welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 1*
تألیف :العلامة الحلی*

نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 1

صفحه 5
أُصول الفقه بين الماضي والحاضر   
    نهاية الوصول إلى علم الأُصول / ج 1

أُصول الفقه

بين الماضي والحاضر

الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة هي الإيمان بالله سبحانه وصفاته والتعرّف على أفعاله.
والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة، تجمعها العناوين التالية: العبادات، والمعاملات، والإيقاعات والسياسات.
فالمتكلّم الإسلامي مَنْ تكفّل ببيان العقيدة، وبرهن على الإيمان بالله سبحانه وصفاته الجمالية والجلالية، وأفعاله من لزوم بعث الأنبياء ونصب الأوصياء لهداية الناس وحشرهم يوم المعاد.
كما أنّ الفقيه من قام ببيان الأحكام الشرعيّة الكفيلة بإدارة الفرد والمجتمع، والتنويه بوظيفتهما أمام الله سبحانه ووظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.
بيد أنّ لفيفاً من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين، فهم

صفحه 6
في مجال العقيدة أبطال الفكر وسنامه، وفي مجال التشريع أساطين الفقه وأعلامه، ولهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعدة.
فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين ففهمها واستخراجها من الكتاب والسنّة رهن أُمور، أهمها: العلم بأُصول الفقه، وهو العلم الذي يُرشد إلى كيفيّة الاجتهاد والاستنباط، ويذلّل للفقيه استخراج الحكم الشرعي من مصادره الشرعيّة.
إنّ كلّ علم يوم حدوثه ونشوئه لم يكن إلاّ مسائل عديدة لا تتجاوز عدد الأصابع شغلت بال الباحث أو الباحثين، ولكنّها أخذت تتكامل وتتشعّب عبر الزمان حتّى صارت علماً متكامل الأركان، له خصوصيّات كلّ علم، أعني: تعريفه، وموضوعه، ومسائله.
وهذه خصيصة كلّ علم من العلوم الّتي تسير مع تكامل الإنسان.
وأمامك علم المنطق; فقد نقل الشيخ الرئيس في آخر منطق الشفاء عن أرسطوطاليس أنّه قال: إنّا ما ورثنا عمّن تقدّمنا في الأقيسة إلاّ ضوابط غير مفصّلة. وأمّا تفصيلها وإفراد كلّ قياس بشروطه وضروبه وتمييز المنتج عن العقيم إلى غير ذلك من الأحكام، فهو أمر قد كددنا فيه أنفسنا وأسهرنا أعيننا حتّى استقام على هذا الأمر، فإن وقع لأحد ممّن يأتي بعدنا فيه زيادة أو إصلاح فليصلحه، أو خلل فليسدّه 1.
هذا هو نفس العلم، وفي جانب كلّ علم، بحث آخر ربّما يسمّى بتاريخ

1 . شرح المنظومة للحكيم السبزواري: 5 ـ 6. نقلاً عن منطق الشفاء للشيخ الرئيس ابن سيناء.

صفحه 7
العلم، وهو غير العلم نفسه، حيث يستعرض الباحث في تاريخ العلم الأسباب الّتي أدّت إلى نشوئه، أو صارت سبباً لتكامله خلال العصور، و الإلماع إلى العلماء الذين كان لهم دور في تطوّر العلم ، إلى غير ذلك من المباحث الّتي تناسب تاريخ العلم.
وهنا نفترض أنّ سفينة تجري على ضفاف البحر، وتشقّ الأمواج العاتية في وسطه، متقدّمةً إلى الأمام، فهناك راكب فيها، كما أنّ هناك ناظر إليها من بعيد، ولكلٍّ بالنسبة إلى السفينة رؤية خاصّة، فالراكب إذا أراد وصفها فسوف يصف معدّاتها الداخلية وما فيها من غرف الملاّحين، ومخازن الأطعمة والأشربة، ومقاعد الركاب وغرفهم، إلى غير ذلك ممّا يقع نظره عليه .
وأمّا الآخر فهو ينظر إليها بما أنّها مصنوع قام بصنعها كبار المهندّسين ومهرة العمّال وفق تخطيط دقيق باستخدام أدوات مختلفة، وموادّ متنوعة، حتّى صارت جاهزة تُقلّ الركّاب وتنقل البضائع من ميناء إلى ميناء .
فالنظرة الأُولى نظرة فاحصة متعلّقة بما في داخل السفينة، والنظرة الثانية نظرة فاحصة تتعلق بخارجها.
وعلى ضوء هذا المثال يمكن التفريق بين نفس العلم وتاريخه، فالنظر إلى داخل العلم بما له من موضوعات ومسائل وغايات، هي دراسة لنفس العلم.
كما أنّ النظر إليه من حيث نشوئه وتكامله بيد أساتذته عبر الزمان، هي دراسة لتاريخ العلم وسيره من بداية نشوئه إلى الحد الّذي بلغه .
وعلى هذا فـ «أُصول الفقه» علم له تعريفه وموضوعه ومسائله وغاياته، وقد أفاض فيه علماء الأُصول في بحوثهم ودراساتهم وكتبهم، ونحن هنا

صفحه 8
لا نخوض فيه، بل ننتقل إلى الجانب الثاني ـ أعني : دراسة تاريخ هذا العلم ـ والأسباب التي أدّت إلى نشوء هذا العلم وتدوينه بصورة رسائل وكتب.

حاجة الفقيه إلى أُصول الفقه:

إنّ الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة هي الإيمان بالله سبحانه وصفاته والتعرّف على أفعاله.
والشريعة هي الأحكام والقوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد والمجتمع في حقول مختلفة تجمعها العناوين التالية:
«العبادات، المعاملات، الإيقاعات، والسياسات». فإذا كانت الشريعة جزءاً من الدين، فلم يترك الدين شيئاً يحتاج إليه المجتمع في عاجله وآجله، وأغنى الإنسان المسلم عن كلّ تشريع وضعي سوى ما شرّعه الدين.
يرشدنا إلى إغناء التشريع الإسلامي عن كلّ قانون سواه، لفيف من الآيات والروايات، ونكتفي بما يلي:
1. قال سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً)1.
2. قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه، وبيّنه لرسوله، وجعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه».(2)

1 . المائدة: 3 .         2 . الكافي: 1 / 59، باب الرّد إلى الكتاب والسنّة.

صفحه 9
3. قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة» .1
4. وقال أبو الحسن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في جواب من سأله: أكلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه.
قال: «بلى كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه».(2)
هذا من جانب، ومن جانب آخر، أنّه كلّما توسّع نطاق الحضارة، وبلغ الإنسان منها ما بلغ، احتاج في تنظيم حياته إلى تشريعات خاصّة أزيد ممّا كان يحتاج إليها في الظروف الغابرة; وبما أنّ الحضارة الإنسانيّة مازالت تتوسّع وتتكامل، فذلك يستتبع حاجة الإنسان إلى تشريعات جديدة تستنبط من الكتاب والسنّة مع سائر الأدلّة.
وهذان الأمران هما:
1. استغناء المسلم عن كلّ تشريع سوى تشريع السماء .
2. تزايد الحاجة إلى التشريعات الجديدة.
فهذان الأمران يفرضان على الفقيه الدقّة والإمعان في الكتاب والسنّة، واستنطاقهما مع سائر الأدلّة في الحوادث المستجدّة، وهذا هو نفس الاجتهاد الّذي فتح الله بابه على الأُمّة الإسلاميّة منذ رحيل الرسول إلى يومنا هذا.
ومن المعلوم: أنّ استنطاق الأدلّة الأربعة يجب أن يكون تابعاً لنظام منطقيّ يصون المجتهد عن الخطأ في الاستنباط. وهذا هو علم «أُصول الفقه» فإنّ دوره هو تعليم المجتهد كيفيّة استنطاق الدليل الشرعي لاستنباط الحكم الإلهي في حقول مختلفة.

1 و 2 . الكافي: 1 / 59، باب الرّد إلى الكتاب والسنّة.

صفحه 10
إنّ إغناء الكتاب والسنّة والإجماع والعقل عن كلّ تشريع سواه، رهن اشتمالها على مادّة حيويّة وأُصول وقواعد عامّة تفي باستنباط آلاف من الفروع الّتي يحتاج إليها المجتمع البشري عبر القرون والأجيال .
وهذه الثروة العلميّة من مواهبه سبحانه للأُمّة بين سائر الأُمم.
ومن المعلوم أنّ تبسيط المادة الحيويّة وتهيئتها للإجابة على مورد الحاجة دون نظام خاص يسهّل إنتاج الأحكام الفرعية من هذه الموادّ والأُصول، يوجد الفوضى في حقل الاستنباط .
فوزان علم الأُصول بالنسبة إلى الفقه، وزان علم المنطق إلى الفلسفة، فكما أنّ المنطق يعلّم الباحث كيفية الاستدلال والبرهنة على المسائل العقليّة أو الكونيّة أو المعارف الإلهية، فهكذا علم الأُصول يرشد المجتهد إلى كيفيّة ردّ الفروع إلى الأُصول .

المسلمون الأوائل والمسائل المستجدّة:

واجه المسلمون في فتوحاتهم واحتكاكهم مع الأُمّم الأُخرى مسائل وموضوعات مستجدّة لم يجدوا حلّها في الكتاب والسنّة بصراحة ـ مع العلم بكمال الدين في حقلي العقيدة والشريعة ـ فأخذ كلّ صحابي أو تابعي بالإجابة وفق معايير خاصّة ، دون أن يكون هناك منهج خاص يصبّ تمام الجهود على مورد واحد، فمسّت الحاجة إلى تدوين أُصول وقواعد تضفي على الاجتهاد منهجيّة ونظاماً خاصّاً يخرجه عن الفوضى في الإفتاء، فعند ذلك جاء دور أُصول الفقه المتكفّل لبيان المنهج الصحيح للاستنباط .

صفحه 11
 
جذور علم الأُصول في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)
إنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)لا سيّما الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)أملوا على أصحابهم قواعد كلّيّة في الاستنباط يقتنص منها قواعد أُصوليّة أوّلاً وقواعد فقهيّة ثانياً على الفرق المقرّر بينهما. وقد قام غير واحد من علماء الإماميّة بتأليف كتاب في جمع القواعد الأُصوليّة والفقهيّة الواردة في أحاديث أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ونخصّ بالذكر الكتب الثلاث التالية:
أ ـ الفصول المهمة في أُصول الأئمّة: للمحدّث الحرّ العاملي (المتوفّى 1104 هـ).
ب ـ الأُصول الأصليّة: للعلاّمة السيّد عبد الله شبّر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242 هـ).
ج ـ أُصول آل الرسول، للسيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى 1318 هـ).
وبمحاذاة تلك الحركة بدأ نشاط تدوين علم أُصول الفقه عند الإماميّة على ضوء القواعد الكلّية الواردة في أحاديث أئمّتهم، مضافاً إلى ما جادت به أفكارهم.
فألّف يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208 هـ) كتابه «اختلاف الحديث ومسائله» وهو نفس باب التعادل والترجيح في الكتب الأُصوليّة.
كما ألّف أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي (237 ـ 311 هـ) كتاب: الخصوص والعموم، والأسماء والأحكام، وإبطال القياس .

صفحه 12
إلى أن وصلت النوبة إلى الحسن بن موسى النوبختي، فألّف كتاب: «خبر الواحد والعمل به». وهذه هي المرحلة الأُولى لنشوء علم أُصول الفقه عند الشيعة القدماء.
وبذلك يعلم أنّ أئمّة الشيعة(عليهم السلام)سبقوا غيرهم في إملاء القواعد الأُصولية، كما أنّ تلامذتهم شاركوا الآخرين في حلبة التأليف والتصنيف .
وأمّا الآخرون فقد اشتهر أنّ أوّل مَن ألّف في أُصول الفقه هو الإمام الشافعي.
قال الإمام الرازي: اتّفق الناس على أنّ أوّل من صنّف في هذا العلم ـ أي أُصول الفقه ـ الشافعي، وهو الّذي رتّب أبوابه، وميّز بعض أقسامه في بعض، وشرح مراتبها في القوة والضعف. 1.
وما ذكره الرازي موضع تأمّل، وإن اشتهر بين المتأخّرين أنّ الإمام الشافعي أوّل من ألّف في علم الأُصول والّذي طبع باسم «الرسالة»، وذلك:
1. أنّ أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم المتوفّى (عام 182 هـ) أوّل من ألّف في أُصول الفقه على وفق مذهب أُستاذه أبي حنيفة. 2
2. أنّ محمد بن حسن الشيباني المتوفّى (عام 189 هـ) هو أحد من ألّف في أُصول الفقه، كما صّرح به ابن النديم3، فلم يعلم تقدّم الشافعي على العالمين لو لم نقل بتقدّمهما عليه.

1 . مناقب الإمام الشافعي للرازي: 56 ـ 57 .
2 . وفيات الأعيان لابن خلكان: 6 / 383 .
3 . فهرست ابن النديم: 258 .

صفحه 13
وعلى كل تقدير فنحن نقدر ونثمن جهود الفقهاء الّتي بذلوها في تنمية أُصول الفقه وإظهاره للوجود ثم تطويره وتكامله، وهو من مواهب الله سبحانه.

تعريف أُصول الفقه:

إنّ البحث السابق رفع الستار عن واقع أُصول الفقه وبالتالي عن تعريفه.
وهو عبارة عن: العلم بالقواعد الّتي يتوصّل بها الفقيه إلى استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها، أو ينتهي إليها المجتهد بعد اليأس من العثور على الأدلّة الشرعيّة، وهذا كالأُصول العمليّة من البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب، فالمستنبط يلتجئ إليها عند اليأس من العثور على الدليل التفصيلي.
فالمجتهد تارة يستنبط الحكم الشرعي الواقعي، كما إذا كان في المسألة دليل من الكتاب والسنّة ; وأُخرى يرشد المكلّف إلى وظيفته الفعلية من العمل بالبراءة والاحتياط وغيرها. والفرق بين الأمرين واضح لمن مارس أُصول الفقه لدى الإماميّة.

موضوع علم الأُصول:

المشهور أنّ موضوع أُصول الفقه هو الأدلّة الأربعة، أو الحجّة في الفقه; والثاني هو الأظهر، لاختلاف الفقهاء في تحديد الأدلّة بالأربعة، وهناك مَن يحتجّ بالعقل، ومنهم من لا يحتجّ به .
وبما أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، فللأُصولي

صفحه 14
أن يبحث في أُصول الفقه عن عوارض «الحجّة في الفقه»، وعندئذ يقع الكلام في العوارض الّتي تعرض على «الحجّة في الفقه» والأُصولي يبحث عنها؟ وهذا ما يحتاج إلى بيان زائد، وهو:
إنّ العارض على قسمين :
أ ـ عارض خارجيّ يخبر عن عروض شيء على المعروض خارجاً، كالبحث عن عوارض الأجسام الخارجيّة كما في الفيزياء، أو الداخليّة كما في الكيمياء، إلى غير ذلك من الأعراض.
ب ـ عارض تحليلي وعقلي، وهذا نظير ما يبحث عنه الحكيم في الفلسفة عن تعيّنات الموجود بما هو موجود، حيث إنّ الموضوع لهذا العلم هو الوجود المطلق العاري عن كلّ قيد، فالحكيم يبحث عن تعيّناته وتشخّصاته، فصار يقسّمه إلى واجب وممكن، وعلّة ومعلول، ومادّي ومجرّد، وواحد وكثير.
وعلى ضوء هذا، فالموضوع في علم أُصول الفقه هو «الحجّة في الفقه»، فإنّ الفقيه يعلم وجداناً بأنّ بينه وبين ربّه حججاً تتضمّن بيان الشريعة والأحكام العمليّة. فيبحث عن تعيّنات هذه الحجج المعلومة بالإجمال، وأنّها هل تتشخّص بخبر الواحد أو لا؟ وبالقياس وعدمه، إلى غير ذلك.
فقولنا: خبر الواحد حجّة أو القياس حجّة، يرجع واقعهما إلى تعيّن الحجّة الكليّة غير المتشخّصة في خبر الواحد والقياس وغيرهما، حتّى أنّ البحث عن كون الأمر ظاهراً في الوجوب، والنهي في الحرمة، يرجع لبُّ البحث فيه إلى وجود الحجّة على لزوم إتيان الأمر الفلاني، أو وجود الحجّة على تركه.1

1 . رسائل ومقالات: 4 / 349 ـ 350 .

صفحه 15
 
اتّجاهان في تدوين أُصول الفقه
قام بتدوين أُصول الفقه في أوّل الأمر طائفتان هما: المتكلّمون والفقهاء.
الطائفة الأُولى: كانت تمثّل المذهب الشافعي في الفقه .
والطائفة الثانية: كانت تمثّل مذهب الإمام أبي حنيفة.
ولأجل التعرّف على كلا الاتّجاهين عن كثب، نذكر شيئاً منهما، ثم نشير إلى أسماء الكتب الّتي أُلّفت في هذين المضمارين .

طريقة المتكلّمين

تمتّعت طريقة المتكلّمين بالأُمور التالية:
أ. النظر إلى أُصول الفقه نظرة استقلاليّة، حتى تكون ذريعة لاستنباط الفروع الفقهيّة، فأخذوا بالفروع لما وافق الأُصول وتركوا مالم يوافق، وبذلك صار أُصول الفقه علماً مستقلاً غير خاضع للفروع التي ربّما يستنبطها الفقيه من دون رعاية الأُصول .
ب. تميّزت كتب هذه الطريقة بطابَع عقلي واستدلالي أسْتُخدِمتْ فيه أُصول مسلّمة في علم الكلام، فترى فيها البحث عن الحسن والقبح العقليّين، وجواز تكليف ما لا يطاق وعدمه، إلى غير ذلك .
ج. ظهر التأليف على هذه الطريقة في أوائل القرن الرابع.
يقول الشيخ أبو زهرة في وصف هذه المدرسة: «الاتّجاه الّذي

صفحه 16
سمّي أُصول الشافعيين أو أُصول المتكلّمين، كان اتّجاهاً نظرياً خالصاً، وكانت عناية الباقين فيه متّجهة إلى تحقيق القواعد وتنقيحها من غير اعتبار مذهبّي، بل يدُلّ انتاج أقوى القواعد، سواء أكان يؤدّي إلى خدمة مذهبهم أم لا يؤدّي ـ إلى أن قال ـ وقد كثرت في هذا المنهاج، الفروض النظريّة والمناحي الفلسفيّة والمنطقيّة، فتجدهم قد تكلّموا في أصل اللغات، وأثاروا بحوثاً نظرية، ككلامهم في التحسين العقلي والتقبيح العقلي، مع اتّفاقهم جميعاً على أنّ الأحكام في غير العبادات معلّلة معقولة المعنى.
ويختلفون كذلك في أنّ شكر المنعم واجب بالسمع والعقل، مع اتّفاقهم على أنّه واجب.
وهكذا يختلفون في مسائل نظريّة لا يترتب عليها عمل، ولا تسن طريقاً للاستنباط، ومن ذلك اختلافهم في جواز تكليف المعدوم.1
بل إنّهم لم يمتنعوا عن أن يخوضوا في مسائل من صميم علم الكلام، ولا صلة لها في الفقه إلاّ من ناحية أنّ الكلام فيها كلام في أصل الدين، ومن ذلك كلامهم في عصمة الأنبياء قبل النبوّة، فقد عقدوا فصلاً تكلّموا فيه في عصمة الأنبياء قبل النبوة».2
ثمّ أضاف وقال: وإنّ ذلك الاتّجاه أفاد علم الأُصول في الجملة، فقد كان البحث فيه لا يعتمد على تعصّب مذهبي، ولم تخضع فيه القواعد الأُصوليّة للفروع المذهبيّة، بل كانت القواعد تدرس على أنّها حاكمة على الفروع، وعلى

1 . الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي: 1 / 219 .
2 . أُصول الفقه لأبي زهرة: 16 .

صفحه 17
أنّها دعامة الفقه، وطريقة الاستنباط، وأنّ ذلك النظر المجرّد قد أفاد قواعد أُصول الفقه، فدرست دراسة عميقة بعيدة عن التعصّب في الجملة، فصحبه تنقيح وتحرير لهذه القواعد، ولاشك أنّ هذه وحدها فائدة علميّة جليلة، لها أثرها في تغذية طلاّب العلوم الإسلاميّة بأغزر علم وأدقّه .1
وسوف توافيك قائمة بأسماء بعض الكتب التي أُلّفت على هذا المنهاج، مع الإشارة إلى الفصول الّتي لا تقع ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي.

طريقة الفقهاء

وهناك طريقة أُخرى تمتاز بما يلي :
أ. إنها تنظر إلى أُصول الفقه نظرة آلية، بمعنى أنّ الملاك في صحّة الأُصول وعدمها هو مطابقتها للفروع التي عليها إمام المذهب، فكانوا يقرّرون القواعد الأُصوليّة طبقاً لما قرّره أئمة المذهب في فروعهم الاجتهادية الفقهيّة، وتكون القاعدة الأُصوليّة منسجمة مع الفروع الفقهيّة، فلو خالفتها لما قام لها وزن وإن أيّده البرهان وعضده الدليل; فتجد كثرة التخريج تشكّل الطابع العام في كتبهم التي أُلفت على هذه الطريقة.
ب. خلوّ هذه الطريقة من الأساليب العقليّة والقواعد الكلاميّة .
ج. ظهور هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث، وأوّل من ألفّ على هذا الأسلوب هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي (المتوفّى 220 هـ).

1 . أُصول الفقه لأبي زهرة: 17 .

صفحه 18
قال أبو زهرة في تبيين ذلك الاتّجاه: الاتّجاه الثاني هو الاتّجاه المتأثر بالفروع، وقد اتّجه فيه الباحثون إلى قواعد الأُصول ليقيسوا بها فروع مذهبهم، ويثبتوا سلامتها بهذه المقاييس. وبذلك يصحّحون بها استنباطها ويزودون بها في مقام الجدل والمناظرة، فكانت دراسة الأُصول على ذلك النحو صورة لينابيع الفروع المذهبيّة وحججها، ولقد قال بعض العلماء: إنّ الحنفيّة أوّل من سلكوا هذه الطريقة ولم تكن لهم أُصول فقهية نشأت في عهد الاستنباط1.

نظرة إلى طريقة الفقهاء:

إذا كانت الغاية من تدوين علم الأُصول هي التعرّف على قواعد تسهّل الاستنباط، وتأخذ بيد المجتهد إلى استنباط الحكم الشرعي; فيجب أن تكون القواعد الأُصوليّة حاكمة على الفروع ودعامة للفقه، وطريقة للاستنباط، وهذا لا ينطبق إلاّ على طريقة المتكلّمين.
وأمّا إذا كانت الغاية هي تصحيح الفروع التي أفتى بها الإمام ومخرجو مذهبه، فيكون حينئذ قليلة الجدوى، لأنّه يصبح دفاعاً عن مذهب معيّن، فلو وافقها أخذ به، وإن خالفها رفضها.
والحاصل أنّ علم الأُصول هو العلم الذي يُعدّ منهاجاً للاستنباط وطريقاً إليه، وأمّا إذا كانت الغاية منه تأييد المذهب والدفاع عنه، فيصبح علم الأُصول أداة طيّعة لفتوى الإمام، ولا يكون منهاجاً للاجتهاد.

1 . نفس المصدر: 18 .

صفحه 19
ولأجل هاتين الرؤيتين المختلفتين، نرى اختلافاً واضحاً بين الأُصوليّين لأتباع أئمّة المذاهب.
نعم الذي يؤاخذ على طريقة المتكلّمين هو أن الكتب الأُصوليّة عندهم، قد أصبحت مقتصرة على ذكر القواعد والأُصول دون تطبيقها على مصاديقها، وبذلك أصبحت لا تنفع للفقيه، من حيث التطبيق والتدريب. نعم قام بعضهم بالجمع بين الأمرين في بعض كتبهم .
وهذا الإشكال ـ ذكر القواعد بلا تطبيقات وتمرينات ـ داء منتشر ولا يختصّ بكتب علم الأُصول فقط، بل يعمّ كتب النحو والصرف والمعاني والبيان، فيجد المتعلّم فيها قواعد جافّة دون أن يطبقها على موارد في الكتاب والسنّة، أو كلمات البلغاء وأشعار الفصحاء.
ولأجل أن يقف القارئ على نماذج ممّا أُلّف في هذين المضمارين، نشير إلى بعض من ذلك .

المؤلّفون على طريقة المتكلّمين:

قام غير واحد من الأُصوليّين بتأليف كتب أُصوليّة على هذه الطريقة، ونشير إلى أسمائهم مع كتبهم على وجه الإيجاز:

1. أبو بكر الصيرفي (المتوفّى 330 هـ):

مؤلّف : «البيان في دلائل الاعلام على أُصول الأحكام» .

صفحه 20

2. محمد بن سعيد القاضي (المتوفّى 346 هـ) :

مؤلف : «الهداية» وكان علماء خوارزم يتداولونه .

3. القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403هـ):

مؤلف: «التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد».

4. قاضي القضاة عبد الجبار (324ـ415هـ):

مؤلّف: «النهاية» و «العمد».

5. أبو الحسين البصري محمد بن علي بن الطيب (المتوفّى 436هـ):

مؤلّف: «المعتمد».

6. أبو الوليد الباجي (المتوفّى 474 هـ):

مؤلف كتاب «إحكام الفصول في أحكام الأُصول».

7. أبو إسحاق الشيرازي (المتوفّى 476هـ):

مؤلّف: «اللمع» وكتاب «التبصرة».

8 . أبو نصر أحمد بن جعفر بن الصباغ (المتوفّى 477هـ):

مؤلّف: «العدّة» و «تذكرة العامل» و «الطريق السالم ».

صفحه 21

9. إمام الحرمين عبد الملك بن عبد اللّه الجويني (المتوفّى 478هـ):

مؤلّف: «الورقات» ، وكتاب «البرهان ».

10. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي (المتوفّى 505 هـ):

مؤلّف: «المستصفى»، و «المنخول من تعقليات الأُصول» .

11. أحمد بن علي بن برهان البغدادي (المتوفّى 518 هـ):

مؤلّف: كتاب «الوصول إلى علم الأُصول».

12. فخر الدين محمد بن عمر الرازي (المتوفّى 606 هـ):

مؤلّف: «المحصول في علم أُصول الفقه» .

13. سيف الدين الآمدي (المتوفّى 631 هـ):

مؤلّف: «الإحكام في أُصول الأحكام».

14. ابن الحاجب المالكي (المتوفّى 646هـ):

مؤلّف: «منتهى السؤل والأمل في علمي الأُصول والجدل»، وكتاب «مختصر المنتهى».
إلى غير ذلك من المؤلّفات على هذا الطراز .
إنّ التأليف على هذا الغرار وإن دام قروناً، ولكن أكثر ما كتب تلخيص لكتب ثلاثة:

صفحه 22
1. «المعتمد» لأبي الحسين البصري.
2. «البرهان» لإمام الحرمين الجويني.
3. «المستصفى» للغزالي.
وهناك ملاحظة أُخرى، وهي أن مؤلّفي أكثر هذه الكتب قد أدخلوا في علم الأُصول ما لا يمّت له بصلة إلاّ على وجه بعيد، فهذا هو الآمدي قد أدخل في كتاب «الإحكام في أُصول الأحكام» ـ الّذي طبع في أربعة أجزاء ـ كثيراً من المباحث الكلاميّة نظير :
1. التعرّف على مبدأ اللغات وطرق معرفتها.
2. التكليف بما لا يطاق.
3. تكليف المعدوم.
4. في عصمة الأنبياء(عليهم السلام) .
5. في حقيقة الخبر وأقسامه.
6. في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان متعبداً بالاجتهاد فيما لا نصّ فيه.
7. جواز الاجتهاد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
إلى غير ذلك من المباحث، التي ليس لها علاقة بأُصول الفقه، ولا تُمثّل تكاملاً لهذا العلم، بل هي بحوث زائدة إذا لم تكن مضرّة به .
وقد وقف أبو الحسين البصري (المتوفّى 436 هـ) على ما ذكرنا وقال في مقدّمة كتابه «المعتَمد»: ثم الّذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب في أُصول الفقه، بعد شرحي «كتاب العمد» واستقصاء القول فيه، أنّي سلكتُ في «الشرح» مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه، وتكرار كثير من مسائله، وشرح أبواب لا تليق

صفحه 23
بأُصول الفقه من دقيق الكلام، نحو القول في أقسام العلوم وحدّ الضروري منها والمكتسب، وتوليد النظر العلمَ ونفي توليده النظرَ، إلى غير ذلك. فطال الكتاب بذلك وبذكر ألفاظ «العمد» على وجهها، وتأويل كثير منها.
فأحببتُ أن أؤلّف كتاباً مرتّبة أبوابه غير مكرّرة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأُصول الفقه من دقيق الكلام. إذ كان ذلك من علم آخر، لا يجوز خلطه بهذا العلم، وإن يعلق به من وجه بعيد. فإنّه إذا لم يجز أن يُذكَر في كتب الفقه التوحيدُ والعدل ـ وأُصول الفقه، مع كون الفقه مبنياً على ذلك مع شدة اتّصاله به ـ ، فبأن لا يجوز ذكر هذه الأبواب في أُصول الفقه، على بُعد تعلّقها بها، ومع أنّه لا يقف عليها فهم الغرض بالكتاب، أولى.
وأيضاً فإنّ القارئ لهذه الأبواب في أُصول الفقه إن كان عارفاً بالكلام، فقد عرفها على أتمّ استقصاء، وليس يستفيد من هذه الأبواب شيئاً. وإن كان غير عارف بالكلام، صعب عليه فهمها، وإن شرحتُ له، فيعظم ضجره ومَلله، إذ كان قد صرَف عنايتَه وشغَل زمانه بما يصعب عليه فهمه. وليس بمدرك منه غرضه. فكان الأولى حذف هذه الأبواب من أُصول الفقه .1

الكتب المؤلّفة على طريقة الفقهاء:

قد تقدّم أنّ طائفة من الأُصوليّين نهجوا منهجاً غير منهج السابقين فألّفوا كتباً أُصوليّة طبقاً لما قرّره أئمّة المذهب في فروعهم الفقهيّة، وهذا النوع خال

1 . المعتمد في أُصول الفقه: 1 / 3 .

صفحه 24
من الأساليب العقليّة والقواعد الكلاميّة. وقد قام غير واحد من المهتمّين بأُصول الفقه بتأليف كتب على هذا الغرار، نظير:

1. أبو الحسن الكرخي (المتوفّى 340 هـ) :

وله رسالة في الأُصول.

2. أبو منصور الماتريدي (المتوفّى 333 هـ) :

مؤلّف: «مآخذ الشرائع في الأُصول» .

3. أبو زيد عبيد الله بن عمر القاضي (المتوفّى 340 هـ ):

مؤلّف: «تقويم الأدلّة».

4. أبو بكر الجصّاص (المتوفّى 370 هـ) :

مؤلّف: «أُصول الجصّاص».

5. فخر الإسلام البزدوي (المتوفّى 482 هـ) :

مؤلّف كتاب: «كنز الوصول إلى معرفة الأُصول ».

6. شمس الأئمة السرخسي (المتوفّى 482 هـ):

مؤلّف: «تمهيد الفصول في الأُصول».

صفحه 25

7. الحافظ النسفي (المتوفّى 701 هـ) :

مؤلّف: «منار الأنوار في أُصول الفقه ».
وقد عمدوا إلى الفروع يؤلّفونها إلى مجاميع يُوجد بينها التشابه، ثمّ يستنبطون منها الضوابط والقواعد .
وعلى ضوء ذلك، فأُصول الفقه عندهم أشبه بالقواعد الفقهيّة، حيث إنّ الفقيه يضمّ مسألة إلى مسألة ثم يوحّد بينهما وبين الآخرين، وينتزع من الجميع قاعدة فقهيّة تعمّ الجميع.
مثلاً إنّ الفقيه إذا وقف على أنّ صحيح الإجارة وفاسدها يوجب الضمان، كما أنّ البيع أيضاً يوجب فاسده وصحيحه الضمان، إلى غير ذلك من المسائل الّتي فيها مبادلة بين المالين أو بين المال والمنفعة، فينتزع من الجميع قاعدة كلّية ويقول: كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
فالقواعد الفقهيّة أشبه بطريقة الفقهاء، وعندئذ فكلّ قاعدة لا تنسجم مع ما وقف عليه الفقيه في ثنايا استنباطه تكون مردودة، وإن كان البرهان يوافقه .

طريقة الإماميّة في تدوين الأُصول:

وأمّا طريقة الإماميّة فالموجود مابين أيدينا من القرن الرابع أشبه بطريقة المتكلّمين، مستمدّين من بعض الأحاديث عن الأُصول والقواعد الواردة في أحاديث الأئمة الطاهرين(عليهم السلام)، فإنّهم طرحوا أُصولاً وقواعد لها دور في استنباط الحكم الشرعي، وربّما ألجأتهم الظروف إلى إدخال المسائل الكلاميّة في
كتبهم، نظراء:

صفحه 26

1. محمد بن محمد النعمان (المتوفّى 413 هـ) :

مؤلّف كتاب: «التذكرة في أُصول الفقه ».

2. الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ) :

مؤلّف: «الذريعة ».

3. سلاّر الديلمي (المتوفّى 448 هـ) :

مؤلّف: «التقريب في أُصول الفقه ».

4. محمد بن الحسن الطوسي (المتوفّى 460 هـ) :

مؤلّف: «العدة في أُصول الفقه» .

5. ابن زهرة الحلبي (المتوفّى 558 هـ) :

مؤلّف: «الغنية».

6. سديد الدين الحمصي (المتوفّى حوالي 600 هـ) :

مؤلّف: «المصادر في أُصول الفقه ».

7. نجم الدين الحلي (المتوفّى 676 هـ) :

مؤلّف: «المعارج في أُصول الفقه» .

صفحه 27

8 . العلاّمة الحلّي نابغة العراق الحسن بن مطهر (المتوفّى 726 هـ) :

مؤلّف: عدة كتب في الأُصول، أعظمها: «نهاية الوصول إلى علم الأُصول».

9. عميد الدين الأعرجي (المتوفّى 754 هـ):

مؤلّف: «منية اللبيب في شرح التهذيب».

10. ضياء الدين الأعرجي (كان حياً 740 هـ) :

مؤلّف: «النقول في تهذيب الأُصول» .

11. فخر المحقّقين محمد بن الحسن الحلّي (المتوفّى 771 هـ) :

مؤلّف: «غاية الأُصول في شرح تهذيب الأُصول» .

12. الشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي (المتوفّى 786 هـ) :

مؤلّف: «القواعد والفوائد» ويشتمل على قواعد أُصولية وفقهيّة.

13. المقداد بن عبد الله السيوري (المتوفّى 826 هـ) :

مؤلّف: «نضد القواعد».

14. زين الدين بن نور الدين الشهيد الثاني (المتوفّى 965 هـ):

مؤلّف: «تمهيد القواعد».

صفحه 28
إلى هنا تمّت المرحلة الأُولى الّتي طواها علم الأُصول .
وبعد أن ظهرت الحركة الأخباريّة في أواخر القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر، عمّ الركود على الفكر الأُصولي عبر قرنين. إلى أن برز المحقّق البهبهاني إلى الساحة، فقام بالرد على فكرة الأخباريّة وإبطال أسسهم، واستطاع أن يشيّد للأُصول أركاناً جديدة ودعامات رصينة، فنهض بالأُصول من خموله الّذي دام قرنين.
وبذلك انتهى عصر الركود، وبدأ عصر الإبداع والابتكار من زمانه إلى نهاية القرن الرابع عشر، ففي هذه الفترة بلغ علم الأُصول ذروة التكامل، فأسّست قواعد ومسائل لم يكن لها أيّ أثر في زبر السابقين، سنّة وشيعة.
إلى أن صار علم الأُصول الحديث عند الإماميّة بالنسبة إلى القديم منه، كأنهما علمين مختلفين، أو أن أحدهما بداية الأُصول والآخر نهاية.
وها نحن نذكر شيئاً من ابتكارات علمائنا في القرنين الأخيرين بما يدهش العقول ويبهر النفوس :

صفحه 29
تطوّر علم الأُصول عند الإماميّة   

تطوّر علم الأُصول عند الإماميّة

نحن نقدّر ما كابده علماء الفريقين في سبيل هذا العلم إبداعاً وابتكاراً، أو بياناً وإيضاحاً حتّى أوصلوه إلى القمّة، ومع ذلك كلّه لا نرى مانعاً من بيان ما يختصّ بالإماميّة من تنشيط وتصعيد الحركة الأُصوليّة عبر القرون، وقد تمّ تحقيق هذا التنشيط بإحداث قواعد وضوابط تُمِدُّ المستنبط في مختلف الأبواب، وها نحن نشير إلى بعضها:

1. تقسيم الواجب إلى مشروط ومعلّق:

إنّ تقسيم الواجب إلى مطلق كمعرفة اللّه، ومشروط كالصلاة بدخول الوقت، تقسيم معروف.
وأمّا تقسيم الواجب إلى مشروط ومعلّق، فهو من خصائص أُصول الفقه للإماميّة.
والفرق بينهما: أنّ القيد في الأوّل يرجع إلى الهيئة، وفي الثاني يرجع إلى المادة.
وبعبارة أُخرى: كلا الواجبين مقيّدان، إلاّ أنّ القيد في الواجب

صفحه 30
المشروط قيد للوجوب، كالوقت بالنسبة إلى الصلاة، فما لم يدخل الوقت لا وجوب أصلاً. ولكنّه في الواجب المعلّق قيد للواجب، فالوجوب حاليّ لكن الواجب مقيّد بوقت متأخر.
وهذا نظير مَن استطاع الحجّ، فوجوب الحجّ مشروط بالاستطاعة، فلا وجوب قبلها، وبحصولها يكون الوجوب فعلياً، ولكن الواجب استقبالي مقيّد بظرفه، أعني: أيّام الحجّ.
ويترتّب على التقسيم ثمرات مذكورة في محلّها، ونقتصر على ذكر ثمرة واحدة.
إنّ تحصيل مقدّمة الواجب المشروط غير لازم، لأنّ وجوب المقدّمة ينشأ من وجوب ذيها، فإذا كان ذو المقدّمة غير واجب، فلا تجب مقدّمته شرعاً ، فلا يجب تحصيلها.
هذا بخلاف مقدّمة الواجب المعلّق، فبما أنّ الوجوب فعليٌّ ـ بحصول الاستطاعة ـ يجب تحصيل مقدّمات الحجِّ، وإن كان الواجب استقبالياً.

2. دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة:

لقد بذل الأُصوليون جهودهم في إثبات دلالة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة،دلالة تضمنيّة أو التزاميّة، وطال النقاش بين الموافق والمخالف، ولكن المحقّقين المتأخّرين من الإماميّة دخلوا من باب آخر، وهو أنّ السيرة المستمرّة بين العقلاء هي: أنّ أمر المولى ونهيه لا يترك بدون جواب ـ رغم عدم

صفحه 31
دلالتهما على الوجوب والحرمة لفظاً ـ و كيفيّة الجواب عبارة عن لزوم الإتيان في الأوّل، والترك في الثاني. وهو عبارة عن الوجوب والحرمة.
كما أنّ العقل يدعم موقف العقلاء فيؤكِّد على متابعة الأمر والنهي حذراً من احتمال المخالفة.
وبالرغم من أنّ أمر المولى على قسمين: واجب ومندوب، كما أنّ نهيه كذلك: حرام و مكروه، ومع ذلك يلزم العقل العبد المكلّف على الامتثال حذراً من المخالفة الاحتماليّة.

3. الترتّب أو الأمر بالضدّين مترتّباً:

إنّ ثمرة القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، هو بطلان الضدّ المنهيّ عنه إذا كان عبادة، وهذا كما إذا وقعت المزاحمة بين واجب مضيّق، وآخر موسّع، كإزالة النجاسة عن المسجد، والفريضة الموسّع وقتُها، فالأمر بالأولى يقتضي النهي عن الثانية، وتكون الثمرة بطلانها لأنّ الصحّة والزجر عن الفعل لا يجتمعان.
وربما قيل ببطلان الثمرة وانّ الصلاة باطلة، ولا يحتاج في بطلان الفريضة إلى تعلّق النهي بها، إذ يكفي في البطلان عدم تعلّق الأمر بها ـ عند تعلّق الأمر بالإزالة ـ لأنّ الأمر بها وإن لم يلازم النهي عن الصلاة، لكنّه يلازم عدم الأمر بها، وإلاّ يلزم طلب الضدّين. وبما أنّ طلبهما باطل، فلا محيص عن عدم تعلّق الأمر بالصلاة وهو يكفي في البطلان.

صفحه 32
ثمّ إنّ جماعة سلّموا بطلان الثمرة، لكنّهم حاولوا تصحيح الصلاة بالأمر بهما عن طريق الترتب، بأن يكون الأمر بالضدّ، مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل، ويقال:أزل النجاسة عن المسجد، وإن عصيت فصلّ.
وهذه هي المسألة المعروفة بالترتّب، ولها دور في استنباط قسم من الأحكام، واطلب تفاصيلها عن المحصول.1

4. العام بعد التخصيص ليس بمجاز:

الرأي المعروف عند الأُصوليين أنّ العام المخصَّص مجاز، لأنّ المخصِّص قرينة على استعماله في غير المعنى الموضوع له، ولكن المحققين من أصحابنا أثبتوا أنّه بعد التخصيص أيضاً حقيقة مطلقاً، سواء كان المخصّص متصلاً أم منفصلاً، بتصوير أنّ للمتكلّم إرادتين: إرادة استعماليّة، وارادة جديّة، والعام مطلقاً مستعمل بالإرادة الاستعماليّة في المعنى الموضوع له، والتخصيص إنّما يتوجّه إلى الإرادة الجدّية، فهو يستعمل العامّ في المعنى الموضوع، ثمّ يشير بدليل آخر إلى أنّ قسماً منه ليس بمراد جدّاً، ولا يلزم لاستعمال العام من بدء الأمر في الخصوص.
ويترتّب على ذلك ثمرة أُصوليّة وهي صحّة التمسك بالعام عند الشك في وجود تخصيص زائد، لأنّ العام حسب الفرض، استعمل في العموم بالإرادة الاستعماليّة، وانعقد ظهوره فيه، وهو حجّة فيه، ولا يصحّ رفع اليد عنه إلاّ بمقدار ما قام الدليل على خلافه، والمفروض عدم قيامه إلاّ في مورد واحد.

1 . المحصول الّذي هو تقرير لأبحاثنا الأُصوليّة بقلم السيّد الجلالّي حفظه الله : 2 / 75 ـ 80 .

صفحه 33
 
5. دلالة المطلق على الشيوع عقليّة:
عرّف الأُصوليّون القدماء المطلق بأنّه ما دلّ على معنى شائع في جنسه، وظاهر ذلك أنّ دلالة المطلق على الفرد الشائع دلالة لفظيّة، وليست كذلك ، لأنّ البيع ـ مثلاً ـ في قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)موضوع للطبيعة المعرّاة عن كلّ قيد، وليس فيه ما يدلّ على الشيوع ولا على فرد منها، بل مدلولها نفس الطبيعة. هذامن جانب، ومن جانب آخر: أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام مطلوبه ومراده، فلو كان متعلّق التحليل بيع خاص لبيّنه.
فانضمام هذين الأمرين، يثبت أنّ الامتثال يحصل بإتيان أيّ فرد من أفراد الطبيعة، لأنّها توجد بفرد ما ، فالشيوع بمعنى كفاية إتيان كلّ فرد في مقام الامتثال حكم عقلي لا لفظي.

6. التمسك بالعام في الشبهة المصداقية:

كان الرائج بين قدماء الأُصوليين، جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص، مثلاً إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، و ثبت أنّ زيداً عالم، ولم يثبت أنّه غير فاسق، فالرائج عنه هو التمسك بالعام وإثبات وجوب إكرامه.
والشاهد على ذلك افتاؤهم فما لو تلف مال الغير عند شخص، وشكّ في أنّ يده كانت يداً أمانية أو غيرها، فيحكم عليه بالضمان، تمسكاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي.

صفحه 34
مع أنّه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة، لخروج اليد الأمانية عنه، حيث إنّ الأمين لا يضمن ما لم يكن هناك تفريط، فالأمر دائر في بقاء زيد تحت العام إذا كانت يد غير أمانية، وخروجها عنه ودخولها تحت المخصّص إذا كانت أمانية. ومع دوران الأمر بين الأمرين فكيف يصحّ التمسك بالعام، وعلى ضوء ذلك ذهب أصحابنا إلى عدم صحّة التمسك بالعام إلاّ إذا ثبت بنحو من الأنحاء عدم عنوان المخصّص، والتفصيل في محلّه. وللمسألة دور كبير في الفقه، يقف عليه من كان ممارساً للفقه.

7. الإطلاق فرع كون المتكلّم في مقام البيان:

إذا وقع لفظ كلّي تحت دائرة الحكم ـ كما إذا قال: أعتق رقبة ـ يحكم الفقهاء بأنّ الموضوع مطلق، فلا فرق في مقام الامتثال بين كونها مؤمنة أو كافرة. فجعلوا دلالة المطلق على الاجتزاء بكلّ فرد منه، دلالة عقليّة بمعنى: أنّ الموضوع عند المشرّع هو ذات المطلق، فلو كان الموضوع مركباً من شيئين: المطلق و قيده، لزم أن يركّز عليه المشرّع، فسكوته دليل على عدم مدخليته.
لكن الركن الركين في جواز التمسّك بالمطلق ـ عند الإماميّة ـ كون المتكلّم في مقام بيان للموضوع من جزء أو شرط، ولولا إحرازه لم يتمّ التمسّك بالمطلق.
وعلى هذا فلو قال: الغنم حلال، لا يصحّ التمسك بإطلاقه لإثبات حليّة مطلق الغنم (مملوكه ومغصوبه، الجلاّل وغيره،) بحجّة أنّ المتكلّم اتّخذ الغنم موضوعاً لحكمه وهو صادق على القسمين، وذلك لأنّ المتكلّم بصدد

صفحه 35
بيان حكم الغنم بما هوهو، لا بما إذا اقترن مع العوارض.
نرى أنّ بعض الفقهاء أفتوا بجواز أكل ما أمسكته كلاب الصيد دون وجوب أن يغسل مواضع عضّها، تمسّكاً بقوله سبحانه: (فكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ)1 ولم يقل: فكلوا بعد غسل مواضع العض.
ولكن التمسّك بإطلاق الآية غفلة عن الشرط اللازم للمطلق، أعني: كون المتكلّم في مقام البيان ، فليست الآية إلاّ بصدد بيان حلّية ما اصطادته الجوارح، وأنّه ليس من مقولة الميتة، وأمّا أنّه يؤكل بغير غسل، أو معه، فليست الآية في مقام بيانه حتّى يستدلّ سكوته على عدم شرطيّته.
وبالتدبّر في هذا الأصل يظهر بطلان كثير من التمسّكات بالإطلاق في كثير من أبواب الفقه، وهو غير صالح للتمسّك.

8 . الملازمات العقلية :

لقد طال البحث في دلالة الأمر على وجوب المقدّمة، والنهي على حرمة مقدّمته، وحاول كثير من الأُصوليين إثبات الدلالة اللفظية بنحو من الأنحاء
الثلاثة.
ولكن الإماميّة طرقوا باباً آخر في ذلك المجال، وانتهوا إلى نفس النتيجة، لكن من طريق أوضح، وهو: وجود الملازمة العقلية بين إرادة الشيء وإرادة مقدّمته، من غير فرق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، فكما أنّ إرادة

1 . المائدة: 4 .

صفحه 36
الصعود إلى السطح لا تفارق إرادة تهيئة السلّم واستخدامه، فهكذا الإرادة التشريعيّة بمعنى تعلّق إرادته بصعود الغير إلى السطح.
وقد استفاد الأُصوليّون من هذه القاعدة ـ الملازمة العقلية ـ في غير واحد من أبواب أُصول الفقه، كالملازمة بين الأمر بالشيء و إجزائه عن الإتيان به ثانياً، والنهي عن العبادات وفسادها، والنهي عن المعاملات وفسادها عند تعلّق النهي بما لا يجتمع مع صحتها، كالنهي عن أكل ثمنها، كما إذا قال: ثمن الميتة سحت، أو ثمن المغنّية سحت.

6. التعارض والتزاحم والفرق بينهما:

إنّ التنافي بين الدليلين إذا كان راجعاً إلى مقام الجعل والإنشاء بأن يستحيل من المقنّن الحكيم، صدورُ حكمين حقيقيين لغاية الامتثال فهو المسمّى بالتعارض، مثلاً يستحيل جعل حكمين باسم: «ثمن العذرة سحت، ولا بأس ببيع العذرة»، فلو كان تنافي الخبرين من تلك المقولة، فهذا ما يبحث عنه في باب التعادل والترجيح، ويرجّح أحد الخبرين على الآخر بمرجّحات منصوصة أو مستنبطة.
وأمّا إذا كان التنافي راجعاً إلى مقام الامتثال دون مقام الجعل والإنشاء، وهذا كما إذا ابتلي الإنسان بغريقين، فالتنافي في المقام يرجع إلى عجز المكلّف عن الجمع بينهما، لأنّ صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن صرفها في الآخر، فهذا ما يعبّر عنه بالتزاحم.وإلاّ فلا تنافي في مقام التشريع بأن يجب إنقاذ كلّ غريق فضلاً عن غريقين.

صفحه 37
وبذلك ظهر الفرق بين التعارض والتزاحم بوجه آخر، وهو أنّ ملاك التشريع والمصلحة موجود في أحد المتعارضين دون الآخر، بخلاف المتزاحمين فالملاك موجود في كل من الطرفين كإنقاذ كلّ من الغريقين، ولكن المانع هو عجز المكلّف، وعند ذلك يجب رفع التزاحم بالتخيير إذا كانا متساويين، أو بالترجيح كما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر .
وبذلك يستطيع الفقيه رفع التنافي بين كثير من الأدلّة التي يظهر فيها التنافي لعجز قدرة المكلّف، مع كون الحكمين ذا ملاك. ورفع التنافي رهن إعمال مرجّحات خاصة بباب التزاحم، وها نحن نذكر رؤوسها دون تفصيل:
1. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل.
2. تقديم المضيّق على الموسّع.
3. تقديم الأهمّ بالذات على المهمّ.
4. سبق أحد الحكمين زماناً.
5. تقديم الواجب المطلق على المشروط.
والتفصيل موكول إلى محله.
ولنمثل لإعمال الترجيح مثالاً يوضح المقصود:
قد أصبح تشريح بدن الإنسان في المختبرات من الضروريات الحيويّة، التي يتوقّف عليها نظام الطب الحديث، فلا يتسنّى تعلم الطب إلاّ بالتشريح والاطّلاع على خفايا أجهزة الجسم وأمراضها.
غير أنّ هذه المصلحة تصادمها، مصلحة احترام المؤمن حيّهِ وميّتهِ،

صفحه 38
إلى حدّ أوجب الشارع، الإسراع في تغسيله وتكفينه وتجهيزه للدفن، ولا يجوز نبش قبره إذا دفن، ولا يجوز التمثيل به وتقطيع أعضائه، بل هو من المحرّمات الكبيرة، والذي لم يجوّزه الشارع حتى بالنسبة إلى الكلب العقور، غير أنّ عناية الشارع بالصحّة العامّة وتقدّم العلوم، جعلته يسوّغ ممارسة هذا العمل لتلك الغاية، مقدّماً بدن الكافر على المسلم، والمسلم غير المعروف على المعروف منه، وهكذا....

10. تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام:

إنّ تقسيم حالات المكلّف إلى أقسام ثلاثة ـ أعني: كونه قاطعاً بالحكم، أو ظانّاً، أو شاكّاً فيه ـ تقسيم طبيعي في مورد الحكم الشرعي، بل بالنسبة إلى كلّ شيء يفكر الإنسان فيه ويلتفت إليه، فهو بين قاطع وظان وشاك.
لا شكّ أنّ القاطع يعمل بقطعه، ولا يمكن نهيه عن العمل بالقطع، لأنّه يرى نفسه مصيباً للواقع، إنّما الكلام في الشقين الأخيرين، فالإماميّة لا يعتقدون بحجّية الظنون في مورد استنباط الأحكام إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّيته، ويستدلّون على ذلك بأنّ الشكّ في حجّية الظنّ يوجب القطع بعدم الحجّية، ولعلّ بعض الناس يتلقاه لُغزاً، إذ كيف يتولّد من الظنّ بالحجّية، القطع بعدمها،ولكنّه تظهر صحته بأدنى تأمّل، وذلك لأنّ المراد من الظنّ هو الظنّ بالحكم الشرعي، هذا من جانب، ومن جانب آخر، العمل به مع التردد في الحجّية مصداق للبدعة، والبدعة حرام قطعي لا مزية فيه.
وبعبارة أُخرى: إذا كانت البدعة عبارة عن إدخال ما لم يعلم كونه

صفحه 39
من الدين في الدين، فإذا عمل المكلّف بالظنّ، مع الشك في حجّيته
وإذن الشارع بالعمل به ، فقد أدخل بعمله هذا، ما لم يعلم كونه من الدين
في الدين، فإذا قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غير عالم بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال، فقد نسب إليه حكماً ما لم يعلم كونه منه، ولذلك أصبحت الضابطة الأُولى عند الإماميّة حرمة العمل بالظنّ إلاّ ما قام الدليل القطعي على حجّته، كخبر الثقة الضابط، و البيّنة، و قول أهل الخبرة، إلى غير ذلك من الظنون التي ثبتت حجّيتها من جانب الشرع.
وأمّا حكم الشاك فهذا هو بيت القصيد في المقام .أقول: الشكّ على أقسام أربعة:

ألف. الشكّ في شيء له حالة سابقة:

إذا شككنا في بقاء حكم أو بقاء موضوع كنّا جازمين به سابقاً، وإنّما نشك في بقائه، فهنا يؤخذ بالحالة السابقة، ويسمّى باصطلاح الأُصوليين بالاستصحاب عملاً بالسنّة: «لا تنقض اليقين بالشك».

ب. الشكّ في أصل تشريع الحكم:

إذا شككنا في حرمة شيء أو وجوبه وليس له حالة سابقة، كالشك في حرمة التدخين أووجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وأمثال ذلك، فالمرجع هنا هو البراءة، لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، ويعضده ما ورد في الشرع من قوله سبحانه:(وَمَا كُنّا مُعذّبين حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1 وبعث الرسول كناية عن بيان

1 . الإسراء: 15 .

صفحه 40
الوظائف في العقائد والأحكام، وقول النبيّ الأكرم:«رفع عن أُمّتي تسعة: ما لا يعلمون...».
وهذا (الشكّ في أصل الحكم) يسمّى في مصطلح الأُصوليّين بالشبهة البدويّة.

ج. إذا كان عالماً بالحكم وجاهلاً بالمكلّف به:

إذا كان المكلّف عالماً بالحكم الشرعي وجاهلاً بالمكلّف به، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر ولم يعرف القبلة، فيحكم العقل بالاشتغال ولزوم تحصيل البراءة اليقينية وهو الصلاة إلى أربع جوانب ليعلم أنّه صلّى إلى القبلة.
من غير فرق بين كون الجهل متعلّقاً بالموضوعات الخارجية كالمثال المذكور، أو بمتعلّقات الأحكام، كما إذا علم بأنّه فات منه صلاة واحدة مردّدة بين المغرب والعشاء، فالعقل يحكم بوجوب الجمع بينهما، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية،وعلى هذا الأصل فرّعوا فروعاً كثيرة.

د. تلك الصورة ولكن لم يكن الاحتياط ممكناً:

كما إذا دار أمر الشيء بين كونه واجباً أو حراماً، فالمرجع هاهنا هو التخيير.
وبذلك ظهر أنّ علاج الشكّ في الموضوع، أو الحكم الشرعيين، يتحقّق بإعمال القواعد الأربع حسب مظانّها وهي:
أ. الاستصحاب، عندما كانت هناك حالة سابقة.

صفحه 41
ب. البراءة، إذا كان الشكّ في الحكم الشرعي، ولم يكن هناك حالة سابقة بالنسبة إليه.
ج. قاعدة الاشتغال، عند الشكّ في المكلّف به مع إمكان الاحتياط.
د. التخيير، فيما إذا لم يمكن الاحتياط.
إنّ بعض هذه القواعد وإن كان يتواجد في أُصول الآخرين، ولكن بيان أحكام القاطع والظان والشاك بهذا المنوال من خصائص أُصول الإماميّة.

11. أدلّة اجتهاديّة وأُصول عمليّة:

إنّ تقسيم ما يحتجّ به المستنبط إلى دليل اجتهادي، وأصل عملي من خصائص أُصول الفقه عند الإماميّة، لأنّ ما يحتجّ به المجتهد ينقسم إلى قسمين:
أ. ما جُعِلَ حجّة لأجل كون الدليل بطبعه طريقاً ومرآة إلى الواقع، وإن لم يكن طريقاً قطعياً بشكل كامل، وهذا كالعمل بقول الثقة والبيّنة وأهل الخبرة وغير ذلك، فإنّها حجج شرعية لأجل كونها مرايا للواقع وتسمّى بالأدلّة الاجتهاديّة.
وهذا بخلاف الأُصول العمليّة كالاستصحاب، والبراءة، والتخيير، والاشتغال، فالمجتهد وإن كان يحتجّ بها، ولكن لا بما أنّها طرق إلى الواقع ومرايا له، وإنّما يحتجّ بها لأجل الضرورة ورفع الحيرة، حيث انتهى المستنبط إلى طريق مسدود.
و يترتّب على ذلك تقدم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي، فلا

صفحه 42
يحتجّ بأصل البراءة مع وجود الدليل كقول الثقة على وجوب الشيء أو حرمته، ولا بالاستصحاب إذا كان هناك دليل اجتهادي كالبيّنة على ارتفاع المستصحب.
وبذلك يظهر الخلط بين كلمات الفقهاء، فلم يميّزوا بين الأدلّة الاجتهاديّة والأُصول العمليّة، فربّما جعلوا الأصل معارضاً للدليل الاجتهادي.

12. تقديم أحد الدليلين على الآخر بملاكات:

لا شكّ أنّ بعض الأدلّة يتقدّم على الآخر، ولكن المذكور في كلمات الأُصوليين ملاك واحد، وهو أنّ المخصّص يتقدّم على العام، وربّما يضاف إليه تقدّم الناسخ على المنسوخ، وهذا ممّا لا ريب فيه، ولكن هناك موجبات أُخرى توجب تقدّم أحد الدليلين الاجتهاديين على الآخر، وهي عبارة عن العنوانين التاليين:
أ. كون الدليل حاكماً على دليل آخر.
ب. كونه وارداً على الآخر.
أمّا «الحاكم» فهو عبارة عن: أن يكون لسان أحد الدليلين بالنسبة إلى الدليل الآخر لسان التفسير، فيقدّم المفسِّـر على المفسَّـر، مثلاً: قال سبحانه: (يا أَيُّها الذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيديكُمْ إِلى الْمَرافِق)1، فالآية صريحة في الطهارة المائية، وأنّ شرط صحّة الصلاة هو تحصيل الطهارة المائيّة قبلها.

1 . المائدة: 6 .

صفحه 43
وإذا قيس قوله: «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين» إلى الآية، يأخذ لنفسه طابَع التفسير ويوسّع الشرط اللازم تحصيله قبل الصلاة، فتكون النتيجة شرطيّة مطلق الطهارة: المائيّة والترابيّة، غاية الأمر أنّ الاجتزاء بالثانية رهن فقدان الأُولى.
ونظير ذلك قوله: «الطواف بالبيت صلاة» فيستدلّ به على وجوب تحصيل الطهارة قبل الطواف، وذلك لأنّ الدليل الثاني يجعل الطواف من مصاديق الصلاة ادّعاءً و تشريعاً، فيكون الطواف محكوماً بالصلاة من أحكام.
وأمّا «الوارد» فهو أن يكون أحد الدليلين مزيلاً ورافعاً لموضوع الدليل الآخر، وهذا نظير قول الثقة بالنسبة إلى أصل البراءة العقلية، فإنّ موضوع البراءة هو قبح العقاب بلابيان، أي بلا بيان من الشارع، فإذا أخبر الشارع بحجّية قول الثقة، فيكون قوله في مورد الشك بياناً من الشارع، فيكون رافعاً له.

13. الأقل والأكثر والشكّ في المحصّل:

إذا تعلّق الحكم الشرعي بمركّب ذي أجزاء، وشككنا في قلّة أجزائه وكثرته، كما إذا شككنا في أنّ الجلسة بعد السجدتين واجبة أو مستحبّة، فالمرجع هو البراءة عن وجوبها، لأنّ الأجزاء الباقية معلومة الوجوب، وهذا الجزء مشكوك وجوبه، فيرجع فيه إلى أصل البراءة، أخذاً بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي مالا يعلمون» حيث إنّ وجوب هذا الجزء ممّا لا يُعلم.
وهذا ما يعبّر عنه في مصطلح الأُصوليّين من الإماميّة «بالأقلّ والأكثر الارتباطيين».

صفحه 44
ولكنّهم استثنوا صورة أُخرى، ربّما تسمّى بالشكّ في المحصّل تارة، والشكّ بالسقوط ثانياً، ومورده ما إذا كان المكلّف به أمراً بسيطاً لا كثرة فيه، ولكن محقَّقه ومحصّله في الخارج كان كثيراً ذا أجزاء، فشككنا في جزئيّة شيء لمحصِّله وعدمه.
مثلاً لو قلنا بأنّ الطهور في قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» اسم للطهارة النفسانية الحاصلة للنفس الإنسانية، لا للغسلات والمسحات، ولكن نشكّ في جزئيّة شيء كالمضمضة والاستنشاق وعدمه للمحصِّل، فيحكم هنا بالاشتغال ولزوم ضمّ الاستنشاق أو المضمضة إلى الوضوء.
وذلك لأنّ المحصِّل وإن كان مركّباً ذا أجزاء منحلاً إلى ما علم وجوبه كالغسلات والمسحات، وإلى ما شكّ في وجوبه، كالمضمضة والاستنشاق، وهو في حدّ نفسه قابل لإجراء البراءة عن وجوده.
ولكن بما أنّ تعلّق الوجوب بالطهور بمعنى الطهارة النفسانيّة وهو أمر بسيط لا يتجزأ ولا يتكثّر، فلا تقع مجرى للبراءة، بل العقل يبعث المكلّف إلى تحصيلها بالقطع والجزم، لأنّ الاشتغال اليقيني بهذا الأمر البسيط، يقتضي البراءة اليقينيّة، ولا تحصل البراءة القطعيّة إلاّ بضمّ الاستنشاق والمضمضة إلى سائر الواجبات والإتيان بهما رجاءً واحتمالاً.

14. تقدّم الأصل السببي على المسببي:

كثيراً ما يتصوّر أنّ أحد الأصلين معارض للأصل الآخر، وهذا صحيح إذا كان الأصلان في درجة ورتبة واحدة، وأمّا إذا كان أحد الأصلين متقدّماً رتبة

صفحه 45
على الآخر، وكان الأخذ بأحدهما رافعاً للشكّ في الجانب الآخر، فيؤخذ بالمتقدّم ويطرح الآخر، وملاك التقدّم هو كون الشكّ في أحد الأصلين ناشئاً عن الشكّ في الأصل الآخر، فإذا عملنا بالأصل في جانب السبب، يرتفع الشك عن الجانب المسبّب حقيقة، ولنذكر مثالاً:
إذا كان هناك ماء طاهر، شككنا في طروء النجاسة عليه، ثمّ غسلنا به الثوب النجس قطعاً، فربّما يتصوّر تعارض الأصلين، فإنّ مقتضى استصحاب طهارة الماء، هو كون الثوب المغسول به طاهراً، ومقتضى استصحاب نجاسة الثوب كون الماء نجساً، فيقال: تعارض الاستصحابين.
ولكن الأُصولي الإمامي يُقَدِّمُ استصحابَ طهارة الماء على استصحاب نجاسة الثوب، وذلك لأنّ الشكّ في بقاء نجاسة الثوب بعد الغسل بالماء، نابع عن كون الماء طاهراً وعدمه، فإذا قلنا بحكم الشارع: «لا تنقض اليقين بالشكّ» بأنّ الماء طاهر، يزول الشك في جانب الثاني، ويحكم عليه بالطهارة، وذلك لأنّ كلّ نجس، غسل بماء محكوم بالطهارة فهو طاهر.
ومن هنا ينفتح أمام الفقيه باب واسع لرفع التعارض بين الأُصول العمليّة.

15. ما يصحّ أخذه في المتعلّق وما لا يصحّ:

ومن ابتكاراتهم تقسيم القيود إلى قسمين:
قسم يتعلّق به الطلب ويقع تحت دائرته، كالطهارة، فيقال: صلّ مع الطهارة، أو صلّ إلى القبلة، إلى غير ذلك من القيود المأخوذة في جانب المتعلّق.

صفحه 46
وهناك قيود لا يتعلّق بها الطلب، ولا يتحقّق إلاّ بعد تعلّق الطلب بالمتعلّق، ومثلها ـ ما يتولّد يعد تعلّق الطلب ـ لا يقع متعلّقاً له، كقصد الأمر، وقصد الوجه (الوجوب أو الندب)، فإنّ هـذه القيود، قيود فوق دائرة الطلب وإنّما تتولّد بعده.
ويترتّب على ذلك أنّه لو شكّ في أنّ واجباً كذا تعبديٌّ أو توصليٌّ، لا يمكن الحكم بأنّه توصليٌّ بحجّة أنّ قصد الأمر لم يقع في متعلّق الأمر، لأنّ المفروض أنّ قصد الأمر على فرض وجوبه لا يمكن أخذه في متعلّق الطلب، فعدم أخذه فيه لا يكون دليلاً على عدم أخذه قيداً للمتعلّق.
وهذا التقسيم وإن وقع موقفاً للنقاش ولكنّه لا يخلو عن فائدة.

16. استصحاب الزمان والزمانيات:

لما كان الاستصحاب عند الإماميّة أصلاً من الأُصول، ودلّ على حجّيته الأحاديث الصحيحة، ذكروا حوله بحوثاً علميّة جليلة منها التقسيم التالي:
1. استصحاب الزمان: ما إذا كان الزمان معنوناً بعنوان وجودي ككونه ليلاً أو نهاراً.
2. استصحاب الأمر غير القارّ بالذات: وهذا كالحركة، وجريان الماء، وسيلان الدم، وبقاء التكلّم، والمشي، إذا شكّ في بقائها، فإنّ ذات الأفعال في هذه المسألة أُمور متدرّجة بالذات، متقضية بالطبع.
3. استصحاب الأمر القارّ بالذات المقيّد بالزمان: وهذا كالجلوس في المسجد إلى الظهر .

صفحه 47
والغاية من هذا التقسيم هو أنّ روح الاستصحاب هو إبقاء ما كان، وهذا لا يتصوّر إلاّ في القسم الثابت، مع أنّ المستصحب في كلّ من الأقسام الثلاثة غير ثابت.
أمّا الليل والنهار فهي أُمور زمانيّة، والزمان لا يتصوّر فيه البقاء، وأمّا الأُمور الوجوديّة المزيجة بالزمان كالحركة، وجريان الماء، فهي أيضاً كالأُمور الزمانية(الليل والنهار) لأنّ المفروض أنّ الحركة أمر غير قارّ بالذات.
ومنه يظهر حال القسم الثالث، فإنّ الجلوس وإن كان قارّاً بالذات، لكن تقيده بالزمان يجعله مثله .
ومع هذا فقد ذكر المحقِّقون وجوهاً لجريان الاستصحاب فيها، بتصوير أنّ بقاء كلّ شيء بحسبه، وأنّ للزمان والزمانيّات والأُمور المقيّدة بالزمان بقاءً وثباتاً عرفيّة مشروحة في محلّها.

17. تقسيم المستصحب إلى جزئيٍّ وكليٍّ:

قسّم المستصحب إلى كونه جزئيّاً وكليّاً. فلو علمنا بوجود زيد في الغرفة، وشككنا في خروجه، فيصحّ لنا استصحاب وجوده الجزئي، كما يصحّ لنا استصحاب وجود الإنسان، لأنّ في العلم بوجود زيد في الغرفة، علماً بوجود الإنسان فيه.
وعلى ذلك تترتّب آثارٌ في الفقه.

صفحه 48
 
18. تقسيم الاستصحاب إلى تنجيزيٍّ وتعليقيٍّ:
إذا كان الحكم الشرعي محمولاً على الموضوع بلا قيد ولا شرط، فالحكم تنجيزيٌّ وإلاّ فتعليقيٌّ، سواء عُبّر عنه بالجملة الخبريّة التي قصد منها الإنشاء في نحو قولك: العصير العنبي حرام إذا غلى، أو بالجملة الإنشائيّة نحو قولك: اجتنب من العصير العنبي إذا غلى.
وعندئذ يُقسم الاستصحاب حسب انقسام القضية ، إلى استصحاب تنجيزي واستصحاب تعليقي وقد وقع الكلام في جواز التنجيزي وعدمه.

19. الأُصول المثبتة:

إنّ القدماء لمّا قالوا بحجّية الاستصحاب من باب الظنّ والأمارة، رتّبوا عليه الآثار العقليّة، وأمّا المتأخِّرون من أصحابنا الإماميّة فلمّا قالوا بحجّية الاستصحاب بما أنّه أصل لا أمارة، والأصل لا يثبت به إلاّ الحكم الشرعي دون الآثار العقليّة نفوا حجية الأصل المثبت، ونوضح ذلك بالمثال التالي:
إذا شككنا في حياة زيد فمقتضى قوله: لا تنقض اليقين بالشك هو ترتيب الآثار الشرعيّة للحياة الواقعيّة، على الحياة التعبديّة الثابتة بالأصل، فهو ـ بفضل الاستصحاب ـ مالكٌ لماله، لا يقسّم باحتماله موته.
وأمّا الآثار العقليّة للحياة، كجريان الدم في عروقه، فلا يثبت باستصحاب الحياة، وإن كان من لوازمها. وعلى ضوء ذلك لو ترتّب على جريان الدم

صفحه 49
أثر شرعيّ ـ كإعطاء الصدقة ـ للفقير، فلا يثبت ولا يُحكَمُ به، وذلك لتوسط الأمر العقلي(جريان الدم) بين المستصحب(الحياة)، والأثر الشرعي:(وجوب الصدقة) فالحياة، تلازم جريان الدم، وهو موضوع لوجوب التصدّق.
وإيضاحاً للحال نأتي بمثالين:
1. إذا مات الوالد في زوال يوم الجمعة، وعلمنا بموت الولد أيضاً، لكن تردّد موته بين كونه قبل الزوال أو بعده، فموت الوالد لأجل كونه معلوم التاريخ غير مشكوك لا من جهة أصل وجوده ولا زمانه، فلا يجري فيه الأصل، بخلاف موت الولد، فإنّه يجري فيه الأصل، فيقال: الأصل بقاء حياة الولد إلى زوال يوم الجمعة.
فلو كان الأثر (الإرث) مترتّباً على حياة الولد حين موت الوالد فيرثه الولد، وأمّا لو قلنا بترتّبه على تأخّر موته عن حياة الأب، فلا يرث، لأنّ عنوان التأخّر لازم عقليّ للمستصحب، حيث إنّ لازم بقاء حياة الولد، إلى زمان موت الوالد مع العلم بموته أيضاً، هو تأخّر موته عن موت الوالد.
2. إذا علمنا بإصابة البول بالماء القليل زوال يوم الجمعة، ثمّ علمنا بأنّه صار كرّاً إمّا قبل الزوال أو بعده، فالأصل لا يجري في معلوم التاريخ، لعدم الشكّ فيه، وإنّما يجري في مجهوله فيقال: أصالة عدم صيرورته كرّاً إلى زوال يوم الجمعة، فلو كانت النجاسة مترتّباً على الماء غير الكرّ، فيحكم عليه بالنجاسة.
وأمّا لو كان مترتّباً على تأخّر الكريّة عن إصابة البول، فلا يحكم عليه بها، لأنّ تأخّر الكريّة عنها لازم عقليٌّ، لعدم صيرورته كرّاً إلى زوال يوم الجمعة مع العلم بحدوث الكرّية أيضاً.

صفحه 50
 
20. في استصحاب حكم المخصص:
إذا ورد التخصيص على عموم، وعلم خروج فرد من تحته في فترة من الزمان، ولكن شكّ في أنّ خروجه يختصّ بها أو يعمّ ما بعدها، كما في قوله سبحانه: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالعقُود)1، وقد خرج منه العقد الغبني، فالمغبون ذو خيار بين الإمضاء والفسخ، فشككنا في أنّ الخيار فوريٌّ أو ثابت إلى زمان لا يتضرّر البائع من تزلزل العقد.
فحينئذ يقع البحث هل المرجع بعد انقضاء الفور هو عموم العام، أعني (أَوفوا بالعقود) فيكون العقد لازماً.
أو المرجع استصحاب حكم المخصّص أعني كونه جائزاً، وهناك تفصيل وتحقيق لا يسع المقام له.
هذه نماذج ممّا ابتكره فحول الأُصوليين عبر القرنين، وهناك مسائل أُخرى لا تنقص أهمّيتها ممّا ذكرنا، خصوصاً بحوثهم حول العلم الإجمالي .
إنّ لأصحابنا حول العلم الإجمال بحوثاً ابتكاريّة نظير:
1. أنّ متعلّق العلم الإجمالي تارة يكون محصوراً، وأُخرى غير محصور.
2. العلم الإجمالي في المحصور، منجّز للتكليف.
3. هل هو منجّز على وجه العلة التامة، بحيث لا يجوز الترخيص في أطرافه، أو منجّز على الوجه المقتضي، فيجوز الترخيص في بعض أطرافه.

1 . المائدة: 1 .

صفحه 51
4. هل خروج أحد الأطراف، قبل تعلّق العلم الإجمالي أو مطلقاً، مانع عن تنجيزه أو لا، أو فيه تفصيل.
5. هل طروء الإضطرار على بعض الأطراف قبل تعلّق العلم الإجمالي، مانع عن التنجيز أو لا.
6. هل ملاقي بعض أطراف الشبهة، محكوم بنفس حكم الملاقى أو لا، أو فيه تفصيل.
إلى غير ذلك من مباحث لم يسبق إليها سابق.
رحم اللّه الماضين من علمائنا
وحفظ اللّه الباقين منهم

صفحه 52
العلامة الحليّ وموسوعته الأُصوليّة   

العلامة الحليّ

و

موسوعته الأُصوليّة

إن من شروط التعريف أن يكون المعرِّف أجلى من المعرَّف، وهذا الشرط يقتضي إيقاف القلم عن الإفاضة وعدم النبس ببنت شفة حول المؤلّف، إذ أين الثرى من الثريا، والندى من البحر؟!
ولكن لو سمح المؤلّف لأمثالنا أن نتجاوز هذا الشرط، فنقول: إنّ المؤلّف من النوابغ القلائل الذين يضن بهم الدهر إلاّ في فترات متقطعة، فهو من أعاظم فقهاء الإسلام وأكابر المحقّقين في الفقه وأُصوله، وقد صرف برهة من عمره في تحقيق مسائلهما وحلّ مشاكلهما، فاستبطن دقائقهما وأحصى مسائلهما، وأحاط بآراء أساتذتهما، فعاد فقيهاً مقداماً وأُصولياً محقّقاً لا يباريه ولا يناضله إلاّ القلائل.

التعريف بالمؤلّف

هو الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي (648 ـ 726 هـ) المعروف بالعلاّمة على الإطلاق، من أُسرة عربية عريقة من بني أسد، ولد في الحلّة الفيحاء مهد الحضارات في تاريخ الإنسانية، وتربّى في أحضان رجال كبار، كان

صفحه 53
لكلّ منهم سهمُ في تكوين شخصيّته وبروز مواهبه إلى عالم الوجود، نشير إلى ثلّة منهم:
1. والده العلاّمة الفقيه الكبير الشيخ سديد الدين يوسف بن المطهّر الحلّي، الّذي وصفه ابن داود في رجاله بأنّه كان فقيهاً، محقّقاً، عظيم الشأن.
2. خاله نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الهذلي (602 ـ 676 هـ) صاحب الشرائع، المعروف بالمحقّق الحلّي، الّذي اعترف القريب والبعيد بتبحّره بالفقه .
3. الخواجه نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي (597 ـ 672 هـ) الفيلسوف الكبير الطائر الصيت، فقد قرأ عليه الكلام والفلسفة والهيئة والرياضيات. إلى غير ذلك من المشايخ العظام الذين أخذ عنهم بقسط وافر.

الثناء في حقّه

وقد أثنى عليه علماء الفريقين على وجه لا يسعنا الإشارة إلاّ إلى القليل من ذلك :
1. عرّفه معاصره ابن داود الحلّي بقوله: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، وصاحب التحقيق والتدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإماميّة إليه في المعقول والمنقول. 1
2. وقال الصفدي: الإمام العلاّمة ذو الفنون، عالم الشيعة وفقيههم، صاحب التصانيف الّتي اشتهرت في حياته.. وكان يصنّف وهو راكب.. وكان ريّض

1 . رجال ابن داود: 461 .

صفحه 54
الأخلاق، مشتهر الذكر... وكان إماماً في الكلام والمعقولات.1
3. وقال ابن حجر: عالم الشيعة وإمامهم ومصنّفهم، وكان آية في الذكاء... وكان مشتهر الذكر، حسن الأخلاق. 2
إلى غير ذلك من الكلمات الضافية الّتي ذكرها أصحاب المعاجم في حقه.
وكفاك أنّه برع وتقدّم وهو لا يزال في مقتبل عمره على العلماء الفحول، وفرغ من تصنيفاته الحكمية والكلامية، وأخذ في تحرير الفقه قبل أن يكمل له (26) سنة.
ودرَّس، وأفتى، وتفرّد بالزعامة، وأحدثت تصانيفه ومناظراته ضجّة، كان من آثارها تشيّع السلطان محمد خدابنده أولجايتو وعدد من الأمراء والعلماء، وتداوُلُ كتبه في المحافل العلمية تدريساً وشرحاً وتعليقاً ونقداً، وازدهار الحركة العلميّة في الحلّة واستقطابها للعلماء في شتّى النواحي.
ونحن نقتصر بهذا المقدار في تعريف المؤلّف .
وننتقل إلى التعريف بالكتاب فنقول:

نهاية الوصول إلى علم الأُصول:

إن العلاّمة الحليّ قد ضرب في علم الأُصول بسهم وافر فألّف فيه مختصرات ومتوسطات ومطوّلات، فبلغ مجموعها ستّة كتب، نشير إليها كما يلي:

1 . الوافي بالوفيات: 13 / 85 برقم 79 .
2 . لسان الميزان: 2 / 17 برقم 1295 .

صفحه 55
1. «غاية الوصول وإيضاح السبل» في شرح مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأُصول والجدل لابن الحاجب (المتوفّى 646 هـ) ذكره المصنّف في خلاصة الرجال .
2. «مبادئ الوصول إلى علم الأُصول»، مطبوع ذكره المصنّف لنفسه في الخلاصة، وفي إجازته للسيد المهنّا.
3. «منتهى الوصول إلى علمي الكلام والأُصول» ذكره المصنّف في الخلاصة، وفي إجازته للسيد المهنّا، فرغ منه يوم الجمعة السادس عشر من شهر جمادى الأُولى سنة 687 هـ .
4. «نهج الوصول إلى علم الأُصول»، ذكره المصنّف في الخلاصة، وإجازته للسيد المهنّا. وأحال في مبحث الحقيقة الشرعيّة من هذا الكتاب إلى كتاب «نهاية الوصول» ص 76 .
5. «تهذيب الوصول إلى علم الأُصول» مطبوع، ذكره المصنّف في الخلاصة، وإجازته للسيد المهنّا، وله شروح كثيرة.
6. آخرها: «نهاية الوصول إلى علم الأُصول». وهذا هو ما يزفّه الطبع إلى القراء الكرام. ذكره المصنّف في إجازته للسيد المهنّا .
وعرّفه في «الخلاصة» بقوله: كتاب جامع في أُصول الفقه لم يسبقه أحد، فيه ما ذكره المتقدّمون والمتأخّرون ألّفه بالتماس ولده فخر الدين.
وقال (قدس سره)في مقدّمة الكتاب: وقد صنَّفنا كتباً متعددةً في المختصرات والمطوّلات، الجامعة لجميع النكات، وسأل الولد العزيز: محمد ـ أسعده الله تعالى في الدارين، وأيّده بتحصيل الرئاستين، وتكميل القوتيّن، وجعلني الله فداه من جميع ما يخشاه، وحباه بكل ما يرجوه ويتمنّاه ـ إنشاءَ كتاب جامع

صفحه 56
لما ذكره المتقدِّمون حاو لما حصّله المتأخّرون، مع زيادة نسبية لم يسبقنا إليها الأوّلون.
***
ان الكتاب بحق يُعدّ دائرة معارف لعلم الأُصول، قد أُلِّف في أوائل القرن الثامن، فقد جمع فيه أقوال أئمة الأُصول من الاشاعرة والمعتزلة والإماميّة وغيرهم، وناقش الكثير من الآراء مناقشة وافية، وربّما تكهن لصاحب الآراء ببعض الأدلة التي لم تخطر بباله.
فالمؤلِّف ينقل آراء المخالفين بصدر رحب كأنّها آراؤه، ثمّ يأخذ بالمناقشة، فمن حاول الوقوف على آراء الأُصوليين من لدن عصر الشافعي، إلى عصر المؤلّف فهذا الكتاب بمفرده كاف بذلك، مضافاً إلى أنّه يحتوي نقوداً وآراءاً لمؤلِّف كرس عمره في الفقه وأُصوله، وألّف كتباً وربّى جيلاً كبيراً من العلماء في العراق وخارجه. هذا، وقد فرغ المؤلّف من تأليفه سنة 704 هـ وإليك صورة خطّه في آخر الكتاب:
«وكان الفراغ منه في ثامن شهر رمضان المبارك سنة أربع وسبعمائة. وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن يوسف المطهر الحلّي مصنّف هذا الكتاب، وصلّى الله على سيّدنا محمّد النبيّ وآله الطاهرين المعصومين».
وهذا ما جاء في النسخة المخطوطة الموجودة في مكتبة مدرسة مروي في طهران برقم 363، وقد فرغ الناسخ من نسخها في 1012 هـ .
وبما أن هذا الكتاب يعد موسوعة أُصوليّة مهمّة فقد بذل المحقّق جهداً كبيراً في تصحيحه وتقويم نصّه وإليك منهجه في العمل .

صفحه 57
 
منهج التحقيق
قام المحقّق الشيخ إبراهيم البهادري ـ حفظه الله ـ بتحقيق هذا الكتاب القيّم، بمنهجية خاصة، نشير إليها بالنقاط التالية:
أ . قام بمقابلة النسخ بعضها مع بعض، واتّبع طريقة التلفيق، فأثبت ما هو الصواب في المتن، وأشار أحياناً إلى الاختلافات بين النسخ في الهامش.
ب . قام بتقطيع النص على مقاطع خاصّة، ليسهل للقارئ مطالعة الكتاب، حيث إنّ المؤلّف كسائر القدامي يسترسلون في الموضوع دون أن يفصّلوا بين مطلب وآخر، وهذا ربّما يوجب الغموض في فهم المطلب .
ج. قام بتخريج الآيات والأحاديث النبوية من مصادرها الأصليّة، كما أخرج الأمثال والأشعار الّتي استشهد بها المؤلّف على مرماه، من الدواوين وكتب الأمثال .
د. لقد أكثر المصنّف النقل عن المتقدّمين من الأُصوليّين والمتأخّرين منهم، فربّما ذكر اسم المؤلِّف وكتابه، وربّما نقل بلا إشارة إلى التأليف والمؤلّف، فبذل محقّقنا ـ الجادّ في عمله ـ ، جهده للتعريف بمصادر الأقوال وقائليها. وقد أخذ منه ذلك العمل وقتاً كثيراً لا يقوم به إلاّ عشاق التحقيق وروّاد العلم .
هـ . قد لخّص المؤلّف أقوال الآخرين وآراءهم وبراهينهم الّتي أقاموها على أفكارهم، وربّما أوجد ذلك صعوبة في فهم المراد، فاستعان المحقّق في إيضاح مرامهم بالرجوع إلى الكتب الّتي رجع إليها المؤلّف في نقل الأقوال وتلخيصها، وأوضح ما صعب فهمه في الهامش.

صفحه 58
 
النسخ التي اعتمد عليها
وقد اعتمد المحقّق في تحقيق الكتاب على عدّة نسخ نذكر منها ما يلي:
أ. النسخة الموجودة في مكتبة السيد المرعشي النجفي (قدس سره) والتي تحمل رقم 1927، وتاريخ نسخها 1235 هـ ، وهي مؤلّفة من 323 ورقة، وقد نسخت على نسخة قديمة كتبت في زمان المصنف (قدس سره)، والتي ورد في آخرها: قال المصنّف أدام الله ظله... ورمز لها المحقّق بحرف (أ).
ب. النسخة الموجودة في نفس المكتبة أيضاً والتي تحمل الرقم 1908 م، وتاريخ نسخها 1227 هـ ، وهي مؤلّفة من 336 ورقة.
ورمز لها المحقّق بحرف (ب) .
ج. النسخة الموجودة في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)والتي
عليها تملك جعفر التبريزي السبحاني، وهي غير مؤرّخة، وهي نسخة مقروءة وجيدة.
هذا ولم يقتصر المحقّق (حفظه الله) بالعمل على هذه النسخ، بل أنّه قد رجع إلى نسخ أُخرى حصل عليها.
إنّ عمليّة تحقيق المخطوطات ووضعها بيد القرّاء واضحة وجاهزة ومزدانة بتعاليق، أشبه بتصفية الطين وتبديله إلى ماء زلال شفاف، تميل إليه النفس; بل هي أصعب من ذلك.
ولولا أنّ الله سبحانه تبارك وتعالى قد أعطى للمحقّقين حبَّ

صفحه 59
العلم والاستطلاع على نحو ينسون أنفسهم ولذّاتهم في طريقه، لما قام هؤلاء بإنجاز هذه الأعمال الكبيرة.
وقد صدر للمحقِّق الشيخ إبراهيم البهادري لحدّ الآن تحقيق الكتب التالية:
1 . الاحتجاج: لشيخنا أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في جزءين .
2 . إشارة السبق: تأليف الشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل، المعروف بالحلبي.
3 . إصباح الشيعة: للفقيه الأقدم قطب الدين البيهقي الكيدري .
4 . تحرير الأحكام: للعلاّمة الحلّي في خمسة أجزاء، سادسها الفهارس العامّة للكتاب .
5 . جواهر الفقه: للقاضي ابن البراج.
6 . الرسائل الاعتقادية: للشيخ الطوسي.
7 . عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): لابن البطريق الحلّي في جزءين.
8 . غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع: لابن زهرة الحلبي في جزءين.
9 . المسائل الميّافارقيّة: للسيّد الشريف المرتضى .
10. معالم الدين في فقه آل يس: للفقيه البارع شمس الدين محمد بن شجاع القطان الحلّي في جزءين .
مضافا إلى هذا الكتاب الماثل بين يديك والّذي يزفّه الطبع إلى القرّاء الكرام .

صفحه 60
ونحن نشكر الله سبحانه على هذه الموهبة الّتي أعطاها للشيخ البهادري، راجياً منه سبحانه أن يوفّقه لإكمال هذا المشروع، الّذي سيتّم إن شاء الله تعالى في أجزاء أربعة، ويتيح لمؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)القيام بنشره وجعله في متناول روّاد العلم والفضيلة. إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.
جعفر السبحاني
قم المشرفة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
7 ربيع الثاني 1425 هـ

صفحه 61
   
وبه نستعين
الحمد لله المقدّس1 بوجوب وجوده عن الأشباه والنظائر والأحزاب، المنزّه2 بقدرته عن الأصحاب والأمثال والأتراب، الّذي عجز عن إدراك كماله بصائر أُولي الألباب، وحسرت عن الإحاطة لكنه ذاته أبصارُ أُولي النُّهى والصّواب، ربِّ الأرباب، ومسبِّبِ الأسباب، ومُجيب سؤال الطلاّب، الحكيم، الكريم، الوهّاب، الغفور، الودود، التوّاب، المتفضّل، المتعطّف، الأوّاب، منه المبدأ وإليه المآب .
الّذي وعد الثواب، رافع منازل العلماء على غيرهم بغير شكٍّ ولا ارتياب، ومفضّلهم على من عداهم بنصّ الكتاب، جاعل قلوبهم أوعيةً لما يرد عنه من الخطاب، ومرجّح مدادهم على دماء الشهداء في ميزان الحساب .
وصلّى الله على سيّدنا محمّد المصطفى، المبعوث من أشرفِ الأنساب، وعلى آله الطّاهرين الأنجاب البررة الأخيار الأطياب، صلاةً تتعاقب عليهم تعاقب الأعوام3 والأحقاب.
أمّا بعد: فإنّ الله تعالى شرّف نوع الإنسان على غيره من المخلوقات،

1 . في «ب» و «ج»: المتقدّس .
2 . في «ب» و «ج»: المتنزّه .
3 . في «ج»: بتعاقب الأعوام .

صفحه 62
وفضّله على جميع أصناف الموجودات وأجناس الممكنات، وأوجب عليه امتثالَ أوامره واجتنابَ معاصيه، وحَظَّر عليه ارتكابَ زواجره ونواهيه، بدلائل من عنده على لسان نبيّه وعبده، تفتقر إلى النظر والاعتبار، وتحتاج إلى استعمال قوى الأذهان والأفكار .
وأوجب على العلماء الّذين هم ورثة الأنبياء إيضاحَ تلك الدلائل المشكلة وكشف المعاني المعضلة، لتتمّ فوائدها وتحصل مقاصدها.
ولمّا كان أُصولُ الفقه هو الباحث عن تلك الفوائد، والمحصِّلُ لغُرَر تلك الفرائد، وجب صرف العناية إلى البحث عن مطالبه، وإيضاح الحقّ في مآربه .
وقد صنَّفنا كُتَباً متعددّةً من المختصرات والمطوّلات، الجامعة لجميع النُّكات، وسأل الولد العزيز «محمّد» أسعده الله تعالى في الدّارين وأيّده بتحصيل الرئاستين، وتكميل القوّتين، وجعلني الله فداه من جميع ما يخشاه، وحباه بكلّ ما يرجوه ويتمنّاه إنشاءَ1 كتاب جامع لِما ذكره المتقدِّمون حاو لما حصّله المتأخّرون، مع زيادة نفيسة(2) لم يسبقنا إليها الأوّلون .
فصرفنا الهمّة إلى وضع هذا الكتاب الموسوم بـ «نهاية الوصول إلى علم الأُصول» مشتملاً على ما طلبه وأراده، نفعه الله تعالى بما فيه، وزاده بمنّه وكرمه .
وقد رتّبناه على مقاصدَ مُعْتَمِدين على واجب الوجود، إنّه2 خيرُ موفِّق ومعين.
***

1 . مفعول لقوله «وسأل الولد...».         2 . في «ب»: مع زيادات بيّنة .
2 . في «ج»: وإنّه .

صفحه 63
المقصد الأوّل: في المقدّمات
وفيه فصول:
] الفصل [ الأوّل

في ماهيّة هذا العلم

يجب على كلّ طالب أمر أن يكون متصوِّراً له إمّا إجمالاً أو تفصيلاً، وفائدة مطلوبه ليخرج عن العبث، ولمّا كان أُصول الفقه مركّباً، ومعرفة المركّب مسبوقة بمعرفة الأجزاء لا من كلّ وجه بل من الوجه الّذي لأجله وقع فيه التركيب، وجب معرفة هذين المفردين1 أوّلاً .
لا يقال: إن أردت معرفة المركّب بالحقيقية افتقر إلى معرفة الأجزاء كذلك، ولم يكف من حيث التركيب، وإن أردت معرفته باعتبار ما، لم يستلزم معرفة الأجزاء من حيث التركيب.
لأنّا نقول: المراد معرفة المركّب من حيث التركيب .
فالأصل ما يستند إليه، والمراد هنا الأدلّة، لاستناد الفقه إليها .

1 . في «أ»: هذين الفردين .

صفحه 64
والفقه لغةً الفهمُ وهوا لعلم .
وقيل1 بالمغايرة، فإنّ الفهم جودة الذّهن من حيث استعداده لاكتساب المطالب وإن كان المتّصف به جاهلاً، كالعامي الفطن .
واصطلاحاً العلم بالأحكام الشرعيّة العمليّة المستدَلِّ على أعيانها، بحيث لا يعلم كونها من الدّين ضرورةً.
فالعلم جنس، وسيأتي تحقيقه، وخرج بقولنا «الأحكام» الذواتُ والصفات الحقيقية، وبقولنا «الشرعية» الأحكام العقليّة، كالتماثل والاختلاف، والحسن والقبح، وبقولنا «العمليّة» كونُ الإجماع أو خبرُ الواحد أو الاستصحابُ حجّةً، فإنّها أحكام شرعيّة لكنّها لا تتعلّق بعمل، و «بالمستدَلّ على أعيانها» علمُ المقلّد بكثير من الأحكام، حيث علم أنّ المفتي أفتاه وأنّ ما أفتاه به فهو حكم الله تعالى في حقّه، مع أنّ علومه ليست فقهاً، حيث لم يكن مستدلاًّ على أعيانها، و ]خرج [ علم واجب الوجود تعالى، وعلم النبي(صلى الله عليه وآله) بها والملائكة(عليهم السلام)، وبقولنا «بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورةً» العلمُ بأُصول العبادات، كالعلم بوجوب الصّلاة والزّكاة والصّوم، فإنّها لا تسمّى فقهاً، لأنّها معلومةٌ من الدين ضرورةً.
وقيل: هو العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة بالاستدلال.2
لا يقال: الفقه من باب الظنون فكيف جعلتم جنسه العلم، ولأنَّ المراد

1 . القائل هو علي بن محمد الآمدي المتوفّى 631 هـ في كتابه «الإحكام في أُصول الأحكام»: 1 / 22 .
2 . القائل هو أبو عمرو عثمان بن عمرو المعروف بابن الحاجب في كتابه «منتهى الوصول والأمل في علمي الأُصول والجدل»: 3 .

صفحه 65
إن كان جميع الأحكام لم ينعكس، فإنّ أكثر الفقهاء لا يحيطون بجميع
الأحكام، وقد سُئل «مالك»1 عن أربعين مسألة فقال في ستّة وثلاثين منها: لا أدري2 .
و إن كان البعض لم يطّرد، فإنّ المقلِّد يعرف بعضَ الأحكام وليس بفقيه.
لأنّا نجيب عن الأوّل بأنّ المجتهد إذا غلب على ظنّه ثبوتُ الحكم بدليل ظنيٍّ كخبر الواحد وشبهه قطع بوجوب العمل بظنّه، فالحكم معلومٌ والظنُّ وقع في طريقه.
لا يقال: إذا كانت إحدى مقدّمات الدّليل ظنيّةً كان ظنّياً.
لأنّا نقول: هنا مقدّمتان قطعيّتان إحداهما أنّ الحكم مظنونٌ، وهي وجدانيّةٌ، والثانية وجوبُ العلم بالظّنّ، وهي إجماعيّةٌ، فيحصل القطع بالحكم.
وعن الثاني أنّ المراد الجميع، وينعكس، إذ المرادُ العلم بالفعل بأكثر الأحكام بحيث يقدر على استخراج ما يرد عليه ممّا ليس حاضراً عنده إمّا بالقوّة أو الفعل، ويطّرد، فإنّ المقلِّد لا يعلم عن استدلال تفصيليٍّ على ما علمه .
واحترز بعضهم3 في الحدّ فقال: العلم بجملة غالبة من الأحكام .
وهو خطأٌ، لعدم الضبط.

1 . مالك بن أنس الأصبحي الحميري أبو عبد الله المدني، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنّة، المتوفّى 179 هـ ، وإليه تنسب المالكية.
2 . لاحظ نهاية السؤول في شرح منهاج الأُصول: 1 / 25 وإليك نصّه: «وقد ثبت أنّ «مالكاً» سئل عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع، وقال في ستٍّ وثلاثين: لا أدري» وذكره أيضاً عبد الوهاب بن عليّ السّبكي في «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب»: 1 / 245 .
3 . وهو عليّ بن محمد الآمدي في «الإحكام في أُصول الأحكام»: 1 / 148 .

صفحه 66
وإذا عرفت1 معنى كلّ واحد منهما فنقول: إضافة اسم المعنى إلى المفرد تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه في المعنى الّذي عُيّنت له لفظة المضاف، كما تقول: مكتوب زيد، فأُصول الفقه مجموع طرق الفقه .
وحدّه اصطلاحاً: العلمُ بالقواعد الّتي هي مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفيّة الاستدلال بها وكيفيّة حال المستدلّ بها، فالمجموع احتراز عن الباب الواحد منه، فإنّه وإن كان من أُصول الفقه، لكنّه ليس هو هو، لوجوب المغايرة بين الشيء وجزئه، ويشتمل الطّرق والأدلّة والأمارات .
والمراد بالإجمال: بيان كون تلك الأدلّة أدلّةً، كما يستدلّ على أنّ الخبر دليلٌ، أمّا على وجوده في مسألة مسألة، فذلك لا يذكر في أُصول الفقه .
وأردنا بكيفيّة الاستدلال بها، شرائطَ تلك الطّرق .
وأردنا بكيفيّة حال المستدِلِّ، اجتهادَ العالم وتقليدَ العامي .
وقيل2: العلم بالقواعد الّتي تتوصّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيليّة.

1 . في «أ» و «ب»: وإذ قد عرفت.
2 . القائل هو عثمان بن عمرو المعروف «بابن الحاجب» المتوفّى 646 هـ في كتابه «منتهى الوصول والأمل في علمي الأُصول والجدل» ص 3، الطبعة الأُولى 1405 هـ .

صفحه 67
 
الفصل الثاني

في غايته وبيان موضوعه

اعلم أنّه قد يراد الشيء لذاته، فتكون غايته هي ذاته، وقد يراد لغيره، فغايته ذلك الغير، ثمّ ذلك الغير قد يراد لثالث وهكذا إلى أن ينتهي إلى المراد لذاته .
ولمّا كان الغرض من الفقه نيل السعادة الأُخرويّة، والخلاص من العقاب بسبب امتثال أوامره تعالى واجتناب نواهيه، كان ذلك غايةً في علم الفقه .
ولمّا توقّف علمُ الفقه على هذا العلم، كان علم الفقه غايةً لهذا العلم، فعلم الفقه أدخلُ في الغاية الذاتيّة من هذا .
وغاية هذا، الوصولُ إلى استعلام الأحكام الشرعيّة الّتي هي سبب السّعادة والخلاص عن الشقاوة، ولا استبعاد في أن يكون علم ما (هو)1 غايةً لآخر، كمالا بُعد في كونه آلةً له.
واعلم أنّ كلّ علم لابدّ له من موضوع يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة الّتي تلحقه لذاته أو لجزئه أو لعرض مساو لازم لذاته .

1 . ما بين القوسين موجود في «ب» .

صفحه 68
ولمّا كان هذا العلم باحثاًعن الأحوال1 العارضة للأدلّة الموصلة إلى الأحكام الشرعيّة وأقسامها، وكيفيّة استنباط الأحكام منها على سبيل الإجمال، كالعموم، والخصوص، والأوامر، والنواهي، والنسخ، والمجمل، وغير ذلك من العوارض الذاتيّة للأدلّة الموصلة إلى الأحكام، لا جرم كان موضوع هذا العلم، هوا لأدلّة الخاصّة من تلك الحيثيّة.

1 . في «ب»: عن الأُصول .

صفحه 69
 
الفصل الثالث

في مبادئه

كلّ علم على الإطلاق فلابدّ له من مسائل يبحث عنها فيه ومن مباد لتلك المسائل، وهي قسمان: تصوّراتٌ وتصديقاتٌ.
فالمبادئ التصوريّة هي الحدود، وهي إمّا حدّ الموضوع، أو حدّ أجزائه، أو حدّ جزئيّاته إن كانت، أو حدود أعراضه الذاتية .
وأمّا المبادئ التصديقيّة فهي المقدّمات الّتي يتوقّف ذلك العلم عليها، وهي مسائل من علم آخر، أو معلومة بالضرورة .
فالمبادئ التصوريّة هاهنا1 هي معرفة الأحكام الشرعيّة، فإنّ الناظر في هذا العلم إنّما ينظر في أدلّة الأحكام الشرعيّة، فيجب أن يكون متصوِّراً لتلك الأحكام .
ولا يجوز أن يكون إثباتها من جملة المبادئ وإلاّ لزم الدّور .
وأمّا المبادئ التصديقيّة له فمن الكلام والعربيّة.
أمّا الكلام، فلأنّ2 هذا العلم باحث عن طرق الأحكام الشرعيّة،

1 . في «أ» و «ب»: هنا.
2 . في «ب»: فانّ .

صفحه 70
فيتوقّف1 على وجودها المتوقّفِ على معرفة الشارع وإثباته، ومعرفة النبي(صلى الله عليه وآله)، وما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز .
وأمّا العربيّة فلأنّ الأدلّة عربيّةٌ لاسناد أكثرها إلى الكتاب والسنّة .
ونحن نذكر تفاصيل ذلك إن شاء الله تعالى.

1 . في «ب»: فله توقّف .

صفحه 71
 
الفصل الرابع

في مرتبته ونسبته إلى غيره من العلوم

اعلم أنّ من العلوم1 ما يحتاج إليه في معرفة كيفيّة العمل الدّيني، ومنها ما ليس كذلك، كالحساب، والهندسة، والطّبّ وغيرها، وغرضنا الآن متعلّق الأوّل، كالكلام، والفقه، وأُصوله، ومعرفة الحديث، والتفسير .
وهذه العلوم الدّينيّة منها كليّة، وهو الكلام لا غير، فإنّه الباحث عن الوجود الّذي هو أعمّ من كلّ موضوع، فهو كلّيّ بالنسبة إلى كلّ علم، فإنّه يقسم الموجود2 أوّلاً: إلى قديم ومحدَث، ويقسم المحدَثَ إلى جوهر وعرض، ثمّ يقسم العَرضَ إلى ما يفتقر إلى الحياة وإلى ما ليس كذلك .
ثمّ ينظر في القديم فيثبت وحدته وعدم تكثّره، ونفي القسمة عنه، وما يجوز عليه ويستحيل، وأفعاله، والألطاف، والتكاليف، والأعواض، ويثبت الرسل وصدقهم وعصمتهم، والأئمّة(عليهم السلام)، والمعاد، وهناك ينقطع البحث في الكلام .
ومنها جزئيّة ، كالفقه الناظر فيه صاحبه في أحكام أفعال المكلّفين خاصّةً.

1 . هكذا في «أ» و «ج» ولكن في «ب»: العلوم منها .
2 . في «ب»: الوجود .

صفحه 72
والأُصول1 الباحثة عن أحكام الأدلّة الشرعية خاصّةً .
والتفسير الباحث عن معاني الكتاب خاصّةً .
وعلم الحديث الباحث عن طريق الحديث خاصّةً .
وفي علم الكلام يبيّن2 مبادئ العلوم الجزئيّة، فيأخذ المفسِّر من جملة ما نظر فيه ] المتكلّم [واحداً خاصّاً، و هو الكتاب، فينظر فيه.
ويأخذ المحدِّث واحداً خاصّاً، وهو السنّة.
ويأخذ الفقيه واحداً خاصّاً، وهو فعل المكلّف، فينظر في نسبته إلى خطاب الشرع من حيث الأحكام الخمسة.
ويأخذ الأُصولي واحداً خاصّاً، وهو قول الرسول(صلى الله عليه وآله)الّذي برهن3المتكلّم على صدقه، فينظر فيه من حيث دلالته على الأحكام الخمسة، إمّا من جهة المنطوق، أو المفهوم، أو فعله(صلى الله عليه وآله).4
ومدار البحث الأُصولي قولُ الرّسول(صلى الله عليه وآله) وفعلُهُ، فإنّ الكتاب إنّما يؤخذ منه5 والإجماع يثبت بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقول الرّسول إنّما يثبت كونه حجّةً في علم الكلام .
فإذاً علم الكلام هو العلم الأعلى، ومنه ينزل البحث6 إلى العلوم الدينيّة .

1 . في «ب»: وعلم الأُصول .
2 . في «ب»: يتبيّن .
3 . في «ب»: يبرهن .
4 . في «ب»: أو فعله عليه .
5 . في «أ» و «ج»: انّما سمعه منه.
6 . في «أ» و «ج»: ومنه نزل الباحث .

صفحه 73
وعلم الكلام شرطٌ في كون العالم متّسِماً1 بالعلوم الدينيّة، إذ مبادئها منه تؤخذ، وليس شرطاً في كون الأصوليّ أُصوليّاً، أو كون الفقيه أو المفسِّر أو المُحدِّث فقيهاً أو مفسِّراً أو مُحدِّثاً، فإنّ الفقيه إنّما ينظر في نسبة فعل المكلّف إلى خطاب الشرع في أمره ونهيه، ولا يجب عليه الردّ على المجبِرة، وإثبات الأفعال الاختياريّة للمكلّف، ولا وجود الأعراض، فقد شكّ قومٌ في وجودها، والفعل عرضٌ، ولا إقامة البرهان على ثبوت خطاب الشرع وكيفيّة كلامه، بل يأخذ جميع ذلك مسلّماً في علمه مقلّداً فيه .
وكذا الأُصولي يتقلّد من المتكلّم صدق الرسول(صلى الله عليه وآله)، وأنّ قوله حجّة، ثمّ ينظر في وجوه دلالة أقواله .
واعلم أنّه لمّا كان ذو المبدأ متأخّراً عن مَبْدئه، وجب تأخّر هذا العلم عن علم الكلام، واللّغة، والنّحو، لا عن الجميع بل عمّا يتوقّف عليه خاصّةً، وكذا لا يجب تأخّر جميع هذا الفنّ، بل ما يتوقّف منه خاصّةً.

1 . في «أ»: في كون العالم عالماً.

صفحه 74
 
الفصل الخامس

في وجوب معرفته

قد ثبت في علم الكلام وجوبُ التكليف فتجب معرفته، وإنّما يتمّ بهذا العلم، وما لا يتمّ الواجب المطلق إلاّ به يكون واجباً، فتكون معرفة هذا العلم واجبةً.
وسيظهر لك إن شاء الله تعالى في هذا الفن أنّ الواجب قسمان:
أحدهما على الأعيان .
والثاني على الكفاية .
وهذا الواجب من قبيل القسم الثاني، لأنَّ ما وجب هذا العلم لأجله وهو الفقه، إنّما يجب على هذا الحدّ، فيستحيل في الحكمة إيجاب هذا على الأعيان.
في مصادر يُذكر تعريفها هنا للحاجة إليها   

صفحه 75
 
الفصل السّادس

في مصادر 1 يُذكر تعريفها هنا للحاجة إليها

اعلم أنّ أُصول الفقه لمّا كان باحثاً عن أدلّة الأحكام، وكان الكلام فيها يحوج إلى معرفة الدليل، وانقسامه إلى ما يكون النظر فيه يفيد العلمَ أو الظنَّ، وجب تعريف هذه الأشياء، فما هو بيّن الثبوت منها، استغنى عن الحجّة في إثباته، وما لم يكن بيّناً وجب أن يحال بيانه إلى العلم الكلي الفوقاني الناظر في الوجود ولواحقه .
فهاهنا مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في أنّ العلم هل يحدّ أم لا2

اختلف الناس هنا فذهب أكثر المحقّقين إلى انّه غنيّ عن التعريف، لأنّه من الكيفيّات النّفسانيّة الّتي يحدّها كلّ عاقل كالفرح والشّبع وغيرهما .
واستدلّ بعض المتأخّرين عليه بأنّ ما عدا العلم لا ينكشف إلاّ به، فيستحيل أن يكون غيرُهُ كاشفاً عنه، وإلاّ لزم الدّور ولأنّي أعلم بالضرورة كوني عالماً بوجودي، وتصوّر مطلق العلم جزء منه، وجزء البديهيّ بديهيٌّ .

1 . المراد: المبادىء .
2 . لاحظ الأقوال وما قيل فيها من النقض والإبرام في الإحكام للآمدي: 1 / 14; ورفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1 / 256 ـ 265، قسم المتن .

صفحه 76
واعترض على الأوّل: بأنّ المطلوب من حدّ العلم هو العلم بالعلم، وما عدا العلم ينكشف بالعلم، لا بالعلم بالعلم، وليس بمحال أن يكون هو كاشفاً عن غيره، وغيره كاشفاًعن العلم به، بأن توقّف تصوّر غير العلم على حصول العلم بغيره لا على تصوّره، فلا دور.
وبأنّ جهة توقّف غير العلم على العلم من جهة كون العلم إدراكاً له، وتوقّف العلم على الغير لا من جهة كون ذلك الغير إدراكاً للعلم، بل من جهة كونه صفةً مميّزةً له عمّا سواه، فاختلف منه جهة التوقّف فلا دور.
وعلى الثّاني: بأنّه لا يلزم من حصول أمر، تصوّرُهُ أو تقدّمُ تصوّره، وبأنّ تصوّرات القضايا البديهيّة، جاز أن تكون كسبيّةً .
وفيه نظر، فإنّ حدّ العلم من جملة ما يندرج تحت ما عدا العلم، فهو إنّما يعلم بالعلم، لكنّ العلم يعلم به فيدور، وحصول العلم لا يريد به الحصول الخارجي بل الذهني، وهو عين التصوّر وبه يبطل ما بعده.
وقيل: إنّه كسبيّ يفتقر إلى التحديد .
واستدلّ بعض المتأخرين بأنّه لو كان ضروريّاً لكان بسيطاً، والتالي باطلٌ فالمقدّم مثله .
بيان الشرطيّة: أنّه لو كان مركّباً لتوقّف العلم به على معرفة أجزائه، والجزء مغايرٌ للكلّ، والمتوقّف على غيره مكتسب .
وبيان بطلان التالي: أنّه لو كان بسيطاً لزم أن يكون كلّ معنى علماً، والتالي في حدّ العلم    
باطلٌ بالضرورة، فالمقدّم مثله .

صفحه 77
بيان الشرطية: أنّه حينئذ يكون مساوياً للوجود والشيئيّة، إذ لو كان أخصّ منهما لكان مركّباً من العامّ وقيد الخصوصيّة، وإذا كان مساوياً لهما، وجب صدقه على كلّ ما صدق عليه .
وهذا في غاية السقوط، فإنّه ليس كلّ متوقّف على غيره بمكتسب، بل المتوقّف على طلب وكسب، ولا يلزم من كون الشيء أخصَّ من غيره تركيبُهُ1من ذلك العامّ ومن قيد الخصوصيّة، إذ لو كان كذلك لزم نفي البسائط فتنتفي المركّبات.

المبحث الثاني: في حدّه

اختلف القائلون بتحديد العلم في حدّه، فقال «أبو الحسن الأشعري2»: العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالماً 3.
وهو خطأٌ، فإنّ المشتقّ إنّما يعلم بعد معرفة المشتقّ منه، فلو استفيد معرفته من المشتقّ دار .
وفيه نظرٌ، إذ لا تجب معرفة المشتقّ منه معرفةً تامّةً، والحدّ كاسبٌ للكمال.
وقال بعض الأشاعرة: العلم تبيّن المعلوم على ما هو به.4

1 . في «ج»: تركّبه .
2 . هو علي بن اسماعيل شيخ أهل السنّة والجماعة إمام الأشاعرة، المتوفّى 324 هـ .
3 . لاحظ «المنخول من تعليقات الأُصول» ص 94 تأليف محمد بن محمد الغزالي المتوفّى 505 هـ ، ولاحظ البرهان في أُصول الفقه للجويني: 1 / 97 .
4 . لاحظ البرهان في أُصول الفقه: 1 / 97 .

صفحه 78
ويرد عليه الأوّل، وينتقض بعلم الله تعالى، فإنّ التّبيين يشعر بوضوح الشيء بعد اشكاله .
وقال الأُستاذ أبو بكر1: العلم ما يصحّ من المتّصف به إحكام الفعل وإتقانه. 2
وهو خطأٌ، فإنّه حدٌّ لعلم خاصٍّ هو المتعلّق بالعمل.
قال «الجويني3»: ويلزم منه إدراج القدرة في حدّه، فإنّ العلم لا يتأتّى به الإحكام دون القدرة .4
وفيه نظر .
وقال «المعتزلة»: العلم اعتقاد الشيء على ما هو به مع طمأنينة النفس .
وينتقض باعتقاد المقلّد للحقّ، ويخرج عنه العلم بالمعدوم، وليس بشيء.
وقال «القاضي5»: العلم معرفة المعلوم على ما هو به. و اعتذر عن أنّ المعرفة هي العلم بأنّ الحدّ هو المحدود بعينه .
وهو خطأٌ إمّا أوّلاً فللزوم الدّور، وإمّا ثانياً فلأنّ المعرفة والعلم لفظان

1 . هو محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الإصبهاني، المعروف بالأُستاذ، من فقهاء الشافعية، درس ببغداد والبصرة، وفي النجوم الزاهرة: قتله محمود بن سبكتكين بالسمّ، لقوله: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رسولاً في حياته فقط، وانّ روحه قد بطل وتلاشى، مات سنة 406 هـ . لاحظ الاعلام للزركلي: 6 / 83 ; وموسوعة طبقات الفقهاء: 5 / 283 .
2 . نقله عنه الجويني في البرهان في أُصول الفقه: 1 / 98 .
3 . إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله المعروف بالجويني المتوفّى 478 هـ قاله في كتابه «البرهان في أُصول الفقه»: 1 / 98 .
4 . لاحظ البرهان: 1 / 98 .
5 . هو أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بابن الباقلاني المتوفّى 403 هـ قاله في كتابه «التقريب والإرشاد الصغير»: 1 / 174.

صفحه 79
مترادفان لمعنى واحد، بخلاف الحدّ والمحدود.
وقال «السيّد المرتضى»: العلم ما اقتضى سكون النفس.1
و ينتقض بالاعتقاد.
وقال «الغزالي2»: الأشياء الظاهرة يعسر تحديدها، وإنّما نشرح معناها بتقسيم ومثال:
أمّا الأوّل فهو أن نميّزه عمّا يلتبس به، وظاهرٌ تميُّزُهُ عن الإرادة، والقدرة، وصفات النفس، وإنّما يلتبس بالاعتقاد، وظاهرٌ تميُّزُهُ عن الشكّ والظنّ، لانتفاء الجزم فيهما .
فالعلم عبارة عن أمر جَزْم لا تردُّد فيه ولا تجويز، ولا يخفى تميّزه عن الجهل، فإنّه متعلّق بالمجهول على خلاف ما هو به، والعلم مطابق ]للمعلوم [وربمايلتبس باعتقاد المقلّد للحقّ ويتميّز عنه، بأنّ معنى الاعتقاد السبقُ إلى أحد مُعْتَقَدي الشاكّ مع الوقوف عليه من غير إخطار نقيضه بالبال، وهو إن وافق المعتقد فهو جنس للجهل في نفسه، وإن خالفه بالإضافة.
فإنّ مُعْتَقِدَ كونِ زيد في الدار لو قُدِّر استمراره عليه حتّى خرج زيد من الدار بقي اعتقادُهُ كما كان3 لم يتغيّر في نفسه، وإنّما تغيّرت إضافته، فإنّه طابق ] المعتَقَد [وقتاً وخالف آخر.
وأمّا العلم فيستحيل تقدير بقائه مع تغيّر المعلوم، والاعتقاد عقدة على القلب، والعلم انحلال العقد، وكشفٌ وانشراحٌ، فهما مختلفان، ولهذا لو أصغى المعتقِدُ إلى المشكِّك لوجد لنقيض معتَقَدِهِ مجالاً في نفسه، والعالم لا يجد ذلك

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 20 .
2 . هو أبو حامد محمد بن محمد المعروف بالغزالي المتوفّى 505 هـ نقل المصنّف كلامه ملخّصاً، لاحظ المستصفى من علم الأُصول: 1 / 67 .
3 . في «ب» و «ج»: وكما كان .

صفحه 80
في نفسه وإن أصغى إلى الشُّبهة المشكِّكة، فإن لم يعرف حلّها لم يشكّ في بطلانها .
في أقسام العلم    
وأمّا المثال فهو أنّ إدراك البصيرة الباطنة يفهم بالمقايسة بالبصر الظاهر، فإنّ معناه الانطباع، وكذا العقل تنطبع فيه صور المعقولات .
وهذا المسلك أخذه من الجويني1، وهو على طوله رجوع إلى تحديده بمقابلاته، وفيه زيادة إخفاء2.
وقال بعض المتأخّرين3: انّه صفة يحصل بها لنفس المتّصِفِ بها التمييز بين حقائق المعاني الكليّة حصولاً لا يتطرّق إلى احتمال نقيضه .
فالصفة جنس وحصول التمييز، بها احترازٌ عن الحياة وما اشترط بها، وحقائق الكليّات احترازٌ عن الإدراك المميّز بين المحسوسات الجزئية دون الكلية .
وعلى قول أبي الحسن 4 انّ الإدراك نوع من العلم، لا يفتقر إلى التمييز بالكلىّ.
وأورد ]عليه[ بالعلوم العاديّة، فإنّها تستلزم جواز النقيض عقلاً .
وأجيب بأنّ الجبل حال العلم العادي بأنّه حجر يستحيل أن يكون ذهباً حينئذ،(5) وهو المراد .

1 . لاحظ البرهان في أُصول الفقه: 1 / 100 .
2 . كذا في النسخ الّتي بأيدينا ولعلّ الصحيح «زيادة الخفاء».
3 . ولعلّه عثمان بن عمرو المعروف بابن الحاجب قال: «وأصحّ الحدود: صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض» لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1 / 265، قسم المتن .
4 . وهو أبو الحسن الأشعري.   5 . في «ج»: ذهباً حقيقةً .

صفحه 81
ومعنى التجويز العقل أنّه لو قُدِّر، لم يلزم منه مُحالٌ لنفسه، لا أنّه محتمل وليس بجبل، لانّ التجويز مناف للجزم .
والحقّ ما قلناه نحن أوّلاً من أنّه ضروريٌّ.

المبحث الثالث: في أقسامه

العلم إمّا تصوّرٌ، وهو الحضور الذّهني.
أو تصديقٌ، وهو الحكم بمتصوّر على آخر إيجاباً أو سلباً، وكلٌّ منهما ضروريّ وكسبيّ.
فالضروريّ من التصوّر ما لا يتوقّف على طلب وكسب، ومن التصديق ما يكفي فيه تصوّر طرفيه .
والكسبيّ من كلٍّ منهما ما يقابل البديهيّ .
والضروريات التصديقية:
إمّا أوّليّاتٌ، وهي الّتي يحكم بها العقل بمجرّد تصوّر الطرفين .
أو محسوساتٌ، وهي ما يحكم بها العقل بمعاونة الحسّ الظّاهر .
وإمّا مُجرّباتٌ، وهي القضايا الّتي يحكم بها العقل بكثرة التجربة والاعتبار.
وإمّا وجدانيّاتٌ، وهي القضايا الّتي يحكم بها العقل بمساعدة القوى الباطنة.
وإمّا حدسيّاتٌ، وهي قضايا الّتي يحكم بها العقل لأجل حدس قويٍّ من النفس .

صفحه 82
وإمّا متواتراتٌ، وهي القضايا الّتي يحكم بها العقل بتواتر الأخبار الّتي يحصل معها الحكم قطعاً .
وإمّا نظريّة القياس، وهي قضايا الّتي يحكم بها العقل لأجل متوسّط لا يخلو الذهن عنه، وتسمّى قضايا قياساتها معها.

المبحث الرابع: في الظّنّ

في الدليل والنّظر   
حكم الذهن بمتصوَّر على آخر إمّا أن يكون جازماً أو لا، والأوّل إمّا أن يكون مطابقاً أو لا، والمطابق إمّا أن يكون ثابتاً أو لا .
والجازم المطابق الثابت هو العلم، ويستجمع الجزم والمطابقة والثبات .
وإن خلا عن الجزم فهو الظنّ الصّادق .
وإن خلا عنه وعن المطابقة، فهو الظّنّ الكاذب .
وإن خلا عن المطابقةوالثبات خاصّةً، فهو اعتقاد الجهّال .
و إن خلا عن الثبات وحده، فهو اعتقاد المقلّد للحق.
إذا عرفت هذا فالظّنّ، ترجيح أحد الطرفين مع تجويز خلافه والوهم مرجوح الظن والشك هو سلب الرجحان.
واعلم أنّ رجحان الاعتقاد مغاير لاعتقاد الرجحان والظن هو الأوّل لا الثاني فإن كان الظنّ مطابقاً كان حقّاً، وإلاّ فهو كذبٌ.
وأمّا اعتقاد الرّجحان كما إذا اعتقد ترجيح نزول المطر عن الغيم الرطب .

صفحه 83
فينقسم إلى العلم والظنّ وغيرهما، والترجيح هنا راجع إلى المعتَقَد، وفي الظنّ راجع إلى الاعتقاد .
وقيل1: ما عنه الذِّكر الحُكْميّ إمّا أن يَحتمل متعلّقُهُ النقيضَ بوجه ما أوْ لا، والثاني العلم .
والأوّل إمّا أن يَحْتمل النقيضَ عند الذاكر، لو قدّره أوْ لا، والثاني الاعتقاد، فإن طابق، فصحيحٌ، وإلاّ ففاسدٌ.
والأوّل إمّا أن يحتمل النقيضَ، وهو راجِحٌ أوْ لا، والراجح الظّنّ، والمرجوح الوهم، والمساوي، الشّك.

المبحث الخامس: في الدليل والنّظر

الدّليل يطلق في اللغة على الدالّ، وهو النّاصب للدليل .
وقيل2: هو الذاكر للدليل وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد .
وعند الفقهاء: ما يمكن أن يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبريٍّ.
والأمارة هي الّتي يمكن أن يتوصّل بصحيح النظر فيها إلى الظنّ.
فبالإمكان يدخل الدّليل الّذي لم يُنْظَر فيه، فإنّه لا يخرج عن كونه دليلاً بعدم النظر3 لأنّ التوصّل به ممكن.
وبالصحيح عن النظر الفاسد .

1 . القائل هو ابن الحاجب. لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1 / 275، قسم المتن .
2 . القائل هو ابن الحاجب. لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1 / 252 قسم المتن.
3 . في «أ»: لعدم النظر.

صفحه 84
وبالخبريّ عن الحدّ1.
وقيل قول مؤلّف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر.
وقد يطلق على الاستدلال بالمعلول على العلّة .
وأقسام الدليل: لميٌّ وإنّيٌّ، فالأوّل هو الاستدلال بالعلّة على المعلول، والثاني هو الاستدلال بالمعلول على العلّة أو بأحد المعلولين على الآخر، وهو مركّب من الأوّلين.
وأيضاً فهو إمّا عقليّ محض أومركّب من العقلي والسّمعي، ولا سمعيّ محض، لتوقّفه على صدق الرسول المكتسب عقلاً لا سمعاً وإلاّ لزم الدّور .
وأمّا النظر فله تعريفات كثيرة، أجودها ما قلناه نحن في كتبنا الكلاميّة، وهو: أنّه ترتيب أُمور ذهنيّة ليتوصّل بها إلى آخر، فإن صحّت المادّة والصورة فصحيح، وإلاّ ففاسد، فإن كانت مقدّمتاه علميّتين، كانت النتيجة علميّةً، وإن كانتا أو إحداهما ظنّيةً فهي ظنيّة .
في الحكم   
ولمّا كان محمول النتيجة مفتقراً في ثبوته لموضوعها إلى وسط، وجبت مقدّمتان تشتركان في حدّ وسط، فإن كان محمولاً في الصغرى، موضوعاً في الكبرى فهو الأوّل، وشرطه إيجاب الصّغرى وكليّة الكبرى.
وإن كان محمولاً فيهما فهو الثاني، وشرطه اختلاف، مقدّمتيه كيفاً وكليّة الكبرى .
وإن كان موضوعاً فيهما فهو الثالث، وشرطه إيجاب الصغرى وكلّيّة إحداهما .

1 . والمراد أنّ هذا القيد «الخبريّ» احترازٌ عن الحدّ الموصل إلى العلم التصوريّ.

صفحه 85
وإن كان موضوعاً في الصغرى، محمولاً في الكبرى، فهو الرابع، وشرطه اتّفاق مقدّمتيه في الإيجاب مع كليّة الصغرى، أو اختلافهما بالكيف مع كليّة إحداهما .
فهذه طرق اكتساب التّصديقات .
وأمّا اكتساب التصوّرات فإنّما يكون بالحدّ والرسم.
والحدّ منه تامٌّ يشتمل على مجموع المقدّمات من الأجناس والفصول، ومنه ناقص يشتمل على بعضها .
والرّسم منه تامٌّ يفيد الامتياز عن كلّ شيء، ومنه ناقصٌ يفيد الامتياز عن البعض وشرطه الثلاثة الأُوَل الاطّراد والانعكاس .
وبيان هذه المناهج ذكرناها في كتبنا المنطقيّة .

المبحث السادس: في الحكم

اختلف الناس هنا، فالمعتزلة القائلون بحسن الأشياء وقبحها عقلاً ذهبوا إلى أنّ الحكم صفةٌ للفعل في نفسه .
والأشاعرة منعوا من ذلك، وجعلوه أمراً شرعيّاً لا صفة حقيقيّةً للفعل .
واختلفوا في تعريفه، فقال الغزالي: إنّه خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلّفين .1

1 . المستصفى من علم الأُصول: 1 / 112 .

صفحه 86
ويدخل فيه قوله: (وَاللهُ خَلَقكُمْ وَما تَعْمَلُونَ)1 فإنّه خطاب الشرع متعلّق بأفعال المكلّفين وليس حكماً إجماعاً .
وقال آخرون2 زيادةً على ذلك بالاقتضاء، أو التخيير3.
والخطاب قيل: إنّه الكلام الّذي يفهم السامع منه شيئاً4.
وليس بجيّد، لدخول ما لم يقصد المتكلّم إفهام السّامع .
وقيل: «اللفظ المفيد الّذي يقصد به إفهام من هو متهيّئٌ لفهمه، فخرجت الحركاتُ والإشاراتُ المفهمةُ والمهملةُ وما لم يقصد به الافهام، وقولنا «لمن هو متهيّئ له» احتراز به عن الكلام لمن لا يفهم كالنائم والمغمى عليه ونحوه»5.
وقال السيّد المرتضى: الخطاب هو الكلام إذا وقع على بعض الوجوه، ويفتقر الخطاب في كونه كذلك إلى إرادة المخاطِبِ لكونه خطاباً لمن هو خطاب له، لمشاركة ما ليس بخطاب له في جميع صفاته من وجود وحدوث وصيغة وترتيب.
ولابدّ من زائد به يحصل مسمّى الخطاب، وهو قصد المخاطَب، ولهذا قد يسمع الكلام جماعةٌ والخطاب لبعضهم دون بعض لأجل القصد، ولهذا جاز أن

1 . الصافات: 96 .
2 . ومنهم محمد بن عمر المعروف بالرازي المتوفّى 606 هـ في كتابه «المحصول في علم الأُصول»: 1 / 15 .
3 . ما فيه الاقتضاء عبارة عن الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة. و «التخيير» هو الإباحة.
4 . نقله الشيخ عليّ بن أبي علي المعروف بالآمدي عن بعض الأُصوليّين. لاحظ الإحكام في أُصول الأحكام: 1 / 71 .
5 . الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي: 1 / 71. نقله المصنّف ملخّصاً .

صفحه 87
يتكلّم النائم ولم يجز أن يخاطِبَ كما لم يجز أن يأمر وينهى1.
ثمّ قسّم الخطاب إلى مهمل ومستعمل.
فالأوّل مالم يوضع في اللغة الّتي أُضيف أنّه مهمل بالنّسبة إليها لشيء من المعاني والفوائد .
والثاني هو الموضوع لمعنى وفائدة2، وهو إمّا أن يكون له معنى و إن كان لا يفيد فيما سمّي به كالألقاب، مثل زيد وعمرو، فانّه بدلٌ من الإشارة، ولهذا لا يستعمل في الله تعالى.
والفرق بينه و بين المفيد أنّ اللّقب يجوز تغييره، واللغة على ما هي عليه، ولا يجوز في المفيد ذلك، ولهذا كان الحقّ أنّ لفظة شيء ليست لقباً، بل هي من قسم مفيد الكلام، إذ لا يجوز تبديلها، واللغة على ما هي عليه .
وإنّما لم تُفِد لفظةُ شيء، لاشتراك جميع المعلومات في معناها، فتتعذّر فيها طريقةُ الإبانة والتمييز، فعدم إفادتها لأمر يرجع إلى غيرها، واللّقب لا يفيد لأمر ويرجع إليه .
وأمّا المفيد فهو المقتضي للإبانة فإمّا أن يبيِّن نوعاً من نوع كلون، وكون، واعتقاد، وإرادة، أو جنساً من جنس كجوهر، وسواد، أو عيناً من عين كعالم وقادر وأسود وأبيض .3
فالسيد المرتضى لم يشترط في الخطاب الفهم، ولا تهيّؤ السامع له، ولا

1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 8 .
2 . في المصدر: «أو فائدة».
3 . لاحظ الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 9 ـ 10. نقله المصنّف ملخّصاً .

صفحه 88
بأس به، ولهذا ذمّ العقلاء من خاطب بغير المفيد أو للجماد1 وسمّوه خطاباً، أو أنّه استعمل في مورد القسمة الخطاب في معنى الكلام مجازاً .
وقولنا: «الشارع» احتراز عن غيره.
وقولنا: «المتعلّق بأفعال المكلّفين» يخرج عنه ما عداه .
وقولنا: «بالاقتضاء ]أ [والتخيير» يريد به الأحكام الخمسة، فإنّ الاقتضاء، قد يكون للوجود وللعدم إمّا مع الجزم أو بدونه، فيتناول الواجب، والحرام، والمندوب، والمكروه.
أمّا التخيير فهو الإباحة .
وقد اعترض عليه من وجوه:2
الأوّل: إذا كان الحكم هو خطابه تعالى، وخطابه كلامه، وكلامه عند الأشاعرة قديمٌ، فيكون حكم الله تعالى بالحلّ والحرمة قديماً، وهو باطلٌ.
أمّا أوّلاً: فلأنّ حلّ وطء الزوجة وحرمة الأجنبيّة صفة فعل العبد، فإنّه يقال: وطءٌ حلالٌ وحرامٌ، وفعل العبد مُحْدَثٌ فيستحيل أن يكون وصفه قديماً .
وأمّا ثانياً فلأنّه يقال: حلّت المرأةُ بعد أن لم تكن كذلك، وهذا اعتراف بحدوث الحكم.
وأمّا ثالثاً فلأنّ المقتضي هو العقد أو ملك اليمين، ومعلول الحادث حادث .

1 . في «ج»: الجماد .
2 . هذه الوجوه أوردها المعتزلة على الأشاعرة القائلين بأن الحكم الشرعي قديمٌ. لاحظ الكاشف عن المحصول: 1 / 225 .

صفحه 89
الثاني: يخرج عن هذا الحدّ كون الشيء سبباً، وشرطاً، ومانعاً، وصحيحاً، وفاسداً.
الثالث: الحكم الشرعي قد يوجد في غير المكلّف، كما يجعل إتلاف الصّبيّ سبباً لوجوب الضمان، والدلوك سبباً لوجوب الصلاة.
الرابع: إدخال كلمة «أو» في الحدّ خطأٌ، لأنّها للترديد والتشكيك، والحدّ للإيضاح.
أجابوا عن الأوّل بالمنع من كون الحلّ والحرمة وصفين للفعل، فإنّ معنى كون الفعل حلالاً كونه مقولاً فيه رَفَعْتُ الحرجَ عن فعله، وكونه حراماً كونه مقولاً فيه لو فعلتَه لعاقبتك، فحكم الله تعالى هو كلامه، والفعل هو متعلّق الكلام، وليس لمتعلّق القول من القول صفةٌ وإلاّ لحصل للمعدوم باعتبار كونه مذكوراً أو مخبراً عنه، ومسمّى بالاسم المخصوص وصفٌ ثبوتيٌّ، وهو محال .
وقوله: «حلّت لزيد بعد أن لم تكن».
قلنا: حكم الله تعالى هو قوله في الأزل «سَوَّغْتُ له حين وجوده في كذا» فحكمه قديمٌ ومتعلّق حكمه محدَثٌ .
وقوله: «الحكم يُعلَّل بالأسباب».
قلنا: المراد من السبب المعرِّف لا الموجِب .
وعن الثاني المراد من كون الدلوك سبباً: أنّا متى علمنا أنّه تعالى أمر بالصّلاة فلا معنى للسببيّة إلاّ الإيجاب .

صفحه 90
وقولنا: «العقد صحيح» معناه أنّ الشرع1 أذن في الانتفاع به، وهو معنى الإباحة.
وقيل: يزاد في الحدّ أو الوضع .
وعن الثالث: أنّ معنى كون إتلاف الصّبي سبباً لوجوب الضمان تكليف الولي بإخراج الضّمان من ماله.
ومعنى كون الدلوك سبباً تكليف الرجل بأداء الصلاة عنده .
وعن الرابع: أنّ المراد أنّ كلّ ما وقع عليه أحد هذه الوجوه كان حكماً .
وقيل: إنّ السببيّة والشرطيّة ليست حكماً .
وقال بعضهم: الحكم خطاب الشارع المفيد فائدةً شرعيّةً تختص به أي لا يفهم إلاّ منه، لأنّه إنشاءٌ فلا خارج له .
وهذه الحدود2 كلّها باطلة عندنا لماعرفت من أنّ كلامه تعالى عبارة عن الحروف والأصوات وهي حادثة، وقد بيّناه في علم الكلام.
ولأنّ الحكم ليس هو الخطاب بل المستفاد منه، فإنّ الحكم ليس قول الشارع: أوجبتُ عليك3 بل نفس الوجوب المستفاد من ذلك الخطاب.
   

1 . في «ب»: انّ الشارع .
2 . لاحظ الأقوال حول تعريف الحكم الشرعيّ وما فيه من النقض والإبرام في «الكاشف عن المحصول في علم الأُصول»: 1 / 191 ـ 233، تأليف محمد بن محمود العجلي الإصفهاني، المتوفّى 653 هـ .
3 . في «أ»: عليكم .

صفحه 91
 
الفصل السّابع

في تقسيم الحكم

وهو على وجوه ينظمها مباحث:
] المبحث [ الأوّل: انقسامه إلى الأحكام الخمسة: الواجب، والندب، والمباح، والمكروه، والمحظور.
وطريق الحصر أن نقول: الخطاب إذا تعلّق بشيء فإمّا أن يكون طلباً للفعل أو الترك، أو يتساوى الأمران .
فالأوّل إن كان جازماً فهو الواجب، وإلاّ فهو المندوب .
والثاني إن كان جازماً فهو الحرام، وإلاّ فالمكروه .
والثالث هو المباح.
أمّا الواجب ففي اللغة الوجوب السقوط، يقال: وجبت الشمس والحائط: إذا سقطا، والثبوت والاستقرار .
وأمّا في العرف الشرعي فعند المعتزلة أنّ الواجب ما يستحقّ تاركه الذمّ، أو ما يستحقّ العقاب بتركه، أو ما يكون على صفة باعتبارها يستحقّ فاعله المدح وتاركه الذمّ، أو ما يكون تركه في جميع وقته سبباً للذمّ .

صفحه 92
فأمّا الأشاعرة فقد رسمه القاضي أبو بكر بأنّه ما يذمّ تاركه شرعاً على بعض الوجوه .1
فقولنا: «يذمّ» خير من قولنا: يعاقب تاركه، لأنّ الله تعالى قد يعفو عن العقاب، ولا يقدح ذلك في وجوب الفعل، ومن قولنا: يتوعّد بالعقاب على تركه، لأنّ الخلف في خبر الله تعالى محالٌ، وكان ينتفي2 العفو، ومن قولنا: ما يخاف العقاب على تركه، فإنّ المشكوك في وجوبه وحرمته يخاف من العقاب على تركه مع أنّه غير واجب .
وقولنا: «شرعاً» ليخرج عنه مذهب من يوجب الأحكام عقلاً .
وقولنا: «على بعض الوجوه» ليدخل فيه المخيّرُ، فإنّه يلام على تركه إذا ترك معه بدله، والموسّعُ لأنّه يذمّ إذا أخلّ به في جميع الوقت، والواجبُ على الكفاية، لأنّه يذمّ إذا أخلّ به الجميع .
وأُورد على طرده السّاهي والنّائم والمسافر وغيرهم من أصحاب الأعذار، فإنّ الصوم لا يجب عليهم، ويذمّون على تركه على وجه وهو انتفاء الأعذار، فهؤلاء يذمّون على تركه على وجه وليس واجباً .
فإن أجاب بأنّ الوجوب ثابت على ذلك التقدير وإنّما يسقط بالنوم والسهو والسفر.
قلنا: فالواجب على الكفاية والموسّع والمخيّر يسقط بفعل البعض وبفعل في آخر الوقت وبفعل بدله، فلا حاجة إلى القيد في الكفاية، كما لم يحتج في المسافر وغيره.

1 . لاحظ التقريب والإرشاد: 1 / 293 .
2 . كذا في «أ» و «ب» ولكن في «ج»: فكان ينبغي .

صفحه 93
واعترض بالسنّة، فإنّ الفقهاء قالوا: لو أنّ أهل البلد اتّفقوا على ترك الأذان قوتلوا عليه .
والجواب أنّه للاستهانة لا للوجوب .
والأقرب أن نقول: الواجب ما يذمّ تاركه عمداً مختاراً، ولا يرد المخيّر والموسّع والكفاية، لأنّ الواجب فى المخيّر والموسّع هو الأمر الكلّي لا الجزئيات، وفي الكفاية فعل كلّ واحد يقوم مقامَ الآخر، فكأنّ التارك فاعل، أو نزيد في الحدّ قولنا: «لا إلى بدل».
واعلم أنّ الواجب يطلق عليه اللازم، والمحتوم، والفرض .
وقالت الحنفيّة: الفرض ما عرف وجوبه بدليل قطعيّ، والواجب ما عرف وجوبه بدليل ظنيّ، فان الفرض هو التقدير، قال تعالى: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)1أي قدّرتم، والوجوب السقوط، فخصّصنا الفرض بما عرف وجوبه بدليل قطعيّ، لأنّه هو الّذي علم منه أنّه تعالى2 قدّره علينا، وأمّا الّذي عرف وجوبه فظنيّ فإنّه الواجب، لأنّه ساقط علينا، ولا نسمّيه فرضاً لعدم علمنا بأنّه تعالى قدّره علينا .3
وهذا في غاية الضعف، فإنّ الفرض هوالتقدير سواء استند إلى علم أو ظنٍّ، كما أنّ الواجب هو السّاقط من غير اعتبار سببه، وكما أنّ اختلاف طرق

1 . البقرة: 237.
2 . في «ج»: هو الّذي علم أنّ الله تعالى .
3 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 19، تأليف الفخر الرازي المتوفّى 606 هـ ورفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1 / 494 والكاشف عن المحصول في علم الأُصول: 1 / 244 .

صفحه 94
النوافل غير موجب لاختلاف حقائقها، وكذا طرق الحرام، فكذا طرق الواجب، مع أنّه تعالى قد أطلق الفرض على الواجب في قوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)1 أي أوجب، وللإجماع على أنّه يقال لمن أدّى صلاة مختلفاً فيها: انّه قد أدّى فرض الله تعالى، والأصل في الإطلاق الحقيقة .
وأمّا المحظور فهو ما يُذمّ فاعله أو الّذي يستحقّ فاعله العقاب، أو ما يشتمل على وصف باعتباره يستحقّ فاعله الذمّ.
ويطلق في اللغة على ما كثر آفاته يقال: لبَنٌ محظور، أي كثير الآفة، وعلى المنع يقال: حظرت عليه كذا، أي منعته، و ] على [ القطع ومنه الحظيرة وهي البقعة المنقطعة الّتي تأتي إليها المواشي .
وقيل: انّه في العرف عبارة عمّا ينتهض فعله سبباً للذمّ بوجه ما من حيث هو فعل له.
وخرج بقولنا «بوجه ما» المخيّر كما تقدّم في الواجب وقولنا «من
حيث هو فعل له» المباح الّذي يستلزم فعله تركَ واجب، فإنّه يذمّ عليه لكن
لا من جهة فعله بل لما يلزمه من ترك الواجب ويقال له محرّم ومعصية أيّ فعل ما كرهه الله تعالى، وعند الأشاعرة فعل ما نهى الله تعالى عنه، وذنب أي المنهي عنه الّذي يتوقّع عليه العقوبة، فلا يوصف أفعال البهائم والأطفال به، وربما وصف فعل المراهق به لاستحقاقه الأدب على فعله، مزجور عنه ومتوعّد عليه وقبيح .
وأمّا المباح ، فهو في اللّغة مأخوذ من الإباحة، وهي الإعلان، ومنه باح

1 . البقرة: 197 .

صفحه 95
بسرِّه1، ويطلق على الإطلاق والإذن، يقال: أبحتُهُ كذا، أي ]أطلقته و[ أذنت له فيه .
وأمّا في الشرع فقال قوم: إنّه ما خيّر المرء فيه بين فعله وتركه شرعاً، ونقض بخصال الكفّارة المخيرة، فإنّه ما من خصلة منها إلاّ والمكلّف مخيّر بين فعلها وتركها، وبتقدير فعلها تكون مباحة لا واجبة، وكذا الموسّع كالصّلاة في أوّل وقتها.
وقيل: ما استوى طرفاه في عدم الثواب والعقاب2 ونقض بفعله تعالى فانّه كذلك ولا يوصف بالاباحة .
وقيل: ما أُعلم فاعله أو دلّ عليه أنّه لا ضرر في فعله ولا تركه ولا نفع له في الآخرة3 ونقض بالفعل الّذي خيّر الشارع فيه بين الفعل والترك مع إعلام فاعله، أو دلالة السّمع على استواء فعله في المصلحةوالمفسدة في الدّين والدنيا، فإنّه مباح وإن اشتمل فعله وتركه على الضرر .
وقيل: ما دلّ السمع على تخيير الشارع فيه بين الفعل والترك من غير بدل. ويخرج بالأخير الموسّع في أوّل الوقت والمخيّر .
وأمّا على قول المعتزلة فإنّه ما لا ذمّ في فعله وتركه، ولا صفة له زائدة على حسنه.
ويقال له: حلال وطِلْق.

1 . إذا أظهره .
2 . نقله الباقلاني عن كثير من الناس ثمّ ردّه، لاحظ التقريب والإرشاد: 1 / 289 .
3 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 20 .

صفحه 96
واعلم انّه قد يوصف الفعل بأنّه مباح وإن كان تركه محظوراً، كما نصف دم المرتدّ بأنّه مباح، ومعناه: أنّه لا ضرر على من أراقه وإن كان الإمام ملوماً بترك إراقته.
وأمّا المندوب فهو في اللغة مأخوذ من الندب وهو الدعاء إلى أمر مهمّ.
وفي العرف ما يكون فعله راجحاً على تركه، رجحاناً غير مانع من النقيض.
وقيل: هو ما فعله خير من تركه1 ونقض بالأكل قبل ورود الشرع، فإنّه خير من تركه لما فيه من اللذّة واستبقاء المهجة، وليس مندوباً.
وقيل: ما يمدح على فعله ولا يذمّ2 ويبطل بأفعاله تعالى، فإنّها كذلك وليست مندوبة.
وقيل: هو المطلوب فعله شرعاً من غير ذمّ على تركه مطلقاً، فالمطلوب فعله يخرج عنه ماعدا الواجب من الحرام والمكروه والمباح والأحكام الثابتة بخطاب الوضع، ونفي الذمّ يخرج به الواجب المخيّر والموسّع في أوّل الوقت .
وذمّ الفقهاء من ترك النوافل جمع، لأنّهم استدلّوا بذلك على استهانته بالطاعة.
ويسمّى «مرغّباً فيه» و «مستحبّاً» أي انّ الله تعالى أحبّه، و «نفلاً» أي طاعة غير واجبة، وأن للإنسان أن يفعله من غير حتم و «تطوّعاً» أي انّ المكلّف انقاد

1 . القائل هو الباقلاني في التقريب والإرشاد: 1 / 291 .
2 . نقله الغزالي عن القدريّة، لاحظ المستصفى: 1 / 130 .

صفحه 97
لله تعالى فيه، مع أنّه قربة من غير حتم و «سنّةً» أي طاعة غير واجبة.
وقيل: انّه لا يختصّ المندوب بل يتناول كلّما علم وجوبه أو ندبيّته بأمر النبي(صلى الله عليه وآله) أو بإدامته فعله، فإنّ السنّة مأخوذة من الإدامة، ولهذا يقال: الختان سنّةٌ، ولا يراد به أنّه غير واجب1 و «إحساناً» إذا كان نفعاً موصلاً إلى الغير مع القصد إلى ايقاعه.
وأمّا المكروه فهو مشترك بين ثلاثة:
1. ما نُهي عنه نهي تنزيه، وهو ما أُعلم فاعله أنّ تركه خير من فعله وإن لم يكن على فعله عقاب .
2. والمحظور .
3. وترك الأولى، كترك النافلة .
وسمّي مكروهاً لا باعتبار النهي عن الترك، بل لكثرة الفضل في فعلها .
وهو في اللّغة مأخوذ من الكريهة وهي الشّدة في الحرب، ويقال: حمل كره أي شديد الرأس.

المبحث الثاني:

الحكم قد يكون بحسن العقل وقد يكون بقبحه .
قالت المعتزلة: الفعل وهو ما وجد بعد أن كان مقدوراً إمّا أن لا يكون له

1 . لاحظ المستصفى: 1 / 21 .

صفحه 98
صفة زائدة على حدوثه نحو كلام النائم، وهذا لا يوصف بحسن ولا قبح.
وإمّا أن يكون وينقسم إلى فعل الملجأ ولا يستحقّ به مدح ولا ذمّ وإلى فعل المخلّى.
فأمّا قبيح، وهو الّذي من شأنه أن يستحقّ فاعلُهُ مع العلم به والتخلية الذمّ.
وأمّا حسن، وهو ما لا يستحقّ فاعله به الذمّ، ولا يجب في كل فعل أن يكون إمّا حسناً أو قبيحاً وإلاّ لكان المقتضي له مجرّد الحدوث، وحينئذ يقبح كلّ محدث أو يحسن .
لا يقال: قد جعلتم فعل الساهي لا حكم له، وعند الفقهاء يجب جبر الصلاة بالسجود، والضمان على النائم لو كسر إناء غيره، وجزاء الصيد على المحرم السّاهي، والدية على عاقلة القاتل خطأً.
لأنّا نقول: السجود إنّما يجب لجبران السهو في الصلاة، فهو حكم يلزم عند السّهو في الصّلاة، لا أنّه يرجع عليه، بل هو في الحقيقة سبب في التخفيف1 حيث لم يأت بالمأمور به على وجهه، فأسقط عنه التكليف، وخرج عن العهدة بفعل السجود لأجل السهو.
وإنّما نفينا عن كلام النائم وحركته الّتي لا يتعدّاه الحسن والقبح، وأمّا إذا أضرّ بغيره في حال نومه، فلفعله حكم القبيح وإن كان لا ذمّ عليه، كما لا يذمّ الصّبي والبهيمة، لأنّ إمكان التحرز مفقود، ولا استبعاد في تعلّق وجوب الضمان بذلك شرعاً، لأنّه لا نسبة بين ذلك وبين مانفيناه من الذّم .

1 . في «ب» و «ج»: التحقيق .

صفحه 99
وعلى هذا الوجه لزم العاقلة الدّية شرعاً وإن لم يكن من جهتهم فعل لا قبيح ولا حسن، وإنّما صار القتل سبباً شرعيّاً لوجوب ذلك عليهم.
والتحقيق أن نقول: الإنسان إمّا أن يصدر عنه فعله وليس هو على حالة تكليف، كالنائم والساهي والمجنون والطفل، وهذه لا يتوجّه عليها وعلى فاعلها لحوق مدح أو ذمّ1 وإن تعلّق بها وجوب الضمان في مالهم، ويخرجه الولي .
وإمّا أن يكون على حالةِ تكليف، فإن كان للقادر عليه، المتمكّن من العلم بحاله، فعلُهُ فهو الحسن وإلاّ فهو القبيح، فالقبيح هو الّذي ليس للمتمكّن منه ومن العلم بقبحه أن يفعله، ومعنى «ليس له ] أن يفعله[» معقول، ويتبع ذلك أن يستحقّ الذمّ بفعله .
ويعرّف أيضاً بأنّه: الّذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذمّ .
والحسن ما هو للقادر عليه المتمكّن من العلم بحاله أن يفعله، أو ما لم يكن على صفة تؤثّر في استحقاق الذمّ .
واعترض2 بأنّ العاجز يقال: ليس له أن يفعل، وللقادر الممنوع عنه حسّاً، وللقادر مع النفرة، وللقادر المزجور عنه شرعاً .
والأوّلان غير مرادين ولا الثالث، لأنّه قد يكون حسناً مع قيام النفرة الطبيعيّة عنه وبالعكس، ولا الرابع لعوده إلى الشرع حينئذ، ولا القدر المشترك وهو مطلق المنع إذ لا اشتراك، فإنّ معنى الأوّل: نفي القدرة عليه، وهو عدميّ، والرابع: أنّه يعاقب عليه، وهو وجوديّ ولا اشتراك بينهما.

1 . كذا في «ج» ولكن في «أ» و «ب»: وهذه لا يتوجّه عليها نحو فاعلها مدح .
2 . المعترض هو الفخر الرازي في المحصول: 1 / 22 .

صفحه 100
وأمّا استحقاق الذمّ فقد يقال: الأثر يستحقّ المؤثّر بمعنى افتقاره إليه لذاته، والمالك يستحقّ الانتفاع بملكه بمعنى أنّه يحسن منه ذلك الانتفاع .
والأوّل ظاهر الفساد، والثاني يقتضي الدور، والذمّ قولٌ، أو فعلٌ، أو تركُ قول، أو تركُ فعل يُنْبئ عن اتّضاع حال الغير .
فإنْ عنيتَ بالاتّضاع ما ينفر الطبع عنه، لم يتحقّق في حقّه تعالى حسن ولا قبح، لانتفاء النفرة الطبيعيّة عنه، وإن عَنيتَ غيرَهُ فبيّنه.
والجواب: منع الحصر، فإنّ المراد بقولنا: «ليس له أن يفعله» أي من حيث الحكمة لما يتبعه من الذّمّ، وكذا يمنع الحصر في تغير الاستحقاق، فإنّ المراد به هنا الطلب والاستحباب، والاتّضاع انخفاض المنزلة .
وأمّا الأشاعرة فإنّهم يقولون: الفعل لا يوصف بحسن ولا قبح بذاته1 بل باعتبارات خمسة إضافيّة غير حقيقيّة:
الأوّل: الحسن يقال على ما وافق الغرض، والقبح على ما خالفه.
الثاني: الحسن على ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، والقبح على ما أمر بذمّ فاعله.
الثالث: الحسن على ما لا حرج في فعله، والقبح مقابله.
الرابع: القبيح المنهيّ عنه شرعاً، والحسن ما لا نهي عنه شرعاً، فيندرج فيه أفعال الله تعالى، وأفعال المكلّفين الواجبة والمندوبة والمباحة وأفعال السّاهي والنائم والبهائم.

1 . في «ب» و «ج»: لذاته .

صفحه 101
الخامس: الحسن ما أذن فيه شرعاً، فيخرج أفعاله تعالى.
ولو قيل: ما يصحّ من فاعله أن يعلم أنّه غير ممنوع عنه شرعاً، خرج فعل النائم والبهائم، ويدخل فيه فعله تعالى، وسيأتي تتمّة البحث في ذلك إن شاء
الله تعالى.
 
المبحث الثالث:
الخطاب كما يرد بالحكم الّذي يكون منقسماً إلى الاقتضاء والتّخيير، فكذا يرد بالحكم الّذي ينقسم إلى السّببية، والشرطية والمانعيّة، فهاهنا مطالب:

] المطلب[ الأوّل: ]في[ السّبب

والسّبب يطلق في اللغة على ما يمكن التوصّل به إلى مقصود ما، ولهذا يسمى الحبل سبباً، والطريق سبباً، لما أمكن التوصّل بهما إلى المقصود .
وفي الشرع هو الوصف الظاهر المنضبط الّذي دلّ الدليل السمعي على كونه معرِّفاً لحكم شرعيٍّ .
وينقسم إلى ما يستلزم في تعريفه للحكم حكمةً باعثةً عليه، كجعل زوال الشمس أمارةً على وجوب الصلاة، وطلوع الهلال أمارةً على وجوب الصوم، وإلى ما لا يستلزم كالشدّة المطربة المعرّفة لتحريم شرب النبيذ، لا لتحريم الخمر، فإنّ تحريمه معلوم بالنص والإجماع لا بالشدة، وإلاّ لزم الدور، إذ لا يعرف كونها علّة بالاستنباط إلاّ بعد معرفة الحكم في الأصل .

صفحه 102
وعلى هذا فالحكم الشرعيّ ليس هو نفس الوصف المجعول سبباً، بل جعله سبباً، فكلّ واقعة1 عرف الحكم فيها بالسّبب لا بدليل آخر، فللّه تعالى فيها حكمان: أحدهما الحكم المعرّف بالسبب، والآخر السببيّة المحكوم بها على الوصف المعرِّف للحكم، فللّه تعالى في الزاني حكمان: وجوب الحدّ عليه، وجعل الزّنا سبباً لوجوب الحدّ، فإنّ الزنا لا يوجب الحدّ بعينه، بل بجعل الشارع .
والفائدة في نصب الأوصاف وجعلها أسباباً معرّفات للحكم عسر وقوف المكلّفين على خطاب الشارع في كلّ واقعة من الوقائع بعد انقطاع الوحي، فأظهر الله تعالى خطابه لخلقه بأُمور حسيّة نصبها أسباباً لأحكامه، وجعلها موجبة ومقتضيةً للأحكام على نحو اقتضاء العلة الحسيّة معلولها لئلاّ تخلو أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية، سواء تكرّر الحكم بتكرّر السّبب كما تقدّم، أو لا كالحجّ مع الاستطاعة، والإيمان مع نصب الادلّة، وإنّما لم يتكرّر لأنّ السبب واحد فلم يجب الحجّ إلاّ مرّةً واحدةً والإيمان معرفة فإذا حصلت دامت.
واسباب الغرامات و الكفّارات والعقوبات ظاهرة، وقسم المعاملات ظاهر أسبابها، فلحل المال والنكاح وحرمتها العقود والطلاق.
واعترض2 بأنّ المراد من جعل الشارع الزنا سبباً للحدّ إن كان عبارة عن الإعلام بإيجاب الحدّ عنه فهو حقّ، لكنّه يرجع إلى المعرِّف، وإن كان عبارة عن جعل الزنا مؤثِّراً في هذا الحكم فهو باطلٌ ] بوجوه[.

1 . في «ج»: لكلّ واقعة.
2 . المعترض هو الرازي في المحصول: 1 / 24 .

صفحه 103
أمّا أوّلاً فلأنّ حكمه تعالى عند الأشاعرة كلامه، وكلامه عندهم قديم، فلا يعلل بالمحدَث .
]وثانياً[ فلأنّه بعد جعل الزنا مؤثّراً، إن بقي الزنا كما كان ولم يكن مؤثِّراً فكذا بعده، وإلاّ لكان إعداماً له، فلا يكون مؤثِّراً بعد عدمه .
]وثالثاً[ فلأنّ الشرع بعد الجعل، إن لم يصدر عنه أمر استحال أن يقال: إنّه جعله علّةً، وإن صدر فإن كان هو الحكم فالمؤثِّر فيه هو الشارع لا الوصف، وإن كان علّته كان المؤثّر في الحكم وصفاً حقيقيّاً، وهو قول المعتزلة، وإن لم يكن الحكم ولا ما يوجبه لم يكن له تعلّق بالحكم البتّة .
]ورابعاً[ فلأنّه لو كانت السببيّة حكماً شرعيّاً، افتقرت في معرفتها إلى سبب آخر فتسلسل.
]وخامساً[ فلأنّ الوصف المعرِّف للحكم إمّا أن يعرّفه بنفسه، فيكون معرِّفاً قبل ورود الشرع، أو بصفة زائدة، ويتسلسل، إذ الكلام في تلك الصفة كالكلام في الأوّل.
]وسادساً[ فلأنّ الطريق المعرّف لسببيّة الوصف إنّما هو الحكمة المستدعية للحكم، من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وذلك ممتنع، إذ لو كانت ]الحكمة[ معرّفةً لحكم السّببية، لأمكن تعريف الحكم المسبب بها .
]وسابعاً[ فلأنّ الحكمة إن كانت قديمةً لزم قِدَمُ موجبها، وهو معرفة السببيّة، وإن كانت حادثة افتقرت إلى معرِّف آخر لخفائها، ويعود التقسيم.
والجواب: المراد جعل الزنا سبباً لتعلّق الحكم به.

صفحه 104
وليس بجيّد، فإنّ الحكم إضافيّ لا يعقل إلاّ متعلّقاً فلا يعقل تعلّقه مع قِدَمه بالحادث، كما لا تعلّل ذاته بالحادث، وجاز بقاء حقيقة الزنا كما كانت لكن بحدوث صفة المؤثريّة .
وفيه نظر، فإنّ الحقيقة إذا لم توجب أوّلاً، فالمطلوب وهو أنّها بعد الجعل إن أثّرت فليست هي، وإلاّ لم تكن سبباً، والصادر عن الشارع المؤثريّة، وهي مغايرة للحكم والعلّيّة ولها تعلّق بالحكم، وليس بجيّد، فإنّ المؤثريّة إنّما تستند إلى المؤثّر، ومعرفة السببيّة تستند إلى الخطاب أو إلى الحكمة الملازمة للوصف مع اقتران الحكم بها في صورة، فلا تستدعي سبباً آخر يعرِّفها حتّى يلزم التسلسل، وبه يندفع ما بعده وليس بجيّد، فإنّ السبب حينئذ يساوي الحكم في الاستناد إلى الخطاب، فافتقار أحدهما يقتضي افتقار الآخر، والحكمة كما لا تعرِّف الحكم لخفائها، كذا لا تعرِّف السّببية.
والحكمة المعرّفة للسّببيّة حكمةٌ مضبوطةٌ بالوصف المقترن بالحكم،1لا مطلق الحكم، فإنّها إذا كانت خفيّة غير مضبوطة بنفسها ولا بملزومها من الوصف، لم يكن تعريف الحكم بها لاضطرابها واختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان .
وعادة الشرع في مثل ذلك ردّ المكلّفين إلى المظانّ الظاهرة المنضبطة المستلزمة لاحتمال الحكمة دفعاً للمشقّة والحرج، كما في التقصير المستند إلى المسافة الّتي هي مظنّة المشقّة، ولم يستند الحكم إلى المشقّة لعدم ضبطها.
وليس بجيّد، لأنّ مطلق الحكمة إن جاز تعليل السّببية جاز تعليل الحكم

1 . في «ب»: للحكمة.

صفحه 105
به، وإن كانت حكمة خاصّةً افتقرت إلى ضابط آخر ويتسلسل .
والحكمة إذا كانت مضبوطةً بالوصف فهي معروفة1 بنفسها غير مفتقرة إلى معرِّف آخر .
ولا يلزم من تقدّمها على ورود الشرع أن تكون معرِّفةً للسببيّة، لتوقّف ذلك على اعتبارها في نظر الشّرع، وقبل وروده لا اعتبار بها .
وليس بجيّد، لأنّ المعرِّف حينئذ للسببيّة المجموع منها ومن اعتبار الشّرع.

1 . في «ب»: فهي معرِّفة .

صفحه 106
 
المطلب الثاني: في المانع
المانع من الأُمور الإضافيّة الّتي لا يعقل إلاّ بالقياس إلى غيرها، وإنّما يضاف إلى ما يقتضي شيئاً، فيكون مانعاً لذلك عن الاقتضاء .
ولمّا كان الاقتضاء يتعلّق بالسبب والحكم الّذي هو معلوله، كان المانع منقسماً إلى أمرين:
أحدهما مانع السّبب، وهو كلّ وصف يخلّ وجوده بحكمة1 السبب كالدَّين في باب الزكاة مع ملك النصاب .
والثاني مانع الحكم وهو كلّ وصف وجوديّ ظاهر منضبط مستلزم لحكمة تقتضي نقيض حكم السّبب، مع بقاء حكم السبب، كالأُبوّة المانعة من القصاص مع القتل العمد العدوان.

المطلب الثالث: في الشرط

في الصحّة والبطلان والإجزاء   
الشرط هو ما يكون وجود الغير أو تأثيره متوقّفاً عليه من غير أن يكون له مدخل في التأثير، فخرج عنه العلّة وجزؤها، ولا يلزم من وجوده وجود الشرط، بل يلزم من عدمه على ما يأتي تحقيقه.
فإن كان عدمه مخلاًّ بحكمة السّبب فهو شرط السبب كالقدرة على التسليم في باب البيع، وما كان عدمه مشتملاً على حكمة مقتضاها نقيض حكم

1 . في «ب» و «ج»: بحكم السبب.

صفحه 107
المسبب مع بقاء حكمة السبب فهو شرط الحكم، كعدم الطّهارة في الصّلاة مع الإتيان بمسمّى الصّلاة، وحكم الشّارع ليس بالوصف المحكوم عليه بالشرطية والمانعيّة، بل كون الوصف مانعاً أو شرطاً.

المبحث الرابع: في الصحّة والبطلان والإجزاء

الحكم قد يكون حكماً بالصحّة، وقد يكون حكماً بالبطلان، وهما عارضان للأفعال الّتي يمكن وقوعها على الوجهين، فالصحّة قد يطلق في العبادات، وقد يطلق في المعاملات.
وإطلاقها في العبادات مختلف، فالمتكلّمون عنوا بصحّتها كونها موافقة للشريعة سواء وجب القضاء أو لا .
والفقهاء عنوا بصحّتها ما أسقط القضاء .
ويظهر الخلاف في صلاة من ظنّ أنّه متطهِّر، فعند المتكلّمين أنّها صحيحةٌ، لأنّها موافقة للأمر، والقضاء وجب بأمر متجدّد، وفاسدةٌ عند الفقهاء، لأنّها لا تسقط القضاء.1
وليس بجيّد، فإنّك إن أردتَ بكونه مأموراً في نفس الأمر فنمنع ذلك، وإن أردتَ به ظاهراً فنمنع كون الصحّة ذلك، ويشكل على الفقهاء ما لا قضاء له كالعيد، وما له قضاء مع صحّته كصلاة فاقد المطهِّر .
وأمّا في العقود فكون العقد صحيحاً ترتّب أثره عليه وحصول غايته منه .

1 . كذا قال الرازي في محصوله: 1 / 26، وتنظّر فيه المصنِّف .

صفحه 108
ولو فُسِّرت الصّحة في العبادات بذلك أمكن، ولو فسِّرت صحّة العقد بإذن الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه أمكن.
وأمّا الباطل فهو ما يقابل الصحّة فيهما، ففي العبادات كونها غير موافقة لأمر الشارع، أو غير مسقطة للقضاء، وفي العقود هو الّذي لا يترتّب عليه أثره، وهو يرادف الفاسد في المشهور .
خلافاً للحنفيّة، فإنّهم فرّقوا بينهما، وجعلوه متوسّطاً بين الصّحيح والباطل، فإنّ العقد إن كان مفيداً للحكم مشروعاً بأصله وصفته فصحيح وإن لم يكن مفيداً وهو غير مشروع بأصله ووصفه فصحيحٌ، وإن لم يكن مفيداً وهو غير مشروع بأصله ووصفه فباطل .
وإن كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه كعقد الرّبا، فإنّه مشروع من حيث إنّه عقد بيع، وممنوع من حيث اشتماله على الزيادة سمّوه فاسداً، فكان هذا متوسّطاً بين الممنوع بأصله وبين المشروع بأصله ووصفه معاً .1
وهذا تكلّف لا حاجة إليه، ولو صحّ هذا القسم لم نناقش في تخصيص اسم الفاسد به.
وأمّا الإجزاء فقد يوصف به الفعل إذا كان يمكن وقوعه على وجهين أحدهما يترتّب عليه حكمة والثاني لا يترتب كالصّلاة وشبهها .
في القضاء والأداء والإعادة   
أمّا ما لا يقع إلاّ على وجه واحد كمعرفة الله تعالى فلا يوصف بذلك، وكذا ردّ الوديعة، لا يقال فيه: انّه مجز أو غير مجز.

1 . لاحظ المحصول في علم الأُصول تأليف الرازي: 1 / 26 .

صفحه 109
واختلف في تفسير الإجزاء، فقيل: الاكتفاء بالاتيان به في سقوط التعبّد، وإنّما يكون كذلك إذا فعل المكلّف ما كُلِّف به بجميع الأُمور المعتبرة فيه، من حيث وقع التعبّد به .
وقيل: إنّه سقوط القضاء، ويبطل بأنّه لو مات بعد فعله مع الإخلال ببعض شرائطه لم يجب القضاء ولم يكن مجزئاً .
ولأنّا نعلّل وجوب القضاء بعدم الإجزاء، والعلّة مغايرة للمعلول .
ولأنّ القضاء إنّما يجب بأمر جديد.1
وفيه نظر، إذ سقوط القضاء مع الموت به لا بالفعل .
واعترض2 بأنّه لو فسّر الإجزاء بالاكتفاء بالفعل في سقوط القضاء اندفع الأوّلان .
وليس بجيّد، إذ الأوّلان اعتراض على الحدّ المنقول.

المبحث الخامس: في القضاء والأداء والإعادة

اعلم أنّ العبادة قد توصف بكلّ واحد من هذه الثلاثة، وذلك لأنّها إذا كانت موقّتةً فخرج الوقت ولم يفعلها المكلّف فيه، بل في خارجه، سواء كان مضيّقاً أو موسّعاً سمّي قضاءً.

1 . لاحظ المحصول للرازي: 1 / 27 ; والحاصل من المحصول: 1 / 247 .
2 . المعترض هو محمد بن محمود العجلي الإصبهاني في كتابه «الكاشف عن المحصول: 1 / 285 ».

صفحه 110
وإن فعلها فيه سمّي أداءً.
وإن فُعِلت على نوع من الخلل، ثمّ فُعِلت ثانياً في الوقت المضروب لها سمّي إعادةً.
ولا استبعاد في اجتماع الإعادة والقضاء في فعل واحد إذا لم يلحظ في الإعادة الفعلُ في الوقت، ولا في اجتماع الإعادة والأداء إذا لم يلحظ في الأداء الأوّليّة.
فحينئذ يبقى التناسب بين الإعادة وبين كلٍّ من الأداء والقضاء بالعموم من وجه.

فروع

الأوّل: لو ظنّ موته لو لم يشتغل بالواجب الموسّع عصى بتأخيره، فلو أخّر وعاش فهو أداءٌ، لأنّه لما انكشف له بطلان ظنّه زال حكمه وبقي كما كان قبل الظّنّ، وهو اختيار الغزالي1 والجمهور .
وقال القاضي أبو بكر: يكون قضاءً لتعيين وقته بسبب غلبة الظنّ ولم يوقعه فيه، ولهذا يعصي بالتأخير إجماعاً .2
وليس بجيّد، فإنّ العصيان لا يستلزم كونَ الفعل قضاءً، لأنّ ذلك الوقت

1 . المستصفى: 1 / 180 .
2 . لاحظ المستصفى: 1 / 179 ; والمحصول في علم الأُصول: 1 / 27 ; والكاشف عن المحصول: 1 / 288 .

صفحه 111
كان وقتاً للأداء، والأصل بقاء ما كان على ما كان، بل ونمنع العصيان بعد ظهور بطلان ظنّه ووجوب التضيّق عليه، وإنّما يحكم بذلك لو استمرّ الظنّ، وكيف يصحّ أن ينوي القضاء بفعل فُعِلَ في وقته.
وأورد بعض المتأخّرين على القاضي: أنّه لا يلزم من عصيان المكلّف بتأخير الواجب الموسّع عن أوّل الوقت من غير عزم على الفعل عند القاضي: أن يكون فعلُ الواجب بعد ذلك في الوقت قضاءً .
وليس بجيّد، لأنّ العصيان هنا ليس باعتبار تضيّق الوقت بل بترك الواجب وبدله.
الثاني: من أخّر مع ظنّ السّلامة فمات فجأةً في الوقت، فالتّحقيق أنّه
لا يعصي .
قيل: بخلاف ما وقته العمر1.
وليس بجيّد.
الثالث: الواجب على الفور كالزكاة إذا أخّر عصى، ويلزم القاضي أن
يكون قضاءً .
وليس بجيّد، لأنّه لم يعيّن وقته بقدر، وإنّما وجب البدار بقرينة الحاجة، وإلاّ فالأمر يقتضي وجوب الأداء في جميع الأوقات.

1 . القائل هو ابن الحاجب ، لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب : 1 / 526 ، قسم
المتن.

صفحه 112
وكذا من لزمه قضاء صلاة على الفور فأخّر، فلا نقول: إنّه قضاء القضاء، ولهذا افتقرنا في القضاء إلى أمر مجدّد.
وأمّا الأمر بالأداء، فإنّه كاف في دوام اللزوم، فلا يحتاج إلى دليل آخر.
والحقّ: أنّ القضاء مخصوص بما عيّن وقته شرعاً ثمّ فات الوقت
قبل الفعل.
الرابع: الفعل إنّما يسمّى قضاءً إذا ثبت وجوب الأداء ولم يفعل، أو
ثبت سببه .
فالأوّل، كمن ترك الصلاة عمداً حتّى خرج وقتها ثمّ أدّاها .
والثاني ، إمّا أن يكون المكلّف لا يصحّ منه الأداء عقلاً ، كالنائم
والمغمى عليه، أو شرعاً كالحائض.
أو يصحّ، لكنّ المقتضيَ للسقوط جاء من جهته، كالمسافر إذا علم أنّه يصل قبل الزّوال، فإنّ السفر منه، وقد أسقط وجوبَ الصّوم ويصحّ منه، أو من قِبَلِهِ تعالى، كالمريض، فإنّه قد سقط وجوب الصوم عنه.
ففي جميع ذلك يسمّى قضاءً، لوجود سبب الوجوب لا نفس الوجوب، كما يقوله بعض من لا تحقيق له من الفقهاء باعتبار وجوب القضاء، فإنّ الواجب يمتنع تركه، فلا يجامع جواز الترك أو وجوبه، وكيف تؤمر بما يقضى به لو فعلت.

صفحه 113
 
المبحث السادس :
إطلاق اسم القضاء على الأوّل، وهو ما ثبت وجوبه ولم يفعل في وقته، حقيقةٌ قطعاً .
واختلفوا في الثاني فقيل: إنّه مجاز، فإنّ صوم الحائض حرام، فتسميته قضاءً مجازٌ، وحقيقته انّه فرضٌ مبتدأٌ، لكنّه لمّا تجدّد هذا الفرض بسبب حالة عرضَتْ منعت من إيجاب الأداء، حتّى فات لفوات إيجابه، سُمّي قضاءً.
والنائم والناسي1 يقضيان، ولا خطاب عليهما، لأنّهما منسوبان إلى الغفلة والتقصير، لكنّ الله تعالى عفا عنهما، بخلاف الحائض، ولهذا يجب عليهما التشبّه بالصائمين بالإمساك بقيّة النهار، دون الحائض .
وقيل: إنّ الإطلاق حقيقة لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه، ولم يجب للعارض، لا استدراك مصلحة ما وجب، دفعاً للمجاز والاشتراك.

1 . في «ب»: والنائم والساهي.

صفحه 114
في الرخصة والعزيمة   
 
المبحث السابع: في الرخصة والعزيمة
العزم في اللغة القصد المؤكّد، قال الله تعالى: (فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)1 أي قصداً، وسمّي بعض الرّسل أُولي العزم لتأكيد قصدهم في طلب الحقّ .
وفي العرف الشرعيّ عبارة عمّا لزم العباد بإيجاب الله تعالى أو ماجاز فعله من غير مانع .
وأمّا الرّخصة فهي في اللّغة عبارة عن التيسير والتّسهيل ومنه رُخِّص السَّعر إذا تراجع وسهل الشّراء .
وأمّا في الشرع فقال بعض أصحاب الرأي: إنّها عبارة عمّا أُبيح فعله مع كونه حراماً .
وفيه تناقض وليس بجيّد، لعدم اجتماع الحكمين في وقت .
وقيل: ما رخّص فيه مع كونه حراماً.
وهو مع التناقض دائر، وبيان التناقض: أنّ الرّخص مشتقّ من الرخصة وهو غير خارج عن الإباحة .
وقيل: ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرّم2 .

1 . طه: 115 .
2 . لاحظ الأقوال في الإحكام في أُصول الأحكام: 1 / 94، تأليف أبي الحسن الآمدي المتوفّى 631 هـ .

صفحه 115
وهو غير جامع، لأنّ الرّخصة كما تكون بالفعل تكون بتركه، كإسقاط صوم رمضان، والركعتين عن المسافر .
والأقرب أن يقال: الرّخصة ما شُرع من الأحكام لعذر مع قيام السبب المحرّم، ليعمّ النّفي والإثبات معاً، فمباح الأصل كالأكل والشرب لا يسمّى رخصةً، وما لم يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوّال وصلاة النافلة لا يسمّى رخصةً، ويُسمّى تناول الميتة رخصةً، وكذا سقوط الصوم عن المسافر وسقوط الركعتين .
ثمّ الّذي يجوز فعله مع قيام المقتضي للمنع قد يجب، كأكل الميتة عند خوف التلف، وقد لا يجب كترك كلمة الكفر عند الإكراه.
واعلم أنّ اسم الرخصة يطلق حقيقةً ومجازاً .
فالأوّل إباحة النطق بكلمة الكفر بسبب الإكراه، وإباحة شرب الخمر للمتغصّص بلقمة لا يسيغها إلاّ الخمر .
والثاني بعيد عن الحقيقة، كتسمية ما سقط عنا من أثقال الملل المنسوخة1 رخصةً، وما لم يوجب علينا ولا على غيرنا لا يُسمّى رخصةً، وذلك لأنّه لما وجب على غيرنا فإذا قابلنا أنفسنا به حسن إطلاقُ اسم الرخصة عليه، فإنّ الإيجاب على غيرنا ليس تضييقاً في حقّنا، والرّخصة ]فسحةٌ[ في مقابل التضييق.

1 . في المستصفى: 1 / 185 مكان العبارة: «فتسمية ما حُطّ عنّا من الإصْر والأغلال الّتي وجبت على من قبلنا في الملل المنسوخة .

صفحه 116
وتردّد بين هاتين أُمور بعضها أقرب إلى الحقيقة وبعضها إلى المجاز، فالقصر للمسافر جديرٌ بأن يسمّى رخصةً حقيقةً، لقيام السّبب وهو
الشهر، فيدخل تحت قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ)1 وأُخرج عن العموم بعذر.
أمّا التيمّم عند فقد الماء فلا يحسن اسم الرخصة فيه، إذ لا يمكن التكليف باستعمال الماء مع عدمه، فلا يمكن قيام السّبب، ويجوز عند الجراحة، أو بيع الماء بأكثر من ثمن المثل إن سوّغنا التيمم.
والسَّلَم: بيع ما لا قدرة على تسليمه في الحال فيقال 2: إنّه رخصةٌ لعموم نهيه حكيم بن حزام3 عن «بيع ما ليس عنده» فإنّه يوجب تحريمه، وحاجة المفلس اقتضت الرخصة في السلم، وتزويج الأمة الآبقة صحيحٌ، لا ]يسمّى [رخصة إلاّ إذا قوبل ببيع الآبق .
قيل4: العذر المقتضي للرخصة إن كان راجحاً على المحرّم، لم يكن مقتضاه رخصة بل عزيمة، وإلاّ لكان كلّ حكم ثبت بدليل راجح مع وجود المعارض المرجوح رخصةً، وليس كذلك .
وإن كان مساوياً، فإن قلنا بالتساقط5 والرجوع إلى حكم الأصل، لم يكن

1 . البقرة: 184 .
2 . لاحظ المستصفى: 1 / 186 .
3 . أبو خالد حكيم بن حزام صحابيٌّ قرشيٌّ، وهو ابن أخي خديجة، كان صديقاً للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل البعثة وبعدها توفّي سنة 54 هـ . لاحظ الإعلام للزركلي: 2 / 269 .
4 . القائل هو الآمدي في الإحكام .
5 . أي بتساقط الدليلين المتعارضين.

صفحه 117
رخصةً، وإلاّ لكان كلّ فعل بنينا فيه على النفي الأصل قبل ورود الشرع رخصةً.
وإن قلنا بالوقف إلى ظهور المرجِّح، فلا رخصة، بل يكون ذلك عزيمةً .
وإن قلنا بالتخيير لم يكن أكل الميتة حالة الاضطرار رخصةً، إذ لا تخيير بين جواز الأكل وتحريمه لوجوبه .
وقد قيل: إنّه رخصة، فلم يبق إلاّ رجحان المحرّم على المبيح، ويلزم منه العمل بالمرجوح، وهو في غاية الإشكال، لكنّه الأشبه باسم الرخصة، لما فيه من التسهيل بالعمل بالمرجوح، ومخالفة الراجح .1
وفيه نظر، لأنّ هذا التقسيم إنّما يرد لوكان الدليلان متعارضين، وإنّما يتعارضان لو توارد الحكمان على مكلّف واحد، وليس كذلك، فإنّ التحريم للميتة ثابتٌ في حقّ المختار، والوجوب ثابت في حقّ المضطرّ، وقلنا بالإباحة هنا مع قيام المحرّم في نفس الأمر على هذا المكلّف لو لم يكن مضطرّاً، وكونه رخصة باعتبار نسبة حالته الاضطراريّة إلى حالته الاختياريّة .
واعلم أنّه لا استبعاد في كون الشيء رخصةً باعتبار وواجباً باعتبار، كالقصر وأكل الميتة حال المخمصة .

1 . الإحكام: 1 / 95، نقله المصنِّف بتلخيص، وتنظّر فيه .

صفحه 118
في أنّ الحسن والقبح عقليّان   
 
المبحث الثّامن: في أنّ الحسن والقبح عقليّان
هذه المسألة هي المعركة العظيمة بين المعتزلة والأشاعرة، وأكثر قواعد الاعتزال بل أكثر القواعد الإسلاميّة مبنيّةٌ عليها، وقد اضطرب العقلاء في ذلك اضطراباً عظيماً، فالّذي عليه المعتزلة كافّةً أنّهما حكمان عقليّان .
والأشاعرة قالوا: الحسن والقبح قد يُعْنى بهما ملائمة الطبع ومنافرته، وهما عقليّان بهذا الاعتبار.
وقد يُعْنى بهما كون الشيء صفةَ كمال أو نقص كقولنا: العلم حسنٌ والجهل قبيحٌ، وهما عقليّان بهذا الاعتبار أيضاً.
وقد يُعْنى بهما كون الفعل متعلّقَ المدح أو الذمّ، والنّزاع فيه، فعند المعتزلة أنّه عقليٌّ، وإنّما يحسن الفعل أو يقبح لكونه واقعاً على وجه مخصوص لأجله يستحقّ فاعله الذمّ أو المدح .
ثمّ ذلك الوجه قد يعلم بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضّارّ، وقد يعلم بالاستدلال كحسن الصدق الضّارّ وقبح الكذب النافع وقد لا تحصل معرفته بالعقل مستقلاًّ بل يفتقر إلى مساعدة الشرع كحسن صوم رمضان وقبح صوم العيد، فإنّ العقل لا يستقلّ بمعرفة ذلك، لكن لمّا ورد الشرع به علمنا اختصاص كلّ واحد منهما بالوجه الّذي ناسب حكمه من حسن أو قبح، ولولا ذلك الاختصاص امتنع ورود الشرع به .
وذلك الوجه ما اشتمل عليه من اللّطف المانع من الفحشاء الدّاعي إلى الطّاعة، لكن العقل لا يستقلّ بمعرفة هذا المذهب، صار إليه جميع الإماميّة

صفحه 119
والكراميّة1 والخوارج والبراهمة2 والثنويّة وغيرهم سوى الأشاعرة، حتّى أنّ الفلاسفة حكموا بحسن كثير من الأشياء وقبح بعضها بالعقل العملي.
ثمّ إنّ أوائل المعتزلة ذهبوا إلى أنّ الأشياء حسنةٌ وقبيحةٌ لذواتها3 لا باعتبار صفة موجبة لذلك .
ومنهم من أوجب ذلك كالجُبائيّة4 وبعضها فصّل وأوجب ذلك في القبح دون الحسن .
والأشاعرة قالوا: إنّ الحسن والقبح سمعيٌّ، وإنّ العقل إنّما يحسن بأمر الله تعالى وإنّما يقبح بنهيه عنه، فلو نهى عن الحسن كان قبيحاً وبالعكس .
والحقُّ الأوّلُ .
لنا وجوه:
الأوّل: انّا نعلم بالضرورة حسن الصدق النافع، والإنصاف، وردّ الودائع،

1 . هم أتباع أبي عبد الله محمد بن كرام المتوفّى سنة 255 هـ .
2 . البراهمة: قوم من أهل الهند، ينتسبون إلى رجل منهم يقال له «براهم» وقد مهّد لهم نفي النبوات أصلاً، وقرّر استحالة ذلك في العقول. والبراهمة على أصناف: فمنهم (أصحاب البَدَدَة)، ومعنى (البَدّ) عندهم: شخص في هذا العالم لا يولد، ولا ينكح، ولا يطعم، ولا يشرب، ولا يهرم، ولا يموت،وأول (بدّ) ظهر في العالم بزعمهم اسمه (شاكمين) وتفسيره: السيد الشريف. ومنهم (أصحاب الفِكْرِة) وهم الذين يعظمون الفكر، ويقولون: هو المتوسط بين المحسوس والمعقول. ومنهم (أصحاب التناسخ) الذين يقولون بتناسخ الأرواح.
انظر الملل والنحل: 2 / 250 ـ 255 .
3 . في «ب» و «ج»: لذاتها.
4 . هم أتباع أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ المتوفّى سنة 303 هـ ـ نسبة إلى جُبَا من بلاد خوزستان قريباً من البصرة والأهواز ـ .

صفحه 120
وإنقاذ الغرقى، والإحسان إلى المستحقّين، وقبح الظلم والكذب والجهل.
وأنّ من كلّف الأعمى نُقط المصاحف، والزمن الطيران في الهواء، حكم العقلاء كافّةً بقبح ذلك منه، وأوجبوا ذمّه، ولا يتوقّف العقلاء في ذلك على شرع، ولهذا حكم به منكر الأديان والشرائع، كالبراهمة .
لا يقال: حسن الصدق، لأنّه على وفق المصلحة، والإحسان، لأنّ الحكم به يقتضي إلى وقوعه، وهو ملائم لطبع كلّ واحد، وقبح الكذب، لأنّه على خلاف مصلحة العالم.
لأنّا نقول: الضرورة قاضيةٌ بالقبح والحسن بمعنى تعلّق المدح والذمّ.
الثاني: أنّه لو كان الحسن والقبح شرعيّين، لم يقبح من الله تعالى شيء، والتّالي باطل، فالمقدّم مثله، والشرطيّة ظاهرةٌ.
وبيان بطلان التّالي: أنّه لو حسن منه كلّ شيء، لحسن منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، ولو حسن منه ذلك، امتنع منّا الفرق بين الصّادق والكاذب، وذلك يقضي إلى بطلان الشرائع بالكليّة، إذ كلّ نبيٍّ يظهر على يده المعجزة، يتطرّق إليه الاحتمال .
لا يقال: الاستدلال بالمعجزة على الصدق يتوقّف على مقامين: أحدهما أنّه تعالى خلقه لذلك1 و ] الثاني [ أنّ كلّ من صدّقه الله تعالى فهو صادق، والحسن والقبح إنّما ينفعان2 في الثاني فيمنع الأوّل.

1 . في «ج»: «كذلك» ولعلّه مصحّف .
2 . في «ب»: «يتّفقان» والصحيح ما في المتن .

صفحه 121
ولو توقّف الرجحان على المرجّح، لزم الحسن فلا قبح، وإن لم يتوقّف جاز أن يخلقه لا لغرض أو لغير تصديق.
ويمنع قبح خلق الموهم للقبح من غير إيجاب، لأنّ تجويز المكلّف خلق المعجز عقيب الدعوى لا لتصديق، يمنع من الجزم، فإن جزم يصير كالمتشابهات.
لأنّا نقول: الضرورة قاضيةٌ بأنّه خلقه للتصديق، كالشاهد، والمتشابهات قابلة للتأويل، فلا يقبح، بخلاف ما يحصل الجزم بالصدق في غير محلّه.
الثالث: لو حسن منه تعالى كلّ شيء ، لما قبح منه الكذب، وحينئذ لا يبقى الاعتماد على وعده ووعيده، فتنتفي فائدة التكليف .
والاعتذار باستحالة كذب الكلام الأزليّ، ممنوعٌ، ولو سُلِّم جاز أن تكون هذه الكلمات المسموعة مخالفةً لما في نفس الأمر، فيعود السؤال.
الرابع: أنّه لولا اختصاص الواجب بما لأجله اتّصف بالوجوب، كان اتّصافه به ترجيحاً من غير مرجّح، وهو باطل بالضرورة، وكذا باقي الأحكام والأفعال .
الخامس: نعلم بالضرورة أنّا لو خيّرنا العاقل، بين الصدق وإعطاء دينار، وبين الكذب وإعطاء دينار أيضاً، واستوى الصدق والكذب من جميع الوجوه والاعتبارات، سوى وصفي الصدق والكذب، فإنّه يختار الصدق على الكذب، فلولا أنّ الصدق حسن، وأنّ الكذب قبيح، لما اختار الصدق دون الكذب.
السادس: أنّ الحسن والقبح لو لم يُعْلَما قبل الشرع، لاستحال العلم بهما بالشرع، لاستحالة ورود الشرع بما لا يُعْلم ولا يتصوّر.
السابع: أنّا متى علمنا كون الشيء ظلماً علمنا قبحه، ومتى انتفى كونه

صفحه 122
ظلماً انتفى العلم بقبحه، فليس المقتضي للقبح في الظلم سوى كونه ظلماً، عملاً بالدَّوَران.
الثامن: لو كان الحسن والقبح شرعيّاً لما فرق العاقل بين المحسن إليه والمسيء.
التاسع: لو كانا شرعيين لما كان فعل الله تعالى حسناً قبل ورود السمع.
العاشر: لو كانا شرعيّين، لزم إفحام الأنبياء، والتالي باطل وكذا المقدّم .
بيان الشرطيّة: أنّ الوجوب حينئذ يكون سمعيّاً، وقبل الشرع لا وجوب، فإذا أمر النبي(صلى الله عليه وآله) المكلّف باتّباعه، كان له أن يقول له: لا أتّبعك حتّى يجب عليّ، وإنّما يجب عليّ اتّباعك بالسمع، والسمع إنّما يثبت بقولك، وقولك ليس حجّة إلاّ بعد معرفة صدقك، وصدقك إنّما يثبت بالنظر، وأنا لا أفعل النظر حتّى يجب عليّ، ولا يجب عليّ إلاّ بقولك، وقولك ليس حجّةً، فينقطع النبي(صلى الله عليه وآله) .
وأمّا بطلان التالي فظاهر، لانتفاء فائدة البعثة حينئذ.
الحادي عشر: قال أبو الحسين: ينبغي أن نتكلَّمَ في هذه المسألة في عدّة مواضع :
أحدها: أنّ حسن الحسن وقبح القبيح معلومان .
والثاني: أنّهما معلومان عقلاً.
الثالث: أنّ العلم ضروريٌّ، أمّا قبح الضرر المحض الّذي لا غرض فيه سوى أنّه ضرر فلا شبهة فيه، ومعنى «يقبح» أنّه ليس له فعله، ويستحقّ الذمّ عليه، فإنّه يقبح منّا تكليف الكتابة من لا يد له، والمشي من لا رِجْل له،

صفحه 123
ومؤاخذتهما على ذلك، واستبطاؤهما، وتكليف الجماد السعيّ، وذمّ الغير على مالا تعلّق له به، بأن يذمّه على كون الكواكب في السماء، وحصول المدّ والجزر بالبصرة دون بغداد .
وأمّا استناده إلى العقل، فلأنّا إذا راجعنا عقولنا وفرضناها خاليةً عن الشرع، ونظرنا هل ينتفي العلم بقبح ما ذكرناه كما ينتفي العلم بقبح شرب الخمر، وبيع درهم بدرهمين؟ فنعلم قطعاً انتفاء الثاني دون الأوّل، فيكون الحاكم به مجرّدَ العقل.
الثاني عشر: لو كانا شرعيّين، لجوّزنا من أُمّة عظيمة لا تعرف جهة الشرع التمسّكَ بعقولها ، فلا تفرِّق بين من أحسن و من أساء في استحقاق المدح والذمّ، كما لا نفرِّق بين حركة الإصبع يمنةً ويسرةً.
ويجوز أن يكون من أساء إليها هو الممدوح، ومن أحسن هو المذموم، بل هو أقرب ممّا يعتقده الخصم من أنّ أهل الهند ومن ضارعهم ممّن لا يعتقد الشرائع، إذا حكم بحسن الحسن وقبح القبيح، فإنّه لشبهة دخلت عليه، لكن لو أخبرنا من شاهد أنّه على مثل الاعتقاد الأوّل، لسارعنا إلى تكذيبه، فدلّ على أنّ ذلك مقرّر في بداية العقول.
الثالث عشر: حكم أكثر العقلاء بقبح الظلم وحسن الصدق في كلّ زمان، وفي كلّ صقع، لا يخلو إمّا أن يكون علماً ضروريّاً، أو استدلاليّاً، فيلزم المطلوب، أو لا يكون علماً، فكان1 من المحال اتّفاق الأُمم العظيمة عليه، قرناً بعد قرن، كما لا يجوز أن يجمعوا على قبح شرب الخمر والزنا، وليسوا أصحاب شريعة.

1 . في «أ»: وكان .

صفحه 124
الرابع عشر: لو عُلِما بالشرع لَما عُلِما به، لجواز تطرّق الكذب وإرادة غير الظاهر عندهم.
واحتجت الأشاعرة بوجوه:
الأوّل: أنّ أفعال العباد إمّا اضطراريّةٌ أو اتّفاقيةٌ، وعلى كلا التقديرين لا قبح.
بيان المقدّمة الأُولى: أنّ فاعل القبيح إمّا أن يتمكّن من الترك أو لا يتمكّن، فإن لم يتمكّن ثبت الاضطرار، وإن تمكّن، فإمّا أن يتوقّف رجحان الفعل على الترك على مرجِّح أو لا يتوقّف، فإن كان الثاني ثبت الاتّفاق، لأنّ القدرة نسبتها إلى الطرفين واحدة، فإذا حصل الفعل بها في وقت دون آخر من غير مرجّح، كان ذلك محض الاتّفاق .
وإن توقّف، فذلك المرجّح إن كان من فعل العبد، نقلنا الكلام إليه، وإن كان من غيره، فعند حصوله إن وجب الفعل، لزم الاضطرار، لأنّ الفعل معه واجب، وقبله ممتنع، فلا اختيار للعبد.
وإن لم يجب جاز الترك، فلنفرض وقوعه في وقت وعدمه في آخر، فاختصاص أحد الوقتين بالوقوع، والآخر بعدمه، إن لم يتوقّف على مرجّح، مع حصول المرجّح الأوّل في الوقتين، فيكون حصوله اتّفاقيّاً، وإن توقّف على مرجِّح، لم يكن الأوّل مرجّحاً تامّاً، وقد فرضناه تامّاً، هذا خلف.
ولأنّ البحث عائدٌ مع انضمام المرجّح الثاني، فإن وجب الفعل لزم الاضطرار، وإلاّ ثبت الاتّفاق.
ولا ينفع الاعتذار بأنّ القادر يرجّح الفعل على الترك لا لمرجّح، لأنّ قولك «يرجّح» إن كان له مفهوم زائد على كونه قادراً، كان ذلك اعترافاً بأنّ رجحان

صفحه 125
الفاعليّة إنّما يصحّ عند انضمام هذا القيد إلى القادريّة، وإن لم يكن لم يبق لقولك «القادر يرجّح أحد مقدوريه على الآخر» إلاّ أنّ صفة القادريّة مستمرّة في الأزمان كلّها، ثمّ إنّه لم يوجد الأثر في بعض تلك الأزمنة دون بعض، من غير أن يرجّحه القادر أو يقصده، وذلك هو معنى الاتّفاق.
الثاني: انّ العلم بالحسن والقبح إمّا أن يكون ضروريّاً أو نظريّاً.
والأوّل باطل، للفرق بين اعتقاد هذه الأُمور وكون الواحد نصفَ الاثنين، والتفاوت إنّما يكون بتطرّق الاحتمال إلى النقيض، وهو ينافي كونه ضروريّاً، بل كونُه علماً.
ولأنّه لو كان ضروريّاً، لاشترك فيه العقلاء كغيرها من الضروريّات.
والتالي باطل، فكذلك المقدّم، والتالي باطل، لعدم القائل به.
الثالث: لو كان الظلم قبيحاً لكان القبح إمّا أن يرجع إلى ذاته، أو إلى صفاته الثبوتيّة، أو السلبيّة، أو إلى المجموع، أو إلى خامس.
والأوّلان باطلان، وإلاّ لزم قبح الحسن، وكذا الثالث، لاستحالة تعليل الثبوتي بالعدمي، والرابع لاستحالة كونه جزءاً من المؤثّر، والخامس، لأنّ ذلك الأمر إن كان لازماً للظلم، عاد التقسيم فيه، وإن لم يكن لازماً، لم يكن القبيح المعلّل لازماً.
الرابع: لو قال: لأكذِبنّ غداً، فإمّا أن يجب عليه الكذب أو لا يجب، وعلى التقديرين يخرج الكذب عن كونه قبيحاً .
الخامس: أنّ النبىّ الهارب عند شخص إذا طلبه ظالم، فإن أخبره به لزم حسنُ إيقاع الضرر بالنبيّ، وإن حسن الكذب، ثبت المطلوب.
السّادس: أنّ تكليف ما لا يُطاق واقع، فينتفي الحسن والقبح.

صفحه 126
وبيان الأوّل: أنّ ما علم الله تعالى وقوعَهُ واجبٌ، وما علم عدَمَه ممتنعٌ، وهما غير مقدورين.
ولأنّه تعالى كلّف أبا لهب بالإيمان بجميع ما أخبر به النبي(صلى الله عليه وآله)، ومن جملة ما أخبر به أنّه لا يؤمن، فيكون مكلّفاً بأنّه يؤمن بانّه لا يؤمن، والجمع بينهما محال.
السّابع: لو قبح الكذب لذاته، لكان المقتضي له إمّا مجرّد اللفظ، وهو باطلٌ، وإلاّ لقبح حال كونه صِدْقاً، أو عدم المخبر عنه، فيكون العدم علّة للثبوتيّ، أو المجموع، فيكون العدم جزءاً من المؤثّر، أو لأمر خارج، فإن لزم عاد المحذور، وإلاّ لم يلزم القبح.
الثامن: لو كان الكذب قبيحاً لذاته، لكان المقتضي ثبوتيّاً، ضرورة اقتضائه للحكم الثبوتيّ، فإن كان صفة لمجموع الحروف كان عدميّاً، لاستحالة اجتماع الحروف في الوجود، وإن كان صفة لبعضها، كانت أجزاء الخبر الكاذب كاذبة.
التّاسع: لو كان الكذب قبيحاً لذاته، لما اختلف باختلاف الأوضاع، والتالي باطلٌ، فالمقدّم مثله.
العاشر: الظلم ضرر غير مستحقٍّ، فيكون عدميّاً، لانتفاء جزء له1 فلا يقوم به القبح الوجودي.
الحادي عشر: قبح الظلم مقدّم عليه، ولهذا ليس لفاعله أن يفعله ، فليس معلولاً له.

1 . في «ب»: لانتفاء جزئيه .

صفحه 127
الثاني عشر: لو كان الحسن والقبح ذاتيّين، لزم قيام المعنى بالمعنى، والتالي باطلٌ، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطيّة: أنّ حسن الفعل زائد على مفهوم، وإلاّ لزم من تعقّل الفعل تعقّلّهُ، وهو ثبوتيّ، لأنّ نقيضه وهو لا حسن عدميٌّ، وإلاّ استلزم محلاًّ ثانياً، وهو عرضيّ للفعل، وإلاّ افتقر في تصوّر الفعل إلى تصوّره، فيلزم قيام الحسن بالفعل، وقد تبيّن في علم الكلام امتناعُ قيام العرض بالعرض.
الثالث عشر: لو قبح الفعل أو حسن لغير الطلب، أعني الأمر والنهي، لم يكن تعلّق الطلب لنفس الفعل، لتوقّفه على أمر زائد، وهو لازم على الجبائيّة.1
الرابع عشر: لو كان الحسن والقبح لذات الفعل أو لصفته، لم يكن الباري تعالى مختاراً في الحكم، لأنّ الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول، فيجب الراجح، فلا اختيار.
الخامس عشر: قوله تعالى: (وَما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)2 نفى التعذيب من دون البعثة، فلا يكون الفعل قبيحاً ولا حسناً قبلها.
والجواب عن الأوّل: وهو أقوى شبَههم من حيث النقض ومن حيث المعارضة.
أمّا الأوّل: فنقول: لم لا يجوز ألاّ يتمكّن من الترك ؟
قوله: «يلزم الاضطرار».

1 . قال الفاضل القوشجي في شرح تجريد الاعتقاد للطوسي: 441: ذهب الجبائيّ إلى نفي الصّفة الحقيقيّة فيهما مطلقاً فقال: ليس حسن الأفعال وقبحها بصفات حقيقيّة فيهما، بل لوجوه اعتباريّة وصفات إضافيّة يختلف بحسب الاعتبارات، كما في لطمة اليتيم تأديباً وظلماً.
2 . الإسراء: 15 .

صفحه 128
قلنا: ممنوعٌ فإنّ الاضطرار إنّما يتمّ لو لم يكن له اختيار، أمّا على تقدير صدور الفعل عن الاختيار فلا اضطرار .
ولا منافاة بين وجوب الفعل حالة الاضطرار وإمكانه قبله، فإنّ القدرة والداعي إذا اجتمعا وجب الفعل، ولا يؤثِّر ذلك في إمكانه .
قوله: «إن تمكّن من الترك ولم يتوقّف الرجحان على مؤثّر لزم الاتّفاق».
قلنا: ممنوعٌ وإنّما يكون الفعل اتّفاقياً لو لم يصدر عن سبب ظاهر، ونحن نُسْند الفعلَ هنا إلى الفاعل، أقصى ما في الباب أنّ رجحان أحد الطّرفين ليس لأمر زائد على قدرة الفاعل واختياره .
سلّمنا لكن لم لا يرجّح الفعل باشتماله على المصلحة الخالصة أو الراجحة في علم الفاعل أو ظنّه.
سلّمنا لكن لِمَ لا يكفي الرجحان المطلق من غيراحتياج إلى رجحان مانع من النقيض، فإنّ وقوع الممكن حينئذ جائز بخروجه من حدّ التساوي الصِّرْفِ، ولا يلزم الجبر ولا انتفاء القدرة .
وأمّا المعارضة فنقول هذا الدّليل ثابت في حقّه تعالى، فما هو الجواب عنه فهو جوابنا عن المكلّف.
وعن الثاني: أنّ الضروريّات تتفاوت وكذا النظريّات بوثاقة الاعتقاد وضعفه، ولا يلزم تطرّق احتمال النقيض إلى أحد الطرفين، والأصل في ذلك أنّ التصديقات الضروريّة قد تخفى عن كثير من النّاس لخفاء تصوّراتها أو
لغير ذلك .

صفحه 129
ونحن نمنع التّفاوت في هذه العلوم عند معتقديها، ولهذا لو شكّ العاقل في قبح تكليف الزّمن الطيران لم يعتوره شكٌّ، كما لو شكّ في أنّ الواحد نصف الاثنين .
ولا يلزم اشتراك العقلاء في الضروريّات لما بيّناه من حصول الخفاء في التصوّرات.
وعن الثالث: لِمَ لا يجوز أن يرجع إلى ذاته أو صفاته الثبوتيّة، ولا يلزم قبح الحسن، لاختلافهما في الماهيّة .
سلّمنا لكن لِمَ لا يرجع إلى أوصافه السلبيّة .
ونمنع كون القبح ثبوتيّاً فإنّ القبيح هو الّذي ليس للعالم به المتمكّن منه أن يفعله .
سلّمنا لكن جاز أن يكون العدميّ جزءاً من المؤثّر، فإنّ عدم المانع جزء من الفاعل التامّ.
وعن الرابع: أنّه يجب عليه ترك الكذب، لأنّ قوله: «لأكذبنّ غداً» لا يخلو عن وجه قبح ولو بالعزم والوعد عليه، فلا يزول قبحه بفعله بل يزداد القبح، فيجب الامتناع .
قالت العدليّة : الخبر عن المستقبل إذا صدر عن عزم المخبر على أن يفعله، ثمّ تغيّر عزمه لم يكن كذباً، لأنّه حين الإخبار كان عازماً على الكذب، وهو إنّما أخبر عن عزمه.
وفيه نظر، فإنّ المخبر أخبر عن الإتيان بالكذب لا عن عزمه عليه،

صفحه 130
ولهذا لو أخبرنا انّه عزم الآن على الله الكذب في غد، ثمّ لم يكذب في الغد لم يكن كاذباً في خبره، بخلاف صورة النزاع .
أو يقال: كلٌّ من الصّدق والكذب هنا قبيحٌ، أو نقول: إنّ صدقه حسنٌ وإن استلزم قبيحاً، فإنّه لا يلزم من استلزامه القبيح قبحه، أو إن استلزم قبحه لكن1باعتبار آخر، كما ذهب إليه الجبائيّان، من التعليل بالوجوه والاعتبارات.
وعن الخامس: أنّ الحسن التّخليص، لا الكذب، وأنّه يمكنه التخليص بالتورية، أو بالإتيان بصيغة الخبر من غير قصد.
قالوا: لو جاز ذلك لارتفع الوثوق بوعده ووعيده، وانتفت فائدة البعثة، لتطرّق هذا الاحتمال فيما يخبره النبي(صلى الله عليه وآله) .
وهو ضعيف، لأنّه متى أدّى ذلك إلى الجهل والإخلال بالمكلّفين، لم يجز صدوره من الله تعالى، ولا من رسوله(صلى الله عليه وآله)، بخلاف الإنسان.
وعن السادس: بالمنع من التكليف بالمحالِ، والعلم حكاية عن المعلوم، ومتأخّر عنه في الرتبة، فلا يؤثّر فيه وجوباً ولا غيره، إذ هو تابع له.
والوجوبُ الحاصلُ من العلم، وجوبٌ لاحقٌ، إذ لا فرق بين وضع أحد الطّرفين وبين وضع العلم به، في أنّ كلّ واحد منهما يقتضي وجوباً لاحقاً، إذ العقل قاض بالتطابق بين المعلوم والعلم.
ولأنّ الأصل في هيئة التطابق، إنّما هو المعلوم، إذ لولا تحقّقه على ما هو به، لما تعلّق به العلم، وتمام تحقيق ذلك مذكور في كتبنا الكلاميّة .

1 . كذا في «أ» و «ج» ولكن في «ب»: أو إن استلزم وإن استلزم قبحه، أو يقول: إنّ صدقه حسن لكن .

صفحه 131
ثمّ لو لزم من العلم الوجوبُ وانتفاءُ القدرة، لثبت ذلك في حقّه تعالى، فانتفى اختياره، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
وأما تكليف أبي لهب بالإيمان، فنمنع أنّه أخبر بأنّه لا يؤمن.
وقوله تعالى:(تَبَّتْ يَدا أَبي لَهَب)1 إلى آخرها، لا يدلّ على أنّه لا يؤمن، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ما ذكره في هذه السورة إنّما يتناوله بشرط خروجه من الدنيا كافراً، وإلاّ لكانت الآيات المتناولة لوعيد الكفّار، متناولة لكلّ كافر، سواء تاب أو لم يتب، وهو باطل إجماعاً.
الثاني: أن تكون هذه السورة نزلت بعد موته، إذ لو كانت قد نزلت في حياته لقال: وَ مَا يُغْني عَنْهُ مَالُهُ.
سلّمنا، لكنّه كلّفه من حيث إنّه كان مختاراً، أو الإخبار بعدم الإيمان لا ينافي القدرة، كما قلناه في العلم، فإنّ الإخبار بعدم الإيمان، إنّما هو من حيث العلم الّذي لا ينافي المكنة.
ثمّ كيف يصحّ القول بالتكليف بالمُحال مع قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها)(2)إلى غير ذلك من الآيات .
وعن السّابع: المقتضي للقبح هو الخبر المعقول مع عدم المطابقة، ولا استبعاد في كون العدميّ جزءاً من علّة الأمر الاعتباري.
على أنّا قد بيّنا أنّ القبح أمر عدميّ، أو نجعله شرطاً في القبح، والشرط لا مدخل له في التأثير.

1 . المسد: 1 .            2 . البقرة: 286 .

صفحه 132
وعن الثامن: بالمنع من كون القبح ثبوتيّاً، على ما مرّ.
سلّمنا ثبوته، لكن بالوجه الّذي وصفتموه بالخبر، والكذب نصفه نحن بالقبح.
وعن التاسع: أنّ المختلف باختلاف الأوضاع، إنّما هو الحروف والأصوات ووضعها للمعاني المختلفة، أمّا ماهيّة الكذب والقبح فلا يختلفان، فإنّ الكذب هو الخبر الغير المطابق بأيّ عبارة كان، والكذب قبيحٌ لكونه كذباً بأي لسان اتّفق .
ويمكن أن يكون قبح الخبر الكاذب مشروطاً بالوضع وعدم مطابقته للمخبر عنه، مع علم المخبر به، كما كان شرطاً في كونه كذباً.
وعن العاشر: ما تقدّم من كون القبح عدميّاً .
سلّمناه، لكن نمنع كون الظلم عدميّاً، بل هو وجوديٌّ، فإنّ عدم الاستحقاق جاز أن يكون لازماً للظلم، لا داخلاً في ماهيّته .
سلّمنا، لكن جاز أن يكون الظلم علّةً للقبيح، لما فيه من الأمر الوجوديّ، والعدم شرطه .
وعن الحادي عشر: بالمنع من تقدّم قبح الظلم عليه، وإنّما المتقدّم الخبر بكونه قبيحاً.
وعن الثاني عشر: بالمنع من كون نقيضه عدميّاً، والاستدلال بصورة النفي على الوجود دورٌ، لأنّه قد يكون ثبوتيّاً، أو منقسماً إلى ثبوتيّ وعدميّ .
سلّمنا، لكن نمنع امتناع قيام العرض بمثله، فإنّ أكثر المحقّقين ذهبوا إلى ذلك، كالسرعة، والحركة، والاستقامة، والخطّ .

صفحه 133
سلّمنا، لكنّه آت في صفة الإمكان.
وعن الثالث عشر: بتسليم الملازمة، ومنع كذب التّالي، فإنّ الطلب إنّما يتوجّه إلى الفعل لأجل حسنه .
وعن الرابع عشر: أنّ القدرة لا تزول باعتبار عروض امتناع الصدور، لأنّ حكمته تقتضي امتناع صدور القبيح عنه.
وعن الخامس عشر: أنّ المراد: وما كنّا معذّبين بالأوامر السمعيّة، أو يُجعل الرسول إشارةً إلى العقل.
واعلم أنّ الأشاعرة يلزمهم نفي القبح بالكلّيّة، لأنّ الواقع مستند إلى قدرته تعالى، وكلّما يفعل الله تعالى عندهم فهو حسن، فتكون أنواعُ الكفر والظلم، وجميع القبائح الصّادرة عن البشر، غيرَ قبيحة .
واعتذارهم بأنّ القبح المعلوم عندهم بالضرورة، إنّما هو القبح بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته، ضعيفٌ، فإنّ الظالم العاقل يميل طبعه إلى الظلم، ومع ذلك فإنّه يجد صريح عقله حاكماً بقبحه.
وأيضاً من خاطب الجمادَ وأمره ونهاه، لا ينفر طبعه عنه، وهو قبيح قطعاً.
ومن أنشأ قصيدة حسنةً في شتم الأنبياء والملائكة، وقرأها بصوت طيب حسن، فإنّه يميل الطبع إليه، وينفر العقل منه. فعلمنا المغايرة بين نفرتي العقل والطبع.
واعلم أنّه لا يمكن الجزم بشيء من قواعدالإسلام، ولا بشيء من أحكام الدين، إلاّ بالقول بالحسن والقبح العقليّين.

صفحه 134
وكيف يصحّ الجزم من الأشاعرة بصدق النبي(صلى الله عليه وآله)، ووعد الله تعالى ووعيده، مع إمكان الكذب والإضلال من الله تعالى لعبده بخلق المعجز على يد الكذّاب ؟
وإنّما طوّلنا الكلام في هذه المسألة لكونها أحد المطالب الجليلة .
وقد جرت عادة الأُصوليّين بذكر مسألتين، تتفرّعان على هذه المسألة.
إحداهما: وجوب شكر المنعم.
والثانية: حكم الأشياء قبل ورود الشرع، فلنشرع فيهما بعون الله تعالى.
في وجوب شكر المنعم    

المسألة الأُولى: في أنّ شكر المنعم واجبٌ عقلاً

اختلف الناس في ذلك، فأوجبه المعتزلة، ونفاه الأشاعرة1.
لنا وجوه:
الأوّل: أنّ الضّرورة قاضيةٌ بذلك.
الثاني: أنّه دافع للخوف ودفع الخوف واجبٌ ولا يتمّ إلاّ بالشكر، فيكون الشكر واجباً .
أمّا إنّه دافع للخوف، فلأنّ العاقل إذا رأى عليه آثار النّعمة خاف من كفرانها.
وأمّا إنّ الشكر دافع له، فلأنّ الخوف إنّما هو من تركه، إذ العاقل يعلم انّه إذا شكر النعمة، وأذعن بها، واعترف بالإنعام، أمن من المؤاخذة على ترك ذلك، ويعلم أيضاً بالضّرورة أنّ طريقة الشكر آمن من غيره .

1 . في «ب» و «ج»: خلافاً للأشاعرة.

صفحه 135
وأمّا دفع الخوف واجب فلقضاء الضرورة به .
وأمّا أنّ ما لا يتمّ الواجبُ إلاّ به، فهو واجب فسيأتي.
الثالث: انّه إذا تعارض طريقان: أحدهما آمن، والآخر مخوف، وجب سلوك الآمن ، وهنا الشكر طريق آمن، والإعراض مخوف.
الرابع: لو لم يجب شكر المنعم عقلاً، لم تجب المعرفة، إذ لا فرق بينهما.
ولأنّ المقتضي لوجوب المعرفة، وجوب الشكر .
والتالي باطل، وإلاّ لزم إفحام الأنبياء(عليهم السلام)، فإنّهم إذا أظهروا المعجزات، وقال المكلّف: لا يجب عليّ النظر في المعجزة إلاّ بالشرع، ولا يستقرّ الشرع إلاّ بالنظر في معجزتكم، فينقطع النبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو باطلٌ بالإجماع.

احتجّت الأشاعرة بالعقل والنقل

أمّا النقل: فقوله تعالى:(رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)1.
وأمّا العقل: فهو أنّ الشكر إمّا أن يجب لفائدة أو لا، والقسمان باطلان .
أمّا الأوّل، فلأنّ الفائدة يستحيل عودها إلى الله تعالى، لأنّه غنيٌّ، وإلى غيره، لأنّها إمّا جلبُ نفع أو دفعُ ضرر.
والأوّل باطلٌ، لعدم وجوبه عقلاً، فكيف يجب المفضي إليه.

1 . النساء: 165 .

صفحه 136
ولأنّه يمكن خلوّ الشكر عن جلب النفع، فإنّ الشكر لمّا كان واجباً، لم يكن أداؤه مقتضياً شيئاً آخر.
ولأنّه تعالى قادر على إيصال كلّ المنافع بدون الشكر، فتوسّطه عبثٌ.
والثاني باطلٌ، لأنّ المضرّة إمّا عاجلةٌ، وهو باطلٌ، لأنّ الاشتغال بالشكر، مضرّةٌ عاجلةٌ، فلا يكون دافعاً لها، أو آجلةٌ، وهو باطل، لأنّ المضرّة الآجلة إنّما يحصل القطع بثبوتها عند عدم الشكر، لو كان الشكر ليسرّ المشكور، ويسوءه الكفر، أمّا المنزّه عن ذلك فلا، بل احتمال العقاب على الشكر قائمٌ، لأنّه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه .
ولأنّ العبد، لو حاول مجازاة مولاه على نعمة، استحقّ التأديب، والاشتغالُ بالشكر، اشتغالُ بالمجازاة .
ولأنّ نعم الله تعالى بالنسبة إليه أقلّ من نسبة اللقمة إلى الملك .
ولو أنّ إنساناً شكر الملك على إعطائه إيّاه لقمةً في المحافل، فعل قبيحاً واستحقّ التأديب، فكذا هنا .
ولأنّ الشاكر قد لا يعرف كيفيّة الشكر، فيأتي بغير اللائق بكماله تعالى، فيستحقّ العقاب.
وأمّا الثاني، فلأنّه عبث، وهو قبيحٌ عقلاً.
ولأنّ المعقول من الوجوب، ترتّب الذّمّ والعقاب على الترك، فإذا فُقد ذلك، امتنع تحقّق الوجوب.
والجواب عن الأوّل: ما تقدّم من التخصيص بالأوامر الشرعيّة، أو المجاز في الرسول وهو العقل .

صفحه 137
سلّمنا، لكن نمنع استحالة تحقّق الوجوب بدون العقاب، فإنّه يكفي فيه استحقاق المدح بفعله، والذمّ بتركه.
ولأنّ العذاب يجوز إسقاطه بعفو أو شفاعة، فلا يكون لازماً للواجب .
والآية الثانية لا دلالة فيها إلاّ على نفي عذر المكلّفين بانقطاع الرّسل.
وعن الثاني: لِمَ لا يجب الشكر بمجرّد كونه شكراً لا لشيء آخر، فإنّه لا يلزم ثبوت الغايات لكلّ شيء، وإلاّ لزم التسلسل، بل لابدّ وأن ينتهي إلى ما يكون واجباً لذاته، ولا غاية له سوى ذاته، كما أنّ دفع الضرر واجبٌ لذاته، لا لغاية أُخرى .
ولهذا يعلّل العقلاء وجوبه، بكونه شكراً للنّعمة، لا لشيء آخر، وإن لم يعلموا شيئاً آخر من جهات الوجوب .
سلّمنا، لكن لِمَ1 لا يجب لفائدة آجلة عائدة إلى المكلّف، ] و [ هي الثواب ؟
قوله: «يمكن إيصالها بدون الشكر».
قلنا: ممنوع، فإنّ الثواب نفع مستحقّ، وصفة الاستحقاق إنّما تحصل بواسطة العمل.
قوله: «جلب النفع غير واجب فلا يجب سببه».
قلنا: ممنوع، فإنّ المنافع تختلف، فجاز وجوب بعضها عقلاً ،ولا نسلّم أنّ أداء الواجب، لا يقتضي شيئاً آخر .

1 . في «أ» و «ب»: سلّمنا فلِمَ .

صفحه 138
سلّمنا، لكن لِمَ لا يجب لكونه دافعاً للضرر المتأخّر؟
قوله: «الشكر مضرّة عاجلةٌ».
قلنا: الضرر العاجل المندفع بضرر الشكر، أكثر من ضرر الشكر وهو خوف العقاب، فإنّه ضرر راجحٌ على ضرر الشكر، وهو كاف في الوجوب .
سلّمنا، لكن لِمَ لا يندفع به الضرر الآجل؟
قوله: «إنّما يتحقّق ذلك في حقّ من يسرّه الشكر، ويسوءه الكفر».
في حكم الأشياء قبل الشرع   
قلنا: ممنوعٌ، فإنّ ترك الواجب علّةٌ في استحقاق العقاب بتركه .
قوله: «الشكر تصرّفٌ في ملك الغير».
قلنا: هذا ضعيفٌ، فإنّا نعلم قطعاً أنّ الاشتغال بوظائف الخدمة، والقيام بالشكر والمواظبة عليه، أسلم من تركه والإعراض عن الخدمة والتشاغل1 عن الشكر .
وتمثيل النعم باللّقمة باطلٌ، فإنّ نعم الله تعالى على العبد بإيجاده وإحيائه وإقداره وما منحه من العقل والسلامة وإقداره على الملاذ والنعم أعظم من ملك الدنيا بأجمعها، ثمّ تكميلهم بإرسال الرّسل وإنزال الكتب من أعظم النعم، كما قال سليمان وداود(عليهما السلام) حين شكرا نعم الله تعالى على ذلك في قوله:(وَ قَالاَ الْحَمْدُ للهِ الَّذي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ)(2).
وكذا شكر إبراهيم(عليه السلام)في الأولاد، وغيرهم من الأنبياء .
ولا يلزم من قلّة ذلك بالنسبة إلى ملكه تعالى قلّتُه في نفس الأمر، فإنّ

1 . في «ب»: والتغافل .            2. النمل: 15 .

صفحه 139
الملك لو أعطى فقيراً ما يغنيه ويزيد عليه، كان نعمة عظيمة، وإن قلّت بالنسبة إلى ملكه.
سلّمنا، لكن منع العبث غير لائق من الأشاعرة، فإنّ الأحكام بأسرها عندهم كذلك، إذ عندهم أنّه تعالى لا يفعل لغاية ولا غرض، ولا معنى للعبث سوى ذلك، وينكرون القبح العقلي.
سلّمنا ذلك، لكن دليلكم ينفي وجوبه عقلاً وشرعاً1 .

المسألة الثانية: في حكم الأشياء قبل الشرع

اعلم أنّ الأفعال البشريّة منها ضروريّةٌ، ولا يمكنهم تركها، كالتنفّس في الهواء، ولابدّ من القطع بعدم المنع فيها إلاّ عند مجوّزي تكليف ما لا يُطاق.
ومنها: ما ليس ضروريّاً، كأكل الفاكهة وشبهها، ممّا لا يدرك العقل تقبيحه ولا تحسينه بضرورة.
وقد اختلف فيه، فذهب البصريّون من المعتزلة، وجماعةٌ من الفقهاءالشافعية والحنفية إلى أنّها على الإباحة .
وذهب البغداديّون من المعتزلة، وطائفةٌ من الإماميّة وأبو علي بن أبي هريرة2 من الشافعية إلى أنّها على الحظر .

1 . في «ب»: عقلاً ونقلاً.
2 . هو القاضي الحسن بن الحسين البغدادي المعروف بابن أبي هريرة، لأنّ أباه يحبّ السنانير فيجمعها ويطعمها. تفقه على ابن سريج وأبي اسحاق المروزي، وجلس للتدريس ببغداد، توفّي سنة 345 هـ . لاحظ وفيات الأعيان: 2 / 75 برقم 159 ; والأعلام للزركلي: 2 / 188 ; وموسوعة طبقات الفقهاء: 4 / 136 برقم 1354 .

صفحه 140
وقال أبوالحسن الأشعري وأبو بكر الصيرفي1 وجماعةٌ من الفقهاء إلى أنّها على الوقف، وفسّروه بأمرين :
أحدهما: أنّه لاحكم.
وهذا ليس وقفاً على الحقيقة، بل هو قطع بانتفاء الحكم.
والثاني: أنّا لا نعلم ما الحكم فيه .
والحقُّ الأوّلُ.
لنا وجوه:
الأوّل: ما عوّل عليه أبو الحسين البصريّ2 وهو: أنّ تناول الفاكهة مثلاً، منفعةٌ خاليةٌ عن المفسدة، ولا ضرر على المالك، فوجب الحكم بحسنه.
أمّا إنّه منفعةٌ، فضروريٌّ، وأمّا خلوّه عن أمارات المفسدة، فلأنّه مقدّرٌ .
وأمّا انتفاء الضرر على المالك، فظاهرٌ.
وأمّا الحكم بحسن ذلك، فللعلم بحسن الاستظلال بحائط الغير، والنظر في مرآته، والتقاط ما سقط3 من حبّ زرعه، إذا خلا عن المفاسد.

1 . هو محمد بن عبد الله المعروف بابن الصيرفي، الفقيه الشافعي، تفقّه على ابن سريج، ومن غرائبه: إيجاب الحدّ على من وطئ في النكاح بغير وليٍّ، لأنّه كان يعتقد تحريم ذلك، توفّي بمصر سنة 330 هـ . لاحظ وفيات الأعيان: 4 / 199 برقم 574 ; تاريخ بغداد: 5 / 449 برقم 2977 ; موسوعة طبقات الفقهاء: 4 / 421 برقم 1607 .
2 . المعتمد: 2 / 315 .
3 . في «أ»: ما تساقط .

صفحه 141
وعلّة حسنه، كونُهُ منفعةً خاليةً عن أمارات المفسدة، ولا ضرر على المالك فيها، قضيّةً للدّوران .
وهذه الأوصاف ثابتة في مسألتنا، فثبت الحكم فيها .
لا يقال: عدم العلم بالمفسدة يثبت معه احتمالها، وهو كاف في القبح.
لأنّا نقول: العبرة، في قبح التصرّف المستند إلى الأمارات، أمّا الخالية، فلا.
ولهذا لو قام العاقل من تحت حائط محكم البناء، مستو في وضعه، لاحتمال سقوطه، سفّهه العقلاء، بخلاف ما لو كان الحائط مائلاً .
ولأنّ احتمال المفسدة ثابتٌ في الفعل والترك، فيلزم انفكاكه عنهما، وهو تكليف ما لا يُطاق.
الثاني: أنّه تعالى خلق الطعوم قائمةً في الأجسام، فلابدّ له من غرض، وإلاّ لزم العبث، وذلك الغرض يعود إلى غيره، لاستحالة النفع والضرر عليه .
وليس الغرض الإضرار، إجماعاً، ولاستلزامه المطلوب، إذ الضرر إنّما يتمّ بالإدراك الثابت بالتناول، فيكون التناول مطلوباً، فيكون ] الغرض[ هو الانتفاع، إذ لا واسطة اتّفاقاً.
فإن كان ] الانتفاع[ بإدراكها، فالمطلوب.
وإن كان باجتنابها، لكون تناولها مفسدةً فيستحقّ الثواب باجتنابها، أو بأن يستدلّ بها، استلزما1 إباحة إدراكها، إذ ثواب الاجتناب إنّما يكون مع دعاء النفس إلى إدراكها، فيستلزم تقدّم إدراكها .

1 . ضمير التثنية يرجع إلى الاجتناب من الطعوم في الأجسام، والاستدلال بها.

صفحه 142
وكذا الاستدلال بها يتوقّف على معرفتها، الموقوفة على إدراكها .1
الثالث: أنّه يحسن من كلّ عاقل أن يتنفّس في الهواء، وأن يدخل منه أكثر ممّا تحتاج إليه الحياة، ومن اقتصر على قدر تحتاج الحياة إليه عُدَّ سفيهاً.
ولا علّة لهذا الحسن، إلاّ كونه نفعاً خالياً عن المفسدة، ولا ضرر فيه على المالك، وهو ثابت هنا.
الرابع: أنّه تعالى حكيمٌ لطيفٌ بعباده، فلو كان هذا المفروض واجباً أو

1 . وحاصل الاستدلال أنه سبحانه تبارك وتعالى خلق الطعوم في الأجسام، فلابدّ له من غرض، وهو يرجع إلى غيره، وهذا الغرض إمّا الإضرار أو الانتفاع.
فإن كان الغرض هو الإضرار، فهو يتحقّق بتناول الطعوم، الملازم لجواز التصرّف في الأشياء، وهو خلاف المطلوب :
وإن كان الغرض هو الانتفاع ـ وهذا يكفي في المقصود من دون حاجة لتشقيق الانتفاع ـ فهو يتحقّق بأحد وجوه ثلاثة:
1. الانتفاع بادراك الطعوم عن طريق التناول .
2. الانتفاع باستحقاق الثواب عن طريق اجتنابها .
3. الانتفاع بالاستدلال بها على معرفة شيء.
والجميع يلازم جواز التصرف وإلاّ لم تتحقّق هذه الأغراض :
أمّا الأوّل: فواضح، وهو الانتفاع بالطعوم عن طريق التناول .
وأمّا الثاني: اعني استحقاق الثواب عن طريق الاجتناب فهو فرع دعوة النفس إلى إدراكها وفي ذلك يتقدم إدراكها بالتناول .
وأما الثالث: فإنّ الاستدلال موقوف على معرفة الطعوم، الموقوفة على إدراكها بالتناول.
وأشار المصنِّف إلى الوجه الأوّل بقوله: «فإن كان بإدراكها» وإلى الثاني بقوله «وإن كان باجتنابها» وإلى الثالث بقوله: «أو بأن يستدلّ بها» .
واعلم أنّ أصل الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 2 / 320، وكلامه مجمل، فحاول المصنِّف تلخيصه بإيضاح، ومع ذلك لا يخلو عن تعقيد، ولاحظ: الإحكام للآمدي: 1 / 70; والكاشف عن المحصول: 1 / 376 .

صفحه 143
حراماً، لوجب على الله تعالى إرشاد عباده إليه، فإنّ عادته تعريفهم الحسن والقبيح فيما لا يدرك بالعقل ضرورةً ولا نظراً، ولمّا انتفى المنع الشرعيّ والإذن الشرعيّ، دلّ على أنّه مباح.
الخامس: أنّه تعالى أعلمنا أنّه نافعٌ ولا ضرر فيه، وذلك يستلزم الإذن فيه، إذ لو كان مانعاً منه، لكان تناوله مشتملاً على الضرر، وهو خلاف الفرض.
احتجّ القائلون بالحظر، بأنّه تصرّفٌ في ملك الغير بغير إذنه، فيكون قبيحاً.
احتجّ القائلون بنفي الحكم، بأنّ الحسن والقبح شرعيّان، وقبل الشرع لا حكم.
وبقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1 نفى العذاب قبل البعثة، وهو يستلزم نفي الوجوب والحرمة.
والجواب عن الأوّل: المنع من عدم الإذن، فإنّه مأذون فيه بدليل العقل، كالاستظلال بحائط الغير.
وعن الثاني: بما تقدّم بأن الحسن والقبح عقليّان.
وعن الآية بما تقدّم مراراً.
ولأنّ العقاب لازم للوجوب الشرعيّ لا الوجوب العقليّ، فيلزم من نفيه نفي ملزومه أعني الوجوب الشرعيّ لا العقليّ .

1 . الإسراء: 15 .

صفحه 144
سلّمنا، لكن لا دلالة في الآية على الإباحة والوقف، لعدم ملازمة العذاب لشيء من ذلك إجماعاً .
وقد ألزم الفريقانِ الأشاعرةَ بالتناقض، فإنّ قولهم: «لا حكم» حكمٌ بعدم الحكم.
ولأنّ التصرّفات، إن كان المكلّف ممنوعاً عنها، كانت على الحظر، وإلاّ كانت على الإباحة، ولا واسطة .
وهذان غير واردين، فإنّه لا تناقض في الحكم بعدم الإباحة والحظر وغيرهما من الأحكام الخمسة، فإنّ الحكم المنفيّ هو الخاصّ، والثابت هو العامّ المرادف للتصديق .1
ومرادهم بالوقف: إمّا انتفاء العلم بأنّ الحكم هو الحظر أو الإباحة، وحينئذ تثبت الواسطة.
أو عدم الحكم، وليس إباحة أيضاً، لأنّه حاصلٌ في فعل البهيمة، ولا يوصف بالإباحة، بل المباح هو الّذي أُعلم فاعلُهُ أو دُلَّ على أنّه لا حرج عليه في الفعل والترك، والإعلام إنّما يكون بالشرع عندهم، فإذا انتفى، فلا إباحة .

1 . في «أ»: المراد من التصديق .

صفحه 145
في ماهية اللغة   
المقصد الثاني: في اللّغات
وفيه مقدّمة وفصول.
أمّا المقدمة ففيها بحثان:

] البحث   [الأوّل: في الماهيّة

اللّغة مأخوذة من لغا يلغو: إذا لهج بالكلام.
وقيل: من لَغِيَ يلغا1، وهي كلّ لفظ وضع لمعنى، فاللفظ هو ما يلفظه الإنسان2 ويخرج به الإشارات والرقوم، وخرج بالثاني المهمل .
وهذا الحدّ شامل للمفرد والمركّب، وهو مرادفٌ للكلام عند الأصوليّين، فإنّهم حدّوه بأنّه «المنتظِمُ من الحروف المسموعَةِ المتميِّزةِ المتواضَعِ عليها، إذا صدَرَ عن قادر واحد».
فالمنتظم حقيقة في الأجسام، إذ معناه الترتيب، ولكن لمّا توالت الأصوات على السمع مترتّبةً، شُبِّهت بالأجسام .

1 . في المعجم الوسيط: لغا يلغو لغواً، لَغا بالقول: تكلّم به، ولغِي يلغا لغاً، لَغا بالأمر: أُولع به، والشيء: لزمه، والطائر بصوته: نَغَمَ .
2 . في «ب»: يلفظه اللّسان .

صفحه 146
وقيّد بالحروف، ليخرج المنتظم من غيره .
وقيل: 1 احترز به عن الحرف الواحد، فإنّ أهل اللغة قالوا: أقلّ الكلام حرفان، إمّا ظاهراً أو في الأصل كـ «قِ»، و «عِ» و «شِ» فإنّه في الأصل «قي» بدلالة الردّ في التثنية فيقال «قِيَا» لكن أُسقطت تخفيفاً.
وليس بجيّد، فإنّ الانتظام نسبة لا تعقل إلاّ بين اثنين، بل الوجه في القيد ما قلناه نحن أوّلاً .
وقولنا: «المسموعة» احترازٌ عن الكتابة .
وقولنا: «المتميّزة» احترازٌ عن أصوات الطيور .
وقولنا: «المتواضع عليها» ليخرج عنه المهمل .
وقولنا: «إذا صدرت عن قادر واحد» احترازٌ من أن ينطق قادرٌ بحرف وآخرُ بآخرَ، فإنّه لا يسمّى المجموعُ كلاماً، لِمَا لم يصدر عن قادر واحد، وهذا يقتضي كون الكلمة المفردة كلاماً، والنحويّون جعلوه اسماً للمفيد، وهو الجملة المفيدة خاصّةً.
وأيضاً فقولهم: «الكلام» أقلّه حرفان إمّا ظاهراً أو في الأصل، ينتقض بلام التمليك، وباء الإلصاق، وفاء التعقب، فإنّها أنواع الحرف، وكلّ حرف كلمةٌ، وكلّ كلمة كلامٌ مع أنّها غير مركّبة.
والحركة تبعد أن تكون حرفاً، ثمّ لا يمكن العذر به في «ياء» غلامي، والتنوين، ولام التعريف .2

1 . القائل: هو الرازي في المحصول: 1 / 56 .
2 . كذا في المحصول للرازي: 1 / 57 .

صفحه 147
وفيه نظر، فإنّا نمنع كونَ كلّ كلمة كلاماً، بل يخصّ الكلام بالمركّب .
هذا على اصطلاح الأصوليّين، وأمّا على اصطلاح النّحاة، فإنّه الجملة المفيدة كما تقدّم.
وهي إمّا اسميّةٌ مثل زيدٌ قائمٌ، أو فعليّةٌ نحو قام زيد.
وقد يتركّب تركّباً ثانياً كالقضايا الشرطيّة. إمّا المتّصلة مثل إن كانت الشمس طالعةً فالنهار موجودٌ، أو المنفصلة مثل العدد إمّا زوجٌ أو فردٌ.
واعلم أنّ الكلام يخرج عن كونه كلاماً تامّاً بالزيادة، وأُخرى بالنقصان، كما لو زِدْتَ «إن» الشرطية في قولك: قام زيد، أو حذفتَ لفظةَ قام .
وأقسام التركيب اثنا عشر، ثلاثة مكرّرة، وسبعة مهملة، والمستعمل اثنان، اسم مع مثله ومع فعل محكوم به.
لا يقال: ينتقض ما ذكرتم بحرف النداء، فإنّه يفيد مع الاسم .
فإن قلت: إنّه نائب عن الفعل.
قلت: لو كان كذلك لاحتمل التصديق والتكذيب، ولجاز أن يكون خطاباً مع ثالث.
لانّا نقول: إنّه إنشاء فلا يحتمل التصديق والتكذيب، ولا كونه خطاباً مع ثالث كسائر الإنشاءات .

صفحه 148
في غاية اللغة   
 
البحث الثاني: في الغاية
الإنسان مدنيّ الطّبع لا يمكنه أن يعيش وحده كغيره من الحيوانات، بل لابدّ له من مشاركة أشخاص أُخر من بني نوعه، بحيث يستعين بعضهم ببعض في إصلاح جميع ما يحتاج إليه كلُّ واحد منهم بحسب الشخص، ويفعلُ كلُّ واحد منهم بعض الأُمور الضروريّة في البقاء، من الحرث وإصلاح المأكل والملبس والمسكن.
ولا بدّ في ذلك من أن يعرف كل واحد منهم ما في نفس صاحبه من الحاجات فيضطرّ إلى سلوك طريق للتعريف، وهي متعدّدةٌ كالحركات والإشارات والرّقوم.
إلاّ أنّهم وجدوا الكلام أنفع في هذا الباب من غيره .
أمّا أوّلاً فلسهولة إدخال الصوت في الوجود لتولّده من كيفيّة مخصوصة في إخراج النفس الضروري، فصرفه إلى وجه ينتفع به انتفاعاً كلّيّاً أولى من طريق آخر لا يخلو من مشقّة عظيمة.
وأمّا ثانياً فلأنّ الصوت يوجد في وقت الحاجة إليه وينتفي عند انتفائها، فكان وضعه أولى، إذ غيره قد لا يعدم وقت الاستغناء، فيحصل بالوقوف عليه ضررٌ.
وأمّا ثالثاً فلأنّ الكلام كما يحصل التعبير به عن الأجسام وتوابعها، كذا يحصل التعبير به عن المجرّدات بل وعن المعدومات، بخلاف الإشارات الّتي تختصّ بالمقارنات خاصّةً.

صفحه 149
على أنّها قد تقصر عنها أيضاً، إذ الأجسام البعيدة تتعذّر الإشارة إليها، والجسم ذو الأعراض المتكثّرة تتعذّر الإشارة إلى بعضها دون بعض، إذ لا أولويّة، لانصراف الإشارة إلى اللّون القائم بالجسم دون الطعم أو الحركة القائمين به .
وأمّا رابعاً فلكثرة المعاني الّتي يحتاج إلى التعبير عنها، فلو وضعنا لكلّ معنى علامة خاصّة كثرت العلامات، ولم يمكن ضبطها، أو يحصل الاشتراك في أكثر المدلولات، وهو مخلّ بالفهم.
وأمّا خامساً فلأنّ الأصوات أخفّ الأشياء، إذ الأفعال الاختياريّة أخفّ من غيرها.
والمستغني عن الآلات والأدوات أخفّ.
والمنتفي عنه ضرر الازدحام أخفّ.
وما لا بقاء له مع الاستغناء عنه أخفّ .
والمقدور عليه في كلّ الأوقات أخفّ.
وما لا تعب فيه ولا مشقّة أخفّ .
وذلك كلّه حاصل في الصوت، وقد خصّ الله تعالى الإنسان دون غيره من الحيوانات تكرمةً له بالمقاطع الصوتيّة.
ومن اختلاف تركيبات المقاطع الصوتيّة حدثت العبارات اللّغويّة .

صفحه 150
في الواضع   
 
الفصل الأوّل

في مباحث كلّية تتعلّق بالوضع

البحث الأوّل: الواضع

اختلف الناس هنا، فذهب بعضهم إلى أنّ دلالة اللفظ طبيعيّة أي لذاته، وهو منقول عن عبّاد بن سليمان الصيمري1 وبعض المعتزلة وأصحاب الإكسير .
وقال المحقّقون: إنّها بواسطة الوضع، واختلفوا فذهب بعضهم إلى أنّ الواضع هو الله تعالى، وبه قال أبو الحسن الأشعري2 وابن فورك3 والظاهريّة وجماعة من الفقهاء، ووضعه مستفاد من جهة التوقيف الإلهيّ إمّا بالوحي
أو بخلق أصوات وحروف ويسمعها واحدٌ أو جماعة، أو بخلق علم
ضروريّ بذلك.
وذهب أبو هاشم وأصحابُهُ وجماعةٌ من المتكلّمين إلى أنّها اصطلاحيّة،

1 . أبو سهل عبّاد بن سليمان الصيمري البصري المعتزلي المتوفّى في حدود سنة 250 هـ من أصحاب هشام الفوطي، لاحظ سير الأعلام: 10 / 551 .
2 . علي بن إسماعيل إمام الأشاعرة، المتوفّى سنة 324 هـ .
3 . تقدّمت ترجمته.

صفحه 151
إمّا من واحد أو جماعة تواطأو على وضع هذه الألفاظ لمعانيها، ثمّ عرّفوا غيرهم بذلك الوضع بالإشارات والقرائن كالأطفال والأخرس الّذين يتعلّمون الوضع بسبب التكرار.
وقال آخرون: بعضها اصطلاحيّ وبعضها توقيفيّ، واختلفوا، فقال الأستاذ أبو اسحاق1: القَدْرُ الضروريّ الّذي يقع به الاصطلاح توقيفيٌّ، والباقي اصطلاحىٌّ .
وقال آخرون بالعكس وانّ ابتداء اللّغات بالاصطلاح والباقي بالتوقيف.
والجمهور من المحقّقين توقّفوا هنا، وهو اختيار القاضي أبي بكر2، والغزّالي3 .
وجزم الجميع بإبطال قول عبّاد، لأنّ الألفاظ لو دلّت بالذات لامتنع اختلافها باختلاف الأمم في الأصقاع والأزمان، ولا اهتدى كلّ واحد إلى كلّ وضع، وهو معلوم البطلان، ولأنّا نعلم بالضرورة أنّا لو وضعنا لفظة الكتاب لمعنى الدار وبالعكس أمكن ودلّت اللّفظتان كما دلّتا في اللغة .
احتجّ بأنّه لولا المناسبة الطبيعيّة بين اللّفظ ومعناه، لكان اختصاصه بذلك المعنى ترجيحاً من غير مرجّح. 4

1 . أبو اسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الاسفراييني المعروف بالأُستاذ الملقب بركن الدين ولد في اسفرايين ـ بين نيسابور وجرجان ـ ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له فيها مدرسة عظيمة فدرّس فيها، له رسالة في أُصول الفقه، توفي سنة 418 هـ . لاحظ الاعلام للزركلي: 1 / 61 .
2 . التقريب والارشاد: 1 / 320 .
3 . المستصفى: 2 / 10 .
4 . الاستدلال للعبّاد بن سليمان الصيمري، نقله الرازي في محصوله: 1 / 58 .

صفحه 152
والجواب نمنع الملازمة، فإنّ الواضع إن كان هو الله تعالى كان تخصيصه بذلك كتخصيص حدوث العالم بوقت حدوثه.
وإن كان هو البشر، كان المخصّص هو خطور ذلك اللفظ في ذلك الوقت بالبال دون غيره كما في الألقاب.
احتجّ الأشعري وموافقوه بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا)1 فتكون الأفعال والحروف كذلك، إذ لا قائل بالفرق.
ولأنّ الاسم مأخوذٌ من السِّمة وهي العلامة، والأفعال والحروف كذلك، فتكون اسماً لوجود المعنى المشتقّ منه فيها .
ولتعذّر التكلّم بالأسماء وحدَها، فتعليمها يستلزم تعليم الأفعال والحروف.
الثاني: أنّه تعالى ذمّ من سمّى بغير توقيف بقوله تعالى:(إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان)2 فلو لم يكن ماعدا ما سمّوه توقيفاً لم يحسن هذا الكلام .
الثالث: قوله تعالى (وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ)3 .
وليس المراد الألسنة اللّحمانية، إذ لا اختلاف في تركيبها وتأليفها، ولو ثبت فإنّه في غيرها أبلغ وأكمل، وكان جعله آيةً أولى من هذه.

1 . البقرة: 31 .
2 . النجم: 23 .
3 . الروم: 22 .

صفحه 153
فوجب حمله على اللغات الصادرة عن الألسنة .
وأطلق عليها اسم الألسنة إطلاق اسم العلّة على المعلول، وهو من أحسن وجوه المجاز.
الرّابع: العمومات كقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيء)1
(تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيء )2 (عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) 3 واللّغات داخلةٌ في هذه العمومات.
الخامس: لو لم تكن اللغات توقيفيّةً لزم الدور أو التسلسل، واللازم بقسميه باطلٌ، فالملزوم مثله.
بيان الشرطية: أنّ الاصطلاح إنّما يتمّ بأنّ تعرف الجماعة المصطلحون ما يقصده كلّ واحد منهم، وإنّما يتمّ ذلك بطريق كالألفاظ والكتابة .
وعلى كلّ التقديرين فلابدّ من طريق، وذلك الطّريق لا يفيد لذاته بل بالاصطلاح، فإن كان الأوّل دار، وإلاّ تسلسل.
السادس: لو كانت اللّغات اصطلاحيّةً لزم ارتفاع الأمان عن الشرائع، لاحتمال تبدّل لغاتها، ولا يجب اشتهارها،4 فإنّ معجزات الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أشهر منها، ولم يتواتر نقلها .

1 . الأنعام: 38 .
2 . النحل: 89 .
3 . العلق: 5 .
4 . جوابٌ عن سؤال مقدّر وهو أنّه لا يحتمل تبدّل اللّغات، إذ لو تغيّرت لاشتهرت، فأجاب بعدم الملازمة بين التغيّر والاشتهار، بشهادة أن معجزات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أشهر من اللّغات المتبدّلة مع أنّها لم يتواتر نقلها، مضافاً إلى ما ذكره من مسألة الأذان والإقامة.

صفحه 154
والأذان والإقامة مع اشتهارهما وإظهارهما في زمن النبي(صلى الله عليه وآله)والإعلان بهما على رؤوس الأشهاد قد اختلف فيهما.
احتجّ أبو هاشم بقوله تعالى: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)1دلّت على سبق الوضع على الرسالة، فلو كانت اللّغات توقيفيّةً لتأخّرت عنها، إذ التوقيف من الله تعالى إنّما هو على لسان رسله.
ولأنّها لو كانت توقيفيّةً لكان إمّا بالعلم الضّروريّ بأنّه تعالى وضع تلك الألفاظ لمعانيها أو لا.
والأوّل إمّا أن يكون ذلك العلم خلقه في عاقل، أو غيره.
والأوّل باطلٌ، وإلاّ لزم أن يكون العلم به تعالى ضروريّاً، إذ العلم بأنّه وضع اللفظ للمعنى مسبوق بالعلم به، فإنّ العلم بالصفة مسبوق بالعلم بالموصوف، لكن التالي باطلٌ، وإلاّ لبطل التكليف.
لكن قد ثبت وجوب التكليف على كلّ عاقل .
والثاني باطلٌ لامتناع أن يخلق في غير العاقل علماً ضروريّاً بالألفاظ ومناسباتها وتراكيبها العجيبة.
وأمّا الثاني وهو ألاّ يكون قد خلق العلم الضروري بذلك، فهو باطلٌ أيضاً، وإلاّ لافتقر السّامع في كون ما سمعه موضوعاً بإزاء معناه إلى طريق، وينتقل الكلام إليه، فإمّا أن يتسلسل أو ينتهي إلى الاصطلاح .
واحتجّ أبو اسحاق بأنّ الاصطلاح يتوقّف على تعريف كلّ واحد منهم

1 . إبراهيم: 4 .

صفحه 155
غيرَهُ ما في ضميره على ما تقدّم، فإن عرّفه باصطلاح آخر تسلسل، فلابدّ في أوّل الأمر من التوقيف .
ثمّ من الجائز أن تحدث بعد ذلك لغاتٌ كثيرةٌ بالاصطلاح، بل الواقع ذلك، فإنّ كلّ وقت يتجدّد لأهله اصطلاحات لم يكونوا يعرفونها من قبل .
والاعتراض على الأوّل من وجوه:
الأوّل: جاز أن يكون المراد من التعليم الإلهامُ بالاحتياج إلى الألفاظ، وبعث عزمه على وضعها، ونسب التعليم1 إليه تعالى، لأنّه الهادي إليه، لا أنّه علّمه بالخطاب كقوله:(وَ عَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوس)2.
الثاني: إعطاؤه ما يتمكّن به من الوضع، وليس التعليم إيجاد العلم، بل فعل صالح لأن يترتّب عليه حصول العلم، يقال: علّمته فلم يتعلّم.3
الثالث: ما يفعله العبد منسوب إليه تعالى باعتبار أنّه الموجد للعبد، فالعلم الحاصل بعد الاصطلاح، يكون مستنداً إليه تعالى بالأخرة، فصحّ استناد التعليم إليه.
الرابع: يجوز أن يكون المراد من الأسماء الصفات والعلامات، مثل أنّ الخيل للركوب، والجمل للحمل، والبقر للحرث، إلى غير ذلك، فإنّ الاسم مأخوذ من السِّمة والعلامة، أو من السُّمُوِّ، وكلّ معرّف لغيره اسمٌ له.
وتخصيصه باللّفظ المعيّن عرف خاصّ.

1 . في «أ» و «ج»: ونسب العلم .
2 . الأنبياء: 80 .
3 . في «أ» و «ج»: علّمه فلم يتعلّم .

صفحه 156
الخامس: جاز أن يعلّمه ما اصطلح عليه قوم تقدّموه.
السّادس: أراد كلّ الأسماء في كلّ زمان، أو الأسماء الّتي في زمانه (عليه السلام)؟1
السّابع: يجوز أن يكون قد أُنسيها، أو لم يعلّمها أولاده فعدمت بموته(عليه السلام)، فاصطلح أولاده على وضع هذه اللغات الموجودة لنا، والكلام إنّما هو في هذه اللّغات.
الثامن: تجوز إرادة المسمّيات بدليل قوله تعالى: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ)(2) .
وفيه نظر، لأنَّ تمام الآية (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ) يُدلُّ على الأسماء، لا على المسميّات .
التاسع: توقُّفُ نطقِ الأسماء على نطق الحروف والأفعال، لا يستلزم لو سلّم توقّفَ التّعليم على التّعلم، لجواز الاصطلاح فيهما.
العاشر: كون الاسم من السِّمة، لا يستلزم صدقه على الأفعال والحروف، إذ لا يجب صدق المشتقّ على كلّ ما وجد فيه المعنى.
و ] الاعتراض[ على الثاني: أنّ الذمّ ليس باعتبار التّسمية لا غير، بل بإطلاق اسم الآلهة(3) على الأصنام، مع اعتقاد تحقّق المسمّى فيها.
و ] الاعتراض [ على الثالث: إذا خرجت الحقيقة وتعيّن المجاز، لم يكن حمله على اللّغات، أولى من حمله على الإقدار على اللّغات، أو على المخارج.2

1 . الأوّل ممنوع، والثاني مسلّم .         2 . البقرة: 31 .   3 . في «أ» و «ج»: الإلهيّة.
2 . كذا في المحصول للرازي: 1 / 63 .

صفحه 157
وفيه نظر، لأولويّة اللّغات من وجهين:
أحدهما: أنّ استعمال اسم العلّة في المعلول أولى من غيره، واللّغة صادرةٌ عن اللسان، وليس الإقدار على اللّغات صادراً عنه، وكذا المخارج، بل نسبة اللسان إليهما نسبة المحلّ إلى الحالّ.
الثاني: أنّ في هذا زيادة إضمار، بخلاف ما قلناه .
و ] الاعتراض [ على الرابع: أنّ المراد ما ورد في الكتاب لا تفريط فيه.
سلّمنا، لكنّ المراد: ما فرّطنا في شيء من الأحكام.
سلّمنا: أنَّ المراد تبيين كلّ شيء1 لكن جاز أن يكون معرّفاً للغات من تقدّم، وكذا باقي الآيات.
و ] الاعتراض [ على الخامس: النقض بتعليم الأطفال اللّغات من آبائهم بتكرير الخطاب عليهم مرّةً بعد أُخرى .
سلّمنا، لكن جاز أن تكون هذه اللغات اصطلاحيّةً، ومعرفتها مسبوقة بمعرفة لغة أُخرى توقيفيّة يعلّمنا من تقدّمنا ، ثمّ اصطلحوا على هذه.
لا يقال: إذا كان لابدّ من لغة توقيفيّة فلتكن هذه .
لأنّا نقول: نمنع ذلك، وقولك لا يفيد اليقين .2
وفيه نظر، إذ البحث غير مختص بلغة خاصّة.
و ] الاعتراض[ على السادس: أنّه لو غُيّر لاشتهر، والمعجزات إنّما خفي بعضها حتّى صار آحاداً، لاشتهار غيرها، والاكتفاء بالكتاب العزيز عنها .

1 . في «أ» : سلّمنا أنّه تبيين كلّ شيء .
2 . الاستدلال للعجلي الإصبهاني في الكاشف عن المحصول: 1 / 450 .

صفحه 158
واختلاف فصول الأذان، لاحتمال تسويغ الجميع، أو غلط المؤذِّن فنقص أو زاد مرّةً، فنقل واشتهر، أو غلط السامع.
و ]الاعتراض[ على الحجّة الأُولى للبهشميّة1، المنع من انحصار التوقيف في البعثة، بل جاز أن يكون بالوحي، أو بعلم ضروريٍّ يخلقه الله تعالى.
في أنّ اللغة لا تثبت بالقياس   
وعلى الثانية: يجوز أن يخلق علماً ضروريّاً بأنّ واضعاً وضع هذه الألفاظ لمعانيها، وإن لم يخلق العلم الضروريّ بأنّ الواضع هو الله تعالى .
سلّمنا، لكن لا يلزم من العلم الضروريّ بأنّه تعالى هو الواضع، العلمُ الضروريّ بذاته وصفاته الإيجابيّة والسلبيّة، أقصى ما في الباب أنّه يحصل العلم به تعالى ببعض الاعتبارات، وذلك لا يكفي في معرفته تعالى، فيبقى التكليف بمعرفته تعالى كما كان .
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّه ينافي التكليف مطلقاً، بل التكليف بمعرفته خاصّة لذلك الشخص، ولا ينافي التكليف بسائر الأشياء .
سلّمنا، لكن جاز أن يخلقه بعد المعرفة النظريّة .
سلّمنا، لكن جاز أن يخلقه في غير العاقل .
وإذ قد ظهر ضعف الكلامين، فالأقربُ التوقّفُ، وتجويزُ كلّ واحد منهما، وإن كان التوقيف أقوى.

1 . هم أتباع عبد السلام أبي هاشم الجُبائيّ المتوفّى 321 هـ قالوا بالموازنة، وهي انّ الطاعة والمعصية إن تساويا تساقطا، حتّى كأنّ صاحبهما لم يصنع شيئاً، لا خيراً ولا شرّاً، فلا يستحقّ ثواباً ولا عقاباً، وإن تفاوتا سقط الناقص وما يساويه من الزائد، وبقي الباقي منه، فإن كان طاعةً دخل بها الجنّة وإن كان معصيةً دخل النار. لاحظ معجم الفرق الإسلامية لشريف يحيى الأمين: 64 .

صفحه 159
 
البحث الثاني: في أنّ اللّغة لا تثبت بالقياس
اختلف الناس في ذلك: فقال القاضي أبو بكر1 وابن سريج2 وجماعةٌ من الفقهاء وأهلُ العربيّة: إنّها تثبت قياساً .
ونفاه أكثر الشافعيّة والحنفيّة وجماعةٌ من الأُدباء.
وليس الخلاف في أسماء الأعلام، لأنّها غير موضوعة لمعان توجبها.
والقياس، لابدّ فيه من جامعة تكون علّةً باعثةً أو معرِّفةً .
وإذا قيل: هذا سيبويه ، فالمراد أنّه حافظٌ كتابَه، أو شبيه سيبويه، أو محيطٌ بعلمه.
ولا في أسماء الصفات، لأنّها وضعت للفرق، كالعالم المتميّز بذلك عن غيره، ولأنّ اطّرادها واجبٌ، نظراً إلى تحقّق معنى الاسم، فإنّ معنى العالِمِ من قام به علمٌ، وهو متحقّق في كلّ من قام به علم.
وإطلاق اسم العالم عليه بالوضع لا بالقياس، إذ ليس جعل أحدهما أصلاً والآخر فرعاً أولى من العكس، ولا في نحو رفع الفاعل، لأنّه ضابط كلّيٌّ وقانونٌ استفيد من وضع أهل اللغة، فلا يرفع هذا الفاعل، قياساً على رفع ذلك الفاعل.

1 . قال الآمدي في الإحكام: 1 / 44: اختلفوا في الأسماء اللغويّة هل تثبت قياساً أم لا؟ فأثبته القاضي أبو بكر وابن سريج من أصحابنا...
2 . أحمد بن عمر بن سريج، القاضي أبو العباس البغدادي أحد فقهاء الشافعية، مات سنة 306 هـ انظر الأعلام للزركلي: 1 / 185 .

صفحه 160
بل الخلاف إنّما هو في أسماء وضعت على مسمّياتها مستلزمة لمعان في محالّها وجوداً وعدماً، وذلك مثل إطلاق اسم الخمر على النبيذ باعتبار مشاركته للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمّرة على العقل، ومثل إطلاق لفظة السّارق على النّباش بواسطة مشاركته للسّارق من الأحياء في الأخذ خفيةً، ومثل إطلاق اسم الزاني على اللائط بمشاركة الإيلاج المحرّم.
والحقّ أنّه لا قياس .
لنا وجوهٌ:
الأوّل: ما سيأتي من إبطال العمل بالقياس.
الثاني: إثبات اللغة بالمحتمل.
الثالث: أنّ أهل اللّغة إن وضعوا الخمر لكلّ مسكر كان تناوله للنبيذ بالتوقيف لا بالقياس، وإن وضعوه للمعتصر من العنب خاصّةً، كان التّجاوز إلى النبيذ على خلاف قانون اللّغة، وإن أطلقوا احتمل كلاًّ منهما على التّساوي فلا يدلّ على أحدهما دون الآخر .
احتجّوا بوجوه:
الأوّل: الدّوران، وبيانه أنّ الاسم دار مع الوصف في الأصل وجوداً وعدماً، وذلك يقتضي بالعلّية، ووجود الاسم في الفرع تبعاً لوجود الوصف فيه.
الثاني: أنّ العرب إنّما سمّت بالإنسان والفرس من كان في زمانهم، ثمّ اطَّردنا نحن الاسم1 لِما وجد في زماننا، وسلّمنا رفع الفاعل ونصب المفعول،

1 . في «ب»: ثم طرحنا تحت الاسم .

صفحه 161
فإنّ العرب إنّما نطقت برفع ما نطقوا به فاعلاً، ونصبوا ما نطقوا به مفعولاً، ثمّ حملنا نحن الباقي عليه، للمشاركة في وصف الفاعليّة والمفعوليّة، وذلك محض القياس.
الثالث: قوله تعالى (فَاعْتَبِرُوا)1 فإنّه كما دلّ على القياس الشرعيّ دلّ على القياس اللّغوي.
الرابع: النبّاش يُقطع، وشارب النّبيذ يُحدّ، وكذا اللائط، من غير ورود شرع فيهم، بل بمجرّد القياس في الأسماء.
والجواب عن الأوّل: أنّ الدّوران هنا لا يدلّ على علّيّة الوصف بمعنى الباعث بل بمعنى الأمارة، وكما دار اسم الخمر مع الشدّة المطربة كذا دار مع الشدّة المعتصرة من ماء العنب .
وينقض ما ذكرتموه بتسمية رجل الطّويل نخلة والفرس الأسود أدهم، والمتلوّن بالبياض والسواد أبلق مع عدم الاطّراد، ودوران الاسم مع الوصف في الأصل وجوداً وعدماً.
وعن الثاني: أنّ التّسمية ليست على نحو القياس، بل العرب وضعت تلك الألفاظ لأسماء الاجناس بطريق العموم لا لمعيّن، ثمّ قسنا نحن على ذلك المعيّن.
وعن الثالث: نمنع2 دلالته على القياس على ما يأتي.

1 . الحشر: 2 .
2 . في «ج»: بمنع .

صفحه 162
ونمنع العموم في كلّ اعتبار وإن عمّ المعتبر.
ونمنع حدّ شارب النبيذ بالقياس في التسمية، بل بالنصّ كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ من التمر خمراً1، وهو توقيف لا قياس في اللغة، أو بالقياس في الحكم، وهو أنّ العلّة في حدّ شارب الخمر لأجل تناوله المسكر، وهو موجود في النبيذ .
وحدّ اللاّئط، للمشاركة في المعنى، وهو الإيلاج المحرّم2 لا التسمية.
وقطع النبّاش، لمشاركة السّارق، لا لإلحاقه في التسمية، كما في الأقيسة الشرعيّة.
في أنّه لا يجب أن يكون لكلّ معنى لفظٌ   

البحث الثالث: في أنّه لا يجب أن يكون لكلّ معنى لفظٌ

والدّليل عليه: أنّ المعاني غير متناهية، والألفاظ متناهية، وذلك يوجب أحدَ الأمرين: إمّا خلوّ البعض عن الألفاظ، وهو المراد، أو وضع اللّفظ لما لا يتناهى من المعاني، وهو محالٌ، إذ وضعه لما لا يتناهى يستلزم تعقّله، وتعقّلُ مالا يتناهى محالٌ.
أمّا المقدّمة الأُولى، فلأنّ من جملة أنواع المعاني الأعداد، وهي غير متناهية .
وأمّا الثانية، فلأنّه مركّبٌ من الحروف المتناهية، والمركّب من المتناهي، يكون لا شكّ متناهياً .

1 . الوسائل: 17 / 222، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4 .
2 . في «ب» و «ج»: في المحرّم .

صفحه 163
وإذا ثبت خلوّ بعض المعاني عن الألفاظ، فنقول: المعاني قسمان :
منها: ما تكثر الحاجة إلى التعبير عنه، لكثرة تداولها بين الناس، وغلبة مزاولتهم لها، فيجب وضع الألفاظ بإزائها، لوجود القدرة، والدّاعي، وانتفاء الصّارف .
ومنها: ما لا تكثر الحاجة إلى التعبير عنه، فإنّه يجوز خلوّها عن الألفاظ، وذلك كأنواع الروائح.
واعلم أنّ اللّفظ المشهور بين الناس الخواصّ والعوامّ، لا يجوز وضعه لمعنى خفيٍّ لا يعرفه إلاّ الأذكياء، كما يقوله أبو هاشم وجماعة من مثبتي الأحوال، وأنّ الحركة ليست عبارةً عن التحرّك1 بين الناس، بل هي موضوعةٌ بإزاء معنى يوجب للجسم كونه متحرّكاً.
لأنّ المعلوم عند الجمهور، ليس إلاّ كون الجسم متحرّكاً، فأمّا تلك الحالة الّتي يجعلونها معنى يوجب المتحركيّة، فغير معلوم لأكثر العقلاء، فلا يكون اللّفظ موضوعاً له، بل لا معنى للحركة إلاّ نفس كون الجسم منتقلاً.2
وفيه نظرٌ، لأنّ الواضع إن كان هو الله تعالى، فنسبة المعاني إليه كلّها على السّواء، فلا يجوز أن يكون بعضها خفيّاً عنده.
والخفاء عند النّاس، لا يمنع الوضع عنه تعالى.

1 . في «ب»: التحريك .
2 . الاستدلال للرازي في المحصول: 1 / 68 .

صفحه 164
وإن كان هو البشر فكذلك، لاحتمال أن يكون بعض البشر وقف على المعنى الدقيق، فوضع اللفظ بإزائه ثمّ خفي على غيره ذلك المعنى، واستعمله في لازمه، واشتهر الثاني، وإن كان الأصل هو ذلك المعنى الدّقيق.
في تعيين الغرض بالوضع   

البحث الرّابع: في تعيين الغرض بالوضع

الغرض من وضع الألفاظ المفردة لمسمّياتها الممكنة تفهيم ما يتركّب من مسمّياتها بواسطة تركيب تلك الألفاظ المفردة، وليس الغرض أن يفاد بها معانيها وإلاّ لزم الدّور، لأنّ إفادة الألفاظ المفردة لمعانيها موقوفةٌ على العلم بكونها موضوعةً لتلك المسمّيات، وذلك متوقّفٌ على العلم بتلك المسمّيات، فلو استفيد العلم بتلك المسمّيات من تلك الألفاظ المفردة لزم الدّور.
لا يقال: هذا وارد في المركّب، إذ لا يفيد معناه إلاّ بعد العلم بوضع ذلك المركّب له، فيستدعي سبق العلم بمعناه، فلو استفيد العلم بالمعنى من المركّب لزم الدّور.
لأنّا نقول: نمنع توقّف إفادة المركّب لمعناه على العلم بوضعه له، وذلك لأنّا متى علمنا وضع كلّ واحد من المفردات لمعناه، وعلمنا دلالة الحركات المخصوصة على النِّسب المخصوصة لتلك المعاني، فإذا توالت الألفاظ المفردة بحركاتها المخصوصة على السّمع، ارتسمت تلك المعاني المفردة مع نسبة
بعضها إلى بعض.

صفحه 165
وإذا حصلت المفردات مع النِّسب ذهناً حصل العلم بالمعاني المركّبة.1
وفيه نظرٌ، فإنّ الغرض من وضع اللفظ قد بيّنا أنّه تعريف الغير ما في ضمير المتكلّم من المعاني المدلول عليها بألفاظ، سواء كانت المعاني مفردةً أو مركّبةً، ولا دور هنا، فإنّا لا نستفيد العلم بتلك المسمّيات من تلك الألفاظ، بل نستفيد قصد المتكلّم أو غرضه من المعاني المفردة من اللفظ المفرد.
واعلم أنّ الألفاظ لم توضع للدّلالة على الموجودات الخارجيّة بل للدلالة على الذهنيّة.
أمّا في المفردات فلأنّا إذا ظننّا في جسم بعيد أنّه صخرةٌ سمّيناه بذلك، فإذا ظهر لنا انّه إنسان سمّيناه باسم الإنسان، فاختلاف الأسماء عند اختلاف الصُّور الذّهنيّة يدلّ على أنّ اللفظ يدلّ عليها .
وأمّا في المركّبات فلأنّا إذا قلنا: «قام زيدٌ» لم يُفد قيامه، وإلاّ لم يكن كذباً، بل الحكم به فإذا عرفنا أنّ ذلك الحكم صواب استدللنا به حينئذ على الوجود الخارجيّ، فأمّا أن يكون اللفظ دالاًّ على ما في الخارج فلا.2
وفيه نظرٌ، فإنّ الواضع إنّما وضع الألفاظ للمعاني الخارجيّة والحقائق العينيّة، وأمر من يتحدّث على لغته باستعمال اللّفظ فيما وضعه له .
والمتخيّل للصخرة إنساناً إنّما يسمّي الصخرة الخارجيّة بالإنسان لا ما يتصوّره من الصورة الإنسانيّة .

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 66، وتنّظر فيه المصنِّف .
2 . الاستدلال لتاج الدين أبي عبد الله محمد بن الحسين الأرموي المتوفّى سنة 653 هـ في الحاصل من المحصول: 1 / 284، وتنظّر فيه المصنِّف .

صفحه 166
نعم انّه حكم بمطابقة ما في ذهنه للخارج فأخطأ في الإطلاق، فاللّفظ الموضوع للخارجيّ لم يختلف في نفس الأمر.
وجواز إطلاق اللّفظ على الشّيء مشروطٌ باعتقاد أنّه كذلك في الخارج، والكذب في المركّب إنّما يمتنع لو كانت دلالته قطعيّةً.
في تعريف الوضع   

البحث الخامس: في تعريف الوضع1

اعلم أنّ الأمور الشرعيّة ترجع إلى الكتاب والسنّة، وهما عربيّان، فيجب البحث عن النّحو المتعلّق بهما، والتّصريف واللغة، حيث إنّهما واردان بلغة العرب، لما ستعرف من أنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجبٌ .
ولا طريق للعقل المحض إلى معرفة هذه الأشياء، لتعلّقها بالنّقل، فإذاً طريق المعرفة إمّا النقل، أو المركّب من العقل والنقل .
أمّا النقل، فمنه متواترٌ، وهو ما يُعلم وضعه بنقل مفيد للعلم، كالسماء والأرض، ورفع الفاعل، ونصب المفعول، وإمّا آحادٌ، وهو كثير.
وأمّا المركّب، فهو كما إذا استفدنا بالنّقل جواز الاستثناء من الجمع، وأنّ الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فيعلم بالعقل بواسطة النّقلين أنّ الجمع للاستغراق.
وقد اعترض2 بامتناع التواتر، فإنّ الألفاظ الظاهرة المتداولة المشهورة بين الناس، اختلف الناس فيها اختلافاً يمتنع معه القطع، فكيف الألفاظ الخفيّة.

1 . في «ج»: في كيفيّة تعريف الوضع .
2 . المعترض هو الفخر الرازي في المحصول: 1 / 69 .

صفحه 167
وبيانه: أنّهم اختلفوا في لفظة الله تعالى: فزعم قومٌ أنّها سريانيّة غير عربيّة.
وآخرون جعلوها عربيّةً واختلفوا: فقال قوم: إنّها موضوعة ، وآخرون: إنّها مشتقّةٌ، واختلف الفريقان اختلافاً عظيماً.
وكذا اختلفوا في الإيمان والكفر، والصلاة والزكاة، حتّى قال بعض المحقّقين في علم الاشتقاق: إنّ الصّلاة مأخوذة من «الصّلوَيْنِ» وهما عظما الورك، ولا شكّ في أنّه غريب .
وكذا اختلفوا في صيغة الأمر والنهي، وصيغ العموم، مع شدّة حاجتهم إلى التعبير عن ذلك كلّه، وعظم شهرتها .
وإذا كان الظاهر حاله ذلك، فكيف الخفيّ، وكيف يُدّعى التواتر في مثل ذلك .
ولا يكفي دعوى التواتر في علم معانيها في الجملة، كإطلاق لفظ الله على الإله تعالى، وإن خفي الموضوع له هل هو الذات، أو المعبودية أو القادريّة؟ وكذا غيرها، لأنّ ذلك يوجب الشكّ في المسمّى.
لأنّا إذا علمنا إطلاقَ لفظة الله تعالى على الإله، من غير أن نعلم هل المسمّى الذات، أو كونه معبوداً، أو قادراً على الاختراع، أو ملجأ الخلق، أو كونه بحيث تتحيّر العقول في إدراكه، إلى غير ذلك من المعاني المستعمل فيها هذا اللفظ، لم يعلم المسمّى قطعاً .
وأيضاً من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة، وذلك غير معلوم الثبوت في جميع الأزمنة في النحو واللّغة والتّصريف وإن علمنا حصول الشرط في زماننا .

صفحه 168
لا يقال: أخبرنا من شاهدناه مع بلوغهم حدّ التواتر: أنّ من أخبرهم ] كانوا [كذلك، وهكذا إلى ان ينتهي النقل إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
ولأنّها لو تجدّد وضعها لاشتهر، لتوفّر الدّواعي على نقله.
لأنّا نقول: كلّ من سمع لغة معيّنة من غيره، لم يسمع منه أنّه سمعها
من أهل التواتر، بل غاية نقلهم الإسناد إلى أستاذ، أو كتاب مصَحَّح،
وليس وضع اللفظ لمعنى من الأمور العظيمة الّتي يشتهر نقلها، وتتوفّر الدّواعي عليه .
ولأنّا نسمع من كثير من العرب في زماننا ألفاظاً فاسدةً، وإعراباً مختلاًّ، مع أنّا لا نعرف المغيّر ولا زمانه .
سلّمنا، لكنّه قد اشتهر بأنّ اللّغة إنّما أُخذت عن جمع محصور، كالخليل1، وأبي عمرو بن العلا2، والأصمعيّ3، وأبي عمرو الشيباني4، وأمثالهم، وهؤلاء ليسوا معصومين، ولابلغوا حدّ التواتر، فحينئذ لا يحصل القطع بقولهم، ولا يكفي القطع بصدق بعضها، فإنّه غير معلوم العين، فلا لفظٌ إلاّ ويجوز أن يكون خطأً .
وأمّا الآحاد فلا تفيد إلاّ الظنّ، ومعرفة القرآن والسّنة تتوقّف على معرفة

1 . أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفّى سنة 175 هـ .
2 . أبو عمرو زبان بن العلاء التميمي المازني أحد القراء السبعة المتوفّى سنة 159 هـ .
3 . هو عبد الملك بن قريب كان إماماً في النحو واللغة مات سنة 217 هـ .
4 . هو إسحاق بن مِرار، لازمه أحمد بن حنبل وروى عنه مات سنة 206 هـ ببغداد، من مصنّفاته: «غريب الحديث» و «النوادر» و «كتاب الجيم».

صفحه 169
اللغة والنحو والتصريف، وإذا كانت مظنونة، كان مدلول القرآن والسّنّة ظنيّاً، وهو باطل بالإجماع .
ولأنّ خبر الواحد إنّما يفيد الظنّ لو سلم عن المعارض والقدح في الناقل، وهو منفيّ هنا، فإنّ أجلّ ما صُنّف في اللغة كتاب «سيبويه»1 وكتاب «العين».
وقَدْحُ الكوفيّين في كتاب سيبويه وفي مصنِّفه ظاهرٌ.
واتّفق جمهور أهل اللّغة على القدح في كتاب «العين».
وأورد ابن جنّي2 في «الخصائص» باباً في قدح أكابر الأُدباء بعضهم في بعض، وباباً آخر في أنّ لغة أهل «الوَبَر» أصحّ من لغة أهل «المدر»، وغرضه القدح في الكوفيّين، وباباً آخر في الغريب، لم يعلم إلاّ من ابن أحمر الباهلي3.

1 . أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر، الملقّب بـ «سيبويه» إمام النحاة وأوّل من بسط علم النّحو، تلمّذ على الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفّى سنة 175 هـ صاحب كتاب «العين»، قيل: «سيبويه» بالفارسية رائحة التّفاح، ولُقِّب بهذا اللقب لأنّ وجنتيه كانتا كأنّهما تفاحّتان، وكان في غاية الجمال، ولد سيبويه سنة 148 هـ في إحدى قرى شيراز، وقدم البصرة، وصنّف كتابه المسمّى بـ «كتاب سيبويه» المطبوع حديثاً في مجلّدات ثلاث توفّي شابّاً سنة 180 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 5 / 81 .
2 . هو أبو الفتح، عثمان بن جنّي الموصليّ، النحويّ المشهور، من أئمّة الأدب والنحو، ومن أشهر مؤلّفاته: «كتاب الخصائص» و «سرّ الصناعة» و «التبصرة» و «اللّمع» مات سنة 392 هـ ببغداد. لاحظ الأعلام للزركلي: 4 / 204 .
3 . والمراد: لا يُعْلَم أحدٌ أتى به إلاّ ابن احمر الباهلي وهو عمرو بن أحمر بن العمرّد بن عامر الباهلي، شاعر مخضرم عاش نحو تسعين عاماً، كان من شعراء الجاهلية وأسلم. انظر الأعلام للزركلي: 5 / 72 .

صفحه 170
ورُوي عن رُؤْبة1 وأبيه2، 3 أنّهما ارتجلا ألفاظاً لم يسبقا إليها، وكذا قال المازني4: ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم .
ونُسِبَ الأصمعيّ إلى الخلاعة، وزيادة ألفاظ في اللغة لم تكن .
ومن العجب إقامة الأُصوليّين الدّلالة على أنّ خبر الواحد في الشرع حجّةٌ، ولم يقيموا في اللّغة، الّتي هي الأصل، فكانت أولى، ويجب أن يبحثوا عن رُواتها، وجرحهم، وتعديلهم، كما في رواة الشّرع.

1 . هو أبو محمد عبد الله رؤبة بن العجاج بن رؤبة البصري التميمي السعدي، كان بصيراً باللغة، مات سنة 145 هـ .
2 . في النسخ الّتي بأيدنا «وابنه» ولعلّ الصحيح ما أثبتناه، قال القرّافي في نفائس الأُصول: 1 / 239:
«وقع في النسخ: يروى عن رؤبة، وأبيه وابنه، بالنون والباء، وصورة الخط واحدة، وهذا رؤبة كان أبوه يسمّى العجاج، وابنه يسمّى عقبة، وكان رؤبة، وأبوه العجاج راجزَينِ عظيمَينِ في العرب بالرجز، وغيره من فضائل لسان العرب، وكان عقبة بن رؤبة مخضرماً، والمخضرم في اصطلاحخ الأدباء من أدرك الجاهلية، والإسلام، وكانت فيه نسبة قوية لمن خالط العجم، فيضعف الاستشهاد بكلامه، والظاهر حينئذ أن المراد أبوه لا ابنه، لضعف حاله عن هذه الرتبة، وهي الوصول إلى أن يقاس بأنّه رؤبة في جرأته على ارتجال اللغة، فإن ظاهر الحال فيمن لا يستشهد بكلامه لا يبقى له داعية على ارتجال اللغة، وهذا هو الّذي رأيت الأدباء ينصرونه، ويقولون: هو «العجاج»، دون «عقبة»، والعجاج لقب، واسمه عبد الله، وكنيته أبو الشعثاء، وأبو العجاج جد رؤبة يسمّى رؤبة أيضاً، ولم ينقل عنه كلام في اللغة، ورؤبة بن العجاج يكنى أبا الجحاف، فالصحيح في الرواية عن رؤبة وأبيه بالياء الّذي هو العجاج، والمراد برؤبة ولد العجاج لا أبوه».
3 . هو العجاج بن رؤبة، يكنّى أبا الشعثاء، لقى أبا هريرة وسمع منه أحاديث، قيل: سميّ العجاج بقوله «حتّى يعجّ ثخناً من عجعجا»، انظر تهذيب اللغة للأزهري: 1 / 67 .
4 . هو أبو عثمان بكر بن محمد بن بقية المازني البصريّ، قيل: هو أوّل من أفرد علم الصّرف عن علم النّحو وجعله فنّاً مستقلاًّ، مات سنة 249 هـ بالبصرة.

صفحه 171
وأيضاً، فإنّ الرّواية تُقبل مع عدم التطرّق إليها بالزيادة والنقصان، وقد حصلا هنا .
أمّا الزيادة، فكما نقل عن رؤبة، وأبيه، والأصمعيّ، والمازنيّ1 .
وأمّا النقصان، فقد روى ابن جنّيّ: «أنّ الشّعر علمُ قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه، فتشاغلت العرب عنه بالجهاد بعد ظهور الإسلام، فلمّا اشتهر ورجعت العرب إلى أوطانها راجعوا الشعر، وقد هلك أكثر العرب ولا كتاب هناك يُرجع إليه، فلم يُظفر إلاّ بالقليل ».
وروى ابن جنّيّ عن يونس بن حبيب2 وأبي عمرو بن العلاء: أنّ ما انتهى إلينا ممّا قالت العرب إلاّ أقلّه، ورُوي كثيراً في معناه، وهو يؤذن بتطرّق التغير واعتراض الأحداث على اللّغة .
وقد عجز الصحابة عن ضبط ما شاهدوا في اليوم خمس مرّات وهو: فصول الأذان والإقامة، والجهر بالقراءة، ورفع اليدين، فإذا كانت الظاهرة كذلك، فكيف حال اللّغات وكيفيّة الإعراب، مع قلّة وقعها، وعدم اشتغالهم بتحصيلها، إلاّ بعد انقراض عصر الصحابة والتابعين .
وأمّا الاستدلال بالمقدّمات النقلية فإنّما يتمّ لو امتنعت المناقضة على الواضع، وانّما يمتنع لو كان الواضع هو الله تعالى، وذلك غير معلوم، فلا يحصل الجزم بالإنتاج .

1 . تقدّمت ترجمته .
2 . يونس بن حبيب الضّبي بالولاء، كان إمام نحاة البصرة في عصره، أخذ عن سيبويه والكسائي والفرّاء، مات سنة 182 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 8 / 261 .

صفحه 172
لا يقال: قد أجمعوا على الاستدلال بهذا الطريق في مباحث النحو والتصريف، والإجماع حجّة .
لأنّا نقول: إثبات الإجماع سمعيٌّ وكلُّ سمعي فرعٌ على النحو
واللغة والتصريف، فلو أثبتنا الأوَّل بالإجماع دار.
والجواب عن هذه الاشكالات: أنّ من النحو والتّصريف واللغة ما هو متواتر قطعاً لا يقبل التشكيك، وأنّها في الأزمنة الماضية كذلك، كلفظ السماء والأرض، فإنّا نعلم قطعاً استعمالهما في معنييهما الآن في زمن الرَّسول(صلى الله عليه وآله)، والقدح في مثل ذلك غير مقبول، لجريانه مجرى شبه السوفسطائيّة .
ومنها: ما يعلم بالآحاد.
وأكثر ألفاظ القرآن من ] القسم[ الأوّل في نحوه وتصريفه، فقامت
الحجّة به.
وأمّا الثاني: فقليلٌ جدّاً، ويتمسّك به في ظنّيّات المسائل لا في علميّاتها، ووجوب العمل بالظنّ ثبت بالإجماع، والإجماع ثبت بالقسم الأوّل العلميّ لا بالثاني الظنّي.1

1 . لاحظ المحصول: 1 / 75، والحاصل من المحصول: 1 / 294 ; والكاشف عن المحصول: 1 / 487 .

صفحه 173
   
 
الفصل الثاني

في تقاسيم دلالة الألفاظ

وفيه مباحث:
] المبحث[ الأوّل: اللفظ إمّا أن يدلّ على المعنى بتوسّط وضعه له، فتكون الدلالة مطابقةً، كالبيت الموضوع لمجموع الجدار والسقف، أو بتوسّط دخوله فيما له الوضع، فتكون الدلالة تضمّنيّاً كدلالة البيت على أحد جزئيه، أو بتوسّط لزومه لما له الوضع، وتسمّى دلالة الالتزام، كدلالة البيت على وقاية الحرّ والبرد، ودلالة السّقف على الجدار .
والمراد من الدّلالة فهم المعنى من اللفظ عند إطلاقه أو تخيّله بالنسبة إلى من هو عالم بالوضع .
وقيدنا بالتوسّط في الدلالات الثلاث، ليخرج اللفظ المشترك بين الكلّ وجزئه، أو بينه و بين لازمه .
والمطابقة وضعيّةٌ صِرْفةٌ، والباقيتان بمشاركة من الوضع والعقل، فإنّ اللّفظ إذا وضع للمركّب أو للملزوم، كان فهم المركّب والملزوم مستلزماً لفهم الجزء واللازم .
ويشترط في الالتزام اللّزومُ الذهنيّ، وإلاّ لم تحصل الدلالة الالتزامية،

صفحه 174
لعدم الوضع فيه وعدم دخوله في الموضوع له اللفظ، فلو لم يلزم من العلم بالماهيّة العلم به انتفت الدلالة مطلقاً .
ولا يشترط اللزوم الخارجيّ، قيل1: لأنّ الجوهر والعرض متلازمان، ولا يستعمل اللّفظ الدالّ على أحدهما في الآخر .
وليس بجيّد، فإنّه لا يلزم من حصول الشرط حصول المشروط، نعم الحقّ وجود الدلالة مع المعاندة الخارجيّة كدلالة العدم على الملكة، ثمّ اللزوم الذهنيّ شرط لا سبب.

المبحث الثاني: في المفرد والمركّب

في الذاتي والعرضي   
اعلم أنّ الألفاظ تحذو حذو المعاني، وكما أنّ من المعاني ما هو بسيطٌ مفرد، وما هو مركّب، فكذا من الألفاظ مفرد ومنها مركّب، وذلك لأنّ الدالّ بالمطابقة إمّا أن لا يقصد بجزئه الدلالة على شيء البتّة حين هو جزؤه، فيسمّى مفرداً كزيد، وإمّا أن يقصد كغلام زيد فيسمّى مركّباً ومؤلفّاً وقولاً.
وقيل: المفرد، اللفظ بكلمة واحدة والمركّب ما اشتمل على كلمتين، فنحو «بعلبكّ» مركّب بهذا المعنى دون الأوّل ونحو «يضرب» بالعكس، وأُلزم الأوّلون التركيب في نحو ضارب ومخرج، ممّا لا ينحصر2.

1 . القائل هو الفخر الرازي في المحصول: 1 / 76 .
2 . لاحظ الكاشف عن المحصول: 2 / 16 ; وأُصول الفقه: 1 / 50 تأليف محمد بن مفلح الحنبليّ.

صفحه 175
وليس بجيّد، إذ الدالّ المجموع وما يدلّ جزءٌ من أجزائه دون الباقي غير واقع، لأنّه ضمّ مهمل إلى مستعمل وهو غير مفيد، ونحو «عبدالله» إذا جعل علماً على شخص مفرد حال العلميّة، لأنّ كلّ واحد من جزئيه حينئذ لا يقصد به الدلالة على شيء أصلاً، ولا ينافي ذلك القصد بإرادة أُخرى واعتبار آخر وهو اعتبار الوضعيّة، فإنّه حينئذ يكون مركّباً.

المبحث الثالث: في الذاتي والعرضي

اعلم أنّ اللفظ المفرد إمّا أن يمنع نفس تصوّره من الشركة فيه، وهو الجزئي الحقيقيّ، ويطلق الجزئي على كلّ أخصّ تحت أعمّ وهو أعمّ لا عموم الجنس، لانفكاكهما تصوّراً.
أو لا يمنع، وهو الكلّي .
وأقسامه بالنّسبة إلى الوجود الخارجيّ وتعدّد أفراده ستّةٌ.
وبالنسبة إلى جزئيّاته قسمان: ذاتيّ وعرضىّ .
والذّاتيّ إمّا نفس الماهيّة أو جزؤها، فالأقسام ثلاثة:
الأوّل: أن يكون الكلّي نفسَ الماهيّة، وهو النّوع الحقيقيّ، ويرسم بأنّه: الكلّيّ المقول على كثيرين مختلفين بالعدد فقط في جواب ما هو، ولا تشترط الكثرة الخارجيّة، ويطلق النوع على أخصّ الكلّيين المقولين في جواب ما هو، وهو الإضافيّ، وبينهما عموم من وجه.
الثاني : أن يكون جزءَ الماهيّة ، فإن كان مقولاً في جواب ما هو

صفحه 176
بحسب الشركة، فهو الجنس ويرسم بأنّه الكلّيّ المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو قولاً بحال الشركة، فمنه قريبٌ، و منه بعيدٌ.
وإن لم يكن مقولاً في جواب ما هو بل في جواب أيّما هو، فهو الفصل، ويرسم بأنّه كلّيّ يقال على الشيء في جواب أيّ شيء هو في جوهره.
الثالث: أن يكون خارجاً عن الماهيّة، ويسمّى العرضىّ، وهو إمّا أن يختصّ بحقيقة واحدة، وتسمّى الخاصّة، وتُرسم بأنّها كلّيّة يقال على أفراد حقيقة واحدة فقط، قولاً عرضيّاً .
وإمّا أن لا يختصّ، ويسمّى العرض العامّ، ويرسم بأنّه كليّ يقال على أفراد حقيقة واحدة وعلى غيرها قولاً عرضيّاً، فالكلّيّات هذه الخمس لا غير .
وللذّاتيّ خواصّ ثلاث:
الأُولى: أنّه يمنع تصوّر الشّيء إلاّ إذا تصوّر ما هو ذاتيّ له أوّلاً، أي يتقدّم عليه في الوجودين والعدمين.
في بسائط الكلام   
الثانية: أنّه يمنع سلبه عمّا هو ذاتيّ له.
الثالثة: عدم احتياجه إلى علّة مغايرة لعلّة الماهيّة، فإنّ جاعل السّواد هو الّذي جعله لوناً، والأوّل حقيقةٌ، والباقيتان إضافيّتان وقد تتصاعد الأجناس مرتّبةً، فلابدّ من الانتهاء إلى ما لا جنس فوقه، ويسمّى جنس الاجناس، وتتنازل الأنواع إلى ما لا نوع تحته وهو السّافل، وبينهما مراتب متوسّطة.
والعرض قد يكون لازماً، وقد يكون مفارقاً، واللازم إمّا للماهيّة أو للوجود .

صفحه 177
والمفارق إمّا سريع الزوال أو بطيئه، وعلى كلّ التقديرين فإمّا سهل الزوال أو عسره .
واللازم إمّا بوسط أو بغير وسط، فهذه جملة مختصرة في الكلّيّات، والاستقصاء ذكرناه في كتبنا المنطقيّة .

المبحث الرابع: في بسائط الكلام :

اللّفظ المفرد ان لم يستقلّ بالدلالة، فهو الحرف وإن استقلّ فإن لم يدلّ على الزّمان المعيّن بصيغته ووزانه فهو الاسم .
وإن دلّ فهو الفعل، ففصول الفعل ملكات بخلاف قسميه .
والاسم قد يدلّ على معنى هو الزمان كاليوم والأمس، وقد يدلّ على معنى جزئه الزمان كالمتقدّم والمتأخّر والصَّبوح1 والغَبوق، والزمان هنا غير معيّن، وإنّما يتعيّن بالتصريف، كتقدم ويتقدم واصطبح ويصطبح .
وقد لا يدلّ على الزمان البتّة كالجسم .
وأيضاً الاسم إمّا أن يكون مفهومه مانعاً من الشركة، فإمّا أن يفتقر إلى ما يرجع إليه، وهو المضمرات أو لا وهو الاعلام، أو لا يمنع، فقد يكون اسماً للماهية كالسواد، وتسمية النحويّين لون اسم الجنس أو لموصوفيّة أمر مّا بصفة وهو المشتق كالضّارب وهو شيء ما مجهول عند السّامع من حيث الذات معلوم من حيث هذا الوصف، ويختصّ بصحّة الإخبار عن مسمّاه بمجرد ذكره بخلاف قسميه .

1 . الصَّبوح: الشّرب بالغداة خلاف الغبوق. مجمع البحرين .

صفحه 178
لا يقال: هذا إخبار عنهما خاصّ .
لأنّا نقول: اخبرنا عنهما لا بمجرّد ذكرهما بل معبّرين عنهما باسمين.
لا يقال: يصحّ أن يقال: «ضرب» فعل ماض و «في» حرفُ جرٍّ .
لأنّا نقول: الإخبار هنا عن اللّفظ لا عن المسمّى .
لا يقال: يصحّ أن يقال: ضرب لا يخبر عن مسمّاه: بمجرّد ذكره .
لأنّا نقول: الإخبار هنا عن اللفظ أيضاً، لامتناع أن يكون لمسمّى «ضرب» مسمّى.
وينقسم إلى صحيح وهو مالم يكن في آخره ألف ولا ياء قبلها كسرة، وإلى معتلّ إمّا مقصورٌ وهو ما كان في آخره ألف، وإما منقوصٌ وهو ما كان في آخره ياء قبلها كسرة، وإن كان في آخره همزة قبلها مدٌّ فهو الممدود.
وينقسم إلى معرب إمّا منصرف وهو ما يصلح أن يدخله جرٌّ وتنوينٌ، أو غيره وهو ما لا يصلح ذلك فيه من المعربات، وإلى مبنيٍّ وهو ما شابه مبنيّ الأصل.
وأيضاً فهو إمّا ظاهر، وأقلّ ما يكون من ثلاثة أحرف حذراً من الإجحاف به، مع قوّته بالنسبة إلى قسميه اللّذين يمكن وجود الثلاثة فيهما، وقد يحذف الثالث لعارض كيد وأب ودم .
ولأنّ الأوّل لا يمكن أن يكون ساكناً، والموقوف عليه لا يكون متحرّكاً، ولا بد من متوسّط، للتنافر بين المتحرّك والساكن، فوجبت الثلاثة .
لا يقال: المتوسّط إن كان متحرّكاً جعل التنافر بينه وبين الآخر، وإن كان ساكناً تنافر هو والأوّل .

صفحه 179
لأنّا نقول: إنّه متحرّكٌ ولا منافرة بينه وبين الأخير حينئذ من حيث إنّ اللسّان قد عرض له الكلال بتوارد المتحرّكين، فيطلب الراحة بالسّاكن .
وإمّا مضمر إمّا متّصلٌ كالتاء من «فعلت» والكاف من «ضربك» والياء من «غلامي» .
وإمّا منفصل كهو وأنت، وتثنيتهما وجمعهما .
وإمّا مبهم كأسماء الإشارة نحو «ذا» و «تا» وتثنيتهما وجمعهما، وقد تدخل عليهما هاء التّثنية في أوّله، وكاف الخطاب في آخره .
والمنسوب ما دخل عليه ياء النّسب كهاشميّ وعلويّ.
والفعل ينقسم بانقسام الزمان إلى ماض كضرب، ومضارع كيضرب، وهو مشترك بين الحاضر والمستقبل، ويخلص لأحدهما بالقرائن كالآن في الحاضر، والسيّن وسوف في المستقبل .
ويختصّ المضارع بحروف المضارعة في أوّله، وهي الهمزة والنون والتاء والياء .
وأمّا فعل الأمر فما ينزع حرف المضارعة .
والماضي إذا أُسند إلى ظاهر فهو مفرد وإلاّ فمركّب، لاشتماله على الضمير.
وأفعال المضارعة عدا الغائب عند بعضهم مركّبة، وعند آخرين مفردةٌ.
وأمّا الحرف فإنّما أُتي به رابطةً بين الاسم والفعل .

صفحه 180
وأقسامه ثلاثة:
في نسبة اللفظ إلى المعنى   
الأوّل: ما يكون حرفاً خاصّةً كـ «مِنْ» و «إلى» و «حتّى» و «في» و «الباء» و «اللاّم» و «ياء القسم» و واوه، وتائه .
والثاني: ما يكون حرفاً تارةً واسماً أُخرى كـ «على» و «عن» و «الكاف» و «مذ» و «منذ» .
والثالث: ما يكون حرفاً تارةً، وفعلاً أُخرى كـ «حاشا» و «عدا» و «خلا» وسيأتي البحث في ذلك كلّه إن شاء الله تعالى .

المبحث الخامس: في نسبة اللفظ إلى المعنى

اللّفظ المفرد والمعنى إمّا أن يتّحدا أو يتكثّرا، أو يتّحد اللّفظ ويتكثّر المعنى، أو بالعكس فالأقسام أربعة:
الأوّل: أن يتّحدا معاً، فإن كان المعنى مانعاً من الشركة لنفس تصوّره، فهو العَلَمُ، أو المضمر، أو المبهم على ما سبق.
وإن لم يمنع فهو الكلّي، فإن تساوت أفراده، فهو المتواطئ أي المتوافق لتوافق أفراده فيه.
وإن تفاوتت بأن كان بعضها أشدّ من بعض فيه من الآخر، كالبياض بالنسبة إلى بياض الثلج والعاج، أو كان بعضها أولى من الآخر، كالوجود للجوهر والعرض، أو كان بعضها أقدم من البعض الآخر فيه، كالوجود للعلّة والمعلول، سمّي مشكّكاً من حيث مشابهته للمتواطئ باعتبار اتّحاد المعنى.

صفحه 181
والمشترك1 باعتبار اختلاف أفراده فيه، فالناظر فيه يشكّ هل هو مشتركٌ أو متواطئٌ 2.
ولنا فيه نظرٌ، ذكرناه في كتبنا العقليّة.
الثاني: أن يتكثّرا معاً، وهي الألفاظ المتباينة، كإنسان وفرس، سواء تباينت المسمّيات بذواتها، كهذا المثال، أو كان بعضها صفةً للبعض كالسيف والصارم، أو صفةً للصفة كالناطق والفصيح .
الثالث: ان يتكثّر اللّفظ ويتّحد المعنى، ويسمّى المرادفة كالإنسان والبشر، سواء كانت من لغة واحدة أو من لغات .
الرابع: أن يتّحد اللّفظ ويتكثّر المعنى، فهذا اللفظ لا يخلو إمّا أن يكون قد وُضِع أوّلاً لمعنى ثمّ نقل إلى الثاني، أو وُضِع لهما معاً .
فالأوّل إن لم يكن النقل لمناسبة فهو «المرتجل»3.
وإن كان لمناسبة، فإن كانت دلالته بعد النقل على المنقول إليه أقوى،
سمّي بالنسبة إليه منقولاً لغويّاً إن كان الناقل أهل اللّغة، وشرعيّاً إن كان
هو الشرع، كالصلاة والزكاة، وعرفيّاً إن كان الناقل أهلَ العرف، إمّا ] العرف[

1 . عطف على قوله: «للمتواطئ» .
2 . قال القرافي في نفائس الأُصول: 1 / 290: «واشتقاقه ]المشكِّك[ من الشك، لأنّه شكّ الناظر فيه، هل هو متواطئ أو مشتركٌ؟ فمن حيث هو يطلق على المختلفات يشبه أن يكون مشتركاً، ومن حيث مسمّاه واحدٌ كليٌّ يشبه أن يكون متواطئاً فيحصل الشك، فسمّي مشكِّكاً بكسر الكاف اسم فاعل» .
3 . قال الجرجاني في «التعريفات»: المرتجل هو الاسم الذي لا يكون موضوعاً قبل العلميّة.

صفحه 182
العامّ كالدابّة، أو الخاصّ كاصطلاحات النّحاة وغيرهم .
وإن لم تكن أقوى يسمّى بالنّسبة إلى الأوّل حقيقةً، وبالنسبة إلى الثاني مجازاً، فإن كان جهة النقل المشابهة سُمِّي مستعاراً .1
وإن كان اللفظ موضوعاً لهما معاً دفعةً، فإن كانت إفادتهما إمّا على السواء، فهو المشترك بالنّسبة إليهما معاً، والمجمل بالنّسبة إلى كلّ واحد منهما، فإنّ كونَ اللّفظ موضوعاً لهذا وحده ولذاك وحده معلومٌ، فكان مشتركاً من حيث هذه الحيثيّة، وكون المراد هذا أو ذاك غيرُ معلوم، فكان مجملاً من هذه الحيثية.
وقيل: بالعكس .
وإن كانت دلالته على أحدهما أقوى سمّيت اللّفظة بالنّسبة إلى الرّاجح «ظاهراً»، وبالنّسبة إلى المرجوح «مؤَوَّلاً»2.
وفيه نظرٌ، فإنّه يعطي كون المشترك جزئيّاً لما وضع اللفظ فيه لمعنيين دفعةً، وكون الظاهر والمأوّل جزئيّاً آخر له .3
وليس بجيّد، أمّا أوّلاً فلأنّا لا نشترط في المشترك اتّحاد زمان الوضع، بل لو وُضِع أوّلاً لمعنى واستعمل فيه، ثمّ وُضِع ثانياً لمعنى آخر واستعمل فيه، وتساوى الاستعمال فيهما سُمِّي مشتركاً.
وأمّا ثانياً فلأنّ «الظاهر» و «المأوّل» قد يوجد في الوضع الواحد كما في الحقيقة والمجاز .

1 . كالفرس للصورة المنقوشة.
2 . المحصول للرازي: 1 / 81 .
3 . لاحظ الكاشف عن المحصول: 2 / 44 ـ 45 .

صفحه 183
والأجود أن يقال: إن وضع لمعنيين وضعاً أوّلاً، سواء كان الزمان واحداً أو متعدّداً، وسواء كان الوضع واحداً أو أكثر، فهو المشترك، وإلاّ فما تقدّم من الأقسام .
ثمّ نقول: اللّفظ إن لم يحتمل غيرما أُفيد له وأُريد منه، فهو النّصّ.
وإن احتمل غيره فإن تساويا فالمجمل، وإلاّ فالرّاجح هو «الظاهر»، والمرجوح هو «المؤوّل» .
واعلم أنّ الأقسام الثلاثة الأُول1 اشتركت في الوحدة وعدم الاشتراك2فهي نصوص.
وأمّا الرابع فينقسم إلى الأربعة3، إذا عرفت هذا فنقول:
النصّ والظاهر قد اشتركا في مطلق الرجحان، إلاّ أنّ النصّ راجحٌ مانعٌ من النقيض، والظاهر راجح غير مانع من النّقيض، فالمشترك فيه وهو مطلق الرّجحان، يسمّى المحكم، فهو جنس لنوعي النّص والظّاهر.
والمجمل ليس براجح ولا مرجوح .
والمأوّل مرجوحٌ فلا يكون راجحاً قطعاً، فقد اشترك المجمل والمأوّل في عدم الرّجحان، إلاّ أنّ المجمل وإن كان غير راجح فهو غير مرجوح، والمأوّل مرجوحٌ، ويقال للمشترك بينهما: المتشابه، فهو جنس لنوعي المجمل والمأوّل .

1 . وهي: اتّحاد اللفظ والمعنى، وتعدّد اللفظ والمعنى، وتعدّد اللفظ واتّحاد المعنى.
2 . والمراد أنّ الأقسام الثلاثة الأُوَل مشتركةٌ في عدم احتمال معنيين .
3 . وهي: «المشترك» و «المنقول» و «الحقيقة» و «المجاز». لاحظ الكاشف عن المحصول: 1 / 49، تأليف العجليّ الاصفهاني.

صفحه 184
في اللّفظ المركّب   
 
المبحث السادس: في اللّفظ المركّب
قد عرفت أنّ الغاية في الوضع للألفاظ إفادةُ الغير ما في الضمير عند المحاورة، وإنّما يكثر ذلك في المركّبات، فالقول المفهم إمّا أن يفيد طلبَ شيء إفادة أوّليّةً أي وضعيّةً أو لا.
والأوّل إمّا أن يفيد طلبَ ذكر ماهيّة الشيء ويسمّى الاستفهام، أو طلبَ التحصيل، فإن كان على وجه الاستعلاء فهو الأمر، وإن كان على وجه الخضوع فهو السؤال، وإن كان على وجه التساوي فهو الالتماس، سواء كان الطلب لتحصيل الوجود أو العدم.
وإن لم يفد طلبَ شيء إفادةً أوّليّةً، فإمّا أن يحتمل التصديق والتكذيب لذاته، وهو الخبر والقضيّة والقول الجازم، أو لا يحتملهما ويسمّى التّنبيه، ويندرج فيه التّمنّي، والتّرجّيّ، والقَسَم، والنداء، والتعجّب، والحصر بالاستقراء.1
وفيه نظر، فإنّ التمنّي والترجّي يشتملان على طلب الفعل، وقد جُعلا في التقسيم قسيمين، وكذا «أطلب منك القيام» فإنّه خبر يدلّ على طلب الفعل دلالةً أوّليّةً.
وأمّا دلالة الالتزام، فاعلم أنّ المستفاد منها إمّا أن يستفاد من معاني المفردات أو من تركيبها .

1 . المحصول للرازي: 1 / 82 .

صفحه 185
فالأوّل إن كان المدلول عليه بالالتزام شرطاً للمدلول بالمطابقة، سمّيت دلالة الاقتضاء.
وذلك الاشتراط قد يكون عقليّاً، مثل «رفع عن أُمّتي الخطأ»1 فإنّ العقل دلّ على عدم الصحّة إلاّ باضمار الحكم الشرعيّ.
وقد يكون شرعيّاً، كنذر العتق، فإنّه يستلزم تحصيل الملك، إذ لا يمكنه الوفاء به شرعاً إلاّ معه .
وإن كان المدلول بالالتزام تابعاً لتركيبها، فإمّا أن يكون مكمِّلاً كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، أو لا يكون.
وحينئذ فقد يكون المدلول عليه بالالتزام ثبوتيّاً، كقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)2 مع قوله: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً)3فإنّه يدلّ بالالتزام على أنّ أقلّ الحمل ستّة أشهر .
وقد يكون عدميّاً، مثل: أنّ تخصيص الشيء بالذكر، هل يدلّ على نفيه عمّا عداه؟4
وفيه نظرٌ فإنّ دلالة «رفع عن أُمّتي الخطأ» على الإضمار، ليس مستفاداً من المفردات بل من التركيبات.

1 . الوسائل: 5 / 345 الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2، وعوالي اللآلي: 1 / 232 ; وسنن ابن ماجة: 1 / 659 برقم 2043 و 2045 .
2 . البقرة: 233 .
3 . الأحقاف: 15 .
4 . المحصول للرازي: 1 / 83 .

صفحه 186
 
المبحث السّابع: في تقسيم اللفظ بالنسبة إلى معناه
اعلم أنّ اللفظ إن لم يكن له معنى كان مهملاً، وإن كان، فإمّا أن يكون ذلك المعنى لفظاً أو لا يكون، والثاني تقدّم .
والأوّل إمّا أن يكون المدلول مفرداً أو مركّباً، وكلاهما إمّا أن يدلّ على معنى أو لا، فالأقسام أربعة.
الأوّل: لفظٌ دالٌّ على لفظ مفرد دالٍّ على معنى مفرد، وهو لفظ الكلمة وأنواعها وأصنافها، فإنّ لفظ الكلمة يتناول لفظ الاسم، وهو لفظٌ مفرد، ويتناول لفظة الرّجل ،وهو لفظٌ مفردٌ دالٌّ على معنى مفرد، وكذا الأمر والنهي، والعامّ والخاصّ، وأمثالها.
الثاني: لفظٌ دالٌّ على لفظ مركّب وُضع لمعنى مركّب، كلفظ الخبر، فإنّه يتناول قولنا: زيد قائم وهو لفظٌ مركّبٌ وضع لمعنى مركّب.
الثالث: لفظٌ دالٌّ على لفظ مفرد لم يوضع لمعنى، كالحرف المعجم، فإنّه يتناول كلَّ واحد من آحاد حروف التهجي، وتلك الحروف لا تفيد شيئاً .
   
لا يقال: «الألف» اسم لتلك المَدَّة فله معنى.
لأنّا نقول: لا نريد من عدم دلالته سوى إفادته لتلك المَدَّة.
الرابع: لفظٌ دالٌّ على لفظ مركّب لم يوضع لمعنى، وليس بموجود، إذ التركيب إنّما يحصل لغاية الإفادة، فإذا انتفت الإفادة انتفى التركيب.

صفحه 187
 
الفصل الثالث

في الأسماء المشتقّة

وفيه مباحث:
] المبحث[ الأوّل: الاشتقاق قال المَيْداني1: الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسباً في المعنى والتركيب، فتردّ أحدَهُما إلى الآخر .
وفيه نظر، لانتقاضه بالماضي إذا نسب إلى المستقبل، والمصغّر بالنسبة إلى أصله ونظائرهما2.
ولأنّ الاشتقاق ليس الوجدان.
وقيل3: «اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه حروف ذلك الأصل» وينبغي التقيد بالأصول .
وقيل4: ما وافق أصلاً بحروفه الأُصول، ومعناه، وقد يزاد بتغيير مّا.

1 . المَيْداني ـ فتح الميم وسكون الياء ـ هو أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد الميداني النيسابوري المتوفّى سنة 518 هـ .
2 . في «أ» و «ج»: ونظائره .
3 . القائل هو الرماني في كتاب «الحدود النحويّة» لاحظ نفائس الأُصول: 1 / 323 .
4 . القائل هو ابن الحاجب، في المختصر، لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1 / 418، قسم المتن .

صفحه 188
وقيل: ما غيّر من أسماء المعاني عن شكله بزيادة أو نقصان في الحروف أو الحركات أو فيهما .
وكيف ما عُرِّف فلابدّ له من أركان أربعة:
اسم موضوع لمعنى.
ولفظ آخر له نسبةٌ إلى ذلك المعنى .
ومشاركة بين الاسمين في الحروف الأصلية.
وتغيير يلحق ذلك الاسم في حرف فقط، أو حركة فقط، أو فيهما معاً إمّا بالزيادة، أو النقصان، أو بهما معاً.
قال الفخر الرازي: فالأقسام تسعة1 .
والحقّ أنّها خمسة عشر، والظاهر أنّ فخر الدين الرازي رأى التغيير بزيادة ونقصان وبهما في ثلاثة: حرف، وحركة، وفيهما معاً، ومضروب الثلاثة في نفسها تسعة.
وليس كذلك، فإنّ الجنسين البسيطَين أعني الزيادة والنقصان يجيء منهما ستّة أقسام: زيادة الحرف، زيادة الحركة، نقصان الحرف، نقصان الحركة، وزيادتهما معاً، نقصانهما معاً .
والجنس المركّب ]منهما[ يجيء منه تسعة أقسام، فإنّ الزيادة مع النقصان إمّا أن يقعا في الحركة فقط، أو في الحرف فقط، أو فيهما معاً .
فالّذي في الحركة نقصانها مع زيادتها، نقصانها مع زيادة الحرف، نقصانها

1 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 85 .

صفحه 189
مع زيادة الحركة والحرف، فهذه ثلاثة، ذكر منها الثاني وأغفل الباقيين .
والّذي في الحرف نقصانه مع زيادته، نقصانه مع زيادة الحركة، نقصانه مع زيادتهما، فهذه الثلاثة ذكر منها الثاني فقط .
والّذي فيهما معاً: نقصانهما معاً مع زيادتهما معاً، نقصانهما معاً مع زيادة الحركة، نقصانهما مع زيادة الحرف، فهذه ثلاثة ذكر منها الأوّل فقط.
فقد ظهر أنّ الأقسام خمسة عشر:
الأوّل: زيادة الحركة فقط: طَلَبَ من «الطلب» زدت حركة الباء، فإنّها في الفعل معتبرة، لكونها حركة بناء، فهي لازمة بُنيت الكلمة عليها من أوّل وهلة، فصارت كالجزء من الفعل بخلاف حركة المصدر، فإنّها حركة إعراب وهي ساقطة الاعتبار غير معتدّ بها، ولا تعدّ تغييراً لطروئها على المعرب .
والاشتقاق إنّما هو من صيغة المصدر الّتي بُني عليها، وحركة الإعراب طاريةٌ بعد البناء غير ثابتة ولا لازمة، فكان الأصل عدمها .1
وفيه نظرٌ، فإنّا نقول: ما تعني بحركة الإعراب؟ إن عنيتَ بها الشخصيّة كالرّفع أو النّصب، سلّمنا أنّها غير لازمة، لكن لِمَ قلت: إنّ مطلق حركة الإعراب غير لازمة ونظر الاشتقاق ليس في حركة معيّنة، بل في مطلق الحركة .
وإن عنيتَ بها مطلقَ الحركة منعنا عدم لزومها.
فإن قلت: الإعراب طار على الاسم بعد تمامه، فأصله السكون، وقول النحويّين: أصل الاسم الإعراب لا ينافيه، لأنّ نظر النحويّ إنّما هو في الاسم من

1 . الكاشف عن المحصول: 2 / 80، وتنظّر فيه المصنّف .

صفحه 190
حيث عروض التركيب، ولا شكّ في أصالة الإعراب من هذه الحيثيّة، ونظر الاشتقاق في الاسم من حيث الوضع الإفرادي.
قلت: فالفعل نظراً إلى الوضع أصلُهُ الوقفُ، فإنّهم نصّوا على أنّ أصلَ الفعل البناء، وأصلُ البناء الوقفُ، فكيف تصير حركته العارضة البنائيّة أصلاً؟
أو يقال في المثال: ضرب من الضرب.
الثاني: زيادة الحرف فقط: كاذِب من «الكذب» زدت الألف فقط.
الثالث: زيادتهما معاً طالَبَ من «الطّلب» زدت الألف وحركة البناء.
الرابع: نقصان الحركة فقط : حَذِرٌ من «حَذِرَ» نقصت حركة الرّاء للبناء.
الخامس: نقصان الحرف فقط : خف من «الخوف» نقصت الواو فقط.
السادس: نقصانهما معاً: عِدْ من «العدة» نقصت الهاء الّتي هي عوض الواو، وحركة الدّال.
السابع: نقصان الحركة مع زيادتها: كرم من «الكرم»، وشرف من «الشَّرَف» نقصت فتحة الراء، وزدت ضمّةً وكسرةً.1
وفيه نظر، فإنّ الاعتبار هنا بالحركة النوعيّة لا الشخصيّة، وإلاّ زادت الأقسام.
الثامن: نقصان الحركة مع زيادة الحرف: عليمٌ من «علم» نقصت فتحة الميم البنائيّة، وزدت الياء، وكذا عادٌّ من «العدد» نقصت حركة الدّال وزدتَ الألف.

1 . الكاشف عن المحصول: 2 / 81 .

صفحه 191
التاسع: نقصان الحركة مع زيادتهما معاً: اضربْ من «الضَّرب» نقصت حركة «الضّاد» و زدت الهمزة متحرّكة، وكسرة الراء.
العاشر: نقصان الحرف مع زيادته: ديّان من «الدِّيانة» نقصت التاء وزدت ياء ساكنة.1
وفيه نظرٌ، لأنّ الحركة اللازمة لنون الدِّيانة معدومة في «ديّان» فهو من باب زيادة الحرف مع نقصانهما، والمثال الجيّد: واكف من «الوكيف».
الحادي عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة: نَبَتَ من «النّبات» نقصت الألف و زدتَ حركة الباء البنائيّة.
الثاني عشر: نقصان الحرف مع زيادتهما معاً: خافَ من «الخوف» نقصت الواو وزدت الألف، وفتحة الفاء.
الثالث عشر: نقصانهما معاً مع زيادتهما معاً: ارمِ من «الرّمي» زدت
الألف متحرّكةً، وكسرة الميم، ونقصت الياء، وفتحة الراء.
الرابع عشر: نقصانهما معاً مع زيادة الحركة: عِدْ من «الوعد» نقصت الواو متحرّكةً، وزدت كسرة العين.
الخامس عشر: نقصانهما معاً مع زيادة الحرف: كالّ من «الكلال» نقصت الألف الّتي بين اللاّمين، وحركة اللاّم الأُولى، وأدغمتها في الثانية، وزدت ألفاً بعد الكاف.

1 . الكاشف عن المحصول: 2 / 81 .

صفحه 192
في قواعد الاشتقاق   
 
المبحث الثاني: في قواعد الاشتقاق
اعلم أنّ النّحويّين اختلفوا فذهب البصريّون إلى أنّ الفعل مشتقّ من المصدر، وخالف فيه الكوفيّون وادّعوا العكس .
والحقّ الأوّل.
لنا: أنّ المصدر جزء من الفعل، فيكون متقدّماً، فلا يجوز اشتقاقه منه .
أمّا المقدّمة الأُولى، فلأنّ مدلول الفعل الحدث والزّمان، ومدلول المصدر الحدث خاصّةً، والحدث جزء من المجموع المركّب منه ومن الزَّمان.
لا يقال: لا يلزم من كون المعنى جزءاً سبق لفظه .
لأنّا نقول: قد اشترك المعنيان في الحاجة إلى التعبير عنهما، ووجود القدرة والدّاعي يوجبان الوضع، وخطور الجزء سابق.
وأمّا الثانية، فلأنّ الجزء متقدّم بالطبع على الكلّ .
وأمّا الثالثة، فلأنّ المصدر لو اشتقّ من الفعل لتأخّر عنه، لكنّه متقدّم عليه فيدور.
وأمّا أسماء الفاعلين والمفعولين فقد ذكر أبو علي في التكملة: أنّها مشتقة عن الأفعال، وكذا عبد القاهر.
واستدلّ أبو علي بكونها جاريةً على سنن الأفعال وطريقتها، فالأفعال، أُصولها القريبة، والمصادر الّتي هي أفعال حقيقةً أُصولها البعيدة.
في أنّ صدق المشتقّ قد ينفكّ عن صدق المشتقّ منه   
وإذا ثبت هذا، كان لنا أن نشتقّها من الأفعال، لأصالتها القريبة، ومن المصادر لأصالتها البعيدة .

صفحه 193
واعلم أنّه لا منافاة بين قولنا: إنّ حروف المشتقّ منه الأُصول موجودة في المشتقّ، وبين نقصان الحرف، فإنّ المشاركة في الحروف الأصليّة ثبتت بحقّ الأصل، ثمّ يطرأ النقصان لعارض يوجبه، فإنّ «خِفْ» من الخوف، سقطت الواو فيه بعد انقلابها ألفاً، لعارض التقاءِ الساكنين، فالمشاركة في الحقيقة حاصلةٌ لحصولها في الأصل قبل طريان الحذْفِ.
واعلم أنّه ليس مرادنا من زيادة الحركة أو نقصانها، زيادةَ حركة واحدة أو نقصانَ حركة واحدة بالشخص، بل زيادة الحركة بالنوع، أو نقصانها بالنوع، سواء زدنا حركةً واحدةً بالشّخص، أو حركتين أو أكثر، وكذا أيضاً حكم الحرف، والمركّب من الحركة والحرف، في الزيادة والنقصان.
 
المبحث الثالث: في أنّ صدق المشتقّ قد ينفكّ عن صدق المشتقّ منه
ذهب الجُبائيّان1 إلى أنّ العالِم والقادِر والحيّ أسماء اشتقّت من «العلم» و «القدرة» و «الحياة» .
ثمّ إنّ هذه الألفاظ صادقةٌ في حقّه تعالى، من غير حصول علم، ولا قدرة، ولا حياة، لأنّ المسمّى بهذه إنّما هي المعاني الّتي توجب العالِميّة، والقادريّة، والحيّيّة، وهي غير ثابتة لله تعالى، فالله تعالى قادرٌ، عالمٌ، حيٌّ، من دون قدرة وعلم وحياة.
أمّا أبوالحسين البصري، فإنّ المسمّى بالقدرة عنده ، نفس القادريّة،

1 . هما أبو عليّ وابنه أبو هاشم.

صفحه 194
وبالعلم نفس العالِميّة، وهذه أحكام ثابتة لله تعالى، فيكون له تعالى علم وقدرة.
وأمّا الأشاعرة فإنّهم أثبتوا لله تعالى المعاني، وهي القدرة، والعلم، والحياة وغيرها، واشتقّوا منها هذه الأوصاف .
وهذه المسألة تُبيَّن في علم الكلام، وقد أوضحناها هناك.
وللمعتزلة أن يقولوا: لمّا أوجبت هذه الأوصاف أحوالاً للذّات، كما أوجبت في حقّنا، أطلقناها عليه تعالى.
في أنّ بقاء المعنى هل هو شرط في الصدق أم لا؟   

المبحث الرابع: في أنّ بقاء المعنى هل هو شرط في الصدق أم لا؟

اختلفت النّاس هنا: فقال قوم: إنّ بقاء وجه الاشتقاق1 شرط لصدق الاسم حقيقةً، واختاره فخر الدين الرازي2.
وقال آخرون: إنّه لا يشترط، وإليه ذهب أبو علي بن سيناء3 و أبوهاشم الجبائيّ .
وقال قوم: إنّه يشترط إن أمكن وإلاّ فلا.
والأقرب عدم الاشتراط.

1 . أُريد من وجه الاشتقاق «بقاء المبدأ» في صدق المشتقّ.
2 . الموجود في «المحصول للرازي»: 1 / 86 «أنّه ليس بشرط» ولعلّه مصحّفُ «أنّه شرطٌ» لأنّ الدليل المذكور في كلامه يثبت انّه شرط. ويؤيّده أنّ الموجود في الكاشف عن المحصول: هو أنّه شرط. لاحظ: 2 / 89 .
3 . الحسين بن عبد الله بن سيناء، الفيلسوف الرئيس صاحب التصانيف الكثيرة في العلوم المختلفة المتوفّى سنة 428 هـ . انظر ترجمته في وفيات الأعيان: 1 / 152 .

صفحه 195
لنا وجوه:
الأوّل: أنّ الضّارب من حصل له الضرب مطلقاً، وهو أعمّ من قولنا: حصل له الضرب الآن أو في الماضي، لأنّه قابلٌ للقسمة إليهما، ومورد التقسيم مشترك بين أقسامه.
الثاني: اتّفاق أهل اللغة على أنّه لا يعمل إذا كان بمعنى الماضي، ولولا صحّة إطلاقه على الماضي، لما أمكن ذلك.
الثالث: لو كان صدق المشتقّ مشروطاً بحصول المشتقّ منه، لَما صحّ إطلاق اسم «المتكلّم» و «المخبر» و «اليوم» و «الأمس» وما جرى مجراها حقيقةً في شيء، والتّالي باطلٌ، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطيّة: أنّ الكلام اسمٌ لمجموع الحروف المتوالية المفيدة فائدةً تامّةً، لا لكلّ واحد منها، ومجموع تلك الحروف لا وجود له، وإنّما الموجود منه دائماً، حرفٌ واحدٌ، فلو كان وجود المشتقّ منه شرطاً، لَما صدق إطلاق المشتقّ هنا.
لا يقال: الكلام اسم لكلّ واحد من تلك الحروف، أو نُخصّص الدعوى فنجعله شرطاً إن كان الحصول ممكناً، وإلاّ فلا، أو نَجْعل الشرطَ حصول المشتقّ منه، إمّا بمجموعه، أو بأحد أجزائه، أو نقول: هذه الألفاظ ليست حقائقَ في شيء ألبتّة.
لأنّا نقول: إجماع أهل اللّغة ينفي ذلك، ثمّ ينتقض بالخبر، فإنّه لا شكّ في أنّ كلّ واحد من حروف «الخبر» ليس خبراً، وكذا كلّ جزء من اليوم، أو الشهر، أو السّنة، ليس يوماً، ولا شهراً، ولا سنةً.

صفحه 196
والفرق بين ممكن الثبوت وغيره، منفيٌّ بالإجماع، ونفي الحقيقة باطل، إذ الاستعمال إن كان مجازاً، استدعى الحقيقة، وإلاّ فالمطلوب .
وقد علم ضرورةً أنّها ليست حقائق في غير معانيها، فتكون حقيقةً فيها.
الرابع: الإيمان يصدق حقيقةً على من لا يباشر التصديق ولا العمل ولا المجموع، مع أنّه حقيقةٌ في أحدها بالإجماع.
الخامس: الفرق واقع بالضرورة بين قولنا: «ضارب» و بين قولنا: «ضارب في الحال» فلا يتّحد معناهما.
السادس: يصدق في الحال بعد انقضاء الضرب منه «أنّه ضارب أمسِ» فيصدق عليه أنّه «ضاربٌ» لأنّه جزء من قولنا: «انّه ضارب أمسِ» وصدق المركّب يستلزم صدقَ أجزائه.
واعترضوا على الأوّل: بأنّ التقسيم كما يرد إلى الماضي والحاضر، فكذا يرد على المقسوم إلى الحاضر والمستقبل1 فإنّه يمكن أن يقال: ثبوت الضرب أعمّ من ثبوته في الحال والمستقبل، فإن اقتضى انقسامه كونه حقيقةً في الماضي، اقتضى ذلك في المستقبل، وهو خلاف الإجماع.
وعلى الثاني: بأنّهم أيضاً قالوا: إذا كان بمعنى المستقبل عمل، فيكون المشتقّ حقيقةً فيما سيوجد، وهو باطل بالإجماع.
وعلى الثالث: أنّ المعتبر حصوله بتمامه إن أمكن، أو حصول آخِرِ جزء من أجزائه.

1 . في «أ»: أي الحاضر والمستقبل .

صفحه 197
وعلى الرابع: بالمنع من كون إطلاق المؤمن على النّائم حقيقةً، كما لا يجوز أن يقال في أكابر الصحابة: إنّهم كفرة، لكفر تقدّم، ولا لليقظان: إنّه نائم، لنوم سبق.
والجواب عن الأوّل: حصول الفرق، فإنّ الضارب من ثبت له الضربُ، وفي المستقبل لم يثبت له الضّرب، فكان الأوّل حقيقةً، بخلاف الثاني، ولأنّ فيه تقليل المجاز، فكان أولى، وهو الجواب عن الثاني.
وعن الثالث: ما بيّنا من عدم القائل بالفرق، ولأنّه إذا صحّ في صورة، صحّ في جميع الصور، وإلاّ لكان المتكلّم قبل أن يتكلّم1 عارفاً بكون 2 المشتقّ منه هل يصحّ بقاؤه أو لا؟
فإن كان يصحّ بقاؤه، اشترط وجود المعنى بتمامه، ومن المعلوم عدم التفات الناس إلى ذلك، من أهل اللغة والعرف.
وعن الرابع: أنّ الشرع منع من إطلاق الكفر عليهم، تعظيماً لشأنهم، والأصل في ذلك: أنّ لفظة «الكفر» موضوعة في عرف الشرع لمعنى، غير ما وضع في اللغة، وللواضع أن يخصّص في وضعه ما لولا التخصيص لكان عامّاً، كما في الوضع اللّغوي، حيث أُطلقت «القارورة» و «النجم» على معاني خاصّةً، لولا تخصيصهم لكان أعمّ، وهنا منع الشارع من إطلاق لفظة «الكفر» الّذي وضعه بإزاء معنى، على من زال عنه.
واحتجّوا على مطلوبهم: بأنّه لو صدق عليه أنّه ضاربٌ، لكذب عليه أنّه

1 . في «ب» و «ج» : قبل أن يحكم .
2 . في «ج» : بأنّ .

صفحه 198
ليس بضارب، والتالي باطلٌ فالمقدّم مثله.
بيان الشرطيّة: أنّهما نقيضان عرفاً، لأنّ من أراد تكذيب من قال: «زيد ضارب» قال: «زيد ليس بضارب» ولولا أنّه نقيضه وإلاّ لما استعمل في ذلك، وإذا تناقضا وصدق أحدهما وجب كذب الآخر .
وبيان كذب التّالي: أنّه يصدق عليه أنّه ليس بضارب في الحال، فيصدق عليه أنّه ليس بضارب، لأنّه جزء منه، وصدق المركّب يستلزم صدقَ أجزائه.
والجواب من وجوه:
الأوّل: أنّه مغالطة، وذلك لأنّ قولنا: «ضارب في الحال» مركّبٌ، ونفي المركّبِ لا يستلزم نفي أجزائه، فإنّه لا يلزم من صدق قولنا: «الزوج ليس بعدد فرد» صدقُ قولنا: «الزوج ليس بعدد».
الثاني: يجوز أن يكون حكم الشيء وحده يخالف حكمه مع غيره، فلا يلزم من صدق «ليس بضارب الآن» صدقُ قولِنا «ليس بضارب».
الثالث: نمنع التّناقضَ بينهما، لما عرفت من أنّ المطلقتين لا تتناقضان، بل لابدّ من اعتبار الدوام في إحداهما أو اتّحاد الوقت فيهما.1
في أنّه هل يجب الاشتقاق مع القيام بالمحلّ   
الرابع: سلب الضاربيّة عنه في الحال إنّما يلزم سلبها عنه مطلقاً لو لم يكن أعمّ من الضّاربيّة في الحال، وهو ممنوع، وحينئذ لا يلزم من صحّة سلبُ الأخصّ سلب الأعم.
لا يقال: قولنا: «هذا ضارب» لا يفيد سوى كونه ضارباً في الحال، فإذا سُلّم صحّة سلبه في الحال، فهو المطلوب .

1 . في «ج»: واتّحاد الوقت فيهما.

صفحه 199
لأنّا نقول: هذا بعينه إعادة الدعوى، بل «الضّارب» من حصل له الضرب، وهو أعمّ من حصوله في الحال، فالضّارب أعمّ من الضارب في الحال.
الخامس: إنّما يستعملان في التناقض عند توافق المخاطبين على إرادة زمان معيّن إمّا حاضراً أو غيره، أمّا مطلقاً فلا .
السّادس: يعارض بأنّه يصدق في الحال «أنّه ضارب أمس» فيصدق عليه أنّه ضارب، لأنّه جزء من قولنا: «ضارب أمس» وصدق المركّب يستلزم صدقَ أجزائه، وإذا صدق «أنّه ضاربٌ» كذب عليه «أنّه ليس بضارب» لما ذكرتموه من التّناقض بينهما .1
وفيه نظرٌ، فإنّ لمانع أن يمنع من صدق ضارب عليه حقيقةً، ولهذا افتقر إلى التقييد بقولنا «في الأمس» ولصحة سلبه في كلّ آن.

المبحث الخامس: في أنّه هل يجب الاشتقاق مع القيام بالمحلّ

اختلفوا في أنّ المعنى القائم بالشيء، هل يجب أن يشتقّ له منه اسم أم لا؟
فأوجبه الأشاعرة، خلافاً للمعتزلة.
ومبنى الخلاف، قول المعتزلة: إنّ الكلام عبارةٌ عن الحروف والأصوات وهي حادثة في الأجسام، وكذا كلام الله تعالى.
فقالت الأشاعرة: لو كان كذلك لوجب أن يشتقّ(2) لتلك الأجسام اسم المتكلّم، لقيام المعنى الّذي منه الاشتقاق بها، والحقّ خلافه .

1 . لاحظ نفائس الأُصول: 2 / 336 .         2 . في «ب»: أن يسبق .

صفحه 200
لنا: أنّ أنواع الروائح والآلام قائمةٌ بمحالّها، مع أنّه لم يشتقّ لها منها أسماء.1
وفيه نظرٌ، لاستدعاء الاشتقاق وجود لفظ المعنى، ولأنّ «القتل» و «الضّرب» أُمورٌ قائمةٌ بالمقتول والمضروب، وقد اشتقّ منهما اسم الضّارب والقاتل لغير من قاما به .2
وهذا الدليل كما دلّ على مطلوب المعتزلة، كذا دلّ على مطلوب لهم آخر، وهو صحّة أن يشتقّ لغير المحلّ اسم من ذلك العرض القائم بالمحلّ، فإنّهم سمّوا الله تعالى متكلّماً بكلام قائم بالأجسام .
والخلاف فيه مع الأشاعرة أيضاً، فإنّهم منعوا في المقامين .
اعترضت الأشاعرة بأنّ «الجرح» ليس هو الأثر القائم بالمجروح بل تأثير قدرة القادر فيه، وذلك التأثير حاصل بالفاعل وقائم به، وكذا القتل والضرب.
والجواب: لا معنى لتأثير القدرة في المقدور إلاّ نفس وجود الأثر، إذ لو كان زائداً لزم التسلسل.
في مفهوم المشتقّ   
وأيضاً إمّا أن يكون قديماً، فيستلزم قدم الأثر، لأنّ قدم النسبة يستلزم قدم ما يتوقّف عليه، وإمّا أن يكون حادثاً فيفتقر إلى تأثير آخر، ويتسلسل.
وأيضاً الخالق أُطلق على الله تعالى وهو مشتقّ من الخلق، والخلق نفس المخلوق، والمخلوق غير قائم بذات الله تعالى، لأنّه لو كان غيره: فإن كان قديماً، لزم قِدَمُ العالم، وإن كان محدَثاً، تسلسل.

1 . لاحظ المحصول للرازي: 1 / 91، والحاصل من المحصول: 1 / 315 .
2 . الاستدلال للمعتزلة، لاحظ الكاشف عن المحصول: 2 / 110 .

صفحه 201
لا يقال: الخلق عبارة عن التعلّق الحاصل بين المخلوق والقدرة حالة الإيجاد، فلمّا نُسب هذا التّعلق إلى البارئ تعالى، صحّ الاشتقاق، وإنّما أطلق الخلق على هذا المعنى المجازي، الّذي هو من باب إطلاق اسم الملزوم، أعني الخلق الحقيقي على اللازم، أعني التعلّق، جمعاً بين الأدلّة .
لأنّا نقول: التعلّق ليس بقديم، لكونه نسبةً بين المخلوق والقدرة، والنّسبة متأخّرة، فهو حادث وغير قائم بذاته تعالى، لاستحالة قيام الحوادث به، وهو عرض، فهو إذن قائم بالغير.
ولأنّه يستلزم التسلسل، لأنّه حادث، فيفتقر إلى تعلّق آخر.
وأيضاً المفهوم من الضارب، ليس إلاّ شيء ذو ضرب أو له ضرب، ولفظة «ذو» و «له» لا يقتضيان الحلول.
وأيضاً لفظة «اللاّبن» و «التّامر» و «المكيّ» و «المدنيّ» و «الحدّاد» مشتقّةٌ من أمور يمتنع قيامها بمن له الاشتقاق .

المبحث السادس: في مفهوم المشتقّ

مفهوم الأسود شيء له سواد، ولا يدلّ هذا على خصوصيّة ذات الشيء، بل إنّما يستفاد من أمر خارج عن مفهومه بطريق التزام، كما أنّا نعرف أنّ الناطق إنسان بدليل من خارج، لا من حيث وضع النّاطق، فإنّه وُضِع لشيء ذي نطق، لأنّك إذا قلت: الناطق إنسان، أو الأسود جسمٌ، كان كلاماً صحيحاً مقبولاً عند العقل .

صفحه 202
ولو دلّ الناطق على خصوصيّة الإنسان، والأسود على خصوصيّة الجسم، صار كأنّك قلت: الإنسان ذو النطق إنسانٌ أو الجسم ذو السَّواد جسم، وهو هدر.
وسبب الغلط التلازم في الوجود في بعض المشتقّات.
في الألفاظ المترادِفة وإثباتها   

صفحه 203
 
الفصل الرّابع

في الألفاظ المترادِفة والمؤكِّدة

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: ]في[ الألفاظ المترادِفة

]و[ هي الألفاظ المفردة الدالّة على مسمّى واحد باعتبار واحد.
فخرج بالمفردة الحدُّ مع المحدود.
وبقولنا: «باعتبار واحد»، اللّفظان إذا دلاّ على شيء واحد باعتبار صفتين، كـ «الصارم» و «المهنّد»1، أو باعتبار الصّفة وصفة الصفّة كـ «الفصيح» و الناطق .
والفرق بينه و بين المؤكِّد ظاهر، فإنّ المترادفين يفيدان فائدة واحدةً، من غير تفاوت، والمؤكِّد لا يفيد عينَ ]فائدة[ المؤكَّد بل تقويته .
والفرق بينه و بين التّابع: أنّ التابع لا يفرد ولا يفيد وحده، والمترادف بالضّد فيهما .
وقد ذهب قوم غير محقّقين إلى أنّ الحدّ والمحدود مترادفان، وكذا التّابع

1 . المهنَّد معناه: المنسوب للهند من السيوف .

صفحه 204
والمتبوع، وهو خطأ، فإنّ الحدّ يدلّ على المفردات، والمحدود يدلّ على اسم الشيء جملةً، والتّابع لا يفرد، بخلاف المترادف، كما تقدّم.

المبحث الثاني: في إثباته

ذهب أكثر النّاس إلى إثباته، وذهب شاذٌّ من النّاس إلى عدمه.
والحقّ الأوّل، لنا:
أنّه ممكنٌ في الحكمة وواقعٌ في اللغة، أمّا إمكانه فضروريٌّ، إذ لا امتناع في أن يضع واحد أو اثنان لفظين لمعنى واحد .
أمّا مع تغاير الواضع فلفائدة الوضع، وأمّا مع اتّحاده فلاتّساع العبارة، وكثرة العلامات والدلائل، وتحصيل الرّويّ والسجع، وتيسير النظم، وتسهيل القافية والزِنّة، والتجنيس، والمطابقة، وغير ذلك.
وأمّا الوقوع فظاهر، فإنّ معنى «جلوس» و «قعود» واحدٌ، ومعنى «أسد» و «ليث» و «سبع» واحدٌ، وغير ذلك .
والتخريجات الّتي يذكرها الاشتقاقيّون لا ضرورة إليها ولا دليل عليها.
احتجّ المانعون بوجوه:
الأوّل: فائدة الوضع ـ وهي إعلام الغير ما في الضمير ـ تحصل بأحد اللّفظين، فيكون وضع الثاني خالياً عن الفائدة، وهو عبثٌ لا يجوز صدوره عن الحكيم.
في غاية المترادف    
الثاني: الغالب في الاستعمال تكثّر المسمّيات عندكثرة الأسماء،

صفحه 205
فيكون راجحاً على المتّحد من المسمّيات عند تعدّد الأسماء، وأقرب إلى تحصيل غرض أهل الوضع، فيكون هو الأصل.
الثالث: حفظ اللّفظ الواحد أخفّ مؤنةً من حفظ الزّائد عليه إذا أفاد فائدته، والأصل التزام أعظم المشقّتين لتحصيل أعظم الفائدتين والأدنى للأدنى.
الرابع: يلزم أحد الأمرين وهو إمّا حصول المشقّة لكلّ أحد أو الإخلال بالفهم، وانتفاء فائدة الوضع، والتالي بقسميه باطل .
بيان الشرطيّة: أنّ الوضع إذا تكثّر واتّحد المسمّى لم يخل إمّا أن يحفظ الجميع، فيلزم المشقّة، أو البعض فيلزم الثاني، لجواز أن يحفظ بعض النّاس أحد اللفظين والبعض الآخر الثاني، فلا تحصل فائدة التفاهم عند التخاطب.
والجواب عن الأوّل: المنع من عدم الفائدة، وقد بيّناها.
وعن الثاني: أنّ الأغلبيّة غير مانعة من الوقوع، كما في المجاز والمشترك.
وعن الثالث: أنّ المشقّة منتفية بأن يحفظ البعض دون الجميع، ولا يلزم الإخلال بالفهم، لأنّ ذلك البعض يحفظه كلّ الناس، وهو الجواب عن الرابع.

المبحث الثالث: في غايته

المترادف إن كان من قبيلتين وهو الأكثريّ من سببه كان اتّفاقيّاً، وذلك بأن تضع قبيلةٌ لفظاً لمعنى، ثمّ تضع قبيلةٌ أُخرى لفظاً آخرَ لذلك المعنى من غير شعور لها بالوضع الأوّل، ثمّ يشيع الوضعان، فيحصل التّرادف .
وإن كان من قبيلة واحدة فله فائدتان:
إحداهما: تسهيل الاقتدار على الفصاحة، فإنّه قد يمتنع1 وزن البيت

1 . في «أ»: قد يمنع .

صفحه 206
بأحد اللفظين ويمكّن بالآخر، وكذا القافية، والسَّجع، والمقلوب، والمجنّس، وسائر أصناف البديع، كما بيّناه أوّلاً.
الثانية: التمكّن من التأدية للمقصود بإحدى العبارتين عند نسيان الأُخرى.
واعلم أنّ أحد المترادفين إذا كان أظهر عند بعض النّاس كان خفيّاً بحسب الاسم الآخر، وقد ينعكس الأمر بالنسبة إلى قوم آخرين، وقد ذهب قوم من المتكلّمين إلى أنّ معنى الحدّ هو تبديل لفظ خفيّ بلفظ أوضح منه عند السّائل.
وهو خطأٌ، فإنّ الحدّ يدلّ بالتفصيل على ما يدلّ عليه الاسم بالإجمال.

المبحث الرابع: في صحّة إقامة أحد المترادفين بدل صاحبه

اختلف النّاس في ذلك فأجازه المحقّقون، ومنع منه جماعة منهم فخر الدين الرازي1 .
في التأكيد   
والحقّ الأوّل، لنا:
أنّ التركيب والاستناد بالفاعليّة أو المفعوليّة أو غيرهما بالقصد الأوّل وبالذّات عارضٌ للمعاني، وثانياً وبالعرض للألفاظ.
فإذا اتّحدت المعاني وصحّ الاستناد جاز بأيّ عبارة كان، فإنّه لمّا صحّ نسبة معنى القعود إلى زيد، جاز أن تقول: قعد زيد وجلس.
ولمّا امتنع نسبة المعنى إلى واجب الوجود تعالى2 استحال نسبة المعنى

1 . المحصول : 1 / 95 .
2 . في «أ» و «ج»: ولمّا امتنع المعنى بالنسبة إلى واجب الوجود تعالى .

صفحه 207
إليه بالعبارتين معاً، وأيّ عاقل يرضى لنفسه منع استناد المعنى إلى غيره إذا عبّر عنه بلفظ مع صحّة نسبة ذلك المعنى إلى ذلك الغير بلفظ آخر، وهل للعبارات مدخل في ذلك مع انّ كلاً من المترادفين يفيد عين ما يفيده الآخر وضمّ المعنى إلى غيره من توابع المعاني لا من عوارض الألفاظ.
احتجّوا بأنّه لو صحّ لصحّ «خدا أكبر»، والتّالي باطل فكذا المقدّم .
والجواب: المنع من الملازمة إن قصد تكبيرة الإحرام، لأنّ الصلاة يجب فيها الإتيان بالعبارات الخاصّة، لا بما يرادفها، تعبّداً شرعيّاً لا عقليّاً ولا لغويّاً، وإن قصد غيرها جوّزناه، ومنعنا انتفاء التّالي.
على أنّ جماعة من الفقهاء جوّزوا ذلك مطلقاً .
سلّمنا المنع مطلقاً لكن إنّما لم يجز ذلك لاختلاف اللّغتين، فلِمَ قلُتم بالمنع في اللّغة الواحدة؟

المبحث الخامس: في التأكيد

التأكيد هو: اللّفظ الموضوع لتقوية ما يفهم من لفظ آخر1.
وفيه نظر، فإنّ التأكيد معنى يغاير اللفظ، بل الأجود أنّه تقوية المعنى بلفظ موضوع لها أو للمعنى .
فقولنا: «بلفظ» احترزنا به عن تقوية المعنى بغير الألفاظ من الإشارات والحركات .

1 . كذا عرّفه الرازي في «المحصول»: 1 / 95 .

صفحه 208
وقولنا: «موضوع لها» أردنا به مثل «كلّ» و «جميع» وغيرهما من ألفاظ التأكيد .
وقولنا: أو «للمعنى» ليدخل فيه تأكيد اللفظ بنفسه، مثل قام زيدٌ زيدٌ، أو بمرادفه مثل رأيت أسداً ليثاً .
وهذا الأخير خارج من الحدّ الأوّل.
واعلم أنّ التّأكيد إمّا أن يكون بنفس اللفظ، إمّا في الجمل مثل: «والله لأغزونّ قريشاً والله لأغزونّ قريشاً»، أو في المفردات، نحو: فنكاحها باطلٌ باطلٌ باطلٌ.
أو يكون بغيره، وهو إمّا أن يخصّ بالمفرد، وهو لفظ «النفس» و «العين» أو «المثنّى» وهو «كلا» و «كلتا» أو الجمع، وهو أجمعون وتوابعه، وكلٌّ، وهو أُمّ الباب.
وقد يدخل على الجمل مقدّماً عليها كـ «أنّ» الناصبة وما يجري مجراها .
واعلم أنّ جماعة الملاحدة منعوا من التأكيد لما فيه من التكرير الخالي عن الفائدة .
وهو خطأ، أمّا جوازه فمعلوم قطعاً، وأمّا وقوعه فباستقراء اللّغات، والقرآن يدلّ عليه .
وأمّا إفادته فتقوية المعنى، والدلالة على شدّة اهتمام القائل به، إلاّ أنّه متى أمكن حمل اللفظ على غير التأكيد كان أولى من حمله عليه، لما فيه من تكثّر فوائد الألفاظ .

صفحه 209
   
 
الفصل الخامس

في مباحث الاشتراك

وهي ثمانية

المبحث الأوّل:

اللّفظ المشترك هو اللّفظ الواحد الموضوع لأزيد من معنى واحد وضعاً أوّلاً من حيث هي متعدّدة .
فخرج بقولنا: «الواحد» الألفاظُ المتباينة وبقولنا: «لأزيد من معنى واحد» الألفاظُ المفردة.
وقولنا: «وضعاً أوّلاً» احترازٌ عمّا يدلّ على شيء بالحقيقة وعلى آخر بالمجاز.
وقولنا: «من حيث هي متعدّدة» عن الألفاظ المتواطئة، فإنّه يتناول الماهيّاتِ المختلفةَ، لكن لا من حيث هي مختلفةٌ، بل من حيث اشتراكها في معنى واحد .1

1 . كذا قال الرّازي في المحصول : 1 / 97 .

صفحه 210
في إمكان الاشتراك   
وفيه نظرٌ، فإنّ المتواطئ يخرج بقولنا «لأزيد من معنى واحد» لأنّه وضع لمعنى واحد، نعم هو متناولٌ لأفراده تبعاً لتناول المعنى المشترك لها .
والأجود أن يقال: هو اللّفظ ا لواحد المتناول لعدّة معان من حيث هو1كذلك بطريق الحقيقة على السواء .
فبالقيد الأوّل خرجت الألفاظ المتباينة، وبالثاني العلَم، وبالثالث المتواطئ، وبالرابع ما يتناوله للبعض حقيقةً وللبعض مجازاً، وبالخامس المنقول.

المبحث الثاني: في إمكانه

اختلف النّاس في ذلك على ثلاثة أقوال، طرفان وواسطة، فذهب قوم إلى وجوب المشترك في اللغة، وآخرون إلى امتناعه.
والحقّ الإمكان، لنا:
أنّه لا امتناع في أن تضع قبيلةٌ لفظاً لمعنى، وتضعه أُخرى لآخر، ويشيع الوضعان، ويحصل الاشتراك.
وأيضاً الوضع تابع لأغراض المخاطبين، وكما يتعلّق غرض
المخاطِبِ بإعلام المخاطَبِ ما في ضميره على سبيل التفصيل، كذا يتعلّق
غرضه بإعلامه على سبيل الإجمال، وهو كثير الوقوع، فوجب في الحكمة
وضع المشترك تحصيلاً لفائدة العلم الإجمالي، كما وجب في الحكمة

1 . في «ج»: هي .

صفحه 211
وضع المفرد تحصيلاً لفائدة العلم التفصيليّ.
احتجّ الموجبون بوجهين:
الأوّل: الألفاظ متناهيةٌ، والمعاني غيرُ متناهية، والمتناهي إذا وُزّع على غير المتناهي، لزم الاشتراك.
أمّا الأُولى، فلتركّبها من الحروف المتناهيةِ، فتكون متناهيةً.
وأمّا الثانية، فلأنّ أحد المعاني الموجودة، العدد، وهو غير متناه.
وأمّا الثالثة، فضروريّة.
الثاني: الألفاظ العامّة: كالوجودِ والشّيءِ، ضروريّة في اللّغات، وقد ثبت أنّ وجود كلّ شيء نفس ماهيّته، فيكون وجودُ كلّ شيء مخالفاً لوجود غيره، فيكون قولُ الموجود عليها بالاشتراك .
والجواب عن الأوّل: من المنع من تناهي المركّب من الحروف المتناهية إلاّ أن يكون ما يحصل من تضاعيف التّركيبات متناهيةً، والسند أسماء العدد والأمزجة.
واعلم أنّ التركيب الثّنائي يحتمل قسمين، والثّلاثي ستّة، والرّباعيّ أربعة وعشرين، والخماسي مائة وعشرين، والسُّداسيّ سبعمائة وعشرين وهكذا.
سلّمنا، لكنّ المعاني المعقولة الّتي تحتاج إلى التعبير عنها مُتناهيةٌ، لأنّهم إنّما يقصدون التعبير عن المعاني المعقولة عندهم، وما لا يتناهى يستحيل تعقّله على التفصيل.
سلّمنا، لكنّ غيرالمتناهى إنّما هو جزئيّات الكليّات، أمّا الكلّيات فلا،

صفحه 212
وإذا وضع اللفظ للكليّ، حصل الغرض من الوضع لكلّ معنى، من غير لزوم اشتراك.
سلّمنا، لكنّ الألفاظ المتناهية إذا دلّ كلُّ واحد منها على معان متناهية، لم تكن الألفاظ المتناهية دالّةً على معان غير متناهية، فإنّ تضعيف المتناهي مرّات متناهية، يكون متناهياً .
وإن دلّت هي أوبعضها على معان غيرِ متناهية، كان ]القول به [ مكابرةً .
وعن الثاني: بالمنع من الحاجة إلى الألفاظ العامّة في اللغات .
سلّمناه لكن لا نسلّم كونَ وجود كلّ ماهيّة، نفسَ حقيقتها، فإنّه قد ظهر في علم الكلام، أنّ الوجود معنى واحد مشترك بين الموجودات .
سلّمنا، لكن جاز اشتراك الموجودات كلّها في معنى واحد غير الوجود، وهو المسمّى بتلك اللفظة العامّة .
واحتجّ القائلون بالامتناع بأنّه مُخلٌّ بالمقصود، فلا يكون موضوعاً .
بيان الأول: أنّ القصد من الوضع إعلام الغير ما في ضمير المتكلّم، وهو إنّما يحصل لو كان اللّفظ الواحد، له معنى واحد، فإنّ مع تعدّد المعاني لا يفهم المخاطَبُ قصدَ المتكلّم، فتختلّ فائدةُ الوضع .
في وقوع الاشتراك   
والجواب ما قدّمناه أوّلاً، من أنّ الغرض كما يتعلّق بالإعلام التفصيليّ، كذا يتعلّق بالإعلام الإجماليّ، ثمّ لو قصد التفصيل، أمكن المصير إليه بضمّ القرينة.
سلّمنا، لكن يحصل الإعلام الناقص، ونقصه لا يوجب عدمه، كأسماء الأجناس، فإنّها غير دالّة على أحوال مسمّياتها.

صفحه 213
 
المبحث الثالث: في وقوعه
اختلف المجوّزون لوجوده في ثبوته، فذهب المحقّقون إليه، ونفاه شواذّ.
والحقّ الأوّل، لنا :
أنّ القرء للطّهر والحيض معاً على البدل من غير ترجيح، وإذا سمعه المخاطَبُ لم يفهم أحدَهما، بل يبقى الذهن متردّداً بينهما، إلاّ أن يحصل قرينة تعيّن المراد منهما، فكان مشتركاً بينهما، إذ لو كان متواطئاً، أو حقيقةً في أحدهما ومجازاً في الآخر، لم يحصل التردّد .
لا يقال: جاز أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى مشترك بينهما، وخفي علينا، أو لأحدهما بخصوصه واستعمل في الآخر مجازاً، ثمّ خفي المجاز منهما وشاعا معاً، و كلاهما أقرب من الاشتراك، لما يأتي من أنّ المجاز أولى منه.
ومن أنّ الانفراد أولى أيضاً، والمتواطئ منفرد.
لأنّا نقول: أحكام اللغات لا تنتهي إلى القطع المانع من الاحتمالات البعيدة، وما ذكرتموه احتمالٌ بعيدٌ.
وأيضاً فإنّه لا يبقى كونه الآن حقيقة فيها، وهو المقصود .
وأيضاً، الموجودُ حقيقةٌ في القديم تعالى والحادث قطعاً، إذ لو كان المجاز في أحدهما صحّ نفيه، فإن كان نفس الماهيّة، ثبت الاشتراك، وإن كان صفةً زائدةً فكذلك، لأنّه واجبٌ في القديم وممكنٌ في الحادث، فلو تساوى الوجودان، لزم تساويهما في الوجوب أو الإمكان، وهو مُحالٌ .

صفحه 214
قيل: الوجوبُ والإمكانُ لا يمنع التواطؤ، كالعالم والمتكلّم .
وليس بجيّد، لأنّهما وصفان لازمان، لامتناع انفكاك الوجود عنهما، واختلاف اللّوازم يدلّ على اختلاف الملزومات .
واحتجّ المانعون بما تقدّم من اختلال الفهم، وما يدّعى اشتراكه، فهو إمّا متواطئٌ، أو حقيقةٌ في أحدهما مجازٌ في الآخر كالعين، فإنّه وُضع أوّلاً للجارحة المخصوصة.
فيما ظنّ أنّه مشتركٌ وهو متواطئٌ وبالعكس   
ثمّ نقل إلى الدّينار، لوجود الصفاء والغرّة فيهما .
وإلى الشمس، للاشتراك في الصفاء والضياء، وإلى الماء، للمعنيين.
والجواب: قد بيّنا عدم المفسدة، وهذه التخيّلات لم يقم عليها برهان .
تذنيب: اختلف القائلون بوقوع المشترك في اللغة، هل وقع في القرآن؟ فذهب المحقّقون إليه، خلافاً لشذوذ .
لنا: قوله تعالى: (ثَلاَثَةَ قُرُوء)1 .
و قوله: (وَ اللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ)(2) وهو موضوع لـ «أقبل» و «أدبر» .
احتجّ المانعون بأنّ المقصود منه إن كان هو الإفهام، فإمّا أن يوجد معه القرينة الدالّة على أحد معانيه أو لا .
والأوّل، تطويلٌ من غير فائدة .
والثاني، يلزم منه تكليف ما لا يُطاق، إذ طلب فهم معنى من لفظ يدلّ عليه وعلى غيره بالسويّة، تكليفٌ بالمحال .

1 . البقرة: 228 .   2 . الانفطار: 17 .

صفحه 215
وإن كان المقصود منه غيرَ الإفهام، كان عبثاً ممتنعاً على الحكيم تعالى.
والجواب: المنع من انتفاء الفائدة مع التطويل، فإنّ الفائدة وهي التكليف بالنظر في تحصيل القرينة ثابتة.
سلّمنا، لكن لا نسلّم التكليف بالمحال لو انتفت القرينة، فإنّ ذلك إنّما يحصل لو قلنا: إنّه مكلّفٌ بالتّعريف التفصيليّ، أمّا الإجماليّ فلا، كأسماء الأجناس، وفي الأحكام الاستعدادُ للامتثال مع البيان، فإنّ ذلك سبب لنيل الثواب بالعزم على الفعل الّذي يتبيّن بعد.

المبحث الرابع: فيما ظنّ أنّه مشتركٌ وهو متواطئٌ وبالعكس

اعلم أنّ بين المشترك والمتواطئ اشتراكاً، ربما ظنّ بسببه في أشياء من أحدهما1 أو من الآخر.
فالأوّل كقولنا: «مبدأ» للنقطة، والآن، ظنّ أنّهما من قبيل المشترك، لأجل اختلاف الموضوع المنسوب إليه، وهو الخطّ والزّمان .
وليس كذلك، فإنّ إطلاق المبدأ عليهما إنّما هو بالنظر إلى أنّ كلّ واحد منهما أوّل لشيء، لا باعتبار كون ذلك الشيء خطّاً أو زماناً، فهو من المتواطئ.
وأمّا الثاني فكقولنا: «خمريٌّ» للعنب، باعتبار أنّه يؤول إلى الخمر، وللّون الشبيه بلون الخمر، وللدّواء إذا كان يسكر كالخمر، أو كان الخمر جزءاً منه، فإنّه لمّا اتّحد الخمر، وهوالمنسوب إليه، ظُنّ أنّه متواطئ .
وليس كذلك، فإنّ اسم «الخمريّ» وإن اتّحد المنسوب إليه، إنّما كان بسبب النسب المختلفة إليه، ومع الاختلاف فلا تواطؤ.

1 . أي من المتواطئ وهو مشتركٌ أو بالعكس .

صفحه 216
ولو نظر إلى أنّ إطلاق اسم «الخمريّ» في هذه الصّور، باعتبار أمر اشتركت فيه، من عموم النسبة وقطع النظر عن خصوصيّاتها، كان متواطئاً.
في أقسام المشترك   

المبحث الخامس: في أقسام المشترك

قد بيّنا أنّه لا مناسبة بين المعاني والألفاظ، وإنّما الوضع تابع للقصد، ولمّا جاز تعدّد الواضعين، أو تعدّد الوضع مع اتّحاد الواضع، جاز وضع اللفظ الواحد لمعنيين متباينين، ومتلازمين.
فالأوّل، كالقرء الموضوع للطّهر والحيض، وهما متباينان، وكالجون الموضوع للسّواد والبياض، وهما ضدّان .
وأمّا الثاني، فقد يكون أحد المعنيين جزءاً من الآخر، كالممكن الموضوع للعامّ بخصوصيّة، وللخاصّ بخصوصيّة، والعامّ جزء من الخاصّ، وكذا كلّ جنس سمّي باسم نوعه.
وهذا اللّفظ كما أنّه يقع على المعنى الجنسيّ والنوعيّ بالاشتراك، فكذا يقال على النّوعيّ وحده بالاشتراك باعتبار مفهومه.
وقد يكون صفة، كشخص أسود سمّي بالأسود، فإنّ صدق الأسود عليه، باعتبار أنّه لقب له، مغاير لاعتبار أنّه مشتقّ، وهو مقول عليه بالاشتراك .
ثمّ إنّا إذا اعتبرنا لون ذلك الشخص، ونسبناه إلى «القار» كان قول الأسود عليه وعلى «القار» بالتواطؤ، وإن اعتبرتَ اسمَه، كان قول الأسود عليه وعلى «القار» بالاشتراك.
واعلم أنّ اللّفظ المشترك، قد يكون كلّيّاً في كِلا مفهوميه، كالعين،

صفحه 217
وقد يكون في أحدهما، كعبد الله، وقد يكون جزئيّاً فيهما، كزيد .
وأيضاً، قد يقع على الشيء وعلى صفته، كالأسود الّذي تمثّلنا به أوّلاً، أو عليه وعلى وصفه، كالمُقبِل إذا سمّي به من له إقبال .
والفرق: أنّ الأوّل وهو السّواد غير محمول، بخلاف الثاني.

تنبيه

ذهب فخر الدين الرّازي إلى أنّه لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركاً بين عدم الشيء وثبوته، لأنّ اللفظ لابدّ وأن يكون بحال: متى أُطلق أفاد شيئاً، وإلاّ كان عبثاً، والمشتركُ بين النفي والإثبات، لا يفيد إلاّ التردُّدَ بينهما، وهو معلومٌ لكلّ أحد.1
وليس بجيّد، إمّا أوّلاً، فلأنّ هذا لو تمّ، لكان ممتنعاً من القبيلة الواحدة، وأسبابُ الاشتراك غيرُ منحصرة في ذلك، ولا يتمّ بالنسبة إلى قبيلتين، فإنّه من المحتمل: أن تضع قبيلةٌ لفظاً لمعنى، ثمّ تضع أُخرى ذلك اللّفظ لنقيضه، فيحصل الاشتراك .
وإمّا ثانياً، فإنّه قد يحصل أمر زائد على ما كان قبل الوضع، كالأمر بالاعتداد بالأقراء، فإنّ القرء مشترك بين الحيض والطّهر، وهما نقيضان، أو عدمٌ وملكةٌ .

1 . المحصول : 1 / 100 .

صفحه 218
في أنّه هل يجوز استعمال المشترك المفرد في معنييه؟   
 
فائدة :
للاشتراك سببان:
أكثريٌّ وهو: أن تضع القبيلتان اللّفظَ الواحدَ لمعنيين بالتّوزيع، ويشتهرانِ معاً، فيحصل الاشتراك .
وأقليٌّ وهو أن يتّحد الواضع، ويكون غرضُهُ التمكّنَ من الكلام بالمجمل، فإنّه أمرٌ مطلوبٌ تتعلّق به مصالحُ العقلاء أحياناً .
]فائدةٌ[ أُخرى:
العلم بالاشتراك قد يكون ضروريّاً بأن يسمع تصريح أهل اللّغة به، وقد يكون نظريّاً بأن توجد علامات الحقيقة في كلا المعنيين .
وقيل: إنّ الاستعمال وحسن الاستفهام يدلاّن عليه1 وسيأتي.
المبحث السادس: في أنّه هل يجوز استعمال المشترك المفرد في
                     معنييه؟
اختلف الناس في ذلك، فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر، والجُبائيّ، والقاضي عبد الجبّار بن أحمد2، والسيّد المرتضى3 إلى جوازه إن أمكن

1 . قال الأرموي: ومن الناس من جعل حسن الاستفسار عن مراد اللافظ دليل الاشتراك، وكذلك شيوع الاستعمال. الحاصل من المحصول: 1 / 327 .
2 . هو أبو الحسن أحد أئمّة المعتزلة، ويلقّب عندهم بـ «قاضي القضاة» ولم يمنحوا هذا اللقب لغيره، وله مصنّفات منها: «تنزيه القرآن عن المطاعن» و «شرح الأُصول الخمسة» و «المغني في أبواب التوحيد والعدل» مات سنة 415 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 3 / 273 .
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 17 .

صفحه 219
الجمع، وإن لم يمكن كاستعمال صيغة افعل في الأمر بالشيء والتهديد عليه، لم يجز .
ثمّ قال الشافعي والمرتضى وعبد الجبّار: مهما تجرّد اللفظ عن القرينة الصّارفة إلى أحد معنييه، وجب حمله عليهما معاً .
ومنع منه أبو هاشم وأبو عبد الله وأبو الحسين البصري والكرخي1وفخر الدين الرازي2.
ثمّ قال أبو عبد الله البصري3: يجب أن يعتبر فيه أربع شرائط: كون الكلام واحداً، والمعبّر واحداً، والوقت واحداً، والمعنيين مختلفين .4
ثمّ اختلفوا فمنهم من منع منه لأمر يرجع إلى القصد، ومنهم من منع لأمر يرجع إلى الوضع، وهو اختيار أبو الحسين البصري5، والغزالي6، وفخر الدين الرّازي.
وهو الأقرب، لنا:

1 . أبو الحسن الكرخي عبيد الله بن الحسين المتوفى سنة 340 هـ كان معتزليّاً أخذ الكلام عن أبي عبد الله البصري المعتزلي، وله رسالة في الأُصول، عليها مدار فروع الحنفيّة. انظر الأعلام للزركلي: 4 / 193، وطبقات الفقهاء: 4 / 257 .
2 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 102 .
3 . الحسين بن علي بن إبراهيم الملقب بالجُعل، فقيهٌ من شيوخ المعتزلة ولد في البصرة ومات ببغداد سنة (369 هـ). لاحظ الاعلام للزركلي: 2 / 244 .
4 . نقله عنه في المعتمد: 1 / 300 .
5 . المعتمد: 1 / 300 .
6 . المستصفى: 2 / 141 .

صفحه 220
أنّ اللفظ موضوعٌ لكلّ واحد من المعنيين بخصوصية، ولا يلزم من كون اللفظ موضوعاً لهما على البدل وضعُهُ لهما على الجمع، للتغاير بين المجموع وبين أفراده، فحينئذ نقول: إمّا أن يكون الواضع قد وضعه للمجموع، كما وضعه لكلّ واحد من جزئه أو لا.
فإن كان الأوّل، كان استعمال اللفظ في المجموع استعمالاً له في
بعض موارده، لأنّ اللفظ حينئذ يكون موضوعاً لمعان ثلاثة: الفردان، والمجموع.
إلاّ أن يقال: إنّه مستعمل في المجموع وكلّ من الفردين على سبيل الجمع، لكن ذلك محالٌ، لأنّ إفادةَ المجموع تقتضي عدمَ الاكتفاء بكلٍّ من الفردين بدلاً عن صاحبه، وإفادةَ الإفراد تقتضي الاكتفاء بأيّهما كان، والجمع بينهما محالٌ.
وإن لم يكن موضوعاً للمجموع، كان استعماله فيه استعمالَ اللفظ في غير ما وضع له، فيكون مجازاً (ولاستلزامه كون كلّ لفظ مشترك، مشتركاً بين ما لا يتناهى) 1 .
اعترض ]بوجوه[ :
]1[ ـ بأنّ النزاع في استعماله في كلّ واحد من المفهومات، لا في كلّها، وبينهما فرقٌ.
]2[ ـ ثمّ استعمال اللّفظ في معنى لا يوجب الاكتفاءَ به مع استعماله في

1 . ما بين القوسين يوجد في «أ» و «ج».

صفحه 221
غيره معه، كاستعمال العامّ في كلّ واحد من أفراده وأفراد أنواعه .
]3[ ـ وأيضاً المحال المذكور يلزم من استعماله في كلّ واحد من
الفردين، فلا حاجة إلى عدم التلازم بين الوضع لكلّ واحد على البدل
وعلى الجمع .
]4[ ـ وأيضاً إن عنى بالوضع ما يعمّ الحقيقة والمجاز، لم يستلزم من استعمال اللفظ في جميع معانيه استعماله في المجموع.
وإن عنى به المختصّ بالحقيقة لا يلزم من عدمُ الوضع له عدم جواز استعماله فيه.1
والجواب: أنّ الخلاف لم يقع في استعمال اللفظ في كلّ واحد من معانيه بل في الجميع جمعاً، فإنّ أحداً لم يخالف في استعماله في كلّ واحد منهما.
والتحقيق أنّ استعماله في كلّ واحد يؤخذ باعتبارات ثلاثة، وضعه لكلّ واحد بشرط عدم انضمام غيره إليه، وبشرط انضمامه، ومطلقاً .
والثاني غيرُ مراد إجماعاً .
والأوّل ينافي المجموع .
والنزاع في الثالث.
قوله: استعمال اللفظ في معنى لا يوجب الاكتفاء به، مع استعماله في غيره كاستعمال العامّ .

1 . الاعتراضات الأربعة نسبها في نفائس الأُصول في شرح المحصول إلى سراج الدين: 1 / 385 .

صفحه 222
قلنا: المراد بالاستعمال هنا، الاقتصار على ما فرض مستعملاً فيه، فإنّ الشارع لو قال لها: «اعتدّي بالقرء» وأراد به الحيض بخصوصه، والطهر بخصوصه، والمجموع، كان معناه: أنّكِ متعبّدة بالاعتداد بأحدهما أيّهما كان، وبالمجموع، وذلك يقتضي التناقض، كما قدّمناه، بخلاف العامّ، فإنّه يتناول جميع الأفراد جمعاً .
قوله: المحال يلزم من استعماله في كلّ واحد من المفردين، فلا حاجة
إلى عدم التلازم بين الوضع لكلّ واحد على البدل، والوضع لكلّ واحد
على الجمع.
قلنا: المحال لم يلزم من استعماله في كلّ واحد من المفردين، فإنّ ذلك ممكن، فإن أمكن الاجتماع، حمل عليها معاً، لكن بقرينة صارفة إليه، وإن لم يمكن، كان الحكم فيه التخيير .
وإنّما نشأ المحال من استعماله في كلّ واحد بخصوصه وفي المجموع، إذ استعماله في كلّ واحد بخصوصه، يقتضي عدمَ اعتبار الجمع، واستعماله في المجموع، يقتضي وجوب اعتباره .
قوله: إن عنى بالوضع ما يعمّ الحقيقة والمجاز، لم يلزم من استعمالِهِ في جميع معانيه استعمالُهُ في المجموع .
قلنا: المراد الحقيقة خاصّة .
قوله: يجوز استعماله .
قلنا: مجازاً، ونحن نسلّمه .

صفحه 223
قيل على أصل الدّليل1: «إنّه مبنيّ على أنّ الاسم المشترك موضوع لأحد مسمّياته على سبيل البدل حقيقةً، وليس كذلك عند الشافعي والقاضي أبي بكر، بل هو حقيقة في المجموع، كسائر الألفاظ العامّة.
ولهذا، فإنّه إذا تجرّد عن القرينة عندهما، وجب حمله على الجميع، وإنّما فارق باقي الألفاظ العامّة، من جهة تناوله لأشياء لا تشترك في معنىً واحد يصلح أن يكون مدلولاً للفظ، بخلاف باقي العمومات .
فنسبة اللّفظ المشترك في دلالته إلى جملة مدلولاته وإلى أفرادها، كنسبة غيره من الألفاظ العامّة إلى مدلولاتها، جملةً وإفراداً.
وحينئذ، بطل ما قيل من التّقسيم المبنيّ على أنّ اللفظ المشترك، موضوعٌ لأحد مسمّياته على طريق البدل حقيقةً، ضرورةَ كونه مبنيّاً عليه، وإنّما هو لازم على مشايخ المعتزلة، حيث اعتقدوا كونَ اللفظ المشترك موضوعاً لأحد مسمّياته حقيقةً على طريق البدل».
وهذا الكلام ليس بجيّد، لأنّه إنكارٌ للمشترك بالكليّة، ونحن إنّما بحثنا على تقدير وجوده .
وبيانه: أنّ المشترك نعني به اللّفظَ الموضوعَ لحقيقتين على البدل، لا على الجمع، وإلاّ لم يكن مشتركاً .
وقد احتجّ أبو عبد الله البصري2 على المنع: بأنّ الواحد منّا إذا رجع إلى نفسه، علم استحالة أن نريد بالعبارة الواحدة الحقيقتين، ولو ساغ ذلك في الله

1 . القائل هو الآمدي في الأحكام : 2 / 361 .
2 . تقدّمت ترجمته .

صفحه 224
تعالى ساغ فينا، وهذا يستحيل، كما يستحيل أن نريد بالفعل الواحد تعظيمَ زيد والاستحقارَ به .1
وليس بجيّد، لأنّا نمنع استحالة ذلك، والقياس على التعظيم والاستخفاف بزيد، باطلٌ، إمّا أوّلاً، فلعدم الجامع، وإمّا ثانياً، فللفارق، وهو اتّحاد الشّخص.
واحتجّ المجوّزون بوجوه:
الأوّل: يجب أن تعتبر العبارة وما به تكون عبارة عمّا هي عبارة عنه، فإن منع أحدهما من إرادة المعنيين المختلفين، قُضِيَ به، وإلاّ قُضِيَ بجوازه، وينبغي أن لا يعتبر غيرهما2 .
لأنّ الكلام، إنّما هو فيما يجوز أن يراد بالعبارة الواحدة، فلا مدخل لغير العبارة، وما به يكون عبارة عنه في ذلك، ولهذا لا مدخل، لاستحالة اجتماع الضدّين في استحالة إرادة معنيين مختلفين بالعبارة الواحدة.
أمّا اعتبار العبارة الواحدة، فإنّا نمنع إرادة المعنيين منها لأمر يرجع إليها، بأن لا تكون العبارة مستعملة لأحدهما في اللّغة، لا حقيقةً ولا مجازاً، فلا يجوز أن يراد بها، ما كان المتكلّم بها متّبعاً لهم في اللغة .
وأمّا اعتبار ما به تكون العبارة عبارةً عمّا هي عبارةٌ عنه، فهو الإرادة والكراهة، ومعلومٌ أنّه لا يستحيل أن يريد الإنسانُ المعنيين المختلفين، فوجود العبارة، لا يمنع من اجتماع هاتين الإرادتين، لأنّهما لا يدخلهما أن يكونا ضدّين، ولا تجريان مجرى الضدّين، فتجب صحّة وجود هاتين الإرادتين، وهو متكلّم بالعبارة الواحدة .

1 . نقله عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1 / 301 .
2 . في «ج»: ولا ينبغي أن يعتبر غيرهما .

صفحه 225
أمّا الّذي يمنع منه، فهو أن نريد بالعبارة الخصوصَ والاقتصار عليه، ونريد العموم، لتنافيهما .
وبعبارة أخرى: لو قدّرنا عدم التكلم بلفظ القرء، لم يمتنع الجمع بين إرادة الاعتداد بالحيض، وإرادة الاعتداد بالطّهر، فوجود اللفظ لا يُحيل1 ما كان جائزاً.
الثاني: الصّلاة من الله تعالى هي الرحمةُ ومن الملائكة الاستغفارُ، ثمّ
إنّه تعالى أراد بهذه اللفظة كلا المعنيين في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي)(2).
الثالث: قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ)2 والمراد بالسّجود هنا الخشوع، لأنّه المقصود من الدّوابّ، ويراد أيضاً وَضْعُ الجَبْهة على الأرض، لأنّ تخصيص كثير من الناس بالسجود، دون غيرهم ممّن حَقَّ عليه العذابُ، مع استوائهم في السجود بمعنى الخشوع، يدلّ على أنّ المراد بالسجود وَضْعُ الجَبْهة.
الرابع: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)3 وأراد به الطهر والحيض معاً، فإنّ المجتهدة متعبّدةٌ بكلّ واحد منهما بدلاً عن صاحبه، بشرط أن يؤدِّي اجتهادها إليه.

1 . في «ب» و «ج» : لا يختلّ .         2 . الأحزاب: 56 .
2 . الحجّ: 18 .
3 . البقرة: 228 .

صفحه 226
الخامس: قال سيبويه1: قولُ الإنسان لغيره «الويل لك» دعاءٌ وخبرٌ.
السادس: يجوز لاثنين ارادة المعنيين، وهما حينئذ جاريان على قانون اللغة، فليجز من الواحد .
والجواب عن الأوّل: أنّ اعتبار العبارة أن يمنع من ذلك، لما بيّنا من أنّ الواضع إنّما وضع اللّفظ للأفراد على سبيل البدل، ولم يضعه للمجموع من حيث هو مجموعٌ .
سلّمنا، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون المانع هو الإرادة.
بيانه: أنّ المتكلّم بالمشترك، إمّا أن يريد الحقيقة أو المجاز، فإن أراد المجاز، جاز أن يراد المجموع، ولا منازعة حينئذ .
وإن أراد الحقيقة، قلنا: اللّفظ حقيقةٌ في كلٍّ من المعنيين بخصوصه، فإذا أراد هذا المعنى، لم يرد المجاز أعني المجموع، وإلاّ لزم التناقض، كما بيّناه .
وعن العبارة الأُخرى: أنّه لا منازعة في إرادة الشيئين، لكن من اللّفظ الواحد .
وعن البواقي بوجوه:
أحدها: يجوز إرادة المجموع مجازاً.
ثانيها: يجوز أن تكون هذه الألفاظ الخاصّة، موضوعةً للمجموع، كما وضعت للآحاد، فإذا أريد المجموع، كان إرادة معنى واحد من معاني المشترك.
ثالثها: يجوز أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى مشترك كالصّلاة، فإنّ

1 . تقدّمت ترجمته: 169 .

صفحه 227
مسمّاها القدر المشترك من الاعتناء، ومسمّى السّجود، المشترك بين الخضوع والانقياد، دفعاً للاشتراك والمجاز، أو يجعل «كثيرٌ حقَّ عليه العذابُ» مندرجاً تحت الساجد.

تذنيباتْ

الأوّل: جوّز بعضُ المانعين من إرادة المعنيين من المشترك المفرد، إرادةَ ذلك في الجمع، أمّا في جانب الإثبات، فلقوله: «اعتدّي بالأقراء» .
ومنعه فخر الدين الرازي، لأنّ معناه «اعتدّي بقرء وقرء وقرء»، وإذا لم يصحّ أن يفاد بلفظ «القرء» كلا المدلولين لم يصحّ ذلك أيضاً في الجمع الّذي لا يفيد إلاّ عينَ فائدة الأفراد1 .
وليس بجيّد، أمّا أوّلاً، فلأنّ الجمع تعديد الأفراد، وكما جاز أن يراد به الكلّ مع الأفراد بأن يريد بالأوّل الطهر وبالثاني الحيض، فكذا مع الجمع .
وأمّا ثانياً، فلأنّ الجمع لا يستدعي اتّحادَ أفراده في المعنى، بل في اللفظ، فإنّك لو رأيتَ عينَ الذّهب، وعينَ الشّمس، وعينَ الرّكبة، وعينَ الماء، صحّ أن تقول: رأيت عيوناً، وكذا يجمعون الأعلام المفيدة للأشخاص المختلفة.
الثاني: قولُ الشافعي و أبي بكر وعبد الجبّار بوجوب الحمل على الجميع عند التجرّد2 ليس بجيّد، لأنّه إمّا أن يكون موضوعاً للمجموع، كما وضع للأفراد، أو لا، فإن كان الأوّل، كان دائراً بين المفردين والمجموع، فحملُهُ

1 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 104 .
2 . لاحظ نفائس الأُصول: 1 / 393 ; والحاصل من المحصول: 1 / 332 .

صفحه 228
على المجموع يكون ترجيحاً من غير مرجّح، وهو باطلٌ.
وإن كان الثاني لم يجز حمله عليه ولا استعماله فيه، والاحتياط كما يكون في الحمل على المجموع قد يكون في المنع منه.
الثالث: منع أبو هاشم من إرادة المعنيين كما قلناه، وقال: إنّهما مرادان في قوله تعالى: (ثَلاَثَةَ قُرُوء) لأنّه تعالى تكلّم بالآية في وقتين، فأراد في أحدهما الطهر، وفي الآخر الحيض، ولا يلزم إثبات الآية متكرّرة في المصحف، لجواز أن تكون المصلحة في عدم التكرار، إلاّ أنّه يجب أن تنزل على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)متكرّرةً، ولا يجب أن يبلغها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلينا متكرّرة بأن يقول لنا: انّ المراد بثلاثة «قروء» الطّهر والحيض على حسب اجتهادكم.1
قيل له: فيجوز أن يسمعها جبرئيل (عليه السلام)متكرّرةً، ولا ينقلها إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)متكرّرةً، بل يَقول له انّ المراد بذلك الطّهر والحيض على حسب الاجتهاد فيجوز ذلك.
في مرجوحية الاشتراك   
الرابع: اختلف القائلون بتجويز إرادة المعنيين :
فقال بعضهم: لا يجوز أن يؤدّي اجتهاد المجتهد الواحد إلى إرادتهما معاً، وجوّزه بعضهم، ثمّ اختلفوا فمنهم من خيّر بين الأمرين حتّى إذا كانت المعتدّة مجتهدةً خيّرت بين العدّة بالحيض أو الطّهر .
ومنهم من أوجب تكرّر2 الاجتهاد حتّى يترجّح أحدهما.

1 . لاحظ المعتمد: 1 / 306 .
2 . في «ب» و «ج»: تكرير.

صفحه 229
الخامس: القائلون بالمنع من إرادة المعنيين في الجمع إثباتاً جوّز بعضهم ذلك في طرف النفي، حيث لم يقم دليلٌ قاطعٌ على أنّ الوضع ما استعمله في إفادتهما جميعاً .
وأُجيب1 بأنّ النفي إنّما يفيد رفعَ مقتضى الإثبات، فإذا لم يفد في جانب الإثبات إلاّ أمراً واحداً لم يرتفع عند النفي إلاّ ذلك المعنى الواحد.
وقد بيّنا جواز ذلك في الإثبات ففي النفي أولى.
أمّا لو قال: لا تعتدّي2 بما هو مسمّى بالأقراء يتناول الحيض والطهر معاً، وكان اللفظ متواطئاً لا مشتركاً، إذ كون كلٍّ منهما مسمّى بلفظ الأقراء معنى مشترك بينهما.

المبحث السابع: في مرجوحيّة الاشتراك

إذا دار اللفظ بين الاشتراك وعدمه كان الثاني أولى لوجوه:
الأوّل: قد بيّنا أنّ الغرض من وضع اللفظ إفهام الغير ما في الضمير، وإنّما يحصل ذلك غالباً لو اتّحد المعنى، إذ مع الاشتراك تردَّدَ ذهنُ السامع بين تلك المعاني، فلا يحصل الفهم، فتختلّ فائدة التخاطب بالمفردات، ولا يحصل غرضُ المتكلّم إلاّ مع الاستكشاف، وقد عرفت حصول الفهم، فكان الانفراد راجحاً .

1 . المحصول للرازي: 1 / 104 .
2 . في «ج»: أمّا لو قال: تعتدّي .

صفحه 230
الثاني: لولا رجحان الانفراد لم تُفد الأدلّة السّمعية الظَّنَ فضلاً عن العلم، والتالي باطلٌ إجماعاً فكذا المقدّم.
بيان الشرطّية: أنّ تلك الألفاظ كما دلّت على ما فهمناه تحتمل دلالتها على غيره احتمالاً متساوياً، فلا يجوز الحمل على المفهوم، لاستلزامه الترجيح من غير مرجّح.
الثالث: الانفراد أغلب فيكون أرجح .
أمّا المقدّمة الأُولى فاستقرائيّةٌ .
وأمّا الثانية، فلأنّ الكثرة تفيد ظنَّ الرّجحان.
لا يقال: بل الاشتراك أغلب، فإنّ الكلمة امّا اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ، وكتب النحو شاهدة باشتراك الحروف .
وأمّا الفعل كالماضي والمستقبل مشتركانِ بين الخبر والدعاء، والمضارع مشتركٌ بين الحال والاستقبال .
وأمّا الأمر فمشترك بين الوجوب والندب .
وأمّا الاسم فالاشتراك فيه كثيرٌ، فإذا ضمّ إليه الأفعال والحروف غلب الاشتراك على الانفراد.
لأنّا نقول: الأصل في الكلام الأسماء، والاشتراك فيها نادرٌ وإلاّ لَما حصل التفاهم حالة التخاطب .
الرابع: الاشتراك مُخلٌّ بفهم القائل والسامع، فيكون مرجوحاً.
أمّا السامع، فلأنّ الغرض الفهم وهو غير حاصل من المشترك،

صفحه 231
لتردّد الذّهن بين مفهوماته، وقد يتعذّر عليه السؤال عن التعبير، إمّا لاستنكافه عنه، أو لمهابة المتكلّم عنده، فحينئذ يحمله على غير المراد، وقد يذكره لغيره فيكثر الجهل.
ومن هنا حكم المنطقيّون بأنّ الغالب في الأغلاط الاشتراك اللّفظي.
وأمّا القائل، فلأنّه يحتاج مع إثباته بالمشترك إلى التلفّظ بالمفرد لتعيّن مراده، فيبقى التلفّظ بالمشترك عبثاً .
ولأنّه قد يظنّ وقوع ذهن السّامع على القرينة المعيّنة لمراده وليس فيه ضرر، كما لو قال: أعطه عيناً، وقصد الماء، فيتوهّم السامع الذهب .
وهذه المفاسد إمّا أن تقتضي امتناع وضع المشترك أو مرجوحيّته .
الخامس: الحاجة إلى المفرد أكثر، فيكون أرجح من المشترك .
أمّا المقدّمة الأُولى، فلأنّ مهمّات المعاش إنّما تتمّ بإفهام الغير ما في الضمير لتحصل له الاستعانة به، والإفهام إنّما هو باللّفظ على ما تقدّم، ومع الاشتراك لا يحصل الفهم، بل مع الانفراد .
وأمّا قلّة الحاجة إلى المشترك1، فلأنّ الغاية التعريف الإجماليّ، وهو يحصل بالترديد بين المفردات، فالغناء واقعٌ في المشترك دون المنفرد، فيكون المشترك مرجوحاً وجوداً وتصوّراً .
اعترض2 على الأوّلين بأنّ ظنّ وضع اللّفظ للمعنى يوجب حمله عليه،

1 . هذه هي المقدّمة الثانية.
2 . المعترض هو «سراج الدين» لاحظ نفائس الأُصول: 1 / 402 .

صفحه 232
وإن احتمل وضعه لغيره احتمالاً سواء، وهو كاف في الفهم والظنّ .
و ]اعترض1[ على الآخرين بأنّهما لا ينفيان وضع القبيلتين، وهو السبب الأكثريّ للاشتراك .
وليس بجيّد، أمّا الأوّل، فلأنّ الظنّ إنّما يحصل على تقدير أصالة الانفراد، أمّا على تقدير المساواة بينه و بين الاشتراك فلا .
وأمّا الثاني، فلأنّ الغالب اتّحاد الواضع وتعدّده نادرٌ، وإذا قلّ السّبب قلّ مسبّبه.
في سبب التعيين   

المبحث الثامن: في سبب التعيين

اللّفظ المشترك إمّا أن يوجد معه قرينة تدلّ على تخصيص أحد معانيه، أو لا.
فإنّ كان الثاني، بقي مجملاً، لامتناع حمله على الجميع عندنا، وتساوي نسبته إليها .
وإن كان الأوّل، فتلك القرينة إن دلّت على اعتبار كلّ واحد من تلك المعاني، فإن كانت متنافيةً بقي اللفظ متردّداً بينهما كما كان، إلى أن يوجد
مرجّحٌ آخر.
وإن لم تكن متنافيةً، حمل على الجميع .
وقيل: يقع التعارض بين الأدلّة المقتضية لحمل اللفظ على كلّ المعاني،

1 . لاحظ الكاشف عن المحصول: 2 / 176 .

صفحه 233
وبين الأدلة المانعة من إرادة المعاني المشترك منه، فيصار إلى الترجيح .
وليس بجيّد، لأنّ الدلالة المانعة من حمل المشترك على ]كلِّ[ معانيه قطعيّة، لا تقبل المعارضة .
وإن قبلت، لكن لا تعارض هنا، لاحتمال أن يكون اللفظ كما وُضِع لهما منفردين، وُضِع للمجموع، أو أنّ المتكلّم تكلّم به مرّتين، أو أراد المجاز، وحينئذ يعمل بالدّليل الدالّ على اعتبارهما معاً، لعدم منافيه .
وإن دلّت على إلغاء كلّ واحد من تلك المعاني، وجب حمل اللّفظ على مجازات تلك الحقائق الملغاة، إذ عند تعذّر الحمل على الحقيقة، يحمل على المجاز .
ثمّ تلك الحقائق الملغاة، إن كان بعضها أرجح لولا الإلغاء، وتساوت المجازات في القرب، كان مجاز الراجحة راجحاً .
وإن تفاوتت ] المجازات[ فإن كان مجاز الراجحة راجحاً، كان أولى بالرّجحان، وإلاّ وقع التعارض بين المجازين، لأنّ الراجح من المجازين، يعارض رجحانه، مرجوحيّةَ حقيقته، فقد اختصّ كلٌّ منهما بنوع رجحان .
وإن تساوت الحقائق، فإن كان أحد المجازات أقرب إلى حقيقته، تعيّن العمل به، وإلاّ بقيت اللفظة متردّدة بين المجازات، لقيام الدّليل على امتناع حمله على جميع المعاني، سواء كانت حقيقيّة أو مجازيّة .1

1 . لاحظ المحصول في علم الأُصول: 1 / 109 ـ 110 .

صفحه 234
وفيه نظر، إذ لا يلزم من رجحان بعض الحقائق وتساوي مراتب المجازات، ترجيحُ مجاز الرّاجحة، لأنّه قد ثبت إلغاؤها، فلم يبق لرجحانها اعتبارٌ، وكذا إن تفاوتت وكان مجاز الراجحة راجحاً، أو تساوت الحقائق، وتفاوتت المجازات.
(وإن كان حمل اللفظ على مجازه يقتضي اعتبار الحقيقة، كان مجاز الراجحة أولى مطلقاً، وإن كان ترجيح المجاز باعتبار نسبته إلى اللفظ، حمل على الرّاجح مطلقاً) .1
وإن دلّت على اعتبار البعض، فإن اتّحد، حمل عليه قطعاً، وإن تعدّد، كان متردّداً بين أفراد البعض المعتبر .
وإن دلّت على إلغاء البعض، فإن لم تزد المعاني على اثنين، تعيّن الحمل على الآخر، وزال الإجمال، إذ يجب حمل اللفظ على معناه، ولا معنى له سوى هذين، وقد تعذّر الحمل على أحدهما، فيحمل على الآخر، دفعاً لمحذور الهدريّة.
وإن زادت، بقي اللّفظ مجملاً بين الباقي بعد الإلغاء.
في الحقيقة والمجاز   

1 . ما بين القوسين يوجد في «ب» و «ج» وفي هامش بعض النسخ: «أنّه ]ما بين القوسين[ ليس في النسخة المقروءة على المصنّف».

صفحه 235
 
الفصل السادس

في الحقيقة والمجاز

ومطالبه ثلاثة:

الأوّل: في الماهية

وفيه مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في تفسير لفظيهما

الحقيقة في اللّغة فعيلةٌ من الحقّ، وهو الثّابت، لأنّ مقابله الباطل وهو المعدوم، فيكون الحقّ هو الثابت.
ويقال الحقّ، لدائم الثبوت، وللواجب، وللقول المطابق إذا نسب الأمر إليه، ولو انعكست النّسبة قيل: صدق .
والفعيلُ يأتي بمعنى الفاعل، كالعليم والرحيم، وبمعنى المفعول ن كالقتيل والجريح.
فإن عُنِيَ هنا الأوّل، كان معنى الحقيقة، الثابتة، وإن عُنِيَ الثاني، كان معناها المثبتة .

صفحه 236
والتاء لنقل اللفظ من الوصفيّة إلى الاسميّة الصِّرْفة، فلا يقال: شاةٌ أكيلةٌ ولا نطيحةٌ.
وأمّا المجاز فإنّه مَفْعِلٌ من الجواز أعني التعدي والعبور، يقال: جزتُ موضعَ كذا.
أو من الجواز المقابل للوجوب والامتناع، وهو في الحقيقة راجعٌ إلى الأوّل، فإنّ غيرَ الواجب والممتنع متردّدٌ بينهما، فكأنّه ينتقل من أحدهما إلى الآخر.
ويسمّى المجاز اللّفظي كذلك،1 فإنّه نقل من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي، وكأنّه جاز موضعَهُ فسمّي مجازاً.
في تعريف الحقيقة والمجاز   

المبحث الثاني: في تعريفهما

اعلم أنّ الحقيقة والمجاز متقابلان، وحدّ أحدهما يُنبئ عن حدّ الآخر ويقضب منه .
وقد اختلف الناس في حدّ الحقيقة والمجاز، فقال الشيخان أبو علي وأبو هاشم: الحقيقة ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل، واختاره أبو عبد الله البصري2 أوّلاً.
وحينئذ يكون المجاز هو الّذي لا ينتظم لفظه معناه، إمّا لزيادة، أو نقصان أو نقل .

1 . في «ب»: لذلك.
2 . تقدّمت ترجمته .

صفحه 237
فالزيادة كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)1لو حذفنا الكاف لانتظم الكلام، واستقام المعنى، إذ المقصود بيان الوحدة، وإنّما يتمّ لو كانت الكاف زائدةً، إذ نفي مثل المثل لا يوجب نفي المثل .
والنقصان هو الذي ينتظم عند الزيادة كقوله:(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)2 لو قيل: واسأل أهل القرية صحّ الكلام حقيقةً، ولم يحتجّ إلى إضمار.
والنّقل مثل: رأيت أسداً، وأردت الرّجل الشجاع.
وفيه تكرار لأنّ الزيادة والنقصان إنّما كان المجاز بهما مجازاً، لأنّه نقل عن موضوعه الأصليّ إلى موضوع آخر في المعنى والإعراب، فلا يجوز جعلهما قسمين للنقل .
أمّا المعنوي فلأنّ قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ) نفي مثل مثله، وهو غير مراد، لاقتضائه نفيه تعالى وإثبات المثل، وهو كفر وشرك، فلم يبق إلاّ مجازه وهو نفي المثل، فيكون قد نقل من نفي مثل المثل إلى نفي المثل .3
وفيه نظرٌ، لأنّ السالبة تصدق عند عدم الموضوع، فتصدق مع عدم المثل، وثبوته تعالى سلب مثل المثل، والمقصود حاصلٌ لأنّه تعالى ثابتٌ، فتصدق السالبة بنفي المثل .
وقوله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)موضوع لسؤال القرية، وقد نقل إلى أهلها .
وأمّا الإعراب فلأنّ الزيادة والنقصان، إذا لم يغيِّر إعراب الباقي لم

1 . الشورى: 11 .
2 . يوسف: 82 .
3 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 113 ـ 114 .

صفحه 238
يكن مجازاً، فقولك: جاء زيد وعمرو، وحذف «جاء» لدلالة الأوّل عليه، ولمّا لم يتغيّر الإعراب، لم يحكم عليه بالمجاز، وكذا في طرف الزيادة.
ومع تغيّر الإعراب يكونان مجازين، وذلك إنّما يكون عند نقل اللفظ من إعراب إلى إعراب آخر .
وقال أبو عبد الله البصري أخيراً: «الحقيقة، ما أُفيد بها ما وُضِعَتْ له» والمجاز: «ما أُفيد به غير ما وضع له» نقله فخر الدين عنه1.
واعترض عليه بأنّه يُدْخِلُ في الحقيقة ما ليس منها، فإنّ لفظة الدّابّة إذا استعملت في الدودة والنّملة فقد أُفيد بها ما وُضعت له في أصل اللغة مع أنّها بالنسبة إلى الوضع العرفيّ مجازٌ، فقد دخل المجاز العرفيّ فيما جعله حدّاً لمطلقِ الحقيقة، وهو باطلٌ.
وقوله في المجاز: إنّه ما أُفيد به غير ما وضع له، باطلٌ بالحقيقة العرفيّة والشرعيّة، فإنّ اللّفظة أُفيد بها ـ والحال2 هذه ـ غير ما وُضعت له في أصل اللّغة، فقد دخلت هذه الحقيقةُ في المجاز .
وأيضاً إمّا أن يريد بقوله: «ما أُفيد به غير ما وضع له» أنّه أُفيد به غيرُ ما وضع له بدون القرينة أو معها .
والأوّل باطلٌ، لعدم إفادة المجاز بدون القرينة .
والثاني ينتقض بما إذا استعمل لفظُ السماء في الأرض، فإنّه قد أُفيد به

1 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 114 ; ولاحظ المعتمد في أُصول الفقه: 1 / 12 .
2 . في المصدر: «والحالة».

صفحه 239
غيرُ ما وضع له، مع أنّه غير مجاز فيه، وينتقض بالأعلام المنقولة .
لا يقال: العلم لا يفيد .
لأنّا نقول: مسلّمٌ، لأنّه لا يفيد صفةً في المسمّى، بل يفيد عينَ تلك الذات.1
وفيه نظرٌ، فإنّ اسم الدّابّة حقيقة في النّملة والدّودة وإن كان مجازاً عرفيّاً، فإنّه لا يخرج بذلك عن كونه حقيقةً لغويّةً، وهو الجواب عن المجاز، فإنّ الحقيقة العرفيّة والشرعيّة مجازٌ لغويٌّ، ولا يخرج عن كونه مجازاً بكونه حقيقةً عرفيّةً أو شرعيّةً .
ونقل أبو الحسين البصريّ عنه في التعريف الآخر: أنّ الحقيقة هي ما أفيد به ما وضع له في اللّغة الّتي يتكلّم المرء بها، سواء كان ذلك في أصل اللّغة، أو في عرف الشّرع، أو في عرف الاستعمال2 .
ولا يرد عليه ما تقدّم .
والسيّد المرتضى حدّها بذلك أيضاً.3
وقال ابن جنّي4: الحقيقة: ما أُقِرّ في الاستعمال على أصلِ وضعِهِ في اللّغة، والمجاز ما كان بضدّه .
ويضعّف بخروج الحقيقة الشرعيّة والعرفيّة عن حدّ الحقيقة، ويدخلان فيما جعله مجازاً .

1 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 114 ـ 115 .
2 . المعتمد في أُصول الفقه: 1 / 12 ـ 13 .
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1 / 10 .
4 . هو أبو الفتح عثمان بن جنّي الموصلي، من أئّمة الأدب والنّحو، صاحب التأليفات الكثيرة، مات سنة 392 هـ ; لاحظ الأعلام للزركلي: 4 / 204 ; وريحانة الأدب: 7 / 450 .

صفحه 240
وأيضاً فقوله: «المجاز ما كان بضدّ ذلك» معناه أنّه الّذي ما أُقِرّ في الاستعمال على ] أصل[ وضعِه في اللّغة، ويبطل باستلزام كون استعمال لفظ الأرض في السماء مجازاً .
وقال عبد القاهر1 : الحقيقة كلّ كلمة أُريد بها عينُ ما وقَعَتْ له في وضعِ واضع، وقوعاً لا يستند فيه إلى غيره، كالأسد للبهيمة المخصوصة .
والمجاز كلّما أُريد بها غير ما وقعت له في وضعِ واضعها لملاحظة بين الثّاني والأوّل .
وهذا يقتضي خروجَ الحقيقة الشرعيّة والعرفيّة عن حدّ الحقيقة ودخولَهما في حدّ المجاز، وهو غير جائز، ومع ذلك فاستعمال لفظة «كلّ» في الحدّ خطأٌ .
وقال أبو الحسين البصري: الحقيقة ما أُفيد بها ما وُضعت له في أصل الاصطلاح الّذي وقع التخاطب، ويدخل فيه اللّغويّة، والشرعيّة والعرفيّة.
والمجاز ما أُفيد به معنى مصطلحاً عليه، غير ما اصطُلح عليه في أصل تلك المواضعة الّتي وقع التخاطب فيها.2 لعلاقة بينه و بين الأوّل .
فالأخير لم يذكره ولابدّ منه، وإلاّ كان وضعاً جديداً لا مجازاً .
وقيد الاصطلاح يُعْطي اشتراط الوضع في المجاز، ومن لا يشترطه يحذفه .

1 . هو عبد القاهر الجرجاني واضع أُصول البلاغة كان من أئمّة اللّغة توفّي سنة 471 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 4 / 48 .
2 . المعتمد في أُصول الفقه: 1 / 11 .

صفحه 241
لا يقال: يخرج من حدّ المجازِ المستعارُ، لأنّ قولنا في الاستعارة: رأيت أسداً إنّما يحصل التعظيم لا باعتبار إعادة الاسم خاصّةً، وإلاّ لحصل التّعظيم لو جعلنا الأسد علماً عليه، بل إنّما يحصل باعتبار تقدير ذلك الشخص في نفسه أسداً، لبلوغه في الشّجاعة الخاصّة بالأسد إلى غايتها، فلمّا تصوّرنا فيه أنّه أسدٌ، وقدّرنا ذلك فيه أطلقنا عليه اسم الأسد، وحينئذ لا يكون اسم الأسد مستعملاً في غير موضوعه الأصليّ .
لأنّا نقول: يكفي في التعظيم تقدير حصول قوّة مساوية لقوّة الأسد، فيكون استعمال لفظ الأسد فيه مجازاً .
والتحقيق أنّ هنا أُموراً ثلاثة: لفظٌ، ووضعٌ، واستعمالٌ، ويمكن إطلاق الحقيقة على كلّ واحد منها، لأنّها مأخوذةٌ إمّا من الثابت، أو المثبت على ما بيّناه.
فإن أطلقناها على اللّفظ صارت الحقيقةُ لفظَ ثابت أو مثبت، ونريد به ثبوته في معناه الّذي وُضِع له، ويكون حدّها على هذا، اللّفظ المستعمل فيما وُضِع له في اللّغة الّتي وقع التخاطب بها .
وإن أطلقناها على الوضع، صار الوضع ثابتاً أو مثبتاً، بمعنى أنّه لم يتغيّر اللّفظ عن وضعه عند استعماله .
وإن أُريد الثالث كان الاستعمال ثابتاً أو مثبتاً، أي استعمال اللفظ في معناه الموضوع له في اللغة المصطلح عليها، ويكون حدّها على التقديرين الأخيرين ذلك .
والفرق بينه و بين الأوّل: أنّ الأوّل يرجع إلى اللفظ، والثاني إلى استعماله.

صفحه 242
 
المبحث الثالث: في انّ إطلاق الحقيقة والمجاز مجاز
قد بيّنا أنّ الحقيقة مأخوذةٌ من الحقّ وهو الثابت، ثمّ نُقل إلى العقد المطابق، لأنّه أولى بالوجود من العقد الغير المطابق، ثمّ نقل إلى القول المطابق، ثمّ نقل إلى استعمال اللفظ في موضوعه الأصليّ، فإنّ استعماله فيه تحقيق لهذا الوضع، فهو مجاز في المرتبة الثالثة من الوضع، هذا بحسب اللّغة، وإن كان حقيقةً بحسب العرف .
والمجاز قد بيّنّا أنّه مَفْعِلٌ من الجواز والعبور، وإنّما يحصل ذلك في الأجسام الّتي يصحّ عليها الانتقال من حيّز إلى آخر، أمّا الألفاظ فإن أُطلق عليها ذلك للمشابهة، كان الإطلاق فيها مجازاً .
وأيضاً المجاز مَفْعِلٌ وبناؤه حقيقةٌ إمّا في المصدر أو في الموضع، وإطلاقه في الفاعل مجازٌ، فاستعماله في اللّفظ المنتقِلِ يكون مجازاً .
وإن كان مأخوذاً من الجواز المقابل للضرورة، كان حقيقةً، فإنّه كما يمكن حصوله في الأجسام يمكن حصوله في غيرها.
فاللّفظ يكون موضوعاً لذلك الجواز، لأنّه موضوعٌ لجواز أن يُسْتعمل في غير معناه الأصليّ، فيكون حقيقةً، إلاّ أنّ الجوازَ إنّما سُمِّيّ جوازاً، لأنّه مجاز عن معنى العبور والتعدّي.
في أقسام الحقيقة   

صفحه 243
 
المطلب الثاني: في أقسام الحقيقة
وهي ثلاثة لغويّةٌ وعرفيّةٌ وشرعيّةٌ
وفيه أبحاث:

البحث الأوّل: في اللغويّة

لا شكّ أنّ هنا ألفاظاً وُضِعَتْ لمعان في اللّغة، واستعملت فيها، وذلك هو الحقيقة اللّغويّة .
واحتجّوا على إثباتها بأنّ هاهنا ألفاظاً مستعملة في معان، فإن كانت هي الموضوعة لها، كانت حقائقَ، وهو المطلوب .
وإن كانت غيرها كانت مجازات، والمجاز مسبوقٌ بالحقيقة، وفرعٌ عليها، ووجودُ الفرعِ يستلزم وجودَ الأصل، فالحقيقةُ موجودةٌ قطعاً .1
وليس بجيّد، فإنّ المجاز تابعٌ للوضع ومسبوقٌ به، لا بالاستعمال، لكن مجرّد الوضع ليس حقيقةً بل مع الاستعمال .

1 . لاحظ المحصول في علم الأُصول: 1 / 117 ; والكاشف عن المحصول: 2 / 208 .

صفحه 244
في الحقيقة العرفية والشرعية   
 
البحث الثاني: في الحقيقة العرفيّة
اعلم أنّه قد تخطر معان يفتقر إلى التعبير عنها لم يوضع لها ألفاظ في اللّغة كما بيّناه، فَيُضْطرُّ إلى اختراع ألفاظ لها.
لكن لمّا كرهوا الخروجَ عن قانون اللغة، التجأوا إلى سلوك طريق يجمع تحصيلَ مطلوبهم، والتزام قانون اللغة، فعمدوا إلى كلّ لفظ موضوع لمعنى يناسب معناه الّذي طلبوا التعبير عنه، فنقلوه إليه، إذ كان ذلك جرياً على قانون اللّغة، ولم يخترعوا لتلك المعاني ألفاظاً من عندهم، للعلّة المذكورة.
فإن غلب استعمالهم في المعنى الثاني، صار حقيقةً عرفيّةً، إمّا بالعرف العامّ أو الخاصّ.
فإن أُهمل الأوّل صار استعمال اللّفظ فيه مجازاً عرفيّاً وإن كان حقيقةً لغويّةً ولا نزاع في تجويز ذلك، وإنّما الخلافُ في الوقوع، والحقّ ثبوتُهُ، لوجود القدرة والدّاعي.
واعلم أنّ العرف العامّ منحصرٌ في أمرين:
الأوّل: اشتهار المجاز بحيث يصير حقيقةً عرفيّةً، فيُسْتنكر استعمالها، وجهاتُ المجازِ متعدّدةٌ تأتي، كحذف المضاف وإقامة المضاف إليه، كتحريم الخمر، وهو بالحقيقة مضافٌ إلى الشّرب، وكتسمية الشيء باسم شبيهه،
كما يطلق كلام زيد على حكايته، وكتسمية المتعلَّق باسم المتعلِّق،
كقضاء الحاجة بالغائط الّذي هو في اللّغة للمكان المطمئنّ، وكتسمية

صفحه 245
المِزادة بالرّاوية الّتي هي اسم الجملِ الحاملِ لها.
الثاني: تخصيص الاسم ببعض مسمّياته كالدابّة المشتقّة من الدّبيب، واختُصَّتْ ببعض البهائم، والملَك مأخوذٌ من الأَلُوكَة وهي: الرسالةُ، واختُصَّ ببعض الرّسل، والجنّ من الاجتنان واختُصَّ بالبعض، والقارورة لما يستقرّ فيه الشيء، والخابية لما يخبّأ فيه، واختُصّا بالبعض .
فالتصرّف عرفاً إنّما هو على أحد الوجهين، فلا يجوز إثبات ثالث، وإنّما كانت هذه حقائق عرفيّة، لوجود علامات الحقيقة فيها .
وأمّا ]العرف[ الخاصّ، فهو ما لكلّ قوم من العلماء من اصطلاحات اختصّوا بها، كما اختصّ الفقهاء بالنقض والكسر 1 وغيرهما، والمتكلّمون بالجوهر والعرض وغيرهما، والنحويّون بالرّفع والنّصب وغيرهما، وهو معلوم قطعاً.

البحث الثالث: في الحقيقة الشرعية

وهي اللفظة المستعملة شرعاً فيما وُضِعَتْ له في ذلك الاصطلاح
وضعاً أوّلاً، سواء كان المعنى واللفظ مجهولين عند أهل اللّغة، أو معلومين، لكنّهم لم يضعوا اللفظ بإزاء ذلك المعنى، أو كان أحدهما معلوماً والآخر

1 . النقض عبارةٌ عن تخلّف الحكم عن العلّة والكسر نوعٌ منه. لاحظ الكاشف عن المحصول: 2 / 214 .

صفحه 246
مجهولاً1، وقد وقع الاتّفاق على إمكانها، وإنّما النزاع في وقوعها .
فمنعه القاضي أبو بكر مطلقاً2 وجوزه المعتزلة مطلقاً3 .
ثمّ قسم المعتزلة والخوارج وبعض الفقهاء الأسماء الشرعيّة إلى
ما اُجْرِيَتْ على الأفعال كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ،
وغيرها .
وإلى ما أُجْرِيَتْ على الفاعلينَ كالمؤمن، والفاسق، والكافر، وسمّوا الأخيرَ بالدينيّة، فرقاً بينها و بين الأوّل، ويجمع القسمين العرف الشّرعي.
ونقل عنهم أنّ الدينيّة ما نقله الشريعة إلى أهل الدين، كالإيمان، والكفر، والفسق .
والأجود أنّها حقائق شرعيّة، مجازاتٌ لغويّة.
وقبل الخوض في الدليل لابدّ من تحقيق محلّ النزاع فنقول:
في الحقيقة الشرعية   
لا شكّ في وجود ألفاظ استعملها العرب وجرَتْ في ألفاظ الشرع على أنحاء، لم يقصد في اللغة المحضة، كالصلاة فإنّها في اللسان للدّعاء، أو المتابعة

1 . في نهاية السؤل: 2 / 151 :
سواء كان اللفظ والمعنى مجهولين عند أهل اللّغة كأوائل السورعند من يجعلها اسماً، أو كانا معلومين لهم لكنّهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى كلفظة «الرَّحْمن» لله تعالى، فإنّ كلاًّ منهما كان معلوماً لهم ولم يضعوا اللفظ له تعالى، ولذلك قالوا حين نزل قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ): إنّا لا نعرف الرّحمن إلاّ رحمن اليمامة، أو كان أحدهما مجهولاً والآخر معلوماً كالصوم والصلاة.
2 . انظر التقريب والإرشاد: 1 / 387 .
3 . انظر المعتمد: 1 / 18 .

صفحه 247
والملازمة، من قولهم صلا بالنار، والزكاة في اللّغة للنموّ، والحجّ في اللغة للقصد، والعمرة للزيادة .
ثمّ إنّ الشارع استعمل هذا الألفاظ في عبارات مخصوصة .
فقيل: إنّ الشرع نَقَلَ تلك الألفاظَ اللغويّة عن حكم وضع أهل اللّسان إلى مقاصده .
وقال القاضي أبوبكر: إنّها مقرّة على حقائق اللغات لم تنقل ولم يزد في معناها .1
وقال جماعة من الفقهاء: إنّها أقرّت وزيدت في معناها .
والتحقيق أن نقول: لا شكّ في وجود هذه الألفاظ في اللّغة، وأنّ الشارع أراد بها أُموراً لم يردها واضعُ اللّغة.
لكن لمّا كانت تلك الأُمورُ الّتي أرادها الشارعُ تشتمل على الأُمور اللّغويّة، حصل الإشكال في أنّ الشارع هل أطلق تلك الألفاظَ على تلك المعاني لأجل اشتمالها على المعاني اللّغوية؟ أو على المعاني اللّغويّة الموجودة في تلك الأُمور الشرعية خاصّة؟ أو لم يعتبر المعنى اللّغويّ البتّة؟
فنقول: إن أوجَبْنا في الألفاظ الشرعيّة استعمالَ القوانين اللغويّة، وجب اعتبارُ أحد الأمرين الأوّلين، ليكون العرفُ الشرعيّ غيرَ خارج من قانون اللّغة، بل استعمل الحقيقة إن اعتبرنا الثاني، أو المجاز إن اعتبرنا الأوّل، وإلاّ فلا .
لكن لمّا كان حكم الله تعالى بكون القرآن عربيّاً وجب اعتبار أحد الأوّلين، فهذا تحقيق محلّ النزاع .

1 . انظر التقريب والإرشاد: 1 / 387 .

صفحه 248
لنا على استناد الوضع إلى الشرع: أنّ الصلاة في الشرع للرّكعات المخصوصة، والزكاة للقدر المخرج من المال، والحجّ للأفعال المخصوصة عند البيت، والصوم للإمساك عن أشياء مخصوصة .
وفي اللغة للدّعاء، والنموّ، والقصد، والإمساك مطلقاً و إذا أُطلقت في اصطلاح الفقهاء فُهِمَ ما وضعه الشارع دون ما وضعه أهل اللغة فيه، بحيث لا يسبق إلى الذهن إلاّ ما قلناه .
وهذا من خواصّ الحقيقة، فكانت حقائق شرعيّة.
لا يقال: الحقيقة اللغويّة موجودة في هذه المعاني، والزيادات شروطٌ.
لأنّا نقول: لا نسلّم وجودَ المعنى اللّغويّ، فإنّ الأخرس المنفرد غير داع ولا متّبع1 .
سلّمنا، لكن لا نسلّم التفات الشارع إلى هذه المعاني، بل إلى ما وضعه .
لا يقال: إنّها مجازاتٌ فيما ذكرتم، ضرورة استعمالها فيما لم يوضع له.
لأنّا نقول: إن أردتم استعمالَ الشارع لها، فهو المدّعى، وإن أردتم أهلَ اللغة، فليس كذلك، لعدم علمهم .
ولنا على أنّها مجازاتٌ لغويّة: أنّها لو لم تكن لغويّةً، لم يكن القرآنُ كلُّهُ عربيّاً، والمقدّمة كالتالي باطلٌ .

1 . قال الرازي في المحصول: 1 / 124: الصلاة في أصل اللغة إمّا للمتابعة كما يسمّى الطائر الّذي يتبع السابق مصلِّياً، وإمّا للدّعاء، أو لعظم الورك كما قال بعضهم: الصلاة انّما سمّيت صلاةً، لأنّ العادة في الصلاة أن يقف المسلمون صفوفاً، فإذا ركعوا كان رأس أحدهم عند صلا الآخر، وهو عظم الورك.

صفحه 249
بيان الشرطية: أنّ هذه الألفاظ مذكورةٌ في القرآن، فلو لم تكن إفادتها لهذه المعاني عربيّةً، ثبتت الملازمة .
وأمّا فساد التّالي فلقوله تعالى: (قُرْآناً عَرَبِيّاً)1وقولِهِ: (بِلِسَان عَرَبيٍّ)(2) وقولِهِ(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)(3) .
فإن قيل: هذا الدّليل فاسدُ الوضع، لاستلزامه غيرَ المطلوب دونه، إذ يقتضي كون هذه الألفاظ مستعملةً في المعاني اللّغويّة، وليس كذلك إجماعاً.
فإنّ الصّلاة لا يراد بها في الشرع، الدّعاء ولا المتابعة .
سلّمنا، لكن نمنع الملازمة، فإنّ هذه الألفاظ عربيّةٌ، لوجودها في كلامهم، وإن أفادتْ غير ما أُفيد منها شرعاً .
سلّمنا، لكن لقلّتها لا يخرج القرآن بها عن كونه عربيّاً، كما يطلق الأسود على ثور أسود وفيه شعرات بيض، والشعر الفارسي يسمّى فارسيّاً، وإن وجدت فيه ألفاظٌ عربيّةٌ .
سلّمنا، لكن قوله: (قُرْآناً عَرَبِيّاً) يراد به البعض، لصدق القرآن عليه وعلى مجموعه بالاشتراك ]لوجوه أربعة:[
]1[ ـ فإنّه لو حلف أنْ لا يقرأ القرآن حنث بالآية، ولو لم يسمّ قرآناً، لم يحنث .
]2[ ـ ولأنّه مأخوذ من القراءة أو القَرْء، وهو الجمع .
]3[ ـ ولصحّة: هذا كلُّ القرآن وبعضُهُ، من غير تكرير ولا نقض .

1 . يوسف: 2 .   2 . الشعراء: 195 .   3 . إبراهيم: 4 .

صفحه 250
]4[ ـ ولقوله في سورة يوسف:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً)1والمراد تلك السورة، فلا يلزم من كون القرآن عربيّاً، كونُ كلّه كذلك، بخلاف المائة والرغيف.2
سلّمنا دلالَة النّصوصِ على كون القرآن بجملته عربيّاً، لكن بطريق الحقيقة أو المجاز ؟
والثاني: مسلّمٌ، الأوّل ممنوعٌ .
سلّمنا، لكن يعارض بما يقتضي أنّه ليس كلّه عربيّاً، وهو الحروف في أوائل السّور، والمشكاة حبشيّةٌ، والاستبرق والسّجيل فارسيّتان معرّبتان، والقسطاس روميّ الأصل.
سلّمنا، لكن يعارض من حيث الإجمال ومن حيث التفصيل .
أمّا الإجمال فهو: أنّه قد ثبت في الشرع معان، لم يعقلها العرب فلم يضعوا لها أسامي، ويفتقر إلى التعبير عنها، فوجب وضع الأسامي لها، كالولد والأداة، الحادثين .
وأمّا التفصيل، فما يدلّ على كل واحد ]من هذه الألفاظ[ أنّه استعمل في غير معناه الأصليّ .
أمّا الإيمان، فهو في اللغة التصديق، وفي الشرع فعل الواجبات، لوجوه:
الأوّل: أنّه الدّين كقوله (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

1 . يوسف: 2 .
2 . لا يقال بعض المائة، مائة، وبعض الرغيف، رغيف .

صفحه 251
حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)1 وهو يرجع إلى كلّ ما تقدّم.
والدين، الإسلامُ لقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ)(2) .
والإسلام، الإيمان، إذ لو غايره لم يكن مقبولاً لقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)(3)ولقوله: (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ)2 ولولا الاتّحاد بطل الاستثناء .
الثاني: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)(5) قيل: صلاتكم .
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) «نُهيتُ عن قتل المصلّين»3 وأراد المؤمنين .
الثالث: قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ)4 أمره فيها بالاستغفار لهم، والفاسق لا يستغفر له حال فسقه، بل يلعنه ويذمّه، فلا يكون مؤمناً .
الرابع: قاطع الطريق يُخْزى يوم القيامة، لأنّه يدخل النار، لقوله: (وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(8) فيُخزى لقوله: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)(9) من غير تكذيب لهم، والمؤمن لا يُخْزى لقوله: (يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبي وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)5.
الخامس: لو كان الإيمان شرعاً هوالتصديق، لم يوصف به حال عدمه، لِما

1 . البيّنة: 5 .   2 . آل عمران: 19 .   3 . آل عمران: 85 .
2 . الذاريات: 36 .                  5 . البقرة: 143 .
3 . سنن أبي داود: 4 / 282، رقم الحديث 4929، كتاب الأدب .
4 . النور: 62 .   8 . المائدة: 23 .   9 . آل عمران: 192 .
5 . التحريم: 8 .

صفحه 252
تقدّم في باب الاشتقاق، والتالي باطلٌ، إذ يقال للآتي بأفعال الإيمان من غير احتياط: إنّه مؤمنٌ، وللنائم: إنّه مؤمنٌ .
السادس: لو كان الإيمان التّصديق، لكان مصدّقُ الجبت والطاغوت مؤمناً.
السابع: مَنْ علمَ بالله تعالى ثمّ سجد للشّمس يلزم أن يكون مؤمناً، وهو خلاف الإجماع.
الثامن: قوله ]تعالى[: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ)1أثبت الإيمان مع الشرك، والتصديقُ بالوحدانية لا يجامعُ الشرك، فيكون التصديق مغايراً للإيمان .
وأمّا الصّلاة فهي لغةً المتابعة، ومنه يُسمّى تابع السابق مصلّياً، والدعاء كقوله:
........................ *** صلّى على دنِّها ...2
وعظم الورك، كما قيل: إنّما سمّيت صلاة، لقضاء العادة بوقوف المسلمين صفوفاً فرأس أحدهم حالة الركوع عند صَلا الآخر، وهو: عظم الورك.
ولا يفيد شيئاً منها في الشرع، لعدم إخطارها بالبال عند الإطلاق.
وصلاة الإمام والمنفرد لم يوجد فيها المتابعة، ولا محاذاة الرّأس عظم الورك .

1 . يوسف: 106 .
2 . جزء من عجز البيت للأعشى في مدح قيس بن معد يكرب وصدره:
وقابلها الريح في دنّها *** وصلّى على دنّها وارتسم
ديوان الأعشى: 196 .

صفحه 253
وإذا انتقل ] الإنسان [ من الدّعاء إلى غيره، لا يقال: فارَقَ صلاته .
وصلاة الأخرس لا دعاء فيها .
والصّوم لغةً الإمساك مطلقاً، وشرعاً الإمساك عن أشياء مخصوصة، بل
قد يوجد الصّوم الشرعي حيث لا إمساك كما في وقت الأكل ناسياً، وكذا
البواقي.
والجواب: قوله: هذا الدليل يقتضي كون هذه الألفاظ مستعملة في المعاني الّتى كانت العرب تستعملها فيها.
قلنا: حقيقةً أو مطلقاً ؟
الأوّل ممنوعٌ، والثاني مسلّمٌ.
بيانه: أنّ العرب قد تكلّمت بالحقيقة والمجاز، الّذي من جملته تسمية الكلّ باسم الجزء، والدعاء جزء من الصّلاة الشرعيّة، بل هو المقصود، لقوله: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْري )1.
ولأنّ القصد به التضرّع، فلم يكن خارجاً عن اللغة .
لا يقال: شرطُ المجازِ النَّصُّ من أهل اللّغة، وهو منفيٌّ هنا، لعدم علمهم بالمعاني، إذ لو علموها جاز أن تكون حقائقَ لغويّة، فإنّا إنّما تعيّنّا كونها حقائق لعدم علمهم .
لأنّا نقول: لا نسلّم اشتراط النّصّ .

1 . طه: 14 .

صفحه 254
سلّمنا، لكن نصّوا إجمالاً، حيث قالوا: يجوز إطلاقُ اسم الجزء على الكلّ مجازاً .
قوله: يجوز أن تكون عربيّةً باعتبار نطق العرب بها، لا باعتبار الوضع.
قلنا: كون اللّفظ عربيّاً، حكمٌ تابعٌ للدّلالة على معنى المخصوص، لا من حيث ذاته، فلو لم تكن الدلالة عربيّةً، لم تكن الألفاظ عربيّةً .
قوله: لا يخرج القرآن عن كونه عربيّاً بألفاظ قليلة.
قلنا: ممنوعٌ، فإنّه حينئذ يصدق عليه أنّ كلّه ليس عربيّاً، ونمنع إطلاقَ الأسود على ما فيه شعرات بيض، والفارسيّ على ما فيه كلمات عربيّة حقيقةً، بل بالمجاز، وإلاّ لما جاز الاستثناء1 .
وفيه نظرٌ، لاحتمال أن يقال: يجوز أن يكون إطلاق اسم الكلّ عليه
وعلى الأكثر حقيقةً، والاستثناء يُخْرِج الأقلَّ عن كونه مسمّى باسم الكلّ لا
الأكثر .
قوله: القرآن اسم للبعض .
قلنا: ممنوع للإجماع على أنّه تعالى ما أنزل إلاّ قرآناً واحداً .
والوجوه الأربعة، معارضة بأنّه يقال في كلّ آية أو سورة: إنّه بعض القرآن ومنه .2
وفيه نظرٌ، لأنّ المجموع الّذي يصدق اسمه عليه وعلى جزئه بالتواطؤ أو

1 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 126 .
2 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 126 .

صفحه 255
الاشتراك، يصدق عليه أنّه قرآنٌ واحدٌ باعتبار مجموعه، وأنّه قرآن متعدّدٌ باعتبار أجزائه، كما لو أُنزل ماء، صدق عليه أنّه ماءٌ واحدٌ، ولو اعتبرت أجزاؤه، صدق تعدّده .
والوجوه الأربعة، لا يعارضها قولنا في السورة: إنّها بعض القرآن، لصدق القرآن عليها وعلى المجموع بالتواطؤ أو الاشتراك .
قوله: النصوص تقتضي كون كلّه عربيّاً مجازاً.
قلنا: الأصل في الاستعمال الحقيقة.
قوله: وُجِدتْ ألفاظٌ غيرُ عربيّة.
قلنا: ممنوعٌ، والحروف قيل1: إنّها اسماء السّور، أو أجزاء من
كلمات، كما قيل2: إنّ «الكاف» من كاف، و «الهاء» من هاء، وغير ذلك.
و «المشكاة» وغيرها جاز أن يكون ممّا اتفقت فيه اللّغات كـ «الصّابون» و «التّنّور».
سلّمنا، لكن تخصيص العامّ لا يُخْرِجه عن كونِهِ حجّةً في الباقي.
قوله: المعاني تجدّدت، فلابدّ من وضع جديد.
قلنا: يكفي المجاز، كتخصيص الصّلاة بدعاء معيّن، وكذا البواقي.
والزكاة من المجاز المنقول فيه اسم المسبّب إلى سببه .

1 . القائل هو الرازي في المحصول: 1 / 127 .
2 . القائل هو العجليّ الإصفهاني في الكاشف عن المحصول: 2 / 247 ـ 249، حيث قال: المتركّب من مدلول «الكاف، والهاء، والياء، والعين، والصاد» هو: كهيعص .

صفحه 256
قوله: فعل الواجبات هو الدّين.
قلنا: ممنوعٌ ولفظة «ذلك» لا يرجع إلى جميع ما تقدّم لوحدتها، وتذكيرها، وكثرته.
وتأنيث إقامة الصلاّة، فلابدّ من إضمار .
ولستم بإضمار «الّذي أُمْرِتُمْ به» أولى منّا بإضمار «الإخلاص» أو «التديّن» .
ومع ذلك فإضمارنا أرجح، لعدم تأديته إلى تغيير اللّغة، بخلاف إضمارهم.1
وفيه نظرٌ، لجواز رجوعه إلى المجموع من حيث هو مجموع .
قوله: المراد بقوله «إيمانَكُمْ» صلاتَكُمْ إلى بيت المقدس .
قلنا: ممنوعٌ، بل التصديق بوجوب تلك الصلاة، محافظةً على بقاء الوضع.
وقوله(عليه السلام): «نُهيتُ عَنْ قتل المصلّين»2 أراد المصدّقين بتلك الصّلاة مجازاً، من باب التعلّق .
قوله: الفاسق غير مؤمن، للاستغفار للمؤمن دونه.
قلنا: الايمان يجامع المعاصي، لقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا

1 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 128 .
2 . سنن أبي داود: 4 / 282، رقم الحديث 4928 ، كتاب الأدب ; الجوهر النّقي في ذيل سنن البيهقي: 3 / 92 ; كنز العمال: 4 / 390، رقم الحديث 11062 و ج 7 / 308، رقم الحديث 19021 .

صفحه 257
إِيمَانَهُمْ بِظُلْم )1، (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا)(2).
ولأنّ محلّ الإيمان القلب لقوله تعالى: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ)(3)(وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)2 (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ)(5).
وقوله (عليه السلام) : «يا مُثبِّتَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك»3 فيكون مغايراً لعمل الجوارح .
قوله: قاطع الطّريق يُخزى.
قلنا: الآيات الدالّة على مجامعة الإيمان للمعاصي يدفع ما ذكرتموه، واستثناء المسلمين معارض بقوله: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)4.
وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ )5يحتمل من كان في زمانه، أو أنّه مستأنف، وثبوت العذاب لا يستلزم دخولَ النّار .
قوله: وقد يوصف بالإيمان حال عدم مباشرة التصديق.
قلنا: وحال عدم الأفعال أولى .
قوله: يكون المصدّق بالجبت مؤمناً .
قلنا: الإيمان في عرف الشرع تصديق النبيّ(صلى الله عليه وآله) في جميع ما جاء به، لا مطلق التصديق، وهو الجواب عن الباقي.

1 . الأنعام: 82 .            2 . الحجرات: 9 .         3 . المجادلة: 22 .
2 . النحل: 106 .         5 . الأنعام: 125 .
3 . سنن ابن ماجة: 1 / 72، رقم الحديث 199 ; كنز العمّال: 2 / 196 رقم الحديث 3726 .
4 . الحجرات: 14 .
5 . التحريم: 8 .

صفحه 258
قوله: الصلاة وغيرها غير مستعمل في العرف اللّغوي.
قلنا: مسلّمٌ لكن استُعْملت مجازات بالنسبة إليها.
احتجّ القاضي1 بأمرين:
الأوّل: أنّ القرآن قد اشتمل على هذه الألفاظ فلو لم تكن عربيّةً لم يكن القرآن كلّه عربيّاً. والتقريب ما تقدّم.
الثاني: أنّ الشارع لو نقلها، لوجب عليه أن يُعرِّف الأُمّةَ ذلك حتّى يتمكّنوا من الامتثال لأوامره، ولو عرّفهم ذلك لنقل إلينا، لأنّا متعبّدون مثلهم.
والنقل إمّا تواتر أو آحاد، والآحاد ليست حجّةً ولا تواتر2 .
والجواب عن الأوّل: إن أردت بكونها عربيّةً نطق العرب بها أو استعملها3 في حقائق تناسب الحقائق الشرعية، فهو مسلّم .
وإن أردت استعمالها فيما استعمله الشّارع، فهو لا شكّ بعيدٌ.
وعن الثاني: أنّ التواتر دلّ على النقل في أكثر الأسماء، والآحاد تفيد في الأُمور الشرعية.
ولأنّه إنّما يجب عليه أن يوقفنا على مقصوده لو لم نفهمه من هذه الألفاظ بالتكرير والقرائن مرْةً بعد أُخرى، فإذا فهم فقد حصل الغرض.
قوله: يلزم التكليف بما لا يطاق لو كلّفهم فَهْمَها قبل تفهيمهم .

1 . هو أبو بكر محمد بن الطيّب الباقلاني المتوفّى سنة 403 هـ .
2 . التقريب والإرشاد: 1 / 391 ـ 392 .
3 . في «ب» و «ج» : واستعمالها .

صفحه 259
وليس كذلك.
قوله: التفهيم إنّما يكون1 بالنقل.
قلنا: ممنوعٌ بل بالتكرير والقرائن، كما قلناه.

البحث الرّابع: في اشتمال القرآن على المعرّب

ولقد يناسب ما نحن فيه الكلام في أنّ القرآن هل اشتمل على كلمة غير عربيّة أم لا؟
فأثبته ابن عباس وعِكْرِمة 2.
ونفاه الباقون .
والأقرب الأوّل .
لنا وجوهٌ:
الأوّل: اتِّفاق النحاة على أنّ مثل إبراهيم وإسماعيل غير منصرف، للعجمة والعربيّة .
الثاني: أنّ القرآن قد اشتمل على «مشكاة» وهي هنديّةٌ و«استبرق» و «سجّيل» وهما فارسيّان، و «طه» وهي نبطيّةٌ، و «قسطاس» وهو روميٌّ.
الثالث: قال(عليه السلام): «بُعثْتُ إلى الأسود والأحمر» 3.

1 . في «أ»: يحصل .
2 . لاحظ الإحكام للآمدي: 1 / 40 .
3 . بحار الأنوار: 16 / 308 ; مسند أحمد بن حنبل: 4 / 416 .

صفحه 260
والإجماع أيضاً دلّ على عموم رسالته، وأنّه مبعوثٌ إلى أهل كلّ
لسان.
والقرآن أيضاً دلّ عليه في قوله تعالى : (وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ)1فيمكن أن يكون الكتاب جامعاً لكلّ لغة، ليتحقّق خطابه للكلّ إعجازاً
وبياناً.
الرابع: لا استبعاد في وجود ذلك في الكتاب، كوجود الحروف في أوائل السور .
واحتجّ الباقون بوجوه :
الأوّل: قوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعَجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ)(2)فنفى كونه أعجميّاً، وقطع اعتراضهم بتنويعه بين أعجميّ وعربيّ، ولا ينتفي الاعتراض وفيه أعجمىّ .
الثاني: قوله تعالى: (بِلِسَان عَرَبِيٍّ مُبِين)2 وقوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً)3.
في فروع النقل   
ثمّ اعترضوا على الأوّلين بجواز اشتمال جميع اللّغات على هذه الألفاظ.4

1 . سبأ: 28 .         2 . فصّلت: 44 .
2 . الشعراء: 195 .
3 . يوسف: 2 .
4 . أي اشتراك اللّغات المختلفة في الألفاظ المتقدّمة.

صفحه 261
وعموم نبوّته (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يوجبُ اشتمالَ القرآنِ على جميع اللّغات، لعدم ذلك، ولا اعجاز في الكلمة الواحدة.
والجواب: المعنى من سياق الآية: أكلام أعجميّ1 ومخاطب عربيّ لا يفهم؟ وهم قدكانوا يفهمونها .
سلّمنا نفيَ التنوّع، فالمعنى أعجميّ لا يفهم .
وقولهم: باتّفاق اللّغات في تلك الألفاظ، بعيدٌ.

البحث الخامس: في فروع النقل

وهي خمسةٌ
الأوّل : النقل على خلاف الأصل، لتوقّفه على الوضع اللّغوي، ونسخه، والوضع الأخير، فيكون مرجوحاً بالنسبة إلى ما يتوقّف على وضع واحد .
ولدلالة الاستصحاب على بقاء الوضع الأوّل .
ولأنّه لو تساوى احتمال النقل وعدمه، لم يحصل التّفاهم حالة التخاطب إلاّ بعد السؤال عن البقاء على الوضع والنقل.
الثاني: لا نزاع في ثبوت المتواطئة في الأسماء الشرعيّة، واختلفوا في المشتركة .
والأجود وقوعها، فإنّ الصّلاة تستعمل في معان متعدّدة لا يجمعها

1 . في «ج»: كلام عجميٌّ.

صفحه 262
جامعٌ، فإنّها تتناول ما لا قراءةَ فيه: كالأخرس، وما لا سجود فيه ولا ركوع: كصلاة الجنائز، وما لا قيام فيه: كالقاعد والمؤمي، وليس بينها قدر مشترك يجعل اسماً للصلاة1.
وفيه نظرٌ، لاحتمال أن يكون بينها معنى مشترك وإن كنّا لا نعلمه ، فإنّه أولى من اعتقاد الاشتراك الّذي هو على خلاف الأصل.
سلّمنا، لكن الفعل2 الواقع على أحد الوجوه المخصوصة جامعٌ لها، فجاز وضع لفظة «الصلاة» له.
سلّمنا، لكنّ الصلاة الشرعيّة حقيقةً إنّما تقال على ذات الرّكوع والسّجود والقراءة.
وأمّا صلاة الأخرس والجنائز والمؤمي، فإنّها مجازٌ، وهو أولى من الاشتراك .
الثالث: الألفاظ المترادفة لا توجد في عرف الشرع، لأنّ الفعل
الشرعيّ، على خلاف الأصل، فيقدّر بقدر الحاجة، ولا حاجة إلى المترادف، فلا يوجد.
الرّابع: الأفعال تابعة للمصادر، فإن كانت المصادر شرعيّةً، فالأفعالُ شرعيّةٌ، وإن كانت لغويّةً، فهي لغويّةٌ، ولم يضع الشارع فعلاً ولا حرفاً بالاستقراء، وكون الأفعال شرعيّة بالعرض لا بالذات .

1 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 130 .
2 . في «ب» و «ج»: لكن النّقل.

صفحه 263
الخامس: صيغ العقود مثل «بعتُ» و «طلّقتُ» إنشاءات لا إخبارات، وإن كانت بصيغة الإخبار في اللّغة، وقد تستعمل شرعاً فيها، لكنّ البحث في أنّها إذا نطق بها لتحصيل الأحكام، كانت انشاءات، لوجوه:
الأوّل : من خواصّ الخبر التصديق والتكذيب وهما منفيّان هنا.
الثاني: ليست إخباراً عن الماضي والحال، وإلاّ لكانت كاذبةً، ولامتنع تعليقها على الشرط، فإنّ التعليق توقيف وجود المعلّق على وجود المعلّق عليه، والداخل في الوجود لا يتوقّف دخوله على غيره في الوجود، لاستحالة تقدّم المشروط على شرطه.
ولا عن المستقبل، إذ ليس دلالتها على المستقبل بأقوى من قوله: ستصيرين طالقاً في المستقبل، ولو صرّح بذلك لم يقع، فكذا في قوله: أنتِ طالق1.
وفيه نظرٌ، لأنّ دلالة أنتِ طالقٌ، وطلّقتُ، على وجود الطّلاق أقوى من دلالة «ستصيرين».
ولا يلزم من عدم ترتّب الحكم على المسبّب الضعيف عدمُ ترتّبه على القويّ، فجاز أن يرتّب الشارع وقوعَ الطلاق على الإخبار بوقوعه في المستقبل بصيغة أقوى في الدلالة على الوجود، من غير اعتبار الاستقبال.
أو أنّه إخبار عن الحال ولا دور، لأنّه إخبار وسبب، فتعدّدت الجهة، والتعليق قرينةٌ صارفةٌ عن الحقيقة .

1 . لاحظ المحصول في علم الأُصول: 1 / 131 .

صفحه 264
الثالث: هذه الإخبارات، إن كانت كاذبة لم يعتدّ بها، وإن كانت صادقةً، فإن توقّف وقوع الطلاق على هذه الصّيغ، دار، لأنّ صدق الخبر يتوقّف على ثبوت مخبره، فلو انعكس دار، فإنّ ثبوت المخبر هنا هو الطالقيّة.
وإن لم يتوقّف، افتقر إلى سبب ويقع مع تحقّقه وإن لم يوجد هذا الخبر، وينتفي مع انتفائه وإن وجد الخبر، وهو باطل إجماعاً .
ولا يمكن أن تكون هذه الصيغة شرطاً لتأثير السبب، وإلاّ لتقدّمت، لكنّ الخبر الصدق يتقدّم مخبره عليه، فيدور 1.
وفيه نظرٌ، فإنّ الدّور يلزم لو توقّف ثبوت المخبر على صدق الخبر، وليس، بل على ماهيّة الخبر.
ويمنع عدم الاعتداد بالكذب كما في الظهار، والقبح لا يسمع من الأشاعرة، ويجوز عند المعتزلة إذا اشتمل على مصلحة كليّة، كتخليص النبي(صلى الله عليه وآله) .
الرابع: أمر الله تعالى بالطلاق في قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ)2 فيجب أن يكون مقدوراً، وليس إلاّ قوله: أنتِ طالقٌ، فيكون هو المؤثّر.
في المجاز   

1 . لاحظ المحصول في علم الأُصول: 1 / 132 .
2 . الطلاق: 1 .

صفحه 265
 
المطلب الثالث: في المجاز
وفيه مباحث:

] المبحث[ الأوّل: في إثباته في اللغة

المحقِّقون عليه، ونفاه الأُستاذ أبو إسحاق1 ومتابعوه .
لنا: انّه قد اشتهر في اللّغة إطلاق الأسد على الشجاع، والحمار على البليد، وغير ذلك، مع الاتّفاق على أنّها لم توضع في اللّغة لهذه المعاني، بل لغيرها، وأُطلقت على هذه لمشابهة مّا، ولا نعني بالمجاز سوى هذا.
لا يقال: جاز أن يكون حقائق في هذه أيضاً.
لأنّا نقول: إنّه سيظهر أولويّة المجاز على الاشتراك.
ولأنّ سبق تلك المعاني إلى الذهن دون هذه، مع عدم السبق في المشترك، ينفي الاشتراك.
احتجّ المانعون: بأنّه مخلُّ بالفهم.
ولأنّه إن أفاد المجازيّ مع القرينة، لم يكن مجازاً، إذ لا يحتمل غيره حينئذ، أو لا معها، فيكون حقيقةً فيه، أو لا يفيد شيئاً مع عدمها، فلا يكون حقيقةً ولا مجازاً.

1 . تقدّمت ترجمته: 151 .

صفحه 266
ولأنّ كلّ معنى مجازيّ فله لفظ موضوع له، فلا يقع عن الحكيم التجاوز عن لفظه إلى استعارة غيره، لما فيه من التطويل إن ذكر القرينة، وعدم الإفادة للمقصود إن أخلّ بها .
والجواب عن الأوّل: المنع من الاختلال في الفهم، لأنّه إذا أراد المجاز ذكر مع القرينة، ولا استبعاد .
وعن الثاني: أنّه نزاعٌ في العبارة، أو نقول: اللّفظ الّذي لا يفيد إلاّ مع القرينة هو المجاز .
ولا يقال: إنّ اللّفظ مع القرينة يكون حقيقةً فيه .
لأنّ القرينة ليست موضوعةً حتّى يجعل المجموع لفظاً واحداً دالاًّ بالوضع، والحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ .
وعن الثالث: ما سيأتي من فوائد المجاز.
في إثبات المجاز   

المبحث الثاني: في إثباته في القرآن

وكما أنّ المجاز واقعٌ في اللّغة، فكذا هوواقع في القرآن والسنّة، خلافاً للظاهريّة، وأخطأ من نقل عن الإمامية موافقتهم1، فإنّهم نصّوا على وقوعه في القرآن.

1 . الآمدي في الإحكام: 1 / 38، قال: اختلفوا في دخول الأسماء المجازيّة في كلام الله تعالى، فنفاه أهل الظاهر والرافضة، وأثبته الباقون.
أقول: ولا يخفى ما في تعبيره عن شيعة آل البيت بالرافضة من التنابز بالالقاب الّذي نهى عنه الذكر الحكيم. وإلى الله المشتكى .

صفحه 267
لنا: قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)1 (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)(2) (جِدَاراً يُرِيدُ
أَنْ يَنْقَضَّ)2 إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرةٌ .
احتجّوا: بأنّ المجاز كذب، ولهذا يمكن نفيه .
ولأنّ المجاز ركيكٌ، والله تعالى منزّهٌ عنه .
ولأنّه إنّما يُصار إليه عند العجز عن الحقيقة .
ولأنّه إنّما يفيد مع القرينة، وربما خفيت فيقع المكلّف في الجهل، وذلك قبيحٌ من الحكيم .
ولاستلزامه كونه تعالى مُتجوِّزاً .
ولأنّ كلامه حقٌّ، وكلُّ حقٍّ فله حقيقةٌ، والحقيقة مقابلة المجاز.
ثمّ اعترضوا بمنع المجاز فيما قلناه، أمّا قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)فإنّه موضوع لنفي التشبيه، إذ الكاف للتشبيه .
وأمّا قوله: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) فالقرية عبارةٌ عن الناس المجتمعين، لأنّها مأخوذةٌ من القَرْء وهوالجمع.
سلّمنا لكن لا امتناع في إنطاق الجدران بقدرته تعالى خصوصاً في زمن الأنبياء(عليهم السلام)، فإنّ خرق العادة فيها جائز .
وقوله: (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) حقيقةٌ أيضاً، لإمكان أن يخلق الله تعالى في الجدار إرادةً .

1 . الشورى: 11 .         2 . يوسف: 82 .
2 . الكهف: 77 .

صفحه 268
والجواب: المنع من كون المجاز كذباً، وإنّما يلزم لو أُريدت الحقيقة، على أنّ الناس يعدّون المستعار والمجاز حسناً، ويقبحون الكذب .
وليس المجاز من الركيك، بل هو أفصح وأبلغ في تحصيل مقاصد المتكلّم .
ولا يشترط في الإتيان به العجز عن الحقيقة .
وخفاء القرينة لتقصير المكلّف، فلا يوجب المنع كالمتشابهات.
ولم يطلق عليه تعالى اسم المتجوّز، لإبهامه التسامح، ولأنّ أسماءه تعالى توقيفيّةٌ .
وكون كلامه تعالى حقّاً يستلزم الحقيقة بمعنى الصّدق، لا بمعنى المقابل للمجاز .
والكاف موضوع لنفي التشبيه وليس مراداً هنا، وإلاّ لزم نفي مثل مثله، وهو شركٌ وكفرٌ، على ما تقدّم .
في غاية المجاز   
والقرية حقيقةٌ للموضع الّذي يجتمع فيه الناس، لا للنّاس المجتمعين، ولا للاجتماع .
والسؤال لم يقع للجدران قطعاً، وإنّما قصدوا أهلها، وكذا في إرادته .
على أنّ هنا آيات تدلّ على المعاني بالمجاز من غير تأويل: كقوله:
(فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)1.
(وَ جَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)(2).

1 . البقرة: 194 .         2 . الشورى: 40 .

صفحه 269
(وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً)1.
(وَ اخْفِضْ لَهُمَا جُنَاحَ الذُّلِّ)(2).
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)(3).
(لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَ بِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ)2.
(اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ)(5).
(اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)(6).
(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ )3.
(كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ)(8)إلى غير ذلك من الآيات.

المبحث الثالث: في غايته

الباعث عليه ـ مع أنّه على خلاف الأصل على ما يأتي ـ قد يكون جوهرَ اللّفظ، بأن يكون اللّفظ الحقيقي ثقيلاً على اللّسان، إمّا لأجل مفردات حروفه، أو لتنافر تركيبه، أو لِثِقَل وزنه، والمجازيّ يكون عذباً، فيعدل إليه عنها .
وقد يكون عوارضَه، بأن يكون اللفظ المجازيّ صالحاً للسجع وازدواج الكلام، كقوله تعالى: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)4(فَإِذَا فَرَغْتَ

1 . مريم: 4.   2 . الإسراء: 24 .   3 . البقرة: 197 .
2 . الحجّ: 40 .   5 . النور: 35 .   6 . البقرة: 15.
3 . الأنفال: 30 .   8 . المائدة: 64 .
4 . البقرة: 267 .

صفحه 270
فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)1 .
وكقول بعضهم: حتّى عاد تعريضك تصريحاً وتمريضك تصحيحاً .
وللمطابقة، وهي: الجمع بين الشيء وضدّه كقوله تعالى:(لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)2 .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خير المال عينٌ ساهرةٌ لعين نائمة»3.
وللمجانسة، وهي: أن تورد كلمتين تجانس كلّ واحدة صاحبتها في تأليف حروفها، كقوله تعالى: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ)4 .
وقال معاوية لعبد الله بن العبّاس: ما بالكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم كما تصابون في بصائركم5.
وللمقابلة، وهي: إيراد لكلام ثمّ مقابلته بمثله، إمّا في المعنى

1 . الانشراح: 7 ـ 8 .
2 . الحديد: 23 .
3 . المجازات النبويّة: 93، المثل السائر: 1 / 265، تأليف أبي الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد المعروف بابن الأثير المتوفّى سنة 637 هـ ; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2 / 104 ; غريب الحديث لابن قتيبة: 2 / 364، قال ابن قتيبة بعد نقل الحديث: يراد بالعين الساهرة عين ماء تجري لا تنقطع نهاراً ولا ليلاً، وقوله «لعين نائمة» يراد أن صاحبها ينام وهي تجري ولا تنقطع، فجعل السهر لجريها مثلاً .
4 . النّمل: 44 .
5 . كذا في النسخ الّتي بأيدينا ولكن في عيون الأخبار لابن قتيبة: 2 / 210 «قال معاوية لعبد الله بن عباس: أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم. فقال ابن عباس: وأنتم يا معاوية تصابون في بصائركم» ; وفي قاموس الرّجال: 6 / 320 ـ نقلاً عن العقد الفريد ـ : «دخل عقيل على معاوية، وقد كفّ بصره فقال له: أنتم معشر بني هاشم تُصابون في أبصاركم. فقال عقيل: وأنتم معشر بني أُميّة تُصابون في بصائركم» .

صفحه 271
مثل:(وَمَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنَا مَكْراً)1 والمكر منه تعالى العذاب، جعله مقابلاً لمكرهم برِسْلِهِ .
أو في اللفظ مثل: ليس من جمع إلى الكفاية الأمانة، كمن أضاف إلى العجز الخيانة، جعل مقابلة الكفاية العجز وبإزاء الأمانة الخيانة، وغيرها من أصناف البديع.
وللزنة والرويّ، ولا تصلح الحقيقة لذلك، وقد يكون للمعنى نفسه بأن يكون أبلغ من الحقيقة، فإنك لو قلت: رأيت أسداً، لكان أبلغ في الوصف بالشجاعة من قولك: رأيت رجلاً كالأسد .
أو للتعظيم مثل: سلام على المجلس العالي، فإنّه ترك الحقيقة إجلالاً .
أو للتحقير كالغائط .
أو لزيادة البيان، وهو الّذي يذكر للتوكيد .
أو لتلطيف الكلام، فإنّ النفس إذا سمعت المعنى المجازيّ حصل لها شوقٌ إلى الوقوف على كمال المعنى لا يحصل مع الحقيقة، إذ يحصل المعرفة التامّة، فلا يحصل شوق إلى شيء، لاستحالة تحصيل الحاصل.
بخلاف المجاز الّذي يحصل به التعريف من بعض الوجوه، فيحصل بالوجه الّذي عرفَتْه لذّةٌ وبفقدان الكمال ألمٌ، فتحصل لذّاتٌ وآلامٌ متعاقبةٌ، واللّذة إذا حصلت عقيب الألم كانت أقوى، وكان الشعور بها أتمّ .
فإذا عبّر عن المعنى بلفظه الحقيقيّ حصلت المعرفة التامّة، فلا تحصل اللّذة القويّة.

1 . النّمل: 50 .

صفحه 272
وإذا عرف بلازم عرف لا على سبيل الكمال، فتحصل حالةٌ تشبه الدّغدغة النفسانيّة، فلهذا كان المجاز أولى.

المبحث الرابع: في أقسامه

اعلم أنّ الألفاظ منها بسائط، ومنها مركّباتٌ، وكلّ واحد منهما قد يستعمل في موضوعه الأصليّ وهو الحقيقيّ، وقد ينقل عنه فيكون مجازاً، فالمجاز إذن إمّا إن وقع في المفردات، أو في المركّبات، أو فيهما معاً.
أمّا المفردات، فقد اتّفق عليه المحقِّقون، كالأسد للشجاع، والحمار للبليد.
وأمّا في التركيب فكذلك أيضاً، خلافاً لبعضهم، وذلك بأن يستعمل كلّ واحد من اللّفظين في معناه الحقيقيّ، لكن التركيب غير مطابق كقوله:
في أقسام المجاز   
أشاب الصغيرَ وأفنى الكبيـ *** ـرَ كرُّ الغداة ومرُّ العشيّ1
فكلّ واحد من هذه الألفاظ المفردة مستعمل في موضوعه، لكن اسناد أشاب إلى كرّ الغداة ليس بحقيقيّ، لحصوله من الله تعالى .
ومثله طلعت الشّمس، ومات زيد .
وأمّا الّذي يقع فيهما، فكقولك: أحياني اكتحالي بطلعتك، فإنّ الاكتحال هنا مجاز إفرادي، والإحياء أيضاً مجاز إفراديّ، وإسناد الإحياء إليه مجاز

1 . البيت للشاعر: الصلتان العبدي وهو قثم بن خبيئة من عبد القيس، أحد شعراء ديوان الحماسة الّذي اختاره أبو تمام .

صفحه 273
تركيبيّ، لأنّه غير مستند حقيقةً إلى الاكتحال .
قال بعضهم1: جهة الإسناد واحدة، فالمجاز في المفرد خاصّةً.
وليس بجيّد، فإنّ إسناد الفاعليّة والمفعوليّة متغايران، فإذا كان اللّفظ بحيث يصحّ إسناده إلى آخر إسناد الفاعليّة،2 كان إسناده إليه اسناد المفعولية مجازاً وبالعكس .

المبحث الخامس: في أقسام ] المجاز[ المفرد

وهي ثلاثة عشر :
الأوّل : إطلاق إسم السبب على المسَّبب، فالقابل3 سال الوادي، والصورة تسمية اليد قدرةً، والفاعل تسمية المطر بالسّماء، والغاية تسمية العنب خمراً، والعقد نكاحاً.
الثاني: العكس، تسمية المرض الشديد موتاً .
ولمّا كانت الغاية علّةً باعتبار ماهيّتها معلولةً باعتبار وجودها، جمعت العلاقتين، فكان المجاز فيها أولى من غيرها من باقي الأسباب4.

1 . وهو ابن الحاجب. لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1 / 382 قسم المتن .
2 . في «ب»: إلى آخر إسناده .
3 . أي السبب القابل هو ما يصلح في العادة أن يرد عليه مسبّبه، كالحفيرة تقبل أن يرد عليها الماء، فتسمّى وادياً. انظر نفائس الأُصول: 1 / 476 تأليف أحمد بن إدريس القرافي المتوفّى سنة 684 هـ .
4 . لاحظ المحصول في علم الأُصول: 1 / 135 .

صفحه 274
وفيه نظر، فإنّ العلّة الفاعليّة أقوى الأسباب، فجاز أن يترجّح على الغاية الّتي ترجّحت بالمعلوليّة المرجوحة.
ولمّا استلزم السّبب المعيّن المسبّب المعيّن، والسبب المعيّن السبّب المطلق لا المعيّن ، كان نقل اسم السّبب إلى المسبّب أحسن من العكس .
الثالث: التسمية بالمشابهة،1 كالشجاع بالأسد، والبليد بالحمار، ويسمّى هذا بالمستعار.
وهذه المشابهة قد تكون في الشكل، كالإنسان للصّورة، أو في صفة ظاهرة، كالأسد على الشجاع لا على الأبخر2 لخفائها .
الرابع: التسمية باسم الضدّ (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)3 (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)4.
في أقسام المجاز المفرد   
ويمكن أن يلحق بالمشابهة، للمشابهة بين السّيئة وجزائها .
الخامس: نقل اسم الكلّ إلى الجزء، كإطلاق العامّ على الخاصّ (ويدخل بنوع من الاعتبار تحت السّبب)5.
السادس: عكسه، كما يقال للزنجيّ: أسود، والأوّل أولى، لاستلزام الكلّ الجزء دون العكس، والملازمة سببٌ في التجوّز مستقلٌّ.

1 . في «أ»: بالمشابه .
2 . في مجمع البحرين: بَخِرَ الفم بخراً: أنتنت رائحته، ومنه رجلٌ أبخر وامرأة بخراء.
3 . الشورى: 40 .
4 . البقرة: 194 .
5 . ما بين القوسين يوجد في «ب» .

صفحه 275
السابع: تسمية الإمكان بالوجود، كما يقال في الخمر في الدّن: إنّها مسكرة.
الثامن: إطلاق المشتقّ بعد زوال المشتقّ منه، كضارب لمن فرغ منه، باعتبار أنّه كان عليه، والمُعْتَق عبداً.
التاسع: تسميته بما يؤول إليه كالشارب بالسكران .
العاشر: المجاورة، كالراوية المنقولة من الجمل إلى الظرف .
الحادي عشر: المجاز بسبب ترك أهل العرف استعماله فيما كانوا يستعملونه فيه، كالدابة في الحمار.
لا يقال: كون لفظ الدابّة مجازاً، إن كان باعتبار صيرورته مستعملاً في الفرس وحده، فهو من باب إطلاق اسم العامّ على الخاصّ، وإن كان باعتبارالمنع من استعماله في غيره، وهو باطلٌ، لأنّ المجازيّة كيفيّةٌ تعرض للّفظ من جهة دلالته على معناه، لا من جهة عدم دلالته على الغير.
لأنّا نقول: استعمال الدّابّة في الكلب والحمار مجازٌ بالنسبة إلى الوضع العرفّي، للعلاقة بينه و بين موضوعه، وحقيقةٌ لغويّةٌ، إلاّ أنّ المجاز من باب المشابهة، فيدخل فيما تقدّم.
الثاني عشر: المجاز باعتبار الزيادة والنقصان .
الثالث عشر: تسمية المتعلَّق باسم المتعلِّق، كتسمية المعلوم علماً، والمقدور قدرةً.

صفحه 276
في محل المجاز   
 
المبحث السادس: في محلّه
قد عرفت أنّ الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ، وعرفت أيضاً في غير هذه الصناعة أنّ بسائط الألفاظ ثلاثةٌ: اسم، وفعل، وحرف .
فالحرف لا يدخله المجاز بالذّات، لعدم استقلاله بالمفهوميّة، وإنّما يفيد مع انضمامه إلى غيره، فإن ضمّ إلى ما ينبغي ضمّه إليه، فلا مجاز، وإن ضمّ إلى ما لا ينبغي ضمّه إليه، كان مجازاً في التركيب، لا في المفرد .1
وفيه نظرٌ، فإنّا لو استعملنا «مِنْ» في الانتهاء، كان مجازاً في المفرد.
وأمّا الفعل، فهو دالّ على ثبوت شيء لموضوع غير معيّن في زمان
معيّن
، فهو مركّبٌ من المصدر والزّمان والنّسبة، فما لم يدخل المجاز
في المصدر، استحال دخوله في الفعل الّذي لا يفيد إلاّ ثبوتَ ذلك المصدر
لشيء مّا .2
وفيه نظرٌ، فإنّ مجازيّة المركّب لا ينحصر في فرد بعينه، فجاز كونُ الفعل مجازاً باعتبار صيغته، بأن يدلّ وضعاً على زمان ماض3 ويستعمل في المستقبل مجازاً، وليس في المشتقّ منه .
وأيضاً، فإنّ المضارع قيل: إنّه مشترك .

1 . لاحظ المحصول في علم الأُصول: 1 / 137 .
2 . نفس المصدر.
3 . في «أ»: زمان خاصٍّ.

صفحه 277
وقيل: إنّه مجازٌ في أحد الزّمانين، حقيقةٌ في الآخر، واختلفوا في الحقيقيّ منهما، واعتقاد المجاز أقلّ من اعتقاد الاشتراك .
ولأنّ صيغة الإخبار قد ترد في الإنشاء والتهديد وغيره، واعتقاد المجاز فيها أولى من الاشتراك.
وأمّا الاسم، فإمّا أن يكون علماً، أو اسماً مشتقّاً، أو اسم جنس، والأعلام ليست مجازات، لأنّ شرط المجاز استناد النقل إلى علاقة بين الأصل والفرع، وهي منفيةٌ في الأعلام.
وأمّا المشتقّ فما لم يتطرّق المجاز إلى المشتقّ منه لم يتطرّق إلى المشتقّ الّذي لا معنى له إلاّ أنّه أمرٌ ما حصل له المشتقُّ منه .
فإذن المجاز في الحقيقة إنّما هو في أسماء الأجناس .1
وفيه نظرٌ، فإنّ المشتقّ مركّبٌ من المشتقّ منه ومن صيغة خاصّة تدلّ على الفاعليّة أو المفعوليّة، فجاز أن يكون المجاز في الصّيغة، كما قلنا في الفعل.
وأيضاً قد بيّنا أنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي عند بعضهم أو بمعنى المستقبل، فإنّه يكون مجازاً لا باعتبار مجازيّة المشتقّ منه .
ولأنّ اسم الفاعل قد يأتي بمعنى المفعول مجازاً .
ولأنّ الفعيل قد يأتي بمعنى الفاعل وبمعنى المفعول .
فاعتقاد المجازيّة في أحدهما أولى من اعتقاد الاشتراك.

1 . لاحظ المحصول في علم الأُصول: 1 / 137 ـ 138 .

صفحه 278
في شرائط المجاز   
 
المبحث السابع: في شرائطه
وهي ثلاثة:
الأوّل: لابدّ فيه من العلاقة بين المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازيّ، وإلاّ كان اختراعاً .
لا يقال: يلزم منه القياس في اللّغة.
لأنّا نقول: إنّما يكون قياساً لو سمّيناه حقيقةً لأجل العلاقة، ونحن لا نقول به، بل إنّما نسمّيه على سبيل المجاز، ولهذا نسلبه عنه.
ولو أثبتنا حكم الأصل والفرع، لامتنع منّا سلبه كما امتنع في الأصل .
وفيه نظرٌ، لأنّا نمنع الملازمة، والسلب ليس للتسمية بل المعنى الحقيقي.
الثاني: انتفاء المانع، بأن لا يمنع أهل اللّغة منه، فإنّهم لو منعوا منه لم يجز الاستعمال، كما أنّهم منعوا من استعمال نخلة لطويل غير إنسان، وشبكة للصّيد، وابن للأب، وبالعكس، وغير ذلك وأن لا يمنع الشرع منه، كما منع من إطلاق اسم الكافر على المؤمن باعتبار كفر تقدّم إن جعلناه مجازاً، أو باعتبار المعنى الحقيقي كالتغطئة إذ صارت مجازاً عرفيّاً.
الثالث: شرط جماعةٌ النقل، بمعنى أنّ اللفظ لا يستعمل في معناه المجازيّ في كلّ صورة إلاّ بنصّ أهل اللّغة عليه .
ومنع منه آخرون .
وهو الأقرب لنا: لوكان نقليّاً لتوقّف أهل العربيّة عليه، والتالي باطلٌ فكذا المقدّم .

صفحه 279
ولأنّا قد بيّنا أنّ الشارع تجوّز بألفاظ عربيّة في معان لم يعرفها أهل اللغة، وكذا كلّ أهل فنٍّ من العلوم استخرجوا معاني وضعوا لها ألفاظاً عربيّةً للمناسبة، فيكون مجازاً .
وفيه نظرٌ إذ الثابت الوضع العرفيّ، أمّا المجاز فلا، وإسناد الوضع إلى المناسبة ممنوعٌ.
ولأنّه لو كان نقليّاً لَما افتقر إلى النظر في العلاقة، مع أنّهم اتّفقوا على أنّ وجوه المجازات والاستعارات ممّا يحتاج في استخراجها إلى الفكر والنظر الدقيق .
قيل: النظر لاستخراج جهات حسن المجاز والاطّلاع على الحكمة .
ولأنّ النظر إنّما هو للواضع .
وأيضاً لو كان نقلياً لَما افتقر إلى العلاقة، بل كان النقل فيه كافياً .
قيل: الافتقار إلى العلاقة إنّما كان لضرورة توقف المجاز من حيث هو مجاز عليها، وإلاّ كان إطلاق الاسم عليه من باب الاشتراك لا من باب المجاز.
ولأنّك إذا قلت: رأيت أسداً وعنيت به الشجاع، فالغرض من التعظيم إنّما يحصل بإعارة معنى الأسد له، فإنّك لو أعطيت الاسم دون المعنى لم يحصل التعظيم .
وإذا كانت إعارة اللّفظ تابعةً لإعارة المعنى وكانت إعارة المعنى حاصلةً بمجرّد قصد المبالغة، لم يتوقّف استعمال اللّفظ المستعار على السمع .
وفيه نظرٌ، لحصول التعظيم بإعارة الشجاعة الّتي للأسد.

صفحه 280
احتجّ المشترطون بانّ العلاقة لو كفت لجاز تسمية غير الإنسان نخلةً والصيد، شبكةً، والثمرة شجرة، وظلّ الحائط حائطاً، والابن أباً، لِما بينها من المشابهة والعلاقة وليس كذلك .
ولأنّ إطلاق1 اسم الحقيقة عليه إمّا بالقياس أو أنّه اختراع من الواضع المتأخر .
والثاني بقسميه باطلٌ فالمقدّم مثله .
ولأنّه يلزم خروج القرآن عن كونه عربيّاً.
والجواب عن الأوّل: أنّ العلاقة كافيةٌ، والمنع من التّسمية لمنع أهل اللغة عنه.
لا يقال: يقع التعارض بين المقتضي للجواز وهو وجود العلاقة، وبين المقتضي للمنع وهو منعهم .
لأنّا نقول: جاز أن يكون المقتضي للجواز مشروطاً بعدم ظهور المنع، ومع الظهور ينتفي المقتضى.
وعن الثاني: أنّه ليس بقياس ولا باختراع، فإنّ أهل اللّغة إذا نصّوا على العلاقة بين المعنى الحقيقيّ والمعنى المجازي، فكلّما وجدنا تلك العلاقة جاز لنا التجويز.
في أنّ المجاز ليس غالباً   
وعن الثالث: أنّ تلك الألفاظ مجازاتٌ لغويّةٌ، واستعمالها في معانيها لأجل المناسبة، مع إعطاء القانون الكليّ في التجوّز مطلقاً مع وجود العلاقة.

1 . كذا في «ب» ولكن في «أ» و «ج»: ولأنّه لولاه لكان إطلاق .

صفحه 281
 
المبحث الثامن: في أنّ المجاز ليس غالباً
قال ابن جنّي1: أكثر اللغة مجازٌ، أمّا الفعل فإذا قلت: قام زيد، اقتضى الفعل إفادة الجنس، وهو يتناول جميعَ الأفراد، فيلزم وجود كلّ فرد من أفراد القيام من زيد، وهو معلومُ البطلان2.
وليس بجيّد، لأنّ المصدر دالّ على الماهيّة من حيث هي هي، ولا يستلزم وحدةً ولا كثرةً وقد توهّم أنّه دالّ على جميع أشخاص الماهيّة قال:
وإذا قلت: ضربت زيداً كان مجازاً من حيث إنّك ضربت بعضه لا جميعه، بل لو قلت محتاطاً: ضربت رأسه لم تكن قد ضربته من جميع جوانبه .
واعتراض ابن مَتُّويَهَ3 بأنّ المتألّم زيد لا بعضه، خطأٌ، لأنّ البحث في الضّرب لا الألم، والضّرب إمساس بعنف من جسم لجسم حيوان، والإمساس يرجع إلى الأجزاء لا الجملة .
وهاهنا مجاز من وجه آخر، فإنّك إذا قلت: رأيت زيداً أو ضربته، فـ «زيداً» ليس إشارة إلى هذه الجملة المشاهدة، لتطرّق الزيادة والنقصان والتبدل عليها،

1 . تقدّمت ترجمته .
2 . نقله عنه الرّازي في المحصول: 1 / 143 .
3 . هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسن الاصفهاني المتوفّى سنة 302 هـ المعروف بـ «ابن مَتُّويَهَ»، أصله «مِتْوَيْه» مثل «سيبويه» ولمّا كان لفظ «وَيْه» مشعراً بالتفجّع فقلّبوه وقالوا: «مَتُّويَهَ» بضمّ التاء وسكون الواو وفتح الياء والهاء. لاحظ نفائس الأُصول في شرح المحصول: 1 / 509 ; وسير أعلام النبلاء: 11 / 206 برقم 2597 .

صفحه 282
وإنّما هو أجزاء أصليّة لا يعتورها شيءٌ من ذلك، فلعلّ تلك الأجزاء لم يقع عليها الرؤية ولا الضّرب وقد أسندتهما إليها فكان مجازاً .1
مع أنّ الرؤية إنّما تتناول سطحه الظاهر، وذلك ليس حقيقة زيد، بل إنّما خارج عنه أو جزء منه .
ومثل هذا المجاز من باب المجاز التركيبيّ العقليّ، لأنّ صيغتي رأيت أو ضربت قد استعمل في معناها الحقيقيّ، وزيدٌ من الأعلام، فلا يكون مجازاً، بل المجاز وقع في النّسبة والتركيب.
في أنّ المجاز على خلاف الأصل   

المبحث التاسع: في أنّ المجاز على خلاف الأصل

قد عرفت غيرَ مرّة أنّ فائدة الوضع إعلام الغير ما في الضمير باللفظ الموضوع للمعنى، فإذن الأصل الحقيقة تحصيلاً لفائدة الوضع .
ولأنّها لو لم تكن أصلاً لكان إمّا أن يكون المجاز هو الأصل، أو لا واحد منهما بأصل، والقسمان باطلان.
أمّا الأوّل فبالإجماع، وبأنّه مناف للحكمة، فإنّه من الممتنع أن يضع الواضع لفظاً لمعنى ليكتفي به في التعبير عنه، ثمّ يكون استعماله فيما لم يوضع له أصلاً في تلك اللغة .

1 . توضيحه: أنّ زيداً يوم ولادته كان جسماً صغيراً ذات أجزاء قليلة، وضع عليه لفظ «زيد» وأمّا المشاهد والمضروب أيّام شبابه، ـ كما هو المفروض ـ فهو جسمٌ كبيرٌ له اجزاء كثيرة، فقد استعملت اللفظة في غير ما وضعت له أيّام ولادته .

صفحه 283
وأمّا الثاني، فلأنّه يحصل حينئذ التردّد ويختلّ الفهم، ويصير كلام الشرع مجملاً بين حقيقته ومجازه، وكذا جميع ما ينطق به العرب، لتردّد تلك الألفاظ بين حقائقها ومجازاتها، فكان لا يحصل الفهم إلاّ بعد الاستكشاف، (ولمنافاة الحكمة إن جعل أصلاً في ثالث، وزيادة الخلل في الفهم، ولامتناع ثالث بينهما في الاستعمال) 1.
ولأنّه لو تجرّد اللّفظ عن القرينة فإمّا أن يحمل على حقيقته وهو المطلوب.
أو على مجازه وهو محال، إذ شرط حمله على المجاز القرينة، فإنّ الواضع لو أمر بحمله على مجازه عند التجرّد كان حقيقةً إذ هو معناها.
أو عليهما معاً، وهو محالٌ، و إلاّ لكان حقيقةً في ذلك المجموع لو قال: احملوه عليهما معاً.
ولو قال: احملوه إمّا على هذا أو على هذا كان مشتركاً.
أو لا على واحد منهما وهو محال، وإلاّ لكان مهملاً لا مستعملاً .
ولأنّ المجاز يتوقّف على أُمور ثلاثة:
الوضع الأصليّ.
ونقله إلى الفرع .
وعلّة النقل.2
والحقيقة يتوقّف على الأوّل لا غير .

1 . ما بين القوسين يوجد في «ب» و «ج» .
2 . وهي العلاقة .

صفحه 284
وكلّ ما كان أقلّ شرطاً كان أقلّ معانداً وأكثر وقوعاً، وهو دليل الأصالة .
ولأنّ الواضع اكتفى به في الدلالة، فكأنّه قال: إذا سمعتم منّي كذا فافهموا كذا، فمن تابعه في استعمال لغة وجب أن يجري على نهجه، ولهذا سبق الحقيقيّ إلى الذّهن دون المجازيّ .
ولو قال لنا: مثلَ ذلك في المجاز كان حقيقةً لا مجازاً .
وللإجماع على أنّ الأصل الحقيقة، قال ابن عبّاس: ما كنت أعرف ] معنى [ الفاطر حتّى اختصم إليّ شخصان في بئر، فقال أحدهما: فطرها أبي، أيْ اخترعها .1
وقال الأصمعيّ2: ما كنت أعرف الدِّهاق حتّى سمعتُ جاريةً تقول: اسقني دهاقاً أيْ ملآناً.(3)
فاستدلّوا بالاستعمال على الحقيقة، ولولا علمهم بأنّ الأصل هو الحقيقة، وإلاّ لما ساغ ذلك .
في أنّ المجاز مركّب عقليٌّ   

تذنيبٌ:

الحقيقة قد تهجر ويكثر استعمال المجاز إلى حدٍّ يجعل التعاكس فيه، فتصير الحقيقة مجازاً عرفيّاً، والمجاز اللغويّ حقيقةً عرفيّةً .
إذا عرفت هذا، فإذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة الّتي لم تخرج إلى

1 . نقله عنه ابن الأثير في النهاية: 3 / 457 .
2 . تقدّمت ترجمته .         3 . لاحظ الطراز: 1 / 79 .

صفحه 285
حدّ المجاز، وبين المجاز الرّاجح القاصر عن كونه حقيقةً، قال أبو حنيفة1: الحقيقة أولى، عملاً بالأصل .
وقال أبو يوسف2: المجاز أولى، عملاً بالراجح .
وقيل3: بالتعارض، لوجود وجه الرجحان في كلٍّ منهما، والمرجوحيّة باعتبارين، فيحصل التّعادل .

المبحث العاشر: في أنّ المجاز المركّب عقليٌّ

الفعل إذا كان بحيث يصدر عن ذات، فاستناده في الحقيقة إلى تلك الذّات، لأنّها المؤثِّرة فيه، فإذا أُسند إلى غيرها كان مجازاً عقليّاً، لأنّ الإسناد إلى المؤثِّر حكمٌ عقليٌّ ثابت في نفس الأمر، فنقله عن متعلّقه إلى غيره نقل لحكم عقليٍّ لا للفظ لغويٍّ كقوله تعالى: (وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا)4 (مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ)5.
والإخراج والإنبات إنّما يستندانِ في نفس الأمر وعلى سبيل الحقيقة إلى الله تعالى، فإسنادهما إلى الأرض يكون لا شكّ مجازاً عقليّاً.

1 . أبو حنيفة النعمان بن ثابت أحد أئمّة المذاهب الأربعة المتوفّى سنة 150 هـ .
2 . هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، تفقّه على أبي حنيفة ونشر مذهبه، واشتهر بصاحب أبي حنيفة، وله آراء يخالف فيها إمامه أبا حنيفة، مات سنة 182 هـ . انظر الأعلام للزركلي: 8 / 193 .
3 . القائل هو العجلي الإصبهانيّ في الكاشف عن المحصول: 2 / 340 .
4 . الزلزلة: 2 .
5 . يس: 36 .

صفحه 286
لا يقال: أخرج وأنبت في أصل الوضع بإزاء الخروج والنبات المستندين إلى المؤثِّر القادر، فإذا استعملنا في صدورهما من الأرض، فقد استعملنا في غير موضوعهما اللّغوي، وكان مجازاً لفظيّاً.
لأنّا نقول: الأفعال تدلّ على صدور أمر عن شيء مّا، من غير دلالة على خصوصيّة ذلك المؤثِّر، وإلاّ لكان لفظة «أخرج» خبراً تامّاً، وكان يقبل التصديق والتكذيب من غير انضمام شيء آخر إليه، وليس كذلك .
ولصحّة أخرجه القادر وغير القادر، وليس الأوّل تكريراً ولا الثاني نقضاً1.
وفيه نظرٌ، لأنّ التأكيد ليس تكريراً، والتجوّز ليس نقضاً، وذكر غير القادر قرينةٌ.
ولأنّه لو سلّم استناده إلى القادر، لكن لا دلالة له على خصوصيّة ذلك القادر، وإلاّ لزم حصول الاشتراك اللّفظيّ بحسب تعدّد القادرين .
وإذا ثبت هذا فإذا أُضيف ذلك الفعل إلى غير ذلك القادر الّذي هو صادر عنه، لم يكن التعبير واقعاً في مفهومات الألفاظ، بل في الإسناد.
في عدم التلازم بين الحقيقة والمجاز   
والفرق بين هذا النوع من المجاز وبين الكذب، القرينةُ الحاليّةُ، كالعلم والظنّ بانتفاء كذب المخبر، فيعلم إرادة المجاز، وكان يقترن بالكلام هيئات مخصوصة قائمة بالمتكلّم، دالّة على أنّ المراد ليس الحقيقة، وكان يعلم بسبب خصوصيّة القضيّة انتفاء داع للمتكلّم2 إلى ذكر الحقيقة، فيعلم إرادة المجاز .
أو المقاليّة بأن يذكر عقيب كلامه ما يدلّ على غير ظاهره.

1 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 139 .
2 . في «أ» و «ب»: داعي المتكلّم .

صفحه 287
 
المطلب الرابع: في مباحث مشتركة بين الحقيقة والمجاز
وهي أربعة:

] المبحث[ الأوّل: في عدم التلازم بينهما

الحقّ ذلك، أمّا عدم استلزام الحقيقة المجازَ، فظاهرٌ، إذ الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له، ولا يجب من وضع اللفظ واستعماله في موضوعه استعمالُهُ في غيره للعلاقة، فلا يجب في الحقيقة المجاز .
وأمّا العكس، فقد ذهب جماعةٌ منهم فخر الدين الرازي إلى خلافه.1
لنا: أنّ المجاز هو استعمال اللّفظ في غير ما وضع له لعلاقة بينه و بينه، فهو لا شكّ مسبوقٌ بالوضع، لكن لا يجب من الوضع الاستعمالُ، فأمكن انفكاك المجاز عن الحقيقة .
نعم يستحيل انفكاكه عن الوضع الأصليّ، لكونه تابعاً، فيستحيل وجوده بدون وجود متبوعه .
وأيضاً لو استلزم المجازُ الحقيقةَ لكان للفظ «الرّحمن» ولنحو «عسى» حقائق، وليس كذلك، فإنّ «الرّحمن» موضوع للانعطاف،2 و «عسى» للتصرّف

1 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 148 .
2 . أي رقّة القلب الممتنعة على الله سبحانه .

صفحه 288
ولم يستعملا في ذلك، بل استعمل لفظ «الرّحمن» في الله تعالى، و «عسى» لغير المتصرّف .1
وأيضاً لو استلزم لكان لنحو «قامت الحرب على ساق وشابت لِمَّة الليل» حقائق .
وفيه نظرٌ، فإنّ المجاز هنا في التركيب، وهو يستلزم حقائق في المفرادت لا التركيب .
قيل:2 وهو مشترك الإلزام، فإنّ المجاز يستلزم الوضع قطعاً، ولم ينقل الوضع هنا .
وفيه نظرٌ، لأنّا نعلم أنّه مجازٌ قطعاً، ونعلم استلزامَ المجاز الوضعَ المطلق، ولا يلزم من عدم العلم بخصوصيّته انتفاؤُهُ، بخلاف الحقيقة ، فإنّ الدّليل لم يدلّ عليها3 ولم ينقل الاستعمال .
واحتجّ المخالف بأنّه لو لم يلزم لعرى الوضع عن الفائدة، إذ غاية الاستعمال فيما وضع له، فإذا انتفى انتفت الفائدة .
وأيضاً المجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصليّ، وهذا تصريح

1 . ومراده: أنّ «عسى» موضوع للحدث والزمان، ولكن لم يستعمل إلاّ في الحدث المجرد عنه، فاشبه بغير المتصرّف ولكن، في «فواتح الرحموت» لعبد العليّ محمد بن نظام الدين الهندي: «عسى» و «نِعْمَ» انّهما صيغتان وضعتا للإخبار ولم يستعملا فيه قطّ، بل في الإنشاء فقط. فواتح الرحموت: 1 / 179 .
2 . لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1 / 382 ـ قسم المتن ـ .
3 . في «ج»: فإنّ الدليل يدلّ عليها.

صفحه 289
بوضعه في الأصل لمعنى آخر، فاللّفظ متى استعمل في ذلك الموضوع، كان حقيقة فيه.1
والجواب عن الأوّل من وجهين:
الأوّل : فائدته الاستعمال، ولم يتّفق وقوعه، ولا يجب من الوضع الاستعمالُ في وقت معيّن، بل ولا مطلقاً، ولا يلزم انتفاء الفائدة، إذ هي الاستعمال متى أراد المخاطب .
الثاني: فائدته التجوّز في غير ذلك المعنى.
وعن الثاني: بتسليم الوضع السابق .
قوله: فاللفظ متى استعمل في ذلك الموضوع كان حقيقة .
قلنا: مسلّمٌ لكن ليس في هذا الكلام إشعارٌ بوجوب الاستعمال، ولو
كان لم يقم، فإذا لم يحصل الاستعمال لم تحصل الحقيقة، اللّهم إلاّ أن نقول:
إنّه يلزم إمكان الحقيقة، فنقول كذلك المجاز، فإنّ الحقيقة تستلزم إمكان
المجاز.
ومن أغرب الأشياء اعتراف فخر الدّين قبل ذلك بقليل باستلزام المجاز الوضعَ، وكونه جائز الخلّو عن الحقيقة والمجاز.2

1 . لاحظ المحصول للرازي: 1 / 148 .
2 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 147 .

صفحه 290
في إمكان الجمع بين الحقيقة والمجاز   
 
المبحث الثاني: في إمكان الخلوّ عنهما
قد بيّنا أنّ الحقيقة هي استعمال اللّفظ فيما وُضِع له، أو اللّفظ المستعمل فيما وُضِع له، ويقابله المجاز لا في اللفظ ولا في الاستعمال بل في الوضع، فيكون هو اللّفظ المستعمل في غير ما وُضِع له، أو استعمال اللّفظ في غير ما وَضِع له.
ولا شكّ في أنّ الاستعمال مسبوقٌ بالوضع، ففي حالة الوضع قبل الاستعمال لا يكون اللّفظ حقيقةً ولا مجازاً، وإنّما يصير أحدهما بعد الاستعمال.
نعم أنّه يندر ذلك بل لا يوجد، لعدم معظم فوائد الوضع .
وأيضاً الأعلام ليست حقيقةً ولا مجازاً، لكونها من الألقاب.
والحقيقة استعمال اللفظ فيما وُضِع له، والمجاز في غير ما وُضِع له، وهو يستدعي كونهما قد وضعا قبل الاستعمال لغةً، وأسماء الأعلام ليست كذلك، فإنّ مستعملها لم يستعملها فيما وضعه أهل اللّغة ولا في غيره، لأنّها لم تكن من وضعهم، بل لفظٌ مستعمل من كلام العرب ما عدا الوضع الأوّل، فإنّه لا يخلو عن الحقيقة والمجاز.
واعلم أنّ فخر الدين قال: إنّ دلالة اللفظ قد لا تكون حقيقةً ولا مجازاً، واحتجّ بالأوّل1.
وليس بجيّد، فإنّ الدلالة مسبوقةٌ بالاستعمال.

1 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 147 .

صفحه 291
 
المبحث الثالث: في إمكان الجمع بينهما
اعلم أنّ الحقيقة والمجاز من الأُمور الاضافيّة منسوبة إلى الوضع، ولا شكّ في جواز اجتماعهما عند تعدّد المعاني، فإنّ الأسد حقيقةٌ في الحيوان المفترس ومجازٌ في الشجاع، بل يجب ذلك في كلّ ما استعمل في حقيقة وله مجاز .
وأمّا إذا اتّحد المعنى، فإنّ تعدّد الواضع1 أمكن، وذلك بأن تضع إحدى القبلين لفظاً لمعنى، ويتجوّز به آخرون في ذلك المعنى بعينه، سواء كانوا قد وضعوا لفظاً آخر أو لم يضعوا، وكذا العرف بالنّسبة إلى اللّغة، فإنّ الدّابّة في الأسد حقيقةٌ لغويّةٌ ومجازٌ عرفيٌّ .
وأمّا إذا اتّحد المعنى والواضع، فلا يمكن اجتماعهما في لفظ واحد، لاستحالة اجتماع المتقابلات2.

تنبيه

إذا كان اللّفظ حقيقةً في شيء ومجازاً في آخر، هل يجوز إرادتهما معاً من ذلك اللفظ ؟
والقائلون بجواز إرادة معنيي المشترك جوّزوه هنا.

1 . في «ب» و «ج»: تعدّد الوضع .
2 . في «ب»: متقابلين .

صفحه 292
ومن مَنَعَ ثَمَّ، مَنَعَ هنا، لاستحالة إرادة المتناقضين.
نعم يجوز مجازاً، أمّا حقيقةً فلا .
في المميّز بين الحقيقة والمجاز   

تذنيب

الحقيقة قد تصير مجازاً وبالعكس، فإنّ الحقيقة إذا قلّ استعمالُها صارت مجازاً عرفيّاً.
والمجاز إذا كثر استعمالُهُ صار حقيقةً عرفيّةً، كالألفاظ العرفيّة، فإنّ الغائط حقيقةٌ عرفيّةٌ في قضاء الحاجة، ومجازٌ عرفيٌّ في مكان المطمئنّ، بل قد تهجر الحقيقة بالكلّية، فيبقى اللّفظ منقولاً.

المبحث الرابع: في المميّز بينهما

وهو يقع من وجوه:
الأوّل : تنصيص أهل اللغة عليه: إمّا بأن يقول الواضع: هذا حقيقةٌ، وهذا مجازٌ، أو يذكر أحدهما، أو خواصّهما .
الثاني: سبقُ المعنى إلى فهم أهل اللّغة عند سماع اللّفظ مجرّداً عن القرينة1 يعطي كونَه حقيقةً فيه، إذ لولا كونه موضوعاً له دون غيره، لم يسبق فهمه.

1 . في «أ» و «ب» عن القرائن .

صفحه 293
والمجاز بخلافه، وهو الّذي لا يتبادر إلى الذّهن فيه من دون القرينة.
لا يقال: فينتقض بالمجاز المنقول، حيث يتبادر إلى الذهن فهمه دون حقيقته، فينتقض الخاصّتان، وباللّفظ المشترك، فإنّه لا يتبادر إلى الذهن شيء من مدلولاته مع كونه حقيقةً فيها.
لأنّا نجيب عن الأوّل بأنّه إن علم كونه مجازاً عند التبادر فلا بحث، لأنّهم أخذوا في الخاصّة التبادر من غير قرينة، مع عدم العلم بكونه مجازاً .
وإن لم يعلم فالظّاهر أنّه يكون حقيقةً فيه، لاختصاص ذلك بالحقيقة في الغالب، وإدراج النادر بحسب الغالب أولى .1
وليس بجيّد، فإنّ جعله حقيقةً لغويّةً مع فرض خلافه خطأٌ، بل الوجه أن يقول: إنّه حقيقةٌ عرفيّةٌ، والتبادر بالنسبة إلى العرف غير التّبادر بالنسبة إلى اللّغة، ونحن نريد بالتبادر بالنسبة إلى اللّغة الّتي وقع التخاطب بها، إمّا لغةً أو عرفاً أو شرعاً.
وعن الثاني: بأنّ المشترك إن كان عامّاً في مدلولاته، فلا بحث واندفع الإشكال، وإلاّ فهو حقيقةٌ في الواحد على البلد، لا في الواحد عيناً، والّذي هو حقيقةٌ فيه فهو يتبادر الفهم عند إطلاقه، وهو الواحد على البدل، والّذي لا يتبادر إلى الفهم وهو الواحد المعيّن غيرُ حقيقة فيه .2
وفيه نظرٌ، لأنّه إن عنى بالواحد على البدل أحدها لا بعينه على أنّه كليٌّ، لم يكن اللّفظ من قبيل المشترك، بل كان متواطئاً إذ قد جعله حقيقة في أمر كليّ

1 . الإشكال والجواب للآمدي في الإحكام: 1 / 27 .
2 . لاحظ الإحكام للآمدي: 1 / 28 .

صفحه 294
شامل لمعانيه اشتمال المعنى المشترك على أفراده، وليس كذلك .
وإن عنى به كلّ واحد بخصوصيّة، ورد الإشكال .
والوجه أن نقول: التّبادر دليل الحقيقة، ولا يلزم من عدمه انتفاؤها .
الثالث: استعمال أهل اللغة لفظاً مجرّداً عند قصد الإفهام لمعنى معيّن، ولو عبّروا عنه بغيره، أو عبّروا به عن غيره لم يجرّدوه بل ضمّوا إليه قرينة فيعلم أنّ الأوّل حقيقةٌ، إذ لولا علمهم باستحقاق تلك اللفظة لذلك المعنى لَما اقتصروا عليها، ويكون الثاني مجازاً.
الرابع : تعليق اللفظ بما يستحيل تعلّقه به يقتضي كونه مجازاً، للعلم بانتفاء الوضع مثل: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)1.
لا يقال: جاز أن يكون مشتركاً، وتعذّر حمل اللّفظ المشترك على بعض محامله لا يوجب جَعْلَه مجازاً .
لأنّا نقول: الاشتراك على خلاف الأصل، والمجاز أولى منه مع التعارض.
وإذا عرفت هذا فنقول: مهما ثبت كون اللفظ حقيقةً في بعض المعاني واستعمل في غيره، حكم بكونه مجازاً إذا لم يكن بينهما معنى مشتركٌ يصلح للموضوعيّة ولم يكن مشتركاً .
الخامس: إذا وضعوا اللفظ لمعنى ثمّ تركوا استعماله في بعض موارده، ثمّ استعملوه بعد ذلك في غير ذلك الشيء، عرف كونه مجازاً عرفيّاً، كالدّابة للحمار.

1 . يوسف: 82 .

صفحه 295
السادس: الاطّراد في الحقيقة وعدمه في المجاز، فقولنا: «عالم» لَمّا صدق على «ذي علم»، صدق على كلّ ذي علم.
بخلاف المجاز، فإنّه صحّ (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)1 ولم يصحّ: واسأل البساط.2
واعترض عليه3 بأنّ الدعوى العامّة لا تصحّ بالمثال الواحد .
وأيضاً إن أراد باطِّراد الحقيقة استعمالَها في جميع موارد نصّ الواضع، فالمجاز أيضاً كذلك، لأنّه يجوز استعمالُهُ في جميع موارد نصّ الواضع، فلا يبقى بينهما فرقٌ.
وإن أراد استعماله في غير موضع نصّ الواضع لكونه مشاركاً للمنصوص عليه في المعنى، كان قياساً في اللّغة، وهو باطل .
سلّمنا جوازه،4 لكن دعوى اطِّراد الحقيقة ممنوعةٌ، فإنّها قد لا تطَّرد، بأن يمنع منه العقل، كالدليل عند من يجعله حقيقة في فاعل الدّلالة، فإنّه لَمّا كثر استعمالُهُ في نفس الدّلالة، لا جرم لم يحسن استعماله في حقّه تعالى إلاّ مقيَّداً.
أو يمنع منه السّمع كتسميته تعالى بالفاضل والسخيّ، فانّ الحقيقة وإن وجدت، لكن السّمع منع منه .
أو يمنع منه أهلُ اللّغة كالأبلق في غير الفرس .

1 . يوسف: 82 .
2 . الاستدلال للغزالي في المستصفى: 2 / 24 .
3 . المعترض هو الرازي في محصوله: 1 / 149 .
4 . أي جواز القياس في اللغة.

صفحه 296
فإن قالوا: الأبلق موضوع لما اجتمع فيه اللّونان، بشرط كونه فرساً.
قلنا: لو جاز هذا، لجاز في كلّ مجاز، ولا يطَّرد الاعتذار بمثله، فيبطل الاستدلال بعدم الاطِّراد على كونه مجازاً.
وكذا القارورة حقيقة في الزّجاجة الخاصّة، لكونها مقرّاً للمائعات، وهذا المعنى موجود في الجرّة، والكوزة، ولا يسمّى قارورة .
قال بعض المتأخّرين: علامة المجاز عدم الاطِّراد في مدلوله، مع
عدم ورود المنع من اللغة أو الشّرع، ولا يرد اطِّراد بعض المجازات، مع أنّه
ليس حقيقةً، لأنّ عدم الإطِّراد دليل المجاز، ولم يجعل الاطِّراد دليل
الحقيقة.1
والتزم بعضهم2 الدّور، لأنّ عدم الاطِّراد الّذي جعل علامةً على المجاز، قد يوجد في الحقيقة كالسخيّ وغيره، وهو حقيقة .
فإن قلت: عدم الاطِّراد هنا لمانع.
قلنا: فعدم الاطِّراد إنّما يدلّ على المجاز إذا لم يكن لمانع، وإنّما يعرف بأنّه3 ليس لمانع، لو كان مجازاً .4
وفيه نظر، لمنع الملازمة الأخيرة .
السابع: امتناع الاشتقاق دليلٌ على المجاز، فإنّ الاسم إذا كان موضوعاً

1 . لاحظ الإحكام للآمدي: 1 / 28 .
2 . لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1 / 380 ـ قسم المتن ـ .
3 . في «أ» و «ب»: أنّه .
4 . الإحكام للآمدي: 1 / 28 .

صفحه 297
لصفة، ولا يصحّ أن يشتقّ لموضوعها منها اسم، مع عدم المنع من الاشتقاق، دلّ على كونه مجازاً، وذلك أنّ لفظ الأمر لمّا كان حقيقةً في القول اشتقّ منه الآمرُ والمأمورُ، ولمّا لم يكن حقيقةً في الفعل، لم يوجد فيه الاشتقاق1 .
ويُضعّف بعدم دلالة المثال ] الواحد[ على العموميّة، وبانتقاضه بقولهم للبليد: حمار، وجمعه حُمُرٌ .2
وفيه نظرٌ، لمغايرة الجمع الاشتقاق.
وأيضاً، الرائحة حقيقةٌ في معناها، ولم يشتقّ منها الاسم، فلا يقال للجسم الّذي قامت به الرّائحة، متروِّحٌ .
الثامن: أن يكون الاسم قد اتّفق على كونه حقيقة في غير المسمّى المذكور، وجمعه يخالف جمع المسمّى المذكور، فيعلم أنّه مجازٌ فيه كالأمر، فإنّه يجمع بالمعنى الحقيقيّ بأوامر، وفي الفعل بأُمور3 .
ويُضعّف4 بأنّ اختلاف الجمع لا إشعار فيه بكونه حقيقةً في أحدهما، ومجازاً في الآخر، وقد يجمع اللّفظ الواحد الحقيقيّ بجموع كثيرة، وقد يتّفق الحقيقيّ والمجازي في الجمع .
التاسع: المعنى الحقيقيّ إذا كان متعلّقاً بالغير، فإذا استعمل فيما لا يتعلّق به

1 . هذه إحدى العلامات الّتي عرّف بها الغزالي المجاز، انظر المستصفى: 2 / 24 .
2 . هذا ما أورده الفخر الرازي على كلام الغزالي. لاحظ المحصول في علم الأُصول: 1 / 150 .
3 . ذكر هذه العلامة أيضاً الغزالي في المستصفى: 2 / 25 .
4 . لاحظ الكاشف عن المحصول تأليف محمد بن محمود العجليّ الإصفهاني: 2 / 379 .

صفحه 298
شيءٌ كان مجازاً، فالقدرةُ إذا أريد بها المعنى الحقيقيّ، وهو الصفة المؤثّرة، كان متعلّقاً بالمقدور، وإذا أُطلقت على المقدور، كما في قولهم: انظر إلى قدرة الله تعالى، فلا مقدور لها، فلم يكن لها متعلّق، فيكون مجازاً .1
وهو ضعيفٌ، لاحتمال كون اللفظ حقيقةً فيهما، ويكون له بحسب إحدى حقيقتيه متعلّقٌ دون الأُخرى.
وبالجملة: التعلّق ليس من توابع كون اللفظ حقيقيّاً، بل من توابع المسمّى .
العاشر: صحّة النّفي دليل المجاز، وعدمهما دليل الحقيقة، فإنّه يصحّ نفي الحمار عن البليد، ولا يصحّ نفي الإنسانيّة عنه.
قيل: إنّه يلزم الدّور2، لأنّ صحّة النفي لا تثبت إلاّ بعد معرفة كونه مجازاً.
الحادي عشر: التزام تقييده دليلٌ على المجاز، مثل جناح الذّلّ، ونار الحرب.
في التعارض بين أحوال الألفاظ   
الثاني عشر: توقّفه على المسمّى الآخر دليل المجاز، مثل: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ )3.

1 . لاحظ المستصفى: 2 / 26 .
2 . القائل هو محمد بن محمود العجلي الإصفهاني في الكاشف عن المحصول: 2 / 380 .
3 . آل عمران: 54 .

صفحه 299
 
الفصل السابع

في التعارض بين أحوال الألفاظ

وفيه مباحث:
الأوّل: انّه لمّا اتّسع مستعملو الألفاظ فيها بل الواضع نفسه، فلم يقتصروا باللفظ على المعنى الواحد، ولم يوجبوا ثبوته في موضعه، بل جوّزوا تَزَحزُحَهُ عنه، وحذفه بالكليّة مع بقاء ما يدلّ عليه التزاماً1 .
وأفضى هذا الاتِّساع بهم إلى تجوّز اتّحاد اللفظ مع تكثّر معناه كالمشترك، وإلى انتقاله عن موضعه، من غير إهمال له بالكليّة كالمجاز، أو بالكليّة كالمنقول، أو عن بعض موارده كالمخصّص، وإلى حذفه مع قيام ما ينبئ عنه كالإضمار، فكانت هذه الأشياء غير متضادّة، بل يمكن اجتماعها في اللّفظ الواحد، أو اجتماع عدّة منها، وأمكن الاكتفاء بأحدها عن صاحبه، وكان الاكتفاء ممّا يجب المصير إليه مع إمكانه.
لا جرم وجب النظر في أولويّة المكتفى به.
ولمّا كان اختلال الفهم إنّما يحصل بأُمور خمسة:

1 . في «أ»: إلزاماً.

صفحه 300
الأوّل: الاشتراك.
الثاني: النقل العرفي أو الشرعيّ.
الثالث: المجاز .
الرابع: الإضمار.
الخامس: التخصيص.
والاقتضاء: إثبات شرط يتوقّف عليه وجودُ المذكور، لا صحّة اللفظ.
وجب1 النظر في التعارض بينها .
ودليل الحصر: أنّ مع انتفاء الاشتراك والنقل، يكون اللّفظ موضوعاً لمعنى واحد.
ومع انتفاء المجاز والإضمار، يكون المراد باللّفظ ما وضع له.
ومع انتفاء التخصيص، يكون المراد جميع ما وضع له.
وأنواع التعارض عشرةٌ، لحصول أربعة من المشترك والأربعة
الباقية، وثلاثة من المنقول والثلاثة، واثنين من المجاز والباقيين، وواحد من الباقيين.
فهنا مباحث:
] المبحث [ الأوّل: إذا تعارض النقل والاشتراك، فالاشتراك أولى، خلافاً

1 . جوابٌ لقوله: «ولمّا كان».

صفحه 301
لفخر الدين1 وجماعة، كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): الطواف بالبيت صلاة2.
فنقول: يشترط فيه الطّهارة كالصلاة المنقولة.
فلو قال الخصم: الصلاة مشتركةٌ بين المعهود الشّرعيّ واللغويّ، كان ادّعاء النقل أولى عندهم .
لنا وجوه:
] الوجه [ الأوّل: أنّ النقل يقتضي الوضع في معنيين على التّعاقب ونسخ الوضع الأوّل، والاشتراك لا يقتضي النسخ، فيكون أولى، لما يأتي من أولويّة الاشتراك من النسخ.
] الوجه[ الثاني: لم ينكر المحقّقون الاشتراكَ، وأنكر كثير منهم النقل.
] الوجه[ الثالث: تطرّق الخطأ في المنقول ثابتٌ دون المشترك، فإنّ المشترك إن وجد معه القرينة، عرف السامع القصد عيناً، وإن لم يوجد تعذّر عليه العمل، فيتوقّف، فلا خطأ على التقديرين .
وفي النقل ربّما خفي عنه النقل إلى الجديد، ففهم الأوّل ـ وليس مراداً ـ فحمله عليه فوقع في الخطأ.
] الوجه[ الرابع: النقل يقف على ما يقف عليه المشترك وزيادة، فيكون مرجوحاً، وذلك أنّ الاشتراك يمكن حصوله بوضع واحد، فيقول الواضع:

1 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 152 .
2 . مستدرك الوسائل: 9 / 410، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث 2، وكنز العمّال: 5 / 49، رقم الحديث 12002 .

صفحه 302
وضعتُهُ بهذين، تحصيلاً لغرض التعريف الإجماليّ.
أمّا النقل فيقف على وضع أوّل، ثمّ على نسخه، ثمّ على وضع جديد، والموقوف على أُمور كثيرة، مرجوحٌ بالنسبة إلى الموقوف على الواحد منها.
] الوجه[ الخامس : مفاسد الاشتراك قد تحصل في النقل دون العكس، فإنّ السّامع قد يسمع استعمالَ اللّفظ في المعنى الأوّل وفي المعنى الثّاني، ولم يعرف أنّه نُقِل إلى الثاني، فظنّه مشتركاً، فحصلت له مفاسد الاشتراك مع مفسدة جهله بالنّقل، وجميع مفاسد المنقول، فكان الاشتراك أولى .
] الوجه[ السادس: المشترك أكثر، وهو دليل الرجحان، وإلاّ لرجّح الواضع أكثر المفاسد على أقلّها.
أجاب فخر الدين من ذلك كلّه بأنّ الشّرع إذا نقل اللّفظ عن معناه اللّغوى إلى الشرعيّ، فلابدّ وأن يشتهر ذلك النقل، وأن يبلغه إلى حدّ التواتر، فحينئذ تزول المفاسد جمع .1
وليس بجيّد، أمّا أوّلاً، فلأنّ البحث ليس في نقل شرعيٍّ، بل في مطلق النّقل، ولا شكّ في أنّ العرف وأهل اللغة لو نقلوا لفظاً لم يجب عليهم إبلاغه إلى حدّ التّواتر .
في التعارض بين أحوال الألفاظ، والمجاز أولى من الاشتراك   
وأمّا ثانياً، فلأنّ اشتهار النّقل كيف يزيل نسخ الوضع الأوّل وتوقّفه عليه وعلى وضع جديد وقلة وجوده؟
وأمّا ثالثاً، فلأنّ التواتر إنّما يحصل بالتدريج، والمفاسد حاصلة قبله .

1 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 154 .

صفحه 303
وأمّا رابعاً، فلأنّهما يتعارضان في لفظ لا يعلم1 كونه منقولاً ولا مشتركاً.
نعم لو تعارض لفظ منقول مع آخر مشترك في اثنين مثلاً، فالتمسّك بالمنقول أولى، لاقتضاء النّقل إرادةَ معيّن، دون الاشتراك، ولا يرد عليه شيء من تلك الوجوه .
ثمّ احتجّ بأنّ في النّقل يكون اللّفظ موضوعاً لحقيقة واحدة قبل
النّقل وبعده، إلاّ أنّه في بعض الأوقات مفرد بالإضافة إلى معنى، وفي
بعضها مفرد بالنّسبة إلى آخر، والمشترك مشتركٌ في جميع الأوقات، فكان الأوّل أولى .2
والجواب: أنّ اتِّحاد المعنى مع حصول المفاسد الناشئة من تعدّده، غيرُ مفيد، وقد بيّنا حصولَ المفاسد بسبب التعدّد في المنقول أيضاً.

] المبحث[ الثاني: في أنّ المجاز أولى من الاشتراك

إذا تعارض المجاز والاشتراك، فالمجاز أولى، كما نقول في النّكاح: مجاز في الوطء، فيكون حقيقةً في العقد، فيحرم على الابن من عقد عليها الأب.
فلو قال الخصم: بل هو حقيقة فيه، فلعلّه المراد، كان ادّعاء المجاز أولى، لأنّه أغلب وأكثر، والأكثريّة دليل الأرجحيّة.
ولحصول الفائدة دائماً مع المجاز، دون الاشتراك.

1 . في «أ»: لا نعلم .
2 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 152 .

صفحه 304
والغاية القصوى في الوضع: الاستفادة من اللّفظ .
وبيان دوام الفائدة: أنّ اللفظ إن تجرّد حُمِل على الحقيقة، وإن لم يتجرّد حُمِل على المجاز، فدائماً يحصل فيه الفائدة .
أمّا المشترك فإن وُجِدت القرينة أفاد عين المراد، وإلاّ فلا.
ولأدّى المشترك إلى مستبعد من استعمال اللفظ في المعنى وضدّه، أو فيه وفي نقيضه.
ولأنّه يحتاج إلى قرينتين .
في أنّ المجاز أولى من الاشتراك   
ولأنّ المجاز قد يكون أوجز وأبلغ وأوفق، ويتوصّل به إلى السجع، والمقابلة، والمطابقة، والمجانسة، والرويّ .
ولأنّه أوسع في العبارة، إذ قد يعبّر عن الشّيء الواحد بلفظ حقيقيّ وبألفاظ مجازيّة كثيرة.
فإن قيل: الاشتراك أولى، لوجوه:
الأوّل: المشترك أبعد عن الخطأ، لأنّه إن وُجدَ معه القرينة حُمِلَ عليه، وإلاّ توقّف السّامع.
أمّا المجاز فإن وُجدت القرينة حُمِل عليه، وإلاّ فعلى الحقيقة، فيقع في الخطأ على تقدير إرادة المجاز.
فعلى التقدير الأوّل، يحصل محذورٌ واحدٌ مع التجرّد عن القرينة، وهو الجهل بمراد المتكلّم .
وعلى الثاني، يحصل محذوران: أحدهما الجهل.

صفحه 305
والثاني اعتقاد ما ليس بمراد مراداً.
الثاني: الاشتراك يقف على شيء واحد وهو الوضع، لأنّه قد يحصل بوضع واحد .
والمجاز يتوقّف عليه، وعلى وجود ما يصلح مجازاً، وعلى العلاقة المصحِّحة، وعلى تعذّر ] الحمل على [ الحقيقة، فيكون الأوّل أولى.
الثالث: المشترك إذا دلّ دليلٌ على تعذّر حمله على أحد معنييه، انحصر في الآخر.
بخلاف المجاز، فإنّه لا ينحصر على تقدر تعذّر حمله على الحقيقة .
الرابع: المشترك يفيد أحدَهما لا بعينه، ودلالة اللّفظ على هذا القدر حقيقةٌ لا مجازٌ، فيكون أولى من المجاز .
الخامس: حمله على المجاز يُفضي إلى نسخ الحقيقة بخلاف المشترك.
السّادس: لابدّ للناظر مع الاشتراك من البحث عن القرينة، فيبعد عن الخطأ.
بخلاف المجاز، فإنّه يحمله على الحقيقة، فيقرب من الخطأ.
السّابع: الفهم في صورة الاشتراك يحصل بأدنى القرائن، فإنّه كاف في الرجحان .
وفي المجاز لابدّ من قرينة قويّة تعادل أصالة الحقيقة وتزيد عليها.
الثامن: المشترك مطّرد، لأنّه من خواصّ الحقيقة، فلا يضطرب، بخلاف المجاز.

صفحه 306
التاسع: الاشتقاق يحصل في كلّ واحد من الحقيقة فيشيع، بخلاف المجاز.
العاشر: يصحّ المجاز من كلّ واحد من معنيي المشترك، فتكثر الفائدة، بخلاف المجاز.
الحادي عشر: المشترك مستغن عن العلاقة، وعن الحقيقة، وعن مخالفة ظاهر .
والجواب أنّ المجاز أغلب وأكثر، فلا يعارضه ما ذكرتموه.
في التعارض بين الاشتراك والباقيين   

المبحث الثالث: في التعارض بين الاشتراك والباقيين

الأوّل: الإضمار أولى من الاشتراك، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في خمس من الإبل شاةٌ» 1.
فيقول الخصم: الواجب عين الشاة، لأنّ «في» مشتركةٌ بين الظرفيّة والسببيّة .
فيقول الآخر: بل مقدار الشاة، لأنّ «في» الظرفيّة خاصّةً فيصير «في خمس من الإبل مقدار شاة» لاختصاص الإجمال الحاصل بسبب الإضمار ببعض الصّور، وتعميمه في المشترك، فكان اختلال الفهم فيه2 أكثر.

1 . سنن ابن ماجه: 1 / 573، رقم الحديث 1798 وسنن أبي داود: 2 / 98، رقم الحديث 1568 ومسند أحمد بن حنبل: 2 / 14 .
2 . في «أ» و «ج»: منه .

صفحه 307
لا يقال: الإضمار يفتقر إلى ثلاث قرائن:
قرينة دالّة على أصل الإضمار.
وأُخرى على موضعه.
وثالثة على نفس المضمر.
والمشتركُ يفتقر إلى قرينة واحدة .
لأنّا نقول: الإضمار وإن افتقر إلى ثلاث قرائن، لكن في صورة واحدة لا في جميع الصّور .
وأيضاً الإضمار أوجز و أخصر، ويعدّ من محاسن الكلام، قال(عليه السلام): أوتيتُ جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصاراً .1
وأيضاً من شرط الإضمار العلم بالمضمر، فلا يحصل معه اختلالٌ في الفهم، بخلاف المشترك.
الثاني : التخصيص أولى من الاشتراك، كما قالوا: النكاح حقيقة في العقد، فمقتضى قوله تعالى:(وَ لاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ)2 تحريم منكوحة الأب وإن كانت بنكاح فاسد إلاّ أنّ هذه المنكوحة خصّت عن قضيّة النّصّ، فتبقى المنكوحة بالصحيح داخلةً تحت التحريم .
فيقول الآخر: بل النّكاح مشتركٌ بين العقد والوطء، وليس مراد النصّ

1 . عوالي اللآلي: 4 / 120 ; وكنز العمال: 11 / 425 رقم الحديث 31994 و ص 440 الحديث 32068 .
2 . النساء: 22 .

صفحه 308
العقد، وإلاّ لزم تخصيص المنكوحة بالفاسد، فتعيّن أنّ المراد الوطء .
وجوابه: التخصيص خيرٌ من الاشتراك، لأنّه خيرٌ من المجاز، على ما يأتي، والمجاز خيرٌ من الاشتراك، على ما تقدّم.
في باقي المعارضات   

المبحث الرابع: في باقي المعارضات

الأوّل: المجاز أولى من النقل، مثل أن يقول المستدلّ: الصّلاة حقيقةٌ في الدعاء، مجازٌ في المعنى الشرعيّ، لاشتماله على الدّعاء، من باب إطلاق اسم الجزء على الكلّ .
فيقول الخصم: بل هو حقيقةٌ في الشّرعيّ، بالنقل.
وجوابه: أنّ المجاز أولى، لافتقار النقل إلى اتّفاق أهل اللّسان على تغيير الوضع ، وهو متعذّر.
والمجاز يتوقّف على قرينة صارفة عن الحقيقة، وهي متيسِّرٌ.
لا يقال: إذا ثبت النّقل فهمَ كلُّ أحد مرادَ المتكلّم بحكم الوضع، فينتفي الخلل في الفهم، والحقيقة إذا لم تُرد فقد يتعدّد المجاز، ويخفى وجهه، فيقع الاختلال .
لأنّا نقول: الحقيقة تعينُ على فهم المجاز ، إذ شرطه العلاقة بينه و بين الحقيقة، والنقل إذا خرج المعنى الأوّل بقرينة لم يتعيّن المنقول إليه، فكان المجاز أقرب إلى الفهم، ولِما في المجاز من الفوائد الّتي لم توجد في النقل.
الثاني: الإضمار أولى من النقل، لما قلناه في أولويّة المجاز، مثل أن

صفحه 309
يقول المستدلّ: لا يجوز بيع الذّهب بمثله متفاضلاً لأنّه ربا.
فيقول الآخر: بل العقد صحيح، والمحرّم الزيادة، فيصير التقدير: وحرم أخذ الرّبا، فيلزم الإضمار، وهو أولى من النقل.
الثالث: التخصيص أولى من النقل، لأنّ التخصيص خيرٌ من المجاز على ما يأتي.
والمجاز أولى من النقل على ما تقدّم، مثل أن يقول الخصم في قوله تعالى:(وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)1: لفظ البيع حقيقةٌ في كلّ معاوضة ومبادلة تجري بين الناس، خصّ شرعاً لكلّ معاوضة شرعيّة2 فتبقى الجامعة لشرائط الصحّة .
ويقول الآخر: بل الشرع نقله إلى العقد الجامع لشرائط الصحّة .
الرابع: المجاز والإضمار سواء، كقوله (عليه السلام): «الطواف بالبيت صلاة»3.
فيقول الخصم: الطّواف يصدق عليه الصلاة مجازاً، لاشتماله على الدعاء، من باب اسم الكلِّ باسم جزئه .
فيقول الآخر: بل فيه إضمارٌ، وهو مثل الصلاة، لاحتياج كلٍّ منهما إلى قرينة صارفة عن الظاهر4، وكما يخفى تعيين المضمر، كذا يخفى تعيين المجاز .
لا يقال: الحقيقة تعين على فهم المجاز:

1 . البقرة: 275 .
2 . في «أ»: خصّ شرعنا كلّ معاوضة غير شرعيّة.
3 . تقدّم الحديث ومصادره في ص: 301 .
4 . في «أ»: صارفة عن الخطأ.

صفحه 310
لأنّا نقول: وهي تعين على فهم الإضمار، إذ حدّه سقوط شيء من الكلام يدلّ الباقي عليه.
الخامس: التّخصيص أولى من المجاز، كقوله تعالى:(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)1.
فيقول الخصم: المراد الحقيقة، خصّ عنه أهل الذّمة .
ويقول الآخر: بل المراد غيرهم، فيكون مجازاً من باب إطلاق الكلّ على الجزء .
أو يقول: حقيقة اللّمس ناقضة كقوله تعالى: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ)2 لكن خصّ بمسّ المحرّم، والصّغيرة، والميتة، لخروجهنّ عن مظنّة الاستمتاع .
فيقول الآخر: بل المراد الوطء، فلا ينتقض الوضوء بحقيقته، فيكون التخصيص أولى، لحصول المراد وغيره، مع عدم الوقوف على قرينة التخصيص.
والمجاز إذا لم يوقف فيه على قرينة، يُحمل على الحقيقة، فلا يحصل المراد .
ولأنّ اللّفظ انعقد في التخصيص دليلاً على جميع الأفراد، فإذا خرج البعض بدليل، بقي معتبراً في الباقي من غير افتقار إلى تأمّل وبحث واجتهاد .
وفي المجاز انعقد اللفظ على الحقيقة، فإذا خرجت بقرينة احتيج في

1 . التوبة: 5 .
2 . النساء: 43 .

صفحه 311
صرف اللفظ إلى المجاز إلى الاستدلال، فكان التخصيص أبعد عن الاشتباه، فكان أولى.
السادس: التخصيص أولى من الإضمار، لأنّه خيرٌ من المجاز، والمجازُ والإضمار يتساويان، كقوله(عليه السلام): لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل1.
فيقول الخصم: إنّه يتناول بعمومه الفرض والنفل، خصّ فيه التطوّع، لجواز انعقاد نيّته إلى الزوال، فتبقى حجّة في الفرض .
فيقول الآخر: بل يجوز التأخير في الفرض إلى قبل الزوال، وفي النصّ إضمارٌ، فتقديره: لا صيام فاضل.

فروع

الأوّل: النسخ تخصيص في الأزمان، ومرادنا في الترجيحات التّخصيص في الأعيان.
فلو تعارض النسخ والاشتراك، كان الاشتراك أولى، لاحتياطهم في النسخ دون التخصيص، ولهذا جوّزوا تخصيص العامّ بخبر الواحد دون النسخ.
والأصل فيه أنّ الخطاب بعد النسخ يصير كالباطل، بخلاف التخصيص.2
وفيه نظرٌ، فإنّ هذا يقتضي ترجيح التخصيص على النسخ، وقد ظهر في

1 . عوالي اللآلي: 3 / 132 .
2 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 158 ـ 159 .

صفحه 312
الأوّل، أنّ التخصيص أولى من الاشتراك.
فقد حصل من مجموع الأمرين أنّ التخصيص أولى من الاشتراك والنّسخ، وهذا لا يقتضي رجحانَ الاشتراك على النسخ ولا العكس، بل الوجه توقّف الاشتراك على الوضع، وتوقّف النّسخ عليه وعلى رفعه.
الثاني: التواطؤ أولى من الاشتراك، لاتِّحاد المفهوم في الأوّل، والتّعدّد في محالِّه، والمشترك ليس بواحد.
الثالث: جعل اللّفظ مشتركاً بين علمين أولى من جعله مشتركاً بين معنيين لو تعارضا، لانحصار الأعلام في الأشخاص غالباً، والمعاني أُمور كلّيّة، فاختلال الفهم مع الاشتراك فيها أكثر .
وكذا جعله مشتركاً بين علم ومعنى، أولى من جعله مشتركاً بين معنيين لو تعارضا.
الرّابع: إذا تناول اللّفظ شيئاً بجهة اشتراك وبجهة التواطؤ، فاعتقاد الثّاني أولى، كالأسود المتناول للقارّ والزنجيّ بالتواطؤ، وللقارّ والمسمّى به بالاشتراك، فإذا وُجد أسود اللّون مسمّى به وأُطلق عليه أسود، كان إطلاقه باعتبار اللّون أولى من اللّقب، إذ في الأوّل ثبوت الإطلاق بحسب التواطؤ، والثاني بحسب الاشتراك .
في تفسير حروف يبحث عنها الفقهاء: الواو   

صفحه 313
 
الفصل الثامن

في تفسير حروف يبحث عنها الفقهاء

وفيه مباحث:

] المبحث [ الأوّل: في الواو

اختلف الناس في الواو العاطفة: فذهب أكثر الناس إلى أنّها للجمع المطلق من غير ترتيب، حتّى قال أبو علي الفارسي1: اتّفق اللّغويون، والنّحويّون، البصريّون، والكوفيّون، على أنّ الواو للجمع المطلق من غير ترتيب.
وذكر سيبويه2 في سبعة عشر موضعاً من كتابه: أنّها للجمع من غير ترتيب .
ونقل عن الفرّاء3: أنّها للترتيب فيما يستحيل فيه الجمع، مثل «اركعي واسجدي» .

1 . الحسن بن أحمد بن عبد الغفّار الفارسي الأصل أحد الأئمة في علم العربيّة، وُلد في «فسا» من أعمال فارس سنة 288 هـ وتوفّي سنة 377 هـ ، ومن تأليفاته «الإيضاح» في قواعد العربية. انظر الأعلام للزركلي: 2 / 179 .
2 . تقدّمت ترجمته ص 169 .
3 . يحيى بن زياد بن عبد الله، أبو زكريّا، المعروف بـ «الفرّاء، إمام الكوفيّين، وأعلمهم بالنحو واللّغة وفنون الأدب نقل عن ثعلب: انّه لولا الفراء ما كانت اللغة، ولد بالكوفة سنة 144 هـ وتوفّي في طريق مكّة سنة 207 هـ . لاحظ الأعلام للزركلي: 8 / 145 .

صفحه 314
وقال آخرون: إنّها للترتيب مطلقاً .
لنا وجوهٌ:
الأوّل: أنّها قد تقع فيما يمتنع فيه الترتيب كالتفاعل، مثل تقاتلَ زيدٌ وعمروٌ، ولهذا لا يصحّ تقاتل زيدٌ فعمروٌ أو ثمّ عمروٌ، ولو كانت للترتيب لا يمتنع دخولها عليه امتناع دخول الفاء وثمّ .1
وفيه نظرٌ، لإمكان أن يكون مجازاً، مثل (وَ اسْأَلِ الْقَرْيَةَ)2 فإنّه لمّا علم امتناع استناد السؤال إلى القرية، حكم بكونه مجازاً.
الثاني: لو كان للترتيب لكان قولنا: قام زيد وعمرو قبله، تناقُضاً، وقام زيد وعمرو بعده، تكريراً .
لا يقال: حكم الشيء منفرداً مغايرٌ لحكمه مجتمعاً، فجاز إفادة اللّفظ معنى حالة اجتماعه دون انفراده، وبالعكس، فإنّك لو قلت: قام زيدٌ، أفاد الجزم، ولو أدخلت الهمزة خرج عن ذلك.
لأنّا نقول هذا إشارة إلى وجود العارض، والأصل عدمه.
قيل3: لا تناقض مع احتمال التجوّز، ولا تكرير، لإفادة المنع من الحمل على المجاز، وهو مطلق الجمع .
وفيه نظرٌ لأنّ الأصل عدم المجاز.

1 . الاستدلال للرازي في محصوله: 1 / 160 .
2 . يوسف: 82 .
3 . لاحظ الكاشف عن المحصول: 2 / 415 ـ 416 .

صفحه 315
الثالث: قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ)1 قدّم الدّخول، وفي آية أُخرى (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً)2 أخّره، والقصّة واحدةٌ، ولو أفادت الترتيب، لكان مقدّماً مؤخّراً .
قيل3: جاز أن يكون مجازاً في إحدى الآيتين .
وفيه نظرٌ لأنّ الأصل عدم المجاز.
الرابع: قال الله تعالى:(وَاسْجُدِي وَارْكَعِي)4 وقد كان من شرعها تقديم الركوع على السجود.
الخامس: لو كان للترتيب لكان قولنا: جاء زيد وعمرو حال مجيئهما معاً كذباً، والتالي باطل إجماعاً، فكذا المقدّم .
قيل: لا كذب مع إرادة المجاز، مثل: رأيت أسداً .5
وفيه نظرٌ، لأصالة عدم المجاز، بخلاف ما ثبت انّه مجاز كالأسد .
السادس: الترتيب غير مراد في قوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ
)6 وقوله: (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ)7(وَالسَّارِقُ

1 . البقرة: 58 .
2 . الأعراف: 161 .
3 . انظر شرح المعالم في أُصول الفقه: 1 / 221 تأليف عبد الله بن محمد بن عليّ المعروف بـ «ابن التلمساني» المتوفّى سنة 644 هـ .
4 . آل عمران: 43 .
5 . لاحظ الإحكام للآمدي: 1 / 50 .
6 . النساء: 92 .
7 . المائدة: 33 .

صفحه 316
وَالسَّارِقَةُ)1(الزَّانِيَةُ وَالزَّاني)2 والأصل، الحقيقة.
السابع: إذا قال لعبده: اشتر اللحم والخبز، لم يفهم منه الترتيب .
الثامن: سئل ] النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) [ بأيّهما نبدأ عن الصفا والمروة؟
فقال: ابدأوُا بما بدأ الله به 3 .
ولو كان للترتيب، لم يفتقروا إلى السؤال، مع أنّ الصحابة من فصحاء العرب، ولَما احْتيج في الابتداء بالصّفا إلى الاستدلال4.
وفيه نظرٌ، لاحتمال تحقّق5 إرادة الحقيقة.
التاسع: قال أهل اللغة: واو العطف في الأسماء المختلفة كواو الجمع وياء التثنية في المتّفقة، وحيث تعذّر جمع المختلفات استعلموا واوَ العطف.
ولمّا كان قولنا: جاء الزيدون، لا يوجب ترتيباً ولا معيّةً، بل مطلق الجمع، كان قولنا: جاء زيد وعمرو وخالد، كذلك، قضاءً للتسوية.
ولا يمكن اختصاص واو العطف بزيادة الترتيب، لأنّه مناف للنصّ بالتسوية .
العاشر: لو كان للترتيب، لما حسن الاستفهام عن تقدّم أحدهما أو التقارن، لكونه مفهوماً من اللفظ .6

1 . المائدة: 38 .
2 . النور: 2 .
3 . الكافي: 4 / 431 ; مسند أحمد بن حنبل: 3 / 320، ونقله الآمدي في الإحكام: 1 / 51 ـ 52 .
4 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 161 .
5 . في «ج»: بجواز تحقيق .
6 . هذا الوجه ذكره الآمدي في الإحكام: 1 / 50 وتنظّر فيه المصنِّف .

صفحه 317
وفيه نظرٌ، لاحتمال إزالة توهّم استعمال المجاز .
الحادي عشر: الجمع معنى تشتدّ الحاجة إلى التعبير عنه، فلابدّ من وضع لفظ يدلّ عليه، وليس إلاّ الواو .
الثاني عشر: لو اقتضت الترتيب، لصحّ دخولها في جواب الشرط كالفاء، والتالي باطلٌ اتِّفاقاً، فكذا المقدّم.1
وفيه نظرٌ، لمنع الملازمة، إذ ليس علّة الجواب الترتيب .
احتجّ المخالف بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا)2 فإنّه يقتضي الترتيب.
الثاني: قال النبي(صلى الله عليه وآله) حين سأله الصحابة عن البداءة بالصّفا أو بالمروة: «ابدأوا بما بدأ الله به» وذلك يدلّ على الترتيب.
الثالث: رُوي أنّ شخصاً قام بين يدي رسول الله وقال: «ومن أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى» فقال (صلى الله عليه وآله): «بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن عصى الله ورسوله ]فقد غوى[3 .
ولو لم تفد الترتيب لم يكن بين ما أمره به ونهاه عنه فارقٌ.
الرابع: قال عمر: ـ لشاعر قال:

1 . هذا الوجه ذكره الآمدي في الإحكام: 1 / 50 وتنظّر فيه المصنِّف .
2 . الحجّ: 77 .
3 . هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه: 3 / 12 ـ كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة وأبو داود في سننه: 4 / 295 ـ 296 برقم 4981 ; والنسائي في سننه: 6 / 90 ; وأحمد في مسنده: 4 / 256 .

صفحه 318
......................................      كفى الشّيبُ والإسلامُ للمرء ناهياً ـ 1
لو قدّمتَ الإسلام على الشيب لأجزتُك .
الخامس: أنكر الصحابة على ابن عباس حيث أمر بتقديم العمرة، وقالوا: «لِمَ تأمُرنا بالعمرة قبل الحج» والله تعالى يقول:(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمَرَةَ للهِ)؟2ولولا الترتيب، لما صحّ ذلك.
السادس: لو قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، وقعت واحدة، بخلاف أنتِ طالق ثلاثاً، ولو لم يكن للترتيب، لما افترقا.
السابع: الترتيب لفظاً يستدعي سبباً، والترتيب في الوجود صالحٌ له، فوجب الحمل عليه.
الثامن: الترتيب على وجه التعقيب، وُضع له الفاء، وعلى جهة التراخي وُضع له ثُمَّ.
ومطلق الترتيب معنى تشتدّ الحاجة إلى التعبير عنه، فوجب وضع لفظ بإزائه، وهو الواو .
لا يقال: الجمع أيضاً معنى تشتدّ الحاجة إلى التعبير عنه، ولا لفظ له سوى الواو .
لأنّا نقول: لمّا حصل التعارض وجب الترجيح، وهو مَعَنا، لأنّ الجمع
جزء من الترتيب، ولازمٌ له، فإذاكان حقيقةً في الترتيب، أمكن جعله مجازاً

1 . والبيت لسُحيم عبد بني الحسحاس، أوّله: عُميرة ودِّع إن تجهّزت غادياً. انظر خزانة الأدب: 1 / 262 ـ 263 .
2 . البقرة: 196 .

صفحه 319
في لازمه، وهو مطلق الجمع بسبب الملازمة.
ولو جعلناه للجمع المطلق، لم يكن الترتيب ] المطلق[ لازماً له، فلم يمكن جعله مجازاً فيه، لانتفاء الملازمة.
والجواب عن الأوّل: المنع من إفادة الآية الترتيب، بل من فعله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي».
وعن الثاني: أنّه لو كان للترتيب، لَما احتاجوا إلى السؤال .
قيل: ولو كانت للجمع، لما احتاجوا إليه أيضاً، فيتعارضان، فيبقى
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أبدؤوا بما بدأ الله به» دليلاً على الترتيب، خالياً عن
المعارض .1
وفيه نظرٌ، فإنّ الاستفسار واقع على تقدير الترتيب، دون الجمع
الشامل لأُمور ثلاثة، فاحتاجوا إلى السؤال فيه دون الأوّل، ولاستفادته من خارج حينئذ .
وعن الثالث: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنكر عليه في ترك إفراد اسم الله تعالى بالذّكر، فإنّه أدخل في التعظيم، لا لأجل الترتيب، إذ لا ترتيب في قوله «ومن عصى الله ورسوله» فإنّ معصيتهما متلازمتان، فهذا بأن يدلّ على فساد قولهم أولى.
وعن الرابع: أنّ عمر قصد التعظيم بتقديم ذكر الأعظم، لا على قصد الترتيب، بل باعتبار أنّ الأدب يقتضي أن يكون المقدّم في الفضيلة، مقدّماً في الذكر .

1 . انظر الإحكام في أُصول الأحكام: 1 / 52 تأليف علي بن أبي علي الآمدي .

صفحه 320
وعن الخامس: أنّه يعارض بأمر ابن عبّاس بتقديم العمرة، وهو من فقهاء العرب1 وترجُمان القرآن .
وأيضاً، يمنع استناد الإنكار إلى فهم الترتيب، بل لفهم مطلق الجمع، وأنكروا عليه حيث أمرهم بالتقديم، مع انتفاء دلالة الآية عليه .
وعن السادس: بالمنع من وقوع الثلاث في الموضعين .
سلّمنا، لكن نمنع عدمَ وقوعِهِ في قوله: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، بل يقع الثلاث، وهوالقول القديم للشافعي، وبه قال أحمد بن حنبل، وبعض أصحاب مالك، والليث ابن سعد، وربيعة بن أبي ليلى.
سلّمنا، لكنّ الفرق ظاهرٌ، فإنّ قوله: أنتِ طالق ثلاثاً، تفسير
الطلاق بالثلاث، فكان مقبولاً، وقوله ثانياً «وطالقٌ» ليس تفسيراً لقوله:
«أنتِ طالقٌ» والكلام يعتبر بآخره، فكان الأوّل واقعاً بخلاف الثاني، حيث
كان قوله: أنتِ طالقٌ، كلاماً تامّاً، فبانت به، بخلاف قوله «ثلاثاً» وأنّه في حكم البيان.
في تفسير حروف يبحث عنها الفقهاء: الواو والفاء   
وعن السّابع: بأنّ التقديم لفظاً، لا يقتضي التقديم في نفس الأمر، كما لو قال: رأيت زيداً، رأيت عمراً، فإنّ تقديم زيد في الذكر لا يقتضي تقديمَه في نفس الأمر إجماعاً .
على أنّه يحتمل أن يكون السبب في التقديم اللّفظي، لشدّة الاهتمام به، أو قصد الإخبارَ عنه خاصّةً، ثمّ تجدّد الإخبار عن غيره.

1 . في «ب» و «ج»: من فصحاء العرب .

صفحه 321
ولو كان الابتداء بلفظ يدلّ على الترتيب، لَما احتيج إلى جعل الواو للترتيب.
وعن الثامن: المعارضة بشدّة الحاجة إلى التعبير عن الأعمّ دون الأخصّ، فإنّه متى احتيج إلى ذكر الأخصّ، احتيج إلى ذكر الأعمّ ولا ينعكس، فكانت الحاجة إلى التعبير عن الأعمّ أشدّ، فكان أولى بالوضع .
واعلم أنّ الجويني نقل عن أصحاب أبي حنيفة: أنّ الواو للجمع، وعن أصحاب الشافعي أنّها للترتيب، ثمّ نسبهما إلى التحكّم، وتوهّم أنّ قصد الحنفيّة أنّها تفيد المصاحبة .1
ولا شكّ في أنّها تحكّم إن قصدوا ذلك، والظّاهر أنّ قصدهم ما اخترناه نحن، من أنّها للجمع الصّادق على الترتيب والمعيّة، لا ما فهم هو.

المبحث الثاني: في الفاء

الفاء تقتضي التعقيب الممكن، وقد أجمع النحويّون على أنّها تفيد الترتيب بغير مهلة، وهو معنى التعقيب .
وقيّدنا بالممكن، ليدخل مثل: دخلت بغداد فالبصرة.
وإجماع أهل اللغة على إفادة التعقيب حجّةٌ.
وأيضاً، لو لم تكن للتعقيب، لم تدخل على الجزاء إذا كان بغير لفظ الماضي والمضارع، ولكنّها تدخل فيه .

1 . انظر البرهان في أُصول الفقه: 1 / 136 تأليف الجويني .

صفحه 322
بيان الشرطية: أنّ الجزاء لابدّ وأن يحصل عقيب الشرط.
وبيان وجوب الدخول: أنّ الجزاء إذا لم يكن بلفظ الماضي والمضارع وجبت الفاء مثل من دخل داري فله درهم، فهو مكرم .
وأنكر المبرَّد1
«مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها»2    …
ونقل ] انّ الصحيح[:
مَنْ يَفْعَلِ الْخَيرَ فالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ    …
وفيه نظرٌ، لأنّ قولك: من دخل داري أكرمتُه، لا يقتضي وجوبَ الإكرام عقيبَ الدّخول بلا فصل، أقصى ما في الباب أنّه يقتضي الترتيب، أمّا التعقيب فلا.
وكذا من دخل داري فهو مكرم، لأنّ الفاء انّما اقتضت تجويز الجزاء بالجملة الاسميّة.
احتجّ المخالف بوجوه:
في تفسير حروف يبحث عنها الفقهاء: الفاء   
الأوّل: قال الله تعالى: (لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَاب)3

1 . هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي المعروف بالمبّرد، أحد أئمّة الأدب والأخبار، مولده بالبصرة، ووفاته ببغداد سنة 286 هـ ، لاحظ الأعلام للزركلي: 7 / 144 .
2 . وعجزه:
..........................      والشرّ بالشرّ عند الله مثلان
القائل هو عبد الرحمن بن حسان، لاحظ «لسان العرب»: 1 / 321 (بجل).
3 . طه: 61 .

صفحه 323
والإسحات لا يقع عقيبَ الافتراء، بل يتراخى إلى يوم القيامة، فقد جاءت لا بمعنى التعقيب.
وقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)1مع أنّ الرهن قد لا يحصل عقيب المداينة .
الثاني: الفاء قد تدخل على لفظ التعقيب، ولو كانت الفاء للتعقيب لما صحّ ذلك.
الثالث: التعقيب يصحّ الإخبار عنه بمجرّد ذكره، بخلاف الفاء، فهي مغايرةٌ له.
والجواب عن الأوّل: بالحمل على المجاز2، ويجب تأويله بأنّ حكم الافتراء، الاسحاتُ، وحكم المداينة، الرّهن.
أو نقول: لمّا كان بوعد الله تعالى صدقاً كان كالواقع عقيب الإخبار به.
أو نقول: لما حكم الله تعالى في عدّة مواضع من الكتاب العزيز بقرب الساعة، حتّى جعلها أقرب من لمح البصر، كان ذلك أبلغ معاني التعقيب، وحيث خرجت آية المداينة مخرج الإرشاد اقتضى ذلك التّعليم بتعقيب الرهن للدين .
وعن الثاني: أنّه محمول على التأكيد .
وعن الثالث: أنّه آت في جميع الحروف، مع أنّها موضوعة لمعانيها، والأصل في ذلك أنّ الفاء تدلّ على التعقيب، والدليل مغايرٌ للمدلول، ولا يلزم

1 . البقرة: 283 .
2 . في «أ»: انّا نحمل على المجاز.

صفحه 324
من صحّة الإخبار عن أحد المتغايرين صحّةُ الإخبار عن الآخر .
وقد ترد الفاء بمعنى الواو كقوله:
......................... *** ..... بين الدَّخول فحَوْمل1
في تفسير حروف يبحث عنها الفقهاء   

المبحث الثالث: في باقي الحروف

وهي خمسة مسائل:
الأُولى: «في» للظرفية ، إمّا تحقيقاً، مثل زيد في الدار، وهو حقيقيّ بأن لا يزيد الظرف على المظروف، ومجازيٌ وهو الّذي يزيد .
وأيضاً، فهو إمّا طبيعيّ كالهرّ في إهابها، أو عرضيّ كالإنسان في القميص.
وإمّا تقديراً، كقوله تعالى: (وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)2 للمشابهة في التمكّن، فإنّ المصلوب يتمكّن على الجذع، تمكُّنَ المتمكّن في مكانه.
وكذا قولنا: زيد في الصلاة، وشاكّ في هذه المسألة .
وقال بعض الفقهاء: إنّها للسببيّة لقوله (عليه السلام): في النفس المؤمنة مائة من الإبل3.

1 . البيت لامرئ القيس في لاميّته المعروفة بمستهلّها:
قِفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ *** بسقط اللّوى بين الدَّخول فحومل
2 . طه: 72 .
3 . أخرجه النسائي في سننه: 8 / 58، والحاكم في مستدركه: 1 / 397 ; والبيهقي في سننه: 4 / 89 .

صفحه 325
ويضعّف بأنّ أهل اللغة لم ينقلوه1.
الثانية: لفظةُ «مِنْ» ترد لابتداء الغاية من المكان، مثل: سرتُ من الكوفة.
وضَعُفَ «مِنْ حجٍّ» و «مِنْ دهر» .
وللتبعيض مثل: خاتم من فضّة.
وللتّبيين مثل:(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ)2 .
وزائدة مثل: ما جاءني من أحد، وإنّما تزاد بعد النفي .
وقيل: إنّها للتمييز لا غير، فإنّ قولك: سرت من الكوفة، ميّزت مبدأ السير.
وقولك: خاتم من فضّة، ميّزت الخاتم بأنّه من فضّة.
وقولك: ما جاءني من أحد، ميّزت الشيء الّذي نفيت عنه المجيء .3
وفيه نظرٌ، إذ لا يلزم من الاشتراك في معنى كليّ، وضعُ اللّفظ له، ولا من وضعه له، عدمُ وضعه للجزئيّات، وإلاّ لزم نفي الاشتراك بين الكلّ وجزئه، والمرجع في ذلك إلى أهل اللغة.
الثالثة: «إلى» لانتهاء الغاية بالنّقل .
وقيل4: إنّها مجملةٌ، لأنّ الفعل يدخل فيما بعدها تارةً، كقوله تعالى :

1 . قال الأرموي في الحاصل من المحصول: 1 / 376: وقول الفقهاء «إنّها للسببيّة» باطلٌ، لأنّه لم يقل به أحدٌ من أئمّة اللّغة .
2 . الحجّ: 30 .
3 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 166 .
4 . القائل هو أبو عبد الله البصري من المعتزلة انظر الكاشف عن المحصول: 2 / 443 .

صفحه 326
(وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)1فإنّ الغاية هنا داخلةٌ، وتارةً تخرج الغاية لقوله تعـالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ).
وهو ضعيفٌ، لأنّ الإجمال تابعٌ للوضع وليست «إلى» موضوعةً لدخول الغاية تارةً وخروجها أُخرى على سبيل الاشتراك، لامتناع وضع اللفظ للنقيضين.(2)
وفيه نظرٌ، لما تقدّم من جوازه، وإنّما الحقّ في الجواب: أنّ لفظة «إلى» لا إشعار فيها بدخول الغاية أو خروجها، وانّما استفيد من خارج، وهو: أنّ الغاية إن كانت مميّزةً عن ذي الغاية بمفصل حسيّ كاللّيل وجب خروجها، وإلاّ وجب دخولها، كما في اليد والمرفق، إذ ليس بعض المقادير أولى بالإخراج من بعض، فوجب دخول الجميع .
الرابعة: «الباء» للإلصاق، والاستعانة .
وقيل: إذا دخلت على فعل متعدّ بنفسه، أفادت التبعيض كقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)2 خلافاً للحنفيّة.
وإن دخلت على ما لا يتعدّى بنفسه، مثل: كتبت بالقلم، ومررت بزيد، لم تفده، بل الإلصاق .
واحتجّ فخر الدين الرازي بالفرق بين قولنا: مسحت يدي بالمنديل والحائط، وبين مسحت المنديل والحائط، في أنّ الأوّل يفيد التبعيض، والثّاني يفيد الشّمول .3

1 . المائدة: 6 .         2 . انظر المحصول في علم الأُصول: 1 / 167 .
2 . المائدة: 6 .
3 . المحصول في علم الأُصول: 1 / 167 .

صفحه 327
وفيه نظرٌ، لأنّ الفعل مع ذكر المفعول الأوّل وهو قولك «يدي» لا يتعدّى بنفسه إلى المنديل، ولو حذفت «يدي» وجعلت «المنديل» ممسوحاً لا آلةً، منعنا الفرق .
احتجّت الحنفيّة بأنّ قولنا: مررت بزيد، وكتبت بالقلم، وطفت بالبيت، يعقل منه الإلصاق لا غير.
ولأنّ ابن جنيّ1 قال: لا يعرف أهل اللغة قول بعضهم: «الباء» للتّبعيض.2
والجواب عن الأوّل: أنّ المرور والكتابة لا يتعدّيان بأنفسهما، فلهذا لم يفيدا سوى الإلصاق .
وأمّا الطواف، فإنّ مفهومه الدّوران حول جميع البيت، ولا يسمّى من دار حولَ بعضه طائفاً، فلهذا لم يفد التبعيض، بخلاف المسح، فإنّ من مسح بعض رأسه، يصدق عليه أنّه ماسِحٌ.
وقول ابن جنيّ شهادة نفي، لا تقبل.
الخامسة: «إنّما» للحصر، خلافاً لشذوذ، لوجوه :
الأوّل: قال أبو علي الفارسي3: إنّ النّحاة أجمعوا عليه، وصوّبهم ] فيه [4 وقوله حجّةٌ.

1 . تقدّمت ترجمته ص 169 .
2 . لاحظ الحاصل من المحصول: 1 / 378 ـ 379، تأليف تاج الدين محمد بن الحسين الأرموي المتوفّى سنة 652 هـ .
3 . الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الأصل، المتوفّى 377 هـ تقدّمت ترجمته .
4 . نقله في كتابه «الشيرازيّات» لاحظ المحصول في علم الأُصول: 1 / 168 ; والكاشف عن المحصول: 2 / 455 .

صفحه 328
الثاني: قال الأعشى1:
.......................... *** وإنّما العزّة للكاثر2
وقال الفرزدق3:
أنا الّذائد الحامي الذّمار وإنّما *** يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
ولا يتمّ مقصود الشاعر إلاّ بالحصر.
الثالث: لفظة «إنّ» موضوعة للإثبات و «ما» للنّفي حالة الانفراد4 فيبقى الوضع حالة التركيب، وإلاّ لكان التركيب مُخْرِجاً للألفاظ عن معانيها، وهو باطل قطعاً .
ولأنّ الأصل البقاء على ما كان .
وإذا تقرّر هذا فنقول: لا يمكن تواردهما على معنى واحد، وإلاّ لزم التناقض، بل لابدّ من محلّين: فإمّا أن يكون الإثبات وارداً على غير المذكور،

1 . ميمون بن قيس المعروف بالأعشى الكبير، من شعراء الطبقة الأُولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلّقات، يسلك في شعره كل مسلك، كان كثير الوفود على الملوك من العرب والفرس، عاش عمراً طويلاً، وأدرك الإسلام ولم يسلم سمّي بالأعشى لضعف بصره، قيل رمى به بعيره فقتله سنة 7 هـ انظر الأعلام للزركلي: 7 / 341 .
2 . هذا عجز بيت أوّله :
ولست بالأكثر منهم حصىً *** وإِنَّما العزّة للكاثر
لاحظ ديوانه: 193 .
3 . هو همام بن غالب بن صعصعة التيمي الدارمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق شاعر عظيم الأثر في اللغة والشعر، كان يقال: لولا شعر فرزدق لذهب ثلث اللغة، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس، وله ديوان مطبوع ولد سنة 20 ومات 110 هـ انظر الأعلام للزركلي: 8 / 93 .
4 . في «ب» و «ج»: حالة الإفراد .

صفحه 329
والنفي على المذكور، وهو باطلٌ بالإجماع أو بالعكس، وهو المراد من الحصر.
احتجّ المخالف بقوله تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)1.
وبالإجماع من ليس كذلك مؤمنٌ أيضاً.
والجواب: أنّه محمولٌ على المبالغة.

1 . الأنفال: 2 .

صفحه 330

صفحه 331
في اشتراط التواتر في آحاد الكتاب العزيز   
المقصد الثالث: في كيفيّة الاستدلال
بخطاب الله تعالى على الإجمال
وفيه فصول:
] الفصل[ الأوّل:

في الكتاب

وفيه مباحث:

] المبحث[ الأوّل: في تعريفه

قال: بعضهم1: الكتاب ما نقل إلينا بين دفّتي المصحف من السبعة المشهورة، نقلاً متواتراً.
واعترض: 2 بأنّه لا معنى بالكتاب سوى القرآن المنزل علينا على لسان جبرئيل(عليه السلام)، وذلك ممّا لا يخرج حقيقته بتقدير عدم تواتره، بل ولا بتقدير عدم نقله إلينا بالكلّية.

1 . وهو الغزالي في المستصفى: 1 / 193 .
2 . المعترض هو الآمدي .

صفحه 332
غاية ما في الباب: أنّا جهلنا وجود القرآن بتقدير عدم نقله، وعدم علمنا بكونه قرآناً، بتقدير عدم تواتره، وعلمُنا بوجوده غيرُ مأخوذ في حقيقته، فلا يمكن أخذه في تحديده.1
وفيه نظر، إذ لا نريد اشتراطَ النقل المتواتر في حقيقة القرآن، بل نريد به أنّ الّذي نقل نقلاً متواتراً أنّه قرآنٌ على سبيل التعريف الرسمي .
وقيل: هو القرآن المنزل .2
فقولنا: القرآن، احترازٌ عن سائر الكتب المنزلة، كالتوراة، والإنجيل، فإنّها وإن كانت كتباً لله تعالى، إلاّ أنّها ليست الكتاب المعهود لنا عند الإطلاق، الّذي يحتجّ به في شرعنا على الأحكام الشرعيّة الدينيّة .
وخرج به أيضاً ما أُنزل من الوحي على النبيّ(صلى الله عليه وآله) ممّا ليس بمتلوّ، فإنّه ليس بكتاب .
وقيل3: هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه.

المبحث الثاني: في اشتراط التواتر في آحاده

اتَّفقوا على أنّ ما نُقِلَ إلينا نقلاً متواتراً من القرآن فهو حجّةٌ، واختلفوا فيما نُقِل إلينا ]منه[ آحاداً، كمصحف ابن مسعود وغيره، هل يكون حجّةً أم لا .

1 . الإحكام في أُصول الأحكام: 1 / 113 تأليف الآمدي .
2 . القائل هو الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام: 1 / 113 .
3 . القائل هو ابن الحاجب انظر رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 2 / 82 قسم المتن.

صفحه 333
فنفاه الشافعي .
وقال أبو حنيفة:1 إنّه حجّةٌ، وعليه بنى وجوبَ التتابع في صيام
كفّارة اليمين، حيث نقل ابن مسعود في مصحفه قوله: «فصيام ثلاثة أيّام متتابعات».
والحقّ الأوّل، لنا:
أنّ العادة تقضي بالتّواتر في تفاصيل مثله.
ولأنّه نَقَلَهُ قرآناً، ونَقْلُهُ قرآناً، خطأٌ، فلا يكون حجّةً .
أمّا المقدمة الأُولى، فتقديريّةٌ.
وأمّا الثانية، فلأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان مكلّفاً بإشاعة ما نزل عليه من القرآن إلى عدد التواتر، ليحصل القطع بنبوّته2 فإنّه المعجزة له، وحينئذ لا يمكن التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه .
والراوي الواحد إن ذَكَرَهُ على أنّه قرآنٌ، فهو خطأٌ، وإن لم يذكره على
أنّه قرآنٌ، كان متردّداً بين أن يكون خبراً عن النبي(صلى الله عليه وآله)، ومذهباً له، فلا يكون
حجّةً.
فإن قيل: لا نسلّم وجوبَ الإشاعة إلى حدّ التواتر، ومعلوم خلافه، فإنّ حفّاظَ القرآن في زمانه، كانوا نفراً يسيراً لم يبلغوا حدّ التواتر، وجمعه إنّما كان بتلقّي آحاد الآيات من آحاد الناس، ولهذا اختلفت مصاحف الصّحابة.

1 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 1 / 113 .
2 . في «ب» و «ج»: بثبوته .

صفحه 334
ولو كان الناقلون قد بلغوا حدَّ التواتر1 لم يكن كذلك، و ] لهذا [اختلفوا في البسملة أنّها من القرآن أو لا .
وأنكر ابن مسعود كونَ الفاتحة من القرآن، وكذا أنكر المعوذّتين .
سلّمنا، لكن إنّما يمتنع السّكوت عن نقله على الكلّ، لأنّهم معصومون عن الخطأ، أمّا بالنسبة إلى البعض فلا .
وإذا كان مثل ابن مسعود قد روى ما نقله، لم يحصل اتّفاقُ الكلّ على الخطأ بالسكوت، فيتعيّن حينئذ حمل روايته على أنّه من القرآن، فإنّ الظاهر من حاله الصّدق، ولم يوجد ما يعارضه.
غايته: أنّه غير مجمع على العمل به، لعدم تواتره، وإن لم يصرّح بكونه قرآناً، أمكن أن يكون من القرآن، وأمكن أن يكون خبراً عن النبي(صلى الله عليه وآله)، وأمكن أن يكون مذهباً ]له[ ، وهو حجّةٌ بتقديرين، وليس حجّةً بتقدير واحد، ووقوع احتمال من احتمالين، أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.
سلّمنا أنّه ليس بقرآن، لكن احتمال كونه خبراً أرجح، فإنّ روايته له توهم الاحتجاج به، ولو كان مذهباً ]له[ لأظهره، إزالةً للتلبيس، خصوصاً مع الخلاف في أنّ مذهب الصحابي حجّةٌ أولاً .2
والجواب: الإجماع دلّ على وجوب إلقائه على عدد التواتر، فإنّه المعجزة الدالّة على صدقه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو لم يبلغه إلى حدّ التواتر انقطعت معجزته، فلا يبقى هناك حجّةٌ على نبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونمنع عدم تواتر الحفّاظ في زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . في «ب» و «ج»: عدد التواتر .
2 . الإحكام للآمدي: 1 / 113 ـ 114 .

صفحه 335
سلّمنا، لكن لا يلزم من عدم بلوغ حفّاظ جملة القرآن عدَد التّواتر في زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم)، عدمُ بلوغ الحفّاظ لآحاده، فجاز أن يكون آحاده متواترةً وإن لم يبلغ الحفّاظ لجملته عدد التواتر، بأن تتواتر جماعةٌ على نقل بعضه، ثمّ تتواتر جماعةٌ أُخرى على نقل بعض آخر، وهكذا .
وتوقّفُ الجميع على نقل الآحاد ليس بوارد، لأنّه لم يكن في كونها قرآناً بل في تقديمها وتأخيرها، وطولها وقصرها .
وأمّا اختلاف المصاحف، فكلّ ما هو من الآحاد فليس بقرآن، وما هو متواتر، فهو قرآنٌ.
ونحوه الشّبهة في التسمية، لا في كونها قرآناً، بل في وضعها في أوّل كلّ سورة .
وإنكار ابن مسعود للفاتحة والمعوّذتين، لم يكن في إنزالها، بل في إجرائها مجرى القرآن في حكمه .
قوله: إذا رواه ابن مسعود لم يتّفقوا على الخطأ .
قلنا: مسلّم، لكن لا تقوم الحجّة به في كونه قرآناً، كيف وأنّ سكوت من سكت، وإن لم يكن ممتنعاً، إلاّ أنّه حرام، لوجوب نقله عليه، فلو كان ما تفرّد به ابن مسعود قرآناً، لزم ارتكاب باقي الصحابة الخطأ، حيث لم ينقلوه، ولم يوصلوه إلى عدد التواتر .
ولو قلنا: إنّه ليس بقرآن، لم يقع الرّاوي ولا غيره من الصحابة في الخطأ.
ولو سلّمنا ارتكابَ ابن مسعود على الخطأ، كان أولى من ارتكاب

صفحه 336
باقي الجماعة، فبطل قولهم بظهور صدقه فيما نقله من غير معارض، وتعيّن تردّده بين الخبر والمذهب .
قوله: «الخبر أرجح».
قلنا: الإجماع على أنّ كلّ خبر لم يصرّح فيه بكونه خبراً عن النبي(صلى الله عليه وآله)ليس بحجّة، وما نحن فيه كذلك، بل الأولى الحمل على المذهب، لأنّه قد اختلف في كونه حجّةً أم لا، أمّا الخبر الّذي لم يصرّح فيه بالخبريّة، فإنّه ليس حجّةً بالاتّفاق.
وأيضاً فإنّه يوافق النفي الأصليّ، وبراءة الذّمة، فيكون أولى.
في البسملة   

المبحث الثالث: في البسملة

اتّفق المسلمون على أنّ البسملة بعض آية في سورة النمل، واختلفوا في كونها آيةً من كلّ سورة في القرآن، فنُقِل عن الشّافعي قولان، واختلف أصحابه في حملهما، فقال بعضهم: إنّ القولين محمولان على أنّها هل هي من القرآن في أوّل كلّ سورة حيث كتبت مع القرآن بخطّ القرآن أم لا .
وقال آخرون: إنّهما محمولان على أنّها هل هي آية برأسها في أوّل سورة، أو هي بعض آية، وأنّها مع أوّل آية من كلّ سورة آيةٌ، وهو الأصحّ .
وذهب القاضي أبو بكر1 وجماعة من الأصوليين إلى أنّها ليست من القرآن في غير سورة النمل، وحكم بخطأ من قال: إنّها آيةٌ من القرآن في غير

1 . نقله عنه الآمدي في الإحكام: 1 / 115 .

صفحه 337
سورة النمل من غير تكفير، لعدم النّصّ القاطع بإنكار ذلك .
وذهبت الإماميّة أجمع إلى أنّها آيةٌ من كلّ سورة .
لنا: أنّها منزلة على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أوّل كلّ سورة، ولهذا قال ابن
عباس
: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)لا يعرف ختمَ سورة وابتداءَ أُخرى حتّى ينزل جبرئيل(عليه السلام)ببسم الله الرّحمن الرّحيم، فيكون من القرآن حيث أنزلت .
وأيضاً أنّها كانت تكتب بخطّ القرآن في أوّل كلّ سورة بأمر النبي(صلى الله عليه وآله)، ولم ينكر أحدٌ من الصحابة على كاتبها بخطّ القرآن مع شدّة تحرّزهم، وتحفّظهم في صيانة القرآن عن الزيادة والنقصان، حتّى أنكروا على من أثبت أوائل السّور والتّعشير والنقط وإن لم يكن بخطّ القرآن، وذلك يقتضي اتِّفاقهم على أنّها من القرآن .
وأيضاً قال ابن عباس: سَرَقَ الشيطان من الناس آيةً من القرآن1، إلى أن ترك بعضهم قراءةَ التسمية في أوّل كلّ سورة .
وقال أيضاً: من ترك «بسم الله الرّحمن الرّحيم» فقد ترك مائة وثلاثة عشر آيةً،2 ولم ينكر عليه، فدلّ على أنّها من القرآن .
احتجّوا بأنّها لو كانت قرآناً، لم يخل إمّا أن يشترط القطع في إثباتها، أو لا يشترط .
فإن كان الأوّل فما ذكرتموه من الوجوه الدالّة غيرُ قطعيّة بل ظنّية، فلا تصلح للإثبات .

1 . أخرجه البيهقي في سننه الكبرى: 2 / 50 باختلاف يسير.
2 . عوالي اللآلي: 2 / 218، ونقله في بدائع الصنائع: 1 / 475، عن عبد الله بن مبارك .

صفحه 338
وأيضاً كان يجب على النبي(صلى الله عليه وآله)إظهار كونها من القرآن حيث كُتِبَتْ معه شائعاً، قاطعاً للشكّ، كما فعل في سائر الآيات .
وإن كان الثاني، فليثبت التتابعُ في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه .
والجواب: لا خلاف في كونها من القرآن، وإنّما اختلف في وضعها آيةً في أوائل السّور، ولا يشترط فيه القطع، ولهذا لم يكفّر أحدُ الخصمين صاحبَهُ، كما وقع في عدد الآيات ومقاديرها.
ولو لم تكن من القرآن لوجب على النبي(صلى الله عليه وآله)إظهار ذلك وإبانته شائعاً، قاطعاً للشكّ، كما فعل في التعوّذ.
بل وجوب الإظهار هنا أولى، حيث كتبت بخطّ القرآن في أوّل كلّ سورة، فإنّ ذلك ممّا يوهم أنّها من القرآن، مع علم النبي(صلى الله عليه وآله)بذلك، وقدرته على البيان، بخلاف التعوّذ .
لا يقال: كلّ ما هو من القرآن فإنّه منحصرٌ يمكن بيانه، بخلاف ما ليس من القرآن، فإنّه غير منحصر فلا يمكن بيانه، فلهذا أوجبنا بيانَ ما هو من القرآن، ولم نوجب بيانَ ما ليس منه.
لأنّا نقول: نحن لم نوجب بيانَ كلّ ما ليس من القرآن، بل إنّما نوجب بيانَ ما يشتبه أنّه من القرآن وليس منه، كالتسمية، وهي أمرٌ واحدٌ منحصرٌ .1
في تواتر القراءات السبع   
والحق أن نقول: إنّها نقلت نقلاً متواتراً في أوّل كلّ سورة بخطّ القرآن من

1 . انظر الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي: 1 / 116; ورفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 2 / 82 ـ قسم المتن ـ .

صفحه 339
غير شكٍّ، والتكرار لا يخرج المكرّر عن كونه قرآناً، ولا الشكّ فيه، وإلاّ لزم الشكّ في مثل (وَيْلٌ)1 و (فَبِأيّ)2 .
وإذا كان كذلك وجب الحكم بكونها قرآناً كغيرها من الآيات .
وأمّا ما اعتذر به أوّلاً فليس بجيّد، إذ لو لم يشترط التواتر في المحلّ بعد ثبوت مثله، لجاز ثبوت كثير من القرآن المكرّر، وجواز إثبات ما ليس بقرآن .
لا يقال: إنّه يجوز، ولكن اتّفق تواتر ذلك .
لأنّا نقول: لو قُطع النظر عن ذلك الأصل لم يُقطع بانتفاء السقوط، ونحن نَقْطع بأنّه لا يجوز .
ولأنّه يلزم جواز ذلك في المستقبل، وهو باطلٌ قطعاً، فإذن الحقّ ما قلناه، من تواترها آيةً في أوّل كلّ سورة.

المبحث الرابع: في تواتر القراءات السبع

لنا: لو لم تكن متواترةً لخرج بعض القرآن عن كونه متواتراً كـ (مالِك)و (مَلِك) وأشباههما، والتالي باطلٌ فالمقدّم مثله.
بيان الشرطيّة: أنّهما وردا عن القرّاء السبعة، وليس تواتر أحدهما أولى من تواتر الآخر، فإمّا أن يكونا متواترين، وهو المطلوب، أو لا يكون شيءٌ منهما بمتواتر وهو باطل، وإلاّ يخرج عن كونه قرآناً، هذا خلف.

1 . المرسلات: 19 .
2 . الرّحمن: 16 .

صفحه 340
في أحكام خطابه تعالى   
 
الفصل الثاني:

في أحكام خطابه تعالى

وفيه مباحث:

] المبحث[ الأوّل: في أنّه يستحيل أن يخاطب الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)بشيء ولا يعني به شيئاً

اتّفق الناس على أنّه لا يجوز اشتمال القرآن وكلام الرّسول(صلى الله عليه وآله) على مالا معنى له إلاّ الحشوية1، فإنّهم جوّزوا ذلك .
لنا: أنّ الكلام بما لا يفيد شيئاً نقصٌ، والله تعالى يستحيل عليه النقص.
ولأنّه تعالى وصف القرآن بكونه هُدىً وشفاءً وبياناً، ولا يحصل ذلك إلاّ مع القصد والإرادة .
احتجّ المخالف بوجوه:
الأوّل: ورد في القرآن مثل: (كهيعص)2 و (حمعسق)(3) و (الم)(4) و
غير ذلك، وهي غير مفهومة المعنى، وقوله (كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ)(5) (تِلْكَ

1. الحشوية: هم الذين يحشّون الأحاديث الّتي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك قالت عامّة الحشوية بالجبر والتشبيه، اغتراراً بهذه الروايات الضعاف. لاحظ موسوعة بحوث في الملل والنحل لشيخنا السبحاني: 1 / 124 .
2 . مريم: 1 .            3 . الشورى: 1 .      4 . البقرة: 1 .      5 . الصافات: 65 .

صفحه 341
عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)1 (نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ)(2) (لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ)(3). فقوله (اثْنَيْنِ)لا يفيد شيئاً .
الثاني: يجب الوقف على قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ)(4) وذلك يستلزم الخطاب بما لا يعلم .
أمّا مقدمة الأولى، فلأنّه لولاه لاشترك المعطوف والمعطوف عليه في قوله: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)فيصير التقدير: أنّ الله تعالى يقول: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .
وذلك مُحالٌ في حقّه تعالى، فلا تكون «الواو» هنا للعطف، بل للابتداء، فحينئذ ينحصر علم التأويل في الله تعالى، فالمتشابهات لا نعلمها، وقد خوطبنا بها .
الثالث: خاطب ]الله[ الفُرسَ بلسان العرب، وهم لا يفهمونه، فجاز مطلقاً .
والجواب عن الأوّل: أنّ الحروف إمّا أسماء السور، أو موضوعةٌ لمعان ذكرها المفسِّرون .
والتمثيل برؤوس الشياطين، القصد به التمثيل بالمستقبح، وقد كانت العرب تستقبح ذلك، فضرب بهم المثل .
وقوله (عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) و (نفخةٌ واحدةٌ) وغيرهما يراد به التأكيد، وهو أمرٌ معلومٌ مفيدٌ لتقوية المعنى .
وعن الثاني: لا استبعاد في إرادة العطف، وتخصيص الحال ببعض
ما تقدّم، فإنّه لا بُعْد في تخصيص العام بدليل عقليّ .
وعن الثالث: أنّ الفُرس متمكّنون من فهم الخطاب بالتعبير، بخلاف ما لا يفهم منه البتّة.

1 . البقرة: 196 .         2 . الحاقة: 13 .      3 . النحل: 51 .   4 . آل عمران: 7 .

صفحه 342
واعلم أنّ هذه المسألة إنّما تتمشّى على قواعد المعتزلة القائلين بالحسن والقبح العقليّين، ويلزم الأشاعرة موافقة الحشويّة وإن لم يصرِّحوا به .
في أنّه تعالى يستحيل أن يخاطب بما يدلّ ظاهره على غير المقصود   

المبحث الثاني:

في أنّه تعالى يستحيل أن يخاطب بما يدلّ ظاهره على غير المقصود من غير قرينة
اتّفق الناس على ذلك إلاّ المرجئة1 .
لنا: أنّه قبيح، لاشتماله إمّا على الإغراء بالجهل أوتكليف ما لا يُطاق، فاللازم باطل والملزوم مثله .
بيان الملازمة : أنّه قصد إفهامنا، وإلاّ كان عبثاً، فأمّا أن يقصد فهم ظاهره، وهو إغراء بالجهل، إذ ليس ذلك مقصوده، أو فهم غير ظاهره، وذلك يستلزم تكليف ما لا يُطاق، إذ يمتنع فهم غير الظاهر من اللّفظ من دون القرينة، وإلاّ كان هو الظاهر .
وأيضاً اللّفظ الخالي عن البيان، يكون بالنسبة إلى غير ظاهره مهملاً،

1 . المرجئة: على زنة «المرجعة» بصيغة الفاعل من أرجأ الامر: أخّره. والإرجاء: التأخير، والمرجئة طائفة من المسلمين اهتمّوا بالإيمان دون العمل، فقدّموا الأوّل وأخّروا الثاني ولذلك أُطلقت عليهم المرجئة: أي المؤخّرة للعمل، واشتهروا بقولهم: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. لاحظ موسوعة بحوث في الملل والنحل لشيخنا السبحاني: 3 / 73 ـ 74 .

صفحه 343
وقد بيّنا أنّ التكلم بالمهملِ ممتنعٌ على الله تعالى.
لا يقال: إنْ عنيتَ بالمهمل ما لا فايدة فيه البتّة، فلا نسلّم أنّ الأمر كذلك، فإنّه ]تعالى [لو تكلّم بما يقتضي ظاهرُهُ التوعّد ولا يكون قاصداً له، يحصل منه فائدة التخويف للمكلّف، فينقاد لأمره تعالى، ويمتنع من الإقدام على ما ينهى عنه.
وإن عنيتَ أنّه لم تحصل فائدةُ الإفهام، سلّمنا ذلك، لكن لِمَ قلتَ: إنّه غير جائز على الله تعالى؟ فإنّ ذلك هو أوّل المسألة.
لأنّا نقول: قد بيّنا امتناعَ حصول فائدة الإفهام والانقياد، والامتناعُ عن الإقدام فرعُ قصد الإفهام.
وأيضاً لو فتحنا هذاالبابَ لم يبق اعتمادٌ على شيء من خبره تعالى ولا من خبر رسوله(صلى الله عليه وآله)، إذ لا خبر إلاّ ويحتمل أن يكون المقصود منه غير المفهوم، وهو معلوم البطلان .
واعلم أنّ هذه المسألة أيضاً لا تتمشّى على قواعد الأشاعرة، حيث نفوا الحسنَ والقبحَ العقليّين، بل على قواعد المعتزلة.
احتجّت المرجئة بالآيات المتشابهة، والدالّة1 على اليد، واليمين، والوجه، والرّوح، ومكر الله، والاستواء على العرش، وغير ذلك، فإنّها لا يراد منها ما فهم عنها من ظواهرها، بل ما ليس بمعلوم عندنا.
والجواب: أنّ الآيات المتشابهة لها تأويلات ظاهرة عند أهل التفسير، فلا يكون خطاباً بغير المفهوم.

1 . في «ب» و «ج»: كالدالّة.

صفحه 344
في أنّ الاستدلال بالأدلّة اللفظية قد تكون قطعيّة   
 
المبحث الثالث: في أنّ الاستدلال بالأدلّة اللفظيّة قد تكون قطعيّةً
نازع في ذلك جماعةٌ، وزعموا أنّ الأدلّة اللّفظية كلّها ظنيّةٌ، واحتجّوا على ذلك بأنّه يتوقف على مقدّمات كلّها ظنيّةٌ، والموقوف على الظنّيّ أولى أن يكون ظنيّاً .
بيان المقدّمة الأُولى: أنّه يتوقف على مقدّمات عشر ظنيّة، فتكون ظنيّةً.
المقدّمة الأُولى: نقل اللّغة، والنحو، والتصريف، في أُمور ظنّية، إذ المرجع في ذلك إلى أهل اللّغة، وقد وقع الإجماع على انتفاء عصمتهم وعدم تواترهم، فجاز عليهم الخطأ والغلط والتّصحيف، وقد غلط بعضهم بعضاً في مواضع متعدّدة .
والمرجع في النحو والتصريف إلى أشعار القدماء، لكنّ التمسك بتلك الأشعار، يتوقف على مقدّمتين ظنّيتين:
إحداهما: أنّ رواتها آحاد، والآحاد لا تفيد العلم .
وأيضاً، فإنّها مرسلة، والمرسل مردود عند الأكثر .
الثانية: سلّمنا أنّه صحّ النقل عن ذلك الشاعر، لكن جاز أن يُلحن ويغلط.
أقصى ما في الباب: أنّه عربيّ قد يلحن.
ولهذا، فإنّ جماعةً من الأُدباء حكموا بلحن أكابر شعراء الجاهليّة، وإذا كانوا قد حكموا بلحنهم تقدح امتنع الوثوق بقولهم .
لا يقال: هذه الأغلاط نادرة، فلا تقدح .

صفحه 345
لأنّا نقول: مسلّم أنّها لا تقدح في الظنّ، لكن تقدح في اليقين قطعاً، لتطرّق الاحتمال في كلّ واحد من الألفاظ والإعرابات أنّه ذلك اللّحن النادر، فيرتفع اليقين.
المقدمة الثانية: عدم الاشتراك، إذ بتقديره يجوز أن يكون المراد من هذا الكلام غير ما فهم عنه، وهو ذلك المعنى، ولا شك في أنّ عدم الاشتراك ظنّي، إذ طريقه الرجوع إلى الأصل، وليس ذلك قطعيّاً.
] المقدّمة[ الثالثة: عدم المجاز، فإنّ بتقدير أن يريد الله تعالى بلفظه مجازه لا يريدحقيقته، فحمله على الحقيقة لا يتعيّن إلاّ بتقدير عدم المجاز، ولا شكّ في أنّ عدم المجاز ظنّيٌّ، وهو أنّ الأصل عدمه .
] المقدّمة[ الرابعة: عدم النقل ، إذ بتقدير أن يكون الشارع قد نقل اللّفظ عن معناه إلى معنى آخر، لم يبق الوثوق بإرادة المنقول عنه، دون المنقول إليه، فلا يتعيّن المعنى الموضوع له إلاّ بتقدير عدم النقل، لكن عدم النقل ظنّيٌّ لا قطعيٌّ.
] المقدّمة[ الخامسة: عدم الإضمار، إذ بتقديره لا يبقى اللّفظ مفيداً للظّاهر، بل لذلك المضمر، فلا يتعيّن الحمل على الظاهر إلاّ بعد العلم بانتفاء الإضمار، وانتفاء الإضمار ظنّيٌّ لا قطعيٌّ.
] المقدّمة[ السادسة: عدم التخصيص، فإنّ العامّ إنّما يحمل على عمومه لو لم يكن مخصوصاً، لكن عدم المخصِّص ظنيٌّ لا قطعيٌّ .
] المقدّمة[ السّابعة: عدم النّاسخ، فإنّ التعبّد إنّما يثبت بالدليل النقلي لو لم يكن منسوخاً، إذ بتقدير نسخه يبطل حكمه، لكن عدم الناسخ ظنّيٌّ لا قطعىّ .

صفحه 346
] المقدّمة[ الثامنة: عدم التقديم والتأخير، إذ بتقديره يتعيّن المعنى المعيّن المدلول عليه باللّفظ، فلا تتعيّن إرادة الظاهر إلاّ مع العلم بانتفاء التقديم والتأخير، وذلك غير حاصل، أقصى ما في الباب ظنّ انتفائه.
] المقدّمة[ التاسعة: عدم المعارض النقليّ الراجح عليه، إذ مع وجود ما يعارضه من الأدلّة النقليّة الراجحة عليه، لا يجب المصير إليه، فتعيُّنُ العمل به إنّما يتمّ بنفي المعارض الراجح، لكن نفيه ظنيٌّ، فإنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود.
] المقدّمة[ العاشرة: عدم المعارض العقليِّ، إذ لو دلّ على نقضه دليل عقليٌّ لتعيّن المصير إليه، وتأويل النقليّ، لما عرفت من أنّ العقليّ لا يعارضه النقليّ، إذ لو تعارضا لامتنع العمل بهما وتركهما، لاستحالة الخلوّ عن النقيضين والجمع بينهما.
في كيفية الاستدلال بالخطاب   
ويستحيل العمل بالنقل، إذ إبطال العقليّ يستلزم إبطالَ فرعه، وهو النقليّ، فلو رجّح النّقليّ لزم إبطال الدليلين معاً، فلم يبق إلاّ العمل بالعقليّ1 وتأويل النقليّ، لكن عدم المعارض العقليّ ظنّيٌّ لا قطعيٌّ.
فعُلِمَ انّ الدّليل النقليّ فرع هذه الأُمور العشرة، وهذه ظنيّةٌ، فيكون أولى بالظنيّة.
لايقال: إذا سمعنا دليلاً نقليّاً، فلو كان فيه شيء من هذه المفاسد، لوجب على الله تعالى إظهاره.

1 . في «أ» و «ج»: بالعقل .

صفحه 347
لأنّا نقول: لا نسلّم وجوبَ ذلك، وظاهر أنّه ليس كذلك، فإنّ كثيراًمن العلماء يسمع آيةً أوحديثاً ولا يعلم ما اشتمل عليه من اللّغة، والنحو، والتصريف،1 وغير ذلك .2
والجواب: أنّ محكمات القرآن مثل (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)3 وغيره يعلم أنّ المراد منها ظاهرها، وأنّ هذه المطاعن منتفيةٌ عنها علماً قطعيّاً، فيكون مثل تلك تفيد اليقينَ.

المبحث الرابع: في كيفيّة الاستدلال بالخطاب

اعلم أنّ اللّفظ قد تقصر دلالته على معناه فيفتقر إلى ضمّ شيء آخر إليه، لتتمّ دلالته على معناه، وقد يستغني عن تلك الضميمة .
ثمّ إمّا أن يدلّ على الحكم بلفظه أو بمعناه، فالأقسام ثلاثة :
]القسم [ الأوّل: ما يدلّ على الحكم بلفظه .
اعلم أنّ اللفظ إذا أُطلق وجب حملُهُ على حقيقته ما لم يقم مانعٌ يمنع منه، ولمّا انقسمت الحقيقة إلى اللّغوية، والشرعيّة، والعرفيّة، انقسم اللّفظ إلى ما لا يوجد فيه سوى واحد منها وهي اللّغوية، وإلى ما يوجد فيه أكثر .
فالأوّل: يجب الحمل عليه، إذ لم يوجد مغيِّر من قِبَل الشرع ولا من قِبَل العرف.

1 . أيّ لا يعرفون ما في نحوها ولغتها وتصريفها من الاحتمالات العشرة الّتي ذكرناها.
2 . الإشكال والجواب للرازي في محصوله: 1 / 177 .
3 . التوحيد: 1 .

صفحه 348
وأمّا الثاني: فنقول: إذا كان اللّفظ في اللّغة موضوعاً لمعنى واحد، وفي العرف قد استعمل في غيره، فإمّا أن يخرج بالعرف عن حقيقته اللغويّة أو لا.
فإن خرج حتّى صار مجازاً في المعنى اللّغوي، وجب الحمل على العرفي، لأنّه المتبادر إلى الفهم والظاهر من اللفظ1 .
وإن لم يخرج كان مشتركاً بينهما، ويجب مثل هذا في الاسم المنقول إلى معنى شرعيّ .
فإذا ورد من الشرع خطاب قد استعمل في اللغة لمعنى، وفي العرف لآخر، وفي الشرع لثالث، وجب حمله على الحقيقة الشرعيّة .
فإن لم يكن له حقيقة شرعيّة وجب حمله على الحقيقة العرفيّة.
فإن انتفت فعلى الحقيقة اللغويّة.
فان انتفت أو تعذّر استعمالها فعلى المجاز اللغوي .
فإن خاطب الله تعالى طائفتين بخطاب وكان عند إحداهما حقيقةً في معنى، وعند آخرين في آخر، وجب أن يحمل كلُّ واحد منهما على ما تتعارفه، أو توجد قرينة تُعيِّن المراد، وإلاّ لكان مخاطباً بغير ما هو ظاهر عنده مع عدم القرينة، وقد تقدّم بطلانه .
القسم الثاني: ما يدلّ عليه بمعناه، وهي الدلالة الالتزاميّة، وقد سبقت .
] القسم[ الثالث: ما يتوقّف في الدّلالة على الضميمة، بأن يكون بحيث لوضمّ إليه شيءٌ آخر، صار المجموع دليلاً على الحكم، وأقسامه أربعة:

1 . في «أ»: الظاهر من اللفظ .

صفحه 349
الأوّل: أن ينضمّ إلى النصّ نصٌّ آخر فيصير المجموع دليلاً على الحكم.
إمّا بأن يدلَّ أحدهما على مقدّمة والآخر على الثانية، مثل تارك المأمور به عاص، لقوله ]تعالى[ : (أَفَعَصَيْتَ أَمْري)1 والعاصي يستحقّ العقاب لقوله تعالى: (وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ)2 .
أو بأن يدلّ أحدهما على ثبوت حكم لشيئين، والآخر على أنّ بعضه لأحدهما، فيثبت الباقي للثاني، مثل(وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً)3 مع قوله (يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)4 فيبقى الباقي مدّة الحمل .
الثاني: أن ينضمّ إلى النصّ إجماعٌ، كما إذا دلّ النّص على أنّ الخال يرث، ودلّ الإجماع على مساواة الخالة، فيجب القطع بأنّها ترث .
الثالث: أن ينضمّ إليه قياس، كما دلّ النصّ على تحريم الرّبا في البُرِّ، ودلّ القياس على مساواة التّفاح له عند القائل بالقياس مطلقاً وعندنا مع نصّ العلّة لقوله: «انتقص إذا جفّ».
الرابع: أن ينضمّ إليه شهادة حال المتكلّم، كما إذاكان كلام الشارع متردّداً بين الحكم العقليّ والشرعيّ، فحمله على الشرعيّ أولى، لأنّه بُعِثَ لتعريف الأُمور الشرعيّة لا العقليّة .
هذا مع تردّد الخطاب بينهما، ولو ظهر في أحدهما لم يصحّ التّرجيح .

1 . طه: 93 .
2 . النساء: 14 .
3 . الأحقاف: 15 .
4 . البقرة: 233 .

صفحه 350
في الخطاب الذي لا يمكن حمله على ظاهره   
 
المبحث الخامس: في الخطاب الذي لا يمكن حمله على ظاهره
قد بيّنا أنّه يجب الحمل على الظاهر مع التجرّد عن القرائن، فإن دلّ دليلٌ على امتناع الحمل على ظاهره، وجب العدول عنه، ولا يجوز القول بإهماله، بل لابدّ أن يراد به معنى ما لِما تقدّم من استحالة أن يُخاطِبَ الحكيم بما لا مفهوم له، وحينئذ نقول:
الخطاب إمّا أن يكون خاصّاً أو عامّاً، فإن كان خاصّاً وكان حقيقةً في شيء، ثمّ وُجِدَ ما يصرفه عنه، فلا يخلو:
إمّا أن يدلّ ذلك الموجود على أنّ المراد ليس هو الظّاهر، أو على أنّ غير الظاهر مرادٌ، أو على أنّ الظّاهر من الخطاب وغير الظاهر مرادان .
فإن كان الأوّل خرج الظاهر عن الإرادة، فيجب حمله على المجاز، فإن اتَّحد وجب الحمل عليه من غير قرينة أُخرى، وإلاّ لزم الإلغاء .
وإن تعدّد فإن دلّ دليلٌ على إرادة معيّن منها وجب المصير إليه، وإن دلّ على أنّه غيرُ مراد، فإن لم يبق إلاّ وجهٌ واحدٌ حُمِلَ عليه، وإلاّ فإمّا أن تكون وجوه المجاز غيرَ محصورة، فعند القاضي عبد الجبار يجب نَصْبُ دليل على المراد، لامتناع إرادتها أجمع، مع تعذّر انحصارها علينا1.
واعترض أبو الحسين2 باحتمال إرادة الجميع على البدل، فإنّه ممكن

1 . انظر كلام القاضي عبد الجبار في المعتمد: 1 / 349 ; والمحصول في علم الأُصول: 1 / 181 .
2 . المعتمد: 1 / 349 .

صفحه 351
مع فقد دلالة التعيين ومع عدم الحصر، وأنّه تعالى لو أوجب علينا ذبح بقرة كنّا مخيّرين فى أيّة بقرة شئنا .
أمّا من لا يجيز إرادة المعنيين المختلفين فما زاد من اللفظة الواحدة فيجب عنده إقامة دليل على المراد، لأنّ اللّفظ لم يوضع على التخيير .
وإن انحصرت وجوه المجاز، فإن كان البعض أقوى من الباقي حُمِلَ على الأقوى مراعاةً لجانب القوّة، وإن تساوت حُمِلَ اللّفظ عليها بأسرها على البدل .
أمّا على الجميع، فلعدم أولويّة البعض بالإرادة.
وأمّا البدليّة، فلعدم عموم الخطاب حتّى يُحْمَلَ على الجميع .
هذا عند من يجوِّزُ استعمالَ المشترك في مفهومَيْه، ومن منع يقول: لابدّ من البيان .
وإن كان الثاني، وهو أن يدلّ على ان غير الظاهر مراد، فإن عَيَّنَهُ الدّليل حُمِلَ عليه، وإلاّ فكالأوّل .
وإن كان الثالث، وهو أن يدلّ على إرادة الظاهر وغيره فلابدّ من إمكان الجمع بينهما، وحينئذ إن تعيّن ذلك الغير وجب الحمل على المجموع، ويكون اللفظ موضوعاً لهما إمّا لغةً أو شرعاً أو قد تكلّم بالكلمة الواحدة مرّتين .
وإن لم يتعيّن ذلك الغير فكالأوّل .
وإن كان ] الخطاب[ عامّاً حُمِل على العموم مع التجرّد، وإن لم يتجرّد فإن دلّت القرينة على أنّ المراد ظاهره وغير ظاهره، وتعيّن ذلك الغير، حُمِلَ اللّفظ عليه، على ما تقدّم من التفصيل، وإن لم يكن معيّناً، فالكلام فيه كما في

صفحه 352
الخاصّ إذا دلّ الدّليل على أنّ المراد غيرُ ظاهره.
وإن دلّت على أنّ المراد ليس ظاهره، أو على أنّ المراد غير ظاهره، فلابدّ من دليل على التعيين، لأنّه إذا لم يكن ظاهره مراداً، جاز أن يكون المراد بعض ما يتناوله، أو شيئاً لم يتناوله، فلا يصحّ الجمع، فلابدّ من دليل التعيين .
وإن دلّت على أنّ بعضه مراد، لم يقتض خروجَ البعض الآخر عن الإرادة، لعدم التنافي .
وإن دلّت على أنّ المراد هو البعض الآخر، خرج الأوّل عن الإرادة، للدّلالة على أنّ الآخر هو كمال المراد .
وإن دلّت على أنّ بعضه ليس بمراد، خرج عن الإرادة، وبقي ماعداه مراداً.
في أنّ ثبوت حكم الخطاب إذا تناوله مجازاً، لا يدلّ على أنّه مرادٌ بالخطاب   

المبحث السّادس:

في أنّ ثبوت حكم الخطاب إذا تناوله مجازاً، لا يدلّ على أنّه مرادٌ بالخطاب
ذهب الكرخي1 وأبو عبد الله البصري2 إلى وجوب ذلك.
ونفاه الباقون، وهو الحقّ .
مثاله: قوله تعالى:(أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ)3 فإنّ الدّليل قائم على وجوب

1 . تقدّمت ترجمته ص 219 .
2 . تقدّمت ترجمته ص 219 .
3 . المائدة: 6 .

صفحه 353
التيمّم على المجامع، الّذي يتناوله اسم «الملامسة» بالمجاز من حيث الكناية، ولا يدلّ على أنّه هو المراد بالآية.
لنا: أنّ المقتضي لإجراء الآية على ظاهرها موجودٌ، والمانع لا يصلح للمانعيّة، فيجب الإجراء .
أمّا المقتضي فظاهر .
وأمّا المانع وهو ثبوت حكم الخطاب فيما تناوله مجازاً، فإنّه لا يصلح للمانعيّة، لاحتمال ثبوته بدليل آخر .
احتجّوا بأنّ ثبوت الحكم في صورة المجاز يفتقر إلى دليل، ولا دليل سوى هذا الظاهر، وإلاّ لنقل .
وإذا حمل ]الظاهر [على المجاز، انتفى الحمل على الحقيقة، لامتناع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معاً.
والجواب: المنع من نفي الدّليل، وعدم النقل للاستغناء بالإجماع عن نقله.

تذنيبات

الأوّل: لمّا كان اللّفظ لا يفيد بجنسه، إذ يوجد في المهمل كوجوده في المستعمل، فلابدّ من أمر باعتباره يفيد، وهو الإرادة.
ولا يكفي الوضع في الخطاب، وإلاّ لساوى كلام الساهي والنائم كلامَ القاصد .

صفحه 354
ثمّ الإرادة الّتي لكونها خطاباً، يُحتاج إليها في سائر ضروب الخطاب ( لأنّ هنا إرادتين:
إحداهما: إرادة للخطاب نفسه، وهي عامّة.
والأُخرى: إرادة لما يفيده الخطاب، فهي مختصّة بالأمر، كإرادة الصلاة من قوله: «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»1 ).
والّتي تتناول ما يفيده الخطاب، تتناول الأمر، ولا يجب في الخبر .
ولمّا كانت إرادته تعالى لا تُعْرف من كلامه إلاّ بالاستدلال، اشترط في الاستدلال بكلامه على ما أراده أُمورٌ:
منها: أن يكون قد أراد بخطابه أمراً مّا .
ومنها: أن لا يقع كلامه على وجه قبح من كذب وغيره .
ومنها: أن لا يُعمِّيَ2 علينا مراده، بل يريد ما وضع الكلام له، فإن أراد غيره بيّنه، إذ مع تجويز عدم أحدها يتعذّر الاستدلال بكلامه على مراده .
ولهذا لم يصحّ من الحشويّة الاستدلال بشيء من القرآن، حيث قالوا: لاَ نعلم معناه إلاّ بتفسير من النبي(صلى الله عليه وآله).
ومن العجب أنّهم يرجعون في التفسير إلى أخبار آحاد، وإلى تفسير الضّحاك وأمثاله، ويتركون ظاهر الكتاب العزيز .

1 . ما بين القوسين موجود في «ج» فقط والقرينة تشهد على صحّته .
2 . مأخوذ من التعمية .

صفحه 355
ولم يصحّ من المجبّرة الاستدلالُ بشيء من القرآن، لأنّهم لا يؤمنون أن تكون أخباره كذباً، وأمره أمراً بباطل، ونهيه نهياً عن حقّ .
ولم يصحّ من المرجئة الاستدلالُ بخطابه، حيث قالوا: إنّ الله تعالى أراد بقوله (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ)1إن جازيته، ولم يدلّنا على ذلك، إذ لا يؤمن بقوله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ)2 أن يكون قد شرطه بإرادتنا ولم يبيّنه.
الثاني: يشترط في الاستدلال بخطاب الرسول(صلى الله عليه وآله) أن لا يجوز أن يكتم بعض ما أمر بتبليغه، وأن لا يكذّب فيما يؤدّيه عن الله سبحانه، وأن لا يؤدّي على وجه يقتضي التنفير عن خطابه، إذ مع التنفير لا يحصل الغرض، فإنّ العبد حينئذ ينفر عن النظر فيما أدّاه .
الثالث: لمّا كان الإجماع حجّةً على ما يأتي، وهو قول الأُمّة، وجب أن يشترط في خطابهم ما شرطناه في خطاب الرّسول(صلى الله عليه وآله) إلا التّنفير، لتعذّره منهم على كثرتهم، إذ التنفير يقع بكلام على وجه، ويتعذّر اتّفاقهم على ذلك القول على ذلك الوجه.
الرابع: الخطاب له تعلّقٌ بالفعل، وله تعلّقٌ بالمخاطَب، وقد عرفت أنّ المقتضي للخطاب هو الإرادة، فلابدّ وأن يريد كون العبارة عبارةً عمّا هي عبارةٌ عنه، ويريد كونها عبارةً لمخاطب دون آخر، وكلّ واحدة منهما مخالفة للأُخرى .
وقد يختلفان في العموم والخصوص، مثل: يا زيد «صلّ الصلاة» أو «يا أيّها الناس صلّوا هذه الصلاة» وقد يتّفقان عموماً أو خصوصاً .

1 . النساء: 93 .
2 . البقرة: 43.

صفحه 356

صفحه 357
المقصد الرّابع: في الأمر والنّهي
وفيه فصول
] الفصل[ الأوّل:

في المقدّمات

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل:

اعلم أنّه لمّا كان الأمر نوعاً من الكلام، وجب تقديم تحقيق ماهيّته، وإن كان البحث عنه مصادرةً في هذا الفنّ، وإنّما برهن عليه وعلى تحقيقه المتكلّمُ.
فنقول: اختلف الناس في ماهيّة الكلام، فالّذي عليه المحقّقون من المعتزلة والأوائل: أنّ الكلام عبارة عن الحروف والأصوات،1 وليس جنساً متميّزاً في ذاته، ولا حقيقة مغايرة لهذا العبارات والأصوات الدالّة على المعاني .

1 . انظر المعتمد في أُصول الفقه: 1 / 9 ـ 10 .

صفحه 358
وذهبت الأشاعرة إلى أنّ الكلام معنى قائم في النفس وجنس حقيقيّ، ومغاير للحروف والأصوات، تدلّ عليه هذه العبارات والرقوم والكتبة، وما عداها من العلامات1.
واختلف قول أبي الحسن الأشعري في هذه الأصوات والعبارات، والظاهر من قوليه: أنّ الكلام يطلق عليها بنوع من المجاز، كما يسمّى علوماً باعتبار دلالتها عليها .
وذكر في جواب المسائل البصرية: أنّها كلامٌ حقيقةً، وكذا كلام النفس .
فعنده أنّ كلام النفس معنى وجنس وحقيقة، كالعلم والقدرة و غيرهما، وأنّ ذلك المعنى مغايرٌ للحروف والأصوات، ومغايرٌ لتصوّرها، ومغايرٌ أيضاً لإرادة ما دلّت الأصوات عليه والعلم به.
ويذهب أيضاً إلى أنّه في حقّ الله تعالى قديمٌ، وأنّه واحدٌ، ليس أمراً ولا نهياً، ولا خبراً ولا غير ذلك من أساليب الكلام .
وهذه الدّعاوي كلّها مع غرابتها عن برهان غير متصوّرة، والبحث في ذلك قد ذكرناه في كتبنا الكلاميّة.
في حقيقة الأمر   

المبحث الثاني: في حقيقة الأمر

اتّفق الناس على أنّه حقيقة في القول المخصوص، واختلفوا في كونه حقيقة في غيره .

1 . لاحظ المنخول من تعليقات الأُصول، تأليف أبي حامد الغزالي: 163 .

صفحه 359
فقال البغداديوّن: إنّه مشتركٌ بين القول المخصوص والأدلّة الفعلّية1على وجوب الأفعال .
وقال آخرون: إنّه حقيقة في القول والفعل على سبيل الاشتراك اللّفظي.
واختاره السيّد المرتضى2 وجماعة من الفقهاء .
وقال أبوالحسين البصري: إنّه مشترك بين القول المخصوص، وبين الشيء، وبين الصّفة، وبين الشأن، والطريق، وزعم أنّه ليس حقيقةً في الفعل من حيث إنّه فعل، بل من حيث هو شأن .3
والحق أنّه حقيقة في القول المخصوص ومجاز فيما عداه .
لنا: أنّه قد ثبت أنّه حقيقةً في القول المخصوص، فلو كان حقيقةً في غيره لزم الاشتراك، وهو على خلاف الأصل.
لا يقال: إنّه مستعمل في غيره، ولو لم يكن حقيقة لزم المجاز، وهو على خلاف الأصل أيضاً.
لأنّا نقول: قد بيّنا أولويّة المجاز على الاشتراك إذا تعارضا .

1 . وفي أكثر النسخ مكان «الفعليّة» «العقليّة» والأصوب ما في المتن حاصله: ان لفظ «الأمر» لا صيغة الأمر مشترك بين القول المخصوص «افْعَلْ» والفعل الدالّ على الوجوب كفعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وغيره ويؤيّد ذلك انّه نسب محمد بن أحمد السمرقندي هذا القول في ميزان الأُصول ص 81 إلى بعض أصحاب الشافعي ثمّ قال «وفائدة الخلاف تظهر في أفعال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هل هي موجبة مثل أوامره »؟.
2 . الذريعة: 1 / 27 .
3 . انظر المعتمد: 1 / 39 .

صفحه 360
واحتجّ السيد المرتضى1 باستعماله تارة في القول المخصوص، وهو وفاق، وأُخرى في الفعل، فإنّهم يقولون: أمرُ فلان مستقيمٌ وغير مستقيم، ويريدون طرائقه وأفعاله دون أقواله.
ويقولون: هذا أمر عظيم، كما يقولون: خَطْبٌ عظيم، ورأيت من فلان أمراً أهالني .
وقالت الزّباء2:
لأمر مّا جدع قصير أنفه .
وقال الشاعر3:
..............................         لأمر مّا يُسَوَّدُ من يسود
وفي الكتاب العزيز (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا)4ويريد به الأهوال والعجائب الّتي فعلها الله تعالى، وخرق بها العادة .
وقوله تعالى: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ)(5) وأراد الفعل.
وقوله: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد)5.

1 . الذريعة إلى علم الأُصول: 1 / 27 ـ 28 .
2 . الزّباء ملكة اسمها نائلة وقيل: فارعة وقيل: ميسون، وكانت زرقاء. انظر خزانة الأدب: 8 / 277 و 7 / 272 وقد شرح قصّة المثل فلاحظ مجمع الأمثال للميداني: 2 / 196، الرقم 3367 .
3 . هو أنس بن مدرك (مدركة) الخثعمي، وصدره:
عزمت على إقامة ذي صباح *** لأمر مّا يُسَوَّدُ من يسود
انظر خزانة الأدب: 3 / 86 ـ 87 ، ومجمع الأمثال للميداني: 2 / 196، الرقم 3366 .
4 . هود: 40 .         5 . هود: 73 .
5 . هود: 97 .

صفحه 361
] وقوله:[(وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْح بِالْبَصَرِ)1 .
] وقوله:[(تَجْري فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ)(2).
] وقوله:[(مُسَخَّرَات بِأَمْرِه)2.
والأصل في الإطلاق الحقيقة، على ما تقدّم .
وأيضاً فإنّه قد جمع الأمر القولي على أوامر، والفعليّ على أُمور، والاشتقاق دليلٌ الحقيقة .
وأيضاً لو كان3 مجازاً لم يكن بالزّيادة ولا بالنّقصان، وليس بين القول والفعل شبه حتّى يكون بالنّقل .
والجواب لا نسلّم أنّ الإطلاق دليل الحقيقة، فإنّهُ قد يوجد في المجاز .
نعم الأصل في الإطلاق الحقيقة، ويعارضه أصالة عدم الاشتراك، وقد بيّنا رجحان المجاز على الاشتراك.
سلّمنا لكن لا يجوز أن يكون المراد في تلك الأمثلة الشأن والطريق .
وقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا)4 يحتمل إرادة القول أو الشأن، والفعل يطلق عليه ] اسم[ الأمر، لعموم كونه شأناً، لا لخصوص كونه فعلاً وكذا الثانية .5

1 . القمر: 50 .         2 . الحجّ: 65 .
2 . الأعراف: 54 .
3 . أي لو كان اسم الأمر في الفعل...
4 . هود: 40 .
5 . أي وكذا الجواب عن الآية الثانيّة.

صفحه 362
وقوله:(وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد)1يحتمل القول، بل هو الظاهر، لسبق (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ)(2) أي أطاعوه فيما أمرهم .
سلّمنا، لكن جاز أن يكون المرادُ شأنَهُ وطريقَهُ .
وقوله: (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ)(3) لا يجوز إجراؤُهُ على ظاهره، وهو الفعل، وإلاّ لزم أن يكون فعل الله واحداً، وهو باطل، وأن يحدث كلّه كلمح البصر في السرعة، ومعلومٌ أنّه ليس كذلك.
وإذا وجب صرفه عن الظاهر، حمل على أنّه إذا أراد شيئاً وقع كلمح البصر.
وقوله (مُسَخَّرَات بِأَمْرِه)2 لا يحمل الأمر هنا على الفعل، إذ الجري والتسخير إنّما حصلا بقدرته، لا بفعله، فيحمل على الشأن والطريق .
والأُمور جاز أن تكون جمعاً للأمر بمعنى الشأن، لا بمعنى الفعل.
سلّمنا، لكن الجمع لا يدلّ على الحقيقة، كما يجمع الحمار بمعنى البليد، ويجمع بمعنى الحقيقة بلفظ واحد.
على أنّ ابن الحاجب كان يقول: لا يوجد فى لسان العرب «أوامر» في جمع الأمر، بل جمع الأمر الواقع على الفعل والقول أُمور. وأوامر جمع آمرة، وكان يقول: إنّ هذا شيءٌ يذكره الفقهاء3.

1 . هود: 97 .         2 . هود: 97 .         3 . القمر: 50 .
2 . الأعراف: 54 .
3 . قال أبوالحسين المعتزلي في المعتمد: قد حكي عن أهل اللغة: أنّ الأمر لا يجمع «أوامر» لا في القول ولا في الفعل، وأنّ «أوامر» جمع «آمرة» المعتمد: 1 / 41 ـ 42 .

صفحه 363
وأجاب أبو الحسين عن الأخير بأنّه لا يطلق اسم الأمر على الفعل
لا حقيقةً ولا مجازاً من حيث هو فعل، وإنّما يقال1 حقيقةً على جملة الشأن2.
ونقل عن أصحابه جوابين:
الأوّل: أنّه يقع على الفعل مجازاً من حيث الزيادة المعنويّة، لأنّ جملة أفعال الإنسان، لمّا دخل فيها القولُ، سمّيت الجملة باسم جزئها.
الثاني: الأفعال تشبه الأوامر في أنّ كلّ واحدمنهما يدلّ على سداد أغراض الإنسان، ولا يلزم تسمية النّهي والخبر أمراً، لعدم اطِّراد المجاز .
واعترضهما بأنّه يقال: أمر فلان في تجارته أو في صحّته مستقيم، ولا يدخل في ذلك أمرُه الَّذي هو القول .
واللّفظ إنّما وقع عليه اسم الأمر من حيث كان نعتاً مخصوصاً على الفعل، وكان يجب أن يقع الشّبه بينه وبين الفعل من هذه الجهة وإن لم يشتبها في فائدة الاسم من كل وجه، وكان يجب. أن يكون المتلفّظ باسم الأمر، إذا عنى به الفعل، أن يعني به ما ذكروه من الشَّبه، ومعلومٌ عدمُ خطور ذلك بباله، ولهذا إنّما يجوز التسمية بالأسد للشَّبه في الشجاعة الّتي هي معظم فائدة قولنا أسد، ومن يسمّي الشّجاعَ أسداً يعني به شجاعته .3
ثمّ احتجّ أبو الحسين على مذهبه باشتباه الأمر على السّامع بين تلك

1 . كذا في النسخ التي بأيدينا ولكن في المصدر «يقع حقيقة».
2 . أي في جملة شأن الإنسان وأحواله وأفعاله وغير أفعاله. كذا في المصدر .
3 . المعتمد: 1 / 42 .

صفحه 364
المعاني، فإنّ من قال: «هذا أمر»، لم يعلم السّامع أيَّ تلك أراد، فإن قال: هذا أمر بالفعل، علم القول .
ولو قال: أمره مستقيمٌ، عقل الشان .
ولو قال: تحرّك الجسم لأمر، علم أنّه تحرّك لشيء .
ولو قال: