welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 5*
تألیف :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ ج 5

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
الحجّ
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 4

صفحه 5
الحجّ
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء الرابع
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 6
هوية الكتاب
اسم الكتاب: الحجّ في الشريعة الإسلامية الغراء
المؤلف: آية الله جعفر السبحاني
الجزء: الخامس
الطبعة: الأُولى
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ: 1427 هـ . ق / 1385 هـ . ش
الكمية: 2000 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم: ساحة الشهداء
هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331

صفحه 7
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة: 122

صفحه 8

صفحه 9
الفصل العشرون
في واجبات منى

صفحه 10

صفحه 11

الفصل العشرون

في واجبات منى

وهي ثلاثة:
الأوّل: رمي جمرة العقبة بالحصى، والمعتبر صدق عنوانها، فلا يصحّ بالرمل ولا بالحجارة ولا بالخزف ونحوها، ويشترط فيها أن تكون من الحرم، فلا تجزي من خارجه، وأن تكون بكراً لم يرم بها ولو في السنين السابقة، وأن تكون مباحة، فلا يجوز بالمغصوب ولا بما حازها غيره بغير إذنه، ويستحبّ أن تكون من المشعر.*
* في المسألة فرعان:
الأوّل: رمي جمرة العقبة بالحصى واجب ولابدّ من صدق عنوان«الحصى».
الثاني: يشترط في الحصى أُمور:
1. أن تكون ملتقطة من الحرم لا من خارجه.
2. أن تكون أبكاراً لم يرم بها ولو في السنين السابقة.
3. أن تكون مباحة فلا يصحّ بالمغصوب، ولا بما حازه غيره بدون إذنه.
وأخيراً يستحب أن تكون من المشعر.

صفحه 12
وقبل دراسة فروع المسألة نقول:
«منى» كـ«إلى» موضع بمكة، سمّيت به لما يُمنى بها من الدماء. وقال ابن عباس: لأنّ جبرئيل(عليه السلام)لمّا أراد أن يفارق آدم(عليه السلام)قال له:تمنّ، قال: أتمنّى الجنة، فسمّيت به لأُمنية آدم(عليه السلام).1
وأمّا مناسكها يوم النحر فثلاثة على الترتيب التالي:
1. رمي جمرة العقبة، 2. الذبح، 3. الحلق.
ولفظ جمرة العقبة مركّب من لفظين:
1. الجمرة، 2. العقبة.
وإليك توضيحهما.
يستفاد من المعاجم أنّ للفظة «جمرة» معان أربعة:
1. الجمرة: الاجتماع أو اجتماع القبيلة الواحدة.
2. الجمرة: الجمار الصغار.
3. الجمرة من الجمار بمعنى الابتعاد بسرعة، لأنّ آدم(عليه السلام)حين وجد إبليس في ذلك المكان رماه بالحصى فابتعد الشيطان بسرعة.
4. الجمرة: قِطَع ملتهبة من النار.
قال ابن الأثير: الاستجمار: التمسّح بالجمار وهي الأحجار الصغار، ومنه سُمّيت جمارُ الحج، للحصى الّتي يُرمى بها، وأمّا موضع الجمار بمنى فسمّي جمرة لأنّها تُرمى بالجمار، وقيل: لأنّها مجمع الحصى، الّتي يرمى بها.2
وحاصل كلامه: أنّ الجمار هي الحصى الصغار.

1 . القاموس:4/394; و علل الشرائع:2/435.
2 . النهاية:1/292، «مادة جمر».

صفحه 13
وأمّا تسمية المحل بالجمرة فلأحد وجهين:
إمّا لأنّها ترمى بالجمار، أي تسمية المحل باسم الحال. أو لأنّها مجمع الحصى الّتي ترمى بها. وعلى كلّ حال فالجمرة اسم المحل إمّا لأنّها ترمى بالجمار، أو لأنّها محلّ اجتماع الجمار.
هذا كلّه حول الجمرة.
وأمّا العقبة: فالعقبة ـ بالتحريك ـ مرقى صعب من الجبال ، يجمع على عقاب، كرقبة ورقاب، ومنه: عقبة كؤودة.1
إذا عرفت ذلك فلنشرع بدراسة فروع المسألة:
الفرع الأوّل: رمي الجمرة حكماً وموضوعاً
هذا الفرع يشتمل على أمرين:
1. وجوب الرمي.
2. كون الرمي بالحصى.
أمّا الأوّل فلا شكّ في وجوب الرمي يوم النحر، ولم ينقل عن أحد خلاف في ذلك. قال العلاّمة: لا نعلم خلافاً في وجوب رمي جمرة العقبة، لأنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)رماها وقال: خذوا عنّي مناسككم.2
وقال في «المنتهى»: إنّ رمي هذه الجمرة يوم النحر واجب إلى آخر ما ذكره في التذكرة.
وهذه الك3لمات تكشف عن اتّفاق المسلمين على وجوبه.

1 . مجمع البحرين:3/214، مادة «عقب».
2 . التذكرة:8/214.
3 . المنتهى:11/113.

صفحه 14
وقال في «المدارك»: أمّا وجوب رمي جمرة العقبة في يوم النحر، فقال العلاّمة في التذكرة والمنتهى: إنّه لا يعلم فيه خلافاً. ثمّ قال في المنتهى: وقد يوجد في بعض العبارات أنّه سنّة وذلك في بعض أحاديث الأئمّة(عليهم السلام)، وفي لفظ الشيخ في الجمل والعقود.1 وهو محمول على الثابت بالسنّة لا أنّه مستحب. وسيوافيك توضيحه.
أمّا الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فما يدلّ على الوجوب كثير، نكتفي بما يلي:
1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «خذ حصى الجمار ثمّ ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فأرمها من قِبل وجهها، ولا ترمها من أعلاها».2
فقوله:«فأرمها من قبل وجهها» أن يكون مستدبراً للقبلة ومستقبلاً للجمرة، بخلاف ما إذا رماها من أعلاها يكون على العكس. وجميع أفعال الحجّ يُستحب أن يكون مستقبل القبلة من الوقوف بالموقفين ورمي الجمار إلاّ رمي جمرة العقبة يوم النحر فحسب.3
2. ما رواه أبو بصير: قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الّذي ينبغي له أن يرمي بليل، مَن هو؟ قال:«الحاطبة والمملوك الّذي لا يملك من أمره شيئاً، والخائف والمَدين والمريض الّذي لا يستطيع أن يرمي، يُحمَل إلى الجمار، فإن قدر على أن يرمي وإلاّ فارم عنه وهو حاضر».4 فإنّ الأمر بحمل المريض إلى الجمار

1 . مدارك الأحكام:8/6. لاحظ الجمل والعقود، كتاب الحج الفصل التاسع في نزول منى.
2 . الوسائل:10، الباب3 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.
3 . السرائر:1/591.
4 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث7.

صفحه 15
حتّى يرمي بنفسه أو يرمى عنه، آية الوجوب.
3. ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل أفاض من جَمْع حتّى انتهى إلى «منى» فعرض له عارض فلم يرم حتّى غابت الشمس؟ قال (عليه السلام):«يرمي إذا أصبح مرتين: مرّة لما فاته، و الأُخرى ليومه الّذي يُصبح فيه».1 والحديث ظاهر في وجوب رمي جمرة العقبة في كلا اليومين.
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على الوجوب مثل ما دلّ على النيابة عن عدّة طوائف، كالكبير والمبطون والصبي والمريض.2
وأمّا ما دلّ على أنّه سنّة فمعناه أنّ وجوبه عُلم بفعل النبي في مقابل ما علم وجوبه بالكتاب العزيز.
ففي رواية معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: رجل نسي السعي بين الصفا والمروة؟ قال(عليه السلام): «يعيد السعي» قلت: فاته ذلك حتى خرج؟ قال:«يرجع فيعيد السعي، إنّ هذا ليس كرمي الجمار إنّ الرمي سنّة والسعي بين الصفا والمروة فريضة».3 فالحديث إشارة إلى فرض اللّه وفرض النبي.
ويشهد على ما ذكرنا ما رواه الصدوق عن الصادق(عليه السلام)قال:«الوقوف بعرفة سنّة، وبالمشعر فريضة، وما سوى ذلك من المناسك سنّة».4 ومن المعلوم أنّ الوقوف بعرفة واجب. كما أنّ سائر المناسك كذلك.
قال ابن إدريس: لا خلاف بين أصحابك في كونه واجباً، ولا أظن أحداً

1 . الوسائل:10، الباب15 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1 . ولاحظ الحديث3.
2 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب رمي جمرة العقبة.
3 . الوسائل:9، الباب8 من أبواب السعي، الحديث1.
4 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث3. وقد بسط ابن إدريس الكلام في المقام. لاحظ: السرائر:1/606.

صفحه 16
من المسلمين يخالف في ذلك، وقد يشتبه على بعض أصحابنا1 ويعتقد أنّه مسنون غير واجب. قال شيخنا أبو جعفر الطوسي في الجمل والعقود: والرمي مسنون. أراد بذلك أنّ فرضه عرف من جانب السنّة وليعلم: أنّ للسنّة إطلاقات:
1. يطلق على المستحبّ الّذي ثبت التداوم عليه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في مقابل المندوب. وهذا المصطلح لأهل السنّة في علوم الحديث.
2. يطلق على المستحب في مقابل الفريضة، وهذا هو مصطلح علمائنا.
3. يطلق في ما ثبت بفعل النبي في مقابل ما ثبت بالكتاب كما في المقام.2 هذا كلّه يتعلّق بالحكم، وأمّا الموضوع فهو حصى الجمار فيقع الكلام في المراد من الحصى.

رمي الجمرة موضوعاً

إنّ الموضوع لوجوب الرمي هو الحصى وهي جمع «الحصاة» بمعنى صغار الحجارة، وعليه يجب أن يكون حجراً أوّلاً، وصغاراً ثانياً، خلافاً لأبي حنيفة فقد جوّز الرمي بكلّ ما كان من نفس الأرض حتّى الطين والمدر، وخلافاً للظاهرية فقد جوّزوا بما كان من غير الأرض كالخرق والعصافير.3
وعلى كلّ تقدير فقد صرّح بوجوب كون المرمى به حصى، الشيخ في النهاية4 والمبسوط5والجمل والعقود ضمن الرسائل العشر.6

1 . لعلّه أراد صاحب الوسيلة الذي قال: إنّ الرمي واجب عند أبي يعلى، مندوب إليه عند الشيخ أبي جعفر (الوسيلة :180) ولاحظ: المراسم لأبي يعلى المعروف بسلاّر:105.
2 . السرائر:1/606.
3 . الخلاف:2/342.
4 . النهاية:253.
5 . المبسوط:1/369.
6 . الرسائل العشر:234 و 249.

صفحه 17
وأمّا المحقّق فقد قال عند البحث عن الوقوف في المشعر: إذا ورد المشعر استحب له التقاط الحصى منه... إلى أن قال: ويجب فيه شروط ثلاثة... أن يكون ممّا يسمّى حجراً.1
والظاهر أنّه في مقام الاحتراز عن غير الحجر كالجواهر والكحل والزرنيخ والعقيق إذا وجدت في الحرم لا في مقابل كونه صغيراً، وبقرينة أنّه قال في أوّل البحث:«يستحب له التقاط الحصى» منه، فهو دليل على أنّ المختار عنده هو الحصاة.
هذه هي كلمات الأعلام ويدلّ عليه الروايات المتضافرة حول لزوم أخذ الحصى من الحرم حيث يظهر منها أنّ لزوم المرميّ جماراً، كان أمراً مسلماً بين الإمام والراوي. ولذا كان محور السؤال والجواب، تحديد مكانها، وإليك بعضها:
1.صحيح زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«حصى الجمار إن أخذته من الحرم أجزأك وإن أخذته من غير الحرم لم يجزئك». قال و قال: «لا ترم الجمار الا بالحصى».2
2. صحيح حنان بن سدير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«يجوز أخذ حصى الجمار من جميع الحرم إلاّ من المسجد الحرام ومسجد الخيف».3

كيفية الرمي

أمّا كيفية الرمي فالظاهر كفاية مطلق الرمي، لتضافر الإطلاقات عليها.

1 . شرائع الإسلام:1/257.
2 . الوسائل:10، الباب19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.
3 . الوسائل:10، الباب19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2. ولاحظ الحديث3 و 4 ومارواه في الباب5 من أبواب رمي جمرة العقبة وكيفية الاستدلال في الجميع واحد.

صفحه 18
نعم ورد في رواية البزنطي، عن أبي الحسن(عليه السلام)قال:«حصى الجمار تكون مثل الأنملة ـ إلى أن قال: ـ تخذفهن خذفاً وتضعها على الإبهام وتدفعها بظفر السبابة. قال: وارمها من بطن الوادي واجعلهن على يمينك كلّهن».1 واشتمال الرواية على المستحبات يُضعّف ظهورها في الوجوب، أضف إلى ذلك أنّ تضافر الإطلاقات، يمنع عن تقييدها برواية واحدة.
وممّا يدلّ على استحبابه، ما دلّ على استحباب انفصال الرامي عن الجمرة قدر عشرة أو خمسة عشر ذراعاً،2 ومن المعلوم أنّ كثيراً من الناس، خصوصاً عند الزحام لا يتمكّنون من رمي الجمرة بالنحو المذكور مع حفظ الفاصل المكاني المذكور فلابدّ أن يحمل على الاستحباب.

الفرع الثاني: في شروطها

1. التقاطه من الحرم ولا يكفي التقاطه من الخارج قال العلامة: يجب أن يكون الحصى من الحرم، فلا يجزئه لو أخذه من غيره.3
روى زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«حصى الجمار: إن أخذته من الحرم أجزأك، وإن أخذته من غير الحرم لم يجزئك».4 ولا فرق بين المشعر وغيره لما رواه حريز، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته من أين ينبغي أخذ حصى الجمار؟ قال(عليه السلام): »لا تأخذ من موضعين: من خارج الحرم، ومن حصى الجمار، ولا بأس بأخذه من

1 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.
2 . لاحظ الوسائل:10، الباب3 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.
3 . التذكرة:8/217.
4 . الوسائل:10، الباب19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث1.

صفحه 19
سائر الحرم».1
2. يشترط كونها أبكاراً. قال المحقّق: ويشترط فيه شروط ثلاثة; إلى أن قال: وأبكاراً.2
والمراد بها أن تكون غير مرمي بها رمياً صحيحاً كما في الروضة.3
ويدلّ عليه: مرسلة حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته من أين ينبغي أخذ حصى الجمار؟ قال:«لا تأخذ من موضعين: من خارج الحرم، ومن حصى الجمار، ولا بأس بأخذه من سائر الحرم».4
والنهي في المقام لبيان الشرطية.
ويدلّ عليه أيضاً خبر عبد الأعلى، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)ـ في حديث ـ قال:«لا تأخذ من حصى الجمار».5
وفي الوسائل: ورواه الصدوق مرسلاً إلاّ أنّه قال:«لا تأخذ من حصى الجمار الّذي قد رُمي».
نعم المراد ما رمي به رمياً صحيحاً شرعياً، لا ما إذا رمي به بصورة غير شرعية فهي في حكم الأبكار.
والروايات وإن كانت غير نقية السند، لكن لا محيص من القول بجبر الضعف بعمل الأصحاب وإلاّ فيكون الحكم مبنيّاً على الاحتياط.

1 . الوسائل:10، الباب19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث3.
2 . شرائع الإسلام:1/257.
3 . الروضة البهية:2/284.
4 . الوسائل:10، الباب19 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث3. والباب5 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.
5 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث2.

صفحه 20
المسألة1. وقت الرمي من طلوع الشمس من يوم العيد إلى غروبه، ولو نسي جاز إلى اليوم الثالث عشر، ولو لم يتذكر إلى بعده فالأحوط الرمي من قابل ولو بالاستنابة.*
3. أن تكون مباحة، فلا يصحّ بالمغصوب، ولا بما حازه غيره بغير إذنه لعدم تمشّي قصد القربة برمي المغصوب، أضف إلى ذلك انصراف الأدلّة عنه.
* في المسألة فرعان:
1. وقت رمي جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى غروبها.
2. لو نسي وجب عليه القضاء إلى اليوم الثالث عشر.
3. ولو لم يتذكر إلى اليوم الثالث عشر قضاه من قابل مباشرة أو بالاستنابة.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: تحديد وقت الرمي بداية ونهاية

إنّ الفقهاء عنونوا هذه المسألة فيما يأتي من باب رمي

صفحه 21
الجمرات الثلاث; مثلاً قال المحقّق في الفصل الخاص بالأحكام المتعلّقة بمنى بعد العود من مكة: ويجب أن يرمي كلّ يوم من أيام التشريق(الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) الجمار الثلاث... إلى أن قال: ووقت الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها، ولا يجوز أن يرمي ليلاً إلاّ لعذر.1
وقد تبع صاحبَ الشرائع شُراحه وغيرهم فعنونوا المسألة في باب رمي الجمرات الثلاث، كما في المسالك2 والمدارك3 والجواهر4 والمستند5 ، غير أنّ بعضهم عنون المسألة في كلا المقامين كالمحقّق الخوئي فقد خصّ وقت الرمي لجمرة العقبة بالعنوان إجمالاً وأحال التفصيل إلى المقام الثاني.6والمصنّف عنون المسألة في المقام وفيما يأتي من باب «رمي الجمرات الثلاث» المسألة الثالثة، وعلى كلّ تقدير فالمشهور أنّ وقت رمي جمرة العقبة للمختار ما بين طلوع الشمس إلى غروبها. وإليك بعض الكلمات.
قال العلاّمة: «يجوز الرمي من طلوع الشمس إلى غروبها». وكلامه هذا ناظر إلى رمي الجمرة يوم النحر بشهادة أنّه قال ـ بعد هذه الجملة ـ :وقال جابر: رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده... إلى أن قال فيمن رُخِّص له التقديم: إنّ النبي أمر أُمّ سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثمّ مضت.7
وقد عبّر في «المنتهى»8 بما يقرب ممّا ذكر في «التذكرة».
وقال الشهيد: وخامسها وقوع الرمي في وقته، وهو منذ طلوع الشمس إلى غروبها، فلو رمى ليلة النحر أو قبل طلوع الشمس لم يجز إلاّ لضرورة كالمريض والمرأة والخائف والعبد.9

1 . الشرائع:1/275.
2 . المسالك:2/367.
3 . المدارك:8/230.
4 . الجواهر:20/17.
5 . مستند الشيعة:13/56.
6 . المعتمد:5/191 و 412.
7 . التذكرة:8/228.
8 . منتهى المطلب:11/35.
9 . الدروس:1/429.

صفحه 22
إلى غير ذلك من الكلمات.
نعم يظهر الخلاف من المشايخ الثلاثة: كالشيخ وابن زهرة والعلاّمة في التحرير، فقد جوّزوا رمي جمرة العقبة عند طلوع الفجر مع الاختيار.
1. قال في «الخلاف»: وقت الاستحباب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر بلا خلاف، ووقت الإجزاء من عند طلوع الفجر مع الاختيار. فإن رمى قبل ذلك لم يجزه، وللعليل ولصاحب الضرورة والنساء يجوز الرمي بالليل.1
2. وقال ابن زهرة في «الغنية»: وقت الاستحباب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر بلا خلاف، ووقت الإجزاء من طلوع الفجر مع الاختيار. فمن رمى قبل ذلك لم يجز إلاّ أن يكون هناك ضرورة على ما قدمناه.2
3. وقال العلاّمة في «التحرير»: وقت الرمي من طلوع الشمس إلى غروبها، فإذا غربت فات الرمي وقضاه في الغد... ويجوز تأخير رمي جمرة العقبة إلى قبل الغروب بمقدار أداء المناسك ووقت الاستحباب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر، ووقت الإجزاء من طلوع الفجر اختياراً، فإن رمى قبل ذلك لم يجزئه.3
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة الروايات فهي بين مطلقة تعمّ رمي جمرة العقبة وغيرها وهي أكثرها، وخاصة بها، وكلّها تدلّ على أنّ وقت الرمي ما بين طلوع الشمس وغروبها، وبما أنّا سنذكر الروايات عند البحث عن وقت رمي

1 . الخلاف:2/344.
2 . غنية النزوع:1/188.
3 . تحرير الأحكام:1/618، المسألة رقم 2117.

صفحه 23
الجمار الثلاث نقتصر في المقام بذكر روايتين: إحداهما مطلقة، والأُخرى خاصة برمي جمرة العقبة.
1. صحيح صفوان بن مهران قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«ارم الجمار ما بين طلوع الشمس إلى غروبها».1 وإطلاقه يعمّ رمي الجمرة أيضاً.
2. صحيح إسماعيل بن همّام ـ الّذي يقول في حقّه النجاشي: ثقة هو وأبوه وجدّه ـ قال: سمعت أباالحسن الرضا(عليه السلام) يقول:«لا ترم الجمرة يوم النحر حتّى تطلع الشمس».2
وأمّا في صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«ارم في كلّ يوم عند زوال الشمس، وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة».3 فمحمول على الاستحباب بقرينة استحباب الدعاء الوارد فيه، وإلاّ فلم يذهب إليه أحد من الأصحاب فيكون معرضاً عنها.
وحصيلة الكلام: أنّه لا خلاف في وقت رمي جمرة العقبة إلاّ في أوّله فالمشهور أنّ مبدأه هو طلوع الشمس، خلافاً لما عرفت من أنّ مبدأه هو طلوع الفجر. وأمّا وقت رمي سائر الجمار فسيوافيك في محلّه.

الفرع الثاني: إذا نسي الرمي وجب القضاء

إذا نسي رمي جمرة العقبة يوم النحر إلى غروب الشمس يجب عليه القضاء بلا خلاف في أصل القضاء، ولو كان هنا خلاف فإنّما هو في المدّة، التي ينتهي فيها وقت القضاء. وسيوافيك توضيح الأقوال فيها:

1 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث7.
3 . الوسائل:10، الباب12 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.

صفحه 24
ويدلّ عليه صحيح عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل أفاض من جَمْع حتّى انتهى إلى منى فعرض له عارض فلم يرم حتّى غابت الشمس؟ قال:«يرمي إذا أصبح مرتين: مرة لما فاته، والأُخرى ليومه الّذي يصبح فيه، وليُفرّق بينهما يكون أحدهما بُكْرة وهي للأمس، والأُخرى عند زوال الشمس».1
وظهوره في وجوب القضاء واضح، ويدلّ ـ مضافاً إليه ـ على أمرين آخرين:
1. وجوب الترتيب بتقديم القضاء على الأداء.
2. كون القضاء بكرة والأداء عند زوال الشمس.
ومقتضى القاعدة لزوم الأخذ بكليهما إلاّ إذا دلّ الدليل على عدم الوجوب كما هو الحال في الأمر الثاني ويبقى الأوّل على ظاهره. ولو خالف الترتيب فقدم الأداء على القضاء عالماً يبطل للصحيح لا جهلاً ولا نسياناً للصحيح الّذي رواه المشايخ الثلاثة بسند صحيح عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق قال:«لا ينبغي إلاّ أن يكون ناسياً» ثمّ قال:»إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أتاه أُناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول اللّه إنّي حلقتُ قبل أن أذبح، وقال بعضهم: حلقتُ قبل أن أرمي، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخّروه إلاّ قدّموه. فقال:لا حرج».2
ورواه الصدوق باسناده عن ابن أبي عمير مثله إلاّ أنّه قال:»فلم يتركوا شيئاً

1 . الوسائل:10، الباب15 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1. وقد رواه الكليني والصدوق باختلاف يسير في المعنى.
2 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث4.

صفحه 25
كان ينبغي لهم أن يقدّموه إلاّ أخّروه، ولا شيئاً كان ينبغي لهم أن يؤخّروه إلاّ قدّموه فقال: لا حرج».
ويؤيّده ما روي عن البزنطي1 وصدره وإن كان في مورد النسيان لكن لا نحتمل أنّ جميع هذه الموارد الّتي يقع فيها التقديم والتأخير صدر عن نسيان، بل يعمّ ما إذا صدر عن جهل، بل الغالب هو الجهل.2
وحاصل الضابطة إذا جهل أو نسي، فأخّر ما تقدّم أو بالعكس صحّ عمله.

الفرع الثالث: في تحديد وقت القضاء

هذه المسألة ممّا اختلفت فيها كلمات الأصحاب بعد اتّفاقهم على وجوب قضاء الرمي على وجه الإجمال، الظاهر أنّ للأصحاب أقوالاً ثلاثة في تحديد الميزان في وجوب القضاء.

القول الأوّل:

يظهر من الشيخ في «النهاية» أنّ الميزان في وجوب الرجوع وعدمه هو تواجده في مكّة ـ و بطريق أولى في منى ـ و خروجه من مكة. فعلى الأوّل يجب عليه الرمي مطلقاً، سواء أبقي وقت الرمي (أيّام التشريق الثلاثة: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) أم لا، وعلى الثاني لا يجب حتّى لو بقي زمان الرمي. وما ذكرناه مقتضى إطلاق كلامه; قال:ومن نسي رمي الجمار إلى أن أتى مكّة عاد

1 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث6.
2 . شرح المناسك:230.

صفحه 26
إلى منى ورماها وليس عليه شيء. فإن لم يذكر إلى أن يخرج من مكّة لم يكن عليه شيء; إلاّ أنّه إن حجّ في العام المقبل، أعاد ما كان قد فاته من رمي الجمار.1
وهذا هو أيضاً خيرة المحقّق الخوئي; قال: إنّ مقتضى إطلاق صحيحة معاوية بن عمار لزوم الرجوع والرمي متى تذكر ولو كان بعد أيام التشريق.
والظاهر أنّه يوافق الشيخ في القسم الأوّل، أعني: وجوب الرجوع مادام باقياً في مكّة ولو بعد أيام التشريق.2
وأمّا في القسم الثاني فالقول بعدم وجوب الرجوع مطلقاً ولو بقي زمان الرمي فلا يظهر من كلامه.
بل يمكن حمل كلام الشيخ في هذا القسم، أي قوله:«إلى أن يخرج من مكّة لم يكن عليه شيء» على ما إذا مضى وقت الرمي.

القول الثاني:

إذا كان في مكّة يجب عليه العود إلى منى مطلقاً، سواء أخرج وقت الرمي أو لم يخرج.
وأمّا إذا خرج من مكة فيجب الرجوع إذا بقي وقت الرمي لا مطلقاً.
وهو خيرة المحقّق فهو يوافق الشيخ في القسم الأوّل أي تواجده في مكّة فيوجب القضاء مطلقاً، سواء أبقي وقت الرمي أم لا، ويخالف إطلاقه في القسم الثاني فلا يوجب الرجوع إلاّ إذا كان وقت الرمي باقياً. وإليك نص عبارته: ولو نسي رمي الجمار حتّى دخل مكّة رجع ورمى. وإن خرج من مكة لم يكن عليه شيء

1 . النهاية:267.
2 . شرح المناسك:230.

صفحه 27
إذا انقضى زمان الرمي.1 فالحكم في الشق الأوّل مطلق، ومقيد بعدم الانقضاء في الثاني.

القول الثالث:

ما يظهر من المصنّف في المتن وهو أنّ الميزان بقاء وقت الرمي وعدمه، فعلى الأوّل يرجع ويرمي من غير فرق بين كونه في منى أو مكة أو خروجه منها، وعلى الثاني لا يجب حتّى ولو كان في منى أو مكة أو في الطريق.
وبما أنّ مصدر هذه الأقوال هو الاستظهار من الروايات فاللازم دراستها فنقول: إنّ في مورد النسيان والجهل روايتين: إحداهما لمعاوية بن عمّار، والأُخرى لعمر بن يزيد.
أمّا الأُولى: فقد روى عنه الكليني تارة بواسطة فضالة بن أيّوب عن معاوية بن عمّار، وأُخرى عنه بواسطة ابن أبي عمير، ورواه الشيخ في التهذيب بواسطة ابن أبي عمير، وربّما يتصور أنّها روايات ثلاث، والظاهر أنّ المجموع رواية واحدة والاختلاف في المتن طفيف، غير أنّ السؤال في بعضها عمّن ترك الرمي جهلاً وبعضها الآخر عمّن ترك الرمي نسياناً، وإليك عامّة المتون:
1. روى الكليني بسنده عن فضالة بن أيوب، عن معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) : ما تقول في امرأة جهلت أن ترمي الجمار حتّى نفرت إلى مكّة؟ قال:«فلترجع فلترم الجمار كما كانت ترمي، والرجل كذلك».2
2. ما رواه الكليني عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد

1 . شرائع الإسلام:1/276.
2 . الوسائل:10، الباب3 من أبواب العود إلى منى، الحديث1.

صفحه 28
اللّه(عليه السلام) قال: قلت: رجل نسي الجمار حتّى أتى مكّة؟ قال:«يرجع فيرميها، يفصل بين كلّ رميتين بساعة». قلت: فاته ذلك وخرج؟ قال: «ليس عليه شيء».1
3. ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل نسي رمي الجمار؟ قال:«يرجع فيرميها» قلت: فإنّه نسيها حتّى أتى مكة، قال:«يرجع فيرمي متفرقاً يفصل بين كلّ رميتين بساعة» قلت: فإنّه نسي أو جهل حتّى فاته وخرج، قال: «ليس عليه أن يعيد».2
فإنّ مقتضى إطلاق هذه الرواية (بصورها الثلاث) هو لزوم الرجوع والرمي متى تذكّر، ولو كان بعد أيّام التشريق بشرط أن يكون في مكة، ولكن مقتضى الرواية التالية أنّ الناسي إنّما يرجع إذا كان وقت الرمي باقياً، لا ما إذا انقضى حتّى ولو كان متواجداً في مكّة. وإليك الرواية.
4. ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«من أغفل رمي الجمار أو بعضها حتّى تمضي أيّام التشريق فعليه أن يرميها من قابل، فإن لم يحج رمى عنه وليّه، فإن لم يكن له وليّ استعان برجل من المسلمين يرمي عنه، فإنّه لا يكون رمي الجمار إلاّ أيّام التشريق».3
يقع الكلام في موضعين:
1. تحديد وقت القضاء.
2. وجوب القضاء في العام القابل.

1 . الوسائل:10، الباب3 من أبواب العود إلى منى، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب3 من أبواب العود إلى منى، الحديث3.
3 . نفس المصدر، الحديث4.

صفحه 29
أمّا الأوّل فمن ذهب إلى أنّ الملاك هو التواجد في مكة سواء أبقي وقت الرمي أم لا، اعتمد على صحيحة معاوية بن عمار، ومن ذهب إلى بقاء وقت القضاء ـ يعني: أيّام التشريق ـ، اعتمد على الرواية الأخيرة.
قال في«المدارك»: وإطلاق هاتين الروايتين (يريد الرواية الأُولى والثانية) يقتضي وجوب الرجوع من مكّة والرمي وإن كان بعد انقضاء أيام التشريق، لكن صرّح الشيخ وغيره بأنّ الرجوع إنّما يجب مع بقاء أيام التشريق ومع خروجها يقضي في القابل. واستدلّ عليه في التهذيب بما رواه عن عمر بن يزيد; وفي طريقها محمد بن عمر بن يزيد ولم يرد فيه توثيق، بل ولا مدح يعتد به، ولعلّ ذلك هو السر في إطلاق المصنّف (المحقّق) وجوب الرجوع من مكة والرمي.1
يلاحظ عليه: بأنّ عمل المشهور يجبر ضعف الرواية، على أنّ لحن الرواية ومضمونها يشبه روايات أهل البيت(عليهم السلام)، فمن أنس برواياتهم يعرف ما صدر عنهم ويميّزه عمّا لم يصدر عنهم. على أنّ إيجاب الرمي بعد انقضاء زمانه أمر غريب يحتاج إلى تصريح، والإطلاق لا يكفي في رفع الغرابة.
وأمّا الثاني: فإنّ مقتضى رواية معاوية بن عمّار عدم وجوب شيء إذا تذكّر بعد خروجه من مكّة، حيث قال:«ليس عليه شيء» بخلاف الرواية الأخيرة ففيها وجوب الرمي بنفسه في السنة القادمة أو بنائبه.
ومن المعلوم أنّ ظهور الرواية الثانية أقوى من إطلاق قوله:«ليس عليه شيء»، فيحمل النفي على أنّه ليس عليه إثم ولا جناح. ولذلك احتاط المصنّف في المتن بوجوب الرمي من قابل ولو بالاستنابة.
ومع ذلك ففي إيجاب الاحتياط نظر، إذ في معاوية بن عمّار على ما رواه

1 . المدارك:8/237ـ 238.

صفحه 30
المسألة 2. يجب في رمي الجمار أُمور:
الأوّل: النيّة الخالصة للّه تعالى كسائر العبادات.
الثاني: إلقاؤها بما يسمّى رمياً، فلو وضعها بيده على المرمى لم يجز.
الثالث: أن يكون الإلقاء بيده، فلا يجزي لو كان برجله، والأحوط أن لا يكون المرمي ب آلة كالمقلاع وإن لا يبعد الجواز.
الرابع: وصول الحصاة إلى المرمى، فلا يحسب ما لاتصل.
الخامس: أن يكون وصولها برميه، فلو رمى ناقصاً فأتمّه حركة غيره من حيوان أو إنسان لم يجز، نعم لو رمى فأصابت حجراً أو نحوه وارتفعت منه ووصلت المرمى صحّ.
السادس: أن يكون العدد سبعة.
السابع: أن يتلاحق الحصيات، فلو رمى دفعة لا يحسب إلاّ واحدة ولو وصلت على المرمى متعاقبة، كما أنّه لو رماها متعاقبة صحّ وإن وصلت دفعة.*
الشيخ «ليس عليه أن يعيد» فهو صريح في عدم وجوب الإعادة، وعلى هذا يكون الاحتياط استحبابيّاً خلافاً لظاهر المتن.
* في المسألة فروع سبعة:
1. وجوب النيّة ، واكتفى المحقّق بها فقط فقال: فالواجب فيه النية.1 ومقصوده هو النيّة الخالصة للّه تعالى، لأنّ الرمي عمل قربي ويشترط في صحّة

1 . الشرائع:1/258.

صفحه 31
الأعمال القربية والعبادية، الإتيان بالفعل للّه سبحانه أو لامتثال أمره وإطاعته.
ويظهر من «المسالك» لزوم قصد الوجه، وتعيين نوع الحج، دون لزوم التعرّض للأداء والقضاء، وإن كان التعرّض لأحدهما أولى.1
ولكن المختار عندنا هو خلاف ما ذكره حيث لا يجب قصد الوجه ولا نوع الحج، ولكن لو وجب عليه الرمي قضاء وأداء وجب عليه تعيين أحدهما لعدم تعيّن أحدهما إلاّ بالنية، وكان السيد المحقّق البروجردي(قدس سره) يستظهر من الأوامر الّتي تعلّقت بعنوان خاص، لزومَ قصد ذلك العنوان، وكان يقول: إذا ورد مثلاً:«اقض ما فات» أو قريب من ذلك، فهو ظاهر في وجوب إتيان الفعل بهذا العنوان»، وأمّا عدم وجوب قصد الوجه، فلكونه من الأُمور الّتي تغفل عنها العامّة، ولو كان واجباً لاحتاج إلى النص، فمقتضى الإطلاق المقامي هو عدم وجوبه، وأمّا عدم وجوب تعيين نوع الحجّ عند الرمي، فلكفاية قصده عند الإحرام.
2. الإلقاء على وجه يصدق عليه الرمي، لقوله(عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمّار:«ثم إئت الجمرة القصوى الّتي عند العقبة فارمها».2
والموضوع هو الرمي وهو غير الوضع، وأمّا الطرح فإن كان مقروناً بشدة وقوة يصدق عليها الرمي فهو، وإلاّ لا يُجزي.
نعم ورد في خبر أبي نصر البزنطي: «تخذفهن خذفاً وتضعها على الإبهام وتدفعها بظفر السبابة».3

1 . المسالك:2/293.
2 . الوسائل:10، الباب3 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.
3 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب جمرة العقبة، الحديث1.

صفحه 32
ولا يخفى أنّ الرمي من الموضوعات العرفية وليس من الموضوعات الشرعية أو المتشرّعية أو المختصّة بطائفة دون أُخرى، فكلّما صدق عليه الرمي بأي كيفية كانت فهو مجز، وأمّا الكيفية المذكورة للرمي في رواية البزنطي فهي محمولة على الاستحباب، لاقترانها بأُمور مستحبة ذكرت في نفس الرواية وغيرها من رميها عن بُعد عشرة أو خمسة عشر ذراعاً.
نعم قد أتعب بعض الأساطين نفسه الزكية فخرج بنتيجة خاصة من أنّه يجب أن يكون رمي الحصى على كيفية الرمي المتبادر من قولهم:«رمي السهم عن القوس» فيلزم جعل اليد كالسهم1، وإخراج الحصى منه كإخراج النبل منه قسراً أو شدة كما هناك.
3. أن يكون الرمي باليد، وذلك للسيرة أوّلاً وكونه منصرف الروايات ثانياً، فلا يكفي الرمي بالرِّجل كما لا يكفي الرمي بالمقلاع، لا لعدم صدق الرمي، بل انّه من أوضح مصاديق الرمي، بل لانصراف الروايات عن هذا الصنف. وإن لم يستبعد المصنّف الجواز.
4. وصول الحصاة إلى المرمى وذلك لدخول الهدف في مفهوم الرمي، والهدف هنا هو الجمرة، ويشهد على ذلك قوله(عليه السلام):«ثم إئت الجمرة القصوى الّتي عند العقبة فارمها من قبل وجهها».2
5. أن يكون وصولها برميه، وحاصل هذا الشرط أنّه يجب أن يكون رميه سبباً تاماً لوصول الحصى إلى الجمرة، سواء أوصلت إليها مباشرة أو أصابت حجراً أو جداراً وارتفعت منه ووصلت المرمى على نحو لم يكن للواسطة دور في وصولها

1 . كذا في المصدر والصحيح كالقوس.
2 . الوسائل:10، الباب3 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.

صفحه 33
إليه، لأنّ المفروض أنّ الرمي يكون على شدة خاصة كافية في إيصال الحصى إلى المرمى. غاية الأمر تارة لا يتدخل بين الرمي والإصابة شيء آخر وأُخرى يتدخّل.
ولعلّ صحيحة معاوية بن عمّار تشير إلى هذه الصورة: عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«فإن رميت بحصاة فوقعت في محمل فأعد مكانها، وإن أصابت إنساناً أو جملاً ثمّ وقعت على الجمار أجزأك».1
نعم لو لم يكن رميه سبباً تامّاً للإصابة بحيث لولا تدخّل الواسطة لم تصل الحصى إلى المرمى، كما إذا رمى بضعف فوصلت إلى حيوان أو إنسان ثمّ وصلت الجمرة بحركتهما، فلا يصحّ في هذه الصورة، وهذا هو خيرة المصنّف، وقد تبع في ذلك صاحب الشرائع الّذي قال: وإصابة الجمرة بها بما يفعله، فلو وقعت على شيء وانحدرت على الجمرة جاز، ولو قصرت فتمّمها حركة غيره من حيوان أو إنسان لم يجز.2
والضابطة في الإجزاء وعدمه هو أنّه لو كان لإصابتها الجسم الصلب دور في إصابتها للجمرة، بحيث لو لم يصبه، لم يصل إلى الجمرة فلا يصحّ لعدم استناد الإصابة إلى رميه. بخلاف ما لو لم يكن له دور. وإليها يشير المصنّف بقوله: نعم لو رمى فأصابت حجراً أو نحوه وارتفعت منه ووصلت المرمى صحّ وفاقاً لصاحب الجواهر حيث قال: وكذا (يصح) إن أصابت شيئاً صلباً فوقعت بإصابته على الجمرة للصدق بعد أن كانت الإصابة على كلّ حال بفعله.3
6. أن يكون الرمي بسبع حصيّات ولا يجزي الأقل، وهذا ممّا تسالم عليه الفقهاء.

1 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.
2 . شرائع الإسلام:1/259.
3 . الجواهر:19/105.

صفحه 34
قال في «التذكرة»: يجب أن يرمي كلّ جمرة بسبع حصيّات كملاً فلا يجوز له الإخلال بواحدة منها. وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وأحمد في إحدى الروايتين، كما رواه العامّة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) رمى بسبع حصيات. وقال أحمد في الرواية الثانية: يجوز أن ينقص حصاة أو حصاتين لا أزيد. وبه قال مجاهد وإسحاق.1
ويدلّ عليه صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في رجل رمى الجمرة الأُولى بثلاث، والثانية بسبع، والثالثة بسبع؟ قال: «يعيد يرميهنّ جميعاً بسبع سبع».2
وصحيحه الآخر قال: عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: في رجل أخذ إحدى وعشرين حصاة فرمى بها فزادت واحدة فلم يدر أيّهن نقص، قال:«فليرجع وليرم كلّ واحدة بحصاة، فإن سقطت من رجل حصاة فلم يدر أيّهنّ هي؟ فليأخذ من تحت قدميه حصاة ويرمي بها».3
ومورد الحديث وإن كان الجمرات الثلاث، لكنّه لا فرق في الحكم بين جمرة العقبة وغيرها.
7. أن تتلاحق الحصيّات فلو رمى دفعة لا يحسب إلاّ واحدة، قال الشيخ في «الخلاف»: إذا رمى ـ سبع حصيّات ـ دفعة واحدة، لم يعتد بأكثر من واحدة، سواء أوقعت عليها مجتمعة أو متفرقة. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة:إذا وقعت متفرقة اعتدّ بهنّ كلهنّ، ثمّ إنّ الشيخ استدلّ بحديث عائشة: «يكبّر مع كلّ حصاة» وذلك لا يتم إلاّ مع التفريق.4

1 . التذكرة:8/362، المسألة681.
2 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العود إلى منى، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب العود إلى منى، الحديث1.
4 . الخلاف:2/352، المسألة179.

صفحه 35
المسألة3. لو شكّ في أنّها مستعملة أم لا، جاز الرمي بها، ولو احتمل أنّها من غير الحرم وحملت من خارجه لا يعتني به، ولو شكّ في صدق الحصاة عليها لم يجز الاكتفاء بها، ولو شكّ في عدد الرمي يجب الرمي حتّى يتيقن كونه سبعاً، وكذا لو شكّ في وصول الحصاة إلى المرمى يجب الرمي إلى أن يتيقّن به، والظن فيما ذكر بحكم الشكّ، ولو شكّ بعد الذبح أو الحلق في رمي الجمرة أو عدده لا يعتني به، ولو شكّ قبلهما بعد الانصراف في عدد الرمي فإن كان في النقيصة فالأحوط الرجوع والإتمام، ولا يعتني بالشكّ في الزيادة، ولو شكّ بعد الفراغ في الصحّة بنى عليها بعد حفظ العدد.*
وقال في «التذكرة»: ويرمي كلّ حصاة بانفرادها فلو رمى الحصيّات دفعة واحدة لم يجزأه، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رمى متفرقاً، وقال: «خذوا عنّي مناسككم»... إلى أن قال: ومن طريق الخاصّة قول الرضا(عليه السلام):«وارمها من بطن الوادي واجعلهنّ على يمينك كلّهن».1
ويدلّ على ذلك وراء ما ذكره العلاّمة صحيح يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: قلت: ما أقول إذا رميت؟ قال:«كبّر مع كلّ حصاة».2 وقريب منه صحيح معاوية بن عمّار.3 وكون التكبير مستحباً، لا يوجب رفع اليد عن وجوب التفريق فكأنّه(عليه السلام) يقول: فرق بين الحصيات وكبّر في كلّ واحدة منها.
* في المسألة فروع نشير إليها واحداً بعد الآخر:

1 . التذكرة:8/223، المسألة 565.
2 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1 و2.
3 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 1 و2.

صفحه 36
1. لو شكّ في أنّها مستعملة أو لا، جاز الرمي بها، وذلك لأصالة عدم الرمي بها. وليس ما ذكرنا من قبيل الاستصحاب الأزلي. لافتراض وجود الموضوع«الحصى» في برهة من الزمان وعدم كونه موصوفاً بالرمي، فنشير إلى الحصى ونقول: كان هذا غير مرمي به في برهة من الزمان والأصل بقاؤه على ما كان عليه.
2. ولو احتمل أنّها من غير الحرم وحملت من خارجه، لا يعتنى به، لأنّ وجوده في الحرم أمارة عقلائية على أنّها حجارة الحرم، وقد تكوّنت فيه.
3. ولو شكّ في صدق الحصاة عليها لم يجز الاكتفاء بها للشكّ في الموضوع فيجب إحرازه، كما إذا شكّ في كون الماء مطلقاً أو مضافاً فلا يجوز له التوضّؤ به إلاّ بعد إحراز إطلاقه.
4. ولو شكّ في عدد الرمي يجب الرمي حتّى يتيقّن كونه سبعاً، وذلك للأصل، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، ومع الشكّ في عدد الرمي لا تحصل البراءة اليقينية.
5. لو شكّ في وصول الحصاة إلى المرمى يجب الرمي إلى أن يتيقن به و«الظن فيما ذكر بحكم الشك».
أقول: أمّا كون الظن بحكم الشك فلما حقّق في الأُصول من أنّ الشك في حجية شيء كاف في القطع بعدم حجّيته، و«أمّا إذا شك في الإصابة فيجب عليه الرمي إلى أن يحصل اليقين» وذلك مقتضى قاعدة الاشتغال.
والعجب أنّ الشيخ أفتى بالإجزاء فقال: وإذا رمى فلم يعلم أصاب أم لا؟ يجزيه. وللشافعي فيه وجهان. 1 كلّ ذلك فيما لو لم يتجاوز المحلّ كما سيوافيك في

1 . الخلاف:2/344، المسألة 165.

صفحه 37
المسألة4. لا يعتبر في الحصى، الطهارة، ولا في الرامي الطهارة من الحدث والخبث.*
الفروع التالية.
6. ولو شكّ بعد الذبح أو الحلق في رمي الجمرة أو عدده، أي لو شك في أصل الرمي أو عدده، لا يعتني به لقاعدة الفراغ.
7. لو شكّ قبلهما بعد الانصراف فتارة يشكّ في عدد الرمي الّذي يعبر عنه بالشك في النقيصة، وأُخرى يشك في صحّة ما أتى بعد الفراغ عن العدد.
أمّا الأوّل: فلا يجري فيه قاعدة الفراغ للشك في أصل الفراغ، لاحتمال أنّه رمى ست حصيات، وعلى هذا الفرض فهو يعدّ في أثناء العمل، وهذا بخلاف الثاني ـ أعني: ما إذا شكّ في الصحّة بعد حفظ العدد ـ فالمفروض أنّه فرغ عن العمل وإنّما شكّ في صحّته وفساده فيكون مجرى للقاعدة.
نعم لو شك في الزيادة فهو محكوم بالعدم، للأصل.
* في المسألة فرعان:
1. لا يعتبر في الحصى الطهارة من الخبث.
2. لا يعتبر في الرامي الطهارة من الحدث والخبث.
أمّا الأوّل: فهو مقتضى إطلاق الأدلّة حتّى أنّ بعض الروايات تعرضت لصفات الحصى المستحبة ولم تتعرض لطهارتها نظير ما رواه البزنطي عن أبي الحسن(عليه السلام)قال:«حصى الجمار تكون مثل الأنملة، ولا تأخذها سوداء ولا بيضاء، ولا حمراء، خذها كحلية منقّطة».1 وفاقاً للعلاّمة في «التذكرة» قال: ولو كان

1 . الوسائل:10، الباب20 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث2. ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 38
الحجر نجساً استحبّ له غَسْلُه، فإن لم يغسله ورمى به أجزأه لحصول الامتثال.1
ولكنّه توقّف في «التحرير» في إجزاء الرمي بالنجس وقال: ولو رمى بحصاة نجسة، ففي الإجزاء نظر.2
وأمّا الفرع الثاني: أي عدم اعتبار طهارة الرامي من الحدث والخبث، فقد ذهب المشهور إلى عدم اعتباره، خلافاً للمفيد والسيد المرتضى وابن الجنيد فقد ذهبوا إلى شرطية الطهارة.
قال الأوّل: فإن قدر على الوضوء فليتوضّأ، وإن لم يقدر أجزأ عنه غسله، ولا يجوز له رمي الجمار إلاّ وهو على طهر.3
وقال الثاني: ولا يرمي الجمار إلاّ وهو على طهر.4
وقال ابن الجنيد: ولا يرمي إلاّ وهو طاهر، ولو اغتسل لذلك كان حسناً.5
وأمّا غير هؤلاء فالمختار عندهم هو الاستحباب.
قال المحقّق: والمستحب فيه ستة:... الطهارة.6
وقال في «المدارك»: وما اختاره المصنّف من استحباب الطهارة في الرمي هو المشهور بين الأصحاب.7
ويدلّ على مختار المشهور روايات:

1 . التذكرة:8/232.
2 . تحرير الأحكام:1/616.
3 . المقنعة:417.
4 . جمل العلم والعمل «رسائل الشريف المرتضى» المجموعة الثالثة:68.
5 . مختلف الشيعة:4/261.
6 . شرائع الإسلام:1/256.
7 . المدارك:8/9.

صفحه 39
1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال:«ويستحب أن ترمي الجمار على طهر».1
2. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا بأس أن تقضي المناسك كلّها على غير وضوء، إلاّ الطواف فإنّ فيه صلاة، والوضوء أفضل».2
3. خبر أبي غسان( حميد بن مسعود) قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رمي الجمار على غير طهور؟ قال: «الجمار عندنا مثل الصفا والمروة حيطان، إن طفت بينهما على غير طهور لم يضرك، والطهر أحب إليّ، فلا تدعه وأنت قادر عليه».3
نعم في السند ضعف حيث إنّ النجاشي ذكر «حميد بن مسعود» ولم يصفه بشيء من الوثاقة والضعف فهو من هذا الجانب مهمل لا مجهول.
4. أبو حمزة الثمالي(ثابت بن دينار الثقة) عن أبي جعفر(عليه السلام): أنّه سُئل أينسك الناسك وهو على غير وضوء؟ فقال:«نعم، إلاّ الطواف في البيت فإنّ فيه صلاة».4
واحتجّ القائلون بالوجوب بما رواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن الجمار؟ فقال:«لا ترم الجمار إلاّ وأنت على طهر».5
وحمله المشهور على الاستحباب بقرينة ما دلّ عليه من الروايات الثلاثة، ولكن تنظّر الشهيد الثاني في هذا الجمع قائلاً: بأنّ في سند هذه الرواية (رواية أبي غسان) مجاهيل فلا تتحقّق المعارضة.

1 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب15 من أبواب السعي، الحديث1.
3 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث5.
4 . الوسائل:9 ، الباب 38 من أبواب الطواف، الحديث6.
5 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.

صفحه 40
المسألة5. يستناب في الرمي عن غير المتمكن كالأطفال والمرضى والمغمى عليهم، ويستحب حمل المريض مع الإمكان عند المرمى ويرمي عنده، بل هو أحوط. ولو صحّ المريض أو أفاق المغمى عليه بعد تمامية الرمي من النائب لا تجب الإعادة، ولو كان ذلك في الأثناء استأنف من رأس، وكفاية ما رماه النائب محلّ إشكال.*
يلاحظ عليه: بأنّ ما دلّ على الاستحباب غير منحصر فيها وقد مرّت صحيحتا ابن عمّار.
6. خبر علي بن الفضل الواسطي، عن أبي الحسن(عليه السلام):«لا ترم الجمار إلاّ وأنت طاهر».1
وأمّا استحباب الغُسْل فقد حكاه في الجواهر عن بعض الأصحاب واستدلّ عليه بصحيح الحلبي قال:
سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الغسل إذا أراد أن يرمي؟ فقال:«ربّما اغتسلت، فأمّا من السنّة فلا».2 وفي نقل آخر إضافة قوله:«ولكن من الحرّ والعرق». والرواية ظاهرة في عدم الاستحباب، وإنّما هو لتنظيف وغسل العرق.
* في المسألة فروع:
1. يستناب في الرمي عن غير المتمكّن.
2. يستحبّ حمل المريض مع الإمكان إلى المرمى، على الأحوط.
3. لو صحّ المريض أو أفاق المغمى عليه بعد تمامية الرمي من النائب لا

1 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث6.
2 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث4.

صفحه 41
تجب الإعادة.
4. لو اتّفق ذلك في الأثناء استأنف الرمي من رأس ولا يعتدّ بما رماه النائب.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: يستناب في الرمي عن غير المتمكّن
قال المحقّق: ويجوز أن يرمي عن المعذور كالمريض.1
وقال في «المنتهى»: ويجوز أن يرمي عن العليل والمبطون والمغمى عليه والصبي ومن أشبههم من أصحاب الأعذار للضرورة.2
قال في«الجواهر»: ولا خلاف أجده في أنّه يجوز أن يرمي عن المعذور كالمريض إذا لم يزل عذره وقت الرمي.3
والمسألة منصوصة نذكر منها ما يلي:
1. صحيح معاوية بن عمّار وعبد الرحمن بن الحجاج جميعاً، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«الكسير والمبطون يُرمى عنهما، والصبيان يرمى عنهم».4
وهي متّحدة مع الرواية الثالثة الواردة في هذا الباب، غير أنّ الأُولى نقلها الصدوق والثانية نقلها الكليني.
2. موثّقة إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام)عن المريض تُرمى عنه الجمار؟ قال:«نعم يحمل إلى الجمرة ويُرمى عنه».

1 . شرائع الإسلام:1/276.
2 . منتهى المطلب:11/395.
3 . جواهر الكلام:20/30.
4 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.

صفحه 42
هذا ما نقله الكليني، وأمّا ما نقله الصدوق ففيه إضافة، أعني: قلت: لا يطيق؟ قال:«يُترك في منزله ويُرمى عنه».1
إلى غير ذلك من النصوص الواردة في هذا الباب.
الفرع الثاني: يستحبّ حمل المريض مع الإمكان إلى المرمى.
ويدلّ عليه ما عرفت من موثّقة إسحاق بن عمّار المتقدّمة.
الفرع الثالث: لو صحّ المريض أو أفاق المغمى عليه بعد تمامية الرمي من النائب لا تجب الإعادة وذلك لحصول الامتثال بفعل النائب.
وإن شئت قلت: يجب على الإنسان أن يرمي بنفسه إن كان متمكّناً، أو يستنيب إذا كان غير متمكّن، فإذا استناب ورمى النائب عن جانبه فقد امتثل أمر المولى، والإعادة بحاجة إلى دليل.
هذا كلّه إذا استناب قبل الإغماء وأمّا لو أُغمي على المريض قبل الاستنابة وخيف فوات الوقت، رمى عنه بعض المؤمنين كما يدلّ عليه صحيحة رفاعة بن موسى، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل أُغمي عليه؟ فقال:«يُرمى عنه الجمار».2
ثمّ إذا استناب قبل الإغماء ثم أُغمي عليه بعد الاستنابة فهل تبطل النيابة أو لا؟ الظاهر: لا.
قال العلاّمة: والمغمى عليه إن كان قد أذن لغيره قبل إغمائه لم يبطل إذنه.3

1 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث 4و2.
2 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث5.
3 . تذكرة الفقهاء:8/368.

صفحه 43
وقال في «المدارك»: ولو أُغمي على المريض بعد الاستنابة لم ينعزل النائب قطعاً، للأصل وإطلاق الخبر; واستشكله بعض المتأخّرين بأنّ الإغماء يوجب زوال الوكالة فتزول النيابة.
وهو ضعيف، لأنّ إلحاق هذه الاستنابة بالوكالة في هذا الحكم لا يخرج من القياس.1
والحق أنّ باب النيابة غير الوكالة، فإنّ العبادات لا تقبل الوكالة بل تقبل النيابة، وقد مرّ أنّ من أُغمي عليه قبل الاستنابة يجب على المؤمنين الرمي عنه، فإذا صحّ مع عدم الاستنابة يصحّ معها بطريق أولى.
بقي الكلام في وجوب المبادرة إلى الاستنابة، فلا شكّ في جوازها عند العلم ببقاء العذر وعدم الجواز إذا كان مؤقتاً يرتفع بعد ساعة ويتمكّن من الرمي بنفسه، ولو شكّ فهل يجري استصحاب بقاء العذر إلى آخر الوقت ليرتب عليه أثره وهو جواز الاستنابة؟ فيه تردد، لأنّ مفاد أدلّتها هو جرّ الحالة السابقة إلى الحالة الحاضرة، وأمّا جرّها إلى بعد الحاضرة فهو غير مفهوم من الروايات، وللمسألة نظائر في باب الدماء الثلاثة، فلاحظ.
وعلى كلّ تقدير فإنّما تتصوّر الاستنابة في غير الصبي، أمّا فيه فيقوم عنه وليه.
الفرع الرابع: لو أفاق ذلك في الأثناء استأنف الرمي من رأس ولا يعتد بما رماه النائب.
وجهه: هو توجّه التكليف إليه عند الإفاقة واستطاعته الرمي بنفسه، وما أتى به النائب من الرمي، فهو عمل ناقص غير تام، فلا يوجب سقوط الرمي عنه.

1 . مدارك الأحكام:8/239.

صفحه 44
المسألة6. من كان معذوراً في الرمي يوم العيد جاز له الرمي في الليل.*
وأمّا الاعتداد بما أتى به النائب وتلفيقه بما يأتي هو نفسه به بعد الإفاقة فهو أمر غير واضح، لأنّ الأمر الواحد رهن امتثال واحد صادر من شخص واحد.
* هذه المسألة تختلف جوهراً مع المسألة السابقة، لأنّ الموضوع هناك هو من يستنيب لأجل العجز كالمريض والصبي والمغمى عليه وقد مرّ أنّه يستنيب، وأمّا هنا (في هذه المسألة) فهو الإنسان المصح ولكنّه معذور عن الرمي يوم العيد كالخائف من العدو والراعي والمرأة وغير ذلك، فقد رخص له الرمي بالليل. ومن هنا يعلم الضعف في كلام المحقّق حيث أدخل المريض في هذه المسألة حيث قال: ولا يجوز أن يرمي ليلاً إلاّ لعذر كالخائف والمريض والرعاة والعبيد.1 ولعلّ المراد من المريض في كلامه هو المعذور نهاراً دون الليل لا المريض المطلق كما في المسألة السابقة. ولعلّه تبع النص.2
وقال العلاّمة: وقد رخص للمعذور كالخائف والعاجز والمرأة والراعي والعبد في الرمي ليلاً من نصفه للعذر، لما رواه العامة:»من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر أُمّ سلمة بالرمي ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر».
والمسألة مورد اتفاق الفريقين ونصوص وإطلاق الروايات كالفتاوى جواز الرمي بالليل وإن تمكّن من الاستنابة في اليوم، ووجهه مضافاً إلى الإطلاقات، هو

1 . شرائع الإسلام:1/275.
2 . لاحظ الوسائل:10، الباب14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث7. ومع ذلك يحتمل أن يكون قوله:«والمريض» في الحديث مبتدأ غير معطوف على ما سبق، وعندئذ لا تصلح للاستشهاد، فلاحظ.

صفحه 45
أنّ النيابة في العبادة عن الحي على خلاف القاعدة ولا يعتد بها إلاّ إذا ورد النص به.
هل يجوز أن يرمي قبل نصف الليل أو يشترط الرمي بعد انتصافه، كما عليه الشافعي وعطاء وابن أبي ليلى، أو أنّه لا يجوز الرمي إلاّ بعد طلوع الفجر، وهو أيضاً قول مالك؟1
وقال المحقّق: وتجوز الإفاضة قبل الفجر للمرأة، ومَن يخاف على نفسه من غير جبر.
وقال2 في«التذكرة»: يجوز للخائف وغيرهم من أصحاب الأعذار والضرورات الإفاضة قبل طلوع الفجر من مزدلفة إجماعاً، لما رواه العامّة عن ابن عباس أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«يقدّم ضعفة أهله في النصف الأخير من المزدلفة».3
وقال في «المنتهى» بعد بيان المسألة: وهو قول كلّ من يُحفظ عنه العلم لما رواه الجمهور: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أُمّ سلمة فأفاضت في النصف الأخير من المزدلفة، وأذن لسودة أيضاً.4
وعلى ضوء ذلك فيكون المراد الإفاضة قبل الفجر على نحو يصل المعذور إلى منى عند طلوع الفجر، أو قبله بوقت قليل فيكون الرمي بعد طلوعه.
ويدلّ على ذلك خبر علي بن عطية: قال: أفضنا من المزدلفة بليل أنا وهشام بن عبد الملك الكوفي، فكان هشام خائفاً فانتهينا إلى جمرة العقبة طلوع

1 . التذكرة:8/229.
2 . الشرائع:1/256.
3 . التذكرة:8/205.
4 . المنتهى:11/92.

صفحه 46
الفجر، فقال لي هشام: أي شيء أحدثنا في حجّنا؟ فنحن كذلك إذ لقينا أبو الحسن موسى(عليه السلام)قد رمى الجمار وانصرف، فطابت نفس هشام.1
وفي صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:»لا بأس بأن يقدّم النساء إذا زال الليل فيقفن عند المشعر ساعة ، ثم ينطلق بهنّ إلى منى فيرمين الجمرة، ثمّ يصبرن ساعة.2
وقد فُسّر الزوال بانتصاف الليل ويحتمل أن يكون كناية عن انتهاء الليل وطلوع الفجر وعلى كلا المعنيين كان الرمي في ذلك العهد في الفجر أو بعده بوقت قليل، لأنّ وسائل النقل كانت يومذاك بطيئة. وعلى ضوء ما ذكرنا فالأحوط لو لم يكن الأقوى هو الخروج بعد نصف الليل لا قبله والرمي بعد الفجر.
وبذلك يقيد إطلاق الروايات، نظير:
1. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا بأس بأن يرمي الخائف بالليل، ويضحي ويفيض بالليل».3
2. موثّقة سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«رخّص للعبد والخائف والراعي في الرمي ليلاً».4
3. صحيح زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في الخائف:«لا بأس بأن يرمي الجمار بالليل».5
إلى غير ذلك من الروايات الّتي رواها صاحب الوسائل في هذا الباب.

1 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث3.
2 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث7.
3 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث2.
5 . الوسائل:10، الباب 14 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث4.

صفحه 47
المسألة7. يجوز الرمي ماشياً وراكباً، والأوّل أفضل.*
* قال المحقّق ضمن مستحبات رمي جمرة العقبة: وأن يكون ماشياً ولو رمى راكباً جاز.
وقال1 العلاّمة: يجوز الرمي راكباً والمشي أفضل، لأنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)رمى الجمار راكباً، وكذا أبو جعفر الثاني الجواد(عليه السلام). وقال الشافعي: يرمي في اليوم الأخير راكباً وفي الأوّلين ماشياً.2
روى الشيخ بإسناده عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد بن عيسى أنّه رأى أبا جعفر الثاني(عليه السلام)رمى الجمار راكباً.3
والروايات في ذلك متضافرة.4
وكون المراد من الليل هو ما يقابل النهار.
تمّ الكلام في أحكام الرمي
والحمد للّه ربّ العالمين

1 . شرائع الإسلام:1/259.
2 . تذكرة الفقهاء:8/365.
3 . الوسائل:10، الباب8 من أبواب رمي جمرة العقبة، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب 8 و 9 من أبواب رمي جمرة العقبة.

صفحه 48

في الهدي

الثاني من الواجبات: الهدي

ويجب أن يكون إحدى النعم الثلاث: الإبل والبقر والغنم، والجاموس بقر، ولا يجوز سائر الحيوانات، والأفضل الإبل ثمّ البقر، ولا يجزي واحد عن اثنين أو الزيادة بالاشتراك حال الاختيار، وفي حال الاضطرار يشكل الاجتزاء، فالأحوط الشركة والصوم معاً.*
* في المسألة فروع:
1. الهدي واجب.
2. يجب أن يكون من إحدى الأنعام الثلاثة.
3. لا يجزي واحد عن اثنين أو الزيادة بالاشتراك.
4. وفي حال الاضطرار يشكل الاجتزاء بالواحد والأحوط الشركة مع الصوم.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: وجوب الهدي

إنّ الهدي واجب على المتمتّع دون المفرد، نعم يشتركان في الرمي والحلق.
أمّا وجوبه على المتمتع فهو من ضروريات فقه الحجّ.

صفحه 49
قال العلاّمة في «المنتهى»: ويجب الهدي على المتمتّع وهو قول علماء الإسلام، قال اللّه تعالى:(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي)1.2 وربّما يعبّر عن الهدي بالذَبح ـ بفتح الفاء وسكون العين و سكون الباءـ، وأمّا الذبح ـ بكسر الفاء ـ فهو يعني ما يذبح، أي القتيل.
ويدلّ على الوجوب غير واحد من الروايات، منها:
1. قول أبي جعفر(عليه السلام) في صحيح زرارة قال:سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن الّذي يلي المُفْرِد للحجّ في الفضل؟ فقال:«المتعة» فقلت: وما المتعة؟ فقال:«يهلّ بالحج في أشهر الحج ، فإذا طاف بالبيت فصلّى الركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة قصّر وأحل، فإذا كان يوم التروية أهلّ بالحجّ، ونسك المناسك، وعليه الهدي» فقلت: وما الهدي؟ قال:«أفضله بدنة، وأوسطه بقرة، وأخفضه شاة».3
2. خبر سعيد الأعرج قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«من تمتّع في أشهر الحج ثمّ أقام بمكة حتّى يحضر الحجّ من قابل فعليه شاة، ومن تمتّع في غير أشهر الحج ثم جاور بمكة حتّى يحضر الحجّ فليس عليه دم، إنّما هي حجّة مفردة، وإنّما الأضحى على أهل الأمصار».4
وجهه: أنّ المتمتّع يأتي بعمرته في أشهر الحجّ فإذا أتى بها فيها وأحرم بعدها بالحجّ يكون حجّه حج تمتع ويجب عليه الهدي، بخلاف مَنْ اعتمر في غير أشهر الحجّ كشهر رجب وبقي في مكة حتّى يحجّ يكون حجّه فيها حج إفراد فلا يجب فيه الهدي.

1 . البقرة:196.
2 . المنتهى:11/144.
3 . الوسائل:8، الباب5 من أبواب أقسام الحج، الحديث3.
4 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب الذبح، الحديث 11.

صفحه 50
3. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) قال:سألته عن المتمتّع كم يجزيه؟ قال:«شاة».1
فالسؤال في هذه الرواية عن العدد يشهد على أنّ وجوب الهدي كان أمراً متيقّناً وإنّما تعلّق السؤال بالعدد. واحتمال كون الاستحباب كان أمراً مسلّماً بينهما، لا يتناسب مع الاهتمام بالعدد.
وأمّا ما رواه الشيخ بسند صحيح عن العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: في رجل اعتمر في رجب فقال:«إن كان أقام بمكّة حتّى يخرج منها حاجّاً فقد وجب عليه هدي، فإن خرج من مكة (إلى أدنى الحل) حتّى يحرم من غيرها فليس عليه هدي».2
فظاهر الجملة الشرطية الأُولى وجوب الذبح على غير المتمتع أيضاً، لأنّ من اعتمر في رجب كما هو مفروض الرواية يكون حجّه إفراداً.
ولكن يمكن حمل الشرطية الأُولى على المتمتع كما إذا اعتمر مرّتين إحداهما في رجب والأُخرى في أشهر الحجّ فيكون المراد من قوله:«أقام بمكة حتّى يخرج منها حاجاً» من خرج من مكة إلى أحد المواقيت، لعمرة التمتع فيأتي إلى مكة لأداء العمرة حتّى يخرج منها حاجاً. ويدلّ على ذلك ما رواه إسحاق بن عبداللّه قال: سألت أبا الحسن عن المعتمر المقيم بمكة يجرّد الحج أو يتمتع مرة أُخرى؟ فقال:«يتمتع أحب إلي ـ إلى أن قال: ـ فإن اقتصر على عمرته في رجب لم يكن متمتّعاً، وإذا لم يكن متمتعاً لا يجب عليه الهدي».3

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب الذبح، الحديث2.
3 . التهذيب:5/200برقم 664.

صفحه 51
وأمّا الجملة الشرطية الثانية فالمراد من الخروج من مكة هو الخروج لأدنى الحل حتّى يحرم للحج المفرد، ومن المعلوم أنّه ليس عليه هدي.
ويمكن أن يكون المراد به تأكيد الفضل، لأنّ من أقام بمكة وكان قد اعتمر في رجب، فالأفضل له أن يضحّي. وقد أشار إلى ما ذكرنا، الشيخ في «التهذيب»1 فلاحظ.
ولعلّ هذا المقدار كاف في إثبات المقصود، أي وجوب الهدي على المتمتع، وقد عرفت أنّه من ضروريات فقه الحج.

الفرع الثاني: أن يكون الهدي إحدى الأنعام الثلاثة

يجب أن يكون الهدي إحدى الأنعام الثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم. والجاموس بقر، ولا تجوز سائر الحيوانات.
قال المحقّق: ويجب أن يكون من النعم: الإبل أو البقر أو الغنم.2
قال العلاّمة: يجب أن يكون الهدي من بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، ولا نعلم فيه خلافاً ـ إلى أن قال: ـ وأفضله البدن، ثمّ البقر، ثمّ الغنم.3
وقال في «الجواهر» بعد عبارة المحقّق: بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه.4
ويمكن الاستدلال عليه بأُمور:
1.قوله سبحانه:(وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ فِى أَيَّام مَعْلُومات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ

1 . التهذيب:5/199 ، المسألة رقم 663.
2 . شرائع الإسلام:1/260.
3 . المنتهى:11/183.
4 . الجواهر:19/136.

صفحه 52
بَهِيمَةِ الأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ).1
إنّ إضافة البهيمة إلى الأنعام إضافة بيانية، فإنّ البهيمة كلّ ذوات أربع من دواب البر والبحر، والأنعام الواردة بعدها تفسّرها وانّ المراد بها: الإبل والبقر والغنم.
قال في اللسان: قال ابن الأعرابي النعم: الإبل خاصة، والأنعام: الإبل والبقر والغنم. وقال أيضاً: والعرب إذا أفردت النعم ما يريدوا إلاّ الإبل، فإذا قالوا: الأنعام، أرادوا بها الإبل والبقر والغنم.2
2. صحيحة زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في المتمتع قال:«وعليه الهدي» قلت:وما الهدي؟ قال:«أفضله بدنة، وأوسطه بقرة، وآخره(وأخفضه) شاة».3
فالرواية ظاهرة في عدم إجزاء ما هو أصغر من الشاة، كالدجاجة والحمامة وغيرها من صغار الطيور والمواشي.
3. رواية أبي عبيدة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) قال: «شاة».4
فإنّ المنساق من الرواية أنّه لا يجزي الأقل من الشاة.
4. رواية معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«يجزئ في المتعة شاة».5
فالرواية ظاهرة في أنّ الشاة هي الرتبة الأخيرة وليس بعدها رتبة حتّى تكون

1 . الحج:28.
2 . لسان العرب: مادة «نعم».
3 . الوسائل:10، الباب10 من أبواب الذبح، الحديث5.
4 . الوسائل:10، الباب10 من أبواب الذبح، الحديث1.
5 . الوسائل:10، الباب10 من أبواب الذبح، الحديث2.

صفحه 53
الطيور وغيرها مجزّأة.
ثمّ إنّ الجاموس من جنس البقر، كما هو واضح، وقد ورد أيضاً في رواية علي ابن الريان بن الصلت في الأضحية.1

الفرع الثالث: لا يجزي واحد عن اثنين

والبحث في المقام مركز على جواز الاشتراك في خصوص الهدي الواجب عند الاختيار فخرج عن البحث الأُمور التالية:
أ. الهدي المستحب كما هو الحال في الحجّ المفرد، فإنّ الهدي فيه مستحب وليس بواجب.
ب. الأضحية الّتي تذبح في الأمصار وفي منى على القول بجواز الجمع بين الهدي والأضحية، أو أفضليته فهي خارجة عن محط البحث.
ج. إذا زاد سعر الهدي وهم متمتعون غير قادرين على الهدي على وجه الاستقلال.
إذا عرفت ذلك فلنذكر كلمات الفقهاء.
1. قال الشيخ في «النهاية»: ولا يجوز في الحجّ الواجب البقرة والبدنة مع التمكّن والاختيار إلاّ عن واحد، وقد يجوز ذلك عند الضرورة عن خمسة وعن سبعة وعن سبعين، فكلّما أقلّ المشتركون فيه كان أفضل، وإذا كان الهدي تطوعاً جاز أن يشتركوا فيه جماعة إذا كانوا أهل خوان واحد مع الاختيار.2
2. وقال في «المبسوط»: ولا يجوز في الهدي الواجب إلاّ واحد عن واحد مع

1 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث8.
2 . النهاية:258.

صفحه 54
الاختيار، سواء كانت بدنة أو بقرة (إلى آخر ما ذكره في النهاية).1
3. وقال في «الخلاف»: الهدي الواجب لا يجزئ إلاّ واحد عن واحد، وإن كان تطوعاً يجوز عن سبعة إذا كانوا أهل بيت واحد، وإن كانوا من أهل بيتين لا يجزئ. وبه قال مالك.
الظاهر أنّ مراد الشيخ في «الخلاف» من الهدي تطوّعاً، هو الأضحيّة بقرينة ما ينقله عن الشافعي:»وقال الشافعي: يجوز للسبعة أن يشتركوا في بدنة أو بقرة في الضحايا والهدايا، سواء كانوا مفترضين من نذر أو هدايا الحجّ، أو متطوّعين كالهدايا والضحايا المسنونة، أو متقرّبين وبعضهم يريد لحماً، سواء كانوا أهل بيت واحد أو بيوت شتى. وقال أبو حنيفة: إن كانوا متقرّبين مفترضين أو متطوّعين، أو منهما جاز، وإن كان بعضهم يريد لحماً وبعضهم يكون متقرباً لم يجز.2
وحاصل كلمات الشيخ عدم الجواز في حال الاختيار وجوازه في صورتين:
الف. جوازه في حال الاضطرار.
ب. إذا كان الهدي تطوعاً كما في الأضحية يوم العيد.
4. وتبعه ابن البراج في عدم الجواز إلاّ في صورة الاضطرار وقال: ولا يجزي البُدْن الواحد عن أكثر من واحد إلاّ في حال الضرورة.3
5. وقال المحقّق: ولا يجزي واحد في الواجب إلاّ عن واحد، وقيل: يجزي مع الضرورة عن خمسة وعن سبعة إذا كانوا أهل خِوان واحد، والأوّل أشبه.4
6. وقال العلاّمة: الأقرب الإجزاء في الضرورة عن الكثير دون الاختيار.5

1 . المبسوط:1/372.
2 . الخلاف:6/65.
3 . المهذّب:1/257.
4 . الشرائع:1/259ـ 260.
5 . المختلف:4/279.

صفحه 55
نعم أطلق المفيد القول بالإجزاء في مقنعته.1 ومثله سلاّر في المراسم.2 وكلاهما محمول على صورة الضرورة.
7. نعم خالف ابن إدريس في ذلك وقال: لا يجزي واحد إلاّ عن واحد مع الاختيار. ومع الضرورة والعدم فالصيام.3
هذه كلمات القوم وكلامنا في المقام مركز على عدم الإجزاء مطلقاً وأنّه إذا لم يتمكّن من الفرد التام وجب عليه الصيام، وأمّا استثناء صورة الاضطرار كما في كلام الشيخ المتقدّم فسيأتي الكلام فيه.

الاستدلال على عدم الإجزاء مطلقاً

يدلّ على عدم الجواز أُمور:
أ. قوله سبحانه:(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ).4
والآية ظاهرة في أنّ الواجب هو الهدي التام من غير فرق بين الإبل والبقر والغنم، لأنّ الهدي اسم للفرد التام لا للأجزاء منه، فإذا لم يجد الفرد التام فعليه الصيام.
ب. وأمّا الروايات فيمكن الاستدلال بها بوجوه ثلاثة:

1. ما ورد فيه التصريح بعدم الإجزاء

1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) قال:»لا تجوز البدنة والبقرة

1 . المقنعة:418.
2 . المراسم:114.
3 . السرائر:1/595.
4 . البقرة:196.

صفحه 56
إلاّ عن واحد بمنى».1
وجه الدلالة: أنّ لفظ «بمنى» شاهد على أنّ السؤال هو عن الهدي لا الأضحية، لأنّ الغالب على ما يذبح في منى، هو الهدي الّذي هو جزء الحج. بل في خبر سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«وإنّما الأضحى على أهل الأمصار».2
فغاية ما يمكن أن يقال أنّه يعمّ الهدي الواجب والهدي المستحب كما هو الحال في الحجّ المفرد.
وأمّا الأضحية فالرواية منصرفة عنها.
2. ما رواه الحلبي; قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«تجزئ البقرة أو البدنة في الأمصار عن سبعة، ولا تجزئ بمنى إلاّ عن واحد».3
وجه الدلالة: أنّ التفصيل بين الأمصار ومنى قرينة على أنّ المراد بما يذبح في الأمصار هو الأضحية وبما يذبح بمنى هو الهدي فتكون النتيجة عدم جواز الشركة في الهدي دون الأضحية.
3. خبر الحلبي: قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن النفر تجزيهم البقرة؟ قال(عليه السلام):«أمّا في الهدي فلا، وأمّا في الأضحى فنعم».4 وفي السند محمد بن سنان.
وظاهر الأحاديث الثلاثة هو التفصيل بين الهدي والأضحية. وعدم جواز الشركة في الهدي مطلقاً وإن لم يتمكّن.

1 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب الذبح، الحديث11.
3 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث4.
4 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث3.

صفحه 57

2. ما يدلّ على أنّ الشاة نهاية الدور

4. ما رواه معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«يجزئ في المتعة شاة».1
5. ما رواه زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) في المتمتّع قال:«وعليه الهدي». قلت: وما الهدي؟ فقال:«أفضله بدنة، وأوسطه بقرة، وآخره شاة».2
6. ما رواه البزنطي، عن جميل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه سأله عن المتمتّع كم يجزيه؟ قال:«شاة».3
وهذه الروايات الّتي مرّ بعضها في الفرع الثاني(وقد احتججنا بها فيه على عدم كفاية غير الأنعام الثلاثة من المواشي والطيور)، وظاهرة على عدم جواز الشركة، لأنّ المتبادر من الشاة ـ هو الفرد التام ـ فهي الرتبة الأخيرة ممّا يبرئ الذمة، فلو جاز الاشتراك في فرد تام لا تكون الشاة هي الرتبة الأخيرة إنّما يكون جزء من الشاة هو الرتبة الأخيرة.

3. ما يقدّم إيداع الثمن على المشاركة

7. صحيح حريز، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في متمتّع يجد الثمن ولا يجد الغنم، قال:«يُخلف الثمن عند بعض أهل مكة، ويأمر من يشتري له ويذبح عنه وهو يجزئ عنه».4

1 . الوسائل:10، الباب10 من أبواب الذبح، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب10 من أبواب الذبح، الحديث5.
3 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب الذبح، الحديث13.
4 . الوسائل:10، الباب44 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 58
وجه الدلالة: أنّه لو جاز الاشتراك كان عليه أوّلاً الإقدام بالمشاركة، فإذا لم يجد مشاركاً تنتقل الوظيفة من المباشرة إلى النيابة مع أنّ الإمام(عليه السلام) لم يذكره.
هذه الروايات المتضافرة دليل واضح على عدم إجزاء الواحد عن الكثير في الهدي الواجب مطلقاً مختاراً كان أو مضطرّاً. ولو دلّ دليل على جواز الشركة عند الاضطرار، يخصّص ما تقدّم من الروايات بها.

دليل القائل بالجواز في حال الضرورة

قد مرّت كلمات الأصحاب في صدر البحث، فذهب الشيخ وابن البراج إلى القول بالجواز، واختار ابن إدريس عدمه.
احتجّ القائل بجواز الشركة في الهدي الواجب عند الضرورة بروايات أربع، ثلاث منها صحيحة، أعني:
1. صحيحة ابن الحجاج.
2. صحيحة حمران.
3. صحيحة معاوية بن عمّار.
والأُخرى خبر، أعني:
4. خبر زيد بن الجهم.
وإليك دراستها:
1. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام)عن قوم غلت عليهم الأضاحي وهم متمتعون وهم مترافقون، وليسوا بأهل بيت واحد، وقد اجتمعوا في مسيرهم، ومضربهم واحد، ألهم أن يذبحوا بقرة؟ قال:»لا أحب

صفحه 59
ذلك إلاّ من ضرورة».1
والرواية من أقوى أدلّة القائل بالتفصيل في الهدي الواجب بين الضرورة وغيرها.
والاستدلال مبني على ثبوت أمرين:
الأوّل: أن يكون السؤال عن الهدي الواجب للمتمتع ولكنّه غير ثابت، لأنّ الوارد في الرواية هو السؤال عن الأضاحي الّتي هي جمع الأضحية والّتي تستحب على كلّ متمكّن في يوم العيد ومابعده من غير فرق فيما لو كان في منى أو غيرها، والشاهد على ذلك أنّه قال:«عن قوم غلت عليهم الأضاحي وهم متمتّعون». وأمّا قوله:«وهم متمتّعون»، فلعلّه ذكره للإشارة إلى أنّ عليهم تكليفين: أحدهما الهدي، والآخر الأضحية، والجمع بينهما على وجه الاستقلال مجرّداً عن المشاركة مشكل، فهل يجوز لهم المشاركة في الأضحية حتّى لا يفوتهم ثوابها، أمّا الهدي فكأنّ حكمه كان عنده معلوماً.
الثاني: أنّ الاستدلال مبنيّ على معنى «لا أحب» هو عدم الجواز في غير الضرورة حتّى تصبح الرواية دليلاً على الجواز في خصوص الضرورة. مع أنّه يحتمل أن يكون المراد هو المرجوحية في غير حال الضرورة. فتكون دليلاً على الجواز في كلتا الحالتين، وهو خلاف مطلوب المستدلّ.
وربّما يحتمل أنّ السؤال مركز على التنزل من ذبح البدنة في الأضحية إلى البقرة، فقال الإمام(عليه السلام)بأنّه لا يحبه إلاّ لضرورة، وفي بعض الروايات دلالة على الاهتمام بالبدنة. كما سيوافيك في صحيحة حمران. ولكن الّذي يبعّده قوله:»وقد

1 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث10. الظاهر أنّ المراد من المضرب هو الخيام حيث تُضرب.

صفحه 60
اجتمعوا في مسيرهم ومضربهم واحد»، إذ لو كان وجه السؤال هو النزول عن البدنة إلى البقرة لما كانت حاجة لذكر وحدة المسير والخيام.
2. ما رواه زيد بن جهم قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): متمتّع لم يجد هدياً؟ فقال:«أما كان معه درهم يأتي به قومه فيقول: أشركوني بهذا الدرهم».1
والرواية أقوى ما تدلّ على التفصيل بعد صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، ولكنّ فيها احتمالاً آخر ليس ببعيد من ظاهرها، وهو أنّ السائل كان واقفاً بأنّه إذا لم يجد الهدي ينتقل تكليفه إلى الصوم لكن الإمام (عليه السلام) أرشده إلى أنّ حرمانه من الهدي لا يكون سبباً لحرمانه من ثواب الأضحية، وذلك لأن يأتي بدرهم إلى قومه فيقول:أشركوني بهذا الدرهم. ومع ذلك يصوم مكان الهدي التام.
3. صحيحة حمران قال: عزّت البُدن سنة بمنى حتّى بلغت البدنة مائة دينار، فسُئل أبو جعفر(عليه السلام) عن ذلك، فقال:«اشتركوا فيها»، قال: قلت: كم؟ قال:«ما خفّ فهو أفضل» قال: فقلت: عن كم تجزي؟ فقال:«عن سبعين».2 والرواية محمولة على غير الهدي بقرينة صحيحة الحلبي الماضية وخبره.3
4. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«تجزي البقرة عن خمسة بمنى إذا كانوا أهل خوان واحد».4 والرواية محمولة على الأضحية ـ بعد عدم اختصاص الحكم بالبقرة ـ و يدلّ على ذلك صحيحة الحلبي الماضية وخبر يونس بن يعقوب الآتي وغيرهما ممّا ورد فيهاالتصريح بالجواز عن سبعين وسبعة في الأضحية.

1 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث13.
2 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث11.
3 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث4و3.
4 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث5.

صفحه 61
والحقّ عدم قيام دليل واضح على كفاية هدي واحد، عن كثير عند الضرورة بحيث يكون مسقطاً للصوم.
وبذلك يظهر وجه ما ذكره المصنّف في المتن من عدم الجواز في حال الاختيار، والإشكال في الاجتزاء بالشركة في حال الاضطرار، فيجب عليه الصوم والأحوط الجمع بينه و بين الشركة لأجل ما عرفت ممّا دلّ على جواز الشركة عند الضرورة.

جواز الشركة في الأضحية

وردت روايات يستظهر منها جواز الشركة في خصوص الأضحية، وإليك ما يدلّ عليه.
1. ما رواه يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن البقرة يضحّى بها؟ قال:«تجزي عن سبعة».1
2. خبر الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن النفر تجزيهم البقرة؟ قال: «أمّا في الهدي فلا، وأمّا في الأضحى فنعم».2
والرواية تشهد على أنّ الهدي يطلق على الواجب، وأمّا الأضحية فتطلق على المندوب.
3. ما رواه سوادة القطان وعلي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قالا: قلنا له: جعلنا اللّه فداك عزّت الأضاحي علينا في مكة، أفيجزي اثنين أن يشتركا في شاة؟ فقال:«نعم وعن سبعين».3

1 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث3.
3 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث9.

صفحه 62
4. ما رواه علي بن الريان بن الصلت، عن أبي الحسن الثالث(عليه السلام)قال: كتبت إليه أسأله عن الجاموس عن كم يجزئ في الضُّحية؟ فجاء الجواب: «إن كان ذكراً فعن واحد، وإن كان أُنثى فعن سبعة».1
إنّ في هذه الروايات شاهدين على أنّ المراد بها، هو الأضحية المندوبة:
1. الاختلاف في التحديد بالخمسة2 والسبعة والسبعين، وهو أنسب بالمندوب حملاً له على الاختلاف في الفضيلة، وفي بعض الروايات كلّما خف فهو أفضل.3 وأمّا الواجب فهو لا يناسب الاختلاف في التحديد، لأنّ طبع الواجب هو التحديد بالدقّة.
2. الاختلاف في القيد، فتارة يقتصر على كونهم أهل خوان واحد4، وأُخرى بكونهم أهل بيت واحد5، وثالثة يفصل بين الذكر فعن واحد، والأُنثى فعن سبعة.6
وهذا النوع من الاختلاف أنسب بباب المسنونات لا الفرائض حملاً لها على اختلاف مراتب الفضيلة باختلاف القيود قلّة وكثرة.
بقي الكلام فيما أشار إليه المصنّف: «أو الزيادة بالاشتراك» ومراده أنّ كلاً من الشريكين يتفرّد بهدي خاص وفي الوقت نفسه يشتركان في ذبح هدي ثالث، فلو كان الثالث هو الأضحية فلا بأس به، وإلاّ لا يجوز لما عرفت من أنّ المكلّف

1 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث8.
2 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث18.
3 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث11.
4 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث5.
5 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث6.
6 . الوسائل:10، الباب18 من أبواب الذبح، الحديث8.

صفحه 63
المسألة8. يعتبر في الهدي أُمور:
الأوّل: السن فيعتبر في الإبل الدخول في السنة السادسة، وفي البقر في الثالثة على الأحوط، والمعز كالبقر، وفي الضأن الدخول في الثانية على الأحوط.*
به هو الهدي، لا الجزء منه.
* اتّفقت كلمة الأصحاب على أنّه لا يجزي في الهدي من الإبل والبقر والمعز إلاّ الثَّنيْ، وأمّا الضأن فيجزي فيه الجَذَع، وهذا الحكم ممّا لا خلاف فيه ـ كما في المدارك ـ.1
وقال في «المستند»: إن كان الهدي إبلاً أو بقراً أو معزاً يجب أن يكون ثَنْياً، وإن كان ضأناً يجزي فيه الجَذَع، بلا خلاف يعلم فيه.2
وقال في «الجواهر» بعد نقل كلام المحقّق:بلا خلاف أجده في الحكم.3
ولو كان خلاف فإنّما هو في تفسير الثَّنِيّ، والجَذَع، وإلاّ فالضابطة الكلّية ممّا اتّفق عليه الأصحاب.
ويدلّ عليها صحيح عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ، عن علي(عليه السلام)أنّه كان يقول:«الثنيّة من الإبل والثنية من البقر، والثنيّة من المعز، والجذَعة من الضأن».4 والحديث مطلق يعم الهدي والأضحيّة.
أقول: الثنيّ: الّذي يلقي ثنيته، وهي أسنان مقدّم الفم ثنتان من فوق،

1 . المدارك:8/26.
2 . المستند:12/307.
3 . الجواهر:19/126.
4 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 64
وثنتان من أسفل. نعم اختلفت كلمة الأصحاب في تفسير الثني ـ في غير مورد الإبل1 أ ي في البقر والمعز ـ فهل يكفي فيه إكمال السنة الأُولى والدخول في السنة الثانية، أو يشترط فيه إكمال الثانية والدخول في السنة الثالثة؟ فالمحقّق ـ كالأكثرـ على الأوّل، حيث قال: ومن البقر والمعز ما له سنة ودخل في الثانية.2ولكن المصنّف احتاط واختار القول الثاني وقال: وفي البقرة في الثالثة على الأحوط والمعز كالبقر.
كما اختلفوا في تفسير الجَذَع في الضأن بوجوه ثلاثة:
1. «قبل الثني، بسنة». وهو خيرة الشرائع.
2. الداخل في السنة الثانية. وقد احتاط المصنّف باختيار هذا القول.
3. في «السرائر»: والجَذَع ما له سبعة أشهر.3 أو ستة أشهر كما في التحرير.4
فاتضح ممّا ذكرنا من أنّ الضابطة أمر إجماعي، وأنّ اختلاف الأصحاب يرجع إلى تفسير الضابطة، أي الثني في البقر والمعز، والجذع في الضأن.
وعلى أي حال فالرواية الوحيدة الّتي تؤيد فتوى المشهور في تفسير الثنيّ في الإبل بالداخل في السادسة، والبقر والمعز بالداخل في الثانية، والضأن ما أكمل سنة، هي مرسلة الصدوق قال:
روي: أنّه لا يجزي في الأضاحي من البدن إلاّ الثني، وهو الّذي تمّ له خمس سنين ودخل في السادسة; ويجزي من المعز والبقر الثني، وهو الّذي له سنة ودخل

1 . وأمّا في تفسير الثني من الإبل فلم يختلف فيه الأصحاب وقالوا: هو الداخل في السادسة.
2 . الشرائع:1/260.
3 . السرائر:1/567.
4 . التحرير:1/624.

صفحه 65
في الثانية، ويجزي من الضأن الجذع لسنة.1
إذا عرفت كلمة الأصحاب فلنذكر شيئاً من كلمات اللغويين:
1. الجِذْع ـ بكسر الجيم وسكون العين ـ : ساق النخلة، والجمع جذوع، يقول سبحانه:(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً).2
والجَذَع ـ بفتح الجيم والعين ـ: صغير البهائم، قال ابن الأثير في «النهاية»: الجَذَع من أسنان الدواب هو ما كان شاباً والجمع جُذعان، ومنه جُذعان الجبال أي صغارها.
2. الثَّنيّ: وهو خلاف الجَذَع يستعمل في كبار البهائم، والثني: الّذي يلقي ثنيته، وهي أسنان مقدّم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من أسفل.
والمهمّ تحديدهما حسب السنّ، قال الجوهري في «الصحاح»: »الثني: الّذي يلقي ثنيته، ويكون ذلك في الظِّلف، والحافر في السنة الثالثة وفي الخف السنة السادسة.3
وقال في «اللسان»: الثني: البعير إذا استكمل الخامسة وطعن السادسة فهو ثني، وإنّما سمّي البعير ثنياً لأنّه ألقى ثنيته، ويكون ذلك في الظِّلف والحافر في السنة الثالثة، وفي الخف في السنة السادسة.4
وقال في «النهاية»: وفي حديث الأضحية إنّه أمر بالثنيّة من المعز» الثنية من الغنم(الظاهر أنّه من سهو الناسخ والصحيح من المعز) ما دخل في السنة الثالثة، ومن البقر كذلك، ومن الإبل في السادسة. وعلى مذهب أحمد بن حنبل: ما دخل

1 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث11.
2 . مريم:25.
3 . الصحاح:6/141.
4 . اللسان:2، مادة «ثني».

صفحه 66
من المعز في الثانية، ومن البقرة الثالثة.1
فكلماتهم توافق ما في المتن.

دراسة الروايات الواردة في المقام

قد أورد الحرّ العاملي في الباب الحادي عشر من أبواب الذبح اثنا عشر حديثاً، وهي على أقسام ثلاثة:
أ. ما هو ظاهر في الأضحية.
ب. ما هو ظاهر في الهدي.
ج. ما هو مبهم مردّد بين كونه في الأضحية أو في الهدي، ويحتمل الإطلاق.
إلاّ أنّ الاستدلال بالقسم الأوّل على المقام فرع القول باتّحاد الأضحية والهدي في الأحكام.
والذي تبيّن لي بعد دراسة ما يرجع إلى الهدي من الروايات وكلمات الأصحاب، أنّ النسبة بين الأضحية والهدي، عموم وخصوص مطلق، فالشرط المعتبر في الأُولى، معتبر في الثاني دون العكس، وعليه كلمات بعض الأصحاب، وذلك لأنّ الأُولى مستحبة والثاني واجب، فمن البعيد أن يعتبر شيء في إجزاء المندوب ولا يعتبر في إجزاء الواجب.
وتوضّح ذلك صحيحة علي بن جعفر حيث سأل أخاه موسى بن جعفر(عليه السلام)عن الرجل يشتري الأضحية عوراء فلا يعلم إلاّ بعد شرائها، هل تُجزي عنه؟ قال:«نعم، إلاّ أن يكون هدياً واجباً، فإنّه لا يجوز أن يكون ناقصاً».2

1 . النهاية:1/226.
2 . الوسائل:10، الباب21 من أبواب الذبح، الحديث1. يقال: عوِرَ: ذهب حسّ إحدى عينيه.

صفحه 67
وبذلك تتّضح صحّة الاستدلال على لزوم بعض الشروط في الهدي إذا دلّ الدليل على اعتباره في الأضحية ولم نجد دليلاً على اعتباره في الهدي.
نعم لا يصحّ العكس، فلو دلّ دليل على اعتبار شرط في الهدي فلا يعد دليلاً على اعتباره في الأضحية، فتدبّر.
وإليك سرد هذه الروايات، والجميع يؤكّد على الضابطة دون أن يفسّرها إلاّ ما تقدّم من مرسلة الصدوق.

ما ورد في الأضحية:

1. صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام): أنّه سئل عن الأضحية؟ فقال:«والجذع من الضأن يجزي، والثني من المعز».1
2. مرسلة الصدوق، قال:خطب أمير المؤمنين(عليه السلام)يوم الأضحى... إلى أن قال:«ومن ضحّى منكم بجَذَع من المعز فإنّه لا يجزي عنه، والجذع من الضأن يجزي».2
3. ومرسلته الأُخرى المتقدّمة الّتي هي السند الوحيد، لما عليه المشهور في تفسير الثني في الإبل والبقر والمعز والضأن.3
4. مرسلة المفيد قال: قال(عليه السلام):«يجزي من الأضاحي جذع الضأن، ولا يجزي جذع المعز».4
هذه هي الروايات الّتي وردت في الأضاحي، فهل يمكن الاستدلال بها على

1 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث3.
2 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث10.
3 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث11.
4 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث12.

صفحه 68
الهدي أو لا؟
فلو قلنا بما نسب إلى النراقي من عدم القول بالفصل بين الأضحية والهدي فالاستدلال بها تام، وإلاّ فلا.
ومع ذلك فليس بين هذه الروايات أي اختلاف، وذلك لاتّفاق الجميع على الضابطة، أعني:
الإبل لا يجزي فيها إلاّ الثني.
والبقر والمعز لا يجزي فيهما إلاّ الثني.
والضأن فلا يكفي فيه إلاّ الجذع.
نعم تفرّدت مرسلة الصدوق بتفسير الثني في الإبل والبقر والمعز والضأن.
إلى هنا تم ذكر الروايات الواردة حول الأضحية.
بقي هنا شيء، وهو أنّ الظاهر من صحيحة الحلبي الواردة في الأضحية، أنّه لا يشترط في البقر سن، حيث ورد فيها: «أمّا البقر فلا يضرّك بأيّ أسنانها ضحيت، وأمّا الإبل فلا يصلح إلاّ الثني فما فوق».1
ويمكن أن يقال بأنّ البقر قبل أن يدخل في السنة الثانية لا يصدق عليه البقر، إنّما يُطلق عليه العجل، فصدق البقر يلازم كونه داخلاً في السنة الثانية، ولذلك قال: «لا يضرك بأي أسنانها ضحّيت».

ما ورد حول الهدي:

قد وردت حول أسنان الهدي روايتان، وهما:
1. صحيحة حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام): أدنى ما يجزي من

1 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث5.

صفحه 69
أسنان الغنم في الهدي؟فقال:«الجَذَع من الضأن»، قلت: فالمعز؟ قال:«لا يجوز الجَذَع من المعز»، قلت:ولِمَ؟ قال: «لأنّ الجذع من الضأن يلقح والجذع من المعز لا يلقح».1
فالرواية تفرّق بين المعز والضأن، ففي الثاني يجزي الجذع دون الأوّل، فإذا لم يجزئ الجَذَع فتتعين الدرجة التالية وهي الثني.
2. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال:«ويجزي في المتعة الجذع من الضأن، ولا يجزي الجذع من المعز».2
وهذه الرواية كالسابقة إلاّ أنّ المشكلة هو تحديد الجذع كما مرّ.
ولم نعثر على رواية حول الهدي إلاّ ما ذكرنا.

ما ورد من دون تقييد بالأضحية والهدي:

1. صحيح عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ،عن علي(عليه السلام) أنّه كان يقول:«الثنية من الإبل، والثنية من البقر، والثنية من المعز، والجذعة من الضأن».3
فالرواية دلّت على أنّ المجزي من البقر والإبل والمعز هو الثنية، ومن الضأن هو الجذعة.
2. صحيح عبداللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«يجزي من الضأن الجذع، ولا يجزي من المعز إلاّ الثني».4
ومفاد الرواية مطابق للرواية السابقة غير أنّ الثانية لا تتضمن حكم الإبل.

1 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث4.
2 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث6.
3 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث2.

صفحه 70
3. خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«ويصلح الجذع من الضأن، وأمّا الماعز فلا يصلح».1
والرواية تدعم الروايتين السابقتين. ومن الظاهر أنّ قوله:«لا تصلح» كناية عن عدم الإجزاء، وأمّا إجزاء ما فوق الجذع وهو الثني فهو المتبادر منه، لأنّ نفي مرتبة نازلة دالّ على كفاية المرتبة العالية.
4. خبر سلمة أبي حفص، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ،عن علي(عليه السلام) كان يقول:«يجزي من البدن الثني، ومن المعز الثني، ومن الضأن الجذع».2
والرواية تدعم الروايات السابقة.
5. خبر محمد بن حمران، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«أسنان البقر، تبيعها ومسنّها في الذبح سواء».3
فإنّ الظاهر من التبيع ما أكمل سنة واحدة ودخل في الثانية، ففي اللسان: التبيع في البقر يسمّى تبيعاً حينما يستكمل الحول، ولا يسمى تبيعاً قبل ذلك.4
هذه هي الروايات الواردة في المقامات الثلاثة وقد أطبق الكل ـ بعد ما أوضحنا حال بعضها ـ على أنّ المجزي في البُدْن هو الثني كما أنّ البقر كالمعز كذلك وفي الضأن الجذع.
والروايات بأقسامها الثلاثة، تركز على الضابطة، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو من ناحية تفسير اللفظين في الموارد الأربعة.
ثمّ إنّه لو دلّت القرائن على صحّة أحد القولين في الثني والجذع فيؤخذ به،

1 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث8.
2 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث9.
3 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الذبح، الحديث7.
4 . لسان العرب:8/29، مادة «تبع».

صفحه 71
وإلاّ فلابدّ من الرجوع إلى الدليل الاجتهادي، إذا كان، أو الأصل العملي عند فقده، فربّما يقال أنّ المرجع إطلاق قوله سبحانه:(فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)1، فلو كان الهدي صادقاً على الأقل سناً في البقر والمعز والضأن فيجزي أخذاً بالإطلاق.
يلاحظ عليه: أنّ الآية ليست في مقام البيان بالنسبة إلى الشرائط بشهادة أنّه يشترط في الهدي أُمور كثيرة سيشير إليها المصنّف مع سكوت الآية عنها، وعلى فرض كونها في مقام البيان فالهدي الوارد في الآية مقيّد بكونه ثنيّاً في الإبل والبقر والمعز، وجذعاً في الضأن، والمقيِّد مجمل مردّد بين الأقل والأكثر. وعند ذلك يقع الكلام فيما هو المرجع، فربّما يقال: إنّ المرجع عند إجمال المقيِّد هو البراءة من الكلفة الزائدة، فإنّ شرطية الدخول في السنة الثانية في الضأن أو دخول السنة الثالثة في البقر والمعز تكليف زائد يدفع بأصل البراءة، وهذا نظير ما إذا شككنا في وجوب الإيمان في عتق الرقبة فإيجاب الرقبة المؤمنة تكليف زائد يرتفع بالأصل، ولا يعتد بأنّ الرقبتين: المؤمنة والكافرة فردين متبائنين، لأنّ الميزان في جريان البراءة هو وجود احتمال الكلفة الزائدة والمفروض أنّه موجود.
هذا ما عليه بعض السادة من الأساطين على ما في تقريراته بتوضيح منّا، والظاهر أنّ المرجع هو الاحتياط، لأنّ المقام من قبيل الشكّ في المحصِّل ، إذ التكليف تعلّق بأمر بسيط كالثَّنيّ والجذع وهو مردّد في الخارج بين كونه داخلاً في السنة الثانية أو داخلاً في السنة الثالثة. وبما أنّ المكلّف به معلوم تفصيلاً، وإنّما الشكّ في مصداقه ومحقّقه فالعقل يحكم بالاحتياط، ولعلّ المصنّف ـ لأجل ذلك ـ احتاط في المتن في مورد الثَّنيّ والجذع.

1 . البقرة:146.

صفحه 72
الثاني: الصحّة والسلامة، فلا يجزي المريض حتّى الأقرع على الأحوط.*
* الظاهر أنّ الصحّة والسلامة من الشروط المستخرجة من الضابطة، أعني: كونه غير ناقص على ما يأتي في الشرط الرابع. حيث قال: الرابع أن يكون تام الأجزاء، حتّى أنّ المحقّق لم يذكر الصحّة والسلامة وإنّما ذكر الضابطة وقال: الثالث: أن يكون تاماً.1 ولعلّ ذكره مستقلاً لأجل أنّ الشرط الرابع راجع إلى التمامية كمّاً، والصحّة راجعة إلى التمامية كيفاً.
نعم عطف عليه صاحب الجواهر قوله: ولا المريضة البيّن مرضها.2
ويمكن الاستدلال عليه بصحيحة علي بن جعفر الّتي جاء فيها الضابطة الكلية، ففيها: سأل أخاه موسى بن جعفر(عليه السلام) عن الرجل يشتري الأضحية عوراء فلا يعلم إلاّ بعد شرائها، هل يجزي عنه؟ قال:«نعم، إلاّ أن يكون هدياً واجباً، فإنّه لا يجوز أن يكون ناقصاً».3 والأعور ما ذهب حس إحدى عينيه في مقابل الأعمى وهو بذهاب حس كلا عينيه.
فالصحيحة تعطي الضابطة الكلية، وهي مانعية النقص أو شرطية التمام في الهدي الواجب من غير فرق بين كونه عالماً بالنقص قبل الشراء أو بعده، سواء تعذّر الرد أم لم يتعذّر، سواء كان متمكّناً من تبديله بفرد غير ناقص أو لا.
ثمّ إنّ الوارد في الصحيحة هو عدم كونه ناقصاً، فهل هو يصدق على المريض فإنّ المتبادر من الناقص ما سيوافيك من كونها عوراء أو عرجاء أو

1 . شرائع الإسلام:1/260.
2 . الجواهر:19/139.
3 . الوسائل:10، الباب21 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 73
منكسرة القرن أو مقطوع الأُذن أو الخصي، إلى غير ذلك ممّا يوجب وصف الحيوان بالنقص، فهل المرض من أقسام النقص؟ فيه تردد، لأنّ مرجع النقص إلى الكمية في الأعضاء، والصحّة والسلامة يرجعان إلى الكيفية في المزاج.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إذا كان العِوَرُ أو قطعُ الأُذن مانعاً من الإجزاء، فالمرض المزمن أو كون الحيوان أجرب الّذي يفسد اللحم أولى بأن يكون مانعاً من الإجزاء.
ويمكن أن يستدلّ عليه بما ورد في الحديث النبوي المروي عن البراء بن عازب قال: قام بنا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً فقال:«أربع لا تجوز في الأضحى; العوراء البيّن عَوَرُها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن عرجُها، والكسيرة التي لا تُنقي».1
قال العلاّمة في تفسير الحديث. ومعنى البيّن عَوَرُها، الّتي انخسفت عينها وذهبت، فإنّ ذلك ينقصها، لأنّ شحمة العين عضو يُستطاب أكله، والعرجاء البيّن عَرجَها، الّتي عرجها متفاحش يمنعها من السير مع الغنم ومشاركتهن في العلف والرعي فتهزل، إلى أن قال: والمريضة هي الجرباء لأنّ الجرب يفسد اللحم، والأقرب اعتبار كلّ مرض يؤثر في هزالها وفي فساد لحمها.2وخرج المرض الّذي يعالج بسرعة دون أن يفسد لحمها وسيوافيك تفسير القسم الرابع.
وأمّا الأقرع في كلام المصنّف فهو ما سقط شعر رأسه من علّة، فهو أوضح من المريض في دخوله تحت عنوان النقص.

1 . سنن البيهقي:5/242، وفيه مكان «الكبيرة»; «الكسيرة الّتي لا تُنقى».
2 . منتهى المطلب:11/187.

صفحه 74
الثالث: أن لا يكون كبيراً جداً.*
* لم نجد في الفتاوى والنصوص ما يدلّ على مانعية الكبر، وإنّما حصل الاشتباه من تحريف «الكسيرة» إلى «الكبيرة» في رواية البراء بن عازب، فإنّ الصحيح هي الكسيرة لا الكبيرة كما ستعرف.
قال في «التذكرة»: ويجب أن يكون تاماً فلا تجزي العوراء ولا العرجاء البيّن عرجها ولا المريضة البيّـن مرضها ولا الكسيرة الّتي لا تُنقي، وقد وقع الاتّفاق بين العلماء على اعتبار هذه الصفات الأربع في المنع.
ثمّ إنّه فسّر الكسيرة الّتي لا تُنقي، بالّتي لا مخ لها لهزالها.1 أي لا مخّ لعظامها.
وقال في «المنتهى»: والّتي لا تنقي هي الّتي لا مخ لها لهزالها، لأنّ النِّقي ـ بالنون المكسورة والقاف المسكنة ـ المخ.2 والمراد لا «مخّ» لعظامها حتّى ينجبر الكسر. قال في «المنجد»: النِّقي انتقاء مخ العظم: نَقيَ ينقى العظم: استخرج نقعه.
وتبعه الفاضل الاصفهاني في «كشف اللثام».3
فاتّضح بذلك أنّ الكبر ليس بمانع وإنّما المانع هو كونه كسيراً، والكسير هو مكسور العظم.
ثمّ إنّ الرواية المرويّة عن البراء بن عازب رواها أبو داود في سننه4، وفيها

1 . التذكرة:8/260.
2 . المنتهى:11/187.
3 . كشف اللثام:6/158.
4 . سنن أبي داود:3/97، الحديث 2802.

صفحه 75
الرابع: أن يكون تام الأجزاء، فلا يكفي الناقص كالخصي، وهو الّذي أخرجت خصيتاه، ولا مرضوض الخصية على الأحوط، ولا الخصي في أصل الخلقة، ولا مقطوع الذنب ولا الأُذن، ولا يكون قرنه الداخل مكسوراً، ولا بأس بما كسر قرنه الخارج. ولا يبعد الاجتزاء بمالا يكون له أُذن ولا قرن في أصل خلقته، والأحوط خلافه.*
أيضاً الكسيرة مكان الكبيرة. والبيهقي في سننه كما مرّ.
قال ابن الأثير في «النهاية» في حديث الأضاحي:لا يجوز فيها الكسير، البيّنة الكسر أي المنكسرة الرِّجْل الّتي لا تقدر على المشي.1
* ذكر المصنّف في هذا الفرع عدم إجزاء ما يلي:
1. الخصيّ.
2. مرضوض الخصية.
3. الخصي في أصل الخلقة.
4. مقطوع الذنب.
5. مقطوع الأُذن.
6. مكسور القرن الداخل.
وإليك بيانها:

1. الخصيّ

المشهور عند الإمامية أنّ الخصي ـ أعني ما سُلّت خصيتاه ـ غير مجز، خلافاً

1 . النهاية:4/172.

صفحه 76
لابن أبي عقيل فقال: يكره أن يضحي بالخصي.1 ولعلّه يخصّ الكراهة بالأضحية، دون الهدي، ولذلك قال العلاّمة: لا يجزئ الخصي عند علمائنا.2
وقال في «المنتهى»: لا يجزي الخصي، وبه قال علماؤنا خلافاً لبعض الجمهور.3
ويدلّ عليه مضافاً إلى صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة الّتي جاء فيها قوله: فإنّه لا يجوز أن يكون ناقصاً. ما يلي:
1. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج. قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام)، عن الرجل يشتري الهدي، فلمّا ذبحه إذا هو خصي، مجبوب ولم يكن يعلم أنّ الخصي لا يجوز في الهدي، هل يجزيه أم يعيده؟ قال:«لا يجزيه، إلاّ أن يكون لا قوة به عليه».4 والرواية تحكي عن المرتكز في ذهن الراوي وهو عدم إجزاء الخصيّ، وتقرير الإمام يدعمه، ولولا هذا لأمكن أن يقال: إنّ الممنوع هو مجمع الوصفين: الخصي والمجبوب.
2. ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يشتري الكبش فيجده خصيّاً مجبوباً؟ قال:«إن كان صاحبه موسراً فليشتر مكانه».5 والروايتان متعدّدتان لا متحدتان، لأنّ الأُولى مروية عن أبي إبراهيم، والأُخرى عن أبي عبد اللّه(عليهما السلام). فلا يصحّ حمل الثانية على الأُولى.
يلاحظ على الاستدلال بأنّ الكلام في مانعيّة الخصيّ وحده والوارد فيها، هو

1 . مختلف الشيعة:4/282.
2 . التذكرة:8/262.
3 . منتهى المطلب:11/192.
4 . الوسائل:10، الباب12 من أبواب الذبح، الحديث3.
5 . الوسائل:10، الباب12 من أبواب الذبح، الحديث4.

صفحه 77
الجمع بينه وبين المجبوب.
روي في «تحف العقول» عن كتاب الإمام الرضا(عليه السلام) إلى المأمون:«ولا يجوز في المنْسَك الخَصيّ، لأنّه ناقص ويجوز الموجوء».1 وهو مرضوض عروق الخصيتين.
وفي رواية الأعمش، عن الإمام الصادق(عليه السلام):«ولا يجزي في النسك الخصي، لأنّه ناقص ويجوز الموجوء إذا لم يوجد غيره»2، ويحمل الأُولى على الثانية فلا يجزي الموجوء إلاّ إذا لم يجد غيره.
وأمّا ما دلّ على كفاية الخصيّ في حديث أبي بصير3 أو الحلبي4 فمحمول على الأضحية، ولا ملازمة بين البابين كمامرّ.
وبما أنّ الكلام في الهديّ، تركنا الاستدلال بما ورد حول الأضحية، لعدم ثبوت وحدتهما في الحكم. على أنّ الحكم كأنّه إجماعيّ.
ثمّ اعلم أنّ الخصي وإن فسّرناه بمن سلّت خصيتاه، ولكن الظاهر من العلاّمة أنّ الخصيّ غير هذا حيث بعد ما ذكر الخصي دون أن يفسّره قال: وأمّا مسلول البيضتين فالأقوى أنّه كالخصي،5 ولعلّه عنده هو مرضوض الخصيتين ومقطوع عروقهما، وعلى كلّ تقدير فسلّهما يعدّ نقصاً عضوياً فلا يجزي في الهدي.

1 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث36. ولاحظ ج10، الباب12 من أبواب الذبح، الحديث7 وبين النقلين اختلاف.
2 . الوسائل:8، الباب2 من أقسام الحجّ، الحديث29.
3 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الذبح، الحديث3.
4 . الوسائل:10، الباب12 من أبواب الذبح، الحديث5.
5 . التذكرة:8/264.

صفحه 78

2. مرضوض الخصيتين

والغاية من رضّ عروق الخصيتين هي السمانة، فهل يجزي أو لا؟
والظاهر من غير واحد من القدماء إجزاؤه، قال الشيخ: ولا يجوز الهدي إذا كان خصيّاً ولا التضحية به أيضاً، فإن كان موجوءاً لم يكن به بأس وهو أفضل من الشاة.1 وبهذه العبارة عبّر في «المبسوط».2
وقال ابن إدريس: ولا يجوز الهدي إذا كان خصياً ولا التضحية به، فإن كان موجوءاً لم يكن به بأس، وهو أفضل من الشاة.3
وقال العلاّمة : ويكره الموجوء وهو مرضوض الخصيتين ، لما روى العامّة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ضحّى بكبشين أملحين موجوءين.4
ولا يخفى ما في دليله من الضعف لما عرفت من أنّه لا يحتج على عدم شرطية شيء في الهدي بما دلّ على عدم شرطيته في التضحية.
أقول: الفرق بين الخصي والمرضوض هو أنّ الحيوان يفقد الخصيتين في الخصي لأجل السلّ دون الآخر. وعندئذ لو عُدّ رضّ الخصيتين نقصاً عضويّاً لشملته صحيحة علي بن جعفر.5 وإلاّ فلا مانع من إجزائه إذا شملته الإطلاقات والعمومات، بل يظهر ممّا رواه الصدوق عن الرضا(عليه السلام) عدم كونه ناقصاً ففي كتابه إلى المأمون قال:»ولا يجوز أن يضحّي بالخصي، لأنّه ناقص،

1 . النهاية:257.
2 . المبسوط:1/272.
3 . السرائر:1/596.
4 . التذكرة:8/264.
5 . الوسائل:10، الباب21 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 79
ويجوز الموجأ».1
وأمّا ما دلّ على إجزائه في الأضحية، فلا يكون دليلاً على إجزائه في الهدي لما مرّ في عدم الملازمة.
هذا وقد دلّت صحيحة معاوية بن عمّار على إجزاء الموجوء، وقد رويت بصور ثلاث، والظاهر أنّها رواية واحدة ولكن تختلف متونها بالنقيصة والزيادة، وإليك نقل الجميع:
1. روى الكليني بسند صحيح عن معاوية بن عمّار ـ في حديث ـ قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«اشتر فحلاً سميناً للمتعة، فإن لم تجد فموجأ، وإن لم تجد فمن فحولة المعز، فإن لم تجد فنعجة، فإن لم تجد فما استيسر من الهدي».2
2. روى الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم، عن إبراهيم، عن معاوية، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«ثم اشتر هديك إن كان من البدن أو من البقر، وإلاّ فاجعله كبشاً سميناً فحلاً، فإن لم تجد كبشاً فحلاً فموجَأ من الضأن، فإن لم تجد فتيساً، فإن لم تجد فما تيسّر عليك، وعظّم شعائر اللّه».3
3. روى العياشي عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في قوله تعالى:(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي)قال: «ليكن كبشاً سميناً، فإن لم يجد ففحلاً من البقر، والكبش أفضل فإن لم يجد فموجأ من الضأن، وإلاّ ما استيسر من الهدي شاة».4
وحاصل هذه الروايات أو الرواية الواحدة هو إجزاء الموجوء في المتعة في

1 . الوسائل:10، الباب12 من أبواب الذبح، الحديث10.
2 . الوسائل:10، الباب12 من أبواب الذبح، الحديث7.
3 . الوسائل:10، الباب8من أبواب الذبح، الحديث1. وانظر الحديث4 من نفس الباب.
4 . الوسائل:10، الباب10 من أبواب الذبح، الحديث11.

صفحه 80
ظرف خاص، فالموجوء على الرواية الأُولى مقدّم على فحولة المعز، كما أنّ الموجأ من الضأن على الرواية الثانية مقدّم على التيس، وهو في الرواية الثالثة مقدّم على الشاة.
والظاهر أنّ الترتيب على وجه الاستحباب كما هو اللائح من لحن الروايات. وليس من رعاية الترتيب أثر بين الفقهاء.
وربما يستدل على إجزاء المرضوض بما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النعجة أحبّ إليك أم الماعز؟ قال: «إن كان الماعز ذكراً فهو أحب إليّ، وإن كان الماعز أُنثى فالنعجة أحب إليّ» ـ إلى أن قال: ـ قلت: فالخصي أحبّ إليك أم النعجة؟ قال:«المرضوض أحبّ إليّ من النعجة، وإن كان خصيّاً فالنعجة».1فإنّ إطلاقها يعم الهدي والأضحية معاً. وظاهر الرواية كفاية المرضوض وتقدّمه على النعجة. لكن قد تقدّم عند الكلام في الخصّي، أنّ ما دلّ على كفاية الخصيّ والمرضوض محمول على الأضحية لاتّفاق الأصحاب على عدم إجزاء الخصي، مضافاً إلى النصوص الماضية.
وبذلك يتّضح أنّه لا يصلح الاستدلال بما ورد في خصوص الأضحية2 وكفاية الموجوء فيها، ولذلك اقتصرنا بما ذكر.
ولعلّ فيما ذكرنا من الروايات غنى وكفاية على الاجتزاء. ولا حاجة إلى التمسّك بما ورد في الأضحية.
نعم يظهر من بعض الروايات المنع، نظير:
ما رواه الصدوق في «الخصال» باسناده عن الأعمش في حديث

1 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الذبح، الحديث3.
2 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الذبح، الحديث1; والباب6 من أبواب الذبح، الحديث12.

صفحه 81
مفصّل:«ولا يجزي في النسك الخصي لأنّه ناقص، ويجوز الموجوء إذا لم يوجد غيره».1
والتعارض بينها و بين ما تقدّم واضح، لأنّ ما دلّت عليه الروايات السابقة من المراتب أمر استحبابي كما هو ظاهر من لسانها، فالموجوء ـ في هذه الروايات ـ في عرض سائر الأقسام إلاّ أنّ الأولى تأخيره عند التمكّن من المراتب المتقدّمة . ولكن هذه الرواية تحكم بتأخيره عن الكلّ تأخيراً إلزامياً، فالتعارض بين التأخير الاستحبابي والتأخير الإلزامي واضح، إلاّ أن تحمل رواية الأعمش على الاستحباب.
أضف إلى ذلك كثرة الروايات المجوّزة وتفرّد الأعمش بهذا الحكم.

3. الخصي في أصل الخلقة

وممّا ذكرنا يظهر حكم الخصيّ في أصل الخلقة، فإنّه يُعد نقصاً في الخلقة، وسيوافيك أنّه لا فرق في العوراء بين كونه خلقياً أو عارضياً، وهكذا في غيرها، والجميع يعدّ من النواقص.

4. مقطوع الذنب

وموضع هذا الشرط هو الإبل والبقر والمعز وأمّا الضأن فهي بين ما له ذنب وليس له إلية، كالأغنام المستوردة من الغرب في الحج وما له إلية ليس له ذنب، وكأنّ الإلية تقوم مقام الذنب، وربّما يطلق على مقطوع الذنب، البتراء. قال العلاّمة: والأقرب إجزاء البتراء وهي المقطوعة الذنب، وعلّله بأنّ فقد هذا العضو

1 . الوسائل:8، الباب12 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث29.

صفحه 82
لا يوجب نقصاً في قيمة الشاة ولا في لحمها.1
ولكن الظاهر هو المنع لكونه مصداقاً للنقص إذا كان مقطوعاً، وأمّا إذا كان خلقياً فالظاهر عدم عدّه نقصاً. يقول المحقّق الخوئي: إنّ الحيوانات تختلف خلقة حسب اختلاف البلاد، فإذا فرضنا أنّ معزاً لا ذنب له حسب جنسه وخلقته الأصلية فلا ريب في عدم صدق عنوان الناقص عليه، ومجرّد وجود الذنب في صنف آخر لا يوجب صدق الناقص على الفاقد في نوع آخر.2 وأمّا الفرد الفاقد له فينسب إلى نوعه، فلو كان نوعه واجداً له إلاّ أنّه شذّ عنه هذا الفرد فهو ناقص وإلاّ فهو تام بالنسبة إليه.
وسيوافيك الكلام في نظيره: أي ما لم يكن له أُذن ولا قرن في أصل خلقته عند تعرض المصنّف له.

5. مقطوع الأُذن

إنّ قطع الأُذن على قسمين; فتارة يقطع ويبين المقطوع عن جسم الحيوان، وربما يكون معلّقاً عليه دون أن يبين ويطلق عليه الشق،3 واشتراط عدمه على وفق القاعدة، لأنّه يعد نقصاً، ولم نجد دليلاً في الروايات على اعتبار هذا الشرط في الهدي مع تضافرها على اعتباره في الأضحية، وقد قلنا بأنّ اعتبار شيء في المندوب وعدم الإجزاء بدونه دليل على اعتباره في الواجب أي الهدي.
نعم خرج ما كان شقّها للوسم، ولا يعدّ نقصاً، لتداوله بين الناس.
قال العلاّمة في «المنتهى»: لا بأس بمشقوقة الأُذن أو مثقوبتها إذا لم يكن

1 . المنتهى:11/194.
2 . المعتمد:5/228.
3 . وربّما يكون على وجه ثالث وهو ثقبها، ويكون غالباً للوسمة والعلامة.

صفحه 83
قد قطع من الأُذن شيء.1
وقال في «التحرير»: ولا بأس بمشقوقة الأُذن أو مثقوبها إذا لم يكن قطع من الأُذن شيء، فلا تجزي الجذاء وهي مقطوعة الأُذن.2
وسيوافيك أنّ الشقّ كالقطع مانع إلاّ إذا كان وسمة وعلامة.
ويدلّ على اعتباره في الأضحية ما يلي:
1. ما رواه البزنطي باسناد له عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سُئل عن الأضاحي إذا كانت الأُذن مشقوقة أو مثقوبة بسمة؟ فقال: «ما لم يكن منها مقطوعاً فلا بأس».3
2. صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الضحية تكون الأُذن مشقوقة؟ فقال:«إن كان شقّها وسماً فلا بأس، وإن كان شقاً فلا يصلح».4
ولا يخفى وجود التعارض بين مضموني الخبرين فإنّ الملاك في المنع على الأُولى هو قطع الأُذن من رأس، وأمّا الثاني فالملاك أعم من القطع والشق إذا لم يكن للوسم. فمقتضى القاعدة تقييد الأوّل بالثاني كما سيأتي.
3. خبر سلمة أبي حفص، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، عن أبيه قال:»كان علي(عليه السلام) يكره التشريم في الآذان والخرم، ولا يرى بأساً إن كان ثقب في مواضع المواسم».5
ومقتضى صحيحة البزنطي عدم إخلال الشقّ مطلقاً في الأُضحيّة خلافاً

1 . المنتهى:11/120.
2 . تحرير الأحكام:1/624.
3 . الوسائل:10، الباب23 من أبواب الذبح، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب23 من أبواب الذبح، الحديث2.
5 . الوسائل:10، الباب23 من أبواب الذبح، الحديث3. يقال: شرم الشيء: قطعه، كما يقال خرمه: ثقبه.

صفحه 84
لمفاد صحيحة الحلبي فمقتضى القاعدة تقييد الأُولى بالثانية فيكون القطع والشق مانعين في الأضحية إلاّ إذا كان للسمة والعلامة فإذا كان الحال كذلك في الأضحية ففي الهدي بوجه أولى.
وأمّا إذا لم يكن له أُذن في أصل خلقته فسيوافك الكلام فيه عند تعرض الماتن في «القرن» فانتظر.

6. مكسور القرن من الداخل

فصل المصنّف بين كسر القرن الداخل فلا يجزي، وكسر القرن الخارج فيجزي تبعاً للأصحاب، حتّى ادّعى صاحب الجواهر عدم وجدان الخلاف فيه.1
والمراد من القرن الداخل هو الأبيض الّذي في وسط الخارج، وكأنّ القرن الخارج غلاف له.
قال العلاّمة: العضباء...وهي مكسورة القرن لا تجزي، إلاّ إذا كان القرن الداخل صحيحاً.2
واللازم عرض المسألة على الضابطة فإن عدّ نقصاناً في الحيوان، فلا يجزي أخذاً بالضابطة الواردة في صحيحة علي بن جعفر الماضية، نعم لو كان كسر الجلد أمراً طبيعياً حيث ينكسر ويتساقط شيئاً فشيئاً، أو قطع لأجل انطوائه على رأسه على نحو يؤذيه فلا يعد نقصاناً، وأمّا في غير ذلك فالظاهر أنّه ناقص.
نعم ورد التفصيل بين كسر الداخل والخارج في الأضاحي، واعتمد عليه

1 . الجواهر:19/141.
2 . التذكرة:8/262.

صفحه 85
الأصحاب، وقد عرفت أنّ اعتبار أمر في الأُولى، دليل على اعتباره في الهدي الواجب حسب ما توحي إليه صحيحة علي بن جعفر، وأمّا عدم اعتباره في الأضاحي فلا يكون دليلاً على عدمه في الهدي.
وبذلك يظهر أنّ الاعتماد في التفصيل على ما ورد في الأضاحي من الروايات غير تام، نظير:
1. ما رواه جميل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الأضحية يكسر قرنها؟ قال:«إن كان القرن الداخل صحيحاً فهو يجزي».1
2. روى أيضاً عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال في المقطوع أو المكسور القرن:«إذا كان القرن الداخل صحيحاً فلا بأس، وإن كان القرن الظاهر الخارج مقطوعاً».2
والروايتان متّحدتان لاتّحاد الراوي والإمام المروي عنه وحتّى الراوي عن جميل ـ أعني: ابن أبي عمير ـ وتحمل الثانية على الأُولى من حيث المورد وإن لم يصرّح به فيها.
ومنه تظهر حال ما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام)قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يضحّى بالعرجاء بيّن عرجها، ولا بالعوراء بيّن عورها، ولا بالعجفاء، وبالخرصاء، ولا بالجدعاء، ولا بالعضباء. العضباء: مكسورة القرن، والجدعاء: المقطوعة الأُذن»3. والظاهر أنّ التفسير من الإمام، فلو أخذ بظاهره، تكون النتيجة عدم إجزاء مكسورة القرن مطلقاً، داخلاً كان أو خارجاً في

1 . الوسائل:10، الباب22 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب22 من أبواب الذبح، الحديث3.
3 . الوسائل:10، الباب21 من أبواب الذبح، الحديث3.

صفحه 86
التضحية وبوجه أولى في الهدي، ولو قيّد بما دلّ على التفصيل الوارد في صحيحة جميل، تختصّ الرواية بالأضاحي، ولا يحتجّ بها في الهدي.
نعم في «نهج البلاغة»:«ومن تمام الأضحية: استشراف أُذنها، وسلامة عينها، فإذا سلمت الأُذن والعين سلمت الأضحية وتمّت ولو كانت عضباء القرن تجرّ رجليها إلى المنسك».1
ورواه الصدوق مرسلاً في خطبة العيد إلاّ أنّه قال:«وإن كانت عضباء القرن أو تجرّ رجلها إلى المنسك، فلا تجزي».2
وظاهر ما ورد في «نهج البلاغة» عدم مانعية كسر القرن مطلقاً في الأضحية، ولو تمّ، لكان دليلاً على مورد الأضحية دون المقام.
والأحوط أن يكون قرنه سالماً مطلقاً، إلاّ إذا كان الكسر طبيعياً فإنّه لا يعدّ نقصاً عرفاً.
بقي الكلام فيما ذكره المصنّف، أعني: إذا لم يكن له أُذن ولا قرن في أصل خلقته، حيث لم يستبعد الاجتزاء وإن قال: «الأحوط خلافه».
وحكى صاحب المدارك قطعَ الأصحاب بإجزاء الجمّاء، وهي الّتي لم يخلق لها قرن، و الصمّاء وهي الفاقدة الأُذن خلقة، للأصل، ولأنّ فقد هذه الأعضاء لا يوجب نقصاً في قيمة الشاة ولا في لحمها.3
والظاهر الإجزاء إذا كان نوع هذا الفرد فاقداً له فلا يعدّ ذلك نقصاً في الفرد، وأمّا إذا كان النوع واجداً له ففقدانه يعدّ نقصاً، في الفرد. وأمّا الاستدلال

1 . نهج البلاغة: الخطبة 53. يقال: استشرف: انتصب.
2 . الوسائل:10، الباب21 من أبواب الذبح، الحديث6.
3 . المدارك:8/33.

صفحه 87
ولو كان عَماهُ أو عَرَجه واضحاً لا يكفي على الأقوى، وكذا لو كان غير واضح على الأحوط.*
بالأصل فهو موهون جدّاً، لأنّ الأصل في الشك في البراءة هو الاشتغال، وأمّا عدم استلزام نقص هذه الأجزاء نقصاً في قيمة الشاة ولا في لحمها فهو غير مؤثّر في الحكم، لأنّ الميزان هو النقص كما في صحيحة علي بن جعفر. سواء أكان مؤثّراً في القيمة أو اللحم، أو لا.
* لمّا كانت التمامية شرطاً في صحّة الهدي عند المصنّف فيما سبق، فرّع عليه عدم إجزاء الخصي ولا المرضوض ولا مقطوع الذنب والأذن ولا مكسور القرن، وعلى ذلك كان المناسب، أن يعطف عليه: «ولا العوراء، ولا العرجاء البيّن عرجها» حتّى يترتّب عليه قوله: «ولو كان عماه أو عرجه واضحاً». والأنسب أن يقول:«ولو كان عورُه».
قد عرفت أنّ الميزان كون الهدي تامّاً كما في صحيحة علي بن جعفر، ولا شكّ أنّ العوراء 1 الواضح عَورها، والعرجاء الواضح عَرْجها، نقص لا تشمله صحيحة علي بن جعفر، وأمّا تقييد العور والعرج بالبيّن فإنّما هو تبعاً لما رواه الشيخ الفقيه عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا يُضحّى بالعرجاء بيّن عرجها، ولا بالعوراء بيّن عَورها».2
والمراد من العَوْر البيّن هو المتفاحش الّذي يمنعه من السير مع الغنم ومشاركتهنّ في العلف والمرعى، وظاهر كلام الأصحاب تقييد العرجاء بالبيّن

1 . ما إذا ذهب حسّ إحدى عينيه.
2 . الوسائل:10، الباب21 من أبواب الذبح، الحديث 3.

صفحه 88
ولا بأس بشقاق الأُذن وثقبه، والأحوط عدم الاجتزاء به، كما أنّ الأحوط عدم الاجتزاء بما ابيضّت عينه.*
عرجها، وإطلاق العوراء مع أنّ الوارد في رواية الشيخ والفقيه عن السكوني تقييد كلّ بالبيّن، نعم في رواية الكليني عن السكوني الاقتصار بالعرجاء البيّن فقط.1 دون أن يذكر العور مطلقاً. وإذا دار الأمر بين النقيصة والزيادة فالأُولى هي المتعيّنة، لأنّ النقيصة السهوية أكثر من الزيادة كذلك.
مضافاً إلى أنّ تقييد كلّ بالبيّن على وفاق القاعدة، فإنّه إذا لم يكن العرج ولا العور بيّنين لا يعدّ نقصاً لعدم منع هذا المقدار من العرج عن السير مع الماشية للراعي. خلافاً للمتن حيث احتاط وجوباً.
* أقول: في عبارته فرعان:
1. شقاق الأذن وثقبه، وقد مرّ أنّ القطع مانع مطلقاً، وأمّا الآخران فيمنعان إلاّ إذا كانا سمة وعلامة.
2. إذا ابيضّت عينه، فقد قال في «المدارك»: وإطلاق النص وكلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في العور بين كونه بيّناً كانخساف العين، و غيره كحصول البياض عليها.2
وقال في «المنتهى»: العوراء لو لم تنخسف عينها وكان على عينها بياض ظاهر، فالوجه المنع من الإجزاء، لعموم الخبر، والانخساف ليس معتبراً.3

1 . الوسائل:10، الباب21 من أبواب الذبح، الحديث5.
2 . المدارك:8/32.
3 . منتهى المطلب:11/188.

صفحه 89
الخامس: أن لا يكون مهزولاً ويكفي وجود الشحم على ظهره، والأحوط أن لا يكون مهزولاً عرفاً.*
وعلى هذا فالأعور له أقسام:
1. ما انخسفت عينه بحيث لا تنفتح.
2. ما غلب على عينه البياض.
3. ما قلّ حسّ إحدى عينيه.
والأوّلان بيّنان دون الثالث.
* المسألة مشتملة على حكم وتفسير للموضوع.
أمّا الحكم وهو أنّه لا يجزي المهزول، والهزال مانع والسمن مستحب، لوجود الوسط بين الهزيل والسمين، والحكم مورد اتّفاق.
قال الشيخ: وقد بيّنا أنّه ينبغي أن يكون الهدي سميناً، ولا يُجزئ إذا كان مهزولاً.1
وقال العلاّمة: المهزولة (وهي الّتي ليس على كليتيها شيء من الشحم) لا تجزئ، لأنّه قد منع من العرجاء لأجل الهزال، فالمهزولة أولى بالمنع.2
وقريب منه في «المنتهى».3
وقال في «الجواهر» بعد عبارة المحقّق«ولا يجزي المهزولة»: بلا خلاف أجده.4

1 . النهاية:258.
2 . التذكرة:8/264.
3 . منتهى المطلب:11/194.
4 . جواهر الكلام:19/147.

صفحه 90
ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى ما عرفت من العلاّمة من أنّ المنع عن العرجاء لأجل كونه سبباً للهزال ـ روايات:
1. ما روي عن السكوني بطريقين واشتمل كلاهما على لفظ «العجفاء».
روى السكوني ، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام) قال:»قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): لا يُضحّى بالعرجاء بيّن عرجها، ولا بالعوراء بيّن عورها، ولا بالعجفاء، ولا بالخرقاء، ولا بالجدعاء، ولا بالعضباء».1
قال في «الوافي»: العجفاء : المهزولة، والخرقاء :المخروقة الأُذن، والجدعاء: مقطوعة الأنف والأُذن.2
والرواية وإن وردت في الإضحاء لكن يحتجّ بها أيضاً في الهدي، لما عرفت من أنّ اشتراط شيء في المندوب دليل على اشتراطه في الواجب.
2. ما رواه السكوني عن جعفر(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«صدقة رغيف خير من نسك مهزولة».3
وجه الاستدلال : إنّ عدم ترتّب الثواب على الهدي المهزول على وجه يكون أقلّ من ثواب الرغيف كاشف عن عدم إجزائه، وإلاّ لما كان ثوابه قليلاً على النحو الوارد في الحديث.
3. ما رواه منصور، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«وإن اشترى الرجل هدياً وهو يرى أنّه سمين أجزأ عنه، وإن لم يجده سميناً، ومن اشترى هدياً وهو يرى أنّه مهزول فوجده سميناً أجزأ عنه، وإن اشتراه وهو يعلم أنّه مهزول لم يجز عنه».4

1 . الوسائل:10، الباب21 من أبواب الذبح، الحديث 3و5.
2 . الوافي:13/1224.
3 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الذبح، الحديث4.
4 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الذبح، الحديث2.

صفحه 91
ومورد الرواية هو الهدي بخلاف الرواية التالية فإنّ موردها هو الأضحيّة.
4. صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) ـ في حديث ـ قال:«وإن اشترى أُضحية وهو ينوي أنّها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت سمينة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت مهزولة لم تجزَ عنه».1
ودلالته وإن كانت مختصّة بما إذا اشتراها بنيّة الهزال وكانت وفق المنوي عنه ولكنّها تكشف عن مانعية الهزال ولو في ظرف خاص، وسنرجع إلى هذه المسألة عند كلام المصنّف فيها في المسألة العاشرة.
هذا كلّه حول الحكم.
وأمّا تفسير الموضوع أي الهزال ،ففيه وجهان:
1. أن لا يكون على كليته أو كليتيه شحم، وهذا هو تفسير الشيخ في «النهاية» والقاضي في «المهذّب».
قال الشيخ: وحدّ الهزال الّذي لا تجزئ في الهدي أن لا يكون على كليتيه شيء من الشحم.2
قال ابن البراج: وحدّ الهزال الذي لا يجوز معه ذلك هو أن لا يكون على كليتيه شحم.
وقال3 المحقّق في «الشرائع»: هي الّتي ليس على كليتيها شحم.4
وقد تبعوا في ذلك خبر الفضل قال: حججت بأهلي سنة فعزّت الأضاحي،

1 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . النهاية:258.
3 . المهذب:1/258.
4 . الشرائع:1/261.

صفحه 92
المسألة9. لو لم يوجد غير الخصي لا يبعد الاجتزاء به، وإن كان الأحوط الجمع بينه و بين التام في ذي الحجة من هذا العام، وإن لم يتيسر ففي العام القابل أو الجمع بين الناقص والصوم.
ولو وجد الناقص غير الخصي فالأحوط الجمع بينه و بين التام في بقية ذي الحجة، وإن لم يمكن ففي العام القابل، والاحتياط التام الجمع بينهما وبين الصوم.*
فانطلقت فاشتريت شاتين بغلاء، فلمّا ألقيت إهابيهما ندمت ندامة شديدة كثيرة لما رأيت بهما من الهزال، فأتيته فأخبرته بذلك، فقال:«إن كان على كليتيهما شيء من الشحم أجزأت».1
وفي طريق هذه الرواية ياسين الضرير وهو غير موثّق، ولو قيل بالرجوع في حدّ الهزال إلى العرف لم يكن بعيداً. وبذلك يعلم وجه إفادة المصنّف من الرجوع إلى العرف في تمييز الهزيل عن غيره.
* في المسألة فرعان:
1. إذا لم يوجد غير الخصيّ الّذي سلت خصيتاه ونزعتا.
2. إذا لم يوجد إلاّ الناقص غير الخصي.
وإليك دراسة الفرعين:
الفرع الأوّل: إذا لم يوجد غير الخصي فهناك وجوه:
1. الاجتزاء بالخصيّ.

1 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الذبح، الحديث3.

صفحه 93
2. الجمع بينه و بين ما لو وجد هدياً تاماً إلى آخر الشهر يجب عليه ذبحه. وإن لم يجد في نفس الشهر ففي العام القابل في ذي الحجّة منه.
3. الجمع بين الخصيّ وصوم عشرة أيام حيث إنّه يجب على من لم يجد الهدي أن يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحجّ وسبعة بعد الرجوع إلى المحل.
4. الجمع بين الأُمور الثلاثة: الخصي، الهدي التام في الشهر، وصوم عشرة أيام.
هذه هي الوجوه الّتي ذكرها المصنّف في المتن، فلو دلّ الدليل على الإجزاء في الخصي لما كان للوجوه الثلاثة الأخيرة ـ الّتي مبناها الاحتياط واحتمال شمول ما دلّ عليها للمقام ـ وجه.
الاستدلال على إجزاء الخصي عند الاضطرار
استدلّ على إجزاء الخصي عند الاضطرار بوجوه:
1.قوله سبحانه:(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)1، والمفروض أنّ الخصي هدي ميسور وغيره معسور، فيتعيّن الميسور.
يلاحظ عليه: أنّ الهدي في الآية مقيّد بغير الخصي فكأنّه سبحانه قال: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) غير الخصي، ومعه لا يصحّ التمسّك بالمطلق ظاهراً، المقيّد واقعاً.
2. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام): عن الرجل يشتري الهدي، فلمّا ذبحه إذا هو خصي مجبوب، ولم يكن يعلم أنّ الخصي لا يجزي في الهدي، هل يجزيه أم يعيده؟

1 . البقرة:196.

صفحه 94
قال: «لا يجزيه، إلاّ أن يكون لا قوّة به عليه».1
فإن قلت: إنّ الرواية لا صلة لها بالمورد، لأنّ البحث فيما إذا لم يوجد غير الخصي في الساحة، ولو وجد، لكان متمكّناً من شرائه. وأمّا مورد الرواية، فهو من لا يتمكّن من شراء التام ثانياً، مع تواجده في السوق.
قلت: إنّ عدم التمكّن من الشراء ثانياً من شعب عدم القدرة، فالموضوع حقيقة هو عدمها، سواء أكان لأجل عدم المال، أو لأجل عدم وجوب الهدي التام.
وإن أبيت إلاّ عن عدم دلالة الحديث على صورة عدم الوجدان، لكن يمكن استفادة حكم المورد عن طريق الأولوية.
3. ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يشتري الكبش فيجده خصياً مجبوباً؟ قال:«إن كان صاحبه موسراً فليشتر مكانه».2 وهما روايتان لاختلاف المسؤول ، فانّه في الأوّل هو أبو إبراهيم وفي الثاني أبو عبد اللّه(عليهما السلام).
ومعنى الحديث أنّه يجب على الموسر اشتراء غيره وذبحه.
والمتبادر منه اجتزاء الفقير بالخصي، ويأتي فيه ما ذكرناه في الحديث الأوّل من الإشكال والجواب.
فإن قلت: دلّ غير واحد من الروايات على أنّ من وجد الثمن ولم يجد الهدي وجب عليه أن يُخلفه عند ثقة يشتريه ويذبحه في ذي الحجة وإلاّ فمن قابل فيه،

1 . الوسائل:10، الباب12 من أبواب الذبح، الحديث3.
2 . الوسائل:10، الباب12 من أبواب الذبح، الحديث4.

صفحه 95
وقد عقد صاحب الوسائل باباً له،1 وعلى هذا فيجب عليه إخلاف الثمن عند الثقة لا الاقتصار على الخصي.
قلت: إنّ ما دلّ على إجزاء الخصي حاكم على تلك الروايات، لأنّه حينئذ واجد للهدي المجزي، فالمورد داخل فيما دلّ على الإجزاء لا ما دلّ على الإخلاف.
ولعلّ هذه الروايات الّتي يؤيّد بعضها بعضاً كاف في مقام الإفتاء بالاجتزاء، فتكون النتيجة إجزاء الخصي عند عدم القدرة أو عدم الموضوع.
نعم لا يصحّ الاحتجاج على الإجزاء بما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: قلت:»فالخصي يضحّى به؟ قال(عليه السلام):«لا، إلاّ أن لا يكون غيره».2 لما عرفت من أنّ الاجتزاء بالإضحاء بالناقص لا يكون دليلاً على الاجتزاء به بالهدي. نعم لو دلّ دليل على شرطية شيء في الإضحاء يكون دليلاً على اشتراطه في الهدي. هذا كلّه حول الفرع الأوّل.

إذا لم يوجد إلاّ الناقص غير الخصيّ

وأمّا الفرع الثاني: أعني: إذا لم يجد إلاّ الناقص غير الخصي فيدلّ على إجزائه صحيح معاوية بن عمّار ـ في حديث ـ قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«اشتر فحلاً سميناً للمتعة، فإن لم تجد فموجأ، فإن لم تجد فمن فحولة المعز، فإن لم تجد فنعجة، فإن لم تجد فما استيسر من الهدي».3
أقول: «النعجة» هي الأُنثى من الضأن، وقد تقدّم أنّ الموجوء غير الخصي

1 . لاحظ الوسائل:10، الباب44 من أبواب الذبح، الحديث 1و 2و 3و 4.
2 . الوسائل:10، الباب12 من أبواب الذبح، الحديث8.
3 . الوسائل:10، الباب12 من أبواب الذبح، الحديث7.

صفحه 96
وهو عبارة عمّا رضّت عروق الخصيتين، وكلّ ما ورد في الرواية من أقسام الهدي التام، غاية الأمر يستحب تقديم بعضها على بعض.
وأمّا وجه دلالة الحديث على جواز الاجتزاء بالناقص عند عدم وجدان التام، انّ قوله:«فإن لم تجد فما استيسر من الهدي» بمعنى إذا لم يجد ما يصلح للهدي في حالة الاختيار، فعليه بالميسور من الهدي في حالة الاضطرار.
فإن قلت: أي فرق بين المقام حيث جاز التمسّك بإطلاق قوله:(فَما استَيْسَرَ مِنَ الْهَدي)، وما إذا لم يوجد غير الخصي، حيث منع من التمسك بإطلاق الآية في ذاك المقام؟
قلت: الفرق بين المقامين واضح، وذلك بالإمعان في الرواية حيث إنّ الإمام رخّص فيها بالتمسّك بالآية بعد الانتقال عن حالة الاختيار، والانتقال إلى حالة الاضطرار، بخلاف الفرع السابق فإنّ التمسك فيه بها كان غير مسبوق بشيء من حالة الاختيار، فتدبّر.
وبذلك يعلم أنّ ما احتاط المصنّف من الجمع بين الناقص والتام في شهر ذي الحجة من نفس العام أو العام القابل إذا لم يمكن فيها، وضمّ الصوم إليهما، أولى أن يكون استحبابيّاً.
ولعلّ وجه الاحتياط إطلاق صحيحة علي بن جعفر الشامل لحالتي الوجدان وعدمه. لكنّه مقيّد بما عرفت من صحيحة ابن عمّار.

صفحه 97
المسألة10. لو ذبح فانكشف كونه ناقصاً أو مريضاً يجب آخر، نعم لو تخيّل السمن ثمّ انكشف خلافه يكفي، ولو تخيّل هزاله فذبح برجاء السمن بقصد القربة فتبيّـن سمنه يكفي، ولو لم يحتمل السمن أو يحتمله لكن ذبح من غير مبالاة لا برجاء الإطاعة لا يكفي، ولو اعتقد الهزال وذبح جهلاً بالحكم ثمّ انكشف الخلاف فالأحوط الإعادة، ولو اعتقد النقص فذبح جهلاً بالحكم فانكشف الخلاف فالظاهر الكفاية.*
* في المسألة فروع:
1. لو ذبح فانكشف كونه ناقصاً أو مريضاً.
2. لو تخيّل السمن ثمّ انكشف خلافه.
3. لو تخيّل هزاله فذبح برجاء السمن بقصد القربة فتبيّن سمنه.
4. لو لم يحتمل السمن أو يحتمله لكن ذبح من غير مبالاة لا برجاء الطاعة.
5. لو اعتقد الهزال وذبح جهلاً بالحكم ثم انكشف الخلاف.
6. لو اعتقد النقص فذبح جهلاً بالحكم فانكشف الخلاف.
ومحور البحث في الفرع الأوّل كون الهدي ناقصاً أو مريضاً كالخصي والأعرج، وفي الثاني إلى الفرع الخامس كون الهدي هزيلاً واقعاً أو تخيّلاً، نعم المحور في خصوص الفرع السادس هو النقص تخيّلاً فقط.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

صفحه 98

الفرع الأوّل: إذا انكشف بعد الذبح كون الهدي ناقصاً أو مريضاً

المشهور هو عدم الإجزاء ولم ينقل الإجزاء إلاّ من الشيخ في «التهذيب».1
قال الشيخ في «النهاية»: ومن اشترى هدياً على أنّه تام فوجده ناقصاً لم يجز عنه إذا كان واجباً، وإن كان تطوّعاً لم يكن به بأس.2
قال المحقّق: ولو اشتراها على أنّها تامّة فبانت ناقصة لم يجزه.3
ونسب الحكم في الجواهر إلى الأكثر.4
وكلام المحقّق كالمتن مطلق يقتضي عدم الفرق في ذلك بين أن يظهر النقص قبل الذبح وبعده ولا بين أن يكون المشتري قد نقد الثمن أو لا.
ومقتضى هذه الكلمات أنّ سلامة الحيوان من العيب شرط واقعي تدور الصحّة مدارها إذا كان الذبح مقروناً بقصد الطاعة. والمستند للمنع هو إطلاق صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام): انّه سأل عن الرجل يشتري الأضحية عوراء فلا يعلم إلاّ بعد شرائها، هل تجزي عنه؟ قال:«نعم إلاّ أن يكون هدياً واجباً فإنّه لا يجوز ناقصاً».5 فإطلاقها يشمل جميع الصور المفروضة.
نعم فصّل الشيخ في «التهذيب» وقال:إنّ من اشترى هدياً ولم يعلم أنّ به عيباً ونقد ثمنه ثم وجد به عيباً فإنّه يُجزئ عنه.6 واستدلّ عليه بروايتين:

1 . التهذيب:5/214 برقم 720.
2 . النهاية:259.
3 . شرائع الإسلام:1/261.
4 . الجواهر:19/150.
5 . الوسائل:10، الباب21 من أبواب الذبح، الحديث1.
6 . التهذيب:5/214، الحديث720.

صفحه 99
1. ما روي في الصحيح عن عمران الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«من اشترى هدياً ولم يعلم أنّ به عيباً حتّى نقد ثمنه ثمّ علم فقد تمّ».1
والرواية تفصّل بين ظهور العيب والعلم به بعد الثمن وقبله، فيجزي في الأوّل كما لا يجزي في الثاني.
والهدي في الرواية إمّا منصرف إلى الواجب، أو مطلق يعم الواجب والمستحب.
2. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، في رجل يشتري هدياً فكان به عيب عور أو غيره؟ فقال: «إن كان نقد ثمنه فقد أجزأ عنه، وإن لم يكن نقد ثمنه ردّه واشترى غيره».2
وهذه الرواية كرواية الحلبي تفصّل بين العلم بالعيب بعد نقد الثمن أو قبله فلا يجزي إلاّ في الأوّل.
وصحّة الروايتين سنداً تمنع عن طرحهما، ومقتضى القاعدة تقييد إطلاق صحيحة علي بن جعفر بهما وتكون النتيجة هو التفصيل بين ظهور العيب بعد نقد الثمن فيجزي وإلاّ فلا.
لكن الأصحاب لم يعملوا بهما فاللازم حملهما على الهدي المندوب، حتّى أنّ الشيخ في «الاستبصار» خالف «التهذيب» ولم يقل بالإجزاء إذا علم بعد نقد الثمن.3 فلو صحّ حملهما على المندوب وإلاّ فالمرجع هو صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة، وتكون النتيجة هو كون السلامة من العيب شرطاً واقعياً لا علميّاً.

1 . الوسائل:10، الباب24 من أبواب الذبح، الحديث3.
2 . الوسائل:10، الباب24 من أبواب الذبح، الحديث1.
3 . الاستبصار:2/269 برقم 953.

صفحه 100

الفرع الثاني: لو تخيّل السمن ثمّ انكشف خلافه

قال المحقّق: وكذا (أجزأته) لو اشتراها على أنّها سمينة فخرجت مهزولة.1
قد تقدّم أنّ السمن مستحب وليس بواجب، وإنّما الهزال مانع وعندئذ يكفي في تحقّق الموضوع، اشتراؤه بما أنّه غير هزيل، ولا يختص الفرض باعتقاد كونه سميناً فلو دلّ الدليل على الصحّة يكون كاشفاً عن أنّ مانعية الهزال شرط علمي لا واقعي والمفروض أنّه اشترى باعتقاد أنّه سمين أو غير مهزول، وتدلّ على الصحّة روايات:
1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) ـ في حديث ـ قال:«وإن اشترى أضحية وهو ينوي أنّها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت سمينة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت مهزولة لم تجز عنه»2، فلو كان لدليل مانعية الهزال إطلاق تكون الصحيحة مقيدة له ومخصّصة لدليل الشرطية بصورة العلم بالهزال.
وإطلاق قوله:«فخرجت مهزولة» يعمّ قبل الذبح وبعده، لأنّ المراد من خروجها مهزولة، معرفة هزالها وهي تحصل في كلتا الحالتين، نعم يختصّ الحكم بما إذا نقد الثمن وصارت المعاملة لازمة. لانصراف قوله:«وإن اشترى أضحيّة» إليه.
لكن الاستدلال بها على المقام غير تام، لأنّ موردها هو الأضحية والحكم بالاجتزاء فيها لا يلازم الاجتزاء في الهدي، وقد مرّ وجهه مراراً.
2. ما رواه سيف بن منصور، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:»وإن اشترى الرجل

1 . شرائع الإسلام:1/261.
2 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 101
هدياً وهو يرى أنّه سمين أجزأ عنه، وإن لم يجده سميناً».1 والاحتجاج به صحيح، لأنّ مورده الهدي.
3. مرسلة الصدوق قال: قال علي(عليه السلام):«إذا اشترى الرجل البدنة عجفاء فلا تجزئ عنه، وإن اشتراها سمينة فوجدها عجفاء أجزأت عنه، وفي هدي المتمتع مثل ذلك».2
ثمّ إنّ ظاهر عبارة «الشرائع» هو الإجزاء مطلقاً، سواء ظهر هزاله قبل الذبح أو بعده، لكن صاحب الجواهر خص الإجزاء بما إذا ظهر الهزال بعد الذبح، ولو ظهر قبله قال: لا يجزي. واستدلّ عليه بأنّ المنساق من قوله: «فوجده سميناً» هو ما بعد الذبح، فالمرجع في غيره إطلاق عدم الإجزاء الوارد في صحيح ابن مسلم ، وإليك نصّ ما نقله:
عن أحدهما(عليهما السلام): سئل عن الأضحية قال: أقرن فحل سمين عظيم الأنف و الاذن ـ إلى أن قال ـ ان اشترى أضحية وهو ينوي أنّها سمينة فخرجت مهزولة لم تجز عنه، قال:»إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يضحي بكبش أقرن، عظيم، سمين، فحل، يأكل في سواد، وينظر في سواد، فإذا لم يجدوا من ذلك شيئاً فاللّه أولى بالعذر».3
يلاحظ عليه أوّلاً: منع التبادر بعد الذبح من قوله: «وإن لم يجده سميناً» في رواية منصور أو قوله: «فوجدها عجفاء» في مرسلة الصدوق، لأنّ المراد من الوجدان معرفة كونه هزيلاً وهو يحصل في كلتا الحالتين، نعم معرفته بعد الذبح أسهل.

1 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الذبح، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الذبح، الحديث8.
3 . الجواهر:19/148.

صفحه 102
وثانياً: أنّ ما نقله من صحيح محمد بن مسلم، فقد تطرق إليه التصحيف في النقل وهي رواية واحدة نقل صدرها في الوسائل في الباب13 من أبواب الذبح، الحديث3 ووسطها في الباب16 منها الحديث1، وإليك نقل الحديث من «التهذيب» بكامله:
«وإن اشترى أُضحية وهو ينوي أنّها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت سمينة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت مهزولة لم تجز عنه» وقال:»إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يضحي بكبش أقرن عظيم سمين فحل يأكل في سواد وينظر في سواد، فإذا لم تجدوا من ذلك شيئاً فاللّه أولى بالعذر«. وقال: الإناث والذكور خير من الإبل، والبقر يجزي، وسألته أيضحى بالخصيّ؟ فقال:»لا».1 ترى أنّها تدلّ على الإجزاء، لا على عدمه، وإطلاقه يعم كلتا الحالتين. وليس فيها ما نقله:«لم تجز عنه» بل الوارد «أجزأت عنه».

الفرع الثالث: ولو تخيّل هزاله فذبحه برجاء السمن بقصد القربة فتبيّن سمنه يكفي

وجه الصحّة أنّ الواجب عليه هو ذبح السمين أو غير الهزيل مع قصد القربة، والمفروض تحقّق كلا الجزأين أي كان الهدي سميناً وذبحه بقصد الطاعة.
فإن قلت: لو وجده سميناً قبل الذبح، يتمشّى منه القربة لا بعد الذبح، والمفروض، هو الاجتزاء مطلقاً ومعه كيف يتمشّى القربة مع تخيّله هزاله؟
قلت: يكفي في تمشّي القربة احتمال كونه سميناً والمفروض في عبارة المصنّف «تخيّل هزاله» و معنى ذلك هو الظن به، لا القطع به واحتمال كونه

1 . التهذيب:5/205 برقم 686.

صفحه 103
سميناً قبل الذبح يكفي في تمشّي القربة.
هذا هو مقتضى القاعدة مضافاً إلى روايات تدلّ على الإجزاء.
1. رواية منصور، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) وفيها:«ومن اشترى هدياً وهو يرى أنّه مهزول فوجده سميناً أجزأ عنه».1
2. صحيحة الحلبي:«إذا اشترى الرجل البدنة مهزولة فوجدها سمينة فقد أجزأت».2
3. رواية عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)وفيها:«وإن اشتريته مهزولاً فوجدته سميناً أجزأك».3
نعم أنّ مورد الأخيرة هو الأضاحي لقوله في صدرها:«في الهرم الّذي قد وقعت ثناياه أنّه لا بأس به في الأضاحي».
الفرع الرابع: لو لم يحتمل السمن أو يحتمله ولكن ذبح من غير مبالاة لا بقصد الطاعة،(فتبيّن السمن) فقال المصنّف: إنّه لا يكفي. وجهه: أمّا في الصورة الأُولى فلعدم تمشّي القربة، لأنّه قاطع بهزاله، وقاطع بأنّه غير مأمور به فكيف يذبح إطاعة لأمره، وأمّا الصورة الثانية، أعني: فإذا احتمله ولكن ذبح من غير مبالاة لا بقصد الطاعة فهو و إن كان متمكناً من قصدها، لكنّه ذبحه من غير مبالاة لا برجاء الطاعة.
فإن قلت: مقتضى إطلاق ما سبق من الروايات في الفرع الثالث هو الصحة في الفرع الرابع في كلتا الصورتين. فعن رواية منصور عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):

1 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الذبح، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الذبح، الحديث5.
3 . الوسائل:10، الباب16، من أبواب الذبح، الحديث6.

صفحه 104
«ومن اشترى هدياً وهو يرى أنّه مهزول فوجده سميناً أجزأ عنه»1. وإطلاقها يعمّ ما إذا ذبح بتخيّل أنّه هزيل، أو ذبح قاطعاً بأنّه هزيل فبان سميناً.
قلت: الأخذ بإطلاق هذه الروايات مشكل، لاستلزامه إلغاء قصد القربة في صحّة العمل القربي، والمفروض أنّه قاطع بالهزال أو يحتمل السمن، لكن ذبحه بلا مبالاة. ولابدّ من حمل هذه الروايات على ما سبق في الفرع الثالث. من الاشتراء بتخيّل الهزال.

الفرع الخامس: لو اعتقد الهزال وذبح جهلاً بالحكم فبان سميناً

احتاط المصنّف بالإعادة ولكن الظاهر الصحّة، لأنّ هذا الفرع يختلف عن الفرع الرابع، لأنّ علمه بالحكم الشرعي في رابع الفروع يصدّه عن قصد القربة والطاعة، بخلاف المقام فإنّ جهله بالحكم الشرعي وانّ السمين والهزيل سواء في الإجزاء، يمكّن المكلّف من قصد القربة، فمقتضى القاعدة الصحّة، لكن المصنّف احتاط بالإعادة وعدم الكفاية، ولا وجه لوجوبها، وذلك لأنّ الصحّة رهن أمرين:
1. كون الهدي واجداً للشرط، أعني: السمن والمفروض وجوده.
2. تمشّي القربة وهو أيضاً مفروض الوجود، لأنّ جهله بالحكم صار سبباً لتمشّيه، فلا وجه للاحتياط إلاّ إذا كان على وجه الاستحباب.

الفرع السادس: لو اعتقد النقص فذبح جهلاً بالحكم فانكشف الخلاف فالظاهر الكفاية

وجهه: أنّ الإجزاء رهن أمرين موجودين في المقام:

1 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الذبح، الحديث2. ولاحظ الحديث 5 ، 4.

صفحه 105
مسألة11. الأحوط أن يكون الذبح بعد رمي جمرة العقبة، والأحوط عدم التأخير من يوم العيد، ولو أخّر لعذر أو لغيره فالأحوط الذبح أيام التشريق، وإلاّ ففي بقية ذي الحجة، وهو من العبادات يعتبر فيه النية نحوها، ويجوز فيه النيابة وينوي النائب، والأحوط نية المنوب عنه أيضاً، ويعتبر كون النائب شيعياً على الأحوط، بل لا يخلو من قوة، وكذا في ذبح الكفّارات.*
1. كون الهدي تاماً في الواقع، والمفروض أنّه كذلك وإن تخيّل النقص.
2. تمشّي القربة والمفروض وجوده، لأنّ جهله بالحكم وأنّ الناقص والتام سواء في الإجزاء صار سبباً لتمشّي القربة.
والقول بالصحّة وعدم الإعادة في الفرع السادس يلازم القول بهما في الفرع الخامس بطريق أولى، وذلك لأنّ الهزال مانع علمي لا واقعي، بخلاف سلامة الحيوان فإنّها شرط واقعي. فإذا صحّ فيه، يصحّ في العلمي لوجه أولى.
نعم الشرط متحقّق في كلا الفرعين ولم يظهر لي وجه التفريق بين الفرع الخامس والسادس.
* في المسألة فروع:
1. لزوم تأخير الذبح عن رمي جمرة العقبة احتياطاً.
2. عدم جواز تأخير الذبح عن يوم العيد إلاّ لعذر ويذبح أيّام التشريق، وإلاّ ففي بقية أيّام الشهر.
3. الذبح من القربيات يعتبر فيه نيّة القربة.
4. الذبح قابل للنيابة فينوي النائب والمنوب عنه أيضاً على الأحوط.

صفحه 106
5. اعتبار الإيمان في الذابح في المقام وفي الكفّارات.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.

الفرع الأوّل: تجب رعاية الترتيب بين الرمي والذبح

تجب رعاية الترتيب في المناسك الثلاثة: الرمي والذبح والحلق بتقديم الرمي على الذبح والذبح على الحلق. وقد أشار المصنّف إلى لزوم الترتيب بين الرمي والذبح هنا، وإلى لزوم الترتيب بين الذبح والحلق في المسألة 27، والأصحاب عنونوا الفرع بكلا شقّيه في مقام واحد لكن المصنّف فرق بين الشقّين رعاية لذكر كلّ فرع في موضعه، ونحن نقتفيه فنقول: يظهر من غير واحد من الأصحاب أنّ رعاية الترتيب بين الرمي والذبح ليس بواجب.
قال المحدّث البحراني: اختلفت الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في ترتيب المناسك الثلاثة يوم النحر هل هو على جهة الوجوب: الرمي ثمّ الذبح ثم الحلق، أو الاستحباب؟ قولان، ثمّ ذكر القائلين بكلا القولين.1
وأكثر من نقل عنهم الاستحباب إنّما يركّزون على الشق الثاني أي الذبح ثمّ الحلق، لا الشق الأوّل، ونحن نذكر في المقام من يصرح بالاستحباب في الشق الأوّل الّذي هو محل الكلام.
1. قال الشيخ في «الخلاف» ينبغي أن يبتدئ بمنى برمي جمرة العقبة، ثمّ ينحر ثم يحلق، ثم يذهب إلى مكة ـ إلى أن قال: ـ و به قال الشافعي.2 بناء على أنّ لفظة «ينبغي» ظاهرة في الاستحباب.

1 . الحدائق:17/241.
2 . الخلاف:2/345، المسألة 168.

صفحه 107
2. وقال ابن إدريس: فإذا فرغ المستمتع من مناسكه يوم النحر بمنى وهي ثلاثة: يرمي جمرة العقبة فحسب على ما قدّمناه والذبح والحلق أو التقصير على جهة التخيير على ما ذكرنا، ولا بأس بتقديم أيّها شاء على الآخر، إلاّ أنّ الأفضل الترتيب.1
وفي «المختلف» المطبوع أخيراً نقلاً عن السرائر:«ولا بأس بتقديم أيّتهما شاء على الآخر».2 ولو صحّ ما في «المختلف» يختصّ نفي البأس بالذبح والحلق ولا يعمّ الرمي. ولكن القول المشهور هو لزوم الترتيب. وحكى المحدّث البحراني القول بالوجوب عن الشيخ في «المبسوط» و «الاستبصار» و عن أكثر المتأخّرين، منهم: العلاّمة في أكثر كتبه، والمحقّق في الشرائع، وغيرهما.3
قال العلاّمة: فإذا فرغ من رمي جمرة العقبة ذبح هديه أو نحره إن كان من الإبل.4
والمهم دراسة الروايات، ويدلّ على وجوب الترتيب أُمور:
1. السيرة النبوية ففي صحيح معاوية بن عمّار في وصف حج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):»فلمّا أضاء له النهار أفاض حتّى انتهى إلى منى فرمى جمرة العقبة، وكان الهدي الّذي جاء به رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أربعاً وستين أو ستاً وستين، وجاء عليّ بأربع وثلاثين أو ست وثلاثين، فنحر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ستاً وستين، ونحر عليّ أربعاً وثلاثين بدنة».5

1 . السرائر:1/602.
2 . المختلف:4/289، تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
3 . الحدائق:17/241. ولاحظ مستند الشيعة:12/302.
4 . منتهى المطلب:11/143.
5 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4.

صفحه 108
2. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):«إذا رميت الجمرة فاشتر هديك».1 ولعلّ الاشتراء كناية عن الاشتغال به.
3. الصحاح المتضافرة الّتي رواها سعيد الأعرج وسعيد السمان وأبو بصير2 الدالّة على جواز الإفاضة من المشعر قبل الفجر للمفطر كالنساء، فإذا وصلن إلى منى، يرمين أوّلاً، ومن كان لها هدي تقيم وتذبح. ونقتصر بما رواه سعيد السمان: قال سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:» إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عجَّل النساء ليلاً من المزدلفة إلى منى، وأمر من كان منهنّ عليها هدي أن ترمي ولا تبرح حتّى تذبح، ومن لم يكن عليها منهنّ هدي أن تمضي إلى مكّة حتّى تزور».3
والرواية حاكية عن الترتيب وسيوافيك الاستدلال بهذه الروايات أيضاً على تعيّن اليوم العاشر للذبح فانتظر.
4. معتبر محمد بن أبي نصر قال: قلت لأبي جعفر الثاني(عليه السلام): جعلت فداك إنّ رجلاً من أصحابنا رمى الجمرة يوم النحر، وحلق قبل أن يذبح؟ فقال: »إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) (لمّا كان يوم النحر) أتاه طوائف من المسلمين فقالوا: يا رسول اللّه ذبحنا من قبل أن نرمي، وحلقنا من قبل أن نذبح، فلم يبق شيء ممّا ينبغي أن يقدّموه إلاّ أخّروه، ولا شيء ممّا ينبغي أن يؤخّروه إلاّ قدّموه، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): لا حرج، لا حرج».
يقول 4السيد الحكيم: الإنصاف أنّ ظاهر السؤال في الصحيح كون التقديم

1 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2، 5 و 7.
3 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث5.
4 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث6.

صفحه 109
والتأخير عن عذر ـ كالجهل والنسيان ـ لا صورة العمد، فلا يحسن لأجلهما رفع اليد عن ظاهر الأمر وغيره في الوجوب.1 فالأقوى كون التأخير عن الرمي واجباً، لا كونه أحوط كما عليه المصنّف في المتن.

الفرع الثاني: عدم جواز تأخير الذبح عن يوم العيد

المشهور عند الأصحاب عدم جواز تأخير النحر عن يومه إلاّ لعذر.2
ومحطّ البحث هو الجواز التكليفي بمعنى عدم كون التأخير عصياناً وإلاّ فالجواز الوضعي، أي كونه مجزئاً فهو أمر مسلم كما سيوافيك.
قال المحقّق: ويجب ذبحه يوم النحر، مقدّماً على الحلق، فلو أخّره أثم وأجزأ، وكذا لو ذبحه في بقية ذي الحجّة جاز.3
وقال العلاّمة في «المنتهى»: ووقت ذبحه يوم النحر وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ثمّ نقل عن أحمد والشافعي قولاً بجواز نحره قبله. واستدلّ على تعيين الذبح في يوم العيد بقوله: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نحر يوم النحر وكذا أصحابه وقال: «خذوا عنّي مناسككم».4
وقال في «المدارك»: أمّا وجوب ذبحه يوم النحر فهو قول علمائنا وأكثر العامّة.5
وقال في «الجواهر» بعد قول المحقّق: بلا خلاف أجده في عدم جواز

1 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث6.
2 . دليل الناسك:383.
3 . الشرائع:1/260.
4 . منتهى المطلب:11/177ـ 178.
5 . مدارك الأحكام:8/27.

صفحه 110
التقديم على يوم النحر لا على عدم جواز تأخيره عنه فهو وإن كان مقتضى العبارة لكن ستعرف القائل بالجواز.1
ومع ذلك نجد القول بالجواز بين القدماء، كالشيخ الطوسي والحلبي وابن إدريس، فإنّ كلماتهم حاكية عن جواز التأخير إلى آخر الشهر.
قال في «النهاية»: فأمّا هدي المتعة فإنّه يجوز ذبحه طول ذي الحجّة على ما بيّناه.2
وبهذه العبارة عبّر الحلبي في كتابه3، وابن إدريس في سرائره.4
نعم لو حمل الجواز في كلماتهم على الجواز الوضعي لا على الجواز التكليفي يكون قولهم موافقاً للقول المشهور فإنّ الفقهاء اتّفقوا على أنّ الذبح في أيام التشريق بل إلى آخر الشهر مجز مسقط للتكليف وإن كان الرجل آثماً ،ولكن ظاهر العبارة هو الجواز التكليفي والوضعي معاً.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر اختار قولاً ثالثاً وهو جواز التأخير تكليفاً ووضعاً إلى آخر أيام التشريق (الثالث عشر من ذي الحجة الحرام). نعم لو أخّر عنها مختاراً أثم وإن كان هو يجزي في جميع ذي الحجّة الحرام أيضاً، كالمعذور.5
وعلى ذلك ففي المسألة أقوال ثلاثة:
1. تعيّن يوم العيد للذبح لا يقدّم عليه ولا يؤخّر عنه.
2. جواز تأخيره تكليفاً ووضعاً وهو خيرة المشايخ الثلاثة في النهاية والغنية

1 . الجواهر:19/133.
2 . النهاية: 257.
3 . غنية النزوع:2/191.
4 . السرائر:1/595.
5 . الجواهر:19/135.

صفحه 111
والسرائر. وخيرة الشيخ أيضاً في مصباح المتهجد.1 بناءً على ظهور كلامهم في الجوازين: التكليفي والوضعي.
3. التفصيل بين أيّام التشريق فيجوز تكليفاً ووضعاً، وأمّا ما بعده فإنّما يجوز وضعاً ولا يجوز تكليفاً. وهو خيرة صاحب الجواهر.2
فلنأخذ بدراسة القول الأوّل ثمّ الثالث ويتبيّن من خلال البحث، مدى صحّة القول الثاني.

القول الأوّل:

يتعيّن يوم العيد للذبح ولا يجوز تأخيره إلاّ لعذر. ويدلّ على ذلك أُمور:

1. التأسّي بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

قد تقدّم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نحر يوم العيد.
وأورد عليه بأنّ مجرد العمل أعمّ من الواجب والمستحب.
أقول: ما ذكروه من الإشكال لو صحّ فلا يصحّ في المقام، لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان في هذه الرحلة بصدد تعليم مناسك الحج، فعمله حجّة لا يصحّ التجاوز عنه إلاّ بدليل.
وإلى ما ذكرنا يشير المحدّث البحراني: انّ العبادات لمّا كانت توقيفية فيجب الوقوف فيها على ما بيّنه صاحب الشريعة، ورسمه بقول أو فعل والّذي ثبت عنه هو النحر في هذا اليوم، فإبراء الذمة والخروج عن العهدة رهن

1 . مصباح المتهجد:643.
2 . الجواهر:19/135.

صفحه 112
متابعته.1
نعم التأسّي دليل على التعيّن لو لم يدلّ دليل على سعة الوقت.

2. إيجاب التوكيل للذبح يوم النحر

يدلّ على تعيّنه يوم النحر، وجوب التوكيل يوم النحر، على من لا يقدر على الذبح مباشرة لعدم حضوره بمنى لخروجه منها إلى مكة، فلو كان التأخير جائزاً لما كان لإيجابه وجه إذ في وسعه، الذبح بعد الرجوع إلى منى وإليك ما يدلّ عليه.
1. خبر علي بن أبي حمزة، عن أحدهما(عليهما السلام) قال:«أي امرأة أو رجل خائف أفاض من المشعر الحرام ليلاً فلا بأس فليرم الجمرة ثم ليمض وليأمر من يذبح عنه».2
2. خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»رخّص رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)للنساء والضعفاء أن يفيضوا من جمع بليل، وأن يرموا الجمرة بليل، فإذا أرادوا أن يزوروا البيت وكّلوا من يذبح عنهن».3
3. صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«لا بأس بأن يقدّم النساء إذا زال الليل فيقفن عند المشعر ساعة، ثمّ ينطلق بهن إلى منى فيرمين الجمرة، ثمّ يصبرن ساعة، ثمّ يقصرن وينطلقن إلى مكّة فيطفن، إلاّ أن يكنّ يُردن أن يذبح عنهن فإنّهن يوكّلن من يذبح عنهن».4
ومع ذلك فالاستدلال بهذه الروايات موضع تأمل إذ يحتمل أن يكون الأمر

1 . الحدائق:17/76.
2 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث4.
3 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث6.
4 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمعشر، الحديث7.

صفحه 113
بالتوكيل، للذبح في يوم النحر لأجل حفظ الترتيب بين أعمال منى وأعمال مكّة، فإنّ صحّة طواف البيت والسعي، مشروطة بترتّبها على الذبح والحلق، ولو أراد تأخير أعمالها، لجاز له تأخير الذبح عن يوم النحر.

3.تعيّن الحلق يوم العيد دليل على تعيّن الذبح فيه

ويمكن الاستدلال على عدم جواز التأخير عن يوم العيد. بالنحو التالي:
1. لو قلنا ـ كما سيوافيك ـ إنّه لا يجوز تأخير الحلق عن يوم النحر.
2. وقلنا بلزوم رعاية الترتيب بين الذبح والحلق بتقديم الأوّل على الثاني.
كما هو ظاهر ما رواه عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إذا ذبحت أُضحيّتك فاحلق رأسك، واغتسل، وقلّم أظفارك، وخذ من شاربك».1 ولعلّ المراد من الأضحية هي الهدي بقرينة الأمر بالحلق والتقصير بعده.
ويثبت بفضل هذين الأمرين، عدم جواز تأخير الذبح عن يوم العيد.
إلى هنا تم دليل القول بلزوم عدم تأخير الذبح عن يوم النحر، وهو لو لم يكن أقوى فلا أقل أنّه أحوط، كما اختاره المصنّف في المتن. وأمّا في ذيل كلامه من أنّه لو أخّر لعذر أو لغيره فالأحوط الذبح أيام التشريق، وإلاّ ففي بقية ذي الحجة فسيظهر وجهه من خلال دراسة سائر الأقوال.

دليل القول بجواز التأخير إلى أيّام التشريق أو أزيد

قد استدلّ صاحب الجواهر على جواز التأخير إلى ثلاثة أيّام بطائفتين من الروايات:

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.

صفحه 114
الأُولى: ما يدلّ على جواز التأخير لذوي الأعذار.
الثانية: ما يدلّ على تأخير الأضحية إلى ثلاثة أيّام.
وإليك دراستهما:

الطائفة الأُولى: ما يدلّ على جواز التأخير لذوي الأعذار

1. صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) ـ في حديث ـ قال:«إذا وجد الرجل هدياً ضالاً فليعرّفه يوم النحر والثاني والثالث، ثمّ ليذبحها عن صاحبها عشية الثالث».
يلاحظ على1 الاستدلال بأنّ الدليل أخصّ من المدّعى، إذ المدّعى عبارة عن جواز التأخير مطلقاً إلى آخر أيّام التشريق. وأمّا الرواية فموردها أخصّ منه وهو أنّ صاحب الهدي عندما ضلّ هديه ووجده غيره فللغير أن يؤخّر الذبح عنه إلى نهاية عشية الثالث عشر، وما هذا إلاّ لاحتمال أن يعثر صاحب الهدي على ضالّته ويذبحه ولا يصوم، فجواز التأخير لغاية تسهيل الأمر على صاحب الضالّة، وأين هو من تجويز التأخير مطلقاً؟ فالجواز في هذه الصورة لا يكون دليلاً على جواز التأخير مطلقاً.
2. صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في متمتع يجد الثمن ولا يجد الغنم، قال:«يخلف الثمن عند بعض أهل مكّة، ويأمر من يشتري له ويذبح عنه وهو يجزئ عنه، فإن مضى ذو الحجّة أخّر ذلك إلى قابل من ذي الحجة».2
يلاحظ عليه بمثل ما قلناه في السابق، بانّ الدليل أخصّ من المدّعى فإنّ

1 . الوسائل:10، الباب28 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب44 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 115
مورده المعذور أي من عنده الثمن، ولكنّه لا يجد الهدي فتجويز التأخير في هذه الصورة لغاية تسهيل الأمر على الحاج، بإجزاء الاخلاف عند بعض أهل مكّة، عن صيام عشرة أيّام، وأين هو من جواز التأخير مطلقاً إلى آخر الشهر؟!
3. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل نسي أن يذبح بمنى حتّى زار البيت فاشترى بمكّة ثم ذبح، قال: «لا بأس قد أجزأ عنه».1
يلاحظ عليه: الاستدلال مبني على أنّ ذبحه في مكة، في غير يوم النحر كاليوم الحادي عشر، وهو غير ظاهر، أضف إليه أنّ مورده النسيان وهو لا يكون دليلاً على جواز التأخير في حالة ا لتذكر.
4. رواية منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول:«النحر بمنى ثلاثة أيّام، فمن أراد الصوم لم يصم حتّى تمضي الثلاثة الأيام، والنحر بالأمصار يوم، فمن أراد أن يصوم صام من الغد».2
أقول: إنّ لسان الرواية لسان الحكومة بمعنى التوسعة في الموضوع مثل قوله:«الطواف بالبيت صلاة» أو قوله:«التراب أحد الطهورين» ومثله المقام حيث قال:«النحر بمنى ثلاثة أيام» ولكن التنزيل لأجل أثر خاص وهو جواز تأخير الصوم إلى اليوم الثالث حيث إنّ واجب من لم يجد الهدي هو صيام ثلاثة أيّام في الحج وسبعة إذا رجع، قال سبحانه:(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّام فِي الحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ)3، وظاهر الآية أنّ عليه أن يصوم بعد يوم النحر الّذي هو العاشر ولكن الحديث وسّع يوم النحر إلى ثلاثة أيّام فله ألا يبادر بالصيام حتّى

1 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث5.
2 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الذبح، الحديث5.
3 . البقرة:196.

صفحه 116
ينقضي اليوم الثالث، وذلك لعلّه يعثر خلالها بالهدي فيذبحه دون أن يصوم. فالرواية بصدد توسعة يوم النحر لذوي الأعذار لا مطلقاً.
5. ما رواه كليب الأسدي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن النحر؟ فقال:«أمّا بمنى فثلاثة أيام مختصّة، وأمّا في البلدان فيوم واحد»1، لأنّ الغاية من التوسعة، هو تسهيل الأمر على ذوي الأعذار إذا لم يجد الهدي فلو وجده فيها، فليذبحه دون أن يصوم.
والحاصل: أنّ هذه الروايات الّتي استدلّ بها صاحب الجواهر راجعة إلى ذوي الأعذار، وليس لها صلة بالموضوع.
6. ما رواه علي بن أبي حمزة.2 فإنّ مورده نسيان الوكيل الذبح في وقته فيجوز للموكّل ذبحه بعد يوم النحر.

الطائفة الثانية: ما دلّ جواز التأخير في الأضحية، نظير:

1.صحيح علي بن جعفر، إذ سأل أخاه عن الأضحى كم هو بمنى؟ قال:«أربعة أيّام».3
2. موثّق عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الأضحى بمنى؟ فقال:«أربعة أيّام» و عن الأضحى في سائر البلدان؟ فقال:«ثلاثة أيّام».4
ورواه الصدوق وزاد: لو أنّ رجلاً قدم إلى أهله بعد الأضحى بيومين ضحى اليوم الثالث الّذي يقدم فيه.

1 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الذبح، الحديث6.
2 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث4.
3 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الذبح، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الذبح، الحديث2.

صفحه 117
3. خبر غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليه السلام)قال:«الأضحى ثلاثة أيّام وأفضلها أوّلها».1
والاستدلال بهذه الروايات ليس بتام لمامرّ من أنّ جواز التأخير في الأضحية لا يكون دليلاً على جوازه في باب الهدي. وبعبارة التوسعة لأجل الأضحية، لا للهدي.
وبذلك اتّضح قوة ما في المتن من عدم جواز التأخير عن يوم العيد اختياراً، وأمّا ذوو الأعذار كما في الروايات السابقة فليس فيه منع. فيجوز لهم الذبح طول الشهر.
فإن قلت: يظهر من موثّقة أبي بصير أنّ أيّام الذبح تنقضي يوم النفر، وهو اليوم الثاني أو الثالث عشر، ومعه كيف يجوز لصاحب الأعذار الذبح طول الشهر؟! وإليك الرواية:
عن أبي بصير، عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي، حتّى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة، أيذبح أو يصوم؟ قال:«بل يصوم، فإن أيّام الذبح قد مضت».2
قلت: ظاهر الرواية مخالف لما تقدّم من جواز الذبح لذوي الأعذار، طول الشهر، ومعه لابدّ من حمل لفظ يوم النفر على النفر من مكة بعد انقضاء الحجّ.
وحمله الشيخ على من صام ثلاثة أيّام فأسقطه الصوم ومعه لا يجب الهدي وإن عثر عليه يوم النفر الثالث أو الثاني عشر لجواز الصيام منذ يوم عرفة لمن يعلم أنّه لا يعثر على الهدي.

1 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الذبح، الحديث4.
2 . الوسائل:10، الباب44 من أبواب الذبح، الحديث3.

صفحه 118

الفرع الثالث: الذبح من القربيات يعتبر فيه النية والقربة

المراد من النيّة قصد عنوان ذلك الفعل وعدم الاجتزاء بما إذا صدر عنه عن لا شعور، ووجهه واضح، لأنّ المطلوب ليس مجرد إراقة الدم ذبحاً أو نحراً بل إراقته بما أنّه هدي، لا كفّارة ولا نذر، نظير كلّ فعل مشترك بين عدّة أُمور كدفع المال المشترك بين الهبة والصدقة وأداء الدين فلا يتعيّن لأحدها إلاّ بالنية، ونظيره في العبادات ركعتا الفجر المشتركة بين الفريضة والنافلة وبهذا يتبيّن أنّه كلّما قيل: تجب النية، يراد قصد عنوان الفعل.
وأمّا اعتبار القربة، فلأنّ الأمر بالحجّ أمر عبادي متعلّق بمركّب ذي أجزاء فيكون الجميع أُموراً قربية لكون الأمر بالكلّ أمر قربي. وهذه ضابطة كلية أي إذا كان الأمر بالكل قربيّاً، يكون الأمر بسائر الأجزاء كذلك، لما حقّقنا في محلّه من أنّ امتثال الاجزاء والشرائط بنفس الأمر المتمثّل بالكلّ وليس لها أمر مستقل خرج عن الضابطة بعض الموارد، كالتستر والاستقبال، حيث لا يضر عدم القربة فيهما.
وممّا يدلّ على أنّ الذبح أمر قربي قوله سبحانه: (لَنْ يَنالَ اللّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ).1
فظاهر الآية حصول التقوى بنفس الذبح وهو رهن كون العمل خالصاً للّه سبحانه الّذي هو مرحلة من مراحل التقوى.

1 . الحج:22.

صفحه 119

الفرع الرابع: الذبح قابل للنيابة

يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: جواز النيابة في الذبح وعدم وجوب المباشرة.
الثاني: كيفية النية، فهل ينوي الذابح أو المنوب عنه أو كلاهما.
أمّا المقام الأوّل: فيدلّ على جواز النيابة أمران:
1. السيرة العملية المتّصلة بعصر المعصومين على عدم تصدّي الحاج للذبح أو النحر، بل يقوم الجزّارون الحاضرون في المسلخ، والأصل في ذلك أنّ عمل الذبح ليس عملاً مقدوراً لكلّ من حضر الموقف، بل هو عمل يقوم به مَن مارسه في حياته، وأين هذا من النساء والشيوخ وأكثر الحجاج غير الممارسين له، وهذا يرشدنا إلى أنّ المطلوب من الشارع هو إراقة الدماء بأمر وإرادة من الحاج.
2. الروايات الدالّة على أنّ النساء والمعذورين إذا غادروا منى يوكّلون مَن يذبح عنهم. ففي رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: »رخّص رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)للنساء والضعفاء أن يفيضوا من جمع بليل، وأن يرموا الجمرة بليل، فإذا أرادوا أن يزوروا البيت وكّلوا من يذبح عنهم».1
والحاصل: أنّ جواز النيابة من الوضوح بمكان.
أمّا المقام الثاني: فهل اللازم فيه نية الذابح مباشرة، أو يلزم فيه الأمر، أو يجب الجمع بين الأمرين؟
اختار المحقّق القول الأوّل وقال: والنية شرط في الذبح، ويجوز أن يتولاّها عنه الذابح.2

1 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث6.
2 . الشرائع:1/259.

صفحه 120
وقال في «الجواهر» بعد قول المحقّق:«بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل عن بعض الإجماع عليه، بل في »كشف اللثام»، الاتّفاق على تولّيه لها مع غيبة المنوب عنه، لأنّه الفاعل فعليه نيّته فلا يجزي حينئذ نية المنوب عنه وحدها، لأنّ النيّة إنّما تعتبر في المباشرة.1
أقول: يقع الكلام تارة في مقتضى القاعدة، وأُخرى في مفاد الروايات الواردة في توكيل الغير للذبح أو النحر.
أمّا الأوّل فالذبح الواجب مركب من أُمور ثلاثة:
1. قصد عنوان الفعل(الهدي).
2. كون الفعل للّه أو إطاعة لأمره.
3. نفس الذبح والعمل الخارجي.
فإذا كان القيام بالواجب حرجياً أو ضرريّاً، فربّما يوكل الغير أو يُنيبه، وليس الأمران الأوّلان ممّا يشق، إذ هما من أسهل الأُمور، فلا وجه للاستنابة فيهما، وتنحصر في الأمر الثالث، فيقوم الموكل بكلا الجزأين وينحصر الوكيل بالجزء الأخير، ولذلك لو أمره بالذبح، دون أن يعلمه بأنّه هدي أو أضحية أو صدقة مطلقة، لكفى فيما نوى.
وأيضاً: انّ الحج وفود إلى اللّه سبحانه، وكلّ جزء من أعمال الحجّ يعدّ خطوة قرب من اللّه سبحانه، والقرب يكمن في قصد الطاعة، لأنّه روح العبادة فيكون متمركزاً في الوافد، لا في الجزّار الّذي يذبح لغرض مادّي، إذ لا معنى أن يتقرب الوافد، بنيّة الجزّار وقصده.
وإن شئت قلت: الغاية من القيام بأعمال الحجّ، هو استكمال النفس،

1 . الجواهر:19/118.

صفحه 121
حيث يذكر الحاج المولى سبحانه في كلّ جزء من أجزاء أعماله، ويأتي به لأجله، وهذا لا يحصل إلاّ بقصد نفس الحاج لا الوكيل عنه في نفس العمل.
هذا كلّه في النيابة عن الذبح، وأمّا النيابة عن الحجّ فإنّ النائب إمّا أن يكون الولد الأكبر أو غيره، فالأوّل ينوي امتثال الأمر الموجّه إليه، أعني: وجوب قضاء ما على الوالد أو الوالدين من الفرائض فهو مأمور بالحجّ عنهما.
وأمّا الثاني فهو كالأجير فهو مأمور بالوفاء بالعقود، ولكنّه أمر توصلي لا يضفي على العمل صبغة العبادية، ولا محيص من القول بوجود أمر آخر يقصد امتثاله، وهو الأمر الاستحبابي العام الموجّه لكلّ مؤمن أن يقضي ما على أخيه من الفرائض، وهذا يكفي في عبادية العمل. كما يكفي قصده في الوفاء بعقد الإجارة، ولا غرو في أن يكون امتثال الأمر الاستحبابي مسقطاً للأمر الوجوبي، نظير ما إذا نذر صلاة الليل، فالوفاء بالنذر واجب لكن بعمل مستحب بالذات وإن صار واجباً بالعرض وبالمجاز لأجل النذر. والتفصيل في محلّه.
فإن قلت: إنّ الحاكم ربّما يأخذ الزكاة جبراً من مانعيها، فتحصل له البراءة، مع عدم قصد القربة، أمّا المالك فواضح لأنّه قام به جبراً، لا اختياراً; و أمّا الحاكم فلا معنى لتقرّب المالك بقصد الحاكم.
قلت: إنّ القربة ساقطة في هذه الموارد، فيكفي في براءة ذمّة المالك صدور الفعل عنه بأيّة غاية كانت، وذلك لأنّ الزكاة ليست أمراً عبادياً محضاً، بل أمر عبادي وفي الوقت نفسه مالي، فينتفع به الفقراء والمساكين، ففي ظروف خاصة يكفي تحقّق الجزء الأخير، أخذاً بالميسور، ولذلك يختصّ الجبر بالزكاة والخمس والأُمور المالية، ولا يعمّ العبادية المحضة كالصلاة والصوم والحجّ.
وقد أوضحنا حـال النيّة في كتـاب الزكاة عمّا إذا وكل المالك غيره لأداء

صفحه 122
الزكاة.1
وأمّا ما عن بعض الأساتذة: من أنّ الحاكم ينوي فيه التقرّب لنفسه وبفعله، ومع ذلك يسقط التكليف عن الأصيل وإن لم يتقرّب بعدُ، وهذا المقدار من القرب من اللّه سبحانه لنفسه مجز ومسقط للتكليف، فمورد نظر، إذ ما ذكره ليس بأولى ممّا ذكرناه من سقوط قصد القربة عند أخذ الزكاة من الممتنع والكافر، على أنّ عمل الحاكم في المقام مثل سائر أعماله كإجراء الحدود، وسدّ الثغور، ورفع عيلة الناس، لا يعتبر فيها سوى إجراء أحكامه سبحانه، ولا يجب عليه قصد التقرّب بأعماله.
فإن قلت: رُوي صحيحاً عن أحدهما(عليهما السلام): «إذا وجد الرجل هدياً ضالاً فليعرّفه يوم النحر والثاني والثالث، ثمّ ليذبحها عن صاحبها عشية الثالث».2
فالظاهر من الرواية أنّه تجزي نيّة الذابح، دون حاجة إلى نية المالك.
قلت: الظاهر أنّ العبرة فيه بنيّة المالك أيضاً، لأنّ مقتضى شراء الهدي، للذبح في منى، كون النية مخزونة في نفسه حتّى بعد ما ضل، فتقارن النية المذكورة مع ذبح الواجد للهدي عن صاحبه، يوجب الإجزاء، لأنّ ما يرجع إلى الجوانح مخزون في نفس المالك، وما يرجع إلى الجوارح قائم بالواجد.
فيحصل ممّا ذكرنا أنّ مقتضى القاعدة، أنّ العبرة بنيّة الموكل فيما يرجع إليه.
وأمّا الروايات فلا إشارة فيها إلى أحد الأمرين وأنّ مفاد الجميع، هو جواز التوكيل في أمر الذبح، ولنذكر بعضها، وهي على أقسام:
1. ما دلّ على أنّ اليهودي والنصراني ليس لهما تولّي الذبح. روى الحلبي،

1 . الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء:2/410.
2 . الوسائل:10، الباب28 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 123
عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«لا يذبح لك اليهودي ولا النصراني أُضحيتك».1
2. ما يدلّ على جواز الاستنابة في الذبح. روى بشير بن زيد قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة (عليها السلام):«اشهدي ذبح ذبيحتك».2
ونظيره ما رواه الصدوق عن علي(عليه السلام) أنّه قال:»... مَن فيكم مثلي وأنا الّذي ذبح رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هديه بيده».3
3. ما يدلّ على أنّ صاحب الأعذار يوكّل مَن يذبح عنه، وهي كثيرة ذكرها الحر العاملي في الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر نقتصر بذكر واحد منها.
فعن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:»رخّص رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) للنساء والصبيان أن يفيضوا بليل، وأن يرموا الجمار بليل، وأن يصلّوا الغداة في منازلهم، فإن خفن الحيض مضين إلى مكّة ووكّلن من يضحي عنهن».4
ومورد الروايات ما إذا كان الموكل قاصداً للعنوان و متقرّباً بعمله و الذابح لنفس العمل وليس فيها ما يدلّ على شرطية نيّة الذابح أو كفايته عن نية الموكل.

الفرع الخامس: اعتبار الإيمان في النائب

يعتبر الإسلام في النائب لحليّة أكله، فإنّ ذبيحة الكتابي فضلاً عن غيره حرام. وأمّا اعتبار كونه مؤمناً شيعياً فهو موقوف على أنّ العبرة في كون الذبح موصوفاً بالعبادة بنيّة الذابح لا المنوب عنه، فعندئذ يشترط فيه الإيمان بخلاف ما إذا قلنا بأنّ العبرة بنيّة المنوب عنه، وأمّا الذابح فإنّما هو منفّذ للجزء الخارجي من

1 . الوسائل:10، الباب36 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . نفس المصدر: الحديث4.
3 . الوسائل:10، الباب36 من أبواب الذبح، الحديث6.
4 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث3. ولاحظ الحديث2 و 4 و 6 و 7.

صفحه 124
المسألة12. لو شكّ بعد الذبح في كونه جامعاً للشرائط أو لا لا يعتني به، ولو شكّ في صحّة عمل النائب لا يعتني به، ولو شكّ في أنّ النائب ذبح أو لا يجب العلم بإتيانه، ولا يكفي الظن، ولو عمل النائب على خلاف ما عيّنه الشرع في الأوصاف أو الذبح فإن كان عامداً عالماً ضمن ويجب الإعادة، فإن فعل جهلاً أو نسياناً ومن غير عمد فإن أخذ للعمل أُجرة ضمن أيضاً، وإن تبرّع فالضمان غير معلوم، وفي الفرضين تجب الإعادة.*
الواجب. وبعبارة أُخرى: أنّ قربية العمل وعباديته قائمة بالمنوب عنه لا بالنائب، وعلى ذلك لا يشترط فيه سوى الإسلام.
نعم هو أحوط استحباباً.
* في المسألة فروع:
1. لو شكّ بعد الذبح في كون الذبيحة جامعة للشرائط أو لا.
2. لو شكّ في صحّة عمل النائب.
3. لو شكّ في أصل الذبح.
4. لو ذبح النائب على خلاف ما عيّنه الشرع مع كونه عامداً.
5. تلك الصورة مع كونه غير عامد أجيراً.
6. تلك الصورة ولكن كان عمله تبرعياً.
وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: لو شكّ في الهدي ،وأنّه هل كان جامعاً للشرائط ككونه سالماً واجداً لجميع الأجزاء، أو لا؟ لا يعتدّ بالشكّ، لأنّه شكّ بعد التجاوز عن

صفحه 125
العمل.
الفرع الثاني: لو شكّ في صحّة عمل النائب وأنّه هل سَمّى أو لا؟ لا يعتدّ به، لأنّ الأصل في عمل المسلم هو الصحّة.
الفرع الثالث: لو شكّ في أنّ النائب ذبح أو لا، يجب تحصيل العلم بالذبح، وذلك لعدم جريان قاعدة أصالة الصحّة في المقام، إذ مجراها فيما إذا كان أصل العمل محرزاً وشكّ في شرائطه، لا ما إذا كان أصل العمل غير محرز، مثلاً إذا وقف رجل أمام جنازة وشككنا، أنّه صلّى أو قرأ الفاتحة، فلا يسقط وجوب الصلاة عن الغير.
وبعبارة أُخرى: يجب إحراز الموضوع، وهو بعد غير محرز.
الفرع الرابع: لو عمل النائب على خلاف ما عيّنه الشرع في الأوصاف أو الذبح وكان عالماً بالحكم وعامداً في العمل; يضمن، لأنّه تصرّف على خلاف ما أذن له المالك فيكون ضامناً لقيمته فيدفعها إليه حتّى يعيد الذبح. وأمّا المذبوح الأوّل فالظاهر أنّه للنائب للمبادلة القهرية بين دفع القيمة وتملك العين للنائب، وهذا يجري في كلّ ما أتلفه الإنسان من أموال الغير، فإذا دفع إليه تمام القيمة تكون العين المتلفة الّتي لها قيمة أقلّ، للمتلِف بحكم المبادلة القهرية. اللّهم إلاّ أن يدفع إلى المنوب عنه التفاوت بين قيمة المذبوح والهدي الثاني، فعندئذ تكون الذبيحة للمنوب عنه.
الفرع الخامس: لو فعل ذلك جهلاً أو نسياناً دون أن يكون عن عمد وكان أجيراً في العمل، ضمن أيضاً ضمان الأجير بكلّ ما يتلف من أموال الموجر، والمسألة منصوصة في باب الإجارة.
روى الكليني باسناد صحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سُئل

صفحه 126
المسألة13. يستحبّ أن يقسم الهدي أثلاثاً: يأكل ثلثه ويتصدق بثلثه ويهدي ثلثه، والأحوط أكل شيء منه وإن]كان[ لا يجب.*
عن القصّار يفسد؟ فقال: «كلّ أجير يعطى الأُجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامن».1
إلى غير ذلك من الروايات المروية في هذا الباب. وما ربّما يقال من أنّ الأجير أمين وليس عليه إلاّ اليمين، غير تام، لأنّ المراد به هو الودعي الّذي لا نفع لها فيما أخذ لا الأجير المنتفع به.
الفرع السادس: تلك الصورة ولكن كان عمله تبرعيّاً دون أن يأخذ شيئاً فلا شكّ أنّه تجب الإعادة على المالك، لعدم امتثال الأمر، إنّما الكلام في ضمان المحسن فربّما يقال بعدمه إذ لا سبيل على المحسنين، ولذلك قال المصنّف: فالضمان غير معلوم والظاهر من بعض الأصحاب، هو التفصيل بين تحقّق التلف بفعل المحسن فيضمن لكشفه عن عدم الإحسان وتحقّقه ب آفة سماوية أو بسبب آخر فلا يضمن.
وما ذكر مبني على أنّ الإحسان يدور مدار الواقع، وأمّا لو كان دائراً مدار القصد فالظاهر صدقه في الصورة الأُولى أيضاً.2 ويؤيده أنّ قاعدة الإحسان من مسقطات الضمان.
* في المسألة فرعان:
1. تقسيم الهدي أثلاثاً واجب أو مستحب.

1 . الوسائل:13، الباب29 من أبواب الإجارة، الحديث1.
2 . لاحظ العناوين:2/478.

صفحه 127
2. وجوب الأكل أو استحبابه.
وإليك دراسة الفرعين واحداً بعد الآخر. ونقدّم دراسة الفرع الثاني على الأوّل.

في وجوب الأكل أو استحبابه

اختلفت كلمتهم في وجوب الأكل أو استحبابه وعلى أيّ تقدير هل يكفي أكل شيء منه أو لا يكفي إلاّ الثلث؟
يظهر من ابن إدريس والمحقّق وجوب الأكل.
قال الأوّل: ولا يجوز الأكل من الهدي المنذور ولا الكفّارات، فأمّا هدي المتمتع والقارن فالواجب أن يأكل منه ولو قليلاً ويتصدّق على القانع والمعترّ ولو قليلاً، لقوله تعالى:(فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ)، والأمر عندنا يقتضي الوجوب والفور دون التراخي.1
وقال المحقّق: ويُستحب أن يقسم ثلاثاً: يأكل ثلثه ويتصدّق بثلثه ويهدي ثلثه، وقيل: يجب الأكل منه وهو الأظهر.2
والظاهر من الشيخ وزميله ابن البرّاج هو استحباب الأكل.
قال الأوّل: ومن السنّة أن يأكل الإنسان من هديه لمتعته.3
وقال الثاني: وينبغي أن يقسم ذلك ثلاثة أقسام: يأكل الواحد ـ إلاّ أن يكون هدي نذر أو كفّارة فإنّه إن كان كذلك لم يجز أكل شيء منه ـ و يُهدي قسماً آخر، ويتصدّق بالثالث.4

1 . السرائر:1/598.
2 . الشرائع:1/261.
3 . النهاية:261.
4 . المهذب:1/259.

صفحه 128
وقال العلاّمة: واختلف علماؤنا في وجوب الأكل واستحبابه، وعلى الوجوب لا يضمن بتركه بل بترك الصدقة، لأنّه المطلوب الأصلي من الهدي.1
وقال المحقّق النائيني: يستحب أن يأكل الناسك شيئاً من هديه ولو قليلاً، بل هو الأحوط ويجوز تخصيص ثلثه بنفسه، أمّا استحبابه كما ينسب إلى المشهور، ففيه إشكال.2
وما نسبه إلى المشهور من استحباب أكل الثلث غير ثابت، بل الظاهر من عبارة ابن إدريس والمحقّق هو استحباب أكل شيء منه لا استحباب أكل الثلث. هذه هي الأقوال.
نعم الظاهر من الشافعي هو أكل الثلث. نقل القرطبي عنه أنّه قال مرّة: يأكل النصف ويتصدّق بالنصف، وقال مرّة أُخرى: يأكل ثلثاً ويهدي ثلثاً ويطعم ثلثاً.3
وسيوافيك أنّ ما دلّ من طرقنا على أكل الثلث فإنّما هو مع الأهل والعيال لا الناسك وحده4، إذ كيف يمكن أن يأكل الناسك ثلث البعير أو ثلث البقرة حتّى الضأن السمين في أيام معدودة؟!
إذا عرفت الأقوال فلنرجع إلى دراسة دليل من قال بوجوب الأكل ولو قليلاً.
واستدلّ على وجوب الأكل بوجوه:

1 . التذكرة:8/294.
2 . دليل الناسك:385.
3 . تفسير القرطبي:12/47.
4 . لاحظ صحيح سيف التمّار، الحديث3 من الباب40 من أبواب الذبح كما سيوافيك.

صفحه 129

الأوّل: كتاب اللّه العزيز

أمر سبحانه بالأكل في كتابه وقال:(فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)1، وقال سبحانه: (فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكلُوا مِنْها).2 أي إذا سقطت إلى الأرض بعد النحر فهو وقت أكلها.
وأورد عليه في «الجواهر» بأنّ الآية في مقام توهّم الحظر خصوصاً بعد أن كان المحكي عن الجاهلية تحريم ذلك على أنفسهم، قال في «الكشاف»: «الأمر بالأكل منها أمر إباحة، لأنّ أهل الجاهلية ما كانوا يأكلون من نسائكهم ويجوز أن يكون ندباً لما فيه من مواساة الفقراء ومواساتهم من استعمال التواضع، ومن ثم استحبّ أن يأكل الموسع من أضحيته مقدار الثلث».3
ونقله الطبرسي أيضاً في «مجمع البيان» حيث قال: (فَكُلُوا مِنْهَا) هذا إذن وليس بالأمر، لأنّ أهل الجاهلية كانوا يحرّمونها على نفوسهم.4
يلاحظ عليه: أنّه لا يمكن رفع اليد عن ظاهر الآية بالمرسلة الواردة في الكشّاف والمجمع.
وربّما يؤيد مفاد المرسلة بروايتين:
1. صحيح عبد الرحمن، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الهدي ما يؤكل منه؟ قال:«كلّ هدي من نقصان الحجّ فلا تأكل منه، وكلّ هدي من تمام الحجّ فكل منه».5

1 . الحج:28.
2 . الحج:36.
3 . الجواهر:19/161.
4 . مجمع البيان:3/68، تفسير آية 28 من سورة الحجّ.
5 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث4.

صفحه 130
يلاحظ عليه: أنّ السؤال ليس مركّزاً على الأكل وعدمه حتّى يكون قرينة على أنّ المركوز في أذهانهم ـ يوم ذاك ـ حرمة أكل الناسك من ذبيحته، بل السؤال عمّا يؤكل وما لا يؤكل، والشاهد على هذا جواب الإمام حيث فصّل بين هدي لأجل جبران نقصان الحج، وهدي لأجل إتمامه.
2. حسنة عبد اللّه بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«يؤكل من الهدي كلّه مضموناً كان أو غير مضمون».1
وقد فسّر المضمون بما يذبح كفّارة، كما في حديث أبي بصير.2 وعلى كلّ تقدير، فالرواية لا يحتجّ بها لوجهين:
أوّلاً : مخالفتها لما مرّ في صحيح عبد الرحمن وغيره من عدم جواز الأكل من المضمون.
وثانياً: أنّ السؤال غير مذكور في الرواية، ولكن الجواب قرينة على أنّ السؤال عمّا يؤكل وما لا يؤكل، لا عن جواز الأكل وعدمه.
والأولى أن يقال: إنّ الاستدلال بالآية إنّما يتمّ لو كانت بصدد وجوب التقسيم وبيان السهام وعندئذ لكلّ حكمه، وأمّا لو كانت بصدد بيان مصارفه ـ ك آية الصدقات ـ وانّه يجب صرفه فيها في مقابل ادّخاره، فلا يجب التقسيم ويتفرّع عليه عدم وجوب الأكل، بل يجوز صرف الجميع في مصرف واحد.

الثاني: سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته

روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في وصف حجّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث6.
2 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث16.

صفحه 131
وفيها:»فنحر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ستاً وستين، ونحر علي(عليه السلام)أربعاً وثلاثين بدنة، وأمر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يؤخذ من كلّ بدنة منها جذوة من ل1حم، ثمّ تطرح في برمة2، ثمّ تطبخ، فأكل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) منها وعلي(عليه السلام)، وحسيا من مرقها.3
ويقرب منهما رواية حمّاد بن عيسى وجماعة عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام).4
يلاحظ عليه: أنّه لا ينافي الاستحباب، لأنّ العمل لا لسان له، وهو أعمّ من الوجوب والاستحباب.
الثالث: موثقة شعيب العقرقوفي: قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): سقت في العمرة بدنة فأين أنحرها؟ قال: «بمكة». قلت: أي شيء أعطي منها؟ قال: «كل ثلثاً، واهد ثلثاً، وتصدّق بثلث».5
يلاحظ عليه: أنّ مورده سوق الهدي وهو في العمرة، فلا دليل على وحدة الحكم بينها و بين حجّ التمتع، على أنّ الرواية معرض عنها فلم يفتِ أحدٌ بوجوب أكل الثلث. ومن أفتى فإنّما أفتى بأكل شيء منه.
الرابع: صحيح سيف التمّار، قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): »إنّ سعيد بن عبد الملك قدم حاجّاً فلقي أبي، فقال: إنّي سقت هدياً فكيف أصنع؟ فقال له أبي:

1 . أو لعلّ الصحيح الحذوة، وهي القطعة من اللحم. كما في النهاية:1/357. والجذوة تطلق على قطعة من النار يقال: جذوة نار.
2 . القدر المتّخذ من الحجر. النهاية:1/121.
3 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4. ولاحظ ج 10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث 11. يقال: حسا المرق: إذا شربه شيئاً بعد شيء.
4 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث2.
5 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث18.

صفحه 132
أطعم أهلك ثلثاً ، وأطعم القانع والمعتر ثلثاً، وأطعم المساكين ثلثاً«، فقلت: المساكين هم السُّؤّال؟ فقال: »نعم».1
يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يستفاد من الآية هو وجوب أكل الثلث مع الأهل والعيال، ولا بأس به، إنّما الكلام في الوجوب وحده فلا دليل عليه إلاّ ظاهر الآية، فيؤخذ به ما لم يكن هناك ظاهر أقوى.

ما يدلّ على عدم الوجوب

روى علي بن أسباط، عن مولى لأبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: رأيت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) دعا ببدنة فنحرها، فلمّا ضرب الجزّارون عراقيبها، فوقعت إلى الأرض وكشفوا شيئاً من سنامها، فقال: »اقطعوا وكلوا منها وأطعموا، فإنّ اللّه يقول: (فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا)».2
وظاهر الرواية أنّ الإمام لم يأكل منها، بل تركها للجزّارين للانتفاع بها، وتمسّك الإمام بالآية الآمرة بالأكل، والإطعام يدلّ على أنّ البدنة كانت هدياً.
وأمّا وجه الانتظار إلى كشف سنامها في الرواية، فلأجل أنّه لا يصلح الإبل لقطع شيء من لحمها إلاّ عند كشف سنامه، لكن الرواية مرسلة والاحتجاج بها مشكل.
وبما أنّ الدليل الوحيد للوجوب هو الآية فالاحتجاج بها مبني على كون الآية بصدد التقسيم وبيان السهام، وانّ لكلّ من الأصناف الثلاثة ثلثه، لا بصدد بيان المصرف وانّ اللحوم لا تدّخر بل تصرف في هذه الموارد، كما هو الحال في آية

1 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث3.
2 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث20.

صفحه 133
الصدقة، أعني قوله سبحانه:(إِنّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِين)1. وهذا هو الّذي سنبحث عنه في الفرع الآتي ، فانتظر .

في وجوب التقسيم وعدمه

هل يجب تثليث الهدي وتقسيمه ثلاثاً، أو يستحب التثليث، أو لا هذا ولا ذاك بل يقسّم قسمين للأكل والصدقة؟
أمّا الأوّل: فقد حكاه صاحب الجواهر عن الشهيد في «الدروس»، وظاهر عبارة ثاني الشهيدين والكركي، ولكن عبارة الشهيد في «الدروس» لا توافق النسبة.2
وأمّا الثاني: فهو خيرة المحقّق في «الشرائع» قال: يستحب أن يقسّمه ثلاثاً، يأكل ثلثه ويتصدّق بثلثه ويُهدي ثلثه.3
وقال الفاضل الإصفهاني بعد قول المحقّق في النافع«ويستحب قسمته أثلاثاً بين الأكل والهدي والصدقة»: على وفق ظاهر الأكثر وصريح كثير.4
وفي الجواهر بعد قول المحقّق في «الشرائع»: كما هو ظاهر جماعة وصريح أُخرى.5
وأمّا الثالث: فهو قول الشيخ في «المبسوط» قال: والمستحب أن يأكل الثلث ويتصدّق بالثلث ويهدي الثلث، فلو تصدّق بالجميع كان أفضل.6
وبما أنّ الأصل في وجوب التقسيم أو استحبابه هو الآيتان الكريمتان،

1 . التوبة:60.
2 . الدروس:1/450.
3 . الشرائع:1/261.
4 . كشف اللثام:6/170.
5 . الجواهر:19/157.
6 . المبسوط:1/393.

صفحه 134
يجب دراستهما ورفع التنافي المتوهّم بينهما، حيث نقل القرطبي عن الشافعي أنّه قال بالتقسيم بالمناصفة تارة، وبالتثليث أُخرى، واستند في ذلك إلى الآيتين.
قال القرطبي: قال الشافعي: يأكل النصف ويتصدّق بالنصف، لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقيرَ) فذكر شخصين. وقال مرّة أُخرى: يأكل ثلثاً ويهدي ثلثاً ويطعم ثلثاً، لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعتَرَّ) فذكر ثلاثة.1
وظاهر الكلام المنقول، وجود الاختلاف في مفاد الآيتين، حيث إنّ المتبادر من الأُولى التقسيم بالمناصفة ومن الثانية التقسيم أثلاثاً.
ولكن يمكن الجمع بين الاثنين بالبيان التالي:
قال سبحانه:(لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ فِي أَيّام مَعْلُومات عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيْمَةِ الأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقيرَ).2
إنّ ظاهر الآية ـ كما نقل عن الشافعي ـ هو تقسيم الهدي إلى قسمين: قسم للأكل، وقسم للبائس الفقير. والظاهر أنّ البائس الفقير طائفة واحدة، والمراد بالبائس الّذي ظهر عليه أثر البؤس من الجوع والعرى.3
وقال سبحانه: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).4

1 . تفسير القرطبي:12/47.
2 . الحج:28.
3 . مجمع البيان:3/81، تفسير آية 28 من سورة الحجّ. وفي تفسير القرطبي: الفقير من صفة البائس وهو الّذي ناله البؤس وشدة الفقر. يقال: بئس يبأس بأساً إذا افتقر فهو بائس.
4 . الحج:36.

صفحه 135
قوله:(وَالْبُدْنَ) وهي الإبل العظام، (جَعَلْناهَا لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ) أي من أعلام دينه، (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ)أي نفع في الدنيا والآخرة، (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها) أي في حال نحرها، (صَوَافَّ) أي قياماً على النحو المذكور في نحر الإبل، (فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها). يقال وجب الحائط: سقط، والجنوب، جمع الجنب بمعنى الجهة والناحية. والمراد إذا سقطت البدن إلى الأرض لأجل خروج الدم، فقوموا بأعمال ثلاثة:
أ. كلوا منها.
ب. أطعموا القانع.
ج. أطعموا المعتر.
والمشهور أنّ القانع هو الّذي يقنع بما أُعطي، أو بما عنده ولا يسأل مع حاجته.
والمعتر هو الّذي يتعرض بفعله وعمله. وفي المنجد: اعترّه: أتاه للمعروف من غير أن يسأل.
فعندئذ يقع الكلام في كيفية الجمع بين الآيتين؟ حيث إنّ مفاد الأُولى هو التقسيم بالمناصفة، ومفاد الآية الثانية التقسيم أثلاثاً.
ويمكن الجمع بين مفاد الآيتين بوجهين ولكلّ شاهد وشواهد في الروايات:
الأوّل: انّ القانع والمعترّ صنفان من الفقير، غاية الأمر: أحدهما يقتنع بما أُوتي، والآخر يعتري ويعرض نفسه على مالك الذبيحة فكأنّه يسأله بفعله لا بقوله. وقد جاء الصنفان في الآية الثانية على وجه التفصيل، وفي الآية الأُولى بنحو الإجمال قال سبحانه: (وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقيرَ) والبائس من ساءت حالته وحلّت به الشدائد ونزلت به ويعبّر عنه في الفارسية بـ«بيچاره» وله أسباب

صفحه 136
وعوامل، منها الفقر فقد جاءت كلمة الفقير، تفسيراً للبائس، حتّى يعلم أنّ المراد منه، هو قسم الفقير، لا من ساءت حاله لأجل فقد الولد، ونزول البلاء وغيره، وكأنّه قال: وأطعموا البائس الذي هو الفقير.
وعلى هذا، لا منافاة بين الآيتين، فإنّ الناسك المالك أُمر بأمرين:
ألف. الأكل بنفسه أو مع أهله وعياله.
ب. التصدّق على القانع والمعترّ اللّذين يجمعهما البائس الفقير. وعلى هذا يكون التقسيم ثنائياً، وهو أن يأكل بنفسه ويطعم البائس الفقير.
فلو قلنا بوجوب أو استحباب أكل شيء قليل منه ـ كما مرّ ـ يتعيّن الكل للصدقة على الفقراء، فالتقسيم حسب الجامع الواقعي; بينهما ثنائي; وحسب وجود الصنفين للفقير، ثُلاثي.
ويدلّ على صحّة هذا الجمع، ما يفسر القانع والمعترّ ولا يزيد عليهما في تفسير الآية نظير:
خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في قول اللّه جلّ ثناؤه:(فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها): قال:«إذا وقعت على الأرض فكلوا منها وأطعموا القانع والمعترّ»، قال:«القانع الّذي يرضى بما أعطيته، ولا يسخط ولا يكلح، ولا يلوي شدقه غضباً، والمعترّ: المار بك لتطعمه».1
وصحيح البزنطي، عن الرضا(عليه السلام): قال سألته عن القانع؟ قال:«القانع الّذي يقنع بما أعطيته، والمعترّ الّذي يعتريك».2
ومرسلة الفقيه، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):»إنّما جعل اللّه هذا الأضحى

1 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث12.
2 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث28.

صفحه 137
لتشبع مساكينهم من اللحم فأطعموهم».1
الثاني: جعل القانع والمعترّ في مقابل «البائس الفقير» فلو وجب البسط والتقسيم، يجب على أصناف ثلاثة:
ألف. الناسك المالك ومن معه.
ب. القانع والمعترّ ولا يشترط فيهما الفقر.
ج. البائس الّذي هو الفقير، و ربّما يعبّر عنه بالمسكين السائل.
وعلى هذا، يجب تقييد الآية الّتي جاء فيها الصنفان بالآية التي جاء فيها صنف واحد لتكون الأصناف ثلاثة. ثمّ إنّ الدفع إلى القانع والمعترّ يوصف بالهدية، والدفع إلى البائس الفقير بالصدقة، وما هذا إلاّ لأنّه لا يشترط في الأوّل قصد القربة، بخلاف الثاني، وربّما يعبّر عن الصنف الثالث في الروايات بالمسكين، وأكثر الروايات يؤيّد هذا الجمع نذكر منها ما يلي:
1. صحيح سيف التمّار قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إنّ سعيد بن عبد الملك قدم حاجاً فلقى أبي فقال: إنّي سقت هدياً فكيف أصنع؟ فقال له أبي:»أطعم أهلك ثلثاً، وأطعم القانع والمعترّ ثلثاً، وأطعم المساكين ثلثاً« فقلت: المساكين هم السُّؤاّل؟ قال:»نعم«. وقال:»القانع الّذي يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها، والمعتر: ينبغي له أكثر من ذلك وهو أغنى من القانع يعتريك فلا يسألك».2 ومورد الحديث، من ساق هدياً للقران لكن الإمام بصدد تفسير

1 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث22. فإذا كانت الغاية من الذبح هو إشباع المساكين من جانب، وأمرت الآية الكريمة بإطعام القانع والمعترّ من جانب آخر، تكون النتيجة أنّ الصنفين يتّحدان مع المساكين.
2 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث3.

صفحه 138
الآية الّتي لا تختص بهدي القران، والحديث صريح في أنّ القانع والمعترّ صنف واحد بشهادة مقابلتهما للمسكين، وعلى هذا يكون التقسيم ثلاثياً : إطعام النفس والعيال، وإطعام القانع والمعترّ ولا يشترط فيهما الفقر ،وإطعام المسكين.
2. خبر أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن لحوم الأضاحي؟ فقال: »كان علي بن الحسين وأبو جعفر(عليهما السلام) يتصدّقان بثلث على جيرانهم، وثلث على السُّؤّال، وثلث يمسكانه لأهل البيت».1
وقد عبّر عن الهدية في مورد الجيران بالتصدّق حفظاً للسياق، وسيوافيك عدم الفرق بين الأضحية والهدي في هذا الحكم.
3. خبر شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام):سقت في العمرة بدنة، فأين أنحرها؟ قال:«بمكّة»، قلت: أي شيء أعطي منها؟ قال:«كل ثلثاً، واهد ثلثاً، وتصدّق بثلث».2
إلى غير ذلك من الروايات الّتي نقلها صاحب نور الثقلين في تفسيره.3
وهذا القسم من الروايات يؤيد الجمع الثاني. ولكن الجمع الأوّل أظهر.
والظاهر انّه لا ثمرة عملية مترتبة على كون التقسيم ثنائياً أو ثلاثياً، بعدما يأتي من أنّها مصارف للهدي لا أصحاب سهام. فلا فرق في أن يشمل بعض الآيات على مصرفين، والآخر على ثلاثة مصارف، والغاية المنع عن الادّخار.
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في أنّ الأصناف الثلاثة، هل هم كأصحاب السهام على نحو يجب التقسيم المساوي بينهم، أو هم مصارف للهدي؟

1 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث13.
2 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث18.
3 . نور الثقلين:3/491.

صفحه 139
فعلى الأوّل، يجب التقسيم دون الثاني، وقد مرّ أنّ تحقيق وجوب الأكل وعدمه مبني على تحقيق هذا الأمر.
دلّ غير واحد من الروايات على أنّ الأصناف الثلاثة مصارف للهدي وليس أصحاب سهام، ويستفاد ذلك من الأُمور التالية:

1. إطلاق جواز ادّخار لحوم الأضاحي

دلّ غير واحد من الروايات على جواز ادّخار لحوم الأضاحي وتقديدها وإهدائها إلى الآخرين، نظير:
1. ما رواه أبو الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:»نهى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، ثمّ أذن فيها فقال: وكلوا من لحوم الأضاحي بعد ذلك وادّخروا».1
2. ما رواه جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: أمرنا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أن لا نأكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، ثمّ أذن لنا أن نأكل ونقدّد ونهدي إلى أهالينا.2
وجه الدلالة: إطلاق الروايتين في جواز ادّخار الجميع وتقديده.

2. إطلاق جواز إخراجها من منى

هناك روايات تدلّ على جواز إخراج اللحوم من منى بعد ثلاثة أيام، نظير:

1 . الوسائل:10، الباب41 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . نفس المصدر: الحديث2.

صفحه 140
ما رواه الصدوق قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «كنّا ننهي عن إخراج لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيّام لقلّة اللحم وكثرة الناس، فأمّا اليوم فقد كثر اللحم وقلّ الناس، فلا بأس بإخراجه».
وجه الدلالة1: إطلاق الرواية في حبس الجميع ثم إخراجه بعد ثلاثة أيّام.

3. إطلاق جواز الأكل من الأضحية مادام في منى

وهناك روايات تدلّ على جواز الأكل من الأضحية في منى، فربّما تكون الأضحية ضأناً يأكل الناسك إذا كان معه أهله جميعها.
1. روى علي بن أبي حمزة، عن أحدهما(عليهما السلام) قال:«لا يتزوّد الحاجّ من أضحيته، وله أن يأكل منها بمنى أيّامها».2
ونظيره رواية علي، عن أبي إبراهيم(عليه السلام) قال سمعته يقول:«لا يتزوّد الحاج من أضحيته، وله أن يأكل منها أيامها إلاّ السنام، فإنّه دواء».3
وهذه الروايات تدلّ على أنّ الموارد المذكورة في الآيات والروايات مصارف لصرف اللحوم وليست أصحاب سهام، حتّى تقسم اللحوم بينها متساوية كما هو مقتضى لفظ الثلث. بل له أن يكون يأكل أكثر من الثلث. وعلى ضوء هذا فليس التقسيم لا واجباً ولا مستحبّاً بالذات، إلاّ إذا أراد أن يتصدّق أو يهدي فيقسم ويهدي لكلّ صنف ثلثه.
نعم مورد هذه الروايات هو الأضاحي، ولا يستدلّ بها على الهدي إلاّ إذا

1 . الوسائل:10، الباب41 من أبواب الذبح، الحديث6.
2 . الوسائل:10، الباب42 من أبواب الذبح، الحديث3.
3 . نفس المصدر: الحديث4.

صفحه 141
كانا متّحدي الحكم في المورد، ومن حسن الحظ وجود الرواية الدالّة على الاتّحاد; روى عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الهدي ما يأكل منه الّذي يهديه في متعته وغير ذلك؟ فقال:«كما يأكل من هديه».1
والمراد من الهدي الثاني هو الأضحية، وإلاّ لصار الجواب عين السؤال، فتكون النتيجة تنزيل الهدي منزلة الأضحية، وقد عرفت أنّه يجوز صرف الأضحية في مصرف واحد فكذلك الهدي. نعم فسّره المجلسي بهدي السياق.2
فثبت من هذا البحث الضافي أنّ الأكل أو الصرف في القانع والمعترّ كلّها مصارف فيجوز صرفه في مورد واحد، ومع ذلك فالأحوط أكل شيء منه وإعطاء الباقي إلى المساكين والفقراء.
بقي هنا إشكال وهو أنّ الظروف الحالية لا تسمح لإيصال الهدي إلى المساكين والمستحقّين.
ويمكن حلّ المشكلة بأن يأخذ الوكالة من الفقير فيما يرجع إلى مصرف الفقراء، ويتصرّف الوكيل فيه حسب إجازة موكّله من الهبة أو البيع أو الإعراض أو غير ذلك.
ووجهه واضح، لأنّه إذا كان نفس الناسك المالك وكيلاً عن الفقير يتملّك من جانبه ليكون كسائر ممتلكاته، وله أن يختار فيه حسب وكالته.

1 . الوسائل:10، الباب40 من أبواب الذبح، الحديث19. فلو كان المراد من الموصول هو اللحم فلابدّ من قراءة يأكل بصيغة المجهول، إلاّ إذا كان المراد به ما هو الناسك فيصحّ قراءته معلوما.
2 . مرآة العقول:18/181 وفسّره في تعليقة التهذيب:5/254 بالأضحية.

صفحه 142
المسألة14. لو لم يقدر على الهدي بأن لا يكون هو ولا قيمته عنده يجب بدله: صوم ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة أيّام بعد الرجوع منه.*
* إنّ للناسك بالنسبة إلى الهدي حالات ثلاث:
1. إذا وجد الثمن والهدي فلا شبهة في وجوب ذبحه.
2. إذا وجد الثمن ولم يجد الهدي، وهذه المسألة لم يتعرض لها المصنّف، والمشهور أنّه يُخلف الثمن عند مَن يشتريه طول ذي الحجّة، وهناك قول آخر: إنّ وظيفته هي الانتقال إلى الصوم، وقد بسط صاحب الجواهر الكلام في هذه المسألة.1
3. ما إذا كان الهدي موجوداً والثمن غير موجود فتنتقل وظيفته إلى الصوم فيصوم ثلاثة في الحجّ وسبعة إذا رجع، وهذا هو ما ورد في الذكر الحكيم واتّفقت عليه كلمة الفقهاء، قال سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيِّام فِي الْحَجِّ وسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ).2
ومع ذلك نرى أنّ المصنّف تبعاً للمحقّق استعمل ضمير التثنية، فقال المحقّق: وإذا فقدهما (الثمن والهدي) صام عشرة أيام ثلاثة في الحجّ متتابعات يوماً قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة... .
وقال المصنّف: «لو لم يقدر على الهدي بأن لا يكون هو ولا قيمته عنده».مع أنّ فقد الثمن وحده كاف في الانتقال، سواء كان الهدي موجوداً أو لا،

1 . الجواهر:19/164.
2 . البقرة:196.

صفحه 143
المسألة 15. لو كان قادراً على الاقتراض بلا مشقة وكلفة وكان له ما بازاء القرض أي كان واجداً لما يؤدي به وقت الأداء وجب الاقتراض والهدي، ولو كان عنده من مؤن السفر زائداً على حاجته ويتمكن من بيعه بلا مشقة وجب بيعه لذلك، ولا يجب بيع لباسه كائناً ما كان، ولو باع لباسه الزائد وجب شراء الهدي، والأحوط الصوم مع ذلك.*
ويمكن أن يكون الوجه هو أنّ فقد الثمن وحده غير كاف للانتقال إلى الصوم، بل هو مشروط بعدم ذبح الغير عنه تبرعاً، ولذلك قالوا: الموضوع عدم الثمن والمثمن، وأمّا الحكم فواضح كما ورد في الذكر الحكيم، وقد تضافرت الروايات على ذلك.1وسيوافيك بعضها في المستقبل.
ثمّ إنّ المراد عدم الوجدان يوم النحر، وبما أنّ العلم به طريقي محض، جاز الصيام قبله إذا علم بعدم وجدانه.
* في المسألة فروع:
1. لو كان قادراً على الاقتراض وكان قادراً على الأداء.
2. لو كان شيء من مؤن السفر زائداً ويتمكّن من بيعه.
3. لا يجب بيع اللباس الزائد.
4. لو باع اللباس الزائد، فهل يجب عليه الهدي؟
وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: إذا كان قادراً على الاقتراض بلا مشقّة وكلفة وكان واجداً لما

1 . لاحظ الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح.

صفحه 144
يؤدِّي به دينه وقت الأداء، وجب الاقتراض والهدي، لأنّه واجد في نظر العرف، قال في المستند:ولو لم يكن ثمنه موجوداً وأمكنه الاقتراض مع تمكّن من أدائه وجب.1 وذلك لأنّه يصدق عليه أنّه واجد للثمن عرفاً ولا يعد اقتراضه وأداء دينه في وقته ـ إذا كان أمراً سهلاً ـ اكتساباً حتّى لا يجب، إذ كان في وسعه حينما ترك البلد، أن يتزود بأكثر ممّا تزود به، ولكنّه حسب كفاءته، فاقتصر بالقليل، وقد تبيّن خلافه. نعم كلّ ذلك مشروط بعدم المشقّة وعدم كونه على خلاف الشأن والمكانة. وإلاّ فلا يجب.
الفرع الثاني: لو كان عنده من مؤن السفر شيء زائد على حاجته ويتمكّن من بيعه بلا مشقّة وجب بيعه لذلك، لما عرفت من أنّه يصدق عليه أنّه واجد للثمن لا معدِم. وقال في «المستند»: ما لم يكن ممّا يدعو ببقائه الحاجة أو الضرورة، فإن كان كذلك لا تجب لأدلّة نفس الضرر والحرج.2
ولو كان له في بلده ما لا يحتاج إليه، ويمكن من بيعه في السفر بلا مشقّة، ولا ضرر معتد به، يجب عليه بيعه، إذ لو كان في نفس البلد، وجب عليه بيعه، فكيف بعد خروجه عنه وتمكّنه من البيع، نحو ما كان في البلد. وهذا الفرع لم يذكره المصنف.
الفرع الثالث: إذا كان عنده لباس زائد لا يحتاج إليه في سفره، ولا في بلده ويتمكّن من بيعه بلا مشقّة، سواء أكان لباس التجمّل والزينة أم غيره فهل يجب بيعه أو لا؟ولو قلنا بعدم الوجوب لكنّه باع هل يجب عليه الهدي أو لا؟
إنّ مقتضى القاعدة هو وجوب البيع إذا لم يكن فيه مشقّة ولا حرج ولا

1 . المستند:12/361.
2 . المستند:12/306.

صفحه 145
ضرر، والموضوع في كلام المحقّق هو لباس التجمّل لا مطلق الثياب قال: ولا يجب بيع ثياب التجمّل في الهدي، بل يقتصر على الصوم.1
وفي المدارك بعد كلام المحقّق: هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب.2 واستدلّ على عدم وجوب بيع ثياب التجمّل بفحوى استثنائها في دين المخلوق الّذي هو أهم في نظر الشارع من دين الخالق، أو لا، ولصدق عدم الوجدان عليه الّذي هو عنوان الصوم ثانياً، وانتفاء صدق الاستيسار ـ في قوله سبحانه: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الّذي هو عنوان وجوب الذبح ثالثاً.3
ولا يخفى ما في الأخيرين من الضعف، والمهم دراسة ما ورد، فقد ورد فيه روايتان: إحداهما مرسلة والأُخرى صحيحة، فلابدّ من إمعان النظر فيهما.
1. مرسلة علي بن أسباط، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)قال: قلت رجل تمتّع بالعمرة إلى الحجّ وفي عيبته ثياب له، أيبيع من ثيابه شيئاً ويشتري هديه؟ قال:«لا، هذا يتزيّن به المؤمن، يصوم ولا يأخذ من ثيابه شيئاً».4 فهل قوله(عليه السلام):«هذا يتزين» يُخصِّص الموضوع بثياب التزين، أو أنّه بصدد، إضفاء وصف الزينة لمطلق الثياب آخذاً بقوله سبحانه:(يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد)5. وعلى الاحتمال الثاني لا فرق بين ثوب الزينة وغيره. وعلى كلّ تقدير فالظاهر أنّ الرواية بصدد نفي الوجوب لا إثبات الحرمة، لأنّها وردت بعنوان الامتنان كما هو واضح وهو لا يناسب التحريم.

1 . الشرائع:1/260.
2 . المدارك:8/23.
3 . الجواهر:19/126.
4 . الوسائل:10، الباب57 من أبواب الذبح، الحديث2.
5 . الأعراف:31.

صفحه 146
2. صحيح أحمد بن أبي نصر البزنطي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتّع يكون له فضول من الكسوة بعد الّذي يحتاج إليه، فتسوى1 بذلك الفضول مائة درهم، يكون ممّن يجب عليه]الهدي[؟ فقال:»له بدّ من كراء ونفقة«، قلت: له كراء وما يحتاج إليه بعد هذا الفضل من الكسوة، فقال: »وأي شيء كسوة بمائة درهم؟ هذا ممّن قال اللّه:(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ)2».3 والرواية كما ترى تعم مطلق الثوب من غير من يلبس ما يتزين به وعدمه، ولذلك قال المصنّف:«ولا يجب بيع لباس كائناً ما كان». والرواية ظاهرة في نفي الوجوب الذي جاء في كلام السائل حيث قال:«يكون ممّن يجب عليه».
ولعلّ وجه استثناء الثياب، ان بيعه يعدُ أمراً يشين سمعة الإنسان ويحط من منزلته عند الناس.
الفرع الرابع: لو باع ـ مع عدم وجوبه عليه ـ فهل يجب عليه شراء الهدي؟ لا كلام في عدمه إذا كان الثوب ممّا يحتاج إليه . قال في «المدارك»: ولو باع شيئاً من ذلك مع الحاجة إليه واشترى بثمنه هدياً، قيل أجزأكما لو تبرّع عليه متبرع بالهدي. ثمّ ناقش فيه قائلاً: بأنّ الآتي بذلك آت بغير ما هو فرضه، إذ الفرض الإتيان بالبدل.4
والأولى أن يقال: إنّه مع الحاجة لا يصدق عليه الوجدان فوظيفته عندئذ هو الصيام.

1 . وفي المصدر «فتشرى تلك» أي يباع في السوق بمائة درهم. التهذيب:5/528 برقم 1735.
2 . البقرة:196.
3 . الوسائل:10، الباب57 من أبواب الذبح، الحديث1.
4 . المدارك:8/23.

صفحه 147
المسألة16. لا يجب عليه الكسب لثمن الهدي، ولو اكتسب وحصل له ثمنه يجب شراؤه.*
المسألة17. يجب وقوع صوم ثلاثة أيّام في ذي الحجة، والأحوط وجوباً أن يصوم من السابع إلى التاسع، ولا يتقدّم عليه، ويجب التوالي فيها، ويشترط أن يكون الصوم بعد الإحرام بالعمرة، ولا يجوز قبله، ولو لم يتمكّن من صوم السابع صام الثامن والتاسع وأخّر اليوم الثالث إلى بعد رجوعه من منى، والأحوط أن يكون بعد أيّام التشريق أي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.**
إنّما الكلام فيما إذا لم يكن به الحاجة فالظاهر وجوبه، لأنّ مفاد الرواية، لما عرفت من أنّ مصب الروايتين هو الامتنان والمتبادر منهما هو نفي الوجوب، وعندئذ إذا باع ـ مع عدم الحاجة ـ صار واجداً، يجب عليه الهدي، ويجزيه ولا يصوم. وما في المتن من الاحتياط محمول على الاستحباب.
* فانّه لا يجب عليه الكسب لتحصل الاستطاعة على الحجّ، فكيف على تحميل الاستطاعة لتحصيل ثمن الهدي، ولكنّه لو اكتسب ينتقل حكمه بانقلاب الموضوع حيث إنّ الفاقد صار واجداً لما استيسر من الهدي.
** في المسألة فروع:
1. صيام ثلاثة أيّام في شهر ذي الحجّة.
2. تعيّن اليوم السابع والثامن والتاسع للصيام، وعدم جواز تقديمه.
3. وجوب التوالي بين الثلاثة.
4. اشتراط أن يكون الصوم بعد التلبس بإحرام بالعمرة.

صفحه 148
5. لو صام الثامن والتاسع يؤخّر الثالث إلى بعد رجوعه من منى.
6. اليوم الّذي يختاره للثالث يكون بعد أيّام التشريق.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: يجب أن يصوم ثلاثة أيام في ذي الحجّة، فقد جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى:(ثَلاثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ) والمتبادر منه أشهر الحج، ولكن النص خصّه بذي الحجّة; ففي رواية رفاعة بن موسى، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث، قلت: يصوم وهو مسافر؟ قال:»نعم أليس هو يوم عرفة مسافراً، إنّا أهل بيت نقول ذلك لقول اللّه عزّ وجلّ:(فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ)، يقول في ذي الحجة».1 مضافاً إلى الروايات الّتي ستوافيك في الفروع اللاحقة فإنّها تؤكّد ضمناً على أنّ زمان الصوم هو شهر ذي الحجّة الحرام.

الفرع الثاني: جواز الصوم قبل اليوم السابع وعدمه

اختلفت كلمة الفقهاء في وقت الصوم من وجهين:
الأوّل: اشتراط الصوم بالإهلال بالحج. أو كفاية التلبّس بعمرة التمتّع ـ كما هو المشهور ـ وسيوافيك تفصيله في الفرع الرابع فانتظر.
الثاني: جواز الصوم في العشر الأُول من ذي الحجة قبل السابع ، أو تعيّن السابع والثامن والتاسع بصيام الثلاثة، وقد عنون المصنّف حكم تقديمها على اليوم السابع في المقام كما عنون جواز تأخيره إلى آخر ذي الحجة في المسألة 20 فلاحظ. وقد جمع المحقّق كلتا المسألتين في مكان واحد.2 ونحن نقرر المسألة تبعاً للمصنّف.

1 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . الشرائع:1/261.

صفحه 149

حكم تقديمه على اليوم السابع

اختلفت فيه كلمات الأصحاب.
ذهب المحقّق في النافع 1 والشرائع2 إلى جواز تقديمها من أوّل ذي الحجّة. وهو خيرة ابن سعيد أيضاً في الجامع.3
وذهب الشيخ إلى عدم جواز تقديمه حيث قال: وصوم ثلاثة أيام: يوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة.4
وبهذه العبارة عبّر في «المبسوط»5، واختاره ابن البراج في «المهذب» وقال: والثلاثة الّتي في الحجّ هي يوم قبل التروية ويوم التروية ويو6م عرفة.
واختلافهم في جواز التقديم وعدمه يرجع إلى اختلاف الروايات.
وقبل دراسة الروايات نذكر ما هو مقتضى القاعدة.
إنّ جواز البدار والصوم قبل اليوم السابع وعدمه مبني على أنّ الموضوع هو عدم وجدان الهدي واقعاً وقد أخذ العلم بعدمه طريقاً، وعندئذ يجوز البدار رجاءً ويجزي إذا لم ينكشف الخلاف، إذا تلبّس بعمرة التمتع، أو أنّ الموضوع العلم بعدم الهدي بحيث يكون العلم موضوعاً، وعندئذ لا يجوز البدار قبل العلم.
وبما أنّ المذكور في الذكر الحكيم هو عدم الوجدان حيث قال تعالى:

1 . المختصر النافع:90.
2 . الشرائع:1/262.
3 . الجامع للشرائع:211.
4 . النهاية: 255.
5 . المبسوط:1/370.
6 . المهذب:1/200.

صفحه 150
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام) يكون البدار جائزاً ويصح صومه رجاءً ويكون مجزئاً عند عدم انكشاف الخلاف. هذا هو مقتضى القاعدة.

دليل القائل بجواز التقديم من أوّل الشهر

إنّ القائل بجواز التقديم على اليوم السابع احتجّ برواية واحدة لزرارة نقلت بطريقين:
1. ما رواه الشيخ بسند صحيح، عن عبد اللّه بن مسكان قال: حدّثني أبان الأزرق، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال:«من لم يجد الهدي وأحبّ أن يصوم الثلاثة الأيّام في أوّل العشر فلا بأس بذلك».1
والسند لا غبار عليه إلاّ أبان الأزرق فإنّه لم يوثّق، ووقوعه في أسانيد «كامل الزيارات» غير مفيد كما أوضحناه في محلّه فلا يمكن الاحتجاج بهذه الرواية.
2. ما رواه الكليني في «الكافي» بالسند التالي: أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الكريم بن عمرو، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه قال:«من لم يجد هدياً وأحبّ أن يقدّم الثلاثة الأّيّام في أوّل العشر فلا بأس».2
والسند المذكور صحيح، إلاّ أنّ الكلام في سند الكليني إلى أبي نصر البزنطي الّذي بدأ به السند، فإنّ الكليني توفّي عام 329هـ و مات البزنطي عام 221هـ، فبينهما أزيد من مائة سنة، فتكون بظاهرها مرسلة، فهناك احتمالان:
الأوّل: انّ كتاب الجامع الّذي هو من مؤلّفات البزنطي كان موجوداً عند الكليني فنقلها عنه دون أن يذكر سنده إليه فيكون من قبيل النقل عن طريق

1 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث8.
2 . الكافي:4/507، باب صوم المتمتع إذا لم يجد الهدي، الحديث2.

صفحه 151
الوجادة ، كما أنّه ربما يروي عن أبي بصير ومن لم يلقهم. دون أن يذكر سنده إليهم.
الثاني: ما اختاره صاحب الوسائل، إذ بنى على أنّ هذا الحديث في «الكافي» معلّق على سند الحديث السابق حيث نقل قبل هذا الحديث التالي بهذا السند:
عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد جميعاً، عن رفاعة بن موسى قال:سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المتمتع لا يجد الهدي؟قال:«يصوم قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة».1
فزعم أنّ الكليني حذف صدر السند الثاني اعتماداً على السند المتقدّم، وأنّ السند الثاني معلّق على السند الأوّل، ولذلك رواه في «الوسائل» بالنحو التالي: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد جميعاً، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الكريم بن عمرو، عن زرارة، عن أحدهما(عليهما السلام) الخ.2
ولو صحّ ما زعمه صاحب الوسائل، كان عليه أن يذكر الخبران في باب واحد ـ كما فعل الكليني ـ لكنّه فرقهما في الوسائل في بابين.
ففي الباب 46 برقم 2 قال:وعنهم (عدّة من أصحابنا) عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر. وعلى هذا فقد روت العدة عن سهل فقط. ولكنّه في الباب 54 برقم 1 قال: عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد. وعليه روت العدة عن شخصين: سهل وأحمد بن محمد.

1 . الكافي:4/506، الحديث1. لا يخفى وجود السقط بين سهل بن زياد ورفاعة، لأنّ سهل بن زياد الآدمي، توفّي عام 255هـ. وأين هو من رفاعة الّذي يروي عن أبي عبد اللّه؟ فبينهما بون بعيد.
2 . الوسائل:10، الباب54 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 152
فعلى الأوّل فالحديث ضعيف، وإن كان الأمر في سهل سهلاً; وعلى الثاني ليس بضعيف، لأنّ سهلاً غير متفرّد بالرواية، بل شاركه معه أحمد بن محمد، سواء أكان ابن عيسى أم ابن خالد.
لكن بما أنّ الرواية لم تنقل حتّى في الكافي بسند معتبر لما عرفت من الفاصل الزماني بين الكليني وأبي نصر فالسند مقطوع.

دليل القول بتعيّن السابع إلى التاسع

استدلّ على وجوب الشروع به في اليوم السابع والثامن، وإتمامه بالتاسع، وعدم تقديمه على هذه الأيّام الثلاثة بما يلي:
1. صحيح معاوية بن عمّـار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن متمتّع لم يجد هدياً؟ قال:«يصوم ثلاثة أيّام في الحج: يوماً قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة»، قال: قلت: فإن فاته ذلك؟ قال:«يتسحّر ليلة الحصبة ويصوم ذلك اليوم ويومين بعده»، قلت: فإن لم يقم عليه جمّاله، أيصومها في الطريق؟ قال:«إن شاء صامها في الطريق، وإن شاء إذا رجع إلى أهله».
2. خبر 1رفاعة، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المتمتّع لا يجد الهدي؟ قال:»يصوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة«، قلت: فإنّه قدم يوم التروية؟، قال:»يصوم ثلاثة أيّام بعد التشريق«، قلت: لم يقم عليه جمّاله؟ قال:»يصوم يوم الحصبة وبعده يومين«، قال: قلت: وما الحصبة؟ قال:»يوم نفره«، قلت:يصوم وهو مسافر؟ قال:»نعم، أليس هو يوم عرفة مسافراً، إنّا أهل بيت نقول ذلك،

1 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث4. وصفه بالخبر لسقوط الواسطة بين سهل ورفاعة كما هو معلوم.

صفحه 153
لقول اللّه عز ّوجلّ: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ)1 يقول في ذي الحجّة».2
وقوله:«يوماً قبل التروية» في صحيح معاوية بن عمّار وقوله:«يصوم قبل التروية» في الخبر وإن كان يعم ما قبل السابع لكن قوله فيهما:«ويوم التروية» قرينة على أنّ المراد ، بـ «قبل التروية» اليوم المتصل بيومها ، على أنّه لو جاز الصيام قبل اليوم السابع، لنبّه عليه الإمام، لاختلاف الناس في ذلك. فربّ ناسك يتمكّن في أوائل العقد الأوّل في الشهر، إلى ناسك آخر يتمكّن في أواسطه، إلى ثالث يتمكّن في أواخره.
3. صحيح حمّاد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: قال علي(عليه السلام): «صيام ثلاثة أيّام في الحج، قبل التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة».3 والرواية تفسّر الآية أوّلاً، وتدلّ بوضوح على تعيّن الثلاثة للصيام.
ثمّ إنّ هذه الروايات كما تدلّ على تعيّن الثلاثة للصيام تدلّ على لزوم التتابع بين الثلاثة الّذي يأتي البحث عنه في الفرع الثالث.
ثمّ إنّ في مقابل الطائفتين(لو صحّ إطلاق الطائفة على رواية زرارة) رواية تدلّ على وجوب الصبر إلى يوم النحر، وهي ما رواه الكرخي قال: قلت للرضا (عليه السلام): المتمتع يقدم وليس معه هدي، أيصوم ما لم يجب عليه؟ قال:«يصبر إلى يوم النحر، فإن لم يصب فهو ممّن لا يجد».4 والحديث مع أنّه مرسل حيث رواه الكليني عن بعض أصحابنا، محمول على ما إذا احتمل أو ظن وجدان الهدي. وفي الوقت نفسه هو خبر واحد، لا يعادل ما سبق من الروايات.

1 . البقرة:196.
2 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث1.
3 . الوسائل:10، الباب53 من أبواب الذبح، الحديث3.
4 . الوسائل:10، الباب54 من أبواب الذبح، الحديث2.

صفحه 154

الفرع الثالث: وجوب صومها متتابعاً

اتّفقت كلمة الأصحاب تبعاً للنصوص على وجوب صوم الثلاثة متتابعاً.
قال المحقّق: وإذا فقدهما صام عشرة أيّام، ثلاثة في الحجّ متتابعات يوماً قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة.1
قال العلاّمة: ويجب صومها متتابعاً، أمّا السبعة فلا يجب التتابع فيها، ولم يوجب الجمهور التتابع في الثلاثة أيضاً، وأجمع علماؤنا على إيجاب التتابع فيها (الثلاثة) إلاّ إذا فاته قبل يوم التروية فإنّه يصوم يوم التروية ويوم عرفة ويفطر العيد، ثمّ يصوم يوماً آخر بعد انقضاء التشريق، ولو صام غير هذه الأيّام وجب فيها التتابع ثلاثة، ولا يجوز تخلّل الإفطار بين اليومين والثالث إلاّ في الصورة الّتي ذكرناها.2
ويدلّ عليه:
1. خبر إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«لاتصوم الثلاثة الأيّام متفرقة».3
2. ما رواه علي بن الفضل الواسطي قال: سمعته(عليه السلام)يقول:«إذا صام المتمتّع يومين لا يتابع الصوم اليوم الثالث فقد فاته صيام ثلاثة أيّام في الحجّ، فليصم بمكة ثلاثة أيّام متتابعات...».4
3. صحيح علي بن جعفر، عن أخيه موسى(عليه السلام): قال سألته عن صوم

1 . الشرائع:1/262.
2 . المنتهى:11/207.
3 . الوسائل:10، الباب53 من أبواب الذبح، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب52 من أبواب الذبح، الحديث4.

صفحه 155
ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة، أيصومها متوالية أو يفرق بينها؟ قال:«يصوم الثلاثة أيّام لا يفرق بينها».1
ما تقدّم من الروايات في دليل القول بعدم جواز التقديم على اليوم السابع، فظهورها في التتابع لا ينكر.
إلى هنا خرجنا من البحث في الفروع الثلاثة بالنتائج التالية:
أ. الزمان المحدّد لصيام بدل الهدي هو شهر ذي الحجّة الحرام.
ب. لا يجوز الصوم قبل اليوم التاسع من شهر ذي الحجة بل يجب البدء باليوم السابع.
ج. اشتراط التتابع بين الأيّام الثلاثة.

الفرع الرابع: اشتراط أن يكون الصوم بعد التلبّس بإحرام العمرة

اتّفقت كلمة الأصحاب على أنّه يجوز الصوم بدل الهدي إذا تلبّس بعمرة التمتّع وإن لم يحرم للحج.
قال الشيخ: لا يجوز الصيام بدل الهدي إلاّ بعد عدم الهدي وعدم ثمنه، فإن عدمهما جاز له الصوم وإن لم يحرم بالحج بأن يصوم يوماً قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة. ثمّ نقل عن الشافعي أنّه لا يجوز له الصيام إلاّ بعد الإحرام بالحجّ وعدم الهدي، ولا يجوز له الصوم قبل الإحرام بالحجّ قولاً واحداً.2
وقال المحقّق: ولا يصحّ صوم هذه الثلاثة إلاّ في ذي الحجّة بعد التلبّس بالمتعة.3

1 . الوسائل:10، الباب55 من أبواب الذبح، الحديث 2.
2 . الخلاف:2/274 ، المسألة 47.
3 . الشرائع:1/264.

صفحه 156
وقال العلاّمة: ويجوز صوم الثلاثة قبل الإحرام بالحج، وقد وردت رخصة في جواز صومها في أوّل العشر إذ تلبّس بالمتعة.1
ثمّ قال: إنّه لا يُعرف فيه خلاف، إلاّ ما روي عن أحمد أنّه قال بجواز تقديم صومها على إحرام العمرة. قال: وهو خطاء، لأنّه تقديم للواجب على وقته وسببه، ومع ذلك فهو خلاف قول العلماء.2
وقال في «الجواهر» بعد عبارة المحقّق: بلا خلاف أجده بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه.
أمّا3 لزوم التلبّس بأصل الإحرام، سواء أكان إحرام العمرة أو الحج، فإنّ قوله سبحانه: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصَيامُ ثَلاثَة أَيّام فِي الحَجِّ)خطاب للمحرمين حيث قال في أوّل الآية:(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ) إلى أن قال: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)4. فدلالة الآية على أصل التلبّس واضح إنّما الكلام في كفاية التلبّس بإحرام عمرة التمتع فيدلّ عليه ما تضافر من الروايات على أنّه يصوم الأيام الثلاثة: السابع والثامن والتاسع، هذا منضماً إلى تضافر الروايات على استحباب أن يكون الإحرام بالحج في الثامن، فالجمع بينهما يستلزم كفاية التلبّس بإحرام العمرة، ومع ذلك فقد خالف الشهيد واشترط التلبّس بالحجّ.
قال في «الدروس»: وليكن الثلاثة بعد التلبّس بالحجّ، ويجوز من أوّل ذي الحجّة، ويستحب السابع وتاليها ولا يجب.5

1 . منتهى المطلب:11/213.
2 . المنتهى:11/215.
3 . جواهر الكلام:19/179.
4 . البقرة:196.
5 . الدروس:1/440.

صفحه 157

الفرع الخامس: لو لم يتمكّن من صوم السابع

واعلم أنّه قد مرّ وجوب التوالي بين الثلاثة، فلو صام السابع إلى التاسع يتحقّق التوالي، إنّما الكلام إذا لم يصم قبل يوم التروية بل بدأ بالصيام في يوم التروية واليوم التاسع، فقد اختلفت كلمتهم في ذلك على قولين:
1. يؤخّره إلى بعد رجوعه من منى فيُخصَّص وجوبُ التوالي وانّ الموالاة معتبرة إلاّ في هذه الصورة.
وهذا هو المشهور.
2. يجب حفظ التوالي حتّى في هذه الصورة فتجب عليه إعادة الصوم ثلاثة أيّام بعد رجوعه من منى، وعليه سيّد المدارك.
قال المحقّق: ولو صام يومين وأفطر الثالث لم يجزئه واستأنف، إلاّ أن يكون ذلك هو العيد فيأتي بالثالث بعد النفر.1
وقال العلاّمة: هذه الثلاثة متتابعة إلاّ في موضع واحد، وهو أنّه إذا فاته قبل يوم التروية، صام يوم التروية وعرفة ثم صام الثالث بعد أيّام التشريق قاله ابن إدريس. وقال ابن حمزة: لو صام قبل التروية ويوم التروية وخاف إن صام يوم عرفة عجز عن الدعاء، أفطر وصام بدله بعد انقضاء أيّام التشريق.2
احتج ابن إدريس على الاستثناء بأنّ الأصل التتابع خرج عنه الصورة المجمع عليها.3
ومع أنّ ابن إدريس ادّعى الإجماع، نرى أنّ صاحب المدارك يرد هذا القول،

1 . شرائع الإسلام:1/262.
2 . مختلف الشيعة:4/275.
3 . السرائر:1/593.

صفحه 158
ويختار الوجه الثاني وهو بطلان ما صام وعليه أن يصوم ثلاثة أيّام بعد انقضاء أيّام التشريق، قال: إنّ الروايات الواردة بذلك ضعيفة الإسناد، وفي مقابلها أخبار كثيرة دالّة على خلاف ما تضمّنته وهي أقوى منها إسناداً وأوضح دلالة.1
وبما أنّ صاحب الجواهر يدعم رأي المشهور غالباً، فهو يصف رأي صاحب المدارك بالوسوسة حيث يقول: ووسوسة صاحب المدارك فيه ـ لبعض النصوص المعرض عنها أو المحمولة على ما عرفت ـ في غير محلّها.2
واعلم أنّه يقع الكلام في هذا المقام في موضعين:
الأوّل: إذا لم يصم اليوم السابع اختياراً، فهل له أن يصوم اليومين ويؤخّر الثالث إلى بعد رجوعه من منى؟ ولعلّه هو الظاهر من عبارة المحقّق، حيث قال: ولو لم يتّفق، اقتصر على التروية وعرفة ثم صام الثالث بعد النفر.3
الثاني: من لم يتمكّن من صيام اليوم السابع، كما إذا لم يكن محرماً بالتمتع فيه أو كان عاجزاً عن الصوم أو غافلاً عنه، فهل يجب عليه صوم اليومين وتأخير الثالث إلى بعد رجوعه من منى؟ وهذا هو الظاهر من المصنّف خصّ الجواز بمن لم يتمكّن.
وعلى كلّ تقدير الّذي يدلّ على الاختصاص بغير المتمكّن أنّه لو عمّ الجواز المتمكّن وغيره، يلزم لغوية شرطية التتابع الّتي هي خيرة المشهور .
وأمّا الروايات المجوزة فهي:
1. ما رواه موسى بن القاسم، عن محمد، عن أحمد، عن مفضل بن

1 . مدارك الأحكام:8/55.
2 . الجواهر:19/179.
3 . الشرائع:1/262.

صفحه 159
صالح، عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في مَن صام يوم التروية ويوم عرفة، قال:«يجزيه أن يصوم يوماً آخر».1
والظاهر أنّ المراد من محمد، هو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن أحمد ابن محمد بن أبي نصر البزنطي عن مفضل بن صالح المكنّى بأبي جميلة والأخير ضعيف.
2. ما رواه الصدوق بسند صحيح، عن يحيى الأزرق، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعاً وليس له هدي فصام يوم التروية ويوم عرفة؟ قال: «يصوم يوماً آخر بعد أيّام التشريق بيوم».2
إنّ يحيى الأزرق مردّد بين شخصين:
1. يحيى بن عبد الرحمن الأزرق الّذي عرّفه النجاشي بقوله: كوفي ثقة، له كتاب يرويه عنه أصحابنا.
2. يحيى بن حسان الأزرق الّذي ذكره الصدوق في المشيخة، ووقع في طريقه إليه ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان، عنه. ولم يرد في الأسانيد، سوى يحيى ابن عبد الرحمن الأرزق الذي وثّقه النجاشي، ولا يبعد تطرق التصحيف إلى مشيخة الصدوق.
والظاهر أنّ المراد به هو الأوّل بقرينة أنّ صفوان يروي في غير هذا المورد، عن يحيى بن عبد الرحمن الأزرق3 فيكون قرينة على أنّ المراد به هنا، هو أيضاً.
وجه الدلالة: أنّ الإمام(عليه السلام)حكم بالإجزاء دون أن يحكم ببطلان ما صامه

1 . الوسائل:10، الباب52 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب52 من أبواب الذبح، الحديث2.
3 . التهذيب:5، باب الخروج إلى الصفا، الحديث52.

صفحه 160
ووجوب صومها بعد النفر.
والروايتان منصرفتان إلى غير المتمكّن أو الجاهل بالحكم الشرعي، أعني : وجوب التتابع، فإذا لم يتمكّن من صوم اليوم السابع وصام اليوم الثامن والتاسع، فله أن يصومهما ويؤخّر الثالث إلى ما بعد منى، ولا تعارضها أدلّة التتابع، لأخصّية ما يجوّز، عما لا يجوِّز.
نعم بقيت هنا روايات ربّما يستظهر منها بطلان ما صامه من اليومين، ووصفه صاحب الجواهر بالروايات المعرض عنها. ونحن ندرسها.

ما دلّ على عدم الجواز وهي على طوائف:

الأُولى: ما يدلّ بإطلاقها على أنّ الفصل بين اليوم الثالث واليومين المتقدّمين يوجب فوت الثلاثة نظير خبر الواسطي:
1. قال: سمعته يقول:«إذا صام المتمتّع يومين لا يتابعُ الصومَ اليوم الثالث، فقد فاته صيام ثلاثة أيّام في الحجّ، فليصم بمكة ثلاثة أيّام متتابعات».1
قوله: «لا يتابع» الفعل بصيغة المعلوم وفاعله الناسك، والصوم مفعوله، واليوم الثالث بدل البعض.
ويحتمل أن يكون الفاعل هو الصوم، واليوم بمنزلة المفعول.
وأجاب عنه المحقّق الخوئي بعد تضعيف الرواية بالإضمار، بأنّه لم يذكر فيه صوم اليوم الثامن والتاسع كما هو مورد كلامنا، بل هو مطلق من حيث وقوع صيام اليومين(وإن كان في أوّل الشهر) فنخرج عنه برواية الأزرق في خصوص ما

1 . الوسائل:10، الباب52 من أبواب الذبح، الحديث4.

صفحه 161
لو وقع الصوم في اليوم الثامن والتاسع.
يلاحظ عليه: بأنّه يتمّ على مبناه من جواز تقديم صيام الثلاثة من أوّل ذي الحجّة فيكون للرواية مصاديق متعدّدة تعمّها بإطلاقها وعندئذ تقيد بمورد البحث، وأمّا على ما اختاره المشهور من اختصاص ثلاثة أيام بالسابع والثامن والتاسع فليس للمطلق إلاّ مصداق واحد، وقد ورد النهي عن الصوم عنها.
والأولى حمل الرواية على من صام قبل أيّام النحر متمكّناً من التتابع دون أن يتابع، كما إذا صام السابع والثامن وأفطر التاسع. وقد تقدّم منّا أنّ الروايات المجوّزة للفصل ليست حكماً ابتدائياً، بل علاج لما ابتلي به المحرم بسبب من الأسباب.
الثانية: ما يدلّ على أنّ من فاته صوم يوم واحد من ثلاثة أيّام، يصوم ثلاثة أيام بعد أيّام التشريق. نظير:
2. صحيح معاوية بن عمّار قال: سألته عن متمتّع لم يجد هدياً؟ قال:«يصوم ثلاثة أيّام في الحجّ: يوماً قبل التروية، ويوم التروية ، ويوم عرفة»، قال: قلت: فإن فاته ذلك؟ قال: «يتسحّر ليلة الحصبة ويصوم ذلك اليوم ويومين بعده...».1
3. صحيحة حماد قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: »قال علي(عليه السلام): صيام ثلاثة أيّام في الحج، قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، فمن فاته ذلك فليتسحّر ليلة الحصبة ـ يعني ليلة النفر ـ و يصبح صائماً ويومين بعده، وسبعة إذا رجع».2

1 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث4.
2 . الوسائل:10، الباب53 من أبواب الذبح، الحديث3.

صفحه 162
أقول: الظاهر أنّ الضمير في قوله: «فإن فاته ذلك» يرجع إلى «صيام ثلاثة أيّام في الحجّ» وتذكير الضمير وإفراده باعتبار كون المرجع هو المصدر المفرد، أي «صيام ثلاثة أيّام» فيخرج الحديثان عن محط البحث، فإنّه مركّز على ما فات يوماً واحداً وهو اليوم السابع. لا من فاته جميع الثلاثة.
فإن قلت: المتبادر من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، هو فوت اليوم السابع فقط، دون يوم التروية وعرفة، فتكون مفسّرة لما تقدّم في الصحيحين، وإليك نصها:
4. عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سأله عبّاد البصري عن متمتع لم يكن معه هدي؟ قال:«يصوم ثلاثة أيّام: قبل التروية بيوم، (ويوم التروية ويوم عرفة)، قال: فإن فاته صوم هذه الأيّام؟، فقال: »لا يصوم يوم التروية ولا يوم عرفة، ولكن يصوم ثلاثة أيّام متتابعات بعد أيّام التشريق».1
فإنّ الظاهر أنّ قوله: «قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة» تفسير لقوله: «ثلاثة أيّام»، فيكون المتبادر من قوله: «فإن فاته صوم هذه الأيّام» صوم الأيام كلّها، لكن قوله:«لا يصوم يوم التروية وعرفة» قرينة على العدول عن هذا الظاهر، وانّ المراد فوت المجموع ولو بفوت واحد، وإلاّ لما يبقى للنهي عن اليومين وجه.
قلت: ما ذكرته من النص مطابق لنسخة«الوسائل» ويقرب ممّا رواه ابن عمّار كما سبق، وأمّا المصدر أي «التهذيب» الّذي نقل عنه صاحب الوسائل، فيخالف ذلك وإليك نصّ «التهذيب»:
قال: سأله عبّاد البصري عن متمتّع لم يكن معه هدي؟ قال: »يصوم ثلاثة

1 . الوسائل:10، الباب52 من أبواب الذبح، الحديث3.

صفحه 163
أيّام قبل يوم التروية«، قال: فإن فاته صوم هذه الأيام؟ فقال: »لا يصوم التروية ولا يوم عرفة، ولكن يصوم ثلاثة أيّام متتابعات بعد أيّام التشريق».1 فيكون الفائت ثلاثة أيّام قبل يوم التروية، أي: الخامس والسادس والسابع، فعندئذ نهى الإمام عن صوم يومي: التروية وعرفة، إذا فاته صوم الثلاثة: من الخامس إلى السابع، وبناءً على ذلك لا تصلح الرواية أن تكون مفسّرة لما تقدّم من الحديثين : صحيحة معاوية وحماد بحملهما على من فاته صيام واحد منها، للاضطراب في النقل.
الثالثة: ما هو صريح في المسألة، حيث ينهى عن صيام يوم التروية ويوم عرفة نحو:
5. صحيحة عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن متمتّع يدخل يوم التروية وليس معه هدي؟ قال: «فلا يصوم ذلك اليوم، ولا يوم عرفة، ويتسحّر ليلة الحصبة فيصبح صائماً وهو يوم النفر، ويصوم يومين بعده».2
وحمله الشيخ على صوم يوم وحده وقال: فلا ينافي ما ذكرناه، لأنّه إنّما نفى صوم يوم التروية على الانفراد دون أن يكون نفى ذلك إذا صام معه يوم عرفة.3 واستوجهه المحقّق الخوئي بقوله: إنّ ما ذكره الشيخ متين جداً، فإنّهم قد ذكروا انّ حرف (لا) إذا لم يتكرر يدلّ على أنّ الممنوع هو المجموع، وأمّا إذا تكررت فتدلّ على أنّ الممنوع كلّ واحد من الفردين مستقلاً، ومقتضى الإطلاق يدلّ على الانضمام والاجتماع أيضاً، فإذا قيل: لا تجالس زيداً ولا تجالس عمراً» معناه لا

1 . التهذيب:5/232برقم 783، الباب16.
2 . الوسائل:10، الباب52 من أبواب الذبح، الحديث5.
3 . التهذيب:5/231برقم 783.

صفحه 164
تجالس زيداً بانفراده ولا تجالس عمراً بانفراده، وإطلاقه يقتضي النهي عن اجتماعهما وانضمامهما، بخلاف ما لو قيل: لا تجالس زيداً وعمراً فإنّه يدل على المنع عن الانضمام ولا يشمل الانفراد و الاستقلال، فقوله:«لا يصوم يوم التروية ولا يوم عرفة» يدلّ على المنع عن الانفراد، ولا يشمل ضم صوم يوم التروية بيوم عرفة.1
يلاحظ عليه: وجود التناقض في كلامه، فإنّه اعترف بأنّه إذا تكررت لفظة (لا) يعمّ إطلاقه الاجتماع أيضاً. ولكنّه في الذيل قال: فقوله:«لا يصوم التروية ولا يوم عرفة...» لا يشمل ضم صوم يوم التروية بيوم عرفة.
أضف إلى ذلك عدم كلية الضابطة، قال سبحانه:(فَلا رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ)2، فهل يحتمل أنّ المحرم هو كلّ واحد بانفراده دونما إذا اجتمعا أو اجتمعوا؟
والظاهر أنّ الرواية معارضة لما دلّ على الجواز، فأمّا أن تحمل على الكراهة، أو يرد علمها إلى أهله بعد إعراض المشهور عن العمل بها. نعم لا بأس بالاحتياط لما في المتن.
وحصيلة الكلام: أنّ الروايات الناهية في هذا المجال أكثر ممّا ذكرنا.3 ومحاولة الجمع بينها و بين ما دلّ على صحّة صوم اليومين أمر مشكل، وإن بُذل الجهد لرفعه في بعض الموارد فإمّا أن يرد علمها إلى أهلها لإعراض المشهور عنها، أو يحمل النهي على الكراهة.

1 . المعتمد:5/262.
2 . البقرة:197.
3 . لاحظ الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث12.

صفحه 165
المسألة18. لا يجوز صيام الثلاثة في أيّام التشريق في منى، بل لا يجوز الصوم في أيّام التشريق في منى مطلقاً، سواء في ذلك الآتي بالحج وغيره.*

الفرع السادس: اليوم الّذي يختاره للثالث

إذا صام اليوم: الثامن والتاسع، يجب عليه تأخير اليوم الثالث إلى بعد يوم النحر ثمّ يقع الكلام في مبدئه، فقد اختار المصنّف تأخيره إلى بعد أيّام التشريق فيكون المبدأ هو اليوم الرابع عشر، وهذا ما سيأتي الكلام فيه ضمن المسألة التاسعة عشرة، واختار هناك أنّ المبدأ هو اليوم الثالث عشر، فانتظر.
* في المسألة فرعان:
1. صوم الناسك في أيّام التشريق، أي الحادي عشر و الثاني عشر والثالث عشر، فهل يحرم مطلقاً، أو يحرم إذا كان بدل الهدي؟
2. حكم الصوم في أيّام التشريق لمن كان في منى وإن لم يكن ناسكاً.
وكان على المصنّف أن يذكر فرعين آخرين، وهما:
3. حكم الناسك إذا كان في أيّام التشريق في مكّة.
4. حكم غير الناسك في الأمصار.
وإليك دراسة الفرعين المذكورين في المتن:

الفرع الأوّل: حرمة الصيام على الناسك إذا كان بمنى

لا شكّ أنّه يجوز صوم أيّام التشريق لمن لم يكن في منى كما إذا كان في الأمصار ـ كما يأتي في الفرع الرابع ـ فليس حرمة الصوم فيها حرمة ذاتية كصيام يوم العيد، إنّما الكلام في الناسك فهل له أن يصوم أيّام التشريق أو لا؟

صفحه 166
قال الشيخ في «الخلاف»: لا يجوز صيام أيّام التشريق في الحجّ بدل الهدي في أكثر الروايات وعند المحصّلين من أصحابنا. وبه قال علي(عليه السلام) من الصحابة، وإليه ذهب أهل العراق، وبه قال الشافعي في الجديد.
وقال في القديم: يصومها، وبه قال ابن عمر و عائشة، وفي الفقهاء مالك وأحمد وإسحاق.1
وقال العلاّمة : لا يجوز أن يصوم أيّام التشريق في منى بدل الهدي ولا في غيره (غير الهدي). قاله أكثر علمائنا المحصلين... ثمّ ذكر أقوال فقهاء السنّة.2
قال ابن إدريس: ولا يجوز له أن يصوم أيّام التشريق.3
وقال العلاّمة في «التذكرة»: ولا يجوز أن يصوم أيّام التشريق في منى بدل الهدي وغيره عند علمائنا. وبه قال علي(عليه السلام)، ثمّ ذكر من قال به من التابعين.4
وقال العلاّمة في «المختلف»: المشهور تحريم صيام هذه الثلاثة أيّام التشريق لمن كان بمنى خاصّة .5
وقوله لمن كان بمنى يحتمل وجهين:
1. أن يكون كناية عن كونه ناسكاً وحاجاً.
2. أن يكون بمعنى المتواجد فيه وإن لم يكن ناسكاً.
وعلى الثاني يكون مشيراً إلى الفرع الثاني أيضاً.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يحرم على الناسك صوم أيّام التشريق فهل يحرم

1 . الخلاف:2/275.
2 . منتهى المطلب: 11/218.
3 . السرائر:1/593.
4 . التذكرة:8/272.
5 . مختلف الشيعة:4/279.

صفحه 167
إذا كان بدلاً، أو مطلقاً وإن لم يكن بدلاً.
ظاهر أكثر الروايات هو حرمة الصيام إذا كان بدل الهدي.
1. ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل تمتع فلم يجد هدياً؟ قال: «فليصم ثلاثة أيّام ليس فيها أيّام التشريق ولكن يقيم بمكة حتّى يصومها، وسبعة إذا رجع إلى أهله».1 ثمّ ذكر حديث بديل بن ورقاء.
2. مرسلة ابن مسكان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل تمتع ولم يجد هدياً؟ قال:«يصوم ثلاثة أيّام»، قلت له: أفيها أيام التشريق؟ قال:«لا، ولكن يقيم بمكة حتّى يصومها».
وموردهما2 النهي عن الصوم بدل الهدي لا مطلقاً.
3. صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: قلت له: ذكر ابن السراج أنّه كتب إليك يسألك عن متمتع لم يكن له هدي، فأجبته في كتابك: يصوم ثلاثة أيّام بمنى، فإن فاته ذلك صام صبيحة الحصباء(الحصبة) ويومين بعد ذلك. قال:«أمّا أيّام منى فإنّها أيّام أكل وشرب لا صيام فيها، وسبعة أيّام إذا رجع إلى أهله».3
نعم يظهر من رواية«الفقيه» وغيره أنّ الممنوع هو مطلق الصوم، سواء كان بدل الهدي أم لا، نظير:
4. ما رواه الصدوق في «الفقيه»: قال: وروي عن الأئمة(عليهم السلام) أنّ المتمتع إذا

1 . الوسائل:10، الباب 51 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب 51 من أبواب الذبح، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب 51 من أبواب الذبح، الحديث3.

صفحه 168
وجد الهدي ولم يجد الثمن صام ـ إلى أن قال: ـ و لا يجوز له أن يصوم أيّام التشريق، فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بعث بديل بن ورقاء الخزاعيّ على جمل أورق وأمره أن يتخلّل الفساطيط وينادي في الناس أيّام منى: ألا لا تصوموا فإنّها أيّام أكل وشرب وبعال.1
5. روى الصدوق عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة(عليهم السلام):«إنّما كره الصيام في أيام التشريق، لأنّ القوم زوّار اللّه، فهم في ضيافته، ولا ينبغي للضيف أن يصوم عند من زاره وأضافه».2
على ضوء هذين الخبرين يكون التقييد بدل الهدي فيما سبق من الروايات من باب ورود القيد في مورد الغالب.
وعلى كلّ فيحرم على الناسك الصوم في أيّام التشريق مطلقاً، ولكن في مقابل الأحاديث الناهية حديثان ورد فيهما جواز الصوم 3وصفهما الشيخ بقوله: فهذان الخبران وردا شاذين مخالفين لسائر الأخبار، ولا يجوز المصير إليهما، والعدول عن عدّة أحاديث إلاّ بطريق يقطع العذر.4 ويحتملان التقية، لما عرفت في صدر البحث من ذهاب المخالفين إلى الجواز.
فتلخّص ممّا ذكرناه حرمة الصوم للناسك إذا كان بمنى مطلقاً، سواء كان الصوم بدل الهدي أو لا.

1 . الوسائل:10، الباب 51 من أبواب الذبح، الحديث8. و«يقال» جمع البعل: الزوج والزوجة.
2 . الوسائل:7، الباب2 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، الحديث6.
3 . الوسائل:10، الباب 51 من أبواب الذبح، الحديث5 و 6. روايتا إسحاق بن عمّار و عبداللّه بن ميمون القدّاح.
4 . التهذيب:5/230.

صفحه 169

الفرع الثاني: حرمة الصيام على غير الناسك إذا كان بمنى

هل يحرم على غير الناسك الصيام بمنى أيّام التشريق أو لا؟ نسب العلاّمة الحرمة إلى المشهور، وقال: المشهور تحريم صيام هذه الثلاثة أيّام التشريق لمن كان بمنى خاصة.1
واستدلّ عليه بحديثين:
1. حديث بديل بن ورقاء الذي بعثه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على جمل أورق وأمره أن يتخلّل الفساطيط: «وينادي في الناس أيّام منى: ألا لا تصوموا فإنّها أيّام أكل وشرب وبعال».2
يلاحظ عليه: أنّ الغلبة على المتواجدين في منى، هم النساك حتّى القائمين بالأعمال، فالقدر المتيقّن في مقام التخاطب يمنع عن الأخذ بالإطلاق.
2. حديث عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن(عليه السلام)إذ فيه:»انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بديلاً ينادي أنّ هذه أيّام أكل وشرب فلا يصومنّ أحد».3 فقوله:«فلا يصومنّ أحد» عام للناسك وغيره.
يلاحظ عليه: أنّ الإمعان في الحديث صدره وذيله يثبت بأنّ محور الكلام هم النُّساك، وفي صدره: يا أبا الحسن ما تقول في رجل تمتع ولم يكن له هدي؟ قال:«يصوم الأيّام...» كلّ ذلك يمنع عن القول بأنّ المراد هو مطلق الناس، سواء أكان ناسكاً أم لا، فالقول بالجواز قوي وإن كان الأحوط خلافه.

1 . المختلف:4/276.
2 . الوسائل:10، الباب 51 من أبواب الذبح، الحديث8.
3 . الوسائل:10، الباب 51 من أبواب الذبح، الحديث4 ولاحظ الحديث8 و9.

صفحه 170

الثالث: صوم الناسك أيّام التشريق في مكة

هل يجوز للناسك أن يصوم أيّام التشريق وهو في مكة، ذهب الشيخ في نهايته إلى عدمه وقال:«ولا يجوز أن يصوم الثلاثة أيّام بمكة في أيام التشريق».1 ولعلّه أراد بها ، ما يقابل الصوم في طريقه إلى بلده، أو فيه. وعندئذ ينطبق على الصوم بمنى.
والمتبادر من الروايات هو حرمة الصيام بمنى، وقد مرّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«وينادي الناس بمنى ألا لا تصوموا فإنّها أيّام أكل وشرب وبعال».2 ولم نجد من قال بعدم الجواز في المقام.
قال في «الجواهر»: إنّ المحرّم صوم أيّام التشريق لمن أقام بمنى لا مطلقاً، كما عليه الأكثر على ما في محكي المعتبر، وفي الروضة: لا يحرم صومها على من ليس بمنى إجماعاً.3
واختصاص النهي عن الصوم في أيام التشريق بمن كان في منى لا يوجب لغوية الحكم، لتواجد الحجاج في اليومين: الحادي عشر والثاني عشر في منى حتّى ساعات بعد الظهر، وتواجد عدّة منهم في اليوم الثالث عشر فيها لأغراض مختلفة، فأين اللغوية؟!

الرابع: حكم مَن في الأمصار

قال العلاّمة في «المختلف»: المشهور تحريم صيام هذه الثلاثة أيّام

1 . النهاية:255.
2 . الوسائل:10، الباب 51 من أبواب الذبح، الحديث8 و 9.
3 . الجواهر:19/176. ولاحظ المختلف:1/276.

صفحه 171
التشريق لمن كان بمنى خاصّة، أمّا مَن كان في غيرها من الأمصار فلا.1
وفي «الجواهر»: ذهب قسم من الفقهاء إلى اختصاص الحرمة بمن كان بمنى.2
ويدلّ على الجواز طائفتان من الروايات:

الأُولى: ما يخصّ الجواز بأيّام«منى»

1. صحيحة صفوان بن يحيى وفيها: أمّا أيّام منى فإنّها أيّام أكل وشرب لا صيام فيها.3
2. ما رواه الصدوق عن الأئمّة(عليهم السلام) من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق وأمره أن يتخلّل الفساطيط وينادي في الناس أيّام منى:«ألا لا تصوموا فإنّها أيّام أكل وشرب».4
فإنّ المتبادر من «أيّام منى»، المتواجدون فيهالا في الأمصار.

الثانية: ما يصرح بعدم شمول الحكم لمنْ في الأمصار

3. صحيحة معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن صيام أيّام التشريق؟ فقال:« أمّا بالأمصار فلا بأس به، وأمّا بمنى فلا».5
وبذلك يقيد إطلاق ما دلّ على حرمة الصوم في أيّام التشريق إن لم يكن

1 . المختلف:4/276.
2 . الجواهر:19/176.
3 . الوسائل:10، الباب 51 من أبواب الذبح، الحديث3.
4 . الوسائل:10، الباب 51 من أبواب الذبح، الحديث8.
5 . الوسائل :7، الباب2 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، الحديث1، وهو متّحد مع الحديث 2.

صفحه 172
المسألة19.الأحوط الأولى لمن صام الثامن و التاسع، صوم ثلاثة أيّام متوالية بعد الرجوع من منى، وكان ]يجعل[ أوّلها يوم النفر، أي اليوم الثالث عشر وينوي أن يكون ثلاثة من الخمسة للصوم الواجب.*
الإطلاق منصرفاً إلى المتواجدين في منى نظير:
ما رواه الصدوق عن الزهري، عن علي بن الحسين:«وأمّا الصوم الحرام: فصوم يوم الفطر، ويوم الأضحى، وثلاثة من أيّام التشريق».1 فاطلاق الجميع يقيد بما ورد باختصاص الحرمة للمتواجد ولو لم نقل بالانصراف إليه.
* قد تقدّم في المسألة السابعة عشرة أنّ من لم يتمكّن من صوم السابع، صام الثامن والتاسع وأخّر اليوم الثالث إلى ما بعد رجوعه من منى، هذه هي الفتوى. ولكن المصنّف احتاط في هذه المسألة في المقام بعدم الاقتصار بصوم يوم واحد، بل عليه أن يصوم ثلاثة أيّام متوالية ويجعل أوّل هذه الثلاثة اليوم الثالث عشر، فإذاً يكون قد صام خمسة أيّام يومين قبل يوم النحر وثلاثة أيّام بعد الرجوع مبتدئاً باليوم الثالث عشر ومختتماً باليوم الخامس عشر، ولكنّه يحتاط في النية دون أن يعيّن ثلاثة معينة بل ينوي أن يكون ثلاثة من هذه الخمسة فريضة اللّه سبحانه عليه، فلو كان صوم اليومين قبل الأضحى منضماً إلى صوم الثالث عشر مجزئاً يكون هو الواجب، وأمّا إذا لم يكونا مجزئين يكون المجزئ ما صام من الأيّام الثلاثة بعد النفر.
و لا شكّ أنّ ما ذكره من الاحتياط في المقام استحبابي بالنظر إلى ما ذكره

1 . الوسائل :7، الباب1 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، الحديث1.ولاحظ حديث الحسين بن زيد برقم 4 وحديث كرّام برقم 8 من نفس الباب.

صفحه 173
في المسألة السابعة عشرة من جواز صوم يومين قبل يوم النحر، ويوم آخر بعد أيام التشريق.
ثمّ إنّ البحث عن المبدأ لا يخصّ بمن صام اليومين، بل يعمّ من لم يصم أصلاً.
فهل المبدأ اليوم الثاني عشر الّذي هو يوم النفر الأوّل، أو اليوم الثالث عشر الّذي هو يوم النفر الثاني، أو يجعله الرابع عشر؟ فاختار المصنّف القول الوسط.
ولكنّ كلامه هنا يخالف ما مرّ منه في المسألة السابعة عشرة حيث جعل مبدأ الصيام بعد أيّام التشريق، وفسرها ـ الأيّام ـ بالحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، فيكون مبدأ الصيام هو الرابع عشر، ولكنّه جعل المبدأ في المقام اليوم الثالث عشر.
وعلى كلّ تقدير فتحقيق المسألة رهن دراسة الروايات وهي على أصناف:

الصنف الأوّل: ما يدلّ على أنّ غير الواجد يصوم في غير أيّام التشريق

1. صحيحة ابن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل تمتّع فلم يجد هدياً؟ قال(عليه السلام): «فليصم ثلاثة أيّام ليس فيها أيام التشريق، ولكن يقيم بمكة حتّى يصومها».1 وقد تقدّم أنّ مورد البحث أعمّ ممّن صام اليومين أو لم يصم أصلاً، فكون موردها هو الثاني لا يضرّ بعمومية البحث، وهكذا سائر الروايات الّتي مرّت عليك.

1 . الوسائل:10، الباب51 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 174
2. صحيحة ابن مسكان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل تمتّع ولم يجد هدياً؟ قال: «يصوم ثلاثة أيّام». قلت له: أفيها أيّام التشريق؟ قال:«لا، ولكن يقيم بمكة حتّى يصومها».1
3. خبر إبراهيم بن أبي يحيى ، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)قال:«يصوم المتمتع قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، فإن فاته ذلك ولم يكن عنده دم صام إذا انقضت أيّام التشريق، يتسحّر ليلة الحصبة ثمّ يصبح صائماً».2
ويقرب من ذلك الروايات الناهية عن الصوم في أيّام التشريق المتقدّمة3. فإنّ إطلاقها شامل للمورد، أي من أراد الصيام بدل الهدي تماماً أو إكمالاً، وعلى ذلك فيجب أن يكون المبدأ بعد أيّام التشريق.

الصنف الثاني: ما يدلّ على أنّه يبدأ بيوم النفر

وهناك ما يدلّ على أنّه يبدأ بيوم النفر:
1. ما رواه الكليني في «الكافي» عن رفاعة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المتمتع لا يجد الهدي؟ قال: «يصوم قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة»، قلت: فإنّه قدم يوم التروية، قال:«يصوم ثلاثة أيّام بعد التشريق»، قلت: فإن لم يقم عليه جَمّاله، قال:«يصوم يوم الحصبة وبعده يومين» قال: قلت: وما الحصبة؟ قال:«يوم نفره».4

1 . الوسائل:10، الباب51 من أبواب الذبح، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث20.
3 . الوسائل:7، الباب1 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، الحديث 1، 4 و 8.
4 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 175
قال في «الوافي»: الحصبة ـ بالفتح ـ الأبطح، وإنّما أضاف يوم النفر إليه، لأنّ من السنّة أن ينزل فيه إذا بلغ من نفره إليه.1
ويستفاد من الرواية بوضوح أنّ يوم الحصبة أو النفر، يقع في أثناء أيّام التشريق، حيث عالج مشكلة الجمال بتسويغ الصوم يوم الحصبة، ولذلك يقول في «الوافي»: ويستفاد من هذا الحديث وما في معناه ممّا يأتي جواز صيام الثالث عشر في هذه الصورة. نعم مورد الرواية هو المحدود.
وما نقلناه موافق لنقل «الكافي»، وأمّا على ما نقله الشيخ، فقد ورد فيه: أنّه «يصوم يوم الحصبة وبعده بيومين» دون أن يفسّره بيوم النفر.2 ولذلك عدّه المحقّق الخوئي حسب نقل الشيخ طائفة مستقلة، أي ما ذكر فيه يوم الحصبة دون تفسيره بيوم النفر، وبما أنّ «الكافي» اضبط جعلنا هذا الحديث في عداد سائر الروايات الّتي فسّر يوم الحصبة بيوم النفر. والظاهر أنّ إضافة النفر إلى الضمير لأجل وحدة نفره مع نفر الآخرين دون أن يكون الموضوع نفر كلّ فرد بشخصه.
2. صحيح عيص بن القاسم قال: سألته عن متمتّع يدخل يوم التروية وليس معه هدي؟ قال:«فلا يصوم ذلك اليوم ولا يوم عرفة، ويتسحّر ليلة الحصبة فيصبح صائماً وهو يوم النفر». وصدر ال3حديث معرض عنه، لما مرّ من جواز صوم يومين، والعبرة في المقام بالذيل. ويوم النفر ليس خارجاً عن اليومين الثاني والثالث عشر.
3. روى حمّاد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: قال

1 . الوافي:14/1184.
2 . التهذيب:5/232.
3 . الوسائل:10، الباب52 من أبواب الذبح، الحديث5.

صفحه 176
علي(عليه السلام):«صيام ثلاثة أيّام في الحجّ قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، فمن فاته ذلك فليتسحّر ليلة الحصبة ـ يعني ليلة النفر ـ و يصبح صائماً ويومين بعده، وسبعة إذا رجع».1

الصنف الثالث: ما يستفاد منه أنّ المراد بيوم الحصبة والنفر بعد أيّام التشريق

1. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام)ـ في حديث ـ قال:«يصوم صبيحة الحصبة ويومين بعد ذلك». قال (عباد البصري): أفلا تقول كما قال عبد اللّه بن الحسن؟ قال: «فأيش قال؟» قال: قال: يصوم أيّام التشريق، قال:»إنّ جعفراً كان يقول: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بديلاً ينادي: إنّ هذه أيّام أكل وشرب فلا يصومنّ أحد».2
وجه الدلالة: أنّه لو أُريد من صبيحة الحصبة أحد اليومين الثاني والثالث عشر، يكون قوله موافقاً لقول عبد اللّه بن الحسن. فلابدّ أن يكون مراده ما بعد أيّام التشريق، وهو اليوم الرابع عشر.
2. معتبرة أبي بصير، عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألته عن رجل تمتّع فلم يجد ما يهدي حتّى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة، أيذبح أو يصوم؟ قال: «بل يصوم، فإن أيّام الذبح قد مضت».3
وجه الدلالة: هو أن أيّام الذبح تنقضي بانقضاء اليوم الثالث عشر، والمفروض انقضاؤه، فينطبق يوم النفر على الرابع عشر.

1 . الوسائل:10، الباب53 من أبواب الذبح، الحديث3.
2 . الوسائل:10، الباب51 من أبواب الذبح، الحديث4.
3 . الوسائل:10، الباب44 من أبواب الذبح، الحديث3.

صفحه 177
إنّ الصنف الثالث يؤيّد الصنف الأوّل ولكن يعارضهما، الصنف الثاني حيث يدل على جواز الصوم في يوم النفر وهو إمّا اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر، وكلاهما من أيّام التشريق، فكيف العلاج؟
أقول: هنا وجهان:
الأوّل: إعمال الترجيح والأخذ بالصنف الأوّل والثالث، وطرح ما دلّ على جواز الصوم في يوم النفر المنطبق على بعض أيّام التشريق، لاشتهار مضمونهما بين الأصحاب، وعلى فرض التعادل، يسقط الطرفان ويرجع إلى الأصل المحكّم في المقام، أعني: حديث بديل من أنّ أيّام التشريق، أيّام أكل وشرب.
الثاني: الجمع بينهما وبين ما دلّ على جواز الصوم في يوم النفر المنطبق على أحد اليومين: الثاني عشر أو الثالث عشر، وذلك بحمل ما دلّ على الحرمة لمن أقام بمنى لا مطلقاً ـ كما عليه صاحب الجواهر1حيث حكى عن المعتبر والروضة أنّه لا يحرم صومهما على من ليس بمنى إجماعاً ـ مؤيداً بصحيح معاوية بن عمار، سئل الصادق(عليه السلام) عن الصيام فيها فقال: «أمّا بالأمصار فلا بأس، وأمّا بمنى فلا».
وقد مرّ في الفرع الثالث في ذيل المسألة 18 من أنّ المحرم هو صوم الناسك في منى، سواء كان بدل الهدي، أو مطلقاً، وأمّا صوم الناسك في غير منى فلم يدل دليل على حرمته.
ويؤيد ذلك أنّ مورد الروايات المجوّزة هو النافر لا المقيم، وهذا شاهد للجمع الّذي اختاره صاحب الجواهر.
فإن قلت: لو جاز الصيام للنافر يوم النفر تلزم لغوية النهي عن صوم أيّام

1 . الجواهر:19/176.

صفحه 178
المسألة 20. لو لم يصم اليوم الثامن أيضاً أخّر الصيام إلى بعد الرجوع من منى فصام ثلاثة متوالية، ويجوز لمن لم يصم الثامن الصوم في ذي الحجّة، وهو موسّع له إلى آخره، وإن كان الأحوط المبادرة إليه بعد أيام التشريق.*
التشريق، لأنّ الناسك بين من ينفر يوم الثاني عشر أو يوم الثالث عشر، فيحصر مورد النهي في اليوم الحادي عشر، والتعبير عن حرمة صوم ذلك اليوم بما مرّ في الروايات، خلاف البلاغة.
قلت: يكفي في صحّة النهي عن صوم أيّام التشريق تواجد جماعات في منى، عبر ثلاثة أيّام لغايات مختلفة، منها جمع اللحوم وتقديدها.
أضف إلى ذلك أنّ المراد من يوم النفر، يوم الثالث عشر ـ كما سيوافيك ـ فيلزم خروج يوم واحد، لا أكثر، وليس هذا من قبيل تخصيص الأكثر.
هذا ومع ذلك، فالاحتياط تأخيره إلى اليوم الرابع عشر، خروجاً عن مخالفة المشهور، كما مرّ.
* في المسألة فرعان:
1. مَن لم يصم الثامن أخّر الصيام إلى ما بعد الرجوع من منى.
2. مَن لم يصم الثامن يجوز له تأخير الصيام إلى آخر ذي الحجّة.
وإليك دراسة الفرعين واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: في أنّ من لم يصم اليوم الثامن يؤخّر الصيام إلى بعد الرجوع من منى.
توضيحه: أنّه يشترط التتابع في صوم الثلاثة أيّام، خرج منه موضع واحد وهو ما إذا فاته الصوم قبل يوم التروية، فقد مضى أنّه يصوم يوم التروية وعرفة ثمّ

صفحه 179
يصوم الثالث بعد رجوعه من منى. هذا هو الّذي سبقت دراسته في المسألة 18. وخرج عن الضابطة الكلية المقتضية للتتابع.
وأمّا الكلام في المقام فهو ما إذا لم يتّفق له صوم يوم التروية ـ أي صوم اليوم الثامن ـ فله صورتان:
إحداهما: أن لا يتفق صوم اليوم السابع والثامن معاً، فهل له أن يصوم عرفة ويحسبه يوماً واحداً، والظاهر من عبارة المصنّف أنّ البحث مركّز على هذه الصورة حيث قال:«لو لم يصم يوم الثامن أيضاً» أي كالسابع.
ثانيتهما: ما إذا صام اليوم السابع ولم يتّفق له صوم الثامن فقط، فهل له أن يصوم التاسع، ويحسب كلا اليومين ثمّ يصوم يوماً آخر بعد الرجوع من منى.
والظاهر من إطلاق كلام المحقّق أنّ موضوع الفرع هو الأعم والجامع أنّه لم يتّفق له صوم يوم التروية، من غير فرق بين أن لا يتّفق صوم اليوم السابع أيضاً أو اتّفق، حيث قال: ولو فاته يوم التروية أخّره إلى بعد النفر.1 وعلى ذلك يكون قول المصنّف:«أيضاً» غير واضح، والأولى أن يقول:»مطلقاً سواء أصام السابع أم لا».
وعلى كلّ تقدير فليس له صوم التاسع في كلتا الصورتين، لإطلاق ما دلّ على وجوب التتابع، خرج منه ما إذا فاته صوم ما قبل التروية، وأمّا غيره فهو محكوم بما دلّ على اعتبار التتابع في كلتا الصورتين.
نعم ذهب الشيخ في «الاقتصاد» إلى أنّه لو صام اليوم الأوّل وأفطر الثاني لكن لمرض أو ضيق أو عذر بنى عليه استناداً إلى عموم التعليل في خبر سليمان بن خالد أنّه سأل الإمام الصادق(عليه السلام): عمّن كان عليه شهران متتابعان فصام خمسة

1 . شرائع الإسلام:1/262.

صفحه 180
وعشرين يوماً ثمّ مرض، فإذا برأ يبني على صومه أم يعيد صومه كلّه؟ فقال (عليه السلام):«بل يبني على ما كان صام ـ ثم قال:ـ هذا ممّا غلب اللّه عليه وليس على ما غلب اللّه عزّ وجلّ عليه شيء».1
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقامين فإنّ من صام خمسة وعشرين يوماً ثمّ طرأ عليه المرض لو وجبت عليه إعادة ما صام لحفظ التتابع لزم الحرج، ولذلك اكتفى الشارع في تحقّق التتابع بخمسة وعشرين يوماً عند طروء المرض كما اكتفى بواحد وثلاثين يوماً في حالة الاختيار، وهذا بخلاف المقام خصوصاً إذا أفطر يومين وصام يوماً واحداً وهو التاسع، فما دلّ على لزوم التتابع أولى بالأخذ.
أضف إلى ذلك احتمال أنّ قوله«هذا ممّا غلب اللّه» من حكم التشريع لا من علله وملاكاته فلا يصحّ الاستدلال به.
الفرع الثاني: من لم يصم اليوم الثامن يجوز له تأخير الصوم إلى آخر الشهر.
خصّ المصنّف عدم وجوب المبادرة وجواز التأخير بمن لم يصم اليوم الثامن فأفتى فيه بجواز التأخير إلى آخر الشهر. ولا تجب المبادرة بعد أيّام التشريق. ولكن الموضوع أعم، وهو كلّ من لم يصم الأيّام الثلاثة، سواء لم يصم أصلاً أو صام بشكل غير متتابع، فعليه صيام ثلاثة أيّام إلى آخر الشهر.
ولذلك قال المحقّق:ويجوز صومها طول ذي الحجة.2
يدلّ عليه ما رواه الصدوق باسناده عن زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال:»من لم يجد ثمن الهدي فأحب أن يصوم الثلاثة الأيّام في العشر الأواخر فلا

1 . الوسائل:6، الباب3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث12.
2 . الشرائع:1/261.

صفحه 181
المسألة21. يجوز صوم الثلاثة في السفر، ولا يجب قصد الإقامة في مكة للصيام، بل مع عدم المهلة للبقاء في مكة جاز الصوم في الطريق، ولو لم يصم الثلاثة إلى تمام ذي الحجّة يجب الهدي يذبحه بنفسه أو نائبه في منى ولا يفيده الصوم.*
بأس بذلك».1
وطريق الصدوق إلى زرارة صحيح، فمقتضى الجمع هو حمل المبادرة على الاستحباب، ولذلك احتاط المصنّف استحباباً.
ويؤيد ذلك ما في رواية رفاعة: (فَصِيامُ ثَلاثَة أَيّام فِي الحَجّ)، يقول في ذي الحجّة. وإطلاقه2 يعمّ طول الشهر، ولذلك قال المصنّف: والأحوط المبادرة إليه بعد أيّام التشريق.
ولكن الظاهر من صحيح عيص بن القاسم وجوب المبادرة بعد مضي أيّام التشريق حيث روى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن متمتع يدخل يوم التروية وليس معه هدي؟ قال:«فلا يصوم ذلك اليوم ولا يوم عرفة، ويتسحّر ليلة الحصبة فيصبح صائماً وهو يوم النفر».3
فلو كنّا وهذه الرواية لكان القول بوجوب المبادرة أقوى، ولكن ما رواه الصدوق أظهر في جواز التأخير.
* في المسألة فروع:

1 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث13.
2 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث1.
3 . الوسائل:10، الباب 52 من أبواب الذبح، الحديث5.

صفحه 182
1. عدم وجوب قصد الإقامة بمكة بعد أيّام التشريق.
2. جواز صوم الثلاثة في الطريق.
3. إذا لم يصم إلى تمام ذي الحجّة سقط الصوم ووجب عليه الهدي.
وإليك دراستها:
الفرع الأوّل: إذا لم يصم في العشر الأُولى من ذي الحجّة، لا تجب الإقامة عليه بمكة، ويجوز صومها في السفر، لإطلاق قوله سبحانه: (ثَلاثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة)1، فالذي يجب عليه هو صيام الثلاثة في شهر الحجّ.
وتدلّ عليه رواية رفاعة بن موسى أنّه يصوم وهو مسافر وفيها قال: قلت: وما الحصبة؟قال: «يوم نفره». قلت: يصوم وهو مسافر؟ قال:«نعم أليس هو يوم عرفة مسافراً».2
إنّما الكلام في وجوب المقام بمكة للصوم في مكّة وإن لم يقصد الإقامة.
قال المحقّق الخوئي: هل يعتبر في صوم الثلاثة، صومها في مكة، أو يصحّ مطلقاً؟ لم أر مَن تعرّض لذلك نفياً وإثباتاً سوى شيخنا الأُستاذ في مناسكه، حيث صرح بعدم الاعتبار وانّه يصحّ مطلقاً. نعم لابدّ من وقوع صيامها في ذي الحجّة وقبل الرجوع إلى بلاده. إلاّ أنّ الظاهر من الروايات أن يصومها في مكّة.
ففي صحيحة معاوية بن عمّار: فإن فاته ذلك وكان له مقام بعد الصدر (الرجوع من أيّام النحر) صام ثلاثة أيّام بمكة، وإن لم يكن له مقام صام في

1 . البقرة:196.
2 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث1. في القاموس: الحَصبة هي الليلة بعد أيّام التشريق.

صفحه 183
الطريق.1
وفي صحيحة ابن مسكان: قلت له: أفيها أيّام التشريق؟ قال: «لا، ولكن يقيم بمكة حتّى يصومها».2
وفي صحيحة ابن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل تمتع فلم يجد هدياً؟ قال:«فليصم ثلاثة أيّام ليس فيها أيّام التشريق، ولكن يقيم بمكة حتّى يصومها، وسبعة إذا رجع إلى أهله».3 هو وجوب الإتيان بمكة، ولا قرينة لرفع اليد عن ظهورها.4
أقول: استظهار الوجوب من الأُولى محل تأمّل، حيث علّق الصيام بمكة على إرادة المقام بمكة واختياره لا على وجوب المقام، لكن في الصحيحين الأخيرين كفاية، إلاّ أن يقال بظهورهما في الإرشاد وانّه مختار بين البقاء والسفر. ومع ذلك الأحوط المقام بها. نعم لا يجب قصد الإقامة لجواز صوم الثلاثة في السفر، ولعلّ عبارة المصنّف ظاهرة في وجوب المقام حيث قال: بل مع عدم المهلة للبقاء، وهو الظاهر منه في المسألة 25، فلاحظ.
الفرع الثاني: إذا لم يتمكّن من صيام الثلاثة في مكة يجوز له الصيام في الطريق، وفاقاً للمشهور، قال الشيخ في «النهاية»: مَن لم يصم هذه الثلاثة أيّام وخرج عقيب أيام التشريق فليصمها في الطريق.5 ونسبه في «المعتمد» إلى

1 . الوسائل:10، الباب47 من أبواب الذبح، الحديث4. في «النهاية»: الصَّدَر ـ بالتحريك ـ رجوع المسافر من مقصده. وفي «القاموس»: الصدر ـ محركة ـ : اليوم الرابع من أيّام النحر.
2 . الوسائل:10، الباب51 من أبواب الذبح، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب51 من أبواب الذبح، الحديث1.
4 . المعتمد:5/292.
5 . النهاية:256.

صفحه 184
المشهور أيضاً.1 وقد تضافرت الروايات على جواز الصيام في الطريق نذكر واحدة منها ونشير إلى ما لم نذكر في الهامش.
ففي صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«مَن كان متمتّعاً فلم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن فاته ذلك وكان له مقام بعد الصدر صام ثلاثة أيام بمكة، وإن لم يكن له مقام صام في الطريق أو في أهله».2
وعلى ذلك فلا شكّ في جواز الصوم في الطريق، وربّما يظهر من بعض الروايات وجوب تأخيره إلى أهله كصحيحة محمد بن مسلم ففيها: وإن لم يقدر على ذلك فليؤخّرها حتّى يصومها في أهله، ولا يصومها في السفر.3
وصحيح ابن مسكان: «فإن لم يقم عليه أصحابه ولم يستطع المقام بمكة، فليصم عشرة أيّام إذا رجع إلى أهله».4
ويمكن الجمع بحمل الوجوب فيها على الوجوب التخييري أو الإرشاد إلى الفرد الأسهل، أعني: الصيام بين أهله دون السفر; ويؤيّد ذلك مرسلة المفيد قال: سُئل (عليه السلام) عمّن لم يجد هدياً وجهل أن يصوم الثلاثة الأيّام كيف يصنع؟ فقال: «أما إنّي لا آمره بالرجوع إلى مكة، ولا أشقّ عليه، ولا آمره بالصيام بالسفر، ولكن يصوم إذا رجع إلى أهله».5 فإنّ لفظة:«ولا أشق عليه» قرينة على أنّ الأمر بالسفر

1 . المعتمد:5/293.
2 . الوسائل:10، الباب47 من أبواب الذبح، الحديث4. ولاحظ الباب 50 من أبواب الذبح، الحديث6; والباب52 من أبواب الذبح، الحديث 4 و غيرهما.
3 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث10.
4 . الوسائل:10، الباب51 من أبواب الذبح، الحديث2.
5 . الوسائل:10، الباب47 من أبواب الذبح، الحديث5.

صفحه 185
إرشاد إلى أسهل الأفراد.
الفرع الثالث: فإن لم يصم الثلاثة حتّى أهلّ هلالُ محرم، سقط الصوم وتعيّن الهدي للسنة القادمة.
قال المحقّق: ولو خرج ذو الحجّة ولم يصمها تعيّن الهدي.1
وقال العلاّمة: ولا يجوز صيام هذه الأيّام إلاّ في ذي الحجّة بعد التلبّس بالمتعة، ولو خرج ذو الحجّة وأهلّ المحرّم سقط فرض الصوم واستقر الهدي في ذمّته، ووجب عليه دم. وقال أبو حنيفة: يستقر الهدي في ذمّته، وقال أحمد: يجوز الصوم ولا يسقط بفوات وقته ولكن يجب عليه دم شاة ]للكفّارة[ . وقال الشافعي: لا يسقط الصوم ولا يجب عليه الشاة.2
وقال في «المدارك»: سقوط الصوم وتعيّن ا لهدي قول علمائنا وأكثر العامة.3
نعم يظهر من الشيخ في كتابيه أنّ الذبح عنده أفضل من الصوم.4 وهو قول شاذ لم يقل به إلاّ الشيخ.5
ويدلّ على التعيّن روايات:
1. صحيح منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«من لم يصم في ذي الحجّة حتّى يهلّ هلال المحرم، فعليه دم شاة، وليس له صوم ويذبحه بمنى».6

1 . الشرائع:1/262.
2 . المنتهى:11/225.
3 . المدارك:8/55.
4 . النهاية:256، والمبسوط:1/371.
5 . المختلف:4/277.
6 . الوسائل:10، الباب47 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 186
والمتبادر من قوله:«لم يصم» هو صوم الثلاثة في ذي الحجّة ، إذ ليس فيه صوم سوى هذه والمتبادر من قوله:«ليس له صوم» هو عدم تشريع الصوم عليه.
2. مرسلة العياشي في تفسيره عن حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)فيمن لم يصم الثلاثة الأيّام في ذي الحجّة حتّى يهلّ عليه الهلال؟ قال: »عليه دم، لأنّ اللّه يقول:(فَصِيامُ ثَلاثَة أَيّام فِي الْحَجّ)أي في ذي الحجّة».1 والروايتان مطلقتان تعمّان العامد والساهي.
ويؤيّد ذلك كلّ ما دلّ على انقضاء وقت الصوم بانقضاء ذي الحجة.2 فالجميع، يدلّ على عدم تشريع الصوم عليه بانقضاء الشهر.
فإن قلت: هناك روايات تدلّ على أنّ الناسك إذا لم يصمها في مكّة فله أن يصومها بعد الرجوع إلى الأهل وإطلاقها يشمل ما إذا انقضى الشهر نظير:
1. صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال:«الصوم الثلاثة الأيام إن صامها ف آخرها يوم عرفة، وإن لم يقدر على ذلك فليؤخّرها حتّى يصومها في أهله، ولا يصومها في السفر».3
2. صحيح معاوية بن عمّار و فيها: فإن لم يقم عليه جَمّاله أيصومها في الطريق؟ قال:«إن شاء صامها في الطريق، وإن شاء إذا رجع إلى أهله».4
قلت: إنّ البحث في المقام مركّز على تحديد زمان الصوم، فدلّت عليه

1 . الوسائل:10، الباب47 من أبواب الذبح، الحديث6.
2 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث 1 و 15; والباب51، من أبواب الذبح، الحديث4.
3 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث10.
4 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث4. ولاحظ الحديث7 من هذا الباب، والحديث2 من الباب51، والحديث4 من الباب52.

صفحه 187
المسألة22. لو صام الثلاثة ثمّ تمكّن من الهدي، لا يجب عليه الهدي، ولو تمكّن في أثنائها يجب.*
الصحيحة والمرسلة على أنّه محدّد بانقضاء الشهر وأمّا هذه الروايات، سواء ما نقلناه في المتن أو ما أشرنا إليه في الهامش فالكلام فيها مركّز على المكان وأنّه غير محدّد بمكة ، فلو لم يتمكّن من الصوم في الأيّام الثلاثة في مكة فليصمها عند أهله، وليست ناظرة إلى الزمان حتّى يجوز صومها في أهله بعد انقضاء الشهر.1
وسيأتي في المسألة الخامسة والعشرين ما له صلة بالمقام.
والظاهر عدم وجوب الكفّارة، لأنّ المتبادر من صحيحة ابن منصور، وجوب الدم عليه، مكان وجوب الصوم. نعم لو قلت بحجيّة النبويّ، أعني: «من ترك نسكاً فعليه دم»2 تجب الكفّارة.
* فصّل المصنّف بين من صام الثلاثة فلم يجد الهدي فلا يجب عليه الهدي، وبين من تمكّن في أثنائها فيجب عليه الهدي. وأولى من هذه الصورة بوجوب الهدي إذا لم يصم أصلاً وهو بعد في الشهر الحرام.
أقول: المسألة معنونة في كلمات الأصحاب، وقد وردت فيها روايات، وإليك الأقوال:
القول الأوّل: ما اختاره الشيخ من كفاية التلبّس بالصوم فضلاً عمّن صام الثلاثة أيّام، فلا يجب عليه أن يعود إليه، وله المضيّ فيه كما له الرجوع إلى الهدي، بل هو الأفضل. وبه قال الشافعي.3
فإذا قال الشيخ بعدم وجوب الرجوع إلى الهدي في الأثناء يقول به بوجه

1 . المعتمد:5/283.
2 . سنن البيهقي:5/152.
3 . الخلاف:2/277، المسألة50.

صفحه 188
أولى إذا صام الثلاثة ثمّ تمكّن.
وهذا هو خيرة ابن إدريس.1 والعلاّمة في «التذكرة» قال: لو تلبّس بالصوم ثمّ أيسر أو وجد الهدي لم يجب عليه الهدي بل استحب له.2 وقال بمثله في «المنتهى».3 فذهبا إلى سقوط الهدي بمجرد التلبّس بالصوم.
وقوّاه صاحب المدارك حيث قال: والمسألة محل تردّد، وإن كان ما ذهب إليه ابن إدريس لا يخلو من قوة، إلاّ إنّ الإهداء مع التمكّن منه في وقته أحوط.4
القول الثاني: التفصيل بين كونه في الثلاثة وكونه بعد الثلاثة، فيرجع في الأوّل إلى الهدي دون الثاني، وهو خيرة الشرائع كما قال: ولو صامها ثم وجد الهدي ولو قبل التلبّس بالسبعة لم يجب عليه الهدي، وكان له المضي على الصوم، ولو رجع إلى الهدي كان أفضل.5 وتبعه المصنّف في المتن.
القول الثالث: الرجوع إلى الهدي مطلقاً، سواء كان في الأثناء أو بعد الصوم. وهو خيرة القاضي في «المهذب».6
وهو خيرة المحقّق الخوئي أيضاً حيث قال: من لم يتمكّن من الهدي ولا من ثمنه وصام ثلاثة أيّام في الحجّ ثمّ تمكّن منه، وجب عليه الهدي على الأحوط.7
واستدلّ العلاّمة على القول الأوّل بقوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذا رَجَعْتُمْ)8، ومقتضاه وجوب الصوم على غير الواجد فالانتقال عنه إلى الهدي يحتاج إلى دليل.

1 . السرائر:1/594.
2 . التذكرة:8/278.
3 . المنتهى:11/229.
4 . مدارك الأحكام:8/57.
5 . الشرائع:1/272.
6 . المهذب:1/259.
7 . المعتمد:5/301.
8 . البقرة:196.

صفحه 189
لا يقال: هذا يقتضي عدم الاجتزاء بالهدي وإن لم يدخل في الصوم أو دخل فيه.
لأنّا نقول: لو خُلّينا والظاهر لحكمنا بذلك، لكن الوفاق وقع على خلافه، فيبقى ماعداه على الأصل.
واستدلّ للقول الثاني:
1. بما رواه الكليني والشيخ عن حمّاد بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن متمتع صام ثلاثة أيّام في الحجّ ثمّ أصاب هدياً يوم خرج من منى؟ قال:«أجزأه صيامه».1
2. وخبر أبي بصير سئل أحدهما (عليهما السلام) عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتّى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة، أيذبح أو يصوم؟ قال:«بل يصوم فإنّ أيام الذبح قد مضت».2 بناءً على أنّه قد صام الثلاثة وأنّ المراد من قوله: «أو يصوم» إكماله بصوم السبعة، كما أنّ المراد من مضي أيّام الذبح مضيّ أيام تعيّنه.3
ولا يخفى ما فيه من التكلّف بأنّ الظاهر هو صوم الثلاثة، بشهادة تعليله بانقضاء وقت الذبح، وصوم الثلاثة بدل عن الذبح.
واستدلّ للقول الثالث: أي وجوب الرجوع إلى الهدي مطلقاً بخبر عقبة، سئل الصادق(عليه السلام)عن رجل تمتع وليس معه ما يشتري به هدياً فلمّـا أن صام ثلاثة أيام في الحجّ أيسر أيشتري هدياً فينحره أو يدع ذلك ويصوم سبعة أيّام إذا

1 . الوسائل:10، الباب45 من أبواب الذبح، الحديث1. والرواية ضعيفة بـ«عبد اللّه بن بحر» كما في نسخة «الكافي» قال العلامة: كوفي ضعيف، مرتفع القول. وضعّفه في الوجيزة. وفي نسخة «التهذيب» عبد اللّه بن يحيى هو مشترك.
2 . الوسائل:10، الباب44 من أبواب الذبح، الحديث3.
3 . الجواهر:19/184.

صفحه 190
رجع إلى أهله؟ قال:«يشتري هدياً فينحره، ويكون صيامه الّذي صامه نافلة».1
وأورد عليه في «الجواهر» بحمله على إرادة الندب لوجود الإجماع على عدم الوجوب.
هذه هي دراسة المسألة حسب ما ورد في كتب الأصحاب.
إنّ المشهور وإن كان سقوط الهدي بعد الصيام حتّى وإن وجد الهدي يوم النحر إلى أيّام التشريق، لكن الّذي يمكن أن يقال أنّ مقتضى القواعد استمرار عدم الوجدان إلى آخر أيّام التشريق، وأنّه لو وجده فيها ينتقل فرضه إلى الهدي وإن صام، وذلك لأنّ قوله سبحانه: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) بمعنى العلم بعدم وجدان الهدي يوم الذبح فالعلم أُخذ طريقاً، فلو وجد الهدي في تلك الأيّام كشف عن خطأ العلم وأنّه كان مصداقاً، فعليه الهدي مادام لم يفت وقته، من غير فرق بين من صام الثلاثة أم لم يصم، لأنّ المفروض خروجه عن مدلول الآية.
نعم دلّت رواية أحمد بن عبداللّه الكرخي على أنّه «يصبر إلى يوم النحر، فإن لم يُصب فهو ممّن لم يجد».2 ولكن الرواية محمولة على الغالب، فمن لم يجد قبل يوم النحر من يقترض منه أو يهدي إليه هدياً إلى يوم النحر يستمر الحال إلى آخر أيّام التشريق.
هذا هو مقتضى القاعدة وتؤيده النصوص الواردة في المقام وهي:
1. خبر حمّاد بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن متمتّع صام ثلاثة أيّام في الحج ثم أصاب هدياً يوم خرج من منى؟ قال(عليه السلام):«أجزأه صيامه».3
وإنّما وصفناه بالخبر لوقوع «عبد اللّه بن بحر» في سند الرواية.

1 . الوسائل:10، الباب45 من أبواب الذبح، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب54 من أبواب الذبح، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب45 من أبواب الذبح، الحديث1.

صفحه 191
قال العلاّمة: كوفي ضعيف، مرتفع القول. وضعّفه في الوجيزة.1
وعلى فرض الصحّة فيحمل على من خرج في النفر الأصغر أي اليوم الثالث عشر.
2. خبر أبي بصير، عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألته عن رجل تمتّع فلم يجد ما يهدي حتّى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة، أيذبح أو يصوم؟ قال:«بل يصوم، فإنّ أيّام الذبح قد مضت».2
وظاهر الرواية أنّ المراد من الصوم هو صيام ثلاثة أيّام بشهادة قوله: «فإنّ أيّام الذبح قد مضت» لا صوم السبعة.
وعلى كلّ تقدير فإن أُريد من يوم النفر النفر من منى فيحمل على النفر الأصغر، فيكون بعد انقضاء أيّام التشريق وإن أُريد النفر من مكة فيكون أيضاً بعد انقضاء أيّام التشريق.
وأمّا ما ذكره صاحب الجواهر من حمل الرواية على أنّه صام ثلاثة أيّام وانّ المراد من قوله :«أو يصوم» إكماله بصوم السبعة، فخلاف الظاهر جدّاً، وإن كانت النتيجة على كلا الوجهين واحدة.
ويؤيّد ما ذكرنا من أنّ المراد هو صوم الثلاثة أيّام ما روي عن أبي بصير بطريق آخر قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل تمتّع فلم يجد ما يُهدي ولم يصم الثلاثة أيّام حتّى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة، أيذبح أو يصوم؟ قال: «بل يصوم، فإنّ أيّام الذبح قد مضت».3

1 . راجع الموسوعة الرجالية الميسّرة:265 برقم 3279.
2 . الوسائل:10، الباب44 من أبواب الذبح، الحديث3.
3 . الوسائل:10، الباب44 من أبواب الذبح، الحديث4.

صفحه 192
المسألة23. يجب صوم سبعة أيّام بعد الرجوع من سفر الحجّ، والأحوط كونها متوالية، ولا يجوز صيامها في مكة ولا في الطريق، نعم لو كان بناؤه الإقامة في مكة جاز صيامها فيها بعد شهر من يوم قصد الإقامة، بل جاز صيامها إذا مضى من يوم القصد مدة لو رجع وصل إلى وطنه، ولو أقام في غير مكة من سائر البلاد أو في الطريق لا يجوز صيامها ولو مضى المقدار المتقدّم، نعم لا يجب أن يكون الصيام في بلده، فلو رجع إلى بلده جاز له قصد الإقامة في مكان آخر لصيامها.*
3. خبر عُقبة بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل تمتّع وليس معه ما يشتري به هدياً، فلمّا أن صام ثلاثة أيام في الحج أيسر، أيشتري هدياً فينحره أو يدع ذلك ويصوم سبعة أيّام إذا رجع إلى أهله؟ قال (عليه السلام):«يشتري هدياً فينحره ويكون صيامه الّذي صامه نافلة له».1
والرواية محمولة على ما إذا أيسر في يوم النحر أو بعده في أيّام التشريق.
ومن هنا تبيّن أنّ الروايات الثلاث لا تخالف مقتضى القاعدة، وتكون النتيجة هي أنّ من أيسر في يوم النحر إلى انقضاء أيام التشريق يجب عليه العدول إلى الهدي، ولو أيسر بعده فلا يجب، فيكون هذا قولاً رابعاً وراء الأقوال الثلاثة.
* في المسألة فروع:
1. صوم السبعة بعد الوصول إلى الأهل ولا يجوز صومها في مكة ولا في الطريق.
2. الأحوط كونها متوالية.

1 . الوسائل:10، الباب45 من أبواب الذبح، الحديث2.

صفحه 193
3. لو أقام بمكة ـ للجوار ـ انتظر قدر وصوله إلى أهله.
4. لو أقام في غير مكة لا يجوز صيامها ـ ما لم يرجع إلى أهله ـ و إن مضى قدر وصوله إلى أهله.
5. إذا وصل إلى أهله، لا يجب الصيام عندهم بل يجوز له السفر إلى مكان آخر والإقامة فيه للصيام.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: اتّفقت كلمة علمائنا على أنّه لا يجوز صوم السبعة إلاّ بعد الوصول إلى الأهل.
قال الشيخ: صوم السبعة أيّام لا يجوز إلاّ بعد أن يرجع إلى أهله، أو يصبر بمقدار مسير الناس إلى أهله، أو يمضي عليه شهر ثمّ يصوم بعده. وقال أبو حنيفة: إذا فرغ من أفعال الحجّ جاز له صوم السبعة قبل أن يأخذ في السير، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يصوم إلاّ بعد الرجوع إلى أهله، وثانيهما: إذا أخذ في السير خارج مكة بعد فراغه من أفعال الحجّ.1
ويدلّ عليه قوله سبحانه:(وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ)والآية مشتملة على قيدين: أحدهما: «في الحج»، للثلاثة، والثاني: «إذا رجعتم» للسبعة. فبما أنّ الأوّل قيد، فهكذا الثاني، على أنّ التفريق بين الثلاثة والسبعة آية القيد، وقد تضافرت الروايات على أنّه يصوم عند أهله ففي صحيحة ابن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في قول اللّه تعالى:(فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ)قال:« إذا رجعت إلى أهلك».2 وغيرها ممّا أشرنا إليه في الهامش.

1 . الخلاف:2/279.
2 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث16، ولاحظ 7 و 12.

صفحه 194
ولعلّ من قال ـ كأبي حنيفة ـ بكفاية الفراغ من العمل، حمل القيد (إذا رَجَعْتُمْ)على الترخيص، بزعم أنّ المورد من قبيل توهّم الحظر، فلا يستفاد منها القيدية، ولكنّه احتمال لا يرفع به اليد عن ظاهر الآية، على أنّ تأكيد الروايات على عدم جواز الصوم ـ إذا قصد الإقامة في مكة ـ إلاّ بعد مضي قدر وصوله إلى الأهل، يدلّ على كون الرجوع إلى الأهل قيداً، لا ترخيصاً.

الفرع الثاني: في جواز تفريق السبعة

قال العلاّمة: وأمّا السبعة فلا خلاف في جواز تفريقها.1
ويدلّ على جواز التفريق خبر و رواية مرسلة.
أمّا الخبر فهو ما رواه إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام): إنّي قدمت الكوفة ولم أصم السبعة الأيّام حتّى فزعت في حاجة إلى بغداد؟ قال: «صمها ببغداد». قلت: أُفرّقها؟ قال: «نعم».2والمراد التفريق بين السبعة زماناً لا مكاناً.
والحديث ضعيف بمحمد بن أسلم الذي يصفه النجاشي بقوله: كان غالياً فاسد الحديث. ولو أخذنا بمضمونه، تكون النتيجة جواز التفريق في السفر لا مطلقاً كما هو المدعى.
أمّا المرسلة فهي ما رواها الصدوق وفيها: «ويفصل بين الثلاثة والسبعة بيوم، وإن شاء صامها متتابعة».3 بناء على رجوع الضمير في قوله:«صامها» إلى السبعة.

1 . التذكرة:8/275.
2 . الوسائل:10، الباب55 من أبواب الذبح، الحديث1.
3 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث12.

صفحه 195
ومع ذلك يظهر من المحقّق وجود الخلاف حيث قال:ولا يشترط فيه الموالاة على الأصحّ. ونقل في المدارك عن ابن أبي عقيل وأبي الصلاح أنّهما أوجبا الموالاة في السبعة كالثلاثة، وقوّاه في المختلف.1
ويدلّ عليه روايات:
1. معتبرة علي بن جعفر، عن أخيه: موسى بن جعفر(عليه السلام) قال:سألته عن صوم ثلاثة أيّام في الحج وسبعة، أيصومها متوالية أو يفرق بينها؟ قال:«يصوم الثلاثة الأيّام لا يفرق بينها، والسبعة لا يفرق بينها».2والحديث معتبر الاسناد ليس في سنده إلاّ محمد بن أحمد العلوي، لكن كثيراً ما يصف العلاّمة الروايات التي هو في طريقها بالصحّة كما حكاه في المدارك.3
2. خبر علي بن الفضل الواسطي، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «أو إذا قدم على أهله، صام عشرة أيّام متتابعات».4
3. خبر الحسن بن زيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«السبعة الأيّام والثلاثة الأيّام في الحجّ لا تفرق إنّما هي بمنزلة الثلاثة الأيّام في اليمين».5
وعلى ضوء ذلك فما دلّ على وجوب التتابع أكثر وأظهر، ولو قلنا بحجّية خبر إسحاق بن عمّار، يُقتصر على مورده، وهو ما إذا كان مسافراً بمعنى أنّه يجوز التفريق بين السبعة في حال السفر، لا في الحضر، ولعلّ عدم وجوبه عندئذ لأجل تسهيل الأمر عليه، ولو لم نقل بحجّية خبره فما دلّ على وجوبه أكثر، فالقول به مطلقاً حضراً و سفراً لو لم يكن أقوى فهو أحوط. كما عليه المتن.

1 . المدارك:8/59.
2 . الوسائل:10، الباب55 من أبواب الذبح، الحديث2.
3 . المدارك:8/59.
4 . الوسائل:10، الباب52 من أبواب الذبح، الحديث4.
5 . الوسائل:7، الباب10 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث2.

صفحه 196
الفرع الثالث: قد مرّ أنّه لا يجوز الصيام إلاّ بعد الرجوع إلى أهله واستثني منه صورة خاصة، وهي ما لو أقام بمكة انتظر قدر وصوله إلى أهله، وقيّده المحقّق بقوله: «ما لم يزد على شهر».
يريد أنّ من وجب عليه صوم السبعة بدل الهدي إذا أقام بمكة انتظر بصيامها مضيَّ مدة يمكن أن يصل فيها إلى بلده إن لم تزد تلك المدة على شهر، فإن زادت على ذلك كفى مضيّ الشهر، ومبدأ الشهر من انقضاء أيّام التشريق.
قال الشيخ في «النهاية»: فإن جاور بمكة; انتظر مدة وصول أهل بلده إلى البلد أو شهراً، ثمّ صام بعد ذلك السبعة أيّام.1 ونقله في «الجواهر» عن المقنع والسرائر والجامع وعن الذخيرة وقال: لا أعلم فيه خلافاً.2
ويدلّ عليه روايات فيها صحاح:
1. صحيح البزنطي: «في المقيم إذا صام ثلاثة الأيّام ثم يجاور ينظر مقدم أهل بلده، فإذا ظنّ أنّهم قد دخلوا فليصم السبعة الأيّام».3
2. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال:«وإن كان له مقام بمكّة وأراد أن يصوم السبعة ترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله، أو شهراً ثمّ صام».4
3. معتبرة أبي بصير قال: سألته عن رجل تمتّع فلم يجد ما يهدي، فصام ثلاثة أيّام، فلمّا قضى نسكه بدا له أن يقيم سنة؟ قال: «فلينتظر منهل أهل بلده، فإذا ظنّ أنّهم قد دخلوا بلدهم فليصم السبعة الأيّام».5

1 . النهاية:255.
2 . جواهر الكلام:19/188.
3 . الوسائل:10، الباب50 من أبواب الذبح، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب50 من أبواب الذبح، الحديث2.
5 . الوسائل:10، الباب50 من أبواب الذبح، الحديث3. ولاحظ رقم 4و 5. المنهل:موضع الشرب في الطريق.

صفحه 197
وظاهر الأُولى والثالثة موضوعية الدخول، وعليه ربّما يطول أكثر من شهر، وظاهر الثانية كفاية مضيّ زمان يكفي في الوصول، ويؤيّده الاكتفاء بمضيّ الشهر.
ومع ذلك هناك ما يدلّ على أنّ التربص غير لازم، روى الصدوق في «المقنع» عن معاوية بن عمّار أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل دخل متمتّعاً في ذي القعدة وليس معه ثمن هدي ـ إلى أن قال: ـ فالسبعة الأيّام متى يصومها إذا كان يريد المقام؟ قال:«يصومها إذا مضت أيّام التشريق».1 وأرسله الصدوق على نحو كان على ثقة من صدقه، ومع ذلك فالروايات المعتبرة مقدّمة على المرسلة فما أفاده في المتن أقوى. على أنّ الظاهر من رواية الصدوق كفاية مضيّ أيّام التشريق، ولكن الظاهر ممّا مرّ كون المبدأ لمضي الزمان، هو ما إذا قصد المقام بمكة فيحاسب مقدار الزمان من لدن قصد المقام.
الفرع الرابع: إذا قام في غير مكّة، قبل أن يصل إلى أهله، فلا يكفي مضي شهر، أو قدر وصوله إلى أهله، لأنّ الأصل الأوّلي هو صيام السبعة بعد الرجوع إلى الأهل خرج عنه ما إذا أقام في مكّة، بقي الباقي تحت الضابطة المستفادة من الآية.
الفرع الخامس: لا يجب أن يكون الصيام في بلده بعد تحقّق الغاية وهو الرجوع إلى الأهل، فلو رجع إليه ثمّ خرج عن البلد وأقام في بلد آخر، جاز له الصيام فيه إذ ليس الرجوع إلى الأهل كناية عن الحضر المقابل للسفر، بل المراد هو الرجوع إلى الأهل مقابل كونه في مكّة والمفروض حصوله.
ويؤيّد ذلك خبر إسحاق بن عمّار قلت: لأبي الحسن موسى بن جعفر إنّي قدمت الكوفة، ولم أصم السبعة الأيّام حتّى فزعت في حاجة إلى بغداد،

1 . المقنع:284، باب الحلق، الطبعة المحققة.

صفحه 198
المسألة24. من قصد الإقامة في مكّة هذه الأيّام مع وسائل النقل الحديثة فالظاهر جواز صيام السبعة بعد مضي مقدار الوصول معها إلى وطنه وإن كان الأحوط خلافه، لكن لا يترك الاحتياط بعدم الجمع بين الثلاثة والسبعة.*
قال:«صمها ببغداد»، قلت: أُفرّقها؟ قال:«نعم».1 وقد تقدّم الاستدلال به على عدم وجوب التتابع، وقلنا : إنّه ضعيف لا يحتجّ به، ووصفه بالموثّقة غفلة عمّا في سنده، فلاحظ.
وليعلم أنّه إذا صام في السفر بعد الرجوع إلى الأهل يشترط فيه كلّ ما يشترط في صحّة الصوم في السفر من وجوب قصد الإقامة، خرج عنه صوم الثلاثة في مكة وفي الطريق إلى الأهل.
* في المسألة فرعان:
1. كفاية مضيّ قدر الوصول إلى الأهل بالوسائل الحديثة.
2. إذا أقام في مكّة، فالأحوط عدم الجمع بين الثلاثة والسبعة.
الفرع الأوّل: إذا قصد الإقامة في مكّة أو جاور بها، فقد مضى أنّه يترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهراً ثمّ صام بعده.2 وعند ذلك يطرح السؤال التالي: وهو انّه لو كان أهله بالمدينة، فالسفر بالوسائل السابقة كان يستغرق آنذاك ثمانية أيّام، وأمّا الآن فلا يستغرق إلاّ بضع ساعات، فهل يكفي مضي تلك المدة، في صيام السبعة بمكة أو لا؟ وجهان:

1 . الوسائل:10، الباب55 من أبواب الذبح، الحديث1.
2 . لاحظ الوسائل:10، الباب50 من أبواب الذبح، الحديث2.

صفحه 199
المسألة25. لو لم يتمكّن من صوم ثلاثة أيام في مكة ورجع إلى محلّه، فإن بقي شهر ذي الحجّة صام فيه في محلّه لكن يفصل بينها و بين السبعة، ولو مضى الشهر يجب الهدي، يذبحه في منى ولو بالاستنابة.*
1. من أنّ إطلاق النص يقتضي القول بالكفاية، لأنّ الموضوع هو مضي قدر مسيره إلى أهله، وهو يختلف حسب تطورات الحياة.
2. من أنّ الغاية هو التفريق بين الثلاثة والسبعة بوجه بارز، فلو كان الميزان هو الوسائل الحديثة فربّما يبلغ الفاصل الزماني بضع ساعات.
وأمّا الفرع الثاني فقد عرفت أنّ الأحوط عدم الجمع بين الثلاثة والسبعة.
* في المسألة فروع:
1. لو لم يتمكّن من صيام ثلاثة أيّام في مكّة ورجع إلى أهله يصوم ما لم يخرج شهر ذي الحجّة.
2. إذا صام الثلاثة في أهله يفصل بينها و بين السبعة.
3. ولو مضى الشهر ولم يصم يجب الهدي يذبحه في منى ولو بالاستنابة.
أقول: إنّ الظاهر من قوله:«لو لم يتمكّن من صوم ثلاثة أيام في مكّة» وجوب البقاء في مكّة للصيام وإن لم يجب قصد العشرة لجواز صيامها في السفر.
وهذا هو الظاهر أيضاً ممّا مضى في المسألة الحادية والعشرين حيث قال:ولا يجب قصد الإقامة في مكة للصيام، بل مع عدم المهلة للبقاء في مكّة جاز الصوم في الطريق.
وعلى كلّ تقدير فلنرجع إلى دراسة الفروع.
الفرع الأوّل: إذا رجع إلى أهله إمّا اختياراً كما إذا لم نقل بوجوب المقام في

صفحه 200
مكة، أو اضطراراً كما إذا لم يتمكّن من المقام فيها يصوم بين أهله إذا لم يخرج شهر ذي الحجّة، وإلاّ تعيّن الذبح، وقد مرّ الكلام فيه في المسألة الحادية والعشرين، ولعلّه ذكره هنا مقدّمة للفرع الثاني.

الفرع الثاني: الفصل بين الثلاثة والسبعة

إذا لم يتمكّن من صوم الثلاثة في مكّة ولا في الطريق ورجع إلى أهله، وشهر ذي الحجة بعد لم ينته، فهل له أن يجمع بين الثلاثة والسبعة أو لا؟
قال العلاّمة: أوجب علماؤنا التفريق بين الثلاثة والسبعة، لأنّهم أوجبوا صوم الثلاثة في الحجّ والسبعة في بلده. ثمّ نقل آراء الآخرين.1
والظاهر أنّ كلامه ناظر إلى ما لو صام الثلاثة في مكة فليس عليه أن يصوم السبعة فيها مطلقاً، سواء فرق بينهما أو لا، بشهادة استدلاله في ذيل كلامه حيث قال: «لأنّهم أوجبوا صوم الثلاثة في الحجّ والسبعة في بلده» مع أنّ موضوع بحثنا من أراد الجمع بينهما إذا رجع إلى الأهل. فمصبّ الإجماع الّذي ادّعاه في «المنتهى» غير ناظر إلى ما نحن فيه. وبذلك يظهر أنّ ما ادّعاه صاحب الجواهر من عدم الخلاف في المسألة اعتماداً على كلام العلاّمة في«المنتهى» في غير محلّه.2 وإنّما تعرّض له العلاّمة ـ مع أنّه في الفقه الشيعي واضح ـ ردّاً على أقوال الآخرين حيث جوّزوا الجمع بينهما في الطريق كما مرّ.
فالأولى دراسة المسألة على ضوء الروايات:
أمّا الروايات فهي على أصناف:
1. ما يدلّ على حرمة الجمع كخبر علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن

1 . منتهى المطلب:11/209.
2 . الجواهر:19/187.

صفحه 201
جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن صوم ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة، أيصومها متوالية أو يفرّق بينها؟ قال:«يصوم الثلاثة أيام لا يفرق بينها، والسبعة لا يفرق بينها، ولا يجمع بين السبعة والثلاثة».1
واحتمل صاحب الجواهر أنّ الخبر ناظر إلى ما إذا صام في مكّة دون ما لو وصل إلى أهله.
ولكن الظاهر إطلاق الرواية، بل الظاهر كونه ناظراً إلى ما لو وصل إلى الأهل، لأنّ الجمع بينهما في مكة خلاف صريح الآية حيث قال:(ثلاثة في الحجّ وسبعة إذا رجعتم) فكيف يصحّ لعلي بن جعفر أن يسأل عن موضوع واضح حكمه، إلاّ إذا كان السؤال لأجل الردّ على المجوّزين من فقهاء السنّة.
2. ما يدلّ على جواز صوم العشر بعد الرجوع إلى الأهل مطلقاً دون أن يقيّده بالتفريق أو بالجمع، كرواية ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) حيث قال:«ولكن يقيم بمكة حتّى يصومها، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يقم عليه أصحابه ولم يستطع المقام بمكة فليصم عشرة أيّام إذا رجع إلى أهله».2
ومن المعلوم أنّ خبر ابن مسكان قابل للتقييد بما مرّ في خبر علي بن جعفر ولا تعارض بينهما.
3. ما يدلّ على التخيير بين الجمع والتفريق، وذلك في رواية الصدوق مرسلاً عن النبي والأئمّة(عليهم السلام)وفيه:«وإن شاء صام العشرة في أهله، ويفصل بين الثلاثة والسبعة بيوم، وإن شاء صامها متتابعة».3

1 . الوسائل:10، الباب55 من أبواب الذبح، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب51 من أبواب الذبح، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب46 من أبواب الذبح، الحديث12.

صفحه 202
المسألة26. لو تمكّن من الصوم ولم يصم حتّى مات يقضي عنه الثلاثة وليّه، والأحوط قضاء السبعة أيضاً.*
4. ما يدلّ على أنّه يصوم العشرة متتابعة، وهذا كما في خبر علي بن الفضل الواسطي وفيه: فليصم بمكة ثلاثة أيّام متتابعات، فإن لم يقدر ولم يقم عليه الجمّال فليصمها في الطريق، أو إذا قدم على أهله صام عشرة أيّام متتابعات.1
فلو قلنا بأنّ لفظة متتابعات قيد احترازي فالرواية معرض عنها إذ لم يقل أحد بوجوب التتابع وإنّما تكلّموا في جوازه. وإن قلنا بأنّه ورد مورد توهّم الحظر (أي حرمة الجمع) فالرواية تكون كرواية الصدوق مفيدة للجواز.
وحصيلة الكلام: أنّ الأصناف الثلاثة الأخيرة تؤيد جواز الجمع، وليس في مقابلها إلاّ خبر علي بن جعفر وهو محمول على الاستحباب، فتكون النتيجة استحباب التفريق وكراهة الجمع بين الصومين بمعنى كونه أقل ثواباً.
وبذلك يظهر النظر في ما في المتن حيث أفتى بوجوب الفصل بينها وبين السبعة. نعم لا شكّ أنّ الأحوط هو الفصل بينهما.
الفرع الثالث: لو خرج الشهر ولم يصم انتقلت الوظيفة إلى الهدي، وقد مرّ الكلام فيه في المسألة الحادية والعشرين فلا حاجة إلى التكرار.
* لو مات المكلّف بالصوم بدل الهدي قبل صومها مع القدرة عليه، فهل يجب على الولي القضاء عنه؟ فيه أقوال ثلاثة:
1. قول الشيخ وهو أنّه: يقضي الولي عنه ثلاثة أيّام وجوباً، ولا يجب قضاء السبعة.2

1 . الوسائل:10، الباب52 من أبواب الذبح، الحديث4.
2 . النهاية:255; المبسوط:1/370.

صفحه 203
2. يجب قضاء الجميع على الولي. وهو خيرة ابن إدريس.1
3. لا يجب على وليّه القضاء عنه. وهو خيرة الصدوق في «المقنع».2
والقول الثاني: هو خيرة المحقّق في «الشرائع» حيث قال: و قيل بوجوب قضاء الجميع، وهو الأشبه .3 أي أشبه بأُصول المذهب وقواعده، وهو أيضاً خيرة العلاّمة في«المنتهى» حيث قال: والحقّ عندي اختيار ابن إدريس.4
إذا عرفت الأقوال الثلاثة فنقول: قد مرّ أنّ المحقّق وصف القول بكونه أشبه بالقواعد، ولذلك استدلّ عليه العلاّمة في «المختلف» بقوله: إنّه دين فوجب قضاؤه، فدين اللّه أحقّ أن يقضى.5
وما استدلّ به من الروايات رواه البخاري ومسلم في صحيحهما.6
ولكن للنظر فيه وجهان فإنّ المراد من الدين هو الدين المالي ولو صدر الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في مورد الحجّ فلأجل أنّ إنجازه لا يفارق بذل المال، والاستدلال به على وجوب العبادات المحضة كالصلاة والصوم لا يخلو من نظر، وقد أوضحنا حال الحديث في الجزء الأوّل (ص 611ـ 612) من هذه الموسوعة، فلاحظ.
واستدلّ في «المنتهى» بقوله: إنّه صوم واجب لم يفعله من وجب عليه مع تمكّنه من ذلك، فوجب على وليّه القضاء عنه كرمضان.7 ولا يخفى أنّ الكبرى

1 . السرائر:1/413.
2 . المقنع:91.
3 . الشرائع:1/262.
4 . المنتهى:11/227.
5 . مختلف الشيعة:3/569.
6 . صحيح البخاري:2/240، كتاب الصوم; صحيح مسلم:3/156، باب قضاء الصيام عن الميت.
7 . المنتهى:8/227.

صفحه 204
تحتاج إلى دليل، وهو أنّ كلّ ما لم يفعله العبد يقضي عنه وليّه وهو غير ثابت، ولذلك فالأولى الاستدلال عليه بالروايات.
1. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):«من مات ولم يكن له هدي لمتعته فليصم عنه وليّه».1
وإطلاق الرواية يعمّ الثلاثة والسبعة.
وفي مقابله صحيحة أُخرى تفصّل بين الثلاثة والسبعة وأنّ الولي يقضي الأُولى دون الثانية، وهي:
2. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه سأله عن رجل تمتّع بالعمرة ولم يكن له هدي، فصام ثلاثة أيّام في ذي الحجّة، ثمّ مات بعد ما رجع إلى أهله قبل أن يصوم السبعة الأيام، أعلى وليّه أن يقضي عنه؟ قال:«ما أرى عليه قضاء».2
والجمع بين الروايتين بوجهين:
الأوّل: تخصيص الرواية الأُولى بالثانية، فتكون النتيجة قضاء الثلاثة وعدم قضاء السبعة مطلقاً.
الثاني: الإمعان في رواية الحلبي، فإنّ مورده من صام ثلاثة أيّام في ذي الحجّة ولم يصم خصوص السبعة، ففي هذا المورد قال الإمام(عليه السلام) بعدم القضاء عليه.ومقتضى الجمع بين الروايتين أنّه إذا لم يصم أبداً لا الثلاثة ولا السبعة يصوم الجميع عملاً بصحيحة معاوية، وأمّا إذا صام الثلاثة وتوفّي فلا يجب على وليّه

1 . الوسائل:10، الباب48 من أبواب الذبح، الحديث1. والرواية الثالثة والسادسة، نفس هذه الرواية.
2 . الوسائل:10، الباب48 من أبواب الذبح، الحديث2.

صفحه 205
القضاء.
وفيها احتمال آخر وهو أنّه مات ولم يتوفّر فيه شرائط القضاء، كما إذا رجع إلى أهله مريضاً غير قادر على الصوم، ففي مثله لا يجب القضاء دون من كان صحيحاً مدة السبعة ثمّ مات فيجب القضاء مطلقاً وإن صام الثلاثة. وربّما يشهد على ما ذكرناه ما رواه الصدوق مرسلاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).1

إكمال

موضع الذبح

قد أنهى المصنّفرحمه اللّه الكلام فيما يرجع إلى الذبح والنحر، وكان عليه أن يتطرّق إلى البحث عن مكانهما كما تطرّق إلى البحث عن زمانهما حيث قال في المسألة 11:«والأحوط عدم التأخير من يوم العيد». ولعلّ وضوح الحكم دفعه إلى عدم البحث فيه. وقد اتّفقت كلمة فقهائنا على أنّ مكانه هو منى. قال الشيخ في «النهاية»: ولا يجوز أن يُذبح الهديُ الواجب في الحجّ إلاّ بمنى.2
وقال في «المبسوط»: وعليه بمنى ثلاث مناسك: أوّلها رمي الجمرة الكبرى، والثاني الذبح، والثالث الحلق.3
وقال المحقّق: والنية شرط في الذبح، ويجوز أن يتولاّها عنه الذابح، ويجب ذبحه بمنى.4

1 . حظ الوسائل:10، الباب48 من أبواب الذبح، الحديث4.
2 . النهاية:256.
3 . المبسوط:1/368.
4 . الشرائع:1/259.

صفحه 206
وقال العلاّمة في «المنتهى»: نحر هدي التمتع يجب بمنى. ذهب إليه علماؤنا ، وقال أكثر الجمهور: إنّه مستحب وانّ الواجب نحره بالحرم. وقال بعض الشافعية: لو ذبحه في الحل وفرّقه في الحرم أجزأه. ثمّ استدلّ على ما اختاره بما رواه الجمهور عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«منى كلّها منحر» وأضاف بأنّ التخصيص بالذكر يدلّ على التخصيص في الحكم.1
وقال في «التذكرة»: يجب النحر أو الذبح في هدي التمتع بمنى عند علمائنا.2 ثمّ نقل ما تقدّم نقله عن «المنتهى».
وقال في «المدارك» عند قول المحقّق: هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، وأسنده العلاّمة في التذكرة والمنتهى إلى علمائنا مؤذناً بدعوى الإجماع عليه.3
إلى غير ذلك من الكلمات.
ويدلّ عليه من الكتاب العزيز قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).4
ومورد الآية وإن كان هو المحصر والمراد به من منعه خوف أو عدو أو مرض لكن الظاهر أنّ الحكم للهدي بما هوهو، سواء أكان صاحبه محصراً أم لا، فتدلّ على أنّ له محلاً خاصاً لا يجوز للمحصر التحلّل من الإحرام حتّى يبلغ الهدي إلى ذلك المحل الخاص وفسّر ذلك المحل في الروايات بمنى، نظير:

1 . منتهى المطلب:11/172.
2 . التذكرة:8/252.
3 . المدارك:8/19.
4 . البقرة:196.

صفحه 207
ما رواه زرعة قال: سألته(عليه السلام)عن رجل أُحصر في الحج؟ قال:«فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه، ومحله أن يبلغ الهدي محله، ومحلّه منى يوم النحر إذا كان في الحجّ، وإن كان في عمرة نحر بمكة»1.2
وأمّا الروايات فقد تضافرت على أنّ محله منى، وضعف أسانيد بعضها لا يضر بالاستدلال بعد تضافرها ودعم بعضها بعضاً مع أنّ فيها الصحيح نظير:
1. صحيح منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل يضلّ هديه فيجده رجل آخر فينحره، فقال:«إن كان نحره بمنى فقد أجزأ عن صاحبه الّذي ضلّ عنه، وإن كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه».3
2. رواية إبراهيم الكرخي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل قدم بهديه مكة في العشر، فقال(عليه السلام):«إن كان هدياً واجباً فلا ينحره إلاّ بمنى، وإن كان ليس بواجب فلينحره بمكة إن شاء، وإن كان قد أشعره أو قلّده فلا ينحره إلاّ يوم الأضحى».4
إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة المدعمة لوجوب الذبح والنحر بمنى، وقد أشرنا إلى مصادرها في الهامش.
وأمّا ما رواه معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّ أهل مكّة

1 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب الإحصار والصد، الحديث2.
2 . اختلفت كلمة المفسرين في تعيين المحل على قولين: الأوّل: إنّه الحرم فإذا ذبح به في يوم النحر أحلّ، وهو المروي عن ابن عباس وابن مسعود. الثاني: الموضع الّذي يصد فيه، لأنّ النبي نحر هديه بالحديبية. وأمّا على مذهبنا فالأوّل حكم المحصر بالمرض والتالي حكم المحصور بالعدوّ. مجمع البيان:1/290.
3 . الوسائل:10، الباب28 من أبواب الذبح، الحديث2.
4 . الوسائل:10، الباب4 من أبواب الذبح، الحديث1. ولاحظ الحديث 5 و 6 و 7 من هذا الباب.

صفحه 208
أنكروا عليك أنّك ذبحت هديك في منزلك. فقال:«إنّ مكّة كلّها منحر»،1 فهو محمول على الهدي المستحب.
وأمّا ما رواه أيضاً عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل نسي أن يذبح بمنى حتّى زار البيت فاشترى بمكّة ثمّ ذبح، قال:«لا بأس قد أجزأ عنه»،2 فلا يصحّ حمله على الهدي المستحب لظهور الحديث في أنّ محلّه هو منى لكنّه نسيه حيث قال:«نسي أن يذبح بمنى» فالأولى أن يقال:الرواية معرض عنها أو تختص بالناسي إذا ذكر بعد أيّام التشريق.

إذا لم يتمكّن من الذبح بمنى

إذا لم يتمكّن المكلّف من الذبح في منى كما هو الحال في هذه الأعوام حيث نقلت الحكومة السعودية المجازر إلى خارج منى «وادي محسّر»، ومن المعلوم أنّ هذا الوادي خارج عن منى كما تقدّم، فما هو التكليف في هذه الأيّام؟ هنا طريقان لرفع الإشكال:
الأوّل: لو تمكّن من الذبح بمنى في غير يوم العيد فيتعيّن عليه تأخير الذبح إلى آخر أيّام التشريق، بل إلى آخر ذي الحجة، وذلك لأنّ الحلق مترتّب على الذبح الصحيح، والقدر المتيقّن من الترتّب هو وجوبه عند التمكّن; فأمّا إذا لم يتمكّن من الذبح الصحيح يجوز له الحلق بالفعل ويحل بذلك ويؤخّر ذبحه وما يترتب عليه من الطواف وصلاته والسعي إلى ما بعد الذبح.
فخرج القائل بهذا البيان إلى أنّ عليه تأخير الذبح إلى ما بعد يوم النحر

1 . الوسائل:10، الباب4 من أبواب الذبح، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث5.

صفحه 209
كأيّام التشريق وغيره، الّتي يغادر الحجاج فيها أرض منى ويتمكّن الإنسان من ذبح الهدي.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره وإن كان حلاً فقهياً، ولكن القائل ينظر إلى المسألة من زاوية فردية، إذ يتمكّن النفر الواحد أو الاثنان تنفيذ هذا الأمر، وأمّا الآلاف المؤلّفة من الحجاج الشيعة فكيف يمكنهم ذلك؟ فإنّ هذا الأمر يوجب فساداً ويسبب نزاعاً لا تحمد عقباه.
مضافاً إلى أنّه إذا جاز الحلق لماذا لا يجوز عليه الإتيان بأعمال مكة من الطواف والسعي، ولا ينتظر إلى عملية الذبح؟
الثاني: وهو تجويز الذبح في المجازر الحديثة وذلك بالبيان التالي:
إنّ المستفاد من الآيات أنّ الهدي ـ الّذي عبّر عنه في القرآن الكريم بالبدن ـ من شعائر دين اللّه حيث قال سبحانه: (وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوافَّ)1، وما كان من شعائر اللّه كيف يمكن تركه بفقدان شرط منه وهو عدم التمكّن من الذبح في منى؟
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ مقتضى بعض الإطلاقات وجوب ذبح الهدي على الناسك دون أن يكون مقيداً بمكان أو زمان، قال سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)2 ، فمقتضى ذلك الإطلاق هو وجوب الهدي في أيّام الحجّ على المتمتع. نعم قام الإجماع وتضافرت الروايات على تقييد المطلق بمكان خاص كما عرفت.

1 . الحج:36.
2 . البقرة:196.

صفحه 210
وعندئذ يقع الكلام أنّه إذا لم يتمكّن من العمل بالقيد، أي ذبحه في مكان خاص، فهل يسقط التكليف بأصل الذبح أو يسقط العمل بالقيد؟ مقتضى القاعدة هو التمسّك بالإطلاق، وذلك لأنّ القدر المتيقّن من الإجماع والروايات المقيدة هو شرطية الذبح بالمكان الخاص عند التمكّن، وأمّا إذا لم يتمكّن فالعمل بالمقيد ساقط لعدم القدرة، فيبقى وجوب العمل بالمطلق.
ويؤيّد ذلك ما تقدّم من أنّ الإنسان لو أخّر الذبح عن يوم النحر فلا يسقط عنه، بل عليه الذبح أيّام التشريق، بل إلى آخر ذي الحجّة، وهذا يعرب عن عدم سقوط الهدي بزوال زمانه. فليكن كذلك أي غير ساقط بزوال مكانه، إذ لا فرق بين القيدين: الزمان والمكان.
وإن شئت قلت: إنّ للشارع مطلوبين:
أ. اراقة الدماء وذبح الهدي ونحر الإبل، لأنّ النحر والذبح من أعلام دينه، مضافاً إلى ما يترتّب عليه من المنافع كما قال سبحانه:(فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ).1
ب. ذبحه في مكان خاص. فإذا لم يتمكّن من إنجاز المطلوب الثاني فالمطلوب الأوّل بحاله.
أضف إلى ذلك أنّه لا يمكن تعطيل أعمال الحجّ إذا لم تتهيّأ الظروف في رعاية بعض الشرائط، فكأنّ الحجّ عمل واحد يكون الإنسان به وافداً إلى اللّه سبحانه، فإذا لم يتمكّن من تنفيذ بعض الشروط فالعمل بباقي الواجبات هو المطلوب بحاله.

1 . الحج:36.

صفحه 211
وأمّا ذبحه في الأقرب فالأقرب فلأجل دوران الأمر بين تعيّن ذبحه في الحرم وبين التخيير بينه و بين خارجه، فالأوّل هو المتعيّن، كما هو الأوّل في كلّ مورد يدور الأمر بين التعيين والتخيير، لكون الأوّل مجزئاً قطعاً بخلاف الثاني.
تمّ الكلام في أحكام الذبح
صبيحة الأحد الخامس عشر من شهر رجب الأصب
من شهور عام 1427هـ.
بيد مؤلفه الحقير جعفر السبحاني
والحمد للّه ربّ العالمين

صفحه 212

الثالث من واجبات منى:

في«الحلق» أو «التقصير»

المسألة27. يجب بعد الذبح، الحلق أو التقصير ويتخيّر بينهما إلاّ طوائف:
الأُولى: النساء، فإنّ عليهن التقصير لا الحلق، فلو حلقن لا يجزيهن.
الثانية: الصرورة، أي الّذي كان أوّل حجه، فإنّ عليه الحلق على الأحوط.
الثالثة: الملبد، وهو الّذي ألزق شعره بشيء لزج كعسل أو صمغ لدفع القمل ونحوه، فعليه الحلق على الأحوط.
الرابعة: من عقص شعره، أي جمعه ولفّه وعقده; فعليه الحلق على الأحوط.
الخامسة: الخنثى المشكل، فإنّه إذا لم يكن من إحدى الثلاثة الأخيرة يجب عليه التقصير، وإلاّ جمع بينه وبين الحلق على الأحوط.*
* في المسألة فروع:
1. وجوب الحلق أو التقصير.

صفحه 213
2. الحلق والتقصير بعد الذبح.
3. التخيير بين الحلق والتقصير.
4. تعيّن التقصير على النساء.
5. تعيّن الحلق على طوائف ثلاث:
1. الصرورة. 2. الملبد. 3. من عقص شعره.
6. والخنثى المشكل إذا لم يكن من الطوائف الثلاث الأخيرة، يجب عليه التقصير، وإلاّ جمع بين التقصير والحلق.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: وجوب الحلق أو التقصير

اتّفقت كلمات الأصحاب على وجوب الحلق أو التقصير، إلاّ ما يظهر من الشيخ في «التبيان» و الطبرسي في «المجمع»، استحبابهما.
قال الشيخ: ومناسك الحجّ تشتمل على المفروض والمسنون. والمفروض يشتمل على الركن وغير الركن... ثمّ بعد ما بيّن الأركان والفرائض الّتي ليست بأركان، قال: والمسنونات: الجهر بالتلبية، واستلام الأركان أيام منى، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير.1
وقال الطبرسي ـ بعد ما بيّن الأركان ـ: وأمّا الفرائض الّتي ليست بأركان فالتلبية، وركعتا الطواف، وطواف النساء، وركعتا الطواف له. وأمّا المسنونات من أفعال الحجّ، فمذكورة في الكتب المصنّفة فيه.2

1 . التبيان:2/196.
2 . مجمع البيان:1/291.

صفحه 214
ترى أنّه لم يذكر الحلق حتّى الرمي في الفرائض وأدخله في المسنونات.
وربّما يؤوّل بأنّ المراد بالمسنون ما علم بسنة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ولا ينافي كونهما واجبين، فتأمّل.1
قال العلاّمة في «المنتهى»: إذا ذبح الحاج هديه وجب عليه الحلق أو التقصير بمنى يوم النحر، ذهب إليه علماؤنا أجمع، إلاّ في قول شاذ للشيخ في «التبيان» أنّه مندوب.2
ويدلّ على الوجوب من الروايات ما يلي:
1. ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إذا ذبحت أُضحيتك فاحلق رأسك، واغتسل، وقلّم أظفارك، وخذ من شاربك».3
واشتمال الرواية على المندوبات لا يضر بدلالتها على الوجوب، لأنّ الأمر ظاهر فيه، فهو حجّة فلا ترفع اليد عن هذا الظاهر إلاّ بدليل قاطع...
وأمّا تعيّن الحلق فهو محمول على مورده، وسيوافيك تعيّنه في حق طوائف أو لكونه أفضل.
2. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:»كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم النحر يحلق رأسه ويقلّم أظفاره، ويأخذ من شاربه ومن أطراف لحيته».4
ولو كان فعل «كان» بمعنى الاستمرار فلا صلة له بيوم النحر في الحج، إذ

1 . وجه التأمّل أنّ الحلق ورد في الكتاب العزيز، قال سبحانه:(وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)البقرة:196.
2 . المنتهى:11/327.
3 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث12.

صفحه 215
لم يحجّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الهجرة إلاّ مرّة واحدة، فيكون المراد به، اليوم العاشر من ذي الحجّة وإن لم يكن في الحجّ; وأمّا إذا كان مجرداً عنه كما هو الظاهر فيدلّ على أنّه حلق رأسه يوم النحر. والفعل وإن كان أعمّ من الوجوب، إلاّ أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بما أنّه كان في مقام تعليم المناسك يكون فعله ظاهراً في الوجوب لا يعدل عنه إلاّ بدليل.
3. ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل زار البيت قبل أن يحلق فقال:«إن كان زار البيت قبل أن يحلق وهو عالم أنّ ذلك لا ينبغي له فإنّ عليه دم شاة».1
فلو كان الحلق أمراً مندوباً لا تترتّب الكفّارة على تركه.
4. ما رواه علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن المرأة رَمتْ وذبحت ولم تُقصِّر حتّى زارت البيت فطافت وسعت من الليل ما حالها؟ وما حال الرجل إذا فعل ذلك؟ قال: «لا بأس به يقصر ويطوف بالحج ثمّ يطوف للزيارة ثمّ قد أحلّ من كلّ شيء».2
وجه الدلالة على الوجوب هو أنّ الأمر بالإعادة بعد التقصير دليل على وجوبه، ولولاه لما وجبت عليها الإعادة.
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على وجوب الحلق والتقصير.3

الفرع الثاني: الحلق والتقصير بعد الذبح

المشهور أنّ ترتيب المناسك الثلاثة يوم النحر على جهة الوجوب: الرمي،

1 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب4 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.
3 . لاحظ الباب5 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث 1ـ6. فإنّ الأمر بالرجوع إلى منى للحلق أو التقصير وهو في الطريق آية الوجوب.

صفحه 216
ثمّ الذبح، ثمّ الحلق; خلافاً لابن أبي عقيل، والشيخ في «الخلاف»، وأبي الصلاح في «الكافي»، والعلاّمة في «المختلف» وإليك بعض الكلمات من الفريقين. والكلام في المقام في الحكم التكليفي، وأمّا الوضعي أي بطلان العمل وعدمه، أو التفصيل بين العامد فيبطل، والساهي والجاهل بالحكم فلا يبطل، فهو موكول إلى المسألة 32 فانتظر. ولنقدّم كلمات القائلين بوجوب الترتيب.
1. قال الشيخ : فإذا فرغ من الذبح، حلق بعده إن كان صرورة ولا يجزيه غير الحلق.1
2. قال المحقّق في «الشرائع»: وترتيب هذه المناسك واجب يوم النحر: الرمي ثمّ الذبح ثمّ الحلق، فلو قدم بعضها على بعض أثم ولا إعادة.2
3. وقال العلاّمة: قال أكثر علمائنا: يجب ترتيب هذه المناسك بمنى: الرمي، ثمّ الذبح، ثمّ الحلق. وبه قال أحمد ومالك وأبو حنيفة والشافعي في أحد القولين.3
وإليك بعض كلمات القائلين بعدم وجوب الترتيب:
4. قال الشيخ في «الخلاف»: ينبغي أن يبتدئ بمنى برمي جمرة العقبة ثمّ ينحر ثمّ يحلق، والترتيب في ذلك مستحب.4
وهو خيرة أبي الصلاح في الكافي5، وابن إدريس.6

1 . المبسوط:1/373.
2 . الشرائع:1/265.
3 . منتهى المطلب: 11/339.
4 . الخلاف:2/345، المسألة 165.
5 . الكافي في الفقه:200.
6 . السرائر:1/600.

صفحه 217
والقضاء الباتّ رهن دراسة الروايات الواردة في الموضوع، وقبل أن ندرس الروايات نذكر ما يمكن الاستدلال به على لزوم الترتيب من الذكر الحكيم، قال سبحانه في مورد المحصور بالمرض: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحلِقُوا رؤُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).1
فإن أُريد من بلوغ الهدي محلّه هو وصول الهدي المبعوث من جانب المريض إلى منى فلا يكون دليلاً على الترتيب، وأمّا لو كان كناية عن ذبح الهدي المبعوث فيدلّ على وجوب الترتيب في غير المحصور بطريق أولى.
فقد نقل الطبرسي تفسيره بالذبح عن ابن عباس وابن مسعود وحسن وعطاء.
قال: إنّه الحرم، فإذا ذبح به في يوم النحر أحل.2
وأمّا الروايات فهي:
1. خبر عمر بن يزيد وفيه: «إذا ذبحت أضحيتك فاحلق رأسك».3
ودلالته على الترتيب واضحة لوجود حرف «الفاء».
وقد قلنا : إنّ اشتمال الحديث على بعض المندوبات لا يضر بالأخذ بظهور الأمر في وجوب الترتيب.
2. صحيح جميل بن دراج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«تبدأ بمنى بالذبح قبل الحلق، وفي العقيقة بالحلق قبل الذبح».4

1 . البقرة:196.
2 . مجمع البيان:1/290.
3 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث3.

صفحه 218
3. صحيح سعيد الأعرج قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): جعلت فداك معنا نساء فأُفيض بهن بليل... إلى أن قال: «فإن لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن ويقصرن من أظفارهن».1
فالمفهوم من هذا الحديث أنّه لو كان عليهن ذبح يقدّمنه على التقصير.
4. صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)وفيها:«فيرمين الجمرة ثم يصبرن ساعة، ثم يُقصّرن وينطلقن إلى مكة فيطفن، إلاّ أن يكن يردن أن يُذبح عنهنّ فإنّهنّ يوكّلن من يذبح عنهن».2
والظاهر أنّ الاستثناء عن التقصير والانطلاق إلى مكة فلو كان عليهن ذبح فلا يقصرن.
5. ما رواه الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم، عن علي قال: لا يحلق رأسه ولا يزور حتّى يُضحّي، فيحلق رأسه ويزور متى شاء.3
والظاهر أنّ المراد من علي هو علي بن جعفر، فإنّ موسى بن القاسم يروي عنه، ولكن الرواية مقطوعة غير مسندة إلى الإمام.
وفي هذا المقدار كفاية على لزوم الترتّب، تكليفاً ومع ذلك ففي استفادة الوجوب التكليفي من هذه الروايات، نظر لاحتمال سوقها لبيان الوجوب الشرطي كما هو الحال في الأوامر الواردة في أجزاء العبادات والمعاملات، وسيوافيك بيان الوجوب الشرطي في المسألة 32، فانتظر.

1 . الوسائل:10، الباب 8 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث7.
3 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث9. ولاحظ الباب8 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث3.

صفحه 219

الفرع الثالث: التخيير بين الحلق والتقصير

التخيير بين الحلق والتقصير على وجه الإجمال أمر لا سترة عليه، إنّما الإشكال في كونه ضابطة كلية أو ضابطة إجمالية خرج عنه طوائف.
ذهب المحقّق إلى أنّه ضابطة كلية لا فرق بين طائفة دون طائفة، نعم يتأكّد الحلق في حق طائفة قال: فإذا فرغ من الذبح فهو مخيّر إن شاء حلق وإن شاء قصّر، والحلق أفضل.1
وقال ابن إدريس: يستحب للإنسان أن يحلق رأسه بعد الذبح، وهو مخيّر بين الحلق والتقصير.2
وقال العلاّمة: ويتخيّر الحاج بين الحلق والتقصير أيّهما فعل أجزأ. ذهب إليه أكثر علمائنا، وبه قال أبو حنيفة.3
إنّ التخيير في غير الطوائف المستثناة أمر اتّفقت عليه كلمات الأصحاب، وكفى في ذلك صحيحة معاوية بن عمّار: «وإن كان قد حج فإن شاء قصّر، وإن شاء حلق».4 إلى غير ذلك من الروايات الّتي ستوافيك في البحث عن الملبد و المعقوص والصرورة.
استدلّ المحقّق الخوئي 5 على التخيير، بقوله تعالى:(مُحَلِّقينَ رءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ) وبدعاء النبي في الحديبية للمحلّقين والمقصّرين.6 وسيوافيك أنّ

1 . الشرائع:1/264.
2 . السرائر:1/600ـ 601.
3 . منتهى المطلب:11/329.
4 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.
5 . المعتمد:5/315.
6 . لاحظ الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث6.

صفحه 220
الآية نزلت في العمرة المفردة، ولا صلة لها بحجّة الوداع، والتخيير في العمرة لا يصلح أن يكون دليلاً على التخيير في غيرها، ومنه يظهر حال دعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّ موردها العمرة المفردة في الحديبية.
الفرع الرابع: تعيّن التقصير على النساء
اتّفقت كلمتهم على تعيّن التقصير على النساء، قال المحقّق: وليس على النساء حلق، ويتعيّن في حقّهن التقصير، ويجزيهن منه ولو مثل الأنملة.1
أقول: لا شكّ في إجزاء التقصير إنّما الكلام في عدم مشروعية الحلق لهن، واستفادة ذلك من الروايات أمر يحتاج إلى إمعان نظر. وإليك بعض ما ورد في ذلك:
1. ما ورد في رواية سعيد الأعرج من قوله(عليه السلام): «فليأخذن من شعورهنّ ويقصّرن من أظفارهنّ».2
2. ما ورد في رواية علي بن أبي حمزة: «وتقصر المرأة ويحلق الرجل».3
3. ما ورد في رواية أبي بصير من قوله(عليه السلام): «ثم يقصرن».4
أمّا الأُولى والثالثة فلا تدلاّن إلاّ على جواز التقصير لهن وأمّا التعيّن فلا. نعم قوله في الرواية الثانية: «وتقصر المرأة ويحلق الرجل» ظاهر في نفي المشروعية، لأنّ التفصيل قاطع للشركة .

1 . شرائع الإسلام:1/264.
2 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث4.
4 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث7.

صفحه 221
4. ما رواه الحلبي قال: «ليس على النساء حلق ويجزيهنّ التقصير».1
ولعلّ العبارة ظاهرة في أنّه لم يكتب الحلق على النساء.
فإن قلت: قد ورد في وصية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام)قوله:«ليس على النساء جمعة، ولا استلام الحجر، ولا حلق».2 ومع ذلك يجوز للنساء الحضور في الجمعة.
قلت: ظهور الرواية في نفي المشروعية أمر لا ينكر، وإنّما دلّ على جواز حضورهن في صلاة الجمعة دليل آخر.

الفرع الخامس: تعيّن الحلق على طوائف ثلاث

أمّا تعين الحلق على الملبد والمعقوص فيكفي في ثبوته:
1. صحيح معاوية بن عمّار: «إذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبّدته فقد وجب عليك الحلق وليس لك التقصير وإن أنت لم تفعل فمخير لك التقصير، والحلق في الحجّ أفضل وليس في المتعة إلاّ التقصير».3
2. صحيحه الآخر:«فإذا لبّد شعره أو عقصه فإنّ عليه الحلق وليس له التقصير».4
3. صحيحة هشام بن سالم قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«إذا عقص الرجل رأسه أو لبّده في الحج أو العمرة فقد وجب عليه الحلق».5

1 . الوسائل:10، الباب8 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث3.
2 . الوسائل:10، الباب8 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث4.
3 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث8. ويقال عقص شعره: فتلَه وباللغة الفارسية: بافتن. و يقال: لبّد شعره: ألزقه بشيء لزج أو صمغ، أو جمع حتى صار كاللبّد .
4 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
5 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث2.

صفحه 222
4. ما رواه الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سمعته يقول:«من لبّد شعره أو عقصه فليس له أن يقصر وعليه الحلق، ومن لم يلبّده تخيّر إن شاء قصّر، وإن شاء حلق، والحلق أفضل».1
ونقل العلاّمة القول في الحلق في الملبّد عن الحسن البصري ومالك والشافعي والنخعي وأحمد وإسحاق لما رواه العامّة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«من لبّد فليحلق».2
فالتشكيك في وجوب الحلق على الطائفتين غير تام، وكان على المصنّف أن يقول وإلاّ جمع بينه و بين الحلق على الأقوى، مكان «على الأحوط»، إنّما الكلام في تعيّنه على الصرورة. فنذكر بعض الكلمات:

الصرورة وتعيّن الحلق عليه

الصرورة عبارة عمّن لم يحجّ حجّة الإسلام، على ما في رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«على الصرورة أن يحلق رأسه ولا يقصّر إنّما التقصير لمن قد حجّ حجّة الإسلام».3
وصرّح به الصدوق في «المقنع» وقال: واعلم أنّ الصرورة لا يجوز له أن يقصّر وعليه الحلق، إنّما التقصير لمن قد حجّ حجّة الإسلام.4
وأمّا ما في بعض الكتب الفقهية من تفسيرها بمن لم يحج مطلقاً فلا يخلو

1 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث15.
2 . التذكرة:8/335.
3 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث5 . ورواه البزنطي عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، ونقل البزنطي عنه دليل على أنّه تحمل الحديث عنه زمان استقامته، فالرواية معتبرة.
4 . المقنع:277.

صفحه 223
عن مسامحة.
وعلى كلّ تقدير ففي الصرورة قولان: تعيّن الحلق عليه، والتخيير بينه و بين التقصير، دون أن يكون أحدهما مشهوراً والآخر غير مشهور.
فما في «المدارك» من أنّ ما اختاره المصنف ]المحقّق[ من التخيير بين الحلق والتقصير مطلقاً هو المشهور بين الأصحاب1، فليس في محلّه.
وستظهر لك حقيقة ما ذكرنا، بل في المستند أنّ القول بالحلق هو المشهور بين أعاظم المتقدّمين حيث قال: إنّ هؤلاء الثلاثة (الملبد والمعقوص والصرورة) يتعيّن عليهم الحلق وفاقاً لجماعة من أعاظم القدماء.2
وإليك سرد كلمات الفقهاء:
1. قال الصدوق: واعلم أنّ الصرورة لا يجوز له أن يقصّر وعليه الحلق.3
2. قال ابن الجنيد: ولا يجزي الصرورة و من كان غير صرورة ملبّد الشعر أو مضفوراً أو معقوصاً من الرجال غير الحلق.4
3. وقال المفيد: ولا يجزي الصرورة غير الحلق، ومن لم يكن صرورة أجزأه التقصير، والحلق أفضل.5
4. وقال الشيخ: وإن كان صرورة لا يجزئه إلاّ الحلق.6
5. وقال أبو الصلاح: ولا يجزي في حجّة الإسلام غير الحلق، وفي ماعداه التقصير، والحلق أفضل.7

1 . المدارك:8/89.
2 . المستند:12/374.
3 . المقنع:277.
4 . مختلف الشيعة:4/259. يقال ضفر الشعر: نسج بعضه على بعض عريضاً.
5 . المقنعة:219.
6 . النهاية:262.
7 . الكافي:216.

صفحه 224
6. وقال ابن البراج: فإن كان الحاج صرورة فقد ذكر أنّه لا يجزيه إلاّ الحلق، ومن لم يكن صرورة فالتقصير يجزيه إلاّ أن الحلق أفضل.1
7. وقال ابن حمزة: والصرورة وغير الصرورة إذا تلبّد شعره لم يجزئه غير الحلق.2
8. وقال ابن سعيد: والحلق واجب على الصرورة و على غيره ان لبّد شعره أو عقصه.3
نعم ذهب جمع من أصحابنا إلى التخيير منهم:
1. الشيخ في «الجمل والعقود»، قال: أمّا الحلق فمستحب للصرورة، وغير الصرورة يجزيه التقصير، والحلق أفضل.4
2. ابن إدريس في «السرائر»، فإنّه بعدما ذكر مذهبي الشيخ في الجمل والعقود، والنهاية قال: الصحيح هو الأوّل (أفضلية الحلق).5
3.المحقّق في «الشرائع»، قال: فإذا فرغ من الذبح فهو مخيّر إن شاء حلق، وإن شاء قصّر، والحلق أفضل.6
4. العلاّمة في «المختلف»، قال: والحلق أفضل من التقصير مطلقاً.7
وبذلك تبيّن أنّ الأشهر بين المتقدّمين هو القول بتعيّن الحلق.
وأمّا فقهاء السنّة فالظاهر منهم الاتّفاق بأنّ الحلق أفضل للرجال.8
وعلى كلّ تقدير فالمهم دراسة الروايات.

1 . المهذب:1/259.
2 . الوسيلة:186.
3 . الجامع للشرائع:216.
4 . الجمل والعقود:236.
5 . السرائر:1/601.
6 . الشرائع:1/263.
7 . المختلف:4/292.
8 . الموسوعة الفقهية الكويتية:17/47.

صفحه 225
وقبل الخوض في تحليل الروايات نذكر أُموراً تمهيدية:
أ. يظهر من قوله سبحانه في المحصور: (وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)1 أنّ الحلق هو الأصل ولذا ذكره وحده، دون أن يذكر عن التقصير شيئاً.
ب. ويؤيده ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:»رحم اللّه المحلقين]ثلاثاً [والمقصرين ]مرة[«. أو قيل له: والمقصرين، فقال:»والمقصرين».2
كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأصل هو الحلق لا التقصير، والعدول عنه يحتاج إلى دليل.
ج. إنّ القول بتعيّن الحلق على الصرورة قول تفرّدت به الإمامية وليس منه أثر في الفقه السنّي. كلّ ذلك يبعث الفقيه إلى الإمعان والدقّة في الروايات المأثورة عنهم(عليهم السلام).
وأمّا الروايات الواردة حول الصرورة فهي على طوائف ثلاث:

الأُولى: ما يدلّ بالدلالة المطابقية على تعيّن الحلق

1. معتبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«على الصرورة أن يحلق رأسه ولا يقصر إنّما التقصير لمن قد حجّ حجّة الإسلام».3
وأمّا السند فكالتالي: باسناد الشيخ عن أحمد بن محمد، عن عليّ، عن أبي بصير; وأحمد بن محمد هو ابن أبي نصر البزنطي(المتوفّى سنة 221هـ) ويبعد أن

1 . البقرة:196.
2 . التذكرة:8/335; ورواه مسلم في صحيحه:2/946 برقم 318; والوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث6.
3 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث5.

صفحه 226
يكون المراد به أحمد بن محمد بن خالد أو عيسى، لأنّ الأوّل توفّي إمّا في 272هـ أو في 280هـ، وتوفّي الثاني أيضاً بعد 280هـ.
كما أنّ المراد بـ(علي) هو علي بن أبي حمزة البطائني، وبما أنّ الراوي عنه البزنطي (ذلك الفقيه البصير) فيكون ذلك قرينة على أنّه تحمّله عنه حين استقامته، ولذلك قلنا في بحوثنا الرجالية بأنّ رفض روايات علي بن أبي حمزة، لوقفه أو غير ذلك، غير تام بل يجب العمل بها إذا كان الراوي عنه أحد أعلام الطائفة كالبزنطي وغيره الّذين يصدّهم دينهم وورعهم عن الرواية عن المتّهم بالكذب، ولكن نقلهم عنه دليل على أنّهم تحمّلوا الرواية عنه حين استقامته.
وأمّا أبو بصير فأمره غني عن البيان. وقد قلنا في محلّه أنّ أبا بصير مردّد بين شخصين: أبو بصير الأسدي: يحيى بن القاسم، وأبو بصير المرادي: ليث بن البختري وكلاهما ثقة.1
2. ما رواه الشيخ بسند صحيح عن أبي سعيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«يجب الحلق على ثلاثة نفر: رجل لبّد، ورجل حج بدءاً لم يحج قبلها ،ورجل عقص رأسه».2
والسند إلى أبي سعيد صحيح إنّما الكلام في أبي سعيد، وهو مردّد بين أبي سعيد القمّاط (كنية صالح بن سعيد الذي لم يوثق وخالد بن سعيد، والمطلق ينصرف إلى الثاني وهو ثقة)وبين أبي سعيد المكاري هاشم بن حيّان من وجوه الواقفة.
وأمّا سويد القلاّ فهو سويد بن مسلم الثقة.

1 . لاحظ : تقديمنا على مسند أبي بصير.
2 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث3.

صفحه 227
3. خبر بكر بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«ليس للصرورة أن يقصر، وعليه أن يحلق».1
4. خبر سليمان بن مهران ـ في حديث ـ: إنّه قال لأبي عبد اللّه(عليه السلام): كيف صار الحلق على الصرورة واجباً دون من قد حجّ؟ قال: ليصير بذلك موسماً بسمة الآمنين، ألا تسمع قول اللّه عزّ وجلّ:(لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامِ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ لاَ تَخافُونَ)2.3
فإن قلت: إنّ ذيل الحديث ربّما يستشمّ منه الندب، أي كونه أفضل فردي الواجب المخيّر، لأنّ التعبير بأنّ الحلق إنّما هو للاتّسام بسمة الآمنين مشعر بعدم اللزوم، إذ لا يعلّل الوجوب بمثله، فعندئذ يكون تعيّنه من باب تعيّن أفضل الفردين.
قلنا: إنّ علل التشريع الواردة في بعض الروايات علل تقريبية لا حقيقية، فلا يصحّ لنا رفع اليد عن ظهور الصدر بالذيل.
أضف إلى ذلك انّ ذيل الآية يدلّ على أنّ العلامة هو الجمع حيث قال تعالى:(مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرين)، وهذا ممّا لم يقل به أحد من الفقهاء، وحمل الواو على التخيير خلاف الظاهر، فذيل الحديث لا يخلو من إبهام.
5. موثّقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل برأسه قروح لا يقدر على الحلق؟ قال:«إن كان قد حجّ قبلها فليجزّ شعره، وإن كان لم يحجّ فلابدّ له من الحلق».4

1 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث10.
2 . الفتح:27.
3 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث14.
4 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث4.

صفحه 228
والمراد من قوله: «لا يقدر» هو المشقة الّتي تتحمّل عادة لا السالبة للقدرة فلو كان واجباً مخيّراً لما أمره الإمام(عليه السلام) بالعمل الشاق، بل أرشده إلى أحد عدلي التخيير وهو التقصير. ولو استلزم الحلق الإدماء، يترك محلّه ويحلق ما وراءه.
وكلّ من ورد في سند الرواية ثقاة فطحيون كعمرو بن سعيد، والمصدق بن صدقة، عن عمّار الساباطي.
هذه الروايات تدلّ بالدلالة المطابقية على وجوب الحلق، وضعف أسانيد بعضها أو أكثرها لا يضر بالاستدلال بها، لدعم بعضها بعضاً إذ الحجّة في باب خبر الواحد هو الخبر الموثوق الصدور، لا خبر الثقة، وهذه الروايات المتوافرة وما يأتيك من الصنف الثاني يورث اليقين بصدور مضمونها عن المعصوم، وأنّ الحكم الشرعي للصرورة هو الحلق.

الثانية: ما يدلّ بالدلالة الالتزامية على تعيّن الحلق

ورد في المقام روايات تدلّ بالدلالة الالتزامية على تعيّن الحلق على الصرورة، وإليك بيانها:
6. موثقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: سألته عن رجل حلق قبل أن يذبح؟ قال:»يذبح و يعيد الموسى، لأنّ اللّه تعالى يقول:(وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)».1
وجه الدلالة: أنّه لو كان مخيّراً بين الحلق والتقصير لتعيّن الثاني بعد عدم التمكّن من الأوّل، لأنّ الضابطة في الواجب التخييري هو أنّه إذا امتنع أحد الطرفين يتعيّن الطرف الآخر.

1 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث2.

صفحه 229
7. موثّقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المتمتع أراد أن يقصر ]في عمرته [فحلق رأسه؟ قال: «عليه دم يهريقه، فإذا كان يوم النحر أمرّ الموسى على رأسه حين يريد أن يحلق».1
وجه الدلالة كما مرّ في الحديث السابق.
8. معتبر زرارة: انّ رجلاً من أهل خراسان قدم حاجّاً وكان أقرع الرأس لا يُحسن أن يلبّي، فاستفتي له أبو عبد اللّه(عليه السلام)، فأمر أن يلبّى عنه، وأن يمرّ الموسى على رأسه، فإنّ ذلك يجزي عنه.2
والسند لا بأس به، لأنّ الجميع ثقاة سوى «ياسين الضرير» وقد حسّنه في «الوجيزة»، وقال المحقّق الداماد: حديثه قوي.

الثالثة: ما يستظهر منه ـ لأجل السكوت ـ عدم التعيّن

وهنا طائفة ثالثة خصّت المعقوص والملبد بالاستثناء وسكتت عن الصرورة، نظير:
9. ما نقله ابن إدريس في آخر «السرائر» نقلاً عن نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سمعته يقول:«من لبّد شعره أو عقصه فليس له أن يقصّر وعليه الحلق، ومن لم يلبّده تخيّر إن شاء قصّر، وإن شاء حلق، والحلق أفضل».3
وربّما يعبر عنه بالصحيح، ولكن ذلك غير صحيح وإنّما نقله ابن إدريس من نوادر البزنطي بالوجادة دون أن يذكر سنداً إليه، ومثل هذا لا يوصف

1 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث3.
3 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث15.

صفحه 230
بالصحّة.
وجه الاستدلال: هو أنّ الإمام(عليه السلام) لم يستثن إلاّ الملبد و المعقوص، ولم يستثن الصرورة.
10. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبّدته فقد وجب عليك الحلق، وليس لك التقصير، وإن أنت لم تفعل فمخيّر لك التقصير، والحلق في الحج أفضل، وليس في المتعة إلاّ التقصير».1
11. صحيح هشام بن سالم قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«إذا عقص الرجل رأسه أو لبده في الحجّ أو العمرة فقد وجب عليه الحلق».2
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الظهور البياني الموجود في الروايات الثمان المتقدّمة، حاكم على الظهور السكوتي في الروايات الثلاثة الأخيرة ، وذلك لأنّ غاية ما يستفاد من هذه الروايات سكوت الإمام عن الصرورة، ولو دلّ السكوت على عدم تعيّنه في حقّه فإنّما يدلّ لو لم يكن هناك دليل حاكم عليه، وإلاّ فلا يقام للظهور السكوتي وزن ولا قيمة، وكفى في ذلك ما تقدّم من الروايات المتوفرة الدالة على تعيّن الحلق في حق الصرورة.

12. دراسة صحيحة ابن عمّار

بقي الكلام في صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»ينبغي للصرورة أن يحلق، وإن كان قد حجّ فإن شاء قصّر وإن شاء حلق، فإذا لبّد شعره

1 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث8.
2 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث2.

صفحه 231
أو عقصه فإنّ عليه الحلق».1
وهذه الرواية ربّما يستشم منها التخيير بين الحلق والتقصير للصرورة، وذلك من وجهين:
الأوّل: ظهور قوله(عليه السلام):«ينبغي» في الاستحباب.
يلاحظ عليه: أنّه قد اعترف غير واحد من أصحابنا كالمحدّث البحراني والمحقّق الخوئي بأنّ لفظة «ينبغي» في أحاديث أئمّة آل البيت(عليهم السلام) ليست ظاهرةً في الاستحباب، بل كثيراً ما تطلق ويراد بها الوجوب، وقد ذكروا لذلك شواهد.
أضف إلى ذلك أنّه ليس إلاّ إشعاراً بالاستحباب، وهو لا يقاوم ما دلّ بالدلالة المطابقية أو الالتزامية على تعيّن الحلق.
الثاني: قوله(عليه السلام): «فإذا لبّد شعره أو عقصه فإنّ عليه الحلق».
وجه الدلالة: وجود الفرق في التعبير بين الصدر والذيل فعندما يذكر الصرورة يعبّر عنه بقوله: «ينبغي للصرورة أن يحلق». وعندما يعبّر عن الملبّد والمعقوص يغيّر التعبير ويقول:«فإذا لبّد شعره أو عقصه فإنّ عليه الحلق» فلو كان حكم الصرورة كحكم الملبد والمعقوص شعره، كان عليه أن يعبّر عنه بنفس التعبير ويقول:«فإنّ عليه الحلق» دون أن يقول:«ينبغي للصرورة أن يحلق».
يلاحظ عليه: بأنّ الحديث مشتمل على فقرات ثلاث:
أ. ينبغي للصرورة أن يحلق.
ب. وإن كان قد حجّ فإن شاء قصر وإن شاء حلق.
ج. فإذا لبَّد شعره أو عقصه فإنّ عليه الحلق.

1 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.

صفحه 232
فالفقرة الثالثة بحكم الأقربية تعود إلى الفقرة الثانية (غير الصرورة)، وأمّا وجه التعبير بقوله: «فإنّ عليه الحلق» فإنّما هو لدفع توهم بقاء حكم التخيير في غير الصرورة إذا تلبّد أو عقص، وذلك لأنّه لمّا كان غير الصرورة مخيّراً بين الحلق و التقصير وكان الحلق أفضل، حاول الإمام(عليه السلام) أن يبيّن أنّ غير الصرورة إذا لبّد أو عقص يزول عنه حكم التخيير ويتعيّن عليه الحلق، ولذلك قال: «فإنّ عليه الحلق» نافياً لتوهّم بقاء التخيير.
فلأجل هذه النكتة نرى الفرق بين التعبير عن حكم الصرورة والتعبير عن حكم غير الصرورة إذا لبّد أو عقص.
إلى هنا تمّت دراسة الروايات، وظهر أنّ الجميع يصب في موضع واحد، وهو تعيّن الحلق على الصرورة.
وإليك دراسة رأي من قال بالتخيير.

دليل القول بالتخيير

استدلّ القائلون بالتخيير بالكتاب تارة، والسنّة أُخرى.

الاستدلال بالكتاب العزيز

استدلّ القائلون بالتخيير بقوله سبحانه:(لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ لاَ تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً).1
فإنّ اللّه تعالى وعد المسلمين بأنّهم يدخلون المسجد الحرام حال كونهم

1 . الفتح:27.

صفحه 233
محلِّقين ومقصِّرين، أي تدخلون المسجد الحرام وأنتم بين محلّق ومقصّر، وهذا لا ينطبق إلاّ على دخولهم المسجد الحرام بعد الفراغ من أعمال ومناسك منى، وأمّا في دخولهم الأوّل إلى المسجد الحرام لأداء عمرة التمتع فلم يكونوا محلّقين ولا مقصّرين حين الدخول، والظاهر من الآية الكريمة أنّهم يدخلون حال كونهم محلّقين ومقصّرين فقوله تعالى: (مُحَلِّقينَ)و(مُقَصِّرِينَ) حال للدخول، وهذا ينطبق على إتيان أعمال الحجّ ومناسك منى، فالآية الشريفة واردة مورد الحج... ثمّ قال: إذا عرفت ذلك فلا ريب أنّ حج المسلمين الذين حجّوا مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك السنة كان حج صرورة، إذ لم يحجّوا قبل ذلك، ومع ذلك خيّرهم اللّه تعالى بين الحلق والتقصير.1
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره يخالف سياق الآيات وأسباب النزول وما اتّفق عليه المفسّرون بأنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) رأى في المنام أنّه دخل الكعبة وحلق رأسه وأخذ مفتاح البيت وقصّ رؤياه على أصحابه وتفأل بها خيراً، ولذلك أمر أصحابه بالتهيّؤ للعمرة، ولكنّ مشركي قريش وقفوا أمامه وبعد مفاوضات كثيرة تصالحوا على رجوع النبي ومن معه في هذه السنة إلى المدينة، على أن يقدموا العام القادم للعمرة، فلمّا دخلت السنة التالية استعد النبي مع أصحابه للعمرة وأسموه عمرة القضاء، وتحقّق الخبر السماوي، أي قوله سبحانه: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرين)، وقد أطبق الأصحاب على أنّ الناسك يتحلّل في العمرة المفردة بالتقصير والحلق ولكن الثاني أفضل، فلذلك قال سبحانه:(مُحَلِّقينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ). يقول المحقّق في أحكام العمرة

1 . المعتمد:5/319.

صفحه 234
المفردة: ويتحلّل من المفردة بالتقصير، والحلق أفضل.1
والحاصل: أنّ الآية نزلت في مورد العمرة المفردة ولا صلة لها بالحجّ، فالاستدلال بها في مورد الحجّ غير صحيح.
وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ الآية واردة مورد الحجّ بقرينة أنّ قوله:(مُحَلِّقينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرينَ) حال من الدخول غير تام، وذلك لأنّ الجملة كناية عن الإحرام، ولذلك يقول الطبرسي في تفسير الجملة : أي محرمين يُحلّق بعضكم رأسه ويُقصر بعض، على أنّ الحال تارة تكون مقارنة كما في آمنين، وأُخرى مقدّرة كما في الآخرين، كما يقال: دخل الأمير البلد فاتحاً، فإنّ الفتح ربّما يتأخّر عن الدخول.
وثالثاً: لو سلّمنا أنّ الآية ناظرة إلى حجّة الوداع لكن لم يكن عامّة الذين حجّوا مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) صرورة، بل كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكثيراً من المدنيّين قد حجّوا قبل الإسلام وبعده، بشهادة أنّ الأنصار بايعوا النبي في السنة الحادية عشرة والثانية عشرة من بعثة الرسول في العقبة كما هو مذكور في السيرة النبوية. فلا يمكن أن نحكم بقول قاطع انّهم كانوا صرورة، ولو افترضنا أنّ الآية ناظرة إلى حجّة الوداع فهي تقسم الناسك إلى محلّق ومقصّر، وأمّا من هو المحلّق أو المقصّر فالآية ساكتة عنه. وبعبارة أُخرى: الآية ناظرة إلى تشريع كلا الأمرين، وحملها على التخيير خلاف الظاهر، وإلاّ لقال: «أو» مكان الواو، وأمّا الجمع بينهما فلم يقل به أحد.
وفي الختام نلفت نظر القارئ إلى نكتة، هي: انّه لو كان الواجب هو

1 . الشرائع:1/303. وقال في الجواهر:20/466 بعد كلام المحقّق: بلا خلاف أجده، بل ولا إشكال . ثمّ استدل بروايتين صحيحتين سيأتي الكلام عنهما ـ بإذن اللّه ـ في أحكام العمرة المفردة الّتي ترك المصنّف الكلام فيها.

صفحه 235
التخيير بين الحلق والتقصير، لورد فيه بيان واضح عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) مع كثرة الابتلاء وعمومية البلوى.

الاستدلال بالسنّة الشريفة

ففي صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يوم الحديبية: اللّهم اغفر للمحلّقين« مرتين، قيل: وللمقصّرين يا رسول اللّه؟ قال: »وللمقصّرين».1
احتجّ بهذا الحديث صاحب المدارك كما احتجّ بالآية المتقدّمة أيضاً.2
يلاحظ عليه بأمرين:
أوّلاً: أنّ الرسول إنّما قال ذلك في الحديبية وقد كان المسلمون عُمّار عمرة إفراد، لا حُجّاجاً، والكلام في الحج لا في العمرة.
وثانياً: أنّ الحديث على فرض كونه ناظراً إلى الحج، يدلّ على أنّ صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا على صنفين: بين مُحلّق ومقصِّر، والنبي ترحّم على كلتا الطائفتين، وأمّا من هو المحلّق ومن هو المقصّر فغير معلوم، ولم يدلّ دليل على أنّ المقصّرين كانوا صرورة، فالرواية ساكتة عنه.
وبما ذكرنا اتّضح أنّه ليس للقول بالتخيير دليل قوي واضح، وورع الفقيه يصده عن التسرّع بالإفتاء بالتخيير في مثل هذا العمل العظيم الّذي ربّما يأتي به الناس بعد جهود كبيرة. وربّما يتمنّاه سنين ولا يدركه. ولا أقلّ يسلك مسلك الاحتياط كما عليه المتن.

1 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث6.
2 . المدارك:8/50.

صفحه 236

الفرع السادس: حكم الخنثى المشكل

إنّ الخنثى المشكل بما أنّه ليس طبيعة ثالثة، بل هو إمّا رجل أو امرأة فله قسمان:
الأوّل: إذا كان الخنثى المشكل غير ملبد ولا معقوص الشعر ولا صرورة يتعين عليه التقصير، لأنّه لو كان في الواقع امرأة يتعين في حقّها التقصير، وإن كان رجلاً يتخير بينهما. فالأمر دائر بين الموافقة القطعية (التقصير) والموافقة الاحتمالية (الحلق)، فتتقدّم الأُولى على الثانية بحكم العقل، والموافقة القطعية رهن التقصير لا الحلق.
الثاني: إذا كان ملبداً أو معقوص الشعر أو صرورة. وبعبارة أُخرى: من يجب عليه الحلق على تقدير كونه ذكراً والتقصير على تقدير كونه أُنثى. فيكون المقام من قبيل دوران الأمر بين المتباينين فيجب الجمع بين الحلق والتقصير، نظير ما إذا علم بوجوب الظهر أو الجمعة.
فإن قلت: المقام من قبيل دوران الأمرين المحذورين اللّذين يتخيّر فيهما الإنسان بالأخذ بأحد الطرفين، وذلك لأنّ هنا علماً إجمالياً آخر، وهو أنّه يعلم بحرمة الحلق عليه أو بحرمة التقصير، لأنّه لو كان امرأة لا يجوز لها الحلق قبل التقصير، ولو كان رجلاً لم يجز له التقصير قبل الحلق، فأي فرع من الأمرين يختاره الخنثى يكون أمره دائر بين المحذورين.
فلو اختار الحلق فهو إمّا حرام (إذا كانت امرأة)، أو واجب (لو كان رجلاً).
ولو اختار التقصير فهو إمّا محرم (إذا كان رجلاً) لأنّه لا يقصر قبل الحلق،

صفحه 237
المسألة28. يكفي في التقصير قص شيء من الشعر أو الظفر بكلّ آلة شاء، والأولى قص مقدار من الشعر والظفر أيضاً، والأحوط لمن عليه الحلق أن يحلق جميع رأسه. ويجوز فيهما المباشرة والإيكال إلى الغير، ويجب فيهما النية بشرائطها، ينوي بنفسه، والأولى نية الغير أيضاً مع الإيكال إليه.*
أو واجب (إذا كانت امرأة)، وفي مثله يكون مخيّـراً بين أحد الأمرين.
فما في المتن من أنّه «يجمع بين التقصير والحلق على الأحوط» خلاف الأحوط.
قلت: لا فرق بين الجمع والتخيير، بل الأوّل أرجح إذ عمله عند التخيير، مردّد بين المخالفة والموافقة الاحتماليتين، فهكذا إذا جمع، لأنّه لو قصر يحتمل أنّه يخالف الواقع، لاحتمال أنّه رجل فواجبه الحلق قبل التقصير، ولكنّه لا يقطع بالمخالفة، وهكذا لو حلق، يحتمل أنّه يخالف الواقع، لاحتمال انّها امرأة، يحرم عليها الحلق قبل التقصير، لا أنّه يقطع بالمخالفة فليس في الجمع أيضاً إلاّ مخالفة احتمالية كالتخيير، على أنّ في الجمع موافقة قطعية ليست في التخيير. وبهذا يرجّح الجمع على التخيير.
* في المسألة فروع:
1. كفاية قص شيء من الشعر أو الظفر.
2. الأحوط لمن عليه الحلق أن يحلق جميع رأسه.
3. جواز المباشرة والإيكال إلى الغير.
4. وجوب النية فيهما.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.

صفحه 238

الأوّل: في تحديد التقصير

الظاهر من غير واحد من الأصحاب أنّ التقصير يكفي فيه قص شيء من الشعر والظفر.
قال الشيخ: والمرأة ليس عليها حلق، ويكفيها من التقصير مقدار أنملة.1
وقال المحقّق: وليس على النساء حلق، ويتعيّن في حقّهن التقصير ويجززن منه ولو مثل الأنملة.2
قال العلاّمة: والمرأة لا حلق عليها، ويجزئها من التقصير قدر الأنملة.3
إلى غير ذلك من الكلمات، لكن يقع الكلام في أنّ التمثيل بقدر الأنملة يحتمل وجهين:
1. أن يكون كناية عن الفرد الخفي، أي ما لا يجزي الأقل منه.
2. أن يكون من باب التمثيل وكناية عن المسمّى على نحو يجزي الأقلّ من ذلك.
وجهان كلاهما محتملان.
ذهب في «المسالك» إلى الأوّل وقال: والواجب من ذلك ما يقع عليه اسمه عرفاً، والتقدير بالأنملة كناية عنه، والمراد بالتقصير إبانة مسمّى الشعر أو الظفر بحلق أو نتف أو قرض بالسنّ أو نحو ذلك.4

1 . النهاية:263.
2 . شرائع الإسلام:1/264.
3 . التذكرة:8/336.
4 . المسالك:2/321.

صفحه 239
واحتمل الثاني سبطه في «المدارك» وقال: ويكفي في التقصير مسمّاه، وإن كان الأولى عدم الاقتصار على ما دون الأنملة كما هو ظاهر اختيار المصنف.1
ونقل عن ابن الجنيد أنّه لا يجزيها التقصير ما دون القبضة.2
وعلى كلّ تقدير فاللازم دراسة الروايات الواردة في المقام.
1. صحيح جميل وحفص بن البختري وغيرهما، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في محرم يُقصِّر من بعض، ولا يقصر من بعض قال:«يجزيه».3 يعني يقصّر من الظفر ولا يقصّر من الشعر أو بالعكس، فالرواية ظاهرة في عدم وجوب الجمع بين التقصيرين: تقصير الشعر، وتقصير الظفر، بل يكفي تقصير أحدهما، وأمّا ما هو المجزي عن كلّ واحد منهما فليست الرواية ناظرة إليه.
فإن قلت: يحتمل أن يكون المراد، كفاية البعض من كلّ من الشعر أو الظفر، من دون إيجاب قص كلّ الشعر أو الظفر، فتدلّ على كفاية مسمّى تقصير البعض، سواء بلغ الأنملة أو لا.
قلت: إنّ هذا الاحتمال على خلاف الظاهر، وإلاّ كان المناسب أن يقول: يقصّر البعض، بحذف «من».
2. صحيح الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): جعلت فداك إنّي لمّا قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلي ولم أقصر؟ قال:«عليك بدنة» قال: قلت: إنّي لمّا أردت ذلك منها، ولم تكن قصرت امتنعت ، فلمّا غلبتها قرضت بعض شعرها بأسنانها، فقال: «رحمها اللّه، كانت أفقه منك، عليك بدنة وليس عليها شيء».4

1 . المدارك:8/290.
2 . المختلف:4/294.
3 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب التقصير، الحديث1.
4 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب التقصير، الحديث2.

صفحه 240
والحديث يدلّ على أمرين:
1. كفاية تقصير بعض شعر الرأس، بشهادة أنّ الإمام قال: ليس عليها شيء.
2. مساواة الرجل والمرأة في الحكم، وذلك لأنّ الإمام وصفها بالأفقهية وأنّها كانت أعلم بالشريعة منه، ومعنى ذلك أنّه لو أنّ الرجل قام بنفس العمل الّذي قامت به المرأة لم يكن به بأس.
وبذلك يندفع احتمال كون الاقتصار بالبعض كان من باب الاضطرار، وذلك لعدم وجوده من جانب الرجل، والحديث ظاهر في كفايته في حقّه أيضاً.
3. مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«تقصّـر المرأة من شعرها لعمرتها مقدار الأنملة».1
واحتمال مدخلية القيود الثلاثة: المرأة، والشعر، والعمرة، فلا يشمل الحديث: الرجل، والظفر، والحج; مدفوع بعدم القول بالفصل بين الرجل والمرأة، والعمرة والحج، والشعر والظفر; فيبقى الاحتمال في إجزاء مقدار الأنملة، وأنّه هل ذكر في باب المثال فيجزي الأقل، أو ذكر لتحديد الأقل؟ والظاهر هو الأوّل، مع احتمال الثاني، وعلى ذلك فالأحوط أن لا يكون أقل من مقدار الأنملة.
4. خبر محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن امرأة متمتعة عاجلها زوجها قبل أن تقصّر، فلمّا تخوّفت أن يغلبها أهوت إلى قرونها فقرضت منها بأسنانها، وقرضت بأظافيرها، هل عليها شيء؟ قال:«لا، ليس كلّ أحد يجد المقاريض».2

1 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب التقصير، الحديث3.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب التقصير، الحديث4.

صفحه 241
وتحتمل وحدة هذه الرواية مع ما نقل عنه تحت رقم 2، واشتمال الثانية على ما ليس في الأُولى، لا يدلّ على تعدّدهما، لاحتمال عدم عناية الراوي بنقل جميع الخصوصيات، وعلى هذا يكون القدر المتيقّن هو الجمع بين الأمرين.
5. خبر عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«ثمّ ائت منزلك فقصّر من شعرك، وحُلّ لك كل شيء».1
والإمعان في هذه الروايات يوصل إلى الأُمور التالية:
1. مقتضى مرسلة ابن أبي عمير وجوب قصر مقدار الأنملة ولا يعدل عنها إلاّ بدليل، وليس هو إلاّ إطلاق صحيح جميل:«يقصر في بعض ولا يقصر في بعض»، وقد عرفت أنّ مفاده أنّه يقصّر من الشعر، دون الظفر أو العكس، واحتمال أنّه يقصر من كلّ بعضه، بعيد. وإطلاق خبر عمر بن يزيد:«فقصّر من شعرك». وهو خبر لا يحتجّ به وحده، ولذلك فالأحوط أن لا يكون أقل من الأنملة.
2. الروايات بين ما يركّز على تقصير الشعر فقط، كصحيح الحلبي الأوّل ومرسلة ابن أبي عمير وخبر عمر بن يزيد; وما يركّز على الجمع بينهما، كخبر الحلبي الثاني، وعلى هذا فالأحوط التقصير بالشعر، والأولى كما في المتن الجمع.
3. ولو أراد الجمع فالأحوط تقديم التقصير بالشعر ثمّ التقصير بالظفر.
الفرع الثاني:
إنّ من تعيّن عليه الحلق فهل يجوز له أن يقتصر بحلق البعض كما هو الحال في قص الشعر والظفر، أو يجب أن يحلق الجميع؟

1 . الوسائل:9 ، الباب1 من أبواب التقصير، الحديث3.

صفحه 242
قال النراقي: الظاهر كفاية المسمّى في كلّ من الحلق والتقصير لإطلاق النصوص.1
ولكن الظاهر خلافه، لأنّ المتبادر من: (وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ومن قوله:«إذا عقص الرجل رأسه أو لبده في الحجّ أو العمرة فقد وجب عليه الحلق» هو حلق الجميع، لأنّه المزيل للعقص والتلبيد، لا البعض وتُؤيده موثّقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل برأسه قروح لا يقدر على الحلق؟ قال:«إن كان قد حجّ قبلها فليجزّ شعره، وإن كان لم يحج فلابدّ له من الحلق».2 إذ من المعلوم أنّ وجود القروح لا يمنع عن حلق البعض، إذ قلّما يتّفق أن تغطي القروحُ كافّة الرأس حتّى لا يتمكّن من حلق البعض، عندئذ فإنّ سؤال الراوي يدلّ على أنّ المسلّم بينه و بين الإمام هو وجوب حلق الرأس، وإلاّ لما كان للسؤال حاجة، ويؤيد ذلك ما سيأتي من الروايات في الفرع التالي.

الفرع الثالث: جواز المباشرة والإيكال إلى الغير

تجوز المباشرة في الحلق والتقصير، كما يجوز الإيكال إلى الغير.
ويدلّ على ذلك في الحلق مضافاً إلى السيرة أوّلاً، وعدم تمكّن أغلب الناس من حلق رأسه ثانياً ما في رواية معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»كان الّذي حلق رأس رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الحديبية خراش بن أُمية الخزاعي، والّذي حلق رأس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّته معمر بن عبد اللّه...».3

1 . مستند الشيعة:12/376.
2 . الوسائل:10، الباب7 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث4.
3 . الوسائل:10، الباب9 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.

صفحه 243
وفي صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«أمر الحلاق أن يضع الموسى على قرنه الأيمن، ثمّ أمره أن يحلق وسمّى هو، وقال: اللهم أعطني بكلّ شعرة نوراً يوم القيامة».1
والمراد من القرن هو أعلى الرأس من الجانب الأيمن، لأنّه الظاهر من لفظ القرن وهو موضع قرن الدابة.
وفي رواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن آبائه، عن علي(عليهم السلام)، قال:«السنّة في الحلق أن تبلغ العظمين».2
وفسّرها المحقّق النائيني في مناسكه بقوله: العظمين النابتين قبالة وتد الأذنين.3 وهو موافق لما في «المقنع».4
وبذلك يظهر الخلل في كلام العلاّمة حيث ذكر في كيفية الحلق غير ذلك. وقال: ويستحب لمن يحلق أن يبدأ بالناصية من القرن الأيمن ويحلق إلى العظمين إجماعاً.5
وتبعه النراقي في المستند حيث قال: ويستحب في الحلق أن يبدأ بالناصية من القرن الأيمن.6 مع أنّ الوارد في الرواية البدء من القرن الأيمن.
ويظهر ممّا رواه العلاّمة عن العامّة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حلق رأسه كلّه حيث قال: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا بالحلاّق، فأخذ شقّ رأسه الأيمن فحلقه، فجعل يقسم بين

1 . الوسائل:10، الباب10 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب10 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث2.
3 . دليل الناسك:406.
4 . المقنع:88.
5 . التذكرة:8/336.
6 . مستند الشيعة:12/377.

صفحه 244
من يليه الشعرة والشعرتين، ثمّ أخذ شقّ رأسه الأيسر فحلقه، ثمّ قال: (هاهنا أبو طلحة؟) فدفعه إلى أبي طلحة.1
هذا كلّه في الحلق، وأمّا التقصير فلعدم القول بالفرق بينه و بين الحلق في جواز الإيكال.
وأمّا النية الّتي ستذكر في الفرع التالي فترجع إلى الناسك لا إلى الحلاّق كما مرّ في الذبح.

الفرع الرابع: وجوب النيّة فيهما

قال العلاّمة في «المنتهى»:لابدّ في الحلق و التقصير من النية، لأنّه نُسك عندنا لا إطلاق محظور.2
لا شكّ أنّ الحلق والتقصير من أجزاء أعمال الحجّ فالنية المتعلّقة بأعمال الحج إذا كانت مخزونة في النفس وداعية إلى العمل تكفي في صحّة الحلق والتقصير ولا يحتاج إلى الإخطار بالبال، وعلى فرض كون النية إخطاراً بالبال فينوي بما يلي: «أحلق ـ أو أُقصر ـ في فرض حج التمتع لوجوبه قربة إلى اللّه تعالى».
ثمّ إنّ المصنّف أشار بعدم تعيّن آلة خاصة بالقص بقوله: بأي آلة شاء.
قال في المستند: ولا يجب أن يكون بالمقراض ولا بالحديد، بل يكفي لو وقع بالسن أو الظفر أو غيرهما.3

1 . التذكرة:8/336; لاحظ سنن أبي داود:2/203برقم 1981.
2 . منتهى المطلب:11/334.
3 . مستند الشيعة:12/377.

صفحه 245
المسألة29. لو تعيّن عليه الحلق ولم يكن على رأسه شعر يكفي إمرار الموسى على شعره، ويجزي عن الحلق، ولو تخيّر من لا شعر له بينه و بين التقصير يتعين عليه التقصير، ولو لم يكن له شعر حتّى في الحاجب ولا ظفر يكفي له إمرار الموسى على رأسه.*
وقد مضى في بعض الروايات أنّ زوجة الحلبي كانت أفقه منه، إذ أنّها قصّت شعرها بأسنانها، أو قرضت أظفارها وأجزأها ذلك.
* في المسألة فروع:
1. مَن عليه الحلق وليس على رأسه شعر يُجزهِ إمرار الموسى على رأسه.
2. المخيّر بين الحلق و التقصير إذا لم يكن له شعر يتعيّن عليه التقصير.
3. من ليس له شعر ولا ظفر يقتصر على إمرار الموسى.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: من تعيّن عليه الحلق وليس على رأسه شعر

قال المحقّق: ومن ليس على رأسه شعر أجزأه إمرار الموسى عليه.1
وقال العلاّمة: ولو لم يكن على رأسه شعر سقط الحلق عنه إجماعاً لعدم ما يحلق ويمرّ الموسى على رأسه، وهو قول أهل العلم كافة.2 هذا و لنذكر لإيضاح الفرع أُموراً:
1. قد يطلق «من ليس على رأسه شعر»، يراد به تارة من حلق رأسه، قبل

1 . شرائع الإسلام:1/265.
2 . منتهى المطلب:11/334.

صفحه 246
يوم النحر، بيومين، فلم ينبت في رأسه شعر ليحلق، وأُخرى من يكون بالذات أقرع أو صار أقرعاً فلا ينبت فيه شعر أصلاً.
2. ثمّ هل وزان إمرار الموسى على الرأس، وزان الحلق، فيكون حكمه، حكم الحلق في تعيّنه عند تعيّن الحلق، وكونه أحد العدلين عند التخيّر، أو أفضله عند أفضليّة الحلق؟
3. ثمّ هل الأمر بإمرار الموسى على الرأس، لأجل كونه حلقاً رمزياً ، وعملاً شكلياً بالوظيفة، وإن لم يكن من مصاديق الحلق كما إذا كان أقرع، أو هو من مصاديق الحلق لكن بصورة ضعيفة كما إذا كان الفاصل الزماني بين الحلقين قليلاً ومع ذلك، ينبت في الرأس شعرات دقيقة، يتعلق بها الحلق. وعندئذ يختص بمن إذا كان في رأسه شعر، ولا يعم الأقرع. ويحتمل عمومية الحكم لكلا الموردين، كما هو الظاهر في الجمع بين الروايات.
1. خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن المتمتع أراد أن يقصر فحلق رأسه، قال:«عليه دم يهريقه، فإذا كان يوم النحر أمرّ الموسى على رأسه حين يريد أن يحلق».1
والرواية ضعيفة بمحمد بن سنان في طريقه، وإن كان الأقوى، جواز العمل برواياته ولكن استفادة العموم من الرواية مشكل لأنّ الفاصل الزماني بين الإحلال في عمرة التمتع، والإحلال في إحرام الحج ربّما يكون أُسبوعاً أو أقلّ وهو كاف في نموّ الشعر، وصدق الحلق، فينحصر مورد الرواية بمن كان عليه شعر ولو قليلاً. ولا يشمل الحلق الرمزيّ. كالأقرع ومن لم ينبت في رأسه شيء لقلّة الفاصل الزماني بين الإحلالين.

1 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.

صفحه 247
2. موثّقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: سألته عن رجل حلق قبل أن يذبح، قال: »يذبح ويعيد الموسى، لأنّ اللّه تعالى يقول:(وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)».1
فلو كان حلقه قبل الذبح في نفس اليوم لكان إمرار الموسى على الرأس أمراً رمزيّاً. وأمّا إذا كان في غير نفس اليوم، كالحديث السابق فيكون إمراره لأجل تحقّق الحلق الحقيقي، ولو بقطع الشعر الدقيق، ويؤيد الثاني تعليل إمرار الموسى على الرأس بالآية المنضمة بكون الحلق بعد الهدي، فإمرار الموسى بعده يكون حلقاً حقيقياً.
3. معتبر زرارة أنّ رجلاً من أهل خراسان قدم حاجّاً وكان أقرع الرأس لا يحسن أن يلبّي، فاستفتي له أبو عبد اللّه(عليه السلام)، فأمر له أن يلبّى عنه وأن يمرّ الموسى على رأسه، فإنّ ذلك يجزي عنه.2
والرواية لو صحّ السند ـ لأجل ياسين الضرير ـ تصلح لأن تكون سنداً، للقول بأنّه حلق رمزي، يقوم مقام الحلق الحقيقي في المقام: فمن تعيّن عليه الحلق، فيتعيّن إمرار الموسى ولا تصل النوبة إلى التقصير.
وعلى كلّ تقدير فالإمرار واجب في كلتا الصورتين، لأنّه إمّا حلق حقيقي أو حلق رمزي، وقد نقل العلاّمة الوجوب عن الأصحاب، ويدلّ على الوجوب قوله: «فإنّ ذلك يجزيه».

1 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث3.

صفحه 248
المسألة30. الاكتفاء بقصر شعر العانة، أو الإبط مشكل، وحلق اللحية لا يجزي عن التقصير ولا الحلق.*

الفرع الثاني: في المخيّر بين الحلق والتقصير

إذا تخيّر بين الحلق والتقصير، ولم يكن له شعر يتعيّن فيه التقصير للضابطة الكلية في الواجب المخيّر إذا امتنع أحد فرديه يتعيّن الآخر في مقام الامتثال. لكنّه يتم إذا لم يكن إمرار الموسى على الرأس حلقاً ولو رمزياً قائماً مكان الحلق الواقعي، كما هو المستفاد من الرواية الأخيرة وإلاّ يكفي الإمرار كالتقصير، نعم الأحوط هو التقصير.

الفرع الثالث: لو لم يكن له شعر مطلقاً ولا ظفر

من فقدَ موضوع الحلق والتقصير، يكتفي بإمرار الموسى لما مرّ من قيامه مقام الحلق في مَن تعيّن عليه الحلق، بل ومن تخيّر بينه وبين التقصير.
* الظاهر أنّ مراده من قصر شعر العانة هو قصّه بالمقص أو المقراض.
ووجه الإشكال: أنّ الشعر في الروايات منصرف إلى شعر الرأس واللحية. فلا تعمّهما(العانة والإبط) أدلّة الباب، ولو شك فمقتضى القاعدة هو الاشتغال للشك في سقوط الواجب بهذا الفرد.
وأمّا حلق اللحية فالظاهر خروجه عن مصب الروايات، لقوله سبحانه: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).1 ويؤيّده ما ورد من إمرار الموسى

1 . البقرة:196.

صفحه 249
المسألة31. الأحوط أن يكون الحلق و التقصير في يوم العيد وأن لا يبعد جواز التأخير إلى آخر أيام التشريق ومحلّهما منى، ولا يجوز اختياراً في غيره. ولو ترك فيه ونفر يجب عليه الرجوع إليه من غير فرق بين العالم والجاهل، والناسي وغيره، ولو لم يمكنه الرجوع حلق أو قصّر في مكانه وأرسل بشعره إلى منى لو أمكن، ويستحبّ دفنه مكان خيمته.*
على الرأس، أضف إلى ذلك أنّه لو قلنا بحرمته ـ كما هو الحق ـ فالحرام لا يسقط الواجب لعدم تأتّي نية القربة فيه، ولو لم نقل به.
فمقتضى القاعدة أيضاً عدم الاجتزاء به، لأنّه من قبيل الشك في السقوط.
* في المسألة فروع:
1. زمان الحلق والتقصير ومكانهما يوم النحر في منى.
2. لو ترك الحلق فيه وخرج يجب الرجوع إلى منى للحلق والتقصير.
3. لو لم يتمكّن من الرجوع حلق أو قصّر في مكانه وأرسل بشعره إلى منى.
4. يستحب له دفنه مكان خيمته.
وإليك دراسة هذه الفروع.

الفرع الأوّل: في زمان الحلق والتقصير ومكانهما

قال في «المدارك»: المشهور بين الأصحاب أنّ وقته يوم النحر بعد ذبح الهدي، أو حصوله في رحله على ما تقدّم من الخلاف.1
قال العلاّمة: لا يجوز الحلق قبل محلّه وهو يوم النحر، ولا نعلم فيه خلافاً،

1 . مدارك الأحكام:8/89. الظاهر أنّ مراده من الحصول في رحله هو التسلّط عليه.

صفحه 250
قال اللّه تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)1، ولأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كذا فعل.2
ونقل في «التذكرة» عن أبي الصلاح قال: قال أبو الصلاح يجوز له تأخير الحلق إلى آخر أيّام التشريق3، وهو حسن لكن لا يجوز له أن يقدّم زيارة البيت عليه، وبه قال عطاء وأبو ثور وأبو يوسف.4
ويدلّ على قول المشهور ـ مضافاً إلى التأسّي بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّ أفعاله في حجّة الوداع حجّة شرعية لا يُعدَل عنها إلاّ بدليل ـ صحيح محمد بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الحاج (غير المتمتع) يوم النحر ما يحلّ له؟ قال: «كلّ شيء إلاّ النساء». وعن المتمتع ما يحلّ له يوم النحر؟ قال:«كلّ شيء إلاّ النساء والطيب».5
وجه الدلالة : أنّ تحليل المحرمات الإحرامية عامّة سوى النساء والطيب يوم النحر، متفرع على تحقّق الحلق في نفس اليوم، وإلاّ لم يتحلّل شيء منها.
فحلّية المحرمات يوم النحر دليل على أنّ الحلق كان مؤقّتاً يوم النحر لذلك قال الإمام بحلّيّة كلّ شيء، فلو لم يكن مؤقّتاً به بل كان جائز التأخير إلى أيّام التشريق لا يمكن الحكم بحلّية كلّ شيء إلاّ الطيب والنساء، بل يحكم بالحلّية عند مضي أيّام التشريق. وما في المتن من جواز تأخيرها إلى أيّام التشريق خلاف الاحتياط جدّاً.

1 . البقرة:196.
2 . منتهى المطلب:11/338.
3 . الكافي في الفقه:201.
4 . التذكرة:8/342.
5 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.

صفحه 251
هذا كلّه حول زمان الحلق و التقصير، وبذلك يعلم أنّ مكانهما هو أرض منى، وقد تقدّم في رواية سعيد الأعرج وأبي بصير من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بقصر النساء شعورهن بعد الرمي في منى ثمّ ذهابهن إلى مكّة.1
كما مرّ في حديث عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال:» كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم النحر يحلق رأسه ويقلّم أظفاره».2

الفرع الثاني: لو ترك الحلق في منى و خرج

الكلام في هذا الفرع وما يليه بالنحو التالي:
لو ترك الحلق وخرج من منى هل يجب عليه الرجوع إلى منى والحلق فيها؟
فلو وجب ولكن لم يتمكّن، أو قلنا بعدم وجوب الرجوع وجواز الحلق خارج منى كمكة هل يجب إرسال شعره إلى منى أو لا؟
وعلى فرض الإرسال هل يجب دفنه في منى أو يستحب؟
هذه الشقوق قد أتى بها المصنّف في الفرع الثاني والثالث والرابع، وإليك دراستها كما يلي.
المشهور أنّه لو ترك الحلق وخرج يجب عليه الرجوع إلى منى للحلق أو التقصير.
قال المحقّق: ويجب أن يحلق بمنى فلو رحل، رجع فحلق بها فإن لم يتمكّن حلق أو قصّر مكانه وبعث بشعره ليدفن بها، ولو لم يمكنه لم يكن عليه شيء.3

1 . لاحظ الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2و 7.
2 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث12.
3 . شرائع الإسلام:1/264.

صفحه 252
وقال العلاّمة: ولو رحل من منى قبل الحلق رجع وحلق بها أو قصّر واجباً مع الاختيار، ولو لم يتمكّن من الرجوع لضرورة حلق مكانه ورد شعره إلى منى ليدفن هناك، ولو لم يتمكّن لم يكن عليه شيء.1
وقال في «المدارك» بعد عنوان المسألة: وهذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، بل ظاهر التذكرة والمنتهى أنّه موقع وفاق.2
أقول: وتدلّ عليه روايات نظير:
1. صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل نسي أن يقصّر من شعره أو يحلقه حتّى ارتحل من منى؟ قال:«يرجع إلى منى حتّى يلقي شعره بها حلقاً كان أو تقصيراً».3
أقول: إلقاء الشعر في منى كناية عن الحلق فيها، واحتمال أنّ المراد أنّه يحلق في مكانه ثم يحمله إلى منى أو يبعثه فيلقيه هناك، خلاف الظاهر جدّاً.
فإذا كان هذا حال الناسي فيلحق به العامد بطريق أولى، ولذلك قال المصنّف: من غير فرق بين العالم والجاهل والناسي وغيره.
2. خبر أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل نسي أن يقصّر من شعره وهو حاج حتّى ارتحل من منى؟ قال:«ما يعجبني أن يلقي شعره إلاّ بمنى»، وقال في قول اللّه عزّ وجلّ:(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ)، قال: «هو الحلق وما في جلد الإنسان».4

1 . منتهى المطلب:11/336.
2 . مدارك الأحكام:8/95.
3 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث3.

صفحه 253
وإلقاء الشعر كما ترى كناية عن الحلق. نعم قوله: «ما يعجبني» ليس ظاهراً في الوجوب بل تستشم منه الكراهة. فإذا وجب على الناسي، فالعامد أولى بالرجوع.
3. خبر أبي بصير قال: سألته(عليه السلام) عن رجل جهل أن يقصر من رأسه أو يحلق حتى ارتحل من منى؟ قال: «فليرجع إلى منى حتّى يحلق شعره بها أو يقصر، وعلى الصرورة أن يحلق».
ورواه الصدوق عن علي بن أبي حمزة إلاّ أنّه قال: حتّى يلقي شعره بها حلقاً كان أو تقصيراً. 1
ثمّ قال: «وروي أنّه يحلق بمكة ويحمل شعره إلى منى»2 وهذا دليل على أنّ المراد من إلقاء الشعر هو الحلق في منى لا الحلق في مكّة والبعث به إلى منى، وإلاّ لما اختلفت الروايتان.
4. صحيح أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام):الرجل يوصي مَن يذبح عنه ويلقي هو شعره بمكة؟ فقال:«ليس له أن يلقي شعره إلاّ بمنى».3
ومفاد الرواية أنّ الرجل يوصي بالذبح وهو يرتحل بعد الإيصاء إلى مكّة ويحلق هناك، فأجاب الإمام بأنّه ليس له ذلك، إلاّ أن يلقي شعره بمنى أي أن يحلق فيها، وإن اختلف اللفظ.
وهذه الروايات تؤيّد موقف المشهور، ولا يجوز لنا رفع اليد عن ظهور الروايات وحملها على الاستحباب إلاّ بدليل قاطع.

1 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث4. وهو متحد مع ما رواه في الباب6 برقم 6 فلاحظ.
2 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث5.
3 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث4.

صفحه 254

الروايات المعارضة

وهناك روايات يستفاد منها جواز حلقه بمكة وحمل شعره إلى منى على اختلاف في مواردها، نظير:
1. ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل زار البيت ولم يحلق رأسه، قال:«يحلق بمكة ويحمل شعره إلى منى وليس عليه شيء».1 وإطلاق الرواية يشمل الناسي و العامد، والمتمكّن من العود وغيره.
2. ما رواه مسمع، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل نسي أن يحلق أو يقصر حتّى نفر؟ قال:«يحلق إذا ذكر في الطريق أو أين كان...» الحديث.2
والرواية ظاهرة في تعذّر الرجوع إلى منى، لأنّه ذكر وهو في الطريق، ورجوع القافلة لأجل شخص واحد إلى منى لم يكن أمراً ميسوراً.
ومنه يظهر حال الرواية الثانية لمسمع قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل نسي أن يحلق رأسه أو يقصّر حتّى نفر؟ قال: «يحلق في الطريق أو أين كان».3
3. ما رواه علي بن أبي حمزة، عن أحدهما(عليهما السلام) قال:«أي امرأة أو رجل خائف أفاض من المشعر الحرام ليلاً فلا بأس فليرم الجمرة ثم ليمض وليأمر من يذبح عنه، وتقصّر المرأة ويحلق الرجل ثمّ ليطف بالبيت وبالصفا والمروة، ثمّ يرجع إلى منى، فإن أتى منى ولم يذبح عنه فلا بأس أن يذبح هو، وليحمل الشعر إذا حلق بمكة إلى منى».4 حيث إنّ المتبادر أنّ الرجل يحلق في مكة.

1 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث7.
2 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث6.
3 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث2.
4 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث4.

صفحه 255
هذا ولكنّها راجعة إلى الخائف، فجواز الحلق له بمكة في يوم النحر لا يدلّ على جوازه لغير الخائف، لاحتمال اختصاص الخوف بيوم النحر.
والحاصل: أنّ الروايات ليست على وزان واحد: فالأُولى مطلقة، والثانية ظاهرة في غير المتمكّن من العود إذا أُريد من الطريق; طريقه إلى الموطن، لا طريقه إلى مكة، والثالثة صريحة في الخائف الّذي غادر منى وجاء إلى مكة ـ فحلق بها ـ فالمطلقة تحمل على القسمين الأخيرين.
وعلى كلّ تقدير فالروايات الدالّة على وجوب الرجوع إلى منى والحلق هناك أكثر عدداً وأوضح دلالة، وقد عمل بها الأصحاب. فالقول بالرجوع إليها والحلق فيها أقوى.

الفرع الثالث: لو لم يتمكّن من الرجوع

إذا لم يتمكّن من الرجوع، حلق أو قصّر مكانه، ويدلّ عليه الروايات الّتي وصفناها بالمعارضة وحملناه على صورة عدم التمكّن ، أو كانت ظاهرة فيه.
وأمّا وجوب بعث شعره إلى منى فتدلّ عليه روايات، نظير:
1. ما رواه الحفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يحلق رأسه بمكة، قال:«يردّ الشعر إلى منى».1
ويدلّ عليه ما تقدّم من رواية علي بن أبي حمزة عن أحدهما2، وما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).3

1 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث7.

صفحه 256
المسألة 32. الأحوط تأخير الحلق والتقصير عن الذبح، وهو عن الرمي، فلو خالف الترتيب سهواً لا تجب الإعادة لتحصيله، ولا يبعد إلحاق الجاهل بالحكم بالساهي، ولو كان عن علم وعمد فالأحوط تحصيله مع الإمكان.*

الفرع الرابع: استحباب دفنه في منى

فيدلّ عليه مضافاً إلى ما مرّ صحيحة معاوية بن عمّار قال: »كان علي بن الحسين(عليهما السلام) يدفن شعره في فسطاطه بمنى، ويقول: كانوا يستحبون ذلك».1
* في المسألة فروع:
1. رعاية الترتيب في واجبات منى: الرمي، ثمّ الذبح، ثمّ الحلق.
2. لو خالف الترتيب سهواً أو جهلاً بالحكم لا تجب الإعادة.
3. لو خالف الترتيب عمداً، فعليه تحصيل الترتيب مع الإمكان.

الفرع الأوّل: الترتيب بين المناسك الثلاثة في منى

أقول: يقع الكلام في مقامين:
1. هل تجب رعاية الترتيب بين المناسك الثلاثة في منى، وجوباً تكليفياً أو لا؟ وهذا ما تقدّم الكلام فيه في المسألتين 11، و 27 حيث ذكر المصنّف في الأوّل لزوم رعاية الترتيب بين الرمي والذبح، وذكر في الثانية لزوم رعاية الترتيب بين الذبح والحلق، وأشار إليه في المقام أيضاً وقال: إنّ الأحوط رعاية الترتيب بينها، وكان الكلام هناك مخصّصاً ببيان الحكم التكليفي، وتقدّم أنّ مقتضى

1 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث5.

صفحه 257
الأدلّة هو الوجوب، خلافاً للشيخ في الخلاف1 وأبي الصلاح في الكافي2 وابن إدريس في السرائر3، ولا حاجة إلى إعادة الكلام فيه، ولو قلنا بالوجوب التكليفي يترتب عليه الإثم لو خالف.
2. صحّة العمل وبطلانه لو خالف، وهذا هو المطروح في الفرع التالي:
الفرع الثاني والثالث: لو خالف الترتيب سهواً أو جهلاً بالحكم أو عمداً لا تجب الإعادة
لو خالف الترتيب سهواً أو جهلاً بالحكم، أو عمداً فهل يصحّ عمله، أو يبطل، أو يفصل بين الأوّلين فيصحّ دون الثالث فيبطل؟ وجهان:
ذهب المحقّق والعلاّمة إلى الوجه الأوّل.
قال المحقّق: فلو قدّم بعضها على بعض أثم ولا إعادة.4 وظاهره عدم الفرق بين الصور الثلاثة.
وقال العلاّمة: إن قلنا إنّ الترتيب واجب، فليس شرطاً ولا يجب بالإخلال به كفّارة، فلو أخّر مقدّماً أو قدّم مؤخراً، أثم حينئذ ولا شيء عليه. وإليه ذهب علماؤنا.5
وعلى هذا يكون وجوب الترتيب تكليفياً محضاً، دون أن يكون شرطياً.
أقول: مقتضى ما مرّ من الروايات في المسألتين هو الوجوب الشرطي، كما

1 . الخلاف:2/345، المسألة 165.
2 . الكافي في الفقه:200.
3 . السرائر:1/600 .
4 . الشرائع:1/265.
5 . المنتهى:11/341.

صفحه 258
هو مقتضى رواية سعيد الأعرج، وعلي بن أبي حمزة، وأبي بصير1. وقريب منها رواية عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل حلق قبل أن يذبح؟ قال:»يذبح ويعيد الموسى، لأنّ اللّهتعالى يقول:(وَلا تَحْلِقُوا رءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)».2 وبلوغ الهدي محلّه كناية عن تحقّق الذبح، فإنكار الوجوب الوضعي، في غير محلّه فمقتضى القاعدة هو بطلان العمل، إلاّ أن يدلّ دليل على خروج الساهي والجاهل.
وأمّا الاستدلال على الحكم الوضعي بسيرة المتشرّعة على الترتب فغير تام، لأنّها أعمّ من الوجوب الوضعي.

الروايات المعارضة

ربّما يستدلّ ببعض الروايات على عدم الوجوب الوضعي، وإمّا مطلق محمول على الساهي والجاهل، أو وارد في مورد واحد منهما، نظير:
1. صحيح عبداللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:سألته عن رجل حلق رأسه قبل أن يضحّي؟ قال: «لا بأس وليس عليه شيء ولا يعودنّ».3 والحديث ظاهر في الجاهل بالحكم. والدليل عليه قوله(عليه السلام):»ليس عليه شيء» إذ العالم العامد عليه شيء ولا أقل التكفير بالاستغفار إلاّ أن يحمل بشيء على خصوص الإعادة.
2. صحيح جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يزور

1 . لاحظ الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2 و 4 و 7.
2 . الوسائل:10، الباب11 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث10.

صفحه 259
البيت قبل أن يحلق؟ قال:«لا ينبغي إلاّ أن يكون ناسياً»، ثمّ قال:»إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أتاه أُناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول اللّه إنّي حلقت قبل أن أذبح، وقال بعضهم: حلقت قبل أن أرمي، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخّروه إلاّ قدّموه، فقال: لا حرج».1 والحديث صريح في الناسي ولا يعمّ العامد.
3. صحيح البزنطي قال: قلت لأبي جعفر الثاني(عليه السلام): جعلت فداك إنّ رجلاً من أصحابنا رمى الجمرة يوم النحر، وحلق قبل أن يذبح، فقال:»إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)(لما كان يوم النحر) أتاه طوائف من المسلمين فقالوا: يا رسول اللّه ذبحنا من قبل أن نرمي، وحلقنا من قبل أن نذبح، فلم يبق شيء ممّا ينبغي أن يقدّموه إلاّ أخّروه، ولا شيء ممّا ينبغي أن يؤخّروه إلاّ قدّموه، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): لا حرج، لا حرج».2 والرواية كالرواية السابقة واردة في الجاهل بالحكم دون العامد.
4. خبر محمد بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل زار البيت قبل أن يحلق؟ قال:«لا ينبغي إلاّ أن يكون ناسياً»، ثمّ قال:»إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أتاه أُناس يوم النحر، فقال بعضهم: يا رسول اللّه ذبحت قبل أن أرمي، وقال بعضهم: ذبحت قبل أن أحلق، فلم يتركوا شيئاً أخّروه وكان ينبغي أن يقدّموه ولا شيئاً قدّموه كان ينبغي لهم أن يؤخّروه إلاّ قال: لا حرج».3
وبذلك تظهر قوة ما في «المدارك» حيث قال: إنّ تلك الأخبار محمولة على الناسي أو الجاهل عند القائلين بالوجوب، فلا تبقى لها دلالة على حكم العامد بوجه.

1 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث4.
2 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث6.
3 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث2.

صفحه 260
المسألة 33. يجب أن يكون الطواف والسعي بعد التقصير أو الحلق، فلو قدّمهما عمداً يجب أن يرجع ويقصر أو يحلق ثمّ يعيد الطواف والصلاة والسعي وعليه شاة، وكذا لو قدّم الطواف عمداً، ولا كفّارة في تقديم السعي وإن وجبت الإعادة وتحصيل الترتيب ولو قدّمهما جهلاً بالحكم أو نسياناً وسهواً فكذلك إلاّ في الكفّارة فإنّها ليست عليه.*
نعم لا يصحّ ما أفاده في ذيل كلامه حيث قال: ولو قيل بتناولها للعامد لدلّت على ما ذهب إليه الشيخ في «الخلاف» وأتباعه من عدم وجوب الترتيب، (عدم الوجوب التكليفي) والمسألة محل تردد.1
وذلك لأنّ نفي الوجوب الشرطي، لا يكون دليلاً على نفي الوجوب التكليفي، فالقائل بعمومية الروايات للعامد، إنّما ينفي الوجوب الشرطي مطلقاً، مع القول بالوجوب التكليفي والإثم لو خالف.
ولعلّ ذهاب المشهور إلى عدم الإعادة مطلقاً، كما عليه العلاّمة في «المنتهى» في قوله:ذهب إليه علماؤنا2 ووجود الحرج في الإعادة، صار سبباً لعدم إفتاء المصنّف بوجوب الإعادة، بل جعله أحوط.
* في المسألة فروع:
1. الطواف والسعي بعد التقصير أو الحلق تكليفاً ووضعاً.
2. لو قدّمهما عمداً، يرجع ويقصر أو يحلق، ثمّ يعيد الطواف والسعي وعليه الكفّارة.

1 . المدارك:8/101.
2 . المنتهى:11/341.

صفحه 261
3. ولو قدّم الطواف عليهما عمداً، فكذلك.
4. لو قدّم السعي عليهما عمداً كذلك أيضاً ولا كفّارة.
5. لو قدّمهما جهلاً بالحكم أو سهواً يعيد عند المصنّف ولا كفّارة.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: وجوب تأخيرهما عن الحلق والتقصير تكليفاً ووضعاً

أمّا تكليفاً فلا دليل عليه إلاّ وجوب الكفّارة عند التخلّف; ففي صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل زار البيت قبل أن يحلق فقال:«إن كان زار البيت قبل أن يحلق وهو عالم أنّ ذلك لا ينبغي له، فإنّ عليه دم شاة».1 والمورد وإن كان تقديم الطواف لكن يعمّ تقديمه مع السعي بطريق أولى، وقد قلنا غير مرة: إنّ إيجاب الكفّارة دليل على كونه عاصياً، إلاّ في موردين:
ألف. إذا نصّ الشارع على وجوبها في عامّة الحالات، كما هو الحال في الصيد حيث تجب الكفّارة على الناسي والجاهل، كالعامد. فلا يدلّ على العصيان في صورة النسيان.
ب. إذا أجاز الشارع نفس العمل مع إيجاب الكفّارة كما هو الحال في إفطار الشيخ والشيخة مع إيجاب الكفّارة وفي غير هذين الموردين، إيجابها دليل الحرمة للتبادر العرفي.
وأمّا وضعاً فيدلّ عليه أكثر الروايات التالية الّتي شأنها شأن الشرطية:
1. قوله في صحيح سعيد الأعرج عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:»فإن لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهنّ ويقصّرن من أظفارهنّ ويمضين إلى مكة في

1 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.

صفحه 262
وجوههنّ، ويطفن بالبيت ويسعين بين الصفا والمروة».1
2. وقوله في خبر علي بن أبي حمزة، عن أحدهما(عليهما السلام):«أيّ امرأة أو رجل خائف أفاض من المشعر الحرام ليلاً فلا بأس فيلرم الجمرة ـ إلى أن قال: ـ و تقصّـر المرأة ويحلق الرجل، ثمّ ليطف بالبيت وبالصفا والمروة».2
3. وقوله في صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):«...ثمّ يقصرن وينطلقن إلى مكة فيطفن».3
4. وقوله في صحيح موسى بن القاسم، عن علي ]بن يقطين [قال: لا يحلق رأسه ولا يزور حتّى يضحّي، فيحلق رأسه ويزور متى شاء.4 والحديث يدلّ على لزوم الترتيب بين الذبح والحلق، كما يدلّ على لزوم تقديم الحلق على زيارة البيت، والمتبادر من الروايات الّتي هي بصدد بيان أجزاء الواجب وشرائطه، هو الوجوب الشرطي.
الفرع الثاني: لو قدّم الطواف والسعي عليهما عمداً فهل يبطل العمل المتقدم أو لا؟ قولان:
أ. الصحة. وهي ظاهر «الشرائع» هو القول الأوّل قال: ولو قدّم ذلك على التقصير عامداً جبره بالشاة.5ونسبه الشهيد في «الدروس» إلى ظاهر الأصحاب وقال: وظاهرهم: لا يعيد الطواف.6

1 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث2.
2 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث4.
3 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث7.
4 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث9.
5 . الشرائع:1/265.
6 . الدروس:1/454.

صفحه 263
ب. وجوب الإعادة. كما عليه الشهيد الثاني حيث جعل الإعادة موضع وفاق.1
أقول: إنّ وجوب الإعادة مقتضى القاعدة، لأنّه لم يأت بالواجب على وجهه، مضافاً إلى ما في «المدارك» من أنّ الطواف المأتي به قبل التقصير منهي عنه، فيكون فاسداً فلا يتحقّق به الامتثال. وأورد عليه في الجواهر: بأنّه لا يثبت الشرطية.2 لكنّه في غير محلّه، إذ ليس صاحب المدارك في مقام إثبات الشرطية، إذ يكفي في إثباتها ما مرّ من الروايات، بل في مقام إثبات عدم الإجزاء، ويكفي فيه كونه منهياً عنه.
ويدلّ على وجوب الإعادة إطلاق صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن المرأة رمت وذبحت ولم تقصّـر حتّى زارت البيت، فطافت وسعت من الليل، ما حالها؟ وما حال الرجل إذا فعل ذلك؟ قال: «لا بأس به يقصّـر ويطوف بالحجّ، ثم يطوف للزيارة ، ثمّ قد أحلّ من كلّ شيء»3، فإنّ إطلاق الرواية يعمّ العامد، وما ربّما يقال من أنّ قاصد الامتثال، لا يخالف حكم اللّه عامداً غير تام، لوجود التساهل بين الناس حتّى بين العالمين بالأحكام القاصدين للامتثال، ولو قلنا بانصرافها إلى غير العامد فتجب الإعادة عند العمد بطريق أولى.
الفرع الثالث: لو قدّم الطواف فقط عمداً على الحلق والتقصير، يعيد وعليه دم. ويدلّ عليه ما ذكرناه في الفرع الثاني، أعني: تقديمهما عليهما ، وانّ الإعادة

1 . المدارك:8/93.
2 . الجواهر:19/241.
3 . الوسائل:10، الباب4 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.

صفحه 264
مقتضى شرطية تقديم الحلق على الطواف أوّلاً، والعبادة المنهية فاسدة لا تجزي ثانياً، وأمّا وجوب الدم في هذه الصورة فلأنّه مورد صحيحة محمد بن مسلم المتقدّمة.
الفرع الرابع: إذا قدّم السعي عليهما فقط عمداً، يعيدهما بنفس الدليل المذكور في الفرعين; الثاني والثالث، ولكن لا كفّارة عليه، لاختصاص دليلها بما إذا قدم الطواف عليهما.
ثمّ إنّ الفروع الثلاثة: الثاني والثالث والرابع راجعة إلى من قدّمهما على الحلق عمداً، وأمّا إذا قدّم الطواف والسعي سهواً على الحلق أو جهلاً، فالحكم فيه ما يأتي في الفرع التالي.
الفرع الخامس: إذا قدّم الطواف والسعي عليهما ساهياً أو جاهلاً بالحكم فلا كفّارة عليهما بلا كلام لاختصاص دليلها، أعني: صحيحة محمد بن مسلم، بالعالم حيث جاء فيها: «إن كان زار البيت قبل أن يحلق وهو عالم أنّ ذلك لا ينبغي له، فإنّ عليه دم شاة».1
وأمّا وجوب الإعادة على الجاهل والناسي ففيه وجهان:
الأوّل: وجوب الإعادة، لأنّه مقتضى إطلاق صحيحة علي بن يقطين المتقدّمة، وعلى احتمال اختصاص موردها بالجاهل والناسي.2
الثاني: عدمها لوجهين:
أوّلاً: إطلاق رواية جميل بن دراج3 والبزنطي4 فإنّ صدرهما وإن كان

1 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب4 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
3 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح ، الحديث 4و 6.
4 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح ، الحديث 4و 6.

صفحه 265
المسألة34. لو قصّر أو حلق بعد الطواف أو السعي فالأحوط الإعادة لتحصيل الترتيب، ولو كان عليه الحلق عيناً يمر الموسى على رأسه احتياطاً.*
يوهم اختصاص السؤال بتقديم وتأخير أعمال «منى» من الرمي والذبح والحلق، لكن ذيل الرواية لا يخلو من إطلاق ففيه: »فلم يبق شيء ممّا ينبغي أن يقدّموه إلاّ أخّروه، ولا شيء ممّا ينبغي أن يؤخّره إلاّ قدّموه، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): لا حرج، لا حرج«. وهذا يعمّ ـ وراء أعمال »منى» ـ أعمالَ الحج أيضاً.
ثانياً: التصريح بعدم الإعادة من الناسي في صحيح محمد بن حمران (وهو من مشايخ ابن أبي عمير) قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل زار البيت قبل أن يحلق؟ قال:«لا ينبغي إلاّ أن يكون ناسياً»، ثمّ قال: إنّ رسول اللّه أتاه أُناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول اللّه ذبحت قبل أن أرمي»1 إلى آخر ما في روايتي جميل والبزنطي وفي صدرهما دلالة على إطلاق الذيل لأعمال منى وغيرها.
ومقتضى الجمع تقييد إطلاق صحيحة علي بن يقطين بالروايات الثلاث، وتكون النتيجة وجوب الإعادة على العامد دون الساهي والجاهل.
ومع ذلك ففي النفس من هذا الجمع شيء، لاحتمال انصراف الصحيحة إلى خصوص الجاهل والساهي فيقع التعارض بينهما وبين الروايات الثلاث فيتعارضان، ويرجع إلى إطلاق أدلّة الشرطية ولازمه وجوب الإعادة مطلقاً، كما في المتن. وتكون النتيجة وجوب الإعادة على العامد، دون الناسي والجاهل.
* الفرق بين هذه المسألة و بين ما تقدّم هو أنّ الناسك في المسألة السابقة

1 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث2.

صفحه 266
المسألة 35. يحل للمحرم بعد الرمي والذبح والحلق أو التقصير كلّ ما حرم عليه بالإحرام إلاّ النساء والطيب، ولا يبعد حلية الصيد أيضاً، نعم يحرم الصيد في الحرم للمحرم وغيره لاحترامه.*
تنبّه إلى خطئه بعد الطواف والسعي من دون أن يحلق أو يقصر، فلذلك قلنا: يجب عليه أن يرجع إلى منى فيحلق أو يقصر ويعيد الطواف والسعي.
وأمّا المقام فإنّما تنبّه إلى خطئه بعدما طاف وسعى وحلق أو قصّر، فوقف على أنّه كان يجب عليه أن يؤخّر الطواف والسعي عن الحلق أو التقصير.
فبما أنّ الحلق والتقصير وقعا في محلّهما فلا حاجة إلى تجديدهما، لأنّ تقدّم الطواف والسعي لا يضرّ بهما.
وأمّا الطواف والسعي فبما أنّهما مشروطان بالتأخّر عنهما فيجب تجديدهما فقط من دون حاجة إلى الحلق أو التقصير.
وبذلك يظهر أنّ الصحيح في صياغة المسألة أن يقال: لو قصّر أو حلق بعد الطواف أو السعي يجب تجديد الطواف والسعي. وبما أنّ الحلق أو التقصير كانا واقعين في محلّهما فلا يحتاجان إلى التجديد وإن نبت في رأسه الشعر، ولا إلى إمرار الموسى إذا لم ينبت الشعر.
* اشتهر بين الفقهاء أنّ المحرم إذا حلق أو قصّر حلّ له كلّ شيء من محرمات الإحرام إلاّ النساء والطيب وربّما يعطف عليهما لفظ «الصيد» تبعاً لبعض الروايات، ولنقدّم أُموراً:

الأوّل: نقل كلمات الأصحاب

قال الشيخ: وإذا حلق رأسه فقد حلّ له كلّ شيء أحرم منه إلاّ النساء

صفحه 267
والطيب إن كان متمتعاً، فإن كان حاجّاً غير متمتّع حلّ له كلّ شيء إلاّ النساء، فإذا طاف ]المتمتع [طواف الزيارة حلّ له كلّ شيء إلاّ النساء، فإذا طاف طواف النساء حلّت له النساء أيضاً.1
وقال ابن إدريس: وإذا حلق رأسه فقد حلّ له كلّ شيء أحرم منه إلاّ النساء والطيب إن كان متمتعاً، وإن كان قارناً أو مفرداً حلّ له كلّ شيء إلاّ النساء فحسب.2
وقال المحقّق: عقيب الحلق أو التقصير يحلّ من كلّ شيء إلاّ الطيب والنساء والصيد.3
وقال العلاّمة: إذا حلق أو قصّر حلّ له كلّ شيء، هذا إن كان الإحرام للعمرة، وإن كان للحج فقد حلّ له كلّ شيء إلاّ الطيب والنساء والصيد. ذهب إليه علماؤنا، وبه قال مالك.4
وبهذه العبارة عبّر في «التذكرة».5
وقال الشهيد: وإذا حلق أو قصر بعد الرمي والذبح تحلّل عدا الطيب والنساء وهو التحلّل الأوّل للمتمتع... إلى أن قال: وقال علي بن بابويه وابنه: يتحلّل بالرمي إلاّ من الطيب والنساء.6
وقال في «المدارك»: ما اختاره المصنّف(صاحب الشرائع)رحمه اللّه من التحلّل

1 . النهاية:263.
2 . السرائر:1/601.
3 . شرائع الإسلام:1/256.
4 . منتهى المطلب:11/646.
5 . التذكرة:8/346.
6 . الدروس:1/455.

صفحه 268
عقيب الحلق أو التقصير من كلّ شيء إلاّ الطيب والنساء و الصيد مذهب أكثر الأصحاب، واستثنى الشيخ في «التهذيب» الطيب والنساء خاصة.1

الثاني: ما نسب إلى ابن بابويه

إنّ ما نسب إلى علي بن بابويه وابنه بالتحلّل بالرمي، فهو قول شاذ مخالف للقول المشهور والروايات المتضافرة، وليس له مأخذ إلاّ الموارد التالية:
1. خبر الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام) المروي في «قرب الإسناد» : «إذا رميت جمرة العقبة، فقد حلّ لك كلّ شيء حرم عليك إلاّ النساء».2
والحسين بن علوان زيدي لا يحتجّ بروايته في مقابل الروايات المتضافرة، ولذلك حمله صاحب الوسائل على من حلق وطاف، وقال: أقول: هذا محمول على من حلق وطاف لما مرّ.
2. ما رواه يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي الحسن موسى(عليه السلام):جعلت فداك، رجل أكل فالوذج فيه زعفران بعد ما رمى الجمرة ولم يحلق، قال(عليه السلام): «لا بأس».3
يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد نفي الكفّارة، لا لبيان جواز الأكل.
3. في «الفقه الرضوي»: واعلم أنّك إذا رميت جمرة العقبة حلّ لك كلّ شيء إلاّ الطيب والنساء، وإذا طفت طواف الحجّ حلّ لك كلّ شيء إلاّ النساء،

1 . مدارك الأحكام:8/102.
2 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث11.
3 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث12.

صفحه 269
وإذا طفت طواف النساء حلّ لك كلّ شيء إلاّ الصيد، فإنّه حرام على المحلّ في الحرم وعلى المحرم في الحلّ والحرم.1 والرواية مطلقة، تقيد بما إذا ذبح وحلق.

الثالث: استثناء الصيد في بعض الكلمات

قد اشتمل كثير من عبارات الأصحاب على استثناء الصيد من المحرمات بعد الفراغ من طواف النساء فقالوا: إذا طاف طواف النساء فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ الصيد. فما معنى هذا الاستثناء؟
فإن أُريد بقوله: «إلاّ الصيد» بقاء الحرمة الإحرامية فالاستثناء يكون متّصلاً ـ لأنّها موضوع الكلام ـ ولكن لا يكون صحيحاً معنىً، لأنّ الحرمة الإحرامية تنتهي بالنسبة إلى كلّ شيء حتّى الصيد بطواف النساء.
وإن أُريد به بقاء الحرمة الحرمية الّتي تساوى فيها المحرم والمحل، فالاستثناء يكون صحيحاً لكن يكون منقطعاً خارجاً عن موضوع البحث. وبعبارة أُخرى: لم تكن الحرمة الحرمية داخلة في المستثنى منه حتّى تخرج منها.
والجواب: أنّ الأصحاب تبعوا في ذلك التعبير صحيحة معاوية بن عمّار، إذ جاء فيها: «...وإذا طاف طواف النساء فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ الصيد».2
ووجه الاستثناء مع كونه منقطعاً هو رفع توهّم الناسك أنّه إذا صار محلاً بطواف النساء يحلّ له كلّ شيء حتّى الصيد. وذلك لعدم تفريق أغلب الناس بين الحرمتين; الإحرامية والحرمية، فصار ذلك مبرراً لاستثناء الصيد استثناء

1 . المستدرك:10، الباب11 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث4.
2 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.

صفحه 270
منقطعاً.
إذا علمت هذه الأُمور فاعلم أنّ لتحلّل الناسك من المحرمات مواطن ثلاثة أُشير إليها في صحيحة معاوية بن عمّار المتقدّمة، وسيوافيك أيضاً من المصنّف في الفصل التالي في المسألة 15، إذ قال فيها: مواطن التحلّل ثلاثة:
الأوّل: عقيب الحلق أو التقصير فيحلّ من كلّ شيء إلاّ الطيب والنساء والصيد.
الثاني: بعد طواف الزيارة وركعتيه والسعي فيحل له الطيب.
الثالث: بعد طواف النساء وركعتيه فتحل له النساء.
ففي الموطن الأوّل تبقى حرمة الطيب والنساء على وجه والصيد بحاله، وهذا هو المشهور كما مرّ من كلمات الأصحاب، إلاّ أنّ الكلام يقع في موردين:
الأوّل: في الطيب و ما يُحلّه
الثاني: الصيد وما يحلّه
أمّا المورد الأوّل فالروايات بالنسبة إلى الطيب على قسمين هما:

الأوّل: ما يدلّ على حرمة الطيب قبل الطواف:

1. صحيحة معاوية بن عمّار: إذا ذبح الرجل وحلق فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ النساء والطيب.1
2. خبر منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل رمى وحلق، أيأكل شيئاً فيه صفرة؟ قال: «لا حتّى يطوف بالبيت وبين الصفا و المروة».2

1 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث2. ويريد من الصفرة: الزعفران.

صفحه 271
3. صحيح علاء بن رزين قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام)تمتّعت يوم ذبحت وحلقت، أفأُلطّخ رأسي بالحناء؟ قال:«نعم من غير أن تمسّ شيئاً من الطيب».1
وليعلم أنّ قيد التمتع جاء في سؤال السائل فلا يكون دليلاً على اختصاص الحكم بالمتمتع حتّى لا يكون شاملاً للقارن والمفرد.
4. خبر عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«اعلم أنّك إذا حلقت رأسك فقد حلّ لك كلّ شيء إلاّ النساء والطيب».2
5. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي أن يزور البيت حتّى أصبح؟ فقال (عليه السلام): «ربّما أخّرته حتّى تذهب أيّام التشريق، ولكن لا تقربوا النساء والطيب».3
6. خبر محمد بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن المتمتّع ما يحلّ له يوم النحر؟ قال: «كلّ شيء إلاّ النساء والطيب».4
7. صحيح البزنطي عن جميل قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): المتمتّع ما يحلّ له إذا حلق رأسه؟ قال: «كلّ شيء إلاّ النساء والطيب». قلت: فالمفرد؟ قال:«كلّ شيء إلاّ النساء». ثمّ قال: «وإنّ عمر يقول الطيب ولا نرى ذلك شيئاً».5
وقيد التمتّع وإن ورد في سؤال الراوي لكن التفصيل بين المتمتّع والمفرد جاء في كلام الإمام(عليه السلام)، وهناك يختلف المتمتع عن المفرِد حيث يحلّ له الطيب ولا

1 . الوسائل:10، الباب13 من الحلق والتقصير، الحديث3. وهي متّحدة مع الحديثين5 و 13 في نفس الباب.
2 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث4.
3 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث6.
4 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
5 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث4.

صفحه 272
يحلّ للمتمتّع. وسيأتي الكلام في المفرِد.
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على حرمة الطيب قبل الطواف.

الثاني: ما يدلّ على حلّيّة الطيب بعد الحلق

1. صحيحة سعيد بن يسار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن المتمتّع إذا حلق رأسه، يطليه بالحناء؟ قال: «نعم الحناء والثياب والطيب وكلّ شيء إلاّ النساء» ردّدها عليّ مرتين أو ثلاثاً.1
يلاحظ على الاستدلال: بأنّه صحيح على نسخة «الكافي» (المطبوعة).2 وأمّا على نسخة «التهذيب» فليس فيها قوله: «قبل أن يزور البيت»، وقد نقلها الشيخ عن نسخة «الكافي» فيدلّ على أنّ نسخته كانت فاقدة لهذا القيد، ولذلك حملها في «التهذيب» على من زار وطاف وقال: يحتمل أن يكون أراد متى حلق وطاف طواف الحج وسعى فقد حلّت له هذه الأشياء، وإن لم يذكره في اللفظ لعلمه بأنّ المخاطب عالم بذلك، أو تعويلاً على غيره من الأخبار.3
2. موثّقة إسحاق بن عمّار عن المتمتّع إذا حلق ما يحلّ له؟ فقال: «كلّ شيء إلاّ النساء».4
3. صحيح أبي أيوب الخزاز قال: رأيت أبا الحسن(عليه السلام) بعد ما ذبح، حلق ثمّ ضمّد رأسه بمسك5، وزار البيت وعليه قميص وكان متمتعاً.6

1 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث7.
2 . الكافي:4/505، الحديث1، باب ما يحلّ للرجل من اللباس والطيب إذا حلق.
3 . التهذيب:5/245ـ 246.
4 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث8.
5 . وفي بعض النسخ: «بسُك» وهو بضم السين(طيب).
6 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق و التقصير، الحديث10.

صفحه 273
وفي السند يونس، مولى علي، والمراد به علي بن يقطين وكان بينه و بين يونس ولاء، وهو ثقة.
ونقل صاحب الجواهر أنّ في بعض النسخ: وكان مقنعاً مكان «متمتعاً» فيسقط الاستدلال به، لأنّ الكلام في المتمتع، وربّما يحتمل أن كون الإمام(عليه السلام) متمتعاً كان زعماً من الراوي لا أنّه كان كذلك.1 وما ذكره أخيراً فيه تأمّل.
4. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سئل ابن عباس: هل كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يتطيّب قبل أن يزور البيت؟ قال: رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يضمّد رأسه بالمسك قبل أن يزور.2
يلاحظ على الاستدلال: أنّ الكلام في المتمتّع، وأمّا حجّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّة الوداع كان قراناً.
5. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج والرواية مفصّلة تدلّ على أنّ أبا الحسن الأوّل(عليه السلام)صدّق عبد الرحمن بن الحجاج في أكله يوم النحر خبيصاً فيه زعفران قبل أن يزور البيت، وخطّأ الآخرَيْن ـ أعني: الكاهلي ومرازم ـ حيث لم يأكلا بحجّة أنّهما لم يزورا البيت.3
وربما يجمع بين الطائفتين بحمل الطائفة الأُولى على الكراهة، وحمل الطائفة الثانية على الاستحباب.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ إذا ورد أمر أو نهي، فيتصرف فيهما بالنحو المذكور، وأمّا الإحلال من الإحرام فأمره دائر بين الوجود والعدم، فمن حلق فإمّا

1 . الجواهر:19/253.
2 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث3.

صفحه 274
أن يكون محلاً بالنسبة إلى الطيب أو غير محل. ولا يصحّ القول بالوسط لعدم الواسطة بين الوجود والعدم.
والأولى حمل الطائفة الثانية على التقية، وذلك لأمرين:
الأوّل: أنّ الطائفة الثانية موافقة لفتوى كثير من فقهاء الجمهور ومن قبلهم من التابعين.
قال العلاّمة : وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد يحلّ له كلّ شيء إلاّ النساء. وبه قال ابن الزبير وعلقمة وسالم وطاووس والنخعي وأبو ثور. وقال ابن عمر، وعروة بن الزبير: يحلّ له كلّ شيء إلاّ النساء والطيب.1
الثاني: ملاحظة لحن الروايات فإنّ العارف بكلامهم يحسّ التقية فيها:
أ. ففي رواية سعيد بن يسار: ردّدها عليّ مرّتين أو ثلاثاً.2
ب. ونظير ذلك نَقْلُ الإمام (عليه السلام)حديثَ ابن عباس في أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)تطيّب قبل أن يزور البيت، فإذا كان هذا نفس فتواه لما اعتمد على نقل ابن عباس.
ج. اختلاف أصحاب أبي الحسن(عليه السلام) حيث إنّ عبد الرحمن كان قائلاً بالجواز بخلاف الكاهلي ومرازم كانا يقولان بالتحريم. وهذا يدلّ على أنّ المسألة لم تكن واضحة في عصر الإمام الكاظم(عليه السلام).
فبملاحظة هذه القرائن فالأولى الحمل على التقية.
بقي الكلام في المفرِد، فالظاهر تحلّله من الطيب بالحلق أو التقصير. ونقل العلاّمة القول به عن ابن أبي عقيل وابن الجنيد وابن إدريس.3 ويدلّ عليه

1 . التذكرة:8/344.
2 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث7.
3 . المختلف:4/298.

صفحه 275
الروايات التالية:
1. خبر محمد بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الحاج غير المتمتع يوم النحر ما يحلّ له؟ قال: «كلّ شيء إلاّ النساء»، و عن المتمتّع ما يحلّ له يوم النحر؟ قال:«كلّ شيء إلاّ النساء والطيب».1
2. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: »سئل ابن عباس: هل كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يتطيب قبل أن يزور البيت؟ قال: رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يضمد رأسه بالمسك قبل أن يزور.»2 وكان رسول اللّه قارناً في حجة الوداع، والمراد من زيارة البيت، هو طواف الحجّ.
3. ما رواه ابن إدريس في آخر «السرائر» نقلاً عن نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر عن جميل قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): المتمتع ما يحلّ له إذا حلق رأسه؟ قال: «كلّ شيء إلاّ النساء والطيب». قلت: فالمفرد؟ قال: «كلّ شيء إلاّ النساء».3
وهذه الروايات تثبت الفرق بين المتمتع والمفرد، وبها يقيد إطلاق ما دلّ على أنّ الطيب يحلّ بعد الطواف والسعي.

وأمّا المورد الثاني، أعني: الصيد و ما يُحلّه

فلم يستبعد المصنّف حليته بعد الرمي والذبح والحلق أو التقصير. ويدلّ عليها صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»إذا ذبح الرجل وحلق فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ النساء والطيب، فإذا زارالبيت وطاف وسعى

1 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب14 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث4.

صفحه 276
بين الصفا والمروة فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ النساء، وإذا طاف طواف النساء فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ الصيد».1
إنّ الصدر أعني: «إذا ذبح فقد أحلّ من كلّ شيء» موجبة كلّية تدلّ على حلّية كلّ شيء سوى الأمرين، وهو بعمومه يدلّ على حلية الصيد بالعملين ـ أعني: الذبح والحلق ـ و من المعلوم أنّهما يحلاّن الصيد الإحرامي، لا الصيد الحرمي، فهو حرام مطلقاً، محرماً كان أو محلاً».
وأمّا الذيل، أعني قوله:»فإذا طاف طواف النساء فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ الصيد، فهو ناظر إلى الصيد الحرمي، غاية الأمر أنّ الاستثناء منقطع، لأنّه لم يحرم لأجل الإحرام، بل حرمة الحرم اقتضتها. وقد مرّ وجه هذا الاستثناء المنقطع.
وعلى ضوء هذا التفسير، فيقرب ما في المتن من حلّية الصيد بالأمرين، أعني: الذبح والحلق أو التقصير. وعلى هذا فيجوز له الصيد خارج الحرم.
وفي مقابلها ما يدلّ على عدم التحلّل من الصيد الإحرامي إلاّ عند زوال الشمس من اليوم الثالث الّذي ينطبق عليه النفر الثاني.
صحيحة معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): من نفر في النفر الأوّل، متى يحل له الصيد؟ قال: «إن زالت الشمس من اليوم الثالث».2إلى غير ذلك من الروايات.
لكن هذه الروايات لم يعمل بها أحد من الفقهاء، ولا بأس بالاحتياط والكف عن الصيد إلى اليوم الثالث عشر.

1 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
2 . الوسائل:10، الباب16 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.

صفحه 277
الفصل الحادي والعشرون
القول فيما يجب بعد أعمال منى

صفحه 278

صفحه 279

الفصل الحادي والعشرون

القول فيما يجب بعد أعمال منى

وهو خمسة: طواف الحج، وركعتاه، والسعي بين الصفا والمروة، وطواف النساء وركعتاه.*
* اتّفقت كلمة الأصحاب على أنّ الناسك إذا فرغ من مناسك يوم النحر وجب عليه الرجوع إلى مكّة لأداء مناسكها. وهي ثلاثة:
الأوّل: الطواف وصلاته ويُسمّى طواف الحج أو الزيارة.
الثاني: السعي بين الصفا والمروة ويحلّ به الطيب.
الثالث: طواف النساء وصلاته، ولا تحلّ النساء إلاّ به.
ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى الإجماع ـ روايات في باب أقسام الحجّ نقتصر بذكر واحدة منها. ففي صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»على المتمتع بالعمرة إلى الحجّ ثلاثة أطواف بالبيت، وسعيان بين الصفا والمروة، وعليه إذا قدم1 مكة طواف بالبيت، وركعتان عند مقام إبراهيم(عليه السلام)، وسعي بين الصفا

1 . تفصيل بعد الإجمال.

صفحه 280
المسألة1. كيفية الطواف و الصلاة والسعي كطواف العمرة وركعتيه والسعي فيها بعينها إلاّ في النية فتجب هاهنا نية ما يأتي به.*
والمروة، ثم يقصّر وقد أحلّ. هذا للعمرة وعليه للحج طوافان، وسعي بين الصفا والمروة، ويصلّي عند كلّ طواف بالبيت ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)».1
* يشهد على أنّ حقيقة الطواف والسعي والصلاة بعد الطواف، حقيقة واحدة ـ وراء ارتكاز المتشرّعة ـ الأُمور التالية:
1. تعبير الإمام(عليه السلام)في غير واحد من الروايات بأنّ على المتمتّع بالعمرة بالحجّ ثلاثة أطواف بالبيت وسعيان بين الصفا والمروة،... الخ، وعلى هذا فحقيقة الأعمال واحدة في جميع الموارد وإنّما تختلف بالنية.
2. اشتراك الجميع في أحكام الشكوك وغيره حسب ما مرّ في أبواب الطواف والسعي.
3. ما في صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في تعليم مناسك الحج بعد الرجوع من منى يوم النحر، وقال فيها:« ثم تأتي الحجر الأسود فتستلمه وتقبّله، فإن لم تستطع فاستلمه بيدك وقبّل يدك، فإن لم تستطع فاستقبله وكبّر وقل كما قلت حين طفت بالبيت يوم قدمت مكة، ثمّ طف بالبيت سبعة أشواط كما وصفت لك يوم قدمت مكة».2 والمسألة من الوضوح بمكان، نعم يختلف الطوافان حسب النية، فالطواف للعمرة بنيّة العمرة، وللحج بنيته.

1 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث8. ولاحظ الحديث11 و20 وغيرهما.
2 . الوسائل:10، الباب4 من أبواب زيارة البيت، الحديث1. والحديث طويل نقلنا منه موضع الحاجة.

صفحه 281
المسألة2. يجوز بل يستحب بعد الفراغ عن أعمال منى، الرجوع يوم العيد إلى مكة للأعمال المذكورة، ويجوز التأخير إلى اليوم الحادي عشر ولا يبعد جوازه إلى آخر الشهر، ويجوز الإتيان بها حتّى آخر يوم منه.*
* اعلم أنّ للأصحاب في جواز التأخير عن يوم النحر أقوالاً أربعة:
1. لا يجوز التأخير عن يوم النحر إلاّ لعذر. وهو خيرة الشيخ في «النهاية» و«المبسوط»، قال في الأوّل: وليزر البيت يوم النحر، ولا يؤخّره إلاّ لعذر، فإن أخّره لعذر زار من الغد ولا يؤخّره أكثر من ذلك، هذا إذا كان متمتعاً.1
وحكاه في«المستند» عن الوسيلة لابن حمزة والجامع لابن سعيد.2
2. يجوز التأخير لغد بلا عذر ولا يجوز تأخيره عنه. حكاه العلاّمة في «المختلف» عن المفيد و السيد المرتضى وسلاّر قالوا: لا يجوز للمتمتع أن يؤخّر الزيارة والطواف عن اليوم الثاني لغد.3 وهو خيرة ابن زهرة في«الغنية».4
3. يجوز التأخير إلى ذهاب أيام التشريق. حكاه في «المستند» عن «الكافي» لأبي الصلاح.5
ونسبه العلاّمة إلى علمائنا وقال: وجب أن يرجع إلى منى للمبيت بها ليالي التشريق، وهي: ليلة الحادي عشر و الثاني عشر والثالث عشر عند علمائنا. وبه قال عطاء وعروة وإبراهيم ومالك ومجاهد و الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين،

1 . النهاية:264; المبسوط:1/377.
2 . المستند:13/6.
3 . المختلف:4/302.
4 . الغنية:1/192.
5 . المستند:13/7.

صفحه 282
لما رواه العامّة أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) رخّص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكّة ليالي منى من أجل سقايته.1
4. جواز تأخيره إلى آخر شهر ذي الحجّة، وهو الظاهر من ابن إدريس2، وهو خيرة «المفاتيح».3
هذه هي أقوال الأصحاب، وأمّا غيرهم فقال أبو حنيفة: آخر وقته أيّام النحر، وقال باقي الجمهور: لا تحديد لآخره.4
وإليك دراسة الروايات:

دليل القول الأوّل

واستدلّ على تعيّن يوم النحر لأعمال الحج بما يلي:
1. الصحيح الّذي رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال:«يوم النحر».5
ولعلّه ظاهر في تعيّن يوم النحر وعدم جواز تأخيره.
2. صحيح منصور بن حازم قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«لا يبيت المتمتع يوم النحر بمنى حتّى يزور».6
ودلالته على تعيّن يوم النحر بضم مقدّمة خارجية وهي: لزوم البيتوتة في

1 . التذكرة:8/355.
2 . السرائر:1/602.
3 . المفاتيح:1/363 وغيره.
4 . منتهى المطلب:11/356.
5 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، الحديث5.
6 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، الحديث6.

صفحه 283
الليلتين الحادية عشرة والثانية عشرة بمنى، فإذا وجبت زيارة البيت قبل البيتوتة فيكون يوم النحر متعيّناً.
هذا بالنسبة إلى لزوم الإتيان يوم النحر، وأمّا جواز تأخيره لغد لعذر فتدلّ عليه الصحيحة التالية:
3. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في زيارة البيت يوم النحر، قال:«زره، فإن شغلت فلا يضرك أن تزور البيت من الغد، ولا تؤخّر أن تزور من يومك، فإنّه يكره للمتمتّع أن يؤخّره، وموسّع للمفرِد أن يؤخّره».1
والمراد من الشغل ليس هو العذر الشرعي الرافع للتكليف، لأنّ التأخير لأجله لا يختصّ بيوم واحد بل يجوز التأخير أكثر منه، وهذا يدلّ على أنّ المراد من العذر هو الأغراض العقلائية الشاغلة للإنسان عن الذهاب إلى مكة، وهذا هو مراد الشيخ في «النهاية» وغيره ولا يؤخّره إلاّ لعذر. إلى هنا تمّ دليل القول الأوّل.
يلاحظ عليه: أنّ بعض ما استدلّ على التعيّن غير ناجح، أمّا الحديث الأوّل فلأنّ الاستدلال به مبني على أنّ الحديث بصدد بيان آخر الوقت لزيارة البيت، بل هو بصدد بيان المبدأ، لا المبدأ والمنتهى.
وأمّا الحديث الثاني فدلالته تامة لو لم يكن هنا ما يدلّ على سعة الوقت.
وأمّا الحديث الثالث فلأنّ جواز التأخير للأغراض العقلائية دليل على أنّ التقديم استحبابي لا وجوبي.
هذا كلّه حول القول الأوّل.

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، الحديث1.

صفحه 284

دليل القول الثاني:

واستدلّ على جواز التأخير إلى الغد لا أزيد بصحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال: «يوم النحر أو من الغد ولا يؤخّر، والمفرد و القارن ليسا بسواء موسّع عليهما».1 فلو كان يوم النحر متعيّناً، لما سوى بينه و بين الغد، فتكون الرواية قرينة على أنّ تعيّن يوم النحر استحبابي لا وجوبي.

دليل القول الثالث:

واستدلّ على جواز التأخير إلى ذهاب أيّام التشريق بروايات:
1. صحيح عبيد اللّه الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي أن يزور البيت حتّى أصبح؟ قال:«لا بأس، أنا ربّما أخّرته حتّى تذهب أيام التشريق، ولكن لا تقرب النساء والطيب».2
2. صحيح هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «لا بأس إن أخّرت زيارة البيت إلى أن تذهب أيام التشريق، إلاّ أنّك لا تقرب النساء والطيب».3
ودلالة الروايتين على جواز التأخير إلى اليوم الثالث عشر واضحة، إنّما الكلام في دلالتهما على جواز تأخير العمل عنه كما هو المدّعى في القول الرابع، وسيوافيك الاستدلال بهما على هذا القول أيضاً.

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، الحديث8. أي ليسا بسواء مع المتمتع، ويشهد له قوله بعده:«موسع عليهما».
2 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، الحديث2.
3 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، الحديث3.

صفحه 285
3. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا بأس أن تؤخّر زيارة البيت إلى يوم النفر، إنّما يستحب تعجيل ذلك مخافة الأحداث و المعاريض».1
وينطبق الحديث على اليوم الثالث من أيّام التشريق إذا فسّر يوم النفر بالنفر الأصغر، أي اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة الحرام.
4. ما رواه ابن إدريس في آخر «السرائر» من نوادر البزنطي، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن رجل أخّر الزيارة إلى يوم النفر؟ قال: «لا بأس، ولا يحلّ له النساء حتّى يزور البيت ويطوف طواف النساء».2 ويأتي فيه من البيان ما تقدّم في السابق.
5. موثّقة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام)عن زيارة البيت، تؤخّر إلى يوم الثالث؟ قال: «تعجيلها أحب إلي، وليس به بأس إن أخّرها».3
وعلى كلّ تقدير فهذه الروايات دليل على جواز التأخير إلى اليوم الثالث عشر، وانّ الأمر بالتعجيل في يوم النحر أو في يوم بعده لأجل الاستحباب.

دليل القول الرابع:

واستدلّ على جواز التأخير إلى آخر الشهر بوجهين:
1. بصحيح الحلبي وصحيح هشام بن سالم المتقدّمان، وذلك بالبيان التالي:

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، الحديث9. المعاريض جمع «معراض» من التعرض، وهو كناية عن الحادثة غير المترقّبة.
2 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، الحديث11.
3 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، الحديث10.

صفحه 286
إنّ الصحيحين وإن لم يصرّحا بحجّ التمتع ولكن ذيلهما شاهد على أنّ موردهما حجّ التمتّع، وذلك لتحريم الطيب قبل الطواف، ومن المعلوم أنّ ذلك من مختصّات حجّ التمتّع، وأمّا حجّ الإفراد فيحل الطيب فيه بعد الحلق. والمتبادر من قوله:«حتّى تذهب أيّام التشريق» في صحيح الحلبي، أو «إلى أن تذهب أيام التشريق» جواز التأخير بعد اليوم الثالث عشر ومقتضى الإطلاق جواز التأخير إلى آخر شهر ذي الحجّة.
2. إطلاق (اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ)1، ومن المعلوم أنّ شهر ذي الحجّة من أشهر الحج وإن لم نقل بالإطلاق فلا أقلّ من أصالة البراءة من التقييد يوم أو يومين بعد أيّام التشريق، فمقتضى أصالة البراءة، جواز التأخير إلى طول ذي الحجّة، فالقول بالامتداد إلى آخر شهر ذي الحجّة هو الظاهر.2
يلاحظ عليه: أنّ القول بجواز التأخير إلى آخر ذي الحجّة إمّا يستند إلى الوجه الثاني أعني: إطلاق قوله سبحانه: (اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) وأنّ شهر ذي الحجّة من أشهر الحجّ، أو يستند إلى الوجه الأوّل، أعني: الروايات المتقدّمة المجوّزة للتأخير إلى ذهاب أيام التشريق.
أمّا الأوّل: فالآية في مقام أصل التشريع ولا إطلاق للآية بالنسبة إلى أقسام الحجّ فلا مانع من أن يكون عمل المتمتع محدَّداً إلى اليوم الثالث عشر والمفرد والقارن إلى آخر الشهر فيصدق على الجميع:(اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ).
وأمّا الروايتان فالإمعان في عبارتهما أعني:
1. «لا بأس إن أخّرت زيارة البيت إلى أن تذهب أيام التشريق» كما في

1 . البقرة:197.
2 . المعتمد:5/338.

صفحه 287
المسألة3. لا يجوز تقديم المناسك الخمسة المتقدّمة على الوقوف بعرفات والمشعر ومناسك منى اختياراً.*
صحيحة هشام بن سالم.
2.«لا بأس أنا ربّما أخّرته حتّى تذهب أيّام التشريق». كما في صحيحة الحلبي.
يعطي أنّ المراد من قوله: «جواز تأخيره إلى ذهابها»، هو المبادرة بعد ذهابها، لا التساهل إلى آخر الشهر. ومع هذا الظهور لا يبقى محل لجريان أصالة البراءة من التقييد بيوم أو يومين، لحكومة الدليل الاجتهادي على أصالة البراءة.
وليس المدّعى تقييده بيوم أو يومين بل المدّعى هو المبادرة فوراً ففوراً، وبذلك ظهر أنّ ما استقربه في المتن، من جواز التأخير عمداً إلى آخر الشهر غير قريب.
* المشهور هو أنّه لا يجوز تقديم الطواف الواجب على الوقوفين ومناسك يوم النحر.
قال المحقّق: يجب على المتمتّع تأخير الطواف والسعي حتّى يقف بالوقوفين ويأتي مناسك يوم النحر، ولا يجوز التعجيل إلاّ للمريض والمرأة الّتي تخاف الحيض و الشيخ العاجز، ويجوز التقديم للقارن والمفرد على كراهية.1
وقال العلاّمة: لا يجوز للمتمتّع أن يقدّم طواف الحج وسعيه على المضي إلى عرفات اختياراً. وهو قول العلماء كافّة.2

1 . الشرائع:2/270.
2 . منتهى المطلب:10/428.

صفحه 288
ونقل في «المدارك» الإجماع عن «المنتهى».1
وقال في «الجواهر» بعد قول المحقّق: بلا خلاف محقّق معتد به أجده، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر، بل في محكي المعتبر والمنتهى والتذكرة نسبته إلى إجماع العلماء كافّة.2
ويظهر من الشيخ الطوسي أفضلية التأخير قال: روى أصحابنا رخصة في تقديم الطواف والسعي قبل الخروج إلى منى وعرفات، والأفضل أن لا يطوف طواف الحجّ إلاّ يوم النحر إن كان متمتعاً ولا يؤخّره.3
وقال في التحرير: قد وردت رخصة في جواز تقديم الطواف والسعي على الخروج إلى منى وعرفات.4 وهل المراد من ورود الرخصة ما ورد في ذوي الأعذار أو مطلقاً؟
ثمّ إنّ صاحب الجواهر و إن ادّعى الإجماع على عدم جواز التقديم، لكن غير واحد من المتأخّرين قال بالجواز:
منهم: صاحب المدارك حيث قال في آخر البحث: بل لولا الإجماع المدّعى على المنع من جواز التقديم اختياراً لكان القول به متّجهاً لاستفاضة الروايات الواردة بذلك مع صحّة سندها ووضوح دلالتها وقصور الأخبار المنافية لذلك من حيث السند أو المتن.5
وهو أيضاً خيرة الشيخ حسن في «منتقى الجمان» في كتاب الحجّ.6

1 . المدارك:8/186.
2 . جواهر الكلام:19/391.
3 . الخلاف:2/350، المسألة 175.
4 . تحرير الأحكام:2/7.
5 . المدارك:8/188.
6 . منتقى الجمان:3/284.

صفحه 289
وقال النراقي: حكي عن جملة من المتأخّرين الميل إلى الجواز لولا الإجماع.1 ونقله أيضاً صاحب الجواهر.2
وعلى كلّ تقدير فالكلام يقع في موضعين:
الأوّل: ما هو الدليل على عدم جواز تقديم الطواف والسعي على الوقوفين بل على أعمال منى أيضاً، وكيف يعالج ما دلّ على الجواز؟
الثاني: الموارد الّتي ورد النص فيها على جواز التقديم.
وسيأتي الكلام في الموضع الثاني حسب ما ذكره المصنّف في المتن.

الموضع الأوّل: تدلّ على عدم جواز التقديم أُمور:

1. انّ المسألة كثيرة الابتلاء، فلو كان التقديم جائزاً مطلقاً معذوراً كان أو غير معذور لشاعت ـ هذه المسألة ـ بين المتقدّمين من الفقهاء، وقد علمت اتّفاقهم على عدم الجواز وإنّما مال إليه بعض المتأخّرين.
2. الروايات البيانية لكيفية الحج الّتي تتضمّن تأخّر الطواف عن الوقوفين وأعمال منى.3
3. ما ورد في باب جواز الإفاضة من المشعر قبل الفجر لذوي الأعذار كالنساء.
فقد روى سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال له:»ثم أفض بهنّ حتّى تأتي(بهنّ) الجمرة العظمى فيرمين الجمرة، فإن لم يكن عليهن ذبح فليأخذن

1 . مستند الشيعة:13/16.
2 . جواهر الكلام:19/391.
3 . انظر الوسائل:9، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث20 و 21 و 30 وغيرها.

صفحه 290
من شعورهنّ وليقصّرن من أظفارهن، ويمضين إلى مكة في وجوههنّ، ويطفن بالبيت ويسعين بين الصفا والمروة».1
4. ما دلّ من النصوص على أنّ المتمتع يزور البيت يوم النحر أو من غده أو يؤخّر إلى آخر يوم من أيام التشريق أو طول ذي الحجّة.2
5. ما دلّ على عدم جواز تقديم الطواف على أعمال منى: الرمي والذبح والحلق.3 وقد مرّ الكلام في هذه المسائل على وجه التفصيل.
وهذه الوجوه وغيرها تشرف الفقيه على أنّ المتعيّن هو تأخير الطواف و السعي عن الوقوفين وأعمال منى.
نعم هناك روايات ربما يتبادر منها جواز التقديم للمضطر والمختار، والروايات صحيحة الأسانيد وواضحة الدلالة، منها:
1. صحيحة ابن بكير وجميل جميعاً، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّهما سألاه عن المتمتع يقدّم طوافه وسعيه في الحجّ؟ فقال: «هما سيّان قُدِّمت أو أُخّرت».4
والظاهر أنّ الضمير في قوله: «هما» يرجع إلى التأخير و التقديم وقوله: «قدّمت أو أُخّرت» تأكيد لقوله:«هما سيّان».
وربّما يحتمل رجوع الضمير إلى الطواف والسعي، والمراد أنّ السعي محكوم بحكم الطواف وأنّهما سيّان، وأنّه إذا جاز تقديم الطواف يجوز تقديم السعي; ولو لم يجز، لا يجوز ذاك أيضاً، وعلى هذا الاحتمال يسقط الاستدلال.
يلاحظ على هذا الاحتمال: أنّ السائل يسأل عن تقديم الطواف والسعي

1 . الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث2. ولاحظ الحديث 5و6.
2 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب زيارة البيت، لاحظ أحاديث الباب.
3 . لاحظ الوسائل:10، الباب17 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 2 و 4 و 7.
4 . الوسائل:8، الباب13 من أبواب أقسام الحج، الحديث1.

صفحه 291
والجواب لا يكون مطابقاً إلاّ إذا رجع الضمير(هما) إلى التقديم والتأخير، وليس السؤال عن وجود الفرق بين الطواف والسعي في تقديم أحدهما وعدم الآخر حتّى يجيب الإمام عنه.
2. صحيحة صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام) عن الرجل يتمتع ثمّ يُهلُّ بالحجّ فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل خروجه إلى منى؟ فقال:«لا بأس».1
3. صحيحة صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن علي بن يقطين قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل المتمتع يُهلّ بالحجّ ثمّ يطوف ويسعى بين الصفا والمروة قبل خروجه إلى منى؟
قال:«لا بأس».2
وهما روايتان وليستا متّحدتين، لأنّ الإمام المروي عنه الحديث في الأوّل هو أبو إبراهيم موسى بن جعفر، وفي الثاني هو أبو عبد اللّه «الصادق»(عليهما السلام) حسب ما حكاه محقّق الوسائل عن الأصل المخطوط، نعم الّذي ورد في التهذيب3 هو أبا الحسن.
4. صحيحة حفص بن البختري، عن أبي الحسن(عليه السلام)في تعجيل الطواف قبل الخروج إلى منى؟ فقال:»هما سواء، أخّر ذلك أو قدّمه ـ يعني للمتمتع ـ 4 والضمير أعني: «هما» يرجع إلى التقديم والتأخير لا إلى الطواف والسعي لعدم

1 . الوسائل:8، الباب13 من أبواب أقسام الحج، الحديث2.
2 . الوسائل:8، الباب13 من أبواب أقسام الحج، الحديث3.
3 . التهذيب:5/13رقم 430، طبعة النجف الأشرف. ولعلّ نسخة التهذيب عند صاحب الوسائل تختلف كما هو المطبوع الموجود بأيدينا، فلاحظ.
4 . الوسائل:9، الباب64 من أبواب الطواف، الحديث3.

صفحه 292
ذكر السعي في العبارة، وهذا قرينة على أنّ ضمير التثنية في رواية «جميل المتقدّمة» ترجع إلى التقديم والتأخير كما تقدّم. وأمّا قوله: «يعني للمتمتّع» فهو وإن كان للراوي، لكن فهمه حجّة لأصالة عدم الخطأ والظهور إلى غير ذلك ممّا يدلّ على جواز التقديم اختياراً.

الجمع بين الطائفتين

وربّما يجمع بين الطائفتين بأحد وجهين:
الأوّل: التصرّف في الهيئة بحمل ما دلّ على عدم جواز التقديم، على الاستحباب والقسم الأفضل، وهذا ما أورد عليه صاحب الجواهر بقوله:«ولكن فيه منع واضح بعد أن حكي إجماع العلماء سابقاً على عدم الجواز».1
الثاني: التصرّف في المادة وتقييد ما دلّ على جواز التقديم بالاضطرار والعذر، وستوافيك رواياته.
ولكن الجمعين على خلاف الظاهر. أمّا الأوّل ـ فمضافاً إلى ما ذكره صاحب الجواهر ـ أنّ المرتكز هو لزوم التعبّد بالتأخير وأنّ التقديم أمر مبدع.
ثمّ كيف يمكن حمل ما دلّ على عدم تقديم الطواف على أعمال منى على الفضل والفضيلة، مع أنّ لسانها هو نفي التشريع في صورة التقديم؟!
وأمّا الثاني: فبعيد أيضاً ، إذ كيف يمكن حمل قوله:«هما سيّان قدّمت أو أخّرت» على صورة الاضطرار مع أنّه ليس للمضطرّ إلاّ التقديم لا المساواة بينه و بين التأخير، فلا محيص عن رفع اليد عن هذه الروايات لإعراض الأصحاب عنها

1 . جواهر الكلام:19/393.

صفحه 293
ويجوز التقديم لطوائف:
الأُولى: النساء إذا خفن عروض الحيض أو النفاس عليهن بعد الرجوع ولم تتمكّن من البقاء إلى الطهر.
الثانية: الرجال والنساء إذا عجزوا عن الطواف بعد الرجوع لكثرة الزحام، أو عجزوا عن الرجوع إلى مكة.
الثالثة: المرضى إذا عجزوا عن الطواف بعد الرجوع للازدحام أو خافوا منه.
الرابعة: من يعلم أنّه لا يتمكّن من الأعمال إلى آخر ذي الحجّة.*
وردّ علمها إلى أصحابها. ولا مجال لحملها على التقيّة، إذ لم نجد لهم قولاً بالجواز.
* الموضع الثاني: جواز التقديم في موارد خاصة
يقع الكلام في مقامات أربعة:
1. الطوائف الّتي يجوز لهم تقديم أعمال الحجّ قبل الذهاب إلى منى. وقد ذكر المصنّف طوائف أربع، ولكن الوارد في النصوص طوائف خمسة: أعني: الخائفة من الحيض والنفاس، والشيخ الكبير، والمريض، و المعلول، والمرأة. وسيوافيك أنّ هذه العناوين الخمسة ترجع في الحقيقة إلى العناوين الأربعة الّتي ركز عليها المصنّف.
2. ما هو المراد من الوقت الّذي يخاف فيه فوت الواجب إذا لم يأت بأعمال الحجّ قبل الوقوفين، فهل هو يوم النحر، أو آخر أيام التشريق، أو طوال ذي الحجة؟
3. هل يختصّ التقديم بالطواف، أو يجوز تقديم السعي معه؟

صفحه 294
4. هل يجوز تقديم طواف النساء أو لا؟
فلندرس المقامات الأربعة:
الأوّل: الطوائف الّتي يجوز لهم تقديم الأعمال
تطرّق المصنّفرحمه اللّه إلى الموارد الّتي يجوز فيها التقديم لأجل العذر، وهذه الموارد يجمعها عدم القدرة عليها تشريعاً كما في الخوف من الحيض أو النفاس، أو تكويناً كالشيخوخة والمرض. وإليك دراسة أدلّتها:
الأُولى: النساء إذا خفن عروض الحيض أو النفاس عليهن بعد الرجوع ولم يتمكّن من البقاء إلى الطهر.
وتدلّ عليه:
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا بأس بتعجيل الطواف للشيخ الكبير والمرأة تخاف الحيض قبل أن تخرج إلى منى».1
2. صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق2 قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول:»لا بأس أن يعجّل الشيخ الكبير والمريض والمرأة والمعلول طواف الحج قبل أن يخرج إلى منى».3
وهل يجوز التقديم للمرأة على وجه الإطلاق، أو هي محمولة على ما ورد في سائر الروايات إذا خافت عروض الحيض؟ والمتيقّن هو الثاني لذكرها في عداد ذوي الأعذار، والمراد من المعلول من به علّة حيث لا يتحمّل الزحام.
3. موثّقة إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن المتمتع إذا كان

1 . الوسائل:8، الباب13 من أبواب أقسام الحج، الحديث4.
2 . وهو إسماعيل بن عبد الخالق الجعفي الكوفي، تابعي من رجال الباقر و الصادق(عليهما السلام)، كان فقيهاً وجهاً في أصحابنا وأبوه وعمومته (راجع رجال النجاشي ترجمة بسطام بن الحصين برقم 279).
3 . الوسائل: 8، الباب13 من أبواب أقسام الحج، الحديث6.

صفحه 295
شيخاً كبيراً أو امرأة تخاف الحيض تُعجّل طواف الحجّ قبل أن يأتي إلى منى؟ قال:«نعم من كان هكذا يعجّل».1
الثانية: الرجال والنساء إذا عجزوا عن الطواف بعد الرجوع لكثرة الزحام، أو عجزوا عن الرجوع إلى مكة.
ويدلّ عليه ما دلّ على استثناء الشيخ الكبير، ومن المعلوم أنّ الشيخوخة رمز العجز و آية الحرج فكلّ من كان فيه هذا الملاك يجوز له التقديم، ولذلك قال المصنّف: الرجال والنساء إذا عجزوا عن الطواف بعد الرجوع....
الثـالثة: المرضى إذا عجزوا عن الطواف بعد الرجوع للازدحام أو خافوا منه.
ويدلّ عليه ما مرّ في صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق حيث عطف المريض على الشيخ الكبير، فيجوز له التقديم سواء أكان التأخير أمراً حرجياً أو لا، قادراً على الطواف بعد الرجوع أم عاجزاً، وما ذلك إلاّ لوجود الحرج والعجز في الغالب، فليلحق النادر به.
الرابعة: من يعلم أنّه لا يتمكّن من الأعمال إلى آخر ذي الحجّة.
والدليل عليه هو الأولوية، لأنّه إ ذا جاز التقديم مع الحرج جاز عند عدم التمكّن بطريق أولى.
ومن أمعن النظر في الروايات الواردة حول جواز التقديم لذوي الأعذار يذعن بأنّ الموضوع هو المعذور عرفاً من غير فرق بين أن يكون داخلاً تحت أحد هذه العناوين أو لا. ومن المعلوم أنّ المراد من المعذور العرفي من يعذره العرف إذا لم يشارك في التأخير لا كلّ من له شغل يعوقه عن المشاركة في التأخير، إذ لو عمّ

1 . الوسائل:8 ، الباب13 من أبواب أقسام الحج، الحديث7.

صفحه 296
العذر لهذه الأعذار يكون الخارج أكثر.
والمرجع عند الشك في الجواز وعدمه إطلاق خبر أبي بصير قال: قلت: رجل كان متمتّعاً وأهلّ بالحج؟ قال:«لا يطوف بالبيت حتّى يأتي عرفات، فإن هو طاف قبل أن يأتي منى من غير علّة فلا يعتد بذلك الطواف».1
والمراد بـ«من علة» هو المعذور عرفاً الّذي يعذره الحاضرون في الحجّ إذا لم يشارك في التأخير لا من عاقته الشواغل الدنيوية وطلب الراحة عن الطواف في وقته .
فالقول الأوسط أي التفصيل بين ذوي الأعذار وغيرهم هو المتعيّن.
نعم ذهب ابن إدريس إلى المنع في هذه الصورة أيضاً حيث قال: والصحيح أنّه لا يجوز تقديم المؤخّر ولا تأخير المقدَّم من أفعال الحجّ، لأنّه مرتّب وهذا هو الّذي تقتضيه أُصول المذهب، والإجماع منعقد عليه، والاحتياط يقتضيه أيضاً، فلا يرجع عن المعلوم إلى المظنون، وأخبار الآحاد لا توجب علماً ولا عملاً.2
وأنت ترى أنّ ما ذكره إفراط في مقابل القول بالجواز مطلقاً فانّه تفريط، وما ورد من الروايات ليس خبراً واحداً بل روايات متضافرة.

الثاني: الوقت الّذي يخاف فوته

هل الوقت الّذي يخاف فوت الواجب فيه ـ إذا لم يأت قبل الوقوفين ـ هو يوم النحر، أو آخر أيّام التشريق، أو طول ذي الحجة؟

1 . الوسائل:8، الباب13 من أبواب أقسام الحج، الحديث5.
2 . السرائر:1/624.

صفحه 297
قال المحقّق الخوئي: لم أر من تعرّض لذلك سوى شيخنا النائيني رحمه اللّه فإنّه ذكر في مناسكه أنّ مناط التعذّر هو كونه متعذّراً إلى آخر أيّام التشريق لا خصوص يوم النحر ولا مطلقاً، فلو علم بالتمكّن من الطواف في أواخر ذي الحجّة وبعد أيّام التشريق يجوز له تقديمه فلا خصوصية ليوم النحر ولا إطلاق له إلى آخر ذي الحجّة، فإذا علم بعدم التمكّن في أيّام التشريق يجوز تقديم العمل وإن علم بالتمكّن من الطواف بعد أيّام التشريق.1
والمسألة مبنية على ما سبق في وقت المناسك، فإن قلنا بجواز التأخير إلى نهاية أيّام التشريق فيكون خوف الفوت محدّداً بها، ولو قلنا بجواز تأخيره إلى نهاية الشهر فيكون خوف الفوت مقيّداً به، والحاصل أنّه إذا لم يتمكّن من إتيان المناسك في الوقت المختار يجوز له التقديم.
وأمّا ما هو الوقت المختار، فقد سبق بيانه في المسألة الثانية، وانّ الوقت المحدَّد للمختار هو نهاية أيّام التشريق، وقد تقدّم من المصنّف أنّه لا يبعد جوازه إلى آخر الشهر.

الثالث: جواز تقديم السعي وعدمه

وهل يختصّ جواز التقديم بطواف الحج وصلاته، أو يعمّه والسعي؟ ظاهر المحقّق النائيني هو اختصاصه بطواف الحج حيث قال: ولا يجوز له تقديم الطواف الواجب على الوقوفين ومناسك يوم النحر إلاّ لضرورة.2
وصريح المصنّف جواز تقديم عامّة المناسك فيعمّ السعي بل طواف

1 . المعتمد:5/345ـ 346.
2 . دليل الناسك:78.

صفحه 298
النساء وصلاته، وربّما يقال في مورد السعي بالتفصيل بين ما إذا كان المستند هي الأخبار المجوّزة ـ الّتي سبق ذكرها ـ في المسألة الثالثة من هذا الفصل المحمولة على صورة الاضطرار; وما إذا كان المستند هي الأخبار الخاصّة بالمريض و العاجز. فعلى الأوّل يجوز تقديم الطواف والسعي، لورود السعي فيه، ففي صحيحة ابن بكير وجميل عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّهما سألاه عن المتمتع يقدّم طوافه وسعيه في الحجّ؟ قال:«هما سيّان قدّمت أو أخّرت».1 ونظيره غيره كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج.2
وأمّا إذا كان المستند الروايات الخاصّة في هذا المقام الواردة في الشيخ الكبير والمريض و المعلول والمرأة الّتي تخاف الحيض، فالتقديم مختصّ بالطواف لعدم ذكر السعي فيه. وبما أنّ الأخبار المطلقة المجوّزة مطروحة بمخالفتها السنّة، فاللازم الاقتصار على جواز تقديم الطواف دون السعي، وأمّا السعي فيأتي به في وقته لعدم الزحام بخلاف الطواف فإنّ فيه الزحام للإتيان به تطوعاً أيضاً، بخلاف السعي فإنّه بما أنّه لا تطوع فيه والقادم لا يسعى إلاّ مرة واحدة ويقلُّ فيه الزحام.3
ومع ذلك فالقائل بعدم جواز التقديم احتاط بتقديم السعي أيضاً لكن مع إعادته في وقته.
وهناك وجه لتسرية الحكم إلى السعي، وهو الدقة في العناوين الّتي وردت في الروايات المجوّزة للتقديم، وهي:

1 . الوسائل:8 ، الباب13 من أبواب أقسام الحج، الحديث1.
2 . الوسائل:8 ، الباب13 من أبواب أقسام الحج، الحديث2.
3 . المعتمد:5/344.

صفحه 299
أ. الخوف من عروض الحيض أو النفاس بعد الرجوع مع التمكّن من البقاء، كما في صحيحة الحلبي وموثّقة إسحاق بن عمار.
ب. الشيخ الكبير.
ج. المريض.
د. المرأة.
هـ. المعلول.
والأصناف الأربعة الأخيرة يقدّمون، إمّا خوفاً من الزحام، وإمّا خوفاً من العجز الّذي يصيبهم بعد أداء مناسك منى، وإن كان الأقرب هو الثاني.
فلو كان وجه التقديم هو الخوف من عروض الحيض، فيختص جواز التقديم بطواف الحج وصلاته ولا يعم السعي لعدم الخوف فيه.
وأمّا لو كان وجه التقديم هو الخوف لأحد الأمرين: الزحام، واحتمال العجز، فلو انتفى الملاك الأوّل في السعي لكن الملاك الثاني موجود، على أنّ الملاك الأوّل موجود في السعي في هذه السنوات الأخيرة.
فتكون النتيجة التفصيل بين المرأة الخائفة من الحيض فتقدم طواف الحجّ فقط، وبين سائر الأصناف فيجوز لهم تقديم الطواف والسعي.
بل يمكن القول بجواز تقديم السعي حتّى للمرأة الخائفة من الحيض، لكن لا بملاك الخوف بل بملاك أنّها امرأة فإنّها استثنيت بنفسها في مقابل سائر الأصناف كما في صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق، قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«لا بأس أن يعجّل الشيخ الكبير و المريض و المرأة والمعلول طواف الحجّ قبل أن يخرج إلى منى». وكأنّ المرأة بما أنّها ريحانة وليست بقهرمانة كما روي عن

صفحه 300
الإمام أمير المؤمنين في «نهج البلاغة»1، جاز لها تقديم المناسك في مطلق الحالات.2 إلاّ أن يقال بأنّ المراد من المرأة، هي الخائفة من طروء المانع.

الرابع: جواز تقديم طواف النساء

وأمّا تقديم طواف النساء في موارد العذر والضرورة، فقد منع عنه ابن إدريس في سرائره حيث نقل جواز التقديم عن نهاية الشيخ ورد عليه بقوله: والصحيح أنّه لا يجوز تقديم المؤخّر ولا تأخير المقدّم من أفعال الحجّ، لأنّه مرتّب، وهذا هو الّذي تقتضيه أُصول المذهب والإجماع منعقد عليه.3
وقد منع هو بهذا الوجه تقديم طواف الحج والسعي.
وأمّا غيره فالظاهر عنده الجواز، قال النراقي: ويجوز تقديم طواف النساء على الوقوفين والسعي مع العذر و الضرورة، ومنها مخافة الحيض...إلى أن قال: وقال نادر(يريد ابن إدريس) بعدم جواز التقديم حينئذ أيضاً، ولا دليل يعتدّ به.4
وجاء في «الجواهر»: يجوز تقديم طواف النساء للضرورة، كما عن الفاضل و غيره التصريح به، بل في «كشف اللثام» أنّه المشهور،... إلى أن قال: خلافاً للحلّي أيضاً ولم يجوّزه للأصل، واتّساع وقته، والرخصة في الاستنابة فيه وخروجه عن أجزاء المنسك.5

1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل برقم 31 ، كتابه إلى ولده الحسن(عليهما السلام).
2 . لاحظ الوسائل:8، الباب13 من أبواب أقسام الحج، الحديث6.
3 . السرائر:1/624.
4 . مستند الشيعة:12/23.
5 . جواهر الكلام:19/394.

صفحه 301
وما ذكره أخيراً من اتّساع الوقت والرخصة في الاستنابة والخروج عن المنسك من كلام صاحب الجواهر دون صاحب السرائر، وإن كان ظاهر العبارة أنّ الجميع لابن إدريس.
ومقتضى القاعدة عدم الجواز للفرق بين طواف الحج وطواف النساء، لكون طواف الحجّ محدداً إلى آخر يوم التشريق بخلاف طواف النساء فإنّه موسع إلى آخر شهر ذي الحجّة. ومع ذلك فالروايات تدعم جواز التقديم، وإليك ما ورد في المقام :
1. صحيحة علي بن يقطين الواردة في حقّ الخائف، قال: سمعت أبا الحسن الأوّل(عليه السلام)يقول:«لا بأس بتعجيل طواف الحجّ وطواف النساء قبل الحجّ يوم التروية قبل خروجه إلى منى، وكذلك من خاف أمراً لا يتهيّأ له الانصراف إلى مكّة، أن يطوف ويودع البيت ثمّ يمر كما هو من منى إذا كان خائفاً».1
2. صحيحة أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام) إذ دخل عليه رجل فقال: أصلحك اللّه إن معنا امرأة حائضاً ولم تطف طواف النساء، فأبى الجمّال أن يقيم عليها، قال: فأطرق وهو يقول:«لا تستطيع أن تتخلّف عن أصحابها، ولا يقيم عليها جمّالها، تمضي فقد تمّ حجّها».2
وقد حملوا الرواية على صورة الاستنابة، ولكنّه حمل بلا دليل، والظاهر من الرواية تمامية الحج وسقوط طواف النساء عند الاضطرار عنها، فلو دار الأمر بين تركه رأساً وبين تقديمه على الوقوفين فالثاني هو المتعيّن.
على أنّ النظر الدقيق للروايات المجوّزة لذوي الأعذار ربّما يستنبط منه

1 . الوسائل:9، الباب 64 من أبواب الطواف، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب84 من أبواب الطواف، الحديث13.

صفحه 302
المسألة4. لو انكشف الخلاف فيما عدا الأخيرة من الطوائف، كما لو لم يتّفق الحيض والنفاس أو سلم المريض أو لم يكن الازدحام بما يخاف منه لا تجب عليهم إعادة مناسكهم وإن كان أحوط، وأمّا الطائفة الأخيرة فإن كان منشأ اعتقادهم المرض أو الكبر أو العلّة يجزيهم الأعمال المتقدّمة، وإلاّ فلا يجزيهم، كمن اعتقد أنّ السيل يمنعه أو أنّه يحبس فانكشف خلافه.*
جواز التقديم لمطلق المناسك الخمسة عند العذر، وأنّ ذكر طواف الحجّ كان من باب المثال.
نعم روى علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل يدخل مكّة ومعه نساء قد أمرهنّ فتمتعن قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة، فخشي على بعضهن الحيض، فقال:« إذا فرغن من متعتهنّ وأحللن، فلينظر إلى الّتي يخاف عليها الحيض فيأمرها فتغتسل وتهلّ بالحجّ من مكانها، ثمّ تطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فإن حدث بها شيء قضت بقية المناسك وهي طامث».
فقلت: أليس قد بقي طواف النساء؟ قال: «بلى»، فقلتُ : فهي مرتهنة حتّى تفرغ منه؟ قال:«نعم»، قلتُ: فلمَ لا يتركها حتّى تقضي مناسكها؟ قال: «يبقى عليها منسك واحد أهون عليها من أن يبقى عليها المناسك كلّها مخافة الحدثان»، قلت: أبى الجمّال أن يقيم عليها والرفقة، قال: «ليس لهم ذلك تستعدي عليهم حتّى يقيم عليها حتّى تطهر وتقضي مناسكها».1
والرواية مع ضعفها لا تقاوم الصحيحين كما مرّ.
* حاصل ما أفادهرحمه اللّه في المتن أنّه لو انكشف الخلاف في الطوائف الثلاثة

1 . الوسائل:9، الباب64 من أبواب الطواف، الحديث5. والمراد من قوله:«فلم لا يتركها» أي لِمَ لا يأت بها حتّى تأتي عامة مناسكها.

صفحه 303
الأُولى فلا يضرّ والعمل السابق مجز، وأمّا الطائفة الأخيرة فقد فصّل فيها بين ما كان منشأ اعتقادهم المرض أو الكبر أو العلّة فتجزيهم الأعمال المتقدّمة; وأمّا لو كان منشأ اعتقادهم بعدم التمكّن، تصوّر جريان السيل، أو ابتلائه بالحبس، ثمّ انكشف خلافه، فلا يجزي.
وتحقيق المقام يتوقّف على البحث في موضعين:
الأوّل: دراسة الروايات و الاستنتاج منها.
الثاني: ما هو الدليل لما ذكر في المتن؟

الموضع الأوّل: في العناوين الواردة في الروايات

أقول: إنّ العناوين الواردة في الروايات لا تتجاوز عن خمسة، وهي:
1. الشيخ الكبير.
2. المرأة.
3. المعلول.
4. المريض.
5. المرأة الّتي تخاف الحيض.
والّذي يتصور فيها انكشاف الخلاف هو العنوانان الأخيران، كما إذا تصوّر استمرار المرض فانكشف تحسّنه في وقت الرجوع إلى مكة أو لم يتّفق الحيض.
وأمّا الثلاثة الأُولى فلا يتصوّر فيها انكشاف الخلاف فالشيخ الكبير قبل أيام منى هو نفس الشيخ الكبير عند الرجوع إلى مكة. وهكذا المرأة والمعلول. هذا إذا قلنا بأنّ الخارج في الثلاثة الأُولى هو نفس تلك العناوين باعتبار أنفسها، أي الشيخ الكبير بما هو شيخ كبير والمرأة بما هي مرأة وهكذا المعلول، سواء أكان عند

صفحه 304
الرجوع إلى مكة زحام في المطاف أم لم يكن.
نعم لو قلنا بأنّ خروج هؤلاء الثلاثة لأجل الخوف من الزحام أو الضعف الطارئ المانع من القيام بالأعمال، فعندئذ يتصوّر انكشاف الخلاف في الجميع.
أمّا الثلاثة الأُولى فباعتبار عدم الزحام، أو عدم طروء الضعف، وأمّا الأخيران فباعتبار تحسّن المريض أو عدم اتّفاق الحيض.
إذا تبيّن هذا فاعلم أنّ القول بالإجزاء في مورد الطوائف الخمس مطابق للقاعدة.
أمّا على الفرض الأوّل ـ أعني: عدم تصوّر انكشاف الخلاف في الثلاثة الأُولى ـ فواضح، إذ عندئذ يكون فرض الفرع أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
وأمّا على الفرض الثاني ـ أعني: تصوّر انكشاف الخلاف باعتبار عدم الزحام أو عدم طروء الضعف ـ فالقول بالإجزاء في الموارد الخمسة أيضاً مطابق للضابطة، لأنّ امتثال الأمر الواقعي موجب للإجزاء ومسقط لوجوب الإعادة والقضاء، فإنّ الحكم بجواز تقديم الطواف ليس حكماً ظاهرياً مجهولاً في ظرف الشك، بل حكم واقعي مجعول لحالة الخوف والمفروض وجود الموضوع المستتبع للجواز، ومن المعلوم أنّ امتثال الأمر الواقعي مسقط للإعادة والقضاء. وأمّا كشف الخلاف فليس بالنسبة إلى الموضوع أيُّ انكشاف خلاف، ولو كان هناك كشف خلاف فإنّما هو بالنسبة إلى متعلّق الموضوع، أي الزحام أو العجز أو المرض أو الحيض، لا في نفس الموضوع، والموضوع لم ينكشف فيه الخلاف.
هذا كلّه حول الطوائف الخمسة الواردة في الروايات.

صفحه 305

الثاني: دراسة تفصيل المتن

إنّ العناوين الخمسة الواردة في الروايات قد جمعها المصنّف تحت عناوين ثلاثة، وأضاف عنواناً رابعاً.
1. «النساء إذا خفن عروض الحيض والنفاس». وهو يشير إلى العنوان الخامس.
2. الرجال والنساء إذا عجزوا عن الطواف بعد الرجوع للزحام أو عجزهم عن الرجوع إلى مكة... وهو يشير إلى العنوان الأوّل و الثاني، أعني: الشيخ الكبير والمرأة.
3. المرضى إذا عجزوا عن الطواف. وهو يشير إلى الثالث والرابع: المعلول و المريض.
ثمّ إنّ المصنّف فصّل بين العناوين الثلاثة(الّتي تنحل إلى العناوين الخمسة) والعنوان الرابع ـ أعني: بين من يعلم أنّه لا يتمكّن من الأعمال إلى آخر ذي الحجّة ـ فقال بالإجزاء في الأوّل، وقد مرّ وجهه فلا نعود إليه، وفصّل في الأخير قائلاً: بأنّ منشأ اعتقادهم بعدم التمكّن، إن كان هو المرض أو الكبر أو العلّة تجزيهم الأعمال المتقدّمة، وإلاّ فلا تجزيهم، كما إذا اعتقد أنّ السيل يمنعه أو أنّه يحبس فانكشف خلافه.
فعندئذ يقع الكلام فيما هو وجه التفصيل في الطائفة الأخيرة.
ووجهه: أنّه إن كان منشأ العلم بعدم التمكّن هو المرض والكبر و العلّة، فيدخل في إطلاق الروايات الدالّة على الإجزاء في حقّ هذه الطوائف، من غير فرق بين كون المانع هو الزحام، أو أنّ المانع نفس الكبر والمرض والعلّة.
وأمّا إذا كان منشأ القطع غير الأُمور المنصوصة كمن اعتقد أنّ السيل أو

صفحه 306
المسألة5. مواطن التحلّل ثلاثة:
الأوّل: عقيب الحلق أو التقصير فيحلّ من كلّ شيء إلاّ الطيب والنساء والصيد ظاهراً، وإن حرم لاحترام الحرم.
الثاني: بعد طواف الزيارة وركعتيه والسعي فيحل له الطيب.
الثالث: بعد طواف النساء وركعتيه فيحل له النساء.*
الحبس يمنعه فانكشف خلافه، فعدم الإجزاء مطابق للقاعدة، لأنّ القطع بالموضوع لا يكون سبباً لحدوث الحكم كما قرر في باب الإجزاء، فلو قطع بوجوب صلاة الجمعة فصلاّها ثمّ انكشف الخلاف يجب عليه القضاء، لأنّ العلم بالموضوع لا يحدث حكماً شرعياً حتّى يقال امتثال الحكم الشرعي موجب للإجزاء.
وبعبارة أُخرى: أنّ العلم بعدم التمكّن لأجل السيل أو الحبس علم طريقي لا وصفي، والموضوع في العلم الطريقي هو الواقع لا الصورة الذهنية، والمفروض تخلّف العلم عن واقعه، ومجرّد القطع لا يحدث التكليف.
وبالجملة: الّذي يكون محدثاً للتكليف إنّما هو الواقع والمفروض عدمه، فلا يكون هنا تكليف من قبل الشارع حتّى يمتثله.
وأمّا العلم المجرد عن الواقع، فهو لا يحدث تكليفاً، حتّى يقع مورد انكشاف الخلاف.
* أمّا الموطن الأوّل: فقد مرّ الكلام فيه تفصيلاً، وقلنا بتوقف حلّيّة ماوراء الطيب والنساء والصيد عليهما.
الموطن الثاني: حلّيّة الطيب ففيه قولان:

صفحه 307
الأوّل: أنّه يحلّ بعد طواف الحجّ وركعتيه. وهذا هو الظاهر من الشيخ حيث قال:فإذا طاف طواف الزيارة1 حلّ له كلّ شيء إلاّ النساء، فإذا طاف طواف النساء حلّت له أيضاً النساء.2
وقال المحقّق في«الشرائع»: الثاني إذا طاف طواف الزيارة حلّ له الطيب.3
وقال العلاّمة في «المنتهى»: إذا طاف طواف الزيارة حلّ له الطيب، لما تقدّم من الأحاديث ولما يأتي.4
الثاني: توقّف حلّية الطيب على السعي. وهو خيرة الشهيد الثاني في «المسالك»، قال: الأصحّ توقّف حلية الطيب على السعي بعد طواف الحج، عملاً بالاستصحاب، ورواية منصور بن حازم عن الإمام الصادق (عليه السلام). ثمّ قال: وهذا إذا أخّر الطواف والسعي عن الوقوفين وأفعال منى كما ذكر، أمّا لو قدّمهما، كالمفرد والقارن مطلقاً والمتمتع مع الاضطرار، ففي حلّه من حين فعلهما وجهان; أجودهما ذلك عملاً بإطلاق النصوص.5
وقال في«المدارك» بعد عبارة المحقّق: ظاهر العبارة عدم توقّف حلّية الطيب على السعي، والأصحّ أنّه إنّما يحلّ بالسعي الواقع بعد الطواف.6 واختاره

1 . الضمير يرجع إلى المتمتّع.
2 . النهاية:263.
3 . شرائع الإسلام:1/256.
4 . منتهى المطلب:11/349.
5 . مسالك الأفهام:2/324.
6 . المدارك:8/106.

صفحه 308
النراقي في المستند1، وصاحب الجواهر في موسوعته.2
هذا وانّ الروايات على طائفتين:
الأُولى: ما يدلّ على توقّف حلّية الطيب على السعي أيضاً، وهي:
1. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا ذبح الرجل وحلق فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ النساء والطيب، فإذا زار البيت وطاف وسعى بين الصفا والمروة فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ النساء».3
وعدم ذكر صلاة الطواف في الرواية لكونها من لوازمه، أضف إلى ذلك أنّ سكوت الإمام يكون حجّة إذا لم يدلّ على خلافه دليل، وسيوافيك ما يدلّ على توقّف الحلّية على الطواف وصلاته.
2. ما رواه موسى بن القاسم، عن محمد، عن سيف، عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل رمى وحلق، أيأكل شيئاً فيه صفرة؟ قال:«لا، حتّى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثمّ قد حلّ له كلّ شيء إلاّ النساء».4 وسيوافيك ما روي عنه أيضاً في ذيل القول الثاني.
3. صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:]والحديث مفصّل نقتصر على موضع الحاجة[: »ثم ائت المروة فاصعد عليها وطف بينهما سبعة

1 . مستند الشيعة:12/396.
2 . جواهر الكلام:19/258.
3 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث2. محمد المذكور في السند إمّا محمد ابن أبي عمير فالسند صحيح، وإمّا محمّد بن خالد الطيالسي المتوفّى سنة 259هـ فالخبر حسن; وأمّا سيف فهو سيف بن عميرة النخعي الثقة. لاحظ التهذيب:5/277، باب الحلق، الحديث22.

صفحه 309
أشواط تبدأ بالصفا وتختم بالمروة، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شيء أحرمت منه إلاّ النساء».1
4. خبر سليمان بن حفص المروزي، عن الفقيه(عليه السلام)قال:«إذا حجّ الرجل فدخل مكة متمتعاً فطاف بالبيت وصلّى خلف مقام إبراهيم وسعى بين الصفا والمروة وقصّـر، فقد حلّ له كلّ شيء ما خلا النساء».2
والاستدلال به مبني على كون مورد الحديث هو الحجّ لا العمرة، وعليه الشيخ في «التهذيب». ويشهد عليه قوله: «فدخل مكة متمتّعاً فطاف بالبيت» فإن ظاهره دخوله مكة بعد التلبّس بحج التمتع فيكون قوله: «فطاف» راجعاً إلى طواف الحجّ.
ومع ذلك فالقلب لا يطمئنّ بذلك لاحتمال أن يكون المراد من قوله: «متمتّعاً» كونه قاصداً لحجّ التمتع، فيكون المراد بالطواف والسعي، طواف العمرة وسعيها.
إلى هنا تمّ ذكر ما يدلّ على توقّف حليّّة الطيب على إتمام السعي.
الثانية: ما يدلّ على كفاية الطواف في حلّية الطيب، نظير:
1. خبر منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا كنت متمتّعاً فلا تقربن شيئاً فيه صفرة حتّى تطوف بالبيت».3

1 . الوسائل:10، الباب4 من أبواب زيارة البيت، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب82 من أبواب الطواف، الحديث7.
3 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب تروك الإحرام، الحديث12. ورواه أيضاً في التهذيب: 5/334، باب ما يجب على المحرم اجتنابه برقم 7، ومرّ نقله أيضاً في باب آخر وربّما يحتمل أن يراد بـ «محمد» المذكور في السند مضافاً إلى ما عرفت في الهامش السابق، محمد بن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي الثقة كما في تعليقات التهذيب للغفاريّ، لكنّه بعيد جداً.

صفحه 310
والمراد من الصفرة الزعفران، ودلالته على كفاية الطواف ظاهرة.
ولكن هناك وجه آخر، وهو احتمال اتحاد هذه الرواية مع ما تقدّم منّا تحت رقم 2، لوحدة السند في الروايتين. والسند هو: موسى بن القاسم، عن محمد، عن سيف، عن منصور بن حازم. وإنّما طرأ التعدّد لأجل اختلاف في اللفظ أوّلاً، ونقل الشيخ الرواية في بابين مختلفين ثانياً. وبما أنّ ما نقلناه عنه سابقاً كان مشتملاً على ذكر السعي حيث قال:«لا، حتّى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة»، فيشكل الاعتماد على الرواية الثانية لاحتمال وحدتهما وتطرّق النقص عند النقل.
2. خبر المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في كتابه إليه:»ثم ترمي الجمرات وتذبح وتغتسل، ثمّ تزور البيت، فإذا أنت فعلت ذلك ]فقد[ أحللت».1
وظاهر الرواية كفاية زيارة البيت في الحلية بلا حاجة إلى السعي، بل إلى صلاة الطواف، اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ ذكر الطواف مغن عن ذكر الصلاة، لأنّها من توابعه.
يلاحظ عليه: أنّ ظاهر قوله: «فإذا فعلت ذلك فقد أحللت» أنّه إذا زار البيت حلّ له كلّ شيء حتّى النساء، وهو مخالف للإجماع، لتوقّف حلّيتهن على الطواف المخصوص.
نعم يمكن أن يقال: إنّ المراد من «ثم تزور البيت» هو مطلق الطواف الشامل لطوافي الحجّ و النساء.

1 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث30. وفي الرواية شذوذ من جهة ظهورها في وجوب رمي الجمرات يوم النحر، ووجوب الاغتسال.

صفحه 311
وإن أبيت ذلك وقلت باختصاص لفظ الزيارة بطواف الحجّ، نقول: إنّ الإشكال غير وارد كما أنّ الاستدلال غير تام، وذلك لأنّ إطلاق الرواية في كلا الموردين قابل للتقييد.
فالحلّية الواردة في الحديث تقيد بأمرين:
بالسعي أوّلاً، وطواف النساء ثانياً.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ ما يستدلّ به على كفاية الطواف في الحلّية وعدم مدخلية السعي لا يتجاوز عن حديثين، فالأول منهما مخدوش لأجل التقطيع والثاني مطلق قابل للتقييد.
وأمّا ما دلّ على توقّف حلّية الطيب على طواف النساء1 فهو معرض عنه.
الموطن الثالث: أي حلية النساء بعد طوافهن وركعتيه فهو أمر متّفق عليه قال في «المدارك»: هذا الحكم إجماعي منصوص في عدّة روايات.2 وهذا من خصائص فقه الشيعة. وسيوافيك الكلام في كونه من مناسك الحج وممّا تتوقّف عليه حلية النساء.
وقيّد المصنّف في المتن الطواف بركعتيه، ولكن الروايات في المقام على صنفين:
الأوّل: ما يتبادر منه كفاية نفس الطواف ففي صحيحة معاوية بن عمار: «وإذا طاف طواف النساء فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه إلاّ الصيد».3 ونظيرها خبر منصور بن حازم.4

1 . الوسائل:10، الباب19 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
2 . المدارك:8/106.
3 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
4 . الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث2.

صفحه 312
المسألة6. من قدّم طواف الزيارة والنساء لعذر كالطوائف المتقدّمة لا يحل له الطيب والنساء، وإنّما تحلّ المحرمات جميعاً له بعد التقصير والحلق.*
يلاحظ عليه: الظاهر أنّ ترك ذكر الصلاة لكونها من توابع الطواف فأُطلق المتبوع وأُريد كلاهما.
الثاني: ما يدلّ على توقّف الحلّية على الصلاة، ففي رواية ابن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):»فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شيء أحرمت منه إلاّ النساء، ثم ارجع إلى البيت وطف به أُسبوعاً آخر، ثمّ تصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)، ثمّ قد أحللت من كلّ شيء».1
هذا ولكن الظاهر من صاحب المسالك عدم توقّف التحلّل بالطوافين على صلاتهما، أمّا طواف النساء فظاهر، إذ لا مدخل لصلاته في مفهومه، وأمّا طواف الزيارة فإن أوقفنا التحلّل على السعي توقّف على الصلاة أيضاً، لأنّها متقدّمة عليه وإلاّ لم يتوقّف عليها.2
وقد ظهر ضعف ذلك بما حررناه في المقامين.
* في المسألة قولان:
الأوّل:حلية الطيب والنساء بفعل المناسك قبل الخروج إلى منى أخذاً بعموم المنزلة بمعنى أنّ الحلّية متوقّفة على ذات المناسك، سواء أتى بها متقدّمة أم

1 . الوسائل:10، الباب4 من أبواب زيارة البيت، الحديث1. ولاحظ رواية سليمان المروزيّ، الباب82 من أبواب الطواف، الحديث7. وفيها: «فقد حلّ له كلّ شيء ما خلا النساء، لأنّ عليه لتحلّة النساء طوافاً وصلاة».
2 . المسالك:2/326.

صفحه 313
المسألة 7. لا يختص طواف النساء بالرجال، بل يعمّ النساء والخنثى والخصي والطفل المميز، فلو تركه واحد منهم لم يحل له النساء ولا الرجال لو كان امرأة، بل لو أحرم الطفل غير المميز وليه يجب على الأحوط أن يطوف به طواف النساء حتّى يحلّ له النساء.*
أتى بها متأخّرة.
الثاني: عدم الحلية، لأنّ المتبادر من الروايات هو صحّة العمل وإجزائه عن الإعادة لا ترتب سائر الآثار. وقد أشار صاحب المسالك إلى القولين وقال: لو قدّم الحاج طواف النساء حيث يسوغ له ذلك، ففي حلّهن بفعله أو توقّفه على الحلق أو التقصير نظر، من تعليق الحلّ عليه مطلقاً ومن إمكان كون المحلّل هو المركّب من الأفعال السابقة على الطواف ومنه، جعلاً له آخِر العلّة المركّبة.1
واختار سبطه القول الثاني وقال: إنّما يحل الطيب بالطواف والسعي إذا تأخّر عن الوقوفين ومناسك منى، أمّا مع التقديم كما في القارن والمفرد مطلقاً والمتمتّع مع الاضطرار فالأصحّ عدم حلّه بذلك، بل يتوقّف على الحلق المتأخّر عن باقي المناسك، تمسّكاً باستصحاب حكم الإحرام إلى أن يثبت المحلل.2
ويؤيّد القول الثاني أنّ الروايات لا تتضمن سوى جواز التقديم، وأمّا ترتّب سائر الآثار ـ كحلّية الطيب والنساء ـ فهو رهن دليل، ولم نعثر عليه.
* يقع الكلام في طواف النساء في جهات:
1. عموم الحكم للنساء والخصيان.
2. عموم الحكم للصبيّ المميز.

1 . المسالك:2/326.
2 . مدارك الأحكام:8/106.

صفحه 314
3. حكم الصبي غير المميز إذا أحرم.
وإليك دراسة هذه الجهات واحدة بعد أُخرى.
كان الكلام في الموطن الثالث، توقّف حلّية النساء على طوافها، وأمّا المقام فالكلام في عموم وجوبه على الرجال والنساء.

الجهة الأُولى: عموم الحكم للنساء والخصيان

اتّفقت كلمات فقهائنا على أنّ طواف النساء لا يختص بالرجال، بل يعم النساء والخصيان والطفل المميز.
أمّا النساء فيدلّ عليه: ـ مضافاً إلى صحيحة إسحاق بن عمّار1 ـ روايات:
1. ما رواه الحسين بن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن الخصيان والمرأة الكبيرة أعليهم طواف النساء؟ قال:«نعم عليهم الطواف كلّهم».2
2. صحيح عدّة من الفضلاء كلّهم يروونه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«المرأة المتمتّعة إذا قدمت مكّة ثمّ حاضت تقيم ما بينها و بين التروية، فإن طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة، وإن لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت واحتشت ثم سعت بين الصفا والمروة ثمّ خرجت إلى منى، فإذا قضت المناسك وزارت بالبيت طافت بالبيت طوافاً لعمرتها، ثمّ طافت طوافاً للحج، ثمّ خرجت فسعت فإذا فعلت ذلك فقد أحلّت من كلّ شيء يحلّ منه المحرم إلاّ فراش زوجها، فإذا طافت طوافاً آخر، حلّ لها فراش زوجها».3 إلى غير ذلك من

1 . انظر الوسائل:10، الباب13 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب الطواف، الحديث1.
3 . الوسائل:9، الباب84 من أبواب الطواف، الحديث1. ولاحظ الحديث6 وغيرهما.

صفحه 315
الروايات.
وأمّا الخصيان فقد مرّ ما يدلّ عليه من رواية الحسين بن علي بن يقطين.1

الجهة الثانية: عموم الحكم للصبيّ المميز

وجوب طواف النساء على الصبي المميز حكم وضعي لا تكليفي بمعنى حرمة النساء على المميز بعد بلوغه لو تركه في حجّه لكون الإحرام سبباً لحرمتهن والأحكام الوضعية تعمّ المكلّف وغيره.
قال العلاّمة: وهذا الطواف المسمّى بطواف النساء فرض واجب على الرجال والنساء والخصيان من البالغين وغيرهم. ذهب إليه علماؤنا أجمع، وأطبق الجمهور على أنّه ليس بواجب.2
وقال الشهيد في «الدروس»: وليس طواف النساء مخصوصاً بمن يغشى النساء إجماعاً، فيجب على: الخصي والمرأة والهم ومن لا إربة له في النساء ـ إلى أن قال: ـ ويلزم به الصبي المميز، ويطوف الولي بغير المميز، ولو تركاه وجب قضاؤه كما يجب على غيرهما، ويحرم عليهما النساء بعد البلوغ ويمنعان من الاستمتاع بالحلائل قبل البلوغ.3
ويدلّ عليه، ما دلّ على أنّ حجّ الصبي المميز حجّ حقيقي، كالبالغ، وأنّ حجّه كحجّه في عموم الآثار، نظير:
1. صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام):الحج على

1 . انظر: الوسائل:9، الباب2 من أبواب الطواف، الحديث1.
2 . منتهى المطلب:11/364.
3 . الدروس:1/458.

صفحه 316
الغني والفقير؟ فقال:«الحجّ على الناس جميعاً كبارهم وصغارهم، فمن كان له عذر عذره اللّه».1
2. عن أبان بن الحكم قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«الصبي إذا حُجّ به فقد قضى حجة الإسلام حتّى يكبر، والعبد إذا حجّ به فقد قضى حجّة الإسلام حتّى يعتق».2
والرواية تدلّ على أنّ حج غير البالغ كالبالغ، وأنّ حج العبد كحج الحر، وانّه حج حقيقي مؤقّت مادام كونه صبياً أو عبداً غير أنّه غير مسقط لحجة الإسلام، فيعتبر فيهما ما يعتبر في غيرهما.
3. عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن غلمان لنا دخلوا معنا مكّة بعمرة وخرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام؟ قال: قل لهم: «يغتسلون ثم يحرمون واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم».3والأمر باغتسالهم دليل على كونهم مميزين.
وإسناد الاغتسال إليهم دليل على تميّزهم وأنّهم يغتسلون ويحرمون ويذبحون، كما يفعل البالغ. وحصيلة الكلام: أنّه وإن لم يرد في هذه الروايات خصوص وجوب طواف النساء على الصبي، لكن الظاهر منها أنّه يعامل مع حجّه معاملة حج البالغ فيثبت فيه ما ثبت في حجّ البالغ.
وعلى ضوء ما ذكرنا فحج المميز، حج صحيح يترتّب عليه ما يترتّب على حج البالغ من الأحكام الوضعية، غير أنّه غير مسقط عن حجة الإسلام. وهذا لو دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ عبادات الصبي المميز شرعية وليست تمرينية،

1 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث3.
2 . الوسائل:8، الباب16 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث2.
3 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحج، الحديث2.

صفحه 317
وكون الصبي مرفوع القلم لا ينافي ثبوت الحكم الوضعي في حقّه، فكان الحجّ سبباً لثبوت الطواف في ذمّته، كما أنّ إتلاف مال الغير سبب الضمان والروايات في هذا المورد، في باب الحجّ، كثيرة اقتصرنا بما ذكرناه.

الجهة الثالثة: حكم الصبي غير المميز إذا أحرم

لا شكّ أنّ حجّ غير المميّز، ليس حجّاً حقيقياً إذ لا يتمشّى منه القربة وإنّما هو صورة عمرة وحج، وإن شئت قلت: إحجاج وإطافة، فهو خارج عن الأدلّة الدالّة على أحكام الحج، والقول بترتّب آثار الحج على أعماله، حتّى حرمة النساء عندما يبلغ، يحتاج إلى دليل خاص، نظير:
1. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: قلت له: إن معنا صبياً مولوداً، فكيف نصنع به؟ فقال: «مر أُمّه تلقى حميدة فتسألها: كيف تصنع بصبيانها؟» فأتتها فسألتها ، كيف تصنع؟ فقالت: إذا كان يوم التروية فاحرموا عنه وجرّدوه وغسّلوه كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه واحلقوا رأسه، ثمّ زوروا به البيت، ومري الجارية أن تطوف به بالبيت وبين الصفا والمروة.1
الظاهر من الحديث أنّه يعامل معه، معاملة الحج الصحيح، فما قدر عليه الصبي يأتي به بإرشاد الولي، وما لا يقدر عليه يتصدّى عنه كالقصد والتلبية. والظاهر أنّ قوله: «أن تطوف به بين الصفا والمروة» إشارة إلى مطلق الطواف الواجب، لا خصوص طواف الحج.
2. ما رواه الصدوق عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»انظروا

1 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحج، الحديث1.

صفحه 318
مسألة8. طواف النساء وركعتاه واجبان، وليسا ركناً، فلو تركهما عمداً لم يبطل الحجّ به وإن لا تحلّ له النساء، بل الأحوط عدم حل العقد والخطبة والشهادة على العقد له.*
من كان معكم من الصبيان فقدّموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر، ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم، ويطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليّه».1 والناظر في الحديث يقف على أنّ المكتوب على الصبي غير المميز هو نفس المكتوب على غيره، غاية الأمر أنّ الولي يتصدّى ما لا يقدر عليه. ويصوم عنه عند عدم وجدان الهدي.
3. ما رواه الصدوق باسناده عن زرارة: عن أحدهما (عليهما السلام) قال:«إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير فإنّه يأمره أن يلبّي ويفرض الحجّ، فإن لم يحسن أن يلبّي لبّوا عنه ويطاف به ويصلّـى عنه»، قلت: ليس لهم ما يذبحون، قال: «يذبح عن الصغار، ويصوم الكبار، ويتّقى عليهم ما يتّقى على المحرم من الثياب والطيب، وإن قتل صيداً فعلى أبيه».2 إلى غير ذلك من الروايات الواردة في أبواب متفرقة.3
وممّا ذكرنا يظهر أنّ الأقوى وجوب قيام الولي، بالإطافة فضلاً عن كونه أحوط كما في المتن. وإن نظر الشارع إلى حج الصبي مميّزاً كان أو غير مميّز هو نفس نظره إلى حجّ البالغ في لزوم الإتيان بعامة الأجزاء والشرائط.
* في المسألة فروع:

1 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحج، الحديث3.
2 . الوسائل:8، الباب17 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث5.
3 . لاحظ الوسائل:10، الباب3 من أبواب الذبح، الحديث3 و4و 5.

صفحه 319
1. طواف النساء وركعتاه واجبان وليسا ركناً.
2. توقّف حلية سائر الاستمتاعات عليه.
3. توقّف حلية العقد والخطبة والشهادة على العقد له.
وإليك دراسة الفروع بالترتيب:

الفرع الأوّل: طواف النساء وركعتاه واجبان ولكنّهما ليسا ركناً

أمّا وجوبهما فهو أمر اتّفق عليه الأصحاب بلا خلاف، وهو من ضروريات الفقه الإمامي، ويدلّ على وجوبه مضافاً إلى الإجماع:
1. ما رواه حسين بن علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن الخصيان والمرأة الكبيرة أعليهم طواف النساء؟ قال(عليه السلام):«نعم عليهم الطواف كلّهم».1
2. موثّقة إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«لولا ما مَنّ اللّه به على الناس من طواف الوداع لرجعوا إلى منازلهم، ولا ينبغي لهم أن يمسّوا نساءهم ـ يعني لا تحل لهم النساء ـ حتّى يرجع فيطوف بالبيت أُسبوعاً آخر بعد ما يسعى بين الصفا والمروة، وذلك على الرجال والنساء واجب».2
فقوله في الرواية الأُولى: «نعم عليهم الطواف كلّهم»، وقوله في الرواية الثانية: «وذلك على الرجال والنساء واجب» دالاّن على وجوبه، وهو أعمّ من أن يكون جزءاً من المناسك ومن أجزاء الحجّ أو لا، وإن كان يستشم منه في بادئ النظر أنّ وجوبه كوجوب سائر المناسك.

1 . الوسائل:9، الباب 2 من أبواب الطواف، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب الطواف، الحديث3.

صفحه 320
أمّا عدم كونهما من أجزاء المناسك أو عدم كونهما ركناً حسب تعبير المصنّف، فهو خيرة «السرائر» وصاحب «الجواهر» والمصنّف والمحقّق الخوئي قدّس اللّه أسرارهم.
قال ابن إدريس: طواف النساء فهو فرض وليس بركن، فإن تركه متعمداً لم تحل له النساء حتّى يقضيه ولا يبطل حجّه، وإن تركه ناسياً قضاه أو يستنيب فيه.1
وقال في «الجواهر»: نعم الظاهر خروج طواف النساء عن ذلك، وإن أوهمه ظاهر العبارة (عبارة المحقّق) لكن هو غير ركن فلا يبطل النسك بتركه حينئذ من غير خلاف لخروجه عن حقيقة الحجّ.2
وقد عرفت في الأمر الأوّل ما يستشم من كون وجوبه كوجوب سائر الأجزاء وأنّه أيضاً منسك كسائر المناسك، غير أنّ هذا الظهور محجوج بأصرح من ذلك. ويدلّ عليه:
1. صحيحة معاوية بن عمّار: عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«وعليه طواف بالبيت ـ إلى أن قال: ـ و طواف بعد الحجّ، وهو طواف النساء».3
2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«وطواف بالبيت بعد الحجّ».4
فقوله فيهما: «وطواف بالبيت بعد الحجّ» بمعنى «بعد تمام الحجّ».
3. صحيح إبراهيم بن عثمان الخراز، قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام) إذ

1 . السرائر:1/617.
2 . الجواهر:19/372.
3 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1و2.
4 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث6.

صفحه 321
دخل عليه رجل فقال: أصلحك اللّه إن معنا امرأة حائضاً ولم تطف طواف النساء، فأبى الجمّال أن يقيم عليها، قال: فأطرق وهو يقول:«لا تستطيع أن تتّخلف عن أصحابها، ولا يقيم عليها جمّالها، تمضي فقد تمّ حجّها».1
قال في «الجواهر»: إنّ قوله: «فقد تمّ حجّها» ظاهر في خروجه عن النسك ولو في حال الاختيار، ولا يقدح في ذلك كون مورده الاضطرار، إذ العبرة بعموم الوارد لا خصوص المورد كما هو واضح.2

الفرع الثاني: حكم سائر الاستمتاعات

لو أتى بعامّة أعمال الحجّ وترك عمداً أو سهواً، طواف النساء فهل يحلّ له سائر الاستمتاعات، لأجل إنجاز أعمال الحجّ فيحلّ له المسّ والنظر بشهوة أو التقبيل، أو لا يحلّ؟ ظاهر «القواعد» وشرحه للفاضل الاصفهاني، هو الثاني حيث حمل قوله: «إلاّ النساء» على الاستمتاع بهنّ فيعم الجماع والأُمور الثلاثة.
أقول: قد ورد في غير واحد من الروايات استثناء النساء.
ففي بعضها: فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شيء أحرمت منه إلاّ النساء.3
وفي بعض آخر: فإذا طافت طوافاً آخر حلّ لها فراش زوجها.4
وفي رواية ثالثة: فإذا فعلت ذلك فقد حلّ لها كلّ شيء ما خلا فراش

1 . الوسائل:9 ، الباب 84 من أبواب الطواف، الحديث 13.
2 . الجواهر:19/373.
3 . الوسائل:10، الباب4 من أبواب زيارة البيت، الحديث1.
4 . الوسائل:9، الباب84 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 322
زوجها.1
وعندئذ يقع الكلام في أنّ سائر الاستمتاعات، هل هو داخل في المستثنى منه ـ أعني قوله: «فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شيء أحرمت منه»، وقوله:«... فإذا فعلت ذلك فقد حلّ له كلّ شيء» ـ أو داخل في المستثنى ـ أعني قوله:«إلاّ النساء»، وقوله:«ما خلا فراش زوجها»؟
يمكن ترجيح الوجه الثاني ـ أعني: دخولها في المستثنى ـ بوجوه:
1. أنّ قوله: «ما خلا فراش زوجها» كناية عن الاستمتاع بالزوجة على وجه الإطلاق.
2. أنّ قوله: «إلاّ النساء» من قبيل تعلّق النهي بالعين وقد حقّق في محلّه، أنّه إذا تعلّق النهي بعين من الأعيان يحمل النهي على لزوم الاجتناب عن عامة آثاره، فإذا قال سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)2، أو قيل حرمت الخمر والميسر فالمتبادر منه هو حرمة عامّة التقلّبات والتصرّفات فيها، إلاّ إذا كان هناك قرينة على اختصاص التحريم بأثر خاص، كما في قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُمْ)3، إذ من المعلوم أنّه يجوز النظر إلى الأُم ولمسها وتقبيلها والممنوع هو النكاح.
3. صحيحة علي بن يقطين، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن رجل قال لامرأته أو لجاريته بعد ما حلق ولم يطف ولم يسع بين الصفا والمروة: اطرحي ثوبك، ونظر إلى فرجها؟ قال: «لا شيء عليه إذا لم يكن غير النظر».4

1 . الوسائل:9، الباب84 من أبواب الطواف، الحديث2.
2 . المائدة:13.
3 . النساء:22.
4 . الوسائل:9، الباب17 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث4.

صفحه 323
وجه الدلالة: أنّ قوله: «لا شيء عليه» بمعنى نفي الكفّارة، وهذا يدلّ على أنّ حرمة النظر كان مسلماً بين السائل والإمام.
توضيحه: أنّ النظر المجرد عن الشهوة جائز في جميع حالات الإحرام فلا وجه للسؤال عنه خصوصاً إذا كان السائل مثل علي بن يقطين، فيتعيّن أن يكون المراد النظر المصحوب والمقارن بالشهوة بشهادة أنّه نظر إلى فرجها لا إلى سائر الأعضاء، فعندئذ ينفي الإمام(عليه السلام) عنه الكفّارة حيث قال: «لا شيء عليه»، أي لا كفّارة عليه إذا كان العمل المحرم هو مجرد النظر عن شهوة دون الجماع، وهو يعرب عن كون حرمة النظر بالشهوة قبل طواف النساء كان أمراً مسلماً بين الإمام(عليه السلام) والسائل، وإنّما كان السؤال عن ترتّب الكفّارة. ومن المعلوم عدم الفرق بين النظر وغيره من سائر الاستمتاعات.
4. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: سألته عن رجل قبّل امرأته وقد طاف طواف النساء ولم تطف هي؟ قال:«عليه دم يهريقه من عنده».1
والظاهر عدم خصوصية التقبيل، بل يتعدّى إلى سائر الاستمتاعات.
5. ما رواه زرارة ـ في حديث ـ أنّه سأل أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل قبّل امرأته وقد طاف طواف النساء ولم تطف هي؟ قال (عليه السلام):«عليه دم يهريقه من عنده».2
فإنّ ثبوت الكفّارة يكشف عن حرمة العمل ـ كما سبق غير مرة ـ ولم يثبت إعراض المشهور عن العمل بالرواية. وأقصى ما يمكن أن يقال: ما أفاده في «الجواهر» من أنّه: لم يحضرني أحد عمل به على جهة الوجوب، فلا بأس بحمله

1 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب18 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث7.

صفحه 324
على ضرب من الندب، لأنّ الفرض كونه قد أحلّ فلا شيء عليه إلاّ الإثم إن كان.1
فتلخّص حرمة سائر الاستمتاعات إذا ترك طواف النساء عن عمد أو سهو.

الفرع الثالث: حكم العقد والخطبة

إذا أتى بجميع أعمال الحجّ، وترك طواف النساء فهل يحل له العقد والخطبة والإشهاد عليه أو لا؟
ذهب العلاّمة في «القواعد» والفاضل الاصفهاني في شرحه إلى الجواز.
قال العلاّمة:... وإنّما يحرم ـ بتركه (الطواف) ـ الوطء دون العقد.2
واختاره الفاضل الاصفهاني في شرحه مستدلاً بإطلاق الأخبار والفتاوى بإحلاله ممّا قبله من كلّ ما أحرم منه إلاّ النساء. والمفهوم الاستمتاع بهنّ لا العقد عليهن.3 وتنظّر فيه في «الجواهر».4
أقول: لكلّ من القولين وجه.
1. انّ المنساق من الأدلّة كون العقد والخطبة والإشهاد من توابع حرمة النساء، فلا يحلّ إلاّ بحلّيّتها.
2. كون الثلاثة داخلة في المستثنى منه، أعني: «حلّ له كلّ شيء إلاّ النساء».

1 . الجواهر:20/391.
2 . قواعد الأحكام:1/445.
3 . كشف اللثام:6/229.
4 . الجواهر:19/262.

صفحه 325
المسألة9. لا يجوز تقديم السعي على طواف الزيارة، ولا على صلاته اختياراً، ولا تقديم طواف النساء عليهما، ولا على السعي اختياراً، فلو خالف الترتيب أعاد بما يوجبه.*
ولكن الظاهر هو الثاني، ومع ذلك فالأحوط كما في المتن الاجتناب عنها حتّى يطوف، وقوّاها الشهيد في «الدروس»1 ولعلّ وجهه: استصحاب الحرمة.
* في المسألة فرعان:
1. عدم جواز تقديم السعي على طواف الزيارة، ولا على صلاته اختياراً.
2. عدم جواز تقديم طواف النساء على طواف الزيارة وصلاته والسعي الواقع بين الطوافين.
وإليك دراسة الفرعين:
الفرع الأوّل: لا يجوز تقديم السعي على طواف الزيارة ولا على صلاته اختياراً، وقد مضى الكلام فيه حسب عنوان المؤلّف في المسألة الرابعة من فصل «القول في الطواف» حيث قال: يجب أن يكون السعي بعد الطواف وصلاته، فلو قدّمه على الطواف أعاده بعده2، فلا حاجة إلى تكرار البحث.
الفرع الثاني: عدم جواز تقديم طواف النساء على طواف الزيارة وصلاته والسعي الواقع بين الطوافين اختياراً، فلو خالف الترتيب أعاد بما يوجبه، وإليك بعض الكلمات:
قال المحقّق: لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي لمتمتع ولا لغيره

1 . الدروس:5/368.
2 . لاحظ الجزء الرابع، ص272 من هذه الموسوعة.

صفحه 326
اختياراً.1
ووصفه في «المدارك» بأنّه من مذهب الأصحاب، قال: أمّا ما لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي لمتمتع ولا غيره مع الاختيار فهو مذهب الأصحاب لا أعرف فيه مخالفاً.2
ويدلّ عليه من الروايات ما يلي:
1. صحيحة معاوية بن عمّار قال: ثمّ اخرج إلى الصفا فاصعد عليه واصنع كما صنعت يوم دخلت مكة، ثم ائت المروة فاصعد عليها وطف بينهما سبعة أشواط، تبدأ بالصفا وتختم بالمروة، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كلّ شيء أحرمت منه إلاّ النساء، ثمّ ارجع إلى البيت وطف به أُسبوعاً آخر، ثمّ تصلّي ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، ثمّ قد أحللت من كلّ شيء وفرغت من حجّك كلّه وكلّ شيء أحرمت منه.3
وجه الدلالة: أنّ لفظة «ثم» ظاهرة في التأخير والترتيب. وجه التأخير، هو وجود الفاصل المكاني بين المسعى والمطاف.
2. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:»القارن لا يكون إلاّ بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم(عليه السلام) وسعي بين الصفا والمروة، وطواف بعد الحجّ، وهو طواف النساء».4
3. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:»إنّما نُسك الّذي يُقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلاّ بسياق الهدي، وعليه طواف

1 . شرائع الإسلام:1/271.
2 . مدارك الأحكام:8/190.
3 . الوسائل:10 ، الباب4 من أبواب زيارة البيت، الحديث1.
4 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث12.

صفحه 327
بالبيت، وصلاة ركعتين خلف المقام، وسعي واحد بين الصفا والمروة، وطواف بالبيت بعد الحج...» الحديث.1
والتعبير «بالواو» وإن كان لا يدلّ على الترتيب غير أنّ الروايتين لمّا كانتا بصدد بيان الفريضة وكيفيتها، يتبادر منهما الترتيب في مقام العمل.
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على ترتّب طواف النساء على السعي.2
ثمّ إنّ ظاهر قول المصنّف: «ولو خالف الترتيب أعاد بما يوجبه» أنّه يعيد الطواف فقط دون السعي، لاختصاص الإعادة بما وقع في غير محلّه وهو الطواف، وأمّا السعي فقد وقع في محلّه وتقدّم طواف النساء عليه لا يخرجه عن وقوعه في محلّه. هذا ولكن المستفاد من مرسلة أحمد بن محمد، عمّن ذكره إعادة كليهما، قال: قلت لأبي الحسن(عليه السلام): جُعلت فداك، متمتع زار البيت فطاف طواف الحجّ ثمّ طاف طواف النساء ثم سعى؟ قال:«لا يكون السعي إلاّ من قبل طواف النساء»، فقلت: أفعليه شيء؟ فقال:«لا يكون السعي إلاّ قبل طواف النساء».3
وجه الدلالة: هو أنّه جعل من شرائط صحّة السعي كونه قبل طواف النساء، وبما أنّه لم يكن كذلك بل كان بعد الطواف فقد انتفى شرط الصحّة فلا يعتد به، فتجب إعادة السعي قبل طواف النساء ثمّ يطوف طواف النساء حتّى يوصف السعي بأنّه قبل طواف النساء.
ويلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ الرواية ضعيفة بالإرسال فلا يعتدّ بها، وحملها على

1 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث6.
2 . لاحظ الوسائل:8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث30 بسنده عن المفضل بن عمر.
3 . الوسائل:9، الباب65 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 328
المسألة10. يجوز تقديم طواف النساء على السعي عند الضرورة، كالخوف من الحيض وعدم التمكّن من البقاء إلى الطهر، لكن الأحوط الاستنابة لإتيانه، ولو قدّمه عليه سهواً أو جهلاً بالحكم صحّ سعيه وطوافه، وإن كان الأحوط إعادة الطواف.*
صورة السهو غير مفيد، إذ لو وجب إعادة السعي في حالة السهو لوجب في حالة العمد بطريق أولى.
وثانياً: إن أُريد من قوله:«لا يكون السعي إلاّ قبل الطواف» تقدّم السعي على الطواف تقدّماً عنوانياً، فهو لا يحصل مطلقاً إلاّ بعد الإتيان بطواف النساء، لأنّ التقدّم والتأخّر، متضايفان وهما متكافئان قوة وفعلاً فلا يوصف السعي بالتقدّم مطلقاً ما لم يوصف الطواف بالتأخّر، وإن أراد واقع التقدّم فهو حاصل للسعي إذا أتى بعده طواف النساء.
وثالثاً: لو افترضنا دلالته على ما ذكر، فإنّما يدلّ على شرطية تقدّمه على الطواف الصحيح، لا على الطواف الباطل.
* في المسألة فرعان:
1. يجوز تقديم طواف النساء على السعي عند الضرورة.
2. لو قدّم طواف النساء على السعي سهواً أو جهلاً بالحكم كان مجزياً.
وإليك دراسة الفرعين:
الفرع الأوّل: يجوز تقديم طواف النساء على السعي عند الضرورة، كالخوف من الحيض، وعدم التمكّن من البقاء إلى الطهر.
قال المحقّق: لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي لمتمتع ولا لغيره

صفحه 329
اختياراً، ويجوز مع الضرورة والخوف من الحيض.1
وقال في «المدارك»: وأمّا جواز تقديمه على السعي مع الضرورة والخوف من الحيض فمقطوع به في كلام الأصحاب، ولم أقف فيه على نص بالخصوص.2
وقال في «الجواهر» بعد قول المحقّق المذكور: بلا خلاف أجده فيه.3
وما ذكره صاحب المدارك من عدم وجود النص فيه بالخصوص صحيح، ولكن يمكن استفادة الإجزاء ممّا يلي:
1. ما رواه الشيخ بسند موثّق عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن الماضي(عليه السلام)قال: سألته عن رجل طاف طواف الحج وطواف النساء قبل أن يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: «لا يضره يطوف بين الصفا والمروة وقد فرغ من حجّه».4
وبما أنّه لا يجوز التقديم عمداً واختياراً، فالرواية محمولة على صورة الضرورة.
2. فحوى صحيح أبي أيوب الخراز قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام) إذ دخل عليه رجل فقال: أصلحك اللّه إن معنا امرأة حائضاً ولم تطف طواف النساء، فأبى الجمّال أن يقيم عليها، قال: فأطرق وهو يقول:«لا تستطيع أن تتخلّف عن أصحابها، ولا يقيم عليها جمّالها، تمضي فقد تمّ حجّها».5
وجه الاستدلال: أولوية التقديم من الترك، فإذا تمّ حجّها مع الترك، فأولى أن يتمّ حجّها إذا قدّمت الطواف على السعي.
ولكن الاعتماد على الروايتين مشكل.

1 . شرائع الإسلام:1/271.
2 . مدارك الأحكام:8/191.
3 . جواهر الكلام:19/397.
4 . الوسائل:9، الباب65 من أبواب الطواف، الحديث2.
5 . الوسائل:9، الباب84 من أبواب الطواف، الحديث13.

صفحه 330
أمّا الأُولى، فلأنّ المتبادر منها صورة الجهل أو النسيان، فلا يلزم من عدم حملها على العامد حملها على صورة الضرورة بعد وجود محمل آخر كالجهل والنسيان.
وأمّا الثانية، فللفرق بين المقام وموردها، فإنّ مورد الرواية عدم تمكّن المرأة من الطواف رأساً، وأمّا المقام فيمكن لها الاستنابة، ولذلك احتاط في المتن بالاستنابة.
الفرع الثاني: لو قدّم طواف النساء على السعي سهواً أو جهلاً صحّ سعيه وطوافه، وإن كان الأحوط إعادة الطواف.
وقد حكاه في «الجواهر» عن النافع والقواعد ومحكي النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر والجامع والوسيلة.1
وقد استدلّ عليه بروايتين:
1. صحيحتا جميل ومحمد بن حمران: روى الكليني بسند صحيح عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق؟ قال:»لا ينبغي إلاّ أن يكون ناسياً ـ ثمّ قال: ـ إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أتاه أُناس يوم النحر فقال بعضهم: يا رسول اللّه إنّي حلقت قبل أن أذبح، وقال بعضهم: حلقت قبل أن أرمي، فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخّروه إلاّ قدموه، فقال: لا حرج».2
ويقرب منه ما رواه محمد بن حمران، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام).3

1 . الجواهر:19/398.
2 . الوسائل:10، الباب39 من أبواب الذبح، الحديث4.
3 . الوسائل:10، الباب2 من أبواب الحلق والتقصير، الحديث2.

صفحه 331
وقد أورد على الاستدلال المحقّق الخوئي بأنّ مورد الروايتين هو التقديم والتأخير في أجزاء الحجّ وأفعاله كالرمي والذبح، وطواف النساء ليس من أعماله وإنّما هو واجب مستقل، وحال طواف النساء، حال الرمي قبل يوم النحر، فلو بات في منى قبل يوم العيد ورمى في يومه فلا يجزيه.1
يلاحظ عليه: بأنّ محور الاستدلال هو إطلاق قوله:«الرجل يزور البيت قبل أن يحلق» كما في صحيحة جميل، أو: «زار البيت قبل أن يحلق» كما في رواية محمد بن حمران، وعدم الاستفسار عن الطواف الّذي أتى به قبل الحلق، فهل كان هو طواف الزيارة أو طواف الوداع والنساء؟
وأمّا ما نقض به من عدم كفاية الرمي قبل يوم النحر فهو قياس مع الفارق، وهو صلاحية الزمان لطواف النساء ـ مع غضّ النظر عن الترتيب ـ وعدمه للرمي، فإنّ يوم التروية مثلاً ليس صالحاً للرمي وإنّما يجب الرمي بعد طلوع الشمس من يوم النحر إلى غروب اليوم الثاني عشر.
2. موثّقة سماعة بن مهران، عن أبي الحسن الماضي(عليه السلام) قال: سألته عن رجل طاف طواف الحجّ وطواف النساء قبل أن يسعى بين الصفا والمروة؟ قال:«لا يضرّه يطوف بين الصفا والمروة وقد فرغ من حجّه».2
وقد حملها الشيخ على صورة النسيان أو الجهل بالحكم لا على صورة العمد ولا على صورة الضرورة.
وقد ناقش المحقّق الخوئي الاستدلال بوجهين:
1. إنّ الرواية إنّما هي مطلقة ولم يذكر فيها النسيان، وإنّما حمله الشيخ على

1 . المعتمد:5/371.
2 . الوسائل:9، الباب 65 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 332
النسيان، فظاهر الرواية جواز التقديم حتّى عمداً، وهذا مقطوع البطلان فلابدّ من طرح الرواية وردّ علمها إلى أهلها، أو حملها على صورة النسيان كما صنعه الشيخ.
فالنتيجة: أنّه لا دليل على الإجزاء في صورة النسيان.
2. أنّ الموثّقة غير ناظرة إلى صحّة طواف النساء وعدمها من حيث وقوعه قبل السعي وبعده، وإنّما نظرها إلى صحّة طواف الحج باعتبار الفصل بينه و بين السعي بطواف النساء، فكأنّ السائل احتمل في صحّة طواف الحجّ عدم الفصل بين طواف الحجّ والسعي بطواف النساء، فأجاب(عليه السلام) بأنّه لا يضرّ الفصل بطواف النساء ويأتي بالسعي بعده.
ويشهد لذلك قول السائل:«عن رجل طاف طواف الحجّ وطواف النساء» ولو كان نظره إلى تقديم طواف النساء على السعي لم يكن وجه لذكر طواف الحجّ، فإنّ السؤال عن ذلك أجنبي عن تقديم طواف النساء على السعي، فيعلم من ذكر طواف الحجّ قبل طواف النساء أنّ نظر السائل إلى الفصل بين طواف الحجّ والسعي بطواف النساء، ولا أقلّ من إجمال الرواية، ولا ريب أنّ الحكم بعدم الإجزاء إن لم يكن أقوى فهو أحوط.1
يلاحظ عليه: بأنّ شمول الرواية للعمد بعيد جدّاً، إذ قلّما يتّفق لإنسان معتقد بالفريضة وآدابها أن يقدّم ما حقّه التأخير عمداً، خصوصاً فريضة الحجّ الّتي لا ينالها الإنسان إلاّ بشق الأنفس وبذل الجهد، فحملها على صورة النسيان هو الأوفق بالنظر إلى الواقع الملموس.
وأمّا ما ذكر ثانياً من أنّ محط نظر السائل هو صحّة طواف الحجّ لا طواف

1 . المعتمد:5/372.

صفحه 333
المسألة11: لو ترك طواف النساء سهواً ورجع إلى بلده فإن تمكن من الرجوع بلا مشقة يجب، وإلاّ استناب فيحل له النساء بعد الإتيان.*
النساء بقرينة أنّه قال:«رجل طاف طواف الحجّ وطواف النساء» فلو كان نظره إلى تقديم طواف النساء على السعي لم يكن وجه لذكر طواف الحجّ، فالظاهر أنّ الداعي إلى ذكر طواف الحجّ هو بيان أنّ الرجل أتى بطوافين متّصلين دون أن يتوسط بينهما سعي. ولذلك ذكر طواف الحجّ أيضاً مع طواف النساء.
والشاهد على أنّ الداعي هو ورودها في رواية أُخرى في نفس هذا الباب; أعني: مرسلة أحمد بن محمد، عمّن ذكره قال: قلت لأبي الحسن(عليه السلام): جعلت فداك متمتع زار البيت، فطاف طواف الحجّ، ثمّ طاف طواف النساء، ثمّ سعى؟ قال:«لا يكون السعي إلاّ من قبل طواف النساء»، فقلت: أفعليه شيء؟ فقال:«لا يكون السعي إلاّ قبل طواف النساء».1
* لا شكّ أنّه لا تحلّ له النساء مهما ترك طوافها، سواء أكان عن عمد أو عن سهو، بل يجب عليه الإتيان، وتخصيص المتن السهو بالذكر لكونه الغالب، إذ قلّما يتّفق لإنسان قاصد للحج، ترك جزء منه عن عمد. وعلى هذا فالحكم يعمّ العامد والساهي. إنّما الكلام في أنّه هل تجب المباشرة فيه بنفسه إلاّ مع تعذّره أو تعسّره فيستنيب، أو تجوز الاستنابة فيه مطلقاً؟
فالأوّل خيرة العـلاّمة في «المنتهى» قال: ولو ترك طواف النساء ناسياً، لم يحلّ له النساء ويجب عليه العود وطواف النساء مع المكنة، فإن لم يتمكّن من الرجوع، جاز له أن يأمر من يطوف عنه طواف النساء وقد حلّت له

1 . الوسائل:9، الباب 65 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 334
النساء.1
والثاني خيرة جمع من الأصحاب منهم المحقّق قال: ولو نسي طواف النساء جاز أن يستنيب ولو فات قضاه وليّه وجوباً.2
وقال في «المدارك» بعد قول المحقق: إطلاق العبارة يقتضي انّه لا يشترط في جواز الاستنابة هنا تعذر العود ـ كما اعتبر في طواف الحجّ ـ بل يجوز وان أمكن، وبهذا التعميم صرح العلاّمة في جملة من كتبه وغيره.3
وقال في «رياض المسائل»: ولو نسي طواف النساء إلى أن رجع إلى أهله استناب مطلقاً ولو مع القدرة على المباشرة، وعليه الأكثر وجعله في الدروس أشهر، بل لا خلاف فيه بين القدماء و المتأخّرين يظهر، إلاّ عن الشيخ في التهذيب و الفاضل في المنتهى فاشترطا فيه التعذر.4
أقول: إنّ الروايات الواردة على أصناف أربعة ندرسها تباعاً:

أ. ما يدلّ على جواز الاستنابة مطلقاً:

1. صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله؟ قال:« يرسل فيطاف عنه، فإن توفي قبل أن يطاف عنه فليطف عنه وليه».5
والموضوع هو نسيان الطواف إلى أن يرجع إلى أهله، ولا يعمّ إذا تذكّر، وهو

1 . منتهى المطلب:11/367.
2 . الشرائع:1/270.
3 . المدارك:8/184.
4 . رياض المسائل:7/68.
5 . الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف ، الحديث3.

صفحه 335
في مكة، أو في طريقه إلى أهله أو إلى مكان آخر، والرواية مطلقة، سواء أقدر على الرجوع أم لا، وسواء أراد أن يحجّ في العام القادم، أم لا.
2.خبر البزنطي، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي طواف النساء حتى رجع إلى أهله؟ قال:« يرسل فيطاف عنه، وإن مات قبل أن يطاف عنه طاف عنه وليه».1

ب. ما يدلّ على لزوم المباشرة بنفسه:

3. صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:سألته عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله؟ قال: «لا تحلّ له النساء حتى يزور البيت فإن هو مات فليقض عنه وليه أو غيره، فأمّا ما دام حياً فلا يصلح له أن يقضى عنه»2 وصدر الحديث يدلّ على لزوم المباشرة. وأمّا الذيل ـ أعني: «فلا يصلح» ـ فليس ظاهراً في الكراهة حتى يكون قرينة على حمل الصدر عليها، كما أنّه ليس ظاهراً في الحرمة حتّى يكون مؤكّداً للصدر، بل هو ظاهر في الجامع بين الحرمة والكراهة، أعني: المرجوحية، فلا يصحّ رفع اليد عن الصدر به.

ج. ما يدلّ على التفصيل بين إرادة الحجّ في القابل وعدمه:

4. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: رجل نسي طواف النساء حتى رجع إلى أهله، قال: «يأمر من يقضي عنه إن لم يحج، فإنّه لا تحلّ له النساء حتى يطوف بالبيت».3

1 . الوسائل:9، الباب58، من أبواب الطواف، الحديث11.
2 . الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف ، الحديث2.
3 . الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف، الحديث8، وهو متحد مع رقم 6.

صفحه 336
وقوله:«إن لم يحجّ» ليس بمعنى من لا يتمكّن من الحجّ، بل بمعنى من لا يريد الحجّ في العام القابل، وإلاّ فيباشر هو بنفسه.

د. التفصيل بين التمكن وعدمه:

5. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل نسي طواف النساء حتى أتى الكوفة، قال: «لا تحلّ له النساء حتى يطوف بالبيت» ، قلت: فإن لم يقدر، قال: «يأمر من يطوف عنه».1
والظاهر أنّ الكوفة كانت بلد الناسي لا أنّها في طريقه. وظاهر الصدر لزوم المباشرة وقد فهمها الراوي، ولذلك سأل عمّا إذا لم يقدر فأجابه الإمام(عليه السلام) انّه يستنيب عندئذ.
وربما يقال بأنّ القيد «فإن لم يقدر» ورد في كلام الراوي فلا يدلّ على التفصيل بين القادر وغيره بالمباشرة في الأُولى والاستنابة في الثانية. كما في «الرياض» حيث قال: فليس فيه دلالة على التقييد، إذ الشرط في كلام الراوي فلا يفيد التقييد.2
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الضابطة صحيح في مثل ما إذا قال السائل هل في سائمة الغنم زكاة؟ فقال الإمام: «فيها زكاة» فليس فيها دلالة على نفي الزكاة في المعلوفة، دون المقام الذي قرر الإمام(عليه السلام)وجوب الطواف في صدر الحديث بنحو المباشرة مطلقاً في حالتي القدرة وعدمها، ولمّا استبعده الراوي في صورة العجز فسأل عنه بقوله: «فإن لم يقدر» فأجاب الإمام(عليه السلام) بأنّه عندئذ

1 . الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف، الحديث4.
2 . رياض المسائل:7/70.

صفحه 337
المسألة12: لو نسي وترك الطواف الواجب من عمرة أو حجّ أو طواف النساء ورجع وجامع النساء يجب عليه الهدي ينحره أو يذبحه في مكة والأحوط نحر الإبل، ومع تمكّنه بلا مشقّة يرجع ويأتي بالطواف، (والأحوط إعادة السعي في غير نسيان طواف النساء)، ولو لم يتمكن استناب.*
يستنيب.
ثمّ إنّ المراد من القدرة هو القدرة العرفية، كما أنّ المراد من عدمها هو العجز العرفي الذي يجتمع مع القدرة العقلية فتكون النتيجة التفصيل بين من يقدر على المباشرة بسهولة ومن لا يقدر عليها إلاّ بالتعب فيستنيب.
وهذه الرواية تكون شاهدة للجمع بين الصنفين الأوّلين، فيحمل الأوّل على القادر عرفاً والثاني على العاجز كذلك.
وأمّا الصنف الثالث ـ أي التفصيل بين من يريد الحج في العام القابل وعدمه ـ فالغالب على من يريد أو لا يريد هو كونه قادراً أو غير قادر.
وعلى هذا تظهر قوة ما في المتن حيث قال: فإن تمكّن من الرجوع بلا مشقّة وإلاّ استناب فيحل له النساء بعد الإتيان.
* كلامه (قدس سره) في هذه المسألة مركب من أمرين:
1. لو نسي الطواف الواجب ورجع وجامع النساء فعليه الكفّارة.
2. إذا تمكّن يرجع ويأتي بالطواف المنسيّ، سواء أكان طواف الحجّ أو النساء، وإلاّ فيستنيب.
أمّا الثاني فقد مضى الكلام فيه في موضعين. أمّا طواف الحجّ فقد مضى في

صفحه 338
فصل «القول في الطواف» المسألة2، وأمّا طواف النساء فقد مرّ آنفاً في المسألة 11.
نعم لو كان المنسي طواف الفريضة الأحوط أن لا يقتصر بإعادة الطواف، بل يعيد السعي بعده.
وعلى هذا يكون البحث مركّزاً على الفدية فنقول:
موضوع المسألة عبارة عن نسيان الطواف الواجب واستمرار النسيان إلى الرجوع إلى الأهل وعدم تبدّله بالذكر حتى واقع أهله ثمّ تذكّر .و في المسألة قولان:
الأول: وجوب الكفّارة إذا واقع في حالة النسيان، وعليه الشيخ في النهاية والمبسوط.
قال الشيخ في «النهاية»: ومن نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى أهله وواقع أهله يجب عليه بدنة، والرجوع إلى مكة وقضاء طواف الزيارة.1
والموضوع في كلام الشيخ هو طواف الزيارة لا الأعم منه وطواف النساء.
وبمثل هذه العبارة عبّر في «المبسوط» وقال: ومن نسي طواف الزيارة حتى يرجع إلى أهله وواقع أهله كان عليه بدنة، والرجوع إلى مكة وقضاء طواف الزيارة.2
الثاني: عدم وجوب الكفّارة إذا واقع في حال النسيان وعليه ابن إدريس في السرائر والمحقق في الشرائع.
قال ابن إدريس: ومن نسي طواف الزيارة الذي هو طواف الحجّ، لأنّ

1 . النهاية:240.
2 . المبسوط:1/359.

صفحه 339
أصحابنا يسمّون طواف الحجّ طواف الزيارة حتّى رجع إلى أهله ووطأ النساء وجبت عليه بدنة على ما روي، والأظهر أنّه لا شيء عليه من الكفّارة لأنّه في حكم الناسي، بل الواجب عليه الرجوع إلى مكة وقضاء طواف الزيارة مع تمكّنه من الرجوع فإن لم يتمكّن فليستنب من يطوف عنه.1
وقال المحقّق: من نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى أهله وواقع ، قيل عليه بدنة والرجوع إلى مكة للطواف وقيل: لا كفّارة عليه، وهو الأصحّ ويحمل القول الأوّل على من واقع بعد الذكر.2
إنّ إقامة الدليل على ما في المتن على سعته أمر يحتاج إلى دراسة الروايات حيث فرض الهدي في المواقع الثلاثة:
أ. ترك الطواف الواجب من عمرة.
ب. ترك طواف الزيارة.
ج. ترك طواف النساء.
مع تعيين نحره أو ذبحه وهو مكة، فالذي يصلح أن يستدل به روايتان:
الأُولى: صحيح علي بن جعفر، عن أخيه قال: سألته عن رجل نسي طواف الفريضة حتّى قدم بلاده وواقع النساء فكيف يصنع؟ قال:«يبعث بهدي إن كان تركه في حجّ بعث به في حجّ، وإن كان تركه في عمرة بعث به في عمرة».3
ومورد الرواية ترك طواف الفريضة وهو أعمّ من طواف الحج والعمرة بشهادة أنّه تعرض لتركه في عمرة، ولكنّها لا تعمّ ترك طواف النساء، كما أنّها

1 . السرائر:1/574.
2 . شرائع الإسلام:1/270.
3 . الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 340
ساكتة عن محل الذبح، والتعبير بالهدي منصرف إلى الغنم.
ورواه في «قرب الاسناد» على النحو التالي:
رجل ترك طوافاً أو نسي من طواف الفريضة حتّى ورد بلاده وواقع أهله، كيف يصنع؟، قال:«يبعث بهديه; إن كان تركه من حج فبدنة في حج، وإن كان تركه في عمرة فبدنة في عمرة».1
وبذلك يحصل الإجمال في الحديث فهل الصادر هو الهدي أو البدنة، ولعلّ قرب الكلمتين في الكتابة (هديه، بدنة) صار سبباً للاختلاف.
ورواه في «البحار» بقوله: يبعث ببدنة.2
الثانية: موثّقة عمار الساباطي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) عن الرجل نسي أن يطوف طواف النساء حتّى رجع إلى أهله؟ قال:«عليه بدنة ينحرها بين الصفا والمروة».3
والرواية تختصّ بنسيان طواف النساء دون طواف العمرة والحجّ على خلاف الرواية الأُولى، والكفّارة فيها هي البدنة، ومحلها النحر بين الصفا والمروة، وهو كناية عن النحر في مكة المكرمة، وقوله:«حتّى رجع إلى أهله» كناية عن الوقاع.
وعلى ضوء هاتين الروايتين يثبت ما في المتن، لأنّ الرواية الأُولى تتضمّن نسيان طوافي العمرة والحجّ، والثانية تتضمّن نسيان طواف النساء، وهي صريحة في أنّ الكفّارة هي البدنة، بخلاف الأُولى حيث إنّها مجملة بين الهدي والنحر

1 . قرب الاسناد:107.
2 . بحارالأنوار:10/250.
3 . الوسائل:9، الباب58 من أبواب الطواف، الحديث5.

صفحه 341
(البدنة) كما أنّ الثانية تصرّح بمحل النحر.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر أورد في المقام بعض الروايات الّتي لا صلة لها بالمقام، نظير حسنة معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام): عن متمتّع وقع على أهله ولم يزر؟
قال: «ينحر جزوراً، وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه».1
وجه الاستدلال: أنّه بعمومه يشمل الناس، فإنّ الظاهر أنّ قوله(عليه السلام): «إن كان عالماً» قيد لثلم الحج، وانّ البأس المنفي (في الجاهل) هو السلب والإثم دون النحر الّذي هو ليس من البأس في شيء.2
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر أنّ قوله: «وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه» جملة معترضة، وتقدير الكلام هكذا: ينحر جزوراً (وقد خشيت أن يكون قد ثلم حجّه) إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً فلا بأس عليه فتكون الرواية مفصِّلة بين العالم والجاهل أوّلاً ثمّ لا صلة لها بالناسي ثانياً.
هذا وقد استدلّ من قال بعدم وجوب البدنة بأُمور:
1. ما رواه الصدوق في العلل عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) في المحرم يأتي أهله ناسياً، قال:«لا شيء عليه إنّما هو بمنزلة من أكل في شهر رمضان وهو ناس».3
2. ما رواه الصدوق في «الفقيه» مرسلاً، قال: قال الصادق (عليه السلام)ـ في حديث ـ:

1 . الوسائل:9، الباب90 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث1.
2 . الجواهر:19/385.
3 . الوسائل:9، الباب2 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث7.

صفحه 342
المسألة13. لو ترك طواف العمرة أو الزيارة جهلاً بالحكم ورجع يجب عليه بدنة وإعادة الحجّ.*
«إن جامعت وأنت محرم ـ إلى أن قال: ـ و إن كنت ناسياً أو ساهياً أو جاهلاً فلا شيء عليك».1
3. صحيح معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«اعلم أنّه ليس عليك فداء شيء أتيته وأنت محرم جاهلاً به إذا كنت محرماً في حجّك أو عمرتك إلاّ الصيد، فإنّ عليك الفداء بجهالة كان أو عمد».2
ثمّ إنّ المحقّق حمل ما يدلّ على وجوب البدنة لمن واقع بعد الذكر وقال: ويحمل القول الأوّل على من واقع بعد الذكر. وتبعه صاحب الجواهر وقال: كلّ ذلك مع عدم صراحة النصوص المزبورة (الطائفة الأُولى) الجماع حال النسيان لاحتمالها أو بعضها لوقوعها في حال الذكر.3 ومع ذلك فلا يترك الاحتياط بذبح الهدي أو نحره.
* الفرق بين هذه المسألة وما سبق واضح جدّاً، فإنّ الموضوع في المسألة السابقة هو ترك الطواف عن نسيان. وأمّا هذه المسألة فالموضوع ترك طواف العمرة أو ترك طواف الزيارة(في الحج) جهلاً بالحكم. فيجب في الأُولى إعادة الطواف والهدي، وفي الثانية إعادة الحج مع البدنة.
إذا علمت ذلك فلنذكر كلمات الفقهاء فيه:

1 . نفس المصدر: الحديث5.
2 . الوسائل:9، الباب31 من كفّارات الصيد، الحديث4.
3 . الجواهر:19/385.

صفحه 343
قال المحقّق: الطواف ركن من تركه عامداً بطل حجّه.1
وقال في «المسالك» بعد قول المحقّق: والجاهل هناك هو العامد.2
وقال في «المدارك» ـ بعد قول المحقّق ـ : وقد نصّ الشيخ وغيره على أنّ الجاهل كالعامد في هذا الحكم، وهو جيّد، وأوجب عليه الأكثر مع الإعادة، البدنة.3
هذا وقد حاول العلمان إدخال المورد في كلام المحقّق وانّ كلامه يعمّ صورة الترك عن جهل، فيكون المحقّق متعرضاً للفرع لا تاركاً له.
وقال يحيى بن سعيد: وإن ترك طواف الحجّ جهلاً ورجع إلى أهله أعاد الحجّ وعليه بدنة.4
وقال في «المستند»: من ترك طواف العمرة أو الحجّ فإمّا أن يكون عمداً أو جهلاً أو نسياناً، فإذا كان عمداً بطلت عمرته أو حجّه ووجبت عليه إعادة العمرة أو الحجّ ـ إلى أن قال: ـ وكذا إن كان جهلاً وفاقاً للأكثر.5
وقد سبق أنّ المراد من الركنية في الحجّ هو بطلانه بترك الطواف عمداً لا سهواً ونسياناً بخلاف الركن في الصلاة فإنّه بمعنى ما يبطل بتركه العمل مطلقاً عمداً أو سهواً. ومن المعلوم أنّ الجاهل داخل في العمد، لأنّه عامد أي قاصد للترك وإن كان منشؤه هو جهله بالحكم. ولذلك حكم عليه ببطلان عمله، بخلاف المسألة الأُولى لكون الناسي غير عامد.
وعلى كلّ تقدير فيدلّ على بطلان الحجّ ووجوب البدنة ما يلي:

1 . الشرائع:1/270.
2 . المسالك:1/349.
3 . المدارك:8/174.
4 . الجامع للشرائع:169.
5 . مستند الشيعة:11/222.

صفحه 344
1. صحيح علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة؟ قال: «إن كان على وجه جهالة في الحج أعاد وعليه بدنة».1
2. خبر علي بن أبي حمزة قال: سُئل عن رجل جهل أن يطوف بالبيت حتّى رجع إلى أهله؟ قال:«إن كان على وجه الجهالة أعاد الحجّ وعليه بدنة».
ورواه الصدوق إلاّ أنّه قال: سها أن يطوف.2
ثمّ إنّ مورد الرواية الأُولى هو ترك طواف الحج، فلا يعم ترك طواف العمرة. نعم الموضوع في الرواية الثانية هو ترك طواف البيت وهو يعم كلا الموردين، لكنّه خبر أوّلاً، ونقله الصدوق بصورة أُخرى ثانياً.
ومع ذلك فالحكم ببطلان العمرة أو الحجّ على وفق القاعدة وإن لم يرد فيه نص، لأنّه مقتضى جزئية الطواف في العمرة، ومن المعلوم أنّ ترك الجزء عمداً وجهلاً موجب للبطلان فلا يحتاج إلى دليل آخر.
نعم يبقى الكلام في وجوب الفدية على من ترك طواف العمرة جهلاً بالحكم فإنّه على خلاف القاعدة، لا يثبت إلاّ بدليل خاص، وقد عرفت أنّ مورد الصحيحة هو ترك طواف الحجّ، وعلى ذلك يجب التفصيل بين البطلان ووجوب الفدية، فترك الطواف يوجب البطلان من غير فرق بين طواف العمرة والحجّ، وأمّا وجوب الفدية فيختصّ بترك طواف الحجّ.
وهذا أيضاً هو الظاهر من المحقّق الخوئي في مناسكه حيث قال: إذا ترك الطواف في عمرة التمتّع عمداً مع العلم بالحكم أو مع الجهل به ـ ولم يتمكّن من

1 . الوسائل:9، الباب56 من أبواب الطواف، الحديث1.
2 . الوسائل:9، الباب56 من أبواب الطواف، الحديث2.

صفحه 345
التدارك قبل الوقوف بعرفات ـ بطلت عمرته وعليه إعادة الحجّ من قابل. وإذا ترك الطواف في الحجّ متعمّداً ولم يمكنه التدارك بطل حجّه ولزمته الإعادة من قابل، وإذا كان ذلك من جهة الجهل بالحكم لزمته كفّارة بدنة أيضاً.1
ثمّ إنّ الترك يتحقّق بالتأخير إلى زمان لا يمكنه إدراك الركن من الوقوف بعرفات، وقد مرّ أنّ إدراك الوقوف بعرفات ولو آناً ، يكفي في تحقّق الركنية وصحة الحجّ.
ثمّ إذا فسدت عمرته، فهل يبطل إحرامه ولا يحتاج في تحلّله إلى محلّل، أو يستمر في عمله ويحجّ ويعيد في العام القابل؟ والثاني هو الظاهر من المحقّق الكركي.2
وأمّا الأوّل فهو خيرة المحقّق الخوئي فقال: بأنّه لا حاجة إلى المحلّل بعد فساد النسك بتعمّد ترك الطواف ضرورة بطلان الإحرام الّذي هو جزء من العمرة ببطلان الطواف وفساده، فإنّ الإحرام إنّما يكون جزءاً للنسك إذا لحقته بقية الأجزاء، فلو انقطع ولم يأت ببقية الأعمال على وجهها يكشف عن أنّ الجزء الأوّل لم يكن بواجب، كما هو الحال في تكبيرة الإحرام إذا لم يأت ببقية الأجزاء.
وظاهر كلامه عدم لزوم الاستمرار في العمل، ولكن احتاط استحباباً بالعدول إلى الإفراد، للروايات الواردة في من لم يدرك العمرة من غير اختيار، وبما أنّ موردها الترك من غير اختيار، أضاف بأنّه لا يصلح الاعتماد عليها جزماً ولكن يصلح احتمالاً.3

1 . المعتمد:5/19.
2 . جامع المقاصد:3/201.
3 . المعتمد:5/3ـ4.

صفحه 346
وقد تقدّم نظير ذلك من المصنّف فيما إذا جامع في عمرة التمتع قبل السعي، فأفتى فيها بصحّة عمرته، ثمّ احتاط بأنّه يتمّ العمل ثم يستأنف قبل السعي، ولو ضاق الوقت حجّ إفراداً وأتى بعده بعمرة مفردة، وأحوط من ذلك إعادة الحجّ من قابل.1
ولكن الظاهر هو الاستمرار في العمل ولزوم الإتيان بالمحلّل، أعني: التقصير، ثمّ الإحرام للحج، بنيّة التمتع، وذلك لوجود الفرق بين فساد الصلاة وفساد الحجّ، فإنّ فساد الأُولى يوجب بطلان العمل وقطعه، بخلاف الثاني فإنّه يوجب الإعادة فقط، مع لزوم استمرار العمل كما هو الحال في من جامع في إحرام الحجّ قال المحقّق: من جامع زوجته محرماً في الفرج قبلاً أو دبراً، عامداً عالماً بالتحريم، فسد حجّه، وعليه إتمامه وبدنة والحجّ من قابل.2 ولعلّ الأحوط هو الاستمرار في العمل.

1 . لاحظ الجزء الثالث من هذه الموسوعة:76.
2 . لاحظ الجزء الثالث من هذه الموسوعة:101.

صفحه 347
الفصل الثاني والعشرون
في المبيت بمنى

صفحه 348

صفحه 349

الفصل الثاني والعشرون

في المبيت بمنى

المسألة1. إذا قضى مناسكه بمكة يجب عليه العود إلى منى للمبيت بها ليلتي الحادي عشر والثاني عشر، والواجب (البيتوتة) من الغروب إلى نصف الليل.*
* في المسألة فروع:
1. وجوب البيتوتة بمنى.
2. كفاية البيتوتة في ليلتي الحادي عشر و الثاني عشر.
3. تعيّن البيتوتة من الغروب إلى نصف الليل أو كفايته.
وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: وجوب البيتوتة

المشهور ـ بل كاد أن يكون موضع اتّفاق ـ وجوب البيتوتة في منى ليلتين أو ثلاث ليالي على التفصيل الآتي في مسائل هذا الفصل.
قال العلاّمة: فإذا قضى الحاج مناسكه بمكّة من طواف الزيارة والسعي وطواف النساء، وجب عليه العود يوم النحر إلى منى، والمبيت بها ليالي التشريق

صفحه 350
وهي: ليلة الحادي عشر و الثاني والثالث عشر. قال ]به [علماؤنا أجمع، وبه قال عطاء، وعروة، وإبراهيم، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين; وفي الأُخرى أنّه مستحب ليس بواجب، وبه قال الحسن البصري.1
وقال في «المدارك»: وهذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب... إلى أن قال: ووافقنا عليه أكثر العامّة، والأصل فيه ما روي عن ابن عباس أنّه قال: لم يرخّص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لأحد أن يبيت بمكة إلاّ العباس لأجل سقايته.2 وذهب الشيخ في «التبيان» إلى استحباب المبيت.3
والأصل في ذلك قوله سبحانه: (وَاذْكُرُوا اللّهَ فِى أَيَّام مَعْدُودات فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).4
قال الطبرسي في «المجمع»: هذا أمر من اللّه للمكلّفين أن يذكروه في أيام معدودات، وهي أيّام التشريق ثلاثة أيّام بعد الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق. والأفضل أن يقيم إلى النفر الأخير، وهو الثالث من التشريق.5
ودلالة الآية على البيتوتة مبني على إرادة الأيام والليالي من قوله:(فِي أَيّام مَعْدُودات)، وأمّا ما هو محل الذكر، فلم يذكر في الآية وإنّما يعلم من القرائن والسيرة.

1 . منتهى المطلب:11/371.
2 . المدارك:8/222. ولاحظ: الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث21.
3 . التبيان:2/154.
4 . البقرة:203.
5 . مجمع البيان:1/299.

صفحه 351
ويدلّ على وجوب البيتوتة روايات:
1. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا فرغت من طوافك للحجّ وطواف النساء فلا تبيت إلاّ بمنى، إلاّ أن يكون شغلك في نسكك، وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تبيت في غير منى».1
ثمّ إنّ تقييد وجوب البيتوتة في منى بالفراغ عن الطوافين في الرواية ليس بمعنى كونه مشروطاً به ضرورة أنّ من قال به يقول به مطلقاً، سواء أقضى مناسكه بمكة أم لا، بل هو بمعنى دفع ما ربّما يتوهّم الإنسان من أنّ مناسك مكة نهاية الأعمال فخوطب بأنّه إذا قضى مناسكه يجب عليه العود إلى منى لإتيان أعمالها، وقد تبع المحقّق النصَ في الشرائع حيث قال: فإذا قضى الحاج مناسكه بمكة من طواف الزيارة والسعي وطواف النساء فالواجب عليه العود إلى منى للمبيت بها2، وتبعه المصنّف أيضاً في المتن.
2. صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه قال في الزيارة:«إذا خرجت من منى قبل غروب الشمس فلا تصبح إلاّ بمنى».3 سواء أفسّرت الزيارة بالطواف الواجب أو المندوب.
3. ما رواه الصدوق، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال:«إذا خرجت من منى قبل غروب الشمس فلا تصبح إلاّ بها».4
4. ما رواه العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الزيارة من

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث1.
2 . الشرائع:1/234.
3 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث3.
4 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث19.

صفحه 352
منى؟ قال: «إن زار بالنهار أو عشاءً فلا ينفجر الصبح إلاّ وهو بمنى، وإن زار بعد نصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة».1 والرواية تدلّ على التخيير بين الإصباح في منى، وبين بيتوتة النصف الأوّل من الليل، وسيوافيك الكلام عن مقدار البيتوتة في الفرع التالي.
وأمّا ما رواه سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): فاتتني ليلة المبيت بمنى من شغل، فقال:«لا بأس».2 وهو محمول على ما إذا شغلته العبادة في المسجد الحرام.
ويدلّ على الوجوب أيضاً أمران:

أ. استئذان العباس من النبي أن يبيت بمكة

5. روى مالك بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّ العباس استأذن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يبيت بمكة ليالي منى، فأذن له رسول اللّه من أجل سقاية الحاج.3 ولولا وجوب البيتوتة، لما كان للاستئذان وجه، وإذنُ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يكشف عن جواز البيتوتة بمكة إذا كانت الغاية أمراً مهماً.

ب. ترتب الكفّارة على ترك البيتوتة

6. ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه(عليه السلام) عن رجل بات بمكة في ليالي منى، قال:«إن كان أتاها نهاراً فبات فيها حتّى أصبح فعليه دم يهريقه».4

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث4.
2 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث12.
3 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث21.
4 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث2.

صفحه 353
7. صحيح صفوان، عن أبي الحسن(عليه السلام): سألني بعضهم عن رجل بات ليالي منى بمكة، فقلت: لا أدري. فقلت له: جعلت فداك ما تقول فيها؟ فقال(عليه السلام):«عليه دم شاة إذا بات».1

الفرع الثاني: كفاية البيتوتة في الليلة الحادية عشرة والثانية عشرة

اتّفق الأصحاب على كفاية البيتوتة في ليلتين: الحادية عشرة والثانية عشرة ويدلّ عليه:
أوّلاً: قوله سبحانه:(فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ)... وسيوافيك من أنّه يجوز النفر يوم الثاني عشر بعد الزوال إذا اجتنب الصيد والنساء، وأمّا إذا لم يجتنب فيجوز له النفر في اليوم الثالث عشر بعد البيتوتة في ليلتها.
وثانياً: صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إذا أردت أن تنفر في يومين، فليس لك أن تنفر حتّى تزول الشمس».2

الفرع الثالث: تعيّن النصف من الليل أو كفايته

لا يجب استيعاب الليل بالبيتوتة ويكفي النصف منه، تعيّناً أو تخييراً.
قال الشيخ: وإن خرج من منى بعد نصف الليل جاز له أن يبيت بغير منى.3
وقال المحقّق: فلو بات بغيرها كان عليه عن كلّ شاة، إلاّ أن يبيت بمكة

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث5.
2 . الوسائل:10، الباب9 من أبواب العود إلى منى، الحديث3.
3 . النهاية:265.

صفحه 354
مشتغلاً بالعبادة أو يخرج من منى بعد منتصف الليل.1
والمسألة مورد اتّفاق إنّما الكلام في تعيّن النصف الأوّل، أو كونه مخيّراً بين أحد النصفين. والأوّل هو خيرة المصنف، ولذلك قال: والواجب هو البيتوتة من الغروب إلى نصف الليل. وعلى ذلك بنى قوله في المسألة الرابعة:«من لم يكن في منى أوّل الليل بلا عذر يجب عليه الرجوع قبل نصفه» و ما هذا إلاّ لأجل تعيّن النصف الأوّل عنده.
وقد قيل: إنّ هذا القول هو ظاهر الأصحاب حيث أوجبوا عليه الكون بها قبل الغروب إلى النصف الثاني.2
وبه صرح الشهيد في مسالكه وقال في مسألة (من بات بمكة مشتغلاً بالعبادة): ويحتمل كون القدر الواجب منها ] في مكة [ما كان يجب بمنى، وهو أن يتجاوز نصف الليل.3 أي يكفي الاشتغال بالعبادة في المسجد الحرام بمقدار نصف الليل، لأنّه الواجب لا الزائد عليه.
غير أنّ الظاهر من بعض القدماء كون الواجب أحد النصفين على وجه التخيير.
قال أبو الصلاح الحلبي: ويجوز الخروج منها للبائت بها بعد مضي النصف الأوّل من الليل، والتصبّح بها أفضل، وإذا عاد إليها قبل أن يمضي النصف الأوّل فهو بائت بها.4 والتقييد بـ «قبل أن يمضي» لأجل العلم بأنّه أدرك النصف الثاني

1 . الشرائع:1/275.
2 . رياض المسائل:7/120.
3 . مسالك الأفهام:2/364.
4 . الكافي:198.

صفحه 355
حقيقة لا أنّه دخيل في الواجب.
وهو أيضاً خيرة صاحب الرياض1، والمحقّق الخوئي على ما في محاضراته، قال: الظاهر الاكتفاء بالمبيت بأحد النصفين، وتساوي النصفين في تحصيل الامتثال.2
أقول: إنّ الروايات الواردة في المقام على أقسام خمسة:

القسم الأوّل: وجوب استيعاب الليل إلى طلوع الفجر

وهو ما رواه أبو الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الدلجة إلى مكة أيّام منى وأنا أُريد أن أزور البيت؟ فقال:«لا، حتى ينشق الفجر».3

القسم الثاني: ما يدلّ على كفاية النصف الأوّل

ويدلّ عليه الروايات التالية:
1. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«إذا فرغت من طوافك للحج وطواف النساء فلا تبيت إلاّ بمنى، إلاّ أن يكون شغلك في نُسكك، وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تبيت في غير منى».4
2. ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل بات بمكة حتّى أصبح في ليالي منى؟ فقال: إن كان أتاها نهاراً فبات حتّى أصبح فعليه دم

1 . رياض المسائل:7/120.
2 . المعتمد:5/36.
3 . الوسائل:10 ، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث11.
4 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث1.

صفحه 356
شاة يهريقه، وإن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكّة فليس عليه شيء».1
فالذيل ظاهر في الاكتفاء بالنصف الأوّل وعدم لزوم الاستيعاب، وأمّا التعيّن فلا.
3. رواية عبد الغفار الطائي الجازي2 قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل خرج من منى يريد البيت قبل نصف الليل فأصبح بمكة؟ قال: «لا يصلح له حتّى يتصدّق بها صدقة أو يهريق دماً، فإن خرج من منى بعد نصف الليل لم يضره شيء».3

القسم الثالث: ما يدلّ على كفاية الإصباح بمنى

وهي الروايات التالية:
1. ما رواه الصدوق، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال:«إذا خرجت من منى قبل غروب الشمس فلا تصبح إلاّ بها».4
2. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) أنّه قال: إذا خرجت من منى قبل غروب الشمس فلا تصبح إلاّ بمنى».5
3. ما رواه صفوان قال: قال أبو الحسن(عليه السلام): سألني بعضهم عن رجل بات

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث 23.
2 . وثّقه النجاشي في رجاله: 1/64 برقم 648.
3 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث14.
4 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث19.
5 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث3.

صفحه 357
ليالي منى بمكّة؟ فقلت: لا أدري، فقلت له: جُعلت فداك، ما تقول فيها؟ فقال (عليه السلام):«عليه دم شاة إذا بات»، فقلت: إن كان إنّما حبسه شأنه الّذي كان فيه من طوافه وسعيه لم يكن لنوم ولا لذّة، أعليه مثل ما على هذا؟ قال:« ما هذا بمنزلة هذا، وما أُحب أن ينشق له الفجر إلاّ وهو بمنى».1
فقوله:«ما أحب» ليس ظاهر في الاستحباب، لما مرّ من أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)يستعملون هذه الكلمة ونظائرها في الحرمة والوجوب.

القسم الرابع: ما يدلّ على التخيير بين النصف الأوّل والإصباح في النصف الثاني

1. ما رواه العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الزيارة من منى؟ قال (عليه السلام):«إن زار بالنهار أو عشاءً فلا ينفجر الصبح إلاّ وهو بمنى، وإن زار بعد نصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة».2
والرواية تدلّ على تردّد الموضوع بين من غاب أوّل الليل فيتعيّن عليه أن يكون بمنى عند انفجار الصبح، وبين من زار بعد نصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن يتفجّر عليه الصبح وهو بمكة، ومعنى ذلك التخيير بين تمام النصف الأوّل والإصباح في النصف الثاني.

القسم الخامس: ما يدلّ على التخيير بين النصفين

1. ما رواه جعفر بن ناجية، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال:»إذا خرج الرجل

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث5.
2 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث4.

صفحه 358
من منى أوّل الليل فلا ينتصف له الليل إلاّ وهو بمنى، وإذا خرج بعد نصف الليل فلا بأس أن يصبح بغيرها».1
وهذه الرواية تدلّ على التخيير بين من لم يكن أوّل الليل بمنى فيجب عليه التواجد بمنى قبل انتصاف الليل، وبين من خرج بعد نصف الليل.
2. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:«لا تبت ليالي التشريق إلاّ بمنى، فإن بتّ في غيرها فعليك دم، فإن خرجت أوّل الليل فلا ينتصف الليل إلاّ وأنت في منى، إلاّ أن يكون شغلك نسكك أو قد خرجت من مكة، وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تصبح في غيرها».2
ومقتضى الأخيرين لزوم التواجد في مجموع النصف الأخير على خلاف القسم الرابع حيث يدلّ على كفاية الإصباح.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ مقتضى القسم الأوّل يدلّ على وجوب استيعاب الليل فيحمل على الاستحباب، لوضوح دلالة سائر الأقسام على كفاية أحد النصفين.
ويدلّ القسم الثاني على كفاية النصف الأوّل.
والقسم الثالث يدلّ على كفاية الإصباح بمنى.
والقسم الرابع يدلّ على التخيير بين النصف الأوّل، والإصباح في النصف الثاني.
والقسم الخامس يدلّ على التخيير بين النصفين على وجه الاستيعاب،

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث20. وجعفر بن ناجية ممّن يروي عنه من لا يروي إلاّ عن ثقة كجعفر بن بشر.
2 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العود إلى منى، الحديث8.

صفحه 359
المسألة2. يجب المبيت ليلة الثالثة عشرة إلى نصفها على طوائف: منهم مَن لم يتقّ الصيد في إحرامه للحجّ أو العمرة، والأحوط لمن أخذ الصيد ولم يقتله، المبيت، ولو لم يتّق غيرهما من محرمات الصيد كأكل اللحم والإراءة والإشارة وغيرها لم يجب، ومنهم من لم يتق النساء في إحرامه للحج أو العمرة وطأ دبراً أو قبلاً، أهلاً له أو أجنبية، ولا يجب في غير الوطء كالتقبيل واللّمس ونحوهما، ومنهم من لم يفض من منى يوم الثاني عشر وأدرك غروب الثالث عشر.*
فالأولى هو الأخذ بهذا القسم.
فتكون النتيجة التخيير بين النصفين لا بين النصف الأوّل و الإصباح في النصف الثاني، إلاّ أن يحمل ما يدلّ على استيعاب كلّ من النصفين على الاستحباب بقرينة ما د