welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 2*
تألیف :العلامة الحلی*

نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 2

صفحه 5
الذكرى المئوية السابعة لرحيل العلاّمة الحلّي (قدس سره)   
    نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 2

الذكرى المئوية السابعة

لرحيل العلاّمة الحلّي (قدس سره)

إنّ تقدير العلماء وتخليد ذكرهم يُعدّ من صفات الأُمم الراقية والمجتمعات الواعية، لأنّه يُساهم في تكريس قيمة العلم، وإعلاء دوره ومكانته، وفي جعل العالِم في موضع الأُنموذج والقدوة الّتي تُحتذى، ممّا يحفِّز هِمم الأجيال الصاعدة للتسابق إلى كسب العلم، وإحراز المواقع المتقدّمة في ميادينه.
كما أنّ تجديد ذكرى العلماء المتميّزين يوجّه أنظار أبناء الأُمّة إلى آرائهم وعطائهم ومواقفهم، فتصبح محوراً للدراسة والاهتمام، ومورداً للبحث والاستلهام.
ولأجل ذلك، نرى المجتمعات المتقدّمة تبتكر مختلف الأساليب والوسائل لتقدير وتخليد عظمائها وعلمائها، كعقد المؤتمرات لدراسة أفكارهم وآرائهم، ورصد الجوائز التقديرية بأسمائهم، والسعي إلى إبرازهم على

صفحه 6
المستوى العالمي كرموز وشخصيات عالمية تستقطب الاهتمام والاحترام على الصعيد البشري العامّ.
وفي تاريخ أُمّتنا الإسلامية الحضاري والعلمي كفاءات عظيمة وشخصيات رائدة لكنّها لم تنل ما يناسب حقّها ومكانتها من الاحترام والتقدير، فأغلب تلك الكفاءات واجهت في حياتها المشاكل والصعوبات من قبل الحاكمين المستبدين، والحاسدين الحاقدين، والجهلاء الغوغائيين; وبعد وفاتها قوبلت بالتجاهل والإهمال.
لقد ضاع كثير من تراث علمائنا السابقين، ولا يزال قسم كبير منه مخطوط يتراكم عليه الغبار، ولم تتح له فرصة النشر والظهور.
وكم من أفكار عميقة، وآراء دقيقة، ونظريات ثريّة، تفتقت عنها أذهان علماء أفذاذ ، تستحق الدراسة والبحث، وأن تعقد حولها المؤتمرات، ولكنّها بقيت مركونة مهملة بسبب أجواء التخلّف الّتي أبعدتنا عن الاهتمام بتقدير العلماء وتخليد ذكراهم، فكان في ذلك حرمان لأجيال الأُمّة، وخسارة لمستقبلها في العلم والمعرفة.
وفي طليعة علماء الأُمّة الأفذاذ الذين يستحقّون أعلى درجات التقدير والتمجيد والتخليد، نابغة عصره ونادرة دهره آية الله العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الأسدي (648 ـ 726 هـ).
لقد ظهر نبوغه العلمي في حداثة سنه، وانتهت إليه زعامة الشيعة الإماميّة الذين لا يلقون أزمة أُمورهم ومرجعيتهم الدينية إلاّ للمتفوّق على أهل زمانه في العلم والفضل.

صفحه 7
كان (رحمه الله) كتلة من النشاط والحركة العلمية الدائبة طوال حياته الشريفة، لم يترك البحث والتأليف حتّى في حالة السفر وركوب الدابة.
ومن أهم نقاط تميّزه العلمي، عمق أبحاثه ودقّة تحقيقاته وثراء عطائه في مجال الأُصولين: أُصول الدين وأُصول الفقه، حيث تبلغ مؤلّفاته في هذين الحقلين أكثر من ثلاثين كتاباً، بعضها يقع في عدة مجلدات، إضافة إلى كتاباته المختلفة في سائر مجالات العلوم، كمؤلّفاته الكثيرة العميقة في الفقه الإسلامي.
ولو لم يكن من عطاء العلاّمة الحلّي إلاّ كتابه (نهاية الوصول إلى علم الأُصول) لكفى ذلك في إظهار عبقريته، وإبراز تفوّقه، وكشف عمق تفكيره وسعة معارفه، وإحاطته بالآراء المطروحة في المسائل الأُصولية في زمانه.
كما يكشف الكتاب عن مستوى أخلاقي متقدّم لدى العلاّمة الحلّي يتجلّى في أمانة نقله لآراء الآخرين، واجتهاد في فهم مقولاتهم على أفضل فروض الصحة ما أمكن، ثم التزام النهج العلمي والموضوعية في مناقشة الآراء بعيداً عن التعصّب والانحياز، إلاّ إلى ما يقود إليه الدليل الصادق والبرهان الصحيح.
إنّ هذا النهج في البحث العلمي والحوار الموضوعي الّذي سلكه العلاّمة الحلّي وأرسى قواعده في كتاباته المختلفة، لهو النهج الّذي تحتاجه الأُمّة لتجاوز حالات القطيعة والنزاع بين طوائفها واتّباع مذاهبها الإسلامية المختلفة.
فالتعارف الصحيح الّذي يوضح صورة كلّ طرف أمام الآخر على حقيقتها، وليس من خلال الإشاعات والاتّهامات الباطلة، هو الأرضية المناسبة للتقارب والتواصل بين فئات الأُمّة على تنوّع مشاربها ومذاهبها، كما يقول الإمام

صفحه 8
شرف الدين (رحمه الله): إنّ المسلمين إذا تعارفوا تآلفوا.
كما أنّ الحوار العلمي الموضوعي شرط ضروري لإثراء المعرفة، وبلورة الرأي والاقتراب من موقع الحقيقة والصواب .
ومن توفيق الله تعالى لمؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)أن تقوم بتحقيق هذا الكتاب وتقديمه إلى عالم الفكر والمعرفة بطباعة أنيقة جميلة .
ooo
ونودّ الإشارة أخيراً إلى أنّ هذا العامّ (1426 هـ) يصادف الذكرى المئوية السابعة لوفاة العلاّمة الحلّي سنة (726 هـ) لذا نهيب بحوزاتنا العلمية، ومؤسّساتنا الدينية، أن تستثمر هذه المناسبة في الاحتفاء بذكرى هذا الطود العظيم في العلم والمعرفة، الّذي كرّس حياته للدفاع عن خط أهل البيت(عليهم السلام)وتبيين معالم مدرستهم في العقيدة والشريعة.
ومن أهم مظاهر الاحتفاء بذكرى العلاّمة الحلي الاهتمام بتحقيق وطبع تراثه العلمي ونتاجه المعرفي على شكل موسوعة كاملة، وترجمة بعض مؤلّفاته إلى اللغات العالمية الحيّة، ليرى المفكرون المعاصرون سعة أُفق الفكر الإسلامي وعمق مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
كما أنّ عقد مؤتمر علميٍّ في هذه المناسبة لدراسة حياة هذا الرجل العظيم وقراءة أفكاره وآرائه، سيبعث حركة وموجاً ثقافياً فكرياً في أوساطنا العلمية وساحتنا الإسلامية.
رحم الله العلاّمة الحلّي وأعلى درجته ومقامه، ووفق الله العاملين في

صفحه 9
خدمة الدين والعلم، لمواصلة مسيرته المقدسة، وتخليد ذكراه العطرة، بإحياء آثاره وعلومه.
وفي الختام يتقدّم المؤسس بالشكر الجزيل للعلاّمة الحجة الشيخ إبراهيم البهادري الّذي قام بتحقيق هذا الكتاب على أحسن وجه، شكر الله مساعيه الجميلة ووفقه لأعمال علمية أُخرى .
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدسة
10 ربيع الأوّل 1426 هـ

صفحه 10

صفحه 11
شبهات وإيضاحات حول أُصول الفقه للشيعة الإماميّة   

شبهات وإيضاحات

حول أُصول الفقه

للشيعة الإماميّة

لقد قمنا بزيارة المملكة المغربية في مستهلّ عام 1425 هـ ، وتعرّفت على رجال الفكر والثقافة في تلك البلاد من خلال إلقاء المحاضرات في غير واحدة من جامعاتها وحول مواضيع مختلفة. وقد دُوّنت خاطراتنا حول هذه الرحلة في كتاب سمّي «على ضفاف جبل طارق» وسيصدر قريباً إن شاء الله تعالى .
وممّا يجب ذكره: إنّي قد ألقيت محاضرة حول تطوّر أُصول الفقه عند الإمامية في جامعة القرويين في مدينة فاس بتاريخ 4 محرم الحرام 1425 هـ ، وذكرت فيها التطوّر الّذي أحدثه علماء الإمامية في علم الأُصول عبر القرون على نحو لا يُرى نظيره في المدارس الأُخرس، وذكرنا نماذج من تقدم الحركة الأُصولية، وقد أعقبت هذه المحاضرة مناقشات واستفسارات أجبنا عنها حسب ما سمح لنا الوقت بذلك.

صفحه 12
وفي اليوم الأخير من سفرنا والّذي غادرنا فيه المملكة المغربية زرنا صباحاً مؤسسة «دار الحديث الحسنية» الّتي يديرها الدكتور أحمد الخمليشي، وقد استقبلونا بحفاوة وتكريم، وتعرّفنا هناك على عدد من الأساتذة المحترمين من أصحاب الاختصاصات المتنوّعة، وقد دار الحديث خلال هذه الزيارة في مواضيع عديدة لا يسع المجال لذكرها هنا.
كلّ ذلك كان بفضل ربنا سبحانه وتعالى حيث التقينا بشخصيات علمية بارزة، ولمسنا منهم حب المعرفة والاطّلاع على مذهب الشيعة الإماميّة والتقريب بين المسلمين، والاهتمام بالتبادل الثقافي بين الجمهورية الإسلامية والمملكة المغربية.
ooo
وقد وقفنا في هذه الأيام على مقال نشر في العدد الثاني من مجلة «الواضحة»، الصادرة عن «دار الحديث الحسنية» في المغرب المؤرخ في 1425 هـ ـ 2004 م تحت عنوان «أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية ـ تقديم وتقويم» بقلم: الدكتور أحمد الريسوني، الأُستاذ في جامعة محمد الخامس في الرباط.
ومن حسن الحظ أنّا قد التقينا بصاحب المقال مرتين :
الأُولى: خلال إلقاء محاضرة في كلية الآداب والعلوم الإسلامية جامعة محمد الخامس، والّتي كان موضوعها: «الفقه الإسلامي وأدواره التاريخية».
الثانية: كانت خلال الحفل الّذي أُقيم في سفارة الجمهورية الإسلامية في المغرب لتكريم ضيفها.
ونشكر الله الّذي هيّأ لنا هذه اللقاءات الأخوية.

صفحه 13
وقد قرأت المقال ووجدت أنّ المواضيع الّتي تخضع للبحث والنقاش فيه عبارة عمّا يلي:
1. تأخّر الشيعة في تدوين علم الأُصول عن السنّة.
2. أدلّة الأحكام عند الشيعة الإمامية، ومنها سنّة الأئمة الاثني عشر والإجماع.
3. الإمامية ترفض الأخذ بالقياس والاستصلاح لأنّها أدلّة ظنية، وفي الوقت نفسه يعملون بالظنّيات كالعمل بأخبار الآحاد.
4. الإمامية يقولون بحجّية الدليل العقلي بينما يرفضون القياس وهو من بديهيات العقول وأوّلياتها.
5. الإمامية ترفض حجّية المصلحة؟! ولكنّهم يأخذونها بأسماء وأشكال متعدّدة.
هذه هي المحاور الّتي يدور عليها مقال الدكتور الّذي مارس النقد البنّاء، واستعرض وجهة نظره بعبارات مهذّبة ، ونحن نتناول تلك الأُمور بالبحث والمناقشة ضمن فصول، خضوعاً لما أفاده في مقدّمة مقاله قائلاً:
على أنّني حين أضع هذا المقال في سياق التقريب والسعي نحو التفاهم، فإنّي لا أنفي حتمية النقاش الصريح والنقد الحر المتبادل، لأنّ التقريب المنشود لا يمكن أن يبنى على المجاملة أو المحاباة، ولكنّه بحاجة إلى تحسين الظن، وتهذيب الخطاب، وتحمّل النقد بحثاً عمّا فيه من حق لقبوله، لا بحثاً ـ فقط ـ عمّا فيه من مداخل لنقضه وتسفيهه .

صفحه 14
 
1
التقدّم في التأسيس أو التدوين
إنّ واقع العلم المنتشر قائم بأمرين:
1. إلقاء الأفكار الّتي تقدح في أذهان المؤسّسين إلى تلاميذهم.
2. تدوين الأفكار من قبل المؤسّسين أو تلاميذهم الذين اقتبسوا من أضوائهم واستلهموا تلك الأفكار.
وليس علم الأُصول شاذّاً عن هذه القاعدة.
إذا كانت الغاية من علم الأُصول هو تعليم الفقيه كيفية إقامة الدليل
على الحكم الشرعي واستنطاق الأدلّة الشرعية لاستنباط الحكم الشرعي
في الحقول المختلفة، فإنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ـ لاسيّما الإمامين الباقر
والصادق (عليهما السلام)ـ هم السابقون في هذا الميدان، فقد أملوْا على أصحابهم قواعد كلّيّة تتضمّن قواعد أُصولية تارة وقواعد فقهية تارة أُخرى، فربّوا جيلاً كبيراً من الفقهاء في مجال الاجتهاد والاستنباط حفلت معاجم الرجال والتراجم بأسمائهم وآثارهم.
فمن سبَر ما وصل إلينا من آثار الفقهاء في القرن الثاني والثالث ممّن تربّوا في أحضان أهل البيت(عليهم السلام)، يقف على مدى رقيّهم في سلم الاجتهاد، فمن باب

صفحه 15
المثال انظر إلى ما بقي إلى هذا الوقت من اجتهادات تلاميذ الإمامين الصادقين (عليهما السلام)، نظير:
1. زرارة بن أعين (المتوفّى عام 150 هـ) الّذي يقول في حقّه ابن النديم: زرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً.
2. محمد بن مسلم الثقفي (المتوفّى عام 150 هـ).
3. يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى عام 208 هـ) .
4. الفضل بن شاذان (المتوفّى عام 260 هـ)، مؤلف كتاب «الإيضاح» المطبوع .
إلى غيرهم من الفقهاء البارزين، الذين تركوا تراثاً فقهياً مستنبطاً من قواعد أُصولية وفقهية على نحو يبهر العقول، وقد ذكرنا شيئاً من فتاواهم واجتهاداتهم في كتابنا (تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره ج 1 ص 195 ـ 202).
وقد كانت اجتهاداتهم واستنباطاتهم على ضوء قواعد تلقّوها عن أئمتهم(عليهم السلام)واستضاءوا بنور علومهم. وقد جاءت هذه القواعد مبثوثة في ضمن أحاديث موجوده في جوامعنا الحديثية.
وقد قام جماعة من المحدّثين بفصل هذه الروايات وجمعها في مكان واحد، نذكر منهم:
1. فقد جمعها العلاّمة المجلسي (1037 ـ 1110 هـ) ضمن موسوعته الكبيرة «بحار الأنوار»، في كتاب العقل والعلم .1

1 . بحار الأنوار: 2 / 266 ـ 283 .

صفحه 16
2. ألّف الشيخ الحر العاملي (المتوفّى 1104 هـ) كتاباً مستقلاً في هذا المضمار أسماه «الفصول المهمة في أُصول الأئمة» وقد اشتمل على 86 باباً أودع فيها الأحاديث الّتي تتضمّن قواعد أُصولية وفقهية ممّا يبتنى عليها الاستنباط.
3. صنّف المحدث الخبير السيد عبد الله شبّر (المتوفّى 1242 هـ) كتاباً أسماه «الأُصول الأصلية والقواعد الشرعية» يحتوي على مائة باب، وقد طبع الكتاب في 340 صفحة.
4. أخيرهم لا آخرهم العلاّمة الفقيه السيد محمد هاشم الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى 1318 هـ) الّذي خاض بحار الأحاديث وصرف برهة من عمره في جمع هذا النوع من الروايات المروية عن أهل البيت(عليهم السلام)(والّتي تتضمن الأُصول والقواعد الّتي يبتنى عليها الاستنباط) في كتاب سماه «أُصول آل الرسول» وأورد فيه خمسة آلاف حديث من هذا النوع، ولو أسقطنا المتكرر منها لكان في الباقي غنى وكفاية، وهذا يشهد على تقدّم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في تأسيس الفكرة وهداية الأُمّة إلى تلك القواعد والأُصول.
هذا وإنّ كثيراً من أئمة الفقه كانوا سبّاقين في التأسيس لا في التدوين، وإنّما قام بالتدوين تلاميذ منهجهم. ومن المعلوم أنّ الفضل للمؤسّس لا للمدوّن.
هذا الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (80 ـ 150 هـ) أحد أئمة المذاهب الأربعة، ومؤسّس الفقه الحنفي قد أسّس مدرسة فقهية توسّعت على يد تلاميذه، وأخصّ بالذكر منهم: تلميذه المعروف محمد بن الحسن الشيباني (131 ـ

صفحه 17
189 هـ)، وتلميذه الآخر القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري (113 ـ 182 هـ)، وهذان الفقيهان اتّصلا بأبي حنيفة وانقطعا إليه وتفقّها على يديه وبهما انتشر المذهب، والفضل للمؤسّس لا للمدّون.
وهذا هو أحمد بن محمد بن حنبل (164 ـ 241 هـ) الحافظ الكبير حيث لم يصنّف كتاباً في الفقه يُعدّ أصلاً ومرجعاً، وإنّما جمع أُصوله تلميذ تلميذه «الخلال» من الفتاوى المتشتّتة الموجودة بين أيدي الناس ، وجاء من جاء بعده فاستثمرها وبلورها حتى صارت مذهباً من المذاهب.
يقول الشيخ أبو زهرة: إنّ أحمد لم يصنّف كتاباً في الفقه يُعدّ أصلاً يؤخذ منه مذهبه ويُعدّ مرجعه ولم يكتب إلاّ الحديث .1
ومع هذا فقد صقل تلاميذه مذهبه وألّفوا موسوعة فقهية كبيرة، كالمغني لابن قدامة...
وأمّا مسألة التدوين فهي وإن كانت أمراً مهماً قابلاً للتقدير لكن لا نخوض فيها، على الرغم من وجود تآليف في أُصول الفقه للشيعة الإمامية يعود تاريخها إلى نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري.
ومن سبر تاريخ الحديث والفقه ودور الأئمة الاثنى عشر وخاصّة الباقر والصادق (عليهما السلام)في حفظ سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتوعية الناس، يقف على أنّ حضور مجالسهم كان واسعاً جداً، فكان يحضر فيها فئات مختلفة من طوائف المسلمين، وكانت خطاباتهم موجهة إلى عامّة الحاضرين.. فإنّ الفوارق الّتي نشاهدها اليوم بين السنّة والشيعة لم تكن في عصر الإمامين (عليهما السلام)على حد تصد

1 . ابن حنبل حياته وعصره لأبي زهرة: 168 .

صفحه 18
غير شيعتهم عن الاختلاف إلى مجالسهم ومحاضراتهم، فقد كان يشهد حلقات دروسهم فريق من التابعين وتابعي التابعين، من غير فرق بين من يعتقد بإمامتهم وقيادتهم أو من يرى أنّهم مراجع للعقائد والأحكام.
هذا هو التاريخ يحكي عن أنّ حلقة درس الإمام الصادق كانت تضم عدداً كبيراً من رجال العلم، وها نحن نذكر فيما يلي أسماء البارزين منهم:
1. النعمان بن ثابت (المتوفّى 150 هـ) صاحب المذهب الفقهي المعروف. يقول محمود شكري الآلوسي في كتابه «مختصر التحفة الاثنى عشرية»: هذا أبو حنيفة (رضي الله عنه)وهو من بين أهل السنّة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان: لولا السنتان لهلك النعمان، يريد السنتين اللتين صحب فيهما ـ لأخذ العلم ـ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).1
يقول أبو زهرة: وأبو حنيفة كان يروي عن الصادق كثيراً، واقرأ كتاب الآثار لأبي يوسف، والآثار لمحمد بن الحسن الشيباني فإنّك واجد فيهما رواية عن جعفر بن محمد في مواضع ليست قليلة .2
2. مالك بن أنس (المتوفّى 179 هـ) وكانت له صلة تامّة بالإمام الصادق (عليه السلام)، وروى الحديث عنه، واشتهر قوله: ما رأت عين أفضل من جعفر بن محمد.
3. سفيان الثوري (المتوفّى 161 هـ) من رؤساء المذهب وحملة الحديث

1 . مختصر التحفة: ص 8 طبع عام 1301 هـ .
2 . الإمام الصادق: 38 .

صفحه 19
وكان له اختصاص بالإمام الصادق، وقد روى عنه الحديث، كما روى كثيراً من آدابه وأخلاقه ومواعظه.
4. سفيان بن عيينة (المتوفّى 198 هـ) وهو من رؤساء المذاهب البائدة.
5. شعبة بن الحجاج (المتوفّى 160 هـ)، خرّج له أصحاب الصحاح والسنن.
6. فضيل بن عياض (المتوفّى 187 هـ)، أحد أئمة الهدى والسنّة. خرّج له البخاري.
7. حاتم بن إسماعيل (المتوفّى 180 هـ) خرج له البخاري ومسلم، أخذ عن الصادق (عليه السلام)وأخذ عنه خلق كثير.
8. حفص بن غياث (المتوفّى 194 هـ) روى عن الصادق (عليه السلام)وروى عنه أحمد وغيره .
9. إبراهيم بن محمد أبو إسحاق المدني (المتوفّى 191 هـ) روى عن الصادق .
10. عبد الملك بن جريج القرشي (المتوفّى 149 هـ).
هذه عشرة كاملة ومن أراد أن يقف على حملة علمه وتلامذة منهجه من السنّة، فعليه بكتاب «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة» لأسد حيدر ج 1 ص 400 ـ 421 .
هذه نبذة ممّن استناروا بنور الصادق (عليه السلام)الوهّاج وانتهلوا من نميره العذب وتلقّوا عنه الفقه والحديث كما تلقّاهما عنه غيرهم من شيعته.
ooo

صفحه 20
 
2
أدلّة الأحكام عند الإماميّة
اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ منابع الفقه ومصادره لا تتجاوز الأربعة، وهي:
1. الكتاب .
2. السنّة.
3. الإجماع.
4. العقل .
وما سواها إمّا ليست من مصادر التشريع، أو ترجع إليها.
هذا هو فقيه القرن السادس محمد بن إدريس الحلي (543 ـ 598 هـ) يذكر الأدلّة الأربعة في ديباجة كتابه (السرائر) ويُحدّد موضع كل منها، ويقول: فإنّ الحق لا يعدو أربع طرق: إمّا كتاب الله سبحانه، أو سنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)المتواترة المتّفق عليها1، أو الإجماع، أو دليل العقل; فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في

1 . اشتراط التواتر نظرية خاصّة لقليل من علماء الإمامية، فالجمهور منهم يعملون بخبرالعدل أيضاً .

صفحه 21
المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة، التمسّك بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه وموكولة إليه، فمن هذا الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه، فيجب الاعتماد عليها والتمسّك بها .1

تقسيم الأدلّة إلى اجتهادية وأُصول عملية

تقسيم الأدلّة إلى اجتهادية وأُصول عملية من خصائص الفقه الشيعي، وأمّا الفرق بينهما فهو كالتالي:
وهو انّه لو كان الملاك في اعتبار شيء حجّة على الحكم الشرعي هو كونه أمارة للواقع وطريقاً إليه عند المعتبر فهو دليل اجتهادي كالأدلّة الأربعة. فإنّ الملاك في حجّيتها هو ما ذكرنا، فإنّ كلاًّ من الكتاب والسنّة حتّى الخبر الواحد منها طريق إلى الواقع وكاشف عنه إما كشفاً تاماً كما إذا أفاد القطع، أو كشفاً غير تام كما في خبر العدل ، وعلى كلّ تقدير فالملاك لاعتباره حجّة هو كاشفيته عن الواقع.
وأمّا إذا كان الملاك بيان الوظيفة ووضع حلول عملية للمكلّفين عند قصور يد المجتهد عن الواقع فهو أصل عملي، فالملاك لاعتبار هذا القسم من الأدلّة هو رفع التحيّر وإراءة الوظيفة عند اليأس عن العثور على دليل موصل للواقع، ولذلك أُخذ في لسان حجّيتهم الجهل بالواقع وعدم توفر طريق في

1 . السرائر: 1 / 46 .

صفحه 22
متناوله. وهذه الأُصول العامّة الّتي تجري في عامّة أبواب الفقه لا تتجاوز الأربعة، وهي:
1. أصالة البراءة.
2. أصالة الاشتغال.
3. أصالة التخيير.
4. أصالة الاستصحاب.
ولكلّ منها مجرى خاص:
أمّا الأُولى: فمجراها هو الشكّ في التكليف، فإذا كان المجتهد شاكّاً في أصل الوجوب أو الحرمة، وتفحّص عن مظانّ الأدّلة ولم يقف على دليل وحجّة على الحكم الشرعي، فوظيفته الحكم بالبراءة عن التكليف. كما إذا شكّ مثلاً في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلاً أو ما أشبهه ذلك، والأصل له رصيد قطعي وهو:
أ. قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن أُمّتي تسعة... وما لا يعلمون.
ب. حكم العقل بقبح عقاب الحكيم دون بيان واصل.
وأمّا الثانية: فمجراها فيما إذا علم بالحكم الشرعي ولكن تردّد الواجب أو الحرام بين أمرين، فيجب عليه الجمع بين الاحتمالين بالإتيان بهما عند تردّد الواجب، والاجتناب عنهما عند تردّد الحرام .
مثلاً إذا علم بفوت صلاة مردّدة بين المغرب والعشاء يجب عليه الجمع بينهما، أو إذا علم نجاسة أحد الإنائين من غير تعيين يجب الاجتناب عن كليهما.

صفحه 23
وأمّا الثالثة: إذا دار حكم الشيء بين الوجوب والحرمة ولم يقف على دليل شرعي يوصله إلى الواقع، فالوظيفة العملية هي التخيير.
وأمّا الرابعة: وهو ما إذا علم بوجوب شيء أو بطهارته لكن شك في بقاء الحكم أو بقاء الموضوع وتفحّص ولم يقف على بقائه أو زواله، فالمرجع هو الأخذ بالحالة السابقة أخذاً بقول الإمام الصادق (عليه السلام)«لا يُنقض اليقين بالشك».
هذه هي الأُصول العملية الأربعة الّتي استنبطها المجتهدون من الكتاب والسنّة، وليس لها دور إلاّ عند فقد النص على الحكم الشرعي، ولكلّ مجرى خاصّ وليس الملاك في اعتبارها كونها كاشفة عن الواقع بل كونها مرجعاً للوظيفة الفعلية.

تقسيم الأُصول إلى محرز وغير محرز

إنّ الأُصول العملية تنقسم إلى: أُصول محرزة. وأُصول غير محرزة، والمراد من الإحراز، هو إحراز الواقع والكشف عنه، وذلك لأنّ بعض الأُصول فيه جهة كشف عن الواقع، كشفاً ضعيفاً، لكن العقلاء لا يعتبرون في معاملاتهم وسياساتهم كونه حجّة لهذه الجهة، بل الملاك لاعتباره هو تسهيل الأمر في الحياة ووضع حلول عملية في ظرف الجهل والشكّ، كما أنّ الشارع الّذي أمضاه واعتبره حجّة في الفقه، لم يعتبره لهذه الغاية حتى يكون أمارة عقلانية كخبر الثقة.
ومثّلوا لذلك بالأُصول العملية الثلاثة:
1. الاستصحاب .

صفحه 24
2. قاعدة اليد.
3. قاعدة التجاوز.
فالأوّل منها أصل عام يجري في عامّة أبواب الفقه، بخلاف الأخيرين فإنّهما خاصان ببعض الأبواب.
وما سوى ذلك أصل غير محرز كأصالة البراءة والاشتغال والتخيير.
هذه هي أدلّة الأحكام عند الشيعة الإمامية، فهلمّ معي ندرس ما ذكره الأُستاذ حول أدلّة الأحكام عند الشيعة لنرى فيه مواقع الخطأ والالتباس على ضوء الدراسة الصحيحة لأُصول الفقه عند الإمامية.

1. مسلك الشيعة هو مسلك الغزالي

يقول الأُستاذ: جعلت الشيعة أدلّة الأحكام المعتمدة أربعة: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، ثم قال: ولا يخفى على الدارس أنّ هذا هو مسلك الإمام الغزالي في باب الأدلّة .1
يلاحظ عليه: لا نظن أنّ الأُستاذ يتّهم الشيعة بمتابعتهم الغزالي في حجّية الكتاب والسنّة، فإنّ المسلمين قاطبة يقولون بذلك. وإنّما مظنّة التهمة قولهم بحجّية العقل.
فنقول: هناك فرق واضح بين المسلكين: الإمامي والغزّالي، فإنّ الأوّل يعتمد على التحسين والتقبيح العقليين، والغزّالي تبعاً لإمام مذهبه يرفض ذلك

1 . الصفحة: 86 من المجلة المذكورة.

صفحه 25
ويقول: إنّ لله عزَّوجلَّ إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق، لأنّه متصرّف في ملكه... 1
والعقل الّذي هو مصدر التشريع عند الإمامية أو كاشف عن التشريع الإلهي ـ على الاصح ـ هو العقل المعتمد على حكمين ينبعان من صميم العقل .
1. التحسين والتقبيح العقليان.
2. الملازمات العقلية.
وأين الغزّالي ومنهاج أُستاذه عن القول بهما؟!
وتضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على حجّية العقل قبل أن يولد الغزالي بقرون، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حجّة الله على العباد النبي، والحجّة فيما بين العباد وبين الله، العقل».2
وقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)(المتوفّى : 183 هـ) مخاطباً هشام بن الحكم: «يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة; فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأمّا الباطنة فالعقول ».3
إنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) أعطوا للعقل أهمية كبيرة، فهذا هو الإمام الباقر (عليه السلام)يقول: «إنّ الله لمّا خلق العقل استنطقه ـ إلى أن قال : ـ وعزّتي وجلالي ما
خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك، ولا أكملتك إلاّ في مَن أُحب، أما إنّي إيّاك

1 . قواعد العقائد: 60 و 204 .
2 . الكليني: الكافي: 1 / 25، كتاب العقل والجهل، الحديث 22 .
3 . الكافي: 1 / 16، كتاب العقل والجهل، الحديث 12 .

صفحه 26
آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك أُعاقب وإيّاك أُثيب» .1
فكان المترقب من الأُستاذ المحترم أن لا يقضي في الموضوع إلاّ بعد الإحاطة بأُصول الشيعة الإماميّة.

2. تقييم تعريفه للأدلّة الاجتهادية والأُصولية العلمية:

قد تعرّفت على ما هو الفرق بين الأدلّة الاجتهادية والأُصولية العملية، وعلى تقسيم الأُصول إلى أصل محرز وغير محرز .
وللأُستاذ كلام في هذا الصدد نأتي به:
أ. الأدلّة الأربعة المعتمدة المشار إليها آنفاً تسمى الأدلة المحرزة ـ الكتاب، السنّة، العقل، والإجماع ـ ويقابلها الأُصول العملية باعتبارها تعطي حلولاً عملية للمكلّفين حين يتعذر عليها إحراز الحكم الشرعي من دليله .
يلاحظ عليه: أنّه أصاب في التفريق بين الأدلة الأربعة والأُصول العملية إلاّ أنّ وصفَ الأدلّة الأربعة بالأدلّة المحرزة، خلاف المصطلح وإنّما يوصف بها بعض الأُصول، فمنها أصل محرز ومنها غير محرز. كما تقدّم في كلامنا، وإنّما توصف الأدلّة الأربعة، بالأدلّة الاجتهادية.
ب. ويدخل ضمن هذه الأُصول العملية جملة قواعد: أهمها قاعدة الاحتياط، انطلاقاً من أنّ الأصل هو شغل الذمّة بالتكليف وانّ لله في كلّ نازلة حكماً يتعيّن الالتزام به، وقاعدة البراءة الأصلية، انطلاقاً من أنّ الأصل براءة

1 . الكافي: 1 / 10، كتاب العقل والجهل، الحديث 1 .

صفحه 27
الذمّة من التكليف، قاعدة الاستصحاب الّتي تقضي بإبقاء ما كان على ما كان انطلاقاً من أنّ اليقين لا يرتفع بالشكّ.1
يلاحظ عليه: أنّ قاعدة الاحتياط تنطلق من العلم القطعي بنفس التكليف في الواقعة بلا تردد فيه، والجهل بالموضوع، كما إذا علم بفوت إحدى الصلاتين المغرب أو العشاء، فيجب عليه قضاؤهما، وما ذكره من المنطلق يعني أنّ «الأصل هو شغل الذمّة بالتكليف» له لا صلة له بقاعدة الاحتياط، بل أساسه هو العلم بالتكليف والجهل في المتعلّق.
والعجب انّه عندما يفسّر قاعدة الاحتياط عند الإمامية، يقول: الأصل شغل الذمّة بالتكليف.
وعندما يفسّر قاعدة البراءة عندهم بقوله: الأصل براءة الذمّة من التكليف، وهذا هو نفس التناقض، فلو كان الأصل هو الاشتغال فما معنى كون الأصل هو البراءة؟!
وهذا يكشف عن أنّ الأُستاذ لم يكن ملمّاً بأُصول الفقه عند الإمامية حيث ارتكب في بيانها التناقض .
كما أنّ ما ذكره: «أنّ لله في كلّ نازلة حكماً يتعيّن الالتزام به» وجعله منطلقاً للاحتياط عجيب جداً، لأنّ العلم بأنّ لله في كلّ نازلة حكماً لا يسبب الاحتياط،وإذ من المحتمل أن يكون حكم الله في المورد هو الإباحة أو الكراهة، أو الاستحباب.

1 . مجلة الواضحة: 87 بتلخيص .

صفحه 28
 
3
هل سنّة وراء سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)
السنّة هي المصدر الثاني للعقيدة والشريعة، سواء أكانت منقولة باللفظ والمعنى، أو كانت منقولة بالمعنى فقط، إذا كان الناقل ضابطاً في النقل .
وقد خصّ الله بها المسلمين دون سائر الأُمم حيث إنّهم اهتموا بنقل ما أُثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من قول وفعل وتقرير، وبذلك صارت السنّة من مصادر التشريع الإسلامي.
وقد أكد أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على أنّ السنّة الشريفة هي المصدر الرئيسي بعد الكتاب، وأنّ جميع ما يحتاج الناس إليه قد بيّنه سبحانه في الذكر الحكيم أو ورد في سنّة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم).
قال الإمام الباقر (عليه السلام) : «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله، وجعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً». 1
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «ما مِنْ شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة». (2)

1 و 2 . الكليني: الكافي: 1 / 59 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، الحديث 2، 4.

صفحه 29
وروى سماعة عن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) ، قال: قلت له: أكل شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه، أو تقولون فيه؟
قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه». 1
روى أُسامة، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) وعنده رجل من المغيرية 2، فسأله عن شيء من السنن؟ فقال: «ما من شيء يحتاج إليه ولد آدم إلاّ وقد خرجت فيه سنّة من اللّه ومن رسوله، ولولا ذلك، ما احتجّ علينا بما احتج؟»
فقال المغيري: وبما احتج؟
فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «قوله: (الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)3 فلو لم يكمل سنّته وفرائضه وما يحتاج إليه الناس، ما احتجّ به». 4
روى أبو حمزة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبته في حجّة الوداع: «أيّها الناس اتّقوا اللّه ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلاّوقد نهيتكم عنه وأمرتكم به». 5
إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من التأكيد على السنّة والركون إليها.

1 . الكافي: 1 / 62 ، باب الرد إلى الكتاب والسنة، الحديث 10.
2 . هم أصحاب المغيرة بن سعيد، الذي تبرّأ منه الإمام الصادق (عليه السلام) .
3 . المائدة: 3.
4 . المجلسي: البحار: 2/168ح3.
5 . البحار: 2/171 ح11.

صفحه 30
 
أئمة أهل البيت(عليهم السلام) حفظة سنن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يقوم بأُمور ومهام لها صلة بالجوانب المعنوية ـ بالإضافة إلى إدارة دفّة الحكم ـ وهي :
1. تبيين الأحكام الشرعية والإجابة عن الحوادث المستجدَّة الّتي لم يُبيّن حكمها في الكتاب ولا في السنّة الصادرة إلى يومها.
2. تفسير القرآن الكريم وتبيين مجملاته وتقييد مطلقاته وتخصيص عموماته .
3. الردّ على الشبهات والتشكيكات الّتي يطلقها أعداء الإسلام من اليهود والنصارى بعد الهجرة.
ومن المعلوم أنّ من يقوم بهذه المسؤوليات، سوف يُورث فقده فراغاً هائلاً في نفس هذه المجالات، ومن الخطأ أن نتّهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ والعياذ بالله ـ أنّه قد ارتحل من دون أن يفكّر في ملءِ تلك الثغرات المعنوية الحاصلة برحيله...
فإذا رجعنا إلى أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نقف على أنّه قد سدّ هذه الثغرات باستخلاف مَنْ جعلهم قرناء الكتاب وأعداله، وأناط هداية الأُمّة بالتمسّك بهما، ونذكر نماذج من كلماته (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا المجال:
1. روى ابن الأثير الجزري في «جامع الأُصول» عن جابر بن عبد اللّه، قال:
رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّة الوداع يوم عرفة وهو على ناقته القصواء

صفحه 31
يخطب، فسمعته يقول:«إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي».1
2. وأخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم، قال:
قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خماً بين مكة والمدينة، وحمد اللّه وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثمّ قال:
أمّا بعد : ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما: كتاب اللّه فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به فحثّ على كتاب اللّه ورغب فيه.
ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي.2
3. أخرج الترمذي في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجّة يوم عرفة على ناقته القصواء يخطب فسمعته، يقول: يا أيّها الناس إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي.3
4. أخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود إلى السماء

1 . جامع الأُصول: 1/424.
2 . صحيح مسلم: 2 / 325.
3 . سنن الترمذي:5/662، باب مناقب أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 32
والأرض، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.1
وهذا الحديث المعروف بحديث الثقلين رواه عن النبي أكثر من ثلاثين صحابياً، ودوّنه ما يربو على ثلاثمائة عالم في كتبهم في مختلف العلوم والفنون، وفي جميع الأعصار والقرون، فهو حديث صحيح متواتر بين المسلمين، وقد عيّن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ببركة هذا الحديث من يسدّ هذه الثغرات ويكون المرجع العلمي بعد رحيله وليس هو إلاّ أهل بيته.
وبهذا يتبين أن العترة(عليهم السلام)عيبة علم الرسول وخزنة سننه وحفظة كَلِمه، تعلموها بعناية من الله تبارك وتعالى كما تعلّم صاحب موسى بفضل من الله دون أن يدرس عند أحد، ولذلك تمنّى موسى (عليه السلام)أن يعلمه ممّا عُلّم .
قال سبحانه حاكيا عن لسان نبيه موسى (عليه السلام): (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)2.
وعلى ضوء ذلك فليس لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)سنّة ولا تشريع، وما أثر عنهم من قول وفعل أو تقرير فإنّما يعتبر، لكونهم حفظة سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يصدرون ولا يحكمونَ إلاّ بسنّته .
فلو قيل: إنّ قول الإمام (عليه السلام)أو فعله أو تقريره سنّة إنّما يراد به أنّهم تراجم سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأقواله وأفعاله.
فما قاله العلاّمة الشيخ المظفر (قدس سره)من أنّ المعصوم من آل البيت(عليهم السلام)يجري

1 . مسند أحمد: 3 / 14.
2 . الكهف: 66 .

صفحه 33
قوله مجرى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من كونه حجة على العباد، إنّما يريد ذلك وما أحسَن قوله «يجري مجرى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)»، فلو كان أئمة أهل البيت(عليهم السلام)هم أصحاب سنن في عرض سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فلماذا قال «يجري قولهم مجرى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)»؟!
هذه عقيدة الإمامية من أوّلهم إلى آخرهم ; فالتشريع لله سبحانه فقط، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)هو المبلّغ عن الله سبحانه في ما شرّعه، وأئمة أهل البيت خلفاء رسول الله وحفظة سننه وتراجم كلمه، والمبلّغون عنه السنن حتى يجسّدوا إكمال الدين في مجالي العقيدة والشريعة.
وحين قال سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)1 فإنّما هو لأجل نصب علي (عليه السلام)أوّل أئمة أهل البيت(عليهم السلام)للخلافة لكي يقوم بنفس المسؤوليات الّتي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قائماً بها طيلة أيّام رسالته، ويملأ الثغرات الّتي أعقبتها رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم)غير أنّه نبي يوحى إليه وهذا وصي حافظ لسننه.

سنّة الصحابة في مقابل سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

لقد تبيّن لنا أنّ الأُستاذ قد عجب من وجود سنّة لأهل البيت(عليهم السلام)، وقد فسّرنا معنى ذلك عند الإماميّة، وقلنا بأنّه ليس للأئمة سنّة سوى ما سنّه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن أُلفت نظره إلى أنّ أهل السنّة قد قالوا بوجود سنن أُخرى بعد سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك ما يشير إلى ذلك:

1 . المائدة: 3 .

صفحه 34
1. الحديث المعروف عندهم: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ».
يقول ابن قيم الجوزية في تفسير الحديث: فقد قرن سنّة خلفائه بسنّته وأمر باتّباعها كما أمر باتباع سنّته، وهذا يتناوله ما أفتوا به وسنّوه للأُمّة وإن لم يتقدّم للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فيه شيء وإلاّ كان ذلك سنّة .1
فالرواية تدل على أنّ للصحابة سنّة كسنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعندهم سنّة أبي بكر وسنّة عمر وسنّة عثمان وسنّة علي.
2. روى السيوطي قال حاجب بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة فقال في خطبته: على أنّ ما سنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنّا نرجئه .2
أبعد هذه النصوص يصحّ للأُستاذ أن يستغرب من وجود سنّة لأئمة أهل البيت (عليهم السلام): أعلام الهدى ومصابيح الدجى وقرناء الكتاب، وثاني الثقلين...
ولولا المخافة من تكدير مياه الصفاء لبسطنا القول في ذلك.

طُرق علم الأئمة بالسنّة

قد أشرنا إلى أنّه ليس لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)سنّة خاصّة، بل هم حفظة سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولسائل أن يسأل: ما هي طرقهم إلى سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأكثرهم لم

1 . إعلام الموقعين: 4 / 140 .
2 . تاريخ الخلفاء للسيوطي: 160 .

صفحه 35
يعاصروه ولم يسمعوها عنه مباشرة. ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد عاصره الإمام علي والإمامان الحسن والحسين(عليهم السلام)، فقط ؟
والإجابة عن هذا السؤال واضحة لمن عرف أحاديث الشيعة وأنس بجوامعهم، فإنّ لهم(عليهم السلام)طرقاً إلى سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نأتي ببعضها:

الأوّل: السماع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الأئمة(عليهم السلام)يروون أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سماعاً منه بلا واسطة أو بواسطة آبائهم، ولذلك ترى في كثير من الروايات أن الإمام الصادق (عليه السلام)يقول: حدّثني أبي عن زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي عن علي أمير المؤمنين عن الرسول الأكرم .
وهذا النمط من الروايات كثير في أحاديثهم.
فأئمة أهل البيت(عليهم السلام)رووا أحاديث كثيرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن هذا الطريق دون أن يعتمدوا على الأحبار والرهبان أو على مجاهيل أو شخصيات متسترة بالنفاق .

الثاني: كتاب علي (عليه السلام)

كان لعلي (عليه السلام)كتاب خاص بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد حفظته العترة الطاهرة(عليهم السلام) و صدرت عنه في مواضع كثيرة ونُقِلتْ نصوصه في موضوعات مختلفة، وقد بث الحرّالعاملي في موسوعته الحديثية، أحاديث ذلك الكتاب

صفحه 36
حسب الكتب الفقهية من الطهارة إلى الديات، ومن أراد فليرجع إلى تلك الموسوعة.
وإليك شذرات من أقوال الأئمة بشأن هذا الكتاب الّذي كانوا يتوارثونه وينقلون عنه ويستدلّون به:
قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام): «إنّ العلم فينا ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كلّه بحذافيره، ومنه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة حتّى أرش الخدش إلاّ وهو عندنا مكتوب، بإملاء رسول الله وخطّ علي بيده».1
وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لأحد أصحابه ـ أعني حمُران بن أعين ـ و هو يشير إلى بيت كبير: «يا حمران إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخطّ علي (عليه السلام) وإملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لو وُلّينا الناس لحكمنا بما أنزل اللّه، لم نعدُ ما في هذه الصحيفة».
وقال (عليه السلام) أيضاً لبعض أصحابه: يا جابر إنّا لو كنّا نحدِّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)».
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سئل عن الجامعة: «فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلاّ فيها حتّى أرش الخدش».
وقال الإمام الصادق (عليه السلام) في تعريف كتاب علي (عليه السلام) : «فهو كتاب
طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)من فَلقِ فيِه، وخط علي بن أبي
طالب (عليه السلام)بيده، فيه واللّه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة، حتّى أنّ

1 . الاحتجاج: 2 / 6 ; بحار الأنوار: 89 / 47 .

صفحه 37
فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة».1
ويقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:«إنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعا،ً إملاء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وخطّ عليّ (عليه السلام) بيده، ما من حلال ولا حرام إلاّوهو فيها حتّى أرش الخدش».
وقد كان علي (عليه السلام) أعلم الناس بسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيف لا يكون كذلك، وهو القائل: «كنت إذا سألت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أعطاني، وإذا سكت ابتدأني».2

الثالث: انّهم محدَّثون

لأجل إيقاف القارئ على المحدَّث في الإسلام ومفهومه نذكر شيئاً في توضيحه .
«المحدَّث» مَن تكلّمه الملائكة بلا نبوّة ورؤية صورة، أو يُلهم له ويُلقى في روعه شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى، أو ينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره.
فالمحدّث بهذا المعنى ممّا أصفقت الأُمّة الإسلامية عليه، بيد أنّ الخلاف في مصاديقه، فالسنّة ترى عمر بن الخطاب من المحدَّثين، والشيعة ترى علياً وأولاده الأئمة منهم .

1 . قد جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الأثر حول كتاب علي في موسوعته بحار الأنوار: 26 / 18ـ 66 تحت عنوان، باب جهات علومهم وما عندهم من الكتب، الحديث12، 1، 10، 20.
2 . المستدرك: 3 / 125 .

صفحه 38
أخرج البخاري في صحيحه: عن أبي هريرة قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): لقد كان قبلكم من بني إسرائيل رجالٌ يكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء; فإن يكن من أُمّتي منهم فعمر .1
وقد أفاض شرّاح صحيح البخاري الكلامَ حول المحدّث .2
وللمحدّثين من أهل السنّة كلمات حول المحدَّث نأتي بملخّصها:
يقول القسطلاني حول الحديث: يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوة .3
وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قد كان في الأُمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أُمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخطاب منهم.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم: اختلف تفسير العلماء للمراد بـ «محدَّثون» فقال ابن وهب: ملهمون، وقيل: يصيبون إذا ظنّوا فكأنّهم حُدّثوا بشيء فظنّوه، وقيل: تكلّمهم الملائكة وجاء في رواية مكلّمون .4
وقال الحافظ محب الدين الطبرسي في «الرياض»، ومعنى «محدّثون» ـ والله أعلم ـ أن يلهموا الصواب، ويجوز أن يحمل على ظاهره وتحدّثهم

1 . صحيح البخاري: 4 / 200، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، دار الفكر، بيروت .
2 . لاحظ: إرشاد الساري، شرح صحيح البخاري للقسطلاني: 6 / 99 .
3 . ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 5 / 431 .
4 . شرح صحيح مسلم للنووي: 15 / 166، دار الكتاب العربي، بيروت.

صفحه 39
الملائكة لا لوحي، وإنّما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة .1
وحصيلة الكلام: انّه لا وازع من أن يخصّ سبحانه بعض عباده بعلوم خاصّة يرجع نفعها إلى العامّة من دون أن يكونوا أنبياء، أو معدودين من المرسلين، واللّه سبحانه يصف مصاحب موسى بقوله: (فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمةً من عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْما) ولم يكن المصاحب نبيّاً، بل كان وليّاً من أولياء اللّه سبحانه وتعالى بلغ من العلم والمعرفة مكانةً، دعت موسى ـ وهو نبيّ مبعوث بشريعة ـ إلى القول : (هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدا). 2
ويصف سبحانه وتعالى جليس سليمان ـ آصف بن برخيا ـ بقوله: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّـا رَآه مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّـي).3
وهذا الجليس لم يكن نبيّاً، ولكن كان عنده علم من الكتاب، وهو لم يحصّله من الطرق العاديّة التي يتدرّج عليها الصبيان والشبان في المدارس والجامعات، بل كان علماً إلـهياً أُفيض عليه لصفاء قلبه وروحه، ولأجل ذلك ينسب علمه إلى فضل ربّه ويقول: (هذا من فضل ربّي) .4
والإمام علي والأئمة من بعده، الذين أُنيطت بهم الهداية في حديث

1 . الرياض النضرة: 1 / 199 .
2 . الكهف: 66.
3 . النمل: 40 .
4 . الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف: 2 / 365 ـ 366 .

صفحه 40
الثقلين، ليسوا بأقلّ من مصاحب موسى (عليه السلام)، أو جليس سليمان، فأي وازع من أن يقفوا على سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن طريق الإشراقات الإلهية .

الرابع: الاستنباط من الكتاب والسنّة

هذا هو الطريق الرابع، فقد كانوا(عليهم السلام)يستدلّون على الأحكام الإلهية بالكتاب والسنّة بوعي متميز يبهر العقول ويورث الحيرة، ولولا خشية الإطالة في المقام لنقلنا نماذج كثيرة من ذلك، ونكتفي هنا بانموذج واحد وهو: قُدِّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله،وقال بعضهم: يُضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكّل إلى الإمام علي الهادي (عليه السلام)1 يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: يُضرب حتى يموت، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلة، فكتب (عليه السلام): (بسم الله الرحمن الرحيم * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ الّتي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)2.
فأمر به المتوكل فضرب حتى مات .3
إنّ الإمام الهادي ببيانه هذا شقّ طريقاً خاصّاً لاستنباط الأحكام من الذكر الحكيم، طريقاً لم يكن يحلم به فقهاء عصره، وكانوا يزعمون أنّ مصادر

1 . الإمام العاشر وهو علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق (عليهما السلام) .
2 . غافر: 84 ـ 85 .
3 . مناقب آل أبي طالب: 4 / 405 .

صفحه 41
الأحكام الشرعية هي الآيات الواضحة في مجال الفقه الّتي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، وبذلك أبان للقرآن وجهاً خاصّاً لدلالته ، لا يلتفت إليه إلاّ من نزل القرآن في بيته، وليس هذا الحديث غريباً في مورده، بل له نظائر في كلمات الإمام وغيره من آبائه وأبنائه (عليهم السلام).
هذه إلمامة عابرة في بيان طرق أهل البيت(عليهم السلام)إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
فما روي عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)حول علمهم بالسنّة فانما هو ناظر إلى ما سبق ذكره .
سُئل الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): أكل شيء في كتاب الله وسنّة نبيه، أو تقولون فيه؟ فقال: «لا بل كل شيء في كتاب الله وسنّة نبيه» .1
فالإمام يريد بالسنّة ما ذكرنا (مصادرها وطرقها) لا خصوص السنّة الموجودة في أفواه الناس وعلى ألسنتهم، وإن كان ربّما يلتقي علمهم بالسنن بما رواه الناس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في بعض المواضيع.
هذه الرواية العابرة توقفنا على مدى ما تلقاه الأئمة(عليهم السلام)من سنن النبي، أفبعد هذا يصح أن نعتمد على ما رواه البخاري عن أبي جحيفة الّذي قال: قلت لعلي: عندكم كتابٌ؟ قال لا إلاّ كتاب الله، أو فهم أُعطيه رجُلٌ مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يُقتل مسلم بكافر .2

1 . الكافي: 1 / 62، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، الحديث 10 .
2 . صحيح البخاري: 1 / 64 باب كتابة العلم، الحديث 52 .

صفحه 42
كيف لا يكون عند علي (عليه السلام)كتاب يجمع فيه سنن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهؤلاء هم أبناء علي (عليه السلام)ينقلون عنه ويعتمدون عليه؟!
والعجب ما ورد في هذه الرواية من أنّ الصحيفة الّتي كان يحتفظ بها علي لم تشتمل إلاّ على جمل محدودة، فلو لم يكن عند علي وأبنائه المعصومين إلاّ ما جاء في هذه الرواية، فمن أين هذه العلوم الموروثة عنه وعن أبنائه الصادقين الّتي بهرت العقول؟!
كيف لا يكون عند علي (عليه السلام)سوى ما في هذه الصحيفة أو ما في ألسن الناس مع أنّ المسلَّم عند الفريقين أنّ علياً كانت عنده علوم وأسرار لم تكن عند غيره، وكان الصحابة يرجعون إليه في المشاكل والمسائل العويصة، فهذا عمر بن الخطاب وسائر الخلفاء كانوا يرجعون إليه ويسألونه، كيف لا وهو باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد قام زميلنا الجليل المغفور له الشيخ علي الأحمدي .1 بجمع ما ورد في كتاب علي (عليه السلام)ممّا هو مبثوث في الجوامع الحديثية ورتّبه على 26 باباً، وما جمعه إنّما هو غيض من فيض وقليل من كثير ممّا كان في الأصل.

1 . مكاتيب الرسول: 2 / 135 ـ 313 .

صفحه 43
 
4
تقييم الإجماع عند الإماميّة
عدّ الأُصوليون الإجماع من أحد الأدلّة الشرعية، غير أنّهم اختلفوا في ملاك الحجيّة فالمحقّقون من السنّة قالوا: إنّ الإجماع يجب أن يكون مستنداً إلى دليل شرعي قطعي أو ظنّي كالخبر الواحد والمصالح المرسلة والقياس والاستحسان.
فلو كان المستند دليلاً قطعياً من قرآن أو سنّة متواترة، يَكون الإجماع مؤيداً معاضداً له1; ولو كان المستند دليلاً ظنياً، فيرتقي الحكم بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين. ومثله إذا كان المستند هو المصلحة أو دفع المفسدة، فالاتفاق على حكم شرعي ـ استناداً إلى ذلك الدليل ـ يجعله حكماً شرعياً قطعياً إلهياً وإن لم ينزل به الوحي .2
وعلى ضوء ذلك فالإجماع عند أهل السنّة من مصادر التشريع في عرض

1 . لا يذهب عليك أنّه إذا كان في المورد دليل قرآني أو سنّة متواترة، فلاحاجة للتائيد والتعضيد، والأولى أن تخص مورده بمإذا لم يكن في مورده إلاّ دليل ظنّي.
2 . الوجيز في أُصول الفقه لوهبة الزحيلي: 49 .

صفحه 44
الكتاب والسنّة، لكن بشرط أن يكون الحكم مستنداً إلى دليل ظني، فعندئذ يجعله إجماع العلماء حكماً قطعياً.
وأمّا عند الشيعة فالإجماع بما هو هو ليس من مصادر التشريع وانّما يكشف عن وجود الدليل، فالاتّفاق مهما كان واسعاً، لا يؤثر في جعل الحكم، شرعياً إلهيّاً وانّما المؤثر في ذلك المجال، نزول الوحي به فقط .
نعم للإجماع دور في كشف الدليل الأعم من القطعي والظنيّ، وقد اختلفوا في كيفية كشفه إلى أقوال يجمعها أمران:
1. استكشاف الدليل بالملازمة العادية بين فتوى المجمعين وقول الإمام.
2. استكشاف الإجماع موافقة الإمام (عليه السلام)لكونه من جملة المجمعين .
أمّا الثاني فمشروط بشرطين:
أ. ان يكون الإمام ظاهراً لا غائباً.
ب. أن تتوفر الحرية في الفتوى ويكون للإمام حرية تامة في إظهار رأيه، ومثل ذلك لم يتّفق في عصر الحضور إلاّ في فترة قليلة، وهي الّتي عاصرها الإمامان الصادقان: الباقر والصادق (عليهما السلام). وبسبب عدم توفر هذين الشرطين في عصر الأئمة لم يلتفت إليها إلاّ القليل من العلماء، وإنّما المهم استكشاف وجود الدليل عن إجماع المجمعين بأحد الطريقين التاليين:
أ. تراكم الظنون مورث لليقين بالحكم الشرعي، لأنّ فتوى كلّ فقيه وإن كانت تفيد الظن، إلاّ أنّها تعزز بفتوى فقيه ثان فثالث، إلى أن يحصل للإنسان من إفتاء جماعة على حكم، القطع بالصحة، إذ من البعيد أن يتطرق البطلان إلى فتوى هؤلاء الجماعة.

صفحه 45
ب. الإجماع كاشف عن دليل معتبر.
إنّ حجيّة الإجماع ليس لأجل إفادته القطع بالحكم، بل لأجل كشفه عن وجود دليل معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا، وهذا هو الّذي اعتمد عليه صاحب الفصول، وعدّة من المتأخرين.
قال صاحب الفصول : سنكشف قول المعصوم عن دليل معتبر باتّفاق علمائنا الذين كان ديدنهم الانقطاع إلى الأئمة في الأحكام وطريقتهم التحرّز عن القول بالرأي والاستحسان.1

قراءة صاحب المقال للاجماع عند الشيعة

إنّ الدكتور أحمد الريسوني «حفظه الله» بعد أن ذكر أنّ الإجماع عند الشيعة ليس حجة بما هو هو ، وانّما ملاك حجّيته كشفه عن الدليل، حاول أن يطبق نظرية أهل السنّة على نظرية الشيعة. فقال:
وهذا القول في حقيقة الإجماع وحقيقة حجّيته ليس بغريب على أُصوليّ السنّة، فهو بعض ما يتضمّنه قولهم: «الإجماع لابدّ فيه من مستند»، ثم ذكر كلام إمام الحرمين والشريف التلمساني2.
وما استنتجهُ من التوفيق بين النظريتين عمل مشكور عليه، إلاّ أنّنا نشير إلى أنّهما ليستا متحدتين بالشكل الّذي ذكره الأُستاذ، وانّما هما متحدتان في شيء ومختلفتان في شيء آخر.

1 . الفصول في علم الأُصول للشيخ محمد حسين الحائري.
2 . الصفحة: 91 من المجلة المذكورة.

صفحه 46
1. تشتركان في أنّ إجماع المجمعين لابدّ أن يكون على أساس دليل، ولا يصح إفتاؤهم بلا دليل.
2. وتختلفان في أنّ للإجماع ـ عند أهل السنّة ـ دوراً في إضفاء المشروعية على الحكم المجمع عليه، بحيث يجعله حكماً ـ كسائر الاحكام الواردة في الكتاب والسنّة ـ سواء أصح المستند الظني في الواقع أم لم يصح، وكأنّ الاتفاق، عملية كيمياوية تقلب النحاس ذهباً. إمّا مطلقاً وفي عامّة الموارد، أو فيما إذا كان مستند الإجماع، مثل القياس والمصالح والمفاسد العامّة، وهذا ليس شيئاً خفياً على من له إلمام بأُصول الفقه لدى السنّة، وقد وقفت على كلام الفقيه المعاصر «وهبة الزحيلي» حتى أنّ الكاتب صرح بذلك في مقاله الّذي يقول فيه:
«وقد يكون إجماعهم ناشئاً عن قياس ظنّي في أصله، ولكن الإجماع على الحكم أضفى عليه صواباً و ويقيناً 1 لا يحتمل الشك.
وقد يكون الإجماع منعقداً عن نظر استصلاحي سديد، ومن خلال الإجماع عليه تأكّدت موافقته القطعية للشرع وللمصالح الّتي اعتبرها .
هذا الّذي عليه السنّة وأمّا الشيعة فهم عن بكرة أبيهم، لا يقيمون للإجماع دوراً سوى الكشف عن الدليل: القطعي أو الظنّي، وليس له دور في إضفاء الصواب على الدليل والمشروعية على الحكم ـ لو فرض عدم صحته ـ فلذلك ليس الإجماع بما هو هو، من مصادر التشريع .

1 . أمّا اليقين فنعم، وأمّا الصواب فلا، فيما إذا كان غير صحيح .

صفحه 47
 
نقد الإجماع الدخولي
قد عرفت أنّ ملاك حجّية الإجماع هو كشفه عن الدليل بأحد الوجهين التاليين:
أ. كشفه عن دخول الإمام في المجمعين.
ب. كشفه عن وجود الدليل والحجة.
أمّا القسم الأوّل فقد عرفت اختصاصه بعصر الحضور، لكن بشرط أن تسود الحرية عامّة أهل الفتوى في البلد الّذي يقيم فيه المعصوم ، كالمدينة المنورة كما كان ذلك في بعض الأعصار أيّام نشوب الصراع بين الأمويين والعباسيين.
فلو وصل إلينا أنّ كلّ من يؤخذ عنه الفتوى في المدينة أفتوا على حكم من الأحكام ولم يشذّ منهم أحد، نكشف اتّفاق الإمام الباقر والصادق معهم، لأنّ لسان الإجماع هو كلّ من يؤخذ عنه الفتوى، وهما من أبرز مَنْ يؤخذ منهم الفتوى.
وعلى ضوء ذلك نقف على مدى صحة رأي الأُستاذ حول الإجماع الدخولي. قال:
«ولست أدري كيف استساغ علماء الإمامية وأذكياؤهم هذا التناقض الواضح، إذ يعتبرون الإجماع كاشفاً عن قول المعصوم، ثم يشترطون دخول هذا المعصوم؟ وإذا دخل المعصوم في الإجماع ـ بحيث كان قوله معروفاً وثابتاً ـ

صفحه 48
فأي كشف بقي للإجماع أن يقوم به؟ ثم إذا كان قول المعصوم حجة في ذاته فأي حاجة وأي قيمة للإجماع مع ثبوت قول المعصوم؟ (الصفحة 93).
ويلاحظ عليه: أنّه تصوّر أنّ الإجماع الدخولي عبارة عن معرفتنا بدخول الإمام شخصياً ضمن المجمعين فرتّب عليه ما رتب، حيث قال: «فعند ذلك أي كشف بقي للإجماع أن يقوم به».
وبعبارة أُخرى: تصور انّ الإجماع الدخولي عبارة عن رؤية الإمام شخصياً بين المجمعين، أو سماع صوته منهم، أو ثبوت تواجده بين المجمعين بخبر قطعي ، فعند ذلك قال: «فأي دور يبقى للإجماع بعد معرفة الإمام» .
ولكن خفي عليه واقع هذا القسم من الإجماع، فالمراد به ما إذا ثبت بخبر قطعي، أنّ علماء المدينة وكلّ من يؤخذ عنه الفتوى، اتّفقوا على حكم من الأحكام الشرعية وكان أهل البيت يتمتّعون بالحرية لإظهار رأيهم وإبداء ما عندهم ، فعند ذلك نستكشف دخول الإمام المعصوم في المجمعين وتواجده فيهم على نحو لولا هذا الإجماع والاتّفاق بالنحو الّذي عرفت لم يكن لدينا طريق لمعرفة قول الإمام، وعندئذ يكون للإجماع دور الكشف عن دخولهم فيهم.
وبذلك تقف على ما هو المقصود للمحقّق حيث قال: «فلو خلت المائة من علمائنا من قوله، لما كان حجّة ولو حصل في اثنين كان قولهما حجة».
إنّ الممعن في كلامه من أوّله إلى آخره يقف على أنّ الغاية من هذا المقال، هو التركيز على أنّ حجّية الإجماع، لأجل وجود الإمام في المجمعين إمّا دخولاً، أو كشفاً عن دليل وصل إلى يد المجمعين ، عنهم(عليهم السلام)فجاء قوله كمثال يبين مقصده.

صفحه 49
 
5
خبر الواحد والقياس ظنّيان
فلماذا التفريق بينهما؟
قد عجب الدكتور أحمد الريسوني من تفريق الإماميّة بين خبر الواحد والقياس في الحجيّة قائلاً بأنهما ظنّيان، فلماذا فرّقت الإماميّة بينهما وقالوا بحجية الأوّل دون الثاني؟ وقد أطال الكلام في ذلك وما ذكرناه لبّ إشكاله، ولإيضاح المقام نقدم أُموراً :
الأمر الأوّل: اتّفقت الأُمّة الإسلامية على أنّ البدعة أمر محرم كتاباً وسنّة وإجماعاً وعقلاً، وهي عبارة عن إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين، هذا من جانب.
ومن جانب آخر أنّ الاعتماد على الظن ـ الّذي لم يقم على حجّيته دليل قطعي من الشارع ـ والإفتاء على وفقه والالتزام بأنّ مؤدّاه حكم الله تعالى في حقّه وحقّ غيره، هو نفس البدعة ومن مصاديقها، فبضم الثاني إلى الأوّل يتشكّل قياس منطقي يُنتج حرمة العمل بالظن الّذي لم يقم الدليل القطعي على حجّيته، فتكون صورة القياس كالتالي:

صفحه 50
العمل بالظن الّذي لم يقم على حجّيته دليل شرعي بدعة في الدين.
البدعة في الدين حرام بالاتّفاق.
فتكون النتيجة:
العمل بالظن الّذي لم يقم على حجّيته دليل شرعي حرام بالاتّفاق .
وعلى ضوء هذا تقول الإمامية بأنّ الضابطة الكلّية في العمل بكلّ مالم يقم دليل على حجّيته، سواء أكان مفيداً للظن أو لا، هي المنع لكونه تشريعاً قولياً وبدعة فعلية وعملية، وتقوّلاً على الله بغير علم.
نعم لو قام الدليل القطعي على حجّية ظن مثلاً في مورد أو موارد يؤخذ بهذا الظن بحكم الشرع، لأنّه يكون العمل عندئذ بإذن الشارع وأمره فيخرج عن الضابطة الكلية: «العمل بالظن الّذي لم يقم دليل شرعي على حجيته: بدعة».
الأمر الثاني: ذهب جمهور الإمامية إلى خروج عدّة من الظنون عن الضابطة خروجاً عن الموضوع لا خروجاً عن الحكم، وهي الظنون الّتي قام الدليل على حجّيتها، ولأجل ذلك توصف بالظنون العلمية، أي إنها ظنون ولكن دلّ الدليل العلمي على جواز العمل بها وهي عبارة عن:
1. خبر الواحد إذا أخبر عن حسّ.
2. حجّية الظواهر على القول بأنّها ظنّية الدلالة.
3. الإجماع المنقول ـ بخبر الواحد ـ في مقابل الإجماع المحصّل ـ إذا كشف نقل الإجماع عن وجود دليل معتبر عن المجمعين إلى غير ذلك.
هذا هو رأي جمهور الإمامية، نعم قد خالف في حجية خبر الواحد قليل

صفحه 51
من المتقدّمين كالسيد المرتضى والقاضي ابن البرّاج وأمين الإسلام الطبرسي وابن إدريس الحلي رضي الله عنهم.
ثمّ إنّ القائلين بالحجية ألّفوا في ذلك المجال كتباً ورسائل أجابوا فيها عن شبهات النافين، شأن كلّ مسألة نظرية لا تخلو من مخالف .
هذا إجمال الكلام حول حجّية خبر الواحد الّذي عليه بناء العقلاء، وعليه تدور رحى حياتهم ومعاشهم بالشروط المذكورة في محلها.
وأمّا القياس فقد رفضه علماء الإمامية عن بكرة أبيهم إذا كان مستنبطَ العلّة، لأجل أنّ القياس مفيد للظن، والضابطة الكلّية في الظن حرمة العمل به ما لم يقم دليل على حجّيته .
ثم إنّهم استثنوا من حرمة العمل بالقياس موارد أبرزها ما يلي:
1. إذا كانت العلة منصوصة من جانب الشرع كأن يقول الخمر حرام لكونه مسكراً، فيحكم بحرمة كلّ مسكر.
قالوا: إنّ ذلك في الحقيقة ليس عملاً بالقياس وإنّما هو عمل بالسنّة، أي عموم العلّة كما لا يخفى .
2. القياس الأولويّ، فإذا قال الشارع: (فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ)1 يفهم منه حرمة الشتم والضرب بطريق أولى، لحصول القطع والعلم بالحكم.
ثم إنّ رفض الإمامية العمل بالقياس في مجال مستنبط العلة، لأجل أنّ استخراج علّة الحكم بالسبر والتقسيم مظنة للاشتباه، وذلك بالبيان التالي:

1 . الاسراء: 23 .

صفحه 52
أوّلاً: نحتمل أن يكون الحكم في الأصل معللاً عند الله بعلّة أُخرى غير ما ظنّه القائس، مثل كونه صغيراً أو قاصر العقل، في قوله: «لا يُزوّج البكرَ الصغيرَ إلاّ وليّها» حيث ألحق بها أصحاب القياس الثّيبَ الصغيرة، بل المجنونةَ والمعتوهةَ، وذلك بتخريج المناط وانّه هو قصور العقل وليس للبكارة مدخلية في الحكم، فهل يمكن ادّعاء القطع بذلك ، وقد قال سبحانه: (وَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)؟! 1
إنّ الإنسان لم يزل في عالم الحسّ تنكشف له أخطاؤه، فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة، فكيف بملاكات الأحكام ومناطاتها المستورة عن العقل إلاّ في موارد جزئية كالإسكار في الخمر، أو إيقاع العداء والبغضاء في الميسر، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات؟ وأمّا ما يرجع إلى العبادات والمعاملات خصوصاً فيما يرجع إلى أبواب الحدود والديات فالعقل قاصر عن إدراك مناطاتها الحقيقية وإن كان يظن شيئاً.
قال ابن حزم: وإن كانت العلّة غير منصوص عليها، فمن أيّ طريق تُعرف ولم يوجد من الشارع نصّ يبيّن طريق تعرّفها؟ وتركُ هذا من غير دليل يعرّف العلّة، ينتهي إلى أحد أمرين: إمّا أنّ القياس ليس أصلاً معتبراً، وإمّا أنّه أصل عند الله معتبر ولكن أصل لا بيان له وذلك يؤدي إلى التلبيس، وتعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، فلم يبق إلاّ نفي القياس .
ثانياً: لو افترضنا أنّ القائس أصاب في أصل التعليل، ولكن من أين يُعلم

1 . الإسراء: 85 .

صفحه 53
أنّها تمام العلّة، ولعلّها جزءَ العلّة وهناك جزء آخر منضم إليه في الواقع ولم يصل القائس إليه ؟
ثالثاً: احتمال أن يكون القائس قد أضاف شيئاً أجنبياً إلى العلّة الحقيقية لم يكن له دخل في المقيس عليه .
رابعاً: احتمال أن يكون في الأصل خصوصية في ثبوت الحكم وقد غفل عنها القائس .
ولأجل وجود هذه الاحتمالات الّتي لا تنفك عن ذهن القائس، رفضت الإماميّة، العملَ بالقياس إذا كان مستنبطَ العلّة .

التفريق بين الظنّيين لماذا؟

إنّ الدكتور أحمد الريسوني ـ حفظه الله ـ قد أخذ على علماء الإمامية بموارد، قائلاً: إنّهم يقولون بعدم حجّية الظن ومع ذلك يعملون به في الموارد التالية:
1. الخبر الواحد.
2. الظواهر.
3. المرجّحات الظنية عند التعارض .
4. الأُصول العمليّة .
وإليك دراسة هذه الموارد من رؤية الدكتور وما يمكن القول حولها، ونذكر كلامه ضمن مقاطع قال :

صفحه 54
1. انّ الإمامية إذ يرفضون الأخذ بالقياس والاستصلاح باعتبار أنّ إفادتهما ظنّية، فإنّهم يقبلون الظنّيات في كثير من أُصولهم وقواعدهم، في مقدّمها أخذهم بأخبار الآحاد فإنّهم يُسلّمون بكون أخبار الآحاد لا تسلم من الظنية والاحتمال، وأذن الشرع استثناءً في اعتبارها. ويكون الإجماع لديهم على حجّيتها .1
أقول: هذا ملخّص كلامه، والقارئ الكريم ـ بعد الاطّلاع على ما ذكرنا من الأُمور ـ يقف على الفرق الواضح عندهم بين خبر الواحد العدل، والقياس، فإنّ الأخذ بالأوّل ليس بملاك إفادته الظن، بل لأجل قيام الدليل الشرعي على حجّيته، ولو كان الدليل قائماً على حجّية القياس لأخذوا به .
وبعبارة أُخرى: انّ خبر الواحد ممّا قام الدليل القطعي على حجّيته فصار ظناً علمياً، أي ظناً بالذات ولكن ذو رصيد علمي، بخلاف القياس إذ لم يرد عندهم دليل يثبت حجّيته لو نقل بقيام الدليل على خلافه.
ولأجل أن يقف الأُستاذ الكريم على الفوارق بين خبر الواحد والقياس نقترح عليه مراجعة كتابنا المعنون: «أُصول الفقه المقارن فيما لا نص فيه».
2. ومن المواطن الّتي أخذوا فيها بالظنيات أيضاً قولهم بحجية الظواهر، أي أنّهم يعتمدون اعتماداً أساسياً على ما يفهم من ظواهر النصوص، والظواهر كما هو معلوم لا تكاد تسلم من الظنية والاحتمال 2.
أقول: إنّ العمل بالظواهر ممّا أطبق العقلاء على العمل به، ولا نجد بينهم

1 . الصفحة 94 من المجلة .
2 . الصفحة 95 من المجلة.

صفحه 55
من ينكر حجّية الظواهر، فإن رحى الحياة في المجتمع الإنساني تدور عليها، وليس كلّ كلام، نصاً في مدلوله .
إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)وأصحابهم يَعلّمون الناس بظواهر كلماتهم، والمستمعون يتلقّونها حجّة شرعية دون أن يناقشوا في حجّية الظواهر.
فأين الظواهر من القياس الظني الّذي تضاربت فيه الآراء وأنكر حجيتَه أئمةُ أهل البيت ولفيف من الصحابة والتابعين. أضف إلى ذلك قيام الدليل على حجّية الظواهر دون القياس، فهذا هو الفارق بينهما.
3. ان الترجيحات ـ عند تعارض الخبرين ـ كلّها أو معظمها ترجيحات ظنية تعليلية وتقريبية، فقد جرى ديدنهم على ترجيح ما ظهر أنّه الأقرب إلى واقع الحكم الشرعي الحقيقي، وهذا كما لا يخفى ليس إحرازاً للحكم الشرعي بالضرورة وانّما هو ظني وتقريب .1
أقول: هذا هو المورد الثالث الّذي أثار إعجاب الأُستاذ من التفريق بينه وبين القياس والاستحسان وأمثالهما حيث أخذوا بالمرجّحات الظنية ورفضوا القياس والاستحسان.
ولكن الإجابة عنه واضحة، وهي قيام الحجّة على لزوم الترجيح بالمرجّحات، وقد تضافرت الأخبار الّتي ثبتت حجّيتها على لزوم الترجيح بالمرجحات المنصوصة كموافقة الكتاب وموافقة السنّة وموافقة المشهور وغيرها.

1 . المجلة: ص 96 .

صفحه 56
نعم هناك مَن يستنبط من هذه الروايات لزوم الترجيح بكلّ مرجّح وإن لم يكن منصوصاً كالشيخ الأنصاري في فرائده، ومنهم من لا يقبل ذلك، وعلى كلّ تقدير فالفارق بين العمل بالمرجّحات والقياس والاستحسان وجود الدليل على لزوم الترجيح بها وعدمه في القياس والاستحسان.
ولو أنّ صاحب المقال أحاط بأُصول الفقه عند الإمامية لما أثار عجبه هذا التفريق، بل وجه اهتمامه إلى التركيز على موضوع آخر وهو طرح القياس على صعيد البحث على ضوء دراسة أدلّة المثبتين والنافين دون أن يربط العمل بالقياس بالعمل بخبر الواحد والظواهر.
4. وممّا أخذه الأُستاذ على الإمامية هو العمل بالأُصول العملية، أعني: البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب، فقد قال: إنّ ما يسمّونه أُصولاً عملية هي قواعد توصل إلى الظن، والرجحان، ومع ذلك أجازوا بل أوصوا بالعمل بها عند عدم الدليل الصريح .1
أقول: أظن انّ القارئ في غنى عن تكرار الجواب فإنّ الإشكال في الجميع واحد والجواب مثله، وهو أنّ الفارق وجود الدليل على حجّية الأُصول، سواء أكانت مفيدة للظن أم لا، ومن درس الأُصول العملية في الكتب الأُصولية للشيعة الإمامية يقف على أنّهم يستدلّون عليها بطرق مختلفة من الكتاب والسنّة والإجماع والعقل. فكيف يقاس ذلك بالقياس الّذي تواتر النهي عن العمل به عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وهذا هوقول الإمام الصادق (عليه السلام)لأبان بن تغلب: «إنّ السنّة إذا قيست محق الدين» .2

1 . الصفحة 96 من المجلة.
2 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي .

صفحه 57
 
استدلاله على حجية القياس عن طريق العقل
إنّ الأُستاذ الفاضل يستدلّ على حجّية القياس عن طريق العقل قائلاً: إنّ الإمامية وبخاصة متأخّريهم يجعلون من الأدلّة الشرعية «الدليل العقلي»، بينما هم يرفضون القياس وهو من بديهيات العقول وأوّلياتها، يقوم على قاعدة لا ينكرها عقل ولا عاقل، وهي «أنّ ما ثبت لشيء ثبت لمثله»، وهذا هو العدل الّذي قامت به الأرض والسماوات وجاءت به الكتب والرسالات .
أقول: لا شكّ أنّ العقل أحد الحجج الشرعية، وذلك في مجالات خاصة، ممّا للعقل إليها سبيل، ونمثل لذلك بنموذجين:
الأوّل: إذا استقل العقل بحسن فعل بما هو فعل صادر عن الفاعل المختار أو قبحه وتجرّد في قضائه عن كلّ شيء إلاّ النظر إلى نفس الفعل يكون حكم العقل كاشفاً عن حكم الشرع، وهذا نظير استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، وحسنه معه، فيستكشف منه أنّ الشرع كذلك.
الثاني: إذا أمر المولى بشيء واستقلّ العقل بوجود الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته أو وجوب الشيء وحرمة ضده، أو امتناع اجتماع الأمر والنهي على شيء واحد بعنوانين، أو جوازه إلى غير ذلك من أنواع الملازمات، فيكشف حكم العقل عن حكم الشرع .
ففي هذين الموردين وما يشبههما يكون العقل قاطعاً بالحسن والقبح أو الملازمة بين الوجوبين أو الحرمتين، وعند ذلك نستشكف من خلال كونه

صفحه 58
سبحانه حكيماً لا يعبث، الحكم الشرعي; للحسن والقبح، أو للمقدّمة وضد الواجب .
وأمّا القياس فهو ليس دليلاً عقلياً قطعياً، وإنّما هو دليل ظني بشهادة أنّه لو كان دليلاً قطعياً لما اختلف فيه اثنان كما لم يختلفوا في حجية خبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم.
فإنّ إطلاق الدليل العقلي على القياس على وجه الإطلاق غير صحيح، بل يجب أن يقال الدليل العقلي الظني، لأنّ الدليل العقلي ـ عند الإطلاق ـ ينصرف إلى الدليل العقلي المفيد للعلم.

الخلط بين المماثل والمشابه

والّذي أُلفت نظر الأُستاذ إليه هو أنّ القياس ليس من باب المماثلة، بل من باب المشابهة، وكم هو الفرق بين التماثل والتشابه، فما ذكره من أنّ «ما ثبت لشيء ثبت لمثله» راجع إلى المتماثلين، والفرق بينهما واضح، وذلك لأنّ التماثل عبارة عن دخول شيئين تحت نوع واحد وطبيعة واحدة، فالتجربة في عدة من مصاديق طبيعية واحدة تفيد العلم بأنّ النتيجة لطبيعة الشيء لا لأفراد خاصة، ولذلك يقولون: إنّ التجربة تفيد العلم، وذلك بالبيان التالي:
إذا أجرينا ـ مثلاً ـ تجربة على جزيئات من طبيعة واحدة، كالحديد، تحت ظروف معينة من الضغط الجوي، والجاذبية، والارتفاع عن سطح البحر، وغيرها مع اتّحادها جميعاً في التركيب، فوجدنا أنّها تتمدد مقداراً معيناً، ولنسمّه (س)، عند درجة خاصة من الحرارة ولنسمّها (ح). ثمّ كررنا هذه التجربة على هذه

صفحه 59
الجزئيات، في مراحل مختلفة، في أمكنة متعددة، وتحت ظروف متغايرة، ووجدنا النتيجة صادقة تماماً: يتمدد الحديد بمقدار (س) عند درجة (ح). فهنا نستكشف أنّ التمدد بهذا المقدار المعين، معلول لتلك الدرجة الخاصة من الحرارة فقط، دون غيرها من العوامل. فعندئذ يقال: «ما ثبت لشيء، ثبت لمثله» أو حكم الأمثال ـ فيما يجوز وما لا يجوز واحد.
وأمّا التشابه فهو عبارة عن وقوع فردين مختلفي الطبيعة تحت صفة واحدة توجب التشابه بينهما، وهذا كالخمر والفقاع فإنّهما نوعان وبينهما تشابه في الإسكار. فلو أثبتت التجربة أنّ للخمر اثراً خاصاً، لا يمكن القول بثبوته للفقاع والنبذى بل لابد من التماس الدليل على المشاركة، وراء المشابهة.
وأوضح من ذلك مسألة الاستقراء، فإنّ ما نشاهده من الحيوانات البرية والبحرية، أنواع مختلفة. فلو رأينا هذا الحيوان البري وذلك الحيوان البحري كلّ يحرك فكّه الأسفل عند المضغ ربما نحكم ـ بلا جزم ـ بذلك على سائر الحيوانات من دون أن تكون بينها وحدة نوعية أو تماثل في الحقيقة، والدافع إلى ذلك التعدّي في الحكم هو التشابه والاشتراك الموجود بين أنواع الجنس الواحد رغم اختلافها في الفصول والأشكال، ولكن لا يمكن الجزم بالحكم والنتيجة على وجهها الكلي لإمكان اختلاف أفراد نوعين مختلفين في الحكم.
وبذلك يعلم أنّ القياس عبارة عن تعميم حكم مشابه إلى مشابه لا حكم مماثل إلى مماثل، ومن المعلوم أنّ تعميم الحكم من طبيعة إلى طبيعة أمر مشكل لا يصار إليه إلاّ إذا كان هناك مساعدة من جانب العرف لإلغاء الخصوصية، وإلاّ يكون التعميم عملاً بلا دليل.

صفحه 60
مثلاً دلّ الكتاب العزيز على أنّ السارق والسارقة تقطع إيديهما، والحكم على عنوان السارق، فهل يلحق به النبّاش الّذي ينبش القبر لأخذ الأكفان؟ فإنّ التسوية بين العنوانين أمر مشكل، يقول السرخسي:
لا يجوز استعمال القياس في إلحاق النبّاش بالسارق في حكم القطع، لأنّ القطع بالنصّ واجب على السارق.1
والحاصل: أنّ هناك فرقاً واضحاً بين فردين من طبيعة واحدة، فيصحّ تعميم حكم الفرد إلى الفرد الآخر لغاية اشتراكهما في النوعية، وأنّ حكم الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحد، لكن بشرط أن يثبت أنّ الحكم من لوازم الطبيعة لا الخصوصيات الفردية.
وأمّا المتشابهان فهما فردان من طبيعتين ـ كالإنسان والفرس ـ يجمعهما التشابه والتضاهي في شيء من الأشياء، فهل يصحّ تعميم حكم نوع إلى نوع آخر؟ كلاّ، إلاّ إذا دلّ الدّليل على أنّ الوحدة الجنسية سبب الحكم ومناطه وملاكه التام2، كما دلّ الدليل في أنّ سبب الحرمة في الخمر، هو الإسكار، وإلاّ فلا يصحّ إسراء حكم من طبيعة إلى طبيعة أُخرى بمجرد التشابه بينهما، أو الاشتراك في عرض من الأعراض.

1 . أُصول السرخسي: 2 / 157 .
2 . أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه: 108 ـ 110 .

صفحه 61
 
6
الدليل العقلي وحجيّة المصلحة
قد تعرفت على أنّ العقل أحد مصادر التشريع أو ـ بالأحرى ـ أحد المصادر لكشف الحكم الشرعي.
ومجال الحكم العقلي ـ غالباً ـ أحد الأُمور التالية:
1. التحسين والتقبيح العقليان.
2. أبواب الملازمات من قبيل الملازمة بين وجوب الشيء ومقدمته وحرمة ضدّه، والملازمة بين النهي عن العبادة أو المعاملة وفسادها، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى باب الملازمة.
3. أبواب التزاحم أي تزاحم المصالح الّتي لابدّ من أخذها كإنقاذ الغريقين مع العجز عن إنقاذ كليهما، أو تزاحم المصالح والمفاسد كتترس العدو بالمسلمين فإنّ للعقل دوراً فيها، وله ضوابط لتقديم أحدى المصلحتين على الأُخرى، أو تقديم المصلحة على المفسدة أو بالعكس (وهي مذكورة في مظانّها).
ولا غبار على حجّية العقل في هذه الموارد ، إنّما الكلام في حجّية

صفحه 62
المصلحة وعدّها من مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه . فقد ذهب عدة من فقهاء السنّة إلى حجّية المصلحة وسمّاها المالكية بالمصالح المرسلة والغزّالي بالاستصلاح، وحاصل دليلهم على حجّية المصلحة وكونها من مصادر التشريع كالتالي:
إنّ مصالح الناس تتجدّد ولا تتناهى، فلو لم تشرع الأحكام لما يتجدّد من صالح الناس، ولما يقتضيه تطورهم واقتصر التشريع على المصالح الّتي اعتبرها الشارع فقط، لعطّلت كثير من مصالح الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، ووقف التشريع عن مسايرة تطورات الناس ومصالحهم، وهذا لا يتفق وما قصد بالتشريع من تحقيق مصالح الناس .1
وحاصل هذا الوجه ادَّعاء وجود النقص في التشريع الإسلامي لو اقتصر في مقام الاستنباط على الكتاب والسنّة، لأنّ حاجات المجتمع إلى قوانين جديدة لازالت تتزايد كلّ يوم، فإذا لم تكن هناك تشريعات تتلاءم مع هذه الحاجات لم تتحقّق مقاصد الشريعة.
ثم إنّ السبب لجعلهم المصالح مصادر للتشريع هو الأُمور التالية:
1. إهمال العقل وعدم عدّه من مصادر التشريع في مجال التحسين والتقبيح العقليين .
2. إقفال باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع إقفالاً سياسياً، فقد
صار ذلك سبباً لوقف الدراسات الفقهية منذ قرون، وفي ظل ذلك
توهّم المتأخّرون وجود النقص في التشريع الإسلامي وعدم كفايته لتحقيق

1 . علم أُصول الفقه، لعبد الوهاب الخلاّف: 94 .

صفحه 63
مقاصد الشريعة فلجأوا إلى عدّ المصالح المرسلة من مصادره. وبذلك وجهّوا قول من يعتقد بحجية المصالح المرسلة من أئمة المذاهب .
3. عدم دراسة عناوين الأحكام الأوّلية والثانوية، كأدلّة الضرر والحرج والاضطرار والنسيان، فإنّ هذه العناوين وما يشابهها تُحل أكثر المشاكل الّتي كان علماء السنّة يواجهونها. من دون حاجة لعدّ الاستصلاح من مصادر التشريع .
4. عدم الاعتراف بصلاحيات الفقيه الجامع للشرائط بوضع أحكام ولائية كافية في جلب المصلحة ودفع المفسدة أحكاماً مؤقتة ما دام الملاك موجوداً.
والفرق بين الأحكام الواقعية والولائية هي أنّ الطائفة الأُولى أحكام شرعية جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لتبقى خالدة إلى يوم القيامة، وأمّا الطائفة الثانية فإنّما هي أحكام مؤقتة. أو مقررات يضعها الحاكم الإسلامي (على ضوء سائر القوانين) لرفع المشاكل المتعلّقة بحياة المجتمع الإسلامي.
هذه هي حقيقة المصالح المرسلة.
ثم إنّهم مثّلوا للمقام بأمثلة، نذكر منها ما يلي:
1. جمع القرآن الكريم في مصحف بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
2. قتال مانعي الزكاة.
3. وقف تنفيذ حكم السرقة في عام المجاعة.
4. إنشاء الدواوين.
5. سك النقود .
6. فرض الإمام العادل على الأغنياء من المال ما لابدّ منه، لتكثير الجند وإعداد السلاح وحماية البلاد وغير ذلك.

صفحه 64
7. سجن المتهم كي لا يفر.
8. حجر المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس.
ثمّ إنّ بعض المغالين ربّما يتجاوز فيمثّل بأُمور لا تُبرّرها أدلّة التشريع الواقعي كتنفيذ الطلاق ثلاثاً، مع أنّ الحكم الشرعي هو كونه طلاقاً واحداً في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبرهة بعد رحيله، وهذا من باب تقديم المصلحة على النص .
ثم إنّ للإمامية في العمل بالمصالح مذهباً وسطاً أوضحناه في كتابنا .1وليست الإماميّة ممّن ترفضه بتابتاً كما تصوّره الأُستاذ أو تقبله في عامَّة الصور.
هذا إجمال الكلام في المصالح المرسلة ـ والتفصيل مع مالها وما فيها يُطلب من محله ـ إذا عرفت ذلك فهلمّ معي نقرأ ما ذكره الدكتور الرسيوني حول هذا الموضوع، قال:
«أمّا حجية المصلحة، فإنّهم وإن كانوا ينكرونها بالاسم إلاّ أنّهم يأخذون بها بأسماء وأشكال متعدّدة:
ـ فتارة تدخل تحت اسم «الدليل العقلي» حيث يدرجون ضمنه ـ مثلاً ـ اعتبار «الأصل في المنافع الإباحة، وفي المضار الحرمة» وهذا عين اعتبار المصلحة. كما أنّ من القواعد المعتبرة عندهم ضمن دليل العقل قاعدة «وجوب مقدّمة الواجب» وهي المعبر عنها بـ «ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب» ذلك أنّ معظم المصالح المرسلة هي من قبيل «ما لا يتم الواجب إلاّ به» فهي مقدّمات أو وسائل لواجبات أُخرى، ومثلها قاعدة «كلّ ما هو ضد الواجب فهو غير جائز» فهذا ما يعبر عنه بدرء المفاسد. وأُخرى يدخلون العمل بالمصلحة من باب ما

1 . لاحظ أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه للكاتب .

صفحه 65
يسمّى عندهم السيرة العقلائية. وبناء العقلاء، وهو في الوقت نفسه من المصالح المرسلة» .1
وحاصل كلامه: انّه تدخل تحت حجّية المصلحة القواعد التالية:
1. وجوب مقدّمة الواجب.
2. حرمة ضد الواجبة.
3. حجّية بناء العقلاء وسيرتهم.
4. الأصل في المنافع الإباحة، وفي المضار الحرمة.
فهي نفس العمل بالمصلحة مع أنّهم يدخلونها تحت «الدليل العقلي».
يلاحظ عليه: أنّ اشتمال هذه القواعد على المصالح ودرء المفاسد، غير كون المصلحة سبباً لتشريعها ومبدأً لتقنينها، فإنّ الدليل على وجوب مقدّمة الواجب أو حرمة ضد الواجب حكم العقل بالملازمة بين الإرادتين، فمن حاول الوقوف على السطح، لا محيص له من إرادة نصب السلّم، أو ركوب المصعد .
فاشتمال المقدّمة على المصلحة أو اشتمال الضد على المفسدة أمر جانبي لا مدخلية له في الحكم بالوجوب والحرمة .
وأمّا حجّية بناء العقلاء، فإنّ أساسها كونه بمرأى ومسمع من الشارع وهو إمضاؤه، لهذا لو كان غير مرضيّ عنده لما سكت عن النهي عنه، لقبح السكوت عمّا يوجب إغراء الأُمّة، ولولا إمضاؤه لما صحّ الاعتماد عليه في الفقه، كما هو

1 . الصفحة: 97 من المجلة المشار اليها .

صفحه 66
الحال في السِّير الّتي رفضها الشارع كبيع الخمر والكلب والخنزير والتملك بالمقارنة.
وبه يظهر حكم القاعدة الرابعة، فإنّ الحكم بجلب المنفعة أو درء المفسدة هو العقل الحصيف، لا قاعدة المصالح المرسلة، وإن كان في الجلب والدرء مصلحة، وبالجملة: الأُمور الجانبية، ليست أساساً لحكم العقل في مورد هذه القواعد .
نحن نفترض أن لهذه المسائل طابعاً عقلياً كما أن لها طابعاً استصلاحياً، فلو كان الوصول إليها من دليل العقل أمراً غير صحيح فليكن الوصول إليها عن طريق الاستصلاح مثله، فلماذا يوجّه اللوم إلى الفريق الأوّل دون الثاني أوليس هذا المورد من مصاديق المثل السائر: «رمتني بدائها وانسلت»؟
ooo
هذه بعض الملاحظات على كلام الأُستاذ، حفظه الله ونفعنا بعلومه. وبقيت في كلامه أُمور أُخرى يظهر النظر فيها من بعض ما ذكرنا .
وفي الختام ندعو له ولعامّة الاخوان في المملكة المغربية والأساتذة والطلاب في دار الحديث الحسنية بدوام التوفيق والسداد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جعفر السبحاني
قم المقدسة ـ إيران
غرّة ربيع الأوّل 1426 هـ

صفحه 67
في حقيقة النّهي   
الفصل الثامن

في النّهي

وفيه مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في حقيقته

النّهي مقابلٌ للأمر، فحدّه مقتضبٌ1 عن حدِّ الأمر.
وكنّا قلنا: إنّ الأمر هو طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء، ولا يحسن المقابل هنا في الطلب، لاشتمال النّهي عليه، ولا في القول لذلك، ولا في جهة الاستعلاء، لتحقّقه كما قلنا في الأمر، فلم يبق إلاّ الفعل .
فالنّهي حينئذ طلب الترك بالقول على جهة الاستعلاء.
والخلاف في أنّ له صيغةً تخصّه، كما قلنا في الأمر .

1 . يقال: اقتضب الشيءَ: قطعه، فيريد أنّ تعريفه مقطوعٌ عن حدّ الأمر ومقابلٌ له ويحتمل أن يكون الصحيح «مقتبس عن حدّ الأمر»، وفي بعض النسخ «نقيض» مكان «مقتضب» وعند ذلك تكون «عن» زائدةً .

صفحه 68
ومن حَدَّ الأمرَ بأنّه اقتضاء فعل، غير كفٍّ على جهة الاستعلاء، حدَّ النّهي بأنّه اقتضاء كفٍّ عن فعل على جهة الاستعلاء .
وينتقض بقولنا «كُفَّ»1.
والكلام في أنّها تقتضي التحريمَ، أو الكراهةَ، أو القدرَ المشتركَ، أو الوقفَ، كما تقدّم في الأمر.
ويشترك الأمرُ والنّهيُ في أُمور:
الأوّل: جواز استعمال كلّ منهما في خلاف ما يقتضيه صيغته، فصيغة كلّ منهما يجوز استعمالها في غير ما وُضِعَ له.
الثاني: أنّ كلَّ واحد منهما إنّما يوصف بما يوصف به بحال فاعله.
الثالث: اعتبار الاستعلاء.
الرابع: كلٌّ منهما يتقيّد بما قُيّد به من شرط أو صفة.
الخامس: اعتبار كثيرمن الشرائط في جنسهما، نحو: أن يكون غرض المكلَّف التعريضَ للثواب، ويكون عالماً بإثابة المطيع، وغير ذلك .
ويفترقان بأُمور:
الأوّل: الصيغة، ففي الأمر «إفْعَلْ» وفي النّهي «لا تَفْعَلْ».
الثاني: ما يتميّز به كلٌّ منهما عن صاحبه.
الثالث: مطلق الأمر لا يقتضي التأبيد، ومطلق النّهي يقتضيه عند جماعة،

1 . أي ينطبق عليه حدُّ النّهي مع أنّه أمرٌ.

صفحه 69
ولهذا أمكن النظر في أنّ الأمر للفور أم لا بخلاف النّهي عندهم .
الرابع: شرط حسن النّهي قبح المنهيّ عنه، وشرط حسن الأمر، انتفاء قبح المأمور به.
واعلم أنّ الصّيغة قد ترد لسبعة أُمور:
الأوّل: التحريم.
الثاني: الكراهة.
الثالث: التحقير ]كقوله تعالى:[ (لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ).1
الرابع: بيان للعاقبة ]كقوله تعالى: [ (وَ لاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً)(2).
الخامس: الدعاء: لا تكلني إلى نفسي.
السادس: (لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ )2.
السابع: الإرشاد ] كقوله تعالى:[ (لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ)(4).
لكنّها حقيقةٌ في التحريم في نظر الشّرع، كما قلنا في الأمر ولقوله تعالى: (وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)3 وجب الانتهاء، لِما تقدّم من أنّ الأمر للوجوب: وهو المراد من قولنا: النّهي للتحريم، ومن جعل الأمر للقدر المشترك بين الوجوب والندب، جعل النّهي للقدر المشترك بين التحريم والكراهة.4

1 . الحجر: 88 .   2 . إبراهيم: 42 .
2 . التحريم: 7 .   4 . المائدة: 101 .
3 . الحشر: 7 .
4 . في «أ»: جعل النّهي مشتركاً بين التحريم والكراهة.

صفحه 70
في أنّ النّهي قد يقتضي التكرار   
 
المبحث الثاني: في أنّ المطلوب في النهي ماذا؟
اختلف الناس هنا فقال أبوهاشم وجماعةٌ كثيرة: المطلوب بالنّهي: نفسُ أن لا يفعلَ المنهيَّ عنه .
وقالت الأشاعرة: المطلوب: فعل ضدِّ المنهيِّ عنه .
لنا: أنَّ من لم يزن مع دعاء الداعي إليه يمدحه العقلاء على أنّه لم يزن، وإن لم يخطر ببالهم فعلُ ضدِّ الزّنا، فوجب أن يكون العدمُ متعلَّقَ التّكليف.
احتجّت الأشاعرةُ: بأنّ العدمَ نفيٌ محضٌ، فلا يكون مقدوراً، لأنّ القدرة لابدَّ لها من أثر، ولا أثر للمعدوم .
ولأنّ العدم وإن أمكن إسنادُهُ إلى القدرة، لكنَّ العدَمَ الأصليّ لا يمكن إسناده إليها، لامتناع تحصيل الحاصل .
وإذا بطل أن يكون العدمُ متعلَّقَ القدرة، وجب أن يكون ثبوتيّاً، وهو الضدّ.
والجواب: لو لم يكن العَدَمُ مقدوراً لم يكن الوجودُ مقدوراً، لأنّه يلزم أن تكون صفةُ القدرة مؤثِّرةً في الوجود لا غير، وذلك وجوبٌ لا قدرة، وعدمُ الفعل أمرٌ عقليٌّ يمكن تعلُّقُ القدرة به، لتميّزه عن غيره، وإن كان نفياً في الخارج.
والعدمُ الأزليُّ وإن لم يكن مقدوراً، لكن المقارن للقدرة أمكن تعلُّقُها به، فإنّ القادر على الفعل قادرٌ على أن يتركه على العدم الأصليّ، وأن لا يغيِّره، فعدم التغيّر مقدورٌ له، فجاز أن يتناوله التّكليفُ.

صفحه 71
 
المبحث الثالث: في أنّ النّهيَ قد يقتضي التكرار
اختلف الناس هنا، فذهب الأكثر إليه ، وقال آخرون بعدمه .
والأقربُ الأوّلُ، لنا وجوهٌ:
الأوّل: أنّ النّهيَ يقتضي منعَ المكلَّفِ من إدخال الماهيّة المصدر في الوجود، وهو إنّما يتحقّق إذا امتنع من إدخال كلّ فرد من أفرادها في الوجود، إذ مع إدخال فرد من أفرادها يكون قد أدخل تلك الماهيّةَ في الوجود، لاشتمال ذلك الفرد على تلك الماهيّة، وهو ينافي قولَنا: إنّه منع من إدخال تلك الماهيّة في الوجود .
قيل عليه1: الامتناع عن إدخال الماهية في الوجود، قدرٌ مشتركٌ بين التّكرار وعدمه، ولا دلالة للعامّ على ما به يمتاز كلّ واحد من القسمين عن صاحبه .
وفيه نظر، لأنّ الامتناع عن الإدخال إنّما يتحقّق مع الدوام، إذ مع عدمه يتحقَّقُ الإدخالُ الممنوعُ منه.
الثاني: المفهوم في عرف اللّغة التناقض بين قولنا: اضْرِبْ ولا تَضْربْ، لاشتمال لا تَضْرِبْ على كلّ مفهوم اضْرِبْ وزيادة حرف النّهي، وقولنا: اضْرِبْ يفيد المرّةَ، فلو كان لا تَضْرِبْ كذلك، لم يتناقضا، فيجب العموم2 .

1 . القائل هو الرازي في محصوله: 1 / 340 .
2 . أي يجب أن يتناول النّهي كلّ الأوقات حتّى تتحقّق المنافاة.

صفحه 72
قيل عليه 1: إن أردتَ بدلالة الأمر والنّهي على مفهومين متناقضين: دلالة الأمر على الإثبات، والنّهي على النّفي، فمسلّمٌ، لكن ذلك لا يوجب التناقض إلاّ مع اتِّحاد الوقت، لأنّ صدق الإثبات في وقت يستلزم صدقَ الإثبات، وصدق النفي في وقت يستلزم صدقَ النفي، وكما لا تناقض بين الإثبات في وقت والنفي في آخر، كذا لا تناقض بين المطلقين .
وفيه نظر، لأنّا استدللنا بالعرف على التناقض على كون النّهي للدّوام، لما قرّره2 من امتناع التّناقض بين المطلقين.
الثالث: قولنا: «لا تَضْرِبْ» يمكن حمله على التكرار، وقد دلّ الدليل عليه، فيجب المصير إليه.
أمّا الأوّل فلإمكان امتناع الإنسان عن الفعل دائماً من غير عُسْر .
وأمّا الثانية فلانتفاء دلالة الصيغة على وقت دون وقت، فإمّا أن يُحْمل على الكلّ، وهو المراد أو لا يحمل على شيء البتّة، وهو مُحالٌ، أو يُحُمل على البعض دون الآخر، ويلزم منه الترجيحُ من غير مرجّح .
قيل عليه3: لا دلالةَ في النّهي إلاّ على مُسمّى الامتناع، فحيث تحقَّق هذا المسمّى، وقع الخروج عن عهدة التكليف .
وفيه نظرٌ، لأنّ مسمّى الامتناع إنّما يتحقّق بدوامه .

1 . القائل هو الرازي في محصوله: 1 / 340 .
2 . في «ج»: لما قدّره .
3 . القائل هو الرازي في محصوله: 1 / 340 .

صفحه 73
الرابع: السيّد إذا نهى عبدَهُ عن فعل، فمضت مدّةٌ يمكنه ايقاع الفعل فيها، ثمّ فعله صحّ ذمُّهُ، وحسن من السيّد عقابُهُ والتّعليل أنّه فعل المنهيَّ عنه.
وليس للعبد أن يقول: إنّك نهيتني عن الفعلِ وقد مضت مدّةٌ يمكن إيقاعُهُ فيها وَلم أفعله فيها، ولم يتناول نهيُك مابعد الوقت .
ولا يقبل العقلاءُ عذره بذلك.
الخامس: هاهنا مقدّمتان:
إحداهما: أنّ المنهيَّ عنه، منشأ المفسدة، ولا يصحّ النهي عنه .1
والثانية: الحكم ببقاء ما كان، على ما كان إلى أن يظهر دليل الإزالة، ودليله ما يأتي، من كون الاستصحاب حجّةً.
ومع تسليمها فنقول: المنهىّ عنه قد ظهر أنّه منشأ مفسدة، والأصلُ بقاءُ تلك المفسدة في جميع الأوقات، فيتعلق النهيّ بالجميع .
السادس: لم يزل العلماء في جميع الأوقات يستدلّونَ على الدوام في النّهي .
السابع: لولا الدّوامُ لَما ثبت دوامُ تحريمِ الزّنا والرّبا، وغير ذلك من المنهيّات .
والتالي باطلٌ بالإجماع، فالمقدّمُ مثلُهُ.
الثامن: الاحتياطُ يقتضي الانتهاء دائماً، فيتعيّن العملُ به، إذ مع تركه لا يأمن ارتكاب المحظور.

1 . في «ج»: وإلاّ لما صحّ النهي عنه .

صفحه 74
احتجّ المخالف: بأنّ النّهي قد يراد منه التكرار بالإجماع، وقد يراد منه المرّةُ الواحدةُ، كقول الطبيب للمريضِ: لا تشرب الماء، ولا تأكل اللّحم، والمراد في هذه الساعة .
في امتناع اجتماع الأمر والنهي   
ويقول المنجِّمُ: لا تفصد1، وليس مراده بذلك التعميم .
والحائضُ نُهِيَتْ عن الصلاةِ والصومِ، وليس المراد من ذلك في كلّ الأوقات .
والاشتراكُ والمجازُ على خلاف الأصل، فوجب جعلُهُ حقيقةً في القدر المشترك .
وأيضاً، يصحّ أن يقيّد بالدّوام ونقيضه، من غير تكرار ولا تناقض في أحدهما، فيكون موضوعاً للقدر المشترك.
وأيضاً، لو كان للدّوامِ، لكان عدمُ الدّوامِ في بعض الصّورِ على خلاف الدّليل، وهو ممتنعٌ.
والجوب عن الأوّل: أنّ عدمَ الدّوام، إنّما يكون لقرينة حاليّة أو مقاليّة، أمّا مع تجرّده عن القرائن، فلا نسلِّم أنّه يراد به المرّة .
والقرينةُ الحاليّةُ ثابتةٌ فيما ذكرتم من صورة الطبيب والمنجِّمِ، اذ المتعارف أنّ نهيهما ليس للتكرار.
والمقاليّةُ ثابتةٌ في الحائض، لدخولها تحت الأوامر العامّة بالصّلاة والصوم .
والأصل فيه، أنّ الطهارة لماكانت شرطاً، وقد انتفت، انتفى التكليفُ، ولهذا

1 . أي لا تعزم أمراً مثلاً كالسفر وغيره .

صفحه 75
قلنا بالتكرار هنا أيضاً، فيجب تركُ العبادة كلّما جاء الحيض، ويدوم بدوامه، ولو صلَّتْ أوصامَتْ وقت الحيض، حسنَ ذمُّها.
وعن الثاني: أنّ القرائنَ المنضمّةَ إلى الألفاظ، قد تُخرجها عن حقائقها، والتأكيدُ مستعملٌ في العرف.
وعن الثالث: أنّه لو لم يكن للدّوام، بل للمرّةِ، لكان استعمالُهُ في الدّوامِ على خلاف الدّليل، على أنَّ الدليلَ قد يخالف عند قرائن تحتفُّ به .
ونحن إنّما قلنا: إنّه لا يُفيد التكرار، لو وُجِدَتْ قرينةٌ صارفةٌ له عن التكرار، والخلاف إنّما هو في المجرّد.

تذنيب

لمّا ثبت أنّ النّهيَ للتكرار، وجب أن يُفيدَ الفورَ، لاستلزام التكرار ذلك، والقائلون بعدمه لم يوجبوا الفورَ فيه.

المبحث الرابع: في امتناع اجتماع الأمر والنهي

اعلم أنّ الواحد قد يكون واحداً بالنّوع، وقد يكون واحداً بالشّخص .
أمّا الأوّل، فيمكن توارد الأمر والنهي معاً إليه، بأن يكون أحد جزئيّاته مأموراً به، والآخر منهيّاً عنه، لعدم التنافي بينهما .
وذلك كالسجود، فإنّه نوعٌ ينقسم إلى السجود لله تعالى، وهو مأمورٌ به، وإلى السجود للصّنم، فهو منهيٌّ عنه .

صفحه 76
وقد خالف في ذلك بعضُ المعتزلة، وتوهَّمَ المناقضةَ، من حيثُ إنّ السجودَ نوعٌ واحدٌ وهو مأمورٌ به فيستحيل أن ينهى عنه، بل السّاجد للصّنم عاص بقصد تعظيم الصّنم، لا بنفس السّجود.1
وليس بجيّد، إذ لا تناقض مع تغاير المحلّ، والسجود لله تعالى مغايرٌ للسجود للّصنم، فإنَّ اختلافَ الإضافات والصفات يوجب المغايرةَ، والشيء لا يغاير نفسَهُ، وقد قال الله تعالى: (لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لاَ لِلْقَمَرِ)2 ثمّ أمر بالسّجود لله تعالى، وليس المأمور به، هو المنهيّ عنه، ولا خلاف في عصيان الساجد للصّنم والشمس بنفس السجود والقصد معاً .
وقولهم: السجود نوعٌ واحدٌ.
قلنا: نعم، لكنّه منقسمٌ بانقسام المقاصد، فإنّ مقصود هذا السجود تعظيم الصنم، دون الله تعالى، واختلاف وجوه الفعل، كاختلاف نفس الفعل في حصول الغيريّة، المانعة من التّضاد، فإنَّ التّضاد إنَّما يكون مع الإضافة إلى واحد، ولا وحدة مع المغايرة .
وأمّا الثاني فإمّا أن يكون ذا جهة واحدة، أو ذا جهتين.
فالأوّل، لا خلاف في استحالة توجّه الأمر والنهي معاً إليه، إلاّ عند من يُجوِّزُ تكليفَ مالا يُطاق .

1 . نقله أحمد بن إدريس المصري القرّافي في نفائس الأُصول في شرح المحصول: 2 / 399 عن سيف الدّين عن بعض المعتزلة، دون أنّ يعيّن القائل .
2 . فصّلت: 37 .

صفحه 77
وأمّا الثاني، ففيه النزاع كالصلاة في الدّار المغصوبة، فإنّها قد اشتملت على وجهتين: إحداهما: كونُها صلاةً، وأُخرى: كونُها غصباً وفيه النزاع:
فمنع منه جماعة الإماميّة، والزيديّة، والظاهريّة، والجُبائيّان، وهو مرويٌّ عن مالك، وهو اختيار فخر الدين الرّازي،1 وذهبوا إلى أنّ الصلاة غيرُ واجبة ولا صحيحة، ولا يسقط بها الفرض، ولا عندها، ووافقهم على ذلك القاضي أبوبكر2 إلاّ في موضع واحد، فإنّه قال: يسقط الفرض معها لا بها.
وهذا الّذي اخترناه، مذهب جمهور المتكلّمين .
وقال الغزّالي3، وجماعةُ الأشاعرةِ بالجواز .
لنا: أنّ المأمور به مطلوبُ التحصيل، فلا حرج في فعله، والمنهيّ عنه مطلوبُ العدم، ويتعلّق بفعله الحرجُ، والجمع بينهما ممتنع .
لا يقال: إنّما يمتنع الجمعُ لو اتَّحد الوجهُ، أمّا مع تعدّده، كالصلاة في الدار المغصوبة، حيث كان لها جهتا صلاة وغصب، وكلُّ واحد منهما يصحّ انفكاكُهُ عن الأُخرى، فلا استبعاد في الأمر بها من حيث إنّها صلاةٌ، والنّهي من حيث إنّها غصبٌ، كما لو قال السيّد لعبده: «خِطْ ]هذا[ الثوب ولا تدخل الدّار» فخاط الثوب في الدار فإنّه يكون ممتثلاً لأمر الخياطة، عاصياً لنهي الدخول، واستحقَّ العقوبةَ بأحد الاعتبارين، والإحسانَ بالآخر، كذا الصّلاة هنا اشتملت على أمرين:
أحدهما مطلوبُ الوجود، والآخر مطلوبُ العدم.

1 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 340 ـ 341 .
2 . لاحظ التقريب والإرشاد: 2 / 360 .
3 . المستصفى: 2 / 101 .

صفحه 78
ويعارض: بأنّ الصّلاة في الدّار المغصوبة صلاةٌ، لأنّها صلاةٌ خاصّةٌ بكيفيّة مخصوصة، وثبوت المقيّد يقتضي ثبوت المطلق .
والصّلاة مأموراً بها، لقوله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ).1
لأنّا نقول: متعلّقُ الأمر والنّهي إن اتَّحد، لزم تكليفُ ما لا يُطاق، والخصم يسلّم أنّه ليس من هذا الباب، وإن تغايرا، فإن تلازما، كان كلٌّ منهما من ضروريّات2 الآخر، والأمر بالشيء أمرٌ بما لا يتمّ ذلك الشيء إلاّ به، ويعود المحذور، وهو كونُ متعلَّقِ الأمر والنّهي واحداً.
وإن لم يتلازما، صحّ تعلّقها بهما إجماعاً، وهو غيرُ صورةِ النّزاع .
لا يقال: يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر في الحكم، إلاّ أنّهما في الصورة المعيّنة يتلازمان.
لأنّا نقول: فيكون المأمور به في ] هذه[ الصورة الخاصّة منهيّاً عنه، وهو مُحالٌ .
وامّا الصلاة في الدار المغصوبة، فإنّها باطلةٌ، وإلاّ لزم تكليفُ مالا يُطاق، والتالي باطلٌ إجماعاً، إلاّ عند من جَوَّزَ التكليفَ بالمُحال، فالمقدّمُ مثلُهُ .
بيان الشرطية: أنّ الصلاة مركّبة من أُمور:
أحدها: الحركة، والسّكون، وهما مشتركانِ في حقيقة الكونِ، أعني الحصولَ في الحيّز وشغلِهِ، وهذا الشغل منهيٌّ عنه، فأحد أجزاء هذه الصّلاة

1 . البقرة: 43 .
2 . في «ب»: من ضرورات .

صفحه 79
منهيٌّ عنه، فيستحيل أن تكون هذه الصّلاة مأموراً بها، لاستلزام الأمر بالمركّب، الأمرَ بأجزائه، فيكون هذا الجزءُ، مأموراً به، منهيّاً عنه.
والصلاة، والغصب وإن تغايرا، لكنّ مطلقَ الشّغل الحيّز، جزءُ ماهيّة مطلق الصّلاة، والشغل المعيّن جزءُ ماهيّة الصّلاة المعيّنة، وهذا الشغل
المعيّن، منهيٌّ عنه، فجزءُ ماهيّة هذه الصّلاة منهيٌّ عنه، فهذه الصلاة لا تكون مأموراً بها .
نعم الصّلاة مطلقاً مأموراً بها، ولا نزاع فيه، بل في هذه الصّلاة.
قيل عليه1: «لا نزاع في انّ الفعل المعيّن إذا أمر به بعينه لا ينهى عنه، إنّما النزاع في الفعل المعيّن إذا كان فرداً من أفراد الفعل المأمور به هل ينهى عنه، وما نفيتموه جوازه ظاهر إذ عندكم الأمرُ بالماهيّة ليس أمراً بشيء من أفرادها، ولأنّه لو امتنع ذلك، لامتنع النهي عن فعل مّا، لأنّ نفسَ الفعلِ مأمورٌ به، لكونه جزءاً من الفعل المأمور به، وكلّ منهيٍّ عنه فردٌ من أفراد نفس الفعل».
وبين الصّلاة في الدار المغصوبة، والمثال الّذي ذكروه فرقٌ، فإنّ
الخياطة غير الدخول، ولا تلازم بينهما، فلهذا صحّ اجتماع الأمر والنّهي، والصلاة المأمور بها ليس المطلق، بل الواقعة على الوجه المطلوب شرعاً، بأن تستجمع شرائطه، ولهذا لا يصحّ أن نقول: الصلاة بغير طهارة صلاةٌ، والصلاة مأمورٌ بها.

1 . القائل هو سراج الدّين محمود بن أبي بكر الارموي المتوفّى سنة 682 هـ . في التحصيل من المحصول : 1 / 335 .

صفحه 80
احتج المخالف بوجوه:
الأوّل: قد كرهت الصلاة في الأماكن المخصوصة، والأوقات المخصوصة، وكما يتضادّ الوجوب والتحريم، كذا يتضادّ الوجوب والكراهة.
الثاني: لو لم تصحّ الصّلاةُ في الدار المغصوبة، لَما سَقَطَ التكليفُ، والتالي باطلٌ بالإجماع فإنّ أحداً من العلماء لم يأمر الظلمة بقضاء صلواتهم في الأماكن المغصوبة، فالمقدّمُ مثله .
والشرطيّةُ ظاهرةٌ، فإنّ الباطلَ غيرُ مُسْقط للفرضِ .
الثالث: لو لم تصحّ الصّلاة، لكان البطلان لاتّحاد متعلَّقِ الأمر والنهي، إذ لا مانع سواه إجماعاً، ولا اتّحاد، فإنّ الأمر بالصّلاة، والنّهي عن الغصب، واختيار المكلَّف جمعَهُما لا يخرجهما عن حقيقتهما، وهو التّغاير وعدم التلازم.
والجواب عن الأوّل: أنّ متعلَّقَ الأحكامِ إن اتَّحدَ، منعنا التكليفَ بمثل هذه الصورة، وإن تغاير لم يفد، لرجوع النهي إلى وصف منفكٍّ، مثل التعرّض لنفار الإبل في الصّلاة في المعاطن،1 ولسيل الوادي في الصلاة في الوادي ، وللتعرّض للرّشاش في الحمام، وغير ذلك من النظائر.
وعن الثاني: بمنع الإجماع على سقوط القضاء، فإنّ الإماميّة أجمع، أوجبوا قضاءها، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وجماعة من الفقهاء، ولو كان ذلك إجماعاً، لما خفي عنهم.

1 . العَطَن: مَبْرك الإبل ومربض الغنم عند الماء. المعجم الوسيط .

صفحه 81
وعن الثالث: ما تقدّم ، من أنَّ الكونَ الّذي هو غصبٌ منهيٌّ عنه، وهوبعينه صلاةٌ، فلا يكون مأموراً به، والكون المطلق قد ينقسم إلى نوعي الغصبِ والصلاةِ، وهما وإن انفَكّ أحدهما عن الآخر، إلاّ أنّهما في هذه الصورة متلازمان، إذ فعل العبد هنا: الحركة، والسكون، لا غير، وهما منهيّانِ.
وأيضاً، لو صحّت الصّلاة لصحّ صومُ يومِ النحر بالجهتين .
والاعتذار بأنّ نهيَ التحريم لا يعتبر فيه تعدّدٌ الاّ بدليل، ضعيفٌ، وهذه المسألة قطعيّةٌ .
أمّا مَنْ يعتقد البطلان، فلاستلزام الصّحّةِ الجمعَ بين الضدّين، وهو مستحيلٌ قطعاً .
ومَنْ يعتقد الصحة، فيعتمد على الإجماع .

تذنيب

قال أبو هاشم: من توسّطَ أرضاً مغصوبةً عصى باللبث والخروج، وجَعَلَ الخروجَ متعلَّقَ الأمرِ والنهيِ معاً .
وهو خطأٌ، لاستلزامه التكليفَ بالمُحال، فإنّ الخروجَ متعيّنٌ عليه للأمر، فيعلم أنَّ انتفاء المعصية به وبشرطه1، فلا يكون متعلَّق النهي .
وفيه نظر، فإنّ الخروجَ تصرّفٌ في ملك الغير، فيكون حراماً، ويمتنع

1 . في «أ» و «ج»: فيعلم انتفاء المعصية وشرطه .

صفحه 82
وجوبه، بل الواجب ترك التصرّف في كلّ آن، وكونه في الزّمن الثاني لا يتمّ إلاّ بالخروج مستنداً إلى فعله الّذي هو التوسّط، فلا يستلزم وجوبَهُ.
في التضادّ بين تحريم الوصف ووجوب الأصل   

المبحث الخامس: في التضادّ بين تحريم الوصف ووجوب الأصل

اعلم أنّ الشيء إذا كان حرامَ الوصفِ، كان مُضادّاً لوجوب أصله، وهو مذهب الشافعي، خلافاً لأبي حنيفة.
وصورة المسألة: أنّه إذا أوجبَ الصّومَ وحَرَّمَ إيقاعَهُ في يوم العيد، أو أوجب الطوافَ، ونهى عن إيقاعه مع الحدَثِ .
والأصل في ذلك: أنّ القائلين بصحّة الصلاة في الدّار المغصوبة، قَسَّموُا النَّهْيَ إلى مِا يرجع إلى ذات المنهيّ عنه، فيضادّ وجوبه، وإلى ما يرجع إلى غيره، فلا يضادّ وجوبه، وإلى ما يرجع إلى وصف المنهيّ عنه، لا إلى أصله، وقد اختلفوا :
فعند أبي حنيفة، الصّومُ، من حيث إنّه صومٌ، مشروعٌ مطلوبٌ، ومن حيث إنّه واقعٌ في يوم النحر، غيرُ مشروع .
والطوافُ، مشروعٌ وإيقاعُهُ في حال الحدث منهيٌّ عنه .
والبيع من حيث إنّه بيعٌ مشروعٌ، و من حيث وقوعِهِ مقروناً بشرط فاسد أو زيادة في العوض في الربويّات، منهيٌّ عنه .
والطلاق، من حيث إنّه طلاقٌ، مشروعٌ، ومن حيث وقوعه في الحيضِ، منهيٌّ عنه .

صفحه 83
وحراثة الولدِ، من حيث إنّه حراثةٌ، مشروعٌ، و من حيث وقوعه في غير المنكوحة مكروهٌ.
فجعل أبو حنيفة هذا قسماً ثالثاً، وزعم أنّ ذلك يوجب فسادَ الوصفِ، لا انتفاءَ الأصلِ، لأنّه راجع إلى الوصف لا ] إلى [ الأصل، فجعل الحرام هو إيقاع الصوم يوم النحر، لا الصّوم الواقع فيه.
والشافعي ألحقَ هذا بكراهة الأصل، ولم يجعله قسماً آخر، والشافعي خرج عن قاعدته في طلاق الحائض، وتأوّل ذلك بأنْ صرف النّهيَ عن أصله، ووصفه إلى تطويل العدّة، أو لحوق الدّم عند الشكّ في الولد .
وأبو حنيفة خرج عن قاعدته في بطلان صلاة المحدث دون طوافه، لأنّ الدليل دلَّ على كون الطهارة شرطاً في صحّة الصلاة، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاةَ إلاّ بطهور»1 فهو نفي الصّلاة لا نهي .
لنا: أنّه لا فرق عند أهل اللغة بين قوله: حرّمتُ عليك الصوم في هذا اليوم، و بين قوله: حرّمتُ عليك إيقاعَه فيه، إذ لا معنى لإيقاع الصّوم في اليوم سوى فعله فيه، فإذا كان فعلُهُ فيه محرّماً، كان ذلك مضادّاً لوجوبِهِ لا محالة .
ولو قال السيّد لعبده: أطلب منك الخياطةَ، وأنهاك عن إيقاعها في وقت الزوال، فإذا خاط وقتَ الزّوال، لم يأت بالمطلوب، فإنّ المكروه هي الخياطة وقت الزوال، لا الوقوع في وقت الزوال، مع بقاء الخياطة مطلوبةً، إذ ليس الوقوع في الوقت شيئاً منفصلاً عن الواقع .

1 . الفقيه: 1 / 22 برقم 67 ; وعوالي اللآلي: 2 / 209 برقم 131، وج 3 / 8 برقم 1 .

صفحه 84
والصّلاة في الأوقات المكروهة، والأماكن المكروهة، من الفقهاء مَنْ منع من صحّتها، فلا يرد عليه شيء، لتردّده في أنّ النّهي نهي عن إيقاع الصلاة من حيث إنَّهُ إيقاعُ صلاة، أو من أمر آخر مقرون به .
ومنهم مَنْ صحّحها، وصرف النّهيَ عن أصل الصلاة، ووضعها إلى غيره .
وتفاصيل المسائل ليس على الأصولي، بل إلى نظر المجتهد في الفروع، وليس على الأصولي إلاّ حصر الأقسام الثلاثة، وهو ما يرجع النّهي فيه إلى ذات المنهيّ أو وصفه، أو خارج، وبيان حكمها في التضادّ وعدِمِهِ.
في أنّ النّهي هل يدلّ على الفساد؟   

المبحث السّادس: في أنّ النّهي هل يدلّ على الفساد؟

اختلف النّاس في ذلك والتحقيق أن نقول: المنهيّ عنه ضربان:
أحدهما، لا يصحّ فيه معنى الفساد، والصحّة، والإجزاء، كالجهل، والظّلم، ونحوهما، ممّا لا يتعلّق به أحكامٌ شرعيّةٌ .
ومنها، ما يصحّ فيه ذلك، كالطّلاق، والنكاح، والبيع، والصّلاة، لتعلُّقِ الأحكامِ بذلك .
فإذا قلنا: النّهي هل يدلّ على الفساد أم لا، فإنّما نشير بذلك إلى الثاني من القسمين، وقد اختلف العلماء :
فمنهم من قال: إنّه يدلّ على الفساد .
ومنهم من منع .
ومنهم من لم يجعله دالاًّ من حيث اللّغة، ويدلّ من حيث الشرع .

صفحه 85
ونحن نقول: النهي إن كان عن الشيء لغيره، لم يدلّ على الفساد، وذلك كالنّهي عن البيع وقت النّداء، خلافاً للشيخ أبي جعفر الطّوسي من علمائنا1ولمالك وأحمد .
وإن كان النهي عن الشيء لنفسه، أو لوصفه، فإن كان الفعل من العبادات دلّ على الفساد، وإن كان من المعاملات، لم يدلّ على الفساد، وهو اختيار أبي الحسين البصري(2) وفخر الدين الرّازي.2
وقال جمهور فقهاء الشّافعيّة، ومالك، وأبو حنيفة، والحنابلة، وأهل الظّاهر كافّةً، وجماعة من المتكلّمين: إنّ النّهيَ يدلّ على الفساد مطلقاً.
وذهب جماعة من الأشاعرة كالقفال3، والغزّالي،4 وغيرهما، وجماعة من الحنفيّة، وجماعة من المعتزلة، كأبي عبدالله البصري5، وأبي الحسن الكرخي6، والقاضي عبد الجبّار إلى أنّه لا يدلّ على الفساد مطلقاً.

1 . العدّة: 1 / 261 و 266 .         2 . المعتمد: 1 / 171 .
2 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 344 .
3 . هو محمد بن علي بن اسماعيل الشاشي القفّال، من أكابر علماء عصره، وأوّل من صنّف الجدل الحسن من الفقهاء، وعنه انتشر مذهب الشافعي، ولد سنة 291 وتوفِّي 381 هـ ، ومن كتبه أُصول الفقه مطبوعٌ. لاحظ الأعلام للزركلي: 6 / 274 .
وهو غير محمّد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي القفّال (429 ـ 507 هـ) ولأجل اشتراكهما في النّسبة واللّقب ربما يطرأ الاشتباه في الترجمة، فما ذكرناه في المقام هو الصحّيح دون ما مرّ منّا في الجزء الأوّل ص 470 .
4 . المستصفى: 2 / 100 .
5 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219 .
6 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219 .

صفحه 86
ومنهم من قال: يدلّ من حيث الشرع، لا من حيث اللّغة، وإليه مال السيّد المرتضى1.
فهنا مقامان:
في أنّ النهي في العبادات يدلّ على الفساد   

] المقام [ الأوّل: في أنّ النهي في العبادات يدلّ على الفساد

وبيانه: أنّ المراد بفساد العبادة، عدم الإجزاء، وهو متحقّقٌ مع النهي، لأنّه بعد الإتيان بالمنهيّ عنه، لم يأت بالمأمور به، فيبقى في عهدة التكليف .
أمّا المقدّمة الأولى، فلأنّ المنهيَ عنه، ليس المأمور به، فإنّ المنهيَّ عنه قبيحٌ، والمأمور به حسنٌ، وهو إنّما أتى بالمنهىّ عنه، فلم يكن آتياً بالمأمور به، كما لو أمر بالصّلاة فتصدّق .
وأمّا المقدّمة الثانية، فظاهرةٌ، فإنّ تارك المأمور به عاص، والعاصي يستحقّ العقابَ، لما تقدّم من أنَّ الأمر للوجوب .
فإن قيل: يجوز أن يكون فعلُ المنهيّ عنه سبباً للخروج عن العهدة، فإنّه لا استبعاد في أن يقول الشارع: «لا تَفْعَلْ في الثوب المغصوب فإن فعلت أسقطتُ عنك الفعل».
ولأنّ اللّفظ لا يدلّ عليه بمنطوقه، إذ لا يفيد إلاّ المنع من الفعل، والفساد: عدمُ الإجزاء، وهما متغايران، ولا بمفهومه، لانتفاء التلازم، فإنّه لا يلزم من
النهي الفسادُ، كما لو قال: «لا تصلّ في الثوب المغصوب، وإن صلّيت

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 180 .

صفحه 87
صَحَّتْ صلاتك» ولو كان الفساد لازماً للنّهي، لزم التناقض.
ولأنّ النهي لو دلّ على الفساد، لكانت الصّلاة في الأماكن المكروهة، والأوقات المكروهة، فاسدةً.
والجواب: قد بيّنا أنَّ المنهيَّ عنه مغايرٌ للمأمور به، وإذا لم يأت بالمأمور به، لم يخرج عن العهدة، فضلاً عن أن يأتيَ بالمنهيّ عنه، فإنّه أولى بعدم الخروج .
والمثال الّذي ذكروه، لو وقع لدلّ على أنّ المنهيَّ عنه ليس عن
الصّلاة ولا عن صفتها، بل عن وصف منفكٍّ، كما في الصّلاة في الأماكن المكروهة .
والفرق بينه و بين الصلاة في المكان المغصوب: أنّ مماسّةَ الإنسان للثوب ليست جزءاً من ماهيّة الصّلاة، ولا مقدّمةً لشيء من أجزائها، فيكون آتياً بعين الصّلاة المأمور بها من غير خلل غير أنّه ضمّ إلى ذلك الفعل فعلاً آخر محرّماً، ولا يقدح ذلك في الخروج عن العهدة .
وبه ظهر الجواب عن النّهيِ في الأماكن المكروهة، والأوقات المكروهة، لرجوع النهي هناك إلى وصف خارج عن ماهيّة الصلاة، ومجموع الأمر والنّهي دلّ على الفساد بالالتزام، فإنَّ النّهيَ دلّ على المنع، وقد ثبت أنّ المنهيَّ عنه
مغايرٌ للمأمور به، فلا يكون بفعله آتياً بالمأمور به، فلا يخرج عن العهدة، فلا يكون محرّماً، وهو المراد بالفساد هنا .

صفحه 88
في أنّ النهي في المعاملات لا يدّل على الفساد   
 
المقام الثاني: في أنّ النهي في المعاملات لا يدّل على الفساد
قد عرفت أنّ الفسادَ في المعاملات يراد به عدمُ ترتّبِ أحكامها عليها، فإذا قيل: هذا بيعٌ فاسدٌ، كان معناه: أنّه لم يفد الملك، وإذا قيل: طلاقٌ فاسدٌ، كان معناه: أنّه لم يفد بينونةً، ولا تحريماً، وإذا قيل: نكاحٌ فاسدٌ، كان معناه: أنّه لم يثمر إباحةَ البُضْع .
إذا ثبت هذا فنقول: لو دلّ النّهيُ على الفساد بهذا المعنى، لدلّ إمّا بالمطابقة، أو بالتضمّن، أو بالالتزام، والكلّ باطلٌ، فانتفت الدلالة .
أمّا انتفاءُ الأوّلين، فظاهرٌ، إذ قوله: «لا تبع»1 مثلاً ليس موضوعاً للفساد بمعنى عدم ترتّب حكم البيع عليه، ولا هو جزؤه.
امّا انتفاء الثالث، فلأنّ شرط هذه الدّلالة، الملازمةُ الذّهنيةُ، وهي منتفيةٌ، فإنَّه لا يلزم من تصوّر تحريم البيع، تصوّرُ عدمِ ترتّبِ حكمِهِ عليه .
ولا استبعاد في أن يقول الشارع: نهيتك عن البيع، وإن فعلتَ، يحصل لك الملك، كما في البيع وقت النّداء وكذا: «نهيتك عن إزالة النجاسة بالماء المغصوب، أو عن الثوب المغصوب مع حصول الطّهارة، ونهيتك عن الذبح بسكّين الغير، لكن إن فعلت، حلَّت الذبيحة، ولا تناقض.
بخلاف ] قوله: [ حرّمتُ عليك الطلاق، وأمرتك به، أو أبحتك إيّاه .
والوطء في الحيض يلحقه أحكامُ الوطء الصحيح، من لحوقِ

1 . في «ب» و «ج»: إذ لفظ لا تبع .

صفحه 89
الولدِ، ووجوبِ المهر، والتحليل للزّوج الأوّل .
وأيضاً، النّهيُ عن العقد أو الإيقاع إنّما يدلّ إذا صدر عن حكيم1 على قبحه، ووجوب الإحلالِ به أو على كراهيته، وقد يكون الفعل قبيحاً مكروهاً، وحكمه ثابتٌ، لأنّ قبح البيع، لا ينافي ثبوت الملك به، فإنَّه قد ينهى عن البيع، لأنّ الملك لا يقع به تارةً، ولأنّه مفسدة في نفسه، وإن وقع به الملك تارةً، ولأنّه يتشاغل به عن واجب، نحو البيع مع تعيّن وجوب التحريم .
وإذا أمكن ذلك، أمكن أن يكون النّهي عن البيع أو غيره، لغرض مغاير لانتفاء أحكامها .
لا يقال: ينتقض ما ذكرتم بالنّهي في العبادات، فإنّه يدلّ على الفساد .
لأنّا نقول: قد بيّنا اختلاف الفساد في العبادات والمعاملات.
احتجّ القائلون بأنّه يدلّ على الفساد، بوجوه:
الأوّل: الفعل المنهيّ عنه معصيةٌ، والملك نعمة، والمعصية تناسب المنع من النعمة، ومحلّ الاعتبار بعد ظهور المناسبة، جميع المناهي الواردة.
الثاني: المنهيُّ عنه لا يجوز أن يكون منشأَ المصلحة الخالصةِ أو الرّاجحة، وإلاّ لزم أن يكون الأمر والنهي بخلاف الحكمة، ولا منشأ المصلحة المساوية، وإلاّ لكان النّهي عبثاً .
وأيضاً، الاشتغال بالعبث محذورٌ عند العقلاء، والقولُ بالفساد يُفْضي إلى دفع هذا المحذور، فوجب القولُ به، فوجب أن يكون منشأ المفسدة الخالصة أو

1 . في «ب»: عن حكم .

صفحه 90
الرّاجحة، وعلى كلِّ التقديرين، يجب الحكم بالبطلان، لاشتماله على إعدام تلك المفسدة.
الثالث: قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ»1.
والمنهيُّ عنه ليس من الدّين، فيكون مردوداً، ولو ترتّب عليه حكمة، لم يكن مردوداً.
الرابع: الإجماع منعقد على الفساد، فإنّه لم يزل العلماء يستدلّون على فساد الزنا، والرّبا بمجرّد النهي.
الخامس: النّهي نقيضُ الأمر، والأمر قد ثبت أنّه يدلّ على الإجزاء فالنّهيُ يدلّ على الفساد.
السادس: النّهيُ يدلّ على مفسدة خالصة، أو راجحة، والقولُ بالفسادِ سعيٌ في إعدامها، فيكون 2 مشروعاً، قياساً على جميع المناهي الفاسدة.
السابع: لو ثبت أحكام المنهيّ عنه، لكان طريق ذلك، الشرع: إمّا أمرٌ، أو إباحةٌ، أو ايجابٌ وكلّ ذلك يمنع منه النهي.3
الثامن: النهي عن الفعل إذا منع منه، وجب أن يكون مانعاً من أحكامه التابعة له.

1 . أخرجه أبو داود في سننه: 4 / 200 برقم 4606، وابن ماجة في سننه: 1 / 7 برقم 14 ورواه ابن أبي جمهور الإحسائي في عوالي اللآلي: 1 / 240، ونقله الشيخ الطوسي في العدّة: 1 / 265 .
2 . الضمير يرجع إلى السعي في إعدام المفسدة. وفي بعض النسخ: «فلا يكون» وعلى هذا، فالضمير يرجع إلى العمل المفهوم من سياق العبارة.
3 . في «أ»: وكلّ ذلك يمنع من النّهي.

صفحه 91
التاسع: الإجزاء يعاقب الفسادَ، فإذا كان بالنهي ينتفي كون الشيء شرعيّاً، فالإجزاء لا يعلم إلاّ شرعاً، فليس بعد ذلك إلاّ الفساد .
العاشر: لو لم يُعْقل من النهي الفساد، لم يكن التحريم دليلاً عليه، وكان لا يُعْقل من قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)1 فسادُ هذه الأنكحة وبطلانُها.
الجواب عن الأوّل: إفادة الملك عن المعصية نعمةٌ أيضاً، فتناسب الشرعيّة، ويمنع الفساد في جميع المناهي الواردة، مع أنّه يجوز أن يكون الحكم عليه بالصحّة مناسباً للنهي، فإنّ زوال الملك عن البايع، لارتكابه المنهيّ عنه، أمرٌ مناسب له .
وعن الثاني: ما تقدّم، من جواز كون الفساد لا من نفس المنهيّ عنه، بل لمنعه عن فعل مطلوب للشارع .
وعن الثالث: أنّ البيع وقت النّداء يوصف بأمرين:
أحدهما: أنّه غير مطابق لأمر الله تعالى .
والثاني: أنّه سبب الملك، والقول بالأوّل إدخال في الدّين ما ليس منه، فكان ردّاً، وأمّا الثاني فلا نسلّم أنَّه ليس من الدين، حتّى يكونَ القولُ به ردّاً، فإنّه نفس النزاع .
وأيضاً، إنّما يكون مدخلاً للفعل في الدّين، إذا اعتقد أنّه من الدّين، فإنّ الزّاني، وفاعلَ المباح لا يكون مُدخلاً للزنا والفعل المباح في الدين، فلا يخلوا إمّا أن يريدوا أنّ الفاعل لِما نُهِي عنه مُدْخلاً للفعل في الدين، أو لأحكامه، والأوّل

1 . النساء: 23 .

صفحه 92
باطلٌ، فإنّ المزيل للنجاسة بالماء المغصوب، لا يعتقد أنّ ذلك من الدين، بل يعتقد أنّه بدعة .
وإن أرادوا الثاني، منعنا أنّه ليس من الدّين .
لا يقال: فحينئذ لو فعل الإنسان ذلك معتقداً أنّه من الدّين، لزم أن يكون مردوداً عليه، فلا يثبت أحكامه .
لأنّا نقول: إنّما يجب أن يكون ردّاً من الدّين، لا غير، وإنّما يكون كذلك، إذا جعلناه بخلاف ما اعتقده، كما لو قال انسان: «من رام الدخول إلى داري، فهو مردود» أفاد أنّه مردود من الدّار، (ولا يلزم عدم ثبوت أحكامه) 1 .
وأجاب قاضي القضاة بوجوه:
الأوّل: لفظ «الرّد» يفيد نفيَ استحقاق الثواب، لأنّ «الرّدَّ» ضدّ «القبول»، والقبول يفيد استحقاق الثواب، فلفظ «الرّدّ» كالنهي، في اقتضاء القبح، ونفي استحقاق الثواب، ونحن نقول: إنّ المنهيَّ عنه لا يُستحقّ به الثواب.
الثاني: يجب أن نُبيِّنَ أنّ الحكم بإجزاء الفعل ليس من الدين، ثمّ نردّه، وهذا إنّما يتوجّه على من قال في استدلاله: «إنَّ الإجزاء ليس من الدين»، لا إلى من قال: «إنَّ الفعل نفسه ليس من الدّين».
ثمّ استدلّ بذلك على انتفاء أحكامه.
الثالث: النّهي أبلغ من لفظ «الردّ» لأنّ طاعات الكافر مردودة، وليست منهيّاً عنها، فإذا لم تظهر دلالةُ النّهي على الفساد، فلفظ «الردّ» أولى بذلك .

1 . ما بين القوسين يوجد في «ج» .

صفحه 93
الرابع: هذا خبرٌ واحدٌ لا يصحّ التعلّقُ به في ذلك.1
وعن الرّابع: بالمنع من رجوع الصحابة إلى النهي في الفساد في الجميع، ولهذا حكموا في كثير من المنهيّات بالصحّة، فلابدّ وأن يكون أحدُ الحكمين للقرينة، فعليكم الترجيح .
وهو مَعَنا، لأنّا لو حكمنا بالفساد، لكان الحكم بعدمه في بعض الصور تركاً للظاهر .
ولو قلنا: إنّه لا يقتضي الفسادَ، كان إثباته في البعض لدليل منفصل، لا يكون تركاً للظاهر.
وعن الخامس: لا يلزم من دلالة الأمر على الإجزاء، دلالةُ النّهي على الفساد، لإمكان اشتراك الأشياء المتضادّة في الأحكام.
سلّمنا، لكن لما دلّ الأمر على الإجزاء، وجب أن لا يدلّ النّهيُ عليه، لا أن يدلَّ على الفساد.
وعن السادس: ما تقدّم من أنّ النهيَ قد يكون لوصف عارض لا لفساد في الماهيّة .
وعن السابع: لا نسلّم انحصارَ طريق دلالة ثبوت الأحكام في الأمر، والإيجاب، والإباحة، فإنّه قد يقول: «نهيتكم عن البيع، وإذا بعتم على هذا الوجه، فقد ملكتم» أو بالعقل.2

1 . نقل تلك الوجوه عن قاضي القضاة أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 175 .
2 . أي قد يكون ثبوت الحكم أو إجزاء الفعل معلوماً بالعقل .

صفحه 94
وعن الثامن: بالمنع من الملازمة، والأحكام تابعةٌ لوجود الفعل أو لصحّته معاً .
وعن التاسع: إن أردتم بأنَّ النّهيَ ينفي كونَه شرعيّاً أنّه ينفي كونَهُ مراداً، أو طاعةً وقُرْبةً، فيصحُ، وإن أردتم نفيَ الأحكام الشرعيّة، فممنوعٌ .
وإذا كان الإجزاء والفساد لا يُعْلَمانِ إلاّ شرعاً فيجب أن لا يستفيد أحدهما من مطلق الأمر .
لا يقال: إجزاؤهُ لا يعلم إلاّ شرعاً، ولا شرع فيه، فيكون فاسداً.
لأنا نقول: وفساده لا يعلم إلاّ شرعاً، ولا شرع فيه، فيكون صحيحاً .
والصّوابُ، التوقّفُ عن حكم بصحّة أو فساد على دليل مفصل .
وعن العاشر: أنّ مطلقَ التحريمِ لا يدلّ على الفساد، كما قلنا في
النّهي، وإنّما عُلِمَ فسادُ أنكحة الأمّهات، بغير وضع النهي في اللّغة، وعلى الجملة بدليل.
في مواضع وقع فيها الخلاف   

المبحث السابع: في مواضع من هذا الباب وقع فيها الخلاف

الأوّل: قال أبو عبد الله البصري1: المنهيّ عنه إذا كان متى فُعِلَ على الوجه المنهيّ عنه انتفى عنه شرطٌ من شرائطه الشرعيّة، فإنّه يجب أن يفسد، كبيع «الغرر» .
ومتى لم ينتف عنه شرطٌ من شرائطه الشرعيّة لم يفسد .

1 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219 .

صفحه 95
اعترضه أبو الحسين1: بأنّ الفساد يجب لو كان ذلك شرطاً في صحّته، ولو لم يكن شرطاً في صحّته، لم يجب فساده .
ولا فرق بين الشرط الشرعي وغيره، فلا معنى للتقييد بكونه شرعيّاً .
وأيضاً، إذا فسد لانتفاء شرطه الشرعي، فإن علمتم ذلك بظاهر النّهي، فقد سلّمتم أنَّ ظاهر النهي يدلّ على الفساد، وإن علمتم بقرينة، فأخبِرونا عن تلك القرينة، لتكونوا قد أشرتم إلى الفرق بين ما لا يدلّ على الفساد .
وإن قالوا: علمنا أنَّ ذلك شرطٌ في الصحّة بدليل غير النهي، نحو أن نعلم أنّ الوضوء شرطٌ في الصلاة، ثمّ نهى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الصّلاة بغير وضوء، فيعلم أنّها فاسدة بغير وضوء .
وقد أشار قاضي القضاة إلى ذلك.
قلنا: فحينئذ نَعْلم الفساد بما دلّ على أنّ الوضوء شرطٌ في صحّتها، فإنّا إذا عَلِمْنا ذلك، عَلِمْنا فسادَ الصلاة إذا لم يكن الوضوء، سواء نُهينا عن الصّلاة بغير وضوء، أو لا .
الثاني: المنهيّ عنه الفاسد هو ما توصّل به إلى تحليل محرّم في الأصل، كأكل الميتة، واستحلال الفروج، وغير الفاسد ما لم يكن وُصلة إلى محرّم في الأصل، وهذا باطلٌ، فإنَّ مرادهم إن كان أنّ الحرام صار به حلالاً على التحقيق، فهو مُناقضةٌ، لأنّه إذا صار به حلالاً، فهو صحيحٌ غيرُ فاسد، إذ لا معنى لكون الوُصلة صحيحةً، إلاّ أنّها وُصلة إلى تحليل هذا المحرّم من الفروج .

1 . المعتمد: 1 / 179 .

صفحه 96
ثمّ هنا أمور نُهي عنها، وهي وُصلةٌ إلى تحليل ما كان حراماً، وهي غير فاسدة كبيع حاضر لباد، هو منهيٌّ عنه، وقد صار به ملك الغير حلالاً للمشتري .
وإن أرادوا بذلك انّه إذا توصّل بالمنهيّ عنه إلى تحليل ما هو حرامٌ في نفسه، فلا يجوز1 أن يصير حلالاً، لزم تعليل الشّيء بنفسه، لأنّ معنى كون هذه الوُصلة المنهيّ عنها فاسدةً، كونها لا توصل إلى تحليل هذا المحرّم، فكأنّهم قالوا: إنّما لم يوصل إلى إباحة هذا المحرّم، لأنّه لا يوصل إلى إباحته.
الثالث: النهي عن الفعل إذا كان لمعنى يختصّه اقتضى فساده، كبيع الغرر، وإذا لم يكن لمعنى يختصّه، لم يقتض فساده، كالبيع وقت النّداء، وهو باطلٌ، فإنّ المقتضي للفساد، هو فقدُ شرط من شرائط الصحّة، ولا يمتنع أن يرجع ذلك تارةً إلى الشيءِ المنهيّ عنه، كما لا يمتنع أن يرجع إلى غيره، فإنّ بيعَ المحجور عليه منهيٌّ عنه، لمعنى في العاقد لا في العقد، ومع ذلك فهو فاسد.
لا يقال: ما يختص بالعاقد والمعقود عليه، يتعلّق بالعقد، ويرجع إليه .
لأنّا نقول: فيجب أن يفسد بيع حاضر لباد، لأنّ النّهي عن ذلك، إنّما كان لمعنى في المتعاقدين.
الرابع: قال بعضهم: ما نُهِيَ عنه لحقّ الغير لا يفسد، وما نُهِيَ عنه لشرط شرعيّ، فإنّه يفسد. وهذا باطلٌ، لأنّ الإنسان قد نُهِيَ عن بيع ملك غيره، لحقِّ ذلك الغير، فإنّه لو أذن فيه، جاز، ومع ذلك يفسد العقد لولم يأذن .
ويدخل في هذه الصَّلاةُ في الّدار المغصوبة فقال جُلُّ الفقهاء، وأبو

1 . في «ج»: لا يجوز.

صفحه 97
اسحاق النظام1: إنَّ الصّلاةَ مجزئةٌ، مُسْقطةٌ للفرض. ومنع الجُبائيّان، والإماميّة، والظاهريّة، والزيديّة من ذلك، لما تقدّم .
ولأنّ صحّة الصّلاة إمّا أن يراد بها أنّها داخلةٌ تحت التعبّد، أو أنَّها تقوم مقام ما يدخل تحت التعبّد، والأوّل باطلٌ، لاستحالة التعبّد بالنّسخ، والثاني يكفي في نفيه أن لا يدلّ دليلٌ على أنّها تقوم مقام ما يدخل تحت التكليف وإذا لم يدلّ دليلٌ على ذلك، ولا هي داخلةٌ تحت التكّليف، وجب إعادتها لبقاء التّعبّد .
وعلى هذا التقرير، لا يجوز صلاة من ستر عورتَهُ بِثَوب مغصوب، وعليه المعتزلة، واختلفوا في سترها بِثَوب مملوك إذا لبس فوقه ثوباً مغصوباً، فجوّزها بعضهم، لأنّ فعله في الثوب الأعلى، ليس من الصّلاة.
ومنعها آخرون، لأنّ قيامه وقعوده تصرُّفٌ في كلا الثوبين .
وهو الحقّ عندي.
وقالت المعتزلة أيضاً: إنّ المودَعَ أو الغاصبَ إذا طولب بردّ الوديعة والغصب، فتشاغل بالصّلاة مع اتِّساع الوقت، لا تصحّ صلاته، وإن ضاق الوقت بحيث يخاف الفوت لو تشاغل بالردّ لم تبطل إن لم يتضرّر المالك بالتأخير ضرراً شديداً، وإن تضرّر بطلت.
وكذا قالوا: لو صلّى وهو يرى من يغرق، أو يهلك بنار، ويرجو تخليصه بطلت.

1 . هو إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو اسحاق النظّام من أئمة المعتزلة، وانفرد بآراء خاصّة تابَعتْهُ فرقةٌ من المعتزلة سمّيت «النظاميّة» نسبةً إليه، وتوفّي سنة 231 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 1 / 43 .

صفحه 98
وهو حقٌّ، لقبح الصلاة في هذه المواطن أجمع .
أمّا إيمان الغاصب في الدار المغصوبة، فإنّه حقٌّ وطاعةٌ، لأنّ ذلك ليس تصرّفاً في الدار،1 فلا يكون قبيحاً، وكذا لو مُنع من الخروج عن الدّار الّتي غصبها، فإنّ صلاته صحيحةٌ، لأنّه مع المنع ينتفي تحريم القعود، وإذا جاز له القعود، صحّت صلاته.
وكذا لو صلّى في ملكه، وقبض يده على رَجُل فمنعه من التصرّف، لأنّ ذلك وإن كان قبيحاً، فليس من الصّلاة .
قالوا: والذّبح بسكّين مغصوبة لا يقتضي تحريمَ الذّبيحة، لأنّ الذبح منهيٌّ عنه، وقبيحٌ، إلاّ أنّه لمّا كان وُصلةً إلى إباحة اللّحم كان كالبيع الّذي هو وُصلةٌ إلى إباحة التصرّف، والنهي لا يدلّ على فساد مثل ذلك، لأنّه نُهِيَ عنه لقبحه في نفسه، لا لأنّه وُصلةٌ إلى إباحة اللحم .
ولو كان الذّبح ممّا يتعبّد به، فكذلك،2 لأنّا إذا علمنا انّ الغرض بالذّبح التصدّق باللّحم، وعلمنا أنَّ اللحم يصير مباحاً بالذّبح بسكّين مغصوبة، جاز التصدّق به .
والماء المغصوب، إذا أُزيل به النجاسة، والسّكين المغصوبة إذا وقع بها الختان، كالمملوك في إزالة النجاسة وإزالة ذلك القدر من اللّحم، فلم يبق بعد إزالتها وبعد ما يجب قطعه في الختان، شيءٌ، يتوجّه الأمر إليه فيمتثل .

1 . لأنّ الإيمان والاعتقاد قائمٌ بالنّفس ولا يعدّ تصرّفاً في المغصوب .
2 . أي لو كان الذبح ممّا يقصد به الإنسان أمراً قربيّاً كما إذا ذبح لغرض التصدق، فهو أيضاً كذلك أي لا تضر مغصوبيّة السكيّن بالغرض المنشود .

صفحه 99
قالوا: والصّوم في شهر رمضان، مع الخوف على النّفس، يسقط به الفرض، لأنّه لم يوجد عليه في الصوم أفعالٌ، وإنّما أخذ عليه الكفّ عن المفطرات .1
وليس بجيّد عند الإماميّة، لأنّه قد أخذ عليه فعل نيّة الصوم، ومن حقّها أن تكون طاعةً. وكلّف الكفّ عن هذه الأفعال، ومن حقِّ الكفّ عنها أن يكون طاعةً حتّى يكون صوماً .
والكفّ مع الخوف على النّفس معصيةٌ وكلّف أن ينوي الصوم، وفي ضمن كونه صوماً كونه طاعة، فإذا كان الصّومُ معصيةً، لم يمكن أن ينوي به الطاعة .
لا يقال: نيّة الصوم لا يدخل في ضمنها نيّة الطاعة، ولا من حقّ الصوم أن يكون طاعةً .
لأنّا نقول: نمنع ذلك، لأنّه يجب أن يوقعه متقرِّباً به إلى الله تعالى.
وأيضاً، يلزمكم مثله في الصّلاة .
وادّعاءُ الإجماعِ في أحدهما، كادّعائه في الآخر .
وقد سأل المعتزلة أنفسهم فقالوا: كما لم يبق بعد إزالة النجاسة بالماء المغصوب نجاسةٌ تُزال، فَلِمَ لا يقال مثله في الصّلاة في الدار المغصوبة، وإن كانت قبيحةً، فإنّها تقوم مقامَ الصّلاة الواجبة في المصلحة، فلا يبقى بعدها مصلحةٌ.

1 . لاحظ المعتمد: 1 / 184 .

صفحه 100
وأجاب قاضي القضاة: بأنّ الأمّة أجمعت بأنّ الّذي يُسْقط فرضَ الصّلاة، هو ما دخل تحت التكليف، ولهذا لمّا كانت الصّلاة بغير طهارة، غير داخلة تحت التكليف، لم تقم مقامَ الواجب، والصّلاة في الدار المغصوبة، لم يدخل تحت التكليف .1
قال السيّد المرتضى: تصحّ الصّلاة في الضّيعة المغصوبة، لقضاء
العادة بأنّ صاحبها لا يحظر على أحد الصلاةَ فيها، والتّعارُفُ كالإذن وكذا من ليس بغاصب لو دخل الدّار مجتازاً، للعادة بانّ النّاس يسوغون الصلاة لغير الغاصب .
في أنّ النّهي هل يدلّ على الصحّة أم لا؟   
امّا من صلّى وهو يدافع الأخبثين، فإنّ صلاته صحيحة، لأنَّ وجه النهي تأثير المدافعة في التثبّت، والخشوع، والطمأنينة الكاملة، ونحن نعلم صحّةَ الصّلاةِ وإن فقدت هذه، وقد يدافع الأخبثين، ويتصبّر على أداءِ ما يجب عليه .
ثمّ قال: الإيمان إذا جعلناه اعتقاداً بالقلب، أو قولاً باللسان، صحّ في الدّار المغصوبة، لأنّه لا تعلّق له بالدّار على كلا التفسيرين، بخلاف الصلاة، حيث كان غاصباً ومتصرّفاً في ملك غيره2.
وفيه نظر، فإنَّ الإيمانَ إذا جعلناه إقراراً باللّسان، كان تصرّفاً في ملك الغير بإحداث كونه في بعض أعضائه، وهو منهيٌّ عنه، ولزمه تجويز صلاة المومي بإخفائه لشدّة مرضه.

1 . لاحظ المعتمد: 1 / 185 .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 194 ـ 195 .

صفحه 101
 
المبحث الثّامن: في أنّ النهي هل يدلّ على الصحّة أم لا؟
نقل أبو زيد عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن: أنّ النهي يدلّ على الصحّة.1
وخالفهما جماهيرُ المعتزلة والأشاعرة.
احتجّ الجمهور بوجهين:
الأوّل: لو دلّ النهي على الصحّة، لدلّ إمّا بلفظه أو بمعناه، والتالي بقسميه باطلٌ، فالمقدّم مثله، والشرطيّة ظاهرةٌ.
وبيان بطلان التالي: أنّ الصحّة عبارة عن ترتّب أحكام الفعل عليه، والنّهيُ لغةً إنّما يدلّ على طلب ترك الفعل، فلا إشعار له بغير ذلك نفياً ولا إثباتاً بشيء من الدّلالة2.
الثاني: أجمعنا على وجود النهي من غير صحّة، كما في بيع
الملاقيح والمضامين، وحَبَل الحبلة،3 وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعي الصّلاة أيّام

1 . نقله الآمدي في الإحكام: 2 / 325 .
2 . في «ب»: من الدلالتين .
3 . نقله الهيثمي في مجمع الزوائد: 4 / 104 .
   قال ابـن الأثيـر في جامع الأُصول: 1 / 411 :
   كان أهلُ الجاهليّة يبتاعون لحوم الجزور إلى «حَبَل الحَبَلة» وحبلُ الحَبَلَة: أن تُنْتج الناقةُ ما في   بطنها، ثم تحمل الّتي نُتجت، فنهاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن ذلك.
   وقال ابن زهرة في الغنية ـ قسم الفروع ـ ص 212:
   نهى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيع «حَبَل الحَبَلة» هو نتاج النتاج، وعن بيع «الملاقيح» وهو ما في بطون   الأمّهات، وعن بيع «المضامين» وهو ما في أصلاب الفحول .

صفحه 102
أقرائك»1 وقوله تعالى: (وَ لاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ)2.
فلو كان النّهي يدلّ على الصحّة ، لزم صحّة هذه المنهيّات، وليس كذلك بالإجماع، أو وجود الدّليل من غير وجود مدلوله، وهو خلاف الأصل.
احتجّا بأنّ المنهيّ عنه إمّا الشرعي أو غيره، والثاني باطلٌ، أمّا أولاً، فلأنَّ الألفاظَ الموضوعةَ إذا أُطلقت، إنّما يراد بها ما وُضعت له ظاهراً، سواء كان الوضعُ من اللّغة، أو الشرع، أو العرف، ولهذا إذا أطلق الشّارع لفظاً، وكان قد وضعه لمعنى، حملناه على متعارفه الشرعيّ3 وألقينا غيره من اللّغة والعرف.
وأمّا ثانياً، فلأنّا نعلم أنّه لم يَنْهَ في صوم يوم النحر عن الإمساك المطلق، ولا في نكاح الأمّهات عن الالتقاء4 وكذا باقي الألفاظ، فلم يبق النهي متوجّهاً إلاّ إلى الشرع، فنقول: ذلك المعنى الشرعي، إمّا أن يمكن تحقّقه أو لا، والثاني باطلٌ، وإلاّ لزم تكليفُ مالا يُطاق فثبت الأوّل .
وإذا أمكن تحقّق الصّوم الشرعيّ في يوم النحر، ثبت المطلوب، فإنّ الشرعيَّ هو الصّحيح المعتبر في نظر الشارع، فالنهي عن صوم يوم النحر يدلّ على انعقاده، إذ لو استحال انعقادُهُ لما نهي عنه، فإنّ المُحالَ كما لا يُؤْمر به، كذا لا

1 . الوسائل: 2 / 538، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 4 .
2 . النساء: 22 .
3 . في «ب»: الشرعيّة.
4 . في «ب»: عن الاكتفاء.

صفحه 103
يُنْهى عنه، فلا يقال للأعمى: «لا تُبْصرْ» كما لا يقال له: «أَبْصِرْ» والنّهي عن الرّبا يدلّ على انعقاده.
وأجيب عنه بوجوه:
الأوّل: المنع من وجود عرف الشرع في هذه الأسماء .1
وليس بجيّد، لما بيّنا، من ثبوت الحقائق الشرعيّة.
الثاني: سلّمنا أنّ له عرفاً، لكن في الأوامر، والنواهي ممنوعٌ، وعلى هذا، فالنّهي إنّما هو عن التصرّف اللّغوي دون الشرعي .2
وليس بجيّد، فانّا قد بيّنا أنّ النّهيَ لم يقع في هذه المنهيّات عن اللّغوي، بل عن الشرعي، فإنّ الحائض لم تُنْه عن الصلاة اللّغويّة، لجواز أن تدعو إجماعاً.
الثالث: نمنع أن يكون عرفُ الشرع البيعَ المنعقد، بل ما يمكن صحّته، فيحمل عليه جمعاً بين الأدلّة، ولا يلزم من كون التصرّف ممكنَ الصِّحّةِ وقوعُ الصِّحّةِ3.
وليس بجيّد، فإنّ ممكنَ الصِّحّة، إنّما هو الصحيح، إذ ما لا صحّة فيه شرعاً، لا يمكن صحّته شرعاً.
الرّابع: ما ذكرتموه يقتضي صرفَ النهي عن ذات المنهيّ عنه إلى غيره، فإنّه لو كان منهيّاً عنه في عينه، استحال أن يكون عبادةً منعقدةً، ومطلق النّهي عن

1 . الأجوبة الثلاثة للآمدي في الإحكام: 2 / 326 .
2 . المصدر السابق .
3 . المصدر السابق .

صفحه 104
الشيء، يدلّ على النّهي عن عينه، إلاّ أن يدلّ دليلٌ، فلا معنى لترك الظاهر من غير ضرورة.
وليس بجيّد، لدلالة ما قلناه على صرف النهي إلى غيره .
الخامس: لو كانت الصّلاة عبارةً عن الصحيحة، لدخل الوضوء وغيره في مسمّاها، والتالي باطلٌ بالإجماع، فالمقدّم مثله.1
وليس بجيّد، فإنّ الشرط ليس جزءاً من المسمّى، ولو قيّدنا الصّلاةَ بالصّحيحة، لم يدخل الوضوء فيها، ولا غيره من الشرائط، فكذا مع الإطلاق .
السادس: النقض بالمناهي المذكورة كبيع الملاقيح، والمضامين، وصلاة الحائض.
أُجيب 2 بأنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «دعي الصّلاةَ أيّامَ أقرائكِ»3 وقوله تعالى (وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ )4 حمل فيه الصّلاةُ، والنكاح، على المعنى اللّغوي، على خلاف الوضع، لدليل دلّ عليه .
في التخيير في النّهي   
وقوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» نفيٌ لا نهيٌ.
السابع: يجوز حملُ النّهي على النسخ، كما إذا قال للوكيل: «لا تبع» فإنّه وإن كان نهياً في الصّيغة، لكنّه نسخٌ في الحقيقة .
وبالجملة، فالمسألة لا تخلو مِنْ تَعَسُّف.

1 . لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3 / 32، قسم المتن .
2 . في «أ» و «ج»: إحساناً «بدل» أُجيب .
3 . الوسائل: 2 / 538، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 4 .
4 . النساء: 22 .

صفحه 105
 
المبحث التاسع: في التخيير في النهي
فصّل أبو الحسين هنا جيّداً،1 فقال:
النّهي عن الأشياء إمّا أن يكون نهياً عنها على الجمع، أو عن الجمع بينها، أو نهياً عنها على البدل، أو نهياً عن البدل 2 فالأقسام أربعة:
الأولّ: النهي على الجمع، بأن يقول الناهي للمخاطَبِ: «لا تَفْعَلْ هذا ولا ذاك» ويوجب عليه الخلوَّ عنهما أجمع .
وتلك الأشياء، قسمان:
الأوّل: أن يمكن الخلوّ عنها أجمع، فيصحّ النهيُ، الثاني: أن يمنع فيصحّ، إلاّ عند من يُجوِّز تكليفَ مالا يُطاق .
ولا فرق بين أن يكون النّهيُ إيجاباً للخلوّ من الشيء ونقيضه، أو منه و من ضدّه إذا لم يكن هناك ضدّ غير المنهيّ عنها.
الثاني: النهي عن الجمع، مثل: «لا تَجْمَعْ بين كذا وكذا» فإن كان الجمع ممكناً جاز النّهيُ إجماعاً إلاّ أن يكون ملجأ إلى الجمع بينهما، فلا يحسن نهيه .
وإن لم يكن الجمع ممكناً، استحال النّهي عنه، لأنّه عبثٌ، إلاّ عند من جَوَّزَهُ كالأشعريّة.
الثالث: النهي على البدل، مثل: «لا تَفْعَلْ هذا إن فعلتَ ذاك» أو «لا تَفْعَلْ

1 . لاحظ المعتمد: 1 / 169 .
2 . النسخ هنا مشوّشة، صحّحنا المتن على المصدر .

صفحه 106
ذلك إن فعلتَ هذا» بأن يكون كلّ واحد منهما مفسدة عند الآخر، وهو يرجع إلى النهي عن الجمع بينهما.
الرابع: النهي عن البدل، ويفهم منه أمران:
الأوّل: أن ينهى ] الإنسانَ[ عن أنْ يفعلَ شيئاً، ويجعله بدلاً عن غيره، وذلك يرجع إلى النّهي عن أن يقصِدَ به البدلَ، فهو غير ممتنع.
الثاني: أن ينهى عن أنْ يفعلَ أحدَهما دون الآخر، بل يجمع بينهما، وهو قبيحٌ إن تعذّر الجمع، وحسن مع إمكانه وامكان الإخلال به .
واعلم أنّ جماعةً من المعتزلة، جَوَّزوا إمكانَ خُلوِّ المكلَّفِ من الأفعال أجمع، كالمستندِ، والمستلقي، وكانت الأكوانُ باقيةً، والباقي مستغن عن المؤثِّر، فحينئذ أمكن قبح جميع أفعال جوارحه، فجاز تناول النهي لها أجمع .
أمّا إذا كانت الحال حالاً لا يصحّ خُلُوُّه فيها من الأفعال، فلا يمكن قبح جميعها، وإلاّ لزم أن لا ينفكّ من القبيح، وأن يكون معذوراً فيه .
وقد يصحّ أن يقبح منه كلُّ أفعالِهِ على وجه، ويحسن على آخر، فمن دخل زرعَ غيرِهِ على سبيل الغصب، فله الخروجُ بنيّة التخلُّصِ، وليس له التصرُّفُ بنيّةِ الفسادِ، ويصحّ أن يقبح بعض تصرّفه على كلّ حال .
والنهي عن ضدّين على الجمع يقبح من حيث يستحيلُ وجودُهُما معاً، فلا يقع من حكيم.
قال السيد المرتضى: واعلم أنّه غير ممتنع في فعل أن يقبح لكون ما يسدّ مسدّه معدوماً، كما لا يمتنع أن يكون صلاحاً إذا كان غيره معدوماً، فغيرُ ممتنع

صفحه 107
على هذه الجملة أن ينهى الحكيم عن فعلين مختلفين على التخيير والبدل، بأن يقبح كلّ واحد منهما بشرط عدم الآخر، فلا يمكن القولُ بقبحهما جميعاً على الإطلاق، لأنّ الاشتراطَ الّذي ذكرناه يقتضي أنّهما متى وُجِدا لم يقبح واحدٌ منهما، ومتى وُجِدَ أحدُهُما قَبُحَ لا محالة.
فالنّهي عن المختلفين ـ إذا صحّ ما ذكرناه ـ على سبيل التخيير صحيحٌ جائزٌ وليس يجري المختلفانِ في هذا الحكم، مجرى الضِّدَّيْنِ، لأنّ كلّ واحد من الضِّدَّيْنِ مَتى وُجِدَ، وجب عدمُ الآخر، وما يجب (لا محالة) 1 يبعد كونُهُ شرطاً في قبحه، وهذا في المختلِفَيْنِ أشبَهُ بالصَّواب، وكذا المتماثلان.2
واعلم أنّ بعضهم منع من تحريم أحد الأمرين لا بعينه، وهو خطأٌ لإمكانه ، مثل: «لا تكلِّم زيداً أو عمراً فقد حرّمتُ عليك كلامَ أحدهما لا بعينه، ولست أُحرِّم عليك الجميع، ولا واحداً بعينه».
وهذا أمرٌ معقولٌ لا شكّ فيه.
احتجّ: بأن «أو» في النّهي للجمع دون التخيير، كقوله تعالى: (وَ لاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)3 .
وليس بشيء، لأنّ التّعميمَ هنا من خارج، لا من الآية.

1 . ما بين القوسين يوجد في المصدر .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 178 ـ 179 .
3 . الإنسان: 24. قال القرّافي في نفائس الأُصول: 2 / 419: ونقل عن المعتزلة احتجاجهم بقوله تعالى (وَ لاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) فالواجب ترك الجميع، وأجاب بأنّ ذلك من الإجماع لا من اللّفظ .

صفحه 108

صفحه 109
المقصد الخامس: في العموم والخصوص
وفيه أبواب
 
] الباب [ الأوّل:
في العموم
وفيه فصلان:
 
الفصل الأوّل

في ألفاظه

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: في تعريفه

قال أبو الحسين: العامُّ كلامٌ مستغرقٌ لجميع ما يصلح له، لأنّه المعقول من كون الكلام عامّاً، فإنّ قولنا: «الرِّجال» عامٌّ من حيث استغرقَ جميعَ ما يصلح له، وكذا لفظة «مَنْ» في الاستفهام، فإنّها تستغرق كلَّ عاقل .
ولا يرد التثنية، مثل «رجلان» ولفظ العدد كـ «ثلاثة رجال» فإنّ ذلك لا

صفحه 110
يستغرق كلَّ ما يصلح له، فإنّه يصلح لهذين الرّجلين، ولهذين الآخرين، وكذا «ثلاثة» يصلح لكلّ ثلاثة من الرّجال، ولا يستغرقها أجمع .
ولفظ النكرة، عامٌّ على البدل، فلا يتناوله الحدّ من حيث الجمع، ويتناوله من حيث البدل، لأنّه يتناول كلَّ رجل على البدل .
قال: وقد زاد قاضي القضاة ما احترز به عن التثنية والجمع، فقال: ] العموم[ لفظٌ مستغرقٌ لجميع ما يصلح له في أصل اللّغة من غير زيادة، فإنَّ التثنيةَ والجمعَ، إنّما يكونان بزيادة تدخل على الواحد .
واعترضه أبو الحسين: بأنّه ينتقض بالعددِ، فإنّ قولنا: «عشرة» تستغرق آحادها بلا زيادة .
في تعريف ألفاظ العموم   
وأيضاً، يخرج منه اسمُ الجنس، إذا دخله اللاّم، مثل: الرّجل و «الرّجال» فإنَّ لامَ الجنس زيادة دخلَتْ على الاسم1.
(وفيه نظرٌ، فإنّ العشرة وإنْ استغرقت أجزاءها إلاّ أنها لا تستغرق جزئيّاتها، ولا فرق بين العشرة وكلّ لفظ يدلّ على معنى مركّب، والغالب استعمال الزيادة في أجزاء الجملة) 2 .
واعترض3 على أبي الحسين في حدّه بوجوه:

1 . المعتمد: 1 / 189 ـ 190 .
2 . ما بين القوسين يوجد في «ج» .
3 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2 / 327، ومحمد بن محمود العجلي الإصبهاني في الكاشف عن المحصول: 4 / 215 ـ 216 .

صفحه 111
الأوّل: أنّه عرّف العامّ بالمستغرق، وهو مرادف، وليس المراد تعريف اللّفظ.
الثاني: أنّه غير مانع، لدخول «ضرب زيد عمراً»، فإنّه لفظ مستغرقٌ لجميع ما هو صالح له، وليس بعامٍّ.
الثالث: يدخل فيه «عشرةٌ» .
وفيه نظرٌ، للمنع من الترادف في العامّ، والمستغرق .
وقولنا: ضرب زيد عمراً، جملة من المحدود والمفرد .
وعشرة، وإن استغرقت آحادها، لكنَّها لا تستغرق كلَّ عشرة، فهي بمنزلة رجل ورجال .
وقال السيّد المرتضى: العموم ما تناول لفظه شيئين فصاعداً1 .
وينتقض بالمثنّى والجمع المنكَّر، وأسماء العدد، إلاّ أن يجعلها عامّةً بالنّسبة إلى ما يندرج تحتها .
وقال الغزّالي: العامّ اللّفظُ الواحدُ الدالُّ من جهة واحدة على شيئين فصاعداً، واحترزنا بقولنا: «من جهة واحدة» عن قولهم: ضرب زيد عمراً، وعن قولهم: ضرب زيد وعمرو(2) فإنّه قد دلّ على شيئين، لكن بلفظين لا بلفظ واحد، ومن جهتين لا من جهة واحدة.2

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 197 .   2 . في المصدر: ضرب زيداً وعمراً.
2 . المستصفى: 2 / 106 .

صفحه 112
واعترض1 بخروج «المعدوم»، و «المستحيل»، لأنّ مدلولهما ليس بشيء، و «الموصولات»، لأنّها ليست بلفظ واحد .
ويدخل فيه المثنّى وأسماءُ العدد، فإنّ عشرة ليست عامّةً، وهي مع اتّحادها تدلّ على شيئين فصاعداً .
وقيل2: العام هو اللفظ الواحد الدالّ على مسمّيين فصاعداً مطلقاً معاً .
فقولنا: «اللفظ» وإن اشترك بين العامّ والخاصّ إلاّ أنّه يفيد اختصاصَ العمومِ بالألفاظ، لكونه من عوارضها.
وقولنا: «الواحد» احترازٌ عن مثل «ضرب زيد عمراً» .
وقولنا: «الدّالُّ على مسمّيين» ليندرج تحته الموجودُ والمعدومُ، ويخرج عنه المطلقُ، كرجل ودرهم، وأسماء الأعلام، فإنّ النّكرة وإن صلحت لكلّ واحد، إلاّ أنّها لا تتناول الجميع معاً، بل 3 على البدل .
وقولنا: «فصاعداً» احترازٌ عن اثنين .
وقولنا: «مطلقاً» احترازٌ عن «عشرة» و «مائة» ونحوهما، ولا حاجة إلى قولنا: «من جهة» واحدة في الاحتراز به عن المشتركة والمجازيّة .
أمّا من يعتقد العموم فيهما، فلا يكون الحدُّ مع هذا القيد جامعاً .

1 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2 / 327 .
2 . القائل هو الآمدي في الإحكام: 2 / 328 .
3 . في «ب»: يقابل.

صفحه 113
وأمّا من لا يعتقده، فلأنّ المشترك غير دالٍّ على مسمّياته معاً، بل على طريق البدل، وكذا الحقيقة والمجاز.
وفي الحدّ، ما يمنع النقض بهما، وهو قولنا: «الدالّ على مسمّيين
معاً
»1.
وقيل2: «ما دلّ على مسمّيات باعتبار أمر اشتركَتْ فيه مطلقاً ضربةً» .
فقولنا: «اشتركت فيه» ليخرج به نحو «عشرة» و«مطلقاً» ليخرج المعهودونَ، و «ضربةً» ليخرج نحو «رَجُل».
وفيه نظرٌ، فإنّه تعريفٌ بالأخفى، ومع ذلك فهو دوريٌّ3 لأنّ
قوله: «مسمّيات» إنْ عنى به أنّها مسمّيات باسم العامّ، فهو خطأٌ، وإن عنى
به مطلق التسمية، دخل فيه نحو عشرة، ولا يخرج بقوله «باعتبار أمر
اشتركت فيه
» فإنّ العشرة دلّت على مسمّيات باعتبار أمر اشركت فيه، وهو الانضمام .
وقال فخر الدين الرازي: هو اللّفظ المستغرق لجميع ما يصلح
بحسب وضع واحد، فإنّ الرّجال مستغرقٌ لجميع ما يصلح له، ولا يدخل
عليه النكرات، لعدم الاستغراق، وكذا التثنية والجمع، لصلوحهما لكلّ

1 . الإحكام للآمدي: 2 / 328 .
2 . القائل هو ابن الحاجب، لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3 / 61، قسم المتن .
3 . في «أ» و «ب»: فهو رديٌّ .

صفحه 114
رجلين ولكلّ ثلاثة، ولا ألفاظ العدد، لعدم استغراق الخمسة كلّ خمسة.
وخرج «بحسب وضع واحد» المشتركُ والحقيقةُ والمجازُ، فإنّ عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معاً .1
وفيه نظرٌ، فإنّ المشترك لا يستغرقُ جميعَ ما يصلح له، وكذا الحقيقة والمجاز .
وقيل2: انّه اللّفظة الدالّة على شيئين فصاعداً، من غير حصر، فخرج باللفظة، المعاني العامّة، والألفاظ المركّبة، وبالدالّة: الجمع المنكّر، فإنّه يتناول جميع الأعداد على وجه الصلاحيّة، لا الدّلالة وعلى شيئين عن النكرة المنفيّة ومن غير حصر أسماء الأعداد .
وفيه نظرٌ، فإنَّ الجمعَ المنكَّرَ يدلّ على شيئين فصاعداً، من غير حصر، ودلالته على جميع الأعداد على وجه الصّلاحية لا يخرجه عن دلالته على شيئين فصاعداً .
والأقرب: أنّ العامَّ هو اللّفظُ الواحدُ المتناولُ بالفعلِ لما هو صالحٌ له بالقوّة، مع تعدّد موارده.
في معروض ألفاظ العموم   
فخرج بالواحد، نحو ضرب زيد عمراً، وبالباقي النكرةُ، ومع تعدّد مـوارده، الدالُّ على معنى واحد .

1 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 353 .
2 . كذا في المحصول للرازي من غير أن يعيِّن قائله. لاحظ المحصول: 1 / 353 .

صفحه 115
ولا ينتقض بأسماء العدد، لتناولها لِما لا يتناهى من مراتبها1 قوّةً وعدمه فعلاً.

المبحث الثاني: في معروضه

اختلف الناس في أنّ العموم هل هو من عوارض المعاني، بعد اتّفاقهم على أنّه من عوارض الألفاظ حقيقةً؟
فقال قوم ـ وهم الأكثر ـ : إنّه ليس حقيقة فيها، وهو اختيار أبي الحسين البصري2 والغزالي3 والسيّد المرتضى4 وجماعةٌ من المحقّقين .
وقال الأقلُّ: إنّه حقيقةٌ فيها .
والذين منعوا الإطلاقَ حقيقةً اختلفوا في الإطلاق مجازاً، فنفاه قومٌ،
وأثبته آخرون .
لنا: أنّه لو كان حقيقة في المعنى لاطّرد، والتالي باطلٌ فالمقدّمُ مثلُهُ .
والشرطيّة ظاهرةٌ، لكونها من علامات الحقيقة .
وأمّا بطلان التّالي فظاهرٌ إذ لا يوصف شيءٌ من المعاني الخاصّةِ الواقعةِ في امتدادِ الإشارةِ إليها، كزيد وعمرو، بكونِهِ عامّاً لا حقيقةً ولا مجازاً .5

1 . في «ب»: من معانيها.
2 . المعتمد: 1 / 189 .
3 . المستصفى: 2 / 106 .
4 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 200 .
5 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 330 .

صفحه 116
وفيه نظرٌ، فإنّا لم نجعل العمومَ من عوارض كلّ معنى، حتّى ينتقض بمثل زيد وعمرو، بل جعلناه عارضاً لكلّ كليٍّ ذي أفراد متعدّدة، فلا يرد ما ذكرتموه نقضاً .
وأيضاً، فإنَّ أسماء هذه المعاني لا يعرض لها العمومُ حقيقةً ولا مجازاً، فإن كان عدمُ اطِّرادِهِ في المعاني يبطل عروضه لها حقيقة كان عدم اطّراده في الألفاظ يبطل عروضَهُ لها حقيقةً، كان عدمُ اطِّراده في الألفاظ، يُبْطل عروضَهُ لها حقيقةً أيضاً .
واحتّج المثبتون: بأنَّ أهلَ اللّغة أطلقوا إطلاقاً شائعاً: عَمَّ العطاءُ، والإنعامُ، والخِصْبُ، والخيرُ، والمطرُ وغيرُها، وهذه الأمورُ من المعاني، لا من الألفاظ، والأصلُ في الإطلاقِ الحقيقةُ.
أجيب: بأنّ من لوازم العامّ أن يكون متّحداً، ومع اتّحاده متناولاً لأمور متعدّدة من جهة واحدة. والعطاءُ الحاصل لزيد، غير الحاصلِ لعمرو، وكذا المطر وغيره، بخلاف اللفظ الواحد كالإنسان، وحقيقة عموم المطر والخصب أن يكون بجملته حاصلاً لكلّ واحد منهم، وهو مستحيلٌ بل جملةُ المطرِ يحصل بجملة النّاس وأجزاؤُهُ لأجزائهم .
أمّا لفظ «المشركين»، فإنّ تناوله لهذا ولهذا على حدٍّ واحد، وليس يتناول جزءٌ مِنْهُ لشخص وجزءٌ منه لآخر، وليس في الوجود فعلٌ واحدٌ هو عطاء، وتكون نسبتُهُ إلى زيد وعمرو واحدةً، وإن كانت حقيقته1 واحدةً في العقل(2).

1 . أي حقيقة الوجود .   2 . في «ب» و «ج»: الفعل .

صفحه 117
وكذا الرّجل، له وجودٌ في الأعيان وفي الأذهان وفي اللّسان .
فالعينيّ1 لا عموم فيه، إذ ليس في الوجودِ رجلٌ مطلقٌ، بل إمّا زيدٌ، وإمّا عمروٌ، وليس يشملهما شيءٌ واحدٌ، وهو الرجوليّة .
وأمّا في اللسان، فلفظ الرّجل قد وُضِعَ للدلالة، ونسبته إلى زيد وعمرو في الدّلالة واحدةٌ، فيسمّى عامّاً باعتبار نسبة دلالته إلى المدلولات .
وأمّا الذهنيّ، فالرّجل يسمّى كليّاً من حيث إنّ العقل إذا شاهد صورةَ زيد استفاد معنى الرّجل، فإذا رأى عمراً لم يستفد منه صورةً أُخرى، وكان ما أخذه أوّلاً نسبته إلى عمرو المتحدّد كنسبته إلى زيد الأوّل، فهذا معنى كليّته، ويجوز أن يسمّى عامّاً بهذا الاعتبار، من حيث إنّه متَّحدٌ ومطابقٌ لماهيّته لمعاني الجزئيّات المندرجة تحته، من جهة واحدة، كمطابقة اللّفظ العامّ لمدلولاته .
وإذا كان عروضُ العموم للفظ (العامّ لموازاته) 2 إنّما كان لمطابقته
مع اتّحاده للمعاني الدّاخلة تحته من جهة واحدة، فهذا بعينه متحقّقٌ في المعاني الكليّة بالنسبة إلى جزئيّاتها،3 فصحّ إطلاقُ العموم عليها، لكن بنوع من المجاز.

1 . أي وجودُه في الأعيان .
2 . ما بين القوسين يوجد في «ج».
3 . في «ج»: إلى أجزائها.

صفحه 118
في الفرق بين المطلق والعامّ، في أقسام العام   
 
المبحث الثالث: في الفرق بين المطلق والعامّ
اعلم أنّ كلَّ شيء متحقّق1 في الأعيان أو متصوّرٌ في الأذهان، فإنّ له ماهيّةً وحقيقةً يتميز بها عما عداه، ويكون هو بها ما هو، لا يشاركه فيها غيره.
ثمّ تلك الحقيقة، يعرض لها عوارض، وتتّصف بأُمور، وتلك العوارضُ والأُمورُ غيرُ داخلة في الحقيقة، بل خارجةٌ عنها، والمفهوم من تلك الحقيقة، يكون مغايراً للمفهوم من تلك الأُمور، سواء كانت تلك الأُمورُ من اللوازم، أو من العوارض المفارقة، وسواء كانت إيجاباً أو سلباً .
فإذا تقرّر هذا فنقول: المطلقُ هو اللّفظُ الدالُّ على تلك الحقيقة من حيث هي هي، لا باعتبار كونها واحدةً أو كثيرةً، أو عامّةً أو خاصّةً، بل ولا من حيث هي مجرّدة عن تلك الاعتبارات، فإنّ اعتبارَ تجرّدِها مغايرٌ لاعتبارها من حيث
هي هي .
فالإنسان، من حيث هو إنسانٌ، لا واحدٌ، ولا كثيرٌ، ولا عامٌّ، ولا خاصٌّ، بل صالح لعروض أيّ هذه الأمور فرض .
فالحيوان إذا أُخِذَ من حيث هو، كان مطلقاً وإذا أُخذ باعتبار عروضِ العموم، كان عامّاً ان لم تكن الكثرة معيّنة، وكانت شاملة، وإن كانت معيّنةً، فهو اسم العدد، وإن لم تكن معيّنةً ولا شاملةً، فهو الجمع المنكَّر، فإذن العامّ أخصُّ من المطلق.

1 . في «أ»: محقّق.

صفحه 119
والفرق بينهما، فرقٌ بين أخذ الماهيّة صالحة للعروض وأخذها مع العروض .
والفرق بين المطلق والنكرة، ظاهرٌ، فإنَّ المطلقَ هو اللّفظُ الدّالُّ على الماهيّة، لا باعتبار الوحدة، ولا الكثرة، وإن كانت لا تنفكّ عنهما .
والنكرة لفظٌ دالٌّ على الماهيّة بقيد وحدة غير معيّنة، ويسمّى الشخص المنتشر .
وبهذا ظهر فساد قول من ظَنَّ أَنَّ المطلقَ هو الدالُّ على واحد لا بعينه، فإنّ كونه واحداً، وكونه غيرَ معيّن قيدان زائدان على الماهيّة.

المبحث الرّابع: في أقسام العامّ

المفيد للعموم إمّا أن تكون إفادته لغةً، أو عرفاً، أو عقلاً.
والأوّل: إمّا أن يفيده على الجمع أو على البدل.
والّذي يفيده على الجمع، إمّا أن يفيده لكونه اسماً موضوعاً للعُموم، أو لأنّه اقترن به ما أوجب عمومه .
والموضوع للعموم، إمّا أن يتناول «العالِمين» خاصّةً كـ «مَنْ» في المجازاة، والاستفهام .
أو غير العالِمين خاصّةً: إمّا الجميع، وهو «ما» .

صفحه 120
وقيل1: إنّها تتناول «العالِمين» ] كقوله تعالى: [ (وَ لاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)2 أو البعض، كـ «مَتى» المختصّة بالزّمان، و «أيْنَ» و «حيثُ» المختصّتين بالمكان .
وأمّا المفيد للعموم باعتبار الدّاخل عليه: فإمّا في الثبوت، وهو «لام الجنس الداخلة على الجمع» كالرّجال، والإضافة كعبيدي.
وإمّا في العدم كالنكرة المنفية .
وأمّا المفيد للعموم على البدل، فالنكرة المثبتة، على اختلاف مراتبها في العموم والخصوص.
والمفيد للعموم عرفاً كقوله ] تعالى[: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)3 فإنّه يُفيد عرفاً تحريمَ جميع وجوه الاستمتاع .
والمفيد عقلاً ثلاثة:
في إثبات صيغة العموم   
الأوّل: أن يكون اللّفظ مفيداً للحكمِ وعلّتِهِ، فيقتضي ثبوتَ الحكمِ أَيْنَما وُجِدَت العلّةُ.
الثاني: أن يكون المفيدُ للعمومِ ما يرجِعُ إلى سؤالِ السائلِ، مثل: أن
يسأل ]النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) [عمّن أفطر؟ فيقول: «عليه الكفّارة» فنعلم العمومَ لكلّ مفطر.

1 . كذا في المحصول للرازي من غير أن يعيِّن قائله، لاحظ المحصول: 1 / 354 .
2 . الكافرون: 4 .
3 . النساء: 23 .

صفحه 121
الثالث: دليلُ الخطابِ عند من يقول به كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في سائمة الغنم زكاةٌ» فإنّه يدلّ على النفي في كلّ ما ليس بسائمة.
واعلم أنّ اللّفظ إمّا خاصٌّ مطلقاً، وهو ما يمنع فيه الشركة، كزيد، وعمرو.
وإمّا عامٌّ مطلقاً، كالمعلوم، والمذكور، إذ لا يخرج منه معدومٌ، ولا موجودٌ.
وإمّا عامٌّ وخاصٌّ بالإضافة، كالمؤمنين، فإنّه عامٌّ باعتبار شموله لآحاد المؤمنين، وخاصٌّ بالإضافة إلى جملتهم، فإنّه يتناولهم خاصّةً دون المشركين، فهو عامٌّ باعتبار شموله لِما شَمِلَهُ، وخاصٌّ باعتبار اقتصاره على ما شَمِلَهُ، وقصوره عمّا لم يشمله .
ومن هنا قيل1: ليس في الألفاظ عامٌّ مطلقٌ، فإنّ المعلومَ لا يتناول المجهولَ، والمذكورَ لا يتناول المسكوتَ عنه.

المبحث الخامس: في إثبات صيغته

اختلف النّاس في ذلك، فذهبت المرجئة2 إلى أنّ العموم لا صيغة له تخصّه في لغة العرب، وهو مذهب السيد المرتضى3.
وذهب جماعةٌ من المعتزلة والشافعي وكثيرٌ من الفقهاء إلى أنَّ للعموم

1 . القائل هو الغزّالي في المستصفى: 2 / 106 .
2 . تقدّم تفسير المرجئة في الجزء الأوّل: 342 .
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 201 ـ 202 .

صفحه 122
صيغةً تخصّه وهي أقسام يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
وذهب آخرون إلى أنّ كلَّ صيغة يدعى فيها العمومُ، فهي للخصوص حقيقة، ومجاز فماعداه .
ونقل عن الأشعري مذهبان:
الاشتراك بين العموم والخصوص، والوقفُ .
ووافقه القاضي أبو بكر على الوقف .1
ومن الواقفيّة 2 من فصّل بين الإخبار، والوعد، والوعيد، والأمر، والنّهي، فقال بالوقف في الإخبار والوعد والوعيد، دون الأمر والنّهي.
لنا: المعقول، والمنقول.
أمّا المعقول، فوجهان: القدرة على وضعِ الألفاظِ للعموم ثابتةٌ بالضّرورة، والدّاعي موجودٌ، إذ الحاجة ماسّةٌ إلى إعلام الغير معنى العموم وإلى التّعبير عنه، ليفهم السّامع، أنّ المتكلّم قصده، وهو معنى ظاهر مشهور بين النّاس تكثر مزاولتهم له، ويحتاجون فى أكثر محاوراتهم إليه، ولا مفسدة فيه، ولا مانع من عقليّ أو نقليّ.
وإذا ثبتت القدرةُ على الفعل والدّاعي، وانتفى الصّارف، وجب وجود الفعل .

1 . التقريب والإرشاد: 3 / 50 .
2 . الواقفيّة: فرقةٌ من المعتزلة، وهم القائلون بالوقف في خلق القرآن. لاحظ معجم الفرق الإسلاميّة: 269، تأليف: شريف يحيى الأمين.

صفحه 123
اعترض الغزالي عليه: 1 بأنّه قياسٌ في اللّغة.
سلّمنا الوجوبَ، لكن نمنع عصمةَ الواضعِ، حتّى لا يخالف الحكمةَ .
سلّمنا، لكن نمنعُ عدم الوضع، فإنّ المشتركَ موضوعٌ ولا يخرج عن الوضع باشتراكه.
والجواب: أنّا لم نستدلّ بما ذكرناه على أنّه قياسٌ، بل استدللنا
بوجود العلّة على وجود المعلول، ولا نفي بالواجب هنا، الّذي يستحقّ تاركه الذّمَّ، حتّى يشترط العصمة، وإذا ضممنا إلى دليلنا أنَّ الأصلَ عدمُ الاشتراك، تمَّ المطلوبُ.
الثاني: معنى العمومِ ظاهرٌ مشهورٌ، يجري مجرى «السّماء» و «الأرض» وغيرهما في ظهورهما، وشدّة الحاجة إلى العبارة عنهما، ولا مانع هناك
من الوضع، وكما لم يجز مع هذه الأوصاف أن تتوالى الأعصار لأهل اللّغة،
ولا يضعوا للسّماء والأرض لفظاً يخصّ كلّ واحد منهما، مع أنّهم قد
وضعوا الأسماءَ للمعاني، ولِما لا حاجة شديدة إليه، بل قد وضعوا
للمعنى الواحد ألفاظاً كثيرةً، كذا لا يجوز أن يهملوا الاستغراق، ولا يضعوا له أسماء تدلّ2 عليه، وكيف يجوز من الامم العظيمة في الأعصار المترادفة ان يضعوا الأسماءَ الكثيرةَ للمعنى الواحدِ، وأن يضعوا ألفاظاً لاصطلاحات3

1 . المستصفى: 2 / 113 .
2 . في «ج»: اسماً ليدلّ .
3 . في «ب» و «ج»: الألفاظ الاصطلاحات .

صفحه 124
خاصّة، ويعدلوا عن وضع لفظ يختص معنى ظاهراً.
لا يقال: لا يمتنع من الأمم إهمالُ ذلك، فإنَّ العربَ مع كثرتها، لم يضعوا الفعلَ الحالَ عبارةً تخصّه دون الفعل المستقبل، ولا وضعوا للاعتماد سفلاً، ولا للاعتماد علّواً، ولا لرائحة الكافور، ولا للكون يمنةً ويسرةً ألفاظاً تخصّها، مع ظهورها وشدّة الحاجة إلى التعبير عنها.
لأنّا نقول: أجاب قاضي القضاة بمنع ظهورها، فلذلك لم يضعوا لها ألفاظاً.
اعترضه ابوالحسين بأنَّه لا شيء أظهر من رائحة الكافور ومفارقتها لرائحة المسك، والاعتماد والمدافعة .
ثمّ أجاب: بأنّا أوجبنا للشيء الظاهر عبارة تدلّ على التعبير عنه إمّا مفردةٌ أو مركّبةٌ، وعند خصومنا ليس في اللّغة كلام مفرد لا مركّبٌ يدلّ على الاستغراق وحده .
وهذه الأشياء لها عباراتٌ تعرف بها، وهي أسماء مضافة، فإذا قلنا: «رائحة المسك» و «الاعتماد سفلاً» أو «علوّاً» أو «يضرب الآن» تميّزت هذه المعاني
من غيرها .
ثمّ اعترض نفسَهُ: بأنّ الاشتراك بين الاستغراق والبعض، معنى معقولٌ تشتدّ الحاجة إلى التعبير عنه، وتدعو الضّرورة إلى أن يجعل المتكلّم غيره في

صفحه 125
شكٍّ من استغراق كلامه أو قصره على البعض، فينبغي أن يكون في اللّغة لفظ يفيده .
وأجاب بحصول ذلك بالترديد، فيقول: «جاءني إمّا كلُّ الناس أو بعضهم».
فإن قالوا: إنّ في اللّغة ما يفيد الاستغراقَ، وهو قولنا: «استغراق».
قلنا: مذهبكم خلاف ذلك، وهو: أنّ حسنَ الاستفهام، والتأكيد، والاستثناء، يدلّ على عدم الاستغراق، ونحن نعلم حسنَ «استغرقتُ أكلَ الخبز إلاّ هذا الرغيف» ويحسن الاستفهام والتأكيد فيقول1: «استغرقتُ أكلَ الخبز كلَّه».
لا يقال: الاستغراق يستغنى عنه بأنْ يُعدِّدَ المتكلِّمُ الأشخاصَ الدّاخلين تحت حكمه.
لأنّا نقول: قد يريد الإنسان أن يُعبِّر عن جميع الناس، ليدلّ على حكم شامل لهم، ويمتنع أن يعدّهم واحداً واحداً، ولا يكفي التعليل في التعميم مثل: «كلّ من دخل داري ضربته، لأنّه دخل داري» لخفاء علل أكثر الأحكام، كما إذا أراد أن يخبر بأنَّ كلَّ إنسان في الدار نائمٌ، أو ضاربٌ، وغيرهما ممّا يكثر تعدّده، لم تعرف علّة ذلك، وقد تختلف العلل بالنسبة إلى الأشخاص، فلا يمكن تعميم العلّة فيهم .
لا يقال: إنّما يلزم ذلك لوكانت اللّغةُ وضعيّةً، حتّى إذا وضعوا أسماء2

1 . في «أ»: فنقول.
2 . في «ب» و «ج»: اسماً.

صفحه 126
لغرض هو قائمٌ في الاستغراق، وجب أن يضعوا له كلاماً أيضاً، ولا يلزم لو كانت توقيفيّةً.
لأنّا نقول: على تقدير التوقيف يجب إذا لم يُوقفوا على وضع كلام لمعنى تشتدّ حاجتهم إلى التعبير عنه أن يضعوا له، كما أنّ المستحدِثَ للصّناعة يلتجئ إلى وضع اسم لها، وإن كان أصلُ الوضع ليس له، وكذا من وُلِدَ له ولدٌ، وإذا وجب ذلك في الشخص الواحد، فالأُمم الكثيرة في الأزمنة المتطاولة المتّصلة، أولى بوجوب ذلك1.
وأمّا المنقول فمن وجوه:
الأوّل: لو كانت الألفاظ الّتي يدعى عمومها مشتركةً بين العموم والخصوص ـ كما ذهب إليه القائلون بأنّه لا صيغة للعموم تخصّه ـ لكان التأكيد يزيد الاشتباه، والتّالي باطلٌ بالإجماع، فالمقدّمُ مثلُهُ .
بيان الشرطية: أنّه إذا قال: «رأيتُ القومَ كلَّهُمْ أجمعينَ» يكون قد أكّد لفظةَ «كلٍّ» وهي مشتركةٌ بين الاستغراق، وما تحته من الجموع، والتأكيد يفيد تقويةَ المعنى، فيلزم زيادةُ الالتباس والإبهام، وهو باطلٌ قطعاً، للعلم بأنّ مقاصدَ اللّغة في ذلك الإيضاحُ، دون تأكيد الاشتراك.
ولو أرادوا تأكيدَ الإبهام، لم يعمدوا إلى هذا التأكيد .
ولفظة «أجمعين» عندهم مشتركةٌ أيضاً، وكلّ من دلّ على شيء

1 . لاحظ المعتمد: 1 / 195 ـ 197 .

صفحه 127
بدلالة1، ثمّ تابع بين الأدلّة عليه، فإنّه يتأكّد ذلك المدلول، وجرى قولنا: «رأيتُ القومَ كلَّهم أجمعين» مجرى «رأيتُ جمعاً إمّا كلَّ القوم أو بعضَهم» ثمّ تكرّر هذا الكلام مرّةً أُخرى، في أنّه يؤكِّد الالتباسَ.
الثاني: لو كانت لفظةُ «كلّ» و ما أشبهها من ألفاظ العمومِ، للاشتراك بين الاستغراق والبعض، لجاز أن تكون لفظة «كلّ» مؤكدّةً للاستغراق، والتالي باطل بالإجماع، فالمقدّم مثله .
بيان الشرطية: أنّ كلَّ واحدة من هذه الألفاظ حقيقةٌ في الكلّ، وحقيقةٌ
في البعضِ، فلو جاز أن يتأكّد باللفظة ]الثانية[ «الكلُّ»، جاز أن يتأكّد
بها البعض .
لا يقال: إنّ لفظة «كلّ» و «أجمعين» أكثر استعمالاً في الاستغراق من غيره .
لأنّا نقول: إن كانت حقيقتها الاستغراق خاصّةً، فهو مذهبنا، وإن كانت مشتركةً، لزم ما قلناه ولا يلزم من غايتها زوال الاشتراك، والاّ فهو مطلوبنا.
لا يقال: إذا قال: «رأيتُ النّاسَ كلَّهم أجمعين» عَلِمْنا أنّه رأى أكثر ممّا لو قال: «رأيتُهُمْ كلَّهُمْ» أو «رأيتُهُمْ أجمعين».
لأنّا نقول: إذا كانت كلُّ واحدة من لفظتي: «كلّ» و «أجمعين» لا يفيد هذه

1 . في «أ» و «ج»: بدلالته.

صفحه 128
الكثرة، وجب على الاجتماع مثله، لأنّ المركّبَ من الكلام إنّما يفيد تركيبَ معان مفردة فقط، دون شيء زائد.
الثالث: قال قاضي القضاة: الّذي يُفْسِدُ قولَ الذاهبين إلى أنّ «لفظ العموم مشتركٌ بين الاستغراق وبين ما دونه» أنّ أهلَ اللّغة فصّلوا بين لفظ العمومِ وبين النّكرة المثبتة، كرجل، ولَنْ يتمّ ذلك إلاّ مع القول بأنّ في العموم ضرباً من الاستغراق.
واعترض1: بأنّ ذلك يتمّ من دون ما ذكره، لأنّ النكرة في الإثبات تتناول واحداً غيرَ معيّن، ولفظ «العموم» يفيد الجمعَ المستغرقَ وغيرَ المستغرق
على البدل.
الرابع: فرّق أهلُ اللغة من تأكيد العموم وتأكيد الخصوص، فقالوا:
«رأيت زيداً نفسه» ولم يقولوا: «أجمعين» وقالوا: «رأيت القوم أجمعين» ولم يقولوا: «نفسه»، فكما اختلف التأكيد لا بالقصد، كذا يجب اختلاف المؤكّد
لا بالقصد .
وهذه الدلالة يبطل بها قول من جعل اللّفظ العامّ للخصوص2 خاصّةً، لا للجمع المشترك بين كلّ الجموع، ولا يقع على الواحد إلاّ مجازاً .
الخامس: كلّ من أراد أن يُخْبِرَ عن الاستغراق فلابدّ له من استعمال هذه

1 . المعترض هو أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 206 .
2 . في «ب»: للمخصوص.

صفحه 129
الألفاظ الّتي يدّعى أنّها للعموم، فيجب أن تكون موضوعةً له، لأنّه لا مندوحة عنها، وجرى مجرى كلّ الحقائق الّتي يفزع ] فيها [ إلى العبارات الموضوعة لها .
احتجّ منكرو العموم: بأنّ العلم بكون هذه الصّيغ موضوعةً للعموم، إمّا أن يكون عقلّياً، وهو مُحالٌ، إذ لا مجال للعقل في الوضع، وإمّا أن يكون نقليّاً، وهو باطلٌ، إذ لا تواتر، وإلاّ لعرفه الكلّ، والآحادُ لا تفيد التّعيين، بل الظنّ، والمسألة علميّةٌ، فلا يجوز الاستدلال فيها بالظّنّ.
والجواب: المنع من كونه غيرَ معلوم، فإنَّ كلَّ من استقرأ اللّغات، علم بالضّرورة أنَّ لفظةَ «كلّ» و «جميع» للعموم.
سلّمنا، لكن نعلم بالعقل، وله مجالٌ في اللّغات بواسطة مقدّمات نقليّة.
سلّمنا، لكن جاز التمسّك في هذه بالآحاد .
ونمنع كونَها علميّةً.
واحتجّ القائلون بالخصوص بوجوه:
الأوّل: الخصوصُ متيقّنٌ، والعمومُ محتملٌ، فحمله على المتيقّن أولى.
الثاني: غالب استعمال هذه الصيغ في الخصوص كما يقال: جَمَعَ السلطانُ، التُّجارَ، والصُّنّاعَ، وكلَّ صاحبِ حرفة، وأنفقتُ دراهمي، وغير ذلك، والأصلُ، صرفُ الأغلبِ إلى الحقيقة.
الثالث: إذا قال السيّدُ لعبده: «أكرم الرجال، و من دخل داري فاعطه درهماً» فإنّه لا يحسن منه الاستفسار عن إرادة البعض من ذلك، ويحسن

صفحه 130
الاستفسار عن إرادة الجميع، وجعل الصيغة حقيقةً فيما لا يحسن الاستفسار عنه، أولى ممّا يحسن، لأنّ الاستفهامَ، طلب الفهم، وطلب الفهم عند حصول المقتضي للفهم عبثٌ، لكنّ من المعلوم حسن أن يقول العبد: كلّ الرجال أُكرِمُهُمْ وكلّ داخل أُعطيه1 أو بعضَهم حتّى الفسّاقِ.
الرابع: لو كان قوله: «رأيتُ الرِّجالَ» مثلاً للعموم، لكان إذا أريد به الخصوصُ، يلزم كذب المُخْبِرِ، كما لو قال: «رأيتُ عشرين» وكان قد رأى عشرةً بخلاف ما إذا كانت للخصوص، وأُريد بها العمومُ.
الخامس: لو كانت للعموم، لم يفد تأكيدها شيئاً غير ما أفادت، وذلك عبثٌ .
السادس: لو كانت للعموم، لكان الاستثناء نقضاً لإفادة الاستغراق بأوّل الكلام، ثمّ بالاستثناء رجع عن تلك الإفادة، كما لو قال: «ضربتُ كلَّ من في الّدار» ثمّ يقول: «لم أضرب كلَّ من في الدّار».
ولأنّ العموم لو استغرق، لكان قوله: «ضربت الكلّ» بمنزلة «ضربت زيداً وعمرواً وخالداً» ثمّ يقول: «إلاّ زيداً»، ولمّا لم يحسن هنا، فكذا ثَمَّ، ولمّا حسن ثَمَّ، دلّ على أنّها ليست للاستغراق .
السابع: لو كانت للعموم، لما صحّ جمعها، فإنّ الجمع يفيدُ ما لا يفيده المجموع2 ولا كثرة بعد الاستغراق، فلا يجمع .

1 . في «ب»: أكرمتُهم وكل داخل أعطيتُهُ.
2 . في «ج»: لا يفيده الواحد.

صفحه 131
والتّالي باطلٌ، لقولهم: «مَنانِ، مَنُونَ»1.
الثامن: يصحّ إدخال لفظي «كلّ» و «بعض» على ما ادّعيتم عمومَهُ، مثل: «كلُّ من دخل داري أكرمه، وبعض من دخل» من غير تكرير ولا نقض.
والجواب عن الأوّل: المنع من تيقّن الخصوصِ، وإلاّ لم يكن العموم محتملاً، وأنتم قد اعترفتم به.
سلّمنا، لكنّ ذلك لا يدلّ على أنّه حقيقةٌ في الخصوص، فإنّ الثلاثة متيقّنة الإرادة من العشرة، ولا يلزم كون لفظة «العشرة» حقيقة في الثلاثة ومجازاً في الزائد .
لا يقال: الزيادة على الثلاثة في العشرة متيقّنةٌ.
لأنّا نقول: لو كانت متيقّنة، لامتنع الاستثناء .
والحاصل، أنّ الخصوص إن كان كلّ المراد، لم يكن متيقّناً، وإن كان مراداً في الجملة، لم يدلّ على الوضع له .
سلّمنا، لكن يعارض بكونه حقيقةً في العموم، إذ من المحتمل أن يكون مرادُ المتكلّمِ العمومَ، فلو حُمِلَ لفظه على الخصوص، لم يحصل مراده، ولو أراد الخصوصَ، حصل مقصوده لو حُمِلَ على العموم، وليس أحدهما أولى من الآخر.

1 . تثنية «مَنْ» وجمعها، قال شمر بن الحارث :
أتوا ناري فقلتُ منونَ أنتم *** فقالوا الجنّ قلتُ عِموا ظلاماً
لاحظ. لسان العرب: 3 / 167 (حسد) و ج 13 / 199 (منن) .

صفحه 132
وعن الثاني: بالمنع من كونها للخصوص في الأمثلة .
سلّمنا، لكن نمنع عليه الاستعمال .
وما ذكرتموه من الأمثلة وغيرها نادرٌ بالنّسبة إلى مظانِّ العموم1 في هذه الصّيغ .
سلّمنا، لكنّ الغلبةَ لا تدلّ على الحقيقة، فإنّ المجازات العرفيّة غالبةٌ، ولم تخرج عن كونها مجازات فيما غلب استعمالها فيه .
وعن الثالث: حسنُ الاستفهام عن إرادة العمومِ لا يُخْرِجُ الصّيغةَ عن كونها حقيقةً في العموم إذ التأكيدُ أمرٌ مطلوبٌ، كما إذا قال: «رأيتُ السّلطان» حسن أن يستفهم هل رأيت السلطان نفسَهُ أو أتباعَهُ .
وعدم حسنِ الاستفهام عن البعض لتيقّنه لا يقتضي كونه حقيقةً فيه .
ولو كان حسنُ الاستفهام لأجل الاشتراك، لوجب أن لا يحسُنَ الجواب إلاّ بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة .
ثمّ نقول: الاستفهامُ إمّا أن يقع ممّن يجوز عليه السهوُ، أو ممّن لا يجوز عليه والأوّل قد يحسن لغير ما ذكرتم :
الأوّل: رُبّما ظَنَّ السّامع أنّ القائل غير متحفِّظ في كلامه، أو هو كالساهي، فيستفهمُهُ حتّى إن كان ساهياً زال سهوُهُ، فأخبر عن تيقّظ، ولهذا يحسُنُ أن يُجابَ عن الاستفهام بعين ما وقع عنه الإخبار.

1 . في «ج»: مكان العموم .

صفحه 133
الثاني: قد يظنّ السّامع لأجل أمارة أنّ المتكلّم أخبر بالعامّ عن جماعة على سبيل المجازفة، وتشتدّ عنايةُ السامع الى المعرفة فيستفهم، ليعلم المتكلّم شدّة اهتمامه فلا يجازف1 بكلامه.
ولهذا إذا قال: رأيت كلّ من في الدار، فيقال: أرأيتَ زيداً فيهم؟ فإذا قال: نعم، زالت التهمة، لقلّة احتمال الخاصّ، وقد لا يتحقّق من قرينة فتدعوه معرفته لشدّة2 اهتمام السائل إلى أن يقول: لا أتحقَّقُ رؤيتَهُ.
الثالث: قد يستفهم طلباً لقوّة الظّنّ .
الرابع: أن تُوجد قرينةٌ تقتضي التخصيص، مثل ما لو قال: ضربت كلّ من في الدار، وكان فيها الوزيرُ، فإنّ الظنّ يقضي بعدم3 ضربه، ومع التعارض يحتاج إلى الاستفهام، ليقع الجواب ]عنه [بخاصٍّ لا يقبل التخصيص .
وأمّا إن وقع ممّن لا يجوز عليه السّهو فذاك4 لأنّ دلالة الخاصّ أقوى، فيطلب الخاصّ بعدم العامّ، تحصيلاً لتلك القوّة.
وعن الرابع: أنّ الكذب إنّما يلزم لو لم يرد المجاز مع صلوحه، كما لو قال: «رأيت أسداً» بخلاف العشرة والعشرين، فإنّ لفظة العشرين، لم توضع للعشرة، حقيقةً ولا مجازاً.

1 . في «أ» و «ج»: فلا يتجازف.
2 . في «أ»: بشدّة.
3 . في «ب» و «ج»: لعدم.
4 . في «أ» و «ب»: فذلك.

صفحه 134
وعن الخامس: انّ المراد بالتأكيد التقوية والعلم بعدم مجازفة المتكلّم، وعدم إرادة التخصيص.
وأيضاً، المتكلّم إمّا أن يجوز عليه السّهوُ، فيحسن التأكيد، لما تقدّم، أولا يجوز، فيفيد قوّة الظّن، ويعارض بجواز تأكيد المتخصّص، مثل: جاء زيدٌ نفسُهُ، وتأكيد ألفاظ العددِ مثل: عشرةٌ كاملةٌ، ولأنّ التأكيد تقوية ما كان حاصلاً، فلو كان الحاصل هوالاشتراك لتأكّد ذلك الاشتراك على ما مرّ تقريره .
لا يقال: التأكيد يعيِّن اللّفظ لأحد مفهوميه .
لأنّا نقول: إنّه حينئذ يكون بياناً لا تأكيداً.
وعن السادس: النّقض بالفاظ العددِ، فإنّها صريحةٌ في ذلك العدد، مع صحّة الاستثناء منه، والفرق بين الاستثناء والنّقض: أنَّ الاستثناء كالجزء من الكلام، لعدم استقلاله، فيجب تعلّقه بما تقدّم، فتصير الجملةُ شيئاً واحداً، يفيد إرادةَ ما عدا المستثنى، بخلاف «ضربْت كلَّ من في الدّار، لَمْ أضرِبْ كلَّ من في الدّار» لاستقلال كلّ من الكلامين بنفسه، فلا حاجة إلى تعلّقه بما تقدّم عليه، وإذا لم يتعلّق به، أفاد الأوّلُ ضربَ الجميع، والآخر نفيَهُ وكان نقضاً .
وأمّا الثاني: فلا جامع فيه .
ثمّ الفرق: أنّ الاستثناء إخراج بعض من كلٍّ، بخلاف «ضربت زيداً وعمراً إلاّ زيداً» لانصراف إلاّ زيداً، إلى زيد، لا إلى عمرو، لأنّ زيداً ليس بجزء منه، ولا إليهما معاً، لاستقلال كلّ منهما بنفسه، ولا يشملهما لفظ واحد، وهو كلّ

صفحه 135
(لهما)1 فيكون الاستثناء قد دلّ على أنَّ لفظة «الكلِّ» مستعملةٌ فيما عداه، فصار نقضاً .
بخلاف «رأيت كلَّ الناس إلاّ زيداً» .
وأيضاً، كونه حقيقة في الاستغراق لا ينافي جواز التجوّز بغيره، والاستثناء دليلٌ على عدم استعمال2 المجاز فيه.
ثمّ نقول: ظاهرُ العمومِ الاستغراقُ مع التجرّد عن الاستثناء، أو مع عدمه، فإن قالوا بالأوّل ولم يتجرّد في الاستثناء، فلا يكون نقضاً، وإن قالوا بالثاني منعنا ذلك، على أنّ العموم إنّما يستغرق ما دخل عليه، فإذا كان معه استثناء، فهو داخل على ما عدا المستثنى، وهو مستغرق له، ولم يكن الاستثناء نقضاً، فإنّه لا فرق بين قولنا: «كلُّ من في الدار الاّ بني تميم» وبين قولنا: «كلّ من في الدار من غير بني تميم» لأنّ كلّ واحد منهما يفيد عمومَ الحكم فيمن عدا بني تميم، وحينئذ لم يستعمل كلٌّ في غير ظاهرها، ولا يكون الاستثناء نقضاً .
والحاصل: أنّ العموم فيماعدا المستثنى كالمقيّد بالشرط والصفة، وكما لا يصحّ العموم المشروط، كذا العموم المستثنى بعضه .
وعن السابع: أنّه ليس بجمع في الحقيقة، على ما اتّفق عليه أهلُ اللّغة، وإنّما هو إشباعُ الحركة، وإلحاقُ زيادة النّونِ.

1 . ما بين القوسين يوجد في «أ» و «ج» ولعلّه زائد.
2 . كذا في «أ» ولكن في «ب» و «ج»: على استعمال.

صفحه 136
سلّمنا كونَه جمعاً، لكن قال سيبويه1: إنّه إنّما تُجمع حالة الوقف، إذا حكي بها الجمع المنكّر، وحينئذ لا تكون للعموم.
وعن الثامن: أنّ لفظ العمومِ قد استعمل في غيره مجازاً من غير نقض، وقد يؤكّد، فلا يكون مكرّراً.
احتجّ القائلون بالاشتراك بوجهين:
الأوّل: الألفاظ الّتي يدّعى عمومها، قد استُعْمِل في العموم تارةً، ولا نزاع فيه، وفي الخصوص أُخرى، فإنّ من قال: «من دخل داري وهبته» قلّما يريد به العمومَ، والاستعمال دليلُ الحقيقةِ في كلا المعنيين، فيكون مشتركاً، فإنّ الظاهر من استعمال اللفظ في شيء كونُهُ حقيقةً فيه، لأنّه الأصل، وإلاّ لتعذّر علينا الحكمُ بكونِ اللفظ حقيقةً في شيء، إذ لا طريقَ سواه .
ولأنّه لو لم يكن حقيقةً في العمومِ والخصوصِ، لكان مجازاً في أحدهما، واللفظ لا يُستعمل في المجاز إلاّ مع قرينة، والأصل بخلافه .
ولأنّ القرينةَ إن عُرِفَتْ ضرورةً، امتنع وقوع الخلاف فيها، ولا تُعْرف نظراً، لأنّا لمّا نظرنا في أدلّة المثبتين لهذه القرينة، لم نجد فيها ما يُعوّلُ عليه.2
الثاني: حسنُ الاستفهامِ عن إرادة الجميعِ أو البعضِ، يدلُّ على اشتراكه فيهما.

1 . تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 169 .
2 . حاصله: أنّ القرينة إمّا أن تعرف ضرورةً أو نظراً، والأوّل باطلٌ، وإلاّ لامتنعَ وقوع الخلاف فيها والثاني أيضاً مثله، لأنّالمّا نظرنا...

صفحه 137
والجواب عن الأوّل: إنْ ادّعيت أنّ الاستعمال لا يكون إلاّ مع الحقيقة، بطل المجاز، وإنْ سلَّمْتَ جوازَ اقترانه مع المجاز، لم يبق مطلق الاستعمال دليلاً على الحقيقة.
لا يقال: الاستعمال مع كون المجاز على خلاف الأصلِ، دليلٌ على الحقيقة.
لأنّا نقول: قولك: «المجاز على خلاف الأصل» ظنيٌّ، والمسألة عندك علميّةٌ.
وأيضاً، فالاشتراك على خلاف الأصل أيضاً، والمجاز خيرٌ منه عند التّعارض.
وفساد طريق آخر على كون اللفظ حقيقةً، لا يدلّ على صحّة هذا الطريق، أعني الاستعمالَ.
لأنّا قد بيّنا فساده، فلا يصير صحيحاً لفساد غيره (ونمنع انحصار الطريق).1
و الضروريُّ قد ينازع فيه الأقلّ، وأكثرُ أهل اللغة سلّموا العمومَ .
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّه لم يُوجد ما يدلُّ على المجاز في الخصوص، وعدمُ الوجدان لا يدلّ على عدمِ الوجود .
والسيّد المرتضى على هذا عوّل2 وكلامه يدلّ على المطالبة بالدلالة

1 . ما بين القوسين يوجد في «ب» .
2 . في «ب»: يعوِّلُ.

صفحه 138
على كون هذه الصّيغة مجازاً في الخصوص، مع أنّه شرع في الاستدلال على كونها مشتركةً بين العموم والخصوص1 .
وعن الثاني: ما تقدّم، من أنّ حسن الاستفهام لا يدلّ على الاشتراك.
احتجّ القائلون بالتعميم في الأمر والنّهي دون الخبر، بانعقاد الاجماع على التكليف بأوامر عامّة ونواه عامّة، فلو لم يكن الأمرُ والنّهيُ للعموم، لَما عمّ التكليف، أو كان تكليفاً بما لا يُطاق.
أمّا الخبر، فليس بتكليف، ولأنّه يجوز وروده بالمجهول من غير بيان، كقوله ] تعالى[: (وَ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْن)2.
والجواب: لا فرق بين الأمر والخبر، فإنّه كما وقع التكليف بأوامر عامّة، كذا وقع التكليف بمعرفة، بالأخبار العامّة3 مثل: (هُوَ الأَوَّلُ وَ الآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ )4، وكذلك عمومات الوعد والوعيد، للانزجار عن المعاصي، والانقياد إلى فعل الطّاعات .
وإذا تساوى التكليف، فلا فائدة في الفرق بين الأمر والخبر.
في صيغ العموم   

1 . لاحظ الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 201 ـ 203 .
2 . مريم: 74 .
3 . كذا في «ب» ولكن في «أ» و «ج»: والجواب: قد أُمرنا بالتكليف بالأخبار العامّة.
4 . الحديد: 3 .

صفحه 139
 
المبحث السادس: في صيغ العموم
وفيه مطالب:

] المطلب[ الأوّل: في أنَّ لفظي «كلّ» و «جميع» للعموم

ويدلّ عليه وجوهٌ:
الأوّل: قولنا: «جاءني كلّ فقيه» يناقضه عرفاً: «ما جاءني كلّ فقيه» ولهذا يستعمل كلٌّ منهما في تكذيب الآخر، وإنّما يتحقّق التناقضُ لو أفاد الكلُّ الاستغراقَ، لأنّ النّفي عن الكلّ لا يناقض الثبوتَ في البعض .1
وفيه نظرٌ، لأنّ التناقضَ لا يتوقّف على أن يكون «كلٌّ» للعموم، فإنّه على تقدير أن يكون سور إيجاب جزئيٍّ يكون نفيه سور سلب كليٍّ كما في قولنا: «واحد من الناس كاتب ليس ولا واحدٌ من الناس بكاتب» .
وأيضاً، يكفي في التناقض اتّحاد المورد.
الثاني: لفظ الكلّ والبعض متقابلان، وإنّما يحصل التقابل لو كانت لفظة الكلّ، غير محتملة للبعض .2

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 367 .
2 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 367 .

صفحه 140
وفيه نظرٌ، فإنّ القائلين بالخصوص، يمنعون التّقابلَ بينهما.
سلّمنا، لكن يكفي في التقابل احتمالُ كلّ للعموم، دون البعض.
الثالث: سبقُ الفهمِ دليلُ الحقيقة، وإذا قال «رأيت كلَّ من في الدّار» سبق الفهم إلى أنّه رأى الجميعَ، ولو كان لفظ الكلّ مشتركاً بين الجميعِ والبعضِ لَما حصل السّبق، كما في الألفاظ المشتركة.
الرابع: لو قال السّيّد لعبده: «كلّ من دخل داري فاعطه درهماً» فلو أعطى العبد كلَّ داخل، لم يتوجّه عليه ذمٌّ، ولو أعطى طويلاً، فقال السّيّد: لِمَ أعطيتَهُ مع أنّي أردت القصار؟ كان للعبد أن يقول: إنَّك أمرتَني بإعطاء الجميع دون القصار، وهذا قد دخل، وكلّ عاقل سمعه لامَ السّيّدَ على تعيينه، وعذر العبد على فعله، ولو انعكس الحال، فأعطى الطوال خاصّةً ،ومنع القصار، كان للسيّد أن يذمّه على منع القصار، ولا يقبل عذر العبدِ بأنّ فلاناً قصيرٌ ولفظ السيّد عامٌّ فلعلّه أراد الطوال، واستحقّ العبد المؤاخذة .1
وفيه نظرٌ، لأنّ القائل بعدم العموم يمنع من عدم توجّه الذّمّ بإعطاء الجميع قبل الاستفهام .
في أنّ لفظي كلّ وجميع للعموم   
وذمّ السيّد2 على منع القصار لا باعتبار العموم بل باعتبار التخصيص مع احتمال اللفظ على السّويّة .

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 368 .
2 . في «أ»: ولومُ السيّد .

صفحه 141
الخامس: لو قال: «أعتقتُ كلَّ عبدي، وكلُّ نسائي طوالق» حكم بعتق الجميع وطلاق النسوة، بخلاف ما لو قال: غانم حُرٌّ، وله عبدانِ، اسم كلّ منهما «غانم» فإنّه يجب أن يستفهم منه مراده، ولو كان لفظ الكلّ مشتركاً لما افترق البابانِ، ولوَجَبَ الاستفسار فيه كما في غانم.
السادس: الفرق واقعٌ بين: جاءني فقهاء، وجاءني كلّ الفقهاء، ولولا دلالة الثاني على الاستغراق لَما بقي فرقٌ .1
و فيه نظرٌ، لأنّ الاشتراك في الثّاني دون الأوّل .
السابع: التجاءُ أهلِ اللّغة عند إرادة التعبير عن الاستغراق إلى استعمال لفظي «الكلّ» و «الجميع» دون الجمع المنكّر، يدلّ على العموميّة، وكلّ ما فرض من القرائن، يمكن عدمه، حتّى أنّه لو كتب كتاباً، وقال: اعملوا بكلّ ما فيه، عمّ مع عدم القرينة .
والأعمى يفهم العموم، مع عدم وقوفه على القرائن البصريّة، لفقد آلته، والسّمعيّة، لفرض عدمها.
الثامن: سمع عثمان2 قول لبيد:

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 368 .
2 . هو عثمان بن مظعون بن حبيب، صحابّي مشهورٌ أسلم قديماً وهاجر هجرتين وأوذي في
الله إيذاء شديداً، توفّي في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، سنة 2 هـ ، وهو أوّل من مات من
المهاجرين بالمدينة، وأوّل من دفن بالبقيع منهم. لاحظ اسد الغابة: 3 / 385 والأعلام للزركلي: 4 / 214 .

صفحه 142
............... *** وكلّ نعيم لا محالة زائل1
فقال له: كذبت فإنّ نعيم أهل الجنّة لا يزول، ولولا أنّه فهم العمومَ، لما كان كاذباً .2
وفيه نظرٌ، لمعارضة قول عثمان بقول الشاعر.
التاسع: لو قال: رأيت كلّ من في البلد، عُدَّ كاذباً بتقدير عدم رؤية البعض.
وفيه نظرٌ، للمنع من تكذيبه.
العاشر: لو قال: كلّ الناس علماء، كذبه ] قول القائل: [ كلّ الناس ليسوا علماء، ولو لم يكن كلٌّ للعموم، لما صحّ التكذيب، لجواز تناول كلّ واحد منهما غير ما تناوله الآخر.
الحادي عشر: لو كان قول القائل «كلٌّ» لا يفيد العموم، ولكنّه يعبّر تارةً عن البعض، وتارةً عن العموم حقيقةً، لكان قول القائل «كلّهم» بياناً لأحد الأمرين فيما دخل عليه، لا تأكيداً له، كما لو قال رأيت عيناً باصرةً.
الثاني عشر: لو قال: اعط كلّ من دخل درهماً، حسن استثناء كلّ عدد

1 . صدره:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلٌ *** ....................
والبيت جزء من قصيدة لبيد بن ربيعة بن مالك المتوفّى سنة 41 هـ ، أنشدها في رثاء النعمان بن المنذر ملك الحيرة مستهلّها:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول *** أنحبٌ فيقضى أم ضلال وباطلٌ
انظر ترجمة لبيد في الأعلام للزركلي: 5 / 240 .
2 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 369 .

صفحه 143
شيئاً سوى الجميع، واستثناء أيّ واحد شيئاً على الإطلاق، والعلم بحسنِ الاستثناءِ معلومٌ من عادة أهل اللغة، والاستثناء يُخْرِجُ من الكلام ما لولاه لدخل، لوجوه:
الأوّل: المستثنى من الجنس لا بدَّ وأن يصحّ دخوله تحت المستثنى منه، فإمّا أن يعبِّر الوجوبَ مع هذه الصحّة أو لا .
والثاني باطلٌ، وإلاّ لما بقي الفرق بين الاستثناء من الجمع المنكّر والمعرَّف، لاشتراكهما في الصحّة، والتالي باطلٌ، للعلم من أهل اللغة بالفرق، فالمقدّم مثله، فوجب أن يكون الجمع المستغرق يفيد العمومَ.
الثاني: الاستثناء إخراجٌ، وإنّما يتحقّق مع الدّخول.
الثالث: أكثر أهل اللغة عليه، وقول الأكثر حجّةٌ.
ولإجماعهم على أنّه1 إخراجُ جزء من كلٍّ، والجزء يجب كونه جزءاً لكلّه .
الرابع: الاستثناء من العدد يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله، فيكون في غيره كذلك .
أمّا الصغرى، فبالإجماع، فإنّه لو قال: له عندي عشرة إلاّ درهماً، لزمه تسعةٌ، ولو قال: عشرة، ولم يستثن لزمه عشرةٌ.
وأمّا الثانية، فلأنّه لولاه، لزم إمّا الاشتراكُ أو المجازُ، وكلاهما خلافُ الأصل.

1 . في «ج»: ولإجماعهم على الاستثناء أنّه .

صفحه 144
الخامس: لو صحّ الاستثناء لإخراج ما يصحّ ] دخوله[ لا ما يجب ]دخوله [لصحّ «ضربتُ رجلاً إلاّ زيداً» لصلاحيّة دخوله تحت لفظ رجل، ويصحّ «رأيت رجلاً إلاّ زيداً» .
(وفيه نظرٌ، لبطلان الاستثناء المستغرق، وعدم دلالة رجل على التعدّد)1.
فإن قيل: الاستثناء لا يوجب التعميم، فإنّه يصحّ من جمع القلّة كالأفعُل، والأفعال، والأفعلة، والفعلة، وجمع السلامة، أيّ فرد شِئنا .
مع أنّ شيئاً من هذه لا يقتضي العمومَ بالإجماع .
ولأنّه يصحّ: «أصحبتُ جمعاً من الفقهاء إلاّ فلاناً» و معلوم أنّ المستثنى هنا لا يجب دخوله تحت المستثنى منه المنكّر .
ولأنّه يصحّ: «صلّ إلاّ في اليوم الفلاني» ولنا أن نستثنيَ ما شئنا من
الأيام .
ولو كان الاستثناء يخرج ما لولاه لوجب دخوله، لكان الأمر يقتضي الدّوامَ والفورَ، وقد تقدّم بطلانُهُما.
سلّمنا،2 لكن نمنع استثناء كلِّ أحد من قوله: «من دخل ] داري[
أكرمه»، فإنّه لا يحسن منه استثناء الملائكة والجنّ واللّصوص، ولا ملك
الهند
، وملك الصين، وهو كثير النظائر .

1 . ما بين القوسين يوجد في «ج» .
2 . أي سلّمنا سلامته عن النّقض .

صفحه 145
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ الاستثناء يقتضي وجوب الدخول لولاه،
فإنّه يصحّ الاستثناء من غير الجنس إجماعاً، مع عدم الدّخول وجوباً
وصلاحيّةً.
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّه لولا الوجوب، لم يبق فرقٌ بين الاستثناء من الجمع المعرّف والمنكّر، فجاز أن يكون الفرقُ غيرَ ما ذكرتم.
سلّمنا، لكنّ مَعَنا ما يدلّ على الاكتفاء بالصّحّة، وهو أنّ الصحّة أعمّ
من الوجوبِ، فحمل اللّفظِ على الصحّة حملٌ على الأعمّ فائدةً، ويحسن:
«أكرم جمعاً من العلماء إلاّ زيداً»، واقتِل فرقة من الكفّار إلاّ فلاناً، مع
عدم وجوب الدّخول، وإلاّ لكان المنكّر للاستغراق .
سلّمنا، لكن ما ذكرتم إنّمايتمّ لو لم تجز المناقضة على الواضع حتّى يتمّ الاستدلال بالمقدّمتين النقليّتين على النتيجة .
نعم لو ثبت أنّ اللّغات توقيفيّةٌ، تَمَّ ذلك، لكن ذلك غيرُ معلوم .
سلّمنا دلالة الاستثناء على العموم، لكنّه يدلّ على عدمه، لأنّه لو كان للعموم لكان الاستثناء نقضاً.
والجواب: نمنع حسنَ استثناء أيّ عدد شِئنا من جمع القلّة، فإنّه يصحّ «أكلتُ الأرغفة، إلاّ ألفَ رغيف» ولا يصحّ لو قال: «أكلت كلَّ الأرغفة إلاّ ألفَ رغيف».1
وفيه نظرٌ، لأنّ الاستثناء هنا لخصوص المادّة .

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 364 .

صفحه 146
وكون الاستثناء في «أصحبتُ جمعاً من الفقهاء إلاّ زيداً» يخرج ما لولاه لصحّ، فَلِمَ قلتَ إنّه في سائر الصّور كذلك ؟
على أنّا نمنع حسنَ ذلك في اللّغة، ولهذا يتداولونه ويقولون في «أصحبتُ رجالاً إلاّ زيداً»: إنّ إلاّ بمنزلة ليس، كأنّه قال: ليس زيداً منهم .
والأمر وإن كان لذاته لا يقتضي التكرارَ ولا الفورَ، لكن لا يمنع منهما، فيجوز أن يكون اقتران «إلاّ» به يوجب دلالته عليهما .
ولم يحسن استثناء الملائكة، والجنّ وملك الهند و] ملك[ الصّين، للعلم بخروجهم عن الحكم، والمقصود من الاستثناء الإخراج، ولهذا يحسن استثناؤهم في المشتبه دخولهم فيه، ولهذا يحسن من الله تعالى استثناء مثل: «أطعمتُ من خلقتُ إلاّ الملائكة أو نظرتُ بعين الرّحمة إلى جميع الخلق إلاّ الملوك المتكبِّرينَ» .
على أنّه مشترك الإلزام، فإنّ الاستثناء لو كان يُخْرِجُ من الكلام ما لولاه لصحّ فحسن1 استثناء الملائكة والجنِّ، لصحة تناول الخطاب لهم.
وأيضاً، فنحن قلنا: الاستثناء يُخْرِجُ من الكلام ما لولاه لوجب، ولم
نقل: إنّ كلّ ما لولاه لوجب يصحّ استثناؤه، والاستثناء من غير الجنس ممنوع فانّ جماعة من الفضلاء منعوه سلّمناه لكنّه مجاز لانّ الاستثناء مشتق
من الثّني، و]هو [الصَّرْف، وإنّما يُحتاج إلى الصَّرْف لو كان بحيث لولا
الصّارف لدخل .

1 . في «ب»: لحسن.

صفحه 147
ثمّ إنّه مشترك الإلزام، فإنّه لولا الاستثناء لم يصحّ الدّخول، وإنّما قلنا بنفي الفارق بين الجمع المنكّر والمعرّف، لأنّ الجمع المنكّر هو الّذي يدلّ على جمع يصلح أن يتناول كلَّ واحد من الأشخاص، فلو كان الجمعُ المعرَّفُ كذلك، انتفى الفرق .
و حمل الاستثناء على الصحّة و إن كان أولى، من حيث العموم، لكنّه معارضٌ بأنّ الصّحّة جزءٌ من الوجوب، فلو حملناه على الوجوب، لَكُنّا قد أَفدنا به الصّحّةَ والوجوبَ معاً .
ولو حملناه على الصّحّة، لم نُفِدْ به الوجوبَ، والجمعُ بين الدّليلين
أولى.
سلّمنا أنّ الاستثناء من الجمع المنكّر لدفع الصّحّة، فَلِمَ يكون في
كلّ كذلك .
والأصل عدم التناقض، خصوصاً وقد قرّر الله تعالى ذلك الوضع .
والاستثناء ليس بنقض على ما يأتي .
واعلم أنّ في الوجوه الخمسة الّتي ذكرناها نظرٌ.
أمّا الأوّل: فلأنّا لو سلّمنا الفرقَ، فَلِمَ قلتم بالعموم وعدمه؟ ولِمَ لا يجوز أن يكون بكثرة الأفراد وقلّتها؟ كما فرّقوا بين جمع الكثرة وجمع القلّة وإن لم يفد العمومَ إجماعاً، وحينئذ جاز أن يكون الجمع المعرّف يفيد ما يفيده جمعُ الكثرة لا العموم.

صفحه 148
وأمّا الثاني: أنّ الإخراج متحقّقٌ مع الصّحّة، كما يتحقّق مع الوجوب، فإنّك إذا قلت: رأيتُ رجالاً، صحّ دخولُ زيد وإذا قلت: إلاّ زيداً، خرج من الصّلاحيّة كما1 يخرج عندكم في العرف من الوجوب.
وأمّا الثالث: إن ادّعيتم أنّ أهل اللّغة قالوا: إنّه إخراج ما لولاه لدخل قطعاً، منَعْنا دعواكم ولا برهان عليها، وإن ادّعيتم ما لولاه لدخل مطلقاً، بحيث يدخل فعلاً وصلاحيّة، سلّمناه والشيء قد يكون جزءاً على طريق الصّحّة وعلى طريق الوجوب، فالأوّل نحو: اضرب رجالاً، فإنّه يجوز أن يكون زيدٌ جزءاً منهم، والثاني فالأعداد، وحينئذ فليس في نصِّ أهل اللّغة أنَّ الاستثناء يُخْرِجُ ما يجب أن يكون جزءاً من كلٍّ.
وأمّا الرّابع: فإنّ الاستثناء من العشرة إنّما حسن لأنّه لولاه لصحّ دخوله في الخطاب، لا لوجوب دخوله، فإنَّ وجوبَ الدّخول لا يمنع صحّتَه.
لا يقال: كيف يجتمع فيه صحّة دخوله ووجوبه ؟
لأنّا نقول: إنَّ صحّةَ دخولِهِ تحت العشرة يعنى به أنّ اسم العشرة يتناوله مع غيره على سبيل الحقيقة، ووجوب دخوله تحته يعنى به أنّه لا يكون الخطاب حقيقة إلاّ إذا دخل تحته، ومعلومٌ أنّ الأوّل داخل تحت الثاني.
في أنّ «من» و «ما» و «أين» و «متى» في الاستفهام للعموم   
وأمّا الخامس: فلأنّ قوله: اضرب رجالاً إلاّ زيداً، فحسنه لازم لكم، لأنّه يتناول كلّ رجل على البدل على سبيل الوجوب، لا على سبيل الصّحّة، فكان

1 . في «ب»: ما .

صفحه 149
ينبغي أن يحسن استثناء زيد منه، ليخرج من وجوب تناول الخطاب له على البدل.
لا يقال: إنّما يحسن ذلك، لأنّ قوله: «اضرب رجالاً» لا يتناول كلَّ رجل على جهة الشمول، والاستثناء يُخْرِجُ ما لولاه لوجب دخوله تحته على الشمول والجمع.
لأنّا نقول: جاز أن يكون الاستثناء يُخْرِجُ ما لولاه لصحّ دخولُهُ تحته على جهة الشّمول .
وأمّا رأيت رجلاً إلاّ زيداً، فإنّه لا يستعمل، لأنّه وإن لم يُفِدْ رجلاً بعينه، فإنّا نعلم أنّ رؤيته ما يتناول إلاّ شخصاً معيّناً، وإن لم يكن معيناً عندنا .
والشيء المعيّن الواحد لا يجوز أن يستثنى منه، لأنّه لم يدخل معه غيره على جهة الشمول ولا على جهة البدل.

المطلب الثاني: في أنّ «من» و «ما» و «أين» و «متى» في الاستفهام للعموم

هذه الصّيغ، إمّا أن تكون للعموم فقط، أو للخصوص فقط، أو لهما على سبيل الاشتراك، أو لا لواحد منهما، والجميع باطلٌ إلاّ الأوّل.
أمّا الثاني، فلأنّه لو كان كذلك، لما حسُنَ الجوابُ بذكر الجميع، لوجوب المطابقة بين السؤال والجواب .

صفحه 150
والتالي باطلٌ بالإجماع، وكذا1 المقدّم .
وأمّا الثالث، فلأنّه لو كان للاشتراك، لَما حسُنَ الجواب إلاّ بعد الاستفهام عن ]جميع [الأقسام الممكنة، كما لو سأله مَنْ عندك؟ فكان يجب أن يقول: تسألني عن الرجال أو النساء؟ فإذا أجاب بالرّجال، قال: عن العرب أو العجم؟ فإذا قال: العرب، قال عن ربيعة، أو مضر؟ وهلّم جرّاً إلى أن يستوفي الممكن، إذ ليس مشتركاً بين الاستغراق وبين مرتبة معيّنة من مراتب الخصوص، لعدم القائل به، لكن لا يحسن السؤال عن جميع المراتب، لعدم تناهيها، فيستحيل السؤال عنها مفصّلاً.
ولأنّا نعلم استقباحَ أهل اللّسان مثل هذا السؤال .
ولأنّ الأصل عدم الاشتراك.
وأمّا الرابع، فباطلٌ بالإجماع، وأيضاً يحسن في المجازات الاستثناءُ مثل: من دخل داري أكرمه إلاّ فلاناً وفلاناً.
وأيضاً لو قال: «أكرم من دخل داري» وأخلّ2 العبد بإكرام بعض، استحقّ اللّوم .
فإن قيل: لا نسلّم أنّها ليست موضوعةً للخصوص، ويحسن الجواب بذكر الجميع إذا وُجِدَ مع اللّفظ قرينةٌ تجعلها للعموم، وحكم المركّبِ مخالفٌ
لحكم المفرد.

1 . في «ب»: فكذا.
2 . في «ب»: فأخلّ.

صفحه 151
سلّمنا، لكنّه مشتركٌ، ولا يحسن جميعُ الاستفهامات لوجود قرينة تُعيِّن المرادَ.
سلّمنا عدمَ القرائن، لكن إنّما يصحّ ذكر الكلّ لو لم يكن مفيداً
للمطلوب، ولا شكّ في افادته المطلوب وغيره إن كان السؤال عن البعض، وللمطلوبِ قطعاً إن كان السؤال عن الجميع، بخلاف ذكر البعض، فكان ذكر الجميع أولى .
سلّمنا، لكن نمنع صحّةَ الاستفهام، ولهذا يحسن الجواب عن قوله: مَنْ عندك؟ أعن الرجال تسألني أم عن النّساء؟ وأعن الأحرار أو العبيد؟ غاية ما يقال: إنّ الاستفهام عن كلّ الأقسام قبيحٌ، لكن ليس الاستدلال بقبح بعض تلك الاستفهامات على عدم الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن بعضها على الاشتراك، وعليكم التّرجيح .
سلّمنا، لكن يعارض بأنّها لو كانت للعموم فقط، لما حَسُنَ الجوابُ إلاّ بقوله: لا أو نعم، فإنّ من عندك؟، في تقدير: أكلُّ الناس عندك؟، والجواب أنّ على تقدير عدم تلك القرينة لا يحسن الجواب بذكر الجميع، ونحن نعلم حسنه من عادة أهل اللّغة، وإن لم تُوجد قرينة أصلاً .
ولأنّ القرينة يجب علمها للسّامع والمجيب، لاستحالة جعلها طريقاً إلى العلم بعموميّة هذه الصّيغة، مع عدم علمنا بتلك القرينة .
وليست القرينة لفظاً، لفرض عدمه، ولا غيرَهُ، لعدم تعقّله في غير اللّفظ، والإشارة المنتفية في حقّ الأعمى مع حسن جوابه بالجميع .

صفحه 152
ولأنّا لو كتبنا: من عندك؟ حَسُنَ الجوابُ بالجميع، مع عدم جميع القرائن .
وهو الجواب عن قرينة الاشتراك، ولأنّ الإجماع وقع على جواز خلوِّ المشترك عن جميع القرائن المعيّنة .
وذكر ما هو أعمّ من المطلوب، يقتضي حسنَ الجواب بالنساء
والرّجال عن مثل: من عندك من الرجال لأنَّ تخصيص السؤال عن الرّجال
يدلّ على عدم الحاجة عن السؤال عن النساء، مع أنّه كما احتمل كون غرضه بالسؤال ذكر الجميع، احتمل أن يكون غرضه السؤال عن البعض، والسّكوت عن الباقي .
وقوله: ليس الاستدلال بقبح البعض على نفي الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن البعض على ] ثبوت[ الاشتراك .
قلنا: الإجماع على أنّ هذه الصّيغة ليست مخصوصةً ببعضِ المراتب دون البعض، فلو كانت حقيقةً في الخصوص، لكانت حقيقةً في جميع مراتبه، فكان يجب الاستفهامُ عن جميعها، ولمّا لم يكن كذلك علمنا بطلانَ الاشتراك .
وحسنُ بعضِ الاستفهامات، لا يدلّ على وقوع الاشتراك، لِما في الاستفهام من الفوائد غير الاشتراك .
والسّؤال لم يقع عن التصديق حتّى يجب الجواب بلا أو بنعم، بل عن التصوّر وقوله: مَنْ عندك؟ معناه: اذْكُرْ لي الجميع ولا تخلّ أحداً عندك إلاّ واذكره، وهذا لا يحسن الجواب بلا أو نعم.
في أنّ صيغتي «ما» و «مَنْ» في المجازاة للعموم   

صفحه 153
 
المطلب الثالث: في أنّ صيغتي «ما» و «مَنْ» في المجازاة للعموم
ويدلّ عليه وجوهٌ:
الأوّل: لو كان مشتركاً، لما حَسُنَ الفعل إلاّ عند الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة، لكنّه حسن، فدلّ على عدم الاشتراك.
الثاني: يحسن استثناء كلّ واحد من العقلاء عن قوله: من دخل ]داري [فأكرمه.
الثالث: لمّا نزل قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)1 قال ابن الزِّبَعْرى2: لأخصمنّ محمّداً، ثمّ جاء إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يا محمّد أليس قد عُبِدَتِ الملائكةُ؟ أليس قد عُبِدَ عيسى»؟ فتمسّك بالعموم، ولم ينكره النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى نزل ] قوله تعالى[: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى)3 .
لا يقال: السؤال خطأ لأنّ ما لِما لا يعقل .
لأنّا نمنع ذلك، لقوله ] تعالى[: (وَ السَّمَاءِ وَ مَا بَنَاهَا )4.

1 . الأنبياء: 98 .
2 . هو عبد الله بن الزِّبَعْرى ـ بكسر الزاء وفتح الباء وسكون العين وفتح الراء ـ شاعر قريش في الجاهلية، كان من أشدّ الناس على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمين، ثمّ أسلم عام الفتح، واعتذر، ومدح النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)توفّي حدود سنة 15 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 4 / 87 .
3 . الأنبياء: 101. نقل الطبرسي قصة ابن الزبعرى في مجمع البيان: 7 / 102 .
4 . الشمس: 5 .

صفحه 154
في النّكرة المنفيّة   
 
المطلب الرابع: في النّكرة المنفيّة 1
النّكرة في معرض النفي للعموم، لوجوه:
الأوّل: صحّة الاستثناء.
الثاني: العقلاء إذا أرادوا تكذيبَ ما أكلتُ شيئاً، قالوا: قد أكلت كذا،
وإذا كذّبوا أكلت شيئاً، قالوا: ما أكلتَ شيئاً، والإثبات للجزئيّ قطعاً، فلو
كان السلب له لم يتناقضا، لما عرف من عدم التناقض بين الجزئيّتين، ولهذا لما أراد الله تعالى تكذيب الكفّار في السلب الكلّي حيث قالوا: (مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَر مِنْ شَيء)(2) بموجبة جزئيّة، فقال: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى)(3).
الثالث: لو لم يكن للعموم، لم يكن قولنا: لا إله إلاّ الله نفياً لجميع الآلهة ما عدا الله تعالى .
الرابع: الإجماع من العلماء على التمسك بتحريم نكاح كلّ عمّة وكلّ خالة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تنكح المرأة على عمّتها وعلى خالتها»2 وتحريم قتل
كلّ صيد بقوله ] تعالى[: (لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ)3 «ولا يرث القاتل»4

1 . في «أ»: المنتفية.   2 و 3 . الأنعام: 91 .
2 . الوسائل: 14 / 304، الباب 13 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1 .
3 . المائدة: 95 .
4 . وسائل الشيعة: 17 / 388، الباب 7 من أبواب موانع الإرث، أحاديث الباب .

صفحه 155
ولا يقتل والدٌ بولده، «ولا يقتل مؤمن بكافر» 1 إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.
ولمّا نزل قوله تعالى: (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)2 الآية، قال ابن أُمّ مكتوم وكان ضريراً ما قال، فنزل قوله تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ )3فعقل الضريرُ وغيرُهُ عمومَ لفظ المؤمنين .
ولمّا نزل (وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم )4 قالت الصحابة: فأينّا لم يظلم نفسه، فبيّن5 أنّه أراد ظلم النّفاق والكفر.
الخامس: النكرة، إمّا أن يقال: إنّها للعموم على سبيل الجميع، أو للخصوص، أو مطلقاً .
والأوّل باطلٌ بالإجماع، فإنّ أحداً لم يقل: إنَّ «رأيت رجلاً» مستغرقٌ لكلّ رجل جمعاً .
وأمّا الثاني والثالث فنقول: إن كان موضوعاً لشخص بعينه كان عَلَماً
لا نكرةً، وإن كان موضوعاً لواحد غيرِ معيّن فنفيه إنّما يحصل باستغراق

1 . سنن ابن ماجة: 2 / 887 ، كتاب الديات، باب لا يقتل مسلمٌ بكافر برقم 2660 ; سنن أبي داود: 4 / 181، كتاب الديات، باب ايقاد المسلم بالكافر برقم 4530 ; وعوالي اللآلي: 1 / 235، و ج 3 / 588 .
2 . النساء: 95 .
3 . النساء: 95 .
4 . الأنعام: 82 .
5 . في «ب»: فثبت.

صفحه 156
النفي وعمومه، لعدم التّعاند بين اثبات حكم لشخص مّا، ونفيه عن
شخص مّا .
وفي هذا الموضع بحثٌ لطيفٌ، ذكرناه في كتبنا المنطقيّة .

تذنيب

النكرة المثبتة في معرض الخبر ليست عامّةً لا على الجمع ولا على البدل، مثل: جاءني رجلٌ.
أمّا الجمع فظاهرٌ، وأمّا البدل، فلأنّ الإخبار وقع عن مجيء شخص بعينه فلا يعمّ، وأمّا في معرض الأمر فللعموم على البدل، لقوله: أعتق رقبةً، للإجماع على الخروج عن العهدة بأىّ رقبة كانت، ولولا العموم لما كان كذلك.
في أنّ الجمع المعرّف بلام الجنس للعموم   

المطلب الخامس: في أنّ الجمع المعرّف بلام الجنس للعموم

الجمع إذا دخل عليه لام العهد، انصرف إلى المعهود إجماعاً، وإن دخل عليه لام الجنس، أفاد العمومَ، خلافاً للواقفيّة وأبي هاشم.
لنا وجوهٌ:
الأوّل: لما طلب الأنصارُ «الإمامةَ» لنفسهم احتجّ عليهم أبو بكر بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الأئمّة من قريش» 1 وسلّم الأنصار تلك الحجة، ولولا العموم لما

1 . أخرجه البيهقي في سننه: 8 / 143 ـ 144، كتاب قتال أهل البغي، باب الأئمَّة من قريش، وأحمد بن حنبل في مسنده: 3 / 183 .

صفحه 157
تمّت1 إذ يبقى التقدير بعض الأئمّة من قريش، فلا ينافي كلّهم، بخلاف كلّ الأئمّة من قريش.2
الثاني: لمّا قاتل أبو بكر مانعي الزّكاة أنكر عمر بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله» احتجّ عليه بعموم اللفظ، ولم ينكر عليه أبو بكر ولا غيره من الصحابة ذلك، بل عدل أبو بكر إلى الاستثناء وقال: أليس قد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إلاّ بحقِّها»، والزكاة من حقّها.3
الثالث: هذا الجمع يؤكَّدُ بما يقتضي العموم، فوجب أن يفيده .
أمّا الأولى، فظاهرة، كقوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ )4.
وأمّا الثانية، فلأنّه بعد التأكيد للاستغراق بالإجماع، وإذا كان كذلك، وجب
أن يكون كذلك قبل التأكيد، لانّ5 التأكيد يفيد تقوية المعنى الّذي كان ثابتاً في الأصل، فلو لم يكن الاستغراق حاصلاً، وإنّما حصل بالتأكيد، لكان تأثير هذا اللفظ في إثبات حكم جديد، وابتداء وضع مستأنف، لا في تقوية الأوّل، فلا يكون مؤكِّداً .

1 . في «أ»: لما ثبت .
2 . والمراد أنّ قوله «الأئمّة من قريش» لو كان معناه «بعض الأئمة من قريش» لوجب أن لا ينافي وجود إمام من غير قريش، أمّا كون كلّ الأئمّة من قريش فينافي كون بعض الأئمّة من غيرهم.
3 . أخرجه البخاري: 3 / 262، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، برقم 1399، ومسلم: 1 / 51، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتّى يقولوا لا إله الاّ الله، وأبو داود في سننه: 3 / 44، كتاب الجهاد، برقم 2640، والترمذي في سننه: 5 / 3 برقم 2606 ـ 2607 .
4 . الحجر: 30 .
5 . في «أ»: ولأنَّ .

صفحه 158
لا يقال: ينتقض بتأكيد جمع القلّة بهذه المؤكِّدات، بل وتأكيده عند الكوفيّين، فإنَّهم نقلوا:
قد صرّت البكرةُ يوماً أجمعا1 *** ...............................
وذلك كلّه لا يفيد الاستغراق، فلو كان التأكيد يدلّ عليه، لخرجت اللفظة عن مدلولها بالتأكيد، فيكون نقضاً لا تأكيداً .
ولأنّ سيبويه 2 نصّ على أنّ جمع السّلامة للقلّة.
لأنّا نقول: يمنع تأكيد جمع القلّة والنّكرة على قول البصريّين، ونصُّ سيبويه محمولٌ على الجمع الخالي من اللام الجنسيّة .
الرابع: لو لم يكن للعموم لم يفد اللاّم تعريفاً، والتالي باطلٌ، فالمقدّمُ مثلُهُ.
بيان الشرطية: أنّه على تقدير الخصوص، لا تحصل المعرفة، فإنّه ليس بعضُ الجموع أولى من البعض، فكان مجهولاً، فيجب صرفه إلى الكلّ، لتحصل المعرفة، لأنّه معلوم المخاطب .
وأمّا بطلان التالي، فلأنّ أهل اللغة قالوا: إنّ الألف واللام إذا دخلا على الاسم، صار معرفةً .

1 . البيت نقله ابن عقيل في شرحه في مبحث التوكيد واستشهد به من دون أن يعيّن قائله. وفي هامشه: هذا الشاهد مجهول النّسبة إلى قائله، ويذكر بعض النحاة من البصريّين أنّه مصنوع، ويروي بعضُ من يستشهد به قبله :
إنّا إذا خُطّافنا تقعقعا *** قد صرّت البكرةُ يوماً أجْمَعا
واستشهد به السيوطي في همع الهوامع: 2 / 124 .
2 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 169 .

صفحه 159
لا يقال: إذا أفاد المنكّر جمعاً من ] هذا[ الجنس، أفاد اللاّمُ تعريفَ
ذلك الجنس.
لأنّا نقول: هذه الفائدة كانت حاصلةً قبل اللاّم، فإنّ قولك: رأيت رجالاً، أفادَ جنسَ الرّجال، فلم يبق للألف واللام فائدةٌ سوى الاستغراق.
الخامس: يصحّ استثناء أي عدد شئنا، فهو يفيد العموم على ما تقدّم .
السادس: كثرة المعرّفِ أكثرُ من كثرة المنكّرِ، فيكون للعموم .
أمّا الصّغرى، فلصحّة: جاء رجالٌ من الرِّجال، دون العكس، والمنتزع منه أكثرُ من المنتزع.
وأمّا الثانية، فلأنّ المفهوم من ] الجمعِ[ المعرَّفِ إمّا الجمع، وهو المطلوب، أو ما دونه، وهو باطلٌ، فإنّه لا عدد أقلّ من الكلِّ إلاّ ويصحّ انتزاعه من الكلّ، فثبت أنّه للكلّ.
السّابع: اللاّم العهديّة تعمّ، فكذا الجنسيّة .
أمّا الأولى، فلانّ من فاخر غيره في ذكر رجال معيّنين، ثمّ قال: أُحدِّثَك عن الرِّجال، عقل منه جميعهم، لأنّ الّذي جرى ذكره، هو الجميع، فليس انصرافه إلى البعض أولى من انصرافه إلى الآخر.
وأمّا الثانية، فلأنّ الجنس هو المتعارف إذا لم يكن عهدٌ، وكان للجميع، لعدم أولويّة البعض.

صفحه 160
احتجّ المانعون بوجوه:
الأوّل: لو كانت ] هذه الصيغة[ للعموم، لكان استعمالها في العهد مجازاً أو اشتراكاً، وهما خلاف الأصل.
الثاني: يلزم التكريرُ في جاء كلّ الناس، والنّقضُ في بعضهم .
الثالث: يقال: جمع الأميرُ الكُتّابَ، مع أنّه ما جمع الكلّ، والأصل ] في الكلام[ الحقيقة، فهذه الصيغةُ حقيقةٌ فيما دون الاستغراق، فلا تكون حقيقيةً فيه، دفعاً للاشتراك.
الرابع: إذا قال: جاءني رجالٌ، اقتضى جمعاً من الرّجال غير مستغرق، واللاّمُ أفادت التعريفَ، فمن أين جاء الاستغراق؟
الخامس: لو أفاد الاستغراق، لكان قولنا: فلان يلبس الثياب بمنزلة: يلبس كل الثيابِ، ونفيه وهو: فلان لا يلبس الثّياب صادقٌ، ويحسن إطلاقُهُ على كلّ واحد، إذ كلّ أحد لا يلبس كلَّ الثياب ومعلوم أنّ أهل اللغة لا يستحسنون إطلاقَ ذلك إلاّ على من لا يلبس شيئاً من الثّياب، فعلمنا أنّ قولنا: فلانٌ يلبس الثياب، يفيد الجنس، فنفيه يفيدُ نفيَ الجنسِ أصلاً، فلذلك عمّ .
وكذلك ينبغي أن يوصفَ كلُّ أحد بأنَّهُ لا يباشر النِّساءَ ولا يأكل الطعام، لعدم مباشرته لجميع النساء.
والجواب عن الأوّل: أنّ اللاّم للتعريف، فينصرف إلى ما السامعُ به أعرفُ، فإنْ كان هناك معهودٌ، حُمِلَ عليه، لأنّ السامع به أعرفُ، وإلاّ حمله على الجميع،

صفحه 161
لأنّه بالكلّ أعرف من البعضِ، لتعدّد الأبعاضِ ووحدة الكلّ .
سلّمنا، لكنّه مجازٌ في العهد، لافتقار الحمل عليه إلى قرينة، وهو من علامات المجاز.
وعن الثاني: أنّه تأكيدٌ وتخصيصٌ، لا تكرير ونقض .
وعن الثالث: أنّه تخصيصٌ بالعرف، مثل: من دخل داري أكرمه، فإنّ العرف أخرج اللّصَّ.
وعن الرابع: لا منافاة بين إفادة التعريف والاستغراق خصوصاً، وقد بيّنا أنّه متى حملت على بعض غير معيّن نقض ذلك التعريف بجهالته، وإفادة الجنس حصلت قبل اللاّم .
وعن الخامس: أنّ النّفي ورد على اللبس للكلّ1 وهو سلب
جزئيّ يمكن معه صدق السّلب الكليّ، فيحمل عليه فيما عهد فيه2 السّلب الكليّ .
وما ذكرتموه من الأمثلة قد عهد فيه السلب الكليّ وكان محمولاً
عليه.

1 . في «ب»: على الكلّ.
2 . في «أ»: عهد منه.

صفحه 162
في بقايا صيغ العموم   
 
المطلب السادس: في بقايا صيغ العموم
فمنها: الجمع المضاف، مثل: عبيدي أحرارٌ، أو عبيد زيد، لما تقدّم من الاستثناء وغيره، ولقوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)1 تمسّكاً منه بقوله تعالى: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ )2 وأقرّه تعالى على ذلك، وأجابه بما دلّ على أنّه ليس من أهله، فلولا أنّ إضافة الأهل إلى نوح للعموم، لما صحّ ذلك .
ولقوله تعالى: (إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ)3 فهم إبراهيم من أهل القرية العموم، حيث قال: (إِنَّ فِيهَا لُوطاً) 4 .
والملائكة أقرّوه على ذلك، وأجابوه بتخصيص لوط وأهلِهِ بالاستثناء واستثناء امرأته من الناجين .
وأيضاً، احتجَّتْ فاطمة(عليها السلام)على أبي بكر، حيث منعها من فدك والعوالي في تورثيها من أبيها فدك والعوالي بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ)5 و لم ينكر عليها أحدٌ من الصحابة، بل عدل أبوبكر إلى رواية رواها

1 . هود: 45 .
2 . العنكبوت: 33 .
3 . العنكبوت: 31 .
4 . العنكبوت: 32 .
5 . النساء: 11 .

صفحه 163
عن النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث »1.
وأيضاً، لو قال: عبيدي أحرارٌ عُتِقَ جميع عبيده، وكذا: نسائي طوالق، تطلق كلّ امرأة له بالإجماع، ولو لم يكن للعموم لم يجب ذلك .
ومنها: الكناية، كقوله: فعلوا، فإنَّها تقتضي مكنيّاً عنه، والمكنيُّ عنه قد يكون للاستغراق، وقد لا يكون، والكنايةُ تابعة .
ومنها: إذا أمر جمعاً بصيغة جمع، أفاد الاستغراق فيهم، لأنّ السيّد إذا أمر غلمانه بقوله: قوموا، استحقّ من يتخلّف عن القيام الذَّمَّ، ولولا العموم لما كان كذلك، ولا يجوز استفادةُ ذلك من القرينة، لأنّها إن كانت من لوازم الصيغة، ثَبَتَ المطلوبُ، وإن كانت من عوارضه، فرضنا تجرُّدَها.

1 . الوارد عن طرقنا هو: «انّ الأنبياء ورثة الأنبياء، انّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظّ وافر» الكافي: 1 / 34، باب ثواب العالم والمتعلم.
وأمّا قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» فلم يرد عن طرقنا، وإنّما رواه العامّة، والحديث غير صحيح، لكونه مخالفاً للذكر الحكيم قال سبحانه: (وَ وَرِثَ سُلَيَْمانُ دَاوُدَ) النمل: 16. (يَرِثُنِ وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) مريم: 6. ولاحظ بحار الأنوار: 28 / 104 و ج 29 / 208 و 358 .

صفحه 164
في أنّ الواحد المعرّف بلام الجنس ليس للعموم   
 
الفصل الثاني:

فيما لحق بالعام وليس منه

وفيه مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في أنّ الواحد المعرّف بلام الجنس ليس للعموم

ذهب أبو علي الجبّائي والمبرّد وجماعة من الفقهاء إلى أنّ المعرّف باللاّم للعموم، سواء كان مشتقّاً أو غيرَ مشتقٍّ، وذهب أبو هاشم وجماعةُ المحقّقين إلى أنّها للجنس لا للعموم.
لنا وجوهٌ:
الأوّل: عدم تبادر العموم إلى الفهم لو قال: أكلت الخبز، وشربت الماء، (نظراً للقرينة)1.
الثاني: لا يجوز تأكيده بما يؤكَّد به الجمعُ، فلا يقال: جاء الرجل كلُّهم، ولا أجمعون، ولو كان للعموم لصحّ، كما جاز: جاءني الرِّجال كلّهم أجمعون.2

1 . ما بين القوسين يوجد في «ب».
2 . الاستدلال للرّازي في محصوله: 1 / 382 .

صفحه 165
وفيه نظر، لاحتماله اشتراط تتابع الصّيغة.
الثالث: لا يُنْعت بنعت الجمع، فلا يقال: جاءني الرجل العاقلون، وقولهم أهلك النّاسَ الدينار الصّفر، والدّرهم البيض للمجاز، لعدم الاطِّراد .
ولأنّه لو كان حقيقةً، لكان الدّينار الأصفر مجازاً، كما أنّ الدنانير الصفر لما كان حقيقةً، كان الدينار الأصفر خطأً أو مجازاً .1
وفيه ما تقدّم.
الرّابع: البيع من حيث هو جزءٌ من مفهوم هذا البيع، فحلُّ هذا
البيع يستلزم حلَّ جزئه، فلو كان للعموم لزمت إباحةُ كلّ بيع، وهو معلوم
البطلان .
لا يقال: اللّفظ المطلق إنّما يفيد العموم لو تعرّى عن لفظ التّعيين، أو أنّه يقتضي العمومَ، لكن لفظ التعيين يقتضي خصوصَهُ .
لأنّا نقول: العدم لا مدخل له في التأثير2 .
وفيه نظرٌ، لأنّه شرطٌ لا مؤثِّرٌ، والأجود أنّ عدم الشرط حينئذ ينافي العمومَ، والأصل عدم التّعارض، وهوالجواب عن الثاني.
الخامس: المطلق إنّما يدلّ على الماهيّة، كما يوجد مع العموم، كذا يوجد مع الخصوص، فإنّ هذا الإنسان مشتمل على الإنسان مع قيد هذا، فالآتي بهذا

1 . لاحظ المحصول للرازي: 1 / 382 .
2 . لاحظ المحصول للرازي: 1 / 383 .

صفحه 166
الفرد آت بالماهيّة، فيخرج عن عهدة التكليف بالعمل بذلك النصّ، فلا دلالة للفظ على العموم .
احتجوّا بوجوه:
الأوّل: يجوز الاستثناء، فيكون للعموم .
أمّا الأولى، فلقوله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) .
وأمّا الثانية، فلأنّ الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب، كما
تقدّم .
الثاني: الألف واللاّم للّتعريف، وليس لتعريف الماهيّة لحصوله بأصلِ الاسم ولا لواحد بعينه، لعدم دلالة اللّفظ عليه، ولا لبعض مراتب الخصوص، لعدم الأولويّة، فيكون للجميع .
الثالث: ترتيب الحكم على الوصفِ مشعرٌ بالعليّة، لأنّ قوله ] تعالى[: (السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ )1 مشعر بأنّ استحقاقَ القطع لمجرد السّرقة، وكذا (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)2 مشعراً بأنّه إنّما كان حلالاً لكونه بيعاً، وهو يقتضي العمومَ في الحكم، لعموم علّة.
الرابع: اختلف النّاسُ بين قائل بالعموم في الواحد والجمع، وبين قائل بعدمه فيهما، فالقول بالفصل خارقٌ للإجماع، وقد ثبت أنّ الجمع للعموم، فيكون المفرد كذلك .

1 . المائدة: 38 .
2 . البقرة: 275 .

صفحه 167
والجواب عن الأوّل: أنّه مجازٌ، لعدم الاطّراد، لقبح «رأيت الإنسانَ إلاّ المؤمن».
ولأنّ الخسرانَ لمّا لزم جميعَ أفراد النوع إلاّ المؤمن، جاز الاستثناء .
وعن الثاني: أنّ لام الجنس تفيدُ تعيينَ الماهيّة، ونفس الماهيّة لا تقتضي الكليّة1.
وفيه نظرٌ، لأنّ تعيين الماهيّة قد استفيد من المنكّر .
والأجود أن يقال: إنّ المنكّر يُفيد واحداً من الجنس غير معيّن، والألف واللام دلّتا على عدم إرادة الوحدة والكثرة .
وعن الثالث: بالمنع من إشعاره بالعليّة .
سلّمنا، لكن ذلك يكون دليلاً غير اللاّم، ولا نزاع فيه.
وعن الرابع: بالمنع من الإجماع، وإنّما يعلم ما ذكره من قول الشيخين2، ومن تبعهما فقط.
على أنّا نمنع من الفرق بين المسألتين إذا جمعهما طريق واحد، ولا طريق واحد هنا.

1 . الاستدلال للرّازي في محصوله: 1 / 384 .
2 . المراد الجبائيّان: أبو علي وابنه أبو هاشم.

صفحه 168
في الجمع المنكَّر   
 
المبحث الثاني: في الجمع المنكَّر
وفيه مطلبان:

] المطلب [ الأوّل: في أنّ أقل الجمع ثلاثة

وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وإليه ذهب ابن عباس، ومشايخ المعتزلة، وجماعة من أصحاب الشافعي.
وقال الغزّالي1 وجماعةٌ من أصحاب الشافعّي: إنّ أقلَّه اثنان، وهو مذهب زيد بن ثابت، ومالك، وداود، والقاضي أبي بكر،2 والأستاذ أبي إسحاق .3
وقال الجويني: يمكن ردُّ لفظ الجمع إلى الواحد .4
والتحقيق أن نقول: هنا أمران:
أحدهما: أنّ قولنا: «جمع» ما الّذي يفيد .
والثاني: أن يقال: الألفاظ الموصوفة بأنّها «جمع» هل تفيد الاثنين حقيقةً أو لا؟ نحو قولنا: جماعةٌ، ورجالٌ .

1 . المستصفى: 2 / 149 ـ 150 .
2 . التقريب والإرشاد: 3 / 324 .
3 . تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 151 .
4 . البرهان في أُصول الفقه: 1 / 241 .

صفحه 169
أمّا قولنا: «جمع» فإنّه يفيد من حيث الاشتقاق ضمُّ الشّيء إلى الشيء، وفـي عـرف اللّغةِ ألفاظٌ مخصوصةٌ، نحو: هذا اللّفظُ جمعٌ، وهذا تثنيةٌ.
وأمّا قولنا: جماعةٌ، ورجالٌ، فإنّه يفيد ثلاثةً فصاعداً، ولا يفيد الاثنين
إلاّ مجازاً .
والثاني، هو المتنازع فيه.
لنا وجوهٌ:
الأوّل: فَرَّقَ أهل اللّغة بين التثنية والجمع، كما فَرَّقُوا بين الواحد والجمع، والواحد والتثنية.
الثاني: فَرَّقوُا بين الضّميرين، فقالوا في التثنية : قاما ويقومانِ، وفي الثلاثة: فعلوا، ويفعلون، وفي الأمرِ للاثنين1: إفْعَلا، وفي الثلاثة: إفْعَلُوا.
الثالث: يُنْعَتُ الجمعُ بالثلاثة فما زاد، دون التثنية، وبالعكس فيقال: رجالٌ ثلاثةٌ، وثلاثةُ رجال، ولا يقال: رجالٌ اثنان، ولا اثنان رجالٌ ولا رجالٌ عاقلان، ولا رجلانِ عاقلون.2
وفيه نظرٌ، لإرادة التطابق لفظاً.
الرابع: يصحّ: ما رأيت رجالاً بل رجلين، ولوكان حقيقة فيهما لم
يصحّ نفيه .

1 . في «ب»: وفي الأمرِ الاثنين .
2 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 385 .

صفحه 170
وفيه نظرٌ، لدلالة قرينة الإضراب على الجمع.
الخامس: لو قال: له عليّ دراهم، لزمه ثلاثة فمازاد، وكذا لو أوصى، أو نذر.1
(وفيه نظرٌ ، للمنع).2
السّادس: روي عن ابن عبّاس أنّه قال لعثمان لمّا ردَّ الأُمَّ من الثّلثِ إلى السّدسِ بأخوين: قال الله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ)3، وليس الأخوانِ إخوةً في لسان قومك، فقال عثمان: لا أستطيع أن انقض أمراً كان قبلي، ولولا أنّ ذلك مقتضى اللّغة لما احتجّ به ابن عباس على عثمان وأنكر عليه، مع أنّه كان من فصحاء العرب.
احتجّوا بوجوه :
الأوّل: قوله تعالى: (وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ)(4) والمراد: داود وسليمان.
]وقوله تعالى: [ (إِذْ تَسَوَّرُوا الِْمحْرَابَ)4 وكانا اثنين، لقوله تعالى: (خَصْمَانِ)5.

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 348 .
2 . ما بين القوسين يوجد في «ب» .
3 . النساء: 11 .   4 . الأنبياء: 78 .
4 . ص: 21 .
5 . ص: 22 .

صفحه 171
] وقوله تعالى: [ (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ )1 .
] وقوله تعالى: [ (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ )(2).
] وقوله تعالى: [ (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ)2 وأراد به موسى وهارون .
] وقوله تعالى: [ (عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا)(4) والمراد: يوسف واخوه .
] وقوله تعالى: [ (وَ إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا)3.
] وقوله تعالى: [ (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)(6).
] وقوله تعالى: [ (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ )4 وأراد به الأخوين.
الثاني: ما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: الاثنان فما فوقهما جماعة5.
الثالث: معنى الاجتماع حاصل في الاثنين .
الرابع: لو أخبر اثنانِ عن فعلهما لقالا: قمنا، وقعدنا كما تقول: الثلاثة، بلفظ الجمع .

1 . الحجّ: 19 .   2 . ص: 22 .
2 . الشعراء: 15 .   4 . يوسف: 83 .
3 . الحجرات: 9 .   6 . التحريم: 4 .
4 . النساء: 11 .
5 . سنن ابن ماجة: 1 / 312 برقم 972 .

صفحه 172
الخامس: لو أقبل عليه رجلان في مخافة قال: أقبل الرجال، والأصل في الإطلاق، الحقيقة.
والجواب عن الأوّل: أنّ الحكم مصدرٌ، فيضاف تارةً إلى الفاعل، وأُخرى إلى المفعول، وإذا اعتبرنا المتحاكمين مع الحاكم، كانوا ثلاثةً، فالكناية وقعت عن الجميع.1
وفيه نظرٌ، فإنّا نمنع صحّة إضافته إلى الفاعل والمفعول دفعةً، وإن صحّ إضافته إلى كلّ واحد منها منفرداً.
والجواب الأوّل للسيّد المرتضى، ونقل عمّن تقدّمه جوابين: أحدهما: أنّه للتعظيم، والثاني: أنّه أضاف الحكم إلى سائر الأنبياء المتقدّمين .
واعترضه بأنّ التعظيم باستعمال النون، دون غيره، ولم تجر العادة بأن نقول عن اثنين :
قاموا، ونضيف إليهما ثالثاً .
وفيه نظرٌ، فإنَّ التعظيم باعتبار إقامة الواحد مقامَ الجميع، وهو غير مختصٍّ بالنّون، وقد ورد (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ)2 (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)3 و غيرهما.

1 . الاستدلال للسيّد المرتضى في الذريعة: 1 / 231 .
2 . آل عمران: 173 .
3 . المائدة: 55 .

صفحه 173
والخصم، مصدرٌ يقع على الواحد والكثير، يقولون: هذا خصم، وهذانِ خصم، وهؤلاء خصمي، بلفظ واحد.1
وفيه نظرٌ، فإنّا نسلّم صدقَ المصدر على الواحد والكثير، لكنّ القصّة تقتضي أنّهما اثنان للتثنية، ولحكاية حالهما، فصدقُ ضمير الجمع في (تَسَوَّرُوا الِْمحْرَابَ) يُعطي صدقَ الجمع على الاثنين .
وكذا ] قوله: [ (فَفَزِعَ مِنْهُمْ) 2.
نعم يصلح ما ذكرتموه جواباً عن قوله (هَذَانِ خَصْمَانِ)3 .
و ] موسى وهارون و[ فرعون مراد من قوله (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ)4 .
] ويوسف وأخوه[ والأخ الثالث شمعونُ الّذي قال: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) 5 مرادٌ من قوله: (أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً)6، والمطابقة تصدق على الجميع .
والقلب يطلق على الجارحة بالحقيقة، وعلى الميل الموجود فيه بالمجاز، فيقال للمنافق: ذو قلبين، كما يقال: ذو جهين و ]ذو [ لسانين، ولمن لا يميل قلبه إلاّ إلى واحد: له قلبٌ واحدٌ، ولسانٌ واحدٌ .

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 386 .
2 . ص: 22 .
3 . الحجّ: 19 .
4 . الشعراء: 15 .
5 . يوسف: 80 .
6 . يوسف: 83 .

صفحه 174
ولمّا خالفتا أمرَ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يأمر وقع في قلبهما دواع مختلفة، وأفكار متباينة، فأطلق عليها اسم القلوب، لأنّ القلب لا يوصف بالصّغو، بل يوصف به الميل .
والحجب مع الأخوين للإجماع، لا للآية.
والحديث يراد به إدراك فضل الجماعة أو أنّه نهى عن السفر إلاّ في جماعة، ثمّ قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة» لجواز السّفر .
والبحث لم يقع فيما تفيده لفظة الجمع بل عمّا يتناوله لفظ الرّجال، وأحدهما غير الآخر.
وأيضاً، فإنّ ماهيّة اشتقاق لفظ الجماعة في الثلاثة وإن وجد في الاثنين، إلاّ أنّه لا يلزم الإطلاق، لأنّه قياس في اللّغة، ولهذا لم يجب في القارورة .
ولفظ «قُمْنا» لا يدلّ على الجمع، فإنّ الواحد يصحّ أن يقول ذلك، وليس بجمع1 .
وفيه نظرٌ، فإنّ الواحد إنّما يصحّ فيه ذلك إن قصد التعظيمَ لنفسه، بأن يقاوم الجماعة ويساويهم في الكثرة، وإن كان واحداً في الحقيقة، بخلاف المثنّى في هذه الصّيغة .
في أنّ الجمع المنكَّر ليس للعموم   
والإطلاق الثاني صادق في الواحد، فنقول: جاء الرّجال2 مجازاً، كما
في الاثنين.

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 347 .
2 . في «ب»: جاءني الرّجال.

صفحه 175
 
المطلب الثاني: في أنّ الجمع المنكَّر ليس للعموم
بل يحمل على أقلّه، الخلاف هنا مع أبي علي، فإنّه قال: إنّه للعموم .
لنا: أنّ لفظ رجال يمكن نعتُهُ بأيّ جمع شئنا، فيقال: رجالٌ ثلاثةٌ، وأربعةٌ وهكذا، ويمكن تقسيمه إليها .
ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، مغايرٌ لكلّ واحد منها، وغير مستلزم لها، فاللّفظ الدّال على ذلك المورد لا إشعار له البتّة بشيء منها، أمّا الثلاثة، فإنّها واجبة الدخول قطعاً، لأنّه إذا قصد الأكثر دخلت قطعاً.
احتجّ بوجوه:
الأوّل: حمله على الاستغراق حملٌ له على جميع حقائقه، فيكون أولى من حمله على البعض، لعدم الأولويّة.
الثاني: لو أراد المتكلّم البعضَ لعيّنه، وإلاّ كان مراده مبهماً، ولمّا بطل التعيين، ثبت أنّه للعموم.
الثالث: يصحّ استثناء كلّ عدد منه سوى الاستغراق، والاستثناء إخراج جزء من كلّ .
والجواب عن الأوّل: أنّ حقيقة هذا الجمع الثلاثة من غير بيان عدم الزائد ووجوده، وهو أمر مشتركٌ بين الثلاثة لا غير، وبين الثلاثة مع غيرها، واللفظ الدّال على القدر المشترك، لا دلالة له البتّة على شيء من جزئيّاته، فضلاً عن أن يكون حقيقةً فيها.

صفحه 176
وعن الثاني: المراد في الجمع المنكّر، كالمراد في النكرة، وكما لا يجب التعيين هناك إلاّ مع إرادة المعيّن، كذا هنا.
وعن الثالث: المنعُ من صحّة الاستثناء لكلّ عدد .
سلّمنا لكنَّ الفائدة هنا عدم الصلاحيّة.
في نفي الاستواء   

المبحث الثالث: في نفي الاستواء

ذهب أكثر فقهاء الشافعية إلى أنّه للعموم، كما في قوله تعالى: (لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)1 فإنّه يقتضي نفيَ المساواة في جميع الأمور .
ومنعه أبوحنيفة فقال: إذا وقع التفاوتُ ولو من وجه واحد، صدق نفي المساواة .
ويتفرّع على الخلاف القصاصُ للذّمي من المسلم، فعند الشافعي لا يثبت، وإلاّ لزم تساويهما، وأثبته أبو حنيفة .
والقائل الأوّل احتجّ بوجهين:
الأوّل: الجملة نكرة وقد دخل عليها النّفي، فتكون عامّةً كغيرها .
الثاني: إذا قلنا: لا مساواة بين زيد وعمرو، فقد دخل النفي على مسمّى

1 . الحشر: 20 .

صفحه 177
المساواة، فلو وُجِدَت المساواةُ من وجه، لَما كان مسمّى المساواة منتفياً، وهو خلاف مقتضى اللّفظ.
احتجّ الآخرون بوجوه:
الأوّل: نفيُ المساواة أعمّ من نفي المساواة من كلّ الوجوه أو بعضها، والدّال على القدر المشترك، لا إشعار له بأحد الجزئيّات .
الثاني: إطلاق لفظ المساواة إنّما يصحّ على تقدير الاستواء من كلّ الوجوه، وإلاّ لوجب صدقها على أيّ شيئين فرضاً حتّى المتناقضين، إذ ما من شيئين إلاّ ويصدق مساواتهما في بعض الأشياء، كالشيئيّة، والمعلوميّة، وسلبِ ماعداهما عنهما .
وإذا صدقت المساواة بين كلّ شيئين، لم يصدق نقيضهما بينهما، وحينئذ يكفي في نفي المساواة نفي الاستواء من بعض الوجوه، لأنّ النقيض الكلّيّ جزئيٌّ، فقولنا: لا يستويان، لا يفيد نفي الاستواء من كلّ الوجوه.
الثالث: لو كان نفيُ المساواةِ يقتضي نفيَ المساواةِ من كلّ وجه، لما صدق نفيُ المساواةِ حقيقةً على شيئين أصلاً، لأنّ كلّ شيئين لابدّ وأن يستويا في شيء مّا حتّى النقيضين، لكنَّ الأصلَ في الإطلاقِ الحقيقةُ.
الرابع: المساواةُ في الإثبات للعموم، وإلاّ لم يستقم إخبارٌ بمساواة، لعدم الاختصاص، ونقيض الكلّيّ الموجَبِ جزئيٌّ سالبٌ .
والتحقيق أن نقول: المساواة من الأُمور الإضافيّة، لا تُعْقل إلاّ مضافةً إلى غيرها، وكما يمكن إضافتها إلى بعض الصّفات، يمكن إضافتها إلى الجميع، فإن

صفحه 178
كان العرفُ يقتضي بأنّ الإطلاق عائدٌ إلى الجميع، فنفيُهُ لا يوجب العمومَ
وإلاّ وجب .
والوجوه التي قيلت من الطّرفين لا تخلو من دخل .
أمّا الأوّل: فلأنَّ1 الاستواء وإن كان نكرةً إلاّ أنّ متعلّقه إذا كان جزئيّاً لم يعمّ النفي، بل عموم نفي الاستواء من ذلك الوجه، فإنّ قولنا: لم يضرب زيدٌ عمراً، يقتضي عمومَ نفي ضرب زيد لعمرو لا مطلق ضرب زيد.
وأمّا الثاني: فكذلك، فإنّ نفيَ مطلقِ المساواة، يقتضي عمومَهُ، لا عموم المضاف إليه .
وأمّا الثالث: فلأنّ المساواة أعمّ من المساواة من كلّ وجه، ومن
المساواة من بعضها، والدالّ على المشترك، لا إشعار له بأحد الجزئيّات، فنفيه للعموم .
وأمّا الرابع: فلأنّه معارض بمثله، فإنّ نفي المساواة إنّما يصحّ على تقدير نفيها من كلّ الوجوه، فإنّه ما من شيئين إلاّ وهما غير متساويين من وجه مّا، وإذا صدق النفي كليّاً، كان نقيضه جزئيّاً.
وأمّا الخامس: فإنَّ الحقيقة إذا تعذّرت، وجب الحمل على المجاز،
وهنا نقول: إن أمكن نفي المساواة من كلّ وجه بطل منعكم، وإلاّ وجب
الحمل على المجاز، وكونُ الحقيقيّ ممتنعَ الوجود، لا يخرج اللّفظَ عن
وضعه .

1 . في «ب» و «ج»: فإنَّ .

صفحه 179
وأمّا السادس: فالمعارضة كما مرّ، من أنّ نفيَ المساواة للعموم، وإلاّ لم يستقم إخبار نفي المساواة، لعدم الاختصاص .
قيل:1 إنّه يمكن أن يكون المراد لا يستويان في صفة من الصّفات .
وأجيب: بأنّ نفي المساواة علق بأصحاب الجنّة وأصحاب النار، ولم
يعلّق بصفاتهم، وإذا علق بالفريقين، كفى في افتراقهما أن يتنافيا في بعض الصفات .
وقد أجاب قاضي القضاة عن تمسّك الشافعيّة بالآية، بأنّا قد علمنا استواءهم في صفات الذّات، فعلمنا أنّه أراد: لا يستويان في بعض الصفات، فإذا لم يذكر ذلك البعض، صارت الآية مجملةً، وقد ذكرنا في الآية الافتراقَ في الفوز، فيجب حمل الآية عليه .
اعترضه ابوالحسين بأنّا لو سلّمنا لهم أنّ الآية تفيد نفيَ اشتراكهم في كلّ الصفات أجمع، لم يضرّهم اشتراكهم في كثير من الصّفات، لأنّ العمومَ إذا خرج بعضُهُ، لم يمنع من التعلّق بباقيه2.

1 . يلاحظ المعتمد: 1 / 232 .
2 . المعتمد: 1 / 233 .

صفحه 180
في الخطاب المصدَّر بالنّبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم)   
 
المبحث الرّابع: في الخطاب المصدَّر بالنّبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم)
إذا ورد خطاب صُدِّر بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ )1، (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)2، (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)3، (لَئِنْ أَشْرَكْتَ)4 لا يعمّ الأمّة إلاّ بدليل منفصل، وهو قول الشافعيّة .
وقال أبوحنيفة وأحمد بن حنبل وأصحابهما: إنّه يكون خطاباً للأمّة، إلاّ ما دلّ الدّليل فيه على الفرق .
لنا: أنّ الخطابَ المخصوصَ بواحد، لا يدلّ على حكم غيره في عرف اللّغة، فإنّ من خاطبَ بعضَ عبيده بخطاب موجّه إليه5 لا يكون ثابتاً في حقِّ الباقي، وليس للسيّد ذمّهم على ترك ما أمر به ذلك البعض .
وأيضاً، لو تناول غيره، لكان إخراج ذلك الغير تخصيصاً، وليس كذلك اتِّفاقاً.
وأيضاً، يحتمل أن يكون الأمر للواحد المعيّن مصلحةً له، وهو مفسدةٌ في حقّ غيره، كما خصّ النبىّ بأحكام لم يشاركه فيها أحدٌ من أمّته ومع امتناع

1 . التحريم: 11 .
2 . المائدة: 41 و 67 .
3 . المزّمّل: 1 .
4 . الزّمر: 65 .
5 . في «أ»: يتوجّه إليه .

صفحه 181
اتّحاد الخطاب وجواز الاختلاف في الحكم والمقصود، يمتنع التشريك إلاّ لدليل خارجيٍّ .
والمخالفون في ذلك، إن زعموا أنّ مساواة حكم غيره له، مستفادٌ من
هذا اللفظ، فهو جهالةٌ، وإن زعموا أنّه مستفادٌ من دليل آخر، مثل ] قوله
تعالى: [(وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)1 وما شابهه، فخروجٌ عن
هذه المسألة، لأنّ الحكم لم يجب على الأمّة بمجرّد خطاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بل بدليل آخر .
وإذا ثبت ذلك، ثبت أيضاً أنّ خطاب الأمّة خاصّة لا يتناوله (صلى الله عليه وآله وسلم).
احتجّ بأنّ العادة قاضيةٌ بأنَّ من كان مقدَّماً على قوم2 فإنّ أمرَه أمرٌ لأولئك القوم، ولهذا إذا أمر السّلطانُ الوزيرَ بالرّكوب إلى مبادرة العدوّ، فإنّ أهل اللّغة يعدّون ذلك أمراً لأتباعه، وكذا إذا أُخبر عنه بأنّه فتح البلد، وكسر العدوّ، فإنّه يكون إخباراً عن أتباعه .
والنبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قدوةٌ للأُمّة، ومتبوعٌ لهم، فأمرُهُ ونهيُهُ يكون أمراً لأتباعه .
ويؤيِّده وضوحاً قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)3 ولم يقل : إذا طلّقتَ النِّساءَ فطلقهنّ، وهو يدلّ على أنّ خطابَهُ خطابُ أُمّته .

1 . الحشر: 7 .
2 . في «ب»: على قومه.
3 . الطلاق: 1 .

صفحه 182
وأيضاً، قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ )1 أخبره بأنّه اباحه ذلك ليكون مباحاً ] للأمّة [ولو كانت الإباحةُ مختصّةً به، لم ينتف الحرج عن الأمّة .
وأيضاً، لو لم يتعدّه الخطاب لم يكن لقوله ] تعالى[: (خَالِصَةً لَكَ)2(نَافِلَةً لَكَ)3 فائدةٌ.
والجواب عن الأوّل: يُمنع من كون أمر المقدَّم أمراً لأتباعِهِ لغةً، ولهذا صحّ: أمر المقدَّم، ولم يأمر الأتباع، ولو حلف أنّه لم يأمر الأتباعَ لم يحنث .
وما ذكرتموه من الأمثلة أمورٌ جزئيّةٌ استفيد منها مشاركة الأتباع لخصوصيّة الوقائع، ولزوم توقّف المقصود على أمر الأتباع، بخلاف أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بشيء من العبادات، أو بتحريم شيء4 من الأفعال .
وآية الطلاق ذكر النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أوّلاً للتشريف.
في الخطاب بالنسبة إلى المذكّر والمؤنّث   
وعن الثاني: أنّ قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا)5لا حجّة فيه على المقصود وقوله تعالى: (لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ)6 لا يدلّ على أنّ نفيَ الحرجِ عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم مدلولٌ

1 . الأحزاب: 37 .
2 . الأحزاب: 50 .
3 . الإسراء: 79 .
4 . في «أ»: أو بتحريمه بشيء .
5 . الأحزاب: 37 .
6 . الأحزاب: 37 .

صفحه 183
لقوله (زَوَّجْنَاكَهَا)بل غايته: أنّ رفعَ الحرجِ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان لمقصود رفع الحرج عن المؤمنين، وذلك حاصلٌ بقياسهم عليه بواسطة رفع الحاجة1وحصول المصلحة، وعمومُ الخطابِ غيرُ متعيّن لذلك.
وعن الثالث: أنّ الفائدة نفيُ الإلحاق.

المبحث الخامس: في الخطاب بالنسبة إلى المذكّر والمؤنّث

اللّفظ إنْ اختصّ وصفاً بأحدهما لم يتناول الآخر، فلفظ الرّجال، لا يتناول الإناث، وكذا النّساء، لا يتناول الذّكور، وإلاّ حُمِلَ عليهما إنْ لم يقترن به ما
يدلّ على أحدهما، كالنّاس، ومثل: من دخل داري من أرقّائي فهو حرٌّ، وكذا
لو أوصى بهذه الصيغة، أو ربط بها توكيلاً .
وقيل: إنّه مختص بالذّكور، لقولهم: مَنْ، منانِ، مَنونَ، مَنَةٌ، مَنَتانِ، مناتٌ .
وليس بصحيح، لما بيّننا من أنّ ذلك ليس جمعاً .
وإنْ اقترن به ما يدلّ على التأنيث مثل: قُمْنَ، لم يتناول الذكور إجماعاً .
وإن اقترن به ما يدلّ على الذكور مثل: قاموا، والمسلمون، لم يتناول الإناث على المذهب الحقّ .
لنا: أنّ الجمعَ تضعيفُ الواحد، وقولنا: قام المسلمُ، لا يتناول المؤنّثَ، فكذا تضعيفه وهو قاموا، والمسلمون .

1 . في «ب»: دفع الحاجة.

صفحه 184
وأيضاً، قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ) عطف جمعَ
المؤنّثِ على جمع المذكّر، ولو كان داخلاً فيهم لم يحسن العطف، لعدم
الفائدة .1
وفيه نظرٌ، لجواز عطف الخاصّ على العامّ، كقوله: (وَ جِبْرِيلَ)2 لقصد التنصيص .
وأيضاً، قالت أمّ سلمة: إنّ النساء قلن: إنّ الله لم يذكر إلاّ الرّجال، فأنزل الله (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ)ولو دخلن امتنع السؤال والتقرير عليه .
وأيضاً، روي أنّه (عليه السلام)قال: «ويل للّذين يمسّونَ فروجهم، ثمّ يُصلّون،
ولا يتوضّؤون
» فقالت عائشة: «هذا للرّجال فما للنساء» 3 ولولا خروجهنّ
من الجمع، لما صحّ السؤال ولا التقرير عليه .
احتجّوا بنصّ أهل اللّغة على تغليب التذكير عند الاجتماع .
والجواب: لا نزاع فيما نصّ أهل اللّغة عليه، وليس محلَّ النزاع، فإنّ أهل اللّغة قالوا: «إذا اجتمعا غلب المذكّر» وليس في ذلك دلالةٌ على أنّ صيغة المذكّر توجب دخولَ المؤنّث فيها .
في أنّ المقتضي لا عموم له   
قالوا: أكثر خطاب الشرع بلفظ التذكير، مع وقوع الإجماع على دخول

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 375 .
2 . البقرة: 98.
3 . أخرجه الدارقطني في سننه: 1 / 147 ـ 148، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر، الحديث 9 وبما أنّ نواقض الوضوء عند الإماميّة معيّنةٌ وليس مسّ الذكر منها. فتحمل الرواية ـ على فرض الصحّة ـ على الندب .

صفحه 185
النساء في تلك الأوامر، ولو لا دخولهنّ في الخطاب، لَما كان كذلك.
قلنا: وكذا أكثر اختصاص المذكّرين بخطاب التذكير، كالجهاد وأحكامه، وأحكام الجمعة، فلو كان خطاب التذكير يتناولهنَّ، لكان إخراجهنَّ عن هذه الأحكام خلافَ الأصل.

المبحث السادس: في أنّ المقتضي لا عموم له

اعلم انّ المقتضي هو ما أُضْمِرَ لضرورة صدقِ المتكلّم، وذلك بأن يكون اللّفظ لا يمكن إجراؤُه على ظاهره إلاّ بإضمار شيء فيه، إذا عرفت هذا فنقول:
إذا كان ما يمكن إضماره متعدِّداً، بحيث أيّ واحد منها فرض إضمارُهُ صدق الكلام وتمّ، فهل يجوز إضمار الجميع أم لا؟
الحقّ: أنّه لا يجوز، وهذا معنى قول الفقهاء: «المقتضي لا عموم له» مثاله قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن أمّتي الخطاء والنسيان وما استكرهوا عليه» 1 فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر عن رفع الخطأ والنسيان، ويتعذّر حمله على الحقيقة تحقق الخطأ والنسيان من الأمّة، فلابدّ من إضمار حكم يمكن نفيه من الأحكام الدّنيوية أو الأُخرويّة، ضرورة صدقه(صلى الله عليه وآله وسلم).
وذلك الحكم المضمر، قد يكون في الدّنيا، كإيجاب الضّمان، وقد يكون في الآخرة كرفع التأثيم، ولا يمكن إضمارهما، لأنّ الدّليل ينفي جوازَ الإضمار،

1 . وسائل الشيعة: 5 / 345، الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2 ; وسنن ابن ماجة: 1 / 659 برقم 2043 و 2045 .

صفحه 186
خالفناه في الحكمِ الواحدِ للضّرورة، ولا ضرورةَ في غيره، فيبقى على أصل المنع .
لا يقال: اللّفظ يدلّ على رفع الجميع، لأنّ رفعهما مستلزم لرفع
جميع أحكامهما وإذا تعذّر العمل به في نفي الحقيقة، تعيّن العمل به في نفي الأحكام.
سلّمنا أنّه لا يدلّ وضعاً، فَلِمَ لا يدلّ عرفاً؟ بيانه: أنّه يقال: ليس للبلد سلطان، وليس له ناظر ولا مدبّر، ويراد به نفي الصفات.
سلّمنا، لكن يجب إضمار الجمع، لأنّه يجعل وجود الخطأ كعدمه، ولعدم أولويّة البعض، فإمّا أنْ لا يضمر بشيء البتّة، وهو باطلٌ بالإجماع، أو يضمر الجميع، وهو المراد.
لأنّا نقول: إنّما يستلزم اللّفظُ نفيَ جميع الأحكام بواسطة نفي حقيقة الخطأ، فإذا لم يكن ] الخطأ[ منفيّاً، لم يكن مستلزماً لنفي الجميع، والأصلُ في الكلام الحقيقة.1
وفيه نظرٌ، لتعذّر الحقيقة هنا، فيحمل على أقرب مجازاتها، وهو الجمع.
والتحقيق: رجوع هذا إلى التعارض بين المجاز والإضمار، والعرف طار، إذ ليس المراد بقولنا: ليس للبلد سلطان، نفي الجميع، وإلاّ لم يكن موجوداً ولا عالماً ولا قادراً .

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 365 .

صفحه 187
ونفي الجميع، وإن كان أقربَ إلى الحقيقة، لكنّه يوجب تَكَثُّر مخالفة الدليل المقتضي للأحكام، وهو وجود الخطأ والنسيان .
وعدم الأولويّة، إنّما يلزم لو أضمرنا واحداً معيّناً، ولسنا نقول به، بل نضمر واحداً لا بعينه، والتعيين من الشارع.
لا يقال: يلزم الإجمالُ، وهو على خلاف الأصل.
لأنّا نقول: وإضمار الكلّ يستلزم زيادةَ الإضمار وتَكَثُّرَ مخالفة الدّليل على ما تقدّم، وكلٌّ منهما على خلاف الأصل.
ثمّ أصولنا إنْ كانت راجحةً على ما ذكروه، لزم العمل بها، وإن
كانت مساويةً، فهو كاف في هذا المقام في نفي زيادة الإضمار، وهما
تقديران .
وما ذكروه، يمكن التمسّك به لو كان راجحاً، وما يتمّ التمسّك به على تقديرين، أرجح ممّا لا يُمكن التمسّكُ به إلاّ على تقدير واحد.
وأيضاً، الإجمال إنّما يلزم لو لم يظهر أولويّة إضمار البعض، ونحن نمنع ذلك، فإنّ أكثر ما يجب إضمار شيء فيه، يعرف من حيث العادة ما هوالمضمر فلا إجمال.

صفحه 188
في الفعل المتعدّي إلى مفعول   
 
المبحث السّابع: في الفعل المتعدّي ] إلى مفعول[
مثل: والله لا آكل، أو إن أكلتُ فأنت حرٌّ، لابدّ له من مفعول .
وقد اختلفوا: فذهبت الأشاعرة، والإماميّة إلى تعلّقه بمفعول عامٍّ يعمّ جميعَ المأكولات، وبه قال أبو يوسف .1
وقال أبو حنيفة: إنّه لا يعمّ الجميعَ .
وتظهر الفائدةُ في أنّه لو نوى مأكولاً معيّناً قُبِلَ عند الأشاعرة،
والإماميّة، حتّى أنّه لا يحنث بأكل غيره، لأنَّ اللّفظ عامٌّ يقبل التخصيصَ ببعض مدلولاته .
وقال أبو حنيفة: لا يقبل التّخصيص، لأنّ التخصيص من توابع العموم، ولا عموم هنا .
حجّة القائلين بالتعميم، أمّا في النفي، كما في قوله: والله لا أكلتُ، أنّ الفعل فيه لابدّ له من مفعول، ويتعدّى إليه بصيغته ووضعه، فإذا قال: «لا أكلتُ» فقد نفى حقيقةَ الأكلِ من حيث هو أكلٌ، ويلزم منه نفيُهُ بالنسبة إلى كلِّ مأكول،

1 . هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، صاحب أبي حنيفة وتلميذه، أوّل من نشر مذهبه، واستقلّ برئاسة أصحاب أبي حنيفة بعد وفاة أبي حنيفة، وهو أوّل من وضع الكتب في أُصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، مات سنة 182 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 8 / 193 ; وطبقات الفقهاء: 2 / 640 برقم 729 .

صفحه 189
وإلاّ لم يكن نافياً1 لحقيقة الأكل من حيث هو أكلٌ، وهو خلاف دلالة لفظه، وإذا ثبتت دلالة لفظه على نفي حقيقة الأكل بالنسبة إلى كل مأكول فقد ثبت عمومُ لفظه بالنّسبة إلى كلّ مأكول، فكان قابلاً للتّخصيص .
وأمّا في طرف الإثبات وهو: إن أكلتُ فأنت حرٌّ، فلأنّ وقوعَ الأكلِ المطلقِ يستدعي مأكولاً مطلقاً، لكونه متعدِّياً إليه، والمطلقُ ما كان شائعاً في جنس المقيّدات الدّاخلة تحته، فكان صالحاً لتفسيرهِ وتقييدهِ بأيّ واحد منها كان، ولهذا لو قال الشّارع: أعتق رقبة، صحّ تقييدُها بالمؤمنة، ولولا دلالة المطلقِ على المقيّد دلالة، لَما صحّ تفسيره به .
وأيضاً، أجمعنا على أنّه لو قال: إن أكلتُ أكلاً، صحّت نيّة
التخصيص فكذا لو قال: إن أكلت، لأنّ الفعل مشتقٌّ من المصدر، والمصدرُ موجود فيه.
لا يقال: على الأوّل أنّ حقيقةَ الأكل لا يتمّ نفياً، ولا إثباتاً، إلاّ بالنّسبة
إلى المكان والزمان، ومع ذلك لو نوى بلفظه مكاناً معيّناً، وزماناً معيّناً، لم
يُقْبل .
وعلى الثاني، أنّ المصدر هوالماهيّة، وهي لا تقبل التخصيص .
وأمّا قوله: «أكلاً» فليس في الحقيقة مصدراً، لأنّه يفيد أكلاً واحداً منكّراً، والمصدر ماهيّة الأكل وقيد التكثير والوحدة خارجانِ عن الماهيّة .
وكونه منكّراً، ليس وصفاً قائماً به، بل معناه: أنّ القائل ما عيّنه، والّذي

1 . في «أ»: نفياً.

صفحه 190
يكون متعيّناً في نفسه، لكنّ المتكلّم ما عيّنه قابلٌ للتعيين، فقد نوى ما يحتملُهُ الملفوظ .
لأنّا نُجيبُ عن الأوّل، بالمنع من عدم قبول التخصيص في الطرفين، وبالفرق، فإنّ الفعلَ غيرُ متعدٍّ إليهما1 بل هما من ضروراته ، فلم يكن اللّفظ دالاً عليه بالوضع، فلذلك لم يُقْبل تخصيصُ لفظه به، لأنّ التّخصيصَ هو حملُ اللّفظِ على بعضِ مدلولاته لا غير، بخلاف المأكول .2
وفيه نظرٌ، لأنّ الدّلالة أعمّ من الالتزاميّة وغيرها، والجميع قابلٌ للتخصيص.
وعن الثاني، بأنّ المحلوفَ عليه ليس هو المفهوم من الأكل الكلّي الّذي لا وجود له إلاّ في الأذهان، وإلاّ لما حنث بالأكل الخاصِّ، إذ هو غير المحلوف عليه، فلم يبق المراد إلاّ أكلاً مقيّداً من جملة الأكلات المقيّدة الّتي يمكن وقوعها في الأعيان أيّ واحد منها كان، وإذا كان لفظُهُ لا إشعار له بغير المقيّد، صحّ
تفسيره به .
حجّة القائلين بعدم التّعميم: أنَّ نيّة التخصيص لو صحّتْ لصحَّتْ إمّا في الملفوظ، أو في غيره، والقسمان باطلان، فبطلت تلك النيّة .
أمّا بطلان الملفوظ، فلأنّه هو الأكل، وهو ماهيّةٌ واحدةٌ، لأنّه مشترك بين أكل هذا الطّعام، وأكل ذلك الطّعام، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فماهيّة

1 . أي الزمان والمكان.
2 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 366 .

صفحه 191
الأكل من حيث هي هي، مغايرةٌ لقيد هذا أو ذاك، وغير مستلزمة لها، والمذكور إنّما هو الماهيّة، وهي لا تقبل العدد، فلا تقبل التخصيص .
نعم الماهيّة، إذا اقترنت بهذا أو ذلك وما عداهما من العوارض الخارجيّة، تعدّدت، فقبلت التّخصيصَ، لكنّها قبل تلك العوارض لا تكون متعدّدةً فلا تحتمل التخصيصَ، لكنّ تلك الزوائد غيرُ ملفوظة، فالمجموعُ الحاصلُ منها ومن تلك الماهيّة غير ملفوظ .
وأمّا الثاني، وهو أن يكون التخصيص في غير الملفوظ، فإنّه وإن
كان جائزاً عقلاً إلاّ أنّ الدّليل الشرعيّ مَنَعَ منه، لأنَّ إضافة ماهيّة الأكل إلى
مأكول معيّن تارةً، وإلى غيره أُخرى إضافات عارضة بحسب اختلاف
المفعول به.
وإضافتها إلى هذا اليوم وذاك1 وإلى هذا المكان وذاك، إضافاتٌ عارضةٌ بحسب اختلاف المفعول فيه .
ثمّ الإجماع على عدم قبول التخصيص في المكان والزمان، فكذا في المفعول به، يجامع رعاية الاحتفاظ في تعظيم اليمين، وممّا تقدّم يُعرف الجوابُ على التقديرين.

1 . في «ب»: وذلك.

صفحه 192
في ترك الاستفصال   
 
المبحث الثامن: في ترك الاستفصال
اعلم أنّ ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يقوم مقام العموم في المقال، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لابن غيلان1 وقد أسلم على عشر ]نسوة[: «أمسِكْ أربعاً منهنّ، وفارق سائرهنّ»2، ولم يسأل عن كيفية العقد عليهنّ هل وقع دفعةً أو مترتّباً، وكان إطلاق القول دالاًّ على عدم الفرق بين الترتيب في العقود، وبين حصولها دفعةً .
والأقربُ، التفصيلُ فنقول: إن عُلِم أو ظُنَّ أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعلم خصوص الحال، وجب القولُ بالعموم، وإلاّ لبيّن (صلى الله عليه وآله وسلم) الفرق، وإن لم يعلم ذلك، لم يحكم بالعموم، لاحتمال أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عرف خصوصيّة الواقعة، فترك الاستفصال، بناءً على معرفته (صلى الله عليه وآله وسلم).
في العطف على العامّ والخطاب الشفاهي   

1 . في الأعلام للزركلي: «غيلان بن سلمة الثقفي، حكيمٌ شاعرٌ جاهليٌّ، أسلم يوم الطائف وعنده عشر نسوة، فأمره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فاختار أربعاً، فكانت سنّةً، توفي سنة 23 هـ . لاحظ الأعلام: 5 / 124. وكذا في المصادر الآتية «غيلان بن سلمة» فعلى هذا فالصّحيح «غيلان» لا ابن غيلان، وقد تبع المصنّف، الكتب الأُصوليّة، فقد جاء فيها «ابن غيلان» مكان «غيلان».
2 . أخرجه الترمذي في سننه: 3 / 435، برقم 1128، وأحمد بن حنبل في مسنده: 2 / 13، وابن ماجة في سننه: 1 / 628، برقم 1953، والحاكم في مستدركه: 2 / 193 .

صفحه 193
 
المبحث التاسع: في العطف على العامّ
العطف على العامّ لا يقتضي العمومَ، لأنّ مقتضاهُ الجمعُ مطلقاً، وذلك جائزٌ بين الخاصِّ والعامِّ. قال الله تعالى: (وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ)1وهذا عامُّ، ثمّ قال : (وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ )2وهو خاصٌّ3.
وفيه نظرٌ، فإنَّ الكناية هنا عائدةٌ إلى المطلّقات المذكورة أوّلاً، وإنّما يتحقّق حكمُ المعطوفِ في الرِّجعيّات، فيكون المعطوفُ عليه هو الرِّجعيّات أيضاً.
على أنَّ لِمانع أن يمنع كونَ ذلك عطفاً على المطلّقات، لاحتمال كونه عطفَ جملة على أُخرى، فليطلب غير هذا المثال.

المبحث العاشر: في الخطاب الشفاهي

اختلف الناس في ذلك، نحو قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) هل هو خطابٌ للموجودين في عصره(صلى الله عليه وآله وسلم) أو هو عامّ لهم ولمن بعدهم؟
فذهب المعتزلة وأكثر الأشاعرة والحنفية، إلى أنّه مختصٌّ بالموجودين

1 . البقرة: 228 .
2 . البقرة: 228 .
3 . الاستدلال للرّازي في محصوله: 1 / 393 .

صفحه 194
في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا يثبت حكمه في حقّ الموجودين بعده إلاّ بدليل آخر .
وذهبت الحنابلة وجماعة من الفقهاء، إلى أنّ ذلك الخطاب يتناولُ من بعدهم .
في الخطاب الشفاهي   
حجّة الأوائل وجهان:
الأوّل: الّذين سيوجدون لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، ومن لم يكن موجوداً في ذلك الوقت لم يكن إنساناً، ولا مؤمناً، فلا يتناوله خطابُ المؤمنين .
الثاني: المجنون والصبىّ أقرب إلى الخطاب، لوجودهما واتّصافهما بالإنسانيّة، وأصل الفهم، وقبولهما التأديبَ بالضّرب وغيره، مع أنّ المخاطب لهما سفيهٌ1 فكيف المعدوم الّذي هو عمّا ذكرناه أبعد .
حجّة الآخرين وجوهٌ:
الأوّل: قوله تعالى: (وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ)2 وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «بعثت إلى الأسود والأحمر»3 وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)«حكمي على الواحد حكمي على الجماعة».4

1 . في «ب»: مع أنّ الخطاب لهما سفهٌ.
2 . سبأ: 28 .
3 . أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: 1 / 250، ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد: 8 / 258، باب عموم بعثته (صلى الله عليه وآله وسلم).
4 . بحار الأنوار: 2 / 272، وشرح سنن النسائي للسيوطي: 2 / 188، وعوالي اللآلي: 1 / 456 برقم 197، وج 2 / 98 برقم 270 .

صفحه 195
الثاني: لو لم يكن خطابه(صلى الله عليه وآله وسلم) متناولاً لنا، لم يكن رسولاً إلينا، والتّالي باطلٌ بالإجماع، فالمقدّم مثله.
الثالث: إجماع الصحابة، وَمنْ بعدهم من التابعين، وغيرهم، قرناً بعد قرن على الاحتجاج في المسائل الشرعية على مَنْ وُجِدَ بعد النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالآيات والأخبار المنقولة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولولا عموم تلك الدلائل اللّفظيّة لِمَنْ وَجِدَ بعد ذلك، لم يكن التمسّك بها صحيحاً، والإجماع لا ينعقد على الخطأ.
الرابع: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد تخصيص أحد بحكم، نصّ عليه وبيّنه كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لأبي بردة1: «يُجْزِئُ عنك ولا يُجْزِئ عن أحد بعدك»2 وخصّص عبد الرّحمن بن عوف3 بلبس الحرير، وحيث لم يتبيّن التخصيص علم العموم.
والفريق الأوّل حكموا في حقّنا بحكمه(صلى الله عليه وآله وسلم) وبالآيات الواردة في حقّ من شافهه(صلى الله عليه وآله وسلم)بالخطاب، للعلم الضروريّ بذلك من دين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ أجابوا عن الأوّل: بأنّ ] لفظ [ الناس، والجماعة، والأسود، والأحمر، إنّما يتناول الموجودين في ذلك الزّمان، فيختص بالحاضرين، ويدخل تحت صورة النزاع، فلا يجوز التمسّك به فيه .

1 . هو هانئ بن نيار بن عمرو، حليف الأنصار، غلبت عليه كنيته، وهو خال البراء بن عازب شهد العقبة وبدراً وسائر المشاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مات سنة 45 هـ . لاحظ اسد الغابة: 5 / 53 .
2 . أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العيدين برقم 955 وكتاب الأضاحي برقم 5556 .
3 . هو احد السّتة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب الخلافة فيهم، مات سنة 31 هـ . لاحظ اسد الغابة: 3 / 313 .

صفحه 196
وأيضاً، النّصوص الدّالة على كونه(صلى الله عليه وآله وسلم)مبعوثاً إلى الناس كافّةً، إنّما تلزم لو توقّف مفهومُ الرّسالةِ والبعثةِ إلى كلّ النّاس على المخاطبة للكلِّ بالأحكام الشّرعية شِفاهاً، وليس كذلك، بل ذلك يتحقّق بتعريف البعض بالمشافهة، وتعريف الآخرين بنصبِ الدّلائل والأمارات، واجتهاد المجتهد باستخراج أحكام بعض الوقائع من بعض، لكثرة الأحكام الشرعية، وعدم النصّ على كلّ واحد منها عيناً، وكثرة الوقائع.
ولا يلزم من ذلك أن لا يكون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)رسولاً ولا مبلِّغاً بالنسبة إلى الأحكام الّتي لم تثبت بالنصوصيّة من خطابه، وكذا في الأحكام الّتي لم تثبت بالخطاب شفاهاً .
لا يقال: الدلائل الّتي يُمكن الاحتجاجُ بها في الأحكام الشرعيّة على من وُجِدَ بعد النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم)غير الخطاب، إنّما يعلم كونُها حجّةً بالدلائلِ الخطابيّةِ، فإذا كان الخطابُ الموجودُ في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لا يتناول مَنْ بعدَه، فقد تعذَّرَ الاحتجاجُ بهِ عليهِ.
لأنّا نقول: يمكن معرفة كونِها حجّةً بالنّقل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه حكم بكونها حجّةً على من بعده، أو بالإجماع المنقول عن الصّحابة وغيرهم على ذلك، وهو الجواب عن الثاني.
في رواية الرّاوي   
و عن الثالث: أنّ الإجماع على أنّا مكلَّفون بمثلِ ما كُلِّفوا به، أمّا على أنّا مخاطبون بذلك الخطاب ممنوعٌ، وذلك لأنّ الله تعالى عرّفنا أنّا مكلَّفون حالَ وجودِنا بمثل تكليف من عاصر النبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ الخطاب للمعدوم ممتنعٌ

صفحه 197
بالضّرورة، فيجب اعتقادُ استنادِ أهلِ الإجماع بالنّصوص من جهة معقولها، لا من جهة ألفاظها، جمعاً بين الأدلّة .
وعن الرابع: أنّ التخصيص لفائدة قطع الإلحاق.

المبحث الحادي عشر: في رواية الرّاوي

ويشتمل على مسائل:
الأولى: قول الصّحابي: «نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن البيع الغرر»1 لا يفيد العموم في كلّ غرر، وكذا: «قضى بالشفعة للجار» لا يقتضي تعميمَ كلّ جار وعليه أكثر الأصولييّن، خلافاً لشذوذ.
لنا: أنّه حكاية والحجة في المحكيّ لا الحكاية، ولعلَّ الرّاوي رأى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نهى عن فعل خاصٍّ لا عموم له فيه غررٌ، وكذا قضى لجار مخصوص بالشفعة، كما تقوله الإماميّة من ثبوتها للجار مع الشركة في الطريق أو النّهر، فنقل صيغةَ العموم لظنِّه عموم الحكم .
ويحتمل أنّه سمع صيغةً ظنَّها عامَّةً، وليست ] عامّةً[، وبالجملة فالاحتمالُ قائمٌ، وحينئذ لا قطع بالعموم. بل ولا ظنّ، والاحتجاج إنّما هو في المحكّي
لا الحكاية .

1 . أخرجه أبو داود في سننه: 3 / 254 برقم 3374، وابن ماجة في سننه: 2 / 739 برقم 2194 وأحمد بن حنبل في مسنده: 2 / 376، وابن الأثير في جامع الأُصول: 1 / 527 برقم 346 ـ 347، الفصل الرابع في النهي عن بيع الغرر. ونقله الشيخ الطوسي في الخلاف: 3 / 155، المسألة 245 من كتاب البيوع .

صفحه 198
ويمكن أن يقال: إن كان الرّاوي من أهل المعرفة بمفهومات الألفاظ، فالظاهرُ العمومُ، لأنّه لم ينقل صيغةَ العمومِ، إلاّ وقد سمع صيغةً تدلّ عليه، وإلاّ كان طعناً في معرفته أو عدالته، إذ هما يقتضيانِ المنع من إيقاع الناس في ورطة الالتباس، وذلك يثمر الظنّ1 بالعموم، فيكون حجّةً، لوجوب العمل بظنِّيات الأدلّة النقليّة كمعلوماتها .
وأمّا قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «قضيتُ بالشفعة للجار» وقول الرّاوي: أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قضى بالشفعة للجار فإنّ الاحتمال وإن كان قائماً، إلاّ أنّ جانبَ العمومِ أقوى.
الثانية: قول الرّاوي: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يجمع بين الصلاتين قيل: إنّه يقتضي التكرار في العرف، فإنّه لا يقال: كان فلان يتهجّد باللّيل، إذا تهجّد مرّةً واحدةً، وكذا لو قيل: كان فلانٌ يُكْرِمُ الضّيفَ، فإنّه يفيد التكرار.
وقيل2: لا يفيده، لأنّ لفظة كان لا تفيد إلاّ تقدُّمَ الفعلِ، فأمّا التكرار فلا.
الثالثة: قيل 3: قولُ الرّاوي: «صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الشّفق»
أنّه محمولٌ على أنّه صلّى بعد الشّفقين، أعني الحمرة والبياض، فهذا إنّما
يصحّ لو قلنا إنَّ المشتركَ يراد به كلا معنييه، فكأنَّ الرّاوي قال: إنّه صلّى
بعد الشّفقين.

1 . في «أ» و «ج»: يتميّز الظنّ.
2 . القائل هو الرازي في محصوله: 1 / 394 و 395.
3 . القائل هو الرازي في محصوله: 1 / 395 .

صفحه 199
وقد بيّنا أنَّه إنّما يراد المجموع على سبيل المجاز، لكنَّ المجاز خلافُ الأصل، لا يُصار إليه إلاّ لدليل، وحينئذ احتمل أن يكون «قد صلّى بعد الحمرة» وأن يكونَ «قد صلّى بعد البياض» فلا يمكن حمل ذلك على وقوع الصّلاة بعدهما.
الرابعة: الفعل وإن انقسم إلى أقسام وجهات، فالواقع منه لا يقع إلاّ على وجه واحد منها، فلا يكون عامّاً لجميعها1 بحيث يُحمل وقوعه على جميع جهاته، وذلك كما روي، أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) «صلّى داخل الكعبة» فإنّ الصّلاةَ الواقعةَ احتمل أن تكون فرضاً، وأن تكون نفلاً، فلا يمكن وقوعها على وجهي الفرض والنفل معاً، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بذلك على جواز الفرض والنّفل داخلَ الكعبة، إذ لا عموم للفعل2 ولا يمكن تعيين أحدهما إلاّ بدليل .
وكذا قول الرّاوي: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجمع بين الصّلاتين في السّفر، فإنّه يحتمل وقوعُ ذلك في وقت الأولى، ويحتمل وقوعُهُ في وقت الثانية، وليس في نفسِ وقوع الفعلِ، ما يدلّ على وقوعه فيهما، بل في أحدهما، والتّعيين يفتقر إلى الدّليل .
وأمّا وقوع ذلك منه(صلى الله عليه وآله وسلم)متكرّراً، على وجه يعمّ سفر النُّسكِ وغيره، فالبحث فيه قد تقدّم .
وقد ظهر من هذا أنّ فعله(صلى الله عليه وآله وسلم) سواء كان واجباً أو مباحاً، لا عموم له

1 . في «ج»: بجميعها.
2 . في «أ»: في الفعل .

صفحه 200
بالقياس إلى غيره، إلاّ أن يدلّ دليلٌ من خارج على التأسّي.
في الجمع المضاف إلى الجمع   
لا يقال: الإجماع على وجوب الغسل من التقاء الختانين، والمستند قولُ عائشة: «فَعَلْتُهُ أنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاغتسلنا» ولأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان إذا سئل عن حكم أجاب بما يخصّه، وأحالَ معرفةَ ذلك على فعلِ نفسِهِ، كما سَأَلَتْهُ أمُّ سلمة عن الاغتسال، فقال: أمّا أنا فأفيضُ الماءَ على رأسي، وسئل عن قُبْلة الصّائم قال: أنا أفعل ذلك، ولولا عموميّة الفعل، لما كان كذلك .
لأنّا نقول: قد ثبت عموم التأسّي به (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا بحث فيه .
ولأنّ قول عائشة: «فعلته أنا ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)» يشعر بعموميّة الحكم في حقّها، فيكون عامّاً في حقّ الكلّ .
وجوابه(صلى الله عليه وآله وسلم) بفعله (صلى الله عليه وآله وسلم)1 عقيب السؤال يشعر بالعموميّة، وإلاّ لزم تأخيرُ البيان عن وقتِ الحاجةِ، وهو مُحالٌ.

المبحث الثاني عشر: في المفهوم

قال الغزالي: «المفهوم على رأي من يقول به، لا عموم له، لأنّ العمومَ
لفظٌ تتشابه دلالتُهُ بالإضافة إلى مسمّياته، والمتمسّك بالمفهوم والفحوى
لا يتمسّك بلفظ، بل بسكوت، فإذا قال «في سائمة الغنم زكاة» فنفي الزكاة
عن المعلوفة، ليس بلفظ حتّى يكون عامّاً أو خاصّاً، وقوله تعالى: (فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا

1 . في «ج»: لفعله .

صفحه 201
أُفّ )1 دلّ على تحريم الضّرب لا بلفظه المنطوق ] به[ حتّى يتمسّك بعمومه، والعموم من عوارض الألفاظ لا المعاني والأفعال» .2
قيل عليه: إن كنتَ لا تسمّيه عموماً، لأنّك لا تُطْلِقُ لفظَ العامِّ إلاّ على الألفاظِ، فالنّزاع لفظيٌّ، وإن كنتَ لا تسمّيه عموماً، لأنّه لا يعرف منه انتفاء الحكم عن جميع ماعداه، فباطلٌ، لأنَّ البحثَ عن المفهوم هل له عمومٌ، فرعُ كونِهِ حجّةً، فإذا ثبت كونُهُ حجّةً، لزم الحكم بنفي الحكم عمّا عداه، إذ لو ثبت في غير المذكور، انتفت فائدةُ التخصيص بالذّكر .
والتّحقيق: أنّ النزاع هنا لفظيٌّ، لأنَّ مفهومي المخالفة والموافقة عامٌّ فيما سوى المنطوق بلا خلاف .
والغزالي أراد أنَّ العمومَ لم يثبت بالمنطوق، ولا خلاف فيه فإذن النّزاع هنا غير متحقّق.

المبحث الثالث عشر: في الجمع المضاف إلى الجمع

قال الأكثر: إنّ قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)3 يقتضي أخذَ الصّدقة من كلّ نوع من أنواع المال .
والأقربُ، المنعُ .

1 . الإسراء: 23 .
2 . المستصفى: 2 / 140 ـ 141 .
3 . التوبة: 103 .

صفحه 202
في الجمع المضاف إلى الجمع   
لنا: أنّه بصدقة واحدة يصدق أنّه أخذ منها صدقةً، فيحصل الامتثالُ .
ولأنّه لو كان كذلك، لوجب أن يأخذ من كلّ دينار، وهو باطلٌ اتّفاقاً .
احتجّوا بأنّ المعنى: خذ من كلّ مال»1 فيجب العموم .
والجوابُ، المنعُ، فإنّ كُلاًّ، للتفصيل، ولهذا فرقٌ بين قولهم: «للرّجال عندي درهم» وبين «لكلّ رجل عندي درهم» .
والأصل في ذلك أنّ هذه الإضافة تقتضي توزيع الجميع على الجميع، فلا يجب التّعميمُ في كلّ فرد من أفراد المضاف، بالنسبة إلى كلّ فرد من أفراد المضاف إليه.
في تعريف الخصوص   

1 . أي من كلِّ نوع من أنواع المالِ .

صفحه 203
 
الباب الثاني:
في الخصوص
وفيه مباحث:
 
المبحث الأوّل:

في تعريفه

قيل1: الخاصُّ هو كلّ ما ليس بعامٍّ ويدخل فيه الألفاظُ المهملةُ .
ولأنّ العامَّ والخاصَّ متباينان، فتعريف أحدهما بالآخر دوريٌّ، وإن جعلا ضدّين، لم يكن تعريف أحدهما بالآخر، أولى من العكس .
ولأنّ الخاصَّ من الأُمور الإضافيّة، فالإنسانُ خاصٌّ بالنسبة إلى الحيوان، ومع ذلك فهو عامٌّ، إلاّ ان يعنى بالخاصِّ الجزئيّ الحقيقيّ .
وإن قيل: إنّه ليس بعامٍّ من جهة ما هو خاصّ دار .
والتحقيق أن نقول: الخاصُّ قد يكون مطلقاً لا بالقياس إلى غيره، وهو

1 . كذا في الإحكام للآمدي، ولم يعيِّن قائله. لاحظ: 2 / 328 .

صفحه 204
الجزئيّ الحقيقيّ، وقد يكون إضافيّاً بالقياس إلى ما هو عامٌّ، ويقال بإزائه، وهو اللّفظ الّذي يقال على مدلوله وعلى غير مدلوله لفظٌ آخر من جهة واحدة، كالإنسان، فإنّه خاصٌّ، ويقال على مدلوله وعلى غيره كالفرس لفظُ الحيوان من جهة واحدة.
وأمّا التخصيص، فقال أبو الحسين: إنّه إخراجُ بعضِ ما تناوله الخطاب عنه1.
قيل2: انّه لا يمكن حمله على ظاهره على كلّ مذهب:
أمّا ] على[ مذهب أرباب الخصوص، فلأنَّ الخطاب عندهم مُنَزَّلٌ على أقلّ ما يحتمله اللّفظ، فلا يتصوّر إخراج شيء منه .
وأمّا ] على[ مذهب أرباب الاشتراك، فلأنّ العمل بالمشترك في بعض محامله لا يكون إخراجاً لبعض ما تناوله الخطاب عنه، بل غايتُهُ استعمالُ اللّفظ في بعض محامله دون البعض .
وأمّا ] على[ مذهب الوقف، فلأنّ اللّفظَ عندهم موقوفٌ، لا يعلم كونه للخصوصِ أو للعموم، وهو صالح لاستعماله في كلّ واحد منهما، فإن قام الدّليل على أنّه أريد به العمومُ، وجب حملُهُ عليه، وامتنع إخراجُ شيء منه .
وإن قام الدليل على أنّه للخصوص، فلم يكن دالاًّ على العموم، ولا متناولاً له، فلا يتحقّق بالحمل على الخاصِّ إخراج بعض ما تناوله اللفظ على بعض محامله الصّالح3 لها .

1 . المعتمد: 1 / 234 .
2 . القائل هو الآمدي في الإحكام: 2 / 385 .
3 . في «أ»: الصّالحة.

صفحه 205
وأمّا ] على[ مذهب العموم، فغايته أنّ اللّفظ حقيقةٌ في الاستغراق،
ومجاز في الخصوص، فإن لم يقم دليلٌ على مخالفة الحقيقة، وجب إجراءُ اللّفظِ على جميع محامله، من غير إخراج شيء منها، وإن قام ] دليلٌ[ على مخالفتها، وامتناعِ العملِ بالاستغراق، وجب صرفُهُ إلى محملِهِ المجازيّ، وهو الخصوص .
وعند حمل اللفظ على المجاز، لا يكون اللّفظ متناولاً للحقيقة،
وهي الاستغراق، فلا يتحقّق إخراجُ بعضِ ما تناوله الخطابُ عنه، لأنّ عند
كونه مستعملاً في معناه المجازيّ، لا يكون مستعملاً في الحقيقة، فإطلاقُ
القولِ بتخصيص العامِّ، أو أنّ هذا عامٌّ مخصوصٌ، لا يكون حقيقةً، ويناسب
قول أرباب العموم: إنَّ التخصيصَ ] هو[ تعريف أنّ المرادَ باللّفظ
الموضوع للعموم حقيقةً، هو الخصوص، وقول الاشتراك: تعريف أنّ المراد باللفظ الصالح للعموم والخصوص، إنّما هوالخصوص، والمعرّف لذلك أيُّ شيء كان، يسمّى مخصِّصاً، واللّفظ المصروف عن جهةِ العمومِ إلى الخصوص، مخصَّصاً1.
وفيه نظرٌ، فإنَّ الإخراجَ كما يكون عن الدّخول بالفعل، كذا يكون عن الدخول بالصّلاحيّة .
والقائلون بالخصوص، وإن كان اللّفظ إنّما يفيد قطعاً أقلَّ مراتبه، إلاّ أنّه صالحٌ للعموم، وكذا عند القائلين بالاشتراك وبالوقف، فتحقّقُ الإخراجِ حقيقةً،

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 386 .

صفحه 206
لصلاحيّة دخول المخرج بالتّخصيص تحت اللّفظ .
وأمّا القائلون بالعموم، فالإخراج عندهم ظاهرٌ، إذ اللّفظ موضوعٌ للعموم، ولولا المخصِّص لدخل المخصوص1 في التناول قطعاً أو ظاهراً، لكن وجوده منع من الدّخول، ولا نعني بالإخراج سوى ذلك .
فقولنا: العامُّ مخصوصٌ، معناه: أنَّ المتكلّم استعمل العامَّ في بعض ما وُضِعَ له .
وعند الواقفية، أنّه أراد به بعضَ ما يصلح له ذلك اللفظ دون البعض .
وأمّا المخصّص للعموم، فيقال على سبيل الحقيقة على شيء واحد، ]و [هو إرادة المتكلّم لأنَّها هي المؤثِّرةُ في إيقاع ذلك الكلام لإفادة البعض، فإنّ الخطاب إذا صلح للعموم والخصوص، صرف إلى أحدهما بالإرادة .
وأمّا بالمجاز فيقال ] على شيئين: أحدهما[ على من أقام الدّلالةَ على كونه مخصوصاً في ذاته، و ] ثانيهما[ على من اعتقد ذلك، وإن كان ذلك الاعتقاد باطلاً، ويقال: إنّ فلاناً خصَّ العموم بمعنى: أنّه علم من حاله ذلك بالدّليل، ويقال: خصّه بمعنى: وصفه2.
في الفرق بين التخصيص والنسخ   

1 . في «ب»: لدخل المخصَّص .
2 . في «أ»: وضعه.

صفحه 207
 
المبحث الثاني:

في الفرق بين التخصيص والنسخ

قالت المعتزلة: الفرق بينهما باعتبار تراخي الوقت وعدمه، فإنّ النسخ يجب فيه التراخي، دون التخصيص.
واعلم أنّ النسخ في الحقيقة راجعٌ إلى نوعِ تخصيص، لأنّه رفع الحكم بعد ثبوته في زمان آخر، فكان تخصيصاً للحكم بزمان معيّن بطريق خاصٍّ، فيكون الفرق بينهما فرقَ ما بين العامِّ والخاصِّ .
وقد ذهب قومٌ إلى أنّ التخصيص ليس جنساً للنسخ، واعتبروا في التخصيص أموراً لفظيّةً أخرجوه بها عن كونه جنساً، وهي سبعة:
الأوّل: التخصيص إنّما يكون فيما يتناوله اللفظ، والنسخ قد يصحّ فيما عُلِمَ بالدّليلِ أنّه مرادٌ وإن لم يتناوله اللّفظُ.
الثاني: يصحّ نسخُ شريعة بأُخرى، ولا يمكن ذلك في التخصيص.
الثالث: النسخُ رفعُ الحكمِ بعد ثبوته، والتخصيص ليس كذلك.
الرابع: النسخ يجب فيه التراخي دون التخصيص، فإنّه قد يجب فيه المقارنة.

صفحه 208
الخامس: التخصيص قد يقع بخبرِ الواحدِ، بخلاف النسخ .
السادس: التخصيصُ إنّما يكون في جملة، والنسخُ يدخل على العين الواحدة .
السابع: النسخُ قد يكون لفعل بفعل، بخلاف التخصيص .
وأمّا الفرق بين التخصيص والاستثناء فرق ما بين العامِّ والخاصِّ أيضاً .
وقيل: إنَّ الاستثناء مع المستثنى منه، كاللّفظ الواحدِ الدالِّ على شيء واحد، والتخصيصُ ليس كذلك .
ولأنّ التخصيص، يثبت بقرائن الحال فقوله: رأيت الناس، يفهم بالقرينة عدم رؤية الجميع، والاستثناء لا يحصل بالقرينة .
ولانّ التخصيص، يجوز تأخيره لفظاً، ولا يجوز تأخيرُ الاستثناء .
والوجه ما قلناه، من أنّ التخصيص جنسٌ للنسخِ والاستثناءِ.
فيما يجوز تخصيصه   

صفحه 209
 
المبحث الثالث:

فيما يجوز تخصيصه

قد عرفت فيما سلف أنّ التخصيص هو: إخراج بعض ماتناوله الخطابُ، فلابدّ وأن يكون ذلك الخطابُ فيه عمومٌ، وشمولُهُ إمّا مطلقٌ أو بالاضافة، فإنّ ما لا عموم فيه البتّة بوجه مّا، لا يصحّ فيه التخصيصُ، إذ لا يُعْقل له بعضٌ يخرج عنه، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بردة: «يجزئُ عنك، ولا يجزئُ أحداً بعدك» لا يُعْقل التخصيص في الحكم الأوّل، لعدم تعدّده بالنّسبة إلى الشّخص المفعول، لا بالنّسبة إلى متعلّقات الفعل من الطرف وغيره، ويُعْقل في الثاني .
وإذا عرفتَ هذا، فالّذي يتناول أكثرَ من واحد، إمّا أن يكون عمومه من جهة اللّفظ، ويصحّ تطرّقُ التخصيص إليه، أو من جهة المعنى، وهو ثلاثةٌ:
الأوّل: العلّة الشرعية، وفي تخصيصها خلافٌ يأتي.
الثاني: مفهوم الموافقة، كدلالة تحريم التأفيف، على تحريم الضّرب، ويقبل التخصيص إذا لم يَعُدْ بالنقض على الملفوظ، كتقييد الأُمِّ إذا فجرت، وقتل الوالد إذا ارتدّ، أمّا لو عاد بالنقض إليه، فإنّه لا يجوز.
الثالث: مفهوم المخالفة، ويقبل التخصيص مطلقاً، فإنّه يفيد انتفاءَ الحكم

صفحه 210
في المسكوت عنه، ويجوز قيام دلالته على ثبوته في بعض أفراده .
إذا ثبت هذا، فلا فرق بين الأمر والخبر إذا اشتملا على شمول وعموم في جواز تخصيصهما، وإطلاق لفظ العامِّ فيهما لإرادةِ الخاصِّ .
وقد حكي أنّ قوماً منعوا من ذلك في الأمر والخبر، والمحقّقون على جوازه فيهما.
أمّا الخبر، فلأنّ المقتضي لقبول التخصيص موجودٌ فيه، والمانعُ لا يصلح للمانعيّة، فوجب القول بجوازه .
أمّا الأوّل، فنقول: التخصيص إنَّما هو من حيث العموم والشمول، وجواز إرادة الخاصِّ من العامِّ على سبيل المجاز .
وأمّا الثاني، فلأنّ التجُّوزَ غيرُ ممتنع في ذاته، وإلاّ لزم من فرضه
مُحالٌ، ولا من حيث الوضع، فإنّه يصحّ أن يقول اللّغوي: «جاءني
كلّ الناس
» وإن تخلّف بعضهم، ولا بالنظر إلى الداعي، والأصل عدم كلّ مانع سوى ذلك .
وأيضاً، الوقوعُ دلَّ على جوازه، وقد ثبت لقوله تعالى: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْء)1.
(وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ)2وليس خالقاً لذاته، ولا قادراً عليها .

1 . الرعد: 16 .
2 . المائدة: 120 .

صفحه 211
وقوله: (مَا تَذَرُ مِنْ شَىْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ)1 وقد أتَتْ على الأرض والجبال، ولم تجعلها رميماً.
و قوله: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْء)2 (وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْء)3 .
إلى غير ذلك من الآيات .
احتجّوا بأنّه يوهم الكذبَ، فإنّه إذا أراد بالعامِّ بعضَهُ في الخبر، لزم ذلك، لما فيه من مخالفة المخبر للخبر، ولو كان جواز حمله على التخصيص مانعاً من كونه كذباً، لم يوجد كذبٌ البتّة.
والجواب: لا كذب مع قيام دليل التّخصيص .
وأمّا الأمر، فلما تقدّم .
ولقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)4 مع خروج أهل الذمّة عنه .
وكذا قوله تعالى: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)5 و (الزَّانِيَةُ وَ الزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)6 مع عدم قطع كلّ سارق، وعدم جلد كلّ زان، وغيرها من الآيات .
احتج المخالف بأنّه يُوهمِ البداءَ .

1 . الذاريات: 42 .
2 . الأحقاف: 25 .
3 . النّمل: 23 .
4 . التوبة: 5 .
5 . المائدة: 38 .
6 . النور: 2 .

صفحه 212
والجواب لابدّ له مع قيام المخصِّصِ1، وقد بيّنا أنّه تعالى يجوز أن يخاطِبَ بالمجاز كما يخاطِب بالحقيقة، وفي القرآن ضروبٌ كثيرةٌ من المجاز، وأكثر عمومات القرآن قد أريد بها الخصوصُ حتّى قيل: إنّه لم يَرد عامٌّ إلاّ وهو مُخصَّصٌ إلاّ في قوله تعالى (وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)2 .
ولمّا ثبت أنّه تعالى حكيمٌ، وجب أن يكون في الخطابِ بالمجازِ وجهُ مصلحة زائدة على وجهها في الخطابِ بالحقيقة ويمكن أن يكونَ الوجهُ في ذلك التعريضَ لزيادة الثواب، لاشتمال النظر في ذلك والفكر، على زيادة مشقّة، يستحقّ به زيادة الثواب، كما نقوله في حسن الخطاب بالمتشابه، ويجوز أن يعلم أنّه يؤمن عند ذلك ويطيع من لولاه لم يطع .
وقد ظنّ بعضُ الناس جوازَ التّساوي في الحقيقة والمجاز عند الحكيم في جميع الوجوه، ويكون مخيّراً في الخطاب بأيّهما شاء .3
وليس بصحيح، لأنّ العدول عن الحقيقة، الّتي هي الأصل، إلى المجاز، لابدّ له من غرض زائد، ولو كونه أفصح وأبلغ وأوجز.
في غاية التخصيص   

1 . في «أ» و «ج»: لا يدافع قيام المخصص .
2 . الأنعام: 101 .
3 . نقله السيد المرتضى عن بعض الأُصوليين ولم يعيِّن قائله. لاحظ الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 238 .

صفحه 213
 
المبحث الرّابع:

في غاية التخصيص

اتّفق الناس كافّةً على جواز انتهاء التخصيص في ألفاظ الاستفهام والمجازاة إلى الواحد، واختلفوا فيما عداهما، فحكي عن أبي بكر القفّال1 أنّه لا يجوز تخصيص الجمع المعرّف، بحيث لا يبقى أقلّ من الثلاثة .
ومنهم من جوّز انتهاءَ التخصيصِ في جميع ألفاظِ العمومِ إلى الواحدوقال أبو الحسين البصري: انّ نهاية التخصيص في جميع الفاظ العموم أجمع يقرب من مدلول اللفظ، وإن لم يكن محدوداً، إلاّ أن يستعمل في حقّ الواحد على سبيل التعظيم .2
وهو الأقربُ .
لنا: أنّ أهلَ اللّغةِ يَسْتَقبِحوُنَ قولَ الرّجل: أكلت كلَّ الرّمانِ من البيت، ويكون فيه ألف رمانة، وقد أكل واحدةً أو ثلاثةً، ولا كذا لو حمل على الكثرة القريبة من مدلول اللفظ .
اعترض: بأنّه إنّما يكون مستهجناً إذا لم يكن مريداً للواحد من جنس

1 . تقدّمت ترجمته ص 85 .
2 . المعتمد: 1 / 236 .

صفحه 214
ذلك العدد، الّذي هو مدلول اللفظ، ولم يقترن به قرينة .
أمّا إذا أراد الواحد مع قرينة فلا، للنصّ والإطلاق أمّا النصّ فقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ )1 وأراد بالنّاس القائلين، نعيم بن مسعود الأشجعي .2
وأمّا الإطلاق، فلصحّة قول القائل: «أكلت اللحم» والمراد به واحدٌ من جنس مدلولات العامّ .
وفيه نظرٌ، فإنَّ الأوّل أريد به التعظيم، واللحم ليس للعموم، فيصحّ إرادة الواحد منه، لكون المراد الجنس .
احتج الآخرون بوجوه:
الأوّل: استعمال العامِّ في غير الاستغراق على سبيل المجاز، وليس بعض الأفراد أولى من البعض، فوجب جواز استعماله في جميع الأقسام إلى أن ينتهي إلى الواحد.
الثاني: قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)3 والمراد به نفسه وحده.
الثالث: قال عمر لسعد بن أبي وقاص، وقد أنفذ إليه القعقاع مع ألف

1 . آل عمران: 173 .
2 . نُعَيْم بن مسعود صحابيّ، قيل: قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سرّاً أيّام الخندق واجتماع الأحزاب، فأسلم وكتم إسلامه، وعاد إلى الأحزاب المجتمعة لقتال المسلمين، فألقى الفتنة بين قبائل قريضة وغطفان وقريش في حديث طويل فتفرقوا، مات نحو سنة 30 هـ وقيل: قتل يوم الجمل قبل قدوم عليّ (عليه السلام)إلى البصرة. لاحظ الأعلام للزركلي: 8 / 41 .
3 . الحجر: 9 .

صفحه 215
فارس: «قد انفذتُ إليك ألفي فارس» أطلق اسم الألْفِ الأُخرى، وأراد به القعقاع.
الرابع: لو امتنع الانتهاء في التخصيص إلى الواحد، لكان إمّا لأنّ الخطابَ صار مجازاً، أو لعدم استعماله في حقيقته، ولو كان أحدهما مانعاً، لزم امتناعُ تخصيصِ العامِّ مطلقاً، لأنّه يكون مجازاً في الباقي، وغير حقيقة فيه، وهو باطلٌ بالإجماع.
الخامس: قد عرفت الخلافَ في أنّ أقلَّ الجمع اثنان أو ثلاثة، فيحمل العامُّ بعد التخصيص عليه .
السادس: لو قال: أكرم الناس إلاّ الجهّال، جاز، ولو لم يبق إلاّ الواحد .
والجواب عن الأوّل: المنع من عدم الأولويّة، فإنّ الأكثر أقرب إلى الجمع من الأقلّ .
وعن الثاني: أنّه غير محلِّ النزاع، لأنّ الآية خرجت مخرج التعظيم، وليس هناك تخصيصٌ .
وعن الثالث: أنّ عمر قصد قيامَ الواحد مقام الألف، وليس بتخصيص .
وعن الرابع: بالمنع من الحصر، بل المانع عدم استعماله لغةً .
وعن الخامس: أنّ الجمع ليس بعامٍّ .
وعن السادس: بمنع حسنه، على أنّ بعضهم جوّز الانتهاءَ إلى الواحد في الاستثناء، والبدل، وإلى اثنين في الصفة، وفي المحصور 1 القليل.

1 . في «ب»: وفي المخصوص .

صفحه 216
العامّ المخصوص هل هو مجاز أم لا؟   
 
المبحث الخامس:

العامّ المخصوص هل هو مجاز أم لا؟

اختلف الناس في ذلك، فقال قومٌ من الفقهاء: إنّه لا يصير مجازاً، كيف كان المخصِّص، وهو مذهب جماعة من الأشاعرة، وإليه مال الغزّالي1 وكثير من المعتزلة، وجماعة من الحنفيّة كعيسى بن أبان2 وغيره .
وقال آخرون: إنّه يكون مجازاً في حال دونَ حال، واختلفوا في تفصيل تلك الحال، فقال بعضهم: إن خُصَّ بدليل لفظيٍّ لم يصر مجازاً، متَّصلاً كان الدليل، أو منفصلاً، وإن خُصَّ بدليل عقليٍّ، كان مجازاً .
وقال آخرون: إنّه يكون مجازاً، إلاّ أن يخصّ بلفظ متّصل .
وقال القاضي أبو بكر: إنّه يكون مجازاً، إلاّ أن يكون المخصّص شرطاً أو استثناءً3 .

1 . لاحظ المنخول: 226 .
2 . هو عيسى بن ابان بن صدقة بن مران شاه قاض من كبراء فقهاء الحنفيّة، كان من أصحاب الحديث ثمّ غلب عليه الرأي، تولّى القضاء بالبصرة عشر سنين، كان سريع الإنفاذ للحكم، مات سنة 221 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 5 / 100 .
3 . التقريب والإرشاد: 3 / 67 .

صفحه 217
وقال قاضي القضاة: إنّه يكون مجازاً، إلاّ أن يكون المخصّص شرطاً
أو صفةً .
وقال جماعة من الحنفية: إن كان الباقي جمعاً، فهو حقيقةٌ، وإلاّ فمجازٌ، وإليه ذهب أبوبكر الرّازي1 .
وقال الجويني: إنّه حقيقةٌ في تناوله، مجازٌ في الاقتصار عليه .2
وقال أبو الحسين البصري: القرينة المخصّصة، إن استقلّت بنفسها، صار مجازاً، سواء كانت عقليّةً، كالدلالة على أنّ غير القادر ليس مراداً من الخطاب بالعبادات، أو لفظيّةً نحو أن يقول المتكلّم: «أردت بالعام البعضَ الفلاني» وإن كانت غير مستقلّة، فهو حقيقة، سواء كان صفةً أو شرطاً .3
والأقربُ أنّه يصير مجازاً مطلقاً .
لنا: أنّ اللّفظ وضع للعموم ولم يرد، فيكون إطلاقه على أزيد منه مجازاً.
أمّا المقدّمة الأُولى، فالخلاف فيها مع المانعين من العموم، وقد سبق برهانه .
ولأنّا نبحث على تقديره .
وأمّا الثانية، فلأنَّ التقدير أنّه مخصوصٌ، وقد بيّنا أنَّ التخصيصَ هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ عن الإرادة .

1 . لاحظ أُصول الجصّاص: 2 / 131 .
2 . البرهان في أُصول الفقه: 1 / 276 .
3 . المعتمد: 1 / 262 ـ 264، نقله المصنّف ملّخصاً .

صفحه 218
وأمّا الثالثة، فظاهرةٌ أيضاً، لما عرفت من أنّ المجاز، هو استعمال اللفظ فيما لم يوضع له .
ولانّ اللفظ، إذا كان حقيقةً في الاستغراق، فصرفه إلى البعض بالقرينة ـ كيف ما كانت القرينة ـ إمّا أن يكون لدلالة اللفظ عليه حقيقةً أو مجازاً، ويلزم من الأوّل الاشتراك بينه و بين الاستغراق، ضرورة اختلاف معنييهما بالجزئيّة والكليّة، وعدم اشتراكهما في معنى جامع يكون مدلولاً للفظ، والمشتركُ لا يكون ظاهراً بلفظه في بعض مدلولاته دون البعض، وهو خلاف مذهب القائلين بالعموم.
لا يقال: جاز أن يكون حقيقةً فيهما باعتبار أمر مشترك، هو الجنسيّة فينتفي الاشتراك والمجاز، ويدلّ على كونه حقيقة في الباقي، أنّ اللفظ كان متناولاً له حقيقةً قبل التخصيصِ، فخروج غيره عن عموم اللفظ لا يؤثِّر فيه.
سلّمنا، لكن يجوز كون اللّفظِ المجرّدِ حقيقةً في الاستغراق، ومع القرينة حقيقةً في البعض.
لأنّا نقول: الكلّ والبعض وان اتّحدا في الجنسيّة، إلاّ أنّ اللّفظ العامّ حقيقةٌ في الكلّ، من حيث هو كلٌّ، لا في مطلق الجنس، ولهذا تعذّر حمله على البعضِ إلاّ لقرينة بإجماع القائلين بالعموم، والاستغراق ليس ثابتاً في الباقي .
ونمنـع كونَ اللفظ حقيقةً في الباقي قبل التخصيصِ، نعم قد كان حقيقةً في الجمع1 الّذي هو أحد أفراده، فلا يلزم كونه حقيقةً فيه لا مع الاجتماع ولا

1 . في «ب»: في الجميع .

صفحه 219
حالة الانفراد، فإنّ العشرة حقيقةٌ في مجموع آحادها لا في الخمسة، سواء ضمّت إلى مثلها أو انفردت .
ثمّ ينتقض بالواحد، فإنّ اللفظ قد كان متناولاً له حقيقةً قبل التخصيص، وبعد التخصيص، وهو مجازٌ فيه إجماعاً .
وتجويزُ كون اللّفظ حقيقةً في البعض مع القرينة، يرفع المجاز أَجمع، فإنّ كلَّ مجاز يمكن أن يقال: إنّه مع القرينة حقيقةٌ في مدلوله .
ولأنّه، لو كان كما ذكروه، لكان استعمال ذلك اللفظ في الاستغراق مع اقترانه بالقرينة المخصّصة له بالبعض، استعمالاً له في غير الحقيقة وصارفاً له عن الحقيقة، وهو خلاف إجماع القائلين بالعموم.
احتجّ أبو الحسين على كونه مجازاً لو خصّص بقرينة مستقلَّة، بأنّ اللفظ وضع لغةً في الاستغراق فاستعماله في البعض استعمالٌ في جزءِ المسمّى بقرينة مخصِّصة، وهو عين المجاز .
وعلى كونه حقيقةً مع المتّصل، بأنّه إذا قال: جاء بنو تميم الطوال، وأكرم بني تميم إن قاموا إلاّ فلاناً، فلفظ العموم حال انضمام الشرط، والصفة، والاستثناء، لا يفيد البعضّ، وإلاّ لم يبق شيءٌ يفيد الشرط أو الصفة أو الاستثناء، وإذا لم يفد البعضَ، استحال أن يقال: إنّه مجاز في إفادة البعض، بل المجموعُ الحاصل من لفظ العموم، ولفظِ الشرط أو الصفة، أو الاستثناء دليلٌ على ذلك البعض، وإفادةُ ذلك المجموعِ لذلك البعضِ حقيقةٌ .1

1 . المعتمد: 1 / 264 ـ 265، نقله المصنّف بتلخيص. ولاحظ المحصول للرازي: 1 / 401 .

صفحه 220
والجواب: اقتران اللفظ بالمنفصل، لا يخرجه عن حقيقته وصورته، وإلاّ لكان كلُّ مقترن بشيء خارجاً عن حقيقته، ويلزم نفي الاقتران أيضاً، وإذا كان باقياً على حقيقته، فمعناه لا يكون مختلفاً، بل يصير مصروفاً عن معناه باعتبار ذلك المقترن، وهو التجوّز بعينه .
قوله: اللفظ مع الاقتران لا يفيد البعض، وإلاّ لم تفد القرينة شيئاً .
قلنا: ممنوعٌ، فانَّ القرينة هي الّتي صرفت اللفظ عن افادته للمجموع إلى إفادته للبعض، كما في كلّ مجاز، فإنَّ ذلك لو كان معتبراً، لكان لقائل أن يقول: إنّ اللّفظ الحقيقيّ لا يراد به معناه المجازيّ حالة انضمامه إلى القرينة، وإلاّ لم تفد القرينة شيئاً، بل معناه الحقيقي، وانّما تفيد المجازيّ باعتبار القرينة، وذلك يخرجه عن كونه مجازاً.
لا يقال: الشرط، والصفة، والاستثناء، غير مستقلٍّ، فلا يخرج اللّفظ
عن حقيقته، كقولنا: «مسلم» فإنّه يدلّ على معنى، فإذا قال: «المُسلم» أو «مسلمون» أفاد بانضمام الألف واللاّم والواو والنون معنىّ غير الأوّل، ولم يصر باعتبار هذه الزيادة مجازاً، وكذا الشرط، والصفة، والاستثناء، لجامع1 عدم الاستقلال .
لأنّا نقول: الألف واللاّم والنون زياداتٌ أفادَتْ زيادات في المعاني من غير تغيّر الوضع الأوّل، فلا يقال: إنّه صار مجازاً، بخلاف صورة النّزاع.
احتجّت الحنابلة، بأنَّ التناول باق، فكان حقيقةً .

1 . في «أ»: يجامع.

صفحه 221
وأيضاً، فإنَّه يسبق إلى الفهم، وهو دليل الحقيقة .
والجواب: ما تقدّم، من أنّه حقيقةٌ فيه مع غيره، والسبق إلى الفهم بقرينة وهو دليل المجاز.
احتجّ الرازي، بأنّه إذا بقى غير منحصر، كان معنى العموم باقياً .
والجواب: أنّه كان للجميع .
احتجّ الجويني، بأنّ العامّ كتكرار الآحاد، وإنّما اختصر1، فإذا خرج بعضها بقى الباقي حقيقةً .
والجواب بالمنع، فإنّ العامَّ ظاهرٌ في الجميع، فإذا خصّ2 خرج قطعاً، والتكرّر نصٌّ .
واحتجّ القاضي أبو بكر3 والقاضي عبد الجبّار، بمثل ما احتجّ به أبو الحسين، من أنّ ما لا يستقلّ إذا أوجب تجويزاً في نحو قولك: الرجال المسلمون، وأكرم بني تميم إن دخلوا، لكان نحو «مسلمين» للجماعة مجازاً، ولكان نحو «المسلم» للجنس أو للعهد مجازاً، ونحو(] فَلَبِثَ فيهِمْ[ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً)4 مجازاً، لأنَّ الصفة عند أبي بكر كأنّها مستقلَّةٌ، والاستثناء عند عبدالجبّار ليس بتخصيص.

1 . في «أ»: اختص .
2 . في «أ»: اختص .
3 . لاحظ التقريب والإرشاد: 3 / 70 .
4 . العنكبوت: 14 .

صفحه 222
والجواب: ما تقدّم .
وأيضاً، فإنَّ «الواو» في «مسلمون» كـ «ألف» ضارب و «واو» مضروب، و«اللام» في المسلم وإن كان كلمةً، حرفاً أو اسماً، فالمجموع1 الدّال والألف موضوعة للألف، وكذا «الخمسون» للخمسين، وإلاّ للرفع، ومعرفة الباقي حصلت بالحساب.2

تذنيب

إذا قال الله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)3 وقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): في الحال «إلاّ زيداً» فهذاتخصيص بدليل متَّصل أو منفصل؟ فيه احتمال، ينشأ من تغاير المتكلّمين، ومن كونه(صلى الله عليه وآله وسلم)إنما نطق بالوحي، فكان الخطاب منه تعالى في الحقيقة.
في جواز التمسّك بالعامِّ المخصوصِ   

1 . أي المجموع هو الدّالّ .
2 . يريد أن كلاَّ من الألفاظ الثلاثة: «الألْف» و «الخمسين» و «إلاّ» استعمل في معناه الموضوع له، غير أنَّ المخاطب، قام بالمحاسبة وإخراج الخمسين عن الألْف، يستنتج بأنّه لبث في قومه تسعمائة وخمسين عاماً، ولعلّ المصنّف يريد التفريق بين الإرادة الاستعماليّة والجدّيّة، فالجملة حسب الإرادة الأولى استعملت في معانيها اللغوية، لكن الإرادة الجدّيّة تعلقت بغيرها والتفصيل يطلب من كتب أصحابنا المتأخِّرين.
3 . التوبة: 5 .

صفحه 223
 
المبحث السّادس:

في جواز التمسّك بالعامِّ المخصوصِ

اختلف الناس في ذلك، فمنع عيسى بن أبان1، وأبو ثور2 من التمسّكِ بالعامِّ المخصوص، فيما عدا المخصوصِ على كلّ حال.
وأجاز آخرون التمسّكَ به على كلّ حال .
وأجاز قومٌ ذلك في حال دونَ حال، واختلفوا في تفصيل تلك الحالِ :
فقال: الكرخي3: إن خُصَّ بشرط أو استثناء، صحّ التعلّقُ به فيما عدا المخصوص، وإن خُصَّ بمنفصل، لم يصحّ .
وقال البلخي4: ان خصّ بمتَّصل كالشّرطِ والصّفةِ والاستثناءِ، كان حجّةً وإلاّ فلا .
وقال أبو عبد الله5: إن كان التّخصيصُ والشرطُ قد مَنَعا من تعلّق الحكم

1 . تقدّمت ترجمته ص 216 .
2 . هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، الفقيه صاحب الإمام الشافعي، له مصنّفات ذكر في بعض كتبه اختلاف مالك والشافعي، وذكر مذهبه، وهو أكثر ميلاً إلى الشافعي مات سنة 240 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 1 / 37.
3 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219 .
4 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 367 .
5 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219 .

صفحه 224
بالاسم العامِّ، وأوجَبا تعلّقه بشرط لا ينبئُ عنه الظاهر، لم يجزِ التعلّقُ به، وإن لم يمنعا من تعلّقه باسم العامِّ، صحّ التعلّق به .
فالأوّل كقوله تعالى: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)1
لأنّ قيامَ الدلالةِ على اعتبار الحِرْزِ ومقدار المسروقِ يمنع من تعلّقِ
القطعِ بالسرقة، ويقتضي وقوعَهُ على الحرز الّذي لا ينبئ اللفظ عنه، فلم
يجز التعلّقُ به .
والثاني، كقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)2 لأنّ قيامَ الدّليلِ على المنع من قتل معطي الجزية، لا يمنع من تعلّقِ القتل بالشّرط، فلم يمنع التعلّق به من قتل من لم يعط الجزية .
وقال قاضي القضاة: إنّ كانَ العموم المخصوص والمشروط، لو
تُركنا وظاهرَهُ من دون الشرط والتخصيص كنّا نمتثل ما أريد منّا، ونضمّ إليه ما لم يُرَد منّا، احتجنا إلى بيان ما لم يرد منّا، ولم نحتج إلى بيان ما أُريد، إذ كنّا نصير
إليه من دون البيان، ويصحّ التعلّق بالظاهر فيه، كقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ).
وإن كنّا لو تُركنا والظاهرَ من دون الشرط ، لم يمكننا امتثال ما أُريد منّا، احتجنا إلى بيان ما أريد منّا، إذ لسنا نكتفي بالظاهر فيه، ولم يصحّ التمسّك به كقوله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ) .3

1 . المائدة: 38 .
2 . التوبة: 5 .
3 . لاحظ كلام قاضي القضاة في المعتمد: 1 / 265 ـ 266 .

صفحه 225
وهذا الذي ذكره عقدُ مذهب ودلالة، وينبغي أن يزاد في الأوّل أن لا يكون العمومُ قد خُصِّص تخصيصاً مجملاً .
وقيل1: إنّه حجّة في أقلّ الجمع لا فيما زاد، واتّفق الكلّ على أنّه إذا خُصَّ بمجمل، فإنّه لا يبقى حجّة إلاّ بعد البيان .
والحقّ أنّه حجّةٌ، لنا وجوهٌ:
الأوّل: اللفظُ العامُّ كان متناولاً للكلّ، فكونه حجّةً في كلّ واحد من تلك الأقسام، إمّا أن يكون موقوفاً على كونِهِ حجّةً في الآخر، أو على كونه حجّةً في الكلّ، أو لا يتوقّف على شيء منهما .
والأوّل باطلٌ، لأنّه إن كانَ كونُهُ حجّةً في كلّ واحد من تلك الأقسامِ مشروطاً بكونه حجّةً في الآخر، لزم الدّور .
وإن افتقر كونُهُ حجّةً في هذا، على كونِهِ حجّةً في ذلك، من غير عكس، لزم الترجيحُ من غير مرجّح، لأنّ نسبة اللفظ إلى كلّ واحد على السويّة، فليس جعلُ البعضِ مشروطاً بالآخرِ، أولى من العكس .
ولأنّه يلزم المطلوب، لأنَّ كونه حجّةً في الكلّ يتوقّف على كونه حجّةً في كلّ واحد من تلك الأقسام، لأنّ الكلَّ لا يتحقّق إلاّ بتحقّق جميع الأفراد، فلو توقّف كونُهُ حجّةً في البعضِ على كونه حجّةً في الكلِّ، لزم الدّورُ .

1 . نقله الآمدي عن البعض ولم يعيِّن قائله. لاحظ الإحكام: 2 / 353 .

صفحه 226
وحيث بطل القسمانِ، ثَبُتَ كونُهُ حجّةً في ذلك البعض لا يتوقّف على كونِهِ حجّةً في البعض الآخر، ولا على كونه حجّةً في الكلِّ، فَإِذَنْ هو حجّةٌ في البعض، سواء ثبت كونُهُ حجّةً في البعض الآخر أو لا .
أُعترض 1: بأنّه لا يلزم من عدم توقّف الشيءِ على غيره جوازُ وجودِهِ بدونه كما في المتلازمين، وإن عنى بتوقّفه عليه عدم وجوده بدونه، لم يلزم الدّور في المتلازمين.
الثاني: المقتضي لثبوت الحكم في غير محلّ التخصيصِ قائمٌ، والمعارض الموجود لا يصلح معارضاً، فوجب ثبوتُ الحكمِ في غير محلّ التخصيص .
إنّما قلنا: إنَّ المقتضي قائمٌ، لأنّه هو اللّفظ الدالُّ على ثبوتِ الحكمِ في كلّ الصور والدالُّ عليه في كلِّ الصّور دالٌّ عليه في محل التخصيص وغيره، فثبت قيامُ المقتضي في غير محلّ التخصيصِ .
وأمّا عدمُ المعارضِ، فلأنَّ المعارضَ ليس إلاّ كون الحكم غير ثابت في صورة التّخصيص، ولا يلزم من عدم الحكم في هذه الصورةِ عدمُهُ في الأُخرى، كما لا يلزم من ثبوتِهِ في صورة ثبوتُهُ في الأُخرى2.
وفيه نظرٌ ، لأنَّ المقتضي هو اللّفظّ الـدّالُّ على الجميع ، مع

1 . المعترض سراج الدّين الأرموي في التحصيل من المحصول: 1 / 370. والضمير في قوله: «وإن عنى» يرجع إلى الفخر الرازيّ .
2 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 403 .

صفحه 227
إرادتـه ، وبـالتخصيصِ خرج عـن ذلك . 1
الثالث: الإجماع وقع على الاحتجاج بالعامِّ المخصوصِ فيكون حجّةً .
أمّا المقدّمة الأولى، فلأنّ فاطمة(عليها السلام) احتجّت على أبي بكر في ميراثها من
أبيها بعموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ)2 مع أنّه مخصَّصٌ بالكافر والقاتل، ولم ينكر أحدٌ من الصحابة احتجاجها، مع ظهوره واشتهاره، بل عدل أبو بكر في حرمانها من الميراث إلى حديث رواه .
ولأنّ عليّاً(عليه السلام) احتجّ على جوازِ الجمع بين الاختين في الملكِ بقوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)3 مع أنّه مخصوص بالأُختِ والبنتِ .
واحتجّ ابن عبّاس على تحريم نكاح المُرْضعة بعمومِ قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ)4 و قال: قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير 5، مع أنّه مخصوصٌ بشرائط الرضاع .
وأمّا الثانية، فظاهرةٌ لما يأتي من بعد أنَّ الإجماعَ حجّةٌ.

1 . في «ب»: خرج عنه ذلك .
2 . النساء: 11 .
3 . النساء: 3 .
4 . النساء: 23 .
5 . نقله الهيثمي في مجمع الزوائد: 4 / 261، وعلاء الدين الكاشاني في بدائع الصنائع: 3 / 405، والرازي في تفسيره: 10 / 30 في ذيل الآية 23 من سورة النساء وفيه: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: قال ابن الزبير: لا بأس بالرضعة ولا بالرضعتين، فقال ابن عمر: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير. ونقله الآمدي في الإحكام: 2 / 354، وأبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 268 .

صفحه 228
الرابع: العامُّ قبلَ التخصيصِ حجّةٌ في كلّ أقسامه بالإجماع، فيكون بعد التخصيص كذلك، لأنّ الأصلَ بقاء ما كان على ما كان، إلاّ أن يوجد معارضٌ، والأصل عدمُهُ.
الخامس: لو قال: أكرم كلَّ من دخل داري، ثمّ قال بعد: لا تكرم فلاناً، أو قال في الحال: إلاّ فلاناً، فترك، عُدَّ عاصياً.
احتج ابن أبان بوجوه:
الأوّل: دلالة العامِّ على ما عدا محلّ التخصيص على سبيل المجاز، وإلاّ لم يكن للعموم، أو كان مشتركاً، والتقدير خلافهما، وإذا كان مجازاً، كان متردّداً بين أقلّ الجمعِ وما عدا صورة التخصيص .
ولا يمكن الحملُ على الجميع، لما فيه من تكثّر جهات التجوّز، وليس حمله على أحد المجازات أولى، لعدم دلالة اللّفظ عليه وكان مجملاً.
الثاني: أنّه بالتخصيص خرج عن كونه ظاهراً وما لا يكون ظاهراً لا يكون حجّةً.
الثالث: العامُّ بعد التخصيص ينزّل منزلة قوله تعالى: «اقتلوا المشركين إلاّ بعضهم» والمشبّه به ليس بحجّة، فكذا المشبّه.
والجواب عن الأوّل: المنعُ من عدم أولويّة البعض، فإنّ كلَّ الباقي بعد التخصص أقرب إلى الاستغراق من بعض الباقي، فيكون هو المراد، وينتفي الإجمال .

صفحه 229
ثمّ يعارض بأنّه قبل التخصيصِ كان حجّةً في كلّ قسم بالإجماع، فإن كان مجازاً عادَ ما ذكرتموه من المحذور .
وعن الثاني: إن أراد بقوله: «ليس ظاهراً» أنّه ليس حقيقةً، فمسلَّمٌ، لكن كونه حجّةً، لا يتوقّف على كونِهِ حقيقةً .
وإن أراد أنّه لا يكون حجّةً، فهو ممنوعٌ، والأصل في ذلك أنّه ليس بظاهر في العموم، وهو ظاهر في الباقي .
وعن الثالث: بالمنع من التساوي، لحصول الجهالة في المشبّه به، دون المشبّه .
احتجّ من قال: إنّه يحمل على أقل الجمع، بأنّه المتيقّن، وما زاد مشكوكٌ فيه.
والجواب: حمله على أقلّ الجمع يقتضي الإجمال لإبهامه، بخلاف ما قلناه، من الحمل على كلّ الباقي .
ولأنّه أقرب إلى الحقيقة، فكان أولى .
ولأنّ حمله على أقلِّ الجمعِ مُخلٌّ بمراد المتكلّمِ، وحمله على ما قلناه غير مُخلّ به.

صفحه 230
في جواز التمسّك بالعام قبل البحث عن المخصص   
 
المبحث السابع:

في جواز التمسّك بالعام قبل البحث عن المخصِّص

الخلاف هنا مع ابن سريج1 فإنّه قال: لا يجوز التمسّكُ بالعامِّ ما لم يُسْتَقْصَ في طلبِ المخصِّصِ، فإذا لم يوجد بعد ذلك مخصِّصٌ، جاز
التمسّكُ به .
وقال الصّيرفي2: يجوز التمسّك به ابتداءً، ما لم تظهر دلالةٌ مخصِّصةٌ .
والأقربُ الأوّلُ.
لنا: أنّ المجتهد يجب عليه البحث عن الأدلّة وكيفيّة دلالتها، والتخصيصُ كيفيّةٌ في الدلالة، فيجب عليه البحثَ عن ثبوته وعدمه بقدر الإمكان، لأنّ العامَّ بتقدير قيام المخصِّصِ، لا يكون حجّةً في صورة التخصيص، فقبلَ البحثِ عن وجود المخصِّص يجوز أن يكون العامُّ حجّةً ويجوز أن لا يكون، والأصل عدم كونِهِ حجّةً.

1 . تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 159 .
2 . هو محمد بن عبد الله الصيرفي، أبو بكر أحد المتكلمين الفقهاء من الشافعيّة، ومن كتبه «البيان في دلائل الإعلام على أُصول الأحكام» في أُصول الفقه، مات سنة 330 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 6 / 224 .

صفحه 231
لا يقال: ظنُّ كونِهِ حجّةً أقوى من ظَنِّ كونِهِ غيرَ حجّة، لأنّ إجراءَهُ على العموم أولى من حمله على التخصيصِ، ولمّا ظهر هذا القدر من التفاوت، كفى ذلك في ثبوت الظنّ.
لأنّا نقول: نمنع من قوّة ظنّ كونه حجّةً، وإنّما يحصل بعد البحث عنه.
احتج الصّيرفي بوجهين:
الأوّل: لو لم يجز التمسّك بالعامِّ إلاّ بعد طلبِ المخصِّصِ، لما جاز التمسّك بالحقيقة إلاّ بعد طلبِ أنّه هل وجد ما يقتضي الصّرف إلى المجاز، والتّالي باطلٌ، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ المانع من التمسّك في العامِّ قبل البحثِ عن المخصِّصِ، ليس إلاّ احتمال الخطأ، وهذا المعنى موجودٌ في الحقيقة والمجاز، فيشتركان في الحكم .
وبيان بطلان التالي: أنّ العرف خاصٌّ يحمل الألفاظَ على ظواهرها من غير بحث ] عن[ أنّه هل وُجد ما يصرف اللفظَ عن حقيقته أو لا .
وإذا كان في العرف كذلك، وجب في الشرع لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما رآه المسلمون حَسَناً، فهو عند الله حسنٌ.1
الثاني: الأصلُ عدمُ التخصيصِ، وهذا يوجبُ ظنَّ عدمِ المخصِّصِ، فيكفي في إثبات ظنِّ الحكم.
والجواب عن الأول: بالفرق بين العامِّ والحقيقة، فإنَّ كلَّ العموماتِ

1 . عوالي اللآلي: 1 / 381 وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: 1 / 379 .

صفحه 232
مخصوصةٌ إلاّ قوله تعالى: (وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)1 فكان حمل اللّفظ على عمومه مرجوحاً في الظنِّ قبل البحث عن المخصِّصِ، وأمّا الحقيقة، فإنّ أكثر الألفاظ محمولة على الحقائق .
وعن الثاني: أنّه معارضٌ بأنَّ الأصلَ عدم كونه حجّةً.

تذنيب

لمّا أوجبنا البحث عن المخصِّصِ، لم نوجب العلم بنفيه في دلالة
العامِّ، لعدم إمكانه، بل نوجب اجتهادَ المجتهد في ذلك، بأن يتصفّح الأدلّة العقليّة والنقليّة، فإذا لم يجد مخصِّصاً، وغلب على الظنِّ النفيُ، وليس ذلك بقطعيٍّ، فإنّ عدمَ الوجدان لا يوجب عدمَ الوجود قطعاً بل ظنّاً.
في المقتضي للتخصيص   

1 . الأنعام: 101 .

صفحه 233
 
الباب الثالث:
في المقتضي للتخصيص
وفيه فصول:
 
الفصل الأوّل:

في الأدلّة المتّصلة

وفيه مطالب:

المطلب الأوّل: في الاستثناء

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: في حقيقة الاستثناء

وهواستفعالٌ من الثني، وهو الرّجوع، وهو هنا كذلك، فإنّ الحاكم على جملة بشيء إذا استثنى بعضَها عن ذلك الحكم، فكأنّه قد رجع عمّا حكم به أوّلاً في ذلك المستثنى .

صفحه 234
وهو إمّا متّصلٌ، وهو الّذي يكون المستثنى من جنس المستثنى منه .
وإمّا منفصلٌ، وهو الّذي يكون من غير جنسه.
وهو حقيقةٌ في المتّصلِ إجماعاً، واختلف في المنفصل، فقيل: إنّه حقيقةٌ فيه أيضاً .
في حقيقة الاستثناء   
وقيل: مجازٌ .
وقيل: إنَّه للقدر المشترك بين المتّصل والمنفصل على ما يأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
إذا عرفت هذا فنقول: من جَعَلَهُ متواطئاً حدَّهُ بأنّه «ما دلّ على مخالفة بـ «إلاّ» غيرِ الصفة، وأخواتها» .1
ومن جعله مشتركاً بينهما، أو حقيقةً في المتّصلِ دون المنفصلِ لم يكن له جمعهما في حدٍّ واحد، وحينئذ يقال في المنقطع: إنّه ما دلّ على مخالفة بـ «إلاّ» غير الصفة وأخواتها، من غير إخراج .
وأمّا المتّصل، فقد اختلف في تعريفه، فقال الغزالي، إنّه قولٌ ذو صِيَغ مخصوصة محصورة، دالٌّ على أنّ المذكور ] فيه[ لم يردّ بالقول الأوّل.2
وأُورِدَ على طرده3 التخصيص بالشّرط، والوصفُ بـ «الّذي» والغاية،

1 . لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3 / 238، قسم المتن .
2 . المستصفى: 2 / 179 .
3 . المورد هو الآمدي في الإحكام: 2 / 389، ولاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3 / 241، قسم المتن .

صفحه 235
ومثل: «قام القوم ولم يقم زيد» ولا يرد الأوّلان .
وأُورِدَ على عكسه: «قام القوم إلاّ زيداً» فإنّه ليس بذي صِيَغ .
وقال الآخرون: الاستثناء إخراج بعضِ الجملةِ عن الجملة بلفظ «إلاّ» أو ما يقوم مقامه .
ونقض بمثل «قام القوم ولم يقم زيد» فإنّه قائم مقام قوله «إلاّ زيداً» في إخراج بعض الجملة.
وقيل: إنّه عبارةٌ عمّا لا يدخل في الكلام إلاّ لإخراج بعضه بلفظ «إلاّ»، ولا يستقلّ بنفسه، لأنّ المخرج إن كان معنويّاً، كالعقل والقياس، خرج عن الحدّ .
وإن كان لفظيّاً منفصلاً، كان مستقلاًّ بالدّلالة، وإلاّ لكان لغواً، وهو خارجٌ عن الحدّ .
وإن كان متّصلاً، فإن كان صفةً مثل: «أكرم بني تميم الطّوال» خرج منهم القصار، ولفظ «الطّوال» لم يتناول القصار، بخلاف «أكرم بني تميم إلاّ زيداً» وكذا إن كان شرطاً .
وإن كان غايةً، فقد يدخل «كَالْمَرافِقِ»1 بخلاف الاستثناء .
واعترض: بأنّ الاستثناء لإخراج بعض ما دلّ عليه الكلام، لا
لإخراج بعض الكلام وما يناقضه بقولنا: «جاء القوم غير زيد» فإنَّه استثناء مع
أنَّ «غيراً» قد يدخل صفة مثل: «عندي درهم غير جيّد» فقد دخلت لا
لإخراج بعضه .

1 . إشارة إلى قوله تعالى: (إِلَى الْمَرَافِقِ) المائدة: 6 .

صفحه 236
وقيل1: إنَّ الاستثناء عبارةٌ عن لفظ متَّصل بجملة لا يستقلّ بنفسه دالّ على أنّ مدلوله غير مراد ممّا اتّصل به، بحرف «إلاّ» أو أحد أخواتها .
فقولنا: «لفظٌ» احتراز عن الدلائلِ العقليّةِ والحسيّةِ الموجبةِ للتخصيص.
وقولنا: «بجملة» احترازٌ عن الدلائل المنفصلة .
وقولنا: «ولا يستقلّ بنفسه» احترازٌ عن مثل ] قولنا[: «قام القوم، ولم
يقم زيد» .
وقولنا: «دالٌّ» احترازٌ عن الأسماء المؤكّدة والصّفة، مثل: «قام القوم العلماء كلّهم».
وقولنا: «بحرف إلاّ أو أخواتها» احترازٌ عن مثل: «قام القوم دون زيد»2.
وفيه نظرٌ، لأنّه حدَّ الاستثناء بأنّه لفظٌ، والاستثناءُ معنى، واللفظ دالٌّ عليه.
ولأنّ قوله: «متّصل بجملة» ينتقض بالاستثناء المفرّغ مثل: «ما قام إلاّ زيد».
ولأنّ مدلول كلّ استثناء متّصل مراد بالأوّل .
وقيل: الاستثناء لفظٌ متّصلٌ بجملة لا يستقلّ بنفسه، دالٌّ على أنّ مدلوله غير مراد بما اتّصل به، ليس بشرط، ولا صفة، ولا غاية.
ويرد مع ما تقدّم: «قام القوم إلاّ زيداً».
وقيل: إخراج بـ «إلاّ» و «أخواتها» .
في شروط الاستثناء   
وقيل3: إخراج بعض الجملة من الجملة بلفظة «إلاّ» وما يقوم مقامَهُ.

1 . القائل هو الآمدي في الإحكام: 2 / 390 .
2 . الإحكام للآمدي: 2 / 390 .
3 . القائل هو سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي في التحصيل من المحصول: 1 / 373 ومحمد بن الحسين الأرموي في الحاصل من المحصول: 1 / 536 .

صفحه 237
والأقرب: أنّه إخراجُ بعضِ ما تناوله اللّفظُ عن الإرادة بإحدى الصّيغ الموضوعة له في اللّغة.

المبحث الثاني: في شروطه

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: في أنّ شرط الاستثناء الاتّصال

ذهب المحقّقون من الفقهاء والمتكلّمين إلى أنَّ شرطَ الاستثناءِ اتِّصالُهُ بالمستثنى منه، بحيث لا يتخلّل بينهما شيءٌ يفصل بينهما عرفاً، واحترزنا بذلك عن النّفس والسعال وطول الكلام، فإنَّه لا يعدّ في العرفِ فاصلاً.
ونقل عن ابن عباس صحّةُ الاستثناء المنفصلِ وإن طال الزمان شهراً .1
وقال بعض المالكيّة: يجوز تأخير الاستثناء، لفظاً، لكن مع إضماره متّصلاً بالمستثنى منه، ويكون المتكلّم به مديناً فيما بينه و بين الله تعالى.
وقال بعض الفقهاء: يجوز المنفصل في كتاب الله تعالى دون غيره .
لنا وجوهٌ:
الأوّل: لو جاز تأخيرُ الاستثناء لما استقرّ شيءٌ من العقود، في الطلاقِ والعتاقِ والبيوعِ والإقرارِ، ولا يتحقّق الحنثُ أصلاً، لجوازِ أن يرد عليه الاستثناء فيُغيِّرَ حكمَهُ.

1 . لاحظ الإحكام للآمدي: 2 / 391; والحاصل من المحصول: 1 / 537 .

صفحه 238
الثاني: العرف قاض بإلغاءِ المنفصل، فإنَّ من قال لوكيله: بع ثوبي من أيّ شخص كان، ثمّ قال في غد: إلاّ من زيد، فإنّه لا يجعل الاستثناءَ عائداً إلى
ما تقدّم.
وكذا لو قال: «لفلان عليّ عشرة» ثمّ قال بعد شهر: إلاّ درهماً، عُدَّ لاغياً.
وكذا لو قال: «رأيت زيداً» ثمّ قال بعد شهر: قائماً، فإنّهم لا يعدّون ذلك مخبراً عن زيد بشيء.
وكذا لو قال: «أكرم زيداً» ثمّ قال بعد شهر: إن دخل داري، فإنّه لا
يعدّ شرطاً.
الثالث: روى المخالف أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من حلف على شيء فرأى غيره خيراً منه، فليأت الّذي هو خيرٌ، وليكِّفر عن يمينه» ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحاً، لأرشد الله النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه، لكونه طريقاً مخلصاً للحالف عن الحنث، وهو أسهل من التكفير، والنبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما يقصد الأسهل والأيسر، فحيث لم يُرشد إليه دلّ على عدم صحّته .1
وفيه نظرٌ، لأنّا نمنع الحديثَ أوّلاً، وثانياً بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أرشد إلى ما هو
أكثر ثواباً.
احتجّ المخالف بوجوه:
الأوّل: يجوز تأخيرُ النّسخ والتخصيص، فكذا الاستثناء.
الثاني: روي أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «والله لأغزونّ قريشاً» ثمّ سكت، ثم قال بعده:

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 391 .

صفحه 239
«إن شاء الله تعالى»1 ولولا صحّةُ الاستثناءِ بعد السكوتِ، لما فَعَلَه.
الثالث: ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه سألتْهُ اليهودُ عن عدَّةِ أهل الكهف، وعن مدَّةِ لُبثِهم فيه، فقال: «غداً أُجيُبُكْم» ولم يقل: «إنْ شاء الله تعالى»، فتأخّر عنه الوحي بضعة عشر يوماً، ثمّ نزل عليه (وَ لاَ تَقُولَنَّ لِشَيء إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)2 فقال: إن شاء الله، بطريق الإلحاق بخبره الأوّل، ولو لم يكن صحيحاً، لما فَعَلَهُ.
الرابع: ابن عبّاس كان من فصحاء العرب، ويلقّب بترجمان القرآن، وقد قال بصحّة ] الاستثناء [ المنفصل، ولو كان باطلاً لم يخف عنه ذلك.
الخامس: الاستثناء بيانٌ و تخصيص للكلام الأوّل، فجاز تأخيرُهُ، كالأدلّة المنفصلة.
السادس: الاستثناء رافعٌ لحكم اليمين، فجاز تأخيرُهُ، كالكفّارة.
والجواب عن الأوّل: المطالبة بالجامع ، والنقض بالشرطِ وخبرِ المبتدأ .
وعن الثاني: أنَّ السكوتَ كان لعارض كنَفَس أو سُعال .
وعن الثالث: أنّ قوله: «إن شاء الله» ليس عايداً إلى الخبر الأوّل إلى
«أفعلُ ذكر الرّب» كما إذا قال لغيره: إفعل كذا، فقال إن شاء الله، أي أفعله إن
شاء الله .

1 . عوالي اللآلي: 3 / 443; سنن البيهقي: 10 / 47 ـ 48 .
2 . الكهف: 23 ـ 24، والقصة نقلها الطبرسي في المجمع في ذيل الآية 9 و 24 من سورة
الكهف.

صفحه 240
في الاستثناء المنفصل   
وعن الرابع: أنّ قول ابن عبّاس، إن ثبت، فمحمول على إضمار
الاستثناء، ويديّن المكلّف في ذلك، فيما بينه وبين الله تعالى، وإن تأخّر
الاستثناء لفظاً، أو على الاستثناء المأمور به، وهو الاستثناء بالمشيئة إن قلنا بجواز تأخيرها.
وعن الخامس: أنّه قياسٌ في اللّغة، فلا يصحّ، ثمّ ينقض1 بالخبرِ والشرطِ، كما سبق .
وعن السادس: بالفرق، فإنّ الكفّارةَ رافعة، لإثم الحنثِ، لا لنفس الحنث، والاستثناء مانعٌ من الحنث وإثمه، فما التقيا في الحكم حتّى يصحّ قياس أحدهما على الآخر، كيف وإنّ الخلاف إنّما وقع في صحّة الاستثناء المنفصل من جهة اللّغة، لا من جهة الشّرعِ، ولا قياس في اللّغة .

المسألة الثانية: في الاستثناء المنفصل

قد عرفت أنّ الاستثناء قسمان: متّصلٌ ومنفصلٌ، وكلاهما مستعمل إجماعاً .
أمّا الأوّل، فهو المتداول بين العقلاء في أكثر محاورات الاستثناء .
وأمّا الثاني، فيدلّ عليه قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ)2 وغير ذلك ممّا يأتي .

1 . في «أ»: ينتقض .
2 . الحجر: 30 ـ 31 .

صفحه 241
والخلاف هنا في شيء واحد، وهو أنّ استعمالَ المنفصل على سبيل الحقيقة أو على سبيل المجاز؟ مع وقوع الاتّفاق على أنّه حقيقةٌ في المتَّصلِ .
والحقّ هو الثاني، خلافاً للقاضي.
لنا وجوهٌ:
الأوّل: الاستثناء مأخوذ من الثني، وهو إخراج بعضِ ما تناوله اللّفظُ، ولا يتحقّق ذلك في غير الجنس، فإنّ من قال: رأيت الناس ] إلاّ الحُمُر[، لا يدخل فيه غيرُهُمْ من الأجناس، فلا يتحقّق الاخراجُ حينئذ، لعدم تحقّقِ الدّخولِ الّذي هو شرط الإخراج، بل الجملة الأُولى باقيةٌ بحالها لم يخرج عنها شيء .1
وفيه نظرٌ، لإمكان ثبوت المسبوقيّة2 هنا، فإنّ الحاكم على جملة، يحتمل حكم على أُخرى به، وبالمنفصلِ يخرج الاحتمال، ويتحقّق الثني، خصوصاً والمنفصل إنّما يحسن مع احتمال المشاركة .
الثاني: الاستثناء من غيرِ الجنسِ إمّا أن يكون من اللفظ، أو من المعنى، والقسمان باطلان، فيبطل من غير الجنس حقيقةً.
أمّا الأوّل، فلأنّ اللّفظَ الدّالَّ على الشيء فقط، لا يدلّ على ما يخالف مسمّاه، وإذا لم يدلّ اللّفظ على ذلك المخالِف، لم يحتج إلى صارف يصرفه
عنه .
وأمّا الثاني، فلأنّه لو جاز حملُ اللّفظِ على المشترك بين مسمّاه

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 393 .
2 . في «أ» و «ب»: المشتقّ منه .

صفحه 242
وبين المستثنى، حتّى يصحّ استثناء كلّ شيء من كلّ شيء، لأنّ كلَّ شيئين لابدّ وأن يشتركا من بعض وجوه، فإذا حُمِلَ المستثنى على ذلك المشترك، صحّ الاستثناء.
ولمّا لم يصحّ في العرفِ استثناءُ كلّ شيء من كلّ شيء، علمنا بطلانّ هذا القسم .1
وفيه نظرٌ، لأنَّ أهلَ اللّغة إنْ منعوا من ذلك، لم يلزم خروجُ اللّفظِ عن كونه حقيقةً في المطلق، وإن لم يمنعوا منعنا من عدم الصّحّة.
الثالث: استعماله في المنفصل إمّا لكون اللّفظِ حقيقةً فيه بخصوصيّة، أو لمعنى مشترك بينه و بين المتَّصلِ، والقسمان باطلان، فاستعماله منه على سبيل الحقيقة باطل امّا الأوّل فلانّه ان كان حقيقة في المتصل لزم الاشتراكُ، وهو خلاف الأصل، وإن لم يكن حقيقةً فيه، كان مجازاً فيه، وحقيقةً في المنفصل، وذلك خلاف الإجماع.
وأمّا الثاني، فلأنّه لو كان كذلك، لكان متواطئاً، والتالي باطلٌ، وإلاّ لم يسبق الفهم إلى أحد جزئيّاته، إذ هو شأن المتواطئ، لكن السّبق موجودٌ، ولهذا حَكَمَ فقهاءُ الأمصار عليه، دون المنقطع، إلاّ عند تعذّره وتأوّلوا: «له عندي مائة درهم إلاّ ثوباً» وشبهه بقوله: إلاّ قيمة ثوب.2
وفيه نظرٌ، لجواز التشكيك، وإضمارُ القيمةِ ليس باعتبار المجاز، بل لضرورةِ الإخراج .

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 408 .
2 . الاستدلال للآمدي في إحكامه: 2 / 394 .

صفحه 243
احتجّ المخالف بوجوه:
الأوّل : قوله تعالى : ( وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ
خَطَأً
)1.
الثاني: قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ)2ولم يكن من الملائكة، بل من الجنّ لقوله تعالى: (إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)3 وكان له ذريّة ولا ذريّة للملائكة .
ولأنّه مخلوقٌ من نار، والملائكة من نور.
الثالث: قوله تعالى: (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ)4 استثنى التجارة من الباطل، وذلك من غير الجنس.
الرابع: قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ )5 والظّنّ ليس من جنسِ العلمِ.
الخامس: قوله تعالى: (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَ لاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً)6 والسّلام ليس من جنس اللغو.

1 . النساء: 92 .
2 . الحجر: 30 ـ 31 .
3 . الكهف: 50 .
4 . النساء: 29 .
5 . النساء: 157 .
6 . الواقعة: 25 ـ 26 .

صفحه 244
السادس: قوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ)1استثنى الباري تعالى من جملة ما كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها.
السابع: قوله تعالى: (فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا)2 استثنى الرّحمة من نفي الصريخ والإنقاذ، وهو من غير الجنس.
الثامن: قوله تعالى: (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ)3 ومن رحم ليس بعاصم، بل معصوم، وليس المعصوم من جنس العاصم .4
وفيه نظرٌ، فإنَّ العاصمَ هنا اسم فاعل، والمراد به المعصوم مجازاً، ويكون الاستثناء حينئذ من الجنس.
التاسع: قال الشاعر5:
وبلدة ليس لها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس
وقال النابغة6:
................................ *** ...... ما بالرّبع من أحد

1 . الشعراء: 77 .
2 . يس: 43 ـ 44 .
3 . هود: 43 .
4 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 395 .
5 . الشاعر هو عامر بن الحارث النميري المعروف بـ «جران العود» أدرك الإسلام، وسمع القرآن واقتبس منه كلمات وردت في شعره. لاحظ الأعلام للزركلي: 3 / 250 .
6 . النابغة هو زياد بن معاوية، كنيته أبو أمامة ولقبه النابغة، لقّب به لنبوغه في الشعر، هو أحد شعراء الطبقة الأولى. مات نحو سنة 18 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 3 / 54 .

صفحه 245
إلاّ أواريّ 1 .......... *** ..................................
العاشر: قالوا: «ما زاد إلاّ ما نقص» و «ما نفع إلاّ ما ضرّ» .
الحادي عشر: الاستثناء يقع تارةً عمّا يدلّ عليه اللفظ دلالةَ المطابقة أو التضمّن، وتارةً عمّا يدلّ عليه بالالتزام، فإذا قال: لفلان عليّ دينارٌ، إلاّ ثوباً، فمعناه: إلاّ ثمنَ ثوب.
الثاني عشر: الاستثناءُ لا برفع جميعَ المستثنى منه، فصحّ، كاستثناء الدّراهم من الدّنانير، وبالعكس .
الثالث عشر: إذا قال: قام القوم إلاّ زيداً، فإمّا أن يكون زيدٌ داخلاً في القوم، وهو محالٌ، وإلاّ لزم التناقضُ، وإمّا أن يكون خارجاً عنهم، فيكون استثناء من غير الجنس، فلو كان الاستثناء من غير الجنس باطلاً، بطل الاستثناء منه، والتالي باطلٌ بالإجماع .
والجواب عن الأوّل: أنّ إلاّ بمعنى لكن وليس استثناء، ويكون التقدير: «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ إذا أخطأ، فظنّ أنّه ليس مؤمناً إمّا باختلاطه بالكفّار، فيظنّه منهم، أو برؤيته من بُعْد فظنّه صيداً، أو حجراً .
وذكر أبو هاشم على مذهبه وجهاً استحسنه المرتضى، وهو: أنّ المراد

1 . هو جزء من عجز بيت وصدر آخر، والبيتان هما:
وقفت فيها أُصيلاناً أُسائلها *** عيّت جواباً وما بالربع من أحد
إلاّ الأوارِيّ لأياً ما أُبيّنها *** والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
لاحظ ديوانه: 30 .

صفحه 246
انّ مع كونه مؤمناً يقع منه الخطأ ولا يقع منه العمدُ»1.
وعن الثاني: بالمنع من كونه ليس من جنس الملائكة، ولا تنافي بين كونه من الملائكة ومن الجنّ، فإنّه قد نقل عن ابن عبّاس وغيره من المفسِّرين: أنّ إبليس كان من الملائكة من قبيل يقال لهم الجنُّ، لأنّهم كانوا إخوان الجانّ2وكان إبليـس رئيسهم، ويسمّـى جنيّاً لاختفائه واجتنانه .
ويؤيِّده، أنّه استثني من الملائكة، والأصل في الاستثناء الاتّصال، للإجماع على صحّته، والخلاف في المنفصل .
ولأنّ الأمرَ بالسجود لآدم، إنّما هو للملائكة في قوله تعالى: (وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ)3 ولو لم يكن إبليس منهم، لم يكن عاصياً بتركه، إذ الأصل عدم أمر وراءَ هذا الأمر .
ولا تنافي بين كونه من الملائكة وثبوت الذريّة .
وكون التّوالد إنّما يكون بين الذّكر والأُنثى ولا إناث في الملائكة لإنكاره تعالى.
وقولهم: (وَ جَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثاً)4 لا ينافي ما قلناه، لاحتمال كون الأُنثى من غير الملائكة، لإمكان التوالد من جنسين .

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 247 .
2 . هكذا في النسخ: وفي الإحكام للآمدي: 2 / 396: «خزّان الجنان».
3 . البقرة: 34 .
4 . الزخرف: 19 .

صفحه 247
ويمكن تولّدهُ من نار، وتولّد الملائكة من نور، ويشتركان في حقيقة الملائكة.
سلّمنا أنّه ليس من الملائكة، لكن حسن الاستثناء، لأنّه مشاركٌ لهم في الأمر بالسجود، فيصير التقدير: «فسجد الملائكة المأمورون بالسجود إلاّ إبليس».
وعن الثالث والرابع: أنّ «إلاّ» بمعنى «لكن» عند البصريّين وبمعنى «سوى» عند الكوفيّين وهو الجواب عن باقي الآيات .
على أنّ الظنّ قد يسمّى علماً، فقوله: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم)1 أشار إلى كلّ ما يسمّى علماً، والظنّ يسمّى علماً، لقوله(فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات)2وأراد ظننتموهنَّ، وذلك إن كان من الأسماء المواطئة، فلا يكون الاستثناء من غير الجنس، وإن كان من الأسماء المشتركة أو المجازيّة، فهو من جملة الأسماء العامّة .3
وفيه نظرٌ، فإنّ المنفيّ إن كان الأعمّ، لزم نفي الأخصّ، فلا يجوز استثناؤه، وإن كان الأخصّ، لزم الاستثناء من غير الجنس .
وعن التاسع: أنّ «الأنيس» سواء فسّرناه بالمؤنس، أو المبصر، أمكن استثناء اليعافير والعيس منه، والأحد يصدق على كلِّ واحد، وإن لم يكن حيواناً، كما يقال أحد الحجرين، وأحد العمودين4 فيكون الاستثناء من الجنس.

1 . النساء: 157 .
2 . الممتحنة: 10 .
3 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 396 .
4 . في «ب»: أحد العودين .

صفحه 248
وعن العاشر: أنّ التقدير «ما زاد شيءٌ إلاّ الّذي نقص» فيكون استثناء من الجنس.
وعن الحادي عشر: أنّه لو صحّ الاستثناء من المعنى، صحّ استثناء كلّ شيء مِنْ كلّ شيء، وقد بيّنا بطلانه .
في استثناء المستوعب والأكثر   
وعن الثاني عشر: أنّه لا يلزم من عدم رفع الجميع صحّةُ الاستثناء من غير الجنس .
واستثناء الدينار من الدّراهم وبالعكسِ نفس النزاع.
وعن الثالث عشر: ما يأتي في تقدير الاستثناء إن شاء الله تعالى.

المسألة الثالثة: في استثناء المستوعب والأكثر

اتّفق النّاس على فساد الاستثناء المستغرق، فلو قال: له عندي عشرة إلاّ عشرة، لزمته العشرة، لأنّه رفعٌ للإقرار والإقرار لا يجوز رفعُهُ، وكذا كلّ منطوق به لا يرفع، نعم يجوز أن يتمّم بما يجري مجرى الجزء من الكلام، وكما أنَّ الشرط جزءٌ من الكلام، فكذا الاستثناء، وإنّما لا يكون رفعاً بشرط أن يبقى للكلام معنى.
وهل يلغو الاستثناء ويمنع من استثناء البعض؟ فيه احتمالٌ، من حيث إنّ استثناء الأكثر يستلزم استثناءَ الأقل، فجاز استثناءُ الأقلّ، ومن حيث، إنّه باطلٌ.
وقد فصّل به بين المستثنى والمستثنى منه، فكان الثاني باطلاً أيضاً .
و قد اختلف الناس في استثناء الأكثر وغيره على مذاهب ثلاثة:

صفحه 249
الأوّل: منع قومٌ مِنْ استثناء الأكثر وجَوَّزَ استثناء النّصف وأقلّ، وهو اختيار ابن دَرَستويه النّحوي1 .
الثاني: منع القاضي أبوبكر والحنابلة من استثناء الأكثر والمساوي، وأوجبوا استثناء الأقلّ .
الثالث: جوّز قومٌ الجميعَ، وهو اختيار علمائنا وأكثر الأشاعرة
وأكثر الفقهاء والمتكلّمين، فلو قال: له عليَّ عشرةٌ إلاّ تسعة، لزمه درهمٌ
واحدٌ .
ونُقِلَ عن بعض أهل اللّغة استقباح استثناء عقد صحيح، فلا نقول: له عليّ مائة إلاّ عشرة، بل نقول: إلاّ خمسة .
لنا وجوهٌ:
الأوّل: قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ )2 ثمّ قال: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) 3 .
وجه الاستدلال: أنّه تعالى استثنى في الأُولى «الغاوين» من عباده وفي الثانية استثنى «المخلَصين من الغاوين» فإن تساويا لزم جواز استثناء المساوي، وإن كان أحدهما أكثر، لزم جواز استثناء الأكثر .

1 . هو عبد الله بن جعفر بن محمد بن دُرُسْتَوَيه، من علماء اللغة، فارسي الأصل، من أهل «فسا» له تصانيف كثيرة، مات سنة 347 هـ ، لاحظ الأعلام للزركلي: 4 / 76 .
2 . الحجر: 42 .
3 . ص: 82 ـ 83 .

صفحه 250
وبالجملة فهذه الآيات تدلّ على إبطال قول من منع من المساوي والأكثر، إذ لو كان المستثنى أقلَّ من المستثنى منه، لزم أن يكون اتِّباعُ إبليس والمخلَصين كلّ واحد منهما أقلّ من الآخر1.
وفيه نظرٌ، لأنّ الغاوين لو كانوا أقلَّ من مطلق عباده، لم يلزم أن يكونوا أقلَّ من مخلَصي عباده .
واعترض 2 أيضاً: بأنّ «الاّ» بمعنى «لكن» أو بأنّ المنع من استثناء
الأكثر إنّما هو إذا كان عددُ المستثنى والمستثنى منه مصرَّحاً، مثل: «خُذْ مائةً
إلا تسعين
» ولا يمنع: « خذ ما في الكيس إلاّ الزيوف» فإنّه يصحّ، وإن كانت الزيوف أكثر .
وفيه نظرٌ، لأنّه غير المتنازع .
وقيل3 في الاستدلال: إنّه تعالى استثنى الغاوين، وهم أكثر، لقوله: (وَ مَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ )4.
الثاني: لو قال: «له عليّ عشرة إلاّ تسعة» لزمه واحدٌ بإجماع الفقهاء، ولولا صحّة هذا الاستثناءِ لما كان كذلك.
الثالث: قال الشاعر:

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 410 .
2 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2 / 398 .
3 . القائل هو الآمدي في الإحكام: 2 / 398 .
4 . الأعراف: 17 .

صفحه 251
أدّوا الّتي نقصت تسعين من مائة *** .............................1
وفيه نظرٌ، إذ ليس هنا استثناء.
الرابع: الاستثناء لفظٌ يُخْرِجُ من الجملة ما لولاه لدخل ] فيها[، فجاز إخراج الأكثر بِهِ، كالتخصيص بالمنفصل وكاستثناء الأقلّ.
الخامس: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ)2 استثنى النصفَ من الليل، وهو يخصّ من منع من المساوي والأكثر .
واعترض3 بأنّ النِّصف غيرُ مستثنى، بل هو ظرف للقيام ] فيه [، وتقديره: «قم اللّيل نصفه إلاّ قليلاً».
السادس: المنع إمّا أن يكون لعدم فهم المراد منه، وهو باطلٌ، لأنّ من قال: «لزيد عندي عشرة إلاّ تسعة» فهم السّامع منه أنّه أقرّ بدرهم .
أو لعدم استعماله في اللّغة، وهو باطلٌ لأنَّ عدم الاستعمال دعوى، نعم أنّه غير كثير في كلامهم، لأنَّ الحاجة لا تدعو إليه إلاّ نادراً، فلهذا لم ينقل في كلامهم، أو نُقل نادراً .

1 . هذا صدر البيت، وعجزه:
....................... *** ثمّ ابعثوا حكماً بالحقِّ قوّالاً
   ولم نعثر على قائله، وقد استدلّ به جمع من الأُصوليين على جواز استثناء الأكثر منهم الباقلاني في    التقريب: 3 / 144; والغزالي في المستصفى: 2 / 184; أبو يعلي في العدّة: 1 / 411 ; والآمدي
   في الإحكام: 2 / 398 .
2 . المزمل: 1 ـ 3 .
3 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2 / 399 .

صفحه 252
أو لأنّ الحكمة تمنع من ذلك، وهو باطلٌ، إذ قد يتّفق أن يكون على زيد ألفُ درهم، وقد قضى منها تسعمائة وتسعين، وينسى ذلك، فيقرّ بالألف فيتذكّر في الحال القضاءَ، فيستدرك بالاستثناء .
وقد يحتمل أن يكون لزيد على عمرو درهمٌ، ولخالد على عمرو ألفُ درهم فيروم عمرو أن يقرّ لخالد بالألف، فسبق لسانه بالإقرار لزيد، فلا يجد إلى دفع ذلك عنه سبيلاً إلاّ بالاستدراك.
وإذا كان كذلك، لم تمنع الحكمةُ منه، ولهذا لو صرّح المستثني بأحد العددين، لم يكن عليه لومٌ ولا مانع سوى هذه بالاستقراء، وإذا انتفت صحّ حسن الاستثناء .
احتجّ المخالف بوجوه:
الأوّل: المقتضي لفساد الاستثناء قائمٌ، وما لأجله ترك العمل به في الأقلّ غيرُ موجود في المساوي والأكثر، فوجب أن يفسد فيهما .
وبيان المقتضي للفساد: أنّه إنكارٌ بعد إقرار، فلا يكون مقبولاً .
وأمّا القارن، فلأنّ القليل في معرضِ النّسيان، لقلّة المبالاة به، وعدم التفات النّفس إليه، بخلاف الأكثر، فإنّه يكون متذكّراً محفوظاً، لكثرة التفات النفس إليه، فإنَّ من يُقرّ بعشرة، ربّما كانت ناقصةً شيئاً يسيراً، أو يكون قد أدّى منها شيئاً قليلاً، ثمّ نسيه لقلّته، فلا جرم أقرَّ بعشرة كاملة، ثمّ تذكّر بعد الإقرار، فوجب تمكّنه من استدراكه، دفعاً للضّرر، فلذلك سوّغنا استثناءَ الأقلّ من الأكثر، ولم يُوجَد هذا المعنى في استثناء المثلِ والأكثر، لأنّهما في مظنّة التذكّر، ومع الفرق يبقى المقتضي سليماً عن المعارض .

صفحه 253
الثاني: حكمة الاستثناء موجودة في الأقلّ دون المساوي والأكثر، بيانه:
أنّ الاستثناء إنّما يفعل للاستدراك أو الاختصار، فالأوّل أن يظنّ الإنسانُ أنّ لزيد عليه عشرة، فيقرّ وتذكّر في الحال أنّ له عليه تسعة، فيستثني درهماً.
والاختصار نحو: أن يستطيل الإنسان أن يقرّ بتسعة دراهم وخمسة دوانيق، فيقرّ بعشرة إلاّ دانقاً، وليس من الاختصار أن يقول: لزيد عليّ ألف درهم إلاّ تسعمائة وتسعة وتسعين .
وليس من العادة أن يكون على الإنسان درهمٌ فيظنّ أنّ عليه ألف درهم، ثمّ تذكّر في الحال أنّ عليه درهماً فيستدرك ذلك بالاستثناء.
الثالث: يقبح أن يقال: له عليّ ألفٌ إلاّ تسعمائة وتسعة وتسعين، ولا يصحّ: له ألفٌ إلاّ درهماً، والاستقباح يدلّ على أنّه ليس من اللّغة.
الجواب عن الأوّل: المنع من كونه إنكاراً بعد إقرار، لأنّ الاستثناء مع المستثنى كاللفظ الواحد الدالّ على ذلك القدر .
وعن الثاني: ما بيّناه، من وجود الحكم .
وعن الثالث: أنّ الاستقباح لا يمنع الصحّة، كما لو قال: له عليّ عشرة إلاّ درهماً، لم يكن قبيحاً، ولو قال: له عليّ عشرة إلاّ دانقاً ودانقاً إلى عشرين، كان قبيحاً.

صفحه 254
في أحكام الاستثناء   
 
المبحث الثالث: في أحكامه
وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في تقدير دلالته

وقد اختلف في تقدير الدّلالة في الاستثناء فقال الأكثر في قوله: عشرة إلاّ ثلاثة، أنّ المراد بعشرة هنا سبعة والأقربيّة دالّة عليه كالتخصيص بغيره .
وقال القاضي: عشرة إلاّ ثلاثة بإزاء سبعة فللسبعة اسمان: مفردٌ وهو سبعةٌ، ومركّب هو عشرة إلاّ ثلاثة .
والحقّ: أنَّ المراد بعشرة عشرة باعتبار الأفراد، ثمّ أُخرجت ثلاثةٌ، والاسناد 1 بعد الاخراج، فلم يسند إلاّ الى سبعة.
لنا على بطلان الأوّل وجوهٌ:
الأوّل: نعلم أنّ من قال: اشتريت الجارية إلاّ نصفها، لم يرد استثناء النّصف من النصف.
الثاني: يلزم التسلسل .
الثالث: نعلم أنّ الضّمير للجارية، لا للنّصف.

1 . في «أ»: والاستناد .

صفحه 255
الرابع: إجماع أهل العربيّة على أنَّ الاستثناء إخراج بعض من كلٍّ.
الخامس: دلالة العشرة على معناها نصٌّ، فيلزم إبطاله .
السادس: نعلم أنّا نسقط الخارج بالاستثناء، فنعلم أنّ المسند إليه ما بقي.
وعلى بطلان الثاني وجوهٌ:
الأوّل: يلزم الخروج عن قانون اللّغة، إذ لم يعهد فيها تركيب من ثلاثة، ولا يعرف الأوّل وهو غير مضاف.
الثاني: يمتنع إعادة الضمير على جزء الاسم في قوله: إلاّ نصفها.
الثالث: إجماع أهلِ العربيّة على أنّ الاستثناء إخراج بعض من كلٍّ.
احتجّ الأوّلون بأنّه لا يستقيم أن يراد عشرة بكمالها، لأنّا نعلم قطعاً أنّه إنّما أقرّ بسبعة، فتتعيّن إرادتها من لفظ العشرة.
ولأنّه لو كان المراد عشرة، امتنع من الصّادق مثل: (فَلَبِثَ فيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً)1.
واحتجّ القاضي: بأنّه لمّا بطل أن يكون المراد بعشرة عشرةً، وبطل أن يكون سبعةً، تعيّن أن يكون الجميع السّبعة .
والجواب عن الأوّل: أنّ الحكم بالإقرار باعتبار الإسناد، ولم يسند إلاّ بعد الإخراج.
وهو الجواب عن البواقي.

1 . العنكبوت: 14 .

صفحه 256
إذا عرفت هذا، فالاستثناء على قول القاضي ليس بتخصيص إن لم
يرد بعشرة عشرةً، وعلى المذهب المشهور هو تخصيصٌ وعلى ما قلناه محتملٌ.

المسألة الثانية: في المخالفة1 بين المستثنى والمستثنى منه

اعلم أنّ حكم الذهن بشيء على آخر، إمّا أن يكون بالإيجاب أو بالسّلب، وكذا الطّلب إمّا أن يكون للوجود فيكون أمراً، أو للعدم فيكون نهياً، إذا عرفت هذا، وقد عرفت أنَّ الاستثناءَ إخراج بعض ما تناوله الخطاب عن الإرادة، فيجب قطعاً المخالفة بين المستثنى والمستثنى منه، فإن كان الاستثناء من الإثبات افاد النفي إجماعاً، وإن كان من النّفي، فالأكثر على أنّه يفيد الإثبات .
وخالف أبو حنيفة في ذلك .
لنا وجوهٌ:
الأوّل: النقل عن أئمّة اللّغة.
الثاني: لو لم يكن الاستثناء من النفي إثباتاً، لم يكن قولنا: «لا إله إلاّ الله» توحيداً، إذ يقتضي نفيَ الإلهيّة عن غيره، دون ثبوت الإلهيّة له تعالى، ولو
لم يكن كذلك لم يتمّ به الإسلام، وهو بالإجماع باطلٌ، فإنّ الإسلام يتمّ
بمجرّد ذلك.
الثالث: إذا قال: «لا عالم في البلد إلاّ زيدٌ» يبادر إلى الذهن ثبوتُ العلمِ له،

1 . في «ج»: في التخالف .

صفحه 257
بل هو أدلّ الألفاظ على علم زيد، والتبادر دليل الحقيقة، وكذا في كلّ ما ساواه .
احتجّ المخالف بوجوه:
الأوّل: لو كان الاستثناء من النفي يفيد الإثبات، لوجب ثبوت النّكاح بمجرّد الوليّ، والصّلاة بمجرّد الطّهارة، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا نكاح إلاّ بولىّ»1 و «لا صلاة إلاّ بطهور»2 ولا شكّ في أنّه لا يجب تحقّقُ النكاح عند حضور الولىّ، ولا تحقق الصلاة عند حصول الوضوء، بل إنّما يدلّ على عدم صحّتهما عند عدم هذين الشرطين.
الثاني: بين الحكم بالنفي، والحكم بالإثبات، واسطةٌ، وهي عدم
الحكم، فمقتضى الاستثناء، بقاءُ المستثنى غيرَ محكوم عليه، لا بالنّفي ولا بالإثبات.
الثالث: الألفاظ تدلّ على الصّور المرتسمة في الأذهان، والأكثر أنّ الصّور الذهنيّة مطابقةٌ للأمور الخارجيّة، فالاستثناء المذكور في اللّفظ، إن صرفناه إلى الحكم، أفاد زوالَ الحكمِ، وإن صرفناه إلى ذلك العدم، أفاد زوالَ ذلك العدم، وحينئذ يجب الثبوت، إلاّ أنّ الأوّل أولى، لأنّ تعلّق اللّفظِ بالحكم الذّهني، تعلّقٌ بغير واسطة، وتعلُقُهُ بالأحوال الخارجيّة إنّما هو بواسطة الأحكام الذهنيّة، فكان الأوّل أولى.

1 . أخرجه الترمذي في سننه: 3 / 407 برقم 1101، وأبو داود في سننه: 2 / 229 برقم 2085، وابن ماجة في سننه: 1 / 605 برقم 1880 و 1881، وأحمد بن حنبل في مسنده: 4 / 394 و 413، ولاحظ عوالي اللآلي: 3 / 313 برقم 148 .
2 . وسائل الشيعة: 1 / 222، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1 ; وعوالي اللآلي: 2 / 184 و 209، و ج 3 / 8 .

صفحه 258
والجواب عن الأوّل: أنّ الطهورَ والوليَّ لا يصدق عليه اسمُ ما استثني منه، فكان استثناءً من غير جنس وإنَّما سبق هذا الكلام لبيانِ اشتراط الطهور في الصّلاة، والوليّ في النكاح، والشرط وإن لزم من فواتِهِ فواتُ المشروط، فلا يلزمُ من وجودِهِ وجودُ المشروطِ، وإذا لم يكن مخرجاً من الصلاة والنكاح، لم يكن استثناءً متَّصلاً .
فإن قال: انّ تقديرَهُ: «لا صلاة إلاّ صلاةً بطهور»، اطّرد وأفاد الإثبات .
وإنْ قال: إنّ تقديره: «لا صلاة تثبت بوجه إلاّ بذلك» فلا يلزم من الشرطِ المشروطُ، على ما تقدّم .
والإشكال في المنفيّ1 الأعمّ في مثله ومثل قولنا: ما زيد إلاّ قائم، إذ لا يستقيم نفيُ جميعِ الصّفاتِ المعتبرة .
وأُجيب: بأنّ الغرضَ المبالغة بذلك .
ولأنّه آكدُها، والقولُ بأنّه منقطعٌ بعيدٌ، لأنّه مفرَّغٌ، وكلُّ مفرَّغ متَّصلٌ، لأنّه من تمامه .2
وعن الثاني والثالث: أنّهما واردان في طرف الإثبات أيضاً .
وفيه نظرٌ، فإنَّ نفيَ الحكمِ بالإثبات، يستلزم البقاءَ على الأصل، وهو العدم.

1 . في «أ»: النفيّ .
2 . لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3 / 291، قسم المتن .

صفحه 259
 
المسألة الثالثة: في الاستثناء المتعدّد
الاستثناء إذا تعدّد، فإمّا أن يقترن بحرف العطف، أو يتجرّد عنه .
فالأوّل، يرجع الكلُّ فيه إلى المستثنى منه، مثل: «له عندي عشرة، إلاّ أربعة وإلاّ ثلاثة» لامتناع عوده إلى الأوّل فإنّ المستثنى لا يعطف على المستثنى منه، ولا إلى المجموع، وإلاّ لزم التناقض .
وأمّا الثاني، فالاستثناءُ الثاني فيه إمّا أن يزيد على الأوّل، أو يساويه، أو ينقص عنه .
فإن كان الأوّل، رجعا معاً إلى المستثنى منه أيضاً، مثل: «له عشرة إلاّ أربعة إلاّ خمسة» لامتناع عوده إلى الأوّل، لزيادته عليه، وقد بيّنا امتناع المستوعب، فكيف الأزيد، ولا إليهما للتناقض .
وإن ساواه فكذلك، مع احتمال التأكيد هنا.
وإن قصر عنه، رجع إلى الأوّل، لامتناع عوده إلى المستثنى منه لبُعْده، والقريب إذا لم يكن أولى من البعيد، فلا أقلّ من المساواة .
ولا إليهما، فإنَّ المستثنى منه مع الاستثناءِ الأوّل، لابدّ وأن يكون أحدهما نفياً، والآخرُ إثباتاً، فالاستثناء الثاني لو عاد إليهما معاً، وقد عرفت أنَّ الاستثناء من الإثبات نفيٌ، ومن النّفيِ إثباتٌ، فيكون الاستثناء الثاني قد نَفى عن أحد الأمرين السابقين عليه ] عينَ[ ما أثبته الآخر، فينجبر النقصانُ بالزّيادة، فيبقى ما كان حاصلاً قبل الاستثناء، فيصير الاستثناء الثاني لغواً .

صفحه 260
ولأنّه يلزم التناقض، لأنَّ الاستثناء الثاني لو رجع إلى استثناء الأوّلِ والمستثنى منه معاً، كان نفياً باعتبار المستثنى منه، وإثباتاً باعتبار الاستثناء .
لا يقال: إنَّما بيّنا في النفي والإثبات لو اتّحد المتعلق والوجه، أمّا مع
التعدّد فلا.
لأنّا نقول: المتعلّق هنا واحدٌ، لأنّه إذا قال: له عليّ عشرة إلاّ ثلاثة إلاّ واحداً، فالثاني لمّا رجع إلى المستثنى منه، أخرج رابعاً ولمّا رجع إلى الاستثناء الأوّل، أثبت ذلك الدّرهم، فيكون ذلك الاستثناء نفياً وإثباتاً من المستثنى منه.
وإذا امتنع عود الاستثناء الثاني إليهما، وقد بيّنا عدمَ عوده إلى المستثنى منه، وجب عوده إلى الأوّل، لامتناع عدم عوده إلى شيء.

المسألة الرابعة: في الاستثناء عقيب الجمل المتعدّدة

اعلم أنّ الاستثناء إذا تعقّب جملاً متعدّدةً، وصحّ عودُهُ إلى كلّ واحدة منها، هل يرجع إلى الجميع أو الى ما يليه ؟
قال الشافعي وأصحابُهُ بالأوّل .1
وقال أبوحنيفة وأصحابُهُ بالثاني .2
وجوّز السيّد المرتضى كلَّ واحد من القولين للاشتراك .3

1 . نقله عنه أبو الحسين المعتزلي في المعتمد: 1 / 245.
2 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 2 / 400، والرازي في محصوله: 1 / 413 .
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 249 ـ 250 .

صفحه 261
وقال قاضي القضّاة: إذا لم يكن الثاني منهما إضراباً عن الأوّل، وخروجاً إلى قصّة أُخرى، وصحّ رجوعُ الاستثناء إليهما، وجب رجوعُهُ إليهما، وإن كان إضراباً عن الأوّل وخروجاً إلى قصّة أُخرى، فإنّه يرجع إلى ما يليه .1
وتوقّف القاضي أبو بكر في الجميع .2
وفصّل أبو الحسين هنا جيّداً، فقال: إمّا أن تكون الجملتان من نوع واحد، أو من نوعين، فإن كان الأوّل فإمّا أن تكون إحدى الجملتين متعلّقةً بالأُخرى، أو لا تكون .
فإن كان الثاني، فإمّا أن يكونا مختلفي الاسم والحكم، أو متَّفقي الاسم، مختلفي الحكم، أو مختلفي الاسم، متّفقي الحكم.
فالأوّل، مثل: «أطْعِمْ ربيعة، واخلع على مضر إلاّ الطّوال».
والأقرب، رجوعُ الاستثناء هنا إلى الجملة الأخيرة، فإنَّ الظاهر أنّه لم ينتقل عن الجملة المستقلّة بنفسها إلى الجملة الأُخرى المستقلّة بنفسها، إلاّ بعد تمام غرضه من الأُولى .
والقول بعود الاستثناء إلى الأُولى، ينافي ذلك .
والثاني، مثل: «أطعم ربيعة واخلع على ربيعة إلاّ الطّوال» .
والثالث، مثل: «أطعم ربيعة، وأطعم مضر إلاّ الطوال» .
والحكم في هذين كما تقدّم .

1 . نقله عنه أبو الحسين المعتزلي في المعتمد: 1 / 246، والآمدي في الإحكام: 2 / 400 .
2 . التقريب والإرشاد: 3 / 147 .

صفحه 262
وأمّا إن تعلّقت إحداهما بالأُخرى، فإمّا أن يكون حكم الأُولى مضمراً في الثانية، مثل: «أكرم ربيعة، ومضر إلاّ الطِّوال» .
أو اسم الأُولى مضمراً في الثانية، مثل: «أطعم ربيعة، واخلع عليهم إلاّ الطّوال» فالاستثناءُ في هذين، يرجع إلى الجملتين، لأنّ الثانية لم تستقلّ، وإنّما تتمّ مع الأولى، فوجب رجوعُ حكم الاستثناء إليهما.
وإن كانت الجملتان نوعين من الكلام، فإن اختلفت القضيّة1 مثل: «أكرم ربيعة، والعلماءُ هم المتكلّمون، إلاّ أهل البلد الفلاني» فالاستثناء يرجع إلى ما يليه، لاستقلال كلٍّ منهما بنفسها .
وإن اتَّحدت، كقوله تعالى: ( وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الُْمحْصَنَاتِ)2فالقضيّة3 واحدةٌ، والجملة الأُولى أمرٌ، والثانية نهيٌ، والثالثة خبرٌ، فالاستثناء وإن كان مقتضاه أن يرجع إلى الأخيرة، لاستقلال كلّ منهما بنفسها، إلاّ أنّ في الآية ما يدلّ على رجوعه إلى الجميع، وهو نوعان الاتِّحاد في الغاية، فإنَّ ردَّ الشهادة مع الجلد، والحكم بالفسق، يجمعهما أمرٌ واحدٌ، وهو الانتقام والذّم، وإضمار الأُولى، في الثانية والثّالثة .4
احتجّ الشافعي بوجوه:

1 . في «أ»: القصّة .
2 . النور: 4 .
3 . في «أ»: القصّة.
4 . المعتمد: 1 / 246، نقله المصنّف بتلخيص.

صفحه 263
الأوّل: الشرط المتعقِّب للجمل، يعود إلى الجميع، فكذا الاستثناء، لجامع عدم استقلال كلٍّ منهما بنفسه، واتِّحاد معنييهما، فإنَّ قولَهُ: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا)1جار مجرى قوله: «]وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[ إنْ لم يتوبوا» .
الثاني: الاستثناء بالمشيئة يعود إلى الجميع، فكذا في غيرها.
الثالث: حرف العطف يُصَيِّرُ الجملَ المتعدِّدةَ واحدةً، إذ لا فرق بين
]أن تقول:[ رأيت بكر بن زيد، ورأيت بكر بن خالد، و]بين أن تقول:[
رأيت البكرين، وإذا كان الاستثناء عقيبَ الواحدة يرجع إليها، فكذا ما هو بحكمها.
الرّابع: على تقدير إرادة عود الاستثناء إلى الجميع لو ذكره لفظاً على سبيل التكرار، كان ركيكاً، بل إنّما يذكره عقيب الأخيرة، ويكون راجعاً إلى الجميع في هذه الصّورة، والأصل في الكلام الحقيقة وإذا كان حقيقةً في هذه الصورة، كان حقيقةً في الجميع، دفعاً للاشتراك والمجاز.
الخامس: لو قال: عليّ خمسةٌ، وخمسةٌ، إلاّ سبعة، رجع إلى الجملتين، فكذا في غيره، دفعاً للاشتراك والمجاز .
السادس: الاستثناء صالح أن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس البعضُ أولى من البعض، فوجب العودُ إلى الجميع، كالعامّ .
السابع: لو قال: «بنو تميم وبنو ربيعة اكرموهم إلاّ الطّوال» عاد الاستثناء إلى

1 . النور: 4 ـ 5 .

صفحه 264
الجميع، فكذا إذا تقدّم الأمر بالإكرام، ضرورةَ اتِّحاد المعنى .
الثامن: لو قال: «اضربوا بني تميم وبني ربيعة إلاّ من دخل الدّار» كان معناه من دخل الدار من الفريقين .
التاسع: لواحقُ الكلام وتوابعُهُ من شرط أو استثناء يجب أن يلحق الكلامَ ما دام الفراغ لم يقع منه، وما دام الكلامُ متَّصلاً لم ينقطع، فاللواحق1 لاحقةٌ ومؤثّرة فيه، فالاستثناء إذا تعقّب جملاً متّصلةً معطوفاً بعضُها على بعض، فالواجب ان يؤثِّر في جميعها .
والاعتراض: على الأوّل: المنعُ من ثبوت الحكم في الأصل، بل يعود إلى الأخيرة أيضاً.
سلّمنا، لكن لا يلزم من اشتراكهما في عدم الاستقلال واقتضاء التخصيصِ اشتراكُهُما في كلِّ الأحكام، وإلاّ لما تعدّدا، واتِّحاد معنى الشرطِ والاستثناءِ إن كان بمعنى عدم الفرق بينهما باعتبار ما كان قياس أحدهما على الآخر، قياس الشيء على نفسه، وإن كان بينهما فرقٌ، لم يجب اشتراكهما في الحكم، لجواز استناده إلى الفارق .
واعلم أنَّ الحنفيّة، سلّموا الحكم بعود الشرط إلى الجميع، وفرّقوا بينه وبين الاستثناء، لأنَّ الشرط له صدرُ الكلام، فإذا تعقّب الجملَ، وقع في غير موقعه، وكأنّه مذكورٌ في أوّل الكلام، فلهذا تعلّق بالجميع .

1 . في «أ»: فالتوابع .

صفحه 265
والاستثناء إذا تعقّب الجملَ، فهو واقعٌ في مكانه .
وليس بجيّد، لأنّا نسلِّم أنَّ له صدر الكلام، لكن إنّما يثبت له ذلك في الكلام الّذي تعلّق به الشرط، لا كلّ كلام مع أنه لو تقدّم على الجميع لم يجب تعلّقه بالجميع .
و ] الاعتراض [ على الثاني: بما تقدّم، من أنّه1 ليس باستثناء، لعدم حرف الاستثناء فيه، ولا شرط وإن وجد فيه حرفه، لأنّه قد يدخل على الماضي، فيقول: لقيت زيد إن شاء الله، وإنَّما دخلت المشيئة في كلّ هذه المواضع، ليقف الكلام عن النّفوذِ، والمضيّ لا لغير ذلك .
لا يقال: فتقف الجملة الأخيرة .
لأنّا نقول: لولا الإجماع لقلنا به، لكنّ الإجماع دلّ على العود إلى الجميع .
و ]الاعتراض[ على الثالث: إن ادّعيتم عدم الفرق، بطل القياس، وإن سلّمتموه جاز استناد الحكم إلى الفارق، فيبطل القياس أيضاً .
مع أنّه قياس في اللغة.
ونمنع صيرورةَ الجملتين كالجملة الواحدة بواسطة العطف، ومعلومٌ أنَّ الجملتين إذا تعقّبهما استثناءٌ، صحّ من المستثني أنْ يُصرِّح بأنّه إنّما استثنى من إحداهما دون الأُخرى، ولا يجوز أن يُصرِّح في الجملة الواحدة بأنَّ الاستثناء غيرُ عائد إليها .

1 . في «أ»: مع أنّه .

صفحه 266
و ] الاعتراض [ على الرابع : يمكن رعاية الاختصار بذكر ذلك الاستثناء الواحد عقيبَ الجمل مع الإشارة إلى ما يقتضي عوده إلى الكلِّ، ولا يقدح ذلك في الفصاحة .
أو لأنّا نمنع الاستقباح، لما فيه من الدلالة على شمول الاستثناء للجميع بيقين .
سلّمنا الاستقباح، لكنّ وضعَ اللّغة غيرُ مشروط بالمستحسن، فإنّه لو وقع الاستثناء كذلك، لصحّ لغةً وثبت حكمه، ولولا أنّه من وضع اللّغة لم يكن كذلك.
و ] الاعتراض [ على الخامس: لمّا امتنع رجوعُ الاستثناء إلى إحدى الجملتين ونسبةُ كلامِ العاقل إلى الهدر، وجب صرفُهُ إليهما معاً، فالحاصل أنَّ الاستثناءَ هنا رجع إلى الجملتين لمعنى غير الاستثناء، وهو رفع محذور الهدريّة .
ونحن نسلِّم جوازَ رجوعه اليهما لقيام دليل، والنزاع إنّما وقع فيما إذا ورد الاستثناء مقارناً للجملة الأخيرة من غيرِ دليل يوجب عودَهُ إلى ما تقدّم .
على أنَّ بعضَ الشافعية منع من مثل هذا الاستثناء .
و ] الاعتراض [ على السادس: أنّ عوده إلى البعض أولى من عوده إلى الجميع، لما في الاستثناء من مخالفة الأصل، وكلّما قلَّ كان اولى .
ثمّ صلاحيّة اللّفظ لشيء لا يقتضي صرفَهُ إليه، كما في المجاز .
ونمنع عدمَ الأوليّة للبعض، فإنّ الأخير لكونه أقربَ، أولى من الأبعد .
و ] الاعتراض[ على السابع: أنّه قياسٌ في اللّغة، وقد ظهر بطلانُهُ، مع قيام الفرق، فإنَّه إذا تأخّر الأمر، اقترنَ الاستثناء باسم جميع وهو قوله: «أكرموهم»

صفحه 267
بخلاف الأمر المتقدّم، فإنّه لم يتَّصل باسم الفريقين .
و ] الاعتراض[ على الثامن: بالمنع من أنَّ معناه من الفريقين، بل من ربيعة.
و ] الاعتراض [ على التاسع: أنَّ الكلامَ إذا لم يقع الفراغ منه، وكان المتكلِّم متشاغلاً به، صحّ أن تعود إليه اللّواحق المؤثِّرة، من شرط واستثناء، ومشيئة، فأمّا وجوب تعلّقها بالجميع وإن كان منفصلاً وبعيداً عن محل المؤثِّر فغير مسلَّم، وإنَّما راعوا اتِّصالَ الكلام وانقطاعَهُ لينفصل حكم ما يصحّ أن يلحقَ بالكلام ممّا لا يصحّ لحوقُهُ به للفراغ والانفصال .
ولو كان بهذا الّذي اقتصر عليه اعتبارٌ، لوجب إذا قال: أكرمت جيراني وضربتُ غلماني الطوال، أن تُردَّ لفظةُ الطِّوال، إلى الجملتين، لأنَّ الفراغَ ما حصل من الكلام، كما يفعل في الاستثناء .
لا يقال: لو رددناه إلى ما تقدّم، لَكُنّا قد فصَلْنا بين الصّفة والموصوف .
لأنّا نقول: قد فُعِلَ ذلك في مواضع، وكذا لو رددنا الاستثناء إلى الجميع، لَكُنّا قد فصَلْنا بين الاستثناء والمستثنى منه، وهو مكروهٌ عندهم .
واحتجّ أبو حنيفة بوجوه :
الأوّل: الاستثناءُ خلافُ الأصلِ، لاشتماله على مخالفة الحكم الأوّل، فالدليل يقتضي عدمَهُ، تركنا العملَ به في الجملة الواحدة، لدفع محذور الهدريّة، فيبقى الدليل في باقي الجمل سالماً عن المعارضِ، فلا يجوز تعلُّقُهُ بالجمل المتعدِّدة .

صفحه 268
وإنَّما خصَّصْناه بالأخيرةِ، لأنّها أقربُ، والاتّفاقُ واقعٌ على عوده إلى الأقرب، وكما اعتبر القرب في الأقرب من العاملين عند البصرييّن .1
وفي قولنا: ضرب زيدٌ عمراً، وضربته، فجعلوا «الهاء» عائدةً إلى عمرو، دون زيد، للقرب، وكذا جعلوا الأقرب فاعلاً في قولنا: «ضرب موسى عيسى» لمّا انتفى الأعراب، والقرينة اعتبار القرب، وكذا في قولنا: «أعطى زيدٌ عمراً بكراً» أنّ بكراً هو المفعول ]الثاني[ فكذا وجب اعتبار القرب في الاستثناء .
ولأنّه لا قائل بعوده إلى غير الأخيرة خاصّةً، فإنَّ مِنَ النّاس من جعله عائداً إلى الجميع، ومنهم من اعاده إلى الأخيرة خاصّةً .
الثاني: لو رجع الاستثناء إلى الجميع، فإن أُضمر مع كلِّ جملة استثناءٌ، لزم مخالفةُ الأصل في الإضمار، مع عدم الحاجة إليه، وفي الاستثناء يتضاعف مخالفة الأصل .
وإن لم يُضْمر، كان العاملُ في ما بعد الاستثناء اكثر من واحد، لكن لا يجوز تعدّد العامل في إعراب واحد، لنصِّ سيبويه 2 عليه، وقولُهُ حجّةٌ .
ولئلاّ يجتمع المؤثِّرانِ المستقِّلان على الأثر الواحد .
الثالث: الاستثناء من الاستثناء مختصٌّ بما يليه، فكذا في غيره، دفعاً للاشتراك .

1 . إشارة إلى قول البصرييّن في باب التنازع يقول ابن مالك:
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل *** قبل فللواحد منهما العمل
والثاني عند أهل البصرة *** واختار عكسا غيرهم ذا اسرة
2 . تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 169 .

صفحه 269
الرابع: الظاهر أنّه لم ينتقل المتكلِّمُ من الجملة الأُولى إلى الثانية إلاّ بعد استيفاء غرضه منها، فإنَّه لمّا كان السكوتُ يدلّ على استكمال الغرض من الكلام (الأوّل)1، فكذا الشروع في كلام آخر لا تعلّق له بالأوّلِ، يدلُّ على استكمال الغرض من الأوّل، فلو جعلنا الاستثناءَ عائداً إلى الجميع، لزم إبطالُ ما أصلناه، من أنَّ الانتقالَ يدلّ على تماميّة الغرض .
الخامس: المقتضي لرجوع الاستثناء إلى ما تقدّمَهُ، عدمُ استقلالِهِ بنفسه، فإنّه لو كان مستقلاًّ بنفسه عن غيره لم يجز تعليقُهُ بذلك الغير، وإذا عُلِّقَ بما يليه استقلّ وأفاد، فلا معنى لتعليقه بما بَعُدَ عنه، إذ لو جاز مع إفادته واستقلاله أن تعلّق بغيره لوجب فيه لو كان مستقلاًّ بنفسه أن تعلّق بغيره.
السادس: من حق العموم المطلق أن يُحْمل على عمومه وظاهره، إلاّ لضرورة تقتضي خلافَهُ، ولمّا خصَّصْنا الجملةَ الّتي يليها الاستثناء بالضّرورة، لم يجز تخصيص غيرها، ولا ضرورة .
السابع: قال الله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا)2 فإنّه لا يرجع إلى الجلد إجماعاً.
وقال تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا)3 وهو راجع إلى الدّية دون الإعتاق بالإجماع .
الثامن: أنَّهُ استثناءٌ تعقَّبَ جملتين، فلا يكون بظاهره عائداً إليهما كما لو

1 . ما بين القوسين يوجد في «ب» .
2 . النور: 5 .
3 . النساء: 92 .

صفحه 270
قال: «أنتِ طالقٌ ثلاثاً وثلاثاً، إلاّ أربعة» فإنّه لا يعود إلى الجميع، وإلاّ لوقع طلقتان لا ثلاث ] طلقات[.
التاسع: دخولُ الجملة الأولى تحت لفظه معلومٌ، ودخولُها تحتَ الاستثناء مشكوكٌ فيه، والشكّ لا يرفع اليقين .
والاعتراض على الأوّل: المنع من مخالفة الاستثناء الأصلَ، لأنّا قد بيّنا أنَّ المستثنى والمستثنى منه كاللّفظِ الواحدِ الدّالّ على الباقي، مع انتقاضه بالاستثناء بمشيئة الله تعالى وبالشرطِ، فإنَّهما عائدان إلى الجميع مع عدم الاستقلال .
لا يقال: الشرط وإنْ تأخّر، لكنّه متقدّمٌ، فصار جميع ما بعده مشروطاً به، فالاستثناء بالمشيئة يقتضي صيرورةَ الكلام بأسره موقوفاً، فلا يختصّ بالبعض.
لأنّا نقول: نمنع تقدُّمَ الشَّرطِ على جميع الجمل، بل على الأخيرة.
سلّمنا، لكن لانسلِّمُ أنّ التقدُّمَ يقتضي العودَ إلى الجميع، بل إلى ما يليه.
وأمّا الاستثناء بالمشيئة، فَلِمَ لا يختصّ بالأخيرة؟ وإنّما يتمّ كلام الحنفيّة لو منعوا هذين الإلزامين.
وعلى الثاني: بالمنع من عدم اجتماع العاملين على معمول واحد .
ونصّ سيبويه، معارضٌ بنصِّ الكسائي1 على الجوازِ وليست العللُ الإعرابيّةُ مؤثِّرةً، بل مُعَرِّفَة .
وعلى الثالث: أنّه لمّا امتنع عودُهُ إلى الجميع، وجب عودُهُ إلى البعضِ،

1 . عليّ بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، إمامٌ في اللغة والنحو والقراءة، من أهل الكوفة، له تصانيف كثيرة، مات بالرّيّ سنة 189 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 4 / 283 .

صفحه 271
ونحن نقول كذلك في الجمل: إنّه لو امتنع العودُ إلى بعضها اختصّ بما يمكن عودُهُ إليه .
على أنّ قياسَ الجُملِ على الاستثناء من الاستثناء خال عن الجامع، إذ لا جُمَل هناك.
وعلى الرابع: بالمنع من أنّه لم ينتقل عن الأوّل إلاّ بعد استيفاء غرضه منها، فإنّه نفس النزاع.
وعلى الخامس: انّه لا يمتنع من تعلّقه بما تقدّم أجمع، كما لا يوجبه، فلا حجّة لكم فيه والاستقلال وإن اقتضى أنْ لا يجب تعليقه بغيره، لكنَّهُ لا يمنع الجواز .
وقوله: لوجاز ذلك، لجاز في الاستثناء إذا كان مستقلاًّ بنفسه ان تعلقه بغيره باطلٌ، لأنّ ما يستقلّ بنفسه ولا تعلُّق له بغيره جائزاً أو لا واجباً لا يجوز أن تعلقه بغيره .
والاستثناء المتعقب بجملتين غير مستقلٍّ بنفسه، فبالضرورة تعلّقه بمايليه المستقلّ، غير أنّه وإن استقلّ بذلك، فمن الجائز أن يتعلّق بما تقدّمه وإن لم يكن واجباً .
ثمّ ينتقض بالشرط، فإنّه متى تقدّم أو تأخّر إذا علّق ببعض الجُمَلِ، أفاد واستقلّ إجماعاً، مع أنّه يجب أن يتعلق بالجميع، مع حصول الاستقلال بالبعض.
وعلى السادس: بالنقص بالشرط أوّلاً، وبالمنع من كون اللفظ على ظاهر

صفحه 272
العموم مع تعقيب الاستثناء، وإنّما يكون ظاهراً في العمومِ، لو خلا عن الاستثناء.
وعلى السّابع: أنّ الجَلد إنّما لم يرجع الاستثناء لكنّه محافظة لحقِّ الآدمّي ويرجع عندنا إلى جميع ما تقدّم عداه، ونحن لا نمنع من عدم الرجوع إلى البعض لمانع .
وإنّما امتنع عود الاستثناء إلى الإعتاق، لأنّه حقّ الله تعالى،وتصدُّقُ الوليّ لا يُسْقِطُ حقَّهُ تعالى.
وعلى الثامن: بالمنع من تعدّد الطلاقِ على مذهبنا .
وأمّا من جوّزه، فقد ذهب بعضُ الشافعيّة إلى عوده إلى الجميع، وأنَّ الواقعَ طلقتان.
سلّمنا، لكنَّ المعتبرَ من قوله: «ثلاثاً ثلاثاً» إنَّما هو الجملةُ الأُولى دون الثانية، فلو عاد الاستثناءإليها لكان مستغرقاً، وهو باطلٌ.
وعلى التاسع: بالمنع من الدخول على تقدير الاستثناء، ثمّ لو منع ذلك من عود الاستثناء إلى الجُمَلِ المتقدّمة، يمنع من اختصاصه بالأخيرة، لجواز عوده بدليل آخر إلى الجملة المتقدّمة دون المتأخرة، فيبقى الشكّ حاصلاً في الأخيرة، كما حصل في المتقدمة .
ثمّ ينقض بالشرطِ والوصفِ على باقي الجُمَلِ.
واحتجّ السيد المرتضى على الاشتراك بوجوه:
الأوّل: يحسن الاستفهام عن إرادة المتكلّم للعود إلى الجميع أو الأخيرة، والاستفهام دليل الاشتراك.

صفحه 273
الثاني: الاستعمالُ في القرآن العزيز ولسانِ العرب، يدلّ على عود الاستثناء تارةً إلى الجميع، وأُخرى إلى الأخيرة، والاستعمال دليلُ الحقيقة، فوجب الاشتراك.
الثالث: الحال والظرفان1 يصح تعلّقها بالجميع، وبالأخيرة، فكذا الاستثناء، بجامع الاشتراك في الفضلة 2 .
والاعتراض على الأوّل والثاني: بما تقدّم في باب العموم .
مع أنّه يجوز أن يكون الاستفهام لعدم المعرفة بالمدلول الحقيقيّ والمجازيّ أصلاً، كما تقوله الواقفيّة .3
أو لأنّه حقيقة في البعض، مجازٌ في البعض، والاستفهام للحصول على اليقين ودفع الاحتمال البعيد .
وعلى الثالث: بالمنع من ثبوت الحكم في الأصل، بل الحال والظرفان تعود إلى الجميع كما ذهب إليه الفريق الأوّل في الاستثناء، أو إلى الأخيرة كما ذهب إليه الفريق الثاني .
مع أنّه قياس في اللغة، وهو باطلٌ.
مع أنّ الاشتراك في بعض الوجوه، لا يقتضي التساوي من كلّ الوجوه.

1 . أي ظرف الزمان والمكان .
2 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 250 ـ 252، نقله المصنّف بتلخيص.
3 . المراد من الواقفيّة هنا هم الذين توقّفوا في المسألة ولم يبدوا رأياً فيها كالقاضي أبو بكر والغزّالي وجماعة من الأشاعرة. لاحظ الإحكام للآمدي: 2 / 401 .

صفحه 274
في الشرط والغاية والصفة   
 
المطلب الثاني: في الشرط والغاية والصفة
وفيه مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في حدّ الشرط

قال الغزّاليّ: الشرط هو ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده .1
وهو خطأٌ، إذ المشروط لا يعرف إلاّ بالشرط، فيدور.
وينتقض أيضاً، بجزءِ السَّببِ وبالشرطِ المساويِ، فإنّه يلزم أن يُوجد عند وجوده، وإن كان اللّزوم من حيث المساواة .
وقال بعض الأشاعرة 2: ما يقف عليه تأثير المؤثِّر في تأثيره، لا في ذاته.
وينتقض على مذهبهم، بالحياة القديمة، فإنّها شرط في وجود علمه تعالى، ولا تأثير هناك .
وقيل3: الشرط هو ما يلزم من نفيه نفيُ أمر مّا على وجه لا يكون سبباً لوجوده، ولا داخلاً في السّبب .

1 . المستصفى: 2 / 188 .
2 . هو الفخر الرازي في محصوله: 1 / 422 .
3 . القائل هو الآمدي في الإحكام: 2 / 407 ـ 408 .

صفحه 275
وهو إمّا عقليٌّ، كالحياة للعلم، أو شرعيٌّ كالطهارة، أو لغويٌّ.
وله أدوات كـ «إن» و «إذا» و «مَنْ» و «ما» و «مهما» و «حيثما» و «أينما» و «إذ ما» .
و أُمّ الباب «إنْ» لأنّها حرف، والأصل في إفادة المعاني للأسماء، إنّما هو الحروف.
قيل1: ولدخولها في جميع صور الشرطِ، بخلاف البواقي، لاختصاص «مَنْ» بالعقلاء و «ما» بغيرهم، و «إذا» لما لا بُدَّ من وقوعه، مثل: أتيتُك إذا احمرّ البُسْر.
وفيه نظرٌ، فإنَّ «إنْ» إنّما تدخل على المحتمل خاصّةً، و «إذا» تدخل عليهما2 تقول «أتيتُك إذا احمرّ البُسْر، وإذا دخلت الدار» ولا تقول: «أتيتُك إن طلعتِ الشّمسُ».

المبحث الثاني: في أحكامه

وهي أربعة:
الأوّل: الشرط والمشروط قد يتحد كلٌّ منهما، وقد يتعدّد، وقد يتَّحد الأوّلُ، ويتعدّد الثاني وبالعكس.
فالأوّل: إنْ جئتني أكرمتك.

1 . المصدر السابق .
2 . ضمير التثنية يرجع على المحتمل والمتحقّق .

صفحه 276
والثاني: إن جئتني ودخلت الدار، أكرمتُك وأعطيتُك.
والثالث: إن جئتني أكرمتُك وأعطيتك.
والرابع: إن جئتني ودخلت الدار أكرمتك.
واعلم أنَّ التعدّد قد يكون على الجميع، وقد يكون على البدل، وتتكثّر الأقسام حينئذ.
أمّا التعدّد على الجميع، فقد سبق .
وأمّا على البدلِ فمثال تعدّدهما: «إن جئتني أو دخلت الدار أكرمتُك أو أعطيتُك».
ومثال تعدّد المشروط: «إن جئتني أكرمتُك أو أعطيتُك».
ومثال تعدّد الشرط: «إن جئتني أو دخلت الدار أكرمتك».
واعلم أنّ الشّرطين إذا دخلا على جزاء واحد، فإن كانا على الجمع، لم يحصل المشروط إلاّ عند حصولهما معاً، وإن كانا على البدل، توقّف المشروط على حصول أحدهما، وهنا بالحقيقة الشرط أحدُ الأمرين، وهو واحدٌ، ويعدم بعدمهما معاً.
وإنْ تعدّد الجزاء، فإن كانا على الجمع، توقفّ كلُّ واحد من المشروطين على مجموع الشرطين، لا على التوزيع، بل على سبيل الجمع.
وإن كانا على البدل كانَ وجود أحد المشروطين متوقّفاً على وجود أحد الشرطين.

صفحه 277
وإن كان الشرط على الجمع، والمشروط على البدل، كان وجود أحد المشروطين موقوفاً على مجموع الشرطين.
ولو كان بالعكس، توقّف مجموع المشروطين على وجود أحد الشرطين.
الثاني: الشرط إمّا أن يستحيل دخولُهُ في الوجود إلاّ دفعةً واحدةً، سواء كان لانتفاء التركيب، أو لاستحالة تقدّم أحد أجزائه على الآخر .
وإمّا أن يستحيل دخولُهُ بجميع أجزائه في الوجود، كالحركة والكلام،
فإنَّ المتكلّم إذا أوجد حرفاً يكون الثاني معدوماً1، وعند وجود الثّاني يعدم الأوّل.
وإمّا أن يصحّ دخولُهُ في الوجود دفعةً، أو تتعاقب أجزاؤه .
وعلى التقديرات الثلاثة، فالشرط إمّا عدمُها، أو وجودُها .
فإن كان الشرطُ عدمَها ، حصل الحكم في الأقسام الثلاثة في أوّل زمانِ عدمِها .
وإنْ كان الشرطُ وجودَها، ففي الأوّل يحصل الحكم مقارناً لأوّل زمانِ وجودِ الشرط .
وفي الثاني عند حصول آخر جزء من أجزاء الشرط، إذ لا وجود
لذلك المجموع في التحقيق، وإنّما أهل العرف يحكمون ] عليه [بالوجودِ، عند وجودِ آخر جزء من أجزائه، وقد عُلِّقَ الحكمُ على وجوده، فيكون في ذلك الوقت.

1 . أي غير موجود .

صفحه 278
وفي الثالث إنّما يتحقّق وجودُهُ حقيقةً عند دخولِ أجزائه دفعةً في الوجود .
وإنّما اعتبرنا آخر جزء من المجموع في الثاني، لضرورة عدم اجتماع أجزائه، فيبقى ما يمكن اجتماع أجزائه على الحقيقة، بحيث إن اجتمعت الأجزاءُ دفعةً واحدةً، حصل الجزاءُ، وإلاّ فلا.
الثالث: ذهب الشافعي و أبو حنيفة معاً إلى أنّ الشرط الداخل على الجُمَلِ يقتضي تخصيصَ الجميع به .
وقيل1: يختصّ بما يليه، فإن كان متأخّراً اختصّ بالأخير، وإن كان متقدّماً، اختصّ بالأوّل.
الرابع: لا خلاف في وجوب اتِّصال الشّرط بالكلام، لعدم استقلاله بنفسه، وأجمعوا على جواز التقييد بالشرط المخرج للأكثر، حتّى لو بقي الواحد لم يكن قبيحاً، ولم يختلفوا كما اختلفوا في الاستثناء .
ويجوز تقديم الشرط لفظاً، وتأخيرُهُ، والأولى تقديمُهُ، لأنَّ الشرط متقدّمٌ طبعاً، لأنّه شرطٌ لتأثير المؤثِّر فيه، فاستحقّ التقدّم وضعاً.

1 . نقله الرازي عن بعض الأدباء. لاحظ المحصول: 1 / 424.

صفحه 279
 
المبحث الثالث: في التقييد بالغاية
غاية الشيء طرفُهُ، ونهايتُهُ .
وألفاظها «حتّى» و «إلى» كقوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ)1(وَ أَيْدِيَكُمْ
إِلَى الْمَرَافِقِ)(2)ولابدّ و أن يكون الحكم فيما بعدها مخالِفاً لما قبلها، إذ
لو بقي الحكم ثابتاً فيما وراء الغاية لم تكن الغايةُ غايةً وطرفاً، بل كانت
وسطاً .
و قيل: الغاية إن انفصلت عن ذي الغاية بمُفصِّل معلوم كـ (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(3) وجب أن يكون حكم مابعدها بخلاف ما قبلها للعلم حسّاً بانفصال أحدهما عن الآخر .
وإن لم يكن كذلك، مثل (إِلَى الْمَرَافِقِ) والمرفق غير منفصل عن اليد بمفصِل محسوس، لم يجب فيه المخالفة، فإنَّهُ لمّا كان المرفقُ غير منفصل عن اليد بمَفْصِل محسوس، لم يكن تعيينُ بعضِ المواضع في اليد أولى، فهاهنا يجوز أن يكون مابعدها داخلاً فيما قبلها.
واعلم أنّ الحكمَ الواحدَ قد يكون له غايتان، كما لو قيل: «لا تقربوهنّ حتّى يطهرن و ] حتّى[ يغسلن»، وفي الحقيقةِ، الغايةُ هنا الأخيرةُ، وعبّر عن الأوّل بالغاية، لقربه منها2 .

1 . البقرة: 222 .   2 . المائدة: 6 .   3 . البقرة: 178 .
2 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 426.

صفحه 280
وفيه نظرٌ، لأنّ الغايات قد لا تترتّب، فيكون المجموع هو الغاية، وكلّ واحد جزء الغاية، لا ما ذُكِر أخيراً .
وقد تتعدّد على البدل، فتكون الغاية في الحقيقة أحدهما، مثل: «أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار أو السّوق» .
وقد تتعقّب جملاً متعددة ففي رجوعها إلى الجميع أو الأخيرة، خلافٌ، كما في الاستثناء.

المبحث الرّابع: في التقييد بالوصف

الحكم قد يتخصّص بالوصف، كقولنا: «أكرم بني تميم الطِّوال»، فقيد الطِّوال مَنَعَ من دخول القصار تحت الأمر ، وقد كان ثابتاً قبل الوصف .
والوصف المخصّص قد يكون ثبوتيّاً، وقد يكون عدميّاً، وهو قد يتعقّب جملةً واحدةً، كما تقدّم، وقد يتعقّب جُمَلاً، مثل: «أكرم بني تميم، واَخْلَعْ على ربيعة الطِّوال».
والبحث في عود الوصفِ إلى الجميع أو الأخيرة، كما تقدّم في الاستثناء.
في الأدلّة المنفصلة   

صفحه 281
 
الفصل الثاني

في الأدلّة المنفصلة

تخصيصُ العامِّ، إمّا أن يكون بالعقل، أو بالحسِّ، أو بالسّمع فهاهنا مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في تخصيص العامِّ بالعقل

اختلف النّاس في ذلك، فذهب الجمهور إلى جوازه، ومنعه طائفة شاذّةٌ من المتكلّمين.
والتحقيق: أنّ النزاع لفظيٌّ، فإنّه لا خلاف في المعنى، لأنّ اللفظ لمّا دلّ على ثبوتِ الحكمِ في جميع الصور، والعقل منع من ثبوته في حقّ العاجز، فإمّا أن يحكم بمقتضى العقل، والنقل معاً، ويلزم اجتماع النقيضين .
أو يرجّح النقل على العقل، وهو مُحالٌ، لأنّ العقلَ أصلُ النّقلِ، فلو قدحنا فيه لتصحيح فرعه لزم إبطالهما معاً .
أو يرجّح العقل على النقل، وهو المقصود من تخصيص العموم، مثال ذلك قوله تعالى: (وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ ) و قوله تعالى:(اللهُ خَالِقُ كُلِّ

صفحه 282
شَيء)1 فإنَّ ذاته تعالى مندرجةٌ تحتَ الشّيء، مع أنّه يستحيل إرادة ذاته من هذا الخطاب .
في تخصيص العامِّ بالعقل   
وكذا قوله تعالى:(وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)2، والصبيّ والمجنون غير مرادين.
وإخراجُ ذاته تعالى عن عموم الخطاب الأوّلِ، معلومٌ بضرورة العقلِ، وإخراجُ الصّبيّ والمجنونِ عن الخطاب الثاني معلومٌ بنظره، لعدم الفهم في حقّهما، فمعنى التخصيصِ موجودٌ.
وأمّا اطلاق لفظ المخصّص، فإن أُريد به الأمر الّذي يؤثِّر في اختصاص اللَّفظ العامِّ ببعض مسمّياته، فالعقلُ غيرُ مخصِّص، لأنّ المقتضي لذلك الاختصاصِ هو الإرادةُ القائمةُ بالمتكلِّم، والعقلُ دليلٌ على تحقّقها، فهو دليلُ المخصِّص لا نفسه، لكن هذا كما منع العقل من تسميته بالمخصِّص، فكذا يمنع الكتابَ والسنّةَ، لأنّ المؤثِّر هو الإرادةُ لا الألفاظ.
احتجّوا بوجوه:
الأوّل: التخصيص إخراج بعضِ ما تناوله اللّفظُ عنه، وهو غيرُ متصوّر هنا، لأنّ دلالةَ الألفاظِ وضعيّةٌ تابعةٌ لقصدِ المتكلّمِ، ونحن نعلم قطعاً أنَّ المتكلّمَ لا يريد بلفظه الدلالةَ على ما يخالف صريحَ العقلِ، فلا يكون لفظه دالاًّ عليه لغةً، ومع انتفاء الدّلالة اللغويّة على الصّورة المخرجة بالعقل، لا يكون تخصيصاً.

1 . الزمر: 62 .
2 . آل عمران: 97 .

صفحه 283
الثاني: التخصيصُ بيان والمخصص مبين، والبيان تابع للإشكال فيكون متأخراً عـن المبين. والعقل سابق فلا يكون مبيّنـاً ولا مخصصـاً.
الثالث: لوجاز التخصيص بالعقل، لجاز الّنسخ به، لاشتراكهما في كونهما بياناً وتخصيصاً.
الرابع: يحتمل أن تكون صحّةُ الاحتجاجِ بالعقلِ مشروطةً بعدم معارضة عموم الكتاب.
الخامس: نمنع تخصيصَ الصّبيّ والمجنون، فإنَّ خطابهما ممكنٌ، كما في أرش الجنايات وقيم المتلفات وإجماع الفقهاء على صحّة صلاة الصّبىّ، واختلافهم في صحّة إسلامه، ولولا دخولُهُ تحت الخطاب لما كان كذلك .
والجواب عن الأوّل: امتناعُ قصد المتكلّم لا يقتضي امتناعَ الدخول لغةً، ونحن نسلِّم امتناعَ القصد، لا امتناعَ الدخول لغةً، والتخصيص إنّما حصل باعتبار الدخولِ لغةً إلى القصد، وإلاّ لزم التناقض .
وفيه نظرٌ، لبقاء التناول له بعد التخصيص .
فالتحقيق: أنّه تخصيص باعتبار قصور جزئيّات المراد عن جزئيّات التناول .
وعن الثاني: أنّ المخصِّص يجب تأخّره باعتبار كونه مخصِّصاً ومبيِّناً لا باعتبار ذاته.
وعن الثالث: أنّ امتناعَ النسخ بالعقل، من حيثُ، إنَّ الناسخ معرِّفٌ لبيان مدّة الحكم المقصودة في نظر الشرع، وذلك ممّالا سبيل للاطِّلاع عليه عقلاً،

صفحه 284
بخلاف معرفةِ استحالة كون ذاته تعالى مخلوقةً أو مقدورةً .
على أنّا نمنع كونَ العقل ليس بناسخ، فإنَّ تجدّد عجزه، قد نسخ عنه الفعل1 بالعقل2 .
وعن الرابع: ما تقدّم، من أنّه مع التعارضِ بين النّقل والعقل، يجب تقديمُ العقل وتأويل النّقل.
وعن الخامس: أنَّ تعلّق الحقّ بمالِهما من باب خطاب الوضع، وهو غير متعلّق بالصّبيّ، ووجوب الأداء ثابتٌ بخطاب التكليف متعلّق بالوليّ، لابهما .
وصحّةُ صلاته وإسلامه لا تدلّ على دخوله تحتَ خطابِ التكليفِ، فإنَّ صحّةَ الصلاةِ معناها، انعقادُها سبباً لثوابه، وسقوط الخطاب عنه بهما إذا صلّى في أول الوقت، وبلغ في آخره، لا بمعنى أنّه امتثل أمر الشرع حتّى يكونَ داخلاً تحت خطاب التكليف، بل إن كان ولا بُدّ، فهو داخلٌ تحت خطاب الوليِّ لفهمه بخطابه، دون خطاب الشّرع، وكذا صحّة إسلامه .
على أنَّ منعَ تخصيصِ الصّبيِّ غيرُ مضرٍّ، إذ ليس القصد آحادَ المسائل .
لا يقال: إذا كان الفهم شرطاً فما معنى قول الفقهاء: النائم في جميع الوقت مخاطبٌ بالصّلاة.
لأنّا نقول: ليس المراد أنّه يصلّي وهو نائمٌ، أو أنّه يزيل النّوم عن نفسه، بل

1 . في «أ» و «ب»: النّقل .
2 . وذلك كمن سقطت رِجْلاه، فيسقط عنه وجوبُ غسلهما بالعقل ومع ذلك ففي تسميته نسخاً، تأمّلْ، لأنّه من قبيل فقد الموضوع.

صفحه 285
ماذكره قاضي القضاة في تفسير قولهم: إنّ الإنسان مخاطب، وهو لوجوه:
الأوّل: أنّه مكلّف بما تضمّنه الخطاب.
الثاني: أنّ سبب الوجوب حاصلٌ كالنائم، لأنّه قد اختصّ بسبب وجوب القضاء، بخلاف المجنون، ولهذا قالوا: الحائض مخاطبة بالصّوم، دون الصّلاة.
الثالث: تقدّم لزوم حكم الخطاب، كما في السكران.
لا يقال: فَصَّلَ الفقهاء بين صلاة الصّبيّ بطهارة وبغيرها.
لأنّا نقول: مرادهم أنّها على الصفة الّتي يسقط فرض البالغ، وليس كذلك إذا خلت عن الطّهارة، أو أنّها إذا وقعت بطهارة فقد وقعت على الوجه الّذي أُمرنا أن نأخذه بها.1
واعلم أنّ العقل، كما دلّ على التخصيص، فكذلك الحسّ، لقوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيء)2 ] وقوله تعالى [ (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيء)3 مع خروج السّموات والأرض حسّاً ] وقوله تعالى [(مَا تَذَرُ مِنْ شَيء أَتَتْ عَلَيْهِ
إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ
)4 وقد أتت على الجبال، والأرض، و لم تجعلهما
رميماً بالحسِّ.

1 . نقلها أبو الحسين البصري عن قاضي القضاة عبد الجبّار في المعتمد: 1 / 254 .
2 . النّمل: 23 .
3 . الأحقاف: 25 .
4 . الذاريات: 42 .

صفحه 286
في تخصيص الكتاب بمثله   
 
المبحث الثاني: في تخصيص الكتاب بمثله
اتّفق المحقّقون عليه، ومنع أهلُ الظاهر من جوازه.
لنا وجوه:
الأوّل: أنّ قوله تعالى: (وَ أُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)1 ورد مخصِّصاً لقوله تعالى: (وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)2 وكذا قوله: (وَ لاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)3مخصوص بقوله تعالى: (وَ الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)4 والوقوعُ دليلُ الجواز.
الثاني: الخاصُّ والعامُّ دليلان متعارضان، ولا يمكن إجراءُ كلّ واحد منهما على ظاهره، وإلاّ لزم التناقض، ولا إهمالُهُما بالكليّة، وإلاّ لزم إبطالُ دليل خال عن المعارض، والتالي باطلٌ قطعاً، فالمقدّمُ مثلُهُ.
بيان الشرطية: أنّ ما عدا الخاصّ من جزئيّات العامّ، لا يعارض لدليل ثبوت الحكم فيه، ولو أبطلنا العامَّ فيه، لزم المُحُال، ولا إهمال العامِّ بالكليّة، لما

1 . الطلاق: 4 .
2 . البقرة: 228 .
3 . البقرة: 221 .
4 . المائدة: 5 .

صفحه 287
تقدّم، ولا الخاصّ بالكليّة، لأنّ دلالته على محلّه1 أقوى من دلالة العامّ عليه .
وإذا تعارض دليلان، وأحدهما أرجح، وجب العمل بالرّاجح، فلم يبق إلاّ العمل بالدليلين، والجمع بينهما، وذلك بأن يُعْمَلَ بالعامِّ في غير صورة التخصيصِ، وبالخاصّ في محلّه .
الثالث: قد بينّا امتناعَ الجمع بين دلالة العامِّ على عمومه والخاصِّ على خصوصه، فلابدّ من الترجيح لأحدهما، فنقول: زوال الزائل2 إنْ كان على سبيل التخصيص، ثبت المطلوبُ، وإنْ كان على سبيل النسخ فكذلك، فإنَّ كلَّ من جَوَّزَ نسخ الكتاب بمثله، جَوَّزَ التخصيصَ بمثله .
على أنّا نقول: التخصيص أولى من النّسخ، لاستدعاء النسخ ثبوتَ أصل الحكم في الصورة الخاصّة، ورفعه بعد ثبوته، والتخصيصُ عدمْ إرادة المتكلِّم باللفظ العامِّ للصّورة المخصوصة، فما يتوقّف عليه النسخ أكثر ، فهو مرجوحٌ.
و لأنّ النسخ رفعٌ بعد الإثبات، والتخصيص منعٌ من الإثبات، والمنع أسهل من الرفع .
ولأنّ وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ، فكان الحملُ على التخصيص أولى.
احتجّ المانعون بقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)3 فَوَّضَ

1 . في «ج»: على حكمه .
2 . في «أ»: الزائد .
3 . النحل: 44 .

صفحه 288
البيان إليه فلا يحصل إلاّ بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)والمخصّصُ مبيّنٌ .
والجواب: المعارضة بقوله تعالى: (وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيء)1.
و لأنّ تلاوته (صلى الله عليه وآله وسلم) لآية التخصيصِ بيانٌ منه.
لا يقال: ما ذكرتموه وإن صحّ فيما إذا كان الخاصُّ متأخِّراً، لكن لا يصحّ مع جهل التاريخ، لاحتمال تقدّم الخاصِّ، فيكون العامُّ ناسخاً، وتأخُّرِهِ، فيكون الخاصّ مخصِّصاً له، ولا ترجيح، فيتساقطان، وحينئذ يرجع إلى دليل غيرهما، كما اختاره أبو حنيفة، والقاضي أبو بكر.
سلّمنا كونَ الخاصِّ مخصِّصاً على تقدير الجهل بالتاريخ، لكن لو عُلم تأخّرُ العامِّ، تعيّن أنْ يكون ناسخاً، لأنَّ ذكر العامِّ يجري مجرى ذكر جزئيّاته، ولو نفي2 الحكم عن الجزئيّ المعيّنِ، لكان ناسخاً لثبوته السابق، فكذا إذا أدرجه في النّفي تحت العامِّ.3

1 . النحل: 89 .
2 . في «أ»: بقي .
3 . يريد ان العام الاستغراقي بمنزلة التصريح بحكم كل واحد من افراد الموضوع فإذا قال: لا تقتل زيد المشرك، ثم قال بعد ذلك: «اقتلوا المشركين» كافة، كأنّه قال اقتلوا زيداً وعمراً وبكراً، فيكون الثاني لأجل التصريح بحكم كلِّ فرد ناسخاً.
ولا يخفى ضعف الاستدلال، لأنّ إيجاب القتل، حكم على عنوان المشركين، لا على كل فرد فرد، والحكم على الافراد، بتوسط عنوان، غير الحكم عليها بالمباشرة والمدعي هو الثاني، والواقع هو الأوّل، نعم جعل الحكم على العنوان، يصير حجة على المكلف في عامة الافراد، لكن كونه حجة في جميع الافراد ، غير الحكم على كل فرد فرد بالمباشرة، وإلاّ يلزم تعدد الإرادات حسب تعدّد الأفراد.

صفحه 289
ولأنّ الخاصَّ المتقدّم يمكن نسخُهُ، والعامُّ ] الوارد بعده[ يمكن أن يكون ناسخاً، فيكون ناسخاً .
ولأنَّ الخاصَّ المتقدّمَ متردّدٌ بين كونه منسوخاً، ومخصِّصاً لما بعده، فلا يكون مخصِّصاً للتنافي بين البيان والتلبيس .
ولقول ابن عباس «كنّا نأخذ بالأحدث فالأحدث».1
لأنّا نقول: ما سبق من الأدلة يقتضي كونَ الخاصِّ راجحاً على العامِّ فيما إذا جهل التاريخ، ونمنع إجراءَ ذكر العامِّ مجرى ذكرِ الجزئيّات، إذ ذكر الجزئيّات ينافي التّخصيصَ، بخلاف ذكر العامِّ .
ولا يلزم من إمكان النسخِ وقوعُهُ .
والتردّدُ بين كونِ الخاصِّ منسوخاً ومخصِّصاً، إن أُريد به تساوي الاحتمالين، فهو ممنوعٌ، وإن أُريد به تطرُّقُ الاحتمال في الجملة، فلا يمنع من كونه مخصِّصاً، ولو منع ذلك من كونه مخصِّصاً، لمنع تطرُّق احتمالِ كون العامِّ مخصِّصاً بالخاصِّ أكثرمن كونه ناسخاً .
وقول ابن عباس وحده، ليس حجّةً.

1 . لاحظ الإحكام للآمدي: 2 / 414 ; والمحصول للرازي: 1 / 442 ; ونفائس الأُصول: 3 / 38 و 42 ; والكاشف عن المحصول: 4 / 549 ; والتحصيل من المحصول: 1 / 398، ولم نعثر عليه في الجوامع الحديثيّة .

صفحه 290
 
المبحث الثالث: في تخصيص السنّة المتواترة بمثلها
ذهب الأكثر إلى جوازه، لأنّ العامَّ والخاصَّ إذا تعارضا، لم يمكن العمل بهما من كلّ وجه، ولا تركهما من كلّ وجه، ولا العمل بالعامِّ في كلّ الصّورِ، وإهمال الخاصِّ، لما تقدّم، فلم يبق إلاّ العمل بالخاصِّ في مورده، وبالعامِّ في غير صورة التخصيص، جمعاً بين الدليلين .
وأيضاً، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «فيما سقت السماءُ العُشْر»1 وهو عامٌّ في النّصابِ وغيرِهِ.
وقال: «لا زكاة فيما دون خمسة أوسق»2 وهو مخصِّصٌ لذلك العموم .
احتجوّا بقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)3 جعله منصوباً لتبيين الأحكام، فلا يجوز افتقار سنّته إلى بيان.
والجواب: هذا لا يمنع من كونه مبيِّناً لِما ورد على لسانه(صلى الله عليه وآله وسلم) من السنّة.
في تخصيص الكتاب بالسنّة المتواترة وبالعكس   

1 . أخرجه الترمذي في سننه: 3 / 32 برقم 640 ; وابن ماجة في سننه: 1 / 581 برقم 1817 ; وأبو داود في سننه: 2 / 108 برقم 1596 .
2 . أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة برقم 1447 و 1459 ; والترمذي في سننه: 3 / 22 برقم 626 ـ 627 ; وأبو داود في سننه: 2 / 94 برقم 1558 ـ 1559 .
3 . النحل: 44 .

صفحه 291
 
المبحث الرابع: في تخصيص الكتاب بالسنّة المتواترة وبالعكس
لا خلاف في ذلك، والأصل فيه ما تقدّم .
وأيضاً، فقد وقع، أمّا بالقولِ فكما خصّصوا عمومَ ]قوله تعالى: [(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ)1 بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «القاتل: لا يرث» وبقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يتوارث أهل ملّتين»2.
وأمّا بالفعل، فإنّهم خصّصوا قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَ الزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)3 بما تواتر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)من رجم المحصن.4
وفيه نظرٌ، للمنع من كون اسم الجنس المحلّى باللاّم للعموم، ويمكن الاحتجاج هنا بالإجماع على عموميّته.
وأمّا العكس، وهو تخصيص السنّة المتواترة بالكتاب، فإنَّهُ جائز، وعليه أكثر الناس، لِما مرّ من امتناع العمل بهما، وإهمالهما، والعمل بالعامِّ خاصّةً، فتعيّن العمل بالخاصِّ في صورته، والعامِّ فيما عدا تلك الصورة.

1 . النساء: 11 .
2 . وسائل الشيعة: 17 / 375، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 6 و 17 ; ومسند
أحمد بن حنبل: 2 / 178 و 195 .
3 . النور: 2 .
4 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 430 .

صفحه 292
احتجّ المخالف بقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)1 جعله
مبيِّناً للكتاب، وهو إنّما يكون لسنّته، فلوكان الكتاب مبيِّناً للسنّة، لزم
الدّور .
ولأنّ المبيِّن أصلْ، والبيان تابع، فلو كان الكتاب مبيِّناً، لكان تابعاً
للسنّة.
والجواب: لا نمنع ما ذكرتموه من كون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مبيِّناً للسنّة بما يرد على لسانه من القرآن، فإنَّ السنّة منزلة أيضاً، لقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ
عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى
)2 وإنّما لم يكن قرآناً، لأنّه ليس
متلوّاً .
ثمّ ما ذكرتموه، معارض بقوله تعالى: (وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيء)3 والسنّة شيء، والتبعيّةُ باطلة للإجماع .
على أنّ القرآن مبيِّنٌ لقوله تعالى: (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيء) وأيُّ شيء قدّرنا كونَ القرآن مبيِّناً له، لزم أن يكون تابعاً على ما ذكرتموه .
ولأنّ القطعيّ قد يبيِّن الظنيَّ ولا ينحط عن درجته.
في تخصيص الكتاب والسنّة المتواترة بالإجماع   

1 . النحل: 44 .
2 . النجم: 3 ـ 4 .
3 . النحل: 89 .

صفحه 293
 
المبحث الخامس: في تخصيص الكتاب والسنّة المتواترة بالإجماع
لا خلاف في ذلك، لما تقدّم من أنَّ الدّليلين إذا تعارضا، وجب العمل بهما بقدر الإمكان .
ولأنّه واقعٌ، فإنّهم خصَّصوا آية الإرث بالإجماع على أنَّ العبدَ لا يرث، وخصصوا آية الجلد بالإجماع على أنّ العبدَ كالأمة في تنصيف الجلد .
وأمّا العكس، وهوتخصيص الإجماع بالكتاب أو بالسنّة المتواترة، فإنّه باطلٌ بالإجماع، لأنّ الإجماع على الحكم العامّ1 مع سبق المخصِّص خطأٌ، والإجماع لا يقع خطأ .
واعلم انّ التحقيق هنا أن نقول: إنّ الإجماع نفسه لا يقع مخصِّصاً للقرآن ولا للسّنّة، بل هو كاشفٌ على أنّه قد حصل مخصِّصٌ لذلك العامِّ، لأنّا إذا رأينا أهلَ الإجماع قاضين بما يخالفُ العمومَ في بعض الصّور، علمنا أنّهم إنّما قضوا بذلك، لدليل وقفوا عليه، وإلاّ لكان الإجماع خطأً، وهو باطلٌ .
وكذا إذا قلنا: الإجماعُ ناسخٌ، فإنّه كاشفٌ عن وجود النّاسخِ، لا أنّه ناسخٌ بنفسه.2

1 . في «أ»: لأنَّ الإجماع على ما يحكم العامّ .
2 . لأحد وجهين: إمّا لأنّ النّسخ لا يكون بغير خطاب الشارع، والإجماعُ ليس خطاباً للشرع،
وإمّا لأن الإجماع بما هو هو عندنا ليس بحجّة، وإنّما يوصف بها بما أنّه كاشفٌ عن قول المعصوم (عليه السلام)والوجه الأوّل يناسب مسلك السّنة، والثاني، مسلك الشيعة الإمامية .

صفحه 294
في تخصيص الكتاب والسنّة المتواترة بفعل الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)   
 
المبحث السادس: في تخصيص الكتاب والسنّة المتواترة بفعل الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)
اختلف القائلون بكون فعل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حجّةً على غيره، هل يجوز أن يخصَّصَ به العمومُ أو لا .
فأثبته الأكثرون، كالشافعيّة، والحنفيّة، والحنابلة .
ومنعه أبو الحسين الكرخي.1
والتحقيق أن نقول: اللّفظ العامُّ إن كان متناولاً للرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال: «الوصال حرامٌ على كلّ مسلم» فإذا فعل ما ينافيه، كان ذلك الفعل مخصِّصاً للعموم في حقّه إجماعاً .
وأمّا في حقّ غيره، فكذلك إن دلّ الدّليلُ على أنَّ حكمَ غيره كحكمه (صلى الله عليه وآله وسلم)في الكلّ مطلقاً، أو في الكلّ إلا ما خصَّصه الدليل، أو في تلك الواقعة،
لكن المخصِّص للعموم لا يكون ذلك الفعل وحده، بل الفعل مع ذلك
الدّليل .
وفي الحقيقة، لا يكون ذلك تخصيصاً بل نسخاً، وإن لم يكن كذلك، لم يجز تخصيصُ ذلك العامِّ في حقِّ غيره.

1 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219 .

صفحه 295
وإن كان اللّفظُ العامُّ غيرَ متناول للرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل للأُمّةِ فقط، فإن
دلّ الدّليل على أنّ حكمَ غيره مثل حكمه، صار العامُّ مخصوصاً بالنسبة إلى
الأُمّة، وفي الحقيقة يكون نسخاً لمجموع فعل الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مع ذلك الدليل،
وإلاّ فلا .
وأمّا في حقّ الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّه لا يكون تخصيصاً، لعدم تناول اللفظ له، وعلى هذا التقدير فلا كثير اختلاف في ذلك، أمّا إذا كان هو المخصِّصُ عن العموم وحده، فلعدم الخلاف فيه، لأنّ اللفظ إن تناوله، وقد فعل خلافه، كان العامُّ مخصوصاً في حقّه .
وأمّا في باقي الأقسام فلعدم تحقّق التّخصيص، بل إن وقع نزاع في ذلك، فإنَّما هو في كون فعله(صلى الله عليه وآله وسلم) ناسخاً لحكم العموم.
احتجّ المانعون من التخصيص: بأنَّ المخصِّصَ للعامِّ هو الدّليلُ الدّالُّ على وجوب المتابعة، وهو قوله تعالى: (فَاتَّبِعُوهُ)1 وهو أعمّ من العامِّ الدالِّ على بعض الأشياء، فالتخصيصُ بالفعلِ يكون تقديماً للعامِّ على الخاصِّ،
وهو باطلٌ.
والجواب: ليس المخصِّصُ مجرّدَ قوله تعالى: (فَاتَّبِعُوهُ) بل هو مع الفعل، ومجموعُهُما أخصّ من العامّ الّذي يدّعى تخصيصُهُ بالفعل.

1 . الأنعام: 155 .

صفحه 296
في التخصيص بالتقرير   
 
المبحث السّابع: في التخصيص بالتقرير
إذا فعل الواحدُ من أُمّتِهِ فعلاً بحضرته (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلاف مقتضى العموم، ولم يُنْكر عليه، مع علمه(صلى الله عليه وآله وسلم)به، فهو مخصِّصٌ لذلك العامِّ في حقّ ذلك الفاعل عند الأكثر، خلافاً لشذوذ .
لنا : أنّ تقريره(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم إنكاره منه على الفاعل دليلٌ قاطعٌ في تخصيصِ ذلك العمومِ في حقّ ذلك الفاعلِ، وإلاّ لكان فعله منكراً، ولو كان منكراً
لاستحال من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)السكوتُ عنه، وعدمُ الإنكارِ عليه، فتركُ الإنكارِ دليلٌ على الجواز.
واحتمالُ نسخِ ذلك الحكمِ مطلقاً، أو غير ذلك الواحد بعينه بعيدٌ، واحتمالُ تخصيصه من العمومِ أولى وأقرب .
إذا ثبت هذا، فإن عقل معنى، أوجبَ تخصيصَ ذلك الواحد عن ذلك العمومِ، كان كلُّ مشارك في ذلك المعنى، مخصوصاً أيضاً، مطلقاً عند القائلين بالقياس .
وعندي إذاكانت العلّة منصوصةً أو ان ثبت أنَّ حكمَه(صلى الله عليه وآله وسلم) في الواحدحكمُهُ في الكلّ، كان غيرُهُ مخصوصاً، وإلاّ فلا .
وعلى تقدير مشاركة الغير، لا يكون تخصيصاً في الحقيقة، بل يكون نسخاً.
لا يقال: التقرير لا صيغة له، فلا يقع في مقابلةِ ما له صيغة، فلا يكون

صفحه 297
مخصِّصاً للعموم، ولو كان مخصِّصاً فيجب أن يكون غير ذلك الواحد مشاركاً له في حكمه، وإلاّ لوجب تصريحه(صلى الله عليه وآله وسلم)بتخصيصه بذلك الحكم، دون غيره، دفعاً لمحذور التلبيس ] على الأُمّة [ باعتقاد المشاركة لذلك الواحد في حكمه .
ولقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):
«حكمي على الواحد حكمي على الجماعة».1
لأنّا نقول: التقرير وإن لم يكن له صيغةٌ، إلاّ أنّه حجّةٌ قاطعةٌ في جواز الفعلِ دفعاً لمحذور تطرّق الخطأ على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بخلاف العامِّ، فإنّه ظنّيٌّ يقبل التخصيصَ .
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «حكمي على الواحد» يُمنع عمومه .
والتّلبيس، مندفعٌ، فإنّ الأصلَ عدم المشاركة.
ولو شاركه الأمّةُ، لم يكن تخصيصاً، بل نسخاً، على ما تقدّم.2

1 . تقدّم تخريج الحديث ص 194 .
2 . ذكر (قدس سره)في المقام أُموراً:
   1. أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» ليس عامّاً، إذ يحتمل أن يكون    المراد «حكمي» في مورد خاصٍّ على الواحد، «حكمي على الجماعة» لا في كلِّ
   مورد، وإلى هذا أشار بقوله «يُمنع عمومه» .
   2. إذا كان هذا مفاد الجملة، فلا تدليس ولا تلبيس، لأنّه مبنيٌّ على اعتقادهم المشاركةُ في عامّة    المواضع، والمفروض عدم ثبوتها، وإلى هذا أشار بقوله «والتلبيس مندفع» .
   3. على تسليم كلّ ذلك يكون التقرير نسخاً للعامّ لا تخصيصاً لوروده بعد العمل بالعامّ.

صفحه 298
في تخصيص الكتاب بخبر الواحد   
 
المبحث الثامن: في تخصيص الكتاب بخبر الواحد
اختلف الناس في ذلك، فجوّزه الفقهاء الأربعة، وقال قوم: لا يجوز أصلاً، وهو اختيار السيّد المرتضى1 إلاّ أنّه قال: قدكان يجوز أن يتعبّدَنا اللهُ تعالى بذلك، فيكون واجباً، غير أنّه ما تَعَبَّدَنا به.
وقال عيسى بن أبان:2 إن كان خصّ قبل ذلك بدليل مقطوع، جاز، لأنّه يصير مجازاً، فصارت دلالته ظنيّةٌ، وخبر الواحد دلالته قطعيّةٌ وإن كان متنه ظنيّاً وإلاّ فلا .
وقال أبو الحسين الكرخي3: إن كان قد خُصَّ بدليل منفصل، صار مجازاً، وجاز تخصيصُهُ، وإن خُصَّ بدليل متَّصل، أو لم يخصّ أصلاً، لم يجز .
وتوقّف القاضي أبوبكر4:
والوجه الأوّل، لنا وجوهٌ:
الأوّل: العمومُ وخبرُ الواحد دليلان تعارضا، وخبر الواحد أخصُّ من العمومِ، فيجب العمل به في صورته، وبالعامِّ في غير صورة التخصيصِ، جمعاً بيـن الدّليلين.

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 280 ـ 281 .
2 . تقدّمت ترجمته ص 216 .
3 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219 .
4 . التقريب والإرشاد: 3 / 185 ـ 186 .

صفحه 299
الثاني: العمل بالعامِّ إبطالٌ للخاصِّ، والعمل بالخاصِّ بيانٌ للعامِّ لا إبطالٌ له، والبيان أولى من الإبطال.
الثالث: إجماع الصحابة ومن بعدهم على تخصيصِ الكتابِ بخبر الواحد في قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)1 بخبر عبد الرّحمن بن عوف(2) في
المجوس: «سُنّوا بهم سُنّةَ أهلِ الكتاب».2
وخَصُّوا قولَهُ تعالى: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)3 بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا
تنكح المرأة على عمّتها ولا خالتها» .4
وخَصّوُا قولَهُ ( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ)5 لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يرث القاتل»6 ولا يرث الكافر من المسلم7.
وخَصّوُا قوله: (وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ)8 لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا قطع إلاّ في ربعِ دينار».9

1 . التوبة: 5 .   2 . تقدّمت ترجمته ص 195 .
2 . تقدم تخريج الحديث في الجزء الأوّل: 417 .
3 . النساء: 24 .
4 . تقدّم تخريج الحديث ص 154 .
5 . النساء: 11 .
6 . تقدّم تخريج الحديث ص 154 .
7 . وسائل الشيعة: 17 / 374، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1 .
8 . المائدة: 38 .
9 . مستدرك الوسائل: 18 / 122، الباب 2 من أبواب حد السرقة، الحديث 7 .

صفحه 300
اعترض1: بأنّ إجماعهم على التخصيص إن ثبت، فالمخصِّصُ الإجماع، وإلاّ سقط الدليل .
لا يقال: لابدّ لهذا الإجماع من مستند .
لأنّا نقول: نَمنع الاستنادَ إلى هذه الأخبار، ويؤيِّده ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا روي عنّي حديثٌ فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافقه فاقبلوه، وما خالفه فردّوه».2
وأيضاً، فإنّ أكثر الإجماعات خفي مستندها، ولا يلزم من موافقة الخبرِ المخصِّصَ3 الاستنادُ إليه .
وأيضاً، جاز أن تكون هذه الأخبار متواترةً أوّلاً، ثمّ صارت آحاداً .4
وأيضاً، جاز أن يكون المخصِّصُ عندهم ليس الخبر مطلقاً، بل مع انضمام قرائن إليه ] مفيدة للعلم[.
وفيه نظرٌ5، لأنّه لا يلزم من إجماعهم على التخصيص استنادُهُ إليه،6

1 . المعترض هو الرازي في محصوله: 1 / 434. والآمدي في الإحكام: 2 / 417 .
2 . وسائل الشيعة: 14 / 356، الباب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 4 .
3 . المراد من المخصِّص هو الإجماع، وقد تقدّم في قوله: «فالمخصِّص الإجماع».
4 . وحينئذ يكون المستند للمجمعين هو الأخبار حال تواترها قبل صيرورتها آحاداً.
5 . إشكال على الاعتراض السّابق أعني «اعترض بأنّ إجماعهم على التخصيص...» وحاصل النظر: أنَّ إجماع العلماء على جواز التخصيص بخبر الواحد غيركون الإجماع مخصِّصاً، بل المخصِّص هو خبر الواحد، والإجماع دليل على جوازه، فالإجماع دليل الدليل.
6 . قوله: «استناده إليه» الضمير في «استناده» يرجع إلى التخصيص، وفي قوله «إليه» يرجع إلى الإجماع .

صفحه 301
لأنّا فرضنا إجماعَهُمْ على التخصيصِ بأخبار الآحاد.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «وما خالفه فردّوه» نمنع دلالته على صورة النزاع، فإنّ المخصِّص مبيِّنٌ لا مخالِفٌ، لأنّه دل على أنّ المراد من العموم، ما عدا صورة التخصيص، فلا يكون مخالفاً، والتخصيص إذا لم يكن له سببٌ ظاهرٌ، ووجد ما يصلح للسببيّة، غلب على الظنِّ استنادُ الحكم إليه.
وفرض التواترِ أوّلاً، بعيدٌ، لعدم خفائه عن الصحابة.
سلّمنا، لكن لا يضرّنا، لأنّ البحث عن المخصِّصِ الآن لعموم المتواتر هل يجوز أن يكون خبر واحد، لأنّ المفسدة الّتي يذكرونها، وهو ترجيح المظنونِ على المعلوم متحقّقة هنا، والأصل عدم القرائن.
احتجّ المانعون بوجوه:
الأوّل: الإجماع على المنع، كما رُوي عن عمر أنّه قال في خبر فاطمة بنت قيس1، حيث روت عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لم يجعل لها سُكنى ولا نفقة: كيفَ ندع كتابَ ربِّنا وسنّةَ نبيّنا بقول امرأة لا ندري صدقت أو كذبت2.
الثاني: رُوي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا ورد عنّي حديثٌ فاعرضوه على كتاب الله،

1 . فاطمة بنت قيس بن خالد، القرشية الفهريّة، كانت من المهاجرات الأُوَل .
   قال ابن الأثير في أُسد الغابة: إنّها قالت طلّقني زوجي ثلاثاً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال   رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا سكنى لكِ ولا نفقة». لاحظ أُسد الغابة: 5 / 371 برقم 7194 .
2 . صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلّقة ثلاثاً لا نفقة لها ولا سكنى، برقم 3601 .

صفحه 302
فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردّوه»1 والمخصِّصُ للكتاب، على مخالفة الكتاب، فوجب ردّه.
الثالث: الكتاب مقطوعٌ به، وخبرُ الواحد ظنيٌّ، والمقطوعُ أولى من المظنونِ.
الرابع: لو جاز التخصيصُ بخبر الواحدِ، لجاز الفسخ به، والتالي باطلٌ إجماعاً، فالمقدَّمُ مثلُهُ.
بيان الشرطية: أنّ النسخَ نوعٌ من التخصيص، فإنّه يخصِّص في الأزمانِ، والتخصيص المطلق أعمّ منه، فلو جاز التخصيص بخبرِ الواحدِ، لكانت العلّةُ أولويّةَ تخصيصِ العامِّ على الخاصِّ، وهو قائم في النسخ.
والجواب عن الأوّل: قول عمر ليس حجّةً، فضلاً عن أن يكون
إجماعاً.
على أنّا نقول بموجبه، فإنّ الخبرَ المشكوكَ في صدقه لا يجوز التخصيص به، بل بمايظنّ صدقه، وانتفاء التهمة والنسيان عنه، بل هو دليلٌ لنا، لأنّه علّل بعدم علمه بصدقها أو بكذبها، لا بكونها خبر واحد .2
وفيه نظرٌ، لوجود العلّة في التنازع.

1 . تقدم الحديث آنفاً.
2 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 418; ونقله الرازي في محصوله: 1 / 435 .

صفحه 303
وعن الثاني: أنّه ورد في السنّة المتواترة أيضاً وما تقدّم .
وعن الثالث: أنّه منقوضٌ بالبراءة الأصليّة .
وأيضاً، فإنّ الكتابَ وإن كان مقطوعاً به، لكن في متنه، دون دلالته، فإنّه مظنونٌ فيها، وخبرُ الواحد مقطوعٌ في دلالته مظنونٌ في متنه، فتعادلا1 .
وأيضاً، فإنّ الدليل القطعيّ، لمّا دلَّ على وجوبِ العملِ بخبر الواحدِ، لم يكن العملُ به مظنوناً، فإنّ الله تعالى لو قال: «مهما ظننتم صدقَ الرّاوي فاعلموا أنّ حكمي ذلك» ثمّ ظننّا صدقَ الراوي، صار ذلك الحكم قطعيّاً.
وعن الرابع: بالإجماع على الفرق بين النسخ، والتخصيص، فإنّه دلّ على الثاني بخبرِ الواحدِ، دون الأوّل .
ولأنّ التخصيص، أهون من النّسخ، ولا يلزم من تأثير الشّيءِ في الضّعيفِ تأثيرُهُ في القويّ.

1 . في «ج»: فيقابلا.

صفحه 304
في بناء العام على الخاص   
 
الفصل الثالث

في بناء العام على الخاص

إذا ورد خبران عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهما كالمتنافيين، فإمّا أن يكونا عامّين، أو خاصّين، أو أحدهما عامّاً والآخر خاصّاً وهذا الأخير إمّا أن يُعْلم تاريخهما أو لا.
والأوّل، إمّا أن يقترنا أو لا، وحينئذ فإمّا أن يتقدّم العامُّ أو الخاصُّ، فالأقسام أربعةٌ:
الأوّل: أن يعلم الاقتران مثل أن يقول: «في الخيل زكاةٌ» ثمّ يقول عقيبه: «ليس في الذكور من الخيل زكاةٌ» وهنا يكون الخاصُّ مخصِّصاً للعامِّ عند الجمهور وقال بعض من شذّ: إنَّ ذلك القدر من العامِّ يصير معارضاً بالخاصّ .1
لنا وجوهٌ:
الأوّل: الخاصُّ في دلالته على محلّه أقوى من دلالة العامِّ عليه، والأقوى راجحٌ.

1 . نقله الرّازي عن البعض ولم يسمّ قائله، لاحظ المحصول: 1 / 441 .

صفحه 305
بيان الصغرى: أنّ العامَّ يجوز إطلاقُهُ من غير إرادة صورة الخاصِّ، ولا يمكن ذلك في الخاصِّ .
وأمّا الكبرى: فظاهرةٌ لأنَّ العمل بالمرجوح أو ترك راجح لأجله، خلافُ المعقول.
الثاني: العملُ بالعامِّ في جميع الصورِ، يقتضي إلغاءَ الخاصِّ بالكليّةِ، والعمل به في غير صورة الخاصِّ، مع العمل بالخاصِّ، عملٌ بالدّليلين، فيكون الثّاني أولى.
الثالث: العرفُ يقتضي بما قلناه، فإنَّ من قال لعبده: إذا دخلتَ السوقَ فاشتر كلَّ لحم، ولا تشتر لحم بقر، فإنّه يفهم إخراج لحم البقر من كلامه الأوّل، وشراء غيره، إمّا على سبيل البداء، أو أنّه لم يرده من لفظ العموم .
لا يقال: جاز أن يكون الأمر بالعامِّ للندبِ وعدم الزكاة في الذّكور على نفي الوجوب، وهو وإنْ كان مجازاً في استعمال العامِّ المقطوع، إلاّ أنَّ تخصيصَه مجازٌ أيضاً، فَلِمَ كانَ أحد المجازين أولى من الآخر؟
لأنّا نقول: ظاهر العمومِ يقتضي الإيجابَ في الإناث والذكور، فلو حملناه على النّدب لكنّا قدعدلنا عن ظاهره في الإناث لا لدليل، لانّه يتناول الإناث، وليس كذلك إذا أخرجنا الذكورَ عن الوجوب، لأنّا حينئذ نكون قد عدلنا عن ظاهر العامِّ في صورة الذكور خاصّةً لدليل تناولها واقتضى إخراجها .
وأيضاً، فإنَّ ذلك غير صورة النزاع، إذ التقدير ينافي النّصّين في الأحكام، وما ذكرتموه لا تنافي فيه، فإنَّ ثبوتَ الاستحباب ونفي الإيجاب غير متنافيين، إنّما النزاع في حكمين متنافيين بأن نقول: تجب الزكاة في الخيل، ثمّ ] نقول: [لا

صفحه 306
تجب في ذكور الخيل، ولا يمكن هنا الاعتذار بما ذكرتموه.1
وفيه نظر، لأنّ التنازع في المتنافيين ظاهراً لاستحالته حقيقة منه (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو ثابت هنا، وإنّما حملناه على الندبِ، لثبوته ظاهراً، ولا يلزم من امتناع العذر فيماذكرتم امتناعُهُ هنا.
الثاني: أنْ يتأخّر الخاصُّ، فإن ورد ] الخاصُّ[ قبل حضور وقتِ العملِ بالعامِّ، كان بياناً للتخصيصِ كالأوّل، ويجوز ذلك عند من يُجَوِّزُ تأخيرَ بيان العامِّ، ولا يجوز عند المانعين منه، ولا يكون نسخاً إلاّ عند من يُجَوِّزُ نسخَ الحكمِ قبل حضور وقتِ العملِ به .
وإن ورد ] الخاصُّ [ بعد حضور وقتِ العملِ بالعامِّ، كان نسخاً وبياناً لمراد المتكلِّمِ فيما بعدُ، دونَ ما قبلُ، لأنَّ البيانَ لا يتأخَّرُ عن وقتِ الحاجةِ .
الثالث: أنْ يتأخَّرَ العامُّ، وقد اختلف فيه .
فقال الشافعي: العامُّ يُبْنى على الخاصِّ، وبه قال أبو الحسين البصري(2) وهو الأقوى .
وقال أبو حنيفة والقاضي عبد الجبار: إنَّ العامَّ المتأخِّرَ ينسخُ الخاصَّ المتقدِّمَ .
وتوقف ابن القاصِّ2 .

1 . لاحظ المعتمد: 1 / 256 ـ 257 .   2 . المعتمد: 1 / 256 ـ 257 .
2 . هو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد المعروف بـ «ابن القاصِّ» الطبري، الفقيه الشافعي، أخذ الفقه عن ابن سريج، توفّي سنة 335 هـ . لاحظ وفيات الأعيان: 1 / 68 برقم 22 ; وفي الاعلام للزركلي: 1 / 90 «أحمد بن أحمد» مكان «أبي أحمد».

صفحه 307
لنا ما تقدّم، من أنّ الخاصَّ أقوى دلالةً، فيكون العمل به أرجح .
ومن أنّ العمل بالعامِّ في جميع الصور، يوجب إلغاءَ الخاصِّ، واعتبار الخاصِّ لا يوجب إلغاءَ واحد منهما، فكان أولى .1
وفيه نظرٌ، فإنّه على تقدير تأخير العامِّ عن وقتِ العملِ بالخاصِّ، فيكون نسخاً، لا إلغاءً للخاصِّ، إذ قد عُمِلَ بِهِ أوّلاً، فكان التخصيص في زمانه، وليس التخصيص في أعيانِ العامِّ، أولى من التخصيص في أزمانِ الخاصِّ .
واحتجّ أبو الحسين: بأنَّ قوله: «لا تقتلوا اليهود» يمنع من قتلهم أبداً، وقوله من بعد: «اقتلوا الكفّار» يفيد قتلَهُمْ في حالة من الحالات، والخبر الخاصُّ يمنع من قتلهم في تلك الحالة، فإذا تمانعا، والخاصّ أخصّ باليهود، وأقلّ احتمالاً، وجب القضاء به .
ولو قال: «اقتلوا اليهود» ثمّ قال:«لا تقتلوا الكفّار» وقد بقيت من اليهود بقيّةٌ لم يقتلوا، فالأمر يقتضي قتلَهُمْ في حال من الحالات، والنّهي يمنع من ذلك، فإذا تمانعا في تلك الحال، قُضي بالخاصِّ.2
واحتجّت الشافعيّةُ: بأنَّ الخاصَّ معلوم دخول ما تناوله تحته، ودخول ذلك تحت العامِّ مشكوكٌ فيه، والعامُّ لا يترك بالشك .
وهو ضعيفٌ، لأنّهم إنْ أرادوا أنَّ العامَّ لو انفرد لم يعلم دخول ما تناوله تحته، فممنوعٌ، وإنْ ارادوا أنّه لا يعلم ذلك لأجل الخاصِّ، ففيه النّزاع، وهو ترك

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 442 .
2 . المعتمد: 1 / 257 .

صفحه 308
قولهم أيضاً، لقطعهم على خروج ذلك من العموم، ولا يشكّونَ فيه .
واحتجّوا أيضاً: بأنَّ تقدّمَ الخاصِّ ] على العامّ [ كالعهد بين المتكلّم والمخاطب، فانصرف الخطاب العامّ إليه .
وهو ضعيفٌ، فإنَّ معنى قولهم: إنّه كالعهد، أنّ المتكلّم قد دلّ بالخاصِّ المتقدّم على أنَّ مراده بالعامِّ ما دون الخاصِّ، وأنّه لا يفهم السامع إلاّ ذلك، وفيه النّزاع.
واحتجّ أبو حنيفة بوجوه:
الأوّل: تناوُلُ العامِّ لآحادِهِ يجري مجرى ألفاظه خاصّةً، يتناول كلّ واحد منها ما دلّ عليه، فإنَّ قوله: «اقتلوا المشركين» بمنزلة قوله: «اقتلوا زيداً المشرك، وعمراً، وخالداً» ولو قال ذلك بعد قوله: «لا تقتلوا زيداً» كان الثاني ناسخاً، فكذا ما قلناه.
الثاني: الخاصُّ المتقدّمُ يمكن نسخُهُ، والعامُّ يمكن أن يرفعه، فكان ناسخاً له.
الثالث: تردُّدُ الخاصِّ المتقدِّمِ بين كونه منسوخاً ومخصِّصاً يمنع من كونه مخصِّصاً، لأنَّ البيان لا يكون ملبساً1.
الرابع: قال ابن عباس: «كنّا نأخذ بالأحدث فالأحدث»2 فإذا كان العامُّ متأخِّراً، وجب الأخذ به.

1 . في «ب» و «ج»: ملتبساً .
2 . تقدم تخريج الحديث آنفاً .

صفحه 309
الخامس: لفظان متعارضان، وعلم التاريخ، فوجب تسليطُ الأخير على الأوّل، كما لو كان الأخيرُ خاصّاً .
واحترزنا بقولنا: «لفظان» عن العامِّ المخصوصِ بالعقلِ، فإنّ المتقدِّم هناك هو المتسلِّط.
والجواب عن الأوّل: بالمنع من التساوي، فإنَّ تعديد الجزئيّاتِ يمنع من تخصيص بعضها، لما فيه من المناقضة، بخلاف ذكر العامِّ، فإنَّه وإن جرى مجرى ألفاظ خاصّة بآحاد ما تناوله في كونه متناولاً لها، فإنّه لا يجري مجراها في امتناع دخول التخصيص عليه، لأنَّ الخاصَّ لم يدخل تحته أشياء فيخرج بعضها، والعامّ قد تناول أشياء يمكن أن يراد به بعضها، فصحّ قيام الدّليل عليه.
وعن الثاني: أنّه لا يلزم من إمكان رفعه له، أن يكون رافعاً، مع أنّه كما يمكن أن يتصوّر فيه كونُهُ رافعاً للخاصِّ المتقدِّمِ، يمكن أن يتصوّر فيه كونُهُ مخصوصاً بالخاصِّ المتقدِّم .
فإن قالوا: تأخُّرُهُ يقتضي كونَهُ ناسخاً .
قلنا: انَّهُ نفس النزاع .
وأيضاً، فإنَّما يمكن أن ينسخ المتقدّم إذا لم يثبت كونه مخصوصاً بالمتقدّم، فبيِّنوا ذلك، وقد تمّ مطلوبكم.
وعن الثالث: أنّ الخصم يقول: إنّه ليس تردُّدٌ عندي بين هذين، بل قد صَحَّ كونُهُ مخصّصاً .

صفحه 310
ثمّ إن منع هذا التردّد من كونه بياناً للتخصيصِ، منع التردّد من كون العامِّ ناسخاً للخاصِّ.
وعن الرابع: أنَّ قولَ الصحابة ليس حجّةً .
مع أنّا نخصّه بما إذا كان الأحدث هو الخاصّ، لأنَّ لفظه ليس للعموم.
سلّمنا، لكن ذلك مع تعارض الدّليلين وتنافي الحكمين، فإنَّ المتأخِّرَ يكون ناسخاً، ويتعيّن العمل به حينئذ، ويمنع التعارض هنا، فإنَّ صورة الخاصِّ ليست مرادةً من العامِّ المتأخّرِ .
وعن الخامس: بالمنع من التعارض، لما بيّنا من منع كون صورة الخاصِّ مرادةً من لفظ العامِّ .
سلّمنا، لكنَّ الفرقَ بين صورة النزاع و بين ما إذا تأخَّر الخاصُّ واقعٌ، فإنَّ الخاصَّ أقوى، فوجب تقديمُهُ .
ولأنّا لو لم نُسلِّطْ الخاصَّ المتأخِّرَ على العامِّ المتقدِّمِ، لزم إلغاءُ الخاصِّ بالكليّة، أمّا لو لم نُسلِّطْ العامَّ المتأخِّرَ على الخاصِّ المتقدِّمِ، لم يلزم ذلك.
احتجّ القائلون بالوقف: بأنَّ كلَّ واحد من هذين الخطابين، أعمّ من صاحبه من وجه، وأخصُّ من ] وجه[ آخر، فإنّه إذا قال: «لا تقتلوا اليهود» ثمّ قال بعده: «اقتلوا المشركين» كان بينهما عمومٌ من وَجْه.
فإنّ قولَهُ: لا تقتلوا اليهود، أخصّ باعتبار أنَّ اليهودَ أخصُّ من المشركين، وأعمُّ من حيثُ إنَّهُ دخل في المتقدِّمِ من الأوقاتِ ما لم يدخل فيها المتأخِّرُ، وهو الزّمان المتخلّل بين ورود المتقدِّم والمتأخِّرِ، فالخاصُّ المتقدِّمِ أعمُّ في الزّمانِ

صفحه 311
وأخصُّ في الأعيانِ، والعامُّ المتأخِّرُ بالعكس1 .
وإذا كان كلٌّ مِنْهما أعمَّ من وجه، وجب الوقفُ، والرجوعُ إلى الترجيح، كما في العامَّينِ أو الخاصَّينِ.
والجواب: أنَّ العمومَ من وجه إنّما عرض باعتبار فرض المتقدِّم نهياً، فإنّه يعمّ الأزمنة، أمّا لو فرضناه أمراً، فإنّه لا يقتضي العموم، بل يكون خاصّاً باعتبار الأزمانِ والأعيانِ، لعدم إفادة ] الأمر[ التكرار .
وعلى تقدير كونِ العامِّ المتأخِّرِ نهياً، يكون أعمَّ من المتقدِّمِ في الأعيانِ والأزمانِ، لعدم تناول الأمرِ كلَّ الأزمانِ.2
وفيه نظرٌ، فإنَّ النّهي كالأمرِ في أنّه لا يقتضي التكرارَ على ما بيّناه.
والأقرب منع العموميّة هنا، وإلاّ لزم المحال، وهو نفيها على تقدير ثبوتها، لأنّها إنّما تثبت لو ثبت الخاصُّ المتقدِّمُ مع العامِّ المتأخِّرِ في زمانِ المتأخِّرِ، بحيث تتحقّق عموميّةُ حكمِ الخاصِّ بالنّسبةِ إلى الزّمانِ، لكن لو ثبت ذلك تقدّم حكم العامِّ عليه من هذه الحيثيّة، بمعنى أنّه يبطل حكمه، فلا يساويه في الثبوت، فلا تتحقّق العموميّةُ.
الرابع: أن يجهل التاريخ، وقد اختلفوا هنا .
فقال الشافعي: يُبنى العامُّ على الخاصِّ، ويخصُّ الخاصُّ العامَّ.
وقال أبو حنيفة، بالوقفِ والرجوعِ إلى غيرهما، أو إلى ما يترجَّح به

1 . فالعامّ أخصّ لعدم شموله الزّمان المتقدّم عليه، وأعمّ لشموله اليهود وسائر المشركين.
2 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 444، وتنظّر فيه المصنّف (رحمه الله) .

صفحه 312
أحدهما على الآخر، وهو سَديدٌ على أصله، لأنَّ الخاصَّ دائرٌ بين أن يكون منسوخاً، أو مخصّصاً، أو ناسخاً مقبولاً ،أو ناسخاً مردوداً، وحينئذ يجب التوقُّفُ.
واحتجّ الشافعيّ بوجوه:
الأوّل: ليس للخاصِّ مع العامِّ إلاّ المقارنة، أو التقدّم، أو التأخّر، وعلى التقادير الثلاثة، يكون الخاصُّ مخصِّصاً للعامِّ، فكذا مع جهل التاريخ.
ويُضعَّفُ: بأنّ الخاصَّ المتأخِّرَ إن ورد قبلَ حضورِ وقتِ العملِ بالعامِّ، كان مخصِّصاً، وإن ورد بعده، كان ناسخاً .
وحينئذ، فإن كانا قطعيّينِ، أو ظنّيّينِ، أو العامّ ظنّياً، والخاصّ قطعيّاً، وجب ترجيح الخاصِّ على العامِّ، لتردّده بين أن يكون ناسخاً، أو مخصِّصاً.
ولو كان العامُّ قطعيّاً، والخاصُّ ظنيّاً، فإن كان الخاصُّ مخصِّصاً، جاز، لِما بيّنا من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد .
وإن كان ناسخاً، لم يجز العملُ به، فيكون مردوداً .
فقد تردَّد الخاصُّ بين أن يكون مخصِّصاً، وبين أن يكون ناسخاً مقبولاً، وبين أن يكون ناسخاً مردوداً، وحينئذ لا يجب تقديم الخاصِّ على العامِّ.
الثاني: العامُّ يُخَصُّ بالقياس مطلقاً، فلأنْ يُخَصَّ بخبرِ الواحدِ أولى.
وهو ضعيفٌ، للمنع من الأصل .
ولأنّ القياس يقتضي أصلاً يُقاسُ عليه، وذلك الأصل إن كان مقدَّماً على العامِّ، لم يجز القياس عليه، وكذا إذا لم يعلم تقدُّمهُ وتأخُّرهُ.

صفحه 313
الثالث: فقهاء الأمصار في هذه الأعصار يخصِّصُونَ أعمَّ الخبرين بأخصِّهما، مع فقد علمهم بالتاريخ .
لا يقال: إنَّ ابن عمر لم يَخُصَّ قولَه تعالى: (وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ)1بقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): لا تُحرِّمُ الرّضعة ولا الرّضعتان .2
وعنه ] أيضاً [ أنّه لمّا سُئلَ عن نكاح النصرانيّة حرّمه، لقوله تعالى: (وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)3 وجعل هذا العامَّ رافعاً لقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ )4 مع خصوصه .
لأنّا نقول: إنّما ادَّعَيْنا إجماعَ أهل هذه الأعصار، مع أنّه يحتمل أن يكون ابن عمر امتنع من ذلك لدليل، أو لأنّه لا يرى تخصيص الكتاب بخبرِ الواحدِ.
وقوله تعالى: : (وَ لاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ) جاز أن يكون متأخِّراً فيرفع حكم المتقدِّم وإن كان عامّاً، لأنّه ربما كان يعتقد ذلك.
الرابع: إذا جهل التاريخ، وجب حملها على الاقتران، كالغريقين إذاجهل التقدّم والاقتران، فإنَّ أمرهما يُحْمل على الاقتران .
ويُضعَّفُ بأنَّ الأُمَّةَ لم تجمع على ذلك، بل جماعة من الصحابة ورّث كلَّ واحد منهما من الآخر، ومنهم من لم يورِّث أحدَهما من الآخر.

1 . النساء: 23 .
2 . لاحظ سنن البيهقي: 7 / 458 .
3 . البقرة: 221 .
4 . المائدة: 5 .

صفحه 314
الخامس: إذا وجب تخصيصُ العموم بالاستثناء، فكذا بالخبرِ الخاصِّ.
وهو ضعيفٌ، لعدم الجامع.
مع قيام الفرق، فإنَّ الاستثناءَ لمّا لم يستقلّ بنفسه، عُلِمَ اقترانه ] للعموم[، فلم يمكن أن يكونَ منسوخاً، بخلاف الخاصِّ المستقلِّ، فإنَّه يمكن أن يكون متقدِّماً، وإنَّما يماثل الاستثناء الخاصّ المقارن.1
السادس: القياس يعترض به على العامِّ، فالخبر الخاصُّ أولى بذلك .
وهو ضعيفٌ، فإنَّ أصلَ القياس إن كان متقدِّماً على العامِّ، وكان منافياً له، فإنّه لا يجوز القياسُ عليه عند الخصم، لأنّه منسوخ بالعامِّ، مثل أن يقول: «لا تبيعوا البُرَّ» ثم يقول بعد وقت: «أحللتُ جميع البياعات» فإنَّ المخالف ينسخ تحريم البُرِّ، ولا يجوز قياس الأرز عليه في التحريم، وإنْ اشتبه تقدّمه، لم يجز القياس عليه أيضاً .
وإن كان أصلُ القياسِ غير متقدِّم للعامِّ على وجه ينافيه، صحّ القياسُ عليه، وخُصَّ به العامُّ، مثل أن ينهى عن بيع البُرِّ، ثمّ يقول بعد مدة: «أبَحْتُ بيع ما سوى البُرِّ» فإنّه لا ينسخ النهي عن بيع البُرِّ، فيجوز أن يقاس على البرّ المكيلات، ويخصّ من جملة هذا العموم، ولا يشبه ذلك مسألتنا، لأنّ صورةَ النزاع يمكن أن يكون الخبر المتقدّم منسوخاً بالعامِّ.
السابع: لو لم يُخَصّ العامُّ بالخاصِّ، لزم إلغاءُ الخاصِّ .

1 . يحتمل ان يكون الخاصّ متقدِّماً وبالتالي مستقلاًّ، كما يحتمل أن يكون مقارناً للعامِّ، مماثلاً للاستثناء .

صفحه 315
وهو ضعيفٌ، فإنَّ إلغاءَ الخاصِّ إن أُريد أنْ لا يستعمل أصلاً، فالحكمةُ تمنع منه، ونحن لا نقول به .
وإن أردتم أن لا نستعمله الآن، وإن كان مستعملاً في وقت، فذلك جائزٌ عندنا، وهذه حالة المنسوخ ولو جعل اللاّزم إمكان الإلغاء تمّ الدليل.
الثامن: لو لم يُخَصّ العامُّ بالخاصِّ، لوجب إمّا نسخُ الخاصِّ بالعامِّ، أو إلغاؤُهُما، والأوّل باطلٌ، مع فقد التاريخ، وكذا الثاني، لأنّ كلامَ الحكيم لا يجوز إلغاؤُهُ .
وهو ضعيفٌ، فإنَّ الخصمَ يقول: إنّ التخصيصَ يحتاج إلى تاريخ، لأنّه لا يُخَصُّ العامُّ بخبر متقدِّم .
وإن أُريد بإلغائهما الرّجوعُ إلى غيرهما، أو إلى ترجيح، فالخصم لا يمنع منه، لأنَّ المنعَ منه، انّما يكون إذا أمكن استعمال الكلامين، ولا يمنع1 مع فقد الإمكان. وقد علم أنّه ليس الحمل على التخصيصِ أولى من النسخ، ولا بالعكس.
واحتجّت الحنفيّة بوجوه:
الأوّل: العامُّ يجري في تناوله الآحاد مجرى ألفاظ خاصّة بالأعداد، وهذه لا يعترضها الخاصّ، فكذا العامّ .
وقد تقدّم ضعفه، على أنّه يقتضي منعَ التَّخصيصِ مطلقاً.

1 . في «ب»: يمتنع .

صفحه 316
الثاني: لو خصّ أخصُّ1 الخبرين أعمّهما، لخصّ أخصُّ العلّتين أعمّهما.
وهو قياسٌ بغير جامع .
على أنّه يقتضي منعَ التَّخصيصِ أيضاً مع المقارنة، ومنعَ تخصيصِ العلّة.
ثمّ قالوا: إذا وجب التوقُّفُ في الخبرين، وجب العدول إلى الترجيح .
وقد ذكر عيسى بن أبان2 وجوهاً له.3
الأوّل: اتِّفاق الأمّة على العمل بأحدهما، كخبر الأوساق.
الثاني: عمل الأكثر بأحدهما، وعيبهم على تاركِ العمل به، كعملهم بخبر أبي سعيد، وعيبهم على ابن عبّاس حين نفى الرِّبا في النقدين.
الثالث: أن تكون الرواية لأحدهما أشهر .
وزاد أبو عبد الله البصري4 أمرين:
أن يكون أحدهما بياناً للآخر بالاتِّفاق، كاتِّفاقهم على أنَّ قولَه(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا قطع إلاّ في ثمن المجنّ»5 بيانٌ لآية السرقة، فوجب لذلك بناؤها عليه .
وأن يتضمّنَ أحدهما حكماً شرعيّاً .
وهذه الأمورُ أمارةٌ لتأخّر أحدِ الخبرين، فإنّه لو كان متقدِّماً منسوخاً، لَما

1 . في «أ»: أحد .
2 . تقدّمت ترجمته ص 216 .
3 . نقلها عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 261 ـ 262 .
4 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219 .
5 . لاحظ مستدرك الوسائل: 18 / 121، الباب 2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 و 8 .

صفحه 317
اتّفقت الأُمّةُ على استعماله، ولَما عابوا من ترك استعماله، ولَما كان نقلُهُ أشهر، ولَما أجمعوا على أنّه بيانٌ لناسخه. وكون الحكم غيرَ شرعيٍّ يقتضي كونَ الخبر الّذي تضمّنه مصاحباً للعقل1، وأنّ الخبر المتضمِّن للحكم الشرعيّ متأخّرٌ عنه.
وهذا الوجهُ ضعيفٌ.
وأمّا حكم العاميّنِ المتعارضينِ، والخاصَّينِ المتعارضينِ، فسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في باب التّراجيح.
ooo
قال المحقّق :
جاء في نسخة «ج» ما هذا نصّه:
تمّ الجزء الأوّل من نسخة المصنّف بخطّه دام ظله.
وفي نسخة «ألف»: تمّ الجزء الأوّل من كتاب «نهاية الوصول إلى علم الأُصول» ويتلوه الجزء الثاني في الفصل الرابع «فيما ظنّ أنّه من مخصِّصات العموم وليس كذلك»، وفيه مباحث .
والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيّدنا محمّد النبيّ وآله الطّاهرين.

1 . في «أ»: مصاحباً للفعل .

صفحه 318
في تخصيص عموم الكتاب والسّنّة بالقياس   
 
الفصل الرابع:

فيما ظُنَّ أنّه من مخصِّصاتِ العموم، وليس كذلك

وفيه مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في تخصيص عموم الكتاب والسّنّة بالقياس

اختلف الناس في ذلك، 1 فذهب الشافعي وأبو حنيفة ومالك
وأبو الحسين البصري2، وأبو الحسن الأشعري، وأبو هاشم أخيراً إلى
جوازه .
وقال أبو عليّ الجبائيّ وأبو هاشم أوّلاً بالمنع مطلقاً، وهو مذهب

1 . قال الغزّالي في المستصفى: اختلفوا في ذلك على خمسة مذاهب:
   فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو الحسن الأشعري إلى تقديم القياس على العموم .
   وذهب الجبائي وابنه وطائفة من المتكلمين والفقهاء إلى تقديم العموم .
   وذهب القاضي وجماعة إلى التوقّف، لحصول التعارض .
   وقال قوم: يقدّم على العموم جليُّ القياس دون خفيِّه .
   وقال عيسى بن أبان: يقدّم القياسُ على عموم دخله التّخصيص، دون ما لم يدخله.
   المستصفى: 2 / 162 .
2 . المعتمد: 2 / 275 ـ 276 .

صفحه 319
الإماميّة، ومنهم من فصّل، وفيه أربعة وجوه :
الأوّل: قال عيسى بن أبان1: إن تَطَرَّقَ التخصيصُ إلى العمومِ جاز،
وإلاّ فلا.
والثاني: قال الكرخي 2: إنْ خُصَّ بمنفصل جاز، وإلاّ فلا.
الثالث: قال ابن سريج3 وجماعة من الفقهاء: يجوزبالقياس الجليّ، دون الخفيّ.
ثم اختلف هؤلاء في تفسير الجليّ والخفيّ على ثلاثة أوجه:
الأوّل: الجليّ: قياس المعنى، والخفيّ: قياس الشبه.
الثاني: الجليّ كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقضي القاضي وهو غضبان»4 وتعلّل
بما يدهش العقلَ عن إتمام الفكر، حتّى يتعدّى إلى الجائع، والعطشان، والحاقن5 .
الثالث: قال أبو سعيد الاصطخريّ6: الجليّ هو الّذي لو قضى القاضي بخلافه نقض قضاؤه.

1 . تقدّمت ترجمته ص 216 .
2 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219 .
3 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 159 .
4 . الكافي: 7 / 413، باب أدب الحكم، الحديث 2 .
5 . الحاقن: الّذي احتبس بوله فتجمّع. المعجم الوسيط .
6 . هو الحسن بن أحمد بن يزيد الاصطخريّ، فقيه شافعيٌّ، صنّف كتباً كثيرةً، ولي قضاء قم ثم حسبة بغداد، مات سنة 328 هـ ، لاحظ الأعلام للزركلي: 2 / 179 .

صفحه 320
الرابع: قال الغزّاليّ: القياسُ والعامُّ إن تفاوتا في إفادة الظّنِّ رَجَّحْنا الأقوى، وإن تعادلا توقَّفْنا1 .
وقال القاضى أبو بكر2 والجويني 3 بالوقف .
قال الجويني: القولُ بالوقف يشارك القولَ بالتّخصيصِ.
وبيانه باعتبارين:
أمّا اعتبار المشاركة، فلأنَّ المطلوبَ من تخصيصِ العامِّ بالقياسِ إسقاطُ الاحتجاجِ بالعامِّ، والوقفُ يشاركه فيه.
وأمّا اعتبار المباينة، فلأنَّ القائلَ بالتخصيصِ يحكمُ بمقتضى القياسِ، والواقف لا يحكم به .
واعلم أنّ نسبةَ قياسِ الكتابِ إلى عموم الكتابِ، كنسبةِ قياسِ المتواترِ إلى عموم المتواترِ، وكنسبة قياسِ خبرِ الواحدِ إلى عمومِ خبرِ الواحد، والخلاف آت في الجميع، وكذا قياس المتواتر بالنّسبة إلى عموم الكتابِ، وبالعكس .
أمّا قياسُ خبرِ الواحدِ إذا عارضَه عمومُ الكتابِ، أو عمومُ خبرِ المتواترِ، فإنَّ تجويزَهُ أبعد .
والّذي نذهب نحن إليه: أنّ القياسَ إذا نصّ على علّته، جاز العمل به، وسيأتي بيانه في باب القياس .

1 . المستصفى: 2 / 166 ـ 167 .
2 . الإرشاد والتقريب: 3 / 195 ـ 196 .
3 . البرهان في أُصول الفقه: 1 / 286 .

صفحه 321
وعلى هذا التقدير لو دلّ قياسُ منصوصِ العلّةِ على حكم خاصٍّ
مناف لعموم الكتاب أو السّنّة المتواترة، فالأقرب جواز تخصيصهما به،
وإلاّ فلا.
لنا: أنّهما دليلان تعارضا، فيجب تقديمُ الخاصِّ، وبناءُ العامِّ عليه، لما تقدّم.
أمّا كون العامِّ دليلاً، فبالإجماع وأمّا كون القياسِ المنصوصِ العلّةِ دليلاً، فلما سيأتي .
وأمّا وجوب بناءِ العامِّ على الخاصِّ، فلِما مرَّ.
احتجّ المانعون بوجوه:
الأوّل: العامُّ دليلٌ مقطوعٌ به، والقياسُ الخاصُّ مظنونٌ، وإذا تعارض المعلومُ والمظنونُ، وجب العملُ بالمعلومِ وتركُ المظنونِ.
الثاني: القياسُ فرعُ النصِّ، فلوخصَّصْنا النَصَّ به، قدَّمْنا الفرعَ على
الأصلِ.
الثالث: حديث معاذ1 دلّ على أنّه لا يجوز الاجتهادُ إلاّ بعد فقد الحكم

1 . كان على المصنِّف نقل الحديث ثمّ الاستشهاد به، وإليك نصّه :
   عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص،    عن معاذ: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين بعثه إلى اليمن، فقال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟
   قال: أقضي بما في كتاب الله .
   قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟
   قال: فبسنّة رسول الله .
   قال: فإن لم يكن في سنّة رسول الله ؟
   قال: أجتهد رأيي، لا آلو.
   قال: فضرب رسول الله صدري، ثمّ قال: الحمد لله الّذي وفّق رسولَ رسولِ الله لما يرضى   رسولُ الله .
   لاحظ مسند أحمد: 5 / 230 ; وسنن أبي داود: 3 / 303 برقم 3593; وسنن الترمذي: 3 / 616    برقم 1328، ينتهي سند الجميع إلى الحارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ
   من أهل حمص .

صفحه 322
في الكتاب والسنّةِ، وهو يمنع من تخصيص النّصِّ بالقياسِ.
الرابع: الإجماع دلّ على أنَّ شرطَ القياسِ عدمُ ردّ النصِّ له، فإذا كان العمومُ مخالفاً له، فقد ردَّهُ .
الخامس: لو جاز التّخصيصُ بالقياسِ، لجاز النّسخُ به، لِما تقدّم، والتالي باطلٌ، فالمقدّمُ مثلُهُ.
السّادس: إنّما يُطلب بالقياسِ حكمُ ما ليس منطوقاً به، فما هو منطوقٌ به، كيف يثبت بالقياس؟
السّابع: العامُّ في محلّ التخصيص: إمّا أن يكون راجحاً على القياسِ المخالفِ له، أو مرجوحاً أو مساوياً، فإن كان الأوّل، امتنع تخصيصه بالمرجوحِ، وإن كان مساوياً، لم يكن العمل بأحدِهما أولى ] من الآخر [، وإنّما يمكن التّخصيصُ بتقديرِ أنْ يكونَ القياسُ في محلّ المعارضة راجحاً، ولا شكّ في أنّ

صفحه 323
وقوع احتمال من احتمالين أغلبُ من وقوع احتمال واحد بعينه.
الثامن: العموم ظاهرٌ في كلّ صورة من آحاد الصّوَر الداخلةِ تحتَهُ، وجهةُ ضعفِهِ غيرُ خارجة عن احتمالِ تخصيصِهِ أو كذبِ الرّاوي، إن كان ]العامُّ[ خبرَ واحد .
وأمّا احتمالاتُ ضعفِ القياسِ، فكثيرةٌ جدّاً، وذلك، لأنّه وإن كان متناولاً لمحلّ المعارضة بخصوصه، إلاّ أنَّه يحتمل أن يكون دليلُ حكمِ الأصلِ من أخبار الآحادِ الّتي يتطرَّقُ إليها الكذبُ، وبتقديرِ أنْ يكون طريقُ إثباتِهِ قطعيّاً، فيحتمل أن يكون المستنبطُ للقياس ليسَ أهلاً له، وبتقديرِ أنْ يكون أهلاً، يحتمل أن لا يكونَ الحكمُ معلّلاً بعلّة ظاهرة، وبتقدير التّعليلِ، يحتمل أن يكون غير ما ظنّه المعلِّل، أو لعلّه ظنَّ وجودَها في الفرعِ، وليس1 .
وبتقدير الوجودِ يحتمل حصولُ مانعِ السّببِ في الفرع أو للحكم، أو فات شرطُ السّببِ ]فيه[ أو شرطُ الحكمِ، فكان العموم راجحاً.
التاسع: العامُّ من جنس النصِّ، والنّصُّ غيرُ مفتقر في جنسه إلى
القياسِ، والقياسُ يفتقر إلى النصّ، لأنّ كونه حجّةً إن ثبت بالنّصِّ فظاهرٌ، وإن
كان بالإجماعِ، والإجماعُ متوقِّفٌ على النّصِّ، كان القياسُ متوقِّفاً على
النّصِّ، فكان جنسُ النّصِّ راجحاً، ولهذا وقع القياسُ مؤخَّراً في حديث
معاذ2 .

1 . أي ليس لها الوجود في الفرع .
2 . حديث معاذ تقدم آنفاً .

صفحه 324
والاعتراض على الأوّل: أنَّ كلَّ واحد من العامِّ والخاصِّ اجتمع فيه صفتا العلمِ والظّنِّ باعتبارين، فالعامُّ مقطوعٌ في متنِهِ مظنونٌ في دلالته، والقياسُ الخاصُّ بالعكسِ، فلا أولويّة.
قال المرتضى: ونمنع كونَ القياس هنا ظنيّاً، فإنَّ دليلَ العبادة بالقياسِ يقتضي العلم، فما خُصِّصَ إلاّ بمعلوم، ولا اعتبار بطريقِ هذا العلمِ، ظنّاً كان أو غيره1.
وفيه نظرٌ، فإنَّ البحثَ وقع عن القياس لا عن دليله .
وعلى الثاني: أنَّ القياسَ المخصِّصَ ] للنّصِّ[ ليس فرعاً على
النّصِّ المخصوصِ، بل على غيره، فلا يحصل تقديمُ الفـرعِ على الأصلِ، فإنّا
إذا خصَّصْنا بقياس الأرز على البُرِّ عمومَ قوله تعالى: (وَ أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)2
لم يخصص الأصل بفرعه، فإنَّ الأرز فرع حديثِ البُرِّ، لا فرع إحلال
البيع .
وأيضاً، يلزم أن لا يخصَّصَ عمومُ القرانِ بخبرِ الواحدِ، لأنَّ خبرَ الواحدِ فرعٌ لثبوته بأصل من كتاب أو سنّة، فيكون فرعاً له، وقد سلم التّخصيص به من منع التخصيص بالقياس.
لا يقال: القياس إذا كان فرعاً لنصٍّ آخر، فكلُّ مقدِّمة لابدّ فيها من دلالة

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 285 .
2 . البقرة: 275 .

صفحه 325
النَّصِّ على الحكمِ كانت معتبرةً في الجانبين، وأمّا المقدِّماتُ الّتي يفتقر القياسُ إليها في دلالته، فهي مختصَّةٌ بجانب القياس، فإثباتُ الحكمِ بالقياسِ يتوقَّفُ على مقدِّمات أكثرَ من مقدِّماتِ العموم، فيكون العموم أولى، لأنّ إثباتَ الحكمِ به أظهرُ، والأقوى لا يصير مرجوحاً بالأضعف.
لأنّا نقول: العموماتُ قد تتفاوت في الدّلالة على مدلولاتها، فبعضُها يكون أقوى من بعض، فجاز أن يكون العامُّ المخصوصُ أضعفَ دلالةً على محلّ النزاعِ من دلالة العامِّ الّذي هو أصل القياس على مدلوله .
وحينئذ يظهر ترجيحُ قولِ الغزّالي هنا .
وعلى الثالث: أنَّ حديث معاذ إن اقتضى منعَ تخصيصِ الكتابِ
والسنّةِ بالقياسِ، اقتضى منعَ تخصيصِ الكتابِ بالسّنّةِ المتواترة، ولا شكّ في فساده .
وأيضاً، كونه مذكوراً في الكتابِ مبنيٌّ على كونه مراداً بالعمومِ، وهو مشكوكٌ فيه، فكونه مذكوراً في الكتابِ مشكوكٌ فيه .
وأيضاً، حكم العقل الأصليّ في براءة الذمّة، يترك بخبرِ الواحدِ وبقياسِ خبر الواحدِ، لأنّه ليس يحكم به العقلُ مع ورود الخبر، فيصير مشكوكاً فيه معه، فكذا العموم .
وعلى الرابع: بالمنع من كون النّصِّ هنا مراداً للقياس، وإنّما يكون كذلك

صفحه 326
لو كان القياس رافعاً لكلّ1 ما اقتضاه النّصُّ، أمّا إذاكان رافعاً لبعض ما تناوله فلا، فإنّه نفس المتنازع.2
وعلى الخامس: بأنَّ الإجماعَ فَرَّقَ بين التخصيصِ والنسخِ، ولولاه لساغا معاً، والأصلُ فيه أنّ التّخصيصَ أهونُ من النسخ، لبقاءِ الحكمِ في الأوّل دون الثاني، ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعفِ تأثيرُهُ في الأقوى .
وعلى السادس: بالمنع من كونه منطوقاً به، لأنّ زيداً في قوله ] تعالى[: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)3 ليس كقوله «اقتلوا زيداً» فإذا كان كونُهُ مراداً من آية قتل المشركين مشكوكاً فيه، كان كونه منطوقاً به مشكوكاً فيه، لأنَّ العامَّ إذا أُريد به الخاصُّ، كان ذلك نطقاً بذلك القدر، ولم يكن نطقاً بما ليس بمراد، ولهذا جاز تخصيصه بدليلِ العقلِ القاطِعِ، ودليلُ العقلِ لا يجوز ان يُقابِلَ النّطقَ الصّريحَ من الشارع، لامتناع تعارضِ الأدلّة.
لا يقال: ما أخرجه العقلُ عُرِفَ عدمُ دخوله تحت العموم.
لأنّا نقول: تحت لفظِهِ أو تحت الإرادة؟ فإن قلتم بالأوّل، فالله تعالى شيءٌ، و هو داخل تحت لفظ (هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءْ)4.
وإن قلتم: لا يدخل تحت الإرادة، فكذلك القياس يعرِّفنا ذلك، ولا فرق .

1 . في «أ»: بكلّ .
2 . في «ب» و «ج»: نفس المنازع .
3 . التوبة: 5 .
4 . الأنعام: 102 .

صفحه 327
وعلى السابع: انّه آت في كلّ تخصيص و قد يرجّح بالجميع.
وعلى الثامن: أنّ التقدير رجحان القياسِ على العموم ، فإنَّهُ حينئذ يتعيّن التخصيصُ.
وأيضاً، فإنَّهُ وارد في خبر الواحد والمتواتر، فإنّه يخصّ به، مع أنَّ تطرُّقَ الاحتمالِ إلى خبرِ الواحدِ أكثر، ولم يعتبر ذلك، بل مجرّد التخصيصِ واعتبار كونه دليلاً في نفسه، فكذا هنا .
وعلى التاسع: انّه وارد في خبر الواحدِ والكتابِ، فإنَّ خبر الواحدِ مفتقرٌ في جنسه إلى الكتابِ، لأنّه الدالّ على العملِ به، دون العكس، ومع ذلك فإنَّهُ يجوز تخصيصُهُ بِهِ .
وأيضاً، نمنع من كون افتقار الجنسِ إلى الجنسِ مقتضياً عدمَ التخصيصِ عند قوّة النّوع على النّوع.
ونقل المرتضى حجّةً أُخرى، هي: «أنَّ الأُمّةَ إنّما حجبت الأُمَّ بالأُختين فمازاد بالقياسِ، وذلك أبلغُ من التخصيصِ، وأنَّ العبدَ كالأمةِ في تنصيف الحدّ».1

1 . حاصله: أنّ القائل بجواز تخصيص العامّ بالقياس استدلّ بوجهين آخرين:
   1. أنّ الأُختين تحجبان الأُمَّ في الميراث، ولا دليل إلاّ القياس .
   2. الحدود في العبد، نصفها في الحرّ قياساً بالأمة.
      وقد ردّ السيّد الدّليلين بأنّ الحكم ثبت بإجماع الأمّة لا بالقياس كما في المتن .

صفحه 328
ثمّ منع ذلك، لأنّ المعوّل في ذلك إلى الإجماع لا القياس.1
احتجّ القائلون بتقديم القياس بوجوه:
الأوّل: أنَّ العمومَ يحتمل المجاز، والخصوصَ، والاستعمالَ في غيرِ ما وُضِعَ له، والقياسُ لا يحتمل شيئاً من ذلك، فيكون العمل بالقياس أولى .
الثاني: العامُّ يُخصَّص بالنصِّ الخاصِّ مع إمكان كونه مجازاً أو مؤولاً، فالقياس أولى.
الثالث: تخصيصُ العمومِ بالقياسِ جمعٌ بين الدليلين، فهو أولى من تعطيلِ أحدِهِما. أو تعطيلهما معاً .
والاعتراض على الأوّل: أنَّ احتمال الغلطِ في القياسِ ليس أولى من احتمالِ الخصوصِ والمجازِ، فإنَّ القياسَ يجوز أن يكون أصلُهُ خبرَ الواحدِ، فيتطرَّق الاحتمالُ إلى أصله، وغير ذلك من المفاسد الّتي سلفت .
وهو الاعتراض على الثاني .
وعلى الثالث: بأنَّ القدرَ الّذي وقع فيه التقابُلُ ليس فيه جمعٌ، بل هو رفعٌ للعمومِ وعملٌ بالقياسِ خاصّةً .2
وفيه نظرٌ، لأنّا لا نعني بالجمع بين الدليلين سوى العملِ بالعامِّ في غير صورة الخاصِّ، والعمل بالخاصِّ في موضعه.

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 285 .
2 . الاعتراض للغزّالي في المستصفى: 2 / 165 .

صفحه 329
احتجّ القائلون بالوقف، بأنّه قد ظهر ضعف كلام الفريقين، وكلُّ واحد من القياسِ والعمومِ دليلٌ لو انفرد، وقد تقابلا، ولا ترجيح، لأنّه امّا بالعقلِ، أو النقلِ، والعقلُ إمّا ضروريٌّ أو نظريٌّ، والنقلُ إمّا متواترٌ أو آحادٌ، والكلّ منتف، فلا ترجيح، فيتعيّن الوقفُ.
اعترض1: بأنّ هذا مخالفٌ للإجماع، لوقوعه قبل القاضي على ترجيح أحدهما. وإن اختلفوا في تعيينه، ولم يذهب أحد إلى الوقف قبل القاضي .
ولأنّ القولَ بالوقفِ يؤدّي إلى تعطيل الدّليلين، والمحذور فيه فوق المحذور من العمل بأحدهما، فالعملُ بالقياسِ أولى، إذ العمل بالعامِّ إبطالٌ للقياس مطلقاً.
أجاب القاضي: بأنّهم لم يصرِّحوا ببطلانِ التوقّف قطعاً، ولم يُجْمِعوا عليه، وكلّ واحد رأى ترجيحاً، ولا يثبت الإجماعُ بمثل ذلك، وكيف ومن لا يقطع ببطلان مذهب مخالفه في ترجيح القياس، كيف يقطع بخطئه إن توقّف، فإنَّ كلَّ واحد من المجتهدين لا يقطع بإبطال مذهب مخالفه مع مصيره إلى نفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه، فكيف يقطع ببطلانه في توقّفه، والعملُ بالقياسِ مبطلٌ للعمل بالعامِّ في صورة المعارضة.2
احتجّ الفارقون بين جليِّ القياس وخفيِّه: بأنَّ الجليَّ قويٌّ، وهو أقوى من العمومِ، والخفيّ ضعيفٌ.

1 . لاحظ الإحكام للآمدي: 2 / 426 ـ 427، والمستصفى: 2 / 165 .
2 . لاحظ التقريب والإرشاد: 3 / 196 ـ 197 .

صفحه 330
ويبطل بأنَّ خفيَّ القياسِ قد يكون أظهر من تناول العمومِ لمحلِّ التخصيصِ، فإنَّ العمومَ قد يضعف، بأن لا يظهر قصدُ التعميم منه، وذلك بأن يَكْثُرَ المُخْرجُ منه، ويتطرّق إليه تخصيصاتٌ كثيرةٌ، كقوله تعالى: (وَ أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)1 فإنَّ دلالة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أينقص إذا جفّ؟»2 على تحريم بيع العنب بالزبيبِ أظهر من دلالة هذا العامِّ على تحليله، لكثرة ما أُخرج منه، فضعف قصدُ العمومِ.
ولا شكّ في أنَّ العمومات تختلف في القوّة والضعف بالنّسبة إلى بعض الآحاد، لاختلافها في ظهور إرادة قصد ذلك البعض .
وكما أنّه اذا تقابل العمومانِ قُدِّم أقواهما، وكذا القياسان، وكذا العموم والقياس مطلقاً عند القائلين به، ومع التنصيص على العلّة على ما اخترناه نحن إذا تقابلا .
وكما يمكن أن يكون عمومٌ قويٌّ أغلبَ على الظنِّ من قياس ضعيف،
كذا يمكن أن يكون قياسٌ قويٌّ أغلبَ من عموم ضعيف، وإن تعادلا وجب الوقف .
فإن قيل: هذا3 الخلافُ ] هل [ يختصّ بقياس مستنبط من الكتابِ إذا خُصِّصَ به عمومُ الكتاب، أو يجري في قياس مستنبط من الاخبار؟
في تخصيص العامِّ بالمفهوم   
قلنا: قد بيّنا أنَّ نسبةَ قياسِ الكتابِ إلى عمومه، كنسبة قياسِ ] الخبر [

1 . البقرة: 275 .
2 . مستدرك الوسائل: 13 / 342، الباب 13 من أبواب الربا ، الحديث 2 ; وفتح الباري: 8 / 39 .
3 . في «ج»: هل .

صفحه 331
المتواتر إلى عمومه، والخلاف آت في الجميع.
واعلم أنّه لا استبعاد في هذه المسألة في الحكم بالوقفِ أو الترجيحِ بحسب نظر المجتهد في آحاد الوقائع بحسب القرائن المرجّحات الموجبة للتفاوت أو التساوي من غير تخطئة .
فإنَّ الأدلّة فيها ظنّية غير قطعيّة، فكانت ملحقة بالمسائل الظنيّة الاجتهاديّة دون القطعية، وسياقُ كلام القاضي أبي بكر يدلّ على أنَّ القولَ بتقديم خبرِ الواحدِ على عمومِ الكتابِ، ممّا يجب القطع بخطأ المخالف فيه، لأنَّه من مسائل الأُصول .

المبحث الثاني: في تخصيص العامِّ بالمفهوم

المفهوم قسمان: مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة .
والأوّلُ حجّةٌ قطعاً، فيجوز التّخصيصُ به، كما لو قال لعبده: «اضرب كلّ من دخل الدار» ثم قال: «زيدٌ لاتقل له أُفٍّ إنْ دخل الدار» فإنّه يدلّ بالمفهوم على تحريم ضربه، وأنّ زيداً خارجٌ عن العموم باعتبار مفهوم الموافقة، وما سيق له الكلام من كفّ الأذى عنه، سواء قلنا إنَّ تحريمَ ضرب زيد مستفادٌ من منطوق اللّفظ، أو من القياس الجليّ.
وأما الثاني، فإن قلنا: إنّه حجّةٌ، فلا شكّ أنَّ دلالته أضعف من دلالة المنطوق، فهل يجوز التخصيصُ به أم لا؟ اختلف فيه :
فقال الأكثر: إنّه يجوز التخصيصُ به، كما لو ورد لفظٌ عامٌّ يدلّ على

صفحه 332
وجوب الزكاة في الأنعام كلِّها ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): في سائمة الغنم زكاة، فإنّه يكون مخصِّصاً للعمومِ بإخراج معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهومه، لأنّ كلاًّ منهما دليلٌ شرعيٌّ، وقد تقابلا، وأحدُهُما أعمُّ من الآخر، فيُخصّ العامُّ بالخاصِّ، لما فيه من العمل بالدّليلين، وهو أولى من إبطال أحدهِما بالكليّة .
وقيل: لا يُخصّص، لأنَّ الخاصَّ إنّما قُدِّم على العامِّ، لأنّ دلالته على
ما تحته أقوى من دلالة العامِّ على ذلك الخاصِّ، والأقوى راجحٌ، وهنا ليس كذلك، فإنَّ المفهومَ وإن كان من حيث إنّه خاصٌّ أقوى، إلاّ أنّ دلالةَ المفهوم على مدلوله أضعفُ من دلالة العامِّ على ذلك الخاصِّ، لأنَّ العامَّ منطوقٌ به في محلّ المفهوم، والمفهوم ليس منطوقاً به، والمنطوقُ أقوى في دلالته من المفهوم، لافتقار المفهوم في دلالته إلى المنطوق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم.
فلو خُصِّص العامُّ بالمفهومِ كان ترجيحاً للأضعف على الأقوى، وهو
غيرُ جائز.
والجواب: أنّ العملَ بالمفهومِ لا يلزم منه إبطالُ العملِ بالعمومِ مطلقاً، والجمع بين الدليلين ولو من وجه، أولى من العملِ بظاهر أحدهما وإبطال الآخر بالكليّة .
في التخصيص بالسبب   

صفحه 333
 
المبحث الثالث: في التخصيص بالسبب
الخطاب الوارد جواباً لسؤال إن لم يستقلّ بنفسه لأمر يرجع إليه، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد سئل عن بيع الرطّب بالتمر: أينقص الرطب؟ قالوا: نعم، قال:
فلا إذاً .
أو يكون عدم استقلاله لأمر يرجع إلى العادة، كما لو قيل له: «كُل
عندي
» فقال: «والله لا آكل» فإنَّ هذا الجواب مستقلٌّ بنفسه، لكنَّ العرفَ اقتضى عدمَ استقلاله، وصار مقصوراً على السّبب الّذي خرج عليه، فإنّه يتبع السبّب، وهو السؤال في عمومه وخصوصه إجماعاً، فإنَّ عدمَ استقلالهِ اقتضى عدمَ إفادته إلاّ مع سببه، فيكون السّبب في تقدير الوجود في كلام المجيب، وإلاّ
لم يفد .
ولو أنّ المجيبَ ذكر السّببَ فقال: والله لا أكلت عندك، صار الجواب مقصوراً على الأكل عنده .
وإن استقلّ، فإمّا أن يكون أعمّ من محلِّ السؤال، أو أخصَّ، أو مساوياً .
ولا إشكال في المساوي، لعدم قصور إفادته عن خصوصيّات محل السؤال، وعدم تجاوزه عنها، كما إذا سئل عن المجامع في شهر رمضان، فيقول: على المجامع في شهر رمضان الكفّارة.
ولا يجوز خروج شيء من السؤال عن الجواب، إلاّ أن تدلّ دلالةٌ مقارنةٌ

صفحه 334
أو متقدِّمةٌ على خروج بعضه من الجواب، بل يحكم بتبعيّة الجواب للسؤال في عمومه وخصوصه .
أمّا في عمومه، فكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد سئل عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحِلُّ مَيتتُه» .
وأمّا في خصوصه: فكقوله للأعرابي: «أعتق رقبةً» لمّا سأله عن وطئه في نهار رمضان.
وحكم هذا القسم، حكم غيرِ المستقلِّ في تبعيّته في عمومه كقوله «فلا إذاً» عقيب السؤال عن النّقصِ، أو خصوصه، كما لو قيل: «توضأ بماء البحر»، فقال : «يجزيك».
وأمّا الأخصُّ، فإنَّ الحكم مقصور عليه، ولا يجوز تعدية الحكم من محلّ التخصّيص إلى غيره إلاّ بدليل خارج عن اللفظِ، لأنَّ اللّفظَ لا عموم له، بل وفي هذه الصورةِ، الحكمُ بالخصوصِ أولى منه فيما إذا كان السؤال خاصّاً وطابقه الجواب، لأنَّه هنا عَدَلَ عن سؤال السائل بالجوابِ عن بعضِ موارده، مع دعوى الحاجة إليه، بخلاف تلك الصورة، فإنَّه طابق بجوابه سؤال السائل .
وهذا القسم إنّما يجوز من الحكيم بشرائط ثلاثة :
الأوّل: أن يكون السائل من أهل الاجتهاد .
الثاني: عدم فواتِ المصلحة باشتغال السائل بالاجتهاد .
الثالث: أن يكون في الخارج من الجواب تنبيهٌ على ما لم يخرج .
وأمّا الأعمُّ فقسمان :

صفحه 335
الأوّل: أن يكون أعمَّ في غير ما سئل عنه، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد سئل عن
ماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحلُّ ميتتُهُ» ولا خلاف في إجرائه على
عمومه .
الثاني: أن يكون أعمّ ممّا سئل عنه، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد سئل عن بئر بُضاعة1: «خلق الله الماء طهوراً لا ينجسّه شيءٌ إلاّ ما غيّر لونَهُ أو طعمَهُ أو ريحَهُ»2.
والحقّ: أنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب .
وقال المزني3 وأبو ثور4: إنَّ خصوصَ السببِ مخصِّصٌ لعموم اللّفظ، وقال الجوئي5: وهوالّذي صحّ عند الشافعي .
لنا وجوهٌ:
الأوّل: المقتضي للعمومِ ثابتٌ، والمعارضُ الموجودُ لا يصلح للمانعيّة .
أمّا المقتضي، فهو اللّفظ الموضوعُ للعمومِ، ولاشكّ في ثبوته .

1 . «بُضاعة» بضم الباء: بئر معروفة بالمدينة. لاحظ النهاية: 1 / 131 .
2 . أخرجه أبو داود في سننه: 1 / 18 برقم 67; وأحمد بن حنبل في مسنده: 3 / 31 ; والترمذي في سننه: 1 / 95 برقم 66 .
3 . هو أبو إبراهيم: إسماعيل بن يحيى بن اسماعيل المزني ـ نسبة إلى مزينة بنت كلب ـ الفقيه الشافعي، مات سنة 264. لاحظ الأعلام للزركلي: 1 / 329 .
4 . تقدّمت ترجمته ص 223 .
5 . لاحظ البرهان في أُصول الفقه: 1 / 253 .

صفحه 336
وأمّا نفي المانع، فلأنّه ليس إلاّ خصوص السّببِ، وإنَّه غير صالح
للمانعيّة إذ يمكن الجمع بينهما، فيصرّح الشارع بقوله: يجب حمل اللّفظِ
على عمومه ولا تخصّوه بالسّبب
، وهو يدلّ على عدم المنافاة، فلا يكون
مانعاً .1
وفيه نظرٌ، فإنّا نمنع ثبوتَ المقتضي .
قوله: المقتضي هو اللّفظ الموضوع للعموم .
قلنا: متى إذا قارن السّبب الخاصّ أو لا؟ الأوّل ممنوعٌ والثاني مسلّمٌ .
قوله: المعارض لا يصلح للمانعيّة .
قلنا: ممنوعٌ، فإنّ ورودَ العامِّ عقيب السّببِ من غير تقدّم ولا تأخّر
مشعرٌ باختصاصه به، وأنَّ سياقَهُ لبيان حكم السّبب خاصّةً، والتّصريح بالعمل بالعامِّ لا ينافي التخصيصَ بدونه، فإنَّ كلَّ لفظ دلّ على معناه بالحقيقة، يجوز خروجُهُ عن مدلوله بذكر إرادة المجاز، ولا يخرج بذلك المجاز من منافاة الحقيقة .
الثاني: الإجماع على أن أكثر آيات الأحكام وردت على أسباب خاصّة، فإنَّ آيةَ السرقة نزلت في سرقة المِجَنِّ، أو رداء صفوان2، وآية الظّهار نزلت في

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 448 ـ 449 .
2 . أسنده الشيخ في الخلاف: 5 / 427 إلى صفوان بن عبد الله بن صفوان أنّ صفوان بن أُميّة نام في المسجد وتوسّد رداءه فجاء سارق... الخ. ولاحظ سنن النسائي: 8 / 69 ـ 70 ; وسنن أبي داود: 4 / 138 برقم 4394 ; وفي أسد الغابة: 2 / 453: مات صفوان بن أُميّة سنة 42 هـ .

صفحه 337
سلمة بن صخر1 وآية اللعان في هلال بن أُمّية2، مع أنّ الأُمّة عمّوا أحكام هذه الآيات، ولو كانت العبرة بخصوص السبب لما عمّ الحكم3 .
وفيه نظرٌ، فإنَّ إعلامَ هذه الأحكام بالوحي عقيب الاشتباه، لا يقتضي تخصيصَ الأحكام بتلك الوقايع .
سلّمنا، لكن لما دلّ الإجماع على تعميم هذه الأحكام، عرفنا انتفاء المخصِّص، ولا منافاة بين كون الشيء مخصِّصاً عند تجرّده، وخروجه عن صلاحيّة التخصيصِ عند اقترانه بما ينافيه، فإنَّ تقييدَ الحكمِ بالوصفِ، يدلّ على التخصيصِ، كما لو قال: «في الغنم السائمة الزكاة»4 فلو دلّ إجماعٌ على تعميمِ الحكمِ، خرج التقييدُ عن دلالة التّخصيصِ .
الثالث: اللّفظُ لو تجرّد عن السببِ كان عامّاً، وليس ذلك إلاّ لاقتضائه العمومَ بلفظه، لا لعدم السّببِ، فإنَّ عدمَ السّببِ لا مدخل له في الدّلالات اللّفظيّة، ودلالة العمومِ لفظيّةٌ، وإذا كانت دلالتُهُ على العمومِ مستفادةً من لفظه، فاللّفظ

1 . هو صحابيٌّ، قال في أُسد الغابة: انّ سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أُمّه فلمّا مضى نصف رمضان وقع عليها ليلاً فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فذكر له، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اعتق رقبةً... الحديث. أُسد الغابة: 2 / 358 برقم 2177 .
2 . هو صحابيّ شهد بدراً وأحداً، وهو أحد الثلاثة الّذين تخلفوا عن غزوة تبوك فأنزل الله تعالى فيهم (وَ عَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا)... الآية. التوبة: 118. لاحظ أُسد الغابة: 4 / 287 برقم 5389.
3 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 356 ـ 357 .
4 . عوالي اللآلي: 1 / 399 برقم 50 ; ولاحظ مستدرك الوسائل: 7 / 63، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 .

صفحه 338
واردٌ مع وجود السبب، حسب وروده مع عدم السببِ، وكان مقتضياً للعموم1.
وفيه نظرٌ، لأنَّ اللّفظَ تختلف دلالتُهُ على تقدير التجرّدِ والاقترانِ، كما في الحقيقة والمجاز .
واعلم أنَّ اللّفظَ وإن كان عامّاً إلاّ أنَّ دلالتَهُ على محلِّ السّببِ أقوى من دلالته على غيره، واحتمال التخصيصِ في غيرِ السّببِ أقربُ ويقنع فيه بدليل أخفَّ وأضعفَ .
احتجّ المخالفُ بوجوه:
الأوّل: لو لم يكن المرادُ بيانَ حكمِ السّببِ لا غير، بل بيان القاعدةِ العامّة، لما أُخِّر البيانُ إلى حالة وقوعِ تلك الواقعةِ، والتالي باطلٌ، وإذا كان المقصودُ بيانَ حكمِ السّببِ الخاصِّ، وجب الاقتصارُ عليه .
الثاني: المرادُ من ذلك الخطابِ إمّا بيانُ ما وقع السؤالُ عنه أو غيرُهُ، فإن كان الأوّلَ، وجب أن لا يُزاد عليه، وذلك يقتضي أن يتخصَّصَ بتخصّص السّببِ، وإنْ كان الثاني، وجب أن لا يتأخّر ذلك البيانُ عن تلك الواقعة .
الثالث: لو كان الخطاب عامّاً، لكان جواباً وابتداءً، وقصدُ الجوابِ والابتداء متنافيان .
الرابع: لو عمّ الخطاب غير السبب، لجاز إخراجُ السّببِ عن العموم بالاجتهاد، كما في غيره من الصّور المندرجة تحت العامِّ، لتساوي نسبة العامِّ إلى جميع جزئيّاته، وهو خلاف الإجماع .

1 . المصدر السابق .

صفحه 339
الخامس: لو لم يكن للسّببِ مدخل في التأثير، لما نقله الراوي لعدم فائدته.
السادس: لو قال لغيره: كُلْ عندي، فقال: «والله لا أكلت» كان مقصوراً على سببه، ولم يحنث بأكله عند غيره، ولولا اقتضاءُ السببِ التخصيصَ، لماكان كذلك.
السابع: الأصلُ تطابُقُ السؤالِ والجوابِ، لأنَّ الزيادةَ عديمةُ التّأثيرِ فيما يتعلّق1 به غرضُ السائل .
الثامن: ثبوت الحكم فيما وقع السؤال عنه، يمنع من ثبوته فيماعداه، إمّا لأنّه ينافيه، أو من دليل الخطاب .
والجواب عن الأوّل: أنّه غيرُ وارد على الأشاعرة، لأنَّهم لا يعلِّلونَ بالأغراض، بل يُنشئ التكليفَ في أيّ وقت شاء لا لفائدة وغرض، ولا على المعتزلة، لعلمه بأنّ التأخير إلى الواقعة لطفٌ ومصلحةٌ للعبادِ، داعيةٌ إلى الانقيادِ، ولا يحصل ذلك بالسّبقِ والتّأخيرِ، ثمّ يلزم بهذه العلّة اختصاص الرّجم بـ « ماعز»2 وكذا باقي الأحكامِ الواردة على وقائع الأشخاص، لأنّه تعالى أخَّرَ البيانَ إلى وقوعِ الحوادث النازلة بهم، وهو خلافُ الإجماع .
وأيضاً، كما جاز أن تتعلّق المصلحةُ بهذا الوقتِ فيما سُئل عنه وفيما

1 . في «ج»: تعلّق.
2 . ما عز بن مالك الأسلمي، هو الّذي أتى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فاعترف بالزّنا فرجمه. لاحظ أُسد الغابة: 4 / 8 برقم 4557 .

صفحه 340
تعدّى الجواب إليه ممّا1 ليس من جنس السؤال، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)«الحلُّ ميتته» جاز في الجنس .
وأيضاً، يحتمل أن يكون قد بيّن حكمَ ما زاد على السؤال قبل ذلك، وبيّنه الآن أيضاً، ودلّ عليه .
وعن الثاني: أنّه يقتضي كونَ الحكمِ مقصوراً على ذلك السائل، وفي ذلك الزمانِ، والمكانِ والهيئة .
سلّمنا، لكن يجوز أن يكون السؤالُ الخاصُّ اقتضى ذلك البيانَ العامَّ.
سلّمنا، لكن نمنع الحصرَ، لجواز أن يكونَ المرادُ بيانَ ما وقع السّؤال
عنه وغيره.
وعن الثالث: إن أردتم بأنّه جوابٌ وابتداءٌ: أنَّه جوابٌ عمّا وقع السؤال عنه، وبيان2 لحكم ما لم يسأل عنه، فهو مسلَّمٌ، والقصد إليه لا ينافي .
وإن أردتم غيرَ ذلك، فثبّتوه .
وعن الرابع: بالمنع من تساوي النّسبة إلى الجزئيّاتِ، للإجماع على أنّ كلامَه سيق لبيان الواقعة، بخلاف غيرها من الصّورِ.
والخلاف في أنّه بيان له خاصّةً، أو له ولغيره، فتناول اللّفظ له مقطوعٌ به، وتناوله لغيره ظاهرٌ، ولا يجوز أن يسأل عن شيء فيجيب عن غيره، ويجوز أن يجيب عنه وعن غيره، أو عن غيره بما ينبّه على الجواب عن محلّ السؤال

1 . في «أ» و «ج»: فيما .
2 . ناظر إلى قوله: «وابتداء» .

صفحه 341
كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): أرأيتِ لو كان على أبيكِ دَيْنٌ فقضيتِهِ.1
على أنّ أبا حنيفة جَوَّزَ إخراجَ السّبب عن عموم اللّفظِ بالاجتهاد، كما جَوَّزَ إخراجَ غيره، فأخرج الأمةَ المستفرشةَ عن عموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): الولد للفراش2، ولم يلحق ولدها بمولاها، مع وروده في وليدة ابن زمعة، وقد قال عبد الله: هو أخي وابن وليدة أبي وُلد على فراشه.3
ولعلّه فعل ذلك، لعدم اطّلاعه على ورود الخبر على ذلك السبب .
وعن الخامس: الفائدة ظاهرةٌ، وهي معرفة أسباب التنزيل والسِّيَرِ والقَصَصِ واتّساعُ علم الشريعة، وامتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد، ولهذا غلط أبو حنيفة في إخراج الأمة المستفرشة عن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): الولد للفراش، حيث لم يبلغه السّبب، فأخرج الأمة من العموم مع وروده فيها .
وعن السّادس: أنّ المقتضي للتخصيص هو العادة، فإنّ العرف قاض به، لفهمهم ذلك، بخلاف أسباب الشرع، حيث لم يفهم منها القصرُ عليها، فإنْ ادّعوا فهمَ ذلك كان محلَّ النّزاع .
وعن السابع: إنْ أردتم بالمطابقة المساواة، فهو ممنوعٌ، إذ لا مقتضي لاشتراطها، وإنْ أردتم بها الكشفَ عنه، فهو مسلّمٌ، وهو لا يقتضي ترك كشف

1 . مستدرك الوسائل: 8 / 26، الباب 18 من أبواب وجوب الحج، الحديث 3; ومسند أحمد: 6 / 429 ; وسنن الدارمي: 2 / 40 ـ 41 .
2 . وسائل الشيعة: 15 / 604، الباب 9 من أبواب اللعان، الحديث 3 .
3 . لاحظ صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المشبَّهات، برقم 2053، و سنن ابن ماجة: 1/ 646 برقم 2006 ـ 2007 ; وسنن أبي داود: 2 / 282 برقم 2273 .

صفحه 342
غيره، ولهذا لمّا سُئل (صلى الله عليه وآله وسلم)عن ماء البحر فأجاب عنه وبيّن حكماً آخر، وهو قوله «الحلُّ ميتته».
وعن التاسع: المنع من دليل الخطاب .
سلّمناه، لكن نمنع تحقّقه هنا.
في التخصيص بمذهب الراوي   

تذنيب

العامُّ لا يجب تساوي نسبته إلى جزئيّاته في الدلالة عليها، بل قد تتفاوت في الوثاقة والضعف، وهذا العامُّ من هذا القبيل، فإنّه وإنْ كان حجّةً في موضع السؤال وغيره، إلاّ أنَّ دلالته على محلّ السؤال أقوى منه في غيره، لأنّه سيق1لبيان حكمه، وهذا صالحٌ للترجيح .

المبحث الرابع: في التخصيص بمذهب الراوي

الحقُّ: أنَّ العامَّ لا يخصَّصُ بمذهب الراوي وإن كان صحابيّاً، وبه قال الشافعي .
وقال أصحاب أبي حنيفة والحنابلة وعيسى بن أبان 2 وجماعة من الفقهاء : إنَّ العامَّ يُخصَّصُ بمذهب الصحابيّ .
لنا: أنَّ المقتضي للعموم قائمٌ، والمعارض لا يصلح للمانعيّة .

1 . في «ج»: سبق .
2 . تقدّمت ترجمته ص 216 .

صفحه 343
أمّا وجود المقتضي فلأنَّ اللفظ موضوعٌ للعموم، وهو ثابت .
وأمّا أنّ المعارض لا يصلح للمانعيّة، فلأنّ مخالفة الرّاوي لا تصلح للمانعيّة، ولا مانع سواها إجماعاً، لأنَّ مخالفته يحتمل أقساماً ثلاثة: طرفين، وواسطة .
فطرف الإفراطِ: أن يقول الراوي: أعلم بالضرورة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أراد بالعامِّ ذلك الخاصَّ، إمّا بخبر آخر قاطع أو بشيء من قرائن الأحوالِ ويعارَضُ هذا الاحتمال أنّه لو كان كذلك لوجب على الرّاوي بيانُهُ، ليزيل التّهمةَ عنه والشبهةَ عن غيره .
وطرف التفريطِ أن يقال: إنَّه تركَ العموم لغير حجّة ولا شبهة بل بمجرّد الهَوى، ويعارضه ظهورُ عدالته .
والواسطة المخالفة لدليل في ظنِّه، وإن لم يكن في نفس الأمر.
وإذا تطرّقت هذه الاحتمالات وجب اطراح مذهب الرّاوي والمصير إلى العموم .
احتجّ المخالف بأنَّ مخالفة الرّاوي إن لم يكن لدليل، قدح ذلك في عدالته، وهو يقتضي القدحَ في متن الخبر.
وإن كانت لدليل، فإن كان محتملاً للنّقيض ،وجب ذكره، ليزيل التهمة عن نفسه، والشبهة عن غيره. ولينظر المجتهدون فيه، وإن لم يكن محتملاً للنقيضِ، كان قطعيّاً، لتعيّن المصير إليه .
والجواب: يجوز أن يكون لا لدليل، ولا يقدح في العدالة إمّا لأنّه
من الصغائر، أو لأنَّ تجويزَ المخالفة لا عن دليل لا يوجب الفسقَ، بل

صفحه 344
تحقّق المخالفة، فلا يتطرّق القدحُ في متن الخبر .
وفيه نظرٌ، لأنّ الترديدَ لما في نفس الأمر، لا بالنسبة إلى الذهن عندنا .
سلّمنا، لكن لِمَ لا تكون المخالفة لدليل ظنيٍّ؟ ولا يجب ذكره إلاّ مع المناظرة، فلعلّه لم تتّفق تلك المناظرة .
سلّمنا، لكن نمنع أنّه لم يذكره، فلعلّه ذكره ولم ينقل، أو نقل، ولم يشتهر .
سلّمنا، لكن لِمَ لا يتوهّم أنّه قطعيٌّ؟ فيظنّ اعتقاد كلّ أحد له، فلم ينقله .
سلّمنا، لكن لِمَ لا يكون قطعيّاً عنده؟ وإن لم يكن عندنا قطعيّاً، فإنَّ الأدلّة لا تجب تساويها في الوثاقة والضعف عند المستدلّين بها .
واعلم أنَّ الشافعي قال: إذا كان الرّاوي حَمَلَ الخبر على أحد مَحْمليه صِرْتُ إلى قوله، وإن ترك الظاهر، لم أصِرْ إلى قوله خلافاً لعيسى بن أبان،1 كما رَوى أبو هريرة: «انّ الإناء يغسل من ولوغ الكلب سبعاً» فإنّه خصَّ ذلك بمذهب أبي هريرة في أنّه يُغْسل ثلاثاً، وفي كونه تخصيصاً نظرٌ.
وقال بعض الناس: إن وُجِدَ خبرٌ يقتضي تخصيصَه، أو وُجِد في الأُصول ما يقتضي ذلك، لم يُخصَّ الخبرُ بمذهبه، وإلاّ خُصَّ بمذهبه.2
في التخصيص بذكر الأخصّ   

1 . تقدّمت ترجمته ص 216 .
2 . لاحظ المحصول للرازي: 1 / 449 ـ 450 .

صفحه 345
 
المبحث الخامس: في التخصيص بذكر الأخصّ
ذهب المحققون إلى أنَّ العامَّ لا يجوز تخصيصُهُ بذكر بعضه، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما إهاب دُبِغ فقد طَهُرَ»1 لا يخصّ بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في جلد شاة ميمونة: «دباغُها طهورها»2، لأنَّ المخصِّصَ للعامِّ يجب أن يكون بينه وبين العامِّ منافاةٌ، لاقتضاء العامِّ اندارجَ ذلك المخصوص في حكمه، واقتضاء الخاصِّ إخراجَهُ عنه، ولا منافاة بين الكلّ والجزء، لاحتياج الكلّ إلى الجزء، ولا منافاة بين المحتاج والمحتاج إليه .
وقال أبو ثور3: العموم إذا علّق حكماً على أشياء، وورد لفظٌ يفيد تعليقَ ذلك الحكم على بعضها، وجب انتفاء الحكم عمّا عدا ذلك البعض، كما في الخبرين، لأنَّ تخصيصَ الشيءِ بالذكرِ يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه، فتخصيص الخاصِّ بالذّكرِ يدلّ على نفي الحكمِ عن غيره، وذلك يقتضي تخصيصَ العامِّ .
والجواب: أنَّ المفهومَ ضعيفٌ وبالخصوص مفهوم اللّقبِ، فإنّا قد بيّنا أنّه ليس حجّةً .

1 . صحيح الترمذي: 4 / 221 برقم 1728، كتاب اللباس، ومسند أحمد بن حنبل: 1 / 219 .
2 . صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ برقم 692 ـ 701. ولاحظ عوالي اللآلي: 1 / 42 .
3 . تقدّمت ترجمته ص 223 .

صفحه 346
سلّمنا، لكن ظاهر العموم أولى منه، لأنَّ العمومَ صريحٌ، فهو أولى من دليلِ الخطاب.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دِباغُها طهورُها» من أقسام دليل الاسم، وهو أضعف من دليل الصّفة.

المبحث السادس: في التخصيص بالعادات

اعلم أنَّ العادةَ المخالفة للعمومِ قسمان :
الأوّل: عادة في الفعل بأن يعتاد النّاس شربَ بعضِ الدّماء، ثم يحرّم الله تعالى الدّماءَ بكلام يعمّها، ومثل: حرّمت الرّبا في الطعام، وعادتهم تناول البُرِّ، وهذا القسم لا يجوز تخصيصُ العامِّ فيه بالعادة، خلافاً للحنفيّة، لأنَّ أفعالَ العبادِ ليست حجّةً على الشرع، بل أفعالهم تابعةٌ للشّرع، فلا يجوز أن يجعل التابع متبوعاً .
نعم لو أجمعوا عليه صحّ التخصيصُ، لكنّ المخصِّصَ ليس العادة بل الإجماع، وكذا إن كانت حاصلةً في زمانِ الرسّول (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)علم بها، ولم يمنعهم منها، فإنّها تكون مخصّصةً، وليس التخصيصُ في الحقيقة مستنداً اليها بل إلى تقريره (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولا يجوز استناد التخصيصِ في المثال إلى الاباحة الأصليّة .
أمّا أوّلاً، فلأنَّ حكمَ الأصلِ إنَّما يُصار إليه ما لم ينقل عنه شرعٌ، والعموم دليلٌ شرعيٌّ، فيجب أن ينقل به .

صفحه 347
وأمّا ثانياً، فلأنَّ المخصِّصَ حينئذ ليس هو العادة، بل دليل الأصالة .
وأمّا ثالثاً، فلأنّا نمنع من أصالة الإباحة، ولأنَّ اللّفظَ عامٌّ لغةً وعرفاً، ولا مخصِّص.
احتجّوا بأنَّ العرفَ والعادةَ يخصِّصانِ اسم الدابّة بذوات الأربع، والثمن عند إطلاقه بالنقد الغالب في البلد .
ولأنّه لو قال: له اشتر اللّحم، والعادة تناول لحم الضأن، حمل عليه .
والجواب: الفرق أنّ غلبة اسم الدابة على الخيل، والثمن بالنقد الغالب، يقتضي الاختصاصَ به، بخلاف غلبة تناوله، فالعادة إنَّما هي مطّردةٌ في اعتياد أكل ذلك الطعام المخصوص، لا في تخصيص اسم الطعام بذلك الخاصِّ، فلا يكون قاضياً على ما اقتضاه عموم لفظ الطعامِ مع بقائه على الوضع الأصلي، بخلاف الدابّة، فإنَّه صار بعرفِ الاستعمال ظاهراً في ذوات الأربع وضعاً، حتّى لا يفهم من إطلاق ] لفظ[ الدابّة غيره، فكان قاضياً على الاستعمال الأصليّ، حتّى لو كانت العادة في الطعام المعتاد أكله، خصّصت بعرف الاستعمال اسم الطعام بذلك الطعام، لكان لفظ الطعام منزَّلاً عليه دون غيره، ضرورة تنزيل مخاطبة الشارعِ للعرب1 على ما هو المفهوم ]لهم[ من لغتهم .
والصرف إلى الضأنِ، للقرينة في المطلق لا العموم .
الثاني: عادة في الاستعمال، بأن يكون العموم مستعرفاً في اللّغة ويتعارف الناسُ استعمالَهُ في بعض تلك الاشياء، كالدابّة الموضوعة لغةً لكلِّ ما يدبّ، ثمّ

1 . في «ب» و «ج»: للعرف .

صفحه 348
استعملت عرفاً في الخيل، فهنا إذا أمر الله تعالى في الدابّة بشيء، حُمِل على الخيل، لما بيّنا من أولويّة الحملِ على المعنى العرفي، وليس هذا تخصيصاً في الحقيقة، لأنّ اسمَ الدابّة لا يصير مستعملاً بالعرف إلاّ في الخيل، فصار كأنّه لم يستعمل إلاّ فيها، فلا يكون تخصيصاً في الحكم، وإنْ كان تخصيصاً بالنسبة إلى الاستعمال .

المبحث السابع: في أنّ كونَهُ مخاطِباً لا يقتضي تخصيصه عن العموم

ذهب المحقِّقون إلى أنَّ كونَ المخاطَبِ مخاطِباً، لا يخرجه عن عموم خطابه، سواء كان العامُّ خبراً، كقوله تعالى: (وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ)1 أو أمراً مثل: من أحسن إليك فأكرمه، أو نهياً مثل: من أحسن إليك فلا تسيء إليه، لأنَّ اللفظَ عامٌّ لغةً وهو يقتضي كونَ كلّ شيء معلوماً له تعالى وذاتُهُ شيءٌ، فتكون داخلةً تحت عموم الخطابِ، لعدم التنافي بينهما .
وكذا الأمر بالإكرام يتناول كلَّ مُحْسِن، فإذا أحسن السيد إليه، صدق
أنّه من جملة المُحْسنين، فوجب على العبد إكرامه بمقتضى عموم خطابِ
السيّد .
في أنّ علوَّ منصبه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يقتضي التخصيصَ   
وقال شاذٌّ: إنّه مخصّصٌ، وإلاّ لكان الله تعالى داخلاً في قوله: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءْ)2 .

1 . البقرة: 29 .
2 . الرعد: 16.

صفحه 349
ولأنَّ السيّدَ لو قال لعبده: من دخل ] داري [ تصدَّقْ عليه بدرهم، لم يحسن من العبد الصّدقة عليه، ولو كان داخلاً لوجب .
ولأنّ كونه آمراً قرينةٌ مخصِّصةٌ .
والجواب: الامتناعُ من الدخول في الآية لا من حيث كونِهِ مخاطِباً، بل من امتناع نسبة المخلوقيّة إليه، فالمخصِّصُ هنا العقل، ونحن لا نمنع منه، كما في قوله تعالى: (وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيء)1.
نعم هو داخلٌ من حيث الوضعِ خارج عن الإرادة من حيث العقل، والاضافات بينهما، وكذا القرينة الحاليّة خصَّصت السيّدَ عن الإرادة، والأمر ليس قرينةً في التخصيصِ، كما قلناه في قوله: من أحسن إليك فأكرمه، نعم الآمِرُ هل يدخل تحت عمومِ أمرِهِ؟ تقدّم البحث في ذلك.

المبحث الثامن: في أنّ علوَّ منصبه (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يقتضي التخصيصَ

إذا ورد الخطاب على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وكان عامّاً مثل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)2(يَا أَيُّهَا النَّاسُ )3 (يَا عِبَادِي)4 يدخل فيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عند أكثر العلماء .
وقال جماعة من الفقهاء والمتكلمين: إنَّهُ غيرُ داخل .

1 . النمل: 23 .
2 . البقرة: 104 .
3 . البقرة: 21 .
4 . العنكبوت: 56 .

صفحه 350
وقال أبو بكر الصيرفي1 والحليمي2 من الشافعيّة: إنْ صدر الخطاب بـ «قُلْ» مثل: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ )3 فهو غيرُ داخل، وكلّ خطاب لم يصدر بأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بتبليغه، مثل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، دخل .
لنا: انّ هذه الصيغة عامّةٌ لكلِّ إنسان، وكلِّ مؤمن، وكلّ عبد، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سيّد المؤمنين والعباد، والنبوّةُ غيرُ مخرجة ] له[ عن إطلاق هذه الأسماء عليه، فلا تكون مخرجةً له عن العمومات .
ولأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان إذا أمر أصحابه بأمر، وتخلّف عنه، سألوه عن سبب الترك، ولو لم يعقلوا دخولَهُ فيما أمرهم به، لما سألوه عن ذلك، ولم ينكر عليهم ما فهموه من الدخول، بل اعتذر، كما قالوا: لِمَ أَمَرْتَنا بفسخ الحجّ إلى العمرة، ولم تفسخ؟ فقال: «إنّي قلّدتُ هدياً»4 .
احتجوا بوجوه .
الأوّل: أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر الأُمّة بهذه الأوامر فلو دخل فيها لكان آمراً مأموراً بخطاب واحد، وهو ممتنعٌ .
ولأنّه يلزم أن يكون الإنسان آمراً لنفسه، وهو مُحالٌ، لأنَّ الأمر طلب

1 . تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 140 .
2 . الحسين بن الحسن بن محمد، أبو عبد الله، فقيه شافعيٌّ، كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النّهر، مات في بخارى سنة 403 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 2 / 235 .
3 . الأعراف: 158 .
4 . لاحظ مسند أحمد بن حنبل: 2 / 124 ; والسنن الكبرى للبيهقي: 5 / 12 ـ 13 ونقله الآمدي في الإحكام: 2 / 380 كما في المتن .

صفحه 351
الأعلى من الأدنى، ولانتفاء فائدته، ولامتناع أن يكون الشخصُ آمراً لنفسه على الخصَوصِ، فكذا له ولغيره .
الثاني: يلزم أن يكون بخطاب واحد مبلِّغاً ومبلَّغاً إليه، وهو مُحالٌ .
الثالث: انّه (صلى الله عليه وآله وسلم)اختصَّ بأحكام لم تشاركه فيها الأُمّة، كوجوب
ركعتي الفجر والأضحى وتحريم الزكاة عليه، وغير ذلك من خواصِّه، وهو
يعطي كونَهُ على مرتبة وانفراد عن الأُمّة بأحكام التكليفِ، فلا يدخل تحت خطابهم .
الرابع: علوّ منصبه يقتضي إفراده بالذكّر لقبح أمر السلطان وزيرَهُ وأدونَ أُمَّته بخطاب واحد .
والجواب عن الأوّل: أنَّ الآمر هو الله تعالى، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مبلِّغٌ لأمره تعالى، وفرقٌ بين الآمر والمبلِّغ للأمرِ .
وعن الثاني: أنّه مبلِّغٌ للأُمّة بما ورد على لسانِهِ، وليس مبلّغاً لنفسه بذلك الخطاب، بل المبلِّغ له جبرئيل (عليه السلام).
وعن الثالث: أنّ اختصاصَهُ ببعضِ الأحكامِ لا يوجب خروجَهُ عن العمومِ، فإنَّ كلاًّ من الحائض والمسافرِ والمريضِ والمرأة قد اختصّ بأحكام لا يشاركه فيها غيره، ولم يخرج عن العمومات .
وعن الرابع: بمنع القبح .
والوجه عندي ما قاله الصيرفي، لأنَّ تصديرَ الخطابِ بـ «قُلْ» يشعر بأمره بالتبليغ، وخروجه عنه، لقبح قوله لنفسه، بخلاف (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ).

صفحه 352
والتحقيق: أنّ خطابه تعالى مكتوبٌ في اللّوح المحفوظ، وجار على لسان جبرئيل (عليه السلام)ولسان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولاشكّ في دخوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الأوّلين، دون ما جرى على لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم)آمِراً به غيرَهُ من الأُمَّةِ.
في دخول العبد والكافر   

المبحث التاسع: في دخول العبد والكافر

اختلف الناس في دخول العبد تحت خطاب التكاليف بالألفاظ العامّة المتناولة له لغةً كلفظ «الناس» و «المؤمنين» و «العباد».
فذهب الأكثر إليه، خلافاً للأقلّ .
وقال أبو بكر الرازي1 من الحنفية: إنَّهَ داخلٌ في العمومات المثبتة لحقوقِ الله تعالى دون حقوق الآدميّ .
لنا: أنّ اللّفظَ عامّةٌ نسبتُهُ إليه كنسبته إلى الحرِّ، فيتساويان في الدخول، لتساويهما في الاندراج لغةً، والمانع المقتضي للتخصيصِ خلافُ الأصل، فيثبت الدخولُ إلاّ أن يدلّ دليلٌ على إخراجه منه، مثل كون العبادة مترتِّبةً على الملك المنتفي في حقّه عند أكثر الفقهاء أو غيره من الأدلّة .
احتجّوا بوجوه:
الأوّل: العبدُ مالٌ لسيّدِهِ، لتمكّنه من التصرّفِ فيه حسب تصرّفه في سائر الأموالِ، فيكون بمنزلة البهائم، فلا يندرج تحت خطاب الشّرع.
الثاني: أفعالُهُ الّتي هي متعلّق التكليف، ويحصل بها الامتثالُ، مملوكةٌ

1 . تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 505 .

صفحه 353
لسيّده، ويجب صرفُها إلى سيّده للخدمة شرعاً، فلا يكون الخطابُ متعلّقاً بصرفها إلى غير منافعه للتّناقُضِ.
الثالث: الإجماعُ على خروجِهِ عن الخطاب بالحجّ، والعمرة، والجمعة، والتبرّع، والإقرار بالمال، والحقّ البدنيّ، فلو كان داخلاً تحتَ العمومِ، لكان خروجُهُ ] عنها[ في هذه الصور على خلاف الأصل.
الرابع: الرقُّ مُقتض لإخراجه عن العموم، لأنّه مشغولٌ بسببه في جميع أوقاته بخدمة سيّده، وحقُّ السيّدِ مقدَّمٌ، لتمكّنه من منعه من النوافل، وهي حقٌّ له تعالى .
ولأنّ حقوقه تعالى مبنيّةٌ على المسامحة، لعدم تضرّره بفوات حقِّهِ، وعدم انتفاعه بحصوله، بخلاف الآدميّ.
لا يقال: إنّما يلزمه الخدمة لو فرغ من العباداتِ في هذه الأوقات.
لأنّا نقول: ليس تخصيصُ الدّليلِ الدالِّ على وجوبِ الخدمة بما دلَّ على وجوب العبادة أولى من تخصيصِ ما دلّ على وجوب العبادة بما دلّ على وجوب خدمة السيّد.
والجواب عن الأوّل: كونُهُ مالاً لا يُخْرِجُهُ عن جنس المكلّفين، إلى جنس البهائم، وإلاّ لَما توجّه الخطابُ إليه بالصّلاةِ والصّومِ والخدمةِ.
وعن الثاني: بالمنع من كون جميع المنافع مملوكةً للسيّد في جميع الأوقاتِ، حتّى في وقت تضييقِ العبادةِ المأمور بها، بل في غيره، فاندفع التناقض1 .

1 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 379 .

صفحه 354
وفيه نظرٌ، لأنَّ العبادةَ إنّما تخصّص وجوب طاعة السيّد لو وجبت عليه، وهو المتنازع .
وعن الثالث: أنّ خروجه عن هذه العموماتِ، لا يدلّ على إخراجه عن تناول العموماتِ له لغةً، غايته أنّه خصَّ في البعض لدليل، والتخصيصُ غيرُ مانع من العموم لغةً، والتخصيصُ أولى من رفعِ العمومِ لغةً مع تحقّقه، فأشبه المريض والحائض والمسافر في تخصيصهم بالصلاة، والصّوم، والجهاد.
وعن الرابع: بمنع تعلّقِ حقِّ السيّد بمنافعه المصروفة إلى العبادات المأمور بها عند ضيق أوقاتها، كما سبق، والرِّقُّ وإنْ اقتضى ذلك للمناسبة والاعتبار إلاّ أنّه لا يقع في مقابلة دلالة النصِّ على العبادة في ذلك الوقت، والنّصوصُ الدالّةُ على خدمةِ السيّد في حكم العامِّ، وما دلّ على وجوب العبادة في حكم الخاصِّ، فإنَّ كلَّ عبادة يتناولها لفظ خاصٌّ كآية الصلاةِ، وآية الصومِ، والخاصُّ مقدّمٌ على العامِّ، فالنصوص وإن تناولت العبدَ بعمومها، إلاّ أنّها متناولةٌ للعبادة في وقتها المعيَّن بخصوصها .
والرِّقُّ وإن كان مقتضياً لحقّ السيّد بخصوصه، إلاّ أنّ اقتضاءهُ لذلك الحقِّ في وقتِ العبادةِ لعمومه، فيتقابلان، ويسلمُ الترجيح بالتنصيصِ .
ونمنع كونَ حقّ الآدميّ مرجَّحاً على حقِّ الله تعالى مطلقاً، فإنَّ حقَّهُ تعالى يترجّح على حقّ السيّدِ فيما وجب على العبد بالخطاب الخاصِّ به إجماعاً .
ومنع السيّد له من النوافلِ، وإن اقتضى ترجيحَ حقِّه، لكن لا مطلقاً بل في النوافل دون الفرائض .
في أنّ قصد المدح والذمِّ غيرُ مقتض للتّخصيصِ   
وأمّا الكفر، فإنّه غيرُ مقتض للتخصيصِ، لما بيّنا من أنّ الكفّار مخاطبونَ بالشرائع.

صفحه 355
 
المبحث العاشر: في أنّ قصد المدح والذمِّ غيرُ مقتض للتّخصيصِ
اللّفظ العامُّ إذا قَصَدَ به المخاطبُ المدحَ أو الذمَّ، كقوله تعالى: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم)1و قوله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم)(2) لا يخرج عن عمومه بقصدهما عند أكثر المحقّقين.
وقال الشافعي: انّه يخرج عن عمومه .2
لنا: أنّه لفظٌ وُضع للعمومِ فرضاً ولا منافي لإرادته، إذ ليس إلاّ قصد المدح أو الذمِّ، وهو غيرُ صالح للمانعيّة، لإمكان إرادة العموم مع إرادة أحدهما، فيحمل على موضوعه، كغيره من الألفاظ .
احتجّ الشافعي: بأنّ الآية سيقت بقصد3 المبالغة في الحثِّ أو الزجرِ، ولم يكن العموم مقصوداً، ومنع من التمسّكِ بهذه الآية في ثبوت الزكاة في الحُلِيِّ.
والجواب: فهم الذمّ من الآية، لدلالة اللّفظ عليه، وهو يدلّ على العموم، فوجب إثباته، وليس دلالتها على الذمِّ مانعةً من دلالتها على العموم، بل العموم أبلغ.

1 . الانفطار: 12 ـ 13 .   2 . التوبة: 34 .
2 . نقله الآمدي في الإحكام: 2 / 384 .
3 . في «أ»: لقصد .

صفحه 356
هل يجب أن يضمر في المعطوف جميع ما يمكن إضماره ؟   
 
المبحث الحادي عشر: في أنّ المعطوفَ هل يجب أن يضمر فيه جميعُ ما يمكن إضماره ممّا في المعطوف عليه؟ وهل إذا وجب ذلك، وكان المضمر في المعطوف عليه مخصوصاً، وجب أن يكون المعطوف، عليه مخصوصاً أم لا؟
اختلف الناس في ذلك، فقال العراقيّون بذلك كلّه، ومنع الشافعيّة منه، مثاله قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقتل مؤمنٌ بكافر ولا ذو عهد في عهده»1.
استدل الشافعي به على أنّ المسلم لا يقتل بالذّميّ، وكذا أصحابنا، لأنَّ اللّفظ عامٌّ بالنسبة إلى كلّ كافر حربيّاً كان أو ذميّاً .
اعترضه الحنفيّة: بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عَطَفَ عليه ذا العهد، فيكون معناه: ولا ذو عهد في عهده بكافر، لأنَّ حكم المعطوف حكم المعطوف عليه، ومعلومٌ أنَّ ذا العهد يُقتل بالكافرِ الذميّ، ولا يقتل بالحربيّ، فكان قوله: «لا يُقتل مؤمن بكافر» معناه: «كافر حربيٍّ» لأنَّ المضمر في المُظهر هو المُظْهَر في المعطوف عليه، فأضمروا في المعطوفِ ما هو مُظْهرٌ في المعطوف عليه، من القتلِ والكافر .
ولمّا رأوا أنَّ ذلك إن أُضمر في المعطوف، كان مخصوصاً في الحربيّ، أوجبوا تخصيصَ المعطوفِ عليه أيضاً بالحربيّ.
وأجاب قاضي القضاة بوجهين:

1 . تقدّم تخريج الحديث :

صفحه 357
الأوّل: منع إضمار الكافر في المعطوف، لأنّ المعطوف إنّما يضمر فيه من المعطوف عليه ما يضمر به مستقلاًّ، لأنَّ فَقْدَ استقلالِهِ هو الموجب للإضمار، ومن المعلوم استقلال قوله: «ولا ذو عهد في عهده» بإضمار القتل، فإنَّ قولَنا: «ولا يقتل ذو عهد في عهده» كلامٌ مستقلٌّ.
الثاني: سلّمنا إضمارَ «الكافر» لكن لا يجب تخصيص المعطوف عليه لو كان المضمر مخصّصاً بالحربيّ، لأنَّ مقتضى العطف مطلق الاشتراك، لا الاشتراك من كلّ الوجوه، فلا يجب ما قالوه، ولهذا لو قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده بكافر» ثمّ علمنا بدلالة أنَّ ذلك مخصوص بالحربيّ، لم يجب أن يكون المعطوف عليه كذلك.
اعترض أبو الحسين على الأوّل: بأنّ الإضمار لا يقف على ما يستقلّ به الكلام، فإنّ من قال: «لا يقتل اليهود بالحديد ولا النصارى» لكان معناه: ولا يقتل النصارى بالحديد ولا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط .
وكذا ] لو قال: [ «لا تشتر اللحم بالدراهم الصّحاح ولا الخبز» لأفاد «ولاتشتر الخبز بالدراهم الصّحاح» لأنَّ العطفَ يفيد الاشتراك في حكم المعطوف عليه، وهاهنا المنع هو الشراء بالدّراهم الصّحاح دون المنع بالشراء بالدّراهم مطلقاً، لأنَّ المنع بالشراء بالدراهم مطلقاً غير مذكور.
فلو قلنا: إنّ قولَنا: «لا تشتر اللحم بالدّراهم الصحاح ولا الخبز» معناه: «ولا تشتر الخبز أصلاً» لم يكن قد شركنا بينهما في الحكم المذكور.
وعلى الثاني: أنَّ العطفَ يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في

صفحه 358
حكمه، وحكمه هو ما شاء المتكلِّم وأراده، دون ما لم يعنه، فلو جعل الكافر في المعطوف عليه عامّاً، وفي المعطوف خاصّاً لم يكن العطف مفيداً لاشتراكهما فيما قصده المتكلِّم، لأنّه قصد بالأوّل العمومَ، وبالثاني الخصوص، و لكان الثاني معطوفاً على بعض الأوّل، وظاهر العطف يمنعه.
ولا يمكن أن يقال: العطف يفيد اشتراكَ المعطوفِ والمعطوف عليه
في لفظ الكافر، لأنَّ اللّفظَ ليس موجوداً في المعطوفِ، وانّما حكم المعطوف عليه يوجد فيه، فإنَّ المتكلِّم يقصد بالعطف اشتراكهما في معنى قصده، دون اللفظ.
ثمّ أجاب عن كلام الحنفيّة: بأنّ المعطوف إذا قيّد بصفة، لم يجب أن يُضْمر فيه من المعطوف عليه إلاّ ما يصير به مستقلاًّ، فإنَّ الإنسان لو قال: «لا تقتل اليهود بالحديد، ولا النصراني في الأشهر الحرم» لم يجب أن يضمر فيه إلاّ القتل حتى يكون معناه: «ولا تقتل النصارى في الأشهر الحرم» ولا يجب إضمار «الحديد» حتّى يصير «ولا تقتل النصارى بالحديد في الأشهر الحرم» لأنّه لمّا قيّد المعطوف بزيادة ليست في المعطوف عليه، عُلِمَ أنّه أراد المخالفة بينهما في كيفيّة القتل، وأن يشرك بينهما في القتل فقط، لا في الزيادة الّتي في المعطوف عليه1 .
وهذا الكلام جيّدٌ، لأنَّ قوله: «ولا ذو عهد في عهده» كلامٌ تامٌّ، لأنَّه لو قال: «لا يقتل ذو العهد» لكان من الجائز أن يتوهّم أنّ مَنْ وجد منه العهدُ، ثمّ خرج

1 . المعتمد: 1 / 284 ـ 287 نقله المصنّف بتلخيص .

صفحه 359
عن عهده، فإنَّه لا يجوز قتله، فلمّا قال «في عهده» علمنا أنَّ النهيَ اختصّ بكونه في العهد .
وإذا كان تامّاً، لم يجر إضمار الزّيادة، لأنّ الإضمارَ على خلاف الأصلِ، فلا يصار إليه إلاّ لضرورة.
لا يقال: إنّ قوله: «في عهده» كالتأكيد لقوله: «ولا ذو عهد» ولا يفيد حكماً آخر، لأنّه لو لم يقله لعلمنا بقوله «ولا ذو عهد» أنّه لا ينبغي أن يقتل في عهده، لأنَّ زوال العهد يُخْرِجه عن كونه ذا عهد، وإذا كانت للتأكيد، وكان قوله: «ولا ذو عهد» يفيد بكافر، فكذا قوله: «ولا ذو عهد في عهده» .
وليس يقال: إنَّ قوله: «في عهده» يفيد فائدة مجدّدةً، وهي أنّ المانع من قتله هو العهد، لأنّه لو أفاد لاستفيد من قوله: «ولا ذو عهد».
لأنّا نقول: نمنع اقتضاء زوال العهد، لخروجه عن كونه ذا عهد، لما تقدّم من عدم وجوب بقاء المشتقّ منه في الاشتقاق.
سلّمنا، لكن ما ذكرتم يقتضي أنّه لو قال: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا رجل في عهده، أن لا يضمر فيه «الكافر» حتّى يكون معناه «ولا يقتل رجل في عهده بكافر» لأنّه يكون قوله: «في عهده» قد استفيد منه فائدة مجدّدة، فيجب أن يكون قوله: «ولا ذو عهد» يمنع من أن يُضمر فيه «بكافر» لأنّه ينزّل منزلة قوله: «ولا رجل في عهده» في إفادة صفة قد منع من القتل معها، فإذا كان قوله: «في عهده» للتأكيد لم يضمر في المنع من هذا الإضمار .

صفحه 360
وإذا امتنع إضمارُ الكافر فيه، امتنع تخصيص ما تقدّم.
قال أبو الحسين: إن وجب إضمار الكافر في المعطوف، فالأولى
القول بالوقف، لأنّه ليس التمسّك بظاهر العطف وترك ظاهر عموم أوّل
الكلام وحمله على الخصوصِ أولى1 من التمسك بظاهر العموم، وترك ظاهر العطف في وجوب اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في خصوص ما اتّفقا فيه.2
واحتجّ أصحابنا والشافعي بأُمور:
الأوّل: المعطوف لا يستقلّ بنفسه في إفادة حكمه، واللّفظُ الدالُّ على حكم المعطوف عليه، لا دلالةَ لهُ على حكم المعطوف بصريحه، وإنّما أُضمر حكمُ المعطوفِ عليه في المعطوفِ، ضرورةَ الإفادة، وحذراً من التعطيلِ، والإضمارُ على خلاف الأصلِ، فيجبُ الاقتصارُ على ما تندفع به الضرورةُ، وهو التّشريكُ في أصلِ الحكمِ دون تفصيلِهِ من صفةِ العموم وغيره، تقليلاً لمخالفة الدّليل.3
وفيه نظرٌ، إذ فيه تسليم إضمار حكم المعطوف عليه في المعطوف، فلو كان الكافر الأوّل للعموم، أو لم يقيّد الثاني بالكافر، لكان المضمر غيره.
الثاني: قد ورد عطفُ الخاصِّ على العامِّ في قوله تعالى: (وَ الْمُطَلَّقَاتُ

1 . في المصدر: بأولى .
2 . المعتمد: 1 / 287 ـ 288 .
3 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 370 .

صفحه 361
يَتَرَبَّصْنَ)1 فإنّه عامٌّ في الرجعيّة والبائن، وقوله: (وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ )2 خاصٌّ .
وورد عطفُ الواجبِ على المندوب في قوله: (وَ آتُوهُمْ)3 فإنّ الإيتاء واجبٌ، والكتابة مستحبّةٌ، وعطف الواجب على المباح في قوله: (وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)4 ولو اقتضى العطفُ التسويةَ في أصلِ الحكمِ وتفصيلِهِ، لكان العطف في ذلك على خلاف الأصل .5
وفيه نظرٌ، للمنع من عموم (وَ الْمُطَلَّقَاتُ) على ما يأتي، وعطف الأحكام المختلفة جائزٌ، لم ينازع فيه أحدٌ، وليس البحث فيه، بل في أنّ التقييد في المعطوفِ عليه بعامٍّ، وكان مُضْمراً في المعطوفِ، هل يقتضي تقييدَ المضمر
أو لا.
الثالث: الاشتراك في أصل الحكم متيقَّنٌ، وفي صفته محتملٌ، فَجَعْلُ العطفِ أصلاً في المتيقَّنِ دون المحتملِ أولى .6
وفيه نظرٌ، فإنَّ أصل الحكم هو عدم القتل، ولا يمكن التشريك فيه.
الرابع: لو كان التقييد مشتركاً لكان نحو: «ضربت زيداً يوم الجمعة وعمراً» أي يوم الجمعة .

1 . البقرة: 228 .
2 . البقرة: 228 .
3 . النور: 33 وقوله: (وَ آتُوهُمْ) عطفٌ على قوله: (فَكَاتِبُوهُمْ) الّذي هو أمرٌ مستحبٌّ .
4 . الأنعام: 141، وقوله: (وَ آتُوا حَقَّهُ) عطف على قوله: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ) الّذي هو أمرٌ مباحٌ.
5 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 370 .
6 . الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2 / 371 .

صفحه 362
واعترض بالتزامه، وبالفرق بأنَّ ضرب عمرو في غير يوم الجمعة، ليس بممتنع واحتجّت الحنفيّة بوجوه:
الأوّل: لو لم يقدّر شيءٌ لامتنع قتله مطلقاً، وهو باطلٌ، فيجب الأوّل للقرينة .
وفيه نظرٌ، فإنَّ الإطلاقَ إن عُني به عدمُ قتله وإن خرج عن العهد، منعنا الملازمةَ، وإن عُني عدمُ قتله مادام في عهده مطلقاً، منعنا بطلان التالي
الثاني: حرف العطفِ يُوجِبُ جعلَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه في حكم جملة واحدة، فالحكم على أحدهما يكون حكماً على الآخر .
واعترض:1 بأنَّ العطفَ يقتضي اتِّحادهما فيما فيه العطف، لا فيما زاد على أصل الحكم .
الثالث: المعطوف إذا لم يستقلّ، فلابدّ من الإضمار، وليس غير حكم المعطوف عليه إجماعاً، ولا بعضه، لأنَّ غيرَ المعيّن يقتضي الإجمالَ، وهو خلافَ الأصل، والمتعيّن2 منتف، فوجب إضمارُ كلّ ما ثبت للمعطوف عليه.
اعترض3: بالتشريك في أصل الحكم المذكور دون صفته، وهو مدلول اللّفظ من غير إبهام ولا إجمال.
في أنّ رجوع الضمير إلى البعضِ، هل يقتضي التخصيصَ أم لا؟   

1 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2 / 371 .
2 . في «أ»: والمتيقّن.
3 . المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2 / 371 .

صفحه 363
 
المبحث الثاني عشر: في أنّ رجوع الضمير إلى البعضِ، هل يقتضي التخصيصَ أم لا؟
اعلم أنَّ العمومَ إذا تعقّبه ضميرٌ يرجع إلى بعضه خاصّةً، إمّا في استثناء،
أو صفة، أو حكم، هل يجب أن يكون المراد بذلك العموم ذلك البعضَ
أو لا؟
أمّا الاستثناء، فكقوله تعالى: (لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)1 ثمّ قال: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ)2فاستثنى العفو، وعَلَّقَهُ بكناية راجعة إلى النساء .
ومعلومٌ أنّ العفوَ إنّما يصحّ من المالكاتِ لأُمورهِنَّ دونَ الصغيرةِ والمجنونةِ، فهل يقال: الصغيرةُ والمجنونةُ غيرُ مرادتين من لفظ النساءِ في أوّلِ الكلامِ .
وأمّا الصّفة، فكقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)3 ثمّ قال: (لاَ تَدْري لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَ