welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار *
تألیف :الشريعة الاصفهانيّ (قدس سره)*

إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار

صفحه 1
   
    إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار


صفحه 2


صفحه 3
إشراف وتقديم: آية الله جعفر السبحاني

إبانة المختار

في إرث الزوجة من ثمن العقار
وتليها رسالة:
صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة

لشيخ الشريعة الاصفهانيّ (قدس سره)

(1266 ـ 1339 هـ)

وتليهما

ثلاث رسائل حول إرث الزوجة من العقار للمقامقاني والصافي والسبحاني

تليها

«نخبة الأزهار في أحكام الخيار» لتلميذ شيخ الشريعة:

آية الله الشيخ محمد حسين السبحاني (المتوفّى 1392 هـ)

صفحه 4
شريعت اصفهانى، فتح ا... بن محمد جواد، 1266 ـ 1339 ق .
      إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الاخذ بالخيار / تأليف شيخ الشريعة الاصفهانيّ; اشراف وتقديم جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1391 .
      ص 472 .    ISBN 978 - 964 - 357 - 512 - 0
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس .
مندرجات: ابانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الاخذ بالخيار. ص 19 ـ 131. ـ ـ صيانة الابانة عن وصمة الرطانة. ص 133 ـ 174. ـ ـ المحاكمة بين علمين من المعاصرين. ص 175 ـ 203. ـ ـ إرث الزوجة. ص 205 ـ 258. ـ ـ إرث الزوجة من الأرض. ص 259 ـ 278. ـ ـ نخبة الازهار في احكام الخيار. ص 279 ـ 462.
      1 . ارث (فقه). الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ مشرف و مقدمه نويس. ب. موسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان. د. شريعت اصفهانى، فتح الله بن محمد جواد، 1266 ـ 1339 ق. هـ . عنوان: صيانة الابانة عن وصمة الرطانة. و . مامقانى، عبدالله، 1290 ـ 1351 ق. ز. عنوان: المحاكمة بين علمين من المعاصرين. ح. صافى گلپايگانى، لطف الله، 1296 ش ـ . ط . عنوان: ارث الزوجة. ي . سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ . ك . عنوان: إرث الزوجة من الأرض. ل . سبحانى تبريزى، محمد حسين، 1299 ـ 1392 ق. م. عنوان: نخبة الازهار في احكام الخيار.
2الف 4ش/ 197 BP    378 / 297
1391
اسم الكتاب:   … إبانة المختار في إرث الزوجة
المؤلف:   … شيخ الشريعة الاصفهانيّ (قدس سره)
الطبعة:   … الأُولى 1391 ق. ش / 1434 هـ . ق / 2012 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع وعدد الصفحات:   … وزيري 472 صفحة
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 771    تسلسل الطبعة الأُولى: 396

مركز التوزيع

قم المقدسة: ساحة الشهداء / مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه 5

* فهرس إجمالي للرسائل المطبوعة في هذا الكتاب
1. إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار: لشيخ الفقهاء المحقّقين شيخ الشريعة الاصفهانيّ: ص 19 ـ 131 .
2. صيانة الإبانة له ـ (قدس سره)ـ أيضاً: ص 133 ـ 174.
3. المحاكمة بين علمين: للعلاّمة الحجة آية الله العظمى الشيخ عبداللّه المامقاني (قدس سره) (1290 ـ 1351 هـ): ص 175 ـ 203.
4. إرث الزوجة: لآية الله العظمى الشيخ لطف اللّه الصافي الگلپايگاني دام ظله: ص 205 ـ 258
5. إرث الزوجة من الأرض: للفقيه المحقّق جعفر السبحاني دام ظله: ص 259 ـ 278 .
6. نخبة الأزهار في أحكام الخيار: لآية الله الشيخ محمد حسين السبحاني (المتوفّى 1392 هـ): ص 279 ـ 462

صفحه 6


صفحه 7
مقدّمة المشرف: مسألة إرث الزوجة من ثمن العقار   

تقديم المشرف: آية الله جعفر السبحاني

مسألة إرث الزوجة من ثمن العقار

إرث الزوجة من زوجها من المسائل المهمة التي تحتلّ مكانة لائقة في نظام الإرث في الفقه الإسلامي، وقد أعطاها الفقهاء من الاهتمام والعناية ما يليق بها كمسألة، نصّ القرآن الكريم على أهم تفاصيلها، وصرّحت الأحاديث الشريفة بشيء آخر منها.
و قد اتّفقت الأُمّة الإسلامية على إرث الزوجة من زوجها إجمالاً، غير أنّ أهل السنّة ذهبوا إلى أنّها ترث من جميع أمواله من النقود والثياب إلى الدور والضياع والأشجار والأبنية من دون استثناء، وأنّها ترث من عين ما تركه الزوج; بينما أجمعت الإمامية على حرمانها من بعض ما ترك زوجها، ولم ينسب خلاف الى أحد من فقهائهم، إلاّ ما نُسب إلى «ابن الجنيد» على تأمّل في هذه النسبة.
و قد عدّ هذا الأمر ـ أعني: حرمان الزوجة من بعض ما ترك زوجها بعد

صفحه 8
موته ـ ممّا تفرّدت به الإمامية، ومستندهم في ذلك روايات كثيرة متواترة استخرجها الحفّاظ من محدّثيهم من الأُصول الحديثية المستندة إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وبذلك خصّصوا عموم الكتاب، أعني قوله سبحانه:
(وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن)1.
أجل لقد اتّفقت الإمامية على حرمان الزوجة من بعض التركة، وإن اختلفوا في خصوصيات ذلك البعض، وسيوافيك بيان هذه الخصوصيات والأقوال المختلفة فيها في الرسالة الرابعة من هذه المجموعة الفقهية الخاصّة.
على أنّ ممّا اتّفقوا عليه في هذا المجال هو حرمانها من «العقار» في الجملة، فذهبوا بأجمعهم إلى أنّها لا ترث لا من عين الأراضي، ولا من قيمتها ; وهذا هو الذي انفردت به الإمامية وبحث عنه فقهاؤهم في ضمن الكتب الفقهية المطوّلة، أو الرسائل المفردة لهذا الموضوع2 .
و بناء على هذا الأصل تنطرح فروع، وجزئيات يجب استخراج أَحكامها من القواعد والأُصول، ومن هذه الفروع الفرع الّذي يقول: لو اشترى رجل قبل موته «أرضاً» بشرط أن يكون للبائع خيار الفسخ عند رد الثمن أو مثله، بعد حلول أجل معين، فمات المشتري قبل الأجل، ثم رد البائع عند

1 . النساء: 12 .
2 . وقد أشار محقّق هذه المجموعة إلى طائفة من تلك الرسائل المفردة في هذا الموضوع في آخر الرسالة الرابعة من هذه المجموعة. راجع ص 257 .

صفحه 9
حلول الأجل بعد موت المشتري مثل الثمن، وفسخ البيع، فهل ترث الزوجة (أي زوجة المشتري الميّت) من ذلك الثمن أو لا؟
و منشأ الإشكال هو: أنّ المورث (و هو هنا المشتري للأرض) عندما مات ترك أرضاً، والزوجة غير وارثة للأرض، ولكن البائع فسخ العقد وأخذ الأرض وردّ الثمن إلى ورثة المشتري وهم أولاده وزوجته، ومن المعلوم أنّ الزوجة ترث من غير العقار والأراضي الذي منه النقود.
فبما أنّ الزوج ترك «أرضاً» عند الوفاة كان مقتضاه أن تحرم الزوجة من إرث الأرض، وبما أنّ البائع فسخ العقد بعد موت المشتري وردّ الثمن وصار المردود قابلاً لإرث الزوجة منه ربما اقتضى ذلك أن ترث منه فعلاً، فهل ترث الزوجة ـ والحال هذه ـ أوْ لا؟ هناك وجهان بل قولان.
و قد طُرح هذا السؤال عامّ 1317 هـ على علماء النجف الأشرف وفقهائها، وصار محل بحث ونقاش وأخذ وردّ في أوساط الفقهاء، وكان ممّن تصدّى للإجابة عليه الفقيه المحقّق الشهير السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي حيث ذهب إلى حرمانها من «الثمن المردود» وقد كتب في هذا الصدد رسالة وجيزة.
كما وتصدّى للإجابة على هذا السؤال الفقيه المحقّق والعالم المتتبع الشيخ فتح اللّه الإصفهانيّ الشهير بشيخ بالشريعة، فقد رجّح ـ في إجابته هذه ـ خلاف ما رجّحه الفقيه اليزدي، وسلك طريقاً غير طريقه، واختار رأياً غير رأيه، فهو(رحمه الله) يقول في أوّل رسالته التي دبّجها في الإجابة عن ذلك السؤال:
بلغني أنّ جُل فقهاء بلدتنا ـ زاد اللّه في شرفهاـ سالكون في الجواب ما

صفحه 10
سلكته، مرجّحون ما رجّحته، وأنّي خولفت عن بعضهم في ذلك، وأنّه سلك طرقاً وعرة المسالك، ثم رفُع إليّ السؤال ثانيّاً فحررت الجواب، فكشفت عن وجه الصواب، ثمّ جاءُوني بجواب معلّل، وتحرير مدلّل عن بعض مشاهير العصر وأجلاّء الوقت (يريد الفقيه الشهير السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي) يتضمّن جواباً غير ما أجبته، وترجيحاً لخلاف ما رجّحته، وجدّدت المقالة، وأوضحت ما سنح لي في كلامه من النظر والإشكال في رسالة. ثم أتوني برسالة منه ـ زيد مجده ـ زاد فيها على ما سبق، مشيّداً فيها ما حرّره سالفاً ونمّق، فاستحسنت الكفّ عن المقال، إذ قد أضجرني الجواب عن ذلك السؤال، إلاّ أنّ ثلّة من الإخوان، وضرباً من الخلاّن ألحوا عليّ في الإبانة عمّا كنت أعتقده، وسد الثغور عما كنت أُرجحه قائلين: إنّه لم يزل دأب السابقين واللاحقين جارياً على النقض والإبرام، والإفساد والإحكام1.

***

الحقيقة بنت البحث

نعم على هذا دأب علماؤنا السابقون، وسلفنا الصالح إذ كانوا يتحرّون الحقيقة بالبحث والمناقشة في حين كان التوصّل إلى الحقيقة هذه أحبّ لديهم من كلّ شيء، وأهم عندهم من أي اعتبار، فهم رغم ما كان يكنّ أحدهم للآخر من الاحترام والحب، والتقدير والإكبار، لم يلاحظوا في نقد الآراء، وتمحيص الأقوال، واستجلاء الحقائق شيئاً، بل كانوا يمضون في البحث والمناقشة والنقض والردّ حتى لو استلزم ذلك بعض المضاعفات،

1 . إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار: 21 ـ 22 .

صفحه 11
وفي هذا الصدد كتب شيخنا الفقيه شيخ الشريعة الإصفهاني ناقلاً عن بعض الأعلام قوله في هذا الباب:
«إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة التي أعظم اللّه بها عليهم النعمة حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابين المؤدّية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتى اتّضحت الآراء، وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف»1.
نعم كانت كذلك سيرة سلفنا الصالح في مجال التوصّل إلى الدقائق، وتحقيق الحقائق، ونعم ما يقول شاعر الأهرام المفلق الأُستاذ البحاثة محمد عبد الغني حسن صاحب التآليف الممتعة:
يشتدّ في سبب الخصومة لهجة *** لكن يرقّ خليقة وطباعاً
و كذلك العلماء في أخلاقهم *** يتباعدون ويلتقون سراعاً
في الحق يختلفون إلاّ أنّهم *** لا يبتغون إلى الحقوق ضياعاً
إنا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضمّنا دين الهدى أتباعاً
و يؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعاً2

1 . المصدر السابق
2 . الغدير للعلاّمة الأميني الجزء الثامن، المقدّمة .

صفحه 12
ولا غرابة فإنّ الوقوف على الحقيقة، وإماطة الستر عن وجهها وليد النقاش العلمي، ووليد المحادثة فإنّ التقاء أفكار ذوي الآراء كالتقاء الأسلاك الكهربائية، فكما أنّ الضوء ينبعث من المصباح حين يلتقي التيار الكهربائي بقطبيه الموجب والسالب ، فكذلك نور الحقيقة يشعّ أمامنا بتبادل الفكرتين، وتعارضهما بالنفي والإيجاب، إذ طالما يخيّل للإنسان أنّه صائب في فكره ونظره، فإذا عرضه للبحث والنقاش وتوارد عليه النفي والإثبات ربما ظهر وهنه وضعفه.
نعم يجب على الباحث عن الحقيقة أن يعرض آراءه وأفكاره في الجو الهادئ المتحرّر عن التعصب لفئة غابرة، أو فكرة حاضرة الشاخص، أمام كلّ رأي فارغ عن الدليل والبرهنة، فالاجتهاد بهذا النحو رمز كشف الحقيقة، رمز خلود الإسلام وبقائه، رمز كونه غضّاً طرياً في كلّ عصر وزمان.
نعم ربما يجد الناشئ الجديد في نفسه حرجاً عند وقوفه على اختلاف أصحاب الآراء والمذاهب في أُصول الإسلام وفروعه، ويتخيّله حاجزاً يعرقل خطاه في الوصول إلى الواقع، ويتمنّى رفع الخلاف الفكري في المسائل من رأس بتأسيس مؤتمرات علمية من ذوي الأفكار.
بل ربما نسمع من بعض الشباب سؤالاً يوجّهه إلى الهيئات العلمية الإسلامية ويقول: كان في وسع النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجمع أُصول الإسلام وفروعه وكلّ ما يرجع إليه في كتاب، ويتركه بين الأُمّة حتى يسد بذلك باب التقوّل من بعده على المتقوّلين فلماذا لم يفعل ذلك؟
لكنّه رأي غير ناضج، إذ لو جمعها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في كتاب وسلّمه إلى الأُمّة، لاستولى الركود الفكري والتدهور العقلي على عقلية الأُمّة، وانحسر

صفحه 13
كثير من المفاهيم والقيم الإسلامية عن ذهنيتها، وأوجب ضياع العلم وتطرّق التحريف إلى أُصوله وفروعه حتى إلى الكتاب الذي كتب فيه كلّ صغير وكبير، فلم تَقُم للإسلام دعامة، ولا حفظ كيانه ونظامه، إلاّ على ضوء هذه البحوث، والنقاشات الدارجة بين العلماء، وردّ صاحب فكر على ذي فكر آخر بلا محاباة1.
و لأجل ذلك نرى عملاق الفقه والإفتاء ابن إدريس الحلّي الذي كسر جليد التقليد والتبعية في البحث الفقهي بعد أن حكم بوجوب الزكاة على المزارع إذا بلغ نصيبه النصاب يقول بما لفظه:
«و قال بعض أصحابنا المتأخّرين في تصنيف له: من كان البذر منه وجبت عليه الزكاة، ولاتجب الزكاة على من لايكون البذر منه ; لأنّ ما يأخذه كالأُجرة، والقائل بهذا هو السيد العلوي أبو المكارم ابن زهرة الحلبي شاهدته ورأيته، وكاتبني وكاتبته، وعرّفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ، فاعتذر باعتذارات غير واضحة وأبان بها بأنّه ثقل عليه الردّ، ولعمري أنّ الحق ثقيل كلّه، ومن جملة معاذيره ومعارضاته لي في جوابه أنّ المزارع مثل الغاصب للحب إذا زرعه، فإنّ الزكاة على ربّ الحبّ دون الغاصب، وهذا من أقبح المعارضات، وأعجب التشبيهات، وإنّما كانت مشورتي عليه أن يطالع تصنيفه وينظر في المسألة ويغيّرها قبل موته، لئلاّ يستدرك عليه مستدرك، فعلت ذلك ـ علم اللّه ـ شفقة وسترة عليه ونصيحة له، لأنّ هذا خلاف مذهب أهل البيت(عليهم السلام)».2

1 . معالم النبوة للسبحاني : 303، 304
2 . السرائر لابن إدريس الحلّي: 2 / 443، شروط المزارعة، ولكلامه هذا صلة فليرجع إليه من أراد.

صفحه 14
لقد جرى سلفنا الطاهر على هذه السيرة في عملهم الفقهي، وتبعهم فيه الخلف الصالح الذي يقتدي بذلك السلف في كلّ مأثرة، وسنّة حسنة.
والمجموعة الحاضرة هي في الحقيقة نموذج صادق على هذه السيرة العلمية فهي تتناول بالمناقشة و البحث، مسألة واحدة من مسائل إرث الزوجة وفروعاً من فروعها.
و لابدّ أن نعترف بأنّ هذا النمط من تناول المسائل الفقهية كان له أثر كبير في إغناء الفقه الإمامي بالفروع المدلّل عليها، والمسائل المبرهن عليها، كما أنّ هذا النهج ساعد الفقهاء الإماميين في جميع العصور والقرون على حلّ المشاكل المستجدّة، التي كان الآخرون من الطوائف الإسلامية والمذاهب الفقهية الأُخرى يعجزون عن الوقوف على حلٍّ صحيح لها مطابق للكتاب العزيز والسنّة المطهّرة لافتقادهم مثل هذا المنهج العلمي الاجتهادي العميق.

الرسائل الست في هذه المجموعة وأصحابُها:

تحتوي هذه المجموعة الفقهية الثمينة ـ والتي خرجت لأوّل مرّة من هذه الحلّة القشيبة بعد أن كان أكثرها مخطوطاً ـ على ست رسائل، هي:

1 . «إبانة المختار» في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار

وهي تأليف الفقيه المتضلّع، والأُصولي البارع، عملاق الفقه والتحقيق شيخنا العلاّمة الشيخ فتح اللّه شيخ الشريعة الاصفهانيّ المولود عامّ 1266 هـ ، المتوفّى عامّ 1339 هـ وذلك في النجف الأشرف1.

1 . راجع للوقوف على ترجمته المفصّلة: أعيان الشيعة: 8 / 391 ; معارف الرجال: 2 / 154; أحسن الوديعة: 1 / 171; علماء معاصر: 122; مصفى المقال: 193; ريحانة الأدب: 3 / 206; مكارم الآثار: 5 / 1816; الأعلام للزركلي: 5 / 333 ; معجم المؤلفين: 8 / 52 ; الذريعة للشيخ آغا بزرگ الطهراني (في مختلف أجزائه).

صفحه 15
فقد كتب هذه الرسالة ـ وهي مفصّلة ـ حول هذا الفرع الفقهي وأشبع المسألة بحثاً وتحقيقاً ويجد القارئ مدى إحاطته ـ (رحمه الله) ـ بالفروع المتعلّقة بالبحث، وبكلمات القدماء، كما ويقف على عمق نبوغه وعظمة قدرته على استنباط الأحكام.
و قد وقعت هذه الرسالة الشريفة القيّمة بيد الفقيه الأُصولي المحقّق الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني صاحب الكفاية وغيرها من التآليف القيّمة فوافقه في أصل الحكم والجواب وقد وصفها بأنّها: «جليلة المقدار، واضحة المنار، وإنّ الراجح ما رجّحه، والمتعيّن ما عيّنه، وإنّ المزيد عليه لايتيسر، بل ذلك المقدار لم يكن يتصور» إلاّ أنّه اتجهت في نظره إشكالات عديدة في مواضع نادرة ممّا يتعلّق بالفوائد الخارجة عن أصل المقصد الذي استطرفها مؤلّفنا الراحل بذكرها فيها فزيّن تلك المواضع بما سنح له من الأنظار، وعلّق عليها بمآثر من الإفاضات والأفكار.
فلمّا وقف عليها المؤلف الجليل (نعني شيخنا شيخ الشريعة الاصفهانيّ) أجال قداح نظره حول تلك الإشكالات: فكتب رسالة ثانية في نقد تلك الاعتراضات وهي الرسالة الثانية من الرسائل الأربع في هذه المجموعة وهي:

2. صيانة الإبانة

فهذه الرسالة هي لشيخنا شيخ الشريعة الأصفهانيّ أيضاً، وقد كتبها

صفحه 16
سماحته في الدفاع عن ما ذكره في رسالته الأُولى: « إبانة المختار» والرد على بعض الإشكالات التي أوردها الشيخ المحقّق الخراساني صاحب الكفاية على تلك الرسالة، ولم تزل الرسالتان كدرّتين يتيمتين مخزونتين في بعض المكتبات الخاصّة، ومنها مكتبة سماحة شيخنا الورع العلاّمة الوالد الشيخ محمد حسين السبحاني الخياباني (قدس سره)، وقد كان من أفاضل تلاميذه ومن عشّاق بحثه، وكان حريصاً على نشرهما في الملأ الإسلامي، وكانت النسخة مكتوبة بخط جيد لأحد تلاميذه فضيلة الشيخ حسين السرخابي التبريزي عامّ 1335 هـ ، وقد قوبلت بخط المصنف في أيام حياته، والنسخة المخطوطة هذه لاتزال موجودة بعينها في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)بقم.

3. المحاكمة بين علمين من المعاصرين

و هذه الرسالة هي من تأليف الفقيه الكبير والرجالي الشهير الشيخ عبداللّه المامقاني (1290 ـ 1351 هـ) ، وقد حاكم فيها بين الفقيهين العظيمين: السيد اليزدي وشيخ الشريعة الاصفهانيّ وناقش أدلّتهما وقال:
« لقد حرّر بعض الفضلاء الأعلام ( وقد عنى به شيخنا شيخ الشريعة الاصفهانيّ) رسالة مفردة لإثبات إرثها من الثمن المذكور مورداً ما حرّره بعض الأعاظم (يعني به الفقيه السيد اليزدي) في جواب المسألة معترضاً عليه فقرة فقرة، ونحن نورد كلّ فقرة مع ما عقبها به من الاعتراض، ونعقبها بما يقتضيه الإنصاف إن شاء اللّه تعالى»1.

1 . راجع الصفحة 142 ـ 143 من هذه المجموعة.

صفحه 17
و قد طبعت هذه الرسالة ضمن اثنتي عشرة رسالة سمّيت بالإثنا عشرية سنة 1344 هـ .

4. إرث الزوجة

تأليف آية اللّه العظمى الشيخ لطف اللّه الصافي الگلپايگاني (دام ظلّه)، وهي رسالة قيّمة أُلفت في أصل المسألة، أعني: كيفية إرث الزوجة من زوجها وبيان ما تفرّدت به الإمامية في هذا الحكم، والرسالة محاولة فقهية مبتكرة في هذا المجال، والمؤلف حقّاً أحد الذابّين عن حريم الشريعة والمدافعين عن أهل البيت(عليهم السلام)، حياه اللّه وسدّد خطاه.

5. إرث الزوجة من الأرض

تأليف صاحب هذه المقدّمة ، وهي رسالة أُلّفت حول إرث المرأة من الأرض ونظر المشهور في المسألة وما تُستثنى منه. وكتبت هذه الرسالة ردّاً على مقال في مجلة «فقه أهل البيت» .

6. نخبة الأزهار في أحكام الخيار

تأليف آية الله الشيخ محمد حسين السبحاني (قدس سره)والرسالة تبحث
عن حقيقة الخيار وأحكامه وأقسامه ومسقطاته. ومؤلّف هذه الرسالة
من تلاميذ شيخ الشريع الاصفهاني ورسالته هذه تتعلّق بأقسام
الخيارات واحكامها في الشريعة الإسلامية الغرّاء فجئنا بها هنا إتماماً
للفائدة .

صفحه 18
وقد قام بتصحيح وتخريج الرسائل الأربع الأُولى المحقّق الشيخ محمد فاضل القايئيني حفظه الله ورعاه.
وقد طبعت هذه المجموعة في عام 1405 هـ . ويعاد طبع هذه المجموعة مع الرسالتين الخامسة والسادسة الآنفتي الذكر بتصحيح اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، وهي طبعة مزيدة ومنقحة، فجزى الله مساعي الجميع.
ونحن إذ نزفّ هذه المجموعة إلى العالم الإسلامي وإلى العلماء والفقهاء خاصّة نرجو أن نكون ـ بإخراج هذه المجموعة إلى حيّز المطبوعات ـ قد أسهمنا بإعطاء متاع جديد إلى المكتبة الفقهية والحقوقية الإسلامية في هذا العصر الذي يتطلّع إلى المزيد من الدراسات الفقهية الإسلامية، خاصّة وإنّ هذه المجموعة تعكس نمط المنهج الذي سار ويسير عليه فقهاء الإمامية قديماً وحاضراً في معالجتهم للمسائل الفقهية، والتي تعدّ أقوى منهج في البحث العلمي، وأعمق نهج في النقاش الفكري.
واللّه نسأل في ختام هذه المقدّمة أن يوفّقنا لتقديم المزيد من هذه الدراسات المفيدة إلى المكتبة الإسلامية إنّه سميع مجيب الدعاء.

جعفر السبحاني

18 ذي الحجة 1433 هـ
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدسة ـ إيران

صفحه 19

إبانة المختار في إرث الزوجة

من
ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار
شيخ الشريعة الاصفهاني
(1266 ـ 1339 هـ)

صفحه 20


صفحه 21
مقدّمة المؤلّف   

الحمد للّه الذي هدانا إلى سواء السبيل، وأبان لنا صريح المدلول بواضح الدليل، وأمرنا باتّباع الحقّ، وإن تبعه قليل، ورفض الباطل، وإن قال به خطر أو جليل، وصلّى الله على خير سليل من نسل إبراهيم الخليل، الفائق على جميع رسل الملك الجليل، بل المفضّل علماء أُمّته على أنبياء بني إسرائيل، وعلى خلفائه المطهّرين المعصومين الموصوفين بكلّ جميل، ما تعاقب جيل بعد جيل، وقبيل بعد قبيل.
و بعد; فيقول أقل الأقلّين العبد الآثم الجاني بن محمد جواد الشيرازي النمازي الميرزا فتح اللّه الاصفهانيّ: إنّه قد دفع إليّ سؤال من بعض إخواننا في الإيمان من أهل «جيلان» في قضية طال التشاجر فيها، فحرّرت السؤال، وأبنت عن الجواب بما هو حق المقال، حسب ما وسعه الحال وساعده المجال.
ثم بلغني: أنّ جلّ فقهاء بلدتنا ـ زاد اللّه في شرفها ـ سالكون في الجواب ما سلكته، مرجّحون ما رجّحته، وإنّي خولفت عن بعضهم في ذلك، وأنّه سلك طرقاً وعرة المسالك، ثم رفع إليّ السؤال ثانياً فحرّرت الجواب، فكشفت عن وجه الصواب.

صفحه 22
ثم جاءُوني بجواب معلّل وتحرير مدلّل، عن بعض1 مشاهير العصر، وأجلاّء الوقت، يتضمّن جواباً غير ما أجبته، وترجيحاً لخلاف ما رجّحته، وجدّدت المقالة، وأوضحت ما سنح لي في كلامه من النظر والإشكال في رسالة.
ثم آتوني برسالة منه ـ زيد مجده ـ زاد فيها على ما سبق، مشيّداً فيها ما حرّره سالفاً ونمّق.
فاستحسنت الكف عن المقال، إذ قد أضجرني الجواب عن ذلك السؤال، إلاّ أنّ ثلّة من الإخوان وضرباً من الخلاّن ألحّوا علي في الإبانة عمّا كنت أعتقده، وسدّ الثغور عمّا كنت أُرجّحه، قائلين: إنّه لم يزل دأب السابقين واللاحقين جارياً على النقض والإبرام، والإفساد والإحكام، بل قال بعض الأعلام: إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة التي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابين، المؤدّية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتى اتّضحت الآراء وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف.
و إذ قد تمهّد هذا العذر الواضح، والأمر اللائح عُلم أنْ لا عذر عن السكوت عن الكلام فيه، وبيان ما لنا وللعلماء في قوادمه وخوافيه، فحينئذ

1 . هو الفقيه الشهير المعاصر السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (مدّ ظله). منه (رحمه الله).

صفحه 23
سنح لي أن أُجدد القول في ما اعتقده أنّه الصواب الواجب بيانه، والحق الصراح الواضح برهانه، فشرعت في ذلك ملقّباً له بـ « إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار»، وهو حسبي، ونعم الوكيل، وإليه المفزع في الكثير والقليل، ولنعم ما قيل: إنّ الاعتراض على كامل، بردِّ شاذة وقعت له، لايقدح في كماله، ولا يؤذن بالاستهتار بواجب رعاية حقّه وإفضاله، إذ الفاضل من عدّت غلطاته، ولم تكثر زلاته، وفرطاته، وكلّنا مأخوذ من قوله ومردود عليه، إلاّ من عصمه اللّه تعالى.
و يعجبني: نقل ما ذكره فحل الفحول إبن إدريس الحلّي(قدس سره) في سرائره1 لاشتماله على فوائد، فإنّه بعد أن حكم بوجوب الزكاة على المزارع إذا بلغ نصيبه النصاب قال ما لفظه: فقال بعض أصحابنا المتأخّرين في تصنيف له: من كان البذر منه وجب عليه الزكاة، ولاتجب الزكاة على من لايكون البذر منه، لأنّ ما يأخذه كالأُجرة، والقائل بهذا القول السيد العلوي أبوالمكارم ابن زهرة الحلبي2 شاهدته ورأيته، وكاتبته وكاتبني، وعرّفته ما ذكره في تصنيفه من الخطاء، فاعتذر (رحمه الله) بأعذار غير واضحة، وأبان بها أنّه ثقل عليه الردّ، ولعمري إنّ الحق ثقيل كلّه. ومن جملة معاذيره ومعارضاته لي في جوابه: «إن المزارع مثل الغاصب للحبّ إذا زرعه، فإنّ الزكاة يجب على ربّ الحبّ دون الغاصب»، وهذا من أقبح المعارضات، و أعجب التشبيهات، وإنّما كانت مشورتي عليه أن يطالع تصنيفه، وينظر في المسألة، ويغيّرها قبل

1 . لأبي جعفر محمدبن منصور الحلي المعروف بابن إدريس (558-598 هـ).
2 . هو السيد أبوالمكارم حمزة بن علي بن زهرة الحلبي الحسيني (511-585 هـ) .

صفحه 24
موته، لئلاّ يستدرك عليه مستدرك بعد موته، فيكون هو المستدرك على نفسه، فعلت ذلك علم اللّه شفقة وسترة عليه، ونصيحة له، لأنّ هذا خلاف مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
و شيخنا أبوجعفر (رحمه الله) قد حقّق المسألة في مواضع عديدة من كتبه، وقال: الثمرة والزرع نماء على مالكيهما، فيجب على كلّ واحد منهما الزكاة إذا بلغ نصيبه مقدار ما يجب فيه ذلك، وإنّما السيد أبو المكارم رأى ما ذكره شيخنا أبوجعفر(رحمه الله) من مذهب أبي حنيفة في مبسوطه، فظنّ أنّه مذهبنا، فنقله في كتابه على غير بصيرة ولا تحقيق، وعرّفته أنّ ذلك مذهب أبي حنيفه ذكره شيخنا أبوجعفر (رحمه الله)في مبسوطه، لمّا شرع أحكام المزارعة، ثم عقّب بمذهبنا، وأومأت إلى المواضع التي حقّقها شيخنا أبوجعفر (رحمهم الله)في كتاب القراض وغيره، فما رجع ولا غيّرها في كتابه، ومات (رحمه الله)وهو على ما قاله، تداركه اللّه بالغفران وحشره مع آبائه في الجنان.1

أمّا السؤال:

في الإقالة والفسخ   
فهو أنّه «رجل اشترى أراضيَ وأعياناً بشرط خيار الفسخ للبائع إذا ردّ مثل الثمن في مدّة معيّنة، ثم مات المشتري قبل مضيّ مدة الخيار وفسخ البائع فهل ترث زوجة المشتري من تمام الثمن المردود، ربعها، أو ثمنها؟ أو من خصوص ما يقابل الأعيان فقط بعد البناء على حرمانها من الأراضي عيناً وقيمة؟

1 . السرائر: 2 / 443، شروط المزارعة.

صفحه 25
فأجبت بما محصّله:
أنّه لا خلاف بل لا إشكال في إرثها من جميع الثمن المردود، وأنّ المدار في إرثها وحرمانها على ملاحظة التركة بعد الفسخ، فإن كانت الأرض مبيعة بمعنى أنّ الميّت باعها ورجعت بالفسخ حُرمت منها الزوجة، وإن كان قد انتقل إليها عوضها فيؤخذ منها الثمن ولايردّ عليها شيء من الأرض، وإن كانت مشتراة كما في المفروض ورثت من الثمن الراجع، وإن حُرمت حال الموت من الأرض من غير فرق في المسألتين بين كون الخيار للميّت أو للطرف الآخر أو لأجنبي.
فإنّ الفسخ وإن كان من حينه إلاّ أنّه يوجب حلّ العقد الواقع بين الميّت وطرفه ونقض ما أبرماه، فبعد الفسخ يصير الثمن في حكم مال الميّت في المفروض، ويرتفع المانع من إرث الزوجة من خصوصية قائمة بالأرض، فيرتفع الممنوع.1
ونبهت على أنّ الفقهاء صرّحوا بحكم المسألة فيما إذا كان الخيار للميّت من غير خلاف ولا تأمّل من أحد منهم، وأجروا الملازمة بين الفسخ والحرمان في الأُولى، وبينه وبين الإرث في الثانية مجرى الواضحات، وأرسلوهما إرسال المسلّمات، مع بداهة أنّ علّة حرمانها في الأُولى ليست كونها وارثة للخيار، بل ملاحظة التركة بعد الفسخ، وكذلك العكس، ومحصّل ما أجاب به البعض المتقدّم إليه الإشارة «أنّ الأظهر حرمان الزوجة من ثمن

1 . أي يخرج الممنوع عن كونه ممنوعاً فهو في الحقيقة ارتفاع يرجع إلى الثبوت، والتعبير به لنحو من المشاكلة. (منه (رحمه الله)).

صفحه 26
الأرض الراجع بالفسخ في مفروض السؤال ; لأنّ الفسخ وإن كان حلاًّ للعقد إلاّ أنّه مستلزم للتعارض والتبادل، وبقية الورثة في فرض السؤال هم المالكون فعلاً للأرض قبال الفسخ دون الزوجة، فبالفسخ يعود عوض الأرض المملوكة لهم، إليهم دونها، بل حقيقة الفسخ الردّ والاسترداد، ولازمه الرجوع إلى المالك الفعلي». وأخذ في تشييد هذا المرام والهدم لما يورد عليه من الكلام.
والذي أعتقده أنّ المسألة بحكمها الذي أسلفته وذكرته من الواضحات بل من قبيل المسائل الّتي يقال: إنّ الباحثين فيها إذا عثروا لم يقالوا، وإن أصابوا لم يحمدوا بما قالوا، إلاّ أنّه دعاني إلى تجديد القول فيها العذر الذي قدّمناه، مضافاً إلى التنبيه على فوائد جمّة وفروع مهمّة نتعرّض لها في تضاعيف المسألة إن شاء الله تعالى.

و لنمهّد لتحقيق القول فيها وفي نظائرها مقدّمات نافعة:

الأُولى: ] في الإقالة والفسخ [

إنّ الإقالة ـ وإن نسب إلى بعض العامة الخلاف فيها من كونها بيعاً، أو فسخاً مُطلقاً، أو في بعض الصورـ إلاّ أنّ الفسخ ممّا لم يعهد من أحد من المسلمين جعله بيعاً، أو معارضة مستقلّة، بل هو نقض للعقد عند الكلّ، وهو كذلك، فإنّ الفسخ المتعلّق بالعقد، مثله إذا تعلّق بغيره لا معنى له إلاّ نقض العقد وحلّ الربط، وفصل المتصل حسّاً أو معنى، بحسب اختلاف متعلّقه المقتضي في البيع لعود المالين إلى الحالة الأُولى، وفي النكاح إذا فسخ

صفحه 27
بالعيوب المعروفة لعود الزوجين إلى ما كانا عليه.
فالاتّصال والارتباط الحاصل بعقد البيع والبدلية الناشئة منه بين المالين ينتقض وينفسخ بالفسخ المزيل للبدلية، ويستتبع استحقاق الفسخ تارة، استحقاق الردّ فقط كما إذا صالح1 ماله بلاعوض وجعل الخيار لصاحبه، وأُخرى استحقاق الاسترداد كما في القرض إذا جعل الخيار لنفسه، وثالثة الرد والاسترداد كما إذا باع وجعل لأحدهما أو كليهما الخيار.
ثم المالك للعوضين حال الفسخ الذي يتوهّم المعاوضة بينهما قد يكون متعدّداً كما هو الغالب، وقد يكون واحداً ; كما إذا باع داراً من أبيه محاباة وجعل لنفسه الخيار وقبض الثمن، فمات الأب وانتقلت الدار إلى الولد وكان على الميّت دين مستوعب لقيمة الدار، فأراد الولد الفسخ تقليلاً لنصيب الديّان وهو المالك للعوضين فعلاً ولا يتعقّل في حقّه المعاوضة والمبادلة.
ثم إنّه قد يستتبع تارة زوال الملكية ورجوع العينين، وتارة رجوع البدلين بعد بطلان ملكيتهما بالتلف، وثالثة رجوع العين من طرف والبدل من طرف، ورابعة رجوع العين أو البدل من طرف واشتغال الذمة من طرف كما إذا تلف ولم يتمكّن من البدل بعد الفسخ.
و الجامع بين الجميع حلّ العقد ورفعه ونقضه، فالاتصال الذي تحقّق بين المالين بالعقد بمعنى ارتباط أحدهما بالآخر إذا تبدّل بالانفصال والتفرّق

1 . بناء على صحّة مثل هذا الصلح كما يظهر من القوم التسالم على أنّه يفيد فائدة الهبّة إذا تضمّن ملك العين بغير عوض. (منه(رحمه الله)) .

صفحه 28
والقطع كان انفساخاً، وكان الفاعل فاسخاً قاطعاً كما في فسخ النكاح وفسخ اليد والمفصل عن موضعه وفسخ الرأي والعزيمة، وفسخ الشعر عن الجلد وتفسّخه.

تحقيق في الفسخ

وقد يعبّر عن الفسخ بما يساوقه كردّ البيع كما في رواية عمر بن حنظلة.1
وقد يكنّى عنه ببعض لوازمه كردّ المبيع، أو الثمن، أو الأرض، أو الجارية، أو العوض والمعوض، أو أشباهها، كما يكنّى عن فسخ النكاح بالعيوب المعروفة بردّ المرأة، أو ردّها على أهلها، كما في النصوص الواردة في النكاح2 الخالية عن لفظ الفسخ المحمولة عند الجميع في جميع الأعصار والطبقات عليه، وقد يعبّر عن عدم استحقاق الفسخ بوجوب البيع ومضيّه ولزومه، كما سيتّضح تفصيل ذلك كلّه، والمراد في جميع المقامات معنى واحد ومفهوم فارد يختلف لوازمه وآثاره بحسب الموارد، واتحاد معنى الفسخ في البيع والنكاح والمعاوضة وغيرها لعلّه ضروري جدّاً.
الخلاف في كون الفسخ رفعاً من حينه أو من أصله   
و دعوى أنّ المعنى المفهوم من الفسخ الثابت بالشرط عند نوع الشارطين له: هو مجرد الردّ أو الاسترداد، ممنوعة جدّاً على مدّعيها، بل المفهوم عندهم هو المفهوم منه في فسخ النكاح، وسائر الاستعمالات التي لا تتضمّن أحدهما أو شيئاً منهما، مضافاً إلى أنّه لو تم لاقتضى التفصيل بين

1 . الوسائل: ج 12، الباب 14 من أبواب الخيار، الحديث 1 .
2 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 5 .

صفحه 29
كون الشارطين من العلماء الواقفين على معنى الفسخ، وكونه من العوام، نعم ربما يثمر كون غرضهم من اشتراط الفسخ الردّ والاسترداد في عدم جواز التصرّف المتلف، أو الناقل في زمن الخيار، لكنّه أجنبي من مقامنا.
و ممّا ينبّه على وضوح ما ادّعيناه في الفسخ: أنّ العامّة وإن اختلفوا في كون الإقالة فسخاً، أو بيعاً والمحقّقون منهم على كونها فسخاً، وهو أصحّ الوجهين عند الشافعي، وإن نسب إلى قوله القديم إنّها بيع.
و عن أبي حنيفه: أنّها فسخ دائماً في حقّ المتعاقدين، وإن كانت بيعاً في حق غيرهما كالشفيع، إلاّ أنّهم اتّفقوا على كونها فسخاً في حقّ الكلّ إذا وقعت بلفظ الفسخ.
ففي «التذكرة» ـ بعد نقل الخلاف عن مالك والشافعي في القديم من قوله ـ قال ما لفظه: فالإقالة إذا ذكرت بلفظ الإقالة فيه الخلاف السابق، أمّا إذا ذكرت بلفظ الفسخ فلا خلاف في أنّها فسخ، وليست بيعاً، قاله بعض الشافعية، انتهى.1

الخلاف في كون الفسخ رفعاً من حينه أو من أصله

فما ظنك بالردّ بالخيار بلفظ الفسخ حتى أنّ وضوح كون الفسخ رفعاً للعقد دعا كثيراً من فضلاء العامّة إلى الإشكال على من ذهب إلى كون الفسخ رفعاً للعقد من أصله: بأنّه يؤدّي إلى المحال واستلزام وجود الشيء لعدمه.
ففي جملة من كتبهم ما لفظه: أنّ العقد إذا جعل كأن لم يكن، جُعل

1 . تذكرة الفقهاء: 12 / 118.

صفحه 30
الفسخ كأن لم يكن; لأنّ الفسخ بدون العقد لا يتصوّر، فإذا انعدم العقد من أصله انعدم الفسخ من الأصل، وإذا انعدم الفسخ من الأصل، عاد العقد لانعدام ما ينافيه.
و دعوى: أنّ انعدام العقد إنّما هو بالفسخ فلايوجب انعدام نفس الفسخ، مدفوعة، بأنّه وإن كان بالفسخ إلاّ أنّه إذا أوجب انعدام ما يتوقّف عليه أوجب انعدام الموقوف، ولذلك اختاروا: إن الفسخ إنّما يؤثّر من حينه، وأنّه يجعل العقد كأن لم يكن في المستقبل لا في الماضي.
و أنت خبير بأنّه لو فسّر الفسخ بحل العقد وقيل: بأنّه يوجب انحلال العقدة الحاصلة بالعقد لم يتجه الإشكال، حتى على من ذهب إلى أنّ الفسخ من أصله.
إلاّ أن يقال: بظهور الرفع أيضاً كالحلّ في معنى متوقّف على وجود الشيء; كما أنّه لو أُريد بالحلّ، جعل العقد كأن لم يكن كان مساوقاً للرفع بهذا المعنى من غير تفاوت.
و لشيخنا الشهيد(رحمه الله)إشكال وحلّ في قواعده يقرب ممّا ذُكر، قال: ارتفاع الواقع لا ريب في امتناعه، وقد يقال في فسخ العقد عند التحالف: هل هو الفسخ من أصله، أو من حينه؟ ويترتب على ذلك النماء.
الخيار لغةً واصطلاحاً   
فيرد هنا سؤال: وهو أنّ العقد واقع بالضرورة من حينه في الزمان الماضي، وإخراج ما تضمّنه الزمان الماضي من الوقوع محال.
فإن قلت: المراد رفع آثاره دونه. قلت: الآثار أيضاً من جملة الواقع وقد

صفحه 31
تضمنها الزمان الماضي، فيكون رفعها محالاً.
و أُجيب عن ذلك بأنّ هذا من باب إعطاء الموجود حكم المعدوم، فالآن نقدّره معدوماً، أي نعطيه حكم عقد لم يوجد... إلى أن قال: وقيل لايخلو باب من أبواب الفقه عن التقدير. انتهى1 .
وبالجملة: كون الفسخ رفعاً للعقد، وحلاًّ له من الضروريات، وإن اختلفوا في كونه رفعاً له من أصله، أو من حينه، فالمشهور المنصور هو الثاني، وتحقيقه في محلّه، وسيأتي في الفصل الأوّل التنبيه على أربعة عشر فرعاً كلّها يتفرّع على كون فسخ البيع حلاًّ، أو بيعاً، أو معاوضة مستقلّة غيره. فانتظر.
و يمكن أن يجعل جملة منها من الأدلّة على المدّعى فيكثر الدليل جدّاً على كون الفسخ حلاًّ لا غير.

المقدّمة الثانية: الخيار في اللغة

إنّ الخيار لغة: هو الاختيار كما في المصباح والمجمع، أو اسم منه كما في القاموس، وأنت بالخيار أي اختر ما شئت كما فيه أيضاً، وهو باق على هذا المعنى في أخبار الأئمة الأبرار(عليهم السلام)، وكلمات العلماء الأخيار، إلاّ أنّه بقرينة استعماله بعد عقد البيع، أو النكاح مثلاً، يراد به الاختيار في العقد بين طرفي إبقائه أو إزالته.

1 . القواعد والفوائد: 2 / 79 - 81 ; تأليف الإمام أبي عبدالله محمد بن مكيّ العاملّي المعروف بالشهيد الأوّل (المتوفّى 786 هـ).

صفحه 32

الخيار في الاصطلاح:

و الغالب في استعمالات المتأخّرين في أبواب العقود إرادة هذا المعنى من باب استعمال الكلّي في الفرد، لا أنّه معنى اصطلاحي لهم، كما قد يتوهّم فيعترض من لا خبرة له، ممّن أشرب قلبه حبُ الإشكال والاعتراض على الأصحاب: بأنّهم نزّلوا الأخبار الواردة قبل هذا الاصطلاح بمائتين من السنين على معنى اصطلحوا عليه، ولايدري أنّه مستعمل قبل وبعد في معنى واحد.
و إنّ المراد به في الأخبار أيضاً ملك فسخ العقد وإزالته كما نبّهنا عليه، وكونه نفس الملك، أو حقاً مستتبعاً له، لايوجب تفاوتاً في الغرض الآتي، والقوم إنّما فهموا هذا المعنى وهذا الفرد، من المطلق من الأخبار، فاصطلحوا عليه على تقدير تسليم الاصطلاح، إذ الغرض منه الاختصار والاقتصار عند بيان أحكامه الشرعية المعلّقة عليه في الأدلّة، فلا معنى لأن يصطلحوا على معنى غير ما هو المراد من الخبر ثم يرتبون عليه الحكم المذكور في الدليل، والقرائن الدالة على أنّ معنى الخيار في الروايات هو ملك فسخ العقد أو حق يستتبعه، كثيرة.
منها: الأخبار الواردة في خيار المجلس الحاكمة «بالخيار ما لم يفترقا ووجوب البيع إذا افترقا»1، و «إنّه (عليه السلام)مشى خطىً ليجب البيع»، فإنّ المراد بوجوبه ليس مجرد ثبوته الحاصل في المجلس بالضرورة، لا سيما إن قلنا

1 . الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «أيّما رجل اشترى من رجل بيعاً فهما بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع». لاحظ وسائل الشيعة: ج 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 4 .

صفحه 33
بالملكية قبل انقضاء الخيار، بل تأكد ثبوته ولزومه، واستقراره، بحيث لايتسلّط على نقضه وفسخه، فالمراد بالخيار المجعول قسيماً له، تزلزل البيع والتسلّط على فسخه وهدمه.
ومنها: ما ورد في خيار الحيوان، كما في صحيحة علي بن رئاب: «الخيار لمن اشترى ثلاثة أيام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء»1.
و في مكاتبة الصفّار المسؤول فيها: من رجل اشترى دابة فأحدث فيها حدثاً أله الخيار؟ إنّه وقع (عليه السلام): «إذا أحدث فيها فقد وجب الشراء»،2 فعبّر(عليه السلام)عن عدم الخيار بوجوب البيع.
ومنها: الروايات الواردة في خيار التأخير المعبّر في كلّها على كثرتها عن الخيار وعدم لزوم البيع: «بأنّه لا بيع له، أو لا بيع بينهما»،3 بناءً على المقرر عند المشهور بل الكل، إلاّ في بعض العبائر التي يمكن إرجاعها عند التحقيق إلى عدم اللزوم.
والشواهد على إرادة عدم اللزوم من الأخبار محرّرة في محله، والاستشهاد بهذه الروايات إنّما هو لتوضيح أنّ الخيار متعلّق بالعقد ونفس البيع، حيث إنّ التعبير عنه; بأنّه لا بيع له أو بينهما، لا يستحسن إلاّ بأن يكون متعلّقاً به، موجباً لنقضه، وهدمه، وجعله كأن لم يكن.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 9 .
2 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2.
3 . الوسائل: ج 12، أحاديث الباب 9 من أبواب الخيار.

صفحه 34
ومنها: ما ورد في اشتراء ما يفسد من يومه من التعبير عنه: «بأنّه لابيع له»،1 المراد منه الخيار، وعدم اللزوم اتفاقاً، والتقريب كما سبق.
ومنها: ما في موثقة موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «أيّما رجل اشترى شيئاً، وبه عيب أو عوار لم يتبرأ إليه ولم يبيّن له فأحدث فيه بعدما قبضه شيئاً ثم علم بذلك العوار وبذلك الداء أنّه يمضي عليه البيع»2 الحديث. فعبّر (عليه السلام)عن عدم الخيار وسقوطه «بمضي البيع عليه» فيكون الخيار ردّ البيع وعدم مضيّه.
ومنها: ما ورد في رواية عمربن حنظلة، فيمن اشترى أرضاً على أنّها عشرة أجربة، فلمّا مسحها إذا هي خمسة أجربة قال: «إن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الأرض، وإن شاء ردّ البيع وأخذ ماله كلّه»3 الحديث.
و حمل البيع على المبيع تجوّز لا داعي إليه لاسيما بعد قوله(عليه السلام)عقيبه: «فإن كان كذا كان البيع لازماً له عليه، وعليه الوفاء بتمام المبيع»4 الحديث. إذ فيه دلالة على أنّ المراد بالأوّل هو نفس البيع من وجهين.
أحدهما: إسناد اللزوم إلى البيع وجعله قسيماً مقابلاً لردّ البيع المذكور سابقاً.
والآخر: التعبير بالمبيع بصيغة المفعول عند إرادة بيان وجوب دفع التمام حيث غيّر أُسلوبَ التعبير.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 11 من أبواب الخيار، الحديث 1 .
2 . الوسائل: ج 12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 2.
3 . الوسائل: ج 12، الباب 14 من أبواب الخيار، الحديث 1 .
4 . الوسائل: ج 12، الباب 14 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 35
و ما في ذيل الحديث: «من أنّه إن شاء ردّ البيع»، لا يصير قرينة على أنّ المراد بالبيع الذكور أوّلاً هو المبيع مجازاً، إذ ليس معانداً لإرادة الحقيقة منه، بل المراد «بردّ الأرض أيضاً» هو ردّهما بعنوان ردّ البيع، والغرض من هذا كلّه: إنّ لفظ الفسخ وإن كان غير مذكور في النصوص إلاّ أنّ لفظ الخيار، المراد به ملك فسخ العقد الموجود فيها، كما أنّ لفظ «رد البيع» و«يمضي عليه البيع» و «إنّه لا بيع له» المساوق للفسخ، موجود فيها.
مضافاً إلى ما ستعرف من عدم الحاجة1 إلى هذا الأمر بالمرّة في أصل المسألة.
ثم إنّك ـ بعد ما عرفت من أنّ معنى الخيار عند المتشرّعة هو معناه في اللغة وأنّ الاختيار دائماً إنّما يتعلّق بأحد طرفي الشيء من الفعل والترك الذي يراه القادر خيراً له ـ تقدر على دفع الإشكال الذي أورده شيخنا العلاّمة الأنصاري (قدس سره)على تعريف القوم للخيار، بأنّه ملك إقرار العقد وإزالته، حيث إنّه أورد عليهم: بأنّه إن أُريد من إقرار العقد إبقاؤه على حاله بترك الفسخ فذكره مستدرك، لأنّ القدرة على الفسخ عين القدرة على تركه، إذ القدرة لايتعلّق بأحد الطرفين، وإن أُريد به إلزام العقد وجعله غير قابل لأن يفسخ ففيه: إنّ مرجعه إلى إسقاط حق الخيار فلايؤخذ في تعريف نفس الخيار. إلى آخر ما ذكره.2

1 . حيث إنّ المفروض فيها ثبوت استحقاق الفسخ بجعل المتعاقدين وشرطهما له في ضمن العقد، وإن البائع فسخ، وأعمل خياره، واللفظ الواقع في متعلّق الشرط لايجب أن يكون مذكوراً في النصوص بالضرورة. (منه(رحمه الله)).
2 . المكاسب للعلاّمة الأنصاري: 214، قسم الخيارات; والطبعة المحقّقة: 5 / 12، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأنصاري، قم ـ 1420 هـ .

صفحه 36
في تملّك الميت حقيقة بعد موته    
وجه الدفع: أنّ المراد به هو الأوّل، وذكره في الحدّ لما هو المتعارف من ذكر طرفي الاختيار عند بيانه، فهم وإن ذكروا الملك في تعريف الخيار الذي هو الاختيار، أو اسم منه لكن من المناسب جدّاً التنبيه على طرفي الاختيار، وإنّهما إبقاء العقد وإعدامه.

المقدّمة الثالثة: ] في تملّك الميت حقيقة بعد موته [

إنّ تملّك الميّت حقيقة بعد موته وإن حُكي عن جماعة دعوى القطع باستحالته وامتناعه.
بل ربما يُدّعى الاتّفاق عليه، أو كونها من الضروريات، إلاّ أنّ بقاء تركته على حكم ماله أحياناً بل صيرورة مال جديد بعد موته في حكم ماله ممّا لم ينازع أحد في إمكانه ووقوعه في بعض المقامات بمساعدة بعض الأدلّة، وكلّ من حُكي عنه القول بامتناع تملّكه وأنّه يدّعي استحالته كابن إدريس، والمحقّق، و العلاّمة وثاني الشهيدين، وغيرهم فقد صرّح في موضع أو مواضع بكونه في حكم مال الميّت.
وترى القائلين بالامتناع يجيبون عما يتراءى منه تملّكه حقيقة كدّيته الحاصلة بعد موته والصيد الواقع في شبكته المنصوبة حال حياته ممّا دل النصّ والإجماع على تعلّق ديونه ووصاياه به تارة، بأنّه أعم من التملّك حقيقة أو حكماً، وأُخرى: بأنّه يلتزم فيهما الانتقال إلى الورثة مع وجوب صرفها في الدين والوصية عيناً أو ديناً.

صفحه 37

كلمات الفقهاء في المسألة

وبالجملة: فالقول: بالتملّك الحكمي ممّا لا إشكال فيه إذا ساعده بعض الظواهر.
بل يظهر1 من جمال المحقّقين وثمال المدقّقين وهو الفقيه الحكيم في باب الوصية: القول بجواز بقاء ما تركه الميّت على ملكه حقيقة، قال: ولو سلم (يعني عدم أهلية الميّت للتملّك) إنّما يسلم ابتداءً، وأمّا إذا تملّك في حال الحياة فلم لا يجوز أن يبقى على ملكه، إلى أن ينتقل إلى الموصى لهم، أو الديان بشرائطه؟ وما ذكر من انتقال ماله عنه بالموت ممنوع أيضاً، إذ لا دليل عليه عقلاً ولا شرعاً. انتهى.
و صرّح المحقّق القميّ2 في مواضع عديدة3 من كلامه: أنّ قولهم: «إنّ الميّت لايقبل الملك» كلام ضعيف، وقول بلا دليل، حاكياً له عن الشيخ أحمد الجزائري في آيات الأحكام أيضاً.
و في الجواهر 4 أنّ المحكيّ من ثاني الشهيدين والفخر ناسباً له إلى بعض أن الميّت يملك حقيقة ابتداءً5.

1 . حاشية آقا جمال الخوانساري على شرح اللمعة: 4، كتاب الوصايا.
2 . جامع الشتات: 635 .
3 . منها ما ذكره غير مرّة عند التعرّض لتحقيق مسألة التركة عند الدين المستوعب. (منه(رحمه الله)).
4 . ذكره في باب الحجر منه، فراجع.
5 . جواهر الكلام: 26 / 87 .

صفحه 38

التحقيق في المسألة

و لا بأس أن نتكلّم فيه بعض الكلام، وإن كانت مسألتنا غير متوقّفة عليه، إذ لم أر من أحد من المحقّقين تعرّضاً وافياً له.
فنقول: قد يستدلّ على عدم تملّكه حقيقة بوجوه:
أحدها: الإجماع على ذلك لو لم نقل بضروريته فقد أرسل جماعة من المحقّقين امتناع تملّكه إرسال المسلّمات، وأجروه مجرى الواضحات الضروريات.
الثاني: أنّ الملك صفة وجودية كالبياض والسواد لاتقوم بالميّت المعدوم كالمملوكية.
و أمّا بحسب روحه ونفسه فهو وإن كان باقياً إلاّ أنّ الملكية التي هي من الاعتبارات العرفية كالمالكية و المملوكية ممّا لا تتّصف بها المجردات عند أهل العرف الذين هم المعتبرون لها، ولذا لايصح الوقف على جبرئيل مثلاً، وملكية الله تعالى لجميع الموجودات على نهج آخر لا بهذا المعنى الذي يعتبره العرف بينهم في أملاكهم، ولذا يجتمع ملكه تعالى مع ملكهم على شيء واحد.
الثالث: أنّ الملكية إمّا عبارة عن السلطنة على الشيء اقتضاءً أو فعلاً، إذا لم يمنعه مانع، أو الإحاطة به ونفوذ قوله ورأيه فيه، أو كونه بحيث يتمكّن من أنحاء التقلّبات والتصرّفات فيه، أو ما يشبه ذلك من التعبيرات المتقاربة.
و من المعلوم انتفاء كلّ ذلك في الميّت الذي صار جماداً لايشعر

صفحه 39
كالجدار، أو موجوداً غير قابل لأنحاء التقلّبات والتصرّفات، ويمكن المناقشة في الجميع.

المناقشة في أدلّة القائلين على عدم تملّك الميّت

أمّا الأوّل: فبأنّ دعوى الضرورة ممّا لايُصغى إليه في مثل هذه المسألة النظرية التي لايلزم من الالتزام بها شيء من المحالات المعروفة أو غيرها لاسيما بعد مخالفة من سمعت من المحقّقين، وما هي إلاّ حرفة العاجز المسكين إذا قصرت يده عن الركون إلى دليل متين، فيتشبّث بها كتشبّث الغريق بلحيته.
و أمّا الإجماع: فلمّا تقرر عندنا من أنّ حجّيته إنّما هو لاستكشاف قول المعصوم(عليه السلام) ورأيه، فلا عبرة به في المسائل الغير التوقيفية المبنية على الوجوه العقلية والتخريجات الحدسية.
نعم، لحجّية اتفاق أُولي الألباب والعقول على شيء، وجه وجيه إلاّ أنّ الصغرى في المقام ممنوعة.

كلام المعلّم الثاني

ذكر أبو نصر الفارابي في رسالة «الجمع بين الرأيين» ـ أي رأي أرسطو وإفلاطون ـ في حدوث العالم وقدمه في أثناء كلام له: إنّا نعلم يقيناً أنّه ليس شيء من الحجج أقوى وأمنع وأنفع وأحكم من شهادات المعارف المختلفة بالشيء الواحد واجتماع الآراء الكثيرة، إذ العقل عند الجميع، حجّة، ولأجل أنّ ذا العقل ربما يخيّل إليه الشيء بعد الشيء، على خلاف ما هو عليه من

صفحه 40
جهة تشابه العلامات المستدّل بها على حال الشيء، احتيج إلى اجتماع عقول كثيرة مختلفة، فمهما اجتمعت فلا حجّة أقوى ولا يقين أحكم من ذلك.1
ثم طعن على آراء جماعة مقلدين لرأي واحد يؤمّهم فيما اجتمعوا عليه لأنّها بمنزلة عقل واحد وهو قد يخطئ ولاسيّما إذا لم يتدبّر الرأي الذي يعتقده مراراً ولم ينظر فيه بعين التفتيش والمعاندة، قال:
وأمّا العقول المختلفة إذا اتفقت بعد تأمّل منها وتدرب وبحث وتنفّر ومعاندة وتنكّب وإثارة، لا ما أمكن المقابلة فلا شيء أصحّ ممّا اعتقدته وشهدت به واتّفقت عليه، إلى آخر ما ذكره.2
والكلام في المقام ودفع النقض بإجماع أرباب الملل الزائغة على دعوى القطع بمذاهبهم الفاسدة وبدعهم الباطلة وإجماع الفلاسفة على بعض دعاويهم الكاسدة، مجال واسع.
وأمّا الجواب عن الثاني: فبأنّ صفة الملكية ليست بأقوى من سائر الصفات الوجودية القائمة بالميّت عند جميع المسلمين، بل المليين من التنعّم والتلذّذ والثواب والعقاب والسخط والرضا.
وأمّا عدم اعتبار العرف المخترع، الملكية له في حقّه ففيه ـ مضافاً إلى رجوع الأمر بالآخرة في هذه المسألة بمثل ذاك التشديد والتأكيد إلى دعوى عدم اعتبار العرف ـ أنّه ممنوع جدّاً بل المسلّم عندهم اعتباره في بعض المقامات فتراهم يحكمون على من غصب ثلثه الذي أوصى بصرفه لنفسه،

1 . رسالة الجمع بين الرأيين لأبي نصر الفارابي: 8 .
2 . رسالة الجمع بين الرأيين : 8 .

صفحه 41
بأنّ فلاناً يغصب ملك الحيّ والميّت ويأكل أموال الأحياء والأموات.
و أمّا عدم صحّة الوقف على جبرئيل مثلاً فبمنع استناده إلى تجردّه، وعلى المدّعي الإثبات، فلعله لعدم شمول أدلّة الوقف لمثله، أو لأنّه لا معنى لتسبيل المنفعة عليه أو لوجه آخر.
و أمّا ملك الله الذي له مُلك السماوات والأرضين فهو وإن كان على نهج آخر لكنّه بمعنى أشدّ وأقوى من ملك العباد، فهو المالك الحق والسلطان المطلق الذي يستحيل زوال سلطنته تعالى على الممكنات، وبطلان ملكه لها لاستحالة كون الممكن واجباً، وملك العباد من شؤون تسليطه وتمليكه، ولذا يجتمع معه،و هو محيط بالمالك والمملوك نافذ أمره، والأشياء بإرادته دون أمره مؤتمرة إلاّ أنّه بكل شيء محيط.
وأمّا الثالث: ففيه أوّلاً: أنّه منقوض بملك الصغير في الساعة التي ولدته أُمُّه وإن مات في الحال بعد الاستهلال أو قبله، مع أنّه حال ولادته أنقص رأياً وأدون شعوراً من أغلب البهائم، عاجز عن أنواع التقلّبات و أنحاء التصرّفات، لايعقل خطاباً، ولايحير جواباً، وإن كان يفارق الميّت في بعض الجهات الغير الفارقة في المقام، بعد مشاركته له في امتناع تصرّفه عقلاً وعدم تأهّله للخطاب بل وكذا المجنون، والسكران، والمغمي عليه، والنائم، والمحجور عليه لسفه، أو فلس ممّن يمتنع تصرّفه عقلاً أو شرعاً.
وثانياً: أنّ الملكية سواء كانت من الأُمور الواقعية، أو الاعتبارات العقلائية، أو الأُمور الانتزاعية إنّما يستكشف، أو ينتزع من آثارها ولوازمها،

صفحه 42
أو ممّا هو منشأ انتزاعها واعتبارها1.
فالحق ما ذكره جمال المحقّقين، والمحقّق القميّ(قدس سره) وغيرهما، من عدم قيام دليل عقلي، ولا نقلي على امتناع تملك الميّت لما تركه، مضافاً إلى أنّك قد عرفت أنّه لا يهمنا إثبات الملك له حقيقة، بل يكفينا التملّك الحكميّ، وكون شيء في حكم ماله إذا اقتضاه الدليل.
و قد عرفت أنّه من الأُمور المسلّمة عند أهل الفنّ الواضحة لديهم ولا حاجة إلى الاستدلال عليه، والاحتجاج له بعد تسالم الكل عليه، إلاّ أنّه لا بأس بالتعرّض بجملة من الموارد التي أجمعوا على كونه في حكم ماله، أو التزم به المشهور، أو دلّت عليه النصوص الصحيحة ولو ظهوراً.
منها: ما إذا مات عن أمة حامل، أو زوجة حُبلى مضى على حملها شهران مثلاً ولم يلج في الجنين الروح، فإنّه يرث بالضرورة من الدين ـ بشرط انفصاله حيّاً ـ نصيبه من التركة كلاًّ أو بعضاً ويملك النماء المتخلّل ما بين موت أبيه وانفصاله، وتختص التركة به إن انفرد، أو تقدّمهم في الطبقة، ويشاركهم فيما إذا اجتمع معهم، ويُعزل له نصيبه.
فهذا المال، والنماء قبل الانفصال إن التزم ببقائه على ملك الميّت حقيقة، أو تملّك العلقة والمضغة له واقعاً المنكشف بانفصاله حيّاً فهو فوق الدعوى، وإن قيل بكونه في حكم مال الميّت قبل الانفصال كفى في إثبات

1 . ويكفي في استكشافه أو اعتباره بعض الآثار أو الأُمور الملائمة له كعدم جواز التعدّي عمّا أُذن فيه أو عيّنه، ووجوب صرفه فيما ينتفع به أو في دينه أو وصيته وغير ذلك فأي مانع من اعتبارها له حتى تلتجئ إلى بعض التكلّفات والتجشمات المخالفة لظواهر الأدلة. (منه (رحمه الله)).

صفحه 43
المدّعى، ولا سبيل إلى احتمال تملّك الورثة قبل الانفصال ثم بطلان تملّكهم بعده.
و منها: ما إذا أسلم الكافر قبل قسمة التركة، أو أعتق العبد قبلها فتختصّ التركة بهما أو يشاركان الورثة بالنصّ، والإجماع، ولايرث كافرٌ مسلماً، ولا عبدٌ حرّاً، ولا يملكان المال قطعاً.
و نماء التركة كلاًّ أو بعضاً الحاصل بعد الموت وقبل الإسلام والعتق لهما، لا للورثة، فجميع التركة قبل القسمة في حكم مال الميّت، إلى أن ينكشف أمرهما، لا أنّه يصير ملكاً للطبقة الثانية والثالثة مثلاً ثم يبطل لصراحة الأدلّة في خلافه، ومن المعلوم أنّ الذي أسلم أو أعتق يتلقّى الملك عن مورثه وراثة، لا أنّه يتلقّى من الطبقة اللاحقة.
و منها: ما تواترت به النصوص وأجمع عليه الفقهاء من أنّه إذا مات الحرّ وليس له وارثٌ حرّ وله قرابة مملوكة من أمٍّ أو ولد أو أخ أو أُخت: أنّها تشترى من مال الميّت وتعتق، ثم تورّث المال.
ففي ما رواه سليمان بن خالد عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)1.
و رواه عبدالله بن سنان عن أبي عبداللّه(عليه السلام)في رجل توفّي وله أُمٌّ مملوكة؟ قال (عليه السلام): «تُشترى أُمّه وتعتق ثم يدفع إليها بقية المال».2
و فيما رواه إسحاق بن عمّار قال: «مات مولى لعلي (عليه السلام)فقال: انظروا

1 . وسائل الشيعة: ج 16، الباب 53 من أبواب كتاب العتق، الحديث 1. قال: «كان علي (عليه السلام)إذا مات الرجل وله امرأة مملوكة اشتراها من ماله واعتقها ثم ورثته».
2 . وسائل الشيعة: ج 17، الباب 20 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2 .

صفحه 44
هل تجدون له وارثاً، فقيل له (عليه السلام)إنّ له ابنتين باليمامة مملوكتين، فاشتراهما من مال الميّت، ثم دفع إليهما بقية الميراث».1
إلى غير ذلك من النصوص من أهل الخصوص الدالّة على بقاء التركة على حكم مال الميّت، وعدم انتقالها إلى أحد إلاّ بعد شراء الوارث.
و من المعلوم أنّها بالموت لم تخرج عن المالية ولا صارت في حكم المباحات الأصلية، واحتمال انتقالها إلى الإمام(عليه السلام)لكنّه تفضّل على القرابة، وعفا عن ماله، وأذن في اشتراء الرقيق منها، ممّا يأبى عنه جميع نصوص المسألة الصريحة أو الظاهرة في تضمّنها لحكم المسألة، وبيان الحكم الواقعي في الواقعة، كسائرالروايات المشتملة على بيان الأحكام.
و لذا لايخطر هذا الاحتمال بالبال عند النظر في هذه الروايات لمن لم يسبق إلى ذهنه شبهة وإشكال.
مضافاً إلى لزوم الاقتصار حينئذ على تلك الأزمان، وتلك الوقائع المأذون فيها لا التعدّي إلى مثل زماننا، وهو باطل بالضرورة.
و استفادة الإذن المطلق منها بعد البناء على كونه مالاً له وهم في وهم، كما لايخفى.
و منها: دية المقتول خطاءً فقد ذكر فقهاء الخاصّة والعامة أنّها تقدّر في حكم مال الميّت.
و في «كشف اللثام» مازجاً لعبارة القواعد: الدّية عندنا في حكم مال

1 . وسائل الشيعة: ج 17، الباب 20 من أبواب موانع الإرث، الحديث 8 .

صفحه 45
الميّت، وإن تجدّدت بعده ويقضى منها ديونه، وتُخرج منها وصاياه.
و إن كان القتل عمداً لكن إن رضى الورثةُ بالدية في العمد قال في الخلاف والمبسوط: إنّه قول عامّة الفقهاء إلاّ أبا ثور.1
و في الجواهر مازجاً لعبارة الشرائع: الدّية عندنا، وإن تجدّدت بعده في حكم مال المقتول (يُقضى منها (ديونه)، وتخرج منه وصاياه)2 سواء قُتل عمداً فأُخذت الدية، أو خطاءً بل في محكيّ المهذب الإجماع عليه، بل في محكي المبسوط والخلاف أنّه قول عامّة الفقهاء إلاّ أبا ثور. انتهى.3
و استشهاد الفريقين بهذا الفرع في تقدير المعدوم موجوداً معروف، قال الشهيد(قدس سره) في قواعده: وزاد آخرون في أحكام الوضع التقدير، مثاله الماء في الطهارة بالنسبة إلى مريض يتضرّر باستعماله، فيقدّر الموجود كالمعدوم، وكذا لو كان في بئر ولا آلة معه، أو بثمن ليس عنده.
و قد يقدّر المعدوم موجوداً في صور:
منها: دخول الدية في ملك المقتول قبل موته بآن لتورث منه، ويُقضى منها ديونه، وتنفذ منها وصاياه فإنّا نقطع بعدم ملكية الدية في حياته لاستحالة تقدّم المسبب على سببه، ولكن يقدّر الملك المعدوم موجوداً.
و منها: ما إذا قال: اعتق عبدك عني، أو أدّ من مالك ديني، فإنّه يقدّر الملك قبل العتق بآن ليتحقّق العتق في الملك.

1 . كشف اللثام: 9 / 365.
2 . العبارة في الجواهر: يُقضى منها دينه، ويُخرج منها وصاياه.
3 . جواهر الكلام: 39 / 44-45.

صفحه 46
و كذا يقدّر ملك المديون قبل تملّك الدائن بآن حتى يكون الدين قد قُضي من مال المديون، مع أنّ القطع واقع بعدم ملكه إلى زمان العتق، وقضاء الدين، ويسمّى هذا، الملك الضمني1 إلى آخر ما ذكره.
و قريب منه ما ذكره الفاضل المقداد في نضد القواعد.
و في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «قضى علي (عليه السلام) في دية المقتول أنّه يرثها الورثة على كتاب اللّه، وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دين».2
و في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): «الدية يرثها الورثة على فرائض الميراث».3
والروايات المتضمّنة لإطلاق الإرث والميراث على ما ينتقل إلى الورثة من الدية الواردة في أنّ القاتل ظلماً لايرث، والقاتل خطاء يرث، وإنّ الدّية تورّث، وأنّ الزوج والزوجة يرثان من الدّية، وأنّ المتقرب بالقاتل يرث، فوق حدّ الإحصاء.
و كلّها متضمّن للفظ الإرث والميراث مكرّراً، ومن المعلوم أنّ الإرث نصّ أو ظاهر في الانتقال من الميّت إلى قرابته، وحمل الجميع على التجوّز والاستعارة ـ بانتقالها إلى الورثة ابتداءً من غير دخولها في ملك الميّت لا

1 . القواعد والفوائد: 1 / 68-69 .
2 . وسائل الشيعة: ج 17، الباب 10 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1. وفي كنز العرفان: 2 / 368 قال: اعلم أنّ الدية حكمها حكم أموال الميّت يُقضى منها ديونه، وينفذ وصاياه، من أي الأقسام كانت.
3 . وسائل الشيعة: ج 17، الباب 10 من أبواب موانع الإرث، الحديث 4 .

صفحه 47
حقيقة ولا حكماً لوجود سببه سابقاً ـ ممّا لا ضرورة تلجئ إليه بل لا داعي إليه بالمرّة.
و منها: دية القتل العمدي إذا صالح الورثة عن حق القصاص بالدية، ورضوا بها.
و هو أعجب من سابقه، حيث إنّ السبب وهو القتل لم يقتضِ مالاً أصلاً، وإنّما المال حدث بصلح الوارث، وأجمع عليه الأصحاب على كونه في حكم مال الميّت كما عن «الخلاف» و «الغنية»، وقد سمعت عبارة «كشف اللثام» و «الجواهر» آنفاً.
و منها: ما ورد في الجناية على الميّت بعد موته من ثبوت الدية، وأنّها له لا لورثته وأجمعوا على عدم انتقالها إلى الورثة ووجوب صرفها فيما ينتفع به الميّت من حجّ وإنفاق وصلة قرابة.
و المشهور وجوب صرفها في دينه وتقديمه على القرابة إذا كان عليه دين.
و تأمّل بعضهم فيه من جهة أنّها ليست من تركته، والدين إنّما يتعلّق بالتركة لا وجه له قطعاً فإنّ تفريغ ذمّته من حقوق الديّان من أهمّ ما ينتفع به، وهو إليه أحوج.
و في صحيحة الحسن بن خالد المروية في الكافي، والفقيه، والتهذيب والعلل، والمحاسن، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سُئل أبوعبدالله (عليه السلام)عن رجل قطع رأس الميّت؟ فقال: «إنّ اللّه حرّم منه ميّتاً كما حرّم منه حيّاً، فمن فعل

صفحه 48
بميّت فعلاً يكون في مثله اجتياح نفس الحيّ فعليه الدية»، فسألت عن ذلك أبا الحسن (عليه السلام)فقال: «صدق أبوعبداللّه(عليه السلام)هكذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)»، قلت: فمن قطع رأس ميّت، أو شق بطنه، أو فعل به ما يكون فيه اجتياح نفس الحي فعليه دية النفس كاملة؟ فقال: «لا ولكن ديته دية الجنين في بطن أُمّه قبل أن تلج فيه الروح و ذلك مائة دينار، وهي لورثته، ودية هذا له لا للورثة»، قلت: فما الفرق بينهما؟ قال: «إنّ الجنين أمرٌ مستقبل مرجوّ نفعه، وهذا قد مضى وذهبت منفعته، فلمّا مثّل به بعد موته صارت ديته بتلك المثلة له لا لغيره، يحجّ بها عنه، يفعل بها أبواب الخير والبر: من صدقة أو غيره».1 الحديث.
و في مرسل محمد بن الصباح عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: أتى الربيع أباجعفر المنصور ـ وهو خليفة ـ الطواف فقال: يا أميرالمؤمنين مات فلان مولاك البارحة، فقطع فلان مولاك رأسه بعد موته فاستشاط وغضب، قال: فقال لابن شبرمة وابن أبي ليلى وعدّة من القضاة والفقهاء: ما تقولون في هذا؟ فكل قال: ما عندنا في هذا شيء، فجعل يردّد المسألة يقول: أقتله أو لا؟ فقالوا: ما عندنا في هذا شيء.
قال فقال بعضهم: قد قدم رجل الساعة فإن كان عند أحد شيءٌ فعنده الجواب في هذا، وهو جعفر بن محمد (عليهما السلام)، وقد دخل المسعى، فقال للربيع: إذهب اليه، وقلّ له: لولا معرفتنا بشغل ما أنت فيه لسألناك أن تأتينا، ولكن أجبنا في كذا وكذا.
قال: فأتاه الربيع وهو على المروة فأبلغه الرسالة، فقال أبو عبدالله (عليه السلام):

1 . وسائل الشيعة: ج 19، الباب 24 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 3.

صفحه 49
«قد ترى شغل ما أنا فيه وقبلك الفقهاء والعلماء، فأسألهم»، قال له: قد سألهم فلم يكن عندهم شيء، قال: فردّه إليه فقال: اسألك إلاّ أجبتنا، فليس عند القوم في هذا شيء، فقال له أبوعبدالله(عليه السلام): «حتى أفرغ ممّا أنا فيه»، فلمّا فرغ جلس في جانب المسجد الحرام فقال للربيع: «إذهب إليه فقل له عليه مائة دينار»، قال: فأبلغه ذلك فقالوا له: كيف صار عليه مائة دينار؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «في النطفة عشرون ديناراً، وفي العلقة عشرون ديناراً، وفي المضغة عشرون ديناراً، وفي العظم عشرون ديناراً، وفي اللحم عشرون ديناراً، ثم أنشأناه خلقاً آخر، وهذا هو ميّت بمنزلته قبل أن تنفخ فيه الروح في بطن أُمّه جنيناً». قال فرجع إليه فأخبره بالجواب، فأعجبه ذلك، فقالوا: إرجع إليه وسله الدنانير لمن هي لورثته فيها شيء؟
فقال أبوعبدالله(عليه السلام): «ليس لورثته فيها شيء إنّما هذا شيء صار إليه في بدنه بعد موته يحجّ بها عنه، أو يتصدّق بها عنه، أو يصرف في سبيل من سبل الخير» الحديث. 1 صلوات اللّه وملائكته وعباده الصالحين عليه وعلى آبائه الطاهرين.
و منها: ثلث الميّت الذي أوصى به لعبادة، ونحوها ممّا يرجع إليه، فإنّه باق على ملكه، أو في حكم ماله يصرف فيما أوصى به، عيناً ونماءً.
و النصوص الحاكمة بأنّ له مع الوصية من ماله ثلثه وافية بالدلالة عليه، بل في الجواهر أنّها ظاهرة كمال الظهور في ذلك يعني في أنّه للميّت قال:

1 . تهذيب الأحكام: 10 / 271 ح 10، الباب 23 من كتاب الديات.

صفحه 50
والتزام كونه للورثة، ويجب عليهم صرفه في تلك المصارف تكلّف لا داعي إليه ولا دليل عليه.1
و منها: ما إذا كان على الميّت دين مستوعب للتركة فعن المقنع، والفقيه، والمبسوط، في أحد النقلين، و الخلاف، والنهاية وفقه الراوندي وابن إدريس، والمحقّق، والعلاّمة في الإرشاد، ووصايا المختلف، وفخر الإسلام والشهيد: أنّ التركة باقية على حكم مال الميّت، ولا تنتقل إلى الورثة، ولا إلى الغرماء، بل في جملة من الكتب نسبته إلى الأكثر، أو المشهور، وعن ابن إدريس: دعوى عدم الخلاف في عدم انتقالها إليهم في موضع، و دعوى أنّ أُصول مذهبنا تقتضي عدم استحقاق الورثة في موضع آخر2.
و لتحقيق المسألة مقام هو اللائق به ولنكتف بهذا المقدار في هذا المضمار، ففيه فوق الكفاية لمن له دراية إن شاء اللّه تعالى.
فسخ العقد يوجب نقض الربط بين المالين   

المقدّمة الرابعة: ] فسخ العقد يوجب نقض الربط بين المالين [

كما أنّ عقد البيع يوجب الربط بين المالين، ربطاً موثّقاً كأنّه ضمّ بينهما، وعقد عليهما عقدة يوجب حدوث علقة البدلية بين المالين، ويؤثر في ملكية كلّ واحد للطرف الآخر وسلطنته عليه، كذلك فسخ العقد يوجب نقض ذلك الربط وهدّمه، وإزالته وفكّ العقدة الحاصلة بالعقد وحلّها الموجب لزوال البدلية و رجوع كلٍّ من المالين إلى ما كانا عليه، فإن أمكن العمل بمقتضاه

1 . جواهر الكلام 28: 298-299
2 . السرائر: 2 / 47 .

صفحه 51
عُمل، وإلاّ بما اقتضته القواعد، فإذا كان موجوداً على ملك كليهما من غير مانع رجع كلٌّ منهما إلى الآخر، كما هو مقتضى زوال البدلية، وفكّ العقدة.
و إذا تلف أحدهما أُخذ منه البدل من المثل، أو القيمة، حيث إنّه وإن كان ملكه وأتلفه مالكه، أو تلف في يد مالكه، إلاّ أنّ تملكه له لم يكن مجاناً بل بعوضه الذي دفع، فهو مالك لما في يده من حيث إنّ له بدلاً عند صاحبه، فإذا زالت البدلية بالفسخ ولم يكن للمفسوخ عليه المتلف مثلاً بدل عند الفاسخ لم يبق عنده مبدل، وكما كان كلّ منهما قبل الفسخ مالكاً لما في يده ; لأنّه معنوَن بعنوان كونه بدلاً أو مبدّلاً، كذلك بعد الفسخ صار كلٌّ منهما مالكاً لما في يد صاحبه كما كان قبل العقد، فإنّ الطارئ الحادث المغيّر للملكية السابقة هو صفة البدلية اللاحقة، فإذا زالت عاد كما كان.
و بعبارة أُخرى: بعد البناء على جواز الفسخ بعد التلف وإنّ الفسخ حلّ العقد موجب لزوال البدلية، يلزم رجوع كلّ منهما إلى الآخر عيناً، أو بدلاً أمّا العين فواضح، إذ انفكاك العقد وزوال الربط يوجب رجوعها إلى صاحبها، وأمّا البدل في صورة التلف فإنّه بعد قيام الدليل على أصل جواز الفسخ فيها لابدّ من الحكم فعلاً بعد الفسخ بأن المتلف أتلف مالاً زال عنه وصف المبدلية التي هي المقوّمة لملكيته. فكأنّه أتلف1 ما ليس ملكاً له، ومدار الفسخ على التقدير، أمّا تقدير الموجود معدوماً، أو عكسه، فيقدّر المال

1 . وتوضيحه: أنّ اعتبار كون الفسخ فسخاً الذي هو إزالة الربط عين اعتبار وجود المرتبطين مسلوباً عنها وصف البدلية أو فسخ العقد الذي هو الربط متقوّم بوجود المرتبط ولو تقديراً فإذا فرض وجود العينين من غير بدلية وجب رجوع كلّ منهما إلى صاحبه إمّا بعينه أو ببدله الذي هو أيضاً رجوع العين حيث إنّه أقرب الأشياء إليه. (منه(رحمه الله)).

صفحه 52
التالف كموجود بعد الفسخ، أتلفه المتلف، فيرجع إليه بالمثل، أو القيمة.
بل عرفت فيما حكى الشهيد(قدس سره)أنّه لايخلو باب من أبواب الفقه عن التقدير، وهذا هو تحقيق الضمان المعاوضي لو قيل به لا ما يتراءى منه ممّا يلازم الرجوع إلى العوض الجعلي لا الحقيقي، وعلى كلّ حال فلايبقى وجه لمطالبة الدليل على وجوب ردّ المثل، أو القيمة إذا وقع الفسخ عند تلف أحد الطرفين وقلنا بصحّته، فإنّه لايجري دليل اليد والإتلاف، فإنّه ممّا أتلفه مالكه حال كونه مالكاً.
ففي الاتّفاق على الرجوع إلى البدل عند التلف دليل على أنّ الفسخ ليس مجرد الحل، إذ مجرد الحلّ لايلزمه رجوع البدل، بل يلزمه فيما لو تلف أحد العوضين أن لا يُنتقل إلى البدل لعدم الوجه في ضمانه، كذا قيل.
و قد عرفت ممّا حقّقنا منع اللزوم المذكور، وأنّ مجرّد الحلّ يلزمه رجوع العين عند وجودها، وبدلها عند تلفها، وأنّه ليس في الاتّفاق المذكور دلالة على أنّ الفسخ شيء آخر غير الحلّ، وانتظر لتمام الكلام.
الفسخ الصادر من أحد المتبائعين هل هو مجرد العقد ونقض الربط؟   

المقدّمة الخامسة: ] الفسخ الصادر من أحد المتبائعين هل هو مجرد العقد ونقض الربط؟ [

إذا قلنا: إنّ الفسخ هو مجرّد الحلّ لاشيء آخر، فهل الفسخ الصادر من أحد المتبايعين مجرد حلّ العقد ونقض الربط، أو حلّه ونقضه لنفسه لاينبغي الإشكال في أنّه ليس إلاّ حلّ العقد ونقضه، كما أنّ الخيار ليس إلاّ التسلّط على هذا الحلّ.
و أمّا كونه لنفسه فهو اعتبار زائد لا وجه لأخذه فيه بل لغو صرف إذ

صفحه 53
فكّ العقدة الحاصلة بالعقد يوجب الرجوع إلى نفس المالك قهراً، وما حال الفسخ من هذه الجهة إلاّ كحال نفس العقد الواقع على عين مال المالك، فإذا اشترى به شيئاً ولم يعتبر فيه شيئاً من كونه لنفسه أو لغيره وقع العقد له، وإنّما المحتاج فيه إلى الاعتبار الزائد وقوعه لغيره، ولذلك قلنا في الفضولي: إنّه إذا اشترى بعين المال لنفسه كما في الغاصب والسارق ثم أجازه المالك صحّ ووقع له، وكان المجاز عين ما وقع، وكان تقييده الاشتراء بنفسه لغواً ضائعاً، حيث إنّ المبادلة إنّما وقعت بين المالين.
و قد يفرّع على الوجهين ما إذا انتقل الخيار بالإرث إلى الورثة فإن قلنا: إنّ الحق الثابت للميّت هو الحلّ لنفسه كان هذا الحقّ بعينه منتقلاً إلى الورثة، فإذا فسخوا لزمه الانتقال إلى الميّت أو صيرورته في حكم ماله أوّلاً، ثم الإرث; وإن قلنا بأنّ الحق الثابت له هو مجرد الحلّ، فالمنتقل إليهم كذلك، فلا مفرّ حينئذ من القول برجوع العوضين إلى المالك الفعلي، وهو الوارث، لا الميّت، ولمّا كان حقيقة الخيار السلطنة على حلّ العقد، ولم يكن انتقال المال عن فلان أو إلى فلان داخلاً في حقيقته لم يعتبر في الإرث أيضاً، فما يظهر من بعضهم كشيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره) من مفروضية كون فسخ الأجنبي موجباً للرجوع إلى الميّت.
ففيه: أنّه لا إشكال في أنّه موجب للعكس، وأنّه يوجب الرجوع إلى الوارث ابتداءً ولايضرّ عدم كون الإرث عاقداً بعد كون العقد له بمقتضى قيامه مقام مورثه فكأنّه هو العاقد، فلاموقع لأن يقال: إذا كان مقتضى الانحلال ما ذكرت من الرجوع إلى المالك الفعلي، لزم القول به في صورة الانتقال إلى

صفحه 54
غير الوارث أيضاً ، كما لو باع الميّت، أو وهبه، وذلك لأنّ غير الوارث ليس ممّن له العقد، ولا ممّن وقع العقد على ماله، و هذا واضح، إلى هنا كلام المفرّع.
أقول: هو من غرائب التفريعات، وعجائب التخريجات، فإنّ الموجب لرجوع العين إلى الفاسخ المالك ليس كونه فاسخاً عن نفسه أو لنفسه، بل نفس الفسخ المقصود به مجرّد الحل اقتضى ذلك، لبطلان الربط والضمّ الذي حدث بالعقد بين المالين، وفكّ العقدة الحاصلة منه، سواء كان الفاك والفاسخ هو البائع، أو المشتري، أو وارثهما، أو الأجنبي، فصار العقد من حين الفسخ كأن لم يكن، وبرح الواقع كأن لم يقع، فعاد المالان إلى حالتهما السابقة على العقد بنفسهما، أو ببدلهما، سواء قلنا: بأنّ الفسخ مجرد الحل، أو أنّه حلّ لنفسه، فإذا انتقل حق الفسخ بمعنى مجرد الحل إلى الوارث، ترتّب عليه بعد إعماله ما يقتضيه من الرجوع إلى الحالة الأُولى قبل العقد.
فدعوى الملازمة بين كون الفسخ مجرّد الحل وبين كون فسخ الوارث موجباً لرجوع العين إلى المالك الفعلي وهو نفسه لا الميّت، عجيبة جدّاً.
ثم إنّ اختراع هذا التعبير الجامع بين المالك ووارثه، أعني: من له العقد ممّا لايركن إلى دليل متين، لايلجأ إلى ركن وثيق، إذ من المعلوم بالضرورة أنّ من له الملك بالعقد ليس إلاّ المتبايعان، والوارث لايملك بذلك العقد، بل ينتقل إليه بالموت.
و ما يقال: إن تملّكه بالإرث كأنّه تملّك نفس الميّت فكأن الميّت حي باق، يراد به أنّه لايحتاج إلى سبب اختياري جديد، كما في الأجنبي، بل

صفحه 55
قرابته لاتصالهم به فكأنّهم نفسه، لا كون العقد عقدهم، والفعل فعلهم، والاشتراء واقعاً لهم، أو كون العقد لهم، أو واقعاً على مالهم، وأين وأنى ومتى مثل هذا الدليل على مثل هذا التنزيل، ولذا تسمع قطعاً شهادة من يرثان الميّت إذا شهدا في حياته على عقده.
و من الظريف أنّ الوارث الذي له العقد إذا تأكّد العقد السابق الواقع له بعقد لاحق من أبيه كأن وهبه الأب حال حياته، أو باعه، خرج عن كونه ممّن له العقد، وصار كالأجنبي، فإذا اتّفق فسخ العقد الأوّل لم يؤخذ منه العين، بل أخذ من أبيه مثله أو قيمته، فلم يبق إلاّ أنّ للإرث خصوصية في ذلك ولاينكره واحد، لا أن كونه ممّن له العقد مشروط بموت أبيه غير واهب له، وإن كان يتفصّى من مثل هذا الفرض بأنّه ليس هنا مالكاً بذلك العقد، بل مالك بالعقد اللاحق، إلاّ أنّ الغرض أنّ هذا الاعتبار، أعني: كونه ممّن له العقد لا طائل تحته، بل المعتبر كونه وارثاً للعين.
و أمّا من له العقد بمعنى من وقع العقد لانتفاعه، ومن هو بمنزلة العلّة الغائية، فربما يكون هو الوارث، وربما يكون هو الضيف، أو الخادم، أو الأجنبي.
و أعجب من هذا كلّه أنّه عدّل هذا الفرع بعدما نقلناه عنه، عن هذا التحقيق الذي كان يدّعي، كما سمعت أنّه لا إشكال فيه، وفي أنّه موجب لعكس ما فرّعه المحقّق الأنصاري(قدس سره)إلى غيره، لما تفطن بإشكال متّجه على ما اختاره، ولقوة ذلك الإشكال هدّم ما أسّسه ونقض ما أبرمه.
و اعترف بأنّ الإنصاف: أنّ الفسخ من الوارث يوجب الرجوع إلى

صفحه 56
الميّت، وإن قلنا بأنّه مجرد الحلّ، و ذكر أنّه الحق، ثم بدا له أيضاً بعد ذلك وعدل إلى ما كان عادلاً عنه، وارتكب خلاف ما سمّاه إنصافاً وحقّاً عند الجواب عن مسألتنا المبحوث عنها.
أمّا الإشكال الذي أوجب عدوله فهو: أنّه ما ذكره في تعليقه على كتاب شيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره)من أنّ لازم القول بالرجوع إلى الوارث ابتداءً اشتغال ذمة الوارث بالبدل مع فسخ الأجنبي، حتى في صورة عدم وجود تركة للميّت أصلاً، وعدم وفاء ما انتقل إليه ببدل العوض التالف في زمان حياة المورّث، و لايمكن الالتزام به، فيكشف عن عدم تمامية ما ذكرنا، وأنّ مقتضى الانحلال ما ذكره شيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره)من الانتقال إلى الميّت مطلقاً، واشتغال ذمته كذلك، إذ لايمكن التفكيك بين صورة وجود العين، أو وجود التركة، أو وفاء ما استردّ بالفسخ بقيمة التالف، وبين صورة عدم الوجود وعدم الوفاء، بأن يقال بالانتقال إلى الميّت في خصوص الصورة الأخيرة، ولايمكن التزام اشتغال ذمة الوارث بلا بدل أصلاً.
فالإنصاف أن يقال: إذا قلنا: إنّ المنتقل إلى الوارث ليس إلاّ التسلّط على الحل، أنّ مقتضاه رجوع العوض أو بدله إلى الميّت، إلى أن قال: فالحق ما ذكره شيخنا المذكور من أنّ مقتضى الانحلال الرجوع إلى الميّت كما في فسخ الأجنبي، إلى آخر ما ذكره.1
و أمّا ما أوجب بداه ورجوعه عن هذا الكلام أيضاً إلى ما كان بانياً عليه أوّلاً معتقداً أنّه من فروع كون الفسخ مجرد الحلّ لا الحلّ لنفسه، فهو أنّه

1 . حاشية السيد اليزدي على مكاسب الشيخ الأنصاري: 2 / 151.

صفحه 57
اهتدى إلى طريق التفصّي عن ذلك الإشكال، فاختار أنّ حقيقة الفسخ ليس هو مجرد الحلّ، بل هو عبارة عن الردّ والاسترداد، وهو مستلزم للتعاوض والتبادل إذا كان العوض موجوداً في ملك من تملّك بالعقد الأوّل، فيلزم الرجوع إلى المالك الفعلي للطرف الآخر بذلك العقد.
فإذا كانت العين موجودة بعد الموت وتملّكها الوارث ثم فسخ، رجعت العين الأُخرى إلى ملك المفسوخ عليه، ورجع عوضها إلى ملك الوارث ابتداءً، لأنّه ممّن له العقد.
و إذا لم تكن موجودة حال الموت إمّا بأن يكون العقد خالياً من العوض، كما إذا صالح الميّت بلاعوض وجعل لنفسه الخيار، أو بأن يكون العوض تالفاً في يد الميّت، رجعت العين إلى ملك الميّت ثم ورثه الوارث، سواء خلّف الميّت تركة أُخرى غير ذلك العوض أم لا، ولاينتقض بما إذا باعه الميّت أو وهبه حال حياته بلزوم رجوع العين إلى ملك المشتري، أو الموهوب له الذي هو المالك الفعلي لأنّه ليس بمالك فعلي بذلك العقد.
ويتفصّى عن ذلك الإشكال الموجب للعدول، بأنّ الفسخ يقتضي التعاوض ورجوع كلّ عوض مكان الآخر، فإذا كان العوض واصلاً بيد الوارث بذلك العقد ، رجع العوض الآخر بالفسخ إليه ابتداءً، سواء كان موجوداً في ملكه أو أتلفه، أو باعه، وإذا لم يصل إلى يد الوارث شيء بأن لم يكن ذا عوض أصلاً كالصلح بلاعوض، أو كان وتصرّف فيه الميّت بإتلاف، أو بيع لم يرجع إلى الوارث إذا لم يصل إليه عوض،بل إلى الميّت، فإن كان له تركة تفي بأداء العوض المفسوخ عليه، أو تفي قيمة الراجع بأدائه فهو، وإلاّ

صفحه 58
بقي مشغول الذمّة. هذا محصّل كلامه ومفتح مرامه.
فانظر أيدّك الله أوّلاً إلى شدّة اضطرابه وكثرة قلقه في هذا المطلب اليسير.
فتارة يدّعي أنّ الفسخ يقتضي الرجوع إلى الوارث ابتداءً مطلقاً، لأنّه ليس عبارة عن الحل لنفسه، وأنّ الرجوع إليه ما لا إشكال فيه.
وأُخرى يدّعي أنّه يقتضي الرجوع إلى الميّت مطلقاً، وأنّه الحق، وأنّه مقتضى الإنصاف.
و ثالثة يزعم أنّه يقتضي الرجوع إلى المالك الفعلي وهو الوارث في صورة وجود العين، والميّت في صورة عدمه.
ثم تأمّل ثانياً في هذا الأخير الذي استقرّ عليه، وأتقن سوره وسدّ ثغوره، وبنى عليه مسألتنا المبحوث عنها، واقتضائه أنّ حقيقة الفسخ تارة هو التسلّط على الردّ فقط كما إذا صالح بلاعوض وجعل لصاحبه الخيار، وتارة هو الاسترداد فقط كما في الصورة بعينها إذا جعل لنفسه الخيار وتارة هو التسلّط على الردّ في مقابل الاسترداد، كما إذا باع بخيار من غير أن يجمعها جامع هو مجرد الحلّ، بناء على ما سيأتي منه من أنّ حقيقة الفسخ هي الردّ والاسترداد مستوضحاً ذلك بحقيقة الإقالة، وأنّ الخيار وإن كان عندهم بمعنى ملك فسخ العقد، إلاّ أنّه لا دليل عليه.
لو اشترى أو باع وشرط لنفسه الخيار ثم مات    
ثم إنّ الثالث المقتضي للتعاوض عنده تارة بين مالين موجودين، وأُخرى بين معدومين، وثالثة بين موجود ومعدوم، ثم إنّه ما إذا باع الولد من أبيه داراً تساوي ألف درهم بمائة درهم، وجعل لنفسه الخيار فمات الأب عن

صفحه 59
دين يبلغ ألف درهم، وانتقلت الدار بالإرث إلى الولد على القول بعدم البقاء على حكم مال الميّت وانتقال تركة المديون بدين مستوعب إلى الورثة، فأراد الولد إعمال خياره تقليلاً لنصيب الديّان فكيف التعاوض والتبادل في المقام وهو مالك للعوضين، وكذا في بعض الفروض الأُخر التي سيأتي التنبيه عليها، فالفسخ هيولى مجرّدة تتنوّع بصور مختلفة، وهلاّ سلك الجادّة الواضحة، ولزم المحجّة البيضاء الواسعة، من أن الفسخ حلّ للعقد موجب للرجوع إلى الحالة السابقة على العقد، فإن أمكن العمل بموجبه ومقتضاه من غير مزاحمة دليل آخر عَمل به، وإلاّ كما لو باع أو وهب العين أو أتلفها عمل بما تقتضيه القواعد، وستسمع للكلام تتمة بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.

المقدّمة السادسة: ] لو اشترى أو باع وجعل لنفسه الخيار ثم مات [

إنّ عين مسألتنا هذه وهي ما إذا اشترى الأرض وشرط للبائع الخيار، وإن لم ينصّوا عليها، إلاّ أن كثيراً منهم نصّوا عليها، فيما إذا اشترى أو باع وجعل لنفسه الخيار فمات، وتكلّموا في إرث الزوجة من الخيار وعدمه، وجعلوا إرثها من ثمن الأرض الراجع بالفسخ من الأُمور المسلّمة الواضحة، كحرمانها من الأرض المردودة إذا كانت مبيعة، وكان للميّت الخيار.
و اختصاص ما إذا كان الخيار للميّت بالذكر في كلامهم ليس لأنّ له مدخلاً في إرثها من الثمن في المشتراة، وحرمانها من الأرض في المبيعة ضرورة أنّ علّة حرمانها من الأرض عندهم لايمكن أن تكون إرثها من الخيار، ومن يقول بحرمانها منها جزماً مع القول بإرثها من الخيار أو مع

صفحه 60
احتمال إرثها منه لايعقل أن لايقول بحرمانها مع عدم احتمال إرثها، كما إذا كان الخيار للبائع وهو مفروض مسألتنا، فليس الحرمان عندهم لخصوصية في خيار الميّت المحتمل إرث الزوجة منها بالضرورة، بل ليس إلاّ بملاحظة حال التركة بعد الفسخ، وإنها وإن كانت نقداً في حال الموت إلاّ أنّها تبدّلت أرضاً مشتملة على المانع بعد الفسخ، وكذلك حال إرثها من ثمن الأرض المشتراة بعد الفسخ، ليس السبب فيها إرثها للخيار، أو تعلّق حقّها به، بل المنشأ فيه ارتفاع المانع بعد الفسخ، كما أنّ المنشأ في عكسها وجود المانع، وليس تعلّق حق الخيار بالثمن على تقدير القول به، بأقوى من تملّكها الحقيقي للثمن في الأرض المبيعة، ومع ذلك تراهم يحكمون بالحرمان منها مع تملّكها لمقابلها وأخذه منها.

***

بيان الربط بين حق الفسخ وبين التملّك بعد الفسخ    

بيان الربط بين حق الفسخ وبين التملّك بعد الفسخ

ثم أيّ ربط بين تعلّق حق الفسخ بشيء وبين تملّكه بعد الفسخ، إذ مقتضى الأوّل مجرّد التسلّط على حلّ العقد لا التسلّط على المال الراجع بعد الحلّ، ولو كان إرثها للخيار علّة لإرثها من الثمن في الأرض المشتراة، لوجب القول بإرثها من الأرض المبيعة أيضاً إذا قيل بإرثها للخيار فيها مع تملّكها لمقابلها، وترى الكلّ نافين لإرثها من الأرض المبيعة جزماً، وإن كانوا في إرثها من الخيار ما بين ناف أو مثبت أو مستشكل.
و كذا ترى الجميع مثبتين لإرثها من الثمن على تقدير الفسخ، وإن كان

صفحه 61
ثبوت الخيار لها محل كلام.

و بالجملة:

لا مدخلية لكون الخيار للميّت، ولا لإرثها من الخيار في شيء من الملازمتين، فكما أنّ حرمانها منها ليس مستنداً إلى إرثها للخيار بالضرورة، فكذا العكس، وهذا واضح جدّاً وقد أصاب المعاصر المخالف في هذه المسألة في استظهاره من صاحب الجواهر، والمحقّق الأنصاري، وبعض آخر، أنّ المدار عندهم في الإرث والحرمان على زمان الفسخ، بمعنى ملاحظة التركة بعده، وذكر أنّ لازم كلامهم إرث الزوجة من الثمن في مسألتنا، بل أجاد في استظهاره منهم المفروغية عن ذلك مع أنّهم أيضاً لم يتعرّضوا إلاّ لما إذا كان الخيار للميّت.
و إنّما العلّة في اختصاص خيار الميّت بالذكر في كلامهم هي أنّ المقصد الأصلي في كلام كلّ من وقفنا على قوله هو التكلّم في إرث الزوجة من الخيار الثابت لزوجها فيما إذا باع أرضاً أو اشتراها.
و من الواضح أنّ التكلّم في إرث الزوجة ـ من الخيار الثابت لزوجها فيما إذا باع أرضاً أو اشتراها ـ في أنّها ترث من الخيار أم لا، موقوف على فرض الخيار للميّت.
ثم إنّهم ما بين مثبت لخيارها في الصورتين، ومحتمل لنفيه فيهما، ومفصّل بين ثبوته في الأوّل دون الثاني، أو العكس، وهذا هو الذي جعلوه محل الكلام، ومحطّ النزاع في المقام، و منتصل سهام النقض والإبرام، وأمّا

صفحه 62
أنّها ترث من الثمن الراجع على تقدير الفسخ في الأرض المشتراة وتحرم من الأرض المردودة بعده في المبيعة فممّا لم يقع لأحد فيه كلام، بل أرسلوه إرسال المسلّمات، وأجروا عليه حكم الواضحات الضروريات، وسكتوا عن الاحتجاج له بحجّة وبرهان، واكتفوا فيه بما يرونه من العيان عن تجشّم البيان، وقد اتّضح وإن كان واضحاً أن هاتين الملازمتين لا مدخلية فيهما للفاسخ بوجه ولا لكون الخيار للبائع أو للمشتري، أو لأجنبي.
و مع ذلك كلّه واجهني جاهل غبيّ، وغافل غويّ، بدعوى أنّ مورد كلام هؤلاء الأعلام إنّما هو فيما اذا كان الخيار للميّت، والسؤال إنّما هو فيما إذا كان الخيار للبائع، ولا ملازمة بينهما.
فقلت له: أما يكفيك في استعلامهم مذهبهم تسالمهم على حرمانها من الأرض المبيعة الراجعة، فهل يجوّز من له أدنى شعور أنّ ثبوت الخيار للميّت وإرث الزوجة من الخيار، هو الذي أوجب حرمانها من الأرض، أو أنّ تملّكها للثمن هو الموجب للحرمان; كلا، لايحتمله عامي، بل ليس الموجب إلاّ ملاحظة التركة بعد الفسخ من غير مدخلية لذي الخيار، ومن جوّز غير هذا فهو أبله لايعقل الخطاب ولا يحسن معه السؤال والجواب، ونعم ما قيل:
و إذا كنت بالمدارك غزا *** ثم أبصرت عارفاً لاتمار
و إذا لم ترَ الهلال فسلّم *** لرجال رآه بالأبصار
أقوال العلماء في هذه المسألة   

صفحه 63

المقدّمة السابعة: ] أقوال العلماء في هذه المسألة [

في نقل عبائر جملة من الأساطين الذين وقفنا على كتبهم، وأقوالهم في هذه المسألة.
فمنهم: آية اللّه التامّة العامّة، وحجّته الخاصّة على العامّة، أفضل الإمامية من العلاّمة على الإطلاق قال في قواعده: الخيار موروث بالحصص، كالمال من أيّ أنواعه كان، إلاّ الزوجة غير ذات الولد في الأرض على إشكال، أقربه ذلك إذا اشترى بخيار لترث من الثمن. انتهى.1
فهو(قدس سره) وإن استشكل في إرثها من الخيار، لكن جعل ترتّب إرثها من الثمن على الفسخ واضحاً مسلّماً، سواء قلنا: بأنّ مراده(قدس سره)أنّ الأقرب إرثها من الخيار، كما فهمه كثير من شرّاح كلامه، أو أنّ الأقرب عدم إرثها من الخيار، كما فهمه المحقّق الثاني(رحمه الله)مصرّاً عليه، وتبعه آخرون، فإنّ المعنى على الأوّل: أنّ الأقرب إرثها من الخيار اذا اشترى الميّت، فتفسخ لترث من الثمن، وعلى الثاني: أنّ الأقرب عدم إرثها من الخيار، حتى يترتّب عليه إرث الثمن، أو عدم إرثها إذا اشترى فأرادت الفسخ لترث من الثمن، وعلى كلّ حال صراحة العبارة في ترتّب الإرث من الثمن على إرث الخيار المجوّز لفسخها لايتأمّل فيها أحد.
فتبيّن أنّ كون المدار على ملاحظة التركة بعد الفسخ أمر مفروغ عنه، وإنّ الفسخ هو الموجب لإرثها من الثمن، وإلاّ فأيّ ملازمة بين إرثها من

1 . قواعد الأحكام: 2 / 68 ; إيضاح الفوائد: 1 / 487.

صفحه 64
الخيار، وإرثها من الثمن الراجع، لو احتمل أنّ الثمن يرجع بالفسخ إلى المالك الفعلي للطرف الآخر، وهم بقية الورثة لحرمان الزوجة بعد الموت، وعدم تملّكها لبدل الثمن رأساً، وثبوت حق الخيار لها لايلازم إلاّ جواز فسخها، ثم يعمل الفسخ عمله من الرجوع إلى حكم مال الميّت كما يظهر تسلّمه عند العلاّمة، أو إلى الورثة المالكين للأرض كما يقوله قائل.
ومنهم: ولده فخر المحقّقين في «الإيضاح» قال في توضيح إشكال والده(قدس سره): ينشأ الإشكال من عدم إرثها، فلا تتعلّق بها، فلا ترث من خيارها، ومن أنّ الخيار لايتوقّف على الملك كالأجنبي.
ثم فرّع المصنّف دام ظله ـ يعني والده العلاّمة(قدس سره)ـ أنّه لو اشترى المورث بخيار فالأقرب إرثها من الخيار، لأنّ لها حقّاً في الثمن، ويحتمل عدمه، لأنّها لاترث من الثمن إلاّ بعد الفسخ، فلو علّل بإرثها دار، والأصحّ اختيار المصنّف لأنّ الشراء يستلزم منعها من شيء نزّله الشارع منزلة جزء من التركة وهو الثمن، فقد تعلّق الخيار بما ترث منه. انتهى.1
وصراحة هذه العبارة أيضاً في أنّ الملازمة بين رجوع الثمن بالفسخ، وإرث الزوجة منها، مفروغ عنها ممّا لايخفى على أحد.
و لو أمكن منع الملازمة ـ كما عن ذلك البعض ـ كان إتعاب البال في إثبات إرثها من الخيار، ثم تفريع إرثها من الثمن عليه من دون إثبات هذه الملازمة، لغواً ضائعاً، وكان قوله: «فقد تعلّق الخيار بما ترث منه» مصادرة محضة، بل يتعلّق خيارها على القول الحادث بما لاترث منه.

1 . إيضاح الفوائد: 1 / 487 .

صفحه 65
ومنهم: أفقه الفقهاء، وشمس العلماء الشهيد السعيد(قدس سره)في حواشيه على القواعد.
و منهم: السيد الإمام المرتضى علم الهدى، والسيد عميد الدين في شرح القواعد، والمحكيّ عنهما قريب ممّا مرّ في عبارة فخر الإسلام.
ومنهم: خاتم المحقّقين مروّج المذهب، المحقّق الثاني(قدس سره) في «جامع المقاصد» قال: قوله: «إلاّ الزوجة غير ذات الولد في الأرض على إشكال، أقربه ذلك إن اشترى بخيار لترث منه» هذا الاستثناء من محذوف يدلّ عليه قوله موروث تقديره لجميع الورّاث، أو نحوه فيكون التقدير: الخيار موروث لجميع الورّاث مقسوم عليهم كالمال إلاّ الزوجة غير ذات الولد في الأرض، فإنّها لاترث من الخيار المتعلّق بها، سواء كانت مبيعة أو مشتراة، على إشكال ينشأ من أنّه حق خارج عن الأرض، فترث منه، ومن أنّه من الحقوق المتعلّقة بها؟ فإرثه تابع لإرثها، ومع انتفاء التابع ينتفي متبوعه.1
و الأقرب من هذا الإشكال عدم إرثها إن كان الميّت قد اشترى أرضاً بخيار فأرادت الفسخ لترث من الثمن.
و أمّا إذا باع أرضاً بخيار فإنّ الإشكال في هذه الصورة بحاله، لأنّها إذا فسخت في هذه الصورة لم ترث شيئاً، وحمل الشارحان العبارة على أنّ الأقرب إرثها إذا اشترى بخيار; لأنّها حينئذ تفسخ فترث من الثمن، بخلاف ما إذا باع بخيار، وهو خلاف الظاهر، فإنّ المتبادر أنّ المشار إليه بقوله ذلك هو عدم الإرث الذي سيقت لأجله العبارة، ففهم إرادة الإرث منها، ارتكاب لما

1 . الظاهر أنّه سهو منه أو من الناسخ، والصحيح أن يقال: ومع انتفاء المتبوع ينتفي التابع. (منه(رحمه الله)).

صفحه 66
لايدلّ عليه دليل، مع أنّه من حيث الحكم غير مستقيم، فإنّ الأرض حقّ لباقي الورّاث استحقّوها بالموت، فكيف تملك إبطال استحقاقهم لها وإخراجها عن ملكهم.
نعم إن قلنا: إنّ الملك إنّما ينتقل بانقضاء مدّة الخيار، استقام ذلك، وأيضاً فإنّها إذا ورثت في هذه الصورة وجب أن ترث فيما إذا باع الميّت أرضاً بطريق أولى، لأنّها ترث حينئذ من الثمن، وأقصى ما يلزم من إرثها من الخيار في الأرض أن يبطل حقّها من الثمن، وهو أولى من إرثها حق غيرها من الأرض، التي اختصّوا بملكها، فيكون قوله: إن اشترى بخيار إلى آخره، مستدركاً.
والحق: أنّ إرثها من الخيار في الأرض المشتراة مستبعد، وإبطال حق قد ثبت لغيرها يحتاج إلى دليل.
نعم قوله: «لترث من الثمن على هذا التقدير» يحتاج إلى تكلّف زيادة تقدير، بخلاف ما حُملا عليه. انتهى.
فلاحظ أيّدك اللّه بعين البصيرة كلام هذا الفقيه المعلوم تبحّره في الفقه واضطلاعه في الفن كيف ينادي بوضوح الملازمتين، وأنّ المدار على ملاحظة التركة بعد الفسخ، وأنّ الزوجة لاترث في الأرض المبيعة شيئاً، لأنّها ترث من الثمن في الأرض المشتراة بعده، وكيف أخذ هذا المعنى أمراً مسلّماً مفروغاً عنه، وأخذ يستشكل على الشارحين المحقّقين في تفسيرهما لعبارة القواعد بهذه الملازمة المسلّمة عنده و عندهما، وكيف سكت عن الاستدلال لها، والاحتجاج عليها، مع شدّة حاجته في إثبات إشكاله عليهما بثبوت هذا

صفحه 67
المعنى، وهل ذلك إلاّ لأنّ هذه المقدّمة مفروغ عنها بينه وبين من يستشكل عليه، ولو كان احتمال ذلك القول ـ أعني: انتقال العين إلى المالك الفعلي بالفسخ ـ قائماً لانعكس الأمر وكانت الزوجة ترث من الأرض المبيعة الراجعة بعد الفسخ لتملّكها لبدلها هو الثمن فلم ترث من الثمن الراجع في الأرض المشتراة لعدم تملّكها لبدلها، بل بقية الورثة هم الذين ملكوا البدل.
وانظر إليه(قدس سره)كيف ينكر إرثها من الخيار في الأرض المشتراة، لكنه يقرّ بالملازمة، وإنها على تقدير الفسخ ترث من الثمن، وأنّه على تقدير الخيار في الأرض المبيعة لايلزم إلاّ بطلان حقّها من الثمن، وأنّ الأوّل أولى بالإشكال لما فيه من إبطال حق الغير، ولايلزم في الثاني إلاّ بطلان حقّها، ثمّ إنّ الناظرين في كلام المتعرّضين للإشكال على مرامه.
و منهم: شيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره)وإنْ لم يسلّموا أولوية الإشكال في الأرض المشتراة، بل ربما عكسوا فرجّحوا إرث الخيار فيها دون المبيعة، إلاّ أنّهم بأجمعهم سلّموا منه هاتين الملازمتين، وأنّها لو فسخت حرمت في المبيعة ولو فسخت ورثت في المشتراة، بل جعلوا هذا المعنى المسلّم منشأ للإيراد عليه كشيخنا المذكور آنفاً، بتقريب أنّها في المبيعة لا تسترد شيئاً فلا معنى لخيارها بخلاف المشتراة فإنّها تسترد الثمن.
و منهم: العلاّمة المقنّن المحقّق القميّ(قدس سره)في أجوبة مسائله حيث إنّه بعد أنْ أطال القول في إرث الزوجة من الخيار وعدمه، وفي جواز تفريق الورثة في الفسخ والإمضاء ونقل كلمات القوم وتكلّم فيها نقضاً وإبراماً، قال ما لفظه: وتحقيق المقام بعدما حقّقنا لك سابقاً أنّه لايصح التفريق في الخيار،

صفحه 68
ولابدّ من التوافق، هو أنّ الزوجة إذا وافقت الورثة في الفسخ والإمضاء جاز في الأرض أيضاً، وإن كان يختلف الحال بأنّ ذلك يوجب في بعض الصور استحقاقها من الثمن بقدر حصتها، كما لو كان الميّت اشتراها، وفي بعضها لاتستحق شيئاً، كما لو كان باعها، وفائدته حصول الموافقة ليصح العمل بمقتضى الخيار، ولينتقل إليها شيء في بعض الصور، أو ينتفع به الغير، سيّما إذا ترقّبت وصول نفعه إليها أيضاً في آخر.
و ذكر في سابق هذا الكلام تصويراً لوصول نفع فسخ الأرض المبيعة إليها مع حرمانها منها، فيما لو فرض أنّ الميّت باع الأرض بثمن بخس لكونها كاسدة حين البيع، والآن ارتفعت وتريد الزوجة أن تتزوّج بأخي الميّت، والمفروض أنّ الوارث هو الأخ، وهذه الزوجة، فهي باعتقاد أنّ ما كان للزوج فهو لها ولولدها الذي يتولّد منها، فلا ريب أنّ المصلحة لها حينئذ قطع النظر عن ذلك الثمن القليل واسترجاع الأرض، وإن لم ترث منها بنفسها. انتهى كلامه ورفع مقامه.
فانظر إليه(قدس سره)كيف تكون الملازمتان واضحتين بديهيتين عنده، وإلى حكمه بإرثها من الثمن في المشتراة، والحرمان من الأرض في المبيعة من غير احتمال خلافهما، وإلى ما صوّره في رجوع النفع إلى الزوجة، ولو كان الآخر كما يقوله القائل لم يحتج إلى هذه المقدّمات بل بالفسخ ترجع الأرض إليها في مقابل حصتها المأخوذة منها، بل انعكس الأمر واحتاج إلى التكلّف، لتصوير النفع والفائدة في فسخ الأرض المشتراة دون المبيعة.
و منهم: الإمام الباهر الماهر صاحب الجواهر(قدس سره)فإنّه بعد أن ذكر أنّ

صفحه 69
دعوى تبعية إرث الخيار للمال لا شاهد عليها، بل يكفي فيه تعلّقه بالمال كالشفعة، بل قد يورث ما لاتعلّق له بالمال كحقّ القذف، ويقرب منه حقّ القصاص.
قال ما لفظه: ومن ذلك يظهر لك قوة القول بإرث الزوجة غير ذات الولد للخيار فيما إذا اشترى أرضاً وله الخيار، أو باعها كذلك، وإن استشكل في أحدهما الفاضل في القواعد، على أنّ حق الخيارالثاني منهما قد تعلّق بالثمن الذي انتقل إليها بالإرث فيتبعه الخيار، وإن كان لو فسخت حرمت إلاّ أنّ ذلك لم يثبت مانعيته من الإرث كعدم ثبوت اشتراط إرثه بالتبعية لعين، فلها أن تفسخ في الأوّل أيضاً، وترث من الثمن. انتهى.1
فلينظر إلى هذا الفقيه المتبحّر المسلّم إحاطته وسعة باعه هل استدلّ على الملازمة الأُولى من قوله: لو فسخت حرمت، أو على ما ذكره في الثاني: من أنّ لها أن تفسخ وترث من الثمن بشيء، أو أنّه أجراهما مجرى الضروريات وأرسلهما إرسال المسلّمات.
و منهم: العلاّمة النراقي في نفائس الفنون إلى أعلى المراقي الفاضل النراقي(قدس سره)فإنّه بعد أن رجّح إرثها من الخيار في الأرض إذا لم ينحصر الوارث فيها، قال: إذا كان ذو الخيار الموروث بائعاً فإن لم تجوّز الزوجة الفسخ ترث حصتها من الثمن، وإن اختارت الفسخ مع سائرالورثة لم ترث من الأرض ولا من ثمنها، لأنّ بعد الفسخ يستحق المشتري الثمن من مال البائع، إذ انتقاله إليه كان من جهة البيع وقد انفسخ، وانتقال حصتها من الثمن إليها قبل الفسخ

1 . جواهر الكلام: 23 / 77.

صفحه 70
كان انتقالاً متزلزلاً، إلى أن قال: وإن كان ذو الخيار مشترياً فإن اختارت الزوجة الإجازة لم ترث من الأرض، وإن اختارت الفسخ ورثت من الثمن. انتهى.
و هذه العبارة أيضاً كسوابقها في إرسال المعنى المبحوث عنه إرسال الواضحات المسلّمات، بل أصرح منها حيث إنّه(قدس سره)قد أخذ يستدل في الصورة الأُولى ـ وهي كون الأرض مبيعة ـ على أن الزوجة بعد فسخها لاترث من الثمن، مع أنّه من الضروريات بعد الفسخ، ولم يستدلّ على مدّعاه الآخر، من أنّها لاترث من الأرض، مع أنّه الذي يتعيّن الاحتجاج له لو كانت المسألة نظرية، ولا يكفي فيه بناء على أنّ الفسخ يقتضي العود إلى المالك الفعلي، أدلّة حرمان الزوجة من الأرض، حيث إنّ هذا الانتقال بعد الفسخ ليس بإرث حتى يُنفى بتلك الأدلّة بل هو من مقتضيات الفسخ وعود المال مكان بدله الذي ملكته الزوجة قطعاً، فيتبيّن أنّ عدم إرثها من الأرض الراجعة بالفسخ أوضح عنده من عدم إرثها من الثمن بعد الفسخ، ولذا سكت أخيراً عن الاستدلال لقوله في الثانية: وإن اختارت الفسخ ورثت من الثمن.
و منهم: الفقيه المتورّع العلاّمة الشيخ علي(قدس سره)ابن كاشف الغطاء فيما حكى عنه بعض أعاظم الفقهاء من أصحابه، فإنّه بعدما اختار عدم إرث الزوجة من الخيار ذكر احتجاجاً له أن الأصحاب علّلوا كون الخيار موروثاً، بأنّه حق مالي، ومرادهم من الحق المالي أن يكون ذلك المال ممّا يعود إلى من ينتقل إليه الخيار إذا فسخ بالخيار.
و لا ريب في أنّ الزوجة المفروضة لاترث من الأرض أصلاً فسخت أو لم تفسخ، قال: مع أنّ مشروعية الخيار للإرفاق، ولا إرفاق بحال الزوجة

صفحه 71
أصلاً، بل الفسخ ضرر عليها، لأنّها إن لم تفسخ ترث من الثمن إذا كان غير أرض، بخلاف ما إذا فسخت فالثمن يأخذه المشتري، والأرض تأخذها الورثة. انتهى.
فتأمّل في كلام هذا الفقيه البارع، وأنّه كيف نفى الريب عن عدم إرثها من الأرض الراجعة بالفسخ في مقابل ثمن المملوك فعلاً للزوجة.
ومنهم: أخوه العلاّمة المؤتمن الشيخ حسن(قدس سره)في شرح القواعد قال: إلاّ الزوجة غير ذات الولد في الأرض فإنّها لا تعلّق لها بها فلاترث خياراً فيها لتبعية الخيار لها، وإذا انتفى المتبوع انتفى تابعه، لكن على إشكال، ينشأ من أنّه حقٌّ ماليٌّ خارج عن الأرض فيورث كسائر الحقوق، ومن أنّه كخيار الأجنبي حيث إنّه يملك الخيار، ولايملك المال، وأقربه ذاك، أي عدم الإرث في صورة إن اشترى الميّت أرضاً بخيار فتفسخ الذي اشتراه من الأرض لترث من الثمن فإنها هنا لم ترث شيئاً ليتبعه الخيار وفسخها وإرثها بعد ذلك موقوف على ثبوت تعلّق حق بها في الأرض وليس فليس 1 على أنّه لايجري فيما لو اشترى أرضاً بأرض، وأمّا لو باع الميّت أرضاً بخيار فإنّ الإرث هنا أقرب لتعلّق إرثها بثمن المبيع، فيتبعه الخيار، وإن كان عند الفسخ ورجوع الأرض لاترث منها شيئاً فيفوتها الثمن والمثمن. انتهى.
و دلالة هذا الكلام على وضوح الملازمتين المتكرّر إليها الإشارة واضحة جدّاً.

1 . كذا .

صفحه 72
ومنهم: المحقّق الثالث والعلاّمة الثاني شيخنا المحقّق الأنصاري(قدس سره)فإنّه بعد أن نقض وأبرم وأتقن وهدم وبنى على عدم إرث الزوجة للخيار في الأرض المبيعة ; لأنّها بعد الرجوع لاترث منها، وحق الخيار علقة في الملك المنتقل إلى الغير من حيث التسلّط على استرداده إلى نفسه، أو من هو منصوب من قبله، كما في الأجنبي، واختار إرثها من الخيار في الأرض المشتراة لتزلزل ملك البايع للثمن وكونه في معرض الانتقال إلى جميع الورثة، قال: وتزلزل ملك الطرف الآخر ثابت على كلّ حال، وإن لم نقل بثبوت الخيار للزوجة، فإنّ باقي الورثة لو ردّوا الأرض واستردوا الثمن شاركتهم الزوجة فيه، فحق الزوجة في الثمن المنتقل إلى البائع ثابت، فلها استيفاؤه بالفسخ.1 انتهى.
فتراه(قدس سره)يستدلّ على ثبوت الخيار للزوجة الذي هو معركة الآراء بتلك المقدّمة التي تراها ثابتة ضرورية من أنّ الثمن لو رجع ولو بفسخ الوارث شاركته الزوجة فيه، وتراه لا يحتجّ بهذه المقدّمة الّتي عليها أساس مختاره وإليها ركون تفصيله بحجّة ودليل، لكونها واضحة السبيل.
و من الواضح انعكاس التفصيل لو احتمل رجوع العين إلى المالك الفعلي للطرف الآخر.
ففي الأرض المشتراة لايعود إلى الزوجة شيء، لعدم تملكّها لبدله، وفي الأرض المبيعة تعود الأرض إليها بالفسخ، لتملّكها لبدلها، فكيف يظن بمن له أدنى تيقّظ وفطانة أن يهمل في مقام إثبات مختاره من التفصيل

1 . المكاسب: 129، في أحكام الخيار ; والطبعة المحقّقة: 6 / 114 .

صفحه 73
والنقض والإبرام فيه، أهم المقدّمات التي لها مدخل في مختاره بهذه المدخلية التامّة الموجبة لإثبات ما نفاه ونفي ما أثبت، وهل هو إلاّ لأنّه يرى وضوحها وعدم مجال التكلّم فيها والاستدلال عليها، فكيف بإنكارها.
ومنهم: الفقيه المعاصر الذي كان عامّة فقهاء عصرنا متسالمين على فقاهته وإحاطته وسعة باعه المولى علي الكني الرازي(قدس سره)فإنّه أورد على ما تقدّم نقله من الشيخ علي (رحمه الله) من إنكار إرثها من الخيار، وعلى ما احتجّ له بما لفظه: أنّ المراد بكون الخيار حقّاً ماليّاً ليس إلاّ تعلّقه بالمال، وأمّا كونه مالاً للمختار فكلاّ، قال: مع أنّه إنّما يتم في صورة البيع، أمّا في صورة الشراء فلا، لأنّها إذا فسخت شراء الأرض فثمنها يرد إلى الورثة التي هي منها فإنها ترث من الثمن، كما لو كان الزوج فسخ في حياته. انتهى.
ولولا وضوح إرثها من الثمن الراجع عنده لم يكن معنى لأخذ هذه المقدّمة مسلمة وجعلها مبدأ للإيراد والإشكال على منكر إرثها من الخيار، فهؤلاء اثنا عشر من العلماء الأعلام ومبيّني الحلال والحرام وهم أساطين مذهب الشيعة ودعائم الملّة القويمة المنيعة، وبهم انتظمت أحكام الشريعة، ولاتحصى مناقبهم الرفيعة ومزاياهم البديعة.
ثم إنّ كثيراً من فقهاء عصرنا وعلماء مصرنا صرّحوا في الجواب عن أصل مسألتنا المبحوث عنها بإرثها من الثمن الراجع بفسخ البائع، وادّعى غير واحد منهم أنّه من الواضحات التي لاينبغي التكلّم فيها، وفيهم جماعة فاقوا على جملة ممّن سبقهم من فضلاء الأعصار الماضية، وفقهاء القرون الخالية، وانتشرت معاليهم، واشتهرت غوالي لآليهم.

صفحه 74
و سارت مسير الشمس في كلّ بلدة *** وهبّت هبوب الريح في البر والبحر
و ما أظنُّ فقيهاً تكلّم في المسألة إلاّ واختار ما اختاروه، ومنهم الفاضل المعاصر المخالف كما فيما علّقه على مكاسب شيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره)، وياليته بقى على ما رجّحه ولم يعدل عمّا اعتقده، ولم يرتكب خلاف ما سمّاه إنصافاً تارة، وحقّاً أُخرى، ولم يتصدّ لنقض هذا الفرع المبرم وهدم هذا الأصل المتين المحكم، وإبطال هذا الحق الواضح المسلّم، وإذا تمهدّت المقدّمات السبعة التامّة فلنتكلم في أصل المسألة وما يتبعها في ضمن فصول:
في الأدلّة المرجّحة لما اخترناه   

صفحه 75

الفصل الأوّل

في الأدلّة المرجّحة لما اخترناه

في الاحتجاج لما اخترناه والاستدلال على ما رجّحناه فليعلم: أنّه لاينبغي الإشكال في أنّ الميّت إذا باع أرضاً بعقد بخيار له، أو للمشتري، أو الأجنبي فاقتسمت الورثة ـ ومنهم الزوجة ـ النقدَ فيما بينهم، ثم فسخ ذو الخيار العقد وردّت الأرض، حُرمت الزوجة منها بعد البناء على حرمان الزوجة من العقار، ولايحكم برجوع بعض الأرض إليها في مقابل الثمن المأخوذ منها، كما عرفت أنّها من مسلّمات أهل الفن، والواضحات عندهم، وأنّ الحرمان المفروغ عنه عندهم ليس لكون الخيار للميّت بل لملاحظة التركة بعد الفسخ بالضرورة كما لاينبغي الإشكال في العكس، وهو ما إذا اشترى الميّت أرضاً بخيار ثم وقع الفسخ، وإن كان من البائع الحيّ في أنّها ترث من الثمن الراجع.
و الدليل في المسألتين، أنّ إرث الزوجة في الأُولى من التركة إنّما كان لكونها نقداً، كما أنّ حرمانها منها في الثانية إنّما كان لكونها أرضاً مشتملة على خصوصية مانعة من إرثها، فإذا وقع الفسخ كما هو المفروض وكان نفوذه وصحّته متّفقاً عليه، وكان معنى الفسخ حال العقد ونقض الربط، كما مرّ في المقدّمة الأُولى، وسيأتي دفع ما يتوهم من غيره مشروحاً في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.

صفحه 76
و كان مقتضى الحلّ العود إلى الحالة الأُولى من رجوع الأرض إلى البائع والثمن إلى الميّت حقيقة، أو حكماً، كما مرّ في الرابعة والخامسة وكان ترتيب هذا المقتضي على مقتضيه ممكناً، كما مرّ في الثالثة، ولم يكن الانتقال إلى الورثة بمانع، إذ ليس فيه إلاّ تملّكهم لما ملكه مورّثهم، لاسيّما إن قلنا: إنّ المال حال الانتقال إليهم كأنّه لم ينتقل وإن الميّت كأنّه حي باق، بل ليس إتلاف الميّت للمبيع، أو بيعه لغيره، وإتلاف ثمنه بمانع عن الرجوع إليه، ولم يتجدّد بالإرث شيء سوى تملّك الورثة بسبب زالت سببيته، وجب ترتيب مقتضى الفسخ عليه، وجعل المال بعده ملكاً للميّت في حكم مال الميّت فترثه الزوجة تارة، وتُحرم منه أُخرى، فالفسخ بماهيته وحقيقته يقتضي تبدّل عنوان التركة ورفع المانع الموجب لثبوت الممنوع تارة بعد وجود المقتضي من النسب أو السبب كما في الأرض المشتراة، ووجود المانع المقتضي لعدم الممنوع كما في المبيعة أُخرى.
نعم لو بنى على أنّ الفسخ بيع أو معاوضة مستقلّة، لزم العكس، وحرمان الزوجة من الثمن في المشتراة و إرثها من الأرض الراجعة في المبيعة، ولايلتزم به أحد.
الفروع المترتّبة على كون الفسخ حلاًّ أو بيعاً أو معاوضة مستقلّة   
و دعوى أنّ حقيقته الإرجاع والاسترجاع المستلزم للتعاوض أو أنّه معاوضة بلسان الحلّ، أو غيرها ممّا أبداه القائل بالخلاف، مدفوعة بما سنفصله في الفصل الآتي، ونحذفه في المقام حذراً من التكرار، ويختلج ببالي تفريعاً على كون الفسخ حلاًّ أو بيعاً أو معاوضة مستقلّة فروع ظريفة عديدة لا يخلو التنبيه عليها من فوائد أذكرها تنشيطاً لأذهان الناظرين:

صفحه 77

الفروع المترتّبة على كون الفسخ حلاًّ أو بيعاً أو معاوضة مستقلّة

الأوّل: فيما إذا باع رطباً برطب أو عنباً بعنب مثل بمثل، وكان لهما أو لأحدهما الخيار، ثم اتّفق جفاف أحدهما عند أحدهما، ونقصانه وزناً عن الآخر الذي حفظه الآخر عن الجفاف بعلاج، فأراد الفسخ، كان لهما ذلك قطعاً، ولو كان بيعاً، أو معاوضة جديدة لم يكن لهما، لاستلزامه الربا الممنوع في البيع، أو مطلق المعاوضة.
الثاني: فيما إذا اشترى عقاراً بخيار فأخذ شريكه بالشفعة قبل انقضاء الخيار، كما عند غير الشيخ(قدس سره)ثم اختار المشتري الفسخ بناءً على بقاء خياره، بطلت الشفعة قطعاً عند الكل ولو كان معاوضة جديدة لكان كباقي تصرفات المشتري غير مبطل لها، ونسبة الحكم إلى المشهور في الروضة: إنّما هي في قبال قول الشيخ(قدس سره)المانع من صحّة الأخذ بالشفعة في زمن الخيار، كما أنّ احتمال الشهيد(قدس سره)بطلان خيار المشتري بأخذ الشفيع، إذ غرضه الثمن وقد حصل منه، خارج عن مفروضنا، إذ المدّعى أنّ كلّ من قال بجواز الأخذ بالشفعة في زمن الخيار وعدم بطلان الخيار به يقول بأنّ الفسخ يبطل حق الشفعة، والمعاوضة الجديدة لا تبطله.
الثالث: فيما إذا اشترى عقاراً بخيار وعجز شريكه عن دفع الثمن وبطلت شفعته ثم وقع الفسخ حال قدرة الشريك على الثمن، لم يكن له الأخذ بالشفعة اتّفاقاً، ولو كان بيعاً جاز له ذلك وكذا لو كان معاوضة عند من يرى الشفعة في مطلق المعاوضة.
الرابع: إذا رضيَ الشفيع بالبيع على وجه تسقط شفعته ثم وقع الفسخ لم

صفحه 78
يجز الأخذ بها إجماعاً، ونسب الخلاف إلى أبي حنيفة في خصوص الإقالة، حيث إنّه يجعلها بيعاً في حق غير المتعاقدين.
الخامس: إذا فسخ بيع الصرف لم يشترط التقابض في المجلس ولو كان بيعاً لاشترط.
السادس: إذا فسخ بيع المكيل والموزون لم يشترط إعادة الكيل والوزن قطعاً وإن قلنا باشتراطهما في كلّ معاوضة.
السابع: إذا باع داراً من أبيه بثمن معيّن فمات الأب وورث البائع الدار هو وأخوه فأراد الفسخ بعيب أو غبن كان له ذلك فتختصّ الدار به ويكون الثمن بينه وبين أخيه نصفين فيردّ عليه النصف، ولو كان معاوضة لزم إما معاوضة بعض ماله بماله، أو تبعض تأثير الفسخ بالنسبة إلى المالك الواحد، مع تعلّقه بما يملك كله، إلاّ أن يقال: بجواز الثاني، أو بأنّ الفسخ إنّما هو بالنسبة إلى نصف الدار، وهما كما ترى.
الثامن: إذا باع داراً من أبيه محاباة وجعل لنفسه الخيار فباع ما يساوي ألف درهم بمائة درهم فمات الأب وانتقلت الدار إليه، وعلى أبيه دين مستغرق للألف، جاز له إعمال الخيار وفسخ البيع وأخذ الدار قطعاً تقليلاً لنصيب الديّان، وإن قلنا بانتقال التركة في الدين المستوعب إلى الورثة كما عن كثير، ولو كان الفسخ معاوضة لامتنع لامتناع معاوضة ماله بماله.
التاسع: لو اشترت الزوجة من زوجها أرضاً بخيار ودفعت الثمن فمات الزوج وورثه الورثة ومنهم الزوجة جاز لها فسخ العقد قطعاً، وردّت الأرض إلى الورثة وحرمت منها الزوجة عندنا وعلى كونها معاوضة جديدة لم تحرم،

صفحه 79
إما لعدم تأثير الفسخ بالنسبة إلى حصّتها; لأنّها مالكة للعوض والمعوض جميعاً، لأنّ الحصة ترجع إليها بالفسخ لأنّها مالكة فعلاً لعوضها والفسخ يوجب الرجوع إلى من ملك العوض بالعقد، ولو التزم المخالف في مسألتنا بالحرمان في هذه الصورة كان التزاماً بعود بعض الأرض بالفسخ إلى غير المالك فعلاً لعوضه، وإنّ كلّ الأرض يرجع إلى بقية الورثة في مقابل بعض الثمن المملوك لهم، وكان تفصيلاً بين بيع الأرض من أجنبي أو من زوجته.
العاشر: لو كان على الميّت دين مستوعب لقيمة التركة فضمنه الورثة، وأدّوا إلى الديّان مثل التركة قيمتها و كان فيها ما اشتراه الميّت بخيار للبائع ثم باعوا التركة بأضعاف قيمتها لم يكن للديّان شيء ولو فسخ البائع بعد أدائهم وأخذ منهم التركة ورجع إليهم بالفسخ أضعاف ما دفعوه إلى الديان تعلّق حقّ الديّان به عندنا، لرجوع المال إلى الميّت حكماً، فتقضي منه ديونه، وعلى احتمال كون الفسخ بيعاً، أو معاوضة أو مستلزماً للمعاوضة مع من له العوض بذلك العقد يرجع الزائد بالفسخ إلى الورثة ولم يقض منه ديونه لانقطاع حقّهم عن بدله بضمان الورثة ودفعهم القيمة، إلاّ أن يلتزم بكون الانقطاع مراعى بعدم الفسخ وفيه التزام بكون الفسخ حلاًّ، وإلاّ لكان انقطاع حقّهم مراعى بعدم بيع الورثة بعد دفع القيمة بأضعاف القيمة، وهو باطل قطعاً.
الحادي عشر: أنّه لايصح الفسخ بزيادة على الثمن ولا نقيصته، كما أجمعوا عليه في الإقالة، تفريعاً على كونها فسخاً، بل لو شرط كان مخالفاً لمقتضى حقيقة الإقالة عندهم، ولو كان معاوضة جديدة صحّ.
الثاني عشر: ما يقال: إنّه لو كان على أحد دين مؤجّل فاشترى منه الدائن

صفحه 80
شيئاً بذلك الدين حلّ الأجل، فإذا فسخ، فإن قلنا: إنّ الفسخ حلٌّ للعقد الأوّل ونقض له، عاد الأجل إلى ما كان; وإن قلنا: إنّه معاوضة لم يعد الأجل، لأنّ هذه المعاوضة الثانية إنّما وقعت بين الدين الحال وذلك الشيء.
الثالث عشر: لو تلف أحد العينين، أو كلاهما جاز الفسخ، ولو كان معاوضة لم يجز.
الرابع عشر: لو تعيّب المبيع في يد المشتري بعد الفسخ، رجع البائع إليه بالأرش، ولو كان بيعاً تخيّر بين إجازة الفسخ والأرش وبين فسخ الفسخ.
و قد تمّ العدد الميمون بهذا الأخير فلنقتصر عليه، وإن شئت جعلت جملة منها من ثمرات الفرق بين كون الإقالة فسخاً أو بيعاً، وعليك بالتأمّل والتفكّر لعلك تستخرج فروعاً أُخر، ومن جرّب نفسه في تفريع الفروع وإبداء الثمرات يعرف صعوبة مسلكه وغورة مذهبه، وإنّه زرع لايزكو في كلّ أرض، حتى يصادف من الفكر ثرىً طيّباً، ومن التوفيق مطراً مصيباً، ومن الطبع جوّاً صافياً، ومن الجهد روحاً دائماً.
تحقيق في معنى خيار الفسخ    

تحقيق في معنى خيار الفسخ

هذا كلّه إذا جعل الفسخ معاوضة مستقلّة أو بيعاً، حيث إنّه مبادلة مال بمال، بل ربما سيستظهر من عبارة شيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره) في الأمر الثالث من الأُمور المتعلّقة بخيار الشرط أنّ تمليك الثمن من المشتري ليتملّك منه المبيع على وجه المعاطاة، فسخ عنده وإن صرّح في مواضع بكون الفسخ رفعاً للعقد و حلاًّ له.

صفحه 81
لكن الاستظهار في غير محلّه، ويبعد ساحة من دونه من نسبة كون الفسخ بيعاً إليه.
و توضيح أصل المقصد والمرام وتنقيح القول والكلام في المقام أنّ المفروض في السؤال اشتراط خيار الفسخ للبائع، أو اشتراط الخيار له بالمعنى المعهود عند المتشرّعة، أي اختيار إبقاء العقد، وإزالته بأن يكون له إنشاء الفسخ بالقول في مدة كذا، أو بالفعل الكاشف عمّا يدلّ القول والمفروض أنّه عمل بما شرط له، وليس مفروض السائل أنّه شرط الخيار بمعنى آخر، أو فيما إذا فسخ بمعنى آخر أو أنّه جعل له الخيار وحق الفسخ بمعنى مردّد بين كذا وكذا بالشبهة الموضوعية، ولا إشكال في أنّ شرط الخيار بالمعنى المعهود وملك الفسخ بالمعنى المعهود المقرّر في محلّه الذي ينشأ بالقول، شرط سائغ صحيح لايخالف في جوازه وصحّته أحد من المسلمين، ولا يتوقّف فهم معناه ولا إحراز صحّته بعد وضوحها وبداهتها على وقوع هذا اللفظ في الأخبار، فهو كما إذا شرط بيطرة دابته مثلاً، وفرضنا عدم وجود هذا اللفظ في الأخبار.
مضافاً إلى ما عرفت في المقدّمة الثانية من وجود ما يساوق لفظ الفسخ في الأخبار «مثل ردّ البيع ولا بيع له» والتعبير عن عدم الخيار بأنّه « يمضي عليه البيع ووجب البيع». ووجود لفظ الخيار المعلوم بالقرينة، أنّه اختيار إبقاء العقد وإزالته فهاتان مقدّمتان واضحتان مسلّمتان.
و هناك مقدمة أُخرى مسلّمة هي أنّ الفسخ المشروط للبائع عبارة عن حلّ العقد ورفعه وإعدامه من حينه وجعل العقد بعد الفسخ كأن لم يكن،

صفحه 82
وتقدير العقد الموجود معدوماً من ذلك الحين، كما أنّه لو قلنا: إنّ الفسخ يؤثر من أصله كان معناه تقديراً لموجود من أوّل الأمر معدوماً كما عرفت في كلام الشهيد(قدس سره)في تحقيق الانفساخ بالتحالف، وهذا معنى قطع استمرار العقد، إذ الاستمرار هو وجود الشيء مقيساً إلى الزمان الثاني كما أنّ الحدوث وجوده مقيساً إلى الزمان الأوّل، فهما اعتباران لاحقان لوجود واحد بحسب أزمنته والفسخ بهذا المعنى يقتضي زوال علقة البدلية الحاصلة بالعقد بين المالين، ونسبته إلى البيع كنسبة الطلاق إلى النكاح من هذه الجهة، وإن تفارقا من جهة أُخرى، فيقتضي رجوع المالين إلى حالهما قبل الربط وعقد العقدة، فيرجع الثمن إلى المشتري والمبيع إلى البائع.
و ما ربما يتوهم إشكالاً على كون حقيقة الفسخ ما ذكرنا، سيأتي مفصّلاً دفعه.

في أنّ عود المال إلى الميّت أمر ممكن لا مانع عنه

بعد الفسخ يرجع الثمن إلى حكم مال الميّت    
فإذا ضمّت إلى هذه المقدّمات رابعة مسلّمة أيضاً من أنّ عود المال إلى الميّت بعد موته وصيرورته في حكم ماله ممكن عند الكلّ، وواقع في بعض الموارد بالنصّ والإجماع وإنّه لم يحدث مانع عن تأثير هذا المقتضي، أعني: الفسخ أثره إذا لم يتجدّد شيء إلاّ الانتقال إلى الوارث وتملّكهم للعوض بسبب زالت سببيته من هذا الحين، فإذا كان المقتضي المسلّم اقتضاؤه وصحّته ونفوذه موجوداً والمانع مفقوداً، أثّر المقتضي أثره، وهو الرجوع إلى ملك الميّت حقيقة إن قلنا بجوازه، وإلاّ فإلى حكم مال الميّت فتقضي منه

صفحه 83
ديونه وتنفّذ منه وصاياه، وترث منه ورثته إذا لم يكن مشتملاً على خصوصية مانعة كالثمن في الأرض المشتراة، وتُحرم منه الزوجة إذا كان مشتملاً على المانع كالأرض الراجعة بالفسخ في المبيعة وإذا وجد المانع عن استرجاع نفس العين، كما إذا باع الميّت الأرض المشتراة لأجنبي أو لأحد ورثته، أو أتلفها، أو تصرّف فيها الورثة بالبيع والوقف مثلاً وقلنا بصحّة هذه التصرّفات في زمن الخيار، رجع الفاسخ بالمثل أو القيمة.

بعد الفسخ يرجع الثمن إلى حكم مال الميّت

و ممّا يشهد برجوع الثمن بعد الفسخ إلى حكم مال الميّت وتقديره في ملكه تعلّق حق الديّان والموصى لهم به فتؤدّى منه ديونه، وتنفّذ منه وصاياه.
و دعوى: أنّه من جهة تعلّق حقّهم ببدله الذي كان بيد الورثة; مدفوعة بما مرّ في الفرع العاشر، من أنّ الورثة لو قطعوا تعلّق حقّ الديّان عن العوض بدفع مثله، أو قيمته إليهم ثم وقع الفسخ من البائع وكان قيمة الراجع إلى الورثة أزيد من العوض الذي دفعوا، تعلّق حق الديّان بالزائد، وما ذلك إلاّ لاقتضاء الفسخ الرجوع إلى الميّت، ولذا لو لم يكن فسخ وباع الورثة تركة أبيهم بعد دفع قيمتها إلى الديّان بأضعاف القيمة التي دفعوها إليهم لم يتعلّق بالزائد حقّ الديّان.
ولو كان الفسخ معاوضة بين العين الراجعة، وبين مال الورثة لكان مثل بيعهم بعد دفع القيمة، والتالي باطل قطعاً، والتزام أنّ انقطاع حقّ الديّان مراعى

صفحه 84
بعدم الفسخ قد سمعت الجواب عنه من أنّه التزام بأنّ الفسخ حلّ موجب للرجوع إلى الميّت، فتذكّر.
فاتّضح أنّ الحقّ في المسألتين، أعني: الأرض المشتراة والمبيعة، ما فهمه الأصحاب من إرث الزوجة من الثمن في الأُولى والحرمان من الأرض في الثانية، كما تبيّن أنّهم أجادوا في إرسال المسألتين إرسال المسلّمات وإجرائهما مجرى الضروريات وعدم الاحتجاج لهما بشيء.
في نقاش رسالة الفاضل المعاصر   

صفحه 85

الفصل الثاني

] في نقاش رسالة الفاضل المعاصر[

في نقل رسالة الفاضل المعاصر التي أشرنا إليها في الخطبة وتوضيح ما عليها وما فيها، وقطع قوادمها وحوافيها نذكرها بعين ألفاظها ثم نردّ فيه بما سنح لنا من النظر في نظره ولحاظه.
قال: سلّمه اللّه بعد نقل السؤال بمثل ما تقدّم ما لفظه: وإن كان يظهر من صاحب الجواهر والمحقّق الأنصاري ـ قدس سرهما ـ وبعض آخر في عكس المسألة، وهو ما إذا كان الخيار للميّت، أنّ المدار في حرمان الزوجة وعدمه إنّما هو حين الفسخ ولازمه إرثها في مفروض السؤال عن تمام الثمن المردود بل لعلّه يظهر منهم المفروغية من ذلك، إلاّ أنّ الأظهر عندي أنّها في فرض السؤال لاترث ممّا يقابل الأراضي من الثمن.
أقول: قد عرفت في المقدّمة السابعة أنّ صريح كلام كثير من الأساطين كهذين العظيمين أنّ إرثها من ثمن الأرض الراجع بالفسخ إذا كانت مشتراة كحرمانها من نفس الأرض الراجعة به إذا كانت مبيعة، من الأُمور الواضحة المفروغ عنها عندهم، وكلام الباقين كهذين العظيمين كلّهم فيما إذا كان الخيار للميّت، وكما أنّ لازم كلامهما عنده إرث الزوجة من ثمن الأرض، كذلك لازم كلام الباقين من غير فرق كظهور كلام الكلّ في المفروغية عن ذلك، فنسبة الحكم إلى هذين العظيمين. و بعض آخر، مجهول، والسكوت

صفحه 86
عن تسميته من قبلهم من أُولئك العظماء الذين يبخل الزمان بأمثالهم، مع وقوفه على كلام جملة منهم ولا أقل في طيّ كلام المحقّق الأنصاري(قدس سره)خالية عن نكتة، اللّهم إلاّ أن تكون إظهار قلّة الذاهب إليه من الأصحاب ليتّسع له مجال الإشكال والارتياب، وقد نقلنا عن اثني عشر من العظماء الأجلاّء الذين كانوا جميعاً أعاظم المسلمين في أزمنتهم مقدّمين على من يعد في زنتهم، وأقرّ لهم من بعدهم بالسير بدلالتهم والأخذ من فضالتهم والاهتداء بأنوارهم والاقتداء بأطوارهم.
و قد أوضحنا سابقاً أنّ فرضهم كون الخيار للميّت إنّما هو لأنّ المقصد الأصلي لهم إنّما هو التكلّم في إرث الخيار، لا لأنّ كون الخيار للميّت أو كون الفاسخ زوجة أو كون الميّت مشترياً وأشباهه له مدخل في تلك الملازمتين بالضرورة، وترى كلمات الكل أعمّ من كون الخيار للبائع الميّت، أو المشتري الميّت.
و لذا تكلّموا في الأرض المشتراة والمبيعة، وهل يعقل أن يكون علّة حكمهم بحرمان الزوجة من الأرض المبيعة بعد الفسخ ثبوت الخيار لها، أو لمورثها؟ وهل هي إلاّ أنّ الملحوظ عندهم حال التركة بعد الفسخ؟
ثم إنّ هذا هو الصحيح في التعبير، لا ما ذكره من أنّ المدار عندهم في الحرمان وعدمه إنّما هو حين الفسخ.
قال: و ذلك لأنّها حين الموت لم ترث منها بل انتقلت بتمامها إلى بقية الورثة فبدلها المردود بالفسخ ينتقل إليهم دونها؟ فإنّ الفسخ وإن لم يكن معاوضة جديدة بل هو حلّ للعقد الواقع سابقاً إلاّ أنّه لمّا كان مؤثراً من حينه

صفحه 87
يوجب زوال استمرار الملكية لا زوالها من الأوّل، ومقتضاه تبدّل ملكيّة الوارث لما ورث، لا الانتقال إلى الميّت.
أقول: قد نبهنا سابقاً أنّ استمرار الملكية عبارة عن وجود الملكية في الزمان الثاني، وأنّ الحدوث والاستمرار اعتباران لاحقان للوجود مقيساً إلى الزمان الأوّل والثاني، فإذا زال استمرار الملكية باعترافه فقد زال أصل ملكية الورثة في الزمان الثاني، وهو زمان الفسخ، وأصل ملكية البائع أيضاً في الزمان الثاني، فيرجع المالان إلى الحالة الأُولى ويعودان إلى مالكهما حقيقة أو حكماً لوجود المقتضي وفقد المانع، فيرتّب على العود أحكامه، فكون الفسخ من حينه موجباً لزوال الاستمرار كيف يترتّب عليه ما ادّعاه كيف يكون ذلك مقتضاه، فما أثبته منفيّ، وما نفاه ثابت.
نعم يؤثر كون الفسخ من حينه في أنّ نماء الأرض لبقية الورثة دون الزوجة، ولا كلام لنا فيه كما لا كلام لأحد في حرمان الزوجة قبل الفسخ من الأرض بعد البناء على الحرمان في أصل المسألة.
قال: مع أنّ حقيقته ـ أي الفسخ ـ ليست مجرد الحلّ ورفع أثر العقد بمعنى قطع سبب ملكية كلّ من المالين حتى يعود إلى مالكهما السابق بنفسهما، بل حقيقة إرجاع كلٍّ منهما إلى مالكه، كيف ولو كان مجرد الحل يلزمه فيما لو تلف أحد العوضين قبل الفسخ أن لاينتقل إلى البدل، لعدم الوجه في ضمانه ; لأنّ المفروض أنّه أتلفه مالكه أو تلف في يده مع أنّه لا إشكال في وجوب ردّ مثله أو قيمته بعد الفسخ.
فيظهر من هذا أنّ الفسخ إرجاع كلّ من العوضين إلى مالكه السابق،

صفحه 88
وأنّ ضمان البدل في صورة تلفهما، أو تلف أحدهما هو ضمان معاوضي لا ضمان اليد أو الإتلاف، فهو وإن لم يكن معاوضة إلاّ أنّه مستلزم للتعاوض والتبادل. وان شئت فقل: إنّه معاوضة بلسان الحلّ.
أقول: فيه أوّلاً: ما عرفت مراراً من أنّ حقيقة الفسخ مجرد الحلّ ورفع أثر العقد المستلزم لزوال علقة البدلية بين المالين الحاصلة بالعقد، وأنّ نسبته إلى العقد كنسبة الطلاق إلى النكاح من هذه الجهة فتذكّر.
وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ حقيقة إرجاع كلّ من المالين إلى مالكه، إن أراد به إرجاع كلّ منهما إلى مالكه بتمليك ومعاوضة وبيع وشبهها، ففيه: ـ مع وضوح فساده، وأنّه ليس حقيقة الفسخ في شيء، حتى أنّ العامّة الذاهبين إلى كون الإقالة بيعاً اتّفقوا على كونها فسخاً إذا وقعت بلفظ الفسخ، كما عرفت من التذكرة فيما نقلناه في المقدّمة الأُولى فراجع ـ أنّه يلزمه الالتزام بجملة من الفروع الماضية في الفصل الأوّل، وإن أراد أنّ الفسخ حلّ يترتّب عليه الإرجاع المذكور، فإن أراد أنّه يترتّب عليه إرجاع كلّ منهما إلى من كان مالكه قبل العقد فهو الصحيح الذي لاينبغي العدول عنه، لكنّه مناقض لغرضه ومرامه ولما هو بصدد إثباته، من عدم الانتقال إلى الميّت، وعدم صيرورة العوض في حكم ماله، فهو ممّا ينفعنا ويضره.
وإن أراد أنّه يترتّب عليه الإرجاع إلى المالك الفعلي، ففيه: ـ مع وضوح عدم ترتّبه على الحل، بل لا يترتّب عليه إلاّ زوال العقد حكماً، فيتبعه ما هو من لوازمه ـ أنّه إن أراد بالمالين عين ما وقع العقد عليه ففيه أنّه يسد باب الفسخ فيما إذا تلف أحد العوضين، أو كلاهما، فما أراد إلزام وروده على

صفحه 89
القول بأنّه مجرّد الحلّ، وارد عليه، مع عدم وروده على ذلك القول.
وإن أراد أنّه يترتّب عليه إرجاع كلّ من المالين بنفسه أو ببدله إلى المالك الفعلي، ففيه: أنّه قد سدّ باب هذا الوجه والقول على نفسه فيما سيأتي منه آنفاً، من أنّ الفسخ غير مذكور في الأدلّة وإنّما المذكور فيها الردّ والاسترداد للعوضين، إذ من المعلوم أنّه نصّ أو ظاهر في ردّ أصل المبيع واسترداد أصل الثمن، ولذا جعل شيخنا الأنصاري(قدس سره)هذا المعنى مبدأً للقول بسقوط الخيار عند التلف، أو احتماله.
قال(قدس سره): ومن هنا يمكن أن يُقال في هذا المقام ـ وإن كان مخالفاً للمشهور ـ بعدم ثبوت الخيار عند التلف إلاّ في موضع دلّ عليه الدليل، إذ لم تدلّ أدلّة الخيار من الأخبار والإجماع إلاّ على التسلّط على الردّ والاسترداد، وليس فيها التعرّض للفسخ المتحقّق مع التلف أيضاً ـ إلى أن قال: ـ نعم لو دلّ الدليل الشرعي على ثبوت خيار الفسخ المطلق الشامل لصورة التلف، أو جعل المتبايعان بينهما خيار الفسخ بهذا المعنى، ثبت مع التلف أيضاً.1انتهى.
فإن تشبّث في إثبات الخيار مع التلف بلفظ الخيار الواقع في النصوص بتقريب: أنّ المراد به ملك فسخ العقد بالقرينة فهو وإن كان صحيحاً، إلاّ أنّه يوجب بطلان المقدّمة الآتية، القائلة: إنّ الموجود في الأخبار هو الردّ والاسترداد للعوضين، بل الموجود فيها حينئذ لفظ الخيار أيضاً، المراد به ملك الفسخ.

1 . المكاسب : 303; والطبعة المحقّقة: ج 6 / 192 .

صفحه 90
نعم إنّما يفيد في مسألة أُخرى، أعني لزوم الاقتصار في الفسخ مع التلف بما تضمّن لفظ الخيار، بما جعل المتعاقدان لنفسهما، حقّ الفسخ، كما في مسألتنا.
هذا كلّه مضافاً إلى ما عرفت: أنّ المترتّب على الحلّ هو العود إلى الحالة الأُولى، ما لم يمنع منه مانع لا العود إلى المالك الفعلي، على أنّ الإرجاع والاسترجاع لو كان مأخوذاً في حقيقة الفسخ لم يتعقّل الفسخ في بعض الفروع الماضية، كالفرع الثامن المتضمّن لبيع الولد داره من أبيه محاباة، ثم انتقال الدار إليه بموت الأب، إلى آخر ما ذكرناه.
ويرد عليه ثالثاً: أنّ ما ألزمه على القول بأنّ الفسخ مجرد الحلّ من عدم اتّجاه الرجوع إلى البدل مع التلف، قد عرفت مفصّلاً في المقدّمة الرابعة الجواب عنه وأنّ المتلف وإن أتلف ملكه، إلاّ أنّ ملكيّته لم تكن مجاناً، بل من حيث إنّه مبدل عمّا عند صاحبه، وأنّ له بدلاً عنده فبعد الفسخ المزيل من حينه، لوصف المبدّلية التي هي المقوّمة لملكيته فكأنّه أتلف ما كان ملكاً لصاحبه، ومدار الفسخ على التقدير كما عرفت في كلام شيخنا الشهيد وأنّ العقد الموجود يقدّر معدوماً الملازم لتقدير الموجود في ملك المتلف كأنّه لم يكن في ملكه، بل في ملك صاحبه.
ورابعاً: أنّ ما ذكره من أنّ الفسخ مستلزم للتعاوض والتبادل فيه ـ ما عرفت من عدم استلزامه له بالمرّة ـ إن أراد معنى غير العود إلى الحالة الأُولى. وأمّا كونه معاوضة بلسان الحلّ ففيه أنّه لو أراد أنّه حلٌّ يترتّب عليه المعاوضة حتى يلتزم بأحكامها ; ففيه: أنّ الحلّ لا يترتّب عليه إلاّ زوال المعاوضة والعود

صفحه 91
إلى الحالة الأُولى، وإن أراد أنّه معاوضة حقيقة بصيغة الفسخ، كما إذا قيل في الإقالة أنّها بيع بلفظ الإقالة; ففيه: مع عدم دلالة الفسخ على المعاوضة، لا حقيقة، ولا مجازاً ولا كناية، بل معناه إزالتها ولذا اتّفقوا جميعاً حتى العامّة على كون الإقالة بلفظ الفسخ فسخاً، حتى من ذهب إلى كونها بيعاً إذا وقعت بلفظ الإقالة كما عرفت من التذكرة أنّه حينئذ يصير معاوضة جديدة ابتدائية لايلتزم به هو ولا غيره، ويترتّب عليه جملة من التوالي الفاسدة المذكورة في الفروع الماضية.
قال: و يوضح ما ذكرنا حقيقة الإقالة فإنّها فسخ، مع أنّها ردّ واسترداد لكلٍّ من العوضين.
أقول: يريد أنّ الإقالة فسخ قطعاً، مع أنّ حقيقتها ردّ واسترداد لكلٍّ من العوضين، فيدلّ على أنّ حقيقة الفسخ هي الردّ والاسترداد، وفيه مع ما فيه من سوء التحرير أنّ شيئاً من المقدّمتين في الإقالة ليس بأوضح منه في فسخ البيع الذي عرفت الحال فيه، أنّ حقيقتها أيضاً لغة وشرعاً الفسخ ورفع العقد وإزالة المعاوضة.
أمّا شرعاً فمعلوم عند الإمامية أنّه مجرد الفسخ المترتّب عليه الزوال والبطلان من الحين.
أمّا لغة ففي «القاموس»: قِلته البيعَ بالكسر، وأقلته: فسخته.
و في «المصباح المنير»: أقاله اللّه عثرته: إذا رفعه من سقوطه، قال: ومنه الإقالة في البيع لأنّها رفع العقد.

صفحه 92
و في «المجمع»: أقاله يقيله إقالة، أي وافقه على نقض البيع وسامحه، قال: وتقايلا: إذا فسخا البيع، وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري.
و بالجملة فالردّ والاسترداد يترتّب فيها على الحلّ والفسخ كنفس الفسخ، لا أنّ حقيقتها هي الردّ والاسترداد.
ثم ليعلم أنّ اللغويين ذكروا الإقالة في القاف مع الياء، فهي من القيل فما ذكره بعض فضلاء العامّة: من أنّها من القول، والهمزة للإزالة أي أزال القول الأوّل، لا وجه له.
قال: مع إمكان أن يقال: إنّ الخيار عندهم وإن كان عبارة عن ملك فسخ العقد وحلّه، إلاّ أنّه دليل عليه من الأخبار، إذ لم يرد فيها لفظ الفسخ، بل الموجود فيها هو الردّ والاسترداد للعوضين، وإذا كان كذلك، أو كان معنى الفسخ والحلّ ما ذكرنا، فلازمه إرجاع كلّ من المالين إلى المالك الآخر فعلاً، والمفروض في مسألتنا أنّ مالك الأرض بقية الورثة فمايقابلها من الثمن المردود يرجع إليهم، والزوجة لم تملك الأرض حتى تملك بدلها.
أقول: فيه أوّلاً: إنّ مسألتنا هذه فيما إذا كان الخيار بجعل المتعاقدين وشرطهما له في ضمن العقد وإنّ البائع عمل بما شرط له وفسخ بالمعنى الضروري في اللغة، والمعهود عند المتشرّعة، وبعد التسالم على صحّة هذا الشرط، ووضوح معناه، أي حاجة تبقى إلى ورود هذا اللفظ في الأخبار، وهل يجب أن يكون كلّ ما وقع متعلّقاً للشرط مذكوراً في الأدلّة، فإذا شرط قعش بنائه، أو كنش كمامه فهل يتوقّف صحّته أو نفوذه أو شيء منه على ورود هذا الألفاظ في الأخبار.

صفحه 93
و إن منع عن إرادة المتبايعين لهذا المعنى، فهو كلام آخر لا ربط له بالورود في الخبر وعدمه، وسيأتي ما فيه.
و شيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره)وإن سبقه بهذا المعنى، ونبّه على عدم وجود لفظ الفسخ في الأدلّة، وأنّ الموجود فيها هو الردّ والاسترداد، إلاّ أنّه(قدس سره)استعمله في موضع لائق بهذا الكلام، حيث إنّه ذكره مقدّمة لإنكار نفوذ الفسخ عند تلف أحد العينين، أو كليهما، بتقريب أنّ الموجود في الأدلّة هو الردّ والاسترداد للعوضين، وهو ظاهر في بقائهما، فلا دليل على جواز الفسخ عند التلف، ومع ذلك صرح باستثناء ما إذا جعل المتبايعان منهما خيار الفسخ بالمعنى المطلق.
نعم لو فرض الكلام في بقاء خيار العيب بعد تلف المعيب مثلاً، كان مساغ للقول بعدم وجود لفظ الفسخ في دليله، وأنّ جواز الردّ لايشمل الفرض لكنّه أجنبي عن مقامنا بالمرّة.
و ثانياً: عدم ارتباط العلّة بالمعلول، وعدم المناسبة بين أجزاء الكلام، فإنّ الدليل على كون الخيار معناه ملك الفسخ، لايتوقّف على ورود لفظ الفسخ في الأخبار، بل يتوقّف على قيام القرينة عليه، وهل يتوقف تحديد شيء بشيء أن يكون لفظ الحدّ واقعاً في الأخبار؟
و لعمري أنّه لعجيب، وإنّما المتعيّن لهذا القائل أن يقول: إنّ الفسخ وإن كان معناه حلّ العقد، إلاّ أنّ هذا اللفظ غير واقع في الأخبار حتى نتبع مفاده، فيرد عليه: أنّه موجود في متعلّق الشرط، أو مراده منه حسب ما هو المفروض، ولا حاجة إلى وروده في الأخبار، مضافاً إلى أنّه وإن كان غير

صفحه 94
موجود فيها إلاّ أنّ ما يساوقه موجود فيها، كما عرفت مفصّلاً، وأن يقول: إنّ غرض الشارط من شرط خيار الفسخ هو مجرّد التسلّط على الردّ والاسترداد لا الفسخ بمعنى حلّ العقد، فيرد عليه: ـ مع كونه مجازفة، إذ ليس الكلام في خصوص ماعلم أنّ الغرض هذا، وأنّه يقتضي أن يفصل بين الشارطين بحسب قرائن حالهم، ومقالهم، وكونهم من العلماء الواقفين على معنى الفسخ أو من العوام ـ أنّه لايرتبط هذا أيضاً بوجود لفظ الفسخ في الأخبار وعدمه.
وثالثاً: أنّ الدليل على كون الخيار معناه ملك فسخ العقد موجود في الأخبار، كما عرفت من مقابلة الخيار بوجوب البيع ولزومه كثيراً، والتعبير عن ثبوت الخيار بردّ البيع وأنّه لا بيع له، وعن عدم ثبوت الخيار، بأنّه يمضي عليه البيع، وقد مرّ تفصيله في المقدّمة الثانية.
ورابعاً: أنّ حال الأدلّة المتضمّنة للخيار في البيع حال الأخبار الواردة في الخيار في النكاح، وجواز فسخه بالعيوب المعروفة، حيث إنّ نصوص تلك الأبواب على كثرتها لم تتضمّن لفظ الفسخ، وليس فيها إلاّ أنّ المرأة ترد، أو ترد إلى أهلها.
نعم في صحيحة الحلبي ردّ النكاح، كما أنّ في بعض روايات البيع أيضاً رد البيع، وكما أنّ من الواضح الضروري أنّ ردّ المرأة على أهلها لا يراد بها إلاّ ردها بردّ نكاحها، لا مجرد إخراجها من البيت من غير فسخ الزوجية، كذلك ردّ المبيع يراد به رده بردّ البيع.
نعم ربما يثمر هذا كما أشرنا سابقاً في عدم جواز الفسخ عند تلف المبيع.

صفحه 95
و خامساً: أنّ الردّ والاسترداد بنفسه من غير ترتّبه على الحلّ لو كان معنى الفسخ لم يتعقّل في بعض الفروض والفروع التي نبهنا عليه، من كون مالك الثمن والمثمن واحداً فعلى مَنْ يردّ وممّن يسترد.
و سادساً: أنّ كونه بمعنى الردّ والاسترداد بعد التنزّل والتسليم كيف يكون ملازماً للإرجاع إلى المالك الفعلي؟ ولم لايكون المراد منه الردّ والاسترداد من المالك الأوّلي وعليه محقّقاً أو مقدّراً كما عرفت أنّه من مسلّمات أهل الفن.
قال: فإن قلت: كون الفسخ عبارة عن إرجاع كلٍّ من المالين، لايقتضي ما ذكرت من التبادل والتعاوض، و لا كونه معاوضة بلسان الحلّ، فإنّ مجرد الإعادة والردّ والاسترداد ليس مبادلة ولا تبديلاً.
قلت: ذلك كذلك إذا جعلناه عبارة عن أمرين: أحدهما إعادة هذا، والآخر إعادة ذلك، وليس كذلك، بل هو أمر واحد، وهو الإعادة، في مقابل عود الآخر.
سلّمنا أنّه لايستلزم التبادل وأنّه ليس إلاّ الإعادة والإرجاع، إلاّ أنّه إرجاع لكلٍّ منهما إلى المالك الفعلي للآخر، وهوالوارث في مسألتنا، لا إلى مالكه السابق، وهو المورّث.
أقول: فيه أوّلاً: أنّ السؤال موجّه، والجواب غير حاسم، إذ بعد جعل الفسخ عبارة عن أمر واحد، وهو الإعادة في مقابل عود الآخر لا يلزم أيضاً التعاوض، وكونه معاوضة بلسان الحلّ، إذ هو إعادة للمال إلى مالكه، واستعادة مالك المال ماله.

صفحه 96
و لو أُريد بالتعاوض اللازم من هذا الأمر الواحد التعاوض المترتّب على الحلّ كما يظهر من تسميته معاوضة بلسان الحلّ.
ففيه: أنّ المترتّب على الحلّ ليس إلاّ زوال المعاوضة وعود المالين إلى حالتهما الأُولى.
و لو أُريد به تعاوض جديد غير مترتّب على الحلّ فهو مع وضوح فساده، يتجّه عليه لزوم الالتزام بجملة من الفروع السابقة، التي لايمكن له الالتزام بشيء منها.
وثانياً: أنّه إذا سلّم أنّ الفسخ ليس إلاّ الردّ والاسترداد، وأنّه لايستلزم التبادل، بقيت دعواه في أنّه إرجاع إلى المالك الفعلي مصادرة محضة، إذ ليس النزاع إلاّ في هذه المقدّمة، واكتفى فيها بالدعوى من غير بيّنة.
و ليس هذا الكلام بأولى من أن يقال: إنّ الفسخ إذا لم يستلزم التبادل فهو إرجاع إلى من أخذ منه أوّلاً واسترجاع منه، بل الثاني هو المتعيّن، إذ الإرجاع إلى الورثة ليس من حيث إنّهم هم، وأنّهم زيد وعمرو، بل من حيث إنّهم قائمون مقام ميتهم وإنّهم ورثته، فيلاحظ ويقدّر الرجوع إلى الميّت، فيرد عليهم، وفي الاسترداد منهم كذلك.
مضافاً إلى ما عرفت من فساد المبنى، وأنّ الفسخ هو الحلّ.
قال: وبالجملة استحقاق الزوجة لما يقابل الأرض فرع عود الثمن المردود إلى الميّت والإرث منه جديداً، ولا وجه له ولا دليل عليه، بل المفروض التوريث منه حين الموت، والانتقال عنه إلى بقية الورثة، والفسخ لايوجب بطلان الإرث ولذا لو فرضنا تصرّف البقية في الأرض المنتقلة إليهم

صفحه 97
قبل الفسخ ببيع ونحوه لانحكم ببطلانه بالفسخ.
أقول: فيه أوّلاً: إنّ استحقاق الزوجة لثمن الأرض وإن كان فرعاً لعود الثمن إلى الميّت، إلاّ أنّ الأصل ثابت وفرعه في السماء وقد عرفت الوجه فيه، والدليل عليه ووجود المقتضي له، وفقد المانع عنه، فلانعيد.
و ثانياً: أنّ كون التوريث حال الموت ليس بمانع بعد فرض صحّة الفسخ وتأثيره أثره، من إزالة سبب الانتقال إلى الورثة.
و ثالثاً: أنّ بطلان الإرث بمعنى بطلان تملّكه للأرض، وعودها إلى البائع واقع محقّق لا إشكال فيه عندنا، وعنده، كما هو معنى بطلان التصرّف في زمن الخيار عند من يقول ببطلانه بالفسخ، والبطلان بمعنى آخر كسلب استحقاقهم عن الأرض وبدلها بالمرّة غير لازم، ولايقول به أحد، ففي البطلان بمعنى عدم تقدير الرجوع إلى الميّت، وعدم تلقّيهم عنه، وهو عين الدعوى، إذ مفاد كلامه حينئذ: أنّ الفسخ لايوجب الرجوع إلى الميّت.
و رابعاً: أنّ بطلان الإرث ولزوم إرث جديد ممّا التزم به هو أيضاً كغيره فيما سيأتي، ممّا إذا باع وأتلف الثمن في حياته فمات، وكان للمشتري الخيار ففسخ فإنّه يأخذ بدل الثمن من بقية تركة الميّت، فيبطل إرثهم لها ويرجع المبيع إلى الورثة، فيرثونه بإرث جديد.
و من الواضح أنّ ما اعترف به في هذا الفرض ليس لدليل خاصّ تعبدّي ولا لنصٍّ توقيفي، بل لاقتضاء الفسخ ذلك.
و خامساً: أنّ تصرّف الورثة في الأرض المنتقلة إليهم في زمن خيار البائع ممّا اختلفت الآراء في جوازه، فمن الأكثر كما في «مفتاح الكرامة» عدم

صفحه 98
الجواز، بل في كلام شيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره)، أنّ ظاهر عبارتي «الدروس» و «الجامع»، الاتّفاق على عدم نفوذ التصرّفات الواقعة في زمن الخيار.
ثم قال: فالمسألة في غاية الإشكال.1 انتهى.
فإن قلنا: بالعدم حكمنا ببطلان تصرّف البقية في الأرض ببيع ونحوه، وإن قلنا بالجواز جمعاً بين أدلّة صحّة بيع المالك ولزومه، وتسلّط الناس على أموالهم، وأدلّة بقاء الخيار واستحقاق الفسخ، كان الفارق بين عدم الحكم بالبطلان في المبيع والحكم به في الإرث أنّ استرجاع العين من المشتري مخالف لأدلّة لزوم البيع، أو الصلح، أو غيرهما، واسترجاعها من الوارث ليس مخالفاً لمقتضى دليل، أو موجباً لرفع اليد عن ظاهر آية أو رواية، فإنّ تملّك الوارث ليس لكونه مشترياً أو موهوباً، بل لكون المال بما يصدق عليه عنوان تركة الميّت وأنّه مال بقي من أبيهم، أو أرض تركها مورثهم، فإذا تبدّل عنوان التركة بدليل مقتض لرجوع العين والأرض والثمن إلى الحالة الأُولى، تبدّل إرثه وبطل استحقاقه للعين الموروثة، ولا حاجة إلى ما يأتي في كلامه من أنّ الوارث نفس الميّت.
و مع التنزّل نقول: إنّا لو قلنا بالجواز جمعاً بين ما دلّ على نفوذ تصرّف المالك الواقع في زمان ملكه و بين إعمال حق الفسخ الثابت لذي الخيار، فإنّما لا نقول بالبطلان في البيع، ونقول به في الإرث لعين ما يقوله هذا القائل في الفرق بين انتقال الأرض في زمن حياة المورّث عنه إلى أجنبي، أو إلى أحد ورثته ببيع أو هبة، وبين انتقالها إلى ورثته بالإرث، حيث لايحكم بانتزاع

1 . المكاسب: 297 ; والطبعة المحقّقة: ج 6 / 152 .

صفحه 99
الأرض من يد المشتري والموهوب له في الأوّل، ويحكم بانتزاعها من يد الوارث في الثاني، فإن لم يكن الانتزاع من يد الوارث بطلاناً لإرثه، كما يكرره، ويحتجّ به، ويقول: إنّما هو تبديل لماله، فكيف لايلتزم بالانتزاع من يد المشتري؟ فيدّعي أنّه ليس إبطالاً له، بل إنّما هو تبديل لماله الذي بيده بما يدفع إليه من بدله، فإن احتجّ في الفرق بأنّ المال حال الانتقال بالإرث كأنّه لم ينتقل، وهو بعد في يد الميّت، قلنا بمثله في الفرق.
ودعوى استلزامه لرجوع المال إلى الورثة ابتداءً، ممنوعة جداً، بل هذا التقريب مؤكّد لملاحظة رجوع المال إلى الميّت لا مانع عنها، على أن كون تملّكهم بالإرث بمنزلة تملك الميّت لايوجب كون العقد عقدهم، والفسخ واقعاً على فعلهم، والنقض وارد على إبرامهم كما هو واضح.
قال: بل نقول ـ لو قلنا: إنّ الفسخ ليس إلاّ مجرد الحل، ورفع سبب الملكية لازمه، حيث إنّه رفع لها بحسب استمرارها لا من أصلها ـ : رجوع كلّ من المالكين إلى المالك الفعلي للآخر، لا إلى الميّت المستلزم لبطلان الإرث بالنسبة إلى ما انتقل إليه بالعقد، وحصوله مجدّداً بالنسبة إليه بعد الفسخ.
أقول: هذا هو الذي صدّر به كلامه، وبنى عليه مرامه، وليس علاوة جديدة، ولا ترقّياً حادثاً، ويكشف إعادته عن كون هذا المعنى هو العمدة عنده، والركن الأقوم فيما اختاره، وقد بدأ به في صحبة وقعت بيني و بينه في الحضرة الشريفة العلوية على مشرفها آلاف ألف سلام وتحية.
و قد تقدّم الجواب عنه، أنّ رفع الاستمرار كاف في مدّعانا، فإن استمرار الملكية عين وجودها في الزمان الثاني، فإذا ارتفع وزال بزوال سببه

صفحه 100
عاد إلى ما كان ورجع إلى الميّت، وأمّا كونه مستلزماً لبطلان الإرث السابق وتجدّده لاحقاً، فقد مرّ بما فيه، وأنّ البطلان بمعنى انتزاع العين من يده ووصول شيء آخر إليه من حيث كونه وارثاً، حقٌ لا فرية فيه.
قال: ودعوى أنّ ملكية الوارث حين الموت لم تكن مستقرّة بل متزلزلة; مدفوعة، بأنّ مقتضى تزلزلها وزوالها حين الفسخ عن الشيء بحدوث ملكيته لبدله لا عوده إلى المالك السابق الذي زال ملكيته بالموت.
أقول: بل مقتضى تزلزلها، وورود الفسخ على سبب ملكيته، عوده إلى المالك السابق، وليس مقتضى الفسخ، أعني: العود إلى الحالة الأُولى، مختلفاً بحسب الفروض والمقامات، بل مقتضاه واحد في جميع الموارد، وإن اختلف مصاديق العود، فيعمل به ما لم يتجدّد مانع، ولم يحدث في مفروض مسألتنا شيء إلاّ الانتقال إلى الوارث الذي هو كعدم الانتقال عنده.
قال: ودعوى أنّ مقتضى القاعدة عود الملك بالفسخ إلى العاقدين، والوارث ليس عاقداً; مدفوعة: بمنع ذلك بل مقتضاهما العود إلى من له العقد، سواء كان هو العاقد، أو من يقوم مقامه، والوارث قائم مقام الميّت و عقده عقد له أيضاً، فملكيته إنّما جاءت من قبل عقد مورثّه، حيث إنّه نائب عنه، بل وجود تنزيلي له، ولهذا لم يعد الانتقال إليه من التلف، حتى يستلزم الرجوع إلى البدل بعد الفسخ، كما هو كذلك إذا باعه الميّت قبل موته ثم فسخ الطرف الآخر، فإنّه يعدّ تلفاً وينتقل إلى البدل، والسر في الفرق أن الوارث كأنّه هو العاقد، وملكيته ملكية المورّث العاقد، بخلاف المشتري من الميّت، ففي الإرث كأن العين لم ينتقل من العاقد إلى غيره حتى يكون بمنزلة التلف،

صفحه 101
فبعد الفسخ يرجع الطرف الآخر إلى نفس العين، ويأخذها من الوارث، بخلاف البيع فإنّه يرجع إلى بدل العين.
أقول: فيه أوّلاً: أنّ ما ذكره بصورة الدعوى موجّه، والمنع غير موجّه، فإنّ القاعدة المقتضية للرجوع إلى العاقد الّتي يدّعيها المدّعي هي أنّ الفسخ لكونه حلاًّ للعقد مقتض لذلك، ومجرد الإرث ليس بمانع، وأمّا القاعدة التي ادّعى القائل أنّ مقتضاها الرجوع إلى الأعم منه، ومن الوارث، فممّا لم يقرع سمع أحد من الخاصّة والعامّة إلى الآن، ولم يخرج هو أيضاً من عهدة إثباتها إلاّ على وجه غريب، زعم تفرّعه على كون الفسخ مجرد الحلّ، لا الحل لنفسه، بل ادّعى أنّه لا إشكال بناء عليه في الرجوع إلى الوارث، وقد نقلناه بتفصيله من تعليقته على مكاسب شيخنا الأنصاري (قدس سره) في المقدّمة الخامسة، وأوضحنا فيه، وحكينا عدوله بنفسه عنه، وادّعائه أنّه خلاف الإنصاف والحق، وإن عدل من هذا المعدول إليه أيضاً في هذه الرسالة وفسخ ذلك الحق والإنصاف، فعاد إلى ما اختاره أوّلاً على ما هو مقتضى الفسخ.
ثم إنّه قد تقدّم أنّ اختراع هذا التعبير الجامع ـ أعني: من له العقد ـ غير نافع، إذ من له الملك بالعقد ليس إلاّ العاقد في المفروض، ومن ينتفع بالعقد مختلف جداً.
و ثانياً: أنّ قيام الدليل على تنزيله منزلة مورثه في تملّك ما كان متملّكاً لايوجب أن يكون عقد مورثه عقداً له، والاشتراء واقعاً له، حتى لو فرض وجود دليل متضمّن للفظ المنزلة، وأنّ الولد بمنزلة أبيه فيما خلّفه، لم يوجب ذلك كون العقد له، ولذا تسمع قطعاً شهادة من يرثان من العاقد للعقد الذي

صفحه 102
وقع منه إذا شهد في حياته.
و ثالثاً: عدم تعقّل الفسخ المستلزم للتعاوض المقتضي عنده للعود إلى المالك الفعلي للعوض في بعض الفروع السالفة، كالفرع الثامن ممّا نبهنا عليه في الفصل الأوّل.
و رابعاً: بعد تسليم أنّ مقتضى الفسخ العود إلى من له العقد، وأنّ الميّت والوارث كليهما ممّن له العقد، أحدهما تحقيقاً، والآخر تنزيلاً، فأي معيّن لخصوص التنزيلي بعد إمكان اعتبار التحقيقي، وجعل المال في حكم ماله، واقتضاء الفسخ له، وعدم المانع عنه، وكونه كسائر الموارد التي التزم هو وغيره برجوع المال إلى الميّت حقيقة أو حكماً.
فإن ادّعى أنّ الدليل قاده إليه في تلك الموارد قبل له: إنّ الدليل في بعضها هو اقتضاء الفسخ لذلك، كما سيأتي منه، وهو حاصل في المقام، لا أنّ هناك دليلاً خاصّاً تعبدياً ناظراً إلى مورد خاص.
قال: و من ذلك ظهر الجواب عمّا يمكن أن يقال: إنّ لازم ما ذكرت من العود إلى المالك الفعلي العود إلى المشتري فيما إذا حصل الفسخ بعد تصرّف أحدهما بالبيع، مع أنّه ليس كذلك قطعاً، وذلك لأنّ المراد بالمالك الفعلي المالك بذلك العقد الذي قد انفسخ، والمشتري ليس مالكاً، بذلك العقد بل بعقد آخر، بخلاف الوارث حيث إنّ ملكيته إنّما هي بعقد مورّثه الذي هو عقد له أيضاً.
أقول: فيه أوّلاً: أنّ كون مراده بالمالك الفعلي من كان كذا، وإن كان يدفع

صفحه 103
هذا الإشكال، إلاّ أنّه مطالب بإقامة الدليل على اقتضاء الفسخ بنفسه لهذه التفاصيل.
وثانياً: أنّه كما أنّ المشتري ليس مالكاً بذلك العقد فكذلك الوارث، وكما أنّ تملّك الوارث فرع على تملّك المورث، فكذلك تملّك المشتري منه، غاية الأمر أنّ التملّك في أحدهما قهري حاصل بالموت، وإن لم يرض به العاقد، أو كان كارهاً له، أو لم يكن له وارث حال العقد، وفي الآخر اختياري منوط بشروطه المقررة.
ثم إنّه ينقدح ممّا حقّقه من أنّ الوارث مالك بذلك العقد إلغاز فقهي طريف لم يقرع سمع الأوّلين والآخرين، أي عقد يترتّب عليه تملّك العوض والمعوض لشخص واحد بذلك العقد، فيجاب: بأنّه جميع عقود المعاوضة الواقعة بين المورثين وورثتهم في جميع الطبقات إذا مات المورث وانتقل الطرف الآخر أيضاً إلى الوارث.
قال: و الحاصل أنّ الوارث نائب عن الميّت في الملكية، فكما أنّه لو انفسخ العقد حين وجود الميّت يملك، كذلك إذا انفسخ بعد موته يملك عوضه نائبه بمجرّد الفسخ، لا أن يكون نائباً عنه الملكية بعد الفسخ بمعنى أن يرجع المال إليه ثم إلى الوارث بإرث جديد.
أقول: ما أطرف هذا الحاصل وأعجبه، إذ فيه :
أوّلاً: أنّ هذا المعنى مقلوب عليه، ومنتج لنقيض مقصوده، فنقول: كما أنّه لو انفسخ العقد حين وجود المنوب عنه ورثت زوجته من الثمن الراجع بالضرورة، فكذلك إذا انفسخ بعد موته تملك زوجته الثمن بمجرد الفسخ لا

صفحه 104
أن يؤثر الفسخ بعد حياته غير ما كان يؤثره حياته، و هذا واضح جدّاً.
و بعبارة أُخرى: الملازمة بين ما اعترف به من أنّ فسخ الوارث بعد موته كفسخ المورث في حياته،بين إرث الزوجة من الثمن واضحة، بخلاف اقتضاء النيابة لعدم إرثها.
وثانياً: إذا كان الانتقال إلى الوارث من حيث كونه نائباً لا من حيث إنّه هو، كان ذلك مؤكّداً للحاظ رجوع المال إلى الميّت، لا مانعاً عنه، وقد تبيّن أنّ الرجوع إلى الميّت إمّا حقيقي أو حكمي يقتضيه مراعاة القواعد.
قال: مع أنّه يمكن أن يقال: إذا سلّمنا أنّ مقتضى القاعدة العود إلى الميّت حقيقة أو حكماً، إنّما نقول به بمقدار الضرورة، وحفظ القواعد، وتصحيحاً للفسخ، لا في جميع الآثار واللوازم، التي منها الالتزام بإرث جديد.
فنقول: إنّ العوض كأنّه انتقل إلى الميّت، وأُعطي لمن ورث أوّلاً، وهو بقية الورثة بالنسبة إلى ما يقابل الأرض في مسألتنا.
أقول: بعد تسليم أنّ مقتضى القاعدة العود إلى الميّت، والمفروض عدم المانع من العمل على طبقها، وجب ترتيب ما هو من أحكامه الشرعية، ومنه إرث الزوجة، إذ المفروض أنّ القاعدة اقتضت كون تركة الميّت بعد الفسخ راجعة إليه، وإنّها نقد لا مانع من إرث الزوجة منها والانتقال السابق إلى الورثة الزائل بالفسخ ليس بمانع، فيجب إرث الزوجة من غير إشكال، والالتزام بإرث جديد للورثة بمعنى بطلان تملّكهم للأرض ورجوع شيء آخر إليهم بتلق من مورثهم لا محذور فيه، بل لابد من القول به على كلّ حال، ومجرد

صفحه 105
تسميته تبدلاً لملكهم لايجدى في عدم كونه بطلاناً، بل هو عبارة أُخرى عن البطلان، ألا ترى أنّه لو قيل بعدم نفوذ تصرّف غير ذي الخيار كبيعه وأنّه بعد الفسخ يؤخذ المبيع من المشتري ويرد اليه ثمنه كان بطلاناً لبيعه بلا إشكال، مع أنّه تبديل لماله بمال آخر، بل ترى هذا القائل كغيره ملتزماً بالأمرين من بطلان إرث الوارث لما ورث وارثه الجديد لغير ما ورث فيما سيأتي من بيع الميّت ماله، وإتلافه العوض، ووقوع الفسخ من المشتري بعد ذلك، فإنّه يرجع المبيع إلى الميّت باعترافه، ويرث عنه الوارث بإرث جديد، ويؤخذ من تركة الميّت بدل المبيع، فيبطل إرث من ورثها، وهذا كله من جهة اقتضاء الفسخ ذلك، لا من جهة نصّ خاصّ فيه، فكيف التزم في هذا الفرع بجميع آثار العود إلى الميّت، واللوازم التي منها الالتزام بإرث جديد، ولايلتزم به في المقام.
قال: فإن قلت: إنّ الزوجة إنّما ترث من تمام الثمن المردود من جهة تعلّق حقّها بالأرض لمكان كونها متزلزلة، وفي معرض التبدّل بالثمن الذي لا مانع لها من إرثه.
قلت: المفروض أنّ البيع بالنسبة إلى الميّت لازم، والخيار إنّما هو للطرف المقابل، فلا حق له في الثمن حتى يكون منتقلاً إلى الزوجة.
نعم يمكن هذه الدعوى في عكس المسألة، وهو ما إذا كان الخيار للميّت، ومن ذلك يمكن أن يقال: إنّ نظر صاحب الجواهر(قدس سره)وغيره إلى دعوى ثبوت الحق، لا أنّ مقتضى الفسخ العود إلى الميّت حقيقة أو حكماً، فلا يلزم من حكمهم في مسألة العكس حكمهم في مسألتنا، والحق عدم

صفحه 106
تماميتها في مسألة العكس أيضاً، وذلك لأنّ الحق الثابت للوارث إنّما هو الخيار في الفسخ والإمضاء، ولاحقّ له في العين التي انتقلت عن الميّت.
أقول: أمّا السؤال فساقط جداً لاينبغي أن يسطر وأمّا ما احتمله في حق صاحب الجواهر(قدس سره)ففيه: أنّه حاشا لمن دون صاحب الجواهر(قدس سره)بدرجات أن يكون نظره إلى هذا المعنى السخيف، والقول الواهي الساقط، وقد نقلنا عبارته سابقاً فراجعها، حتّى ترى أنّه لم يتشبّث في الأرض المشتراة التي هي مسألتنا لإرث الزوجة من الثمن الراجع، ولا لإرثها من الخيار بشيء من تعلّق حقّها بالثمن، أو بالأرض، بل أجرى الأوّل مجرى الضروريات، وبنى الثاني على عدم ثبوت اشتراط تبعيته إرث الخيار لإرث العين، ونسخ الجواهر منتشرة شرقاً وغرباً فليراجع.
وأمّا في الأرض المبيعة فحكَم بحرمانها على تقدير الفسخ من الأرض الراجعة من غير تعليله بشىء، بل أرسله إرسال المسلّم الواضح، ومن المعلوم بالضرورة عدم مدخلية خيارها في حرمانها، وتشبّث في إثبات خيارها في المبيعة بتعلّق حقّها بثمن المملوك لها، وهل يعقل أن يكون الحرمان من الأرض مستنداً عنده إلى دعوى ثبوت الحق؟ كلاّ بل ليس مستنداً إلاّ إلى ملاحظة التركة بعد الفسخ، وزوال المانع عنها به.
و أمّا كلام شيخنا الأنصاري(قدس سره)فهو أصرح من أن يتعرّض لإثباته، حيث إنّه جعل كون الثمن في معرض الانتقال إلى جميع الورثة، ومنهم الزوجة من الواضحات، فيما إذا كانت الأرض مشتراة، سواء قيل بثبوت الخيار للزوجة وإنّ لها حقّاً في الثمن أو لا، ومن المعلوم أنّ ثبوت الحق لغير الزوجة في

صفحه 107
فسخ الثمن لايرتبط بإرث الزوجة من الثمن.
قال: وأمّا ربما يقال في تأييد الرجوع بالفسخ إلى الميّت، ثم الإرث من أنّ من المسلّم تعلّق الديّان الوصايا بما يرجع بالفسخ، فيكشف عن عوده إلى الميّت ففيه: أنّ تعلّق حقّ الدين والوصية ليس من جهة العود إليه، بل من جهة تعلّقها بما يقابله من التركة حين الموت، لأنّ مقتضى تعلّق الدين بالأرض حين موت المشتري تعلّقه بالثمن المردود، لأنّه بدلها، فكمّا أنّ ملكية الوارث للتركة يستلزم ملكه لبدلها الراجع بالفسخ، فكذا حق الدّيان المتعلّق بها يتعلّق ببدلها.
و لذلك لانقول بذلك فيما إذا لم يكن له عوض تعلّق به حقُّهم حين الموت، كما إذا باع شيئاً بشرط الخيار له إذا ردّ مثل الثمن وأتلف الثمن ومات ولم يكن له تركة أصلاً، فإنّه إذا ردّ الوارث مثل الثمن من كيسه وفسخ البيع لايتعلّق بالمبيع الراجع حق الديّان، لأنّ المفروض أنّه لم يكن له بدل تعلّق به حقّهم، فيبقى الدين في ذمّة الميّت، ويرجع المبيع إلى الوارث الذي فسخ، وقد ادّعى المحقّق الأنصاري(قدس سره)السيرة على هذا، ولو كان مقتضى الفسخ العود إلى الميّت لزم تعلّق حق الديّان به بمجرد الفسخ، وإنّ الثمن المردود من مال الوارث، نعم يمكن منع السيرة المذكورة، بل منع جواز ردّ الوارث الثمن إلاّ بعنوان كونه عن الميّت، فكأنّه تملّك الميّت أوّلاً ثم يفسخ ويعطيه للمشترى.
أقول: فيه أوّلاً: إنّا نفرض الكلام فيما إذا ضمن الوارث قيمة التركة للديّان ودفعها إليهم، وقطع تعلّق حقّهم بالتركة ثم اتّفق فسخ البائع ورد

صفحه 108
المبيع الذي يساوي أضعاف التركة إلى الوارث، وأخذ عين التركة منه، فلا أحداً يستشكل في تعلّق حقّ الديّان بهذا المبيع المردود مع انقطاع تعلّق حقّهم عن بدله، وما ذلك إلاّ لرجوع المبيع إلى ملك الميّت بالفسخ، وإلاّ فلو باع الوارث بعد الضمان والغرامة المبيع بأضعاف قيمته من غير أن يكون هناك فسخ، لم يتعلّق به حق الديّان، وأشرنا سابقاً إلى أنّ القول بأنّ انقطاع حقّهم مراعى بعدم الفسخ ممّا ينفعنا ويضره، لأنّه دليل ما ندّعيه من اقتضاء الفسخ العود إلى الميّت، وإلاّ فلو كان الفسخ معاوضة بين الفاسخ والورثة للمبيع والتركة لم يتّجه أصلاً عود حق الديّان، وكان كمعاوضة الورثة مع غير الفاسخ.
و ثانياً: أنّ ما ذكره واستشهد به من عدم تعلّق حقّ الديّان بالمال الراجع إذا أتلف الميّت بدله في حياته، ليس أمراً مسلّماً يستشهد به على شيء، والمحقّق الأنصاري(قدس سره)الذي نقل عنه دعوى السيرة احتمل في المسألة وجهين، وجعل أولهما الرجوع إلى حكم مال الميّت، وتعلّق حق الديان به، وعدّ ذلك مقتضى الفسخ، وهو الراجح عندنا، وإن استظهر بعد ذلك غيره على تأمّل، يلوح منه قائلاً آخر الأمر: إنّ المسألة تحتاج إلى تنقيح زائد، فكأنّه كلام منه(قدس سره) في بادئ النظر قبل تنقيح المبحث.
ثم إنّ دعوى السيرة في هذه المسألة ممنوعة على مدّعيها كائناً من كان، ومتى كانت هذه القضية شائعة في الأدوار، وهذه المسألة واقعة في الأعصار، ومن الذي أحرز على المتدينين بعدم إلزامهم التزامهم بإخراج الديون في هذا الفرض، وترى القائل احتمل المنع.

صفحه 109
و ثالثاً: أنّ المال بعد الفسخ في هذه الصورة التي دفع الورثة البدل فيها من كيسهم إمّا أن يعود إلى الميّت، أو إلى الورثة، فإن اختار الأوّل، فكيف لا يتعلّق به حق الدّيان، وإن اختار الثاني، فكيف تخلّف الفسخ عن مقتضاه الذي كان مصرّاً عليه من الرجوع إلى المالك الفعلي للطرف الآخر، والورثة ليسوا بمالكين فعلاً لما كان طرف العقد بالضرورة، بل الميّت هو الذي تصرّف فيه وأتلفه، إلاّ أن يتفصّى باختلاف مقتضى الفسخ في الموارد كما نقلنا سابقاً بما فيه.
و رابعاً: أنّه يأتي آنفاً جزمه في هذه الصورة برجوع المال إلى الميّت، قائلاً: إنّه لو باع الميّت وأتلف العوض في حياته ثم وقع الفسخ أُرجع إلى الميّت، سواء خلف تركة أُخرى أم لا، فما معنى رجوعه إلى الميّت وعدم تعلّق حق الدّيان به، وكيف الجمع بين دعوى الرجوع إلى الورثة ابتداءً في هذا الفرض تارة، ودعوى الرجوع إلى الميّت فيه بعينه أُخرى، وما هذا التهافت والتناقض في هذا الكلام المتصل، فإن تفصّى بأنّ الجزم فيما يأتي مبني على الاحتمال للمنع الذي ذكره أخيراً اتّجه عليه مع ما فيه أنّه اعتراف بصحّة التأييد و بطلان ما أطال به في الجواب، فالآن قد حصحص الحق.
قال: و كيف كان فقد تحقّق أنّ مقتضى الفسخ العود إلى المالك الفعلي، ولا داعي للعود إلى الميّت حقيقة أو حكماً، بحيث يورث منه مجدّداً فالمناط في الحرمان هو حال الموت لا حال الفسخ.
أقول: و كيف كان فقد تحقّق أنّ مقتضى الفسخ العود إلى الميّت حقيقة أو حكماً، فتقضي منه ديونه وتنفذ منه وصاياه، وترث منه زوجته تارة وتحرم

صفحه 110
منه أُخرى، وإنّ إرثَ بقية الورثة بمنزلة إرث مجدد، وأنّه لا داعي للعود إلى الوارث ابتداءً، ورفع اليد عن مقتضى الفسخ، وإنّه قد لايرث حين الموت، ويرث حين الفسخ عنده أيضاً، كما فيما اعترف به من مصالحة ماله بلاعوض، وجعل الخيار للمشتري، أو بيع ماله بعوض قد أتلفه، بل قد لا يكون قابلاً للإرث حال الموت أصلاً، ويرث حال الفسخ كما لو أسلم من كان كافراً حال الموت بعد أن وقع الفسخ وتبدّلت التركة ولم تقسّم، أو أُعتق العبد بعد الفسخ وقبل القسمة وقد مرّ، ويأتي أنّ العود إلى الميّت فيما اعترف به ليس إلاّ لاقتضاء الفسخ ذلك لا لدليل خاصّ قاده إليه.
قال: نعم لو فرض عدم وجود تركة للميّت يرثها الوارث نلتزم بالعود إلى الميّت إذا كان المال منتقلاً عنه و حصل الفسخ، كما إذا صالح ماله بلاعوض بشرط الخيار له، أو للطرف الآخر، أو لأجنبي، فمات قبل انقضاء مدّة الخيار ففسخ وارثه أو الطرف الآخر مثلاً ذلك العقد، فإنّه ينتقل من الأوّل اليه، ثم إلى وارثه لأنّ الوارث لم يرثه حين الموت، ولا ورث بدله، فهو مال جديد حصل للميّت بعد موته ينتقل منه إلى وارثه، وتخرج منه الديون والوصايا.
أقول: هذا وإن كان صحيحاً لكونه أحد مصاديق ما ندّعيه من العود إلى الميّت، إلاّ أنّه ليس لما ذكره من أنّ الوارث لم يرثه ولا بدله، بل لما ذكرنا مراراً من جهة اقتضاء الفسخ لذلك، ولا خصوصية له بهذا الفرع، بل مقتضاه واحد في جميع المقامات.
ثم إنّ حقيقة خيار الفسخ عنده تارة هي التسلّط على الاسترداد فقط،

صفحه 111
كما إذا كان الخيار في الفرض الذي ذكره للوارث، وتارة هي التسلّط على الردّ فقط، كما إذا كان الخيار للمصالح له، وثالثة هي التسلّط على الردّ والاسترداد، كما في مسألتنا المبحوث عنها، من غير أن يجمعها جامع هو التسلّط على فسخ العقد وحلّه ببناء على ما قرّره سابقاً من أنّ الخيار وإن كان مفسراً بملك الفسخ عند القوم إلاّ أنّه لا دليل عليه.
ثم إنّ المعاوضة التي هي مقتضى الفسخ قد تقع بين المال الموجود والمعدوم كما في الفرض الآتي الذي تلف فيه البدل عند الموّرث، وقد تقع بين الموجودين كما في مسألتنا.
قال: بل وكذا إذا كان له تركة لكن لم يكن بدل ما يرجع بالفسخ موجوداً فيها، كما إذا باع شيئاً وأخذ ثمنه، و أتلفه قبل موته، فإنّه لو انفسخ بعد الموت يرجع إلى الميّت أوّلاً، لعدم ملكية الوارث لبدله حين الموت، حتى يرجع اليه، وإن ملك بقية التركة فإنّها لا دخل لها بذلك البدل، فحيث لم يرث البدل لم ينتقل إليه المبدل من الأوّل، بل بعد تملّك الميّت له ولو حكماً.
أقول: قد عرفت منه آنفاً حكمه بالرجوع إلى الورثة ابتداءً في هذه الصورة، أعني: ما إذا أتلف الميّت العوض في حياته، وأنّه لا يتعلّق به حق الديّان، وبه أجاب عمّا ذكر تأييداً للرجوع إلى الميّت بالفسخ، وقد حكم الآن بالرجوع إلى الميّت، وهذا هو التهافت الذي عرّفناك، فإن اعتذر بأنّ المفروض هناك فيما إذا دفع الورثة البدل من كيسهم، وفي المقام فيما إذا دفعوا من بقية التركة، اتّجه عليه أن نسبة بقية التركة إليهم كنسبة ما دفعوه من كيسهم، في خروجها عن طرفيه ما وقع العقد عليه، كما رأيت تصريحه به.

صفحه 112
ففي الصورتين لم يملك الوارث الطرف الآخر بذلك العقد، فكيف حكم برجوع المال بالفسخ إليه هناك، وكيف تخلّف الفسخ عن مقتضاه؟ وقد أسمعناك أنّه لو تفصّى بأنّ ما ذكره سابقاً غير تام عنده، ولذا عقّبه بالمنع أخيراً، كان ذلك اعترافاً ببطلان جوابه عن التأييد، وصحة ما ذكره في التأييد، بل كونه حجّة قاطعة هادمة لأساس جميع ما حرّره في المسألة، وإنّ الفسخ مقتضاه العود إلى الميّت والمقتضي لتعلّق حق الديّان ليس تعلّق حقّهم ببدله من التركة.
قال: و ممّا يؤيد ما ذكرنا في المقام من أنّ مقتضى القاعدة الانتقال إلى الوارث أوْ لا، لا الانتقال إلى الميّت، ثم الإرث منه مجدّداً، ملاحظة مسألة الإقالة التي هي فسخ للعقد من الطرفين بعد لزومه، فإنّه بناءً على جواز إقالة الوارث للعقد الصادر من الموّرث، كما يظهر من صاحب الجواهر(قدس سره)نقلاً عن العلاّمة أيضاً : لو أقال الوارثان يبعد غاية البعد انتقال العوضين إلى الميتين، ثم إلى الوارثين.1 فتأمّل، ثم إنّه قد ظهر ممّا ذكرنا حال جملة من الفروع.
أقول: و بهذا ختم سلّمه اللّه تعالى كلامه، وفيه مضافاً إلى أنّه لم تتقدّم منه قاعدة يقتضي الانتقال إلى الوارث أوْ لا، إلاّ ما زعمه من كون حقيقة الفسخ عبارة عن الردّ والاسترداد المستلزم للمعاوضة، وقد عرفناك مفصّلاً ما فيها بما لايمكن المزيد عليه، ودللناك على الجادّة الواضحة، والمحجّة الواسعة، أنّ ما ذكره من التأييد في المقام بمسألة الإقالة لا وجه لهُ أصلاً: فإنّه استبعد قريباً، واستقرب أهلاً آنساً، إذ بعد البناء على كون الإقالة فسخاً يعمل

1 . جواهر الكلام: 23 / 75 .

صفحه 113
بمقتضاه، ويقدر الرجوع إلى الميتين ثم إلى الوارثين، ولا بعد فيه أصلاً، ويتفرّع عليه تعلّق حق الديّان بالمال الراجع بالإقالة، فإذا فرض أنّه صالح ماله بلاعوض من غير خيار، ثم اتّفقت الإقالة من الورثة فلا أظنّه يستشكل في تعلّق حق الديّان به، لعين ما ذكره آنفاً في الفسخ في الفرض المزبور، من أنّه مال جديد حصل للميّت بعد موته ينتقل منه إلى وارثه، وتخرج منه الديون والوصايا، مع أنّ الاستبعاد لو كان ناشئاً من كون السبب هو الإقالة بعد اللزوم فهو موجود في هذا الفرض وإن كان شيئا آخر فلابد من بيانه، حتى ننظر فيه، وقد ظهر لك بما حقّقنا حال جملة من الفروع، ولنكتف بهذا المقدار ولنمسك القلم عن الجري في هذه المضمار، فقد انزاح الشكّ واستوى المسلك، وحصحص الحق الصراح، ونصع الرأي فلا براح.

صفحه 114
إرث الزوجة من الخيار في الأرض    


صفحه 115

الفصل الثالث

] إرث الزوجة من الخيار في الأرض [

في إرث الزوجة من الخيار في الأرض الذي تعرّض له القوم أصالة، ونحن نتعرض له استطراداً، حيث إنّ الحكم في مسألتنا الماضية غير متوقّف عليه بالمرّة، كما عرّفناك مراراً، ودللناك كراراً:
فنقول: بعد تسالمهم واتّفاقهم على أنّ الزوجة ترث من الخيار في غير الأرض، وإنّ المقتضي لإرثها منه هو المقتضي لإرث بقيّة الوراث من ما دلّ أنّ الخيار حق ثابت قابل للانتقال، وأنّه ممّا تركه الميّت فيرثه المناسب والمسابب اختلفوا في إرثها من الخيار في الأرض على أقوال:
أحدها: إرثها منه مطلقاً في الأرض المشتراة لمورثها والمبيعة، كالمحقّق القميّ، وصاحب الجواهر(قدس سره)وغير واحد من الفقهاء المعاصرين.
الثاني: عدم إرثها منه مطلقاً، كالمحكي عن الفقيه النبيه الورع الشيخ علي بن كاشف الغطاء، بل عن المحقّق الثاني(قدس سره).
الثالث: إرثها منه في المشتراة دون المبيعة، وهو مستقرب العلاّمة في وجه، ومختار فخر الإسلام، وعميد الدين، والشهيد(قدس سره) وشيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره).

صفحه 116
الرابع: عكسها بمعنى عدم إرثها في المشتراة والإشكال في المبيعة، وهو أيضاً مستقرب العلاّمة في وجه، و مختار المحقّق الثاني في جامع المقاصد، والشيخ حسن(قدس سره)فيما مر عنه.
الخامس: ما اختاره في المستند من التفصيل بين صورة انحصار الوارث فيها فلا ترث مطلقاً، وعدم الانحصار فيها فترث مطلقاً.
و الأظهر من بين الأقوال وأشبهها بالقواعد هو الأوّل، إذ بعد البناء على إرثها من الخيار في غير الأرض وأنّه ليس لنص توقيفي مختصّ به، ولا لإجماع قائم فيه بخصوصه، بل لاقتضاء القاعدة الثابتةِ بالنصّ، أو الإجماع له، فمن المعلوم أنّ مقتضاها في الأرض وغيرها على حدٍّ سواء، لو لم يتم شيء ممّا ذكره المانعون أو المفصلون، ممّايرجع بعضها إلى منع المقتضي وبعضها إلى إبداء المانع فلنتكلم فيها وفي توضيح عدم صلوحها للفرق.
فنقول: أمّا ما يحتمل كونه موجباً لعدم إرثها من الخيار في المشتراة فأُمور:
الأوّل: أنّ استصحاب بقاء الثمن على ملك مالكه محكم ما لم يُعلم خلافه.
الثاني: أنّ الدليل المثبت لإرث الزوجة من الخيار في غير الأرض إمّا الإجماع، أو النص، ولايتمشّى الاحتجاج بشيء منها فيها: أمّا الأوّل: فواضح لانتفاء الإجماع في محلّ الخلاف، وأمّا الثاني: فلانصرافه عن مثل الفرض المزبور الذي لم ترث الزوجة فيه شيئاً، ممّا يتعلّق به الخيار، أعني: الأرض وانتقل إلى غيرها.

صفحه 117
الثالث: أنّ إرث الخيار على خلاف القاعدة والخبر ضعيف ليس الحجّة منه إلاّ موضع الانجبار، والجابر في المقام غير ثابت إن لم يثبت خلافه.
الرابع: أنّ خيار الفسخ معناه التسلّط على الردّ المستتبع للاسترداد، أو التسلّط على الردّ والاسترداد جميعاً في عرض واحد، ومن الواضح عدم تسلّط الزوجة على الأرض بردها.
نعم لو كان معناه التسلّط على الحل المستتبع للردّ والاسترداد، أو التسلّط على الاسترداد المستتبع للردّ، أمكن القول بثبوت خيارها: ولم يثبت.
الخامس: أنّها لم ترث من الأرض المشتراة المختلفة عن مورثها في شيء، والخيار من الحقوق المتعلّقة بالعين، فإرثه تابع لإرثها، وإذا انتفى المتبوع انتفى التابع.
ودعوى تعلّق حقّها بالثمن الذي عند البائع لكونه متزلزلاً وفي معرض الانتقال إلى جميع الورثة، و منهم الزوجة، ولو بفسخ غيرها، كما عرفت من شيخنا الأنصاري(قدس سره)، يمكن منعها، بأنّ هذه الدعوى بعد التحرير يرجع إلى أن يقال: إنّ الثمن متزلزل يمكن رجوعه بالفسخ، وكلّما كان كذلك فالزوجة لها حقّ الفسخ فيه.
و فيه: أنّ غاية ما يقتضيه التزلزل المذكور إمكان إرجاعه بفسخ من ثبت له حقّ الفسخ، وأمّا أنّ للزوجة حقّاً وأنّها أيضاً مستحق ذلك فكلاّ، وأي ملازمة عقلاً، أو شرعاً بين ثبوت حقّ الفسخ للمالك للعين، وثبوته لغيره.

صفحه 118
فإن أُريد من التزلزل إمكان الرجوع لفسخ الزوجة، فالصغرى ممنوعة، إذ ليست إلاّ مصادرة محضة، و إن أُريد به إمكان رجوعه بفسخ بقية الورثة فالكبرى ممنوعة.
السادس: أنّ الأرض انتقلت إلى بقية الورثة قطعاً، وفسخ الزوجة عبارة عن إبطال حق ثبت لغيرها، وهو مع عدم قيام الدليل عليه مستبعد جدّاً.
السابع: أنّ خيارها في الفرض المزبور إنّما هو لإرثها من الثمن الراجع، ومن المعلوم أنّ إرثها من الثمن متوقّف على خيارها وفسخها، فلو علّل الفسخ بإرثها منه، كان دوراً واضحاً.
الثامن: أنّ الميّت لو اشترى أرضاً بأرض فقد انقطع حقّ الزوجة عن الثمن والمثمن قطعاً، ولاترجع إليها على تقدير فسخها، أو فسخ الورثة شيء أصلاً، فلا معنى لفسخها، وإن كان فسخ بقية الورثة يترتّب عليه بتبديل أرضهم بغيرها، وربما كان لهم فيه مصالح فإذا لم ترث الخيار في هذا الفرض ترتّب عليه بطلان القول بإطلاق إرثها في الأرض المستند إلى تعلّق حقّها بالثمن كما تقدّم من شيخنا الماضي(قدس سره)، بل بطلان إرثها من الخيار فيها مُطلقاً في الأرض المشتراة، بضميمة عدم القول بالفصل في صورة المشتراة.
و في الكلّ نظر أمّا الأوّل: فبعد تسليم جريانه، وصحّته في الشبهات الحكمية ـ ولنا فيه كلام طويل في الأُصول ـ فيه عدم جواز التشبّث به بعد وجود الدليل وثبوت المقتضي لإرثها من غير مانع كما سيتّضح.
و أمّا الثاني: فبأنّ ما دلّ على إرثها من الخيار في غير الأرض من

صفحه 119
الإجماع أو النصُ واف بإثباته في المقام أيضاً.
أمّا الأوّل: فلأنّه لايراد به إجماعات عديدة في كلّ فرد فرد وموضع موضع ممّا يحكم فيه بالإرث من الخيار للزوجة، أو غيرها، في الثوب، والدار، والفرس، والخاتم، والأرض، وغيرها، بل الإجماع قائم على أنّ الخيار حق قابل للانتقال، وأنّه ما تركه الميّت، فيثبت إرث الوارث، زوجة كانت أو غيرها، بما دل على الإرث ممّا ترك كتاباً، أو سنّة، فهو من قبيل الإجماع على القاعدة يتمسّك به في الفروع الخلافية أيضاً، نظير الإجماع على قاعدة الاشتراك في التكليف، وأمّا النصّ فبعد البناء على دلالته على إرث الخيار، و غمض العين عمّا أُورد عليه من المناقشة الغير المختصة بالمقام، لايبقى فرق بين المفروض وغيره.
و دعوى الانصراف ممّا لا يُصغى إليها، بعدم ثبوت المنشأ ومجرد ندرة الفرض وندرة الوقوع، مع كونها ممنوعة جدّاً لاتوجبه بعد وضوح صدق المفهوم عليه، وعدم تشكيك في أصل صدق الحق عليه، وأنّ حق الخيار في الفرض مثله في سائر الفروض، من غير ضعف، أو قصور، كما أنّ من البين المبين أنّ مجرد كون فرد خاصّ متيقّناً بحسب الخارج لا بحسب المفهوم في مقام المحاورة لايوجب الصرف، وإلاّ لانسدَّ باب التمّسك بالإطلاقات، وترتبت عليه مفاسد لاتحصى وأباطيل لاتستقصى، ولتحقيق المسألة مقام آخر.
و من جميع ما مرّ تبيّن الجواب عن الثالث، مضافاً إلى أنّ الاحتياج إلى الجابر في كلّ مقام وموضع بخصوصه ممّا لا معنى له، فإنّ عمل القوم قديماً،

صفحه 120
وحديثاً بحديث، واستنادهم إليه إن أوجب الوثوق بصدوره أخذنا به، ولو في ما لم يأخذوا به ما لم يكشف عدم احتجاجهم به في ذلك الموضع عن وصول معارض إليهم انكشف لديهم وخفيّ عنّا، كما في المقام حيث إنّ القوم ما بين مثبت ومنكر، ثم المنكر لم يحتجّ إلاّ بما سمعت، وتسمع ضعفه وقصوره.
و أمّا الرابع: فبما أوضحنا سبيله وقدّمنا تفصيله من أنّ معنى خيار الفسخ هو التسلّط على حلّ العقد المترتّب عليه ما هو من أحكام الحل ولوازمه من الرد تارة والاسترداد أُخرى، والرد والاسترداد ثالثة فتذكّر.1
وأمّا الخامس: فبمنع المقدّمة القائلة بتبعية إرث الخيار لإرث العين. فإنّها ليست بيّنة، ولا مبيّنة، بل يشبه إعادة الدعوى في محل النزاع، والكفاح وتكرار المدّعى في موضع الخصام والتشاح.
وأمّا السادس: فلأنّ الدليل على ثبوت حقّ الخيار لها المستلزم لإبطال حقّ غيرها هو الدليل على ثبوته لها في غير المقام، سيما إن قلنا بعدم جواز الفسخ إلاّ مع التوافق واجتماع من لهم الفسخ. فالورثة هم الذين أبطلوا حقّهم، ولايتوقّف إثبات هذا الحق لها أو لغيرها في كلّ فرع إلى قيام دليل خاصّ به. فإن عاد إلى منع الدليل كما في الوجه الثاني والثالث عدنا إلى ما أوردنا عليهما.

1 . فإذا صالح ماله إلى عوض و جعل للمصالح له خيار الفسخ فإنّه حلّ يستتبع الردّ فقط، ولو جعل الخيار لنفسه فهو مستتبع للاسترداد فقط، وإذا صالح بعوض أو باع فالخيار مستتبع لكليهما. (منه (قدس سره)).

صفحه 121
فقول المحقّق الثاني(قدس سره) أنّ إبطال حقّ غيرها يحتاج إلى دليل.
قلنا: نعم، ولكن قام الدليل واتّضح السبيل.
و أمّا السابع: فلمنع كونه دوراً لاختلاف الطرفين، وعدم انعكاس المتوقّف على جميع التقادير.
فإنّه إن أُريد أنّ فعلية الإرث متوقّفة على فعلية الفسخ منها بنفسها، أو بموافقتها للورثة، فهو وإن كان صحيحاً، إلاّ أنّ من المعلوم أنّه لا عكس له صحيحاً.
و إن أُريد أنّ استحقاق الإرث متوقّف على استحقاق الفسخ; ففيه ـ مع وضوح منعه إذ بعد فسخ بقية الورثة أيضاً استحقّ الإرث إن قلنا بجواز التفريق ـ أنّه أيضاً لاينعكس، إذ استحقاقها للفسخ يتوقّف على عموم الأدلّة، وإن قلنا بحرمانها من الراجع بعد الفسخ، كما في المسألة الآتية، أعني: الأرض المبيعة، وليس حقّ الفسخ إلاّ التسلّط على حلّ العقد، سواء رجعت فائدة الحلّ إليها، أو إلى غيرها، بل إذا لم تكن له فائدة.
و إن أُريد أنّ استحقاق الارث متوقّف على فعليّة الفسخ منها; ففيه أيضاً: منع الطرفين وعدم التسليم كلتا المقدّمتين ـ كما تبيّن ـ وأنّه لو سلم الأصل لم يسلم العكس.
و أمّا توقّف فعلية الإرث على استحقاق الفسخ، فغير محتملة جدّاً، وأشار المحقّق القميّ(قدس سره)إجمالاً إلى ما فصلناه، فقال ـ بعد نقل كلام فخر المحقّقين المتضمّن للدوران فيه ـ : أنّ طرفي الدور مختلفان ; لأنّ معنى قوله: لا ترث من الثمن إلاّ بعد الفسخ، أنّ استحقاقها للإرث موقوف على

صفحه 122
فعليّة الفسخ وتحقّقه. ومعنى قوله: و لوعلل بإرثها دار، أنّه لو علل استحقاق الفسخ وجوازه لها باستحقاقها للإرث من الثمن دار، وأنت خبير بأنّ هذا ليس دوراً مصطلحاً، ويصح أن يقال: إرثها من الثمن موقوف على حصول الفسخ ممّن يصحّ عنه الفسخ، وجواز فسخها للبيع أيضاً موقوف على جواز إرثها من الثمن ولا دور، بل يمكن منع المقدّمة الثانية أيضاً. انتهى.
و أمّا الثامن: ففيه أوّلاً: عدم توقّف إرثها للخيار على تعلّق حقّها بالعين ـ كما سمعت ـ فنقول باستحقاقها له في هذا الفرض أيضاً، وإن لم يرجع إليها فائدة، بل ترتّب على فسخها بالآخرة تبدّل ملك الوارث من أرض إلى أرض.
ثانياً: أنّ الإشكال على دعوى عدم القول بالفصل في المسائل المبنية على القواعد والغير المعلوم عدم جواز الفصل بين شقوقها سخيف جدّاً، كما تبيّن في محلّه.
و أمّا ما يحتمل كونه موجباً لعدم إرث الخيار في المبيعة فوجوه أيضاً جملة منها ما مرّ آنفاً بجوابه بأدنى تغيير كالوجه الأوّل بتقريب استصحاب بقاء الأرض، والوجه الثاني، والثالث، والرابع بتقريب أنّ الخيار معناه التسلّط على الاسترداد المستتبع للرد، أو التسلّط على كليهما في عرض واحد، ومن المعلوم أنّها لاتسترد في الفرض شيئاً إلى نفسها، ولا إلى من هي منصوبة من قبله كالأجنبي.
و الثامن بفرض المسألة فيما إذا باع أرضاً بأرض فهذه وجوه خمسة تبيّن الجواب عنها ممّا سلف، مضافاً إلى ما قد يورد على الرابع، من أنّها

صفحه 123
تسترد في المقام على الميّت الذي هي منصوبة من قبله بنصب الشارع، ويزاد على الاحتجاج بهذه الوجوه في المفروض وجه سادس، هو أنّها وإن ملكت الثمن فيه وتعلّق حقّها به إلاّ أنّ الخيار إنّما شرع للإرفاق، ورفع الضرر، ومن المعلوم أنّ فسخها في الفرض ليس بإرفاق لها، بل ضرر عليها، فهو سفه، لا إرفاق، إذ قبل الفسخ كانت مالكة للثمن، وبالفسخ يفوت عنها الثمن والمثمن، ووجه السابع هو أنّ الأصحاب علّلوا كون الخيار موروثاً بأنّه حقّ ماليٌ، ومرادهم بالحق المالي أن يكون ذلك المال ممّا يعود إلى من ينتقل إليه الخيار إذا فسخ بالخيار، ولا ريب في أنّ الزوجة المفروضة لاترث من الأرض أصلاً فسخت أو لم تفسخ.
و الجواب عن الأوّل أنّ الإرفاق حكمة لا علّة يدور الحكم مداره، وإلاّ لانتفى الخيار فيما إذا كان مضرّاً بحال المختار، مضافاً إلى إمكان تصوير الفائدة والنفع لها، بما مرّ نقله عن المحقّق القميّ(قدس سره)فإنّه(قدس سره)أوّلاً منع الملازمة بين الفسخ وحصول المال كما في الأجنبي، قائلاً: إنّ كون وضع أصل الخيار للإرفاق والمصلحة لاينافي طرد عدم المصلحة، إذ الإرث معنى ثبت قسراً، ولا اختيار فيه للمكلّف، والخيار للمورث وإن كان منبعثاً عن داعي الإرفاق ومصلحته، وقد انتقل قسراً بالأدلّة السابقة إلى وارثه، فهو ثابت له سواء نفعه أم لا، فربما كان مال لشخص تقرّ به عينه، ويطيب معه معيشته وهو سم لوارثه، كما لو كان لأحد متسلّط غالب قاهر جارية تسوى ألف دينار وانتقلت إلى وإرث ضعيف عاجز وأرخت الظلمة بعد فوته عنان التغلّب، آذوه بأنواع الأذى، أو كان لمورثه ضيعة يطيب العيش بها، ولايقدر أحد أن يظلمه

صفحه 124
وانتقلت إلى وارثه الضعيف الفقير العاجز عن الانتفاع بها، وكلّ يوم يتعدى عليه أهل الظلم، وأتباع السلطان في أخذ التوجهات الغير المحصورة ولا مشتري لها، ولايمكنّه التخلّص عنها.
لكنّك خبير بإمكان الفرق بأنّ الموروث في هذه الفروض شيء نفيس لو بقي فيه صاحبه على اختياره وعمل فيه بما يقتضيه طبعه وميله لكان فيه فوائد غير محصورة، بخلاف الموروث في المقام، فإنّه لو عملت على طبقه الزوجة باختيارها كان مضرّاً بحالها مفوتّاً للثمن عليها. والأُولى ما ذكرنا أوّلاً وذكر(قدس سره)ثانياً في تصوير النفع لها، أنّه لو فرض أنّ الميّت باع الأرض بثمن بخس لكونها كاسدة حين البيع والآن ارتفعت، وتريد الزوجة أن تتزوج بأخي الميّت، والمفروض أنّ الوارث هو الأخ وهذه الزوجة، فهي باعتقاد أنّ ما كان للزوج فهو لها ولولدها الذي يتولّد منها، فلاريب أنّ المصلحة لها حينئذ قطع النظر عن ذلك الثمن القليل وردّه واسترجاع الأرض، وإن لم ترث منها بنفسها، وتبدل الأحوال في الحكم والمصالح في غاية الكثرة، فقدترى أنّ الذين يقفون ضياعهم وأملاكهم على أولادهم غرضهم غالباً أن لاتخرج من أيديهم، ولا يطمع فيها أحد ويبقى لهم يشتغلون بها، ويتعيشون بها، ويلاحظون مصلحة أولادهم، مع أنّا نرى الأمر بالعكس في الأغلب، فكثيراً ما يعجز الأولاد عن تنسيق أمرها وعمارتها بعد خرابها، ويهلكون من الجوع والعري، ولايقدرون على الانتفاع بها، ولو لم يكن وقفاً لباعوها، وانتفعوا بقيمتها. انتهى.
و الجواب عن الثاني منع كون المراد من الحق المالي ما ذكر، بل كون

صفحه 125
متعلّقه المال سواء رجع المختار أو من هو منصوب من قبله مال بسبب الخيار أو لا، أو يقال: إنّه يعود إلى الميّت حكماً بسبب خيارها وفسخها مال وهي منصوبة من قبلها تريد إعمال حقّها بنصب الشارع، فترثه الورثة، وإذا قلنا بعدم جواز التفريق في الفسخ كان الموجب لرجوع الأرض إلى الورثة هو موافقتها لهم في الفسخ، وإذ قد اتّضح الحال وتبيّن حقّ المقال فيما اشتهر من الأقوال، فلنتكلّم فى تفصيل الفاضل النراقي (قدس سره).
فنقول: إنّه(قدس سره)بعد أن ذكر أنّ الخيار كما كان للمورث ينتقل إلى مجموع الورثة وأنّه ليس ممّا يتحصّص بالحصص وأنّ المورث لم يملك إلاّ فسخ الجميع والمنتقل إليهم إنّما هو حقه، قال: وإذ عرفت أنّ الخيار إنّما هو للجميع دون كلّ واحد، تعلم دخولها ـ يعني: الزوجة ـ في أهل الخيار، إذ لم يثبت من أدلّة الخيار إلاّ الانتقال إلى الجميع الذين منهم الزوجة، فلم يعلم الانتقال إلى من سواها خاصّة.
نعم لو انحصر الوارث فيها فالحق على ما ذكرنا من انحصار الدليل بالإجماع، عدم انتقال الخيار إليها، وأمّا على الاستدلال بالظواهر يجب الحكم بالثبوت، لعدم مخرج لإرث الزوجة من الخيار، ثم أخذ في شرح حكم خيارها بالنسبة إلى المشتراة والمبيعة بما قدّمنا نقله عنه، وهو عجيب منه جدّاً، بل لايكاد تعجّبي ينقضي عنه.
إذ فيه ـ مضافاً إلى أنّ كون الثابت هو الانتقال إلى الجميع دون كلّ واحد، لو استلزم عدم إرثها في صورة الانحصار من الخيار في الأرض لاقتضى عدمه في هذه الصورة في غير الأرض أيضاً، بل جرى هذا الكلام

صفحه 126
بعينه في صورة انحصار الوارث مطلقاً في غير المنصوص إليه، بتقريب إنّ يقال: إنّ الثابت بالإجماع إنّما هو الانتقال إلى الجميع ـ : أنّه لايفهم له معنى محصل أصلاً، فإنّ معنى ما تقدّم منه من الإجماع، أو دلالة دليل آخر على انتقال الخيار إلى جميع الورثة لايراد به قطعاً أنّه يشترط في إرث الخيار تعدّد الورثة حتى ينتقل إلى مجموعهم، أو جميعهم، حتى لو كان واحداً لم ينتقل إليه إرث الخيار بالمرّة، بل المراد منه بعد الفراغ عن أصل الانتقال منفرداً كان الوارث أو متعدّداً بيان كيفيته اذا اتّفق التعدّد، وإن كلاًّ منهم يستحقّ على حدة، أو بضميمة البقية لبيان جواز تفريقهم في إعمال الحق الثابت لهم، أو عدمه ولزوم اجتماعهم فيه، لا أنّه يشترط في أصل ثبوت حقّ الخيار اجتماع الوارث مع وارث غيره، و عدم الانحصار في واحد، فهو(قدس سره)بعد أن سلّم إرث الزوجة للخيار في صورة اجتماعها مع وارث آخر بدليل دالّ عليه كيف يتأتى له إنكاره في صورة الانحصار؟ وكيف يفرّع ذلك على أنّ الثابت من الدليل هو الانتقال إلى الجميع؟ فهل ينبغي تخيّل أنّ الدليل المثبت لإرث الجميع من الخيار تضمّن اشتراط اجتماعها مع وارث آخر؟ أو يحتمل فيه ذلك كلاًّ، والسبيل في المسألة واضح، والدليل على الواقعة بيّن لائح، ومعلوم أنّه الإجماع، أو النص وشيء منهما لايتوهّم فيه ذلك.
في مراد العلاّمة الحلّي من استقراب إرثها من الخيار في المشتراة   
أمّا الإجماع فلأنّه على القاعدة، وأنّ الخيار حق قابل للانتقال، أو على نفس الحكم من إرث الوارث له على حدّ إرثه لسائر ما ترك، منفرداً كان، أو مجتمعاً، وكذلك النصّ.
و دعوى، أنّ القدر المتيقّن من الإجماع، أو منصرف النصّ، إنّما هو في

صفحه 127
غير الأرض مثلاً على تقديرالمساعدة عليها، لا ربط لها بالانحصار، والاجتماع، والتفريع، على أنّ الثابت بالدليل هو الانتقال إلى الجميع.
و بالجملة فصدور مثل هذا الكلام السخيف من مثل هذا العلاّمة الغطريف غريب جدّاً.
و حمله على إرادة أنّ الزوجة مع الانحصار يشاركها الإمام(عليه السلام)، فلايمكن لها الفسخ، لعدم تمكّنها من استعلام رضاه (عليه السلام) بالفسخ، فلا يتمشّى لها الفسخ، بناءً على ما تقرّر عنده من اشتراط الفسخ بتوافق الكلّ فيه، واجتماعهم عليه; ساقط جدّاً، لا لمجرد أن نظره(قدس سره)لو كان إلى هذا الأمر لم يكن فرق بين الاستدلال بالإجماع، أو الظواهر، لعدم إمكان استعلام رضاه (عليه السلام)بالفسخ، على التقديرين، بل لأنّ عبارته صريحة فى التفصيل بين أصل ثبوت الحق لها في صورة الاجتماع وعدمه في صورة الانحصار، لا أنّ الخيار ثابت لها مطلقاً، كما هو مقتضى هذا الحمل والتوجيه وأنّ التفصيل بين إمكان إعمالها لحقهاصورة دون أُخرى، وهل يستفاد من التفصيل الإطلاق؟

تتمة مهمة:

قد عرفت سابقاً: أنّ عبارة قواعد العلاّمة(قدس سره)في هذه المسألة لا تخلو عن إجمال، وأنّه قد اختلفت أنظار الأعلام المتعرضين لشرح كلامه، وتوضيح مرامه.
فعن ولده السعيد، والسيد العميد، وشيخنا الشهيد ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ أنّ مراده استقراب إرثها من الخيار في المشتراة لترث من الثمن،

صفحه 128
وعن المحقّق الثاني، وبعض من لحقه أنّه أراد أنّ الأقرب عدم إرثها منه فيها.
و كان صاحب الجواهر(قدس سره)لم يرجّح أحد الوجهين فنسب إلى العلاّمة الإشكال في إحدى الصورتين من غير تعيين.
و الظاهر عندي ما فهمه الأوّلون فإنّه المفهوم من العبارة من غير تكلّف، واللام ظاهرة في التعليل، لما قرّبه من الإرث يعني أنّها ترث من الخيار ليترتّب عليه الإرث من الثمن، ويمكن أن يكون نظره إلى ما استقرعليه اختيار شيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره)من أنّ الخيار في المشتراة ممّا تعود فائدته إليها، فإنّها تفسخ و تسترد الثمن، فترث منه بخلافه في المبيعة، فإنّها لاتسترد بالفسخ شيئاً إلى نفسها، لا أوّلاً ولا آخراً، بل يفوتها الثمن والمثمن. فلامعنى لخيارها، بل سمعت عن بعضهم الحكم بكونه سفهاً، أو أنّه خلاف الإرفاق الذي شرع الخيار لأجله، وعلى ما رجّحه المحقّق الثاني يخرج اللام عن إفادة الترتّب والتعليل للحكم المذكور في الكلام، بل يصير المترتّب على شيء آخر غير مذكور فيه، فيكون مفاده: أنّها لاترث من الخيار، فتريد الفسخ لترث من الثمن، وهو خلاف ظاهر لام التعليل الظاهرة في الترتّب على الحكم المذكور، لا أنّ المحذور هو مجرد زيادة التقدير، الذي اعترف به، حتى يدفع بما احتمله بعضهم من كون اللام للغاية، فيكون المعنى: أنّ الأقرب عدم الإرث من الخيار الذي غايته إرث الثمن.
و يرد على هذا التوجيه: أنّ من المعلوم أنّ هذا الوصف العنواني، أعني: كون غايته كذا وإن كان ثابتاً محققاً، إلاّ أنّه لا مدخل له في كون عدم إرثها أقرب، لو لم يكن له مدخل في عكسه، كما عرفته من شيخنا الماضى(قدس سره)

صفحه 129
فذكره في مثل هذا الكتاب المبني على غاية الاختصار مع كونه غير نافع في الحكم بل مخلاًّ مضراً، لغو صرف وباطل محض.
و يستفاد من المحقّق الثاني أنّ الباعث على عدم ارتضائه لهذا المعنى الذي رجحناه أُمور:
أحدها: أنّه خلاف ما سيقت العبارة لأجله فإنّ مفادها أنّ الخيار موروث لجميع الوراث إلاّ الزوجة، فإنّها لاترث على إشكال، أقربه ذلك، فيكون إشارة إلى عدم الإرث، وأنّه الأقرب.
ثانيها: أنّ أصل هذا الحكم، أعني: إرثها منه في المشتراة غير مستقيم، فإنّ الأرض انتقلت إلى بقيّة الورثة قطعاً، وفي فسخها إبطال لحق ثابت لغيرها.
ثالثها: أنّه إذا ورثت الخيار في هذه الصورة ورثت في المبيعة بطريق أولى، إذ لو فرض تسلّطها على ردّ ملك غيرها وهو الأرض، ثبت تسلّطها على ردّ ملك نفسها، وهو الثمن بالأولوية، فيكون تقييد العلاّمة(قدس سره)للإرث بقوله: «إذا اشترى»، لغواً.
وفي الجميع نظر، أمّا في الأوّل: فلأنّ استثناء الزوجة وإن كان مفادها عدم الإرث، إلاّ أن جعل اسم الإشارة إشارة إلى صدر العبارة أنسب بما يقتضيه وضعه للبعيد، كما لايخفى.
وأمّا في الثاني: فلما عرفت مفصّلاً من استقامة الحكم، وأنّه مقتضى القاعدة، ومدلول الدليل، وأنّها مسلّطة على فسخ العقد وحلّه المترتب عليه

صفحه 130
رد الأرض إلى مالكها، واسترداد الثمن إليها، ولو بالآخرة، وقد مرّ أنّه على القول بعدم جواز التفريق في الخيار، فالورثة إذا ساعدوها في الفسخ ففي الحقيقة هم الذين أبطلوا حق أنفسهم.
وأمّا في الثالث: فلما عرفت عن منع الأولوية، بل ذهاب جماعة من المحقّقين إلى ثبوت الخيار لها في المشتراة، لترتّب استرداد الثمن عليه، بخلافه في المبيعة، فإنّها لاتسترد شيئاً إلى نفسها، لا ابتداءً ولا بالآخرة.
و قد حان لي أن أختم الكلام في هذا المرام، وقد كان في بالي عقد فصل رابع في تنقيح الفروع المناسبة للمقام ممّا سبقت الإشارة إلى بعضها، وما لم تسبق، وتحقيق الكلام فيها، وفي نظائرها، وختم الرسالة بخاتمة، أتعرّض فيها لقاعدة دائرة في السنة الخاصّة، والعامّة، من أنّ الزائل العائد كالذي لم يزل ، أو كالذي لم يعد، حيث إنّي لم أر في كلام أحد من الفضلاء تنقيحها، وتحقيق فروعها، وكان المناسب تقديم الكلام فيها في بعض المقدّمات السابقة، لكنّي تذكّرتها بعد إتمام بعض الفصول، وجميع المقدّمات، إلاّ أنّه منعني عن كلّ ذلك تراكم الأهوال وتزاحم الاشتغال المكدّرة للبال، على أنّ هذا المقدار أيضاً ممّا غفل عنه الزمان، ونامت عنه عيون الحدثان، وهو عفو الساعة وهدية الوقت، مع ما أنا عليه من خور القناة وضعف الغرمات، وتواتر الزفرات، والاضطلاء بنيران الضغائن والتراة الكامنة في صدور الحسدة الغواة، وعليك بإمعان النظر في هذه المسائل، لتميّز بين الصحيح والباطل، وتعرف القيّم من القول من الجائر المائل، ونسأل اللّه تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، ويمنّ علينا بقبوله بمنّه

صفحه 131
العظيم، وأن يوفقّنا جميعاً لمرضاته، ويدرّ علينا أخلاف نعمه وهباته، ويجعلنا من إخوان الصدق الذين هم على سرر متقابلون، وبالحق عاملون، وإليه مسارعون، وعن داء اللجاج والتعصّب منزهون خالون.
و الحمد للّه على آلائه العظام، والصلاة على رسوله، وأهل بيته المعصومين المصطّفين الكرام، نجز بيُمنى مؤلّفه الخاسرة، فقير عفو ربه في الآخرة، ابن محمد جواد الشيرازي النمازي الميرزا فتح اللّه الشيرازي الأصفهانيّ الغروي موطناً ومدفناً، إن شاء اللّه تعالى في شهر ذي القعدة من شهور السنة التاسعة عشر بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة المقدّسة النبوية على هاجرها آلاف ألف سلام وتحية.

صفحه 132


صفحه 133
    صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة

صيانة الإبانة

عن وصمة الرطانة

لأُستاذ الفقهاء المحقّقين

شيخ الشريعة الاصفهانيّ(قدس سره)
(1266 ـ 1339 هـ)

صفحه 134


صفحه 135
في معنى الخيار   

الحمد للّه رب العالمين، وأفضل صلواته وتسليماته على أشرف خلقه محمد وآله الطاهرين.
و بعد; فإنّ الرسالة الموسومة بـ «إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار بعد الأخذ بالخيار»، التي قد صنّفتها ووضعتها في تحقيق الجواب عن سؤال دفع إليّ من بعض إخواننا في الإيمان، من أهل جيلان قد تشرّفت بالوقوع بيد بعض1 أعاظم العصر، وأعلام الوقت، ممّن كان موافقاً لنا في أصل الحكم و الجواب والمختار، فذكر:
أنّها جليلة المقدار، واضحة المنار، وأنّ الراجح ما رجّحته، والمتعيّن ما عيّنته، و أنّ المزيد عليها لايتيسّر، بل ذلك المقدار ممّا لم يكن يتصوّر، إلاّ أنّه اتجهت في نظره إشكالات عديدة، يسيرة في مواضع نادرة قليلة، ممّا يتعلّق بالفوائد الخارجة عن أصل المقصد،التي استطرفنا بذكرها فيها، فزيّن تلك المواضع بما سنح له من الأنظار، وعلّق عليها مآثر من الإفادات والأفكار، فلمّا وقفت عليها رأيتها على خلاف ما يظن بمثله من الأنظار الصائبة، والأفكار الثاقبة، ولعلّها من جهة النظر إليّ لا إلى مقالتي، أو من سوء حظّي، أو حظّ

1 . هو الفاضل الجليل والحبر النبيل المولى محمدكاظم الخراساني لازال ملاذاً للأقاصي والأداني. (منه(قدس سره)).

صفحه 136
رسالتي، فأحببت أن أُجيل قداح نظرى، وأفوق نبال فكري فيها، وأُعرّف الناظرين ما أراه من الحق الصحيح، وأُبدل سمادهم بالفصيح، وأُبدي لهم الرخوة من الصريح، وأدلّهم على درر اللقم، وأهديهم إلى الصراط الأقوم، وأسلك بهم سواء الطريق، وأسقيهم من كأس التحقيق أطيب رحيق، واللّه تعالى اسأل: أن يلهمني الحق والصواب، ويصونني عن الخطاء والخطل في كلّ باب، إنّه هو الكريم الوهّاب، وها أنا أتعرّض لها في طيّ مقالات، اذكُر فيها ما نبّه عليه بألفاظه، وأردفه بما آراه صواباً، ويصلح عندي أن يكون له جواباً، مراعياً شريطة الإنصاف، متنكباً طريقة الاعتساف، راجياً ممّن وقفت عليه سلوك هذا الطريق، الذي لايضل سالكه ولاتظلم مسالكه، ولقبتها: «صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة» و من اللّه التوفيق وبه الاستعانة.
المقالة الأُولى: قد ذكرت في المقدّمة الثانية من مقدّمات تلك الرسالة أنّ الخيار المستعمل في الأخبار، و كلمات الأخيار، في أبواب العقود باق على معناه اللغوى، وهو الاختيار بين فعل الشيء وتركه، غاية الأمر أنّه مضاف إلى الفسخ عندهم فيراد به الاختيار في فعل الفسخ وتركه، وأنّه في مقابل لزوم العقد وعدم الاختيار في إزالته ونقضه، ونبّهت على فوائد تتعلّق بالمقام ممّا لم أر في كلام أحد من الأعلام، ثم ذكرت في آخرها جواباً عن الإشكال الذي سنح لشيخنا العلاّمة الأنصاري(قدس سره) في ما عرّفه بعضهم من أنّ الخيار: ملك إقرار العقد وإزالته، من أنّه إن أُريد من إقرار العقد إبقاؤه على حاله بترك الفسخ، فذكره مستدرك لأنّ القدرة على الفسخ عين القدرة على تركه، إذ القدرة لاتتعلّق بأحد الطرفين، وإن أُريد به إلزام العقد،جعله غير قابل لأن

صفحه 137
يفسد، ففيه: أنّ مرجعه إلى إسقاط حق الخيار فلايؤخذ في تعريف الخيار إلى آخر ما ذكره، فاجبت عنه بما محصله: اختيار الشق الأوّل، وإن ذكره في التعريف إنّما هو للجري على المعروف المألوف من ذكر طرفي القدرة والاختيار في كلّ شيء يضافان إليه.
و في الحاشية: المشار إليها في الخطبة ما لفظه: التحقيق أن وجه الدفع هو أنّ المراد به الثاني، وإن ذكره في الحدّ، لأجل كونه أحد طرفي الاختيار، وليس مرجع الإقرار إلى إسقاط حقّ الخيار، بل إلى إعماله، فإنّ الظاهر كما يشهد به بعض الأخبار وليس ربما يساعده الاعتبار، أنّ الخيار في الحقيقة إضافة خاصّة من آثاره لو لم يمنع عنه مانع، السلطنة على الإقرار والإمضاء، والفسخ والإزالة، ومن هنا قد انقدح أنّ تعريفه «بملك إقرار العقد وإزالته» رسمٌ لاحدّ، هذا بعض الكلام ممّا يناسب المقام، ومن أراد الاطلاع على حقيقة المرام، فعليه المراجعة إلى ما علقناه على مبحث الخيارات من كتاب شيخنا العلاّمة أعلى اللّه مقامه.
أقول: لا ينبغي أنّ يخفى أنّ الاختيار هو ترجيح القادر أحد طرفي ما يقدر عليه من الفعل والترك حسب ما يراه خيراً لشخصه، وصلاحاً لنفسه، ولذا سمّي اختياراً.
و قد: يفسّر كما في بعض رسائل المحقّق الطوسى(قدس سره)بما فسّرت به القدرة من صحّة الفعل والترك، أو الشرطين المعروفين: أعني: إن شاء فعل، وإن شاء ترك، وأيّاً ما كان، فكلّ من الفعل والترك بمعنى استمراره تحقّق من الفاعل المختار، فهو اختياري له، ووقع باختياره، وكان بإعمال خياره فيه، فإذا

صفحه 138
ترك الإعطاء المقدور، أو الضرب الميسور، كان ذلك بإعمال قدرته واختياره، حيث رأى الترك خيراً لنفسه سواء اشتغل بضدّه، أو بفعل آخر أم لا، ولذا استقرّت آراء المحقّقين على أنّ متعلّق النواهي نفس أن لايفعل، وأنّه مقدور للمكلّف اختياري له، وكان القول بأنّ متعلّقه كف النفس وزجرها، لعدم القدرة على الترك مرميّاً بالسقوط والشذوذ، و إذا نسب الاختيار إلى الفعلين كان بهذا المعنى أيضاً من اختياره في فعل كلّ منهما وتركه.
ثم، من المعلوم أنّ الخيار إذا أُضيف إلى البيع والصلح، أو غيره من العقود، يراد به ما هو قسيم اللازم الفاقد للخيار، فيمتاز البيع الخياري عن غيره بالقدرة على نقضه، وعدمه، لا بالقدرة على التصرّف في المبيع وعدمه، المشترك بين واجد الخيار وفاقده، ولا بالخيار في الالتزام بالعقد ونقضه، إذ لو فرض أنّه ليس بيده إلاّ إزالة العقد وعدمها، كان ذا خيار قطعاً، ولم يصح سلب الخيار بالمعنى المبحوث عنه عند الفقيه عنه جزماً، كما أنّ الالتزام بالعقد وجعله مبرماً بمعنى ترك الفسخ عن اختيار وترجيح له، لكونه خيراً عنده، هو عين الخيار بين الفعل والترك.
و من هنا كان التعريف المشتهر في ألسنة الفقهاء للخيار هو ملك فسخ العقد وإزالته، وجعل مقابلاً للزوم البيع ووجوبه في الأخبار.
فإذا عرفت هذه الجملة فنقول: يتّجه على ما في الحاشية:
أوّلاً: مطالبة التحقيق المقتضي لتعيّن إرادة الشق الثاني، أو قربها، وعدم جواز إرادة الأوّل أو بعدها، حيث لم يتبيّن مستند له، إلاّ ما سيأتي نقله من تعليقه، من احتمال شهادة بعض الأخبار، وعدم استبعاد مساعدة الاعتبار،

صفحه 139
وفي الاستناد إليهما ما ترى، ومن المعلوم أنّ كون مرجع إلزام العقد إلى أعمال الخيار ليس بملزوم ولا لازم ولا بمعيّن ولا مرجّح لأن يراد من التعريف الشق الثاني، إذ الشق الأوّل، أعني: إبقاء العقد على حاله بترك الفسخ حيث رأى ذو الخيار تركه خيراً له، أيضاً إعمال لخياره، كما في جميع التروك الاختيارية، فغاية ما يدّعيه أنّ المتعيّن في تعريف الخيار أن يكون كلا طرفيه المذكورين فيه مصداقاً لإعمال الخيار، وهو حاصل على التقديرين، بل الراجح حسب ما أسلفناه من كون الاختيار دائماً متعلّقاً بالفعل والترك، ومن أنّه لايعتبر في حقيقة الخيار المبحوث عنه، إلاّ القدرة على الإزالة و عدمها، في مقابل اللزوم، لا شيء آخر، هو اختيار ما اخترناه من الشق الأوّل.
وإن كان الغرض مجرد إبطال قول المورد، من رجوع الإلزام إلى الإسقاط، بأنّه راجع إلى الإعمال: فيرد عليه: أنّه على تقدير صحّته و فرض تسليمه لايرتبط بأنّ المراد من التعريف هو الشق الثاني، إلاّ أن يريد: إمكان إرادة الشقّ الثاني برفع الإشكال المختصّ به، ثم تعيينه، أو ترجيحه بما استظهره من بعض الأخبار، أو مساعدة الاعتبار، فيتّجه عليه ما سيأتي، مضافاً إلى ما تبيّن ممّا سلف من أنّ كون الإلزام إعمالاً من جهة لا ينافي كونه إسقاطاً من جهة أُخرى، كما أنّ ترك الفسخ من ذي الخيار إعمال لخياره من جهة، وترك لإعماله من جهة أُخرى.
و ثانياً: أنّ المتعيّن له في مقام دفع الإشكال أن يدّعي رجوع الإقرار إلى ملك الالتزام والتصرّف وشبههما الذي هو مصداق للإعمال بالحمل الشائع، لا أن يدّعي رجوع الإقرار إلى إعمال الخيار، إذ يتّجه على ظاهرما اختاره

صفحه 140
الإشكال المتوجّه أوّلاً، إذ مال التعريف على قوله إلى قولنا: الخيار ملك إعمال الخيار، كما أنّ ماله على الأولى إلى أن الخيار ملك إسقاطه الخيار، لكنّه لم يرد إلاّ ما سبق، وإن كان غير خال عن سوء التحرير.
و ثالثاً: أنّ العقود اللازمة بنفسها التي يدخلها الخيار، لايشكّ في كونها مقتضية للزوم، وأنّ الخيار جهة مانعة عن التأثير الفعلي، فإبرام العقد المقتضي للزوم، وإمضائه، إنّما هو بإبقائه على حاله، وعدم إعمال جهة مخالفة لمقتضاه فيه حسب ما يرى الصلاح في عدم إعمالها، فإن أراد بالإقرار والإمضاء المستند إلى الاعمال، هذا المعنى فهو عين الشق الأوّل الذي اخترناه، ومناف لما رجّحه من الشق الثاني، وإن أراد الإبرام المستند إلى إعمال جهة وجودية كالالتزام والتصرّف فيه، أنّ الالتزام كما يأتي لا يخرج عن أحد أُمور ثلاثة، والتصرّف ليس أحد طرفي الخيار.
و التفصيل أنّ إبرام العقد يحصل بترك الفسخ قطعاً، إذا رأى الخير في تركه فاختار تركه، بل إذا غفل عنه كما إذا تفرّق عن المجلس من غير أن يعلم أنّ له خياراً، أو لم يأخذ بخياره في المدّة المضروبة المعيّنة، غافلاً عن ثبوت الخيار الحق له، أو عن أصل العقد رأساً، وأمّا اعتبار كون التصرّف في بعض الخيارات كاشفاً عن الرضا، فمعناه أيضاً كشفه عن رضاه بترك الفسخ، وعن اختياره أحد طرفي خياره، حتى يكون تركاً اختيارياً، كما في سائر التروك الاختيارية، والتفصيل في محلّه.
ثم إنّ إلزام العقد الواقع المقتضي للّزوم لا معنى له إلاّ إسقاط حقّ الخيار والالتزام به، أو التصرّف والتفرّق وشبههما.

صفحه 141
والأوّل: هو الذي ذكره المورد، ولم يرتضه المحشّي.
و الثاني: لا معنى له، إلاّ إرادة استمرار العقد والرضا ببقائه، وإرادة ترك الفسخ الراجع إلى ما اخترناه، فإنّ الالتزام بالأُمور الواقعة الخارج المقتضية للدوام لا معنى له، إلاّ إرادة عدم نقضها وهدمها، فيكون تركاً للنقض اختياراً.
و أمّا الثالث: فلا معنى لجعله أحد طرفي الخيار، إلاّ باعتبار كونه محقّقاً أو كاشفاً عن الترك الاختياري، وإلاّ فهو مشترك بين واجد الخيار وفاقده، والقدرة على الركوب لايفسر بصحّة الركوب، والنوم و لايذكر في طرفي القدرة والاختيار، إلاّ الفعل والترك، أو الضدان اللّذان لا ثالث لهما، ولو بحسب المتعارف الراجعان إلى الفعل والترك.
و رابعاً: أنّ الاعتبار الذي احتمل مساعدته على إرادة الشق الثاني، هو ما شرحه في تعليقه، قال: ولايبعد أنّ الاعتبار يساعد على أن يكون الشيئان اللّذان لابدّ منهما في متعلّق الخيار يقتضي اختيار صاحبه إلى واحد منهما شاء إبرام العقد والتزامه به وفسخه، لا الفسخ وتركه.
و فيه: ـ مضافاً إلى أنّ مساعدة الاعتبار لو سلّم إجداؤها فاحتمال مساعدته، أو عدم استبعادها ممّا لايجدي قطعاً ـ أنّه إن أراد مساعدة الاعتبار على أن يكون كلا طرفي الاختيار اختيارياً للمختار، ففيه: ـ مع كونه ضرورياً لا معنى لاحتمال مساعدته، كما في المقام، أو عدم استبعادها، كما هناك ـ أنّه قد اتّضح غاية الإيضاح أنّ كلاًّ من الفعل والترك، أي استمرار تحقّق من الفاعل المختار كان اختيارياً له، وكان مستنداً إلى إعمال خياره فيه، وإن أراد مساعدة الاعتبار على أن يكون طرفا الخيار والاختيار وجوديين، ففيه أنّ

صفحه 142
الاعتبار كما عرفت مساعد على خلافه كما أوضحنا القول فيه فلا نعيد.
و خامساً: أنّ الخبر الذي نسب إليه الشهادة في المقام، واحتمالها في التعليقة هو قوله(عليه السلام): «فذلك رضى منه» كما سيأتي تصريحه، وأنت خبير: بأنّ غاية مفاده، أنّ التصرف كاشف عن عدم ندمه على بقائه المال على ملكه ورضاه باستمراره، وأنّه رأى ترك الفسخ خيراً له، وإلاّ فالرضا بأصل العقد قد تحقّق في أوّل الأمر، فهو شاهد على ما رجّحناه، ولايجدي له شيئاً.
هذا على تقدير المساعدة وغمض النظر عن الوجوه المحتملة في الرواية ممّا يؤدي ذكرها، وتحقيق القول فيها وترجيحها إلى الإطناب والإطالة، المورثة للملالة، الخارجة عن وضع الرسالة.
و أمّا: الإحالة على ما علّقه على خيارات شيخنا العلاّمة(قدس سره)فلعمري كنت للوقوف على حقيقة المرام شائقاً، وإلى الاطّلاع على حقيقة تنقيح المقام تائقاً، فراجعته فلم أجد فيه إلاّ ما اتّضح حاله ممّا أسلفناه، ولننقل لك عبارته فيه بعينها، لتكون على بصيرة من الأمر.
قال معلّقاً ـ على قوله (عليه السلام): «ففيه، أنّ مرجعه إلى إسقاط حقّ الخيار» ما لفظه ـ : يمكن أن يقال: إنّ إقرار العقد هو إمضاؤه وإبرامه، وهو ليس بإسقاط حق الخيار، وإن كان سبباً لسقوطه، كما أنّ الفسخ يكون كذلك، حيث إنّه يضمحل به بتبع انحلال موضوعه. وبالجملة فرق واضح بين إسقاطه، وإعماله إبراماً وإنفاذاً، أو فسخاً وحلاًّ وإن كان كلّ من الإبرام والفسخ سبباً لسقوطه وارتفاعه أوّلاً، أو بتبع موضوعه، ولا يبعد أن الاعتبار يساعد على أن يكون الشيئان اللّذان لابدّ منهما في متعلّق الخيار، وحقّه يقتضي اختيار

صفحه 143
صاحبه أيّ واحد منهما شاء إبرام العقد والتزامه به، وفسخه، لا الفسخ وتركه، وربما يشهد به ما في بعض الأخبار، مثل ذلك «رضي منه» كما لايخفى. انتهى.1
و قد اتّضح لك ما عندنا في هذا المقام، وما لنا في هذه العبارة من الكلام، وقد وقفت على مقالة في خيار الشرط متفرّعة على ما رجّحه في المقام، وهي ثمرة هذه الشجرة، استطرف اجتناءها، ونقلها فإنّ شيخنا العلاّمة (قدس سره) ذكر: أنّه لو جعل الخيار لمتعدّد، كان كلّ منهم ذا خيار، فإن اختلفوا في الفسخ والإجازة قدّم الفاسخ، لأنّ مرجع الإجازة إلى إسقاط خيار المجيز، قال في تعليقته: هذا مبني على أن يكون الخيار ملك الفسخ، وأمّا بناء على أن يكون ملك الفسخ والإمضاء، فلا يقدم إلاّ ما تقدّم، ويكون مرجع الإجازة إلى إنفاذ العقد وإمضائه، لا إلى إسقاط خيار المجيز.
لايقال: مرجعه حينئذ ولو كان إلى إنفاذ العقد وإمضائه، إلاّ أنّه من طرفه فيصير لازماً من جانبه، كما إذا لم يكن خيار، أصلاً.
لأنا نقول: إجازة العقد إنّما يكون إمضاء من طرف المجيز فيما كان الخيار للمتعاقدين شرعاً، أو بجعلهما شرطاً، فإنّ الظاهر من إطلاق دليل الخيار، أو شرطه، هو ذلك، بخلاف ما إذا جعل بالشرط للأجنبيين، فإنّ الظاهر هو جعل ولاية فسخ العقد وإمضائه مطلقاً لكلّ منهما.
و بالجملة المتبع في إمضائه مطلقاً، والإمضاء من خصوص طرفه هو الشرط مطلقاً، إلاّ أنّ الظاهر من الإطلاق في ما إذا جعل الخيار للمتعاقدين هو

1 . حاشية المكاسب للمحقّق الخراساني: 77-78.

صفحه 144
اختيار كلّ منهما للفسخ والإمضاء من طرفه، بخلاف ما اذا جعل للأجنبيين، فإنّ الظاهر منه اختيار الفسخ والإمضاء المطلق، فتأمّل.
و لكن من الممكن جعل خلاف ما هو قضية الإطلاق والدلالة عليه فافهم1.
أقول: و لو لم يكن المقام استطرادياً، والتعرّض لهذا الكلام خارجاً عن الغرض المعقود له الرسالة، لأهديت لك في هذا المرام وجوهاً عديدة، من النظر والكلام، وعليك بالتأمّل، فإنّ إفاضاته تعالى لا تختصّ بقوم دون قوم، ولاتنحصر في يوم دون يوم.
في إمكانية تملّك الميت ممّا ترك وامتناعه   

المقالة الثانية:

قد تعرّضنا في المقدّمة الثالثة لمسألة إمكان تملّك الميّت ممّا ترك، وامتناعه، وذكرنا ذهاب جماعة إلى الثاني، محتجّين بأنّ الملك صفة وجودية لاتقوم بالمعدوم، أو أنّه عبارة عن السلطنة على التقلّبات، وهي متعذّرة في حقّ الميّت، ونقلنا خلاف جماعة فيه، وذهابهم إلى إمكانه، وأنّه لا إجماع في المسألة، وحقّقنا القول في أنّ الإجماع على تقدير تحقّقه لايفيد في مثل المسألة، بعدما علمنا استناد المجمعين إلى هذه الوجوه العقلية، والتخريجات الحدسية، بل الحق أنّه إذا احتمل في حق الكل، أو البعض، الاستناد إليها لم يفد شيئاً، بناءً على ما تقرّر عندنا، من أنّ وجه حجّية استكشاف قول المعصوم (عليه السلام) من باب الحدس، وهذا نص عبارتي في تلك

1 . حاشية كتاب المكاسب للخراساني(قدس سره): 96 .

صفحه 145
الرسالة، فلا عبرة به في المسائل الغير التوقيفية المبنية على الوجوه العقلية، والتخريجات الحدسية.
و في الحاشية: و ليكن مراده سلّمه اللّه أنّ المسائل التي ممّا يتطرق إليه العقل ممّا يشكل فيها استكشاف قوله (عليه السلام)من الاتّفاق، وإلاّ كان الحكم بالملكية ممّا له دخل، ربما تحكّم بها، أو بعدمها على خلاف العقل، فلايبعد حصول الاستكشاف من باب الاتّفاق لاحد من الاتفاق، وإنّما لا عبرة به في المسائل الصرفة.
أقول: بعد ذلك التعبير الواضح والنعت الصريح، وذاك الوصف العنواني من قولنا المبنيّة على الوجوه العقلية، هل يبقى إجمال في المراد؟ أو يحتمل أن يراد أنّ مطلق المسائل التي يبحث فيها عن الملكية وعدمها فالإجماع ليس بكاشف فيها؟ ومن الذي أنكر أنّ للشارع تصرّفاً في الحكم بالملكية وعدمها؟ و هل يعقل القول بأنّ الإجماع المحقّق لو قام على أنّ المعاطاة مفيدة للتملّك مثلاً وأنّ المنابذة غير مفيدة لها، لم يعول عليه؟ لأنّ المحمول في المسألة متعلّق بالملكية، فالقول بأنّ الملكية ممّا للشارع دخل فيها ربما يحكم بها، أو بعدمها إثبات لما لم يمنعه أحد، وتنبيه على ما لايحتمل خفاؤه.
ثم: إنّه قد اتّضح بما قدّمناه وجه النظر في الحصر الذي ختم به كلامه، من قوله: «وإنّما لا عبرة به في المسائل العقلية الصرفة»، بل الحق أنّه لا عبرة به في ما لو علم أو احتمل استناد المجمعين كلاًّ أو بعضاً إلى بعض الوجوه الحدسية.

صفحه 146
ثم: إنّا بعد كلام طويل في أدلّة إمكان تملّك الميّت وعدمه قابلنا في تلك المقدّمة دعوى عدم اعتبار العرف للملكية في حقّ الميّت بالمنع، وقلنا: نرى منهم اعتبار ذلك، حيث يحكمون على من غصب ثلثه الذي أوصى بصرفه لنفسه: بأنّ فلاناً يغصب ملك الحي، والميّت، ويأكلّ أموال الأحياء والأموات.
و في الحاشية: لايخفي أنّ هذا يكون إطلاقاً منهم لا حكماً، كيف ويقول هذا القول من لايقول بالملكية للميّت؟
في ملكية الله تعالى وعدم سنخيتها مع ملكية العباد   
أقول: بعد كون الملكية من الاعتبارات العقلائية كما هو المختار عنده في ما يأتي من كلامه، فاعتبارهم في هذه المقامات، إنّما يكشف من تعبيراتهم وإطلاقاتهم إذا لم تكن مبنية على مسامحة أو استعارة، كما هو كذلك في المقام، ولذا لو أنكروا عليهم بعد ذلك الإطلاق، أخذوا يستشهدون على غصب ملك الميّت، بمثل ما يذكرونه في ملك الحي، فلم يبق لهذا الاستدراك ثم المقابلة بين إطلاقهم وحكمهم في كلامه طريفة جدّاً، فإن حَكم العرف بشيء ليس إلاّ إطلاقهم، وحملهم شيئاً على شيء، وتجويز كون إطلاقهم مبنياً على استعارة أو مسامحة قائم في حكمهم أيضاً من غير تفاوت، ومن الذي أخذ في حكم العرف ألاّ يصدر إلاّ عن جدّ وتحقيق وتدقيق، غير مبني على تشبيه، أو مسامحة بل المتعارف في التعبير عن الأُمور المبنية على المسامحة أن يقال: إنّها أحكام عرفية، عقلية، وأمّا صدور القول ممّن لايقول بملك الميّت فليس بعادم النظير، من إثبات الفقيه من حيث إنّه من أهل العرف أمراً ينكره بحسب الدقة العقلية والصناعة العلمية،

صفحه 147
والصواب في غالب الأبواب، هو الحكم الصادر بحسب ما ارتكز في الوجدان في قبال ما تخيّله بما قاده إليه ما زعمه من البرهان، ولقد أجاد صاحب الفصول(قدس سره)حيث قال: إنّ من يجعل تفاصيل فكره تابعة لمجملات وجدانه أقرب إلى الصواب، ممّن يتزاول التفاصيل، ولايلتفت إلى المجملات، أو يجعلها تابعة للتفاصيل.

المقالة الثالثة:

قد ذكرنا في المقدّمة الثالثة أنّ ملك اللّه الذي له ملك السماوات والأرضين وإن كان على نهج آخر لكنّه بمعنى أشدّ وأقوى من ملك العباد، فهو المالك الحق، والسلطان المطلق، الذي يستحيل زوال سلطنته تعالى على الممكنات، وبطلان ملكه لها لاستحالة صيرورة الممكن واجباً، وملك العباد من شؤون تسليطه، وتمليكه، ولذا يجمع معه، وهو محيط بالمالك والمملوك، نافذ أمره فيهما، والأشياء بإرادته، دون أمره مؤتمرة، إلاّ أنّه بكل شيء محيط.
و في الحاشية: لايخفي أنّ ملكيته تعالى ليس من سنخ ملك عباده، كي يكون أشدّ وأقوى، وإنّما كان ملكه بإحاطته على السماوات والأرضين وإضافته الاشراقية إليها، بخلاف ملك غيره، فإنّه عبارة عن خصوص اعتبار منتزع عن منشأ، وسبب خاص، ربما يختلف بحسب الطوائف والأشخاص.
أقول: أمّا ما ذكره: من أنّ ملكه تعالى بإحاطته وإضافته الإشراقية، فهو مذكور في الرسالة بتعبير أمتن وتحرير أرشق وأحسن، وألفاظ فخمة قوية

صفحه 148
متينة، وكلمات عذبة سلسة رصينة، متضمّنة للدليل النقلي من الكتاب و السّنة، والبرهان العقلي، أنّ ملكه تعالى ملك الرّب للمربوب، والإله للمألوه، وأنّ ملكه تعالى ممّا يستحيل زواله، لاستحالة صيرورة الممكن واجباً، فالعدول عن ذلك كلّه إلى التعبير بأنّ ملكه تعالى باضافته الإشراقية التي ترجع بعد التفتيش والتنقير إلى ذلك التحرير، ممّا لم يتّضح سره، إلاّ إيثار بعض الألفاظ المهولة، وأمّا ما ذكره: من أنّ ملكه تعالى ليس من سنخ ملك عباده، كي يكون أشدّ وأقوى، ففيه: أنّه بعد ذلك البيان الواضح المصرّح المبرهن المدّعي، فيه أنّ ملكه تعالى ممّا يمتنع زواله، وأنّ ملك العباد من شؤون تسليطه، وإنّهما يجتمعان، مع أنّ الشديد والضعيف من السواد مثلاً يمتنع اجتماعهما في محلّ واحد، لايبقى احتمال أن يكون ملكه تعالى من سنخ ملك عباده كي يستدرك عليه بما ذكره.
فيبقى مؤاخذته في تعبيرنا، بأنّ الملك فيه أشدّ وأقوى، والجواب عنه :
أوّلاً: أنّه قد برهن المحقّقون على أنّ كلّ ما هو كمال للموجود بما هو موجود من غير تخصّصه بمادة أو مقدار أو غيرهما فهو موجود في الباري تعالى بمعنى أشدّ وأقوى ونحو أتمّ وأعلى، وإنّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات، والملك والقهر و السلطنة من أوضح مصاديق تلك الكلية، والإشارة كافية لأهلها.
في تقريب إمكان تملّك الميّت   
و ثانياً: أنّ تفضيل صفاته تعالى على صفات الممكنات بالأشدّية والأقوائية وسائر صيغ التفضيل لايلازم السنخية، ولذا ورد في الشرع، وحكم الملّيون قاطبة: بأنّه أسمع السامعين، وأبصر الناظرين، مع أنّ السمع منّا

صفحه 149
بالصماخ والآلة، والإبصار بتقليب الحدقة، وهو فينا ضعيف، لاتميد إلى ما بَعُدَ، ولايتغلغل في باطن وإن قرب، بل يتناول الظواهر، ويقصر عن البواطن، وهل يتأمّل أحد في القول بأنّ اللّه تعالى أعلم؟ أو يستدرك بأنّ علمه تعالى ليس من سنخ علمنا الذي هو صفة زائدة تتحقّق بحصول الصورة وانتقاشها؟ أو أنّه إضافة بين العالم والمعلوم، وعلمه تعالى يجلّ عن ذلك كلّه؟ فإن ادّعى مدّع أنّ الأشدّ والأضعف يعتبر اشتراكهما في معنى واحد متّحد بالسنخ دون الأسمع والسامع والأعلم والعالم، لم نقابله إلاّ بالسكوت.
و ثالثاً: أنّه قد ورد في الكتاب الكريم قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً)1 أي قدرة، وقد برهن المحقّقون على أنّ القدرة فينا عين الإمكان والقوة على الفعل والاستعداد والتهيّؤ له، وفي الواجب تعالى عين الفعلية والوجوب، وفي الرجوع إلى تعليقات الشيخ الرئيس وأسفار صدر المتألّهين ما يغني عن الإطالة، وهذا الاستدراك المذكور في كلامه متوجّه على الآية الشريفة بأنّ قوته تعالى وقدرته ليس من سنخ قوة العباد وقدرتهم، كي يكون أشدّ وأقوى، والالتزام بالتجوّز والاستعارة مع فساده، ممّا لا دليل إليه ، ولذا لم يحتمله أحد من المفسّرين.

المقالة الرابعة:

قد ذكرنا في تلك المقدّمة ـ أعني: الثالثة في تقريب إمكان تملّك الميّت ما هذا عين ألفاظه ـ أنّ الملكية سواء كانت من الأُمور الواقعية، أو

1 . فصلت :15.

صفحه 150
الاعتبارات العقلائية، أو أُمور الانتزاعية، إنّما يستكشف أو ينتزع من آثارها، ولوازمها، أو ممّا هو منشأ انتزاعها واعتبارها، وله سلّمه اللّه على هذه العبارة مؤاخذتان في حاشيتين:
إحداهما: ـ على قولي: سواء كانت من الأُمور الواقعية، ما لفظها لا مجال لاحتماله ضرورة ـ أنّه ليس له ما بحذائه في الخارج، ولعلّ توهّمه لاشتباهه بالملك بمعنى الجدة التي هي إحدى المقولات، مع أنّه لا جدة بين المالك والملك في كثير من الأملاك، لعدم جدة هناك أصلاً كملك الأراضي، أو لكونها لغير المالك، كما إذا تعمّم أو تقمّص بمال الغير.
أقول: فيه أوّلاً: أنّ الغرض مع ذكر هذه الأوجه والاحتمالات في المقام وأمثاله التنبيه على تمامية المطلب على جميع التقادير، وعدم توقّف المقصد وابتنائه على إثبات شيء منها، فهو بعد أن اعترف بصحّة المطلب وإمكان اعتبار التملّك للميّت، ولولا أنّ الملك عنده من الاعتبارات العقلائية، لم يكن للتصدي للإشكال على الوجوه الأُخر وجه وجيه، بعد أن لم يكن المطلب مبتنياً عليها.
في كون الملك من الأُمور الواقعية أو الانتزاعية   
وثانياً: أنّ الترديد بين كون الملك من الأُمور الواقعية أو الانتزاعية ليس ببدع أحدثته، ولابحادث تفردّت به، ولا ممّا لم يظفر به هو إلى الآن، ولا أقل أن يكون رآه وظفر به في طي كلام المحقّق الأنصاري(قدس سره)في تحقيق الأحكام الوضعية، وليت شعري كيف لم يستدرك عليه (رحمه الله) بهذه الكلمة، أو رضيّ بعراء تعليقته على كلامه عن هذه الفائدة، قال (قدس سره)في باب الاستصحاب بعد ذكر الملكية والزوجية والطهارة ما لفظه: وحقائقها إمّا أُمور اعتبارية منتزعة من

صفحه 151
الأحكام التكليفية، كما يقال: الملكية كون الشيء بحيث يجوز الانتفاع به وبعوضه، والطهارة كون الشيء بحيث يجوز استعماله في الأكل والشرب والصلاة، نقيض النجاسة، وإمّا أُمور واقعية كشف عنها الشارع، فأسبابها على الأوّل أسباب التكاليف، فتصير سببية تلك الأسباب في العادة كمسبباتها أُموراً انتزاعية، وعلى الثاني تكون أسبابها كنفس المسبّبات أُمور واقعية مكشوفاً عنها ببيان الشارع.1
و ثالثاً: أنّ الملك لو شكّ في كونه جدة أم لا؟ لايشك في كونه إضافة، كما أنّ كون الإضافة من إحدى المقولات التسع ممّا لايستريب فيه محصّل، فلو كان مجرد إدراجه في الجدّة كافياً في كونه أمراً واقعياً، لأن الجدة إحدى المقولات فكونه من الإضافات، وكون الإضافة إحدى المقولات كلاهما أمر واضح، فأي داع يدعو إلى إدراجه في الجدة لإثبات كونه أمراً واقعياً، وإنّما الداعي لمن يدرجه فيها شيءٌ آخر، فيدّعي أنّه عرض ذو إضافة، لو سلم كون الجدة بالمعنى المشهور، أو يكون غرضه تعيين الإضافة، بل ستعرف عن صاحب الأسفار أنّ الجدة بالمعنى المعتبر عند القدماء من مقولة المضاف لا غير، وإنّ مثل كون الفرس لزيد جدة عندهم وإضافة عنده.
و رابعاً: أنّ جمهور المحقّقين من الحكماء والفلاسفة، على أنّ الإضافة كالأُبوة، والبنوّة والفوقية والتحتية من الأُمور الواقعية، والموجودات الخارجية، من غير توقّف على اعتبار معتبر، أو ذهن ذاهن، وإنّما يستند القول بكون الإضافة من الاعتبارات الانتزاعية إلى المتكلّمين، وشاذ من الحكماء،

1 . رسائل العلاّمة الأنصاري: 365.

صفحه 152
وكما أنّ الفوق فوق، والتحت تحت، من غير توقّف على اعتبار معتبر، فكذلك المالك والمملوك، والعبد والمولى، وكون هذا سلطاناً وذاك رعية.
و الشيخ الرئيس في الشفاء بعد أن اختار كون الإضافة من الموجودات الخارجية، ذكر بعض حجج القائلين باعتباريتها، وأطال القول في تزييفها وتسخيفها.1
وأطال صدر المتألهين في حاشيته على إلهيات الشفاء في شرح أدلّة القول بالاعتبارية، وذكر لهم وجوهاً خمسة، وزيّفها بأجمعها، واختار القول: بأنّه من الموجودات الخارجية.2
بل في الشوارق أنّ القول بوجود الإضافة كالفوقيّة والتحتية في الأعيان، هو قول جميع المحقّقين من الحكماء.3
فانظر أيّدك الله إلى أنّ كون الإضافة من الأُمور الواقعية الذي ذهب إليه جمهور الحكماء المحقّقين والفلاسفة الإسلاميين، وفيهم مثل الشيخ الرئيس، وصدر الحكماء المتأخّرين، لايرضى هذا الفاضل بذكره على سبيل الاحتمال، وفي عداد الأوجه، فضلاً عن الأقوال، ولننقل لك شطراً يسيراً، أو نبذاً قليلاً ممّا يتعلّق بالمقام تنكشف به غياهب الظلام، إذ الشرح والتفصيل خارج عن المرام، فنقول:
كلام للشيخ الرئيس في الشفاء   

1 . إلهيات الشفاء: 371 .
2 . تعليقة صدر المتألّهين على الشفاء: 150 .
3 . شوارق الإلهام: 456 .

صفحه 153

كلام للشيخ الرئيس في الشفاء

إنّ الشيخ في الشفاء بعد أن ذكر أقسام الإضافة وأطال الكلام في بعض ما يتعلّق بالمقام، قال: الأشدّ اهتماماً معرفتنا هل الإضافة في نفسها موجودة في أعيان، أوأمر ما متصوّر في العقل؟ فقوم ذهبوا إلى أنّ حقيقة الإضافات إما تحدث في النفس إذا غفلت الأشياء، وقوم قالوا: بل الإضافة شيء موجود في الأعيان، واحتجّوا وقالوا: نحن نعلم أنّ هذا في الوجود أب ذلك في الوجود ابن هذا عُقل أو لم يعقل، ونحن نعلم أنّ النبات يطلب الغذاء، وأنّ الطلب مع إضافة ما، ونحن نعلم: أن السماء في نفسها فوق الأرض والأرض تحتها، أدركت أو لم تدرك، وليست الإضافة إلاّ أمثال هذه الأشياء التي أومأنا إليه، وهي تكون للأشياء، وإن لم تدرك1. ثم نقل حجّة المنكرين لوجود الإضافة في الخارج، وأطال الكلام جدّاً في تزييفها.

كلامان لصدر المتألّهين في حاشية الشفاء

وفي حاشية الشفاء لصدر المتألّهين ـ بعد نقل الحجّة المذكورة من الشيخ من القطع بوجود فوقية السماء وتحتية الأرض في الخارج، كالأُبوّة والبنوّة كان هناك اعتبار أم لا: ـ قال ما لفظه: هذه حجّة القائلين بكون الإضافة من الموجودات الخارجية، وهي حجّة قوية، لايرد عليها شيء.2
ثم ذكر حجج المنكرين لوجودها في الخارج وزيفها بأجمعها، وذكر

1 . إلهيات الشفاء : 371 .
2 . تعليقة صدر المتألهين على الشفاء: 150 .

صفحه 154
قبل ذلك في تحرير النزاع عند قول الشيخ الأشدّ اهتماماً ما لفظه:
كلامان لصدر المتألّهين في حاشية الشفاء   
لمّا كانت الإضافة من الأشياء الضعيفة الوجود، خفيّة الذات، كالهيولى والعدد، والزمان المتصل، والحركة التي بمعنى القطع، وإذا اشتدّ ضعف الوجود وخفائه في شيء يكاد أن يلحقها بالعدم، أنكر كثير من الناس وجود الإضافات في الخارج فعلى الحكيم أن يهتم بالبحث عن وجودها، والخوض في تحقيق أنّ الإضافة هل هي نفسها من الأُمور الموجودة في الأعيان، أو من الأُمور المتصوّرة، التي ظرف تحقّقها وصدقها إنّما هو في الذهن فقط، ككثير من الصفات والأحوال، التي لاتعرض الأشياء إلاّ بعد أن تصير معقولة في الذهن، وتكون القضايا المعقودة بها ذهنيات طبيعيات ليست بخارجيات، محصورة كانت، أو مهملة، أو شخصية، وهي كالكلية، والذاتية، والعرضية، والجنسية، والفصلية، والنوعية، والمحمولية، والموضوعية، وما يجري من كون المعقول أو نقيض قضية أو عكسها، أو كونه صغرى أو كبرى، أو قياساً، أو برهاناً، أو خطابة، أو مغالطة، أو جدلاً، أو غيرها، فإنّ الموجود في الخارج لايتّصف بكونه كليّاً، أو ذاتياً، أو نوعاً، ولا الحيوان بكونه جنساً، ولا الماشي بكونه عرضاً عامّاً أو خاصّة.
فقوم ذهبوا إلى أنّ وجود الإضافات إنّما يحدث في الذهن عند تعقّل الأشياء كالحال في المعقولات الذهنية التي يقال لها المعقولات الثانية، كالنوعية، والكلّية، وأشباهها.
و منهم من فرّقوا بينها وبين المعقولات الثانية، المبحوث عنها في علم الميزان، من الكليّة ونظائرها، فإنّ عروض تلك المعقولات إنّما هو في

صفحه 155
الذهن، بشرط كون المعروضات والموضوعات معقولة حاصلة في الذهن، حتى يكون الوجود الذهني قيداً لموضوعاتها، فإنّ الإنسانية ما لم تحصل في الذهن ولم تكن معقولة، لم توصف بأنّها كلية، أو نوع وكذا شرط كون الحيوان جنساً أن يكون موجوداً بوجود عقلي، وهذا بخلاف الفوقية للسماء، فإنّها وإن كان حصولها في الذهن لكن ليس عروضها للسماء بشرط وجودها العقلي، بل لنفس السماء من حيث كونها في الواقع بحال ينتزع منه الفوقية، فالقضايا المعقودة فيها كقولنا: السماء فوق الأرض، ليست ذهنيات محضة، بل حقيقات. ومن المتأخّرين من جعل تلك القضايا الخارجية مع كون المحمولات غير موجودة عنده، زعماً منه أنّ كون القضية خارجيّة يكفي فيه كون الموضوع موجوداً في الخارج، وكونه بحيث ينتزع العقل منه مفهوم المحمول، ولم يتفطن بأنّ ذلك مستلزم لوجود المحمول، فإنّ كون السماء مثلاً في الخارج بحيث يُعلم منه معنى الفوقية وجود زائد على ماهية السماء، إذ يمكن فرض وجودها لا على هذه الصفة، لكونها بحيث يفهم منه الفوقية هو وجود الفوقية ولا نعني بوجود شيء خارجاً إلاّ صدق حدّه ومفهومه على شيء في الخارج، كما سيصرّح به الشيخ، وقوم ذهبوا إلى أنّ الإضافة من الموجودات الخارجية ولكلٍّ من الطائفتين حجج ودلائل. انتهى.1
و الغرض من نقل العبارة بطولها صراحتها في كون القول بالوجود الخارجي للإضافة قسيماً للقول بكونه من المعقولات الثانية، وللقول بكونها من الاعتبارات الانتزاعية، وفي أنّ القوم في الإضافة بين طائفتين، وإن كان

1 . تعليقة صدر المتألّهين على الشفاء : 149 .

صفحه 156
المنكرون لوجودها في الخارج متشعبين شعباً، واشتمالها على حجّة للوجود الخارجي كما ذكره في ردّ ما نقله عن بعض المتأخّرين.
ثم إنّه عقّب هذا الكلام بما نقلناه عنه سابقاً: من أنّ حجّة القائلين بوجودها في الخارج حجّة قوية، لايرد عليها شيء، ثمّ ذيّل هذا الكلام بنقل حجج المنكرين وتزييفها.

كلام لصاحب الأسفار

و في الأسفار ما لفظه: السقف مثلاً له وجود وصفي إذا عقل عقل معه الإضافة إلى الحائط وكذا السماء لها وجود واحد وضعي، يعقل منه ماهيّة السماء هو جوهر، ويعقل معها معنى آخر خارج عن ماهيتها و هو معنى الفوقية، ومعنى كون الشيء موجوداً: أنّ حدّه ومعناه يصدق على شيء موجود في الخارج صدقاً خارجياً كما هو في القضايا الخارجية كقولنا: الإنسان كاتب أو أبيض فالمضاف بهذا المعنى موجود لصدق قولنا: السماء فوق الأرض، وزيد أبٌ، وهذا بخلاف الأُمور الذهنية كقولنا: الحيوان جنس، والإنسان نوع، فإنّ الجنسية والنوعية وما أشبهها ليست من الأحوال الخارجية التي تثبت للأشياء في الأعيان بل في الأذهان وبهذا يعلم فساد رأي من زعم من الناس: أنّ الإضافة غير موجودة في الأعيان، بل من الاعتبارات الذهنية كالكليّة والجزئية. 1 انتهى.
نقل عن الشوارق   

1 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 216 .

صفحه 157

نقل عن الشوارق

وتبعه في كلّ ذلك ـ من اختار أنّها من الموجودات الخارجية، وتزييف القول بالاعتبارية ـ المحقّق اللاهيجي في الشوارق.1
ثم إنّ تمثيل القوم للإضافة بكون المولى مولى للعبد، وكون العبد عبداً للمولى، والأُبوّة والفوقية والمساواة و المقابلة والقهر والغلبة ونظائرها متكرّر لا حاجة إلى نقله، ولنكتف بهذا المقدار في المضمار، والظاهر أنّه يكتفي به المورد اعتذاراً لذكر احتمال كون الملك من الأُمور الواقعية بين الاحتمالات، وفي عداد الأوجه، إن لم يكتف به في ترجيح هذا الوجه وللقول به.
ثم أقول ويرد عليه خامساً: إنّ ما أورده على القول بكون الملك المبحوث عنه في الفقه من الجدة من تخلفه عنها، ممّا لا أرى له مساغاً، ولا لصدوره عن مثله اعتذاراً، إلاّ الإقناع بالمشتهرات، أو قصر النظر على بعض المتون والمختصرات.
و لابدّ من تنقيح المقام، وتحقيق المرام، ورفع غشاوة الإبهام، عمّا زلّت فيه أقدام، وطغت فيه أقلام، و اشتهر في هذه الأعصار والأعوام.
فنقول: توضيح الإيراد أنّ الجدة عند الحكيم هو الهيئة الحاصلة من إحاطة الشيء بشيء ينتقل المحيط بانتقال المحاط ولذا قيل نظماً:
هيئة ما يحيط بالشيء جدة *** بنقله لنقله مقيّدة
والملك عند الفقيه قد لايكون فيه إحاطة ولا انتقال بانتقال أصلاً كملك

1 . الأسفار الأربعة: 4 / 200 .

صفحه 158
الأراضي، أو أن الإحاطة والانتقال حاصلة لغير المالك، والملك إنّما هو لمالكه الغير المتّصف بالإحاطة، كما إذا تعمّم أو تقمّص بمال الغير، فبين الملك عند الفقيه والملك بمعنى الجدة عند الحكيم عموم من وجه، فتفسير أحدهما بالآخر غلط وما هو إلاّ كتفسير الأبيض بالراكب، أو الضاحك بالعادل.
و توضيح الدفع والتزييف حسب ما سنح لهذا العبد الضعيف: أنّ الذي يظهر بالتأمّل والتروّي في الكلمات أنّ الجدة عند المتقدّمين من الحكماء الذين عدّوها من المقولات لا يعتبر فيها إلاّ أن يكون بحيث يصح أن ينسب إليها بصاحب وذي ومراد فاته وأنّ مثل نسبة القوى للنفس ونسبة الفرس إلى زيد من مقولة الجدة عندهم، ويظهر منهم أنّهم لم يحصلوها حق التحصيل، ولم يبلغهم عن أرسطو وغيره كلام شاف فيها، وأنّ حقيقتها قد خفيت عليهم، ولخفائها عبّروا عنها بعبارات مختلفة، كما نصّ عليه المحقّق الطوسي(قدس سره)1على ما في نسخة شرح العلاّمة(قدس سره)2، والمحكية في شرح اللاهيجي.
ثم إنّ صريح كلام الشيخ في الشفاء، أنّ شرح حقيقة الجّدة يأخذ قيد الإحاطة، والانتقال فيها إنّما هو احتيال أبداه هو على الظاهر لتحصيلها وجعلها جنساً لأنواعها، وإلاّ فالعادّون لها منها ومن الأجناس العالية لم يعتبروها فيها حتى آل الأمر إلى الشيخ على جلالته وعظمته في الفن وكونه

1 . وجه التقييد أنّ هذه العبارة، أعني قوله: لخفائها، ساقطة عن نسخة الشرح القديم للعلاّمة الاصفهانيّ، والشرح الجديد للعلاّمة القوشچي، وإنّما نقلها العلاّمة الحلي(قدس سره)في شرحه وحكاه عنه المحقّق اللاهيجي. (منه رحمه الله).
2 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 216 .

صفحه 159
ترجمان الفلاسفة المتقدّمين ورئيس الحكماء المتأخّرين، قال:
أمّا مقولة الملك فلم احصلّها إلى الآن، قال في قاطيغورياس الشفاء: إنّ مقولة الجدة لم يتفق لي إلى هذه الغاية فهمها، ولا أجد الأُمور التي هي كالأنواع لها أنواعاً لها بل إنّما يقال لها باشتراك اسم أو تشابه، وكما يقال الشيء من الشيء والشيء في الشيء والشيء على الشيء والشيء مع الشيء ولا أعلم سبباً يوجب أن يكون مقولة الجدة جنساً لتلك الجزئيات لايوجب مثله في هذه المذكورات ويشبه أن يكون غيري يعلم ذاك من كتبهم ثم قال: فإن احتيل حتى يقال: إنّ مقولة له يدلّ على نسبة الجسم إلى شامل إيّاه ينتقل بانتقاله كالتقمّص والتسلّح والتنعّل ففيه محال ويزول التشكيك ولكن ليس لهذا المعنى من القدر ما يعد في عداد المقولات.1
و في شرح العلاّمة2 وشرح اللاهيجي3 أنّ المحقّق الطوسى(قدس سره)حصل مقولة الجدة وعرّفها بما اشتهر بين المتأخّرين، وأنت خبير بأنّ ما حصّله هو بعينه الاحتيال المذكور في كلام الشيخ، كما اعترف به في الشوارق، ولذا قال شارح حكمة العين: إنّ هذا المعنى المشهور هو الذي لخّصه الإمام وسائر العلماء من كتب الشيخ.
و بالجملة فقد حصل للجدة من تفسير المتقدّمين ومن الاحتيال الذي صار مختاراً عند المتأخّرين إطلاقان.

1 . منطق الشفاء، فصل المقولات العشر.
2 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 216 .
3 . شوارق الإلهام: 493 .

صفحه 160
كلام لصاحب گوهر مراد وشارح حكمة العين   

كلام لشارح المقاصد

قال شارح المقاصد: ومنها أي ومن المقولات له ويسمّى الملك والجدة، ويفسّره بالنسبة الحاصلة للجسم إلى حاصر له أو لبعضه، فينتقل بانتقاله، كالتقمّص والتختّم، ويكون ذاتياً كنسبة الهرة إلى إهابها، وعرضياً كنسبة الإنسان إلى قميصه، وقد يقال بحسب الاشتراك لنسبة الشيء إلى الشيء، واختصاص له به من جهة استعماله إيّاه، وتصرّفه فيه، ككون القوى للنفس وكون الفرس لزيد.
قال ابن سينا: أمّا أنا فلا أعرف هذه المقولة حق المعرفة، لأنّ قولنا: له كم وكيف، أو له مضاف، كقولنا له ابن، أو له جوهر حاصر، لكلّه كما في له ثوب أو لبعضه كما في له خاتم، أو محصور فيه كما في قولنا: للدن شراب، يقع عليها لفظة له، لا بالتواطئ، لكن بالتشابه والتشكيك، وإن احتيل إلى آخر ما مرّ نقله.

كلام لصاحب الأسفار

و في الأسفار ـ وممّا عدّ في المقولات الجدة والملك ـ : وهو هيئة تحصل بسبب كون جسم في محيط بكلّه، أو بعضه، بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاط مثل التسلّح والتقمّص التعمّم والتختّم والتنعّل، وينقسم إلى طبيعي كحال الحيوان بالنسبة إلى إهابه، وغير طبيعي كالتسلّح والتقمّص، وقد يعبّر عن الملك: بمقولة «له» فمنه طبيعي ككون القوى للنفس، ومنه اعتبار خارجي، ككون الفرس لزيد، ففي الحقيقة الملك يخالف هذا الاصطلاح،

صفحه 161
فإنّ هذا من مقولة المضاف لا غير. انتهى.1

كلام لصاحب گوهرمراد

و قال المحقّق اللاهيجي ـ في كتابه المسمّى بگوهر مراد ما لفظه ـ : وقدماء در مفهوم جده وملك احاطه را شرط ندانند بلكه مالك بودن وصاحب بودن، وبالجمله جائز بودن كه به لفظ ذو نسبت دهند اعتبار كنند، خواه محيط باشد وخواه نه.(2)

كلام لشارح حكمة العين

و في شرح حكمة العين: أنّ تلك الهيئة التي جعلوا الجدة عبارة عنها ثبوتها مشكوك، وإن ثبت فالأشبه أنّها تكون من الكيف، وإذا أتقنت ما تلوناه عليك لم أظنّك مستريباً في أنّ أخذ الانتقال بالانتقال في حقيقة الجدة، أو الإحاطة المخصوصة فيها لم يكن أمراً مسلّماً مفروغاً عنه بين الحكماء، بل لم يكن لهذا القيد بينهم عين ولا أثر، وإنّما هو احتيال أخذ من الشيخ، بل تبيّن: أنّ كون الجدة من المقولات ليس بأمر2 واضح، ولا معتمد على ركن وثيق، وأنّ الشيخ متردّد في كونها ـ من الأجناس العالية، وبعضهم يجعله على تقدير ثبوتها من الكيف، كما في الأسفار «التصريح» بأنّها بالمعنى المنسوب إلى القدماء من مقولة المضاف لا غير، فهي إمّا من مقولة الكيف، أو الإضافة

1 . الأسفار الأربعة: 4 / 223 .   2 . گوهر مراد: 45 .
2 . ولذا غيّر صاحب الأسفار أُسلوب تعبيره وقال: وممّا عدّ في المقولات إلى آخر ما مرّ نقله. (منه رحمه الله) .

صفحه 162
عندهما، والفرق بينها وبين الكيف على ذمّة المورد الذي لايرى الجدة إلاّ المعنى المشهور، كما تبيّن أنّ الملك عند الفقيه هو بعينه الملك، والجدة بالمعنى الذي يعبر عنه بمقولة له، ومثّلوا لها: بكون الفرس لزيد، ومن الواضح البديهي أنّ من يدّعي أنّ الملك عند الفقيه هو الملك بمعنى الجدة، لايريد إلاّ هذا المعنى، وإلاّ فكيف يسلم العاقل الشاعر أخذ قيد الإحاطة والانتقال في حقيقة الجدة، الذي هو احتيال من المتأخّرين، ثم يجعل الملك الفقهي عبارة عنها هكذا ينبغي أن يفهم.
و في الحاشية الثانية: على عبارتنا الماضية التي جعلت الاعتبارات العقلائية فيها قسيماً للأُمور الانتزاعية ما نصّها: لايخفى أنّ الاعتبارات العقلائية هي التي تكون منتزعة ممّا يصح انتزاعها عنه، قبالاً لغير هذه الاعتبارات ممّا لا منشأ لانتزاعها، كذلك فلابد أن تكون أوفى أو الأُمور الانتزاعية بمعنى الواو أو تصحيفاً منه، فلا تغفل.
حقيقة الفسخ هي الردّ والاسترداد وأدلّتها   
أقول: النزاع في الأحكام الوضعية وأنّها مجعولة أو منتزعة ممّا شاع بين الأواخر وذاع، وقرع الأسماع وملأ الأصقاع، ومن جملة ما وقع الكلام في تلك المسألة هو البحث عن حقيقة الملك، وقد عرفت أنّ شيخنا العلاّمة الذي أطال الكلام فيها احتمل أمرين: كونها من الأُمور الواقعية، وكونها منتزعة من الأحكام التكليفية من كون الشيء بحيث يجوز الانتفاع به وبعوضه، فلمعهودية هذا النزاع بين الأُصوليين، والفقهاء صحّ لمن اكتفى بالقول بكون الملك من الأُمور الواقعية الانتزاعية أن يؤيّد كونه منتزعاً من الحكم التكليفي على حدّ ما يدّعي في جملة من الأحكام الوضعية كالسببية

صفحه 163
والشرطية والمانعية.
اذا عرفت ذلك فنقول: مرادنا من تلك العبارة الجامعة المشيرة إلى محتملات الملك، أنّه إمّا أن لايكون منتزعاً من الحكم التكليفي، أو يكون منتزعاً منها، والثاني هو الاحتمال الثالث في تلك العبارة، وعلى الأوّل فهو من الأُمور الواقعية عند من يجعل الإضافة من الموجودات الخارجية، ويكون من الاعتبارات العقلائية عند من ينكر كونها منها، فإنّ اعتبار الملكية حاصل عند من لايتديّن بدين، ولا يتشرّع بشرع، كالدهرية، فيعتبرون الملك من أمر والغصب من آخر، بل قد يقال: باعتبارها عند الأطفال فيما حازوه، بل البهائم، فليت شعري أي موقع للاستدراك على مثل هذا الكلام الساطعة أنواره، الواضحة أعلامه و آثاره، فلا تغفل.

المقالة الخامسة:

قد نقلنا في المقدّمة الرابعة: استدلال بعضهم على أنّ حقيقة الفسخ هي الردّ والاسترداد، لا مجرد حل العقد ونقضه، بأنّ الفسخ الواقع بعد تلف إحدى العينين يوجب الرجوع إلى المثل، أو القيمة على من أتلف، مع أنّه أتلف ماله وملكه، ولا تجري قاعدة اليد، ولا قاعدة الإتلاف، وليس الفسخ موجباً لبطلان العقد من أصله، بل من حينه، فلو كان الفسخ مجرّد الحل لم يكن لضمان المتلف وجه، إذ حلّ العقد يقتضي رجوع العين على تقدير وجودها إلى مالكها، لا ضمان المثل والقيمة، ففي هذا الحكم دلالة على أنّ الفسخ مستلزم للتعاوض، أو أنّ حقيقته الردّ والاسترداد، لا مجرّد الحلّ.

صفحه 164
وأجبت عنه بأنّ الفسخ ليس إلاّ حلّ العقد قطعاً، وأنّه كما أنّ العقد يفيد الربط بين المالين، فالفسخ يزيل ذلك الربط، والمتلف وإن أتلف ماله وملكه، إلاّ أنّ تملّكه لم يكن مجاناً، بل من حيث إنّ لما بيده بدلاً عند صاحبه، فإذا زالت البدلية المقوّمة للملكية بزوال سببها، فيحكم الآن بأنّه أتلف مالاً لم يكن مَلكَهُ، بمعنى أنّه يعامل معاملته.
و بعبارة أُخرى: بعد قيام الدليل على صحّة الفسخ مع التلف فاعتبار كون الفسخ الذي هو حلّ الربط فسخاً عين اعتبار استمرار ربط المالين إلى عينه، وتقدير المالين موجودين مرتبطين، يريد الفاسخ حلّ ربطهِما، ولو قطع النظر عن هذا التقدير، لم يكن الفسخ عند التلف فسخاً، إذ بعد التلف لا ربط ولا مرتبط، حتى يحلّ وينقض، فاقتضاء الفسخ لوجود المال عند المفسوخ عليه زائلاً عنه وصف الملكية، موجب لكونه في عهدته، ولزوم الخروج عنها بدفعه، أو دفع بدله، وهذا هو تحقيق قولي: فيقدّر المال التالف موجوداً بعد الفسخ، فكأنّه أتلف ما لم يكن ملكه، وهو كلام وتحقيق أنيق يحق بالاغتنام ويليق.
و في الحاشية: على قولي: «فيقدّر» ما لفظه، فيه إشكال فإنّه لاموجب له وبدونه لا مجال للتقدير، وإنّما هو في رجوع التالف، أو ما بحكمه إليه بعد الفسخ وحلّ العقد فإنّه إذا لم يكن رجوعه حقيقة لابدّ من تقديره توفيقاً بين صحّة الفسخ مع التلف، وما هو قضية الانفساخ والانحلال، وأمّا ضمان الآخر للتالف بالمثل أو القيمة، فإنّما هو لكونه مضموناً منه ببدله الجعلي في العقد، فلمّا فسخ وانحلّ انتقل ضمانه به إلى ضمانه ببدله الحقيقي كما هو الأصل

صفحه 165
في كلّ موضع بطل المعاوضي بالبدل الجعلي.
نعم لو فرض أنّه لا موجب للضمان إلاّ إتلاف مال الغير وقام الدليل على الضمان فيه كان له أيضاً موجب، و هو التوفيق بين دليل الضمان، وكونه بسبب إتلاف مال الغير، لكنّه ليس كذلك، وضمانه بالمثل أو القيمة إنّما هو لكونه مضموناً عليه بالعوض الجعلي، وبفسخ المعاوضة ينتقل إلى العوض الحقيقي، ولو لم يكن ضمان بسبب إتلاف مال الغير أصلاً.
أقول: لايخفى أنّه بعد غمض النظر عن التفكيك المدّعى في كلامه من أنّ رجوع التالف هو المحتاج إلى التقدير، وأنّ الضمان لايحتاج إلى تقدير، والغض عن مطالبته بالفرق بينهما. نقول: إنّ ما ذكره من أنّ السبب في ضمان المثل والقيمة هو كونه مضموناً بالبدل الجعلي، وأنّه إذا انحلّ انتقل إلى الضمان بالبدل الحقيقي، كما هو الأصل ممّا لا يروي غليلاً ولا يشفي عليلاً، ولايدفع مطالبته المستدلّ بالوجه في الضمان، فإنّه ليس إلاّ دعوى قضية كليّة، من أنّه إذا بطل الضمان بالبدل الجعلي انتقل إلى الضمان بالبدل الحقيقي، والمستدلّ يطالبنا بالدليل على هذه الملازمة ومرامه: أنّ بطلان الضمان بالبدل الجعلي إنّما يوجب الانتقال إلى الحقيقي بأحد الوجهين: إمّا بانكشاف اندراج ما ضمنه تحت قاعدة اليد والإتلاف، كما إذا بطل الضمان الجعلي بانكشاف فساد المعاملة، كما هو المقرّر في قاعدة ما يضمن بصحيحه، وأمّا بأمر آخر هو بمنزلة المعاوضة الجديدة، كما إذا بطل الفسخ بناءً على أنّه مستلزم للتعاوض، ومع انتفاء الوجهين كما في الفسخ عند من يراه مجرداً الحل لايبقى للانتقال إلى الضمان الحقيقي، أمّا عدم جريان اليد والإتلاف

صفحه 166
فمعلوم، لأنّ المفروض أنّه أتلف ماله وملكه ولم يثبت يده على مال غيره، وأما المعاوضة الجديدة فمفروضة العدم عند من يرى الفسخ حلاًّ محضاً.
وبعبارة أُخرى: الشرطية القائلة بأنّه إذا بطل الضمان المعاوضي انتقل إلى الحقيقي، معنى متسالم عليه عند المستدلّ وغيره في الجملة، إلاّ أنّ الكلام في سببه وسرّه، فيراد باستكشافه والاستفهام عنه أن يتبين أنّه لا سبب له إلاّ كون الفسخ مستلزماً للتعاوض، كما يدّعيه المستدلّ، أو أمر آخر، كما ندّعيه نحن، ومجرّد كونه مضموناً بالبدل الجعلي لايفيد شيئاً.
عدم تعقّل المعاوضة ولا الردّ والاسترداد في بعض فروض الفسخ   
ألا ترى أنّ الضمان بالبدل الحقيقي في العقود الفاسدة معلّل عند القوم بقاعدة اليد والإقدام، وقد أتعب المحقّقون بالهم عند تحقيق قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، في توضيح إدراج المقبوض بالعقد الفاسد تحت دليل اليد وجعل قاعدة الإقدام بياناً لعدم المانع من اقتضاء اليد، ولم يكتفوا بمجرّد دعوى أنّ بطلان الضمان المعاوضي مستلزم للانتقال إلى البدل الحقيقي، كما يظهر منه الاكتفاء به; فللمستدل أن يقول: إنّ ما ذكره من أنّ الضمان إنّما هو لكونه مضموناً بالبدل الجعلي فإذا فسخ انتقل إلى الحقيقي مصادرة محضة، وما ذكره من أنّه الأصل في كلّ موضع بطل الضمان المعاوضي; فيه: أنّه إن أُريد أنّه الأصل عند بطلانه من رأس وانكشاف فساد العقد، فهو مسلّم، لكنّه من رجوعه إلى قاعدة اليد و الإتلاف، ولايرتبط بالمقام، وإن أُريد به بطلانه ولو بالفسخ المزيل من حينه; ففيه: أنّه مطالب بمدرك هذا الأصل، وبإقامة الدليل عليه، فهل يجدي إعادة الدعوى في الخصام، وتكرار المدّعى في موضع الإلزام شيئاً، والمرجوّ من الناظرين

صفحه 167
إعمال الإنصاف وترك الاعتساف في إبداء وجه وجيه لاستدراكه على ما ذكرنا و عدوله إلى ما عنه نقلنا .
وبالجملة: ما ذكره المستدلّ إعضال فقهيّ وإشكال علمي، لا ينبغي أن يقابل بمجرد دعوى أنّ المضمون بالبدل الجعلي إذا انحلّ انتقل إلى الضمان بالبدل الحقيقي، وبما ذكرنا يحصل الخلاص ويتضّح المناص.

المقالة السادسة:

قد ذكرت في آخر المقدّمة الخامسة: عدم تعقّل المعاوضة، ولا الردّ والاسترداد في بعض فروض الفسخ، وهو ما إذا باع الولد داره التي تساوي ألف درهم لوالده بمائة درهم، وشرط لنفسه خيار الفسخ مدّة معلومة، وأخذ الثمن، فمات الأب عن دين مستغرِق للألف، فانتقلت الدار إلى الولد، على القول به، فأراد الفسخ تقليلاً لنصيب الديّان، فحينئذ لا معاوضة ولا ردّ ولا استرداد.
و في الحاشية: اللّهم إلاّ أن يقال: إنّه وإن كان واحداً حقيقة، إلاّ أنّه متعدّد حكماً واعتباراً، حيث إنّه بائع واقعاً، ومشتر تنزيلاً له منزلة مورّثه، وهذا كاف في تحقيق المعاوضة والمبادلة.
أقول: الموجب لعدم تعقّل المعاوضة والبيع في الفرض المذكور هو كون المالين لمالك واحد، وعدم إمكان المبادلة بينهما بذهاب كلٌّ مكان الآخر، وقيامه مقامه، فلايعقل تعويض الإنسان وتبديله بعض أمواله ببعضها الآخر، وإن انتقل كلٌّ منها إليه بسبب خاصّ، ومن شخص خاصّ، ووقت

صفحه 168
مخصوص، وليس المانع أنّ المتصدّي للمعاملة شخص واحد، حتى يتكلّف لإصلاحه بالتعدّد الاعتبارى، مضافاً إلى أنّ هذا التعدّد الاعتباري الذي تصوّره وانتزعه من البيع الحقيقي والإرث الذي هو اشتراء تنزيلي، ليس بأولى من التعدّد المنتزع من البيع والاشتراء الحقيقيين في ما لو باع شيئين ثم اشتراهما، فهل يجدي هذامعاوضة أحدهما بالآخر إذا اجتمعا عنده؟
و أمّا البيع السابق الواقع بينه وبين أبيه فالمالان والمالكان فيه متعدّدان حقيقة لا اعتباراً، كما أنّ المالين متّحدان في البيع الثاني بحسب المالك حقيقة، ومتحدّان بحسب الذات حقيقة.
و بالجملة فالمصلح للبيع الأوّل هو التعدّد الحقيقي للمالكين والمملوكين، والتعدّد الاعتباري للحاصل منه ومن الإرث للبائع ليس بمصلح للبيع الثاني بالضرورة، بعد صيرورة العوضين مملوكين له، وما هذا التعدّد الاعتباري إلاّ كاعتبار كونه شارباً للماء، وآكلاً للخبز، ونائماً على السطح، وقاطعاً للبطيخ، إلى ما لايحصى في عدم صلاحه لبيع بعض ماله ببعض، أو كاعتبار كونه مالكاً لثوبه بالشراء، ولفرسه بالصلح، ولإنائه بالهبة، أو أنّه ينتقل إليه هذا من زيد وذاك من عمرو.
هذا كلّه مضافاً إلى وضوح عدم كونه مشترياً بالإرث لا حقيقة ولا حكماً، وكونه بمنزلة أبيه فيما خلفه بعد موته لايجعله بمنزلته في بيعه وعقده وشرطه.
كون الفسخ بيعاً أو معاوضة لا يختلف عن سائر أنواع البيع والمعاوضة إلاّ في العبارة والصيغة   
و قد أشبعنا القول فيما يناسب المقام في أصل الرسالة، وعلى الجملة فهذا خيال سفسطي لا بحث فقهي، فلا تغفل.

صفحه 169

المقالة السابعة:

قد ذكرت في الفصل الأوّل من فصول تلك الرسالة فروعاً كثيرة تتفرّع على كون الفسخ حلاًّ أو بيعاً أو معاوضة مستقلّة، تبلغ أربعة عشر فرعاً من أرادها راجع إليها.
و في الحاشية: لايخفى أنّه يمكن أن يقال: إنّ الفسخ وإن كان معاوضة جديدة أو بيعاً إلاّ أنّ أدلّة الربا والأخذ بالشفعة واعتبار التقابض في المجلس منصرفة عن مثل هذه المعاوضة أو البيع لا أقل من عدم الإطلاق لها، فلا وجه لكثير من هذه التفريعات كما لايخفى.
أقول فيه: أوّلاً: أنّه بعد البناء على كون الفسخ بيعاً أو معاوضة لايكون فرق بينه وبين سائر أنواع البيع والمعاوضة إلاّ في العبارة والصيغة، وكان نسبته إلى باقي أقسام البيع مثلاً كنسبة البيع الواقع بلفظ ملّكت إلى الواقع بلفظ بعت، والمفروض غمض النظر عن بعض الجهات الفارقة بينه وبينها، فالفسخ الفعلي حينئذ من أفراد المعاطاة، والقولي من أقسام الحاصل بالصيغة، ومن المعلوم أنّ دعوى انصراف أدلّة البيع إلى الواقع بلفظ مخصوص مجازفة، والفسخ ليس ممّا يندر وجوده، ولا ممّا ثبت شيوع استعمال لفظ البيع في غيره على تقدير كونه من أفراده، بل يدّعي أنّ البيع في جميع استعمالاته يراد منها الأعم منه على هذا التقدير الباطل، إلاّ ما احتفّ بقرينة.
و الذي يراه من عدم شمول أدلّة البيع له فإنّما هو لوضوح عدم كونه

صفحه 170
من مصاديقه، وإلاّ فبعد البناء على كونه منها فأيّ وجه للانصراف؟ أم أيّ مانع عن الاطلاق المستدّل به في سائر أقسام البيع؟
ثم إنّ معنى جريان الربا في كلّ معاوضة مثلاً يراد به أنّ المقتضي لحرمة الربا هو حقيقة المعاوضة من غير اعتبار كيفية مخصوصة، أو لفظ مخصوص فيها وكذا غيره.
وثانياً: أنّه لو تمّت هذه الغائلة لما اختصّت بفروع هذه المسألة، بل جرت في أغلب أبواب الفقه من الكُرّ إلى العاقلة في كثير من التفاريع الفقهية التي أتعب المحقّقون من علماء الخاصّة والعامّة بالهم تفريعها و تنقيحها، واختلّ ما استقرّت عليه طريقة أئمة الفن، وأساطين الفقه في نظائر المسألة سيّما فيما يتردّد بين أمرين، إذ التردّد بينهما لايمكن إلاّ لاحتواء المسألة على خصوصية موهمة أو موجبة للفرق بينها وبين الأفراد الواضحة.
و إن شئت فلاحظ الفروع المتفرّعة على كون الإبراء إسقاطاً أو تمليكاً، والثمرات المترتّبة على كون الحوالة استيفاءً أو إقراضاً للمحال عليه أو اعتياضاً عمّا كان في ذمّة المحيل بما فى ذمّة المحال عليه، والنتائج المستخرجة من كون ضمان الصداق قبل الدخول ضمان عقد أو ضمان يد.
و الفروع المترتّبة على كون العين المستعارة للرهن عارية أو ضماناً، والثمرات المعروفة ; لأنّ نفقة المطلقة البائن الحامل هل هي للحمل أو للحامل؟ بما يقرب من أربعين فرعاً.
و الفروع المتسالم عليها بين كون الإقالة فسخاً، وما فرّعوه على أنّ

صفحه 171
اليمين المردودة على المدّعي، أو الواجبة بالنكول عليه هل هي كإقرار المدّعي عليه أو كالبيّنة؟ إلى غير ذلك من النظائرلو أخذنا نعدّ شطراً منها لطال بنا الكلام، وخرجنا عن مقتضى المقام، بل صناعة الفقه مبنيّة على أمثال هذه التخاريج والتفاريع، وإنّما يتبيّن مقام الفقهاء وترتيب طبقاتهم وتفاضل درجاتهم من أمثال هذه المواضع.
و لتأسيس القواعد والأُصول واستخراج النتائج والفروع مقام، ولمثل إشكال الانصراف يخطر بكل خاطر ويطرق ذهن كلّ وارد وصادر ويشترك فيه المنتهي والقاصر مقام آخر.
وتلك الفروع المذكورة، والثمرات المسطورة ليتها أُهديت إلى المحقّق السعيد، أو عرضت على العلاّمة والشهيد(قدس اللّه أسرارهم).
قال المحقّق الأنصاري(قدس سره)ـ في الردّ على قصر البول الناقض بما إذا خرج عن المخرج الطبيعي وما يشبهه تمسّكاً بالانصراف ما لفظه ـ : ولو بنى على هذه الانصرافات لاختلّ جل القواعد المبنية على الإطلاقات، بل كلّها، إذ ما من مطلق إلاّ وله منصرف لإنس الذهن ببعض أفرادها، فلاينبغي طرحها، خصوصاً في المقام إعطاء القاعدة، إلاّ إذا كانت بحيث يعلم المتكلّم جواز الاتّكال على ذلك الانصراف في إرادة المقيّد من المطلق، وينسب من عَمِلَ بإطلاقها إلى الغفلة، عن طريق المحاورة، وأنّى لنا بإثبات هذا المقام. انتهى.
و في جواز التعويل على الانصراف مُطلقاً، أو في خصوص ما إذا كان هناك قدر متيقّن في مقام المحاورة، أو عدمه مُطلقاً، أو التفصيل بما أُشير إليه في كلام الشيخ الماضي، من كون العمل بالإطلاق غفلة عن طريق المحاورة

صفحه 172
وعدمه وجوه، خيرها أخيرها، والتفصيل في محلّه.
وثالثاً: أنّ أغلب تلك الفروع ممّا لايبتني صحّتها وجريانها على التمسّك بإطلاق يقابل بالمنع كما في الفرع الثاني، المدّعى فيه سقوط الشفعة إجماعاً، إذا أخذ بها الشفيع في زمن الخيار، وعدم سقوطها بغيره من التصرّفات ولو للاستصحاب، وكما في الفرع السابع إلى الثالث عشر، المدّعى في بعضها عدم تعقّل المعاوضة، وفي بعضها قضاء دين الميّت من الراجع بالفسخ، وعدمه من العائد المعاوضة، وبعضها عدم صحة الفسخ بزيادة ونقيصة، وصحّة المعاوضة بما تراضيا عليه وشبه ذلك.
فقوله: «لا وجه لكثير من هذه التفريعات» لا وجه له إلاّ عدم إتعاب باله في التأمّل فيها.
ثم إنّه سلّمه اللّه علّق تأييداً وتشييداً لما ادّعيته واخترته في المسألة على قولي في ذلك الفصل: فإن كان المقتضي المسلّم اقتضاؤه وصحتهُ ونفوذه موجوداً إلى آخره ما لفظه: والعوض وإن انتقل إلى الوارث إلاّ أنّه لما كان بسبب قابل للزوال بالفسخ والانحلال كان في معرض الانتقال من المورث إلى طرفه في العقد حقيقة أو حكماً، فكان إرثه بموته كذلك.
و علّق على قولي: فيرجع المالان إلى الحالة الأُولى، ويعودان إلى مالكهما حقيقة أو حكماً إلى آخره، ذلك في القول الثاني من الفصل الثاني ما لفظه: لايخفي أنّ رجوع المالين إلى الحالة الأُولى لايكون متفرّعاً على مجرد إزالة ملكيتهما، بل بحلّ سبب حصولها وفسخه، فالأُولى أن يفرّع عليه، فتأمل.

صفحه 173
أقول: من الواضح المتكرّر ذكره في تلك الرسالة جدّاً : أنّ زوال الملكية بالفسخ يترتّب عليه الرجوع المذكور، بل أصل الرسالة من شروعها إلى ختامها مبنيّ على هذا المعنى، فلا حاجة إلى تكراره، وإعادته في كلّ موضع ومقام، ولعلّه لذا أمر بالتأمّل.
و علّق على قولي في القول الثالث من ذلك الفصل: ومدار الفسخ على التقدير كما عرفت في كلام شيخنا الشهيد(قدس سره)إلى آخره، ما لفظه:
لكنّك عرفت أنّه لا موجب لهذا التقدير إلاّ على تقدير مقدّمة غير بيّنة ولا مبيّنة، وقد عرفت ما هو موجب الضمان، فراجع.
أقول: يريد به ما نقلنا عنه في المقالة الخامسة، وأوضحنا لك ما فيه، وحقّقنا القول فيما هو الموجب للتقدير، وفي أنّ ما ذكره موجباً للضمان ممّا لايُجدي ولايدفع مطالبة الخصم بما كان مطالباً به.
و علّق على عبارتي في القول السابع: وثانياً: أنّ كون التوريث حال الموت ليس بمانع، إلى آخر ما نقلنا عنه آنفاً ممّا ذكره في تشييد المدّعى، قال ما لفظه: بعدما كان ما ورثه في معرض الزوال بزوال سببه الموجب لانتقاله إلى مورّثه، وحلّه المقتضي لرجوع عوضه الذي انتقل إليه.
و بهذه الجملة اختتم ما أفاده، ولم يزيّن الباقي من الرسالة بشيء لا هدماً ولا إحكاماً، لكنّك عرفت في أصل الرسالة، أنّ ما ذكرنا في المدّعى يجري في الإقالة أيضاً، ولايختصّ بما إذا كان العقدُ متضمّناً للخيار، وفي معرض الزوال بسببه، ولعلّه أراد ما لاينافي هذا المعنى.

صفحه 174
و بهذا نختم الكلام حامداً لله المنعام، مصلّياً على رسوله وآله الكرام، والمرجو من الناظرين رعاية الانصاف، وترك الاعتساف والإغضاء عن السقطات، والتجاوز عن الفرطات، واللّه تعالى ولي الحسنات.
حرّره بيمناه الداثرة فقير عفو ربه في الآخرة مصنّفه الجاني الفاني فتح اللّه الشيرازي الاصفهانيّ الغروي وفّقه اللّه للعمل بما يزينه، والبعد عمّا يشينه، وأُتي كتابه بيمناه، وجعل آخرته خيراً من أُولاه.
و قد وقع الفراغ من الاستنساخ في غرّة شهر جمادى الثانية 1335 هـ .

صفحه 175

المحاكمة بين علمين

من المعاصرين

تأليف

العلاّمة الحجّة آية الله العظمى

الشيخ عبداللّه المامقاني(قدس سرهم)

(1290 ـ 1351 هـ)


صفحه 176
    المحاكمة بين علمين من المعاصرين


صفحه 177
في عدم إرث الزوجة ممّا قابل الأرض   

الحمد لله المعين والصلاة والسلام على نبيّه الأمين وآله الغرّ الميامين.
و بعد:
فقد سأل بعض أهل جيلان منذ ستة أشهر بعض أعاظم الطائفة المحقّة مدّ ظله1 مسألة هي:
أنّه لو اشترى الميّت قبل موته أراضيَ بشرط خيار الفسخ للبائع عند ردّ الثمن أو مثله بعد حلول أجل معيّن، فمات المشتري قبل الأجل، ثمّ ردّ البائع عند حلول الأجل بعد موت المشتري مثل الثمن، وفسخ البيع، فهل ترث المرأة من ذلك الثمن، أم لا بل يختصّ تمام ذلك الثمن بسائر ورثته؟
فأجاب مدّ ظلّه العالي: بعدم إرثها ممّا قابل الأرض من الثمن المذكور شيئاً.

1 . هو الشيخ المحقّق العماد آية الله في العباد الشيخ الوالد المامقاني مدّ ظله العالي على رؤوس الأقاصي والأداني .(منه (قدس سرهم)).
و هو الشيخ محمد حسن بن الشيخ عبدالله بن محمد باقر بن علي أكبر بن رضا المامقاني. ولد في اليوم الثاني والعشرين من شهر شعبان سنة ألف ومائتين وثمان وثلاثين، وتوفّي في اليوم الثامن عشر من شهر محرّم الحرام سنة ألف وثلاثمائة وثلاث وعشرين من الهجرة الشريفة. وللمصنّف رسالة في ترجمته سماها «مخزن المعاني في ترجمة المحقّق المامقاني» طبعت في النجف سنة 1345هـ في ذيل كتاب «مقباس الهداية في علم الدراية»، وله ترجمة في تنقيح المقال وأعيان الشيعة: 22/ 161ـ 167 وغيرهما.

صفحه 178
و قد كنت يومئذ مشغولاً بتحريركتاب الإرث من كتابنا الكبير الموسوم بـ «منتهى المقاصد» 1 الذي برز منه إلى الآن ستة وأربعون مجلداً، فآل الأمر بي بعد أيام قلائل إلى مسألة حرمان الزوجة من الأراضي، فأدّى نظري إلى البحث عن الفرع المذكور في ذيل تلك المسألة، ففعلت.
و قلت هناك بعد فرض المسألة ما لفظه: وجهان أقواهما عدم استحقاقها من ذلك الثمن شيئاً، لأنّ الأرض قد انتقلت بموت المورّث إلى غير الزوجة من الورثة فإذا فسخ البائع العقد خرجت الأرض من ملك غير الزوجة من الورثة ودخلت في ملك البائع فينبغي أن يخرج الثمن من ملك

1 . وحيث اقتطع المصنّف(قدس سرهم)هذه الرسالة من موسوعته الفقهية: «منتهى مقاصد الأنام في شرح شرائع الإسلام»، التي تعدّ بحق من أكبر الموسوعات الفقهية التي عرفتها الطائفة الجعفرية، كان حريّاً بنا التعرفة بالكتاب مجملاً، ثم بالرسالة ثانياً، تاركين ترجمة المؤلف إلى فرصة أوسع فنقول:
بحث استدلالي عميق ضمن تتبع واسع دار حول كتاب «شرائع الإسلام في أحكام الحلال والحرام» للمحقق الحلّي(قدس سرهم)الذي كان محور الدراسات الفقهية آنذاك. والموجود منه فعلاً ثلاثة وستون مجلداً عدا ما سرق منه، يقول هو(قدس سره): والأسف كلّ الأسف على سرقة بعض من لا مروّة له نيفاً وعشرين جلداً وإتلافه لها وبقاء النسخة ناقصة. تنقيح المقال: 2/208 .
وقد حاول المصنّف تلافي المسروق بتحرير أربعة مجلدات من الصلاة بالاستقلال ويسير من تعليق أوّل الطهارة ويسير من الغصب والحدود، إلاّ أنّه لم يتأت له أن يتمّه، يقول(قدس سره): وذلك لأنّي لانكسار قلبي من تلف ما سرق منّي كلّما أشرع في باب لأكتبه مرّة أُخرى يمنعني هضمي من إتمامه، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. مخزن المعاني: 269.
و قد سطر في مخزن المعانى: 265ـ269 تاريخ بدء كلّ مجلد غالباً وختامه.
و قد كتب هذه الرسالة التي سماها: المسألة الجيلانية في المحاكمة بين علمين من المعاصرين في فرع من فروع عدم إرث الزوجة من الأراضي سنة 1319 هجري، أي وعمر المؤلف 29 سنة
و قد طبعت هذه الرسالة ضمن اثنتي عشرة رسالة سمّيت بالإثنا عشرية سنة 1344 هـ ، ويعاد طبعه على نفقة «دار القرآن الكريم».

صفحه 179
البائع ويدخل في ملك غير الزوجة من الورثة، لأنّ من المقرر المعلوم أن العوض يدخل في ملك من خرج المعوّض عن ملكه، من غير فرق في ذلك بين المعارضة البدوية وبين فسخ المعاوضة، وقد خرجت الأرض من ملك غير الزوجة فيدخل الثمن في ملك غيرها.
فإن قلت: إنّ الفسخ عبارة عن حلّ العقد وفكّه ورفعه، فإذا رفع العقد لزم دخول العوض في ملك المشتري والمعوّض في ملك البائع، لأنّهما المتعاقدان، ففيما نحن فيه يعود الثمن إلى ملك المشتري، وينتقل منه إلى ملك الورثة، ومن البيّن أنّ الزوجة ترث من غير الأراضي.
قلت: إنّ الفسخ فك للعقد من حينه على الأظهر كما حرّرناه في مبحث الخيارات من كتابنا الكبير، وحين فسخ البائع في الفرض لم تكن الأراضي باقية في ملك المشتري حتى ينتقل الثمن بانفساخ العقد إليه، ضرورة إنتقالها إلى الورثة بموت المورّث.
و توهّم عودها إلى ملك المورّث عند الفسخ وعودها منه إلى البائع فيعود الثمن أيضاً إلى البائع لغريب، ضرورة عدم قابلية الميّت للانتقال الجديد.
إلاّ أن يقال: إنّ جزء سبب الانتقال، وهو خيار البائع كان موجوداً قبل موته، فيكون نظير ملك الميّت لنماء ثلثه، فتأمّل كي يظهر لك أنّ مجرّد بقاء علقة ضعيفة لاينفع وملك الميّت لنماء ثلثه على خلاف القاعدة. وبالجملة: فالوارث قائم مقام المورّث، فيكون الفسخ من البائع على الورثة، فينتقل المعوّض منهم إليه، فيلزم انتقال العوض منه إليهم.

صفحه 180
ودعوى كون الفسخ حلاًّ للعقد مع من وقع العقد والانعقاد معه ممنوعةٌ، بل الفسخ حلّ للعقد مع العاقد أو من قام مقامه.
وبعبارة أُخرى: تعلّق حقّ الفسخ بالعاقد إنّما هو باعتبار العين المفسوخ فيها، فإذا فرض خروج العين عن ملك العاقد وانتقالها إلى من يقوم مقامه، لزم انتقال حق الفسخ إلى العين حال كونها بيد القائم مقامه.
و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لو كان الخيار للمشتري ومات البائع قبل حلول أجل الخيار ورثت زوجة البائع من الثمن حصتها، وانتقل إليها بعد الفسخ ما من الأرض بإزاء حصتها من الثمن، ولم تحرم من الأرض حينئذ، لأنّ الزوجة إنّما لاترث الأرض من بعلها، وهنا لم ترث الأرض بل ورثت الثمن، وإنّما انتقل إليها الأرض بسبب الفسخ.
ثم إنّ ذلك كله إنّما هو فيما إذا كان الخيار لغير الميّت.
و أمّا لو كان للميّت المشتري، فإنْ قلنا بعدم إرث الزوجة الخيار المتعلّق بالأراضي فلاترث من الثمن لما مرّ.
أقوال العلماء في المسألة   
و إنْ قلنا بإرثها الخيار المذكور فالأظهر إرثها من الثمن بعد الفسخ في مفروض البحث أيضاً، وفاقاً للعلاّمة في القواعد1، وولده السديد2، وابن أُخته السيد العميد، والمحقّق الثاني3 قدّس اللّه أسرارهم، وغيرهم4.

1 . قواعد الأحكام: 143، لاحظ الحواشي والشروح هناك.
2 . إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد: 1/487.
3 . جامع المقاصد في شرح القواعد: 1/245.
4 . تفصيل المسألة في جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: 23/76ـ77.

صفحه 181
و الفرق بينه وبين سابقه أنّ الزوجة هنا وإن لم ترث من الأرض شيئاً، إلاّ أنّها ورثت السلطنة على التملّك، فملكت أن تملك الفسخ، فإذا فسخت ملكت من الثمن بقدر نصيبها لإرثها، للعلقة المشار إليها.
و قد صرّح بإرثها من الثمن في صورة كون الخيار للميّت في «المستند»، قال ـ في ذيل الكلام على إرث الخيار بعد اختياره انتقال الخيار في معاملة الأرض إلى المرأة مع عدم انحصار الوارث فيها، وعدم الانتقال مع الانحصار، ما نصّه ـ : ثم الورثة في صورة عدم الانحصار بأن كان ذو الخيار المورّث بائعاً، فإن لم تجوّز الزوجة الفسخ ترث حصّتها من الثمن، وإن اختارت الفسخ مع سائر الورثة لم ترث من الأرض ولا من ثمنها، لأنّ بعد الفسخ يستحق المشتري الثمن من مال البائع، إذ انتقاله إليه كان من جهة البيع، وقد انفسخ، وانتقال حصّتها من الثمن إليها قبل الفسخ كان انتقالاً متزلزلاً، هذا إذا كان الشرط مطلقاً، وإن كان مقيّداً برد الثمن فيتبع الحكم ما قرّرته الزوجة أوّلاً، فإن اختارت الفسخ مع ردّ الثمن من مال الميّت ببعض1حصتها من الثمن، وإن اختارته مع ردّه من مال سائر الورثة لم ينقص، وإن كان ذو الخيار مشترياً، فإن اختارت الزوجة الإجازة لم ترث2 من الأرض، وإن اختارت الفسخ ورثت من الثمن.3 انتهى إلى هنا ما حرّرته في الموضع المشار إليه من كتابنا الكبير.

1 . في المستند: تبعض حصتها.
2 . في المستند: لم يرث.
3 . مستند الشيعة في أحكام الشريعة: 2 / 390 .

صفحه 182
ثم لمّا مضى زمان وقعت المسألة بأيدي أجلاّء العصر وفضلائه، فوقعوا من ذلك في أم حبوكرى1، وطال بينهم التشاجر والجدال، إلى أن حرّر بعض الفضلاء الأعلام2 فيها رسالة مفردة في إثبات إرثها من الثمن المذكور مورداً ما حرّره بعض الأعاظم في جواب المسألة، معترضاً عليه فقرة فقرة، ونحن نورد كلّ فقرة مع ما عقبها به من الاعتراض، ونعقبها بما يقتضيه الإنصاف، إن شاء الله تعالى.
فنقول:
اختلاف شيخ الشريعة الأصفهاني مع بعض العلماء في المسألة   
قال المستفتي: رجل اشترى أملاكاً متضمّنة لأراضي وأعيان، وجعل الخيار للبائع مدّة معينة، إذا ردّ فيها الثمن أو مثله كان له الفسخ، فمات المشتري، ثم فسخ البائع، فهل ترث زوجته الدائمة من جميع الثمن المردود أو من خصوص ما قابل الأعيان بناءً على حرمانها من الأرض عيناً وقيمة؟
و قال المحقّق المجيب زاد اللّه تعالى في مجده وعلاه ما نصّه: الذي يظهر من صاحب الجواهر3(قدس سره)، والمحقّق الأنصاري(قدس سره)4، وبعض آخر، إناطة حرمان الزوجة وعدمه على زمان الفسخ، ففي مفروض السؤال ترث من جميع الثمن عندهم.
هذا وقال الفاضل المعترض أدام الباري بقاءه ما نصّه: صريح كلام ثلاثة

1 . أي داهية عظيمة (منه(قدس سره)).
2 . أراد به حضرة حجة الإسلام والمسلمين شيخ الشريعة الاصفهانيّ، وبعض الأعاظم هو حضرة آية الله السيد محمد كاظم اليزدي دام بقاؤهما.(منه(قدس سره)).
3 . جواهر الكلام: 23/74ـ77 .
4 . المكاسب: 290ـ291.

صفحه 183
أُخرى من الأساطين كهذين المعظمين أنّ إرثها من الثمن بأجمعه على تقدير الفسخ من الأُمور المسلّمة المفروغ عنها عندهم1 كحرمانها من أرض الميّت المردودة إذا باعها بخيار ثم فسخه الوارث، منهم: العلاّمة(قدس سره)فى«القواعد»، وولده فخر المحقّقين(قدس سره)، والسيد المحقّق عميد الدين(قدس سره)، والمحقّق الثاني (قدّس الله أسرارهم)، حيث ترى كلّهم في باب إرث الخيار متسالمين على هاتين الملازمتين مدّعين وضوحهما غير مستدلّين عليهما، ولا مستشكلين فيهما بل مرسلين لهما إرسال الواضحات المسلّمات، وإنّما يتنازعون في إرثها من الخيار وعدمه، بل المحقّق الثاني(قدس سره)ـ المعلوم تبحّره في الفقه واضطلاعه في الفن ـ جعل هذه الملازمة الواضحة منشأً لأُولوية الإشكال فيما إذا باع أرضاً.2
وأورد على الشارحين المحقّقين فخر الإسلام وعميد الدين (قدس الله سرّهما) في تفسيرهما لعبارة القواعد معترضاً عليهما بهاتين الملازمتين المسلّمتين عنده وعندهما كما يتّضح تفصيل هذا الإجمال بالمراجعة إلى كلماتهم في هذا المجال، فنسبة الحكم إلى ذينك المعظمين وبعض آخر مجهول والسكوت عن تسمية مَنْ هؤلاء العظماء الذين يبخل الزمان بأمثالهم في كلامه زيد في مجده خالية عن نكتة.
اللهم إلاّ أن تكون إظهار قلّة الذاهب إليه من الأصحاب ليتّسع له مجال

1 . قواعد الأحكام: 390 .
2 . قال في جامع المقاصد: 1/245 ما نصّه: والأقرب من هذا الإشكال عدم إرثها إن كان الميّت قد اشترى أرضاً بخيار فأرادت الفسخ لترث من الثمن، وأمّا إذا باع أرضاً بخيار فإنّ الإشكال في هذه الصورة بحاله، لأنّها... الخ.

صفحه 184
الإشكال والارتياب، وممّن صرّح به الفاضل النراقي في «مستنده»، والمحقّق القمّي (قدس سره)فيما حكي من أجوبة المسألة.1 فهؤلاء ثمانية من أعاظم المحقّقين تراهم على هذا الحكم متّفقين، ولوضوحه مدّعين مع اختلاف مشاربهم وأنظارهم، وغور أفكارهم وتفاوت أطوارهم وتبائن أعصارهم، ولا أظن فقيهاً تكلّم في المسألة إلاّ واختار ما اختاروه، ومع ذلك فالمتّبع الدليل وستسمع هذا.
في نسبة الحكم بالإرث إلى العلاّمة وولده وابن أُخته والمحقّق الثاني والجواب عنها   
و أقول: إنّ نسبة الحكم بالإرث إلى العلاّمة وولده السديد وابن أُخته السيد العميد والمحقّق الثاني (قدس الله أسرارهم) في مفروض البحث لا وجه له، وللمجيب أن يقول: إنّها ناشئة من عدم إمعان النظر في عبائر هؤلاء، فإنّ مفروض كلامهم ما إذا كان الخيار للميّت، ومفروض السؤال ما إذا كان الخيار للطرف الآخر الحيّ والقول بإرثها من الثمن فيما إذا كان الخيار للميّت لايستلزم القول بإرثها منه فيما إذا كان الخيار للطرف الآخر الحيّ، لما عرفت في كلامنا الذي نقلناه عن كتابنا الكبير من إمكان الفرق بينهما وإن الزوجة في صورة كون الخيار للميّت ملكت إن تملّك، وإن شئت أن تعثر على كلماتهم ليكون إذعانك بما قلناه عن بصيرة، نقول:
قال في «القواعد»: الخيار موروث بالحصص، كالمال من أي أنواعه كان، إلاّ الزوجة غير ذات الولد في الأرض على إشكال، أقربه ذلك إن اشترى بخيار لترث من الثمن.2

1 . جامع الشتات: 2/609.
2 . القواعد: 143.

صفحه 185
و قال في الإيضاح في شرحه: منشأ الإشكال من عدم إرثها، فلا يتعلّق بها، فلاترث من خيارها،من أنّ الخيار لا يتوقّف على الملك كالأجنبي، ثم فرّع المصنف(قدس سره)أنّه لو اشترى الموروث بخيار فالأقرب إرثها من الخيار، لأنّ لها حقّاً في الثمن، ويحتمل عدمه، لأنّها لاترث من الثمن إلاّ بعد الفسخ، فلو علّل بإرثها دار،1 والأصح اختيار المصنّف(قدس سره)، لأنّ الشراء يستلزم منعها من

1 . للمصنّف (قدس سره)حاشية لم تعلّم على الكتاب إلاّ أنا أرتأينا أن يكون مكانها هنا بمقتضى السياق والنقض والإبرام، وهي:
فيه: أنّ إرثها للمال متوقّف على فسخها، وفسخها متوقّف على إرثها للخيار، فالموقوف والموقوف عليه متغايران، فلا دور.
فإن قلت: إنّ إرثها للمال متوقّف على فسخها، وفسخها متوقّف على إرثها للخيار، وإرثها للخيار متوقّف على إرثها للمال في صريح كلام الفخر، فيلزم الدور.
قلت: أوّلاً: أنّ إرثها للثمن غير متوقّف على إرثها للخيار، كما أنّ إرثها للخيار غير متوقّف على إرثها للمال، فإنّ الوارث قد يرث الخيار و لايرث المال، كما إذا نقل الميّت أمواله جميعاً وأمضى الوارث، فإنّه لايرث المال ويرث ما كان للميّت من الخيار.
و قد يرث المال ولايرث الخيار كما في الزوجة على قول في بعض الفروض، فإرثها للخيار غير متوقّف على إرثها للمال حتى يتم تصوير الدور.
و ثانياً: على فرض التنزّل أن إرثها للمال بمعنى ملكها للثمن متوقّف على فسخها، وفسخها متوقّف على إرثها للخيار، وإرثها للخيار ليس متوقّفاً على إرثها للمال بمعنى استقرار ملكها للثمن، بل استقرار ملكها للثمن إنّما يكون بعد الفسخ المتأخّر عن إرثها للخيار، فكيف يتوقّف إرثها للخيار عليه؟
و إن أراد بإرثها للمال الذي أوقف عليه المعترض إرث الخيار مجرد استحقاقها لأنّه تملّك ففيه أيضاً منع، لأنّ استحقاقها لأن تملك مع الخيار إنّما يحصلان في آن واحد فلا تأخّر حتى يحصل التوقّف.
فإن قلت: إنّ صريح كلام الفخر تعليل إرثها للخيار بأنّ لها حقاً في الثمن، ومن المعلوم أنّ ذلك يتوقّف على إرثها للخيار، ضرورة أنّها لو لم ترث الخيار لم ترث من الثمن، وقد علل الخيار بذلك.
قلت : توقّف استحقاقها لنصيبها من الثمن على إرثها للخيار غير معلوم، وعدم إرثها من الثمن لو لم ترث الخيار غير ضروري، ضرورة إمكان دعوى أنّها لاترث من الخيار، لكون متعلّقها الأرض، وترث الثمن بعد الفسخ، بناءً على عوده إلى الميّت، فلا تذهل. (منه(قدس سره)).

صفحه 186
شيء ينزّله الشارع منزلة جزء من التركة، و هو الثمن، فقد تعلّق الخيار بما ترث منه.1
وقريب من ذلك ما في حاشية السيد عميد الدين.
وقال في «جامع المقاصد» ـ في شرح عبارة القواعد المزبورة ما نصّه  ـ : فيكون التقدير الخيار موروث لجميع الوراث مقسوم عليهم كالمال، إلاّ الزوجة غير ذات الولد في الأرض فإنّها لاترث من الخيار المتعلّق بها سواء كانت مبيعة أو مشتراة على إشكال ينشأ من أنّه حق خارج عن الأرض فترث منه ومن أنّه من الحقوق المتعلّقة بها فإرثه تابع لإرثها ومع انتقاء التابع ينتفي المتبوع2، والأقرب من هذا الإشكال عدم إرثها إن كان الميّت قد اشترى أرضاً بخيار فأرادت الفسخ لترث من الثمن.
و أمّا إذا باع أرضاً بخيار فإنّ الإشكال في هذه الصورة بحاله ; لأنّها إذا فسخت3 لم ترث شيئاً، وحمل الشارحان العبارة على أنّ الأقرب إرثها إذا اشترى بخيار ; لأنّها حينئذ تفسخ فترث من الثمن بخلاف ما إذا باع بخيار، وهو خلاف الظاهر فإنّ المتبادر إنّ المشار إليه بقوله: «ذلك» هو عدم الإرث الذي سيقت لأجله العبارة4 مع أنّه من حيث الحكم غيرمستقيم أيضاً، فإنّ

1 . إيضاح الفوائد في شرح القواعد: 1/487، بتصرف يسير.
2 . في جامع المقاصد: متبوعه.
3 . في الأصل: إذا فسخت في هذه الصورة.
4 . في المصدر هنا، ففهم إرادة الإرث منها ارتكاب لما لايدل عليه دليل مع أنّه.... . إلخ.

صفحه 187
الأرض حق لباقي الورّاث استحقّوها بالموت فكيف تملك الزوجة1 إبطال استحقاقهم لها وإخراجها عن ملكهم؟
نعم لو قلنا: إنّ الملك يحصل بانقضاء الخيار استقام ذلك،2 وأيضاً فإنّها إذا ورثت في هذه الصورة وجب أن ترث فيما إذا باع الميّت أرضاً بطريق أولى لأنّها ترث حينئذ من الثمن، وأقصى ما يلزم من إرثها من الخيار أن يبطل حقّها من الثمن، وهو أولى من إرثها حق غيرها من الأرض التي اختصّوا بملكها.
ثم قال: والحق أنّ إرثها من الخيار في الأرض المشتراة مستبعد جدّاً.3 و إبطال حق قد ثبت لغيرها يحتاج إلى دليل، نعم قوله: «لترث من الثمن»4 يحتاج إلى تكلّف زيادة تقدير بخلاف ما حملا عليه5.
انظر أيّها الفاضل العرّيف أيّدك الله الخبير اللطيف إلى هذه الكلمات، كيف فرضت المسألة فيما إذا كان الخيار للميّت، بائعاً كان أو مشترياً، فلاتدلّ على إرثها الخيار فيما إذا كان الخيار للطرف الآخر الحيّ، الذي هو مفروض البحث، وأعدل شاهد على ما قلناه إنّهم إنّما ذكروا ذلك في إرث الخيار الذي ينحصر فرضه فيما إذا كان الخيار للميّت.

1 . الزوجة: غير موجودة في المصدر.
2 . في الأصل: أنّ الملك إنّما ينتقل بانقضاء مدة الخيار استقام ذلك.
3 . لاتوجد كلمة جداً في الأصل.
4 . من الثمن على هذا التقدير: كذا في الأصل.
5 . جامع المقاصد: 1/45.

صفحه 188
في انتقال الأرض لبقية الورثة دونها وعوضها الراجع بالفسخ يعود إليهم   
و بالجملة فلم أقف بعد فضل التتبع، مصرّحاً بإرثها من الثمن في مفروض البحث، ولا أظن ممارساً للفقه يفتي به.
وأمّا نسبة ذلك إلى صاحب الجواهر، والشيخ المحقّق الأنصاري، كما صدر من المجيب دام علاه1، وقرّره المعترض على ذلك فلاوجه له، كما لايخفى على من لاحظ كلماتهما في إرث الخيار، وكلام المحقّق الأنصاري(قدس سره)في المسألة الثالثة من مسائل خيار المجلس2.
و ممّا ذكرنا ظهر ما في دعوى المعترض ـ دام بقاه ـ إرسالهم لمفروض البحث إرسال المسلّمات من النظر على أنّه ليس هنا محط بيان إرثها من ثمن الأرض، وإنّما هم هنا بصدد بيان إرثها للخيار.
و ليت شعري كيف يعد مثل ما ذكروه إرسال المسلّم، فللمجيب دام علاه أن يخاطب المعترض دام بقاه ويقول: ما هكذا تورد يا سعد الإبل.
و كذا ظهر ممّا ذكرنا أنّه لاوجه لاعتراضه دام بقاه على المجيب دام علاه ـ بخلو تركه نسبة ذلك إلى من ذكر من نكتة، وليته لم يُسئ الظن به بكون ذلك لإظهار قلة الذاهب إليه من الأصحاب، فإنّ المفتي إذا كان متبحّراً في الفن، مضطلعاً في العلم لايبالي بقلّة الموافق وكثرته.
ثم إنّه قال المجيب دام علاه: إلاّ أنّ الأظهر عندي أنّها لاترث ممّا قابل الأراضي، لأنّها حين الموت لم ترث من الأراضي، بل انتقلت إلى بقية الورثة

1 . كلّما عقبنا الضمير بدام علاه فمرجعه المجيب، وكلما عقبناه بدام بقاؤه فمرجعه المعترض. (منه(قدس سره)).
2 . المكاسب ـ الخيارات ـ : 128.

صفحه 189
قطعاً، والفسخ وإن لم يكن معاوضة جديدة، بل حلّ للعقد، لكنّه يؤثر من حينه، ويوجب انتقال كلّ من الطرفين إلى المالك الفعلي للطرف الآخر، والمفروض أنّ الأراضي كانت لبقية الورثة دونها، فعوضها الراجع بالفسخ يعود إليهم، ولا وجه للعود إلى الميّت، أو صيرورته في حكم ماله، وتجدّد الإرث.
و قال المعترض دام بقاه ـ معلّقاً على قوله دام علاه ـ : «ولكنّه يؤثر من حينه... الخ» ما نصّه دام بقاه: نعم يؤثر من حينه على المشهور المنصور، إلاّ أنّه يكفي في بطلان العقد من حينه وتبديل عنوان تركة الميّت المتضمّنة لخصوصية موجبة لحرمان الزوجة إلى عنوان آخر غير متضمّن لها، ولا كلام لأحد في عدم إرثها قبل الفسخ بعد البناء على الحرمان في أصل المسألة، كما لا كلام لنا في أنّ نماء الأرض لبقية الورثة دونها قبل الفسخ.
هذا ومعلّقاً على قوله دام علاه: «و يوجب انتقال كلّ من الطرفين... الخ» ما نصّه دام بقاه:
فيه: أنّه مصادرة محضة لاينبغي خفاؤها على مثله، وهل النزاع إلاّ في هذه المقدّمة، وأراه لم يأت لها ببيّنة، وسيأتي في كلامه فيأتيك دفعه.
و معلّقاً على قوله دام علاه: «و لا وجه للعود إلى الميّت» ما نصّه دام بقاه: فيه: أنّ وجهه بيّن، وهو صيرورة العقد من حين الفسخ كأن لم يكن، ولم يقع من البائع والميّت شيء بانحلال ما عقده،انتقاض ما أبرماه، فيقتضي العود إلى من له العقد، كما سيأتي الاعتراف منه زيد مجده به، وما اعتذر عنه سيتّضح أنّه غير مسموع.

صفحه 190
هذا وأقول: وأمّا ما ذكره دام بقاه أوّلاً ففيه: أنّه مصادرة محضة، ضرورة أنّ قابلية الفسخ لتبديل عنوان التركة وتجديد ملك الميّت للثمن عين الدعوى، وهل النزاع إلاّ فيها؟!.
و أراه لم يأت لها ببيّنة، وما يأتي في كلامه فسترى أنّه كسراب بقيعة، لأنّه استدلّ على وقوع ذلك في مورد على وقوعه هنا، مع أنّ من المثل السائر أنّ المخالف للقاعدة يقتصّر فيه على مورد الدليل.
و أمّا ما ذكره دام بقاه ثانياً ففيه: أنّه لا بيّنة أقوم ممّا أقامه المجيب، ولا شاهد أعدل منه، والمناقشة فيها بما يأتي في كلامه دام بقاه سيتبين لك ما فيها.
في جهتي العقد: جهة المتعاقدين وجهة العوضين   
و أمّا ما ذكره ثالثاً ففيه: أنّ سببية الفسخ لصيرورة العقد من حين الفسخ كأن لم يكن، ولم يقع من البائع والمشتري شيء بانحلال ما عقداه، وانتقاض ما أبرماه مسلّم، لكنّه لايثبت مطلوبه، وهو عود المال إلى من له العقد في خصوص الفرض، وإنّما يقتضي ذلك فيما إذا لم ينتقل العوضان من المتعاملين إلى ثالث، و أمّا بعد الانتقال فلا، ألا ترى أنّه لو باع المشتري بخيار، أو أعتق العبد، أو وقف الأرض، أو تسرّى بالمملوكة وأولدها لم يوجب الفسخ انحلال البيع الثاني والعتق والوقف والاستيلاد، وإنّما أوجب استحقاق البائع بدل العين المبيعة، فيكشف ذلك عن عدم إيجاب الفسخ عود المبيع إلى البائع والثمن الى المشتري في صورة انتقال المال إلى الغير، وفيما نحن فيه قد انتقلت الأرض إلى غير الزوجة من الورثة، وملكوها بالإرث ملكاً ثابتاً لازماً من طرف المورث، غاية ما هناك أنّ للمشتري علاقة

صفحه 191
في العين، فبالفسخ يستردّ الأرض منهم لا من المورّث، فيدخل الثمن في ملكهم دون ملك المورث.
لايقال: إنّ ما ذكرته من المثال لا ينفعك إن لم يضرك، ضرورة أنّ الفسخ في المثال إنّما يقع مع البائع ويعود الثمن إليه، وهو المطالب ببدل المبيع، فيلزم مثله في المقام، ولو كان خروج العين عن ملك المفسوخ عليه موجباً لعدم عود العوض إليه للزم في المثال مثله، ولايلتزم به أحد.
لأنّا نقول: هذا ذهول عن محطّ نظرنا في الاستشهاد، فإنّ حقيقة المراد أنّ العقد له جهتان: جهة المتعاقدين، وجهة العوضين، فقد يقوم شخص مقام أحد المتعاقدين، وقد تقوم عين مقام أحد العوضين، فكما أنّه إذا قامت عين مقام المبيع مثلاً لم يوجب الفسخ استرداد المبيع بعد خروجه عن ملك المفسوخ عليه، فكذا إذا قام شخص مقام المشتري مثلاً لم يوجب الفسخ رجوع المال إلى ملك المشتري بل إلى ملك من قام مقامه.
و بعبارة أُخرى: كما لايؤثر الفسخ في المبيع الخارج عن ملك المشتري مثلاً، فكذا لايؤثّر المشتري الخارج عن قيد الحياة، بل يكون الفسخ مع من قام مقامه، وهو هنا غير الزوجة من الورثة، فالفسخ يوجب خروج الأرض من ملكهم، ويلزمه عود الثمن إليهم، لأنّ من خرج المعوض عن ملكه يدخل العوض في ملكه، ومادام ملك الحيّ متصوّراً لم يكن لتصوير ملك الميّت وجه، ضرورة أنّ الميّت غير قابل لإنْ يملك حقيقة، وإنّما التزموا من باب ضيق الخناق في موارد عديدة بالملك الحكمي على خلاف القاعدة، فلا يصار إلى مثل ذلك في المقام من غير دليل ظاهر، بل

صفحه 192
ظهور الدليل على خلافه.
ثم إنّه قال المجيب دام علاه: وبعبارة أُخرى: حلّ العقد يوجب تبدّل ملك الورثة إلى ملك آخر، لا بطلان الإرث وتجدّده.
و قال المعترض دام بقاه: بل المتعيّن أن يقال: وبعبارة أُخرى: أنّ الفسخ الذي هو حلّ ما عقده الميّت يوجب تبدّل عنوان تركته إلى عنوان آخر، فهو قبل الفسخ قد ترك أرضاً وبعده قد ترك نقداً، وحرمان الزوجة إنّما هو لوجود المانع في التركة، فإذا ارتفع المانع ارتفع الممنوع، وملاحظة العود إلى حكم مال الميّت توطئة لتعيين موروثهم ليس ببطلان للإرث، ولا بإرث مجدّد، ولو أبى الآبي إلاّ من القول بأنّه بطلان للإرث فلا مضايقة في هذا التعبير لو شاء أن يسمّي تبدّل الموروث بطلاناً للإرث، فإنّه بطلان من حيثية واستمرار وتبديل من حيثية أُخرى.
في قول: «حرمان الزوجة لوجود المانع في التركة» ومناقشته   
هذا وأقول: لعمر الحبيب اللبيب أنّ هذا الكلام من هذا الفاضل العماد لغريب، ضرورة أنّ الميّت إنّما يترك ماله بموته، ولايعقل تركه بعد الموت بزمان شيئاً من دون علقة له في ذلك أصلاً، فما معنى أنّه قد ترك قبل الفسخ أرضاً، وبعده قد ترك نقداً.
و ليت شعرى، هل تجوّز فيما إذا ترك الميّت دنانير فانتقلت إلى الوارث واشترى به في اليوم الثاني متاعاً، ثم باع المتاع في اليوم الثالث بكتاب، وهكذا إلى آخر عمره، أن تقول: إنّ الميّت ترك حين الموت دنانير، وفي اليوم الثاني متاعاً، وفي اليوم الثالث كتاباً، وهكذا؟ حاشا وكلا لايتفوّه به أقلّ الطلبة، فضلاً عن العالم النبيه.

صفحه 193
نعم لو كان لميّت علقة بأن كان الخيار له أمكن دعوى تركه قبل الفسخ أرضاً وبعده نقداً.
و أمّا قوله دام بقاه: وحرمان الزوجة إنّما هو لوجود المانع في التركة، فإذا ارتفع المانع ارتفع الممنوع.
ففيه: أنّ ارتفاع المانع إنّما يوجب ارتفاع الممنوع مع بقاء المقتضي لابعد زواله، والمقتضي للإرث إنّما هو الوارثية1 عند موت المورث لا بعده، ولذا ترى أنّ زوال كفر الوارث أو رقيّته بعد موت المورّث لايوجب إرثهم وتراهم يصرحون بكون إرث الذي أسلم قبل القسمة على خلاف القاعدة للنصوص الخاصّة التعبدية، فلاحظ مظانّه وتدبّر.
و أمّا قوله دام بقاه: إنّ ملاحظة العود إلى حكم مال الميّت توطئة لتعيين مورّثهم ليس ببطلان للإرث و لا بإرث مجدّد.
ففيه: أنّ البقاء على حكم مال الميّت على خلاف القاعدة، فلايلتزم به إلاّ لضرورة، ولا ضرورة هنا إليه، بل الدليل يسوق إلى خلافه كما عرفت.
ثم إنّه قال المجيب دام علاه: والسر في المطلب أنّ الوارث بمنزلة نفس الميّت، فكأنّه اشترى لنفسه في حياته ولوارثه بعد ممّاته، فكأنّ الوارث بقاء نفس الميّت، فكما أنّه لو فسخه في حياته لم يكن إلاّ تبدّل ماله، فكذلك وارثه الذي كأنّه هو يبدل ماله، لا أنّه يفسخ نيابة عن الميّت لو كان الخيار للبائع ثم يعود إليه، و هذا هو الوجه في عدم كون الانتقال إلى الوارث بمنزلة

1 . أراد بالوارثية الجمع لمقتضى الإرث مع عدم الموانع كالقرابة مع عدم الكفر والرق ونحوهما. (منه(قدس سره)).

صفحه 194
التلف، بحيث يرجع الفاسخ إلى مثله أو قيمته، كما هو الحال فيما إذا باع غير ذي الخيار، فإنّه يعد تلفاً وبعد الفسخ لايستردّ العين.
في كون الوارث هو نفس الميت تنزيلاً   
هذا وقال المعترض دام بقاه: ما عدّه سر المطلب فهو وان نادى به قبله المنادي وأسمعه الحاضر والبادي، وأطال زيد مجده تقريبه وتوضيحه إلاّ أنّه بعد تسليمه ممّا لاينفعه لو لم يضره، ولايهدم ما قالوه لو لم يشيّده.
فإنّ تملّك الورثة وارثهم وفسخهم إذا لم يكن من حيث إنّهم هم، بل بلحاظ كونهم نفس الميّت لم يوجب ذلك كون العقد عقدهم والفعل فعلهم والمال مالهم حين العقد والاشتراء وأفعالهم، فأين الدليل على مثل هذا التنزيل بهذا التفصيل الطويل.
فاذا كان مقتضى الفسخ رجوع المال إلى من له العقد فكيف يحكم برجوعه إليهم ابتداءً بهذا البيان المنهدم البنيان مضافاً إلى أنّه إذا كان الإرث بلحاظ كونهم نفس الميّت كلّ ذلك مؤكّد للحاظ رجوع المال إلى حكم مال الميّت، وتبدّل عنوان تركته، فكما قلنا: إنّه يصدق قبل الفسخ أنّه ترك أرضاً، وبعده ترك نقداً، فكذلك يصدق عليه بحسب ما أوضحه أنّه كان يملك أرضاً في زمان كذا ويملك نقداً في زمان كذا، وحرمان الزوجة التي هي نفس الميّت تنزيلاً وعدم حرمانها عبارة عن عدم انتفاع الميّت ببعض ماله في زمان لخصوصية مانعة فيه، وانتفاعه به في زمان آخر، وانتقال المال إلى الورثة بالإرث وإن صحّ أنّه لا يعدّ تلفاً لكنّه ممّا يؤيد أنّ الملحوظ في الأحكام حال نفس الميّت، وإنّ المال حال كونه عند الورثة كأنّه عند الميّت.
و بالجملة: فكما أنّ الورثة حال تملّكهم الأرض إنّما يلاحظ كونهم

صفحه 195
درجة نازلة للميّت يتلقّون الملك عنه، فكذلك حال تبدّل أرض الميّت بحلّ ما عقده، وانتقاله إلى درجاته النازلة المتلقية منه، فالجمع بين لحاظ كونهم نفس الميّت تنزيلاً ولحاظ عدم تبدّل عنوان تركة الميّت وعدم العود إلى حكم ماله، جمع بين لحاظين متناقضين.
و ببيان أوضح ينكشف به عدم إجداء ما أتعب نفسه في توضيحه: إنّ لنا في هذا المفروض على ما ذكرناه، ميّتاً تحقيقاً وميّتاً تنزيلاً، والفسخ عبارة عن حلّ العقد الصادر من الميّت التحقيقي، وليس بمعاوضة جديدة، كما اعترف به، وبعد الفسخ عود المال إلى الميّت، أو صيرورته في حكم ماله ممكن بل واقع عنده كما في بعض الفروض الآتية في آخر كلامه.
فإذا انحل العقد باعترافه وأمكن عود المال إلى الميّت تحقيقاً باعترافه أيضاً، وكان مقتضي الفسخ العود إلى الحالة الأُولى من حين الفسخ، فمجرد كون الميّت التنزيلي موجوداً كيّف يعقل أن يكون مانعاً من ذلك العود، وكذا دفعه الأرض التي كانت مال الميّت التحقيقي، وكانت حال كونها عند الوارث كأنّه عند الميّت، وحال انتقاله إليه كأنّه لم ينتقل، فهل مثله يعقل أن يكون مانعاً من ملاحظة العود إلى نفس الميّت؟
و بالجملة ما أطال في توضيحه في كون الوارث هو نفس الميّت تنزيلاً لايعقل له وجه مزاحمة لتأثير الفسخ أثره الحقيقي، فكن على بصيرة من الأمر.
هذا وأقول: بما أوضحناه آنفاً ظهر سقوط ما ذكره من اقتضاء الفسخ رجوع المال إلى من له العقد، كما ظهر كون بنيان بيانه أولى بالانهدام من بيان

صفحه 196
المجيب، وكأنّ في كلام المجيب مقدمة، وهي كون دخول المال في ملك الميّت وكونه بحكم ماله على خلاف القاعدة، طواها لوضوحها.
و ظهر أيضاً سقوط ما ذكره من ترك الميّت الأرض مرّة والنقد أُخرى.
وظهر أيضاً سقوط ما ذكره من وقوع البقاء على حكم مال الميّت في جملة من الفروض، فإنّ النزاع ليس في الإمكان حتى يستشهد بالوقوع في عدّة موارد على الإمكان، وإنّما الكلام في أنّه هل هناك دليل ملجئ إلى الالتزام بالبقاء على حكم الميّت المخالف للقاعدة أم لا؟ وقد عرفت عدمه، بل قيام الدليل الواضح على خلافه.
في عدم منافاة صدق تلف العين لاعتبار العود إلى حكم مال الميت   
و أمّا قوله ـ دام بقاه في آخر كلامه المذكور ـ : «وبالجملة ما أطال في توضيحه من كون... الخ».
ففيه: أنّ جهة المزاحمة ظاهرة، وهي أنّه بعد قيامه مقام الميّت وكونه نفسه يلزم عود المال إلى ملكه دون المنوب عنه.
ثم قال المجيب دام علاه: فلكون الوارث بمنزلة نفس الميّت لم يكن الانتقال إليه محقّقاً، لصدق تلف العين، فكأنّ الميّت حي ومالك، لم ينتقل عنه والعقد الذي عقده الميّت فهو لوارثه أيضاً بحسب الاستمرار، فعقده لنفسه التحقيقي ونفسه التنزيلي، فلايقال: إنّ الفسخ يقتضي العود إلى من له العقد وهو نفس الميّت لا الوارث.
هذا وقال المعترض دام بقاه: قد عرفت أنّ عدم صدق تلف العين ممّا لاينافي اعتبار العود إلى حكم مال الميّت، بل يؤكّده وأنّ المال حال الانتقال

صفحه 197
إليهم كأنّه لم ينتقل وبعد هو في يد الميّت وتصرّفه.
و بعبارة أُخرى: تنزيل شيء منزلة شيء بعد تسليم قيام الدليل على التنزيل لايوجب استقلال المنزل في الحكم، وسقوط المنزل عليه مع وجوده وإمكان اعتباره عن درجة اللحاظ والاعتبار جدّاً، ولعلّه ممّا لايخفى.
و أقول: قد بان سقوط ذلك ممّا مرّ، فإنّ مجرّد عدم منافاة صدق تلف العين لاعتبار العود إلى حكم مال الميّت، لايثبت مطلوبه بعد عدم الدليل المجيء إلى ذلك كما هو الفرض، ثُمَّ إنّه علق المعترض دام بقاه على قول المجيب دام علاه في عبارته المذكورة: إذ قد عرفت أنّ الوارث أيضاً ممّن له العقد.
قوله دام بقاه: صريح كلامه زيد مجده أنّه يسلم هذا المعنى من أنّ مقتضى الفسخ العود إلى من له العقد، إلاّ أنّه يدّعي أنّ الورثة أيضاً ممّن لهم العقد لأنّهم بمنزلة نفس الميّت، وقد أوضحنا أنّ هذا التنزيل لو لم يوجب ترتّب مقتضى العقد عليه تحقيقاً فليس بمانع عنه، ولا منافاة بين هذا التنزيل وبين تأثير الفسخ أثره حقيقة قطعاً، فما الذي أوجب رفع اليد عن حقيقة مقتضى الفسخ إلى ما هو بمنزلته.
و أقول: لو كان مراد المجيب ما استفاده من كلامه لم يكن ليتجه ما ذكره علينا، لما مرّ توضيحه فلا نعيد، بل التأمّل فيما مرّ منّا يظهر لك عدم توجّهه على كلام المجيب أيضاً.
ثم إنّه قال المجيب دام علاه: ودعوى أنّ ملكية بقية الورثة متزلزلة لا

صفحه 198
مستقرّة فعود العوض إليهم غير لازم; مدفوعة، بأنّ التزلزل يقتضي تبدّله بالعوض لا العود إلى المالك الأوّل، وما يستدلّ به من إيفاء ديون الميّت وإنفاذ وصاياه من هذا المال المردود فيدلّ على عوده إلى مال الميّت، أو صيرورته بحكم ماله.
في السيرة المدّعاة وممنوعيتها على مدّعيها   
ففيه: أنّ ذلك ليس من جهة انتقاله إلى الميّت بسبب الفسخ، بل ذلك لتعلّق حق الديّان، والموصى لهم بالعوض الذي دفعه الوارث للفسخ، ولذا لو لم يخلّف مالاً، يتعلّق به الدين والوصية كما لو باع شيئاً بخيار الشرط وأتلف الثمن ولم يخلّف شيئاً، فردّ الورثة مثل الثمن من صلب مالهم وفسخوا لم يصرف المردود في الدّين ولم تنفذ وصاياه منه كما ادّعى السيرة عليه الشيخ المحقّق الأنصاري(قدس سره)، ولو اقتضى الفسخ العود إلى الميّت، أو صيرورته في حكم ماله لوجب صرفه في الدّين في الفرض.
هذا وقال المعترض دام بقاه: فيه أوّلاً: أنّ عدم الرجوع إلى حكم مال الميّت في هذه الصورة ليس أمراً مسلّماً يستشهد به على شيء، والشيخ المحقّق الأنصاري(قدس سره)الذي نقل عنه دعوى السيرة ذكر في هذه المسألة وجهين، وجعل أوّلهما الرجوع إلى حكم مال الميّت، وتعلّق حق الديان به، وعدّ ذلك مقتضى الفسخ، وإن استظهر بعد ذلك غيره على تأمل يلوح منه، قائلاً آخر الأمر: إنّ المسألة تحتاج إلى تنقيح زائد، فكأنّه كلام منه(قدس سره)في بادئ النظر قبل تنقيح البحث.
و ثانياً: أنّ السيرة المدّعاة ممنوعة على مدّعيها كائناً من كان، ومتى كانت هذه القضية شائعة في الأدوار، و هذه المسألة واقعة في جميع

صفحه 199
الأعصار؟ ومن الذي أحرز عمل المسلمين المتدينين وعدم إلزامهم والتزامهم بإخراج الديون وإنفاذ الوصايا من هذا المال المردود؟ ولعمر الحبيب: أنّ دعوى السيرة في مثل هذا المقام من هذا الخرّيت الحاذق لعجيب.
و ثالثاً: أنّه على تقدير التسليم فالفارق أنّ للورثة في المقام اعتبارين: اعتبار أنّهم نفس الميّت تنزيلاً، و لهذا يفسخون ولهم حق الفسخ، واعتبار أنّهم ذو مال جديد غير مرتبط بالميّت يدفع عوضاً عن المبيع، فكأنّ الميّت يعاوض ماله السابق بمال غير مرتبط به في اللاحق، لا لكون الفسخ معاوضة جديدة، بل لأنّه منزّل منزلة الميّت على حسب تنزيل المال المختصّ بالورثة منزلة ماله في جواز جعله بدلاً عن المبيع، وكونه ردّاً لمثل الثمن، ولهذا لايجوز لغيرهم دفع المال بدلاً عن الثمن ثم الفسخ.
ثم إنّه يلزمه أنّه لو دفع بعض الورثة من ماله وفسخ العقد بناءً على تقدّم الفاسخ اختصّ المبيع بالفاسخ، ولا أرى أنّه يلتزم به أوّلاً.
وأقول: إنّ اعتراضه الثاني فى محلّه، وأمّا اعتراضه الأوّل فمن لاحظ كلام الشيخ المحقّق الأنصاري (قدس سره) بانت له صراحته في دعوى السيرة، وما حكاه عن ذيل كلامه لايفيد تردّده بعد فتواه بقوله: «الأظهر... إلخ» كما لايخفي، وكيف كان فلا يذهب عليك أنّ التشبّث بالسيرة من المجيب دام علاه أشبه شيء بدعوى المعترض في صدر كلامه مسلّمية إرثها في فرض البحث كما عرفت.
و أمّا اعتراضه الثالث فيمكن دفعه بأنّ غرض المجيب لعلّه التفرقة بين

صفحه 200
ما إذا كان للميّت ومن قام مقامه علقة، وبين ما إذا لم تكن، وإنّ الالتزام بالبقاء على حكم مال الميّت فيما يوفّى منه ديونه ووصاياه إنّما هو لوجود علقة للميّت هناك، وحينئذ فلا يتجّه عليه ما ذكره المعترض.
ثم إنّه قال المجيب دام علاه: نعم لو صالح ماله بلاعوض، وكان له الخيار فورثة الميّت لو فسخ اقتضى العود إلى الميّت أوّلاً، ثم الإرث أو الصرف في الدين فإن الوارث لم يرث شيئاً في مقابله حتى يعود عوضه إليه بالفسخ.
في الفرق بين الصلح بلا عوض والصلح بعوض بغير خيار   
و قال المعترض دام بقاه: هذا ممّا يساعدنا وفيه تصريح بإمكان عود المال إلى الميّت، أو صيرورته في حكم ماله ووقوعه. ولا يضرّنا حتى نتكلم عليه إلاّ أنّ الوجه فيه ليس إلاّ ما ذكرناه من عدم إرث الوارث في مقابله شيئاً، بل الوجه هو اقتضاء الفسخ.
و أقول: فيه ما عرفت من عدم كون الكلام في الإمكان، بل في وجود الداعى الملجئ، إلى الالتزام به، ثم إنّه قال المجيب دام علاه: وكذا لو صالح ماله بعوض وأتلفه، ففي هذه الصورة أيضاً يعود بالفسخ إلى نفس الميّت، وكأنّ الإرث حين الفسخ فلو كان أرضاً لم ترث منه الزوجة لأنّها لم ترث من عوضه.
هذا وقال المعترض دام بقاه: هذا كلام غريب واستدراك عجيب ومناقضة بيّنة حيث إنّه بعد إصراره البليغ على عدم الرجوع إلى حكم مال الميّت فيما لو صالح بعوض وفسخ الوارث ودفع العوض من مال الميّت كما هو المفروض في أصل المسألة، وبعد جزمه أيضاً بعدم الرجوع إلى الميّت

صفحه 201
فيما لو باع وأتلف الثمن ودفع الورثة العوض من مالهم، وحكمه (زيد مجده) بعدم الصرف في الدّين ونقله دعوى السيرة عليه لايبقى موقع لهذا الفرع جداً، إذ بعدما أتلف العوض، فإمّا أن يدفع الوارث العوض من مال آخر من أموال الميّت فيرجع المبيع المردود إليهم عنده على ما ذكره وأوضحه، وإمّا أن يدفعوا من مالهم فيرجع إليهم أيضاً على ما جزم به ونقل عليه دعوى السيرة، فأين الموقع لهذا الفرع الذي حكموا فيه بالعود إلى نفس الميّت؟ وهل هو إلاّ مناقضة واضحة في أسطر قليلة؟
و أقول: هذا من المعترض في غاية الغرابة، لوضوح الفرق بين الفرضين اللّذين أثبت بينهما المناقضة، فإنّ في صورة الصلح بلاعوض ينتقل إلى الورثة الخيار الذي بسببه ملكوا أن يملكوا فبعد الفسخ لا داعي إلى عود المال إلى الميّت بخلاف ما إذا صالح بعوض بغير خيار وأتلف العوض، فإنّه لاينتقل حينئذ إلى الورثة شيء حتى تجري قاعدة دخول العوض في ملك من خرج المعوّض من ملكه فلا ملجأ إلاّ الالتزام بالعود إلى الميّت، فلا تذهل.
ثم إنّه قال الميجب دام علاه أيضاً: ولو عقد عقداً لازماً، ثم أقال الوارث بناءً على جوازه في حقّه، كما يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره)نقلاً عن العلاّمة(قدس سره)أيضاً1، فيبعد: بناء القول بالانتقال إلى الميّت بالإقالة، أو صيرورته في حكم ماله.

1 . جواهر الكلام: 23 / 64.

صفحه 202
هذا وقال المعترض دام بقاه: لا وجه لبعده، على أنّ الاستبعاد ممّا لايصلح حجّة لأحد.
و أقول: الوجه في بعده ما مر من مخالفة الانتقال إلى الميّت، أو صيرورته في حكم ماله للقاعدة، والاستبعاد إن لم يصلح دليلاً، فلا أقلّ من صلاحيته للتأييد.

فوائد

خاتمة فيها فوائد   
الأُولى: أنّه يطلب الكلام في انتقال الخيار إلى الوارث، وإلى خصوص الزوجة والمحاكمة بين شرّاح القواعد، والكلام في كون الفسخ مؤثّراً من حينه من خيارات كتابنا الكبير، والكلام فيما يحرم منه الزوجة من كتاب الإرث منه.
الثانية: إني قد شاهدت جواباً فارسياً لبعض من لم أفهم اسمه موافق للمعترض المذكور، قد أرعد وأبرق وترنّم وغرّد وشنّع على مَن خالفه، وحسب أنّه أتى بحجّة بديعة، مع أنّه كسراب بقيعة، وزعم أنّه أتى بما يغني عن تكلّف النظر والثبوت، مع أنّه أوهن من بيت العنكبوت، أجرى اللّه تعالى قلم العفو على ما صدر منه ومنا بحقِّ من حقّه عليه عظيم.
الثالثة: أنّي إنّما لم أُبيّن اسمي في أوّل الرسالة ولا آخرها لما رأيت من إيراثه عدم تأمّل أعلام العصر في كلماتي لما استقرّ عليه رأيهم، وجرت عليه عادتهم من النظر إلى القائل دون المقول، وكأنّه عنّ لهم عن طريق الأوائل عدول، واللّه خير معوّل ومأمول، وأجلّ من يضر منه الرد وينفع منه القبول.

صفحه 203
و قد حرّرت هذه الرسالة يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر شوال سنة(1319) مع كمال الاستعجال، وكثرة العوائق والاشتغال، المورثة لتشتت الفكر والخيال، والتمس من الناظرين فيها أن يتركوا التعصّب، وأن يبيّنوا ما خطر ببالهم في كلماتي من النظر حتى أذكر دفعه على حسب الوسع والطاقة.
و الحمد للّه أوّلاً وآخراً والصلاة على أشرف الرسل وآله خير آل.

صفحه 204


صفحه 205

   إرث الزوجة

إرث الزوجة

تأليف

آية الله العظمى

الشيخ لطف اللّه الصافي الگلپايگاني


صفحه 206


صفحه 207
مقدّمة المؤلّف   

الحمد للّه رب العالمين وارث السماوات والأرضين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا أبي القاسم محمد وآله الطاهرين.
و بعد: فإنّ علم الفرائض والمواريث1 من أهم العلوم الشرعية التي لا يقوم المجتمع الإسلامي إلاّ على بحثها ودراستها، والعمل بنظامها وقد تجلّت في هذا العلم روح العدل الإسلامي، وسماحة شريعة القرآن، وعنايتها بما لم يكن مورداً للاعتناء قبل ظهور هذا الدين الحنيف.2

1 . عرف بعضهم هذا العلم بأنّه علم بقواعد وجزئيات تعرف بها كيفية صرف تركة الميّت إلى الوارث.
و موضوعه الوارث والتركة، لأنّه يبحث فيه عمّا يعرض التركة والوارث.
و وجه الحاجة إليه الوصول إلى إيصال كلّ وارث قدر استحقاقه، وغايته الاقتدار على ذلك.
2 . من الأُمور المعلومة عند الباحثين في فلسفة أحكام الشريعة أنّ قانون التوريث الإسلامي قد منع عن تكديس الأموال في أيد قليلة، ومنع عن ظهور مفاسد نظام الطبقات، وتجمع الثروة فوزّعها تحت رعاية أحكام الإرث بين ورثة الميّت من الذكور والإناث، ولم يجعلها ملكاً للولد الأكبر بعكس ما قضى به قانون الإرث في بعض الممالك المدّعية بالتمدّن والتقدّم فجعلها للولد الأكبر وجعل الثروة مكدّسة في يد واحد من الورثة.
و ضرر هذا القانون من جعل الأموال وادّخارها عند آحاد من الناس وإثارة المنافرة بين الغني والفقير، والوارث الذي يملك جميع التركة، والوارث المحروم، غني عن التوضيح والبيان.
فالشريعة الإسلامية هي التي جاءت بأحكام وقواعد في الفرائض والمواريث تعالج مشاكل اقتصادية واجتماعية. كما قد عالجت سائر المشكلات الاقتصادية ودفعت أسباب المنافرات بأساليبها الصحيحة الكاملة، وما تعرض على البشرية من النظام الديني و الأخلاقي والاقتصادي، والاجتماعي، ولكن المسلمين تركوا هذه الأساليب المحكمة الشرعية فصاروا في بلادهم أذلاّء.
و قانون الإرث في الإسلام هو القانون الذي منح النساء نصيبهن من الميراث بعدما كان العرب، وغيرهم قد منعوهن ذلك فكانوا يورثون الرجال دون النساء.
فراجع كتب التفاسير وأسباب النزول وآيات الأحكام مثل مجمع البيان، وأسباب النزول للواحدي وكنز العرفان وما خرجوه في شأن نزول قوله تعالى في سورة النساء.
(لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَ الأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَ الأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا)(النساء: 7).
و قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) الآية (النساء: 11) ، حتى تعرف مبلغ رعاية الإسلام من هذه الناحية لحقوق المرأة.
و قد شهد على ذلك بعض المشاهير من علماء أُروبا في كتابه (حضارة العرب) قال: ومبادئ المواريث التي نصّ عليها القرآن على جانب عظيم من العدل والإنصاف.... والشريعة الإسلامية منحت الزوجات ـ اللواتي ـ يزعم أنّ المسلمين لايعاشرونهن بالمعروف، حقوقاً في المواريث لاتجد مثلها في قوانيننا.
وإن كان الأولى أن يقول: منحت النساء ـ لأنّ الإسلام منح النساء من الزوجات وغيرهنّ حقوقاً في المواريث، وغيرها لايجد هذا الرجل مثلها في قوانين أهل ملّته ونحلته.
و أمّا الاختلاف في قدر نصيب الرجل والمرأة في بعض الموارد كالبنت والابن، حيث قدّر للذكر مثل حظ الانثيين، وكالزوج والزوجة فليس فيه احتقار للمرأة، وبخس حقّها ; ولأنّ الولد يرث ضعف الأُنثى لأنّه الولد والذكر، والأُنثى ترث نصف ما يرث الذكر لأنّها الأُنثى.
بل إنّما جعل نصيب الرجل أكثر لكثرة حوائجه الاقتصادية، ونفقاته المالية ولما أَلقى عليه الإسلام من النفقات كنفقة الزوجة والأولاد أو يُلقي عليه العرف والعادة كتجهيز من قرب زواجها، وإعطاء صداق زوجة الولد وغيرها.
و أمّا المرأة فليس عليها هذه النفقات، ولاتدفع المهر عند الزواج بل تأخذه بعكس الرجل، ويتحمّل زوجها نفقتها فحاشا الإسلام أن يدع الضعيف ويوفر نصيب القويّ، وأن ينظر في مثل هذه الأحكام المالية المتضمنّة لحكم اقتصادية إلى ما ليس له دخل في تشريعها.
فهذا الفرق الطفيف بينهما ليس إلاّ لإقامة العدل بين الذكر والأُنثى والأخذ بأسباب الواقع والحقيقة.
و يرد تعليل هذه الأحكام على تفضيل الرجال على النساء أنّ الله تعالى ساوى بين الأبوين في الميراث فقال سبحانه في سورة النساء (الآية 11): (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ)، فلو كان الإسلام فضّل نصيب الرجل على المرأة مطلقاً لعلّة أنّه رجل، وهذه المرأة، لما ساوى بينهما في هذا المقام، وفي بعض المقامات الأُخر.
فهذا شاهد على أنّ الحكمة في امتياز الرجل على المرأة في الميراث ليس فضله عليها، وهذا التوهّم إنّما نشأ من عدم مراجعة نصوص الكتاب والسنّة والتأمّل فيها.
والحاصل: أنّ من سبر الشرائع والقوانين وتواريخ الملل يجد أنّ شريعة من الشرايع وأُمّة من الأُمم لم تنصف المرأة كما أنصفها الإسلام وشريعته السمحاء.
فالاسلام قرّر حقوق المرأة، وناصر المرأة، وكرّم المرأة وحرّر المرأة، وأخذ بيدها ممّا كانت تتردّى فيه.
فعلى الذين يهتفون في بلاد المسلمين وتعلوا صيحاتهم منادين بحقوق المرأة ويظهرون الترحّم على النساء ـ إن كانوا صادقين ـ أن يدعوا الجميع الرجال والنساء إلى النظام الإسلامي الذي عالج مشاكل الحياة الإنسانية كلّها.
و إن كانت نزعتهم في ذلك أن يتّخذوا المرأة مطيّة لشهواتهم، وأن يروّجوا الدعارة، وفوضى الأخلاق، وانحطاط الآداب وخروج النساء كاسيات عاريات، وأن يخلعن جلباب الحياء والعفّة، وينزعن من زي النجاية، ويسلكن مسلك المرأة الغربيّة فنعوذ بالله من فتنهم، ومن دعاياتهم الفاسدة الهدّامة التي هي من أضر ألاعيب الاستعمار على المسلمين.
هذا وممّا روعي أيضاً في أحكام الإرث الإسلامي مصلحة الوارث فترى إذا كان دين الميّت أكثر من تركته لايتحمّل الوارث الزائد كما لاينفذ وصية المورّث بحرمان الوارث من الإرث.
نعم تنفذ وصيته في ثلث ماله إذا لم تكن وصية بالحرمان، وتفصيل ذلك مذكور في الفقه.
و من ناحية أُخرى يقول مؤلّف كتاب (الإسلام ومبادؤه الخالدة).
إنّك لو تأملت في حكمة الإسلام في إحترام الملكية الفردية، ووضع القواعد العامة للمواريث لعرفت أنّ هذا من أكبر الدوافع التي تحفّز المموّلين إلى قوة الاستثمار والنشاط، والإنتاج، ويدعو إلى السهر على المصالح وبذل الجهود القوية في تكثير الأموال، وهو في الوقت نفسه يحمي هذه الأموال من أن تعبث بها يد السرف والتبذير، فالرجل الذي يعرف أنّ الأموال التي بذل في جمعها صحّته وعقله، ستصير بعد ذلك إلى الدولة ولاينتفع بها بنوه بطريق مباشر ليس هناك ما يحفّزه إلى ادّخارها ويدفعه المحافظة عليها.
ففي الحديث المروي عن مولانا الرضا(قدس سره): «وعلّة إعطاء النساء نصف ما يُعطى الرجال من الميراث لأنّ المرأة إذا تزوّجت أخذت والرجل يعطي فلذلك وفّر على الرجال، علّة أُخرى في إعطاء الذكر مثل ما يعطي الأُنثى لأنّ الأُنثى في عيال الذكر أن احتاجت وعليه إن يعولها وعليه نفقتها وليس على المرأة أن تعول الرجل ولايؤخذ بنفقة إن احتاج فوفر اللّه تعالى على الرجال لذلك، وذلك قول اللّه عز وجل: (اَلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَ بِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)(النساء: 34) الحديث ( عيون أخبار الرضا: 2 / 98).
و في القويّ أنّ الفهفكي سأل مولانا الإمام أبا محمد العسكري عليه وعلى ابنه الذي وعد اللّه به الأُمّم الصلاة والسلام: ما بال المرأة المسكينة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين؟ فقال أبومحمد(قدس سره): «إنّ المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا عليها معقلة إنّما ذلك على الرجال»، فقلت في نفسي: قد كان قيل لي: إنّ ابن أبي العوجاء سأل أبا عبدالله(قدس سره)عن هذه المسألة فأجابه بهذا الجواب، فأقبل أبومحمد(قدس سره)إليّ فقال: «نعم هذه مسألة ابن أبي العوجاء والجواب منّا واحدٌ، إذا كان معنى المسألة واحداً»... الحديث( روضة المتقين: 11 / 413).

صفحه 208

صفحه 209

صفحه 210
و لايرفع الخصومات الحادثة في المواريث إلاّ بالرجوع إليه.
و كفى في فضل هذا العلم ما روى عن النبى(صلى الله عليه وآله): «تعلّموا الفرائض، وعلّموها الناس فإنّها نصف العلم وهو يُنسى، وهو أول شيء ينتزع من أُمّتي».1
وفي حديث آخر عن عبداللّه بن مسعود عنه (صلى الله عليه وآله): «تعلّموا الفرائض، وعلّموها الناس فإنّي امرؤ مقبوض، وسيقبض العلم، ويظهر الفتن حتى يختلف الرجلان في فريضة، ولايجدان من يفصل بينهما».2

1 . المبسوط كتاب الفرائض والمواريث; الجامع الصغير: 1 / 131. أخرجه عن الحاكم وابن ماجة.
2 . الجامع الصغير: 1 / 131، عن الترمذي.

صفحه 211
و قد اهتم المسلمون لاسيّما الشيعة بهذا العلم، وتعليمه وتعلّمه، وبرع بينهم رجال أفذاذ في علم الفرائض.
كما قد أفرد فيه جمع كثير من الأصحاب، والمحدّثين، والفقهاء كتباً قيّمة، وتكلّموا في مسائله وفروعه فنقّحوها تنقيحاً جيّداً.
و ممّن صنّف فيه من قدماء الشيعة جمع من الشيوخ وكبار صحابة الأئمة ومعاصريهم ; كالحسين بن سعيد الأهوازي، وعمر بن أُذينة، ويونس بن عبدالرحمن، وصفوان بن يحيى، والحسن بن محبوب السرّاد، والحسن بن محمد بن سماعة، والفضل بن شاذان مؤلّف كتاب الفرائض الكبير والفرائض الأوسط والفرائض الصغير، ومعاوية بن حكيم، ومحمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القميّ، وعلي بن الحسين بن بابويه، وغيرهم من علمائنا رضوان اللّه عليهم إلى هذا العصر، فقد أدّوا حقّ البحث والدراسة في هذا العلم بحيث ليس مغالياً مَن ادّعى أنّ جُل مسائله صار عند فقهائنا من الواضحات التي لايحتاج استنباطها إلى إتعاب النفس والفحص والتتبع الكثير.
و مع ذلك لم يبلغ البحث في بعض مسائله منتهاه، ولم يرتفع الخلاف فيه.
و من هذه المسائل مسألة إرث الزوجة فاختلفت فيها فتاوى الفقهاء رضوان اللّه عليهم حتى استقرّ رأي المشهور من متأخّري المتأخّرين، والمعاصرين على حرمانها من الأراضي مطلقاً. إلاّ أنّه لمّا استقرب سيدنا الأُستاذ المرجع الديني الأعلى والعلاّمة الأكبر فقيد العلم والإسلام الإمام

صفحه 212
البروجردي جزاه اللّه عن الإسلام وأهله خير الجزاء اختصاص الحرمان بأراضي الدور والمساكن، بل أفتى به إذا لم يتصالح الورثة مع الزوجة دخلت المسألة في دور جديد، وقامت معركة البحث فيها بين العلماء.
و إنّي وإن لم أكن أهلاً لهذا المضمار إلاّ أنّه لمّا رأيت رغبة بعض الفضلاء لاستنساخ ما كتبته في ذلك سالفاً نزلت عند رغبته، وكتبت هذه الرسالة بعد مراجعة ما كتبته مختصراً في عصر سيدنا الأُستاذ(قدس سره)وأسأل اللّه تعالى أن يجعله في صحيفة حسناتي ويغفر لي، ولأساتذتي ولوالدي، إنّه غفور شكور.

24 ربيع الأوّل 1385 هـ

لطف اللّه الصافي
لطف اللّه به

صفحه 213

اعلم أنّه لا خلاف بين غير الإمامية من المسلمين في أنّ الزوجة ترث من زوجها من جميع أمواله من أرض الدور والمساكن، والضياع، ومن الأشجار، والأبنية والثياب وغيرها من غير استثناء شيء منها وإنّما ترثه من عين ما تركه.
و حجّتهم في ذلك قوله تعالى في سورة النساء: (وَ لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الُّثمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن وَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَي بِهَا أَوْ دَيْن غَيْرَ مُضَارّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)1.
وجه الاستدلال، والاحتجاج بها أنّ الموصول موضوع لإيجاد الإشارة، وبهذا امتازت«ما» الموصولة عن الموصوفة لأنّ معنى«ما» الموصولة ما يعبّر عنه بالفارسية، بـ (آن چيزى) بخلاف الموصوفة فإذا كان في البين شيء معهود رجعت الإشارة إليه والمشار إليه يكون ذلك الشيء المعهود، وإلاّ

1 . النساء: 12.

صفحه 214
فالموصول يشمل جميع ما يمكن أن يشار إليه ; لأنّ القول باختصاص الإشارة ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجّح.
إرث الزوجة عند المذاهب الإسلامية   
فعلى هذا يكون مفاد الآية الكريمة عموم إرث الزوجة من أعيان جميع التركة، ولا فرق في ذلك بين إرث الزوج من تركة الزوجة، وإرثها من تركته.
فكما أنّ الموصول في قوله سبحانه: (وَ لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ)استعمل في الإشارة إلى جميع تركة الزوجة، كذلك استعمل في قوله تعالى : (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) في الإشارة إلى جميع تركة الزوج و أمواله.
و لا ريب في صحّة هذا الاستظهار مع قطع النظر عن تخصيص عموم الآية بالروايات، وإجماع أئمة أهل البيت(عليهم السلام). فأخذ الجمهور به لأنّهم تركوا العمل بروايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، والاحتجاج بأقوالهم وفتاواهم مع أنّ الرجوع إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في العلوم الدينية، والمعارف الإسلامية واجب على المسلمين بمقتضى حديث الثقلين المعروف المتواتر، وغيره من الأحاديث المعتبرة كأحاديث الأمان، وأحاديث السفينة فلايجوز العمل بعموم الكتاب، والسنّة بدون الفحص عن ماورد في تخصيص العمومات في أحاديث الشيعة وروايات أئمّتهم(عليهم السلام)1.
و الحاصل: أنّ فتوى العامّة، وأخذهم بعموم الآية ليس لأنّهم لايخصّصون عموم الكتاب بأخبار الآحاد فإنّ مذهبهم استقرّ على تخصيص

1 . يراجع في ذلك كتابنا: أمان الأُمّة من الضلال.

صفحه 215
الكتاب بخبر الواحد1.
بل أخذوا بالعموم بدعوى عدم ثبوت المخصّص عندهم على ما التزموا به من ترك التمسّك بالعترة الطاهرة أعدال الكتاب(عليهم السلام)، والإعراض عن الروايات المخرّجة عنهم في أُصول أصحابهم وجوامع شيعتهم.
فلايرد علينا منهم اعتراض بأنّكم تركتم الأخذ بالكتاب وأخذتم بالروايات، فإنّ ذلك جائز على مذهب الفريقين إذا كان الكتاب عامّاً والحديث خاصّاً.
لايقال: لا ريب في تخصيص الكتاب بالخبر المروي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) إذا كان متواتراً أو بمنزلته من حيث حصول القطع بصدوره، وأمّا تخصيصه بخبر الواحد فمحل خلاف.
فإنّه يقال ـ مضافاً إلى أنّه قد ثبت في محلّه صحّة تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر عند العقلاء ـ : إنّ الأخبار في المسألة وإن لم تكن متواترة لفظاً وتفصيلاً لا ريب في كونها متواترة إجمالاً ومعنىً، فيخصّص بها عموم الكتاب.

1 . قال الشيخ في عدّة الأُصول: 1 / 340: وأمّا تخصيص الكتاب بالسنّة فلاخلاف فيه بين أهل العلم، وقد وقع أيضاً في مواقع كثيرة لأنّ اللّه تعالى قال: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ)، وقال: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ)، وغير ذلك من آيات المواريث وخصصنا من ذلك القاتل والكافر لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لايرث القاتل ولا يتوارث أهل ملّتين»، وغير ذلك.

صفحه 216
إرث الزوجة عند الإمامية   

مذهب الإمامية

و أمّا مذهب أصحابنا الإمامية في المسألة فلاخلاف بينهم في حرمان الزوجة في الجملة من بعض ما ترك زوجها ولم يسمع نسبة خلاف إلى أحد منهم إلاّ ابن الجنيد وسيأتي ما فيها.
و قد عدّ ذلك من متفرّدات الإمامية1 ومستندهم في ذلك روايات كثيرة متواترة مخرّجة عن طرقهم الدالة على حرمانها من بعض ما ترك زوجها المخصّصة لعموم الآية.
و بعد ذلك فمن عجيب الاستظهار أن يقال: إنّ إطلاق كلام مثل الصدوق في المقنع والهداية، والقاضي في الجواهر، والديلمي في المراسم يؤذن بموافقتهم للاسكافي فإن إطلاق مثلهم بعد هذه النصوص التي هي في غاية الاعتبار وفوق حدّ التواتر الدالة على الحرمان في الجملة لم يكن إلاّ لإيكالهم حرمانها إلى الوضوح والظهور فشأن هؤلاء الأجلّة أرفع وأسمى من ترك هذه النصوص الدالّة على إجماع أهل البيت(عليهم السلام) وخواصّ شيعتهم وتلامذتهم على الحرمان، وكيف يستظهر ذلك من كلام الصدوق بعد اختياره الحرمان في الفقيه، وأعجب من ذلك ادّعاء القاضي نعمان في «دعائم الإسلام» إجماع الأُمّة والأئمة على ما نسب إلى ابن الجنيد، وتأويله الروايات بما يطول الكلام بذكره وردّه لوضوح فساده.

1 . قال السيد (قدس سره): وممّا انفردت به الإمامية القول: بأنّ الزوجة لاترث من رباع المتوفّى شيئاً، بل تعطي بقيمة حقّها من البناء والآلات دون قيمة العراص... إلخ (الانتصار : 585).

صفحه 217
إن قلت: لِمَ لايجوز أن يكون مستند إطلاق مثل الصدوق في المقنع والهداية والديلمي وغيرهما معارضة الأخبار الدالّة على الحرمان بأخبار ظاهرة في أنّها ترث من جميع ما تركه الزوج مثل خبرعبيد بن زرارة والبقباق قالا: قلنا لأبي عبدالله (عليه السلام): ما تقول في رجل تزوج امرأة ثم مات عنها زوجها وقد فرض لها الصداق؟ قال: «لها نصف الصداق وترثه من كلّ شيء، وإن ماتت هي فكذلك».1
و خبر ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه(عليه السلام)قال: سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة فلايرث من ذلك شيئاً؟ فقال: «يرثها وترثه من كلّ شيء ترك وتركت»2 .
و إنّما عملوا بهذه الأخبار لموافقتها للكتاب.
قلت: أوّلاً يمكن أن يقال في خبر عبيد أنّ السائل أراد السؤال عن مقدار استحقاق الزوجة غير المدخول بها للصداق إن مات زوجها فأجاب(عليه السلام)بأنّ لها نصف الصداق ثم دفع توهم مساواة إرثها للصداق في التنصيف وإرثه منها إن ماتت قبل الدخول فقال: «ترثه من كلّ شيء وإن ماتت هي كذلك». وهذه الجملة تكفي لبيان ذلك ولم يكن الإمام(عليه السلام)بصدد بيان أكثر من ذلك وتفصيل الحكم، واحتمل بعضهم أنّ منشأ السؤال فيه توهّم الراوي أنّ موت زوج غير المدخول بها موجب لحرمان الزوجة من الإرث فلاترث منه شيئاً كطلاق المريض في بعض الأحوال لاسيّما مع فرض الصداق لها.

1 . الاستبصار : 3 / 342، الباب 197، الحديث 10/12221.
2 . الفقيه: 4 / 252، الباب 175، الحديث 8/812 .

صفحه 218
فقال(عليه السلام): «لها نصف الصداق» يعني لاتستحقه كلّه كما ربما توهّم السائل. و «ترثه من كلّ شيء» يعني موت الزوجة لايكون منصفاً بل ترث من كلّ شيء ترثه، كما احتمل أنّ منشأ السؤال توهّم الراوي أنّ موت الزوج يوجب تنصيف نصيبها من الإرث كما يوجب تنصيف مهرها، والجواب مسوق لدفع هذا الوهم وأنّها ترث من كلّ شيء ترثه الزوجة المدخول بها، هذا ولكن الاحتمال الأوّل الذي ذكرناه أظهر.
و أمّا خبر ابن أبي يعفور فيمكن أن يقال فيه: إنّ مراد السائل أنّ الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً ـ يعني: من عينها أو قيمتها ـ أو لايرث كما لاترث المرأة من ذلك شيئاً لا من العين ولا من القيمة؟ فأجاب(عليه السلام): «بأنّه يرثها وأنّها ترثه من كلّ شيء تركه وتركت، وردّ ما في ذهن السائل من أنّها محرومة من العين والقيمة وأثبت التوارث بينهما في الجملة، وهذا كماترى يصلح لإن يكون مستند السيد(قدس سره) وإن كان ظهوره فيه أيضاً محل المنع، بل دعوى عدم ظهوره في نفي الحرمان مطلقاً وفي ثبوت الإرث من القيمة، قريب جداً، اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ القدر المتيقّن منه هو نفي الحرمان من القيمة وفيه:
أوّلاً: أنّ الأخذ بالقدر المتيقّن إنّما يصحّ إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر وفيما نحن فيه الأمر دائر بين المتباينين العين أو القيمة، وعلى هذا لايتم الاستدلال به على سبيل الجزم لمختار السيد أيضاً، فتدبّر.
وثانياً: أنّ ظهور هذه الطائفة من الأخبار في أنّ المرأة ترث من جميع تركة الزوج لو ثبت ليس أقوى و أظهر من ظهور الكتاب ولا أكثر اعتباراً منه

صفحه 219
فيخصّص عمومه بالأخبار الدالّة على الحرمان كما خصّصنا بها عموم الكتاب.
إن قلت: هذا إذا لم تقع المعارضة بين هذه الأخبار الدالّة على عموم إرثها من تركة الزوج وبين الطائفة الأُخرى الدالّة على حرمانها في الجملة وبعد المعارضة يجب علاجها بالرجوع إلى المرجّحات فيرجح الطائفة الأُولى بموافقة الكتاب.
قلت: إنّ الرجوع إلى المرجّحات إنّما يجوز إذا لم يمكن التوفيق العرفي بينهما وأمّا إذا جمع العرف بينهما بحمل الظاهر على الأظهر أو العامّ على الخاصّ يجمع بينهما فلايرفع اليد عن العامّ المبتلى بالخاصّ في غير مورد الخاصّ ويعمل بالخاصّ في مورده كما استقرّ عليه بناء العرف في محاوراته، ولا ريب أنّ ما دل على الحرمان في الجملة خاصّ بالنسبة إلى ما دلّ على عموم إرثها من الزوج.
هذا مضافاً إلى أنّ الرجوع إلى ما يرجّح مضمون أحد المتعارضين مثل الشهرة على القول بأنّها فتوائية، وموافقة الكتاب إنّما يصحّ إذا كان الخبران المتعارضان متكافئين من حيث السند وجهة الصدور وإلاّ يلاحظ أوّلاً المرجّحات السندية فإن كانا متكافئين بحسبها يلاحظ المرجّحات الجهتية التي منها مخالفة العامّة وعليها ترجّح الأخبار الدالّة على الحرمان على غيرها لمخالفة الأُولى للعامّة وموافقة الثانية لهم.
هذا وقد حاول بعض المعاصرين الجمع بين أخبار الحرمان وخبر ابن أبي يعفور بخبر ابن أُذينة الذي يأتي في البحث عن الزوجة الممنوعة بأنّ

صفحه 220
هذا الخبر معارض لخبر ابن أبي يعفور وأخبار الحرمان جميعاً وأخصّ من الجميع ; لأنّ منطوقه معارض لأخبار الحرمان، ومفهومه معارض لخبر ابن أبي يعفور، وإذا كان أخصّ من الجميع وجب الجمع بينها بحمل العامّ على الخاصّ، ويتحصّل منه أنّ الزوجة ذات الولد ترث من الرباع وغير ذات الولد لاترث منها، فيكون هذا الخبر شاهداً على أنّ أخبار الحرمان مختصّة بغير ذات الولد وخبر ابن أبي يعفور مختصّ بذات الولد.
أقوال الفقهاء فيما تحرم منه الزوجة   
أقول: رفع التعارض بين أخبار الحرمان وخبر ابن أبي يعفور بحمل العامّ على الخاصّ يمكن بملاحظة نفس هذه الأخبار، فإنّ خبر ابن أبي يعفور عامّ وأخبار الحرمان خاصّ، ولو بنينا على صحّة الاحتجاج بخبر ابن أُذينة تخصّص به أخبار الحرمان بذات الولد كما يخصّص بمفهوم خبر ابن أُذينة ومنطوق أخبار الحرمان خبر ابن أبي يعفور، وإلاّ لو لم يتمّ تخصيص خبر ابن أبي يعفور بمنطوق أخبار الحرمان لايتم بمفهوم خبر ابن أُذينة بطريق أولى.
هذا وقد تلخّص من جميع ما ذكر أنّ الأخبار الدالّة على العموم لايصحّ أن يكون مستنداً لمن أطلق القول في المسألة كالديلمي والقاضي مع منع ظهوره في العموم ومع كون الطائفة الثانية بكثرتها وبل تواترها أخصّ من الأُولى، وكيف كان لا اعتناء بنقل الخلاف عن ابن الجنيد والاستناد بظاهر إطلاق مثل الصدوق الذي صرّح في الفقيه بالحرمان، وظاهر غيره في مثل هذه المسألة التي يحصل القطع للمطّلع على الأخبار بأنّ ذلك أي القول بالحرمان من مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
نعم إنّهم اختلفوا بعد الاتّفاق على ذلك في موضعين:

صفحه 221
الأوّل: فيما تحرم منه الزوجة.
و الثاني: في الزوجة الممنوعة.

الموضع الأوّل: أقوال الفقهاء فيما تحرم منه الزوجة

أمّا الكلام في الموضع الأوّل ففيه أقوال:
أحدها: حرمان الزوجة من عين الرباع خاصّة لا من قيمته. وهو مختار السيد(قدس سره)1.
و ظاهر الصدوق رضوان اللّه عليه في الفقيه في باب نوادر الميراث فإنّه بعدما أخرج حديث ابن أبي يعفور قال :هذا إذا كان لها منه ولد فإذا لم يكن لها منه ولد فلاترث من الأُصول إلاّ قيمتها إلخ.
ثانيها: حرمانها من الأرض عيناً وقيمة خالية كانت أم مشغولة، وسواء كانت من أراضي الدور والمساكن أم غيرها من الأراضي، وحرمانها من أعيان ما يكون كالأبواب والخشب، ومن عين الأبنية دون قيمة هذه المذكورات.
و هذا مختار الشيخ2 ونسب إلى القاضي، وابن حمزة، والحلبي، والمحقّق في الشرائع، والعلاّمة، والفخر، والشهيد في الدروس واللمعة،

1 . قال في الانتصار: 585 : والذي يقوى في نفسي أنّ هذه المسألة تجري مجرى المسألة المتقدّمة في تخصيص الأكبر من الذكور بالسيف والمصحف، وأنّ الرباع وإن لم تسلّم إلى الزوجات فقيمتها محسوبة... إلخ.
2 . قال في النهاية: 462: والمرأة لاترث من زوجها من الأرضين والقرى والرباع من الدور والمنازل، بل يقوّم الطوب والخشب و غيرذلك من الآلات، وتعطى حصتها منه ولاتعطى من نفس الأرض شيئاً... إلخ.

صفحه 222
وغيرهم، وهو المشهور بل ادّعي عليه الإجماع.
و ثالثها: حرمانها من أراضي الدور والمساكن خاصّة عيناً، وقيمة دون أراضي غيرها من القرى والمزارع، وغيرها وحرمانها من عين الآلات والأبنية من الدور، والمساكن دون قيمتها.
وهو مختار المفيد 1 والمحقّق في النافع، وهو كتابه المصنّف بعد الشرائع، وأبي عبداللّه العجلي، واليوسفي، والفاضل المقداد، ومال إليه في المجمع، واستجوده في الكفاية، ومال إليه سيدنا الأُستاذ الفقيه الأكبر السيد البروجردي أعلى اللّه في الخلد مقامه، بل كان يفتي بذلك إذا لم يتصالح سائر الورثة مع الزوجة.2

1 . قال في المقنعة: 687: ولاترث الزوجة شيئاً ممّا يخلفه الزوج من الرباع، وتعطى قيمة الخشب والطوب والبناء والآلات فيه، وهذا هو منصوص عليه عن نبي الهدى عليه وآله الصلاة والسلام، وعن الأئمة من عترته(عليهم السلام). والرباع هي الدور والمساكن دون البساتين والضياع.
قال في الأعلام : 20: اتّفقت الإمامية على أنّ الزوجة لاترث من الرباع شيئاً ولكن تعطي بقيمة حقّها من البناء والطوب، والآلات.
2 . لايخفي عليك أنّ صاحب المستند(قدس سره)ذكر في المسألة قولاً آخر فتكون الأقوال فيها أربعة، وهو: حرمانها من عين الأشجار دون قيمةً مضافاً إلى حرمانها من مطلق الأرض عيناً وقيمة وحرمانها من عين ما يكون كالأبواب والشباك والطوب واللبن، ومن عين الأبنية دون القيمة، ونسبه إلى الإيضاح، وأنّه نسبه إلى والده بل قال: بأنّه ربما ينسب إلى أكثر المتأخّرين ونسب القول بالحرمان في جميع ما ذكر دون الأشجار إلى الشيخ والقاضي وغيرهما وقال: باشتهاره عند القدماء، وزعم أنّ السرفي عدم نقلهم ذلك الخلاف عدم كونه خلافاً يعتدّ به، وإلاّ فالظاهر تغاير القولين ونقل جعل الأقوال أربعة في مفتاح الكرامة عن المسالك فراجع.
أقول: الظاهر موافقة الشيخ(قدس سره)وغيره في حرمانها من عين الأشجار دون قيمتها، واقتصار البعض على الآلات، وعدم التصريح بالأشجار يمكن أن يكون لشمول الآلات للأشجار أيضاً، ومن ذكر الأشجار فلعله قصد الإيضاح.
مضافاً إلى أنّ هذا التفصيل أي عدم حرمانها من عين الأشجار مخالف لصريح رواية الأحول عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «لايرثنّ النساء من العقار شيئاً، ولهنّ قيمة البناء، والشجر والنخل»، فكيف ينسب ذلك إلى مثل الشيخ اللهم إلاّ إنّ يقال: إنّ الشيخ لم يخرَج هذا الحديث في كتابيه.

صفحه 223
و ليعلم أنّ الخلاف في المسألة كلّه راجع إلى القول الثاني والثالث، وأمّا قول الاسكافي بعدم الحرمان مُطلقاً فلا إشكال في فساده بحسب القواعد، وليس فيما بأيدينا من الكتب كتاب استدلالي منه، بل لم يكن عند العلاّمة (قدس سره)أيضاً على ما أفاد سيدنا الأُستاذ(قدس سره)حتى يعلم منه وجه ما نسب إليه.1
و كيف كان فلا ريب في بطلان ما ذهب إليه.

1 . كتابه الاستدلالي الكبير هو كتاب (تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة) قال الشيخ: له كتب كثيرة منها كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة نحواً من عشرين مجلداً يشتمل على عدد كتب الفقه على طريقة الفقهاء وكتاب (المختصر الأحمدي للفقه المحمدي) في الفقه مجرّداً وكتاب....... .
و الكتاب الذي لم يكن عند العلاّمة هو الكتاب الأوّل وأمّا المختصر الأحمدي فكان عنده نقل عنه في المختلف في نفس مسألتنا هذه وغيرها. وفي الروضات (ص561) أنّ المنقول من العلاّمة في إيضاحه أنّه قال: وجدت بخط السيد السعيد محمد بن معد ما صورته: وقع إليّ من هذا الكتاب أي كتاب( تهذيب الشيعة) مجلد واحد قد ذهب من أوّله أوراق وهو كتاب النكاح فتصفّحته ولمحت مضمونه، فلم أر لأحد من هذه الطائفة كتاباً أجود منه، ولا أبلغ ولا أحسن عبارة ولا أدق معنى، وقد استوخى منه الفروع والأُصول وذكر الخلاف في المسائل وتحرّر ذلك واستدلّ بطريق الإمامية وطريق مخالفيهم، وهذا الكتاب إذا أمعن النظر فيه وحصلت معانيه وأُديم الإطالة فيه، علم قدره ومرتبته وحصل منه شيء كثير لايحصل من غيره، وأقول أنا: وقع إلي من مصنفات هذا الشيخ المعظّم كتاب ( الأحمدي في الفقه المحمدي) وهو مختصر هذا الكتاب جيد يدل على فضل هذا الرجل وكماله وبلوغه الغاية القصوى في الفقه وجودة نظره، وأنا ذكرت خلافه وأقواله في كتاب مختلف الشيعة في أحكام الشريعة. (انتهى).

صفحه 224
و أمّا مختار السيد (رضوان اللّه عليه) فوجهه إن كان الجمع بين الكتاب والأخبار والأخذ بكليهما فلا شاهد لهذا الجمع، ولايصار إليه من غير شاهد.
الروايات الواردة في المسألة ومناقشتها   
و إن كان وجهه أنّ المعتمد في الحرمان هو الإجماع والقدر المتيقّن منه هو حرمانها من عين الرباع فقط فيبقى غيرها والقيمة تحت عموم الآية.
ففيه: أنّ الإجماع قائم على حرمانها من أرض الرباع عيناً وقيمة فكيف يقال: إنّ القدر المتيقّن منه حرمانها من عين الرباع فقط. هذا مع أنّ بعضهم ادّعى تواتر الأخبار، ولو لم نقل به فلاريب في استفاضتها، و عدم إمكان رفع اليد عن مثل هذه الأخبار، وإن قلنا بعدم حجّية خبر الواحد.
و كيف كان، يدور الأمر بين القول الثاني والثالث.
و لايخفى أنّ القول الثالث، وهو الحرمان من أراضي الدور، والمساكن خاصّة عيناً وقيمة، وحرمانها من عين الآلات والأبنية من الدور والمساكن دون قيمتها، متفق عليه لأنّه خاصّ بالنسبة إلى القول الثاني الذي هو مختار الشيخ وغيره.
فالخلاف في المسألة يرجع إلى حرمانها من أراضي غير الدور والمساكن عيناً وقيمة، وعدمه، ويتفرّع على ذلك الخلاف، الخلاف في حرمانها من عين الآلات والأبنية من غير الدور والمساكن دون قيمتها، فعلى القول الثالث لاتحرم منها لا عيناً ولا قيمة، وعلى القول الثاني تحرم من عينها دون قيمتها.
فالذي ينبغي أن يكون محلاًّ للكلام، ومورداً للنقض والإبرام

صفحه 225
هو حرمان الزوجة من أراضي غير الدور والمساكن عيناً وقيمة وعدمه.
و لا ريب أنّ مقتضى القاعدة وهي عموم قوله تعالى: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) هو عدم الحرمان، فلا يرفع اليد عنه إلاّ إذا ثبت المخصّص وما شك في تخصيصه يبقى على العموم فالواجب علينا مراجعة الأخبار علّنا نظفر بما يخصّص عموم الكتاب.

أخبار المسألة

اذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ الروايات المأثورة في مسألتنا هذه كلّها مروية عن الصادقين(عليهما السلام) إلاّ مكاتبة محمد بن سنان فإنّه كتب إلى مولانا الرضا(عليه السلام)فأجابه بما رواه، وقال بعضهم( على ما أفاد سيدنا الأُستاذ(قدس سره)) أنّ محمد بن سنان زعم أنّ الرضا (عليه السلام)أجابه هكذا، وإلاّ رواية عبدالملك عن أبي جعفر(عليه السلام)عن كتاب علي وإملاء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله).
و لتحقيق الحق وإيضاحه ينبغي ذكر الروايات، والنظر في مقدار دلالتها، وأنّه هل يستفاد منها الحكم بالحرمان من غير أراضي الدور، والمساكن أيضاً عيناً وقيمة حتى يخصّص بها عموم الكتاب أم لا.
فنقول: إنّ الروايات الواردة في المسألة على طوائف:
منها: ما لايستفاد منه عموم إمّا لأنّه خاصّ، أو لأنّه ساكت عن حكم غير أراضي الدور أو مجمل.
كرواية علاء عن محمد بن مسلم قال: قال أبوعبداللّه(عليه السلام): «ترث المرأة الطوب، ولاترث من الرباع1 شيئاً» قال: قلت: كيف ترث من الفرع ولاترث

1 . قال في القاموس: الربع: الدار بعينها جمع رباع و ربوع و أربع و أرباع و المحلة و المنزل،   2
وقال ابن الأثير: الربع: المنزل و دار الإقامة.

صفحه 226
من الرباع شيئاً؟ فقال: «ليس لها منه نسب ترث به، وإنّما هي دخيل عليهم فترث من الفرع ولاترث من الأصل ولايدخل عليهم داخل بسببها».1
و هذا الحديث خاصّ بالرباع، وفي متنه نحو اضطراب ; لأنّ الرباع الدور والمنازل بأعيانها، والمراد من الطوب إن كان طوب الدار فلايستقيم الجمع بينه وبين قوله: «ولا ترث من الرباع شيئاً»، وإن كان غير طوب الدار فلا يخلو عن الدلالة على عدم إرثها من البناء أيضاً عيناً وقيمة، فيجب تخصيصه بما دلّ على إرثها من قيمة البناء.
و مثل خبر جميل عن زرارة، ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «لا ترث النساء من عقار2 الأرض شيئاً».3 فإنّ قوله (عليه السلام): «من عقار الأرض شيئاً» مجمل لاحتمال أن تكون الإضافة بتقدير «من» كإضافة الخاتم إلى الفضة في قولنا: هذا خاتم فضة، ولاحتمال أن تكون الإضافة بتقدير «في»; فعلى الاحتمال الأوّل يشمل الحكم جميع الأرضي، وأمّا على الاحتمال الثاني فلا.
و يظهر من بعض اللغويين كالراغب في «مفردات القرآن»: أنّ العقر يقال على كلّ شيء له أصل، فالعقر بمنزلة الفرع فلايقال في الأرض الخالية:

1 . وسائل الشيعه: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2.
2 . قال في الصحاح: والعقار بالفتح الأرض، والضياع والنخل ومنه قولهم: ماله دار ولا عقار، ويقال أيضاً في البيت عقار حسن أي متاع وأداة، وقال الراغب: عقر الحوض والدار وغيرهما أصلها، ويقال له: عقر، وقيل: ما غُزي قوم في عقر دارهم قط إلاّ ذلوا.
3 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 6.

صفحه 227
عقر، ولكن يقال: عقر الدار، وعقر الحوض، وعقر الروضة، وعقر البستان، فلو كانت الإضافة بتقدير «من» أيضاً لا يدلّ الخبر إلاّ على أنّها لاترث من عقار الأرض أي من الأرض التي هي أصل للبناء والشجر وغيرهما.
فعلى كلا الاحتمالين لا يدلّ هذا الخبر على إرثها من مطلق الأراضي لو لم نقل بدلالة مفهومه على عدم حرمانها من غير أراضي الدور والمساكن.
و كرواية حماد عن زرارة، ومحمد بن مسلم عن أبي عبداللّه(عليه السلام)قال: «لا ترث النساء من عقار الدور شيئاً ولكن يقوّم البناء، والطوب وتعطى ثمنها أو ربعها» قال: «وإنّما ذلك لئلاّ يتزوّجن فيفسدن على أهل المواريث مواريثهم».1
و اختصاص دلالة هذا الحديث بحرمانها عن خصوص أراضي الدور غني عن البيان.
و مثل حديث يزيد الصائغ قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «إنّ النساء لايرثن من رباع الأرض شيئاً، و لكن لهن قيمة الطوب والخشب» قال: فقلت له: إنّ الناس لا يأخذون بهذا، قال: «إذا وليناهم ضربناهم بالسوط فإن انتهوا، وإلاّ ضربناهم بالسيف عليه».2 وعدم دلالة هذا الحديث أيضاً إلاّ على حرمانها من عين الرباع لايحتاج إلى البيان.
بل يمكن دعوى دلالته ودلالة حديث حمّاد على عدم حرمانها من غير أراضي الرباع، لأنّ الظاهر منهما أنّ الإمام كان في مقام بيان جميع ما تحرم منه

1 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 7 .
2 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 11.

صفحه 228
الزوجة، ولم يذكر غير عقار الدور، ورباع الأرض شيئاً، وأنّ لها قيمة الطوب والبناء، والخشب فيفهم من ذلك قصر الحرمان على أراضي الدور، والمساكن.
و أمّا حديث يزيد الصائغ عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن النساء هل يرثن من الأرض؟ فقال: «لا و لكن يرثن قيمة البناء» قال: قلت: إنّ الناس لايرضون بذا، قال: «إذا ولينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط فإن لم يستقيموا ضربناهم بالسيف».1
فالظاهر أنّه وحديثه السابق واحد وسقط منه كلمة(رباع) وقد وقع هو أو بعض الرواة في الاشتباه في الإمام الذي رفع السند إليه، ونظائره ليس بنادر في كتب الحديث، مضافاً إلى إمكان أن يكون الألف واللام في الأرض للعهد بدليل قوله: ولكن يرثن قيمة البناء.
و مثل خبر حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه(عليه السلام)قال: «إنّما جعل للمرأة قيمة الخشب، والطوب لئلاّ يتزوّجن فيدخل عليهم ـ يعني أهل المواريث ـ من يفسد مواريثهم»2.
و هذا الخبر وإن كان لا يخلو عن الدلالة على حرمانها في الجملة، إلاّ أنّه لا يدلّ على حرمانها من أراضي غير الدور والمساكن، والقدر المتيقّن منه هو الحرمان من أراضي الدور والمساكن هذا.
و يحتمل قوياً اتّحاد خبر حمّاد هذا مع حديثه الآخر عن زرارة

1 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 8 .
2 . الوسائل : ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 9 .

صفحه 229
ومحمد بن مسلم، وإنّما ترك ذكر اسم زرارة ومحمدبن مسلم في هذا الحديث من جهة قطعه بقول الإمام(عليه السلام)، فيكون هذا كسابقه ممّا دلّ على حرمانها من خصوص أراضي الدور.
ويمكن أن يكون من هذه الطائفة حديث ميسر بياع الزطّي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن النساء ما لهن من الميراث؟ قال: «لهن قيمة الطوب، والبناء والخشب والقصب، فأمّا الأرض والعقارات فلا ميراث لهن فيه»، قال: قلت: فالبنات (فالثياب ـ خل)؟ قال: «البنات (الثياب ـ خل) لهن نصيبهن منه» قال: قلت: كيف صار ذا،لهذه الثمن ولهذه الربع مسمى؟ قال: «لأنّ المرأة ليس لها نسب ترث به، وإنّما هي دخيل عليهم إنّما صار هذا كذا لئلاّ تتزوّج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم».1
فإنّه يمكن دعوى إجماله لاحتمال أن يكون الألف واللام في الأرض، والعقارات للعهد، وهذا احتمال ليس ببعيد لا سيما بعدما نرى من ذكر خصوص عقار الدور، وأرضها في بعض الروايات، وقد مرّ أنّ العقار على ما يستفاد من كلام بعض أهل اللغة يطلق على كلّ شيء له أصل، فلا يشمل الأرض الخالية عن البناء والشجر، ونحوهما.
و لو سلّمنا ظهوره في العموم، وشموله، لجميع الأراضي فبالمفهوم الذي استظهرناه من رواية يزيد الصائغ عن أبي جعفر(عليه السلام) ورواية زرارة ومحمد بن مسلم نخصّص عمومه في أراضي غير الدور والمساكن.

1 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج ، الحديث 3.

صفحه 230
ومنها: ما يمكن استفادة العموم منه مع قطع النظر عن غيره ولكن لاحتمال اتّحاده مع غيره ممّا لايستفاد منه ذلك إن لم نقل باستفادة خلافه يسقط الاستدلال به خصوصاً إذا كان احتمال كون ما يستفاد منه العموم من النقل بالمعنى لما لايستفاد منه ذلك مقبولاً عند العقلاء وأهل العرف.
لايقال: إنّ احتمال اتحاد ما يستفاد منه العموم مع ما لايستفاد منه، أو يستفاد منه الخصوص غير مقبول عند العرف والعقلاء، بل يجب الحكم بتعدّد الحديث، ولو فتحنا هذا الباب في الأحاديث لسقط أكثرها عن الحجّية.
فإنّه يقال: قد تقوم في بعض الموارد قرائن تدلّ على اتّحاد الحديث وعدم صدوره مكرّراً بحيث يحصل بها اليقين أو الاطمئنان أو الظن للناقد البصير العارف بأحوال الأحاديث، وأسنادها ومتونها فلايحرز بمجرد تكرّر نقل بعض الأحاديث تكرّر صدوره عن الإمام (عليه السلام)، ولو شككنا في ذلك ليس لنا في البين أصل يدفعه.
فإذا أخبر زرارة أو غيره من الشيوخ أحد تلاميذه بحديث فى إرث الزوجة مثلاً، وأخبر تلميذه الآخر أيضاً، وهكذا أخبر سائر تلاميذه به لايستلزم ذلك تعدّد المخبر به، وإن كان ما ذكره الشيخ لبعض تلاميذه غير ما ذكره لتلميذه الآخر، وإلاّ خرج عدد الأحاديث بتكثّر الوسائط، وتعدّد التلاميذ في كلّ طبقة عن حدّ الإحصاء.
إن قلت: فمن أين جاء اختلاف المضمون.
قلت: اختلاف المضمون إنّما جاء من جهة النقل بالمعنى، واختلاف التعابير والاتّكال على وضوح المعنى عند المخاطب وعطف كلمة بكلمة في

صفحه 231
مقام التفسير وكون الناقل في مقام التفصيل أو الإجمال، والاختصار والاحتياج إلى نقل بعض الحديث وعدم الحاجة إلى نقل تمامه، ودخالة فهم الناقلين وغير ذلك.
فهذا خبر يزيد الصائغ رووه تارة عن محمد بن عيسى عن يحيى الحلبي عن شعيب عنه; وتارة عن محمد بن أبي عبداللّه عن معاوية بن حكيم عن علي بن الحسن بن رباط، عن مثنى، عنه; ومتنه يشهد بأنّهما حديث واحد، ومع ذلك يقول في ما خرّجوه عن محمد بن عيسى: سألته عن النساء هل يرثن من الأرض؟ فقال: «لا ولكن يرثن قيمة البناء». ويقول فيما أخرجوه عن محمد بن أبي عبد اللّه: «إنّ النساء لايرثن من رباع الأرض شيئاً».
فلو كنّا والحديث الأوّل نعتمد عليه، ونستظهر من قوله: «هل يرثن من الأرض» العموم بسبب ترك الاستفصال في مقام الجواب، ولكن مع ملاحظة الحديث الثاني يضعف هذا الاستظهار، ويسقط عن درجة الاحتجاج به، ويقوى في النظر إسقاط كلمة مثل الرباع أو العقار أو كون الألف واللام في الأرض للعهد، ولذا ترك الإمام الاستفصال فلايجوز الاعتماد على مثله في تخصيص عموم الكتاب.
و كذا إذا رأينا أنّهم خرّجوا عن زرارة، ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام): «لاترث النساء من عقار الأرض شيئاً»، واستظهرنا منه الحكم بحرمانها من أرض الدور ثم رأينا ما خرّجوا عنهما بطريق آخر عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «النساء لايرثن من الأرض، ولا من العقار شيئاً»، لايجوز

صفحه 232
الاتّكال على الحديث الثاني، لاحتمال أن يكون هذا عين الحديث الأوّل، ويكون المراد من الأرض أرض الدور، وأن يكون قوله: «ولا من العقار شيئاً» من العطف بالتفسير.
و الحاصل: أنّ الملاك كلّ الملاك في إعمال قواعد باب التعارض أو العموم والخصوص، والمطلق والمقيّد، وحمل الظاهر على الأظهر إنّما هو تعدّد الحديث والمخبر به، وهكذا ملاحظة بعض الأُصول العقلائية الأُخر مثل أصالة عدم النقيصة وأصالة عدم الزيادة، وتقدّمها على أصالة عدم النقيصة مطلقاً أو في الجملة كما هو المختار، إنّما يصح إذا كان الناقل في مقام نقل عين ألفاظ المروي عنه، وأمّا إذا لم يكن في هذا المقام، وكانت هناك قرائن على عدم اعتماده على نقل عين اللفظ فحجية هذه الأُصول غير معلومة.
إذا عرفت ما تلونا عليك فاعلم أنّ في أخبار الباب ما يحتمل اتحاده مع غيره بحيث لايمكن الاعتماد عليه مع عدم ملاحظة هذا الغير، وهذا كروايتي يزيد الصائغ، وقد ذكرنا الوجه في احتمال اتحادهما.
و مثل رواية علي بن رئاب عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام): «إنّ المرأة لاترث ممّا ترك زوجها من القرى و الدور والسلاح، والدواب شيئاً، وترث من المال، والفرش، والثياب، ومتاع البيت ممّا ترك، وتقوّم النقض و القصب فتعطى حقّها منه»1.
و رواية أُخرى عنه عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام): «إنّ المرأة لاترث ممّا

1 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

صفحه 233
ترك زوجها من القرى، والدور، و السلاح، والدواب شيئاً، وترث من المال، والثياب ومتاع البيت ممّا ترك، ويقوّم النقض، والجذوع، والقصب فتعطى حقّها منه».1 وروى هذا الحديث أبو محمد الهمداني عن طربال بن رجاء، عن أبي جعفر(عليه السلام)، وهذا مضافاً إلى أنّ طربال رجل مجهول لايعتمد على حديثه لايضرّ باتحاد الحديث مع ما رواه زرارة.
و رواية محمد بن حمران عن زرارة، ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «النساء لايرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً».2
و روايته الأُخرى عنهما عن أبي جعفر(عليه السلام): «إنّ النساء لايرثن من الدور، ولا من الضياع شيئاً، إلاّ أن يكون أحدث بناء فيرثن ذلك البناء».3
و رواية بعض الفضلاء الخمسة عن أبي جعفر(عليه السلام): «إنّ المرأة لاترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض إلاّ أن يقوّم الطوب، والخشب قيمة فتعطى ربعها أو ثمنها».4
و رواية جميل عن زرارة، ومحمدبن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً»5.
و الظاهر اتّحاد رواية جميل، ومحمد بن حمران عن زرارة ومحمد بن

1 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج ، الحديث 12.
2 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج ، الحديث 4.
3 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 13.
4 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 5 .
5 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 6 .

صفحه 234
مسلم ; لأنّ لهما كتاب حديث مشترك بينهما.1 ولا يبعد أن يكون المرويّ عن أحدهما أو كليهما من هذا الكتاب.
و رواية موسى بن بكر الواسطي قال: قلت لزرارة: إنّ بكيراً حدثني عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّ النساء لاترث امرأة ممّا ترك زوجها من تربة دار، ولا أرض إلاّ أن يقوّم البناء، والجذوع والخشب فتعطى نصيبها من قيمة البناء فأمّا التربة فلا تعطى شيئاً من الأرض، ولا تربة دار؟ قال زرارة: هذا لا شكّ فيه.2
فهذه سبعة أحاديث يحتمل قوياً كونها حديثين، بل حديثاً واحداً لإمكان تشرّف زرارة، ومحمد بن مسلم في مجلس واحد بشرف حضرة الإمام وسماعهما معاً هذا الحديث.
فعلى هذا الاحتمال لا يصحّ الاستناد بقوله (عليه السلام): «من القرى» في روايتي علي بن رئاب في مقام الإفتاء بعموم الحرمان فإنّه يمكن أن يكون المراد من القرى المدن والمساكن التي تبنى لاجتماع الناس، ومجاورة بعضهم مع بعض مضافاً إلى أنّه يمكن أن يكون ذكر هذه الكلمة من اجتهادات بعض الرواة في فهم الحديث.
و لو صرفنا النظر عن ذلك وقلنا بدلالته على العموم يخصّص بمفهوم رواية يزيد الصائغ ورواية حمّاد عن زرارة ومحمد بن مسلم.
و قوله(عليه السلام) في رواية الفضلاء:«من تربة دار أو أرض»، وفي رواية موسى بن بكر: «من تربة دار ولا أرض» فالظاهر أنّ قوله: «أو أرض»، وقوله:

1 . راجع جامع الرواة: 1 / 165 .
2 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 15.

صفحه 235
«ولا أرض» من العطف بالتفسير، ويجوز أن تكون الهمزة زائدة سهواً، أو يكون الترديد من الراوي واحتمال ذلك يكفي في سقوط الاستدلال به للعموم.
و روايتي محمد بن حمران، ورواية جميل بعد احتمال وحدتهن، بل الاطمئنان بكونهن واحدة، لا يحتجّ بهن إلاّ في القدر المتيقّن، وهو الحرمان عن خصوص أراضي الدور، ولايعتمد على ذيل إحدى روايتي محمد بن حمران فإنّ احتمال كونها مع روايته الأُخرى واحدة هنا أقوى فلايبعد أن يكون قوله: «و لا من الضياع شيئاً إلاّ أن يكون أحدث بناء فيرثن ذلك البناء» من النقل بالمعنى، فمن المحتمل قوياً كون الأصل ما في رواية جميل: «لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً» أو جملة أُخرى ثم نقلها بعض الرواة بما فهم منه من المعنى فقال بعضهم: «النساء لايرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً»، وقال غيره: «إنّ النساء لا يرثن من الدور، ولا من الضياع شيئاً»، ولمّا فهم العموم منه زاد عليه: «إلاّ أن يكون أحدث بناء فيرثن ذلك البناء».
و جملة القول في ذلك: عدم حصول الاطمئنان بصدور قوله: «ولا من الضياع شيئاً إلاّ... إلخ» عن الإمام، هذا مضافاً إلى جواز كون المراد من الضياع أيضاً المنازل والعقار.
و ممّا لايثبت تعدّده بتعدّد تخريجه لانتهائه إلى رجل واحد حديث علاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله(عليه السلام)1 .

1 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2.

صفحه 236
وحديث بعض الفضلاء الخمسة عنه (عليه السلام)1، وحديث حمّاد عن زارة ومحمد بن مسلم أيضاً عنه(عليه السلام)2، وحديثه الآخر عنه(عليه السلام)3.
فهذه الأحاديث أيضاً عند التأمّل ترجع إلى حديث واحد، وإنّما توهّم تعدّدها لتكرّر نقلها، وإن تردّدنا في ذلك فلاريب في عدم إثبات تعدّدها بتكرّر نقلها، وقد ظهر لك ممّا أسلفناه أنّ في مثل هذه الأحاديث يؤخذ بالقدر المتيقّن من الجميع، وأمّا الزائد على ذلك فلا يحتجّ به لعدم حصول الاطمئنان بنقل ألفاظ الإمام(عليه السلام)وإمكان إخبار بعض الرواة عن الإمام أو بعض الوسائط بما فهم من كلامه، وإمكان إرجاع نقل الجميع إلى هذا القدر المتيقّن مضافاً إلى إمكان منع دلالة كلّ واحد منها أيضاً على عموم الحرمان فتدبّر.
نعم إذا كان بعض طرق الحديث مشتملاً على معنى لم يذكر في غيره تلويحاً ولا تصريحاً ولا إجمالاً ولا تفصيلاً ولايمكن إرجاعه إلى غيره يجب الأخذ به.
بقي الكلام في حديث عبدالملك بن أعين عن أحدهما(عليهما السلام)قال: «ليس للنساء من الدور، والعقار شيء».4
و وجه عدم ظهوره في عموم الحرمان يظهر من مراجعة ما ذكرناه في حديث جميل عن زرارة ومحمد بن مسلم، وفي حديث ميسر بياع الزطّي.
و يمكن أن يقال: إنّ حديث الحسين بن أبي مخلد عن عبد الملك

1 . الوسائل: 17 الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 5 .
2 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 7 .
3 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 9.
4 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 10.

صفحه 237
قال: دعا أبوجعفر(عليه السلام)بكتاب علي، فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطوّياً فإذا فيه: «إنّ النساء ليس لهن من عقار الرجل إذا توفّي عنهن شيء» فقال أبوجعفر(عليه السلام): «هذا واللّه خط على(عليه السلام)بيده وإملاء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)»1; أيضاً ينتهي إلى عبد الملك بن أعين الراوي للحديث السابق، فلو لم نقل باتّحادهما لإباء متنهما عن ذلك، وإن كان لايخلو أيضاً عن وجه، فالكلام في دلالته هو الكلام في دلالة رواية جميل وميسر وغيرهما.
و أمّا مكاتبة محمد بن سنان فقد أخرج الصدوق في باب نوادر الميراث في الفقيه2، وكتب الرضا (عليه السلام)إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله علّة المرأة أنّها لا ترث من العقارات شيئاً إلاّ قيمة الطوب والنقض ; لأنّ العقار لايمكن تغييره وقلبه، والمرأة قد يجوز أن ينقطع ما بينها وبينه من العصمة، ويجوز تغييرها وتبديلها، وليس الولد والوالد كذلك لأنّه لايمكن التفصّي منهما، والمرأة يمكن الاستبدال بها فما يجوز أن يجيء ويذهب كان ميراثه فيما يجوز تبديله وتغييره إذا أشبههما ] إذا أشبهه نسخة الوسائل [و كان الثابت المقيم على حاله كمن كان مثله في الثبات والقيام.3
فهي مضافاً إلى أنّها مكاتبة، وأنّ سيّدنا الأُستاذ الأكبر(قدس سره) قال: إنّ بعضهم قال: إنّ محمد بن سنان زعم أنّ الرضا(عليه السلام)أجابه هكذا، ضعيفة جدّاً من حيث السند، فإنّ في طريق الصدوق إليه علي بن العباس وهو من الضعفاء، قال

1 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 17.
2 . الفقيه: 4 / 251.
3 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 14.

صفحه 238
العلاّمة: رمي بالغلو، وغمز عليه، ضعيف جدّاً له تصنيف في الممدوحين، والمذمومين يدل على خبثه، وتهالك مذهبه، لا يلتفت اليه، ولا يعبأ بما رواه.1
و روى علي بن العباس هذه المكاتبة عن قاسم بن الربيع الصحّاف الكوفي، وهو أيضاً ضعيف ذكره العلاّمة في الضعفاء، وقال: قاسم بن الربيع الصحّاف الكوفي ضعيف في حديثه، غال في مذهبه، لا التفات إليه، ولا ارتفاع به.2
و أمّا الكلام في متنه فيظهر ممّا ذكرناه في ذيل غيره من الأخبار.
و ممّا يشهد على أنّ الحرمان مقصور بأراضي الدور، والمساكن مضافاً إلى ما قدّمناه ذكر حكم البناء والطوب والخشب بعد ذكر حكم العقار والدور والأرض، وكذا استثناء البناء، والطوب، والخشب فإنّ جعل الاستثناء منقطعاً خلاف الظاهر، لايصار إليه إلاّ بالقرينة، فظهور الاستثناء في الاتصال أيضاً ممّا يؤيد بعض ما قوّيناه في تحصيل مفاد الأحاديث.
و من الروايات الواردة في مسألتنا رواية الأحول عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: سمعته يقول: «لا يرثن النساء من العقار شيئاً، ولهنّ قيمة البناء والشجر، والنخل»3.
و الخدشة في كون هذا الحديث غير بعض الأحاديث السابقة أيضاً

1 . رجال العلاّمة: 234.
2 . رجال العلاّمة: 248.
3 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 16.

صفحه 239
بمكان من الإمكان لجواز أن يكون في مجلس إملاء الحديث جماعة من الأصحاب، وهذا قريب جداً لاسيما في عصر الصادق(عليه السلام)الذي تجاوز عدد تلاميذه، وأصحابه عن أربعة آلاف رجل، فيجوز أن يخرّج عنه في موضوع خاصّ حديثاً واحداً جميع هؤلاء الرجال.
و لو سلّمنا كون هذا الحديث حديثاً مستقلاً بنفسه، وادّعينا أنّ الظاهر أنّ ما أخبر به الأحول غير ما أخبر به زرارة ومحمد بن مسلم فدلالته على كون المراد من العقار مطلق الأراضي محلّ المناقشة، فإنّ غاية ما يمكن الاستدلال عليه بهذا الخبر حرمانها من أراضي الدور، والمشغولة بالبناء والأشجار، والنخيل،هذا أخصّ من مدّعى الشيخ، واتباعه، مضافاً إلى أنّ الشيخ لم يخرّجه في كتابيه، والفتوى به مخالف للإجماع المركّب.
إن قلت: ما المانع من أن يكون المراد من العقار مطلق الأراضي.
قلت: لا مانع من ذلك لولا ظهور العقار في الأراضي المشغولة، وأنّ الأصل في استعمال العقر والعقار استعمالهما في كلّ شيء له أصل كالدار، وقد استعمل في خصوص الدار، وفي القصر الذي يكون معتمداً لأهل القرية، فلو لم يكن ظاهراً في خصوص الأراضي المشغولة هنا، وخصوص أرض الدار في ما وقع مقابلاً للبناء والطوب، والخشب، ولم نقل بأنّ العقار اسم للأرض والبناء أو الأرض والشجر ليس ظاهراً في مطلق الأراضي أيضاً، فحينئذ لابدّ لنا إلاّ الأخذ بالقدر المتيقّن من الأدلة وهو حرمانها من عين أراضي الدور والمساكن دون غيرها، وحرمانها من عين البناء، والآلات والطوب، والخشب دون قيمتها فيجب الاقتصار عليه في تخصيص عموم الكتاب.

صفحه 240
هذا وقد مرّ أنّ مفهوم رواية يزيد الصائغ، ورواية حماد عن زرارة ومحمد بن مسلم خاصّ بالنسبة إلى ما ادّعي عمومه من الروايات.
فتلخص ممّا ذكر أنّ إثبات تخصيص عموم الآية زائداً على ما اتفقوا عليه من حرمانها من أراضي الدور والمساكن عيناً وقيمة، ومن عين الآلات وأبنية الدور دون قيمتها بهذه الأخبار في غاية الإشكال.
وجوه الاستشكال في الاستدلال بهذه الأخبار   

وجوه الاستشكال في الاستدلال بهذه الأخبار

اعلم أنّ ما ذكرناه في وجه هذا الاستشكال يرجع إلى أُمور:
أحدها: أنّ أحاديث المسألة التي جمعها في الوسائل في الباب السادس لاتتجاوز عن الستة أو السبعة:
الأوّل: أحاديث زرارة ومحمد بن مسلم، وبعض الفضلاء عن أبي جعفر(عليه السلام)، وكلّها يرجع إلى حديث واحد عنه(عليه السلام).
الثاني: حديث علاء عن محمد بن مسلم، وحديث بعض الفضلاء وحديث حمّاد عن زرارة، ومحمد بن مسلم، وحديثه الآخر، كلّهم عن أبي عبدالله(عليه السلام)، فكلّ هذه الأحاديث أيضاً يرجع إلى حديث واحد.
الثالث: حديث عبدالملك بن أعين عن أحدهما (عليهما السلام)، وحديث عبدالملك عن أبي جعفر(عليه السلام)فإنّهما أيضاً على احتمال حديث واحد، ويحتمل أن يكون كلّ منهما حديثاً مستقلاًّ بنفسه.
الرابع: مكاتبة محمد بن سنان عن الرضا(عليه السلام)
الخامس: حديث الأحول عن أبي عبدالله(عليه السلام) وقد مرّ احتمال اتّحاده مع غيره من الأحاديث المروية عن أبي عبدالله(عليه السلام).

صفحه 241
السادس: خبر يزيد الصائغ عن أبي جعفر وخبره الآخر عن أبي عبدالله (عليهما السلام)فإنّهما أيضاً حديث واحد.
ثانيها: أنّ ما يتراءى فيها من اختلاف المتن راجع إلى النقل بالمعنى واختلاف التعابير، والاتّكال على و ضوح المعنى عند المخاطب، وعطف كلمة بكلمة في مقام التفسير، وكون الناقل في مقام التفصيل أو الإجمال، والاحتياج إلى نقل بعض الحديث دون تمامه، ودخالة فهم الناقل وغير ذلك ممّا يرجع إلى عدم كون الناقل في مقام نقل ألفاظ الإمام(عليه السلام)بعينها.
ثالثها: إجمال بعضها لعدم ظهوره لا في العموم، ولا في الخصوص مثل رواية جميل، وإن قوّينا أخيراً ظهوره في الخصوص، بل ونفي العموم لكونه في مقام بيان ما هو تمام الموضوع للحرمان، ومثل ما احتملنا أن يكون الألف واللام فيه للعهد كرواية يزيد الصائغ.
رابعها: وجود بعض الشواهد في بعضها المبيّنة لمفاد بعضها الآخر، فإنّ الأخبار يفسّر بعضها بعضاً.
خامسها: ذكر حكم البناء، والطوب والخشب في مقابل حكم العقار والدور والضياع والأرض فإنّ وقوع العقار، والضياع والأرض في مقابل البناء والطوب والخشب لا يخلو عن ظهوره في كون المراد من الأرض والضياع هو الأراضي المشغولة بالبناء.
سادسها: استثناء البناء والطوب والخشب لكونه ظاهراً في الاتصال، فإنّ جعل الاستثناء منقطعاً خلاف الظاهر لايصار إليه إلاّ بالقرينة.
سابعها: منع ظهور العقار، والضياع والقرى في مطلق الأرض، فإنّ

صفحه 242
العقار استعمل في معان متعدّدة، منها: الضيعة ومتاع البيت، والحقوق الكبار، والنخل والأرض، والمنزل، واستعمل في بعض أخبار مسألتنا في أرض الدار، وقد مرّ أنّ الأصل في استعمال العقر والعقار استعمالهما في كلّ شيء له أصل كالدار.
و الضيعة والضياع أيضاً مستعملان في معان متعدّدة، منها: العقار، ومنها: الأرض المغلة، ومنها: المنازل ; قال الليث: الضياع: المنازل سمّيت لأنّها إذا ترك تعهدها، وعمارتها تضيع.
و القرية أيضاً المصر الجامع وفي (كفاية المتحفّظ) القرية كلّ مكان اتصلت به الأبنية واتّخذ قراراً، وتقع على المدن، وغيرها1.
و الاعتماد على هذه الكلمات التي جاءت في هذه الأحاديث التي عرفت حالها في استفادة العموم، و تخصيص الكتاب، مشكل جدّاً.
ثامنها: صراحة بعضها في الخصوص مع كونه في مقام بيان ما هو تمام الموضوع للحرمان مثل خبر جميل عن زرارة، ومحمد بن مسلم، ورواية حمّاد عنهما، وحديث يزيد الصائغ، عن أبي جعفر(عليه السلام)، بل وغيرها على بعض الاحتمالات التي ذكرناه في محله.
تحقيق القول المشهور   

تحقيق القول المشهور

اعلم أنّنا وإن قلنا: إنّ المشهور حرمانها من مطلق الأراضي، ولكن لايخفى عليك أنّ الشهرة على هذا القول إنّما تحقّقت بعد أن اختاره الشيخ (قدس سرهم)

1 . راجع تاج العروس وغيره من كتب اللغة.

صفحه 243
وكان عدم حرمانها من غير أراضي الدور والمساكن هو القول الأشهر، بل المشهور بين القدماء السابقين على الشيخ، كالصدوق في الفقيه، والمفيد في المقنعة، والسيد في الانتصار، بل والكليني على ما ربما يستظهر ممّا جعله عنواناً للباب الذي عقده لأخبار المسألة فقال: (باب إنّ النساء لايرثن من العقار شيئاً).
إن قلت: إنّ الكليني (رضوان اللّه تعالى عليه) خرّج الأخبار الدالّة على العموم، ومع ذلك كيف يدلّ هذا العنوان على أنّ مختاره عدم الحرمان من غير أراضي الدور؟!
قلت: ليس في الأخبار التي أخرجها ما له ظاهر معتبر في العموم، ولا أظن أنّه استفاد العموم من هذه الأخبار، بل يستفاد ممّا جعله عنواناً للباب، وممّا خرّجه من الأخبار في هذه الباب أنّه لم يستفد منها العموم، وهذا مقتضى إمعان النظر في الروايات، ومن مثله يظهر علوّ مرتبة هذا الرجل العظيم في الفقه والحديث، وقد قرأنا عليك ما يظهر به ضعف القول باستفادة العموم من الأخبار ولكن نستعرض لك ما رواه الكليني في هذا الباب فنقول:
الأخبار التي أخرجها في هذا الباب أكثرها ـ لو لم تدلّ بالمنطوق أو المفهوم على عدم حرمانها من غير أراضي المساكن ـ لاتدلّ على العموم على أكثر من حرمانها من أراضي الدور، ولاتصلح لأن تكون مخصّصة لعموم الكتاب في غيرها، كرواية العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي عبداللّه(عليه السلام)1، ورواية حماد عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي

1 . الكافي: 7 / 128، الحديث 5 .

صفحه 244
عبدالله(عليه السلام)1، ورواية حمّاد عن أبي عبدالله (عليه السلام)2، التي يحتمل اتّحادها مع ما رواه عن زرارة ومحمد بن مسلم، ورواية يزيد الصائغ عن أبي عبدالله (عليه السلام)3، ورواية ميسر بياع الزطّي عن أبي عبداللّه(عليه السلام)4، لاحتمال كون الألف واللام في (الأرض) فيهما للعهد، ورواية عبد الملك بن أعين عن أحدهما(عليهما السلام)5 أيضاً لا يستفاد منه أكثر من ذلك ، ورواية يزيد الصائغ عن أبي جعفر(عليه السلام)6، وكذا رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)7 يحتمل فيها أيضاً كون الألف واللام للعهد وإرادة البناء، من العقار. نعم بناء عليه تدلّ على حرمانها من قيمة البناء أيضاً إلاّ أنّه يمكن منع ذلك بدعوى ظهور قوله(عليه السلام): «النساء لايرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً» في حرمانها من عين العقار والأبنية، ولو سلم ذلك يقيّد إطلاقها بسائر الروايات، وهكذا لا ظهور لرواية زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)8، وكذا حديث الفضلاء الخمسة عن أبي جعفر وعن أبي عبد الله(عليهما السلام)9 لاحتمال كون (أو) في قوله: «من تربة دار أو أرض» من الإمام(عليه السلام)وبمعنى واو العطف واحتمال كونه ترديداً من بعض

1 . الكافي: 7 / 129، الحديث 6 .
2 . الكافي: 7 / 129، الحديث 7 .
3 . الكافي: 7 / 129، الحديث 8 .
4 . الكافي: 7 / 130، الحديث 11 .
5 . الكافي: 7 / 129، الحديث 9 .
6 . الكافي: 7 / 129، الحديث 10 .
7 . الكافي: 7 / 127، الحديث 1 .
8 . الكافي: 7 / 127، الحديث 2 .
9 . الكافي: 7 / 128، الحديث 3 .

صفحه 245
الرواة، وكذا يجيء الكلام في رواية زرارة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)1 لعدم ظهور فيه للعموم لاحتمال كون المراد من عقار الأرض البناء.
هذا مضافاً إلى عدم إثبات تعدّد ما توهم دلالته على العموم وما ليس فيه هذه الدلالة لانتهائها إلى رجل واحد كما ذكرناه مفصّلاً، وإنّما أعدنا الكلام في خصوص ما أخرجه في الكافي ليعلم أنّنا سلكنا الاستظهار من الأخبار مسلكاً سلكه مثل الكليني شيخ المحدّثين رضوان اللّه تعالى عليه.
ثم إنّه يمكن استظهار ما اختاره المفيد بين القدماء السابقين على الشيخ أيضاً من عدّ السيد هذا القول ممّا انفردت به الإمامية.
قال: مسألة: وممّا انفردت به الإمامية القول بأنّ الزوجة لاتورّث من رباع المتوفّى شيئاً، بل تعطى بقيمة حقّها من البناء والآلات دون قيمة العراص، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يفرّقوا بين الرباع وغيرها في تعلّق حقّ الزوجات، والذي يقوى في نفسي أنّ هذه المسألة تجري مجرى المسألة المتقدّمة في تخصيص الأكبر من الذكور بالسيف والمصحف، وأنّ الرباع وإن لم تسلم إلى الزوجات فقيمتها محسوبة لها. (انتهى)(2).
فلو كان بين الإمامية خلاف يعتدّ به في ذلك لذكره السيد هنا.
و قد تعرّض أُستاذه المفيد رضى اللّه عنهما لهذه المسألة في (المسائل الصاغانية) وأطال الكلام فيها وأنكر عموم الآية الكريمة2، ولم يذكر في

1 . الكافي: 7 / 128، الحديث 4 .   2 . الانتصار : 585.
2 . لم يظهر لي ما ذكره من الوجه في إنكار عموم الآية فراجع (المسائل الصاغانية).

صفحه 246
هذه الرسالة ولا في رسالة الأعلام ولا في المقنعة خلافاً عن الإمامية في هذه المسألة.
في معرفة الزوجة الممنوعة   
و كيف كان فالمستند لما اخترناه هو عموم الكتاب والروايات المتواترة عن أهل بيت العصمة(عليهم السلام).
هذا تمام الكلام في الموضع الأوّل أي تحقيق ما تُحرم منه.

الموضع الثاني: في معرفة الزوجة الممنوعة

اعلم أنّه اختلفت كلمات الأصحاب في عموم الحرمان لذات ولد من الميّت وعدم اختصاص الحكم بغير ذات الولد، فاختار الصدوق في الفقيه، والشيخ في النهاية1، والمبسوط على ما حكي عن الأخير، وابن حمزة في الوسيلة، والمحقّق في الشرائع، والعلاّمة في التحرير، والقواعد، والمختلف والتبصرة، والفخر في الإيضاح، والفاضل في كنز العرفان، والشهيد في الدروس واللمعة اختصاص الحرمان بغير ذات الولد، بل قيل: إنّه المشهور، ولاسيّما بين المتأخّرين، بل ربما يستشعر ذلك من كلام ابن الجنيد فإنّه قال: إذا دخل الزوج أو الزوجة على الولد، والأبوين كان للزوج الربع، وللزوجة الثمن من جميع التركة عقاراً أو أثاثاً، وصامتاً ورقيقاً، وغير ذلك، وكذا إن كن أربع زوجات ولمن حضر من الأبوين السدس، وإن حضرا جميعاً السدسان

1 . ظاهر كلامه في النهاية : 642 عدم الخلاف في اختصاص الحرمان بغير ذات الولد لأنّه بعد ما ذكر مختاره في أنّ الزوجة لاترث من الأرضين والقرى والرباع والدور والمنازل ذكر الخلاف فيه، ثم قال: وهذا الحكم الذي ذكرناه إنّما يكون إذا لم يكن للمرأة ولد من الميّت... إلخ، ولم يذكر خلافاً فيه.

صفحه 247
وما بقي للولد.1 ومن هنا يعلم أنّ نسبة القول بعدم حرمانها مطلقاً إلى ابن الجنيد(قدس سرهم)على سبيل البت ليس في محلّه.
فإنّ بيان حكم الزوجة إذا دخل على الولد، وأنّها ترث حينئذ من جميع التركة مشعر بالفرق بينها، وبين غير ذات الولد.
إن قلت: إن دخول الزوجة على الولد أعمّ من أن تكون ذات الولد وغيرها .
قلت: غلبة كون الزوجة التي تدخل على الولد ذات الولد من الميّت موجب لصرف ظهور كلامه في الأعم منها ومن غير ذات الولد إلى ذات الولد من الميّت وكيف كان فليس كلامه هذا نصّاً فيما نسب إليه من القول بعدم الحرمان مطلقاً.
و ذهب جماعة إلى عدم الفرق بين ذات الولد وغيرها فهما تشتركان في الحرمان، ونسب هذا القول إلى المفيد، والسيد، والشيخ في الاستبصار، والتقي والعجلي، والمحقّق في النافع وتلميذه الآبي.
قال في «مفتاح الكرامة»: قلت: لم يعلم الخلاف إلاّ من العجلي، والآبي وصاحب المفاتيح، وأمّا المقنعة، والانتصار، والنافع فليس فيها إلاّ الإطلاق، ومثل ذلك المنقول من عبارة الحلبي فنسبة الخلاف إليهم على البت لعلّها لم تصادف محلّها فالأولى أن ينسب إلى ظاهرهم ، إلى آخر كلامه الذي استظهر فيه حكم المفيد بعدم الفرق كما استظهر عدم صحّة ما نسب إلى الشيخ في

1 . مختلف الشيعة: 2 / 184 .

صفحه 248
الاستبصار، وهو استظهار جيد.
فنسبة القول بعدم الفرق إلى الشيخ في الاستبصار ليست في محلّها.
نعم ظاهر كلامه في الخلاف في المسألة(131) عدم الفرق قال:
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.1
و أنت تعلم أنّ الفرق بين ذات الولد وغيرها مقتضى الأخبار المخرجة في كتابيه، فيمكن أن يقال ـ كما أفاد في مفتاح الكرامة ـ : إنّ إجماعه، وإجماع المفيد لم يسق لبيان الفرق، وإنّما سيق لبيان أمر آخر، وهو ردّ العامة، واستخلص من ذلك أنّ المخالف صريحاً أي المصرّح بعدم الفرق، إنّما هو اليوسفي الآبي والعجلي. كما استظهر قبل ذلك عن بعضهم جعل محل الخلاف في غير ذات الولد.
فدعوى أنّ الأشهر بل المشهور بين الفقهاء اختصاص الحكم بغير ذات الولد قريب جداً.
هذا تحرير المسألة بحسب الأقوال، وأمّا بحسب الأخبار، فما جعلوه دليلاً على التخصيص بغير ذات الولد، ومخصّصاً لعموم أخبار الحرمان هو مقطوع ابن أُذينة: في النساء إذا كان لهن ولد أُعطين من الرباع.2
واستشكل فيه بعدم حجّية المقطوع3 لعدم حجّية قول غير المعصوم.

1 . الخلاف: 4 / 116، المسألة رقم 131 .
2 . الوسائل: ج 17، الباب 7 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2.
3 . الخبر المقطوع هو جزء من الخبر المسند إلى المعصوم(عليه السلام)المذكور بجملته في أصل من الأُصول المشتملة على أحكام متفرّقة في أبواب الفقه وإنّما وقع القطع فيه لما دون كتب الأحاديث على ترتيب أبواب الفقه، فالخبر المقطوع هو جزء من الخبر المسند إلى المعصوم(عليه السلام)وعلى هذا يقال على مثل خبر ابن أُذينة: إنّه مقطوع إذاً فلا فرق بين المقطوع والمضمر غير أنّ المضمر يشتمل على الإشارة إلى المعصوم(عليه السلام)دون المقطوع فليست فيه هذه الاشارة، وعلى هذا يكون المقطوع أقوى من المرسل، ولا حاجة في اعتباره بالعمل كما هو الشأن في الأحاديث الضعيفة مثل المرسل وغيره.

صفحه 249
و أُجيب عنه بأنّ ذلك إذا لم يجبر بالشهرة، وعمل المشهور به، فإذا كان الخبر معمولاً به مشهوراً بين الأصحاب ينجبر ضعفه بالعمل.
لايقال: إنّ العمل يكون جابراً لضعف السند إذا كان الخبر مرويّاً عن الإمام كالمرسل، وأمّا إذا لم يكن حاكياً عن قول الإمام أو فعله أو تقريره فلا معنى لجبر ضعف سنده بالعمل، مضافاً إلى أنّه لا ضعف لسند هذه المقطوعة فإنّه لا كلام لنا في صحّة السند إلى ابن أُذينة.
فإنّه يقال: لا فرق بين المقطوع، والمرسل إذا حصل الاطمئنان بصدور المتن أو مضمونه عن المعصوم، وعمل المشهور، وفتوى الأصحاب، وتخريجه في الكتب المعدّة لتخريج أحاديث الأئمة المعصومين(عليهم السلام)يوجب الاطمئنان بالصدور.
و من القرائن التي تدلّ على صدور هذه الجملة عن المعصوم أنّ ابن أُذينة ليس ممّن يقول شيئاً في أحكام اللّه من قبل نفسه، ومن غير اعتماد على قول المعصوم، ولا يفتي برأيه ولايكون ذلك إلاّ إذا سمع من الإمام أو ثبت عنده قوله(عليه السلام)، وابن أبي عُمير أيضاً مع جلالة قدره، وعلو شأنه في التحفّظ، والتحرز لايروي ما ليس صادراً عن المعصوم في الأحكام الشرعية، ولايخبر

صفحه 250
عمّن ليس فتواه حجّة، وكذا من روى عن ابن أبي عمير إلى زمان الصدوق والشيخ.
فهؤلاء الأجلة لا يخرّجون في كتبهم ورواياتهم فتوى غيرهم؟ كائناً من كان، فما كان الصدوق، ولا الشيخ أن يرويا ويحتجّا بما ليس بحجّة عند الشيعة، ولم يصدر عن أهل بيت الوحي.
فيكشف من ذلك أنّهم اعتمدوا على ما أخبر به ابن أُذينة، وقامت لديهم القرائن، والامارات على كون ما أخبر به كلام الإمام(عليه السلام)أو ما بمعناه.
و بالجملة فهذه القرائن الكثيرة تكفي للاعتماد على خبر ابن أُذينة وتحصل لنا الاطمئنان بصدوره عن المعصوم(عليه السلام)كما تحصل لنا الاطمئنان بكلّ حديث كان سنده في غاية الصحّة والاعتبار.
و يؤيد ذلك ويقوى الاطمئنان بصدور هذه الجملة عن الإمام(عليه السلام)أنّ علماء الفهارس، والتراجم عدّوا من كتب ابن أُذينة كتاب الفرائض رووه تلامذته عنه، فاكتفى ابن أبي عمير باسم مؤلف الكتاب لمعروفية ذلك التصنيف منه.
و الحاصل: أنّ الاطمئنان، والوثوق بصدور هذا المقطوع عن الإمام لايقل عن الوثوق بصدور غيره من روايات مسألة حرمان الزوجة.
هذا كلّه في سند المقطوعة.
أمّا الكلام في متنها: فدلالتها على المراد ظاهرة لاتقبل الإنكار لاسيّما مع ملاحظة روايات الباب ومغروسية حكم الحرمان إجمالاً في الأذهان.

صفحه 251
فالإنصاف أنّ تخصيص عموم حرمانها عن الرباع على ما قوّيناه وعن مطلق الأراضي على القول الآخر بغير ذات الولد قوي جداً.
إن قلت: إنّ قوله (عليه السلام)في ذيل رواية الفضلاء: «فتعطى ربعها أو ثمنها إن كان لها ولد من قيمة الطوب، والجذوع والخشب»، معارض مع مقطوعة ابن أُذينة، وصريح في حرمان ذات الولد أيضاً.
قلت: خرّج الشيخ في التهذيب: «فتعطى ربعها أو ثمنها إن كان من قيمة الطوب، والجذوع، والخشب»، و في الاستبصار أيضاً خرجه هكذا إلاّ أنّه قال: «إن كانت» بدل «إن كان».
و خرّج في الوافي عن الكافي: «فتعطي ربعها أو ثمنها إن كان له ولد من قيمة الطوب، والجذوع، والخشب».
و خرّج الحديث في الوسائل إلى قوله: «فتعطى ربعها أو ثمنها»، ولم يخرّج زائداً على ذلك.
و قال في «مفتاح الكرامة»: الذي وجدته في الكافي في نسخة مضبوطة صحيحة: «فتعطى ربعها وثمنها و ليس فيها زيادة على ذلك أصلاً».
و على هذا الاعتماد على ما في بعض النسخ المطبوعة.
مضافاً إلى أنّ ملاك إعطاء الثمن ليس كونها ذات ولد، بل الملاك المذكور المصرّح به في القرآن المجيد في إعطائها الثمن إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد فلها الربع، فما في النسخ المطبوعة من «الكافي» معارض لصريح قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ ).

صفحه 252
و الجمع بينه وبين الآية، وإن كان ممكناً لإمكان أن يكون الملاك في إعطاء الثمن أن يكون له منها ولد، ولكن هذا مخالف للإجماع مضافاً إلى أنّ النسبة بين هذه الجملة، والآية ليست العموم، والخصوص بل النسبة بينهما العموم من وجه فيبقى التعارض بينهما في زوجة غير ذات الولد، إذا كان له ولد من غيرها، و في زوجة ذات الولد إذا لم يكن من الزوج المتوفّى، ومن المعلوم أنّ الترجيح مع ما يوافق الكتاب.
هذا مضافاً إلى أنّنا لو أخذنا بهذا يجب أن نفصّل بين ذات الولد وغيرها إذا اجتمعتا، فنقول بأنّ ذات الولد من الميّت ترث الثمن وغير ذات الولد ترث الربع، وهو تفصيل غريب مخالف للإجماع.
و الحاصل: أنّ ما في هذه النسخ ساقط عن الاعتبار لايصح الاتكال عليه.
إن قلت: إّن مقطوع ابن أُذينة أعمّ من القول المشهور فإنّه كما يشمل ذات الولد من الميّت يشمل ذات الولد من غيره.
قلت: احتمال شمول الخبر لذات الولد من غير الميّت ضعيف جدّاً لايعتنى به، ولايتبادر إلى الذهن لاسيّما بمناسبة الحكم والموضوع والتعليلات الواردة في الأخبار.
بل يرد هذا الاحتمال صريحاً لتعليل الوارد في رواية ميسر قال(عليه السلام): «وإنّما صار هذا كذا لئلا تتزوّج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم».

صفحه 253
إن قلت: فما تقول في بعض التعليلات الواردة في روايات كخبر ميسر وحديث محمد بن مسلم، وروايتي حمّاد من أنّها ربما تزوّجت فيفسد على أهل المواريث مواريثهم، ويدخل عليهم داخل بسببها فيزاحم قوما آخرين في عقارهم.
قلت: المراد من هذه التعليلات إنّما هو بيان بعض ما في الحكم من الحكم والمصالح كأكثر ما هو مذكور في أحاديث علل الشرائع، وليست من العلل التي تدور مدارها الأحكام حتى يصح الاستناد بها في تسرية الحكم إلى كلّ مورد كانت فيه هذه العلّة، وفي نفيها عن مورد ليست فيه، وإلاّ فهذه العلّة موجودة في طرف الزوج أيضاً لأنّه ليس له منها نسب يرث به، وإنّما هو دخيل عليهم، بل يمكن أن يقال بأولوية ذلك في طرف الزوج ; لأنّ مقتضى هذه التعليلات أنّ المرأة لو ورثت الزوج تتزوّج، ويجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين إلخ، وأمّا الزوج لو ورث الزوجة يجيء وهو من قوم آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم.
لايقال: فما معنى ما جاء في هذه الروايات إذا كان الأمر في طرف الزوج أيضاً كذلك.
لأنّه يقال: معنى ذلك اشتمال هذا الحكم في طرف الزوجة على هذه الحكمة والمصلحة والتنبيه على عدم خلو الحكم من الحكمة، ولا ينافي ذلك عدم إنشاء الحكم في جانب الزوج لملاحظة حكم ومصالح أُخرى، ونظائر ذلك ليس بنادر في التشريعيات بل وفي التكوينيات والعالم بهذه المصالح هو اللّه تعالى ورسوله وأوصياؤه عليهم الصلاة والسلام، والواجب

صفحه 254
علينا أن ندور مدار الدليل، وسعته وضيقه وعمومه ومطلقه وما يخصّصه أو يقيّده.
هذا كلّه مضافاً إلى إمكان دعوى كون المصلحة المذكورة في الحكم بالحرمان في غير ذات الولد من الميّت أقوى فحرمانها يوجب عدم دخول الغير في مواريث قوم الميّت، وأمّا ذات الولد منه فحرمانها لايمنع من ذلك مُطلقاً لإمكان موت ولدها وأخذها ما ورث من أبيه، بل الغالب في ذات الولد عدم التزويج كما أنّ الغالب في غير ذات الولد التزويج.
إن قلت: إنّ تخصيص عموم الأخبار بخبر إبن أُذينة مستهجن لاستلزامه تخصيص الأكثر، والتخصيص إنّما يصحّ فيما إذا بقي الغالب أو الأكثر بعد التخصيص تحت العموم، ولاريب أنّ ذوات الولد من الأزواج أكثر أفراداً من غيرها.
قلت: مضافاً إلى أنّ إفادة العموم في هذه المسألة ليست بصيغة صريحة ومضافاً إلى منع كون الأحاديث في مقام البيان من جهة تعيين الزوجة الممنوعة حتى أنّه توجد فيها روايات بعمومها تشمل حرمان جميع النساء من الزوجات وغيرهن ممّا حرمن منه مثل الرواية الأُولى والرابعة والثامنة والتاسعة، والعاشرة والمروية في الكافي (باب أنّ النساء لايرثن من العقار شيئاً) فيدلّ هذا على كون الألف واللام للعهد أي النساء اللاتي حرمن من العقار دون غيرهن، وإنّما يلزم تخصيص النساء بغير الزوجات من البنات والأُمّهات والجدّات والأخوات والعمّات والخالات وغيرهن أو القول بإرادة الأزواج أو غير ذوات الولد من النساء نقول:

صفحه 255
ليس كلّ تخصيص بالأكثر مستهجناً إذا بقي تحت العام من أفراده مقدار يصحّ به جعل العنوان العام مرآة له وموضوعاً للحكم القانوني ضرباً للقاعدة كما هو الشأن في هذه الروايات، وإذا كان ما خرج بالمخصّص من تحت العام عنواناً كان له أفراد أكثر ممّا يبقى تحت العام، كما هو كذلك في مسألتنا هذه.
وإذا احتملنا أنّه كان للمتكلم غرض عقلائي لإلقاء الكلام الدالّ على العموم وإخراج الأكثر منه وإفادة مراده بهذه الصورة كإفهام أنّ علّة الحكم على ما يبقى تحت العام أو مقتضيه صدق هذا العنوان وأنّ الأكثر المخرج منه إنّما أُخرج لفقد الشرط أو وجود المانع أو غير ذلك، والقدر المتيقّن من التخصيص المستهجن هو ما إذا كان ما تحت العام من الأفراد أفراد لايجمعها جامع غيره، وخصّص العام بتخصيصات كثيرة بالنسبة إلى كلّ فرد من أفراده حتى لايبقى تحته إلاّ فرد أو اثنان أو ثلاث أو نحو ذلك ; لأنّ هذا خلاف وضع المحاورة ولايتكلم به إلاّ من لم يعرف أساليب الكلام.
و الحاصل: أنّ تخصيص ما دلّ على عموم الحرمان لذات الولد برواية ابن أُذينة ليس من التخصيص المستهجن بشيء، وله شواهد كثيرة في المخصّصات الواردة على عمومات الكتاب والسنّة، ولذا لم أجد من ردّ الاستدلال برواية ابن أُذينة بذلك أو احتمله. والله العالم.
فاندفع بتوفيق اللّه تعالى جميع ما يمكن أن يُورد على الاستدلال بالمقطوعة متناً وسنداً، وتخلّص من ذلك كلّه أنّ القول المشهور بين القدماء وهو اختصاص الحرمان بغير ذات الولد قويّ جدّاً.

صفحه 256
و ليكن هذا آخر ما كتبناه حول مسألتنا هذه على سبيل الاستعجال، وفي حال ضيق المجال، وقد بقي هنا فروع في كيفية التقويم وغيرها لايتعلّق بها كثير بحث، ومن رامها فليطلبها من كتب فقهائنا المطوّلة في المواريث رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين.
و الحمد للّه الذي وفقني لتأليف هذه الرسالة في شهر ربيع المولود من شهور سنة 1385 هـ ، وقد وقع الفراغ منه قبيل غروب الشمس من اليوم الرابع عشر من الشهر المذكور. وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

***

الرسائل المؤلّفة حول إرث الزوجة   

صفحه 257

 

الرسائل المؤلّفة حول إرث الزوجة

اعلم أنّ مسألة إرث الزوجة من المسائل المهمة التي وقعت مورداً للبحث والنقاش، والتحقيق والنضال، وقد عكفت عليها فحول العلماء وأساطين الفقه، فأفردها بعضهم بالتأليف، وبحث عنها الآخرون في طيّات كتاب الإرث، وها نحن نأتي في هذا المجال بعض ما ألّف مفرداً في هذا المضار، فمن أراد الوقوف على ما في هذه المسألة من الأقول والآراء والاستدلال والبرهنة فعليه بهذه الرسائل التي ذكرها المتتبع الكبير شيخنا الطهراني في ذريعته الجزء 11 صفحه 55 ـ 56 .
مضافاً إلى هذه الرسالة التي يزفّها الطبع إلى القرّاء الكرام ففيها آراء أبكار وأفكار ناضجة قلّما توجد في غيرها:
1. رسالة في إرث الزوجة من العقار أو ثمنه: للميرزا محمد تقي النوري (المتوفّى سنة1263 هـ ) والد شيخنا النوري، ضمن مجموعة من رسائله كتابتها «1246 هـ» تقرب من أربعمائة بيت.
2. رسالة في إرث الزوجة: للشهيد الثاني، ألّفها يوم الخميس «27 ذي الحجة عامّ 956 هـ».
3. رسالة في إرث الزوجة: للشيخ الفاضل المعاصر عبداللّه المامقاني (المتوفّى عامّ 1351 هـ )، تعرّض فيها للردّ على بعض المعاصرين في بعض

صفحه 258
فروع إرث الزوجة1.
4. رسالة في إرث الزوجة وحرمانها من العقار: للشيخ علي بن الحسين الطريحي صاحب وسيلة السعادة، (المتوفّى 1333 هـ).
5 . رسالة في إرث الزوجة من الثمن أو العقار: للسيد محمدكاظم بن عبدالعظيم اليزدي (المتوفّى سنة 1337 هـ) صاحب العروة الوثقى وغيرها من التآليف القيّمة.
6. رسالة في إرث الزوجة: لآية اللّه السيد محسن بن السيد مهدي الطباطبائي الحكيم النجفي ( 1306 ـ 1390 هـ).
7. رسالة في إرث الزوجة من قيمة العقار: للمولى محمد بن عاشور الكرمانشاهي .
وهذه الرسائل وغيرها كنوز ثمينة يجب على ذوي الهمم العالية القيام بطبعها ونشرها في الملأ الإسلامي.

1 . ولعلّها رسالة «محاكمة بين علمين» وقد وافتك ضمن هذه المجموعة.

صفحه 259

إرث الزوجة من الأرض   
    إرث الزوجة من الأرض

إرث الزوجة من الأرض

الفقيه المحقّق

جعفر السبحاني


صفحه 260


صفحه 261

حضرة العلاّمة الحجة آية الله السيد محمود الشاهرودي دامت بركاته
أمّا بعد فقد أتحفني صديقي العزيز الفاضل الشيخ محمد الرحماني ـ دامت تأييداته ـ بالأعداد 45، 46، 47، 48 من مجلة «فقه أهل البيت» فقرأت ما دبّجته يراعتكم حول إرث المرأة من الأرض ووقفت على جهودكم العلمية التي بذلتم في تحقيق المسألة ـ شكر الله مساعيكم ـ ولاسيّما في العدد الخامس والأربعين والسادس والأربعين، وفيهما غنى وكفاية لبيان موقفكم من المسألة .
لكن لنا ملاحظات حول نظركم في كيفيّة إرث الزوجة نقدّمها إليكم عسى أن يتّضح بها نظر المشهور في المسألة.
لاشكّ أنّ للقرآن الكريم مقاماً منيعاً لا يمكن رفع اليد عن ظاهره بخبر الواحد، وهذا هو رأي المحقّق (رحمه الله) في المعارج في المسألة، وهذا هو المختار عندنا أيضاً في محلّه، ولكن المورد ليس بهذا الشأن فالروايات هنا متضافرة مفيدة للعلم، وقد عدّ مضمونها من خصائص فقه الشيعة، فلو استثنيت فتوى ابن الجنيد فهناك رأي متميز لفقهاء الشيعة بين سائر الفقهاء على اختلافهم في كيفية ميراث المرأة من الأقوال التي ذكرتموها في المجلة .
ذكرتم حول قوله (عليه السلام): «إنّ المراة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار

صفحه 262
أو أرض إلاّ أن يقوّم الطوب والخشب قيمة فتعطى ربعها أو ثمنها».
التفصيل بين التربة وسائر الأموال   
الظاهر من إضافة المنع إلى تربة الدار والأرض أنَّ النظر إلى عين الدار وترابها أي ذاتها لا ما قد يتولّد فيها وعليها من الأموال الإضافية حتى المالية والقيمة نتيجة الإحياء والبناء، ولهذا استدرك بلسان الاستثناء «إلاّ أن يقوّم البناء والجذوع والخشب أو الطوب وهي الآجر ونحوها». وظاهر الاستثناء، الاتصال مع أنّ الطوب والخشب ليس من الأرض فكيف استثني منها؟
«والظاهر أنّ أقرب المعاني لمثل هذا التركيب ليس ما فعله المشهور من جعل الاستثناء على الانقطاع، بل ينبغي الحفاظ على ظهوره في الاتصال مع كون المستثنى هو الإضافات الحاصلة في القيمة والمالية سواء بالنسبة إلى ذات البناء أو الأرض أو ما أحدث فيها أو عليها بسبب الإحياء من المالية، فيكون المتفاهم عرفاً من مثل هذا التركيب من أنّها لا ترث من العين والتربة ولكن ترث أصل حقّها من التركة بأن تؤتي من قيمة الأرض وما عليها بسبب البناء والإحياء بما فيها مالية الأرض ومنفعة المكان الحاصلة بذلك، فتعطى ربعها أو ثمنها».
وفيما أكّدتم عليه ملاحظات:
الملاحظة الأُولى: فإذا كان المقصود النهائي : هو أنّ المرأة ترث من قيمة المجموع أرضاً وبناءً فلماذا فصّل الإمام (عليه السلام)بين تربة الدار والأرض، وبين الطوب والخشب في العبارة، مع أنّ المجموع محكوم بحكم واحد وهو أنّها ترث منه قيمة لا عيناً ؟

صفحه 263
إنّ التفصيل بين التربة وسائر الأموال ذكر في كثير من الروايات كصحيحة زرارة (1 / 6) ومحمد بن مسلم (2 / 6) ويزيد الصائغ (8 / 6) وطربال بن رجاء (12 / 6) والأحول (16 / 6) قاطع للشركة، ويدلّ على أنّ للأرض والتربة حكماً وللبناء حكماً آخر، فلو كان الجميع ميراثاً لها بالثمن والقيمة ومحكوماً بحكم واحد فلا وجه للتفصيل.
وبعبارة واضحة: فإذا كانت فتوى الإمام (عليه السلام)هو إرث المرأة من المجموع قيمة لا عيناً كان عليه (عليه السلام)أن يذكر ذلك ببيان واضح ويقول: إنّ المرأة لا ترث من عين الدار وما عليها من البناء ولا ما فيها من الأشجار وإنّما ترث القيمة من المجموع .
إنّ أئمة أهل البيت فُصَحاء ـ كما قالوا ـ فما هو وجه الكلام تارة في تربة الدار والأرض، وأُخرى فيما عليها من الطوب والخشب مع اشتراك الجميع في النتيجة وهو إرث المرأة من قيمة الجميع.
الملاحظة الثانية: أنّ المستثنى منه في بدء النظر لا يخلو من أحد أُمور أربعة :
1. إمّا أن يكون عين التربة والأرض فيكون الاستثناء منقطعاً، وأنتم لا ترضون بذلك .
2. أن يكون المستثنى منه هو القيمة، فتكون النتيجة خلاف المدّعى وموافقاً لقول المشهور، إذ معناه لا ترث من قيمة الدار إلاّ قيمة البناء.
3. أنّ المستثنى منه، مجموع الدار من الأرض والبناء بأن أُريد من الدار

صفحه 264
كلا الجزأين: الدار والبناء، فيصح استثناء الطوب منه استثناء متصلاً لدخوله في المستثنى منه، إذ أُريد من الدار مجموع البناء والمبنيّ عليه، ويكون موافقاً لفتوى المشهور.
في ما أفاده المحقّق الشعراني   
4. أنّ المستثنى منه هو الدار مع الإضافات ومنها القيمة كما هو الظاهر من كلامكم .
ويلاحظ عليه: أنّه خلاف الظاهر، لاستلزامه لحاظ الجمع بين المبدل (العين) والبدل (القيمة) مع أنّهما طوليّان لا عرضيّان.
الملاحظة الثالثة: أنّ المرجع في تفسير الحديث هو العرف الدقيق لا العقل الدقيق ولا العرف المتسامح، وهذه الرواية ونظائرها إذا نظر إليها العربي الصميم، المتجرد ذهنه عن الخلافات الفقهية ينتقل إلى أنّ المراد هو حرمان المرأة من الأرض دون البناء.
الملاحظة الرابعة: قولكم: «إنّ المالك إنّما يملك حياة الأرض لا ذات الرقبة وإنّما يكون له حق الاختصاص بها» على خلاف ما ذهب إليه الفقهاء إلاّ من شذ، فإنّ الأرض تملك بالإحياء وتقبل النقل والانتقال. يقول المحقّق: ويملكها المحيي عند عدم الإمام من غير إذن .1 ونظير ذلك في المنتهى. (2)
وقال الشيخ الأكبر في «كشف الغطاء»: ثم إن أحياها المحيي كائناً مَن كان ـ بعد الغيبة ـ كانت ملكاً له ويملكها من شاء ويوقفها ويجري عليها أحكام الملك. (3)

1 . الشرائع: 1 / 293 .   2 . المنتهى: 1 / 936 .   3 . كشف الغطاء: 4 / 295 .

صفحه 265
وقد تضافر عنهم(عليهم السلام): «أنّ من أحيا أرضاً فهي له» فاللام للملكية دون الاختصاص، ولذلك لو خربت الأرض فما لم يعلم الإعراض من صاحبها ليس للآخر إحياؤها، وما في بعض الروايات من أنّ مَن ترك أرضاً ثلاثة أعوام يجوز للآخر التصرف فيها، قد أعرض عنه المشهور.
الملاحظة الخامسة: نقلتم عن المحقّق الشعراني (رضي الله عنه)أنّ الوجه لعدم ذكر قيمة الأرض هو أنّ أكثر الأراضي خصوصاً ما كان بيد الشيعة في الكوفة ونواحيها كان من المفتوحة عنوة، وكان لها حق اختصاص بسبب تملّك الآلات.... .
أقول: إنّه (قدس سره)وإن كان من أعلام المحقّقين المخلصين وقد زرته عن كثب فوجدته رجلاً موسوعيّاً، ومع ذلك يُردّ على كلامه بأُمور:
1. أن لازم كلامه أن تكون هذه الروايات قضايا خارجية لا قضايا حقيقية، وهل السائلون كلّهم كانوا عراقيين؟
2. لازم كلامه أن يعم الحرمان الرجال، إذ لا فرق بين الطائفتين في مورد الأراضي المفتوحة عنوة .
3. أنّ الحقوق المالية كحق الاختصاص أيضاً توّرث أيضاً فلماذا لم تلحظ في هذه الروايات مالية حق الاختصاص في إرثها بناءً على ما ذكرتم من أنّها ترث من مالية أرض الدار .
الملاحظة السادسة: أنّه قد ورد في روايات كثيرة أنّ المرأة لا ترث شيئاً، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، وإليك هذه التعابير:

صفحه 266
1. عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ المرأة لا ترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح شيئاً، وترث من المال والفرش».1
2. عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «ترث المرأة الطوب ولا ترث من الرباع شيئاً».2
في ما اختاره السيد المرتضى   
3. عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام); ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً». 3
4. عن طربال بن رجاء، عن أبي جعفر (عليه السلام): «إن المرأة لا ترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئاً وترث..».4
5. عن محمد بن مسلم وزرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ النساء لاترثن من الدور ولا من الضياع شيئاً». 5
6. عن الأحول، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «لا يرثن النساء من العقار شيئاً ولهن قيمة البناء».6
إنّ حمل هذه الروايات على أنّها لا ترث من العين، ولكن ترث من القيمة بعيد غايته، بشهادة أنّه لو قال القائل بعد هذه الجمل: إلاّ قيمة الدور،

1 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1 .
2 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2 .
3 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 6 .
4 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 12 .
5 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 13 .
6 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 16 .

صفحه 267
يُتلقّى كلاماً فاقداً للبلاغة، إذ لو كان المراد الحرمان من العين دون القيمة لما كان هناك أي حاجة إلى استخدام النكرة في سياق النفي، بل كان اللازم ان يقول: لا ترث من الدور بل ترث من القيمة.
الملاحظة السابعة: أنّ السيد المرتضى إنّما اختار أنّها ترث من قيمة الجميع، لأجل الجمع بين عموم آيات الإرث وما أجمع عليه الأصحاب من الحرمان، بتخصيص الحرمان بالعين وإيجاب القيمة على نحو ما اختاره في الحبوة.
وبما أنّ الإجماع دليل لبّي أخذ بالقدر المتيقّن وعذره في المقام أنّه
لم يعتد بالأخبار الواردة في المقام لكونها أخبار آحاد لا قيمة لها عنده، وأمّا من يعتدّ بها ـ كسماحتكم ـ فليس له إلاّ الأخذ بظواهرها على أنّ كلمة المجمعين صريحة في الحرمان مطلقاً عيناً وقيمة ولاوجه للاقتصار بالقدر المتيقّن.
الملاحظة الثامنة: أنّ لازم الجمع بين الروايات والآيات على النحو المذكور في كلامكم هو القول بأنّ قوله سبحانه: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ)أو (فَلَهُنَّ الّثُمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ)1 يتضمّن حكمين مختلفين: إرث العين من المنقول كالنقود وغيره، والقيمة من الدار والتربة ; ومن المعلوم أنّ الحكمين من قبيل المتباينين لما مرّ من أنّ الإرث من القيمة بدل الإرث من العين فهل تتحمّل الآية بيان كلا الحكمين بلفظ واحد؟!

1 . النساء: 12.

صفحه 268
وإلى ما ذكرنا يشير بعض المحقّقين إذ يقول: إذ ليس كل من العين والقيمة مندرجاً في العام اندراج المصاديق في المفهوم الكلّي حتى يكون حمل كلّ منهما على بعض أفراده عملاً به في الجملة .1
الروايات المعارضة لنظر المشهور   
الملاحظة التاسعة: ذكرتم حول رواية الأحول: «وما ورد في ذيلها «يعني من البناء: الدور» أنّها ظاهرة في أنّ المراد إعطاؤها قيمة الدور بما فيها قيمة رقبة أرضها... .
أقول: هذا التفسير من الراوي وعلى فرض كونه من الإمام (عليه السلام)، فلعلّ المراد هو تضييق صدق البناء وأنّه لا يشمل إلاّ بناء الدور لا سائر الأبنية كبناء الطاحونة والمعمل وغيرهما .
الملاحظة العاشرة: روى الكليني عن يزيد الصائغ، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن النساء هل يرثن من الأرض؟ فقال: «لا، ولكن يرثن قيمة البناء» قال: قلت: إنّ الناس لا يرضون بذا؟ قال: «إذا ولينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط ».2
فلو كان المقصود هو الحرمان من العين دون القيمة فلماذا لا يرضى الناس به؟! فإنّ دفع القيمة يكون أنفع للمرأة لخروج سهمها عن الإشاعة إلى الإفراز.
الملاحظة الحادية عشرة: ذكرتم إنّ التعبير بالإعطاء أو إعطاء حقّها أو

1 . بلغة الفقيه: 3 / 93 .
2 . الوسائل: ج 17، الباب 6، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 8 و 11.

صفحه 269
إعطاء ربعها أو ثمنها الوارد في ألسنة هذه الروايات يجعلها ناظرة إلى مقام التقسيم والإفراز لحقوق الورثة، وبيان أنّ حقّها من التركة ـ وهو الربع والثمن ـ لايعطى من عين الأرض والعقار، بل يعطى لها من سائر التركة.
يلاحظ عليه: أنّه ورد في الرواية الأُولى من الباب قوله: «إنّ المرأة لاترث ممّا ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدوابّ شيئاً وترث من المال والفرش والثياب ومتاع البيت ممّا ترك وتقوّم النقض والأبواب والجذوع والقصب فتعطى حقّها منه» .
فعلى ما ذكرتم يكون المعنى: يعطى حق المرأة من القرى والدور والسلاح والدواب من قيمة هذه الأُمور الأربعة: (النقض والأبواب والجذوع والقصب) أفهل يمكن أن تكون قيمة هذه الأُمور وافية لحق المرأة من قيمة القرى والدور والسلاح والدواب كلّها، ومثل ذلك لو أضفنا إلى الأُمور الأربعة ما تقدّمها من الأُمور الثلاثة، أعني: الفرش والثياب ومتاع البيت بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المراد أنّه يعطى حق المرأة المتعلّق بهذه الأُمور من قيمة هذه الأُمور.
ونظيرها ما رواه صاحب الوسائل برقم 5 و 7 و 12 و 15 في الباب السادس والجميع على غرار واحد وسبيكة واحدة .

حول الروايات المعارضة لنظر المشهور

هناك روايات معارضة لنظر المشهور وأُمور، ربّما تكون دليلاً لمختاركم ندرسها تالياً. أمّا الروايات فهي:
1. روى عبيد بن زرارة وفضل بن العباس قال: قلنا لأبي عبدالله (عليه السلام)ما

صفحه 270
تقول في رجل تزوج امرأة ثم مات عنها وقد فرض الصداق؟ قال: «لها نصف الصداق وترثه من كل شيء، وإن ماتت فهو كذلك».
ومحل الاستدلال قوله: «وترثه من كل شيء».
أقول: إنّه ظهور بدوي، وذلك لأنّ الراوي لمّا توهّم أنّ عدم الدخول يسبّب عدم إرثها من زوجها بتاتاً، وكأنّ العلقة عند السائل تتحقّق بالدخول لا بالعقد، فردّه الإمام (عليه السلام)أنّ موت الزوج قبل الدخول لا يؤثر في ما تستحق من الإرث. فعلى هذا معنى قوله: «فترثه من كل شيء» أي ممّا تستحق أن ترث.
وبعبارة أُخرى: أنّ الإمام (عليه السلام)في مقام دفع التوهّم المذكور لا في مقام بيان حد الإرث وما ترث.
2. رواية الصحّاف قال: مات محمد بن أبي عمير بياع السابري وأوصى إليّ وترك امرأة له لم يترك وارثاً غيرها، فكتبت إلى العبد الصالح (عليه السلام)فكتب إليّ: «اعط المرأة الربع واحمل الباقي إلينا» .1
ومحل الاستدلال: إطلاق قوله: «أعط المرأة الربع» .
يلاحظ عليه: أنّه لم يرد في الرواية أنّ الرجل ترك أرضاً أو تربة أو ربعاً أو ما شاكله، ولعلّ التركة كانت غير الأرض والدار. وليس المراد من محمد بن أبي عمير هو التاجر الثريّ المعروف، لأنّه توفّي عام 217 هـ وتوفّي العبد الصالح (عليه السلام)(186 هـ).
أضف إلى ذلك: أنّه يمكن أن تكون اللام في الربع للعهد الذهني، أي

1 . الوسائل: ج 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2 .

صفحه 271
الربع المعهود في ذهن الشيعة في إرث الزوجة.
3. معتبرة ابن أبي يعفور والفضل بن عبدالملك وجاء فيها عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئاً؟ فقال: «يرثها وترثه من كل شيء ترك، وتركت ».1
أقول: الرواية على عكس المدّعى أدلّ حيث إنّ الراوي قد سلّم بأنّ المرأة لا ترث من التربة فيسأل الإمام (عليه السلام)عن إرث الرجل وأنّه هل هو بمنزلة المرأة حتى لا يرث من الأرض أو لا؟ فأجاب الإمام (عليه السلام)أنّها ترث من كل شيء، فالرواية تشهد بأنّ الرأي السائد بين الشيعة ـ يوم ذاك ـ كان هو عدم إرث المرأة من الأرض، وعلى ذلك بنى السائل سؤاله وقاس الزوج بالزوجة، فعند ذلك لا محيص من حمل الجواب على التقية، لكونها مخالفة لما هو المشهور بين الشيعة حسب ما تعطيه الرواية، وإلاّ لما اكتفى الإمام (عليه السلام)في ردع هذه الذهنية للسائل بجملة بسيطة ذكرت استطراداً في مقام الجواب عن سؤال آخر.
وقد اتّقى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في بيان الفروض في غير مورد، نذكر منها موردين تجنباً للإطالة:
1. روى عبدالله بن مُحرز قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أوصى إليّ، وهلك وترك ابنته؟ فقال: «اعط الابنة النصف، واترك للموالي النصف»،

1 . الوسائل: ج 17، الباب 7 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1 .

صفحه 272
فرجعت فقال أصحابنا: لا والله، ما للموالي شيء. فرجعت إليه من قابل فقلت له: إنّ أصحابنا قالوا ما للموالي شيء، وإنّما اتقاك.
فقال: «لا والله ما اتقيتك لكنّي خفت عليك أن تؤخذ بالنصف، فإن كنت لا تخاف فادفع النصف الآخر إلى ابنته فإنّ الله سيؤدي عنك».1
2. وممّا يشهد على تقيتهم في مسائل الإرث ما رواه الفقيه باسناده عن ابن عباس أنّه قال: كتب إليّ علي بن أبي طالب (عليه السلام)في ستة إخوة وجّد، أن أجعله كأحدهم وامحُ كتابي، فجعله عليّ (عليه السلام)سابعاً معهم، وقوله: وامحِ كتابي، كره أن يشنع عليه بالخلاف على مَنْ تقدمه. 2
مشكلة اختلال الميزان في الفرائض والأسهم   

مشكلة اختلال الميزان في الفرائض والأسهم

«.. إذا كانت الزوجة لا ترث من العقار شيئاً فلا محالة سوف يقلّ سهمها عن الربع والثمن للتركة، وتقييد ذلك بالربع والثمن ممّا ترث منه من التركة لا كلّ التركة وإن كان يحفظ عنوان الربع والثمن، إلاّ أنّ هذا عندئذ يكون خلاف مقام التحديد وتعيين السهام بالنسب والفروض، أي يوجب اختلال الميزان للفرائض والسهام ويكون أشبه بالألغاز والتمويه حينئذ وليس بابه التقييد والتخصيص».
يلاحظ عليه: أوّلاً: ما الفرق بين المقام حيث يُحدّد فرضها بالثمن ثم يشار بدليل منفصل إلى أنّ فرض الثُمن يتعلّق بغير العقار، وبين قوله سبحانه:

1 . الوسائل: ج 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 7 .
2 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد، الحديث 8 .

صفحه 273
(وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءْ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى)1 ثم يحدّ بأنّ الخمس بعد المؤونة.
وثانياً: أنّ هذه المشكلة ليست مختصّة بهذا المورد، فإنّ اختلال الميزان للفرائض والسهام ـ لو صحّت تسميته إخلالاً بهما ـ ليس شيئاً غريباً في باب الإرث لتوفّره في الموارد التالية :
1. عند زيادة السهام على التركة يدخل النقص على طائفة دون طائفة، وبالتالي ينقص الميراث عن السهام .
2. عند زيادة التركة على السهام يُردّ الباقي على الورّاث، وبالنتيجة يزيد الميراث على السهام.
خلافاً لأهل السنّة حيث عالجوا المشكلة في الموردين بالعول والتعصيب .
3. سهم الولد الأكبر يزيد على الفرض بالحبوة. فيكون سهم الولد الأكبر أزيد من حظ الأُنثيين وقد قال سبحانه: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(2).
4. حرمان القاتل والكافر من الإرث، وبالتالي تحصل الزيادة في سهام الآخرين، كالبنت والبنتين إذا كان الأب قاتلاً أو كافراً.
5. إذا مات الرجل عن بنت واحدة فهي ترث النصف فرضاً والباقي قرابة، فتكون وارثة للكل لا للنصف وإن كان ذلك باعتبارين، ومثلها إذا مات عن بنتين فهما ترثان الثلثين فرضاً والباقي قرابة فيكون ميراث الواحدة أو

1 . الأنفال: 41 .   2 . النساء: 11 .

صفحه 274
الاثنين أزيد من الفرض المحدّد الوارد في قوله سبحانه: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)1.
مشكلة تأخير البيان   

مشكلة تأخير البيان

إنّ مشكلة تأخير البيان لاتختص بالمورد فإنّ كثيراً من أُصول الأحكام أوّلاً والمقيدات والمخصصات ثانياً ورد في لسان الصادقين(عليهما السلام)ومن بعدهما من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ولا يمكن الالتزام فيهما بالنسخ إذ لا نسخ بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالجواب في الجميع أمر واحد، وهو أنّ وجود المصلحة قد أوجب بيان الأحكام تدريجاً فالأحكام كلّها كانت مشرّعة في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)نازلة عليه، غير أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بيـّن ما بيـّن، وأودع مالم يُبيّن ـ إمّا لعدم استعداد في المجتمع أو لعدم وجود الفرصة للبيان، أو لوجود المصلحة في تأخيره ـ عند أوصيائه الأئمة المعصومين (عليهم السلام)بعده، و ليس تأخير البيان أمراً قبيحاً بالذات حتى لا يُغيّر حكمه، وإنّما هو بالنسبة إلى القبح كالمقتضي نظير الكذب، فلو كان هناك مصلحة غالبة كنجاة المؤمن كان أمراً حسناً. هذا هوالحقّ الذي يدركه من سبر حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمجتمع الإسلامي.
فأقصى ما في تأخير البيان وقوع المكلّف في المشقّة، أو تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، و كلّها هيّنة إذا اقتضت المصلحة الكبرى تأخير البيان.
والمسألة مطروحة في باب التعادل والترجيح وأخص بالذكر فرائد

1 . النساء: 11.

صفحه 275
الشيخ، وقد ذكر وجوهاً لهذا النوع من التأخير، وتبعه غيره من الأعلام في نفس الباب .
أضف إلى ذلك: أنّ الظاهر من رواية الصفّار أنّ البيان لم يتأخّر، وإنّما خفي على الناس بعد وروده. روى محمد بن الحسن الصفّار عن محمد بن الحسين (الخطاب)، عن جعفر بن بشير، عن الحسين بن مخلد، عن عبدالملك قال: دعا أبو جعفر (عليه السلام)بكتاب علي (عليه السلام)فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطوياً فإذا فيه: «إنّ النساء ليس لهنّ من عقار الرجل إذا توفّي ـ عنهن ـ شيء» فقال أبو جعفر (عليه السلام): «هذا والله خط علي وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)».1
على أنّ تأخير البيان أمر مشترك بين الحرمان مطلقاً أو الحرمان من العين والدفع من القيمة، إذ لم يرد في الرواية بوجه صريح يدلّ على حرمانها من الأصل، ودفع سهمها من القيمة، وذلك لأنّ الظاهر من الآيات كونها سهيمة في عين التركة كسائر الورّاث.

***

الآن حصص الحق

قد ظهر من هذا البحث الضافي أنّ حرمان الزوجة من العقار أمر لا يمكن تجاوزه، وذلك للوجوه التالية:
1. أنّ التفصيل بين الدار والطوب والخشب في الروايات قاطع للشركة، كما مرّ.

1 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الازواج، الحديث 17 .

صفحه 276
2. أنّ استخدام النكرة ووقوعها في سياق النفي لا يلائم حرمانها من العين فقط دون القيمة.
الوجوه الدالّة على حرمان الزوجة من العقار   
3. الظاهر من رواية يزيد الصائغ أنّ حرمانها من العقار كان أمراً مسلّماً في عصر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ولذلك يقول الصائغ: قلت إنّ الناس لا يرضون بذا، قال: «إذا ولينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط» فإنّ إعمال السوط أفضل دليل على الحرمان المطلق لا الحرمان من العين دون القيمة، لأنّ كثيراً من الناس يرضون بذلك.
4. أنّ معتبرة ابن أبي يعفور تدلّ على أنّ حرمان الزوجة من الأرض كان أمراً مسلّماً عند الراوي وبالتالي عند الشيعة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)حيث جعل معتقده في المورد أساساً للسؤال عن إرث الزوج من الزوجة، وأنّه هل هو كإرث الزوجة من الزوج في الحرمان من الدار والأرض.
5. نرى أنّ أبا جعفر (عليه السلام)يحلف بالله في حرمان الزوجة من عقار الرجل ويقول: «هذا والله خط عليّ وإملاء رسول الله». فإنّ هذا الحلف يناسب حرمانها على وجه الإطلاق لا حرمانها على الوجه النسبي بأن ترث القيمة دون العين.
6. أنّ كتاب عليّ (عليه السلام)أفضل دليل على عدم تأخير البيان وإنّما طرأ عليه الخفاء بعد البيان، وقد أظهره الإمام الصادق (عليه السلام)بعد خفائه فترة من الزمن.
7. أنّ مشكلة التأخير ـ على فرض التسليم ـ أمر مشترك بين القولين، إذ لم يرد في الرواية ما يدلّ صريحاً على إرثها من قيمة جميع ما تركه الرجل.

صفحه 277
8 . أنّ معتبرة ابن أبي يعفور على عكس المدّعى أدّل، حيث تدلّ على أنّ الرأي السائد بين الشيعة في عصر صدور الرواية هو حرمانها من العقار، أفيمكن أن تكون هذه الشهرة بلا دليل ولا وجه، وعلى ذلك يكون قول الإمام: «يرثها وترثه من كل شيء» محمولاً على التقية، وليس التقية في باب الفرائض أمراً نادراً، حيث إنّ الإمام اتّقى في رواية عبدالله بن مُحرز وقال: «النصف للبنت والنصف الآخر للعصبة»، كما أنّ الإمام علياً (عليه السلام)بعدما أفتى في مورد الجّد بشيء ثم كتب إلى ابن عباس ألاّ ينشر ما كتب ويجعل الجد كأحد الإخوة.
9. أنّ الشهرة الفتوائية المجرّدة عن الرواية بين أصحاب الأئمة(عليهم السلام)فضلاً عما إذا كانت مدعمة بالروايات المستفيضة، من مميزات الحجّة عن اللاحجّة، لا من المرجّحات، فلذلك ترى أنّ عبدالله بن مُحرز لمّا فهم الرأي السائد بين أصحاب الإمام ترك قول الإمام الذي سمعه مباشرة وتوقّف عن العمل بمناسبة وجود الشهرة على خلاف قوله (عليه السلام)، إلى أن لقيه في العام القابل وذكر القصة، فأفتاه الإمام بالحكم الواقعي، وفي المقام قد عرفت أنّ بعض الروايات يدلّ على وجود الشهرة الفتوائية بين الأصحاب في عصر الأئمة(عليهم السلام)هو حرمان المرأة من العقار.
ومع هذه القوة التي هي فوق المرجّحات كيف يمكن الإفتاء بالخلاف.
10. وأمّا ما ورد في رواية ميسّر بيّاع الزطّي عن أبي عبدالله (عليه السلام)من تعليل الحرمان بأنّه إنّما صار هذا كذا لئلاّ تتزوج المرأة فيجيء زوجها أو

صفحه 278
ولدها من قوم آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم 1 .
إذ ربّما يتوهّم اختصاص الحكم بما إذا كان هناك وارث غير الزوجة دونما إذا لم يكن وارث غيرها، فلا وجه لحرمانها عندئذ .
فملحوظ فيه، حيث إنّها من قبيل الحِكَم، لا العلل، كتعليل لزوم الاعتداد للمرأة بالعِلم بحالها من كونها حاملاً أو لا، مع أنّه يجب الاعتداد عليها وإن علمت حالها كما إذا لم يكن هناك لقاء عبر سنة. ولذلك تعامل الفقهاء مع أمثال هذه العلل، معاملة الحكمة فلا يدور الحكم مدارها ثبوتاً وتعيّناً.
هذه ملاحظات متواضعة نقدّمها إليكم راجين إمعان النظر فيها، لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً .
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
20 صفر المظفر 1430 هـ

1 . الوسائل: ج 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3 .

صفحه 279
    نخبة الأزهار في أحكام الخيار

نخبة الأزهار

في
أحكام الخيار
تأليف
آية اللّه الشيخ محمدحسين بن الحاج محمدجعفر السبحاني الخياباني التبريزي
(1299 ـ 1392 هـ)

صفحه 280


صفحه 281
    نخبة الأزهار في أحكام الخيار
ترجمة شيخ الشريعة الأصفهاني   

تقديم: بقلم العلاّمة الحجّة السيد أحمد الحسيني

المسائل الفقهية بمجموعها تُعنى بالروابط الموجودة بين الإنسان المسلم وربّه أو مجتمعه أو نفسه، فمادام يعتقد بالإسلام لابدّ له من العمل بدستوره والسير على ضوء شريعته في كلّ تصرّفاته الفرديّة والاجتماعية، وحتى في عقائده القلبية وضميره الإسلامي.
إنّ ما يصدر من الإنسان له حكم خاصّ في الشريعة الإسلامية ووجهة نظر تخصّه، وهذا الحكم هو المعبّر عنه في لسان علماء الدين بـ(الفقه)، والعالم الذي تتحصّل له ملكة استخراج الحكم من آيات كتاب اللّه العظيم ودلائل سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المبيّنة بواسطته أو بواسطة الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) هو المسمى بـ(الفقيه).
و على الفقيه أن يسعى في استنباط الأحكام لنفسه ولمن لم تتهيّأ له وسائل الاستنباط من سائر المسلمين، حتى يتمكّنوا من التوفيق بين أوامر اللّه تعالى وبين أعمالهم من العبادات والمعاملات وبقية شؤونهم العامّة والخاصّة، ولولا هذا الطريق لما عرف الناس أحكام ربّهم، ولحاروا في متاهات الجهل وسبل الضلال.
من هنا نحسّ بشدة ضرورة فتح باب الاجتهاد والبحث الجاد عن كلّ

صفحه 282
مسألة مسألة من الفقه، لئلاّ يصيبه الجمود في شكله ومحتواه، وليتبلور حتى يصبح معطاءً مجيباً على كلّ حادثة تحدث ومسألة تتجدّد، ويسير مع عجلة الزمن ويملأ الفراغ الذي يواجهه الإنسان الذي يعطي كلّ يوم شكلاً جديداً لحياته الفكرية والاجتماعية.
إنّ تعطيل التجديد والاجتهاد في الفقه الإسلامي يعني إيقاف المسلم عن سيره التقدّمي، والحدّ من نشاطاته الأصيلة، ودفعه إلى التسوّل من الخارجين على دينه والمناهضين لمعتقداته... وأخيراً سلب الاعتماد على شخصيّته وذوبانه فيما يستورد له من وراء حدود وطنه الإسلامي الأكبر.
و معنى عدم تعطيل ذلك، اشتغال جماعة من ذوي الاختصاص في مسائله وبذل جهودهم في النظر والبحث والاستنباط، حتى تستوفي جوانب المباحث، وتستخرج الحكم نقياً خالصاً من شوائب التسرّع أو عدم استفراغ الوسع.
و يزيد قيمة الاستنباط إذا كان الفقيه من ذوي الأقدام الراسخة في التدريس والتنقيب و الفحص، يعطي مجال النقاش للتلامذة حتى تظهر مواهبهم المكنونة وينجلي صدأ أذهانهم، وهو يستفيد أيضاً من الإشراقات الّتي ربّما تسطع على أفكارهم، فينتبهون إلى نكات بعدت عن ذهنه، أو يلتفتون إلى نقطة ضعف غابت عن خاطره.
في هذه المجموعة الفقهية ـ التي نُقدم لها بهذه الكلمة المتواضعة ـ نقرأ جهداً علمياً تتوفّر فيه أُسس الاستنباط بأجلى معانيه، ونستشعر بالنظر فيها عظمة أُستاذ كانت له شهرة واسعة في الفقه والاستنباط أفنى سنين طويلة من عمره في جامعة النجف الأشرف مدرّساً و مربّياً ومجدّداً، كما نستشعر

صفحه 283
جلالة تلميذ امتلأ بالمواهب والجدّ حتى قطع أشواطاً بعيدة في العلم والبحث.
أمّا الأُستاذ فهو:

شيخ الشريعة الاصبهاني1

أُستاذ الفقهاء، مرجع عصره، الزعيم الديني الكبير الميرزا فتح اللّه بن محمد جواد النمازي2 الشيرازي المعروف بشيخ الشريعة3.
نشأ بها نشأته الأُولى وتتلمذ بتفوّق على كبار علمائها في المراحل الدراسيّة المختلفة.
و من أساتذته الذين أخذ عنهم في اصبهان: المولى عبدالجواد الخراساني، والمولى حيدر علي الاصبهاني، والمولى أحمد السبزواري، والمولى محمدصادق التنكابني، والمولى محمدتقي الهروي، والحاج الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمدتقي الأصبهاني، وتلقّى من الأخير كثيراً من المباحث الفكرية والأُصولية وسمع عليه تحقيقاته في تقوية القول بحجيّة الظن بالطريق.

1. انظر ترجمته في: أعيان الشيعة: 42/257، معارف الرجال:4/154، أحسن الوديعة: 1/171، علماء معاصر: 122، مصفى المقال:193، ريحانة الأدب:3/206، مكارم الآثار: 5/1816، الأعلام للزركلي:5/333، معجم المؤلفين: 8/52، الذريعة في مختلف أجزائه.
2. قيل: إنّ جدّه الحاج محمدعلي النمازي كان كثير الصلاة مداوماً عليها، فاشتهر بهذا اللقب (نمازي) وبقي ذلك في أحفاده; و قيل: إنّه من أعقاب نمازان خان التركماني الذي نقله الشاه عباس الصفوي من ماوراء النهر إلى اصبهان وكثر أعقابه في ايران وغيره، ولقّب بيتهم بهذا اللقب.
3. كان يلقّب أوّلاً بـ (الشريعة)، ويلقّب أخواه بـ (الطريقة) و (الحقيقة); أو كان يلقّب بـ (شريعة الحق) ثم اشتهر بـ (شيخ الشريعة)، وبقي يعرف به.

صفحه 284
و سافر إلى مشهد الرضا(عليه السلام) للزيارة، فجرت به مباحثات بينه وبين علمائه الأجلاّء وظهر فضله في سائر العلوم، ثم عاد إلى اصبهان وانقطع عن الحضور على الأساتذة، واشتغل بالتدريس والإفادة بطريقة أُعجب الطلبة بها والتفوا حوله.
ثم هاجر إلى النجف الأشرف ـ مدينة العلم وموئل العلماء ـ في سنة 1295هـ، وتتلمذ على أساتذتها الأعلام، ونهل من نميرهم الصافي، وواصل ليله بنهاره حتى حاز مرتبة عظيمة في العلم والفضيلة، وأصبح من رجالاتها المعدودين وأساتذتها المشهورين، وكان من أبرز شيوخه في النجف: الحاج ميرزا حبيب اللّه الرشتي، والشيخ محمدحسين الكاظمي.
و في سنة 1313هـ قصد حجّ بيت اللّه الحرام وزيارة النبي الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولمّا عاد إلى النجف انقطع للتدريس والبحث والتصنيف والتأليف.
و له الإجازة بالرواية عن جماعة من الأعلام، منهم; السيدمهدي القزويني الحلّي، والسيد محمد باقر الخونساري صاحب الروضات، وأخيه السيد محمدهاشم الخونساري، و الشيخ محمدطه النجف، والشيخ محمدحسين الكاظمي.

***

كان الشيخ أيام دراسته باصبهان يمارس التدريس لحلقة من الطلاب، ولمّا عاد من مشهد انقطع إلى التدريس كما ذكرنا ـ وعندما هاجر إلى النجف زاول التدريس أيضاً ضمن تتلمذه على أساتذتها حتى سنة 1313هـ حيث رجع من الحجّ، وفيها استقلّ بإلقاء محاضراته العالية في الفقه والأُصول وغيرهما، معنيّاً بتربية رجال العلم، ومنصرفاً إلى تنشئة العلماء والأفاضل.

صفحه 285
و يتّفق مترجموه على أنّه ربّى مئات من أهل العلم في حوزة اصبهان والنجف، وكانت حلقة درسه مرغوباً فيها يتوافد عليها الطلاب والراغبون في الدراسات العالية.
و يعود السبب في التفاف الطلبة حوله وتسابقهم إلى محضر درسه، إلى أخلاقه الطيّبة، وحسن إلقائه، وعمق الموضوعات التي كان يتناولها، وتشعّب ثقافته، واطّلاعه الواسع على فنون من العلم.

***

يمتاز الشيخ على كثير من الفقهاء المعاصرين له بالموسوعية والمطالعة الطويلة في العلوم التي لاتدخل في نطاق الفقه من قريب، فقد كان ـ كما ينقل ـ قويّ الحافظة، مرهف الشعور، سريع الانتقال، كثير القراءة، ومداوم النظر في الكتب المتفرّقة. وتجمّع هذه الصفات فيه خلقت منه عالماً يلم بفروع العلوم المتداولة في بيئته وغير المتداولة.
ففي الفقه وأُصوله كان بارعاً لم يشقّ له غبارٌ، وأذعن بتفوّقه فيهما مَن أتى بعده من شيوخ العلم في حوزة النجف وغيرها.
و في الكلام والعقائد والفلسفة كان متمكّناً يكتب الرسائل فيها، ويناظر المخالفين ويتغلّب عليهم.
و في علوم القرآن والأدب يتحدّث بقوة الآخذ بناصيتها، المتمرّن في مسائلها، ويكتب مسألة خلافية، منها(قراءة ملك ومالك في سورة الفاتحة) فيفتح أمام قارئه آفاقاً من التحقيق والدقّة العلميّة في الأقوال والآراء.
و في الحديث كان على جانب عظيم من الدراية به، وحتى في الكتب

صفحه 286
الحديثية التي ألّفها إخواننا أعلام أهل السنّة، ففي كتابه «القول الصراح» ترى دقة متناهية في علوم الحديث وعلله، عديمة النظير في زمانه.
و في الرجال وأحوال الرواة وتراجمهم هو في الرعيل الأوّل من روّادها والمحقّقين فيها، حتى يقول تلميذه العلامة الشيخ آغابزرگ الطهراني عنه في كتابه« مصفى المقال»: أطول باعاً في فنون الحديث والرجال بعد شيخنا العلاّمة النوري من سائر مَن أدركتهم من المشايخ.
أضف إلى ذلك معرفته بالطب والعلوم الرياضية، فقدنقل بعض الثقات أنّه مرض فأُحضر له أحد الأطبّاء، فجعل يشرح له مرضه وأسبابه على ضوء ما جاء في كتاب( القانون) لابن سينا، فظنّ الطبيب أنّه بمناسبة مرضه قد قرأ الموضع الخاص من القانون، ولكنّه استدرجه في الكلام إلى أمراض أُخرى والمسائل الطبّية، فكان الشيخ يتحدّث معه عنها كأنّ القانون قد فتح أمامه يقرأه.
و ملخّص القول: نردّد هنا ما قاله السيد الأمين في كتابه «أعيان الشيعة»: كان يمتاز بمشاركته في فنون الفلسفة القديمة والحكمة الإلهية، فضلاً عن العلوم الإسلامية من الكلام و الحديث والرجال وخلافيات الفرق ومعرفة آراء الملل والنحل والأهواء والمقالات، وما لها وما عليها من الحجج والأدلّة.1

***

و من بين نشاطات الشيخ العلمية تبرز عدد من الكتب القيّمة التي

1 . أعيان الشيعة: 8 / 392 .

صفحه 287
تتّسم بالعمق في الموضوع وأحياناً الابتكار، وإليك أسماء ما وقفنا عليه من تلكم الدرر الغالية:
1. إنارة الحالك في قراءة ملك ومالك.
2. إبانة المختار في إرث الزوجة من ثمن العقار.
3. صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة.
4. إفاضة القدير في أحكام العصير، طبع بقم سنة1370هـ .
5. قاعدة لاضرر، طبع بقم سنة 1368هـ .
6. قاعدة الطهارة.
7. قاعدة الواحد البسيط.
8. رسالة في المتمّم كرّاً.
9. رسالة في التفصيل بين جلود السباع وغيرها.
10. رسالة في العصير العنبي.
11. رسالة في علم الباري بالممتنعات.
12. تعاليق على الفصول في الأُصول.
13. مناظرة مع الآلوسي البغدادي.
14. القول الصراح في نقد الصحاح.
15. إبرام القضاء في وسع القضاء.
هذا ما عدا حواشيه على كثير من الكتب الدراسية، ورسائله الفتوائية لعمل مقلّديه، وغيرها من الكتابات المتفرقّة.

***


صفحه 288
مكانة الشيخ المعروفة في العلم والتقوى، وشهرته الواسعة في أوساط النجف واصبهان ـ التي كانت من أهم الحوزات العلمية آنذاك ـ مهّدت له الزعامة الدينية والمرجعية العامّة، فقلّده كثير من الناس في أواخر أيّام فقيه عصره السيد محمدكاظم الطباطبائي اليزدي، وبعد أن توفّي السيد زاد عليه الإقبال في التقليد، وأصبح المرجع الأعظم بعد وفاة الفقيه الزعيم الميرزا محمدتقي الشيرازي ـ قدّس اللّه أسرار الجميع ـ .
و أثناء قيامه بمهام المرجعية العظمى والزعامة العامة، شارك الثوار العراقيين في جهادهم ضد الإنجليز، وكانت له مشاركة فعالة في صدّ هجوم العدو على الوطن الإسلامي، و تحالف رؤساء القبائل وزعماء العشائر في الدفاع والمطالبة بحقوق الشعب العراقي، وكان قد قرب الغلب على العدو الكافر لولا خيانة بعض شيوخ العشائر ونفر من كبار التجّار و الساسة، كما هو مفصّل في الكتب المؤلّفة في تاريخ الثورة العراقية.
و على أثر سفره للجهاد أصيب بمرض عضال في صدره كان يقعده في الفراش من حين إلى آخر، واشتدّ عليه المرض بعد توارد الحوادث والآلام، إلى أن اختار اللّه تعالى له الدار الآخرة، فتوفّي في النجف الأشرف ليلة الأحد الثامن من شهر ربيع الثاني سنة 1339هـ و دفن في الصحن الغروي الشريف في إحدى الغرف الشرقية.
ترجمة محمد حسين السبحاني   

صفحه 289
وأمّا التلميذ فهو:

الشيخ محمدحسين السبحاني

فقيد العلم والتُّقى آية اللّه الشيخ محمدحسين بن الحاج محمدجعفر بن الحاج فرج اللّه السبحاني الخياباني التبريزي.1
ولد بمدينة تبريز في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك سنة 1299هـ، وبها قضى أيام طفولته ونشأ نشأته الأولى، وفي حوزتها العلمية بدأ بالدراسات الدينية وقطع مرحلتي المقدّمات والسطوح ومقداراً من دروس الخارج، ومن نميرها العذب استقى العلوم الإسلامية، فقرأ علم الفلك والنجوم والحساب على المرحوم الميرزا علي المنجّم اللنكراني، والفقه والأُصول على آية اللّه المرحوم الأنگجي، والفلسفة على الفيلسوف الشيخ حسين القراچه داغي.
ثم هاجر إلى جوار عليّ(عليه السلام) سنة 1327 هـ ، وبقي أحد عشر عاماً في النجف الأشرف يتلقّى الدراسات العالية من خيرة مشايخ العلم بها، وكان في مقدّمتهم الآيات العظام السيد محمدكاظم الطباطبائي اليزدي، والشيخ ضياء الدين العراقي، وشيخ الشريعة الاصبهاني، وكان الأخير أشدّ أساتذته أثراً على مسيرته العلمية، لأنّه كان ملازماً له أكثر من عشر سنوات مستفيداً منه في دروسه العامّة ومجالسه الخاصّة.

1. تجد ترجمته في: علماء معاصرين:396، نقباء البشر:2/559، معجم رجال الفكر في النجف:177، گنجينه دانشمندان:3/314، الذريعة في مختلف أجزائه.

صفحه 290
و بعد أن بلغ المرتبة العالية من العلم والفضيلة وقطع أشواطاً سامية من الفقاهة، رأى ضرورة العودة إلى وطنه(تبريز) للإرشاد والتبليغ والعمل على إقامة دين اللّه تعالى في العباد و تعليم الناس معالم دينهم، فعاد في سنة 1339هـ إلى مسقط رأسه وأقام به مشتغلاً بالشؤون العلمية والاجتماعية.

***

أجيز شيخنا المترجم اجتهاداً ورواية من آيات اللّه العظام: شيخ الشريعة الاصبهاني، و الميرزامحمدتقي الشيرازي، والسيدمحمد الفيروزآبادي، والحاج الشيخ عبدالكريم الحائري، والسيد أبوالحسن الاصبهاني، والشيخ ضياء الدين العراقي.
و فيما يلي ننقل قطعة من إجازة الأخير، ومنها تبدو مكانة الشيخ الرفيعة عند أساتذته الذين تتلمذ عليهم، قال:
«... وبعد فإنّ العالم العامل والفاضل الكامل، بحر التُّقى وعلم الهدى، جامع المعقول والمنقول، حاوي الفروع والأُصول، فخر الفضلاء الفخام، وافتخار الفقهاء القمقام، شيخنا المكرّم ومولانا الأعظم، الشيخ محمد حسين التبريزي، قد هاجر عن وطنه الشريف طالباً لتحصيل الكمال، ومجدّاً لتحصيل العز والاستقلال، فجدّ واجتهد إلى أن بلغ درجة الاجتهاد فإنّه منتهى المراد، واللّه در من يعرف قدره ويأتمر بأمره ويحفظ قوله...».
لم يتوان الشيخ عن التأليف والتصنيف حين دراسته في النجف الأشرف، وبعد أن عاد إلى وطنه، فكتب تقرير دروس أساتذته وألّف في

صفحه 291
موضوعات علمية أُخرى يبدو من خلالها دقّة الضبط والشمول والعمق، ومن آثاره الموجودة الآن:
1. إرشاد الأفاضل إلى مطالب الرسائل، تعليقة على رسائل الشيخ الأنصارى في جزأين، فرغ منها سنة 1365هـ .
2. نكت الكفاية تعليقة مختصرة على الكفاية، كتب أكثرها في حياة صاحب الكفاية، و فرغ منها سنة 1330هـ .
3. كتاب الصلاة، استدلالي موسّع.
4. توقّف الاجتهاد على العلم بالرجال.
5. حاشية كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري، غير منقّحة.
6. المواعظ والأخلاق، لم يرتّب بعد.
7. نخبة الأزهار في أحكام الخيار.
8. تحديد الكرّ وزناً ومساحة، أتمّه سنة 1334هـ .
9. تعريف البيع والفرق بين الحق والحكم.
10. ملاقي الشبهة المحصورة وحكم المضطر إلى ارتكابها.
و الرسائل الأربع الأخيرة هي التي نقدّم لها في هذه المجموعة، وقد سعى مشكوراً فضيلة العلاّمة الشيخ رضا الأُستادي في تهيئتها للطبع وتخريج أحاديثها ـ جزاه اللّه خيراً عن العلم والعلماء ـ .

***

ذكرنا فيما سبق أنّ الشيخ عاد إلى تبريز في سنة 1339 هـ شعوراً

صفحه 292
بالمسؤولية الدينية الملقاة على عاتقه، ومن حين رجوعه إلى موطنه بدأ بالتدريس والتأليف وتربية الطلاب، كما اشتغل بسائر الوظائف الشرعية والاجتماعية، وكان مثالاً رائعاً في العمل الجاد والزهد والتقوى وحسن الخلق وصفاء الضمير.
و في ظهيرة يوم الحادي عشر من شهر شوال المكرم سنة 1392هـ جاء أجله المحتوم، فلبّى نداء ربه سعيداً نقي الصحيفة، وشيّع جثمانه الطاهر وجوه أهالي تبريز، ثم نقل إلى مدينة قمّ المقدسة حيث مقرّه الأخير، فدفن في مقبرة العلماء ( من مقابر أبوحسين) بعد أن شيّع جنازته الزكية حشد من العلماء وشيوخ الحوزة العلمية، وأقيم في المدينيتين وغيرهما فواتح ومجالس التأبين اشترك فيها سائر الطبقات.
رحم اللّه الماضين من علمائنا العاملين، ووفّقنا للأهتداء بهديهم والسير على ضوء تعاليمهم الدينية البنّاءة، إنّه خير موفّق ومعين.

السيد أحمد الحسيني

قم ـ 20 ذي الحجة الحرام 1398هـ

مقدّمة   


صفحه 293
الحمدُ للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأوّلين والآخرين محمد، وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، ولعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.
أمّا بعد: فيقول العبد المذنب الآثم، المحتاج إلى اللّه العاصم، محمدحسين بن الحاج محمد جعفر بن الحاج فرج اللّه السبحاني التبريزي: هذه درر فوائد، وغرر فرائد، التقطتها من بحث خيارات شيخنا العلاّمة، إنموذج السلف، وزبدة الخلف، شيخ الفقهاء والمجتهدين رئيس الملّة والدين، أُستاذ العلماء المتأخرين آية اللّه العظمى وحجّته الكبرى، العالم الربّاني: الشيخ فتح اللّه الشهير بشيخ الشريعة الاصفهاني، أعلى اللّه مقامه، ورفع في الخلد مكانه، جعلتها تذكرة لنفسي، وتبصرة لغيري إن شاء اللّه.

صفحه 294
   

 

ما هي حقيقة الخيار؟

الخيار لغة اسم مصدر من الاختيار، وهو عبارة عن ترجيح القادر أحد طرفي ما يراه خيراً لنفسه أو لمنوبه فيختاره، ولو كان ذلك من جهة الاعتقاد النفساني الشهوي دون الاعتقاد الواقعي.
و أمّا تعريفه بالقدرة مطلقاً، سواء أكانت على المعنى الذي عرّفها به المتكلّمون، من صحّة تساوي نسبة الفعل والترك; أم على المعنى الذي عرّفها به الحكماء، أعني: إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ولكنّه شاء وفعل، فغير صحيح جداً; لأنَّ الاختيار متفرّع على القدرة ومن نتائجها ولوازمها، لا أنّه نفسها كما لايخفى.
قال الشيخ الأنصاري(قدس سره): غلب في كلمات جماعة من المتأخّرين في ملك فسخ العقد على ما فسّره به في موضع من الإيضاح فيدخل ملك الفسخ في العقود الجائزة، وفي عقد الفضولي، وملك الوارث رد العقد على ما زاد على الثلث، وملك العمّة والخالة لفسخ العقد على بنت الأخ والأُخت، وملك الأمة المزوّجة من عبد فسخ العقد إذا أعتقت، وملك كلّ من الزوجين للفسخ بالعيوب. ولعلّ التعبير بالملك للتنبيه على أنّ الخيار من الحقوق لا من الأحكام، فيخرج ما كان من قبيل الإجازة والرد لعقد الفضولي، والتسلّط على فسخ العقود الجائزة، فإنّ ذلك من الأحكام الشرعية لا من الحقوق، ولذا لاتورث ولاتسقط بالإسقاط.1

1. متاجر الشيخ الأنصاري، (المكاسب):214، قسم الخيارات، ط تبريز، 1375هـ; والطبعة الحديثة (المكاسب):5/11، نشر المؤتمر العالمي للمئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، قم ـ 1420 هـ .

صفحه 295
و لايخفى ما فيه من سوء التعبير، إذ سبب دخول تلك الأُمور ليس إلاّ التعبير بملك فسخ العقد، وكذا سبب خروجها ليس إلاّ ذلك، مع أنّ الملك شيء واحد، وهو في حد نفسه، إمّا مدخل فقط، أو مخرج كذلك، وإمّا كونه مدخلاً ومخرجاً معاً مع كونه شيئاً واحداً كماترى.
و الأولى في المقام أن يقال: إنّ هذا التعريف ـ أي ملك فسخ العقد ـ للخيار لا مطرد، و لا منعكس.
أمّا الأوّل: فلدخول ما ذكر من الأُمور الستة فيه، مع أنّها ليست من أقسام الخيار الذي يبحث عنه في المقام.
و أمّا الثاني: فلخروج خيار مَن ثبت له خيار في الشرع، لكنّه محجور عن إعماله وممنوع منه، مثل الخيار الثابت للسفيه والمجنون وأمثالهما شرعاً، فإنّ مقتضى الخيار ومقتضى إعماله موجودان فيهم، لكن كونهم محجورين شرعاً يمنع عن إعماله، فحينئذ يخرج عن التعريف خيار مَن ليس له سلطنة فعلاً على إعماله، مع أنّه من أقسام ما نحن فيه.
و الجواب عن الأوّل أن يقال: إنّ السلطنة والملكية على نحوين:
نحو منها سلطنة ابتدائية وملكية كذلك مجعولة من قبل الشرع لذي الخيار.
و نحو آخر منها ليس كذلك، بل هي ملكية وسلطنة تابعة لملك المالك، لكونها أحد التقلّبات والتصرّفات التابعة لملك المالك; لأنّ للمالك أن يتصرّف في أمواله وأملاكه بأي تصرّف شاء، وأن يتقلّب بأي تقلّب يريده فيها، كما هو المراد من المالكية ومقتضاها.

صفحه 296
فالمراد من الملك في التعريف، هي الملكية الإبتدائية غير التابعة، فحينئذ يخرج ملك الفسخ في العقود الجائزة غير الهبة، وملك الفسخ في الرد لعقد الفضولي وإجازته، عنه: لأنّ ملك الفسخ للعقد فيها ليس ملكاً ابتدائياً، بل هو فيها فعل من جملة الأفعال المتعلقّة على الملك، ومن قبيل سائر التصرّفات والتقلّبات الواقعة عليه الصادرة عن مالكه، لعدم انقطاع حقّه عن ملكه من أصله فيها.
هذا بخلاف العقود اللازمة التي فيها خيار الغبن، أو العيب، أو الشفعة، أو الرؤية أو غيرها من أمثالها، إذ علقة الملكية فيها منقطعة بالكليّة، فالشارع يجعل الملكية لذي الخيار ابتداءً.
و ببيان أوضح; أنّ كلّ شيء أضيف إلى شيء آخر، يكون هذا الشيء المضاف ملاحظاً ومعتبراً لأجل الشيء الثاني، ويسند إليه من حيث إنّه كذا أو كذا من عنوانه ووصفه، كما في: أكرم العالم، أو: أطعم الفقير، أو: اقتل المشرك، فإنّ الملاك والعلّة في إكرام العالم، وإطعام الفقير، هو حيث علمه وفقره كما هو كذلك في جميع المقامات من الإضافة.
ففيما نحن فيه لمّا أضيف لفظ «ملك» إلى كلمة«الفسخ» يعلم منه أنّ الخيار عبارة عن ملك الفسخ للعقد من حيث إنّه فسخ له.
فعلى هذا فالخيار الذي كان في1 تلك الأُمور الستة يخرج عن تعريفه; لأنّ الملك فيها للفسخ ليس من هذه الحيثية، كي يكون غير مانع، بل

1. حق العبارة هكذا: فالخيار الذي كان في الأمرين الأولين من تلك الأُمور الستة... .

صفحه 297
لكونه لازماً من لوازم الملكية، وفعلاً من جملة الأفعال والتقلّبات الواقعة على الأملاك لملاّكها كما مرّ من غير خصوصية له في الفردية والفعلية كما لايخفى على أُولي الحِجى.
و أمّا الهبة، فإنّا نلتزم فيها بثبوت الخيار وأنّها مثل ما ذكر من الخيارات الكائنة في العقود اللازمة من خيار الغبن والعيب والشفعة وغيرها، إمّا لوجود النص،1 أو لشمول التعريف عليه.
ثم لمّا كان ثبوت تلك السلطنة والملكية لنفس العاقد أو لمن كان فعله فعل العاقد كالوكيل، خرج الأمران الأوّلان عن الأربعة الباقية عن التعريف أيضاً، وهو ملك الوارث ردّ العقد على ما زاد على الثلث، وملك العمة والخالة لفسخ العقد على بنت الأخ والأُخت; لأنّهم ليسوا عاقدين ولا أنّ أفعالهم أفعال العاقدين.
و أمّا الآخران منها، فنلتزم فيهما أيضاً بكونهما داخلين فيما نحن فيه، ومن جملة أفراده لشمول التعريف لهما مع أنّه صرّح في بعض الأخبار2بكون الأمة المزوّجة من عبد في تلك الحال بالخيار.
لايقال: إنّ بعض تلك الأُمور لم يكن داخلاً من أوّل الأمر في التعريف، مثل العقود الجائزة والعقد الفضولي، كي نحتاج إلى إخراجه منه.

1. عن أبي عبداللّه (عليه السلام): قال: أنت بالخيار في الهبة مادامت في يدك... الوسائل ج 13،ص 336، الباب 4 من كتاب الهبات، الحديث 6.
2. راجع الوسائل: ج 14، الباب 52، من أبواب نكاح العبيد والإماء وهذا عنوانه: باب أنّ الأمة إذا كانت زوجة العبد أو الحر ثم اعتقت تخيّرت في فسخ عقدها وعدمه، وفيه 14 حديثاً.

صفحه 298
و ذلك أمّا أوّلاً: فلأنّ ما يصدر من المعير والمودع والواهب وغيرهم، بالنسبة إلى العارية والوديعة والموهوب به، هو رفع أثر العقد ـ أعني أخذَ ما له من يد المستعير أو المستودع أو المتّهب مثلاً ـ لا فسخ العقد من أصله، كما هو غير خفيّ على العاقل فضلاً عن الفاضل.
و أمّا ثانياً: فبأنّا لو قلنا بدخول هذه أيضاً فلا نحتاج في الإخراج عنه في الجواب إلى اعتبار الملكية الابتدائية في المقام دونها أو اعتبار قيد الحيثية فيه دونها على ما مر من التقريرين المذكورين، إذ مقتضى ثبوت ما لهم من حق الرجوع فيها، أنّهم عند رجوعهم يرفعون أثر العقد لا فسخه كما مرّ، فحينئذ يكون سبب الخروج فيها ما ذكرنا من رفع الأثر من دون حاجة إلى غيره ممّا مرّ.
لأنّا نقول: أمّا أوّلاً: فإنّ الرجوع فيها ليس رفعاً لآثارها، بل هو فسخ نفس العقد، غاية الأمر أنّه فسخ فعلي له لا قولي.
و ثانياً: أنّ كلّ من قال بأنّ الرجوع رفع لأثر العقد لا فسخه ليس بمنكر لفسخه كي لايتمكّن من فسخه، وينحصر التمكّن برفعه لا غير، بل كما أنّه قائل بأنّ الرجوع يرفع به أثر العقد كذلك أنّه قائل بأنّ به يفسخ العقد أيضاً.
بل التفكيك هنا أحسن بأنّ فسخ العقد بالرجوع من دون أن يأخذ عاريته من المستعير مثلاً بخلافه هناك، فإنّ القول بتسلّط الشخص بأخذ ماله من دون تسلّطه على فسخ عقده، كما ترى.
فحينئذ يتوجّه الإشكال عليه، وهو دخول الأُمور السابقة بهذا التقدير، لا على كلّ تقدير.

صفحه 299

 

تعريف آخر للخيار

قد يعرّف الخيار بأنّه ملك إقرار العقد وإزالته.
و أخدش الشيخ الأعظم (قدس سره) في هذا التعريف: بأنّه إن أُريد من إقرار العقد إبقاؤه على حاله بترك الفسخ، يكون ذكر الإقرار في المقام مستدركاً وزائداً; لأنّ القدرة على الفسخ التي هي عبارة أُخرى عن إزالته، هي عين القدرة إلى تركه، فيكون مفهوم القدرة على تركه مستفاداً من مفهوم القدرة على الفسخ، ومن مفهوم القدرة على إزالة العقد، وإلاّ فلو فرض كون الشخص قادراً على الفسخ وعلى إزالة العقد، دون تركه وإبقائه، يكون ذلك وجوباً لا قدرة، كما هو واضح.
و إن أُريد منه إلزامه وجعله غيرقابل لأن يفسخ، فمرجعه إلى إسقاط حق الخيار، فلاتؤخذ في تعريف نفس الخيار.
هذا حاصل كلامه رُفع مقامه.1
أقول: إنّ الخيار على ما مرّ هو ـ لغة وعرفاً ـ ترجيح القادر أحد طرفي الشيء الذي يرى فيه مصلحة لنفسه فيريده ويختاره، وهذا المعنى باق على حاله مطلقاً، سواء أ كان ذلك الطرف المرجّح في النظر والاعتقاد تركاً متعلّقاً للخيار، أم فعلاً كذلك مثل فسخ العقد، وإزالته فإنّ الترك أيضاً ممّا قد يصير ذا مصلحة لشخص ذي الخيار، فيكون راجحاً فيه فيختاره على فعل الفسخ كما

1. متاجر الشيخ(المكاسب):214، بحث الخيار، ط تبريز; والطبعة الحديثة (المكاسب): 5/12.

صفحه 300
لايخفى، ولذا اتّفق أكثر الفقهاء ردّاً على شرذمة منهم على أنّ الترك يصحّ أن يكون متعلّقاً للأحكام الشرعية كالفعل لكونه مقدوراً مثله.
أمّا الجواب عن الخدشة المذكورة، فبأن نقول:
أوّلاً: أنّ مثل هذه الخدشة جار في طرف المعطوف، أعني: إزالته أيضاً، فلا تختصّ الخدشة بالمعطوف عليه كما هو المتوهّم من حصرها فيه، وذلك بأن يقال: إن أُريد من إزالة العقد فسخه وإعدامه فذكرها مستدرك، لأنّ القدرة على الإقرار والإثبات عين القدرة على الإزالة والإعدام، إذ القدرة لا تتعلّق بأحد الطرفين، وإلاّ تكون وجوباً لا قدرة.
و أمّا ثانياً: فإنّ غرض المعرِّف من التعريف، ذكر طرفي القدرة والتصريح بهما معاً جرياً على ما هو المتعارف في التعاريف.
هذا وقد يقال في المقام تفصّياً عن وقوع الإشكال: إنّا نختار الشقّ الثاني من الشقّين، أعني: إلزام العقد، وأنّ المراد منه إعمال الخيار، وهو قد يكون بإسقاط الخيار، وقد يكون بالتّصرف في المبيع مثلاً، وقد يكون بالتفرّق من المجلس، وقد يكون بالإلزام بالعقد.
و لايخفى ما فيه أيضاً من الإشكال، فإنّ ما هو محذور سابقاً بالنسبة إلى إيراد الشيخ الأعظم(رحمه الله)فهو بعينه موجود هنا، وهو لزوم أخذ إسقاط الخيار والتصرّف والتفرّق في تعريفه كما هو واضح بالنسبة إلى الثلاثة الأُوَل منها، من أنّ المراد من إعمال الخيار، إسقاط الخيار، أو التصرّف في المبيع، أو التفرّق; وأمّا بالنسبة إلى الرابع منها، أعني الالتزام بالعقد، فهو عين القول بالشقّ الأوّل وهو إرادة إبقاء العقد على حاله بترك الفسخ من إقراره، مع أنّه

صفحه 301
خلاف الفرض، إذ المفروض إرادة الشقّ الثاني منها دونه، كما مرّ.
مع أنّه يلزم على هذا الفرض ما لايلزم على كون الإقرار بمعنى الالتزام; لأنّه أراد أن يتفصّى من أخذ إسقاط الخيار في تعريفه، والحال أنّه قد أخذ إعمال الخيار الذي هو يكون بتلك الأُمور في تعريفه.
فإن قلت: إنّ المراد من إعمال الخيار كون مرجعه إلى تلك الأُمور، لا أنّها مأخوذة في التعريف.
قلت: هذا بعينه جار هناك أيضاً، بأن نقول: إنّ مراد القائل من تعريف الخيار بملك إقرار العقد، إلزام العقد، لكن مرجع ذلك إلى إسقاط الخيار لا أخذه في تعريفه، مع أنّ الشيخ الأنصاري(رحمه الله) مع ذلك لم يرض به وأشكل عليه بقوله: «فلايؤخذ في تعريف نفس الخيار».
و على أي تقدير من التقديرين، فالفسخ عبارة عن حلّ العقدة الحاصلة بالعقد، وهدم الربط الموجود، والعلقة الموجودة بين الشيئين بسببه.
و هذا الحلّ والهدم تارة يكون مستتبعاً للردّ فقط كما إذا صالح ماله بلاعوض وكان الخيار مع المشتري، وأُخرى يكون مستتبعاً للاسترداد كذلك، كما في الفرض المذكور، ولكن بجعل الخيار هنا للبائع، فإنّه إذا فسخ العقد فاللازم بمقتضى الفسخ ردّ المشتري المبيع في الأوّل، واسترداد البائع مبيعه إلى ملك نفسه في الثاني وهو واضح، وثالثة يكون مستتبعاً لكليهما،1كما في المعاملات المتعارفة بين الناس، ورابعة لايكون مستتبعاً لشيء منهما أصلاً، كما إذا صالح الأب أمواله الكثيرة الوافرة مع ابنه بعشرة دراهم، مع

1. في كلّ من البائع والمشتري.

صفحه 302
شرط الخيار لابنه حسب، في مدة طويلة، ثم مات الأب قبل مضيّ تلك المدّة بتمامها مع وجود دين مستغرق على أمواله عليه، فملك تلك الدراهم بالإرث عن أبيه، فإنّ الابن في تلك الصورة لو فسخ.. .1

تطابق التعريفين مع روايات الخيار

ثم إنّ الخيار بأي معنى كان من المعنيين السابقين، من ملك فسخ العقد أو ملك إقرار العقد وإزالته، هل ذلك هو الذي دلّت عليه الأخبار، أو هو غيره؟
الذي يظهر من الشيخ الأنصاري(قدس سره) في أوّل الخيارات وآخرها معّاً، أنّ المعنى المذكور للخيار بكيفيته المخصوصة وبعبارته الخاصّة ليس مدلول الروايات، وإنّما هو معروف في كلمات المتأخّرين.
و أمّا ما تدلّ عليه الروايات، هو ردّ المبيع والعين واسترداد الجارية وردّها وأمثالها.
أقول: إنّ كلّ من قال بأنّ الخيار عبارة عن ردّ العين أو المبيع مثلاً كما هو مقتضى معناه في الأخبار بناءً على قوله(قدس سره)، لايقول: إنّ لصاحب الخيار أن يردّ المبيع ومع ذلك يبقى العقد على حاله من دون أن يفسخه أوّلاً قبل ردّه إليه، بل مراده من ردّ المبيع أو استرداد العين فسخ العقد أوّلاً ثم بتبع ذلك

1. هنا بياض في الأصل والظاهر أن يقال: لم يكن هنا ردّ ولا استرداد بالنسبة إلى الولد والوالد، بل يأخذ الجميع من الأموال والدراهم، أصحاب الديون، فتأمّل.

صفحه 303
الفسخ يردّ المبيع إليه أو يستردّ العين، بل معناه في الحقيقة ذلك، لأنّ مجرد الردّ والاسترداد من دون ملك فسخ العقد لا محصّل له في المقام، لأنّه لايريد بعد ردّه، أن يهب أو يعامل بعده معاملة ثانية جديدة، بل يريد من أجل الردّ أن يرجع ماله إلى نفسه ومال الغير إليه، وهو معنى ملك فسخ العقد، بل المعنى المذكور غير معقول لايصدر عن شاعر فضلاً عن عالم كما لايخفى.
و الحاصل أنّ الدوران فيما نحن فيه، من أنّ معنى الخيار ملك فسخ العقد مثلاً أورد العين أو الجارية أو استردادها، ليس من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، بل من قبيل دوران الأمر بين المطلق والمقيّد، لما عرفت من عدم معقولية ردّ العين وإبقاء العقد على حاله.
فظهر ممّا ذكرناه أنّه لا فرق في المقام حين إرادة ذي الخيار الفسخ بين أن يكون المبيع باقياً أو تالفاً، غاية الأمر أنّ ذا الخيار يرجع بعده إلى المتلف ويأخذ المثل إن كان المبيع مثلياً، أو القيمة إن كان قيمياً، كما عليه الإتّفاق من الإمامية.
ثمّ إنّ الحق والتحقيق في معنى الخيار ما هو المعروف في لسان المتأخّرين من التعريفين السابقين، وإنّ ذلك المعنى هو الذي صرّح به في الأخبار، لكن بلفظ مساوق له لا بعين لفظه وعباراته.
منها: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا وإذا افترقا وجب البيع»1.
فإنّ قوله(عليه السلام): «و إذا افترقا وجب البيع» يدلّ منطوقاً ومفهوماً على أنّ

1. راجع الوسائل، ج 12، الباب 1، من أبواب الخيار.

صفحه 304
الخيار الحاصل قبل الافتراق وعدمه بعده، إنّما هو بالنسبة إلى العقد، لا أنّه بالنسبة إلى ردّ العين أو استردادها، وذلك أنّ الوجوب هنا ليس بمعنى الثبوت، بل هو بمعنى لزوم العقد واستقراره و إلاّ فثبوته كان قبل التفرّق عن المجلس، فلا يتفاوت الحال بالنسبة إليه وإلى عدمه، فتخصيص الوجوب بالبيع حين تحقّق التفرّق بقوله: «و إذا افترقا وجب البيع» يدلّ على أنّ العقد حينئذ يلزم ويستقر وإن لم يكن قبله واجباً ولازماً، وكان لذي الخيار ملك فسخه وحلّه، كما هو معنى ثبوت الخيار قبل التفرّق.
و منها: ما في خيار الحيوان من قوله:«وجب الشراء».1
فإنّه مثل قوله (عليه السلام): «وجب البيع» في المعنى، فيعلم منه أنّ إسناد الوجوب الذي أُريد منه اللزوم لما مرّ، إلى الشراء، إنّما هو بعد أيام الخيار ـ أعني: الأيّام الثلاثة في المقام ـ فيكون الخيار الثابت فيها بالنسبة إلى فسخ ذلك الشراء، فيتبعه ردّ الحيوان أو استرداده.
و منها: ما في خيار التأخير2 من إسناد المضيّ وعدمه في أيام الخيار وبعدها إلى البيع دون ردّ العين أو المبيع ودون استرداده.
و منها: رواية عمر بن حنظلة أنّه اشترى أرضاً عشرة أجربة فأمسح فوجد خمسة أجربة قال: مضمون إن رضي بالخمسة واسترجع نصف ماله، وإن لم يرض بها يردّ البيع.3

1. الوسائل: ج12، الباب 4، من أبواب الخيار، الحديث 9.
2. الوسائل: ج12، الباب 9، من أبواب الخيار.
3. الوسائل: ج 12، الباب 14، من أبواب الخيار، الحديث 1 بتصرّف.

صفحه 305
و أنت خبير بأنّ كلّ واحد منها يدلّ على أنّ الخيار إنّما هو بالنسبة إلى فسخ العقد الذي عبّر عنه تارة بالبيع، وأُخرى بالشراء، وهذا التعبير وإن لم يكن عين المدّعى من كون الخيار عبارة عن ملك فسخ العقد وشبهه، إلاّ أنّه مساوق له في المعنى كما عرفت.
و قد يستدلّ في المقام بصدور الرواية الأُولى أيضاً وهو «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» و تقريره بأن يقال: إنّ مدة الخيار الثابتة بمقتضى ذلك ممتدة زماناً إلى امتداد زمان المجلس، وهو إن كان المراد منه فسخ العقد لصلح ملاحظة هذا المعنى فيه، لأنّه ممّا لو حصل لبقي ما لم يرد المزيل من بقائه.
بخلافه لو قلنا إنّه حقّ ثابت لذي الخيار بالنسبة إلى ردّ العين، فإنّها قد تفوت قبل انفضاض المجلس وتفرّقه، فلايصلح أن يتعلّق بردّها بعد الفوت.
و فيه ما لايخفى، إذ المبيع أيضاً قديكون باقياً غالباً ببقاء زمان المجلس، وممتداً زمان وجوده بامتداد زمانه إلاّ أن يمنع المستدلّ الغلبة.

صفحه 306

 

حقيقة الفسخ بعد البيع

لو تصرّف في المبيع مثلاً بإحدى التصرّفات الملكية فتلف، بأن أكله أو شربه أو غير ذلك قبل انقضاء زمان الخيار، ثم فسخ ذو الخيار مع فرض عدم انقضاء العقد، فإنّه يرجع إلى صاحبه بالمثل أو القيمة بالاتّفاق من الأصحاب، مع أنّه قد تلف في ملكه وليس ضمانه ضمان اليد كي نتمسّك بقوله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي»1; ولا ضمان الإتلاف، لعدم إتلافه مال الغير.
و أمّا الجواب، فنقول: إنّ الفسخ كما مرّ عبارة عن حلّ الربط الحاصل بالعقد، وهذا الحلّ مسبوق بلحاظ وجود الربط بين الشيئين حقيقة أو فرضاً، وذلك أيضاً مسبوق بوجود نفس الشيئين كذلك، كي يلحظ الربط بينهما، فلمّا كان البيع في المقام غير موجود حقيقة لفرض كونه تالفاً، فلابدّ من فرض وجوده ليتحقّق الربط بينه وبين مقابله من عوضه ويقوم بوجودهما ويقع الفسخ على هذا الربط، فإذا فرضنا وجوديهما المرتبطين ووقع الفسخ على هذا الربط الموجود فيها على الفرض وانحل، يرجع كلّ من العوضين إلى ملك صاحبه، فالثمن يرجع إلى المشتري، والمبيع إلى البائع، إلاّ أنّه لمّا لم يكن موجوداً يجب عليه إبداله بمثله إن كان مثلياً، أو بقيمته إن كان قيمياً على ما هو مقتضى الفسخ والحلّ.
و بعبارة أوفى: أنّ الغرض من المبيع أن يتملّك أحد المتبايعين ملك

1. سنن البيهقي، 6/95; كنز العمال، 5/327.

صفحه 307
الآخر بعوض، كما هو واضح بل أوضح، فإذا فسخ العقد يكون المشتري فيما نحن فيه متملّكاً بالمبيع من دون عوض، إذ الفرض أنّ الثمن بمجرد الفسخ خرج عن ملك البائع ودخل في ملك المشتري، فحينئذ يبقى ملك الغير عنده بلاعوض، وحينئذ فلابدّ له ـ تخلّصاً من هذا المحذور ـ من ردّه إلى صاحبه عيناً أو مثلاً أو قيمة على اختلاف المقامات.

الأصل في العقود اللزوم

و قد أُريد منه معان متعدّدة:
منها: الراجح، نسبه الشيخ (قدس سره) إلى «جامع المقاصد»، ولايخفى أنّ مراده من الرجحان ليس هو الطرف المظنون كما توهّمه الشيخ(رحمه الله)، ثم أورد عليه ما أورده من الإشكال.
ومنها: القاعدة المستفادة من العمومات، مثل قوله:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)1، وأمثاله.
و منها: الاستصحاب، ومرجعه إلى أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرد فسخ أحد المتبايعين من دون رضا الآخر.
و منها: وضع البيع وبناؤه لغة وعرفاً على اللزوم، ولايخفى ما فيه من أنّه ليس معنى مستقلاً في قبال المعاني الأُخر، بل راجع إلى ما هو مناسب له من المعاني المذكورة.

1. المائدة:1.

صفحه 308
و منها: التمسّك بالمقتضي والمانع، حيث إنّ البيع عبارة عن تمليك غير محدود، ومعنى كونه تمليكاً غير محدود، استمراره ما لم يثبت مانع يقيني، وبعبارة أُخرى: أنّ نفس العقد مقتض للبقاء، والفسخ مانع عن بقائه، فإذا علمنا بتحقّق الفسخ نرفع اليد عن مقتضاه، وإلاّ فلو شككنا فيما هو مانع أو مزيل له كما في المقام فلا، لوجود المقتضي وهو العقد، وعدم العلم بالمانع.
على أنّه مانع كما في قولنا: إنّ الفقر مقتض لجواز أكل الزكاة والسيادة مانعة عنه، فإذا شككنا في كون زيد سيداً مع إحراز الفقر فيه بالوجدان، تجري فيه هذه القاعدة; لما مرّ من وجود المقتضي وهو الفقر، وعدم المانع وهو سيادته، ولا مجال هنا لإجراء الاستصحاب لعدم اليقين بعدمها سابقاً كي يستصحب عند الشك فيها.
هذا ممّا انفردت به هذه القاعدة كما عرفت، وهنا أمثال أُخر ونظائر لا حاجة إلى إيرادها، ومن أرادها فليرجع إلى كتاب مَن يرى الاستصحاب نفس هذه القاعدة ليس غير1، والحال أنّها من جملة مصاديقه وموارده.

1. وهو العلاّمة الشيخ محمدهادي الطهراني في كتابه: «محجّة العلماء»، ج 2، ط 1318هـ .

صفحه 309

 

أدلّة أصالة اللزوم في البيع أو مطلق العقود

ثم إنّ القوم ـ رضوان اللّه عليهم ـ تمسّكوا لإثبات أصالة اللزوم في البيع أو مطلق العقود بآيات:
الدليل الأوّل: قوله عز ذكره: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )1بناء على أنّ المراد منها العقود المتعارفة الفقهية، أو مطلق الأحكام الإلهية، عقداً كان أو غيره من الصلاة والزكاة والحج ونظائرها من سائر العهود الثابتة في الشرع، كما هو الظاهر والمناسب لقوله تعالى بعد ذلك (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ...)2، وإلاّ فلو كان المراد منه هو الأوّل لما كان مناسباً لهذا القول، بل يكون أجنبياً عن المقام، بخلافه على الثاني فإنّ العقود التي هي العهود الإلهية لمّا كانت مجملة ومبهمة، عقبها سبحانه وتعالى ببعض أفرادها ومصاديقها على ما مرّ، وأنّ العقد هو العهد الموثّق; لأنّ كلّ عقد عهد، وليس كلّ عهد عقداً، كما هو المستفاد من موارد استعمالاته في الكتاب3 وغيره.
و ما صدر من صاحب المجمع في بيان مادة العقد من أنّ كلّ عهد عقد، ولايكون كلّ عقد عهداً 4، سهو منه(رحمه الله)كما لايخفى على المنصف.

1. المائدة:1.
2. المائدة:1.
3. راجع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم .
4 . مجمع البحرين: 3 / 217، مادة «عقد».

صفحه 310
قال الشيخ (قدس سره) في بيان دلالة قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) للمدّعى: أنّه دلّ بوجوب الوفاء بكلّ العقد، والمراد منه العمل بما اقتضاه العقد في نفسه، فإذا دلّ العقد على تمليك العاقد ماله من غيره مثلاً; وجب العمل بمايقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له، فأخذه من يده بغير رضاه والتصرّفات فيه كذلك، نقض لمقتضى ذلك العقد، فهو حرام بإطلاق الآية، فإذا حرم بإطلاقها جميع ما يكون نقضاً لمضمونه من التصرّفات التي من جملتها التصرّفات الواقعة بعد فسخ المتصرّف من دون رضا صاحبه، كان هذا لازماً مساوياً للزوم العقد وعدم انفساخه بمجرد فسخ أحدهما، فيستدلّ بالحكم التكليفي على الحكم الوضعي، وهو فساد الفسخ، وعدم صحّته منه من غير رضا الآخر، وهو معنى اللزوم.1
إلاّ أنّ هنا إشكالاً معروفاً بحيث إنّ كلّ من تعرّض بالاستدلال على أصالة اللزوم بهذه الآية، ذكره إلاّ أقل قليل منهم، وهو:
إنّ الاستدلال بإطلاق الحكم في المقام متوقّف على تحقّق وجود الموضوع; لأنّ إثبات الحكم ـ أعني: المحمول بالحمل الشائع الصناعي على الموضوع ـ فرع ثبوته أوّلاً حتى يحمل المحمول عليها، فلو فرضنا تحقّق وجوده بنفس إطلاق الحكم، كما فيما نحن فيه ـ إذ المفروض أنّ العقد بسبب وقوع الفسخ عليه من دون رضا صاحبه فيكون وجوده فعلاً مشكوكاً ـ يلزم الدور، فحينئذ لايصلح التمسّك بإطلاقها في المورد المشكوك العقدية كما هو واضح.

1. المتاجر:2، كتاب الخيارات ط . تبريز ، والطبعة الحديثة (المكاسب):5/17.

صفحه 311
نعم يمكن إثبات وجود الموضوع أوّلاً بالاستصحاب ثم الحكم عليه بعده بلزوم الوفاء ببركة الآية الشريفة، إلاّ أنّه خروج عن محلّ النزاع إذ الكلام في أنّه هل يمكن الاستدلال بإطلاقها على أصالة لزوم البيع في الموارد المشكوكة أو لا؟
و قد أُجيب عنه بأنّا لانسلّم أنّ الموضوع هنا ليس بموجود أو مشكوك وجوده، بل هو موجود فعلاً وباق حقيقة; لأنّا في الموارد التي نعلم فيها بورود الفسخ حقيقة وأنّه فسخ كذلك في نظر الشارع لانقول فيها أنّه يزيل العقد وأنّه يرفعه، فضلاً عن الموارد التي كانت نشكّ في صحّة الفسخ كما فيما نحن فيه; لأنّ العقد عبارة عن ألفاظ مخصوصة من الإيجاب والقبول، والمفروض أنّه وجد من قبل، غاية الأمر أنّ الفسخ الذي علم تأثيره قدجعله الشارع مانعاً عن ترتيب الآثار المترتّبة على العقد قبله، بعد حصوله ووجوده، وأنّ هذه الآثار غير مترتّبة عليه بعد ذلك مع بقاء وجود العقد على ما هو عليه من دون تصرّف فيه، فكذا الكلام فيما شكّ في تأثيره من الموارد، فحينئذ لمّا علم أنّ العقد موجود حقيقة ووقع الشكّ في أنّ ما صدر من أحد المتبايعين من الفسخ من دون رضا الآخر، هل هو فسخ كي تكون التصرّفات البعدية صحيحة جائزة، أو ليس بفسخ كي لا تكون كذلك؟ بل تكون فاسدة محرّمة فيحكم عليه باللزوم عملاً بإطلاق (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وليس العقد من قبيل العلل العقلية كي لايمكن انفكاكه عن آثاره.
و فيه أنّه قد مرّ أنّ الفسخ عبارة عن حلّ العقد والربط الموجود بين المالين بحيث يكون العقد بسببه معدوماً، فكأنّه لم يكن مذكوراً، فالإشكال

صفحه 312
المذكور من أنّ الشكّ في تحقيق الفسخ يوجب الشكّ في وجود العقد، فإثباته بإطلاق الحكم مستلزم للدور يبقى على حاله.
و لايخفى أنّه إشكال قويّ وارد في المقام، ولا دافع له أصلاً، وإن تصدّى بعض لدفعه إلاّ أنّه بلا دافع.
نعم إنّ لنا هاهنا تقريراً آخر من دون أن يرد عليه الإشكال المذكور من عدم صحّة التمسّك على وجود الموضوع بإطلاق الحكم، ومن دون الحاجة إلى الاستعانة بالتصرّفات الواقعة عليه مطلقاً في إثبات المدّعى كما عليه الشيخ (رحمه الله) وهو أن نقول:
إنّ الآية إنّما تدلّ على أنّ الوفاء بالعقد واجب، وأنّ ترك الوفاء به حرام، ومعنى وجوب الوفاء به وحرمة تركه عدم صحّة فسخه وعدم صحّة رجوعه فيه. فلو فسخ العقد أو رجع فيه يكون الفسخ حينئذ فاسداً، والرجوع فيه لغواً بمقتضى الآية الشريفة لما هو مقرّر في محلّه من أنّ الأوامر والنواهي الواردة في باب المعاملات كلّها للإرشاد إلى الأحكام الوضعية من فساد الفسخ وغيره دون المولوية.
و حاصل هذا التقرير: أنّ قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أي لاترجعوا فيها ولاتبطلوها بفسخ وغيره، بل احفظوها على ما هي عليه وأبقوها كذلك، فيكون (أَوْفُوا) على هذا متوجّهاً أوّلاً وبالذات إلى عدم صحّة الفسخ وفساده وعدم صحّة الرجوع فيه من دون توسيط شيء.
لكن يرد عليه أنّ الإنصاف أنّ الظاهر من الأوامر وكذا النواهي في هذا الباب كونها أيضاً للمولوي دون الإرشادي.

صفحه 313
ثم لايخفى أنّ معنى الوفاء بالعقد ليس عبارة عن ترتيب آثار ملكية الغير له، ولا أنّ ترك الوفاء به عبارة عن التصرّفات المنافية لمالكيته له، وذلك لما هو بديهي من أنّه لو باع وسلّم المبيع إليه ثم أخذه منه قهراً من دون أن يريد فسخه أو سرقه منه لايكون ذلك منافياً للوفاء بمقتضى العقد، إذ الفرض أنّه سلّمه إليه ووافق به، غاية ما في الباب أنّه يصير ظالماً في حقّه لغصب ماله أو لسرقته، كما هو ظاهر.
و من هنا ظهر ما في عبارة الشيخ(رحمه الله) من الفساد، وذلك حيث إنّه قال في عبارته السابقة: إنّ العقد لمّا كان دالاًّ على تمليك العاقد ماله من غيره، وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له، ثم فرّع على ذلك بقوله: «فأخذه من يده من غير رضاه، والتصرّف فيه كذلك، نقض لمقتضى العهد».
و وجه الفساد واضح ممّا ذكرنا.
و لنا تقرير آخر أيضاً وهو أسلم من السابق من حيث عدم ورود الإشكال عليه أصلاً، و هو أن نقول:
إنّا سلّمنا أنّ الأوامر والنواهي ظاهرة في المولوي دون الإرشادي، فالآية تدلّ حينئذ على وجوب تحفّظ العقد وحرمة الإعراض عنه بفسخ والرجوع فيه، لكن هنا مقدّمة مسلّمة، فمع ضميمتها به يتمّ المطلوب، هي أنّ كلّ عقد جائز يجوز فيه الرجوع بلا إشكال، و كلّ عقد لايجوز فيه الرجوع فهو لازم، فيكون مفاد الآية مع تلك المقدّمة أنّ العقد الذي يجب حفظه، ويحرم الرجوع فيه، وكذا الإعراض عنه، لأجل كونه لازماً، لما هو مقتضى

صفحه 314
المقدّمة، وإلاّ فغير لازم، فإنّ العقد الجائز ليس كذلك ولايجب حفظه ولايحرم الرجوع عنه.
و إن شئت قلت: إنّ كلّ فسخ مؤثّر في العقد فهو جائز شرعاً، وينعكس عكس النقيض; إنّ كلّ فسخ غير جائز شرعاً فهو غير مؤثّر، والمفروض أنّ الآية تدلّ على عدم جواز الفسخ، وحرمة ذلك هو المدّعى من أصالة اللزوم في العقود.
و مع ذلك كلّه يمكن أن يقال: إنّ المراد من العقود في الآية وإن كان خصوص العقود المتداولة بين الناس فهو بعيد جدّاً إن كان أعمّ منها ومن العهود بينه تعالى وبين العباد، لازمة كانت أو جائزة، تكون دلالة الآية على اللزوم حينئذ موهونة لدخول المستحبّات فيها على الفرض مع أنّها ليست بلازمة الوفاء، فافهم واغتنم.

الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)

و من جملة العمومات التي يتمسّك بها لأصالة اللزوم، قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبَا)1 حيث إنّه يدلّ على حليّة التصرّفات مطلقاً حتى التصرّفات الواقعة على العقد بعد فسخه، نظير التقرير السابق في الآية الأولى.
و يرد عليه: أنّه لا وجه لإرادة التصرّف من لفظ البيع، لعدم دلالته عليه كما لايخفى.

1. البقرة:275.

صفحه 315
هذا بناء على أنّ المراد من الحلّية هو الحكم التكليفي، وأمّا بناء على أنّ المراد منها هو الحكم الوضعي كما هو الظاهر بقرينة المقام فيكون (أَحَلَّ) مشتقاً من الحلول، يعني أنّه تبارك وتعالى أحلّ البيع في محلّه، وأوقعه في موقعه، وأمضاه على حاله، وأبقاه في قبال البيع الربوي، أي لم يبقه على حاله، ولم يمضه، بل منعه ورد من ترتيب الآثار عليه.
فظهر أنّه لا دلالة له على المدّعى من أصالة اللزوم في البيع بوجه كما عرفت.

الدليل الثالث: قوله تعالى : (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)

و من جملة الأدلّة على أصالة اللزوم، قوله تعالى:(إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض).1
و حاصل الاستدلال به: أنّه يدلّ بإطلاقه على حليّة أكل المال إذا كان سبب حصول ذلك المال تجارة عن تراض، ومعلوم أنّ المراد منه ليس فعلاً خاصّاً وأكلاً مخصوصاً، بل المراد منه مطلق التصرّفات حتى التصرّفات البعدية بعد الفسخ من دون رضا الآخر.
و فيه: أنّه وإن كان متعرّضاً لحال التصرّف لما مرّ من أنّ المراد من جواز الأكل بالتجارة، هو جواز التصرّف، وهذا أحسن من هذه الجهة للاستدلال به للمقام من غيره، إلاّ أنّه لا إطلاق له فيه، بل هو بصدد مجرد كون الأكل بالتجارة حلالاً في قبال الأكل بالباطل، من غير نظر فيه إلى بيان مدّة الحلّية

1. النساء: 29.

صفحه 316
وأنّها دائمة، أو مختصّة ببعض الأحوال.

الدليل الرابع: قوله تعالى: (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)

و من جملة الأدلّة صدر هذه الآية، وهي قوله تعالى:(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)1 وتقرير دلالتها على المقام بوجوه:
منها: أنّه يدلّ على حرمة الأكل بالباطل في أموال الناس فيما يسمّى باطلاً عند العرف، و أمّا الموارد التي يراها العرف من قبيل الأكل بالباطل، ومع ذلك رخّص الشارع فيها بالأكل كما في حق المارّة، وحق الشفعة مثلاً فهي تكون ممّا خطّأ الشارع فيه العرف في فهم البطلان وأنّ ترخيصه يكشف عن عدم بطلانه واقعاً، وإنّما هي ممّا تخيّله العرف كذلك.
فحينئذ إذا لم يعلم في مورد أنّ الشارع رخّص فيه أو لا كما في المورد المشكوك، يكون الأكل والتصرّف فيه ممّن لم يعلم ثبوت حقّه فيه، أكلاً للمال بالباطل، فلازم ذلك كون الفسخ الصادر من أحدهما من غير رضا الآخر باطلاً، وهو يكشف عن لزوم العقد.
و لايخفى ما فيه من الإشكال، إذ الآية حينئذ تصير مجملة; لأنّه ما من مورد من الموارد المشكوكة التي ابتلي بها المكلّف إلاّ ويشكّ في أنّه هل كان من جملة ما هو باطل في الواقع وفي نفس الأمر، أو كان من جملة ما تخيّله العرف باطلاً، فلا يصحّ حينئذ التمسّك بها في بطلان الفسخ الكاشف عن لزوم العقد، وقد أشرنا عليه بمثل هذا الكلام في بعض مسائل الصلاة، في

1. النساء:29.

صفحه 317
تحقيق معنى التجاوز بالغير، وأنّ المراد من الغير ماذا؟ فراجع.
و منها: أنّه يدلّ على حرمة الأكل وأنّ موضوعها فيها هو الباطل العرفي على نحو ما سبق، لكن الموارد المأذون بها في الشرع مع صدق البطلان عليها عرفاً كانت من باب التخصيص لا من باب التخطئة في المصداق.
و فيه أيضاً أنّ الشارع مع تصديقه العرف في البطلان كيف يرخّص في الباطل؟
و منها: أنّ الظاهر منها أنّ كلّ أكل واقع في الأموال فهو أكل مال بالباطل شرعاً إلاّ ما كان بتجارة، فتدلّ الآية على أنّ الأكل بسبب الفسخ من دون رضا الآخر باطل، فيتمّ المطلوب حينئذ.
لايقال: إنّ حرمة الأكل أو كونه باطلاً فرع كونه مال الغير، وهو مشكوك بعد الفسخ وبعد وروده. .
لأنّا نقول: إنّ هذا إنّما يرد لو جعلنا الأكل عبارة عن التصرّفات الواقعة بعد الفسخ، و أمّا لو جعلنا كفاية عن كون مطلق التصرّف حتى الفسخ حراماً وباطلاً غير مؤثّر ـ وهو الحق كما مرّ ـ فلا يلزم الإشكال، لأنّ الفسخ تصرّف في مال الغير حيث إنّه إزالة لملكيّته وقطع لربطه وعلقته.
لكن فيه أن يقال: إنّ الحرمة لاينتزع عنها الفساد ولايمكن أن يجعل النهي عن الأكل إرشاداً إليه; لأنّه بالنسبة إلى سائر التصرّفات ـ غير الفسخ ـ حرام تكليفي، فلا يمكن حمله على بيان الحكم الوضعي بالنسبة إلى خصوص الفسخ، لاستلزامه استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.

صفحه 318
الدليل الخامس على أصالة اللزوم: المؤمنون عند شروطهم    

الدليل الخامس: قول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): المؤمنون عند شروطهم

و من جملة الأدلّة التي استدلّوا بها عليها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « المؤمنون عند شروطهم».1
و دلالته على المدّعى متوقّفة على ثبوت مقدّمتين:
الأُولى: دلالته على وجوب الوفاء بالشرط.
الثانية: كون المراد من الشرط مطلق الشروط حتى يعمّ الشروط الابتدائية كي يكون العقد البيعي من جملة مصاديقها، فيجب الوفاء به بناء على مقضتاه.
أمّا ثبوت المقدّمة الأُولى فواضح، لكونه ظاهراً في أنّه يجب الوقوف عند الشروط ويجب القيام بها وأن لاينقضها بناقض، ولا يتخلّف عنها بخلف، بل قد قيل: إنّ دلالة الجملة الخبرية على الطلب أقوى وآكد من دلالة نفس الإنشاء عليه، ووجهه واضح.
هذا مضافاً إلى كون ذيله قرينة على دلالته لما ذكر من وجوب الوفاء وهو قوله: «إلاّ مَن عصى اللّه»2، و «إلاّ شرطاً حرّم حلاله أو أحلّ حراماً»3، وأشباههما من العبائر المختلفة المأثورة عن المعصوم(عليه السلام) في كتب الأحاديث.
فالعقد على هذا شرط فيجب الوقوف عنده، ولايجوز التعدّي عنه، إذا

1. الوسائل: ج 14، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.
2. راجع: الوسائل: ج12، الباب 6 من أبواب الخيار وذيله.
3. الوسائل: ج 12، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 5.

صفحه 319
شككنا فيما صدر من أحد المتبايعين دون الآخر في أنّه من مصاديق الفسخ أو لا، فيدلّ حينئذ على اللزوم بهذا التقريب.
و أمّا ثبوت المقدّمة الثانية فغير مسلّم لوجوه:
أمّا أوّلاً: فإنّا لانسلّم أنّ معنى الشرط هو الإلزام والالتزام، إذ لانفهم من الشرط بل لايستفاد منه في قولنا: أجيئك بشرط أن أفعل كذا، أو أن تفعل كذا، إنّي ملتزم بك عند مجيئي، أو أنت ملتزم لي عند مجيئي، وأنا ألزمك عنده أن تفعل الفعل الكذائي، أو أن أفعل الفعل الكذائي.
بل فائدة الشرط أنّه يجعل مشروطه بوجوده عرضة للزوال بمعنى أنّه يجوز العمل عليه لو شاء وأراد كما لايخفى.
نعم قد ينطبق ذلك على مورد الإلزام والالتزام، ولايلزم منه أنّه بهذا المعنى، وهو واضح.
و أمّا ثانياً: سلّمنا أنّ معنى الشرط هو الإلزام والالتزام، إلاّ أنّ العقد البيعي، ليس من هذا القبيل، إذ هو شيء والشرط شيء آخر، نعم هو معنى وجوب الوفاء بالعقد، لا أنّه معنى نفس العقد.
و ممّا ذكرنا يظهر دفع كلتا الدعويين للشيخ الأنصاري (قدس سره) من دعواه منع صدق الشرط في الالتزامات الابتدائية، وأنّ المتبادر العرفي من معناه هو الإلزام التابع بالعقد كما في أوّل باب الخيارات1 ومن دعواه عدم الإشكال في صحّة استعمال الشرط في الالتزام الابتدائي و وقوعه في الأخبار كثيراً كما

1. المتاجر: 2، قسم الخيارات، والطبعة الحديثة (المكاسب):5/17.

صفحه 320
في باب الشروط.1
و أمّا دفعهما فواضح ممّا ذكرنا.
و أمّا ثالثاً: سلّمناه أنّ معنا هو الإلزام والالتزام، وأنّ العقد البيعي أيضاً من هذا القبيل، لكن لابدّ في المقام من إثبات إطلاق حتى يشمل المورد الذي نعلم طروء عارض عليه ويشكّ في أنّه من مصاديق الفسخ أو لا، على الفرض.
لكن لنا منع هذا الإطلاق، بل هو ممنوع من أصله.
و أمّا رابعاً: سلّمنا جميع ذلك، لكن يرد عليه الإشكال العام السابق من أنّ الحكم بمقتضى إطلاقه على موضوع، متوقّف على وجود الموضوع وتحقّقه حقيقة، والمفروض أنّ وجود الموضوع فعلاً بسبب طروء هذا الطارئ، فلايصحّ الحكم عليه بأنّه موجود بإطلاق الحكم كما مرّ سابقاً.
نعم يمكن الاستدلال عليه بكلّ واحد من التقريرين الأخيرين في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فتذكّر.
   

الدليل السادس قوله (عليه السلام): البيّعان بالخيار مالم يفترقا

و من جملة الأدلّة المتمسّك بها في المقام قوله(عليه السلام): « البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، وإذا افترقا وجب البيع».2
فإنّه يدلّ على أنّ الافتراق إذا حصل انتفى لهما الخيار، ولا معنى

1. المتاجر: 275; والطبعة الحديثة (المكاسب):6/11.
2. راجع : الوسائل: ج 12، الباب 1 من أبواب الخيار.

صفحه 321
لانتفائه إلاّ كون البيع لازماً، وهو معلوم.
لكن فيه إشكال واضح، وهو أنّه: نعم، الافتراق يدلّ على لزوم البيع وعدم ثبوت الخيار لهما بعد الافتراق، لكن بمعنى أنّ الخيار الذي كان للمتبايعين قبل افتراق المجلس، وأنّه كان موجباً لجواز العقد، ليس لهما بعد ذلك، وأنّ العقد يصير لازماً من هذه الجهة.
و أمّا كونه لازماً من سائر الجهات أيضاً حتى من جهة طروء ما يصلح أن يكون فسخاً له فلا دلالة عليه، كما لايخفى.

و من الأدلّة على اللزوم: الاستصحاب1

و من جملة الأدلّة الاستصحاب، وهو أقوى الأدلّة في المقام لو كان سالماً عن الإشكالات الآتية.
فنقول في تقريره:
أنّا نعلم يقيناً بوقوع العقد وأنّه سبب لحصول ملكية أحد المتبايعين لمال الآخر وبالعكس قطعاً، أو لانقطاع علاقة المالك عن العين المنتقلة به، فصارت ملكاً لصاحبها وانقطاع علاقة مال صاحبه المنتقل عنه به، فصار ملكاً له كذلك، فإذا شككنا بعد ذلك في أنّ العقد المذكور هل يكون منفسخاً بقول أحدهما: «فسخت العقد» من دون رضا الآخر أو لا؟ يستصحب الملكية

1. هذا سابع الأدلّة التي استدلّ بها على أصالة اللزوم، وثامنها الذي لم يتعرَّض له المؤلّف: الناس مسلّطون على أموالهم. راجع متاجر الشيخ الأنصاري: 2، قسم الخيارات ; والطعبة الحديثة (المكاسب): 5/17.

صفحه 322
الثابتة بالعقد فعلاً، لأنّ الشكّ في وجود الرافع، والأصل عدمه إلى أن يعلم الفسخ حقيقة.
لكن فيه إشكال من وجوه:
أمّا أوّلاً: فبأنّه شكٌّ في المقتضي، فإنّا نشكّ في أنّ اقتضاء العقد واستعداده هل هو باق إلى زمان الشكّ وبعده، أو انقضى ذلك قبل هذا الزمان بقوله: «أنا فسخت العقد»؟ فإن كان العقد المفروض ثبوته عقداً جائزاً وانعقد كذلك في نفس الأمر، فقد تمّ استعداده بصدور قوله: «أنا فسخت العقد» وانقضى، فيكون هذا مؤثراً فيه، وإن كان عقداً لازماً في الواقع فاستعداده حينئذ يكون باقياً، فلا يكون ذلك القول فيه مؤثراً.
فيكون حاله من حيث الاستعداد والاقتضاء مجهولاً، فلايجري فيه الاستصحاب.
و بعبارة أوضح: أنّ الملكيّة على نحوين: ملكيّة مستقلة، وملكيّة متزلزلة، أو ملكيّة لازمة، وملكيّة غير لازمة، فإذا كان الأمر كذلك ولم يعلم حال ما هو أثر العقد من مقتضاه يكون استعداده مشكوكاً، فلا يجري فيه الاستصحاب.
و أمّا ثانياً: فيقال: إنّ ما نحن فيه من قبيل القسم الثاني من الاستصحاب الكلّي، لكون الشكّ في بقاء المتيقّن السابق من جهة الشكّ في تعيين ذلك الفرد وتردّده بين ما هو باق فعلاً، وبين ما هو مرتفع كذلك، إذ العقد الذي شكّ في بقائه إن كان لازماً فهو باق قطعاً، وإن كان جائزاً فهو مرتفع به جزماً; كما في مسألة القطع بوجود حيوان في الدار في زمان ثم شكّ في بقائه فيها

صفحه 323
بعد ذلك الزمان وعدمه. فالشكّ فيه من جهة الشكّ في تعيّنه في فرد أو تردّده بين ما هو باق قطعاً إن كان فيلاً مثلاً، وبين ما هو مرتفع كذلك إن كان بعوضة، فلا يجري فيه الاستصحاب; لدوران الأمر فيه بين ما هو مقطوع الانتفاء لو كان العقد الموجود المفروض سابقاً جائزاً، وبين ما هو مشكوك الحدوث وهو لزومه، فيكون محكوماً بالانتفاء بحكم الأصل.
و أمّا ثالثاً: فإنّ الاستصحاب المذكور ـ من استصحاب بقاء الملكيّة الثابتة للمالك الثاني بعد فرض صدور ما يحتمل كونه موجباً للفسخ من القول المذكور الذي مقتضاه اللزوم ـ معارض بما هو حاكم عليه من استصحاب عدم انقطاع علاقة المالك الأوّل عن العين المنتقلة عنه إلى غيره، فحينئذ يقدّم ذلك عليه فلايتمّ التمسّك به أيضاً في المقام.
و أمّا الجواب عن الوجوه المذكورة:
فعن الأوّل:
فبأن يقال: أوّلاً بالحلّ:
و هو أنّا لانسلّم عدم حجّية الاستصحاب في الشكّ في المقتضي، إذ كما أنّه حجّة في الشكّ في الرافع وفي الشكّ في رافعية الشيء الموجود، كذلك أنّه حجّة في الشكّ في المقتضي أيضاً لشمول إطلاق الأخبار من قوله (عليه السلام): «لاتنقض اليقين بالشكّ»، أو: «لاينقض الشكّ باليقين»1، وأمثالهما.
نعم لو بنينا على مبنى الشيخ الأنصاري(قدس سره) من عدم كونه حجّة فيه يرد

1. راجع: رسالة الاستصحاب: 82، للأُستاذ الأكبر دام ظلّه.

صفحه 324
الإشكال في المقام، لكن المختار عدم صحّة ذلك القول، إذ اليقين المأخوذ في أخبار الباب إنّما هو باق على حاله وعلى صفة اليقين، وهو الحقّ من دون التصرّف فيه وجعله بمعنى المتيقّن كما هو مختاره.
و ثانياً بالنقض:
و هو إنّا سلّمنا أنّه كذلك، لكنّه من قبيل الموارد التي أجمع القوم بجريان الاستصحاب فيها، كما في استصحاب بقاء الضوء للسراج إذا شكّ في استعداد الدهن له، و استصحاب بقاء الحياة إذا كان الشكّ من جهة القابلية والاستعداد لبقاء ذي الحياة، وهكذا غيرهما من نظائرهما ممّا كان الشكّ فيه من الجهة المذكورة لا من جهة الشكّ في حدوث الرافع كالموت لأجل السقوط من شاهق مثلاً مع أنّ الاستصحاب حجّة فيها بلا إشكال، فما هو الجواب هناك هو الجواب هنا.
و ثالثا: أنّا لانسلّم أنّ الملكيّة على نوعين، بل الملكيّة لها نوع واحد، وحقيقة واحدة ولا اختلاف فيها، وإنّما الاختلاف والتغاير في أسبابها، فإنّها قد تفيد ملكيّة مستقلّة لازمة وقد تفيد ملكيّة غير مستقلّة غير لازمة، ومعلوم أنّ تغاير السبب واختلافه لا يوجب تغاير المسبب و اختلافه، فحينئذ يستصحب ذلك المسبب، أعني: الملكيّة الحاصلة بالعقد.
و رابعاً: سلّمنا أنّه من قبيل الشكّ في المقتضي، وأنّ جميع ما ذكرنا من الأجوبة غير وارد، إلاّ أنّ المقام ليس من القبيل المذكور حقيقة وواقعاً، لأنّ المعنى في الشكّ في المقتضي كون الشكّ في نفس اقتضاء المقتضي واستعداده فقط، لا في شيء آخر غير الاستعداد والقابلية; بخلاف المقام فإنّ

صفحه 325
الشكّ هنا إنّما في رافعيّة الفسخ المفروض حصوله من البائع قطعاً لا في نفس اقتضاء الملكيّة واستعدادها من حيث البقاء وعدمه كما هو المدّعى، إذ لو صرفنا النظر عنه لتبقى الملكيّة الحاصلة المفروضة للمالك الثاني على حالها بلا إشكال من دون شكّ في رفعه أو ارتفاعه.
و عن الثاني: أنّا لانسلّم أنّ الاستصحاب في الكلِّي الذي مرّ ذكره ليس بحجّة، بل هو حجّة فيه بلا ارتياب، لكونه مشمولاً لإطلاق الأخبار كما قرّر في محلّه. هذا أوّلاً.
و ثانياً: سلّمنا عدم حجيّته فيه لكنّ الاستصحاب هنا وكذا فيما كان من هذا القبيل كما في جميع مصاديق القسم الثاني من الاستصحاب الكلّي مثل العلم بحدوث حدث مردّد بين كونه بولاً ومنياً، ليس من قبيل الاستصحاب الكلّي كما هو المدّعى في المقام، بل هو فيهما من باب استصحاب الفرد قطعاً، إذ المفروض أنّ المستصحب هو الذي يرى جثّته في الدار ويرى أنّه من بعض أفراد الحيوان ويسمع صوته أو بعض علاماته الدالّة حسّاً على أنّه جزئي شخصي وحقيقي، كما هو مقتضى الشيء، وتشخّصه خارجاً. غاية الأمر أنّه لايعرفه بشخصه وبتعيينه بحيث يمتاز عن غيره من مشاركاته في جنسه، ومعلوم أنّ عدم حصول العلم والمعرفة به بخصوصه لايوجب كونه كلّياً.
نعم عدم العلم به كذلك يوجب ترديداً للمستصحِب (بالكسر) فيه في بقائه وعدمه، فيكون هذا منشأ لشكّه، فتكون أركان الاستصحاب من هذه الجهة تامّة.
و من هنا ظهر أنّ القول ـ بأنّه لابدّ في الاستصحاب من يقين سابق

صفحه 326
وشكّ لاحق، والمقام ليس كذلك إذ المستصَحب (بالفتح) مردّد بين ما هو منتف قطعاً، إذا فرض الحاصل من الحدث بولاً مثلاً وعقب بالوضوء بعده، وبين ما هو مشكوك حدوثه، فعلاً، إذا فرض منيّاً مع التعقيب المذكور، فلا تكون أركانه حينئذ تامّة، فلا مجال لجريانه ـ لا وجه له أصلاً، لما مرّ من أنّ كونه كذلك كان منشأً للشكّ ومصحّحاً للاستصحاب ولترتيب آثاره.
نعم الذي يجب ترتيبه عليه من الآثار إنّما هي الآثار المشتركة بين البول والمني، أعني آثار الحدث المفروض وجوده في الخارج المشخّص بتشخصاته الخارجية وجزئيته، مثل حرمة مسّ كتابة القرآن على هذا الشخص ونظيره، لا ترتيب آثار خصوص كلّ واحد منهما من حيث شخصيته وخصوصيته، لعدم كونه مستصحباً كذلك. فافهم واغتنم.

***

قال الشيخ (قدس سره) في مبحث المعاطاة:
و يدلّ عليه ـ أي: مدّعاه من أصالة اللزوم في المقام وبقاء ملكية المالك الثاني، مع أنّه يكفي في الاستصحاب الشكّ في أنّ اللزوم من خصوصيات الملك أو من لوازم السبب الملك، ومع أنّ المحسوس بالوجدان أنّ إنشاء الملك في الهبة اللازمة وغيرها على نهج واحد ـ أنّ اللزوم والجواز لو كانا من خصوصيات الملك، فإمّا أن يكون تخصيص القدر المشترك بإحدى الخصوصيتين بجعل المالك، أو بحكم الشارع.
فإن كان الأوّل، كان اللازم التفصيل بين أقسام التمليك المختلفة بحسب قصد الرجوع، وقصد عدمه، أو عدم قصده، وهو بديهي البطلان، إذ لا تأثير لقصد المالك في الرجوع وعدمه.

صفحه 327
و إن كان الثاني لزم إمضاء الشارع العقد على غير ما قصد المنشئ وهو باطل في العقود، لما تقدّم من أنّ العقود المصحّحة عند الشارع تتبع القصود، انتهى.1
و لايخفى ما في تلك الوجوه من الإشكال:
أمّا في الأوّل: من قوله: مع أنّه يكفي في الاستصحاب الشك...
ففيه: أنّه ممنوع جداً، إذ مقتضاه أنّا لو شككنا في أنّ هذا المورد هل هو مجرى الاستصحاب أو ليس بمجراه، لجاز أن يجري فيه الاستصحاب، مع أنّه لابد في جريانه من اعتبار مجراه; وأنّه هل هو مقرون بما اعتبر في جريانه من الشرائط والأركان، كي يجري فيه الاستصحاب أو لا؟
ففيما نحن فيه أنّا إذا شككنا في أنّ اللزوم والجواز من خصوصيات الملك، لايكون المقام مجرى له أو من خصوصيات السبب المملك يكون مجرى له، لا وجه للحكم بأنّه مجراه لما مرّ من أنّه لابدّ في جريانه من إحراز أركانه وشرائطه، وهو واضح.
و أمّا في الثاني: من قوله: مع أنّ المحسوس بالوجدان...
ففيه: أنّ كون الملك في الهبة اللازمة وغير اللازمة على نهج واحد مسلّم بالحسّ والوجدان، لكنّه لاينافي كونه مختلفاً بخصوصية المحلّ وبلحاظ المورد كما في الهبة لذي الرحم ولغيرهم، فإنّ معناها هو إنشاء الملك في كلا الموردين على نسق واحد ونهج فارد بلا إشكال فيه، لكن لمّا كنّا جاهلين بمواردها حقيقة كشف الشارع عن حقيقتها بأنّه إن وقعت على

1. المتاجر: 7، كتاب البيع، والطبعة الحديثة (المكاسب): 3/52.

صفحه 328
ذي الرحم تكون لازمة، وإن وقعت لغيرهم تكون غير لازمة.
ووجه الفرق خصوصية المحلّ في كليهما.
ونظير ذلك كما فيمن أحدث الحرارة في محلّين مختلفين بأن أحدث حرارتين متساويتين من جميع الجهات في محلّين، لكن أحدهما أشدّ من الآخر، كما في الحديد والخزف فإنّها وإن كانت على نحو واحد، إلاّ أنّ اختلاف المحلّ يجعلها مختلفين حيث إنّ بقائها في الأوّل يكون أزيد زماناً من الآخر.
فظهر أنّه يمكن اختلاف المعنى الواحد على ما نحسّه بالوجدان باختلاف بعض الخصوصيات كما عرفت، فيكون المقام من قبيل الاستصحاب الكلّي، ويخرج عمّا هو الفرض من كون الاستصحاب استصحاب الفرد كما هو مقتضى تسليم الشيخ(قدس سره) عدم جريانه فيه، وتنزلّه عنه إلى دعوى جريان الاستصحاب في الفرد.
و أمّا في الثالث: من قوله أنّ اللزوم والجواز لو كانا...
ففيه: أنّا نختار الشقّ الثاني، وقوله: لزم إمضاء الشارع العقد على غير ما قصده المنشئ مدفوع بأنّ المسلّم من كون العقود تابعة للقصود، هو مطابقة أصل المعنى للقصد وتبعيته له، و المفروض أنّ المنشئ قد قصد الملكية عند إنشائه العقد، وأمّا مطابقية خصوصية زائدة عليه خارجة عن مقتضاه مستفادة عن اعتبار الشارع لخصوصية المحلّ، أعني: اللزوم وعدمه، فليس بمسلّم.
و أمّا في الرابع1

1. لايخفى أنّ هذا أيضاً هو الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة المذكورة في كلام الشيخ لا الرابع.

صفحه 329
ففيه: أنّ كون الشيء بالحسّ والوجدان واحداً لايستلزم أن يكون واحداً شخصياً خارجياً كي يكون المستصحب مفرداً لا كلّياً، بل يمكن أن يكون مع ذلك كلّياً مردّداً بين فردين، أو أفراد كثيرة متّحدة الحقائق، فحينئذ يكون المستصحب في المقام كلّياً فلازمه استصحاب الكلّي لا الفرد.
مضافاً إلى ما ذكرنا أنّ لنا جواباً آخر:
و هو أنّ لنا دليلاً على أنّ المسبب أيضاً مختلف وليس الاختلاف منحصراً في الأسباب ليس غير.
و بيان ذلك: أنّ المؤثر في المقام هل هي الأسباب باختلافها، أو هي بجامعها؟
أمّا الثاني فخلاف الفرض إذ المفرض أنّ المؤثر هي الأسباب.
و أمّا الأوّل، فلازمه تعدّد الأثر المسبّب بتعدّد الأسباب والمؤثرات بلا إشكال، كما هو مقتضى اختلافها.
و عن الثالث:
و هو كون الاستصحاب بين متعارضين، وأنّ أحدهما حاكم على الآخر.
ففيه إشكالان:
الأوّل: أنّ كون جريان استصحاب بقاء الملكية للمالك الجديد معارضاً باستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك الأوّل عن ملكه، متوقّف على عدم انقطاع العلاقة له عن ملكه كلّية، والحال أنّ المعلوم من الأخبار الدالّة على

صفحه 330
ثبوت الخيار لذيه في بابه انقطاع علاقته عن ملكه كذلك، وأنّ الخيار الثابت له حقّ آخر مجعول من قبل الشارع ليندفع به الضرر الوارد عليه من جهة العيب الموجود في المبيع أو من جهة الغبن أو غير ذلك من أسباب الخيار، وقد مرّ سابقاً أنّ معنى الخيار هو فسخ ذي الخيار العقد ورجوعه فيه لا الرجوع بالمال والعين.
فظهر أنّ مقتضاه استرداد ما زال عن ملكه حقيقة وواقعاً من المال بإعمال الحقّ المجعول من الخيار عند تحقّق أسبابه، فتأمّل.
الثاني: أنّ كون أحد الاستصحابين حاكماً على الآخر لا معنى له إلاّ كونه سبباً والآخر مسبباً كما هو المطلوب من الحكومة في اصطلاحاتهم، والمقام ليس من هذا القبيل.
فإنّ بقاء الملكية فيه للمالك الثاني ليس مسبباً عن بقائها للمالك الأوّل، كي يكون حاكماً عليه ولايكون مجال لجريانه فيه، بل كلّ واحد منهما مسبب عن سبب غير سبب الآخر كما هو معلوم.
ثم لايخفى أنّ الحقّ جريان هذا الاستصحاب مطلقاً، سواء كان أثر العقد سبقاً أم تسلّطاً أم غيرهما من الآثار من دون فرق بينهما.
و ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري(قدس سره) من الفرق في جريانه بين كون الأثر سبقاً وكونه تسليطاً في غير محلّه، إذ ما من عقد إلاّ يكون له أثر كما لايخفى.
هذا كلّه في الشبهة الحكمية، وأمّا جريانه في الشبهة الموضوعية فلا إشكال أيضاً فيه، كما لا إشكال في كون اللزوم مقتضى العقود.

صفحه 331

 

أقسام الخيار

و هي كثيرة حتى عدّ بعض لها عشرين مورداً، إلاّ أنّا نكتفي بذكر الأهم منها كما هو المتعارف في كتب الأكثر، وهي سبعة:1
الأوّل: خيار المجلس
إعلم أنّه لا إشكال في ثبوت هذا الخيار بين الإمامية والعامّة، إلاّ أنّ أبا حنيفة قد أنكر ثبوت ذلك، وتصدّى بعضُ مَنْ تبعه من أشياعه بتوجيه النصوص المستفيضة الواردة في إثبات ذلك الخيار وبتأويلها، تفصّياً عن ردّ كلامه وتخلّصاً عمّا يرد عليه من الإشكال بها، فراجع كتبهم.

هل يثبت خيار المجلس للوكيل؟

ثم لا إشكال أيضاً في ثبوته للمالكين العاقدين، وإنّما الكلام والإشكال في أنّه هل هو ثابت لوكيليهما أو لا؟
قال بعض بثبوته لهما مطلقاً، وقال آخر ـ وهو المحقّق الثاني ـ بعدم ثبوته لهما كذلك، وإنّما الثابت لموكليهما فقط، وفصّل ثالث كالشيخ الأنصاري في مكاسبه بين أن يكونا وكيلين في خصوص إجراء العقد أو

1. لا يخفى أنّه لم يتعرّض المؤلّف في هذه الرسالة إلاّ لأربعة منها، وهي: المجلس، والحيوان، والشرط، والغبن.

صفحه 332
وكيلين في التصرّف في مال الموكّل مطلقاً على أي نحو اتّفق من التصرّف المالي، بأن كانا مستقلّين في التصرّف في ماله بحيث يشمل فسخ المعاوضة بعد تحقّقها، كالعامل في مال المضاربة مثلاً وكاستقلال أولياء القاصرين من الصغار والمجانين في تصرّفهم في أموالهم على أي نحو شاءوا، وأرادوا، أو كانا مستقلين في التصرّف في ماله في خصوص أمر واحد كالبيع والشراء للموكل، وجوه:
قال(قدس سره): بعدم ثبوت الخيار لهما في الوجه الأوّل لأُمور:
منها: أنّ المتبادر من قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» غير الوكيلين في مجرد إجراء العقد.
و في الوجه الثاني بثبوته لهما لعموم النص، وأنّ دعوى تبادر المالكية ممنوعة خصوصاً إذا أسندت هذه الدعوى إلى الغلبة; لأنّ معاملة الوكلاء والأولياء لاتحصى.
و في الوجه الثالث بعدم ثبوته لهما أيضاً كالوجه الأوّل لا لما ذكر في وجهه من انصراف الإطلاق إلى غير ذلك أو تبادر غيره من النص، بل لبعض ما ذكر فيه من أنّ مفاد أدلّة الخيار إثبات حق وسلطنة لكلّ من العاقدين على ما انتقل إلى الآخر بعد الفراغ عن تسلّطه على ما انتقل إليه، وعن تمكّنه عن رد ما في يديه، فلايثبت بهذه الأدلّة هذا التمكّن والتسلّط لو شك في ثبوته، ولم يكن مفروغاً عنه في الخارج.
هذا حاصل ما ذكره (قدس سره) في كتابه المذكور.1

1. راجع: المتاجر: 217 ; طبعة تبريز، والطبعة الحديثة (المكاسب) 5/30ـ31.

صفحه 333
لكن أقول إنّه لقد أجاد فيما أفاد بالنسبة إلى الوجه الأوّل من الدليل، من عدم ثبوت الخيار للوكيلين فيه لعدم صدق البيع عليهما، أو انصرافه عنهما، أو المتبادر منه من باشر التصرفات المالية من الأخذ والرد دون من باشر بمجرد إجراء العقد ليس غير، كما هو الفرض.
كما أنّ دعواه ثبوته في الوجه الثاني لمقتضى صدق البيع عليهما في غاية الجودة والمتانة، لما ذكر من الصدق وعموم النص.
و أمّا قوله (قدس سره) في الوجه الثالث، بعدم ثبوته لهما لا لعدم صدق النص عليهما فيه، أو انصرافه عنهما، إذ البيع صادق عليهما بلا إشكال، وليس منصرفاً عنهما أصلاً، بل لعدم بعض ما ذكره وجهاً للأوّل من الوجوه، وهو أنّ إطلاق أدلّة الخيار مسوق لإفادة سلطنة كلّ من العاقدين على ما نقله عنه بعد الفراغ عن تمكّنه من ردّ ما في يديه ممّا انتقل إليه، والمفروض أنّ الوكيلين ليسا متمكّنين عن ردّ ما انتقل إليهما لعدم كونهما وكيلين فيه، بل هما وكيلان في خصوص المعاوضة، فلا يطلق عليهما البيّع بهذا النحو.
فمدفوع بأنّ المفروض أنّ البيع صادق عليهما، وأنّ ثبوت الخيار وعدم ثبوته يدور مدار صدق البيع وعدم صدقه، وكون الصدق مشروطاً بهذا الشرط المذكور أوّل الكلام فعلى مدّعيه إثباته.
و لصاحب المسالك في هذا المقام كلام لكن الإنصاف أنّه خلط في التمسّك بثبوت الخيار وعدم ثبوته بين ما هو مقتضى أدلّة الخيار وبين ما هو مقتضى أدلّة الوكالة.
لكن سلوك الشيخ الأنصاري في المقام وهو التمسّك بمقتضى أدلة

صفحه 334
الخيار فقط موافق لمسلك القوم فراجع.
ثمّ إنْ أغمضنا عن شمول أدلّة الخيار في إثباته للوكيلين، وقلنا بأنّها دالّة على خيار العاقدين المالكين، كما عن المحقّق الثاني، هل يمكن التمسّك فيهما بعموم أدلّة الوكالة أو لا؟
الحق أنّه يمكن التمسّك بها في ثبوته للوجه الثاني إذ المدار في الثبوت وعدمه على صدق البيع وعلى عدمه، والمفروض أنّهما فيه بيعان كما هو مقتضى تفويض أمر المعاوضة إليها مطلقاً كما مرّ سابقاً، وهذا واضح لا إشكال فيه.
كما أنّ عدم جواز التمسّك بها في ثبوته للوجه الأوّل أيضاً كذلك لما مرّ من عدم صدق البيع فيه.
و أمّا جواز التمسّك بها في ثبوته للوجه الثالث فوجهان من جهة أنّ الوكيل فيه بيع وأنّ أدلّة الوكالة تنزله منزلة المالك العاقد فيثبت له ما ثبت له من الخيار، ومن أنّ هذه الأدلّة تجعله نائباً أو وكيلاً من قبله فيما وكّل فيه من متعلّق الوكالة لا وكيلاً فيما أزيد منه كما هو مقتضاها فلايثبت له الخيار حينئذ، والأخير منها لايخلو عن قوّة، وهو الحقّ.
ثم هل يثبت الخيار للموكلين عند حضورهما في مجلس العقد في الموارد الثلاثة المذكورة أو لا؟
أقول: إنّه (قدس سره) لقد أجاد أيضاً في قوله بثبوت الخيار في الأوّل من الوجوه لهما، لأنّ الخيار حقّ ثابت للبيّع والمفروض أنّ الوكيل في مجرد إجراء العقد

صفحه 335
ليس بيّعاً كما مرّ، فيكون البيّع نفس الموكل فيثبت له الخيار.
و أمّا ثبوته لهما في الثاني والثالث ففيه إشكال، لما مرّ من أنّ ثبوته يدور مدار صدق البيع وعدم صدقه، وهما ليسا بيّعين حقيقة بل البيّع حقيقة وكيلاهما كما هو مقتضى تفويض أُمور المعاملة مطلقاً، أو خصوص أمر المعاوضة من البيع والشراء إليهما كما مرّ آنفاً.
مع أنّ المراد من الحضور والاجتماع الحضور البيعي والاجتماع الكذائي، بخلاف حضور الموكّلين عند المعاملة واجتماعهما حال البيع، فإنّه ليس اجتماعاً بيعياً وحضوراً كذلك، كما لايخفى.
بقي هنا شيء:
قال الشيخ(قدس سره): فقد يتحقّق في عقد واحد الخيار لأشخاص كثيرة من طرف واحد أو من طرفين، فكلّ مَن سبق من أهل الطرف الواحد إلى إعماله نفذ وسقط خيار الباقين بلزوم العقد أو بإنفساخه، وليس المقام من تقديم الفاسخ على المجيز، فإنّ تلك المسألة فيما إذا ثبت للجانبين، وهذا فرض من جانب واحد. انتهى.1
و توضيح ذلك: أنّه إذا فرضنا عشرة أشخاص موكّلين شخصاً واحداً في المعاملة الكذائية في طرف واحد من العقد، وفرضنا عشرة أُخرى موكّلين شخصاً آخر من طرف آخر منه بأن كان أحدهما وكيلاً منهم في بيع العبد من قبلهم والآخر وكيلاً في شرائه لهم إذا شرطوا الخيار لكليهما أو في بيع حيوان

1. المتاجر: 217، والطبعة الحديثة (المكاسب):5/31.

صفحه 336
بحيوان، بأن بدّل أحدهما بالآخر ليكون الخيار لكليهما، أو فرضنا أحد المتعاملين وكيلاً كذلك والآخر أصيلاً، أو أمثال ذلك من الفروض. وفرضنا موت أحد الوكيلين أو كليهما بعد أن تحقّقت المعاملة الكذائية، فإنّ الخيار حينئذ ينقل منه إلى الموكّلين بلا إشكال لكونه حقّاً لهم.
و مقتضى كلامه(قدس سره) أنّه إن أعمل أحدهم الخيار إمضاء أو فسخاً نفذ ويسقط عن الباقين من الموكّلين، وهذه المسألة ليست من مسألة تقديم الفاسخ على المجيز، يعني أنّ الفاسخ هناك مقدّم على المجيز، سواء كان فسخه سابقاً على إجازة المجيز أم لاحقاً عليها. والوجه في ذلك أنّ معنى إجازة المجيز العقد، أنّه يبقى العقد على حاله وأنّه يسقط الحق الثابت له شرعاً من الخيار عن نفسه فقط، ولا ربط له لإسقاط حقّ غيره منه بخلاف فسخ الفاسخ فإنّه يعدم الموضوع وهو العقد في البين، فلايبقى لغيره حينئذ حق أصلاً لانتفاء موضوعه مطلقاً، سواء قدّم على الإجازة أم أخّر عنها فلا تأثير لوقوع الإجازة بعد فسخ الفاسخ لما عرفت من الوجه.
هذا حاصل كلامه(قدس سره)، ولكن لايخفى ما فيه من الإشكال.
فإنّ عدم سقوط حقّ الفاسخ في مسألة تقديم الفاسخ على المجيز في صورة كونه مسبوقاً على الإجازة الواقعة من صاحبه وعدم كونها مفيدة للزوم العقد في تلك المسألة كي لايكون لإعمال الفسخ مجال، إن كان الملاك فيه ثبوت الحق من الجانبين واعتبار تعدّده في البين، فقد يمكن لنا فرض ثبوته فيما نحن فيه لكلّ من الموكّلين أيضاً، لعدم المانع فيه لصدق البيّع على كلّ واحد منهم، فيكون حكمه حينئذ مثل حكم تلك المسألة فيما ذكر لها من

صفحه 337
الحكم من غير فرق، فإن أجاز واحد منهم فلاتكون إجازته مسقطة لحق الغير من الباقين، بل إنّما تكون مسقطة لخيار نفسه والتزاماً لبقاء العقد على حاله.
فعلى هذا لو فسخ واحد منهم العقد يكون نافذاً ومعدماً للعقد وإن كان ذلك بعد الإجازة، كما أنّه كذلك هناك.
و إن كان الملاك في سقوط حقّ الفاسخ بعد فرض وقوع الإجازة قبله فيما نحن فيه، هو وحدة الحقّ، ولذا كانت الإجازة بمجرّد صدورها مؤثرة فلا أثر للفسخ بعد فرض وقوعها فيه.
فلو أمكن فرض وحدة الخيار في تلك المسألة للمتبايعين كليهما مطلقاً إجازة كانت أم فسخاً، كما أنّه ممّا يحتمل لصدق قوله(عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» عليه أيضاً، يكون حالها مثل حال ما نحن فيه أنّ الواقع من كلّ واحد منهما مطلقاً أجازة أم فسخاً يكون مؤثراً في اللزوم أو الفسخ، فلايكون بعد ذلك لإعمال الآخر خيار في المقام، سواء أجاز أم فسخ، بل لا معنى له لوجود الطبيعة في ضمن الفرد، ولو كان ذلك الفرد الموجود إجازة مثل ما نحن فيه بعينه.

صفحه 338

 

إرث خيار المجلس

ثمّ إنّ الشيخ(قدس سره) قال في مسألة إرث الخيار: إنّ في استحقاق كلّ من الورثة للخيار مع أنّه شيء واحد لايقبل التقسيم والتجزئة، وجوهاً أربعة:
الأوّل: استحقاق كلّ منهم خياراً مستقلاًّ متعدّداً بتعدّدهم مثل استحقاق مورثهم ولازمه عدم سقوط خيار بعض إجازة أو فسخاً بإعمال البعض الآخر خياره كذلك كما لايخفى، نظير حدّ القذف وحقّ الشفعة الذي لايسقط بأخذ البعض عن الباقين. والاستناد في ذلك إلى النبوي (صلى الله عليه وآله وسلم)من قوله:«ما ترك الميّت فلوارثه» وغيره.
الثاني: استحقاق كلّ منهم خياراً مستقلاًّ في نصيبه، ولازمه جواز الفسخ له فيه دون باقي الحصص، ويكون مع اختلاف الورثة في الإمضاء والفسخ ثبوت الخيار على مَن عليه الخيار من جهة تبعّض الصفقة.
و قال في وجه ذلك: إنّه لمّا كان الخيار غير قابل للتجزئة والتقسيم كان مقتضى أدلّة إرث الورثة فيما ترك مورّثهم تعيّن تبعّضه بحسب متعلّق الخيار، نظير المشتريين لصفقة واحدة إذا قلنا بثبوت الخيار لكلّ منهما بسبب حدوث العيب مثلاً.
الثالث: استحقاق مجموع الورثة الخيار من دون ارتكاب تعدّده بالنسبة إلى جميع المال، ولا بالنسبة إلى حصّة كلّ منهم; لأنّ مقتضى أدلّة الإرث في الحقوق والأموال أمر واحد وهو ثبوت مجموع ما ترك لمجموع

صفحه 339
الورثة، إلاّ أنّ التقسيم في الثانية لمّا كان أمراً ممكناً يكون مرجع اشتراك المجموع من الورثة في المجموع من الأموال إلى اختصاص كلّ منهم بحصّة مشاعة بخلاف الحقوق، فإنّها باقية على حالها من اشتراك المجموع فيها، سواء أرادوا إجازة أم فسخاً، فلابدّ من اتّفاقهم عليها أو عليه، فلا يجوز لبعضهم الاستقلال بالفسخ، لا في الكل ولا في حصته.
الرابع: وهو الذي عبّر عنه بقوله: وهنا معنى آخر وهو قيام الخيار بالمجموع من حيث تحقّق الطبيعة في ضمنه لا من حيث كونه مجموعاً كما في الثالث، فحينئذ يكون لازمه جواز استقلال كلّ منهم بالفسخ ما لم يجز الآخر لتحقّق الطبيعة في الواحد، وليس له الإجازة بعد ذلك، كما أنّه لو أجاز الآخر لم يجز له الفسخ بعده، كما أنّ المجموع أيضاً كذلك.
هذا حاصل ما أفاده(قدس سره) هناك.1
و فيه ما لايخفى من عدم صحّة عدّ الأخير منها وجهاً مستقلاًّ على حدّة في قبالها، لأنّا لانعقل كونه كذلك، بل هو من قبيل الوجه الأوّل منها، إذ كون الطبيعة متعلّقاً للحكم إمّا الطبيعة من حيث هي هي مع قطع النظر عن الوجودين الخارجي أو الذهني، وأمّا الطبيعة باعتبار أحد الوجودين. أي: باعتبار وجودها السعي والخارجي والذهني، فإذا لايكون لها وجود إلاّ وجود الأفراد ذهناً أو خارجاً، فيكون الوجه الأخير حينئذ عين الوجه الأوّل لا مغايراً له، كما هو مدّعاه.

1. راجع: المتاجر:291; والطبعة الحديثة (المكاسب): 6/117.

صفحه 340
ثمّ إنّ الحق والمختار في تلك المسألة من الوجوه الثلاثة هو الوجه الثالث من استحقاق مجموع الورثة بالخيار لا لما ذكره(قدس سره) من الوجه، بل لأنّ الخيار لمّا كان حقّاً شخصياً قائماً بشخص واحد وهو مورّثهم قبل موته، فإذا فات المورّث يكون الورثة كلّهم معاً قائمين مقامه في قيام الحق المذكور الشخصي الوحداني بهم وبمجموع أشخاصهم كما هو مقتضى القاعدة.
و من هنا يظهر ما هو المختار فيما نحن فيه أيضاً من مسألة تعدّد الموكلين معاً وانتقال الخيار لكونه حقّاً من الوكيل إليهم بعد فوته، وهو ما مرّ من استحقاق مجموع الموكلين معاً لحق الخيار لعين ما ذكرنا له من الوجه كما عرفت.

ما ليس فيه خيار المجلس

ثمّ إنّه قد استثنى من عموم ثبوت هذا الخيار موارد:
منها: شراء من ينعتق على المشتري بالملك ولو تقديراً، مثل شراء الأب والابن، إذ بمجرد شرائه يصير ملكاً للمشتري ولو ملكاً تقديرياً آناً ما فيترتّب عليه الانعتاق، فليس فيه خيار مطلقاً لا في العين ولا في القيمة.
أمّا الأُولى فللأدلّة الدالّة على أنّ الحر لايعود رقّاً.
و أمّا الثانية فمن وجهين:
الأوّل: أنّ الاستحقاق بالبدل فرع الاستحقاق بالمبدل كما هو مقتضى البدلية والمبدلية، و إلاّ فلايكون مالكاً للبدل أيضاً كما هو واضح، والمفروض

صفحه 341
أنّه لايجوز أن يكون مالكاً للعين ومستحقاً لها لعروض الحرية فلايكون له الخيار.
الثاني: أنّ ظاهر قوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا»1 أي بالخيار فيما بأيديهما من العين من حيث الردّ والاسترداد لا ما يرجع إليه عند تعذّر العين من القيمة، فإنّه غير متبادر منه، بل المتبادر عند الإطلاق هو الأوّل وهو غير خفيّ على المنصف.
قال العلاّمة(قدس سره) في «التذكرة»: «لو اشترى من ينعتق عليه بالملك كالأب والابن، لم يثبت خيار المجلس; لأنّه ليس عقد مغابنة من جهة المشتري، لأنّه وطّن نفسه على الغبن المالي، والمقصود من الخيار أن ينظر ويتروّى لدفع الغبن عن نفسه».2
و فيه ما لايخفى من الإشكال كما أشار إليه الأنصاري أيضاً، وهو أنّ توطين النفس على إعتاقه بالشراء عليه ليس توطيناً على الغبن من حيث المعاملة بأن اشترى ما يقابل الخمسة بعشرة دراهم مثلاً أو أزيد من ذلك، مع أنّ ما هو مناط في ثبوت الخيار وهو أن يتروّى وينظر بعدها في معاملته ليدفع الغبن به عن نفسه لو كانت معاملة غبنية، ممكن في المقام.
فظهر أنّ مجرد الإقدام على الشراء عالماً بالانعتاق لايستلزم الإقدام على الغبن، فضلاً عن كونه عينه كما يتوهّم. نعم هو توطين لها على انعتاقه وهو غير منكر.

1. راجع: الوسائل: ج 12، الباب 1، من أبواب الخيار، الحديث 3 .
2. تذكرة الفقهاء: 11/10، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم.

صفحه 342
قال صاحب المقابيس:
«و في ثبوت الخيار للبائع والرجوع مع الفسخ إلى القيمة إشكال ينشأ من أنّ الخيار والعتق هل يتحقّقان بمجرد حصول البيع أو بعد ثبوت الملك آناً قليلاً، أو الأوّل بالأوّل والثاني بالثاني، أو بالعكس» إلى آخره.1
أقول في توضيح بعض فقراته: إنّ المراد من «الحقّين» هو حقّ البائع وحقّ العتق، والجمع بينهما عبارة عن إبقاء المنعتق على حريته ورجوع ذي الخيار بسبب الفسخ الذي كان مالكاً به إلى القيمة.
و المراد من «رفع المنافاة» التي هي استحقاق البائع الفسخ المقتضي لرجوع كلّ من العوضين إلى صاحبه الأوّل مع تعذّر عود المنعتق إلى ملكه، هو رجوع البائع بسبب فسخه إلى قيمة المنعتق لتعذر ردّ عينه، فعلى هذا ترتفع المنافاة.
و المراد من «النصّين» هي أدلّة الخيار وأدلّة العتق، ومقتضى العمل بهما مع قطع النظر عن دليل آخر يفيد رجوع المشتري إلى الثمن وبقاء المنعتق على حريته، ولازم ذلك خلو يد البائع عن كلّ من العوضين، وهو غير ممكن، ولذا عقبها بقوله:«و بالاجماع».

1. وإليك تتمة كلام صاحب المقابيس: فعلى الأوّلين والأخير يقوى القول بالعدم لنصيّة أخبار العتق وكون القيمة بدل العين، فيمتنع استحقاقها من دون المبدل ولسبق تعلّقه على الأخير، ويحتمل قريباً الثبوت جمعاً بين الحقّين ودفعاً للمنافاة من البين وعملاً بكلّ من النصّين وبالإجماع على عدم إمكان زوال يد البائع عن العوضين وتنزيلاً للفسخ منزلة الأرش مع ظهور عيب في أحدهما وللعتق بمنزلة تلف العين..... راجع: المقابيس للتستري:240.

صفحه 343
يعني أنّ الإجماع دلّ على عدم إمكان زوال يد البائع عن العوضين، ويكون الحاصل من العمل بها، استحقاق من له الخيار بالفسخ وبقاء المبيع المنعتق على حريته ورجوع البائع إلى القيمة.
و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ قوله: «بالاجماع» عطف على موضع لفظ الكلّ الذي في عبارته (قدس سره)، فراجع ولاتغفل.1
هذا حاصل بعض عبارته.
لكن يرد على كلامه (قدس سره):
أوّلاً: أنّ التقارن والتقدّم في المقام إنّما هو رتبي ذاتي لا ترتيبي زماني، فلا عبرة على مثل هذا التقارن والتقدّم في ترتيب الآثار كما لايخفى على الفطن.
و ثانياً: أنّ هذا التفصيل إنّما يناسب فيما أُريد إثبات الخيار بالنسبة إلى العين لا القيمة كما هو مراده ومدّعاه، ألاترى أنّه بناء على هذا الوجه لايكون فرق بين تقارن حصول الخيار و الانعتاق كما على الأوّلين وبين تقدّم أحدهما على الآخر كما على الأخيرين، غاية ما في الباب أنّ العتق يحصل بالعقد فيكون بمنزلة تلف المبيع، وهذا لاينافي ثبوت الخيار به لكونه حقّاً لذيه فيه.
و ثالثاً: أنّ ما ذكره (قدس سره) من أنصيته أخبار العتق، مسلّم لا إشكال فيه، لكنّه

1. هذا تنبيه على سقوط كلمة «كلّ» في المتاجر عند نقله كلام المقابيس، فراجع: المتاجر: 218، والطبعة الحديثة (المكاسب): 5/40، فإنّه حكى هكذا: «عملاً بالنصّين وبالإجماع».

صفحه 344
لايقتضي عدم الخيار في العقد مع أنّه حق لذيه فيه كما مرّ دون العين، فحينئذ لاينافي ثبوته بالنسبة إلى القيمة.
و كونها بدلاً عن العين لايضر، لأنّ العين وإن لم تكن مملوكة للمشتري فعلاً، ولازمه امتناع الاستحقاق بالقيمة لامتناع الاستحقاق بالمبدل، لكنّها قدحصلت في ملكه وتلفت عليه.
و رابعاً: أنّ قوله «و بالاجماع على عدم إمكان زوال يد البائع عن العوضين.. الخ» لا محصّل له، إذ يده لا تكون خالية عن أحدهما، سواء فسخ العقد، أم لم يفسخه، فإنّه على الفرض الأوّل يأخذ القيمة من المشتري، وعلى الفرض الثاني يبقى الثمن في يده.
و خامساً: أنّ تنزيل الفسخ منزلة الأرش لا وجه له للمطلب.
و لايخفى أنّ هذه الإشكالات ـ كلّها سوى الأوّل منها ـ قد تعرّض لها الأُستاذ الأعظم السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (دامت بركاته) أيضاً في حاشيته على المكاسب.1
إلاّ أنّا قد ذكرنا سابقاً أنّ أدلّة الخيار لايتبادر منها إلاّ الخيار فيما بأيديهما من العين من حيث الردّ والاسترداد، لا ما يرجع إليه من القيمة عند تعذّرها كذلك، لعدم تبادره عند الإطلاق كما لايخفى.
قال الشيخ الأنصاري ـ أعلى اللّه مقامه ـ في ذلك المقام:
أقول: إن قلنا إنّه يعتبر في فسخ العقد بالخيار أو بالتقايل خروج الملك

1. راجع حاشية السيد:7، قسم الخيارات.

صفحه 345
عن ملك من انتقل إليه إلى ملك من انتقل عنه ـ نظراً إلى أنّ خروج أحد العوضين عن ملك أحدهما يستلزم دخول الآخر فيه ولو تقديراً ـ لم يكن وجه للخيار فيما نحن فيه... وإن قلنا إنّ الفسخ لايقتضي أزيد من ردّ العين إن كان موجوداً، وبدله إن كان تالفاً أو كالتالف... 1
أقول: التحقيق هو الأوّل من الوجهين، إذ لا معنى للفسخ إلاّ ما ذكره (قدس سره)من خروج الملك عن ملك من انتقل إليه إلى ملك من انتقل عنه بالنسبة إلى المعوّض، وردّ ما انتقل إليه إلى من انتقل عنه بالنسبة إلى العوض.
و ذلك قد مرّ مراراً أنّ الفسخ هو حلّ العقد، ومفاد العقد مبادلة كلّ من المتبايعين ما في أيديهما لصاحبه، فيكون الفسخ حلّ هذا المعنى من حينه.
و لكن لانسلّم أنّ مقتضى ذلك عدم الخيار في المقام، وذلك لأنّ المبيع المنعتق وإن لم يكن صيرورته مملوكاً للمشتري حقيقة كي يسترجعه عند البائع حتى يكون خارجاً عن ملكه وداخلاً في ملك صاحبه، لكنّه يمكن كونه مملوكاً له تقديراً، بأن يقال: إنّ المبيع الذي تلف عند المشتري بالانعتاق كأنّه ملك للبائع حين الفسخ وهو موجود عند المشتري، فحينئذ لابدّ له من إعطاء عوضه كما في سائر الموارد من الفسخ مع فرض تلف المبيع، ولا يعتبر تقدير ملكه له قبل الانعتاق ليكون منعتقاً في ملكه، بل يكفي تقدير ملكه، حين الفسخ.
و كذلك الكلام في صورة البيع في زمن الخيار.

1. المتاجر: 218; والطبعة الحديثة (المكاسب): 5/41ـ 42.

صفحه 346
و لكن لايخفى أنّه يكفي في ضمان المشتري تقدير كونه ملكاً للبائع بعد الفسخ، ولا يعتبر تقدير كونه ملكاً للمشتري ثم خروجه عن ملكه إلى ملك البائع كما يستفاد من كلام الشيخ أعلى اللّه مقامه.
و أمّا الوجه الثاني منهما وهو القول بأنّ الفسخ لايقتضي أزيد من رد العين إن كانت موجودة وبدلها إن كانت تالفة، وأنّه لايعتبر إمكان تقدير تلقّي الفاسخ الملك من المفسوخ عليه وتملّكه منه.
ففيه أنّه بناء على هذا الوجه لا وجه لضمانه بالبدل، لأنّ الفرض أنّ العين قد تلفت في ملكه من دون ضمان منه فما لم يقدّر كون العين التالفة ملكاً لمالكها الأوّل فلا معنى للضمان.
لكن يمكن أن يقال: إنّ تلقّي الفاسخ عنه لايتوقّف على اعتبار التقدير فيما تعذّر تلقّي العين بنفسها، فإنّه وإن كان متعذراً إلاّ أنّه لايتعذّر تلقّي تلك العين ببدلها، فكأنّ العين محفوظة ببدلها وبماليتها، فيرجع بالفسخ ببدلها.
و صحّة التلقّي عن المفسوخ عليه بهذا الوجه هنا، ليس بأقلّ من صحّته بالتقدير في الوجه الأوّل،فإنّ هناك اعتبار الملكية والحال أنّه لا ملكية حقيقة، وهنا اعتبار بقاء العين المملوكة والحال أنّه لا بقاء لها حقيقة.
و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّه بناء على هذا القول أيضاً لا محيص عن أنّ الفاسخ يتلقّي الملك عن المفسوخ عليه، غاية ما في الباب أنّه يكون التلقّي في أحدهما بالبدل وفي الآخر بنفس العين.
و الحاصل: أنّ شرط صحّة الفسخ وهو تلقّي الفاسخ عن المفسوخ

صفحه 347
عليه في كلا المقامين حاصل; فلا مانع من إعمال دليل الخيار.
لكنّ الحق والتحقيق أنّ العلماء كثّر اللّه أمثالهم لمّا رأوا أنّ الشارع حكم بشيء متوقّف على شيء آخر، ورأوا أنّ الموقوف عليه كالملكية ليس موجوداً حقيقة فقدّروا وجوده تصحيحاً لكلامه الشريف وتحذيراً عن حمله على اللغوية كما في مسألة بيع من ينعتق عليه، فإنّ الانعتاق فيه متوقّف على تقدير الملك بمقتضى قوله(عليه السلام):«لا عتق إلاّ في ملك»1 ولذا قدّروه ولو آناً قليلاً.
بخلاف مسألة فسخ ذي الخيار فإنّا لم نحرز حكم الشارع فيه بأدلّة الخيار كي يحتاج إلى تقدير الملك، إذ هو أوّل الكلام وإلاّ فلا تكون محلاًّ للخلاف بين الأصحاب.
هذا هو الإنصاف كما لايخفى، مع أنّ تقدير الملك فيما نحن فيه من فسخ البائع العقد خرق لقاعدة: «إنّ الحرّ لا يعود رقّاً» بخلافه هناك، فإنّها على طبق القاعدة، كما مر من أنّه «لا عتق إلاّ في ملك».
و أمّا قياس المقام على قاعدة التلف فهو قياس مع الفارق، لأنّ تقدير الملك فيها من جهة حكم الشارع بضمان المشتري المتوقّف عليه مقدّمة للتلقّي، كما إذا باعه بعقد لازم في زمن خيار البائع بخلاف ما نحن فيه، لما مرّ من عدم إحراز حكم الشارع فيه وأنّه أوّل الكلام.
فظهر أنّه لابد من تقدير ملكية المشتري إذا ترتّب عليها الانعتاق لا

1. الوسائل: ج 16، الباب 5 من أبواب كتاب العتق، الحديث 2.

صفحه 348
مطلقاً، كما هو المستفاد من كلام الشيخ(قدس سره) أيضاً، وهو في محلّه وموقعه كما لايخفى.

تنبيه

هنا مسألة مرتبطة لاتخلو عن فائدة، وهي هذه:
اعلم أنّ تقدير الملك إنّما هو لأجل الضرورة الداعية إليه، فتقديره آناً ما أو آناً قليلاً في بيع العبد المنعتق كالأب والأخ لازم لأجل انعتاقه كما مرّ آنفاً من قوله:«لا عتق إلاّ في ملك»،1 فإذا فرضنا تقدير الملك المذكور لأجل الضرورة، يترتّب عليه انعتاقه وهو واضح; و أمّا إذا فرضنا كون البائع ذا خيار وفسخ عقد هذا المبيع المنعتق على الفرض، فلابدّ من تقدير الملك للمشتري أيضاً كي يسترجع البائع ملكه.
فيقال: إنّه كلّما قدّر الملك المذكور للمشتري يترتّب عليه انعتاقه، وهكذا يتسلسل فلاتصل النوبة إلى تملّك البائع وتمكنّه منه.
لكن يمكن أن يقال وهو الجواب عنه: أنّ تقدير الملك هنا لأجل ضمانته له ليس غير.
فظهر أنّ في حصول الانعتاق لابدّ من تقديره لا أنّ التقدير كلّما حصل يترتّب عليه الانعتاق، بل يوجب شيئاً آخر كالضمانة في المقام، فافهم واغتنم.

1. راجع: الوسائل: ج16، الباب 5، من أبواب كتاب العتق.

صفحه 349

 

مسقطات خيار المجلس

اعلم أنّه كما لا إشكال في ثبوت هذا الخيار مطلقاً حتى فيما بين العامّة كما مرّ، كذلك لا إشكال في سقوطه أيضاً أنّما الكلام والإشكال في دليل ذلك لا في أصل السقوط.
و هو يحصل بأحد أُمور:

الأوّل: اشتراط سقوطه في متن العقد

و الدليل على صحّة ذلك عموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم»1 للمقام حيث أُضيف الجمع إلى الضمير، ومعلوم أنّ الجمع المضاف يفيد العموم، فحينئذ يجب الوفاء بهذا الشرط أيضاً على ما هو مقتضاه.
و أمّا صدق قوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» على ذلك المورد، وإن كان له مجال فمقتضاه تعارض الدليلين، وأنّ النسبة بينهما عموم من وجه، فلابدّ في مورد الاجتماع من الرجوع إلى المرجّح لكن الترجيح مع قوله:«المؤمنون عند شروطهم».
أمّا أوّلاً: فلأنّ دلالته إنّما هي بالوضع كما هي كذلك في كلّ عامّ; بخلاف دلالة قوله: «البيّعان بالخيار» فإنّها من باب الإطلاق ومن باب

1. الوسائل: ج 14، الباب 20، من أبواب المهور، الحديث 4.

صفحه 350
مقدّمات الحكمة، وقد قرّر في محلّه أنّ الدلالة الوضعية مقدّمة على الدلالة الإطلاقية.
و أمّا ثانياً: فإنّ دلالة قوله: «البيّعان بالخيار» على مثل المقام غير شاملة، بل منصرفة عنه كما لايخفى على المنصف.
و أمّا ثالثاً: فإنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم» أظهر دلالة وهو ظاهر فيتقدّم عليه.
هذا بالنسبة إلى المرجّح الداخلي.
و أمّا الترجيح بالمرجّحات الخارجية وتأييده بها فلكونه موافقاً لمقتضى أصالة اللزوم، ومقتضى قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، ومؤيّداً بعمل الأصحاب.
و لو شككنا في الترجيح بالمذكورات أو سلّمنا عدمه فالمرجع هو أصالة اللزوم فيثبت به المدّعى أيضاً، إذ بعد التعارض يتساقطان فيرجع إليها.
هذا بناء على تسليم التعارض بينهما، وإلاّ فالحق والإنصاف أنّه لا تعارض بينهما، لإمكان العمل بكلا الدليلين معاً، فإنّ الظاهر من أدلّة الأحكام إنّما هو بيان مرحلة الاقتضاء للمقتضيات مع قطع النظر عن طروء الطوارئ.
الأوّل من مسقطات خيار المجلس: اشتراط سقوطه في متن العقد   
و معناه: أنّه لو لم يكن في البين مانع يمنع عن تأثير المقتضي مع فرض وجود شرائط التأثير لأثرت، وأنّ أدلّة الشروط متكفّلة لبيان مرحلة الحكم الفعلي، أعني بيان أحداث المانعية فحينئذ تكون مانعة عن تأثير أدلة الأحكام لحكومتها عليها فعلاً فلايكون بينهما معارضة أصلاً.

صفحه 351
و لعل هذا أيضاً مراد الشيخ (قدس سره) من قوله: عدم نهوض أدلّة الخيار للمعارضة... الخ.1
و ممّا ذكرنا يظهر ما في عبارته المذكورة من سوء التعبير كما لايخفى.
نعم أنّ مجرد كونها مسوقة لبيان ثبوت الاقتضاء بأصل الشرع كما في المكاسب2 لايرفع المعارضة عنها لو كانت دلالتها على ثبوته فعلاً مطلقاً حتى مع ملاحظة الطوارئ، كما لايخفى.
و قد يستشكل التمسّك بدليل الشرط في المقام بوجوه:
الأوّل: أنّ سقوط الخيار من قبيل شرط الغاية والنتيجة وليس من قبيل الأفعال الاختيارية كي يصحّ اشتراطه، فلا تترتّب عليه آثار الصحّة، وعموم دليل الشرط لايدلّ على كون الشارط مشرّعاً، بل إنّما يدلّ على أنّ الوفاء فيما صح للشارط التمسّك به شرعاً ممّا يكون صحّته مفروغاً عنها لولا الشرط، لازم عليه، وأمّا ما ليس كذلك ـ كما في المقام ـ يكون اشتراطه لغواً صرفاً، لما مرّ من كونه خارجاً عن الاختيار فترتيب آثار الصحّة على مثل هذا الشرط من قبيل تحليل الحرام وتحريم الحلال، فحينئذ لايجب الالتزام عليه بل يحرم لما مرّ.
و الجواب عنه: أنّ الحقّ مثل الملكية في كونه من الاعتبارات العقلائية التي يتوصل إليها بما جعل سبباً له، ومن جملة أسبابه الشرط في هذا المقام

1. المتاجر: 220; والطبعة الحديثة (المكاسب) 5/52.
2. المتاجر: 220; و الطبعة الحديثة (المكاسب):5/52.

صفحه 352
لكونه مجعولاً سبباً له في وجوب الوفاء عليه، فإذا كان ثبوته ممّا يتوصل إليها، وكان مقدوراً كان سقوطه أيضاً كذلك، إذ لايعقل كون أحد الطرفين مقدوراً عليه وتحت الاختيار دون الآخر.
و قد يقال في الجواب: إنّ الأصحاب بين مَنْ منع اشتراط النتيجة والغاية مطلقاً وبين مَنْ جوّزه كذلك إلاّ ما نصّ الشارع بعدم جوازه من ذوات الأسباب الخاصّة كالزوجيّة والطلاق وأمثالهما ممّا لا يحصل بالاشتراط، بل لابدّ في تحقّقه شرعاً من صيغته الخاصّة، وبين مَنْ فصّل فمنع اشتراط ذوات الأسباب الخاصّة مطلقاً وجوّز غيرها، سواء علم عدم وجود سبب خاص له كما في الملكيّة، بأن يقال: بعتك داري بكذا بشرط كون دارك لي، أم شكّ فيه كما في الوكالة.
وما نحن فيه من قبيل الأخير، لمكان الشكّ في أنّ سقوط الخيار من ذوات الأسباب الخاصّة أولا.
فعلى هذا يتمسّك فيه بعموم «المؤمنون عند شروطهم» فلا مانع منه.
لايقال: إنّ التمسّك به في المقام من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، وقد قرّر في محلّه عدم جوازه.
لأنّا نقول: إنّ الخارج من العام من المصاديق ليس له علامة يسمّى بذي السبب، وكذا الداخل منها تحته ليس له علامة يسمّى بأنّه غير ذي السبب، كي يكون التمسّك بالمشكوك من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.

صفحه 353
بل الواقع العلم بخروج أُمور متعدّدة ويشكّ في أنّه خرج منه غير تلك الأُمور أيضاً أو لا، فيكون الشكّ حينئذ في التخصيص الزائد لا في المصداق.
و أيضاً أنّ الممنوع من التمسّك به مطلقاً في المقام وغيره إنّما هو كون منشأ الشكّ الأُمور الخارجيّة، لا الشكّ في أنّ الشارع هل حكم بالجواز أو لا كما في المقام؟ وإلاّ فالتكليف هو الرجوع إلى نفسه الشريفة لو كان حاضراً، أو إلى الأدلّة المأخوذة منهم(عليهم السلام) إن لم يكن كذلك. كما أُشير إلى نظير هذا المطلب في السابق أيضاً، والمقام من هذا القبيل كما هو واضح.
و قديقال في المقام: إنّه لا مجال للتمسّك به فيه لو لم يمكن تنقيح كون المشكوك من أفراد العام بوجه من الوجوه كما هو كذلك في مثل قولنا: أكرم العلماء ولاتكرم الفسّاق منهم، فإنّه إذا شكّ في وجوب إكرام زيد العالم العادل في السابق وحرمته من جهة الشكّ في فسقه فعلاً، يحكم بوجوب إكرامه فعلاً ببركة استصحاب عدالته، وما نحن فيه كذلك.
وتوضيحه: أنّا إذا شككنا في أنّ اشتراط سقوط الخيار مخالف للكتاب والسنّة كي لايجوز التمسّك بعموم أدلّة الشرط أو ليس بمخالف لهما كي يجوز ذلك، فنقول: إنّا نعلم قطعاً عدم وجود سبب خاص لسقوط الخيار من قبل الشرع سابقاً ولو من جهة عدم وجود ذي سبب فيستصحب عدم وجوده عند وجود ذي السبب.
غاية ما في الباب من الفرق بين ما نحن فيه وبين المثال المذكور أنّ جريان الأصل هنا على نحو السالبة بانتفاء الموضوع، بخلافه هناك، كما إذا شككنا في امرأة هل هي نبطية أو قرشية أو غيرها؟ نستصحب عدم وجود

صفحه 354
نسبتها سابقاً ولو قبل خلقتها ومن جهة عدم وجود المنتسب على نحو «ليس» التامّة.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في الجواب عن الإشكال.
لكن يرد عليه أوّلاً: أنّه إن أُريد من الاستصحاب ربط السلب بأن يكون الغرض من الاستصحاب هو استكشاف حال الموضوع المشكوك، أعني إثبات عدم كون اشتراط سقوط الخيار مخالفاً للكتاب والسنّة، وإثبات عدم كون المرأة نبطية، فالأصل مثبت، فإنّ الاستصحاب على صورة «ليس التامّة» التي يجتمع مع عدم الموضوع لايثبت حال الموضوع المشكوك ولايثبت اتّصافه بالوصف العدمي المستصحب.
و إن أُريد منه سلب الربط بأن يكون الغرض الاكتفاء بمفاد الأصل دون إثبات حال الموضوع، فلا فائدة في التمسّك به.
و ثانياً: أنّه من شرط الاستصحاب اتّحاد القضيتين المشكوكة والمتيقّنة والأمر هنا ليس كذلك لمكان وجود الموضوع في المشكوكة وعدمه في المتيقّنة.
الثاني: أنّه مستلزم للدور، وبيانه أنّ لزوم الشرط متوقّف على لزوم العقد; لأنّ الشرط في ضمن العقد غير اللازم، غير لازم بلا إشكال، إذ حكمه لايزيد عن حكم الأصل وهو العقد الذي هو كالوعد، فلو توقّف لزوم العقد على لزوم الشرط، لزم الدور.
و أجاب الشيخ الأنصاري(قدس سره) عنه بما حاصله:

صفحه 355
إنّ التوقّف هنا ليس توقّفاً سبقيّاً زمانياً كي يقال: إنّ ملاك البطلان متحقّق، وهو تقدّم الشيء على نفسه، فيبطل، بمعنى أنّ لزوم الشرط وإن كان متوقّفاً على لزوم العقد، إلاّ أنّ لزوم العقد ليس متوقّفاً على لزومه، بل لزوم العقد ولزوم الشرط متحقّقان في زمان واحد من دون توقّف أصلاً، فلزومه بمقتضى دليله عين لزوم العقد.
و يمكن الجواب بوجه آخر واخصر وهو:
نعم إنّ لزوم الشرط متوقّف على لزوم العقد لما مرّ من الوجه إلاّ أنّ توقّف لزوم العقد على لزوم الشرط ممنوع، بل لزومه متوقّف على صحّته، إن كان الشرط صحيحاً يصير العقد لازماً، وإلاّ فلا، وهو أوضح من أن يخفى.
و الأوضح منه في الجواب أن يقال: إنّ البيع عقد لازم، وخيار المجلس مزاحم له، فاشتراط السقوط لدفع المزاحم لا لإثبات اللزوم، فلا دور.
الثالث: أنّه مخالف لمقتضى العقد، إذ مقتضى أدلّة الخيار إثبات الخيار للبيع في العقد، فاشتراط عدم كونه ذا خيار فيه، مناقض لمقتضاه.
والجواب عنه أوّلاً: أنّه ليس مخالفاً لمقتضى العقد; لأنّ المخالف لمقتضاه إنّما يكون لو قال البائع: بعتك داري بشرط أن لاتسكن فيها، أو بشرط أن لاتبيعها، أو قال المزوج ابنته: أنكحتك ابنتي بشرط أن لاتواقع بها، وأمثال ذلك. فإن شرط عدم تسلّطه المشتري ببيع ما اشتراه من الدار وشرط عدم سكناه فيها، وكذا شرط عدم تسلّط الناكح بمواقعة زوجته، كلّها منافية لمقتضى العقد، ومناقضة له، كما هو واضح.

صفحه 356
بخلاف ما نحن فيه إذ شرط سقوط الخيار لا ربط له بمقتضى العقد أصلاً، نعم هو مناف لإطلاقه لا لمقتضاه.
الثاني في مسقطات خيار المجلس: اشتراط أن لا يفسخ   
و ثانياً: أنّ اشتراط سقوط الخيار مؤكّد لمقتضى العقد لا مناقض له; لأنّ معنى عدم الخيار في العقد لزومه وعدم تزلزله وعدم قابليته للفسخ، وهو أظهر.
وثالثاً: أنّ من المسلّم جواز شرط الخيار في العقد وجوداً بغير هذا الخيار، مع أنّه مناقض لمقتضاه في الظاهر; لأنّ مقتضاه هو اللزوم على ما مرّ تفصيلاً من مقتضى الأدلّة المذكورة سابقاً، فإذا لم يكن شرط وجوده مناقضاً حقيقة لمقتضاه، فيكون شرط سقوطه أيضاً كذلك.
الرابع: أنّ إسقاط الخيار في ضمن العقد إسقاط لما لم يجب.
والجواب عنه: أنّ ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، بل من قبيل منع ما لم يجب من أن يجب، وحاصله دفع الوجوب فيه لا رفعه.
و يمكن الجواب بوجه آخر، وهو أنّ اشتراط سقوط الخيار إنّما هو في محل ثبوته على نحو التعليق والتقدير، وهو ليس من قبيل إسقاط ما لم يجب بلا إشكال، كما لايخفى.

صفحه 357

 

الثاني من مسقطات خيار المجلس

اشتراط أن لا يفسخ

بأن قال: بعتك بشرط أن لا أفسخ في المجلس.
ثم لو خالف ففسخ العقد، هل يكون فسخه مؤثراً فيه، أو لايكون كذلك بل هو لغو، ولفظ باطل؟
و يمكن الاستدلال على الشقّ الثاني بعموم: «المؤمنون عند شروطهم»، إذ كما أنّ له عموماً أفرادياً كذلك أنّ له عموماً أحوالياً شاملاً لجميع أحواله، ومن جملة أحواله حال بعد وقوع الفسخ فيكون مقتضى عمومه وجوب الوفاء بالشرط في جميع الأحوال حتّى حال الفسخ وبعده، فنستكشف من عمومه، أنّ فسخه إنّما وقع لغواً صرفاً، نظير الاستدلال بعموم وجوب الوفاء بالعقد على كون فسخ أحدهما من المتبايعين منفرداً من دون رضا الآخر لغواً باطلاً لايرفع وجوب الوفاء بالعقد، مع أنّ العرف لايفهمون من مثل قوله: «المؤمنون عند شروطهم» فيما نحن فيه إلاّ عدم القدرة على الفسخ، وهو مساوق لعدم الخيار، لأنّ الخيار كما مرّ سابقاً هو ملك إقرار العقد وإزالته، فإذا انتفت القدرة بالنسبة إلى الثاني بمقتضى فهم العرف انتفى الخيار من أصله; لأنّ المركّب ينتفى بانتفاء أحد أجزائه.
فالتحقيق حينئذ هو لغوية الفسخ، إذا اشترط عدمه، ولغوية الرجوع

صفحه 358
والعزل وأمثالها كذلك إذا فسخ أو رجع أو عزل.
لكن يشكل التمسّك بعمومه في المقام من جهة أنّ التمسّك به، إمّا قبل إحراز الموضوع له أو بعد إحرازه، فعلى الأوّل يلزم التمسّك بالعام فيما يشكّ في كونه فرداً له، وهو باطل بالوجدان، وعلى الثاني إمّا أن يكون إحرازه بهذا العام أو بغيره كالاستصحاب مثلاً، والثاني خلاف الفرض في المقام; لأنّ الغرض هو التمسّك بعموم: «المؤمنون عند شروطهم» للمورد المذكور; أمّا الأوّل فهو مستلزم للدور.
و بيانه: أنّ عمومية: «المؤمنون عند شروطهم» لهذا المورد ممّا نحن فيه أعني: ما إذا شرط عدم فسخ العقد ثم فسخ أحدهما، أو شرط عدم العزل في الوكالة ثم عزل، أو شرط عدم الرجوع في الطلاق ثم رجع، وأمثال ذلك، متوقّفة على كون المورد فرداً من أفراد العام واقعاً وإلاّ فلا وجه للحكم بوجوب الوفاء بالشرط في هذا المورد وفي غيره كما هو واضح. و كونه فرداً له واقعاً متوقّف على عمومية ذلك العام وشموله له من الشرط، فهل هذا إلاّ الدور؟
لكن يمكن الجواب عن ذلك بأنّ شمول العام على ذلك المورد وإن كان متوقّفاً على كونه فرداً له واقعاً لما مرّ من الوجه، لكن كونه فرداً له واقعاً ليس متوقّفاً على شمول العام عليه، بل العام كاشف عنه، فلا دور، فتأمّل.
و لو قرّرنا التوقّف بين العلمين بأن نقول: إنّ العلم بأنّ المؤمنين عند شروطهم شامل لهذا المورد من الفرض، متوقّف على العلم بكونه فرداً له، والعلم بكونه فرداً له متوقّف على العلم بشمول العام له، لكان لزوم الدور

صفحه 359
حينئذ أمتن وأشدّ، فلايندفع بما مرّ من الجواب، كما لايخفى.
لكن يمكن الجواب عنه أيضاً بأن نقول: إنّ العلم بفردية الفرد للعام متوقّف على العلم بكونه شاملاً له فعلاً وهو مسلّم، وأمّا كون العلم بشمول العام متوقّفاً على العلم بفردية الفرد له فممنوع، لأنّ القدر المسلّم منه هو عدم العلم بخروج الفرد عن تحت العام وهو حاصل في المقام، وأمّا الاعتبار بأزيد من ذلك في الشمول فغير مسلّم.
و إن قيل: إنّ التمسّك بعموم: «المؤمنون عند شروطهم» في المقام على هذا الفرض والتقرير أعني عدم العلم بكون المورد فرداً من أفراد العام أو لا، تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية إذ الفرض أنّا لانعلم أنّه من أفراد ذلك أو لا، فلا يتمّ الاستدلال به حينئذ للمقام.
قلنا: إنّ المقام ليس من قبيل الشبهة المصداقية بل الشبهة فيه; من قبيل الشبهة الحكمية لما هو واضح، من أنّ منشأ الشكّ والاشتباه فيه ليس الأُمور الخارجية كما هو المناط والملاك فيها، بل منشأ الشكّ عدم معلومية الحكم الشرعي فيه، إذ الشكّ في أنّ العقد البيعي أو الوكالي أو الطلاقي، هل يكون منفسخاً بسبب الفسخ، أو الوكيل منعزلاً بسبب العزل، أو الطلاق باطل بالرجوع، أو لا؟
فالمرجع حينئذ هو نفس الشارع إن أمكن الرجوع إلى نفسه الشريفة الزكيّة، وإلاّ إلى الأدلة الكاشفة عن حكم المسألة كما لايخفى.
ثم لو قلنا بعدم تمامية الاستدلال بعموم: «المؤمنون عند شروطهم» لما

صفحه 360
نحن فيه، لما فيه من ريب من أنّ وجوب الوفاء بالشرط إنّما يثبت في مورد أُحرز فيه وجود الشرط، وعُلم تحقّق الموضوع فيه تفصيلاً كي يترتّب عليه حكمه، والمفروض أنّا كنّا شاكّين فعلاً في أنّه بعد وقوع الفسخ أو العزل أو الرجوع في الأمثلة المذكورة هل الموضوع وهو شرط عدم تلك الأُمور باق على ما هو عليه بحيث تكون تلك الأُمور لغواً صرفاً بالنسبة إلى مشروطاتها، ومثابتها مثل مثابة طيران الطير في السماء بالنسبة إليها، أو أنّه قد ارتفع بعروضها ولم يبق شيء في البين كي يتمسّك بعمومه.
نظير الإشكال الوارد في الاستدلال بعموم: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فيما يشكّ في وجود العقد بسبب عروض ما يشكّ في إزالته العقد وعدمها من الفسخ وغيره على ما مرّ سابقاً.
ففي الاستدلال للمقام بالاستصحاب مستقلاًّ مع قطع النظر عن عموم «المؤمنون عند شروطهم» أو منضمّاً بذلك العام، غنى وكفاية.

أمّا بيان الأوّل :

فنقول: إنّا قد علمنا قبلاً بوجود العقد تفصيلاً ثم بعد فسخ البائع في المجلس له نشك في بقائه وعدمه، بمعنى أنّ الفسخ العارض عليه هل كان مزيلاً للعقد ومؤثراً فيه كي لايكون باقياً فعلاً، أو ليس كذلك حتى يكون باقياً على ما هو عليه، فنستصحب بقاءه فعلاً فيترتّب عليه لغوية الفسخ أو الرجوع أو العزل مثلاً.
لايقال: إنّ الأصل في المقام مثبت; لأنّ لغوية الفسخ وغيرها من أمثالها

صفحه 361
من اللوازم العقلية لا الشرعية، فلا مجال لجريان الاستصحاب.
لأنّا نقول: أوّلاً:
نعم هو لازم عقلي لكن لغوية الفسخ في نظر العرف هو عين القول ببقاء العقد على حاله على ما هو مقتضى الاستصحاب، وأنّهم لايفهمون من الحكم ببقائه إلاّ هذا المعنى، فيترتّب مثل هذه الآثار عليه.
و ثانياً: أنّ اللازم إذا كان خفيّاً في نظر العرف بحيث يرى العرف ذلك اللازم نفس المستصحب كما في المقام، فلا مانع من جريانه أيضاً وإن كان مثبتاً.

و أمّا بيان الثاني:

و هو التمسّك بعموم: «المؤمنون عند شروطهم» مع ضمّ الاستصحاب إليه.
فنقول: إنّ المحذور المتصوّر في التمسّك بعمومه هنا ليس إلاّ احتمال ارتفاع الموضوع لوجوب الوفاء بالشرط أو لحرمة ترك الوفاء عليه واقعاً، وإذا أثبتنا وجود الموضوع حقيقة وقلنا ببقائه فعلاً بمقتضى الاستصحاب لصحّ التمسّك بعموم ذلك العام في هذا المقام من دون كلام فيه.
و بالجملة أنّه إذا فرض بقاء العقد الذي اشترط عدم فسخه بمقتضاه يجب الوفاء عليه بمقتضى: «المؤمنون عند شروطهم»، فلازم ذلك أنّه لو وقع في البين فسخ أو عزل أو رجوع في الوكالة أو الهبة أو غير ذلك ما هو خلاف ما اشترط في العقد مطلقاً وخلاف ما اتّفقا عليه فيما بينهم يكون لغواً باطلاً

صفحه 362
في نظر الشرع وبلا أثر كما مرّ مراراً.
لايقال: إنّ غاية ما يفيد، قوله: «المؤمنون عند شروطهم» هو وجوب الوفاء بالشرط وحرمة الترك به، وهو حكم تكليفي، غاية الأمر يكون الفسخ عليه حراماً، وأمّا عدم نفوذه فلايثبت بهذا العام، فيحتاج إثباته إلى عناية أُخرى.
لأنّا نقول: إنّ العرف لايفهمون من تباني المتبايعين على عدم الفسخ للعقد في قوله: بعت، بشرط أن لا أفسخ إلاّ لو فسخ العقد بعد ذلك كان فسخه لغواً وغير نافذ، بل لا معنى للاشتراط في نظرهم إلاّ هذا كما هو واضح، فإذا كان الأمر عندهم كذلك يكون مفاد «المؤمنون عند شروطهم» أيضاً ناظراً إلى هذا المفهوم العرفي، وإرشاداً إلى أنّ المؤمن إذا شرط شرطاً فلابدّ له من الوقوف عند شرطه، وان لايتجاوز عنه، وإلاّ كان غرضه لغواً وسعيه عبثاً.
و الحاصل: أنّ الشروط التي أمر بوجوب الوفاء بها أو بحرمة الترك هي الشروط المعروفة المتداولة بعينها عند العرف في استفادة المراد منها وهو الحكم الوضعي.
و يؤيّده ما ذكرنا بل يدلّ عليه اتّفاق الأصحاب كافّة والحنفية في باب الرهن على أنّ الراهن إذا وكلّ المرتهن في بيع الرهن ثم عزل الوكيل لم يكن عزله نافذاً ويكون لغواً وغير مؤثر كما لايخفى.
و خلاف الشهيد(قدس سره) في المقام مبني على أصل انفرد به نفسه وهو غير مضرّ في المقام أصلاً.

صفحه 363
فظهر من جميع ما ذكر أنّ ما وقع من الفسخ والرجوع والعزل وغير ذلك، لاحظ لها من الأثر بعد فرض شرط عدمها في متن العقد، فيكون وجودها كعدمها لما ذكرنا من الوجه.
ثم مع ذلك كلّه لو ادّعى الخصم ثبوت التأثير لها فعليه إثباته بالدليل كما لايخفى.

دفع توهم

قد يتوّهم ممّا سبق أنّه لو قلنا: بعدم تمامية الاستدلال بعموم: «المؤمنون عند شروطهم» للمقام، أو أغمضنا عن الاستدلال به واستدللنا بالاستصحاب استقلالاً فيتوجّه إشكال حينئذ في المقام.
و هو أنّ المانع الذي يتراءى من العمل بمفاد أدلة الخيار من قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» فيه هو كون أدلّة الشروط حاكمة عليها لكونها متكفّلة لبيان العناوين الثانوية بخلافها، فإنّها متكفّلة لبيان العناوين الأوّلية، فتكون على هذا حاكمة عليها، وقد أُشير إلى ذلك فيما سبق أيضاً.
فحينئذ إذا فرضنا عدم تماميتها فيه فلا مانع حينئذ من العمل بمفادها، ولم تصل النوبة إلى العمل بالاستصحاب والاستدلال به لما نحن فيه، فضلاً من أن يكون فيه غنى وكفاية.
لأنّها عموم لفظي بخلافه فإنّه أصل عملي، والعموم اللفظي مقدّم على الأصل.
وبعبارة أُخرى: أنّها أدلّة اجتهادية والأُصول أدلّة فقاهية فهي مقدّمة

صفحه 364
عليها فلامجال لها مع وجودها.
و لكن يندفع ذلك الإشكال بأن نقول:
الثالث من مسقطات خيار المجلس: اشتراط إسقاط الخيار   
إنّ أدلّة الخيار إنّما تدلّ على الحكم التكليفي، أعني جواز إعمال الخيار، أعني: السلطنة على الفسخ والإمضاء وعلى الحكم الوضعي وهو كون الفسخ أو الإمضاء منه صحيحاً ونافذاً، وإذا انتفى أحد الحكمين في مورد بجهة من الجهات فلايبقى لها صلاحية صدق فيه.
ففي ما نحن فيه لمّا اتّفق المتبايعان على عدم فسخ العقد علم منه أنّ فسخه ليس بجائز بل حرام، فإذا ينتفي الجواز الذي هو بعض مفاد تلك الأدلّة ويبقى بعض مفادها وهو الحكم الوضعي من الصحّة والنفوذ، فلايكون مجال لورودها حينئذ، فيبقى التمسّك بالاستصحاب بلا مانع وبلا مزاحم.

صفحه 365

 

الثالث من مسقطات خيار المجلس

اشتراط إسقاط الخيار

قال الشيخ(قدس سره): مقتضى ظاهر هذا الاشتراط وجوب الإسقاط بعد العقد، فلو أخلّ به ففسخ العقد، ففي تأثير الفسخ الوجهان المتقدّمان، والأقوى عدم التأثير.1
و الحق أنّ مرجع هذا القسم من اشتراط إسقاط الخيار كسابقه أيضاً إلى القسم الأوّل من اشتراط سقوط الخيار حقيقة، وأنّ وقوع الفسخ وغيره بعد الإسقاط لا أثر له أصلاً، كما قال به الشيخ(قدس سره) أيضاً.
و هذا لا إشكال فيه.
لكن يتوجّه عليه(قدس سره) هنا إشكال، وهو أنّه بعد البناء على أنّه بمجرد اشتراط الإسقاط يسقط الخيار، كما هو مقتضى قوله: «والأقوى عدم تأثير الفسخ لو أخلّ بالشرط وفسخ» فحينئذ لايبقى في المقام شيء كي يجب عليه إسقاطه بعد العقد مرّة ثانية كما لايخفى.
فظهر من ذلك أنّه لا وجه لقوله: «و مقضتى ظاهر هذا الاشتراط وجوب الإسقاط بعد العقد» كما هو واضح.
قال الشيخ(قدس سره): وهل للمشروط له الفسخ بمجرد عدم إسقاط المشترط

1. المتاجر: 221: والطبعة الحديثة (المكاسب): 5/57.

صفحه 366
الخيار بعد العقد وإن لم يفسخ؟ وجهان: من عدم حصول الشرط وهو إسقاط الخيار بعده ـ هذا إشارة إلى وجه ثبوت خيار تخلّف الشرط ـ ومن أنّ المقصود منه إبقاء العقد على حاله، فلايحصل 1 إلاّ إذا فسخ العقد ـ هذا إشارة إلى عدم ثبوته ـ .
ثم قال (قدس سره): والأولى بناء على القول بعدم تأثير الفسخ هو عدم الخيار ـ أي خيار التخلّف للمشروط له ـ وعلى القول بتأثيره لثبوت الخيار له.2
و لكن لايخفى ما فيه أيضاً من الإشكال.
و هو أنّ للمشروط يكون خيار تخلّف الشرط بمجرّد تخلّف المشترط عليه بشرطه وهو إسقاط الخيار بعد العقد، سواء قلنا بعدم تأثير الفسخ أم بتأثيره، وابتناء ثبوت الخيار على تأثير الفسخ وعدمه على عدم تأثيره لا وجه له أصلاً، بل حال القول الأوّل من عدم تأثير الفسخ مثل حال القول الثاني في ثبوت الخيار من دون فرق بينهما أصلاً.
و قد يقال: إنّ اشتراط إسقاط الخيار بعد العقد غير صحيح في خصوص المقام وإن كان لاشتراطه في غيره من سائر المقامات مجال.
و ذلك: فإنّ مقتضى ذلك منع تأثير ما يتحقّق بعد ذلك من العلّة التامّة والإخلال بما هو علّة تامّة لتحقّق أمر آخر ووجوده، فإنّ العقد علّة تامّة لثبوت الخيار، فلو جاز اشتراط إسقاطه بعد العقد، يلزم عدم كون العلّة التامّة علّة تامة للخيار، والمفروض أنّها علّة تامّة لثبوته.

1 . في المصدر: فلا يحصل التخلّف .
2. المتاجر: 221، والطبعة الحديثة (المكاسب): 5/57.

صفحه 367
أقول: إنّه لا طائل تحته; لأنّ العقد ليس علّة تامّة له، بل هو مقتض له والمقتضي إنّما يؤثر تأثيره إذا لم يمنعه مانع عن اقتضائه ولم يدفعه دافع عن ذلك، والاشتراط المذكور إحداث مانع عن تأثيره واقتضائه وإيجاد دافع ومبطل كذلك عند اقتضائه في محلّه وموقعه كما مرّت إليه الإشارة فيما سبق أيضاً.
على أنّ هذا الوجه من الإشكال لو تمّ لتمّ في سائر الموارد أيضاً فلاوجه لخصوص هذا المورد كما لايخفى.

حول كلام الشيخ

حكى الشيخ الأنصاري (أعلى اللّه مقامه) في المكاسب عن العلاّمة (رحمه الله)مورداً لعدم جواز اشتراط نفي خيار المجلس وغيره في متن العقد. وهو ما إذا نذر المولى أن يعتق عبده إذا باعه، بأن قال: «عليّ أن أعتقك إذا بعتك».
قال: «لو باعه بشرط نفي الخيار لم يصحّ البيع، لصحّة النذر، فيجب الوفاء به، ولايتمّ برفع الخيار».
ثم قال(قدس سره): هذا مبني على أنّ النذر المتعلّق بالعين يوجب عدم تسلّط الناذر على التصرّفات المنافية له، وأنّ الأقوى الشرط أيضاً كونه كذلك.
أقول: لا يخفى ما فيه من باعث التعجّب والبعد، لعدم ابتناء كلامه(قدس سره)على ما ادّعاه الشيخ الأنصاري، بل لا ربط لكلامه له أصلاً، بل يبتني كلامه هذا على المسألة الكليّة المعروفة عند الأصحاب التي من جملتها تلك المسألة المفروضة، وهي: هل الشرط الفاسد في العقد يفسد العقد أو لا

صفحه 368
يفسده، بل يكون الشرط فاسداً فقط؟
والذي يؤيد ما ذكرناه ذيل قوله (قدس سره): «و على قول بعض علمائنا من صحّة البيع مع بطلان الشرط يلغو الشرط ويصحّ البيع».
و هو كما ترى يدلّ على ما ادّعيناه من مختار العلاّمة، كما لايخفى.1
الرابع من مسقطات خيار المجلس: نفس إسقاط الخيار بعد العقد   

1. راجع: تذكرة الفقهاء: 10/289; والمتاجر: 221، والطبعة الحديثة (المكاسب): 5/60.

صفحه 369

 

الرابع من مسقطات خيار المجلس:

نفس إسقاط الخيار بعد العقد

و يمكن الاستدلال عليه بعد الإجماع بأُمور:
الأوّل: فحوى ما دلّ على سقوط الخيار بالتصرّف من النص معللاً بأنّه رضا بالبيع فإسقاطه حينئذ يكون كاشفاً عن رضاه بالبيع.
لكن فيه: أنّ السلطنة على إعمال الخيار بإيجاب البيع وفسخه كما هو مفاده، لايستلزم السلطنة على قلع الخيار عن أصله وإسقاطه من رأسه كما في فرض إبقائه أيضاً كذلك، إذ هو يحتاج إلى دليل آخر غير دليل ثبوته; لأنّه لايدلّ على أزيد ممّا ذكر فضلاً عن دعوى الفحوى.
الثاني: فحوى: «الناس مسلّطون على أموالهم»، فإنّهم أولى بالتسلّط على حقوقهم العارضة على أموالهم والمتعلّقة بها وقد تعسّى في المكاسب1 أنّ هذه الفحوى هو مدرك القاعدة المسلّمة: من أنّ لكلّ ذي حق إسقاط حقّه.
و لكن فيه أيضاً: أنّ تسلّط الناس على أعيان أموالهم بناء على أنّه مضمون بالرواية(2)، و إلاّ فليس في الأخبار منه عين ولا أثر، فضلاً عن كونه آية قرآنية ـ كما توهّمه بعض ـ ليس إلاّ لأجل علاقة الملكية لهم واختصاصها

1. راجع المتاجر: 221; والطبعة الحديثة (المكاسب): 5/61.   2 . بحار الأنوار: 2/272.

صفحه 370
الخاص بهم دون غيرهم، وليس بين الأشخاص وحقوقهم اختصاص خاصّ أصلاً، فضلاً عن كونه أقوى من الاختصاص الثابت بينهم وبين أموالهم، وإنّما كان نفس الحق عبارة عن اعتبار خاصّ بينه وبين ذيه الذي تعلّق به بناء العقلاء، فيكون حال الحقّ مثل حال الملكية في عدم التسلّط على رفع اليد عنه مع حفظ متعلّقِه إلاّ مع فرض رفع اليد عنه أيضاً.
كما أنّ تسلّط المالك على الملك لايستلزم التسلّط على ملكيته بحيث يتمّكن من رفع اليد عنها دونه. نعم يتمكّن من رفعها تبعاً لرفع الملك كما في الإعراض عن الملك، فإنّه إنّما كان من جهة التسلّط على الملك لا الملكية وغيره.
فظهر أنّ دليل التسلّط على الأموال لايكون دليلاً على التسلّط على الحقوق بالفحوى.
على أنّ دليل السلطنة ليس في مقام تشريع السبب من التصرّفات بناء على أنّ الإسقاط تصرّف من جملة التصرّفات ـ مع أنّه في محلّ المنع لما يجيء من الإشارة إليه ـ ولا السبب، بل إنّما كان في مقام إثبات السلطنة للمالك فيما ثبت كونه من الأُمور الجائزة السائغة في الشرع من التصرّفات وأسبابها في قبال الحجر والمنع عنها، فلابدّ حينئذ من كون لفظ «أسقطت» من جملة تلك الأُمور، سابقاً على دليل السلطنة كي يكون مقتضاه إثبات نفوذه ومضيه وهو خلاف الفرض في المقام، إذ المفروض إثبات جوازه بهذا الدليل.
و لعلّ الوجه في القاعدة السابقة المسلّمة من أنّ لكلّ ذي حقّ إسقاط حقّه، كون الحقّ عند العقلاء اعتباراً خاصّاً عندهم ـ كما مرّت إليه الإشارة ـ

صفحه 371
يسقط بإسقاط ذيه، ولذا كانت مسلّمة عندهم بداهة أنّ الوجه فيها لو كان فحوى تسلّط الناس على أموالهم لما كانت مسلّمة فيما بينهم لما مرّ.
و بما ذكرنا ظهر ما في الاستدلال بالفحوى المذكورة على سقوط الخيار بكلّ لفظ دال عليه بإحدى الدلالات العرفية من الإشكال والمنع.
الثالث: فحوى ما دلّ على كفاية بعض الأفعال الصادرة من المالك في إجازة عقد الفضولي.
وفيه: منع الملازمة، فضلاً عن دعوى الفحوى في المقام لانطباق الصغرى والكبرى المسلّمتين، من أنّ كلّ عقد لو أجازه المالك أو تصرّف فيه بأي تصرّف كان، يكون لازماً في حقّه ونافذاً عليه هناك، والعقد الفضولي عقد تصرّف فيه المالك لازماً عليه، بخلاف الكلام هنا، فإنّ تحقّق سقوط الخيار لكلّ لفظ دال عليه غير معلوم ثبوته كي يلزم سقوطه بالإسقاط.
الرابع: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ )1.
بيان الاستدلال فيه واضح.
و لكن فيه أنّ المراد من الموصول في الآية هو الوعد على ما استشهد بها الإمام(عليه السلام) على لزوم الوفاء به(2)، والإسقاط ليس من قبيل الوعد عرفاً.
على أنّه من قبيل الإنشاء، والوعد من قبيل الإخبار.
الخامس: عموم قوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(3) بناء على أنّ المراد من العقود هو العهود، فالإسقاط أيضاً عهد من جملتها فيجب الوفاء به.

1. الصف: 2و3.               2 . تفسير البرهان: 4/327.   3 . المائدة:1.

صفحه 372
وفيه: أنّ الإسقاط ليس من العقود بل من الإيقاعات، ولذا لايفتقر إلى القبول، فلو أسقط الخيار من دون اطّلاع الطرف الآخر لكان نافذاً.
السادس: حصول صدق الإسقاط النافذ عرفاً لو قال ذو الخيار: أسقطت خياري، بمقتضى ما تقدّم من التسلّط على إسقاط الحقوق.
وفيه: أنّه موقوف على تسليم الفحوى وهو في محل المنع.
السابع: عموم أدلّة الشروط.
و فيه: أنّه موقوف على إثبات شمولها للالتزامات الابتدائية، وهو أوّل الدعوى.
و لكنّ الإنصاف أنّ مقتضى النصّ بعموم التعليل بقوله(عليه السلام): «إنّه رضا بالبيع»1 يدلّ على أنّ كل قول أو فعل كاشف عن الرضا بالبيع كاف في سقوط الخيار، من غير فرق بين إمضائه بإعمال الخيار وبين إسقاط أصل الخيار.
وهذا النصّ 2 دليل على المطلب ومخصوص بالبيع.

و أمّا القاعدة المسلّمة

فالتحقيق في بيانها أن يقال: إنّه لو كان لكلّ ذي حقّ حقّ قابل للنقل، وعلم من الشرع أنّ الغرض من جعله ليس إلاّ الإرفاق في حقّ كلّ ذي حقّ ووجود المصلحة له، وأنّه لم يعتبر فيه جهة تعبدية من قبله، صحّ له إسقاط هذا الحق عند العقلاء.

1. الوسائل: ج2، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1.
2. أي الرواية السابقة التي فيها: «إنّه رضا بالبيع».

صفحه 373
فعلى هذا لايكون اعتبار العقلاء مأخوذاً في الحق بقول مطلق، بل هو مخصوص بهذا الصنف منه، فلاينتقض ما ذكرنا حينئذ بالحقوق غير القابلة للنقل، مثل الحقوق المنتزعة عن الذات كحق الأُبوّة والأُخوّة مثلاً، ولا بالحقوق التي علم فيها إعمال الشارع الجهة التعبدية، كحقّ الرجوع في الطلاق على تقدير.
و الحاصل: أنّ كل مورد علم في جعله ملاحظة إرفاق المكلّف، وعلم أيضاً عدم ملاحظة جهة تعبدية فيه، فله أن يرفع اليد عنه بالإسقاط وغيره كما في المقام، وإن علم مع ذلك لحاظ جهة تعبدية فيه فليس له ذلك.
نظيره سقوط الركعتين عن صلاة المسافر، فإنّه وإن علم أنّه تخفيف وإرفاق للمكلّف إلاّ أنّه علم فيه أيضاً لحاظ جهة تعبدية فلايجوز له ضمّهما لصلاته المقصورة.
و إن شكّ في مورد في لحاظها وعدمه، فالأصل عدم جواز رفع اليد عنه كما في حق الرجوع في الطلاق بناء على عدم العلم باعتبار الجهة المذكورة فيه وعدمه.

هل الكتابة كالقول؟

ثم هل الكتابة تقوم مقام القول في المقام في جميع ما يترتّب عليه من اللوازم والآثار؟ وجهان مبنيان على أنّ ظواهر الأفعال كظواهر الأقوال في حجيّتها بسبب الدليل، وعدمها.
فإن قلنا بالحجّية فلابد حينئذ من إخراج الطلاق بالكتابة عنها لعدم

صفحه 374
انعقاده إلاّ بالإنشاء القولي بالاتّفاق.
و إن قلنا بعدمها فلابد أيضاً من إخراج إشارة الأخرس عنه.
و التحقيق عدم حجيّتها لعدم قيام الدليل من الإجماع والسيرة عليها كما قامت السيرة على حجيّة ظواهر الأقوال.
نعم لو علم من الخارج أنّ المراد من الكتابة ليس إلاّ إسقاط خيار ذلك الكاتب مثلاً لقامت مقام قوله، كما في غير هذا المقام، وإلاّ فلا، لما مرّ.
   

هل يسقط الخيار بقوله: اختر؟

لو قال أحد المتبايعين للآخر: «اختر» فإن اختار المختار ـ بالفتح ـ الفسخ فلا إشكال في انفساح العقد، وإن اختار الإمضاء فلا إشكال أيضاً في لزومه من قبله.
و إنّما الإشكال والنزاع في سقوط خيار الآمر، بمعنى أنّه هل يسقط بمجرد أمره في هذا الفرض أو لا ؟
أقول: إنّ غاية ما يمكن الاستدلال به على سقوطه أحد الأمرين:
الأوّل: أنّ هذا الأمر هنا غاية تعبّدية للخيار كما يتراءى من بعض أخبار هذا الباب، من: «أنّ البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: أختر».1 كما أنّ افتراقهما كان غاية تعبّدية له، فحينئذ يسقط خياره بمجرد اختياره لحصول المغيى عند حصول غايته.

1. المستدرك: ج13، الباب 2 من أبواب الخيار، الحديث 3.

صفحه 375
لكن فيه أنّ التحقيق أنّه ليس غاية تعبّدية لعدم الدليل عليه، وأمّا ما ذكر من الخبر فلم يثبت كونه من طرقنا الإمامية وإنّما هو من طرق العامّة.
الثاني: أنّه يدلّ على تمليك الآمر خياره على المأمور وتفويضه إليه، فإذا اختار المأمور الإمضاء يسقط خيار الآمر.
وفيه: أنّ كلمة «اختر» لا دلالة لها بحسب وضعها إلاّ على طلب اختيار المخاطب أحد طرفي العقد من الفسخ والإمضاء، وإرادته منه كذلك، وليس في مفاده دلالة على تمليك الخيار وتفويض الآمر إيّاه إلى المخاطب كما لايخفى.
و ما ورد من السؤال عنه(عليه السلام) عن رجل خيّر امرأته فاختارت نفسها فبانت؟ والجواب عنه بقوله(عليه السلام): «لا إنّما هذا شيء كان لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّة... إلخ»،1 لو سلم دلالته على المطلب، بضميمة أنّ الطلاق بيد من أخذ بالساق، إنّما هي بقرينة المقام لا أنّ كلمة «اختر» بنفسها تدلّ على التمليك والتفويض.

تنبيه

ثم اعلم أنّه لا إشكال في أنّ إسقاط أحدهما خياره لايوجب سقوط خيار الآخر، فلو فسخ الآخر انفسخ العقد لكن لا من جهة تقديم الفاسخ على المجيز، بل من جهة بقاء خياره على حاله بعد إسقاطه.
مع أنّ الفرض المذكور ليس من هذا القبيل أصلاً كما هو واضح.

1. الوسائل، ج 15، الباب 41، من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 4 وغيره.

صفحه 376
نعم قد يقال: إنّه لو كان تعارض بين الإجازة والفسخ، كما لو أجاز الأصيل أو الوكيل العقد، وفسخه الآخر منهما دفعة واحدة، كانت المسألة من باب تقديم الفسخ على الإجازة.
و كذا لو تصرّف ذو الخيار في كلا العوضين دفعة واحدة، كما لو باع عبداً بجارية ثمّ أعتقهما جميعاً فإنّ إعتاق العبد فسخ وإعتاق الجارية إجازة.
و كذا غير هذين الموردين من الأمثال والنظائر.
لكن لايخفى ما فيه من عدم المعقولية، إذ كيف يعقل إيقاع الفسخ والإجازة، كما فرض في المثال على قول هذا القائل من شخص واحد دفعة واحدة، مع أنّ حرية العبد بسبب تقديم الفسخ على الإجازة، لأنّه لاينعتق إلاّ بعد دخوله في ملكه بعده، ولازمه القول بحرية العبد دون الجارية مع أنّه إنّما أعتقهما في ملكه على الفرض، وهو غريب عجيب.
نعم يمكن في المقام أن يقال: إنّه لا وجه لتقديم الفسخ على الإجازة لمكان التعارض على الفرض، لأنّ مقتضى الإجازة تثبيت للعقد والفسخ إبطال له وهما متنافيان، ولا وجه لتقديم أحدهما على الآخر، فمقتضى القاعدة التساقط في جميع تلك الأمثلة، وإن نسب إلى العلاّمة التقديم، 1لكن لم يعلم له وجه.
الخامس من مسقطات خيار المجلس: افتراق المتبايعين   

1 . تذكرة الفقهاء: 11 / 33، البحث الأوّل، خيار المجلس، فروع التخاير.

صفحه 377

 

الخامس من مسقطات خيار المجلس:

افتراق المتبايعين

لا إشكال في سقوطه به، وإنّما الإشكال فيما يكتفي به في صدق الافتراق.
قديقال: إنّ المعتبر منه ما يكون في نظر العرف افتراقاً.
و قال الشيخ الطوسي (قدس سره): أقلّ ما يتحقّق به الافتراق وينقطع به خيار المجلس خطوة...1
و قال الشيخ الأنصاري أعلى اللّه مقامه: «إنّ معنى حدوث الافتراق المسقط خيارهما افتراقهما بالنسبة إلى الهيئة الاجتماعية الحاصلة لهما قبل افتراقهما وحين العقد».2
و حاصل ما يستفاد من قوله(رحمه الله) كفاية حدوث الافتراق في سقوط الخيار، ولو كان أقلّ من خطوة بل مسمّاه.
و الحق هو القول الأوّل، أعني: ما يسمّى في نظر العرف افتراقاً وهو لايصدق في نظرهم بمثل الخطوة أو أقلّ منها، لا سيّما إذا كان هذا المقدار منه لأجل تحصيل بعض الأغراض المتعلّقة لنفس المعاملة، كما إذا افترقا

1. الخلاف: 3/21.
2. المتاجر: 222; والطبعة الحديثة ( المكاسب): 5/66.

صفحه 378
بمقدار خطوة أو بأقل منها لأخذ الثمن أو المثمن، أو لأجل الفسخ في المجلس لضيق المكان، أو لشدة الحرارة، أو غير ذلك من الأغراض السائغة له، فحينئذ فإنّه لايصدق حينئذ الافتراق بالإشكال.
و يمكن الاستدلال على مختاره(قدس سره) بأحد أُمور:
الأوّل: ما في بعض الروايات من قوله: «فلمّا استوجبتها قمت فمشيت خُطاً ليجب البيع حين افترقنا».1 فإنّ قوله: «حين افترقا» يدلّ على أنّ وجوب البيع كان من حين المفارقة، وهو الآن الذي أخذ بالافتراق وشرع فيه، فيكون هذا دليلاً وشاهداً لقوله(قدس سره).
الثاني: أنّه إذا علمنا أنّ اللفظ لو استعمل في الفرد النادر علمنا من ذلك أنّه يستعمل في الأفراد الشائعة والنادرة كليهما معاً، كما ادّعى السيد(قدس سره)نظير ذلك في باب المياه في مسألة جواز التطهير بالماء المضاف،2 ففي ما نحن فيه لمّا كان الافتراق الذي يتحقّق في ضمن الخُطا الثلاثة من الأفراد النادرة موجباً لسقوط الخيار، يعلم منه أنّه لو تحقّق في ضمن فرد آخر أندر منها أيضاً يكون موجباً لسقوطه، ولو كان ذلك أقلّ من خطوة ومسمّاه.
الثالث: أنّ المراد من الافتراق في الرواية هو مقابل الاجتماع، وهو أنّما يتحقّق في مقابلة بعض الأشياء مع بعض آخر والافتراق الذي هو خلافه يكون مجردّ التباعد بين الشيئين أو الأشياء، فحينئذ يكون بعد أحد المتبايعين ولو قليلاً كافياً في سقوط الخيار.

1. الوسائل:ج12، الباب 2، من أبواب الخيار، الحديث 2و 3.
2. المسائل الناصريات: 105، المسألة 22.

صفحه 379
هذا غاية ما يمكن الاستدلال به لمختار الشيخ(قدس سره) ولتصحيحه لكن كلّ واحد منها لايصلح سنداً لإثبات قوله(قدس سره).
أمّا الأوّل، فإن قوله «حين افترقنا» أي حين تحقّق الافتراق بيننا، فحينئذ يكون معناه معنى قوله: « فإذا افترقا وجب البيع»1 بعينه من غير فرق بينهما أصلاً لا مجرد الأخذ والشروع فيه كما هو المدّعى. هذا أوّلاً.
و ثانياً: أنّ ترتيب وجوب البيع على مثل خطوات وتعليقه على هيدلّ على عدم كفاية أقلّ من ذلك في لزوم البيع ووجوبه.
و أمّا الثاني، فإنّا لانسلّم أنّ الخطوات الثلاثة من الأفراد النادرة، سلّمنا ذلك لكن ثبوت الحكم لفرد نادر لايوجب ثبوته لما كان أندر منه، نعم لو كان مساوياً له في الندرة لصحّ دعوى ثبوته له أيضاً لكونه مثله.
و أمّا الثالث، فإنّ المأخوذ في الرواية هو عنوان الافتراق الذي هو المعتبر والميزان في سقوط الخيار في نظر العرف، لا مجرّد البعد كي يصدق على الخطوة وعلى الأقل منها.
و من هنا يظهر ما في التعبير عن الافتراق بأدنى الانتقال ولو كان أصبعاً، بل قوله: «قمت فمشيت خطاً» في الرواية المذكورة، يدلّ على أنّ الأقلّ من الخطوات الثلاثة لايكفي في سقوطه في نظر العرف كما هو الظاهر.
و ممّا ذكرنا يظهر ما في منع الشيخ(رحمه الله) انصراف إطلاق الخطوة إلى أزيد من خطوة. وفيِ منعه دلالة الرواية،2 من الإشكال.

1. الوسائل: ج 12، الباب 1، من أبواب الخيار، الحديث 4.
2. ذكره في المتاجر: 222; الطبعة الحديثة (المكاسب): 5/67.

صفحه 380
و دعوى ـ إمكان كون فعل المعصوم لزيادة التوضيح لبيان الفرد للافتراق ـ غير مسموعة، بل هي محتاجة إلى الدليل والإثبات، وللمانع يكفي مجرد المنع كما لايخفى.
ثم إنّ الافتراق الموجب لسقوط الخيار هو حركة أحد المتبايعين من المكان الذي تبايعا فيه من دون مصاحبة الآخر معه في الحركة يعني أنّ الآخر إمّا لايكون متحرّكاً أصلاً ويبقى في المكان الذي كان فيه، أو يتحرك لكن لا إلى الجهة التي تحرّك إليها صاحبه، بل إلى جهة أُخرى منافية لها. ولعلّ هذا مراد الشيخ(قدس سره) من قوله: «ثم اعلم أنّ الافتراق على ما عرفت من معناه يحصل بحركة أحدهما وبقاء الآخر في مكانه... إلخ»1 فراجع.

الإكراه على الافتراق

لو أكره على الافتراق فالمعروف عدم إسقاط الخيار عن المكره ويمكن الاستدلال عليه بأُمور:
منها: أنّه إذا أسند الفعل كالقيام والقعود والاجتماع والافتراق مثلاً إلى ذوي الإرادة والاختيار كما صرّح به التفتازاني في «المطوّل» أيضاً يكون ظاهراً في الاختيار، يعني يكون صادراً عن إرادة واختيار لا عن إكراه واضطرار. فحينئذ الافتراق عن إكراه لايكون مسقطاً للخيار.
ومنها: أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الرفع2: «وما استكرهوا عليه» إنّما

1. المتاجر: 222; والطبعة الحديثة (المكاسب): 5/67.
2. الخصال: 417، طبع الغفاري.

صفحه 381
يدلّ على أنّ المكره ـ بالفتح ـ لا أثر لفعله مطلقاً حتى الأثر الوضعي بناء على أنّ هذا الحديث الشريف يرفع الحكم الوضعي أيضاً ولا اختصاص له برفع المؤاخذة فقط، كما يدلّ على ذلك رواية المحاسن1 حيث استشهد الإمام (عليه السلام) فيها على عدم وقوع الطلاق والعتاق، بهذا الحديث.
و منها: صحيحة فضيل بن يسار، عن أبي عبداللّه(عليه السلام) قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: «ثلاثة أيام للمشتري». قلت: وما الشرط في غير الحيوان؟ قال: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلاخيار بعد الرضا منهما».2
حيث يدلّ على أنّ الافتراق الموجب لسقوط الخيار مشروط بكونه صادراً مع الرضا و المكره لا رضا له وإلاّ لايكون مكرهاً.
و لكن يمكن الجواب عن كلّ منها.
أمّا عن الأوّل ففيه أوّلاً: نمنع أنّ الفعل إذا أسند إلى ذي الإرادة والاختيار لابد أن يكون بالاختيار، وإن قال به بعض أهل المعاني والبيان، ألاترى أنّه مردود بأدلّة الضمان مثل قوله: مَن أتلف مال الغير فهو له ضامن، وبأدلة نواقض الصلاة كمن أحدث في صلاته فصلاته باطلة مثلاً، وغير ذلك ممّا ليس فيه صدور الفعل من الفاعل أو قيامه به مشروطاً باختياره وإرادته في تأثيره.
وثانياً: سلّمنا ذلك، لكن القول بأنّ المكره لا اختيار له في حال الإكراه

1. المحاسن: 2/339، طبع المحدث; والوسائل: 16/164; طبع الإسلامية.
2. الوسائل: ج 12، الباب 1، من أبواب الخيار، الحديث 3; والباب 3، الحديث 5.

صفحه 382
فاسد جداً إذ المكره كغيره في كونه ذا إرادة واختيار في تلك الحال، لأنّ الشخص إذا أُكره على شيء بأن يقال له: بع دارك لفلان وإلاّ لأقتلك أو لأقتل ابنك، فإنّه من المعلوم يكون مختاراً وراضياً ببيع داره كمال الرضا دفعاً للضرر الراجع إلى نفسه أو ابنه، إذ العاقل إذا صار مردّداً بين أمرين، والفرض أنّه لابد من اختيار واحد منهما يختار بكمال الرضا والرغبة ما هو أهون وأسهل من الأمرين، ويترك ما هو أشدّ وأشقّ عليه وإن كان منشأ ذلك هو إكراه المكره ـ بالكسر ـ لكنّه لايضر بحصول الرضا بالبيع عند الترديد.
و مثل ذلك قول الطبيب للمريض: إنّ هذا المرض لا علاج له إلاّ أنّ تشرب الدواء الفلاني أو تأكل المعجون الكذائي، أو تعطيني المبلغ الكذائي حتى أعالجك، والمفروض أنّه لايتمكّن ولايقدر على ذلك إلاّ ببيع داره أو عقاره مثلاً، فهو حينئذ يرضى ببيعها بكمال الطوع والرغبة لكي ينجي نفسه منه كما هو أوضح من أن يخفى على أحد.
و أمّا عن الثاني ففيه أوّلاً: أنّا نمنع أنّ الحديث يرفع الحكم الوضعي، بل دلالته منحصرة على رفع الحكم التكليفي ويستتبعه رفع المؤاخذة وكونه دالاًّ على أزيد من ذلك محتاج إلى دليل.
و أمّا رواية المحاسن ففيها كلام طويل في محلّه لايسعه هذا المختصر.
و ثانياً: سلّمنا ذلك، لكن قوله: «و ما استكرهوا عليه» في الحديث المذكور لايشمل ما نحن فيه، بل هو خارج عن مفاده، وإلاّ يلزم أن يكون الحديث معمولاً به بالنسبة إلى بعض فقراته وغير معمول به بالنسبة إلى

صفحه 383
بعضها الآخر، إذ القوم قد اتّفقوا في أنّ الافتراق مسقط للخيار ولو كان في حال سهو أو نسيان أو خطأ أو اضطرار أو غفلة أو جنون أو غير ذلك ممّا يصح نسبة الفعل إلى الشخص وصدوره عنه، ولو كان ذلك عنه بتقصير أو قصور، كما أنّ المعتبر في باب الضمان أيضاً كذلك يعني إذا صحّ نسبة الفعل إلى المتلف مطلقاً.
و ثالثاً: أنّ الأصحاب فرّقوا بين من أُكره بالافتراق وبالتخاير كليهما، وبين من أُكره بالافتراق فقط دون التخاير، فقالوا: إنّ الخيار يسقط على الثاني دون الأوّل، مع أنّ الإكراه حاصل على كلا التقديرين كما لايخفى.
وأمّا عن الثالث، ففيه أوّلاً: أنّا لا نسلّم أنّ المراد من الرضا الذي في قوله (عليه السلام): «بعد الرضا منهما» هو الرضا بالافتراق، بل المراد منه هو الرضا بأصل المعاملة.
و ثانياً: أنّ قوله(عليه السلام): «فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» تفريع للغاية التي في قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» فلو كان الرضا فيه مأخوذاً في الافتراق ومعتبراً فيه كما هو المدّعى يلزم تفريع المقيّد على الغاية المطلقة، مع أنّ المتفرّع ـ بالفتح ـ لابدّ من أن يكون مطابقاً للمتفرّع عليه إطلاقاً وتقييداً كما هو مقتضى القاعدة، وإلاّ فلايكون تفريعاً له بل شيئاً أجنبياً كما هو واضح.
على أنّه يعارض لقوله (عليه السلام): «فمشيت خطاً ليجب البيع»1 فإنّه يظهر منه كفاية مطلق الافتراق في اللزوم وإن بقي الطرف الآخر على حاله، فيكون

1. الوسائل: ج 12، الباب 2، من أبواب الخيار، الحديث 3.

صفحه 384
وزان هده الصحيحة وزان سائر أخبار الباب في عدم الدلالة على المقيّد. وقد يتمسّك في المقام بالإجماع المنقول.
و فيه: أنّ حجّية الإجماع الذي لم يعلم كاشفيته عن رأي المعصوم (عليه السلام)ممنوعة جدّاً.
لكن يمكن أن يستدلّ للمسألة بحيث لاينافي قول المشهور، بل ينطبق عليه بأن يقال: إنّ جعل الخيار في موارده إنّما هو للإرفاق وسهولة أمر المتعامل لئلاّ يقع في خسر وضرر بالمعاملة، فحينئذ يكون الحكم بسقوط الخيار بسبب فعل الغير كالافتراق مع الإكراه و مع منع التخاير أيضاً خلاف الإرفاق له.
نعم لو استند الفعل إليه ولو كان صدوره عن قصور، كما إذا تفرّق نسياناً أو غفلة أو في حال السكر أو الإغماء أو الاضطرار أو الإكراه مع عدم المنع من التخاير فلايكون حينئذ خلاف الإرفاق كما لايخفى.

فرع

لو أُكره أحد المتبايعين على الافتراق ومنع عن التخاير أيضاً دون الآخر، فهل يسقط خيار المختار فقط؟
أو يسقط خيارهما معاً؟
أو لايسقط خيار كلّ كلّ منهما أصلاً؟
أو يسقط خيار المختار لو فارق المجلس وإلاّ فلا؟
وجوه بل أقوال:

صفحه 385
مبني على أنّ التفرّق المسقط للخيار هو ما كان عن اختيار في مقابل الإكراه عليه وعلى منع التخاير، على أنّ مفاد قوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع» هو أنّ تفرّق كلّ واحد منهما مسقط لخياره دون خيار الآخر حتى يكون تفرّق المختار مسقطاً لخياره دون خيار المكره.
أو أنّ مجموع التفرّق الحاصل منهما غاية لكلا الخيارين حتى يكون اللازم ثبوت خيارهما في المقام.
أو أنّ حصول الافتراق الحاصل منهما غاية لكلا الخيارين حتى يكون اللازم ثبوت خيارهما في المقام.
أو أنّ حصول الافتراق غاية لكلّ من الخيارين ولو صدر من واحد منهما حتى يكون اللازم سقوط خيارهما لحصول الافتراق الاختياري الذي هو الغاية.
هذا إذا كان أحدهما مختاراً مطلقاً كما هو الفرض إن قلنا: إنّ الساكن أيضاً متفرّق أو في صورة خصوص مفارقة الآخر عن المجلس إن لم نقل أنّه متفرّق.
فأقول: إنّ الأظهر منه هو الأوّل، وذلك لأنّ البيّعان في قوله(عليه السلام) تثنية وهي في قوة تكرير المفرد، وقوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار» في قوة قوله: البائع والمشتري بالخيار، وقوله:«ما لم يفترقا» في قوة قوله: ما لم يفترق البائع والمشتري، فالمقابلة بينهما من حيث الحكم ثبوتاً وسقوطاً على نحو واحد، فيكون تفرّق كلّ واحد منهما مسقطاً لخيار نفسه.

صفحه 386
و كون مجموع التفرّق غاية لكلا الخيارين اللازم منه ثبوت خيارهما في المقام، خلاف الظاهر.
و كون حصول الافتراق وإن كان من واحد، غاية لكليهما مطلقاً أو في خصوص مفارقة الآخر المختار عن المجلس بعيد في غاية البعد، بل لا معنى له في الظاهر، لأنّه لايمكن حمل قوله: «حتى يفترقا» على معنى «حتى يحصل الافتراق من واحد لا بعينه» كما لايخفى.

تنبيه

إنّ زوال الإكراه تارة يتصوّر بالنسبة إلى مجلس العقد بأنّ زال الإكراه على افتراقهما عن مجلسه فقط لا مطلقاً، ويعبر عنه بالإكراه الخاصّ، وأُخرى يتصوّر بالنسبة إلى الإكراه المطلق بأن أُكرهوا على الافتراق مطلقاً في مجلس العقد وغيره أيضاً، فيعبّر عنه بالإكراه المطلق في عنوان المسألة.
هذا تمام الكلام في خيار المجلس.
   

صفحه 387

الثاني من الخيارات

خيار الحيوان

لا إشكال في ثبوته للمشتري لما هو مقتضي الأخبار المستفيضة1والفتاوى.
و إنّما الإشكال في أنّه هل هو ثابت فيما كان له حياة مستقرة، فلايشمل لما لا تستقر له الحياة مثل السمك المشترى حيّاً المشرف على الموت، والصيد المرمي المشرف له، لإصابة السهم إليه أو جراحة الكلب المعلّم عليه، والجراد المحرز في الإناء أو أمثالها ممّا ليس له بقاء ثلاثة أيام، بل الغرض الأصلي من بيعه وشرائه هو اللحم، أو لا، بل كان عاماً شاملاً لكلا القسمين من الحيوان؟
الظاهر أنّها غير شاملة لمثل هذا القسم من الحيوان، إمّا لما مر من أنّ الغرض من البيع والشراء فيه هو اللحم لا بلحاظ أنّه حيوان حي فلا تشتمل الأخبار عليها، وإمّا لانصرافها عنها لأنّ الظاهر من سياق النصوص في ذلك الباب كون الحيوان، من شأنه البقاء ثلاثة أيّام كما هو واضح، وما نحن فيه ليس له شأنية البقاء على الفرض.
و على تقدير شمول أخبار الخيار على ذلك القسم أيضاً، هل مقدار الخيار، مدة حياته، أو يمتد إلى آخر ثلاثة أيام أو هو فوري وجوده.
لكن لو قلنا بشمول الأخبار مثل المقام كان المتجّه أنّ مدته فيه إلى

1. راجع الوسائل: ج 12، الباب 3، من أبواب الخيار.

صفحه 388
ثلاثة أيام لصدق الحيوان عليها، وأنّ المدار على كونه حيواناً حال العقد لا بقاؤه إلى انقضاء ثلاثة أيام وعدم تسليم الانصراف فيها، وإلاّ فلا خيار فيها مطلقاً.
إلاّ انّ البحث عن أمثال ذلك لا أهمية له في المقام، وإنّما ينبغي التعرّض لما هو أهم من ذلك على تقدير شمول أخبار الخيار لما ليس له حياة مستقرّة، وهو:

إشكال التعارض بين القاعدتين

تسالم القوم بأنّ التلف في زمان الخيار لايسقط الخيار، وبأنّ التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له، والحال أنّ مقتضى هاتين القاعدتين في المقام إثبات الخيار على الأُولى ونفيه على الثانية، وليس هذا إلاّ التنافي بين مفادهما بناء على توجيههم القاعدة الثانية بأنّ التلف موجب لانفساخ العقد كما في التلف قبل القبض أيضاً كذلك، فإنّه من مال البائع لكونه موجباً لانفساخ العقد وإلاّ فلا وجه لأن يكون ممّن لا خيار له أو من البائع لكونه في ملك المشتري واقعاً تحت يده، لاستلزامه المخالفة بين القاعدة الأخيرة وبين قاعدة عدم ضمان الشخص لمال الغير.
نعم يمكن الجواب عن المنافاة المذكورة بالنسبة إلى ما ليس له حياة مستقرّة; لأنّ إزهاق الروح عنه لايوجب صدق التلف عليه، لما مرّ من أنّ الغرض منه هو اللحم، وهو موجود فعلاً ولم يكن تالفاً.
و أمّا بالنسبة إلى ما كانت له حياة مستقرّة فالتنافي باق على حاله.

صفحه 389

رفع اشكال

نقول فيه أوّلاً: أنّا لانسلّم أنّ التلف يوجب انفساخ العقد، إذ ليس ذلك اتفاقيّاً عند الأصحاب، بل قال به جماعة منهم، لكن قولهم ذلك ليس عندنا بمسلم على أنّ كونه سبباً للانفساخ خلاف القاعدة، والقول به فراراً عن مخالفة قاعدة عدم الضمان لمال الغير، كرّ عمّا فرّ عنه.
و ثانياً: أنّ التلف في نفسه إن لم تلازمه جهة أُخرى من الجهات لايكون موجباً لانفساخه، والذي كان موجباً لانفساخه في المقام هو كونه مقروناً باختصاص الخيار بالمشتري والموجب له هي تلك الجهة، ولذا لو كان الخيار مختصّاً بالبائع أو مشتركاً بينهما، أو كان الخيار خيار العيب لما يجري فيها ذلك الكلام بلا إشكال.
على أنّ الموارد التي قالوا فيها بانفساخ العقد ليست بأزيد من الموارد الثلاثة، وهي: خيار المجلس، وخيار الحيوان، وخيار الشرط. كما قال به الشيخ الأنصاري أعلى اللّه مقامه، بل عن صاحب الجواهر أنّه منحصر في الأوّلين فقط ولايجري في غيرهما من الشرط وغيره.

هل هذا الخيار مختصّ بالمبيع الشخصي؟

ثم هل ذلك الخيار مختصّ بالمبيع الشخصي المعيّن، أو يجري في الكلّي أيضاً؟ قد يقال بالأوّل لانصراف الأخبار إليه لكثرة وجوده وغلبته في معاملة الناس، ولمّا جعل الخيار من أجله من الحكمة وهي الاطّلاع في ثلاثة أيام بما في المبيع من العيوب الخفيّة، فإنّ تلك الحكمة الملحوظة فيه إنّما

صفحه 390
هي مناسبة بالنسبة إلى المبيع الشخصي، وأمّا بالنسبة إلى الكلّي فلا وجه لها.
لكن فيه ما لايخفى من الفساد.
أمّا أوّلاً: فلأنّا لانسلّم الانصراف أصلاً.
و ثانياً: سلّمنا ذلك لكن الكثرة والغلبة هي كثرة الوجود والغلبة وهي غير مفيدة وإنّما المفيد هو كثرة الاستعمال بحيث لايتبادر من اللفظ عند استعماله غير ذلك المعنى الشخصي، وهو ممنوع في المقام.
وثالثاً: أنّ الحكمة المذكورة لو سلّمنا كونها وجهاً لجعل الخيار إنّما هي مفيدة للظن لا لليقين فلا فائدة للاعتماد عليه ما لم يقم عليه دليل من الخارج.
نعم لو ادّعى الظهور الذي يختلف باختلاف الأذهان كان له وجه.

هل هذا الخيار مختصّ بالمشتري أو لا؟

هل هذا الخيار مختصّ بالمشتري أو مختصّ بمن ينقل إليه الحيوان مُطلقاً ثمناً كان أو مثمناً، أو مشترك بين البائع والمشتري؟ أقوال.
المشهور هو الأوّل.
و استدلّ له بعد الإجماع كما عن الغنية وظاهر الدروس1 بوجوه:
منها: عموم قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)2 لكن خرج منه المشتري

1. الدروس: 3/272، كتاب الخيار، الدرس 257; غنية النزوع: 1/219، السبب الثاني من أسباب الخيار.
2. المائدة:1.

صفحه 391
بسبب القرينة الخارجية وبقي الباقي تحته، وكذا الكلام في عموم قوله(عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع»1 خرج عنه المشتري بسبب الدليل الخارجي.
و منها: صحيحة الفضيل بن يسار، عن أبي عبداللّه(عليه السلام) قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: «ثلاثة أيام للمشتري»، قلت: وما الشرط في غير الحيوان؟ قال «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلاخيار بعد الرضا منهما».2
و التمسّك بها في المقام بوجوه:
الأوّل: استفادة العرف من مثل هذه العبارة، الاختصاص والحصر نظير استفادته ذلك من مثل قوله (عليه السلام): «الطلاق بيد من أخذ بالساق» 3، وقوله (عليه السلام): «الولاء لمن أعتق» 4 ونظائرهما ممّا يكون مثله في الأسلوب والسياق.
والقول بإفادتها الحصر والاختصاص فيهما دونه مع أنّ كلّها على نسق واحد، مكابرة قطعاً.
الثاني: أنّه قد قرّر في محلّه أنّ تعريف المسند إليه باللام يفيد الحصر، أي حصر المسند به.
الثالث: أنّ ذكر القيد في الكلام في مقام التحديد وغيره إنّما يدور مدار

1. الوسائل، ج 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 2و3.
2. الوسائل، ج 12، الباب 1 من أبواب الخيار،الحديث 3.
3. مستدرك الوسائل: ج 15، الباب 26 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 3.
4 . الوسائل: ج 16، الباب 35 من أبواب العتق، الحديث 1 .

صفحه 392
نكتة وفائدة فيه حذراً عن صيرورته لغواً، وهي هنا ليست إلاّ اختصاص الخيار للمشتري وإلاّ يكون ذكره لغواً وبلا فائدة.
الرابع: مقابلته(عليه السلام) قوله: «البيّعان بالخيار... إلخ» بقوله: «ثلاثة أيام للمشتري»، فهي أيضاً ممّا يدلّ على الحكم المذكور من الاختصاص.
الخامس: مفهوم الوصف، وهو مفهوم قوله: «ثلاثة أيام للمشتري» فإنّه يدلّ مفهوماً على عدم هذا الشرط لغيره من البائع.
على أنّ في بعض أخبار الباب1 أنّ تلف الحيوان في زمن الخيار من البائع، وهو مع ضميمة قاعدة: أنّ تلف المبيع في زمن الخيار ممّن لا خيار له، يفيد أنّ الخيار مختصّ بالمشتري.
و في بعض آخر منها2 أنّ المشتري إذا تصرّف في الحيوان لزم البيع، فلو لم يكن أمر المعاملة بيد المشتري فقط وكان للبائع فيه حق أيضاً لما يصح استناد لزوم البيع إليه بقول مطلق، بل ينبغي أن يقول(عليه السلام)لزم البيع من قبله وطرفه.
والحاصل: أنّ اسناد اللزوم إلى تصرّف المشتري خاصّة يكشف عن عدم خيار البائع كما لايخفى.
على أنّ في بعض منها3 تقييد ثبوت الخيار للمشتري بقيد خاص وهو صريح في المدّعى.

1. الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار.
2. الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب الخيار.
3. الوسائل: ج 12، الباب 3 من أبواب الخيار.

صفحه 393
و يمكن الاستدلال للقول الثاني بعموم صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبداللّه(عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): البيّعان بالخيار حتى يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام».1 فإنّ الظاهر من كون صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام، من ينتقل إليه الحيوان وهو البائع.
و حمل صاحب الحيوان على المشتري كما عليه صاحب الوسائل 2لا وجه له، بل لو كان المراد منه المشتري يكون العدول من التعبير بالمشتري إلى التعبير بصاحب الحيوان موهماً لخلاف المقصود والمعنى المتعارف; لأنّ الغالب في استعمال ذلك اللفظ صاحب المبيع والسلعة وهو البائع لظهوره فيه كما عبّر في بعض الروايات عند اختلاف أقوال التجار، بأنّ القول قول رب السلعة، ومعلوم أنّ ربّ السلعة هو البائع، فإذا قيل «صاحب الحيوان» فهو بمنزلة أن يقال: «ربّ السلعة»; وكذا قوله (عليه السلام) 3 في بعض آخر منها في جواب سؤال السائل عن شرّ بقاع الأرض وهو الأسواق، فبيّن عند ذلك أنّ أهلها بين مطفف في القفيز، وسارق في الذراع، وكاذب في السلعة.4
و بعموم صحيحة أُخرى له عن أبي عبداللّه(عليه السلام)قال: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا».5

1. الوسائل: ج 12، الباب 1 من أبواب الخيار.
2. قاله في الوسائل، ج 12، الباب 3 من أبواب الخيار، ذيل الحديث 3.
3. الوسائل: ج 12، الباب 60 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1.
4. دلالة هذه الرواية على المدّعى غير واضحة.
5. الوسائل، ج 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 3.

صفحه 394
و تقرير الاستدلال فيها على النحو الذي ذكر في الأُولى.
و لايضرّ شمولها لصورة كون المثمن فقط حيواناً بقرينة قوله(عليه السلام): «المتبايعان بالخيار» حيث يشعر بأنّ الخيار ثابت للبائع أيضاً في هذا الفرض، لأنّها مقيّدة بالروايات السابقة المتمسّك بها للقول الأوّل، حيث جعل الخيار فيها في هذا الفرض للمشتري فقط.
و أمّا موثّقة علي بن فضّال، عن علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، قال: «صاحب الحيوان المشتري بالخيار ثلاثة أيام»1 فلاينافي تقييد صاحب الحيوان بالمشتري.
و بيانه: أنّ احتمال كون القيد وارداً مورد الغالب، ومجرد الغلبة كاف في خروجه عن اللغوية من دون احتياج إلى كونه احترازياً كما لايخفى، بخلاف المطلق المراد منه المقيّد فإنّه لابدّ فيه من وجود قرينة قوية صارفة عن الظهور الأصلي له، ولايصلح لذلك إلاّ الغلبة الكاملة الموجبة لصرفه عن إطلاقه وتوجيهه إلى التقييد، وأمّا الغلبة الناقصة فلا كفاية لها للتقييد.

تزييف أدلّة القول الأوّل

لكن لايخفى ما في القول الأوّل من المنع.
أمّا الإجماع، فلأنّ المنقول منه غير مجد، لا في المقام ولا في غيره، إذ مجرد الاطّلاع على أقوال جماعة من الفقهاء الذي غايته هو الاطّلاع على فتاوى أربعين أو خمسين فقيهاً مع عدم الاطّلاع على فتاوى غيرهم الذين

1. الوسائل: ج 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث2.

صفحه 395
هم أكثر وأزيد منهم بمراتب عديدة، لايوجب القطع بقول المعصوم كما هو الملاك والمناط في حجيّته، إذ لعلّهم أفتوا بخلاف ما أفتى به الجماعة المعروفة.
على أنّ المقطوع هو أنّ مستند فتواهم ليس إلاّ الأخبار المتقدّمة التي ستعرف ضعف دلالتها على المدّعى.
و ممّا ذكرنا يظهر حال دعوى الشهرة في المسألة أيضاً كما لايخفى.
و أمّا عموم قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وعموم قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» ففي حجّيته ما لايخفى من التأمّل بعد ورود تخصيصات كثيرة عليه.
و أمّا الجواب عن الأخبار كلّها، فمقتضى فهم العرف من أمثال هذه العبارات ـ لو عرضت عليهم ـ أنّ السائل فيها إنّما هو بصدد استفسار حال الحيوان في مقام بيعه، وأنّ الخيار إلى أيّهما يصير من البائع والمشتري وليس هو في صدد السؤال عن حال الشراء، فأجاب الإمام (عليه السلام) على طبق سؤاله بأنّ الخيار للمشتري.
و يدلّ على ذلك أيضاً صحيحة ابن رئاب قال: سألت أباعبداللّه(عليه السلام) عن رجل اشترى جارية لمن الخيار! للمشتري أو للبائع أو لهما كليهما؟
فقال: «الخيار لمن اشترى ثلاثة أيام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء» حيث إنّ السؤال فيها عن ذي الخيار في مقام بيع الجارية.
مسألة: لا فرق بين الأمة وغيرها في مدة الخيار، ولا وجه للقول بأنّ مدة خيار الأمة مدّة استبرائها، لعدم الدليل عليه.

صفحه 396
و لكن يمكن أن يقال: إنّ هذا القول ليس مبنياً على أنّ خيار الحيوان فيها يمتد إلى انقضاء مدة استبرائها، بل هو مبني على ما هو المعروف من أنّ المبيع إذا كان مظنّة للعيب فمدة الخيار فيه تمتد إلى العلم بعدمه، ولمّا كانت الأمة مظنة للحمل وهو عيب فيها اتّفاقاً، فحينئذ يكون للمشتري خيار العيب فيها مدة استبرائها.

مبدأ خيار الحيوان

الحق أنّ مبدأ هذا الخيار من حين العقد، فلو لم يتفرّقا ثلاثة أيام انقضى خيار الحيوان و بقي خيار المجلس; لظاهر قوله(عليه السلام): «إنّ الشرط في الحيوان ثلاثة أيّام، وفي غيره البيّعان بالخيار حتى يفترقا»1; فإنّه (عليه السلام)جعله مقابلاً لخيار المجلس، فكما أنّ مبدأ الثاني من حين العقد فينبغي أن يكون الأوّل أيضاً كذلك قضاءً لحق المقابلة، خلافاً لابن زهرة حيث جعله من حين التفرّق.
و ربّما يستدلّ عليه بأصالة عدم ارتفاعه بانقضاء ثلاثة أيام من حين العقد، وبأصالة عدم حدوثه قبل انقضاء المجلس، وبلزوم اجتماع السببين على مسبب واحد، إذ الخياران ليسا مختلفين من حيث الحقيقة والماهية، وبما دلّ على أن تلف الحيوان أو غيره من المبيع في الثلاثة من البائع مع أنّ التلف في الخيار المشترك من المشتري، فلو كان مبدؤه من حين العقد دخل فيه خيار المجلس الذي هو مشترك بين البائع والمشتري، فيلزم أن يكون

1. الوسائل، ج 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3; والباب 3 منها، الحديث 5.

صفحه 397
التلف في المجلس من البائع مع وقوعه في زمان الخيار المشترك، فلابدّ أن يكون مبدؤه بعد خيار المجلس حتى يكون التلف في زمانه تلفاً في زمان الخيار المختصّ بالمشتري، فيكون التلف حينئذ من البائع بمقتضى قاعدة التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له.
و يرد الأصل ظاهر الدليل.
على أنّه بالتقرير الثاني مثبت; لأنّ المقصود إثبات كون الخيار بعد انقضاء المجلس وكونه بعده من اللوازم العادية لعدم كونه قبله على الفرض.
هذا بالنظر إلى ترتيب آثار وجود خيار الحيوان بعد الثلاثة من حين العقد، وأمّا بالنظر إلى ترتيب آثار عدمه قبل التفرّق، فبالتقرير الأوّل أيضاً مثبت; لأنّ الهدف منه ترتيب أثر العدم على ما قبل التفرّق، عكس التقرير الثاني، فإنّه مثبت من حين ترتيب أثر الوجود بعد الثلاثة.
إلاّ أنّ الإنصاف أنّ الأصل ليس مثبتاً إلاّ بالتقرير الثاني كما أفاده الشيخ (قدس سره)1، إذ معنى المثبتية هو ما إذا لم يكن في البين إلاّ أثر عقلي، وهذا بالنسبة إلى الأصل بالتقرير الأوّل ممنوع، إذ ليس أثر إجرائه بعد الثلاثة من حين العقد منحصراً في عدم إحداثه قبل التفرّق، بل له آثار أُخر مثل جواز إسقاطه أو انتقاله إلى الورثة بالإرث أو غير ذلك ممّا يعدّ أثراً له، وهذا بخلافه بالنسبة إلى التقرير الثاني فإنّه لا أثر له إلاّ كون الخيار بعد انقضاء المجلس.
و نظير هذا ما لو شكّ في بناء أنّه مسجد أو دار، والمفروض أنّه

1. المتاجر: 225; والطبعة الحديثة (المكاسب): 5/93.

صفحه 398
مسبوق بعدم كلّ منهما، فأصالة عدم كونه مسجداً لها آثار شرعية بلا واسطة من جواز تنجيسه وبيعه وشرائه و كذا سائر التصرّفات الأُخر، بخلاف أصالة عدم كونه داراً، إذ ليس لها أثر إلاّ إثبات كونه مسجداً، وهو أثر عقلي.
و يرد اجتماع السببين بناء على اتّحاد المسبب، أنّ استقلال كلّ منهما في السببية موقوف على عدم مقارنته للآخر، وإلاّ يكون كلّ منهما جزءاً للسبب، مع أنّ هذا على فرض تسليم عدم كون الأسباب معرفات. وأمّا معه فلا إشكال.
و أمّا الأدلّة الدالّة على أنّ التلف من البائع فمحمولة على الغالب وهو كونه بعد المجلس.

حلّ إشكال

قد ذهب الأصحاب فيما إذا كان لواحد خيارات متعدّدة مثل خيار المجلس وخيار الحيوان وخيار العيب وغيرها في مبيع واحد، إلى أنّه يجوز له إسقاط بعض منها وإبقاء بعض آخر، مع أنّ حقيقتها ليست إلاّ ماهية واحدة وشيئاً فارداً، فكيف يصحّ فيه ذلك، مع أنّ الحق الذي يعبّر عنه بالخيار ليس قابلاً للتجزئة، إذ ليس له نصف ولا ثلث ولا ربع ولا أمثال ذلك كي يصحّ الإسقاط بلحاظ بعضه، وعدمه بلحاظ بعضه الآخر، بل هو فيها شيء واحد وحقيقة واحدة بمعنى أنّه لو أسقط سقط كلّه وإلاّ فلايسقط شيء أصلاً.
و لكن يمكن الجواب عنه بأحد الوجوه:
الأوّل: أنّ إسقاط الخيار في المعنى هو الرضا بالعقد وبأصل المعاملة

صفحه 399
كما وردت الرواية بهذا المضمون أيضاً، مثل قوله(عليه السلام): «فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما»1، فالرضا حينئذ يختلف باختلاف متعلّقه، فإذا تعلّق بخيار العيب أو خيار الرؤية أو خيار المجلس مثلاً، يكون الساقط ذلك ليس غيره ممّا لم يكن متعلّق الرضا من الخيارات الأُخر; بل قديحصل هذا الرضا من جهة دون جهة أُخرى في خيار واحد، كما في خيار العيب عند اجتماع عيوب متعدّدة في مبيع واحد إذا رضي ببعضها دون بعض آخر من البواقي.
الثاني: النقض بالسقوط، وتوضيح ذلك أنّ المعروف والمسلّم بين الأصحاب هو أنّه لو اشترى حيواناً حصل للمشتري خياران: خيار الحيوان والمجلس قبل أن يتفرّقا، فإذا انتفى مجلس العقد بالتفرّق، انتفى خياره المختصّ به ويبقى خيار الحيوان على حاله إلى أن تمضي ثلاثة أيام بلا إشكال فيه، فما هو الجواب هناك هو الجواب فيما نحن فيه.
و كذا النقض بما اعتبر فيه الفور والتراخي من الخيارات، فإنّ الخيار الفوري إذا لم يعمل به سقط مع العلم به، بخلاف التراخي فإنّه يبقى إلى أن تنتهي مدته المحدودة، مع أنّ حقيقتهما شيء واحد.
الثالث: بالحل، وهو أنّ كونها ماهية واحدة لاينافي كونها عديدة بالجهات والإضافات و متعدّدة باعتبار المشخّصات، كما لاينافي كونها مجتمعةً في محل واحد شخصي، إذ مايمتنع اجتماعه فيه من الأُمور العديدة إنّما هو الأُمور المتأصّلة لا الأُمور الاعتبارية التي قوامها باعتبار المعتبر

1. الوسائل: ج 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3.

صفحه 400
وبجعل الجاعل كما في المقام.
فظهر أنّ التعدّد ليس مختصّاً بالأسباب دون المسبّبات كما عن بعض، بل كما أنّها متعدّدة كذلك المسبّبات أيضاً متعدّدة.
و ما ذكرناه هو المراد بما في «التذكرة» من أنّ الخيار واحد والجهة متعدّدة في جواب من قال: إنّ الخيارين مثلان فلايجتمعان.
على أنّ مفاد الخيار هو ملك إقرار العقد وإزالته والقدرة على فسخ العقد وإمضائه، وهو قابل للاشتداد بزيادة الجهات فبإسقاط بعض منها تزول مرتبة الشدة من المراتب وتبقى مرتبة أُخرى منها أخف.

ما المراد من حين العقد؟

و ليعلم أنّ المراد من حين العقد الذي هو ابتداء زمان الخيار هو حين التملّك لا مجرّد التلفظ بالصيغة، وأمّا التعبير بحين العقد، فلعلّه للغلبة; لأنّ الغالب أنّه لا يصلح الملك إلاّ به، إذ المراد من ثبوت الخيار أنّه لولاه للزم العقد، وهذا المعنى يختلف باختلاف المقامات، فإنه قد يتحقّق من حينه كما هو القسم الغالب، وقد يتحقّق بعد القبض كما في بيع الصرف والسلم، وقد يتحقّق بعد الإجازة كما في الفضولي إمّا مطلقاً أو بالنسبة إلى أحدهما دون الآخر، فحينئذ يتحقّق التملّك بالنسبة إلى الأصيل من حين العقد وبالنسبة إلى الفضولي بعد إجازة المالك.

صفحه 401

ما المراد من ثلاثة أيام؟

لا إشكال في أنّه إذا عقد على حيوان حين طلوع الشمس، ينقضي زمان الخيار عند غروبها في اليوم الثالث.
و كذا لا إشكال في دخول الليلتين المتوسطتين في الثلاثة، لا لأنّ الليل داخل في مفهوم اليوم، بل للاستمرار المعتبر فيها المستفاد من الخارج.
و إنّما الإشكال في المقام من جهتين:
الأُولى: أنّه إذا عقد في زمان من النهار، هل يلغي البقية منه مطلقاً ثم يحسب زمان الخيار بعدها، أو تحسب تلك يوماً واحداً كذلك، أو تحسب إن كان ما مضى من الزمان قليلاً بحيث يصدق اليوم على البقية ولو بالمسامحة العرفية وتلغى في غيره، أو تحسب من حيث كونها مبدأ للخيار لا من حيث كونها جزءاً محسوباً من الثلاثة، أو تحسب على نحو التلفيق بأن يلفق اليوم منها ومن مقدار ما نقص من اليوم الرابع، وجوه واحتمالات.
الثانية: أنّ الليلة الأخيرة هل هي داخلة في الثلاثة أو لا؟
أمّا الوجه الأوّل من محتملات الجهة الأُولى، ففيه: أنّ الظاهر من النص أنّ ابتداء الثلاثة والخيار هو حين العقد، ونظير ذلك أنّه لو قال الموجر: «آجرتك داري إلى عشرة أيام» أنّه لايفهم منه إلاّ كون ابتداء الإجارة هو حين العقد، مع أنّه لا معنى للزومه في هذه البقية ثم جوازه بعد ذلك كما هو مقتضى عدم الخيار فيها.
وأمّا الوجه الثاني منها، ففيه: أنّ اليوم الحقيقي عبارة عمّا بين طلوع

صفحه 402
الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فلامعنى لعدّ ثلث اليوم أو نصفه أو غيرهما من الكسور يوماً واحداً تامّاً حقيقياً.
و أمّا الوجه الثالث، ففيه أنّ موضوع الحكم هو اليوم الحقيقي والدقي لا المسامحي، كما أنّ موضوع الحكم في باب الزكاة والكر وفي غيرهما مقدار معيّن محدود من الماء والغلاّت بحيث لو نقض عنه لما كان الموضوع محقّقاً حقيقة، ولما يحكم عليه بشيء من الأحكام، وهو واضح.
و أمّا الوجه الرابع، ففيه ما مرّ من الإشكال في الوجه الأوّل أيضاً، مضافاً إلى أنّه لا معنى للتفكيك بين الخيار وبين ثلاثة أيام بجعل الأوّل من حين العقد، والثاني بعد انقضاء البقية.
فإذاً القول بالتلفيق الذي هو خامس الوجوه المذكورة هو المتعيّن، ولو كان لازم ذلك صيرورة أحد الأيّام مجازاً في المقام من جهة إرادة مقدار بياض اليوم منه، إلاّ أنّه لمّا كان بسبب مساعدة الدليل فلا بأس به.
وأمّا الجهة الثانية من جهتي الإشكال وهو دخول الليلة الأخيرة في الثلاثة وعدمه.
مسقطات خيار الحيوان   
فقد يقال بالدخول ويعلّل بأنّه لو لم تكن داخلة فيها لاختلّت مفردات الجمع في استعمال واحد مع أنّ الجمع ليس إلاّ تلك المفردات وفي قوتها.
لكن التحقيق هو عدم الدخول.
و أمّا ما ذكر من المحذور من اختلال مفردات الجمع فهو فرع القول بأنّ اليوم عبارة عن نهار مع ليلته، وليس الأمر كذلك، بل عبارة عن خصوص ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس من الزمان حقيقة أو تلفيقاً، وأنّه

صفحه 403
استعمل في جميع الثلاثة على نحو واحد.
و أمّا دخول الليلتين المتوسطتين فليس من جهة استعمال اليوم في مقدار معيّن من الزمان وهو النهار مع الليل، بل دخولهما بالتبع والمجاز، ولحصول الاستمرار المستفاد من الثلاثة لا بالأصالة والحقيقة كي يلزم ما ذكر من المحذور كما لايخفى.

مسقطات خيار الحيوان

يسقط هذا الخيار بأُمور:
الأوّل: اشتراط سقوطه في العقد.
الثاني: إسقاطه بعده، وقد تقدّم تفصيلهما فيما سبق من خيار المجلس فلا فائدة للإعادة.
و أمّا اشتراط سقوط بعضه، فنسب الشيخ(قدس سره) القول بالصحّة إلى بعض وقال أيضاً: لا بأس به.1
و لكن قديقال: إنّ هذا إنّما يصحّ بالنسبة إلى السقوط من أوّله أو آخره، وأمّا السقوط بالنسبة إلى وسطه فلا، بناء على أنّ الخيار حقّ واحد شخصي، فإذا تخلّل العدم بسبب إسقاط اليوم الثاني فلايكون موجب لليوم الثالث، لأنّ ما ثبت بالعقد فقد انعدم بالإسقاط فيستحيل إعادة المعدوم. وعلى تقدير إمكانها يحتاج إلى المعيد، ولا دليل على كون العقد معيداً، كما لا دليل على كونه موجباً لخيار آخر.

1. المتاجر: 226; والطبعة الحديثة( المكاسب): 5/97.

صفحه 404
أقول: لمّا كان الخيار أمراً واحداً بسيطاً وليس قابلاً للتنقيص مُطلقاً، فلا مجال حينئذ للتفصيل بين الوسط وطرفيه كما هو واضح.
ثم إنّ قوله (قدس سره): «و لا بأس به» لايبعد أن يكون ناظراً إلى أنّ الخيار وإن كان حقاً وجدانياً إلاّ أنّه بمنزلة الحقوق العديدة باعتبار الأيّام والساعات، فيجوز حينئذ شرط سقوط بعضه بهذا النظر والاعتبار.
الثالث: التصرّف، ولا إشكال في مسقطيته في الجملة لا مطلقاً وإلاّ فالاختلاف فيما بين الأصحاب في المقام قدبلغ إلى حد قد قيل: إنّه لايرجى زواله وإصلاحه فلابد من التشبّث بالأخبار الواردة في المقام، وهي على نحوين:
نحو منها ظاهر في أنّ مطلق التصرّف مسقط للخيار كما في ذيل صحيحة علي بن رئاب: قل