welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : تفسير السور المسبّحات الخمس*
تألیف :آيت الله العظمي سبحانی*

تفسير السور المسبّحات الخمس

صفحه 1
   
    تفسير السور المسبّحات الخمس

صفحه 2
«أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يقرأ بالمسبّحات قبل أن يرقد ويقول: إنّ فيهن
آية أفضل من ألف آية».


صفحه 3
تفسير السور المسبحات
الخمس

صفحه 4

صفحه 5
تفسير
السور المسبّحات الخمس
الحديد، الحشر، الصف، الجمعة، التغابن
ويليها تفسير سورة الممتحنة
تأليف
العلاّمة الفقيه
آية الله العظمى جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
    العلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني، 1347ق. ـ
تفسير السور المسبّحات الخمس / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)1432 ق. = 1389
7 ـ 469ـ357 ـ964ـ978ISBN:
أُنجز الفهرس طبقاً لمعلومات فيبا:
1. تفاسير الشيعة ـ ـ قرن الرابع . ألف. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام). ب. العنوان.
1389 7ت 2س/ 102BP   179/297
اسم الكتاب:    تفسير السور المسبّحات الخمس
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
التاريخ:    1432هـ . ق
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
      تسلسل النشر:631                  تسلسل الطبعة الأُولى:372
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir

صفحه 7
m
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه ورسله محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أمّا بعد:
فإنّ المسبّحات هي السور الّتي افتتحها الباري سبحانه بالتسبيح، تارة بصيغة الماضي، كما في الحديد والحشر والصف، وأُخرى بصيغة المضارع، كما في الجمعة والتغابن.
فالتعبير الأوّل يدلّ على وجود التسبيح في الزمن الماضي، والتعبير الثاني يدلّ على استمراره في المستقبل، وبكلا التعبيرين ثبت وجود التسبيح في عامّة الأزمنة بلا انقطاع. وبالتالي دلّ على أنّ تنزيهه تعالى أمر مفروض أمر به عباده في الماضي والحاضر والمستقبل، وذكر أسباب تسبيحه وتنزيهه في الآيات المتضمنة له.
وقد روى العرباض بن سارية أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يقرأ بالمسبّحات قبل أن

صفحه 8
يرقد ويقول: إنّ فيهن آية أفضل من ألف آية .1
وقد اخترنا تفسير هذه السور الخمس لوجود هذا العامل المشترك بينها، وقمنا بإلقائه على فضلاء الحوزة العلمية في شهور رمضان عبر سنين.
أرجو من الله سبحانه أن يحفظنا من الزلل في تفسير كلامه وتبيين مراده، وأن يعصمنا من التفسير بالرأي والقول بغير علم، بمنّه وكرمه .
ويقع الكلام في هذا التفسير وفقاً لترتيب السور المذكورة في المصحف الكريم:
الحديد، ثم الحشر، ثم الصف، ثم الجمعة، فالتغابن.
وختمنا تفسير هذه السور بتفسير سورة الممتحنة، لكي يكون ختامه المسك.
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
قم المشرفة
24 صفرالمظفر 1432هـ

1 . سنن ابن أبي داود: 2 / 488 برقم 5057، باب ما يقال عند النوم; سنن الترمذي: 4 / 253 برقم 3089، الباب 21 من أبواب فضائل القرآن; مجمع البيان: 9 / 345; نور الثقلين: 5 / 231 .

صفحه 9
   
 
السورة الأُولى
سورة الحديد
وهي مدنية، وآياتها تسع وعشرون

صفحه 10

صفحه 11

سورة الحديد

وجه التسمية

سمّيت هذه السورة بسورة الحديد لقوله سبحانه فيها:(وأنْزَلْنا الحَديدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيد).1
نعم ورد لفظ الحديد في سورة الكهف أيضاً، قال سبحانه حاكياً عن ذي القرنين:(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيد)2 ، ومع ذلك لم تسمّ به، وإنّما سمّيت بالكهف لأنّه سبحانه ركّز على قصة أصحاب الكهف وذكرها بتفصيل، فصار ذلك سببـاً لتسميـة السورة بها، وأمّا الحديد فقد جاء فيها بصورة عابرة حيث طلب ذي القـرنين أن يأتوا له بزبـر الحديد حتى يعمل السد; بخلاف سورة الحديد فقد ذكر سبحانه الحديد بما أنّه نعمة من نعم الله التي أنزلها الله على عباده، وأنّ فيه بأساً شديداً ومنافع للناس، فصار ذلك سبباً لتسمية السورة به.

السورة مدنية

والظاهر أنّ السورة مدنية بشهادة أكثر آياتها، منها قوله سبحانه:(لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْل الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الذِينَ أنْفَقُوا

1. الحديد:25.
2 . الكهف:97.

صفحه 12
مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا).1
نعم لا يبعد أن تكون الآيات الست التي صدّر بها السورة، مكّية، لأنّ مضامينها أكثر انطباقاً على مضامين السور المكية.

أغراض السورة

تهدف هذه السورة إلى عرض أُمور:
الأوّل: تذكّر جلال الله سبحانه وصفاته وأفعاله وعموم علمه وسعة ملكه، وهذا هو الذي تضمّنته الآيات الست في صدر السورة.
سورة الحديد..فضل السورة   
الثاني: حثّ المؤمنين على الإنفاق في سبيل الله، وأنّهم وكلاء الله في الأرض والمال مال الله، وأنّ هذا العمل يستتبع مغفرة الذنوب، ونزول الرحمة من الله سبحانه.
الثالث: بيان حال المؤمنين والمنافقين يوم القيامة، وأنّ الطائفة الأُولى يشعّ نورهم بين أيديهم ويبشّرون بالجنة، والطائفة الثانية يقبعون في ظلمات الأهواء والحيرة والضلال.
الرابع: تصوّر الحياة الدنيا بـ : «نبات» تُعجب الزارّع بهجتُه وطراوته، لكن سرعان ما يهيج ويصير مصفرّاً ثم حطاماً.
الخامس: تتحدّث عن الرهبانية وأنّها لم تكتب عليهم.

فضل السورة

روى الكليني بسند صحيح قال: سُئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن

1 . الحديد:10.

صفحه 13
التوحيد؟ فقال: «إنّ الله عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى: (قل هو الله أحد) والآيات من سورة الحديد إلى قوله:(عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)1، فمن رام وراء ذلك فقد هلك».2
وأخرج ابن النجّار في «تاريخ بغداد» عن البرّاء بن عازب قال: قلت لعلي(عليه السلام): يا أمير المؤمنين أسألك بالله ورسوله إلاّ خصصتني بأعظم ما خصّك به رسول الله(صلى الله عليه وآله) واختصّه به جبرئيل، وأرسل به الرحمن; فقال: «إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ في أوّل سورة الحديد إلى آخر ست آيات منها (عليم بذات الصدور)، وآخر سورة الحشر يعني أربع آيات، ثم ارفع يديك فقل: يا من هو هكذا أسألك بحق هذه الأسماء أن تصلّي على محمد وأن تفعل بي كذا وكذا ممّا تريد، فوالله الذي لا إله غيره لتنقلبنّ بحاجتك إن شاء الله».3
ثمّ إنّ هذه السورة جزء من السور المسبّحة، وهي خمس سور: سورة الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن; فقد بدئ فيها بـ«سبّح لله»، أو «يسبّح لله».
روى الطبرسي في المجمع عن أُبيّ بن كعب أنّ النبي كان يقرأ المسبّحات قبل أن يرقد
ويقول: «إنّ فيهنّ آية أفضل من ألف آية».4

1 . الحديد:6.
2 . نور الثقلين:5/231، ح5.
3 . الدر المنثور:8/49.
4 . مجمع البيان:9/345; نورالثقلين:5/231. ومرّ سائر مصادره.

صفحه 14
سورة الحديد...تفسير البسملة   
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )
وها هنا مباحث:

1. البسملة جزء من السورة

إنّ البسملة جزء من سورة الحمد الّتي تبلغ آياتها سبع آيات، وهذا أمر اتّفق عليه المسلمون في سورة الحمد; وأمّا في غيرها، فالإمامية على أنّها جزء من كلّ سورة وهي الآية الأُولى منها، خلافاً لأكثر الجمهور حيث لا يعتبرونها آية من كلّ سورة، ويصفون الآية المتأخّرة عنها بأنّها هي الآية الأُولى، ولذلك يختلف عدد آيات السور وأرقامها وفقاً لهذين القولين.
وقد ورد في بعض الروايات قول الإمام الصادق (عليه السلام) : «قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم».1

2. تفسير الباء

الباء في قوله «بسم الله» للاستعانة، مثل قولك: كتبت بالقلم. وكأنّ المؤمن يستعين باسم الله الّذي هو جامع للأسماء. ويشهد على ذلك قوله سبحانه في ثنايا سورة الحمد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، ويؤيده أيضاً قول

1 . مجمع البيان: 1 / 19 عند تفسير البسملة لسورة الحمد .

صفحه 15
النبي(صلى الله عليه وآله): «كلّ أمر ذي بال لم يبتدأ ببسم الله فهو أبتر».1
وجه الدلالة: أنّ المؤمن الواعي الّذي ينظر بعين المعرفة، يعلم أنّ لكلّ شيء أسباباً وعللاً، فهو يهيِّئها وعندما يبدأ بالعمل يستفتحه بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أي أستعين باسمك في إنجاز عملي باستعمال هذه المقدّمات والأسباب للحصول على مرادي .

3. سبب حذف الهمزة عند الكتابة

قد دخل حرف الجر على الاسم، والهمزة فيه همزة وصل تسقط عند التلفّظ، ولكنّها تكتب شأن كلّ همزة وصل; فعلى ذلك يجب أن تكتب بالنحو التالي: باسم الله الرحمن الرحيم كما هو الحال في قوله: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ)2، وقوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)3 .
ولذلك نرى أنّ الأُدباء يكتبون البسملة عند تجرّدها عن الرحمن الرحيم بالنحو التالي: «باسمه تعالى»، وأمّا غيرهم فيكتبون «بسمه تعالى»، فالتلفّظ عند الفريقين واحد، والإملاء مختلف.
وقد اعتذر عن حذف الألف عند الكتابة في التسمية بوجهين:
الأوّل: أنّ كثرة استعمال تلك الآية المباركة فوق كلّ رسالة وبداية كلّ عمل، صار سبباً لحذف الهمزة كتابة مثل حذفها تلفّظاً، ولذلك نرى أنّ سليمان (عليه السلام)كتب إلى بلقيس ملكة سبأ بالنحو التالي: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ

1. وسائل الشيعة:7، الباب17 من أبواب الذكر، الحديث4; كنز العمال:1/555 برقم 2491.
2 . العلق: 1 .
3 . الواقعة: 74 .

صفحه 16
اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)1.
الثاني: أنّه لو كان متعلّق الجار مذكوراً تكتب الهمزة، كما في قوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) 2، وقوله (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)3; حيث إنّ الجار متعلّق بـ «سبّح» أو «إقرأ» .
وأمّا إذا كان متعلّق الجار محذوفاً، كما في المقام، فتحذف الهمزة تلفّظاً وكتابة. والمفروض أنّ الجار في الآية متعلّق بالمحذوف، نحو: أستعين، وأشباهه.

4. كيف نستعين بالاسم لا بالذات

هنا سؤال وهو: كيف نستعين باسم الله ، مع أنّ المستعان هو الله سبحانه لا اسمه، فيجب على كلّ مسلم أن يلتجئ إليه لا إلى اسمه، كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )4، فالمسؤول هو ذاته لا اسمه؟
ربّما يقال في الجواب عن ذلك: أنّ لفظة اسم زائدة، فكأنّ القارئ يقول: بالله أستعين، مكان: باسم الله استعين.
يلاحظ عليه: أنّ القول باشتمال القرآن على الحروف الزائدة أمر غير صحيح حتّى في قوله سبحانه: (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) 5 ـ كما حقّق في

1 . النمل: 30 .
2 . الواقعة: 96 .
3 . العلق: 1 .
4 . البقرة: 186 .
5 . البلد: 1 .

صفحه 17
محله ـ،1 فكيف القول باشتماله على كلمة زائدة وهي «اسم»؟!
ويمكن أن يجاب بأنّ الاسم على قسمين:
1. علَم للشخص إذا أُطلق ينتقل الذهن منه إلى المسمّى الخارجي دون أن يدلّ على أمر زائد. مثلاً إذا سُمّي رجل باسم حسن أو جميل، فإذا أُطلق يتبادر منه نفس المسمّى، سواء أكان حسناً، جميلاً أم لا. والغاية كون الاسم سبباً للانتقال إلى الفرد الخارجي.
2. علَم للشخص وفي الوقت نفسه بمنزلة الوصف الّذي يحكي عن صفات الجمال والجلال، لأنّه لم يوضع للذات فقط بل للذات الجامعة للصفات العليا، فإذا قلنا (باسم) الله فكأنّا قلنا: باسم العالِم القادر السميع البصير، إلى غير ذلك من الصفات العالية، فهذا النوع من الاسم الّذي هو الوصف الحاكي عن صفات الجلال والجمال، قابل للاستعانة به; لأنّ الاستعانة به، كأنّها استعانة بالذات، فكأنّ الإنسان يستعين بالموصوف بصفات الجلال والجمال.
وبالجملة الاسم بالمعنى الأوّل علَم محض لا دور له سوى إحضار المسمى في ذهن المخاطب.
وبالمعنى الثاني اسم، لكنّه في الوقت نفسه لا يفتقد معنى الوصفية، ولذلك يحكي عن الصفات الجمالية والجلالية المندرجة تحت ذلك الوصف. فالاستعانة بهذا الاسم استعانة بذاته تبارك وتعالى.
نعم: السؤال والجواب متعلّقان بما إذا قلنا بأنّ الباء للاستعانة والمتعلّق

1 . راجع: آلاء الرحمن في تفسير القرآن للعلاّمة البلاغي: 1 / 38 ـ 39، طبعة صيدا.

صفحه 18
هو «أستعين» دون ما إذا كان الجارّ متعلقّ بـ (أبتدئ)، وتقدير الكلام: أبتدئ قراءتي بتسمية الله أو أقرأ مبتدئاً بتسمية الله، قال الطبرسي: هذا القول أقرب للصواب، لأنّا أُمرنا أن نفتتح أُمورنا بتسمية الله كما أُمرنا بالتسمية على الأكل والشرب والذبائح، ألا ترى أنّ الذابح إذا قال: بالله، ولم يقل: باسم الله، لكان مخالفاً لما أُمر به.1
فالمؤمن في كلّ حال يذكر الله سبحانه بخلاف المنافق، قال سبحانه: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)2 .

5. معنى «الإله» في الذكر الحكيم

المشهور أنّ «الله» أصله «إله» فحذفت همزته وأُدخل عليه الألف واللام، فخُصّ بالباري، ولتخصُّصه به قال تعالى: (رَبُّ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)3 .
والمهم هنا، هو تفسير لفظ الإله، وتبيين معناه، وقد فُسّر بوجوه سبعة، إليك بيانها:
1. مشتق من الأُلوهية التي هي العبادة، فإن التألّه، هو التعبّد. يقال: فلان متألّه، أي متعبِّد، قال رؤبة :
لله درّ الغانيات المُدّهِ4 *** لمّا رأين حليي المُموَّهِ
سبّحن واسترجعن من تألّهي

1 . مجمع البيان: 1 / 21 .
2 . الحشر: 19 .
3 . مريم: 65 .
4 . المُدَّه، جمع مادِه، وهو المادح .

صفحه 19
أي من تعبّدي. ويقال: ألِه الله فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عبده عبادة 1. فعلى هذا يكون معناه: الّذي يحقّ له العبادة .
2. مشتق من الوله وهو التحيّر، يقال: أَله يأله إذا تحيّر.
3. مشتق من قولهم: ألَهْتُ إلى فلان أي فَزِعتُ إليه ، لأنّ الخلق يألهون إليه، أي يفزعون إليه في حوائجهم.
4. مشتق من ألهِتُ إليه أي سكنت إليه، لأنّ الخلق يسكنون إلى ذكره .
5. مشتق من لاه أي احتجب. والمعنى أنّه سبحانه المحتجب بالكيفية عن الأوهام، الظاهر بالدلائل والأعلام.2
6. مشتقّ من ألِه الفصيل إذا ولع بأُمّه. والظاهر أنّه يرجع إلى التفسير الثالث، أي أنّه مشتق من أَلَهَ بمعنى «فزع».
7. مشتق من «لاه» إذا ارتفع، والله سبحانه وتعالى هو المرتفع عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات.3
والحق أنّه لا صلة لهذه المعاني لما وضع له لفظ «إله» وإنّما هي من لوازم المعنى، لا نفسه ولا جزءه بل لازماً له; لأنّ من كان إلهاً ـ بالمعنى الّذي نذكره ـ للعالمين، يُعبد وتتحيّر العقول في درك كنهه، وتسكن إليه النفس ويُحتحب عن الأوهام وإن كان وجوده ظاهراً بالدلائل والبرهان.

1 . التبيان في تفسير القرآن: 1 / 28 .
2 . مجمع البيان: 1 / 19 .
3 . تفسير الرازي: 1 / 158 ـ 161 .

صفحه 20

ما هو المختار؟

إنّ لفظ الجلالة وما يعادله في عامّة اللغات موضوع لما يتبادر في عامّة الأذهان بصورة إجمالية من كونه مصدر الخلق والكون الّذي يعبّر عنه في لسان الحكماء والمتكلّمين بواجب الوجود، أو الذات الجامعة لصفات الجمال والجلال، إلى غير ذلك من الكلمات الّتي هي تعبير تفصيلي لما هو المتبادر عند عامّة الشعوب.
ثمّ إنّ الوثنيين اخترعوا لله سبحانه أنداداً وأشباهاً على درجات مختلفة من الكمال والجمال، وتفويض الأُمور إليهم، وإن كانت هي مجرّد أسماء ليس لها من الأُلوهية شيء سوى الاسم، يقول سبحانه : (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان)1.
فإذا حاول العرب أن يشيروا إلى هذه الآلهة المزعومة مع ما لها من درجات ومراتب مختلفة من القرب والبعد عن الله سبحانه يطلقون عليها لفظ الآلهة، وعلى هذا فلفظ الجلالة علم لمصداق كامل لمفهوم الإله، ولكن لفظ الإله موضوع لمعنى كلّي يشمله وسائر الآلهة المزعومة الّتي ليست على درجة واحدة من الكمال والجمال. فربما يكون إلهاً ولا يكون خالقاً ورازقاً، بل يكفي في كونه معزّاً أو ناصراً أو غافراً للذنوب أو مفوّضاً له شيء من أفعاله سبحانه.
وليس من البعيد أنّ لفظ (إله) مأخوذ من كلمة (يهوه) و «ادوناي»... إلى أن يقول: فالاسم الثاني يدلّ على علاقة الله مع بني إسرائيل وهو إله تابوت

1 . النجم: 23 .

صفحه 21
العهد، وإله الرؤيا، والإعلان، وإنّه الفداء.1
والقرآن الكريم إذا أراد أن يشير إلى الفرد المعيّن من الكلّي يستعمل لفظ الجلالة «الله»، وإذا أراد أن يشير إلى المعنى الكلّي الشامل لهذا الفرد وغيره، الّذي له درجات ومراتب يستعمل لفظ «إله»، كما يقول سبحانه ـ ناطقاً عن لسان المشركين ـ : (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيء عُجَابٌ)2 .
ولذلك نرى أنّه في بعض اللغات العالمية يفرّقون بين مفاد لفظ الجلالة، ومفاد «الإله» ويعبّرون عن المعنيين بلفظ واحد إلاّ أنّهم يفرّقون بينهما في الكتابة ، فعندما يشيرون إلى «الله» يكتبونها بالشكل التالي: (God)، وعند الإشارة إلى المعنى الكلّي لهذا الفرد يكتبونها بالنحو التالي: (god).
هذا هو المدّعى ،والدليل عليه بوجوه:

الأوّل: مادة اللفظين واحدة

إنّ مادة اللفظين واحدة فكيف يفترقان في المعنى؟ والدليل على ذلك قولهم: إنّ «الله» مشتق من لفظ «إلاه».
قال سيبويه في تفسير لفظ الجلالة: إنّ أصله «إلاه» على وزن فعال، فحذفت الفاء الّتي هي الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً عنها، بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلة على لام التعريف في خصوص النداء في نحو قوله: «يا الله اغفر لي»، ولو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في

1 . قاموس الكتاب المقدس: 107 .
2. سورة ص: 5 .

صفحه 22
الوصل كما لم تثبت في غير هذا الاسم .1
فإذا كانت المادة واحدة فيكون لفظ الجلالة بالمعنى الموجود في مادته علماً للشخص. ومن المعلوم أنّ لفظ الجلالة حاك عن الصفات الجلالية والجمالية أو ما أشبه ذلك، فيجب أن تكون مادته حاكية عن هذه المعاني كلّها لا عن معنى المعبود أو غيره من المعاني السبعة فقط.

الثاني: الاحتجاج بعدم وجود إله غير الله

إنّه سبحانه حينما يستدلّ على التوحيد وأنّه لا إله إلاّ الله فإنّه يستخدم كلمة الإله ويقول:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ )2.
ترى أنّه سبحانه يعدُّ تدبير العالم على نحو يعيش الإنسان فيه عيشاً رغيداً من شؤون الإله، ولذلك يقول: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء)، أو يقول: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْل) فهذا تصريح بأنّ التصرّف في الكون من شؤون الإله، ثم يردّ على المشركين بأنّ التصرّف في الكون وإن كان من شؤون الإله إلاّ أنّه لا إله إلاّ الله.
فلو وضعنا «الخالق البارئ» وغيرها ممّا يعدّ تفسيراً للمعنى الإجمالي للإله، مكانه: لانسجم معنى الفقرة ، بأن يقال: لا خالق ولا بارئ ولا مدبّر غير

1 . لاحظ: مجمع البيان: 1 / 19 .
2 . القصص: 71 ـ 72 .

صفحه 23
الله، لانسجمت.
وأمّا لو جعلنا المعبود مكانه، لاختلّت بلاغة الآية، كأن نقول: هل معبود إلاّ الله يأتيكم بالنهار أو بالليل، إذ ليس التصرّف في الكون على النحو البديع من شؤون المعبود، وما أكثر المعبودين ولكنّهم لا ينفعون ولا يضرون.
وبعبارة أُخرى: إنّ التصرّف في الكون وتنظيم أسباب الحياة من شؤون من بيده الكون ومصير الإنسان، فكأنّه سبحانه يقول: لو اختلّ النظام بأنْ دام النهار أو دام الليل فأيّ إله (من بيده الكون) يأتي بالضياء بعد الليل، أو به بعد النهار، وليس هو إلاّ الله، وأمّا لو قلنا بأنّه بمعنى المعبود يكون المعنى كالتالي: فأي معبود يأتي بالضياء بعد الليل أو العكس. ومن المعلوم أنّ التصرّف في الكون ليس من شؤون مطلق المعبود. وإنّما هو من شؤون من بيده الكون إيجاداً وتدبيراً. فيكون الإله في الآيتين بمعنى المتصرف في الكون والمدبّر وما يرادفه.

الثالث: الاستدلال على التوحيد بلزوم الفساد عند تعدّد الآلهة

استدلّ سبحانه على التوحيد في الربوبية بآيات منها:
1. قوله تعالى: (لَو كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسدَتا)1 .
فإنّ البرهان على نفي تعدّد الآلهة لا يتمّ إلاّ إذا فُسّر «الإله» في الآية بالمتصرّف، المدبّر أو من بيده أزمّة الأُمور أو ما يقرب من هذين. ولو جعلنا الإله بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لبداهة تعدّد المعبود في هذا العالم، مع

1 . الأنبياء: 22.

صفحه 24
عدم الفساد في النظام الكوني، و قد كانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحمة بالآلهة، و مركزاً لها و كان العالم منتظماً، غير فاسد.
و عندئذ يجب على مَن يجعل «الإله» بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ «بالحق»، أي لو كان فيهما معبودات ـ بالحق ـ لفسدتا، و لمّا كان المعبود بالحقّ مدبِّراً و متصرّفاً، لزم من تعدّده فساد النظام، وهذا كلّه تكلّف لا مبرّر له. والدليل على ذلك عدم خطوره عند سماعه.
2. قوله سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَد وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِله إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعضُهُمْ عَلى بَعْض)1.
ويتمّ هذا البرهان أيضاً إذا فسّرنا الإله بما ذكرنا من أنّه كلّيّ ما يطلق عليه لفظ الجلالة. و إن شئت قلت: إنّه كناية عن الخالق، أو المدبّر، المتصرّف، أو من يقوم بأفعاله و شؤونه. والمناسب في هذا المقام هو الخالق. و يلزم من تعدّده ما رتّب عليه في الآية من ذهاب كلّ إله بما خلق و اعتلاء بعضهم على بعض.
و لو جعلناه بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لأنّه لايلزم من تعدّده أي اختلال في الكون. وأدلّ دليل على ذلك هو المشاهدة. فإنّ في العالم آلهة متعدّدة، و قد كان في أطراف الكعبة المشرفة ثلاثمائة و ستون إلهاً و لم يقع أيّ فساد و اختلال في الكون.
فيلزم على مَن يفسّر (الإله) بالمعبود ارتكاب التكلّف بما ذكرناه في الآية المتقدِّمة. وما ربّما يتصوّر من غلبة استعمال الإله في المعبود بالحق فلا

1 . المؤمنون: 91.

صفحه 25
حاجة إلى تقديره مدفوع باستعماله ـ كثيراً في غيره ـ كقوله: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)1.
3. قوله سبحانه: (قُل لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابتغَوْا إلى ذِي الْعَرْش سَبِيلاً) 2.
فإنّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من بيده أزمّة أُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الأُلوهية، و أمّا تعدّد المعبود فلا يلزم ذلك إلاّ بالتكلّف الذي أشرنا إليه فيما سبق.

الرابع: الملازمة بين الأُلوهية وعدم ورود النار

قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حصبُ جهَنّمَ أنتُمْ لها وارِدُونَ* لَوْ كانَ هؤلاءِ آلهةً ما وَردُوها)3.
والآية تستدلّ بورود الأصنام و الأوثان في النار على أنّها ليست آلهة، إذ لو كانوا آلهة ما وردوا النار.
والاستدلال إنّما يتمّ لو فسّرنا الآلهة بما أشرنا إليه، فإنّ خالق العالم أو مدبّره و المتصرّف فيه أو من فوّض إليه أفعال اللّه، أجلّ من أن يُحكَم عليه بالنار أو أن يكون حصبَ جهنّم.

1. سورة ص: 5. لاحظ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم الّذي وضعه محمّد فؤاد عبدالباقي المصريّ، فقد استعمل في كثير من الآيات في مورد المعبود الباطل، لو سلّمنا وضعه للمعبود. ولذلك قلنا في «مورد المعبود الباطل» لا في معناه .
2 . الإسراء: 42.
3 . الأنبياء: 98ـ 99.

صفحه 26
وهذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود ، إذ لا ملازمة بين كونها معبودات وعدم كونها حصب جهنم، وعندئذ لا يتمّ البرهان إلاّ إذا قُيّد المعبود بقيد أو قيود ترفعه إلى حدّ القداسة المطلقة، وهذا تكلّف واضح، ولو أمعنت في الآيات التي ورد فيها لفظ الإله و الآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه.

الخامس: لزوم اختلال المعنى لو فسّر بالمعبود

قوله سبحانه: (فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتينَ)1.
فلو فسّر الإله في الآية بالمعبود لزم عدم صحّة المعنى، إذ المفروض تعدّد المعبود في المجتمع البشري، و لأجل دفع هذا ربّما يقيّد الإله هنا بلفظ «الحقّ»، أي المعبود الحقّ إله واحد. ولو فسّرناه بالمعنى الإجمالي الذي له آثار في الكون من التدبير والتصرّف، و إيصال النفع ، و دفع الضرّ على نحو الاستقلال، لصحّ حصر الإله ـ بهذا المعنى ـ في واحد، بلا حاجة إلى تقدير كلمة بيانية محذوفة، إذ من المعلوم أنّه لا إله في الحياة الإنسانية والمجتمع البشري يتّصف بهذه الصفات التي ذكرناها إلاّ اللّه سبحانه.
ولا نريد أن نقول: إنّ لفظ «الإله» بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الغافر على وجه التفصيل، إذ لا يتبادر من لفظ «الإله» إلاّ المعنى الإجمالي، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الذي وضع له لفظ الإله. و معلوم أنّ كونَ هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى الإجمالي، غيرُ كونها

1 . الحج: 34.

صفحه 27
معنى موضوعاً له اللّفظ المذكور، كما أنّ كونه تعالى ذو سلطة على العالم كلّه أو سلطة مستقلة غير معتمدة على غيره، وصف نشير إليه بالمعنى الإجمالي الذي نتلقّاه من لفظ «اللّه»، لا أنّه نفس معناه.

السادس: استعمال لفظ الجلالة اللفظين مكان الآخر

ربّما يستعمل لفظ الجلالة مكان الإله، ويتجرّد عن معنى العلَمية ويبقى فيه معنى الوصفية، فلذلك يصح استعماله مكان الإله، وإليك بعض موارده:
قال سبحانه: (وَ هُوَ اللهُ فِي السَّموَاتِ وَ فِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ وَ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ )1، فالآية تشير إلى أنّ إله السماء هو إله الأرض، وليس هناك آلهة بحسب الأنواع والأقوام، فالضمير «هو» مبتدأ ولفظ الجلالة خبر، والمعنى هو المتفرد بالإلهيّة في السماوات، فوزانها وزان قوله سبحانه: (وَ هُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَ فِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)2.
فإنّ اللفظين في الآيتين بمعنى واحد، بمعنى أنّ لفظ الجلالة في الآية الأُولى خرج عن العلَمية وعاد إلى الكلّية والوصفية، ولذلك صحّ جعله مكان الإله في الآية الأُولى، وجيء بنفس لفظ الإله في الآية الثانية.

السابع: معنى «الإله» في تثليث النصارى

حكى القرآن الكريم عقيدة النصارى في الله سبحانه، وهي ما تُعرف بعقيدة التثليث، وتتلخّص في وجود ثلاثة أقانيم، هي: الأب، والابن،

1 . الأنعام: 3 .
2 . الزخرف: 84 .

صفحه 28
والروح القدس; أي أنّ هناك إلهاً أباً وإلهاً ابناً وإلهاً باسم: الروح القدس .
وهذا القول لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون كلّ واحد من هذه الأقانيم الثلاثة جزءاً تشكّلُ وجوده سبحانه وعندئذ تُصبح له شخصية واحدة ذات أجزاء، أو أن يكون كُلّ واحد منها ذا شخصية مستقلة . وعلى كل تقدير فالجميع عندهم إله، يقول سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ النَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)1، ثم قال سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)2.
ففي الآية الأُولى يحكي عنهم قولهم: إنّ الله هو المسيح بن مريم، فالمسيح عندهم هو الله المتجسّد.
وردّ عليهم في نفس الآية بأنّه كيف يصحّ ذلك مع أنّ المسيح لا يأمر الناس بعبادته، بل بعبادة غيره، وذلك بقوله: (اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ) ؟
وفي الآية الثانية يحكي سبحانه عنهم اعتقادهم بالآلهة الثلاثة، فكلّ من الأب والابن والروح القدس عندهم إله، ويردّ عليهم بأنّه لا إله إلاّ إله واحد.
أمّا كيفية الاستدلال على أنّ الإله في هذه الآيات وما يليها ليس بمعنى المعبود أو غيره من المعاني السبعة، بل أُريد به ما يُراد من لفظ الجلالة بتجريده عن العلَمية، فواضحة لدى التدبّر، بشرط أن نقف على مغزى

1 . المائدة: 72 .
2 . المائدة: 73 .

صفحه 29
الاختلاف بين الموحّدين وأهل التثليث، إذ ليس مصب الاختلاف بينهم، وحدة المعبود أو تعدّده، وإنّما هو لازم نزاع آخر يرجع إلى وحدة ذات الواجب أو تعدّدها، فإذا قال سبحانه: (إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) 1، فلا يريد أنّه معبود واحد ليس له ولد، وإنّما يُريد بساطة ذات الله ووحدتها .
وإذا قالت النصارى: إنّ الله ثالث ثلاثة، فمرادهم أنّه ثالث الآلهة وأنّ الواجب جلّ اسمه أو ما يشار إليه بلفظ الجلالة، آلهة ثلاثة لا إله واحد، فإذا ردّ عليهم سبحانه بقوله: (وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ) يُريد وحدة الذات وبساطتها.
فالإله في كلام كلّ من الطرفين يشير إلى تلك الذات المقدّسة فيكون مرادفاً للفظ الجلالة، لكن بشرط تجريدها عن العلَمية .
ولو فُسِّر لفظ (الإله) في هذه الموارد بوحدة المعبود أو كثرته، لزم غض النظر عمّا هو موضع النزاع لبّاً عبر قرون.
ومنه يظهر مفاد الإله في الآية التالية، إذ لا محيص من تفسيره بالمعنى المختار الّذي يعبر عنه بواجب الوجود، الخالق، البارئ، إلى غير ذلك من الصفات.
قال سبحانه: (وَ إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَ لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ

1 . النساء: 171 .

صفحه 30
الْغُيُوبِ)1، وذلك أنّ علماء النصارى يتبنّون التثليث وينسبونه إلى عيسى بن مريم وأنّه دعا إلى إلهين آخرين من دون الله وهما نفسه وأُمُّه.
ومن المعلوم أنّ النفي والإثبات يردان على موضوع واحد وهو ادّعاء النصارى أنّ ثمّة إلهين وراء الله سبحانه هما: المسيح وأُمّه، وردّ سبحانه على تلك المزعمة بأنّ الإله واحد لا غير.
فعندئذ لا يمكن تفسير الإله بمعنى المعبود، إذ الكلام يتعلّق بمقام الذات وأنّه كثير أو واحد لا بموضع المعبودية.
ونظيرها الآية التالية قال سبحانه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَ رُسُلِهِ وَ لاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ كَفَى بِاللهِ وَكِيلاً)2 .
وحصيلة الكلام هو أنّ الاختلاف والنزاع بين أهل التوحيد وأهل الكثرة راجع إلى وحدة ما يشار إليه بلفظ الجلالة أو تعدّده. وأنّه هل هو هوية بسيطة واحدة أو هي مركبة أو متعدّدة يعبّر عنها بالإله الأب، والإله الابن، والإله الروح القدس.
فحقيقة النزاع عبارة عن دراسة مسألة فلسفية غامضة، وهي أنّ جوهر الذات شيء واحد أو هي أشياء؟ فمن السذاجة أن نعبّر عن واقع النزاع

1 . المائدة: 116 .
2 . النساء: 171 .

صفحه 31
بوحدة المعبود وتعدّده، فإذا قيل: الإله الواحد، أو ثالث الآلهة، فلا يُراد عندئذ إلاّ ما يُشار إليه بلفظ الجلالة الّذي تشير إلى الذات المستجمعة لصفات الجمال والجلال ولكن بقيد تجريده عن العلمية.

الثامن: وقوع قوله (لا إله إلاّ هو) تعليلاً لحصر الشؤون

قد وقع قوله:«لا إله إلاّ هو» في الآيات التالية تعليلاً لحصر الرازقية، وربوبية المشرق والمغرب، ومالكية السماوات والأرض في الله سبحانه ولا يصح كونه علّة للحصر المذكور إلاّ إذا أُريد به المعنى الإجمالي الملازم للخالقية والرازقية والربوبية والمالكية، فعندئذ يصلح أن يقع تعليلاً، لما تقدّمه من حصر الأُمور المذكورة في الله.
1. (هَلْ مِنْ خَالِق غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)1 .
فصدر الآية ينفي أي خالق غير الله يرزق الناس، وذيلها أعني قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) بمنزلة التعليل له ولا يصح تعليلاً إلاّ إذا أُريد به ذلك المعنى السامي الملازم للشؤون، فكأنّه يقول:إذا لم يكن إله ـ بهذا المعنى ـ فلا خالق يرزق الناس إلاّ الله.
2. (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً)2.
إنّ صدر الآية يصفه سبحانه بكونه (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ)، أي رب عالم الشهادة، ثم يأتي بقوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) تعليلاً لما تقدّم، ولا يصحّ ذلك إلاّ بتفسير الإله بالمعنى السامي الّذي يدلّ عليه لفظ الجلالة، لكن مجرداً عن

1 . فاطر: 3 .
2 . المزمل: 9 .

صفحه 32
العلمية فيكون المعنى: إذا لم يكن خالق مدبر و...، إلاّ الله، فهو رب السماوات والأرض و...ثم عطف عليه قوله: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً); لأنّ اتخاذ الوكيل بمعنى إيكال الأُمور إليه من شؤونه سبحانه.
3. (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَ يُمِيتُ)1 وكيفية الاستظهار هو نفس ما تقدّم في الآيتين المتقدّمتين، فلا يصلح قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)تعليلاً لما سبق إلاّ إذا أُريد بإلاله المعنى الإجمالي السامي الملازم للخالقية والرازقية والربوبية وغيرها، فإذا كانت هذه الشؤون منحصرة في الله سبحانه فله ملك السماوات والأرض.

التاسع: مفهوم الإله عند الوثنيين

يظهر من بعض الآيات أنّ الإله عند المشركين عبارة عمّن ينصر العبَدةَ في الشدائد والملمّات، ويورث لهم عزّاً في الحياة.
قال سبحانه حاكياً عن عقيدتهم: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)2.
وقال عزّ من قائل: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)3.
وكانوا يسوّون بين الله والإلهة، يقول سبحانه حاكياً عن قولهم يوم القيامة: (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)4.

1 . الأعراف: 158 .
2 . يس: 74 .
3 . مريم: 81 .
4 . الشعراء: 97 ـ 98 .

صفحه 33
فإذا كانت الآلهة المزعومة عند المشركين هي الناصرة في الشدائد وواهبة العزّة، وفي مستواه سبحانه، فلا يراد بها عند الإطلاق إلاّ ما يراد من لفظ الجلالة مجرّدة عن العلمية.
ولذلك يردّ عليهم سبحانه في غير واحد من الآيات بأنّ الآلهة لا يملكون من شؤونه سبحانه شيئاً.
ويقول: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَ هُمْ يُخْلَقُونَ)1.
والآية تدلّ على أنّ من شؤون الإله هو الخلق، والأصنام فاقدة له .
ويقول: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ)2.
والآية تدلّ على أنّ من شؤون الإله هو القدرة والدفاع عن نفسه وعمّن يعبده، وآلهتهم تفقد هذه اللوازم والشؤون.
فالآيتان تدلاّن على أنّه كلّما أُطلق الإله لا يتبادر منه إلاّ مَن يملك هذه الشؤون لا مجرد كونه معبوداً ـ ولذلك ردّ الوحي الإلهي وصفهم أو أصنامهم بالأُلوهية، بعدم وجود هذه الشؤون فيها.

انتقال هُبَل إلى مكة

ويوضح مكانة الأوثان عندهم ما نقله ابن هشام في سيرته يقول: إنّ عمرو بن لحَيّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أُموره، فلمّا قدم مآبَ في

1 . الفرقان: 3 .
2 . الأنبياء: 42 .

صفحه 34
أرض البَلْقاء، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام الّتي أراكم تَعبْدون؟ قالوا له: هذه أصنْام نعبدها، فنَسْتمطرها فتُمْطرِنا، ونَسْتَنْصرها فتَنْصرنا ; فقال لهم: أفلا تُعْطُونني منها صَنماً، فأسيرَ به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعْطَوْه صَنماً يقال له هُبَل، فقدم به مكَّة، فَنَصَبه وأمَر الناس بعبادته وتعظيمه .1
فإذا كان الإمطار عند الجفاف والإنصار في الحروب والشدائد من شؤون الإله المزعوم، فيكون المتبادر منه هو نفس ما يتبادر من لفظ الجلالة، مجرداً عن العلَمية.

العاشر: الإله في كلام الإمام علي (عليه السلام)

وممّا يؤيد ما ذكرناه من عدم الفرق بين الإلة، ولفظ الجلالة إلاّ بالكلّية والجزئية، كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نقد كون كلامه سبحانه قديماً، بأنّه لو كان كذلك، لكان إلهاً ثانياً. وإليك نصّه:
«يقول لمن أراد كونه: (كُنْ فَيَكُونُ)، لا بصوت يُقرع، ولا بنداء يُسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثَّله، لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ كَائِناً، وَلَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلهاً ثَانِياً». 2
أي لو كان قديماً، لكان واجب الوجود، أو ما يفيد ذلك، ولا معنى لتفسير الإله بالمعبود، أي لكان إلهاً معبوداً ثانياً.
وفي بعض كلماته أيضاً، إشارة إلى ما ذكرنا، حيث قال:

1 . السيرة النبوية:1/50، قصة عمرو بن لحيّ وذكر أصنام العرب.
2 . نهج البلاغة الخطبة 186 .

صفحه 35
«أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلهِكَ».1
وقال في موضع آخر:
«وَابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذلِكَ بِالاِْسْتِعَانَةِ بِإِلهِكَ».2

حصيلة البحث:

1. ليس للإله إلاّ معنى واحد وهو نفس ما يفهم من لفظ الجلالة لكن مجرداً عن العلَمية.
2. أنّ تفسير الإله بالمعاني السبعة أو الأكثر تفسير باللوازم والآثار للإله، لنفس معناه.
3. لفظ الإله ليس بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الغافر، إذ لا يتبادر من لفظ الإله إلاّ المعنى البسيط، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الموضوع له لفظ الإله، ومعلوم أنّ كون هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى البسيط، غير كونها معنى موضوعاً للفظ المذكور. فتدبّر.

تفسير الرحمن الرحيم

قوله: (الرحمن الرحيم) كلاهما من صفات الله سبحانه، وأسمائه الحسنى، والكلام يأتي في معنى الرحمة، فالظاهر من الطبرسي أنّها بمعنى النعمة، فقال عند تفسير البسملة وبيان لغتها: «الرحمن الرحيم» اسمان وضعا للمبالغة واشتقا من الرحمة وهي النعمة إلاّ أنّ (فعلان) أشد مبالغة من

1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 31 .
2 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 31 .

صفحه 36
(فعيل).1
وعلى هذا فكلا اللفظين بمعنى المنعم مع تفاوت بينهما، كما سيوافيك.
وأمّا على القول بأنّ الرحمة بمعنى رقة القلب وتأثّره بما يطرأ عليه من الحوادث المؤلمة، كما لو سمع ببكاء يتيم جائع فيرقّ له قلبه ويقوم بإطعامه، والإنعام عليه، فلو كان هذا اللفظ بمعنى رقّة القلب فلا يمكن وصف الله سبحانه به; لأنّ رقّة القلب وتأثّره بالحوادث محال على الله سبحانه لتنزّهه عن الانفعال.
ونظير ذلك وصفه سبحانه بالغضب، فإنّ الغضب عبارة عن فوران الدم في القلب يوجب تشنّجاً في أعضاء الإنسان تهيّؤاً للانتقام، والله سبحانه فوق ذلك; لأنّ الانفعال من صفات المادة، والله فوقها.
ومع ذلك فقد ورد في الذكر الحكيم قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ )2.
والجواب عن الموردين ـ الرحمة بمعنى رقّة القلب، والغضب بمعنى فوران الدم ـ ونظائرهما واحد، وهو ما يقال: خذ الغايات واترك المبادئ.
توضيحه: أن رقّة القلب تكون مبدأً للتفضّل والإحسان، كما أنّ الغضب يكون سبباً لإيقاع العقوبة والتعذيب، فوصفه سبحانه بهما لأجل الغايات، وهو أنّه متفضّل بالإحسان بالنسبة إلى عباده أو آخذ بالعقوبة لمن خالفه وجادله .

1 . مجمع البيان: 1 / 20، ط صيدا.
2 . الممتحنة: 13.

صفحه 37
فكلّ وصف يكون فبيه مبدأٌ مادي وانفعالي ومع الوصف يكون له غاية تناسب الله تبارك وتعالى، فوصفه به إنّما هو لأجل النتيجة لا لأجل المبدأ.
ومنه يُعلم الجواب عن كثير من الأوصاف الّتي هي من شؤون الإنسان كالمكر والاستهزاء والمخادعة، ولا يمكن وصفه بها سبحانه ، ومع ذلك فقد أُطلقت عليه سبحانه في غير واحدة من الآيات منها:
قوله سبحانه: (وَمَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)1 .
وقوله سبحانه حاكياً عن المنافقين: (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ* اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)2.
ومن المعلوم أنّ المكر والخديعة حرفة العاجز، والاستهزاء عمل النَّوكى، غير أنّ وجه وصفه سبحانه بهذين الفعلين إنّما هو لأحد أمرين:
1. إمّا رعاية للمشاكلة في الكلام، حيث إنّ القائل وصف عمله مكراً واستهزاءً، والله يعبّر عن ردّ مكرهم وإبطال استهزائهم بنفس عبارة القائل ، وهذا من المحسِّنات الكلامية. قال الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نُجد لك طبخُهُ *** قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا3

1 . آل عمران: 54. وهكذا قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ) النساء: 142 .
2 . البقرة: 14 ـ 15 .
3. هذا البيت لأبي حامد أحمد بن محمد الأنطاكي، المعروف بأبي الرقعمق، نادرة الزمان وجملة الإحسان، وممّن تصرّف بالشعر الجزل في أنواع الجد والهزل، وأحرز قصب الفضل، وهو أحد المداحين المجيدين والفضلاء المحسنين، وهو بالشام كابن الحجّاج في العراق، وكان شاعراً فكهاً، وأقام بمصر طويلاً يمدح ملوكها ووزراءها، وتوفّي فيها سنة 399هـ . لاحظ:يتيمة الدهر للثعالبي:1/379; سير أعلام النبلاء:17/77 برقم 42; الأعلام:1/210; وفيات الأعيان:1/131 برقم 54; أعيان الشيعة:3/76 برقم 282; الغدير:4/113.

صفحه 38
حيث عبّر عن خياطة الجبّة بالطبخ رعاية للمشاكلة في الكلام.
2. ما تقدّم منّا حول وصف فعله سبحانه بالمكر والغضب، وهو حذف المبادئ والأخذ بالغايات، فإذا مكر المنافقون فالله سبحانه يجعل فعلهم عقيماً من حيث لا يشعرون، ولذا وصف فعله بالمكر أخذاً بالغايات دون المبادئ، وهكذا الاستهزاء فإنّ المستهزئ يريد الحطّ من النبي(صلى الله عليه وآله)والمؤمنين في أعين الناس، والله سبحانه يجعل فعله بلا أثر على نحو يكون المستهزئ ذليلاً في أعين الناس.

ما هوالفرق بين الرحمن والرحيم؟

إذا كان الوصفان مشتقين من الرحمة فما هو الفرق بينهما، خصوصاً على القول بأنّ كليهما على وزان صيغة المبالغة، نظير فعلان وفعيل؟
أُجيب عن ذلك بوجوه، نذكر منها وجهين:
1. أنّ الرحمن من صفاته المختصة به سبحانه، ولا يستعمل في حق الغير، فلا يصحّ أن يقال: زيد رحمان بل الصحيح عبدالرحمن، بخلاف الرحيم فيمكن أن يوصف به غيره سبحانه، قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)1.
2. أنّ الرحمن أوسع من الرحيم، وذلك أنّ (فعلان) أشد مبالغة من (فعيل)، ولعل وجه الأشدّية هو أنّ كثرة المباني تكون غالباً دليلاً على كثرة المعاني، فالرحمن يعم جميع الخلق والرحيم بالمؤمنين خاصّة.

1 . التوبة: 128 .

صفحه 39
ووجه عموم الرحمن بجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، هو إنشاؤه إياهم، وجعلهم أحياء قادرين، ورزقه إيّاهم.
ووجه خصوص الرحيم بالمؤمنين، هو ما فعله بهم في الدنيا من التوفيق، وما يفعله بهم في الآخرة من الجنة والإكرام وغفران الذنوب; وإليه يشير ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «الرحمن اسم خاص بصفة عامّة، والرحيم اسم عام بصفة خاصّة».1
فقوله (عليه السلام): «الرحمن اسم خاص»، لأنّه لا يطلق إلاّ على الله سبحانه، وقوله: «بصفة عامّة»: أي تعمّ رحمته الكافر والمؤمن.
وقوله: «الرحيم اسم عام»، لأنّه يطلق على غيره سبحانه، وقوله: «بصفة خاصّة»، لأنّه يختصّ بالمؤمن فقط.

سؤال وإجابة

لماذا تقدّم وصف الرحمن على الرحيم، مع أنّ الضابطة في الكلام البليغ هو التدرّج من الضعيف إلى القوي، ومن القليل إلى الكثير، فيقال: فلان عالم بالفقه بل مجتهد، أو يقال: إنّ هذا المسجد يكفي لألف مصلٍّ بل لألفين، وعلى هذا فالمناسب أن يقول: الرحيم الرحمن؟
وأمّا الجواب عن ذلك فهو أنّه يمكن أن يقال: بما أنّ الرحمن يختصّ بالله سبحانه وشاع استعماله في ذاته القدسيّة، فقد خرج عن معنى الوصفية وأصبح اسماً له سبحانه، فلفظ الجلالة اسم والرحمن اسم آخر، وبما أنّه اسم

1 . مجمع البيان: 1 / 21.

صفحه 40
فلا يشعر بشيء من المعاني، على خلاف لفظ (الرحيم) فإنّه باق على وصفيته.
سورة الحديد.. الآية الأُولى   
ومهما يكن، فإنّ مفاد البسملة، هو : أنّ الإنسان الضعيف غير القادر على شيء إلاّ بعون الله سبحانه، يجب أن يستعين على جميع أُموره بالله سبحانه، وأن يبتدئ جميع أُموره باسم الله، ولا يغفل عن الله سبحانه حتّى لا يكون ممّن: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)1.

1 . الحشر: 19 .

صفحه 41

تفسير الآيات

الآية الأُولى:

(سَبَّحَ للهِ ما فِي السَّمواتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم).
جاء التسبيح في هذه الآية بصيغة الماضي نظير سورة الحشر والصف، وجاء في سورة الجمعة والتغابن بصيغة المضارع، ولعلّ الاختلاف ناظر إلى بيان أنّ الكائنات كانوا يسبّحون في الماضي ويسبّحون في الحال والمستقبل، وأنّ التسبيح أمر مستمر في جميع الأزمنة.
إنّ «ما» في قوله: (ما في السموات) موصولة، وصلتها قوله: (في السموات والأرض) وأُريد بالموصول عامّة الكائنات، فيعمّ ذوي العقول وغيرها.
والتسبيح متعدٍّ بنفسه يقال: سبّحه ونزّهه،ولكن عُدّي هنا باللام، وهو إمّا لام إلصاق لغاية إلصاق الفعل بالمفعول، أو تأكيد. وحذف الموصول في لفظة (والأرض) والإتيان به في سورة الحشر حيث جاء فيها: (سبح لله ما في السموات وما في الأرض) قد يكون لنكتة خاصّة، وهي أنّ الغرض في المقام هو تسبيح الكائنات السماوية والأرضية من دون خصوصية لشيء يتعلّق بالأرض، بخلاف سورة الحشر فقد جاء فيها ذكر حصون بني النضير وبساتينهم وأموالهم التي وقعت ـ بفضل من الله ـ بأيدي المسلمين، وبذا

صفحه 42
صارت للأرض هنا خصوصية، اقتضت الإتيان بالموصول.
وأمّا التسبيح فهو تنزيهه سبحانه عن كلّ عيب ونقص. وأوّل التنزيه هو نفي الشريك والولد عنه، خلافاً للوثنيين وأصحاب التثليث والبراهمة. والدليل على تنزيهه المطلق هو كونه العزيز الحكيم، فهو (العزيز): أي القادر الغالب الذي لا ينازعه ولا يمانعه شيء، وهو (الحكيم): أي الذي يفعل أفعاله وفق الحكمة والصواب.
وثمة وجهان في المراد بتسبيح الموجودات:
الأوّل: أنّ تسبيح كلّ موجود يختلف باختلاف صفاته وخصائصه; فالعاقل يسبّح بلسان المقال، وغيره يسبّحه بلسان الحال. وبكلام آخر: يسبّحه بدلالة وجوده وصورته وإحكامه على وجود المصوّر الحكيم، كما يدلّ الرسم الجميل على وجود الرسّام ومهارته، ولسان الحال أقوى وأبلغ في الدلالة من لسان المقال، لأنّ هذا يحتاج إلى دليل، وأمّا الحال فهي بذاتها دليل يؤدّي حتماً إلى العلم واليقين.
وربّما يؤيّد هذا الوجه قول ابن عربي: خذ الوجود كلّه على أنّه كتاب ناطق بالحق عن الحق... وهذا كقول أحد العارفين: إنّ لله كتابين: أحدهما: ينطق بلسان المقال وهو القرآن، والآخر ينطق بلسان الحال وهو الكون.1
وما ذكره حقّ، وهو أنّ كلّ موجود خُلق على نظام يدلّ على أنّ له خالقاً عالماً قديراً. وقد ذهب إلى هذا المعنى كثير من المفسّرين، ولكنّ تخصيص التسبيح بهذا المعنى ليس بتام، بل هناك تسبيح بمعنى آخر نشير إليه في

1 . التفسير الكاشف:5/48.

صفحه 43
الوجه التالي.
الثاني: المراد بالتسبيح هو التسبيح الحقيقي نظير تسبيح الإنسان، وأنّ للوجود مراتب ودرجات، فكلّ موجود (حسب ما له حظ من الوجود ودرجة منه) له حسّ وشعور، يتوجّه به إلى الله بالتسبيح، غير أنّا لا نفهم تسبيحه وتنزيهه لله تبارك وتعالى. وهذا هو المتبادر من قوله سبحانه: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وإنْ مِنْ شَيء إلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُمْ إنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً).1
فلو كان المراد من تسبيح الكائنات هو دلالة كلّ موجود على تنزيهه سبحانه بلسان الحال، فليس ذلك ممّا لا يفقهه الناس، وإذن لم يكن للاستدراك ـ لقوله:(ولكن لا تفقهون تسبيحهم) ـ وجه، فلا محيص من حمل الآية على التسبيح الحقيقي، وهو التسبيح عن شعور لا التسبيح المجازي، كدلالة البناء الرصين على علم البنّاء لقواعد البناء.
ثمّ إنّه يمكن استفادة ذلك المعنى من بعض الآيات:
1. يقول سبحانه: (إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيّ وَالإِشْراقِ)2، فإنّ الظاهر أنّ الجبال يسبّحن كتسبيح داود عشيّاً وإشراقاً، لا أنّ تسبيح داود كان تسبيح المقال، وتسبيح الجبال تسبيح الحال. ولو كان تسبيح الجبال تسبيحاً بلسان الحال لما كان هناك وجه لتخصيصه بالوجهين: العشيّ والإشراق.

1 . الإسراء:44.
2 . سورة ص:18.

صفحه 44
2. يقول سبحانه:(وإنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهارُ وَإنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماءُ وَإنَّ مِنْها لما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).1
فإذا كانت خشية الله سبباً لهبوط الحجارة، فهو أكبر دليل على وجود الخشية فيها، وهي السبب لهبوطها وسقوطها.
وبذلك يظهر أنّه لا وجه للاعتراض القائل بأنّ الحجارة لا حياة فيها ولا إدراك حتى تخشى الله. كما لا وجه للجواب عن ذلك بأنّ هذا مبني على الافتراض أي لو كان في الحجارة فهم وعقل كاليهود لهبطت من خشية الله.2فإنّ ما ذكره تعليل يتحمّله لفظ الآية فإنّها صريحة في أنّ للحجارة خشية تسبّب الهبوط لا أنّها قضية شرطية.
3. وقال سبحانه: (إنّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً).3 فإنّ ظاهر الآية أنّه سبحانه عرض على الكائنات الأمانة عرضاً حقيقياً، فأبين إباءً واقعياً وأشفقن إشفاقاً حقيقياً، وحمل الآية على القضية الشرطية، بمعنى أنّه لو كان لها عقل وشعور لأبَين الحمل، تأويل بلا دليل.
4. يقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صافّات كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبيحَهُ وَاللهُ عَليمٌ بِما يَفْعَلُونَ).4 فتسبيح مَن في

1 . البقرة:74.
2 . التفسير الكاشف:1/128.
3 . الأحزاب:72.
4 . النور:41.

صفحه 45
السماوات والأرض محمول على التسبيح الحقيقي، ومقتضى عطف الطير عليهما أن يكون كذلك، فلو كان تسبيح الطير تسبيحاً بلسان الحال فلا معنى لقوله: (كلّ قد علم صلاته وتسبيحه)، فإنّ الظاهر أنّ الطير قد علم كلا الأمرين، لا الإنسان الناظر إلى وجود الطير والنظام السائد عليه، فيستدلّ من النظام الباهر السائد عليه على أنّ له خالقاً عالماً قادراً.
5. يقول سبحانه في قصة سليمان أنّه (عليه السلام) لمّا ورد وادي النمل مع جنوده(قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّها النَّملُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانَ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُون)1، فالمتبادر من الآية أنّ كلام النملة كان بلسان المقال، ولذلك تبسّم سليمان (عليه السلام) حينما سمع قولها هذا، قال سبحانه:(فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَولِها وَقالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الّتي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى وَالِدَىَّوَأن أعْمَلَ صَالِحاً تَرْضاهُ وَأدْخِلْني بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصالِحينَ).2
6. يدلّ بعض الآيات أنّ سليمان(عليه السلام) عُلّم منطق الطير، وهذا يكشف عن أنّ للطير منطقاً خاصاً قد ألهم الله تعالى سليمان فهم معانيه، قال سبحانه:(وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ وَقَالَ يا أيُّها الناسُ عُلِّمنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتينا مِنْ كُلِّ شَيْء وَإنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبين).3
7. ويدلّ بعض الآيات على أنّ جيش سليمان كان يتألّف من الجن والإنس والطير، وكان لكلّ صنف من هذه الأصناف قادة ومراقبون

1 . النمل:18.
2 . النمل:19.
3 . النمل:16.

صفحه 46
يحافظون على النظام1، قال تعالى: (وَحُشِرَ لِسُليمانَ جُنودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ والطَّيرِ فَهُمْ يُوزَعُون).2
8. ويدلّ بعض الآيات على أنّ سليمان(عليه السلام) كان يكلّف بعض الطيور بأداء بعض المهمّات الكبيرة، وهذا ما حصل مع الهدهد، فلهذا الطير شأن خاص في قصة سليمان، حيث أمره(عليه السلام) بأن يحمل رسالته إلى ملكة سبأ، وخاطبه بقوله: (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَألْقِه إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُون).3
كلّ ذلك يدلّ على أنّ لغير الإنس والجن والملائكة من الجمادات والحيوانات شعور وإحساس كلٌّ حسب درجة وجوده، غير أنّ بعض الآيات يدلّ على وجود الشعور في عامّة الكائنات، والبعض الآخر على وجوده في الدوابّ والطيور.
وهناك آيات تدلّ على وجود الشعور في الأيدي والأرجل والجلود، وهي وإن كانت ترتبط ببعض مشاهد يوم القيامة; بيد أنّنا نوردها هنا لصلتها بالمقام، وللتنبيه على أنّ ثمة أُموراً قد تكون غير معهودة بالنسبة، إلينا، ولكنّنا لا نملك الحقّ في إنكارها. يقول سبحانه:(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ وَأيْدِيهِمْ وَأرْجُلُهُم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ).4
وفي آية أُخرى: (اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ).5

1 . التفسير الكاشف:6/12.
2 . النمل:17.
3 . النمل:28. اقرأ قصة الهدهد في نفس السورة من الآية 20ـ 28.
4 . النور:24.
5 . يس: 65.

صفحه 47
وفي آية ثالثة: (وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدَتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنطَقَنااللهُ الذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيء)1. فإنّ حمل شهادة الأيدي والأرجل أو نطق الجلود على المعنى المجازي يحتاج إلى قرينة، بل الظاهر أنّه سبحانه تبارك وتعالى يضفي على جوارح الإنسان قوة خاصّة تشهد على ما قام به من أعمال.
وفي آية رابعة ورد تحديث الأرض أخبارها، يقول سبحانه: (يَوْمَئِذ تُحَدِّثُ أخبارها* بِأنّ رَبَّكَ أوحى لَها)2، فإنّ حمل هذه الآيات على المعنى المجازي تصرّف بلا دليل.
وفي الأدعية المروية عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) إلماع إلى ما ذكرنا، وهذا هو الإمام زين العابدين(عليه السلام) يقول في دعائه: «تسبّح لك الدوابّ في مراعيها، والسِّباع في فلَواتها، والطير في وكورها، وتسبّح لك البحار بأمواجها، والحيتان في مياهها».3
وفي دعائه عند رؤية الهلال:«أيّها الخلق المطيع الدائب السريع المتردد في منازل التقدير».4
هذا كلّه حول تسبيح الكائنات وللبحث صلة تأتي في تفسير الآية الأُولى من سورة الحشر فانتظر، وأمّا الكلام في سجودها لله سبحانه فله مقام آخر.
***

1 . فصلت:21.
2 . الزلزلة:4ـ5.
3 . مصباح المتهجد:479.
4 . الصحيفة السجادية: الدعاء 43.

صفحه 48

الآية الثانية:

(لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأرْضِ يُحيي ويُميتُ وَهُوَ عَلى كلِّ شَيْء قَدِير).
الآية تدلّ على أسمائه الأربعة:
1.مالك السماوات، في قوله: (له ملك السموات والأرض) على وجه الحصر; لأنّه هو الموجد لهما، فهو أولى أن يكون مالكاً لما أوجد من غيره الذي ليس له دور فيهما، وبذلك يظهر أنّ مالكيته سبحانه مالكية تكوينية نابعة عن خالقيته، بخلاف مالكية الغير فإنّها اعتبارية، فالعقلاء اعتبروا أنّ من حاز، ملك.
2و 3. المحيي والمميت في قوله:(يُحيي ويُميتُ)إذ أنّ إحياء الموتى في البعث والنشور، وإماتتهم في الدنيا، من مظاهر الملكية المطلقة لله تعالى.
4. القدير، في قوله:(وهو على كلّ شيء قدير) فليس لقدرته حدّ محدود، ولعلّ الفقرة دليل على وجوب تسبيحه سبحانه، فإذا كان ما في الكون ملكاً ومخلوقاً له، فإنّه يجب أن يسبّح له شكراً وامتناناً.
***
سورة الحديد.. الآية الثالثة   

الآية الثالثة:

(هُوَ الأوّل وَالآخِرُ وَالظاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْء عَلِيم).
ولعلّ الآية بصدد تبيين أنّ ملكه للسماوات والأرض دائم في عموم الأزمان; لأنّه هو الأوّل قبل كلّ شيء، والآخر بعد كلّ شيء، والعالم بكلّ شيء، وأنّه الظاهر والباطن، فمثل هذا يكون ملكه دائم لا ينقطع، إنّما الكلام

صفحه 49
في تبيين ما هو المراد من هذه الأسماء الخمسة، أعني: 1. الأوّل. 2. الآخر. 3. الظاهر. 4. الباطن. 5. العليم بكلّ شيء.
وقبل تبيين مفاهيمها نطرح سؤالين:
الأوّل: ما ذكر من الأوصاف أُمور متضادة، فالأوّل لا يكون هو الآخر، كما أنّ الظاهر لا يكون هو الباطن، فكيف صار سبحانه أوّلاً، وفي الوقت نفسه آخراً، أو ظاهراً، وفي الوقت نفسه باطناً؟
الثاني: أنّه سبحانه وتعالى واجب الوجود الذي يطَّرد العدم بذاته لا بعامل خارجي، والواجب لذاته لا يوصف بالأوّل، كما لا يوصف بالآخر، لأنّ وجوده مستمر دون أن يكون له ابتداء ولا انتهاء، فكيف وُصف بالأوّل والآخر؟
والإجابة عن هذين السؤالين واضحة بعد تفسير الآية، فنقول:
إنّ الضمير في قوله(هو) يرجع إلى الله سبحانه الوارد في الآية الأُولى، كما أنّ قوله(له) في الآية الثانية يرجع إليه، ولا يعلم المراد من الأوّل إلاّ بما يتّصل به من الكلام، يقول سبحانه: (قُلْ إنّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوّلَ مَنْ أسْلَمَ)1أي أوّلهم إسلاماً.
وقوله:(ولا تَكُونُوا أوّلَ كافِر بِهِ)2 أي أوّلهم كفراً.
وبما أنّه واجب الوجود، فالمراد بكونه الأوّل، هو السابق في الوجود على كلّ موجود، وليس المراد بالأوّل، الأوّل زماناً حتى ينافي كونه واجب

1 . الأنعام:14.
2 . البقرة:41.

صفحه 50
الوجود، بل السابق في الوجود دون أن يكون أوّل زماناً. كما أنّ المراد بالآخر هو الآخر بعد فناء جميع الموجودات، يقول سبحانه:(كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إلاّ وَجْهَهُ)1، وبذلك ارتفع التضاد لاختلاف متعلّقي الأوّل والآخر، فهو الأوّل لسبق وجوده على الجميع، والآخر هو الباقي بعد فناء الموجودات.
ثمّ هو الظاهر: وهو من الظهور الذي هو ضد الخفاء، فإنّ أدلّة وجوده وصفاته واضحة، فهو الظاهر بالآثار والأفعال لا برؤية الحواس.
كما هو الباطن، بمعنى الخفيّ حيث إنّ كنه ذاته محجوب عن إدراك الحواس.
قال أمير المؤمنين(عليه السلام) من خطبة له في تمجيد الله تعالى: «الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين، والباطن بجلال عزّته عن فكر المتوهّمين».2
وقد عرفت أنّ مبنى هذه الصفات، كونه سبحانه واجب الوجود طارداً للعدم من عند نفسه.
ويمكن أن يقال: إنّ مبناها كونه محيطاً بكلّ شيء كما دلّت عليه الآيات، مثل قوله سبحانه: (وكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء مُحِيطاً)3، وقوله سبحانه:(ألا إنَّهُمْ فِي مِرْيَة مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْء مُحِيط).4
فإذا كان سبحانه محيطاً بالكائنات الممكنة فهو الأوّل دون ما فُرض كونه أوّلاً، وهو الآخر دون ما فُرض آخراً.

1 . القصص:88.
2 . نهج البلاغة، الخطبة 213.
3 . النساء:126.
4 . فصلت:54.

صفحه 51
كما أنّه الظاهر على كلّ شيء فُرض ظاهراً، لأنّه أظهر منه لإحاطته به دون ما فُرض ظاهراً، كما أنّه الأبطن من كلّ شيء فرض أنّه باطن لإحاطته به من ورائه، فمقتضى كون وجوده محيطاً على وجود كلّ شيء يكون هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن: فعلى المبنى الثاني فهذه الأسماء الأربعة من فروع كونه سبحانه محيطاً بكلّ شيء.1
قوله: (وهو بكلّ شيء عليم) هو نتيجة كونه محيطاً فإحاطة وجوده على كلّ الكائنات يقتضي كونه عالماً بكلّ شيء، وفي كلام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ما يوضح معنى الآية: «ليس لأوّليّته ابتداء، ولا لأزليّته انقضاء، هو الأوّل لم يزل، والباقي بلا أجل... الظاهر لا يقال ممّ؟ والباطن لا يقال فيم؟».2
ويقول الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) في خطبة له: «الحمد لله الذي لم يكن فيه أوّل معلوم، ولا آخر متناه... فلا تدركه العقول وأوهامها، ولا الفكر وخطراتها، ولا الألباب وأذهانها صفته فتقول: متى؟ ولا بدئ ممّا؟ ولا ظاهر على ما؟ ولا باطن فيما؟».3
***

1 . تفسير الميزان:19/145 بتصرّف وبيان منّا.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 163.
3 . نورالثقلين:5/326.

صفحه 52

الآية الرابعة:

سورة الحديد.. الآية الرابعة   
(هُوَ الّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرضَ فِي سِتَّةِ أيّام ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الأرضِ وما يخرُجُ مِنْها وَما ينزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَ ما كُنْتُمْ وَالله بِما تَعْمَلُونَ بَصير).
والآية تتضمّن مقاطع من الكلام، وهي:
1. كونه هو الخالق للسماوات والأرض.
2. استواؤه على العرش والملك.
3. علمه بما يلج في الأرض وما يخرج منها،وما ينزل من السماء وما يعرج فيها.
4. كونه معنا أين ما كنّا.
5. كونه سبحانه بصيراً بأعمالنا.
وإليك بيان هذه الفقرات:
1. (هُوَ الّذي خَلَقَ السَّموات وَالأرضَ فِي سِتَّّةِ أيّام) .
جملة مستأنفة مثل قوله سبحانه: (هو الأوّل والآخر...) وفي الوقت نفسه متفرّعة على كونه محيطاً بكلّ شيء، فيكون هو الخالق للسماوات والأرض دون غيره، وأمّا الأيام في الآية فالمراد بها الدفعات أو الأدوار حيث خلق سبحانه وتعالى الكون بشكل تدريجي بحركة المادة من القوة إلى الفعل. وقد جاء هذا المعنى في ستة مواضع أُخرى، فلاحظ: الأعراف:54، يونس:3، هود:7، الفرقان:59، السجده:4، ق:38.
والذي يؤيد أنّ المراد باليوم هو الدور، استعماله في الذكر الحكيم في

صفحه 53
غير المعنى المعروف، قال سبحانه:(أئِنّكم لتَكفُرونَ بالّذي خَلق الأرضَ فِي يَوْمَيْن وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْداداً ذلِكَ رَبّ العالَمين* وَجَعَلَ فِيها رَواسيَ مِنْ فَوقِها وَبارك فِيها وَقَدّرَ أقواتها فِى أربَعة أيّام سَواءٌ لِلسّائلين).1 فإنّ المراد من تقدير الأقوات في أربعة أيام هو الفصول الأربعة.
وقال الإمام علي(عليه السلام): «فاعلم أنّ الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك».2
وقال(عليه السلام) أيضاً في حق مروان وولده:«وستلقى الأُمّة منه ومن ولده يوماً أحمر».3
فالأيام الستة التي خُلقت فيها السماوات والأرض ليست بياناً للزمن الذي عملت فيه يد القدرة، لأنّ أفعال الله لا تقدر بالزمان (إنّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئاً أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون)4، بل هي المدّة التي نضج فيها خلق السماوات والأرض، وتمّ فيها تسويتها على الصورة التي أرادها الله تعالى، ومثل ذلك يقال في اليومين اللّذين خُلقت فيهما الأرض، فهما إشارة إلى الزمن الذي نضجت فيه الأرض، وتهيّأت فيه لاستقبال الحياة. فاليومان إذاً قطعات من الزمن ولا يعلم قدرهما إلاّ الله، تمّ فيهما تكوّن الأرض، التي مرّت ـ كما تشير الآية ـ في زمن تكوّنها الأوّلي بدورين مختلفين.
وقد دلّت الأبحاث العلمية على أنّ خلق الكون قد مرّ بأدوار، وأنّ خلق هذه العوالم استغرق سنين متطاولة تحت ضوابط ونواميس خاصّة.

1 . فصلت:9ـ10.
2 . نهج البلاغة، قسم الحكم برقم 396.
3 . نهج البلاغة، الخطبة 73.
4. يس:82.

صفحه 54
وثمّة نظريات تحدّثت عن كيفية تكوّن الكواكب، منها (نظرية المدّ والجزر) أو (النظرية الغازية) التي اقترحها العالمان الإنجليزيان (جيمس جينز) و(هاردولد جيفريز) عام (1919م)، وذهبا إلى أنّ أذرعاً من الغاز الساخن سُحبت من الشمس بوساطة حاذبية نجم سريع مرّ بالقرب من الشمس، وتجمع الغاز في دوامات، وتحوّل إلى كرات سائلة، ثم بردت ببسط كلّ كرة وتشكّلت قشرة صلبة حولها. وتفترض هذه النظرية أنّ الأرض كانت في البداية غازاً، وبعد ذلك صارت سائلاً قبل أن تتطوّر إلى قشرة صلبة.1
ثمّ إنّه سبحانه قيّد في بعض السور خلق السماوات والأرض في ستة أيام بقوله: بغير لغوب، فقال: (وَلَقَدْ خَلَقْنا السمواتِ وَالأرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي ستّةِ أيام ومامَسَّنا مِنْ لُغُوب)2
ففي مجمع البحرين: اللغوب: التعب والإعياء.3
ولعلّ تقييده به لردّ ما ورد في التوراة من أنّه سبحانه لمّا فرغ من خلق السماوات استراح في اليوم السابع من التعب الذي أصابه، فقد جاء في التوراة ما هذا نصّه: وهكذا أكملت السماوات والأرض وجميع قواتها وانتهى الله في اليوم السابع من عمله الذي عمله واستراح في اليوم السابع من كلّ عمله الذي عَمِله وبارك الله اليوم السابع وقدّسه لأنّه فيه استراح من كلّ

1 . الموسوعة العربية العالمية:1/521 ، الطبعة الثانية:1419هـ .
2 . سورة ق:38.
3 . مجمع البحرين: مادة «لغب».

صفحه 55
عمله الذي عمله خالقاً.1
2. (ثمّ استوى على العرش):
لقد اتّخذ المجسّمة هذا النصّ ذريعة للقول بالتجسيم، ففسّروا الاستواء بالاستقرار والعرش بالسرير الذي يجلس عليه المَلك، وقالوا بأنّه تعالى يجلس على السرير، وأيّدوا مقالتهم بما رواه الحشوية من أخبار، كالخبر الذي يزعم أنّ رسول الله، قال: إنّ عرشه على سماواته لهكذا، وقال بأصابعه2، مثل القبّة عليه، وإنّه3 ليئطّ به أطيط الرَّحل4 بالراكب.5، وهذا التفسير خاطئ صادر ممّن لم يتدبّر في موضع الفقرة من المواضع الستة التي وردت فيها تلك الفقرة، وقد مرت الإشارة إلى مواضعها.
أمّا الاستواء فليس بمعنى الجلوس، ولو استعمل في مورد الجلوس فإنّما هو لأجل تضمّنه لمعنى الاستواء، فمعناه الحقيقي التمكّن التام والاستيلاء الكامل، يقول سبحانه:(فإذا اسْتَوَيْتَ أنتَ وَمَنْ مَعَكَ فَقُلِ الحَمْدُللهِ الذِي نَجّانا مِنَ الْقَومِ الظالِمينَ).6 أي إذا تمكّنت في مكانك.
ويقول سبحانه:(كَزَرْع أخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاع).7 أي تمكّن الزرع واستقام.

1 . التوراة: سفر التكوين: برقم 2، ص 70.
2 . قال بأصابعه: أي أشار بها.
3 . وإنّه: أي العرش.
4 . يئطّ: يصوّت. وبه: أي بالله تعالى. والرَّحْل: ما يوضع على ظهر البعير، وهو كالسَّرْج للحصان.
5 . سنن أبي داود: 2/418 برقم 4726.
6 . المؤمنون:28.
7 . الفتح:29.

صفحه 56
وقال سبحانه في حقّ موسى(عليه السلام): (وَلمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واستَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ)1. فالاستواء في هذه الآيات بمعنى التمكّن التام والاقتدار الكامل، ويشهد على ذلك قول الشاعر:
قد استوى بشر2 على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
يريد أنّه استولى على العراق وبسط سلطانه عليه دون أن يسلّ سيفاً أو يهرق دماً.
وفي «لسان العرب»قال: يقال: استوى: أي استولى وظهر ثم استشهد بالشعر المذكور أعلاه، ويقال: استوى على ظهر دابته أي استقرّ.3
ولو تقارن التمكّن التام مع الجلوس في مورد الفُلك فهو من خصوصيات المورد، وإلاّ فمعناه المطابقي هو التمكّن، سواء أكان في حال الجلوس أو القيام أو غيرهما.
وأمّا العرش فيختصّ استعماله بالدائرة الخاصة بملوك البشر على اختلاف أشكالها حسب اختلاف حضارة البشر في أدواره وفخامة الملك وسلطانه. يقول سبحانه:(وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً)4 أي رفع يوسف(عليه السلام) أبويه، أي أجلسهما على السرير الذي كان يجلس عليه وهو يدير شؤون المملكة، تعظيماً لهما، وإلاّ فإجلاس الأبوين على ما كان يجلس عليه ليس فيه تعظيماً.

1 . القصص:14.
2 . هو بِشْر بن مروان، الذي ولي العراقين (البصرة والكوفة)لأخيه عبد الملك عام (74هـ).
3 . لسان العرب، مادة «سوا».
4 . يوسف:100.

صفحه 57
وقال سبحانه: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْء وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ)1 يريد سبحانه القوم الذين ينتسبون إلى سبأ، والمرأة هي بلقيس بنت شراحيل وكان من الملوك، وورثت ابنته بلقيس السلطان منه وكانت تملك جميع مظاهر الثراء والترف في زمانها، وكانت تجلس على سرير ضخم ثمين مرصّع. ونظراً لفخامة عرشها وعظمه، أمر سليمان الملأ بالإتيان به لِلفت انتباهها إلى ما آتاه الله من قدرة خارقة، وقال: (يا أيُّها الملأُ أيُّكُمْ يأتِيني بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأتُونِي مُسْلِمين)2. ولمّا جاءت بلقيس إلى سليمان (عليه السلام) وقد أُحضر عرشها قبل مجيئها قيل لها: (أهكذا عَرْشُكِ قالَتْ كأنّهُ هُو)3، كلّ ذلك يدلّ على أنّ العرش ليس مجرّد السرير، بل العرش هو ما يكون مصدراً لتدبير الأُمور وإدارة البلد .
وقد اتّفقت كلمة اللغويّين على أنّ من معاني العرش سرير المَلك4، وربّما كنّي به عن مقام السلطنة، قال الراغب في «المفردات»: العرش في الأصل شيء مسقف، وجمعه عروش، قال: (وهي خاوية على عروشها)5... وسُمّي مجلس السلطان عرشاً اعتباراً لعلوّه.6
ولمّا كان سبحانه منزّهاً عن مشابهة مخلوقاته في الذات والصفات والأفعال، فلابدّ أن يكون المراد من (الاستواء على العرش) أمر آخر له صلة

1 . النمل:23.
2 . النمل:38.
3 . النمل:42.
4 . انظر: لسان العرب، مادة «عرش».
5. البقرة:259، الكهف:42.
6. مفردات غريب القرآن:329، مادة «عرش».

صفحه 58
بتدبير أمر السماوات والأرض، فالجملة كناية عن أنّه بعدما خلق السماوات والأرض تمكّن تمكّناً تامّاً من تدبيره وإدارته. ويدلّ على ما ذكرنا من أنّه كناية عن استيلائه على عرش إدارة العالم:
1. أنّ الفقرة جاءت في غير واحدة من الآيات في ثنايا الكلام حول خلقة العالم وتدبيره، يقول سبحانه:
(إنّ رَبَّكُمُ اللهُ الذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ في سِتَّةِ أيّام ثُمَّ اسْتوى عَلَى العرشِ يُغْشِي اللَّيلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثيثاً وَالشَّمس والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَّخَرات بأمْرِهِ ألا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تبارَكَ الله رَبّ العالَمين).1
ويقول سبحانه: (اللهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَونَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْس وَالْقَمَر كُلٌّ يَجْري لأجل مُسَمَّى يُدَبِّرُ الأمْر يُفصِّل الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون).2
ترى أنّه سبحانه في سورة الأعراف يخبر قبل هذه الفقرة وبعدها عن الأُمور الكونية نظير خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأنّ الليل يغشى النهار، وأنّ الشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره، ففي ثنايا هذه الإخبارات يقول: (ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرش)، فهو قرينة على أنّ الفقرة راجعة إلى أمر كوني كسائر الفقرات، ويكون معناه: أنّه سبحانه مع قيامه بهذه الأُمور مستول على العرش، أي عالَم الملكوت والأرواح وعالم الناسوت والأجرام، فالجميع في قبضة قدرته بتدبيره، ولا يخرج شيء عن محيط تدبيره

1 . الأعراف: 54.
2 . الرعد:2.

صفحه 59
وقدرته.
2. أنّه سبحانه في سورة الأعراف يخبر عن الأُمور الكونية ويضيف: (يدبّر الأمر)، فإنّ ذلك قرينة على أنّ المراد استيلاؤه سبحانه على العرش الذي هو صفحة الوجود من عالم الأرواح إلى عالم الناسوت، فالجميع يدبّر بتدبيره.
3. لو قمنا بتفسير الفقرة بجلوسه سبحانه على السرير لزم الإخبار عن أمر لا صلة له بما قبله ولا بما بعده، بل يكون معنىً مبتذلاً غير لائق بكونه وارداً في الذكر الحكيم.
4. أنّ قوله في سورة الأعراف(ألا له الخلق والأمر) تفسير لقوله: (ثمّ استوى على العرش) أي أنّه يملك الكون ويدبّر أمره.
كما أنّ قوله: (يدبّر الأمر) في سورة الرعد يفسّر الفقرة، وإنّما عبّر سبحانه عن ملكه وتدبيره بالاستواء على العرش; لأنّ المَلك يستولي على مملكته ويدبّرها وهو على عرشه، فجاءت الجملة كناية عن ذلك المعنى.
5. يرشدك إلى هذا المعنى قول الشاعر:
إذا ما بنو مروان ثُلّت عروشهم *** وأودت كما أودت أياد وحِميَرُ
فالمراد من ثَلّ عروشهم هو زوال قدرتهم، وانتهاء سلطانهم، وانهدام ملكهم مع إمكان بقاء نفس العرش الذي كانوا يجلسون عليه عند تدبير البلد.1
يقول الراغب: يقال: أظننت عرشك لا تزول كناية عن زوال حكمه

1 . مجمع البحرين: مادة «ثل».

صفحه 60
وسلطته.1
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الفقرة: إمّا كناية عن استيلائه على عالم الكون مـن مجـرّده ومـادّيه وملكـوته وملكـه، وأنّـه ليس للعرش مصداق خارجي; أو أنّ العرش عبارة عن صحيفة الوجود، أعنـي: ما سوى الله سبحانه، فهو مستول على ذلك العرش الكبير منذ خلقـه الله إلى أن يرث الأرض وما فيها. فعلى التفسير الثاني يكون لتفسير العـرش واقعيـة خارجية وهو نفس الكون.
وقال سيدنا الأُستاذ الطباطبائي: إنّ العرش هو المقام الذي يرجع إليه جميع أزمّة التدابير الإلهية والأحكام الربوبية الجارية في العالم... ولمّا كان كذلك، كانت فيه صور جميع الوقائع بنحو الإجمال حاضرة عند الله، معلومة له، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها...)، فهذا القول يجري مجرى التفسير للاستواء، فالعرش مقام العلم كما أنّه مقام التدبير العام الذي يسع كلّ شيء... ولذلك هو محفوظ بعد رجوع الخلق إليه تعالى لفصل الفضاء، كما في قوله: (وَتَرى المَلائكَةَ حافّينَ من حول العرش)2، وموجود مع هذا العالم المشهود، كما يدلّ عليه آيات خلق السماوات والأرض، وموجود قبل هذه الخلقة، كما يدلّ عليه قوله: (وَهُوَ الّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيّام وَكانَ عَرْشهُ عَلى الماء)3.4

1 . مفردات الراغب: 329.
2 . الزمر:75.
3 . هود:7.
4 . انظر: تفسير الميزان:8/158ـ 159.

صفحه 61
3.(يعلم ما يلج في الأرض و ما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها).
الولوج: أي الدخول، يقول سبحانه: (حتّى يَلجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِياط).1
والله سبحانه يعلم ما يدخل في الأرض من كنوز ومياه حتى الكنوز التي تدخل في الأرض شيئاً فشيئاً. (وما يخرج منها): من نبات وحشرات ومياه. (وما ينزل من السماء): من ماء وثلوج وأنوار. (وما يعرج فيها): كالأبخرة والملائكة وأعمال العباد.
ثمّ إنّ علمه سبحانه بهذه الأُمور من فروع كونه محيطاً بالكائنات.
4. (وهو معكم أينما كنتم)
ووجه ذلك، أنّه سبحانه محيط بالعالم، ملكه وملكوته، ولازم الإحاطة كونه مع ما خلق. ثم إنّ المعيّة ليست معيّة مكانية بل معيّة قيّوميّة، لأنّ نسبة الكائنات إلى الله سبحانه نسبة المعنى الحرفي إلى الاسمي، أو كنسبة الصور الذهنية إلى النفس المصوّرة لها، فكما أنّ انفصال المعنى الحرفي عن الاسمي أو انفصال الصور الذهنية عن النفس يوجب انعدامها، فهكذا العالم والكائنات بأجمعها قائمة بالله سبحانه كقيامهما، فلو كان هناك انفصال بين الخالق والمخلوق يلزم انعدامه دون أن يكون له أثر.
توضيحه: أنّ متعلّق الجعل والإيجاد هو الوجود الإمكاني الذي ليس له شأن من الشؤون سوى الفقر والتدلّي بالغير، دون أن يكون في حدّ ذاته

1 . الأعراف:40، وفسّر الجمل في الآية بمعنى حبل السفينة.

صفحه 62
مستقلاً عَرض له الفقر والتدلّي، وإلاّ يلزم كون الشيء في حدّ ذاته غنياً عَرض له الفقر وواجباً عرض له الإمكان، وهو غير معقول فلا محيص من القول بأنّ الفقر عين الوجود الإمكاني، والتدلّي نفس حقيقته، ومثل ذلك لا محصّل له إلاّ بقيامه بالخالق، يقول سبحانه: (يا أيُّها الناسُ أنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى اللهِ واللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيد).1 وبذلك ظهر معنى قوله سبحانه: (وهو معكم أينما كنتم). فالمعيّة القيّوميّة نفس ذاتنا وعين واقعنا، ففرض عدمها يلازم فرض عدم ذاتنا وواقعنا. يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في تمجيد الله تعالى: «مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة».2
ثمّ إنّ بعض أهل الظاهر لمّا تصوّر أنّ معيّته سبحانه معنا، توجب الحلول أو حضوره سبحانه في أماكن غير لائقة بذاته، عادوا يفسّرون المعيّة بالمعيّة العلمية، وهو خطأ فادح، لما عرفت من المراد بها، وهو المعية القيّوميّة لا المعيّة المكانية، فالقوم بما أنّهم أغلقوا باب التعقّل والتدبّر في آياته سبحانه كانوا يأوّلون الآيات ويحملونها على غير معناها.
سورة الحديد.. الآية الخامسة   
وعلى كلّ تقدير، فالفقرة تهديد ووعيد لكلّ طاغ وباغ، فإنّه سبحانه حاضر في كلّ مكان، ناظر للأعمال كما يقول: (والله بما تعملون بصير)فيثيب ويعاقب.
***

1 . فاطر:15.
2 . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.

صفحه 63

الآية الخامسة:

(لَهُ مُلْكُ السَّموات وَالأرْض وَإلَى اللهِ تُرجَعُ الأُمور).
ما ذكره سبحانه من ملكية السماوات والأرض، يأتي تأكيداً لما ورد في الآية الثانية حيث قال فيها: (له ملك السموات والأرض) غير أنّه ذكرها هناك لتكون دليلاً على أنّ له الإحياء والإماتة، وذكرها هنا لتكون تمهيداً لرجعة الأُمور إلى الله سبحانه حيث قال: (وإلى الله ترجع الأُمور)، إنّما الكلام في معنى الأُمور، فإن قلنا بأنّها تطلق على جميع الموجودات الجواهر والأعراض، الذوات والأفعال، تكون إشارة إلى أنّ جميعها تصير إلى الله يوم القيامة، وإن قلنا باختصاصها بالأفعال كما هو الظاهر، فالمراد رجوع أفعال الناس إلى الله سبحانه ليجزي الناس بها. ويظهر من السيد الطباطبائي اختيار الوجه الأوّل حيث قال: الأُمور جمع محلّى باللام يفيد العموم، كقوله: (ألا إلى اللهِ تَصيرُ الأُمُور)1، فما من شيء إلاّ ويرجع إلى الله.
وإنّما قال: (وإلى الله ترجع الأُمور) مكان: وإليه ترجع الأُمور، لتكون الفقرة جملة مستقلة تصلح لأن تكون مثلاً سائراً، ولذلك يتمثّل تارة بقوله: (وإلى الله ترجع الأُمور) وأُخرى بقوله: (ألا إلى الله تصير الأُمور).
***

1 . الشورى:53.

صفحه 64

الآية السادسة:

سورة الحديد.. الآية السابعة   
(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ).
أي يأخذ الليل من النهار في فصل، ويأخذ النهار من الليل في فصل آخر، ويتساويان في بعض الأيام، فاختلاف الليل والنهار في الطول والقصر باختلاف فصول السنة من مظاهر قدرته واستيلائه على عرش ملكه. ثم إنّه أتمّ الآية بقوله: (وَهُوَ عَليمٌ بذاتِ الصُّدُور) وعلمه بذات الصدور كناية عن علمه بالأفكار المغمورة والنيات المكنونة وبما تُضمره النفس من أسرار.
والشعور بيد الله تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، في لطف، ينشئ في القلب حالة من التأمّل الرفيق، والحساسية الشفيفة، كالشعور بعلم الله يتلطّف في الاطلاع على ذات الصدور، الساكنة في خبايا الصدور!1
إلى هنا تبيّن أنّ الآيات الست تضمّنت ست عشرة صفة من أسماء الله سبحانه إمّا تصريحاً أو تلويحاً:
وهي: الله، العزيز، الحكيم، الملك2، المحيي، المميت، القدير، الأوّل، الآخر، الظاهر، الباطن، العليم،3 البصير، المدبّر،4 الواحد.5
***

1 . في ظلال القرآن:7/721.
2 . (له ملك السموات).
3 . (يعلم ما يلج).
4 . يُعلم من التدبّر في مجموع الآيات.
5 . يُعلم من كونه الأوّل والآخر.

صفحه 65

الآية السابعة:

(آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأنْفقُوا ممّا جَعَلكُم مُسْتَخلفين فيهِ فَالذينَ آمنوا مِنكُمْ وأنفقُوا لَهُمْ أجرٌ كبير).
قد تقدم أنّ السورة مدنية، ويؤيد ذلك قوله سبحانه في الآية العاشرة: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا)، فعلى هذا يكون المخاطب في الآية هم المؤمنون لا المشركون، ولا خصوص مَن في نفوسهم بقية من نفاق أو ارتياب، والغاية من الأمر بالإيمان هو تثبيته في قلوبهم حتى يتجلّى بآثاره من البذل والإنفاق، نظير قوله سبحانه: (إهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ).1
ولو قلنا بأنّ ما تقدّم من أوّل السورة إلى الآية السادسة مكّي ـ كما استقربناه ـ فهذه الآية إلى آخر الآية الحادية عشرة التي تحثّ على الإنفاق والإقراض، مدنية.
نعم ربّما يحتمل كونها مكيّة، لأنّ أهل الجاهلية كانوا في الغالب، لا ينفقون أموالهم في سبل الخير ومن أجل الفقراء واليائسين، وإنّما ينفقونها في اللّذات والمفاخرة. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: (إنَّهُ كَانَ لا يُؤمِنُ باللهِ العَظيمِ* وَلاَ يَحُضُّ عَلى طَعَامِ الْمِسْكينِ)2، وقوله: (كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتيمَ* وَلا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِين)3
وعلى كل تقدير فقوله: (ممّا جعلكم مستخلفين فيه) إرشاد إلى سبب

1 . الحمد:6.
2 . الحاقة:33ـ 34.
3 . الفجر:17ـ18.

صفحه 66
وجوب الإنفاق، وهو أنّ المؤمنين وكلاء الله سبحانه على ما في أيديهم من أموال، وهذا التصوّر الذي يخلقه القرآن في نفس المؤمن، يشكّل قوة موجهة له في مجال السلوك، وقيداً صارماً يفرض على المالك التزام التعليمات والحدود المرسومة من قبل الله عزّ وجلّ.1 ففرق بين أن يقول: وأنفقوا من أموالكم، وبين قوله: (وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفينَ فِيه)، ففي الثاني إيعاز إلى جهة الإيجاب، وهو أنّ المال مال الله والناس وكلاؤه وخلفاؤه في الأرض فليس للوكيل إلاّ امتثال أمر الموكِّل.
سورة الحديد.. الآية الثامنة   
وبما أنّ لفيفاً من المؤمنين كانوا على الإيمان الثابت والقائمين بآثاره استدركه سبحانه بقوله: (فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير)، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على سوق الكلام على وجه الدقة حتى لا تُبخس حقوق العامل القائم بآثار الإيمان.
هذا كلّه إذا قلنا بأنّ استخلافهم في الأرض إنّما هو من الله سبحانه، حيث استخلفهم في الأرض ليقوموا بعمارتها، ومن طرق العمارة الإنفاق على المحتاجين حتى يتمكّن الجميع من عمارة الأرض، ويدلّ على ذلك قوله سبحانه: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) 2 حيث جعل على ذمّة الناس عمارة الأرض.
وأمّـا لـو قلنـا بـأنّ استخلافهـم إنّمـا هـو ممّن سبقهـم مـن الأجيال، فكلّ جيل يخلف الجيل اللاحق، فالسببية واضحة ـ أيضاً ـ لأنّ المـال بمـا أنّـه لا يدوم في يـد أحـد بل ينتقـل مـن يـد إلى يـد، فإذا كـان كـذلك

1 . انظر: اقتصادنا للشهيد السيد محمد باقر الصدر:534.
2 . هود: 61.

صفحه 67
فليُنفـق في سبيـل الله قبل أن يذهب من يده إلى يد غيره.
***

الآية الثامنة:

(وما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لتُؤْمِنُوا بربّكُمْ وَقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ إذْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين).
الكلام في المخاطب في هذه الآية هو الكلام في الآية السابقة، وبما أنّ الآيات يعلو عليها أنّها مدنية، فالمراد تحريض المؤمنين على الثبات على الإيمان وترتيب آثاره عليه من الإنفاق في سبيل الله، ولذلك قال: (وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربّكم) فقوله:(لتؤمنوا بربّكم)، فيه إيعاز إلى سبب الإنفاق، وذلك لأنّ الرب بمعنى الصاحب، فما في أيديكم هو له، فلا وجه للامتناع عن الإنفاق أو التساهل في طريقه.
ثمّ إنّ المراد من الميثاق في قوله: (وقد أخذ ميثاقكم) هو الميثاق الموجود عند الايمان بالله ورسالة رسوله(صلى الله عليه وآله) حيث إنّ الإيمان بهما يقتضي طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) والقيام بأوامره.
وربّما يحتمل أن يكون المراد من الميثاق هو الميثاق الفطري الذي يشير إليه قوله سبحانه: (وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِين).1

1 . الأعراف:172.

صفحه 68
ولكنّه بعيد، لأنّ الإنسان غافل عن هذا الميثاق مع أنّ الاحتجاج بشيء إنّما يصحّ إذا كان الإنسان متذكّراً له عند الاحتجاج
***
سورة الحديد.. الآية التاسعة والعاشرة   

الآية التاسعة:

(هُوَ الّذي يُنزِّلُ على عَبْدِهِ آيات بَيّنات ليُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وَإنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤوفٌ رَحِيمٌ).
الآية تأكيد للاستنكار الوارد في الآية المتقدّمة ـ أعني قوله: (وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربّكم) ـ ووجه الاستنكار هو أنّ الله تعالى يُنزّل على عبده محمد(صلى الله عليه وآله) آيات واضحات فمن تأمّل فيها حق التأمّل يؤمن بها، ومن ثم يخرج من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وأتمّ الآية باسمين، هما كونه سبحانه «رؤوفاً» «رحيماً» ومقتضاهما حصول الخير إلى الغير، وفي المقام حصول الخير إلى المؤمن القائم بالإنفاق لأنّه يكون ذخراً له في الآخرة.
***

الآية العاشرة:

(وَما لَكُمْ ألاّ تُنْفِقُوا في سَبيلِ اللهِ وَللهِ مِيراثُ السَّمواتِ وَالأرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجةً مِنَ الّذينَ أنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنى واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِير).
إنّ «ما» في قوله: (ما لكم) استفهامية استنكارية وردت للتوبيخ على

صفحه 69
عدم الإنفاق. والآية تتضمّن أُموراً ثلاثة:
1. الترغيب في الإنفاق بتحليل خاص.
2. التفريق بين مَن أنفق وقاتل قبل الفتح وبين مَن أنفق وقاتل بعده.
3. التجليل والتكريم لكلا الطائفتين.
أمّا الأوّل فرغّب في الإنفاق قائلاً بأنّ ما في الأرض ينتقل من شخص إلى آخر حتى تنتهي الحياة في الأرض ويصير الجميع إلى الله سبحانه، فإذا كان الأمر كذلك وأنّ الأموال لا تدوم في يد شخص قط، فلينفق من كان له نصيب منها، لأنّها تنتقل إلى غيره، وإليه يشير سبحانه بقوله: (وللهِ مِيراثُ السَّمواتِ والأرضِ); وقد ورد التصريح بهذا النوع من الميراث في قوله سبحانه: (إنّا نَحْنُ نَرِث الأرضَ وَمَنْ عَلَيْها وإلَيْنا تُرْجَعُون)1، وقوله: (إنّ الأرضَ للهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ).2
فالله سبحانه يرثكم وما في أيديكم، فلا يبقى لأحد مال، فهلا قدّمتموه في الإنفاق في سُبل الخير ليكون ثواب ذلك باقياً لكم.
وإظهار الاسم الجليل (ولله) في موقع الإضمار لزيادة التقرير وتربية المهابة.3
وأمّا الثاني ـ أي عدم المساواة بين الإنفاقين قبل الفتح وبعده ـ : فواضح، وذلك أنّ المواقف تتباين بتباين طبيعة الظروف والأوضاع، فالذي يلبّي نداء التضحية والإيثار بالمال والنفس، في أيام المحن، وأوقات العسر، وتوالي

1 . مريم:40.
2 . الأعراف:128.
3 . روح المعاني المعروف بتفسير الآلوسي:27/171.

صفحه 70
الأهوال; غير الذي ينفق ويقاتل، والدنيا مقبلة، والأُمور ميسّرة، والمصاعب مولّية.
ومن المعلوم أنّ المسلمين قبل الفتح كانوا في ضيق وضعف، وبعده في سعة وقوة، ولا شك في أنّ الإنفاق مع الغنى لا يساوي الإنفاق مع الفقر، ومن هنا أثنى سبحانه على الباذلين من أهل الفاقة والحاجة، بقوله:(وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَة)1 كما فضّل سبحانه السابقين في الإيمان بقوله: (والسابِقُونَ السابقون* أُولئِكَ الْمُقرَّبُون)2 وذلك لأنّ إيمانهم حال الضعف آية توكّلهم على الله سبحانه وعرفانهم الصحيح للإسلام والداعي إليه،بخلاف الإنفاق بعد القدرة والمُكنة، فإنّ لهما تأثيراً ـ وراء الاتّكال على الله ـ في الإيمان.
وأمّا الثالث ـ وهو التجليل والتكريم لعمل كلتا الطائفتين، وأنّ الله سبحانه وعدهما بالحسنى ـ فقد ذكره لئلاّ يتوهّم متوهّم من أنّه لا فائدة للإنفاق بعد الفتح...
وقد قرن الله سبحانه القتال بالإنفاق لبيان أنّ كلتا الطائفتين قد بذلتا الأموال والأنفس في سبيل الإسلام في ظروف مختلفة.
سورة الحديد.. الآية الحادية عشرة   
***

1 . الحشر:9.
2 . الواقعة:10 ـ 11.

صفحه 71

الآية الحادية عشرة:

(مَنْ ذَا الذي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَريمٌ).
الآية بصدد الترغيب في الإنفاق ولكن ببيان آخر، فإنّ الترغيب في الآيات السابقة كان مبنيّاً على أنّ المال لله والعباد وكلاؤه عليه، وأنّ الأموال ستنقل من يد إلى يد ومن جيل إلى آخر وتنتهي إلى الله سبحانه، فالأفضل الإنفاق مادامت الأموال في أيديهم. وأمّا في هذه الآية فقد عدل الله إلى بيان آخر، وهو أنّه رغم كونه سبحانه هو المالك الحقيقي للسماوات والأرض وما فيهما مالكية تكوينية ـ لأجل أنّه خالق لهما والإنسان مالك لما في يده ملكية اعتبارية ـ يضع نفسه موضع المستقرض، والمنفق في موضع المقرض!! وهذا من ألطف البيان وأروعه في تحريك العواطف الإيمانية ودفعها إلى الإنفاق في سبيل الله، ولم يقتصر على ذلك بل ذكر أنّه سيردّه مضاعفاً، ثم يردفه بأجر كريم، وهذا ما يشير إليه سبحانه بقوله: (فيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَريمٌ) . وقد جاء هذا البيان ـ أيضاً ـ في آيات أُخر، مثل قوله سبحانه: (إنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ).1
وقد جاء الغفران في هذه الآية مكان الأجر الكريم في الآية السابقة.
وسيوافيك هذا المضمون في هذه السورة أيضاً، عند تفسيرنا للآية الثامنة عشرة.
***

1 . التغابن:17.

صفحه 72

الآية الثانية عشرة:

سورة الحديد.. الآيات 12ـ15   
(يَوْمَ تَرى المُؤمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسعى نُورُهُمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَومَ جَنّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِها الأنْهارُ خالِدينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ).

الآية الثالثة عشرة:

(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقونَ وَالْمُنافِقاتُ للّذينَ آمَنُوا انُظُرونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بابٌ باطنُهُ فِيه الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذابُ).

الآية الرابعة عشرة:

(يُنادُونَهُم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أنْفُسكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارتَبْتُمْ وَغَرّتكُمُ الأمانيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِالله الغَرُورُ).

الآية الخامسة عشرة:

(فَاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِديةٌ وَلا مِنَ الَّذينَ كَفَرُوْا مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُم وَبِئْسَ المَصِيرُ).
لقد تحدّثت هذه الآيات الأربع عن وقائع وأحداث لا يمكننا درك حقيقتها وواقعيتها إلاّ إذا خرجنا من هذه الدنيا ودخلنا في حياة أُخرى، حتى نلمس هذه الحقائق وندركها بواقعها، وإلاّ فالإنسان مادام يعيش في الحياة الدنيوية، فليس له حظ من تصوّر هذه الحقائق، إلاّ مفاهيم ذهنيّة تشير إلى

صفحه 73
الحقائق العلْويّة، وإليك ما ورد في هذه الآيات من الحقائق:
1. يوم يجمع الله الناس على صعيد واحد، فما هو هذا الصعيد الوسيع الذي يجمع في أطرافه البشر جميعاً؟
2. أنّ المؤمنين سيقدمون المحشر ووجودهم منابع للنور فيسعون إلى الجنة ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، كما أنّ المنافقين يلفّهم الظلام وكلّما مشوا لا يرون ضوءاً يبصرون به مواضع أقدامهم.
3. الطائفة الثانية ـ لأجل انغمارهم في الظلمة ـ يطلبون التريّث من الطائفة الأُولى حتى يقتبسوا من نورهم ويمشوا على ضوئهم، فعندئذ يخاطبون: (ارجِعُوا وراءكُم فالتمسُوا نوراً) والمراد من الوراء هو الحياة الدنيوية، والرجوع إليها محال، فالبقاء في الظلمة يصير أمراً حتمياً.
4. عندئذ يضرب بين الطائفتين بحاجز وسور يكون فاصلاً بين الطائفتين، وهذا السور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من جانبه العذاب.
وما هي الغاية من الباب هل هو لدخول المؤمنين ثم إقفاله لبقاء المنافقين وراء الباب؟
5. كيف يكون باطنه فيه الرحمة وظاهره من جهته العذاب؟
6. وبعد ما تبيّن خسران الطائفة الثانية وحتمية العذاب لهم، فعندئذ ينادون جماعة المؤمنين من بعيد قائلين بأنّا كنّا معكم في الدنيا فلماذا صار مصيرنا العذاب ومصيركم الجنة؟ وهل يكون السور غير حاجز عن وصول كلامهم إلى المؤمنين؟
7. فيجابون بأُمور وهي: أنّكم فتنتم أنفسكم أوّلاً، وتربّصتم ثانياً،

صفحه 74
وارتبتم ثالثاً، وغرّتكم الأماني رابعاً، حتى جاء أمر الله وهو الموت وغرّكم بالله الشيطان.
8. وربّما يتصوّر المنافق بأنّ مثل الآخرة كمثل الدنيا يمكن أن يتخلّص الإنسان من العذاب بالفدية، فتردّ عليه هذه الفكرة بأنّ الفدية لا تؤخذ منكم أيّها المنافقون و لامن الذين كفروا. وفي الختام يحكم عليهم بأنّ مأواهم النار هي أولى بهم وبئس المصير.
***
هذه هي الحقائق التي يمكن فهمها من ظاهر الآيات عند التأمّل فيها، ولكنّا كبشر لا نلمس الحقيقة ولا واقع هذه الجمل والفقرات، ولكن نؤمن بها وإن لم نفهمها على واقعها.
إنّ تصور الإنسان عن الأُمور الأُخرويّة كتصوّر الجنين في رحم أُمّه، عن الدنيا خارج عن الرحم، فلو سئل هذا الجنين عن الشمال والجنوب والشرق والغرب فإنّه لا يشير إلى شيء خارج الرحم، فالرحم عنده الشرق والغرب والشمال والجنوب والسماء والأرض والكواكب والمجرّات وهلم جرّاً، وما ذاك إلاّ لأنّه موجود في الرحم، وهو حصن حصين لا يسمح له أن يخرج من مأواه، ولكن بعد ما يكسر هذا الحصن ويخرج الجنين خارج الرحم، فعندئذ يتجلّى له أنّ ما كان يتصوّره شرقاً وغرباً كان فكرة خاطئة غير واقعية.
وهكذا تصوُّرنا عن الحياة الأُخروية، فنحن لا ندرك إلاّ مفاهيم تشير إلى حقائق مستورة عنّا، فلذلك يجب الإيمان بهذه الحقائق وانتظار تأويلها يوم القيامة.

صفحه 75
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير فقرات هذه الآيات:
(يوم ترى المؤمنين والمؤمنات) .
قد تكرر لفظ «يوم» في الآية الأُولى والآية الثانية بصورة النكرة، ولكن جاء معرّفاً في ثنايا الآية الأُولى مرّة ثانية والآية الرابعة، والجميع إشارة إلى يوم القيامة والظاهر أنّه ظرف للفقرة الأخيرة قبل هذه الآيات، حيث جاء فيها: (وله أجر كريم) أي يوم ترى المؤمنين والمؤمنات.
(يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم).
أي يتقدّم نورهم عليهم وينتشر أمامهم، ومنبع هذا النور هو وجود المؤمنين، وبسعيهم يسعى النور ولا يفارقهم. وذكر الأمام واليمين دون الشمال ولا الخلف تشريفاً لهما....
يقول سبحانه في سورة التحريم: (يَوْمَ لا يخزي اللهُ النبيَّ وَالّذينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسعى بَيْنَ أيدِيهِمْ وَبأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شََيء قَديرٌ)1.
ويدلّ على كرامة اليمين قوله سبحانه: (فأمّا مَْن أُوتي كتابه بِيَمينِهِ* فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً).2
(بُشْراكُمُ الْيَومَ جَنّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها ذلكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
البشرى اسم مصدر وهي عبارة عمّا يُبشَّر به، وقد جاء في الآية قوله:

1 . التحريم:8.
2 . الانشقاق:7ـ8.

صفحه 76
(جنات) تفسيراً لها فبُشِّروا بها.
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقونَ وَالْمُنافِقات للّذين آمنوا).
عطفت الآية المنافقات على المنافقين وفقاً للآية المتقدّمة التي عطفت المؤمنات على المؤمنين.
قوله سبحانه: (انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً)أي انتظرونا حتى نلحق بكم ولا تعجلوا في السير فينأى نوركم عنّا، والاقتباس هو أخذ القَبَس وهو الجذوة(الشُّعلة) من النار، فيقال لهم ـ بدون ذكر القائل ـ ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، والآية دالّة على أنّ النور الذي كان يشعّ في المحشر أمر ترجع جذوره إلى الدنيا، فكأنّ ما يقوم به الإنسان من الطاعات والمبرّات يؤثّر في روح الإنسان ويوجد فيه ملكات تضيء يوم القيامة ويتبدل إلى النور في يوم الحساب، فكأنّ للعمل وجودين: أحدهما دنيوي وهو الصلاة والصوم بالخصوصيات التي نشاهدها، ووجود أُخروي وهو كونه نوراً يسعى بين أيدي المؤمنين وأيمانهم، والآية تدلّ على تجسيم الأعمال كغير واحدة من الآيات، يقول سبحانه: (وَوُضِعَ الكتابُ فَتَرى الْمُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتى ما لِهذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرةً وَلا كَبيرةً إلاّ أحصاها وَوَجدوا ما عَمِلُوا حاضِراً ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَداً).1
فقوله: (وَوَجَدوا ما عَمِلُوا حاضراً) ظاهر في أنّ الأعمال الإجرامية تتجسّم يوم القيامة، لكن بشكل مناسب لتلك الحياة الدائمة وطبيعتها، فالكفر والظلم والكذب والافتراء والسبّ والشتم والغيبة والنميمة والمكر

1 . الكهف:49.

صفحه 77
والغدر وغير ذلك من الأسواء التي تصدر من الإنسان يُحتجّ بها عليه يوم القيامة بحضورها فيه، حضوراً مناسباً لتلك الأحوال.
وربّما يدلّ عليه قول لقمان لابنه: (يا بُنَيّ إنّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَتَكُنْ في صَخْرَة أو في السمواتِ أوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إنَّ اللهَ لَطيفٌ خَبيرٌ).1
فالآية ظاهرة في حضور الأعمال يوم القيامة حضوراً مناسباً لهذه الظروف .
ويدلّ عليه قوله: (وإذا الجَحِيمُ سُعِّرتُ* وَإذا الجنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ).2
ولعلّ قوله سبحانه: (مَنْ كانَ يُريدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ)3 ممّا يستفاد منه تجسيم الأعمال أيضاً.
وهذا هو الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام) يشير إلى هذه المعاني فيقول:«العمل الصالح حرث الآخرة».4
ويقول في خطبة أُخرى: «فإنّ الدنيا أدبرتْ وآذنتْ بوداع، وإنّ الآخرة قد أقبلتْ وأشرفتْ باطّلاع، ألا وإنّ اليوم المضمار، وغداً السِّباق، والسَّبَقةُ الجنة، والغاية النار».5

1 . لقمان:16.
2 . التكوير:12ـ 14.
3 . الشورى:20.
4 . نهج البلاغة، الخطبة 23.
5 . نهج البلاغة، الخطبة28. وآذَنَتْ: أعلَمتْ. وأشرفتْ باطِّلاع: أقبلتْ علينا بغتةً. والسَّبَقَةَ: الغاية التييجب على السابق أن يصل إليها.

صفحه 78
(فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بابٌ باطِنُهُ فيهِ الرَّحْمَةَ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذاب).
قوله: (فضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور) راجع إلى المؤمنين والمنافقين، أي يُضرَب بينهما بسور حاجز يحجز إحدى الطائفتين عن الأُخرى، وفي آية أُخرى يعبّرعن السور بالحجاب قال سبحانه: (وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسيماهُم)، وكأنّ ضرب السور في الآخرة حاك عن حال المؤمنين والمنافقين في الدنيا، فقد كان بين الطائفتين صلة ومع ذلك كانوا محجوبين بحجاب العقيدة والأعمال، فصاروا في الآخرة كذلك.
(باطِنُهُ فيهِ الرَّحْمَةَ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذاب).
يحكي أنّ السور محيط بالمؤمنين فيبقون في داخله، ويبقى المنافقون خارج السور، فالجانب الذي يلي مكان المؤمنين، فيه الرحمة والتنعيم، والجانب الذي يلي مكان المنافقين، يأتيهم من جهته العذاب والنقمة.
قوله سبحانه:(يُنادُونَهُمْ ألَمْ نَكُنْ مَعَكُم).
أي أنّ المنافقين ينادون المؤمنين بقولهم: نحن كنا معكم في الدنيا(يريدون موافقتهم لهم في الظاهر، كأداء الشعائر والحضور في المساجد والخروج إلى القتال) فلماذا اختلفنا في المصير؟ فيجابون بأجوبة أربعة:
أوّلاً: (وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُم): أي أهلكتم أنفسكم بإضماركم الكفر بالله تعالى والبغض والعداء لرسالة السماء وصاحبها الأمين(صلى الله عليه وآله) .
ثانياً: (وَتَرَبَصْتُم) الدوائر بالمؤمنين.
ثالثاً: (وَارْتَبْتُم): أي شككتم في أُمور الدين.

صفحه 79
رابعاً: (وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ) الباطلة،فخضتم ولعبتم، وتمنّيتم هزيمة الإسلام، ونزول الدوائر بالمؤمنين.
(حتى جاء أمر الله) أي الموت (وغرّكم بالله الغرور) أي الشيطان. حيث غرّكم بأنّ الدين سيطفأ نوره ويتركه أهله.
وحصيلة الكلام: أنّكم كنتم على هذه الصفات الأربع التي هي من آثار النفاق فلم تدينوا دين الحق، ولم يستقر الإيمان في قلوبكم، واستجبتم لأهوائكم، ووثقتم بوعود الشيطان، ومن هنا افترقتم عنّا.
(فاليوم لا يُؤخَذُ مِنكم فديةٌ ولا مِنَ الّذينَ كَفروا).
وكأنّ المنافقين يتصوّرون أنّ الآخرة كالدنيا، يمكن أن يتخلّص فيها الإنسان ممّا ألمّ به بالفدية، فيردّ هذا الوهم وخوطبوا بكلام المؤمنين (فاليوم لا يؤخذ مِنْكُم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذين كَفَروا)، وذلك لأنّ (كُلّ نفس بما كَسَبَتْ رَهينَة).1
(مَأواكُمُ النّارُ).
أي مقرّكم وموضعكم هو النار.
(هي مولاكم)
أي أولى بكم من كلّ شيء لما أسلفتم من الذنوب (وَبِئْسَ المَصَيرُ).
***

1 . المدثر:38.

صفحه 80
سورة الحديد.. الآية السادسة عشرة   

الآية السادسة عشرة:

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كالّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ).

مفردات الآية:

يأن: فعل مضارع من أنى يأني، نظير رمى يرمي بمعنى حانَ، فيكون معنى (أَلَمْ يَأْنِ) أي: أما حان وقت الخشوع.
الخشوع:لين القلب للحق والانقياد له، وهو فاعل «يأن».
القسوة: غلظ القلب بالجفاء عن قبول الحق.
الأمد: الوقت الممتد.

تفسير الآية

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ) أي ألم يَحِن وقت خشوع قلوب المؤمنين.
(لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ)، فالظاهر أنّ المراد مطلق ذكره سبحانه الذي تطمئن به القلوب، كما قال: (ألا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب)1، والمراد ممّا عطف عليه(ما نَزَلَ مِنَ الْحَقّ) هو القرآن الكريم، والظاهر أنّ الآية عتاب لطائفة من المؤمنين الذين اكتفوا من الدين بالقشور والظواهر دون أن

1 . الرعد:28.

صفحه 81
يخالط الإيمان دمهم ولحمهم.
روي عن الأعمش أنّه قال: إنّ الصحابة لمّا قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا بهذه الآية. وعن أبي بكر: أنّ هذه الآية قُرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاءً شديداً، فنظر إليهم، فقال: هكذا كنّا حتّى قَسَت القلوب.1
ثم عاتبهم سبحانه بقوله:(ولا يَكونوا كالّذين أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَليهِمُ الأَمَدَ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم) فالفقرة تحذير للمؤمنين من أن يكونوا كبعض أهل الكتاب الذين طال الزمان بينهم وبين أنبيائهم فغلظت قلوبهم وزال خشوعها، ومرنوا على المعاصي واعتادوها، وهذه خصّيصة كلّ قوم قلّ فيهم التبليغ والإنذار فيعتادون على المعاصي فتقسوا قلوبهم ولا يخشعون لا لذكر الله ولا لما نزل من القرآن، وبالتالي:
(وكثيرٌ مِنْهُم فاسِقُون) أي خارجون عن الطاعة. وكأنّه إشارة إلى أنّ عدم الخشوع في أوّل الأمر يُفضي إلى الفسق في آخر الأمر.2
لا شك أنّ اليهود قد انقلبوا على أعقابهم فنسوا كثيراً من تعاليم موسى(عليه السلام)وما ورد في التوراة، وهكذا النصارى الذين تلوهم.
وأمّا علاقة هذه الآية بما سبقها من الآيات فهي أنّ الآيات المتقدّمة تذمّ المنافقين والمنافقات وتمدح المؤمنين والمؤمنات، وبما أنّ للإيمان درجات فما مضى من المدح والتكريم كان راجعاً إلى من تحلّى بدرجات

1 . التفسير الكبير للفخر الرازي: 29/229.
2 . نفس المصدر:29/230.

صفحه 82
عليا منه، وأمّا المتوسطون فربما يحتاجون إلى تذكير وتحذير، فالآية موجهة إلى تلك الطائفة على خلاف ما يتصور أنّها خطاب للمنافقين، بل هي خطاب لضعفاء الإيمان.
وعلى أي تقدير، فقوله سبحانه: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدَ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم)ضابطة تصدق على كثير من طوائف المؤمنين غبّ نسيان ذكر الله وما نزل من الحق.
وقد ذكر القرطبي في تفسيره: أنّ هذه الآية كانت سبب توبة الفضيل بن عياض، فقد ذُكر أنّه عشق جارية فواعدته ليلاً، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئاً يقرأ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ) فرجع القهقرى وهو يقول: بلى والله قد آن، فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من السابلة، وبعضهم يقول لبعض إنّ فضيلاً يقطع الطريق.
فقال الفضيل: أوّاه! أراني بالليل أسعى في معاصي الله، قوم من المسلمين يخافوني! اللهم إنّي قد تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام.1
***
سورة الحديد.. الآية السابعة عشرة   

1 . تفسير القرطبي:17/251.

صفحه 83

الآية السابعة عشرة:

(اعْلَمُوا أنّ الله يُحْيي الأرْض بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعقِلُون).
الآية ظاهرة المعنى فالله سبحانه يحيي الأراضي الميتة بالمطر، ولكن المراد هنا المعنى المكنّى عنه وهو إحياء القلوب الميّتة بذكر الله وما نزل من الحق، وفي الآية بشارة وبصيص أمل إلى عدم الحرمان من رحمة الله تبارك وتعالى.
وقد ورد في غير واحدة من رواياتنا أنّ الله سبحانه يحيي الأرض بالقائم ـ عجل الله فرجه الشريف ـ بعدموتها بكفر أهلها.
روي عن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام): «منّا اثنا عشر مهدياً أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي هو القائم بالحق به يحيي الله الأرض بعد موتها، ويظهر به الدين الحق على الدين كلّه ولو كره المشركون».1
ومن المعلوم أنّ ما ورد في الرواية من مقولة الجري والتطبيق، ومفاد الآية أوسع من ذلك، والله سبحانه يحيي قلوب العصاة والكفار إذا رجعوا إلى الله سبحانه وتابوا بذكره وبما نزل من الحق.
***

1 . نورالثقلين:5/242.

صفحه 84

الآية الثامنة عشرة:

سورة الحديد.. الآيتان 18 و19   
(إنّ المُصدِّقينَ وَالمُصدِّقات وأقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أجْرٌ كَريم).
المصدّقين أصله المتصدّقين، قلبت التاء صاداً. والمراد من المتصدّق: القائم بالفرائض المالية من الزكاة وغيرها، كما أنّ المراد بالقرض الحسن هو الصدقة المستحبة لوجه الله، فلا تكرار في الآية. والمراد بالأجر الكريم ما سبق تفسيره من قوله: (يَوْمَ تَرى المؤمنينَ والمُؤمِناتِ يَسعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِم).
وإنّما عاد إلى مسألة التصدّق والإنفاق، لما مرّ من أنّه أحد الأهداف المخصوصة في هذه السورة فيكون مؤكّداً لما ورد في أوّلها.
***

الآية التاسعة عشرة:

(وَالّذينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أصحابُ الجَحيم).
قابل سبحانه في هذه الآية بين الطائفتين فوصف المؤمنين بقوله:
(وَالّذينَ آمَنوا باللهِ ورُسلِهِ أولئكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهداءُ عِنْدَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُم).
كما ذكر الكافرين وقابلهم بالمؤمنين بقوله:
(وَالّذينَ كَفَروا وَكَذَّبُوا بآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحيمِ).

صفحه 85
وبذلك يُعلم مصير كلاًّ من الطائفتين، فمصير الطائفة الأُولى كونهم (عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُم)، ومصير الطائفة الثانية (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحيم).
هذا هو مضمون الآية، لكن وقع الكلام في موضعين:
الأوّل: ما هو المراد من(الّذينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ) هل المراد مطلق من آمن بهما أو طائفة خاصة بلغوا في الإيمان درجة سامية؟ الظاهر هو الثاني بشهادة وصفهم بكونهم صدّيقين، والمراد بهم مَن سرى الصدق في قولهم وفعلهم فيفعلون ما يقولون، ويقولون ما يفعلون.
ومن المعلوم أنّ الصدِّيق بهذا المعنى من المصاديق العالية للمؤمنين، وليس كلّ مؤمن ذُكر في القرآن الكريم على هذه الدرجة.
ويشهد على ذلك أنّ صيغة المبالغة هذه «الصدّيق» أُطلقت على كلّ من إبراهيم وإدريس ومريم، قال سبحانه:(واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً)1، و قال سبحانه:(واذْكُر في الكتاب إدريسَ إنّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً)2، وقال تعالى:(وَأُمّهُ صِدِّيقَةٌ).3
الثاني: ما هو المراد من الشهداء؟ الظاهر أنّ المراد هم شهداء الأعمال فإنّ لهم مقاماً عالياً، إذ أنّ على الأُمّة الإسلامية شهداء على أعمالهم، والرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) شاهد عليهم. قال سبحانه: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا

1 . مريم:41.
2 . مريم:56.
3 . المائدة:57.

صفحه 86
شُهَداءَ عَلى الناسِ وَيَكُونَ الرَّسُولَ عَلَيْكُمْ شَهيداً)1. وقال سبحانه: (وَ في هذا لِيَكُونَ الرَّسُولَ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ).2
وعلى هذا يكون الشهداء كالصدِّيقين، جماعة خاصة لهم أهليّة الشهادة على أعمال الناس، فتكون الآية بصدد بيان جماعة خاصة من المؤمنين بالله ورسله لهم مرتبة الصدّيقين والشهداء.
واحتمال أنّ المراد من الشهداء من قُتل في سبيل الله بعيد، إذ لم يستعمل الشهيد في الكتاب العزيز في هذا المعنى.
وعلى ما ذكرنا يكون (عند ربّهم) خبر بعد خبر فقوله:
(وَالّذينَ آمَنُوا...) مبتدأ، خبره:(أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداء)وخبره الثاني: (عِنْدَ رَبِّهِمْ).
فالآية إذاً بصدد بيان مقام طائفة من المؤمنين بالله ورسله، وأنّهم هم الصديقون والشهداء، لا أنّهم بمنزلتهم، كما ربّما يحتمل.
***
سورة الحديد.. الآية العشرون   

1 . البقرة:143.
2 . سورة الحج:78.

صفحه 87

الآية العشرون:

(اعلَمُوا أنّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ في الأَمْوالِ وَالأَولادِ كَمَثَلِ غَيْث أعْجَبَ الْكُفّار نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيْجُ فَتَراهُ مُصْفرّاً ثُمَّ يَكُون حُطاماً وَ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرةٌ مِنَ اللهِ وَرِضوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إلاّ مَتاعُ الْغُرورِ).
لقد جمعت الآية بين خمسة أُمور من أُمور الدنيا يتعلّق بها هوى النفس الإنسانية، وهي: اللعب، واللهو، والزينة، والتفاخر، والتكاثر، وكلّها أُمور زائلة لا تبقى للإنسان ولا تُعدّ كمالاً نفسياً ولا غيرياً، إلاّ إذا صار بعضها ذريعة للخير ولما يرضاه سبحانه، كما سيوافيك. إنّما الكلام هنا في تفسير هذه المفردات:
1. اللعب: ويتمثّل في حركات الأطفال غير المنبعثة عن القوى الشهوية. وطور الطفولة هو طور اللعب، ولا تخلو حياة الطفل عنه. وهو يعمّ معظم أحوال الصِّبا.
2. اللهو: وهو التعلّق بالملاهي، وتطلب به اللذة وإزالة ألم أو حزن، سواء أكان باستعمال آلات الطرب والموسيقى أو غيرها ممّا يجلب اللذة، كالتوغل في حب النساء.
3. الزينة: ما يُتزيَّن به من الملابس الفاخرة والمراكب البهيّة والقصور الفارهة، إلى غير ذلك مما يتزيّن به الإنسان.
4. التفاخر: ومنه المفاخرة بالأحساب والأنساب.
5. التكاثر: في الأموال والأولاد.

صفحه 88
والآية قد تنسجم، بصفة عامة، مع أحوال الإنسان والمراحل التي تمرّ بها حياته. وإليك البيان:
فاللعب: يشتغل به الطفل ما لم يشبّ.
واللهو:يشتغل به الإنسان إذا بلغ واشتدّ عظمه، فيتعلّق بالملاهي والملذّات.
وأمّا الزينة: فيتمحّض فكر الإنسان فيها عندما يبلغ أشُدّه، ويشعر بزوال محاسن شبابه فيميل إلى حفظ مكانته في قلوب الناس بالزينة. وهي إمّا أن تتعلّق بمسكنه ولباسه أو بغيرهما.ولعلّها من دأب النساء غالباً.
وأمّا التفاخر: فيجنح إليه الإنسان حينما يكتهل، فيأخذ بالمفاخرة بالأحساب والأنساب حتى يحفظ ـ بأنسابه ـ موقعه بين الناس.
وأمّا التكاثر: فإنّه عندما يشيب الإنسان ويطعن في العمر تراه يتعلق بالأموال والضياع والأولاد ويشتد حرصه على الاحتفاظ بها، ولعل في قوله سبحانه: (أَلهيكُمُ التَّكاثُرُ) إشارة إلى هذه المرحلة من العمر.
ولعـلّ الغـرض من عرض هذه الأُمور الخمسة وفق مراحل حياة الإنسان، هـو إزالة سبب الشحّ والحرص على استبقاء المال، فالإنسان حسب نفسه شحيح على الأموال، قال سبحانه: (وأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنّ الله كانَ بما تَعْمَلُونَ خَبيراً).1فالآية تنبه الإنسان على أنّ هذه الحياة حياة متطورة تبدأ من الطفولة وتنتهي بالشيخوخة ثم يترك ما جمعه من الأمـوال، فالأولى له أن لا يكـون شحيحاً بل مـن الخير له أن يُقدم

1 . النساء:128.

صفحه 89
على الإنفاق .
ثمّ إنّ الآية شبّهت الحياة الدنيا في زهرتها وبهجتها ومنظرها المونق، ثم في زوالها وانتهاء أجلها بمراحل نموّ النبات، فقال سبحانه:
(كَمَثَلِ غَيْث أعْجَبَ الكُفّار نباتُهُ ثُمَّ يَهيجُ فَتَراهُ مُصْفَرّاً ثُمّ يَكُون حُطاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ).

مفردات الآية:

الغيث: المطر.
الكفّار: جمع الكافر ويراد به الزارع لأنّ الكفر بمعنى الستر، والزارع يستر الحبّة تحت التراب.
نباته: أي ما نبت من ذلك الغيث
يهيج: ييبس ويجفّ بعد خضرته ونضارته.
الحطام: الشيء اليابس بعد تكسّره.
فالله سبحانه يشبّه الحياة الدنيا المتغيّرة الحائلة بنباتات الأرض حيث تخضرّ على نحو تعجب الزرّاع نضارتها، لكن سرعان ما تيبس، فتصفرّ ثم تكون هشيماً متكسّراً بعد يبسها. وهذا الوصف يصلح للإنسان أيضاً فهو أشبه بالنبات في أوّل أيامه، حيث يشبّ ويقوى عظمه ويشتد لحمه، وينضر لونه، ثم يبدأ فيه الوهن شيئاً فشيئاً في لحمه وعظمه واصفرار لونه إلى أن يصل إلى مرحلة الشيخوخة1، قال سبحانه: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ في أحْسَنِ

1 . انظر: التفسير الكاشف:7/251.

صفحه 90
تَقْوِيم* ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ).1
قال سبحانه:(وَ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ).
لو أنّ الحياة الدنيوية تنتهي بهذا الشكل ولم يعقبها شيء، لكان الأمر هيّناً وسهلاً، لكن القرآن الكريم يذكر أنّه سوف يعقبها عذاب شديد ودائم، لكنّه مخصّص لأعداء الله ولمن جعل الدنيا هدفاً وغاية، وأمّا أولياؤه سبحانه (فَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ).
وعلى ذلك ففي كلا الفقرتين جملة محذوفة. أي وفي الآخرة عذاب شديد لأعداء الله، ومغفرة ورضوان لأوليائه.
قال سبحانه: (وَالْحَياةُ الدُّنْيا إلاّ مَتاعُ الغُرُورِ) لمن اغترّ بزينتها ومفاتنها، واستهلك أيامه في نيل متعها، دون من جعلها وسيلة لرضوان الله ولنفع عباد الله، وقد وصف الإمام علي(عليه السلام) الدنيا بجنبتيها، بقوله: «من أبصرَ بها بصّرتْهُ، ومن أبصرَ إليها أعمَتْهُ».2
أي من اتّخذها وسيلة للمعيشة فيصير بصيراً في حياته، ومن اتّخذها هدفاً أعمته في حياته، فليست الحياة الدنيا مذمومة على وجه الإطلاق، بل تكون كذلك، إذا آثرها الإنسان وأخلد إليها، ووجّه كلتا عينيه إليها ولم يُبصر ماوراءها، وأصبح متاعها مقياساً لرضاه وغضبه، وأمّا لو صارت سبباً لكسب الرضوان والتزوّد من صالح الأعمال، كنصرة المظلومين، وإعانة المحرومين، وإغاثة الملهوفين، وإشاعة المحبة والسلام والوئام بين

1 . التين:4ـ5.
2 . نهج البلاغة، الخطبة82 .

صفحه 91
المسلمين، فالدنيا عندئذ محبوبة عند الله. نقل الشيخ الطبرسي عن سعيد بن جبير أنّه قال:«الدنيا متاع الغرور» لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، ومن اشتغل بطلبها فهي له متاع بلاغ، إلى ما هو خير منه.1
ونقل الرازي عن سعيد بن جبير أنّه قال عند تفسير هذه الآية: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، وأمّا إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم الوسيلة.2
وحصيلة الكلام: أنّ من وقف نفسه على الدنيا، وجعلها مقرّاً له لا ممرّاً إلى حياة أُخرى، فهي مذمومة جدّاً، وأمّا من اتّخذها قنطرة أو مزرعة للآخرة حتى يحصد هناك ما زرعه في الدنيا، فهذا النوع من الحياة ليس مذموماً بل ممدوحاً.
وفي آية أُخرى إشارة إلى ما ذكرنا، يقول سبحانه: (كُلُّ نَفْس ذائِقَةُ الْمَوتِ وَإنّما تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الجَنّة فَقَدْ فازَ وَمَا الحَياةُ الدُّنْيا إلاّ مَتاعُ الغُرُور).3
***

1 . مجمع البيان:9ـ10/359.
2 . تفسير الرازي:29/234. ونقله أبو السعود في تفسيره:8/211، والآلوسي في تفسيره:27/185.
3 . آل عمران:185.

صفحه 92
سورة الحديد.. الآيتان22ـ23    

الآية الحادية والعشرون:

(سابِقُوا إلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ).

مفردات الآية:

السبق إلى المغفرة كناية عن السبق إلى أسبابها ووسائلها.
العرض: يستعمل في الهندسة مقابلاً للطول، إلاّ أنّ المراد به هنا السعة، أي أنّ سعة الجنة كسعة السماوات والأرض، ويشهد على ذلك قوله: (وإذا مَسَّه الشَّرُّ فذو دُعاء عَريض) وليس الغرض تحديد الجنة بسعة السماء والأرض بل الهدف بيان سعتها حسب ما يتصوّره الناس.

تفسير الآية

قوله: (أُعِدَّتْ) أي خلقها وأعدّها، وهو ظاهر في كون الجنة مخلوقة.
ثمّ إنّ الآية تعمّ كلّ من آمن بالله ورسول زمانه بشهادة قوله: (آمِنُوا بِاللهِ وَرُسِلِهِ) حيث جاء الرسل بصيغة الجمع، فيعمّ المؤمنين في الأُمم السابقة.
لمّا ذكر سبحانه حال المؤمنين والمؤمنات في الآية الثانية عشرة وأنّ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم حثّ على تحصيل أسباب الجنة بقوله:(سابِقُوا إلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُم) مكان المسابقة بالمفاخرة والمكاثرة، ثم بيّن حال الجنة وسعتها، فقال: (عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأرْضِ) وقد هيئت وأعدّت وخلقت(لِلَّذينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ).
(ذلكَ فَضْلُ اللهِ)، أي الجنة، كرامة من الله لا معاملة، فهي تفضّل لا

صفحه 93
استحقاق، (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) و لا يشاء إلاّ لمن اجتمعت فيه خصال الخير وأسباب المغفرة.
ثم ختم الآية بقوله: (وَاللهُ ذُو الفَضْل العَظيمِ) إذ أنّ نعمه سبحانه لا تنتهي، مهما أعطى وبذل.
***

الآية الثانية والعشرون:

(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأرْضِ وَلاَ في أنْفُسِكُمْ إلاّ في كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إنَّ ذلِكَ عَلى اللهِ يَسيرٌ).

الآية الثالثة والعشرون:

(لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتال فَخُور).
بعد أن ذكر سبحانه أنّ الحياة الدنيا حياة زائلة ومن شأن المؤمن أن لا يتعلّق بها تعلّقاً هدفياً، نبّه بأنّ ما يصيبه من المصائب العامّة كالزلزال والسيول ونقص الثمار وتتابع الجوع أو ما يصيب نفسه من الأمراض وقطع الأعضاء كلّ ذلك مقدّر ومكتوب في كتاب لا يُبدَّل ولا يتغيّر، قال:
(ما أصابَ مِنْ مُصِيبة فِي الأرْضِ) كالمصائب العامة (ولا في أَنْفُسِكُمْ)كالمصائب الخاصّة، إلاّ في كتاب أي كونها مكتوبة مثبتة في كتاب (مِنْ قَبْلِ أنْ نَبْرَأَها) أي نخلقها، وفي الآية دلالة على علمه سبحانه بالحوادث قبل وقوعها، (إنَّ ذلِكَ عَلى اللهِ يَسيرٌ) أي علمه بهذه الحوادث أمر سهل على الله

صفحه 94
سبحانه وتعالى. يقول سبحانه: (ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعمَّر ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمُره إلاّ في كتاب إنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ).1
ثم إنّ الآية تشير إلى المصائب العامّة (إمّا في الأرض أو في الأنفس) التي لها علل وأسباب مقدّرة ومحدّدة منذ أن خلق العالم، وهنا لابدّ من أن تمضي الأُمور إلى حدودها المقدّرة لها، وأن تنتهي الأسباب إلى تلك المسببات على وجه القطع والبتّ. فهذه المصائب ليست ناتجة عن أعمال الإنسان، فلا يمكن الهروب منها، وهي واقعة لا محالة تقع.
قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «قدَّر ما خلق، فأحكم تقديره، ودبّره فألطف تدبيره، ووجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته، ولم يقصُر دون الانتهاء إلى غايته، ولم يستصعِبْ إذ أمر بالمُضيّ على إرادته، فكيف؟ وإنّما صَدَرت الأُمور عن مشيئته!».2
نعم، هناك مصائب تُعدّ مجازاة للمعاصي، فهي مصائب اختيارية، يمكن دفعها والنجاة منها بإذن الله تعالى، وهي تصيب الأفراد والأُمم، فالباغي ـ مثلاً ـ أو العاقّ لوالديه، قد يُعاجَل بعقوبة إلهية دنيويّة تصيبه، وطريق الخلاص منها يكون بالإقلاع عن ذلك الإثم الكبير، والاستغفار وردّ الظُّلامات.
والأُمّة التي تخضع للهيمنة ـ مثلاً ـ و تستسلم للظلم، وتتقاعس عن الجهاد والنضال، وتؤْثر الراحة والسلامة، سوف تقضي سُنّة الله في الحياة عليها، بأن تكون أُمّة ضعيفة ذليلة، غير مرهوبة الجانب، يستذلّها الأقوياء،

1 . فاطر:11.
2 . نهج البلاغة، الخطبة91 (خطبة الأشباح).

صفحه 95
ويطمع في أرضها وثرواتها الطامعون. وفي هذا الإطار يأتي قول الإمام علي(عليه السلام) لأصحابه:
«ألا وإنّي قد دعوتُكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسرّاً وإعلاناً، وقلت لكم: اغزوهم قبلَ أن يغزوكم، فوالله ما غُزيَ قوم قطّ في عُقْرِ دارهم إلاّ ذَلّوا. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شُنّتْ عليكم الغارات، ومُلِكتْ عليكم الأوطان».1 وإلى هذا النوع من المصائب يشير سبحانه بقوله: (ما أصابَكُم من مُصيبة فَبِما كَسَبَتْ أَيْديكُم)2، وقوله: (وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِن أَنْفُسهُمْ يَظْلِمُونَ)3، وقوله عزّ من قائل: (ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ).4
***
بقي هنا أمران:
الأوّل: المعروف أنّ الكتاب المكتوبة فيه الحوادث والمصائب الواقعة على الأرض أو الأنفس، يعبَّر عنه باللوح المحفوظ، وأمّا ما هي حقيقة ذلك الكتاب؟ وما هي كيفية الكتابة؟ فهو أمر مستور عنّا، وإنّما ورد في الشرع ونحن نؤمن به دون أن نعرف حقيقته.
وهناك احتمال آخر، وهو أن تكون الحوادث المتقدّمة بنفسها كتاباً تكوينياً لما يعقبها من الحوادث المتأخّرة، وذلك لأنّ الحوادث المتتالية

1 . نهج البلاغة، الخطبة 27.
2 . الشورى:30.
3 . آل عمران:117.
4 . الروم:41.

صفحه 96
بمنزلة العلل والمعاليل، وكلّ علّة تستلزم وجود معلول على وجه القطع والبتّ، فمن وقف على واقع العلل يقف على وجود المعاليل في ظروفها الخاصة، فكأنّ الحوادث مرّها وحلوها أشبه بالنهر ينبع من مصدر ويصبّ في مصبّ، فالحوادث سلسلة مرتبة، وكل حلقة منها علة تامة لحلقة أُخرى، ولذلك ليس للعاقل أن يتمنّى خلاف ذلك، إذا عرف تأثير العلل والمعاليل في الحوادث المتتالية.
الثاني: أنّ مسألة القضاء والقدر أصبحت ذريعة بيد العلمانيين وخاصّة الجبريين حيث يبررون أعمالهم الإجرامية بأنّها قد قُدّرت من قبل فلا مفرّ لنا عنها، فيقول قائد الجبرية «الخيّام» الموهوم بأنّه سبحانه كان يعلم في الأزل أنّي أشرب الخمر، فلو لم أشرب لصار علمه جهلاً، إلى غير ذلك من الذرائع التافهة بيد هؤلاء، وغير خفيّ على العاقل النابه أنّ التظاهر بالقول بالجبر لغاية أن يكونوا أحراراً في العمل، فهؤلاء المجرمون يقترفون المعاصي ويعملون الجرائم فإذا أُخذوا التجأوا إلى القضاء والقدر، وكأنّ الإنسان مكتوف اليدين في حياته.
ولكن الجواب واضح لما عرفت من الفرق بين الحوادث الواقعة في الأرض أو الأنفس وبين ما يكتسبه الإنسان بأعماله، فالذي لا مناص منه إنّما هو القسم الأوّل، حيث إنّ الحوادث كالنهر الكبير يمدّ بعضه بعضاً إلى أن يصل إلى المصبّ.
وأمّا الحوادث التي يكتسبها الإنسان باختياره وإرادته وهي وإن كانت مقدَّرة مقضيّة، لكنّها مقدَّرة بقيد صدورها عن الإنسان اختياراً، فالاختيار هو

صفحه 97
الواسطة بين قضاء الله سبحانه وفعل الإنسان، فقد قضى سبحانه في الأزل على أن يكون الإنسان مختاراً ويصدر كل فعل منه عن اختياره وإرادته، فلو صدر عن غير اختياره للزم تبديل علمه جهلاً.
وبما أنّك عرفت أنّ القسم الأوّل من الحوادث خارج عن اختيار الإنسان وأنّها أُمور قطعية لا مفرّ منها، يقول سبحانه: (لِكَيْلاَ تَأْسَوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُم وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُختال فَخُور).
أي لا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا ولا تفرحوا بما أعطاكم، ووجه ذلك: ما ذكرنا من أنّ هذا النوع من الحوادث لا محيص عنها، فليس للعاقل الحزن على ما فاته، كما أنّه ليس له أن يفرح بما أُعطي، حيث قد كُلِّف بالشكر في مقابله والقيام بالحقوق الواجبة، مضافاً إلى أنّه لا يبقى في يده دائماً.
وبعبارة أُخرى: إنّه سبحانه أخبر عن قضاء محتوم فيما يُؤخذ ويُعطى حتى لا يحزن الإنسان بما فاته من النعم ولا يفرح بما أعطاه; وذلك لأنّ الإنسان العارف بالقضاء القطعي لا يحزن لعدم إمكانية التخلّص عنه، كما أنّه لا يفرح إذا علم أنّه وديعة عنده إلى أجل مسمّى.
وفي نسبة الفوت إلى الشيء في قوله: (ما فاتكم) ونسبة الإتيان إلى الله في قوله: (آتاكم) إشارة إلى أنّ الفوت أمر طبيعي في الأشياء، وهذا بخلاف الإتيان فهذا ممّا لابدّ من إسناده إلى الله.
نعم الفرح المنفي هو الفرح البالغ حدّ البَطَر، يقول سبحانه: (إذْ قالَ لَهُ

صفحه 98
قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِين)1; لذلك قال سبحانه في الختام: (والله لا يُحبُّ كُلَّ مُخْتال فَخُور) تحذيراً من الفرح البالغ حدّ البطر، فإنّ المختال من الخيلاء بمعنى العجب والتكبّر، والفخور من يمدح نفسه.
وأمّا الفرح الطبيعي الذي يطرأ على الإنسان عند نزول النعم فهو ليس مذموماً بل هو ممدوح خصوصاً إذا قارنه شكر المنعم.
وعلى كلّ تقدير فالغاية من الآية هو تربية الإنسان تربية إلهيّة، وأن لا يحزن على ما فات; وذلك لأنّ الدنيا بيده أمانة، ولابدّ يوماً أن تُردّ الودائع، فلو أُخذت فلا يكون ذلك على خلاف القاعدة.
جاء في نهج البلاغة قول الإمام علي(عليه السلام): «الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن، قال الله تعالى: (لِكَيْلاَ تَأْسَوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُم)، و من لم يأسَ على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرَفَيه».2
وروى حفص بن غياث قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): جُعلت فداك فما حدّ الزهد في الدنيا؟ فقال: قد حدّه الله في كتابه، فقال عزّ وجلّ: (لِكَيْلا تأسَوْا عَلى ما فاتَكُم ولا تَفْرَحُوا بما آتاكُم).3
***
سورة الحديد.. الآية الرابعة والعشرون   

1. القصص:76.
2 . نهج البلاغة، قسم الحكم، برقم 439.
3 . نورالثقلين:5/248.

صفحه 99

الآية الرابعة والعشرون:

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتولَّ فَإنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِي الْحَميد).
الظاهر أنّ قوله تعالى: (الّذينَ يَبْخَلُونَ) توضيح لقوله: (لِكُلِّ مُخْتال فَخُور)، وقد أوضح حالهم بأمرين:
1. (يَبْخَلُونَ)، وذلك لأنّهم يختالون ويفخرون بسبب أموالهم فلو أنفقوها، لم يبق بأيديهم سبب لاختيالهم وفخرهم.
2. (وَيَأمُرونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ)، وذلك لأنّ شيوع السخاء والجود بين الناس وانتشاره بينهم يسبب تشخّصهم عن غيرهم، ويَسمهم بميسم البخل وعدم الإنفاق، فلأجل ذلك يبخلون ويسوقون الناس عليه. ولكن ليعلم هؤلاء أنّ إدبارهم عن أمر الله سبحانه لا يضرّه فإنّ الله هو الغني، وإلى ذلك أشار بقوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَميدُ)فهو غنيّ لا يضرّه بخل مَنْ بخل، وهو حميد لأنّه حميد ومحمود في أفعاله.
وبـذلك يُعلـم أنّ الآيات الثلاث التي ابتدأ فيها بقوله تعالى:(ما أصابَ مِنْ مُصِيبَـة فِي الأرضِ) إلى آخـر هـذه الآية، ما هي إلاّ كسبيكة واحدة، تحثّ على الإنفاق، وتنهى عن البخل; وذلك لأنّ الأُمور مقدّرة في كتاب الله قبل أن تُبرأ.
***

صفحه 100

الآية الخامسة والعشرون:

سورة الحديد.. الآية الخامسة والعشرون   
(لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ الناسُ بِالقِسْطِ وَأَنْزَلْنا الحَديدَ فِيهِ بَأسٌ شَديدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَم اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزيز).

ما هو الهدف من بعث الأنبياء؟

هل الهدف من بعث الأنبياء هو دعوة الناس إلى عبادة الله تعالى ومنعهم عن عبادة غيره؟ أو أنّ الهدف هو أمر أوسع من ذلك وهو: الدعوة إلى توحيده، مضافاً إلى التحلّي بالقيم الأخلاقية والمقرّرات الاجتماعية التي لا مفرّ منها في الحياة؟
ولعـلّ الهـدف أمـر آخـر يشمـل هـذين الأمـرين وغيـرهمـا، وهـو إقامة العـدل والقسط بين النـاس. فـإنّ فـي بسط العـدل والقسـط بين النـاس تكمـن كلّ المحـاسن والمنـافع، فلو أمروا بعبادة الله سبحانه ونهوا عن عبادة الأصنام، فلأجل أن العبادة تختصّ بالله سبحانه وعبادة غيره ظلم واضح، كما يقول سبحانه حاكياً عن لقمـان: (يا بُنـيّ لا تُشْـرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظيمٌ).1
ولو أُمروا بإحياء القيم الأخلاقية ورعاية الحقوق الاجتماعية، فإنّ العدول عنها على خلاف العدل والقسط; لأنّ العدل كما يفسّره الإمام علي(عليه السلام): «عبارة عن وضع الأُمور مواضعها».2

1 . لقمان:13.
2 . نهج البلاغة، قسم الحكم، برقم 437.

صفحه 101
إنّ الاعتدال في الأُمور وعدم الانحراف عن الوسط إلى الإفراط والتفريط، شجرة مخصبة لها أغصان مثمرة، ولها ظل ظليل، فما ورد في الكتاب والسنّة وما يقضي به العقل من العمل بالمحاسن وتجنب المساوئ فالجميع من شؤون الاعتدال في عامّة المراحل، وبذلك يتّضح معنى الآية: (لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنَا بِالبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسَ بِالقِسْطِ)، فالآية تتضمّن بيان أمرين:
الأوّل: أنّ سلاح الرسل في إصلاح المجتمع عبارة عن الأُمور الثلاثة:
أ. البراهين والدلائل العقلية الدالة على صدق مقالهم وصلتهم بالله سبحانه.
ويدخل في هذا القسم المعاجز التي تحقّق صلة الرسول بعالم الغيب.
وتخصيص البيِّنات بخصوص المعاجز غير تامّ، فإنّ البيّنة ما يتبيَّن به الشيء وهو أعمّ، والحجج الدامغة في كلماتهم ومناظراتهم هي من الدلائل الدالّة على صدق كلامهم.
ب. الكتاب، وهو يصدق على القرآن وغيره، وإنزاله من جانب الله سبحانه يتحقّق بأحد الطرق الثلاثة الواردة في آخر سورة الشورى، قال سبحانه: (وما كانَ لِبَشَر أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب أوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فيوحيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَليٌّ حَكيمٌ).1
فإمّا أن يكلّمه الله سبحانه بالإلقاء على القلب وإليه يشير بقوله: (إلاّ وَحْياً)، أو بالتكلّم معهم من وراء حجاب وإليه يشير قوله:(أَوْ مِنْ وَراءِ

1 . الشورى:51.

صفحه 102
حِجاب)كتكليم موسى(عليه السلام) في الميقات وعند الشجرة، (أَوْ يُرسِلَ رَسُولاً)كالروح الأمين فيوحي بإذنه ما يشاء.
ج. الميزان. هل المراد به ما توزن به الأشياء في المعاملات، أو أنّ المراد به العقل وأحكامه حيث يوزن به الحق والباطل؟ لعلّ المعنى الثاني أوضح بالنسبة إلى مقاصد الأنبياء.
أنّ تجهيز الأنبياء بهذه الأُمور الثلاثة كان لغاية واحدة، هي قيام الناس بالقسط لا قيام الأنبياء به بحمل الناس عليه، بل بتربيتهم وإصلاحهم على وجه يقوموا بأنفسهم بالقسط.
وهل القسط هو العدل، أو أنّ العدل أخصّ من القسط لاختصاص الأوّل بمورد التنازع دون القسط؟ الظاهر هو الثاني.
وقد أشار الله سبحانه إلى هذين الأمرين: الكتاب والميزان في آية أُخرى، قال سبحانه: (اللهُ الذي أَنْزَلَ الكتابَ بِالحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَريبٌ).1
وقد جاء الميزان والكتاب بصورة المفرد في كلتا الآيتين بخلاف البيّنات حيث جاءت بصيغة الجمع، ولعلّ وجهه اختلاف المعاجز ماهيّةً، فعصا الكليم(عليه السلام) وضربه الحجر بها شيء، وبرء الأبرص والأجذم وإبصار الأعمى للمسيح شيء آخر، بخلاف الكتاب وحكم العقل فإنّ روح الجميع واحدة وهي إقامة العدل والقسط.
***

1 . الشورى:17.

صفحه 103
الثاني: ما ورد في قوله سبحانه: (وَأَنْزَلْنَا الحَديدَ فيهِ بأسٌ شَديدٌ وَمَنافعُ لِلنّاسِ)، فهو يشير إلى أنّه قد أنشأ الحديد وأحدثه، فالإنزال فيه بمعنى الإحداث، كما في قوله سبحانه: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعامِ ثَمانيَةَ أَزواج).1
والبأس في اللغة هو الضرر والعذاب والألم وما يعادل ذلك، ويدلّ على أنّ المراد هو ذلك مقابلته لقوله: (وَمَنافِعُ لِلنّاس)، فيكون المعنى أنّ الحديد كعملة ذات وجهين: وجه فيه ضرر وألم وحرج، ووجه آخر فيه ما ينتفع به الناس في حياتهم.
وقد استخدم الإنسان منذ بداية حياته ذلك الفلز في منافعه ومصالحه، وقد أُشير إليه في قوله سبحانه: (آتوني زُبَرَ الْحَديدِ)2، وقوله سبحانه: (وَأَلَنّا لَهُ الحَديدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغات وَقَدِّرْ في السَّرْدِ)3.
ومع ذلك كلّه فإنّ في الحديد مضاراً وآلاماً يدركها الإنسان في كل عصر، فبينما كان عدد قتلى الحروب قبل الثورة الصناعية يُعدّ ـ غالباً ـ بالعشرات أو المئات، أصبح اليوم يُعدّ بالملايين، وما هذه الدماء التي تجري في مختلف مناطق العالم إلاّ نتيجة تسلح البشر بالحديد واستعماله في الحروب.4
بقي الكلام فيما هو الوجه لمجيء هذه القوة بعد تجهيز الأنبياء بالبيّنات والكتاب والميزان.

1 . الزمر:6.
2 . الكهف:96.
3 . سبأ:10ـ 11.
4 . أُنظر: التفسير الكاشف:7/257.

صفحه 104
يحتمل أن يكون المراد أنّ منطق الأنبياء هو قوة المنطق، فهم ببياناتهم الناصعة وأدلّتهم القاطعة يقومون بهداية الناس بطرق ثلاثة ذكرها سبحانه في قوله: (اُدْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَن إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدينَ)1، لكن قوة المنطق إنّما تفيد مع من ليس في قلبه زيغ، ومن لم يستأجره الظالمون، وأمّا من أقفل الله قلبه، فلا يُقيمه إلاّ منطق القوّة كما ورد عنهم(عليهم السلام).
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «الخير كلّه في السيف، وتحت ظل السيف، ولا يقيم الناس إلاّ السيف، والسيوف مقاليد الجنة والنار».2
قال سبحانه: (وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) أي ليُظهر الله تعالى من ينصره بالغيب، وهو عطف على قوله: (لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ)، فبعث الأنبياء للغاية القصوى وهي إقامة القسط وبالتالي يظهر من ينصره وينصر رسله. وبمعنى آخر:«لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب»3حسب تعبير الإمام عليّ(عليه السلام).
سورة الحديد.. الآية السادسة والعشرون   
(وليعلم) بمعنى ليظهر، نظير قوله سبحانه: (وَلِيَعْلَم اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخذَ مِنْكُمْ شُهَداء وَاللهُ لا يُحِبُّ الظالِمينَ).4والمراد أن يظهر علمه بالتمحيص وتمييز المؤمن عن المنافق، وإلاّ فالله سبحانه عالم بكلّ شيء قبل أن يخلق العالم بما فيه.

1 . النحل:25.
2 . الكافي:5:2/1; وسائل الشيعة:11، كتاب الجهاد، الباب1، الحديث1.
3 . نهج البلاغة، الكلمات القصار، برقم 93.
4 . آل عمران:140.

صفحه 105
(ينصره) أي ينصر دينه ودين رسله (بالغيب) أي بدافع ذاتي داخلي بعيد عن الإكراه والجبر.
(إنّ اللهَ قَويٌّ عَزِيزٌ) وهما من أسمائه سبحانه، ولعلّ الإتيان بهما أنّه يؤيّد رسله في تبليغهم رسالته، قال سبحانه: (إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالذينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ).1
***

الآية السادسة والعشرون:

(وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحاً وَإبراهيمَ وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهما النُّبُوّةَ وَالكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَد وَكَثيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ).
لمّا ذكر سبحانه في الآية المتقدّمة إرسال رسله بالبيّنات وإنزال الكتب والميزان معهم، أشار إلى نبيّين كبيرين تفرّعت منهما كلّ النبوات الممتدة عبر التاريخ، وهما: نوح وإبراهيم(عليهما السلام)، حيث جعل سبحانه النبوة في ذريّتهما، فنبوة هود وصالح كانت استمراراً لنبوة نوح، كما أنّ نبوة إسماعيل وإسحاق وشعيب ويعقوب ومن بعدهم كانت استمراراً لنبوة إبراهيم(عليه السلام).
وعلى كلّ تقدير فقد أدى هؤلاء رسالاتهم، ولكن أقوامهم كانوا على قسمين، فمنهم المهتدي إلى طريق الحقّ واتّباعه، ومنهم الفاسق الخارج عن طاعة الله تعالى، والغلبة ـ كما تشير الآية ـ للفسّاق، فقد أعرض قوم هود وصالح ولوط (وهم من ذرية نوح) عن عبادة الله، وسقطوا في هوّة الشرك،

1 . غافر:51.

صفحه 106
كما أنّ كثيراً من العدنانيين (من ذرية إبراهيم)قد سقطوا في تلك الهوّة أيضاً.
***
سورة الحديد.. الآية السابعة والعشرون   

الآية السابعة والعشرون:

(ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسى ابْن مَريَمَ وَآتَيْناهُ الإنجيلَ وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الّذينَ اتَّبعُوهُ رَأفَةً ورَحْمَةً وَرهبانيةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الّذِينَ آمنُوا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُون).

مفردات الآية:

التَّقْفية: جعل الشيء في أثر شيء على الاستمرار فيه، ولهذا يقال لمقاطع الشعر: قواف، إذ كلّ بيت يتبع البيت المتقدّم في حرف الرَّوِيّ.
والرهبانية: من الرهبة بمعنى الخوف، ولعلّه منسوب إلى الراهب على غير قياس، لأنّ قياس النسب في الراهب هو الراهبية، والنون فيها للمبالغة في النسبة يقال: لكثير الشَّعر شَعرانيّ، وعظيم اللحية لحيانيّ.
الابتداع: إيجاد أمر على غير مثال سابق، ومنه البدعة لأنّها إحداث أمر على خلاف السنّة.

تفسير الآية

قال سبحانه: (ثُمَّ قَفَّينا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا)أتى بكلمة «ثم» مشعراً بالتراخي بين نوح وإبراهيم ومن جاء بعدهم. فقوله (عَلى آثارِهِمْ) يدل على

صفحه 107
وحدة الرُّسل، ووحدة هدفهم، وهو هداية الناس إلى الله سبحانه وإنقاذهم من الشرك، فإنّ الآثار جمع أثر وهو ما يترك السائر من مواقع رجليه في الأرض، قال سبحانه: (فَارْتَدّا على آثارِهِما قَصَصاً)1.
قال سبحانه: (وَقَفَّيْنا بِعيسى ابْنِ مَرْيَمَ) بمعنى قفّيناهم بعيسى بن مريم وبعثناه رسولاً(وآتيناهُ الإنجيلَ) ثم ذكر ما تركه المسيح في تابعيه وقال: (وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً). والمراد من (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ)تلامذته وحواريّوه الذين تحلّوا بالزهد والرأفة والرحمة، وكان لهم دور في تبليغ شريعة المسيح. وقد وردت أوصافهم في الذكر الحكيم.
قال سبحانه:(إذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يَا عِيسى بنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائدةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ* قَالُوا نُريدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيها مِنَ الشّاهِدينَ* قالَ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائدةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لأوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقينَ).2
وقال سبحانه: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصاري إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَني إسرائيلَ وَكَفَرَتْ طائفةٌ فأيّدْنا الّذينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهرينَ).3
نعم يحتمل أن يراد من قوله: (اتبعوه) أعمّ من الحواريّين، فيشمل

1 . الكهف:64.
2 . المائدة:112ـ 114.
3 . الصف:14.

صفحه 108
جميع الذين ساروا على نهج المسيح، ولم يخرجوا عمّا خطّه لهم(عليه السلام)، ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوةً للَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذينَ أشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَودَّةً لِلّذِينَ آمَنُوا الّذينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسِّيسينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ).1
نعم، وأمّا نصارى اليوم، فإنّ أغلبهم نصارى بالاسم فقط لا بالقلب، فلا تعمّهم الآية، وقد ظهر فيهم تيار متشدّد متأثّر بالصهيونية العالمية، يفصح عن حقده الأسود على الإسلام، وعن عداوته الشديدة للمسلمين بشتى الطرق، ومنها شنّ الحروب، وسفك الدماء، وإثارة الفتن، والإساءة إلى النبي الكريم، والقرآن المجيد، وسائر المقدّسات، والتآمر على قوى الجهاد والمقاومة.
وقوله سبحانه:(وَرَهَبانيّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها).
إنّ هذه الفقرة تشتمل على جمل ثلاث:
1. ورهبانية ابتدعوها.
2. ما كتبناها عليهم.
3. إلاّ ابتغاء رضوان الله.
أمّا الفقرة الأُولى فقوله تعالى:(رَهْبانيةً) مفعول منصوب لفعل محذوف يدلّ عليه الفعل المتأخّر (ابْتَدَعُوها)ويكون المعنى: «ابتدعوا رهبانية». والشاهد على ذلك قوله في الفقرة التالية: (ما كَتَبْناها عَلَيْهِم)، فهذا دليل على

1 . المائدة:82.

صفحه 109
أنّ الرهبانية كانت بدعة ابتدعها النصارى وما كتبها الله عليهم.
واحتمال كونها معطوفة على قوله:(رَأفَةً وَرَحْمَةً) غير تام، وذلك لأنّ اللفظين مفعولان لقوله:(وَجَعَلْنا)، فلو كانت معطوفة عليها يلزم أن يكون العامل هو فعل (وَجَعَلْنا)، ومن المعلوم أنّ الرهبانية لا تقبل الجعل في القلوب، وليست القلوب مكاناً لها. إلاّ إذا أُريد جعل الحبّ، وهو كما ترى، إذ معناه أنّه سبحانه جعل في قلوبهم حبّ أمر هو بدعة.
وأمّا الفقرة الثانية فقوله تعالى:(ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ) وهي تفسير للفقرة الأُولى، كما مرّ عليك.
وأمّا الفقرة الثالثة أعني قوله تعالى: (إلاّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ) ففي تفسير الاستثناء وجهان:
1. أنّ الاستثناء منقطع حيث إنّ رضوان الله ليس داخلاً في المستثنى، أعني: الضمير المتّصل في (ما كَتَبْناها)، الراجع إلى الرهبانية، فيكون المعنى ما كتبنا الرهبانية عليهم إلاّ أنّا كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، أي أن يتّبعوا ما فيه رضوان الله تعالى، ويبتغوا رضى الله سبحانه بكلّ عمل دون الرهبانية التي ابتدعوها، فإنّ الله لم يكلّفهم بها. ثم إنّهم ابتدعوا الرهبانية وكان لها شؤون ولكنّهم لم يلتزموا بشؤون ما ابتدعوه، فإنّ الغاية من الرهبانية هو الإعراض عن اللذائذ وترك ما يشغل الإنسان عن العبادة، ولكنّهم عملوا بين إفراط وتفريط، وهذا هو الذي يشير إليه تعالى بقوله: (فَمَا رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها).
2. أنّ الاستثناء في قوله: (إلاّ ابتغاء رضوان الله) منقطع، والمعنى ما فرضنا الرهبانية عليهم لكنّهم ابتدعوها من عند أنفسهم ابتغاءً لرضوان الله

صفحه 110
وطلباً لمرضاته فما حافظوا عليها حقّ محافظتها بتعدّيهم حدودها.1
والفرق بين المعنيين واضح مع اشتراك الجميع في كون الاستثناء منقطعاً غير أنّ ابتغاء الرضوان كان مكتوباً من الله عليهم في أعمالهم وأفعالهم حسب المعنى الأوّل، وكونه مقصوداً للنصارى من ابتداعهم الرهبانية.
ولعلّ المعنى الثاني أنسب لقوله: (فَمَا رَعَوْها حَقَّ رِعايِتِها) أي ما حافظوا عليها حق محافظتها بتعدِّيهم حدودها. وهذا المعنى هو خيرة الطبرسي حيث قال: «إنّهم ابتدعوها» ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها، وذلك بوجهين:
أ. قصّروا فيما ألزموه أنفسهم.
ب. تركوا طاعة الله عند نصب النبي محمد(صلى الله عليه وآله)، فلم يؤمنوا به وتركوا طاعة الله.2
وعلى هذا فالرهبانية لم تكن ممّا أمر به السيد المسيح(عليه السلام) إلاّ أنّهم ابتدعوها من بعده مبالغة في الزهد وطاعة الله، ولكنّهم لم يراعوها حق رعايتها حيث صارت الأديرة والكنائس مراكز لأنواع الفساد، وانتهت بتحريف تعاليم المسيح(عليه السلام).
وفي الآية إشارة إلى أنّه ربّما توجد بين الناس سنّة حسنة يعملون بها في بادئ الأمر بنيّة حسنة، لكن سرعان ما يتخلّف الأتباع عن هذه السنّة.
وفي المجمع عن ابن مسعود قال: كنت رديف رسول الله(صلى الله عليه وآله) على حمار

1 . تفسير الميزان:19/173.
2 . مجمع البيان:9/403.

صفحه 111
فقال: «يا ابن أُمّ عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية؟» فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال: «ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله، فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلاّ القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى(عليه السلام)، ـ يعنون محمّداً(صلى الله عليه وآله)ـ فتفرّقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسّك بدينه ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية(وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها مَا كَتَبْنا عَلَيْهِم) إلى آخرها ـ ثم قال ـ: يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أُمّتي؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة».1
جاء في «دائرة معارف القرن العشرين»: الرهبنة ليست أصلاً من أُصول المسيحية الأُولى، ولم تنشأ إلاّ بعد القرن الثالث لمّا ظهر الامبراطور الروماني ديسيوس واضطهد المسيحيين واضطر بعضهم للهرب إلى الجبال والمكث بالصوامع. فنشأ من العبادة في الصومعة فكرة الاجتماع للعبادة في دير وفكرة الرهبنة ووقف الروح والعقل والجسد على خدمة الله.
وينقل ـ أيضاً ـ عن دائرة معارف لاروس قولها: واعتبَروا (أي: المسيحيون)الرهبانية حالة من أحوال الكمال الإنساني فرفضوا الزواج والحياة البيتيّة لأجل حبّ الله.
ثم رجعت تلك الدائرة فقالت: إنّ الرهبان لم يرعوا الرهبنة حق رعايتها

1 . مجمع البيان:9/366.

صفحه 112
وإنّما نترجم ما قالته بالحرف الواحد في ص 897 من المجلد الثالث منها: قالت: في القرن الحادي عشر كان الرهبان الشرقيون الذين آلوا على أنفسهم أن يعيشوا بلا زواج لا يجسرون أن يدخلوا إلى بيوتهم الإناث من الحيوانات بسبب ما يحتمل أن ينتج من ذلك من الخطر على أرواحهم، ومع هذا فلا يخفى اليوم أنّهم لم يفوا بما تعهدوا به من العفاف بين رجال الدين من الجنسين في القرون الوسطى.1 وبذلك يظهر معنى قوله سبحانه:(فَمَا رَعَوها حَقَّ رِعايَتِها).
وقوله سبحانه: (فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ).
لمّا تقدّم قوله سبحانه في حق طائفة من النصارى، أعني قوله: (وَجَعَلنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً)، وتقدّم أيضاً في طائفة أُخرى قوله: (فَمَا رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها); وَصَفَ الطائفةَ الأُولى بقوله: (فَآتَيْنا الَّذينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُم)، ووصف الطائفة الثانية بقوله: (وَكَثيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ). بقي الكلام في أمرين:
الأوّل: قوله(صلى الله عليه وآله): «لارهبانية في الإسلام».
الثاني: المفاسد السائدة في الكنائس والأديرة التي ذكرها مؤلف «قصة الحضارة».
وإليك دراسة الأمرين:
أمّا الأول: فقد تضافر عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله: «لا رهبانية في الإسلام».
فالشريعة الإلهية مبنية على مقتضى الفطرة، وما تستدعيه خلقة الإنسان

1 . دائرة معارف القرن العشرين:4/298.

صفحه 113
الطبيعي فقد أقرّته الشرائع السماوية ووضعت له قواعد حتى يبتعد عن الإفراط والتفريط، فلذلك دعت إلى النكاح وحرّمت السفاح ونهت عن الرهبانية وترك الزواج، ففيما دعت إليه الشريعة السمحة سعادة الإنسان وبقاء النسل والمحافظة من الأمراض.
ولذلك نرى أنّ الإسلام ينهى عن الرهبانية بشكل حاسم.
روى الكليني بسنده عن ابن القداح عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «جاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى النبي(صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله، إنّ عثمان يصوم النهار ويقوم الليل، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) مغضباً يحمل نعليه حتّى جاء إلى عثمان فوجده يصلّي فانصرف عثمان حين رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال له: «يا عثمان، لَمْ يُرسلني الله بالرهبانية، ولكن بعثني بالحنفية السمحة، أصوم وأُصلّي وألمس أهلي، فمن أحبّ فطرتي فليستنَّ بسنّتي، ومن سنّتي النكاح».1
وروى الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ ثلاث نسوة أتين رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقالت إحداهن: إنّ زوجي لا يأكل اللحم، وقالت الأُخرى: إنّ زوجي لا يشمّ الطيب، وقالت الأُخرى: إنّ زوجي لا يقرب النساء، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) يجرّ رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام من أصحابي لا يأكلون ولا يشمّون الطيب ولا يأتون النساء، أما إنّي آكل اللحم وأشمّ الطيب وآتي النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي».2

1 . وسائل الشيعة:14، الباب48 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث1.
2 . وسائل الشيعة:14، الباب48 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث2.

صفحه 114
وروى مِسْمَع عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): من أحب أن يكون على فطرتي فليستنّ بسنتي وإنّ من سنتي النكاح».1إلى غير ذلك من الروايات التي أوردها الحر العاملي في أبواب مقدمات النكاح.
وهذا هو أوّل الأوصياء ـ أعني: أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام)ـ قد دخل دار العلاء بن زياد الحارثي ـ وهو من أصحابه ـ يعوده، فلمّا رأى سعة داره قال: «ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج؟ وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة: تَقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتُطلِع منها الحقوق مَطالعَها، فإذا أنت قد بلغتَ بها الآخرة».
فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال: «وما له؟» قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا، قال: «عليَّ به». فلما جاء قال: «يا عُديّ نفسه! لقد استهام بك الخبيث! أما رحمت أهلك وولدك! أترى الله أحلّ لك الطيّبات، وهو يكره أن تأخذها! أنت أهون على الله من ذلك!».
قال: يا أمير المؤمنين! هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك!
قال: «ويحك، إنّي لست كأنت، إنّ الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضَعَفَة الناس، كيلا يتبيّغ بالفقير فقره».2
وقد حثّ الإسلام على العمل على وجه الإطلاق وعلى التجارة والزراعة وغيرها من أنواع طلب الرزق، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «ملعون ملعون من ألقى كَلَّه على الناس».3

1 . وسائل الشيعة:14، الباب48 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، الحديث3.
2 . نهج البلاغة، الخطبة رقم 209. و(عُدَيّ): تصغير عدوّ. و(يَتَبَيَّغ): يهيج به الألم فيهلكه.
3 . الكافي:4/12، باب كفاية العيال من كتاب الصدقة، الحديث9، و ج5/72، باب الاستعانة بالدنيا علىالآخرة من كتاب المعيشة، الحديث7.

صفحه 115
وقال الإمام الكاظم(عليه السلام): «إنّ الله تعالى ليبغض العبد النوّام، إنّ الله تعالى ليبغض العبد الفارغ».1
قال رجل لأبي عبد الله(عليه السلام): لأقعدن في بيتي ولأصلينّ ولأصومنّ ولأعبدنّ ربّي عزّ وجلّ، فأمّا رزقي فيأتي. فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «هو أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم».2
وروى الكليني بإسناده إلى علي بن عبدالعزيز، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «ما فعل عمر بن مسلم؟» قلت: جعلت فداك أقبل على العبادة وترك التجارة، فقال: «ويحه! أما علم أنّ تارك الطلب لا يستجاب له، إنّ قوماً من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)لمّا نزلت (وَمَنْ يَتَّقِ اللهِ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة، وقالوا: قد كُفينا، فبلغ ذلك النبي(صلى الله عليه وآله) فأرسل إليهم قال:ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا: يا رسول الله تكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة; قال: إنّه من فعل ذلك لم يُستجَب له، عليكم بالطلب».3
***
أمّا الثاني: فقد تكلّمنا في الرهبانية ونقلنا شيئاً ممّا نقله فريد وجدي في دائرة معارفه، غير أنّ مؤرّخ القرن العشرين ول ديورانت عقد باباً في كتابه قصة الحضارة ـ عصر الإيمان ـ أسماه: الرهبان والإخوان، كتب فيه شيئاً كثيراً

1 . الفقيه:3/169.
2 . نور الثقلين:5/134. في تفسير قوله: (إنَّ الله هو الرَّزّاقُ ذُو القُوّةِ المَتين) الذاريات:56.
3 . نور الثقلين:5/355. في تفسير قوله:(وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) الطلاق:2.

صفحه 116
عن أعمال الرهبان والراهبات، نقتبس منه ما يلي:
(وكان سخاء الشعب مصدراً لما كان ينغمس فيه الرهبان أحياناً من ترف. ولنضرب لذلك مثلاً دير القديس ركويه، ولم يكن من أغنى الأديرة، ولكنّه كان له (117) تابعاً يملكون (2500) بيت في البلدة التي كان قائماً فيها... وثمة أديرة أعظم من هذا الدّير ثراء، وهي أديرة فونتي كسينو، وكلوني، وفلدا... .
وكان رؤساء الأديرة أمثال سوجر... و بطرس المبجّل... و حتى سامسون... كان هؤلاء الرؤساء، سادة أقوياء عظماء أصحاب ثروات مادية طائلة وسلطان سياسي واجتماعي عظيم. وهذا هو سوجر بعد أن أطعم رهبانه، وشاد كنيسة فخمة كبرى، تبقّى لديه من الموارد المالية ما يمكنه من أن يتكفّل نصف نفقات إحدى الحملات الصليبية!!).1
وقال ديورانت أيضاً:
(وبعد، فإنّ من السهل على الإنسان أن يجمع من عشرة قرون أمثلة رائعة من الفساد الخلقي المألوف. فقد دخلت بعض الراهبات الأديرة على الرغم منهن ووجدن متاعب في حياة التُّقى والصلاح، ولقد رأى ثيودور رئيس أساقفة كنتربري وإجيرت أسقف يورك من الواجب عليهما أن يحرّما على رؤساء الأديرة، والقساوسة، والأساقفة غواية الراهبات.
وكتب إيفو أسقف تشارتر يقول: إنّ بعض راهبات دير القداسة فارا يحترفن الدعارة، ويرسم أبلار صورة شبيهة لهذه الصورة لبعض الأديرة

1 . قصة الحضارة:16/109ـ 110.

صفحه 117
الفرنسية القائمة في أيامه، ووصف إنوسنت الثالث، دير أجاثا بأنه ماخور انتشرت عدوى فساد الحياة فيه، وسوء سمعته في جميع أنحاء الإقليم المجاور له.
ويرسم ريجو أسقف رون صورة طيبة بوجه عام للطوائف الدينية المنتشرة في أسقفيته، ولكنّه يتحدّث عن دير من أديرة النساء فيه ثلاث وثلاثون راهبة وثلاث أخوات من غير الراهبات وجدت منهن ثمان يحترفن الفسق أو يشتبه في أنّهن يحترفنه، ولا تكاد رئيسة الدير تبتعد عن الخمر ليلة واحدة.
وحاول بنيفاس الثامن (1300م) أن يرقى بقواعد الآداب التقليدية في الأديرة فأمر بالتشديد في عزلة الراهبات عن العالم، ولكن أمره هذا لم يكن في الإمكان تنفيذه، ولمّا جاء الأسقف ليودع هذا القرار في أحد أديرة النساء في أسقفية لنكلن قذفت الراهبات به رأسه، وأقسمن أنهن لن يطعنه قط، وأكبر الظن أنّ هذه العزلة لم تكن مما نص عليه في قسمهنّ، ولم يكن لرئيسة الدير الواردة في أقاصيص تشوسر عمل تقوم به لأنّ الكنيسة حرّمت على الراهبات أن يخرجن حتّى للحجّ).1
إنّ متابعة ما كتبه ذلك المؤرّخ الأمريكي، لا تُبقي في قلب أحد مجالاً للشكّ في صدق قوله سبحانه: (فَمَا رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها) الذي ينطبق على عصر الرسالة وما قبله وما بعده.
نعم لا يمكن إنكار ما قدّمته الراهبات ـ مثلاً ـ من خدمات إنسانية

1 . قصة الحضارة:16/148ـ149.

صفحه 118
للمجتمع في مجالي التربية والصحّة، وهانحن نذكر شيئاً من ذلك حتى لا يُبخس الناس حقوقهم، يقول المؤرّخ وِل ديورانت:
(وكـن ينسخـن المخطـوطات ويـزيّنَّهـا بـالرسـوم والحـروف الكبيـرة الجميلـة ويقبلـن الأطفـال للإقامـة في الـديـر، ويعلِّمنهـم الأدب، وقـانون الصحـة، والفنـون المنـزليـة، وكانت كثيـرات منهـن يعملـن ممـرّضـات في المستشفيـات...)،1 ولكن تلك الخـدمات لا تمنع مـن الإشارة إلى مـا كـان يكمـن فـي الأديـرة مـن الأعمـال المنافيـة للأخلاق والقيم السماوية.
***
سورة الحديد.. الآية الثامنة والعشرون   

الآية الثامنة والعشرون:

(يا أيُّها الّذين آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ آمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيم).
إنّ قوله:(يا أيّها الّذين آمَنوا) خطاب للأُمّة الإسلامية جميعاً وأنّه سبحانه يعدهم بكفلين من رحمته لأجل إيمانهم بالنبي محمد(صلى الله عليه وآله) أوّلاً، وبالتالي الإيمان بالسلف من الأنبياء ثانياً، وهذا ما يتبنّاه شأن نزول الآية.
روى الطبرسي عن سعيد بن جبير، قال: بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) جعفراً في سبعين راكباً إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه ودعاه واستجاب له، وآمن به، فلمّا أرادوا الانصراف قال ناس ممّن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون

1 . قصة الحضارة:16/150.

صفحه 119
رجلاً: ائذن لنا فنأتي هذا النبي ونسلم به، فقدموا مع جعفر فلمّا رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا رسول الله وقالوا: يا نبيّ الله إنّ لنا أموالاً ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين وأنزل الله فيهم قوله: (الّذينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ* وإذا يُتلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمينَ* أُولئِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيّئَة وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ).1
فلمّا سمع أهل الكتاب ممّن لم يؤمن به قوله: (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا) فخروا على المسلمين فقالوا: يا معشر المسلمين أمّا من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجران، ومن آمن منّا بكتابنا فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا، فنزلت الآية المتقدّمة.
ويظهر ممّا نقله الكلبي أنّ الذين فخروا على المسلمين كانوا أربعة وعشرين رجلاً قدموا من اليمن على رسول الله وهو بمكة لم يكونوا يهوداً ولا نصارى وكانوا على دين الأنبياء فأسلموا، فقال لهم أبو جهل: بئس القوم أنتم والوفد لقومكم، فردّوا عليه بقولهم:(وَمَا لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبّنا مَعَ الْقَومِ الصّالِحينَ).2

1 . القصص:52ـ53.
2 . المائدة:84.

صفحه 120
فجعل الله لهم ولمؤمني أهل الكتاب ، أجرين اثنين فصاروا يفخرون على أصحاب رسول الله ويقولون: نحن أفضل منكم، لنا أجران ولكم أجر واحد فنزلت الآية.1
وعلى كلّ تقدير فسواء أكان المفتخر من وفد الحبشة أو اليمن فالله سبحانه جعل لهم أجرين: أجر لاعتقادهم بنبوّة نبيّهم، وأجر ثان لإيمانهم بالنبي الخاتم، كما جعل لأصحاب النبيّ أيضاً أجرين; لأنّ المسلم من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا يفرّق بين أحد من رسله، فكلّ من أسلم وإن لم يكن مؤمناً برسالة نبيّ سابق، فله أجران.
وعلـى هـذا فالآيـة تخصّ المـؤمنيـن بالخطاب، قـال سبحـانـه: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) ثم يردفه بقوله: (اتَّقُوا اللهَ) حتى يتـرتّب عليـه الأمر بالإيمان الراسخ ويقول: (اتّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ)، ولا مانع مـن أن يراد من الخطاب الأوّل المرتبة النازلة من الإيمان، ومن الثاني الاتِّباع التـام والطاعة الكاملة لرسوله فيما يأمر به وينهى عنه، فهناك إيمان بعد إيمان، فهـؤلاء الذين امتازوا بالإيمان أوّلاً ثم بالتقوى ثم الإيمان الكامل يخاطبهم سبحـانه بأُمور ثلاثة:
1. (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)، الكِفْلَ (على وزن الطّفل) بمعنى النصيب والحظّ.
2. (وَيَجْعَـلْ لَكُـمْ نُـوراً تَمْشُـونَ بِـهِ)، مـن غيـر فـرق بين الدنيـا

1 . مجمع البيان:9/367.

صفحه 121
والآخرة، فالمؤمن الحقيقي له في الدنيا، نور من إيمانه، هو نور البصيرة الـذي يدرك به حقائق الأُمور، ويهتدي به إلى الرشاد، قال سبحانه:(أَفَمَنْ كانَ مَيْتـاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشي بِهِ فِي النّاسِ)1; كما أنّ له نوراً في الآخرة، قال سبحـانه: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمـانِهِم).2
3. (وَيَغْفِـرْ لَكُـمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
ونظير الآية في تعدّد الإيمـان قوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا آمِنوا باللهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ...).3
فلو كان الخطاب في هذه الآية متوجّهاً للمسلمين يكون الفعلان ناظرين إلى الإيمان بالرسول وما جاء به مرتبة بعد مرتبة، ولو كان الخطاب لأهل الكتاب يكون معنى الآية: (يا أيُّها الّذين آمنوا) بأنبيائهم موسى وعيسى(آمنوا بالله ورسوله) الذي أرسله خاتماً للرسل.
***

1 . الأنعام:122.
2 . الحديد:12.
3 . النساء:136.

صفحه 122

الآية التاسعة والعشرون:

سورة الحديد.. الآية التاسعة والعشرون   
(لِئلاّ يَعْلمَ أهْلُ الكِتابِ ألاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْء مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ الْعَظيمِ).
ذكر الله سبحانه أنّ سبب أمره بالإيمان بعد الإيمان ووعده بالكفلين من الرحمة وجعل النور والمغفرة للمؤمنين، هو(لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ...).
فعندئذ يقع الكلام في أنّه كيف تكون هذه الآية سبباً للآية المتقدّمة؟
قال الواحدي: هذه آية مشكلة وليس للمفسرين فيها كلام واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها.1
وعلى ما ذكرنا ـ من شأن النزول ـ فاتّصال الآية بما قبلها واضح، وكأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: أمرنا أصحاب النبي بالإيمان بعد الإيمان والتقوى بينهما وجعلنا أجر ذلك كفلين من رحمته، ردّاً على أهل الكتاب الذين كانوا يعتقدون بمساواتهم المسلمين من دون فضل الأوّلين على الآخرين، حيث إنّ لكلّ أجراً واحداً.
وجه الرد لما تقدّم في الآية المتقدّمة أنّ لهم أجرين كسائر أهل الكتاب إذا آمنوا بنبيّنا.
وعلى ما ذكرنا فـ «لا» في قوله: (لِئلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ) ليست بزائدة وفعل (يَعْلَم) بمعنى يعتقد، والضمير المتّصل في قوله: (يَقْدِرُونَ) يرجع إلى المؤمنين.
ومعنى الآية: إنّما أمرناهم بالإيمان بعد الإيمان، ووعدناهم كفلين من

1 . تفسير الرازي:29/247.

صفحه 123
الرحمة لئلاّ يعتقد أهل الكتاب أنّ المؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، بخلاف المؤمنين من أهل الكتاب حيث (يُؤْتَونَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَين).
فظهر أنّ للمؤمنين أيضاً نصيبان، كأهل الكتاب إذا آمنوا بالرسول الخاتم.
هذا وقد فسّرت الآية الثانية بوجه آخر، وبما أنّه غير خال عن التكلّف أعرضنا عن ذكره.1
***
تم تفسير سورة الحديد

1 . لاحظ: تفسير الرازي:29/247; التحرير والتنوير:29/387ـ 388.

صفحه 124

صفحه 125
   
 
السورة الثانية
سورة الحشر
وهي مدنية، وآياتها أربع وعشرون

صفحه 126
   

صفحه 127

سورة الحشر

وجه التسمية

سمّيت السورة بهذا الاسم لوجود لفظ الحشر في الآية الثانية منها، حيث قال: (هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لاَِوَّلِ الْحَشْرِ).
وربّما يطلق عليها سورة بني النضير لورود قصتهم فيها حيث أُخرجوا من المدينة قهراً، وغادروها إلى بلاد الشام إلى أريحا وأذرعات.
وهي مدنية بالاتفاق نزلت في السنة الرابعة بعد الهجرة; لأنّ بني النضير أُخرجوا في تلك السنة. وآياتها ـ كما مرّ ـ أربع وعشرون.

أغراض السورة

الغرض المهم ـ بعد ذكر تسبيح ما في السماوات وما في الأرض لله سبحانه ـ هو بيان شمول الخزي والهوان، لطائفة من اليهود القاطنين في المدنية، إثر نقضهم الميثاق الّذي اتّفقوا عليه مع النبي الخاتم، عقب وروده المدينة، وقد كشف فيها سبحانه مؤامرة منافقي المدينة واتّفاقهم مع اليهود على استئصال الإسلام والمسلمين، ولكن عمّهم الجبن وتفرّق الكلمة فلم ينصروا اليهود مع الوعود المؤكّدة الّتي اغترّ بها اليهود.

صفحه 128
وفي ختام السورة يذكر سبحانه عظمة القرآن الكريم وجلائل اسماء الله الحسنى على نسق رائع لا نرى له نظيراً في سائر السور.
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )
مرّ تفسير البسملة وما فيها من الأسماء الثلاثة لله سبحانه في سورة الحديد، فلاحظ .
سورة الحشر.. الآية الأُولى   

الآية الأُولى:

(سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمواتِ وَما في الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)1 .
وهنا بحوث:
1. ما هو المراد من تسبيح ما في السماوات وما في الأرض؟
2. لماذا أتى بالموصول مرة ثانية مع أنّه سبحانه لم يكرره في سورة الحديد، حيث قال: (سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)2؟
3. لماذا ختم الآية بالاسمين ( الْعَزِيزُ) و (الْحَكِيمُ)، دون سائر الأسماء، وقد أتى بهما أيضاً في الآية الأخيرة من هذه السورة مع تكرار مضمون الآية الأُولى؟

1 . الحشر: 1 .
2 . الحديد: 1 .

صفحه 129
أمّا الأوّل ـ أعني: المراد من التسبيح ـ : فقد أوضحنا حاله عند تفسير سورة الحديد، وقلنا: إنّه اختلفت أقوال المفسّرين في معنى تسبيح الكائنات، فمن قائل: إنّ تسبيحها هو دلالتها الكونية على أنّ صانعها عليم قادر حكيم.
وقد قلنا: إنّ ذلك المعنى وإن كان صحيحاً، ولكنّه ليس معنى منحصراً للآية، لأنّ قسماً من الآيات يدلّ على أنّ تسبيحها تسبيح تشريعي، نابع عن شعور، قال سبحانه: (وَ إِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)1، ويؤيّده سريان العلم في كافّة الموجودات، وأنّ كلّ موجود ـ حسب درجة وجوده ـ له شعور وإدراك بالنسبة لصانعه، فيسبّحه بمقدار ما أُوتي من الشعور. قال سبحانه: (وَ إِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ مَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ)2 إلى غير ذلك من الآيات.
وأمّا الثاني ـ أعني: تكرار الموصول في قوله: (وَمَا فِي الأَرْضِ) ـ فهو:
إنّ فاتحة سورة الحديد قد تضمّنت الاستدلال على عظمة الله تعالى وصفاته وانفراده بخلق السماوات والأرض، فكان دليل ذلك هو مجموع ما احتوت عليه السماوات والأرض، من أصناف الموجودات، وجمع ذلك كلّه في اسم واحد، وهو «ما» الموصولة الّتي صلتها قوله: (فِي السَّمواتِ وَ الأَرْضِ). وذكر الأرض بلا إعادة موصول.

1 . الإسراء: 44.
2 . البقرة: 77 .

صفحه 130
وأمّا فاتحة سورة الحشر فقد سيقت للتذكير بمنّة الله تعالى على المسلمين في حادثة أرضية، وهي خذلان بني النضير ومصادرة أموالهم وتقسيمها بين المهاجرين فناسب فيها أن يخصّ أهل الأرض باسم موصول خاصّ بهم، وهو «ما» الموصولة الثانية الّتي صلتها (فِي الأَرْضِ). وعلى هذا المنوال جاءت فواتح سورة الصف والجمعة والتغابن.1
وأمّا الثالث ـ أعني: اختتام الآية بالعزيز الحكيم ـ فوجهه:
إنّ العزيز يدل على القدرة، فإنّ إخراج قسم من أهل الكتاب من قلاعهم الّتي كانوا متحصّنين فيها، إنّما هو عمل نابع عن العزة والقدرة، كما أنّه نابع عن حكمة بالغة، وعلم بوجه الصواب في التدبير; لأنّ تواجد اليهود في عاصمة الدولة الإسلامية، مع ما جُبلوا عليه من خبث ومكر ونقض للعهود، يشكّل خطراً على المسلمين وعلى دولتهم الفتيّة.
ثم إنّه سبحانه ابتدأ السورة بالتسبيح وختمها به، كما سيوافيك، ولعلّه لأجل الإشارة إلى تنزيهه سبحانه عن الظلم والتعدّي بالنسبة إلى أهل الكتاب، فإنّه سبحانه لم يُجلِ بني النضير من المدينة بأيدي المسلمين بلا سبب، بل لأجل خيانتهم وغدرهم.
سورة الحشر.. الآية الثانية   
***

1 . التحرير والتنوير: 28 / 58 .

صفحه 131

الآية الثانية:

(هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ).
نزل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يثرب وكان يسكنها طائفتان من العرب وهما: الأوس والخزرج، وثلاث قبائل من اليهود، وهم : بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، فكتب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتاباً بين المهاجرين والأنصار وادع فيه اليهود ، وعاهدهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم واشترط لهم واشترط عليهم.
وقد نقل ابن هشام في سيرته نصّ الكتاب 1، فمن أراد فليرجع إليه.
ثم إنّه كتب بين الطوائف الثلاث لليهود كتاباً نقله علي بن إبراهيم في تفسيره وقال: وجاءته اليهود: قريظة والنضير، وقينقاع، فقالوا: يا محمد إلى مَ تدعو؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله، وأنّي الّذي تجدونني مكتوباً في التوراة، والّذي أخبركم به علماؤكم، أنّ مَخْرجي بمكة ومهاجري في هذه الحرّة. ثم ذكر رسول الله شيئاً من أوصافه الّتي سمعتها اليهود من أحبارهم، فقالوا: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك، ولانعين عليك أحداً، ولا نتعرّض لأحد من أصحابك، ولا تتعرّض لنا ولا لأحد من أصحابنا، حتّى ننظر إلى ما يصير

1 . السيرة النبوية: 1 / 501 ـ 504 .

صفحه 132
أمرك وأمر قومك. فأجابهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى ذلك، وكتب بينهم كتاباً ألاّ يعينوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع في السرّ والعلانية لا بليل ولا بنهار، والله بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول الله في حلّ من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم. وكتب لكلّ قبيلة منهم كتاباً على حدة.
وكان الذي تولّى أمر بني النضير حُييّ بن أخطب، فلمّا رجع إلى منزله قال له إخوته ـ جُديّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب ـ : ما عندك؟ قال: هو الّذي نجده في التوراة، والّذي بشّرنا به علماؤنا، ولا أزال له عدوّاً، لأنّ النبوّة خرجت من ولد إسحاق وصارت في ولد إسماعيل، ولا نكون تبعاً لولد إسماعيل أبداً.
وكان الّذي ولي أمر بني قريظة: كعب بن أسد، والّذي ولي أمر بني قينقاع: مخيريق وكان أكثرهم مالاً وحدائق، فقال لقومه: تعلمون أنّه النبيّ المبعوث، فهلمّوا نؤمن به ونكون قد أدركنا الكتابين; فلم يجبه قينقاع إلى ذلك .1

إجلاء بني قينقاع

ثم إنّ اليهود معروفون بنقض العهود، وأوّل من نقضها من هذه الطوائف هم بنو قينقاع، وذلك أنّه لمّا انتصر رسول الله(صلى الله عليه وآله) في غزوة بدر، أظهروا له الحسد بما فتح الله عليه، ونقضوا ما بينهم وبينه، وأخذوا يتآمرون على

1 . إعلام الورى: 1 / 158 ; وبحار الأنوار: 19 / 110 ـ 111 .

صفحه 133
المسلمين، فجمعهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) بسوقهم فقال: يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنّكم قد عرفتم أنّي نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. قالوا: يا محمد: إنّك ترى أنّا كقومك، لا يغرنّك أنّك لقيتَ قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنّا والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن الناس .1
هذا هو كلامهم، وهو يدلّ على صَلَفهم، واستعدادهم للحرب، ونقض العهد الّذي عقدوه مع رسول الله .
ومع ذلك تركهم النبي (صلى الله عليه وآله) بحالهم، غير أنّ حادثة مؤلمة دعت النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) إلى أن يُجليهم عن المدينة المنورة، وهي أنّ امرأة من العرب قدمت بجلَب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعَمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلمّا قامت انكشفت سَوْءتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، وشدَّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
فحاصرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى نزلوا على حكمه بمغادرة المدينة.2
***

1 . السيرة النبوية: 2 / 47 ; وتاريخ الطبري: 2 / 172 .
2 . السيرة النبويّة: 2 / 48.

صفحه 134

إجلاء بني النضير

كان بنو النضير يسكنون في ضواحي المدينة المنوّرة في قلاع محكمة ورفيعة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد وادع اليهود حين قدم المدينة مهاجراً، وعندما انتصر المسلمون يوم بدر على مشركي قريش، غمر الحزن زعيمَهم كعب بن الأشرف، وأقدموا على الخيانة ونقض العهد، وذلك بوجهين:
1. أن كعب بن الأشرف قدم مكة فنزل على المطلب بن أبي وَداعة بن ضبيرة السهمي، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرّض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وينُشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قُريش، الذين أُصيبوا ببدر.1
وقد روى الطبرسي القصة على وجه التفصيل وقال: فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكباً من اليهود إلى مكة وأتوا قريشاً وحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد (صلى الله عليه وآله) ثم دخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود، المسجد وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة، ثم رجع كعب بن الأشرف وأصحابه إلى المدينة ونزل جبرائيل، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله)بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان.2
2. كان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلمّا قتل عمرو بن أُمية الضمري نفرين من بني عامر ذهب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى قلاع بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، فلما أتاهم(صلى الله عليه وآله): قالوا: نعم يا أبا

1 . السيرة النبوية: 2 / 51 ـ 52 .
2 . مجمع البيان: 9 / 386 .

صفحه 135
القاسم، نُعينك على ما أحببت، ممّا استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ـ ورسول الله (صلى الله عليه وآله)إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد ـ فمَنْ رجلٌ يعلو على هذا البيت، فيُلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدُهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليُلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله (صلى الله عليه وآله)في نفر من أصحابه. فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله)الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة. فلمّا استلبث النبي (صلى الله عليه وآله)أصحابه، قاموا في طلبه فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه; فقال: رأيته داخلاً المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله، حتّى انتهوا إليه(صلى الله عليه وآله)، فأخبرهم الخبر، بما كانت اليهود أرادت من الغَدْر به، وأمرَ رسول الله (صلى الله عليه وآله)بالتهيّؤ لحربهم، والسير إليهم .
ثمّ سار (صلى الله عليه وآله) بالناس حتّى نزل بهم في شهر ربيع الأوّل، فحاصرهم ست ليال وتحصنوا في الحصون; ثم إن عبدالله بن أبي سلول وجماعة من المنافقين قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنّعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فتربّصوا ذلك من نَصرهم، فلم يفعلوا. وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلاّ الحلْقة،1ففعل فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف 2 بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر،

1 . الحلْقة: السلاح كله، أو خاص بالدروع .
2 . النجاف: على وزن كتاب، العتبة الّتي بأعلى الباب .

صفحه 136
ومنهم من سار إلى الشام .1
وقد نقلنا القصة بطولها لأنّها توضح وتفسّر الآيات التالية:
قال سبحانه: (هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) يعني يهود بني النضير بعدما عرفوه; لقوله سبحانه: (وَ لَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)2 .
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) بيانية; لأنّ المراد خصوص اليهود ولا يعمّ المشركين ـ على ما عرفت ـ (مِنْ دِيَارِهِمْ) حيث سلط المؤمنين على قلاعهم وحصونهم وأوطانهم (لأَوَّلِ الْحَشْرِ)، والحشر في اللغة بمعنى الجمع، والجملة متعلّقة بـ (أَخْرَجَ) .
وفسّره السيد الطباطبائي بإخراج الجماعة بإزعاج، فقوله: (لأَوَّلِ الْحَشْرِ)من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي الحشر الأوّل، واللام بمعنى «في» كقوله: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)3 أي في دلوك الشمس، والمعنى: الله الّذي أخرج بني النضير من اليهود من ديارهم في أوّل إخراجهم من جزيرة العرب .4
يلاحظ عليه: بأنّه لوكان أوّل إخراج لليهود، ففيه أنّه ليس أوّل إخراج لهم من جزيرة العرب، فقد أخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني قينقاع قبلهم، كما مرّت

1 . السيرة النبوية: 2 / 190 ـ 191 .
2 . البقرة: 89 .
3 . الإسراء: 78 .
4 . تفسير الميزان: 19 / 201 .

صفحه 137
قصتهم، فكيف يكون هذا الإجلاء إجلاءً أوّلاً، مع أنّ المنقول أنّ بني قينقاع غادروا المدينة إلى وادي القرى ومنها إلى أذرعات الّتي هي جزء من أرض الشامات، وذلك من غير فرق بين أن يُفسَّر الحشر بمعنى الجلاء أو بمعنى الاجتماع في أرض الشام؟
فالأوّل هو المنقول عن البلخي، حيث قال: لأنّهم أوّل من أُجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب ثم أُجلي إخوانهم من اليهود.
والثاني عن ابن عباس، حيث قال: أوّل حشر اليهود إلى الشام (أي إجتماعهم فيها)، ثم يحشر الناس يوم القيامة إلى أرض الشام أيضاً، وذلك هو الحشر الثاني.1 وذلك أنّ الطائفة الأُولى اجتمعوا في أرض الشام، قبل بني النضير .
والصواب: أنّ المقيس عليه ليس خصوص بني قينقاع، بل الطوائف الثلاث لأجل اشتراكهم في أُمور، فصاروا مجتمعاً واحداً، فالأوّل وصف للجميع حتّى بني قريظة، وإنّما المقيس عليه يهود فلسطين حيث أجلوا مرتين: مرة في زمن «بختنصر»، ومرة في زمن طيطس سلطان الروم، وسلم بنو النضير ومن معهم من بني قينقاع وقريظة من الجلاء مرتين بل أُجلوا مرة واحدة. والله العالم.2
قوله سبحانه: (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ)يشير سبحانه إلى أمرين:

1 . مجمع البيان: 9 / 387 .
2 . التحرير والتنوير: 28 / 62 .

صفحه 138
1. إنّ المسلمين ما كانوا يتوقّعون أن يخرج بنو النضير من قلاعهم لما هم عليه من القوة والشدة والمنَعة.
2. كان بنو النضير يعتقدون أنّ معاقلهم الحصينة تمنعهم ممّا ينزل بهم من بلاء على يد النبي (صلى الله عليه وآله)، (فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)، أي فأتاهم عذاب الله سبحانه من حيث لم يتوقعوه ولم يتصوّروه، وذلك بإلقاء الخوف الشديد في قلوبهم، وكان سيدهم كعب بن الأشرف قد قُتل قبل محاصرتهم .1 فقوله: (فَأَتَاهُمُ اللهُ) إشارة إلى أنّهم حسبوا لكلّ شيء واستعدوا له ، ولكنّهم لم يحسبوا لقدرة الله الغالبة، وإرادته النافذة. وقوله: (قَذَفَ)يدلّ على حصول الخوف في قلوبهم دفعة واحدة فأسرعوا إلى الاستسلام، كما في قوله: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)2 .
(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)، وهذا من عجائب الأُمور حيث إنّ القلاع الّتي بنوها لأنفسهم لتكون مأوى لهم راحوا يهدمونها بأيديهم حتّى لا ينتفع بها المسلمون بعد خروجهم منها، وفي الوقت نفسه كان المسلمون يهدمونها من الخارج ليصلوا إلى داخل قلاعهم.
ومن هنا عمّ الدمار جميع قلاعهم وحصونهم بأيديهم وبأيدي المسلمين .
وبعد أن كشف سبحانه عن هذا المصير القاتم لهؤلاء الغادرين

1 . السيرة النبوية: 2 / 51 ـ 55، وقد ذكرت فيها كيفية قتله .
2 . آل عمران: 151 .

صفحه 139
الخائنين، أمر عامّة الناس بالاعتبار بهم، فقال: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ)، والاعتبار هو العبور من شيء إلى شيء آخر والنظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها.
والمراد أن يتخذوا درساً وموعظة أو دروساً ومواعظ من هؤلاء الذين لم تنفعهم قلاعهم عمّا حاق بهم من الضرر والخسران، وذلك لأنّ الأُمور المادّية والأسباب الطبيعية، معدات ومقتضيات وليست عللاً وأسباباً قطعية لنيل الأمان .
نعم، إنّ الضابطة هي غلبة من له منعة وقوة وأدوات وسلاح، وهم يتدرعون بحصونهم وقلاعهم، ولكن الضابطة قد انقلبت رأساً على عقب، حيث إنّ المسلمين لم يكن عندهم من العدد والعدّة ولا من القلاع والحصون ما لعدوهم ومع ذلك تغلّبوا عليهم بمحاصرتهم ستة أيام، وما ذلك إلاّ لأنّ إرادة الله سبحانه هي الإرادة النافذة في الأشياء الّتي تدلّ على أنّ الغادر ليس له أمان في النهاية، حيث إنّ القوم تهيّؤوا لقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله)غدراً.
وربّما يستدلّ بقوله سبحانه: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) على حجيّة القياس، وذلك لأنّ الاعتبار عبارة عن دراسة حادثة بما لها من الأضرار والآثار، فيقاس عليها حادثة أُخرى تشترك معها في جوهرها وعرضها.
فإذا جاز ذلك في عالم التكوين فليجز في عالم التشريع، بأن نستنبط حكماً غير منصوص من المسائل من حكم المنصوصة منها.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ تفسير الاعتبار بالقياس ـ لو صحّ ـ فإنّما يكون

صفحه 140
مفاده في التكوين سلبياً لا إيجابياً بمعنى أنّه إذا رأى حادثة ترتبت عليها أضرار وخسائر، فعليه أن يجتنب مثلها في حياته، وهذا هو المراد من أنّ القياس في التكوين سلبي، وهذا بخلاف القياس المصطلح في علم الأُصول، فإنّه فيه إيجابي بمعنى استنباط حكم مسألة غير منصوصة من مسألة منصوصة، كاستنباط حكم الفقاع من حكم الخمر، فالقياس إيجابي .
وثانياً: أنّ غاية ما تدلّ عليه الآية هو جواز القياس في التكوين، وتجاوز ذلك إلى القول بجواز القياس في التشريع نوع قياس لا يعتمد عليه إلاّ أن يثبت القياس خارجاً قبل تفسير الآية، فالاستدلال دوري لأنّ جواز القياس في التشريع فرع جواز قياس التشريع على التكوين، وثبوت ذلك موقوف على ثبوت القياس تكويناً وتشريعاً .
***
سورة الحشر.. الآية الثالثة   

الآية الثالثة:

(وَ لَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ).
إنّ : (لَوْلاَ) في الآية امتناعية، وجوابها (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) ومفاد الآية: أنّ هؤلاء القوم مجرمون أمام الله سبحانه لأنّهم نقضوا عهد الله، فعليه أن يعذّبهم وينكّل بهم بأحد الأمرين.
1. بإجلائهم عن أراضيهم، وحرمانهم من مزارعهم وعملهم .
2. تعذيبهم بمقاتلة المسلمين إيّاهم.

صفحه 141
ولكنّه سبحانه كتب وفرض عقوبتهم بالإجلاء لا بقتلهم وهلاكهم بأيدي المسلمين لمصلحة اقتضتها حكمته، وهي أن يتغلّب المسلمون على أراضيهم وديارهم من دون إتلاف وإراقة دم، خصوصاً وأنّ الواقعة كانت بعد غزوة أُحد الّتي استشهد فيها سبعون نفراً من صحابة الرسول، ولو دق الرسول(صلى الله عليه وآله) باب الجهاد والقتال وانتصر عليهم، لكن لا ينفك عن استشهاد فريق من صحابته ولعلّه يورث في نفوسهم ضعفاً في المستقبل، فتقديم الجلاء على الحرب كان لمصلحة المسلمين لا تكريماً لليهود .
ثم إنّ في انتخاب خيار الجلاء على القتل فائدة أُخرى، وهي أنّ هؤلاء سوف تستعر قلوبهم حرقة وألماً إلى آخر حياتهم بما تركوا من أراض وديار ومزارع للمسلمين، وهو ليس أمراً هيّناً على اليهود.
ومن هنا يُعلم أنّ قوله: (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) هو قتلهم وإبادتهم بأيدي المسلمين، وذلك لا يخلو من أضرار تصيب المؤمنين أيضاً.
وتوهُّم أنّ هناك طريقاً ثالثاً وهو إهلاكهم بالصاعقة والزلزال، مدفوع بأنّه سبحانه جعل الرسول ما دام في الدنيا أماناً، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)1 .
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كَانَ فِي الاَْرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا، فَدُونَكُمُ الاْخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ: أَمَّا الاَْمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله)، وَأَمَّا الاَْمَانُ الْبَاقِي فَالاِْسْتِغْفَارُ. قَالَ اللهُ تَعَالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ

1 . الأنفال: 33 .

صفحه 142
وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)».1
ثم إنّه ربّما يتصوّر أنّ جزاءهم كان هو الإبادة فقط، لكنّه سبحانه يردّ ذلك الوهم بأن لهم وراء الجلاء عذاب أليم في الآخرة.
***
سورة الحشر.. الآية الخامسة   

الآية الرابعة:

(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
يشير سبحانه في هذه الآية إلى سبب الأحداث الّتي مرّت على بني النضير حيث أُجلوا عن ديارهم، وخرِّبت بيوتهم، واستحقوا العذاب في الآخرة، وأنّ السبب هو أنّهم شاقّوا الرسول وعادوه وخاصموه، وجزاء من يخاصم الله ورسوله العقاب الشديد.
وعلى هذا فعطف اسم الرسول على اسم الجلالة، لأجل تعظيم شأن الرسول ليعلم أنّ طاعته طاعة الله ومشاقّته مشاقّة الله، نظير قوله سبحانه: (وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ)2.
واقتصر في العطف على تلك الجملة دون الجملة التالية ـ أعني قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) للاستغناء بذكره في الجملة المتقدّمة.
ثم إنّه تظهر من بعض الآيات أنّ مشاقّة الله ورسوله من المعاصي الكبار،

1 . نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 88 .
2 . التوبة: 74 .

صفحه 143
يقول سبحانه: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سَاءَتْ مَصِيرًا) 1.
ثم إنّ الفعل المضاعف يجوز فيه وجهان: الإدغام والإظهار، فأدغم في المقام وقال: (شَاقُّوا) و (يُشَاقِّ)، ويجوز الإظهار، كما في قوله (يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) .
***

الآية الخامسة:

(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَ لِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ).
اللينة: النخلة وأصله من اللُّون، قلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها، وجمعها لينان، وظاهر الآية أنّ اللينة نوع من النخل، وقد كانت بساتين القوم ومزارعهم خارج القلاع والحصون، ولمّا حاصرهم المسلمون التجأوا إلى قلاعهم وأغلقوا عليهم الأبواب فصارت البساتين والمزارع تحت يد جيش المسلمين.
ويظهر من الآية ومن كتب السيرة أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمر بقطع بعض النخيل، فأغاط ذلك اليهود في قلاعهم، فنادَوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على مَن صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟2
ولمّا وقع ذلك موقع شك في قلوب بعض أفراد الجيش ـ مع أنّ

1 . النساء: 115 .
2 . السيرة النبوية:2/191.

صفحه 144
المقطوع لم يتجاوز نخلتين أو ست نخلات ـ نزلت هذه الآية بأنّ ما قطع وما لم يقطع كان بأمر من الله سبحانه، وذلك لأنّ الضابطة عند التزاحم هي تقديم الأهم على المهم مطلقاً، سواء أكانت في الأُمور الاجتماعية أو السياسية أو العسكرية، فإن الغاية الأهم (القصوى) هي استسلامهم بلا إراقة دم من الطرفين، لأنّه قد قتل من المسلمين في غزوة أُحد قرابة سبعين شهيداً وجرح عدد كبير منهم، فالقيادة الحكيمة قررت حفظ دماء المسلمين في تلك الفترة، ولذلك قام الرسول(صلى الله عليه وآله)لأجل إنزال اليهود من قلاعهم، بقطع بعض نخيلهم، لرغبتهم فيه واهتمامهم الزائد به، لأنّ اليهود معروفون بحب المال والحرص عليه.
ولهذا نزل الوحي لإزالة الشبهة عن قلوب البعض،وأكد أنّ ما قطع وما لم يقطع من النخيل إنّما كان بإذن الله سبحانه.
هذا أوّلاً، وثانياً أنّ في هذا العمل نوع إجزاء لليهود حيث يرون كرائم أموالهم بين مقطوع من أصله ومسلوب بيد المسلمين، وفي هذا عزّة للمسلمين وذلّة للكافرين.
سورة الحشر.. الآية الخامسة   
ثمّ إنّ قوله: «بإذن الله» عام يشمل مورد الآية وغيره، وأنّ كلّ ما يقع في الكون، سواء أصدر من الإنسان أم من غيره، فهو بإذنه سبحانه، ولولاه لما تحقّق، إذ يمتنع أن يتحقّق في الكون أمرٌ خارج عن إرادته وسلطانه، ولا يستلزم ذلك الجبرَ لتوسط إرادة الإنسان واختياره بين إرادة الله والفعل.
وهناك من يخص دائرة الإذن والإرادة بغير فعل الإنسان وأنّ ما في الكون يتحقق بإذنه وإرادته دون فعل الإنسان، وما هذا إلاّ فرار من الجبر،

صفحه 145
وهؤلاء بهذا التفسير وإن ابتعدوا عن الجبر وحاولوا تنزيهه سبحانه عن الظلم، ولكنّهم وقعوا في ورطة الشرك حيث صار الإنسان سلطاناً مستقلاً لفعل ما أراد وإيجاد ما قصد، دون أن يكون لله سبحانه وراء فعله إرادة وسلطان.
وأمّا وجه عدم استلزامه الجبر، فإنّه سبحانه يريد وجود كلّ ما في الكون، ولكن على وجهين: تارة يريد صدور شيء عن الفاعل جبراً بلا إرادة واختيار، كإحراق النار. وأُخرى يريد صدوره من الفاعل عن إرادة واختيار كفعل الإنسان، وبذلك يخرج فعل الإنسان عن وقوعه جبراً، ولو صدر منه بلا اختيار وإرادة للزم تخلّف إرادته سبحانه عن مراده; لأنّه أراد أن يكون الإنسان فاعلاً مختاراً، لا فاعلاً مجبوراً، والتفصيل في محلّه.
قوله:«ليخزي الفاسقين» عطف على قوله:«فبإذن الله»و أقام اسم الظاهر (الفاسقين) مكان الضمير إعلاناً عن فسقهم وخروجهم عن طاعة الله سبحانه، والمعنى: أنّه سبحانه أراد خزي هؤلاء الفسقة من بني النضير، والفسق بمعنى الخروج عن الطاعة، وهو يجتمع مع الكفر بلا إيمان ومع العصيان معه.
***

صفحه 146
سورة الحشر.. الآية السادسة   

الآية السادسة:

(وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَ رِكَاب وَ لَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).

اللغة والإعراب

الفيء والغنيمة يُستعملان فيما يغنمه الإنسان، ولكن ما كان بلا قتال فهو الفيء، وما كان معه فهو الغنيمة.
ثمّ إنّ الفيء في الأصل بمعنى الرجوع واستعماله فيما يفوز به الإنسان من غير إيجاف، لأجل أنّه تبارك وتعالى خلق العالم والأموال للصالحين من عباده دون الكافرين، فإذا استولى عليه غير الصالحين فقد استولوا على ما لا يصلح لهم، فإذا أُخذ منهم بالرعب وغيره فكأنّه قد رجع الشيء إلى محلّه...
ثم إنّ معنى قوله:(أفاء) أي أعطى الفيء.
وقوله: (وَمَا أَفَاءَ اللهُ) مبتدأ خبره (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ )، وإنّما دخلت الفاء على الخبر لتضمّن (ما) الموصولة معنى الشرط.
وهناك احتمال آخر وهو أن تكون الجملتان من قبيل الشرط والجزاء.
والإيجاف هو تسيير الخيل أو الركاب، وإن شئت قلت: سوقهما إلى المقصد، غير أنّ الخيل هي الفرس، والركاب اسم جمع يطلق على الإبل، و (من) في قوله:(مِنْ خَيْل) ليست زائدة بل لإفادة الاستغراق، أي ما سقتم على حيازته شيئاً من خيل ولا ركاب هذا ما يرجع إلى لغة الآية وإعرابها.

صفحه 147

إيضاح الآية

غادر بنو النضير أرض المدينة وأخذوا من أموالهم ما استقلّت به الإبل، وبقيت بساتينهم وأراضيهم تحت يد الرسول(صلى الله عليه وآله) فقسّمها على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار باستثناء سهل بن حنيف، وأبي دجانة سماك بن خرشة، والحارث بن الصمّة. ولم يُسلم من بني النضير إلاّ رجلان: يامينُ بن عُمير: أبو كعب بن عمرو بن جحاش; و أبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها.1
وقد أثار ذلك التقسيم هذا التساؤل لدى الأنصار: لماذا لم يقسّمه رسول الله بين جميع الغزاة، كما فعل ذلك في غزوة بدر، حيث أخذ الخمس وقسّم الباقي بين المهاجرين والأنصار الذين شاركوا في الجهاد؟
وكأنّ الآية أجابت عن هذا التساؤل عن وجود الفرق بين ما أُخذ في غزوة بدر من أموال، وبين ما أُخذ منها في غزوة بني النضير، فالمسلمون في غزوة بدر قد أوجفوا على ذلك بخيل وركاب وقاتلوا وقُتل منهم، فلذلك استحقوا أربعة أخماس الغنيمة; وأمّا في غزوة بني النضير فلم يوجفوا على ذلك بخيل ولا ركاب، ولم يتحمّلوا أعباء القتال، وإنّما سلّطهم الله سبحانه عليه بإلقاء الرعب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قلوب اليهود ، فلم يروا بدّاً من الاستسلام والنزول على حكمه(صلى الله عليه وآله)، ولم يكن للجيش إلاّ ضئيل دور من محاصرة القلاع وقطع اللينة، فصار ذلك سبباً بأن تختص الغنيمة بالرسول يضعها حسب ما يراه من المصلحة، أو بما يُوحى إليه.

1 . السيرة النبوية:2/1012.

صفحه 148
قال الكلبي: إنّ هذه الآية نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا له: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله)خذ صفيك والربع ودعنا والباقي، فهكذا كنا نفعل في الجاهلية وأنشدوا:
لك المِرباعُ مِنها والصّفايا *** وحُكْمُك والنَّشيطة والفضولُ1
فـ «المرباع»: رُبع المغانم كان يستأثر به قائد الجيش.
و«الصفايا»: النفيس من المغانم الذي لا نظير له فتتعذر قسمته، كان يستأثر به قائد الجيش، وأمّا «حكمه» فهو ما أعطاه العدو من المال إذا نزلوا على حكم أمير الجيش.
و«النشيطة»: ما يصيبه الجيش في طريقه من مال عدوّهم قبل أن يصلوا إلى موضع القتال.
و«الفضول»: ما يبقى بعد قسمة المغانم ممّا لا يقبل القسمة على رؤوس الغزاة مثل بعير وفرس.2
فالآية بصدد إلفات نظر المسلمين إلى أنّ ما أُخذ من أموال بني النضير يختلف عمّا أُخذ من أموال المشركين في معركة بدر، وعلى أساس هذا الاختلاف قُسِّمت الأموال هناك على جميع المقاتلين، ولم تُقسَّم هنا كذلك، وإنّما قسّمها رسول الله(صلى الله عليه وآله) حسب ما تقتضي المصلحة.
سورة الحشر.. الآية السابعة   
***

1 . مجمع البيان:392.
2 . التحرير والتنوير:28/76.

صفحه 149

الآية السابعة:

(مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

مفردات الآية:

قوله: (مِنْ أَهْلِ الْقُرى) اللام للعهد، والظاهر أنّ المراد: القرى التي استسلم أهلها بلا إيجاف خيل ولا ركاب، والتي منها: قريظة وفدك وقرى عُرينة وينبع ووادي القُرى والصفراء، كلّها فتحت في عهد الرسول(صلى الله عليه وآله) بلا عنوة، وحُكم الجميع واحد.
الدُولة: بضم الدال، ما يتداوله الناس، والتداول التعاقب في التصرّف.
وأمّا الدَولة بفتح الدال فهو بمعنى النوبة في الملك.
وقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ) يحتمل أن يكون بمعنى: أعطاكم الرسول، ولكنّ الظاهر أنّه بمعنى: أمركم به الرسول، بقرينة ما بعده أي قوله:«وما نهاكم عنه فانتهوا». أمّا استعمال الإيتاء في مورد الأمر فكأنّه إشارة إلى جعل تشريع الرسول وتبليغه كإيتاء الشيء باليد، كما في قوله سبحانه: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّة)1 والآية خطاب لبني إسرائيل حتى يأخذوا بما يأمر به موسى بتمام القوة.

1 . البقرة:63.

صفحه 150

تفسير الآية

اختلف المفسّرون في تفسير الآية اختلافاً شديداً والذي يمكن أن يؤخذ به أحد الأمرين التاليين:
الأوّل: إنّ هذه الآية تتضمن حكماً غير الحكم الذي تضمّنته الآية المتقدّمة. فإنّ الأُولى من الآيتين تتضمّن حكم أموال بني النضير وأنّها تختصّ برسول الله(صلى الله عليه وآله) يضعها حسب المصلحة كما قال سبحانه:(وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)، وأمّا هذه الآية فهي بصدد بيان ما هو الحكم الشرعي في الأفياء مطلقاً، أي التي حصلت بعد غزوة بني النضير، كبني قريظة (سنة 5) وفدك(سنة7) وأنّها ليست مختصّة بالنبي(صلى الله عليه وآله)، بل يقسمها حسب ما جاء في الآية، حيث جعل مطلق الفيء مصروفاً إلى ستة مصارف، وهذا هو الذي جعله الطبرسي القول الثاني، وقال: إنّ الآية الأُخرى بيان لأموال بني النضير خاصّة لقوله: (وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ).
وأمّا الآية الثانية فهي لبيان الأموال التي أُصيبت بغير قتال، وهذا هو الذي اختاره صديقنا الراحل الشيخ محمد جواد مغنية، قال: والذي ذكرناه من تخصيص الآية الأُولى بأموال بني النضير والآية الثانية بالفيء غير أموال بني النضير هو أرجح التفاسير في رأينا. والله أعلم بما أراد.1
والذي يُبعد هذا الرأي هو اتصال الآيتين والاشتراك في التعبير حيث إنّه سبحانه ابتدأ الآية الأُولى بقوله:(وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) والآية الثانية بقوله:(مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ)، فكيف يمكن تخصيص الآية الأُولى ببني

1 . التفسير الكاشف: 7/286.

صفحه 151
النضير والثانية بمطلق الفيء؟!
ثمّ إنّ هذا القول يتوقّف على وجود الفاصل الزماني بين نزول الآيتين حتى تُحمَل الأُولى على مورد خاص، والثانية على مطلق الموارد.
الثاني: أنّ الآيتين تهدفان إلى معنى واحد غير أنّ الآية الأُولى أجملت بيان المصارف واقتصرت على قوله: (عَلَى رَسُولِهِ)، وأمّا الآية الثانية فقد فصّلت مصارف الفيء فهي بيان لحكم المال الذي ذكره في الآية الأُولى.
والناظر في الآيتين يقف على صحّة ذلك بلا تكلّف، فقوله: (عَلَى رَسُولِهِ)في الأُولى، لا يعني أنّه للرسول لا للأصناف الستة، بل يعني أنّه للرسول دون أفراد الجيش والمشاركين في محاصرة بني النضير. ولمّا كان في قوله«للرسول» إجمال إذ لا معنى أن تكون الأموال الطائلة لشخص الرسول، رفعه بالآية الثانية.
ثم إنّه ربما يقال: إنّ مقتضى كون الآية الثانية بياناً للآية التي قبلها، أن تكون أموال بني النضير ممّا يخمّس، ولم يرو أحد أنّ رسول الله خمّسها بل ثبت ضدّه.
وعلى هذا يكون حكم أموال بني النضير حكماًخاصاً، أو تكون هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها إن كانت نزلت بعدها بمدّة.1
يلاحظ عليه: ليس في الآية الثانية أي شاهد على لزوم التخميس حتى يلزم ـ من كونها بياناً للآية الأُولى ـ وجوب التخميس في أموال بني النضير، بل ظاهر الآية الثانية أنّ الفيء بأجمعه للأصناف الستة. والذي أوجب

1 . التحرير والتنوير:28/73.

صفحه 152
الاشتباه هو وجود الأصناف الستة في آية الغنيمة، قال سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)،1 دون لفظ التخميس.
ولكن الفارق بين المقامين واضح، وهو وجود لفظ الخمس في سورة الأنفال دونه في آية الفيء.
فالغنيمة تُخمّس، والخمس للطوائف الست والأرباع الباقية للمجاهدين، بخلاف المقام.
ثمّ إنّه سبحانه ذكر مصارف الفيء فجعلها على أصناف:
1. سهم الله سبحانه (يُصرَف في سبيل الله).
2. سهم الرسول(صلى الله عليه وآله) وهو ما يصرفه في حاجاته الشخصية وما يحتاج إليه مقامه.
3. سهم ذوي القربى، ولا شك أنّ المراد قربى الرسول، لا مطلق أقرباء المسلمين، لأنّ اللام في القربى للعهد أي قرباه من بني هاشم، وذلك لحرمانهم من الزكاة.
وتوهُّم أنّ المراد أقرباء الناس جميعاً، مدفوع، لأنّه يستلزم شموله جميع المسلمين، لأنّ الناس بعضهم أقرباء بعض، ويدلّ على ذلك تقدّم الرسول، فاللام في «القربى» إشارة إليه أي قربى الرسول، والضابطة في تفسير ذي القربى في القرآن، رعاية ما سبقه، فلو كان المتقدّم هو الرسول أو النبي، فالمراد أقرباؤه، وإن كان غيره نظير: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي

1 . الأنفال:41.

صفحه 153
الْقُرْبى)1 أي من يمتّ إلى الوالدين بصلة، والظاهر أنّ المراد من القربى مطلق القربى; وذلك لأنّ الإنفاق عليهم بملاك انتسابهم إلى النبي لا بملاك الفقر، بخلاف الأخيرين.
4ـ 6. سهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم أبناء السبيل. والسؤال: هل المراد أيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، أو مطلق الأيتام والمساكين وأبناء السبيل؟
الظاهر هو الثاني، لأنّ سهم ذي القربى يعمّ كل مَن له وشيجة بالنبي(صلى الله عليه وآله)، سواء أكان يتيماً أو لا، مسكيناً أو لا، ابن سبيل أو لا، فتكون الأسهم الثلاثة الأخيرة لمطلق المسلمين.
وقال الشيخ الطوسي: إنّ المراد بهم الأيتام من أهل بيت رسول الله ومساكينهم وابن سبيلهم، لأنّ تقديره: ولذي قرباه ويتامى أهل بيته وابن سبيلهم، لأنّ الألف واللام تعاقب الضمير .2
وأمّا الروايات فهي مختلفة، فقد روى المنهال بن عمرو عن علي بن الحسين(عليه السلام) قال: قلت: قوله:(وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)قال: «هم قُربانا، ومساكيننا، وأبناء سبيلنا»، بينما روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر ]الباقر [(عليه السلام) أنّه قال: كان أبي يقول: «لنا سهم رسول الله(صلى الله عليه وآله)وسهم ذي القربى، ونحن شركاء الناس فيما بقي».3
قوله تعالى: (كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ).

1 . النساء:36.
2 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 564 .
3 . مجمع البيان:9/431.

صفحه 154
قد سبق أن قلنا: إنّ الدُولة ـ بالضم ـ ما يتداوله المتداولون، والدَولة ـ بالفتح ـ النوبة في الغلبة والملك، فتداول المال بين الناس من مقولة الدُولة ـ بالضم ـ و تداول الملك والرئاسة بين ملك أو رئيس وآخر،من قبيل الدَولة ـ بالفتح ـ .
هذه الفقرة تعليل لما قبلها، وهو تخصيص الفيء بالأصناف الستة، دون الأغنياء من الأنصار، كما هو ظاهر قوله: (بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) .
وتداول الأموال بين الناس وعدم اختصاصها بطائفة دون طائفة من مقاصد الشريعة، فمن أمعن في الفقه الإسلامي يجد ذلك بسهولة، فعناوين المعاملات تكشف أنّ غرض التشريع الإسلامي بالنسبة للأموال، هو انتفاع كلّ منها حسب استعداده وكفاءته، فقد شرّع عقود المعاملات إمّا بمبادلة مال بمال، أو مبادلته بالانتفاع بالعين، أو كون المال من طرف والعمل من طرف آخر، كالمضاربة والمساقاة، وفي الوقت نفسه حرّض على العمل وجعل في أموال الأغنياء حقوقاً للفقراء من الزكوات والأخماس والكفّارات وجعل للمواريث حدوداً وضوابط، كلّ ذلك لأجل انتفاع أبناء المجتمع من تداول الأموال، دون أن ينقسم المجتمع إلى طبقة ثرية تملك كل شيء، وطبقة فقيرة تفتقر إلى كلّ شيء . قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام): «إنّ الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء: فما جاع فقير إلاّ بما مُتِّعَ به غنيّ، والله تعالى سائلهم عن ذلك».1
والآية تهدف إلى أنّه يجب أن تكون الأموال بنحو يتناولها الأغنياء

1 . نهج البلاغة:3/231، قصار الحِكم برقم 328.

صفحه 155
والفقراء معاً وأن تسود العدالة في المجتمع.
ومن الغريب تفسير الآية بإلغاء المُلكية الفردية وإقرار المُلكية الجماعية، مع أنّ الآية لا صلة لها بهذه النظرية التي ثبت بطلانها بانهيار الشيوعية و(الاتحاد السوفياتي)، فإنّ في إلغاء المُلكية الفردية وتفويض المُلكية للدولة، إماتة للبواعث والحوافز الداخلية التي تبعث الإنسان نحو العمل والإنتاج والحصول على المال.
نعم من له نزعة اشتراكية يفسر الآيات وفق نزعته.
وهنا نكتة يجب إلفات نظر القارئ إليها، وهي أنّ الاتحاد السوفياتي كان يمثّل المعسكر الشرقي، في قبال المعسكر الغربي الذي تتزعّمه أمريكا، وكانت هاتان الدولتان الكبريتان تناطح إحداهما الأُخرى، وتتسابقان في كلّ المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
ومع ذلك نرى أنّ الاتحاد السوفياتي قد انهار في أواخر القرن العشرين تماماً واستقلت الجمهوريات الّتي كان يتشكّل منها، بعد سيطرة الحكومة المركزية عليها لسنوات طوال، والأسباب الّتي أدت إلى هذه النتيجة عديدة، من أهمّها:
الأوّل: الانغماس في الجوانب المادية، وإلغاء التوجّهات الروحية، وقد أدّى ذلك إلى تنكّر الشعب للفضائل الأخلاقية، والأُسس الّتي تُبنى عليها الحضارة الإنسانية الواقعية، ومن ثم طغيان الفساد والشرور والآثام، واندحار المُثل والقيم الإنسانية.
وهذا ما اعترف به الدكتور غورباتشوف، آخر رؤساء الاتحاد

صفحه 156
السوفياتي .
الثاني: السعي إلى إلغاء الملكية الفردية وتأميم كلّ وسائل الإنتاج، استناداً إلى قاعدة (من كلٍّ حسب طاقته ولكل حسب عمله) المقرّرة في المرحلة الاشتراكية، وقاعدة (من كل حسب طاقته ولكلّ على حسب حاجته) المقرّرة في المرحلة الشيوعية، وقد أدّى ذلك إلى قتل الحوافز الذاتية، والدوافع الشخصية نحو بذل المزيد من الجهد في العمل، وزيادة الانتاج.
ومن المعلوم أنّ محاولة تطبيق هاتين القاعدتين في المجتمع، قد أفضت إلى ضعف الهمم وخمود العزائم باتجاه العمل وزيادة الانتاج، ومن هنا عانى الاتحاد السوفياتي ـ مثلاً ـ من انخفاض الإنتاج الزراعي، الأمر الّذي اضطر الحكومة إلى استيراد الحنطة من الدول الغربية، ممّا صار يولّد ضغطاً سياسياً على الاتحاد السوفياتي، وقد استغل المعسكر الغربي حاجة هذا المنافس القوي بفرض شروط قاسية آلت بالأخير إلى انهيار النظام السياسي، وتفكّك البلاد بأكملها.
قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) قد مر أنّ المراد من الإيتاء هو الأمر، أي إيتاء التشريع الإلهي إلى الناس.
والآية تدلّ على أنّه يجب على المسلم التسليم أمام تشريع السماء الذي يبلّغه الرسول(صلى الله عليه وآله) وليس له أن يعترض عليه; وذلك لأنّ معنى الإسلام هو التسليم أمام تشريع الله، قال سبحانه:(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيًما).1

1 . النساء:65.

صفحه 157
وفي هذه الفقرة تعريض بمن استنكر عمل رسول الله(صلى الله عليه وآله) في تقسيم أموال بني النضير على المهاجرين فقط، وذلك لأنّه لم يكن نابعاً عن وشيجة قبلية، وإنّما هو بأمر من الله سبحانه حيث كان المهاجرون يعيشون في فقر مدقع، وبما أنّ الفقر هو الملاك، دفع(صلى الله عليه وآله) شيئاً من الأموال لعدد من الأنصار الذين كانوا كالمهاجرين في الفقر والحاجة.
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .
أمر بالاتقاء من مخالفة الله سبحانه، فإنّ مخالفته تنتهي إلى عقوبته وهو شديد العقاب.
وممّا يجدر ذكره في المقام أنّ (قرية فدك) هي إحدى القرى المثمرة في أطراف المدينة، وقد استسلم أهلها بعد سقوط قلاع خيبر للجيش الإسلامي، الّذي بدأ يفتح القرى والقلاع واحدة بعد أُخرى، فاصطلحوا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)على النصف، أي تكون أراضيهم وبساتينهم نصفاً لهم ونصفاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله)على أن يقوموا هم بزراعة ما لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في مقابل أجر. فلمّا نزل قوله سبحانه: (فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ)1 أعطى رسول الله (فدكاً) لفاطمة (عليها السلام).
وفي الدر المنثور: أقطع رسول الله فاطمة فدكاً.2
وقد كانت هذه القرية فَيئاً بيد بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وفيها أموالها، ولمّا ارتحل رسول الله(صلى الله عليه وآله) صودرت حسب ما يقول الإمام علي(عليه السلام): «بلى، كانت

1 . الروم:38.
2 . الدر المنثور:4/177.

صفحه 158
في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم، وسَخَتْ عنها نفوس قوم آخرين، ونعمَ الحَكَم الله»1.
نعم رافقت قصة فدك أحداث مؤلمة حيث غصبت في فترة من الفترات، ثم أُرجعت إلى أبناء علي في فترة أُخرى، وهكذا كانت تتنقل بين أخذ وردّ، فصار القبض والإرسال أمراً سياسيّاً، لا لغاية مالية بعد ما كانت كذلك في الصدر الأوّل، لأنّ الدولة ملكت بفضل الفتوحات الأموال الطائلة، ونالت زخارف الدنيا وزينتها، والتفصيل في محلّه.
***
سورة الحشر.. الآية الثامنة   

الآية الثامنة:

(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).
إنّ قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) بدل ممّا ورد في الآية السابقة، وهناك احتمالات خمسة:
1. أن يكون بدلاً من قوله «فلله» في:(مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ).
2. أن يكون بدلاً من الأصناف الأربعة المذكورة في قوله:(وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ).
3. أن يكون بدلاً من الأصناف الثلاثة الأخيرة، وعلى كلّ تقدير فاللام في

1 . نهج البلاغة: 167، الكتاب رقم 45.

صفحه 159
قوله:«للفقراء» متعلقة بقوله:(مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) فكأنّه قال: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله...وللفقراء والمهاجرين» وأُعيدت اللام مع أنّ مقتضى البدل عدم تكرارها، وذلك لوجود فصل طويل بين البدل والمبدل منه.
4. أن تكون جملة ابتدائية على حذف المبتدأ والتقدير: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله... وللفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم».
5. أن تكون الجملة معطوفة بحذف حرف العطف على طريقة التعداد، كأنّه قيل: فلله وللرسول ـ إلى آخره ـ وللفقراء المهاجرين.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى مناقشة الوجوه الخمسة:
أمّا الأوّل، أي أنّه بدل من قوله تعالى: (فَللهِ...) فالمراد به سبيل الله، وتقسيم الغنائم بين المهاجرين من مصاديق سبيل الله أي ما فيه رضاه، وعلى ذلك لا يكون المهاجرون من سهماء الفيء بل من مصاديق سهم واحد وهو سبيل الله.
وأمّا الوجه الثاني ـ أي جعله بدلاً من الأصناف الأربعة ـ فمعنى ذلك اشتراط الفقر فيهم، ولكنّه أمر غير صحيح إذ لا يشترط الفقر في ذوي القربى; لأنّ الله سبحانه علّق الاستحقاق بالقرابة، بخلاف الثلاثة الأخيرة حيث علّقه بعناوين تلازم الفقر، كاليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأمّا الوجه الثالث ـ أي يكون بدلاً من الثلاثة الأخيرة ـ فلا إشكال فيه، غير أنّ لازم الوجهين الأخيرين كون المهاجرين الفقراء أحد السهماء في

صفحه 160
الفيء بحذف القول الأوّل فهم من مصاديق أحد السهام، أعني في سبيل الله.
وأمّا الوجه الرابع والخامس، فيكون فقراء المهاجرين مصارف مستقلة للفيء، وهذا خلاف الظاهر لما تقدّم من أنّ المراد من اليتامى والمساكين وابن السبيل كلّ من صدقت عليه هذه العناوين، والفقراء المهاجرين من مصاديق أحد هذه العناوين الثلاثة.
وعلى كلّ تقدير فهذه الآية تعدّ الفقراء من المهاجرين ممّن يجوز صرف الفيء فيهم، سواء أكانوا مصارف مستقلة أو من مصاديق في سبيل الله، أو فروعاً من العناوين الثلاثة.
ثم إنّه سبحانه وصف المهاجرين الذين خُصّوا بأموال بني النضير بالأُمور التالية:
1. كونهم فقراء.
2. أُخرجوا من ديارهم وأموالهم.
3. ابتغاؤهم فضلاً من الله، أي رزقاً من الله. ويمكن أن يراد به الثواب.
4. يبتغون رضواناً من الله.
5. ينصرون الله ورسوله في الغزوات وغيرها.
6. أُولئك هم الصادقون.
وهؤلاء الذين شُرّدوا من ديارهم وأموالهم رغبة في مرضاة الله وثوابه ونصرة الإسلام، أولى بالفيء والزكاة لفقرهم، وجهادهم.
ولا شك أنّ المهاجرين كانوا عند نزول هذه الآية على الأوصاف التي ذكرها الله سبحانه في كتابه، ولكن النجاة والفوز رهن بقائهم على هذه

صفحه 161
الصفات حتى يلاقوا ربهم سبحانه، فربَّ إنسان كان عابداً عالماً مهتدياً، ثمَ يزيغ عن سبيل الهدى، ويتّبع الهوى، ويرتكس في الضلال، قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا).1
فهذا الرجل كان قد بلغ من القداسة درجة آتاه الله معها آياته، كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ) ولكنّه انسلخ، بعد ذلك، من الآيات ومن الإيمان، وصار تابعاً للشيطان، ومن هنا لا يمكن الحكم بصلاح الإنسان بمجرد كونه في فترة من عمره على صلاح وفلاح، ولذلك فتح البخاري في صحيحه باباً باسم: «باب الأعمال بالخواتيم».
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إنّ العبد ليعمل فيما يرى الناس عمل أهل الجنة وإنّه لمن أهل النار، ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنّة، وإنّما الأعمال بخواتيمها».2
وهذا هو قارون بني إسرائيل كان يقرأ التوراة بصوت حسن، ولكنّه ساء سلوكه فخسف سبحانه به وبداره وكنزه.3
وعلى ضوء ذلك، فما مرّ من الآيات التي تُثني على فئات من الصحابة لا يُحتجّ بها على صلاحهم إذا ثبت بالأدلّة القطعية انحرافهم عن الطريق

1 . الأعراف: 175 ـ 176.
2 . صحيح البخاري:7/188، كتاب الرقاق.
3 . لاحظ سورة القصص:81.

صفحه 162
المهيع، واقترافهم المعاصي، ومجانبتهم للحق والحقيقة.
وممّا لا شكّ فيه وقوع التشاجر بين الأصحاب، كما دارت بينهم معارك دامية، قُتل على أثرها لفيف من البدريين والأُحديين وغيرهم من المسلمين الأبرياء وعندئذ يقال: إنّما العبرة بخواتيم الأعمال، وإن ثناء القرآن عليهم إنّما كان بحسب ملابساتهم وأحوالهم يوم ذاك، فكانوا من الصلحاء وليس من المستحيل أن ينسلخ بعضهم من تلك الأحوال كما انسلخ غيرهم.
***
سورة الحشر.. الآية التاسعة   

الآية التاسعة:

(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

اللغة والإعراب

تبوّأ (المكان): حلّ فيه، والمراد بالدار هنا: المدينة المنورة، والمعنى: الذين عمروا المدينة وسكنوها.
الحاجة: يراد بها المعنى المصدري، أي الاحتياج وأُخرى المحتاج إليه، وقد تفسّر هنا بالغيظ، وهو تفسير باللازم كما سيوافيك .
قوله: «والإيمان» عطف على الدار، والعامل فيه محذوف بمعنى: آثروا الإيمان، نظير قوله: علفتها تبناً وماءً بارداً.
ويحتمل أن تكون الواو للمعيّة، ويكون الإيمان مفعولاً معه، أي اتخذوا

صفحه 163
المدينة سكناً ومأوىً مع الإيمان، نظير قوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكَاءَكُمْ).1
ويظهر من السيد الرضي أنّ عطف الإيمان على الدار عطف حقيقي وأنّ التبوُّء يصدق عليهما على نهج سواء، من دون حاجة إلى تقدير فعل قبل الإيمان. قال بعد ذكر الآية: «وهذه استعارة، لأنّ تبوُّء الدار هو استيطانها والتمكّن فيها ولا يصحّ حمل ذلك على حقيقة في الإيمان، فلابدّ إذن من حمله على المجاز والاتّساع، فيكون المعنى أنّهم استقروا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان وهذا من صميم البلاغة ولباب الفصاحة وقد زاد اللفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقاً، ألا ترى كم بين قولنا استقروا في الإيمان وبين قولنا تبوّءُوا الإيمان، وأنا أقول أبداً أن الألفاظ خدم للمعاني، لأنّها تعمل في تحسين معارضها وتنميق مطالعها» 2.
الإيثار: ترجيح شيء على غيره مع الحاجة إليه، أو تقديم الغير على النفس.
الخصاصة: الفقر والحاجة، قال الراغب: خصاص البيت فرجه، وعبّر عن الفقر الذي لم يُسدّ بالخصاصة، كأنّ الفقر فرج في حياة الإنسان.
يُوق: فعل مضارع مجهول من الوقاية أي الحفظ.
الشُّحّ: بخل مع حرص على ما في يد الغير، بخلاف البخيل فإنّه يبخل بما في يده دون حرص على مال الغير. وفي مجمع البيان: لا يجتمع الشيح والإيمان في قلب رجل مؤمن ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم

1 . يونس:71.
2 . تلخيص البيان: 285، مطبعة عالم الكتب، بغداد، 1406 هـ ـ 1986 م .

صفحه 164
في جوف رجل مسلم 1.
أقول: الآية السابقة كانت واردة في وصف المهاجرين، وهذه الآية تتبنى بيان صفات من سكن المدينة قبل نزول المهاجرين فيها وعمَروها في حال كونهم مؤمنين، وبذلك صارت مهيّأة لنزول المهاجرين وسكناهم فيها.
وقد وصفهم سبحانه بالأوصاف التالية:

1. (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)

أي من المسلمين; وذلك لأنّ الإسلام جعل الجميع أُخوة، نعم من شأن القبائل أن يتحرّجوا من الذين يهاجرون إلى ديارهم، ولكن هؤلاء لا يتحرّجون بل يحبون من يهاجر إليهم لوجود العلقة الدينية التي هو أقوى من العلقة النسبية، يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ).2

2. (وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)

الضمير المتصل في (أُوتُوا) يرجع إلى المهاجرين، والمعنى أنّ الأنصار لا يجدون في نفوسهم رغبة إلى أخذ شيء ممّا أوتي المهاجرون من أموال بني النضير، فالفقرة ثناء على الأنصار; لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) خصّ المهاجرين بأموال بني النضير. ومع أنّ طبيعة هذا العمل من شأنها تثير الحقد والغيظ في نفوس الآخرين ، ولكن الأنصار كانوا على خلاف ذلك، لأنّهم كانوا في غنى فرضوا

1 . مجمع البيان: 9 / 393 .
2 . الأنفال:74.

صفحه 165
بذلك، بينما كان المهاجرون في حاجة، لأنّهم كانوا غرباء.

3. (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)

لقد بلغ الأنصار في فضائل الأخلاق درجة أقدموا معها على تقديم المهاجرين على أنفسهم حتى لو كانت عندهم حاجة، وهذه الفقرة قد عرّفتهم بدرجة أعلى من الفقرة السابقة، حيث وصفتهم أوّلاً بأنّهم لا يجدون في نفوسهم رغبة في ما أُوتي المهاجرون، أو غيظاً وغلاًّ من ذلك.
ثم وصفتهم هذه الفقرة بالإيثار على أنفسهم حتى لو كانوا في فاقة، وكانت لديهم حاجة إلى ما أُوتي المهاجرون، وذلك من أسمى درجات التضحية .

4. (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

أي فمن وقي شحّ نفسه، فأُولئك هم الفائزون بثواب الله ونعيم جنته، ويظهر من بعض الآيات أنّ الشحّ لا يفارق الإنسان ولكن الناجح هو من يلجمها،قال سبحانه:(وَ أُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ)1، فكأنّ الشحّ حاضر مع الإنسان لا يفارقه، فمن تمكّن من السيطرة عليها فهو الفالح الناجح.
إلى هنا تمّ وصف الأنصار بهذه الأوصاف العالية، والمفسّرون ـ حسب ما حضرني من التفاسير ـ يحملون الآية على الإخبار بمعنى أنّه سبحانه يخبر عن أحوالهم وأنّهم كذلك، ولكن من المحتمل أن يكون غير الوصف الأوّل (التبوُّء) بصدد الإنشاء، أي يليق أن يكونوا على وفق هذه الأوصاف، فالآية

1 . النساء:128.

صفحه 166
بصدد التحريض على اكتساب هذه الصفات.
والإخبار بصدد الإنشاء كثير في كلام العرب، حيث يقول الوالد للولد: ولدي يصلّي، والمعنى : صلِّ... .
وعلى ذلك تكون الآية بصدد حثّ الأنصار على أن يَتحلَّوا بهذه الصفات ويكتسبوا هذه المحامد.
نعم، لا يمكن إنكار وجود أرضية صالحة عندهم للتسامي إلى هذه الدرجات الرفيعة، والذي يدلّ على ذلك ـ أي أنّهم ربّما كانوا يجدون في أنفسهم حاجّة نابعة من تخصيص النبي(صلى الله عليه وآله) الغنائم لغيرهم ـ ما ذكره ابن هشام في أمر أموال هوازن وسباياها،قال: لمّا أعطى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجَد هذا الحيُّ من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة1، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله(صلى الله عليه وآله)قومَه، فدخل عليه سعد بن عُبادة، فقال: يا رسول الله، إنّ هذا الحىّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعتَ في هذا الفيء الذي أصبت، قَسَمْت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء.
ثمّ إنّ سعد قد جمع الأنصار للنبي(صلى الله عليه وآله) وحضروا عنده، فخطب(صلى الله عليه وآله)فيهم، قائلاً: «يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم، وجِدَة وجدتموها علىّ في أنفسكم، ألم آتكم ضُلاّلاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم...» إلى آخر ما ذكره.

1 . القالة: الكلام الرديء .

صفحه 167
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قَسْماً وحظّاً. ثم انصرف رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتفرّقوا.1
وما ذكرناه من الاحتمال ـ والله أعلم ـ يأتي في قوله سبحانه:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا...).2
فالآية كما تحتمل الإخبار عن أوصاف صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله) تحتمل ـ أيضاً ـ أن تكون إخباراً بقصد الإنشاء، أي يجب أن يكونوا على هذه الصفات العالية : خصماء للكفّار، رحماء بينهم، ناشدين لمرضاة الله تعالى. والّذي يقوّي هذا الاحتمال أنّ قسماً منهم لم يكونوا بهذه الصفات في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولم يكونوا كذلك بعد رحيله(صلى الله عليه وآله)، ويشهد لذلك ما وقع بينهم من نزاع وشقاق، ومن معارك دامية أُريقت فيها دماء الآلاف من الأبرياء، وحسبك من ذلك معركة الجمل الّتي خاضها الناكثون ضد الإمام والخليفة الشرعي.
نعم، لو قلنا باختصاص الآية بحياة الصحابة في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله)لتعيّن القول بأنّ الآية بصدد الإخبار عن الصفوة منهم.
***

1 . السيرة النبوية لابن هشام:2/498ـ500.
2 . الفتح:29.

صفحه 168

الآية العاشرة:

سورة الحشر.. الآية العاشرة   
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).

اللغة والإعراب

الغِلّ ـ بكسر الغين ـ :الحقد والغشّ.
قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا) عطف على قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)، والضمير في (مِنْ بَعْدِهِمْ ) يرجع إلى الفريقين المهاجرين والأنصار. ومن المحتمل أن يكون: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) كلاماً مستأنفاً، والموصول مبتدأ خبره: (مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ).

تفسير الآية

ذكر سبحانه في الآيتين الثامنة والتاسعة أوصاف المهاجرين والأنصار، وذكر في هذه الآية أوصاف طائفة ثالثة، وهم التابعون (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد المهاجرين والأنصار معهم، ولم تعنِ الآية التابعين بالمصطلح الرجالي، أي من لم ير الرسول بل رأى من رآه. بل إنّ المراد بهم كلّ من جاء من بعد الطائفتين وسار بسيرتهم إلى يوم القيامة.
والأوصاف التي ذكرت في الآية ، هي:
1. (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ).
أي أنّهم يدعون ويستغفرون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان.
2. (وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا) فهم يسألون الله سبحانه أن

صفحه 169
يزيل الغشّ والحقد والعداء عن قلوبهم، إذ يستحيل أن يجتمع الإيمان مع الغلّ على الأخ في قلب المؤمن; لأنّ الحقد على المؤمن حقد على النفس، والمؤمنون كالجسد الواحد....
3. (رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) أي يسألونه سبحانه بما أنّه رؤوف رحيم أن ينزّه قلوبهم من الغلّ والنفاق.
وهذه الأدعية الثلاثة تختلف مضموناً، فهم في الدعاء الأوّل يسعون في إصلاح أنفسهم ويطلبون العفو والرحمة من الله لتلك الغاية، وفي الدعاء الثاني يطلبون العفو والمغفرة من الله لإخوانهم. وفي الدعاء الثالث يركّزون على تصفية نفوسهم من الرذائل والضغائن لمن سبقهم في الإيمان.
وفي هذه الأدعية الثلاثة مقابس نور لعامّة المسلمين، ولكلّ الأجيال ينبغي أن يستضيئوا بها في سلوكهم وتعاملهم مع إخوانهم بالصفاء والأُخوّة.
ومن المعلوم أنّ مجرد الدعاء غير كاف لاستجابته، بل يجب على الداعي السعي في مقدّمات استجابة دعوته وتهيئة النفس لنزول البركات من الله سبحانه وزوال الرذائل.
وممّا يدلّ على ما ذكرنا من الاحتمال من أنّ الآية بصدد الإنشاء لا الإخبار عن الواقع المحقّق، هو أنّ مضمون هذه الآية يشمل كلّ من وجد ويوجد من المسلمين إلى يوم القيامة، مع أنّ الجميع لم يكونوا على وتيرة واحدة، فكم من مسلم ينغِل قلبُه على أخيه المسلم، وكم من طائفة تحمل الحقد والعداء لطائفة أُخرى.
والتاريخ حافل بالحروب الدامية الّتي وقعت بين المسلمين، ومن

صفحه 170
أوضحها دلالة على أنّ إحدى الطائفتين المتقاتلين كانت منقادة لغلّها وحقدها، تلك الحروب الّتي خاضها الناكثون والقاسطون والمارقون مع الإمام علي(عليه السلام)، لأنّ الحق كان مع إحدى الطائفتين. وعلى هذا، فمن الغريب جداً ما ذكره ابن عاشور في تفسيره حول هذا الأمر، حيث قال: وأمّا ما جرى بين عائشة وعلىّ من النزاع والقتال، وبين عليّ ومعاوية من القتال، فإنّما كان انتصاراً للحق في كلا رأيَي الجانبين، وليس ذلك لغلّ أو تنقّص، فهو كضرب القاضي أحداً تأديباً له، فوجب إمساك غيرهم من التحزّب لهم بعدهم، فإنّه وإن ساغ ذلك لآحادِهم لتكافؤ درجاتهم أو تقاربها... إلخ.1
ولا أدري كيف يقول ذلك، وقد ملأ أسماع الخافقين إخبار رسول الله(صلى الله عليه وآله)للإمام علي(عليه السلام) بأنّه سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين؟!
قال الحافظ ابن كثير : قال الحاكم: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحيم الشيباني، حدثنا الحسين بن الحكم الحبري، حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فقلت: يا رسول الله! أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع مَنْ؟ فقال: «مع علي بن أبي طالب معه يقتل عمار بن ياسر».2
وقال: قال الحافظ: حدثنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسن الفقيه، أنا الحسن بن علي، حدثنا زكريا بن يحيى الخراز المقرئ، حدثنا إسماعيل بن عباد المقرئ، حدثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد

1 . التحرير والتنوير:28/87ـ88.
2 . البداية والنهاية:7ـ8/317.

صفحه 171
الله، قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتى منزل أُمّ سلمة، فجاء علىّ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «يا أُمّ سلمة هذا والله قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي».1
وروى الحاكم بإسناده عن أبي أيوب: أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.2
وروى النَّسائي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري، قال: كنّا جلوساً ننظر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فخرج إلينا قد انقطع شسع نعله، فرمى به إلى علي(عليه السلام)، فقال: إنّ منكم رجلاً يقاتل الناس على تأويل القرآن، كما قاتل على تنزيله، قال أبو بكر: أنا؟ قال: لا، قال عمر: أنا؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل .3
فإذا اتّضح الحق بنصّ النبي، فهل يكون فعل المقابل انتصاراً له؟! ثمّ كيف يسوّغ ابن عاشور لبعضهم ذلك النزاع، بقوله «لتكافؤ درجاتهم أو تقاربها»؟! وهل تكون درجة من خالفت نصّ القرآن الكريم، الذي أمر نساء النبي بقوله:(وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)4 متكافئة أو متقاربة مع من قال فيه (صلى الله عليه وآله): «عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يتفرّقا حتّى يردا عليَّ الحوض» .5
***

1 . البداية والنهاية:7ـ8/317
2 . المستدرك على الصحيحين:3/139 .
3 . خصائص أمير المؤمنين: 134، الحديث 152. وانظر: المستدرك على الصحيحين: 3 / 122 ـ 123، وفيه:(إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله).
4. الأحزاب:33.
5 . المستدرك على الصحيحين: 3 / 124، وصححّه الحاكم، وأقرّه الذهبي.

صفحه 172

الآية الحادية عشرة:

سورة الحشر.. الآية الحادية عشرة   
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).
تضمّنت الآيات السابقة ما يرجع إلى أوصاف الطوائف الثلاث: المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأمّا هذه الآية فتعرّضت لذكر المنافقين الذين يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر، وكان يرأسهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول الأوسي. وعدّهم سبحانه إخواناً لليهود لاشتراكهم معهم في المقصد والمأرب، وهو معاداة الرسول ومن آمن به، فصار ذلك وسيلة لارتباطهم وتوافقهم، حيث قال:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ).
روى السيوطي في «الدر المنثور» عن ابن عباس: أنّ رهطاً من بني عوف ابن الحارث منهم عبد الله بن أُبي بن سلول، ووديعة بن مالك، وسويد، وداعس، بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنّعوا فإنّا لا نُسلِمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم.1
وسياق الآيات والمأثورات يدلّ على أنّ المراد من قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا)هم بنو النضير، لا بنو قينقاع، لأنّهم شُرّدوا من قبل، ولا بنو قريظة الذين سار إليهم الرسول(صلى الله عليه وآله) بجيشه عقيب غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة.
ثمّ إنّ المنافقين وعدوهم بالوعود التالية، بعد أن أرفقوها بالقسم (حيث

1 . الدر المنثور:8/115.

صفحه 173
إنّ قولهم «لئن» موطئة للقسم):
1. (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ)، أي نحن لا نفارقكم في الخروج، وكأنّه كناية عن النصر، فإنّ المنافقين لا يفارقون بلادهم.
2. (وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا)، أي لا نُصغي أبداً لقول أيّ إنسان يشير علينا بمفارقتكم.
3. (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ )، أي نُعينكم في القتال.
ثمّ إنّه سبحانه يصمُ أصحاب هذه الوعود بالكذب، ويقول في توكيد شديد:(وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)،.. فوعودهم إذن خاوية، لا تثبت عند الامتحان، وسيفضحها واقع الأحداث، كما بيّن ذلك سبحانه في الآية التالية.
***

الآية الثانية عشرة:

(لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ).
في هذه الآية أخبار غيبية ثلاثة، حيث إنّ الضمائر في قوله: (أُخْرِجُوا)و (مَعَهُمْ)، و (قُوتِلُوا) وغيرها، تعود إلى الذين كفروا من اليهود، فالله سبحانه يكذّب المنافقين في أقوالهم ووعودهم، ويخبر أنّهم لا يوفون بها، وأنّ مواقفهم ستكون على هذه الأنحاء:
1. (لَئِنْ أُخْرِجُوا ] اليهود [ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ).
2. (وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ).

صفحه 174
3. ثم يرتقي في تكذيبهم على ما وعدوا به إخوانهم ويقول : (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ) (على فرض المحال) (لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ)، أي ينهزمون عن اليهود ويسلمونهم إلى مصيرهم المجهول.
سورة الحشر.. الآية الثانية عشرة   
يُشار إلى أنّه لا منافاة بين الإخبار بعدم نصرهم إذا قوتلوا وبين قوله: (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ)، فإنّ الفقرة الثانية وردت فرضاً، أي لو فُرض أنّهم ينصروهم، فإنّ ذلك لا ينفعهم، وسوف ينهزمون من فورهم هذا، ويتركون الساحة ولا يثبتون في ميدان الدفاع.
ثمّ إنّ بعض المفسّرين قالوا بأنّ الآية ناظرة إلى الذين لم يخرجوا ولم يقاتلوا وهم بنو قريظة وأهل خيبر، وأمّا بنو النضير فقد أُخرجوا قبل ]نزول [هذه السورة، فهم غير معنيّين بهذا الخبر المستقبل، والمعنى: لئن أُخرجت بقية اليهود في المستقبل لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا في المستقبل لا ينصرونهم.1
يلاحظ عليه: أنّه يلزم من ذلك، التفكيك في سياق الآيتين ومضمونهما، فإنّ الوعود الكاذبة الّتي وردت في الآية الحادية عشرة ، قد صدرت من المنافقين في حق بني النضير، وقد مرّ أنّ رئيس النفاق مع صحبه وعدوا بني النضير بتلك الوعود.
فإذا كانت هذه الآية ناظرة إلى بني النضير، تكون الآية بعدها (والتي هي بصدد تكذيبهم) ناظرة إليهم أيضاً، ولا دليل على نزول الآيات بعد نزوح بني النضير وخروجهم من المدينة، ولعلّ الآيتين نزلتا أيام الحصار الّذي دام

1 . التحرير والتنوير:28/90.

صفحه 175
خمساً وعشرين ليلة.1
نعم بالنظر إلى صدر السورة ـ أعني قوله:(هُوَ الذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ) ـ يبدو القول بنزول هذه الآيات بعد خروجهم وجلائهم من المدينة; لأنّ الآية تخبر عن خروجهم قبل نزول هذه الآيات، ومع ذلك لا يمكن الاعتماد على هذا، لاحتمال نزول الآيتين قبل نزول أوّل هذه السورة، والرسول(صلى الله عليه وآله) أمر بوضعهما في مكانهما هذا من السورة.
وعلى كلّ تقدير فقد اشتملت الآية على أخبار غيبية ثلاثة.
والقرآن الكريم يشتمل على أخبار غيبية أُخرى من غير فرق بين خبر غيبي كوني حول السماء و الأرض أو في المجتمع، نظير قوله سبحانه:(غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ).2
وقد قمنا بجمع ما ورد من الأخبار الغيبية في الذكر الحكيم في موسوعتنا «مفاهيم القرآن».3
***

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 246، دار إحياء التراث العربي.
2 . الروم: 2 ـ 3 .
3 . انظر مفاهيم القرآن: 3/349ـ 394.

صفحه 176

الآية الثالثة عشرة:

(لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ).
سورة الحشر.. الآية الرابعة عشرة   
هل الضمير في قوله (صُدُورِهِمْ) يعود إلى الذين نافقوا أو يعود إلى الذين كفروا، أو يرجع إليهما معاً؟
وبعبارة أُخرى: هل يرجع إلى المنافقين أو إلى اليهود من بني النضير أو إلى الجميع؟ في ذلك وجوه، والمُختار في «التبيان» وغيره أنّه يعود إلى المنافقين .1
وعلى كلّ تقدير، فالآية تعليل لقوله:(لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ)، وكأنّ سائلاً يسأل عن وجه فرار المنافقين أو عدم انتصار بني النضير، فأُجيب بأنّهم يخافون من المؤمنين ويرهبونهم أشدّ من خوفهم من الله سبحانه، ولذلك يقول: لأنتم ـ أيّها المسلمون ـ أشدّ رهبة وخوفاً في صدور هؤلاء من رهبة الله وخوفه، مع أنّ المفروض أن يكون العكس، إذ أين التراب من ربّ الأرباب؟! وأين قوة الإنسان من قوة الخالق وقدرته؟ وأمّا هذا الخوف والهلع من المسلمين فهو نابع من (أَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ) أي أنّهم لا يعرفون الله وقدرته وشدة عقابه، لغلبة الأفكار المادية على عقولهم، وهذا شأن كل جاهل بعظمة الله، فترى أنّ بعض العصاة يخافون الشرطة أكثر ممّا يخافون من الله سبحانه، استناداً إلى أنّ عقاب الأوّل عقاب عاجل، وعقاب الله عقاب آجل.
***

1 . التبيان في تفسير القرآن: 9 / 568 .

صفحه 177

الآية الرابعة عشرة:

(لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرى مُحَصَّنَة أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ).
تكشف هذه الآية الكريمة عن صفة راسخة لدى اليهود، وهي الجُبن والخوف من خوض القتال مع خصومهم وجهاً لوجه، والدليل على ذلك أمران:
1. (لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرى مُحَصَّنَة )، أي قرى ممنوعة ومحكمة.
2. (أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر)، وجدر جمع جدار.
وحاصل المعنى أنّهم يخافونكم أشد الخوف بشهادة أنّهم لا يواجهونكم في ساحات القتال، بل يتحصّنون إمّا بقرى محصنة أو بأسوار القرى.
فلو كانت عندهم شجاعة روحية وإرادة نضالية لخرجوا من القرى ومن وراء الجدر للدفاع عن دورهم وأفنيتهم بالقتال والحرب، ولكنّهم غلب عليهم الخوف والجبن، ولذلك يرمونكم بالنبل والحجارة من داخل القرى أو من وراء السور.
وهذه الصفة، صفة الجبن، الّتي لزمتهم، إنّماهي نتيجة طبيعية لتفكيرهم الماديّ، وحرصهم الشديد، وحبّهم الجمّ للدنيا، فهم يحرصون على البقاء في هذه الحياة، حتى وإن كانت حياة تافهة لا عزّة فيها ولا كرامة (وَ لَتَجِدَنَّهُمْ

صفحه 178
أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة )1، وهم يكرهون الموت ويخشَون مواجهته بما قدّمت أيديهم من شرور وجرائم، وبما اكتسبت نفوسهم من معاص وآثام.
سورة الحشر.. الآية الرابعة عشرة   
واليهود اليوم في حاضرهم، لا يختلفون عن يهود الأمس في ماضيهم، فكما أنّهم كانوا يستترون كالفئران في القلاع ووراء الجدر، تجدهم اليوم، في فلسطين المحتلّة، يقيمون (جدار الفصل العنصري) فيها، خوفاً من أن ترصدهم عيون المجاهدين والمناضلين، وفراراً من أن تنال منهم سواعدهم القوية. وهم يسعَون إلى حيازة أكثر الأسلحة تطوّراً في العالم لهذا الغرض، فيلوذون بدبّاباتهم الّتي أُثقل هيكلها الحديديّ المتين بأكوام أُخرى من الحديد!!! ويصبّون حُمم أحقادهم على الأبرياء العُزّل من طائراتهم الّتي تحلِّق من دون طيّار، وترى أحدهم إذا ما أُصيب بجرح في أثناء المعركة، يصرخ باكياً، ويولول مذعوراً، وقد شاهد أبناء هذا الكوكب من خلال (القنوات الفضائية) صوراً من هذا المشهد الّذي حدث غير مرة، لاسيّما أثناء تغطيتها لحرب تموز الّتي شنّها الكيان الصهيوني على رجال (حزب الله) في لبنان، وهُزم فيها الصهاينة شرّ هزيمة رغم تفوّقهم العسكريّ الهائل، والدعم الدولي لهم .
وهنا نكتة التفت إليها مؤلف التحرير والتنوير قال: إنّ عملهم هذا كناية عن مصيرهم إلى الهزيمة، إذ ما حورب قوم في عقر دارهم إلاّ وقد ذلّوا كما قال علي(رضي الله عنه).2
نعم قاله علي(عليه السلام) في إحدى خطبه حيث يندد بالقاعدين عن القتال

1 . البقرة: 96 .
2 . التحرير والتنوير:28/94.

صفحه 179
ويقول: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ ... إلى أن قال: أَلاَ وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلى قِتَالِ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ لَيْلا وَنَهَاراً، وَسِرّاً وَإِعْلاَناً، وَقُلْتُ لَكُمُ: اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا. فَتَوَاكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الاَْوْطَانُ». 1
ثمّ إنّه سبحانه يدعم ما ذكره حول هزيمة بني النضير بدليل آخر، وهو أنّهم وإن كانوا أقوياء في عددهم وعدتهم، ولكن الأهواء فرّقت بينهم فصارت (قُلُوبُهُمْ شَتَّى).
ولعل المراد أنّ بينهم إحَناً وعداوات، فلا يتعاضدون، فالآية بصدد تشجيع المسلمين على قتالهم والاستخفاف بجماعتهم، ومن ثمّ إلفات نظرهم إلى ضابطة جهادية وهي أنّ كثرة القوة والعدد لا توجب النصر، إلا إذا كانت الضمائر متّفقة، ولو تفرقت الآراء لم تنفع العدة والعدد.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(ذلك بأنّهم قوم لا يعقلون)، ولكنّه أتمّ الآية السابقة بقوله: (بأنّهم قوم لا يفقهون)،فما هو الوجه في انتخاب «لا يعقلون» على «لا يفقهون»؟ والجواب: أنّ الآية الأُولى تذكر أنّ خوف اليهود من المسلمين أشدّ من خوفهم من الله، وإنّما صاروا كذلك لأنّهم قوم لايفقهون حق الفهم بأنّ الأمر إلى الله تعالى، وليس لغيره من الأمر شيء سواء في ذلك المسلمون أو غيرهم، ولا يقوى غيره تعالى على القيام بعمل ما، خيراً كان أو شراً، نافعاً أو ضارّاً، إلاّ بحول منه وقوة، فلا ينبغي أن يُرهب إلاّ

1 . نهج البلاغة، الخطبة 27.

صفحه 180
هو عزّ وجلّ.
وأمّا الآية التالية، فهي تتكلم في أمر اتّفق عليه العقلاء ، وهو أنّ التشتّت في الرأي يوجب الهزيمة وتفكّك القوى، فلو عقلوا لفهموا، ولكنّهم لا يعقلون.
***
سورة الحشر.. الآية الخامسة عشرة   

الآية الخامسة عشرة:

(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

اللغة والإعراب

«الوبال»: العاقبة السيئة، وهو مأخوذ من «الوابل» بمعنى المطر الغزير; لأنّه يكون مخيفاً وربما يكون ذا عاقبة مريرة، كجريان السيول الخطرة التي تخرّب المزارع، وتهدم الأبنية.
قوله «قريباً» قائم مقام الظرف، أي في مقام قريب.
«المثل» في الذكر الحكيم، يراد به بيان الحال ووصف المقام، يقول سبحانه:(وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا).1 حيث وصفوا النبي، بكونه رجلاً مسحوراً. ويقول سبحانه في ردّه:(اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)2، أي انظر كيف وصفوك بأمر باطل، فضلّوا في وصفك مع أنّك رسول كريم، تنطق بالوحي.

1 . الفرقان:8.
2 . الفرقان:9.

صفحه 181
قوله: (كَمَثَلِ الَّذِينَ) خبر لمبتدأ محذوف، أي حال هؤلاء اليهود الذين نصبوا العداء لرسول الله(صلى الله عليه وآله) (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ).
ذكر سبحانه في هذه الآية مثلاً، وفي الآية التالية لها مثلاً آخر. وقد عرفت أنّ المثل في الذكر الحكيم ليس بالمعنى المصطلح بل بمعنى بيان الحال.
والمثل الأوّل يرجع إلى بيان حال بني النضير وأنّ مثلهم كحال من نصبوا العداء للنبي (صلى الله عليه وآله) قبلهم، ولكن خسروا في صفقتهم هذه وذاقوا وبال أمرهم، يعني الخزي في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.
هذا هو معنى الآية، إنّما الكلام في بيان ما هو المشبّه به؟ هنا قولان:
1. أنّ المراد به طائفة بني قينقاع إحدى الطوائف الثلاث الذين سكنوا المدينة ونصبوا العداء للرسول(صلى الله عليه وآله) فعمّهم الخزي وأُجلوا من المدينة إلى أذرعات. وبما أنّ قصة هؤلاء حدثت بعد غزوة بدر عبّر عنهم بـ : ( الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ); لأنّ الفاصل الزماني لم يكن بكثير، فحال بني النضير كحال بني قينقاع، اغترّوا بعُدتهم وعددهم، فلم تنفعهم أمام إرادة الله سبحانه في خذلان من نصب العداء للحق والحقيقة.
2. أنّ المراد من المشبَّه به، الذي أُشير إليه بقوله:(الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) هم مشركو مكة وكفّار قريش، الذين خاضوا القتال ضد المسلمين في معركة (بدر)، مغترّين بماعندهم من القدرات، فلم تنفعهم وذاقوا مرارة الهزيمة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.
والقول الأوّل هو الأقرب إلى الذهن لوجود مشتركات بين القبيلتين،

صفحه 182
مثل كونهما على ملة واحدة، وذاتا مصير واحد، حيث شُرِّدتا من المدينة وأُخرجتا منها ذليلتين.
وأمّا مشركو مكة فلم يُشرَّدوا من ديارهم، وإنّما قُتل منهم من قُتل وسُبي منهم من سُبي، فالمشتركات المسوّغة للتشبيه في القول الأوّل أكثر وأظهر.
***
سورة الحشر.. الآية السادسة عشرة   

الآية السادسة عشرة:

(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَريءٌ مِنْكَ إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).
كان التمثيل الأوّل بحال بني النضير وأنّ مثلهم كمثل طائفة (بني قينقاع)عادوا النبي(صلى الله عليه وآله) فكان الخذلان مصيرهم، وأمّا هذه الآية فبصدد تمثيل حال المنافقين بالنسبة إلى بني النضير، وأنّ مثلهم بالنسبة إليهم كمثل الشيطان، الّذي يُغري الإنسان بالكفر، فإذا كفر تبرّأ منه قائلاً (إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ).
فهنا مقامان:
الأوّل: بيان أنّ المنافقين بالنسبة إلى بني النضير كمثل الشيطان بالنسبة إلى الإنسان، حين يغريه بالكفر، والوجه واضح، وذلك أنّ المنافقين أغرَوا بني النضير بالتمنّع من محمد(صلى الله عليه وآله)، وشجّعوهم على الثبات في موقفهم المتعنّت منه، ووعدوهم بمؤازرتهم في كلا الحالتين: الجلاء، أو القتال، فلّما استبدّ بهم الخوف، وتزلزلت نفوسهم، وانهارت مقاومتهم، اختفى

صفحه 183
المنافقون، وخمد صوتهم، ونسَوا وعودهم، فتركوهم في ساحة الخزي دون أن يرشقوا لصالحهم بسهم أو يضربوا بسيف، فصاروا كالشيطان الّذي يحرّض الإنسان على المخالفة والعصيان، ويعده بالعون والحماية، ولكنّه لا يفي به عند الحاجة، كما سيأتي شرحه في المقام الثاني.
الثاني: بيان حال الشيطان مع الإنسان الذي صار موضع التشبيه، فهنا وجوه:
1. أنّ المراد من الإنسان مطلقه دون إنسان خاص، وكأنّ الشيطان يسعى بأحابيله وبوعوده الكاذبة لإضلال الإنسان، وسَوقه إلى الشرك والطغيان، فإذا وقع الإنسان في شِباك ضلاله، وكُتب عليه دخول النار، يتبرأ منه ويقول:(إنِّي بَريءٌ مِنْكَ إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ).
2. المقصود من الإنسان هو الإنسان الخاص، كأبي جهل وأتباعه، حيث إنّ الشيطان غرّهم في غزوة بدر بوعوده الكاذبة فاغتروا بإضلالاته، فلمّا انهزموا نكص على عقبيه وتبرّأ منهم، وهذا ما يرويه بعض المفسّرون في تفسير قوله سبحانه: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).1
فقد روي أنّ قريشاً لمّا أجمعت المسير ـ إلى بدر ـ ذكروا الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناف ابن كنانة من الحرب وكاد ذلك أن يثنيهم، فجاء

1 . الأنفال:48.

صفحه 184
إبليس في جند من الشيطان فتبدّى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الكناني ثم المدلجي وكان من أشراف كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس وإنّي جار لكم، أي مجير لكم من كنانة، كما قال الشاعر:
يا ظالمي أنّى تروم ظلامتي *** والله من كل الحوادث جاري
فلمّا رأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء وعلم أنّه لا طاقة لهم بهم نكص على عقبيه، وقيل: إنّه لما التقوا كان إبليس في صفّ المشركين (بصورة سراقة) آخذاً بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه، فقال له الحـارث: يا سـراقة أيْـن؟ أتخـذلنـا على هـذه الحـالة؟ فقـال له: إنّي أرى ما لا ترون، فقال: والله مـا نـرى إلاّ جعـاسيس1 يثرب فـدفع في صـدر الحـارث وانطلق وانهـزم الناس، فلمّا قدموا مكة قالوا: هزم الناسَ سراقةُ، فبلغ ذلك سراقة فقـال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فقالوا: إنّك أتيتنـا يـوم كذا، فحلف لهم، فلمّا أسلموا علموا أنّ ذلك كان الشيطان.2
وروى ابن هشام في سيرته أنّه: لمّا أجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها و بين بني بكر(من كنانة)، فكان ذلك يثنيهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جشعم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم:أنا جارٌ لكم من أن تأتيكم كنانةُ من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا

1 . جعس: تغوط، تجعس: تقذّر، كناية عن الفحش في الكلام.
2 . مجمع البيان:3ـ4/844.

صفحه 185
سراعاً.1
3. إنّ الآية تشير إلى قصة راهب من بني إسرائيل، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عبيد بن رفاعة الدارمي يبلغ به النبي(صلى الله عليه وآله) قال: كان راهب في بني إسرائيل، فأخذ الشيطان جارية فخنقها فألقى في قلوب أهلها أنّ دواءها عند الراهب، فأُتي بها الراهب، فأبى أن يقبلها، فلم يزالوا به حتى قبلها، فكانت عنده، فأتاه الشيطان فوسوس له وزيّن له، فلم يزل به حتى وقع عليها، فلمّا حملت وسوس له الشيطان فقال: الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها، فإن أتوك، فقل: ماتت، فقتلها ودفنها، فأتى الشيطان أهلها فوسوس إليهم، وألقى في قلوبهم أنّه أحبلها ثم قتلها، فأتاه أهلها فسألوه فقال: ماتت، فأخذوه فأتاه الشيطان فقال: أنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتك في هذا، فأطعني تنجُ، واسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فهو الذي قال الله فيه: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ)2.
ولكن الأنسب بين هذه الوجوه الثلاثة هو الوجه الأوّل، حيث إنّه هو الضابطة الكلّية بين العدو المخادع والإنسان المخدوع. وأمّا الموردين الثاني والثالث ـ أعني: تمثُّل الشيطان في غزوة بدر، أو تمثُّل الشيطان في قصة الراهب ـ فهما من مصاديق الضابطة التي أشرنا إليها .

1 . السيرة النبوية:1/612.
2 . الدر المنثور: 8/ 118; شُعب الإيمان: 4 / 372 برقم 5449، ورواه مختصراً (برقم 5450) بإسنادهعن حميد بن عبدالله السلولي، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) .

صفحه 186
ثمّ إنّ خوف المنافقين من الله سبحانه خوف من نزول العذاب في الدنيا، لأنّهم كانوا معتقدين بالله دون الآخرة.
وأمّا خوف الشيطان فلا شك أنّه يعتقد بالله واليوم الآخر، فخوفه يشمل كلا الموطنين، إلاّ أنّ هواه واستكباره يغلب على اعتقاده.
***
سورة الحشر.. الآية الثامنة عشرة   

الآية السابعة عشرة:

(فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ).
الظاهر أنّ الضمير يرجع إلى الشيطان والإنسان المخدوع الذي وقع في شباكه، ويعود حسب الملاك إلى المنافقين وبني النضير أيضاً، فإنّ الجميع ينتظمون في سلك واحد; وذلك لأنّ مصير الشيطان الغَرور والإنسان المغترّ بأمانيّه، مصير واحد، وكذا مصير المنافق والكافر ، وهو الخلود في النار في الآخرة جزاءً لظلمهم.
فقوله: «الظالمين» كأنّه تعليل لخلودهم في النار، حيث إنّ الجميع اشتركوا في إضلال أنفسهم وغيرهم.
***

صفحه 187

الآية الثامنة عشرة:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتقَّوُا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ).
الآية تتضمن أُموراً ثلاثاً:
1. الأمر بالتقوى مرتين .
2. والأمر بالنظر إلى ما يقدِّمه لغد .
3. وعلمه سبحانه بما يعمل الإنسان. وإليك شرح هذه المضامين الثلاثة:
أمّا الأمر الأوّل ـ أعني: الأمر بالتقوى ـ فيظهر وجهه بما يلي:
وذلك لمّا تمّ بيان مصير بني النضير وأنّهم لأجل نصب العداء لرسول الله(صلى الله عليه وآله)كتب عليهم الخذلان، فتركوا مزارعهم وبساتينهم في يد المسلمين، ودفع شرّهم بإيجاد الرعب في قلوبهم من دون أن يشارك المسلمون في قتالهم، إلى غير ذلك من النعم التي غمرتهم، جاء الأمر بالتقوى ـ الذي هو الورع عن محارم الله ـ شكراً لما منحوا من النعم الطائلة. وهنا وجه آخر للأمر بالتقوى، هو تنبيه المؤمنين على أنْ لا يأمنوا من شر الشيطان فإنّه لم يزل ولا يزال يسعى لإضلال الناس بأنواع الحيل، كما أضلّ الآخرين، فليأخذوا من التقوى وقاية في مقابل شروره.
وأمّا الأمر الثاني، وهو قوله :(وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد) فيعني أن لا ينسى الإنسان حياته الأُخروية، فكما أنّه يحتاج في هذه الدنيا إلى ما يعيش به، فهكذا يحتاج في آخرته إلى ما يريحه فيها، وما ذلك إلاّ الأعمال الصالحة التي يقوم بها في الدنيا، وهي ذخيرته ليوم معاده.

صفحه 188
وأتى بالنكرة في قوله: «نفس» للاستغراق من غير فرق بين نفس ونفس. وأشار بكلمة «قدّمت» لبيان أنّ ما يقوم به من الأعمال الصالحة، كأنّه يقدّمها ويرسلها إلى دار الآخرة. وأتى بكلمة (لغد) إمّا لأنّه كناية عن المستقبل وإن كان بعيداً، أو لقربه عند الله دون غيره لقوله:(إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا)1; ثم أمر بالتقوى ثانياً وقال: (واتقوا الله)، وهذا إمّا للتأكيد كقوله تعالى: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى).2 ويحتمل أيضاً أن يراد من الأمر الثاني الدوام على التقوى والاستمرار عليها.
وأمّا الأمر الثالث: وهو قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) فيعني أنّه خبير بمقدار اجتهاداتكم في تحصيل التقوى والاستمرار عليها...
وأخيراً : الآية تأمر بمحاسبة النفس حتى تقدّم لحياتها الأُخروية ما تعيش به.
سورة الحشر.. الآية التاسعة عشرة   
***

الآية التاسعة عشرة:

(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
الآية السابقة تأمر بمحاسبة النفس والتفكير في مستقبل أمرها، وهذه الآية تأمر بالمراقبة حتى لا يغفلوا عن أنفسهم وينسَونها بترك أسباب فلاحها، ونجاتها من الهلاك، لأجل نسيان الله سبحانه، فنسيان الخالق البارئ المميت، الباعث يوم القيامة، يلازم نسيان النفس والغفلة عنها ، وذلك

1 . المعارج:6ـ7.
2 . القيامة: 34ـ 35.

صفحه 189
لوجوه:
1. أنّ نسيانه تعالى بمعنى نسيان أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي بها ترتبط صفات الإنسان الذاتية من الذلة والفقر والحاجة، فيتوهّم الإنسان نفسه مستقلة في الوجود، ويُخيّل إليه أنّ لنفسه حياة وقدرة وعلماً وسائر ما يتراءى له من الكمال، وعند ذلك يعتمد على نفسه، مع أنّه كان عليه أن يعتمد على ربّه; ويرجو ويخاف الأسباب الظاهرية، مع أنّه كان عليه أن يرجو ربّه ويخافه; ويطمئنّ إلى غير ربّه مع أنّه كان عليه أن يطمئنّ إلى ربّه.
وبعبارة أخرى: ينسى ربه، والرجوع إليه، ويُعرض عنه بالإقبال على غيره، وبالتالي ينسى نفسه فإنّ الذي يخيل إليه من نفسه أنّه موجود مستقل الوجود، ليس هذا واقع الإنسان بل واقعه شيء آخر، إذ هو موجود متعلّق الوجود، جهلٌ كلّه، ذلٌّ كلّه، فقرٌ كّله، وهكذا. وماله من الكمال كالوجود والعلم والقدرة والعزة والغنى فإنّما هو لربه، وإلى ربه انتهاؤه.1
2. أنّ معرفة الله تبارك وتعالى أمر فطري جُبلت عليه فطرة الإنسان وخلقته، والشاهد على ذلك أنّ علم النفس قد أثبت أنّ للنفس الإنسانية غرائز وأحساسيس أربع:
أ. غريزة حُبّ الاستطلاع، وهذه الغريزة تدفع الإنسان إلى اكتشاف المجهولات، وفكّ الرموز، وفي ظلها توسّعت المعارف وتطوّرت العلوم وتقدّمت، ولولاها لتوقّف تطوّر الحياة البشرية.
ب. غريزة حُبّ الخير، وهي منشأ ظهور الأخلاق، وهي التي تدفع

1 . انظر: تفسير الميزان: 18/219ـ 220.

صفحه 190
الإنسان إلى إقامة العدل ومكافحة الظلم، ولذلك يجد الإنسان من صميم ذاته الميل إلى الأخلاق النبيلة والسجايا الحميدة.
ج. غريزة حبّ الجمال، وهي منشأ الفنون الجميلة قديماً وحديثاً، وسبب ظهور الأعمال السنيّة المختلفة.
د. غريزة التديّن أو الشعور الديني، وهي البعد الرابع في النفس الإنسانية وتعني أنّ كلّ فرد من أبناء الإنسان يميل بشكل فطري إلى الله سبحانه والاعتقاد به، وينجذب عفوياً إلى معرفة ماوراء الطبيعة والقوة الحاكمة على هذا الكون، وقد أوجد اكتشاف هذا الشعور حركة عظيمة في الأوساط العلمية وفي الوقت نفسه قد حطّ كثيراً من غرور الماديين في القرن الغابر.
ولقد أشار الذكر الحكيم إلى هذا البعد قبل أربعة عشر قرناً، وقال: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).1
فإذا كانت معرفة الله هي فطرة الإنسان، فالغفلة عن الله غفلة عن النفس وما فيها، فيكون نسيان الله بمنزلة نسيان النفس.
وبذلك يُعلم أنّ ما يجترّه الماركسيون من أن تعلّق الإنسان بالله تبارك وتعالى وعبادته، تعلّق بالغير وخروج عن التعلّق بالذات، فلابد أن يتعلّق الإنسان بنفسه ويخرج كلّ تعلّق بغيره حتى الله والأموال، أمر باطل، فإذا كان التوجّه إلى الله وماوراء الطبيعة أحد الأبعاد الأربعة والغرائز الموجودة في صميم الإنسان، فالتعلّق بالله ليس خروجاً عمّا تقتضيه النفس، بل إجابة

1 . الروم:30.

صفحه 191
لبعض متطلبات الفطرة، وتكون الغفلة عنه خروجاً عن التعلّقات الذاتية والغرائز الدفينة.
3. إنّ نسيان الله يؤدي إلى انغماس الإنسان في اللذات المادية والشهوات الحيوانية، من جهة، ومن جهة أُخرى ينسى خالقه، وخالقه يغفل عن إدخار ما يحتاجه في الحياة الأُخروية .1
هذه وجوه ثلاثة يمكن أن يُحمل عليها قوله سبحانه: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ).
ثم إنّ المراد بالموصول في قوله: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ) هو المنافقون، وإن كان يحتمل أن يكون المراد بني النضير، ويشهد على الوجه الأوّل قوله تعالى: (نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).2
نعم يوجد فرق بين الآيتين، ففي هذه السورة جعل نسيان الله سبباً لنسيانهم أنفسهم، وفي سورة التوبة جعل نسيان الله سبباً لنسيان الله إياهم، ومن المعلوم أنّ المراد من نسيان الله لهم هو عدم شمول رحمته لهم وهدايته، فصاروا من مصاديق قوله سبحانه: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).3
بقي الكلام في قوله: (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) فقد نسب الذكر الحكيم نسيانهم أنفسهم إليه سبحانه، وما هذا إلاّ أنّ نسيان النفس. متفرّع على إنساء الله تفرع المسبّب على سببه، والمعلول على علّته. وجه عدم استلزامه الجبر:

1 . تفسير الأمثل:18/199.
2 . التوبة:67.
3 . البقرة:7.

صفحه 192
أنّ العبد نسي الله عن اختيار، فأعقب ذلك مؤاخذة الله، وهو إنساء الله أنفسهم، ولو أنّ العبد لم يقم بنسيان ربّه، لم يُنسهم الله أنفسهم، فلو عوقب العبد بفعل الله، فلأجل تقصير العبد وتفريطه، نظير قوله سبحانه: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)1، فكأنّ فعله سبحانه جزاء لعملهم وفعلهم، وبذلك يُعلم أنّ قوله سبحانه:(فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) لا يستشم منه القول بالجبر; وذلك لأنّ الفاعل المختار إذا أوجد العلّة يترتّب عليه معلوله.
سورة الحشر.. الآية العشرون   
وختمت الآية بقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) وقد وصفتهم بصورة حصر وقصر ادّعائي غير حقيقي، كأنّه ليس في الساحة فاسق غيرهم، والفسق هو الخروج عن الطاعة بالأعمال السيئة والعقائد الباطلة.
***

الآية العشرون:

(لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ).
إنّ الله سبحانه يستعرض في هذه الآية طائفتين:
الأُولى: الطائفة المؤمنة المطيعة لله، المعتقدة بالبعث والحياة الأُخروية، المقدّمة لها ما يريحها فيها.
الثانية: الطائفة الكافرة الغافلة عن الحياة الأُخروية الواردة إليها بلا زاد ولا ذخيرة. ومن المعلوم أنّ الطائفة الأُولى هم الفائزون، والثانية هم

1 . الصف:5.

صفحه 193
الخاسرون، ولا يستوي الخاسر مع الفائز; لأنّ أصحاب الجنة لا يتساوون مع أصحاب النار في الدنيا والآخرة.
وقد تكرّر نفي الاستواء بين الطائفتين في القرآن كثيراً، قال سبحانه: (هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَ النُّورُ)1.
وقال سبحانه:(وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ).2
وقال سبحانه:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ).3
إلى غير ذلك من الآيات النافية للاستواء بين طائفتين، تفقد إحداهما الكمال تماماً، وفي الوقت نفسه تجده الأُخرى كذلك.
وكأنّ هذه الآية تشير إلى نتيجة ما تقدّمها من آيات، وأنّ المسلمين هم الفائزون والمنافقين وبني النضير وكلّ من هو في خطّهم هم الخاسرون.
ثمّ إنّ هنا سؤالاً، وهو: ما هو السرّ في طرح هذه القضايا الواضحة الّتي لا تخفى على ذي لبّ، فإنّ الناس قاطبة يذعنون بعدم استواء الأعمى والبصير والظلمات والنور، والعالم والجاهل، وهكذا ما في المقام من عدم استواء من في النار ومن في جنة النعيم؟
والجواب: أنّ هذه قضايا واضحة ولكن تستنبط منها قضايا نظرية هي المقصودة واقعاً، وهي نفي الاستواء بين الكافر والمؤمن على وجه الإطلاق، ويبين ذلك ضمن تمثيلات.

1 . الرعد:16.
2 . فصلت:34.
3 . الزمر:9.

صفحه 194
توضيحه: أنّ الكافر كالأعمى عند الله، والمؤمن كالبصير، فالكافر لأجل خلوده إلى الأرض وعدم تجاوزه الماديات، لا يؤمن بما وراء الطبيعة كعالم البرزخ والقيامة، فصار مثله مثل الأعمى لايذعن إلاّ بما تلمسه يداه، أو تسمعه أُذنه، وأمّا المؤمن فمثله كمثل البصير يذعن بما لا يذعن به الأعمى.
ومنه يظهر حال نفي الاستواء بين النور والظلمة، فالإيمان نور يهدي به الله الإنسان إلى مدارج السعادة، والكفر ظلمة لا يهتدي بها إلى شيء، فإذا قال سبحانه: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) فإنّه يريد العالمين بما وراء هذا العالم من نظام كامل يدبّره، كما يريد ممّن لا يعلمون كلّ جاهل بذلك.
وأمّا المقام ـ أعني: نفي الاستواء بين أصحاب النار وأصحاب الجنّة ـ فهو إلماع إلى أنّ الكفرة كاليهود والمنافقين هم من أصحاب النار، وأنّ المؤمنين من أصحاب الجنة، فعلى طالب الكمال أن ينضمّ إلى أصحاب الجنة وينفر من أصحاب النار، فإنّ الفوز والسعادة هي من نصيب الفئة الأُولى لا الثانية.
سورة الحشر.. الآية الحادية والعشرون   
روى الشيخ الطوسي في أماليه بإسناده إلى محدوج بن زيد الذهلي وكان في وفد قومه أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) تلا هذه الآية: (لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ) قال: فقلنا: يا رسول الله من أصحاب الجنة؟ قال: «من أطاعني وسلّم لهذا من بعدي». قال: وأخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله)بكف عليّ(عليه السلام)وهو يومئذ إلى جنبه فرفعها، وقال: «ألا إنّ علياً منّي وأنا منه،

صفحه 195
فمن حادّه فقد حادّني، ومن حادّني فقد أسخط الله عز وجل»...1
وغير خفيّ أنّ هذه الرواية من باب تطبيق الضابطة الكلّية على أحد مصاديقها.
***

الآية الحادية والعشرون:

(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

مفردات الآية:

الخشوع: الخضوع ، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد على الجوارح، على عكس الضراعة، فإنّ أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب، وقد روي: إذا ضرع القلب خشعت الجوارح.
التصدّع: التفرّق بعد التلاؤم.
الخشية : الخوف، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)2.
وعن المحقّق الطوسي: الفرق بين الخوف والخشية، الخوف: تألُّم النفس من العقاب المتوقع من ارتكاب المنهيّات، والخشية، حالة تحصل عند الشعور بعظمة الحق، وهذه حال لا تحصل إلاّ لمن اطّلع على حال الكبرياء، وذاق لذة القرب، قال سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ

1 . الأمالي: 485 ـ 486، المجلس السابع عشر، الحديث 1063 / 32 .
2 . المؤمنون: 57 .

صفحه 196
الْعُلَمَاءُ)1، فالخشية خوف خاص، والخوف المطلق يحصل لأكثر الناس.2
المَثَل: قد مرّ منّا أنّ المثل في القرآن الكريم لا يراد به المعنى المصطلح الذي هو قسم من الحِكَم يرد في واقعة لمناسبة اقتضت وروده فيها، ثم يتداوله الناس في غير واحدة من الوقائع التي تشابهها دون أدنى تغيير لما فيه من وجازة ودقة في التصوير، ولذلك يقول الشاعر:
ما أنت إلاّ مثل سائرُ *** يعرفه الجاهل والخابرُ
وأمّا المثل الوارد في القرآن الكريم فالمراد به توصيف الحال، وتشبيه شيء بشيء.
وإن شئت قلت: هو عبارة عن التمثيل القياسي الذي تعرّض له علماء البلاغة في علم البيان، وهو قائم بالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز.

تفسير الآية

إنّ للمفسرين في تفسير الآية قولان:
الأوّل: إنّ الكلام قد ورد على مجرد فرض دلّت عليه كلمة «لو»، والغرض منه بيان عظمة القرآن، وأنّ له من قوة التأثير ما لو أُنزل على جبل لخشع.
وبعبارة أُخرى: لو كان له فهم وشعور بالنسبة لما ورد فيه من المعارف

1 . فاطر: 28 .
2 . مجمع البحرين، مادة «خشى» .

صفحه 197
والحِكم، لتصدّع مع عظمته وصلابته وتماسكه، فما بال قلب هذا الإنسان الضعيف لا يتأثر به؟ فقلبه في الواقع أقسى من الجبل وأشدّ تماسكاً منه.1
وعلى هذا لو أُنزل هذا القرآن على جبل ـ لو كان يتمتع بشعور وإدراك ـ لتصدّع وتأثّر من خشية الله، مع ما له من الغلظة والقسوة، وكبر الجسم وقوة المقاومة. فالإنسان الشاعر العارف أَولى بأن يخشع إذا تليت عليه آيات الله.
ويظهر من السيد الرضي أنّه اختار هذا القول، حيث قال بعد نقل الآية:
«هذا القول على سبيل المجاز، والمعنى أنّ الجبل لو كان ممّا يعي القرآن ويعرف البيان، لخشعَ لسماعه، ولتصدّع من عظم شأنه، على غلظ أجرامه وخشونة أكتافه، فالإنسان أحقّ بذلك منه إذ كان واعياً لقوارعه وعالماً بصوادعه».2
الثاني: إنّ الآية تحكي عن حقيقة كونية، وهي أنّ كلّ ذي وجود له حظّ من الشعور والمعرفة حسب درجة وجوده وحسب قربه من الكمال، فعلى هذا فالجبل له شعور بعظمة الله حسب ما أُعطي من الوجود بشهادة أنّ الاحجار تهبط من خشية الله، قال سبحانه:(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ مَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ).3
فعلى هذا، فالآية تهدف إلى بيان أنّه لو أنزل هذا القرآن وخوطب به

1 . انظر: التفسير الكاشف: 7 / 294 .
2 . تلخيص البيان: 285.
3 . البقرة:74.

صفحه 198
الجبل حسب ما أُعطي من الشعور، لتأثّر به وتصدّع بسببه، فما بال هذا الإنسان لا يتأثر بخطابات القرآن وعتاباته؟
قوله:(وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
«ضرب المثل» يراد من الضرب هنا: سَوْقُه، كأنّه يقول: نحن نسوق هذا المثل والغاية من سوقه التعريف بالقرآن لعلّ الناس يتفكّرون فيه.
ويحتمل أن يكون ضرب المثل بمعنى وصف الشيء، كما في قوله سبحانه: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا * اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)1، أي انظر كيف وصفوك.
وربّما يستعمل الضرب ويراد به الوضع،يقال: ضرب بيتاً، أي وضعها وبناها، ولكن الظاهر هو المعنيان الأوّلان، ولعل الثاني أظهر.
سورة الحشر.. الآيات 22ـ 24   

ختام السورة

الآية الثانية والعشرون:
(هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ).
الآية الثالثة والعشرون:
(هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
الآية الرابعة والعشرون:
(هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي

1 . الإسراء:47ـ 48.

صفحه 199
السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
بما أنّ الآيات الثلاث الأخيرة بصدد بيان أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وما بينها من صلة وثيقة، فقد اقتضى هذا تفسيرها مجتمعة غير متفرقة.
وقبل الخوض في تفسير ما ورد فيها من الأسماء والصفات، نشير إلى أُمور:
الأوّل: إنّ الآيات الثلاث اشتملت على ثمانية عشر اسماً أو صفة.

ففي الآية الأُولى:

1. لا إله إلاّ هو، مشيراً إلى توحيده ذاتاً وصفاتاً.
2. عالم الغيب والشهادة
3. الرحمن
4. الرحيم

وفي الآية الثانية:

5. المَلك
6. القدّوس
7. السلام
8. المؤمن
9. المهيمن
10. العزيز

صفحه 200
11. الجبار
12. المتكبّر

وفي الآية الثالثة:

13. الخالق
14. البارئ
15. المصوّر
16. له الأسماء الحسنى
17. المسبح في السماوات والأرض
18. الحكيم
وقد تكرر«العزيز» فيها أيضاً.
الثاني: أنّه سبحانه سرد هذه الأسماء والصفات على نظام خاص.
ففي الآية الأُولى: تكلّم عن أعمّ أسمائه ذاتاً وصفاتاً، أعني: التوحيد والعلم والرحمة.
وفي الآية الثانية: تكلّم عن خالقيته وحاكميته (الملك) وما له من الشؤون،فذكر: الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبّر.
وفي الآية الثالثة: تكلّم عن خالقيته وما يتبعه من تصوير الإنسان في الأرحام، وكونها على وجه العزّة والحكمة، ولذا ذكر: الخالق، البارئ، المصوّر، العزيز، الحكيم.

صفحه 201
الثالث: أنّ ما جاء في هذه الآيات الثلاث هو من أظهر صفاته وأسمائه ولكن له أسماء وصفات أُخرى، أشار إليها سبحانه في الآية الأخيرة بقوله: (لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى ) مشيراً إلى عدم انحصارها فيما ذُكر.
الرابع: أنّ هذه الآيات الثلاث نزلت في السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة في بيئة غارقة في الجهل والضلالة، ولم يكن لهم علم بالمعارف العليا، وبالأخصّ ما يرجع إلى معرفة أسمائه وصفاته، ففي هذه الظروف بزغت شمس الهداية إلى معرفة الله سبحانه بهذه الأسماء والصفات الباهرة التي تنزّهه بصورة ليس فوقها شيء. ففيها التنزيه عن التجسيم والتشبيه والتوحيد في الأُلوهية، وسعة علمه بالغيب والشهادة، والإشارة إلى كمال فعله وجماله.
فالنبي الأُمّيّ(صلى الله عليه وآله) لم يدرس عند أحد ولم يمارس الكتابة، وعاش بين ظهراني قوم وثنيين، فمن أين له ـ إن لم يكن يوحى إليه ـ بهذه المفاهيم السامية التي لا يدركها إلاّ الأوحدي من أساتذة الكلام والفلسفة، وفي الوقت نفسه تغذّي عامة النفوس وإن لم يكن لهم حظ في المسائل العقلية، وهذا ـ أيضاً ـ وجه من وجوه إعجاز الكتاب العزيز.
الخامس: عرّف سبحانه نفسه بهذه الصفات، لأجل بيان أنّ ما وقع من إذلال بني النضير وإخراجهم من قلاعهم لم يقع إلاّ بإذن من له العظمة والكبرياء، ولذلك هدمت قلاعهم وصودرت بساتينهم في يوم واحد وسلّط عليها المسلمون، كلّ ذلك بقدرة من الله سبحان. فعلى ضوء هذه الأُمور الخمسة، نفسّر الآيات الثلاثة.

صفحه 202

تفسير الآيات الثلاث

سورة الحشر.. الآية الثانية والعشرون   
أمّا قوله تعالى: (هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) من الآية الثانية والعشرين فالضمير في صدر الفقرة ـ أعني: «هو» ـ ضمير الشأن يؤتى به لإلفات المخاطب إلى ما يأتي بعده، كما هو الحال في قوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، وربّما يحتمل أنّ الضمير يرجع إلى لفظ الجلالة الوارد في الآيات المتقدّمة1، وهو بعيد جدّاً لاستلزامه وحدة المبتدأ والخبر; لأنّ خبر الضمير هو الله الموصوف بـ«لا إله إلاّ الله» فالأَولى ما ذكرنا، ثم إنّ قوله: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) إشارة إلى وحدانيته وأنّه لا إله (واجب الوجود، خالق الكون، أو ما يمكن أن يُفسَّر به) إلاّ هو. وفي الآية دلالة واضحة على «الإله» ليس بمعنى المعبود، لأنّها ليست بصدد توحيد العبودية، بل بصدد توحيد الذات، وأنّه لا مثل له ولا ضد ولا ندّ، وأنّه بذاته واحد لا كثير.
وفيها تأييد لما قلنا من أنّ الإله كلّي، ولفظ الجلالة إشارة إلى مصداق منه، وليس بمعنى المعبود.
قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) لعلّ المراد من الغيب ما لا يُدرك بالحواس بخلاف الشهادة، وعلى ذلك فالمجرّدات، وهكذا العوالم الموجودة بعد الموت قبل البعث كلّها غيب، فالغائب عن إحساس الناس ومشاهداتهم وما حضر عندهم عند الله سواء، ولعل فيه ردّ لما يُروى عن الإغريقيين بأنّه سبحانه عالم بالكلّيات دون الجزئيات، وهو باطل، إذ كيف يكون خالقاً، ولا يكون عالماً. وليس علمه سبحانه إلاّ حضور المخلوق عنده، بوجوده العيني

1 . التحرير والتنوير:28/105.

صفحه 203
لا بصوره، على خلاف علوم البشر، لأنّ علمنا بالأشياء ـ غير النفس والصور القائمة بها ـ حصولي، بمعنى حضور صورة الشيء الخارجي في النفس، لا بعينه.
وفي كلام الإمام علي(عليه السلام) إلماع إلى سعة علمه سبحانه، قال: «وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلاَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلاَ سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ دَبِيبُ الَّنمْلِ عَلَى الصَّفَا، وَلاَ مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الاَْوْرَاقِ، وَخَفِيَّ طَرْفِ الاَْحْدَاقِ».1
ثمّ إنّ تخصيص عالم الغيب والشهادة بصورة الحصر، لا ينافي علم الإنسان بالشهادة وعلم أنبيائه وأوليائه بالغيب; وذلك لأنّ علمه سبحانه بهما ذاتي لا اكتسابي وليس له حدّ، بخلاف علم غيره بالشهادة وعلم أنبيائه وأوليائه بالغيب، فإنّ علمهم زائد على ذواتهم ومكتسب من الله سبحانه، وفي الوقت نفسه محدود متناه.
وبما أنّ المسألة محررة في موضعها نكتفي في توضيح ما ذكر بما يلي:
إنّ العلم بالغيب على ضربين:
أحدهما: ما هو مختص باللّه سبحانه لا يشاركه فيه غيره، ولا يتجاوز إلى سواه، وأنّ ما جاء في الذكر الحكيم من الإشارة إلى علم الغيب، لا يراد منه إلاّ هذا، فقوله سبحانه: (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ الغَيْبَ إِلاّ اللّهُ)2 لا يراد منه إلاّ هذا المعنى المختصّ به تعالى كسائر أوصافه ونعوته.

1 . نهج البلاغة: الخطبة178.
2 . النمل: 65 .

صفحه 204
ثانيهما: ما يوصف به غيره سبحانه من ملائكته ورسله ومن يظهره على غيبه، وهذا لا يصح إطلاقه على اللّه سبحانه، وهذا الانقسام كما يجري في علم الغيب كذلك يجري في سائر نعوته وصفاته من قدرته وحياته و ... فما يجري منها على الواجب سبحانه لا يمكن تشريك الغير فيه، ولا يصح إطلاقه عليه، وما يجري على من سواه لا يصح إطلاقه عليه سبحانه، ولا يطلق إلاّ على غيره من المخلوقين .
هذا وقد ورد في غير واحد من الآيات والروايات إخبار الأنبياء عن الغيب بتعليم من الله سبحانه .
وهذا هو نوح يخبر عن مستقبل قومه وأولادهم ويقول: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا)1.
أو ليس هذا إخباراً عن عواقب حياتهم.
وهذا هو صالح يخبر عن عواقب قومه وأنّ العذاب سيعمّهم بعد ثلاثة أيّام ويقول: (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب)2.
وقد أخبر يعقوب عن المغيّبات عن مستقبل ولده يوسف يقول سبحانه:
(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لاَِبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ القَمَرَ

1 . نوح: 26 ـ 27 .
2 . هود: 65 .

صفحه 205
رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِـلإنْسَانِ عَدُوٌ مُبِينٌ * وَ كَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)1.
كما يخبر يوسف عن الغيب في الآيات التالية:
(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ * ... يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَان)2.
وأمّا الروايات، فقد تنبّأ النبي والوصي وسائر الأوصياء في غير مورد على وجه لا يمكن انكار تواترها. فلاحظ الموسوعات الروائيّة.
قوله:(هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) أُتي بضمير الفصل لقصر الرحمة عليه تعالى; لأنّ رحمة الغير مأخوذة ومقتبسة منه، فهو يرحم عباده عند استحقاقهم الرحمة.
***
وأمّا قوله: (هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) من الآية الثالثة والعشرين فقد مضى الكلام في الضمير ومفاد الفقرة، والفقرة هذه تأكيد للتوحيد الذي مضى ذكره في الآية المتقدّمة.

1 . يوسف : 4ـ 6.
2 . يوسف: 36 ـ 41.

صفحه 206
5. قوله:(المَلِك): إمّا بمعنى الحاكم في الناس، أو بمعنى المالك إذ له ملك السماوات والأرض.
والمعنى الأوّل أنسب، لما في الصفة التالية.
سورة الحشر.. الآيات 22ـ24   
6. (القدّوس): المنزّه عن النقائص، ولعلّ تعقيب الملك بالقدوس، إشارة إلى تنزيهه عمّا اشتهر به الملوك من الظلم والفساد والاسترسال في الشهوات، لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ).1 ولقوله أيضاً: (وَ كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا ).2 فكأنّه لا شؤون للملك على الإطلاق أو على الأغلب إلاّ الإفساد في الأرض، وجعل الأعزاء أذلاّء، وغصب أموال الفقراء.
ومع ذلك كلّه يمكن أن يكون وصف القدّوس، إشارة إلى نزاهته وتعاليه عن كلّ ما لا يناسب ساحته، فيندرج تحته الصفات السلبية وهي:
أ. واحد ليس له مثيل ولا نظير.
ب. ليس له جسم ولا هو في جهة ولا في محل، ولا حالٌّ ولا متّحد.
ج. ليس محلاًّ للحوادث.
د. لا تقوم اللذة والألم بذاته.
هـ.. لا تتعلّق به الرؤية.
و. ليست حقيقته معلومة لغيره بكُنهه، ومن ثمّ ليس جوهراً ولا عَرَضاً.

1 . النمل: 34.
2 . الكهف:79.

صفحه 207
وقد أقام المتكلّمون البراهين على هذه الصفات.1
7. (السلام): هناك احتمالان:
1. أن يكون المراد منه أنّه ذو السلام، ووصف به مبالغة في وصف كونه سليماً من النقائص والآفات كما يقال: رجل عدل.
2. أن يكون المراد منه كونه معطياً للسلامة، وهو تعالى خلق الخلق سويّاً وقال: (مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت)2، وقال:(رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى).3
8 . (المؤمن): اسم فاعل من آمن والهمزة فيه للتعدية فيكون جعل غيره آمناً، وعلى هذا فالمؤمن يستعمل تارة لازماً، وأُخرى متعدّياً; والمراد هنا هو الثاني، أي بمعنى: معطي الأمان لعباده، حيث يؤمنهم من العذاب في الدنيا والآخرة، قال سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) 4.
ومع ذلك يحتمل أن يكون بمعنى المصدِّق، كقول أبناء يعقوب:(وَ مَا أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنَا).5 والله سبحانه يصدِّق أولياءه بالمعاجز والكرامات.
9. (المهيمن): الفائق المسيطر على الشيء، وعلى ذلك فالله سبحانه هو الفائق المسيطر على العباد، كما أنّ القرآن مسيطر على الكتب السماوية

1 . الإلهيات:2/109ـ144، محاضراتنا بقلم الفاضل الشيخ حسن مكي العاملي.
2 . الملك:3.
3 . طه:50.
4 . فصلت:30.
5 . يوسف:17.

صفحه 208
عـامّـة، إذ بـه يعـرف صـدق مـا فـي الكتب السمـاويـة الأُخـرى، قال سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيـلَ أَكْثَـرَ الذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)1، وقال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَـدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ).2
ولعلّ الوجه لإتيان وصف المهيمن هنا، هو أنّه سبحانه لمّا وصف نفسه بالأوصاف الأربعة: ملك، قدوس، سلام، مؤمن، ربّما يتصوّر بأنّ معاملته العباد بالعدل والسلامة بسبب ضعفه، فذكر أنّه مع كونه موصوفاً بهذه الصفات، فهو مهيمن مسيطر غالب على ما في السماوات والأرض، وأيّد ذلك بالوصف التالي:
10. (العزيز): وهو الغالب الذي لا يغلبه شيء، فهو غالب لا يعجزه شيء وأُتبعت هذه الصفة بالصفة التالية:
11. (الجبّار): أي نافذة إرادته، ويحتمل أن يراد العالي الذي لا يُنال.
12. (المتكبِّر): الذي تلبّس بالكبرياء وظهر بها، فإذا كان الكبْر هو الحالة التي توجب إعجاب المرء بنفسه ورؤية ذاته أكبر من غيره، لاترى لذلك الوصف حقيقة إلاّ في ذاته سبحانه، حيث له الكبرياء والعظمة دون غيره.
(سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ): فهو منزّه عن الشريك والصاحبة والولد.
13 ـ 15 . (هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارئُ الْمُصَوِّرُ) في الآية الرابعة والعشرين

1 . النحل:76.
2 . المائدة:48.

صفحه 209
فالكلام في الضمير، هو ما سبق بيانه. وقد ذكر سبحانه في هذه الفقرة أوصافاً ثلاثة كلّها مترتّبة في الخارج:
فهو «خالق» موجد للأشياء من العدم، و «بارئ» أي مميِّز للأشياء، ممتازاً بعضها عن بعض، و «مصوِّر» ومعط الصور للأشياء. والأسماء الثلاثة تتضمّن معنى الإيجاد باعتبارات مختلفة، فهو بما أنّه موجد من العدم، خالق; وبما أنّه مميِّز لما خلق، بارئ; وبما أنّه معط للصور، مصوّر، كما قال: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ).1
وقال تعالى:(وَ لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ).2
وقال أيضاً:(وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ).3
ثم إنّ حصر الخالقيّة في الله ليس بمعنى نفي سببية الأسباب والعلل، فإنّ خالقيّة غيره إنّما هي بالتَّبَع لو صحّت تسمية العلل الطبيعية بالخلقة، ولذلك نرى أنّه سبحانه يخاطب المسيح بقوله:(وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي)4، ويصف نفسه بكونه (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).
وما ذلك إلاّ لأنّ بين كونه خالقاً وكون المسيح خالقاً بُعد المشرقَين، فالأوّل مستقل في إيجاد ما خلق، والثاني يستمدّ من قدرته سبحانه فيما يخلق من الصور للطين.

1 . آل عمران: 6.
2 . الأعراف:11.
3 . غافر: 64 .
4 . المائدة:110.

صفحه 210
16. (لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى): أي لا تنحصر صفاته فيما ذكر.
17. المسبَّح في السماوات والأرض: (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ)فكلّ موجود يسبِّح الله سبحانه إمّا بلسان المقال أو بلسان الحال على وجه، أو يسبِّح الكلّ بلسان المقال على القول بسريان الشعور في عامّة الموجودات.
الْعَزِيزُ: الغالب غيرالمغلوب وقد مرّ ذكره في الآية الثالثة والعشرين .
18. الْحَكِيمُ: المُتقن الفعل، نظير قوله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم )1، أو البريء عن العبث واللغو، نحو قوله سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)2 أتى بهذين الاسمين لشدّة صلتهما بأمر الخلقة ثم إنّ قوله: (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَ الأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) من قبيل ردّ العجز إلى الصدر; لأنّ صدر السورة مشتمل عليه، وهو من المحسِّنات البديعية.
وفي الختام، نودّ أن نشير إلى أنّ البحث حول هذه الأسماء والصفات تمّ بإيجاز هنا، وقد بسطنا الكلام فيه في موسوعتنا القرآنية:«مفاهيم القرآن»3، فراجعه إن أحببت.
***
تمّ تفسير سورة الحشر

1 . الدخان: 4 .
2 . المؤمنون: 115 .
3 . لاحظ مفاهيم القرآن، الجزء السادس .

صفحه 211
   
 
السورة الثالثة
سورة الصف
وهي مدنية، وآياتها تسع وعشرون

صفحه 212

صفحه 213

سورة الصفّ

وجه التسمية

سمّيت هذه السورة باسم سورة الصف لقوله تعالى فيها: (إنّ اللهَ يُحِبُّ الّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبيلِهِ صَفّاً).
وربّما تسمّى بسورة عيسى لقوله تعالى فيها: (وَإذْ قالَ عيسى ابنُ مَرْيَمَ)، وثالثة تسمّى سورة الحواريين لقوله تعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَواريِّينَ).
فلو كانت تسمية السور توقيفية، فيجب أن لا تسمّى السورة إلاّ باسم يتّصل بزمان النبي(صلى الله عليه وآله)، وإلاّ فيجوز تسميتها بالأسماء الثلاثة.
والسورة آياتها أربع عشرة آية، وهي مدنية لدلالة مضمونها على ذلك، إذ أُمر فيها المسلمون بالجهاد في سبيل الله والثبات عليه.
وهذا هو الغرض الواضح في أكثر آيات هذه السورة.

صفحه 214
سورة الصفّ.. الآيتان2ـ3   
بسم الله الرحمن الرحيم

الآية الأُولى:

(سَبّحَ للهِ ما فِي السَّمواتِ وَما فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ).
بدأ سبحانه هذه السورة كسائر السور بالبسملة وذكر بعدها تسبيح ما في السماوات وما في الأرض له تعالى، ثم وصف نفسه بوصفين هما: العزيز والحكيم، وفي هذين الوصفين إشارة إلى أنّه سبحانه هو ولي المسلمين القادر على نصرهم على الأعداء في معترك الجهاد، وأنّ الأمر بالجهاد إنّما صدر عن حكمة، وليست الغاية تغليب قوم على قوم، بل الغاية نشر التوحيد ورفض الثنوية. وبما أنّا استوفينا الكلام في تفسير البسملة وتسبيح الكائنات خلال تفسيرنا لسورتي الحشر والحديد، فلا حاجة لإعادة الكلام فيه.
***

الآية الثانية:

(يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ).

الآية الثالثة:

(كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ).

صفحه 215

تفسير الآيتين

ندّد الله سبحانه في هاتين الآيتين بمن يقول ويَعِد بأمر، ثم تضعف إرادته وتقعد به همّته عن الوفاء بذلك، ومثل هذا الشخص ممقوت عند الله إذ يقول ما لا يفعل، وينكص عمّا وعد، و«المقت» هنا هو البغض الشديد، وقد ذكر المفسّرون في شأن نزول الآية أنّها نزلت في قوم كانوا يقولون: إذا لقينا العدو لم نفرّ ولم نرجع عنهم، ثم لم يفوا بما قالوا: وانفلّوا يوم أُحد حتى شُجّ وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله)وكُسرت رَباعيَتُه. وقيل في شأن نزول الآية غير ذلك.
وفي هذا المعنى، يأتي قول الإمام عليّ، مخاطباً المتثاقلين والمتخلّفين عن القتال معه:
«أيّها الناس، المجتمعةُ أبدانُهم، المختلفةُ أهواؤهم، كلامُكم يوهي الصُمّ الصِّلاب، وفِعلُكُم يُطمِعُ فيكمُ الأعداءَ.
تقولون في المجالس: كَيْتَ وَكَيْتَ، فإذا جاء القتالُ قلتم: حِيدي حَيادِ!»1
يخاطبهم(عليه السلام) فيقول لهم: متكلّمون بما هو في الشدّة والقوة يُضعف (يُوهي) الجبال الصُمّ الصُّلبة، وعند الحرب يظهر أنّ ذلك الكلام لم تكن له ثمرة.
تقولون في المجالس: سنفعل ونفعل (كيتَ وكيتَ)، فإذا جاء القتال فررتم وقلتم الفِرار الفِرار(حِيدي حَيادِ).2
لا شكّ في أنّ العالم غير العامل بعلمه أكبر ممقوت عند الله، ذلك أنّ

1 . نهج البلاغة، الخطبة29.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:2/112.

صفحه 216
دعوة الناس إلى الجهاد والإنفاق ومواساة الناس، وإلى التحرّز عن الغيبة والكذب وغير ذلك من رذائل الأعمال، توجِد عند الناس رغبة في الإقدام على صالح الأعمال والتحلّي بمكارم الأخلاق، لكن تخلّفه عن العمل بما يأمر به الناس، قد يولّد في نفوس الناس تأثيراً سلبياً، وتزلزلاً في الإيمان والعقيدة.
ولأجل أنّ لتخلّف القول عن العمل أثراً سلبياً في نظر الناس، عدّ الإمام علي(عليه السلام)العالم المتهتك من قواصم الظهر، وقال: «قصم ظهري اثنان: جاهل متنسّك، وعالم مُتهتِّك; فالجاهل يغشّ الناس بتنسّكه، والعالم يغرّهم بتهتّكه».1
وقد نُسب إلى السيد المسيح(عليه السلام) أنّه قال:«أشقى الناس من هو معروف عند الناس بعلمه، مجهول بعمله».2
وبهذا يظهر سرّ قوله سبحانه: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ).
وليست هذه الآية فريدة في موضوعها، بل قد ورد النهي عن القول بلا عمل في آيات عديدة نشير إليها، يقول سبحانه: (أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ).3
وقد ذمّ الله سبحانه الشعراء لأنّ أكثرهم يقولون مالا يفعلون، قال سبحانه: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كُلِّ واد يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ

1 . بحارالأنوار:2/111.
2 . بحارالأنوار:2/278.
3 . البقرة:44.

صفحه 217
يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ).1
فالشعر بما هو شعر موهبة إلهية فلو استخدمها الإنسان في الدعوة إلى المثل والقيم وجهاد الأعداء لكان استخداماً للموهبة (النعمة) في محلّها، وأمّا لو استعملها في المجون والفساد والتشبيب، لكان استخداماً للموهبة في غير محلّها ويعد عمله كفراً بالنعمة. وهذه الآية تذمّ الشعراء من حيث إنّهم يتّبعون الهوى، فيمدحون ويذمّون بالباطل، ومن حيث إنّهم يقولون ويحثّون على أشياء لا يفعلونها هم، وينهون عن أشياء يرتكبونها2، ولذا استثنى سبحانه منهم المؤمنين المجاهدين، وقال: (إلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثيراً وَانْتَصَروا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا...).3
وفي آية ثالثة يخاطب الله سبحانه علماء اليهود بأنّهم لا يرتقون إلى درجة الرَّبّانية إلاّ إذا عملوا بالكتاب وبما يدرسون به الناس، قال سبحانه: (وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ).4
وأخيراً، فإنّ الموصوفين بالهداية وأنّهم أصحاب العقول على الحقيقة، هم الذين يستمعون قول الله تعالى ويستجيبون له بالعمل والاتّباع، قال سبحانه: (فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنه* أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ).5
وأوضح دليل على أنّ القول المجرد عن العمل لا يؤثر في مسير الإنسان

1 . الشعراء:224ـ 226.
2 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:8/70ـ71.
3 . الشعراء:227.
4 . آل عمران:79.
5 . الزمر:17ـ 18.

صفحه 218
أنّه سبحانه قرن الإيمان في كثير من الآيات بالعمل، وقال: (إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ) وقال: (إنّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ)...
إنّ تخلّف المرشد عن العمل يعرب عن عدم اعتقاده الراسخ، كما يقول سبحانه: (إنَّما يَخْشى اللهَ مِنْ عِبادِه العُلَماءُ).1
فكأنّه سبحانه يقول: إنّما يخشى الله من عباده العلماء العاملون بعلمهم; وذلك لأنّ الخشية التي هي خضوع قلبي للمولى سبحانه لا تنفكّ عن العمل، فتكون النتيجة هي أنّ من لم يعمل بعلمه فليس بعالم، وإلى ذلك يشير الإمام الصادق(عليه السلام) بقوله: «العالم من صدّق قوله فعله، ومن لم يُصدِّق قوله فعله فليس بعالم».

الدعوة العملية أكثر تأثيراً

الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال واجتناب الرذائل ومساوئ الأخلاق، تقوم على دعامتين:
1. البيان الواضح والخطاب المفهوم لدى المخاطبين.
2. الالتزام العملي بما يدعو إليه الناس.
فإنّ لكلّ منهما تأثيراً، لكن الثاني أعظم تأثيراً، حيث إنّ العمل يحكي عن الاعتقاد الراسخ والثبات عليه لدى الداعي بما يدعو إليه.
وأفضل وسيلة لنشر الفضائل والقيم والأخلاق الحسنة، هي دعوة الناس بغير اللسان، ولذا ورد عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قوله: «كونوا دعاة للناس

1 . فاطر:28.

صفحه 219
بالخير بغير ألسنتكم ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع».1 فإذا لم يكن الفعل موافقاً للقول، فإنّ أثره في النفوس يضعف، بل تبدّد في الهواء، وإلى هذا يشير الإمام الصادق(عليه السلام) بقوله: «إنّ العالم الذي لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا».2

النبىّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) هو الأُسوة

القرآن الكريم يعدّ نبي الإسلام أُسوة في كافّة المجالات، قال سبحانه: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثيراً).3
فكان(صلى الله عليه وآله) يعمل بما يأمر قبل كلّ مسلم، ويطبّق ما يأمر به بأحسن وجه وأتمّه، فإذا خاطب الناس بقوله: (إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبارَ) كان هو الباسل المقدام في المعارك إلى حدّ وصفه الإمام علي(عليه السلام)بقوله: «كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله، فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدو منه».4
وفي رسالته إلى معاوية قال(عليه السلام): «وكان رسول الله إذا احمرّ البأس وأحجم الناس قدّم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حرّ السيوف والأسنّة، فقُتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وقُتل حمزة يوم أُحد، وقُتل جعفر يوم مؤتة».5

1 . أُصول الكافي:2/105، الحديث11.
2 . أُصول الكافي:1/44، الحديث3.
3 . الأحزاب:21.
4 . نهج البلاغة، الكلمات القصار، برقم 9.
5 . نهج البلاغة، الرسالة رقم 9.

صفحه 220
وبما أنّ للعمل تأثيراً بالغاً في نفوس الناس يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه».1
قلنا: بأنّ التبليغ عملاً آكد من التبليغ لفظاً،وهذا ما نراه في كيفية تعامل الإمام(عليه السلام) مع الذميّ الذي أدّى بالأخير إلى اعتناقه الإسلام.
روى مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام): «أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)صاحب رجلاً ذمّياً، فقال له الذمّىُّ: أين تريد يا عبد الله؟ فقال: أُريد الكوفة، فلمّا عدل الطريق بالذميّ عدل معه أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال له الذمّي: ألست زعمت أنّك تريد الكوفة؟ فقال له: بلى، فقال له الذمّيّ: فقد تركت الطريق؟ فقال له: قد علمتُ، قال: فلم عدلتَ معي وقد علمت ذلك؟ فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام): «هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيّع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبينا (صلى الله عليه وآله)» فقال له الذمّي: هكذا قال؟ قال: نعم، قال الذميّ: لا جرم إنّما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة، فأنا أُشهدك أنّي على دينك. ورجع الذمّىّ مع أمير المؤمنين(عليه السلام)فلمّا عرفه أسلم».2
سورة الصفّ.. الآية الرابعة   
***

1 . نهج البلاغة، قسم الحكم، برقم 73.
2 . أُصول الكافي:2/670، كتاب العشرة.

صفحه 221

الآية الرابعة:

(إنّ اللهَ يُحِبُّ الّذينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبيلِهِ صَفّاً كأنّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ).

مفردات الآية:

الصفّ: عدد من أشياء متجانسة منتظمة الأماكن، كصف المصلّين، وصفّ الجيش في ميدان القتال، وهو هنا كناية عن الانتظام وكونهم كيد واحدة.
المرصوص: من رصّ يرصُّ رصّاً، الشيء: ألصق بعضه ببعض وضمّه فهو مرصوص، يقال: تراصّ القوم: تضامّوا وتلاصقوا.

تفسير الآية

إنّ جهاد العدو ـ المانع من نشر الإسلام ـ يُعدّ من التكاليف الإلهية التي حثّت عليها الشريعة الإسلامية، وتسأل: ما هي فلسفة الجهاد؟ وهل النبي(صلى الله عليه وآله)إلاّ مصلح كسائر المصلحين وفلاسفة العالم، ما عليه إلاّ أن يطرح فكرته وتعاليمه على الناس، والناس مختارون في قبولها أو رفضها؟ ولذلك نرى أنّ المصلحين في مشارق الأرض ومغاربها طرحوا مبادئ الصلح والصفاء والتعايش والسلام ولم يتوسّلوا لأجل تطبيق فكرتهم بالقوة وقد تركوا الناس أحراراً في الأخذ بها أو الرفض.
هـذا السـؤال هـو الـذي يكـرره كثيـر من شبـاب أُمّتنـا ملتقطيـن تلك الشبهة من المستشرقين ومقلّديهم، من الذين قالوا بأنّ الإسلام انتشـر بالسيف.

صفحه 222
ولكن الحق هو وجود الفرق بين المصلح (الأرضي) والمصلح(السماوي)، فالأوّل تنبع فكرة الإصلاح من ذهنه دون أن يكون مأموراً من الله سبحانه بتطبيق فكرته على صعيد الحياة.
وأمّـا النبـي فهـو ملهـم مـن الله سبحـانه ومـأمور مـن قبلـه بدعـوة النـاس إلى العمـل بمـا بُعث به من التشريعات السماوية، فليس له أن يقتصر على نشر الفكرة دون أن يعمـل على إيصالها إلى البشر ونشرها بينهم جميعاً، وأن يستخدم القوة ـ إذا اقتضى الأمر ـ لرفع الموانع والحواجز التي تحول دون نشر رسالته ودعوتـه، ودون تمكينها من بسط العدل، ونشر الخير والصلاح.
إذ لا شك في أنّ دعوة الأنبياء تتعارض مع مصالح الجبابرة والطواغيت الذين أخذوا برقاب الناس واستعبدوهم، فيغلقون الأبواب أمام إشاعة الدعوة ويمنعون من وصولها إلى الناس في البلاد التي يحكمونها ويستبدّون بمقدّراتها. ولذلك كانت حياة الأنبياء مقرونة دائماً بمعارضة المستكبرين لهم، إلى حدّ ترى أنّ قتل الأنبياء هو من صفات بعض الأقوام، قال سبحانه واصفاً بني إسرائيل بقتلهم الأنبياء: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الأنْبياءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَريقِ).1
وفي آية أُخرى قال سبحانه: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبياءَ بِغَيْرِ حَقِّ).2

1 . آل عمران:181.
2 . النساء:155.

صفحه 223
حتى أنّ الكتاب المقدّس عندهم ينصّ على قتل الأنبياء، فقد جاء في سفر نحميا، الإصحاح 9 الآية 26 ما نصّه: وعصوا وتمردوا عليك ـ أي على الله ـ وطرحوا شريعتك وراء ظهورهم وقتلوا أنبياءك الذين أشهدوا عليهم ليردوهم إليك، وعملوا إهانة عظيمة».1
وعلى ضوء هذا، فهل يجوز لنبي مبعوث من الله سبحانه لأجل تطبيق رسالته بين الناس أن ينعزل جانباً ويجلس في بيته ويترك العدو على حاله ولا يؤسّس قوة تحميه من أذى الأعداء وتساعده على إزاحة الموانع عن طريق تبليغ الرسالة؟!

العقيدة القلبية لا تخضع للإكراه

ويشهد على ما ذكرنا من أنّ الجهاد لم يُفرض لإكراه الناس على اعتناق دين الإسلام، بل لرفع الحواجز عن نشر الدعوة وتوفير الأمن للمؤمنين وحمايتهم من العدوان، أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) وبأمر من الله سبحانه ترك أتباع الديانات السماوية على دينهم فمن شاء يبقى على دينه ومن شاء يدخل في الإسلام، قال سبحانه: (لا إكراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها).2 وما هذا إلاّ لأنّ الدين عبارة عن الالتزام القلبي وهذا غير خاضع للإكراه، وما هو خاضع للإكراه، هو تطبيق الجوارح على وفق الشريعة وهو لا ينفع دون أن يكون هناك التزام قلبي.

1 . الكتاب المقدّس: العهد القديم:769.
2 . البقرة:256.

صفحه 224
وحصيلة الكلام: إنّ لدعوة الأنبياء حساباً آخر يفارق دعوة المصلحين من الفلاسفة وغيرهم، فالطبقة الثانية غير ملزمين بالنشر والدعوة بخلاف الأنبياء فهم مكلّفون بذلك، فلمّا قاموا بتبليغ الشريعة ودعوة الناس إلى دين الله حالت بينهم وبين الناس قوى الكفر والطغيان فصاروا يصدّون الناس عن سبيل الله ويقتلون المؤمنين ودعاة الإصلاح، فلا محيص في تلك الحالة من مواجهة الأعداء بقوّة قادرة على إزالة ما يضعونه من حواجز وموانع، لكي تمهّد الأرض أمام مسيرة التبليغ، وعندئذ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

فلسفة الجهاد الابتدائي

وهنا سؤال آخر وهو أنّ ما ذُكر من البيان إنّما يكفي لتصحيح الجهاد الدفاعي، وأمّا الجهاد الابتدائي الذي أقرّه الإسلام فلا يمكن تبريره بذلك البيان، فإنّ المسلمين في حياة النبي(صلى الله عليه وآله) وبعدها قد قاموا بالجهاد الابتدائي وفتحوا البلدان، من دون أن تكون هناك معارضة من قبل قوى الشر والكفر، فما هو المبرر لذلك؟
والجواب: إنّ الأصل الأساسي في الشريعة الإسلامية هو دعوة الناس إلى عبادة الله سبحانه ومنعهم من عبادة المخلوق، وكان شعار المجاهدين (ما لَكُمْ مِنْ إله غَيْرُهُ)1، أو قوله سبحانه: (وَهُوَ الّذِي فِي السَّماءِ إلهٌ وَفي الأَرْضِ إلهٌ).2

1 . الأعراف:59.
2 . الزخرف:84.

صفحه 225
وعلى ضوء ذلك فلم يكن بدّ من مواجهة الوثنية والوثنيين، فإنّ الشريعة السماوية لم تعترف بهذا النوع من التفكير. أضف إلى ذلك: أنّ الوثنيين بعبادتهم الأوثان قد خسروا أنفسهم وضلّوا حتى خضعوا للجماد والحيوان، فدفْعُهم عن عبادة الأوثان دفاع عن حقوق الله سبحانه أوّلاً، وإخراج لهم من حياة ذميمة إلى حياة عزيزة، فلا يُعدّ مثل هذا النوع من الجهاد ـ وإن كان على خلاف ذوق الكافرين ومصالحهم ـ إضراراً بهم بل هو تكريم وإعزاز لهم، وها نحن نوضح ذلك بمثال:
لو انتشر مرض الطاعون في أحد البلدان بحيث أصبح يهدّد الصحة العامة، ففي تلك الحال تقوم الحكومة بإجبار المواطنين على أخذ اللقاح المضادّ لهذا المرض، فلو امتنع شخص عن ذلك لأُجبر عليه، لكي لا يصبح مصدراً لنشر العدوى، وهذا النوع من العمل من قبل الحكومة يُعتبر خدمة لحياة المجتمع وبالتالي لحياة الفرد، وإن كان مرّاً أو مؤذياً للأفراد.
ويشير إلى ما ذكرنا ـ من أنّ نشر التوحيد والمنع من عبادة غيرالله هو الأصل الأساسي بين الشرائع السماوية ـ أنّ الله تعالى أمر نبيّه (صلى الله عليه وآله) أن يخاطب قساوسة النصارى الذين وفدوا على المدينة للاحتجاج والمناظرة، أمره أن يخـاطبهـم بأصل متفق عليه بين أصحاب الشرائع السماوية وقال: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتـابِ تَعـالَوا إلى كَلِمَـة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ).1

1 . آل عمران:64.

صفحه 226
وبما ذكرنا ظهر سرّ كلا النوعين من الجهاد، الدفاعي والابتدائي، أمّا الأوّل فلإزالة العقبات التي تحول دون تبليغ المبلغين ونشر الدعوة السماوية، وأمّا الثاني فإنّما هو لأجل إنقاذ الناس من الوثنية وعبادة غير الله وهذا هو الركن الأساسي في كافّة الشرائع السماوية. ولذلك نرى أنّ رستم قائد جيش الدولة الفارسية، حينما سأل رسول قائد الجيش الإسلامي عن السبب الذي جاء بهم إلى هنا قد أُجيب بقوله: لإخراج عباد الله من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.1
مضافاً إلى ما عرفت من أنّ في هذا النوع من الجهاد إخراجاً لهم من حياة ذميمة إلى حياة عزيزة.
إنّ من يعتقد بأنّ مجرد البيان والخطابة كاف لنشر الدعوة الإلهية وأنّ من سلمت فطرته يستقبل الدعوة ولا يواجه الداعي في مسير دعوته أي نزاع وعراك، فمن زعم ذلك لم يقرأ تاريخ الأُمم ولا تاريخ الدعوة الإسلامية، وها نحن نذكر هنا بعض ما قام به المشركون من أعمال عدائية ضدّ الدعاة الذين أرسلهم رسول الله لتبيلغ رسالته:
قال ابن هشام: قدم على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد أُحد رهط من عَضَل و القارة فقالوا: يا رسول الله إنّ فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقّهوننا في الدين، ويُقرئوننا القرآن، ويعلِّموننا شرائع الإسلام. فبعث رسول الله نفراً ستة من أصحابه وأمّر على القوم مرثد الغنوي. فخرج مع القوم حتى إذا كانوا

1 . الكامل في التاريخ:2/341.

صفحه 227
على الرجيع، تبيّن أنّ هناك مؤامرة فأحاط المشركون بالدعاة يريدون أسرهم فقام المبلغون بالدفاع عن أنفسهم، وانتهى الأمر بقتل أربعة منهم وأسر اثنين.1
ولم تقف خدع المشركين عند هذا الحدّ فقد كانت لهم خدعةٌ أُخرى هي أمرّ وأقسى من الأُولى، وهي حادثة بئر معونة حيث إنّه في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة قدم أبو براء العامري المدينة فدعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله)إلى الإسلام فلم يسلم، ولكنّه قال للنبىّ: يا محمّد إنّي أرى أمرك حسناً، فلو بعثتَ رجالاً من أصحابك إلى أهل «نجد» فدعوهم إلى أمرك رجوتُ أن يستجيبوا لك، فإن هم اتّبعوك فما أعزّ أمرك.
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إنّي أخشى عليهم أهل نجد.
قال أبو براء: لا تخف، أنا لهم جارٌ، فابْعَثْهُمْ فليَدعو الناس إلى أمرك.
فبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) أربعين رجلاً من خيار المسلمين من أصحابه ممّن حفظوا القرآن وعرفوا أحكام الإسلام، وأمّر عليهم «المنذر بن عمرو»، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم، وهم يحملون من رسول الله(صلى الله عليه وآله) كتاباً إلى عامر بن الطفيل أحد زعماء«نجد»، وكلّف أحد المسلمين بإيصال ذلك الكتاب إلى عامر، فلمّا أتاه الكتاب لم ينظر فيه حتى عدا على الرجل(حامل الكتاب) فقتله، ثم استصرخ بني عامر على المبلّغين، فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن ننقض عهد أبي براء، وقد عقد لهم عقداً وجواراً.

1 .انظر، السيرة النبوية لابن هشام:2/168ـ 171.

صفحه 228
فاستصرخ عليهم قبائل بني سُليم، فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى نزلوا حيث نزل جماعة الدعاة، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم بعد أن أبدوا مقاومة كبرى، وبسالة عظيمة، ولم يكن يتوقّع منهم غير ذلك.
فإنّ مبعوثي النبىّ(صلى الله عليه وآله) لم يكونوا مجرد رجال فكر وعلم فقط، بل كانوا رجال حروب، وأبطال معارك، ولذا رفضوا الاستسلام للمعتدين، واعتبروا ذلك عاراً لا يليق بالمسلم الحرّ الأبىّ، فقاتلوهم حتى استشهدوا جميعاً إلاّ كعب بن زيد، فإنّه جرح فعاد بجراحه إلى المدينة، وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)بما جرى لأصحابه على أيدي قبائل بني سليم المشركة الغَدَرة.
فحزن رسول الله والمسلمون جميعاً لهاتين الحادثتين، المفجعتين أشد الحزن، بل ولم يجد على قتلى مثل ما وجد عليهم، وبقي رسول الله يذكر شهداء بئر معونة ردحاً من الزمان.1

ما هو قضاء القرآن في جهاد الكفار؟

ما ذكرناه من التحليل ليس أمراً بدعيّاً، بل له جذور في القرآن الكريم، فإذا أمعنا النظر في آيات الجهاد وما فيها من العلل للأمر بالقتال، يظهر أنّ ما ذكرناه من التحليل مطابق للذكر الحكيم.
إنّ الآيات الآمرة بالجهاد على أصناف:

1 . انظر: السيرة النبوية:2/183ـ187; إمتاع الأسماع: 1/170ـ173.

صفحه 229

الأوّل: قتال الكفّار والمشركين بلا قيد ولا شرط

إنّ قسماً من الآيات يأمر بقتال هذين الصنفين اللّذين لا يعترف بهما الذكر الحكيم ماداما في شرك ونفاق، ولا يتحمّلهما المجتمع الإسلامي، يقول سبحانه: (يا أَيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأواهُم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصيرُ).1
والمراد من الكفار هم المشركون الثنويون اللذين لا تعترف بهم الشرائع السماوية.
والمنافون هم المشركون واقعاً المتظاهرون بالإسلام، وقد سبق أنّ الأصل الأساسي للشرائع السماوية هو رفض الثنوية بلا هوادة.

الثاني: قتال أهل الكتاب إلى حدّ خاص

هناك آيات تضع حدّاً لقتال أهل الكتاب ألا وهو دفع الجزية والعمل بشرائطها والخضوع للحكومة الإسلامية، يقول سبحانه: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صاغِرُونَ).2
وهذه الآية تتضمّن بيان سبب قتالهم وهو:
1. أنّهم (لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ) مع أنّهم يدّعون أنّهم من أتباع الشرائع السماوية، ولكن إيمانهم ليس إيماناً خالصاً.

1 . التوبة:73.
2 . التوبة:29.

صفحه 230
ففي مجال التوحيد، يعتقدون بوجود الابن لله سبحانه كعُزير عند اليهود، والمسيح عند النصارى.
كما أنّ اعتقادهم بالمعاد مشوب بالخرافات كقولهم: (لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إلاّ أيّاماً مَعْدُودَةً)، أو كون المعاد غير جسماني، كلّ ذلك على خلاف ما نزلت عليه الشرائع السماوية.
2. (وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ)، فقد حلّلوا الخمر والربا إلى غير ذلك من المحرّمات.
3. (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) الذي هو الإسلام.
فلأجل هذه الأُمور حدّد الإسلام جهادهم إلى أن يخضعوا لأحكام الذمّة حيث قال: (حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صاغِرُونَ) بشرط عدم التظاهر بالمحرّمات.

الثالث: قتال مَن يقاتل المسلمين

يدلّ قسم من آيات الذكر الحكيم على وجوب قتال من يقاتل المسلمين، ومن المعلوم أنّ قتال هؤلاء دفاع عن النفس والنفيس وهو ممّا يستحسنه العقل، قال سبحانه:(وَقاتِلُوا في سَبيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).1
فقوله في ذيل الآية: (ولا تعتدوا) أوضح دليل على أنّ الجهاد في الإسلام مبني على رعاية العدل وعدم تجاوزه بالإسراف في القتل، قال

1 . البقرة:190.

صفحه 231
سبحانه: (فَلا يُسْرِفْ في الْقَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنْصُوراً).1

الرابع: قتال الناكثين

أمر قسم من الآيات بقتال قوم أعطوا النبي(صلى الله عليه وآله) العهد على السلم والسلام وعدم التعرّض للمسلمين ولمن له ميثاق معهم، ومع ذلك نكثوا أيمانهم في مواضع خاصة، قال سبحانه: (فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فاقْتُلُوا الْمُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد ...) إلى أن قال:(كَيْفَ وَإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأفْواهِهِمْ وَتأبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ...)إلى أن قال: (لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِن إلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ).2
والذي يشهد على احترام الإسلام للعهود والمواثيق، قوله سبحانه: (إلاّ الَّذين عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللهَ يُحبُّ الْمُتَّقينَ) 3، وقوله سبحانه: (إلاّ الَّذينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقيمُوا لَهُمْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقينَ).4

1 . الإسراء:33.
2 . التوبة:5، 8 و10.
3 . التوبة:4.
4 . التوبة:7.

صفحه 232

الخامس: القتال لتحرير المستضعفين

وهناك قسم من الآيات يأمر بقتال المستكبرين لتحرير المضطهدين وإنقاذهم من سطوتهم، وهذا هو بيت القصيد في الجهاد الإسلامي، فالإسلام ربما يقاتل قوماً لم يتعرّضوا له بالسوء، ولكنّهم يضطهدون أُمة ضعيفة أو مستضعفة ويصادرون حرّية أبنائها وينتهكون حقوقهم، فالقتال مع هؤلاء ليس إلاّ لأجل الدفاع عن حقوق الإنسان، ورفع الظلم عنه، فلو كان هناك مصداق واضح لصيانة حقوقه، فهذا هو المصداق الواضح طوال تاريخ الإنسان، قال سبحانه: (وَمَا لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالوِلْدانِ الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً).1ترى أنّه سبحانه يحثُّ على القتال في سبيل الله وفي سبيل تحرير المستضعفين من الرجال والنساء الذين اضطهدوا وعذِّبوا على أيدي المستكبرين، فلم يكن لهؤلاء من مخلّص إلاّ دعاء الله سبحانه حتى يخرجهم سبحانه من ظلم أهل ذلك البلد الذي يعيشون فيه (الظالم أهلها)، ويدعونه سبحانه أن يجعل لهم من لدنه ولياً ونصيراً.
فالجهاد الابتدائي ـ الذي اتّخذه المستشرقون ذريعة لنقد الإسلام وأنّه استولى على البلاد بقوة السيف ـ لم يكن إلاّ دفاعاً عن حقوق الإنسان غير القادر على مواجهة الظالمين، فكان الجهاد لغاية تحريرهم من أذى

1 . النساء:75.

صفحه 233
المستكبرين، وما اشتهر بين السياسيين أنّ لكلّ بلد وقوم حدّاً وسياسة لا يجوز لقوم آخرين التدخّل في أُمورهم أشبه بالمهزلة، إذ لم يدلّ دليل مقنع على هذه الضابطة لولا أنّ العقل الحصيف يوجب على الإنسان القوي صب قوّته في تعزيز الإنسان وتكريمه وإخراجه من ذلّ المستكبرين.

صفحة مشرقة من الجهاد العلمي

إذا كان الجهاد من أُصول الإسلام بألوانه المختلفة، إلاّ أنّه ليس أصلاً وحيداً ولا أصلاً يُبدأ به قبل غيره. بل يتقدّم عليه الجهاد العلمي ونشر الدعوة بالدليل والبرهان، قال سبحانه:(اُدْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدينَ).1
فلا يقاتل الإسلام قوماً قبل أن يُتمّ الحجّة ويبيّن معالم دينه، ويتّضح الحق ويتحقّق قوله سبحانه: (وَقُلْ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ)2 على أنّ الإسلام كما دعا إلى الجهاد والقتال دعا إلى الصلح والسلم فقال سبحانه (وإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها)3، وقال أيضاً: (فَإنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبيلاً).4
ما ذكرناه إلمامة عابرة حول الجهاد، ومن المعلوم أنّ ما ذكرناه نزر يسير،

1 . النحل:125.
2 . الكهف:29.
3 . الأنفال:61.
4 . النساء:90.

صفحه 234
ومن أراد التوسّع فعليه دراسة آيات الجهاد في القرآن الكريم بأجمعه، وما ورد حولها من السنن والأحاديث التي تتضمّن حدوده وخصوصياته.
***
سورة الصفّ.. الآية الخامسة   

الآية الخامسة:

(وَإذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ يا قَومِ لِمَ تُؤْذُونَني وقَدْ تَعْلَمُونَ أنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أزاغَ الله قُلُوبَهم وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقينَ).
تركّز الآية على أمرين:
أ. إيذاء بني إسرائيل نبيهم موسى(عليه السلام).
ب. أنّ إضلاله سبحانه رهن وجود أرضية لدى الإنسان.
وإليك شرح الأمرين:
أمّا الأوّل فيقول سبحانه: (وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَني وَقَدْ تَعْلَمُونَ أنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ).
ولعلّ وجه المناسبة بين هذه الآية وما تقدّمها من الآيات أنّه سبحانه أنكر على من فارق قوله عمله، ولم يعمل بعلمه، فناسب الحال أن يأتي بمثال له، وهذا المثال هم بنو إسرائيل الذين كانوا على علم بأنّ موسى(عليه السلام) هو نبي الله ورسوله إليهم، وقد رأوا معاجز الله وآياته بأُمّ أعينهم تجري على يده، ومع هذه الدلائل والبيّنات كانوا يُعرضون عن الحقّ ويخالفون عن أمره(عليه السلام)منذ أن جاوزوا البحر، وقد كان لإيذائهم موسى صور كثيرة نذكر منها ما يلي:
1. أنّ الفطرة الإنسانية تقتضي، وقد عبر بهم البحر، تكريمَ موسى واتّباعَ

صفحه 235
شريعته المبنيّة على توحيد العبادة لله سبحانه، ولكنّهم خالفوا وقالوا: (اجْعَلْ لَنا إلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ).1
2. لمّا أمرهم الكليم بقتال المستكبرين في الأراضي المقدّسة، وقال: (يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرينَ).2 فكان اللازم قتال المستكبرين وإخراجهم عن أراضيهم، ولكن كان جوابهم هو قولهم: (قالُوا يا مُوسَى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبداً مادامُوا فِيها فاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهنا قاعِدُونَ).3
3. أنّ الله سبحانه قد أطعم بني إسرائيل المنّ والسلوى، ولكنّهم اعترضوا على موسى(وَقالُوا لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعام واحد فَادْعُوا لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأَرْض مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها) فأجابهم موسى بقوله: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ).4
4. وأخيراً اتّهموه بعلاقة له مع امرأة فاسقة، وما ذلك إلاّ لمخطط وضعه قارون للتهرّب من إعطاء الزكاة، ولكن الله سبحانه برّأه ممّا اتّهموه به، قال تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا لا تَكُونُوا كالَّذينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً)،5 إلى غير ذلك من المحن والكوارث التي واجهها موسى في رسالته، من عبادة العجل وغير ذلك.
ويظهر من بعض الآيات أنّ كثيراً من الأنبياء قد تعرّضوا لمحن

1 . الأعراف:138.
2 . المائدة:21.
3 . المائدة:24.
4 . البقرة:61.
5 . الأحزاب:69.

صفحه 236
وابتلاءات من قبل أقوامهم قال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذوا حَتى أتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكُمْ مِنْ نَبَأ الْمُرْسَلينَ).1
والتاريخ الصحيح يشهد على أنّ المصلحين ـ من غير الأنبياء ـ قد مشوا على هذا الخط، غير أنّهم كانوا يقابلون المؤذين لهم بالصفح عنهم أو بذل النصيحة لهم ومن أعظم الشواهد على أنّ المصلحين ـ غير الأنبياء ـ من الأوصياء والعلماء الواعين كانوا مبتلين بالجماعات المؤذية، كلمة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ألقاها عند ما وصل إليه الخبر بأنّ جيش معاوية قد أغار على حدود العراق، فخطب في أهل الكوفة وقال: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهي الصمّ الصّلاب، وفعلكم يُطمع فيكم الأعداء، تقولون في المجالس كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم: حيدي حياد».2
ثم إنّ في قوله تعالى:(وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم)، أي أنّ العلم يدعو إلى العمل وأنّ طبيعته هو الجرّ إليه إلاّ أنّه قد تكون الدواعي الصارفة أقوى من الدواعي إلى العمل، قال الإمام الصادق(عليه السلام):«العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل عنه».3
تمّ الكلام حول الأمر الأوّل.

1 . الأنعام:34.
2 . نهج البلاغة:1/73، الخطبة 29.
3 . الكافي:1/44، كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، الحديث2.

صفحه 237
الأمر الثاني: إضلال الله سبحانه للمكلّف رهن وجود أرضية للضلال لديه، قال سبحانه: (فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).
الزَّيغ: هو الميل عن الحق إلى الباطل، والآية صريحة في أنّه سبحانه لا يزيغ (لا يُضلّ) أحداً إلاّ إذا زاغ هو بسوء اختياره، فما لم يكن في نفس العبد ميل إلى الباطل، فلا يصدر منه سبحانه أي عمل سلبي بالنسبة إلى العبد، وبذلك تقيّد الآية الدالة على نسبة الإضلال إلى الله بمشيئته الله. قال تعالى:(كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ)1، والآية وإن كانت مطلقة ولكن الآيات الأُخرى تفسّرها بأنّ مشيئته إنّما تتعلّق بهداية من أناب، قال سبحانه:(إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاء وَيَهْدِي إليهِ مَنْ أنابَ)2، وبإضلال من أسرف وارتاب قال سبحانه: (وَكَذلِكَ يُضِلُ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ).3
ونظير الآية الواردة في سورة الصف قوله سبحانه:(ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم).4
هذا وفي الآيات الأُخرى دلالة واضحة على أنّ هداية الله وإضلاله لا يأتيان بلا سبب، وإنّما يوجدان بمن أحدث سبباً لأحد الأمرين، وإليك قسماً من الآيات التي تركّز على ذلك:
قال سبحانه: (إنّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ).5 فالآية ضابطة كلّية في مجالي الضلالة والهداية، أمّا في مجال الضلالة فمن اقترف

1 . المدثر:31.
2 . الرعد:27.
3 . غافر:34.
4 . التوبة:127.
5 . غافر:35.

صفحه 238
المعاصي وتوغّل في الذنوب، فقد أوجد أرضية مناسبة لإضلال الله سبحانه.
كما أنّ من تاب من المعاصي وأناب إلى الله سبحانه تصل إليه أنوار الهداية، ولذلك يقول سبحانه: (في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً)،1ويقول أيضاً: (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبّار)2.
وأمّا في مجال الهداية فالله سبحانه يهدي إليه من أراد الهداية وسعى لها، قال سبحانه عن أصحاب الكهف:(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهُمْ بِالْحَقِّ إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً)3، فكأنّ إيمانهم بربّهم أوجد أرضية صالحة في نفوسهم لزيادة الهدى من الله سبحانه إضافة إلى الهداية الأُولى التي يدلّ عليها الإيمان. ويقول سبحانه: (وَالَّذِينَ اهْتَدُوا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ)،4 فصارت الهداية الأُولى نواة لهداية أُخرى، يصل بها الإنسان إلى الكمال المطلوب.
ثمّ إنّه سبحانه جعل مركز الزيغ هو القلب، فقال: (فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُم)والمراد منه هو النفس والروح الإنسانية، وبعبارة أُخرى العقل والفكر، وذلك لوجهين:
سورة الصفّ.. الآية السادسة   
1. قال سبحانه: (إنَّ في ذلكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وَهُوَ شَهيدٌ)5، فإنّ تقييد القلب بقوله: (لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) لا ينطبق على القلب المادي إذ كل إنسان له ذلك العضو، والآية تصنّف الإنسان إلى مَن لهم قلب

1 . البقرة:10.
2 . غافر:35.
3 . الكهف:13.
4 . محمد:17.
5 . سورة ق:37.

صفحه 239
ومَن ليس لهم قلب، فلا محيص من أنّ المراد به العقل والوعي.
2. أنّ القلب ربّما يستعمل في معنى العقل.1
3. وهنا وجه ثالث لنسبة الأُمور الروحية إلى القلب الصنوبري في كثير من الآيات، وهو أنّ القلب مركز علامات الحياة والموت، فإذا كان خفاقاً فهو حىّ ولولا ذلك لحكم عليه بالموت، حتى أنّ أثر السرور والحزن والخوف يظهر في القلب الصنوبري قبل سائر الأعضاء فيجد في نفسه انبساطاً عند السرور وانقباضاً عند الحزن، حتى شاع بين الناس نسبة الآثار النفسانية للقلب، فيقول الإنسان ضاق قلبي حين يحزن.
***

الآية السادسة:

(وَإذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَني إسْرائيلَ إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ مُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمُ بالبَيِّنات قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ).
هذه الآية عطف على الآية المتقدّمة يجمعهما أن المرسل إليهم قد آذوا رسولهم، أمّا في مورد الكليم(عليه السلام) فقد علمتَه، وأمّا في مورد المسيح(عليه السلام)فيكفي أنّهم قد وصفوا كتابه بأنّه سحر مبين.
والآيتان كلاهما أوضح شيء لمن يعلم ولا يعمل، والذي ورد في قوله سبحانه: (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ).

1 . المنجد:648، مادة «قلب».

صفحه 240
وأمّا المحتوى، فالآية تهدف أوّلاً إلى أنّ عيسى بن مريم من رسل الله سبحانه إلى بني إسرائيل.
وثانياً: أنّه كان مصدّقاً لما نزل قبله من التوراة وقد قال ذلك في بدء دعوته.
وثالثاً: إنّه المبشِّر برسول يأتي من بعده، وإليك دراسة الجميع.
أمّا الأوّل، فقال سبحانه: (وَإذْ قالَ عيسى ابنُ مَرْيَمَ يا بَني إسْرائيلَ إنّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ). فالآية ظاهرة في اختصاص نبوته ببني إسرائيل، كما أنّ الآية المتقدّمة ظاهرة في أنّ الكليم قد أُرسل إلى بني إسرائيل وأنّ مناظرته مع الفراعنة لتحرير بني إسرائيل ولم يكن نبيّاً مرسلاً لهدايتهم، وهذا هو أحد القولين في ثبوتهما.
نعم هناك قول آخر بعموم ثبوتهما، وأنّهما بُعثا لتحرير بني إسرائيل وهدايتهم إلى التوحيد والعمل بالشريعة التي بعثا بها، كما أنّ المسيح بعث كذلك غير أنّه أُمر بتحليل بعض المحرمات، كما يقول سبحانه: (وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآية مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ).1
وهناك قول آخر بأنّ الكليم والمسيح هما من أُولي العزم من الأنبياء، وفُسّر أُولو العزم بأنّهم من كانت شريعتهم عالمية، وهذا القول هو المشهور بين العلماء، وقد أوضحنا الحال في كتابنا «مفاهيم القرآن»2 عند البحث عن

1 . آل عمران:50.
2 . مفاهيم القرآن:3/78ـ101.

صفحه 241
أُولي العزم من الرسل.
وأمّا الثاني ـ أي كونه مصدِّقاً لما بين يديه من التوراة ـ: فيذكره بقوله: (مُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ)، وكلامه هذا لا ينافي ما سبق من قوله:(وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ); لأنّ التصديق تصديق جملي أي لا أُغيّر أركان العقيدة والشريعة، فأنتم باقون على ما كنتم عليه، ولكن تختلفون مع السابقين في بعض الفروق، وهذا دليل على جواز النسخ الذي تأباه اليهود، حيث إنّهم يتمسّكون بشريعتهم بحجة بطلان النسخ عقلاً وشرعاً، والتحقيق في محلّه.
وبذلك يُعلم جواب السؤال الذي ربّما تواجهه الآية ونظائرها وهو: كيف أنّ المسيح يقول: (وَمُصدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ )، مع أنّ الموجود بين يديه منها كان محرّفاً غير مقبول؟
وقد أُجيب بوجهين:
1. أنّ المراد من قوله: (بَيْنَ يَدَيَّ)أي ما تقدّم من كتاب، فلا يشمل إلاّ التوراة الصحيحة التي نزلت على الكليم بلا تحريف.1
2. أنّ المراد هو تصديق التوراة تصديقاً إجمالياً ـ أعني: الأُصول والكلّيات الواردة فيه غير المحرَّفة ـ وتصديق الكتاب بإجماله لا ينافي تطرق التحريف إلى بعض موارده.
وبذلك يُعلم الجواب عن تصديق النبي(صلى الله عليه وآله) لما بين يديه من التوراة والإنجيل، قال سبحانه: (وَالّذي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما

1 . الرحلة المدرسية للبلاغي:239.

صفحه 242
بَيْنَ يَدَيْهِ...).1
فإنّ المراد هو تصديق الكتب بإجمالها وأنّ كل نبي لم يُبعث لتبديل ما أُوحي إلى النبي السابق من جذوره.
وأمّا الثالث ـ أي التبشير بالرسول الموعودـ: فقد جاء في كلامه: (وَمُبَشِّراً بِرَسُول يأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد).
وحاصله أنّ الرسول المنتظر(صلى الله عليه وآله) يأتي من بعدي ولست هو أنا، ولعظمة هذا الرسول(صلى الله عليه وآله) ذكر سبحانه علائمه ودلائله في الكتب السماوية على نحو يعرفون هذا النبي كما يعرفون أبناءهم، قال سبحانه: (اَلَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإنَّ فَريقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).2
وقد صارت دلائل وجوده وشريعته وصلته بالله واضحة لا يشك فيها هؤلاء كما لا يشكّون في معرفة أولادهم، ومع ذلك كلّه فقد عرفوه وأنكروه.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ)، الظاهر أنّ الضمير في قوله:(جاءَهُمْ) يرجع إلى «عيسى»، لقوله سبحانه: (وإذْ كَفَفْتُ بَني إسرائيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهُمْ بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إنْ هذا إلاّ سِحْرٌ مُبينٌ).3
بقي هنا أمران:
1. أنّ المعروف أنّ اسم النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) هو محمد، فهل كان له اسمان، محمد وأحمد؟

1 . فاطر:31.
2 . البقرة:146.
3 . المائدة:110.

صفحه 243
2. التبشير برسول اسمه أحمد ووجود اسمه في الأناجيل.
وإليك دراسة الأمرين:

الأمر الأوّل: التبشير بأحمد لا بمحمد

ربّما يطرح في بعض الأندية السؤال التالي: إنّ المسيح بشّر بمجيء رسول اسمه أحمد، مع أنّ اسم نبينا محمد، فكيف تنطبق هذه البشارة على نبينا(صلى الله عليه وآله)؟
والجواب من جهات: الأُولى:روى الحلبي في سيرته أنّ عبد المطلب أسمى نبينا بـ«محمد» ولكن أُمّه سمّته «أحمد».1 كما أنّ عمّه أبا طالب الذي تكفّل برعايته بعد وفاة جدّه وهو في عمر ثمان سنين، أسماه في بعض قصائده(أحمد)، وإليك ما قاله في هذا المجال:
إن يكن ما أتى أحمد اليوم *** سناء وفي الحشر دينا
وقال:
وقوله لأحمد أنت امرؤ *** خلوف الحديث ضعيف النسب2
وقال:
وإن كان أحمد قد جاءهم به *** حقّ ولم يأتهم بالكذب3
وروى الآخرون عنه الأبيات التالية:
أرادوا قتل أحمد ظالموه *** وليس بقتلهم فيهم زعيم4

1 . السيرة الحلبية:1/93ـ 100.
2 . ديوان أبي طالب:19، 25.
3 . نفس المصدر:29.
4 . نفس المصدر.

صفحه 244
وقال:
لقد أكرم الله النبي محمداً *** فأكرم خلق الله في الناس أحمدُ1
وقال:
لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد *** وأحببته حبّ الحبيب المواصلِ2
وقال:
فأصبح فينا أحمد في أرومة *** تقصّر عنه سورة المتطاولِ3
وأمّا شاعر صدر الإسلام حسّان بن ثابت، فقد أنشد قائلاً:
مفجّعة قد شقّها فقدُ أحمد *** فظلّت لآلاء الرسول تعدِّدُ
أطالت وقوفاً تذرف الدمع جهدَها *** على طلل القبر الذي فيه أحمدُ4
وقال أيضاً:
فمن كان أو من يكون كأحمد *** نظام لحق أو نكال لملحد5
هذه نماذج من الأشعار التي ذكر فيها اسم النبي(صلى الله عليه وآله) بـ«أحمد»، والمتتبع يجد أكثر ممّا ذكرناه.6

1 . تاريخ ابن عساكر:1/275; تاريخ الخميس:1/254.
2 . سيرة ابن هشام:1/279.
3 . سيرة ابن هشام:1/280.
4 . ديوان حسان بن ثابت:59، طبع بيروت، تحقيق عزت نصرت الله.
5 . ديوان حسان بن ثابت:56.
6 . لاحظ المصادر التالية: مجمع البيان:3/387، بحارالأنوار:2/259; بلوغ الإرب:2/284; مفاهيمالقرآن:3/509ـ516.

صفحه 245
الثانية: أنّ بعض البطارقة أو القساوسة، قد زاروا النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في المدينة المنورة، خصوصاً في أمر المباهلة ولم يعترضوا عليه بأنّ ما بشر به الإنجيل هو أحمد، وهذا يدل على أنّ النبي كان كبعض الأنبياء ذا اسمين، وليس هذا أمراً بديعاً، إذ يوجد من الأنبياء من لهم اسمان، كيعقوب، والمسيح، ويونس، فلكلّ اسم آخر(على الترتيب): إسرائيل، وعيسى، وذو النون.
الثالثة: روى الشيخ الطوسي في التبيان: عن الإمام علي(عليه السلام): سمّى الله تعالى النبي(صلى الله عليه وآله) في القرآن بسبعة أسماء.1
وروى الصدوق في خصاله2 أنّ لرسول الله عشرة أسماء: خمسة منها في القرآن، وخمسة ليست في القرآن. فأمّا التي في القرآن: محمد، أحمد، عبد الله، يس، ن; وأمّا التي ليست في القرآن: فالفاتح، الخاتم، الكاف، المقفّي، الحاشر.
روى الصفّار بسنده عن الكلبيّ3 عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال لي: كم لمحمد اسم في القرآن؟ قال: قلت: اسمان أو ثلاثة، فقال:«يا كلبيّ له عشرة أسماء(وَمَا مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، و(مُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد)، و(لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً)، و(طه* مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرآنَ لِتَشْقى)، و(يس* وَالْقُرآنِ الْحَكيمِ* إنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلينَ* عَلى صِراط مُسْتَقيم)، و(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ* ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ

1 . التبيان:2/475.
2 . الخصال:2/48.
3 . بصائر الدرجات:2/470، الحديث1828، طبعة دار جواد الأئمة، 1428هـ .

صفحه 246
رَبِّكَ بِمَجْنُون)، و(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل)، و(يَا أَيُّها الُمدَّثِّر)، و(قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إلَيْكُمْ ذِكْراً* رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ الله)، فالذكر اسم من أسماء محمد(صلى الله عليه وآله)، ونحن أهل الذكر، فسل يا كلبيّ عمّا بدا لك».
ومفهوم الحديثين واضح فإنّ المراد من الاسم فيها أعمّ من الصريح والمؤوّل ومن العلَم والوصف، فإنّ بعض ما عدّ اسماً له(صلى الله عليه وآله) لا يعدو عن كونه وصفاً له، كالمدّثّر والمزّمّل، كما أنّ عدّ الحروف المقطّعة علَماً له، إنّما هو بالتأويل المخصوص علمه لهم(عليهم السلام). فلاحظ.
***

الأمر الثاني: وجود البشارة بمجيء أحمد في الإنجيل

الآية الكريمة تدلّ بصراحة على أنّ المسيح بشّر بمجيء نبيٍّ اسمه «أحمد»، وعندئذ يُطرح هذا السؤال: هل هذه البشارة موجودة في الأناجيل الرائجة؟
الجواب: إنّ البشارة موجودة في إنجيل يوحنّا، ونحن ننقل ما جاء في الترجمة العربية:
ففي الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنّا، جاء ما يلي:
15. إن كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي.
16. وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد.
17. روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله، لأنّه ليس يراه ولا يعرفه، وأنتم تعرفونه لأنّه مقيم عندكم وهو ثابت فيكم.

صفحه 247
26. وفارقليط روح القدس الذي يرسله الأب باسمي، هو يعلمكم كل شيء وهو يذكّركم كلّ ما قلته لكم.
29. لقد أنبأتكم قبل الآن بالأمر قبل حدوثه حتّى إذا حدث تؤمنون.
وفي الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنّا، ورد ما يلي:
26. إذا جاء فارقليط الذي أرسله إليكم من لدن أب روح الحق المنبثق من الأب فهو يشهد لي.
27. وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء.
وفي الباب السادس عشر من إنجيل يوحنّا، ورد ما يلي:
7. لكني أقول لكم الحق أنّه خير لكم أن أنطلق، لأنّي إن لم أنطلق لم يأتكم فارقليط، فأمّا إن انطلقت أرسلته إليكم.
8. فإذا جاء ذاك فهو يوبخ العالم على خطيئة والبرّ والدينونة .
9. أمّا على الخطيئة فلأنّهم لم يؤمنوا بي.
10. وأمّا على البرّ فلأني منطلق إلى الأب ولستم ترونني بعد.
11. وأما على الدينونة فإن سيد 1هذا العالم قد دين.
12. وإن لي كلاماً كثيراً أقوله لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن.
13. وإذا جاء روح القدس ذاك فهو يعلمكم جميع الحق، لأنّه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما سيأتي.
14. وهو يمجّدني لأنّه يأخذ ممّا هو لي ويخبركم.

1 . وفي ترجمة أُخرى: اركون هذا العالم.

صفحه 248
15. جميع ما هو للأب فهو لي، فمن أجل هذا قلت: إنّ جميع ما هو للأب فهو لي، ولذلك قلت لكم: إنّه يأخذ مما لي ويخبركم به.1

كيفية الدلالة

قد أثارت هذه الآيات مناظرات بين المسلمين والمسيحيين، وقد قام غير واحد من محقّقي المسلمين بدراسة هذه الجمل وإثبات دلالتها على البشارة بأحمد، وعلى رأسهم المحقق (رحمة الله بن خليل الهندي)مؤلف «إظهار الحق»، وهو من الكتب الممتعة و«فخر الإسلام» في كتابه: «أنيس الأعلام» ونحن نقتبس مما ذكره.
قال: وجه الاستدلال بهذه العبارات ببيان أمرين:

الأوّل: أهل الكتاب وترجمة الأسماء

إنّ أهل الكتاب سلفاً وخلفاً عادتهم أن يترجموا الأسماء غالباً، (مع أنّ حق الترجمة حفظ الأسماء بأُصولها)، ثم إنّ عيسى(عليه السلام) كان يتكلم باللغة العبرية لا باليونانية، فعلى هذا فقد قام المترجمون بترجمة اسم المبشَّر به(أحمد) باليوناني بحسب عادتهم، وسيوافيك ما هو الأصل في اللغة اليونانية. ثم مترجمو العربية عرّبوا اللفظ اليوناني بـ(فارقليط)، وعندئذ يقع الكلام ما هو الأصل للفظ فارقليط في اللغة اليونانية.

1 . هذه الجمل مأخوذة عن الإنجيل المترجم باللغة العربية المطبوع سنة 1821م وسنة 1831م وسنة4184م، ولما كانت بعض المواضع غير واضحة صحّحنا الترجمة بما ورد في الكتابالمقدس المطبوع في دار المشرق ببيروت 1988م.

صفحه 249
إنّ في اللغة اليونانية لفظين متقاربين في الكتابة والقراءة هما:
1. پاراكلتوس.
2. پيركلتوس.
فيطلـق الأول ويـراد بـه الشخـص الممتـدح ويعادل لفظ محمد وأحمد.
ويطلق الثاني ويراد به المسلّي.
فعنـدئـذ يقـع الكـلام فـي أنّ فـارقليـط هـل هـو معـرّب اللفـظ الأوّل أو معـرب اللفـظ الثـانـي؟ والقـرائـن الآتيـة تـدل على أنّه معرَّب اللفظ الأوّل .1
وقبـل بيـان القـرائن المعيّنـة، نـذكـر مـا جـاء فـي دائـرة المعـارف الفـرنسيـة المتـرجمـة: محمـد مؤسس الإسلام ورسـول الله وخـاتم الأنبياء، إنّ معنى كلمـة (محمـد) تعني المحمود كثيراً وهي مشتقة من (الحمد) والتي هي بمعنى التجليل والتمجيد، وتشاء الصدفة العجيبة أن يذكر له اسم آخر من نفس الأصل (الحمد) ترادف لفظ (محمد) يعني(أحمد) ويحتمل احتمالاً قوياً أنّ مسيحيي الحجاز كانوا يطلقون لفظ (أحمد) بدلاً عن (فارقليطا).2
وعلى كلّ تقدير فقد فسّر غير واحد من علماء اللاهوت فارقليط بمعنى الروح النازل على تلاميذ عيسى(عليه السلام) يوم الدار الذي جاء ذكره في الباب الثاني

1 . إظهار الحق:2/287ـ280.
2 . دائرة المعارف الكبيرة الفرنسية:23/4176.

صفحه 250
من كتاب الأعمال.1، وهذا هو المراد من ترجمته بالمسلّي أو المعزّي، ولكن القرائن القاطعة تدل على أنّ المراد النبيّ المبشَّر به، وإليك تلك القرائن.

الثاني: القرائن الدالّة على أنّ المراد به هو الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)

وهذه القرائن، هي:
1. أنّ هذا الروح متّحد بالأب مطلقاً، وبالابن اتّحاداً حقيقياً فلا يصدق في حقّه (فارقليط آخر) الذي ورد ذكره في الباب الرابع عشر.(الآية 16) بخلاف النبي المبشر به فإنّه يصدق في حقّه هذا القول بلا تكلّف.
2. إنّ عيسى(عليه السلام) قال: «هو يذكّركم كل ما قلت لكم »2 ولم يثبت من أنّ الحواريين قد نسوا ما قاله عيسى(عليه السلام) وهذا الروح النازل يوم الدار ذكرهم إيّاه.
3. أنّ عيسى(عليه السلام) قال: هو يشهد لي.3
ومن المعلوم أنّ تلاميذه كانوا مستغنين عن أن يشهد روح القدس لصالح عيسى، إذ لم تكن أي فائدة في شهادته لهم، بخلاف ما إذا أُريد به النبي المبشَّر به، فإنّه يشهد لأجل المسيح وصدقه وبراءته من ادّعاء الألوهية وغير ذلك ممّا يشهد له.

1 . جاء في كتاب أعمال الرسل تحت عنوان نزول روح القدس على الرسل:
   ولما أتى اليوم الخمسون كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحد فانطلق من السماء بغتة دويّ كريح عاصفة فملأ جوانب البيت الذي كانوا فيه وظهرت لهم ألسنة كأنّها من نار قد انقسمت فوقف على كل منهم لساناً فامتلأوا جميعاً من الروح القدس وأخذوا يتكلمون بلغات غيرلغتهم على ما ذهب لهم الروح القدس أن يتكلم. لاحظ الكتاب المقدس، أعمال الرسل،الباب الثاني، ص376.
2 . الباب الرابع عشر، الآية 26.
3 . الباب الخامس عشر، الآية 26.

صفحه 251
4. أنّ عيسى(عليه السلام) قال: إن لم أنطلق لم يأتكم فارقليط، فأمّا إن انطلقت أرسلته إليكم.1
فقد علّق مجيء المبشَّر به بذهابه مع أنّ الروح عندهم نزل على الحواريين قبل صعود المسيح لما أرسلهم إلى البلاد الإسرائيلية، فلم يكن نزوله مشروطاً بذهابه، بخلاف ما إذا أُريد به النبي المبشَّر به، فإنّ مجيئه مشروط بذهاب المسيح لأنّ وجود رسولين ذوي شريعتين مستقلتين في زمان واحد غير جائز.
5. أن عيسى(عليه السلام) قال: يوبخ العالم2 فهذا القول بمنزلة النص الجلي على أنّ المبشر به نبي من الأنبياء وليس إلاّ رسول الإسلام لأنّه وبخ العالم لا سيّما اليهود على عدم إيمانهم بعيسى توبيخاً لا يشك فيه أحد، بخلاف الروح النازل يوم الدار، فإنّه لم يوبخ أحداً لأنّه نزل على الحواريين وهو رسل عيسى إلى الدعوة بلسان الترغيب والوعظ.
6. قال عيسى(عليه السلام): أمّا على الخطيئة فلأنّهم لم يؤمنوا بي.3 وهذا يدلّ على أنّ فارقليط يظهر على منكري عيسى موبّخاً لهم على عدم الإيمان به، والروح النازل يوم الدار لم يظهر على الناس.
7. أنّ عيسى(عليه السلام) قال: ليس ينطق من عنده بل يتكلّم بكلّ ما يسمع.4وهذا يدلّ على أنّ فارقليط يكذبه بنو إسرائيل ولذلك قام المسيح يقرر

1 . الباب السادس عشر: الآية 7.
2 . الباب السادس عشر، الآية 8.
3 . الباب السادس عشر، الآية 9.
4 . الباب السادس عشر، الآية 13.

صفحه 252
صدقه، ولا مجال لمظنة التكذيب في حق الروح النازل يوم الدار، وكأنّ تلك الجملة تشير إلى ما قاله سبحانه في حق النبي(صلى الله عليه وآله):(وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى).1
ونقل مؤلف «إظهار الحق» ما يلي: قال الفاضل حيدر علي القرشي في كتابه المسمّى بـ «خلاصة سيف المسلمين» الذي هو بلسان أردو في الصفحة 63 و 64:(إنّ القسيس أوسكان الأرمني ترجم كتاب أشعيا باللسان الأرمني في سنة ألف وستمائة وست وستين، وطبعت هذه الترجمة في سنة ألف وسبعمائة وثلاث وثلاثين في مطبع انتوني پورتولي ويوجد في هذه الترجمة في الباب الثاني والأربعين هذه الفقرة: (سبّحوا الله تسبيحاً جديداً وأثر سلطنة2 على ظهره واسمه أحمد) انتهت وهذه الترجمة موجودة عن الأرامن فانظروا فيها). انتهى كلامه.3
قد صدرنا في بيان هذه القرائن عن كتاب «إظهار الحق» بتلخيص وتصرّف يسير، وقد ذكر المؤلف قرائن أُخرى لم نذكرها لأجل الإيجاز في الكلام.
ثمّ إنّ مؤلف«أنيس الأعلام» أعني فخر الإسلام الذي كان من القساوسة ثم تشرّف بالإسلام قد ذكر وجه رجوعه عن المسيحية إلى الإسلام وقال: بعد بحث طويل وعناء كبير وتجوال في المدن عثرت على قسيس كبير متميز في زهده وتقواه، كان يرجع إليه الكاثوليك بما فيهم سلاطينهم،

1 . النجم:3ـ4.
2 . الظاهر سلطنته أي أثر النبوة.
3 . إظهار الحق:2/295.

صفحه 253
تعلمت عليه زمناً مذاهب النصارى، وكان له طلاب كثيرون، ولكنّه كان ينظر إليّ من بينهم نظرة خاصة، وكانت كل مفاتيح البيت بيدي، إلاّ مفتاحاً واحداً لغرفة صغيرة، احتفظ به عنده....
وفي يوم اعتلّت صحة القسيس، فقال لي: قل للطلاب إنّي لا أستطيع التدريس اليوم. حينما جئت الطلاب وجدتهم منهمكين في نقاش حول معنى «فارقليطا» في السريانية، و «پريكلتوس» في اليونانية.. واستمر بينهم النقاش، وكل كان يدلي برأيه.
بعد أن عدت إلى الأُستاذ سألني عمّا كان يدور بين الطلاب، فأخبرته، فقال لي: وما رأيك؟
قلت: اخترت الرأي الفلاني.
قال القسيس: ما قصّرت في عملك، ولكن الحقّ غير ذلك; لأنّ حقيقة هذا الأمر لا يعلمها إلاّ الراسخون في العلم، وقليل ما هم. أكثرت في الإلحاح عليه أن يوضِّح لي معنى الكلمة. فبكى بكاءً مرّاً وقال: لم أخفِ عليك شيئاً.. إنّ لفهم معنى هذه الكلمة أثراً كبيراً، ولكنّه إن انتشر فسنتعرض للقتل! فإن عاهدتني أن لا تفشيه فسأُخبرك... فأقسمت بكلّ المقدّسات أن لا أذكر ذلك لأحد، فقال: إنّه اسم من أسماء نبي المسلمين، ويعني «أحمد» و «محمد».
ثم أعطاني مفتاح الغرفة وقال: افتح الصندوق الفلاني، وهاتِ الكتابين اللّذين فيه، جئت إليه بالكتابين، وكانا مكتوبين باليونانية والسريانية على جلد، ويعودان إلى عصر ما قبل الإسلام.
الكتابان ترجما «فارقليطا» بمعنى أحمد ومحمّد، ثم أضاف الأُستاذ:

صفحه 254
علماء النصارى كانوا مجمعين قبل ظهوره أنّ «فارقليطا» بمعنى «أحمد ومحمّد»، ولكن بعد ظهور محمد(صلى الله عليه وآله)، غيّروا هذا المعنى، حفظاً لمكانتهم ورئاستهم وأوّلوه، واخترعوا له معنى آخر لم يكن على الإطلاق هدف صاحب الإنجيل.
سألته عما يقوله بشأن دين النصارى؟ قال: لقد نسخ بمجيء الإسلام، وكرر ذلك ثلاثاً، ثم قلت:
ما هي طريقة النجاة والصراط المستقيم في زماننا هذا؟ قال: إنّما هي باتّباع محمد(صلى الله عليه وآله).
قلت: وهل التابعون له ناجون؟
قال: أي والله، وكرر ذلك ثلاثاً.
ثم بكى الأُستاذ وبكيت كثيراً ثم قال: إذا أردت الآخرة والنجاة فعليك بدين الحق... وأنا أدعو لك دائماً، شرط أن تكون شاهداً لي يوم القيامة أنّي كنت في الباطن مسلماً، ومن أتباع محمد(صلى الله عليه وآله)... وما من شك أنّ الإسلام هو دين الله اليوم على ظهر الأرض».1
سورة الصفّ.. الآيات 7ـ9   
وكما يلاحظ فإنّ هذه الوثيقة الهامة تصرّح بما فعله علماء أهل الكتاب بعد ظهور نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) من تحريف لتفسير اسم النبي وعلاماته، تحقيقاً لمصالحهم الشخصية.
***

1 . نقلاً باختصار عن «الهداية الثانية» مقدمة كتاب «أنيس الأعلام»:2/161.

صفحه 255

الآية السابعة:

(وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّن افْتَرى عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إلى الإسلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الظّالِمينَ).

الآية الثامنة:

(يُريدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ).

الآية التاسعة:

(هُوَ الّذي أرْسَلَ رَسُولهُ بِالهُدى وَدينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
تقدّم في الآية السادسة أنّ أهل الكتاب وصفوا دلائل نبوة نبينا(صلى الله عليه وآله)وبيّناته بالسحر المبين، كما قال: (فَلمّا جاءَهُم بالبيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ)كذباً وعناداً للفرق الواضح بين السحر والمعجزة.
ومن المعلوم أنّ اتّهام الأنبياء بالسحر أسهل ذريعة للمعاند لتبرير كفره وتكذيبه، ولذلك جاءت الآية السابعة تندّد بهؤلاء وتوبّخهم وأنّهم بتكذيب نبي الإسلام يفترون على الله الكذب، قال سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إلى الإسْلامِ).
وأمّا أنّهم أظلم الناس، فلأجل أنّهم ظلموا الرسول (صلى الله عليه وآله) أوّلاً، والله سبحانه ثانياً، والناس ثالثاً.
أمّا ظلمهم لرسول الله(صلى الله عليه وآله) حيث وصفوا عمله بالسحر ونعتوا النبي(صلى الله عليه وآله)ذاته بالساحر، ولم ينظروا إلى معجزاته وبيّناته حتى يستضيئوا بنورها.

صفحه 256
وأمّا ظلمهم لله سبحانه، فلأنّه تعالى هو الذي أعطاه الحجج والبيّنات، وهؤلاء نسبوها إلى غيره، كما هو مقتضى كونه ساحراً.
وأمّا ظلمهم الناس، فلأنّهم بإخفاء البشارات الواردة في العهدين حالوا بينها وبين الناس، وبذلك صاروا مستحقين للحرمان من هداية الله سبحانه، كما يقول سبحانه عنهم: (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمينَ).
نعم الآية لا تختصّ بأهل الكتاب الذين بقوا على ديانتهم ولم يؤمنوا بالإسلام بل تعمّ المشركين، فإنّهم أيضاً افتروا على الله افتراءات كثيرة، حيث قال سبحانه:(وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَر مِنْ شَيْء)1.
ثم إنّ قوله سبحانه: (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ) واضح لأنّهم هم السبب لعدم الاستضاءة من إضاءة الله سبحانه، فما لم يكن في الإنسان استعداد ورغبة نفسية إلى الاستضاءة ولم يضع نفسه في مهب رياح الرحمة والهداية لا يستضيء من نورها ولا يتمتع بهداية الله سبحانه.
وحاصل الكلام: أنّ هؤلاء المكذّبين ـ مضافاً إلى أنّهم لا يستضيئون بنور النبوة ـ كانوا سبباً لمنع الناس عن طريق الحق، بتكذيب الآيات الإلهية، وهذا هو الظلم الكبير، فهو يظلم نفسه وفي الوقت ذاته يمنع الناس عن الاستضاءة واعتناق الدين الصحيح.
قوله سبحانه: (يُريدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ).
قد ورد مضمون هذه الآية في مورد آخر، هو قوله سبحانه: (يُريدُونَ أَنْ

1 . الأنعام:91.

صفحه 257
يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهمْ وَيَأْبَى اللهُ إلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرونَ).1والفرق بين الآيتين هو تعلّق إرادة الكافرين بنفس الإطفاء في سورة التوبة، كما قال:(يُريدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا)، أي يريدون الإطفاء، بينما في المقام تعلّقت إرادة الكافرين بشيء ينتهي إلى الإطفاء وإن شئت قلت بمقدماته، بشهادة قوله: (يريدون ليطفئوا) فالإطفاء غاية للإرادة المتعلّقة بشيء، وإلى ما ذكرنا يُنظَر قول الراغب: والفرق بين الموضعين أنّهم في قوله: (يُريدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا )يقصدون إطفاء نور الله، وفي قوله: (ليطفئوا نور الله) السبب الموصل إلى الإطفاء، وهو النفخ بالأفواه والإطفاء غرض وغاية. وكأنّهم زعموا أنّ نور الله سبحانه كشمعة تُطفأ بأدنى نفخة، ولذلك رموه بالسحر وانقطاع صلته بالله ولكنّهم أخطأوا، فنور الله لا يُطفأ، فعملهم، نظير عمل من يريد إطفاء نور الشمس بنفخة في الهواء، وهذا يكشف عن حمقهم.
أمّا لفظ النور فقد أُضيف إلى الله سبحانه، فقال: (اللهُ نُوْرُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ).2
وأمّا في غير هذا المورد، فتارة يُطلق ويراد به الإيمان والإسلام، ويُراد من الظلمة الكفر، يقول سبحانه: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أولياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلَى الظُّلُماتِ).3
وأُخرى يُطلق ويراد به القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إلَيْكُمْ نُوراً

1 . التوبة:32.
2 . النور:35.
3 . البقرة:257.

صفحه 258
مُبيناً).1
وثالثاً يطلق ويراد به النبي (صلى الله عليه وآله) قال سبحانه: (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ).2
وعلى هذا فيمكن أن يريد سبحانه من قوله: (يُريدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ)الدعوة النبوية للإسلام، ويُحتمل أن يراد به القرآن، بشهادة أنّه أُشير إليه في الآية المتقدّمة: (قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ) فإنّ المُشار اليه هو القرآن... ويحتمل أيضاً أن يراد به النبي الأكرم بشهادة الآية التاسعة حيث قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدْى وَدِينِ الحَقِّ).
فكلّ من الإسلام والإيمان والقرآن والذكر الحكيم نور والنبي الأعظم نور، وهذه الأنوار الإلهية تبقى مدى الدهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ثمّ إن لفظ النور موضوع للنور الحسّي وإطلاقه على الموارد الثلاثة من باب الاستعارة لوجود أثر النور الحسّي فيها، أوضحها هو أنّ الإنسان بفضل الأنوار المادية يستطيع السير بسلامة في طرقه، ولولا هذه الأنوار لسقط في الهاوية وهلك، وهكذا نور الله المتجلّي في دينه وكتابه ونبيه، يُري نهجَ السعادة في الحياة الدنيا والآخرة للإنسان ويجعله يسير عليه، فلا يسقط الإنسان في مهاوي الشقاء.
وهناك وجه آخر وهو أنّ قُطّاع الطريق يخرجون من أوكارهم في ظُلَم

1 . النساء:174.
2 . المائدة:15.

صفحه 259
الليل، دون نور النهار وهكذا شياطين الجن والإنس يستغلون البيئات التي ليس فيها أثر من الدين والكتاب وأخبار النبوة، فينشرون أفكارهم السامة بين الناس وبالأخصّ بين الشباب، إلى غير ذلك من الآثار المادية للنور الحسّي المتجلّية في الموارد الثلاثة بصور أُخرى.
قوله سبحانه: (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ).
والكافر وإن كان يعمّ المشرك وأهل الكتاب ولكن المراد به في المقام أهل الكتاب بقرينة قوله في الآية التالية:(وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)تخصيصهم بالذكر يدلّ على المراد من الكافرين في المقام أهل الكتاب وتكون النتيجة أنّ الكفار بعامّة فرقهم كارهين لإتمام النور وظهور الدين الإلهي.
وهذه الفقرة، من الأخبار الغيبية في القرآن الكريم حيث يخبر سبحانه أنّه سيتم نوره، ولعل المراد انتشار دينه في البلدان عامّة (وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ )وأقاموا السدود أمام انتشار النور. فكراهتهم لا تؤثر أمام إرادته النافذة.
قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ).
لمّا ذكر سبحانه في الآية المتقدمة أنّه سيتم نوره عاد إلى تأكيد مضمونه بقوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) ردّاً لزعم الكافرين أنّه ليس مرسلاً من الله سبحانه، أرسله (بِالْهُدى وَدِينِ الحَقِّ) لا بالسحر والكهانة والإضافة في (دِينِ الحَقِّ)بيانية أي: الدين الحق.
قوله سبحانه: (لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ) الظاهر أنّ المراد من الدين كل سبيل مسلوك غير سبيل الله الذي هو الإسلام، والغاية من إرسال النبي الخاتم

صفحه 260
ما ذكره بقوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) من عبدة الأوثان.
وبما ذكرنا تظهر أُمور:
1. أنّه سبحانه مع أنّه نفى أن يكون على أديم الأرض دين غير دين الإسلام، حيث قال سبحانه: (إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلام)1، إلاّ أنّ هذه الآية تضمّنت الإقرار بوجود دين غيره، حيث قال سبحانه: (على الدِّين كُلِّهِ)وعندئذ يكون المراد بالدين هنا كلّ سبيل مسلوك غير سبيل الله، وإنّما أُطلق عليه لفظ الدين من باب المجاز، فالنازل من الله سبحانه دين واحد وهو دين الإسلام.
ولا يطلق على غيره لفظ الدين إلاّ مجازاً، فليس له سهم من الدين إلاّ اللفظ; كما قال سبحانه في حق الآلهة المزعومة: (أَتُجادِلُونَني في أَسْماء سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّل اللهُ بِها مِنْ سُلْطان)2، وقال سبحانه: (إنْ هِيَ إلاّ أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطان)3، فليس لهم من الألوهية إلاّ الاسم.
نعم المراد بالإسلام هو التسليم أمام الله سبحانه الذي هو الأصل المشترك بين عامّة الشرائع السماوية فالدين بمعنى التسليم أمام الله سبحانه أمر مشترك لا يختلف فيه أحد من أصحاب الشرائع، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في الشريعة، فالدين مطلقاً واحد والشرائع مختلفة، ويظهر ذلك من التأمّل في قوله سبحانه:(لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ

1 . آل عمران:19.
2 . الأعراف:71.
3 . النجم:23.

صفحه 261
لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً).1 فالأنبياء كلّهم ينهلون من منهل واحد، وإنّما الاختلاف في الشريعة والطريقة.
2. قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ) وفيه احتمالات:
أ. الظهور هو الغلبة بالدليل والبرهان الذي يقلع كلّ شبهة عن ذهن الإنسان ويثبت أن الدعوة المحمدية دعوة إلهية.
ب. الظهور هو انتشار الدين في الجزيرة العربية وغلبته على الوثنية، وهذا قد صار محققاً قبل رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله).
ج. الظهور هو انتشاره في أرجاء العالم من غير أن يختصّ بالجزيرة العربية.
والظاهر هو الثالث لقوله:(عَلى الدِّينِ كُلِّهِ)، أي لا يبقى دين إلاّ ويخفت نوره وينطفئ بنور دين الإسلام، وهذا ما لم يتحقّق بعد.
فإذا كان المراد غلبة دين الاسلام على كافّة الأديان فالظاهر من الروايات أنّه يتحقّق عند ظهور الإمام المهدي(عليه السلام).
روى علي بن إبراهيم في تفسيره قال: حتى إذا خرج يظهره الله على الدين كلّه حتى لا يُعبَد غير الله، وهو قوله: «يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً».2
ثمّ إنّ سيطرة الإسلام بعد ظهور الإمام المهدي(عليه السلام) لا تتمّ بمنطق القوة والإكراه والسيف ـ وإن كان لها دور في بعض الموارد ـ وإنّما السبب

1 . المائدة:48.
2 . نور الثقلين:5/317.

صفحه 262
الأساسي لإيمان الناس هو تسرُّب اليأس إلى نفوسهم من الأنظمة الوضعية التي لا تخدم إلاّ الشيطان وأذنابه من الظلمة.
وفي تلك الظروف التي يغلب فيها على الأُمم اليأسُ من كلّ نظام غير سماوي، تتحفّز النفوس لاستقبال الدعوة التي يطلقها الإمام المهدي(عليه السلام)بجدّ وحماسة، ولن يقف في وجهها إلاّ القليل من الذين لا يقيمهم إلاّ السيف.
وبتعبير السيد الشهيد محمد باقر الصدر: أنّ ظهور المهدي(عليه السلام) يُفترض أن يكون في أعقاب فراغ كبير، يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانقة. وذلك الفراغ يتيح المجال للرسالة الجديدة أن تمتد، وهذه النكسة تُهيِّئ الجو النفسي لقبولها، وليست هذه النكسة مجرد حادثة تقع صدفة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وإنّما هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله سبحانه وتعالى، التي لا تجد لها في نهاية المطاف حلاًّ حاسماً، فتشعل النار التي لا تُبقي ولا تذر، ويبرز النور في تلك اللحظة ليطفئ النار، ويقيم على الأرض عدل السماء.1
سورة الصفّ.. الآيتان 10 و 11   
3. ثم إنّه سبحانه خصّ المشركين بالكراهة وقال:(وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون)لأنّهم أكثر الناس كراهة، وهذا دليل على أنّ المراد بالكافرين في الآية المتقدّمة هم أهل الكتاب كما مرّ.
***

1 . بحث حول المهدي:64، المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد محمد باقر الصدر، ج11.

صفحه 263

الآية العاشرة:

(يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذاب ألِيم).

الآية الحادية عشرة:

(تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

تفسير الآيتين

قوله: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَة).
الآية بمنزلة الإجابة لسؤال ربما يثار وهو: ما الأمر الذي يُنجي الإنسان من عذاب الله يوم القيامة، فوافاه الجواب بقوله(يا أيها الذين آمنوا) الخ.
التجارة: هي التصرف في رأس المال طلباً للربح، ولا يوجد في كلام العرب، تاءٌ بعده جيم إلاّ هذه اللفظة.1والآية تحثّ على الجهاد الذي هو الهدف الرئيسي في تلك السورة كما مرّ، فقال: (إنّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبيلِهِ صَفّاً كأنّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ).2
والفرق بين الآيتين هو أنّ التحريض والترغيب إلى الجهاد في هذه الآية أكثر من الآية المتقدّمة. ثمّ إنّ قوله: ( تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذاب ألِيم ) يدلّ على أنّ تارك الجهاد يشمله العذاب ولا نجاة له إلاّ بسلوك هذا الطريق.
وبما أنّ التجارة كما مرّ تقوم بالتصرف في رأس المال، فرأس المال الذي

1 . المفردات للراغب، مادة «تجر».
2 . الصف:4.

صفحه 264
يتّجر به المؤمنون عبارة عن أمرين:
1. (تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ)، أي إيماناً خالصاً يعبدون الله وحده ويطيعون رسوله. والإيمان بالله يوجد أرضية صالحة للاتّجار بالنفس والنفيس.
2. (وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ). نعم ربما يتّجر بالنفس دون النفيس لفقره، أو بالمال، لعدم تمكّنه من المشاركة في الجهاد البدني، وفي الآية إشارة إلى ذينك الأمرين ولا نجاة له إلاّ ببذلهما.
وعلى كلّ تقدير فالآية تصوّر لنا عرضاً رائعاً، وهو أنّ قوام التجارة بأُمور أربعة: البائع، والمشتري، والبضاعة، والثمن; فالبائع هو المؤمن، والمشتري هو الله سبحانه، والبضاعة هي النفس والمال، والثمن هو المغفرة ودخول الجنة; إلى غير ذلك ممّا يأتي في الآية السابعة، فأيّة تجارة أربح من ذلك. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
سورة الصفّ.. الآيتان 12 و 13   
(ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم) فيه اسم إشاره ـ أعني : ذا، وضمير ـ أعني: كم، فاسم الإشارة يشير إلى العمل الذي يقوم به الإنسان المؤمن، وفي الضمير(كم) التفات إلى المخاطبين، أي إنّ هذا ـ أيها المؤمنون ـ خير لكم، إن كنتم تعلمون.
***

صفحه 265

الآية الثانية عشرة:

(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْن ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ).

الآية الثالثة عشرة:

(وأُخرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَريبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ) .
إنّ التجارة قائمة على أمرين:المبيع، والثمن.
فالبائع يقوم بعرض مبيعه ودفعه إلى المشتري وتمليكه له، والمشتري يقوم بتقييم المبيع ودفع ثمنه إلى البائع.
فالله سبحانه يشبِّه عمل المؤمن المجاهد بالبائع الذي يعرض نفسه ونفيسه في سبيل الله ويشتريه الله سبحانه بثمن مؤلَّف من أُمور أربعة:
1.(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) والفعل مجزوم لشرط مقدّر مفهوم من الآية السابقة، وهي: إن آمنتم وجاهدتم في سبيل الله: (يَغْفِرْ لَكُم...). ولولا المغفرة لما أمكن دخول الجنة التي هي الجزء الثاني للثمن.
2. (وَيُدْخِلْكُمْ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ)، وقد وعد به سبحانه المؤمنين في غير واحدة من الآيات.
3. (وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْن)، والمراد بالمساكن: القصور، وإنّما خصّ المساكن بالذكر لأنّ المجاهدين سيفارقون مساكنهم، فوعدهم الله سبحانه أنّ لهم مساكن في الجنة، يقول سبحانه: (قُلْ إنْ كانَ آباؤكُمْ وَأَبْناؤكُمْ وَإخْوانُكُمْ وَأزواجُكُمْ وَعَشيرَتُكُم...) إلى قوله: (وَمَساكِنَ تَرْضَونَها أحَبَّ

صفحه 266
إلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد فِى سَبِيلِهِ).1
ثمّ إنّه يصف هذه الأجزاء الثلاثة بقوله: (ذلكَ الفَوْزُ الْعَظيمُ)، فإنّ السعادة الأُخروية سعادة عظيمة لا يعادلها شيء، ولكنّ الإنسان الدنيوي ربّما لا ترضى نفسه بهذه الوعود; لأنّه غارق في الدنيا لا يرى ما وراءها من الأثمان الثلاثة المتقدّمة، ولذلك ضمّ إليها سبحانه جزاءً(ثمناً) رابعاً.
4. (وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَريبٌ).
فقوله: (وأُخرى) صفة حُذف موصوفها، أي ولكم نعمة أُخرى تحبّونها وما هي إلاّ (نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَريبٌ) عاجل.
ووجه الحب أنّها نعمة عاجلة، والثلاثة الأُولى نَعَم آجلة.
وطبيعة البشر هي الرغبة في العاجلة أكثر من الآجلة، إلاّ من فتح الله عينه على الأُمور الأُخروية فهم لا يقدّرون النعم الدنيوية بشيء مثلما يقدّرون النعم الأُخروية.
والظاهر أنّ المراد من الفتح هو فتح مكة الذي قرّت به عيون المهاجرين والأنصار.
سورة الصفّ.. الآية الرابعة عشرة   
والآية تتضمّن معجزة غيبية، وهي أنّ أمام المسلمين فتح قريب إلى حدّ أمر سبحانه نبيّه(صلى الله عليه وآله) بقوله: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ).
وهل المبشّر به هو الجزاء المؤلَّف من الأُمور الأربعة، أو أنّه فقط الأمر الرابع؟
يمكن القول بالأوّل، لقوله سبحانه: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

1 . التوبة:24.

صفحه 267
الصّالِحاتِ أنّ لَهُمْ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرة رِزْقاً قالُوا هذا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأوتُوا بِهِ مُتَشابِهاً...).1
وقوله في سورة التوبة: (إنّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ...) إلى أن قال:(فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ).2
ومع ذلك يحتمل أن يكون المبشَّر به الفتح العاجل، لوجود الرغبة الشديدة في العاجل من النِّعم.
***

الآية الرابعة عشرة:

(يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ لِلْحوارِيِّين مَنْ أَنْصاري إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَني إسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طائِفةٌ فأيّدْنا الّذينَ آمَنُوا على عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرينَ).

مفردات الآية:

الحَواريّون: جمع حواري ـ بفتح الحاء وتخفيف الواو ـ و هي كلمة معرّبة عن الحبشية (حواري) وهو الصاحب الصفي، وليست عربية الأصل ولا مشتقة من مادّة عربية، وقد عدّها الضحاك في جملة الألفاظ المعرّبة، لكنّه قال:إنّها نبطية، ومعنى الحواري: الغسّال.3

1 . البقرة:25.
2 . التوبة:111.
3 . الاتقان للسيوطي:1/434، دار ابن كثير، طبع عام (1407هـ).

صفحه 268
وفي «المقاييس»: حور: ثلاثة أُصول: أحدها لون، والآخر الرجوع، وفي الثالث أن يدور الشيء دوراً; فأمّا الأوّل فالحور شدّة بياض العين في شدّة سوادها، وأمّا الثاني قال تعالى:(إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ)، وأمّا الثالث: المحور: الخشبة التي تدور فيها المحالة.1
وعلى ما ذكره فاللفظ عربي.
وفي «مجمع البيان» سمّي حواري عيسى لبياض ثيابهم، وقيل: لأنّهم كانوا قصّارين.2
وعلى كلّ تقدير فالحواريون اسم أطلقه القرآن على أصحاب المسيح الاثني عشر. وهؤلاء كانوا من تلامذة المسيح(عليه السلام) الذين آمنوا به من أعماقهم وكانوا اثني عشر رجلاً، وهؤلاء هم: سمعان بطرس، واندراوس، ويعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه، وفيلبس، وبرثولماوس، وتوما،ومتى العشار، ويعقوب بن حلفي، ولباوس المقلب بداوي(ويسمى أيضاً يهوذا ابن حلفي)، وسمعان القانوي(وهو الغيور)،ويهوذا الاسخريوطي.3

الحواريون في الإنجيل

إنّ الذكر الحكيم يصف حواري المسيح بأوصاف جليلة ويمدحهم ـ كما سيوافيك ـ بخلاف إنجيل متى، فإنّه يذكر بعضهم بالذم، وإليك مواضع الذم:

1 . المقاييس:2/115ـ117.
2 . مجمع البيان:10/423.
3 . قاموس الكتاب المقدّس: 403، مادة «رسول».

صفحه 269

أحد الحواريين يأخذ الرشوة ليسلّم المسيح إلى أعدائه

1. ذهب أحد الاثني عشر، ذاك الذي يقال له«يهوذا الاسخريوطي» إلى عظماء الكهنة وقال لهم: ماذا تعطوني وأنا أُسلّمه إليكم فجعلوا له ثلاثين من الفضة، وأخذ من ذلك الحين يطلب فرصة ليسلّمه.
2. وفي موضع آخر:
ولمّا كان الفجر عقد جميع عظماء الكهنة وشيوخ الشعب مجلس شورى في أمر (يسوع) ليحكموا عليه بالموت، ثم أوثقوه وسلّموه إلى الحاكم بيلاطس، ولما رأى يهوذا، الذي أسلمه قد حكم عليه، ندم وردّ الثلاثين من الفضة إلى عظماء الكهنة والشيوخ، وقال: أخطأت إذ أسلمت دماً بريئاً، فقالوا له: وما لنا ولهذا الأمر أنت وشأنك فيه، فألقى الفضة عند المقدس وانصرف، ثم ذهب فشنق نفسه.1
فهذا النصّ يدلّ على أنّ يهوذا ـ من حواري المسيح ـ هو الذي سلّم المسيح في مقابل (30) درهم فضة.

أحد الحواريين كان سارقاً

3. ويظهر من إنجيل يوحنا أنّه كان سارقاً، قال: وقبل الفصح بستة أيام جاء يسوع إلى بيت عنيا، حيث كان لَعازر الذي أقامه من بين الأموات. فأُقيم له عشاء هناك، وكانت مَرْتا تخدم، وكان لعازَر في جملة الذين معه على الطعام. فتناولت مريم حُقَّة طيب من الناردين الخالص الغالي الثمن، ودهنتْ

1 . الكتاب المقدس انجيل متى، الباب26، الجملة14.

صفحه 270
قدمي يسوع ثم مسحتهما بشعرها. فعبق البيت بالطيب. فقال يهوذا الاسخريوطي أحد تلاميذه وهو الذي أوشك أن يسلّمه: لماذا لم يُبع هذا الطيب بثلاثمائة دينار، فتُعطى للفقراء، ولم يقل هذا لاهتمامه بالفقراء، بل لأنّه كان سارقاً وكان صُندوق الدراهم عنده، فيختلس ما يُلقى فيه.1

نوم الحواريين ليلة الهجوم على المسيح

4. فقـال لهـم يسـوع: «سأكون لكم جميعاً حجر عثرة في هذه الليلة ـ إلى أن قال: ثم جاء يسـوع معهم إلى ضيعة فقال للتلاميذ امكثوا هنا، ريثما أمضي وأصلّي هناك... امكثـو هنا واسهـروا معي ـ إلى أن قال:ـ ثم رجع إلى التلاميذ فوجدهم نائمين فقال لبطرس: أهكذا لم تقووا على السهر معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلّوا لئلا تقعوا في التجربة، الروح مندفع وأمّا الجسم فضعيف ـ إلى أن قال: ـ ثم رجع فوجدهم نائمين لأنّ النعاس أثقل أعينهم فتركهم ومضى مرة أُخرى وصلّى ثالثة فردّد الكلام نفسه، ثم رجع إلى التلاميذ وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا قد اقتربت الساعة التي يسلم فيها ابن الإنسان إلى أيدي الخاطئين قـومـوا ننطلق! ها قد اقترب الذي يسلمني.2
مـا ذكـرناه شـيء من شمائل الحواريين كما وردت في الإنجيل، فلنرجع إلى القرآن الكـريم لنرى أنّه يصفهـم بأنّهم أنصار الله وأنّه سبحانه قد أنزل عليهم مائدة من السماء بدعاء المسيح(عليه السلام)، وهذا ما ورد في الآيات

1 . الكتاب المقدس، انجيل يوحنا، الباب27، الجمل 1ـ 6.
2 . الكتاب المقدس، انجيل متى، الباب26، الجمل 36ـ 46، بتلخيص.

صفحه 271
التالية:
قال سبحانه: (فَلَمّا أحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ* رَبَّنَا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدينَ).1
وقال سبحانه: (وإذْ أوحَيْتُ إلى الحَواريّينَ أنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولي قالُوا آمَنّا وَاشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ* إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائدةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ* قالُوا نُريدُ أنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَّقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيها مِنَ الشّاهِدينَ* قالَ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ اللّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عيداً لأوّلِنا وَآخِرِنا وَآيةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقينَ* قالَ اللهُ إنّي مُنزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإنّي أُعَدِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أحداً مِنَ الْعالَمينَ).2
ترى أنّ الذكر الحكيم يحكي عن الحواريين أنّهم قالوا بأنّهم هم أنصار الله،(آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ ) وقد بلغوا من الكمال مرتبة نزلت عليهم المائدة السماوية. فقد عرّف المسيح ذلك اليوم التي تنزل فيه المائدة عيداً للنصارى، وما هذا إلاّ لأنّ نزول المائدة تعبير عن نزول الرحمة والبركة فيناسب أن يتّخذه ذلك الشعب عيداً لإظهار الفرح والسرور.
وأمّا قوله تعالى:(اتّقوا اللهَ) فليس توبيخاً لهم، بل الأمر بالتقوى كناية عن تقويمها في القلوب، كما أنّ تقييد الأمر بالتقوى بالإيمان، أعني قوله:

1 . آل عمران:52ـ53.
2 . المائدة:111ـ 115.

صفحه 272
(إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ) لأجل الدعوة إلى ترسيخ الإيمان في القلب.
هذا وقد ورد في الروايات نظير ما ورد في الذكر الحكيم، حيث إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال للنفر الذين بايعوه من الأنصار في العقبة: «أخرجوا إليّ اثني عشر رجلاً منكم يكونوا كفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون لعيسى بن مريم».1
وروي أيضاً أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال للنقباء:«أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل قومي»، قالوا: نعم.2
***
وفي قوله سبحانه في هذه السورة: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللهِ كَما قال عِيسى ابنُ مَرْيَمَ للْحَواريِّينَ مَنْ أَنْصاري إلى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) أدلّ دليل على تنزيههم واستعدادهم للتضحية في طريق الدين. ثمّ إنّه سبحانه قسّم بني إسرائيل إلى قسمين فقال: (فآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَني إسرائيلَ وَكَفَرَتْ طائِفةٌ) فالمؤمنون هم الحواريّون ومن كان على خطّهم، والكفّار أكثرهم.
ثم إنّـه سبحانـه يقول: (فَأيَّدْنا الَّذينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرينَ)فهل المـراد بالظهور هو الظهور بالبرهان كما عليه بعض المفسرين حيث يقول: المراد بظاهرين، الغالبون بالحجّة والبرهان، والمعنى أنّ بني إسـرائيل اختلفوا في عيسى، وهو منهم; فمنهم من قال: هو

1. كنز العمال:1/103 برقم 465; الدر المنثور:6/214.
2 . كنز العمال:12/20 برقم 33779; الدر المنثور:6/214.

صفحه 273
عبد الله ورسوله، وقال آخرون: هو إله، وقال اليهود: ساحر وابن زنا، فأيّد الله سبحانه بالحجة والبـرهان القائلين هو رسول الله على الجاحدين والمؤلّهين. وفي رسائل يوحنـا: أنّ ضد المسيح هو من أنكر التجسّد واتّحاد لاهوت المسيح بناسوته. أمّا القرآن فيقول: إنّ أعداء المسيح هم الغالون فيه والقالون له.1
والظاهر أنّ المراد وراء الظهور بالحجة والبرهان هو الانتصار في نشر الدين وتلبية الناس لشريعة المسيح، فأصبحت الأقلية المسيحية بعد ما كانوا مستخفين مضطهدين أصبحوا ظاهرين منتصرين وحكاماً على البلاد، وفي الآية تلويح إلى أنّ أُمّة النبي(صلى الله عليه وآله) يجري فيهم ما جرى في أُمّة عيسى(عليه السلام) تؤمن منهم طائفة وتكفر طائفة، فإن أجاب المؤمنون استنصاره ـ و قد قام هو تعالى مقامه في الاستنصار إعظاماً لأمره وإعزازاً له ـ أيّدهم الله على عدوهم فيصبحون ظاهرين كما ظهر أنصار عيسى والمؤمنون به.
بقي الكلام في كيفية التشبيه في قوله تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللهِ كَما قال عِيسى ابنُ مَرْيَمَ للْحَواريِّينَ مَنْ أَنْصاري إلى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ). ففي الآية تشبيه، فالمشبه قوله: كونوا أنصار الله، وبطبع الحال يجب أن يكون المشبه به هو كما قول الحواريين أنصار الله، ولكن صار المشبه به في الآية هو قول عيسى للحواريين من أنصاري... الخ»، فلماذا؟
ولكن الواقع هو أنّ الآية تحثّ المسلمين على أن يلبّوا دعوة النبي (صلى الله عليه وآله)

1 . التفسير الكاشف:7:319ـ 320.

صفحه 274
وينصروه، كما أنّ الحواريين لبّوا دعوة عيسى ونصروه، وعلى هذا فيكون طرفي التشبيه بالشكل التالي:
يا أيّها الذين آمنوا لبّوا دعوة النبي عند دعوته كما لبّى الحواريون دعوة عيسى، عندما قال: من أنصاري إلى الله.
فالفرض هو تشبيه دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) بدعوة المسيح، واستجابة المسلمين باستجابة الحواريين...
***
تم تفسير سورة الصف

صفحه 275
   
السورة الرابعة
سورة الجمعة
وهي مدنية، وآياتها إحدى عشرة

صفحه 276

صفحه 277

سورة الجمعة

وجه التسمية

سمّيت هذه السورة بـ(الجمعة) لورود هذا اللفظ فيها، وهو قد يطلق على اليوم السابع من أيام الأُسبوع، كما يطلق على نفس الصلاة المشروعة فيها بحذف المضاف ـ أي صلاة ـ وهي مدنية بالاتّفاق لقضية ورود العير من الشام وترك المصلّين النبي(صلى الله عليه وآله) وتوجّههم إلى البيع والشراء.
وأمّا أهداف السورة فتتلخّص في الأُمور التالية:
1. وصفه سبحانه ـ بعد ذكر تسبيح ما في السماوات وما في الأرض له ـ بأوصاف أربعة: الملك، القدّوس، العزيز، الحكيم.
2. التنبيه على بعث الرسول من بين الأُميّين، ولكنّه رسول إليهم وإلى غيرهم.
3. ذمّ اليهود والتنديد بهم حيث تركوا التوراة وراء ظهورهم، وأكبّوا على الدنيا ووصفهم أنفسهم بأنّهم أولياء الله كذباً.
4. الدعوة إلى إقامة صلاة الجمعة والسعي إليها عند النداء.

صفحه 278
إذا عرفت ذلك فلندخل في تفسير الآيات.
سورة الجمعة.. الآية الأُولى   

الآية الأُولى:

(يُسَبِّحُ للهِ ما فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الأرضِ الْمَلِكِ القُدُوسِ الْعَزِيزِ الْحَكيمِ).
قد مرّ ما هو المراد من تسبيح ما في السماوات وما في الأرض لله في السور السابقة، بقي الكلام في أوصافه الأربعة. فقد وصف نفسه تعالى بـ(الملك) حتى يكون دليلاً على جواز تصرّفه بالتكوين والتشريع، فتكون الدعوة إلى صلاة الجمعة والتأكيد على إقامتها ناشئاً عن كونه ملكاً بيده التشريع.
سورة الجمعة.. الآية الثانية   
ثمّ إنّه وصف نفسه تعالى بـ(القُدُّوس)، أي المنزّه عمّا لا يليق، حتى لا يُتصوَّر أنّه ملك كسائر الملوك الذين (إذا دخلوا قرية أفسدوها)1، و يأخذون كلّ سفينة غصباً.
ثمّ إنّه وصف نفسه بـ(العزيز) الذي لا يُقهر، والغالب الذي لا يُغلَب .
وأخيراً وصف نفسه بـ(الحكيم)وأنّ تصرفاته في كلا الحقلين(التكوين والتشريع) مبنيّة على الحكمة.
***

1 . النمل:24.

صفحه 279

الآية الثانية:

(هُوَ الّذي بَعَثَ فِي الأُمّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين).

مفردات الآية:

الأُميّين: قال ابن فارس: الأُميّ في اللغة المنسوب إلى ما عليه جِبِلّة الناس لا يكتب، فهو في أنّه لا يكتب على ما وُلد عليه.1
يقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى:(وَمِنْهُمْ أُمِّيّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلاّ أمانيَّ وَإنْ هُمْ إلاّ يَظُنُّونَ)2 بأنّهم لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحقّقوا ما فيها .3
وقال الطبرسي: ذكروا للأُميّ معان:
أوّلها: أنّه الذي لا يكتب ولا يقرأ.
ثانيها: أنّه منسوب للأُمّة والمعنى أنّه على جبلّة الأُمّة قبل استفادة الكتابة.
ثالثها: أنّه منسوب إلى الأُمّ والمعنى: أنّه على ما ولدته أُمّه قبل تعلّم الكتابة.4 وعلى هذا فمعنى الأُميّين هو الجماعة الذين غلبت عليهم الأُميّة والبقاء على ما خلقوا من عدم التعرف على القراءة والكتابة.
وربما يقال بأنّ الأُمّيّ منسوب إلى أُمّ القرى، أعني: مكّة. ذكره غير واحد

1 . المقاييس: 1/28، مادة «أُمّ».
2. البقرة:78.
3 . تفسير الكشاف:1/291.
4 . مجمع البيان:4/373.

صفحه 280
من المفسّرين، ولكنّه غير صحيح إذ النسبة إلى أُمّ القرى هو القروي لا الأُميّ، يقول ابن مالك:
وانسُب لصدر جملة وصدر ما *** رُكِّب مزجاً، ولِثان تمّما
إضافةً مبدوّة بابن وأبْ *** أو ما له التعريف بالثاني وجبْ
فيما سوى هذا انسبنْ للأوّلِ *** ما لم يُخفْ لَبسٌ كعبد الأشهلِ
قال ابن عقيل في شرحه: إذا نسب إلى الاسم المركّب فإن كان مركّباً تركيب جملة أو تركيب مزج، حذف عجزه وأُلحق صدره ياء النسب، فتقول في تأبط شرّاً: تأبطي، وفي بعلبك: بعلي; وإن كان مركّب إضافة فإن كان صدره ابناً أو أباً أو كان معروفاً بعجزه، حذف صدره وأُلحق عجزه ياء النسبة، فتقول في ابن الزبير: زبيري، وفي أبي بكر: بكري، و في غلام زيد: زيدي.1
والاقتصار على الابن والأب من باب المثال، وإلاّ فإنّ هذا الحكم يعمّ الأُم والأخ والابنة والأُخت، لاشتراك الجميع معهما في المناط والملاك وهو كونها مركبة تركيب إضافة وحصول الالتباس لو أُلحقت بصدرها.
و«إن» في قوله:(وإنْ كانُوا من قَبْلُ لَفي...) مخفّفة من الثقيلة وليست شرطية، ولهذا لزمها حرف اللام في خبر «كان» لئلاّ تلتبس بـ :«إن» النافية، والمراد كانوا من قبل بعثة رسول الله(صلى الله عليه وآله) في ضلال مبين.

1 . شرح ابن عقيل:2/391.

صفحه 281

تفسير الآية:

قوله سبحانه: (هُوَ الّذي بَعَثَ فِي الأُمّيّينَ رَسولاً مِنْهم)، أي رسولاً من العرب الأُميين.
قوله:(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِه)، أي يقرأ عليهم القرآن الكريم وبالتلاوة يبلغهم رسالات ربّه.
قوله: (وَيُزَكِّيهِم)، أي يطهّر نفوسهم من الشرك وعقولهم من الجهل وأعمالهم من القبائح والآثام.
قوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ) والمراد بالكتاب هو القرآن الكريم، وبالحكمة كلّ ما يهدي الإنسان إلى الخير في العقيدة والسلوك.ويتجلّى ذلك في سنّته(صلى الله عليه وآله) قولاً وفعلاً وتقريراً.
قوله سبحانه: (وإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلال مُبين)، أي غارقين في الشرك ورذائل الأخلاق، من وأد البنات والإغارة على الأموال.
بقي هنا كلام وهو أنّه سبحانه أنزل حول بعثة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) آيات ثلاث:
إحداها: ما في هذه السورة التي وقفتَ على لفظها وتفسيرها.
والثانية: في سورة آل عمران حيث قال: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى الْمُؤْمِنينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلال مُبين).1
والثالثة: في سورة البقرة حاكياً دعاء إبراهيم(عليه السلام) حيث قال: (رَبَّنا وَابْعَثْ

1 . آل عمران:164.

صفحه 282
فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةً وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ).1
وظاهر الآية أنّ الخليل(عليه السلام) طلب من الله سبحانه أن يبعث من ذرّيته رسولاً يعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم، والشاهد على ذلك قوله: (وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ)، وليس هذا إلاّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، فإنّه الرسول الوحيد الذي بُعث من ذرية إبراهيم وإسماعيل كليهما، وأمّا غيره من الرسل فإمّا أنّهم ليسوا من ذرية إسماعيل ـ وإن كانوا من ذرية إبراهيم ـ كأنبياء بني إسرائيل، أو ليسوا من ذريتهما كهود وصالح، فعلى هذا فالآيات الثلاث تشير إلى بعثة نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله)، وعندئذ يُطرح هذا السؤال:ما سبب تقديم التزكية على التعليم في الآيتين الأُولتين وتقديم التعليم على التزكية في الثالثة، فما هو الوجه في ذلك؟
سورة الجمعة.. الآية الثالثة   
والذي يمكن أن يجاب به على هذا السؤال هو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) يتّبع في دعوته الأُسلوب المؤثر والناجح، فإنّ المجتمعات مختلفة، فتارة تكمن المصلحة في تقديم التزكية على تعليم الكتاب والحكمة وذلك عن طريق مناظرة المدعوّين ومحاججتهم، فإذا خلصت النفوس من إدران الشرك وظلم المعاصي يقوم بتعليم الكتاب والحكمة بكلماته الجامعة التامّة، وفي ذلك تكون التخلية متقدّمة على التحلية.
وتارة أُخرى تكمن المصلحة في تقديم التعليم على التزكية، فيقوم النبي(صلى الله عليه وآله)بمهمّة التزكية عن طريق تعليم الكتاب، ومن هنا كان النبي الخاتم

1 . البقرة:129.

صفحه 283
يقوم بعملين مختلفين:
فتارة يدعو المشركين وينصحهم ويحاججهم حتى يخلي نفوسهم، ثم يقوم بتعليمهم الكتاب والحكمة. ويظهر ذلك في مناظرته مع مشركي قريش وغيرهم.1 وأُخرى يبتدئ بتلاوة الكتاب وتعليم الحكمة.
كلّ ذلك مشاهد في حياة النبي(صلى الله عليه وآله) كما في كيفية دعوة النبي لأسعد بن زرارة حيث دعاه إلى الإسلام بتلاوة آيات ثلاث من سورة الأنعام، أعني قوله سبحانه: (قُلْ تَعالَوا أتْلُ ما حَرَّمَ الله رَبّكُمْ...).2، اقرأ هذه القصة في كتاب «سيدالمرسلين».3
***

الآية الثالثة:

(وَآخَرينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ).

الإعراب

قوله:(وَآخَرينَ مِنْهُمْ)، ففي مرجع الضمير وجوه:
1. الضمير في(منهم) يرجع إلى الأُميّين فيكون (آخَرينَ)معطوفاً على (الأُمّيِّين)، ويكون الاختلاف في اللحوق بالزمان، فيكون دليلاً على أنّ رسالته تشمل عامّة الأُميين، سواء أكانوا موجودين في عصر البعثة أو

1 . الاحتجاج:1/24ـ 43، احتجاجه(صلى الله عليه وآله) على جماعة من المشركين.
2 . الأنعام:151ـ153.
3 . سيدالمرسلين:1/50ـ52 .

صفحه 284
اللاحقين لهم في عمود الزمان، وعلى هذا تكون «من» تبعيضية، فيكون المعنى: بعث رسوله في الأُميين وفي آخرين منهم يلُونَهم في المستقبل.
2. أن يعود الضمير في(منهم) إلى المؤمنين المفهوم من الآية، وعلى هذا يكون (آخرين) معطوفاً على (الأُمّيِّين)أيضاً، وعندئذ يكون معنى الآية: بعث في الآخرين من المؤمنين أعم من أن يكونوا أُميّين أو غيرهم، ويكون ذلك دليلاً على سعة شريعته وكونها عالمية، من غير فرق بين العرب وغيرهم.
وهذا الوجهان على القول بأنّ «آخرين» معطوف على قوله: (في الأُميين) .
3. أنّ (آخَرينَ)معطوف على الضمير في (يعلّمهم) أي يعلّمهم الكتاب كما يعلم آخرين منهم. وعلى ذلك فلو أُريد من الضمير في قوله: (منهم)الأُميّين يتّحد هذا الوجه مع الوجه الأوّل في المعنى، وإن أُريد به المؤمنون يتّحد مع الوجه الثاني.
وعلى ما ذكرنا يكون معنى قوله: (لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ)، أي لم يلحقوا بهم في الزمان وسوف يلحقون. واحتمال أنّ المراد من عدم الإلحاق في الفضل والفضيلة، خلاف ظاهر الآية.
سورة الجمعة.. الآية الرابعة   
قوله سبحانه: (وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ) جيء بهما لرفع التعجب من بعث النبي الأُمي من بين الأُميين وانتشار دعوته، فهو سبحانه عزيز لا يُغلَب، وحكيم لا يفعل إلاّ عن حكمة مطلقة.
ويؤيد الوجه الثاني ـ أي في عود الضمير (في) إلى المؤمنين ـ ما رواه

صفحه 285
السيوطي في «الدرّ المنثور» عن كثير من المحدّثين عن أبي هريرة، قال: كنّا جلوساً عند النبي(صلى الله عليه وآله) حين أُنزلت سورة الجمعة فتلاها،فلمّا بلغ (وآخَرينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) قال له رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع يده على رأس سلمان الفارسي وقال:«والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء».1
***

الآية الرابعة:

(ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ العَظيمِ).
الظاهـر أنّ المشـار إليـه فـي (ذلك) جميـع ما تقـدّم في الآيتيـن: الثـانيـة والثالثة، وهو أنّ إرسال رسوله للتزكية والتعليم والهداية من الضلال ثم لحوق آخـرين بهم من الأُمّيين أو من غيرهم ـ على اختلاف في مرجع الضمير ـ كلّ ذلك من فضل الله (يُؤتيهِ مَنْ يَشاءُ) وبذلك إرغام للأُنوف المتكبّرة وهـي أُنـوف اليهـود، حيث كانوا يردّون بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله) بين الأُميّين ويقولون، كما ذكر سبحـانه: (وَلا تُـؤْمِنُـوا إلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) (هذا مقال اليهود) فردّ عليهم سبحانه بقـولـه:(قُلْ إنّ الهُـدى هُـدى اللهِ أنْ يُؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أُوتيتُمْ أوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسعٌ عَليمٌ).2
فله أن يبعث رسلاً من بني إسرائيل أو يبعث رسولاً من الأُميين، وكأنّ

1 . الدر المنثور:8/153. وانظر: روح المعاني للآلوسي:28/94.
2 . آل عمران:73.

صفحه 286
هذه الآية مقدمة لما سيوافيك من الحديث عن اليهود في الآيات التالية.
***
سورة الجمعة.. الآية الخامسة   

الآية الخامسة:

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التّوراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمينَ).

مفردات الآية:

«المَثَل»: بمعنى الوصف والحال.
التحميل: بمعنى التكليف والأمر بالشيء يقال: حمّلت فلاناً أمراً كذا فاحتمله، وربما يؤمر ولا يحتمل، قال سبحانه: (إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّمواتِ وَالأرْضِ وَالجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها).1
الكاف في قوله: (كمثل) للتأكيد.
الأسفار: مفرده السفر، وهو بالفتح والسكون بمعنى كشف الغطاء، يقال: أسفر عن وجهه أي كشف الغطاء عنه، وبالكسر والسكون بمعنى الكتاب]الكبير[، أُطلق عليه لأنّه يُسفر عن الحقيقة.2

1 . الأحزاب:72.
2 . مفردات الراغب:233، مادة «سفر».

صفحه 287

تفسير الآية

شبّه تبارك وتعالى اليهود ـ الذين كُلِّفوا بالعمل بالتوراة ولكنّهم نبذوها وراء ظهورهم ولم يستضيئوا بنورها1 ـ بالحمار الذي يحمل أسفاراً ولا ينتفع بما فيها من الحكم والعلوم. والآية من مقولة تشبيه المعقول بالمحسوس، حيث إنّ حمل الحمار أسفاراً أمر محسوس وحمل اليهود التوراة أمر معقول.
وفي الآية تحذير للمسلمين من أن يكونوا مثل اليهود، بأن يقتنعوا بتلاوة القرآن دون العمل به أو بدون التفكّر بما فيه من المعارف والقيم وأسرار الخلقة.
وأمّا صلة الآية بما قبلها فواضحة لما تقدّم من أنّه سبحانه أنزل مع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كتاباً ليخرجهم من الضلال إلى الهداية، ثم ذكر هذا المثل تحذيراً لهم من أن يكون مَثَلهم في النهاية مثل اليهود.
ويؤيد ذلك أنّه سبحانه أشار في آخر السورة إلى الحالة التي أصابت المسلمين الذين كانوا جلوساً يستمعون إلى خطبة النبي(صلى الله عليه وآله) قبل صلاة الجمعة، فعندما دخلت القافلة التجارية المدينة وسمعوا أجراس العير غادروا المسجد وتركوا النبي(صلى الله عليه وآله) قائماً، واستهانوا بأعظم المناسك الدينية ولم يقدّروها حق قدرها، فصار عملهم هذا منبئاً عن مستقبل مظلم، فحذّرهم الله سبحانه بهذا المثل.
قوله سبحانه: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ)

1 . قال: (وأنزلنا التوراة فيها نور وهدى). المائدة:44.

صفحه 288
(بئس): من أفعال الذم، والمذموم هو حال القوم لما عرف من أنّ «مَثَل» بمعنى الحال والوصف، فيكون معنى الآية: بئس حال القوم الذين كذّبوا بآيات الله، فيكون المخصوص بالذم هو نفس(مثل) والمراد بالذين كذّبوا هـم اليهـود لأنّهم كذبوا بالقرآن، بل حتى بالتوراة، لأنّهم لم يؤمنوا بالبشارات التـي وردت فيها، والتي بلغت حدّاً يقول عنه سبحانه: (الّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتـابَ يَعْـرِفُونَـهُ كَمـا يَعْـرِفُونَ أَبْنـاءَهُمْ وَإنّ فَريقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).1
سورة الجمعة.. الآية الثامنة   
قوله: (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمينَ) وذلك لظلمهم أنفسهم سدّوا طريق الهداية، فلا يستضيئون بنورها، وإنّما يستضيء بنور الهداية من يعشو إليه ويستشفي به.
سورة الجمعة.. الآيات 6ـ 8   
***

الآية السادسة:

(قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكُمْ أوْلياءُ للهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ).

الآية السابعة:

(وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَداً بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمينَ).

1 . البقرة:146.

صفحه 289

الآية الثامنة:

(قُلْ إنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُردُّونَ إلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

مفردات الآيات:

(هادوا) يقال: هاد يهود هوداً، إذا تاب ورجع إلى الحق، ومنه قول بعضهم: يا صاحب الذنب هُدْ هُدْ، وقيل: هدنا إليك أي سكنّا إلى أمرك، ومنه قوله سبحانه: (وَاكْتُبْ لَنا في هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً إنّا هُدْنا إلَيْكَ)ثم صار الفعل مستعملاً في خصوص اليهود، فمعنى (ياأيُّها الَّذينَ هادُوا)بمنزلة يا أيها اليهود، ويا أيها الذين تهوّدوا .1
الزعم: هو القول عن ظن أو علم، والمراد هنا الاعتقاد.
الأولياء: جمع الولي والمراد به هنا المحبوب، حيث ادّعى اليهود أنّهم أبناء الله وأحبّاؤه، قال سبحانه: (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأحِبّاؤهُ).2
الغيب: ما غاب عن الحسّ، ويقابله الشهادة، وهما أمران نسبيان إلينا، وإلاّ فالجميع بالنسبة إلى الله شهود.

1 . مجمع البحرين، مادة «هود».
2 . المائدة:18.

صفحه 290

تفسير الآيات

كان اليهود يتبجّحون ويفتخرون بأنّهم أولياء الله وأحباؤه وأنّهم شعب الله المختار، وأنّ الجنة خالصة لهم ولا تمسّهم النار إلاّ أياماً معدودة، فجاءت هذه الآيات ردّاً عليهم بأنّهم كاذبون في هذا الزعم والاعتقاد، والشاهد على ذلك أنّ الحبيب يحب لقاء حبيبه، في حين أنّهم يكرهون الموت ويفرّون منه، وهذا دليل على كذبهم في هذا القول، كما قال سبحانه:(يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أنَّكُمْ أولياءُ للهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ).
ثم إنّه سبحانه يبيّن سبب كراهتهم للموت وفرارهم منه، بقوله: (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) إشارة إلى الجرائم والمظالم التي ارتكبوها. وقوله(قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) كناية عن كلّ ما صدر عنهم من الجرائم سواء أكانت باليد أو بغير اليد، غير أنّهم ربما يزعمون أنّه تخفى أعمالهم عن الله سبحانه، فيقول: (وَاللهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ)، ثمّ إنّه سبحانه يذكِّرهم بأنّ الموت سنّة قطعية على الأُمم جمعاء وبعده الحساب والجزاء، حسب الأعمال ولذلك لا فائدة في فرارهم، فإنّ الموت سيلاقيهم ثم يُجزَون الجزاء الأوفى كما قال:(قُلْ إنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) في الدنيا من المعاصي والجرائم والموبقات، ومن الدسائس والمكائد والمؤمرات، التي تستهدف إثارة الفتن ونشر الفساد بين الأُمم، لا سيما بين أبناء الأُمّة الإسلامية .
سورة الجمعة.. الآية التاسعة   
والمراد من تمنّي الموت هو التمنّي الحقيقي الذي يكشف عنه عمل الإنسان وإلاّ فالتمنّي اللفظي العاري عن الحقيقة ربما يصدر من أكثرهم

صفحه 291
ولكنّهم يتمنون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
وعلى ذلك فقوله: (فَتَمَنَّوا الْمَوْتَ) أمر تعجيزي، كما في قوله: (فَأتُوْا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ).1
***

الآية التاسعة:

(يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

مفردات الآية:

«الجُمُعة»: والجُمْعة لغتان وجمعها جُمَع وجُمْعات.
وضم الميم لغة جمهور العرب، وسكونها لغة عُقيل، والمراد من ذكر الله صلاة الجمعة بقرينة أنّ النداء في ظهرها لإقامتها.
واختلفت كلمتهم في تسمية اليوم السابع من الأُسبوع بالجمعة، فربما يقال: إنّ الأنصار جمّعوا الجمعة قبل أن يقدم النبي(صلى الله عليه وآله) المدينة، فقالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كلّ سبعة أيام، وللنصارى يوم أيضاً مثل ذلك، فلنجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله عزّ وجل ونشكره فاجعلوه يوم العَروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرارة، الذي أسلم قبل ورود النبي المدينة فصلّى بهم يومئذ وذكرهم، فسمّوه يوم الجمعة.2

1 . البقرة:23.
2 . مجمع البيان:9/431.

صفحه 292
ولكن الظاهر أنّه كان للعرب قبل البعثة ـ كسائر الأُمم ـ يوم خاص للاجتماع، إذ من البعيد أن لا يكون لأُمّة عريقة يوم كيوم الجمعة يجتمعون فيه ويستريحون.

تفسير الآية

قوله:(يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) تحريض على أداء هذه الفريضة بأفضل وجهها وتأكيد عليها، ولذلك يقول: (فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)، أي امشوا إليها مشياً سريعاً وذروا كلّ ما يلهيكم عن ذكر الله، وذكر البيع من باب المثال الغالب.
ثم أشار إلى ما في تلك الفريضة من الخير والبركة بقوله: (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
فقوله: (نُودي) بصيغة المجهول كناية عن عدم اختصاص النداء بمناد خاص أو نيابة عنه، بل في كلّ زمان قام إنسان بالنداء مع اجتماع سائر شرائطه يجب السعي إليها.
ثمّ إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أقام صلاة الجمعة لأوّل مرّة في مسيره من قبا إلى المدينة، قال ابن هشام: فأدرك رسول الله(صلى الله عليه وآله)الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاّها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أوّل جمعة صلاّها بالمدينة.1
والمراد بالمدينة أي حواليها. وقد نقل في «مجمع البيان» الخطبة التي

1 . السيرة النبوية لابن هشام:1/499.

صفحه 293
خطبها رسول الله(صلى الله عليه وآله)فيها، فقال: «الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره، وأُعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور...».1
روي في «الوسائل» أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قال في إحدى خطبه في يوم الجمعة ونقلها المخالف والمؤالف: «إنّ الله تبارك وتعالى فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حياتي أو بعد موتي استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حجّ له، ألا ولا صوم له، ألا ولا برّ له حتّى يتوب».2
وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «من ترك الجمعة ثلاثاً من غير علّة طبع الله على قلبه».3
وهذه النّصوص وغيرها التي وردت في المجاميع الحديثية تكشف عن أنّ صلاة الجمعة ليست عبادة عادية، بل لها المكانة الخاصة في صميم التشريع:
إنّها عبادة جماعية تهذّب النفوس وتصقلها، وتدفع الإنسان إلى التقوى وتجنّبِ المحرّمات وتدعوه إلى الانقطاع عن الدنيا والتشبّث بالآخرة .
إنّها مظهر الإخاء والتماسك والوحدة والتآلف; إذ تجسّد ترابط المسلمين وانشدادهم بعرى الإيمان وإن كانوا من قوميات شتّى.

1 . مجمع البيان:9/432.
2 . وسائل الشيعة:5، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث28.
3 . وسائل الشيعة:5، الباب1 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث20.

صفحه 294
إنّها مظهر من مظاهر السياسة الإسلامية العامّة، حيث يقف فيها المسلمون على أهمّ الأحداث والمواقف والقضايا التى تهمّهم وتتصل بحاضرهم ومستقبلهم حتّى يكونوا على بصيرة من أمر دنياهم كما هم على بصيرة من أمر دينهم.
ومن هنا، يفترض بخطيب الجمعة أن يكون ذا وعي ومعرفة بما يمتُّ إلى المسلمين من أُمور سياسية واقتصادية مختلفة وما يحوكه الأعداء ضدهم من مؤامرات.
ففريضة هذه مكانتها في الكتاب، ومنزلتها في السنّة وأحاديث العترة; وهذه آثارها البنّاءة، ونتائجها المشرقة، لهي جديرة بالسعي إليها وأدائها كما فرض الله تعالى.
وقد ورد في أحاديث العترة(عليهم السلام) ما يشير إلى هذه الآثار والمنافع الكثيرة لصلاة الجمعة.
يقول الإمام الرضا(عليه السلام):
«إنّما جعلت الخطبة يوم الجمعة، لأنّ الجمعة مشهد عام، فأراد أن يكون للأمير سبب إلى موعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم من المعصية، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم; ويخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق(و) من الأهوال التي لهم فيها المضرّة والمنفعة...».1
إنّ صلاة الجمعة عبادة سياسية، أمّا كونها عبادة فواضح إذ مضافاً إلى أنّ نفس صلاة الجمعة عبادة كسائر العبادات، فإنّ الإمام يعظ الناس ويأمرهم

1 . وسائل الشيعة: 5، الباب25 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث6.

صفحه 295
بالتقوى ويعلّمهم الأحكام ويرشدهم إلى القيم والأخلاق.
وأمّـا كـونهـا سيـاسيـة، فلأنّ الإمـام فـي خطبتـه يـركّز على توعيـة الناس بالأحـداث السياسية والاجتماعية، ويأمرهم بالتعاون والوحدة، ويحذرهم من التشـرذم والتفرق، فلذلك لا تجب هذه الصلاة إلاّ تحت شروط خاصة، بخلاف سـائر الصلوات فإنّها تقام فرادى وجماعة دون شروط محددة .
إنّ هذه الصلاة ليست بمسألة هيّنة حتى يقوم بها كلّ فرد وفي كلّ بلد، دون أن يخيّم عليه سلطان أو فقيه يرجع إليه الناس، ومن هنا اشتُرط أن تقام في كلّ بلد صلاة واحدة إلاّ إذا كان بين مكاني الصلاتين مسافة فرسخ. وهذه الأهمية ينبغي أن تبعث المسلمين على أن يستثمروا هذا المؤتمر الأُسبوعي المتجسّد في ذلك الاجتماع الباهر الذي يحضره المدني والبدوي، والقريب والبعيد، حتى تعمّ التوعية ويقف الجميع على المشاكل السائدة وكيفية رفعها وعلاجها، والتاريخ يشهد على أنّ صلاة الجمعة كانت في عامة القرون بمثابة سلّم للنهضات السياسية والثورات الإسلامية، حيث إنّ الخطباء يدعون الناس من على منبر الجمعة إلى التحرك نحو هدف خاص.

كيفية إقامة صلاة الجمعة

اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط في صلاة الجمعة ما يشترط في غيرها من الطهارة والستر والقبلة، وأنّ وقتها من أوّل الزوال إلى أن يصير ظل كلّ شيء مثله، وربما قيل أقل من هذا، واتّفقوا على أنّها تجب على الرجال دون النساء وأنّ من صلاّها تسقط عنه الظهر. واختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة،

صفحه 296
فقال الإمامية: خمسة مع الإمام، والخطبتان شرط في انعقاد الجمعة، وأنّ مكانهما قبل الصلاة، على القول المشهور.
ويجب في كلّ خطبة حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله)وآله(عليهم السلام)والوعظ وقراءة شيء من القرآن، وأن يزيد في الخطبة الثانية الاستغفار والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ويجب على الخطيب أن يفصل بين الخطبتين بجلسة صغيرة، وليست العربية شرطاً في الخطبة.
وأمّـا الصلاة فهـي ركعتـان كصـلاة الصبـح ويستحـب أن يقرأ في الركعة الأُولى سورة الجمعة وفي الثانية المنافقون، بعـد الحمـد في كلّ مـن الركعتين.
سورة الجمعة.. الآية العاشرة   
وفيها قنوتان: أحدهما قبل ركوع الركعة الأُولى، والثاني بعد ركوع الركعة الثانية. وفي الحديث عن الإمام الرضا(عليه السلام)«إنّما جعلت الخطبة يوم الجمعة في أوّل الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة، لأنّ الجمعة أمر دائم وتكون في الشهر مراراً وفي السنة كثيراً، وإذا كثر ذلك على الناس ملّوا وتركوا ولم يقيموا عليه وتفرّقوا عنه، فجعلت قبل الصلاة ليحتبسوا على الصلاة ولا يتفرّقوا ولا يذهبوا; وأمّا العيدين فإنّما هو في السنة مرّتين، وهو أعظم من الجمعة، والزحام فيه أكثر، والناس فيه أرغب، فإن تفرّق بعض الناس بقي عامّتهم، وليس هو كثيراً فيملّوا ويستخفّوا به».1
قال الزمخشري: وروي عن بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث:
افتخروا بأنّهم أولياء الله وأحباؤه فكذبهم في قوله: (فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ

1 . وسائل الشيعة:5، الباب15 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الحديث4.

صفحه 297
كُنْتُمْ صادِقينَ).
2. افتخروا بأنّهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبَّههم بالحمار يحمل أسفاراً.
3. افتخروا بالسبت، وأنّه ليس للمسلمين مثله فشرّع الله لهم الجمعة.
ويظهر من غير واحدة من روايات أهل السنة أنّ إقامة الجمعة من شؤون الإمام، حيث رووا أنّه(صلى الله عليه وآله)قال: «لا جمعة ولا تشريق ولا فطرة ولا أضحى إلاّ في مصر جامع» والمراد من المصر الجامع ما أُقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام.
ورووا أيضاً أنّه قال: فمن تركها وله إمام عادل أو جائر...:ورووا أيضاً: أربع إلى الولاة: الفيء والصدقات والحدود والجمعات.
والمسألة فقهية، والتفصيل في محله.
***

الآية العاشرة:

(فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

مفردات الآية:

قُضيت: بمعنى فرغتم من الصلاة.
فضل الله: هو ابتغاء أسباب المعاش بقرينة النهي في الآية السابقة عن

صفحه 298
البيع، والأمر ليس للإيجاب بل لرفع الحظر المستفاد من قوله:(وَذَرُوا الْبَيْعَ)وقد ثبت في الأُصول أنّ الأمر بعد الحظر أو بعد توهُّمه لا يدلّ على الوجوب.
سورة الجمعة.. الآية الحادية عشرة   

تفسير الآية

قوله سبحانه: (فإذا قضيت الصلاة)، أي إذا صلّيتم الجمعة وفرغتم منها،(فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ)، أي تفرّقوا (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ)، أي الرزق في البيع والشراء وغير ذلك.
وفي الوقت نفسه(وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً)، أي غير منكبّين على طلب المال والرزق بل تطلبونه بذكر الله كثيراً (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فإنّ الفلاح هو في الجمع بين طلب الدنيا وطلب الآخرة. والآية دليل على وجوب رعاية التوازن بين طلب الدنيا والآخرة.
***

الآية الحادية عشرة:

(وَإذا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْها وَتَركُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقينَ).

مفردات الآية:

الانفضاض: من باب الانفعال مطاوع فضّه، إذا فرّقه فتفرّق، نظير قولهم: كسرته فانكسر.

صفحه 299
اللَّهو: فـي الآية هنـا بمعنى ضرب الطبل، والضمير في إليها يرجع إلى التجارة.
وبما أنّهم ينفضّون إلى كلا الأمرين: التجارة واللهو، في الآية تقدير: فإذا رأوا تجارة انفضّوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضّوا إليه.
واتّفق المفسّرون على أنّ الآية نزلت في عير ورد المدينة بضرب الطبل والنبي يخطب، فتركوا المسجد متوجهين إلى التجارة واللهو.
روى البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي(صلى الله عليه وآله) فثار الناس إلاّ اثنا عشر رجلاً فأنزل الله:(وَإذا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْها)1.
وروى أيضاً عن معاوية بن عمرو، قال: حدثنا زائدة، عن حصين، عن سالم بن أبي جعد، قال: حدّثنا جابر بن عبد الله، ثم ذكر الرواية.2
قال السيوطي: أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن مقاتل بن حيّان قال:بينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) يخطب الناس في الجمعة أقبل شاء وشيء من سمن، فجعل الناس يقومون إليه، حتى لم يبق إلاّ قليل، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «لو تتابعتم لتأجّج الوادي ناراً».3
وقـال أيضـاً: أخـرج عبـد بن حُميـد عن قتـادة قال: ذُكر لنا أنّ نبي الله(صلى الله عليه وآله)قال يوم الجمعة فخطبهم ووعظهم وذكّرهم، فقيـل: جـاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم فقال: كم أنتم؟ فعـدّوا أنفسكم، فإذا

1 . صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة الجمعة، رقم 4899.
2 . صحيح البخاري، رقم 936.
3 . الدر المنثور:8/167.

صفحه 300
اثناعشر رجلاً وامرأة، ثم قام الجمعة الثانية فخطبهم ووعظهم وذكّرهم، فقيل: جاءت عير، فجعلوا يقومون حتى بقيت عصابة منهم، فقال: كم أنتم؟ فعدّوا أنفسكم، فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال: «والـذي نفس محمد بيده لو اتبع آخركم أوّلكم، لالتهب الوادي عليكم ناراً» وأنزل الله فيها (وإذا رَأوْا تِجارَةً).1

تفسير الآية

الآية تحكي عن مقدار إيمانهم وإخلاصهم للنبي ودينه حيث إنّ كثيراً ممّن كان في مجلسه(صلى الله عليه وآله) قد انفضّ إلى التجارة أو اللّهو، وتركوا النبي(صلى الله عليه وآله)قائماً يخطب لصلاة الجمعة.
ثم إنّه سبحانه أمر نبيه بتذكير المؤمنين بأنّ ما عند الله خير من التجارة التي انفضوا إليها، قائلاً: (قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَة).
فإنْ كان الانفضاض وترك النبي(صلى الله عليه وآله) يخطب لأجل الرزق (فإنّ اللهَ خَيْرُ الرّازِقينَ).
ويظهر أنّ السورة قد نزلت بعد غزوة خيبر التي وقعت في السنة السابعة من الهجرة، فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: كنّا جلوساً عند النبي(صلى الله عليه وآله)فأُنزلت عليه سورة الجمعة.2 ومن المعلوم أنّ أبا هريرة قدم إلى النبي(صلى الله عليه وآله)وهو بخيبر بعد أن فتحت.
فالآية تحكي عن حال الصحابة بعد سنوات طويلة من جهاد النبي في

1 . الدر المنثور:8/167.
2 . صحيح البخاري:كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة الجمعة، برقم 4897.

صفحه 301
تربية الصحابة والسموّ بهم إلى مستويات رفيعة من الإيمان والورع، ومع ذلك فقد آثر كثير ممّن كان منهم حول الرسول(صلى الله عليه وآله)، آثر التجارة واللهو على سماع الخطبتين، وقدّم متاع الدنيا على تكريم النبي(صلى الله عليه وآله)!!
فكيف يدّعـى، بعد ذلك، أنّ الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم عدول يؤخذ منهـم العلـم والحـديث بلا فحـص وتدقيق عن وثاقتهم وعدالتهم، وكأنّهـم برحيل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) عنهم قـد تطهّروا جميعاً بمياه العدالة والتقوى؟
***
تم تفسير سورة الجمعة

صفحه 302

صفحه 303
   
 
السورة الخامسة
سورة التغابن
وهي مدنية، وآياتها ثماني عشرة

صفحه 304

صفحه 305

سورة التغابن

وجه التسمية

سمّيت هذه السورة بـ(التغابن) لورود هذا اللفظ فيها:(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَومُ التَّغابُنِ)وسيأتي توضيح معناه. ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلاّ في هذه السورة. وهي مدنية على قول الجمهور.

أغراض السورة

إنّ السورة وإن تعرضت لأُمور مختلفة، ولكن الغرض المهم ـ بعد ذكر تسبيح ما في السماوات و ما في الأرض لله سبحانه ـ هو تحذير الناس عمّا ينتظرهم يوم القيامة من حسرة وندامة بسبب عدم الإيمان بيوم القيامة والافتتان بالأزواج والأولاد، ولزوم التزوّد لذلك اليوم بطاعة الله وتقواه وبذل الأموال، ولذلك سمّي ذلك اليوم بيوم التغابن، حيث يعلم الإنسان العاصي يومئذ بغبنه وخسرانه.
سورة التغابن.. الآية الثانية   

صفحه 306

الآية الأُولى:

(يُسَبِّحُ للهِ ما فِي السَّمواتِ وَما في الأرض لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيء قَديرٌ).
تقدّم تفسير تسبيح ما في السماوات و ما في الأرض لله سبحانه في سورة الحديد، وتكرار الموصول في قوله: (وما في الأرض) لقصد التوكيد.
قوله:(لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) واقع موضع التعليل لتسبيح ما في الكون لله سبحانه، فإنّ الكون إذا كان ملكاً له والثناء مختصّاً به ـ كما يدلّ عليه تقديم المسند (له) على المسند إليه (الحمد) ـ فهو حقيق بالحمد والتسبيح دون غيره، حتّى أنّ الثناء على الغير لأجل فعل جميل صادر منه، فهو في الحقيقة ثناء على الله سبحانه; لأنّ ما له من الجمال والكمال فهو لله سبحانه، قال تعالى: (ياأيُّهَاالنّاسُ أنْتُمُ الْفُقَراءُ إلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنيّ الحَميدُ)1، وقال: (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللهِ).2
قوله: (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ) تعليل آخر لتسبيح ما في الكون لله سبحانه، فإذا كان قادراً على كلّ شيء، فهو اللائق بالتسبيح والتحميد والتنزيه عن كل نقص وشين في ذاته وصفاته. إذ يكون جميلاً جامعاً لصفات الجمال والكمال ويلزم على ذي العقل والإدراك، تنزيهه وتسبيحه، تبعاً لما في الكون.
***

1 . فاطر:15.
2 . النحل:53.

صفحه 307

الآية الثانية:

(هُوَ الَّذي خَلَقَكُم فَمِنْكُمْ كافرٌ وَمِنْكُمْ مُؤمنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ).

مفردات الآية:

«من» في قوله (فمنكم) للتبعيض، والمراد انشعاب الناس إلى فرقتين.
وحرف الفاء في قوله:(فمنكم) يدل على الترتيب، أي ترتُّب الكفر والإيمان على الخلق، لكن لا بمعنى كون الكفر والإيمان مخلوقين لله سبحانه، بل المراد أنّه خلقهم فصاروا كذلك. إذ كيف يمكن أن يقال إنّ الكفر والإيمان مخلوقان لله وإنّه خلق المؤمن مؤمناً وخلق الكافر كافراً، مع أنّه خلق الإنسان على فطرة التوحيد، وقال: (فأقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطْرَةَ اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ).1
وقال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله):«ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة ثم أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يُمجّسانه، ثم قال(صلى الله عليه وآله): (فِطْرَةَ اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها)».2

تفسير الآية

لمّا ذكر سبحانه تسبيح ما في السماوات وما في الأرض لله تعالى، كان مقتضى ذلك أن يسبّحه الناس جميعاً ويثنون عليه وينزّهوه من كلّ شين، ولكن الواقع خلاف هذا الترقّب، حيث انشعبوا إلى فرقتين كما قال: (هُوَ

1 . الروم:30.
2 . صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، برقم 4775.

صفحه 308
الَّذي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)، ولكنّه يعلم كفر الكافر وإيمان المؤمن فهو يجزي كل واحد حسب ما اختار(وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ).
وفي قوله سبحانه: (فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) دليل على نفي الواسطة بين الإيمان والكفر، لأنّ التقسيم آية الحصر، وأنّ الإنسان لا يخلو إمّا أن يكون مؤمناً أو كافراً، فليس هناك إنسان لا مؤمن ولا كافر، خلافاً للمعتزلة حيث قالوا بأنّ مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، بل وسط بينهما.
إنّ القول بالمنزلة بين المنزلتين يهدف إلى أنّ صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمناً ـ كما عليه جمهور المسلمين ـ ولا كافراً ـ كما عليه الخوارج ـ وإنّما يسمّى فاسقاً فهو من حيث الإيمان والكفر في منزلة بين المنزلتين.
قال القاضي عبد الجبار: لا يكون اسمه اسم الكافر ولا اسمه اسم المؤمن، وإنّما يسمّى فاسقاً; وكذلك لا يكون حكمه حكم الكافر ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم الذي ذكرنا هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، فإنّ صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر، ولا منزلة المؤمن، بل له منزلة بينهما.1
سورة التغابن.. الآية الثالثة   
نقل الشهرستاني:أنّه دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملّة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة أُخرى يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضرّ مع الإيمان، بل العمل

1 . شرح الأُصول الخمسة:697.

صفحه 309
على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، فلا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟
فتفكّر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أُسطوانة من أُسطوانات المسجد يقرّر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه: معتزلة.1
ولقد أثبتنا بطلان هذا الأصل الذي خالفوا به جمهور المسلمين في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل».2فلاحظ.
***

الآية الثالثة:

(خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصيرُ).

مفردات الآية:

الحقّ: هو خلاف الباطل، الذي يعني خلق الشيء من غير غاية وغرض، كما قال سبحانه:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ).3

1 . الملل والنحل للشهرستاني:1/47.
2 . الملل والنحل:3/578ـ 584.
3 . المؤمنون:115.

صفحه 310
وقال سبحانه: (وَما خَلَقْنا السَّمواتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُما لاعِبينَ* ما خَلَقْناهُما إلاّ بِالحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ).1
فقد جاء الحق في الآية الثانية مقابلاً للَّعب في الآية الأُولى الذي يفقد الغاية.

تفسير الآية

(خلق السّمواتِ وَالأرْضَ بِالحَقِّ) لغرض ثابت، و(صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) أي أعطى للإنسان أحسن الصور وجهزه بأحسن تجهيز ليصل إلى الغاية من الخلقة، كما قال:(لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم)....ولحسن التصوير والتقويم دور في وصول الإنسان إلى الغاية التي خلق لها.
والآية بصدد ذكر الامتنان على الإنسان حيث خلقه بأحسن صورة وفي أحسن تقويم، فيجب عليه في مقابل هذه النعم الكثيرة تسبيح الله وتحميده سبحانه ولكنّه يجزي المؤمن والكافر عند مصيرهما إليه، حسب أعمالهما كما قال:(وإليه المصير)يعني إليه المرجع يوم القيامة وإليه المآل.
وكأنّ الفقرتين: خلق السماوات والأرض بالحق، وخلق الإنسان بأحسن الصور، سيقتا لبيان لزوم المعاد والحياة الأُخروية بعد الحياة الدنيوية، والذي يدلّ عليه قوله تعالى: (وإلَيهِ الْمَصيرُ)، إذ لولاه للزم العبث في الخلق، وتقديم الظرف (إليه) لأجل رعاية الفاصلة، ليطابق قوله: (قدير)في الآية الأُولى و(المصير) لا لبيان القصر والحصر، لأنّ الكافر لا يعتقد

1 . الدخان:39.

صفحه 311
بالمصير إلى غيره سبحانه حتى تكون الفقرة ردّاً عليه.
والذي يناسب تفسير خلق الإنسان بأحسن الصور هنا، بعد ملاحظة تَيْنك الفقرتين التي سيقتا لبيان لزوم المعاد، هو: تجهيزه بالمواهب العقلية والفكرية التي ينطوي فيها العالم كلّه وأُمر لأجلها بالتفكّر في خلق السماوات والأرض في قوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَيَتَفَكَّرونَ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً)1، وفي قوله عزّ من قائل: (أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمواتِ وَالأرْضِ).2
أُمر بالتفكّر في الكون ليستهدي إلى غاية الخلقة وأنّه لم يُخلَق عبثاً ولا سُدىً، حتى يتجلى عنده مغزى قوله تعالى: (وإليه المصير).
وربما يفسّر حسن الصورة في الآية بصباحة المنظر وروعة الجمال. ثم يعتذر عمّا يعتور الإنسان من نقائص في الخلقة بأنّ ذلك من عوارض تعرض في مدّة تكوينه من صدمات لبطون الأُمهات، إلى غير ذلك من العلل فتشوّه بعض محاسن الصور، لكنه نقص نسبي في المحاسن.3
ولا يخفى أنّ الأنسب بكون الفقرة سيقت لبيان أنّ المصير إلى الله، هو تفسيرها بتجهيز الإنسان بالقوى العقلية والإدراكية حتى يعرف الخلقة وغايتها وأنّ هناك حياة أُخرى وراء هذه الدنيا تمثّل الغرض من خلق العالم والإنسان.
***

1 . آل عمران:191.
2 . الأعراف:185.
3 . التحرير والتنوير:28/237.

صفحه 312

الآية الرابعة:

(يَعْلَم ما في السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ).

تفسير الآية

سورة التغابن.. الآيتان5و 6   
كان نفاة البعث يتمسّكون بأدلّة واهية ذكرها القرآن الكريم في مواضع، ومن ادّعاءاتهم الباطلة أنّ الموت ضلال في الأرض وتفرُّق فيها، فكيف يمكن لله سبحانه أن يبعثنا يوم القيامة مع هذا التبعثر والتشرذم كما حكى عنهم سبحانه وقال: (ءَإذَا ضَلَلْنا في الأرْضِ ءَإنّا لَفي خَلْق جَديد)1، وكانت هذه الفكرة سائدة في المشركين وقد حكاها عنهم سبحانه في سورة أُخرى وقال: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَمَنْ يُحْيي الْعِظامَ وَهِيَ رَميمٌ).2وقد أجاب سبحانه عن تلك الفكرة في السورتين الماضيتين ببيان خاص، وكأنّ الآية في سورتنا هذه نوع إجابة عن تلك الفكرة، ولذلك كرّر علمه سبحانه، تارة بما في السماوات والأرض، وأُخرى علمه بأعمال الإنسان أضمرها أو أظهرها، وثالثة بنية الإنسان وعقائده الداخلية.
وعلى هذا تكون الآية دليلاً لما مرّ من قوله: (وإليه المصير)، وعلى ذلك فعلمه سبحانه محيط بما في الكون جليلهِ ودقيقهِ كبيرهِ وصغيرهِ، وصاحب هذا العلم يميّز الكافر عن المؤمن، والعمل الصالح عن الطالح.
***

1 . السجدة:10.
2 . يس:78.

صفحه 313

الآية الخامسة:

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ).

تفسير الآية

قد سبق منّا أنّ الغرض المهم في هذه السورة هو دعوة الناس إلى الإيمان بالبعث وما فيه من الجزاء بالإحسان أو المجازاة بالعقوبة، وقد اختمرت عند المشركين فكرة إنكار المعاد، فلابدّ لقلع تلك الفكرة من استخدام بيانات مختلفة، فقد اعتمد في الآية السابقة على علمه سبحانه الواسع بما في الوجود، وأمّا هذه الآية فهي تركز على ما جرى على الأقوام السابقة الذين كفروا فذاقوا وبال أمـرهم، والوبال: الوخامة وسوء العاقبة، ووبال أمرهم: عاقبة كفرهم. وهذه الأقوام البائدة المدمَّرة تقع في طريق المشركين إلى الشام وغيرها، حيث يرون بأُمّ أعينهم البلاد الخربة والأقوام البائدة الذين أخذتهم العواصف تارة والزلازل أُخرى.
***

الآية السادسة:

(ذلكَ بِأنّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنيٌّ حَميدٌ).

تفسير الآية

ذكرت الآية المتقدّمة الأُمم البائدة وأشارت إلى أنّ المشركين يجب أن يتّعظوا من عاقبة أمر هؤلاء، لماذا؟ لأنّ الطائفتين تشتركان في إنكارهم

صفحه 314
لدعوة الأنبياء وما أتوا به، ولمّا كان ذلك غير مذكور في الآية المتقدّمة صريحاً، أشار في هذه الآية إلى هذا السبب الذي تشترك فيه الطائفتان وقال: (ذلك) أي هلاكهم وسوء عاقبتهم (بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنات)فكفروا بها (فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا ).
سورة التغابن.. الآيتان 7و8   
وذلك المنطق هو نفسه منطق المشركين الذي واجهوا به رسول الله(صلى الله عليه وآله)، حيث إنّ القرآن يحكي قولهم بقوله سبحانه: (وَمَا مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً).1
فالمنطق واحد عبر القرون، والآية تهددهم بأنّه يمكن أن يعمّهم العذاب كما عمّ الآخرين، ومع ذلك يذكر أنّ الله غني عن طاعة المطيعين ولا يضرّه عصيان العاصين، كما قال: (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنيٌّ حَميدٌ ) فلا يحتاج إلى طاعة المطيع ولا تضره معصية الكافر، وانّما ينتفع المؤمن بطاعته ويخسر الكافر بمعصيته وكفره.
***

الآية السابعة:

(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلى اللهِ يَسيرٌ).
مفردات الآية:
زعم: هل الزعم بمعنى مطلق الإخبار أو الإخبار المخالف للواقع وإن لم

1 . الإسراء:94.

صفحه 315
يتعمّد الكذب؟
الظاهر هو الثاني، وقد نقل عن شريح أنّه قال: لكلّ شيء كنية وكنية الكذب زعموا. والنسبة بين الكذب والزعم عموم وخصوص مطلق يجتمعان فيما تعمّد الإخبار بالمخالف للواقع، ويصدق الزعم فيما إذا أخبر عن المخالف ولم يتعمّد.

تفسير الآية

كانت الآيات السابقة تندد بالمشركين لردّهم على الرُّسل وإنكار رسالاتهم، وأنّهم أنبياء من الله سبحانه، وكانوا يصرّون على إنكار البعث بحجة عدم إمكان إعادة الماضين.
فجاءت هذه الآية ترد زعمهم بأنّ الإعادة أمر يسير وذلك بالتأكيدات المتعدّدة، قال سبحانه: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا)فأمر الله نبيه(صلى الله عليه وآله)أن يرد على زعمهم بقوله: (بَلى وَرَبِّي) أي ليس كذلك، ثم فسّره بقوله: (لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلى اللهِ يَسيرٌ) واللام في الفعلين مع النونين للتأكيد، فقوله: (بِما عَمِلْتُمْ) إشارة إلى الأعمال الإجرامية التي يمارسها المشركون من وأد البنات والإغارة على أموال الآخرين وغير ذلك.
***

الآية الثامنة:

(فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبيرٌ).

صفحه 316

تفسير الآية

«الفاء» في قوله: (فآمِنُوا) فاء جزاء تحكي عن شرط مقدّر وهو: إذا علمتم ما حلّ بالأُمم الكافرة من العذاب وعلمتم أنّكم تبعثون يوم القيامة فلازم ذلك، قيامكم بما يلي:
1. الإيمان بالله: (فآمِنُوا بِاللهِ).
2. الإيمان بالرسول(صلى الله عليه وآله): (وَرَسُولِهِ).
3. الإيمان بالقرآن الذي أُنزل على رسوله: (وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا).
وفي قوله: (أَنْزَلْنا) التفات من الغائب إلى المتكلّم، وذلك للتصريح بأنّ القرآن نزل من الله سبحانه.
ثم ذيّل الآية بقوله: (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبيرٌ) يميّز المؤمن عن الكافر، وبما أنّ الإيمان بالله ورسوله وقرآنه أمر قلبي، ختم الآية بقوله: (خَبيرٌ)بخلاف الآية الثانية حيث ختمها بأنّ الله (بَصيرٌ)، ولعلّ الفرق غلبة استعمال الخبير في غير المحسوسات كالإيمان، (والبصير) في الأُمور المحسوسة.
***
سورة التغابن.. الآيتان 9 و 10   

الآية التاسعة:

(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها أَبداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ).

صفحه 317

الآية العاشرة:

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصيرُ).

مفردات الآية الأُولى:

قوله:(يوم) ظرف متعلّق بجملة محذوفة أي: اذكروا يوم يجمعكم ليوم الجمع، ويحتمل أن يكون متعلّقاً بقوله: (لَتُبْعَثُنَّ)، أو بقوله: (لَتُنَبَّؤنّ)في الآية السابعة.
قوله: (يوم الجمع) من أسماء القيامة، قال سبحانه: (قُلْ إنَّ الأوّلينَ وَالآخِرينَ لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوم مَعْلُوم).1
(التغابن) مصدر: غابن، يغابن، وهو من باب المفاعلة، ولكنّه مجرّد عنها في المورد، إذ المغبون يوم القيامة هو الكافر دون المؤمن، بل المراد كثرة غبن الكافرين وخسرانهم.

تفسير الآيتين

ذكر سبحانه في الآيتين مصير طائفتين: طائفة آمنت بالله وعملت صالحاً فجزاؤهم الجنة وما فيها من النعم.
وطائفة كفروا بالله ورسوله كما كفروا بالنور الذي أُنزل معه فمصيرهم النار خالدين فيها.

1 . الواقعة:49ـ 50.

صفحه 318
وأشار سبحانه إلى الطائفة الأُولى بقوله: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً)فجزاؤه أن (يُكَفِّر عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ).
وفي الآية تصريح بأنّ العمل الصالح يُكفِّر السيئات ويسترها فلا يجزي إلاّ بالعمل الصالح، ويكفِّر عن سيئاته ويسبّب غفرانها.
وأشار إلى الطائفة الثانية بقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا)، ففي قوله: (كَفَروا) إشارة إلى الكفر بالله ورسوله، وفي قوله: (كذبوا بآياتنا) إشارة إلى إنكار ما أنزله الله من النور.
وأمّا جزاؤهم، فقد أشار إليه بقوله: (أُولئكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصيرُ).
فقوله: (وَبِئْسَ الْمَصيرُ) في حق الطائفة الثانية يقابل قوله: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيمٌ) في حق الطائفة الأُولى.
***
سورة التغابن.. الآية الحادية عشرة   

الآية الحادية عشرة:

(ما أَصابَ مِنْ مُصيبة إلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَليمٌ).

صلة الآية بما سبقها

جاء وصف الطائفتين: المؤمنة والكافرة في الآيتين السابقتين بأنّ مصير الأُولى (الفَوْزُ الْعَظيمٌ)، والثانية مصيرها (بِئْسَ الْمَصيرُ).

صفحه 319
وربما يختلج في بال أحدهم أنّه لو كان ما عليه المسلمون حقاً لصانهم الله عن المصائب في الدنيا،1 فجاءت الآية إجابة عن هذا بأنّ نزول المصيبة بإذن الله سبحانه، وفيه مصالح وفوائد تخفى على الإنسان وربما يكرهه (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).2 وإليه يشير بقوله: (ما أصابَ مِنْ مُصِيبَة فَمِنَ اللهِ)يقول ذلك لكي لا تضعف عزائم المسلمين عن جهاد الكفّار (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ)أي يصدّق به سبحانه (يَهْدِ قَلْبَهُ)أي يهدي الله قلبه حتى يعلم أنّ ما أصابه فبعلم الله، فيصبر عليه ولا يجزع، ولا تُفلّ عزيمته، وأنّ في المصائب مصالح كامنة خفية علينا (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَليمٌ)يعلم ما في قلب المؤمن من الإيمان بالله، والثبات عند المصيبة.
وقد ذكر الله سبحانه ما يترتّب على المصائب من المصالح في قوله:(...وَبَشِّرِ الصّابِرينَ الَّذِينَ إذَا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا للهِ وَإنّا إليهِ راجِعُونَ* أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).3
فعبّر عن الصابرين في هذه الآية بأنّهم هم المهتدون، وفي آيتنا المتقدّمة بقوله: (يهد قلبه).
ولعل الآية تشير إلى أنّ المؤمن محبوب عند الله سبحانه ومصيره الجنة، ولكن ليس هذا معناه أن يعيش في الدنيا عيشة رغيدة فلا تصيبه مصيبة في النفس والأموال والأزواج والأولاد.
***

1 . الجامع لأحكام القرآن للقرطبي:18/139، دار الفكر.
2 . البقرة:216.
3 . البقرة:155 ـ 156.

صفحه 320

الآية الثانية عشرة:

(وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنّما عَلى رَسُولِنا الْبَلاغُ الْمُبينُ).
لمّا ذكرت الآية السابقة بأنّ من يؤمن بالله يهد قلبه، فنتيجة تلك الهداية هو أنّه يطيع الله ويطيع الرسول(صلى الله عليه وآله) في جميع ما أتى به ودعا إليه، أو أمر به أو نهى عنه.
ولكن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) رسول تبليغ وتبشير لا رسول إلزام وإكراه، كما يقول: (فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ)أي أعرضتم عن طاعة الله وطاعة الرسول:(فإنّما عَلى رَسُولِنا الْبَلاغُ الْمُبينُ).
***
سورة التغابن.. الآية الرابعة عشرة   

الآية الثالثة عشرة:

(اللهُ لا إلهَ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
وجه صلة الآية بما قبلها هو أنّ قوله: (اللهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ) تعليل لوجوب طاعته في الآية المتقدمة; وذلك لأنّه إذا لم يكن في صفحة الوجود خالق ورازق وناصر وغافر للذنوب إلاّ الله سبحانه، فتلزم طاعته.
ثم إنّ الإنسان ربما يواجه وهو في طريق طاعة الله المشاكل والمصاعب فيأمره الله بقوله: (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)والتوكّل إيكال الأمر وتفويضه إليه والثقة بتدبيره، وقد أمر الله عباده بذلك حتى يكون سنداً يعتمدون عليه.
***

صفحه 321

الآية الرابعة عشرة:

(يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ).
الآية تدل على أنّ قسماً من الأزواج والأولاد يكون عدوّاً للمؤمن لا جميعهم، بشهادة كلمة «من» التي هي للتبعيض، فما هو المبرر لهذه العداوة؟ قيل:لأنّ من الأزواج مَن يتمنّى موت الزوج، ومن الأولاد مَن يتمنّى موت الوالد ليرث ماله، وما من عدوّ أعدى ممّن يتمنّى موت غيره ليأخذ ماله.1
والظاهر أنّ هذا التفسير ليس من شأن القرآن الكريم، فلابد أن يُصوَّر (العداء) بشكل آخر، وهو أنّ الحب الشديد للأزواج والأولاد ربما يجرّ الإنسان إلى ترك طاعة الله وعصيانه، فمن الأزواج من يصرف الزوج عن الإيمان بالله أو عن الأعمال الصالحة كالإنفاق أو الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، أو كسب الأموال من غير طريق الحلال، ويشهد على ذلك المعنى قوله سبحانه:(يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإخْوانَكُمْ أوْلياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلى الإيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ).2
فمع أنّ القرآن يأمر بالحذر منهم ويقول:(يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا إنّ مِنْ أزْواجِكُمْ وَأولادِكُمْ عَدُوٌّ لَكُمْ فَاحْذَرُوهُم) ولكنّه يأمر بالعفو والصفح والغفران، قال (وَإنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا) فقد اقتديم بالله سبحانه(فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ).

1 . انظر: مجمع البيان:10/452.
2 . التوبة:23.

صفحه 322
لقد أمر سبحانه بالعفو أوّلاً، والصفح ثانياً، والغفران ثالثاً، فما هو الفرق بينها؟
إنّها جميعاً تدعو إلى الإغماض عن الأولاد والأزواج إذا ظهر منهم شيء من آثار المعاداة.
فالعفو هو ترك العقاب على الذنب مع التوبيخ.
والصفح هو الإعراض عن الذنب بلا توبيخ.
والغفران هو ستر الذنب وعدم إشاعته.
وممّا لا شكّ فيه أنّ الإسلام يدعو إلى كلّ ما من شأنه أن يحفظ كيان الأُسرة التي تعتبر حجر الزواية في البناء الاجتماعي، ويصونها من التفكّك والتمزّق والانهيار، ويحثّ على إشاعة روح التسامح وكرم الإغضاء بين أفرادها، ونبذ التناحر والتنازع فيما بينهم.. ولعلّ هذا الخلق السامي(المقرون، طبعاً بالتيقّظ والحذر) الذي يبديه المؤمن تجاه عدوّه في الدين من أفراد أُسرته، لعلّه يترك أثره في نفس ذلك العدو، فيلين قلبه للحق، ويستجيب لداعي الدين، وعند ذاك تتحقّق الغاية التي ينشدها المؤمن في نشر الهدى والخير.
***
سورة التغابن.. الآية الخامسة عشرة   

الآية الخامسة عشرة:

(إنَّما أَمْوالُكُمْ وَأوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظيمٌ).

صفحه 323

تفسير الآية

تطلق الفتنة ويراد بها معان مختلفة، والمراد بها هنا: الامتحان والاختبار. نظيرها قوله سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظيمٌ).1
وقد وصف الله سبحانه الأولاد ـ في الآية السابقة ـ بأنّ قسماً منهم عدو للآباء والأُمّهات ووصفهم جميعاً بأنّهم فتنة ومن أسباب الاختبار، وذلك واضح إذ ربما تسبب الرأفة بهم وحبهم الانحراف عن الحق والإعراض عن ذكر الله سبحانه كما نص عليه في قوله: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلاَ أَولادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ).2
والتاريخ يشهد على أنّ الحب المفرط للأولاد يخرج الوالد عن القضاء بالحق ويصدّه عن اتّباع الصراط المستقيم. وهذا هو الزبير بن العوام ابن عمة عليّ(عليه السلام) كانت تربطه بعليّ صلة رحم وثيقة، وصداقة تامّة، وقد شهر سيفه عند الهجوم على بيت فاطمة(عليها السلام) وقال: لا أغمده ـ يعني سيفه ـ حتى يبايَع علىّ. ولما بلغ ذلك أبا بكر وعمر قال عمر: خذوا سيف الزبير، فاضربوا به الحجر3، ولكن هذا الزبير نفسه قد طوّح به حبّه لولده (عبد الله)، فأنساه تلك العلاقة بعليّ وما قاله النبي(صلى الله عليه وآله) في حقّه(عليه السلام).
روى الطبري ـ في تاريخ حرب الجمل ـ : فلمّا توافقوا خرج عليٌّ على فرسه فدعا الزبير فتوافقا، فقال علي للزبير: ما جاء بك؟ قال: أنت ولا أراك

1 . الأنفال:28.
2 . المنافقون:9.
3 . تاريخ الطبري:2/444.

صفحه 324
لهذا الأمر أهلاً ولا أولى به منّا. فقال عليّ: لستُ له أهلاً بعد عثمان؟! قد كنّا نعدّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا وبينك، وعظّم عليه أشياء، فذكر أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) مرّ عليهما فقال لعلي:«ما يقول ابن عمتك ليقاتلنك وهو لك ظالم»، فانصرف عنه الزبير وقال: فإنّي لا أقاتلك، فرجع إلى ابنه عبد الله فقال: ما لي في هذا الحرب بصيرة. فقال له ابنه: إنّك قد خرجت على بصيرة، ولكنّك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفت أنّ تحتها الموت فجبنت، فأحفَظَه حتى أُرعد وغضب وقال: ويحك إنّي قد حلفت له ألاّ أقاتله، فقال له ابنه: كفّر عن يمينك بعتق غلامك سرجس، فأعتقه وقام في الصف معهم.1
والمسكين يقيم لحلفه وزناً ولا يدخل الحرب إلاّ بعد التكفير عن يمينه، ولكنّه يعرض عن قول النبي(صلى الله عليه وآله) وتحذيره بكلّ جُرأة!!
هكذا يكون حبّ الأولاد المفرط سبباً للخيبة والخسران!!
ثمّ إنّه سبحانه ترك في الآية ذكر الأزواج استغناءً بذكر الأولاد الذين هم أخفّ فتنة من الأزواج.
سورة التغابن.. الآية السادسة عشرة   
فظهر معنى قوله: (إنّما أمْوالُكُمْ وَأولادُكُمْ فِتْنَةٌ)وختم الآية بقوله: (وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظيمٌ)، ولعلّه إشارة إلى من خرج من الاختبار مرفوع الرأس، ولم يلهه حب الأولاد عن القضاء بالحق والله يجزيه بالأجر العظيم.
روى الفريقان أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يخطب فجاء الحسن والحسين(عليهما السلام)، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله إليهما فأخذهما

1 . تاريخ الطبري:3/519ـ 520.

صفحه 325
فوضعهما في حجره على المنبر، ثم قال: صدق الله(إنَّما أَمْوالُكُمْ وَأولادُكُمْ فِتْنَةٌ)نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما، ثم أخذ في خطبته.1
ولعلّ النبي(صلى الله عليه وآله) قطع خطبته وأخذ الحسنين ووضعهما في حجره على المنبر لأجل إلفات نظر الحاضرين إلى مقامهما ومنزلتهما عنده، فصار ذلك مبرراً لقطع الخطبة.
***

الآية السادسة عشرة:

(فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيراً لأنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

مفردات الآية:

الفاء في (فاتّقُوا الله) فاء جزاء تدلّ على الشرط المقدّر أي: إذا علمتم هذا فاتقوا الله.
«ما» في قوله: (مَا اسْتَطَعْتُمْ) مصدرية زمانية، أي فاتقوا الله مدّة استطاعتكم، بمعنى تمام العمر.
قوله: (وَمَنْ يُوقَ) صيغة مجهول من وقى، يقي .
الشحّ: البخل مع حرص، وهو أشدّ من البخل; لأنّ البخل في المال وهو

1 . مجمـع البيـان:9/453; سنـن أبـي داود: كتاب الصلاة، باب الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث، برقم 1109.

صفحه 326
في المال وكلّ معروف، ومن هذا القبيل قوله سبحانه: (وَأُحْضِرَت الأَنْفُسُ الشُّحّ).1أي جُعل الشحّ حاضراً لها لا يغيب عنها إذ هي مطبوعة عليه.

تفسير الآية

لمّا ذكر سبحانه أنّ حب الأولاد المفرط والتعلّق الشديد بالأموال أمر خطير يسبّب انحراف الإنسان عن الصراط المستقيم، فرّع عليه بقوله: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي إذا علمتم ما ذكرنا من خطورة الموقف، فاتقوا الله مدة استطاعتكم ولا تتعاملوا مع الأموال والأزواج معاملةً تصدّكم عن طريق الحق.
(واسْمَعُوا) أوامر الله، (وأطيعوا) ما سمعتم، (وأَنْفِقُوا) من أموالكم في سبيل الله (خَيْراً لاَِنْفُسِكُمْ)مثله قوله: (فآمِنوا خَيْراً لَكُمْ)2، وقوله: (وانْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ).3
سورة التغابن.. الآيتان 17ـ 18   
وعلى هذا فمعنى هذه الفقرة وافعلوا خيراً لأنفسكم أو قدّموا خيراً لأنفسكم من أموالكم.
قوله: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)، أي من يلجم نفسه الأمّارة البخيلة عن معصية الله، وقام بحق الله سبحانه في أمواله يكون من الفائزين بثواب الله(وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

1 . النساء:128.
2 . النساء:170.
3 . النساء:171

صفحه 327
قال الإمام الصادق(عليه السلام): «من أدّى الزكاة فقد وقي شُحّ نفسه».1
***

الآية السابعة عشرة:

(إنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَليمٌ).

الآية الثامنة عشرة:

(عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ العَزيزُ الْحَكيمُ).

مفردات الآيتين:

أصل القرض: القطع، فما يُعطيه الإنسان فكأنّه يقطع من ماله على ضمان ردّ مثله .
الضعف: يراد به المثل، ولكن المراد في الآية الأمثال الكثيرة المتزايدة، بشهادة قوله سبحانه: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثيرةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).2

تفسير الآيتين

لمّا وصف الله سبحانه الأولاد والأموال بأنّهم أسباب الفتنة والاختبار، وأنّ الحب الشديد لهما يصدّ الإنسان عن الإنفاق، رغّب سبحانه في هذه

1 . مجمع البيان: 9/453.
2 . البقرة:245.

صفحه 328
الآية بأنّ إنفاق المال في سبيل الله نوع إقراض لله سبحانه والله يُعطي عوضه أضعافاً بشرط أن يؤمن الإنسان بهذا وتطمئن به نفسه، مضافاً إلى أنّه سبحانه يغفر ذنوبه كما قال: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ).
ثم إنّه سبحانه ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى(شَكُورٌ) أي مثيب لإنفاق المنفقين(حَليمٌ) لا يعاجل العباد بالعقوبة.
وقد ذكر الله سبحانه في الآية الأخيرة الأوصاف الثلاثة له سبحانه لغاية الترغيب في الخير والترهيب من الشرّ، قال: (عالِمُ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ) أي يعلم السر والعلانية ويعلم من ينفق ممّن يبخل. (العَزيزُ)القادر المطلق لا يعجزه شيء. (الحكيم) يعامل الناس بمقتضى الحكمة، فلا يكون المحسن والمسيء عنده سواء... والله أعلم.
***
تم تفسير سورة التغابن

صفحه 329
 

   ختامه مسك

سورة الممتحنة
وهي مدنية، وعدد آياتها ثلاثة عشرة آية

صفحه 330

صفحه 331

سورة الممتحنة

قبل ان نبدأ بتفسير آيات السورة، نقدم أُموراً:

1. وجه التسمية

سمّيت هذه السورة بالممتحنة تارة، وبالمودّة أُخرى.
فعلى الأوّل: فإن كانت بصيغة اسم الفاعل يكون إسناد الامتحان إلى السورة مجازاً; لأنّ السورة ليست ممتحِنة حقيقةً إلاّ مجازاً، لما ورد فيها من الأمر بالامتحان.
ولو كانت بصيغة اسم المفعول، فهي وصف لموصوف محذوف، وهي المرأة الممتحَنة. وأوّل امرأة امتحنت هي أُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط زوجة عبد الرحمن بن عوف.
وعلى الثاني ـ أي تسميتها بالمودّة ـ : فلأجل ورود النهي عن إسرار المودّة لأعداء الله وأعداء المسلمين، فيها.

صفحه 332

2. في عدد آياتها

إنّ عدد آياتها ثلاثة عشر آية، لكنّها آيات طوال.
سورة الممتحنة.. أسباب النزول   

3. أغراض السورة

الغرض من السورة هو تحذير المؤمنين من اتّخاذ الكافرين أولياء مع وجود الصلة والقرابة بينهم، وقد ورد في ثنايا السورة شيء من أحكام النساء المهاجرات وبيعة المؤمنات. وابتدأت السورة بالنهي عن المودة واختتمت بنفس المضمون وهو النهي عن تولّي الكافرين والمشركين الذين غضب الله عليهم. وترسم للمسلمين الخطّ العام لعلاقاتهم مع الكافرين والّذي يتحدّد على أساس موقفهم من الإسلام ومعتنقيه .

4. في أسباب النزول

سبب نزول السورة، هو أنّ بعض المؤمنين من المهاجرين قام بإفشاء سرّ الرسول(صلى الله عليه وآله)وإخبار أهل مكة بما عزم عليه النبي(صلى الله عليه وآله) من التهيّؤ لفتح مكة، وقد قام بذلك ليحمي من بقي من أرحامه في مكة المكرمة، فنزلت السورة في هذا الشأن، وإليك التفصيل:
ذكـر ابن إسحـاق أنّـه : لمّـا أجمـع رسـول الله(صلى الله عليه وآله)المسيـر إلى مكـة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يُخبرهم بالذي أجمع عليـه رسـول الله(صلى الله عليه وآله) من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة، زعم محمـد بن جعفر أنّها من مزينة، وزعم لي غيره أنّها سارَة مولاةٌ لبعض بني عبد المطلب، وجعل لها جُعلاً على أن تبلِّغه قريشاً، فجعلته في رأسها، ثم فتلت

صفحه 333
عليه قُرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله(صلى الله عليه وآله) الخبرُ من السماء بمـا صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، فقال: أدركا امـرأة قد كتب معها حاطبُ بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش، يحذّرهم ما قد أجمعنـا له في أمرهم.
فخرجا حتى أدركاها بالخُليفة، خليفة بني أبي أحمد، فاستنزلاها، فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي بن أبي طالب: إنّي أحلف بالله ما كُذب رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولا كُذبنا، ولتخرِجنّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفَنّك، فلما رأت الجدّ منه، قالت: أعرض، فأعرض، فحلّت قُرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسول الله(صلى الله عليه وآله) فدعا رسول الله(صلى الله عليه وآله)حاطباً، فقال: يا حاطب،ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إنّي لمؤمنٌ بالله ورسوله، ما غيّرتُ ولا بدّلتُ، ولكنّي كنت امرأً ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهلٌ فصانعتهم عليه.1
ونقل القصة الشيخ الطبرسي على وجه التفصيل، وممّا جاء فيها ـ ولم يذكره ابن هشام ـ : إنّ سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام أتت رسول الله(صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة بعد بدر بسنتين فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله)أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: أمهاجرة جئت؟ قالت: لا، قال: فمن جاء بك؟ قالت: كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهب موالىّ واحتجت حاجّة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني. قال: فأين أنت من شبّان

1 . السيرة النبوية لابن هشام:2/398ـ399. وللرواية صلة يأتي الكلام فيها .

صفحه 334
مكة وكانت مغنية نائحة. قالت: ما طلب مني بعد وقعة بدر. فحثّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله)يتجهّز لفتح مكة، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وكتب معها كتاباً إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير، عن ابن عباس، وعشرة دراهم، عن مقاتل بن حيان، وكساها بُرداً على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أنّ رسول الله يريدكم فخذوا حذركم... إلى آخر القصة.1
سورة الممتحنة.. الآية الأُولى   
***

تفسير الآيات

الآية الأُولى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَ مَا أَعْلَنْتُمْ وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ).

اللغة والإعراب:

الإلقاء: رمي ما في اليد على الأرض، قال الشاعر:

1 . مجمع البيان:9ـ10/405.

صفحه 335
ألقـى الصحيفـة كي يخفّـف رحلَـه *** والزاد حتى نعله ألقاها
ويستعمل في صدور فعل من غير تدبُّر.
إنّ في قوله«بالمودّة» وجهين:
الأوّل: الباء للإلصاق، لتأكيد اتّصال الفعل بمفعوله، نظير: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْتَّهْلُكَةِ)1، وذلك تصويراً لقوة مودّتهم لهم.2
الثاني: أنّ الباء، للسببية; ومفعول الفعل (تُلقون) محذوف. والمعنى، تُلقون أخبار النبي(صلى الله عليه وآله)إلى المشركين بسبب المودة الموجودة بينكم وبين المشركين.
قوله: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)، حال من الضمير المتصل في (لاَ تَتَّخِذُوا).
قوله: (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) حال من الضمير في قوله:(إِلَيْهِمْ).
قوله: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ) حال من نفس الضمير.
قوله:(إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) قيد لصدر الآية، أي لا تتّخذوا عدوي أو عدوكم أولياء إن كنتم خرجتم... الخ.

تفسير الآية

قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)

1 . البقرة: 195 .
2 . التحرير والتنوير:28/120.

صفحه 336
وإرداف (عَدُوِّي)بـ (عَدُوَّكُمْ)لشدة الترهيب من اتّخاذهم أولياء، فإذا كان المشرك عدواً لله وعدواً لكم فلا مسوّغ في منطق العقل اتّخاذهم(أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ).
قوله: (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) جملة حالية، وهي سبب ثان للنهي عن اتّخاذهم أولياء، وعلى هذا فقد ذُكر للنهي سببان:
1. كونهم عدواً لله وعدواً لكم.
2. كونهم كافرين بما جاءكم من الحق.
ثم أضاف سبباً ثالثاً وهو قوله:(يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ)، أي كيف تُلقون إليهم بالمودة مع أنّهم أخرجوا النبي(صلى الله عليه وآله) من بلده، كما أخرجوكم منه، لأجل إيمانكم بالله ورسالة الرسول(صلى الله عليه وآله)؟
والإتيان بصيغة المضارع (يُخْرِجُونَ) مع أنّهم أخرجوه مع المؤمنين من مكة قبل سنوات لتصوير الحال التي كانوا عليها حين صدر منهم هذا الفعل.
والمراد من الإخراج هو تمهيد مقدّماته وإيجاد أسبابه، بالتضييق على النبي(صلى الله عليه وآله)واضطهاد المؤمنين به حتى اضطروهم إلى مغادرة موطنهم.
قوله: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) والجملة قيد للنهي الوارد في قوله:(لاَ تَتَّخِذُوا) وقد شكّلتا جملة شرطية وجزائية، وعلّقت النهي عن اتخاذ الأولياء وإلقاء المودة إليهم بخروجهم جهاداً في سبيل الله، مع أنّ النهي عن اتخاذ الأولياء مطلق في عامة الحالات، سواء خرجوا جهاداً في سبيل الله أم لا.
ومع ذلك فالتعليق صحيح، جاء للتأكيد وتبيين أنّ ما خرجتم إليه من

صفحه 337
الجهاد في سبيل الله لا ينسجم مع اتخاذ الكافرين أولياء، فالمجاهد في سبيل الله يبتغي مرضاة الله لا مرضاة الناس، فلا يمكن الجمع بينهما. فلا مفهوم للجملة الشرطية حتّى يجوز اتخاذهم أولياء إذا لم يخرجوا للجهاد في سبيل الله. نظيره نظيرها في التأكيد وفقدان المفهوم في الذكر الحكيم قوله تعالى:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ).1 فالشرط تأكيد لما تقدّم وليس قيداً واقعياً. والمراد أنّ الإيمان بالله وما أُنزل على الرسول يبعثكم إلى قبول تشريعاته وأنّ ما حازه المجاهدون يقسم بين الرسول(صلى الله عليه وآله) والمجاهدين أخماساً، فالخمس للنبي(صلى الله عليه وآله)والباقي للمجاهدين... .
قوله: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَ مَا أَعْلَنْتُمْ) الجملة تفسير لقوله: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)، حيث تبيّن كيفية الإلقاء إليهم بالمودة وذلك بالإخبار عن أحوال الرسول(صلى الله عليه وآله)في السرّ بسبب المودة بينكم وبينهم. ومفعول الفعل (تُسِرُّونَ) محذوف: أي تخبروهم بأحوال المسلمين سرّاً، وعلى هذا فمفعول الفعل (تُسِرُّونَ)محذوف هو: أحوال المسلمين .
ويحتمل أن يكون المراد أنّكم تعلمونهم بالسرّ أن بينكم وبينهم مودّة. تقومون بذلك مع أنّه سبحانه أعلم بالخفاء والعلن، قال سبحانه:(إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ)2، وقال سبحانه: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا

1 . الأنفال:41.
2 . آل عمران:5.

صفحه 338
كُنْتُمْ)1.
ثمّ إنّه سبحانه وصف من اتخذ عدو الله أولياء بقوله: (وَ مَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) أي عدل عن طريق الحق وسبيل الرشد.
وفي الآية دليل على أنّ مرتكب الكبيرة ليس بكافر، حيث إن حاطب بن أبي بلتعة ارتكب الكبيرة وهي اتخاذ عدو الله ولياً مع أنّه لم يكفر، ولم يرتد عن الدين، وقد روي أنّ عمر بن الخطاب طلب من النبي(صلى الله عليه وآله)أن يقتله، فأبى النبي(صلى الله عليه وآله) .2
***
سورة الممتحنة.. الآية الثانية   

الآية الثانية:

(إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ).

اللغة:

قوله: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ) أي يظفروا بكم، يقال: ثقفتُ الرجلَ، إذا ظفرتَ به، نظير قوله:(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ).3
وربما يستعمل في الفطنة والذكاء، يقال: غلام ثقِف، أي ذو فطنة وذكاء.

1 . الحديد: 4.
2 . السيرة النبوية:2/399.
3 . البقرة:191.

صفحه 339

تفسير الآية

قوله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً) أي إن يظفروا بكم عن طريق الحيلة والفطنة والذكاء لا يرحمونكم، أي يتعاملون معكم بأُمور أربعة:
1. (يكونوا لكم أعداء)، ولعل المراد إظهار العداء المكنون، ولذلك عبّر بصيغة المضارع، مشعراً بأنّ عداوتهم قديمة مستمرة تظهر عند الظفر بكم.
2. (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ) أي يوقعون بكم ما يقدرون عليه من القتل والأذى.
3.ويبسطوا (أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ )، أي يذكرونكم بكل قبيح من الشتم واللعن وتشويه السُّمعة.
4. (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) أي يودّون رجوعكم من الحق إلى الضلال، وهذه هي أُمنيّة الشيطان حيث لا يريد من الإنسان إلاّ الضلال حدوثاً وبقاءً.1
وهذا الأمر الرابع يعدّ من أشدّ الآثار السلبيّة المترتبة على تولّي الكافرين، لأنّه يفضي إلى انهيار بناء المجتمع الإسلامي الفتىّ، القائم على العقيدة الجديدة، وقد تجسّد ذلك بعد قرون في المغرب الإسلامي ـ أعني: الأندلس ـ الّتي كان من أكبر أسباب ضياعها، وانهيار حكم المسلمين فيها ، هو مهادنة الأعداء المحاربين، والتحالف والتعاون معهم، والحرص على

1 . وثمة نكتة بلاغية أوردها نظام الدين محمد بن الحسن القمي النيسابوري في كتابه «غرائب القرآن»، قال: قال علماء المعاني: إنّما عطف قوله (وودّوا) وهو ماض لفظاً على ما تقدّمه وهو مضارع، تنبيهاً على أنّ ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم، لعلمهم أنّ الدين أعزّ على المؤمنين من الأرواح والأموال، وأهمّ شيء عند العدوّ أن يقصد أعزّ شيء عند صاحبه. غرائب القرآن ورغائب الفرقان:10/521.

صفحه 340
إرضائهم وكسب مودّتهم على حساب المبادئ والمصلحة الإسلامية العليا، وقد وصل الأمر ببعض ملوكها (كعبد الله الصغير) إلى التزوّج ببنات الأعداء (الإسبان)، وإطلاعهنّ على أسرار البلاط، وأسرار المملكة، ومن ثم إيصالها إلى الإسبان، الأمر الّذي أتاح لهم التدخل في شؤون المملكة، والكيد لها.1
قال الدكتور عبدالمجيد نعنعي، وهو يتحدث عن أوضاع طليطلة في عام (1079م) وما بعده:(الطليطليون الذين استدعوا المتوكّل، وأمّلوا الخلاص على يديه، أُصيبوا بخيبة أمل مريرة من ممارسته، وأُولئك الداعون للتعاون والسلام مع الإسبان النصارى وجدوا في تصرّفاته مبرّرات إضافية تدعم وجهة نظرهم. في هذا الوقت كان القادر ينظم أُموره بالتعاون مع (ألفونسو السادس) ويوثّق تحالفه معه، استعداداً لمهاجمة العاصمة طليطلة واحتلالها.
سورة الممتحنة.. الآية الثالثة   
بعد الاتفاق بين الملكين، جمع (ألفونسو السادس) جيشاً كبيراً، وانطلق يباشر غزو أراضي مملكة طليطلة، يخرّب أراضيها وينشر الرُّعب بين أهلها. وعندما تسرّبت هذه الأخبار إلى المتوكّل الأفطسي، وأدرك قوة الخطر الإسباني وعجزه عن ردّ الغزاة خان الطليطليين، وفرّ تاركاً إياهم لمصيرهم السيء. ألقى (ألفونسو السادس) حصاراً قوياً على طليطلة، ]ممّا[ جعل الطليطليين يفتحون أبواب مدينتهم ويُدخلون ملكهم السابق ]القادر[.
وفى القادر بتعهده، وقدّم إلى (ألفونسو السادس) كل ما وجده في القصر الملكي من تحف وثروات ومن أموال ذي النون، وقد اعتبر(ألفونسو

1 . انظر: رجال من التاريخ، لعلي الطنطاوي:317ـ323.

صفحه 341
السادس)ما قُدّم له قليلاً واتّهم القادر بأنّه قد أخفى الكثير ممّا وجده في المدينة، ولذا طالب بأن يُعطى بالمقابل، كرهينة، حصن (قتالش) الهامّ!!
منذ ذلك الوقت صار سقوط طليطلة ]بيد الإسبان[ يعتبر وكأنّه أمر واقع ومؤكّد، وما كانت عودة القادر ابن ذي النون إليها وإعادة تتويجه على عرشها بالنسبة لألفونسو السادس إلاّ أموراً آنية ومؤقتة. وانطلاقاً من هذه القناعة دخل الملك الإسباني في مباحثات مع قداسة البابا لإعادة كرسي رئيس أساقفة إسبانيا إلى طليطلة، تلك الرئاسة الّتي افتقدتها الأُسقفيات الإسبانية منذ زمن طويل.1
***
وعلى أي تقدير، فالآية الثانية بعامة فقراتها تعليل لذيل الآية الأُولى ـ أعني: (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ) ، والدليل على هذا أنّه لو سنحت الفرصة لهم، لتعاملوا معكم بهذه الأمور.
أفهل يجوز في منطق العقل التعامل معهم معاملة الصديق مع الصديق؟
***

الآية الثالثة:

(لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
لا شكّ أنّ أواصر القربى تنفع الإنسان في الحياة الاجتماعية الدنيوية،

1 . الإسلام في طليطلة:280ـ291.

صفحه 342
والآية تدلّ على عدم نفعها يوم القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ، كما قال سبحانه:(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ )1، فإذا كان حال الإنسان مع أولاده وأرحامه يوم القيامة هكذا، فلا يصحّ لمؤمن بما أُنزل على الرسول، أن يخون الله ورسوله بإفشاء سرّه إلى الأعداء وموادّتهم، لأجل أن تكون له يد عندهم، يدفع بها عن أهله وأولاده، بل يجب أن تكون آصرة العقيدة عنده أقوى من كلّ آصرة. وكأنّ الآية ردّ على حاطب بن أبي بلتعة في اعتذاره عن عمله التجسسي بأنّه لم يكن أحد من المهاجرين إلاّ وله قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم، وأنّه كان غريباً في قريش، فخشي على أهله، فأراد أن يتخذ عندهم يداً.
هذا ما يرجع إلى تفسير قوله: (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لانقطاع وشيجة الأنساب، فلا ينتفع ذوقرابة من قرابته شيئاً.
بقي تفسير قوله:(يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) الظاهر أنّ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)ظرف لكلا الفعلين: عدم النفع، والفصل بينكم وإن كان الظاهر أنّه ظرف للفعل الثاني، لكنّه ظهور بدئي، لأنّ الإنسان ينتفع بالأرحام والأولاد في الحياة الدنيوية، فلا محيص من تخصيص عدم النفع بيوم القيامة وجعله ظرفاً لكلا الفعلين، إنّما الكلام فيما هو المقصود من الفصل، فقد ذُكرت هنا وجوه:
سورة الممتحنة.. الآية الرابعة   
1. انقطاع روابط الأنساب، فلا خبر عنها يوم القيامة، ولعله إلى هذا يشير قوله سبحانه:(وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)2.

1 . عبس:34ـ37.
2 . البقرة:166.

صفحه 343
2. إنّ الله يفرّق بينهم، فيفرّ المرء من أخيه وأُمّه وبنيه وصاحبته.
3. إنّ الله يميّز بينهم بإدخال أهل الإيمان الجنة، وأهل الكفر النار.
4. إنّ الله يقضي بينكم يوم القيامة.
والظاهر هو المعنى الأوّل، لعدم تناسب سائر المعاني مع سياق الآية.
***

الآية الرابعة:

(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْء رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

اللغة:

«الأُسوة»: القدوة. «برآء»: جمع بريء. «البغضاء»: نفرة النفس والكراهية الظاهرة على الجوارح، كما في قوله سبحانه: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ).1

تفسير الآية

إنّ من أساليب التربية الناجعة في مجال تهذيب النفوس، هو عرض نماذج من البشر بلغوا الغاية في السموّ الإيماني والأخلاقي وفي الطهارة

1 . آل عمران:118.

صفحه 344
والنزاهة، وحضّ الآخرين على التأسّي والاقتداء بهم في الحياة. وهذا المنهج قد اتُّبع في القرآن الكريم فيذكر هنا، مثلاً، إبراهيم(عليه السلام)ذلك النبي الكبير الذي كانت حياته كلها طاعة لله وجهاداً في سبيله، فيقول سبحانه في حقه: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ).
كما أشار القرآن الكريم إلى أُسوة أُخرى، أعني: النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله)الّذي تمحّضت نفسه للطاعة والإخلاص، وكُرّست حياته للجهاد في سبيل الله والعمل بمرضاته، يقول سبحانه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ )1.
ولم يقتصر الأمر على الرجال، في عرض أسوة حسنة أمام أعين المسلمين، بل أشار إلى امرأتين متّقيتين، بلغتا في التقوى والنزاهة مبلغاً لا يُدرك شأوهما، فيذكر من باب المثال امرأة فرعون ويقول:(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ )2 ويذكر بعدها مريم ويقول:(وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا).3
إنّ إبراهيم(عليه السلام) كان أُسوة في مجالات مختلفة.. في إخلاصه وحبّه لله تبارك وتعالى.. في نضاله وجهاده مع المشركين الّذي بلغ حدّاً لم يأبه فيه للقتل والإحراق، إلى غير ذلك من وجوه الكمال، ولكن المراد هنا هو اتخاذه ومن معه أُسوة في ترك مُوالاة المشركين، وذلك بالصور التالية:
1. (إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) فتبرّؤوا من

1 . الأحزاب: 21 .
2 . التحريم:11.
3 . التحريم:12.

صفحه 345
قومهم وأصنامهم التي يعبدونها من دون الله.
2. (كَفَرْنَا بِكُمْ ) أي كفرنا بجمعكم، والمراد من الكفر هو كفر البراءة من جمعهم.وهذا غير كفرهم بما يعبدونه. وما في المجمع من تفسيره بجحد دينهم وإنكار معبودهم1، يستلزم التكرار لوروده في الفقرة الأُولى.
3. (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا) أي ظهرت العداوة والبغضاء اللتين نشأتا في القلب، على الجوارح والألسن، فلا جامع بيننا، ولا صلة تربطنا بكم، أنتم أعداؤنا ما دمتم عاكفين على الأصنام وعبادة الكواكب، ولا تنقلب هذه العداوة إلى موالاة، والبغضاء إلى محبّة إلاّ في صورة واحدة، وهي:
4. (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) أي تصدّقوا بوحدانية الله وإخلاص التوحيد والعبادة له.
إنّ الهدف من هذا الخطاب، هو الحثّ على الاقتداء بالموقف الشجاع، والقرار الحازم الّذي اتخذه (إبراهيم(عليه السلام) ومن آمن معه) من قومهم حتى يقطع المسلمون كل الروابط والوشائج الاجتماعية مع أقوامهم الكافرين، وهو في الوقت نفسه يتضمّن تنديداً بعمل حاطب بن أبي بلتعة، فإنّه تخلف عن هذا المنهج المتوارث عن إبراهيم(عليه السلام)والمؤمنين به.
وهنا يُطرح السؤال التالي، وهو أنّه سبحانه حين تحدّث عن دعوة إبراهيم قومه إلى التوحيد، قال:

1 . مجمع البيان:9/406.

صفحه 346
(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ).1
فالظاهر من هذه الآية أنّه لم يؤمن له إلاّ لوط، فكيف يقول سبحانه: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ والذين معه).
والجواب هو أنّ ذكر اسم لوط هنا، لا يدل على عدم إيمان غيره، فلعلّه سبحانه قد خصّه بالذكر لأجل منزلته الرفيعة وكونه نبيّاً من أنبيائه، على أنّ ابن الأثير يذكر في تاريخه: أنّ قوماً آمنوا به وفارقوا المشركين بالهجرة من وطنهم، قال: ثم إنّ إبراهيم والذين اتّبعوا أمره أجمعوا على فراق قومهم.2ويمكن أن يكون الجمع للتعظيم وافتراض فرد كالأُمّة، كما في قوله سبحانه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً).3
قوله تعالى:(إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْء).
اختلفت كلمة المفسرين في تفسير هذا الاستثناء، ومع قطع النظر عنه فمعنى الفقرة واضح حيث إنّ إبراهيم(عليه السلام)وعد أباه أن يستغفر له ومع ذلك نبّه بأنّ استغفاره مشروط بقبول الله سبحانه، فإنّ الأمر كلّه بيد الله وحده. وقد ذُكرت في تفسير الاستثناء وجوهٌ:
1. أنّ الاستثناء جملة معترضة بين قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ)إلى قوله: (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) وبين مقال إبراهيم ومن معه(رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، وعلى هذا

1 . العنكبوت:26.
2 . الكامل في التاريخ:1/57
3 . النحل:120.

صفحه 347
يكون الاستثناء منقطعاً، والاستغفار مغايراً للتبرّي1، ويمكن أن يكون نظر القائل لما سنذكره في الوجه الثالث.
2. أنّه استثناء من قوله: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ) فهو أُسوة في جميع المجالات إلاّ في استغفاره لأبيه، فليس للمؤمنين الاقتداء به في ذلك، وهذا الوجه غير صحيح جدّاً، فإنّ القرآن الكريم وصف بطل التوحيد بصفات كثيرة ربما تصل إلى خمسة عشر صفة، وقد توفرت فيه العصمة والصفات الكمالية، فكيف يمكن أن يخالف ربّه في الاستغفار، مع أنّه كان يجب عليه التبرّي في عامّة الجهات ولا يستثني هذه الجهة؟
3. أنّ الظاهر من مجموع ما ورد من الآيات حول تبرّي إبراهيم من أبيه واستغفاره له، أن تبرّيه كان بعد الوعد وبعد أن تبيّن عداءه لله سبحانه، يقول سبحانه: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).2
فالآية ظاهرة في أنّه(عليه السلام) وعد أباه بالاستغفار، حيث كان يترقّب منه الإيمان وترك عبادة الأصنام، فلمّا تبيّن أنّه ثابت على الوثنية التي هي تعبير آخر عن كونه عدواً لله، فعند ذلك تبرّأ منه.
وعلى هذا فلو كان الاستغفار بعد التبرّي، يرد الإشكال في أنّه كيف حفظ هذا القسم من التولّي وترك الأقسام الأخرى، وهو نبي معصوم؟
وأمّا على ما ذكرنا بأنّ الاستغفار كان قبل التبرّي، حيث إنّه ظنّ أنّه

1 . التحرير والتنوير:8/130.
2 . التوبة:114.

صفحه 348
سيهتدي ويترك عبادة الأصنام، ولمّا تبيّن أنّه مستمر على ضلاله تبرّأ منه، فلا يكون استثناء الاستغفار المذكور في الآية منافياً للتبرّي لوقوعه قبله .
وعلى هذا، فكأنّ الاستثناء جواب لسؤال معلوم من سياق الآية، وهو أنّه سبحانه حينما وصف إبراهيم ومن آمن معه بالتبرّي الكامل من المشركين (حسب ما عرفت) دار في ذهن المخاطب: أنّه إذا كان بهذه المنزلة، فكيف استغفر إبراهيم لأبيه، وهو أمر لا ينسجم مع التبرّي؟
فأجاب سبحانه: بأنّ هذا الاستثناء قد تم تحت شروط خاصّة، ولم يكن لأغراض دنيوية ولا لمصلحة وقتية، وإنّما كان الوعد بزعم أنّه سيرجع إلى حظيرة التوحيد، فوعده(عليه السلام)بالاستغفار. وقد عرفت أنّه كان قبل التبرّي، ولم يمكن الاستغفار مضاداً للتبرّي ولا بمعنى التولّي، وإنّما هو استثناء في حياة بطل التوحيد حيث وعد في وقت مناسب بزعم وجود المصلحة، فلما تبيّن عدمها تركه ولم يستغفر، وعلى هذا فكأنّ هنا جملة محذوفة، وهي: إنّكم تقتدون بإبراهيم في كل شيء بلا استثناء، وأمّا الاستغفار فإنّما هو أمر خارج عن موضوع التولّي والتبرّي، وكان وعداً لمصلحة دينية لا شخصية، فلا يعتبر وعد الاستغفار، دليلاً على وجود الصلة وعدم التبرّي الكامل.
سورة الممتحنة.. الآية الخامسة   
فلفظة «إلاّ» استثناء في حياة الخليل، أو هي بمعنى أمّا، أي أمّا قول إبراهيم، والجواب محذوف أي لمصلحة خاصّة، فلمّا تبيّن موقف الأب، تركه ولم يستغفر له، ولعلّه هذا مراده من جعل الفقرة جملة معترضة بين صدر الآية وذيلها.
قوله: (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، يُعدّ تتمّة لتبرّي

صفحه 349
إبراهيم ومن معه من المشركين، ويتضمن ثلاث جمل:
1. (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا)... والتوكل على الله تفويض كل الأُمور إليه ثقةً بحسن تدبيره.
2. (وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا) أي رجعنا إلى طاعتك وتبنا إليك.
3. (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)،... أي وإليك مرجع كل شيء، وهو تعبير عن الإيمان الراسخ بالآخرة.
***

الآية الخامسة:

(رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
تطلق الفتنة ويراد بها أحد المعاني التالية:
1. الخصومة والحرب بين رئيسين ضالّين يدعوان كلاهما إلى ضلالة، كفتنة عبدالملك وابن الزبير، وفتنة مروان والضحاك، وفتنة الحجاج وابن الاشعث، ونحو ذلك، فإذا كان أحدهما صاحب حق فليس ثمّة فتنة كالجمل وصفين ونحوهما، بل يجب الجهاد مع صاحب الحق، وسلّ السيف والنهي عن المنكر. 1
وإلى هذا المعنى يشير الإمام علي(عليه السلام) بقوله: «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ».2

1 .انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 18 / 82 .
2 . نهج البلاغة، قسم الحكم، برقم 1. وفيه: ابن اللّبون: ولد الناقة الذكر إذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة، واللّبُون من الإبل والشاة: ذات اللَّبن. وابن اللَّبون لا يكون قد كمل وقوي ظهره على أن يُركب، وليس بأُنثى ذات ضرع فيُحلب وهو مطّرَح لا يُنتفع به.

صفحه 350
وقال (عليه السلام): «اخمل نفسك أيّام الفتنة، وكن ضعيفاً مغموراً بين الناس لا تصلح لهم بنفسك ولا بمالك، ولا تنصر هؤلاء وهؤلاء».1
2. الكفر والضَّلال والمعصية: وبه فُسِّر قوله تعالى:(ألا فِى الفِتْنَةِ سَقَطُوا)2 أي وقعوا في الكفر والمعصية، وقوله تعالى:(وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَة)3 يعني هاهنا الكفر. قال الشيخ الطوسي: وإنّما سمّي الكفر فتنة، لأنّ الكفر يؤدي إلى الهلاك كما تؤدي الفتن إلى الهلاك، ولأنّ الكفر إظهار الفساد عند الاختبار، والفتنة إنّما هي الاختبار.4
3. العذاب والبليّة: وبه فُسِّر قوله سبحانه: (إنّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِناتُ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا)5، وقوله جلّ من قائل: (يَوْمَ هُمْ عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ)6أي يُحرقون بالنّار ويُعذّبون فيها. وأصل الفتنة تخليص الذهب بإحراق الغُشّ الّذي فيه، فهؤلاء يُفتنون بالإحراق كما يُفتن الذهب.7
4. الامتحان والاختبار: وهذا هو المراد من قوله تعالى: (أحَسِبَ النّاس أنْ يُتركُوا أنْ يَقُولُوا آمنّا وَهُمْ لا يُفتَنُون)8، وقوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)أي محنة وابتلاء وشدّة في التكليف عليكم، وشغل عن أمر

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 18 / 83 .
2 . التوبة:49.
3 . البقرة:193.
4 . التبيان في تفسير القرآن:2/147.
5 . البروج: 10.
6 . الذاريات: 13.
7 . التبيان في تفسير القرآن: 9/382.
8 . العنكبوت:2.

صفحه 351
الآخرة، فإنّ الإنسان بسبب المال والأولاد يقع في الحرام1، يقول الإمام علي(عليه السلام): «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ» لاَِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَة، وَلكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ).2 وَمَعْنَى ذلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالاَْمْوَالِ وَالاَْوْلاَدِ» .3
قال ابن أبي الحديد: وعندي أنّ أصل اللفظة (يعني الفتنة) هو الاختبار والامتحان، وأنّ الاعتبارات الأُخرى راجعة إليها، وإذا تأمّلت علمت صحّة ما ذكرناه.4
ومهما يكن، فالظاهر أنّ المراد في قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذينَ كَفَرُوا): لا تجعلنا سبب فتنة لصالح الكافرين بأن يتسلّطوا علينا ويحملونا على ما يريدون، فلا تسلّطهم علينا فيفتنونا عن دينك.
وقيل في تفسير الآية وجوه ذكرها الطبرسي، والظاهر ما ذكرناه، وهو خيرة السيد الطباطبائي، قال: الفتنة ما يُمتحَن به، والمراد بجعلهم فتنة للذين كفروا:تسليط الكفار عليهم ليمتحنهم فيُخرجوا ما في وسعهم من الفساد، فيؤذوهم بأنواع الأذى أن آمنوا بالله ورفضوا آلهتهم وتبرّؤوا منهم وممّا يعبدون.5
والظاهر أنّ الآية جزء من دعاء إبراهيم(عليه السلام) ومن معه ولذلك ختموا هذا

1 . مجمع البيان:9/452.
2 . الأنفال: 28.
3 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 93 .
4 . شرح نهج البلاغة:18/249.
5 . تفسير الميزان:19/233.

صفحه 352
الدعاء بدعاء آخر، قالوا:(وَ اغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا) ما سلف من ذنوبنا (ربّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي الغالب الذي لا يُغلَب، والحكيم الذي لا يفعل إلاّ عن حكمة.
وفي هذا تعليم للمسلمين أن يدعوا الله سبحانه بهذا الدعاء، وكأنّ الإتيان بوصف العزيز هنا تعليل لما مرّ من توكلهم على الله والإنابة والمصير إليه، فهذه الأُمور إنّما تُطلب ممن يوصف بالعزة والقدرة والحكمة. ولو كان علّة لطلب المغفرة، لكان من المناسب أن يقول: إنّك أنت الغفور الرحيم.
***
سورة الممتحنة.. الآيتان6و7   

الآية السادسة:

( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَ الْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنيُّ الْحَمِيدُ ).
الآية تكرار لما مرّ في الآية الرابعة، حيث قال: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ).
وقد أُعيد المضمون لأجل التأكيد على اتّخاذهم أُسوة.
قوله:(لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَ الْيَوْمَ الآخِرَ) بدل من الضمير في (لَكُمْ)أُتي به للتعميم، وأنّ اتّخاذهم أُسوة لا يختص بالمهاجرين الذين كان لهم أقارب في مكة المكرمة، فأعلن أن ما مرّ من الأمر بالتبرّي من العدو واتخاذ إبراهيم ومن معه قدوة، يعمّ كلّ من آمن بالله واليوم الآخر.
قوله:(وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَني الْحَمِيدُ)، أي من يتولّى الكافرين

صفحه 353
بابتغاء المودة إليهم فلا يضرّ الله، لأنّه هو الغني الحميد.
وفسّره في المجمع بالإعراض وقال: ومن يعرض عن هذا الاقتداء بإبراهيم والأنبياء والمؤمنين والذين معه فقد أخطأ حظ نفسه وذهب عمّا يعود نفعه إليه.1
***

الآية السابعة:

(عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
لمّا أمر الله تعالى المسلمين في عصر الرسالة بعدم موالاة أقاربهم وأرحامهم وأولادهم المشركين وأن لا يقيموا أيّة صلة معهم، وغير خفي أنّ قطع الصلة مع ذوي القربى ليس أمراً سهلاً، عاد سبحانه يسلّيهم ويُطمعهم رجاء عودة المودة بينهم وبين الذين قطعوا معهم الصلة، وذلك بأن يتشرّفوا بالإيمان والإسلام ويكون الجميع متحابين ومتوادّين، وقد تحقّق ذلك بفتح مكة، وإسلام المشركين ودخولهم حظيرة الإسلام. فقوله في أوّل الآية: (عَسَى اللهُ)بمعنى رجاء المسلمين ذلك من الله، لارجاء الله، وبذلك يُعلم أنّ الآية ليست ناسخة لوجوب التبرّي، وإنّما هي من قبيل تبدّل الموضوع، أي إسلام الكافر وإيمانه، وبذلك يصير كالآخرين.
***

1 . مجمع البيان:9/408.

صفحه 354
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى الآيات من الثالثة إلى السابعة.
بقي هنا بحثان:

1. ظهور الآية في كون أبي إبراهيم مشركاً

يستفاد من الآية الرابعة أنّ أبا إبراهيم كان من المشركين بدليل قوله: (إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) مع أنّ الإمامية اتّفقوا على أنّ آباء الرسول(صلى الله عليه وآله)كلّهم موحِّدون، قال المفيد: واتّفقت الإمامية على أنّ آباء رسول الله(صلى الله عليه وآله) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله عزّ وجلّ موحِّدون.1
فلو كان أبو إبراهيم مشركاً فكيف ادّعى الشيخ المفيد إجماع الإمامية على أنّ آباء الرسول إلى آدم كلّهم موحّدون؟
هذا هو الإشكال، وقد أُثير قبل قرون ولكن دراسة الآيات الواردة حول إبراهيم(عليه السلام) تدل على أنّ المراد من الأب هنا هو غير الوالد، إمّا أن يكون عمّاً أو خالاً، وإليك توضيح ذلك.
لا شك أنّه إذا اطلق الأب يتبادر منه المعنى المتعارف، أي من خُلق من مائه الولد، ولو استعمل في مورد في معنى العمّ فإنّما هو بقرينة دالة على خلاف الظاهر كما في قوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)2، ولا شك أنّ إبراهيم كان جد

1 . أوائل المقالات:12، ط. تبريز.
2 . البقرة:133.

صفحه 355
يعقوب، وإسحاق كان والده، وأمّا إسماعيل فهو عمّه، ومع ذلك أُطلق عليهم جميعاً الآباء وهذا الاستعمال مقرون بقرينة.
وعلى هذا فلا يمكن صرف الآية في المقام عن الوالد إلى العمّ أو الخال بمجرد استعمال الأب في العم بقصة يعقوب، بل يجب أن يوجد هنا دليل قاطع على صرف الأب عن الوالد إلى غيره، ومن حسن الحظ وجود هذه القرينة، وذلك:
أنّ المتبادر من الآية الواردة في سورة التوبة، هو أنّ إبراهيم تبرّأ من أبيه أيام إقامته في بابل وهي أيام شبابه حيث قال:(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)1، وهذا يدل على انقطاع الصلة بينه وبين من يُعبّر عنه بالأب عندما كان إبراهيم في بابل وهو فتى يافع، وتدلّ الآيات الواردة في سورة الشعراء أنّه قد استغفر له وهو في بابل أيام شبابه حيث يذكر قصة إبراهيم(عليه السلام)بقوله:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ)2 ثم يذكر قوله: (وَ اغْفِرْ لاَِبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ)3.
وعلى ذلك فالدعاء له ثم التبرّي منه، كلّ ذلك تحقّق أيام إقامته في بابل قبل أن يغادرها إلى فلسطين ومنها إلى مصر ومنها إلى الحجاز، هذا من جانب.

1 . التوبة:114.
2 . الشعراء :69ـ71
3 . الشعراء: 86.

صفحه 356
ومن جانب آخر نجد إبراهيم(عليه السلام) لما طُعن في السنّ وبنى البيت الحرام ورُزق بولدين صالحين، نجده يدعو لوالديه بالمغفرة، وإليك الآيات:
(الْحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ).1
فالمستغفَر له والمتبرَّئ منه بعد ذلك في أيام شبابه والذي سمّي بالأب، هو غير الذي دعا له في أُخريات حياته وسمّاه بالوالد.
وهذه قرينة واضحة على أنّ تسمية آزر بالأب، إنّما هو لوجود صلة قوية بينه وبين إبراهيم(عليه السلام)ككونه عمّه أو خاله، فقد دعا له بالمغفرة ثم تبرّأ منه.
وأمّا الوالد الحقيقي فقد دعا له ولم يتبرّأ منه لحظة واحدة.
وهذا هو السرّ في أنّه عبّر عن آزر بالأب، وعن غيره بالوالد.

2. خطاب الله لأهل بدر: اعملوا ما شئتم

قد روى كثير من المحدثين وعلى رأسهم البخاري2 ومسلم في صحيحيهما، أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)كلّم حاطب بن أبي بلتعة في ما صدر عنه، فاعتذر بعذر مرّ نقله، وعندئذ قال عمر للنبي(صلى الله عليه وآله): دعني يا رسول الله اضرب عنقه، فقال(صلى الله عليه وآله): إنّه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ونزلت الآية:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي

1 . إبراهيم:39ـ41.
2 . صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن برقم 4890 و كتاب الجهاد والسير برقم 3007.

صفحه 357
وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ...)فيه. نقله في الدر المنثور وقال: أخرجه، أحمد، والحميدي، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو عوانة، وابن حبان، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم معاً في الدلائل1.
ولا تصح المناقشة في السند، لأنّه مروي في الصحيحين ـ على رأي القوم ـ وغيرهما من كتب الحديث ولا محيص من دراسة مضمونه على ضوء الكتاب والسنّة المتواترة والعقل الحصيف.
ومن المعلوم أنّ ردّ الرواية، ليس بمعنى ردّ قول النبىّ(صلى الله عليه وآله)فإنّه كفر وإلحاد وإنّما هو ردّ لمن يروي الحديث. وقد قال أبو حنيفة:أُكذّب هؤلاء ولا يكون تكذيبي لهؤلاء وردّي عليهم تكذيباً للنبيّ(صلى الله عليه وآله)، إنّما يكون التكذيب لقول النبي(صلى الله عليه وآله): أن يقول الرجل أنا مكذّب لقول نبي الله(صلى الله عليه وآله); فأما إذا قال الرجل: أنا مؤمن بكل شيء تكلم به النبي، غير أنّ النبي لا يتكلم بالجور، ولم يخالف القرآن، فإنّ هذا القول منه هو التصديق بالنبي والقرآن، وتنزيه له من الخلاف على القرآن، ولو خالف النبي القرآن وتقوَّلَ على الله غير الحق، لم يدعه اللهُ حتى يأخذه باليمين، ويقطع منه الوتين كما قال الله عزّ وجل:(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالَْيمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حَاجِزِينَ)2، ونبي الله لا يخالف كتاب الله تعالى، ومخالفُ كتاب الله لا يكون نبي الله.3

1 . الدر المنثور:9/125.
2 . الحاقة:44ـ47.
3 . العالم والمتعلم:100ـ101.

صفحه 358
إذا عرفت ذلك فلندرس مضمون الرواية على ضوء المقاييس الثلاثة التي ذكرناها:
أمّا على ضوء القرآن الكريم، فأوّلاً: إنّ ظاهر آيات سورة الممتحنة أنّ كاتب الرسالة ـ أعني: حاطب بن أبي بلتعة ـ كان مستحقاً للجزاء غير أنّ النبي(صلى الله عليه وآله)عفا عنه بحجة أنّه بدري، فلو أباح سبحانه للبدريين اقتراف المحرّمات، فلا مبرّر لتوجيه اللوم والذمّ إليه إلى حدّ طلب عمر من رسول الله(صلى الله عليه وآله)أن يضرب عنقه!! وهذا دليل على أنّ جزاءه كان هو القتل أو نحوه، ولم يردّ النبي(صلى الله عليه وآله)على عمر ويقول له: إنّه لا يستحقّ الجزاء، بل إنّه عفا عنه.
وثانياً: كيف يمكن القول بأنّ الله أباح لهم المحرّمات وأضاء لهم الضوء الأخضر لاقترافها، مع أنّه يذمّهم في مورد الأسرى ويقول: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)1؟
فإنّ الآية الأُولى خطاب لمن هو دون النبي(صلى الله عليه وآله) من المؤمنين الذين رغبوا في أخذ الفداء من الأسرى قبل أن تضع الحرب أوزارها، رغبوا في الحرب لأجل الغنيمة قبل أن يثخنوا في الأرض، حيث إنّ أخذ الفداء قبل الإثخان في الأرض وقبل تمكّن النبي(صلى الله عليه وآله) ومن معه من التسلّط التام على الخصم، أمر مرغوب عنه على نحو أنّه لولا (كتاب من الله سبق) لعمّهم العذاب.

1 . الأنفال:67ـ68.

صفحه 359
فلو كان البدريون مرفوعة عنهم التكاليف، فما معنى هذا التنديد بهم؟!
وأمّا على ضوء السنّة الشريفة، فإنّ مِسْطَح بن أثاثة كان بدرياً، وقد جلده النبي(صلى الله عليه وآله) في قصة الإفك، يقول الجزري: «شهد مسطح بدراً وكان ممن خاض في الإفك على عائشة فجلده النبي(صلى الله عليه وآله)فيمن جلد، وكان أبو بكر ينفق عليه فأقسم أن لا ينفق عليه، فأنزل الله تعالى:(وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ )1 فعاد أبو بكر ينفق عليه.2
فلو كان البدريون ـ ومنهم مسطح ـ مخاطبين بقوله:اعملوا ما شئتم، لأصبحوا أحراراً في قولهم وعملهم، فلماذا جلد النبي(صلى الله عليه وآله) مسطحاً فيمن جلد في ذلك؟!
وأمّا العقل الحصيف، فإنّ لازم ذلك عدم قبول رواية أي بدري منهم، لأنّه سبحانه تبارك وتعالى أباح لهم اقتراف الكبائر ومنها الكذب، والمفروض أنّهم ليسوا بمعصومين فإذا حدّثوا بحديث وتطرّق احتمال الكذب إليه، فلا يمكن الأخذ به.
وما ربما يقال: «إنّ الله سبحانه يحفظ هؤلاء عن اقتراف المعاصي والذنوب، وإن كان غفر له لو اقترف» غير صحيح، فمن أين يقال: إنّه سبحانه يحفظهم من هذه المعاصي، وهذا هو مسطح لم يحفظه من الإفك الذي هو من أكبر المعاصي؟ وهذا هو حاطب بن أبي بلتعة قد تجسّس لصالح الكفّار ولم يحفظه الله سبحانه؟
وبذلك ظهر أنّ الحديث مهما صحت أسانيده لا يمكن الأخذ

1 . النور: 22 .
2 . أُسد الغابة في معرفة الصحابة:4/355.

صفحه 360
بمضمونه، لأنّه يغاير المعايير الثلاثة.
***
سورة الممتحنة.. الآيتان 8و9   

الآيتين الثامنة والتاسعة:

(لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*
إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ).

تفسير الآيتين

أمر الله سبحانه المؤمنين، في الآيات السابقة، أن لا يتّخذوا الكافرين أولياء للأسباب التي تقدّم ذكرها، ثم خاطبهم في هذه الآيات ليرشدهم إلى النهج الذي عليهم أن يسلكوه في تعاملهم معهم، والذي يتحدّد ـ كما قلنا ـ على أساس موقفهم، أي موقف الكافرين من الإسلام وأهله، ولذا ميّز هنا بين فريقين منهم: فريق ناصبهم العداء ومارس ضدهم سياسة القتل والقمع والتضييق ليصدُّوهم عن عقيدتهم، وفريق تجنّب الدخول معهم في صراع ونزاع دموي، ولم يتسبّب في إبعادهم عن ديارهم، فقال عزّ من قائل:
(لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ)أي لأجل إيمانكم بالله ورسوله، و(لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ)بإيجاد التضييق لمغادرة الديار، ولذلك صاروا مستحقّين لأمرين:
1. (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) بحسن المعاملة معهم.

صفحه 361
2. (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) أي أن تتحرّوا العدل في علاقاتكم معهم تعاملوهم بمثل ما يعاملونكم، حيث (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)من غير فرق في إجرائه على المسلم والكافر.
وتسأل: هل الآية تعمّ الكافر الذميّ والمشرك المعاهد والمشرك غير المعاهد إذا لم ينصبوا العداء للنبي(صلى الله عليه وآله)والمؤمنين ولم يقاتلوهم، ولم يضيّقوا عليهم حتى يضطروهم إلى مغادرة ديارهم؟
أو أنّ الآية تختص بالقسمين، الذميّ والمشرك المعاهد، ولا تعم غيرهما؟
الظاهر هو الأوّل؟ واختار السيد الطباطبائي القول الثاني، وتظهر الثمرة في منسوخية الآية في غير المعاهد، حيث أمر سبحانه بقتل المشرك غير المعاهد في قوله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد).1
فلو قلنا بعموم الآية وشمولها للمشرك غير المعاهد، للزم القول بنسخ العموم بما في سورة التوبة، ولو قلنا بعدم الشمول لزم النسخ .
وحصيلة الكلام: أنّ الآية تقسّم الكفار إلى قسمين: بين مَن يرخّص الإحسان إليهم وحسن المعاشرة والمعاملة بإجراء القسط والعدل الذي هو من مظاهر الحب والودّ غير المضرّ بالدين، وبين مَنْ لا يجوز تولّيهم وحبهم وودادهم على نحو لو تولاهم يكون هو الظالم، حيث يعتدي على حقوق الله وحقوق المسلمين.

1 . التوبة:5.

صفحه 362
هذا هو المفهوم من الآيتين عندنا، والعلم عند الله.
هذا وقد دُعيت لإلقاء محاضرة حول التشيع والأُصول المشتركة بين الفريقين خلال زيارتنا إلى المملكة الأُردنية، وكان الحضور واسعاً، وبعد نهاية المحاضرة بدأت المناقشة، فقام أحد الحاضرين وقال: ما رأيكم في الصلح مع إسرائيل؟
فأجبت: بأنّ الله سبحانه قد بيّن لنا من يجوز لنا الصلح معه في آيتين من سورة الممتحنة ثم قرأت الآيتين، ومن المعلوم أنّ العدو الصهيوني من أوضح مصاديق الآية الثانية حيث أخرجوا المسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً من ديارهم وقاتلوهم، فهم أحق بأن يقاتلوا حتى يتركوا الديار لأهلها، ولأنّهم لا يؤمنون إلاّ بمنطق القوة، ولا يقابل هذا المنطق إلاّ بمثله.
تلك الديار المقدسة أُخذت بالنار والحديد والحرب، فلا تعود إلاّ بالنار والحديد والحرب،ففكرة الصلح إضاعة للوقت وإعطاء فرصة للخصم، ليفرض سيطرته أكثر على الأرض، ويمدّ جذوره إلى كل مكان. وحتى لو أقدم هذا العدو على توقيع معاهدة مع الآخرين، فإنّها كفّ يهودية لم تلبث أن تغدر وتنقض العهد ما إن تعلو وتشعر بالقوة، كما يشهد لذلك تاريخهم الأسود.
سورة الممتحنة.