّتي كلامنا فيها وهي الزيادة الشرعيّة إن كان حكماً شرعيّاً، وكانت الزيادة متراخيةً عنه، سمّيت الزيادة نسخاً، وسمّي الدليل المثبت لها ناسخاً، وإن كان عقليّاً لم تسمّ نسخاً.
وأمّا الثالث : فبأن يقال: هل يجوز إثبات الزيادة على النصّ بخبر الواحدِ وقياس أم لا؟ والحقّ انّ الزائد إن كان حكماً عقليّاً جاز إثبات الزيادة بخبرِ الواحدِ والقياسِ إلاّ أن يمنع مانعٌ، نحو ان يكون الثابت بالزيادة مما يعمّ به البلوى، فلا يُقبل فيه خبرُ الواحدِ عند بعضهم، أو يكون حدّاً، أو كفّارة، أو تقديراً، فلا يقبل فيه القياسُ عند بعضهم، لا باعتبار النسخ، بل باعتبار أُمور أُخر .
وإن كان شرعيّاً وكان دليل الزيادة متأخِّراً عن ذلك، لم يجز إثباته بالقياسِ، لأنّ القياس المتأخر لا يرفع حكمَ النصّ .
وإن كان خبرَ واحد، وكان الحكمُ المرفوعُ ثابتاً بخبر الواحدِ، جاز أن يقبل في الزيادة .
وإن كان بقطعيٍّ لم تجز إزالته بخبرِ الواحدِ، وإن أجمعت الأُمّة على

صفحه 105
قبول خبر الواحد في ذلك، علمنا أنّه كان مقارناً، وأنّه كان مخصّصاً، فهذا ممّا يتعلّق بالأصل 1، ويتفرع على ذلك أحكام تسعة:
الحكم الأوّل: زيادة التغريب أو زيادة عشرين على جلد ثمانين، لا تزيل حكماً شرعيّاً، بل تنفي وجوبَ الزيادة، وهو معلوم بالعقل، لأنّ إيجابَ الثمانين أعمّ من إيجابها مع نفي الزائد، ومع ثبوته، لصدقه على كلّ أحد من التقديرين، وما به الاشتراك لا يدلّ على ما به الامتياز نفياً ولا إثباتاً، فإيجابُ الثمانينِ لا يدلّ على عدم الزائد، وإنّما عرف نفي الزائد بالبراءة الأصليّة، وهي دليلٌ عقليٌّ، ولم ينقلنا عنه دليلٌ شرعيٌّ، فالمثبت للزيادة لا يرفع حكماً شرعيّاً، فلا يكون نسخاً، ويجوز إثباتُهُ بخبرِ الواحد والقياسِ، إلاّ أن يمنع مانعٌ عن النسخ .
وأمّاكون الثمانين وحدها مجزئةً أوكمال الحدِّ، أو تعليق ردِّ الشهادة عليها، فكلُّ ذلك تابعٌ لنفي وجوب الزيادة، فلمّا كان ذلك النفي معلوماً بالعقل، جاز قبولُ خبرِ الواحدِ فيه، كما أنّ الفروضَ الخمسةَ يتوقف على أدائها الخروجُ عن عهدة التكليف وقبول الشهادة، فلو زيد فيها شيءٌ آخر لتوقّف الخروج عن العهدة وقبول الشهادة على أداء ذلك، مع جواز إثباته بخبر الواحد، فكذا هنا .
أمّا لو قال الله تعالى: «الثمانون كمال الحدِّ، وعليها وحدها يتعلّق ردُّ الشّهادة» لم يقبل في الزيادة خبر الواحدِ والقياس، لأنّ نفيَ وجوبِ الزيادة

1 . في «أ» و «ب»: بالأُصولي.

صفحه 106
ثبت بدليل شرعيٍّ متواتر، فرفعه يكون نسخاً، وكذا لو كان إيجاب الثمانين يقتضي من حيث المفهوم نفيَ الزائد، ويثبت أنّ مفهوم المتواتر لا يجوز نسخه بخبر الواحدِ والقياسِ، لم يجز إثبات الزيادة بخبرِ الواحدِ والقياسِ.
الحكم الثاني: لو أوجب عتقَ رقبة وأطلق، ثمّ قيّدها بالإيمانِ، جرى مجرى التخصيصِ، لأنّه قبل التقييد قد كان يجزئ عتقُ الكافرة، وبه خرج عتقُ الكافرة عن الخطابِ، فإن كان المقتضي لهذا التقييد خبرَ واحد أو قياساً، وكان متراخياً، لم يقبل، لأنّ عمومَ الكتابِ أجاز عتقَ الكافرةِ فتأخّر حظر عتقها هوا لنسخُ بعينه، وإن كانا مقارنين كان تخصيصاً، فجاز، لقبول خبر الواحد والقياس فيه .1
وفيه نظرٌ، لأنّ إجزاء الكافرة لم يثبت بالنصِّ، بل بالنظر الدالِّ على أصالة براءة الذمة من التقييد، فكما أنّ إيجاب الثمانين أعمّ من إيجابها مع ثبوت الزيادة وعدمها، ولا دلالة للعامِّ على الخاصِّ، كذا إيجاب عتق الرقبة أعمّ من إيجابها مقيّدةً بالإيمان أو بالكفر، ولا دلالة للعامِّ على الخاصِّ فلم يكن هذا التقييد نسخاً كالأوّل.
الحكم الثالث: إذا قطعت يد السّارقِ ثمّ سرق، فإباحة قطع رجله الأُخرى رفع لحظر قطعها، وذلك الحظر إنّما يثبت بالعقل، فجاز رفعه بخبر الواحدِ والقياسِ ولم يسمّ نسخاً.
الحكم الرابع: إذا أوجب علينا فعلاً، أو قال: هو واجبٌ عليكم، ثمّ

1 . الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1 / 412 .

صفحه 107
خَيَّرَنا بين فعله وفعل آخر، لم يكن هذا التخيير نسخاً، لأنّه لم يغيِّر حكماً شرعيّاً، بل أزال حظر ترك ما أوجبه علينا، إلاّ أنّ حظر تركه كان معلوماً بالبقاء على حكم العقل، لأنّ قوله: «أوجبت هذا الفعل» يقتضي ترتّب استحقاق الذمّ على تركه، وهذا لا يمنع أن يقوم مقامَهُ واجبٌ آخر، وإنّما يعلم أنّ غيره لا يقوم مقامَهُ، لأنّ الأصلَ أنّه غيرُ واجب، ولو كان واجباً بالشرع لدلّ عليه دليلٌ شرعيٌّ، فصار علمنا بنفي وجوبِهِ موقوفاً على أنّ الأصل نفي وجوبِهِ، فالمثبت لوجوبِهِ إنّما رَفَعَ حكماً عقليّاً، فجاز إثباتُهُ بالقياس أو خبر الواحد، ووافقه1 المرتضى.
وفيه نظرٌ، لأنّه إذا أوجبه فإمّا على صفة التخييرِ أو التضييقِ، فإن كان الأوّل لم يتجدّد شيء وخرج عن الفرضِ، ولأنّه كان يجب عليه أن يبيّنه .
وإن كان الثاني، فقد حرم عليه الترك، وهو حكمٌ شرعيٌّ، فرفعه يكون نسخاً .
ولأنّ الأمر إمّا للوجوبِ، فيفيد حظر تركه شرعاً، وإمّا للندب فيفيد أولويّة الفعل، فرفعهما رفع حكم شرعيٍّ .
وكذا إذا خيّر بين شيئين، ثمّ خير بينهما وبين ثالث، أمّا لو قال تعالى: هذا الفعلُ واجبٌ وحده، أو قال: لا يقوم غيرُهُ مقامَهُ، فإنّ إثباتَ بدل له فيما بعدُ، يرفع حكماً شرعيّاً، لأنّ قوله: «واجب وحده» صريح في نفي وجوبِ غيرِهِ، فالمثبت لغيره يرفع حكماً شرعيّاً، فلا يجوز بخبر الواحد والقياس.

1 . الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1 / 412 .

صفحه 108
وأمّا التضييق بعد التخيير، كإيجاب صوم رمضان عقيب التخيير بينه وبين الفدية، فقال السيّد المرتضى: إنّه نسخٌ، لأنّ أحد المخيّر فيه خرج عن حكمه الشرعيّ1 .
وهو جيّدٌ وقيل: إذا خيّر بين الواجب أوّلاً وغيره كان نسخاً، ولو أثبت بدلاً ثالثاً لما وجبا على التخيير لم يكن نسخاً .2
وليس بجيّد.
الحكم الخامس: الحكم بالشاهد واليمين ليس نسخاً لمقتضى الآية، أمّا أوّلاً، فلأنّ الآية دلّت على جوازالحكم بالشاهدين، والشاهد والمرأتين، وأنّ شهادتهما حجّة، وليس فيه مايدلّ على امتناع الحكم بحجّة أُخرى، إلاّ بالنظر إلى المفهوم ولا حجّة فيه، فرفعه ليس بنسخ، فجاز بخبر الواحد .
وأمّا ثانياً، فلأنّ قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتَانِ)3 خيّر بين استشهاد رجلين، أو رجل وامرأتين، والحكم بالشاهد واليمين زيادةٌ في التخيير وهي ليست نسخاً.
ومن قال: الحكم بالشاهد واليمين نسخٌ لهذه الآية، يلزمه أن يكون الوضوء بالنّبيذ نسخاً لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا).
وأمّا ثالثاً، فقال السيّد المرتضى: الشاهد الثاني شرطٌ ولا يمتنع أن يقوم

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 446 .
2 . لاحظ المعتمد: 1 / 412 .
3 . البقرة: 282 .

صفحه 109
مقام الشرط غيره، وإذا لم تمنع الآية ممّا ورد به الخبر لم يكن فيه نسخ لها .
ثمّ اعترض من نفسه 1 بأنّ الآية تمنع من اليمين مع الشاهد في المعنى، من حيث كانت اليمين قول المدّعي، فجرت مجرى دعواه .
ثمّ أجاب بإمكان أن لا يكون لدعواه حكم، ويكون ليمينه حكم، وإن كانا معاً قولاً له، فإنّ الإنكار لا حكم له، والنكول عن اليمين له حكمٌ، وإن كانا راجعين إلى قوله، وكذا لا حكم لإنكاره في إسقاط الدّعوى واليمين، وليمينه هذا الحكم، فكذا لا يمتنع إذا حلف مع شاهد أن يكون لقوله من الحكم ما لا يكون لدعواه إذا تجرّدت.2
الحكم السادس: إذا زاد ركعة في الصّبح قبل التشهد، لم يكن نسخاً للركعتين، لأنّ النسخ لا يتناول الأفعال، ولا لوجوبهما لبقائه، ولا لإجزائهما، لأنّهما مجزئتان، وإنّما كانتا مجزئتين من دون ركعة أُخرى والآن لا تجزءان إلاّ مع ركعة أُخرى، وذلك تابعٌ لوجوب ضمّ ركعة أُخرى، ووجوبُ ركعة أُخرى ليس يرفع إلاّ نفي وجوبها، ونفي وجوبها حصل بالعقل، فلا يمنع من هذه الجهة قبول خبر الواحد فيه .
نعم انّه يكون نسخاً لوجوب التشهد عقيب الركعتين، وذلك حكمٌ شرعيٌّ معلومٌ بطريقة معلومة، فلا يثبت بخبر الواحد والقياس .
وأمّا إذا زيدت الركعة بعد التشهد وقبل التحلّل، فإنّه يكون نسخاً

1 . في «أ» و «ب»: ثم اعترض نفسه .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 447 ـ 448 .

صفحه 110
لوجوب التحلل بالتسليم، أو ندبه، وذلك حكمٌ شرعيٌّ معلومٌ، فلا يثبت بخبرِ الواحدِ والقياسِ.1
اعترض2: بأنّه قد كان تحريم الزيادة على الركعتين والتحريم حكم شرعيّ، وقد ارتفع بالزيادة .
وأجيب بأنّه يصحّ لو كان الأمر بالركعتين مقتضياً للنهي عن الزيادة عليها، وليس كذلك، بل أمكن أن يكون ذلك مستفاداً من دليل آخر، فزيادة الركعة على الركعتين، ليس بناسخ لحكم الدليل الدالّ على وجوب الركعتين.
وفيه نظرٌ، فإنّ البحث وقع في زيادة تغيير حكم المزيد عليه ولم يقل أنّ الأمر بالركعتين من حيث هو نهيٌ عن الزيادة، بل إيجاب الركعتين وتعقيبهما بالتشهد والتسليم، يقتضي النهيَ عن الزيادة، فيكون نسخاً .
واعترض أيضاً، بأنّ النسخ إنّما هو لإجزاء الركعتين بتقدير انفرادهما، وهو حكمٌ شرعيٌّ .
قيل عليه: معنى الإجزاء الخروج عن عهدة الأمر، ومعنى الخروج عن العهدة، أنّه لا يجب مع فعلها شيء آخر، وليس ذلك حكماً شرعيّاً، ليكون رفعه نسخاً، بل هو من مقتضيات النفي الأصلي.3

1 . الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1 / 413 .
2 . نقله الآمدي في الإحكام ولم يسمّ قائله، ثمّ أجاب عنه كماترى. لاحظ الإحكام: 3 / 118 .
3 . لاحظ الإحكام للآمدي: 3 / 118 .

صفحه 111
قال السيّد المرتضى: هذه الزيادة غيّرت الأحكامَ الشرعيّةَ، لأنّه لو فعل بعد زيادة الركعتين1 على ما كان يفعلهما عليه أوّلاً، لم يكن لهما حكمٌ، وكأنّه ما فعلهما، ومع هذه الزيادة يتأخّر ما يجب من تشهّد وسلام، ومع فقد ] هذه [ الزيادة لا يكون كذلك .
ولا يلزم أن يقال: كلّ جزء من الصلاة له في استحقاق الثواب حكم نفسه، ولا يقف على غيره، لأنّ النسخ إنّما يدخل في الأحكام الشرعيّة، واستحقاقُ الثوابِ عقليٌّ، وعلى هذا لو زاد في زمان الصّوم زيادةً كانت ناسخةً.
فأمّا زيادةُ ركن على أركان الحجّ، فليس يبين فيه أنّه يكون نسخاً، لانفصال بعضِ أركانِ الحجّ من بعض، بخلاف الصّومِ والصّلاةِ.2
الحكم السّابع: زيادةُ غسل عضو في الطهارة ليست بنسخ لإجزائها ولا لوجوبها، وإنّما هو رفع لنفي وجوب على ذلك العضوِ، وذلك النفي معلومٌ بالعقلِ، وذلك ابتداء عبادة، وكذا زيادة شرط آخر في الصلاة ليست نسخاً لوجوب الصلاة.
وأمّا كونها غيرَ مجزئة بعد زيادة الشرط الثاني فهو تابعٌ لوجوب ذلك الشرط وإجزاؤها تابع لنفي وجوبه، ونفي وجوبه لم يعلم بالشرع، فكذا ما يتبعه، فجاز قبولُ خبرِ الواحدِ فيه، هذا إن لم يكن قد علمنا نفي وجوب

1 . كذا في المصدر، ولكن في النسخ الّتي بأيدينا: «الرّكعة» .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 444.

صفحه 112
هذه الأشياء من دين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) باضطرار، أمّا لو علمناه صار معلوماً من جهة الشرع، فلا يثبت رفعه بخبر الواحد والقياس.
الحكم الثامن: قوله تعالى: (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)1 يفيد كونَ أوّلِ اللّيلِ طرفاً وغايةً للصيام، كما يفيده لو قال: «آخرُ الصيام وغايتُهُ الليلُ» لأنّ لفظة «إلى» للغاية وضعاً، فإيجاب الصوم إلى غيبوبة الشفق يخرج أوّله من كونه طرفاً، مع أنّ الخطابَ أفاده، فيكون نسخاً لا يُقْبل فيه خبرُ الواحدِ والقياس، لأنّ نفيَ وجوبِ صومِ أوّلِ اللّيل معلومٌ بدليل قاطع .
أمّا لو قال: «صوموا النهار» ثمّ ورد الخبرُ بإتمام الصّومِ إلى غيبوبة الشفقِ، لم يكن نسخاً، لأنّ النصَّ لم يتعرّض في الليل بالصوم ولا بعدمه، وإنّما نفينا صوم الليل بالأصل .2
وفيه نظرٌ، فإنّه لا فرق بين «صوموا النّهار» وبين «صوموا إلى الليل» في أنّ كلَّ واحد منهما أوجبَ الصومَ إلى اللّيل، وهو أعمّ من تحريمه بعده وتسويغه عقلاً، نعم إن قلنا: الحكم فيما بعد الغاية يجب أن يخالف ما قبلها، كان قوله: «صوموا إلى الليل» نسخاً بخلاف «صوموا النهار» .
والتحقيق: أنّ الغاية هنا إن كانت للصومِ كان إيجابُهُ بعدها نسخاً، وإن كان لوجوبه لم يكن نسخاً.
الحكم التاسع: لو قال: «صلّوا إن كنتم متطهِّرين» جاز أن يثبت بشرط

1 . البقرة: 187 .
2 . الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1 / 414 .

صفحه 113
آخر في الصلاة بخبر الواحد، لأنّ إثبات بدل للشرط لا يُخرجه عن كونه شرطاً، لإمكان تعدّد شرط الحكم الواحد، بخلاف إثبات صوم جزء من الليل، لأنّه يخرج أوّل اللّيل عن كونه غايةً، فأمّا نفي كون الشرط الآخر شرطاً، فلم يعلم إلاّ بالعقل فلم يكن رفعُهُ رفعاً لحكم شرعيٍّ .
وكذا قوله تعالى: (وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)1 مقتض لوجوب الطواف مطلقاً مع الطهارة وبدونها، فإيجاب الطهارة من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الطواف بالبيت صلاة»2 ليس نسخاً لوجوب الطواف لبقائه، ولا لإجزائه، لأنّه لم يجزئ لوجود الشرط، وفي الأوّل قد كان مجزئاً، لعدم الشرط الثابت بالأصل، ولا لدلالة الأمر على عدم الشرط، لثبوته بالأصل، ولهذا منعت الإماميّةُ والشافعي من الإجزاء، للحديث.
وأبو حنيفة لمّا لم يَسَعْهُ مخالفةُ الخبر، قال بوجوب الطهارة، مع بقاء الطواف مجزئاً من غير طهارة، حيث اعتقد أنّ رفعَ الإجزاء نسخٌ للكتاب بخبر الواحد .
احتجّ القائلون: بأنّ زيادة التغريب على الحدِّ نسخٌ، بوجوه:
الأوّل: الجلد قد كان قبل الزيادةِ كمالَ الحدِّ، فصار بعدها بعضه، فقد أزالت الزيادة كونَ الجلدِ كمالَ الحدِّ.
الثاني: الجلد قد كان وحده مجزئاً، وبعد الزيادة غيرُ مجز بانفراده، فزال الإجزاء بالزيادة.

1 . الحجّ: 29 .
2 . تقدّم تخريج الحديث في الجزء الثاني: 422 .

صفحه 114
الثالث: الجلد وحده كان يتعلّق به ردّ الشهادة، فلمّا زيد التغريب، صار لا يتعلّق به وحده .
والجواب عن الأوّل: معنى أنّه كمال الحدِّ عدم ضمِّ غيره إليه، ومعنى أنّه بعضُ الحدِّ وجوبُ ضمِّ غيرِهِ إليه، فقولهم: هذه الزيادة نسخٌ لأنّها صيّرت الجلدَ بعضَ الحدِّ الواجبِ فعله، معناه انّما كانت الزيادة نسخاً، لأنّها زيادة، فمعنى العبارتين واحد .
وأيضاً، الكلُّ والبعضُ من أحكام العقلِ دون الشرعِ .
اعترضه أبو الحسين بأنّ الكلَّ والبعضَ في الجملة يعلمان بالعقل، أمّا كون الشيءِ كلَّ الحكمِ الشرعيِّ أو بعضَهُ، فإنّما يعلم بالشرع .1
وفيه نظر، فإنَّ الكلَّ والبعضَ مطلقانِ إلى أيّ شيء أُضيفا، سواء أُضيفا الى الحكم الشرعيّ أو غيره من أحكام العقل، ولا يصيرانِ شرعيَّيْنِ باعتبار إضافتهما إلى الحكم الشرعيّ.
وعن الثاني: أنّ معنى عدّ الإجزاء وجوب ضمّ شيء آخر إليه فيعود إلى تعليل الشيء بنفسه. وأيضاً لو كانت زيادة التغريب نسخاً لجاز أن يقدر وجوده لا إلى بدل، وهو غير ممكن هنا .
اعترضه أبو الحسين2 بأنّه ليس بجواب بل هو استئناف دليل، وهو مع ذلك غير صحيح، لأنّ النسخ هو الإزالة، فالخصم يقول: قد يجوز إزالة

1 . المعتمد: 1 / 407 .
2 . المعتمد: 1 / 407 .

صفحه 115
اجزاء الثمانين لا إلى بدل أصلاً، وقد يجوز إزالته إلى بدل غير الثمانين، وقد يجوز إزالته بزيادة على الثمانين، ولا يجوز إزالته بالزيادة على الثمانين إلى بدل الثمانين، لأنّ في قولنا: «زيادة على الثمانين» إثبات للثمانين، فإسقاطها إلى بدل حينئذ متناقض.
وعن الثالث: بأنّ ردَّ الشّهادةِ إنّما يتعلّق بالقذف لا بإقامة الحدّ كما يتعلق بفعل سائر الكبائر.
سلّمنا، لكن زيادة التغريب قد نسخ تعلّق ردّ الشهادة بالجلد، لا أنّه نسخ الجلد.
سلّمنا، ردّ الشهادة يتعلّق بما هو حدّ، فتغيُّرُ الحدّ إلى زيادة أو نقصان لا يرفع تعليق ردّ الشهادة بما هو حدٌّ، كما أنّ تغيّر العدّة بزيادة أو نقصان لا يرفع تعلّق أحكامها ] بها [، ومعلوم أنّ الفروض لو كانت خمساً لوقف قبول الشهادة على أدائها، فلو زيد فيها لوقف على الفرض السادس، ولم يوجب نسخاً .
اعترضه أبو الحسين بأنّه لو زيد في مدّة العدّة، لكان نسخاً لتعلّق أحكامها بالمدة المزيد عليها، ولو زيد في الفرائض ] فرض[ آخر، لنسخ تعلّق قبول الشهادة بأداء تلك الفرائض وحدها، لا أنّه يكون نسخاً للفرائض.1

1 . المعتمد: 1 / 408 .

صفحه 116
في أنّ النقصان هل هو نسخ أم لا؟   
 
المبحث الحادي عشر: في أنّ النقصان هل هو نسخ أم لا؟
اتّفق الناس كافّةً على أنّ النقصانَ من العبادة نسخ لما اسقط، وعلى أنَّ نسخ ما لا يتوقف عليه صحّةُ العبادةِ لا يكون نسخُهُ نسخاً للعبادة، كما لو أوجب الصلاةَ والزكاةَ، ثمّ نسخ إحداهما، وكما لو نسخ سنّةً من سنن العبادة، كنسخ ستر الرأس، أو الوقوف على يمين الإمام .
لكن اختلفوا في أنّ نسخ ما يتوقّف عليه صحّة العبادةِ هل يكون نسخاً لتلك العبادة أم لا ؟
فذهب أبو الحسين البصري،1 وأبو الحسن الكرخي إلى أنّه لا يكون نسخاً للعبادة، سواء كان المنسوخ جزءاً من مفهوم العبادة، كالركعة من الصلاة أو شرطاً خارجاً، كالوضوء .
وذهب قوم من المتكلّمين إلى أنّه نسخٌ للعبادة مطلقاً، وإليه مال الغزالي.2
ومنهم من فصّل، فأوجب نسخ العبادة بنسخ جزئها دون شرطها، وهو قول القاضي عبد الجبار3.
وقال السيد المرتضى: إن كان ما بقي من العبادة بعد النقصان لو فعل لم

1 . لاحظ المعتمد: 1 / 415 .
2 . لاحظ المستصفى: 1 / 221 .
3 . نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 415 .

صفحه 117
يكن له حكم في الشريعة ولم يجر مجرى فعله قبل النقصان، فهو نسخٌ كما لو نقص من الصّلاة ركعة، وإن لم يكن كذلك لم يكن نسخاً، كما لو نقص من الحدّ عشرين .1
والحقُّ الأوّلُ.
لنا أنّ المقتضي للكلّ كان متناولاً للجزأين معاً، فخروج أحدهما لا يقتضي نسخَ الجزءِ الآخر، كسائر أدلّة التخصيص .
ولأنّ نسخَ الوضوءِ ليس نسخاً لصورة الصلاة، لأنّ النسخَ رفعُ الأحكام دون صورة الأفعالِ، ولا لحكم من أحكامها، لبقاء وجوبها وإجزائها وكونها عبادةً، نعم الزائل نفي الإجزاء مع فقد الطهارة، فإنّه تابعٌ لسقوط وجوب الطهارة، وكذا نسخ ركعة ليس نسخاً لباقي الرّكعات، لأنّ النسخ لا يتناول صورةَ الفعلِ، ولا لوجوب باقي الركعات، ولا لكونها شرعيّة ومجزئة لبقاء ذلك كلّه، نعم يرتفع وجوب تأخير التشهد ونفي إجزائها من دون الركعة، فإن كانت الركعة لما نسخت أوجب علينا إخلاء الصلاة منها ارتفع إجزاء الصلاة إذا فعلناها مع الركعة المنسوخة، وإجزاء الصلاة مع الركعة قد كان حكماً شرعيّاً فجاز أن يكون رفعه نسخاً، لا للعبادة بل للمرتفع خاصّة، وهي الأحكام المذكورة التابعة للركعة الباقية وهي مغايرةٌ لذاتها، فكان نسخها مغايراً لنسخ تلك الذات.
احتجّ المرتضى(2): بأنّ نسخَ الركعةِ يقتضي نسخَ وجوبِ أصل

1 و 2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 452 .

صفحه 118
العبادة، لا أنّه نسخ للبعضِ وإبقاء للباقي، فإنّ الركعتين الباقيتين ليست بعض الثلاث، بل هي عبادة أُخرى، وإلاّ لكان من صلى الصّبح ثلاثاً آتياً بالواجبِ وزيادة، كما لو وجب أن يتصدّق بدرهم، فتصدّق باثنين .
والجواب: إن أراد 1 بالمغايرة أنّها بعض منها، والبعض مغايرٌ للكلِّ، فهو مسلّمٌ، ولكن لا يكون نسخاً للركعتين وإن كان نسخاً لوجوب الكلّ من حيث هو كلٌّ، وإن أراد أنّها ليست بعضاً من الثلاث فهو غير مسلّم .
قوله: «وإلاّ لكان من صلّى الصبح ثلاثاً قد أتى بالواجب وزيادة» .
قلنا: ولو لم يكن بعضاً من الواجبِ الأوّل بل عبادة أُخرى افتقر في وجوبها إلى ورود أمر يدلّ على وجوبها، وهو خلاف الإجماع وإنّما لم يصحّ الصّبح عند الإتيان بثلاث، لإدخال ما ليس من الصلاة فيها.

تذنيبات

الأوّل: نسخ الطهارة بعد إيجابها غير مقتض لنسخ الصّلاة عند السيّد2 أيضاً، لأنّ حكم الصّلاة باق على ما كان عليه من قبل، ولو كان نسخُ الطهارة يقتضي نسخَ الصّلاةِ، لوجب مثله في نجاسة الماء وطهارته، وقد علمنا ان تغيّر أحكام نجاسة الماء وطهارته لا يقتضي نسخَ الطهارة، لأنّه إنّما قيل له: تطهّر بالماء الطاهر، ثمّ بالماء الطاهر منه، والماء النجس موقوف

1 . تقتضي المقابلة أن يقول: «إن أراد» كما أثبتناه ولكن النسخ الّتي بأيدينا اتّفقت على «إن أردت».
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 453 .

صفحه 119
على البيانِ، وقد يتغيّر بزيادة ونقصان، ولا يتعدّى ذلك التغيّر إلى نسخ الطهارة، بخلاف نقصان الركعة، لأنّ الصلاة بعد النقصان قد تغيّر حكمها الشرعي، ولو فُعِلَتْ على الحدّ الذي كانت تُفْعل عليه من قبل، لم تجز، فجملتها عنده منسوخة.
الثاني: نسخ القبلة، قال الكرخي: إنّه ليس بنسخ للصّلاة، وبه قال أبو الحسين البصري .1
وقال قاضي القضاة: إنّه نسخ لها 2، وإن كان نسخ الشرط المنفصل عنده ليس نسخاً للمشروط .
وفصّل المرتضى جيّداً فقال: إن نسخ بالتوجّه إلى جهة أُخرى، كالتوجّه إلى بيت المقدس، نسخ بالكعبة، كان نسخاً للصلاة، لأنّه لو أوقع الصلاة إلى بيت المقدس على حدّ ما كان يفعله أوّلاً، لم يكن له حكمٌ، وكان وجوده في الشرع كعدمه، وإن أسقط وجوب التوجّه إليها، وخيّر فيما عداها من الجهات، لاستحالة خلوّ الصلاة من توجّه إلى جهة ما، فإن حرم عليه التوجّه إلى الجهة الأُولى، كان نسخاً للصلاة، لأنّه لو أوقعها على الحدّ الّذي كان يفعلها أوّلاً لم يجز، فصارت منسوخةً، وإن نسخ وجوب التوجّه بأن خيّر في جميع الجهات، لم يكن نسخاً للصّلاة، لأنّه لو فعلها على الحدّ الّذي كان يفعلها عليه من قبل، لكانت صحيحةً، وإنّما نسخ التضييقُ بالتخيير.3

1 . المعتمد: 1 / 414 ـ 415 .
2 . نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 415 .
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 454 ـ 455.

صفحه 120
الثالث: قال الكرخي1: نسخ صوم عاشوراء ليس نسخاً للصوم أصلاً وقال عند ذلك: إنّ ما كان من شروط الصوم وما لم يكن من شروطه، لا يلحقه النسخ، فلذلك لَمّا جاز صوم عاشوراء بنّية غير مبيّتة، لم يكن ذلك منسوخاً، وثبت مثله في شهر رمضان .
وقال أبو الحسين: «إنّ نسخ صوم عاشوراء نسخ للصّوم، لعدم وجوب الصّوم في غير ذلك اليوم، فرفع وجوبه فيه يقتضي رفع وجوبه على الإطلاقِ، لأنّه لم يبقَ وقت آخر كان الصّوم واجباً فيه، ولو قيل: «لا تصلّوا في هذا اليوم» ثمّ قيل: «لا تصلّوا فيه، وصلّوا في يوم غيره» كانت الصلاة الأُولى قد نسخت وتوجّه إلينا إيجاب عبادة أُخرى بأمر آخر، فكذا نسخ صوم عاشوراء برمضان .
وإذا كانت جملة الصّوم قد نسخت، لم تبق شروطه، ولم يجب أن تكون شروط الصوم الثاني هي شروط الصوم المنسوخ، لإمكان اختلاف العبادات في الشروط .
وقول أبي الحسن الكرخي: «النسخ يتناول الوقت» ليس بصحيح، لأنّ النسخ يرفع أحكامَ الأفعال دون الأوقات».2
***

1 . نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 414 .
2 . المعتمد: 1 / 416. نقله المصنّف باختلاف يسير.

صفحه 121
وبذلك يفهم أنّ الحديث الذي جاء فيه«لاضرر ولاضرار على مؤمن» لايفيد تخصيصاً لعموم حرمة الإضرار بالغير، بل يفيد تأكيداً على حرمته بالنسبة إلى المؤمنين.
43. وعن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إذا طلّق الرجل المرأة وهي حبلى أنفق عليها حتّى تضع حملها وإذا وضعته أعطاها أجرها ولايضارّها إلاّ أن يجد من هو أرخص أجراً منها، فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحقّ بابنها حتّى تفطمه».1
44. الحسن بن عليّ العسكري(عليهما السلام) في تفسيره عن أبان، عن علي بن الحسين (عليهما السلام)قال:«(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في الْقَتْلى)يعني المساواة وأن يسلك بالقاتل في طريق المقتول المسلك الّذي سلكه به من قتله (اَلْحُرُّ بِالحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى) تقتل المرأة بالمرأة إذا قتلتها (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَيْءٌ) فمن عفا له القاتل ورضى هو وليّ المقتول أن يدفع الدّية عفا عنه بها (فَاتِّبَاعٌ) من الوليّ مطالبة (بِالمَعْروفِ)وتقاصّ (وَأَدَاءٌ)من المعفوّ له القاتل (بِإِحْسَان)لايضارّه ولا يماطله لقضائها (ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ )» .2
45. وبإسناده عن حمّاد، عن حريز أنّ أبا عبد اللّه(عليه السلام) قال:«كان علي(عليه السلام)إذا ساق البدنة ومرّ على المشاة حملهم على البدنة، وإن ضلّت راحلة رجل ومعه بدنة ركبها غير مضرّ ولا مثقل».3

1 . الوسائل: 15، الباب 82 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث2.
2 . الوسائل : 19، الباب 19 من أبواب قصاص النفس، الحديث8.
3 . الوسائل: 10، الباب 34 من أبواب الذبح ، الحديث2.

صفحه 122
46. وباسناده عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «كان عليّ (عليه السلام) يحلب البدنة ويحمل عليها غير مضرّ».1
47. وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إن نتجت بدنتك فاحلبها مالم يضرّ بولدها ثمّ انحرهما جميعاً، قلت: أشرب من لبنها وأسقي؟ قال: نعم».2
ويستفاد من الأحاديث الثلاثة الأخيرة مرجوحيّة الإضرار ـ على الأقلّ ـ حتى بالنسبة إلى الدّوابّ، فضلاً عن بني آدم.
48. روى الشيخ أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني أنّه قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «خصلتان ليس فوقهما من البرّ شيء: الإيمان باللّه والنّفع لعباد اللّه، وخصلتان ليس فوقهما من الشرّ شيء: الشرك باللّه والضرّ لعباد اللّه».3
49. عن الشيخ الصدوق في «الخصال» قال: حدّثني محمّد بن علي ماجيلويه (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدثني سهل بن زياد الآدمي، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن إبراهيم النوفلي رفعه إلى (الإمام الصادق) جعفر بن محمّد (عليهما السلام)أنّه ذكر عن آبائه (عليهم السلام)أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كتب إلى عمّاله:
«أدِقُّوا أقْلامَكُمْ، وَ قارِبُوا بَينَ سُطورِكُمْ، وَاحذِفُوا عنّي فُضُولَكُم،

1 . الوسائل: 10، الباب 34 من أبواب الذبح، الحديث 4.
2 . الوسائل: 10، الباب 34 من أبواب الذبح، الحديث 6.
3 . تحف العقول :35، ط دار الكتب الإسلامية ـ طهران سنة 1376 هـ .

صفحه 123
واقْصُدُوا قَصدَ المَعاني، وَ إيّاكُم والإكثارَ فإنّ أموالَ المُسلمينَ لاتحتَمِلُ الإضرارَ».1
هذا كلّه ممّا ورد في كتب الخاصّة وقد عثرنا على أحاديث توافق هذا المضمون في كتب العامّة وهي كما يلي:
50. روى البخاري: وقال اللّه تعالى:(وَ الوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَينِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ـ إلى قوله: ـ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير) ، وقال: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً) ، وقال:(وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَة مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ـ إلى قوله :ـ بَعْدَ عُسْر يُسْراً) .
وقال يونس عن الزّهري: نهى اللّه أن تضارّ والدة بولدها، وذلك أن تقول الوالدة: لستُ مرضعته، وهي أمثل له غذاءً وأشفق عليه وأرفق به من غيرها، فليس لها أن تأبى بعد أن يُعطيها من نفسه ما جعل اللّه عليه، وليس للمولود أن يضارّ بولده والدته، فيمنعها أن تُرضعه ضراراً لها إلى غيرها، فلا جناح عليهما أن يسترضعا عن طيب نفس الوالد والوالدة...».2
51. روى أبو داود: حدّثنا عبدة بن عبد اللّه، قال: أخبرنا عبد الصمد: ثنا نصر بن علي الحدّاني: ثنا الأشعث بن جابر: حدثني شهر بن حوشب أنّ أبا هريرة حدّثه أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة اللّه ستّين سنة، ثمّ يحضرهما الموت فيضارّان في الوصيّة فتجب لهما النار» فقال: وقرأ عَلَيّ أبو هريرة من هاهنا (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْرِ مُضار)

1 . نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، باب الكتب :4/30.
2 . صحيح البخاري :7 /83، كتاب النفقات، ط.مطابع الشعب سنة 1378.

صفحه 124
حتّى بلغ (وَ ذلِكَ الْفَوْزُ العَظيم)» .1
52. روى الإمام مالك: عن ثور بن زيد الدِّيلي: أنّ الرجل كان يطلّق امرأته ثمّ يراجعها، ولا حاجة له بها، ولايريد إمساكها، كيما يطوِّل بذلك عليها العدّة ليضارّها. فأنزل اللّه تبارك وتعالى:(ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) يعظهم اللّه بذلك.2
53. روى أبو دواد عن أبي صرمة صاحب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «مَن ضارّ أضر اللّه به، ومن شاقّ شاق اللّه عليه».
ورواه الترمذي وابن ماجة وابن حنبل باختلاف يسير، فقد روى الترمذي «ضارّ اللّه» مكان «أضرّ اللّه» وروى الأخيران «شقّ اللّه عليه» مكان «شاق اللّه عليه».3
54. روى الترمذي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ملعون من ضارّ مؤمناً أو مكر به».4

ب . التحريم غير المباشر:

ونعني به ما يستفاد من الأحاديث الآتية التي قد عبّر عن الموضوع

1 . سنن أبي داود :2/102، كتاب الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصيّة، ط.الأُولى سنة 1371 هـ، مصطفى البابي بمصر.
2 . موطأ الإمام مالك :403، ط: العاشرة سنة 1407، دار النفائس ـ بيروت.
3 . سنن أبي داود:3/315، كتاب الأقضية، الحديث 3635; وصحيح الترمذي:4/332، الباب 27، من كتاب البر والصّلة، الحديث 1940; وسنن ابن ماجة :2/784،ط: دار إحياء التراث العربي، الحديث 2342; ومسند أحمد بن حنبل :3/453.
4 . صحيح الترمذي :4/332، الباب 27، من كتاب البر والصدقة، الحديث 1941.

صفحه 125
بعبارة تُلازم التحريمُ أو بما يكون التحريم فيه أمراً مفروغاً عنه وما إلى ذلك.
55. روى الكليني عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الشيء يوضع على الطّريق فتمرّ الدابّة فتنفر بصاحبهــا فتعقـره ـ والعقر هو الجرح ـ؟ فقال: «كلّ شيء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه».1
56. روى الشيخ بسنده عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام)«مَن أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن».2
57. ما رواه الكليني مرسلاً عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن قوم لهم عيون في أرض قريبة بعضها من بعض فأراد رجل أن يجعل عينه أسفل من موضعها الذي كانت عليه، وبعض العيون إذا فعل بها ذلك أضرّ بالبقية من العيون وبعضها لا يضر من شدة الأرض. قال: فقال: «ما كان في مكان شديد فلايضر، وما كان في أرض رخوة بطحاء فإنّه يضر» وإن عرض رجل على جاره أن يضع عينه كما وضعها وهو على مقدار واحد؟ قال:«إن تراضيا فلايضر، وقال: يكون بين العينين ألف ذراع».3
والحديث بصدد إعطاء ضابطة كلّية وهي أنّ الإضرار بالغير، غير جائز، وأنّ المقياس في التصرّف في العيون عدم الإضرار بالغير. وما ذكره من كونه ألف ذراع في الأراضي الرخوة، وخمسمائة ذراع في الصلبة محمول على الغالب، ويؤيّد ذلك الأحاديث الآتية:
58. روى الكليني عن محمد بن الحسن ]الحسين خ ل[ قال: كتبت إلى

1 . الوسائل: 19، الباب 9 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1.
2 . الوسائل : 19، الباب 8 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2.
3 . الوسائل: 17، الباب 13 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.

صفحه 126
أبي محمّد(عليه السلام): رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن يحفر قناة أُخرى إلى قرية له،كم يكون بينهما في البعد حتى لاتضر إحداهما بالأُخرى في الأرض إذا كانت صلبة أو رخوة؟ فوقّع(عليه السلام):«على حسب أن لاتضر إحداهما بالأُخرى إن شاء اللّه».1
59. روى الكليني عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في رجل أتى جبلاً فشقّ فيه قناة جرى ماؤها سنة ثمّ إنّ رجلاً أتى ذلك الجبل فشقّ فيه قناة أُخرى، فذهبت بماء قناة الأوّل؟ قال: «فقال: يتقاسمان ]يتقايسان [بحقائب البئر ليلة ليلة فينظر أيتها أضرّت بصاحبتها فإن رأيت الأخيرة أضرّت بالأُولى فلتعور».2
وذكر المعلّق على الوسائل أنّ الصحيح «بعقائب البئر» والعقيب: كلّ شيء أعقب شيئاً، والمراد هنا النوبة بأن يمسك كلّ واحد منهما عن إجراء الماء، ليلة هذا وليلة ذاك، فإن أوجب سدّ مجرى إحداهما كثرة ماء الأُخرى تبين إضرارها بها.
ولو كانت النسخة «الحقائب» فالمراد منها الظروف، قال الشاعر:3
أكارم يروي الغيث والليث عنهم *** إذا وهبوا ملء الحقــائب أوهبوا
وفسّره في المجمع بـ «اعجاز البئر».
60. الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد(ابن خالد أو ابن عيسى) عن

1 . الوسائل: 17، الباب 14 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.
2 . الوسائل :17، الباب 16 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1.
3 . هو العلامة الأديب الشيخ مصطفى التبريزي (قدس سره) .

صفحه 127
ابن فضال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل، ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر؟فقال: «الجد أولى بذلك مالم يكن مضارّاً، إن لم يكن الأب زوّجها قبله».1
ولا يخفى أنّ الإمام(عليه السلام) في مقام بيان عدم نفوذ ولاية الجد على الجارية إذا كان مضارّاً بها وليس في مقام بيان حرمة الإضرار.
إلاّ أنّه يفهم من الحديث أنّ حرمة الإضرار أمر مفروغ عنه، ولو لم يكن الإضرار بالجارية حراماً لما وجد وجه لعدم نفوذ ولاية الجدّ عليها، إن لم يكن الأب زوّجها قبله.
61. روى السكوني عن جعفر بن محمّد، عن أبيه(عليهما السلام) قال: «قال علي ّ(عليه السلام): من أوصى ولم يحف ولم يضار، كان كمن تصدّق به في حياته».2
62. في البحار عن «أمالي الطوسي» عن المفيد، عن عليّ بن الحسين البصريّ، عن أحمد بن عليّ بن مهدي، عن أبيه، عن الرّضا(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام)قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب ويضاعف الحسنات، وإنّ اللّه ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد، إلاّ ما كان منهم فيها على إضرار وظلم للمؤمنين».3
وهذا الحديث لايدلّ على عدم حرمة الإضرار بغير المؤمنين من العباد، بل يدلّ على أنّ اللّه يتحمّل عن المحبّ لأهل البيت تبعة إضراره بهم، ولو كان

1 . الوسائل :14، الباب 11 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.
2 . الوسائل :13، الباب 5 من أبواب الوصايا ، الحديث 2.
3 . بحار الأنوار:65 /100.

صفحه 128
الإضرار بهم حلالاً، لما كان له تبعة حتّى يلزم أن يتحمّلها اللّه عنهم، مضافاً إلى أنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «يكفّر الذنوب» قرينة على أنّ ذلك الإضرار ذنب كفّره اللّه عنهم، وأمّا الإضرار بالمؤمنين فهو حرام للغاية بحيث لايضمن اللّه تحمّل تبعته عن المحبّين.
63. وروى الكليني بالإسناد عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه سئل عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه؟ فقال: «إن كان مضارّاً كلّف أن يعتقه كلّه، وإلاّ استسعى العبد في النصف الآخر». ورواه الصدوق بإسناده عن حمّاد. ورواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن يعقوب مثله.1
64. روى الشيخ بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل ورث غلاماً وله فيه شركاء فأعتق لوجه اللّه نصيبه؟ فقال: «إذا أعتق نصيبه مضارّة وهو موسر ضمن للورثة، وإذا أعتق لوجه اللّه كان الغلام قد أعتق من حقّه من أعتق ويستعملونه على قدر ما أعتق منه له ولهم، فإن كان نصفه عمل لهم يوماً وله يوماً، وإن أعتق الشّريك مضارّاً وهو معسر فلا عتق له; لأنّه أراد أن يفسد على القوم ويرجع القوم على حصصهم».2
قال الحر العاملي : أقول: هذا ظاهره عدم قصد القربة بالكلّية، وقد تقدّم ما يدلّ على بطلان هذا العتق.
وترتيب الأحكام الوضعية ـ في الحديثين الأخيرين ـ على الذي أعتق نصيبه من العبد مضارّة، من قبيل تكليفه بعتق العبد كلّه وضمانه للورثة، يدلّ على أنّ العتق المقرون بالمضارّة عمل حرام وإلاّ لم يكن وجه لمعاقبته

1 . الوسائل: 16، الباب 21 من أبواب كتاب العتق، الحديث 2.
2 . الوسائل: 16، الباب 21 من أبواب كتاب العتق، الحديث 12.

صفحه 129
بترتيب تلك الأحكام.
65. روى الكليني بإسناده عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سمعته يقول:...قال: «وإنّما الطّلاق ما أُريد به الطّلاق من غير استكراه ولاإضرار على العدّة والسنّة على طهر بغير جماع، وشاهدين، فمن خالف هذا فليس طلاقه ولايمينه بشيء ،يردّ إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ».
ورواه الشيخ باسناده عن عليّ بن الحسن بن فضّال، عن محمّد بن عليّ، عن ابن محبوب مثله.1
الظاهر أنّ المقصود من الإضرار على العدّة، هو أن يطلّق الرجل زوجته، فإذا دنا أجل العدّة يرجع بها ثمّ يطلّقها من جديد، ويعمل ذلك مراراً للإضرار بالزوجة، وهذا فعل حرام قد نهى اللّه عنه كما سبق البحث حوله في فصل «الضرر والضرار في الكتاب العزيز»، وقد رتّب في هذا الحديث عدم صحّة الطّلاق الذي يوقع بذلك الشكل.
66. وباسناده عن سماعة قال: سألته(عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته وهو مريض؟ قال: «ترثه ما دامت في عدّتها وإن طلّقها في حال إضرار فهي ترثه إلى سنة، فإن زاد على السنة يوماً واحداً لم ترثه وتعتد منه أربعة أشهر وعشراً عدّة المتوفّى عنها زوجها».
ورواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد ورواه الصدوق بإسناده عن زرعة مثله إلى قوله: «لم ترثه».2
67. روى الكليني باسناده عن حمران في حديث قال: قال أبو

1 . الوسائل: 15، الباب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه ، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 15، الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث 4.

صفحه 130
جعفر (عليه السلام):«لايكون ظهار في يمين، ولا في إضرار، ولا في غضب...».1
68. روى الصدوق باسناده عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن العلّة الّتي من أجلها لاتحلّ المطلّقة للعدّة لزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره؟ فقال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما أذن في الطّلاق مرّتين فقال:(الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسان)يعني في التطليقة الثالثة، فلدخوله فيما كره اللّه عزّ وجلّ من الطّلاق الثالث حرّمها اللّه عليه، فلاتحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره لئلاّ يوقع الناس الاستخفاف بالطّلاق ولايضارّوا النساء».2

الطائفة الخامسة : ما يدلّ على النهي عن الإضرار بالنّفس:

وإليك نماذج من أحاديث هذه الطائفة:
69. قال الصدوق: وقال(عليه السلام): «كلّ ما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب».3
70. روى الشيخ بإسناده عن عليّ بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)قال: سألته عن حدّ ما يجب على المريض ترك الصّوم؟ قال: «كلّ شيء من المرض أضرّ به الصّوم فهو يسعه ترك الصّوم».4
71. محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إنّ الجار

1 . الوسائل: 15، الباب 2 من أبواب كتاب الظهار، الحديث 4.
2 . الوسائل : 15، الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الحديث7.
3 . الوسائل : 7، الباب 20 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 2.
4 . الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 9.

صفحه 131
كالنّفس غير مضارّ ولا آثم». ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد مثله.1
ففي هذا الحديث نهي عن الإضرار بالجار بجملة خبريّة، ودلالتها على التحريم أبلغ من الجملة الإنشائيّة كما جاء في علم الأُصول، وشبّه هذا التحريم بتحريم الإضرار بالنفس وجعل هذا المشبّه به أمراً مفروغاً عنه.
72. محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا ،عن سهل بن زياد وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه جميعاً، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عبد اللّه، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام); وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّـد بن خالد، عن محمّد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن سالم ،عن مفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أخبرني ـ جعلني اللّه فداك ـ لم حرّم اللّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟قال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه (ذلك ـ علل) من رغبة منه فيما حرّم عليهم (أحلّ لهم...)ولا زهد فيما أحلّ لهم(حرّم عليهم...)ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحلّه لهم وأباحه تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم، وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه، وحرّم عليهم ثمّ أباحه للمضطر، وأحلّه له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلاّ به فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك الخ...».2
73. الحسن بن عليّ بن شعبة في كتاب «تحف العقول» عن الصادق(عليه السلام)

1 . الوسائل: 17، الباب 12 من أبواب إحياء الموات، الحديث2، والكافي: 5 /292، الحديث1 (باب الضرار); والتهذيب :7 /146، الحديث35.
2 . الوسائـل: 16، الباب 1 من أبـواب الأطعمة المحرّمة،الحديث1، وأيضاً: الكافي: 2/150 ; من لا يحضره الفقيه: 2/111; أمالي الصدوق: 395; علل الشرائع : 165; المحاسن: 334; تفسير العياشي: 1/191; التهذيب: 2/370.

صفحه 132
في حديث قال: «وأمّا ما يحلّ للإنسان أكله ممّا أخرجت الأرض فثلاثة صنوف من الأغذية:
صنف منها جميع الحبّ كلّه من الحنطة والشّعير والأرز والحمص وغير ذلك من صنوف الحبّ وصنوف السّماسم وغيرهما، كلّ شيء من الحبّ ممّا يكون فيه غذاء الإنسان في بدنه وقوته فحلال أكله، وكلّ شيء يكون فيه المضرّة على الإنسان في بدنه وقوته فحرام أكله إلاّ في حال الضرورة.
والصنف الثاني: ما أخرجت الأرض من جميع صنوف الثّمار كلّها ممّا يكون فيه غذاء الإنسان ومنفعة له وقوّة به فحلال أكله، وما كان فيه المضرّة على الإنسان في أكله فحرام أكله.
والصّنف الثالث: جميع صنوف البقول والنّبات وكلّ شيء تنبت من البقول كلّها ممّا فيه منافع الإنسان وغذاء له فحلال أكله، وما كان من صنوف البقول ممّا فيه المضرّة على الإنسان في أكله نظير بقول السّموم القاتلة ونظير الدّفلى وغير ذلك من صنوف السّم القاتل فحرام أكله.... وما يجوز من الأشربة من جميع صنوفها فما لم يغيّر العقل كثيره فلابأس بشربه، وكلّ شيء يغيّر منها العقل كثيره فالقليل منه حرام».1
74. في فقه الرضا(عليه السلام): «إعلم ـ يرحمك اللّه ـ إنّ اللّه تبارك وتعالى، لم يبح أكلاً ولاشرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصّلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد، فكلّ نافع مقوّ للجسم فيه قوّة للبدن فحلال، وكلّ مضرّ يذهب بالقوّة أو قاتل فحرام، مثل السموم والميتة والدّم ولحم الخنزير ـ إلى أن

1 . الوسائل: 17، الباب 42 من أبواب الأطعمة المباحة،الحديث1; تحف العقول : 337.

صفحه 133
قال:ـ والميتة تورث الكلب وموت الفجأة والآكلة، والدم يقسّي القلب ويورث الداء الدُّبيلة وأما السموم فقاتلة، والخمر تورث فساد القلب ويسوّد الأسنان، ويبخر الفم، ويبعد من اللّه، ويقرّب من سخطه، وهو من شراب إبليس» إلى آخره.1
75. محمّد بن عليّ بن الحسين في «العلل» و«عيون الأخبار» بأسانيده عن محمّد بن سنان، عن الرّضا(عليه السلام) فيما كتب إليه في جواب مسائله: وأحلّ اللّه تبارك وتعالى لحوم البقر والإبل والغنم لكثرتها وإمكان وجودها، وتحليل البقر الوحشي وغيرها من أصناف ما يؤكل من الوحش المحلّل، لأنّ غذاءها غير مكروه ولا هي مضرّة بعضها ببعض ولامضرّة بالإنس، ولا في خلقها تشويه، وكره أكل لحوم البغال والحمير الأهلية لحاجات الناس إلى ظهورها واستعمالها وخوف من قلّتها، لالقذر خلقتها ولاقذر غذائها».2
76. روى الحسن بن الفضل الطبرسي في (مكارم الأخلاق) عن جعفر بن محمد(عليهما السلام) قال: «يحتجم الصّائم في غير (شهر رمضان) متى شاء فأمّا في شهر رمضان فلايضرّ بنفسه ولايخرج الدّم إلاّ أن تبغ به، فأمّا نحن فحجامتنا في شهر رمضان بالليل، وحجامتنا يوم الأحد، وحجامة موالينا يوم الاثنين».3
77. محمّد بن محمّد المفيد في (المقنعة) قال: سئل(عليه السلام) عمّن يضرّ به

1 . مستدرك الوسائل: 16، الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 5; نقلاً عن فقه الرضا (عليه السلام): 34.
2 . الوسائل : 17، الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث3.
3 . الوسائل: 7، الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث14.

صفحه 134
الصّوم في الصّيف يجوز له أن يؤخّر صوم التطوّع إلى الشتاء؟فقال: «لابأس بذلك إذا حفظ ما ترك».1
78. روى الكليني باسناده عن إسحاق بن عبد العزيز قال: سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام)عن التدلّك بالدّقيق بعد النّورة ؟فقال: «لابأس»، قلت: يزعمون أنّه إسراف، فقال: «ليس فيما أصلح البدن إسراف وإنّي ربما أمرت بالنقي فيلتّ لي بالزيت فأتدلّك به ، إنّما الإسراف فيما أتلف المال وأضرّ بالبدن».2
79. وباسناده عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّا لنسافر ولايكون معنا نخالة فندلّك بالدّقيق؟فقال: «لابأس إنّما الفساد فيما أضرّ بالبدن وأتلف المال، فأمّا ما أصلح البدن فإنّه ليس بفساد، إنّي ربما أمرت غلامي فلتّ لي النقيّ بالزيت فأتدلّك به».3
80 . روى الكليني باسناده عن محمّد بن الفضل النيسابوري عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سأله رجل عن الجبن؟ فقال:«داء لادواء فيه» فلمّا كان بالعشيّ دخل الرّجل على أبي عبد اللّه(عليه السلام) ونظر إلى الجبن على الخوان، فقال: سألتك بالغداة عن الجبن فقلت لي :هو الداء الذي لا دواء فيه، والسّاعة أراه على الخوان؟! قال: فقال له: «هو ضارّ بالغداة نافع بالعشيّ ويزيد في ماء الظّهر».4
81 . روى الصدوق:أنّه قال الرضا(عليه السلام):«لاتبذل لإخوانك من نفسك ما

1 . الوسائل: 7، الباب19 من أبواب الصوم المندوب ، الحديث5.
2 . الوسائل: 1، الباب 38 من أبواب آداب الحمام، الحديث 4.
3 . الوسائل: 1، الباب 38 من أبواب آداب الحمام، الحديث 5.
4 . الوسائل: 17، الباب 62 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث1.

صفحه 135
ضرره عليك أكثر من نفعه لهم».1
82 . روى الكليني باسناده عن عبد اللّه بن يحيى الكاهليّ عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سأله رجل ضرير وأنا حاضر فقال: أكتحل إذا أحرمت؟ قال: «ولم تكتحل؟» قال: إنّي ضرير البصر فإذا أنا اكتحلت نفعني وإذا لم اكتحل ضرّني، قال: «فاكتحل»، قال: فإنّي أجعل مع الكحل غيره؟قال: «وما هو؟» قال: آخذ خرقتين فأربعهما فأجعل على كلّ عين خرقة وأعصبهما بعصابة إلى قفاي، فإذا فعلت ذلك نفعني فإذا تركته ضرّني. قال: «فاصنعه».2
ولا يخفى أنّ الاكتحال من محرّمات الإحرام ومع ذلك رخّص الإمام (عليه السلام) لذلك الضرير المحرم أن يكتحل وأن يشدّ عينيه بخرقتين ويعصبهما بعصابة إلى قفاه لما يواجهه من ضرر إذا لم يفعل ذلك.
83. روى الكليني بإسناده عن عليّ بن يقطين، قال:قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام): رجل مات وعليه زكاة و أوصى أن تقضى عنه الزكاة وولده محاويج، إن دفعوها أضرّ ذلك بهم ضرراً شديداً؟ فقال(عليه السلام) : «يخرجونها فيعودون بها على أنفسهم ويخرجون منها شيئاً فيدفع إلى غيرهم».3
84. وروى أيضاً بإسناده عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون عليه اليمين ]الدّين[ فيحلّفه غريمه بالأيمان المغلّظة أن لايخرج من البلد إلاّ بعلمه؟ فقال: «لايخرج حتى يعلمه» ، قلت: إن أعلمه لم

1 . من لا يحضره الفقيه :3/168.
2 . الوسائل: 9، الباب 70 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 3.
3 . الوسائل: 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5.

صفحه 136
يدعه؟ قال: «إن كان ضرراً عليه وعلى عياله فليخرج ولاشيء عليه».1
85. روى الصدوق بإسناده عن إسماعيل بن الفضل عن ثابت بن دينار عن سيد العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام) قال:«... وحقّ مَن أساء إليك أن تعفو عنه، وإن علمت أنّ العفو يضرّ انتصرت، قال اللّه تعالى: (وَلِمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل)» .2
و سيوافيك الكلام فى خاتمة المطاف حول حرمة الإضرار بالنفس فانتظر.

الجهة الثانية: القاعدة في كلمات الفقهاء

وقد استدلّ المشهور بالقاعدة في موارد كثيرة نشير إلى أقلّ القليل منها:
قال الشيخ في «الخلاف» في خيار الغبن في المسألة الستين: دليلنا ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال:«لاضرر ولاضرار». واستدلّ به أيضاً في كتاب الشفعة في المسألة الرابعة عشرة وفيه إضافة:«في الإسلام» في ذيل الحديث.3
وقال ابن زهرة في خيار العيب: ويحتجّ على المخالف بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاضرار».4
واستدلّ العلاّمة في «التذكرة» بالحديث في باب خيار الغبن في المسألة

1 . الوسائل: 16، الباب 40 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 1.
2 . الوسائل: 11، الباب 4 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.
3 . الخلاف : 2/19 في خيار الغبن، وص86 في كتاب الشفعة.
4 . غنية النزوع: 223، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم ـ 1417 هـ .

صفحه 137
الأُولى، قال: الغبن سبب ثبوت الخيار للمغبون عند علمائنا، وبه قال مالك وأحمد، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لاضرر ولاضرار في الإسلام».1
وقد اهتمّ بنقله شرّاح الأحاديث، ففي «مجمع البحرين» قال:وفي حديث الشفعة: قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال: «لاضرر ولاضرار في الإسلام».2
وقال ابن الأثير في «النهاية»: وفي الحديث:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».3
هذا بعض ما وقفنا عليه من كلمات الفقهاء القدامى4 الذين استدلّوا على رفع الحكم الضرري بالحديث، ويقدر الفقيه بها على استنباط قاعدة كلّية من حرمة الإضرار بالنفس والعرض والمال تكليفاً ووضعاً، كما سيوافيك.

1 . تذكرة الفقهاء: 1/497، في أحكام خيار الغبن.
2 . مجمع البحرين: 3/373، مادة«ضرر».
3 . النهاية لابن الأثير :3/81، مادة «ضرر».
4 . ومن جملة ذلك ما جاء في الإيضاح:4/101 عند قول العلاّمة:«ولو نذر أثانين سنة(أيّام الاثنين في كلّ أسبوع إلى سنة) ففي وجوب الصبر حتى تخرج، إشكال أقربه الوجوب إلاّ مع الضرر» قال ولده في توضيحه:«أقول: وجه القرب أنّه مع عدم الضرر بالتأخير قادر على الإتيان بالتتابع من غير ضرر حقيقة... إلى أن قال: وأمّا الضرر فهو عذر لقوله(عليه السلام): «لاضرر ولاضرار في الإسلام».
وجاء في الإيضاح أيضاً:4/103 عند قول العلاّمة:«ولو خاف المظاهر الضرر بترك الوطء مدة وجوب التتابع لشدة شبقه، فالأقرب الانتقال إلى الإطعام» قال ولده في توضيحه:«أقول: وجه القرب استلزامه الضرر وقال(عليه السلام): «لاضرر ولااضرار».

صفحه 138

الجهة الثالثة: في ورود القاعدة في غير حديث سمرة

قد عرفت ورود قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لاضرر ولاضرار» في قضيّة سمرة، وقد ورد في موثّقة زرارة ومرسلته. وعدم اشتمال صحيحة الحذّاء أو رواية أبي داود على قوله: «لا ضرر ولا ضرار»1 مع وجود نقل قصّة سمرة لايضرّ بها; لاختلاف الدّواعي في نقل الحديث. وإذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة فالحمل على الثّاني متعيّن.2
أضف إلى ذلك: اشتمال عدّة من الرّوايات على تلك القاعدة وإن لم تكن مقرونة بحديث سمرة.3
ومن أجل ذلك قال فخر المحقّقين في رهن«الإيضاح» بتواتره.4
هذا ممّا لابحث فيه. إنّما الكلام هو أنّه هل وردت القاعدة عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)مستقلّة في غير واقعة سمرة أم لا؟
أقول: الروايات على طائفتين:
إحداهما: ما يكتفي بنقل نفس القاعدة من دون إشارة إلى شيء غيرها

1 . الحديثان 3و4 من أحاديث الطائفة الأُولى.
2 . توضيح ذلك: أنّه لو كان لدينا حديثان متشابهان من حيث اللفظ والمعنى بحيث يعتبران حديثاً واحداً، إلاّ أنّ في أحدهما كلمة أو جملة لاتوجد في الآخر، فهل يؤخذ بالأوّل ويقال إنّ الثاني ناقص، أو يؤخذ بالثاني الفاقد لتلك الزيادة ويقال بأنّ الأوّل فيه زيادة على الحديث؟
وهنا قال العلماء بأنّ الحمل على النقيصة هو المتعيّن. أي يؤخذ بالأوّل(الواجد لتلك الجملة أوالكلمة) ويقال بأنّ الثاني ناقص للأصل العقلائي في الراوي بأنّه لايزيد من نفسه على كلام المرويّ عنه.
3 . لاحظ الأحاديث 6ـ21.
4 . الإيضاح:2/48.

صفحه 139
كما هو الحال في أكثرها، نظير مرسلة الصدوق ورواية دعائم الإسلام (الأُولى لا الثانية فقد ورد فيها مقروناً بقصّة الجدار) والموطأ ومسند أحمد بن حنبل وسنن ابن ماجة1، ونظيرها ما ورد في الخلاف والغنية والتذكرة عند الاستدلال بها، ولا شكّ أنّ ورودها كذلك لايدلّ على ورودها مستقلّة، لأنّ ظاهرها أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تكلّم بها بلا مقدّمة ولامؤخّرة، وهو بعيد، ومن أجل ذلك يجب أن نقول إنّها مقتطفة من الحديث الوارد في قصّة سمرة، أو من الحديث الوارد حول الشّفعة أو النّهي عن منع الماء، ونقله الصدوق أو غيره في مقام الاستدلال على الحكم الشرعي، كما أنّ أصحاب اللغة نقلوه عند تفسير الضرر والضرار، ونقله أحمد في مقام جمع أقضية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). وبالجملة فهذه الطائفة لاتدلّ على صدورها مستقلّة.
الطائفة الثانية: ما تنقل الرواية ضمن الحكم بالشفعة أو النهي عن منع الماء أو وجوب بناء الجدار، فهل هي تدلّ على صدور القاعدة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في غير واقعة سمرة وأنّ الحكم في هذه الموارد كان مذيّلاً من أوّل الأمر بالقاعدة في لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو أنّ ضم القاعدة إلى هذه الموارد من فعل الراوي ولم يكن الصادر عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الموارد الثلاثة مذيلاً بها؟
إنّ شيخ الشريعة الإصفهاني(قدس سره) أوّل مَن فتح باب التشكيك، وذهب إلى أنّ ضمّ القاعدة إلى تلك الموارد من صنع الرواة وتبعه عدّة من الأعلام كالمحقّق النائيني وغيره، ولنقدّم البحث عن حديث الشفعة ثمّ عن حديث النهي عن منع الماء فنقول: واستدلّوا على ذلك بوجوه:

1 . لاحظ الأحاديث 9، و 15 و 17 ـ 21.

صفحه 140
الأوّل: ما ذكره شيخ الشريعة في رسالته وحاصله: أنّ أقضية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، في طرق أهل السنّة، كانت مجتمعة في رواية عبادة بن الصامت وقد نقلها إمام الحنابلة في مسنده ويناهز عددها العشرين قضاءً. وهي من طرقنا كانت مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، غير أنّ أئمّة أهل الحديث فرّقوها في أبواب مختلفة. ولمّا كان حديثا الشفعة والنهي عن منع الماء غير مذيّلين بحديث «لاضرر» في رواية «عبادة»، صحّ أن يقال: إنّ ما ورد عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من طرقنا أيضاً كان غير مذيّل، لكن الراوي لمّا أراد الجمع بين الأقضية في رواية واحدة، ذيّل حديث الشفعة والنهي عن منع الماء بحديث «لاضرر»، فهو من باب الجمع في الرواية لا الجمع في المروي.
ولايصحّ العكس، وهو تذييل الحديثين بالقاعدة في نفس الأمر، غير أنّ عبادة بن الصامت روى جميع الفقرات مطابقة للواقع إلاّ الفقرتين.1
يلاحظ عليه: أنّ الدقّة في رواية عبادة بن الصامت تقضي بوضوح أنّ الراوي كان بصدد الجمع بين الأقضية، ولأجل ذلك كرّر لفظ «قضى» في تسعة عشر مورداً. وأمّا المنقول عن عقبة بن خالد فهو على خلاف ذاك الظهور، فعبّر في الشفعة بلفظ «قضى» وفي مورد لاضرر بـ«قال»، مشعراً بأنّه لم يكن في هذا المورد قضاءً بل تعليلاً. وإليك نصّ الحديث:
«قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار». وقال: إذا أرّفت الأُرف وحُدّت الحدود فلا شفعة».2

1 . رسالة قاعدة لاضرر: 19 ـ 32، بتلخيص، وهذا الوجه مشترك بين كلا الحديثين.
2 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب كتاب الشفعة، الحديث 1.   2
والأُرَف: جمع الأُرفة، كالغُرَف جمع الغُرفة. والأُرَف هي الحدود والمعالم . ففي نهاية ابن الأثير: قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالشفعة مالم يرف: مالم يقسّم المال أو يحدّ. وفي الحديث: أيّ مال أقسم وأُرّف عليه فلا شفعة فيه: أي حُدَّ وعُلِّم. وفيه: الأُرف تقطع الشفعة.

صفحه 141
ومثله حديث النهي عن بيع الماء، وإليك نصّه:
«قضى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لايمنع نفع الشيء، وقضى بين أهل البادية أنّه: لايمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، فقال ـ أو (وقال) على اختلاف النسخ: ـ «لاضرر ولاضرار».1
فالعدول عن لفظ «قضى» إلى لفظ «قال» يدلّ على أنّ الهدف من نقل القاعدة هو الاستدلال لانقل قضاء آخر.
و احتمال أنّ التركيب والتعليل كان من جانب الراوي، وأراد تعليل أحد القضاءين بقضاء آخر، يوجب سلب الاعتماد عن سائر الروايات.
والحاصل: أنّه لو كان قضاءً مستقلاًّ غير مربوط بالشفعة والنهي عن منع الماء، لماكان للعدول عن لفظ «قضى» إلى «قال» وجه.
وعلى كلّ تقدير فما ذكره شيخ الشريعة كان ناظراً لكلا الحدثين: الشفعة والنهي عن منع الماء، وربّما يستدلّ لكلّ من الموردين بدليل خاص، وما يأتي تالياً يختصّ بحديث الشفعة ثم يأتي ما يخصّ بحديث منع الماء.
الثاني: أنّ بين موارد ثبوت حقّ الشفعة وتضرّر الشريك بالبيع، عموم من وجه، فربّما يتضرّر الشريك ولا يكون له«حقّ الشفعة» كما إذا كان الشركاء أكثر من اثنين. وقد يثبت حقّ الشفعة بلاترتّب ضرر على الشريك، كما إذا كان البائع مؤذياً والمشتري محسناً. وقد يجتمعان، وعند ذاك لايصح تعليل

1 . الوسائل:17، الباب 7 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2.

صفحه 142
الحكم بالشفعة بشيء يفارقه تارة ويجتمع معه أُخرى.
الثالث: أنّ الضرر يأتي من قبل بيع الشريك حصّته، فلو كان ذلك مورداً لقاعدة«لاضرر»، للزم الحكم ببطلان البيع أو عدم لزومه. وأمّا جعل حقّ الشفعة لجبران الضرار وتداركه بالحكم بانتقال المبيع إلى ملك الشريك، فليس مستفاداً من أدلّة نفي الضرر فإنّها لاتدلّ على جعل حكم يتدارك به الضرر، غايتها نفي الحكم الضرري.1
ولايخفى عدم تمامية الوجهين الأخيرين.
أمّا أوّلهما: فإنّ تسلّط الشريك على ماله على وجه الإطلاق بحيث كان له البيع ممّن يشاء صالحاً كان أو طالحاً، حكم ضرري حسب الطبع. والمقياس في الحكم بالضرر، ملاحظة نفس الحكم المجعول، أي جواز بيع الشريك حصّته ممّن يشاء، فهو بلا شكّ يوجب الاضطراب في الحياة ولايرتفع ذلك إلاّ بإعطاء القدرة للشريك الآخر على أخذ السهم المباع بردّ ثمن المثل حتّى يسدّ حاجة البائع، لاحتياجه إلى الثمن. وبذلك يرتفع قلق الشريك.
وعدم ترتّب الضرر فيما كان المشتري رجلاً بارّاً، لا يوجب عدم كون التسلّط ضرريّاً; لأنّ المقياس في كون الحكم ضرريّاً هو نفس الحكم مجرّداً عن المقارنات واللّواحق، ككون المشتري صالحاً أو طالحاً.
وأمّا انتفاء الشفعة إذا كان الشّركاء أكثر من اثنين، فهو المشهور بين الفقهاء مع القول بثبوتها. قال المحقّق: هل تثبت لما زاد عن شفيع واحد؟فيه أقوال: أحدها: نعم تثبت مطلقاً على عدد الرؤوس، والثاني: تثبت في الأرض

1 . مصباح الأُصول:2/521، تقرير درس آية اللّه العظمى السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي(قدس سره) .

صفحه 143
مع الكثرة ولاتثبت في العبد إلاّ للواحد، والثالث: لا تثبت في شيء مع الزيادة على الواحد، وهو أظهر. وأضاف صاحب الجواهر: وأشهر ، بل المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً، بل هي كذلك كما ستعرف.
وعلى كلّ تقدير فعدم الشفعة لوجود النصّ الصريح، أعني: صحيح عبد اللّه بن سنان «لاتكون الشفعة إلاّ لشريكين، مالم يقاسما، فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة»1 ومثله لايكون نقضاً لوجود النص، غاية الأمر يلزم عدم الأخذ بالملاك في مورد لملاك أقوى ، خفي علينا.
وأمّا ثانيهما: فلأنّ الحكم ببطلان البيع أو عدم لزومه، ضرر على البائع السهيم، لأنّه ربّما يكون محتاجاً إلى البيع فإبطال تصرّفه من دون جبران، ضرر، فلا معنى لدفع الضرر بالضرر بل لايتم دفع الضررين إلاّ بتجويز الأخذ بالشفعة بردّ مثل الثمن الذي باع حصّته به.
وإن شئت قلت: إنّ مقتضى الجمع بين الحقّين أو دفع الضررين، أوجب تشريع الأخذ بالشفعة. ولعلّ قوله:«لاضرر» إشارة إلى كلا« الضررين» المقصودين في المقام، أو أنّه إشارة إلى تجويز إبطال بيعه، وأمّا أخذه بمثل الثمن فلأجل الجمع بين الحقّين.هذا كلّه حول الشفعة.
الثالث: ما يختصّ بمورد النهي عن منع الماء2، فقد ردَّ عليه أيضاً بوجهين:
الأوّل: أنّ الضرر لا ينطبق على منع المالك فضل مائه عن الغير. إذ من الواضح أنّ ذلك لا يعدّ ضرراً على الغير، غايته عدم الانتفاع به.

1 . الوسائل:17، الباب 7 من أبواب كتاب الشفعة، الحديث 1.
2 . على اختلاف النسخ ففي بعضها (نفع الماء).

صفحه 144
الثاني: أنّ النهي في هذا المورد تنزيهي قطعاً لعدم حرمة منع فضل الماء عن الغير بالضرورة.1
والوجهان من حيث الضعف كالسابقين:
أمّا الأوّل: فلأنّ الحياة في البادية ـ خصوصاً يوم ذاك ـ كانت مقرونة بالضيق والمشقّة، وكانت الآبار قليلة والتمكّن من الماء أمراً غير سهل، فكان منع الغير من سقي المواشي ولو ببذل المال، موجباً لتعرّض الأنعام والمواشي للهلاك والدمار; وذلك لأنّ منع السقي كان ملازماً لترك الرعي والانتقال من البادية إلى بادية أُخرى فيكون موجباً لضرر أقوى.
وبذلك يظهر ضعف الوجه الثاني، فإنّ الظاهر لزوم البذل وحرمة المنع، رعاية لمصالح المسلمين إذا انحصر الماء في البادية بماء واحد. وقد أفتى بهذا، الشيخ في «المبسوط» وابن زهرة في «الغنية»، ونقله العلاّمة عن ابن الجنيد في «المختلف». والقول بأنّ النهي مخالف لقاعدة السلطنة ضعيف، لأنّه مخالف لإطلاقه في بعض الأحايين، ولا بعد فيه، كإلزام المحتكر على البيع في عام الضيق، وصاحب الدابة على بذل العلوفة لها، والرجل لعائلته.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا ملك البئر بالإحياء وخرج ماؤها فهو أحقّ بمائها من غيره بقدر حاجته وحاجة ماشيته، وما يفضل عن ذلك يجب عليه بذله لغيره لحاجته إليه للشرب، له ولماشيته. ولايجب عليه بذله لسقي زرعه، بل يستحب له ذلك. ثمّ ذكر أقوال الفقهاء واستدلّ على مختاره بالروايات.2
وقال في «المبسوط»: فكلّ موضع قلنا إنّه يملك البئر فإنّه أحقّ بمائها

1 . مصباح الأُصول:2/521ـ 522.
2 . الخلاف:2/224ـ225، كتاب إحياء الموات، المسألة 13.

صفحه 145
بقدر حاجته لشربه وشرب ماشيته وسقي زرعه، فإذا فضل بعد ذلك شيء، وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه وشرب ماشيته من السابلة وغيرهم، وليس له منع الفاضل من حاجته حتى لايتمكّن غيره من رعي الكلأ الذي بقرب ذلك الماء.1
ونقل العلاّمة في «المختلف» القول بالاستحباب عن ابن الجنيد وابن البراج، وحمل العلاّمة الروايات على الكراهة 2. ولكنّه خلاف الظاهر، وعلى أيّ حال فليست الروايات معرضاً عنها ولا على خلاف الأُصول المسلّمة في الفقه.
كما يظهر أنّه لاإشكال في القول بتذييل الحديثين بالقاعدة وورودها تارة في حديث سمرة، وأُخرى في مورد الشفعة، وثالثاً في مورد النهي عن بيع الماء.
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده سيدنا الأُستاذ 3 حيث نفى صلاحية كون القاعدة علّة للتشريع أو نكتة له.
أمّا الأوّل، فلأنّها عبارة عن تشكيل صغرى وكبرى وحدّ وسط، فيكون المحمول في الصغرى نفس الموضوع في الكبرى. مثل قولنا: الخمر مسكر، وكلّ مسكر حرام، فالخمر حرام. ولكن المحمول في المقام هو جائز أو حرام، كأن تقول: أخذ مال الشريك شفعة جائز، أو منع فضول الماء حرام، وليس المحمول فيها موضوعاً في الكبرى، أعني قوله:«لاضرر ولاضرار».

1 . المبسوط:3/281، كتاب إحياء الموات.
2 . مختلف الشيعة: 6 / 203 ـ 204، كتاب إحياء الموات .
3 . هو الإمام المجاهد آية اللّه العظمى السيد روح اللّه الخميني (قدس سره).

صفحه 146
وأمّا الثاني، فلأنّها عبارة عن الحِكم التي لايلزم أن تكون سائرة في كلّ مورد، بل تكفي الأغلبية، كما في كون الحكمة في العدّة عدم اختلاط المياه. وأمّا المقام فليس كذلك، لأنّ دفع الضرر الذي هو نكتة التشريع فرضاً، يصلح لجعل عدم اللزوم لبيع الشريك أو عدم صحّته، لا لجعل جواز أخذه شفعة. وأمّا منع فضول الماء فالنكتة فيه منتفية، لعدم الضرر في المنع بل أقصاه عدم النفع.1
ويظهر النظر ممّا ذكرناه في دفع الإشكالات السابقة، فإنّ القاعدة في المقام ليست إلاّ من قبيل نكتة التشريع. ودفع الضرر، وإن كان يحصل برفع اللزوم والصحّة، لكنّه يستلزم ورود الضرر على البائع فيلزم أن يكون ماله بلا مشتر. فلامحيص، من باب دفع الضرر، عن اختيار شيء آخر، وهو جواز أخذه بالشفعة بثمن المثل.
وأمّا القول بأنّ الموجود في مورد منع الماء هو عدم الانتفاع لا الضرر، فقد عرفت عدم تماميته، وأنّ الحياة البدوية في المناطق الحارة، أو أكثر المناطق المعمورة، تعتمد على المياه الموجودة. وحرمان أصحاب الدواب منها، يستلزم هلاكها ودمارها كما لايخفى.
ثمّ إنّ الثمرة في ورودها في ذيل الحديث تظهر في توضيح مفاد القاعدة; لأنّ من محتملاتها جعل النفي بمعنى النهي. وهذا لايتمشّى في مورد الحديثين، إذ لا معنى فيهما للنهي عن الضرر، بل الظاهر كون النفي بمعناه، وقد صار مبدأً لإثبات حقّ الشفعة، وتحريم المنع عن بذل فضل الماء، ولامعنى للخطاب إذا لم يكن هناك مخاطب.

1 . تهذيب الأُصول:2/452، بتحرير جديد.

صفحه 147
نعم في صحّة الروايتين تأمّل، لأنّ محمّد بن عبد الله بن هلال وعقبة بن خالد الأسدي لم يوثّقا، وإن كان الأوّل روى عنه الحسن بن علي ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والثاني من أصحاب الصادق(عليه السلام)روى الكشي في مدحه روايتين.

الجهة الرابعة: هل الحديث مذيّل بعبارة «في الإسلام» أو «على مؤمن» أو لا؟

قد وردت لفظة «في الإسلام» في مرسلة الصدوق 1: كما وردت مرسلة أيضاً في نهاية ابن الأثير ومجمع البحرين والكتب الاستدلاليّة2، ولا عبرة بالمراسيل إلاّ مرسلة الصدوق3، لأنّه عبر بقوله: مع قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . هذه هي المرسلة المشهورة التي وردت في كتابه« من لايحضره الفقيه» وهناك مرسلة أُخرى نقلها في كتابه الآخر«معاني الأخبار» كما مرّ سابقاً.
2 . مثل كتاب الخلاف للشيخ الطّوسي، وتذكرة الفقهاء للعلاّمة الحلّي.
3 . هذا هو المشهور بين الأصحاب في اعتبار مراسيل الصدوق مسانيد ـ إذا كانت بهذا التعبير ـ إلاّ أنّ سماحة المحقّق الرّاحل السيّد الخوئي ـ (قدس سره) ـ قد عدل عن هذا المبنى بقوله في مصباح الأُصول: 2 / 519 و520:«فتعبير الصدوق ـ (رضي الله عنه) ـ في الفقيه بقوله: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، يدلّ على أنّه ثبت عنده صدور هذا القول منه(صلى الله عليه وآله وسلم) بطريق صحيح، وإلاّ لم يعبّر بمثل هذا التعبير، فيعامل مع هذا النحو من المراسيل معاملة المسانيد. هذا ما ذكرناه في الدورة السابقة، لكن الإنصاف عدم حجّية مثل هذه المرسلة أيضاً، لأنّ غاية ما يدلّ عليه هذا النحو من التعبير، صحّة الخبر عند الصدوق. وأمّا صحّته عندنا فلم تثبت، لاختلاف المباني في حجية الخبر».
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الشيخ الصدوق (رحمه الله) وإن ضمن صحّة جميع ما رواه في الفقيه عنده بقوله: «إنّي لا أذكر في هذا الكتاب إلاّ ما هو حجّة عندي»، إلاّ أنّنا لانعتبر جميع مراسيله مسانيد، لأنّ مراسيله على نوعين:
أحدهما: ما ينقله بقوله:«روى» ونحوه. وثانيهما: ما يعبّر عنه بقوله:«قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)» أو «قال الصادق(عليه السلام)» مثلاً. ولاشكّ في أنّ اختلاف التعبير ينبئ عن اختلاف في كيفية المنقول، فلو كان حجّة ظنّية مثل خبر الواحد، يعبّر عنها بتعبير النوع الأوّل. وإن كانت قطعيّة مثل الخبر المتواتر أو المستفيض المفيد للاطمئنان، يعبّر عنها بالنوع الثاني. وكلام المحقّق الخوئي (قدس سره) صحيح بالنسبة إلى النوع الأوّل. وأمّا بالنسبة إلى النوع الثاني ـ كمثل ما نحن فيه ـ فليس بتام.
وثانياً: إذا صحّ هذا العدول يبقى كثير من المسائل الفقهيّة بلا حجّة، بل لايبقى مجال لحجّية أقوال المشايخ في توثيق الرّجال. إذ كلّ شيخ له مبناه الخاص في حدود حجّية خبر الثقة أو العادل، فيصبح قسم من مسائل الفقه بلا حجّة وبرهان. وعليه فلامحيص من اعتبار مرسلات الصدوق إذا كانت من النوع الثاني.

صفحه 148
«لاضرر ولا ضرار في الإسلام»، ولكنّ الاعتماد على هذه الزّيادة مشكل لأمرين:
الأوّل: إنّ كلمة «في الإسلام» من الألفاظ كثيرة الدّوران على اللّسان، ومن الأُمور المرتكزة في الذهن فربّما تسبق إلى اللّسان والقلم بلا اختيار.
الثاني: احتمال وقوع التصحيف من النساخ حيث إنّ المراسيل الثلاث التي نقلها الصدوق كانت متّصلة، وإليك نص عبارة الصدوق:
«الإسلام يزيد ولاينقص، مع قوله(عليه السلام): لاضرر ولاضرار في الإسلام، فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً».
ومن المحتمل جدّاً أنّ الكاتب كتب لفظة «فالإسلام» مرّتين اشتباهاً، فجاء الآخرون وأرادوا تصحيح النسخة فتصوّروا أنّ الأوّل مصحّف «في الإسلام» ثم تتابعت النسخ عليه.1

1 . هذا الاحتمال هو ما ذكره الإمام الخميني (قدس سره)، لاحظ كتابه «الرسائل»:1/25. نعم لايجري ذلك الاحتمال فيما نقله الشيخ الصدوق نفسه في معاني الأخبار حيث رواه مع زيادة «في الإسلام» أيضاً مجرّداً عن سائر الأحاديث، فلا يتوهّم احتمال تصحيفه على أيدي النسّاخ.
أضف إلى ذلك: قد جاء هذا الحديث بهذه الزيادة في الكتب الاستدلاليّة للمتقدّمين والمتأخّرين مضافاً إلى وروده في الكتب اللغويّة العامّية والشيعيّة أيضاً. وهذا ما يبعد انسباق هذه الكلمة إلى ألسنتهم بلا اختيار.
وعلى أيّ حال فلاينبغي رفع اليد عن مرسلتي الصدوق ـ إذا نظرنا إليهما بعين الاعتبار ـ بسبب هذين الاحتمالين; لأنّ مثل هذه الاحتمالات إذا كانت تمنع من الأخذ بالأحاديث المعتبرة، سوف يلزم الاعراض عن كثير منها، وهو ممّا لايلتزم به أحد.
كما يمكن تأييده بالنكتتين التاليتين:
الأُولى: أنّ قاعدة لاضرر تنسجم وقاعدة نفي الحرج من حيث المبنى والملاك (سهولة الشريعة وسماحتها)، ومستند الثانية قوله سبحانه:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) فالحرج قد نفي من محيط التشريعات الدينيّة ، فكذلك ينبغي أن يكون الضّرر منفيّاً من ذلك المحيط.
      الثانية: إذا أمعنّا النظر في الأحاديث المتضمّنة مفاد القاعدة والّتي قد نقلنا حوالي ثمانين حديثاً منها آنفاً، نجد بوضوح أنّ القاعدة لها مفعولها في كثير من أبواب الفقه من العبادات والمعاملات. وبناءً على هذا الفهم نجد الفقهاء من العامّة والخاصّة قد استندوا إلى القاعدة في جميع تلك الأبواب كما سيتّضح لك في الفصول الآتية . وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الفقهاء من المتقدمين والمتأخّرين قد فهموا من القاعدة نفي الضّرر من محيط التشريع الإسلامي بتاتاً فالمناسب إذن تذييل القاعدة بكلمة «في الإسلام».

صفحه 149
ولولا هذان الوجهان لكان الأصل الحاكم هو تقدّم احتمال النقيصة على احتمال الزيادة،لأنّ النقيصة السهويّة أكثر من الزّيادة كذلك، فاحتمال السقط في سائر الروايات أقوى من الزيادة في رواية الصدوق، لكن الوجهين عاقانا عن الأخذ بهذا الأصل.
وأمّا لفظة «على مؤمن» فقد جاءت في رواية زرارة الثانية، كما اشتملت على قوله:«إنطلق فاغرسها حيث شئت» ويجري فيها ما ذكرناه في لفظة «في الإسلام»، من الوجه الأوّل، ولولا هذا الوجه لكان المعتمد هو تقدّم احتمال النقيصة على الزيادة.
وتظهر الفائدة في مفاد الحديث، فلو قلنا باشتمال الحديث على لفظة

صفحه 150
«في الإسلام» ، يستقرب ما أفاده الشيخ في تفسير الحديث من أنّ المراد نفي الحكم الضرري وأنّه غير مجعول في الإسلام، فينفى به وجوب الوضوء والحج الضرريين بخلاف ما إذا لم يكن مذيّلاً به، إذ من المحتمل كون النفي بمعنى النهي كما عليه شيخ الشريعة، وسيّدنا الأُستاذ على اختلاف بينهما كما أنّه لو كان الحديث مشتملاً على لفظة «على مؤمن»، تختصّ القاعدة بما إذا كان هناك ضرر على مؤمن، ولايشمل مورد الوضوء والحج الضرريّين. هذا ويكون حمل النفي على النهي أوضح من بقائه على معناه.

الجهة الخامسة: في بيان الفرق بين «الضرر» و«الضرار»:

إنّ هنا ألفاظاً ثلاثة يجب التعرّف على مفاهيمها:
1. الضَرّ: بفتح الفاء وتشديد اللام. وهو مصدر هذا الباب ويقابل النفع. يقال: ضرّ، يضرُّ، ضرّاً. ضد:نفع ، ينفع ، نفعاً.
2. الضرر: هو اسم مصدر الباب، وسيوافيك أنّ الضُّر بضمّ الفاء، أيضاً اسم مثل الضرر.
3. الضرار: وهو مصدر باب المفاعلة.
وعلى ذلك، فالفرق بين الأوّلين هو الفرق الموجود بين المصدر واسمه، فما ذكره اللغويون للمصدر من المعنى يرجع إلى اسمه أيضاً فنقول:
قال في الصحاح: الضَرّ خلاف النفع، وقد ضرّه وضارّه بمعنى، والاسم الضرر... إلى أن قال:و«الضرار» المضارّة.1
وقال في «معجم مقاييس اللغة»: الضَرّ ضد النفع.(2)

1 . الصحاح:2/719ـ 720، مادة «ضرر».   2 . معجم مقاييس اللغة:3/360.

صفحه 151
وقال الراغب في مفرداته: الضُرّ سوء الحال، إمّا في نفسه لقلّة العلم والفضل والعفة، وإمّا في بدنه لعدم جارحة ونقص، وإمّا في حالة ظاهرة من قلّة مال أو جاه. وقوله:«فكشفنا ما به من ضُر» محتمل لثلاثتها.1
وقال في «القاموس»:«الضُرّ» بالضم ضد النفع أو بالفتح مصدر... إلى أن قال: والضرّ سوء الحال... والنقصان يدخل في الشيء... والضيق.2
وقال الفيومي: «الضُر» الفاقة والفقر. بضم الضاد اسم وبفتحها مصدر «ضرّه، ويضرّه» إذا فعل به مكروهاً. وقال الأزهري: كلّ ما كان سوء حال وفقر وشدة في بدن فهو ضرّ بالضم. وما كان ضد النفع فهو بفتحها. وفي التنزيل (مَسَّني الضُّرُّ): أي المرض، والاسم الضرر. وقد أطلق على نقص يدخل الأعيان.3
وقال ابن الأثير: «الضَرّ» ضد النفع. فمعنى قوله:لاضرر: أي لايضرّ الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقّه، والضرار فعال من الضرّ أي لايجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه.4
وقال الطريحي:«والضُرّ» بالضم: سوء الحال، وبالفتح ضد النفع.5
والمتحصّل من هذه النصوص أنّ الضرر عبارة عن النقص النازل بالنفس والبدن أو المال والجاه، بعد كماله في الجهات الثلاث، وليس النقص

1 . مفردات الراغب:293.
2 . القاموس المحيط:2/75.
3 . المصباح المنير:2/6.
4 . النهاية لابن الأثير:3/81.
5 . مجمع البحرين:3/373، مادة «ضرر».

صفحه 152
بما هو هو، نفس الضرر، بل الهيئة الحاصلة من هذا النقص هي الضرر.
وإن شئت قلت: فلو كان الإنسان متمتعاً من العافية في البدن، والوفرة في المال، وحسن السمعة في الجاه; فورد عليه النقص كإذهاب العافية من البدن، ورأس المال من المال، وحسن السمعة من العرض والجاه فهو الضرر; وأمّا الضُرّ فهو عبارة عن سوء الحال الملازم مع الشخص دون أن يطرأ عليه بعد وجوده، كالفقر وقلة العلم وسوء سلوك الزوجة والمرض وغير ذلك.
وعلى ذلك، فالنفع هو التزايد المطلوب، والضرر هو النقص غير المطلوب، وهذا ما يعبّـر عنه في الفارسية بـ«افزايش» و«كاهش» غير أنّ الزيادة المطلوبة وغير المطلوبة تختلف حسب اختلاف الموضوعات.
ولك أن تستوضح معاني هاتيك الألفاظ من الإمعان في الآيات الكريمة.
أمّا الضَرّ بالفتح فقد جاء في القرآن عشر مرّات، واستعمل في موارد تسعة مقابلاً للنفع وفي مورد واحد مقابلاً للرّشد.1
قال سبحانه:(أتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لايَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلانَفْعاً).2
وقال تعالى:(قُلْ إنّي لاأمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلارَشَداً) .3
وأمّا الضُّر ـ بضمّ الضاد ـ فقد استعمل تسع عشرة مرّة4، وقد قوبل تارة

1 . لاحظ: المائدة:76، الأعراف:188، يونس:49، الرعد:16، طه:89، الفرقان:25، سبأ:42، الفتح:11، الجن:21، الحج:13.
2 . المائدة:76.
3 . الجن:21.
4 . راجع: المعجم المفهرس للقرآن الكريم.

صفحه 153
بالخير، مثل قوله سبحانه:(وَإنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلاّ هُوَ وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْر فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيء قَديرٌ).1
وأُخرى بالنعمة، قال سبحانه:(وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُرُّ فَإلَيهِ تَجأرون).2
وثالثة بالرحمة، قال تعالى:(وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوا رَبّهم مُنِيبينَ إلَيْهَ ثُمّ إذا أذاقَهُم مِنْهُ رَحْمَةً إذا فَريقٌ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) .3
والمتحصّل من المجموع هو أنّه بمعنى سوء الحال، على اختلاف منشئه، قال تعالى: (وَإذا مَسّكُمُ الضـرُّ في البَحْرِ ضَلّ مَنْ تَدْعُونَ إلاّ إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إلى البرِّ أعْرَضْتُمْ وَكانَ الإنسانُ كَفُوراً).4
وقال سبحانه:(وأيّوبَ إذْ نادى رَبّهُ أنّي مَسّنِيَ الضُرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ).5
فإنّ ما يمسّ الإنسان في البحر، هو القلق والاضطراب والخوف الهائل من الغرق نظير ما يمسّه من المرض والهرم والفقر.
وأمّا الضّرر فقد استعمل مرّة واحدة، قال سبحانه:(لايَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)6.

1 . الأنعام:17، ولاحظ أيضاً الآية 107 من سورة يونس.
2 . النحل:53، ولاحظ أيضاً النحل:54، والزمر: 8 و 49.
3 . الروم:33، لاحظ أيضاً 38 منها.
4 . الإسراء:67.
5 . الأنبياء:83.
6 . النساء:95.

صفحه 154
وفسّره المفسّرون بالنقص في العضو كالعمى، فما ذكره اللغويون يؤيّده ظاهر الآيات.
وعلى أيّ حال فإنّه يمكن أن يفهم ممّا سبق أنّ بين الضّرر والنفع تقابل التّضاد1، لأنّ الضرّر هو الحالة الحاصلة للإنسان من ورود النقص على نفسه أو عرضه أو ماله وهو أمر وجودي كالمنفعة.
وما عن المحقّق الإصفهاني(قدس سره) من أنّ النقص، المفسّر به الضرر، ليس أمراً وجودياً حتّى يكون التقابل مع النفع، الذي هو أمر وجودي، تقابل التضاد، غير تام لما عرفت من أنّ الضرر ليس مساوياً للنقص، وإنّما هو المنشأ لحصول تلك الحالة الخاصّة للإنسان. نعم، لو فسّر الضرر بنفس النقص لكان لما ذكره وجه. هذا كلّه حول الضرر.
أمّا الضرار، فقد فرّق بينه وبين الضرر بوجوه ذكر جملة منها ابن الأثير في نهايته:2
1. الضرر: فعل الواحد. والضرار: فعل الاثنين.
2. الضرر: ابتداء الفعل. والضرار: الجزاء عليه.
3. الضرر: ما تضر به صاحبك وتنتفع به أنت. والضرار: أن تضرّه من غير أن تنتفع به .
4. هما بمعنى واحد، وتكرارهما للتأكيد. نسبه في النهاية إلى القيل.

1 . ويؤيّد هذا القول أنّ الضرر والنفع يمكن ارتفاعهما من موضوع قابل لهما، مثل أن يبيع المتاع برأس ماله، فإنّه يصدق عليه بأنّه باع بلا نفع ولاضرر. وهذه علامة المتضادّين، ولو كانا من قبيل الملكة وعدمها، لما أمكن ارتفاعهما.
2 . النهاية لابن الأثير :3/81 ـ83.

صفحه 155
5. الضّرر: إيقاع الضرر على الغير عمداً كان أو غير عمد. والضّرار: القسم العمدي منه.
6. الضرار: التضييق، وإيصال المكروه والحرج والتكلّف، ذكره سيّدنا الأُستاذ.1
والأوّل مبنيّ على الكلام المعروف في باب المفاعلة من أنّ الأصل فيه أن يكون فعل الاثنين، لكنّه ليس بتام كتفسيره بالجزاء عليه، لما عرفت من الآيات الناهية عن الضرار، ولم يكن الفعل هناك إلاّ من جانب واحد، قال سبحانه:(والَّذِينَ اتَّخذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَ ارصاداً لمنْ حاربَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ)2، فكان الإضرار من جانب المنافقين
فحسب، كما لم يكن هنا إضرار من باب الجزاء أصلاً. وقال سبحانه: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً)،(3) والمقصود رجوع الزوج إلى المعتدة بقصد الإضرار. وقال سبحانه: (ولاتُضارُّوهنَّ لتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)3: أي لاتضيّقوا عليهنّ بالنفقة.

1 . ويمكن إضافة وجه سابع، وهو أنّ الضّرار بمعنى تكرار صدور الضرر، بخلاف الضّرر وهذا ما اختاره السيد البجنوردي في قواعده الفقهيّة :1/178.
وملخّصه: أنّ الضرار بمعنى تكرار صدور المبدأ سواء كان الفاعل شخصاً واحداً أو شخصين وبما أنّ الغالب أنّ باب المفاعلة يستعمل فيما كان الفاعل شخصين يتبادر إلى الذهن المشاركة من الطرفين وإن كان محط النظر فاعلية أحدهما ومفعوليّة الآخر كما يقال :ضارب زيد عمراً، وهذا هو الفرق بين باب المفاعلة والتفاعل بعد اشتراكهما في المشاركة حيث إنّ النظر في باب التفاعل إلى فاعلية الاثنين، ولذا يقال:«تضارب زيد وعمرو» برفع الاثنين. فالضرار بمعنى تكرار صدور الضرر ولو من فاعل واحد، وهذا المعنى مناسب في المقام; لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام بيان أنّ سمرة كثير الضرر ومصرّ عليه.
2 . التوبة: 107.   3 . البقرة: 221.
3 . الطلاق:6.

صفحه 156
وقال عزّ من قائل: (وَلايُضارَّ كاتِبٌ وَلاشَهِيدٌ)1، ولم يكن هناك إلاّ إضرار من جانب واحد لامن الجانبين، كما أنّ الضرر الواقع لم يكن إلاّ ابتدائياً لامجازاة.
ويؤيّده ما قاله النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مورد سمرة، إذ لم يكن من الأنصاري إلاّ الشكوى لا الإضرار الجزائي ولاغيره.
وما اشتهر من كون باب المفاعلة فعلاً للاثنين، هو أن يكون كلّ من الفاعلين، فاعلاً ومفعولاً مثل «ضارب زيد عمراً»، غير تام، لما عرفت عدم ثبوت ذلك، وأنّه ربّما يكون الفعل وارداً من جانب واحد دون الآخر.

نظرية السيد الخوئي في مفهوم المفاعلة

إنّ المعروف بين الصرفيين والنحويين أنّ باب المفاعلة فعل الاثنين، ثمّ ردّ ذلك بقوله:
«إنّ هيئة المفاعلة وضعت لقيام الفاعل مقام إيجاد المادّة وكون الفاعل بصدد إيجاد الفعل(ولا يدل على الوقوع)، وأقوى شاهد على ذلك هي الآيات الشريفة القرآنية:
فمنها قوله سبحانه:(يخادِعُونَ اللّهَ وَالَّذينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إلاّ أنْفُسَهُمْ).2
فذكر سبحانه وتعالى أنّ المنافقين بصدد إيجاد الخدعة، ولكن لاتقع خدعتهم إلاّ على أنفسهم، ومن ثمّ عبّر في الجملة الأُولى بهيئة المفاعلة، لأنّ

1 . البقرة:282.
2 . البقرة:9.

صفحه 157
اللّه تعالى لايكون مخدوعاً بخدعتهم، لأنّ المخدوع ملزم للجهل، وتعالى اللّه عنه علوّاً كبيراً. وعبّر في الجملة الثانية بهيئة الفعل المجرّد، لوقوع ضرر خدعتهم على أنفسهم لامحالة.
ومنها: قوله تعالى: (إنّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ المؤمِنينَ أنْفُسَهُمْ وَأمْوالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ...)1 لأنّ القتال في سبيل اللّه يختصّ بالمؤمنين و لا يشمل الكافرين2.
يلاحظ عليه: أوّلاً: انّ المراد من كون هيئة المفاعلة فعلاً للاثنين هو كون كلّ فاعلاً ومفعولاً، لاكون واحد فاعلاً ومُورِداً والآخر مفعولاً ومورَداً عليه، حتى يردّ بقوله سبحانه:(يخادِعُونَ اللّهَ)وإنّ اللّه لايكون مخدوعاً بخدعتهم.
فهذا سعد الدين التفتازاني يقول في شرح التّصريف: «وتأسيسه على أن يكون بين اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بصاحبه ما فعل الصاحب به، نحو «ضارب زيد عمراً».3
وقال الرّضي ـ بعد كلام ـ في الفرق بين بابي «فاعَلَ» وَ« تَفاعَلَ»:والأولى ما يقول المالكي، وهو أنّ «فاعَلَ» لاقتسام الفاعليّة والمفعوليّة لفظاً والاشتراك فيهما معنىً، و«تفاعَل» للاشتراك في الفاعلية لفظاً وفيها وفي المفعوليّة معنى» .4
فإذا تبيّن معنى كون الباب فعلاً للاثنين، يجب أن يركّز الردّ على هذا

1 . التوبة:111.
2 . مصباح الأُصول:2/607، الطبعة الحديثة.
3 . شرح التصريف من كتاب جامع المقدمات: 74 .
4 . شرح الكافية :100.

صفحه 158
المعنى الّذي ذكره أئمّة الصرف لا على المعنى الّذي لم يذكروه.
أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال بالآيتين على ما اختاره من المعنى وإن كان صحيحاً، لكنّهما لا تدلاّن على خلاف ماهو المشهور بين الصرفيّين من قيام كلّ بالفعل.
أمّا الأُولى، فلأنّ الفعل استعمل بالإرادة الاستعمالية في فعل الاثنين بشهادة قوله سبحانه:(إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ) 1 لكن تعلّقت الإرادة الجدّية على الخلاف وهو أنّ الله لا يكون مخدوعاً بخدعتهم ولكنّه من خصوصيات المورد، ولا تكون دليلاً على أخذها في الموضوع له. نظيره: نحن نصف الله سبحانه بكونه عالماً وقادراً بنفس المعنى الذي نصف زيداً أنّه كذلك مع أنّ البرهان دلّ على أنّ علمه عين ذاته بخلاف غيره، لكن خصوصية المورد لا تكون دليلاً على أخذها في الموضوع فالمتبادر من المشتق كونه زائداً على الذات وضعاً واستعمالاً.
وأمّا الآية الثانية، أعني قوله:(يُقاتِلُونَ) ، فلأنّ استعمال صيغة المفاعلة في مورد الجهاد إنّما هو بالنظـر إلى كيفيّة العمل، فإنّ القتال في ميادين الحرب كان قائماً بالطّائفتين، فئة مؤمنة وأُخرى كافرة، وإن كان القتال في سبيل اللّه مختصّاً بالطّائفة الأُولى دون الأُخرى، والأولى الاستدلال على المدّعى بما ذكرناه.
هذا حال المعنيين الأوّلين.
وأمّا المعنى الثالث ـ أعني: التفريق بالانتفاع في الضّرر، وعدم الانتفاع

1 . النساء:142.

صفحه 159
في الضرار ـ فيرد عليه أنّه إن أُريد منه ما لاينتفع به مطلقاً، لا روحياً ولا مالياً ولا غيره، فهو ممنوع، إذ لا وجه لأن يقوم به العاقل ويدخل الضرار على الغير ولاينتفع به أصلاً.
وإن أُريد خصوص عدم النفع المالي، ففيه أنّ النفع غير منحصر بالمالي، بل هو أمر أعم منه ومن النفسي والبدني والعرضي.
أضف إلى ذلك: أنّه من المحتمل أن يكون المراد من الاعتداء في قوله سبحانه: (وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) 1 هو الاعتداء المالي بتحليل مهورهنّ حتى يطلّقن، فقد استعمل الضرار لأجل تحصيل النفع المالي.
وأمّا المعنى الرابع ـ أعني: كونهما بمعنى واحد ـ فبعيد جدّا. مع أنّ الإمام (عليه السلام) يركّز في بعض الروايات على الضرار، ويقول في قصة الرأس والجلد:«إنّ هذا هو الضرار»، ولايقول:«هو الضرر»، وقد وصف القرآن الكريم عمل المنافقين بالضرار، وهذا يفيد أنّ الضرار يشتمل على ما لايشتمل عليه الضرر.
وأمّا المعنى الخامس، فهو الحقّ الذي لاريب فيه. وإن شئت فعبّر عن الضرار فيه: بالإضرار الصادر عن الشخص عناداً ولجاجة. ويؤيّده: قوله سبحانه: (وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلْغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنّ بِمَعْروف أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْروف وَلاتُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا)،(2) فإنّ لفظة (لِتَعْتَدُوا)تفسير «للضرار»2.

1 . البقرة:231.   2 . البقرة:231.
2 . قال الطبرسي في مجمع البيان :1/332، ط صيدا: أي لاتراجعوهنّ لا لرغبة فيهنّ، بل لطلب الإضرار بهنّ إمّا في تطويل العدّة أو بتضييق النفقة في العدّة.

صفحه 160
وقوله سبحانه: (وَالّذينَ اتّخذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَإرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلاّ الحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُ أنّهُم لَكاذِبُونَ).1
والآية تدلّ على أنّهم كانوا متعمّدين للإضرار.
ويزيده توضيحاً، رواية هارون بن حمزة الغنوي حيث طلب صاحب الدرهمين نحر البعير وأخذ الرأس والجلد، فوصفه الإمام(عليه السلام) بأنّه ضرار، لأنّ برء البعير صار سبباً لارتفاع قيمته السوقية، فيجب أن يستفاد منه في الركوب لا في الأكل.2
وروى في «مجمع البيان» في تفسير قوله تعالى:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْـرَ مُضارّ)3، قال: إنّ الضرار في الوصية من الكبائر، والمراد هو الإيصاء بأكثر المال أو جميعه حتّى لايرث الوارث مطلقاً أو شيئاً قليلاً.4والرواية التي ذكرناها في توضيح قوله سبحانه:(وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا)تؤكّد ذلك. كما يؤكّده ما ورد فيه فعل ذلك المصدر، مثل«لاتضار»، فإنّه أيضاً بمعنى الإضرار عن عمد و عناد ولجاج.
وأمّا المعنى السادس، الذي هو مختار سيدنا الأُستاذ ، فقد قال في توضيحه:«إنّ الضرر والضر والإضرار وما يشتق منها، إنّما يستعمل في الضرر المالي والنفسي بخلاف الضرار، فإنّ الشائع من استعماله، هو استعماله في

1 . التوبة:107.
2 . لاحظ الحديث رقم 22 ممّا سردناه من الروايات الدالّة على القاعدة.
3 . النساء:12.
4 . لاحظ الحديث رقم 23.

صفحه 161
الإجماع حذفوا هذا الشرط عند حصول الاتّفاق على حكم ولم يحذفوه عند الاتّفاق على جواز الاختلاف، وأهل الإجماع لمّا أثبتوا الحكم بدليل غير الإجماع فعلوا أمرين: إثبات الحكم بدليل، وتمسّكهم بغير الإجماع، والآية دلّت على العموم وترك العمل به في أحدهما لانعقاد الإجماع على عدم وجوب الاستدلال بدليلهم فيبقى الباقي، ولا يفهم من قوله: «اّتبع سبيل الصالحين» وجوب المتابعة فيما به صاروا صالحين، لأنّ سبيل الصالح1يضاف إلى الصالح فهو خارج عنه، والصلاح جزء من ماهية الصالح داخل فيه، والخارج غير الداخل .
سلّمنا لكن المتابعة في الصلاح ممكنة دون المتابعة في الإيمان، لأنّه لا يحصل بالتقليد2، والاتّباع هو الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنّه فعله.
قوله: لو حمل على الإيمان كان حاصلاً في الحال .
قلنا: لمّا بيّنا عدم جواز حمله على الإيمان صار مجازاً باسم ما يؤول إليه، ولا امتناع فيه. وقول السلطان: من يشاقق وزيري ويتبع غير سبيل هؤلاء ـ ويعني المطيعين ـ إنّما يفهم من ذلك سبيلهم في طاعته، لوجود قرينة عرفية، واللفظ عام فهو راجح على القرينة العرفية المخصّصة .
وفيه نظر، لما تقدّم من أنّ الاستثناء لإخراج الصلاحية لا الدخول، وثبوت النهي عن متابعة كلّ ما هو غير سبيل المؤمنين مبني على العموم وهو المتنازع ويمتنع اشتراط جواز وقوع الشيء بوقوعه وإلاّ دار، و (نمنع

1 . في «أ»: الصالحين.
2 . في «أ»: إلاّ بالتقليد.

صفحه 162
انّ)1 إثبات الحكم بغير الإجماع مخصوص من الآية والمضاف لا يجب خروجه عن المضاف إليه. نعم يجب المغايرة والجزء مغاير فصحّت الإضافة، والصلاح ليس جزءاً من الصّالح،2 بل عارض له فصحّت الإضافة، والمتابعة وان كانت حقيقة فيما قلتم لكنّها مجاز في المماثلة. وليس القول بالتخصيص أولى من هذا المجاز، خصوصاً وقد بيّنا أولوية التخصيص مطلقاً. وليس استعمال المجاز في الإيمان أولى منه في الاتّباع ونمنع رجحان اللفظ على القرينة العرفية، فإنّ القرائن تصرف الذّهن عن مقتضى الألفاظ.
وعن الثامن: نمنع 3 كون كلّ المؤمنين هم الموجودون إلى يوم القيامة، لأنّ المؤمن هو المتّصف بالإيمان فيكون موجوداً، وما سيوجد مستقبلاً ليس بموجود .
قوله: الموجودون في العصر الأوّل لا يصدق عليهم في العصر الثاني أنّهم كلّ المؤمنين .
قلنا: لمّا صدق عليهم أوّلاً أنّهم كلّ المؤمنين وقد اتّفقوا في العصر الأوّل على تحريم مخالفتهم في جميع الأعصار، وجب صدق الحكم في العصر الأوّل فيثبت 4 في كلّ الأعصار، إذ لولم يكن حقّاً في العصر الثاني

1 . في «ب»: يمتنع عن .
2 . في «أ»: الصلاح .
3 . في «ب»: من يمنع .
4 . في «أ»: فثبت.

صفحه 163
لما صدق في العصر الأوّل انّه حق في كلّ الأعصار، ولأنّه تعالى علّق العقاب على مخالفة كلّ المؤمنين زجراً عن مخالفتهم وترغيباً في الأخذ بقولهم، فلا يكون المراد كلّ المؤمنين إلى يوم القيامة، لانتفاء الفائدة في التمسّك بقولهم بعد قيام السّاعة .
وفيه نظر، لأنّ الحقيقة إن كانت للموجودين وقت الخطاب ولم يكن غيرها مراداً اندفع الاستدلال في باقي الأعصار، وإن كانت لمن وجد أو سيوجد أو أُريد المجاز لوجه السؤال، ولا منافاة بين الزجر وإرادة المؤمنين إلى يوم القيامة إذا كان الغرض ويتبع غير سبيل المؤمنين فيما يعلم اتّفاقهم عليه أو (ما ينافي عدمه الإيمان)1.
وعن التاسع: أنّه لا يجوز إرادة إيجاب اتّباع مؤمني عصر نزول الآية، لأنّ قولهم إن طابق قول الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت الحجّة في قوله فيصير قولهم لغواً، وإلاّ كان باطلاً، بل المراد إيجاب العمل بقول الموجودين في أي عصر كان.
وفيه نظر، لأنّ عدم جواز إرادة مؤمني عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) متوقّف على صحّة الاستدلال بالآية على ثبوت الإجماع، فإنّ من يحمل الآية على مفهومها وهو يتّبع غير سبيل المؤمنين في نصرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والانقياد له وتوله ما تولّى يكون لقولهم فائدة وإن اختصت الآية بهم .
وعن العاشر: انّ عدم اعتبار قول العوام والأطفال أو المجانين لا يخرج

1 . في «ب»: ينافي في عدمه الإيمان.

صفحه 164
اللفظ عن إرادة الكلّ بخروجهم بدليل، ولا يجوز حمله على المعصوم، لأنّ الوعيد على مخالفة المؤمنين، فحمله على الواحد ترك الظاهر .
وفيه نظر، لأنّ خروجهم لدليل ينافي إرادة الكلّ، فإنّا لم نشرط في إرادة الكلّ إرادة من لا يخرج لدليل، والمعصوم لا نسلّم وحدته فإنّه متعدّد في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده من الأئمّة ، لوجود أولادهم المعصومين معهم، أو باعتبار تعدّدهم وإن تعدّدت أزمنتهم، أو يحمل على الواحد مجازاً كما في قوله: (وَ هُمْ رَاكِعُونَ)1 والمراد علي (عليه السلام).
و كذا قوله: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ)2، والمراد علي(عليه السلام)أيضاً.
وقوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ)3، والمراد واحد وهو نعيم بن مسعود الأشجعي .
وليس ترك ظاهر الجمع أولى من ترك ظاهر العلم بالإيمان الثابت في حقّ المعصوم خاصة، بل ذلك أولى لوجهين:
الأوّل: انّه يستلزم المجاز في الجمع،4 لعدم دخول العوام والمجانين والصّبيان في المؤمنين، وما قلناه يستلزم مجازاً ثبت مثله في مواضع كثيرة من القرآن، فيكون أولى.

1 . المائدة: 55 .
2 . البقرة: 157 .
3 . آل عمران: 173 .
4 . في «ب» و «ج»: الجميع .

صفحه 165
الثاني: اختصاص الجمع بالمجاز ان اعتبر مؤمني كلّ زمان لتعدد المعصومين حينئذ، وإلاّ اختصت الآية بمؤمني عصره(عليه السلام).
سلّمنا، لكنّ الأمر بالاتّباع إمّا مع العلم بصدقهم أو لا .
والثاني قبيح لجواز الخطأ عليهم، فالأمر بالاتّباع مطلقاً أمر بالاتّباع فيما يجوز كونه خطأ، وهو قبيح .
والأوّل إمّا أن يعلم باعتبار قولهم وليس ذلك إلاّ المعصوم، أو بموافقة الدّليل لقولهم فتضيع فائدة الإجماع .
وعن الحادي عشر: انّ المؤمن لغة المصدق بلسانه فيحمل عليه إلى أن يقوم المعارض، ويدلّ عليه أنّه تعالى أوجب علينا اتّباع سبيلهم، والاطّلاع على الباطن ممتنع، فلو لم يحمل على التصديق باللسان لزم تكليف المحال ولا يجوز حمله على السبيل الّذي من شأنه أن يكون سبيلاً للمؤمنين، لأنّه عدول عن الظاهر لغير ضرورة .
وفيه نظر، لقبح تكليف اتّباع من لا يعلم صدقه ولا يلزم تكليف ما لا يطاق إذا حمل على المعصوم.
وعن الثاني عشر: انّ الاجتماع ظني ونمنع الإجماع على أنّه قطعي.
قوله: أعطيتم الفرع أقوى من الأصل .
قلنا: نحن لا نكفّر مخالف الإجماع ولا نفسّقه، لأنّه عندنا ظني .
وفيه نظر، لأنّ مخالف الإجماع إمّا كافر أو فاسق عند الأكثر .

صفحه 166
وعن الثالث عشر: المعارضة بالآيات انّ النهي خطاب مع كلّ واحد لا مع الكلّ، ونحن ندّعي عصمة الكلّ لا كلّ واحد.
سلّمنا، لكن النهي لا يقتضي إمكان المنهي عنه من كلّ وجه، لأنّ نهي المؤمن عن الكفر مع علمه بأنّه لا يفعله ، وما علم أنّه لا يوجد محال الوجود.
وفيه نظر، لأنّ النهي كما يتناول كلّ واحد يتناول الكل، والإمكان شرط لقبح النّهي1 عن المحال، وخلاف المعلوم ليس بمحال على ما تقدّم.
وعن الأحاديث أنّ قوله (عليه السلام): «لا تقوم الساعة إلاّ على شرار أُمّتي» يدلّ على حصول الشرار في ذلك الوقت لا أنّ كلّهم شرار .
وحديث معاذ بأنّه لم يذكر الإجماع، لأنّه ليس حجّة في زمانه (عليه السلام) .
وقوله: «لا ترجعوا بعدي كفّاراً» في صحّته كلام .
سلّمناه، ولكن ربّما كان خطاباً لقوم معينين، ولا يستلزم تجويز الخطأ على كلّ واحد تجويزه على الكلّ، والمثال لا يدلّ على عمومية .
سلّمنا، لكن الكلّ يجوز عليه الخطأ، وليس كلّ جائز واقعاً، والله تعالى لمّا أخبر أنّه لا يقع منهم الخطأ علمنا انّهم لا يفعلونه .
قوله: إجماعهم إمّا لدليل أو الأمارة .

1 . في «ب»: شرط القبح والنهي.

صفحه 167
قلنا: جاز أن يكون لدليل إلاّ أنّهم لم ينقلوه اكتفاء بالإجماع فإنّه مغن عن غيره.

الوجه الثاني: قوله تعالى: (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)1.

والوسط العدل، لأنّ وسط كلّ شيء خياره، وقد أخبر تعالى أنّ هذه الأُمّة خير فلو اتفقوا على محرّم لم يكونوا خيراً فقولهم: حق .
والاعتراض من وجوه:
الأوّل: الآية متروكة الظاهر، لأنّ وصف الأُمّة بالعدالة يقتضي اتصاف كلّ واحد بها، وهو معلوم البطلان، فيحمل على البعض وهو المعصوم.
الثاني: يمنع أنّ وسط كلّ شيء خياره، لأنّ العدالة هي فعل الواجب واجتناب المحرم وهو من أفعال العبد لكن الله تعالى أخبر أنّه جعلهم وسطاً فيغاير العدالة، ولأنّ وسط حقيقة في المتوسط بين الشيئين فلو كان حقيقة في العدل لزم الاشتراك.
الثالث: الخيرية يكفي فيها اجتناب الكبائر فيصدق مع فعل الصغائر وجاز أن يكون الإجماع صغيرة.
ويؤيده انّه جعلهم عدولاً ليكونوا شهداء على الناس، والشهادة تسمع مع الصغائر.
الرابع: سلّمنا اجتنابهم عن الصغائر أيضاً، لكنّه تعالى إنّما جعلهم عدولاً كذلك للشهادة على الناس وانّما يتحقّق في الآخرة فتثبت (2)

1 . البقرة: 143 .   2 . في «أ»: فثبت.

صفحه 168
عدالتهم هناك، لأنّ العدالة تعتبر حين الأداء لا التحمّل، ونحن نقول به، فإنّ الأُمّة معصومون 1 في الآخرة.
الخامس: الخطاب توجّه للموجودين عند نزول الآية لاستحالة خطاب المعدوم، وهو يقتضي عدالتهم دون غيرهم، فإجماع أُولئك حق، فلا يتمسّك بالإجماع إلاّ مع علم حصول قول أُولئك فيه، وهو يتضمّن العلم بأعيانهم وبقائهم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولمّا تعذّر ذلك تعذّر التمسّك بشيء من الإجماعات.
السادس: قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ) 2 ليس عاماً يدلّ على قبول شهادتهم في كلّ شيء، بل هو مطلق في المشهور به، وهو غير معيّن فتكون الآية مجملة، ولا حجة في المجمل.
السابع: سلّمنا عدم الإجمال، لكنّا قد علمنا بها في قبول شهادتهم على من بعدهم بإيجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العبادات عليهم وتكليفهم بما كلّفهم به، فلا يبقى حجّة في غيره لتوفية العمل بدلالة الآية.
الثامن: انّها مخصوصة بالفساق والنساء والصبيان والمجانين إجماعاً، والعام بعد التخصيص ليس حجّة.
التاسع: لا تدلّ على عصمتهم مطلقاً، بل فيما يشهدون به لا فيما يحكمون به من الأحكام الشرعية بطريق الاجتهاد، فإنّ ذلك ليس من باب الشهادة في شيء وهو المتنازع.

1 . في «ب»: معصومة.
2 . البقرة: 143 .

صفحه 169
العاشر: إمّا أن يكون خطاباً مع جميع أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة، أو مع الموجودين وقت الخطاب ; فإن كان الأوّل لم يبق حجّة في إجماع أهل كلّ عصر، إذ ليس كلّ الأُمّة; وإن كان الثاني لم يكن إجماع غيرهم حجّة، وإجماع الموجودين في زمن الوحي ليس حجّة، فلا يكون الإجماع حجّة.
الحادي عشر: جاز أن يكون المراد انّ أكثرهم عدل .
والجواب عن الأوّل: نمنع أنّها متروكة الظاهر .
قوله: يقتضي كون كلّ واحد عدلاً .
قلنا: لمّا ثبت أنّه لا يجوز إجراؤها على ظاهرها، وجب أن يكون المراد منه امتناع خلو هذه الأُمّة عن العدول، وليس المعصوم، لأنّ قوله (جَعَلْنَاكُمْ) صيغة جمع، فحمله على الواحد خلاف الظاهر .
وفيه نظر، فإنّه منع أنّها متروكة الظاهر، ثم في بيانه اعترف به، وعدالة بعض الأُمّة لا يقتضي كون الإجماع حجّة لاحتمال عدم دخوله فيهم، والخطاب وإن توجّه إلى مجموع الأُمّة لكن المراد بعضهم على ما قلتم، فجاز أن يكون واحداً، ولأنّ المعصوم أكثر من واحد.
وعن الثاني: الوسط من كلّ شيء خياره، لقوله تعالى: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ)1 أي أعدلهم .

1 . القلم: 28 .

صفحه 170
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خير الأُمور أوسطها»1 أي أعدلها. وقيل كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أوسط قريش نسباً .2
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليكم بالنمط الأوسط ».3
وقول الشاعر: «هم وسط يرضى الأنام بحكمهم».4
وقال الجوهري: وسطاً أي عدلاً، 5 ولأنّ الوسط حقيقة في البعد
عن الطّرفين، فالبعيد عن طرفي الإفراط والتفريط اللّذين هما
رديّان متوسط، فكان فضيلة، ولهذا يسمّى الفاضل في كلّ شيء وسطاً 6،

1 . عوالي اللآلي: 1 / 296 ح 199; بحار الأنوار: 74 / 166 ح 2 و ج 75 / 11 ح 70 ; تفسير القرطبي: 2 / 154 ; الدر المنثور: 4 / 179 و 208 .
2 . المحصول: 4 / 70. وذكر نحوه في بحار الأنوار: 8 / 156 و ج 35 / 127 و ج 49 / 209 ح 3 .
3 . مقاتل الطالبيين: 163 ; تفسير القرطبي: 2 / 154 ; العين: 7 / 442 .
4 . القائل هو زهير بن أبي سلمى (المتوفّى 13 قبل الهجرة) من أهل نجد وأحد الشعراء الثلاثة المتقدّمين على الشعراء مع امرؤ القيس والنابغة الذبياني. كان لزهير أخلاق عالية ونفس كبيرة مع سعة صدر وعلم وورع، فرفع القوم منزلته وجعلوه سيداً. وكثر ماله واتّسعت ثروته، وكان مع ذلك عريقاً في الشاعرية، فكان أبوه شاعراً وكذلك خاله وأُختاه وابناه. وكان لشعره تأثير كبير في نفوس العرب، وكان مقرباً من أُمراء ذبيان. وكان شديد العناية بتنقيح شعره حتّى ضرب به المثل، وسمّيت قصائده بالحوليات، لأنّه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر ويهذّبها بنفسه في أربعة ويعرضها على الشعراء في أربعة. (معجم المطبوعات العربية: 1 / 980 ; الأعلام: 3 / 52 ). وتمام البيت هو :
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
راجع ديوان زهير: 2 / 27 ; التبيان: 2 / 6 ; مجمع البيان: 1 / 416 ; الإحكام للآمدي: 1 / 211 .
5 . صحاح الجوهري: 3 / 1167، مادة «وسط».
6 . في «أ»: أوسط.

صفحه 171
وعدالتهم من الله تعالى إذ لا فعل لهم .
وفيه نظر، لما تقدّم من اسناد الأفعال إلى العبد، نعم لما خلق القدرة والآلات والألطاف المقربة إلى العدالة صحّ إضافة الفعل إليه تعالى.
وعن الثالث : أنّ بعضهم أنكر الصغيرة مطلقاً، بل كلّ ذنب صغير بالنسبة إلى ما فوقه كبير بالنّسبة إلى ما تحته، فسقط السؤال .
ومن اعترف به قال: إنّه تعالى عالم بالباطن والظاهر فلا يجوز أن يحكم بعدالة أحد وصحّة شهادته إلاّ مع مطابقة المخبر عنه للخبر، فلمّا أطلق تعالى القول بعدالتهم وجب عدالتهم في كلّ شيء، بخلاف شهود الحاكم حيث يجوز شهادتهم وإن جاز عليهم الصغيرة، إذ لا سبيل للحاكم إلى معرفة الباطن فاكتفى بالظاهر .
وفيه نظر، لأنّ علمه تعالى بالباطن والظاهر ووصفه بعدالتهم لا يقتضي امتناع الصغائر عليهم، لأنّها لا تنافي العدالة، وليس المقتضي لقبول الشهادة مع الصغائر خفاءها عن الحاكم، ولا المقتضي لردّ الشهادة مع الكبائر ظهورها عند الحاكم، فإنّه لو انعكس الفرض لم يتغيّر الحكم، ووصفهم بالعدالة لا يقتضي الحكم بصحّة الشهادة وإن وجب الحكم بها، ولو علم الحاكم الصغيرة لم يمتنع 1 عن قبول الشهادة .
وهذا الجواب ذكره أبوالحسين 2 عن اعتراض 3 آخر، وهو أنّ

1 . في «أ»: يمنع.
2 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 5 ـ 6 .
3 . في «أ»: احتراز.

صفحه 172
المراد بذلك انّه جعل أكثرهم عدولاً في الظاهر لا في الحقيقة ليشهدوا من جهة الخبر .
وأجاب بأنّ الظاهر من قوله: (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) انّهم كذلك على الحقيقة، لأنّ الخبر يقتضي كون المخبر على ما تناوله1، كما لو أخبر أنّه جعلهم بيضاً وسوداً .
وعن الرابع: لو كان المراد عدالتهم في الآخرة لقال سيجعلكم، ولأنّ جميع الأُمم عدول في الآخرة، فلا يبقى في الآية تخصيص لأُمّته (صلى الله عليه وآله وسلم)بهذه الفضيلة.
وعن الخامس: انّه لا سبيل إلى حمل لفظ الأُمّة على كلّ من آمن بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة لما تقدّم، ولا على من كان موجوداً في زمانه (عليه السلام)لعدم العبرة بقولهم في زمانه، ولا وجود لهم بعد وفاته لموت كثيرمنهم قبله، فلا يبقى لقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)فائدة، فيحمل على أهل كلّ عصر، تحقيقاً لفائدة كونهم شهداء.
وعن السادس: يجب اعتقاد العموم في قبول الشهادة دفعاً للإجمال، ولأنّ الاحتجاج في الوصف بالعدالة، وإذا كانوا عدولاً وجب قبولهم في كلّ شيء وهو جواب السابع.
وعن الثامن : أنّ العام المخصوص حجّة في الباقي على ما
تقدّم .

1 . في «أ»: يتناوله.

صفحه 173
وعن التاسع: أنّ عدالتهم تمنع من الخطاء في الشهادة وفيما يروونه من الأحكام ويخبرون به منها .
وعن العاشر: ما تقدّم .
و عن الحادي عشر: انّ الخطاب للجميع فيكونون عدولاً لا أكثرهم خاصة .
سلّمنا، لكن إذا أجمع الكلّ دخل الأكثر.
الوجه الثالث: قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )1. ولام الجنس للاستغراق، فيكونون آمرين بكلّ معروف وناهين عن كلّ منكر، فلو كان إجماعهم خطأً لكانوا آمرين بالمنكر ناهين عن المعروف .
والاعتراض من وجوه:
الأوّل : أنّها متروكة الظاهر لاقتضاء اتّصاف كلّ واحد بذلك والمعلوم خلافه، وإذا لم يجز إجراؤها على ظاهرها حمل على بعض الأُمّة، وهو المعصوم .
الثاني: المفرد المعرف بلام الجنس ليس للعموم، على ما تقدّم.
الثالث : أنّها تقتضي اتّصافهم بذلك في الماضي ونمنع بقاؤهم عليه في الحال .

1 . آل عمران: 110.

صفحه 174
لا يقال: إنّها خرجت مخرج المدح في الحال، ولا يجوز المدح بما فعل في الماضي مع الخروج عنه، فإنّ الأمر بالمعروف إذا نهى عنه استحقّ الذم.
لأنّا نقول: نمنع خروجها مخرج المدح، بل بمجرد الإخبار بأنّ هذه الأُمّة كانت خيراً من سائر الأُمم ومجرد الخبر لا يقتضي المدح، أو يجوز المدح في الحال بما صدر في الماضي وإن استحقّ الذم في الحال بذنب يقع في الحال، فإنّ الجمع بين استحقاق المدح والذم جائز لما ثبت في مسألة الإحباط.
الرابع: قوله: (كُنْتُمْ) منطوقه حصول الوصف في الماضي ومفهومه عدم حصوله في الحال عليه، فيدلّ عليه كما دلّ على المنطوق.
الخامس: اتّصافهم في الحال لا يقتضي عدم الخروج عنه فيما بعد، فيجوز خروجهم ويحسن مدح الإنسان بصفة حالية وإن علم زوالها1مستقبلاً.
لا يقال: يصير إجماعهم حجّة في ذلك الزمان.
لأنّا نقول: لا نعلم أي الإجماعات حصل في ذلك الزمان، وإذا وقع الشك في الجميع خرج عن كونه حجّة.
السادس: أنّها خطاب مع الموجودين في ذلك الوقت فيكون قولهم حجّة دون غيرهم.

1 . في «أ»: بزوالها.

صفحه 175
والجواب عن الأوّل: المخاطب ليس كلّ واحد، لأنّه وصف المخاطب بهذا 1 الخطاب بكونه خير أُمّة، فلو كان كلّ واحد من الأُمّة لزم وصف كلّ واحد بأنّه أُمّة، وليس كذلك إلاّ على المجاز، لتبادر فهم المجموع في قولهم حكمت الأُمة بكذا ; ولأنّه يلزم أن يكون كلّ واحد خير أُمّة أُخرجت للناس، فيكون كلّ واحد خيراً من صاحبه الذي هو خير منه، فإذن الخطاب للمجموع كقول الملك لعسكره: أنتم خير عسكر تفتحون البلاد وتكسرون الجيوش، ولا يفهم وصف الملك كلّ واحد بذلك، بل المجموع بمعنى أنّ في العسكر من هو كذلك، فكذا هنا وصف الله تعالى المجموع بالآمر بالمعروف بمعنى أنّ فيهم من هو كذلك، وحمله على المعصوم باطل، لأنّه واحد ولفظ الأُمّة للجمع .
وفيه نظر، لأنّ المعنى إذا كان في الأُمّة من هو كذلك جاز أن يكون واحداً .
وعن الثاني: أنّ في الأُمّة من يحمله على العموم، ولأنّ المعروف إن لم يكن للاستغراق كان للماهية، فيكفي في العمل به ثبوته في صورة واحدة، فيكون معناه أنّهم أمروا بمعروف واحد ونهوا عن منكر واحد، وهو حاصل في جميع الأُمم، لأنّ كلّ واحد منهم قد أمر بمعروف واحد ونهى عن منكر واحد وهو الكفر، فلا تكون هذه الأُمّة خيراً من جميع الأُمم، فيحمل على الاستغراق تحصيلاً للغرض .

1 . في «أ»: بعد.

صفحه 176
وفيه نظر، لجواز حمله على الماهية، ولا يصدق هنا في الواحد، لأنّ مفهوم قولنا: «كان فلان يتهجّد» المداومة عليه في أكثر أحواله فكذا هنا، ولا يلزم التعميم ولا الوحدة ولا مساواة الأُمّة لمن تقدّمها.
وعن الثالث: أنّ قوله: «يأمرون و ينهون» ليس للماضي .
وفيه نظر، لأنّه حكاية حال لقوله: (كُنْتُمْ) كما يقال: «كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يفعل كذا».
وعن الرابع: منع كون (كُنْتُمْ) للماضي، لأنّها إن كانت ناقصة فهي، وإن كانت تفيد المضي لكن قوله: (تَأْمُرُونَ) يقتضي كونهم كذلك مستقبلاً، ودلالة (كُنْتُمْ) على ما تقدّم الوصف لا يمنع من حصوله مستقبلاً، فتبقى دلالة (تَأْمُرُونَ) على الاستقبال سليماً عن المعارض، وإن كانت زائدة أو تامة تمّ الاستدلال .
وفيه نظر، لما بيّنّا من عدم دلالة تأمرون المحكية على الاستقبال.
وعن الخامس: أنّ صيغة المضارع كالعام بالنسبة إلى الحال أو المستقبل فيتناولهما معاً .
وفيه نظر، لأنّها كالمشترك أو المطلق فيكفي الواحد.
وعن السادس: ماتقدّم.

صفحه 177
 
الوجه الرابع: قوله تعالى: ( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا)1.
نهي عن التفرّق، ومخالفة الإجماع تفرّق فيكون منهيّاً عنه، ولا معنى لكون الإجماع حجّة سوى النهي عن مخالفته .
والاعتراض من وجوه:
الأوّل: نمنع عموم النهي عن التفرق في كلّ شيء، بل في الاعتصام بحبل الله لأنّه المفهوم، ولهذا لو قال: «ادخلوا البلد أجمعين ولا تفرّقوا» حمل على 2 النهي عن التفرّق في الدخول، وما لم يعلم أنّ ما أجمع أهل العصر عليه اعتصام بحبل الله لم يكن التفرّق منهياً عنه.
الثاني: لا يجوز حمله على العموم، لأنّ قبل الإجماع كلّ واحد من المجتهدين مأمور باتّباع اجتهاده المستند إلى ظنّه، والظنون مختلفة فيكون التفرّق مأموراً به لا منهياً عنه.
الثالث: انّه متناول للموجودين في حال الخطاب .
والجواب عن الأوّل: انّه أمر بالاعتصام ونهي عن التفرّق مطلقاً في كلّ شيء ويجب الحمل عليه، وإلاّ كان النهي عن التفرّق في الاعتصام بحبله مفيداً لما أفاده الأمر بالاعتصام، فيكون تأكيداً والأصل التأسيس .
وفيه نظر، لمنع عموم التفرّق.
وعن الثاني: أنّ العام حجّة بعد التخصيص، فيبقى حجّة في امتناع التفرّق بعد الإجماع.

1 . آل عمران: 103 .
2 . ليس في «أ».

صفحه 178
وعن الثالث: بما تقدّم .
قال أبو الحسين 1 استدلّ بهذه الآية بأنّ أمره بالاعتصام بحبل الله تعالى يدلّ على أنّهم قد اعتصموا به وهو باطل، لأنّ الأمر لا يدلّ على وقوع امتثاله.
قال: ويمكن أن يستدل من وجوه.
الأوّل: أهل العصر إذا أجمعوا على قول لم يجز لبعضهم تركه وإلاّ كانوا قد تفرقوا وقد نُهي عنه .
الثاني: إذا أجمع أهل العصر على قول لم يجز لأهل الثاني أن يخالفوهم وإلاّ كان أهل العصر الثاني قد تفرّقوا .
الثالث: إذا خالف أهل العصر الثاني أهل الأوّل صار أهل الأوّل مع الثاني متفرّقين، والنهي يمنع منه .
وأجاب عن الأوّل: بأنّ ما أجمعوا عليه إن كان حقّاً فقد حرم عليهم التفرّق عنه، وإن كان خطاء وجب عليهم بأجمعهم العدول عنه والاجتماع على الحق وأن لا يتفرّقوا عنه، فالمخالف يقول: إنّه محرم عليهم التفرّق وإن لم يجعل الإجماع حقّاً.
وعن الثاني: أنّه لا يوصفون بأنّهم متفرقّون إذا أجمعوا على مخالفة أهل الأوّل، فإن افترقوا هم على قولين فقد نهوا عن ذلك، لأنّه يجب عليهم الاجتماع على الحق.

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 14 .

صفحه 179
وعن الثالث: أنّ أهل العصر الأوّل غير موجودين في هذه الحال فيقال انّهم مع أهل الثاني منهيون عن التفرق، وأيضاً فالمفهوم من قوله: (وَلاَ تَفَرَّقُوا) هو أن لا يتفرّقوا في الاعتصام، فيجب أن يبيّن المستدلّ أنّ ما أجمع عليه أهل العصر اعتصام بحبل الله حتى يعلم من بعدهم أنّهم قد نهوا عن مفارقتهم فيه، وهو غير ظاهر.

الوجه الخامس: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ).1

شرط في الرد إلى الكتاب والسنّة التنازع، فإذا عدم التنازع وحصل الاتفاق لم يجب 2 الرد إليهما قضية للشرط، بل يكفي الاتّفاق، وهو معنى كون الإجماع حجّة .
واعترض بأنّ سقوط وجوب الرد إلى الكتاب والسنّة عند الاتّفاق على الحكم إن كان بناء على الكتاب والسنّة كفيا في الحكم ولا حاجة إلى الإجماع، وإن كان لا 3 بالبناء عليهما لزم تجويز وقوع الإجماع من غير دليل وهو مانع من صحّة الإجماع، كيف وانّا لا نسلّم بقاء الشرط فإنّ الكلام إنّما هو مفروض فيما إذا وجد النزاع ممّن تأخر إجماع المتقدمين .
وأُجيب بجواز الاستناد إلى غير الكتاب والسنّة من القياس والاستنباط.
سلّمنا، لكن ليس في ذلك ما يدلّ على عدم اكتفاء من وجد بعد أهل

1 . النساء: 59 .
2 . في «أ»: يجز.
3 . ليس في «أ».

صفحه 180
الإجماع واكتفاء من وجد في عصرهم من المقلّدة بإجماعهم عن معرفة الكتاب .
قال أبو الحسين1 ـ اعتراضاً على الاستدلال بالآية ـ : أيسقط وجوب الردّ إلى الكتاب والسنّة ويصير ترك ذلك مباحاً إذا أجمعوا بالردّ إلى الكتاب والسنّة، أو إذا اتفقوا على ذلك من غير ردّ إليهما .
والثاني يقتضي تجويز وجود الإجماع من غير دليل .
والأوّل يقتضي نسبة الله تعالى إلى ما لا يجوز، لأنّ طلب الحكم من الكتاب والسنّة بعد ما وجد فيهما محال، إذ طلب الموجود مستحيل، فإباحة ترك المستحيل عبث لا يصدر عن حكيم، وإنّما المراد بالآية الحثّ على طاعة أُولي الأمر فيما يدبّرونه من أمر الدنيا والدين إذا لم يعلم خطأهم فيه.

الوجه السادس: التمسّك بالروايات الدالّة على عدم اجتماع الأُمّة على الخطاء.

لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجتمع أُمّتي على الخطاء» والبحث إمّا في متنه 2 أو كيفية الاستدلال به .
وللناس في الأوّل 3 طرق ثلاثة:
الأوّل: ادّعاء الضرورة في تواتر معناه لنقله بألفاظ مختلفة بلغ

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 39 ـ 40 .
2 . في «أ»: ماهيته.
3 . في «أ»: ذلك.

صفحه 181
مجموعها التواتر كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجتمع أُمّتي على خطاء».1
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن .2
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: لا تجتمع أُمّتي على الضلالة .3
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: يد الله على الجماعة .4
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: سألت ربي ان لا تجتمع أُمّتي على ضلالة فأعطانيها.5
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: لم يكن الله ليجمع أُمّتي على ضلال .
وروي: ولا على خطأ.6
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: عليكم بالسّواد الأعظم.7 وذلك جماعة الأُمّة، لأنّ الأُمّة أعظم من كلّ من دونهم .
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: يد الله على الجماعة، ولا نبالي بشذوذ من شذ.8

1 . شرح نهج البلاغة: 8 / 123 و 20 / 34 ; نهج الإيمان: 618; وراجع الذريعة للسيد المرتضى: 2 / 510 و 680 ; وقوانين الأُصول للميزرا القمي: 354 و 361 ; والميزان: 4 / 393 .
2 . مسند أحمد: 1 / 379 ; مستدرك الحاكم: 3 / 78 ; مجمع الزوائد: 1 / 177 .
3 . سنن ابن ماجة: 2 / 1303 ح 3950 ; سنن الترمذي: 4 / 405 برقم 2167 ; كنز العمال: 1 / 206 برقم 1029 و 1031.
4 . سنن الترمذي: 4 / 405 برقم 2166 و 2167 ; سنن النسائي: 7 / 92 ; مستدرك الحاكم: 1 / 115.
5 . كنز العمال: 14 / 49 برقم 37904 ; شرح نهج البلاغة: 8 / 123 .
6 . شرح نهج البلاغة: 8 / 123. راجع الأُصول العامّة للفقه المقارن: 261 .
7 . مسند أحمد: 4 / 278 و 375 ; مجمع الزوائد: 5 / 217 .
8 . المحصول: 2 / 38 .

صفحه 182
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه .1
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية.2
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: لا يزال طائفة من أُمّتي على الحق لا يضرهم من خالفهم .3
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: لا تزال طائفة من أُمّتي يقاتلون على الحق حتى يقاتلون الدجّال .4
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: لا يزال طائفة من أُمّتي على الحق حتى يأتي أمر الله.5
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم الجماعة فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم.6

1 . مسند أحمد: 4 / 130 و 202 ; مستدرك الحاكم: 1 / 77 و 117 ; كنز العمال: 1 / 207 برقم 1035 .
2 . صحيح مسلم: 6 / 21، باب الأمر بلزوم الجماعة، كتاب الإمارة; مسند أحمد: 2 / 296 و 488 ; سنن النسائي: 7 / 123 ; كنز العمال: 6 / 52 برقم 14809 .
3 . سنن البيهقي: 9 / 226 ; دلائل النبوة: 225 .
4 . مسند أحمد: 4 / 434 و 437 نحوه ; نيل الأوطار: 8 / 31 ; طبقات ابن سعد: 2 / 167 نحوه.
5 . صحيح البخاري: 8 / 149، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة; مسند أبي داود الطيالسي: 94 .
6 . مسند أحمد: 3 / 225 و 4 / 82 ; سنن ابن ماجة: 1 / 84 برقم 230، وج 2 / 1016 برقم 3056 ; مستدرك الحاكم: 1 / 87 و 88 ; سنن الدارمي: 1 / 75 و 76 .

صفحه 183
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: من سرّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإنّ الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد .1
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: لا يزال طائفة من أُمّتي على الحق لا يضرّهم مَن ناواهم إلى يوم القيامة .2
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)[: ستفترق أُمّتي كذا وكذا فرقة كلّها في النار إلاّ فرقة واحدة، قيل: ومن تلك الفرقة؟ قال: هي الجماعة .3
فقد اشتركت هذه الأحاديث في الدلالة على معنى واحد، وهو أنّ الأُمّة بأسرها لا تتفق على الخطاء.
الثاني: الاستدلال وهو من وجهين:
الأوّل: هذه الأحاديث لو صحّت لثبت بها أصل عظيم مقدّم على الكتاب والسنّة، فيتوفرّ الدواعي على البحث عنه بأقصى الوجوه، أمّا الأولياء فلتصحيح مثل هذا الأصل العظيم بها ; وأمّا الأعداء فلدفعه، فلو كان في متنها خلل امتنع ذهولهم عنه، فلمّا لم يقدر أحد على الطعن فيها مع شدة بحثهم وطلبهم علمنا صحّتها.
الثاني: ظهر من التابعين إجماعهم على أنّ الإجماع حجّة بهذه

1 . مسند أحمد: 1 / 26 ; سنن الترمذي: 3 / 315 ; مستدرك الحاكم: 1 / 114 و 115 ; مجمع الزوائد: 5 / 225 .
2 . كنز العمال: 12 / 179 برقم 34561 ; المعجم الكبير: 8 / 145 .
3 . مسند أحمد: 4 / 102 ; سنن ابن ماجة: 2 / 1322 ; مستدرك الحاكم: 1 / 128 ; مجمع الزوائد: 6 / 226 ; كشف الغطاء: 1 / 151 .

صفحه 184
الأخبار، والاستقراء دلّ على أنّ أُمتنا إذا أجمعوا لأجل خبر، كان مقطوعاً بصحّته.
الثالث: سلّمنا أنّ هذه أخبار آحاد، لكنّها تدلّ على أنّ الإجماع حجّة، فيحصل ظن أنّه حجّة، فيجب العمل به لوجوب دفع الضرر المظنون، وهو أجود الطرق .
أمّا الطريق الأوّل وهو ادّعاء التواتر، فبعيد، لمنع بلوغ مجموعها حدّه ولو كانت ألفاً، لجواز صدور الكذب عن الجماعة .
ثمّ ادّعاء الضرورة إمّا في لفظها بأن يقال: يجوز في كلّ واحد من هذه أن يكون كذباً، لكنّا نعلم أنّ مجموعها يستحيل أن يكون كذباً، فيكون بعضها صحيحاً ; أو في معناها بأن يقال: الألفاظ اشتركت في إفادة معنى واحد منقول بالتواتر .
والأوّل مسلّم لكن يجب إبانة أنّ كلّ واحد من هذه الألفاظ يدلّ على الإجماع حجّة قطعاً، إذ لو دلّ البعض ظاهراً لم يحصل الغرض، لاحتمال أن يكون ذلك البعض هو الصحيح. لكنّا نرى المستدلّين بهذه الأخبار يتمسّكون بواحد منها عيناً، وهو: «لا تجتمع أُمّتي على خطأ» ويبالغون في الاعتراض عليه والجواب .
وأمّا الثاني فإن كان المشترك هو أنّ الإجماع حجّة فقد ادّعيتم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «الإجماع حجّة» وهو معلوم البطلان ولا يجري مجرى غزاة بدر وأُحد وانتفى الخلاف، ولأنّكم تتمسكون بهذا الحديث وتوردون عليه

صفحه 185
الأسئلة والأجوبة، ولو كان متواتراً كان الاستدلال عليه عبثاً، بخلاف شجاعة علي (عليه السلام) وسخاء حاتم فإنّه متواتر المعنى بسبب أخبار متفرّقة لم يحتج إلى الاستدلال ببعض تلك الأخبار على شجاعة علي (عليه السلام)، بل يحصل العلم الضروري بذلك، وهنا يفتقر إلى الاستدلال ببعضها على المطلوب بعد سماعه، فيكون الإجماع حجة ليس جزءاً من مفهومها وإن كان المشترك معنى يلزم منه كون الإجماع حجّة وجبت الإشارة إلى ذلك المعنى وإقامة الدلالة على الاستلزام .
لا يقال: المشترك تعظيم الأُمّة وبعدها عن الخطأ .
لأنّا نقول: مطلق التعظيم مسلّم لا التعظيم المنافي لإقدامهم على الخطأ والمطلوب الثاني .
وأمّا الطريق الثاني فضعيف، ونمنع عدم الطعن فيها فقد طعن بأنّها آحاد .
لا يقال: اتّفق الصحابة بأنّها متواترة .
سلّمنا، لكن يجب الطعن فيها على التفصيل .
لأنّا نقول: النقل بأنّها متواترة إن كان متواتراً فهي متواترة عندنا، لأنّ الخبر متى كان متواتراً وصحّ بالتواتر أنّه متواتر كانت متواترة عندنا، لكنّكم سلّمتم عدم تواترها عندنا. وإن كان آحاداً كانت أخبار آحاد، لأنّ تواترها عند الصحابة والتابعين إذا لم يثبت إلاّ بالآحاد كانت من باب الآحاد، لاشتراط استواء الطّرفين والواسطة في التواتر .

صفحه 186
قوله: يجب الطعن فيها على التفصيل .
قلنا: ليس كلّ ما لا يعلم بصحّته وجب أن يعلم فساده، فالصحابة والتابعون ماعرفوا صحّة هذه الأخبار ولا فسادها، بل ظنّوا صحّتها فلم يجب عليهم الطعن فيها على التفصيل.
قوله: أجمع التابعون على صحّة الإجماع بناء على صحّة هذه الأخبار.
قلنا: نمنع الإجماع على صحّة الإجماع .
سلّمنا، لكن لا لصحّة هذه الأخبار، بل للآيات، فإن ادّعوا تواتر هذين كان مكابرة، فإنّ تلك الأخبار أظهر من ادّعاء هذين المقامين، ولمّا لم يدّعوا التواتر في تلك الأخبار كان عدمه فيها أولى.
سلّمنا لكن نمنع جريان عادتهم بعدم إجماعهم على موجب خبر، لأجله إلاّ وقد قطعوا بصحّته، فإنّ الصحابة أجمعوا على حكم المجوسبخبر عبد الرحمن، وعلى أنّ المرأة لا تنكح على عمّتها وخالتها بخبر واحد، فثبت أنّ أجودها الطريق الثالث .
وأمّا كيفية الاستدلال فيتمسّك بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجتمع أُمّتي على الخطأ». واعترض من وجوه:
الأوّل: إن أراد بأُمّته كلّ مؤمن إلى يوم القيامة خرج الإجماع عن كونه حجّة، وإن أراد الموجودين وقت الخبر كان إجماعهم حجّة; لكنّا لا نعرف أعيانهم وبقاءهم بعده (عليه السلام).
الثاني: سلمنا انّ المراد بالأُمّة أهل كلّ عصر، لكن نمنع دلالتها على

صفحه 187
نفي الخطأ، لاحتمال أن يكون نهيّاً لأُمّته عن الاجتماع على الخطأ بسكون العين، فاشتبه على الراوي فنقله مرفوعاً على أنّه خبر.
الثالث: سلّمنا أنّه خبر، لكن لِمَ قلتم: إنّه يدلّ على نفي كلّ الخطاء عنهم؟! ونمنع عموم النكرة المنفية، فيحمل على نفي السهو أو الكفر جمعاً بينه و بين قوله: لا تجتمع أُمّتي على ضلال.
الرابع: سلّمنا إصابتهم، لكن يجوز مخالفتهم، فإنّ المجتهد قد يكون مصيباً ويتمكّن آخر من مخالفته.
والجواب عن الأوّل: أنّه مدفوع بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تزال طائفة من أُمّتي متظاهرين على الحق .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن .
] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) [: من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.
وعن الثاني: أنّ عدالة الراوي تفيد ظن صحّة الرواية وهو كاف، ولو جوّزنا ذلك انسد باب الاستدلال بأكثر النصوص، مع أنّه مدفوع بباقي الروايات.
وعن الثالث: قد تقدّم أنّ النكرة المنفية للعموم .
وفيه نظر، لورود النفي على «تجتمع» لا على خطأ، والحمل على السهو باطل لامتناع اجتماع الخلق العظيم على السهو فلا يذكر للتعظيم، ولعدم اختصاص أُمّته به، وكذا على الكفر، وقوله: «لا تجتمع أُمّتي على

صفحه 188
الضلال» خبر مستقل بنفسه، ولأنّ الضلال لا يقتضي الكفر لقوله: (وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ)1 ] وقوله تعالى: [ (فَعَلْتُهَا إِذاً وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ)2.
وعن الرابع: أنّ الأُمّة على قولين: كون الإجماع حجّة لا يجوز مخالفته، ومنع كونه حجّة. فالقول بأنّه حجّة يجوز مخالفته خارج عن قول كلّ الأُمّة ولو كان حقّاً لكانت الأُمّة متّفقين على الخطأ، وهو ينافي الخبر.

الوجه السّابع: دليل العقل

وهو الذي عوّل عليه الجويني فقال: اجتماع الخلق العظيم على الحكم الواحد يستحيل أن يكون لا لدلالة ولا أمارة ; فإن كان لدلالة كشف الإجماع عن وجودها فخلافه خلاف الدلالة، وهو باطل ; وإن كان لأمارة والتابعون قطعوا بالمنع من مخالفة هذا الإجماع، فلولا اطّلاعهم على دلالة قاطعة مانعة من مخالفة مثل هذا الإجماع، وإلاّ لاستحال اتّفاقهم على المنع من المخالفة.3
والاعتراض لعلّهم اتّفقوا لا لدلالة ولا لأمارة، والمبطلون اتّفقوا على الحكم الباطل وهم منتشرون في الشرق والغرب .
سلّمنا، لكن جاز أن يكون لأمارة ونمنع الاتّفاق على المنع من المخالفة.

1 . الضحى: 7 .
2 . الشعراء: 20 .
3 . نقله الرازي في المحصول: 2 / 46 .

صفحه 189
سلّمنا، لكن لما جاز الإجماع لأمارة جاز أن يكون إجماع المخالفة عنها .
لا يقال: إنّهم لا يتعصّبون في الإجماع الصادر عن الأمارة وقد تعصّبوا في هذا الإجماع فدلّ على أنّه ليس عن أمارة .
لأنّا نقول: إذا سلمت أنّهم لا يتعصّبون في إجماع صادر عن أمارة بطل قولكم إنّهم منعوا من مخالفة هذا الإجماع .
واعترض أيضاً بأنّ فيه إثبات الإجماع بالإجماع وإثبات الإجماع بنص يتوقّف عليه .
وأُجيب بأنّ المثبت كونه حجّة ثبوت نص عن وجود صورة منه بطريق عادي لا يتوقّف وجودها ولا دلالتها على ثبوت كونه حجّة، فلا دور.
الوجه الثامن: أجمعوا على تقديم الإجماع على القاطع فدلّ على أنّه قاطع وإلاّ1 تعارض الإجماعان، لأنّ القاطع مقدّم .
لا يقال: يلزم أن يكون المجمع عليه عدد التواتر في هذا الدليل وفيما سبق .
لأنّا نقول: لو سلم لم يضر.
الوجه التاسع: قد ثبت دوام شرعنا إلى انقضاء التكليف فوجب أن يكون قول الأُمّة حجّة لدوام قيام الدلالة على اتصال الشرع .
والاعتراض: الحجّة عند الإمامية قول المعصوم، وغيرهم القرآن

1 . في «أ»: لا.

صفحه 190
وأخبار الآحاد والاجتهاد، على أنّ شرعنا منقطع بانقطاع التكليف كانقطاع شرع من قبلنا بالنسخ، فدوام كلّ واحد من الشرعين كدوام الآخر أو يقاربه، فكما لا يجب قول إحدى الأُمّتين حجّة لم يجب في الأُخرى مثله.
احتج المنكرون بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيء)1، وصف الكتاب العزيز بأنّه مبيّن لكلّ شيء، ومن جملته الأحكام التي أجمعوا عليها، فلا حاجة إلى الإجماع.
الثاني: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)(2) اقتصر على الكتاب والسنّة، وهو ينفي الحاجة إلى الإجماع.
الثالث: الآيات الدالّة على وقوع الذنب من مجموع الأُمّة كقوله: (وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)2، و ] قوله:[ (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)(4)، وغيرهما يدلّ على وقوع الخطاء من مجموع الأُمّة فجاز أن يكون إجماعهم منه.
الرابع: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ»3 دلّ على خلو الزمان من جمع تقوم الحجّة بقولهم. وكذا: «ولا ترجعوا بعدي كفاراً». وقوله: «تعلّموا الفرائض وعلمّوها الناس بعدي فإنّها أوّل ما ينسى» وقال:

1 . النحل: 89 .   2 . النساء: 59 .
2 . البقرة: 169 .   4 . البقرة: 188 .
3 . صحيح مسلم: 1 / 90، باب بيان أنّ الإسلام بدأ غريباً; كنز العمال: 1 / 238 برقم 1193 و 392 برقم 1689 ; الغيبة للنعماني: 322 ; بحار الأنوار: 52 / 367 ح 150 .

صفحه 191
«خير القرون القرن الّذي أنا فيه، ثمّ الذي يليه، ثمّ يبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم».
الخامس: كلّ واحد يجوز عليه الخطاء فكذا المجموع.
السادس: أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) كغيرهم من الأُمم، فلا يكون إجماعهم حجّة كغيرهم.
السابع: الأحكام الشرعية لا تثبت إلاّ بدليل، فلا يكون الإجماع دليلاً كالتوحيد وغيره.
والجواب عن الأوّل: انّ كون الإجماع حجّة ثبت بالكتاب، وهو قوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)كما في خبر الواحد وغيره من الأدلّة.
وعن الثاني: أنّ المجمع عليه لم يقع فيه تنازع فلا يجب ردّه، ولأنّا رددناه إلى القرآن والسنّة حيث أثبتنا الإجماع بهما.
وعن الثالث: أنّها تتناول كلّ واحد من الأُمّة ولا يستلزم جواز الذنب من المجموع، ولأنّ التجويز لا ينافي الامتناع الشرعي .
وعن الرابع: انّ قوله: «بدأ الإسلام» يدل على أنّ أهل الاسلام هم الأقلّون لا على أنّه لا يبقى1 من تقوم الحجّة بقوله: «ولا ترجعوا بعدي كفّاراً» يحتمل أن يكون خطاباً مع جماعة معيّنين، أو أنّ النهي لا يستلزم الوقوع .
وقوله: «تعلّموا الفرائض» يعطي جواز انقراض العلماء، ونحن نمنع

1 . في «أ»: ينتفي.

صفحه 192
من الإجماع مع الانقراض، وكلامنا في اجتماع من كان من العلماء وكذا ما بعده. ومعارض لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزال طائفة من أُمّتي على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجّال».1
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «واشوقاه إلى إخواني» قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ فقال: «أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون من بعدي يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس»2.
وعن الخامس: أنّ كلّ واحد منهم يجوز عليه الخطاء منفرداً في قوله لا في القول الذي اتّفقوا عليه، ونمنع أنّ كلّ واحد يجوز أن يخطأ في القول الذي اتّفقوا عليه.
وعن السادس: بالفرق، فإنّه تعالى فضّل أُمّة محمد على غيرهم وميّزهم من بينهم وجعلهم شهداء على الناس في تبليغ رسلهم إليهم، على أنّ أبا إسحاق الاسفرائيني وجماعة من العلماء ذهبوا إلى أنّ إجماع علماء من تقدّم من الأُمم حجّة قبل النسخ.3
   
وعن السابع: يجوز إثبات التوحيد بالإجماع .
سلّمنا لكن الفرق تجويز التقليد في الأحكام الشرعية دون العقلية، وإذا جاز تقليد الواحد في الحكم الشرعي فتقليد الكلّ أولى.

1 . راجع الإحكام: 1 / 269 .
2 . ذكر مضمون الحديث في صحيح مسلم: 1 / 150، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل من كتاب الطهارة ; مسند أحمد: 2 / 300 و 408 ; سنن ابن ماجة: 2 / 1439 برقم 4306 ; الموطأ: 1 / 28 برقم 28 ; وذكر نصّ الحديث الآمدي في الإحكام: 1 / 269 و ج 4 / 234 .
3 . راجع الإحكام للآمدي: 1 / 269 .

صفحه 193
 
الفصل الثاني

فيما أخرج من الإجماع وهو منه

وفيه مباحث:

الأوّل: في إحداث القول الثالث

كلّ مسألة اشتملت على موضوع كلّي على الإطلاق فالحكم فيها إمّا بالإيجاب الكلّي، أو السّلب الكلّي، أو الإيجاب في البعض والسلب في الباقي ; فإذا اختلف أهل العصر على قولين من هذه الاحتمالات الثلاثة بأن يقول بعضهم بالإيجاب الكلّي والباقون بالسّلب الكلي، أو بالاقتسام، أو قال بعضهم بالسلب الكلّي والباقون بالاقتسام فهل يجوز لمن بعدهم أن يقول بالثالث ؟
منعه الجمهور والإمامية، وجوّزه أهل الظاهر وبعض الحنفية ; ونقل بعضهم1 عن بعض الشيعة جوازه، وهو غلط; وحجّتهم (2) في ذلك ظاهرة، لأنّ الأُمّة إذا اختلفت على قولين فالحق واحد منهما وهوالذي

1 . الآمدي في الإحكام: 1 / 330 .   2 . أي الشيعة.

صفحه 194
اشتمل على قول المعصوم، فيكون الثاني باطلاً، فالثالث أولى بالبطلان .
احتجّ النافون بوجوه:
في إحداث القول الثالث   
الأوّل: القول الثالث إنّما يجوزلو أمكن كونه حقّاً، ولا يمكن ذلك إلاّ عند بطلان الأوّلين ضرورة انّ الحقّ واحد، فيلزم إجماعهم على الباطل.
الثاني: الأُمّة لمّا اختلفت أوجب كلّ من الفريقين الأخذ إمّا بقوله أو بقول الآخر، فتجويز الثالث يبطل ذلك وهو حجّة القاضي عبد الجبار.1
الثالث: القول الثالث إن لم يكن عن دليل كان خطاء فيمتنع القول به، وإن كان لزم نسبة الأُمّة إلى الخطاء بتضييعه وغفلتهم عنه، وهو حجّة الغزالي.2
والاعتراض على الأوّل: أنّه غير وارد على القائل بأنّ كلّ مجتهد مصيب، فإنّه لا يلزم من حقّية أحد الأقسام بطلان الباقي ; وأمّا من يعتقد وحدة المصيب لم يلزم من التمكّن من إظهار القول الثالث كونه حقّاً، لأنّ المجتهد قد تمكّن من العمل بالاجتهاد الخطأ .
وفيه نظر، لأنّ المجتهد إنّما يتمكّن من العمل بالاجتهاد الخطأ إذا لم يعلم كونه خطأ أمّا مع علمه فلا، وهنا لمّا اتّفقت الأُمّة على قولين فإن كان الحق خارجاً عنهما لزم اتّفاقهم على الخطأ، وإن لم يكن كان الثالث معلوم الخطأ فلا يمكن العمل به.

1 . الإحكام للآمدي: 1 / 331 .
2 . المنخول من تعليقات الأُصول للغزالي: 417 ; الإحكام للآمدي: 1 / 330 .

صفحه 195
وعلى الثاني: أنّ إيجاب الأخذ بأحد القولين مشروط بأن لا يظهر الثالث، فإذا ظهر زال شرط ذلك الإجماع.
لا يقال: لو جاز ذلك لجاز أن يقال: إنّما أوجبوا التمسّك بالإجماع على القول الواحد بشرط أن لا يظهر وجه القول الثاني، فإذا ظهر زال شرط ذلك الإجماع، فجاز الخلاف .
لأنّا نقول: إنّه جائز لكنّهم منعوا من اعتباره فليس لنا ان نحكم عليهم بوجوب التسوية .
وفيه نظر، لأنّ كلّ واحد منهما يعتقد أنّه على الحق وأنّ القول المخالف له غلط، فقد أجمعوا على تخطئة الثالث، ونمنع أنّ كلّ منهما سوّغ الأخذ بقوله أو بقول صاحبه .
وعلى الثالث: انّما يلزم نسبة الأُمّة إلى الخطأ لو كان الحقّ في المسألة معيّناً، أمّا على تقدير إصابة كلّ مجتهد فلا.
احتج المجوّزون بوجوه:1
الأوّل: الاختلاف على قولين دليل تسويغ الاجتهاد، والثالث صدر عن اجتهاد فكان سائغاً.
الثاني: لو استدلّ الصحابة بدليل جاز للتابعين الاستدلال بغيره، فكذا القول هنا.
الثالث: الوقوع ثابت فيكون جائزاً والملازمة ظاهرة. وبيان المقدّمة: انّ الصّحابة اختلفوا في زوج وأبوين وفي زوجة وأبوين، فقال ابن عباس:

1 . ذكر الآمدي الوجوه والجواب عنها في الإحكام: 1 / 333 .

صفحه 196
للأُم ثلث الأصل بعد فرض الزّوجين، وقال الباقون: للأُم ثلث الباقي بعد فرضهما، وأحدث التابعون ثالثاً، فقال ابن سيرين بقول ابن عبّاس في الزوج دون الزوجة، وقال تابعيّ آخر بالعكس.
واختلف الصحابة في قوله: «أنت عليّ حرام» على ستة أوجه، فأحدث مسروق التابعي سابعاً هو: انّه لا يتعلّق به حكم .
والجواب عن الأوّل: انّه يدلّ على تسويغ الاجتهاد منهم أو من غيرهم، الأوّل مسلّم والثاني ممنوع.
وعن الثاني: الفرق ظاهر بين الدّليل المؤكّد لماصار إليه الأُمّة من الحكم و بين القول الثالث، ولأنّ اتّفاقهم على دليل واحد لا يمنع من دليل آخر، واتّفاقهم على حكم واحد مانع من إبداع حكم آخر مخالف له، فافترقا.
وعن الثالث: بأنّ مسألة الزوج والزّوجة مع الأبوين من قبيل ما لا يرفع ما اتفق عليه الفريقان، بل قول ابن سيرين وغيره غير مخالف للإجماع، بل هو قائل في كلّ صورة بمذهب ذي مذهب، ولأنّه لم يخالف بعد استقرار الإجماع على أحدهما بل حالة الاتفاق فلا يكون خارقاً للإجماع لأنّه منهم، وقال آخرون: إحداث الثالث إن لزم منه الخروج عن ما أجمعوا عليه لم يجز ; كالجد مع الأخ على قولين، منهم من قال المال كلّه للجّد، ومنهم من قال بمقاسمة 1 الأخ، فحرمان الجد ثالث يستلزم رفع الإجماع، وهو إعطاء الجد قسطاًمن المال .

1 . في «أ»: يقاسمه .

صفحه 197
وكالجارية إذا وطأها المشتري فوجد بها عيباً، قال بعضهم: نمنع الردّ، وقال آخرون بالردّ مع العقر 1 ، فالقول بالردّ مجاناً خارق للإجماع .
وكالنيّة في الطهارات قيل إنّها معتبرة في الجميع، وقيل في البعض، فالقول بعدم اعتبارها في شيء منها خارق للإجماع، وإن لم يلزم من إحداث الثالث رفع ما اتّفقوا عليه جاز، لأنّ المحذور مخالفة الإجماع أو ما يستلزمها، فإذا لم يكن الثالث كذلك جاز، كما لو قال بعضهم باعتبار النية في جميع الطهارات وقال الباقون بعدم اعتبارها في الجميع جاز أن يقول متجدّد باعتبارها في البعض موافقة لمعتبرها في الجميع في تلك الصورة وبعدم اعتبارها في البعض الآخر موافقة لمن لم يعتبرها في الجميع في ذلك البعض، وليس في ذلك رفع حكم مجمع عليه .
وكنسخ النكاح بالعيوب الخمسة، وهي: الجذام والجنون والبرص مع الرتق والقرن في الزوجة والجَب والعنّة في الزوج، فقال بعضهم بالفسخ بها أجمع، وقال آخرون بعدمه فيها أجمع، فالفرق لا يرفع إجماعاً .
وكالأبوين مع الزوج قال بعضهم: للزوج حصّته من الأصل وللأُم ثلث الأصل وللأب الباقي، وقال آخرون: للزوج حقّه و للأُمّ ثلث الباقي وللأب الثلثان، ثمّ جعلوا حكم الزوجة حكم الزّوج، فمن جعل للأُم ثلث الأصل مع الزوج جعله لها مع الزوجة، ومن أعطاها ثلث الباقي في الأوّل أعطاها ثلثه هنا، فإعطاؤه ثلث الأصل في إحدى المسألتين وثلث الباقي في الأُخرى ثالث لا يرفع إجماعاً، وهو الوجه .

1 . في «أ»: العقد.

صفحه 198
لا يقال: إنّه فصل، ولم يفصل أحد فقد خالف الإجماع .
لأنّا نقول: عدم القول بالفصل ليس قولاً بعدمه، وإلاّ لامتنع القول في واقعه يتحدد فإنّ عدم القول حينئذ يكون قولاً بالعدم.1
في عدم الفصل بين المسألتين   

البحث الثاني: في عدم الفصل بين المسألتين

إذا لم تفصل الأُمّة بين مسألتين فهل لمن بعدهم الفصل بينهما ؟
وتحقيقه أنّ الأُمّة ان نصّوا على عدم الفصل بينهما فإنّه لا يجوز الفصل، سواء حكموا بعدمه في كلّ شيء، أو في بعض الأحكام .
وأقسامه ثلاثة: ان تحكم الأُمّة بحكم واحد فيهما إمّا بالتحليل أو الحرمة، أو أن يحكم البعض فيهما بالتحريم والآخر بالتحليل، أو أن لا ينقل إلينا منهم حكم فيهما .
ففي هذه الصور إذا دلّ دليل على حكم في إحداهما كان في الأُخرى كذلك، وإن لم ينصّوا على عدم الفرق لكن لم يكن فيهم من فرّق بينهما فإن علم اتّحاد طريقة الحكم فيهما جرى مجرى النصّ على عدم الفرق .
مثاله: مَن ورَّث العمة ورَّث الخالة، ومَن منعَ إحداهما منعَ الأُخرى، لاتّحادهما في الطريقة وهي حكم ذوي الأرحام . فهذا لا يسوّغ خلافهم فيه بتفريق ما جمعوا بينهما ، إلاّ أنّه متأخّر عن سائر الإجماعات لضعفه .

1 . ذكر هذا المبحث مع أدلّة النافين والمجوّزين والجواب عنها: الرازي في محصوله: 2 / 62 ـ 63 ; والآمدي في إحكامه: 1 / 329، المسألة التاسعة عشرة.

صفحه 199
وإن لم يعلم اتّحاد الطريقة فالحق جواز الفرق لمن بعدهم، عملاً بالأصل السالم عن معارضة مخالفة حكم مجمع عليه، أو علّته1; ولأنّ منع المخالفة يستلزم أن من قلّد مجتهداً في حكم أن يوافقه في كلّ حكم ذهب إليه، وهو ظاهر البطلان.
احتجّ المانعون من الفصل مطلقاً بأمرين:
الأوّل: إذا قال نصف الأُمّة بالتحريم في المسألتين ونصفها بالتحليل فيهما، فقد اتّفقوا على أنّه لا فصل بين المسألتين، فيكون الفصل رداً للإجماع.
الثاني: إذا اختلفت الأُمّة على قولين فقد أوجبت كلّ طائفة منهما القول بقولها أو بقول الأُخرى ومنعت من غيرهما، فتسويغه رفع لهذا الإجماع.
والجواب عن الأوّل: ليس النزاع فيما إذا نصّوا على اتّحاد الحكم أو علّته، فإن أردتم أنّ كلّ قائل بأحد المسألتين قائل بالأُخرى فهو مسلّم، لكن نمنع 2 عدم الفصل حينئذ فإنّه المتنازع .
وعن الثاني: أنّهم أوجبوا بشرط عدم الفرق من بعض المجتهدين بين المسألتين، فإن منعوا الالتفات إلى هذا الشرط، فهو النزاع .
وقال بعض العلماء: يجوز الفصل مطلقاً، لأنّ ابن سيرين قال في زوج وأبوين: للأُمّ ثلث الباقي، وقال في زوجة وأبوين: للأُم ثلث الأصل ; فقال

1 . في «ج»: عليّته.
2 . في «أ»: يمنع، وفي «ب»: منع .

صفحه 200
في إحداهما بقول ابن عباس، وفي الأُخرى بقول باقي الصحابة .
وقال الثوري: الجماع ناسياً يُفطر والأكل ناسياً لا يُفطر، ففرّق بين المسألتين مع اتّحاد الطريقة.1
في جواز الإجماع بعد الخلاف   

البحث الثالث: في جواز الإجماع بعد الخلاف2

إذا اختلف أهل كلّ عصر في المسألة على قولين فهل يجوز لهم أن يتفقوا بعد استقرار خلافهم على أحد القولين والمنع من الآخر ويكون إجماعاً كالمبتدأ ؟
اختلفوا فمن اعتبر انقراض العصر في الإجماع قطع بجوازه ; ومن لم يعتبره اختلفوا، فمنهم مَن جوّزه بشرط أن يكون مستند اتّفاقهم على الخلاف القياس والاجتهاد لا دليل قاطع، ومنهم مَن منع من ذلك مطلقاً، وهو قول أبي بكر الصيرفي 3، والحق الجواز .
لنا: إنّ الحق لم يتعيّن في أحد القولين بعينه لعدم الاتّفاق عليه أوّلاً، فجاز العدول عنه إلى الآخر، لأنّه لا يخرج بذلك عن قول كلّ الأُمّة وبعد الاتّفاق تصير إجماعاً يحرم مخالفته كالمبتدأ.

1 . ذكر هذا البحث مع حجج المانعين والجواب عنها الرازي في محصوله: 2 / 64 ـ 66 .
2 . راجع المحصول: 2 / 66 ; الإحكام: 1 / 336، المسألة الحادية والعشرون.
3 . هو محمد بن عبد الله البغدادي الشافعي، تفقّه على ابن سريج، له: شرح الرسالة، وكتاب في الشروط، وفي أُصول الفقه. سمع الحديث من أحمد بن منصور الرمادي، وروى عنه علي بن محمد الحلبي، توفّي سنة 330 هـ . طبقات الشافعية: 2 / 170 ; شذرات الذهب: 2 / 325 ; مرآة الجنان: 2 / 297 .

صفحه 201
قال المرتضى: هذا على مذهبنا ظاهر، لأنّ المعتبر قول المعصوم، فإذا فرض الإجماع على أحد القولين فقد فرض دخول الإمام فيه فيكون حقّاً، إنّما الإشكال عند المخالفين لقولهم بصحّة الاجتهاد .1
احتجّ المانعون بأنّ الإجماع واقع من الطائفتين على جواز الأخذ بأي القولين كان إذا أدّى الاجتهاد إليه ; فلو أجمعوا على أحدهما كان الإجماعان حقّين، فيكون المتأخّر ناسخاً للمتقدّم، لكن نسخ الإجماع والنسخ به باطل على ما مرّ، ولأنّه لو جاز ذلك لجاز أن يتّفق أهل عصر على قول ويتّفق أهل العصر الثاني على خلافه.
والجواب منع إجماعهم على الأخذ بأي القولين كان، لأنّ أحدهما لابد وأن يكون خطأ ; لقوله (عليه السلام): «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران»2، ولا يجوز إجماع الأُمّة على الخطأ.
سلّمنا، لكن مطلق أو 3 بشرط عدم الاتّفاق، الأوّل ممنوع والثاني مسلّم، لكن الاتّفاق قد وقع فيزول المشروط بعدمه.
سلّمنا، لكنّهم جوّزوا الأخذ بأحد القولين، فإذا أجمعوا عليه كان موافقاً لاجماعهم، وموافق الإجماع صواب لا خطاء، ولأنّه لو اتّفق أهل العصر إلاّ واحداً على حكم وخالفهم عليه ذلك الواحد لم يمتنع أن يظهر له ما ظهر لنا في العصر وأن يؤدّيه اجتهاده إلى تصويبهم وأنّه قد كان على

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 630 .
2 . تفسير ابن كثير: 3 / 196 ; شرح صحيح مسلم للنووي: 11 / 91 .
3 . في «أ»: و .

صفحه 202
الخطاء، فإن منعناه من المصير إليه لزم إيجاب الخطاء عليه ومنعه من الحكم بالدليل الذي ظهر له ولباقي الأُمّة وإلزامه بما يعلم بطلانه، وهو باطل قطعاً، وإن لم يمنعه منه فقدحصل الوفاق بعد الخلاف .
وأجاب بعض المخالفين: بأنّا لا نحرّم عليه الرجوع إليه لكنّا نقول: إنّه يستحيل ظهوره عليه لا من جهة العقل، بل من جهة السّمع، وهو ما يقضي إليه من تعارض الإجماعين .
وليس بجيد، لاستلزامه التكليف بالمحال، لأنّه تعالى كلّفه إصابة الحق، فإذا نصب عليه دليلاً ومنعه من الوصول إليه لزم المحال، وتعارض الإجماعين مدفوع باشتراط الأوّل كما تقدّم، والفرق واقع بين الاتّفاق والخلاف، ونحن جوّزنا الإجماع عقيب الاختلاف لا عقيب اتفاق مخالفه له على أنّهم منعوا من الإجماع عقيب الإجماع ولم يمنعوا منه عقيب الاختلاف، وليس لنا الحكم عليهم، بل أمرنا بمتابعتهم فيما أجمعوا عليه.

تذنيب

لو اختلفوا في المسألة على قولين هل يجوز لهم الاتّفاق على ثالث؟
الوجه التفصيل، وهو أنّهم إن نصّوا على عدم الثالث لم يجز، وإلاّ فالوجه الجواز، لما تقدّم عند المخالفين، أمّا عندنا فلا يجوز، لأنّه إحداث لقول ثالث، وقد تقدّم تحقيق القول فيه.
في جواز اتّفاق أهل العصر الثاني   

صفحه 203
 
البحث الرابع: في جواز اتّفاق أهل العصر الثاني
إذا اختلف أهل العصر الأوّل على قولين هل يجوز لأهل العصر الثاني الاتّفاق على أحدهما؟
الحق ذلك، فإنّه يكون إجماعاً يحرم مخالفته ويمتنع على المجتهد المصير إلى القول الآخر .
وهو قول المعتزلة وكثير من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وقال أبوبكر الصيرفي من الشافعية وأبو الحسن الأشعري والجويني والغزّاليوجماعة من الأُصوليّين بامتناعه .
لنا: انّ إجماعهم ممكن للعلم بعدم استحالة صيرورة كلّ مجتهد الى ما صار إليه الآخر لظهور دليله عنده، وإذا جاز ذلك للواحد جاز للجميع والعلم به ضروري، وإذا جاز وقوع الإجماع كان حجّة لثبوت المقتضي وهي أدلّة الإجماع السالمة عن معارضة مانعية سبق الخلاف، لتناول الأدلّة حال سبق الخلاف وعدمه، ولأنّه إجماع حدث بعد ما لم يكن فيكون حجّة، كما إذا حدث بعد تردّد أهل الإجماع فيه حال الفكر، وهذا المقيس عليه ينقض أكثر أدلّة المخالف .
وبالجملة فالنزاع في ذلك ضائع، لأنّه إمّا في وقوع الإجماع وإمكانه، ولا شك فيه ولأنّه المقدّر، وإمّا في كونه حجّة وأدلّة الإجماع تتناوله
قطعاً.

صفحه 204
واستدلّ قاضي القضاة أيضاً على ذلك بوجهين اعترضهما أبو الحسين 1 .
1. قوله (عليه السلام): «لا تجتمع أُمّتي على خطأ» فلا يكون قول أهل العصر الثاني خطأ .
لا يقال: نسلّم أنّه ليس خطأ، لكن يجوز لمن بعدهم المخالفة .
لأنّا نقول: أجمعوا على أنّه لا يجوز أن نخالفهم .
اعترضه بمنع الإجماع فيه، لأنّ الأُمّة مختلفة في اتّفاق أهل العصر على أحد القولين هل يجوز مخالفته أم لا ؟
وأيضاً فيه نظر، لأنّ ما ذكره لا يدفع الاعتراض، فإنّ السائل يقول يجوز مخالفتهم في هذا الإجماع.
2. الإجماع المبتدأ لا يجوز مخالفته، وكذا إذا اختلف الصحابة، ثمّ اتّفقت فيجب مثله في التابعين إذا اتّفقوا بعد اختلاف الصحابة .
اعترضه بأنّه إن أوجبتم ذلك لدخول اتّفاقهم تحت أدلّة الإجماع فذلك رجوع إلى الأدلّة السابقة، وإن كان للقياس فأين العلّة؟
لا يقال: العلّة انّه إجماع .
لأنّا نقول: ليست هذه علّة معلومة، والأصل في الجماعة جواز اتّفاقهم على الخطأ، وانّما منعنا من ذلك للأدلّة2 فيجب اعتبارها دون القياس، لأنّه

1 . راجع المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 54 ـ 55 .
2 . في «أ»: الأدلّة، في «ب»: للدلالة.

صفحه 205
لا نظفر من ذلك بعلّة معلومة، وليس لكم أن تجعلوا العلّة في الأصل كونه إجماعاً أولى من أن يجعلها كونه إجماعاً مبتدأ، على أنّه قد حكى قاضي القضاة في الدرس عن قوم أنّهم قالوا: اتّفاق الصحابة بعد اختلافهم لا يحرّم الخلاف .
واحتجّ المخالف بوجوه 1:
الأوّل: قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)2 أوجب الردّ إلى كتاب الله عند التنازع، وهو حاصل، لأنّ حصول الاتّفاق في الحال لا ينافي ما تقدّم من الخلاف، فوجب فيه الردّ إلى كتاب الله تعالى.
الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهديتم» جوّز الأخذ بقول كلّ واحد من الصحابة وأطلق، وهو يتناول ما حصل بعده إجماع وما لم يحصل.
الثالث: اختلافهم على قولين يتضمّن الإجماع على الأخذ بأيهما كان، فلو انعقد الإجماع الثاني تصادم الإجماعان .
الرابع: لو كان قولهم إذا اتّفقوا حجّة لكان قول إحدى الطائفتين إذا ماتت الأُخرى حجة، والتالي باطل، لأنّ الموت لا يصيّر ما ليس بحجّة حجّة، فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة، لأنّ المقتضي وهو كون المجمعين في العصر الثاني كلّ المؤمنين موجود في الطائفة الباقية.

1 . ذكرها الرازي والأجوبة عنها في المحصول: 2 / 67 ـ 69 .
2 . النساء: 59 .

صفحه 206
الخامس: لو كان اتّفاق العصر الثاني حجّة لكان قولهم لدليل وإلاّ لكان خطأ، والتالي باطل، لأنّه لو وجد لما خفي على أهل العصر الأوّل.
السادس: أهل العصر الثاني بعض الأُمّة، فلا يكون إجماعهم وحده حجّة.
السابع: قد ثبت أنّ أهل العصر الأوّل لو اختلفوا على قولين لم
يجز لمن بعدهم إحداث ثالث، وأهل العصر الأوّل لما اختلفوا لم يكن القطع بذلك الحكم قولاً لواحد منهم، فيكون القطعُ بذلك إحداث الثالث.1
الثامن: الصحابة كالأحياء، ولهذا تحفظ أقوالهم ويحتجّ بها وعليها، وإذا لم ينعقد الإجماع مع تلك الأقوال التي اختلفوا فيها حال حياتهم، فكذا لا ينعقد بعدهم.
التاسع: لو كان هذا الإجماع حجّة لوجب ترك القول الآخر ولما انعقد به حكم حاكم ووجب نقضه بعد الإجماع على خلافه، لوقوعه على ضد الدليل القاطع، والتالي باطل، لانعقاد إجماع العصر الأوّل على نفوذ هذا القضاء، فنقضه على خلاف الإجماع.
والجواب عن الأوّل: أنّ التعلّق بالإجماع ردّ إلى الله تعالى وإلى الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولأنّ الشرط وهو التنازع مفقود في العصر الثاني.
وعن الثاني: بعد تسليم الحديث انّه مخصوص بتوقّف الصحابة في

1 . في «أ»: أخذاً بالثالث.

صفحه 207
الحكم حال الاستدلال مع أنّه لا يجوز الاقتداء به في ذلك بعد انعقاد الإجماع، فوجب تخصيص محلّ النزاع فيه، ولأنّه مخصوص بالصحابة، ولأنّه محمول على ما إذا لم يخالفه أحد، أمّا مع المخالفة فلا يمكن الاهتداء بقول أيّهما كان بل بالمصيب .
وعن الثالث: بما مر أنّ الإجماع على الأخذ بهما كان مشروط بعدم الاتّفاق عند القائلين بأنّ كلّ مجتهد مصيب، ولأنّه منقوض باتّفاقهم حالة الاستدلال على تجويز الأخذ بأي قول ساق الدّليل إليه وعلى الوقف مع عدم الدّليل، ولأنّه إذا جاز أن لا يكون اتّفاق أهل العصر الثاني حجّة جاز أن لا يكون اتّفاق أهل العصر الأوّل حجّة لعدم الأولوية، وإذا لم يكن الأوّل حجّة لم يلزم محذور من الاتّفاق الثاني، فقد ثبت تناقض هذه الحجّة، ومن يجعل المصيب واحداً يحتمل 1 إجماع الفريقين على الأخذ بقول أيّهما كان، لأنّ الحقّ واحد وأنّ عليه دليلاً والمخطئ غير معذور فيه.
وعن الرابع: أنّا نتبيَّنُ بموت إحدى الطائفتين أنّ قول الثانية حجّة، (لا أنّ الموت نفسه هو الحجة).2
وعن الخامس: أنّه لم يخف عن بعضهم ولا يجب عدم خفائه عن الجميع.3

1 . في «أ»: يحيل، وفي «ب»: يختل.
2 . في النسخ الّتي بأيدينا: لأنّ الموت هو الحجّة. وما أثبتناه من المحصول: 2 / 69 .
3 . يعني: أنّه لا يجوز أن يخفى ذلك الدليل على كلّهم، لكن يجوز خفاؤه على بعضهم. راجع المحصول: 2 / 69 .

صفحه 208
وعن السادس: لو كان أهل العصر الثاني بعض الأُمّة لم يكن إجماعهم، إذا لم يسبقه خلاف، حجّة .
وعن السابع: نمنع كون القطع ليس قولاً لأحد على ما سبق .
سلّمنا، لكن لا يجوز إحداث الثالث لو انعقد الإجماع على عدم جوازه مطلقاً، أمّا إذا كان مشروطاً بشرط فإنّه يجوز عند عدم ذلك الشرط، كما قلنا من إجماعهم على التوقّف حالةَ الاستدلال مع أنّه لا ينافي إجماعهم بعد ذلك.
وعن الثامن: إن عنيتم ببقاء أقوالهم بعدهم كونها مانعة من انعقاد الإجماع فهو المتنازع، وإن عنيتم علمنا بأنّهم ذكروا هذه الأقوال فليس مانعاً من انعقاد الإجماع، وإن عنيتم ثالثاً فبيّنوه .
وعن التاسع: أنّا لا ننقض الحكم لصيرورته مقطوعاً به في زمان عدم هذا الإجماع، وانّما ننقض لوحكم حال قيام الدلالة القاطعة على فساده.

تذنيبٌ

في أنّ انقراض العصر هل هو شرط أم لا؟   
لو انقسم أهل العصر إلى قسمين ثمّ مات أحد القسمين كان قول الباقين حجّة. أمّا عندنا فلوجوب بقاء المعصوم ; وأمّا عند المخالف، فلأنّ الموت كشف عن اندراج ذلك القسم وحده تحت أدلّة الإجماع، وكذا لو كفر أحد القسمين.1

1 . وهو رأي الرازي أيضاً في المحصول: 2 / 70 .

صفحه 209
 
البحث الخامس: في أنّ انقراض العصر هل هو شرط أم لا؟
اختلف الناس في ذلك فذهب الإمامية إلى أنّه ليس بشرط، وهو مذهب المعتزلة والأشاعرة وأكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وقال أحمد بن حنبل والأُستاذ أبوبكر بن فورك: إنّه شرط ; وفصّل بعض الناس فقال: إن كان اتّفاقهم عن قول أو فعل أو عنهما لم يكن شرطاً، وإن كان عن قول بعضهم وسكوت الباقين كان شرطاً .
لنا: وجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)1 وصفهم بالعدالة، وهي تنافي الإجماع على الخطاء .
وكذا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجتمع أُمّتي على الخطأ»، وقوله تعالى: (وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)2من أدلّة الإجماع.
الثاني: الإجماع إنّما يتحقّق لو دخل المعصوم فيهم وقوله حجة فلا يشترط غيره.
الثالث: لو اعتبر انقراض العصر لم يستقر الإجماع، لأنّه قد حدث في زمن الصحابة مجتهدون من التابعين فيجوز لهم مخالفتهم لعدم انقراض العصر، ولا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفة المتجدّدين، ثمّ الكلام في

1 . البقرة: 143 .
2 . النساء: 115 .

صفحه 210
عصر التابعين كالكلام في عصر الصحابة فجاز أن لا ينقرض عصرهم حتى يحدث تابع التابعين فيكون إجماعهم مشروطاً بموافقته، وهكذا .
لا يقال: يشترط انقراض عصر المجتهدين عند حدوث الواقعة لا من تجدد فلا يلزم اعتبار عصر التابعين إذا حدث فيهم مجتهد بعد الواقعة .
لأنّا نقول: على تقدير أن يحدث في التابعين واحد من المجتهدين قبل انقراض عصر المجتهدين من الصحابة عند الواقعة، وكذا يحدث في تبع التابعين قبل انقراض عصرمن كان مجتهداً من التابعين، وهلمّ جرّاً إلى زماننا، يلزم عدم تحقّق الإجماع على ذلك التقدير، وهذا الاحتمال متحقّق في كلّ إجماع فلا ينعقد إجماع ما .
اعترض أبو الحسين 1 بأنّ من اشترط انقراض العصر اختلفوا في إدخال من أدرك من التابعين في إجماعهم فقال أحمد بن حنبل 2: لا مدخل للتابعي في إجماع أهل ذلك العصر مع أنّه يشترط انقراض العصر، وفائدته تجويز رجوع المجمعين أو بعضهم عمّا أجمعوا عليه، وحينئذ يندفع الإشكال. وبتقدير تسليم دخول التابع لهم في إجماعهم فلا يمتنع أن يكون الشرط هو انقراض عصر المجمعين عند حدوث الحادثة، واعتبار موافقة من أدرك ذلك العصر من المجتهدين لا عصر من أدرك عصرهم، فيندفع الإشكال .
وفيه نظر، فإنّ المجتهد التابعي المتجدّد يجوز له المخالفة إذا لم يسبقه

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 42 .
2 . ذكره الآمدي في الإحكام: 1 / 318، المسألة السادسة عشرة.

صفحه 211
إجماع مخالف له هوحجّة عليه، وإنّما تسوغ المخالفة لو احتمل كون قول المجمعين خطاء، إذ لولاه لم يجز له المخالفة وانقراضهم لايوجب تصويب قولهم وصيرورته حقّاً قطعاً، فقول أحمد ليس بجيّد، وعدم اشتراط انقراض عصر التابعي ـ مع أنّه من أهل الإجماع وقوله شرط فيه ومعتبر في تحقّقه واشتراط انقراض غيره ـ تحكّم محض، لأنّ المقتضي لاشتراط الانقراض هو إمكان رجوع بعضهم عن قوله إلى ما يخالفه لظهور دليل عنده ثابت هنا.
الرابع: لا خلاف في أنّ الإجماع حجّة بعد انقراض العصر، والحجّة ليست في انقراض العصر وإلاّ لكان حجّة من دون الاتّفاق، وهو باطل قطعاً ; ولا في مجموع الأمرين، وهو اتّفاقهم وانقراض العصر، وإلاّ لكان موتهم مؤثراً في كون أقوالهم حجّة، وهو محال كما في موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالمؤثر في كونه حجّة هو الاتّفاق لا غير .
اعترض بجواز كون اتّفاقهم حجّة بشرط عدم المخالف لهم في عصرهم .
احتجّ المخالف بوجوه1:
الأوّل: قوله تعالى: (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)2، فلولم يسوغ لهم الرجوع عمّا أجمعوا عليه لكانوا شهداء على أنفسهم.
الثاني: سئل علي (عليه السلام) عن بيع أُمّهات الأولاد؟ فقال: «كان رأيي ورأي

1 . ذكر الآمدي هذه الوجوه والجواب عنها في الإحكام: 1 / 319 ـ 322 .
2 . البقرة: 143 .

صفحه 212
عمر أن لا يُبْعنَ فرأيت بيعَهُنّ» فقال له عبيدة السلماني1: رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، فدلّ قول عبيدة على حصول الإجماع مع مخالفة علي (عليه السلام).
الثالث: كان أبوبكر يرى التسوية في القَسم ولم يخالفه أحد في زمانه، ثمّ خالفه عمر بعد ذلك.
الرابع: المجتهد مادام حيّاً يبحث ويتفحّص عن الأدلّة، ويكون في التأمّل والنظر، فلا يستقر الإجماع.
الخامس: قول المجمعين لا يزيد على قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا كان موته شرطاً في استقرار الحجّة في قوله، فاعتباره في أهل الإجماع أولى.2
السادس : الإجماع ربّما كان عن اجتهاد وظن، ولا حجر على المجتهد إذا تغيّر اجتهاده وإلاّ كان الاجتهاد مانعاً من الاجتهاد، وهو باطل، لأنّ الرأي الأوّل مذموم، لقوله تعالى: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ)3فلا يكون مانعاً من الثاني.

1 . هو عبيدة بن عمرو (أو قيس) السلماني المرادي، تابعي، أسلم باليمن أيام فتح مكة ولم ير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان عريف قومه، وهاجر إلى المدينة في زمان عمر، وحضر كثيراً من الوقائع، وتفقّه وروى الحديث. من أصحاب علي (عليه السلام)، وعدّه البرقي من أولياء أمير المؤمنين (عليه السلام). روى عن عبد الله بن مسعود، وروى عنه عبد الله بن سلمة. وقال ابن حجر في تقريبه: عبيدة بن عمرو السلماني بسكون اللام، ويقال بفتحها، المرادي أبو عمرو الكوفي، تابعي كبير مخضرم، ثقة ثبت، مات سنة 72 هـ أو بعدها. الأعلام: 4 / 199 ; معجم رجال الحديث: 12 / 104 برقم 7547 .
2 . ذكر الرازي أيضاً هذه الوجوه الخمسة والجواب عنها في المحصول: 1 / 72 .
3 . هود: 27 .

صفحه 213
السابع: لو لم يعتبر المخالفة في عصرهم لبطل مذهب المخالف، لهم في عصرهم بموته، لأنّ مَن بقي بعده كلّ الأُمّة، وهو خلاف الإجماع.
والجواب عن الأوّل: لا يلزم من كونهم شهداء على غيرهم أن لا يكونوا شهداء على أنفسهم إلاّ من حيث المفهوم وليس حجّة، بل قبول شهادتهم على أنفسهم أولى لعدم التهمة، وفائدة التخصيص التنبيه بالأدنى على الأعلى، كما قد يقبل إقرار المرء على نفسه ولا تقبل شهادته على غيره، ولأنّ المراد كونهم شهداء يوم القيامة على الأُمم بإبلاغ أنبيائهم إليهم، فلا يكون حجّة في صورة النزاع.
وعن الثاني: قول عبيدة (رأيك في الجماعة) لا يدلّ على أنّه إجماع، وإنّما أراد انضمام القولين أرجح من الانفراد، على أنّ قول عبيدة ليس حجّة، وقول علي (عليه السلام) لا يدلّ على الإجماع، بل على أنّ قوله وقول عمر خاصة ثمّ انفرد هو (عليه السلام). على أنّ الإمامية منعوا هذا الحديث بالكلّية لأنّ علياً (عليه السلام) لم يكن يقول بالرأي .
وعن الثالث: نمنع الإجماع على قول أبي بكر فإنّ عمر نازعه في التسوية وقال له: اتجعل مَن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله كمن دخل في الإسلام كرهاً؟! فقال أبوبكر: إنّما عملوا لله وإنّما أجرهم على الله تعالى وإنّما الدنيا بلاغ.
وعن الرابع: إن أرادوا بنفي الاستقرار عدم حصول الاتّفاق، فهو باطل، لأنّ كلامنا في أنّه لو حصل لكان حجّة، وإن أرادوا أنّه لا يكون حجّة بعد حصوله فهو المتنازع.

صفحه 214
وعن الخامس: أنّه جمع بين الموضعين بغير دليل مع ظهور الفرق، فإنّ قول النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في معرض النسخ، وهو إنّما يكون بوحي قاطع، ورفع القاطع بمثله على طريق النسخ جائز بخلاف رفع حكم الإجماع القاطع بالاجتهاد.
وعن السادس: أنّ الإجماع عندنا يشترط فيه قول المعصوم فلا يكون عن اجتهاد فلا يجوز الرجوع عنه، وعند المخالف لا يجوز الرجوع عنه أيضاً، لأنّ كلّ واحد وإن ذهب إلى الحكم عن اجتهاد وظن، ولكن بعد اتّفاقهم على الحكم لا يجوز الرجوع عنه بالاجتهاد، لصيرورته بعد الإجماع قطعياً، فلا يجوز الرجوع عنه بالظّني بخلاف الرجوع عن الاجتهاد الظني بمثله.
وعن السابع: قال بعضهم ; نعم يبطل قول المخالف بموته وينعقد الإجماع بقول من بقي، وقيل1: إنّما لم يبطل مذهبه ولا ينعقد إجماع بعده، لأنّ من بعده ليسوا كلّ الأُمّة بالنسبة إلى هذه المسألة التي خالف فيها الميّت فإنّ فتواه لا تبطل بموته .
في أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد حجّة   
وفيه نظر، لأنّهم لو أجمعوا بعد موته على حكم آخر لكان حجّة، لأنّهم كلّ المؤمنين وكلّ الأُمّة، وهو وصف حقيقي لا يعتبر بالنسبة إلى فتوى
أو حكم، فكذا في صورة النزاع.

1 . وهو القول الّذي أيّده الآمدي في الإحكام: 1 / 322 .

صفحه 215
 
تذنيب
ذهب كثير ممّن لم يعتبر انقراض العصر في الإجماع القولي إلى اعتباره في السكوتي، لاحتمال رجوع سكوته إلى التفكّر في الحكم، فإذا مات عرف أنّ سكوته كان عن رضاً.
وليس بشيء، لأنّ السكوت إن دلّ على الرضا وجب أن يحصل ذلك قبل الموت، وإلاّ لم يحصل بالموت، لاحتمال موته على ماكان عليه قبل موته.1

البحث السادس: في أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد حجّة

اختلف الناس في ثبوت الإجماع بخبر الواحد، فأجازه جماعة من الشافعية والحنفية والحنابلة، وهو الحق، ومنعه جماعة من الحنفية والغزّاليمن الشافعية .
لنا: إنّ خبر الواحد دليل شرعي تثبت به الأحكام وتخصّص به العمومات ويقيّد المطلق، فجاز أن يثبت به الإجماع كغيره من الأحكام، ولأنّ ظن العمل به حاصل فيجب دفعاً للضرر المظنون، ولأنّ الإجماع نوع من الحجّة فيجوز التمسّك بمظنونه كمعلومه قياساً على السنّة، ولأنّ أكثر الناس ذهب إلى أنّ أصل الإجماع ظني فتفاصيله أولى، ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن

1 . ذهب الرازي إلى هذا الرأي في المحصول: 2 / 73 .

صفحه 216
نحكم بالظاهر والله يتولّى السّرائر»1 فيدخل فيه الإجماع المنقول بخبر الواحد لكونه ظاهراً ظنياً، ولأنّ نقل الظني موجب للعمل فالقطعي أولى.
احتجّ المخالف بأنّ الإجماع أصل من أُصول الدين فلا يثبت بخبر الواحد لكونه ظاهراً ظنيّاً، ولأنّ الإجماع المنقول آحاد أصل من أُصول الفقه،كالقياس وخبر الواحد عن الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك ممّا لم يرد من الأُمّة فيه إجماع قاطع يدل على جوازالاحتجاج به، ولا نصّ قاطع من كتاب أو سنّة وما عدا ذلك فمن الظواهر غير محتجّ بها في الأُصول وإن احتج بها في الفروع .
والجواب: كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصل من أُصول الدين، وقد قبل فيه خبر الواحد .
وبالجملة فالمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعاً به، وعلى عدم اشتراطه، فمن اشترط القطع منع من كون خبر الواحد مفيداً في نقل الإجماع، ومن لم يشترط ذلك كان الإجماع المنقول على لسان الآحاد عنده حجّة.
في أنّ إجماع العترة حجّة   
والظهور في هذه المسألة للمعترض من الجانبين، إمّا من جهة النافي فأن يقول: لا نسلم أنّ نقل كلّ ظنيّ موجب للعمل بمقتضاه، وإمّا من جهة المثبت فأن يقول: لا نسلم امتناع إثبات الأُصول بالظواهر.

1 . شرح صحيح مسلم للنووي: 7 / 163. لم أعثر على هذا النص في كتب الحديث المشهورة، لكنّه اشتهـر بين الفقهاء والأُصوليين، وقد جزم الحافظ العراقي والمزي بأنّه لا أصل له، وقال الزركشي: لا يعرف بهذا اللفظ. راجع كشف الخفاء للعجلوني: 1 / 192 ـ 193 .

صفحه 217
 
البحث السابع: في أنّ إجماع العترة حجّة
اختلف الناس في ذلك، فذهب إليه الإماميّة والزيدية وأنكره
الباقون .
لنا: وجوه:
الأوّل: ما ثبت من عصمة الإمام.
الثاني: قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)1، والخطاء رجس، فيكون منتفياً عنهم، وقد أكّد الله تعالى ذلك بوجوه:
أ. لفظة (إِنَّمَا) الدالّة على الحصر والتأكيد.
ب. لام التأكيد في (لِيُذْهِبَ ) .
ج. الإتيان بلفظ الإذهاب الدالّ على الإزالة بالكلّية.
د. الإتيان بالماهية التي يستلزم نفيها نفي جميع الجزئيات.
هـ . الإتيان بلفظ أن يذهب الدال على تحقّقه في كلّ حال دون الإذهاب الصادق 2 بعد تقضّي الفعل، فالفرق بينهما فرق بين أن يفعل والفعل.

1 . الأحزاب: 33 .
2 . في «أ»: الصادر.

صفحه 218
و. تقديم لفظة (عَنْكُمُ) الدالّة على شدّة العناية.
ز. الإتيان بما يدلّ عليهم لا بأسمائهم تعظيماً لهم.
ح. البداء على وجه الاختصاص، نحو: نحن العرب أقرى الناس للضيف.
ط. تأكيد ذلك بلفظ التطهير الدالّ على التنزيه عن كلّ دنس.
ي. تأكيد التطهير بالمصدر .
اعتُرِضَ 1 بحمله على الزوجات، لأنّ ما قبلها ومابعدها خطاب معين .2
والجواب من وجوه:
أ. لو كان كذلك لقال عنكنّ ويطهركنّ، كما تقدّم.
ب. أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، للإجماع على أنّه لمّا نزلت هذه الآية لفّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم كساء وقال: «هؤلاء أهل بيتي».3
ج. لمّا قالت أُمّ سلمة: ألست من أهل البيت؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) لها: «إنّك على

1 . منهم: الرازي في المحصول: 2 / 81، المسألة الخامسة ; والآمدي في الإحكام: 1 / 307، المسألة الحادية عشرة .
2 . في «أ»: معهود، وفي المحصول: معهن .
3 . صحيح مسلم: 7 / 122 ـ 123 .

صفحه 219
خير»1 ولم يجعلها منهم، فلو كان راجعاً إلى الزوجات لدخلت فيهن ولأجابها بنعم.
د. لفظة «إنّما» للحصر فهي دالّة على أنّه تعالى ما أراد أن يزيل الرجس عن أحد إلاّ عن أهل البيت، لكنّه غير جائز، لأنّه تعالى أراد زوال الرجس عن الكلّ، وإذا تعذّر حمله على ظاهره وجب حمله على زوال ] بعض [الرّجس عنهم، لأنّ ذكر السبب لإرادة المسبب جائز، وزوال الرجس هوالعصمة، فهي دالّة على عصمة أهل البيت (عليهم السلام)، وكلّ من قال ذلك حصر المراد في علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، فلو حمل على غيرهم لزم خرق الإجماع.
هـ . مراد الله تعالى واجب الوقوع مطلقاً عندهم وعندنا في أفعاله، فيكون وقوع الرجس عنهم محالاً، وهو إنّما ثبت في حقّ المعصومين لا الزوجات لوقوع الذنب منهن .

1 . روي هذا الحديث في تفسير الطبري (جامع البيان): 22 / 11 برقم 21732 وص 12 برقم 21736 و 21739 عن أُم سلمة قالت: لمّا نزلت هذه الآية: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فجلّل عليهم كساءً خيبرياً، فقال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي، اللّهم اذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» قالت أُم سلمة: ألست منهم؟ قال: «أنت إلى خير» .
وروى هذا الحديث أيضاً الترمذي في سننه: 5 / 663 برقم 3787، باب مناقب أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم); وابن الأثير في جامع الأُصول: 10 / 100 ـ 103 ; والسيوطي في الدر المنثور: 5 / 198 ـ 199 ; والواحدي النيسابوري في أسباب نزول الآيات: 239 ; والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل: 2 / 37 و 38 و 39 و 52 و 62 و 63 ; والقرطبي في تفسيره: 14 / 183 ; وابن كثير في تفسيره: 3 / 492 و 493 و 494 ; وأبو يعلى الموصلي في مسنده: 12 / 313 و 451 ; والطبراني في المعجم الكبير: 3 / 54 و 55، و ج 9 / 26، و ج 23 / 281 و 333، وغيرها كثير.

صفحه 220
اعترض 1 على أ: بأنّ التذكير يمنع من قصر الخطاب عليهم لا من دخولهن فيه .
وعلى ب: بما روي عن أُمّ سلمة أنّها قالت: قلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ فقال: «بلى إن شاء الله» .2
ولأنّ أهل البيت حقيقة فيهنّ لغة، فتخصيصه بغيرهن خلاف الأصل.
وعلى ج: نمنع دلالة الآية على إزالة كلّ رجس، لأنّ المفرد المحلّى بلام التعريف لا يفيد العموم .
والجواب عن أ: أنّ الخطاب المتناول للمذكورين حقيقة لا يندرج فيه المؤنث إلاّ بدليل ولم يوجد، وقد سبق في باب العموم، ولأنّ دخولهنّ في الخطاب ممتنع لعدم العصمة في حقّهن.
وعن ب: أنّ الرواية ما قلنا، وهو قوله (عليه السلام): «إنّكِ على خير»3، ونمنع

1 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 82.
2 . مناقب الخوارزمي: 61 ; السنن الكبرى: 2 / 150 ; شواهد التنزيل: 2 / 92 ; مناقب ابن المغازلي: 306 ح 351.
3 . أمّا الحديث الّذي وردت مصادره في الهامش السابق وهو ما احتجّ به المخالف فقد ورد عن طريقين لا ثالث لهما:
الأوّل: ينتهي إلى الحاكم النيسابوري، وفي سنده عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وهو ضعيف ومطعون في حديثه. راجع تهذيب التهذيب: 6 / 187 برقم 422، وميزان الاعتدال: 2 / 572 برقم 4901 ; والجرح والتعديل: 5 / 254 برقم 1204 .
الثاني: طريق ابن المغازلي، وفي سنده أنس بن عياض الليثي، وهو مطعون فيه وكثير الخطأ كما عن ابن سعد: وفيه غفلة الشاميّين وما أدراك ما غفلة الشاميّين؟!! كما عن أبي داود، أو ثقة أحمق!! كما عن مالك. راجع تهذيب التهذيب: 1 / 328 برقم 689.
وكذلك في سنده شريك بن عبد الله ولا يقل عن صاحبه في الطعن. راجع تهذيب التهذيب: 4 / 296 برقم 588 ; والجرح والتعديل: 4 / 363 برقم 1592 .
فحديث هذا سنده ورد في مصادر قليلة لا تتجاوز أصابع اليد كيف يعارض حديث أُم سلمة المتقدّم الّذي رواه الترمذي وأحمد والحاكم والطبري والسيوطي وابن كثير وعشرات غيرهم علاوة على اتّفاق الإمامية بأجمعهم عليه؟!!
وللشهيد الثالث القاضي التستري تعليقة حول هذا الحديث نأتي بها تعميماً للفائدة حيث قال:
لا نسلّم صحّة سندها، ولو سلّم نقول: إنّها في هذه الرواية في معرض التهمة بجر نفع لنفسها، فلا يسمع قولها وحدها; ولو سلّم نقول: إنّ كونها من أهل البيت قد علّق بمشية الله تعالى، فلا تكون من أهل البيت جزماً، مع أنّها لو كانت منهنّ لما سألته، لأنّها من أهل اللسان. والترجيح معنا بعد التعارض وهو ظاهر. راجع الصوارم المهرقة: 146 .

صفحه 221
كون أهل البيت حقيقة فيهن، وخلاف الأصل يصار إليه عند تعذّر الأصل، وقد بيّنا امتناعه .
وعن ج: بما تقدّم من أنّ المنفي الماهية من حيث هي هي، إذ اللام إمّا للعموم فالمطلق1، أو للعهد ولاسبق لذكر الرجس، أو لتعريف الماهيةوالطبيعة، وانّما يصحّ نفيهاعند نفي كلّ الجزئيات.
الثالث : قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)2 جعل أجر الإرشاد إلى ما يستحق به الثواب الدائم مودة ذي القربى، فتكون واجبة، وإنّما تجب مع عصمتهم، إذ مع وقوع الخطأ منهم يجب اجتنابهم وترك مودتهم، لقوله: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ

1 . في «أ»: فالظاهر.
2 . الشورى: 23 .

صفحه 222
الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ)1.
الرابع: تواتر النقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، حبلان متّصلان لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».2 حصر التمسّك بهما .
اعترض 3 بأنّه خبر واحد والإمامية تمنع من العمل به، ولأنّه يقتضي وجوب التمسّك بالكتاب والعترة فلِمَ قلتم إنّ قول العترة وحدها حجّة؟
والجواب: انّ الأُمّة اتّفقت على قبوله ونقله بعضهم للاستدلال به على صحّة إجماعهم، وبعضهم للاستدلال به على فضيلتهم، ولا يتوقّف كون قول العترة حجّة على مضامة الكتاب كالعكس.
في انعقاد الإجماع مع مخالفة المخطئين في الأُصول من المسلمين   
الخامس: أهل البيت مهبط الوحي والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيهم ومنهم، فالخطأ عليهم أبعد، ولا ينتقض بالزوجات لعلّة ملامستهنّ له وعدم تميزهم واعتبارهم في الأحكام الشرعية .

1 . المجادلة: 23 .
2 . إنّ حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة رواه الفريقان في عشرات المصادر من طرق مختلفة مع اختلاف في الألفاظ ولكنّ المضمون واحد، نذكر منها ما يلي:
صحيح مسلم: 7 / 123، باب فضائل علي; سنن الترمذي: 5 / 329 برقم 3876 ; مسند أحمد: 3 / 14 و 18 و ج 4 / 367 و ج 5 / 182 و 189 ; سنن الدارمي: 2 / 432 ; مستدرك الحاكم: 3 / 110 و 148 ; السنن الكبرى: 10 / 114 ; وغيرها كثير فمن أراد المزيد فعليه بمراجعة «خلاصة عبقات الأنوار» للسيد حامد النقوي ج 2; وبحار الأنوار ج 23 و ج 37; وحديث الثقلين لنجم الدين العسكري.
3 . الرازي في المحصول: 2 / 82 ; والآمدي في الإحكام: 1 / 308 .

صفحه 223
احتجّ المخالف بأنّ علياً (عليه السلام) قد خالف الصحابة في كثير من المسائل ولم يقل لأحد ممّن خالفه: إنّ قولي حجّة فلا تخالفني .1
والجواب: انّه (عليه السلام) عرف انّه لا يتّبعه، وإلاّ لم يخالفه.

البحث الثامن: في انعقاد الإجماع مع مخالفة المخطئين في الأُصول من المسلمين

اختلف الناس في انعقاد الإجماع مع مخالفة المخطئين من أهل القبلة في مسائل الأُصول، فقيل بانعقاده، وهو الحقّ عندنا لاستحالة أن يكون قول الإمام خارجاً عن الجميع فرضاً، ولا يجوز أن يكون الإمام هو ذلك المبتدع، فتعيّن أن يكون من الباقين وقوله حجّة .
وأمّا الجمهور فاختلفوا وتقريره: أنّه إن لم يكفر ببدعته فقد اختلف فيه، فقيل: لا ينعقد دون موافقته، لأنّه من المؤمنين ومن الأُمّة، فيكون مَنْ عداه بعض المؤمنين، فلا يكون قوله حجّة غايته أنّه يكون فاسقاً وفسقه غير مخلّ بأهليّته في الاجتهاد، والظاهر من حاله فيما يخبر به عن اجتهاده الصدق كإخبار غيره من المجتهدين .
لا يقال: الفاسق لا يقبل إخباره فيجري مجرى الكافر والصبي .
لأنّا نقول: إنّما لم يقبل قوله فيما يخبر به إذا لم يدلّ على صدقه وكان عالماً بفسقه بخلاف الصبي لعدم أهليته .

1 . الرازي في المحصول: 2 / 81 ; والآمدي في الإحكام: 1 / 309 .

صفحه 224
وقيل: ينعقد دونه كما قلناه لفسقه ولا يعذر الفاسق بجهله كالكافر لا يعذر بجهله .
وقيل: الإجماع لا ينعقد عليه، بل على غيره فيجوز له مخالفة إجماع من عداه ولا يجوز ذلك لغيره، وإن كفر ببدعته لم يعتبر قوله في الإجماع بالإجماع لعدم دخوله في مسمّى الأُمّة المشهود لهم بالعصمة .
وفيه نظر، لأنّ الأُمّة إمّا من شهد بالرسالة، أو من بعث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إليه على اختلاف التفسير وهو منهم، والشهادة بالعصمة للجميع لا لكلّ واحد عندهم وعلى تقدير انعقاد الإجماع بدونه لا اعتبار بجهله بكفره ; فلو خالف في مسألة فروعية وبقى مصراً على المخالفة حتى تاب عن بدعته، فلا أثر لمخالفته لانعقاد إجماع جميع الأُمّة قبل إسلامه، كما لو أسلم ثمّ خالف ان شرط في الإجماع انقراض عصر المجمعين ; ولو ترك بعض الفقهاء العمل بالإجماع بخلاف هذا المبتدع المكفر، فهو معذور وإن لم يعلم ببدعته ولا يؤاخذ بالمخالفة، كعمل الحاكم بشهادة الزور مع جهله. وإن علم بدعته وخالف الإجماع بجهله انّ تلك البدعة مكفّرة لم يعذر، لتقصيره عن البحث والسؤال من علماء الأُصول العارفين بأدلّة الإيمان والتكفير حتى يحصل له العلم بذلك بدليله لا بالتقليد إن كان من أهل الاجتهاد، وإلاّ قلّدهم إن سوّغناه في الأُصول .
واعلم أنّه لا يجوز لنا التمسّك على كفرهم في تلك المسائل بإجماعنا، لأنّه إنّما يثبت خروجهم عن الإجماع بعد ثبوت كفرهم في تلك المسائل، فلو أثبتنا كفرهم فيها بإجماعنا وحدنا دار. أمّا قول العصاة من أهل

صفحه 225
القبلة فإنّه معتبر في الإجماع عند أكثر المخالفين1، لأنّها لا تزيل اسم الإيمان، فيكون قول من عداهم قول بعض المؤمنين، وليس معتبر عند الباقين بخروجهم عن اسم الإيمان بالمعصية، وكذا عند الإمامية للعلم بدخول الإمام في غيرهم.

1 . لاحظ المحصول: 2 / 85 .

صفحه 226
 
الفصل الثالث

في ما أُدخل في الإجماع وليس منه

وفيه مباحث:

الأوّل: في الإجماع السكوتي

إذا قال بعض أهل العصر قولاً وكان الباقون حاضرين لكنّهم سكتوا ولم ينكروا، فقد اختلف الناس في ذلك :
فقال الشافعي وجماعة من الفقهاء وداود الظاهري والسيد المرتضى وجماعة من الحنفية وأبو عبد الله البصري: إنّه ليس بإجماع ولا حجّة. وهو الحقّ .
في الإجماع السكوتي   
وقال أبو علي الجبّائي وجماعة من الفقهاء وبعض الشافعية: إنّه إجماع وحجّة. ولكن مِن هؤلاء مَن شرط في ذلك انقراض العصر كالجبّائي.
وقال أبو هاشم وجماعة من الفقهاء: ليس بإجماع لكنّه حجّة .
وقال أبو علي ابن أبي هريرة: إن كان هذا القول من حاكم لم يكن

صفحه 227
إجماعاً ولا حجّة، وإن لم يكن من حاكم كان إجماعاً وحجّة .1
لنا: إنّ السكوت يحتمل وجوهاً، غير الرضا:
الأوّل: أن يكون في باطنه ما يمنعه عن إظهار القول، وقد تظهر عليه قرائن السخط.
الثاني: ربّما رآه قولاً سائغاً لمن أدّى اجتهاده إليه وإن لم يوافقه.
الثالث: أن يعتقد إصابة كلّ مجتهد فلا يرى وجوب الإنكار.
الرابع: ربّما أخّر الإنكار لوجود مكنة ورأى المبادرة مفسدة فسكت.
الخامس: ربّما اعتقد عدم القبول من إنكاره وعدم الالتفات إليه فيلحقه ذلّ وانكسار في نفسه من غير فائدة.
السادس: ربّما هاب القائل وخشى وقوع فتنة بسبب الإنكار، كما نقل عن ابن عباس وافق عمر في مسألة العول وأظهر الإنكار عليه بعده وقال: هبته وكان مهيباً.2
السابع: ربّما كان في مهلة النظر، فلم يسغ له المسارعة إلى الإنكار، لجواز كونه صواباً.
الثامن: ربّما ظن أنّ غيره أنكر وقام مقامه في هذا الواجب وإن كان قد غلط فيه.

1 . للاطّلاع على الأقوال راجع: الذريعة: 2 / 651 ; الإحكام: 1 / 312، المسألة الرابعة عشرة ; المحصول: 2 / 74 .
2 . السنن الكبرى: 6 / 253 .

صفحه 228
التاسع: ربّما اعتقد ترك الإنكار صغيرة، فلم ينكره وأقدم على فعلها .
العاشر: ربّما اعتقد كون الفتوى من الصغائر، فسكت عن إنكارها .1
ومع هذه الاحتمالات لم تبق الدلالة على الرضا قطعاً ولا ظناً، ومن هنا قال الشافعي ونعم ماقال: لا ينسب الى ساكت قول .2
اعترض بأنّ هذه الاحتمالات وإن كانت منقدحة عقلاً، فهي خلاف الظاهر من أرباب الدين، لبعد عدم الاجتهاد في الواقعة من الخلق الكثير، لما فيه من إهمال حكم الله تعالى فيما حدث مع وجوبه عليهم وبعد عدم تأدية الاجتهاد الى شيء من الأحكام، لأنّ الظاهر أنّه ما من حكم إلاّ ولله تعالى دلائل وأمارات تدلّ عليه .
والظاهر ممّن له أهلية الاجتهاد انّما هو الاطّلاع عليها والظفر بها، واحتمال تأخير الإنكار للتروّي والتفكّر محال عادة في حقّ الجميع خصوصاً مع مضي أزمنة كثيرة من غير نكير .
واحتمال السكوت عنه لكونه مجتهداً لا يمنع من مباحثته ومناظرته وطلب الكشف عن مأخذه، كمناظرة المجتهدين وأئمّة الدين فيما بينهم لتحقيق الحقّ، كما في مسألة الجد والإخوة والعول وغيره وقوله: «أنت علىّ حرام» وغيرها .

1 . ذكر الغزالي في المستصفى: 1 / 359 سبعة من هذه الوجوه; والرازي في المحصول: 2 / 74 ثمانية منها، فلاحظ.
2 . الأُم: 1 / 178 ; اختلاف الحديث: 507 .

صفحه 229
واحتمال التقية بعيد، لأنّه إنّما يكون فيما يحتمل المخالفة ظاهراً وليس كذلك، لأنّ مباحث المجتهدين غير مستلزمة له، لأنّ الغالب أنّهم أهل الدّين وأربابه فلا يخاف المباحث لهم مع أنّ ذلك قد وقع من غير خوف ; كما أنكر علي(عليه السلام) على عمر في عزمه على إعادة الجلد على أحد الشهود على المغيرة بقوله: إن جلدته فارجم صاحبك .1
وردّ معاذ عليه في عزمه على جلد الحامل بقوله: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلاً فما جعل لك على ما في بطنها سبيلاً. حتّى قال عمر: لولا معاذلهلك عمر .2
وردّت المرأة على عمر لما نهى عن المغالاة في مهور النساء بقولها: أيعطينا الله بقوله: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً)3 ويمنعنا عمر، حتى قال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته .4
وفيه نظر، لأنّ كثيراً من الأحكام خفيت عنهم ولم يجب عليهم البحث عنها، لعدم وقوعها وعدم الحاجة إليها. والدليل قد لا يصار إليه لخفائه أو لقصور الناظر فلا يجب أداء الاجتهاد إلى الإصابة، وقول ابن عباس يقرب

1 . راجع السنن الكبرى: 8 / 235 ; كنز العمال: 5 / 423 برقم 13497 ; الاحتجاج: 1 / 414 ; مستدرك الوسائل: 18 / 78 ح 11 .
2 . راجع السنن الكبرى: 7 / 443 ; كنز العمال: 13 / 584 برقم 37499 ; سنن الدارقطني: 3 / 222 ; بحار الأنوار: 30 / 675 .
3 . النساء: 20 .
4 . راجع السنن الكبرى: 7 / 233 ; فتح الباري: 9 / 167 ; كنز العمال: 16 / 538 برقم 45799 ; تفسير ابن كثير: 1 / 478 ; الدر المنثور: 2 / 133 .

صفحه 230
احتمال الخوف واحتمال السكوت لكونه مجتهداً يمنع من مباحثته ومناظرته لاعتقاده إصابة كلّ مجتهد .
احتجّ الجبّائي 1 بأنّ العادة جارية بأنّ الناس إذا تفكّروا في مسألة مدةً طويلة فإذا اعتقدوا خلاف ما انتشر من القول أظهروه إذا لم تكن هناك تقية، ولو كانت لظهرت واشتهرت فيما بين الناس، فلمّا لم يظهر سبب التقية ولا الخلاف، علمنا حصول الموافقة .
الجواب: ما تقدّم من الاحتمالات.
احتجّ أبو هاشم 2 بأنّ الناس يحتجُّون في كلّ عصر بالقول المنتشر بين الصحابة إذا لم يُعرف له مخالف فيكون إجماعاً .
والجواب: المنع من الإجماع على ذلك .
في قول الصحابي إذا لم يعرف له مخالف، واستدلال أهل العصر بدليل أو...   
واحتجّ ابن أبي هريرة3: بأنّ القول إذا كان من حاكم لم يدلّ السّكوتُ على الإجماع، لأنّ الواحد مِنّا قد يحضر مجالسَ الحكام ويشاهدهم يحكمونَ بخلاف ما يعتقده فلا ينكر عليهم. وإن كان من غيره كان إجماعاً. وهو ضعيف، لأنّ عدم الإنكار إنّما يكون بعد استقرار المذاهب، فأمّا حال الطلب فالخصمُ لا يسلِّم جوازَ السكوت إلاّ عن الرضا، سواء كان مع الحاكم أو مع غيره.

1 . نقل هذه الاحتجاجات الرازي في محصوله: 2 / 75 .
2 . نقل هذه الاحتجاجات الرازي في محصوله: 2 / 75 .
3 . نقل هذه الاحتجاجات الرازي في محصوله: 2 / 75 .

صفحه 231
 
البحث الثاني: في قول الصحابي إذا لم يعرف له مخالف
اختلفوا فيما إذا قال بعض الصحابة أو بعض أهل الحلّ والعقد في أي عصر كان قولاً ولم ينتشر بين أهل عصره لكنّه لم يعرف له مخالف هل يكون إجماعاً أم لا ؟
الحقّ أنّه ليس كذلك وعليه الأكثر 1، لأنّه إنّما يتخيّل كونه إجماعاً من أهل العصر إذا علموا بقوله وسكتوا عن الإنكار كما تقدم ; فأمّا إذا لم يعلموا به، امتنع رضاهم به أو سخطهم، وحينئذ يحتمل أن لا يكون لهم في تلك المسألة قول، لعدم خطورها ببالهم .
وإن كان لهم فيها قول احتمل أن يكون موافقاً للمنقول إلينا، و ] احتمل [ أن يكون مخالفاً، فلا يتحقّق الإجماع حينئذ.

البحث الثالث: في استدلال أهل العصر بدليل أو مصيرهم إلى تأويل

إذا استدلّ أهل العصر بدليل أو ذكروا تأويلاً ثمّ استدلّ أهل العصر الثاني بدليل آخر أو ذكروا تأويلاً آخر، فقد اتّفقوا على أنّه لا يجوز إبطال التأويل المتقدّم، وإلاّ لكانوا قد أجمعوا على الخطاء، وهو باطل .

1 . وهو الّذي اختاره الرازي في محصوله: 2 / 76، المسألة الثانية ; والآمدي في الإحكام: 1 / 315، المسألة الخامسة عشرة.

صفحه 232
وأمّا التأويل الجديد فإن لزم من ثبوته القدحُ في التأويل المتقدّم لم يصحّ، كما لو فسّروا المشترك بأحد معنييه ثمّ جاء قوم فسّروه بالآخر، لأنّ المشترك لا يجوز إرادة معنييه منه ; فصحّة هذا التأويل تقتضي فساد المتقدّم، أو يقال: إنّه تعالى تكلم باللفظة مرتين، وهو باطل، لانعقاد الإجماع على ضده.
في استدلال أهل العصر بدليل أو مصيرهم إلى تأويل   
وإن لم يلزم من صحّة التأويل الجديد فساد المتقدّم، فإن كان أهل العصر الأوّل قد نصّوا على إبطال الجديد من التأويل والدّليل لم يجز إحداثه لما فيه من تخطئة الأُمّة فيما أجمعوا عليه ; وإن نصّوا على صحّته جاز إحداثه قطعاً، إذ لا تخطئة فيه; وإن سكتوا عن الأمرين فقد ذهب الجمهور إلى جوازه، وهو الحقّ، وقال آخرون بالمنع .
لنا: إنّ الناس في كلّ وقت يستخرجون أدلّة ويتأوّلون بتأويلات متجدّدة من غير إنكار أحد، فكان إجماعاً .
احتجّ المخالف بوجوه:1
الأوّل: الدّليل الجديد مغاير لسبيل المؤمنين فيكون حراماً، لقوله ] تعالى [: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)2.
الثاني: قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخرجت )3 خطاب مع الحاضرين، فلا

1 . ذكر هذه الوجوه والجواب عنها أيضاً الرازي في محصوله: 2 / 77 ; والآمدي في الإحكام: 1 / 337، المسألة 21.
2 . النساء: 115 .
3 . آل عمران: 110 .

صفحه 233
يتناول ماعدا العصر الأوّل، وقوله: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)1 يقتضي كونهم آمرين بكلّ معروف، فكلّ ما لم يأمروا به ولم يذكروه لم يكن معروفاً فيكون منكراً.
الثالث: لو كان الدّليل الثاني والتأويل الجديد صحيحاً لم يجز ذهول الصحابة عنه مع تقدّمهم في العلم .
والجواب عن الأوّل: قوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) خرج مخرج الذم، فيختصّ بمن اتّبع ما نفاه المؤمنون، وما لم يتعرض له المؤمنون بنفي أو إثبات لا يقال فيه: إنّه اتّباع لغير سبيل المؤمنين .
والحاصل: أنّ الذمّ على ترك العمل بما اتّفقوا عليه من نفي أو إثبات، والمحدث للدليل الثاني والتأويل غير تارك لدليل أهل العصر الأوّل ولا لتأويلهم، بل غايته ضم دليل إلى آخر، وتأويل إلى آخر ولم يترك ما نهوا عنه، إذ التقدير انّهم لم ينهوا عن الدّليل الثاني ; وأيضاً الحكم بفساد ذلك الدّليل لم يكن سبيلاً للمؤمنين، فوجب كونه باطلاً.
وعن الثاني: المعارضة بقوله: (وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)2 يقتضي نهيهم عن كلّ منكر، فلمّا لم ينهوا عن الدّليل الثاني والتأويل الثاني لم يكن منكراً .
وعن الثالث: أنّهم اكتفوا بالدّليل الواحد والتأويل الواحد عن غيره، فلم يطلبوا الزيادة.

1 . آل عمران: 110 .
2 . آل عمران: 110 .

صفحه 234
في أنّ إجماع المدينة ليس حجّة   
 
البحث الرابع: في أنّ إجماع المدينة ليس حجّة
هذا هو المشهور عند الناس كافّة عدا مالكاً فإنّه قال: إنّ إجماع أهل المدينة حجّة .1
واختلف أصحابه فقال بعضهم: إنّه أراد ترجيح روايتهم على رواية غيرهم، ومنهم من قال: أراد أنّ اتّباع إجماعهم أولى ولا تمتنع مخالفته، وقال بعضهم: أراد بذلك أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .
لنا وجوه:
الأوّل: أنّهم بعض المؤمنين وبعض الأُمّة، وأدلّة الإجماع وردت بلفظين: المؤمنين في آية المشاقّة، والأُمّة في غيرها، وهما غير مختصّين ببلد دون آخر، بل عامّة في الجميع فوجب اعتباره.
الثاني: الأمكنة غير مؤثرة في ترجيح الأقوال بالضرورة، ولا يصير ما ليس بصواب صواباً، ولا بالعكس.
الثالث: أنّه يؤدّي إلى المحال، وهو أنّ من سكن المدينة كان قوله حجّة وإذا خرج لا يكون حجّة، ومَن كان قوله حجّة في مكان كان حجّة في كلّ مكان، كالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . نقله عنه: السيد المرتضى في الذريعة: 2 / 643 ; وابن حجر في فتح الباري: 13 / 256 ; والغزالي في المستصفى: 1 / 351 ; والرازي في المحصول: 2 / 78 ; والآمدي في الإحكام: 1 / 302 .

صفحه 235
اعترض على الأوّل: بأنّ تلك الأدلّة لا تمنع كون إجماع أهل المدينة حجّة، فجاز إثباته بدليل منفصل.
وعلى الثاني: بجواز اختصاص أهل بلدة معينة بالعصمة، كما أنّه لا استبعاد في تخصيص أهل زمان معين به .1
وعلى الثالث: أنّه قياس طردي في مقابلة النص فيكون باطلاً، وليس بجيد، لأنّ أدلّة الإجماع لا تتناول أهل المدينة خاصة مع أصالة عدم كون إجماعهم حجّة، فيبقى الأصل سالماً عن معارضة الأدلّة; وفرق بين عصمة أهل زمان وعصمة أهل بلد، لأنّ الأمكنة متساوية، ولو خرج أهل المدينة عن بلدهم لم يتغير وصفهم بخلاف الأزمان، على أنّا نقول عصمة هذه الأُمّة لا باعتبار الزمان، بل لحصول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم، والنص مدفوع الظاهر بالإجماع، فيجب التأويل بعد تسليمه، ولم يحتجّ فيه بالقياس، بل بأمر قطعي هو خروج المكلّف عن وصف الطّاعة عند انتقاله من مكانه، وهو غير معقول .
احتجّ مالك بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد».2 والخطاء خبث فيكون منفياً عنهم، وبسببه 3 عملهم بروايتهم، ولأنّ العادة تقضي بأنّ مثل هذا الجمع المنحصر من العلماء اللاحقين بالاجتهاد لا يجمعون إلاّ عن راجح .

1 . في المحصول: 2 / 80: بالعصمة.
2 . عوالي اللآلي: 1 / 429 ح 123 ; مستدرك الوسائل: 10 / 208 ح 11868 .
3 . في «أ»: نفسه.

صفحه 236
لا يقال: يجوز أن يكون متمسّك غيرهم أرجح ولم يطّلع عليه بعضهم.
لأنّا نقول: العادة تقتضي باطّلاع الأكثر والأكثر 1 كاف، والجواب عن الخبر متروك الظاهر بالإجماع، لأنّه يقتضي أنّ كلّ خارج عنها فإنّه من الخبث الذي تنفيه المدينة، وهو باطل قطعاً، لأنّه قد خرج منها أكابر الصحابة حتّى عدّ الخارج منها إلى العراق ثلاثمائة ونيفاً، وفيهم: علي(عليه السلام)وعبد الله بن عباس، وتخلّف الأدون كأبي هريرة وأضرابه .
واعترض بأنّ الخبر يقتضي أنّ كلّ خبث فإنّ المدينة تخرجه، ولا يقتضي أنّ كلّ خارج عن المدينة فهو خبث.
سلّمنا، لكنّه خبر واحد فلا يجوز التمسّك به في العلميات.
سلّمنا، لكن يجوز أن يكون المراد من خرج عنها لكراهية المقام بها. ثمّ إنّ في المقام بها بركة عظيمة بسبب جوار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وجوار مسجده مع ما ورد من الثناء على المقيم بها، وكراهة المقام بها حينئذ ضعف في الدّين فيكون خبثاً.
سلّمنا، لكن صيغته ليست للعموم.
في إجماع الخلفاء الأربعة   
سلّمناه، لكن يجوز أن يكون القول مختصاً بزمانه، والمراد بالخبث الكفّار. وتشبيه (2) العمل بالرّواية تمثيل لا دليل مع قيام الفرق، وهو أنّ الرواية ترجّح بالكثرة بخلاف الاجتهاد، والعادة غير مختصّة بالمدينة، بل

1 . في «أ»: اطلاع العصر.   2 . في «أ»: نسبة، وفي «ب»: بسببه.

صفحه 237
كلّ بلد مساو لها، فإن كان ذلك دليلاً جاز أن يقتصر في الإجماع على قول كلّ بلد، وهو ممنوع .
واعلم أنّ الغزالي نقل عن مالك أنّ الحجّة في إجماع أهل المدينة خاصة، وقال قوم: المعتبر إجماع الحرمين ـ مكة والمدينة ـ والمصرين ـ الكوفة والبصرة ـ . وعلّلوا بأنّ هذه المواضع جمعت أهل الحلّ والعقد.1وهو ممنوع، فإنّ المجتهدين لم يزالوا منتشرين في البلاد المتباعدة، ولا ينعقد الإجماع بدون اتّفاقهم.

البحث الخامس: في إجماع الخلفاء الأربعة

حكى أبوبكر الرازي عن القاضي أبي خازم 2 من الحنفية أنّه كان يقول: إجماع الخلفاء الأربعة حجّة، ولأجل هذا لم يعتد بخلاف زيد بن ثابت في توريث ذوي الأرحام، وحكم بردّ أموال حصلت في بيت مال المعتضد إلى ذوي الأرحام وقبل المعتضد فتواه، وأنفذ قضاءه، وكتب به إلى الآفاق. وهو قول أحمد في رواية .3

1 . المستصفى من علم الأُصول: 1 / 351 .
2 . هو القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز السكوني البصري، ثم البغدادي الحنفي. حدّث عن محمد بن بشار ومحمد بن المثنى وشعيب بن أيوب وطائفه، وروى عنه مكرم بن أحمد وأبو محمد بن زبر، ولي القضاء بالشام وبالكوفة وكرخ بغداد، مات ببغداد سنة اثنتين وتسعين ومائتين. سير أعلام النبلاء: 13 / 538 برقم 272 .
3 . حكاه عنه أيضاً الرازي في المحصول: 2 / 83 ، المسألة السادسة ; والآمدي في الإحكام: 1 / 309، المسألة 12.

صفحه 238
واحتجّ بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي عضُّوا عليها بالنواجذ».1
وقال الأكثر: إنّه ليس حجّة وعارضوا الحديث بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم»2، مع أنّ قول كلّ واحد ليس بحجّة على أنّه عام في كلّ الخلفاء الراشدين فلا ينحصر في الأربعة .
وأمّا الشيعة فإنّ علياً(عليه السلام) لمّا كان أحد الأربعة وهو معصوم، كان قوله حجّة.3

تذنيب

في إجماع الصحابة مع مخالفة مَن أدركهم من التابعين   
قال قوم: إجماع الشيخين حجّة، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اقتدوا باللّذين من بعدي

1 . سنن الدارمي: 1 / 45 ; صحيح ابن حبان: 1 / 179. وهو حديث ترفضه الإماميّة سنداً ومتناً وتعارضه أحاديث صحاح، ومن أراد مزيد الاطّلاع فليرجع إلى المصادر التالية: خلاصة عبقات الأنوار: 1 / 29 و 90، وج 3 / 118 و 126 و 136 ; الأُصول العامّة في الفقه المقارن: 137 و 441 ; معالم المدرستين: 2 / 233 .
2 . فتح الباري: 4 / 49. وهو حديث موضوع ترفضه الإمامية بأكملهم، ورفضه الكثير من علماء السنّة، فهذا ابن حزم في الإحكام: 5 / 642 يصفه بقوله: أمّا الحديث المذكور فباطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ذكرها، وقال أحمد: حديث لا يصح، وقال البزار: لا يصح هذا الكلام عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى غيرها من الكلمات فمن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر التالية: الإيضاح: 521 ; الإفصاح: 49 ; الطرائف: 523 ; الصوارم المهرقة: 3 ـ 5 ; الأُصول العامّة للفقه المقارن: 138 و 441. ولآية الله السبحاني رد على هذا الحديث في كتابه: «محاضرات في الإلهيات»: 491 .
3 . في نسخة «أ» بزيادة: في إجماع الصحابة مع مخالفة غيرهم.

صفحه 239
أبي بكر وعمر ،1 ولمّا لم يمكن الاقتداء بهما حالة الاختلاف وجب ذلك حال اتّفاقهما، ويعارض بما تقدّم.2

البحث السادس: في إجماع الصحابة مع مخالفة مَن أدركهم من التابعين

اختلف الناس في إجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم من التابعين، فأكثر الجمهور على أنّه ليس بحجّة خلافاً للبعض، وعند الإمامية انّه حجّة، لأنّ من الصحابة المعصوم فيكون قوله حجّة، وإن خالف التابعي .
ثمّ اختلف القائلون بأنّه لا يعتدّ بإجماعهم مع مخالفته :
فمن لم يشترط انقراض العصر قال: إن كان التابعي من أهل الاجتهاد قبل انعقاد إجماع الصحابة فلا يعتد بإجماعهم مع مخالفته، وإن بلغ رتبة الاجتهاد بعد انعقاد إجماع الصحابة، لا يعتد بخلافه. وهذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأكثر المتكلّمين وأصحاب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه .
ومن شرط انقراض العصر قال: لاينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته، سواء كان من أهل الاجتهاد حالة إجماعهم، أو صار مجتهداً بعد إجماعهم، لكن في عصرهم .

1 . كنز العمال: 11 / 560 برقم 32646. وهو مردود كسابقيه، راجع: الإفصاح: 219 ; الصراط المستقيم: 3 / 145 ـ 146 ; خلاصة عبقات الأنوار: 3 / 102 ـ 118 و 163 ; الغدير: 5 / 347 .
2 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 83 .

صفحه 240
وذهب آخرون إلى أنّه لا عبرة بمخالفته أصلاً. وهو مذهب بعض المتكلّمين، وأحمد في رواية .
احتجّ الجمهور 1 بأنّه لو كان قول التابعي باطلاً لما جاز رجوع الصحابة إليهم، لكنّهم رجعوا إليه. روي أنّ ابن عمر سئل عن فريضة فقال: سلوا سعيد بن جبير فإنّه أعلم بها .2
وكان أنس يُسأل عن شيء فيقول: سلوا مولانا الحسن فإنّه سمع وسمعنا، وحفظ ونسينا .3
وسئل ابن عباس عن النذر بذبح الولد؟ فأشار إلى مسروق، ثمّ أتاه السائل بجوابه، فتابعه عليه .4
وقال أبوسلمة بن عبد الرحمن بن عوف: تذاكرت أنا وابن عباس وأبو هريرة في عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها، فقال ابن عباس: عدّتها أبعد الأجلين، وقلت أنا: عدّتها أن تضع حملها، وقال أبوهريرة: أنا مع ابن أخي، فسوغ ابن عباس لأبي سلمة أن يخالفه مع أبي هريرة 5، إلى غير ذلك من الوقائع .

1 . وهو قول الرازي في المحصول: 2 / 83 ; والآمدي في الإحكام: 1 / 300 .
2 . الطبقات الكبرى: 5 / 141.
3 . مصنّف ابن أبي شيبة: 8 / 306 برقم 74 ; الطبقات الكبرى: 7 / 176 .
4 . خلاصة عبقات الأنوار: 3 / 233 .
5 . صحيح البخاري: 6 / 67، تفسير سورة الطلاق ; صحيح مسلم: 4 / 201، باب انقضاء عدة المتوفّى عنها زوجها من كتاب الطلاق.

صفحه 241
وقد كان مشهوراً عندهم أنّ الصحابة سوّغت للتابعين المعاصرين لهم الاجتهاد معهم في الوقائع الجارية في عصرهم، كسعيد بن المسيب وشريح القاضي والحسن البصري ومسروق وأبي وائل والشعبي وسعيد بن جبير وغيرهم، ولو كان قول التابعي باطلاً لما ساغ للصحابة تجويزه والرجوع إليه.
والاعتراض: أنّ الاجتهاد إنّما سوّغوه للتابعين عند اختلاف الصحابة، ولا يلزم من الاعتداد بقوله عند الاختلاف الاعتداد به عند الاتّفاق، وأيضاً الصحابة مع التابعين المجتهدين بعض الأُمّة وبعض المؤمنين فلا تتناولهم الأدلّة .
احتجّ الآخرون بوجوه:1
الأوّل: قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)2 وإنّما يرضى عنهم لو لم يقع منهم معصية، والقول الباطل معصية، فيكون قولهم حجّة.
الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي»، ] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):[ «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم»، ]وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): [«لو أنفق غيرهم ملءَ الأرض ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم» وهو يدلّ على أنّ التابعي إذا اختلف لم يكن محقّاً.

1 . ذكر هذه الوجوه أيضاً الرازي في المحصول: 2 / 84 ; والآمدي في الإحكام: 1 / 301 .
2 . الفتح: 18 .

صفحه 242
الثالث: أنكرت عائشة على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مجاراته للصحابة وكلامه فيما بينهم وخلافه على ابن عباس في عدّة المتوفّى عنها زوجها وهي حامل وزجرته عن ذلك وقالت: فرّوج يصيح مع الديكة.
الرابع: الصحابة لهم مزية الصحبة على غيرهم، فقولهم أقرب إلى الحق من غيرهم.
والجواب عن الأوّل: أنّها مختصّة بأهل بيعة الرضوان، وليسوا مختصّين بالإجماع إجماعاً.
وعن الثاني: أنّها تدل على فضيلتهم، أمّا على اختصاصهم بقبول قولهم دون غيرهم من المجتهدين فلا .
وعن الثالث: أنّ فعل عائشة ليس حجّة، ويحتمل أنّها أنكرت عليه لأنّه خالف بعد الإجماع، أو في مسألة قطعية، أو أنّه لم يكن حين المخالفة من المجتهدين، أو أساء أدبه في المناظرة.
في أنّ إجماع الأكثر ليس بحجّة   

البحث السابع: في أنّ إجماع الأكثر ليس بحجّة

إجماع الأكثر ليس حجّة عند الأكثر فلو خالف واحد أو اثنان لم يتمّ الإجماع .
وقال محمد بن جرير الطبري وأبوبكر الرازي وأبو الحسين الخيّاط من المعتزلة وأحمد بن حنبل في رواية أنّه ينعقد إجماع الأكثر ولا عبرة بمخالفة الأقل .

صفحه 243
وقال قوم: إنّ عدد الأقل إن بلغ عدد التواتر لم ينعقد الإجماع مع مخالفته، وإلاّ انعقد .
وقال أبو عبد الله الجرجاني: إن سوّغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف كان خلافه معتداً به، كخلاف ابن عباس في مسألة العول، وإن أنكرت الجماعة عليه كخلافه في تحريم ربا الفضل لم يعتد به .
ومنهم مَن قال: إنّ قول الأكثرين يكون حجّة، وليس بإجماع .
ومنهم مَن قال: إنّ اتّباع الأكثر أولى، وإن جاز خلافه .
وعند الإمامية: انّ المخالف إن عرف باسمه ونسبه انعقد الإجماع دونه لدخول المعصوم في الأكثر، وإن لم يعرف لم ينعقد لجواز أن يكون المخالف هو الإمام.
أمّا الجمهور 1: فاستدلّوا بأنّ جميع الصحابة أجمعوا على ترك قتال مانعي الزكاة وخالفهم أبو بكر وحده، ولم يقل أحد أنّه غير معتد بخلافه، بل رجعوا إليه لمّا ناظروه وكذا ابن عباس وابن مسعود خالفا الصحابة في مسائل الفرائض وخلافهما باق إلى الآن .
وأيضاً الجماعة مع مخالفة الواحد بعض الأُمّة وبعض المؤمنين فلا يندرج حكمه تحت أدلة الإجماع وأيضاً إذا خالف واحد كان الحكم مختلفاً فيه. وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيء فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ)2 .

1 . وهو ما ذهب إليه الرازي في المحصول: 2 / 85 ; والآمدي في الإحكام: 1 / 294، المسألة الثامنة، واستعرض فيها الأقوال كما هو موجود هنا، فلاحظ .
2 . الشورى: 10 .

صفحه 244
وأيضاً لو انعقد الإجماع مع مخالفة الأقل فإمّا أن ينعقد الإجماع عليه فيلزم ترك ما علم بالدّليل والرجوع إلى التقليد، وذلك ممتنع في حقّ المجتهد ; وإن لم ينعقد عليه لم يكن الإجماع حجّة مقطوعاً بها، فإنّه لو كان مقطوعاً به لما ساغت مخالفته بالاجتهاد .
واعترض عليه بأنّا إن قلنا انعقاد إجماع الأكثر دون الأقلّ حجّة قاطعة، فالقول برجوع المجتهد الواحد إليه واجب، وإن كان خلاف ما أدّاه اجتهاده إليه لوجوب الرجوع عن الاجتهاد إلى الدليل القاطع، كما لو أجمع أهل العصر على حكم ثمّ جاء مجتهد أدّاه اجتهاده بعدهم إلى مخالفتهم لم يجز العمل باجتهاده، بل وجب عليه الرّجوع إليهم.
احتجّ المخالف بوجوه:1
الأوّل: لفظ المؤمنين والأُمّة يتناول الأكثر إذا كان الأقل نادراًكالواحد والاثنين، كشعر فارسي فيه عربية قليلة، وكثور أسود فيه شعرات بيض، وكالزنجي يقال له: أسود مع بياض حدقته وأسنانه.
الثاني: قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «عليكم بالسّواد الأعظم»، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «الشيطان مع الواحد»، وهو يدلّ على تخطئة الواحد المنفرد ووجوب اتّباع الأكثر، ولا نعني بكونه حجّة سوى هذا.
الثالث: الإجماع حجّة على المخالف، فإن لم يوجد في العصر مخالف لم يتحقّق هذا المعنى.

1 . ذكر هذه الوجوه والأجوبة عنها أيضاً الرازي في المحصول: 2 / 85 ـ 87 .

صفحه 245
الرابع: إنكار الصحابة على ابن عباس خلافه للباقين في الصرف، ولو لم يكن انفراده خطأ لما ساغ الإنكار.
الخامس: اعتمدوا في الإمامة لأبي بكر بإجماع الأكثر مع مخالفة سعد بن عبادة وعلي(عليه السلام)وجماعة كثيرة.
السادس: كثرة العدد مرجّحة في رواية الأخبار، فكذا في أقوال المجتهدين.
السابع: تطرّق الكذب إلى الواحد والاثنين محتمل دون تطرّقه
للجمع العظيم للعادة، فإذا أخبر الجمع العظيم عن أنفسهم بأنّهم مؤمنون لم يحتمل الكذب، بخلاف ما لو أخبر الواحد والاثنان عن أنفسهم بإيمانهم، فيكون ما اتّفق عليه الكلّ إلاّ الواحد والاثنين سبيل المؤمنين قطعاً، فيكون حجّة.
الثامن: لو اعتبر خلاف الواحد والاثنين لم ينعقد الإجماع البتة، لعدم ادّعاء اتّفاق الكلّ بحيث لا يشذ واحد على الحكم.
التاسع: خبر الواحد بأمر لا يفيد العلم وخبر الجماعة إذا بلغ عددهم التواتر أفاده، فليكن مثله في باب الاجتهاد والإجماع.
والجواب عن الأوّل: أنّ تناول الكلّ للأكثر على سبيل المجاز، والأصل عدمه.
وعن الثاني: السّواد الأعظم كلّ الأُمّة ، لأنّ ماعدا الكلّ فالكل أعظم منه، ولولا ما ذكرناه لدخل فيه النصف إذا زاد على النصف الآخر بواحد .

صفحه 246
وفيه نظر، لأنّ كون الكلّ أعظم من كلّ ما عداه لا يخرج ماعداه عن كونه أعظم بالنسبة إلى ما دونه .
وقوله: «الشيطان مع الواحد» لا يريد مع كلّ واحد لخروج الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والمعصومين منه، ولأنّ المراد به الحثّ على طلب الصاحب في الطريق، ولهذا قال: «وهو عن الاثنين أبعد والثلاثة ركب».
وعن الثالث: المخالف لا يجب أن يكون في العصر، بل لو كان بعده كان الإجماع حجّة عليه، وإلاّ لوجب في كلّ إجماع أن يكون فيه مخالف شاذ.
وعن الرابع: انّ إنكارهم على ابن عباس لم يكن لإجماعهم، بل لمخالفة ما رووه له من الأحاديث كخبر أبي سعيد.
وعن الخامس: انّ الإمامة عند الجمهور لا يشترط فيها الإجماع، بل البيعة كافية.
وعن السادس: الإجماع ليس كالرواية، وإلاّ لقبل قول الواحد والاثنين كما تقبل روايته.
وعن السابع: ذلك الجمع وإن كانوا مؤمنين لكن ليسوا كلّ المؤمنين، فلم يجب الحكم بقولهم .
وأيضاً فيه نظر، فإنّ كلّ واحد يخبر عن إيمانه ولا معرفة له بإيمان غيره، فلا فرق بين العدد الكثير في ذلك والقليل.

صفحه 247
وعن الثامن: أنّا نفرض إجماع الكلّ ويحكم بأنّه حجّة، فإن حصل فذاك، وإلاّ كان غير المفروض.
وعن التاسع: أنّ خبر العدد الكثير إنّما يفيد العلم لو أخبر عن محسوس لا عن اجتهاد، إذ لو كان قول كلّ مَن أفاد خبره العلم إجماعاً، لوجب أن يكون قول أهل كلّ بلد مع مخالفة البلد الآخر لهم إجماعاً لإفادته العلم، وليس كذلك.

تذنيب

إذا لم يحصل في الإجماع قول مَن هو متمكّن من الاجتهاد وإن لم يكن مشهوراً لم يكن حجّة، لأنّ غيره بعض المؤمنين، فلا يندرج تحت الأدلّة.1

1 . وهو قول الرازي في المحصول: 2 / 87، المسألة العاشرة.

صفحه 248
   
 
 
الفصل الرابع

في مدرك الإجماع

وفيه مباحث:

الأوّل: في أنّه لا يجوز الإجماع إلاّ عن مستند

اتّفق الناس ـ إلاّ مَن شذ ـ على أنّه لا يقع الإجماع إلاّ عن مأخذ ومستند يوجب الإجماع .
وقال شاذ: يجوز انعقاده على سبيل التبخيت 1 ويقع عن توفيق لا توقيف بأن يوفقهم الله لاختيار الصواب من غير دليل .

1 . التبخيت على التفعيل من البخت بمعنى الجد وهو الحظ والإقبال في الدنيا والغناء والعظمة. قال في المغرب: 1 / 27: البخت: الجد والتبخيت والتبكيت، وأن تكلّم خصمك حتّى تنقطع حجّته، وأما قول بعض الشافعية في اشتباه القبلة إذا لم يمكنه الاجتهاد صلى على التبخيت فهو من عبارات المتكلمين، ويعنون به الاجتهاد ] الاعتقاد [ الواقع على سبيل الابتداء من غيرنظر في شيء. وقال الشيخ الطوسي في اختيار معرفة الرجال: 2 / 506: ويقال للحاصل لا عن منشأ معلوم وسبب ظاهر: الكائن بالبخت والاتفاق، والتبخيت أي التبكيت على الخرص والتخمين من غير أصل يقيني وقانون برهاني .

صفحه 249
لنا وجوه:
الأوّل: القول في الدّين بغير دلالة أو أمارة خطأ، فلو اتّفقوا عليه لكانوا قد أجمعوا على الخطأ، وهو يقدح فيه .1
وفيه نظر، لأنّ المراد من الخطأ إن كان هو مخالفة ما اتّفقوا عليه بحكمه تعالى فهو ممنوع، لجواز أن يكون هو الحكم الّذي أوجبه الله تعالى ; وإن كان عبارة عن أنّ قولهم عن غير دليل حرام فهو المتنازع، على أنّا نقول: إنّما يكون حراماً لو لم يجمعوا عليه، أمّا مع الإجماع فلا.
الثاني: مع فقد الدّليل لا يجب الوصول إلى الحقّ .
واعترض بأنّه متى لا يلزم الوصول مع الإجماع أو بدونه؟ الأوّل: ممنوع والثاني: مسلم، فجاز أن يوفّقهم الله تعالى للصّواب إذا أجمعوا لاستحالة إجماعهم على الخطاء .
وفيه نظر، فإنّ البخت إذا لم يكن موصلاً إلى الحقّ بالنسبة إلى كلّ واحد لم يكن بالنسبة إلى المجموع إذا لم يتجدّد دليل باعتبار الإجماع، وتجويز أن يوفّقهم الله تعالى للصواب لا يكفي في كونه حجّة، كما في الواحد فانّه يجوز أن يوفقه الله تعالى للصّواب.
الثالث: ليسوا أكمل من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان لا يقول إلاّ عن وحي، فالأُمّة أولى أن لا تحكم في دين الله تعالى إلاّ بدليل.

1 . وهو قول الرازي في المحصول: 2 / 88 .

صفحه 250
اعترض بالفرق، لأنّ الدليل إذا دلّ على امتناع الخطأمن الرسول فيما يقول فكذا الأُمّة، فلو قال الرسول قولاً وحكم من غير دليل لكان حقّاً، لاستحالة الخطأ عليه، غير أنّه يمتنع منه الحكم والقول من غير دليل، لقوله تعالى: (وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى )1 .
وأمّا الأُمّة فقد دلّ الدليل على استحالة الخطأ عليهم فيما أجمعوا عليه، ولم يدلّ على أنّهم لا يحكمون إلاّ عن دليل، فافترقا .
في أنّه لا يجوز الإجماع إلاّ عن مستند   
وفيه نظر، لأنّ القول من غير دليل خطأ في نفس الأمر، فلا يجوز صدوره من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل لمّا دلّ الدّليل على عصمته دلّ على أنّ قوله عن دليل.
الرابع: لو جاز أن يحكموا من غير مستند، لجاز لكلّ واحد، فإنّهم إنّما يجمعون على الحكم بأن يقول كلّ واحد منهم به، ولو جاز ذلك لآحادهم لم يكن للجمع مزية في ذلك على الآحاد .
اعترض بالمزية من حيث إنّ إجماعهم يكون حجّة بخلاف قول كلّ واحد .
وبأنّ جواز ذلك للآحاد مشروط بضم قول الباقي إليه، لا أنّه جائز من غير ضم، ولا كذلك قول الجميع، فإنّه جائز على الإطلاق .
وفيه نظر، لأنّ المستدلّ نفى المزية في هذا الحكم لا في كونه حجّة، وتجويز ذلك لكلّ واحد بشرط انضمام قول الآخر إليه مستلزم للدور، لأنّ

1 . النجم: 3 ـ 4 .

صفحه 251
ضم قول الآخر إنّما يجوز لو جاز للآخر ذلك القول، وإنّما يجوز للآخر لو قال هذا، وإنّما يقول هذا لوجاز له، وهو مشروط بقول الآخر.
الخامس: المقالة إذا لم تستند إلى دليل لا يعلم انتسابها إلى وضع الشارع، وما يكون كذلك لا يجوز الأخذ به .
اعترض بأنّه إن أُريد بعدم معرفة الانتساب إلى وضع الشرع أنّه لا يعرف ذلك عن دليل شرعي، فهو مسلّم، وهو المتنازع ; أو أنّه لا يعلم كونها مصيبة لحكم الشرع فهو نفس النزاع.
السادس: لو جاز انعقاد الإجماع من غير دليل لم يكن لاشتراط الاجتهاد في قول المجمعين معنى، وهو محال للإجماع على اشتراط الاجتهاد.
اعترض بأنّ الاجتهاد شرط لاحالة الإجماع، أمّا عنده فهو المتنازع .
احتجّ المخالف بوجهين1:
الأوّل: لو لم ينعقد الإجماع من غير دليل لكان الدليل هو الحجّة فتنتفي فائدة الإجماع.
الثاني: الإجماع لا عن مستند واقع، كإجماعهم على بيع المراضاة وأُجرة الحمّام.
والجواب عن الأوّل: أنّه يقتضي أن لا يصدر الإجماع عن مستند وأنتم لا تقولون به، ولأنّ فائدته الكشف عن وجود دليل في المسألة من غير

1 . ذكرهما أيضاً الرازي في «المحصول»: 2 / 88 ، القسم الرابع .

صفحه 252
حاجة إلى معرفته والبحث عن كيفية دلالته على المطلق 1، ولأنّ فائدته تحريم المخالفة وتقديمه على غيره من الأدلّة، ولأنّه ينقض بقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه حجّة إجماعاً مع أنّه لا يقول إلاّ عن دليل وهو ما يوحى إليه .
وعن الثاني: بمنع الإجماع في تلك الصور عن غير دليل فجاز ولم ينقل للاستغناء بالإجماع عنه.2
في أنّه لا يقع الإجماع إلاّ عن دليل   

البحث الثاني: في أنّه لا يقع الإجماع إلاّ عن دليل

القائلون باشتراط المستند في الإجماع اختلفوا :
فقالت الإمامية وداود وابن جرير الطبري: إنّه لا يصحّ الإجماع إلاّ عن دليل، ولا يصحّ عن أمارة كقياس واجتهاد .
وجوّزه الأكثر، لكن اختلفوا في الوقوع نفياً وإثباتاً.
والمثبتون اختلفوا فقال بعضهم: إنّه يكون حجّة يحرم مخالفته، وهم الأكثر منهم .
وقال آخرون: لا تحرم مخالفته .
وقال قوم: الأمارة إن كانت جلية جاز، وإلاّ فلا.

1 . في «أ»: اللفظ، وفي المحصول: المدلول.
2 . ذكر الآمدي هذه المسألة في الإحكام: 1 / 322 ـ 325، المسألة 17 ; وذكر الوجوه والاعتراضات عليها والأجوبة عنها. كما هو مذكور هنا، فراجع.

صفحه 253
لنا وجوه:
الأوّل: قول المعصوم شرط في الإجماع، وهو لا يقول إلاّ عن دليل قطعي.
الثاني: يمتنع اتّفاق الخلق على كثرته وتباعد الأمكنة والبقاع في لحظة واحدة على القول بالأمارة مع اختلاف دواعيهم وخفاء الأمارات واختلافهم في الذكاء والبلادة، كما يمتنع اتّفاقهم في ساعة واحدة على مأكول واحد أو التكلّم بلفظة واحدة، بخلاف اتّفاقهم على القول بالدّليل والشبهة، لقوّة الدلالة وجريان الشبهة مجراها عند مَن صار إليها، وبخلاف اجتماع الخلق الكثير في الأعياد لتوفّر الدّواعي إليه .
الثالث: لا يخلو زمان من الأزمنة ولا وقت من الأوقات من مجتهدين يمنعون من العمل بالقياس والرأي فلا يوافق في الحكم به فلا
ينعقد الإجماع، فإنّه لا يتصوّر الإجماع عن قياس، وأصل القياس مختلف فيه.
الرابع: لو جاز ذلك تنافت الأحكام، لأنّ الحكم الصادر عن الاجتهاد لا يفسق مخالفه ويجوز مخالفته، والحكم المجمع عليه بالعكس، فلو صدر الإجماع 1 عن الاجتهاد لاجتمع النقيضان.
الخامس: الإجماع أصل من أُصول الأدلّة وهو معصوم عن الخطأ، والقياس فرع وعرضة للخطأ، ويمتنع استناد الأصل المعصوم عن الخطأ إلى

1 . في «أ»: بالإجماع.

صفحه 254
الفرع الجائز عليه الغلط، وكيف يجوز إجماع الأُمّة على ما يجوز فيه الخطأ وهو الاجتهاد؟!
اعترض 1 على الثاني: بالنقض باتّفاق الشافعية على قول الشافعي والحنفية على قول أبي حنيفة .
وليس بجيد، لأنّهم ليسوا كلّ الأُمّة، فجاز الخطأ عليهم بخلاف الجميع.
وعلى الثالث: بأنّ الخلاف في صحّة القياس حادث، ولأنّه يجوز أن تشتبه الأمارة بالدلالة فيثبت الحكم بالأمارة على اعتقاد أنّه أثبته بالدلالة، ولانتقاضه بالعموم وخبر الواحد فإنّه يجوز صدور الإجماع عنهما مع وقوع الخلاف فيهما .
وليس بجيد، لأنّ إنكار القياس قد وقع من أكابر الصحابة على ما يأتي، واشتباه المعلوم بالمظنون لا يصدر عن مجتهد، ومَن ينكر العموم وخبر الواحد يمنع الإجماع بهما.
وعلى الرابع: أنّ تلك الأحكام المرتّبة على الاجتهاد مشروطة بأن لا تصير المسألة إجماعية، فإذا صارت زال الشرط، فزالت تلك الأحكام .
في الإجماع الموافق للخبر   
وليس بجيد، لأنّ كلّ واحد منهم كما قال بالحكم قال بجواز مخالفته، فكما صار الحكم مجمعاً عليه باعتبار موافقة كلّ واحد منهم له، كذا صار جواز المخالفة مجمعاً عليه.

1 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 90 .

صفحه 255
احتجّ المخالف 1 بالوقوع فإنّ عمر شاور الصحابة في حدّ الشارب:
فقال علي(عليه السلام) : «إنّه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحدّ المفتري: ثمانون» 2.
وقال عبد الرحمن بن عوف: هذا حدّ وأقلّ الحدّ ثمانون .3
لا يقال: لعلّهم أجمعوا على أنّ الحدّ ثمانون لنص استغنوا بالإجماع عن نقله .
لأنّا نقول: إنّه جائز لو لم ينصّوا على مصيرهم إلى الاجتهاد، ولأنّ أبا بكر أثبتوا إمامته بالقياس على تقديمه في الصلاة ثمّ أجمعوا عليها.
والجواب: أنّ علياً(عليه السلام) بيّن علّة الحكم وحكمته المقتضية لثبوته لا أنّه قياس، كيف وإنكاره للقياس معلوم بالضرورة من مذهبه ومذهب أولاده والقائلين بمقالته؟ وإمامة أبي بكر لو كانت بالقياس لم تتم، لأنّه أنكر القياس، ولأنّه يمتنع قياس الأعظم على الأدنى ويمتنع الإجماع عليها.

البحث الثالث: في الإجماع الموافق للخبر

إذا اجتمعت الأُمّة على حكم ووجد في الأخبار ما يدلّ عليه قال أبو عبد الله البصري: إنّه يدلّ على أنّ ذلك الإجماع لأجل ذلك الخبر .

1 . الرازي في المحصول: 2 / 89 ; الآمدي في الإحكام: 1 / 326 .
2 . الموطأ: 2 / 842 برقم 2 ; المستدرك: 4 / 375 ; السنن الكبرى: 8 / 320.
3 . المحصول: 2 / 89 .

صفحه 256
وقال أبو الحسين البصري: إن كان الخبر متواتراً و كان نصاً لا يحتاج إلى بحث وتأمّل فالإجماع مستند إليه، إذ لا يجوز مع تواتره أن لا يتّفقوا عليه مع طلبهم لما يدلّ على الحكم، ولا يجوز مع ظهوره أن لا يدعوهم 1إلى الحكم، سواء ظهر فيهم خبر قبله أولا .
وإن احتاج إلى البحث والاستدلال لم يجب استنادهم إليه، لإمكان استنادهم إلى متواتر هو أجلى، واكتفي بالإجماع عن نقله، أو استدلّ به بعضهم واستدلّ الباقي بخبر واحد أو قياس وإن كان آحاداً; فإن لم ينقل إلينا ظهوره فيهم جاز استناده إليه وقد كان ظاهراً عندهم ولم ينقل ظهوره وإلى غيره أو بعضهم لأجله وبعضهم لغيره ; وإن كان قد ظهر، فإن روي آحاداً جوّزنا صدق الراوي وأن يكون إجماعهم لأجله وجوّزنا كذبه، فلا يعلم أنّ إجماعهم لأجله لكن صدقه مظنون، وإن نقل ظهوره بالتواتر جاز أن يجمعوا لأجله ; ويقطع على ذلك بأن يقولوا أجمعنا لأجله، أو كنّا متوقّفين عن الحكم بأجمعهم، أو كان بعضهم حكم بخلافه فلما سمعوه قالوا به وجاز أن يجمعوا لأجل غيره .
   
والأصل فيه أنّ اجتماع الدّلائل الكثيرة على مدلول واحد جائز. إذا ثبت هذا فلو أجمعوا على مقتضى خبر الواحد لم يقطع على صدق المخبر، لجواز أن تكون المصلحة الحكم بما ظن صدقه من الأخبار، سواء كانت صادقة أو كاذبة، ولا يلزم من كذب الخبر كذب الحكم.

1 . في «أ»: يدل.

صفحه 257
 
الفصل الخامس

في المجمعين

وفيه مباحث:

الأوّل: في أنّه لا يعتبر في الإجماع اتّفاق الأُمّة إلى يوم القيامة

اعلم أنّ الخطأ جائز على هذه الأُمّة، إلاّ المعصوم، كغيرها من الأُمم. فعند الجمهور 1: الدلائل السمعية منعت منه في حقّ هذه الأُمّة. وعند الإماميّة: أنّه يجب في كلّ زمان وجود معصوم يكون قوله حقّاً.
والأدلّة السمعية وردت بلفظين: المؤمنين، والأُمّة .
ولفظ المؤمنين للاستغراق، لأنّه جمع محلّى باللام الجنسية.
وأمّا الأُمّة فإنّه يتناول جميع الأُمّة .
فحينئذ يجب عندهم في الإجماع اعتبار قول كلّ المؤمنين وكلّ
الأُمّة إلاّ ما يخرج بالدّليل، وإن اكتفى بالبعض لم يمكن إثباته بهذه الأدلّة،
بل بأدلّة أُخرى، وهذه الأدلّة كما لا تدلّ عليه كذا لا تمنع منه، ولا يلزم

1 . ذكره الرازي في المحصول: 2 / 91 .

صفحه 258
من انتفاء دليل معيّن انتفاء المدلول، وقد سبق أكثر الأدلّة.
واحتجّ آخرون على قبول إجماع العدد الكثير بأنّهم أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف، والعادة تحيل اجتماع هذا العدد الكثير من العلماء المحقّقين على قطع في شرعي من غير قاطع، فوجب تقدير نصّ فيه بخلاف اجتماع اليهود والفلاسفة .
لا يقال: إنّه إثبات الإجماع بالإجماع أو إثبات الإجماع بنص يتوقّف عليه .
لأنّا نقول: الّذي يثبت به كون الإجماع مطلقاً حجّة إنّما هو ثبوت نص دالّ عليه، وثبوت ذلك النصّ مستفاد من وجود صورة من صور الإجماع مطلقاً وهو الإجماع الثاني، وإنّما كان هذا الإجماع مقيداً لوجود النص للعادة على ما قلناه، ووجود تلك الصورة ـ أعني: الإجماع الثاني ـ ودلالتها على ثبوت ذلك النص لا يتوقّفان على كون الإجماع مطلقاً حجّة، فلا دور .
أمّا عدم توقّف وجود تلك الصورة عليه فلأنّ وجدانها مستفاد من التواتر لا من كون الإجماع حجّة .
وأمّا عدم توقّف دلالتها، فلأنّ دلالتها مستفادة من العادة وهو مبني على اشتراط عدد التواتر، وسيأتي .
في عدم اعتبار قول الكفّار   
إذا تقرّر هذا فنقول: لا يشترط في الإجماع اتّفاق أُمّة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة، لأنّ الدليل على الإجماع دليل على الاستدلال به، وذلك الاستدلال لا يصحّ بعد يوم القيامة إجماعاً لانقطاع التكليف، ولا قبله لجواز حصول آخرين.1

1 . وهو قول الرازي في المحصول: 2 / 91، القسم الخامس.

صفحه 259
 
البحث الثاني: في عدم اعتبار قول الكفّار
لا خلاف في أنّه لا اعتبار بموافقة مَن هو خارج عن الملّة ولا بمخالفته، لأنّ الأدلّة السّمعية الدالّة على كون الإجماع حجّة وردت بلفظ المؤمنين وبلفظ الأُمّة، وكلاهما لا يندرج الكافر فيهما، لأنّه ليس من المؤمنين، والمفهوم من لفظ الأُمّة في عرف شرعنا الذين قبلوا دين الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولأنّ الكافر لا يقبل قوله، فلا يعتبر في إثبات حجّة شرعية ولا في إبطالها .1
إذا عرفت هذا فأسباب الكفر ثلاثة:
أ.اعتقاد ما هو كفر، كإنكار الصانع وصفاته والنبوة.
ب. اعتقاد ما يمنعه اعتقاده من الاعتراف بالصّانع وصفاته وتصديق رسوله ويلزمه إنكار ذلك من حيث التناقض.
ج. فعل ما ورد التوقيف انّه لا يصدر إلاّ من كافر ; كعبادة النيران، والسجود للصنم، وجحود سورة من القرآن، وتكذيب بعض الرسل، وإنكار بعض الملائكة، واستحلال ما عرف بالتواتر تحريمه، وهذا البحث ظاهر عند الإمامية، إذ المعتبر عندهم في الإجماع إنّما هو قول المعصوم.

1 . وهو قول الرازي في المحصول: 2 / 92، المسألة الثانية; والآمدي في الإحكام: 1 / 284، المسألة الرابعة.

صفحه 260
في قول العامي   
 
البحث الثالث: في قول العامي
ذهب الأكثر إلى أنّه لا اعتبار بقول العامّي في الإجماع، وقال القاضي أبوبكر: لا ينعقد الإجماع مع خلافه.
لنا وجوه:
الأوّل: قول العامّي: لا عن دليل ولا أمارة قول في الدين، فيكون خطأ، فلو كان قول العالم المخالف له خطأ لزم اجتماع الكلّ على الخطأ وإن تعدّدت الجهة.
الثاني: العصمة من الخطأ لا تتصور إلاّ في حقّ مَن يتصوَر في حقّه الإصابة، والعامّي لا يتصوّر في حقّه ذلك، لأنّ القول في الدين بغير دليل غير صواب قطعاً.
الثالث: أجمع الصحابة الخاصّة والعامّة على أنّه لا عبرة بقول العوام.
الرابع: العامي ليس من أهل الاجتهاد فلا عبرة بقوله، كالصبي والمجنون، لأنّ الأُمّة إنّما كان قولها حجّة إذا استند إلى استدلال.1
الخامس: العامّي يلزمه تقليد العلماء بالإجماع، فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه.
السادس: قول العامّي في الدين من غير دليل خطأ مقطوع به، والمقطوع بخطائه لا تأثير لموافقته ولا لمخالفته.

1 . وهي الوجوه الّتي ذكرها الرازي في محصوله: 2 / 92.

صفحه 261
السابع: الأُمّة إنّما عصمت عن الخطأ في استدلالها، لأنّ إثبات الأحكام الشرعية من غير دليل خطأ ، والعامي ليس من أهل الاستدلال، فلا يتصوّر ثبوت العصمة في حقّه .1
وفي الأوّل نظر، لأنّ تخطئة العالم في الحكم مغايرة لتخطئة العامّي في القول بغير دليل، وذلك يستلزم تخطئة كلّ واحد لا فيما اتّفقوا عليه، فيكون بمنزلة الثالث إذا لم يرفع إجماعاً، وإنّما هو محال عند الإمامية .
واعترض على الثاني باحتمال أن يكون العامّي لا يتصوّر منه الإصابة لو انفرد بالحكم، فما المانع من تصويبه مع الجماعة بتقدير موافقته لهم في أقوالهم، ولا شك في أنّ العامّي مصيب في موافقته للعلماء، وعلى هذا جاز أن تكون موافقته شرطاً في جعل الإجماع حجّة .
وفيه نظر، لأنّ قول العلماء إن كان حقّاً لم يعتبر موافقة العامّي فيه، فاستحال جعلها شرطاً في كونه حجّة، بل شرط كونه حجّة كونه حقّاً ; وإن كان خطأ لم يصر بموافقة العامّي حقّاً، فلا يكون شرطاً في كونه حجّة .
وعلى الثالث: نمنع إجماع الصحابة عليه.
وعلى الرابع: أنّه وإن كان لابدّ في الإجماع من الاستدلال، لكن من أهل الاستدلال أو مطلقاً، والأوّل مسلم والثاني ممنوع. وعلى هذا أمكن أن يكون موافقة العامّة للعلماء المستدلّين شرطاً في جعل الإجماع حجّة وإن

1 . ذكر الآمدي ستة من هذه الوجوه مع الاعتراضات الواردة عليها والأجوبة عنها في الإحكام: 1 / 284، المسألة الخامسة.

صفحه 262
لم يكن العامي مستدلاًّ، ولا يلزم من عدم اشتراط موافقة الصبيان والمجانين عدم اشتراط موافقة العامّة، لما بينهما من التفاوت في قرب الفهم في حقّ العامة الموجب للتكليف وبعده في حقّ الصبيان والمجانين المانع من التكليف.
وفيه نظر، فإنّ الإجماع إذا توقّف على الدليل وجب الرجوع إليه ، سواء انضم إليه قول العامّي أو لا، فإنّ انضمام قول العامّي اتّفاقي كطلوع الشمس معه، وكما لا يجوز جعل طلوع الشمس شرطاً فكذا انضمام قول العامّي .
وعلى الخامس: أنّه وإن كان يجب على العامّي الرّجوع إلى قول العلماء، فليس في ذلك ما يدلّ على أنّ أقوال العلماء دونه حجّة قاطعة على غيرهم من المجتهدين من بعدهم، لجواز أن يكون الاحتجاج بأقوالهم على مَن بعدهم مشروطاً بموافقة العامة لهم وإن لم يكن ذلك شرطاً في وجوب اتّباع العامّة لهم فيما يفتون به .
وفيه نظر، لأنّ قول العامّي ليس حجّة لا بانفراده ولا مع انضمامه، والعبرة في قول العلماء خاصة، فلا يجوز أن يكون شرطاً في أصله .
وعلى السادس: أنّ قول العامّي في الدين من غير دليل وإن كان خطأ، لكن لا نمنع من كون موافقته للعلماء في أقوالهم شرطاً في الاحتجاج بها على غيرهم .
في اشتراط إجماع أهل كلّ فن بأهله   
وفيه نظر، فإنّ ما يعلم كونه خطأ لا يجوز جعله شرطاً في الحجة .

صفحه 263
وعلى السابع: أنّ العامّي وإن لم يكن من أهل الاستدلال فلا يمتنع أن تكون موافقته من غير استدلال شرطاً في كون الإجماع حجّة، وقد تقدّم الكلام عليه.
احتجّ المخالف بأنّ أدلّة الإجماع تقتضي وجوب متابعة الكلّ الذي من جملته العامّي، ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة، فلا تكون العصمة الثابتة للكلّ ثابتة للبعض، لأنّ الثابت للكلّ لا يجب كونه ثابتاً للبعض.
والجواب: إيجاب متابعة الكلّ لا يقتضي أن لا يجب متابعة غيرهم، ولأنّ العامّي في العلم بخروجه كالصّبي والمجنون، وأدلّة الإجماع المقتضية لوجوب الاتّباع يقتضي وجوب متابعة العلماء، فوجب القول به.

البحث الرّابع: في اشتراط إجماع أهل كلّ فن بأهله

ذهب المحقّقون من الجمهور إلى أنّ المعتبر بالإجماع في كلّ فنّ بأهل الاجتهاد من ذلك الفن، وإن لم يكونوا مجتهدين في غيره .
فمسائل الكلام يعتبر في إجماعها اتّفاق المجتهدين في علم الكلام، ومسائل الفقه يعتبر في إجماعها اتّفاق المجتهدين في علم الفقه، ولا عبرة بالمتكلّم في الفقه ولا بالعكس، بل كلّ مجتهد في فن من الفنون يشترط إجماعه في ذلك الفن، فالعالم بمسائل الفرائض خاصة يشترط موافقته في علم الفرائض لا الحج .
ولا عبرة بالفقيه الحافظ للأحكام والمذاهب إذا لم يكن متمكّناً من

صفحه 264
الاجتهاد، لأنّ كلّ هؤلاء كالعوام فيما لا يتمكّنون من الاجتهاد فيه فلا عبرة بقولهم، وأمّا الأُصولي المتمكّن من الاجتهاد إذا لم يكن حافظاً للأحكام، فإنّ خلافه معتبر عند المحقّقين لتمكّنه من الاجتهاد الّذي هو الطريق إلى التمييز بين الحقّ والباطل، خلافاً لقوم.
في عدم اشتراط عدد التواتر   

البحث الخامس: في عدم اشتراط عدد التواتر

اختلف الناس في ذلك فمن أخذ الإجماع من دليل العقل واستحالة الخطأ بحكم العادة كالجويني 1 فيلزمه الاشتراط، ومن أخذه من السمع اختلفوا: فمنهم من شرط، ومنهم من لم يشترط، وهو الأشهر .
لنا: تناول الأدلّة للمؤمنين والأُمّة وإن قلّوا، وانّهم معصومون وإن بلغوا ـ والعياذ بالله ـ إلى الواحد.2
احتجّ المخالف بوجهين 3:
الأوّل: إذا نقص عددهم لم يعلم إيمانهم بقولهم فضلاً عن غيره.
الثاني: لو نقص عدد المسلمين ـ والعياذ بالله ـ عن عدد التواتر أدّى إلى انقطاع التكليف، فإنّ التكليف يدوم بدوام الحجّة، والحجة تقوم بخبر التواتر عن أعلام النبوة وعن وجود النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتحدّيه بالنبوة، والكفّار لا

1 . البرهان في أُصول الفقه: 1 / 443 .
2 . وهو رأي الرازي في المحصول: 2 / 93، المسألة الخامسة; والآمدي في الإحكام: 1 / 310، المسألة 13 .
3 . ذكرها الآمدي أيضاً في الإحكام: 1 / 310 ـ 311 .

صفحه 265
يقومون بنشر اعلام النبوة، بل يجتهدون في طمسها، والسلف مجمعون على دوام التكليف إلى يوم القيامة.
والجواب ] عن الأوّل: [ قد يعلم إيمان الواحد بالقرائن أو بخلق علم ضروري، فينا على أنّه آت في الكثير على ما تقدّم.
وعن الثاني: إن قلنا: إنّ أهل الإجماع هم أهل الحلّ والعقد فلا يلزم من نقصان عددهم عن عدد التواتر انقطاع الحجة بالتكليف، لإمكان حصول المعرفة بذلك من أخبار المجتهدين والعامة جميعاً، فإنّه ليس من شرط التواتر أن يكون ناقله مجتهداً .
وإن قلنا: إنّ العوام داخلة في الإجماع ومع ذلك فعدد الجميع دون عدد التواتر، فلا يلزم أيضاً انقطاع ذلك لإمكان أن يديم الله تعالى ذلك بإخبار المسلمين، والكفّار معهم ولم يعترفوا بالنبوة لكن يخبرون بظهوره ووجود معجزاته وإن لم يعترفوا بكونه معجزاً، وبخبر العدد القليل المحتف بالقرائن المفيدة للعلم، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزال طائفة من أُمّتي تقوم بالحقّ حتى يأتي أمر الله» .1
أمّا الواحد فقد اختلف فيه: فقال بعضهم: إنّ قوله حجّة متبعة، لأنّه إذا لم يوجد سواه صدق عليه اسم الأُمة، لقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً)(2).
ومنهم من منع، لأنّ الإجماع مشعر بالاجتماع وإنّما يكون بين اثنين فصاعداً.

1 . مر الحديث مع مصادره ص 182 .   2 . النحل: 120 .

صفحه 266
في عدم اشتراط كون المجمعين من الصحابة   
 
البحث السادس: في عدم اشتراط كون المجمعين من الصحابة
ذهب المحقّقون إلى أنّ الإجماع لا يختصّ بالصحابة، بل لو فرض في كلّ عصر كان حجّة، وخالف داود ومتابعوه من الظاهرية وقالوا: إنّ إجماع التابعين ومن بعدهم ليس بحجّة وإنّما الحجّة إجماع الصحابة خاصة .
لنا: أدلّة الإجماع وهي: الكتاب والسنّة والمعقول تتناول أهل كلّ عصر، لأنّ قولهم سبيل المؤمنين فيجب اتّباعه، ولأنّهم أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)فيدخل تحت قوله: «لا تجتمع أُمّتي على خطاء» ] وقوله تعالى: [ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة)، ولأنّ العادة تحيل اجتماع الخلق العظيم على الكذب، ولأنّ المعصوم موجود في كلّ عصر.
احتجّ ] المخالف [ بأُمور تسعة:
الأوّل: أدلّة الإجماع إنّما تتناول الصحابة، لأنّ قوله: (جَعَلْنَاكُمْ)، (كُنْتُمْ)خطاب مواجهة فلا يتناول إلاّ الحاضرين. وكذا قوله: (وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)، لأنّ من سيوجد 1 بعد ] ذلك [ لا يصدق عليه في الحال أنّه مؤمن، فلا تتناول الآية إلاّ مَن كان مؤمناً حال نزولها، فلا يجوز القطع بأنّ إجماع غيرهم حجّة لعدم الدّليل عليه.
الثاني: إجماع التابعين إن كان لقياس فهو باطل، لأنّه ليس حجّة عند

1 . في «أ»: يوجد.

صفحه 267
الكلّ فلا يكون طريقاً إلى صدور الإجماع من الكلّ ; وإن كان لنص، وهو إنّما وصل إليهم من الصحابة، فكان إجماع الصحابة على ذلك الحكم لأجل ذلك النص أولى، فلمّا لم يوجد علم عدمه.
الثالث : يشترط في الإجماع اتّفاق كلّ أهل العصر، وذلك لا يحصل إلاّ مع المشاهدة والعلم بقول كلّ واحد وموافقته للباقين، وهو ممتنع لانتشارهم في الأرض، وإنّما يتم في زمن الصحابة لانحصارهم وقلّتهم.
الرابع: أجمع الصحابة على تسويغ الاجتهاد في كلّ ما لم يجمع عليه، فالمسألة التي لم يجمع الصحابة عليها محلّ الاجتهاد بإجماع الصحابة، فلو أجمع التابعون فيها على حكم خرجت عن محل الاجتهاد، فيتصادم الإجماعان.
الخامس: إذا اختلف الصحابة على قولين ثمّ أجمع التابعون على أحدهما لم يصر القول الثاني مهجوراً على ما تقدّم في المسائل السابقة وحينئذ نقول: المسألة التي أجمع التابعون عليها جاز أن يكون لبعض الصحابة فيها قول بخلاف قول التابعين ولم ينقل إلينا فلا يثبت الإجماع .
لا يقال: فتح هذا الباب يقتضي عدم بقاء شيء من النصوص، لاحتمال تطرّق النسخ والتخصيص ولم ينقل .
لأنّا نقول: الفرق انّ إجماع التابعين مشروط بعدم قول لبعض الصحابة يخالف قولهم، فالشك فيه شك في شرط الإجماع، فيكون شكّاً في الإجماع، والأصل بقاؤه على العدم ; أمّا النصّ فظاهر اللفظ يقتضي العموم

صفحه 268
والشك وقع في طريان المزيل والأصل عدم طريانه، فافترقا.1
السادس: الأدلّة تتناول اتّباع كلّ المؤمنين وكلّ الأُمّة وليس التابعون كلّ الأُمّة، فإنّ الصحابة لم يخرجوا بموتهم عن الأُمّة، ولذلك لو خالف واحد من الصحابة فيما أجمع عليه التابعون لا يكون قول جميع الأُمّة ولا يحرم الأخذ بقول الصحابي، فإذا كان خلاف بعض الصحابة يرفع إجماع التابعين فعدم وفاقهم أيضاً يرفعه، لأنّهم بالموت لم يخرجوا من الأُمة .
لا يقال: يتبعّض بالصحابة .
لأنّا نقول: مقتضى الدليل ذلك وانتظار التابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة لكن اعتباره يرفع الانتفاع بالإجماع، فثبت أنّ وصف الكلية لمن دخل في الوجود وهم الصحابة خاصة.
السابع: الأصل عدم الرجوع إلى قول أحد سوى الصادق المعصوم لتطرّق الخطأ والكذب إلى مَن عداه لكن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أثنى على أصحابه لقوله: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين بعدي» 2، وذمّ الأعصار المتأخّرة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثم يفشو الكذب، وانّ الرّجل يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، وانّ الواحد منهم يحلف على ما لا يعلم، ويشهد قبل أن يستشهد»(3) وغير ذلك، فوجب أن يقتصر بالإجماع على قول أصحابه.

1 . هذه الوجوه الخمسة ذكرها الرازي أيضاً مع الأجوبة عنها في المحصول: 2 / 94 ـ 96، المسألة السادسة .
2 . تقدّم الحديث عنهما ص 238.   3 . مسند أحمد: 1 / 18 ; الإحكام: 1 / 232 .

صفحه 269
الثامن: لو كان في الأُمّة من هو غائب لم ينعقد الإجماع دونه وإن لم يكن له في المسألة قول بنفي ولا إثبات، لكونه لو كان حاضراً لكان له فيها قول، فكذلك الميت من الصحابة قبل التابعين.
التاسع: الصحابة اختصّت بمشاهدة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والحضور عند الوحي فلهم مزية على غيرهم .1
والجواب عن الأوّل: انّه يقتضي أنّه لو مات واحد من الحاضرين عند نزول الآية أُخرج إجماع الباقين عن كونه حجّة، وذلك يفضي إلى سقوط العمل بالإجماع، وهم لا يقولون به. ويقتضي أيضاً أن لا يعتدّ بخلاف مَن أسلم بعد نزولها بخروجه عن المخاطبين.
وعن الثاني: جاز أن يصدر إجماعهم عن نص نقله بعض الصحابة ولم يعلم به الباقون لعدم حدوث الواقعة عندهم فلم يبحثوا عنه، أو بعضهم عن ذلك النصّ وبعضهم عن قياس أو اجتهاد.
وعن الثالث: نمنع عدم معرفة كلّ المجتهدين فإنّهم مشهورون وإن تباعدت أمكنتهم.
سلّمنا، لكن التقدير حصول الإجماع فيكون حجّة ولا نزاع في التعذّر.
وعن الرابع: نمنع الإجماع على تسويغ الاجتهاد.

1 . ذكر الآمدي في الإحكام: 1 / 288، المسألة 7، ستة من هذه الوجوه والأجوبة عنها، فراجع.

صفحه 270
سلّمنا، لكنّه مشروط بعدم تجدّد إجماع آخر .
وعن الخامس: بأنّه يتطرّق في الصحابة مثله لاحتمال أن يكون الصحابي الّذي مات قبل وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) له فيه قول فلا يكون إجماع الباقين حجّة .
وفيه نظر، لعدم اعتبار الإجماع وأقوال الصحابة في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل بعد وفاته.
وعن السادس: أنّ الماضي من الصحابة لا يعتبر والمستقبل لا ينتظر، وإلاّ لم ينعقد إجماع بعد أن استشهد حمزة، وقد اعترفوا بصحّة إجماع الصحابة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد موت مَن مات بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيكون وصف الكلّية حاصلاً لكلّ الموجودين في كلّ وقت، ونمنع جواز المصير إلى قول الصحابي الميت المخالف لإجماع التابعين.
وعن السابع: أدلّة الإجماع لا تفرّق بين أهل عصر وعصر، ومدح الصحابة لا يقتضي ذمّ غيرهم، وذمّ الأعصار المتأخّرة يقتضي ظهور الفساد والكذب لا على خلو كلّ عصر ممّن يقوم الحجّة بقوله.
وعن الثامن: أنّه ينتقض بالصحابة فإنّه لو مات واحد منهم انعقد إجماع الباقي، ولو كان غائباً لم ينعقد، والأصل أنّ الغائب في الحال له أهلية القول والحكم والموافقة والمخالفة بخلاف الميت.
   
وعن التاسع: لا نسلم أنّ ذلك يوجب لهم مزية في كون قولهم حجّة دون غيرهم.

صفحه 271
 
الفصل السادس

في الحكم الثابت بالإجماع

وفيه مباحث:

الأوّل: في ضابط ما يثبت بالإجماع

قد ثبت أنّ الإجماع حجّة في الأحكام الشرعية ويجوز أن يكون حجّة في الأحكام العقلية لعموم الأدلّة، ولا يجوز أن يكون حجّة في كلّ الأحكام لاستلزامه الدور، لأنّ من الأحكام ما هو مقدّمة في حقيقة الإجماع، فلو ثبت به دار .
والحاصل: أنّ كلّ ما لا يتوقّف العلم بكون الإجماع حجّة على العلم به أمكن إثباته بالإجماع، وكلّ ما يتوقّف لا يمكن ثبوته به .
فإثبات الصانع وكونه تعالى عالماً قادراً عالماً بكلّ معلوم والنبوة لا يمكن إثباته بالإجماع، لتوقّف كونه حجّة عليها، إذ كونه حجّة إنّما عرف بالسّمع المتوقّف على هذه المطالب .
أمّا حدوث الأجسام فيمكن إثباته به، لإمكان إثبات الصانع بحدوث

صفحه 272
الأعراض، ثمّ يعرف صحّة النبوة ثمّ يعرف به كون الإجماع حجّة، ثمّ يعرف به حدوث الإجسام .
ويصحّ إثبات الوحدانية بالإجماع، لإمكان العلم بصحّة الإجماع قبل العلم بالوحدانية.
أمّا الإمامية فلمّا كان دليل الإجماع عندهم كون المعصوم داخلاً فيه، أمكن إثبات هذه المطالب كلّها بالإجماع.

البحث الثاني: في الإجماع في الأُمور الدنيوية

إذا أجمع أهل العصر على أمر يتعلّق بالدنيا كالإجماع على ما يتّفق عليه من الآراء في الحروب وتدبير الجيوش وترتيب أُمور الرّعية، كقولهم: لا حرب إلاّ في الموضع الفلاني، هل يكون حجّة يحرم مخالفته أم لا ؟
اختلف قول قاضي القضاة فيه فتارة منع المخالفة، وهو مذهب السيد المرتضى 1 وطائفة أُخرى ; وتارة سوّغها، وهو مذهب جماعة أُخرى.
احتج الأوّلون بعمومات أدلّة الإجماع وأنّ الأُمة معصومة عن الخطأ، ويجب اتّباعهم في الذي أجمعوا عليه، فيحمل على عمومه لعدم المخصّص.
في الإجماع في الأديان السالفة   
احتج الآخرون بأنّ حالهم ليست أعظم من حال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعلوم أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لو رأى رأياً في الحرب لساغ مراجعته .

1 . الذريعة: 2 / 628 .

صفحه 273
والجواب: المنع من مخالفة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في ذلك، والمراجعة إن أرادوا بها المخالفة منعناه، وإن أرادوا تأكيد المعرفة فهو مسلّم. 1
قال أبو الحسين البصري (2): الفرق أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يمتنع عليه الخطأ فيما دلّ المعجز عليه وهو أُمور الدين، وذلك لا يتعلّق بأُمور الدنيا، وليس كذلك الأُمّة. وهو بناء على عدم عصمته(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد بيّنا أنّه معصوم في علم الكلام.

البحث الثالث: في الإجماع في الأديان السالفة

اختلف الأُصوليون في الإجماع في الأديان السالفة هل كان حجّة أم لا؟ على قولين :
منهم مَن قال: إنّه حجّة، وهو قول مَن يثبت الإجماع بالدليل العقلي ويشترط في ذلك عدد التواتر، والإمامية أيضاً قائلون به لوجوب المعصوم عندهم في كلّ وقت .
وأمّا من أثبت الإجماع بالدلائل السمعية فإنّه في محل التوقّف، لعدم دليل عقلي وسمعي على كلّ واحد من طرفي النقيض، فيبقى الشك.2
وبعضهم جزم بالمنع، والاّ لم يبق مزية لهذه الأُمّة على سائر الأُمم السالفة مع أنّ الله تعالى قد جعلهم شهداء عليهم.3

1 . راجع الإحكام: 1 / 345 ـ 346 .   2 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 35 .
2 . وهو رأي القاضي على ما في البرهان، والآمدي في الإحكام: 1 / 346 .
3 . راجع البرهان في أُصول الفقه: 1 / 458 ـ 459 .

صفحه 274
في امتناع الكفر على الأُمّة   
 
البحث الرابع: في أنّه لا يجوز تخطئة الأُمّة في الأحكام المتعدّدة
إذا انقسمت الأُمّة إلى قسمين وقال كلّ قسم منهما بحكمين متقابلين في مسألتين متعدّدتين هل يجوز تخطئة كلّ قسم في مسألة والأُخرى في الأُخرى، كما لو قال نصف الأُمّة بأنّ القاتل لا يرث والعبد يرث، وقال النصف الآخر بأنّ القاتل يرث والعبد لا يرث .
اختلفوا في ذلك فالأكثر على عدم الجواز، وهو قول الإمامية ، لأنّ المعصوم داخل في أحد القسمين وقوله صواب في الحكمين .
واستدلّ الآخرون بأنّ خطاءهم في مسألتين لا يخرجهم عن الاتّفاق على الخطاء، وهو منفي عنهم.
احتجّ المجوزون بأنّ الممتنع الخطأ على كلّ الأُمّة لا البعض، والمخطئ في كلّ واحدة من المسألتين بعض الأُمّة.1

البحث الخامس: في امتناع الكفر على الأُمّة

هذا على مذهب الإمامية ظاهر لامتناع الارتداد على المعصوم .
وأمّا غيرهم فقد اختلفوا فالأكثر على ذلك أيضاً، لأنّه تعالى أوجب علينا اتّباع سبيل المؤمنين، وهو مشروط بوجودهم، وما لا يتمّ الواجب

1 . راجع المحصول: 2 / 97، المسألة الثالثة.

صفحه 275
المطلق إلاّ به فهو واجب. هذا إذا حملنا لفظ المؤمنين على الإيمان بالقلب ; أمّا إذا حملناه على التصديق باللسان كان أظهر وتصير الآية دالّة على أنّ المصدّقين في الظاهر لا يجوز اجتماعهم على الخطاء وهو يؤمننا من إجماعهم على الكفر.1
وفيه نظر، لأنّ وجوب الاتّباع ليس مطلقاً، بل مشروط بوجود المتبوع، إذ هو المفهوم من الاتّباع ولا يلزم وجوب شرط 2 الوجوب بل شرط 3وقوع الواجب.
احتجّ الآخرون بأنّه جائز على كلّ واحد فكان جائزاً على الجميع، والأدلّة لا تتناولهم حينئذ، لأنّهم خرجوا بذلك عن كونهم أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)وعن كونهم مؤمنين، فيبطل الاستدلال بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجتمع أُمّتي
على خطاء» و بقوله: (وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) وبقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة)، وهذا لا يتصوّر عند الإمامية كما بيّناه.4

1 . وهو ما ذهب إليه الآمدي في الإحكام: 1 / 342، المسألة 24 .
2 . في «أ»: بشرط .
3 . في «أ»: بشرط .
4 . لاحظ المحصول: 2 / 97 ـ 98، المسألة الرابعة.

صفحه 276
 
البحث السادس: في جواز اشتراك الأُمّة في عدم العلم بما لم يكلّفوا به
اختلف الناس في ذلك، فالأكثر على جوازه،1 لأنّ عدم العلم بذلك الشيء إذا كان صواباً لم يلزم من اجتماعهم عليه محذور .
احتجّوا بأنّهم لو اجتمعوا على عدم العلم بذلك الشيء لكان عدم العلم به سبيلاً لهم، فكان يجب اتّباعهم فيه حتى يحرم تحصيل العلم به .
ومن هذا الباب إمكان وجود خبر أو دليل ولا معارض له وتشترك الأُمّة في عدم العلم به، والخلاف ما تقدّم، والوجه جوازه إن كان عملهم موافقاً لمقتضاه، لعدم تكليفهم بمعرفة ما لم يبلغهم ولم يظهر لهم، وقوله: (وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) لا يتناول ذلك، لأنّ المفهوم من السّبيل الفعل المقصود المعصوم، وعدم العلم ليس مقصوداً فلا يكون سبيلاً، فيجوز اتّفاقهم فيه وان يخالفهم في طلبه، كيف؟ والشرع لا يحثّ على الجهل بأدلّته الشرعية .
في أنّ الأخذ بالأقل ليس للإجماع   
أمّا لو عملوا على خلافه فإنّه محال، لما فيه من إجماع الأُمّة على الخطأ.

1 . وهو مذهب الرازي في المحصول: 2 / 98، المسألة الخامسة ; والآمدي في الإحكام: 1 / 341، المسألة 23 .

صفحه 277
 
البحث السابع: في أنّ الأخذ بالأقل ليس للإجماع
اختلف الناس في دية الذمّيّ، فقال قوم: إنّ ديته مثل دية المسلم،
وقال آخرون: إنّها نصفه، وقال آخرون: إنّها ثلثه، وعند الإمامية: ثمانمائة درهم.
وقال الشافعي بالثلث، وهو الأقلّ عند الجمهور مجمع عليه عندهم، فقيل: إنّه تمسك فيه بالإجماع، إذ القول بالكلّ والنصف يشتملان
على الثلث، وليس بصحيح، لأنّ الحصر في الثلث مشتمل على حكمين: وجوب الثلث ونفي الزيادة; والأوّل وإن كان مجمعاً عليه فالثاني ليس كذلك، بل مستفاد إمّا من دليل أو من أصالة براءة الذمّة، وليس ذلك من الإجماع.1

1 . لاحظ الإحكام: 1 / 342، المسألة 25 .

صفحه 278
   
 
الفصل السابع

في حكم الإجماع

وفيه مباحث:

الأوّل: في حكم جاحده

اختلف الناس في جاحد الحكم المجمع عليه ، فقال قوم من الفقهاء: إنّه كافر مطلقاً; ومنعه آخرون،1 لأنّ أصل أدلّة الإجماع لا يفيد العلم، فما يفرع عليه أولى أن لا يكون كذلك، فغايته الظن، وجاحد المظنون ليس بكافر إجماعاً .
سلّمنا كونه معلوماً لكن العلم به غير داخل في ماهية الإسلام، وإلاّ لوجب على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يحكم بإسلام أحد حتى يعرّفه كون الإجماع حجّة، ولمّا لم يفعل ذلك ولم يصرّح بهذه المسألة طول عمره علمنا عدم دخوله في الإسلام، وإذا لم يكن العلم بأصل الإجماع معتبراً في الإسلام فكذا تفاريعه .

1 . وهو ما ذهب إليه الرازي في المحصول: 2 / 98، المسألة الأُولى، القسم السابع .

صفحه 279
وقيل: إن كان حكم الإجماع داخلاً في مفهوم اسم الإسلام، كالعبادات الخمس واعتقاد التوحيد والرسالة، كان جاحده كافراً، وإلاّ فلا.1

البحث الثاني: في امتناع تجدّد إجماع مخالف لسابق

ذهب الأكثر الى امتناع انعقاد الإجماع بعد إجماع سابق يخالفه، وجوّزه أبو عبد الله البصري .2
لنا: إنّ أحدهما يكون خطاء فلا تجتمع الأُمّة عليه.
احتجّ بإمكان إجماع الأُمّة على قول بشرط عدم طريان إجماع آخر، لكن أهل الإجماع لمّا اتّفقوا على أنّ جميع ما أجمعوا عليه يجب دوام العمل به لم يقع هذا الجائز، وهذا لا يتأتى على مذهبنا لوجود المعصوم فيهما وأقواله غير متناقضة .
وفخر الدين قّوى مذهب البصري،3 وهو خطأ، لأنّ تجويزه يقتضي تطرّقه إلى الإجماع بوجوب الدوام، فلا يستقر الإجماع البتة، ولا يمكن الاستدلال به.

1 . وهو ما ذهب إليه الآمدي في الإحكام: 1 / 344، المسألة 27 .
2 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 99 .
3 . المحصول: 2 / 99، المسألة الثالثة.

صفحه 280
 
البحث الثالث: في الإجماع إذا عارضه قول الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)
اعلم أنّه يمتنع تناقض الأدلّة، وكلّ من الإجماع وقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)دليل قطعي; فإن علم أنّ قصد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بكلامه ظاهره، وكذا أهل الإجماع وتنافيا، امتنع ذلك .
وإن علم أنّ أحدهما أراد الظاهر وجهلنا الآخر، قدّم ما علم ظاهره وتأوّلنا الآخر، لأنّه أولى من حذفه .
وإن لم يعلم أنّ واحداً منهما أراد ظاهره، فإن كان أحدهما أخصّ خصصنا به الآخر جمعاً بين الدليلين، وإلاّ تعارضا، لأنّا نقطع أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأُمّة أراد أحدهما بكلامه غير ظاهره لكنّا جهلنا تعيينه، فتساقطا ووجب الرجوع إلى غيرهما.
***
إلى هنا انتهى الجزء الثاني حسب تقسيم المؤلّف (قدس سره)حيث قال الناسخ:
تمّ الجزء الثاني من كتاب «نهاية الوصول في علم الأُصول» ويتلوه الجزء الثالث بعون الله تعالى وتوفيقه المقصد العاشر في الخبر وفيه فصول الأوّل في ماهيته، وقد فرغت من تسويده غرّة شهر صفر ختم بالخير والظفر سنة إحدى وأربعين وألف .
***

صفحه 281
وبه نستعين
المقصد العاشر
في الخبر
وفيه فصول:

صفحه 282

صفحه 283
 
الفصل الأوّل

في ماهيته

وفيه مباحث:
الأوّل: في لفظ الخبر
لفظ الخبر يطلق على القول المخصوص وعلى غيره من الإشارات والدلائل، كقوله:
تخبرني العينان ما القلب كاتم 1 *** .........
وقوله:
وكم لظلام الليل عندك من يد *** تخبر انّ المانوية تكذب 2

1 . تمام البيت هو :
تخبرني العينان ما القلب كاتم *** وما جنّ بالبغضاء والنظر الشزر
شرح نهج البلاغة: 8 / 142 و ج 20 / 46 .
2 . القائل هو أبو الطيب المتنبي. راجع نور البراهين: 2 / 30; فتح الباري: 12 / 238 .
وأبو الطيب هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي المتنبي (303 ـ 354 هـ) الشاعر الحكيم وأحد مفاخر الأدب العربي، ولد بالكوفة ونشأ بالشام، ثم تنقل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيّام الناس، وقال الشعر صبياً، وكان شجاعاً طموحاً محبّاً للمغامرات، أفضل شعره في الحكمة وفلسفة الحياة ووصف المعارك على صياغة قوية محكمة ، تجوّل في البلدان ومدح الأمراء كسيف الدولة الحمداني وكافور الاخشيدي وابن العميد وعضد الدولة، له ديوان شرحه طائفة من كبار الأُدباء كابن جني وأبي العلاء المعري والواحدي والعكبري، قُتل في النعمانية على يد فاتك بن أبي جهل الأسدي وهو خال ضبة بن يزيد الأسدي الّذي هجاه المتنبي بقصيدته البائية المعروفة. الأعلام: 1 / 115 ; المنجد (قسم الأعلام): 633 .

صفحه 284
وقول المعرّي1:
نَبيٌّ من الغربانِ ليس على شرعِ *** يخبِّرُنا أنّ الشعوبَ إلى صدع
وهو حقيقة في القول المخصوص إجماعاً ومجاز في غيره، لتبادر الأوّل إلى الذهن دون الثاني في قولنا: أخبر فلان بكذا وفلان مخبر، والغالب انّما هو استعمال اللفّظ في حقيقته دون مجازه .
في أنّه هل يحدّ أم لا؟   
وهو عند بعض الأشاعرة مشترك بين القول المخصوص والمعنى القائم بالنّفس، وعند آخرين، انّه مجاز في الثاني حقيقة في الأوّل لتبادره إلى الفهم دون الثاني، وأمّا عند المعتزلة فإنّه حقيقة في القول وليس مستعملاً في

1 . هو أبوالعلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعرّي (363 ـ 449 هـ) شاعر فيلسوف، ولد ومات في معرّة النعمان، كان نحيف الجسم أُصيب بالجدري صغيراً فعمي في السنة الرابعة من عمره، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، وهو من بيت علم كبير في بلده، ولما مات وقف على قبره 84 شاعراً يرثونه، له ديوان شعر ومصنفات كثيرة، منها: رسالة الغفران، الرسالة الأغريقية، الفصول والغايات، وغيرها كثير. الأعلام: 1 / 157 .

صفحه 285
الثاني لا حقيقة ولا مجازاً لعدم الثاني عندهم، والبحث في ذلك موكول إلى علم الكلام.

البحث الثاني: في أنّه هل يحدّ أم لا؟

اختلف الناس في ذلك، فذهب قوم إلى أنّه لا يحدّ لأنّه ضروري، وقال آخرون: إنّه يحدّ وإنّه معلوم بالاكتساب .
احتجّ الأوّلون بوجهين:
الأوّل: كلّ عاقل يعلم بالضرورة معنى قولنا: أنا موجود، أنا لست بمعدوم، وانّ الشيء الواحد لا يوصف بالوجود والعدم، ومطلق الخبر جزء من هذا الخبر الخاص، والعلم بالكلّ موقوف على العلم بالخبر، فلو كان تصوّر ماهية مطلق الخبر موقوفاً على الاكتساب كان تصوّر الخبر الخاص موقوفاً عليه ولم يكن ضرورياً، هذا خلف.
الثاني: كلّ عاقل يعلم بالضّرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر وتميّزه عن الموضع الذي يحسن فيه الآخر، ولولا أنّ هذه الحقائق متصوّرة بالبديهة لم يكن الأمر كذلك .
لا يقال: الخبر نوع من الألفاظ وأنواع الألفاظ ليست بديهيّة التصوّر، فكيف يكون تصوّر ماهية الخبر بديهياً ؟
لأنّا نقول: حكم الذهن بين أمرين بأنّ أحدهما هو الآخر أو له الآخر أو ليس كذلك معقول واحد لا يختلف باختلاف الزمان والمكان، ويدركه

صفحه 286
كلّ أحد من نفسه ويفرق بينه و بين الأحوال النفسانية كالألم واللّذة والطلب.
وإذا ثبت هذا فالمراد من الخبر إن كان هو الحكم الذهني، فلا شكّ في أنّ تصوّره في الجملة بديهىّ ; وإن كان المراد منه اللفظ الدّال على هذه الماهية، فالإشكال ساقط أيضاً، لأنّ مطلق اللفظ الدال على البديهي التصوّر يكون تصوّره بديهياً .
وفي الأوّل نظر من وجوه:
الأوّل: نمنع كون المطلق جزءاً من الخبر الخاص، لأنّه إمّا مطابق في نفس الأمر أو لا، وأيّهما كان لم يصدق على الآخر، والانقسام إليهما باعتبار الجزئيات لا الماهية فهو عارض.
الثاني: نمنع توقّف العلم بالكلّ على العلم بالجزء، لجواز العلم
باعتبار ما.
الثالث: نمنع استلزام بداهة الكلّ بداهة الجزء، لصدق الأوّل
باعتبار ما.
وفي الثاني نظر، فإنّ الحكم بالتميّز بين أمرين لا يستدعي بداهتهما، فإنّا نميّز بين وجود الجنّ والملك وعدمهما وبين النفس وعدمها وهو كسبي.
واعترض; بأنّ الاستدلال على أنّه ضروري دليل على أنّ العلم به غير ضروري، لأنّ الضّروري هو الذي لا يفتقر العلم به إلى نظر ودليل يوصل

صفحه 287
إليه، وما يفتقر إلى ذلك فهو نظري لا ضروري.
لا يقال: ما ذكرناه تنبيه لا دليل، ومن الضروريات ما يفتقر إلى تنبيه.
لأنّا نقول: لو قيل ذلك لأمكن دعوى الضرورة في كلّ علم نظري، لأنّ الدليل فيه بطريق التنبيه .
سلّمنا، لكن الخبر المطلق ليس جزءاً من الخبر الخاص، لأنّه أعمّ، فلو كان جزءاً لانحصر الأعم في الأخصّ، والتفرقة بين الأمر والخبر إنّما تصحّ بعد العلم بهما .
نعم تعلم التفرقة بين ما يجده الإنسان في نفسه من طلب الفعل والنسبة بين أمرين على وجه خاص، وليس هو العلم بحقيقة الأمر والخبر، فإن عنيت بالأمر والخبر هذا المعلوم الخاص كان عوداً إلى التحديد ثمّ إنّه يقتضي استغناء الأمر عن التحديد كاستغناء الخبر، وهذا المستدل عرف الأمر .
وهذا كلّه ليس بجيّد، لأنّ الاستدلال على أنّه ضروري ليس استدلالاً على الضّروري، بل على وصف له هو كونه ضرورياً وهو مغاير له، وكون الشيء ضرورياً جاز أن يكون كسبياً، وكون العام ليس جزء من الخاص لعدم انحصاره فيه غلط، فإنّ الخبر قد يكون أعمّ وتفسير اللفظ ليس بالتحديد.
وقال آخرون: إنّه يحد، لأنّ العلم به لا يجري مجرى العلم بالبديهيات وباقي الضروريات. والحقّ الأوّل والضرورة قاضية به.

صفحه 288
في حدّ الخبر   
 
البحث الثالث: في حدّه
اختلف القائلون بأنّ الخبر يحدّ، في حدّه .
فقال الجبائيان وأبوعبد الله البصري والقاضي عبدالجبار وغيرهم من المعتزلة: الخبر هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب .
وأُورد عليه إشكالات 1:
الأوّل: الصدق والكذب نوعان من الخبر، والجنس جزء من النوع لا يمكن معرفة النوع إلاّ به، فتعريفه بالنوع دور.
الثاني: الصدق والكذب من الأعراض الذاتية لمطلق الخبر، ولا يمكن تعريف العرض الذاتي إلاّ بذكر موضوعه فيدور.
الثالث: إن عطف بين الصدق والكذب بـ «أو» لزم الشك في الحد، وهو محذور عنه; وإن عطف بـ «الواو» انتفى المحذور، إذ الصدق والكذب متقابلان لا يجتمعان في شيء واحد .
الرابع: خبر الله تعالى وخبر رسوله صدق قطعاً، ولا يمكن دخول الكذب فيه.
الخامس: قول القائل محمد ومسيلمة صادقان خبر وليس صادقاً ولا كاذباً.

1 . ذكرها الآمدي أيضاً مع الأجوبة عنها في الإحكام: 2 / 12 ـ 14 .

صفحه 289
السادس: لو قال: «كلّ كلامي في هذه الساعة كاذب» ولم يوجد منه سوى هذا الكلام لم يكن صادقاً فيه، وإلاّ لكان كاذباً فيه فيجتمع النقيضان ; ولم يكن كاذباً، وإلاّ لكان بعض أفراده صادقاً وليس إلاّ هذا الفرد ; وكذا لوكانت جميع إخباراته كاذبة وقال: «كلّ كلامي كذب» لم يكن كذباً، وإلاّ لصدق في بعضها، والفرض خلافه ; ولا صدقاً، لأنّه من جملة إخباراته.
والجواب من حيث الإجمال ومن حيث التفصيل:
أمّا الإجمال فإنّ التعريف قد يكون للماهية وقد يكون للاسم، وتعريف الخبر بالمعنى الثاني وهو انّما يتم لو قلنا: إنّه ضروري.
وأمّا التفصيل فالجواب عن الأوّل: أنّ النوع تتوقّف معرفته على معرفة الجنس، إذا كانت معرفته تامّة أمّا الناقصة فلا.
وعن الثاني: أنّ الموضوع خارج عن ماهية العرض الذاتي، فيكون التعريف به رسماً لا حدّاً، والرسوم لا تنحصر في شيء بعينه .
وأجاب قاضي القضاة 1 بأنّ الخبر معلوم لنا، وما ذكرناه لم يقصد به تعريف الخبر، بل تمييزه عن غيره من أساليب الكلام، فإذا عرفنا الصدق والكذب بالخبر فلا دور .
واعترض بأنّه إذا كان تمييز الخبر عن غيره إنّما يكون بالنظر إلى الصدق والكذب فتمييز الصّدق والكذب بالخبر دور، بل لو قيل: إنّ الصدق والكذب وان كان داخلاً في حدّ الخبر ومميزاً له فلا نسلّم انّ الصدق

1 . نقله عنه مع اعتراضه الآمدي في الإحكام: 2 / 14 .

صفحه 290
والكذب مفتقر في معرفته إلى الخبر، بل الصّدق والكذب معلوم بالضّرورة لكان أولى .
وفيه نظر، لأنّ تمييز الخبر بالصّدق والكذب وتعريف حقيقة الصّدق والكذب بالخبر لا يقتضي الدور، واحتياج الخبر إلى المعرّف يستلزم احتياج الصدق والكذب اللّذين هما نوع منه إليه.
وعن الثالث: أنّ المراد قبوله لأحدهما فلا شك.
وعن الرابع: ليس المراد من دخول الكذب فيه الدخول فعلاً، بل القبول وهو ثابت في كلّ خبر باعتبار النسبة الحكمية لا من حيث صدوره عن صادق وغيره، فخبر الله تعالى من حيث إنّه خبر لا بالنظر إلى المخبر محتمل للأمرين، وهو لا ينافي امتناع دخول الكذب فيه بالنظر إلى المخبر لاختلاف الاعتبار، ولأنّ خبر الله تعالى صدق فقد قبل أحدهما.
وعن الخامس: قال أبو علي الجبّائي 1: إنّه كاذب، لأنّه يفيد صدق أحدهما في حال صدق الآخر، فكأنّه قال: أحدهما صادق من حيث صدق الآخر .
وليس بجيّد، لأنّ النسبة لا تستلزم المصاحبة. نعم هو كاذب باعتبار أنّه أضاف الصدق إليهما وهو كاذب .
وقال أبو هاشم 2: إنّه كخبرين أحدهما إضافة الصدق إلى

1 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 2 / 13.
2 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 2 / 13.

صفحه 291
الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والآخر إضافته إلى مسيلمة، والخبران لا يوصفان بالصدق ولا الكذب فكذا هنا، وإنّما يوصف بالصّدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر .
وليس بجيّد، بل هما خبران في الحقيقة، وكلّ واحد منهما يوصف بالصدق أو الكذب لكن أحدهما صدق قطعاً والآخر كذب قطعاً .
وقال القاضي عبد الجبار1: المراد من قولنا ما دخله الصدق والكذب أنّ اللّغة لا تحرّم أن يقال للمتكلّم قد صدقت أو كذبت .
واعترض بأنّ حاصله يرجع إلى التصديق والتكذيب، وهو غير الصدق والكذب في نفس الخبر. فإنّ أهل اللغة انّما يسوّغون ذلك فيما كان كاذباً في نفس الأمر وصادقاً، وليس كذلك فيما نحن فيه، فإنّ قول القائل هذا صدق يتضمّن تصديقه في إضافة الصّدق إلى مسيلمة، وذلك مع فرض عدم صدقه فيمتنع .
وليس بجيّد، فإنّه محتمل لأحدهما من حيث إنّه خبر ويتّصف بها في نفس الأمر وفي قول القائل .
وقال أبو عبد الله البصري (2): إنّه كذب، لأنّه أفاد إضافة الصدق إليهما مع عدم إضافته إليهما. وهو الذي اخترناه في الجواب أوّلاً .
واعترض بأنّه إذا كان كاذباً لا يدخله الصدق، وقيل: الخبر ما يدخله الصدق والكذب .

1 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 2 / 13.   2 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 2 / 13.

صفحه 292
وليس بجيّد فإنّا لا نريد إضافة الأمرين معاً في كلّ خبر، بل أحدهما.
وعن السادس: انّ الصّدق والكذب إنّما يعرضان لخبر مغاير للمخبر عنه حتى يتصور فيه المطابقة فيحكم بصدقه، وعدمها عدم الملكة فيحكم بكذبه، وهنا اتحدا فلا يدخله الصدق والكذب.
وقيل في الحدّ الخبر ما يحتمل التصديق والتكذيب، أو أنّه ما يقال لقائله: إنّه صادق أو كاذب .
واعترض 1 بأنّ التصديق والتكذيب عبارة عن الإخبار عن كون الخبر صدقاً أو كذباً، فقولنا: الخبر ما يدخله التصديق والتكذيب جار مجرى أن يقال: الخبر هو الذي يجوز الإخبار عنه انّه صدق أو كذب، فيكون تعريفاً للخبر بالخبر، وبالصدق والكذب .
والأوّل تعريف الشيء بنفسه، والثاني بما لا يعرف إلاّ به .
وقال أبو الحسين 2: الخبر كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الأُمور إلى أمر من الأُمور إثباتاً أونفياً. واحترز «بنفسه» عن الأمر، فإنّه يفيد وجوب الفعل لا بنفسه، لأنّ ماهية الأمر استدعاء الفعل، والصيغة لا تفيد إلاّ هذا القدر. ثمّ إنّها تفيد كون الفعل واجباً تبعاً لذلك، وكذا القول في دلالة النهي على قبح الفعل ; فأمّا قولنا: هذا الفعل واجب أو قبيح، فإنّه يفيد بصريحه تعلّق الوجوب والقبح بالفعل .

1 . المعترض هو الرازي في المحصول: 1 / 103.
2 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 75 .

صفحه 293
واعترض عليه بوجوه 1:
الأوّل: الوجود عنده نفس الماهية، فإذا قلنا: السواد موجود كان خبراً، مع أنّه لا يفيد إضافة شيء إلى شيء آخر .
لا يقال: السؤال يلزم لو قلنا إلى أمر آخر ونحن قلنا إلى أمر، وهو أعمّ من أن يكون آخر ونفسه، ولأنّ معنى السواد موجود، المسمّى بلفظ السواد مسمّى بلفظ الموجود .
لأنّا نقول: الإضافة مشعرة بالتغاير، ولولا اعتباره لدخل اللفظ المفرد في الخبر .
والإلزام ليس في الإخبار عن التسمية، بل عن وجوده وحصوله في نفسه ومعلوم أنّ من عرف ماهية المثلث أمكنه الشك في وجوده .
وفيه نظر بمنع كونه خبراً إن جعلناهما لمعنى واحد، لتنزّله منزلة الإنسان بشر إلاّ أن يعني التسمية.
الثاني: إذا قلنا الحيوان الناطق يمشي، اقتضى نسبة الناطق إلى الحيوان، مع أنّه ليس بخبر للفرق الضروري بين الخبر والوصف .
لا يقال: لو زيد في الحدّ بحيث يتمّ معه الكلام فيخرج النعت .
لأنّا نقول: إن عنيت بتمام الكلام إفادته لمفهومه دخل النعت لإفادة قولنا الحيوان الناطق لمعناه بتمامه، وإن عنيت إفادته لتمام الخبر توقفت على معرفة الخبر فيدور .

1 . ذكرها الرازي في المحصول: 1 / 101 ـ 102، المسألة الثانية.

صفحه 294
وفيه نظر، لأنّ المراد من الإضافة نسبة الإثبات أو النفي واعترض بإرادة صحّة السكوت عليه.
الثالث: أنّه تعريف دوري، لأنّ النفي الإخبار عن عدم الشيء، والإثبات الإخبار بوجوده.

البحث الرابع: في أنّه هل يشترط في الخبرية الإرادة؟

قال السيّد المرتضى 1 وأبو الحسين 2: لابدّ في الخبر من الإرادة على معنى أنّ الصّيغة تكون خبراً مستعملة في فائدتها بشرط الإرادة ولا تشترط الإرادة في كون الخبر على صيغة الخبر .
واحتجّا بأنّ هذه الصيغة قد تصدر عن الساهي والحاكي والمتجوّز بها عن الأمر، كقوله تعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) و إذا كانت صالحة للخبرية وغيرها لم ينصرف إلى أحد الأمرين دون الآخر، إلاّ لمرجّح وهو الإرادة والدّاعي .
وخالف فيه الأشاعرة، وقد تقدّم مثله في باب الأمر .
وأيضاً قال الجبائيان: إنّ لصيغة الخبر حال كونها خبراً صفة معلّلة بتلك الإرادة .
في مدلول الخبر   
وخالف فيه الأشاعرة، فإنّه لا معنى لكون الصّيغة خبراً، إلاّ أنّ المتلفّظ

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 480 وج 1 / 41 ـ 42 .
2 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 73 .

صفحه 295
بها تلفّظ وكان مقصوده تعريف الغير بثبوت المخبر به للمخبر عنه أو سلبه عنه، وقد تقدّم أيضاً في الأمر.

البحث الخامس: في مدلول الخبر

إذا قلنا: «العالم حادث» كان مدلوله الحكم بثبوت الحدوث للعالم لا نفس ثبوت الحدوث للعالم، وإلاّ لكان حيث وجد قولنا: «العالم محدث» كان محدثاً، فحيث يوجد الخبر يوجد المخبر عنه، فلا يكون الكذب خبراً.
ولمّا بطل ذلك عرف أنّ مدلول الصيغة هو الحكم بالنسبة، لا نفس النسبة .
قيل: هذا الحكم ليس هو الاعتقاد، فقد يخبر الإنسان عمّا لا يعتقد، كمن يخبر بوجود زيد وهو لا يعتقده ; ولا الإرادة، لأنّ الإخبار قد يكون عن الواجب والممتنع، مع أنّ الإرادة يمتنع تعلّقها بهما، فلم يبق إلاّ أن يكون الحكم الذهني مغايراً لجنس الاعتقادات والقصود، وذلك هو كلام النفس، ولم يقل به إلاّ الأشاعرة .1
وفيه نظر، لمنع الإخبار عمّا لا يعتقده المخبر. نعم توجد صورة الإخبار وصفته، كالسّاهي والحاكي، لا نفس الخبر ثمّ إنّه مخالف للأشعرية، لأنّهم يقولون بمغايرة الكلام النفساني للخبر وغيره من أساليب الكلام.

1 . راجع المحصول: 2 / 106، المسألة الرابعة.

صفحه 296
في أقسام الخبر   
 
البحث السادس: في أقسامه
اعلم أنّ الخبر ينقسم ثلاثة أنواع:
الأوّل: انقسامه إلى الصدق والكذب.
الثاني: إلى التواتر والآحاد.
الثالث: إلى ما يعلم صدقه، وما يعلم كذبه، وما يجهل فيه الأمران. وهذه متداخلة .
وقد أطبق المحقّقون كافّة على أنّ القسمة إلى الصدق والكذب حاصرة وأنّه لا ثالث لهما، لأنّ الخبر إمّا مطابق للمخبر عنه أو لا.
والأوّل الصدق والثاني الكذب. وأثبت الجاحظ 1 واسطة بينهما، لقوله تعالى: (أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)2 ، حصروا دعوى النبوة في الكذب والجنّة، وليس إخباره بالنبوة حالة الجنون كذباً، لأنّهم جعلوها في مقابلة الكذب ; ولا صدقاً لأنّهم لم يعتقدوا صدقه، فتثبت الواسطة وهي حالة الجنّة بين الصدق والكذب .

1 . هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثي، أبو عثمان الشهير بالجاحظ (163 ـ 255 هـ) كبير أئمة الأدب ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، مولده ووفاته في البصرة، فلج في آخر عمره وكان مشوّه الخلقة، ومات والكتاب على صدره، قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه، له تصانيف كثيرة، منها: الحيوان، البيان والتبيين، سحر البيان، البخلاء، وغيرها. الاعلام: 5 / 74 .
2 . سبأ: 8 .

صفحه 297
ولأنّ مَن أخبر عن حصول زيد في الدار عن ظن، ثمّ ظهر البطلان، لم يحكم بكذبه في هذا الخبر ولا يستحق الذم ; وليس صدقاً، لعدم المطابقة.
ولو أخبر عن حصوله في الدار مع اعتقاد أنّه ليس فيها وكان فيها لم يوصف بالصدق، ولا يستحق المدح، وإن كان خبره مطابقاً ; ولا بالكذب للمطابقة .
فعلم أنّ المطابقة وعدمها ليس كافيين في الوصف بالصدق والكذب، بل لابدّ من العلم والقصد .
ولأنّ أكثر العمومات والمطلقات مخصّصة ومقيدة، فلو كان الخبر الذي لا يطابق كذباً تطرّق الكذب إلى كلام الشرع .
ولأنّ بين العلم والجهل المركب واسطة في الاعتقاد وهي اعتقاد المقلد المطابق، فجاز أن يثبت بين الصدق والكذب واسطة في الخبر.
والجواب: الخبر الذي قصد به الإخبار، والمجنون لا قصد له، فصار كالسّاهي والنائم إذا صدر عنهما صيغة الخبر، فإنّه لا يكون خبراً، وحيث لم يعتقدوا صدقه لم يبق إلاّ أن يكون كاذباً أو لا يكون ما أتى به خبراً، وإن كان بصورة الخبر .
وأيضاً فإنّ فيه نظراً، لأنّ الكذب أعمّ من افترائه والافتراء أخصّ من نقيض الصدق الذي هو الكذب، فكأنّ الصورة التي باعتبارها كان أعمّ هي صورة الجنة، ونمنع الكذب في صورة الجنّة، ونمنع الكذب في صورة المخبر عن ظن مع عدم المطابقة وان لم يستحق الذم، وكذا نمنع الصدق مع

صفحه 298
المطابقة وان لم يستحق المدح، وحمل العامّ على الخاصّ والمطلق على المقيدّ وإن لم يكن محمولاً على ظاهره ليس بكذب، لأنّه محمول على مجازه، معدول به عن حقيقته، والمجاز ليس بكذب، وأي ملازمة بين ثبوت الواسطة في الاعتقاد بين العلم والجهل المركّب وبين ثبوتها في الخبر، ولو كان التمثيل كافياً لثبتت الواسطة بين السلب والإيجاب وبين كلّ قسمين أحاطا بطرفي النقيض.
احتجّ الجمهور باتّفاق الأُمّة على تكذيب اليهود والنصارى، مع أنّا نعلم أنّ فيهم من لا يعلم فساد تلك المذاهب .
واعترض 1 بأنّ أدلّة الإسلام لمّا كانت قوية جليّة لاجرم أشبهت حالهم حال مَن يخبر عن الشيء مع العلم بفساده .
والنزاع في هذه المسألة لفظي حيث أطلق بعضهم الكذب على كلّ خبر غير مطابق، وخصّصه آخرون باشتراط الاعتقاد.
   

1 . ذكر الاحتجاج والاعتراض الرازي في المحصول: 2 / 107 .

صفحه 299
 
الفصل الثاني

في المتواتر

وفيه مباحث:

الأوّل: في أنّه يفيد العلم

مقدّمة:

التواتر لغة مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما، قال تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرى)1، أي رسولاً بعد رسول بينهما فترة .
وكذا في الاصطلاح عبارة عن توارد الأخبار على السمع خبراً بعد خبر، لكن بشرط أن يكون تكثّر الأخبار إلى أن يحصل العلم بقولهم .
وقد حدّ بعض الأشاعرة التواتر بأنّه: عن جماعة بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم. وهو غلط، فإنّ التواتر ليس هو الجماعة.
إذا عرفت هذا فنقول: ذهب أكثر الناس إلى أنّه يفيد العلم، سواء كان

1 . المؤمنون: 44 .

صفحه 300
خبراً عن أُمور موجودة في زماننا، كالإخبار عن البلدان النائية ; أو عن أُمور ماضية، كالإخبار عن وجود الأنبياء والملوك الماضين .
وأنكره السُّمَّنيَّة 1 والبراهمة وقالوا: إنّه يفيد الظنّ .
ومنهم مَن يسلم إفادته العلم لو كان عن أُمور موجودة في زماننا لا في الأُمور السالفة .
لنا 2: انّا نجد أنفسنا جازمة بوجود البلاد النائية والأُمم الخالية والأنبياء والملوك الماضية جزماً ضرورياً جارياً مجرى جزمنا بالمشاهدات، فالمنكر لها مكابر .
فإن قيل: الظنّ لا شك في وجوده أمّا العلم فلا، لكن الظنّ إذا كان قوياً اشتبه بالعلم، وهو هنا كذلك لا أنّه معلوم .
في أنّ الخبر يفيد العلم   
أمّا أوّلاً، فلأنّه فرع تصوّر إجماع الخلق الكثير على الإخبار بشيء واحد، وهو ممنوع لاختلافهم في الأمزجة والأخلاق والآراء والأغراض وقصد الصدق والكذب، وكما لا يتصوّر اتّفاق الخلق الكثير على أكل طعام واحد معيّن واتّفاق أهل بلد على محبة الخير أو الشر، كذا لا يتصوّر اتّفاقهم على الصدق .
وأمّا ثانياً، فلأنّ كلّ واحد يجوز عليه الكذب حالة الانفراد فكذا حالة

1 . السمنية: قوم من أهل الهند دهريون، من عبدة الأصنام، تقول بالتناسخ، وتنكر وقوع العلم بالإخبار. لسان العرب: 13 / 22، مادة «سمن».
2 . وهو قول الرازي أيضاً في المحصول: 2 / 108، الباب الأوّل، المسألة الثانية.

صفحه 301
الاجتماع، وإلاّ انقلب الجائز ممتنعاً، وإذا جاز الكذب على كلّ واحد حالة الاجتماع، والجملة عبارة عن الآحاد مجتمعة، جاز الكذب عليها فلا نعلم صدقهم .
وأيضاً هذا العلم يمتنع أن يكون يقيناً لوجوه:
الأوّل: أنّه يجوز أن يخبرنا جماعة مثلهم بنقيض خبرهم، مثلاً يخبر جماعة لا يجوز تواطؤهم على الكذب بوجود زيد ويخبرنا مثلهم بموته، ويستحيل حصول العلم بالنقيضين وعدم الأولوية في أحدهما.
الثاني: لو أفاد خبر الجماعة العلم يحصل العلم بما ينقله اليهود عن موسى (عليه السلام) والنصارى عن عيسى (عليه السلام) من الأُمور المكذّبة لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا علمناه بالتواتر ويستحيل تناقض العلوم .
الثالث: لو حصل العلم الضروري بخبر المتواتر لما خالف في نبوة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)أحد، لأنّ عاقلاً لا يخالف ما يعلم ولا يعاند في اعتقاده.
الرابع: لو كان معلوماً لما وقع الفرق بين علمنا بوجود جالينوس1

1 . جالينوس: هو أشهر الأطباء اليونانيين القدماء بعد أبقراط، وكان أيضاً من الحكماء في الدولة القيصرية، وقد ولد ونشأ بفرغامس (وهي مدينة من مدن آسيا شرقي القسطنطينية) وهم روم أغريقيون. وكان أسمر اللون حسن التخاطيط، عريض الأكتاف، واسع الراحتيّن ، طويل الأصابع، حسن الشعر، معتدل المشية، ضاحك السن، كثير الهزل، كثير الأشعار، نقي الثياب، مداخلاً للملوك والرؤساء من غير أن يتقيد في خدمة أحد. له تصانيف كثيرة، منها: كتاب الفصل، العصب، العروق، وكتاب المزاج، وغيرها كثير. انظر دائرة معارف القرن العشرين: 3 / 3 .

صفحه 302
وإقليدس 1، وبين علمنا بأنّ الواحد نصف الاثنين، وانّه لا واسطة بين النفي والإثبات، لكن التفاوت معلوم وإنّما يحصل لو تطرق احتمال إلى الاعتقاد الثاني، وقيام الاحتمال فيه كيف كان يخرجه عن كونه يقيناً.
الخامس: الجزم بوجود مقتضى الخبر ليس أقوى من الجزم بأنّ ما شاهدناه ثانياً هو الذي شاهدناه بالأمس مع أنّه ليس بقطعي، لجواز أن يخلق الله تعالى مثله من كلّ وجه، وهذا التجويز ثابت عند المسلمين والفلاسفة .
لا يقال: تجويز كونه مغايراً لما شهدته بالأمس يؤدي إلى الشكّ في المشاهدات، والله تعالى وإن كان قادراً، لكن يمتنع منه تعالى لإفضائه إلى التلبيس .
لأنّا نقول: لا نسلّم كون تجويزه يفضي إلى الشك في المشاهدات، فإنّ المشاهد هو وجود هذان، أمّا أنّ هذا هو ذلك فليس بمشاهد لكن حكم من النفس يقع فيه الخطاء، ولا يلزم من الشكّ فيه الشك في المشاهد .
ودليل الامتناع لا يدفع الإلزام، لأنّ هذا الجزم إن كان بناء على ذلك البرهان كان الجاهل بالبرهان جاهلاً بذلك الجزم، والعوام لا يعرفون هذا الدّليل، فكان يجب أن لا يحصل لهم ذلك الجزم.
السادس: لو كان العلم الضروري حاصلاً من خبر التواتر لم يخالف

1 . إقليدس بن نوقطرس بن بزنيقس فيلسوف يوناني، من علماء الرياضيات في القرن الثالث قبل الميلاد، مظهر الهندسة والمبرز فيها ومدرّسها في الاسكندرية على أيام بطليموس الأوّل. فهرست ابن النديم: 325، المنجد «قسم الأعلام»: 57 .

صفحه 303
فيه أحد، لأنّ الضروريات لا يخالف فيها .
والجواب من حيث الإجمال، ومن حيث التفصيل .
أمّا من حيث الإجمال: فهو أنّ ذلك تشكيك في مقابلة الضروري، فلا يسمع كشبه السوفسطائية .1
وأمّا من حيث التفصيل: فلو جوّزنا مساواته للظنّ لتطرق في كلّ ضروري ذلك، واجتماع الخلق الكثير على الإخبار بمحسوس ليس بمحال، لجواز وقوعه بينهم بخلاف اجتماعهم على أكل شيء معين. وجواز الكذب على كلّ واحد لا يستلزم جوازه على المجموع من حيث هو مجموع، والمجموع وإن كان هو الآحاد لكن لا كلّ واحد، ولا يمكن اجتماع الخلق الكثير على الإخبار بما يناقض ما أخبر به الخلق الكثير إذاكان كلّ منهما مفيداً للعلم، ففرضه محال .
وتواتر اليهود انقطع في قضية بخت نصر 2، والنصارى لا تواتر لهم في المبدأ لقلّتهم جدّاً .

1 . السوفسطائية وهم طائفة من اليونان عرفوا بالحكمة المموهة وتعني المغالطة وجحد العلوم، وبالعربية: التناقضية، يقولون: لا علم ومعلوم، واحتجّوا باختلاف الناس وانتصاف بعضهم من بعض. انظر تلبيس ابليس: 49 ـ 51 ; تاريخ اليعقوبي: 1 / 148 .
2 . بخت نصر ـ بالتشديد ـ ملك بابل (605 ـ 562 ق. م) احتلّ فلسطين وخرب اورشليم وسبى اليهود 586 ق. م وأحرق التوراة وقتل منهم مقتلة عظيمة. بخت نصر يعني ابن الصنم لأنّه وجد عند صنم ولم يعرف له أب فنسب إليه ويعرف بنبوخذ نصّر. راجع المنجد قسم الاعلام: 706 ; تاج العروس: 7 / 529، مادة «نصر» .

صفحه 304
والضروريات المحسوسة أو التي هي مبدأ الإحساس لا يجب اشتراك الناس فيها، والتواتر يفيد العلم في الأُمور المحسوسة لا في النبوة المستفادة بالبحث والنظر، ونمنع التفاوت.
سلّمنا، لكن لا ينافي العلم الضروري فإنّ الضروريات متفاوتة، والضرورة باتحاد ما شاهدناه ثانياً مع ما شاهدنا أوّلاً ضروري لا يقبل الشك، والتجويز بالنسبة إلى القدرة لا ينافي عدمه بالنسبة إلى الاعتقاد، على أنّ جماعة قالوا العلم العادي قاصر عن الضروري. والخلاف من المكابر لا يرفع الحكم الضروري، كخلاف السوفسطائيّة.
في أنّ العلم المستفاد منه ضروري   

البحث الثاني: في أنّ العلم المستفاد منه ضروري

أكثر العقلاء على ذلك. وقال أبو الحسين البصري 1 وأبو القاسم البلخي من المعتزلة والجويني والغزالي 2 والدقّاق من الأشاعرة: إنّه كسبي. وتوقّف المرتضى 3 فيها .
لنا وجوه:
الأوّل : لو كان نظرياً لما حصل إلاّ لمن كان من أهل النظر والتأمّل والبحث، والتالي باطل فإنّه حاصل للصّبيان والبله، فيكون ضرورياً .

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 81 .
2 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 81 .
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 485 .

صفحه 305
اعترض 1 أبو الحسين والمرتضى بشيء واحد وهو: أنّ الدليل ليس إلاّ ترتيب العلوم بأحوال المخبرين، وهذا أمر حاصل للعامّة والمراهقين بحصول علوم كثيرة لهم، وهم قادرون على استنتاج علوم أُخر من تركيبها اذا كانت مقدّماتها قريبة من الطبع، وإن عجزوا عن المسائل الغامضة كحدوث العالم ووجود الصانع والاستدلال على صفاته، وسيأتي بيان غموض الدليل لو كان.
الثاني: كلّ عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة وبغداد والبلاد النائية عند تواتر الأخبار عليه، مع أنّه لا يجد من نفسه سابقة فكر ونظر فيما يناسبه من العلوم المتقدّمة عليه ولا في ترتيبها المفضي إليه ، ولو كان نظرياً لتوقّف على المقدّمات وترتيبها.
الثالث: العلم بخبر المتواتر لا ينتفي بالشبهة، وهذه هي أمارة الضرورة.
الرابع: لو كان نظرياً لأمكن الإضراب عنه كما في سائر النظريات، وحيث لم يمكن ذلك دلّ على كونه ضرورياً.
الخامس: لو كان نظرياً لوقع فيه الخلاف بين العقلاء كغيره، وحيث لم يقع كان ضرورياً .
احتجّ القائلون بأنّه نظري بوجوه 2:

1 . ذكر الوجه الأوّل والاعتراض عليه والجواب عنه الرازي في المحصول: 2 / 110، المسألة 3 .
2 . ذكر هذه الوجوه والأجوبة عنها الآمدي في الإحكام: 2 / 32 .

صفحه 306
الأوّل: لوكان ضرورياً لما اختلف فيه العقلاء كغيره من الضروريات.
الثاني: خبر المتواتر لا يزيد في القوة على خبر الله تعالى وخبر رسوله، بل هو مماثل أوأدنى، والعلم بخبر الله ورسوله نظري، فالمماثل الأدنى أولى.
الثالث: استدلّ أبو الحسين بأنّ الاستدلال ترتيب علوم ليتوصل به إلى آخر، فكلّ ما توقّف وجوده على ترتيب فهو نظري، والعلم الواقع بخبر المتواتر كذلك فكان نظرياً .
وبيانه أنّه إنّما يعلم عقيب الخبر لو علمنا أنّ المخبر لم يخبر عن رأيه، بل عن أمر محسوس لا لبس فيه وأنّه لا داعي له إلى الكذب، فعلم أنّه لا يكون كذباً فيكون صدقاً، ومهما اختلّ شيء من هذه الأُمور لم يعلم صحّة الخبر، وهذا هو معنى النظري .
والجواب عن الأوّل: بالمنع من الملازمة، فإنّ كثيراً من الضروريات قد اختلف العقلاء فيها إمّا لقصور فهمهم عن تصوّراتها، أو لعدم أسبابها عندهم كالأعمى والأخرس.
وعن الثاني: بالمنع، فإنّ خبر الله تعالى ورسوله متوقّف على العلم بهما، وهو نظري، فكذلك كان ما يتوقّف عليه نظرياً.
وعن الثالث: أنّ كلّ ضروريّ يمكن فرض مثل هذا التوسط فيه وهذا الترتيب.
في احتجاج مَن ادّعى الاكتساب   

صفحه 307
 
البحث الثالث: في احتجاج مَن ادّعى الاكتساب
احتجّ أبو الحسين 1 على أنّ خبر التواتر صدق بأنّه لو كان كذباً لكان المخبرون إمّا أن يخبروا مع علمهم بكونه كذباً، أو لا معه. والتالي بقسميه باطل، فالمقدّم مثله، وإذا بطل كونه كذباً وجب أن يكون صدقاً، فكان مفيداً.
أمّا بطلان الأوّل، فلأنّهم إن قصدوا الكذب لا لغرض ومرجّح لزم حصول الفعل عن القادر مع ثبوت الصارف، وهو الكذب الّذي هو قبح، وجهة القبح صارفة، وانتفاء الدّاعي فرضاً، وهو محال .
وإن قصدوه لغرض، فإمّا نفس كونه كذباً، وهو محال، لأنّه جهة صرف لادعاء ; وإمّا غيره، فإمّا أن يكون دينياً أو دنيوياً .
وعلى التقديرين فإمّا أن يكون رغبة أو رهبة .
وعلى التقديرات فإمّا أن يقال كلّهم كذبوا لداع واحد من هذه الأقسام، أو يختلفون فيه .
وعلى كلّ التقديرات فإمّا أن تحصل تلك الدواعي بالمشافهة، أو بالتراسل. والأقسام كلّها باطلة .
أمّا انتفاء داعية الدين فلأنّ قبح الكذب متّفق عليه بين الأديان، سواء كان ذلك عقلياً أو شرعياً، فكان صارفاً دينياً لا داعياً دينياً.

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 86 ـ 88 .

صفحه 308
وأمّا الرغبة الدنيوية فإمّا رجاء عوض على الكذب، وهو باطل، لأنّ بعض الناس لا يرضى على الكذب العوض الكبير وإن احتاج، أو لأجل أن يسمع غيره شيئاً غريباً وإن لم يكن له أصل، والأكثر لا يرضى لنفسه ذلك.
وأمّا الرهبة فإنّما تكون من السّلطان، ويتعذّر عليه جمع الخلق العظيم على الكذب، فإنّا نشاهد عجزه عن ذلك في أهل بلد واحد لعدم علمه بكلّ واحد فلا يجعله مضطراً إلى الكذب. ولأنّ السلطان كثيراً ما يخوِّف الرّعية عن التحدّث بشيء ثمّ يظهر منهم آخر الأمر .
ولأنّا نعلم في كثير من الأُمور انتفاء غرض السّلطان في الحمل على الكذب. ولا يجوز أن يقال: الجماعة الكثيرة كذب بعضهم للرغبة وبعضهم للرهبة وبعضهم للتديّن، لأنّ كلامنا في جماعة عظيمة أبعاضها جماعات عظيمة يمتنع تساوي أحوالها في قوة هذه الدواعي .
وأمّا بطلان كذبهم لا مع العلم بالكذب، فلأنّه غير ممكن إلاّ مع الاشتباه، ولا يمكن وقوع الاشتباه في الضروريات، وشرط التواتر استناده إلى ضروري محسوس، هذا إن أخبرونا عن المشاهدة.
وإن أخبرونا عن جماعة أخبروهم عن المحسوس، أو عن جماعة أُخرى أيضاً، فإنّه لا يحصل العلم إلاّ بعد اتّصاف الوسائط والطرفين بشرائط التواتر .
وإنّما يعلم بأن يخبرنا أهل التواتر أنّ أُولئك الماضين كانوا جامعين للشرائط .

صفحه 309
وأنّ كلّ ما ظهر بعدخفاء، وَقَويَ بعد ضعف فلابدّ وأن يشتهر بين الناس حدوثه ووقت حدوثه، كما اشتهرت مقالة الكرّامية والجهميةوحدوثها ووقت حدوثها، ولمّا لم يظهر شيء من ذلك عرف أنّ الأمر كذلك في كلّ الأزمنة .
وهذا على طوله لا يفيد اليقين لوجوه:
الأوّل: التقسيم إنّما يكون قطعياً لو اشتمل على طرفي النقيض وبطلان ماعدا المطلوب، وهذه التقسيمات ليست كذلك.
الثاني: يجوز أن يكذبوا لا لغرض ولا يفتقر الفعل إلى المرجّح وإلاّ لزم الجبر، لأنّ قدرة العبد صالحة للضدين وإلاّ لزم الجبر ; فإن افتقر في ترجيح أحدهما إلى مرجّح، فإن كان من العبد تسلسل، وإن كان منه تعالى فإن وجب ترتّب أثره عليه لزم الجبر، وإلاّ كان اختصاص وقت الترتّب دون الآخر إن كان لمزية اختصّ بها ذلك الوقت، فقبلها لم يكن المرجّح التام حاصلاً، وقد فرضناه حاصلاً، هذا خلف.
ثمّ ينقل الكلام إلى تلك المزية، إمّا أن يكون من فعله تعالى أو من فعل العبد. وإن لم يكن لمزية تساوت الأوقات، فالترجيح في بعضها يكون ترجيحاً لأحد طرفي الممكن لا لمرجح، وهو محال .
فظهر أنّ العبد إن لم يحصل له مرجّح من الغير امتنع أن يكون فاعلاً، ومع المرجّح من الغير يجب فعله، وهو عين الجبر .
سلّمنا انّ بتقدير حصول المرجّح من الغير لا يجب ترتّب الأثر عليه

صفحه 310
لكن الإشكال باق، لأنّ حصول مرجّح الوجود إذا جاز أن لا يوجد كان العدم واقعاً لا عن مرجّح، لأنّ عند حصول مرجّح الوجود يستحيل حصول مرجّح العدم، فعند حصول مرجّح الوجود لو حصل العدم لكان لا عن مرجّح، وإذا جاز ذلك بطل قولك: الفعل لا يقع إلاّ عن الداعي، فجاز من أهل التواتر أن يكذبوا لا لداع .
وفيه نظر، لما تقدّم مراراً من أنّ الوجوب المستند إلى الداعي لا ينافي القدرة.
الثالث: عند حصول الصارف إن وجب الترك لزم الجبر، وإلاّ جاز الكذب عند الصارف .
وفيه نظر، لعدم الجبر والوجوب بالنظر إلى الدّاعي .
الرابع: سلّمنا وجود الصارف لكن يجوز وجود شهوة متعلّقة بالكذب لكونه كذباً فيقدّم عليه لا لغرض سواه.
لا يقال: يستحيل أن يشتهي العاقل الكذب بمجرد كونه كذباً، ولو جاز في الواحد والاثنين لم يجز في الخلق الكثير كما جاز في الواحد أكل طعام معين في وقت بعينه ويمتنع اجتماع الخلق كلّهم عليه.
لأنّا نقول: يمتنع امتناع ذلك، فإنا نرى جماعة اعتادوا الكذب ولا يصبرون عنه وهم يعلمون ضرره عاجلاً وآجلاً، واجتماع الخلق العظيم على أكل طعام معيّن وإن كان مظنون العدم لكنّه ليس معلومه، كيف وانّه جائز على كلّ واحد؟ وجوازه على كلّ واحد لا يمنع صدوره عن الباقين،

صفحه 311
فيكون صدوره عن الكلّ كصدوره عن كلّ واحد، ومع هذه الحجّة القطعية كيف يُدّعى الامتناع منه ؟
وفيه نظر، لأنّ الجواز هنا كالجواز في العلوم العادّية، وكما أنّ ذلك الجواز لا ينافي القطع بالعدم كذا هنا.
الخامس: لا نسلّم الحصر في الغرض الديني والدنيوي والرغبة والرهبة .
وفيه نظر، فإنّ الغرض ثابت بين ما يتعلّق بمصالح الدنيا وبين ما يتعلّق بمصالح الآخرة، وذلك الغرض إمّا جلب نفع أو دفع ضرر.
السادس: سلّمنا لكن جاز أن يكون لمصلحة دينية، ونمنع اتّفاق الناس على تحريمه، فإنّ منهم مَن اعتقد جوازه، بل وجوبه إذا أفضى إلى مصلحة في الدين والدنيا، ولهذا فإنّ كثيراً من الزهاد وضعوا أشياءً كثيرة من الأحاديث في فضائل الأوقات لغرض حمل الناس على العبادات، فلعلّهم اتّفقوا على الكذب لما اعتقدوا فيه مصلحة دينية.
السابع: جاز أن يكون لرغبة دنيوية ولا ينحصر في أخذ المال وإسماع الغير كلاماً غريباً ومع الحصر نمنع فسادهما، ونمنع القطع بامتناع اشتراك الخلق العظيم في الرغبة إلى أحدهما، فإن حصل اعتقاد فظني فإنّه إذا جاز في العشرة والمائة جاز في الكلّ، لأنّ ثبوت الحكم للبعض لا يمنع من ثبوته للباقي ; فإنّا نعلم لو أنّ أهل بلد علموا أنّ سائر البلاد لو عرّفوهم ما في بلدهم من الوباء العامّ لامتنعوا من المضيّ إليهم فتختل معيشتهم، فإنّه يجوز

صفحه 312
حينئذ تطابق أهل البلدة على الكذب وإن كثروا جداً، فقد اتّفق الخلق العظيم على الكذب للرغبة.
الثامن: جاز تطابقهم للرهبة، ونمنع ادّعاء اليقين في عدم تمكّن السلطان من ذلك.
لا يقال: أخذ العلم الضروري بذلك من غير دلالة.
لأنّا نقول: هذا الاعتقاد ليس أقوى من اعتقاد وجود محمد وموسى وعيسى(عليهم السلام)فادّعوا الضرورة في ذلك.
التاسع: يجوز اختلاف دواعيهم فبعضهم للرغبة وبعضهم للرهبة وبعضهم بالمشافهة وبعضهم بالتراسل، وليس من شرط التواتر أن يكون أبعاض عدده بالغين حد التواتر، وإلاّ لزم اشتراط ذلك في أبعاض الأبعاض ويتسلسل .
يجوز أن يكذبوا سهواً للاشتباه، وهو جائز في المحسوسات عقلاًونقلاً .
أمّا عقلاً، فلأنّه تعالى قادر على خلق مثل زيد في شكله وتخطيطه فينتفي الاعتماد على التواتر، لجواز أن يشاهدوا مثل زيد فيخبروا بوجود زيد فإنّ الأجسام المعدنية والنباتية متشابهة بحيث يعسر التمييز بينهما، فيجوز في الأشخاص مثله ] وإن كان نادراً [، والندرة لا تمنع الاحتمال .
ولأنّ غلط الناظر أمر مشهور، فإنّ الإنسان قد يشاهد المتحرك ساكناً وبالعكس، وهو يقتضي اللبس في الحسيّات .

صفحه 313
وأمّا نقلاً، فإنّ المسيح شُبّه بغيره، وجبرئيل(عليه السلام) جاء إلى النَّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة دحية الكلبي، وتشكّلت الملائكة يوم بدر بأشكال بني آدم، وقد يحصل للإنسان عند الخوف الشديد أو الفكر الشديد صور لا تحقّق لها في الخارج، وكلّ ذلك يقتضي الاشتباه.
لا يقال: تشبّه المسيح بغيره كان في زمن عيسى(عليه السلام) وخرق العادة في زمن الأنبياء جائز لا في غيره، ولأنّ المصلوب تتغيّر خلقته وتشكّله فيكون الاشتباه فيه أكثر، والمباشرون لذلك العمل كانوا قليلين يجوز عليهم الكذب عمداً، ولأنّهم نظروا إليه من بعيد وهو مظنة الاشتباه.
لأنّا نقول: جوازه في زمن الأنبياء يقتضي عموم الجواز فينتفي القطع، ولأنّ الكرامات جائزة، ومنعها لا يسمع من أبي الحسين لاعترافه بها; ولأنّ امتناعها ليس بضروري بل ببرهان فقبل العلم به، يبقى التجويز ثابتاً، والعلم بصحّة التواتر متوقّف على صحّة فساد هذا الاحتمال، فمن لا يعرف امتناع الكرامات لا يحصل له العلم بالتواتر .
والتغيير إنّما هو بعد الصلب لا حالته، والاشتباه حصل حال الصلب، إذ لو ميّزوا بين ذلك الشخص وبين المسيح لم يصلبوه .
والذين مارسوا الصلب كانوا قريبين وناظرين إليه، والنصارى تواتروا على أنّه بقي بعد الصلب وقبل الموت مدة طويلة بحيث يراه الجمع العظيم في بياض النهار .
وليس بجيّد، لأنّ القرآن العزيز يدفع ذلك.

صفحه 314
العاشر: سلّمنا حصول العلم عقيب التواتر عن الأُمور الموجودة، لكنّا نمنع الشرائط في الأُمور الماضية، ونمنع إخبار كلّ واحد من الذّين أخبروه باجتماع الشرائط فيمن أخبرهم، أقصى ما يقال: إنّهم أسندوه إلى السماع من أشخاص كثيرة، فإنّ أكثر الفقهاء والنحويين لا يعرفون هذه الدعوى، فكيف يُدّعى عليهم بذلك.
الحادي عشر: نمنع ظهور المقالات الحادثة ووقته، لجواز أن يضع الواحد مقالة ويذكرها لجماعة قليلين، وكلّ منهم يذكره لجماعة أُخرى من غير اسناد إلى القائل الأوّل إلى أن يشتهر ذلك الخبر جداً، مع أنّ واحداً منهم لا يعرف زمان حدوثها، وباعتبار ذلك تحصل الأراجيف بين الناس ; ولأنّ الوقائع الكبار لعظماء الملوك قبل الإسلام وكيفية وقائع الأنبياء السابقين لم تنقل آحاداً، فكيف تواتراً مع أنّها من العظائم .
لا يقال: عدم النقل لتطاول المدة أو لعدم الداعي إلى نقلها.
لأنّا نقول: لابدّ من ضبط طول المدة وقصرها، ولأنّه يلزم أن لا يكون خبر التواتر بوجود نوح وإبراهيم (عليهما السلام) مفيداً للعلم، لأنّه لا يفيد ما لم يثبت استواء الطرفين والواسطة في نقل الرواة، ولا يثبت ذلك إلاّ بأنّه لو كان موضوعاً لاشتهر الواضع وزمان الوضع، فإذا لم يجب ذلك عند تطاول المدة لم يفد ذلك الخبر العلم.
سلّمنا، لكن يعارض بوجوه:
الأوّل: لو أفاد العلم لكان إمّا ضرورياً، وهو باطل، لأنّ الضروري لا

صفحه 315
يلزم من الشكّ في غيره من القضايا الشك فيه ; وهنا يلزم، لأنّا لوجوّزنا كذبهم إما لغرض أو لا له، لم يحصل الجزم بأنّ الأمر كما أخبروا، فلا يكون العلم ضرورياً .
وأمّا نظرياً، وهو باطل، لعدم النظر في حقّ الصبيان والمجانين فكان لا يحصل لهم العلم، لكن اعتقاد العقلاء هنا لا يزيد في القوة على اعتقاد الصبيان والبله، فإذا لم يكن اعتقادهم علماً فكذا العقلاء .
وفيه نظر، فإنّ فرض الشك في سبب الضروري يقتضي الشك فيه، وهنا الشك وقع في سببه.
الثاني: كون التواتر مفيداً للعلم يتوقّف على عدم تطرق اللبس على الحس، لكنّ اللبس ثابت على ما مرّ فلا يفيد التواتر العلم.
الثالث: ان حصل العلم عقيب التواتر مع جواز أن لا يحصل امتنع القطع بحصوله، فلا يمكن القطع بإفادة التواتر العلم، بل جرى حصول العلم عقيب التواتر مجرى حصوله عند صرير الباب وسماع صوت الغراب .
وإن حصل مع وجوبه فالمستلزم ليس قول كلّ واحد للعلم الضروري بأنّ قول الواحد لا يفيد العلم، ولأنّ قول كلّ واحد إذا استقلّ بالاستلزام فإن حصلت دفعة اجتمع على الأثر الواحد مؤثرات كثيرة، وهو محال ; وإن تعاقبت فإن حصل بالسابق امتنع حصوله باللاحق لامتناع تحصيل الحاصل ومثله فيخلو اللاحق عن التأثير، فالعلة القطعية منفكة عن معلولها، وهو محال .

صفحه 316
ولا قول المجموع، لأنّ قول كلّ واحد إن بقي عند الاجتماع كما كان عند الانفراد ولم يحدث زائد عند الاجتماع ، فكما لم يكن الاستلزام حاصلاً عند الانفراد لم يحصل عند الاجتماع.
وإن حصل زائد إمّا بالزوال أو الحدوث فالمقتضي له إن كان كلّ واحد عاد المحذور، وإلاّ تسلسل .
ولأنّ المستلزمية نقيض اللامستلزمية الّتي هي عدمي، فالمستلزمية ثبوتية، فلو كانت صفة للمجموع لزم حصول الصفة الواحدة في الأشياء الكثيرة، وهو محال .
ولأنّ التواتر غالباً إنّما يكون بورود خبر عقيب آخر، فعند حصول كلّ واحد يكون الباقي معدوماً فلا وجود للمجموع في زمان البينة، فيستحيل أن يكون المؤثر المجموع، لأنّ إيجاد الغير موقوف على وجود المؤثر .
ولأنّ المشهور أنّ كلّ واحد لمّا لم يكن مؤثراً وجب أن لا يكون الكلّ كذلك، كما أنّ كلّ واحد من الزنج لما لم يكن أبيضَ استحال أن يكون الكلّ أبيض .
وفيه نظر، فإنّ المجموعية حاصلة بالضّرورة مع عود التقسيم فيها.
الرابع: المستلزم للعلم إمّا آحاد حروف الخبر وهو باطل قطعاً، أو المجموع، ولا وجود له فلا يستلزم شيئاً ولا الحرف الأخير بشرط وجود سائر الحروف قبله أو بشرط مسبوقية الحرف الأخير بسائر الحروف، لأنّ الشرط لابدّ من حصوله حال حصول المشروط، والحروف السابقة غير

صفحه 317
موجودة حال حصول الحرف الأخير ; ومسبوقية الشيء بغيره ليست صفة، وإلاّ لكانت حادثة، فمسبوقيتها بالغير صفة أُخرى وتسلسل; وإذا كانت المسبوقية عدمية، استحال أن يكون جزء العلة أو شرطها .
وفيه نظر، فإنّ العلم الضروري حاصل عنه تعالى عقيب تواتر الأخبار لحصول العلم بالمحسوس عقيب الإحساس منه تعالى .
واحتجّ منكرو (إفادة التواتر عن الماضي العلم)1 بوقوعه عن أُمور باطلة، كتواتر اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم مع كثرتهم وتفرّقهم في الشرق والغرب في أُمور باطلة عند المسلمين، وهو يقدح في التواتر.
لا يقال: شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة، وهو منتف في
هذه الفرق، لقلّة اليهود في زمن بخت نصر والنصارى في الابتداء وكذا المجوس .
لأنّا نقول: ليس الطّريق إلى استواء الطّرفين والواسطة العقل المحض.
والنقل إن كان من الواحد لم يفد العلم إلاّ أن يكون معصوماً .
أو من الجمع بأنّ يخبر أهل التواتر على كثرتهم أنّهم كانوا كذلك أبداً، لكن كما يدّعي المسلمون ذلك كذا هذه الفرق .
والمركّب من العقل والنقل بأن يقال: لو كان خبرنا موضوعاً لعُرِّفنا أنّ الأمر كذلك. وقد عرفت ضعف ذلك .

1 . ما بين القوسين يعني: كون التواتر عن الأُمور الماضية مفيداً للعلم.

صفحه 318
ثمّ إنّ جميع الفرق يصحّحون تواترهم بهذه الطريقة، فلا أولوية في قبول أحدهم دون الباقين .
ونمنع استيصال بخت نصّر، لأنّهم أُمّة عظيمة يمتنع فيهم ذلك .
ولو لم يكن النصارى في المبدأ قد بلغوا حد التواتر لم يكن شرعه حجة إلى زمان ظهور محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وهذه الأسئلة والمعارضات لا شك في فساد بعضها، لكن ذلك إنّما يكفي في ادّعاء الظنّ القوي لا اليقين التام .
وقول أبي الحسين: «إنّ الاستدلال بخبر التواتر على صدق المخبرين سهل متقرر في العقول حتى الصبيان والبله» ليس بحق، ولا يتمّ مقصوده إلاّ بعد الجواب عن هذه الإشكالات. وإنّما يمكن بعد تدقيق عظيم، وكلّ عاقل يعلم أنّ علمه بوجود مكة ومحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) أظهر من علمه بصحّة هذه الدلالة، وإبطال ما فيها من الأقسام سوى القسم المطلوب، ولا يجوز بناء الواضح على الخفي .
فالحقّ أنّ العلم الحاصل عقيبه ضروري، ولا يحتاج إلى الجواب حينئذ.1
في شرائط التواتر   

1 . بحث الرازي هذه المسألة بصورة موسعة وذكر الوجوه والاعتراض عليها والأجوبة عنها . راجع المحصول: 2 / 111 ـ 127، المسألة 4 .

صفحه 319
 
البحث الرابع: في شرائط التواتر
وفيه مطلبان :

الأوّل: في الشرائط الصحيحة

الضابط في اجتماع الشرائط حصول العلم عقيب الإخبار، فإن حصل عُلم أنّه متواتر، وإلاّ فلا حاجة إلى اعتبار حال المخبرين، بل الواجب أن يعتبر السامع حال نفسه، فإن حصل العلم عُرُف حصول الشرائط فيهم، فنقول :
لو لم يكونوا على هذه الصفة لم يقع العلم بخبرهم، ثمّ الشرائط المتّفق عليها إمّا أن ترجع إلى المخبرين، أو إلى السامعين :
أمّا الأوّل فأربعة:
1. أن ينتهوا في الكثرة إلى حدّ يمتنع تواطؤهم على الكذب.
2. أن يكونوا عالمين بما أخبروا به لا ظانّين.
3. أن يستند علمهم إلى الحسّ لا إلى العقل.
4. استواء الطّرفين والواسطة في هذه الشروط، لأنّ خبر أهل كلّ عصر مستقل بنفسه وكانت هذه الشروط معتبرة .
وأمّا الثاني فأمران:

صفحه 320
1. أن لا يكونوا عالمين بما أخبروا عنه اضطراراً، لاستحالة تحصيل الحاصل، ومثله التقوية في الضروري.
2. قال السيد المرتضى: يجب أن لا يكون السّامع قد سبق بشبهة أو تقليد إلى اعتقاد نفي موجب الخبر، لأنّ العلم الحاصل عقيب التواتر إذا كان بالعادة جاز أن يختلف باختلاف الأحوال، فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك الحكم قبل ذلك، ولا يحصل له إذا اعتقد ذلك.
قال السيّد: وإنّما احتجنا إلى هذا الشرط لئلاّ يقال لنا: أيُّ فرق بين خبر البلدان والأخبار الواردة بمعجزات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) غير القرآن، كحنين الجذع وانشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وأي فرق أيضاً بين الخبر عن البلدان وعن النصّ الجلي على أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي ينقله الإمامية، وإلاّ جاز أن يكون العلم بذلك كلّه ضرورياً.1
لا يقال: يلزمكم أن تجوزوا صدق من أخبر بأنّه لم يعلم بوجود البلدان الكبار والحوادث العظام بالأخبار المتواترة، لأجل شبهة اعتقدها في نفي تلك الأشياء.
لأنّا نقول: لا داعي يدعو العقلاء إلى سبق اعتقاد نفي هذه الأشياء، ولا شبهة في نفيها.2

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 491 .
2 . راجع المحصول: 2 / 127 ـ 128، المسألة 5 .

صفحه 321
 
تذنيب:
يشترط أن يكون المستمع متأهلاً لقبول العلم بما أخبر به، وإن جعلنا العلم الحاصل عن التواتر ضرورياً أمكن كون السّامع عالماً بالاكتساب.

المطلب الثاني: في أُمور ظنّ أنّها شروط

الأوّل: العدد

ظن قوم أنّ لحصول العلم عقيب خبر التواتر يشترط عدد معيّن. وليس بحق، فإنّ العلم هو القاضي بعدد الشهادات دون العكس، فربّ عدد أفاد العلم في قضية أو لشخص ولا يحصل مع مثله في تلك القضية لغير ذلك الشخص، أو في غيرها له .
واختلف هؤلاء فقال بعضهم أقل العدد خمسة .
وجزم القاضي أبو بكر بأنّ قول الأربعة لا يفيد العلم، قال: وأتوقّف في الخمسة.1 لأنّ ما دونها وهو الأربعة بيّنة شرعية يجوز للقاضي عرضها على المزكّين بالإجماع ليحصل عليه الظنّ، ولو كان العلم حاصلاً بقول الأربعة لما كان كذلك، ولأنّه لو حصل العلم بقول أربعة صادقين لوقع بخبر كلّ أربعة صادقين، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

1 . نقلها عنه الرازي في المحصول: 2 / 129، والآمدي في الإحكام: 2 / 38 .

صفحه 322
بيان الشرطية: أنّه لو وقع بقول أربعة، ولا يقع بقول مثلهم مع تساوي الأحوال والقائلين والسامعين في جميع الشروط، لم يمتنع أن تخبرنا قافلة الحاج بوجود مكة فنعرفها، ثمّ يخبروننا بأعيانهم بوجود المدينة ولا نعرفها، ولمّا بطل ذلك، صحّ قولنا .
وأمّا بطلان التالي، فلأنّه لو وقع العلم بخبر كل أربعة إذا كانوا صادقين لكان إذا شهد عند الحاكم أربعة بالزنا، فإن حصل العلم بخبرهم كانوا صادقين واستغنى القاضي عن الاستزكاء، وإن لم يحصل قطع بكذبهم فاستغنى عن الاستزكاء أيضاً، ولمّا لم يكن كذلك، بل أجمعوا على إقامة الحدّ وإن لم يعلم القاضي صدقهم، علمنا أنّ العلم لا يحصل بخبر الأربعة .
اعترض 1 بمنع الملازمة، ولا يلزم من حصول العلم بقول أربعة حصوله بقول كلّ أربعة .
لأنّ العلم عقيب الإخبار من قبله تعالى فجاز أن لا يخلق العلم عند أربعة ويخلقه عند أربعة أُخرى غيرها، ولا يستمر العادة في ذلك على قانون واحد، وإن استمرت في إخبارات الجماعات الكثيرة، كما أنّ التكرار على البيت الواحد ألف مرة سبب الحفظ مطرداً، وتكراره مرتين أو ثلاثاً قد يكون سبب لحفظه وقد لا يكون .
سلّمنا انّ اطّراد العادة في شيء يقتضي اطّرادها في مثله، لكن لا يلزم من حصول العلم عقيب رواية أربعة حصوله عقيب شهادتهم ; فإنّ الشهادة

1 . ذكر الاعتراض والجواب عنه الرازي في المحصول: 2 / 129 ـ 130 .

صفحه 323
وإن كانت خبراً في المعنى لكن لفظها يخالف لفظ الخبر الّذي ليس بشهادة، فجاز أن يجري الله تعالى العادة بخلق العلم عقيب الخبر دون عقيب الشهادة.
سلّمنا: عدم تأثير الفرق بين لفظ الشهادة ولفظ الخبر الذي ليس بشهادة، لكن جاز أن يقال: لمّا كان من شرط الشهادة اجتماع المخبرين عند الشهادة والاجتماع يوهم الاتّفاق على الكذب، فلم يفد العلم بخلاف الرواية.
سلّمنا: انّ ما ذكرتم يقتضي الجزم بأنّ الأربعة لا يفيد قولهم العلم، لكنّه يقتضي أنّ قول الخمسة كذلك، لأنّه لو أمكن أن يفيد فإذا شهدوا عند الحاكم فإن كانوا صادقين أفاد قولهم العلم الضروري، وإن لم يحصل وجب القطع بكذبهم.
سلّمنا: لكن يلزم أن يقطعوا بأنّ عدد القسامة يفيد العلم كما تقدّم في الخمسة.
وأُجيب بورود الثلاثة الأُول. وعن المعارضة بالخمسة بجواز وقوع العلم بخبر خمسة، والحاكم لم يعلم صدقهم، وإن وجب عليه إقامة الحد، لجواز أن يشاهد أربعة منهم والخامس لم يشاهده، فلزمه إقامة الحد بقول أربعة منهم وإن لم يعرفهم بأعيانهم وكان الخامس كاذباً فوجب عليه البحث عن التزكية، بخلاف الأربعة فإنّه إذا لم يحصل العلم بقولهم: وجب أن يكون فيهم واحد كاذباً .

صفحه 324
وبهذا التقدير تسقط الحجّة بقولهم، ولزم الحاكم ردّ قولهم، وإقامة الحد عليهم .
وهذا الجواب يقتضي القطع بكذب واحد، والقطع بأنّ قول الخمسة لا يفيد العلم أصلاً، أو القول بأنّه لا يلزم من كون قول خمسة مفيداً للعلم أن يكون قول كلّ خمسة كذلك .
وقال أهل العراق عن القسامة: إنّه يحلف خمسون من المدّعى عليهم أنّ كلّ واحد منهم ما قتل، ولا عرف قاتلاً، فكلّ واحد يخبر عن غيرما يخبر عنه الآخر .
وعند الإمامية والشافعية يحلف خمسون من المدّعين كلّ واحد منهم بحسب اعتقاده، فخبر كلّ واحد غير خبر الآخر.
وقال آخرون: إنّ أقلّ عدد يحصل التواتر معه اثنا عشر بعدد نقباء بني إسرائيل ; قال تعالى: (وَ بَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيباً)1 خصّهم بذلك العدد بحصول العلم بخبرهم .
وقال أبو الهذيل: أقلّه عشرون، لقوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ)2أوجب الجهاد على العشرين، وإنّما خصّهم بالجهاد لأنّهم إذا أخبروا حصل العلم بصدقهم .
وقال قوم: أقلّه أربعون، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَ مَنِ

1 . المائدة: 12 .
2 . الأنفال: 65 .

صفحه 325
اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)1 نزلت في الأربعين، ولأنّه عدد أقلّ (2) الجمعة .
وقال قوم سبعون ; لقوله تعالى: (وَ اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً)2 خصّهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون .
وقال آخرون: ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أهل بدر، خصّوا بذلك ليعلم ما يخبرون به المشركين .
وقيل: عدد بيعة الرضوان.
والحقّ خلاف ذلك كلّه، وأنّه لا ضابط في ذلك ولا عدد معلوم فيه، فإنّه لا عدد يفرض إلاّ ويمكن عقلاً صدور الكذب فيه، وأنّ الناقص عنه بواحد أو الزائد عليه بواحد لا يتميّز عنه في جواز الكذب.
لا يقال: إذا كان العلم معرِّفاً لكمال العدد لم يمكن الاستدلال به على الخصم.
لأنّا نقول: لا يستدلّ على حصول العلم في التواتر، بل المرجع فيه إلى الوجدان.
الثاني: شرط قوم في أهل التواتر أن لا يحويهم بلد، ولا يحصرهم عدد. وهو غلط ; فإنّ أهل الجامع لو أخبروا بسقوط المؤذن من المنارة فيما بين الخلق أفاد العلم.
الثالث : شرط اليهود أن لا يكونوا على دين واحد. وهو غلط، فإنّ

1 . الأنفال: 64 .   2 . في «أ» و «ب»: أهل .
2 . الأعراف: 155 .

صفحه 326
التهمة إن حصلت لم يحصل العلم، اتّحدت الأديان أو اختلفت، وإن لم تحصل حصل العلم كيف كانت أديانهم.
الرابع: شرط قوم أن لا يكونوا من نسب واحد، ولا من بلد واحد ; وهو باطل، لما تقدّم.
الخامس: شرط ابن الراوندي وجود المعصوم فيهم لئلاّ يتّفقوا على الكذب وهو غلط ; لأنّ المفيد للعلم حينئذ قول المعصوم ولا عبرة بغيره.
السادس: شرط بعضهم الإسلام والعدالة ; لأنّ الكفر عرضة للكذب، والتحريف والإسلام والعدالة ضابط الصدق، وبهذا اعتبر إجماع المسلمين دون غيرهم ; ولأنّه لو وقع العلم عند إخبار الكفّار لوقع عند إخبار النصارى مع كثرتهم عن قتل المسيح وصلبه، وهو غلط، فإنّ العلم قد يحصل عند خبر الكفّار إذا عرف انتفاء الداعي إلى الكذب، كما لو أخبر أهل بلد كافرون بقتل ملكهم، والإجماع اختصّ بالمسلمين عند بعضهم لاستفادته من السمع المختص بإجماع المسلمين، وأخبار النصارى غير متواترة لقلّتهم في المبدأ.
في التواتر المعنوي   
السابع: شرطت اليهود أن يكون مشتملاً على إخبار أهل الذلّة والمسكنة ليؤمن تواطؤهم على الكذب. وهو غلط; فإنّا نجد العلم حاصلاً عقيب إخبار الأكابر والمعظّمين والشرفاء أكثر من حصوله عقيب خبر المساكين وأهل الذلّة، لترفع أُولئك عن رذيلة الكذب لئلاّ يثلم شرفهم.1

1 . بحث الرازي أيضاً هذا المطلب بصورة مفصّلة في المحصول: 2 / 129 ـ 134; والآمدي في الإحكام: 2 / 36 ـ 42، المسألة الرابعة.

صفحه 327
 
البحث الخامس: في التواتر المعنوي
اعلم أنّ الأخبار التي لا تفيد العلم قد تشترك في معنى كلّي يبلغ
حدّ التواتر وإن كانت الجزئيات آحاداً; كما نقل جماعة يفيد قولهم الظنّ أنّ عليّاً (عليه السلام) قتل عدّة من الكفّار في غزوة بدر، ونقل جماعة
أُخرى غيرهم لا يبلغ قولهم التواتر أنّه قتل عدّة من الكفّار في غزاة
أُحد
، وهكذا تنقل الآحاد أفراد الغزوات وبلغوا حدّاً لو أخبروا بشيء واحد أفاد العلم فإنّه يحصل العلم بشجاعته المشتركة بين آحاد الغزوات ] لوجهين: [ .
لأنّ كلّ واحد من تلك الأخبار اشتركت في كلّي هو الشجاعة، والراوي للجزئي راو للكلّي المشترك فيه بالتضمّن، فإذا بلغوا حدّ التواتر صار ذلك الكلّي مروياً بالتواتر .
أو نقول هؤلاء الرواة بأسرهم لم يكذبوا، بل لابدّ وأن يصدق واحد منهم، فيصدق جزئي واحد من هذه الجزئيات المروية، وأي جزئي ثبت أفاد الشجاعة.

صفحه 328
 
البحث السادس: في كيفية العلم عقيب التواتر
اتّفقت الأشاعرة والمعتزلة وجميع الفقهاء على أنّ خبر التواتر لا يولد العلم، وقال بعض الناس: إنّه يولده.
احتجّ الأوّلون بوجهين:
الأوّل: لو أفاد العلم تولداً فإمّا أن يتولّد عن الاخير خاصة أو عنه وعن جملة الاخبار السابقة عليه.
والأول محال والا لتولد بتقدير انفراده، وكذا الثاني لأنّها متعدّدة والمسبّب الواحد لا يصدر عن سببين .
واعترض بجواز تولّده عن الأخير بشرط تقدّم ما وصف من الأخبار أو عن الهيئة الاجتماعية.
نعم لو قيل: إنّ جملة الأخبار معدومة فلا يولد، كان متّجهاً .
وفيه نظر، لأنّه وإن كان كلّ خبر معدوماً لكن حصل منه في النفس هيئة قابلة للزيادة، وتلك الهيئة ثابتة في النفس وحصل العلم عند اجتماع تلك الهيئات النفسانية وليست معدومة.
الثاني: قالوا: كلّ ما هو طالب جهة من الجهات فإنّه يجوز أن
يتولّد عنه شيء في غير محلّه كالاعتماد والحركة، وما ليس كذلك لا
يتولّد عنه شيء في غير محلّه، والقول والخبر ليس له جهة فلا يتولد عنه

صفحه 329
العلم، لأنّه لو تولّد عنه العلم لتولّد في غير محلّه، وهو محال .1
وللأشاعرة دليل آخر، وهو امتناع موجد غير الله تعالى، وقد أبطلناه في كتبنا الكلامية.2

1 . لقد أورد الآمدي هذا البحث في الإحكام: 2 / 35، المسألة 3، فراجع .
2 . حاصل الكلام في المقام: أنّ التوحيد في الخالقية هو من مراتب التوحيد، يقول سبحانه: (قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد: 16) وليس الوحي وحده يقول به، بل العقل أيضاً يؤكّده بالبرهان، لأنّ ما سوى الله ممكن محتاج لا يملك لنفسه شيئاً، وإنّما ترتفع حاجته بإفاضة الوجود من الخالق الغني عن كل شيء. والله سبحانه هو الّذي خلق الشمس والقمر وجعل الأُولى ضياءً والثاني منيراً، فالخالقية بمعنى الاستقلال في الخلق والإيجاد من دون اعتماد على غيره مختصة بالله سبحانه.
وهذا لا يعني نفي أصل السببية والعلّية في عالم الوجود إذا قلنا بأنّ تأثير كلّ ظاهرة مادية في مثلها منوطٌ بإذن الله وكان وجود السبب وسببيته كلاهما من مظاهر المشيئة الإلهية.
فالقرآن مع أنّه يعترف بالتوحيد في الخالقية يعترف بقانون العلّية ونظام السببية بين الممكنات، كما قال الله تعالى: (يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ) (الروم: 48)، فالآية تصرح بتأثير الرياح في تحريك السحاب وسوقه.
فلو قلنا بوجود الخالقية في نظام العلل والمعاليل فإنّما هي خالقية ظلية وتأثير بإذن الله سبحانه على نحو يكون الكون بأجمعه من جنوده سبحانه والقائد هو الله سبحانه.
وممّا يؤيد ذلك أنّ الله ينسب الخلق إلى المسيح (عليه السلام)ويقول: (وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) (المائدة: 110)، فالمسيح هو خالق صورة الطير بإذن الله سبحانه ولا يكون هناك أي منافاة بين حصر الخالقية الأصيلة بالله سبحانه والقول بالخالقية الظلية المأذونة المحدودة في المسيح (عليه السلام).
بل الله سبحانه يصف المسيح بأنّه المبرئ للأكمه والأبرص لكن بإذن الله ويقول: (وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي).
فعلى الباحث أن يبيّن مراحل التوحيد على نحو لا يخالف الكتاب والعقل الحصيف والنتائج القطعية للعلوم. السبحاني.

صفحه 330
 
البحث السابع: في عدم وجود اتّحاد الأعداد
قال أبو الحسين البصري 1 والقاضي أبو بكر: كلّ عدد وقع العلم بخبره في واقعة لشخص لابد وأن يكون مفيداً للعلم بغير تلك الواقعة لغير ذلك الشخص إذا سمعه. وهذا إنّما يصحّ على إطلاقه لو كان العلم قد حصل بمجرّد ذلك العدد من غير أن يكون للقرائن المحتفّة به مدخل في التأثير، لكن العلم قد يحصل بالقرائن العائدة إلى أخبار المخبرين وأحوالهم واختلاف السامعين في قوة السماع للخبر والفهم لمدلوله، ومع فرض التساوي في القرائن قد يفيد آحادها الظنّ، ويحصل من اجتماعها العلم، فأمكن حصول العلم بمثل ذلك العدد في بعض الوقائع للمستمع دون البعض، لما اختص به من القرائن التي لا تحصل لغيره .
ولو سلّم اتّحاد الواقعة وقرائنها لم يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض الأشخاص حصوله لشخص آخر لتفاوتهما في الفهم للقرائن، وتفاوت الأشخاص في الادراك والذكاء معلوم بالضرورة.2
   

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 91 .
2 . راجع هذا البحث في الإحكام: 2 / 42، المسألة 5 .

صفحه 331
 
الفصل الثالث

في باقي الأخبار المعلومة الصدق

وفيه مباحث:

البحث الأوّل: في خبره تعالى

اتّفق الناس كافّة على أنّ خبره تعالى صدق وإن اختلفوا في الدلالة عليه.
أمّا المعتزلة فاحتجّوا عليه بأنّ الكذب قبيح بالضرورة، والله تعالى عالم بقبحه غني عنه، حكيم في فعله، فلا يصدر عنه بالضرورة .
واعترض 1 بأنّ البحث في امتناع الكذب عليه تعالى موقوف على تصوّر الكذب لتوقّف التصديق على التصوّر; فإن كان المراد منه الكلام الذي لا يطابق المخبر عنه في الظاهر بحيث لو أضمر فيه زيادة أو نقصان صحَّ، لم يمكن الحكم بقبحه وبامتناعه عليه تعالى، لأنّ أكثر العمومات مخصوص، وإذا كان كذلك لم يكن ظاهر العموم مطابقاً للمخبر عنه.

1 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 137 .

صفحه 332
في خبره تعالى   
وكذا الحذف والإضمار فإنّه واقع في كلامه تعالى، بل في أوّله، فإنّ من الناس من قدّم المضمر في (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ومنهم من أخّره، وكذا قالوا في (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) معناه قولوا: الحمد لله .
واتّفقوا على حسن المعاريض، ومعناه الخبر الّذي يكون ظاهره كذباً، ويصدق عند إضمار شرط خاص أو قيد خاص .
وإن كان المراد الكلام الّذي لا يكون مطابقاً ولا يمكن إضمار ما به يصير مطابقاً فيه فهو قبيح بتقدير الوقوع، لكنّه غير ممكن الوجود، لأنّه لا خبر يفرض كذبه إلاّ وهو بحيث لو أضمر فيه شيء لصدق، فيرتفع الأمان عن ظواهر الكتاب والسنّة .
لا يقال: لو كان مراده تعالى غير ظواهرها لوجب أنّ يُبيّنها، وإلاّ كان تلبيساً .
ولأنّا لو جوّزنا ذلك انتفت الفائدة في كلامه تعالى، فيكون عبثاً، وهو غير جائز.
لأنّا نقول: إن عنيت بالتلبيس أنّه تعالى فعل ما لا يحتمل إلاّ التلبيس والتجهيل، فهو غير لازم، لأنّه تعالى قرّر في عقول المكلّفين أنّ اللفظ المطلق جاز أن يذكر، ويراد به المقيّد بقيد غير مذكور معه، ثمّ أكّده بأن بيّن للمكلّف وقوعه في أكثر الآيات والأخبار، فَقَطعُ المكلفِ بمقتضى الظاهر جهلٌ من نفسه لا من قبله تعالى، حيث قطع لا في موضع القطع كما في إنزال المتشابهات، فإنّها موهمة للجهل إلاّ أنّها لمّا احتملت غير الظواهر

صفحه 333
الباطلة كان القطع بإرادتها جهلاً وتقصيراً من المكلف، لا تلبيساً منه تعالى .
والعبث ممنوع، فإنّا لو ساعدنا على أنّه لابدّ له تعالى في كلّ فعل من غرض، لكن نمنع أنّه لا غرض من تلك الظواهر إلاّ فهم معانيها الظاهرة، كما أنّ الغرض من إنزال المتشابهات ليس فهم ظواهرها، بل أُمور أُخر فيجوز هنا كذلك.
لا يقال: جواز إنزال المتشابهات مشروط بأنّ الدليل قائم على امتناع ما أشعر به ظاهر اللفظ، فما لم يتحقَّق هذا الشرطُ، لم يكن إنزالُ المتشابه جائزاً.
لأنّا نقول: معلوم أنّ إنزال المتشابه غير مشروط بأن يكون الدليل المبطل للظواهر معلوماً للسامع، بل هو مشروط بوجود الدليل في نفسه، علمه سامع المتشابه أو لا، فحينئذ ما لم يعلم السامع انّه ليس في نفس الأمر دليل مبطل لذلك الظاهر لم يكن إجراؤه على ظاهره.
ثمّ لا يكفي في العلم بعدم الدليل المبطل للظاهر عدم العلم بهذا الدليل، فإنّه لا يلزم من عدم العلم العدم. وإذا كان كذلك فلا ظاهر نسمعه إلا ويجوز وجود دليل عقلي يمنع من حمله على ظاهره، ومع هذا التجويز لم يبق الوثوق بشيء من الظواهر .
وهو ليس بجيد، لأنّ المراد من الكذب الإخبار بما لا يكون مطابقاً مع إرادة ما دلّ اللفظ عليه ظاهراً، وتقدير الزيادة والنقصان لا يخرجه عن الكذب مع عدم إرادته وإن كان جائزاً، وكذا التلبيس المراد به فعل ما يحصل

صفحه 334
معه التلبيس بقصد التلبيس وإن احتمل غيره إذا لم يكن مراداً، ونحن لا ننازع في إنزال المتشابهات لما علم أنّ ظاهرها غير مقصود له تعالى. 1
واحتجّت الأشاعرة بوجوه:
الأوّل: أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بامتناع الكذب عليه تعالى، فيكون خبره صدقاً.
الثاني: كلامه تعالى قائم بذاته ويستحيل الكذب في كلام النفس على مَن يستحيل الجهل عليه، إذ الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم، والجهل عليه تعالى محال. وهما دليلا الغزالي.2
الثالث: الصادق أكمل من الكاذب بالضرورة، فلو كان كاذباً لكان الواحد منّا حال صدقه أكمل منه تعالى، وهو معلوم البطلان.3
الرابع: لو كان كاذباً لكان إمّا بكذب قديم فيستحيل عليه الصدق، لكنّا نعلم أنّ مَن قدر على أن يخبر أنّ العالم ليس بحادث أمكنه أن يخبر بأنّ العالم حادث، لاستلزام القدرة على المركب القدرة على المفردات ; وإمّا بكذب حادث، فيكون محلاً للحوادث .
اعترض على الأوّل: بأنّ العلم بصدق الرسول موقوف على دلالة المعجز على صدقه، لأنّ المعجز قائم مقام التصديق بالقول، فصدق الرسولمستفاد من تصديق الله تعالى إيّاه، وذلك انّما يدلّ لو ثبت أنّه تعالى صادق،

1 . ذكر الرازي رأي المعتزلة وناقش فيه على ما هو موجود في المحصول: 2 / 137 ـ 139 .
2 . المستصفى من علم الأُصول: 1 / 264 .
3 . وهو ما ذهب إليه الرازي في المحصول: 2 / 139 .

صفحه 335
إذ مع تجويز الكذب عليه لا يلزم من تصديق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كونه صادقاً، فالعلم بصدق الرسول موقوف على العلم بصدقه تعالى، فلو استفيد منه دار .
لا يقال: نمنع توقّف دلالة تصديقه تعالى للرسول على كونه صادقاً، لأنّ قوله أنت رسولي إنشاء، وهو يدلّ على الرسالة فلا دور.
لأنّا نقول: تأثير الإنشاء في الأحكام الوضعية لا ] في [ الأُمور الحقيقية، فلا يلزم من قوله: «أنت رسولي» صدق الرسول في كلّ أقواله، لأنّ صدق الرجل أمرٌ حقيقي فلا يختلف باختلاف الجعل الشرعي، فإذن لا طريق إلى معرفة صدق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يخبر عنه إلاّ من قبل كونه تعالى صادقاً، فيدور.
وفيه نظر، لأنّ الصدق وإن كان من الصفات الحقيقية لكنّه يتوقّف على الإنشاء الذي لا يدخله الصدق، فلا دور.
وعلى الثاني: بأنّ بحث أُصول الفقه لا يتعلّق بالكلام النفساني، بل بالمسموع المركّب من الحروف والأصوات المقطّعة، ولا يلزم من كون النفساني صدقاً كون المسموع صدقاً.
سلّمنا، لكن لم قلت: إنّ النفساني صدق ولا يلزم من انتفاء الجهل استحالة أن يخبر بالكلام النفساني خبراً كاذباً، فإنّها برهانية لا ضرورية، فأين البرهان ؟
وفي الثالث نظر، فإنّ هذا إنّما يتمّ على تقدير القول بالحسن والقبح العقليّين، وهم ينكرونه .

صفحه 336
وبالجملة فهذا البحث إنّما يتمشّى على قواعد المعتزلة، أمّا على قول الأشاعرة فلا .
وفي الرابع نظر، لإمكان استحالة الصدق فيما أخبر به كذباً وإن أمكن صدقه في غيره. والقدرة إنّما تتوجّه إلى الحادث، أمّا الكلام النفساني القديم عندهم فلا.
في خبر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)   

البحث الثاني: خبر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

اتّفق الناس على صدق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في إخباره الذي دلّ المعجز على صدقه فيه، وأمّا ما عداه فاختلفوا ; فمذهب الإمامية وجوبُ صدقِه في كلّ شيء، لأنّ العصمة شرط، وقال آخرون: لا يجب. وقد تقدّم البحث في العصمة.
واحتجّ الغزالي بأنّ المعجز يدلّ على صدقه مع استحالة ظهوره على يد الكذّابين، إذ لو أمكن لعجز الله تعالى عن تصديق رسوله .1
واعترض 2 بأنّه إن كان اقتداره تعالى على إظهار المعجز على يد الكاذب مستلزماً لعجزه عن تصديق الرسول، فكذا يلزم من الحكم بعدم اقتداره عليه عجزه، فلِمَ كان نفي أحد العجزين عنه أُولى من الآخر .
وأيضاً إذا فرضنا أنّه تعالى قادر على إقامة المعجز على يد الكاذب

1 . المستصفى من علم الأُصول: 1 / 265 .
2 . ذكره الرازي في محصوله: 2 / 139 ـ 140 .

صفحه 337
فمع هذا الفرض إن أمكن تصديق الرسول بطل قوله: إنّه ملزوم من قدرته على إظهار المعجز على يد الكاذب عجزه عن تصديق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وإن لم يمكن فلا عجز، إذ العجز إنّما هو عمّا يصح أن يكون مقدوراً في نفسه، ولهذا لا يوصف بالعجز عن خلق مثله تعالى .
وأيضاً إذا استحال ان يقدر الله تعالى عن تصديق الرسول، إلاّ إذا استحال منه إظهار المعجز على يد الكاذب. وجب أن ينظر أوّلاً أنّ ذلك هل هو محال أم لا؟ وأن لا يستدلّ باقتداره على تصديق الرسول على عدم قدرته على إظهاره على يد الكاذب، لأنّ ذلك تصحيح الأصل بالفرع وهو دور.
وأيضاً التأمّل يعطي إمكانه ; فإنّ قلب العصا حيّة لمّا كان مقدوراً له تعالى وممكناً في نفسه ولم يقبح منه فعله في شيء من الأوقات وشيء من الجهات، فلو قال زيد: أنا رسول الله وكان كاذباً، لم يخرج عن القدرة ولم ينقلب الممكن ممتنعاً.
سلّمنا، لكنّ المعجز يدلّ على صدقه في ادّعاء الرسالة فقط، أو في كلّ ما يخبر عنه. الأوّل مُسلّم، والثاني ممنوع.
بيانه: أنّه إذا ادّعى الرسالة وأقام المعجز كان المعجز دالاًّ على صدقه فيما ادّعاه، وهو الرسالة، لا في غيرها. نعم لو ادّعى صدقه في كلّ شيء ثمّ ظهر المعجز المصدّق له ثبت عموم صدقه. فالدليل المذكور يتوقّف على عموم الدعوى واقترانه بالمعجز. وذلك لا يكفي فيه قيام المعجز على ادّعاء

صفحه 338
الرسالة خصوصاً، وقد اختلف العلماء في جواز الصغائر عليهم حتّى جوز بعضهم الكبائر، واتّفق الناس عدا الإمامية على جواز السهو عليهم، والحق أنّ هذه الدعوى إنّما تتمشّى على قواعد الإمامية.1
في الخبر المحتفّ بالقرائن   

البحث الثالث: في الخبر المحتفّ بالقرائن

اختلف الناس في أنّ الخبر الذي لا يعلم صدقه هل يحصل العلم عقيبه إذا احتفّ بقرائن خارجة ؟
فقال به النظّام والغزالي (2) والجويني 2 وأنكره الباقون 3. والحقّ الأوّل .
لنا: إنّ الضرورة قاضية بثبوت العلم عند الخبر المحتفّ بالقرائن، فإنّه قد تحصل أُمور يعلم بالضرورة عند العلم بها كون الشخص خجلاً أو وجلاً، ولا يمكن التعبير عن تلك القرائن ولا تفي العبارات بتفاصيل أحوالها، لعجزنا عنه ; وقد يخبر المريض عن ألم، وينضم إليه من القرائن ما يعلم صدقه ; ولو فرض ملك مشرف على التلف ورُئيَّ نشر الشَّعر في ولده وغلمانه والصراخ العظيم والنحيب عُلِم بالضرورة صدقهم .
احتجّ المنكرون بأُمور 4:

1 . راجع المحصول: 2 / 139 ـ 141 .   2 . المستصفى من علم الأُصول: 1 / 266 .
2 . البرهان في أُصول الفقه: 1 / 378 .
3 . نقله عنهم الرازي في المحصول: 2 / 141 .
4 . ذكر الرازي احتجاج المنكرين والأجوبة عنها في المحصول: 2 / 141 ـ 143 .

صفحه 339
الأوّل: لو أفاد الخبر مع القرائن ـ التي يذكرها النظّام ـ العلم لم ينكشف عن الباطل، والتالي باطل، إذ قد ينكشف عنه، فإنّ المخبر عن الموت مع القرائن كالصراخ وإحضار الجنازة والأكفان قد يظهر بطلانه بأن يكون قد أُغمي عليه أولحقه سكتة، أو لإظهار ذلك للسلطان ليمتنع عن قتله، فالمقدّم مثله، والملازمة ظاهرة.
الثاني: لو كانت القرائن هي المفيدة للعلم لم يحصل العلم عقيب التواتر إذا خلا عنها، ولمّا لم يجز ذلك، بطل قوله.
الثالث: لو وجب العلم عند خبر واحد لوجب في كلّ خبر واحد، كما أنّ المتواتر لمّا أفاد العلم أفاده في كلّ موضع .
والجواب عن الأوّل: القدح في صورة خاصة لا يقتضي القدح في كلّ الصور، والقرائن لا ضابط لها يرجع إليه ، بل إفادة العلم.1
وعن الثاني: التزام ذلك فإنّ خبر التواتر إن لم تنضم إليه القرائن لم يفد العلم بجواز أن يجمعهم جامع من رغبة أو رهبة .
سلّمنا، لكن إنّما يلزم ذلك لو قلنا إنّ العلم يستند إلى القرائن لا غير.
سلّمنا، لكن نمنع انفكاك المتواتر عنها.
وعن الثالث: العلم لم يحصل من خبر الواحد لذاته، بل مع القرائن، فمتى حصل المجموع مع أي خبر كان أفاد العلم .

1 . يعني: إذا كانت القرائن لا تفيد العلم في هذا المورد، فهذا لا يلزم عدم حصول العلم بالقرائن الأُخرى.

صفحه 340
سلّمنا، لكن العلم عقيب التواتر بالعادة فجازحصوله هاهنا بالعادة، والعادة لا يجب اطّرادها في كلّ شيء فجاز أن يطّرد في التواتر دون خبر الواحد المقترن بالقرائن.

البحث الرابع: في بقايا الإخبارات الصادقة

1. الخبر الذي عرف وجود مخبره بالضرورة صُدِّق.
2. الخبر الّذي عرف وجود مخبره بالاستدلال. صُدّق، هذا إن لم يشترط سوى المطابقة، أمّا إن شرطنا العلم أو الاعتقاد فلا.
3. خبر كلّ الأُمّة صدق، أمّا عندنا فلدخول المعصوم، أمّا عند الجمهور فللدلائل الدالّة على صدق الإجماع.
4. خبر الجمع العظيم عن الصفات القائمة بقلوبهم من الشهوة و النفرة لا يجوز أن يكون كذباً.
5. وأيضاً الجمع العظيم البالغ حدّ التواتر إذا أخبر كلّ واحد عن شيء غير ما أخبر به الآخر فلابد وأن يقع فيها ما يكون صدقاً، ولهذا يقطع بأنّ في الأخبار المروية عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بطريق الآحاد ما هو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن كنّا لا نعرف ذلك بعينه .1
فيما ظن أنّه من هذا الباب   
وفيه نظر، لأنّ خبر الجماعة انّما يفيد العلم لو اشتركوا في أمر كلّي

1 . ذكر هذه الوجوه الخمسة الرازي في المحصول: 2 / 135 و 141 .

صفحه 341
يخبر به كلّ واحد إمّا مطابقة أو تضمناً أو التزاماً. أمّا إخبار كلّ واحد عن شهوته ونفرته فهو إخبار عن شيء مختصّ به لا يشاركه في الإخبار به غيره فلا يفيد قوله العلم في حق نفسه ولم يخبر عن غيره، فلم يعتضد خبر كلّ واحد بقول الآخر، ولم يحتف به من القرائن ما يفيد العلم.
6. بقاء النقل مع توفّر الدواعي على إبطاله يدلّ على الصحّة، كخبر الغدير والمنزلة، فإنّ نقلهما سَلُمَ في زمن بني أُميّة مع توفّر الدواعي على إبطاله .
واعتُرض 1 باحتمال أنّه كان من أخبار الآحاد ثمّ اشتهر بحيث عجز العدوّ عن إخفائه، لأنّ الصارف من بني أُمية وإن حصل، لكن الدّاعي من جهة الشيعة حصل، ولأنّ منع الناس عن إفشاء فضيلة تحرّضهم على شدة إظهارها .
وليس بجيد، فإنّ العادة تقضي بصيرورة المتواتر مع الخوف آحاداً دون العكس. والشّيعة كانوا خائفين في الغاية، فكيف يحصل بسببهم داع؟!

البحث الخامس: فيما ظن أنّه من هذا الباب

الأوّل: قال بعض الناس: إذا أخبر واحد بحضرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عن شيء ولم ينكر عليه دلّ على صدقه .
والحقّ التفصيل: وهو إن كان عن ديني اشتُرط في الدلالة على الصدق

1 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 145 .

صفحه 342
أمران: أن لا يتقدّم بيان ذلك الحكم، وأن يجوز تغيير الحكم عمّا بيّنه أوّلاً; لأنّ بيان الحكم لو تقدّم وأمنّا عدم تغيّره، كان فيما سبق من البيان ما يغني عن استئناف البيان، ولهذا لا يجب عليه تجديد الإنكار على الكفّار في تردّدهم إلى كنائسهم 1 .
وإن كان عن دنيوي فسكوته إنّما يدلّ على الصدّق بشرطين: أن يستشهد بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويدّعي عليه علمه بالمخبر عنه، وان يعلم الحاضرون علم النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتلك القضية ; ففي هذين يجب صدق المخبر، لأنّ سكوته (صلى الله عليه وآله وسلم)يوهم التصديق، فلو كان المخبر كاذباً لزم صدور التلبيس عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو محال.
الثاني: إذا أخبر واحد بحضور جماعة كثيرة عن شيء بحيث لو كان كذباً لما سكتوا عن التكذيب كان دليلاً على صدقه، لبطلان سكوتهم مع علمهم بكذبه لقيام الداعي إلى التكذيب وانتفاء الصارف، فيجب الفعل، فلمّا لم يوجد دلّ على عدم علمهم .
أمّا الداعي فلأنّ من استشهد على الكذب لا يصبر عن التكذيب ويجد مشقة عظيمة لو صبر، فدلّ على وجود الدّاعي .
وأمّا انتفاء الصارف، فلأنّه إمّا رغبة أو رهبة، والجمع العظيم لا يعمّهم رغبة ورهبة تحملهم على كتمان ما يعلمونه، ولهذا لم يجتمعوا على كتمان الرخص والغلاء .

1 . في «ب»: كتبهم .

صفحه 343
وبطلان سكوتهم لا مع علمهم بالكذب لبُعد عدم اطّلاع واحد من الجمع العظيم عليه .
وهذا يفيد الظنّ، إذ لا يمكن القطع بامتناع اشتراك الجماعة الحاضرين في رغبة أو رهبة مانعة من السكوت.
سلّمناه، لكن يمكن غفلة الحاضرين عن معرفة كونه كذباً لعدم غرض يتعلّق بالبحث عنه.
الثالث: زعم أبو هاشم والكرخي وتلميذهما أبو عبد الله البصري: أنّ الإجماع إذا وقع على العمل بموجب الخبر دلّ على صحّته، وهو باطل .
لأنّ عملهم بمقتضى الخبر يجوز أن يكون لدليل آخر، فإنّ قيام الدلائل الكثيرة على مدلول واحد جائز .
ولأنّ عمل كلّ الأُمّة بمقتضاه لا يتوقّف على القطع بصحّة ذلك الخبر، لأنّ العمل بخبر الواحد واجب في حقّ الكلّ فلا يكون عملهم متوقفاً على القطع به، وإذا لم يتوقّف على القطع به لم يلزم من ثبوتِهِ ثبوتُهُ.
احتجّوا بأنّ عادة السلف فيما لم يقطعوا بصحّته أن يَرُدَّ مدلولَهُ بعضهم، ويقبله آخرون.
والجواب: منع العادة لاتّفاقهم على حكم المجوس بخبر عبد الرحمن.
الرابع: اعتمد كثير من الفقهاء والمتكلّمين في تصحيح خبر الإجماع

صفحه 344
وأمثاله بأنّ الأُمّة فيه على قولين: منهم مَن احتجَّ به، ومنهم من اشتغل بتأويله، وهو يدلّ على اتّفاقهم على قبوله .
واعتُرض 1 باحتمال أنّهم قبلوه، كما يقبل خبر الواحد .
والجواب: خبر الواحد انّما يقبل في الظنّيات لا العلميّات، وهذه المسألة علمية، فلمّا قبلوا الخبر فيها دلّ على اعتقاد صحّته .
واعترض 2 بمنع قبول كلّ الأُمّة، بل كلّ من لم يحتجَّ به في الإجماع طعنَ فيه، بأنّه خبر واحد فلا يجوز التمسّك به في مسألة علمية.
نعم ربّما لم يطعنوا فيه على التفصيل لكن لا يلزم من عدم الطعن من جهة واحدة عدمُ الطعن مطلقاً.
   

1 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 146 .
2 . المعترض هو الرازي في المحصول: 2 / 146 .

صفحه 345
 
الفصل الرابع

في الخبر المقطوع بكذبه

وفيه مباحث:

الأوّل: في الخبر المخالف للمعلوم

الخبر الّذي ينافي مخبرُهُ وجودَ ما علم إمّا بالضرورة المستند إلى الحس أو الوجدان أو البداهة أو بالدليل القطعي (كذب قطعاً)1 لعدم المطابقة ومنه قول مَن لم يكذب قط : «أنا كاذب» فإنّه كذب قطعاً; لأنّ المخبر عنه فيه إمّا الأخبار الماضية، وهو يدلّ على كذبه لانتفاء الكذب فيها فرضاً; أو نفسه، وهو باطل، لأنّ الخبر متأخّر في الرتبة عن المخبر عنه، فلو جعلنا الخبر خبراً 2 عنه لزم تأخّر الشيء عن نفسه بالرتبة، وهو محال .
أمّا ما يخالف الدليل القاطع إن احتمل التأويل أمكن صدقه، لجواز أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تكلّم به لإرادة ذلك المعنى، كما في إنزال المتشابهات .

1 . في «أ»: كذباً قطعياً.
2 . في «أ»: جزءاً. وفي المحصول: 2 / 147 ; فإن جعلنا الخبر عينَ المخبر عنه .

صفحه 346
ولو لم يقبل التأويل أو كان التأويل بعيداً حكم بكذبه، أو بأنّه قد حذف منه أوزيد فيه ما يصحّ1 الكلام معه .
ويلحق بذلك الخبر الذي يروى في وقت قد استقرت 2 فيه الأخبار، فإذا فُتِشَ عنه في بطون الكتب وصدور 3 الرواة لم يوجد له أثر، فإنّه يعلم أنّه لا أصل له، بخلاف عصر الصحابة فإنّ الأخبار لم تستقر حينئذ، فيجوز أن يروي أحدهم ما لم يوجد عند غيره.

البحث الثاني: فيما يتوفر الدواعي على نقله

فيما يتوفر الدواعي على نقله   
الأمر الذي تتوفّر الدواعي على نقله لو وجد إمّا لتعلّق الدين به، كأُصول الشرع، أو لغرابته كسقوط مؤذن من المنارة، أو هما معاً كالمعجزات ; فإذا لم يوجد ذلك مع انتفاء التقية والخوف دلّ على الكذب ; وإلاّ لجوّزنا وجود بلدة بين البصرة وبغداد أعظم منهما مع أنّ الناس لم يخبروا عنها، ولجوّزنا أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أوجب عشر صلوات ولم تنقل الأُمة سوى الخمسة، ولمّا كان ذلك باطلاً، فكذا ما أدّى إليه .
أمّا مع وجود التقية كما يقوله الشيعة فإنّه لا يدلّ على كذبه، لوجود الصارف عن النقل .

1 . في «أ» و «ب»: يقبح .
2 . في «أ»: استقربت .
3 . في «أ» و «ب»: صدق.

صفحه 347
فإن قيل 1: العلم بعدم هذه الأُمور إن توقّف على العلم بأنّه لوكان لوجب نقله، وجب أن يكون الشاك في الأصل شاكّاً في هذه الفروع، لكن الناس كما يعلمون ضرورة وجود بغداد والبصرة يعلمون ضرورة عدم بلدة بينهما أكبر منهما، والضروري لا يتوقّف على النظري، وإن لم يتوقّف، فالعلم بعدم البلدة غير متوقّف على العلم بأنّها لو كانت لنقلت، ولا يلزم من عدم هذا عدم ذلك.
سلّمنا توقّف العلم بعدم هذه الأُمور على العلم بأنّها لو كانت لنقلت، لكن ما ذكرتموه مثال واحد، فلا يلزم حصوله في كلّ الصور، فإن قستم باقي الصور على المثال لم يفد اليقين، لجواز أن يكون الفارق بين الأصل والفرع شرطاً في الأصل، أو مانعاً في الفرع، فلم يبيّن عدم العمومية في كلّ الصور عدم تواتر الإقامة، فبعض نقلها أفراداً وبعضهم مثنّاة، مع أنّها من أجلّ الأشياء وأعظمها تكراراً .
وكذا هيئة الصلاة: من رفع اليدين والجهر بالتسمية، وغير ذلك مع ظهورها غاية الظهور، ولم تنقل متواتراً .
وكذا انشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، ونبوع الماء من بين أصابعه (صلى الله عليه وآله وسلم)من الأُمور العظام والأشياء العجيبة ولم يتواتر نقلها .

1 . نقله الرازي في محصوله: 2 / 148 .

صفحه 348
وكون القرآن معجزاً لا يعرف إلاّ بدقيق النظر، وإعجاز هذه الأشياء ظاهر فلا يقوم نقله مقام نقلها، وكذا أقاصيص الأنبياء المتقدّمين .
والجواب: لم لا يتوقّف العلم بعدم الواقعة العظيمة على أنّها لو كانت لنقلت .
قوله: العلم بانتفاء 1 بلدة بين بغداد والبصرة ضروري، وهذه القاعدة نظرية فلا يتوقّف عليه .
قلنا: نمنع كونه ضرورياً، ولهذا لو سئل كلّ مَن يدّعي عدمها، عن سبب علمه، لأجاب بأنّها لو كانت موجودة لاشتهر خبرها كاشتهار بغداد والبصرة، فعلم أنّ ذلك العدم مستفاد من هذا الأصل، والمثال ذكر للتنبيه على القاعدة الكلية، والنقض بالإقامة .
في وجود الكذب في الأخبار   
أجاب القاضي أبو بكر 2 بأنّ ذلك من المؤذّن، فلعلّه كان يفرد تارة ويثنّي أُخرى والراوي لم ينقل ذلك، لأنّه نقل البعض وأهمل الباقي، وهو استناد ذلك إلى المؤذن اعتقاداً منه بسهولة هذا التساهل .
أو لأنّهم عرفوا أنّ المسألة من الفروع التي لا يوجب الخطأ فيها كفراً ولابدعة، فتساهلوا فيها خصوصاً مع اشتغالهم بالحروب .
والجهر بالبسملة، لعلّه من اختلاف فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان يجهر تارة ويخافت أُخرى ; أو لأنّه يخفي صوته في ابتداء القراءة ثمّ يعلوا به بعد ذلك

1 . في «أ»: بوجود.
2 . نقله عنه الرازي في المحصول: 2 / 150 .

صفحه 349
على التدريج، فيسمع القريب منه جهر التسمية لا البعيد .
وأمّا المعجزات فجاز أن يكون ناقل كلّ معجزة قليلاً لا يبلغ حد التواتر، ولم تتواتر أقاصيص الأنبياء لعدم تعلّق غرض ديني بروايتها .
واعلم أنّ النص الجليّ على إمامة علي (عليه السلام)وإن نقل عن الإمامية متواتراً خلفاً عن سلف، إلاّ أنّه لم يتواتر عند غيرهم للتقية والخوف ولقصور الدواعي عن نقله، كدلالة قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)1، ودلالة خبر الغدير، وخبر المنزلة، والطائر، وغير ذلك وإن كانت خفية إلاّ أنّها صارت سبباً لفتور الدواعي عن نقل النصّ الجليّ.

البحث الثالث: في وجود الكذب في الأخبار

] الأخبار [ المروية عن رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وجد فيها ما هو كذب قطعاً، لوجوه:
الأوّل: روي أنّه قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «سيكذب عليّ». 2 هذا الخبر إن كان صدقاً ثبت في الأخبار المروية كذب بعضها، وإن كان كذباً فالمطلوب.
الثاني: في الأخبار ما لا يجوز نسبتُهُ إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يقبل التأويل، فوجب القطع بكذبه.

1 . المائدة: 55 .
2 . قرب الإسناد: 92 ; بحار الأنوار: 2 / 227 ح 5 ; فيض القدير: 6 / 280 .

صفحه 350
الثالث: روي عن شعبة1: «أنّ نصف الحديث كذب».2
والداعي إلى الكذب إمّا من جهة السلف، وهم منزّهون عن تعمّد الكذب. وإنّما يقع لوجوه3:
أ. أن يكون الراوي يروي نقل الخبر بالمعنى، فيبدل لفظاً بآخر يتوهّم أنّه لمنزلته، وهو لا يطابقه.
ب. ربّما نسي لفظاً، لأنّهم لم يكن من عادتهم الكتابة لما يسمعونه فيبدله بغيره، وربّما نسي زيادة يصحّ بها الخبر.
ج. ربّما روى عن الواسطة ونسي ذلك فأسنده إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)توهماً أنّه سمعه منه لكثرة صحبته له، ولهذا كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يستأنف الحديث إذا دخل عليه شخص ليكمل له الرواية ; كما روي أنّه قال: «الشؤم في ثلاثة: المرأة والدار والفرس»4، فقالت عائشة: إنّما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك حكاية عن غيره.5

1 . هو شعبة بن الحجّاج بن الورد، أبوبسطام الأزدي العتكي مولاهم، نزيل البصرة (82 أو 83 ـ 160 هـ) روى عن الحسن وسمع من معاوية بن قرة وعمرو بن مرة والحكم وسلمة بن كهيل وخلق كثير. وعنه: أيوب السختياني وابن إسحاق وسفيان الثوري وغيرهم. تذكرة الحفاظ: 1 / 193 برقم 187 .
2 . فيض القدير: 6 / 280 ; عدة الأُصول: 1 / 90، تحقيق محمد رضا الأنصاري .
3 . ذكرها الرازي أيضاً في المحصول: 2 / 152 .
4 . من لا يحضره الفقيه: 3 / 556 ح 4912 ; تهذيب الأحكام: 7 / 399 ح 1593 ; صحيح البخاري: 3 / 217 ; صحيح مسلم: 7 / 34 .
5 . شرح نهج البلاغة: 20 / 26 ; المحصول: 2 / 152 .

صفحه 351
د. ربّما خرج الحديث على سبب، وهو مقصور عليه ويصحّ معناه به، فيجب روايته مع السبب، فإن حذف سببه أُوهم الخطاء; كما روي أنّه قال: «التاجر فاجر»1، فقالت عائشة: إنّما قاله في تاجر دلّس.2
هـ . روي أنّ أبا هريرة كان يروي أخبار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكعب كان يروي أخبار اليهود، ويشتبه على السامعين، فيروي بعضهم ما سمعه من كعب عن أبي هريرة .3
وإمّا من جهة الخلف فوجوه:4
أ. الملاحدة وضعوا أباطيل نسبوها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتنفير الناس عنه، كما روي ذلك عن عبد الكريم بن أبي العوجاء.5
ب. ربّما يكون الراوي يجوّز الكذب المؤدّي إلى إصلاح الأُمّة، فإنّ مذهب الكرّامية وضع الأخبار في المذهب إذا صحّ عندهم، لأنّه سبب لترويج الحق.

1 . روي الصدوق في «من لا يحضره الفقيه»: 3 / 194 ح 3729: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «التاجر فاجر، والفاجر في النار، إلاّ من أخذ الحق وأعطى الحق».
2 . فيض القدير: 6 / 280 ; المحصول: 2 / 152 .
3 . المحصول: 2 / 152 .
4 . ذكرها الرازي أيضاً في المحصول: 2 / 153 .
5 . هو أحد زنادقة عصر الإمام الصادق (عليه السلام)كان من تلامذة الحسن البصري فانحرف عن التوحيد، قتله أبو جعفر محمد بن سليمان عامل المنصور في الكوفة، وكان خال معن بن زائدة الشيباني أحد قواد بني مروان وكبير من كبار الولاة لأبي جعفر، وقد جرى بينه وبين الإمام الصادق (عليه السلام)احتجاجات كثيرة. الكنى والألقاب: 1 / 201 .

صفحه 352
ج. الرغبة، كما وضع في ابتداء دولة بني العباس أخبار في النصّ على إمامة العباس وولده .
قال فخر الدين الرازي: ومن ذلك انّ الإمامية يسندون إلى الرسول كلّ ما صحّ عندهم عن بعض أئمتهم، قالوا: لأنّ الصادق (عليه السلام) قال: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدي حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا حرج عليكم إذا سمعتم منّا حديثاً أن تقولوا: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).1
وليس بجيد أمّا أوّلاً: فلأنّه معصوم لا يخبر إلاّ بالحق، فكما يجوزلنا اسناد ما يخبرنا به رسول الله إلى الله تعالى بيقين كذا هنا .
وأمّا ثانياً: فلأنّ الراوي إذا قال: إذا حدّثت حديثاً فإنّما أرويه عن فلان، ثمّ حدث ; جاز أن يروي عمّن اسند إليه ، فكيف إذا قال الإمام المعصوم حديثي حديث أبي؟!
في أحكام الصحابة   

البحث الرابع: في أحكام الصحابة

المشهور أنّ الصحابة كغيرهم من المسلمين، بل هم أفضل وأكمل، وأنّ الأصل فيهم العدالة، إلاّ عند ظهور المعارض. لدلالة الكتاب، وهو قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة)2 ، (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) .3

1 . المحصول: 2 / 153 .
2 . آل عمران: 110 .
3 . البقرة: 143 .

صفحه 353
وفيه نظر، لما بيّنّا في باب الإجماع من عدم اختصاص الآيتين بالصحابة .
ودلالة السنّة كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خير الناس قرني» .
وبالغ إبراهيم النظّام في الطعن فيهم فقال: رأينا بعضهم قادحاً في البعض، وذلك يوجب القدح إمّا في القادح أو المقدوح فيه. وبيّن القدح من وجوه1:
الأوّل: قال عمران بن الحصين: والله لو أردت لتحدّثت يومين متتابعين عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّي سمعت كما سمعوا، وشاهدت كما شاهدوا، ولكنّهم يحدِّثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يُشبّه لي كماشُبِّه لهم.
الثاني: كان حذيفة يحلف لعثمان بن عفان بالله على أشياء أنّه ما قالها، وقد سمعناه قالها، فقلنا له فيه فقال: إنّي أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه.
الثالث: ابن عباس بلغه أنّ ابن عمر يروي أنّ الميت ليعذب ببكاء أهله فقال عبدالرحمن: إنّما مرّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيهودي يبكى عليه، فقال: إنّه ليبكي عليه وإنّه ليُعذَّب.
الرابع: ابن عمر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال في الضب لا آكله ولا أحلُّه ولا أُحرّمه، فقال زيد بن الأصم: قلت لابن عباس: إنّ ناساً يقولون: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال

1 . نقلها عنه الرازي في المحصول: 2 / 154 ـ 162، فراجع .

صفحه 354
في الضب لا آكله ولا أحلّه ولا أُحرّمه، قال: بئس ما قلتم، ما بعث الله النبي محلّلاً ولا محرّماً.
الخامس: ابن عمر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقف على قتلى في قليب بدر
فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ ثمّ قال: إنّهم الآن يسمعون ما أقول. فذكروه لعائشة فقالت: لا، بل قال: إنّهم ليعلمون أنّ الّذي كنت أقول لهم هو الحق .
قال النظّام: وهذا عين التكذيب.
السادس: روت فاطمة بنت قيس 1 أنّ زوجي طلّقني ثلاثاً ولم يجعل لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سُكنى ولا نفقة. فقال عمر: لا يُقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت .
وقالت عائشة: يا فاطمة قد فتنت الناس. ومعلوم أنّها كانت من المهاجرات مع أنّها عند عمر وعائشة كاذبة.
السابع: أراد عمر ضرب أبي موسى في خبر الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد .
قال النظّام: وأنتم تقولون لا يجوز تهمتهم.

1 . هي فاطمة بنت قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن وائل بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر الفهرية، أُخت الضحاك بن قيس وكانت أكبر منه بعشر سنين، لها صحبة، روت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وروى عنها: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعامر الشعبي، وغيرهم كثير. الثقات: 3 / 336 ; تهذيب الكمال: 35 / 264 .

صفحه 355
الثامن: كان علي (عليه السلام) يستحلف الرواة، ولو كانوا غير متّهمين لما حلّفهم، فإنّ عليّاً (عليه السلام) أعلم بهم منّا.
التاسع: روى أبو سعيد الخدري وجابر وأنس أنّه قال (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ وذكر سنة مائة ـ: «لا يبقى على ظهرها نفس منفوسة».
ثم يروي أنّ علياً (عليه السلام) قال لابن مسعود: إنّك تفتي الناس؟ قال أجل وأُخبرهم أنّ الأخير شر، قال: فأخبرني ما سمعت منه، قال: سمعته يقول: لا يأتي على الناس طرفة وعلى الأرض غير مطرفة1، فقال علي (عليه السلام): أخطأت، وأخطأت في أوّل فتواك، إنّما قال ذلك لمن حضره يومئذ، وهل الرجاء إلاّ بعد مائة.
العاشر: روى أبو هريرة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «الشمس والقمر بدران مكوّران في النار يوم القيامة ».
قال الحسن: ما ذنبهما؟! قال أبو هريرة: أُحدثك عن رسول الله. وهذا من الحسن ردّ على أبي هريرة.
الحادي عشر: قال علي (عليه السلام) لعمر في قصة الجنين: «إن كان هذا جهد رأيهم فقد قصروا، وإن كانوا قاربوك فقد غشّوك». وهذا من علي (عليه السلام) حكم عليهم بجواز الغش.
الثاني عشر: قال ابن الاشعث: كنّا في غزاة وعلينا معاوية فأصبنا ذهباً وفضة، فأمر معاوية رجلاً ببيعها للناس في عطياتهم، فتسارع الناس فيها،

1 . كذا في النسخ وفي المصدر: «... مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف».

صفحه 356
فقام عبادة بن الصامت 1 فنهاهم، فردّوها، فأتى الرجل معاوية فشكا إليه، فقام معاوية خطيباً فقال: ما بال أقوام يحدّثون عن رسول الله أحاديث يكذبون فيها .
فقام عبادة فقال: والله لنُحدِّثنَّ عن رسول الله وإن كَرِهُ معاوية. وهو يدل إمّا على كذب معاوية أو كذب عبادة.
الثالث عشر: قام أبو موسى على منبر الكوفة لمّا بلغه أنّ علياً (عليه السلام)أقبل يريد البصرة، فحمد الله ثمّ قال: يا أهل الكوفة والله ما أعلم والياً أحرص على إصلاح الرعية منّي، والله لقد منعتكم حقّاً كان لكم بيمين كاذبة فأستغفر الله منها .
وهذا إقرار منه على نفسه باليمين الكاذبة.
الرابع عشر: روى أبو بكر وعمر يوم السقيفة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الأئمة من قريش. ثمّ رويتم أشياء أُخر تناقضه .
كقول عمر في آخر موته: لو كان سالم حياً لما تخالجني فيه شك،

1 . هو عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري، الخزرجي، أبو الوليد المدني، صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو أخو أوس بن الصامت، وأُمهما قرة العين بنت عبادة بن فضلة، يقال له: الحُبلى لعظم بطنه، شهد العقبة الأُولى والثانية، وهو أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، وشهد بدراً وأُحداً وبيعة الرضوان والمشاهد كلّها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أحاديث وروى عنه كثيرون. وكان من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن الذين مضوا على منهاج نبيّهم ولم يغيروا ولم يبدلّوا. تهذيب الكمال: 14 / 183 برقم 3107 ; معجم رجال الحديث: 10 / 241 برقم 6167 .

صفحه 357
وسالم مولى امرأة من الأنصار، وهي أخذت ميراثه .
وكقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اسمع وأطع ولو كان عبداً حبشياً .
ورويتم عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): لو كنت مستخلفاً من هذه الأُمّة أحداً من غير مشورة لاستخلفت ابن أُم عبد.
الخامس عشر: روى أبو هريرة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ المرأة والكلب والحمار يقطعون الصلاة. فمشيت عائشة في خف واحدة، وقالت: لأخشنَّ أبا هريرة، فإنّي ربّما رأيت الرسول وسط السرير وأنا على السرير بينه و بين القبلة.
السادس عشر: روى أبو هريرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنّ الميت على مَنْ غسَلَهُ الغُسلُ، وعلى مَن حملَهُ الوضوء»، فبلغ ذلك عائشة فقالت: أنجاس موتاكم. وهذا تكذيب.
السابع عشر: عن إبراهيم أنّ علياً (عليه السلام) بلغه أنّ أبا هريرة يبتدئ بميامينه في الوضوء، وفي اللباس فدعا بماء فتوضّأ وبدأ بمياسيره، وقال: لأخالفنّ أبا هريرة.
الثامن عشر: انّ أصحاب عبد الله لمّا بلغهم خبر أبي هريرة: «مَن قام من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً» قالوا: إنّ أبا هريرة مكثارٌ، فكيف نصنعُ بالمهراس .
التاسع عشر: لمّا قال أبو هريرة: حدثني خليلي، قال له علي (عليه السلام): متى كان خليلك؟
العشرون: لما روى أبو هريرة: من أصبح جنباً فلا صوم له، أرسل مروان

صفحه 358
في ذلك إلى عائشة وحفصة فقالتا: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصبح جنباً ثم يصوم. فقال للرسول: اذهب إلى أبي هريرة وأخبره بذلك، فقال أبو هريرة: أخبرني بذلك الفضل بن عباس .
قال النظّام: والاستدلال به من ثلاثة أوجه.
أ. استشهد ميّتاً .
ب. لولم يكن متّهماً فيهم لما سألوا غيره.
ج. عائشة وحفصة كذّبتاه.
الواحد والعشرون: لمّا روى أبو سعيد الخدري خبر الربا، قال ابن عباس: نحن أعلم بهذا وفينا نزلت آية الربا، فقال الخدري: أُحدّثك عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وتقول لي ما تقول؟ والله لا أظلّني وإيّاك سقف بيت. وهذا تكاذب بين ابن عباس وأبي سعيد.
الثاني والعشرون: لمّا قدم ابن عباس البصرة سمع الناس يتحدّثون عن أبي موسى عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) (فكتب إليه) 1 فقال أبو موسى: لا أعرف منها إلاّ حديثاً.2
الثالث والعشرون: كان عمر إذا ولّى أصحاب رسول الله الأعمال وشيّعهم قال لهم عند الوداع: أقلّوا الحديث عن رسول الله .

1 . من المحصول للرازي: 2 / 159 .
2 . في المحصول: لا أعرف منها حديثاً.

صفحه 359
قال النظّام: فلولا التهمة وإلاّ لما جاز المنع من العلم.
الرابع والعشرون: رووا عن سهل بن أبي حثمة 1 في القسامة ثمّ إنّ عبد الرحمن بن عبيد قال: والله ماكان الحديث كما حدّث سهل، ولقد وهم، وإنّما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كتب إلى أهل خيبر: انّ قتيلاً وجد في أفنيتكم فدوه، فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه، ففداه الرسول من عنده .
قال محمد بن إسحاق: سمعت عمر بن شعيب في المسجد الحرام يحلف بالله الّذي لا إله إلاّ هو أنّ حديث سهل ليس كما حدّث.
الخامس والعشرون: قال أصحاب الشعبي 2 له: إنّ إبراهيم النخعي 3يحكي عنك انّك لا ترى طلاق المكره. قال: أنتم تكذبون عليَّ وأنا حيّ، فكيف لا تكذّبون على إبراهيم وقد مات.
السادس والعشرون: قال ابن أبي مليكة4: ألا تعجب حدّثني عروة عن

1 . في جميع النسخ «خيثمة» وما أثبتناه من كتب الرجال هو الصحيح. وهو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة عامر بن ساعدة بن عامر الأنصاري، أبوعبد الرحمن، صحابي صغير، ولد سنة ثلاثة للهجرة ومات في زمان معاوية، روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة، وعنه ابنه محمد وبشير بن يسار وصالح بن خوات وغيرهم. راجع أُسد الغابة: 2 / 363 ; الإصابة: 3 / 163 برقم 3536 ; تهذيب التهذيب: 4 / 248 ; تقريب التهذيب: 1 / 398 .
2 . هو أبو عمرو عامر بن شرحبيل الفقيه العامّي المعروف بالشعبي، وهو من المعلنين بعدائه لأمير المؤمنين (عليه السلام). معجم رجال الحديث: 10 / 210 برقم 6095 .
3 . هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، كان مفتي أهل الكوفة، مات سنة 96 هـ . تهذيب التهذيب: 1 / 155 برقم 325 .
4 . هو عبد الله بن أبي مليكة زهير، تابعي روى عن ابن عباس وابن عمر، وروى عنه عمرو بن دينار. الجرح والتعديل: 5 / 60 برقم 278 .

صفحه 360
عائشة أنّها قالت: أهللت بعمرة. وقال القاسم إنّها قالت: أهللت بحجّة.
السابع والعشرون: قال صدقة بن يسار 1 سمعت أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في الّذي يسافر وحده وفي الاثنين: «شيطان وشيطانان» .
قال: فلقيت القاسم بن محمّد فسألته عنه فقال: كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يبعث البريد وحده، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبه (وحدهما)2.
وهذا من القاسم تكذيب بهذا الخبر.
الثامن والعشرون: كان ابن سيرين يعيب الحسن في التفسير وكان الحسن يعيبه في التعبير ويقول: كأنّه من ولد يعقوب.
التاسع والعشرون: قال ابن عباس: الحجر الأسود من الجنة، وكان أشدّ بياضاً من الثلج حتى سوّدته خطايا أهل الشرك. فسئل ابن الحنفية عن الحجر وقيل: إنّ ابن عباس يقول: هو من الجنة، فقال: هو من بعض هذه الأودية .
قال النظّام: ولو كان كفر أهل الجاهلية سوّد الحجر لكان إسلام المؤمنين يبيضّه، لأنّ الحجارة قد تكون سوداء وبيضاء، ولو كان ذلك السواد من الكفر لوجب أن يكون سوادها بخلاف سائر الأحجار، ليحصل

1 . هو صدقة بن يسار الجزري، سكن مكة، روى عن: زياد النميري، وسعيد بن جبير، وطاووس بن كيسان، وعبد الله بن عمر، وغيرهم، روى عنه: جرير بن عبد الحميد، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، توفّي في أوّل خلافة بني العباس. تهذيب الكمال: 13 / 155 برقم 2871 .
2 . من المحصول: 2 / 160 .

صفحه 361
التمييز; ولأنّه لو كان كذلك لاشتهر، ذلك لأنّه من الوقائع العجيبة.
الثلاثون: روى أبو سعيد الخدري : أنّه لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، فقال له مروان: كذبت، وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت 1 وهما قاعدان على سريره، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لعرّفاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فسكتا، فرفع مروان عليه الدرة، فلّما رأيا ذلك قالا: صدق.
الواحد والثلاثون: قيل لعطاء بن أبي رباح:2 روى عكرمة 3 عن ابن عباس أنّه كان يقول: سبق الكتاب الخفّين، فقال: كذاب أنا رأيت ابن عباس يمسح على الخفّين.
الثاني والثلاثون: قال أيوب لسعيد بن جبير 4: إنّ جابر بن

1 . هو زيد بن ثابت الأنصاري، صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)منذ صباه، وكان من كتّاب الوحي، وكتب لأبي بكر وعمر، وهو الّذي تولّى كتابة المصحف في عهد أبي بكر وفي عهد عثمان كما رووا، وأحد من جمعوا القرآن على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد نقده السيد الخوئي، وكان من أصحاب الفتوى. معجم رجال الحديث: 8 / 347 برقم 4849 .
2 . هو عطاء بن أبي رباح مفتي أهل مكة ومحدّثهم، أبو محمد القرشي، مولاهم المكّي الأسود، ولد في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة عمر، سمع عائشة وأبا هريرة وابن عباس وغيرهم، وعنه: أيوب وحسين المعلم وابن جريج وخلق كثير. تذكرة الحفاظ: 1 / 98 .
3 . هو مولى ابن عباس، ليس على طريقنا ولا من أصحابنا. الخلاصة: 383 برقم 13 ; معجم رجال الحديث: 2 / 178 برقم 7765 .
4 . هو سعيد بن جبير، أبو محمد، مولى بني والبة، أصله كوفي، نزل مكة، تابعي، كان يأتمّ بعلي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، وكان يثني عليه، وماكان سبب قتل الحجاج له إلاّ هذا الأمر، وكان مستقيماً. رجال الطوسي: 114 برقم 1132، رجال ابن داود: 102 برقم 687 .

صفحه 362
زيد 1 يقول إذا زوّج السيّد العبد فالطلاق بيد السيّد، قال: كذب جابر.
الثالث والثلاثون: قال عروة لابن عباس: أضللت الناس يابن عباس قال: وما ذاك يا عروة؟ قال: تأمر الناس بالعمرة في هذه الأيام وليست فيها عمرة، قال: أفلا تسأل أُمّك عن هذا فإنّها قد شهدته، فقال عروة: فإنّ أبا بكر وعمر لا يفعلانه، قال: هذا الّذي أضلّكم أُحدّثكم عن رسول الله وتحدّثونني عن أبي بكر وعمر، فقال عروة: أبو بكر وعمر كانا أتبع لسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأعلم بها منك. وهذا تكذيب من عروة لابن عباس.
الرابع والثلاثون: قال أبو بكر: أيُّ سماء تضلّني وأيُّ أرض تَقلّني إذا قُلتُ في كتاب الله برأيي.
وثمّ سئل عن الكلالة. فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان .
قال النظّام: وهذان الأثران متناقضان .
وقال عمر: إنّي لاستحيي أن أُخالف أبا بكر .
قال النظّام: فإن كان عمر استقبح مخالفة أبي بكر، فلِمَ خالفه في سائر

1 . هو أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي اليحمدي، كان مولده بالحرقة ناحية بالقرب من عمان فاستوطن البصرة ونزل بها في الأزد، تابعي، روى عن: ابن عباس والحكم بن عمرو وابن عمر، وروى عنه: عمرو بن دينار وقتادة وعمرو بن هرم، كان جابر إباضياً، توفي سنة 93 هـ ، ويقال: ثلاث سنين ومائة.
مشاهير علماء الأمصار: 144 ; الجرح والتعديل: 2 / 494 برقم 2032 ; تهذيب التهذيب: 2 / 34 برقم 61 .

صفحه 363
المسائل؟! فإنّه خالفه في الجّد وفي أهل الردّة وفي قسمة الغنيمة .
وقدح النظّام 1 في ابن مسعود خاصة في إنكاره كون المعوذتين من القرآن، وغير ذلك من الأخبار الكثيرة .
وأمّا الخوارج 2 فقد طعنوا في الصحابة من وجوه3:
الأوّل: قبلوا خبر الواحد في مناقضة القرآن، وهو يوجب القطع بفساد ذلك الخبر، والطعن في العامل به .
لأنّه تعالى ذكر أنواع المعاصي من الكفر والقتل والسرقة ; واستقصى في الزنا بالنهي، فقال: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى)4، ثمّ توعّد عليه بالنار، ثمّ ذكر الجلد، ثمّ خصّه بإحضار المسلمين، وبالنهي عن الرأفة عليه، وجعل على مَن رمى غيره به جلده ثمانين، ولو رماه بالكفر أو القتل وهما أعظم لم يكن عليه ذلك، ثمّ منع من قبول شهادتهم أبداً وأكّده بفسقهم ثمّ ذكر من رمى به زوجته وبيّن أحكام اللعان، ثمّ قال: (الزَّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ

1 . نقل الرازي القدح في المحصول: 2 / 162 ـ 163 في سبعة وجوه، فراجع .
2 . هم الذين خرجوا على علي (عليه السلام)في صفين بعد قبول التحكيم، وهم يكّفرون علياً وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن صوَّبهما أو صوب أحدهما أو رضي بالتحكيم، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصحّحون المناكحات إلاّ على ذلك، ويكفّرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنّة، وقالوا بجواز الإمامة في غير قريش. من
فرقهم: المحكّمة الأُولى والأزارقة والنجدات والبيهسية والثعالبة والعجاردة والصفرية والإباضية. معجم الفرق الإسلامية: 112 ـ 113 .
3 . نقلها الرازي أيضاً في المحصول: 2 / 163 ـ 169 .
4 . الإسراء: 32 .

صفحه 364
مُشْرِكَةً)1، وخصّه بشهادة أربعة، ومع هذه المبالغات العظيمة كيف يجوز إهمال ما هو أعظم مراتبها، وهو الرجم. مع أنّه نفاه :
لقوله: (فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا)(2)، وهو صريح في الجلد على كل الزناة، وفي نفي الرجم .
وقوله: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الُْمحْصَنَاتِ)(3)، والرجم لا نصف له.
ولأنّه لو كان مشروعاً لنقل متواتراً، لأنّه من الوقائع العظيمة، فحيث لم ينقل دلّ على انتفاء المشروعية.
الثاني: خرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يوماً على أصحابه وهم يكتبون أحاديث من أحاديثه فقال: ما هذه الكتب أكتاباً مع كتاب الله؟! يوشك أن يغضب الله لكتابه، فلا يدع في قلب منه شيئاً إلاّ أذهبه .2
وروي أنّه (عليه السلام) قال: «إذا حدّثتم بحديث فأعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه وإلاّ فردّوه».3
ومع ذلك جوّزتم المسح على الخفّين مع صريح (وَامْسَحُوا)4.
وجعلتم جَلد العبد خمسين، والله تعالى ذكر ذلك في الإماء حيث قال: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الُْمحْصَنَاتِ)(7).

1 . النور: 3 .   2 . النور: 2 .   3 . النساء: 25 .
2 . مجمع الزوائد: 1 / 150 ; المعجم الأوسط: 7 / 287 ; كنز العمال: 1 / 199 برقم 1003 .
3 . التهذيب: 7 / 274، الحديث 5 ; تفسير الرازي: 3 / 371 .
4 . المائدة: 6 .   7 . النساء: 25 .

صفحه 365
ورددتم شهادة العبيد مع قوله: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ )1.
الثالث: ما روي عن الصحابة من شتم بعضهم بعضاً .
حكى ابن داب في مجادلات قريش قال: اجتمع عند معاوية: عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، والمغيرة بن شعبة، ثمّ أحضروا الحسن بن علي (عليهما السلام) ليشتموه، فلمّا أحضر تكلّم عمرو بن العاص وذكر علياً (عليه السلام) ولم يترك شيئاً من المساوئ إلاّ ذكر فيه، وفيما قال: إنّ علياً شتم أبا بكر وشرك في دم عثمان ـ إلى أن قال: ـ فاعلم أنّك وأباك من شر قريش .
ثمّ خطب كلّ واحد منهم بمساوئ علي (عليه السلام) والحسن ونسبوا علياً إلى قتل عثمان. فلمّا آل الأمر إلى الحسن خطب ثمّ بدأ يشتم معاوية وطوّل فيه ـ إلى أن قال له ـ : إِنّك كنت ذات يوم تسوق بأبيك ويقود به أخوك هذا القاعد وذلك بعد ما عمى أبو سفيان، فلعن رسول الله الجمل وراكبه وقائده وسائقه، وكان أبوك الراكب وأخوك القائد وأنت السائق .
ثمّ قال لعمرو بن العاص: إنّما أنت سُبَّة كما أنت فأُمّك زانية، اختصم فيك خمسة نفر من قريش، كلّهم يدّعي عليك أنّك ابنه، فغلب عليك جزّار من قريش، من ألأمِهم حسباً، وأقلّهم منصباً، وأعظمهم لعنة ما أنت إلاّ شانئ محمد، فأنزل الله على نبيه، (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)2، ثمّ هجوت رسول

1 . الطلاق: 2 .
2 . الكوثر: 3 .

صفحه 366
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بسبعين قافية، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): اللّهم إنّي لا أحسن الشعر، اللّهم العنه بكلّ قافية لعنة .
وأمّا أنت يابن أبي معيط فوالله ما ألومك أن تبغض علياً وقد جلدك في الخمر وفي الزنا وقتل أباك صبراً بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر، وسمّاه الله تعالى في عشر آيات مؤمناً وسمّاك فاسقاً، وأنت علج من أهل النوريّة.
وأمّا أنت ياعتبة فما أنت بحصيف فأُجيبك، ولا عاقل فأعاتبك، وأمّا وعيدك إيّاي بالقتل فهلا قتلت الّذي وجدت على فراشك مع أهلك.
وأمّا أنت يا مغيرة بن شعبة فمثلك مثل البعوضة إذا قالت للنخلة: استمسكي فإنّي عليك نازلة وقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك عليّ، وأمّا زعمك أنّه قتل عثمان، فلعمري لو قتل عثمان ماكنت منه في شيء وإنّك لكاذب .
قالت الخوارج: فهذه المشاتمة تدلّ على طعن بعضهم في بعض .
قالوا: وأخّر عثمان عن عائشة بعض أرزاقها، فغضبت ثمّ قالت: يا عثمان أكلت أمانتك وضيّعت الرعية وسلّطت عليهم الأشرار من أهل بيتك والله لولا الصلوات الخمس لمشى إليك قوم ذو بصائر يذبحونك كما يذبح الجمل، فقال لها عثمان : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَ امْرَأَةَ لُوط)1الآية. فكانت عائشة تحرّض عليه جهدها وطاقتها وتقول: أيّها الناس هذا قميص رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبل و قد بليت سنّته، اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً .

1 . التحريم: 10 .

صفحه 367
ثمّ ذهبت عائشة إلى مكة فلمّا قضيت الحجّ وقربت من المدينة أُخبرت بقتل عثمان، فقالت: ثمّ ماذا؟ فقالوا: بايع الناس علي بن أبي طالب، فقالت عائشة: قتل والله مظلوماً وأنا طالبة بدمه، والله ليوم من عثمان خير من علي الدهر كلّه .
فقال لها عبيد بن أُمّ كلاب 1: ولم تقولين ذلك؟ فوالله ما أظن أنّ بين السماء والأرض أحداً في هذا اليوم أكرم على الله من علي بن أبي طالب فلم تكرهين ولايته؟ ألم تحرضين الناس على قتله وقلت: اقتلوا نعثلاً فقد كفر، فقالت عائشة: إن قلت ذلك فقد رجعت عمّا قلت، وذلك أنّكم أسلمتموه حتى إذا جعلتموه في القبضة قتلتموه، فوالله لأطلبنَّ بدمه، فقال لها عبيد بن أُمّ كلاب: هذا والله تخليط يا أُمّ المؤمنين .
وأيضاً الخصومة العظيمة التي كانت بين عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمّار وبين عثمان، والخصومة الّتي كانت بين عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت حتى آل الأمر إلى الضرب والنفي عن البلد واللعن، وكلّ ذلك يقتضي توجه القدح إلى عدالة بعضهم .
وأيضاً مقتل عثمان والجمل وصفين .
قالت الخوارج: رأينا المحدّثين يجرحون الراوي بأدنى سبب، ومع علمهم بهذه القوادح يقبلون رواياتهم ويعملون برواية القادح والمقدوح

1 . هو عبيد بن سلمة الليثي، سمع من عمر بن الخطاب، وهو الّذي خرج من المدينة بقتل عثمان فاستقبل عائشة بسرف فأخبرها بقتله وبيعة الناس لعلي (عليه السلام)فرجعت إلى مكة، وكان علوياً .
الطبقات الكبرى: 5 / 88 ; الإصابة: 5 / 90 برقم 6413 .

صفحه 368
فيه، بل هؤلاء المحدِّثون أتباع كلّ ناعق، وعبيد كلّ مَن غلب، يروون لأهل كلّ دولة في ملكهم، فإن انقضت دولتُهم تركوهم .
ولأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كانت الصحابة تكتب كلامه من أوّله إلى آخره لفظاً لفظاً، وإنّما كانوا يسمعونه ثمّ يخرجون من عنده، وربّما رووا ذلك الكلام بعد ثلاثين سنة .
ومن المعلوم أنّ العلماء الذين تعوَّدوا تلقُّف الكلام لو سمعوا كلاماً قليلاً مرة واحدة فأرادوا إعادته في تلك الساعة بعين تلك الألفاظ من غير تقديم ولا تأخير، لعجزوا عنه فكيف بالكلام الطويل بعد المدة الطويلة من غير تكرار ولا كتابة.
ومن أنصف عَلِمَ أنّ الألفاظ المروية ليست ألفاظه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم بعد المدة الطويلة لا يمكن إعادة المعنى بتمامه، فإنّ الإنسان مظنّة النسيان، بل إنّما يعيد بعضه خصوصاً، وقد جرّبناهم فرأيناهم يروون المعنى الواحد بألفاظ كثيرة مختلفة مع زيادات ونقصانات .
وهذه المطاعن كلّها روايات آحاد 1 لا تعارض الآيات والأحاديث المشهورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الثناء على أصحابه، وهذه المطاعن مروية

1 . ما اعتذر به العلاّمة عن هذه المطاعن منقول عن المحصول للرازي: 2 / 169، وليست نظريته خاصّة، ومن المعلوم أنّ كلّ واحد من هذه المطاعن بصورة الآحاد ولكن المجموع من حيث المجموع متواتر بالمعنى، وأنّ صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكونوا على مستوى واحد في الفضائل والمناقب، فقد كان بعضهم بمكانة يستدر بهم الغمام، وأمّا غيرهم فقد كانوا على صنوف أوضحنا حالهم في الجزء الأوّل من كتاب «بحوث في الملل والنحل» الفصل السادس تحت عنوان الصحابة بين العدالة والبرهان، فراجع .

صفحه 369
بالآحاد فإن فسدت (رواية الآحاد فسدت) 1 رواية هذه المطاعن. وإن صحّت فسدت هذه المطاعن أيضاً .
ومطاعن الخوارج مبنية على أنّه لا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وقد تقدّم جوازه ; وقولهم: الظاهر أنّ هذه الألفاظ ليست ألفاظ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ضعيف بالظاهر من عدالة الرواة.2

1 . ما بين القوسين من المحصول: 2 / 169 .
2 . ذكر الجواب عن هذه المطاعن الرازي في المحصول: 2 / 169 .

صفحه 370
 
الفصل الخامس:

في خبر الواحد

وفيه مباحث:

الأوّل: في حدّه

قال بعضهم 1: خبر الواحد ما أفاد الظنّ، وهو غير مطّرد بالقياس فإنّه يفيد الظنّ وليس خبر واحد، وغير منعكس فإنّ الواحد لو أخبر بما لم يحصل معه الظنّ فإنّه خبر واحد. وإن لم يفد الظنّ، فقد وجد المحدود دون الحد في الثاني وبالعكس في الأوّل مع أنّ الظنّ قد يراد به العلم لقوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ)2 أي يعلمون. والحد يجب عدم استعمال المشترك فيه .
وفيه نظر، لأنّ استعماله في العلم مجاز، فلا يمنع من ذكره في الحد إذا أُريد منه حقيقته .
في أنّ خبر الواحد لا يفيد العلم   
وقيل3: ما كان من الأخبار غير منته إلى حد التواتر .

1 . القائل بعض الأشاعرة كما ذكر الآمدي في الإحكام: 2 / 47 .
2 . البقرة: 46 .
3 . القائل هو الآمدي في الإحكام: 2 / 48 .

صفحه 371
والأقرب أنّه ما لم يفد العلم من الأخبار، وإن زاد رواته على ثلاثة سمَّي مشهوراً ومستفيضاً.

البحث الثاني: في أنّ خبر الواحد لا يفيد العلم

ذهب المحقّقون إلى أنّ خبر الواحد العدل إذا تجرد عن القرائن لا يفيد العلم .
وقال بعض أهل الظاهر وأحمد بن حنبل في رواية: إنّه يفيد العلم في كلّ شيء .
وقال بعضهم: إنّه يفيد العلم في بعض الأشياء لا في الجميع .
لنا وجوه:
الأوّل: لو أفاد خبر الواحد العلم لأفاده كلّ خبر، كالمتواتر لما أوجب العلم، كان كلّ متواتر موجباً له.
اعترض 1 بأنّه قياس تمثيلي لا يفيد العلم، ولأنّ العلم عقيب التواتر إن كان ضرورياً كان من فعله تعالى، فجاز أن يخلقه عقيب كلّ تواتر لمصلحة يعلمها مختصة بالتواتر. وإن كان مكتسباً فإنّ استواء جميع أخبار التواتر فيما لابدّ منه في حصول العلم ولا يلزم من ذلك استواء جميع أخبار الآحاد .
وفيه نظر، لأنّ المقتضي يستلزم وجوده وجود معلوله، فلو كان خبر

1 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2 / 49 .

صفحه 372
الواحد موجباً للعلم لاستند إلى كونه خبر واحد، وهو موجود في كلّ خبر واحد.
الثاني: تأثيرات الأدلّة في النفوس بحسب المؤثر ولا نجد في أنفسنا من خبر الواحد وإن بلغ الغاية في العدالة سوى ترجيح صدقه على كذبه من غير قطع، وذلك غير موجب للعلم .
اعترض 1 بأنّ حاصلها يرجع إلى محض الدعوى في موضع الخلاف من غير دلالة، ومع ذلك فهي معارضة بالمثل فإنّ الخصم يقول: أنا أجد في نفسي العلم .
الثالث: لو أفاد خبر الواحد العلم، لما روعي فيه شرط الإسلام والعدالة كما في التواتر.
اعترض 2 بجواز أن يكون الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم عنده إن جعل العلم عقيب التواتر ضرورياً، وهو غير لازم في خلقه عند خبر من ليس بمسلم ولا عدل، أو أن يكون التواتر من حيث هو تواتر مشتملاً على ما يوجب العلم، إن قيل إنّه كسبي، وخبر من ليس بمسلم ولا عدل غير مشتمل على ذلك.
الرابع: لو إفاد العلم لتناقضت الأحكام عند تناقض الروايات .
وفيه نظر، لاحتمال أن تكون الإفادة مشروطة بعدم المعارض، كما لو

1 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2 / 49 .
2 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2 / 49 .

صفحه 373
أخبر جماعة لولا حصول معارض لإخبارهم لأفاد العلم مع عدم الطعن في إفادة المتواتر للعلم.
الخامس: كلّ عاقل يجد من نفسه تزايد اعتقاده المستفاد من خبر الواحد عند ازدياد الإخبار، ولو كان الأوّل مفيداً للعلم لامتنعت الزيادة .
لا يقال: العلوم تتفاوت في الزيادة والنقصان كالضروري فإنّه أقوى من الكسبي .
لأنّا نقول: نمنع التفاوت بين العلوم من حيث هي علوم بزيادة أو نقصان، لاستحالة احتمال النقيض عنها قطعاً وإلاّ لم تكن علوماً. والتفاوت بين النظري والضروري ليس في نفس العلم بالمعلوم، بل من حيث الافتقار في النظري وعدمه في الضروري.
السادس: لو أفاد العلم لحصل العلم بنبوة مَن أخبر بكونه نبياً من غير حاجة إلى معجزة دالّة على صدقه، ولوجب أن يحصل للحاكم العلم بشهادة الواحد فيستغني عن آخر وعن التزكية .
وفيه نظر، لأنّ خبر المتواتر يشترط فيه عدم الداعي إلى التواطؤ على الكذب ففي خبر الواحد أولى، وهنا داع إلى الكذب وأمّا الشهادة فلمّا عارضها قول المنكر لم يبق الواحد مفيداً للعلم.
السابع: لو حصل العلم بخبر الواحد لوجب تخطئة مخالفه بالاجتهاد وتفسيقه، ولصحّ معارضه بالتواتر، وأن يمتنع التشكيك بما يعارضه كما في التواتر .

صفحه 374
وفيه نظر، لإمكان اتّصاف غير العالم بما ينافي العلم كما شرط المرتضى في إفادة التواتر العلم عدم السبق بشبهة تخالف الخبر.
احتج المخالف بوجوه1:
الأوّل: قال تعالى: (وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)2 نهى عن اتّباع غير العلم، وقد أجمعنا على قبول خبر الواحد، فلو لم يفد العلم لكان الإجماع منعقداً على مخالفة النص، وهو باطل.
الثاني: ذمّ تعالى اتّباع الظنّ، فلو لم يفد خبر الواحد العلم لدخل العامل به تحت الذم.
الثالث: لو لم يفد العلم لما أوجبه، وإن كثر العدد إلى حد التواتر، لأنّ ما جاز على الأوّل جاز على ما بعده.
الرابع: لو لم يفد العلم، لما شاع قتل المقر على نفسه بالقتل، ولا بشهادة اثنين عليه لكونه قاضياً على دليل العقل وأصالة البراءة .
قال علي (عليه السلام): «ما حدّثني أحد بحديث إلاّ استحلفته إلاّ أبا بكر».3وقطع بصدقه وهو واحد. هذه حجّة من فرق بين خبر وخبر .
في جواز التعبد عقلاً بخبر الواحد   
والجواب عن الأوّل والثاني: أنّ الإجماع دلّ على وجوب العمل بخبر

1 . ذكرها الآمدي أيضاً والأجوبة عنها في الإحكام: 2 / 51 ـ 53 .
2 . الإسراء: 36 .
3 . تفسير الطبري: 4 / 129. والرواية ضعيفة، ولعلمائنا عليها طعون وردود، راجع تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى: 203 ـ 204 ; الإيضاح للفضل بن شاذان: 518 ; الفصول المختارة: 333.

صفحه 375
الواحد، فاتّباعه اتّباع العلمي لا الظني، أو يحمل على المنع من اتّباع الظنّ في أُصول الدين كوجود الصانع وصفاته.
وعن الثالث: أنّ حكم الجملة ] قد [ يخالف حكم الآحاد.
وعن الرابع: أنّ أحكام الشرع لا تتوقّف على اليقين بالإجماع، ولأنّ فيه نظر فإنّا لم نقتله باعتبار أنّه قتل، بل باعتبار إقراره أو البيّنة الّتي جعلهما الشارع سبباً لترتيب الأحكام .
وعن الخامس: لا يلزم من عدم الاستحلاف القطع بالتصديق بل الظن.

البحث الثالث: في جواز التعبد عقلاً بخبر الواحد

الأكثر على جواز التعبّد بخبر الواحد العدل عقلاً، خلافاً للجبّائي وجماعة من المتكلمين .1
لنا: إنّ فرض وقوعه لا يستلزم المحال فكان جائزاً، بل ولا استبعاد فيه، وتجويز الكذب لا يمنع من ذلك، كما في المفتي والشاهدين ; ولأنّه واقع على ما يأتي فيكون جائزاً بالضرورة، ولأنّه خبر فجاز التعبّد بالعمل به كالمتواتر، والفارق لا يصلح مناطاً للحكم، لأنّه شيئان:
الأوّل: العمل بخبر الواحد غير معلوم، وهو باطل بأن يدلّ دليل قاطع على وجوب العمل به فيحصل العلم بوجوب العمل به كالمتواتر.

1 . ذكره الآمدي في الإحكام: 2 / 60، المسألة 6 .

صفحه 376
الثاني: العمل به موقوف على صدق الخبر ووجوب العمل وصحّته لا يقفان على الظن. وهو باطل، لجواز توقّفه على الظن، لأنّ الفعل الشرعي إنّما يجب لكونه مصلحة، ولا يمتنع أن يكون مصلحة إذا فعلناه ونحن على صفة مخصوصة وكوننا ظانّين بصدق الراوي صفة من صفاتنا فدخلت في جملة أحوالنا الّتي يجوز كون الفعل عندها مصلحة. ولهذا يلزم المسافر سلوك طريق وتجنب آخر إذا أخبر بسلامة ذاك واختلال هذا مَنْ يُظنْ صدقُه، ويجب على الحاكم العمل بالشهادة مع ظنّه .
فإن قيل 1: نمنع عدم استلزام المحال باعتبار أمر خارج وإن لم يكن ذاتياً .
وبيانه: أنّ التكليف مبني على المصلحة ودفع المفسدة، فلو تعبدنا باتّباع خبر الواحد والعمل به، لزم الإقدام على المفسدة بأن يتضمّن الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سفك الدم أو استحلال محرّم مع احتمال كذبه، فلا يكون في العمل بمقتضى قوله مصلحة، بل محض مفسدة، وهو خلاف الشرع، ولهذا امتنع العمل بخبر الصبيّ والفاسق .
ثمّ فرّقوا بين الشهادة والخبر من وجوه2:
الأوّل: الشهادة إنّما تقبل فيما يجوز فيه الصلح وفي أُمور الدّنيا، بخلاف الخبر عن الله وعن الرسول، فكانت المفسدة في الشهادة أبعد .

1 . الإحكام: 2 / 61 .
2 . ذكرها أيضاً الآمدي والأجوبة عنها في الإحكام: 2 / 61 .

صفحه 377
الثاني: الخبر يقتضي إثبات الشرع بخلاف الشهادة بأنّ زيد قتل وسرق فإنّه لا يثبت به شرع.
الثالث: الحكم عند الشهادة يثبت بدليل قطعي وهو الإجماع، والشهادة شرط وخبر الواحد عندكم دليل مثبت للحكم الشرعي ولا يجعلونه شرطاً .
والجواب: ينتقض ما ذكروه أوّلاً: بورود التعبّد بقبول شهادة الشهود وقول المفتي، ويجوز ورود الخبر فيما يتعلّق بأُمور الدنيا كالأخبار المتعلّقة بأنواع المعاملات .
وينتقض بالشهادة فيما لا يجري فيه الصلح كالفروج .
والخبر كما يقتضي إثبات أمر شرعي، فكذا الشهادة على القتل والسرقة وغير ذلك يستلزم إثبات أمر شرعي وهو وجوب القتل أو القطع.
والحكم عند الخبر يثبت بدليل قاطع، فوجب العمل به كالشهادة.
احتجّوا بوجوه 1:
الأوّل: خبر الواحد يوجب الظنّ، وقد نهي عن العمل به في قوله:(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)2، وقوله: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ )(3)، وقوله: (إِنَّ
الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)3 .

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 2 / 61 ـ 62 .
2 . الإسراء: 36.   3 . الأنعام: 116 .
3 . يونس: 36 .

صفحه 378
الثاني: لو جاز قبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عند ظن الصدق، لجاز التعبّد بخبر الواحد عن الله تعالى في الأحكام الشرعية بدون اقتران المعجز. والتالي باطل بالإجماع، فالمقدّم مثله.
الثالث: لو جاز التعبّد به في الفروع لجاز في الأُصول.
الرابع: لو جاز التعبّد به لجاز في نقل القرآن .
الخامس: أخبار الآحاد قد تتعارض فلو ورد التعبّد بها لكان وارداً بالعمل بما لا يمكن العمل به ضرورة التعارض الممتنع على الشارع.
السادس: الشرعيات مصالح، والواحد يجوز أن يكذب في إخباره من فعل أو ترك فلا نأمن أن يكون ما تضمّنه خبره مفسدة .
والجواب من حيث الإجمال ومن حيث التفصيل .1
أمّا الإجمال: فالنقض بخبر المفتي والشاهد والمقوّم والقسّام وغير ذلك .
وأمّا التفصيل فالجواب:
عن الأوّل: أنّ العمل بخبر الواحد معلوم لا مظنون وهو الإجماع ; ولأنّ دلالة الآيات على المنع من خبر الواحد ليست معلومة، بل مظنونة، فهو لازم على الخصم.

1 . ذكرها الآمدي في الإحكام: 2 / 62 ـ 64 .

صفحه 379
وعن الثاني: أنّ الخبر إنّما يجب العمل به لو حصل ظن صدقه، أمّا عند ظن الكذب فلا، وكذب المخبر عن الله بغير ظهور معجزة مظنون.
وعن الثالث: بمنع الملازمة، فإنّ المعتبر في الأُصول القطع واليقين دون الظن بخلاف الفروع.
وعن الرابع: أنّ القرآن معجز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)دالّ على صدقه، فيجب القطع في إثباته ليحصل العلم بالنبوة.
وعن الخامس: التعارض لا يمنع من التعبّد بالراجح، وبالتخيير مع عدمه، سلّمنا لكن لا يلزم من بطلان العمل بالخبر مع قيام معارض بطلان العمل به مطلقاً.
وعن السادس: قال قاضي القضاة1: الّذي لابدّ منه في الواجب الشرعي كونه مصلحة مدلولاً عليه إمّا بعينه أو بصفته، فإذا قامت الدلالة على وجوب العمل عند خبر الواحد وظننا صدقه، علمنا أنّ العمل صلاح لنا، كما نعلم أنّ قطع اليد صلاح عند البيّنة .
اعترضه أبو الحسين 2 بأنّه لا يبطل قول المخالف، لأنّ الراوي إذا جاز عليه الكذب لم يأمن أن يخبر بالمفسدة .
ومتى ثبت للمخالف ذلك، كان له أن يقول: لا يجوز أن يدلّ الدلالة على ما ذكرتم .

1 . نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 2 / 104 .
2 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 104 .

صفحه 380
لا يقال: قيام الدلالة على وجوب العمل بما ظنناه يدلّ على صدق الخبر .
لأنّا نقول: فيجب أن يقطعوا على صدقه، ولأنّه لو جاز ذلك لجاز أن تدلّ الدلالة على أن نحكم بما نريد، فيعلم أنّ كلّ ما نريد الحكم به فهو صواب.
فإن منعتم من جوازه في كلّ ما نريده منعنا اتّفاق الصواب في كلّ ما يظنّ صدق الراوي فيه، وما ذكره من الحكم عند البيّنة نقض عليهم، لأنّه يجوز كذب الشهود فيقطع يداً لا يستحق قطعها .
وأجاب1: بأنّ الفعل قد يكون صلاحاً إذا فعلناه ونحن على حالة مخصوصة، ولا يمتنع أن يكون متى ظننّا صدق الراوي أو كنّا ممّن يجوز ظن صدقه لأمارة صحيحة، فمصلحتنا أن نفعل ما اقتضاه الخبر، صَدَقَ الراوي أو كَذَبَ، كما نقوله في الحكم عند البيّنة، وإذا لم يمتنع ذلك لم يجب ما قالوه من أنّ جواز كذب الراوي يلزمه تجويز كون الفعل الذي رواه مفسدة، كما لا يلزم مثله في البيّنة .
لا يقال: إن جعلتم ظنّكم صدق الراوي طريقاً إلى المصلحة ومنعتم من جواز الخطأ فقد جعلتم الظن علماً ولزمكم قبول خبر الواحد في الاعتقادات. وإن جوّزتم الخطأ في الظن لم يجز كونه طريقاً إلى القطع على أنّ ما فعلتموه مصلحة، وإن جاز ذلك مع جواز كونه خطأ جاز أن يكون طريقاً إلى الاعتقادات وجاز ورود التعبّد به فيها، وإن جعلتموه شرطاً في

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 104 .

صفحه 381
كون فعلكم مصلحة فلم لا يجوز كون الفعل مصلحة إذا ظننا كذب الراوي أو اشتهينا فعله، وإذا اخترناه وأن يرد التعبّد بذلك .
لأنّا نقول: أجاب قاضي القضاة1 بجواز كون هذه الأشياء أسباباً يجب عندها الفعل .
وأجاب أبو الحسين 2: بأنّا جوّزنا كون الفعل مصلحة عند حالة من حالاتنا، ثمّ بيّنّا أنّ ظن صدق الراوي ممّا يشهد العقل بجواز كونه شرطاً في المصلحة بما ذكرناه من الحكم بالبيّنات، وكما أنّ العقل شاهد بذلك فهو شاهد بأنّ ما ذكرتموه لا يكون شرطاً في وجوب الفعل، على أنّ القول بأنّه «ينبغي أن يعمل الإنسان بما يشتهيه» إسقاط للتكليف، لأنّه بمنزلة أن يقال: افعل ما تختاره دون ما لا تختاره، ونحن إنّما نتكلّم في تكليف على صفة هل يحسن أم لا؟ وقصد السائل أن يلزمنا على هذا التكليف تكليفاً آخر على صفة أُخرى، وليس قصده إلزامنا إسقاط التكليف، فقد ظهر أنّه لم يلزم ما قصد إلزامنا .
لا يقال: يجوز أن يقال: إذا اخترت الفعل واشتهيته ولم يصرفك عنه صارف فقد وجب عليك فعلُه ما دمت مريداً له، وإن لم تكن مختاراً لم يجب عليك .
لأنّا نقول: لا يجوز ذلك، لأنّه والحال هذه لابدّ من كونه فاعلاً، فإيجاب ذلك لا يصحّ.

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 105 .
2 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 105 .

صفحه 382
في وقوع التعبد بخبر الواحد   
 
البحث الرابع: في وقوع التعبّد به
اختلف القائلون بجواز التعبّد به عقلاً، فمنهم من قال : قد وقع التعبّد به، ومنهم من قال: لا يقع .
والأوّلون اتّفقوا على أنّ الدليل السمعي دلّ عليه، واختلفوا في الدليل العقلي هل دلّ عليه ؟
فقال القفّال وابن سريج وأبو الحسين البصري 1: إنّ الدليل العقلي دلّ على وقوع التعبّد به .
وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي 2 وأكثر المعتزلة 3 والأشاعرة: إنّ دليل التعبّد به السمع لا غير .4
وأمّا الذين قالوا لم يرد التعبد به فقد افترقوا ثلاث فرق:
الأُولى: لم يوجد ما يدلّ على كونه حجّة فوجب القطع على أنّه ليس بحجّة. وهو قول السيّد المرتضى.5
الثانية: ورد في الأدلّة السمعية ما يدلّ على أنّه ليس بحجّة.

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 2 / 106 .
2 . عدة الأُصول: 1 / 100 .
3 . كأبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار.
4 . للاطّلاع على المزيد راجع المحصول: 2 / 170 ; عدة الأُصول: 1 / 98 .
5 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2 / 528 .

صفحه 383
الثالثة: الدليل العقلي دلّ على امتناع العمل به .
واتّفق الناس كافّة على جواز العمل بالخبر الّذي لا يعلم صحّته في الفتوى والشهادة وفي الأُمور الدنيوية .
والحقّ وقوع التعبّد به لوجوه1:
الأوّل: قوله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ