welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : المحصول في علم الأُصول / ج 2*
تألیف :السيد محمود الجلالي المازندراني*

المحصول في علم الأُصول / ج 2

المحصول
في
علم الأُصول

يبحث عن بقية مباحث الأوامر، والنواهي، والمفاهيم، والعام والخاص، والمطلق والمقيد

الجزء الثاني

بقلم
السيد محمود الجلالي المازندراني

نشر

مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

علم الأُصول عبر القرون

الحمد لوليه، والصلاة والسلام على نبيّه، الّذي أكمل به الدين وأتم به النعمة، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

أمّا بعد:

فإنّ علم الأُصول يُعرِّف لنا القواعدَ الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية وما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل، وقد سمِّي به لصلته الوثيقة بعلم الفقه، فهو أساس ذلك العلم وركنه، وعماد الاجتهاد وسناده.

لم يك علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولاً عنه في العصور الأُولى، بل قد أملى الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ وأعقبه الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ على أصحابهما قواعد كلية في الاستنباط رتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث علم الأُصول، نظير:

1. المحدّث الحر العاملي (المتوفّى 1104 هـ) مؤلف كتاب: «الفصول المهمة في أُصول الفقه» وهذا الكتاب يشتمل على القواعد الكلية المنصوصة في أُصول الفقه وغيرها.

2. السيد العلاّمة عبد الله بن محمد رضا شبر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242 هـ) له كتاب الأُصول الأصلية.

3. السيد الشريف الموسوي، هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني له كتاب «أُصول آل الرسول» وقد وافته المنية عام 1318 هـ .

فهذه الكتب الحاوية على النصوص المروية عن أئمّة أهل البيت في القواعد


(4)

والأُصول الكلية في مجال أُصول الفقه، تعرب عن العناية الّتي يوليها أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لهذا العلم.

وقد قام لفيف من أصحاب الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ بتأليف رسائل مختصرة حول مسائل أُصول الفقه، كيونس بن عبد الرحمان (المتوفّى 208 هـ) مؤلف كتاب «اختلاف الحديث ومسائله» وأبي سهل النوبختي، إسماعيل بن علي (237 ـ 311 هـ) مؤلف كتاب «الخصوص والعموم» و «الأسماء والأحكام» والحسن بن موسى النوبختي له كتاب «خبر الواحد والعمل به».

وقد صارت تلك الرسائل النواة الأُولى لعلم الأُصول بعدهم، ثم أعقبهم الشيخ محمد بن محمد النعمان المعروف بالشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) فألّف كتاب التذكرة في أُصول الفقه المطبوع ضمن مصنفاته، والسيد الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) فألّف كتاب الذريعة، وسلاّر الديلمي (المتوفّى عام 448 هـ) فألّف كتاب التقريب في أُصول الفقه، والشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460 هـ) فألّف كتاب العدة في أُصول الفقه. وهم من أعيان القرن الرابع والخامس رضوان الله عليهم.

وقد تداول التأليف حول أُصول الفقه من قبل علمائنا عبر القرون، وقد بلغ القمة في عصرنا هذا، فتجد الهوة السحيقة بين علم الأُصول في عهد المتقدمين من علمائنا وبين علم الأُصول في وقتنا الحاضر، حتّى بدا كأنهما علمان.

وهذا هو الجزء الثاني من محاضراتنا في أُصول الفقه يقدمه ـ كسائل الأجزاء ـ السيد العلاّمة الحجة محمود الجلالي المازندراني وهو حصيلة الدورتين: الثانية والثالثة، فقد بذل جهوداً مضنية في سبيل تأليفه فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء، كيف لا وهو ممّن عقدت عليه الآمال في المستقبل، حفظه الله من كل مكروه ووفقه لمرضاته.

حرّر في ميلاد النورين

محمد المصطفى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

وحفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السَّلام ـ

17 ربيع الأوّل 1419 هـ ـ قم المشرفة

جعفر السبحاني


(5)

الفصل الخامس:

أحكام الضد
هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟

وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

1ـ المسألة أُصولية

هذه المسألة أُصولية لوقوع نتيجتها في طريق الاستنباط. فإذا ثبت الاقتضاء، تصير الصلاة المضادّة للإزالة، منهيّاً عنها، فلو قلنا إنّ النهي يقتضي فساد متعلّقه، فتصبح الصلاة فاسدة. كما تكون صحيحة على فرض عدم الاقتضاء.

2ـ المراد من الاقتضاء

المراد بالاقتضاء أحد الأمرين التاليين:

أ: الدلالة اللفظية بإحدى الدلالات الثلاث. فيبحث حينئذ بأنّ الأمر بالشيء هل يدلّ بإحداها على النهي أو لا؟

وعلى هذا، يكون البحث لغوياً، وهو لا ينافي كونه أُصولياً أيضاً، لإمكان وجود كلا الملاكين في مسألة واحدة.

ب: الملازمة بين إرادة الوجوب والنهي عن ضدّه. وعلى هذا يكون البحث


(6)

عقلياً.

وقد حكم المحقّق النائيني بكون المسألة عقلية، ومع ذلك جعل الاقتضاء أعمّ من العينية والجزئية، واللزوم أعمّ من البيّن بالمعنى الأخص والمعنى الأعم.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد من الاقتضاء هو الدلالة بنحو المطابقية أو التضمنية أو الالتزامية، لصارت المسألة لفظية لا عقلية. ولا يتمحض البحث في العقلية، إلاّ بجعل البحث ممحضاً في الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه، مع قطع النظر عن كون الأمر مدلولاً للفظ أو لا.

3ـ المراد من الضدّ

قد يطلق الضدّ ويراد منه الضدّ بالمعنى العام ، وهو مطلق المعاند الشامل لأمرين: 1ـ نقيض الواجب أعني تركه، 2ـ الأمر الوجودي الخاصّ المعبّر عنه بالمزاحم للواجب.

وربّما يطلق ويراد منه خصوص الأمر الثاني ويطلق عليه الضدّ الخاص، ولكن الغالب هو استعمال الضدّ العام، في نقيض المأمور به، أي ترك الواجب.

والبحث في هذا الفصل مركّز على أُمور ثلاثة:

الأوّل : البحث عن حكم الضدّ العام.

الثانـي: البحث عن حكم الضدّ الخاص.

الثالث: الثمرة الفقهية للبحث.

وإنّما قدّمنا البحث عن الضدّ العام على البحث عن الضدّ الخاص لابتناء براهين القائلين بالاقتضاء فيه على ثبوت الحكم في العام.

وإليك فيما يلي البحث عن هذه الأُمور الثلاثة في مقامات ثلاثة:


1-أجود التقريرات:1/251، وسيأتي بيانه و مناقشته.


(7)

المقام الأوّل

حكم الضدّ العام

الظاهر أنّ مراد القائلين بأنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه، هو الضدّ العام، وإلاّ فادّعاء العينية أو الجزئية في الضدّ الخاص بعيد جدّاً.

أمّا ادّعاء العينية في الضدّ العام فحاصله:

أنّ الأمر بالصلاة عين النهي عن تركها لأنّ النهي عن الترك عبارة عن طلب ترك الترك وهو عين طلب الفعل خارجاً حيث لا فرق بين أن يقول: صلّ وبين أن يقول: لا تترك الصلاة فإنّ العبارتين تؤديان معنى واحداً.

وبعبارة أُخرى:

إنّ الهيئة في الأمر موضوعة لطلب الفعل، وفي النهي لطلب الترك. وعلى هذا يستفاد من هيئة النهي «طلب الترك» كما يستفاد من هيئة الأمر «طلب الفعل» وإذا تعلّق النهي الذي مفاده طلب الترك بالضدّ العام ـ وهو الترك الذي هو نقيض الفعل ـ يكون مفاده «طلب ترك الترك» وهو عين طلب الفعل مصداقاً، وإن كان يغايره مفهوماً، كعدم العدم الذي هو عين الوجود مصداقاً لا مفهوماً.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ البحث في أنّه إذا تعلَّق أمر بشيء، فهل هناك ملازمة بين الأمر به والنهي عن ضدّه العام أو لا؟ والقائل بالعينية لم يأت بدليل على الملازمة ـ التي هي المقصود بالذات ـ وغاية ما أفاده هو أنّه لو كان هناك أمر بشيء ونهي عن الترك يكون أحدهما عين الآخر، ولكن الكلام في أنّه إذا أمر بشيء هل يكون ملازماً للنهي عنه حتى يكون أحدهما عين الآخر أو لا؟


(8)

وثانياً: لو افترضنا أنّ أمره بمنزلة النهي عن الترك لكن ادّعاء العينية المفهومية بمكان من البطلان إذ كيف يمكن أن يكون قوله: «صلّ » عين قوله: «لا تترك الصلاة» مفهوماً إلاّ أن يكون كلامه ناظراً إلى العينية مصداقاً لا مفهوماً كما يظهر من التشبيه في ذيل كلامه، وهذا غير محطّ البحث.

وثالثاً: أنّ الاستدلال مبني على كون مفاد هيئة النهي هو «طلب الترك» فإذا كان الضدّ العام أيضاً هو« نفس الترك» يكون مفاد النهي هو طلب ترك الترك الذي هو عين الأمر.

ولكن المبنى باطل، لما سيوافيك من أنّه ليس في مفاد النهي أيّ طلب، إذ هو زجر تشريعي عن الفعل. فالأمر والنهي، يختلفان في المفاد، ويتّحدان في المتعلّق ـ أعني الفعل ـ على عكس ما تصوّر القائل. فالأمر طلب الفعل أو البعث إليه، والنهي زجر عنه.

اللّهمّ إلاّ أن يوّجه بما في الكفاية من أنّ هنا طلباً واحداً ينسب إلى الوجود حقيقة وإلى الترك مجازاً، وهو غير محط البحث.(1)

وأمّا الدلالة على النهي بنحو التضمّن، فهو مبني على كون مفاد هيئة الأمر طلب الفعل مع المنع من الترك. فالنهي عن الضدّ العام جزء لمفاد الأمر حينئذ.

ولكن يلاحظ عليه: أنّ مفاد الأمر هو البعث إلى الفعل، وهو أمر بسيط. وما ذكر في المبنى، تحليل للإرادة المؤكدة، ولا يرتبط بمقام الدلالة.

وأمّا الدلالة: على النهي بنحو الدلالة الالتزامية، فهي تتصور على نحوين:

1ـ الالتزام بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص بأن يكون نفس تصوّر الوجوب كافياً في تصوّر المنع عن الترك.

2ـ الالتزام بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم، بأن يكون تصوّر الطرفين


1-كفاية الأُصول:1/211ـ 212.


(9)

(الأمر بالشيء، والنهي عن الضدّ العام ) والنسبة كافياً في التصديق بالاقتضاء.

أمّا الأوّل، فواضح الانتفاء، إذ كيف يمكن ادّعاء الدلالة الالتزامية بهذا النحو، مع أنّ الإنسان كثيراً ما يأمر بشيء وهو غافل عن الترك فضلاً عن النهي عنه؟

وأمّا الثاني، فلو أُريد أنّ هنا وراء الأمر بالفعل، نهي عن الترك، ففيه أنّه ما فائدة هذا النهي بعد عدم ترتّب العقاب والثواب عليه. فهو إمّا لا حاجة إليه، كما إذا كان الأمر باعثاً. أو بلا ملاك ـ وهو جعل الداعوية ـ إذا لم يكن باعثاً.

أضف إلى ذلك أنّ الأمر والنهي حكمان مختلفان في المبادئ. فالأمر لأجل وجود مصلحة في جانب الفعل، والنهي لأجل المفسدة في جانب المتعلّق، وهوالترك هنا. فتواجد الأمر والنهي في مورد باعتبار الفعل والترك، يتوقف عليوجود تلك المبادئ، وهو ليس أمراً غالبياً، بل الغالب هو وجود أحد المبدأين، وهو وجود المصلحة في فعله وعدمها في تركه، لا وجود مفسدة في تركه أيضاً.

هذا كلّه إذا فسّـر الاقتضاء بالدلالة اللفظية، وأمّا إذا فسر بالتلازم بين الإرادتين، فإثبات وجود إرادتين متلازمتين في لوح النفس دون إثباتها خرط القتاد.


(10)

المقام الثاني

حكم الضدّ الخاص

استدلّ على الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدّه الخاص بوجهين:

الوجه الأوّل: مسلك المقدّمية:

وهو مبني على أُمور ثلاثة:

1ـ إنّ ترك الضدّ ، كالصلاة، مقدّمة للمأمور به، كالإزالة وأداء الدين.

2ـ إنّ مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.

3ـ إنّ الأمر بالشيء (وهو في المقام قوله: أُترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضدّه العام، أعني نقيض المأمور به، وهو هنا نفس الصلاة.(1)

أمّا الأمر الأوّل

وهو المهم في الاستدلال، فقد تضاربت الأقوال فيه:

فمن قائل بعدم المقدّمية مطلقاً، لا من جانب الوجود ولا من جانب الترك، فليس وجود أحد الضدين مقدّمة لعدم الضدّ الآخر، ولا العكس، وهذا هو مختار المحقّقين.


1-فالصلاة إذا قيست إلى الأمر بالإزالة، فهي ضدّ خاص. وأمّا إذا قيست إلى الأمر بترك الصلاة فهي ضدّ عام، فلا تغفل.


(11)

إلى قائل بالمقدّمية من أحد الجانبين، فعدم الضدّ مقدّمة لوجود الضدّ الآخر دون العكس. وإن شئت قلت: عدم كلّ ضدّ مقدّمة لوجود الضدّ الآخر، دون أن يكون وجود كلّ منهما مقدّمة لعدم الآخر.

إلى ثالث قائل بالمقدّمية من الجانبين، فوجود كلّ ضدّ مقدّمة لعدم الآخر، كما أنّ عدم كلّ واحد، مقدّمة لوجود الآخر.وقد حكي هذا عن الحاجبي، والعضدي.

إلى رابع قائل بتخصيص المقدّمية بصورة وجود الضدّ، فرفعه مقدّمة لوجود الضدّ الآخر. بخلاف ما لو لم يكن أيّ منهما موجوداً.

وقد استدل على هذه المقدّمة الأُولى بأنّ توقّف الشيء على ترك ضدّه ليس إلاّ من جهة المضادّة والمعاندة بين الوجودين، وقضيّتها الممانعة بينهما، ومن الواضحات أنّ عدم المانع من المقدّمات.

وقد ناقش المحقّق الخراساني في هذا الاستدلال بوجوه ثلاثة:

المناقشة الأُولى في مقدّميّة عدم الضدّ

إنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين، لا تقتضي إلاّ عدم اجتماعهما في التحقّق. وحيث لا منافاة أصلاً بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر، بل بينهما كمال الملاءمة، كان أحد العينين مع نقيض الآخر في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر.(1)

ولما استنتج المحقّق الخراساني من كمال الملاءمة، الوحدة الرتبيّة اعترض عليه المحقّق الاصفهاني بقوله:«إنّ غاية ما تقتضيه الملاءمة بين الضدّ ونقيض الضدّ الآخر، هي المقارنة الزمانية بين الضدّ وعدم الآخر. والمقارنة الزمانية لا تنافي


1-نقله المحقّق الخراساني في الكفاية: 1/206.


(12)

التقدّم بالعلّية أو بالطبع.(1)

وحاصله: أنّ كمال الملاءمة، لا يثبت إلاّ عدم التقدّم في الزمان ولا ينفي التقدَّم الرتبي الذي هو ملاك العلّية.

وأجاب عنه سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ بأنّ عدم الضدّ الآخر يحمل على نفس الضدّ، فيقال: البياض هو اللاسواد، حملاً بالعرض.والحمل كاشف عن اتحادهما في الخارج اتحاداً مصداقياً بالعرض. وما يقع في سلسلة العلل من المقتضيات وعدم الموانع لا يعقل أن يتّحد مع معلوله في الخارج، ولو بالعرض، لأنّ وجود المعلول ناش ومفاض منه، وما هذا شأنه لا يعقل أن يتّحد مع المتأخّر عنه، إذ الاتحاد يأبى أن يكون أحدهما مقدِّماً والآخر مؤخّراً ولو رتبة.(2)

أقول: إنّ التقدّم الرتبي إنّما يمنع من الاتحاد إذا كان المتقدّم مفيضاً والمتأخّر مفاضاً، و هذا لا يصدق إلاّ على المقتضي الذي هو المُفيض، أو هو مع الشرط. وأمّا عدم المانع، فانّ اعتباره ليس لأجل أنّ له دخالة في تحقّق المعلول، بل لأجل أنّ وجوده مزاحم، فعُبِّر عنه بدخالة عدم المانع.وفي مثله ، لا يأبى التقدّم الرتبي عن الحمل والاتحاد، كما لا يخفى.

فإذا صحّ الحمل في مورد، لما كشف عن الوحدة في الرتبة. كما أنّه إذا لم يصح ّـ كما في قولنا: عدم الرطوبة هي الحرارة ـ لا يكشف عن التقدّم الرتبي. فما ذكره المحقّق الاصفهاني من أنّ الملاءمة لا تنفي التقدّم الرتبي أولى بالتصديق.

والأولى في نقد الاستدلال ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ المانع هو ما يوجب المنع عن رشح المقتضي، بحيث لولاه لأثّر المقتضي أثره من إفاضة الوجود إلى المعلول فيكون الموجب لعدم الرشح والإفاضة هو وجود المانع، وهذا المعنى من المانع لا يتحقّق إلاّبعد فرض وجود المقتضي بماله من الشرائط فانّه عند ذلك


1-نهاية الدراية: 1/219.
2-تهذيب الأُصول: 1/289.


(13)

تصل النوبةُ إلى المانع ويكون عدم الشيء مستنداً إلى وجود المانع وأمّا قبل ذلك فليس رتبة المانع، لوضوح أنّه لا يكون الشيء (كالبلّة) مانعاً عند عدم المقتضي أو شرطه (للاحتراق)، فلا يقال للبلّة الموجودة في الثوب أنّها مانعة عن احتراق الثوب إلاّ بعد وجود النار وتحقّق المجاورة والمماسة بينها وبين الثوب وحينئذ يستند عدم احتراق الثوب إلى البلّة الموجودة فيه.

ويترتّب على ذلك، عدم إمكان مانعية أحد الضدّين.

وذلك لأنّه لا يتصوّر المانعية للصلاة إلاّ بعد تحقّق أمرين متضادّين:

1ـ وجود العلّة التامة الشاملة للمقتضي لتحقّق الصلاة في الخارج.

2ـ وجود المقتضي والشرط للإزالة حتى تكون الصلاة مانعة.

وذلك يستلزم وجود المقتضيين للضدّين فكما أنّه لا يمكن اجتماع الضدّين، كذلك لا يمكن اجتماع مقتضي الضدّين لتضادّ مقتضيهما أيضاً، وبعد عدم إمكان اجتماع مقتضي الضدين لا يمكن كون أحدهما مانعاً عن الآخر.(1)

هذا ما قيل أو يمكن أن يقال حول المناقشة الأُولى ولنا كلام آخر، يأتي بعد دراسة المناقشة الثالثة للمحقّق الثاني.

المناقشة الثانية في مقدّمية عدم الضدّ

إنّ المنافاة بين النقيضين كما لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر ، كذلك في المتضادين.(2)

ويريد المحقّق الخراساني بهذه المناقشة قياس حال الضدّين بالمتناقضين فكما أنّ ارتفاع أحد النقيضين (البياض) ليس مقدّمة لتحقّق النقيض


1-فوائد الأُصول: 1/307ـ 308.
2-كفاية الأُصول: 1/207.


(14)

الآخر(اللابياض)، مع كمال المنافرة بينهما، بل رفع أحد النقيضين ملائم لثبوت النقيض الآخر، فهكذا حال الضدّين، لا يكون رفع أحدهما (البياض) مقدّمة لثبوت الضدّ الآخر (السواد) والجامع بينهما هو وجود المنافرة والمطاردة بين الطرفين.

ثمّ إنّ بعض المحقّقين قرّر المناقشة الثانية بوجه آخر وحاصله التمسك بقانون المساواة وهو أنّه لا شكّ في أنّ النقيضين (كالبياض واللابياض) هما في رتبة واحدة، وليس رفع البياض مقدّمة لتحقّق البياض، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، أنّه لا شكّ في أنّ الضدّين (كالبياض والسواد) في رتبة واحدة، وأنّه يمتنع تواردهما على موضوع واحد لأجل التمانع والمطاردة.

فينتج أنّ نقيض أحد الضدّين (كاللابياض) في رتبة الضدّ الآخر (السواد)، لأنّه إذا كان اللابياض في رتبة البياض، وكان البياض في رتبة السواد، تكون النتيجة أنّ اللابياض في رتبة السواد، لقاعدة التساوي، فانّ مساوى البياض، الذي هو مساو للسواد، مساو للسواد أيضاً.

يلاحظ عليه: أنّ هذا القياس عقيم، لأنّ قانون المساواة إنّما يجري في الكميّات والمقادير. فيقال مثلاً: إذا كانت زاوية «أ» مساوية لزاوية «ب» وزاوية «ب» مساوية لزاوية «ج»، كانت زاوية «أ» مساوية لزاوية «ج» وأمّا التقدّم والتأخّر والتقارن من حيث الرتبة، فخارج عن مورد القاعدة، بل كلّ واحد من هذه الأُمور تابع لوجود الملاك، وقد يوجد الملاك في أحد المساويين دون الآخر.

مثلاً: لا شكّ في أنّ العلّة متقدّمة على المعلول رتبة، وأمّا ملازم العلّة فليس بمتقدّم على المعلول من حيث الرتبة، لفقدان الملاك فيه، فانّ ملاك التقدّم الرتبي هو نشوء المعلول عن العلّة، وهذا الملاك غير موجود في ملازم العلّة، كما لايخفى.

وعلى ذلك، فكون البياض متّحداً مع السواد من حيث الرتبة، لا يكون


(15)

دليلاً على كون اللابياض متّحداً مع السواد في الرتبة، وذلك لفقد الملاك لأنّ النقيضين (اللابياض والبياض) في رتبة واحدة لأجل التناقض وإلاّ يلزم ارتفاع النقيضين وهكذا الضدّان في رتبة واحدة بملاك التضاد وليس واحد من الملاكين متحقّقاً بين اللابياض والسواد.

المناقشة الثالثة في مقدّمية عدم الضدّ

لو اقتضى التضاد توقّف وجود الشيء على عدم ضدّه، توقّف الشيء على عدم مانعه، لاقتضى توقف عدم الضدّ على وجود الشيء، توقف عدم الشيء على مانعه، بداهة ثبوت المانعية في الطرفين، وكون المطاردة من الجانبين ، وهو دور واضح.(1)

وربّما يردّ الدور ـ بما في الكفاية ـ من أنّ توقّف وجود أحد الضدّين على عدم الآخر فعلي، ولكن توقّف عدم الآخر على وجود واحد من الضدّين شأني، مثلاً: إنّ وجود السواد في محلّ متوقف فعلاً على عدم تحقّق البياض فيه، وأمّا توقّف عدم الضد (البياض) على وجود الآخر فهو شأني لا فعلي فلا دور.

أمّا كون التوقف في جانب الوجود فعلي فلوضوح أنّ توقف وجود المعلول على جميع أجزاء علّته ومنها عدم المانع فعلي لأنّ للجميع دخلاً فعلاً في تحقّقه ووجوده في الخارج وأمّا عدم الضدّ فلا يتوقّف على وجود الضدّالآخر، لأنّ عدمه يستند إلى عدم المقتضي له لا إلى وجود المانع في ظرف تحقّق المقتضي مع بقية الشرائط ليكون توقفه عليه فعلاً.

هذا إذا لوحظ الفعلان المتضادّان بالنسبة إلى شخص واحد وأمّا إذا لوحظا


1-كفاية الأُصول: 1/207.


(16)

بالنسبة إلى شخصين كما إذا أراد أحد الشخصين حركة شيء والآخر سكونه، فعدم أحدهما أيضاً مستند إلى فقد المقتضي التام، حيث إنّ قدرة المغلوب غير كافية في إيجاد الضدّ، لا إلى وجود الضدّ الآخر.

هذا توضيح لما في الكفاية.

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ الدور وإن ارتفع فعلاً، لكن لم يرتفع شأناً لأنّ عدم الضدّ وإن كان موقوفاً عليه بالفعل، لوجود الضدّ الآخر ولكنّه أيضاً موقوف على وجود الضدّ الآخر، شأناً، بحيث لو وجد المقتضي للإيجاد، يكون عدمه مستنداً إلى وجود الضدّ، وهو أيضاً محال، ضرورة استلزامه كون شيء مع كونه في مرتبة متقدّمة فعلاً، في مرتبة متأخّرة شأناً.

تحقيق رائع حول جعل عدم المانع مطلقاً مقدّمة

لنا في المقام كلام ربّما يهدم أصل الاستدلال وما قيل حوله وحاصله: أنّ جعل العدم متوقفاً أو متوقفاً عليه، غفلة عن حقيقة العدم، فانّ العدم ليس إلاّ شيئاً مصنوعاً للذهن. فإنّ الإنسان إذا رجع إلى الخارج ولم يجد شيئاً، بالسلب التحصيلي، جعله الذهن أمراً واقعيّاً، وكأنّ الإنسان وجد العدم في الخارج، فيقول مثلاً: عندما رجع إلى البيت ، ولم ير زيداً رأيت زيداً غير موجود فيه. مع أنّ واقعه أنّه لم ير شيئاً أو لم يجد فيه شيئاً، لا أنّه وجد عدمه في البيت، والعدم بهذا المعنى لا يمتّ إلى الواقع بصلة، وما هذا شأنه لا يكون مؤثراً، ولا متأثراً، ولا موقوفاً، ولا موقوفاً عليه.

وبذلك يظهر أنّ عدّ عدم المانع من أجزاء العلّة، أمر خاطئ جدّاً، ولابدّ من توجيهه، وهو أنّه لمّا كان المانع مزاحماً للمعلول وغير مجتمع معه، لوحظ عدمه شرطاً، فعبّر عن تمانع الوجودين بأنّ عدم المانع من أجزاء العلّة. وفي الحقيقة أنّ


(17)

وجود الضدّ مانع عن وجوده، لا أنّ عدمه شرط، وكم من فرق بين الأمرين.

وإن شئت قلت: يعبّرون عن مزاحمة المقتضيات ، والتمانع بين الوجودات، بكون عدم المانع من أجزاء العلّة. من غير فرق بين كونه مانعاً عن تأثير المقتضي كالرطوبة بالنسبة إلى إحراق النار،أو مانعاً من وجود المقتضى (بالفتح) كما في المقام. والذي يعرب عن ذلك كلام المحقّق السبزواري في تفسير ما يقال:«عدم العلّة علّة لعدم المعلول».

لا ميز في الأعدام من حيث العدم * وهو، لها إذاً بميز تـرتسم

كذاك فـي الأعدام لا علّية * وإن بها فاهوا فتقريبيـة(1)

فلو قالوا: عدم العلّة علّة لعدم المعلول، فهو على سبيل التقريب، فانّ الحكم بالعلّية عليه ، بتشابه الملكات، فإذا قيل: عدم الغيم علّة لعدم المطر فهو باعتبار أنّ الغيم علّة للمطر، فبالحقيقة قيل: لم تتحقّق العلّية التي كانت بين الوجودين. وهذا كما تجري أحكام الموجبات على السوالب في القضايا، فيقال: سالبة، حملية، أو شرطية، متصلة أو منفصلة أو غيرها. كلّ ذلك بمتشابه الموجبات.(2)

وبهذا يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الاصفهاني رحمه اللّه حيث قال:الاستعدادات والقابليات وأعدام الملكات كلّها، لا مطابق لها في الخارج، بل شؤون وحيثيات انتزاعية لأُمور موجودة. فعدم البياض في الموضوع ـ الذي هو من أعدام الملكات ـ كقابلية الموضوع، من الحيثيات الانتزاعية منه «فكون الموضوع بحيث لا بياض له»، هو بحيث يكون قابلاً لعروض السواد. فمتمّم القابلية، كنفس القابلية،


1-شرح المنظومة، لناظمها، قسم الحكمة، ص 47، نشر دار العلم.
2-المصدر السابق:48.


(18)

حيثية انتزاعية.(1)

وجه الضعف: أنّ ما ذكره صحيح في الاستعداد والقابلية والإضافة، دون الأعدام، إذ لا شكّ أنّ القابلية أمر تكويني في النواة والنطفة، فهي موجودة فيهما، دون الحجر. وهكذا الإضافة، كالأُبوة والبنوة، فهما ينتزعان من تخلّق الابن من ماء الأب، ولهما واقعية بواقعية مبدأ انتزاعهما.

وأمّا الأعدام، فليست لها أيّة واقعية، سوى واقعية ملكاتها. فالواقعية في: «عدم البياض» هي لنفس البياض دون عدمه.

أضعف من ذلك ما قاله من أنّ «متمّم القابلية ، كنفس القابلية »، مشيراً إلى أنّ عدم المانع متمّم للقابلية.

وجه الأضعفية: أنّ قابلية الجسم لتقبّل البياض تامّة لا نقصان فيها، فلا تحتاج إلى أيّ متمّم، غير أنّ هذه القابلية لا تخرج إلى حدّ الفعلية مع وجود الضدّ. فعدم قبوله البياض ليس للنقص في القابلية بل للتمانع بين الوجودين، فعُبّر عن التمانع بأنّ عدم المانع شرط. هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

والحاصل أنّ القوم إنّما يمنعون الصغرى وهو كون عدم الضدّ مقدّمة لأجل وحدة الرتبة بحيث لو كان هناك اختلاف في الرتبة لم يكن مانع من كونه مقدّمة كما في عدم الرطوبة بالنسبة إلى الاحتراق، ولكنّا ناقشنا الكبرى وأنّه ليس الأمر العدمي بكلا قسميه مقدّمة سواء كان مزاحم المقتضي في التأثير كالرطوبة بالنسبة إلى الإحراق، أو معاند المقتضى ومنافيه كما في المقام فافهم.

وأمّا الأمر الثاني:

وهو كون مقدّمة الواجب واجبة، فقد مرّ الكلام حوله في الفصل السابق


1-نهاية الدراية:1/220.


(19)

فتكون النتيجة أنّ الأمر بالإزالة أمر بمقدّمتها وهي ترك الصلاة فتكون تركها واجبة فكأنّه قال: «اترك الصلاة».

وأمّا الأمر الثالث:

وهو أنّ الأمر بالشيء (ترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضدّه العام، وهو نقيضه، الذي هو الفعل هنا، لأنّ الواجب هو ترك الصلاة، فنقيضه ترك ترك الصلاة الذي هو نفس الصلاة.

فمجمل نظرنا فيه هو أنّ النهي عن الضدّ العام، أمر لغو،لا يصدر عن الحكيم، لأنّه إن كان أمر المولى (أزل النجاسة) كافياً في انبعاث العبد نحو المأمور به، فهو كاف عن النهي والزجر عن النقيض (لا تصلّ)، وإن لم يكن كافياً ولا مؤثراً، يكون النهي والزجر بلا غاية.

هذا كلّه حول الدليل الأوّل على حرمة الضدّ الخاصّ، وقبل أن نستعرض الدليل الثاني على حرمته، وهو وحدة حكم المتلازمين، نبحث ـ تكميلاً للدليل الأوّل ـ في تفصيلين:

1ـ تفصيل المحقّق الخوانساري.

نقل عن المحقّق الخوانساري التفصيل بين الضدّ الموجود والضدّ المعدوم، فذهب إلى توقّف الضدّ على ارتفاع الضدّ الموجود، لا غيره. فلو كان المحلّ أسود، توقف عروض البياض على ارتفاع السواد، دون ما إذا لم يكن أسود.

ووجّهه المحقّق النائيني بأنّ المحلّ إذا كان مشغولاً بأحد الضدّين، فلا يكون قابلاً لعروض الضدّ الآخر إلاّ بعد انعدامه، ويكون وجودُه موقوفاً على عدم الضدّ الموجود. وهذا بخلاف ما إذا لم يكن شيء منهما موجوداً وكان المحلّ خالياً عن كلّ منهما، فانّ قابليته لعروض كلّ منهما، فعلية فإذا وجد المقتضي لأحدهما،


(20)

فلا محالة يكون موجوداً من دون أن يكون لعدم الآخر دخل في وجوده.(1)

يلاحظ عليه: ما عرفت في نقد مقالة المحقّق الاصفهاني ـ قدَّس سرَّه ـ من أنّه لا نقص في القابلية، وهي كاملة، سواء أكان الضدّ موجوداً أم لا، وأنّ عروض الضدّ لا يبطل القابلية للضدّ الآخر. وعدم قبوله له انّما هو لأجل التمانع بين الوجودين لا للنقص في القابلية.

ويرد على أصل التفصيل أنّ العدم أنزل من أن يكون موقوفاً عليه، أو موقوفاً، وحقيقة الأمر أنّه يرجع إلى التزاحم بين الوجودين، فعبّروا عن رفع التزاحم بأنّ ورود أحدهما يتوقّف على عدم الآخر. ففيما كانت الفاكهة على الشجر سوداء، وإن كان يمتنع عروض البياض عليها، لكن لا لأجل كون عدم السواد مقدّمة لعروض البياض، بل لأجل التزاحم بين الوجودين فعبّروا عن التزاحم بكون عدم السواد مقدّمة لعروض البياض.

2ـ شبهة الكعبي(2) في نفي المباح

نقل الأُصوليون عن عبد اللّه بن أحمد الكعبي، المتكلّم المعروف، انتفاء المباح قائلاً بأنّ ترك الحرام يتوقّف على فعل واحد من أفراد المباح، فيجب المباح بحكم كونه مقدّمة.

وما ذكره وإن كان في صورته مختصّاً بإنكار المباح، لكنّه في النتيجة إنكار للمستحبّ والمكروه، لأنّ ترك الحرام ربّما يتوقف على فعلهما، فهو في الحقيقة يحصر الأحكام في الحرام والواجب.

وما ذكره مبني على مقدّمات:


1-أجود التقريرات:1/259.
2-أبوالقاسم البلخي ، من مشايخ المعتزلة في أوائل القرن الرابع الهجري، توفي عام 317 أو 319هـ.


(21)

الأُولى: إنّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بضدّه العام، فلو كان فعل الشيء حراماً، كالكذب، كان تركه واجباً. وهذا نظير ما لو كان فعله واجباً، كالإزالة، كان تركه حراماً.

وبالجملة : كما يتولّد من الأمر بالشيء، النهي عن الضدّ العام، فهكذا يتولّد من النهي عنه، الأمر به.

الثانية: إنّ ترك الحرام يتوقّف على فعل من الأفعال الاختيارية الوجودية لاستحالة خلوّ المكلّف عن فعل من الأفعال الاختيارية.

الثالثة: إنّ مقدّمة الواجب ـ وهي الفعل الاختياري الذي يتوقّف عليه ترك الواجب ـ واجبة، فينتفي المباح.

والمقدّمات كلّها ممنوعة.

أمّا الأُولى، فلما مرّ في البحث عن الضدّ العام من أنّ الأمر والنهي لابدّ وأن يكون لهما ملاك وغاية والغاية من الأمر هي البعث نحو المأمور به، ومن النهي الزجر عن المنهي عنه. والملاك بهذا المعنى غير موجود في كلا الموردين. فكما قلنا إنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن تركه إمّا لعدم الحاجة إليه أو لعدم تأثيره وتحريكه، فكذلك النهي عن الشيء، لا يقتضي الأمر بالترك بنفس هذا الملاك، فانّه لو كان النهي زاجراً، لما كانت هناك حاجة للأمر بالترك. ولو لم يكن زاجراً في نفس المكلّف، لكان الأمر لغواً.

وأمّا الثانية، فممنوعة لوجهين:

الأوّل: إنّ قوله: ترك الحرام يتوقف صدوره من المكلّف على فعل من الأفعال الوجودية، باطل، لما فرغنا عنه من أنّ الأعدام أنزل من أن تكون موقوفة أو موقوفاً عليها، فلا وجود الضدّموقوف على ترك الضدّ ولا تركه موقوف على فعله.

الثاني: إنّ ترك الشيء مستند إمّا إلى فقد المقتضي، أو إلى وجود المقتضي


(22)

للضدّ الآخر. فترك الكذب مستند إمّا إلى عدم ميل النفس إليه، لدناءة الكذب وعلوّ طبع المتكلّم، وإمّا إلى وجود المقتضي للضدّ الآخر أي الصدق، لا إلى وجود الضدّ.

مثلاً السرقة، تركها إمّا مستند إلى عدم المقتضي لها، وهو الصارف عنها، أو مستند إلى المقتضي للاشتغال بأفعال أُخرى مثل الأكل والشرب، لا أنّ تركها مستند إلى نفس الفعلين، أعني الأكل والشرب، فلا يكون الفعل المباح موقوفاً عليه.

فلو كان المكلّف على حاله لو لم يأت بالمباح لوقع في الحرام، فالواجب هو نفس المقتضي لإيجاد المباح، لا نفس المباح.

وأمّا الثالثة، فقد عرفت حقيقة الحال فيها في الفصل السابق.

الوجه الثاني: مسلك الملازمة:

والاستدلال مبني على مقدّمات ثلاث:

أ . انّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن ضده العام وهو ترك الإزالة.

ب . انّ الاشتغال بكل فعل وجودي (الضد الخاص) كالصلاة والأكل ملازم للضد العام، كترك الإزالة حيث إنّهما يجتمعان.

ج . المتلازمان متساويان في الحكم، فإذا كان ترك الإزالة منهياً عنه ـ حسب المقدّمة الأُولى ـ فالضد الملازم لها كالصلاة يكون مثله. فينتج انّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن الضد الخاص.

يلاحظ عليه: أوّلاً: بمنع المقدّمة الأُولى لما عرفت من أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده العام، وانّ مثل هذا النهي المولوي أمر لغو لا يحتاج إليه.

ثانياً: بمنع المقدّمة الثالثة أي لا يجب أن يكون أحد المتلازمين محكوماً


(23)

بحكم المتلازم الآخر، بل يمكن أن لا يكون محكوماً بحكم أبداً، وهذا كاستقبال الكعبة الملازم لاستدبار الجدي، فوجوب الاستقبال لا يلازم وجوب استدبار الجدي. نعم يجب أن لايكون الملازِم محكوماً بحكم يضادّ حكم الملازَم، كأن يكون الاستقبال واجباً واستدبار الجَدي حراماً، وفي المقام أن يكون ترك الإزالة محرماً والصلاة واجبة.


(24)

المقام الثالث

الثمرة الفقهية لمسألة النهي عن الضدّ

إنّ ثمرة البحث عن اقتضاء الأمر بالشيء، النهي عن ضدّه الخاص، هي بطلان العبادة ـ إذا ثبت الاقتضاء ـ لتعلّق النهي بها، الموجب لفسادها. فتقع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط. وبعبارة أُخرى ببركة هذه المسألة تثبت الصغرى وهو تعلّق النهي بالضدّ وأمّا الكبرى وهي بطلانه إذا كان عبادة فموكولة إلى بحث النواهي ومن هنا يتبيّـن أنّ ما اشتهر من أنّ نتيجة المسألة الأُصولية تقع كبرى لقياس الاستنباط أمر غالبي وإلاّ فربّما تقع صغرى لقياس الاستنباط كما في المقام وبعبارة أُخرى لا تكون نتيجة المسألة سبباً تامّاً للاستنباط بل تحتاج إلى ضمّ مسألة أُخرى إليها كما سيوافيك نظيره في مسألة اجتماع الأمر والنهي حيث نقول: ثمّة إشكالاً على المحقّق النائيني بأنّه لا يشترط في كون المسألة أُصولية أن تكون النتيجة سبباًتاماًبل ربما يحتاج إلى ضمّ أمر آخر .

ويمكن تطبيق هذه الثمرة فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجب موسّع وآخر مضيّق، كالصلاة والإزالة. وفيما إذا وقعت بين واجبين مضيّقين أحدهما أهمّ من الآخر، فإذا كان الضدّ عبادة، تقع فاسدة ، بسبب النهي.

ولكن جماعة أنكروا الثمرة لوجهين نشير إليهما.

الأوّل: أنّ النهي ـ بناء على الاقتضاء ـ غيريّ، نشأ من مقدّمية ترك الضدّ لفعل الضدّ الآخر، فصار الترك واجباً بالمقدّمية، ولأجله صار الفعل منهيّاً عنه. ومثل هذا النهي بما أنّه لم ينشأ من مفسدة في المتعلّق، لا يكون موجباً للفساد.


(25)

هذا من غير فرق بين القول بأنّ ترك الصلاة واجب لأجل كونه مقدّمة للإزالة، أو كونه ملازماً لها والمتلازمان متماثلان في الحكم. وذلك لأنّ النهي عن الصلاة على كلا القولين لأجل أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام أعني الصلاة وليس مثل هذا النهي كاشفاً عن مفسدة في المتعلّق موجبة لعدم صلاحية التقرّب بها.

فما ربّما يتوهم من الفرق بين القولين، من كون النهي غير مفسد على الأوّل دون الثاني، ليس بتام.

الثاني: ما ذكره الشيخ بهاء الدين العاملي من أنّ الفساد لا يتوقّف على النهي، بل يكفي عدم الأمر بالفعل. فإذا كانت الإزالة واجبة مضيّقة، فهو ـ وإن لم يقتض النهي عن الصلاة ـ إلاّ أنّه على الأقل يقتضي عدم الأمر بها، وهذا كاف في الفساد من دون النهي عنها.(1)

فظهر أنّ الصلاة باطلة سواء تعلّق بها النهي أم لم يتعلّق، لأنّ عدم تعلّق الأمر كاف في البطلان فليس لهذا البحث الطويل ثمرة فقهية لعدم إناطة البطلان بالنهي.

وأُجيب عن هذا الاعتراض بوجوه ثلاثة وإليك فهرسها:

1ـ كفاية قصد الملاك في صحّة العبادة ولا يلزم قصد الأمر.

2ـ كفاية قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة وإن كان الفرد المزاحم فاقداً للأمر.

3ـ تصحيح الأمر بالضدّ عن طريق الترتّب.

وإليك تفصيلها:

الجواب الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّ الثمرة مع ذلك موجودة، وذلك لأنّ تعلّق النهي يلازم فساد العبادة حسب الفرض دونما إذا لم يتعلّق فانّ


1-زبدة الأُصول، ص 82.


(26)

العبادة حينئذ محكومة بالصحّة وإن لم يكن هناك أمر، وذلك لكفاية الملاك والرجحان الذاتي في العبادة ، إذ الفرد المزاحم من العبادة وغير المزاحم، سيّان في الملاك والمحبوبية الذاتية، إذ غاية ما أوجبه الابتلاء بالأهم هو سقوط أمره وأمّا ملاكه فهو بعد باق عليه.(1)

وقد جعل المحقّق النائيني قصد الملاك أقوى في حصول التقرّب من قصد الأمر، حيث قال: يكفي قصد الملاك في صحّة العبادة، وعدم اشتراطها بقصد الأمر، إذ لم يدلّ دليل على اعتبار أزيد من قصد التقرّب بالعمل في وقوعه عبادة، وأمّا تطبيقه على قصد الأمر وغيره من الدواعي القربية، فإنّما هي بحكم العقل وقصد الملاك لو لم يكن أقوى في حصول التقرّب بنظر العقل من قصد الأمر، فلا أقلّ من كونه مثله.(2)

لا يقال: إنّ العلم بوجود الملاك فرع تعلّق الأمر بالصلاة، والمفروض سقوطه، ومعه كيف يعلم الملاك وأنّها صالحة للتقرّب. وبعبارة أُخرى، فانّ النهي يكشف عن عدم الملاك والأمر يكشف عن وجوده، فمع فقدان الأمر من أين نعلم وجوده؟

فانّه يقال: إنّا نعلم إجمالاً أنّ ارتفاع الأمر عنها لأجل ابتلائها بالأهم من دون حدوث حزازة أو مفسدة فيها بحيث لولا الابتلاء لكانت مأموراً بها وهذا معنى اشتمالها على الملاك وإن لم تكن مأموراً بها.

الجواب الثاني: ما نسب إلى المحقّق الثاني (3) وقد أوضحه جماعة من المحقّقين


1-لاحظ الكفاية:1/212، و ما ذكرناه توضيح لكلامه.
2-أجود التقريرات:1/265. ولاحظ المحاضرات: 3/71ـ73.
3-جامع المقاصد:5/12، كتاب الدين، قال: «لا نسلّم لزوم تكليف مالا يطاق إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: أوجبت عليك كلاً من الأمرين لكن أحدهما مضيّق و الآخر موسّع فإن قدّمت المضيق فقد امتثلت و سلمت من الإثم وإن قدّمت الموسّع فقد امتثلت و أثمت بالمخالفة في التقديم.


(27)

منهم: المحقّق النائيني (1)، وسيّدنا الأُستاذ(2) وبالغ في تشييده السيد البروجردي (3) وقد أتى به المحقّق الخراساني بعد الفراغ عن الترتّب بقوله«نعم إذا كانت العبادة موسّعة وكانت مزاحمة بالأهم في بعض الوقت...».(4)

وحاصله: أنّ البحث عديم الثمرة في المضيّقين، دون المضيّق والموسع.

أمّا الأوّل، فلأنّ المضيّق الآخر، وإن لم يكن منهياً عنه، لكنّه ليس بمأمور به، لاستلزام الأمر به الأمر بالضدّين في درجة واحدة. وعدم الأمر كاف في الفساد. فتعلّق النهي به وعدم تعلّقه سيّان.

وأمّا الثاني: فتظهر فيه الثمرة، إذا قلنا بأنّ تعلّق النهي بالموسّع، يوجب فساده إن كان متعلّقه عبادة، دون ما إذا لم نقل به. فهنا دعويان:

الدعوى الأُولى: فساد العبادة على القول بالتعلّق.

الدعوى الثانية: صحّتها إذا لم نقل به.

أمّا وجه الأُولى، فهو إنّا إذا بنينا على أنّ الأمر بالشيء مقتض للنهي عن ضدّه، فلا محالة يكون الفرد المزاحم من الواجب الموسع، منهياً عنه، فيقيّد به إطلاق الأمر به، كما هو الحال في غير المقام من موارد النهي عن العبادة.

وأمّا وجه الثانية ، فهو إنّا إذا بنينا على عدم تعلّق النهي بالضدّ، فغايته عدم تعلّق الأمر بالفرد المزاحم، لعدم القدرة على الإتيان به شرعاً، وهو في حكم عدم القدرة عقلاً، ولكنّه لا يقتضي الفساد، لأنّ الوجوب تعلّق بصرف وجود الطبيعة، لا بخصوصية أفرادها. ولأجل ذلك، ليس التخيير بين الأفراد شرعياً.


1-فوائد الأُصول: 1/312.
2-تهذيب الأُصول: 1/300.
3-نهاية الأُصول: 1/196.
4-كفاية الأُصول: 1/219 طبعة المشكيني.


(28)

وعلى ذلك، فملاك الامتثال إنّما هو انطباق المأمور به على الفرد الخارجي، لا كون الفرد الخارجي بشخصه مأموراً به. فهومصداق الطبيعة وإن لم يكن مصداق المأمور به. وحينئذ ، فبما أنّ الواجب الموسّع له أفراد غير مزاحمة، وصرف الوجود مقدور للمكلّف يصحّ تعلّق الأمر به من المولى، إذ لا مزاحمة بينه وبين الواجب المضيّق، وإنّما المزاحمة بين المضيّق والفرد المزاحم من الموسّع. وإذا كان صرف وجود الطبيعة مطلوباً للمولى، وكان انطباقها على الفرد المزاحم قهرياً، يتحقّق به الامتثال قهراً.

يلاحظ عليه: أنّ ملاك امتناع الأمر بالضدّين موجود حتى في المضيّق والموسّع ، ولا يختص بالمضيقين، لأنّ الموسّع لا يخلو من حالات ثلاث:

الحالة الأُولى: أن يصير ضيقاً، كالمضيق بالذات، كأن لا يبقى من الوقت إلاّ مقدار أربع ركعات، فلا يجتمع الأمر بالإزالة مع الأمر بطبيعة الصلاة مع عدم سعة الوقت إلاّ لواحد من الأمرين.

الحالة الثانية: أن ينحصر الفرد، بالفرد المزاحم، بأن لا يقدر إلاّ على هذا الفرد، فانّ الأمر بالطبيعة ليس له إلاّ فرد واحد، وهو المزاحم بالمضيق، ومعه كيف يصحّ الأمر بها. وهاتان الحالتان خارجتان عن محطّ نظر المجيب.

الحالة الثالثة: أن تكون له أفراد طولية، مزاحمة وغير مزاحمة، فمع عدم الإتيان بالمضيق فللأمر بالطبيعة حالات ثلاث:

1ـ أن يكون الأمر بالطبيعة إنشائياً مادام كون الأهمّ غير مأتي به.

2ـ أن يكون الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً، أي بعد أن يأتي بالأهمّ.

3ـ أن يكون الوجوب والواجب فعليين.

لكن الأمر الانشائي لا يصحّ التقرب به، لأنّ المفروض عدم بلوغ إرادة المولى حدّ الطلب الجدّي.


(29)

وإذا كان الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً، لا يصحّ الإتيان بالفرد المزاحم، لأنّ المفروض أنّ الطبيعة مقيّدة بالزمان المتأخّر.

وأمّا إذا كان كلّ من الوجوب والواجب فعليين، فهو يستلزم الأمر بالضدّين.

وبالجملة: الواقع لا يخلو عن حالتين إمّا أن يكون الأمر المتعلّق بصرف الوجود أو نفس الطبيعة باعثاً وداعياً بالنسبة إلى هذا الفرد أو لا، فعلى الأوّل، يلزم التكليف بالضدّين وعلى الثاني لا يتّصف المأتيّ بنيّة الأمر بالطبيعة، بالصحّة، لعدم باعثيته للمأتي به.

هذا كلّه حول الجواب الثاني ، بقي الكلام في الجواب الثالث أعني تصحيح الأمر بالضدّين عن طريق الترتّب وقبل الورود في توضيح الجواب الثالث نقدّم البحث عن الفرق بين التزاحم والتعارض.

***


(30)

في التعارض والتزاحم

إنّ «التزاحم» مقابل «التعارض» من اصطلاحات المحقّقين المتأخّرين من الأُصوليين وليس منه عين وأثر بين المتقدّمين والحريّ أن يُعقد فصل خاص لبيان هذا الأمر لما يترتّب عليه من ثمرات فقهية ولأجل ذلك نبحث عنه في المقام على وجه الإيجاز وسيوافيك بعض الكلام في مبحث التعادل والتراجيح واشباع المقام يتوقّف على البحث عن أُمور :

الأوّل: الفرق بين التعارض والتزاحم

إذا كان التنافي بين الدليلين راجعاً إلى مقام الجعل والإنشاء بأن يستحيل من المقنِّن الحكيم صدور حكمين أو جعلين حقيقين لغاية الامتثال، ودعوة الناس إليهما، فهو التعارض ويُعرف بالتنافي بين مدلولي الدليلين في مقام الجعل والإنشاء، مثل أنّه يستحيل على الحكيم أن يحرّم بيع العذرة وفي الوقت نفسه أن يبيحه فيقول: «ثمن العذرة سحت»، «ولا بأس ببيع العذرة» إذ لا تنقدح الإرادتان المتضادّتان حسب المراد في لوح النفس على وجه الجدّ فعند ذلك نعلم بكذب أحد الدليلين وعدم صدور واحد منهما في مقام التشريع إمّا بالذات كما في المثال وإمّا بالعرض كما إذا ورد الدليل على وجوب صلاة الظهر والجمعة في يومها، ومن المعلوم أنّ إيجاب الأمرين ليس بمستحيل فليس بينهما تكاذب بالذات لكن إذا وقفنا على أنّ الشارع لم يكتب يوم الجمعة إلاّ فريضة واحدة فعند


(31)

ذلك نقف على تكاذب الدليلين لكن بالعرض هذا كلّه حول التعارض.

ثمّ إنّ التكاذب في مقام الجعل أعمّ من أن يكون هناك تناف في مقام الامتثال كما إذا دلّ دليل على حرمة شيء، والآخر على وجوبه، وهذا ما يسمّى بالتعارض بصورة التضادّ أو لا كما إذا دلّ دليل على وجوبه، والآخر على عدمه، إذ الآتي به يمتثل كلا الحكمين وهذا ما يسمّى بالتعارض بنحو التناقض وعلى أيّ تقدير فالملاك في التعارض، هو التنافي في المدلول من دون نظر إلى مقام الامتثال، عكس التزاحم فانّ التنافي فيه مربوط إلى مقام الامتثال دون الجعل والإنشاء.

وأمّا التزاحم فالتنافي هناك لا يرجع إلى مقام الجعل بل الحكمان في ذلك المقام متلائمان جدّاً.

وإنّما التنافي يرجع إلى مقام الامتثال وسبب التنافي أحد الأمرين:

1ـ عجز المكلّف عن الجمع بينهما على وجه يكون صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن صرفها في الآخر، كما في قوله: «أنقذ أخاك» وقوله: «أنقذ عمّك»، فجعل الحكمين والأمر بكلا الإنقاذين ليس فيه أيّ تناف في مقام الإنشاء ولذلك لو ابتلى المكلّف بهما متعاقباً لا مجتمعاً، يتمكّن من القيام بهما، وإنّما التنافي في مقام الامتثال وصرف القدرة إذا ابتلى بهما معاً.

ومثله إذا قال المولى أزل النجاسة عن المسجد، ثمّ قال: ( أقم الصلاة لدلولك الشمس إلى غسق الليل) فلا تنافي لا في مقام الجعل ولا في مقام الامتثال كما إذا ابتلى بأحدهما دون الآخر وإنّما التنافي بينهما فيما إذا ابتلى بهما معاً حيث يعجز عن القيام بالأمرين، لأنّ امتثال كلّ يمنع عن امتثال الآخر، وما يمرّ عليك من التزاحم في باب الضدّ فهو من هذا القبيل أي ليس التنافي في مقام الإنشاء وإنّما التنافي في مقام الامتثال بمعنى صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن صرفها في الآخر.

2ـ وجود التنافي بين ملاكي الحكمين فهناك تضادّ بين مصلحة الصلاة مع


(32)

مفسدة الغصب فلا تجتمعان.

توضيحه: أنّه إذا أمر المولى بالصلاة، ونهى عن الغصب، وكان متعلّق الأمر هو الصلاة من دون تقييد بعدم الغصب ومتعلّق النهي هو الغصب من دون تقييد بغير حالة الصلاة، وكانت الصلاة تمام المأمور به، والغصب تمام المنهي عنه، لم يكن أيّ تناف لا في تشريع الحكمين كما هو معلوم، ولا في مقام صرف القدرة، لإمكان التفكيك بينهما لوجود المندوحة كما هو المفروض في باب اجتماع الأمر والنهي وإلاّ لا يمكن التكليف بهما لاستلزامه التكليف بمالا يطاق.

وعندئذ فإن قلنا بجواز اجتماعهما بحجّة أنّ المتعلقين مختلفان في مقام التشريع وأنّ حيثية المأمور به غير حيثية المنهي عنه فيه، فلا تزاحم مطلقاً، وأمّا لو قلنا بالامتناع لأجل وحدة مصداق المأموربه والمنهي عنه في الخارج وإن كان متعلّقهما متعدداً في مقام التشريع ولكن لزوم تقديم أحد الحكمين يوجب دخول الحكمين في باب التزاحم، ويرجع التزاحم إلى التنافي بين الملاكين بمعنى أنّهما غير قابلين للجمع.

وهذا نوع آخر من التزاحم غير التزاحم الموجود في باب الترتّب يجمعهما وجود التنافي إمّا في مقام الامتثال وصرف القدرة أو في تحقّق الملاكين غير القابلين للجمع.

الثاني: في اختلاف المتزاحمين والمتعارضين في المرجّحات

انّ رفع التنافي بين الدليلين سواء كان من باب التعارض أو التزاحم بمرجّحات مذكورة في كتب المتأخّرين نشير إليها.

أمّا التعارض فبما أنّ التنافي هناك في مقام الجعل والإنشاء فتمييز الصادق عن الكاذب يتوقّف على مرجّحات سمعية ذكرها الشارع لذلك الغرض، ولا سبيل للعقل إليها. فلمّا دلّ الدليل على عدم سقوط المتعارضين في مقام الحجّية


(33)

فالمرجّح عندنا بعد الإمعان في روايات الباب منحصر بمخالفة العامّة فقط، وأمّا سائر المرجّحات كموافقة الكتاب والسنّة أو موافقة المشهور فهي من باب تمييز الحجّة عن اللا حجّة وقد بسطنا الكلام في ذلك في مبحث التعادل والتراجيح.

وأمّا مرجّحات باب التزاحم فهي مرجّحات يستقلّ بها العقل فالجميع يرجع إلى مرجّح واحد وهو تقديم الأهمّ بالذات أو بالعرض لدى الشارع على المهمّ ولهذا التقديم صور نشير إليها ، في الأمر الآتي.

الثالث: في مرجّحات باب التزاحم

قد عرفت أنّ مرجّحات باب التعارض أُمور سمعية يتوقّف الوقوف عليها على الرجوع إلى النصوص ومن المعلوم أيضاً أنّ مقتضى القاعدة هو سقوط المتعارضين عن الحجّية غير أنّ الشارع أضفى عليهما الحجّية إمّا مخيّراً كما في صورة التساوي أو معيّناً كما في صورة الترجيح.

وأمّا مرجّحات باب التزاحم فتجمعها الضوابط التالية:

1ـ تقديم مالا بدل له على ماله بدل.

2ـ تقديم المضيّق على الموسّع.

3ـ تقديم الأهمّ بالذات على المهم.

4ـ سبق أحد الحكمين زماناً.

5ـ تقديم الواجب المطلق على المشروط.

وقد بسطنا الكلام في هذه الضوابط في باب التعادل والتراجيح فراجع.(1)


1-المحصول:4/413ـ417.


(34)

تصحيح الأمرين بالترتّب

تمهيد

قدعرفت أنّ ثمرة القول باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاص تظهر في مقامين:

الأوّل: فيما إذا كان أحد الواجبين مضيّقاً والآخر موسّعاً، كإزالة النجاسة عن المسجد، والصلاة في الوقت الموسّع.

الثاني: فيما إذا كانا مضيّقين، كالإزالة والصلاة في آخر الوقت، مع عدم وفاء القدرة إلاّ بأحدهما لضيق الوقت.

ثمّ إنّا لوصحّحنا العبادة عن طريق الملاك، فلا فرق بين المقامين، لوجود الملاك فيهما وكفايته.

وأمّا لو صححنا العبادة بالأمر بالطبيعة، وإن لم يكن الفرد المذكور مأموراً به، فلا يجري هذا الجواب إلاّ في المقام الأوّل، أعني فيما إذا كانت للطبيعة أفراد غير مزاحمة، لا في المقام الثاني، فانّ بقاء الأمر على الطبيعة حينئذ، يستلزم طلب الضدّين.

ولأجل ذلك صار جمع من أجلّة الأُصوليين إلى تصحيح طلب الضدّين، بأمرين مترتبين: أمر بالأهم على وجه الإطلاق، وأمر بالمهمّ مقيّداً بالعصيان أو بالعزم عليه. وهو ما عُرف بمسألة الترتّب.


(35)

وقد عكف على بيان هذه المسألة، إمكاناً وامتناعاً، عدّة من الأعلام، فتضاربت في ذلك آراؤهم.

حقيقة الترتّب أن يتعلّق أمر فعلي بواجب ـ أهم ـ على وجه الإطلاق بلا تقييد بشيء، ويتعلّق أمر فعليّ آخر بضدّه ـ المهمّ ـ مشروطة فعليته بعصيان ذلك الأمر المتعلّق بالأهم أو العزم على عصيانه.

ولتوضيح الحال ، نقدّم أُموراً:

1ـ إنّ مورد الترتّب هو ما إذا كان هناك تزاحم بين المضيّق والموسّـع، كالإزالة والصلاة الواجبة مع سعة الوقت، أو بين المضيّقين كالإزالة مع الصلاة في آخر الوقت، أو مثل إنقاذ غريقين أحدهما مهم والآخر أهمّ ـ كالوصي والنبي ـ مع عدم القدرة إلاّ على واحد منهما.

وقد عرفت أنّ إطلاق الأمر بالطبيعة بالنسبة إلى الوقت الذي كان فيه الأمر بالإزالة فعلياً، موجب لطلب الضدّين على وجه الإطلاق ولا محيصَ عن تقييد الإطلاق حتّى يكون طلب المهم في ذلك الظرف على وجه مشروط.

2ـ إنّ البحث عن صحّة الترتّب وعدمها، بحث عقلي لا دخالة للفظ فيه. وذكره في أبواب مباحث الألفاظ، كذكر الملازمات في باب الأوامر مع أنّ البحث فيها عن الملازمة العقلية.

3ـ إنّ مسألة الترتّب من المسائل التي يكفي في وقوعها إمكانُها، وذلك أنّه لمّا كان طلب الإزالة والصلاة من المكلّف في زمن واحد، تكليفاً بغير المقدور، فرفعه يتحقّق بأحد الأمرين، إمّا برفع اليد عن نفس الأمر بالمهم، أو برفع اليد عن إطلاقه، وتقييده بعصيان الأهم. وإذا كان رفع اليد عن إطلاق المهم كافياً في رفع المحذور، فلا وجه لرفع اليد عن نفس الأمر، لأنّه عندئذ يكون الالتزام بسقوط الأمر من رأس، بلا جهة ملزمة والضروريات تتقدّر بقدرها.


(36)

4ـ إنّ الشرط إمّا هو العصيان أو العزم عليه، وكلاهما إمّا على نحو الشرط المتقدّم أو المتأخّر أو المقارن، فتصير الصور ستة: ولم يذكر المحقّق الخراساني في كفايته من الأوّل (كون العصيان بوجوده الخارجي) شرطاً لفعلية الأمر بالمهمّ إلاّ صورة واحدة، وهي العصيان على نحو الشرط المتأخّر كما لم يذكر من الثاني (كون نيّة العصيان شرطاً لفعلية الأمر بالمهم) إلاّ صورتين: المتقدّم والمقارن. ونحن فيما يلي نبحث عن جميع الصور فنقول:

إذا كانت حقيقة الترتّب عبارة عن اجتماع أمرين فعليين في زمان واحد بشرط أن يكون أحدهما في طول الآخر من حيث الرتبة العقلية، بأن يكون أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل خارجاً، فهو يتصوّر حينئذ على وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: أن يكون العصيان بوجوده الخارجي المتقدّم شرطاً لفعلية الأمر بالمهم.

إذا كان العصيان بوجوده الخارجي (لا بالعزم عليه) شرطاً لفعلية الأمر بالمهم والخطاب به، يكون معنى ذلك أنّه مالم يعص الأمر بالأهم، لا يكون هناك أمر بالمهم، ولا يصير أمره فعلياً، وإنّما يكون كذلك إذا عصى أمر الأهمّ حقيقة وهذا كما إذا كان الأهمّ موجوداً آنياً لا تدريجياً، كإنقاذ الغريق في البحر. ومثل هذا يكون خارجاً عن الترتّب، إذ ليس حينئذ إلاّ أمر واحد، وذلك أنّه قبل العصيان ليس هناك سوى أمر واحد وهو الأمر بالأهم، وبعد العصيان ليس هناك إلاّ أمر واحد هو الأمر بالمهم، لسقوط الأهمّ بالعصيان.

الوجه الثاني: أن يكون العصيان بوجوده الخارجي المقارن شرطاً لفعلية الأمر بالمهم.

إذا كان كلّ من الأهمّ والمهمّ تدريجيين، كالإزالة والصلاة، وكان العصيان


(37)

الخارجي شرطاً بوجوده الحدوثي المقارن، بأن يكون عصيان الأمر بالأهمّ في الآن الأوّل، كافياً لفعلية الأمر بالمهم في جميع الأزمنة، ولا تتوقّف فعليته على استمرار المعصية ـ ولأجل ذلك لو تبدلّت نيّته بعد العصيان وأراد امتثال الأمر بالأهم مجدّداً، لما فقد الأمر بالمهم فعليته ، كما لا يفقد الأمر بالأهمّ فعليته أيضاً لعدم كفاية العصيان الحدوثى في سقوطه ـ فالظاهر من المحقّق الخراساني أنّه خارج عن الترتّب، وذلك لأنّ معصية الأهم في الآن الأوّل كافية لفعلية الأمر بالمهمّ في جميع أزمنة امتثاله، فلا تتوقف فعليته في الآن الثاني والثالث على استمرار معصية الأمر بالأهم في الآنات المتأخّرة. فيكون كلّ من الأمر بالأهمّ والمهم مطلقاً فعلياً في الآن الثاني والثالث و...في عرض الآخر. فتكون النتيجة طلب الجمع بين الضدّين. ولعلّه لأجل ذلك لم يذكر من شرطية العصيان بوجوده الخارجي إلاّ القسم الثالث كما سيوافيك. والحاصل أنّه لا تزاحم بين الأمرين في الآن الأوّل، ولكن التزاحم بين الأمرين متحقّق في الآن الثاني والثالث و....

وبعبارة أُخرى: إذا كان العصيان شرطاً بوجوده الحدوثي دون الاستمراري، يكون الأمر بالمهم مشروطاً بالعصيان في الآن الأوّل، دون الآنات الأُخرى، فإذا حصل شرطه ينقلب إلى واجب مطلق فعندئذ يلزم اجتماع أمرين فعليين مطلقين.(1)

وبذلك يتبيّن أنّ المراد من العصيان المتقدّم على فعلية الأمر بالصلاة، هو العصيان الموجب لسقوط الأمر بالأهمّ تماماً، كما أنّ المراد من العصيان المقارن لفعلية الأمر بالمهم هو العصيان الحدوثي الآنّي غير الموجب لسقوط الأمر بالأهمّ فعند ذلك، لا تزاحم بين الأمرين في الآن الأوّل لكون أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً وأمّا بعد هذا الآن فيكون الأمران فعليين مطلقين وهو مساوق لطلب الجمع بين الضدّين.


1-والحقّ صحّته أيضاً، لأنّ الواجب المشروط لا يخرج عن كونه مشروطاً بحصول شرطه.


(38)

الوجه الثالث: أن يكون العصيان بوجوده الخارجي المتأخّر شرطاً لفعلية الأمر بالمهم.

إذا كان الأمر بالمهمّ مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم حدوثاً وبقاء، بأن يكون الشرط هو العصيان المستمرّ إلى الإتيان بالجزء الأخير من المهم، بحيث لا يكفي عصيان الأمر بالأهم آناً ما، بل فعلية الأمر بالصلاة عند المزاحمة مشروطة بعصيان الأمر بالإزالة واستمراره إلى الإتيان بالجزء الأخير من الصلاة، فشرط فعلية الأمر بالمهم ـ على هذا ـ هو حدوث العصيان في الآن الأوّل وامتداده إلى الإتيان بالجزء الأخير من المهم بحيث لو ندم أثناء العمل، وأراد امتثال الأمر بالأهم، لكشف عن عدم فعلية الأمر بالمهم من أوّل الأمر.

ففي هذه الصورة، لا يخرج الأمر بالمهم عن كونه واجباً مشروطاً، بل يصير حصول العصيان في الأزمنة المتأخّرة سبباً لفعلية الأمر بالمهم من أوّل أزمنة امتثاله. وهذه الصورة هي مورد نظر القائل بالترتّب.

والحاصل: أنّه إذا كان الشرط هو العصيان المستمرّ، فهو في كلّ آن واجب مشروط إلى أن يفرغ من الصلاة. بخلاف ما إذا كان مشروطاً بالعصيان الآنيّ، فإنّ الأمر بالمهمّ مشروط في الآنِ الأوّل فقط ولكنّه مطلق في الآنات المتأخّرة وواقع الترتّب يقوّم بكون أحد الأمرين مطلقاً والآخر مشروطاً إلى الفراغ عن العمل، لا مشروطاً آناً ما، ومطلقاً في سائر الآنات.

وبذلك يعلم أنّ تخصيص العصيان الخارجي بالقسم الحدوثي، يكون من قبيل الشرط المقارن. كما أنّ تخصيصه بالعصيان الباقي إلى الإتيان بالجزء الأخير من المهم، يكون من قبيل الشرط المتأخّر.

كما يظهر لك وجه تخصيص المحقّق الخراساني في كفايته، شرطيةَ العصيان الخارجي بصورة واحدة وهي أخذه شرطاً متأخّراً للوجوب لا متقدّماً ولا مقارناً،


(39)

كما عرفت.

والحاصل أنّ روح الترتّب هو اجتماع أمرين فعليين في زمان واحد، مترتبين أحدهما في طول الآخر وهذا لا يتحقّق إلاّ بكون الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهمّ إلى زمان الفراغ عن امتثاله وهو حاصل في أخذ العصيان الخارجي على نحو الشرط المتأخّر دون المتقدّم والمقارن.

وأمّا إذا كان الشرط هو العزم على العصيان، فقد اختار منه المحقّق الخراساني الصورتين التاليتين:

أ: إذا كان العزم على العصيان مأخوذاً على نحو الشرط المتقدّم.

ب: إذا كان العزم على العصيان مأخوذاً على نحو الشرط المقارن.

ولم يذكر عن العزم المأخوذ بصورة الشرط المتأخّر، شيئاً وعلى ظاهر كلامه فالصورتان الأوّلتان داخلتان في مسألة الترتّب دون الأخيرة. وللتأمّل فيما ذكره وجه.

إذا علمت ذلك، فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: توضيح نظرية القائلين بالامتناع.

المقام الثاني: توضيح نظرية القائلين بالجواز.

وإليك البحث في كلا المقامين، الواحد تلوالآخر.

***


(40)

أدلّة القائلين بامتناع الترتّب

1ـ تقريب المحقّق الخراساني

قال في تقريب امتناع الترتّب: إنّ ملاك استحالة طلب الضدّين في عرض واحد موجود في طلبهما كذلك، فإنّه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهم، اجتماعُ طلبهما، إلاّ أنّه كان في مرتبة الأمر بغيره، اجتماعُهما، بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة وعدم سقوطه بعد بمجرّد المعصية فيما بعد، مالم يعص، أو العزم عليها مع فعلية الأمر بغيره أيضاً، لتحقّق ما هو شرط فعليته فرضاً.(1)

وحاصله :أنّ صحّة الترتّب تستلزم اجتماع حكمين فعليين في زمان واحد لأنّ المفروض فعلية الأمر بالمهم أيضاً، ولازم ذلك طلب كلّ واحد في آن واحد، وهو بمنزلة طلب الضدّين، والأمر بالمهم وإن لم يكن في مرتبة الأمر بالأهم لكنّه موجود في مرتبة الأمر بالمهم بمعنى فعليّة الأمر بالأهم في ظرف فعلية الأمر بالمهم، فيلزم اجتماع أمرين فعليين كلّ يقتضي إيجاد متعلّقه في زمان واحد فتلزم من اجتماعهما فيه، المطاردة بينهما في ذلك الزمان من جهة مضادّة متعلّقهما في الوجود.

يلاحظ عليه: أنّ نتيجة اجتماع الأمرين الفعليين عبارة عن طلب الضدّين، وهو غير طلب الجمع بين الضدّين. والممتنع هو الثاني دون الأوّل، ونتيجة الترتّب هي الأوّل دون الثاني. فلابدّ من التمييز بين الطلبين.


1-كفاية الأُصول: 1/213.


(41)

وإن شئت قلت: إنّ اجتماع أمرين فعليّين في رتبة واحدة، بل في زمان واحد إنّما يستحيل إذا كانت نتيجة اجتماع أمرين فعليين، هي طلب الجمع بينهما لا طلب كلّ واحد واحد منهما. ونتيجة الترتّب في المقام تهدف إلى طلب كلّ من الفعلين، لا طلب الجمع بينهما، وذلك أنّ الأمر بالأهم والأمر بالمهم، وإن كانا فعليين، لتحقّق شرط الأمر بالمهم، إلاّ أنّه لمّا كان الأمر بالمهمّ في ظرف فراغ المكلّف عن إطاعة الأمر بالأهم، لا يصدق عليه أنّ المولى يطلب الجمع بينهما، وإن كان يصدق عليه أنّه يطلب الضدّين أو يجمع بين الطلبين. لكن ليس طلب الضدّين مطلقاً، ملازماً لطلب الجمع بينهما.

والدليل على ذلك أنّه لو اشتغل بامتثال الأمر بالأهم من أوّل الأمر، أو أعرض بعد الاشتغال بالمهمّ عنه إلى الأهم، لما كانت عليه غضاضة إلاّ لأجل تأخير المضيّق بقدر الاشتغال بالمهمّ.

ومجرّد كون الأمر بالأهم في مرتبة الآخر، لا ينتج إلاّ طلب الضدّين بنحو غير محال، وهو طلب ذاك عند ترك الآخر. وبالجملة فما هو المحال غير مطلوب، وما هو المطلوب غير محال.

وبعبارة أُخرى: نسأل القائل بأنّه في أيّ نقطة وموضع يلزم طلب الجمع بين الضدّين؟ فلا يخلو:

إمّا أن يلزم في مقام الجعل والإنشاء.

أو يلزم في مقام الفعلية أي تأثير الأمرين وداعويتهما في نفس المكلّف عند وجود موضوعهما.

أو يلزم في مقام امتثالهما وإطاعتهما.

أمّا المقام الأوّل، فيظهر عدم المطاردة بالوقوف على الفرق بين التعارض والتزاحم وبالتالي على الفرق بين المتعارضين والمتزاحمين، وأنّ المقام من قبيل الثاني


(42)

دون الأوّل.

أمّا التعارض فهو عبارة عن تكاذب الدليلين في مقام الجعل والإنشاء، حيث إنّ كلاًّ من الدليلين يكذّب صدور الدليل الآخر، فلو ورد «ثمن العذرة سحت» وورد أيضاً: «لا بأس ببيع العذرة» فالعقل يحكم بكذب أحد الدليلين وعدم صدور كليهمامن المشرّع الحكيم، إذ كيف تنقدح إرادتان جدّيتان متضادّتان في لوح النفس بالنسبة إلى موضوع واحد وبالتالي كيف يصحّ جعل حكمين متضادّين لموضوع واحد لغاية الامتثال.

و أمّا التزاحم بين الفعلين كإنقاذ الغريقين في زمان واحد فهو ناش عن قصور قدرة المكلّف في مقام الامتثال، من دون أن تكون هناك أيّة مطاردة في مقام الجعل والإنشاء ومثل وجوب إنقاذ الغريقين، في المقام، إذ للشارع الحكيم جعل وجوبين أحدهما للإزالة والآخر للصلاة، من دون أن تكون هناك أيّة ملازمة بين صدق أحدهما وكذب الآخر. وليس دليل كلّ ناظراً إلى الدليل الآخر حتّى يكون الدليل في مقام الجعل ناظراً إلى صورة الاجتماع لما قرّرنا في محلّه من أنّ مفاد إطلاق كلّ دليل، هو كون متعلّقه تمام الموضوع للحكم، وعلى هذا فالإزالة بما هي هي تمام الموضوع للوجوب، كما أنّ الصلاة بما هي هي تمام الموضوع له، وليس معنى إطلاق وجوب الإزالة ، هو وجوبها سواء وجبت الصلاة أم لا، وهكذا بالعكس لما قرّر في محلّه من أنّ الإطلاق هو رفض القيود، لا الجمع بين القيود.

و يترتّب على ذلك، عدم وجود أيّة مطاردة في مقام الجعل والإنشاء في المتزاحمين كالإزالة والصلاة.

وأمّا الفعلية، أعني داعوية كلّ حكم إلى متعلّقه عند تحقّق موضوعه، فعدم المطاردة فيها لأجل أنّ كلّ أمر يدعو إلى متعلّقه ولا يبعث إلاّ إليه لا إلى الجمع بينه وبين الآخر، فقوله: أزل النجاسة، باعث قانوني إلى الإزالة، وليس ناظراً إلى حالة الاجتماع مع الصلاة، ومثله قوله : صلّ صلاة الظهر.


(43)

وبذلك يظهر ما في كلام المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه ـ حيث قال: إنّ التنافي بين المتزاحمين إنّما هو في مرتبة فعلية الأحكام وزمن امتثالها ضرورة أنّ فعلية كلّ من حكمين متزاحمين تأبى عن فعلية الآخر لاستحالة فعلية كليهما معاً (1) فقد خلط في كلامه بين المقامين: الفعلية والامتثال حيث عطف الامتثال على الفعلية.

وأمّا المطاردة في زمان الامتثال فهو حقّ إذا كان الأمران مطلقين، كما إذا قال: أزل النجاسة وصلّ الصلاة من دون أن يخص أحدهما بوقت والآخر بوقت آخر، فعندئذ يلزم المطاردة، إذ كلّ يطلب صرف القدرة في إيجاد متعلّقه، مع أنّ قدرته لا تفي إلاّلواحد منهما فلأجل ذلك يمتنع توجه أمرين عرضيين، إلى المكلّف الذي لا تفي قدرته إلاّ لامتثال واحد منهما.

وأمّا إذا كان أحدهما في طول الآخر، وبعبارة أُخرى إذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً فلا يلزم المطاردة وإن كان كلّ منهما فعليين، لأنّه لو لم يكن له صارف عن امتثال الأمر المطلق الأهم، فلا داعوية للأمر بالمهمّ إلى إيجاد متعلّقه لعدم فعليته بعدم حصول شرطه.

فتنحصر الدعوة القانونية بطرف واحد، وأمّا إذا كان هناك صارف عن امتثال الأمر بالأهم وحصل شرط فعلية الأمر بالمهم، فلكلّ من الأمرين وإن كانت دعوة قانونية لكنّ الدعوتين غير متنافيتين وذلك لأنّ الأمر الثاني ذو مرونة وليونة، فهو في الوقت الذي يدعو إلى إيجاد متعلّقه، لا يأبى أن يتركه المكلّف ويشتغل بالأهم، فإذا كانت الدعوة على هذا النحو فلا تقع بينهما أيّ مطاردة لأنّ الأمر بالأهم يُهاجِم والأمر بالمهم يقبله ولكن في الوقت نفسه لا ينثلم أساسه، هذا كلّه إذا أُريد من الدعوة، الدعوة القانونية، وأمّا إذا أُريد منها التأثير النفسي، فعدم المطاردة واضح، إذا لم يكن هناك صارف فالتأثير للأمر الأوّل، وإن كان صارف فالتأثير للأمر الثاني، وعليك بتفكيك الدعوة القانونية عن التأثير النفسي، وتحليل


1-المحاضرات:3/207.


(44)

كلّ واحد، مستقلاً عن الآخر.

ما هو مفتاح حلّ العقدة؟

أظنّ أنّ مفتاح حلِّ العقدة في مسألة الترتّب، هوالتركيز على ما ذكرناه إجمالاً وتفصيلاً أمّا الإجمال فلأنّ لازم الترتّب هو طلبُ الضدّين، لا طلبُ الجمع بين الضدّين والمحال هو الثاني دون الأوّل، وأمّا التفصيل فبتبيين أنّ حكم المتزاحمين غير حكم المتعارضين، فالتعارض والمطاردة في الثاني يرجع إلى مقام الجعل والإنشاء فلا تصل النوبة إلى المرحلتين الأخيرتين، وفي الأوّل لا يرجع إلى مقام الجعل والإنشاء، ولا مقام الفعلية والدعوة. وإنّما يرجع إلى مقام الامتثال حيث إنّ القدرة الواحدة لا تفي لامتثال أمرين فعند ذلك فلو كان الطلبان مطلقين، تكون نتيجة الإطلاق (لا نفسه) هو طلب الجمع بين الضدين. وأمّا إذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً، فلا يلزم ذلك إذ في وسع العبد، صرف القدرة في الأهم من دون أن يكون هناك أيّ لوم وعتاب، وأمّا إذا كان هناك صارف عن امتثاله، وقعد عن امتثال أمر المولى حاول المولى تقليل خسارته ففرض عليه واجباًآخر، لا يُزاحم الأهمّ والحال هذه وهو المهم.

و للقائل بالترتّب، أن لا يستوحش من فعلية الأمرين، بل عليه أن يستوحش من أمرين غير قابلين للامتثال كما إذا كانا مطلقين لا من القابلين له بنحو من الأنحاء.

إنّ هذا المسلك الذي سلكناه يُقنع وجدان كلّ إنسان واع وأمّا الطريق الذي سلكه مؤسس الترتّب السيد الجليل الشيرازي وتلاميذه من التركيز على تعدد رتبة الأمرين ـ لو صحّ ـ لا يُقنع الوجدان كما سيوافيك.

إلى هنا تمت مناقشة التقريب الذي ذكره المحقّق الخراساني لامتناع الترتّب وإليك بيان الإشكالات التي أوردها على تقريبه ثمّ دفعها.


(45)

حول مناقشات المحقّق الخراساني

إنّ المحقّق الخراساني ـ قدَّس سرَّه ـ لما ذكر تقريبه الذي عرفته لامتناع الترتب، أورد على نفسه إشكالات وأجاب عنها، ونحن نذكر فيما يلي، تلك الإشكالات وجوابه عليها ثمّ نتيجة ما نراه.

الإشكال الأوّل: لا دليل على امتناع اجتماع طلب الضدّين إذا كان بسوء الاختيار حيث يعصى فيما بعدُ بالاختيار، فلولاه لما كان متوجّهاً إليه إلاّ الطلب بالأهمّ ولا برهان على امتناع الاجتماع إذا كان بسوء الاختيار.

وأجاب عنه بأنّ استحالة طلب الضدّين ليست إلاّ لأجل استحالة طلب المحال واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليّته، لا تختصّ بحال دون حال وإلاّلصحّ فيما علّق على أمر اختياري (بلا خصوصية بسوء اختياره) في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتّب مع أنّه محال.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الكبرى صحيح، لأنّ طلب المحال، محال بالذات، سواء صار محالاً بسوء الاختيار أم لا. ولكن كون الأمر بالضدّين من هذا القبيل ممنوع، إذ ليس هنا إلاّ طلب الضدّين لا طلب الجمع بينهما.

وحاصل النظر في الإشكال والجواب أنّ الأوّل يسلِّم كون الأمر بالترتّب يستلزم المحال وهو ـ على زعمه ـ طلب الجمع بين الضدّين، لكنّه لا إشكال فيه لأنّه بسوء الاختيار، حيث جعل نفسه في هذا المضيق وإلاّ كان في وسعه دفع المحال بامتثال الأمر بالأهمّ.

كما أنّ الجواب يسلِّم أنّ الأمر بالترتّب يستلزم المحال، لكنّه يردّ جواز طلب المحال بسوء الاختيار بوجهين: أوّلاً، أنّ طلب المحال، محال مطلقاً سواء كان بسوء الاختيار أم لا، وثانياً بأنّه لو جاز، لجاز مع حسن الاختيار كما إذا قال : أزل


1-لاحظ كفاية الأُصول:1/213ـ217.


(46)

النجاسة وإن شربت الماء فصلّ مع أنّه غير جائز.

وحاصل نظرنا أنّه لا يلزم المحال أصلاً، لأنّ المحال، طلب الجمع بين الضدّين، لا طلبهما وذلك لأنّه لو كان الأمران مطلقين في مقام الامتثال يلزم من إطلاقهما طلب الجمع بينهما، لا أقول إنّه يلزم بالدلالة المطابقية على الجمع وإنّما هو نتيجة إطلاقهما وطلبهما بلا قيد وشرط في آن واحد. وأمّا إذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً، فالأمر بالأهمّ يطلب إيجاد المتعلّق على وجه الإطلاق، والأمر بالمهم يطلبه عند فراغ الساحة عن الأهم، فلا يلزم من مثله طلب الجمع لأنّه يطلبه عند عدم تأثير الأمر الأوّل. وسيوافيك التوضيح في تحليل المناقشة الثانية بإذن اللّه.

الإشكال الثاني: فرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع كذلك (مترتبين) فانّ كلاً من الأمرين في الأوّل يطارد الآخر بخلافه في الثاني فانّ طلب المهم ، لا يطارد طلب الأهم، فانّه يكون على تقدير عدم الإتيان بالأهمّ، فلا يكاد يريد غير الأهم على تقدير الإتيان به وعدم عصيانه. وبالجملة المطاردة من جانب الأمر بالمهم غير موجودة.

وأجاب عنه بوجهين:

الأوّل: كيف لا يطارده الأمر بالمهمّ؟ وهل يكون طرده له إلاّ من جهة فعليته ومضادّة متعلّقه له؟ وعدم إرادة المهم على تقدير الإتيان بالأهم، لا يوجب عدم طرده لطلبه (أي عدم طرد الأمر بالمهم لطلب الأمر بالأهم) مع تحقّقه (أي تحقّق الطرد) على تقدير عدم الإتيان بالأهم وعصيان أمره، فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير.

وحاصله: الأمر بالمهمّ ـ وإن كان لا يطارد الأمر بالأهمّ عند الإتيان بالأهم ـ لكنّه يطارده في صورة عدم الإتيان بالأهم.


(47)

الثاني: إنّ الأمر بالأهم يطارد الأمر بالمهم مطلقاً، قال: «على أنّه يكفي المطاردة من طرف الأمر بالأهم، فانّه على هذه الحال ، يكون طارداً لطلب الضدّ».(1)

أقول: ماذا يريد من كون الأمر بالمهمّ، يطارد الأمر بالأهم عند عدم الإتيان بالأهم، فهل يريد أنّ الأمر بالمهمّ إنّما يطارد الأمر بالأهم ـ في صورة عدم الإتيان بالأهم ـ فذلك غير تام لأنّه إنّما يطارد إذا طلب المهمّ بلا قيد ولا شرط، وأمّا إذا كان الأمر بالمهمّ مشروطاً بالعصيان بالأهم بحيث يكون ذا مرونة وليونة بالنسبة إلى الأمر بالأهم ففي نفس الفرض (أي عدم الإتيان بالأهمّ الذي زعم المحقّق أنّ الأمر بالمهمّ يطارد الأمر بالأهم) لا تتحقّق المطاردة، لأنّ له بحكم المرونة والليونة بيانين ومفهومين، أحدهما الحثُّ على الإتيان بالمهمّ عند العصيان. ثانيهما: عدم البأس بتركه والاشتغال بالأهم في هذه الحالة ومع هذا كيف يطارد الأمر بالمهم الأمر بالأهم.

هذا كلّه حول الجواب الأوّل. وأمّا الجواب الثاني أي كفاية وحدة المطاردة من جانب واحد وهو الأمر بالأهم وشمول إطلاقه لموضع يكون الأمر بالمهم فعلياً، فحاصل الجواب عنه، أنّ موضع المطاردة إمّا هو مقام الجعل والإنشاء أو مقام الفعلية، وقد عرفت عدم المطاردة لا في الأوّل كما هو واضح، ولا في الثاني، لأنّ كلّ أمر فعلي يدعو إلى نفسه ولا يدعو إلى ترك غيره من غير فرق بين الأهم والمهمّ فتنحصر المطاردة في مقام الامتثال والموضوع للمطاردة في مقام الامتثال هو التأثير النفسي وقد عرفت أنّ التأثير لأحد الأمرين، فلو كان قاصداً للأمر بالأهمّ، فليس الأمر بالمهمّ فعلياً، وإن كان غير قاصد له. فالأمر بالمهمّ وإن كان فعلياً لكن فعليته ليس على وجه القطع والجزم بل في ظرف عدم تأثير الأمر الأوّل فمثل هذه الدعوة لا يترتّب عليها أيّ فساد. وذلك لأنّ المولى يرى أنّ أمره ليس علّة تامة


1-كفاية الأُصول:1/217، بتصرف يسير.


(48)

لانبعاث المكلّف، بل موجد للداعي في نفس المكلّف، ولأجله يحتمل أن يكون المكلّف منبعثاً عن الأمر بالمهم، وغير منبعث عن الأمر بالأهم، ويرى ظرف الامتثال خالياً عن كلّ فعل، بحيث لو لم يأمره بالمهم، لتركه أيضاً، فيأمره بالمهم، ليصل إلى أحد الهدفين.

و بعبارة أُخرى: إنّ انقداح الإرادتين في نفس المولى ليس من الأُمور الممتنعة، كما أنّ انقداحهما ليس بمعنى الجمع بين الأمرين المتضادّين، وإنّما الكلام في قدرة المكلّف وعجزه عن امتثال الأمرين.

فإذا طلبهما وكانا عرضيين، يلزم منه طلب كلّ في ظرف الإتيان بالآخر، وهو غير صحيح وأمّا إذا لم يكونا كذلك، بأن كان طلب أحدهما في ظرف عدم تأثير الآخر، فلا مطاردة أبداً، ،لا في مقام الجعل، ولا في مقام التأثير، ولا في مقام الامتثال كما لا يخفى. وبذلك يتّضح ضعف كلا الوجهين.

الإشكال الثالث: ما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدّين في العرفيات؟

وأجاب عنه بجوابين:

1ـ أن يكون الأمر بالمهم بعد التجاوز عن الأمر به(الأهم).

2ـ أن يكون الأمر به (المهمّ) إرشـاداً إلى محبوبيتـه وبقائـه على ما هو عليه من المصلحة والغرض.(1)

أقول: ماذا يريد من التجاوز؟

هل يريد منه أنّه يكون منسوخاً، فهو غير صحيح مع اشتماله على المصلحة الملزمة. ولذا لو رجع إليه بعد العصيان آناً ما، لكان الأمر باقياً.

أم يريد أنّه عند الخيبة عن تأثير الأوّل، يأمر بالمهم، فهو نفس الترتّب.


1-المصدر السابق، ص 218.


(49)

مشكلة تعدّد العقاب

قدعرفت إشكالات المحقّق الخراساني وأجوبته ومدى صحّتها، وبقي هاهنا إشكال ربّما يورد على الترتّب وهو أنّه يلزم على القول بالترتّب، تعدّد العقاب إذا ترك الأمرين، مع ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد.

و هذا في الحقيقة استدلال من طريق الإنّ على بطلان الترتّب، وحاصله أنّه لو صحّ الترتّب، للزم تعدّد التكليف، وبتعدّده يلزم تعدّد العقاب، ولكن التالي باطل فكذا المقدّم. وقد أُجيب عنه بوجهين:

الأوّل: وحدة العقاب مع تعدّد العصيان

هناك من يقبل تعدّد العصيان، ولكنّه يقول بوحدة العقاب، وذلك لأنّ تعدّد العقاب ووحدته تابع لوحدة القدرة وتعددها، لا وحدة التكليف وتعدده. فلو كانت القدرة واحدة والتكليف متعدداً، لما كان عليه إلاّ عقاب واحد وإن عصى جميع التكاليف، لاستقلال العقل بقبح تعددّه مع عدم قدرته إلاّ على واحد.

و بذلك يظهر سرّ تعدّد العقاب في التكاليف العرضية، كالصلاة والصوم إذا تركهما، فيعاقب عقابين، لتعدّد القدرة، المستلزم كون المخالفة لا عن عذر وهذا بخلاف التكاليف الطولية فلا يوجب تعدُّد التكليف فيها تعدّد العقاب مع وحدة القدرة.

الثاني: تعدّد العقاب مع تعدّد العصيان

و هناك من يقول بتعدّد العقاب مع تعدّد التكاليف ومعصيتها، قائلاً بأنّ المفروض وجود أمرين مستقلّين وتعلّق كلّ واحد منهما بأمر ممكن مقدور


(50)

للمكلّف، ومخالفة كلّ منهما توجب العقاب بلا شكّ. أمّا مقدورية الأهم، فواضحة. وأمّا مقدورية المهم، فمن جهة فرضه في ما كان الزمان خالياً منه. وفي هذه الرتبة يكون المهم مقدوراً بالوجدان.(1)

و قد أوضحه سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ بأنّه لو صرف قدرته في امتثال أحد الأمرين، فقد ترك الآخر عن عذر. وأمّا إذا لم يصرفها في واحد منهما، فقد ترك كلّ واحد بلا عذر، ويقال له: لم تركت هذا بلا عذر، ثمّ لم تركت الآخر كذلك، فيعاقب بعقابين.(2)

2ـ تقريب المحقّق الحائري ـ قدَّس سرَّه ـ

نقل شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ـ قدَّس سرَّه ـ تقريباً للقول بامتناع الترتب وأشكل عليه وإليك بيانَ التقريب:(3)

إنّ هناك مقدّمتين اتّفقت كلمة العلماء عليهما :

1ـ إنّ الضدّين ممّا لا يمكن إيجادهما في زمان واحد عقلاً.

2ـ لا يصحّ جعلهما في زمان واحد متعلّقين للطلب المطلق لأنّه تكليف بمالا يطاق.

وهاتان المقدّمتان ممّا لا يقبلان الإنكار.

إنّما الشأن بيان أنّ تعلّق الطلبين بالضدّين في زمان واحد ولو على نحو الترتّب يرجع إلى الطلب المطلق بهذا، والطلب المطلق بذاك في زمان واحد.

بيانه: أنّ الأمر بإيجاد الضدّ، مع الأمر بإيجاد ضدّه الآخر، لا يخلو من أنّه إمّا


1-نهاية الأُصول، ص208.
2-تهذيب الأُصول: 1/311ـ312، ط مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.
3-الحائرى: الدرر:1/114، الطبعة المحشاة بتعاليق المؤلف.


(51)

أمر بإيجاده مطلقاً في زمان الأمر بضدّه كذلك وإمّا أمر بإيجاده مشروطاً بترك الآخر، أمّا الأوّل فلا يلتزم به كلّ من أحال التكليف بمالا يطاق والثاني على قسمين إمّا أن يكون الشرط في ناحية الأمر المشروط هوالترك الخارجي للأهمّ، أو كون المكلّف بحيث يترك في علم اللّه.

أمّا الأوّل، فهو خارج عن الترتّب لأنّه يدّعى تحقّق الأمرين في زمان واحد.

وأمّا الأخير، فلازمه القول بإطلاق الأمر المتعلّق بالمهم، في ظرف تحقّق شرطه. والمفروض وجود الأمر بالأهم أيضاً، لأنّه مطلق. ففي زمان تحقّق شرط المهم، يجتمع الأمران المتعلّقان بالضدّين، وكلّ واحد منهما مطلق. أمّا الأمر المتعلّق بالأهم، فواضح. وأمّا الأمر المتعلّق بالمهم، فلأنّ الأمر المشروط يصير بعد تحقّق شرطه مطلقاً.

ثمّ إنّه ـ قدَّس سرَّه ـ أورد عليه بمالا يهمنا التعرض له فعلاً غير أنّا نختار أنّ الشرط هوالثاني أي كون المكلّف بحيث يترك في علم اللّه لكنّه إنّما ينقلب إلى الواجب المطلق لو كان العصيان شرطاً بوجوده الآني وعلى حسب مصطلحنا إذا كان الشرط مقارناً، وأمّا إذا كان الشرط هو العصيان الممتدّ إلى آخر الصلاة فهو لا ينقلب إلى الواجب المطلق إلاّ بعد الفراغ وهو ظرف سقوط الأمر بالمهمّ بالطاعة.

فإن قلت: كيف يكون الأمر بالمهم فعلياً، مع عدم حصول شرطه تماماً. وهل هذا إلاّتفكيك المشروط ـ وهو فعلية الأمر بالمهم ـ عن شرطه؟

قلت: إنّ حلّ العقدة يحصل بما اخترناه من صحّة الشرط المتأخّر في الأُمور الاعتبارية، وعدم المانع فيها من كون الأمر المتأخّر شرطاً للمتقدّم، فيؤثر بوجوده المتأخر في فعلية الأمر بالمهم المتقدّمة.

و قد عرفت عند البحث عن الشرط المتأخّر أنّ حديث المقارنة إنّما هو في


(52)

الأُمور التكوينية، لا الأُمور الاعتبارية، كالبعث الاعتباري وفعليته. نعم يجب في الإرادة التكوينية أن يكون الشرط مقارناً، وهو غير البعث والأمر الاعتباريين.

أضف إليه من إمكان جعل الأمر بالمهم من قبيل الواجب المعلّق، بأن يكون الوجوب مطلقاً والواجب مقيّداً متأخّراً عن الإيجاب. وكون الأمر بالمهم مطلقاً، لا يضرّ، مع كون المطلوب مقيّداً بصورة ترك الأمر بالأهمّ.

إلى هنا ظهر لك من تحليل دليل المانع، اتقان الترتّب وصحّته. ولا نحتاج ـ مع ذلك ـ إلى دليل أو أدلّة المصححين للترتّب، ولكننا نذكرها إكمالاً للبحث.


(53)

أدلّة القائلين بجواز الترتّب

ذكروا لصحّة الترتّب تقريبات نذكرها فيما يلي:

الأوّل: ما نقل عن بعض الأُصوليين:

و لخّصه المحقّق الاصفهاني بما حاصله: أنّ اقتضاء كلّ أمر لإطاعة نفسه، في رتبة سابقة على إطاعته. كيف لا، وهي مرتبة تأثيره وأثره. ومن البديهي أنّ كلّ علّة، منعزلة في مرتبة أثرها، عن التأثير، وإنّما اقتضاؤها، في مرتبة ذاتها المقدّمة على تأثيرها وأثرها. ولازم ذلك كون عصيان المكلّف ـ وهو نقيض طاعته ـ أيضاً في مرتبة متأخرة عن الأمر واقتضائه.

وعليه، فإذا أُنيط أمر بعصيان مثل هذا الأمر، فلا شبهة أنّ هذه الإناطة تُخرج الأمرين عن المزاحمة في التأثير. إذ في رتبة الأمر بالأهم، لا وجود للأمر بالمهم. وفي رتبة وجود الأمر بالمهم، لا يكون اقتضاء للأمر بالأهم. فلا مطاردة بين الأمرين، بل كلّ يؤثر في رتبة نفسه على وجه لا يوجب تحيّر المكلّف في امتثال كلّ منهما، ولا يقتضي كلّ من الأمرين إلقاء المكلّف فيمالا يطاق، بل كلّ يقتضي موضوعاً لا يقتضي غيره.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ التأخّر الرتبي يحتاج إلى وجود الملاك في نفس الشيء، وإلاّفمجرّد كونه مقارناً لما هو متأخّر رتبة عن شيء آخر، لا يوجب اتصافه


1-نهاية الدراية:1/233.


(54)

بالتأخّر الرتبيّ. والمقام كذلك، لأنّ تأخّر الإطاعة عن الأمر ناشئ من كونها بمنزلة أثر الأمر ومعلوله، فتتأخر عن الأمر تأخّر المعلول عن علّته. وأمّا العصيان، فليس فيه هذا الملاك، إذ ليس الأمر مقتضياً لعصيان المكلّف، حتى يتأخّر عنه، فبقي كونه مصاحباً ومقارناً للإطاعة المتأخرة رتبة، وقد عرفت أنّه لا يقتضي التأخّر الرتبي.

والتمسك بقانون المساواة في الرتب العقلية غير صحيح، إذ هذا القانون إنّما هو راجع إلى الكمّيات المتّصلة كما في المسائل الهندسية فإذا كانت زاوية (أ) مساوية لزاوية (ب) ، وكانت زاوية (ب) مساوية لزاوية (ج) فيُنتج أنّ زاوية (أ) مساوية لزاوية (ج) قطعاً، أو الكميّات المنفصلة، كما لو كان زيد متأخّراً عن عمرو تأخّراً زمانياً، وكان زيد وبكر من حيث الزمان متقارنين، فيكون بكر أيضاً متأخّراً عن عمرو. وليس كذلك في التأخّر العقلي، فإنّ الشيء لا يوصف به إلاّ إذا كان فيه ملاك التأخّر، ولأجل ذلك لا يكون ملازم المعلول متأخّراً عن العلّة، ولا عدم المعلول متأخّراًعنها، مع أنّ ملازم المعلول وجوداً وعدماً، مع المعلول كذلك في رتبة واحدة.

نعم كان عليهـ قدَّس سرَّه ـ أن يسلك مسلكاً آخر وهو التمسك بالتقدّم الطبعي (مكان التقدّم العلي والمعلولي وأنّ ملازم المعلول، متأخّر عن العلّة مثل المعلول) والمراد منه أن يكون للمتقدّم وجود، ولا يكون للمتأخّر وجود، ولا عكس. فالأمر يتحقّق بلا عصيان، ولكن العصيان لا يتحقّق بلا موضوع، وهو الأمر، هذا. ولكن الكلام في المقام هو في التقدّم والتأخر الرتبيين.

وثانياً: أنّ التزاحم والتضادّ ليسا في المعيّة العقليّة حتى يرتفعا بالتأخّر الرتبي للأمر بالمهم. بل موردهما هو المعية الزمانية، إذ الزمان الذي يكون الأمرُ بالأهم فيه فعليّاً، يكون الأمر بالمهم ـ فيه ـ أيضاً باعثاً، فاللازم رفع التضاد في ذلك الظرف، لا رفع التضاد باختلاف الرتب.


(55)

والحاصل، أنّ مجرّد تأخّر الأمر بالمهم، عن الأمر بالأهم بحسب الرتبة العقلية، مع المعيّة في الاقتضاء بحسب الزمان، لا يدفع المطاردة، إذ مناط الاستحالة هي المعيّة الكونية في المتزاحمات والمتضادات، لا في الرتب العقلية من المراتب الوجودية.

الثاني: ما نقله المحقّق الاصفهاني أيضاً:

وحاصله: أنّ مرجع إطلاق الأمر بالأهم، إلى سدِّ باب عدمه من جميع الجهات، حتى العدم الآتي من قبل الأمر بالمهم، فهو بإطلاقه يدعو إلى حفظه مطلقاً.

وأمّا الأمر بالمهمّ ، فلمّا كان مترتّباً على عدم الأهم وتركه، فإطلاقه يقتضي سدَّ باب عدمه من كلّ الجهات إلاّ من ناحية الإتيان بالأهم.

وإن شئت قلت: إنّ الأمر بالمهمّ يقتضي سدّ باب عدمه في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتّفاق، ولا منافاة بين قيام المولى بسدِّ باب عدم الأهم مطلقاً، وسدّ باب عدم المهم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق. فالأمر بالمهم وإن كان فعليّاً غير منوط بشيء، لكنّه حيث تعلّق بسدِّ باب عدم المهم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتّفاق، فلا محالة لا محركية للأمر بالمهم نحو طرد عدم المهمّ إلاّ في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتّفاق.

توضيحه: (1)إنّ لكلّ شيء أعداماً: من جانب فقد المقتضي، وفقد الشرط، ووجود المانع، وهو الضدّ هنا. والأمر بالأهمّ يقتضي سدَّ كلّ عدم يتطرق إليه من أيّة جهة كان حتى من جانب وجود المانع.


1-نهاية الدراية:1/235.


(56)

وأمّا الأمر بالمهم فهو يقتضي سدَّ باب عدمه من جانب المقتضي، ومن جانب الشرط. وأمّا من ناحية المانع ـ أعني الأهم ـ فانّه يقتضي سدَّ عدم المهم، إلاّ فيما إذا كان سببُ عدمه هو وجود الأهم فلا يقتضي ـ عند ذاك ـ سدّ عدمه. فحينئذ، لا محركية للأمر بالمهم نحو طرد عدم نفسه، إلاّ إذا تطرق العدم إلى الأهمّ من باب الصُدفة.

يلاحظ عليه: نحن نركِّز على الصورة التي تطرق العدم على الأهم من باب الاتفاق. فهل الأمر بالأهم عندئذ ساقط أو لا، والأوّل خلاف المفروض، والثاني يستلزم وقوع المطاردة حيث إنّ الأمر بالأهم يطلب قلبَ عدمه إلى الوجود، مع التحفظ على عدم المهم، لكون وجوده مانعاً. مع أنّ الأمر بالمهم في هذه الحالة يقتضي ـ حسب اعترافه ـ سدّ باب عدمه أي قلب عدمه إلى الوجود، فتقع المطاردة بين الاقتضائين.

والحقّ أنّ الترتب ـ الذي هو أمر عرفي ـ لا يتوقّف على هذه الدقائق العقلية، بل صحّته تبتني على أحد البيانين التاليين:

1ـ أن لا يكـون مفاده طلب الجمـع بين الأمريـن، وإن كـان جمعــاً بين الطلبين.

2ـ أن لا يكون فيه تزاحم، لا في مقام الجعل والإنشاء، ولا في الفعلية، ولا في مقام الإطاعة والامتثال، على ما عرفت تفصيله، فلا نعيد.

الثالث: ما ذكره المحقّق الاصفهاني أيضاً:

حيث قال: إنّ الأمر بالإضافة إلى متعلّقه، من قبيل المقتضي بالإضافة إلى مقتضاه.

وإذا كان المقتضيان مترتبين بأن كان أحد المقتضيين لا اقتضاء له إلاّ عند


(57)

عدم تأثير الآخر، فلا مانع من فعلية مقتضي الأمر المترتب. وحيث إنّ فعلية أصل اقتضاء المترتّب منوطة بعدم تأثير المترتب عليه، فلا محالة تستحيل مانعيته عن تأثير الأمر المترتّب عليه (أي المهم) لأنّ ما كان اقتضاؤه منوطاً بعدم فعلية مقتضي سبب من الأسباب، يستحيل أن يزاحمه في التأثير، ولا مزاحمة بين النقيضين إلاّمن حيث التأثير، وإلاّ فذوات المقتضيات بماهي، لا تزاحم بينهما.(1)

وهذا التقريب يتّحد روحاً مع ما ننقله عن المحقّق البروجردي، والاختلاف إنّما هو في التعبير، وسيوافيك أنّه تقريب متين.

الرابع: ما عن المحقّق البروجردي ـ قدَّس سرَّه ـ:

إنّه لا إشكال في أنّ التكليف بالمحال، بنفسه محال، فإنّ التكليف الحقيقي إنّما يصدر من المولى بداعي انبعاث المكلّف وتحرّكه نحو العمل، فإذا كان نفس المكلّف به محالاً، كالجمع بين السواد والبياض، أو الصعود إلى السماء بلا وسيلة، فلا محالة لا تنقدح الإرادة في نفسه جدّاً، وإن تكلّم به فإنّما يتكلّم به لدواع أُخر.

و مثله إذا كان هناك تكليفان وكان كلّ واحد منهما أمراً ممكناً، والزمان لا يتّسع إلاّلواحد منهما. فهذا أيضاً لا يصدر من المولى، لا لأنّ المكلّف به أمر محال، لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد منهما أمر ممكن، وليس الجمع هو المأمور به حتّى يكون الامتناع لأجل طلب الجمع، بل من جهة تزاحمهما في مقام التأثير وإيجاد الداعي، فإنّ كلّ واحد من الضدّين، وإن كان ـ بحياله ـ أمراً ممكناً، لكن لمّا كان قيامه بهذا الواجب وذاك الواجب في زمان لا يسع إلاّ واحداً منهما، أمراً غير ممكن، كان صدور الطلب من المولى بهذا النحو، أمراً محالاً بعد التفاته إلى الحال.

وأمّا إذا فرض البعثان غير متزاحمين في مقام التأثير، بل كان تأثير أحدهما


1-نهاية الدراية، ص 243، ط طهران.


(58)

عند عدم تأثير الآخر وخلوّ الظرف من المزاحم، فلا محالة ينقدح في نفس المولى طلب آخر يتعلّق بالضدّ، إذ الفعل مقدور للمكلّف، والأمر الأوّل غير باعث ولا داع، والزمان خال عن الفعل بحيث لولم يشغله المهمّ، لكان الزمان فارغاً عن الفعل مطلقاً. فأيّ مانع من طلب المهم عند عدم تأثير الأهم وعدم باعثيته؟

وبالجملة: امتناع الترتّب لأجل أحد أُمور:

الأوّل: من جهة امتناع التشريع.

الثاني: من جانب التزاحم في مقام التأثير.

الثالث: من جهة القصور في جانب الامتثال.

والكلّ منتف.

أمّا الأوّل، فلأنّ المفروض أنّ كلّ واحد من الضدّين أمر ممكن.و ليس الجمع «مكلّفاً به»حتى يكون من التكليف بالمحال.

وأمّا الثاني ، فلأنّ المفروض أنّ تأثير الأمر الثاني وداعويته، عند سقوط الأمر الأوّل عن التأثير وعندعدم داعويته وباعثيته.

وأمّا الثالث، فلأنّ المفروض عدم القصور في الامتثال، بمعنى أنّه لو امتثل الأمر بالأهم، لما كان هناك أمر بالمهم حتى نبحث عن امتثاله. ولو أتى بالمهم ، فلا محذور أيضاً، لأنّه لا يريد إلاّ امتثال الأمر بالمهمّ، والوقت يسعه نعم، هو في هذه الحالة عاص من جهة، ومطيع من جهة أُخرى.(1)

ولقد أحسن ـ قدَّس سرَّه ـ حيث لم يجعل المسألة مبتنية على اختلاف رتبة الأمرين، فقد عرفت أنّ الاختلاف في الرتبة لا يفيد، لأنّ التزاحم والتعارض ليسا في مقام الرتبة حتى يرتفعا باختلاف الرتبتين، بل التزاحم ـ المتوهم ـ إنّما هو في زمان الامتثال.


1-ما ذكرناه من البيان، موافق لما ذكره هو نفسه عند البحث في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري و قد سمعناه منه ـ قدَّس سرَّه ـ شفاهاً لاحظ في المقام نهاية الأُصول: 1/203ـ204.


(59)

وقد عرفت عدم التزاحم بين الأمرين، لا في مقام التشريع، ولا في مقام التأثير، ولا في ظرف الامتثال.

وهذا البيان لا غبار عليه، وهو يفيد القطع بجواز الترتّب لمن أمعن ونظر.

وكون الأمر بالمهم فعلياً مع فعلية الأمر بالأهم، ممّا لا يضرّ بعد عدم كون مفادهما طلباً للجمع بين الضدّين.

كما أنّ كون الأهمّ فعليّاً في ظرف فعلية المهم، أيضاً غير مضرّ، لأنّ مفادهما ليس أمراً بالجمع بين الضدّين، وإن كان جمعاً بين الطلبين، ولكن النتيجة هي طلب التفرقة بين الضدّين.

نزيد بياناً، فنقول: إنّ «الأوامر» من الأُمور الاعتبارية التي لا يتحقّق بينها التنافي ولا التلاؤم من حيث أنفسها، إذ لا نفسية لها. وإنّما يتحقّق بينها من حيث الآثار المترتبة عليها، كالتلاؤم بين المتعلّقين، والتنافي والتضادّ بينهما. فالتدافع والتضادّ إنّما هما بين المتعلّقين في مقام الامتثال، واتصاف الأمر بهما من باب المجاز.

إذا عرفت ذلك، فاعلم : إذا كان هناك تدافع بين المتعلّقين في مقام الامتثال، بأن يتّحد ظرف امتثالهما، لاتّصف الأمران بالتضادّ، واستحال طلبهما. وأمّا إذا لم يكن هناك تزاحم في مقام الامتثال، فلا مانع من طلب الشيئين على ذاك الوجه. وقد عرفت أنّ تقييد أحد الأمرين بالعصيان يوجب اختلاف ظرف المتعلّقين من حيث الامتثال.

وهذا هوالحقّ القراح، وإن شئت فاجعله وجهاً مستقلاً، أو توضيحاً لما رامه السيّد البروجردي رحمه اللّه .

ولعلّ ما ذكرنا من التحليل حول دليل المانع وما نقلناه من التقريبات الأربعة جعل صحّة الأمر بالترتّب أمراً واضحاً، وصيّر المخالف في هزيمة نكراء


(60)

لكن بقي هنا أمران:

1ـ ما ذكره المحقّق النائيني من التقريب لصحّة الترتّب بتنظيم مقدّمات خمسة.

2ـ ما قام به سيّدنا الأُستاذ بتأسيس أصل آخر، وهو جواز اجتماع أمرين عرضيين.

و لإكمال البحث، نتعرّض لهما، خاتمين به بحثَ الترتّب وإن طال الكلام و وطال مقامنا مع القرّاء الكرام في المقام.

الخامس: تقريب للمحقّق النائيني ـ قدَّس سرَّه ـ :

قد وقفت على التقريبات الأربعة لتصحيح الترتّب، بقي هناك تقريب خامس، قد أسّس بنيانه، المحقّق المجدّد الشيرازي(1224ـ1312هـ)،و قد أوضحه المحقّق النائيني (1274ـ1355هـ) بترتيب مقدّمات مؤثرة في استنباط الترتّب وبما أنّها حاوية لمطالب مفيدة نذكر كلّ مقدّمة برأسها بتلخيص، منضمّـاً بذكر ما يخطر بالبال حولها، قال ـ قدَّس سرَّه ـ:

المقدّمة الأُولى: في بيان محطّ البحث

لا إشكال في أنّ الّذي يوجب وقوع المكلّف في مضيقة المحال واستلزام التكليف بمالا يطاق إنّما هو إيجاب الجمع بين الضدّين وعلى ذلك لا إشكال في سقوط ما هو منشأ إيجاب الجمع ليس إلاّ، ولا يمكن سقوط مالا يوجب ذلك وهذان الأمران ممّا لا كلام فيهما بل الكلام كلّه في أنّ الموجب لإيجاب الجمع بين الضدّين هل هو نفس الخطابين واجتماعهما وفعليتهما مع وحدة زمان امتثالهما لمكان تحقّق شرطهما؟ أو أنّ الموجب لإيجاب الجمع ليس نفس الخطابين بل


(61)

الموجب هو إطلاق كلّ من الخطابين لحالتي فعل متعلّق الآخر وعدمه.

فلو قلنا بأنّ الموجب لإيجاب الجمع هو إطلاق الخطابين يسقط الإطلاق ويبقي أصل الخطاب ويصحّ الترتّب ولو قلنا بأنّ الموجب هو نفس الخطابين واجتماعهما وفعليتهما مع وحدة زمان امتثالهما يسقط الخطابان من رأس وعليه يبتني بطلانه.

ثمّ قال : ومن الغريب ما صدر من الشيخـ قدَّس سرَّه ـ حيث إنّه أنكر الترتّب في الضدّين اللذين يكون أحدهما أهمّ. ولكنّه في مبحث التعادل والتراجيح التزم بالترتّب من الجانبين عند التساوي وفقد المرجّح حيث قال في ذيل قوله: «إنّ الأصل في المتعارضين عدم حجّية أحدهما»: ما لفظه: «لكن لما كان امتثال التكليف بالعمل بكلّ منهما كسائر التكاليف الشرعية والعرفية مشروطاً بالقدرة، والمفروض أنّ كلاًّ منهما مقدور في حال ترك الآخر، وغير مقدور مع إيجاد الآخر، فكلّ منهما مع ترك الآخر مقدور، يحرم تركه ويتعيّن فعله ومع إيجاد الآخر يجوز تركه ولا يُعاقب عليه، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلّة وجوب الامتثال والعمل بكلّ منهما بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة، وهذا ممّا تحكّم به بديهة العقل كما في كلّ واجبين اجتمعا على المكلّف ولا مانع من تعيين كلّ منهما على المكلّف بمقتضى دليله إلاّ تعيين الآخر عليه كذلك.(1)

أقول: ما ذكره في بيان محطّ البحث لا غبار عليه، لكن رمي الشيخ بالقول بالترتّب من جانبين، مع أنّه أنكره من جانب واحد في المقام غير تام، إذ ما ذكره راجع إلى لزوم الأخذ بأحد المتعارضين بناء على حجّية الأخبار من باب السببيّة وإلاّ فالأصل على الطريقية هو السقوط، ولكن ما ذكره لا يمتُّ إلى الترتّب بصلة وذلك لأنّ الترتّب متقوّم باشتراط التكليف بعصيان الآخر وما ذكره الشيخ متقوّم بتقييد كلّ واحد من الدليلين بعدم إتيان الآخر، والأوّل مناط الترتّب لأنّ الأمر


1-فوائد الأُصول: 1/337ـ 338.


(62)

بالمهمّ يتأخّر عن شرطه (العصيان) وهو يتأخّر عن نفس الأمر المتعلّق بالأهم (تأخر إطاعة وعصيان كلّ أمر، عن نفسه) والثاني مناط التخيير ونتيجته من دون أن يكون أحد الأمرين في طول الآخر ولكن لما كان حيازة المصلحتين أمراً غير ممكن، حكم العقل بحيازة أحدهما عند ترك الآخر، من دون أن يكون هناك ترتّب وعصيان، نعم يجمعهما اشتمال كلا الأمرين على المصلحة ، لما عرفت من أنّ محط بحثه هوحجّية الأمارات من باب السببيّة فلو أردنا التمثيل لنا أن نقول: لو أشرف النبي والإمام على الغرق فالأمر بنجاة الإمام مقيّداً بعصيان الأمر الأوّل من باب الترتّب، ولو أشرف رجلان مسلمان عاديان عليه، فالأمر بنجاة أحدهما عند ترك الآخر أشبه بالعمل بأحد الخبرين على القول بالسببيّة.

***

المقدّمة الثانية: في أنّ الواجب المشروط باق على ما كان بعد تحقّق شرطه

إنّ الواجب المشروط بعد تحقّق شرطه، حاله كحاله قبل تحقّق شرطه من حيث إنّه بعد على وصف الاشتراط وذلك مبنيّ على أمرين:

1ـ الأحكام الشرعية مجعولة على نهج القضايا الحقيقية وليست من قبيل القضايا الشخصية، بل هي أحكام كلية مجعولة أزلية على موضوعاتها المقدّرة.

2ـ إنّ الشرط في الواجـب المشروط يرجـع إلى الموضـوع، فالبلوغ والعقل والاستطاعة وإن كانت شرائط للتكليف، لكنّها من أجزاء الموضوع فيكون الواجب المشروط عبارة عن الحكم المجعول على موضوعه المقدّر وجوده على نهج القضايا الحقيقيّة فوجوب الحجّ إنّما أُنشأ أزلاً على العاقل البالغ المستطيع والحكم المجعول على موضوعه، لا ينقلب عمّا هو عليه ، ولا يخرج الموضوع عن كونه موضوعاً، ولا الحكم عن كونه مجعولاً على موضوعه، ووجود الشرط عبارة عن تحقّق


(63)

موضوعه خارجاً، وبتحقّق الموضوع خارجاً لا ينقلب الواجب المجعول الأزلي عن الكيفية التي جعل عليها ولا يتّصف بصفة الإطلاق بعد ما كان مشروطاً لأنّ اتصافه بذلك يلزم خروج ما فرض كونه موضوعاً عن كونه موضوعاً.

و ما يقال من أنّه بعد حصول الاستطاعة لزيد، لا معنى لكون الوجوب في حقّه، مشروطاً بالاستطاعة صحيح لو كانت الأحكام الشرعية، أحكاماً شخصية وقد عرفت خلافه.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ إرجاع جميع القيود إلى الموضوع خلاف المفهوم من القيود الواردة في الكلام فانّ القيود على أقسام أربعة:

منها: ما يعدّقيداً لمتعلّق الحكم لا قيداً للموضوع كما إذا قال: صلّ في المسجد، إذا كانت المصلحة مترتّبة على الصلاة فيه فبما أنّ الحكم مطلق يجبُ عليه إيجاد المتعلّق مع قيده أي الصلاة في المسجد، حتى لو لم يكن هناك مسجد وجب عليه بناؤه، والصلاة فيه أخذاً بإطلاق الحكم.

منها :ما يعدّ قيداً للحكم الإنشائي المعبِّر عن الإرادة ، كما إذا قال: إذا نزل بك الضيف فأكرمه، فانّ المتبادر من ظاهره أنّ غرضه لم يتعلّق بإكرام الضيف على الإطلاق بل ربّما لا يريده، ولكن عندما نزل الضيف، من دون اختيار، يأمر عليه بإكرام ضيفه، فالنزول قيد الحكم والوجوب وبالتالي قيد الإرادة، فلم تتعلّق إرادته بإكرام الضيف على وجه الإطلاق، حتّى يستحصل وجوده، بل تعلّقت إرادته عليه، في فرض خاص وهو نزوله به، من دون أن يطلب منه إكرامه على أيّ تقدير.

منها: ما يعدّ موضوعاً للحكم ككونه إنساناً عاقلاً بالغاً. مما يقال من أنّ الشروط من قيود الموضوع، إنّما يصحّ في هذا القسم لا في كلّ شرط.

ومنها: ما يعدّ غايات للحكم ومن دواعي الجعل كقوله سبحانه في آية


1-فوائد الأُصول: 1/339ـ 340.


(64)

الطهارة من الحدثين: الأصغر والأكبر(ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة/6).

فإذا كانت حقيقة الشرط ثبوتاً على أقسام أربعة، فلا وجه لجعلها قسماً واحداً وهو إرجاعه إلى الموضوع.

وثانياً: أنّ بقاء الواجب المشروط بعد حصول شرطه على ما كان عليه، مبني على حصر الحجج الإلهية بالقضايا الكلية، أعني قوله سبحانه:(وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران/97).فانّه قضيّة شرطية، باقية على شرطيتها سواء أحصلت الاستطاعة لزيد أو لا وأمّا لو قلنا بانحلالها إلى أحكام جزئية حسب اختلاف أحوال الأفراد، فلا شكّ أنّه ينحلّ قبل الاستطاعة إلى حكم جزئي شرطي، وبعدها إلى حكم جزئي مطلق حسب اختلاف أحوال الأفراد.

وثالثاً: أنّ رحى الترتّب إثباتاً ونفياً لا يدور على بقاء الواجب المشروط بعد حصول شرطه، على ما كان عليه، وعدم بقائه، بل يدور على أنّ الشرط المأخوذ في موضوع الأمر بالمهمّ، بل يقتضي طلب الفعلين أو يقتضي طلب الجمع بينهما فلو اقتضى الأوّل لصحّ الترتّب سواء تمّت هذه المقدّمة أو لا، ولو اقتضى الثاني لبطل الترتّب وإن صحّت هذه المقدّمة فكان اللازم، التركيز على دراسة خصوصية الشرط ومقتضاه لا على بقاء الواجب المشروط على ما كان وعدمه.

ويرشدك إلى ما ذكرنا أنّه إذا كان الشرط مشتملاً على خصوصية مستلزمة لطلب الجمع بين الفعلين، كما إذا كان امتثال أمر الأهمّ شرطاً على وجه الشرط المتأخّر لإيجاب الأمر بالمهم، لما صحّ الترتّب، وإن قلنا بأنّ الواجب المشروط لا يخرج عمّا هو عليه بعد حصول شرطه، ولكنّه إذا كان الشرط مشتملاً على خصوصية مستلزمة لطلب الفعلين لا على نحو الجمع بينهما، لصحّ الترتّب، وإن قلنا بخروج الواجب المشروط عن كونه واجباً مشروطاً بعد حصول شرطه كما إذا


(65)

أوجب المولى المهمّ، إذا وقف أنّ دواعي العبد مصروفة عن امتثال الأمر بالأهمّ.

وهذا ينتج أنّ هذه المقدّمة ليست مؤثرة في استنباط الترتّب.

***

المقدّمة الثالثة: في تقسيم الواجب المضيّق على قسمين:

الأوّل: ما يكون فيه الشيء شرطاً للواجب المضيّق لكن لا بلحاظ حدوثه بل بلحاظ انقضائه كالقتل بالنسبة إلى الحدّ والقصاص فانّهما مترتّبان على القتل لا بلحاظ حدوثه بل بلحاظ انقضائه ولو آناً ما.

الثاني: ما يكون الشيء شرطاً للواجب المضيّق لكن بلحاظ حدوثه، فيكون التكليف بالمضيّق مقارناً لوجود الشرط وحدوثه ولا يتوقف على انقضائه كالصوم بالنسبة إلى الفجر ففي مثله يستحيل تخلّف التكليف من الشرط آناً ما. ويعلم ذلك ممّا ذكر في المقدّمة الثانية، من أنّ كلّ شرط موضوع، ونسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلّة إلى المعلول، ولو تخلّف يلزم أن لا يكون ما فرضناه موضوعاً، بموضوع وهو خلف.

بل يتّحد في الفرض(شرطية الفجر بوجوده الحدوثي) زمان الشرط، والتكليف ـ كما عرفت ـ وزمان الامتثال لأنّ نسبة التكليف إليه، كنسبة اقتضاء حركة اليد إلى حركة المفتاح.

ثمّ إنّه ـ قدَّس سرَّه ـ رتّب على هذه المقدّمة دفع إشكالين عن القول بالترتّب وإليك بيانهما وكيفية ذبِّهما.

الإشكال الأوّل:

الترتّب مبنيّ على القول بالواجب المعلّق والشرط المتأخّر.

بيانه; إنّ تصحيح الترتّب مبنيّ على أمرين باطلين:


(66)

1ـ القول بالواجب المعلّق الذي يتقدّم فيه زمان التكليف على زمان الامتثال.

2ـ الشرط المتأخر أي ما يتقدّم الشرط لحاظاً وتصوراً ويتأخّر وجوداً .

و ذلك لأنّ الالتزام بأصل في باب التكليف وشرطه، (سبق التكليف وشرطه على زمان الامتثال) صار سبباً لاشتمال الترتّب على أمرين باطلين أي القول بالواجب المعلّق والشرط المتأخّر.

أمّا الأوّل، فلأنّ الالتزام على سبق التكليف على زمان امتثاله، بصورة أصل موضوعي يوجب تقدّم الأمر بالمهمّ على ظرف امتثاله الذي هو عبارة أُخرى عن زمان عصيان الأمر بالأهم ولا نعني من الواجب المعلّق إلاّ هذا.

وأمّا الثاني، فلأنّ الالتزام بسبق التكليف وشرطه على زمان الامتثال صار سبباً لعدم صلاحية جعل العصيان شرطاً وذلك لأنّ عصيان الأمر بالأهم، نفس ظرف امتثال الأمر بالمهم، وما يكون متّحداً مع ظرف امتثال التكليف، لا يمكن أن يكون شرطاً لنفس التكليف، لأنّ التكليف وشرطه يجب أن يكونا سابقين على ظرف الامتثال، وما هو (عصيان الأمر بالأهم) واقع في رتبة الامتثال، لا يصلح أن يقع شرطاً للتكليف فلا محيص عن جعل الشرط عنواناً مقارناً مع التكليف وليس هو إلاّ العلم بالعصيان المقارن مع التكليف لحاظاً، المتأخّر عنه وجوداً، المتّحد وجوده مع ظرف امتثال الأمر بالمهم.

هذا هو الذي استحصلناه من كلا التقريرين (1) مقتصرين باللب:

ثمّ إنّه ـ قدَّس سرَّه ـ أجاب عن الإشكالين أمّا عن الإشكال الأوّل ففيه مضافاً إلى أنّه لا يختصّ بباب الترتّب إذ لو صحّ لزوم سبق زمان التكليف على زمان الامتثال لأصبح جميع التكاليف واجبات معلّقة من غير فرق بين الموسّع والمضيّق أنّ المبنى


1-الكاظمي: فوائد الأُصول:1/341ـ349; الخوئي: أجود التقريرات:1/288ـ 290.


(67)

باطل إذ لا يلزم سبق التكليف على زمان امتثاله كما هو الحال في باب الصوم لما عرفت من أنّ زمان التكليف والامتثال واحد.

وأمّا الثاني، فهو أيضاً مبني على سبق التكليف و بالتالي شرطه (عصيان الأمر بالأهم) على زمان الامتثال، ولذلك لم يصحّ عند المستشكل جعل العصيان شرطاً لتأخّره عن التكليف، لاتّحاده مع ظرف امتثاله وأمّا إذا أنكرنا ذلك و قلنا بكفاية التقارن، فالتكليف بالمهم، وشرطه وهو عصيان الأمر بالأهم، وظرف امتثاله واحد.

والحاصل أنّ الالتزام بسبق التكليف وشرطه على زمان الامتثال مبدأ لبروز إشكالين كما أنّ إنكاره موجب لرفعهما.

الإشكال الثاني:

إنّ خطاب المهمّ لو كان مشروطاً بنفس عصيان الأهم لم يلزم محذور طلب الجمع، لأنّ امتثال خطاب المهم أُعتبر في زمان خلوّ المكلّف عن الأهم فلا يُعقل اقتضاؤه لطلب الجمع وأمّا إن أُخذ الشرط هو العنوان الانتزاعي ووصف التعقّب ـ أي كون المكلّف ممّن يعصي ـ فيلزم محذور طلب الجمع ،لأنّ خطاب المهمّ يكون فعليّاً قبل عصيان الأهم إذا كان ممّن يعصي بعد ذلك، فلم يعتبر (في ظرف امتثاله)(1) خلوّ المكلّف عن الأهم بل يلزم اجتماع كلّ من الأهم والمهمّ في زمان واحد.(2)

ثمّ أجاب وقال:

إنّا نختار الشقّ الأوّل، ولا وجه لعدم كونه شرطاً إلاّ توهم لزوم تقدّم زمان


1-الأولى أن يقول: «فلم يعتبر في ظرف فعليته خلو المكلّف عن الأهم».
2-الكاظمي: فوائد الأُصول: 1/347.


(68)

التكليف على زمان الامتثال ولمّا كان العصيان شرطاً للتكليف يلزم تقدّمه على زمان الامتثال فلا يمكن أن يكون العصيان شرطاً لاستلزامه الشرط المتأخر فلابدّ أن يكون الشرط العنوان الانتزاعي المقارن للتكليف، لكنّك عرفت أنّه لا ملزم لسبق التكليف فضلاً عن سبق الشرط على زمان الامتثال، وعليه يصحّ أن يكون العصيان شرطاً، المقارن مع التكليف المقارن مع زمان الامتثال.

و نختار الشقّ الثاني، ولا يلزم منه طلب الجمع بين الضدّين بداهة أنّ عنوان التعقّب بالمعصية إنّما ينتزع من المكلّف بلحاظ تحقّق عصيانه في ظرفه المتأخّر، فإذا فرض وجود المعصية في ظرفها وكون التعقيب لها شرطاً لخطاب المهمّ فيكون الحال فيه كالحال في فرض كون العصيان شرطاً لطلب المهمّ.

يلاحظ على ما أفاده حول الشقّ الأوّل

أوّلاً: أنّ الجواب لا صلة له بالإشكال، لأنّ الإشكال عبارة عن التفريق بين كون العصيان شرطاً، أو كون العنوان الانتزاعي شرطاً وأنّ الأوّل، لا يستلزم طلب الجمع، بخلاف الثاني، فالإجابة عنه بأنّه لا وجه لعدم جعل العصيان بنفسه شرطاً إلاّ توهم لزوم تقدّم التكليف وشرطه على زمان الامتثال... كأنّه لا صلة له بالإشكال أبداً، وسيوافيك أنّ المحقّق الخوئي قرّر هذا الشق بشكل آخر.

وثانياً: أنّ عدم صحّة اشتراط نفس العصيان ليس لأجل استلزامه الشرط المتأخّر حتى يندفع بما ذكر بل الوجه هو أنّه لو كان العصيان بوجوده الخارجي شرطاً، يلزم هدم أساس الترتّب لأنّ العصيان لو كان أمراً تدريجياً فهو عبارة عن ترك المأمور به في مقدار من الزمان الذي يفوت بمضيّه الأهمّ فلابدّ من تعلّق الأمر بالمهم بعد مضي زمان يتحقّق فيه العصيان وعندئذ يسقط الأمر بالأهم ولا يبقي في البين إلاّ الأمر بالمهم وهو خلف الفرض، وكذا لو كان العصيان أمراً آنيّاً فتحققه، وإن كان متّحداً مع فعلية الأمر بالمهم، لكنّه متّحد مع سقوط الأمر بالأهم، وعلى كلّ تقدير ليس هنا أمران فعليان:


(69)

وأمّا الشقّ الثاني فلأنّ العنوان الانتزاعي (التعقّب) الذي يعبّر عنه بمن يعصي إذا كان ثابتاً للمكلّف من أوّل الأمر ففي هذا الظرف يكون الأمران فعليين الأمر بالأهم لعدم سقوطه إلاّ بالعصيان الخارجي لا العصيان الفرضي، والأمر بالمهم، لحصول شرطه ومجرّد اتّخاذ العنوان الانتزاعي من العاصي بلحاظ ظرف العصيان لا يدفع التضادّ لأنّ المعصية الاستقبالية لا توجب سقوط الأمر إلاّ في ظرفها، لا في ظرف العنوان المنتزَع منها وما هذا إلاّ إسراء حكم منشأ الانتزاع إلى زمان الانتزاع.

اللّهمّ إلاّأن يكون نظره إلى ما قدّمناه من عدم المطاردة في المقامات الثلاثة مقام الإنشاء والفعلية والامتثال، وإن كانت عبارته غير وافية.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قد قرّر الشقّ الأوّل للإشكال بشكل آخر ولعلّه ألصق بالمقدّمة الثانية وحاصله: أنّه لو كان الشرط نفس العصيان، لزم خروج المورد عن خطاب الترتّب لاستلزامه سقوط الأمر بالأهم وانحصار الأمر بالمهم وهو خلف.(1) ثمّ نقل جواباً عن الإشكال فمن أراد فليرجع إلى تقريراته.

المقدمة الرابعة:

الهدف من تأسيس هذه المقدّمة إثبات أنّ الأمر بالمهمّ في طول الأمر بالأهمّ لا في عرضه زاعماً بأنّ كونه في طوله كاف في رفع الغائلة، كما أنّ الهدف من تأسيس المقدّمة الخامسة، إثبات أنّ فعلية الأمرين لا تقتضي إيجاب الجمع، وعلى ضوء ذلك فما يرتبط من المقدّمات الخمس إنّما هو الثانية والرابعة والخامسة، فأمّا الأُولى فإنّما هو لبيان محلّ النزاع كما أنّ الثالثة، لأجل دفع بعض الإشكالات الجانبيّة عنه كاستلزام صحّة الترتّب الواجب المعلّق، والشرط المتأخّر، المتعيّـن


1-المحقّق الخوئي: أجود التقريرات: 1/291.


(70)

عند القائل وسيوافيك في آخر هذه المقدّمة مدخلية المقدّمة الثانية والرابعة في إثبات طولية الأمر الثاني.

قال ـ قدَّس سرَّه ـ:إنّ انحفاظ كلّ خطاب أو حكم فيما يُتصوّر له من التقادير والصور، يتصور على أحد أنحاء ثلاثة:

الأوّل: أن يكون العامل لحفظ الخطاب في صورة خاصة (التقييد) أو جميع الصور(الإطلاق) لحاظ الآمر اختصاص الحكم بها أو سعته لها ولغيرها وهذا ما يسمّى بالإطلاق والتقييد اللحاظيين لأنّ سعة الحكم وضيقه وبالتالي انحفاظه فيهما قائمة بلحاظ الآمر وتصوّره. ذلك في الانقسامات الطارئة على المتعلّق قبل تعلّق الحكم وإن شئت قلت في القيود الواقعة تحت دائرة الطلب وذلك كتقييد الصلاة بالوقت والطهارة والاستقبال أو كإطلاقها وإرسالها بالنسبة إلى ذاك المكان أو ذلك، فانّ انحفاظ الخطاب أو الحكم في كلتا الصورتين إنّما بلحاظ كون الصلاة إمّا مقيّدةً أو مرسلةً أوّلاً، ثمّ يتعلّق بها الخطاب أو الحكم .

الثاني: أن لا يكون الانحفاظ بالإطلاق والتقييد اللحاظيين بل بدليل خارجي، تكون نتيجته الإطلاق أو التقييد وذلك في الانقسامات الطارئة على المتعلّق بعد تعلّق الخطاب به بحيث لا يكون لذلك التقدير وجود إلاّ بعد ورود الخطاب وإن شئت قلت في الانقسامات الواقعة فوق دائرة الطلب كتقدير العلم والجهل بالخطاب أو الحكم، حيث إنّه لا يعقل تقدير الجهل أو العلم بالحكم إلاّ بعد وجوده ففي مثله لا يُمكن الإطلاق أو التقييد الخاطيّ السابق، نعم يتوسل إلى أحدهما بدليل خارجي يفيد سعة الحكم إلى حالتي العلم والجهل، إذا كانت المصلحة موجودة في كلتا الحالتين وكما هو الحال في غالب الأحكام حيث دلّ الإجماع ودليل الاشتراك على كون أحكام اللّه مشتركة بين العالم والجاهل، أو تخصيصه بحالة العلم كما هو الحال في مسألتي القصر والإتمام والجهر والمخافة، حيث دلّ الدليل على صحّة صلاة من أتمّ في موضع القصر، أو جهر في موضع


(71)

المخافة أو العكس. حيث إنّ الملاك الملزم محفوظ في صورة العلم لا في صورة الجهل بالحكم، فالآمر يصل إلى نتيجة الإطلاق أو التقييد، لكن لا بنفس الدليل بل بدليل خارجي.

الثالث: ما كان انحفاظ الخطاب لا بالإطلاق والتقييد اللحاظيين ولا بنتيجة الإطلاق والتقييد وذلك بالنسبة إلى كلّ تقدير يقتضيه نفس الخطاب وهو الفعل أو الترك الذي يطالب به حيث إنّ انحفاظ الخطاب في حالتي الفعل والترك بنفسه، وباقتضاء هوّيته الذاتية لا بإطلاقه لحاظاً أو نتيجة إذ لا يعقل الإطلاق والتقييد بالنسبة إلى تقديري فعل متعلّق الخطاب وتركه بل يؤخذ المتعلّق معرّى من حيثيّة فعل وترك ويلاحظ نفس ذاته، نظير حمل موجود على الإنسان، فإذا قلنا الإنسان موجود بالإمكان، فليس الموضوع مقيداً بالوجود، وإلاّ لانقلبت النسبة إلى الضرورة ولا بالعدم وإلاّ لانقلبت إلى الامتناع بل الماهية المعرّاة عن كلّ قيد ومنه الوجود والعدم.

وهكذا المقام فانّه لا يمكن تقييد المتعلّق، بالفعل في مقام البعث إليه، ولا تقييده بالترك ولا إطلاقه بالنسبة إلى تقدير الفعل والترك لاستلزامه طلب الحاصل في الأوّل، وطلب الجمع بين النقيضين في الثاني، وكلا المحذورين في الثالث، فلابدّ من لحاظ ذات المتعلّق مهملاً معرّى عن كلا تقديري الفعل والترك ومع أنّه ليس فيه تقييد ولا إطلاق لا لحاظاً ولا نتيجةً ولكن مع ذلك، يكون الخطاب محفوظاً في كلتا حالتي الفعل والترك مالم نتحقّق العصيان فانّه عند ذلك يسقط الخطاب.

ثمّ إنّه _ قدَّس سرَّه _ بعد ماذكر الفرق بين القسم الثالث الذي يكون الخطاب محفوظاً عنده باقتضاء ذاته وبين الوجهين الأوّلين اللذين يكون الخطاب محفوظاً عندهما أثبت ما هو الهدف من ترتيب هذه المقدّمة من كون الخطاب الثاني في طول الأوّل وذلك بالبيان التالي:


(72)

إنّ مقتضى إطلاق خطاب الأهم بالنسبة إلى صورتي الفعل والترك (العصيان) كونه متعرضاً لموضوع خطاب المهم وطارداً ومقتضياً لهدمه ورفعه في عالم التشريع وأمّا خطاب ا لمهمّ فهو إنّما يكون متعرّضاً لحال متعلَّقه ولا تعرّض له لحال موضوعه لأنّ الحكم لا يتكفّل حال موضوعه من وضع أو رفع بل هو حكم على تقدير وجوده ومشروط به، وبما أنّ كلّ شرط موضوع، وبما أنّ الواجب المشروط لا ينقلب بعد حصول شرطه إلى الواجب المطلق، فالخطاب بالمهم مشروط بوجود الموضوع ومعناه: إنّه إن وجد موضوعي وتحقق خارجاً يجب فعل متعلّقي وهذا بخلاف لسان الخطاب بالأهم وهو أنّه عليك أن لا توجد موضوع خطاب المهمّ. فيكون خطاب الأهمّ في رتبة متقدّمة على موضوع خطاب المهم(العصيان) وموضوع خطاب المهمّ مقدّم على حكمه، تقدّم الحكم على الموضوع فينتج تقدم حكم خطاب الأهمّ على خطاب المهم برتبتين وهذا هو الذي يرتئيه صاحب المقدّمة من طرحها.(1)

يلاحظ عليه بوجهين:

الأوّل: إنّ الإطلاق والتقييد اللحاظيين، لا أساس لهما فإنّ الإطلاق عبارة عن كون ما وقع متعلّقاً للحكم أو موضوعاً له، تمامهما. بلا مدخلية قيد فيهما، ويكفي في ذلك كون المتكلّم في مقام البيان من دون لحاظ القيود وضعاً ورفعاً، وبعبارة أُخرى الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود، وعلى ذلك فتفسير الإطلاق، بكون الشيء واجباً سواء في هذا المكان أو ذاك،، لا أساس له.

و بذلك يعلم أنّ مرجع ما سمّاه نتيجة الإطلاق أو التقييد، إلى ما ذكرنا لأنّ دلالة الدليل على أنّ المتعلّق أو الموضوع تمامهما ليست باللفظ بل بالعقل وعليه لا فرق بين ما أمكن بيان ما له دخل في نفس الدليل أو في الدليل المنفصل، فمآل


1-فوائد الأُصول: 1/348ـ 352.


(73)

القسمين إلى أمر واحد وهو أنّ ما جاء متعلّقاً للحكم أو موضوعاً له تمام الموضوع و المتعلّق وإلاّ كان عليه البيان مع الدليل.

الثاني: إنّ مجرّد كون خطاب المهم في طول خطاب الأهمّ لا ينفع، مالم ترفع غائلة طلب الجمع بين الفعلين وذلك بشهادة أنّه لو كان الشرط في الأمر الثاني، امتثال الأمر الأوّل، بأن يقول : أزل النجاسة وإن امتثلت فصلّ، لا بمعنى الامتثال الخارجي بل من سيمتثل كما هو الحال في العصيان فلا ترتفع الغائلة بل يلزم طلب الجمع بين الفعلين ولأجل ذلك لابدّ من دراسة المقدّمة الخامسة الّتي هي بصدد إثبات أنّ مقتضى الأمرين ليس إيجاب الجمع بينهما.

المقدّمة الخامسة: في أنّ الخطاب الترتبي لا يقتضي الجمع

هذه المقدّمة ـ كما قلنا سابقاً ـ ويفصح عنوانُها، سيقت لإثبات أنّ الخطابَ المقدّميّ لا يقتضي إيجابَ الجمع ولعلّها تحمل روح الترتّب ولها أهمية خاصة وقد فصّل المستدل الكلام في بيان مقصوده، ونحن نقتصر على ما هو اللازم المؤثر في إثبات المدّعى.

إذا كان أحد الدليلين متعرّضاً لحال الدليل الآخر فإمّا أن يكون نفس الخطاب رافعاً أو دافعاً لموضوع الآخر وإمّا أن يكون امتثاله، فإن كان الأوّل فهذا ممّا يوجب عدم اجتماع الخطابين في الفعلية ولا يعقل أن يكون كلّ من الخطابين فعليّاً، لأنّ وجود أحد الخطابين رافع لموضوع الآخر فلا يبقى مجال لفعلية الآخر حتى تقع المزاحمة و وهذا كما إذا ربح الرجل وكان عليه دين من عام الربح، فخطاب أدّ دينك، رافع لموضوع خطاب الخمس لأنّه بعد المؤنة(1) وأداء الدين من المؤنة.


1-الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(74)

فإن كان الثاني، أي كان أحد الخطابين بامتثاله رافعاً لموضوع الآخر فهذا هو محلّ البحث في ا لخطاب الترتّبي حيث يتحقّق اجتماع كلّ من الخطابين في الفعلية، لأنّه مالم يمتثل خطاب الأهمّ لا يرتفع خطاب الآخر لعدم ارتفاع موضوعه بعد فيجتمع الخطابان في الزمان وفي الفعلية بتحقّق موضوعهما فيقع الكلام عن أنّ اجتماع مثل هذين الخطابين يوجب إيجاب الجمع أو لا والحقّ أنّه لا يوجب لوجوه ثلاثة:

1ـ يستلزم المحال في جانب المطلوب فلأنّ مطلوبية المهمّ ووقوعه على هذه الصفة إنّما يكون في ظرف عصيان الأهم وخلوّ الزمان عنه، بداهة أنّ ما يكون قيداً للطلب (فإن عصيت فصلّ) يكون قيداً للمطلوب فيكون الواجب «الصلاة بعد العصيان»، كالحجّ بعد الاستطاعة، فلو فرض وقوعه على صفة المطلوبية في حال وجود الأهم وامتثاله، يلزم الجمع بين النقيضين إذ يلزم أن يكون مطلوباً مقيداً بكونه بعد العصيان وفي الوقت نفسه مطلوباً ولوحال عدمه.

2ـ يستلزم المحال في ظرف الوجوب وذلك لأنّ خطاب الأهمّ يكون من علل عدم خطاب المهم لاقتضائه رفع موضوعه، فلو اجتمع خطاب الأهم والمهم وصار المهمّ في عرض خطاب الأهمّ كما هو لازم إيجاب الجمع لكان من قبيل اجتماع الشيء مع علّة عدمه.

3ـ البرهان المنطقي أيضاً يقتضي عدم إيجاب الجمع فانّ الخطاب الترتبي بمنزلة المنفصلة المانعة الجمع، بين النسبة الطلبيّة في جانب المهمّ والنسبة الفاعليّة في جانب الأهم فصورة القضية هكذا: إمّا أن يكون الشخص فاعلاً للأهم، وإمّا أن يجب عليه المهم ومعه كيف يعقل إيجاب الجمع.(1)

يلاحظ على الوجه الأوّل، منع كون العصيان قيداً للطلب والمطلوب، وإنّما


1-الكاظمي: فوائد الأُصول: 1/357ـ 361.


(75)

هو قيد للطلب دون المطلوب بشهادة أنّه لو تمكّن عن طريق الإعجاز الجمع بين الأهم والمهمّ لوقع المهمّ على وصف المطلوبية فما يظهر منه ـ قدَّس سرَّه ـ من عدم كونه مطلوباً في غير صورة العصيان كما ترى.

وعلى الثاني، أنّ ما ذكره من أنّ خطاب الأهم من علل عدم خطاب المهم لاقتضائه رفع موضوعه. لا يوافق من جعله المقام من القسم الثاني أي كون أحد الخطابين بامتثاله رافعاً لموضوع الآخر، فكيف يصحّ أن يقول إنّ خطاب الأهم من علل عدم خطاب المهم لاقتضائه رفع موضوعه.

والحقّ أن يقال: إنّ المحقّق النائيني أتعب نفسه الشريفة في ترتيب هذه المقدّمات لتصحيح الترتّب، لكن تصحيحه واستنباطه، لا يتوقّف على هذه المقدّمات المفصّلة، وكان في وسعه أن يرد من أقصر الطرق وأسهلها كما عرفت منّا. شكر اللّه مساعي علمائنا الماضين وحفظ اللّه الباقين منهم.

***

ثمرات بحث الترتّب

الفروع الفقهية المترتّبة على صحّة الترتّب

إنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، ونحن إذا راجعنا الفقه نرى أنّ هناك أحكاماً شرعية أفتى بها العلماء ولا يصحّ الإفتاء بها إلاّ على القول بصحّة الترتّب، وإليك بعض ما عثرنا عليه أو ذكره غيرنا:

1ـ المسألة المعروفة أعني ما إذا رأى المكلّف نجاسة في المسجد وقد دخل وقت الصلاة، فلا شكّ أنّه تجب المبادرة إلى إزالتها قبل أن يصلي مع سعة الوقت،


(76)

ومع الضيق يقدّم الصلاة، ولكن لو ترك الإزالة مع سعة الوقت واشتغل بالصلاة عصى لأنّه ترك الأهمّ وإنّما الكلام في صحّة صلاته، فتحكم بالصحّة على الترتّب.(1)

2ـ إذا كان بدن المكلّف أو ثوبه نجساً، ومن جانب آخر كان محدثاً وليس عنده من الماء إلاّ بقدر أحد الأمرين: رفع الحدث أوالخبث. فبما أنّ لرفع الحدث بدلاً وهو التيمّم، يجب استعمال الماء في رفع الخبث، فصار رفع الخبث أهمّ، ورفع الحدث هو المهم. فلو عصى واستعمل الماء في رفع الحدث بالتوضؤ أو الاغتسال، فصحّتهما مبنيّة على القول بالترتّب، أي توجّه الأمر إلى رفع الحدث عند العزم على عصيان الأمر بالأهم.(2)

3ـ إذا كانت وظيفة المكلّف التيمّم لضيق الوقت عن استعمال الماء، ومع ذلك خالف فتوضأ أو اغتسل، فصحّة الوضوء أو الغسل مبنية على صحّة الترتّب أوالاكتفاء بالملاك.(3)

4ـ إذا كان وضوء الزوجة مفوِّتاً لحقّ الزوج، مع سعة الوقت فتوضأت، فصحّة وضوئها مبنيّة على صحّة الترتّب، أو القول بكفاية الملاك، كما هو الحال في عامة المسائل.(4)

5ـ لو انحصر ماء الوضوء بما يوجد في الآنية المغصوبة، فإن اغترف منها ـ لأجل التوضؤ ـ ما يكفيه للوضوء، فيجب عليه الوضوء، وإن عصى في الاغتراف ولا صلة للصحّة هنا بالترتّب لسقوط النهي عن الاغتراف بالعصيان وأمّا إذا كان بناؤه على الاغتراف تدريجياً، فاغترف مرّة ما يكفيه لغسل الوجه، فصحّة وضوئه


1-لاحظ العروة الوثقى، كتاب الطهارة، فصل «يشترط في صحّة الصلاة...» المسألة الرابعة.
2-لاحظ العروة الوثقى، كتاب الطهارة، فصل في التيمم و مسوغاته، في ذيل المسألة 22.
3-المصدر السابق، المسألة 29.
4-لاحظ العروة الوثقى، كتاب الطهارة، شرائط الوضوء، المسألة 36.


(77)

بهذا الشكل ـ بأن يغترف مرّة أُخرى بعد غسل الوجه، لغَسْل اليمنى ثمّ اليسرى ـ مبنية على صحّة الترتّب، فانّ القدرة على كلّ غسلة من غسلات الوضوء حاصلة عند كلّ غسلة بالعصيان بالتصرّف في الآنية المغصوبة.(1)

و نظيره الاغتراف من آنية الذهب أو الفضّة، وليست القدرة الفعلية على مجموع العمل قبل الشروع فيه شرطاً، بل تكفي القدرة عند كلّ جزء من أجزائه.

6ـ إذا توقف حفظ نفس محترمة على ترك الصلاة أو قطعها، فلو عصى واشتغل بالصلاة، مبتدأ بها أو مستمرّاً فيها، فالصحّة مبنية على صحّة الترتّب أو القول بكفاية الملاك.(2)

7ـ إذا كان المكلّف في حال الصلاة فسلّم عليه شخص، وجب عليه ردّ السلام، ولو عصى واستمرّ في الصلاة، صحّت لمكان الأمر الترتبي.(3)

8ـ لو شرع في اليومية ـ مع سعة وقتها ـ ثمّ ظهر له ضيق وقت صلاة الآية، يجب عليه قطعها والاشتغال بصلاة الآية، فلو لم يقطعها واستمرّ في الصلاة، فالصحّة مبنية على القول بالترتّب أو كفاية الملاك.(4)

و مثله كلّ صلاة موسّعة عارضت صلاة مضيّقة، كالنافلة في وقت الفريضة مع ضيق وقتها.

9ـ إذا وجب السفر في شهر رمضان بإيجاب أهم من صومه، كسفر الحجّ، فلو عصى ولم يسافر توجّه إليه الأمر بالصوم بحيث لو أفطر وجبت عليه الكفارة، كما يجب عليه الإتمام ولا يصحّ منه القصر، فكأنّ المولى يقول: «سافر، وأفطر،


1-لاحظ فوائد الأُصول، للمحقّق الكاظمي:1/378.
2-لاحظ العروة الوثقى، فصل لا يجوز قطع صلاة الفريضة اختياراً، المسألة 4.
3-لاحظ العروة الوثقى، فصل في مبطلات الصلاة، المسألة 16.
4-العروة الوثقى، فصل في صلاة الآيات، المسألة 12.


(78)

وقصّر، ولو عصيت فصم وأتمم».(1)

10ـ إذا زاحم الصوم، حفظ نفس الغير أو عرضه أو زاحمه حفظ مال أهمّ في نظر الشارع من الصوم، ومع ذلك صام، فالصحّة مبنية على أحد الأمرين الترتّب أو القول بكفاية الملاك.(2)

11ـ إذا كان اعتكاف الزوجة منافياً لحقّ الزوج، أو اعتكاف المستأجر منافياً لحقّ الأجير، فلوخالف وصام واعتكف، فتصحيح العبادة بأحد الأمرين كما مرّ.(3)

12ـ إذا كان عليه خمس من عام الربح الماضي، وكان عليه دين حال، فيقدّم الدين على الخمس، فلو خالف ولم يؤدّ الدين يمكن القول بوجوب الخمس مترتّباً على العصيان.(4)

13ـ لو صلّى العصر قبل الظهر في الوقت المشترك نسياناً فلا مانع من الإتيان بالظهر في الوقت المختصّ بالعصر.

فلو ترك الإتيان بالظهر في هذا الوقت واشتغل بصلاة أُخرى قضاءً فيمكن أن يقال إنّ اشتغال الذمّة بالواجب الفوريّ ـ أعني: صلاة الظهر ـ لا ينافي صحّة عبادة أُخرى مضادّة له بناء على تعلّق الأمر بالموسّع ـ أعني: صلاة القضاء ـ فعلاً أيضاً على الترتّب.(5)

14ـ لو بنينا على بطلان الصلاة في اللباس المغصوب، يعتبر فيه أن لا


1-لاحظ فوائد الأُصول:1/357، و أجود التقريرات:1/302.
2-لاحظ العروة الوثقى، كتاب الصوم، فصل في شرائط صحّة الصوم، في ذيل قوله:«الشرط السادس».
3-لاحظ العروة الوثقى، كتاب الاعتكاف، فصل: يشترط في صحّته أُمور: السابع.
4-لاحظ فوائد الأُصول: 1/358.
5-الحائري اليزدي: كتاب الصلاة، ص 16.


(79)

يكون معذوراً فيه عقلاً أو شرعاً... أمّا في صورة العذر الشرعي بأن يكون المورد ممّا رخّص شرعاً فواضح وأمّا في صورة العذر العقلي فلأنّه لا مانع من فعلية الأمر بالصلاة في مورد تحقّق العذر للمكلّف عن الحرام الواقعي بقاعدة الترتّب التي حققّناه في الأُصول.(1)

***

ثمّ إنّ المحقّق النائيني طرح أمثلة ثلاثة، ثالثها ما مرّ منّا برقم 12، وأمّا الآخران فإليك نصّ كلامه.

15ـ لو فرضت حرمة الإقامة على المسافر من أوّل الفجر إلى الزوال، فلو فرض أنّه عصى هذا الخطاب وأقام فلا إشكال في أنّه يجب عليه الصوم ويكون مخاطباً به فيكون في الآن الأوّل الحقيقي من الفجر قد توجّه إليه كلّ من حرمة الإقامة ووجوب الصوم ولكن مترتّباً، فيكون وجوب الصوم أو وجوب التمام مترتّباً على عصيان حرمة الإقامة. وكأنّه يقول تحرم عليك الإقامة، وإن عصيت بنيّة الإقامة، فصُم واتمم.

16ـ لو فرض وجوب الإقامة على المسافر من أوّل الزوال، فلو عصى ولم ينو الإقامة وجب عليه القصر وإفطار الصوم وكأنّه يقول أقم وإن عصيت فقصّر وأفطر.(2)

يلاحظ عليه بأُمور:

أ: إنّه - قدَّس سرَّه - ، ممّن قال بأنّ الشرط هو العصيان الخارجي لا العزم عليه حيث قال: إنّ ظرف عصيان الأهم والشرط وامتثال الأمر بالمهمّ واحد، وعلى ضوء هذا


1-الحائري اليزدي: كتاب الصلاة، ص 48 ـ 49.
2-فوائد الأُصول: 1/357ـ 358 و ماجاء تحت رقم 13، غير ما مرّ منا تحت رقم 9 فلاحظ و لا يختلط عليك الأمر.


(80)

يخرج المثال الأوّل من الخطاب الترتبي لأنّ عصيان حرمة الإقامة من الفجر إلى الزوال لا يتحقّق إلاّ بمضيّ آن من أوّل الفجر، ثمّ يحدث بعده الأمر بالصوم وذلك الأمر بالصوم فرع تحقّق الشرط وهو يتحقّق بالآن الأوّل، وعندئذ كيف يصحّ الصوم مع أنّ الجزء الأوّل كان فاقداً للأمر. وهو ظرف تحقّق الإقامة بعصيان حرمتها.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: بأنّه ـ قدَّس سرَّه ـ قائل باقتران الأمر مع شرطه وهو العصيان الذي هو ظرف امتثال الأمر بالمهم، كما مرّ نقله عنه وعلى مختاره يكفي الاقتران، ولا يشترط تقدّم العصيان على الأمر بالمهمّ.

ومنه يظهر حال المثال الثاني، فانّ عصيان وجوب الإقامة يتحقّق بمضي أوّل جزء من الزوال وهو فاقد للنيّة ولا تنفع نيّة الإقامة بعد مضيّ الآن الأوّل ثمّ يحدث بعده الأمر بالقصر والإفطار ومن المعلوم أنّه خارج عن الخطاب الترتّبي لأنّ فعلية الأمر الثاني، مترتّب على سقوط الأمر الأوّل وهو من الجواز بمكان إنّما الكلام في فعلية الأمر بالمهمّ، مع عدم سقوط الأمر الأوّل. نعم لو كان الشرط هو «من سيعصي» المتحقّق قبل الفجر والزوال، لما توجّه هذا الإشكال.

ب: إنّ الاستدلال بهذين المثالين هو استدلال على الإمكان عن طريق برهان الإنّ لأنّ أدلّّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، مع أنّ الواقع لا يمتّ إلى الترتّب بصلة لأنّ الأمر بالصوم في المثال الأوّل لم يترتّب على عصيان حرمة الإقامة. وإنّما ترتّب على شهود الشهر قال سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة/185) وهو بنيّة الإقامة شهد الشهر. كما أنّ الأمر بالقصر في المثال الثاني لم يترتّب على حرمة الإقامة بل على الضرب في الأرض، وهو كان ضارباً في الأرض قبل الزوال واستمرّ عليه من دون أن يقطع السفر بنيّة الإقامة فوجب عليه القصر.

ج: لا تكون الإقامة بعنوانها محرّمة أو واجبة، لعدم تعلّق النهي والأمر بها


(81)

بعنوانها وأمّا حرمتها أو وجوبها بالعناوين الطارئة كالنذر واليمين فليس بتام لأنّ الواجب هو الوفاء بالنذر واليمين، ويتحقّق الوفاء تارة في ضمن عدم الإقامة كما في المثال الأوّل، فلو أقام لزم نقض النذر، أو في ضمن الإقامة كما في المثال الثاني، فلو استمرّ في سيرة سفره، لزم النقض.

تصحيح امتثال المهم لا بنحو الترتّب
«الأمر بالضدّين عرضاً»

كان الكلام فيما تقدم تصحيح امتثال المهم عن طريق الترتّب. وهناك نظرية أُخرى تصحِّح امتثال المهمّ لا عن طريق الترتّب، بل عن طريق توجّه أمرين عرضيّين إلى الأهم والمهمّ بلا تقييد أحدهما بعصيان الآخر، وهي نظرية جديدة أبدعها سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ بعد أن لم يرتض التقريبات الخمسة المتقدّمة لتصوير الترتّب، نستعرضها فيما يلي.

تبتني هذه النظرية على مقدّمات:

الأُولى: في أنّ الأوامر والنواهي متعلّقة بالطبائع

إنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع، لأنّ الغرض قائم بنفس الطبيعة بأيّ خصوصية تشخّصت، وفي ضمن أيّ فرد تحقّقت فلا معنى لإدخال أيّة خصوصية تحت الأمر بعد عدم مدخليتها في الغرض. على أنّ الهيئة تدل على البعث، والمادّة على الماهية، فلا دالّ على الخصوصية.

الثانية: في أنّ الإطلاق جعل الطبيعة تمام الموضوع

إنّ الإطلاق هو رفض القيود وجعل الطبيعة تمام الموضوع للحكم بلا


(82)

مدخلية دخالة شيء آخر سواها، لا الجمع بين القيود. وما ربّما يقال: إنّ الطبيعة تتخذ مرآة لأفرادها، أو لحالات أفرادها خروج عن تفسير الإطلاق، وهو موجب لخلط العموم بالإطلاق.

فمعنى الإطلاق في قولنا: «أزل النجاسة» جعل الإزالة تمام الموضوع لوجوبها، من دون دخالة شيء في الحكم سواها، لا أنّ الإزالة في هذا المكان أو ذاك المكان، أو أنّ الإزالة وحدها أو مع الاجتماع مع الصلاة، موضوعات لوجوبها.

وبما ذكرنا في تفسير الإطلاق، يتّضح أنّ اللفظ الموضوع للطبيعة، ليس ناظراً إلى أفرادها، ولا إلى حالات أفرادها، وليس مفادُه إلاّ كون الموضوع للوجوب هو نفس الإزالة فقط، وهو بنفسه حجّة على وجوب الإزالة في جميع الأفراد والحالات. وكونها حجّة في جميع الموارد، غير كون اللفظ الموضوع للطبيعة ناظراً إلى الأفراد والحالات.

الثالثة: في أنّ الدليل غير ناظر لحال التزاحم

إنّ التزاحمات الواقعة في الخارج بين أفراد الطبائع، غير ملحوظة في تلك الأدلّة، لأنّ الحكم مجعول على العناوين الكلية، وهو مقدّم على التزاحم الواقع بين الأفراد برتبتين، لأنّه بعد تعلّق الحكم بالعنوان، يحصل ابتلاء المكلّف بالواقعة ثمّ التزاحم بين الأفراد وهما مرتبتان متأخّرتان عن تعلّق الحكم بالعنوان، وماله هذا الشأن من التقدّم لا يتعرض لحال ما يتأخر برتبتين. على أنّ الأمر له هيئة ومادة، ولا دلالة بشيء منهما على الأفراد الخارجية حتى تكون له دلالة على صورة تزاحم الأفراد وعلاجها.

الرابعة : في أنّ الحكم ليس له إلاّ مرتبتان

إنّ القوم جعلوا للحكم مراتب أربع، لكن ليس للحكم ـ عندنا ـ إلاّ


(83)

مرتبتان: الإنشاء والفعلية ونعني من الأوّل ما حاز مرتبة الجعل، ولكن لم يعلن إمّا برَّمته كما في الأحكام المخزونة عند الصاحب ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ أو لم تُعلن مخصصاته أو مقيّداته، كالعمومات الواردة في الكتاب والسنّة، التي جاءت مخصصاتها أو مقيداتها في لسان أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ و نعني بالثاني ما تمّ جعله وبيانه من قبل المولى ولم يبق منه شيء. وأمّا مرتبة الاقتضاء من ملاكات الأحكام ومصالحها ومفاسدها فهي مرتبة قبل الحكم، كما أنّ التنجّز هو حكم العقل به الذي يستحقّ به الثواب والعقاب ولا صلة له بالحكم.

الخامسة: في أنّ الخطاب الشرعي، خطاب واحد لا خطابات

إنّ الخطابات القانونية، خطاب واحد متعلّق بعام، مثل : «الناس» و«المؤمنون» وأمثالهما، وليست هناك كثرة في ناحية الخطاب ، وإن كانت هناك كثرة في ناحية المتعلّق. فانّ المولى يضع التكليف بخطاب واحد، على كلّ من صدق عليه عنوان «الناس» و«المؤمن»، من دون حاجة إلى تكثير الخطاب بتعداد المكلّفين.

و يشهد على ذلك وجدان الإنسان، حيث ترى أنّ من يريد إنجاز عمل، أو رفع بليّة، يخاطب الجمع الكثير بخطاب واحد يدعوهم به إلى ما رامه، ولا يدعو كلّ فرد منهم بخطاب خاص.

و توهم أنّ الخطاب الواحد ينحلّ إلى خطابات متعدّدة، لا يرجع إلى محصّل، لكفاية الخطاب الواحد بلا حاجة إلى انحلال. ولو قلنا بالانحلال في جانب الإنشاء فيجب أن نقول به في جانب الإخبار، فيلزم إذا أخبر عمرو ـ مثلاً ـ كذباً عن شيء له أفراد كثيرة، بأن يقول: «النار باردة» أو «إنّ القوم جاءوا» ، مع أنّهم لم يجيئوا ، أن يكذب بعدد أفراد النار والقوم، مع أنّه واضح البطلان، بل هو لم يكذب إلاّكذبة واحدة.

ويؤيّد ذلك أنّ الأحكام الشرعية شاملة للكفّار والعصاة، مع أنّ الخطاب


(84)

الخصوصي بالنسبة إليهم مستهجن، فظهر أنّ الخطابات المتوجهة إلى المكلّفين خطابات قانونية كلية، لا خطابات شخصية. والخطاب الواحد المتعلّق بالعنوان العام، حجّة على الكل، أي كلّ من صدق عليه ذلك العنوان، من دون حاجة إلى تعدّد الخطاب حسب تعدّد المكلّفين.

السادسة: في أنّ الأحكام غير مقيّدة بالقدرة شرعاً وعقلاً

إنّ الأحكام الشرعية غير مقيدة بالقدرة لا شرعاً ولا عقلاً وإن كان حكم العقل بالإطاعة والعصيان في صورة القدرة، بل الأحكام الشرعية تشمل القادر والعاجز بإطلاقها وتوهّم أنّها بالإرادة الاستعمالية تعلّقت بالمطلق إلاّأنّ الجدّية متعلّقة بالمقيدة بالقدرة، مدفوع بأنّ التقييد إمّا من جانب الشرع أو من جانب العقل. ولو قلنا بالأوّل، لزم القول بجريان البراءة عند الشكّ في القدرة والقوم لا يلتزمون بذلك بل قائلون بالاحتياط مع الشكّ فيها ولو قلنا بالثاني لزم تصرّف العقل في حكم الغير وإرادته مع كون الشرع غيره ولا معنى لتصرف العقل في إرادة الغير.

السابعة: في أنّ الأمر بكلّ من الضدّين أمر بالمقدور

إنّ الأمر بكل من الضدّين، أمر بالمقدور، والذي يكون غير مقدور هو الجمع بين المتعلّقين، وهو ليس متعلّق التكليف فإذا قامت الحجّة في أوّل الزوال على وجوب الصلاة، وقامت حجّة أُخرى على وجوب الإزالة عن المسجد فكلّ واحد حجّة في مفاده مستقلاً لا في الجمع بينهما وليس قيام الحجّتين على الضدّين، إلاّ كقيامهما على الأمرين المتوافقين غير المتزاحمين (كالصلاة والصوم) في أنّ كلّ واحد حجّة في مفاده لا في الجمع بينهما.

ثمّ إذا كان التكليفان متساويين في المصلحة ، فالعقل يستقلّ ـ في صورة الابتلاء ـ بالتخيير فإذا اشتغل بأحدهما يكون في مخالفة الأمر الآخر معذوراً عقلاً


(85)

من غير تقييد. وأمّا لو كان أحدهما أهمّ من الآخر، فلو اشتغل بالأهمّ فهو معذور في ترك الآخر، ولو اشتغل بالمهمّ، فقد امتثل أحد التكليفين الكليين، وإن كان غير معذور في ترك الأهمّ. ومع عدم اشتغاله بذلك لا يكون معذوراً في ترك واحد منهما، لأنّه كان قادراً على إتيان واحد منهما، فترك كلّواحد يكون بلا عذر.

إذا عرفت هذا، فنقول:

إنّ هنا فرقاً واضحاً بين الخطابات الشخصية والخطابات القانونية. فانّ تكليف المكلّف بأمرين، وبخطابين شخصيين ، في وقت لا يسع إلاّواحداً منهما، قبيح. وأمّا تكليفه بأمرين في وقت لا يسع إلاّواحداً منهما، بخطاب قانوني، فصحيح عقلاً وواقع عرفاً. فانّ الخطاب الشخصي لا يهدف إلاّصورة الابتلاء بالضد من عدم سعة الوقت إلاّلشيء واحد. وأمّا الخطاب القانوني، فبما أنّه تختلف فيه حالات المكلفين حسب الابتلاء وعدمه، وا لقدرة وعدمها، فيصحّ تعلّق الخطاب بالعنوان العام، ولا يعدّ كونه حجّة في مقام الابتلاء بالمزاحم قبيحاً. غاية الأمر أنّه يجب على العبد عند إقامة الحجّتين أن يجعل نفسه معذوراً في المخالفة ، كما إذا اشتغل بالأهم وصار معذوراً في مخالفة المهم، ويشتغل بأحدهما مخيّراً، إذا لم يكن في البين أمر أهم.

وعلى ضوء هذا يكون الأهم والمهم نظير المتساويين في أنّ كلّ واحد مأموراً به في عرض الآخر وهذان الأمران العرضيان ، فعليّان متعلّقان بعنوانين كليين من غير تعرّض لهما لحال التزاحم وعجز المكلّف إذ المطاردة التي تحصل في مقام الإتيان لا توجب تقييد الأمرين أو أحدهما أو اشتراطهما أو اشتراط أحدهما بحال عصيان الآخر لا شرعاً ولا عقلاً بل تلك المطاردة لا توجب عقلاً إلاّ المعذورية العقلية في ترك أحد التكليفين حال الاشتغال بالآخر في المتساويين، وفي ترك المهم حال اشتغاله بالأهم.(1)


1-تهذيب الأُصول: 1/302ـ 312.


(86)

نظرنا في هذا التقريب

هذه عصارة ما أفاده في ضمن المقدّمات السبع وماله مدخلية تامّة في استنباط ما اختاره من صحّة توجّه الأمرين العرضيين إلى المكلّف، مع التضادّ في المتعلّق والمهم من هذه المقدّمات، هو المقدّمة الثالثة والخامسة وما بعدها ولنا في بعض ما أفاد هـ قدَّس سرَّه ـ نظر نأتي به تالياً:

الأوّل : ما أوردناه عليه في سالف الزمان في مجلس درسه وحرّرناه في «التهذيب» بصورة السؤال وحرّرنا ما أجاب عنه أيضاً(1) لكنّه غير قالع للإشكال.

وحاصل الإشكال: أنّ الإهمال في مقام الثبوت غير ممكن، (و إن كان بالنسبة إلى مقام الإثبات أمراً متصوّراً ممكناً) واللفظ وإن كان غير ناظر إلى حالات المكلّف، من الابتلاء والتزاحم، إلاّ أنّ المولى يمكنه أن يتفطّن إلى صورة الابتلاء ويتصوّرها، ويرى موقف المكلّف من ابتلائه بالحجّتين مع عدم سعة الوقت إلاّ لواحد منهما. أفهل يرى من نفسه صحّة إلزامه بكلا الدليلين أو لا؟ فعلى الأوّل، يلزم التكليف بغير المقدور وعلى الثاني، يلزم رفع اليد عن إحدى الحجّتين تعييناً أو تخييراً.

وإن شئت قلت: إنّ اللفظ وإن كان لا يدلّ على شرطية قدرة المكلّف أو علمه بالمكلّف به ـ باعتبار أنّ الحاكم بذلك هو العقل ـ ولكن طلب المولى مقصور على ما إذا وجد فيه هذان الشرطان.

وعلى ضوء ذلك، فلو سئل المولى عن انبساط طلبه وشموله لصورة التزاحم، فإن أجاب بالإيجاب، لزم منه الأمر بغير المقدور بالنتيجة، وهذا ما لا يرضى به أحد. وإن أجاب بالسلب، فقد رفع يده عن إحدى الحجّتين تعييناً أو تخييراً، وهذا ينتج عدم التحفظ على كلا الأمرين، وهو خلاف مختاره ـ قدَّس سرَّه ـ .


1-تهذيب الأُصول: 1/313، ط جماعة المدرسين.


(87)

وإن شئت فعبّر بعبارة ثالثة، وهي أنّ الإطلاق اللحاظي وإن كان أمراً باطلاً، لأنّ اللفظ غير ناظر إلى حالات المكلّفين، والمكلّف به لا يدلّ إلاّ على صرف الطبيعة دون الخصوصيات، وقد عرفت أنّ الإطلاق هو رفض القيود لا الجمع بينها، إلاّ أنّ الإطلاق الذاتي ـ وهو سريان الحكم إلى أفراد الطبيعة بلا استثناء ـ أمر لا مفرّ عنه. وليس الإطلاق الذاتي دائراً مدار دلالة اللفظ حتّى يقال إنّ اللفظ غير موضوع إلاّ لنفس الطبيعة، ولا للحاظ الآمر كلّ واحد بحياله وخصوصياته، بل تابع لتحقّق نفس الطبيعة في أيّ مكان وزمان.

وعلى ذلك، إمّا أن تكون صورة التزاحم محكومة بحكم كلتا الحجّتين حسب الإطلاق الذاتي، فيلزم التكليف بغير المقدور. أو لا، فيلزم رفع اليد عن إحداهما تعييناً أو تخييراً.

و كما أنّ الخطاب الشخصي لا يجوز توجيهه إلى الشخص المبتلى بالأمرين، فكذا الإطلاق الذاتي قاصر عن أن يعمّ المبتلى بالمزاحم. والتفكيك بين الخطاب الشخصي والخطاب القانوني بأنّه يوجد في مورد الثاني آحاد من المكلّفين غير مبتلين بصورة التزاحم، فيصحّ خطاب الكل به لوجود الملاك في أكثرهم، بخلاف الخطاب الشخصيّ فانّ التزاحم فيه دائميّ غير مفيد، فانّ المولى وإن كان غير ناظر إلى حالات الأشخاص، إلاّ أنّه غير غافل عن حالات نوعهم، من واجدي القدرة وغير واجديها، وواجدي العلم وغير واجديه، والمبتلين بالمزاحم وغير المبتلين. ولو كان غافلاً ثمّ التفت إليه، لما جوّز شمول الخطاب لغير القادرين، فلا محالة تنسحب إحدى الإرادتين من مورد الابتلاء.

الثاني: ما استدلّ به على عدم الانحلال في الإنشاء، بأنّه لو قلنا به لزم القول به في الإخبار وعندئذ لو كان الخبر كاذباً، يلزم أن يكون الخبر الواحد أكاذيب متعددة في متن الواقع مع أنّ القوم لا يلتزمون به فلو قال النار باردة، فعلى القول بالانحلال، يلزم أن يكذب بعدد وجود النار في العالم، ماضيه، وحاضره


(88)

ومستقبله، غير تام وذلك لعدم الملازمة بين الانحلال وتعدّد الكذب، لأنّ الكذب من صفات الكلام المتفوّه به، فإذا كان الكلام المتفوّه به واحداً وإن كان المضمون أوسع لا يلزم إلاّ كذب واحد.

الثالث:ما أفاده من أنّ الأحكام الشرعية غير مقيّدة بالقدرة لا من جانب الشرع وإلاّ تلزم صحّة جريان البراءة عند الشكّ في القدرة ولا من جانب العقل وإلاّ يلزم أن ينصرف العقل في حكم الغير، غير تام، لأنّ موقف العقل في المقام ليس موقف التصرف بل موقف الكشف فانّ العقل إذا وقف على صفات الشارع يستكشف بحكمته، عن توجّه أحكامه إلى القادر فقط، لا العاجز، فالأحكام الشرعية مقيدة عندنا بالقدرة، وأمّا عدم صحّة جريان البراءة فلما قلنا من أنّ كلّ شرط لا يعلم وجوده وعدمه إلاّ بالفحص يجب هناك الفحص كالاستطاعة في الحجّ، والنصاب في الزكاة والقدرة في كلّ الأحكام وإلاّ يلزم تعطيل قسم كبير من الأحكام ، وقد نقل هو ـ قدَّس سرَّه ـ ذلك الاستثناء عن شيخه العلاّمة الحائري ـ قدَّس سرَّه ـ .

هذا تمام الكلام في مبحث الترتّب وأمّا البحث عن الفرق بين التعارض والتزاحم فقد مضى الكلام فيه

***


(89)

الفصل السادس:

في جواز الأمر
مع العلم بانتفاء شرطه، وعدمه

هل يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه أو لا؟

أقول: إنّ هذه المسألة من فروع مسألة مطروحة في الكتب الكلامية وهو جواز التكليف بمالا يطاق وعدمه فالأشاعرة على الأوّل والعدلية على الثاني.

ثمّ إنّ الأُصوليين اختلفوا في تفسير عنوان البحث إلى وجوه ثلاثة ذكر المحقّق الخراساني منها احتمالين، وإليك ذكر الجميع:

1ـ إنّ الضمير في قوله: «شرطه» يرجع إلى الأمر، والمراد من شرط الأمر، ما يعدّ من علل وجوده وهو يدور بين كونه شرطاً للجاعل وقائماً به كتصوّر المأمور به، والتصديق بفائدته، ثمّ الشوق إليه، ثمّ إرادته وطلبه، أو شرطاً للمكلَّف سواء كان عقلياً، كالعلم والقدرة، أو شرعيّاً، كالبلوغ والاستطاعة.

وعلى هذا يكون المراد من الجواز هو الإمكان الوقوعي، ومن المعلوم، عدم جوازه، لأنّ صدور الأمر الجديّ من الآمر، مع وجود الخلل في مبادئ وجوده، معناه تحقّق المعلول بلا علّته التامة وهذا لا يليق أن يطرح على بساط البحث، ويبحث عنه المفكِّرون.

و احتمال أنّ المراد من الجواز في عنوان البحث، هو الإمكان الذاتي، الذي


(90)

يجتمع، مع عدم العلّة بعيد عن محلّ الخلاف، لوضوح كونه ممكناً ذاتيّاً وإن لم يكن ممكناً وقوعياً إذ ما سوى الواجب والممتنعات كلّها، ممكنات بذاتها، ممتنعات، وقوعاً إذا لم يقترن بعللها.

2ـ أن يرجع الضمير في «شرطه» إلى الأمر ـ مثل الاحتمال الأوّل ـ لكن يراد من المرجع بعض مراتب الأمر، ومن الضمير الراجع إليه بعض مراتبه الأُخر كأن يكون النزاع في أنّه يجوز الأمر الإنشائي مع العلم بعدم بلوغه إلى مرتبة الفعلية لانتفاء شرطه.

واختاره المحقّق الخراساني قائلاً: بأنّ داعي إنشاء الطلب لا ينحصر بالبعث والتحريك جدّاً حقيقة، بل قد يكون صورياً امتحاناً، وربّما يكون غير ذلك.(1)

وأورد عليه المحقّق الخوئي: بأنّ محلّ البحث في جوازه وعدمه إنّما هو في الأوامر الحقيقية التي يكون الداعي فيها البعث والتحريك نحو إيجاد متعلّقاتها في الخارج حقيقة، وأمّا الأوامر الصورية التي ليس الداعي فيها البعث نحو إيجاد متعلّقاتها في شيء، فلا إشكال في جوازها مع علم الآمر بانتفاء شروط فعليتها.(2)

يلاحظ عليه: أنّ استدلال القائلين بالجواز بأمر إبراهيم بذبح ولده مع عدم تحقّق شرط الأمر ـ وهو انتفاء النسخ ـ دليل على صحّة ما ذكره المحقّق الخراساني. فانّ الإنشاء والفعلية وإن كانا من مصطلحات المتأخّرين، لكن واقعهما كانا موجودين عند القدماء، فيكون محلُّ النزاع حينئذ، هو البحثُ عن صحّة أمر المولى بشيء في المستقبل الذي يكون في ظرف وجوده فاقداً لشرط الوجوب مع علمه بذلك في ظرف الإنشاء، كما في أمره تعالى إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ بذبح ولده إسماعيل، مع علمه تعالى بفقدانه شرط الفعلية وهو عدم النسخ.


1-كفاية الأُصول:1/221.
2-المحاضرات:4/6.


(91)

و ممّا ذكر يظهر أنّ ما احتمله العلاّمة الطباطبائي من رجوع الضمير إلى الامتثال(1)، ليس احتمالاً مغايراً، فانّه يرجع إلى ما اختاره المحقّق الخراساني.

3ـ الأمر بشيء مع علم الآمر بفقدان شرط المأمور به، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة وأمّا جوازه وعدمه فمبني على تمكّن المكلّف وعدمه فانّه لا يخلو إمّا أن يكون المكلّف متمكّناً من تحصيله أو لا.

فعلى الأوّل، يجوز.بل الغاية من الأمر، جعل الداعي لتحصيل ما ليس موجوداً.

وعلى الثاني، يكون التكليف محالاً ولغواً.

ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ قد اختار الوجه الثالث وقال:«و يناسبه ما استدل عليه من الأوامر الامتحانية لا سيّما تطبيق قضية خليل الرحمن لأنّه قد أمر بشيء مع انتفاء ما هو كشرط المأمور به وهو عدم النسخ».(2)

يلاحظ عليه: أنّ الاستشهاد بقضية الخليل، يناسب كون النزاع في انتفاء شرط بعض مراتب الأمر، حيث إنّ عدم النسخ من شرائط الفعلية أو التنجز لا من شرائط المكلّف به.

وكان عليه أن يمثّل، بشهود الشهر في الأمر بالصوم مع أنّه يعلم أنّه يسافر وعلى كلّ تقدير ثمّ إنّه ـ دام ظلّه ـ فرّق بين الأمر الشخصي، والأمر القانوني فلو كان الأمر شخصياً متوجّهاً إلى شخص معيّن فالحقّ هو القول بالامتناع لأنّ الغاية في الأمر هو الانبعاث وهو لا يجتمع مع العلم بعدم شرائط التكليف أو المكلّف به وأمّا إذا كان الأمر قانونياً متوجّهاً إلى عامة المكلّفين فلو كان الجميع فاقدين للشرط فلا يجوز أيضاً وأمّا إذا كانوا مختلطين بين واجد وفاقد فيجوز التكليف


1-التعليقة على الكفاية:133.
2-تهذيب الأُصول: 1/329.


(92)

العام وإن كان بعض الأفراد فاقداً للشرط.(1)

يلاحظ عليه: بما مرّفي مبحث الترتّب من أنّ الإهمال في مقام الثبوت غير معقول واللفظ وإن كان قاصراً عن الدلالة على حالات المكلّفين من حيث الفقدان والوجدان، لكن المولى الحكيم إذا توجّه إلى أصناف المكلّفين، ووقف على اختلافهم في الشرائط، فهل تكون إرادته شاملة للصنف الفاقد أو لا؟ والأوّل يستلزم المحال والثاني يستلزم عدم الجواز وهو خلاف مطلوبه.

ثمرة البحث

ثمّ إنّ الثمرة تظهر ـ على ما قيل ـ في لزوم الكفارة على من أفطر في يوم شهر رمضان، مع عدم تمامية شرائط الوجوب له إلى الليل، كما إذا سافر قبل الظهر، أو مرض، أو مات وقد أفطر قبله بلا عذر فعلى القول بصحّة التكليف مع عدم شرطه، تجب عليه الكفّارة للإفطار في اليوم الذي وجب عليه. لا على القول بعدم كون التكليف صحيحاً لفقدان شرطه.

ولكن الثمرة باطلة، والظاهر لزوم الكفّارة مطلقاً، لأنّ الظاهر من أدلّة الكفّارة هو لزومها على من أفطر شهر رمضان بلا عذر مسوغ، وهو هنا كذلك. ولا يدور مدار وجوب الصوم وعدمه. والصوم والقصر متساويان في المقام، فكما لا يجري عليه حكم القصر مالم يسافر، فهكذا في الصوم.

ثمّ إنّ ما جاء في كتب الأُصوليين من فروع مسألة كلامية، مذكورة في كتب الكلام وقد أشار إلى ما ذكرنا، السيّد المرتضى في ذريعته والشيخ الطوسي في عدّته.

قال السيّد المرتضى: «وفي الفقهاء والمتكلّمين من يجوز أن يأمر اللّه تعالى،


1-تهذيب الأُصول: 1/330.


(93)

بشرط أن لا يمنع المكلف في المستقبل من الفعل، أو بشرط أن يُقْدِره. ويزعمون أنّه يكون مأموراً بذلك مع المنع».(1)

وقال الشيخ الطوسي في العدّة: «أمّا ما يجب أن يكون عليه الآمر، فإن كان ممّن يعلم العواقب، وهو اللّه تعالى، فلابدّ من أن يكون عالماً بأنّ المأمور يتمكّن من أداء ما أُمر به».(2)

و الداعي للأشعري وأتباعه لتجويز التكليف بمالا يطاق هو اختيار عدم تأثير قدرة العبد في فعله وأنّه مخلوق للّه وليس للعبد دور إلاّكونه ظرفاً للفعل وكون الخلق من اللّه سبحانه، مقارناً لإرادة العبد فرتّبوا على ذلك الأساس جواز التكليف بمالا يطاق، وفرّعوا عليه، تلك المسألة الأُصولية.

و لمّا أخذ الأشعري موقفاً مسبَّقاً في المقام أخذ يتفحّص في الآيات لعلّه يجد ما يدعمه من الآيات فاستدلّ بآيات أربع ذكرناها في الإلهيات، وقمنا بتحليلها بوجه رائع فلاحظ.(3)

***


1-الذريعة:1/163، ط جامعة طهران.
2-عدّة الأُصول:1/93.
3-الإلهيات:1/302.


(94)

الفصل السابع:

هل الأوامر والنواهي
تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟

قبل الدخول في المقصود، نقدّم أُموراً:

الأمر الأوّل: في أنّ النزاع ليس لفظياً

الظاهر أنّ النزاع ليس لفظياً حتى يعود البحث إلى تعيين مفاد هيئة الأمر ومادّته، بل يعمّ ما إذا لم يكن هناك أيّ لفظ، كما إذا أمر بالإشارة أو بجملة خبرية.

والشاهد عليه أنّ السكاكي نقل الاتفاق على أنّ المصدر المجرّد عن اللام والتنوين لا يدلّ إلاّ على نفس الماهية ـ ومع ذلك ـ وقع النزاع في متعلّق الأوامر والنواهي، وليس في المقام إلاّ المصدر المجرّد وهذا يشعر بأنّ النزاع ليس لفظيّاً، وإلاّ لما كان للنزاع ـ بعد الاعتراف المذكور ـ وجه.

الأمر الثاني: ليس النزاع مبنيّاً على المسائل الفلسفية

ربّما يتصوّر أنّ النزاع في المقام مبنيّ على مسألتين فلسفيتين:

1ـ هل الأصيل في الخارج والمنشأ للآثار، هو الوجود أو الماهية التي تعدّ


(95)

حدّاً للوجود وبما أنّ المحصِّل للغرض هو الأصيل، فعلى الأوّل يتعيّن كون المتعلّق هو الفرد، وعلى الثاني يتعيّن كونه الطبيعة.

2ـ هل الطبيعي موجود في الخـارج أو لا؟ فعلـى الأوّل يكون المتعلّق هو الطبيعة دون الثاني إذ عليه يكون المتعلّق، هو الفرد.

يلاحظ على ذلك: أنّ البحث، إنّما هو في متعلّق الأوامر والنواهي الواردة في كلام العقلاء بما هم عقلاء لا بما هم علماء أو فلاسفة، وأين هؤلاء من هذه المسائل الفلسفية العويصة التي لا يصل إلى كنهها إلاّالعباقرة من الفلاسفة.

و بذلك يعلم أنّ ما أتعب به المحقّق الإصفهاني نفسه الزكّية لإثبات أنّ النزاع مبني على أنّ الطبيعي بنفسه موجود، أو هو موجود بوجود أفراده(1) ليس بتام.

والحاصل أنّ البحث مركّز على متعلّق الأوامر هل هو ذات الشيء أو هو مع ملازماته وضمائمه، من غير فرق بين أن يكون الأصل هو الوجود أو الماهية، أو أنّ الموجود هو الطبيعي أو الموجود هو الفرد.

الأمر الثالث: ما هو المراد من الطبيعة في عنوان البحث؟

ليس المراد من الطبيعي، ما هو المصطلح في المنطق، فانّ المراد منه هناك هو الماهية الحقيقية التي لو وجدت تكون من الحقائق العينية، وتكون داخلة تحت مقولة واحدة.

بل المراد منه هنا هو الأعمّ من المنطقي، ومن الماهيات المخترعة التي لا تقع تحت مقولة واحدة، فانّ القراءة من مقولة الفعل، والجهر والإخفات من مقولة الكيف، والركوع والسجود من مقولة الوضع، ولأجل ذلك ليس لتلك الماهية


1-نهاية الدراية:1/228.


(96)

المخترعة وجود حقيقي يساوق الوحدة ، بل وجودات ووحدات منضمّ بعضها إلى بعض.

وعلى ذلك ، يصير المراد من الطبيعي هنا هو العنوان، سواء أكان أصلياً واقعاً تحت مقولة واحدة أم كان عنواناً منتزعاً من مقولات كثيرة.

الأمر الرابع: ما هوالمراد من الأفراد في عنوان البحث؟

ما هو المراد من الأفراد في عنوان البحث؟ فهنا احتمالات:

1ـ المراد هو الأفراد الخارجية المتحقّقة كما هو المراد إذا قلنا زيد وعمرو وبكر من أفراد الطبيعة.

يلاحظ عليه: أنّ الفرد بهذا المعنى هو المصطلح في المنطق مقابل الكلّي ولكنّه بهذا المعنى لا يصلح أن يكون مورداً للنزاع، فانّ محوره هو تعيين متعلّق الأمر في ظرف حدوثه وعروضه، والفرد بالمعنى المنطقي هو ظرف سقوطه وإن شئت قلت: إنّ محوره هو تعيين ما يحصل به الغرض في المستقبل، والظرف بهذا الاصطلاح، ظرف حصوله وتحقّقه.

2ـ المراد هو الطبيعـي مع مشخصاته الفردية، لانّ الطبيعة لا تنفك في الخارج عن بعض المشخصات الفردية من زمان ومكان، ولا يمكن لنا إيجاد الطبيعة في الخارج منفكة عنها. فالنزاع في أنّ متعلّق الأمر هو نفس الطبيعة الصرفة بحيث لو قدر المكلّف على الإتيان بها مجرّدة عن هذه المشخصات الفرديّة لكان ممتثلاً وآتياً بمطلوب المولى؟

أو أنّ متعلّقه هو الطبيعة مع المشخصات الفردية، فالأمر بالطبيعة أمر بهذه المشخصات، فالمراد من الطبيعيّ هو ذاته ، بلا ضمّ هذه المشخصات، والمراد من الفرد، ذاك الطبيعي منضمّاً إلى هذه المشخصات الفردية.


(97)

و قد أورد صاحب المحاضرات على هذا الوجه : أنّ تشخص الطبيعي بنفس وجوده، وتشخص الوجود بذاته. وأمّا الأُمور الملازمة للوجود الجوهري خارجاً التي لا تنفكّ عنه، كأعراضه من الكمّ والكيف والأين والإضافة والوضع وغيرها، فهي موجودات أُخرى في قبال ذلك الموجود ومباينة له ذاتاً وحقيقة، ومتشخصات بنفس ذواتها، وأفراد لطبائع شتّى، لكلّ منها وجود وماهية، فلا يعقل أن تكون الأعراض مشخصات لذلك الوجود، لما عرفت من أنّ الوجود هو نفس التشخص، فلا يعقل أن يكون تشخصه بكمِّه وكيفه وأينه ووصفه.(1)

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين مصطلح الفلاسفة، وما عليه الأُصوليون. والكلّ حقّ حسب اختلاف مشاربهم. فقد كان القدماء قبل الفارابي، يرون أنّ الأعراض مشخصات للجواهر، فالإنسان الطبيعي يتشخّص بالكيف والكم وسائر الإضافات. ثمّ تحوّلت النظرية في عصره إلى نظرية أُخرى وهي أنّ الأعراض أيضاً أُمور كلية، ولا يكون ضمّ كلّي إلى كلّي مفيداً للتشخّص، ولأجل ذلك صاروا إلى القول بأنّ التشخص بالوجود، وتشخّصه بذاته، والإنسان الطبيعي مالم يوجد، يصلح لأن يصدق على كثيرين. فإذا وجد، تشخّص في ذاك الفرد والموجود من الطبيعي في ضمن الفرد المعيّن، لا يصلح لأن يصدق على كثير.

و لأجل ذلك يقال: تعيّن الجوهر بوجوده، وتعيّن العرض بوجوده، ولا يتشخّص الجوهر بوجود العرض ولا العرض بوجود الجوهر بل تشخّص كلّ بوجوده. وهذا هو الحقّ القراح.

ولكنّ هنا مصطلحاً آخر، وهو مبني على مشرب الأُصوليين، المبتني على المفاهيم العرفية، وهو إطلاق المشخّصات على الأعراض القائمة بالجوهر، استلهاماً من العرف، حيث إنّ تميّز الإنسان الموجود، عن إنسان آخر ـ عندهم ـ بلونه و طول قامته ووضعه وإضافته إلى زيد وعمرو، فإطلاق المشخّصات عليها


1-المحاضرات:4/19.


(98)

إنّما هو بضرب من التسامح الذي لا يلتفت إليه إلاّ العقل الدقيق، فلا مشاحة في الاصطلاح، ولا يكون الاختلاف فيه سبباً لعدم طرح النزاع و هو أنّ المتعلّق نفس الطبيعة أو هي مع الضمائم الكلية.

3ـ ما اختاره السيّــد الأُستـاذ ـ دام ظلّه ـ وهو أنّ المراد من الأفـراد هو المصاديق المتصوّرة بنحو الإجمال من الطبيعة بحيث تكون الطبيعة وسيلة إلى تعلّقه بالمصاديق الملحوظة بنحو الإجمال كما هو الحال في الوضع العام والموضوع له الخاص فيكون معنى «صلّ» أوجد فرد الصلاة ومصداقها، لا بمعنى أنّ الواجب هو الفرد الخارجي أو الذهني بما هو كذلك بل ذات الفرد المتصوّر إجمالاً فانّ الأفراد قابلة للتصور إجمالاً قبل وجودها كما أنّ الطبيعة قابلة للتصوّر كذلك.(1)

أقول: ما ذكره أيضاً احتمال بشرط أن لا ينتهي النزاع إلى كونه، نزاعاً لفظياً بأن لا يقع النزاع في دلالة اللفظ الموضوع للطبيعة، على الأفراد إجمالاً أو لا، فتدبّر.

إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الحقّ هو أنّ الأمر يتعلّق بالطبيعة دون الفرد، لأنّ البعث والطلب لا يتعلّقان إلاّ بما هو دخيل فيهما، ولا يتعلّقان بما هو أوسع ولا بما هو أضيق منهما. ومثلهما الإرادة والشوق، فلا يتعلّقان إلاّ بما هو محصِّل لغرضه، وهو ذات الطبيعة دون مفرداتها ومشخصاتها، بحيث لو أمكن للمكلّف الإتيان بذات الطبيعة بدونها، لكان ممتثلاً. وعلى هذا فالطبيعة بماهي هي، متعلّقة للطلب والبعث، وبذلك يعلم متعلّق الزجر والنهي.

والحاصل، أنّ محصل الغرض هو المحدّد لموضوع الأمر، وقد عرفت أنّ المحصِّل هو نفس الطبيعة لا المشخصات ولا الضمائم استدل للقول الثاني بأمرين:


1-تهذيب الأُصول: 1/343.


(99)

1ـ انّ الطبيعي ليس في الخارج وإنّما الموجود فيه، هو الفرد، فكيف يكون ما ليس له وجود أبداً متعلّقاً للأمر؟

يلاحظ عليه: أنّ الطبيعي موجود ومتعدّد بتعدد الأفراد غاية الأمر أنّ وجوده في الخارج لا ينفكّ عن عدّة لوازم أو ضمائم فيقع الكلام في تعلّق البعث بها وعدمه وقد عرفت عدمه لعدم تعلّق الغرض بها.

2ـ إنّ المتلازمين يجـب أن يكونا متّحـدين في الحكم فإذا تعلّق البعـث بالطبيعة، يجب أن يتعلّق بلوازمها وضمائمها.

يلاحظ عليه: ما مرّ في مبحث وجوب المقدّمة من أنّ المتلازمين يجب أن يكونا غير متضادّين في الحكم كأن يكون أحدهما واجباً وا لآخر محرّماً. أمّا اتحادهما في الحكم فلا.

إجابة عن إشكالين

إذا وقفتَ على دليل المدعى وثبت بوضوح أنّ متعلّق الأوامر والنواهي هو الطبائع دون الأفراد بمعنى عدم سراية الأمر من متعلّق الغرض إلى اللوازم والضمائم، فاعلم أنّ هنا إشكالين مطروحين في المقام نذكرهما واحداً تلو الآخر:

الإشكال الأوّل: قد اشتهر بين الفلاسفة أنّ الطبيعة بما هي هي ليست إلاّهي لا موجودة ولا معدومة، لا مطلوبة ولا مبغوضة، فإذا كان هذا مقامها وشأنها فكيف يكون متعلَّقاً للأمر، وموضوعاً للبعث؟

الجواب: إنّ المقصود أنّ الطلب ليس نفس الطبيعي ولا جزءه، كما أنّ الوجود والعدم كذلك، فانّ هذه الرتبة، هي رتبة الذات، والذاتيات، وليس في هذه الرتبة إلاّ الشيء نفسه، ولا يحمل عليه سوى الذات والذاتيات لا العناوين العارضة عليه. وأمّا أنّه لا يتعلّق به الطلب، فليس بمقصود، وذلك لأنّه بعد


(100)

هذه المرحلة يتعلّق به الطلب أو الزجر، كما يكون موجوداً أو معدوماً. فالطبيعيّ حسب الحمل الأوّلي ليس مطلوباً ولا مزجوراً ولا موجوداً ولا معدوماً، ولكنّه بالحمل الشائع يصير مطلوباً ومبغوضاً، واجباً وحراماً...، كما لا يخفى.

والحاصل: أنّا إذا قصّرنا النظر على مرتبة الذات، فلن نجد في تلك المرتبة سوى الذات. وأمّا إذا لوحظ الشيء بالإضافة إلى شيء آخر، فيحمل عليه ما سوى الذات والذاتيات أيضاً، ولأجل ذلك يوصف بالمطلوب بعد إضافة الطلب إليه.

والحاصل أنّ الطبيعي بالحمل الأوّلي ليس بمطلوب ولا مبغوض، ولكن بالحمل الشائع الصناعي مطلوب ومبغوض وليس هذا السلب والإيجاب متناقضين لعدم وحدة الحمل كما قرّر في محلّه إذ أنّ من شرائط التناقض وحدته، مثلاً مفهوم الجزئي جزئي بالحمل الأوّلي وليس بجزئي بالحمل الشائع.

الإشكال الثاني: الطبيعي الصرف الذي لا يخرج عن حدّالمفهوم، عديم الأثر، غير قاض لحاجة الإنسان. وما يقضي حاجته هو الطبيعي بوجوده الخارجي، و ليس للمفهوم هذا الشأن والمقام. ومعه كيف يكون الطبيعي الصرف، متعلّقاً للبعث والزجر.

الجواب: إنّ الطبيعي أُخذ متعلّقاً للأمر والنهي بما هو مرآة للخارج لا بما هو موجود في الذهن، بل هو مغفول عنه من هذه الجهة كما هو شأن كلّ المفاهيم. و البعث إلى الطبيعي بما هو مرآة، يلازم ـ عند العقل ـ تحصيله وإيجاده في الخارج. فإذا قال المولى: «اسقني» فهو يجعل عنوان السقي مرآة إلى الحيثية الوجودية، والجهة العينية من الطبيعي، فيطلب الطبيعي بما هو حاك عن الخارج ومرآة له.

و بالجملة: متعلّق البعث هو الماهية لا بشرط التحقّق وعدمه، والوجود وعدمه. ولكن تعلّق البعث بها، مرآة إلى الحيثية التقييدية، أعني الوجود، فيدلّ على أنّ المراد الجدّي هو مصاديقها وأفرادها ، وليست مصاديقها إلاّ الوجودات


(101)

الخارجية، بداهة أنّ المعدوم ليس مصداقاً لها.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ـ قدَّس سرَّه ـ لمـّا وقف على الإشكال الثاني حاول أن يدفعه بالتفريق بين متعلّق الأمر ومتعلّق الطلب فقال: إنّ متعلّق الأمر هو الطبيعة وأمّا متعلّق الطلب فهو وجود الطبيعة وإليك نصّه:

«فانقدح بذلك أنّ المراد بتعلّق الأوامر بالطبائع دون الأفراد أنّها بوجودها السعي بما هو وجودها (قبالاً لخصوص الوجود) متعلّقة للطلب لا أنّها بما هي هي، كانت متعلّقة له كما ربّما يتوهم فانّها كذلك ليست إلاّ هي نعم هي كذلك تكون متعلّقة للأمر فانّه طلب الوجود».(1)

يلاحظ عليه: أنّه إن أراد أنّ الهيئة تدلّ على أخذ الوجود في متعلّق الطلب فهو غير تام لأنّ الهيئة وضعت للطلب والبعث المجرّدين عن الوجود وإن أراد أنّ القرينة الخارجية تدلّ على أخذ الوجود في مفهوم الأمر وهي أنّ الطبيعة بما هي هي لا تُؤمِّن الغرض فالجواب أنّه يكفي في ذلك جعل المتعلّق مرآة للخارج من دون حاجة إلى تقدير الوجود، فالبعث إلى الطبيعة التي أخذت مرآة إلى ماوراءها يبعث الإنسان إلى الإيجاد من دون حاجة إلى تقدير الوجود.

***

ثمرة البحث

تظهر ثمرة النزاع في موردين:

الأوّل: في باب اجتماع الأمر والنهي، فعلى القول بأنّ متعلّق الأمر والنهي، هو نفس الطبيعة، لا المشخّصات الفردية، يكون متعلّق الأمر، غير متعلّق النهي، لأنّ الصلاة تتشخص تارة بالمباح وأُخرى بالمغصوب، والكلّ من الملازمات


1-كفاية الأُصول: 1/222ـ223، ط المشكيني.


(102)

المتّحدة معها في الوجود، فلا يتجاوز الأمر عن متعلّقه إلى ملازماته ومشخّصاته.

بخلاف ما لو قلنا بتعلّق الأمر بالأفراد، بالمعنى الذي عرفت، فتكون الملازمات المتّحدة، متعلّقة له، وعندئذ يلزم أن يتعلّق الأمر بنفس ما تعلّق به النهي، وهو غير جائز.

وأورد عليهاصاحب المحاضرات: بأنّ الأمر على كلا القولين تعلّق بالصلاة أو بفرد ما منها، ولم يتعلّق بفرد ما من هذه الطبيعة وفرد ما من الطبائع الأُخرى الملازمة لها في الوجود الخارجي. وعلى ذلك فالقائل بتعلّق الأمر بالطبائع يدّعي تعلّقه بطبيعة الصلاة مع عدم ملاحظة أيّة خصوصية من الخصوصيات والقائل بتعلّقه بالأفراد يدّعي أنّه تعلّق بفرد ما من أفرادها، ولا يدّعي أنّه تعلّق بفرد ما من أفرادها، وفردما من الطبائع الأُخرى كالغصب أو نحوه. فالخصوصيات من الأعراض ـ على كلا القولين ـ خارجة عن مصبّ الأمر.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على تفسير «الفرد» بالفرد الخارجي، في مقابل الكلي، وأنّ مدار القولين هو تعلّق الأمر بالطبيعي، أو فرد ما منه. وقد عرفت أنّ الفرد بهذا المعنى ليس متعلّقاً للأمر، حتى المردّد منه.

بل المراد من الفرد هنا، هو الطبيعي مع قيد آخر، وهو المشخِّصات واللوازم المتحدة معه. وعلى كلّ تقدير، فمتعلّق الأمر هو المفهوم الكلي على كلا القولين. غاية الأمر، أنّ المتعلّق على القول الأوّل هو نفس الكلي الصرف، وعلى الآخر هو الطبيعي مع قيد كلي آخر وهو المشخِّصات واللوازم.

فعندئذ يصحّ ما ذكرناه من الثمرة من أنّ متعلّق الأمر على القول الأوّل هو نفس الطبيعة لا مشخِّصاتها ـ أعني الغصب ـ وعلى الثاني ، يكون المتعلّق هو الطبيعي المقيّد بها.


1-لاحظ المحاضرات:4/20.


(103)

و سراية الحكم من الطبيعي إلى اللوازم ليس من باب سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر بل من باب سراية الحكم من الكلّ إلى الجزء، ضرورة أنّ المشخِّصات على هذا، من أجزاء الموضوع فافهم واغتنم.

وهذا من غير فرق بين تسمية هذه الأُمور مشخِّصات، أو ملازمات متّحدة مع الطبيعي، لأنّ المفروض أنّ هذه الأُمور من متعلّقات الموضوع.

نعم، الحقّ مع الاجتماعي، لأنّ المادة ـ أعني الصلاة ـ لا تدلّ إلاّ على نفس الطبيعة الصرفة. وتعلّق الأمر على شيء زائد عليها يحتاج إلى دليل يدلّ عليه، وليس هنا شيء يدلّ عليه.

وأمّا الإرادة فقد عرفت عدم تعلّقها بأوسع ممّا يفي بحاجة المريد و هو نفس الطبيعة.

وعلى كلّ تقدير، فالتخيير بين الأفراد، تخيير عقلي، لأنّ المأمور به هو نفس حيثية الجهة الخارجية، وهو موجود في عامة الأفراد من غير ميز، فالتخيير بينها حينئذ عقلي.

نعم الفرد الخارجي مصداق للمأمور به بما فيه تلك الجهة، وأمّا الجهات الملازمة ، فليست ملاكاً للمصداقية بل هي كالحجر في جنب الإنسان، كما هو واضح.

الثاني: في باب الضمائم كما إذا توضّأ في الصيف بماء بارد وقصد القربة في أصل الوضوء لا في الضمائم فلو قلنا بتعلّق الأمر بالطبائع يكفي وجود القربة في أصل التوضؤ بالماء وأمّا لو قلنا بتعلّقه مضافاً إلى الطبائع بالأفراد أي اللوازم والمقارنات يبطل الوضوء لعدم القربة فيها بل الغاية منها هوالتبريد.

تمّ الكلام في المسألة، بقي هنا شيء وهو أنّ الدائر في لسان بعض المحقّقين من الأُصوليين كالشيخ ضياء الدين العراقي، والمحقّق الخوئي وغيرهما ـ قدّس اللّه


(104)

أسرارهم ـ وجود الحصص للطبيعة، وقد بنوا على هذه الفكرة، بعض القواعد فيناسب تحليلها لتعلم حقيقة الحال والذي أوصلنا إليه التحقيق أنّ القول بها من مضاعفات القول برأي الرجل الهمداني في الكلي الطبيعي، وأمّا على القول بالمختار عند المحقّقين ، فالحصص أمر غير صحيح وإنّما الصحيح هو الأفراد وإليك البيان.

هل للطبيعي حصص أو له أفراد؟

إنّ المراد من الطبيعي في المنطق هو المفهوم المنتزع من الأفراد من حيثية اشتراكها في جهة من الجهات. وهذه الجهة تارة تكون نفس ماهيتها، كما في النوع، كالإنسان المنتزع من جهة الإنسانية المنحلّة إلى الحيوان الناطق. وأُخرى تكون جزء ماهيتها، كما في الجنس، كالحيوان المنتزع عن الحيوانية المنحلّة إلى الجسم النامي المتحرّك بالإرادة.

ثمّ إذا لوحظ ذلك المفهوم معرّى عن كلّ قيد ، سمّى نفس الطبيعي وإذا لوحظ بقيد الكلية وعروضها عليه، سمّى كلّياً عقلياً. والكلّـي المنطقي هو نفس مفهوم «الكلّي»، الذي هو خارج عن البحث.

ثمّ إنّ الطبيعي لمّا كان في ذاته معرّى عن كلّ قيد، فهو غير مقيّد لا بالاشتراك، ولا بالتعيّن، ولا بالوجود، ولا بالعدم. نعم، يعرضه الاشتراك في الذهن، كما يعرضه التعيّن في الخارج، وكذلك يعرضه الوجود والعدم، فيقال: الإنسان موجود والإنسان معدوم، وليس ذلك إلاّ لتجرّده عن كلّ قيد.

وهكذا، بما أنّه غير مقيّد بشيء من الكثرة والوحدة، يتكثّر بتكثّر الأفراد، ويتوحّد بتوحّدها، فهو مع الكثير كثير، ومع الواحد واحد. فلو كان هناك على أديم الأرض فرد واحد من نوع ما، فالطبيعي أيضاً واحد، ولو كانت له أفراد كثيرة، كان الطبيعي كثيراً.


(105)

وعلى ذلك، فالإنسان الطبيعي، كثير بتكثّر الأفراد، وواحد بوحدتها.

ولأجل ذلك، فإنسانية زيد غير إنسانية عمرو، وإنسانيته غير إنسانية بكر. والكلّ إنسان تام الإنسانية في جميع أبعادها، لما عرفت من قبول المفهوم للتكثّر حسب تكثر الأفراد، فكلّ فرد هو نفس الإنسان و يحمل عليه و يقال: «زيد إنسان»، و «عمرو إنسان آخر».

وبذلك تُعلم صحّة ما ذكره الشيخ الرئيس من أنّ نسبة الطبيعي إلى الأفراد، نسبة الآباء إلى الأولاد، لا نسبة الأب الواحد إلى الأولاد.

والفرق بين الطبيعي المتحقّق بالفرد، ونفس الفرد، عبارة عن أن تحققه بالفرد لا يأبى عن صدقه على فرد آخر، لأنّه ليس واحداً شخصيّاً حتى يمتنع صدقه على كثيرين، بخلاف الفرد، لأنّه واحد شخصي.

وإن شئت قلت: إنّ الطبيعي واحد نوعي، والفرد واحد شخصي، ومع ذلك، فالطبيعي نفس الفرد، والفرد يحتوى على نفس الطبيعي بأسره.

وهذا هو الحقّ الذي حقّقه الشيخ الرئيس وألّف فيه رسالة. وفي مقابل هذا الرأي الصائب، نظريتان خاطئتان:

الأُولى: ما نقله الشيخ الرئيس عن رجل لاقاه في مدينة همدان وهو يزعم أنّ الطبيعي واحد شخصي قائم بجميع الأفراد، وليس كلّ فرد إلاّ جزء من ذلك الطبيعي.

وفسادها أوضح من أن يبيّن ، حيث إنّها مستلزمة لأن لا يكون كلّ فرد من الأفراد إنساناً، بل جزء منه، وإنّما الإنسان أمر واحد قائم بالجميع، وهذا بيّن البطلان كما لا يخفى.

الثانية: ما نراه في كلمات المشايخ المعاصرين أمثال المحقّق العراقي والمحقّق الخوئي، من التفريق بين الطبيعي والحصة والفرد، وحاصله:


(106)

إنّ هنا طبيعيّاً، وهو أب الآباء، وإنّ هنا حصصاً، وهي بالتحليل العقلي تنحلّ إلى ماهية وإضافة إلى الوجود. وتلك الإضافة توجب صيرورتها حصّة وفرداً، بحيث لو لم تكن تلك الإضافة، فلا حصة في الخارج ولا فرد. فملاك فردية زيد ـ مثلاً ـ وكونه حصة من الإنسان إنّما هو إضافة الوجود الواقعي إليه.(1)

ولا يخفى أنّه ليس هاهنا إلاّ أمران: الطبيعة والفرد، وليس من المتوسط بينهما، الذي أسماه بالحصّة خبر. وذلك لأنّه ليس للطبيعي إضافة إلى الوجود، بل هو متحقّق بالوجود ويكون به عيناً خارجية، لا مضافاً إليه.

وما ذكره من أنّ الطبيعي حسب إضافته إلى الوجود، يتحصص، غير صحيح، بل الصحيح أن يقول: يتكثر ويصير عيناً من الأعيان بعدما لم يكن كذلك وليعذرني الإخوان حيث خرجنا عمّا تعهدنا من عدم إدخال مسألة علم، في علم آخر، ولكن كثرة ورود الحصة والحصص في كلماتهم ألجأتنا إلى عقد هذا البحث.

***


1-لاحظ المحاضرات:4/14.


(107)

الفصل الثامن:

إذا نسخ الوجوب
فهل يبقي الجواز أو لا؟

يقع الكلام في هذه المسألة في موضعين:

الأوّل: إمكان بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب.

الثاني: هل هناك دليل يدلّ على بقاء الجواز أو لا؟

وقبل البحث في واحد من الموضعين نأتي مثالاً للبحث.

أوجب سبحانه على كلّ من أراد النجوى مع النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يقدّم صدقة، حتى يصون بذلك وقت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن المساررة حيث كان كثير من المسلمين يطلبونها منه قال سبحانه:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْويكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المجادلة/12). أي إذا أردتم المساررة فقدِّموا قبل أن تسارّوه صدقة. واحتمل الطبرسي أن يكون إيجاب الصدقة لأجل تعظيم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . (1)


1-الطبرسي: مجمع البيان: 5/252.


(108)

ولما نهوا عن المناجاة حتى يتصدّقوا ، ضنّ كثير من الناس وكفّوا عن المسألة فلم يناجه أحد إلاّ علي بن أبي طالب كان ذلك ليالي عشراً ثمّ نسخت الآية بما بعدها وكانت الصدقة مفوّضة إليهم غير مقدّرة قال سبحانه:

(ءَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْويكُمْ صَدَقات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَاللّهُ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) (المجادلة/13).

فعندئذ يقع الكلام في جواز الصدقة بنفس هذا العنوان بعد نسخ وجوبها وعدمه، وإن كان حكم الصدقة المطلقة واضحاً.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ركّز على مقام الإثبات والدلالة ، وتسلّم إمكان بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب وقال: «ضرورة أنّ ثبوت كلّ واحد من الأحكام الأربعة الباقية بعد ارتفاع الوجوب واقعاً ممكن»(1) ولكن المختار عندنا التفصيل بين كون الوجوب أمراً بسيطاً وكونه أمراً مركّباً ولأجل ذلك عقدنا للبحث موضعين:

الموضع الأوّل: إمكان بقاء الجواز

إذا قلنا إنّ الوجوب مركب من جواز ورجحان وإلزام، يصحّ إرتفاع فصل مع بقاء الجنس في ضمن فصل آخر.

فإن قلت: إنّ بقاء الجنس مع ذهاب الفصل غير صحيح في عالم التكوين، فإنّ الجنس أمر مبهم دائر بين هذا النوع وذاك. وإنّما يخرج عن الإبهام بفضل الفصل. فهو متّحد مع الفصل اتّحاداً تامّاً، اتحاد المتقوّم مع المقوّم. ومع ذلك، كيف يمكن بقاء المتقوّم مع ذهاب المقوّم، ولو مع فرض قيام فصل آخر مقامه،


1-كفاية الأُصول: 1/224.


(109)

فانّ آن الذهاب غير آن القيام، وليس هو مثل إقامة الخيمة بدعامتين مترتبتين.

قلت: ما ذكرته صحيح في عالم التكوين دون الاعتباريات. وفي مقامنا، إذا كان الوجوب مركّباًمن ثلاثة أُمور، بحيث يكون إنشاء الوجوب عبارة عن إنشاء أُمور ثلاثة، فلا مانع من ذهاب الفصل وقيام فصل آخر مقامه مع بقاء الجنس.

نعم إذا قلنا ببساطة الوجوب، فبقاء الجواز غير ممكن إلاّ باعتبار جديد. لأنّ الوجوب ـ على هذا ـ أمر بسيط، ينتزع منه مفاهيم عديدة وهي الجواز والرجحان والإلزام، وليس معنى انتزاع هذه المفاهيم منه، وجودها بكثرتها فيه وجود الأجزاء في الكلّ، بل بمعنى أنّ طبائع الجواز والرجحان والإلزام موجودة بعين وجود الوجوب، وباقية ببقائه، وذاهبة بذهابه، فكيف يمكن أن يبقي الجواز مع ذهاب الوجوب الجامع بين هذه المراتب، اللهمّ إلاّ أن يكون هناك اعتبار آخر.

وإن شئت قلت: إنّ مفاد الأمر هو البعث إلى المراد، غير أنّه إذا ضمّ إليه حكم العقل بأنّ بعث المولى، يحتاج إلى الجواب، ينتزع الوجوب، فإذا ارتفع البعث البسيط فكيف يمكن أن يبقى فيه الجواز والرجحان. والحاصل أنّ القول بالإمكان فرع وجود القيود الثلاثة بكثراتها في الوجوب، نظير الأجزاء التركيبية للمرّكبات الصناعية أو الكيمياوية، بحيث يمكن سحب جزء وإبقاء جزء آخر، وليس الوجوب المنشأ من هذين القسمين.

فتلخّص إمكان البقاء، على التركيب، وعدمه، على البساطة إلاّ باعتبار جديد.

غير أنّ المحقّق الخوئي قال بأنّه لا موضوع لهذه المسألة لأنّ المجعول في باب الواجبات والمحرّمات ليس إلاّ اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف أو محروميته عنه. والوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة جميعاً منتزعة من اعتبار الشارع، بحكم العقل، وليس شيء منها مجعولاً شرعياً، فالمجعول إنّما هو نفس ذلك الاعتبار، غاية الأمر إن نصب الشارع قرينة على الترخيص في الترك، فينتزع العقل


(110)

منه الاستحباب، وإن لم ينصب قرينة عليه، فينتزع منه الوجوب.

وعلى ذلك، لا يعقل القول بأنّ المرفوع إنّما هو فصل الوجوب دون جنسه، ضرورة أنّ الوجوب ليس مجعولاً شرعياً ليكون هو المرفوع بتمام ذاته أو بفصله.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: نحن نوافقه في أنّ الوجوب والاستحباب ليسا من الأُمور الجعلية، لا لما ذكره بل لما ذكرناه من أنّهما من الأحكام العقلائية ينتزعان من البعث مع السكوت عن المرخِّص وعدمه. ولكن لا نوافقه في القول بأنّ كون المجعول في باب الواجبات والمحرّمات هو كون الفعل في ذمّة المكلّف أو محروميته منه، فانّه لا يساعده التبادر، فإنّ المتبادر من قوله: «له عليه دين كذا» أو «له عليه عمل يوم» هو اعتبار الدين أو الفعل في ذمّة المكلّف. والمتبادر من قوله: «أدّ دينَك» أو «اعمل في هذا اليوم» هو البعث إلى أداء ما في ذمّته بعد الفراغ عن كونه على ذمّته، أو البعث إلى العمل، من دون لزوم اعتبار أنّ الفعل على ذمّته. فتفسير الجميع من باب واحد لا يساعده التبادر.

وثانياً: أنّ الالتزام بعدم الجعل في ناحية الحرمة، وأنّه ينتزع من محرومية المكلّف عن الفعل، لا يساعده الكتاب العزيز، فانّ الظاهر منه إنشاء نفس الحرمة بالمصطلح الدارج في عدّة موارد، منها:

قوله تعالى: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) (البقرة/173).

وقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبوا) (البقرة/275).

وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ) (الأعراف/33).

واعتبار تحريم الفعل نفسه غير اعتبار محرومية المكلَّف عنه، وبينهما تفاوت واضح، وليس كلامه منحصراً بالتحريم بصيغة النهي بل يعمّ تفسير جميع


1-المحاضرات:4/23.


(111)

المحرّمات بأي صيغة أنشأت.

وثالثاً: لو صحّ ما ذكر، فإنّما يصحّ في الأحكام الأربعة دون الإباحة، إذ ليس فيه أيّ واحد من اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف أو محروميته منه، بل مفاده حينئذ المجال للمكلّف وكونه مخيّراً بين الفعل والترك.

هذا كلّه في الموضع الأوّل.

الموضع الثاني: هل هناك دليل يدلّ على بقاء الجواز أو لا؟

لو افترضنا إمكان البقاء يقع الكلام في الدليل الدال على البقاء فهو إمّا دليل داخلي أو خارجي أمّا المراد من الداخلي هو دلالة كلّ من الناسخ والمنسوخ على البقاء وأمّا الدليل الخارجي فهو عبارة من الاستصحاب.

أمّا الأوّل ربّما قال: إنّ القدر المتيقّن من دليل الناسخ، هو رفع خصوص الإلزام وأمّا ما عداه فيؤخذ من دليل المنسوخ. نظيره: ما إذا دلّ دليل على وجوب شيء، ودلّ دليل آخر على عدم وجوبه، كما إذا ورد: أكرم زيداً، وورد: «لا بأس بترك إكرامه» فيحكم ـ بأظهرية الدليل الثاني ـ ببقاء الجواز والرجحان.

يلاحظ عليه: أن ليس للأمر إلاّ ظهور واحد و هو البعث نحو المأمور به. وأمّا الوجوب فإنّما يستفاد من أمر آخر وهو كون البعث عند العقلاء تمام الموضوع لوجوب الطاعة والالتزام بالعمل، فإذا دلّ الناسخ على أنّ المولى رفع اليد عن بعثه، فلا معنى للإلتزام ببقاء الجواز أو الرجحان، إذ ليس له إلاّظهور واحد، لا ظهورات متعدّدة طولية أو عرضية حتّى يؤخذ بالباقي.

وأمّا قياس المقام بالدليلين المتعارضين إذا دلّ أحدهما على الوجوب والآخر على عدمه، فقياس مع وجود الفارق، لأنّ استكشاف الجواز هناك إنّما هو لاتّفاق الدليلين على الجواز.

وبالجملة: إنّ بقاء الجواز في المقيس عليه، لأجل تحكيم الأظهر على الظاهر،


(112)

وليس المقام منه قطعاً، وإنّما هو من قبيل نفي الدليل الأوّل بالدليل الثاني.

وإن شئت قلت: إنّه لا دليل على بقاء الجواز، فإنّ الدليل إمّا هو المنسوخ، والمفروض أنّه ارتفع. وإمّا هو الناسخ، والمفروض أنّ مفاده منحصر في رفع الوجوب لا إثبات أمر آخر.

وأمّا الثاني أعني اثبات الجواز بالاستصحاب فنقول:

لو فرضنا قصور الدليل الاجتهادي عن إثبات الجواز، فهل يصحّ التمسك في إثبات الجواز بالاستصحاب أو لا؟

الظاهر، لا. لأنّ الجواز الجامع بين الأحكام الأربعة، أمر عقلي ينتزعه العقل من البعث إلى المأمور به ، الكاشف عن الإرادة الحتمية، الكاشفة عن جوازه عند المولى، فلا يكون حكماً شرعياً قابلاً للاستصحاب، إذ يعتبر فيه أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي.

أضف إليه ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّه من قبيل القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، لأنّ المتيقّن لنا هو الجواز في ضمن الوجوب، والمفروض انتفاؤه، فبقاء الجواز لا يمكن إلاّ بإقامة فرد آخر من الأحكام مقام الوجوب، كالاستحباب والإباحة، ومعه لا يصحّ الاستصحاب، لعدم اتّحاد القضيتين عند العقل والعرف.

وليست الإباحة بالنسبة إلى الوجوب من قبيل نسبة المرتبة الضعيفة إلى الشديدة، حتّى يصحّ استصحابها. والاستصحاب وإن كان بالنسبة إلى الوجوب من هذا القبيل عند العقل، إلاّ أنّهما متباينان عند العرف الذي هو المتّبع في هذه الميادين.(1)

***


1-كفاية الأُصول: 1/224ـ225.


(113)

الفصل التاسع:

الواجب التخييري

ينقسم الواجب إلى : تعيينيّو تخييريّ.

وقد عرفت الواجب التعييني بأنّه مالا بدل له، ولا يسقط بالإتيان بغيره، بخلاف التخييريّ فانّه عبارة عمّا له بدل، ويسقط بالإتيان ببدله. ولا شكّ في وقوعه في الشرعيّات والعرفيات فخصال كفّارة الصوم الثلاث، ودية قتل العمد المخيـّر بين الأُمور الستّة، والتخيير بين الحمد والتسبيح في الركعتين الأخيرتين من هذه المقولة. وأمّا وقوعه في العرف فحدِّث عنه ولا حرج.

مشاكل في تصوير الواجب التخييري

ثمّ إنّ الذي دعاهم إلى عقد البحث عن تحليل الوجوب التخييري عدّة أُمور:

1ـ تعلّق الإرادة أو البعث بالأمـر المردّد، وهو أمر محـال.

توضيحه: إنّ الإرادة من الأُمور الإضافية لا تتعلّق إلاّ بشيء معيّن في لوح النفس. وإن شئت قلت: إنّ تشخّص الإرادة في الضمير، بالمراد، فلا يحصل لها التشخص إلاّ إذا تعلّقت بشيء معيّن. مع أنّ الظاهر في الواجب التخييري غير ذلك، حيث يظهر أنّ الإرادة قد تعلّقت فيه بأحد الفعلين أو الأفعال، لفرض أنّ الواجب ليس شيئاً معيّناً.


(114)

هذا في جانب الإرادة، وأمّا جانب البعث فيقال: إنّ البعث يجب أن يتعلّق بشيء معيّن، إذ لا معنى للبعث إلى المردّد. والظاهر في الواجب التخييري هو أنّ البعث تعلّق بشيء مردّد.

2ـ كون الشيء واجباً وفي الوقت نفسه يجوز تركه.

3ـ مسألة وحدة العقاب أو تعدده إذا ترك الكلّ أو وحدة الثواب أو تعدّده إذا أتى بالجميع.

هذه الأُمور دعتهم إلى عقد فصل حول تحليل الواجب التخييري بشكل، ترتفع هذه المشاكل ثمّ إنّ لهم في بيان ما هو الواجب في الواجب التخييري وواقعه آراء مأثورة عن القدماء وهي:

أ: كلّ واحد واجب على التخيير بمعنى عدم جواز تركه إلاّ إلى بدل وهو خيرة المحقّق الخراساني والمحقّق النائيني، والمحقّق الاصفهاني لكن بتقريبات مختلفة كما ستوافيك وحاصله، أنّه سنخ من الوجوب يتّصف به كلّواحد منالبدلين إلاّ أنّه لا يقتضي امتثال كلّ بعينه، بل الامتثال المردّد بينه وبين غيره.

ب: وجوب الواحد لا بعينه وهو خيرة المحقّق الخوئي بشرط أن يراد منه المفهومي لا المصداقي.

ج: وجوب كلّ منهما تعينيّ إلاّأنّه يسقط بفعل أحدهما ولم يعلم قائله وقد أعرضنا عن ذكره.

د: وجوب المعين عند اللّه. أي ما يعلم اللّه انّ العبد يختاره.

ولنذكر مختار المحقّق الخراساني، ثمّ سائر النظريات للمحقّقين من أصحابنا المتأخّرين.


(115)

النظرية الأُولى: نظرية المحقّق الخراساني

حاصلها: أنّ الوجوب التخييري سنخ من مطلق الوجوب، يتّصف به كلّ واحد من العدلين، وتتعلّق إرادة خاصة بكلّ واحد معيّناً. إلاّ أنّ إطلاق وجوب كلّ منهما مقيّد بعدم الإتيان بالآخر. وإن شئت قلت: إنّ كلّ واحد من العدلين واجب، إلاّ أنّه بنحو يمكن تركه إلى بدل، مطلقاً، فلا يمكن تحصيلهما معاً، كما لايمكن تركهما.

وأوضحها القائل بقوله: إذا أمر بأحد الشيئين ـ كأن يقول: أوقد النار أو أسرج المصباح ـ بملاك أنّ هناك غرضاً واحداً يقوم بكلّ واحد منهما، بحيث إذا أتى بأحدهما، حصل به تمام الغرض ويسقط به الأمر، كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما، وكان التخيير بحسب الواقع عقلياً لا شرعياً: وذلك لوضوح أنّ الواحد (الغرض) لا يكاد يصدر من الاثنين بما هما اثنان، مالم يكن بينهما جامع في البين، لاعتبار نحو من السنخية بين العلّة والمعلول. فجعلهما متعلّقين للخطاب الشرعي، لبيان أنّ الواجب هو الجامع بين هذين الاثنين.

وأمّا إن كان الأمر بملاك أنّه يكون في كلّ واحد منهما غرض خاص غير ما في الآخر لا يكاد يحصل مع حصول الغرض في الآخر، بإتيانه، كان كلّ واحد واجباً بنحو من الوجوب، تستكشف من هذا النحو تبعاتُه من عدم جواز تركه إلاّ إلى الآخر، وترتّب الثواب على فعل الواحد منهما، والعقاب على تركهما. فلا وجه للقول في مثله، بكون الواجب هو أحدهما لا بعينه مصداقاً ولا مفهوماً إلاّ أن يرجع هذا القول إلى ما ذكرناه فيما إذا كان الأمر بأحدهما بالملاك الأوّل من أنّ الواجب هو الواحد الجامع بينهما لا أحدهما معيّناً. مع كون كلّ منهما مثل الآخر في أنّه واف بالغرض.(1)


1-لاحظ كفاية الأُصول، ص 245، طبعة المشكيني.


(116)

حاصل ما أفاده أنّه إذا كان الغرض واحداً بالذات قائماً في الظاهر بواجبين مختلفين نستكشف بفضل قاعدة «الواحد لا يصدر إلاّ عن الواحد» ، أنّه قائم بسبب جامع بين الواجبين، وهو الواجب في الحقيقة والأمر بالواجبين حسب الظاهر، إرشاد إلى ما هو الواجب واقعاً.

وأمّا إذا كان الغرض متعدداً، وكلّ غرض قائماً بفعل خاص فلا وجه لتصوير الجامع بين العلل المؤثرة فيها. كما هو الحال في خصال كفارة الصوم غير أنّ الأغراض لمّا كانت متزاحمة في مقام تعلّق التكليف، وفي رتبة قبل الخطاب، يكون الأمر بكلّ واحد، مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر. فيُصبح الواجب التخييري كواجبين مشروطين فوجوب كلّ مشروط بعدم الإتيان بالآخر.

وهذا التزاحم غير التزاحم المعروف في باب الترتّب، فإنّ التزاحم هناك ليس في مقام تعلّق الحكم وجعل الأحكام بل التزاحم في مقام الامتثال من دون أيّ مزاحمة بين الملاكين في مقام الجعل مثل قولك: أنقذ هذا الغريق وأنقذ ذاك الغريق فقوله ـ قدَّس سرَّه ـ :«نحو من الوجوب» إشارة إلى هذا الوجوب المشروط.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ذكر القسم الأوّل في المقام، لا وجه له فانّ البحث في التخيير الشرعي دون التخيير العقلي فإنّ القسم الأوّل من قبيل التخيير العقلي إلاّ أن يكون الداعي، استيعاب أقسام التخيير، أو كان مقدّمة لبيان التخيير الشرعي.

ثانياً: أنّ استكشاف الجهة الجامعة بين الفعلين إذا أمر بهما بنحو الترديد لكونهما مبدأ لغرض واحد تمسّكاً بقاعدة: «لا يصدر الواحد إلاّ عن الواحد»، من غرائب الكلام. فإنّ مصبّ تلك القاعدة ـ حسب دليلها ـ صدور الواحد الشخصي البسيط البَحْت، فإنّ الواحد بذاك المعنى، لا يمكن أن يصدر من كثير، لاشتراط الرابطة والسنخية ـ ولو كانت ظلّية ـ بين المعلول والعلّة، وصدوره عن الكثير يستلزم رابطتين فما زاد، في الواحد البسيط فيلزم أن يكون مركّباً، وهو


(117)

خلف.

وأمّا المقام ، فالأثر المترتّب على الإيقاد والإسراج ـ في المثال ـ ليس واحداً شخصياً، بل متعدداً وجوداً، واحداً في النوع ـ أعني النور ـ فيكون خارجاً عن القاعدة.

وبذلك يعلم أنّ استكشاف الجهة الجامعة في الصلاة، لأجل كونها مبدأ لأثر واحد، كمعراج المؤمن ليس بتام، لأنّه ليس بواحد شخصي بسيط، بينما مصبُّ القاعدة هو الواحد الشخصي، كما لا يخفى.

وثالثاً: أنّه لا تزاحم في المقام لا في مقام تعلّق الحكم، ولا في مقام الامتثال.

توضيحه أنّه أشار في كلامه إلى تزاحمين:

1ـ التزاحم والتمانع في المرتبة السابقة على الخطاب، كما إذا كان لكلّ من الصيام والعتق والإطعام ملاك يخصّه، ولكن لايمكن الجمع بين الملاكات وكان استيفاء واحد منها مانعاً عن استيفاء الآخر وذلك لا لقصور في قدرة العبد، بل لوجود التضاد والمطاردة بين المناطات.

2ـ التزاحم الواقع في المرتبة المتأخرة عن الخطاب لمكان عدم القدرة على الجمع بين متعلّقي الخطابين كما في إنقاذ الغريقين، من دون أن يكون هناك أيّة مطاردة بين الملاكين.

وقد فسر المحقّق الخراساني الواجب التخييري بالتزاحم في المرتبة السابقة على الخطاب، ولأجل التزاحم وعدم إمكان استيفاء كلا الملاكين أمر بالتخيير ولم يؤمر بالجمع، للتزاحم المزبور، وصار وجوب كلّ واحد من أفراد التخيير مشروطاً بعدم فعل الآخر فيكون العتق واجباً عند عدم الصيام والإطعام وبالعكس فتكون الإرادة قد تعلّقت بكلّ على نحو الواجب المشروط.

وأنت خبير، بأنّه لا تزاحم في المقام لا في المرتبة المتقدّمة على الخطاب ولا بعده أمّا الثاني فواضح لإمكان أن يقوم واحد من المكلّفين بالعتق مع الإطعام أو


(118)

الصيام وأمّا الأوّل فالظاهر أنّ ملاك التخيير هو التسهيل على العباد، ورفع الحرج عنهم ولأجل ذلك لو أفطر بمحرّم وجب عليه الجمع بين الخصال من دون تصور أيِّ تزاحم بين الملاكات.

ورابعاً: أنّ ظاهر كلامه أنّ الواجب التخييري من قبيل الواجب المشروط فالوجوب في كلّ واحد مشروط بعدم الإتيان بالآخر، ومثله الإرادة.

وأنت خبير بأنّ الوجدان حاكم على خلافه وأنّ سنخ الوجوب التخييري غير سنخ الوجوب المشروط، وإنّما هو قسم من الواجب المطلق على نحو لو أتى بأحد الأطراف يسقط الآخر. كما أنّ سنخ الإرادة فيه غير سنخ الإرادة في الواجب المشروط مثلاً إذا ابتلى الإنسان بإنسداد عروق القلب، فالطبيب يأمره إمّا بشرب الدواء مستمرّاً أو بإجراء عملية جرّاحية على عروقه، فهذا نوع من الطلب لا يرجع إلى الواجب المشروط بأنّ كلاًّ من العملين مشروط بعدم الآخر، كما هو واضح.

كيفية تخلّص الخراساني من الإشكالات الثلاثة

بقي الكلام في أنّ المحقّق الخراساني كيف تخلّص من الإشكالات الثلاثة المذكورة فنقول:

أمّا الأوّل أي تعلّق الإرادة، بالأمر المردّد مع أنّ وزان الإرادة الآمرية كالإرادة الفاعلية، فكما أنّ الثانية لا تتعلّق إلاّ بالأمر المعيّن فهذه الإرادة الآمرية لا تتعلّق إلاّ بالشيء المعيّن.

أقول: إنّه ـ قدَّس سرَّه ـ تخلّص من هذا الإشكال بالقول بتعدّد الإرادة وأنّه قد تعلّق بكلّ من الأطراف إرادة خاصة، لكن على وجه مشروط، بحيث لو أتى بأحدهما لانسحبت الإرادة الأُخرى عن مجال الدعوة.

وإن شئت قلت: إنّ هناك سنخين من الإرادة: إرادة لا تنسحب بالعمل


(119)

بمراد آخر. كما إذا صلّى، فلا تنسحب الإرادة المتعلّقة بالزكاة وإرادة خاصّة تنسحب عن مجال الامتثال إذا جرى على وفق إرادة أُخرى، وما هذا إلاّلأنّ الغرض يحصل بالعمل بواحد منهما.

ومنه يظهر اندفاع الإشكال الثاني وهو أنّه كيف يوصف كلّ بالوجوب مع أنّه يجوز تركه عند الإتيان بالآخر، لما عرفت من أنّ هنا سنخين من الطلب، فتارة لا ينسحب في مقام الدعوة بإجابة الطلب الآخر وأُخرى ينسحب وما هذا إلاّ لأجل حصول غرض المولى، وليس معنى الواجب على الإطلاق لزوم الإتيان على كلّ حال وكلّ تقدير فتفسير الواجب على ذاك النحو خاطئ جدّاً.

وأمّا الثالث: فقد يعترض على المحقّق الخراساني بأنّ لازم كلامه (تعدّد الغرضين) هو تعدد العقاب عند ترك كلا الغرضين، بحجّة أنّ مقتضى كون كلّ من الغرضين ملزماً في نفسه هو وجوب كلّ من الفعلين، غاية الأمر أنّه من جهة المضادّة بين الغرضين وعدم إمكان الجمع بينهما في الخارج لا محالة يكون وجوب كلّ منهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر. ولازم هذا هو أنّ المكلَّف إذا ترك كلا الفعلين معاً، يستحقّ عقابين: عقاباً على ترك هذا، وعقاباً على ترك ذاك، لفرض أنّوجوب كلّ منهما عندئذ فعليّ من جهة تحقّق شرطه وهو عدم الإتيان بالآخر.(1)

وقد سبقه أُستاذه في الإشكال وقال معترضاً على النظرية:«لا يمكن أن يكون التكليف بكلّ واحد مشروطاً بعدم فعل الآخر إذ تلزم فعلية جميع التكاليف عند ترك فعل الكل، لتحقّق شرط الوجوب في كلّ واحد ولازم ذلك تعدد العقاب وهو ضروريّ البطلان إذ ليس في ترك الواجب التخييري إلاّ عقاب واحد».(2)

ويلاحظ عليه: أنّ تعدد العقاب إمّا لأجل تفويت المصلحتين الملزمتين، أو لأجل مخالفة التكليفين الفعليين لحصول شرطهما وهو عدم الإتيان بالآخر،


1-المحاضرات:4/38ـ39.
2-الكاظمي: فوائد الأُصول: 1/234.


(120)

وكلاهما غير مفيد.

أمّا الأوّل، فلأنّ المفروض عدم إمكان الجمع بين الغرضين وتنافيهما في مقام التأثير في الغرض، وإذا كان كذلك، فلا يكون الواجب إلاّ الممكن، وهو أحد الغرضين، دونهما معاً، إذ المفروض أنّ بينهما تضادّاً في مقام الملاك، تضادّاً يبطل كلّواحد منهما أثر الآخر، ومع ذلك كيف يكون الواجب كلا الملاكين؟!

وأمّا الثاني، فانّ كبراه ممنوعة إذ لا نسلّم أنّ ترك كلّ واجب فعلي موجب للعقاب، فإنّ مخالفة الحكم الفعلي إنّما توجب تعدّد العقاب، إذا لم يكتف المولى في مقام الامتثال بواحد منهما. ومعه، لا ملاك لتعدّده. وإن أبيت إلاّ عن تعدّده فلا مانع من الإلتزام بتعدّده بناءً على ما سبق من سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ من الالتزام به في باب الترتّب إذا ترك كلا الواجبين فلاحظ.

هذا كلّه حول نظرية المحقّق الخراساني . وإليك سائر النظريات في تحليل الواجب التخييري.

النظرية الثانية: نظرية المحقّق النائيني ـ قدَّس سرَّه ـ

وحاصله: كلّ واحد واجب على وجه البدل.

إنّ الإرادة والوجوب تعلّقا بكلّ واحد، لكن لا على سبيل التعيين، بحيث لا يمكن العدول منه إلى غيره بل تعلّقا على وجه البدلية .

توضيحه: إنّ الغرض ربّما تقوم بماهية أصليّة وجامع ذاتي، ويكون كلّ واحد من أفرادها كافياً في تحصيل الغرض، فعند ذاك يتعلّق الأمر بذاك الجامع، ويكون المكلّف مخيـّراً في إيجاده في ضمن أيّ فرد شاء.

وربّما يكون الغرض قائماً بفعلين (أو أحد أفعال) ليس بينهما جامع ذاتي، ولا يدخلان تحت ماهية أصلية، فعند ذاك يتوصّل الآمر إلى تحصيل غرضه بالأمر


(121)

بفعلين لكن على سبيل البدل كما إذا قال: «إن أفطرت فاعتق رقبة ، أو أطعم ستّين مسكيناً» ففي الحقيقة إنّ هنا مصلحة واحدة نوعية قائمة بنوعين من الفعل متغايرين، يحصل بكلّ واحد منهما غرض المولى، وليس بين الفعلين جامع قريب وعندئذ يتوصل به المولى إلى غرضه بإيجاب الفعلين أو الأفعال على سبيل البدلية.

وتصديق ذلك سهل إذا لوحظت الواجبات التخييريّة العرفية، بضميمة أنّ الوجوب أمر اعتباري يكفي في صحّته ترتب الأثر. ولذلك لو ارتكب إنسان جرماً، وتعلّق غرض المولى بتأديبه، فانّه يحصل تارة بدفع غرامة نقدية، وأُخرى بإلقاء القبض عليه وحبسه. وبما أنّه لا يوجد بين الفعلين جامع ذاتي قريب، يتوصل المولى إلى غرضه بجعل الوجوب على الأمرين على سبيل البدلية فإنّ المفروض أنّ الغرض ـ وهو ارتداعه عن الخطأ وعدم تكراره ـ يحصل بكلّ واحد من الأمرين.

ومثله ما إذا كان الغرض يحصل بطبخ كلّ من الأُرز، واللحم ، اللّذين ليس بينهما جامع ذاتي يشملهما ولا يشمل غيرهما، فلا محالة يتوصل المولى إلى غرضه بإيجاب الأمرين، واعتبار نسبة بين نفسه وكليهما على سبيل البدل.

وهكذا فيمن أفطر في شهر رمضان بلا عذر، فانّ غرض المولى هو إزعاج المفطر وتأديبه، وهو يحصل بتكليف بدني، كما في صوم شهرين متتابعين، أو بتكليف مالي، كما في إطعام ستّين مسكيناً. ولكن لمّا لم يكن بين العملين جامع قريب، يتوصل المولى إلى غرضه بإيجاب الأمرين على وجه البدلية.

ثمّ إنّ الفرق بين هذه النظرية ونظرية المحقّق الخراساني واضح ثبوتاً وإثباتاً:

أمّا الفرق بينهما ثبوتاً فهو أنّ غرض المولى في نظريته ـ قدَّس سرَّه ـ متعدّد وبما أنّه لا يمكن استيفاء كلا الغرضين، لم يأمر بالفعلين على وجه التعيين، بل أمر بهما على


(122)

نحو الواجب المشروط، وأمّا على هذه النظرية فالغرض واحد ويحصل بكلّ من الفعلين، لكن بما أنّه لا جامع بين الفعلين لم يمكن له الأمر الواحد بالجامع بينهما، المحصِّل للغرض فالتجأ إلى الأمر بكلّ على وجه البدلية، وليس أحدهما أصلاً والآخر بدلاً، بل الكلّ أصل بمعنى وبدل بمعنى آخر.

وأمّا الفرق في مقام الإثبات فقد جعل المحقّق الخراساني الأمرين بهما من باب الواجب المشروط وأمّا القائل بهذا القول فقد جعله من باب الواجب المطلق وقسّمه إلى قسمين، مالا بدل له، وماله بدل. هذا هو المختار عندنا وما ذكرنا، هو الظاهر ممّا حرّره المحقّق الكاظمي في تقرير أُستاذه، نعم ما حرّره المحقّق الخوئي تقريراً عنه، يخالف ذلك ويوافق النظرية الثالثة التي توافيك عن قريب وإليك نصّ ما في تقريرات الكاظمي:

الوجه الرابع: هو الذي اختاره شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ وحاصله: أنّه لا مانع من تعلّق إرادة الآمر بكلّ واحد من الشيئين أو الأشياء على وجه البدلية، بأن يكون كلّ واحد بدلاً عن الآخر ولا يلزم التعيين في إرادة الآمر بأن تتعلّق إرادته بأمر معيّن بل يمكن تعلّق إرادة الآمر بأحد الشيئين منهما وإن لم يمكن تعلّق إرادة الفاعل بذلك ولا ملازمة بين الإرادتين على هذا الوجه. مثلاً لا إشكال في تعلّق إرادة الآمر بالكلي مع أنّ إرادة الفاعل لا يعقل أن تتعلّق بالكلي مجرّداً عن الخصوصية الفردية.

والحاصل: أنّ بعض الخصوصيات من لوازم الإرادة الفاعلية حيث إنّ الإرادة الفاعلية إنّما تكون مستتبعة لحركة عضلاته ولا يمكن حركة العضلات نحو المبهم المردّد وهذا بخلاف إرادة الآمر فانّه لو كان كلّ من الشيئين أو الأشياء ممّا يقوم به غرضه الوحداني فلابدّ أن تتعلّق إرادته بكلّ واحد لا على وجه التعيين بحيث يوجب الجمع فإنّ ذلك ينافي وحدة الغرض بل على وجه البدليّة


(123)

ويكون الاختيار حينئذ بيد المكلّف في اختيار أيّـهما شاء ويتّضح ذلك بملاحظة الأوامر العرفية فإنّ أمر المولى عبده بأحد الشيئين أو الأشياء بمكان من الإمكان ولا يمكن إرجاعه إلى الكلي المنتزع كعنوان أحدهما فإنّ ذلك غير ملحوظ في الأوامر العرفية قطعاً ولا يلتفت إليه فلتكن الأوامر الشرعية كذلك فالإرادة في الواجب التخييري سنخ من الإرادة في قبال الإرادة المشروطة أو الإرادة المطلقة بشيء معيّن فتأمّل جيّداً.(1)

وكلامه ظاهر في هذا الوجه لولا أنّ في عبارته أمرين ربّما يوهم خلاف هذه النظرية:

1ـ حاول أن يفرق بين الإرادة الآمرية والإرادة الفاعلية، بوجهين مع أنّه لا حاجة إليه في هذه النظرية وإنّما يحتاج إليه على القول الثالث الذي يوافيك، فإنّ إرساء تلك النظرية مبني على إهداء الفرق بين الإرادتين.

2ـ أتى في ثنايا كلامه بأحد الشيئين، أو أحد الأشياء الموهم أنّ الواجب هو العنوان الانتزاعي ـ ومع ذلك ـ صرّح في ذيل كلامه بأنّ الواجب ليس ذاك العنوان الانتزاعي، ولأجل ذلك نسبنا هذه النظرية إليه.

وعلى كلّ تقدير فسواء كانت هذه النظرية موافقة لما اختاره أو لا، فهذه نظرية صحيحة، يندفع بها الإشكالات الثلاثة:

أمّا التردّد في متعلّق الإرادة، فالمفروض أنّ هنا إرادتين تعلّقتا بكلّ واحد لكن على سبيل البدل.

وأمّا تركه مع كونه واجباً فلأنّ ترك الواجب على وجه الإطلاق غير جائزلا تركه مع البدل.

وأمّا وحدة العقاب فلوحدة الغرض، ووحدة الواجب كما لا يخفى.


1-الكاظمي: فوائد الأُصول: 1/235.


(124)

النظرية الثالثة: نظرية المحقّق الخوئي: الواجب عنوان أحدهما

إنّ متعلّق الوجوب في الواجبات التعيينية، الطبيعة المتأصّلة كالصلاة والصوم والحجّ وما شاكلها. وفي الواجبات التخييرية، الطبيعة المنتزعة كعنوان أحدهما. هذا إجماله وأمّا التفصيل فقد أوضحه بقوله:

الذي ينبغي أن يقال في هذه المسألة تحفظاً على ظواهر الأدلّة هو أنّ الواجب أحد الفعلين أو الأفعال لا بعينه، وتطبيقه على كلّ منهما في الخارج بيد المكلّف، كما هو الحال في موارد الواجبات التعيينية، غاية الأمر أنّ متعلّق الوجوب في الواجبات التعيينية الطبيعة المتأصلة والجامع الحقيقي،و في الواجبات التخييرية، الطبيعة المنتزعة والجامع العنواني، فهذا هو الفارق بينهما وتخيّل ـ أنّه لا يمكن تعلّق الأمر بالجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدهما في المقام، ضرورة أنّه ليس له واقع موضوعي غير تحقّقه في عالم الانتزاع وا لنفس، فلا يمكن أن يتعدى عن أُفق النفس إلى ما في الخارج، ومن الواضح أنّ مثله لا يصلح أن يتعلّق به الأمر ـ خيال خاطئ جدّاً، بداهة أنّه لا مانع من تعلّق الأمر به أصلاً بل تتعلّق به الصفات الحقيقية كالعلم والإرادة وما شاكلهما، فما ظنّك بالحكم الشرعي الذي هوأمر اعتباري محض.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا مانع عمّا ذكره ثبوتاً ولكن لا يوافقه الإثبات، فإنّ الظاهر، أنّ الواجب نفس العناوين الواردة في الكتاب والسنّة، لا عنوان أحدهما ، قال سبحانه:(لا يُؤاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشْرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْتَحْرِيرُ رَقَبَة) (المائدة/89) فإنّ الظاهر أنّ الواجب نفس العناوين لا العنوان


1-المحاضرات: 4/42و 44.


(125)

المنتزع. وهكذا الحال في قوله سبحانه:(فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *وَ ما أَدْريكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَة*أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة* يَتيماً ذا مَقْرَبَة* أَوْ مِسْكِيناًذا مَتْرَبَة) (البلد/11ـ16).

أمّا اندفاع الإشكالات الثلاثة على هذا الوجه أيضاً فواضح غني عن البيان.

النظرية الرابعة: وهي للمحقّق الاصفهاني ـ قدَّس سرَّه ـ

قال في تعليقته على الكفاية: يمكن أن يفرض غرضان، لكلّ منهما اقتضاء إيجاب محصَّله، إلاّ أنّ مصلحة الإرفاق والتسهيل تقتضي الترخيص في ترك أحدهما، فيوجب كليهما لما في كلّ منهما من الغرض الملزم في نفسه، ويرخص في ترك كلّ منهما إلى بدل، فيكون الإيجاب التخييري شرعياً محضاً من دون لزوم الإرجاع إلى الجامع.(1)

وهذه النظرية هي بعينها نظرية المحقّق الخراساني غير أنّه قال: إنّ «التزاحم الملاكي (دون الخطابي) بين الغرضين أوجب عدم لزوم تحصيل كليهما»، وهو يقول: «إن حديث الإرفاق أوجب عدم لزوم تحصيلهما معاً».

وأورد عليه المحقّق الخوئي في «تعاليق الأجود»، وفي «المحاضرات»، إيرادين:

الأوّل: إنّه يستلزم تعدّد العقاب عند عصيان الوجوب التخييريّ وعدم الإتيان بشيء من الفعلين، ضرورة أنّ الجائز هو ترك كلّ منهما إلى بدل لا مطلقاً.(2)

يلاحظ عليه: بأنّ تعدّد العقاب لا يحسن إلاّ لأحد أمرين:

1ـ تفويت المصلحتين الملزمتين.


1-نهاية الدراية:1/254، ط طهران.
2-تعاليق الأجود:1/182.


(126)

2ـ عصيان الخطابين الفعليين المطلقين.

أمّا الأوّل، فهو خلاف الفرض، لأنّ المفروض أنّ ما يلزم تحصيله هو إحدى المصلحتين لا كلتاهما، لأجل التسهيل.

أمّا الثاني: فهو إنّما يصحّ لو لم يقتصر المولى في مقام الامتثال على واحد منهما كما هو قضية ترك أحدهما بالإتيان بالآخر، فإذا اكتفى بأحدهما فكيف يعاقب بعقابين، نعم الجائز هو ترك أحدهما عند الإتيان بالآخر لا مطلقاً، لكنّه يدل على أنّ اللازم للامتثال هو أحدهما، لا كلاهما وإن كان الكلّ واجباً.

وبعبارة أُخرى: لا يعقل أن تكون دائرة التكليف أوسع من الملاك اللازم تحصيله. والمفروض أنّ ما هو اللازم، عبارة عن أحد الملاكين لا كليهما، والواجبان وإن كانا فعليين، مطلقين، لكن لهما ضيقاً ذاتياًمن جانب الملاك الملزم تحصيله، فلمّاكان واحد منهما واجب التحصيل يكون واحد من الأمرين لازم الإطاعة.

الثاني: ما ذكره في خصوص «المحاضرات» من أنّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك في كلّ من الطرفين إلاّ بالأمر، وحيث إنّ الأمر فيما نحن فيه تعلّق بأحد الطرفين أو الأطراف، فلا محالة لا نستكشف إلاّ قيام الغرض به.(1)

يلاحظ عليه: أنّ القول بتعلّق الأمر بأحد الطرفين أو الأطراف، الذي اتخذ أساساً للإشكال، مخالف لصريح كلامه حيث قال: «فيوجب كليهما لما في كل منهما من الغرض الملزم في نفسه ويرخَّص في ترك كلّ منهما إلى بدل» وعليه لا مانع من استكشاف تعلّق الغرضين.

نعم يرد عليه أنّ تعلّق الأمرين بفعلين لا يلازم تعدّد الغرض لإمكان أن يكون الفعلان مشتملين على غرض واحد غير أنّه لما لم يكن بين الفعلين المحصِّلين لغرض واحد، جامع قريب أمر بالفعلين، فتعدّد الأمر، أعمّ من تعدّد


1-المحاضرات: 4/28.


(127)

الغرض كما عرفت في تحقيق النظرية الثانية.

النظرية الخامسة:

أن يكون الواجب هو الواحد المعيّن من الفعلين أو الأفعال، وهو الذي يعلم اللّه أنّ العبد يختاره.

ويلاحظ عليها، أولاً: أنّها تستلزم عدم الاشتراك في التكليف، وأنّ تكليف من يختار العتق، يخالف تكليف من يختار صوم ستّين يوماً، وهو ممّا اتّفق الكلّ على خلافه.

وثانياً: أنّه يستلزم عدم العقاب على من ترك التكليف رأساً، لأنّ الواجب هو ما يختاره في علم اللّه، فإذا لم يختر واحداً منهما، كشف عن عدم موضوع للتكليف في علم اللّه تعالى، ومع فقد الموضوع فلا عقاب.

اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ الاختيار ليس قيداً للوجوب، حتى يلزم عدم توجّه تكليف إليه، إذا لم يختر بل هو قيد للواجب وأنّه من القيود التي يجب تحصيلها، مثل الطهارة التي يجب تحصيلها.

نتيجة البحث

هذه هي الأقوال والنظريات حول الواجب التخييري وتفسير ماهيته، وقد علمت أنّ الباعث لحدوث هذه الأقوال هو التخلّص عن تعلّق الإرادة بأمر مردّد بين الأمرين.

والحقّ أن يقال: إنّ دفع الإشكال ثبوتاً يتحقّق بأحد وجهين:

الأوّل: تعلّق إرادتين مستقلّتين بكلّ واحد منهما كما في النظريات الثلاث: الأُولى والثانية والرابعة، غير أنّه لمّا كان الواحد منهما وافياً بالغرض، أراد كلّ واحد


(128)

منهما على وجه لو أتى المكلّف بواحد منهما تنسحب الإرادة الأُخرى، لحصول الغرض، فإنّ حصوله يوجب سقوط الأمر، سواء أكان بفعل الغير، كما إذا أمر عبده بإنقاذ الغريق، فسبقه آخر إليه، أم بفعل نفسه كما في المقام.

الثاني: أن تتعلّق إرادة واحدة بعنوان أحد الفعلين، ويكون المراد أحد الفعلين مفهوماً، ويكون التطبيق بيد المكلَّف كما في النظرية الثالثة، وقد عرفت أنّ أحدهما المفهومي غير أحدهما المصداقي، فإنّ الأوّل يتعيّن في الذهن ويكون طرفاً للإرادة، بخلاف الثاني، إذ لا وجود له لا في الخارج، لأنّ الخارج يساوق التعيّن والتشخص، والتشخص رفيق الوجود، ولا في الذهن، لأنّه يرجع عندئذ إلى أحدهما المفهومي.

التخيير بين الأقل والأكثر

إذا عرفت مفاد الواجب التخييري، فاعلم أنّه لا إشكال في التخيير بين المتباينين كما في خصال الكفّارة إنّما الكلام في جوازه بين الأقل والأكثر كتخيير المصلّي بين تسبيحة واحدة أو ثلاث تسبيحات، وجه الإشكال أنّ الأقلّ يحصل دائماً قبل الأكثر فيسقط به الأمر، ولا تصل النوبة إلى الامتثال بالأكثر ولأجل ذلك حمل الزائد على التسبيحة الواحدة على اجتماع الواجب مع المستحب.

لكن المحقّق الخراساني حاول أن يصحِّح التخيير بينهما بالبيان التالي بتوضيح منّا:

إذا كان الأثر مترتّباً على الأقل بحدّه، والأكثر بحدّه، وبعبارة أُخرى إذا كان الأثر مترتباً على الفرد التام من الأقل، والفرد التام من الأكثر، يصحّ التخيير بين الفرد الأقلّ، والفرد الأكثر، وذلك لأنّ الأقل الموجود في ضمن الأكثر، لا يكون مصداقاً للواجب، وإنّما يكون مصداقاً له إذا وجد بحدّه، وبصورة فرد مستقل، وهو لا يتحقّق إلاّ بفصله عن الزائد، وأمّا إذا وجد متّصلاً معه، فلا يكون فرداً


(129)

للأقل المأمور به وإن كان مصداقاً لذات الأقل.

نعم لو كان الأثر مترتّباً على مطلق الأقل الأعم من أن يكون مستقلاً، أو موجوداً في ضمن الأكثر فلا يصحّ التخيير إذ لا تصل النوبة في مقام الامتثال إلى الامتثال بالأكثر، لأنّ المأتي به لا يخلو إمّا أن يكون فرداً مستقلاً من الأقل فيسقط الأمر به أو يكون في ضمن الأكثر فيتحقّق قبل تحقّق الأكثر.

وبعبارة أُخرى يصحّ التخيير بين الفرد البشرط لا، والفرد البشرط شيء. ولا يصحّ التخيير بين الفرد اللابشرط والبشرط شيء لأنّ الأقلّ يتحقّق دائماً قبل الأكثر.

ثمّ اعترض على نفسه بأنّ هذا التصوير إنّما يختصّ بما إذا كان للأكثر وجود واحد، ولم يكن للأقل في ضمنه وجود على حده كالخطّ القصير الذي هو في ضمن الأكثر، فإنّ للأكثر وجوداً واحداً، وليس للأقل وجود مستقل في ضمنه فعندئذ يكون الآتي بالأكثر غير آت بالأقل الواجب. وأمّا إذا كان للأقل وجود مستقلّ في ضمن الأكثر، كالتسبيحة في ضمن ثلاث تسبيحات فلا يأتي التصوير المزبور، لأنّ الأقل يتحقّق قبل أن يتحقّق الأكثر دائماً ولا تصل النوبة إلى الامتثال بالأكثر، نظيره إذا رسم خط طويل، لكن مع تخلل العدم في وسطه، فإنّه يوجب سقوط الأمر بالأقل ولا تصل النوبة إلى الأكثر والحاصل أنّه إنّما يتصوّر في الأقل الذي ليس له وجود مستقلّ في ضمن الأكثر كما في رسم الخط الطويل بلا تخلل العدم، وأمّا إذا كان له في ضمنه وجود مستقلّ كالتسبيحة في ضمن الثلاث أو ثلاثين دلواً في ضمن الأربعين أو رسم الخطّ الطويل مع تخلّل العدم في وسطه فلا.

ثمّ أجاب عنه بأنّه لا تختلف الحال بذلك الفرق الذي ذكر، أي كون الأقل في ضمن الأكثر على قسمين، غير مستقلّ تارة كما في الخط الطويل، ومستقلّ كما في التسبيحة، وذلك لأنّ تصحيح التخيير في القسم الثاني يتوقف على أخذ الأقل


(130)

الذي هو عدل للتخيير على نحو بشرط لا، بأن لا ينضمّ إليه شيء فحينئذ فالتسبيحة الواحدة، مصداق للأقل، وأمّا التسبيحة التي انضمّت إليها تسبيحة أُخرى، فليست مصداقاً له، بل مصداق للأكثر فقط.

ثمّ عطف عنان القلم إلى بيان أنّ التخيير تارة يكون عقلياً وأُخرى شرعياً.(1)

يُلاحظ عليه: أنّ المحاولة فاشلة، ولا تجعل العدلين من قبيل التخيير بين الأقل والأكثر، بل من قبيل التخيير بين المتباينين، من غير فرق بين الخط القصير والطويل، وبين التسبيحة الواحدة والكثيرة وذلك لأنّ ملاك المحاولة هو اعتبار الأقل، بشرط لا، حتّى يختصّ بالأقل بحدّه، ولا يشمل على الأقل في ضمن الأكثر ومن المعلوم أنّ التخيير بين الفرد البشرط لا، والفرد البشرط شيء ليس تخييراً بين الأقل والأكثر بل تخييراً بين المتباينين.

وبعبارة أُخرى: إنّ الأقلّ الموجود بحدّه وبصورة «بشرط لا» ليس أقلاً بالنسبة إلى الأكثر، بل هو فرد مباين للأكثر. فالتخيير بينه وبين الأكثر، تخيير بين المتباينين، وهو خارج عن الفرض. والأقل الواقعي، وهو الأقل اللابشرط، موجود في ضمن الأكثر، وقد عرفت أنّه لا يصحّ التخيير بينه وبين الأكثر للغوية الأمر به عندئذ.

وعلى ضوء هذا فالخط القصير المحدود بحدّ، والطويل المحدود بحدّ، وإن كان يصحّ التخيير بينهما، لكنّهما ليسا من قبيل الأقل والأكثر بل من قبيل المتباينين.

وذات الخطّ القصير الأعمّ من المحدود، والموجود في ضمن الأكثر، وإن كان بالنسبة إلى الأكثر من قبيل الأقل والأكثر، لكنّه لا يصحّ التخيير بينهما


1-كفاية الأُصول: 1/227ـ 228.


(131)

لسقوط الأمر مطلقاً بالأقل الأعم من المحدّد، أو الموجود في ضمن الأكثر.

ومثله التسبيحات الأربع، فانّ الغرض، إذا كان مترتّباً على التسبيحة الواحدة المقيدة بالوحدة بحيث تخرج عن قابلية لحوق الزائد عليها بها، وإن صحّ التخيير لكنّه تخيير بين المتباينين. أمّا التخيير بين ذات الأقل والأكثر، فقد عرفت لغوية الأمر بهذا النحو.

وعلى هذا فما يتجلّى أنّه من قبيل التخيير بين الأقل والأكثر، أمره دائر ثبوتاً، بين التخيير بين المتباينين إذا كان الواجب هو الأقلّ بحدّه والتسبيحة بقيد الوحدة أو كونه من قبيل ضمّ المستحبّ إلى الواجب، إذا كان الواجب ذات الأقلّ سواء وجد بحدِّه أو في ضمن الأكثر.

وأمّا إثباتاً فيتبع لسان الدليل وكيفية الاستظهار منه.

***


(132)

الفصل العاشر:

الواجب الكفائي

نقدّم أُموراً

1ـ لا شكّ في وجود الواجبات الكفائية بين العقلاء والشريعة الإسلامية، فالوالد يأمر أولاده بالإتيان بالماء وتكريم الضيف وغلق الباب. ومثله، المولى بالنسبة إلى عبيده على وجه لو أتى به واحد منهم يسقط الأمر، ولوترك الكلّ يعاقب الجميع. وأمّا الشريعة الإسلامية فإجراء الحدود، كقطع يد السارق وحدّ الزاني، والأمر بالمعروف، وإقامة النظام من الواجبات الكفائية التي لا يشكّ في كفائيتها من له إلمام بها.

2ـ الواجـب الكفائي تقسيم للواجب حسب الموضوع كما أنّ الواجب التخييريّ تقسيم له حسب المتعلّق وذلك لأنّ للوجوب إضافة إلى الآمر، وإضافة إلى المأمور به الذي يسمّى: «المتعلَّق» وإضافة ثالثة إلى الموضوع وهو المكلَّف، فباعتبار إضافته إلى المتعلَّق والمكلَّف به، ينقسم إلى التعييني والتخييري، وباعتبار إضافته إلى «الموضوع» ينقسم إلى العينيّ والكفائي بمعنى أنّه تارة يكون المطلوب صدور الطبيعة من مكلَّف معيّن، وتكون لصدوره عن هذا الفاعل وذاك الفاعل مدخلية في حصول الغرض وأُخرى يكون المطلوب إيجاد نفس الطبيعة وتحقّقه في الخارج من دون التزام بصدوره من شخص خاص بحيث يحصل بفعل أيّ واحد من المكلّفين.


(133)

3ـ عرف الواجب الكفائي بأنّه عبارة عن الواجب الذي لو أتى به فرد من المكلّفين لسقط عن الباقين، وإن تركه الجميع، لعُوقبوا ، فيكون الواجب الكفائي كالتخييري في وضوح المفهوم أوّلاً، ومشكلة كيفية تعلّق الإرادة والوجوب ثانياً.

أمّا الأوّل أي وضوح المفهوم في كليهما، فواضح، وأمّا الثاني أي مشكلة تعلّق الإرادة والوجوب، فيقال: إنّ الإشكال في التخييريّ يدور حول الواجب وأنّه هل هو أحد الأمرين أو كلاهما، وقد مرّ بيان الإشكال في كلّ واحد وأمّا المقام فيدور حول الموضوع فإن كان الموضوع هو الفرد المردّد، يلزم تعلّق الإرادة والوجوب بالفرد المردّد، وإن كان الموضوع كل المكلّفين يجب قيام الجميع به مع أنّه يسقط بفعل واحد منهم. ولأجل ذلك جاء الأُصوليون بعدّة نظريات لتحقّق حقيقة الواجب الكفائي ودرء إشكاله.

النظرية الأُولى: نظرية المحقّق الخراساني

إنّ الواجب الكفائي سنخ من الوجوب، وله تعلّق بكلّ واحد ، بحيث لو أخلّ الكلّ بامتثاله، لعوقبوا على مخالفته جميعاً، وإن أتى به بعضهم لسقط عنهم، وذلك لأنّه قضية ما إذا كان هناك غرض واحد حصل بفعل واحد صادر عن الكل أو البعض.(1)

وحاصله: أنّه لا فرق بين العيني والكفائي في أنّ الطلب متوجّه إلى الكلّ، غاية الأمر أنّ الغرض في الأوّل لمّا كان متعدداً، لا يسقط تكليف كلّ بفعل الآخر، بخلاف الثاني، فانّ مقتضى وحدة الغرض هو سقوط التكليف عن الباقي بفعل الواحد، إذ لا معنى لبقاء التكليف مع حصول الغرض. وعلى كلّ حال، الذي يركّز عليه المحقّق الخراساني في بيان الفرق بين العيني والكفائي، هوتعدّد الغرض في الأوّل ووحدته في الثاني فلا يسقط الأمر العينيّ بفعل واحد من المكلّفين لبقاء


1-كفاية الأُصول، 229، طبعة المشكيني.


(134)

الغرض، ويسقط في الكفائي لعدم بقائه.

أقول: كان عليه أن يضيف إلى وحدة الغرض، شيئاً آخر، وهو مدخلية قيام مكلَّف خاص بالمأمور به، في غرض المولى في العيني، دون الكفائي فلا مدخلية لقيامه به في غرضه ولهذا اقتصر بصدور الطبيعة عن أيّ واحد من أفراد المكلّفين.

وبهذا يعلم الفرق بين العيني والكفائي فالغرض في الأوّل متعدّد دون الثاني، كما أنّ صدوره عن مكلّف خاص دخيل في الغرض في العيني، دون الكفائي.

فإن قلت: إذا كان الغرض واحداً قائماً بفرد من المكلّفين فلماذا عمّم التكليف إلى الجميع ، وجعله واجباً على الكلّ؟ وبعبارة أُخرى لو كان الغرض حاصلاً بفعل الواحد، فلا وجه لتوجه التكليف إلى الجميع. وأمّا إذا كان لا يحصل إلاّ بفعل الجميع فكيف يسقط بفعل الواحد؟

قلت: إنّ تخصيصه بفرد أو بصنف من المكلّفين، يناقض ما ذكرناه من عدم مدخلية صدور الفعل عن مكلّف خاص ولا محيص عن تعميم الحكم إلى الجميع وإلاّ لزم أن يكون التخصيص بلا وجه، مضافاً إلى أنّ في هذا النوع من التكليف تحفظاً على الغرض بوجه أبلغ، إذ لو توجّه التكليف إلى لفيف خاص ربّما لا يقومون لأعذار مسموعة أو غير مسموعة بخلاف ما إذا جعل الجميع مسؤولين أمام المكلِّف، وحذّرهم بأنّ تركه موجب لعقوبة الجميع، ففي هذا الظرف يقوم به الأمثل فالأمثل.

وليعلم أنّ تفسير الواجب الكفائي بهذا المعنى، لا يرجع لُبّه إلى الواجب المشروط، كما يظهر من صاحب المحاضرات، بل هو واجب مطلق يختلف سنخه مع الواجب المطلق العيني. نعم ظاهر كلام المحقّق الخراساني في الواجب التخييري كونه من قبيل الواجبين المشروطين ولذلك عدلنا عنه واخترنا نظرية


(135)

المحقّق النائيني حسب تقرير الكاظمي فلاحظ.

فإن قلت: إذا كان الموضوع في الواجب الكفائي، عموم المكلّفين فلماذا خصّه سبحانه بأُمّة معيّنة وفئة خاصة وقال: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران/104) ولو كان واجباً على الكلّ فلماذا خصّ إجراء الحدود من القطع والجلدِ بالحُكّام وذي المنعة والقوّة؟

قلت أوّلاً: الاستدلال مبني على كون «من» للتبعيض مع احتمال كونها نشوئية ابتدائية مثل قولك: وليكن لي منك صديق أي كن صديقاً لي والمراد كونوا أُمّة يدعون إلى الخير ويؤيد ذلك قوله تعالى في آخر الآية: (وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) لأنّه إذا سادت الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف في المجتمع يعمّ الفلاح الجميع، من غير فرق بين الآمر والمأمور وغيرهما.

وثانياً: لو افترضنا أنّ «من» تبعيضية ، والمقصود قيام لفيف من المجتمع الإسلامي، فإنّما هو بصدد بيان صورة تجسيد ذلك الواجب وتحقيقه فيها وليس بصدد بيان متعلّق الوجوب ولأجل ذلك نرى في الآيات الأُخر يخاطب المؤمنين والمؤمنات بهذه الوظيفة الخطيرة ويقول:(وَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَولياءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِوَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَ يُؤتُونَ الزَّكوةَ وَ يُطيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكيمٌ) (التوبة/71).

وثالثاً: إنّ الآية راجعة لبعض مراتب الأمر بالمعروف لا كلّها، ولا مانع من أن يختصّ بعضها لفئة خاصة كما سيوافيك.

وأمّا اختصاص إجراء الحدود بالحكّام، فلأجل أنّ الأمر بالمعروف ذو مراتب فمرتبة منه يعمّ الجميع، على درجاته من الإنكار بالقلب واللسان، وإظهار الاشمئزاز بالوجه و قد ورد في الحديث عن علي ـ عليه السَّلام ـ : أمرنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن نلقي


(136)

أهل المعاصي بوجوه مُكْفَهِرَّة(1) ومرتبة منه تختصّ بأصحاب القدرة وفسّر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ الآية السابقة بالنحو التالي . يقول مسعدة بن صدقة: «وسُئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأُمّة جميعاً؟ فقال: لا، فقيل له: ولم؟! قال: إنّما هو على القويّ المطاع، العالم بالمعروف من المنكر لاعلى الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً إلى أيّ من أيّ يقول من الحقّ إلى الباطل،والدليل على ذلك كتاب اللّه عزّ وجلّ قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) .(2)

يقول سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّناهمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَوَ آتَوُا الزَّكاةَ وَأمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ للّهِ عاقِبَةُ الأُمُور) (الحج/41).

ومع كون تلك المرتبة واجبة على لفيف من الناس، يصدق عليه حدّ الواجب الكفائي فلو قام أحد الحكّام بذلك، يسقط عن ذمّة الآخرين.

ثمّ ما اخترناه هو نفس مختار المحقّق النائيني حيث قال: البحث في الواجب التخييري كان بالنسبة إلى المكلّف به، وفي الكفائي بالنسبة إلى المكلّف، ويكون المكلّف هو جميع الآحاد، وجميع الأشخاص على وجه يكون كلّواحد بدلاًعن الآخر.(3)

وهذا يؤيّد أنّ مختاره في الواجب التخييري هو نفس ما استظهرناه منه حيث عطف الكفائي على التخييري، وأنّ المختار في كليهما واحد غير أنّ البدلية في الأوّل في المكلّف وفي الثاني في المكلّف به.


1-الوسائل: الجزء 11، الباب 6 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما، الحديث 1.
2-الوسائل: الجزء11، الباب 2 من أبواب الأمر والنهي و ما يناسبهما، الحديث1.
3-الكاظمي: فوائد الأُصول: 1/236.


(137)

الإشكال على توجّه الحكم إلى الآحاد

ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ أورد على توجّه التكليف إلى عامة المكلّفين وقال ما هذا حاصله: إنّ ما يسمّى واجباً كفائياً على أقسام:

1ـ مالا يوجد إلاّ مرّة واحدة، كقتل سابِّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

2ـ ما يمكن أن يتكثّر ولكن التكثّر ممنوع، كمواراة الميّت.

3ـ ما يمكن أن يتكثّر ولكن التكثر لا مبغوض ولا مطلوب، كالتكفين مرّتين.

4ـ ما يمكن أن يتكثّر ويكون التكثّر مطلوباً، كالصلاة على الميّت.

أمّا الأوّل، فلا يمكن بعث جميع المكلّفين إلى مالا يتكرّر. وأمّا الثاني والثالث، فمع مبغوضية الفرد الآخر أو عدم مطلوبيته، لا يصحّ بعث الجميع، لأدائه إلى نقض الغرض أو البعث إلى ما ليس بمطلوب. وأمّا الرابع، فإمكان بعث الجميع وإن كان لا ينكر، إلاّ أنّ لازمه هو لزوم اجتماعهم في إيجاد صرف الوجود، ومع عدم اجتماعهم يكون المتخلِّف عاصياً لترك الأمر المطلق بلا عذر.(1)و لأجل هذه الأُمور اختار ـ قدَّس سرَّه ـ النظرية الثانية كما سيوافيك.

يلاحظ عليه: أنّ بعث الجميع إلى الأمر الواحد ليس بمعنى أن يقوم به كلّ واحد في آن واحد، حتى يقال بأنّ الواجب الكفائي ربّما يكون غير قابل للتكرار، أو يكون التكرار مبغوضاً، أو غير مطلوب وبعبارة أُخرى: ليس جعل التكليف على جميع المكلّفين مثل جعله على الجميع في الواجب العيني بل يكون بعثُ الجميع في المقام على وجه البدلية، مثلها في الواجب التخييري ولكن النكتة لجعل الوجوب على الجميع مع حصول المطلوب بقيام واحد منهم أمران:


1-تهذيب الأُصول: 1/366ـ 367، ط جماعة المدرسين.


(138)

1ـ عدم مدخلية خصوصية المكلَّف في حصول الغرض، فلأجل ذلك لم يخصّ واحداً بالتكليف، بل جعل الجميع مسؤولاً.

فإن قلت: بناءً علي هذا لكفى أن يوجّهه إلى أحد المكلّفين من دون حاجة إلى تعميمه إلى جميعهم.

قلت: نعم، و سيوافيك أنّها أيضاً نظرية معقولة، ولكنّها تخالف ظواهر الأدلّة.

2ـ التحفظ على الغرض وصيانتـه عن الترك فانّ التسامـح في الإتيــان بالواجب أمر محتمل في قليل من الناس دون الكثير منهم، ولذلك عمّم التكليف للجميع.

وهاتان الجهتان صارا سببين لتوجيه التكليف إلى الجميع وإن كان غير قابل للتكرار، أو قابلاً له لكن كان مبغوضاً، أو لا مبغوضاً ولا مطلوباً.

وأمّا الصورة الرابعة: فليس معنى دعوة الناس فيها إلى شيء هو اجتماعهم في إيجاد المطلوب بحيث يكون المتخلِّف عاصياً لترك الأمر المطلق بلا عذر، بل كون الجميع مسؤولين أمام المولى وأمّا عدم لزوم اجتماعهم فلأجل أنّ المفروض أخذ البدلية في جانب المكلّف، كأخذها في جانب المكلّف به في الواجب التخييري.

النظرية الثانية:

إنّ التكليف على ذمّة واحد من المكلّفين لا بعينه الصادق على هذا وهذا...نظير الواجب التخييري، من غير فرق بينهما إلاّ من ناحية أنّ الواحد لا بعينه في الواجب التخييري هو متعلّق التكليف وفي الواجب الكفائي موضوعه. وهذا واقع في العرف، كما إذا أمر المولى بقوله: «فليقم واحد منكم بالإتيان بالعمل


(139)

الفلاني»(1) وهو خيرة سيّدنا الأُستاذ، لكن بتفصيل خاص وهو أنّ المكلّف أحد المكلّفين بشرط لا فيمالا يقبل التكرار أو يقبل ولكنّه إمّا مبغوض، أو لا مبغوض ولا مطلوب، أو لا بشرط فيما إذا كان المطلوب صرف الطبيعة الصادق على الواحد والكثير كالصلاة على الميّت.(2)

وأورد عليه السيّد المحقّق البروجردي أنّ المراد من الأحد، إن كان مفهوم الأحد ففيه أنّ المفهوم غير قابل لأن يتوجّه إليه التكليف، وإن كان المراد الفرد المردّد، بحيث يكون التكليف متوجهاً واقعاً إلى الفرد المردّد، ففيه أنّه لا مصداق له في الخارج فلا يعقل البعث إليه.(3)

يلاحظ عليه: أنّ عنوان التردّد في الفرد المردّد الذي هو عبارة أُخرى عن أحد المكلّفين ليس قيداً للموضوع أي المكلّف حتى يستحيل انطباقه على الخارج ويقال إنّه لا وجود في الخارج إلاّ للمعيّن. وإنّما هو عنوان مشير إلى آحاد المكلّفين، فله وجود ومصداق في الخارج فإنّ كلّواحد منهم مصداق ذلك العنوان.

نعم الذي يبعّد تلك النظرية أنّها على خلاف ظواهر الأدلّة في مورد الواجب الكفائي فلاحظ وإلاّ فلا غبار عليها من حيث هي هي.

النظرية الثالثة:

إنّ التكليف متوجّه إلى عموم المكلّفين على نحو العموم الاستغراقي، غاية الأمر أنّه وجّه إلى كلّ مشروطاً بترك الآخر. ويظهر من المحقّق الخراساني عند


1-اختاره العلاّمة الطباطبائي في تعليقته على الكفاية، ص137. و المحقّق الخوئي في المحاضرات :4/53.
2-تهذيب الأُصول: 1/367.
3-نهاية الأُصول:228.


(140)

البحث عن الشكّ في كون الأمر عينياً أو كفائياً ارتضاؤه لهذا التفسير، وإن لم يقل به في بحثنا هذا.

ويلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّه خلاف ظواهر الأدلّة إذ لا يوجد فيها من هذا الشرط عين ولا أثر ـ أنّ الترك إمّا شرط للوجوب أو شرط للواجب. فعلى الأوّل يلزم على الجميع وجوب القيام بالفعل، دفعة واحدة لحصول الشرط. وعلى الثاني يلزم عدم حصول الامتثال إذا أتى به الجميع لعدم الإتيان بالواجب مع شرطه.

النظرية الرابعة:

إنّ التكليف الواحد متوجّه إلى مجموع آحاد المكلّفين من حيث المجموع، فالمكلّف هو مجموع الأشخاص على العموم المجموعي، غاية الأمر أنّه يتحقّق فعل المجموع بفعل الواحد منهم، وتركه بترك المجموع. ونسبت إلى قطب الدين الشيرازي في حاشية القوانين.

وربّما يورد عليه بأنّ المجموع من حيث المجموع، لا وجود له في الخارج، وإنّما الموجود هو ذوات الأفراد، وعندئذ فلا معنى لتكليف المجموع.(1)

يلاحظ عليه: أنّه وإن كان لا واقعية له عند الحكيم، لكن المجتمع شيء له واقعية عند العرف، فيكفي وجوده عرفاً في صحّة توجيه الأمر إليه. و قد وقعت الأُمّة الإسلامية موضوعاً لأوصاف أو أحكام في القرآن والسنّة.

والأولى أن يقال في جواب هذه النظرية: إنّ لازم ما ذكر فيها هو لزوم اشتراك المجموع في التكليف، لا سقوط التكليف بفعل واحد منهم، لأنّ المفروض هوتوجّه التكليف إلى المجموع لا إلى البعض، فكيف يسقط عنهم بفعله؟ مع أنّ كثيراً من الواجبات الكفائية لا يمكن اشتراك المجموع فيها، كغسل الميّت


1-نهاية الأُصول:228.


(141)

ومواراته، فكيف يمكن أن يتوجّه التكليف في مثله إلى المجموع؟

ومع ذلك يمكن توجيه النظرية بالنحو التالي، على وجه لا يتوجّه إليه ذلك الإشكال وهو أنّ الواجبات إمّا تكاليف فرديّة وليس المخاطب فيها إلاّ نفس الفرد بما هو هو، أو تكاليف اجتماعية يطلبها الشارع من المجتمع بما هوهو. والأُولى هي الواجبات العينيّة والثانية هي الكفائية. والمجتمع وإن كان غير موجود في منطق العقل، لكنّه موجود في منطق العرف، فيكون الكلّ مسؤولين عند التخلّف والعصيان، كما يكون الكل مبرّئين إذا قام به بعض الناس فتدبّر.

نرى أنّ الذكر الحكيم ربّما يطلب بعض الواجبات من الأُمّة لا الفرد ويقول: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ...) (آل عمران/110) والخطاب وإن كان للأفراد لكن بما أنّهم أُمّة ويقول: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّناهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلوةَ وَآتَوُا الزَّكوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِوَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحجّ/41) والمقصود من التمكّن هو التمكّن الجماعي، لا الفردي فيكون إقامة الصلاة (لا الإتيان بها) من وظائف الأُمّة والمجتمع الإسلامي وهذا هو روح الواجبات الكفائية وقد أوضحنا حالها في مفاهيم القرآن فلاحظ.(1)

النظرية الخامسة:

إنّ التكليف متوجّه إلى واحد معيّن عند اللّه تعالى فإن قام هو بالفريضة وإلاّ يسقط عنه بفعل غيره لأنّ المفروض أنّ الغرض واحد، فإذا حصل في الخارج فلا محالة يسقط الأمر.

ويلاحظ عليه: أنّه خلاف ظاهر الأدلّة ، فانّ ظاهرها أنّ الموضوع هو عموم المكلّفين استغراقاً أو مجموعاً أو أحد المكلّفين الصادق على كلّواحد واحد.


1-مفاهيم القرآن:2/198ـ 203.


(142)

ثمرات المسألة

وفي الختام نشير إلى أمرين:

الأوّل: إذا قلنا بأنّ الواجب الكفائي ماله بدل فإذا قام أحد يسقط الحكم عن الأبدال الأُخر فالمقصود البدل الذي يكون مثل الأبدال الأُخر في توجّه الوجوب إليه، فخرج وجوب أداء الدين عن التعريف فإنّه وإن كان يسقط بأداء البريء، لكنّه ليس بدلاً بهذا المعنى، إذ ليس الأداءُ عليه واجباً وإنّما هو متبرّع له أن يؤدّي وله أن لا يؤدّي.(1)

الثاني: في ثمرات المسألة.

إنّ المحقّق القمي ذكر أقوالاً ثلاثة بالنحو التالي:1ـ واجب على الجميع ويسقط بعمل البعض. 2ـ الوجوب متعلّق بالمجموع ونسبه في تعليقة القوانين إلى قطب الدين الشيرازي.3ـ الوجوب متعلّق بغيرالمعيّن ونقله عن الفخر الرازي. ثمّ رتّب على الأقوال الثلاثة الثمرات التالية:

1ـ لو قلنا بوجوبه على الجميع، يجب على كلّواحد ويتّصف عمل كلّ بالوجوب بخلاف مالو قلنا بالأخيرين فلا يتّصف به، إذا صدر عن الكلّ، وعلى ذلك لو نذر أحد أن يعطي عشرة رجال لكلّ درهماً إذا أتى كلّ واحد منهم بواجب، فلو قام الكلّ بالصلاة على الميّت، ودفع لكلّ منهم درهماً فقد برّنذره على القول الأوّل بخلاف القولين الأخيرين، لأنّ المكلّف إمّا المجموع، أو الواحد غير المعيّـن فيبرّ بمقدار درهم واحد لأنّ المكلّف واحد يحسب عملاً واحداً.(2)


1-لاحظ الفصول:107.
2-القمي: قوانين الأُصول:121.


(143)

يلاحظ عليه: ـ مع أنّ ظهور الثمرة في النذر دليل على فقدان الثمرة ـ أنّ ما ذكره إنّما يتمّ على الأقوال الثلاثة التي ذكرها دون ما ذكرناه فانّ من الأقوال، كونه واجباً على أحد المكلّفين وقد مرّ بيانه في النظرية الثانية، فلو كان مرجعه إلى أنّه واجب على فرد غير معيّن كما في كلامه صحّ ما ذكره غير أنّ معناه أنّ الموضوع هو هذا العنوان، القابل للانطباق على كلّ واحد فيتّصف عمل كلّ فرد، بالوجوب لأنّه من مصاديق أحد المكلّفين، ولقد سبق منّا أنّ النظرية الثانية، تتّحد نتيجةً مع الأُولى وإنّما الفرق في التصوير وتبيين متعلّق الوجوب.

2ـ ظهورها في تعدّد العقاب و وحدته، فلو قلنا بأنّ الخطاب متوجّه إلى كلّ واحد من المكلّفين فلو ترك الجميع، يكون الكلّ معاقباً، لأنّ كلّ واحد منهم ترك الواجب بلا عذر. وأمّا لو قلنا بأنّ الموضوع هو المجموع من حيث المجموع أو واحد غير معيّن، يكون التكليف واحداً ويتبعه العقاب في وحدته وكثرته، فيقسّط العقاب الواحد على الكلّ.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر من الثمرة إنّما يصحّ على الأقوال الثلاثة المذكورة في القوانين ، وأمّا على ما ذكرنا من النظرية الثانية فلا فرق في تعدّد العقاب بين النظرية الأُولى والثانية، لما عرفت من أنّ عنوان أحد المكلّفين منطبق على كلّ واحد منهم، فيتعدّد التمرّد حسب ترك الأفراد وبالتالي يتكثّر العقاب. وإن كان الغرض الفائت واحداً، لأنّ تعدّد العقاب ووحدته ليسا تابعين لوحدة الغرض وتعدّده، بل لتعدد التمرّد ووحدته وهو في المقام على القولين الأوّلين متعدّد، إلاّ أن يكون مرجع القول الثاني إلى القول بوجوبه على فرد غير معين . وليس كذلك.

3ـ في جواز قصد الأمر فيما إذا كان المتعلّق قابلاً للتكرار ومطلوباً، غير مبغوض كتحصيل علم الدين، مع قيام عدّة معه له، فلو كان التكليف متعلّقاً لكلّ واحد، فيجوز لكلّ، قصده مالم يسقط الأمر، بخلاف ما لو كان الأمر متوجّهاً إلى فرد غير معيّن، فلا يصحّ قصده من الكلّ إذا أقاموا به دفعة.


(144)

يلاحظ عليه: أنّ عدم الجواز يختصّ على القول بتعلّقه بفرد غير معين، وأمّا على جميع الأقوال الباقية فيصحّ قصد الورود حتى على القول بتعلّقه بالجميع وكأنّ الموضوع مركّب، وكلّ فرد جزء منه، والأمر متوجّه إلى المركّب، يقصده كلّ واحد من الأفراد الذين هم بمنزلة أجزاء الموضوع وأمّا على القول بتعلّقه بأحد المكلّفين، فتكثّر الأمر واضح لانطباقه على كلّ واحد منهم.

4ـ إنّ المحقّق النائيني ذكر في المقام فرعاً وإن لم يكن ثمرة النزاع وهو إذا كان رجلان متيمّمين فوجدا ماءً لا يفي إلاّ بوضوء واحد منهما فهل يبطل تيمّم كلّ منهما أو لا يبطل واحد منهما، أو يبطل واحد منهما على البدل؟ فاختار الوجه الأوّل، وذلك لأنّ بطلان التيمم مترتّب على وجدان الماء المحقّق في ظرف القدرة على الحيازة فيبطل التيممان معاً، وليس بطلانه مترتّباً على الأمر بالوضوء حتى يقال بوجود التزاحم في تلك الناحية حيث إنّ الأمر بواحد منهما بالتوضؤ يزاحم الأمر بالآخر به.

وفصّل تلميذه الجليل في التعليقة بين صورة سبق أحدهما إلى الحيازة وعدمه ففي الأُولى يبطل تيمُّم السابق فقط ويستكشف به عدم قدرة الآخر على الوضوء وبقائه على ما كان عليه من عدم وجدانه الماء وأمّا الصورة الثانية فيبطل كلّ من التيمّمين ، لتحقّق ما ترتّب عليه بطلانه وهو وجدان الماء فإذا تحقّق يترتّب عليه كلّ من الأثرين.(1)

أقول: الفرع معنون في العروة الوثقى في باب أحكام التيمّم قال: إذا وجد جماعة متيمّمون ماءً مباحاً لا يكفي إلاّ لأحدهم بطل تيممهم أجمع إذا كان في سعة الوقت وإن كان في ضيقه بقي تيمّم الجميع.(2)

لا يخفى أنّ المتبادر من قوله سبحانه:(فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً


1-النائيني: أجود التقريرات:1/189.
2-السيد الطباطبائي: العروة الوثقى، أحكام التيمّم، المسألة 22.


(145)

طَيِّباً) (المائدة/6) ليس هو وجدانه وإن لم يتمكّن عرفاً من استعماله، بل المقصود هو التمكّن من استعماله تمكّناً عرفياً بلا نزاع وعلى ذلك فلابدّ أن يقال:

1ـ إذا كانوا منصرفين عن حيازته، يبطل تيمّم الكلّ، لتحقّق شرط البطلان في كلّ واحد.

2ـ إذا تسابقوا عليه، فسبق واحد منهم لحيازته بطل تيمّمه دون الآخرين.

3ـ تلك الصورة ولكن كان المسبوق قادراً على التغلّب فتسامح ففي تعليقة السيد الحكيم بطل تيمّمه والحقّ صحّته لأنّ الوجدان محمول على الوجدان العرفي، المتحقّق على الوجه الطبيعي، لا عن طريق المغالبة.

***


(146)

الفصل الحادي عشر:

تقسيم الواجب إلى المطلق والمؤقّت
و المؤقّت إلى الموسّع والمضيّق

قسّم الواجب إلى «مطلق» و«مؤقّت»، والمطلق إلى «فوري» و«غير فوري»، والمؤقّت إلى «موسّع» و«غير موسّع»، وإليك بيان هذه الأقسام:

لا شكّ أنّ الفعل ملازم للزمان أو مولده، ولا مناص له عنه، ولكن تارة لا يكون للزمان تأثير في ملاكه ويعدُّ ظرفاً للعمل لا قيداً للواجب، كما في إكرام العالم، وإطعام الفقير، ويكون كسائر الخصوصيات الفردية الملازمة له، وأُخرى للزمان تأثير فيه، ويكون كسائر القيود المأخوذة فيه. ويسمّى الواجب حسب الاعتبار الأوّل «مطلقاً» وحسب الثاني «مؤقّتاً».

و «المطلق» حسب اعتبار لزوم الإتيان به فوراً ففوراً وعدمه، ينقسم إلى «فوري» كصلاة الآيات و«غير فوري» كقضاء الصلوات الفائتة.

هذا كلّه حول المطلق بكلا قسميه، ولا بحث فيه، وإنّما البحث في المؤقّت بقسميه، فنذكر في ذلك أُموراً:

1ـ يتصوّر في بادئ النظر أنّ المؤقّت على أقسام ثلاثة. فإنّ وقت الوجوب إمّا أن يكون مساوياً لوقت الواجب، أو أوسع، أو أضيق. والأوّل كالصوم، والثاني كالصلوات الواجبة اليومية، ولكن لا سبيل إلى الثالث لاستلزامه التكليف بمالا


(147)

يطاق. وعلى ذلك فالمضيّق ما يكون زمان الوجوب مساوياً لزمان الواجب والموسّع ما يكون زمانه أوسع من زمان الواجب، ولا ثالث.

2ـ إنّ التخيير بين الأفراد في الموسّع عقلي، فإنّ ما وقع تحت دائرة التكليف هو نفس الطبيعة الواقعة بين الحدّين، فلها أفراد طولية يكون المكلّف مخيّراً بينها، وليس معناه صل في الوقت الأوّل أو الثاني أو الثالث حتى تكون الصلاة حسب الأوقات المختلفة كخصال الكفارة.

3ـ إذا أخّر المكلّف الواجب حتى ضاق الوقت ولم يبق منه إلاّ مقدار الواجب، يصير الواجب مضيّقاً بالعرض، وإن كان موسّعاً بالذات، لأنّ الواجب هو إيجاد الطبيعة بين الحدّين، وهو مصداق لها بالذات، وعدم جواز التأخير ليس إلاّلكونه مفوِّتاً للواجب، لا لكونه مضيّقاً.

4ـ أُشكل على الواجب الموسَّع بأنّه يستلزم جواز تركه في بعض الأوقات، وهو لا يجتمع مع وجوبه.

والجواب عنه واضح فإنّ الواجب مالا يمكن تركه من رأس، لا مالا يمكن ترك بعض أفراده العرضية أو الطولية. وإن شئت قلت: الواجب هو الطبيعة الواقعة بين الحدّين، وهو غير متروك، والمتروك إنّما هو بعض مصاديقها، وهو لم يقع تحت دائرة الطلب.

5ـ أُشكل على الواجب المضيّـق بأنّه لا يتصوّر أن يكون وقت الوجوب مساوياً لوقت الواجب لأنّ الإتيان به يجب أن يكون متأخّراً عن البعث، شأن تأخّر الانبعاث عن البعث، والمعلول عن العلّة، ولازمه أوسعية زمان الوجوب عن زمان الواجب المتّحد مع زمان الانبعاث.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يلزم تقدّم البعث على الانبعاث وبالتالي أوسعية زمان الوجوب على الواجب إذا كان تقدّم العلّة تقدّماً زمانياً، لا رُتبيّاً، وإلاّ فيكون


(148)

البعث والانبعاث في زمان واحد، ولا يكون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب.

وعلى ذلك فالذي يجب على المولى هو تقديم بيان الوجوب والبعث، لا تقديم نفسهما على الواجب والانبعاث من غير فرق بين كون الوجوب شخصياً أو قانونياً، والقضية شخصية أو حقيقية فالذي يجب تقدّمه زماناً، هو بيان البعث لا تقديم نفسه، حتى يلزم كون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب.

***

هل القضاء تابع للأداء، أو بأمر جديد؟

إذا فات المؤقّت في وقته، فهل يجب الإتيان به خارج وقته أو لا؟

وبعبارة أُخرى هل المؤقّت يفوت وقته أو لا؟

يقع الكلام في الثبوت تارة، وفي الإثبات أُخرى.

أمّا ثبوتاً، فلا شكّ أنّه لو كان الفعل المؤقّت مطلوباً واحداً وقد فات، فلا معنى للإتيان بما ليس بمطلوب خارج الوقت، كما في الوقوف في العرفات والمشعر باختياريه واضطراريه، فإذا مضيا، فلا وجه لإعادة الوقوف خارج الوقتين. وأمّا إذا كان أصل الفعل مطلوباً، والإتيان به في وقته مطلوباً آخر، فعندئذ إذا فات المطلوب الثاني، يجب الإتيان بالمطلوب الأوّل للتمّكن منه.

وأمّا إثباتاً، أعني دلالة دليل الواجب لا غيره على تعدده أو وحدته فالأقوال ثلاثة فمن قائل بأنّ القضاء بأمر جديد، إلى قائل آخر، بكفاية نفس الأمر الأوّل، إلى ثالث كالمحقّق الخراساني وهو قائل بالتفصيل والحقّ هو الأوّل وذلك: لأنّ الأمر بالمقيّد بالوقت، يدعو إلى المقيّد بما هو هو، وليس له دعوة إلى المطلق العاري عنه. كما هو الحال إذا قيّد بالطهارة والقبلة ولم يتمكّن منهما، فلا يدعو الأمر


(149)

المتعلّق بالصلاة المقيدة بهما، إلى نفس الصلاة العارية عنهما.

و بالجملة: إنّ هنا أمراً وحدانياً تعلّق بالمركّب، وليس له إلاّ دعوة واحدة، حتى أنّ دعوته إلى كلّ جزء هي بنفس دعوته إلى الكلّ، فإذا سقطت دعوته إلى الكلّ، لأجل فوت الوقت، لا تبقي له دعوة إلى سائر الأجزاء، فيكون المحكَّم هو أصل البراءة.

وإن شئت قلت: إذا كان الجزء أمراً غير الزمان فكما أنّ انتفاءه يوجب سقوط داعوية الأمر فهكذا إذاكان القيد هو الزمان، وبذلك يُعلم عدم تمامية القول الثاني وأمّا القول بالتفصيل فإليك البيان.

تفصيل للمحقّق الخراساني

استثنى المحقّق الخراساني مورداً وهو ما إذا كان توقيت الواجب بدليل منفصل، وكان لدليل الواجب إطلاق، ولم يكن لدليل المقيّد إطلاق بالنسبة إلى تقييد أصل المطلوب بالوقت، فلازم ذلك ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت، وكون الوقت دخيلاً في كمال المطلوب لا في أصله.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خارج عن محلّ النزاع ، إذ النزاع فيما إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي كإطلاق دليل الواجب، وأمّا معه فلا كلام في بقاء الأمر الأوّل. والمفروض عدم وجود الإطلاق في دليل التقييد، بل المتبادر منه ـ بحسب الفرض ـ هو شرطية الوقت عند التمكّن، لا مطلقاً حتى يسقط أصل الواجب عند الامتناع.

والدليل على أنّ هذه الصورة خارجة عن محلّ البحث أنّ ما ذكره جار في جميع الأجزاء والشرائط إذا لم يتمكّن المكلّف من الإتيان ببعضها. فلو كان لدليل


1-كفاية الأُصول:1/230.


(150)

الواجب إطلاق ولم يكن لدليل التقييد إطلاق، لوجب الإتيان بباقي الأجزاء والشرائط.

وإذا كان محلّ البحث عنده أعمّ، لكان عليه أن يذكر سائر الصور المتصوّرة، وهي:

1ـ إذا كان لكلّ من دليل الواجب والتوقيت إطلاق. والمراد من وجود الإطلاق في دليل التوقيت كونه مطلوباً مطلقاً في حالتي التمكّن وعدمه كالركن فيلزم سقوط وجوب الواجب خارجه، أخذاً بإطلاقه ودخالته المطلقة.

2ـ إذا لم يكن هناك إطلاق إلاّ لدليل التوقيت الدال على كونه مطلوباً في حالتي التمكّن وعدمه فلا يجب الفعل خارج الوقت.

والحقّ أنّ هاتين الصورتين خارجتان عن محطّ البحث، وإنّما الكلام فيما إذا لم يكن هناك دليل على أحد الطرفين، فلم يكن في دليل الواجب إطلاق ليدلّ على وجوبه خارجه، ولا في دليل التوقيت إطلاق ليدلّ على كونه ركناً وأنّه يسقط وجوب الفعل بفقدان ركنه. فعندئذ يقع الكلام في أنّ القضاء هل هو بنفس الأمر الأوّل أو بأمر ثان.

وقد ثبت أنّ الحقّ هو أنّ القضاء بأمر جديد لا بالأمر الأوّل، وأنّ مقتضى القاعدة سقوط الأمر عن المؤقّت بانقضاء وقته، وعدم وجوب الإتيان به إلاّفيما قام دليل على القضاء، كما هو الحال في موارد الصلاة والصوم.

الأصل العملي في المسألة

ثمّ إذا شككنا في أنّ القضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر الأوّل، فهل يصحّ استصحاب وجوب المؤقّت بعد انقضاء الوقت أو لا؟

الظاهر، لا. لأنّ الوقت إمّا قيد للموضوع، أو قيد للمحمول وعلى كلا


(151)

الفرضين، لا يصحّ الاستصحاب لعدم اتحاد القضيتين. محمولاً أو موضوعاً.

وإن شئت قلت: الذات المطلقة غير الذات المقيّدة. فإسراء الحكم من إحداهما إلى الأُخرى، أشبه شيء بالقياس المنهيّ عنه، وستوافيك حقيقة الحال في باب الاستصحاب.

نعم ربّما يستظهر من القرينة الخارجية أنّ المورد من قبيل تعدّد المطلوب، ومثاله من غير هذا المورد عامة المستحبّات المقيّدة بقيد، فإذا انتفى القيد يأت بالباقي، مثلاً من لم يتمكّن من زيارة الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ تحت السماء، فليزره تحت السقف ولأجله قالوا بتعدد المطلوب في المستحبّات كلّها.

ثمرات القولين

تظهر الثمرة في موارد، نذكر منها ما يلي:

1ـ إذا ترك الواجب في وقته قطعاً، فهل يجب عليه القضاء أو لا؟ يجب على القول الثاني، دون الأوّل كما إذا لم يخرج الفطرة في وقته المحدد، أو تساهل في صلاة الخسوف والكسوف حتى انجلى النيّران، فهل يجب القضاء أو لا.

2ـ إذا أتـى بالواجـب ولكن شـكّ في صحّة العمل، لأجـل الشكّ في الشرائط وعدمها على النحو الآتي:

أ: إذا توضأ في الظلمة بمائع مردّد بين كونه ماءً مطلقاً أو مضافاً، فشكّ في صحّة العمل بعد خروج الوقت.

ب: إذا صلّى على جهة ثمّ شكّ بعد خروجه، أنّها كانت إلى القبلة أو لا.

ج: إذا توضأ أو اغتسل والخاتم على إصبعه مع العلم بعدم تحريكه وقت العمل، فشكّ بعد خروج الوقت في جريان الماء تحته وعدمه.

فلزوم القضاء وعدمه مبنيّ على تلك القاعدة، فلو قلنا بأنّ القضاء تابع


(152)

للأداء وأنّ الأمر الأوّل يكفي في الدعوة إليه خارج الوقت أيضاً، يكون المقام من قبيل الشكّ في السقوط.

فمقتضى القاعدة هو الاحتياط، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، وأمّا على القول الآخر يعني عدم تبعية القضاء للأداء، وأنّ الأمر الأوّل لا يعمّ خارج الوقت، يكون مرجع الشكّ إلى الشكّ في التكليف، لأنّ الأمر الأوّل سقط قطعاً بخروج الوقت والشكّ في حدوث الأمر الثاني.

فإن قلت: لماذا لا يكون المرجع حتى على القول الأوّل، هو قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت، أو بعد الفراغ عن العمل اللتين مقتضاهما هو صحّة العمل وعدم القضاء؟

قلت: أمّا الأُولى فمختصّة بما إذا شكّ في أصل العمل، لا في صحّته كما هي الحال في جميع الصور وأمّا الثانية، فلأنّها إنّما تجري إذا لم تكن صورة العمل محفوظة بأن لا يكون حال الشكّ وحال العمل من حيث التذكر وعدمه سيّان. وبعبارة أُخرى أن يكون حال العمل أذكر من حال الشكّ وليس المقام كذلك، فانّ علمه وشكّه بالنسبة إلى كلتا الحالتين سيّان، بشهادة أنّه لو نبهّه إنسان حال العمل وسأله عن حال الماء أنّه مطلق أو مضاف أو أنّ الماء جرى تحت الخاتم أو لا، لكان حاله كحاله حين الشكّ ففي مثله لا تجري القاعدة والمقام بأمثلته الثلاثة من مصاديقه.

***


(153)

الفصل الثاني عشر:

هل الأمر بالأمر بفعل، أمر بذلك الفعل أو لا ؟

إذا أمر المولى فرداً ليأمر فرداً آخر بفعل، فهل الأمر الصادر من المولى أمر بذلك الفعل أو لا؟ كما إذا أمر سبحانه رسوله ليأمر عبادَه بالغضّ عن النساء غير المحارم مثل قوله سبحانه:(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ) (النور/30) وكما في الأمر بالوالدين، ليأمروا صبيانهم بالصلاة. ومثاله من العرفيات مثل ما إذا قال زيد لعمرو مر بكراً أن يبيع هذا الفرس، فهل لبكر أن يبيعه وإن لم يصل إليه أمر الآمر الأوّل؟ إذا وقفت على ذلك فاعلم انّ الكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في مقام الثبوت.

الثاني: في مقام الإثبات.

أمّا الثبوت: فيتصوّر على أقسام ثلاثة حسب ما ذكره المحقّق الخراساني:

1ـ إذا تعلّـق غرض المولى بنفس الفعل، وكان أمر المأمور الأوّل طريقاً للوصول إلى نفس الفعل من دون دخالة لأمر المأمور الأوّل.

2ـ إذا تعلّق الغرض بنفس أمر المأمور الأوّل للمأمور الثاني، من دون أن يكون نفس الفعل مورداً للغرض، كما إذا أراد الحاكم كسر غطرسة شخص ما، وتكبّره فيأمر أحد ملازميه أن يأمره بشيء، والغرض هو الحطّمن مقامه عند الناس، أو أمر ولده الأكبر أن يأمر الآخرين بفعل، ليعلم بذلك، أنّه القائم مقامه


(154)

عند رحيله.

3ـ إذا تعلّق الغرض بنفس الفعل بعد تعلّق الأمر به من جانب المأمور الأوّل، فيكون لكلا الأمرين دخل في المقصود.

فعلى الأوّل، يكون الأمر الأوّل أمراً بنفس ذلك الفعل، ويجب على المأمور الثاني الإتيان به وإن لم يأمر المأمور الأوّل إذا اطّلع على غرض المولى.

وأمّا على الثاني والثالث، فلا يكون أمراً بنفس الفعل، لأنّ الأمر الثاني إمّا تمام الموضوع للغرض أو جزء الموضوع، وعلى كلّ تقدير فلا يصحّ القيام بالشيء قبل ثبوت موضوع الحكم.

وأمّا الإثبات: فالظاهر أنّ الأمر بالأمر ظاهر في القسم الأوّل، فإنّ ظهور الأمر الثاني في الطريقية ممّا لا ينبغي أن يشكّ فيه. وكون الغرض قائماً بأمر المأمور الأوّل تمام الموضوع أو جزءه شاذّ لا يوجد إلاّنادراً.

ثمرات المسألة

تظهر الثمرة في موردين:

الثمرة الأُولى:

تظهر الثمرة في شرعية عبادات الصبي، وذلك أنّه قد أُمر الولي ليأمر صبيانه بالصلاة . روى الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ـ بسند صحيح ـ عن أبيه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصّلاة إذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين»(1) فإذا كان الأمر بالأمر بفعل، أمراً بنفس ذلك الفعل، تصير عبادات الصبيان شرعية، فيجوز الاقتداء بهم، والاكتفاء بصلواتهم وصيامهم عند


1-الوسائل: ج3، أبواب أعداد الفرائض، الباب 3، الحديث 5.


(155)

النيابة عن الغير. وهذا بخلاف ما إذا لم يكن أمراً بنفس ذلك الفعل، فتكون عباداتهم تمرينية.

هذا و في نفس الحديث قرينة على أنّ الغرض تعلّق بإيجاد المأمور به ولم يكن للّه غرض في توسيط أمر الغير، وهي عبارة عن نفس أمر الإمام بصبيانه، ولا شكّ أنّ أمرهم بهم كان لغاية التبليغ ولم يتعلّق غرضه سبحانه بصلاة الصبي التي يقوم بها بأمر الإمام ـ عليه السَّلام ـ . فإذا كانت الحال في جانب الإمام ـ عليه السَّلام ـ كذلك فيكون مثله في جانب أمر الوالد.

وما يقال من «أنّه لا حاجة إلى إثبات شرعية عبادات الصبي إلى هذه القاعدة لوجود روايات كثيرة في هذه الموارد (1) حيث حكم عليهم بالوجوب المحمول على الاستحباب المؤكّد في سنين خاصّة».

لا ينفي هذه الثمرة لعدم المانع من وجود طريقين لإثبات المطلوب.

ثمّ إنّه ربّما يستدل لإثبات شرعية عبادات الصبي، بالعمومات الواردة في الكتاب والسنّة، الشاملة للبالغ والصبي، غاية الأمر أنّ حديث الرفع، رفع للحكم الإلزامي لا الحكم غير الإلزامي وأصل المحبوبية، لأنّه حديث امتنان، والامتنان موجود في رفع الحكم الإلزامي، لا في غيره. فالمرفوع ـ إذن ـ في عبادات الصبي هو الحكم الإلزامي لا غيره، فتكون عباداته مشروعة.(2)

ويلاحظ عليه بأمرين:

الأوّل: إنّ شمول الخطابات لغير البالغ، أوّل الكلام فإنّ التكاليف ـ في كلّ الحضارات الإنسانية ـ تتوجّه إلى البالغين ـ وإن كان حدّ البلوغ عندهم مختلف فيه ـ وغيرهم خارجون عن مصبّ التكليف. وليس للشارع في هذا المورد سنّة خاصة.


1-الوسائل: الجزء 6، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1ـ14.
2-السيّد الحكيم: مستمسك العروة الوثقى :8/424، المسألة 2.


(156)

وليس «رفع القلم عن الصبي» دليلاً على شموله للصبي، بل استعمال كلمة الرفع، لأجل قابليته للتكليف إذاكان مميزاً، فلأجل تلك القابلية استعملت كلمة «الرفع» كما أنّ استعمالها في النائم والمجنون لأجل قابلية توجّه الأمر إليهما بالقضاء، كما لا يخفى.

والحاصل أنّ تعيين نصاب خاص من السن، بين الطوائف البشرية من دينية أو إلحادية، وصرفها عن القاصرين، قرينة عامّة على انصراف الأحكام الوارد في الكتاب والسنّة عن غير البالغ فإنّ مخالفة النوع من بناء العقلاء يحتاج إلى تذكير وتنبيه خاص لا تعلم بنفس التكاليف العامّة.

الثاني: إنّ المجعول وهو البعث أو قل الوجوب أمر بسيط، ومع رفعه يرتفع المجعول برأسه لا أنّه يرتفع الوجوب ويبقي الاستحباب.

الثمرة الثانية:

إذا أمر الوالد، ولده الأكبر: بأن يأمر ولده الأصغر ببيع متاعه، فنسي الواسطة، واطّلع الأصغر على أمر الوالد، فباع فلو قلنا بأنّ الأمر بالأمر بفعل، أمر بنفس ذلك الفعل لا يكون بيعه فضولياً بخلاف ما إذا قلنا بخلافه. فلا يكون بيعاً مستنداً إليه إلاّ بعد أمر الولد الأكبر.(1)

إلى غير ذلك، ممّا يمكن أن تقع ثمرة للبحث.

***


1-الثمرة الثانية للشهيد الثاني في تمهيد القواعد.


(157)

الفصل الثالث عشر:

هل الأمر بالشيء بعد الأمر به
ظاهر في التأكيد أو في التأسيس؟

إذا أمر المولى بشيء، ثمّ أمر به قبل امتثال الأمر الأوّل، فهل هو ظاهر في التأكيد، أو ظاهر في التأسيس؟ وللمسألة صور:

1ـ إذا قيّد متعلّق الأمر الثاني بشيء يدلّ على التعدّد والكثرة كما إذا قال: صلّ، ثمّ قال: صلّ صلاة أُخرى.

2ـ إذا ذكر، لكلّ حكم سبباً خاصاً، كما إذا قال: إن ظاهرت فأعتق رقبة. وإن قتلت نفساً فأعتق رقبة.

3ـ أن يذكر السبب لواحد من الحكمين دون الآخر، كما إذا قال: توضأ ثمّ قال: إذا بُلت فتوضأ.

4ـ أن يكون الحكم خالياً من ذكر السبب في كلا الأمرين.

لا إشكال في الصورة الأُولى من جهة أنّ الأمر فيها للتأسيس ولا يجوز التداخل لكون الأمر الثاني صريحاً في التعدد ومثلها الصورة الثانية لظهور كلّ سبب، في إيجاب مسبّب خاص، وهو إيجاب مغائر لما يقتضيه السبب الآخر. نعم يقع الكلام في إمكان تلبية كلا الوجوبين بعتق رقبة واحدة، وعدمه، وسيوافيك الكلام فيه في مبحث المنطوق والمفهوم.


(158)

ومحلّ البحث هو الصورتان الأخيرتان، فقال المحقّق الخراساني بوقوع التعارض بين مقتضى إطلاق المادة وهوالتأكيد، لاستحالة تعلّق الطلب التأسيسي بمادة واحدة مرّتين، من دون أن يجيئ تقييد لها (1)و ذلك لأنّ تشخص كلّ إرادة بالمراد، فلا يعقل وجود إرادتين مستمرتين في لوح النفس متعلّقتين بشيء واحد، إذ لا يمكن فصل إرادة عن أُخرى حتى تتحقّق الإثنينية .

ومقتضى إطلاق الهيئة هو التأسيس، لا التأكيد.

ولعلّه يريد ظهور مفاد الهيئة ، في نفسها كما أوضحه المحقّق المشكيني.

يلاحظ عليه: أنّ أقصى ما يستفاد من الهيئة المتكرّرة، هو تعدّد الطلب لكنّه أعمّ من التأكيد والتأسيس، ولأجله لا تعارض في البين بل الحقّ هو ظهورها في التأكيد من دون تعارض.

***


1-كفاية الأُصول: 1/231.


(159)

المقصد الثاني
في النواهي

وفيه الفصول التالية:

1. في دلالة النهي على الطلب مثل الأمر مع اختلاف في المتعلَّق.

2. في جواز اجتماع الأمر والنهي في واحد وامتناعه.

3. ما هو المراد من الواحد في هذا العنوان؟

4. ما هو الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهي عن العبادات والمعاملات؟

5. هل المسألة، مسألة أُصولية أو لا؟

6. المسألة عقلية لا مدخلية للفظ فيها.

7. ملاك النزاع يعم جميع أقسام الإيجاب والنهي.

8. جريان النزاع على القولين بتعلق الأحكام بالطبائع أو الأفراد؟

9. بحوث في التعارض والتزاحم.

10. حصول الامتثال على القول بالجواز وأمّا على القول بالامتناع ففيه تفصيل.

11. مقدّمات خمس لإثبات امتناع الاجتماع.

12. استدلال القائل بالجواز يتعلّق النهي على العبادات.

13. حكم الاضطرار إلى الحرام بسوء الاختيار.

14. تقديم جانب الحرمة بملاكات مختلفة.

15. المقام الأوّل: في أنّ النهي في العبادات يقتضي الفساد أو لا؟

16. المقام الثاني: في أنّ النهي في المعاملات يقتضي الفساد أو لا؟


(160)


(161)

الفصل الأوّل:

مفاد النهي، مادة وصيغة (1)

المشهور بين الأُصوليين أنّ النهي ، كالأمر في الدلالة على الطلب، غير أنّ متعلّق الطلب في أحدهما هو الوجود أعني إيجاد الفعل، وفي الآخر العدم، أعني ترك الفعل ونفس أن لا تفعل.

ويظهر من المحقّق النائيني ارتضاؤه، حيث قال: إنّ المطلوب في النواهي هو نفس ترك الفعل وعدمه دون الكف. ثمّ قال: إنّ الأمر والنهي يشتركان في أنّ كلاًّ منهما يتعلّق بالماهية التي لم يلحظ فيها الوجود والعدم، ويفترقان في أنّ هيئة النهي تدل على إعدام المادة، وهيئة الأمر تدل على طلب إيجادها.(2)

وحاصل كلامه عبارة عن أمرين:

الأوّل: أنّ مفاد الهيئة، هو الطلب في كلّ من الأمر والنهي.

الثاني: أنّ متعلّق الطلب في الأمر، هو الفعل، وفي الثاني هو الترك والظاهر عدم صحّة الأمرين.

أمّا الثاني، فلأنّ المادة التي تعلّقت بها الهيئة، موضوع للماهية المعراة من كلّ قيد، من غير فرق بين كون القيد، هو الوحدة أو الكثرة، أو الفور أو التراخي، أو الفعل أو الترك وعندئذ فأين الدال على أحد الأمرين؟


1-أسقط صاحب الكفاية البحث عن مادة النهي اقتصاراً بما أفاده في مادة الأمر.
2-أجود التقريرات:1/327ـ 328.


(162)

نعم: الغاية من الأمر، هو الإيجاد، والغاية من النهي، هو الترك، لكن كون شيء غاية، غير كونه داخلاً في مفاد اللفظ، والظاهر حصول الخلط بين ما يطلب غاية، وما يدل عليه مادة الصيغة.

وأمّا الأوّل: فقد حقّقنا عند البحث عن مفاد الهيئة لصيغة الأمر من أنّ هيئة الأمر موضوعة للبعث إلى ما فيه المصلحة ـ وبطبع الحال ـ تكون هيئة النهي موضوعة للزجر والمنع عمّا فيه المفسدة، فكون الشيء مشتملاً للمصلحة موجب لإغراء الغير إليه، كما أنّ كونه مشتملاً على المفسدة داع لزجر الغير وردعه عنه والذي يوضح ذلك أنّ الإنسان يستعين في البعث إلى شيء تارة بيده ورجله، فيبعث الغير إلى مطلوبه بهذين العضوين، وأُخرى بتحريك الرأس والإشارة بالعين والحاجب، ولمّا تكاملت الحضارة البشرية، قام اللفظ مقام هذين الأمرين، فيكون مفاد صيغة الأمر نفس ما يستفاد من إعمال هذه الأعضاء.

ويجري ما ذكرنا في نفس النهي، فإنّ الإنسان البدائي كان يستعين في الزجر والمنع بيده و رجله، ثمّ بالإشارة باليد والرأس، ولمّا تكاملت الحضارة قام اللفظ مكانها، فمفاد هيئة النهي نفس ما يستفاده من إعمال هذه الأعضاء، من الزجر والمنع.

ولتوضيح ما ذكرنا نستعين من معادل النهي في اللغة الفارسية، فإنّ مفاد كلمة، «مكش»أو «مزن» هو المنع والزجر، لا طلب ترك الفعل فإنّ التعبير عن المنع، بطلب ترك الفعل أشبه بالأكل من القفا.

وبعبارة واضحة: إنّ مفاد صيغة النهي هو الزجر الإنشائي، مكان الزجر التكويني، كما أنّ مفاد صيغة الأمر، هو البعث الإنشائي مكان البعث الخارجي، فلو أردنا أن نعبّر عن الزجر والبعث بالفارسية نقول: «بازدارى» و«وادارى».

وما ذكرنا خلاصة ما حقّقه سيّد مشايخنا ـ قدَّس سرَّه ـ غير أنّه عبّر عن المتعلّق


(163)

بـ«وجود الطبيعـة» ولكنّك عرفت أنّه هو نفسها وأنّ الإيجاد، والترك غايتان للبعث والزجر.

والحاصل: أنّ الأمر والنهي متّحدان من حيث المتعلّق ، ومختلفان من حيث الحقيقة والمبادئ والآثار:

أمّا من حيث الحقيقة: فالأمر بعث، والنهي زجر. ذاك بعث إنشائي وهذا زجر إنشائي.

وأمّا من حيث المبادئ: فمبدأ الأمر هو تصوّر الشيء والتصديق بفائدته ومصلحته، وحبُّ تحقّقه والاشتياق إليه، ويناسبه البعث. ومبدأ النهي هو تصوّر الشيء، والتصديق باشتماله على المفسدة، وبغضه، ويناسبه الزجر.

وأمّا من حيث الآثار: فإنّ الآتي بالمتعلَّق في الأمر، مطيع ومستحق للثواب، والآتي به في النهي عاص ومستحق للعقوبة.

وبذلك يظهر أنّ البحث عن كون المتعلّق في النهي هو الترك ونفس «أن لا تفعل» أو الكف ، ساقط من أصله، لما عرفت من أنّ المتعلّق فيهما هوالطبيعة المعراة من الوجود والعدم. وبما أنّه مطروح في كتب القوم بحثت عنه بوجه موجز.

***


(164)

الفصل الثاني:

اجتماع الأمر والنهي

هل يجوز اجتماع الأمر والنهي، أو لا؟

نقدِّم ـ توضيحاً للبحث ـ أُموراً:

الأمر الأوّل: تحرير محلّ النزاع

لا شكّ أنّ للأمر إضافة إلى الآمر أوّلاً، وإلى المأمور ثانياً، وإلى المأمور به ثالثاً. كما أنّ للنهي إضافة إلى الناهي أوّلاً، وإلى المنهيّ ثانياً، وإلى المنهي عنه ثالثاً.

ولا شكّ أنّه يمتنع اجتماع الأمر والنهي عند اتحاد الجهات الثلاث بضميمة وحدة أمر رابع وهو زمان الامتثال وهذا ما يسمّونه بالاجتماع الآمري، لا لأجل أنّه تكليف بالمحال، بل لأنّه تكليف محال. والفرق بين التكليف بالمحال والتكليف المحال واضح، فانّه إذا كان نفس المكلّف به، أمراً محالاً ـ كالجمع بين الضدّين أو النقيضين ـ لا تتعلّق به الإرادة الجدّية، فيكون نفس التكليف محالاً كما إذا قال: تحرك ولا تتحرك. وأمّا إذا كان المكلّف به أمراً سائغاً في حدّ نفسه ولكن كان هناك قصور في قدرة المكلّف عن الإتيان به، فانّه يكون من التكليف بالمحال، وهذا مثل الأمر بالطيران في الهواء، أو الأمر بإنقاذ الغريقين مع عدم قدرة المكلّف إلاّ على إنقاذ غريق واحد. وهذا لا ينافي القول بأنّ مرجع التكليف بالمحال إلى كون نفس التكليف محالاً، فإنّ الاتحاد في المرجع والمآل، غير الاتحاد في الشكل والصورة.


(165)

وأمّا إذا كان هناك اختلاف في واحدة من هذه الجهات، كأن يكون المبعوث إليه، مغايراً للمزجور عنه، كما لو كانا متباينين بحيث لا يتصادقان أبداً، كالصلاة والنظر إلى الأجنبية، أو يكون المبعوث (المكلّف) غير المزجور، أو يكون الآمر غير الزاجر، فلا يعدّ التكليف محالاً، ولا يمتنع اجتماع الأمر والنهي.

وإنّما الكلام في مورد آخر أعني ما يسمّونه بالاجتماع المأموري، وهو ما إذا كان المبعوث إليه مغايراً للمزجور عنه مفهوماً ولكنّهما ربّما يتصادقان في بعض الموارد، كالصلاة والغصب. وبعبارة أُخرى: تكون بين المتعلّقين نسبة العموم والخصوص من وجه، فيقع الكلام في أنّه هل يجوز للآمر أن يأمر بالصلاة على الإطلاق وينهى عن الغصب على الإطلاق أو لا يجوز؟

اختلفوا في ذلك على قولين:

1ـ قول بالجـواز، لأنّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي، فيخرج عن كونه تكليفاً محالاً.

2ـ وقول بالامتناع، لأنّ مقتضى الإطلاق جواز اجتماعهما في مورد خاص، وعندئذ يدخل تحت القاعدة المتقدّمة لوحدة المكلِّف والمكلَّف ومورد التكليف، بضميمة وحدة الزمان، فلا مناص عن الإبقاء على أحد الإطلاقين ورفض الآخر، لأنّ مرجع ذلك الاجتماع، إلى الاجتماع الآمري حيث إنّ مفاد إطلاق قوله: «صلّ» أي ولو في الدار المغصوبة، وقوله «لا تغصب» أي ولو في حال الصلاة، فعلى القول بالاجتماع يلزم كون الصلاة في الدار المغصوبة واجبة ومحرّمة، وأن يكون الموضوع الواحد محكوماً بحكمين وهذا هو الاجتماع الآمري مآلاً وإن لم يكن بدءاً.

فتلخصّ ممّا تقدّم أنّه لا يجوز الاجتماع إذا كان بين المتعلّقين نسبة التساوي، ويجوز إذا كان بينهما تباين، وإنّما الخلاف فيما إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه.


(166)

الأمر الثاني: هل النزاع كبروي أو صغروي؟

الظاهر من عنوان البحث في كتب الأُصوليين أنّ النزاع كبرويّ، وهو أنّه : هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين، أو لا؟

ولكن صاحب الكفاية وغيره ذهبوا إلى أنّ النزاع صغروي وأنّه : هل هو من قبيل اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد أو لا، فمن قال بأنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون، وأنّ كلاًّ من الصلاة والغصب موجود بوجود خاص، فقد قال بالجواز، لأنّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي، ولأنّ الأمر لا يسري إلى ما تعلّق به النهي. ومن لم يقل بذلك، فقد قال بالامتناع، لأنّ النهي يسري من متعلّقه إلى ماينطبق عليه المأمور به في الخارج، فيلزم انطباق المأمور به على المنهي عنه فعلاً.

ولا يخفى أنّ تصوير النزاع على ما ذكر، لا ينطبق على ما اختاروه من كون متعلّق الأوامر والنواهي هو المفاهيم الكلية وليس الموجود الخارجي متعلّقاً للأحكام، لأنّ الخارج ظرف السقوط والامتثال، لا ظرف التعلّق والعروض، فلو كان النزاع صغروياً لكانت النتيجة: هل الخارج من مصاديق الاجتماع أو لا؟ فيلزم أن يكون متعلّق الأحكام هو الأفعال الخارجية، وهو خلف.

والظاهر أنّ النزاع كبروي، حسب ما يعطيه عنوان الباب في الكتب الأُصولية، وأنّ النزاع في أنّه : هل يجوز الأمر بشيء والنهي عنه بعنوانين، أعني ما يفترقان تارة ويجتمعان أُخرى، وهل التصادق في مورد، مانع عن صحّة التكليفين والأخذ بالإطلاقين، أو لا.

فالقائل بالجواز يقول إنّ الحيثية الصلاتية غير الحيثية الغصبية، وأنّ إحداهما متعلّقة الأمر والأُخرى متعلّقة النهي، فلا يكون التصادق في مورد مانعاً،


(167)

بعد كون المتعلّقين متغايرين.

كما أنّ القائل بالامتناع يقول إنّ مقتضى الإطلاق، جواز اجتماعهما في مورد و كون الصلاة في الدار المغصوبة محكوماً بحكمين مختلفين، فعند ذلك تجتمع شرائط الامتناع من وحدة المكلِّف والمكلَّف والمكلّف به مع وحدة الزمان فلا يجوز الأمر والنهي بشيء بعنوانين فلا محالة يجب تقييد أحد الإطلاقين بالآخر ويكون روح النزاع في أنّ التصادق في مورد هل هو مانع من التكليفين أو ليس بمانع. ولأجل ذلك اختار سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ أنّ الأولى في عنوان البحث أن يقال: هل يجوز اجتماع الأمر والنهي على عنوانين متصادقين على واحد في الخارج أو لا.(1)

والذي يمكن أن يقال هو أنّ أدلّة المجوزين مختلفة، فإنّ مقتضى بعض الأدلّة أنّ النزاع صغروي، ومقتضى بعضها الآخر، أنّ النزاع كبروي، فالمحقّق النائيني ومن تبعه، يستدلّون على الجواز من أنّ التركيب بين المبادئ انضمامي لا اتحادي فحيثية الصلاة من الخارج غير حيثية الغصب فيه فكلّ حيثية خارجية، يتحمّل حكمها، لا حكم حيثية أُخرى فعليه يكون النزاع صغروياً وهو ببيانه، يثبت أنّه ليس هنا أيّ اجتماع.

وربّما يلوح من بعض الأدلّة أنّ النزاع كبروي كما عرفت من أنّ متعلّق الأحكام طبائع كلية فهي متغائرة.

نعم، يمكن عقد النزاع في الصغرى، لكن لا بالمعنى الذي ذكره المحقّق الخراساني، بل بما ذكرناه، وهو أنّ الأُصوليين لمّا تسالموا على أنّه إذا كان هناك وحدة في المكلِّف والمكلَّف والمكلّف به والزمان، يمتنع اجتماعهما، ويسمّونه بالاجتماع الآمري. ولكنّهم اختلفوا في أنّه لو اتّحدا في جميع الجهات إلاّ في المتعلّق، وكان متعلّق أحدهما غير الآخر، وكان مقتضى إطلاقهما جواز جمعهما في مورد


1-تهذيب الأُصول:1/377.


(168)

واحد، فالاجتماعي يمنع من دخول المسألة تحت المسألة الأُولى محتجّاً باختلاف المسألتين في المتعلّق، والامتناعي يقول بأنّ مقتضى إطلاقهما جواز جمعهما في مورد واحد فيلزم اجتماع البعث والزجر في شيء واحد فيكون من صغريات المسألة السابقة.

الأمر الثالث: ما هوالمراد من الواحد في عنوان المسألة؟

ما هو المراد من «واحد» في قولهم: هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في واحد أو لا، هل المراد منه الواحد الشخصي، أو المراد الواحد النوعي كالصلاة والغصب، أو الواحد الجنسي كالحركة بالنسبة إلى الصلاة والغصب؟ نقل عن العضدي أنّه اختار الوجه الأوّل وأنّ المراد الوحدة الشخصية وأمّا الواحد بالوحدة الجنسية فلا نزاع في جواز الاجتماع فيه كما في السجود فانّه مأمور به إذا كان للّه تعالى ومنهيّ عنه إذا كان للصنم.

وذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المراد هو الأعم من الواحد الشخصي والنوعي والجنسي .قال: «المراد منه مطلق ما كان ذا وجهين ومندرجاً تحت عنوانين بأحدهما كان مورداً للأمر وبالآخر للنهي فيعمّ الواحد الشخصي الذي له عنوانان كالصلاة في الدارالمغصوبة والواحد النوعي مثل عنوان : «الصلاة في المغصوب» أو الواحد الجنسي كالحركة المعنونة بالصلاتية والغصبية.

ثمّ أضاف أنّ الغرض من الإتيان بلفظ الواحد، إخراج ما إذا تعدد متعلّق الأمر والنهي ولكن لم يجتمعا وجوداً ولو جمعهما واحد مفهومــاً كالسجــود للّه والسجود للصنم، لا لإخراج الواحد الجنسي أو النوعي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ لازم كلامه استعمال لفظ «واحد» في العنوان في معنيين،


1-كفاية الأُصول:1/233ـ 234.


(169)

لغايتين، فتارة أُريد منه مطلق الواحد الأعم من الشخصي والنوعي والجنسي، ليدخل الجميع ولا يخرج مثل الأمر بالصلاة في المغصوب بوجه كلي أو الحركة المأمور بها لأجل الصلاة والنهي عنها لأجل الغصب وأُخرى أُريد منه الواحد الشخصي، حتى يخرج مثل السجود للّه وللصنم، حيث لا يجتمعان وجوداً في مصداق واحد.

والأولى أن يقال إنّ المراد من الواحد هو الواحد الشخصيّو لكنّه ليس متعلّقاً للتكليف، بل المتعلّق للتكليف، طبيعتان مختلفتان باسم الصلاة والغصب، وأمّا الواحد الشخصي فهو ممّا يتصادق عليه العنوانان ويتمثلان فيه أو ينتهي إليه الأمر والنهي في مقام الامتثال. وعلى هذا يكون المراد منه هو الواحد الشخصي وحاصل الكلام أنّ انطباق المتعلّقين الكليين على مصداق واحد شخصي هل يمنع عن الأمر بأحدهما والنهي عن الآخر على الوجه الكلي أو لا؟

وبعبارة أُخرى، هل التصادق مانع عن الأخذ بالإطلاقين معاًحتّى يكون الحقّ مع الامتناعي، أو غير مانع حتى يكون الحقّ مع الاجتماعي؟

الأمر الرابع : ما هو الفرق بين المسألتين؟

ما هو الفرق بين هذه المسألة وما سيأتي من دلالة النهي على الفساد في العبادات وعدمها؟

الظاهر أنّ المسألتين متمايزتان جوهراً وذاتاً، لا وجه اشتراك بينهما حتّى نبحث عن وجه الامتياز وذلك:

أوّلاً: لوجود الاختلاف في ناحية الموضوع نبّه به صاحب الفصول لا في هذا المقام بل في مبحث دلالة النهي على الفساد في العبادات وعدمها وقال ما هذا لفظه: «إنّ النزاع هناك (أي مبحث اجتماع الأمر والنهي) فيما إذا تعلّق الأمر


(170)

والنهي بطبيعتين متغائرتين بحسب الحقيقة وإن كان بينهما عموم مطلق(1) وهنا(دلالة النهي على الفساد) إذا اتحدتا و تغايرتا بمجرّد الإطلاق والتقييد فإنّ الأمر تعلّق بالمطلق والنهي بالمقيّد».(2)

وثانياً: الاختلاف في ناحية المحمول فانّ المحمول في المقام هو جواز الاجتماع أو جواز الأمر بشيء والنهي عنه، بخلاف المسألة الآتية فانّ المحمول هوالدلالة على الفساد أو عدمها.

وثالثاً: انّ البحث في المقام عن الجواز والاستحالة وإن شئت قلت عن الجواز والاستحالة العقليين بخلاف المقام الآتي فالبحث هناك عن الحكم الوضعي أي الصحّة والفساد.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ذهب إلى أنّ الفرق بين المسألتين من جهة تعدّد الغرض والجهة المبحوث عنها. فإنّ الغرض من عقد المسألة الأُولى هو أنّ تعدد العنوان في الواحد يوجب تعدّد متعلّق الأمر والنهي بحيث يرتفع به غائلة استحالة الاجتماع في الواحد بوجه واحد، أو لا يوجبه، بل يكون حاله حاله. فالنزاع في سراية كلّ من الأمر والنهي إلى متعلّق الآخر، لاتحاد متعلّقيهما وجوداً، وعدم سرايته، لتعدّدهما وجهاً، وهذا بخلاف الجهة المبحوث عنها في المسألة الثانية، وهي كون النهي ـ بعد فرض تعلّقه بالعبادة ـ موجباً للفساد أو لا.(3)

وإن شئت قلت: إنّ البحث في الأُولى ، بحث في الصغرى وأصل التوجّه، والبحث في المسألة الثانية بحث في الكبرى وأنّه بعد تسليم التوجّه، هل هو موجب للفساد أو لا؟فمن قال في الأُولى بالامتناع وتقديم النهي فقد أثبت


1-أي من غير فرق بين كون النسبة بين المتعلقين، هي العموم والخصوص من وجه كما في مورد الصلاة و الغصب أو العموم والخصوص المطلق بشرط كونهما مفهومين متغايرين كما إذا قال: أكرم الناطق، ولا تكرم الشاعر.
2-كما إذا قال: صلّ و لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه. لاحظ الفصول:141.
3-لاحظ كفاية الأُصول:1/234.


(171)

صغرى لكبرى المسألة الثانية. وهذا حاصل كلامه.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاختلاف في الغرض والأثر، فرع الاختلاف الجوهري بين المسألتين، إذ لا معنى لترتّب أثرين مختلفين على المسألتين مع عدم اختلافهما في الذات والجوهر، وعلى ذلك يحصل التمايز الجوهري قبل الجهة والأثر المقصود.

وثانياً: قد عرفت أنّ عنوان المسألة ليس كما ذكر من أنّ تعدد العنوان هل يوجب تعدد المعنون أو لا؟ وأنّ حكم الأمر هل يسري إلى متعلّق النهي وبالعكس أو لا؟حتى يكون البحث في إحداهما عن الصغرى وفي الأُخرى عن الكبرى، بل عنوان المسألة في كتب القوم: هل يجوز اجتماع الأمر والنهي أو لا؟ وهل يجوز الأمر بشيء والنهي عن شيء آخر يختلفان مفهوماً ويتصادقان أحياناً أو لا؟ وهل التصادق في مورد مانع أو لا؟ وعلى هذا فلا يكون لما ذكره من كون التمايز بالغرض وجه.

الأمر الخامس: في كون المسألة أُصولية أو عقلية

الظاهر أنّ المسألة أُصولية، لوجود ملاكها فيها، وهو صحّة وقوع نتيجتها كبرى للاستنباط، فإنّه على القول بالاجتماع وعدم سقوط شيء من الحكمين، تترتب عليه الصحّة إذا تمشى منه قصد القربة ، كما أنّه على القول بالامتناع وتقديم جانب الأمر، تترتّب الصحّة أيضاً. ولو قلنا بتقديم النهي، يترتّب عليه الفساد، لأنّ المنهيّ عنه لا يكون مقرّباً. نعم هي مسألة عقلية أُصولية، لا نقلية، وسيوافيك بيان عقليّتها.

وأشكل المحقّق النائيني على كون المسألة أُصولية بأنّ فساد العبادة لا يترتّب على صرف القول بالامتناع، بل القول بالامتناع يوجب دخول دليلي الوجوب والحرمة في باب التعارض وإجراء أحكامه عليهما، ويستنبط من ذلك


(172)

حكم فرعي.(1)

توضيحه: أنّ القول بالامتناع في المسألة يبتني على سراية النهي من متعلّقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به. فلا محالة تقع المعارضة بين دليلي حكمي الوجوب والحرمة، ولا محالة يكون أحد الدليلين كاذباً في مورد الاجتماع، لاستحالة أن تكون الصلاة عندئذ مصداقاً للمأمور به والمنهي عنه، فإذن، لابدّ من الأخذ بمدلول أحد الدليلين ورفع اليد عن الدليل الآخر. فإذا كان مقتضى القواعد هو رفع اليد عن الوجوب وتقديم الحرمة، فيترتّب عليه الفساد.

وعلى ذلك، ففساد العبادة لا يترتّب على القول بالامتناع فحسب، بل لابدّ من إعمال قواعد التعارض وتطبيقها في المسألة لا مطلقاً.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ كون المسألة مسألة أُصولية، لا يستلزم أن يترتّب عليها أثر على كلا التقديرين، بل يكفي ترتّب الأثر ولو على تقدير واحد، فقد عرفت أنّ الصحّة تترتّب على القول بالاجتماع وهذا يكفي في كونها مسألة أُصولية وإن كان ترتّب الفساد على القول بالامتناع محتاجاً إلى إعمال قواعد أُخرى من قواعد باب التعارض.

ألا ترى أنّ حجّية خبر الواحد من المسائل الأُصولية، مع أنّ الأثر ـ وهو وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط ـ يترتّب على أحد الشيئين، وهو القول بالحجّية، لا على القول بعدمها.

وثانياً: أنّ الحكم الفرعي لا ينحصر بالصحّة والفساد، بل هناك حكم فرعي آخر يترتّب على كلا القولين. فعلى القول بالاجتماع، يتّصف المجمع بالوجوب والحرمة، وعلى القول بالامتناع، يتّصف بأحدهما أو بثالث وإن لم نعلمه بعينه. كلّ ذلك من دون إعمال قواعد باب التعارض.


1-أجود التقريرات:1/334، لاحظ فوائد الأُصول:1/399 فقد بسط الكلام في تبيين المقصود.


(173)

وثالثاً: لا يشترط في كون المسألة أُصولية، كونها سبباً تاماً للاستنباط وإلاّ لخرجت مسألة حجّية الخبر الواحد عن كونها أُصولية، لأنّ مجرّد إثبات حجيته لا يُستنبط منه الحكم الشرعي، مالم تنضمّ إليه مسألة أُخرى أُصولية وهي حجّية الظواهر. كما لا يخفى.

إذا تبيّن أنّ المسألة أُصولية، فاعلم أنّها مسألة أُصولية عقلية بحتة، ولا يختصّ البحث فيها بما إذا كان الأمر والنهي مفاد اللفظ، وإن كان التعبير بالأمر والنهي الواردين في عنوان المسألة يوهم ذلك، لما عرفت من أنّ البحث على مسلك القدماء في أنّه إذا تعلّق الأمر بشيء والنهي بشيء آخر وتصادقا في مورد، فهل يوجب ذلك تعلّق الأمر بنفس ما تعلّق به النهي حتى يكون من قبيل ما إذا كان متعلّقهما واحداً من أوّل الأمر أو لا؟ ومثل هذا البحث يجري حتّى فيما إذا لم يكن الإيجاب والتحريم مدلولين للّفظ.

كما أنّ البحث ـ على مبنى المتأخّرين ـ هو في سراية حكم أحد المتعلّقين إلى ما انطبق عليه الآخر، وعدم سرايته، ومثل ذلك لا يفرق فيه بين العقل والعرف وإن كان الثاني هو المرجع في تعيين المفاهيم ، إلاّ أنّه ليس هنا شكّ متعلّق بها حتى يتّبع نظره.

وتصوّر أنّ الامتثال أمر عرفي فلا يرى العرف مانعاً من عدّ إتيان المجمع امتثالاً من وجه وعصياناً من وجه آخر، مدفوع بأنّ الامتثال أمر عقلي، لا عرفي أوّلاً، وأنّ لازمه جوازالاجتماع عرفاً لا امتناعه كما هوالمدّعى، ثانياً.

وبذلك يعلم أنّه لا وجه للقول بالجواز عقلاً والامتناع عرفاً، لما عرفت من أنّ المسألة عقلية وأنّ ملاك البحث هو أنّ تعدد متعلّقي الأمر والنهي يكفي في رفع الغائلة، أو أنّ تصادقهما في مورد يوجب تعلّق الأمر بنفس ما تعلّق به النهي.


(174)

دراسة آراء أُخرى في المسألة

قد عرفت أنّ مسألة جواز اجتماع الأمر والنهي وعدمه، مسألة أُصولية عقلية بحتة، وهاهنا آراء أُخرى في تبيين ماهية المسألة وواقعيتها، نطرحها على طاولة البحث واحداً بعد الأُخرى.

1ـ إنّها مسألة كلامية

ربما يقال إنّها مسألة كلامية باعتبار أنّه يبحث فيها عن جواز اجتماع حكمين في مورد واحد أو استحالته وبما أنّ الأمر والنهي من الأُمور الواقعية يصحّ البحث عن جواز اجتماعهما وامتناعه.(1)

وأورد عليه المحقّق النائيني بأنّ علم الكلام هو العلم المتكفّل لبيان حقائق الأشياء من واجباتها وممكناتها وممتنعاتها، ومنشأ التوهم ظاهر عنوان المسألة حيث يبحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه فتخيل كون البحث راجعاً إلى مسألة كلامية ولكن واقع البحث في وجود الاجتماع وعدمه لا عن جوازه وامتناعه.(2)

يلاحظ عليه: أنّ علم الكلام هو العلم الباحث عن ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله حتى أنّ البحث عن وجوب بعث الأنبياء ونصب الإمام وإحياء الناس يوم القيامة يرجع إلى البحث عن أفعاله سبحانه، وليس البحث عن حقائق الأشياء بما هوهو من وظيفة المتكلّم أو علم الكلام، وإن كان ربّما يبحث عنه فيه، استطراداً.

والأولى أن يقال: إنّ مقتضى ما ذكر من الدليلين أعني البحث عن جواز


1-أجود التقريرات: 1 / 332 .
2-الكاظمي: فوائدالأُصول:1/399.


(175)

الاجتماع أو استحالته، يجعل المسألة عقلية لا كلامية والملاك في كون المسألة كلامية رجوع البحث إلى البحث عن ذاته تعالى وصفاته وأفعاله.

ولوأردنا جعلها في عداد المسائل الكلامية، لوجب عقد المسألة على غير ما هو المتعارف، بأن يقال: هل يجوز أن يصدر منه تعالى أمر ونهي بشيء واحد باعتبار عنوانين أو لا؟ وهو يستلزم تغيير عنوان المسألة ، بينما الملاك في جعل المسألة من علم ما، هو جعل مصبّ عنوانها الموجود في الكتب، لا تغييرها عن أصلها.

2ـ إنّها من المبادئ الأحكامية

وقد يقال إنّها من المبادئ الأحكامية حيث إنّها يبحث فيها عن أحوال الحكم وأوصاف الوجوب والحرمة وأنّهما هل يجتمعان في شيء واحد أو لا.

وأورد عليه المحقّق الخوئي، بأنّ مبادئ الأحكام راجعة إلى المبادئ التصورية أو المبادئ التصديقية وذلك لأنّه إن أُريد تصوّر نفس الأحكام كالوجوب والحرمة ونحوهما فهو من المبادئ التصورية (لعلم الفقه) لأنّه لا يعنى من المبادئ التصورية إلاّ تصوّر الموضوع والمحمول(و هنا الأخير) وإن أُريد منها ما يوجب التصديق بثبوت حكم أو نفيه فهي من المبادئ التصديقية (لعلم الفقه)،(وعلم الأُصول كلّه مبادئ تصديقية لعلم الفقه وبفضل هذه المسألة نجزم بحكم الصلاة في الدارالمغصوبة).(1)

يلاحظ عليه: أنّ المبادئ الأحكامية من اصطلاحات القدماء في خصوص علم الفقه والمراد منها لا هذا ولا ذاك بل البحث عن ملازمات الأحكام، كالبحث عن اقتضاء الوجوب، وجوب مقدّمة الواجب أوحرمة ضدّه. والبحث


1-الخوئي: المحاضرات:4/178.


(176)

هنا عن استلزام وجوب الشيء لعدم حرمته، أو استلزام حرمته، لعدم وجوبه أو عدم استلزامها له. فالبحث في تلك الأُمور هو بحث عن لازم حكم واحد، وفي مقامنا هو بحث عن لازم حكمين.

وإن شئت قلت: البحث عن عوارض نفس الأحكام، فعلم الفقه يبحث عن عوارض فعل المكلّف مثلاً ، والمبادئ الأحكامية بحث عن حالات عوارض فعل المكلّف.

نعم يرد على هذا القول أنّ الملاك في جعل مسألة من باب، هو وجود الملاك في المسألة حسب عنوانه في الكتب، وهو هنا قولهم: هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد أو لا. وجعلها من المبادئ الأحكامية يستلزم تغيير ذاك العنوان.

مع أنّ المطاردة لا تختصّ بالوجوب والحرمة، بل هي موجودة بين جميع الأحكام في حين أنّ البحث في المقام مختص بجواز اجتماع الوجوب والحرمة. اللهمّ إلاّ أن يعمّم البحث إلى الكراهة والاستحباب، فلاحظ.

3ـ إنّها مسألة فقهية

وجعل بعضهم مسألة جوازالاجتماع أو امتناعه من المسائل الفقهية، قائلاً بأنّ البحث عن صحّة الصلاة ـ مثلاً ـ وفسادها عند الإتيان بها في المكان المغصوب.

يلاحظ عليه: أنّ الصحّة والفساد من آثار المسألة وليسا من متنها بشيء. والمحمول في المسألة هو جوازالاجتماع وعدمه من غير اختصاص بباب الصلاة.


(177)

4ـ إنّها من المبادئ التصديقية

وهذه النظرية ، خيرة المحقّق النائيني ـ قدَّس سرَّه ـ وقد انتقل إليها ممّا أورده على القول بأنّها مسألة أُصولية حيث ردّ عليها بأنّ فساد العبادة لا يترتّب على القول بالامتناع مباشرة، بل القول بالامتناع يوجب دخول دليلي الوجوب والحرمة في باب التعارض، وإجراء أحكامه عليهما ليستنبط من ذلك حكم فرعي. والمسألة الأُصولية عبارة عمّا تترتّب عليها نتيجة فرعية بعد ضمّ صغرى نتيجة تلك المسألة إليها، وليس ذلك متحقّقاً في ما نحن فيه.

فإذاً ليس للمسألة دور إلاّ أنّ القول بالامتناع، يحقّق موضوعاً للتعارض كما أنّ القول بالاجتماع يحقّق موضوعاً للتزاحم، ومن المعلوم أنّ البحث عن أحكام التعارض والتزاحم مسألة أُصولية، فيكون البحث عن أحكام التعارض والتزاحم أُصولية، لكنّ البحث عن وجود التعارض أو التزاحم بحث عن المبادئ التصديقية.(1) «فالانصاف أنّ البحث في المسألة أشبه بالبحث عن المبادئ التصديقية لرجوع البحث فيه إلى البحث عمّا يقتضي وجود الموضوع لمسألة التعارض والتزاحم».(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المبادئ التصديقية عبارة عن المقدّمات التي يتوقّف عليها الجزم بالنسبة الموجودة في مسائل العلم كعلم الأُصول بالنسبة إلى الفقه، وكالبراهين الهندسية بالنسبة إلى مسائل علم الهندسة وأمّا البحث عن وجود موضوع العلم أو موضوع المسائل فهو من المبادئ التصورية، فإن كان مرجع مسألة جواز الاجتماع وامتناعه إلى البحث عن وجود موضوع العلم أو المسائل فتكون من المبادئ التصورية لعلم الأُصول لا من المبادئ التصديقية.


1-أجود التقريرات:1/333ـ334.
2-فوائد الأُصول: 1/400.


(178)

وثانياً: أنّ الظاهر من كلامه أنّ القول بجوازالاجتماع يدخل المسألة في باب التزاحم، والقول بالامتناع يدخلهافي باب التعارض، مع أنّ الحقّ ـ كما سيوافيك ـ غير ذلك وهو أنّه على القولِ بجوازالاجتماع لاتعارض ولا تزاحم، وأمّا على القول بالامتناع، فتدخل المسألة في باب التزاحم، لا التعارض لأنّ الأوّل عبارة عن مطاردة الدليلين في مقام الامتثال مثل أنقذ هذا الغريق، وأنقذ ذاك الغريق. فالدليلان صحيحان جعلاً وإنشاءً، متنافيان امتثالاً أي يصحّ إنشاء كليهما، والعجز أمر طارئ على المكلّف، والثاني عبارة عن مطاردة الدليلين في مقام الجعل والإنشاء كقوله : ثمن العذرة سحت، وقوله: لا بأس بثمن العذرة فهما متعارضان في مقام الجعل، ولا يصحّ للحكيم جعلهما.و المقام من مصاديق الأوّل دون الثاني، للعلم بصحّّة الدليلين وصدورهما، وإنّما المطاردة في مقام الامتثال وهي مستندة إلى سوء اختيار المكلّف، فانتظر لما سيوافيك تفصيله.

الأمر السادس: في عمومية النزاع للنفسي والعيني والتعييني ومقابلاتها

هل النزاع يختصّ بالإيجاب والتحريم النفسيين، العينيين، التعينيين كما عليه صاحب الفصول أو يعمّ غيرها مثل الغيريين والكفائيين والتخييريين؟

أقول: إنّ هنا مقامين:

الأوّل: إذا صدر أمر أو نهي من المولى وشككنا في أنّهما نفسيّان أو غيريّان، عينيان أو كفائيان تعيينيّان أو تخييريّان، فقد سبق أنّه يحمل على النفسي العيني التعييني، بمقتضى مقدّمات الحكمة فإنّ غيرها يحتاج إلى بيان زائد في مقام الإثبات دونها وإن كان الكلّ محتاجاً إليه في مقام الثبوت على ما مرّ بيانه في الأوامر.

الثاني: إذا أحرزنا أنّ هنا أمراً غيرياً ونهياً غيرياً، فهل يمكن اجتماعهما في


(179)

مورد له وجهان، ومصداق له عنوانان، أو لا؟ ومن المعلوم أنّه قابل للبحث مثل النفسيين، لأنّ أدلّة كلّ من القائل بالامتناع والاجتماع جار فيه.

أمّا القائل بالامتناع فتارة يستدل، بتضادّالأحكام الخمسة، وأُخرى بتضاد مباديها أعني الإرادة والكراهة وثالثة بأنّ تعدّد العنوان لا يوجب تعدد المعنون، فهذه الأدلّة الثلاثة كما تجري في النفسي، تجري في الغيري كما لا يخفى فلا وجه لتخصيص النزاع بالنفسي وبالعيني وبالتعييني.

كما أنّ دليل القائل بالاجتماع جار في جميع الأقسام وحاصل دليله أنّ متعلّق الأحكام هو الطبائع، فمتعلّق كلّ من الأمر والنهي مغاير للآخر، نعم، يجب أن يكون كلّواحد من الأقسام جامعاً لشرائط النزاع، بأن يتعلّق النهي بغير ما تعلّق به الأمر عنواناً، وإن اتحدا انطباقاً ومصداقاً، كالتوضؤ بالماء المغصوب، أو الغسل به، أو التيمم بالتراب المغصوب، فالأمر تعلّق بأحد هذه العناوين الثلاثة، أعني التوضؤ والغسل والتيمم والنهي تعلّق بالغصب. نعم الأمر في المثال غيري والنهي نفسي ولا مناقشة في المثال.

وبالجملة يجب أن يكون في المورد موضوعان وعنوانان تقييديان، يكون المعنون بأحدهما واجباً، وبالآخر حراماً، فيدخل الإيجاب والتحريم الكفائيان أيضاً كالغيريين ، فإنّ ملاك النزاع موجود هنا وأدلّة الطرفين جارية فيهما بلا خلاف، من غير فرق بين أن يفسّـر بمثل ما فسّرناه بتعلّقه بآحاد المكلّفين، أو بتعلّقه بالجامع بينهما. كما يدخل التخييريان، منهما، مثل ما إذا أمر بالصلاة والصوم تخييراً ونهي كذلك عن التصرف في الدار ومجالسة جماعة، فصلّى فيها مع مجالستهم فإنّ أدلّة الطرفين جارية فيهما أيضاً، فيكون مثل ما لو أمر بالصلاة تعييناً ونهى عن الغصب كذلك.

نعم لو صلّى في الدار المغصوبة، مع عدم مجالستهم، أو صلّى في غيرها مع مجالستهم، ومثله الصوم، إذا صام، في الدار المغصوبة بلا مجالستهم، أو صام


(180)

معهم بلا تصرف في الدار، فقد أتى بالواجب ولم يأت بالحرام، لأنّ الحرام هو الجمع بين التصرف في الدار والمجالسة والمفروض أنّه أتى بواحد منهما.

ومنه يعلم عدم صحّة التمثيل بما إذا نذر أن يصلّي أو يصوم، ونذر أن يترك الصلاة، إمّا في الحمام أو البادية فصلّى في أحدهما، أو صام في أحدهما، فإنّ المجمع عندئذ واجب وليس بحرام.

الأمر السابع: في أخذ قيد المندوحة في عنوان النزاع

ربّما يؤخذ في عنوان النزاع، قيد المندوحة(1) والفسحة في الامتثال فهل يعتبر أخذها أو لا؟ فيه أقوال:

1ـ اعتبارها كما عليه صاحب الفصول(2).

2ـ عدم اعتبارها فيما هو محطّالبحث كما عليه المحقّق الخراساني.

3ـ التفصيل بين ما حصل الاجتماع بسوء الاختيار، فلا يعتبر، وما إذا حصل بدونه فيعتبر كما عليه المحقّق القمي.(3)

استدل القائل بالاعتبار بأنّه لولاها لزم التكليف بالمحال وأنّ الإطلاق إنّما هو للاتّكال على الوضوح وإليك نصّ الفصول «و إن اختلفت الجهتان وكان للمكلّف مندوحة في الامتثال فهو موضع النزاع ومن ترك القيد الأخير فقد اتكل على الوضوح لظهور اعتباره».

استدل المحقّق الخراساني بأنّه لا تأثير لها فيما هو المبحوث عنه في المقام، لأنّ البحث ممحض في لزوم المحال وعدمه، فالقائل بالامتناع يقول بأنّ القول


1-من قولهم ندح الشيء: وسعه، و المندوحة و المنتدح السعة والفسحة.
2-محمد حسين الغروي: الفصول:126.
3-أبوالقاسم القمي، القوانين:1/53ـ54.


(181)

بالاجتماع يستلزم المحال، وهو لزوم اجتماع الحكمين المتضادّين. وكون المورد موجّهاً بوجهين، لا يرفع الغائلة.

كما أنّ القائل بالاجتماع ينكر لزوم المحال، ويقول بأنّ تعدّد العنوان يجدي في المقام.

فإذا كان البحث ممحضاً في ذلك، فوجود المندوحة وعدمها غير مؤثّر في صلب البحث. فسواء أكانت هناك مندوحة أم لا، فالقائل بالامتناع يقول به مطلقاً، والاجتماعي يقول بجوازه كذلك.

نعم، يشترط في فعلية التحريم وجود المندوحة، كما يشترط في فعليته غيرها من العقل والبلوغ. فلا غبار في شرطيتها في فعلية الحكم سواء أكان هناك اجتماع أو لا.(1)

وبعبارة أُخرى هنا مشكلتان:

إحداهما: لزوم التكليف المحال، إذا حمل على الموضوع الواحد حكمان متضادان.

ثانيهما: التكليف بالمحال إذا لم تكن هناك مندوحة والمهمّ في المقام هوالمشكلة الأُولى، وحلّها لا يتوقف على اعتبار المندوحة وعدمها بل على كون تعدد العنوان موجباً لتعدد المعنون أو لا، سواءكانت هناك مندوحة أو لا.

وربّما يقال: بالتفصيل بين كون النزاع في المقام صغروياً وأنّه هل هناك اجتماع للأمر والنهي في شيء واحد أو لا، فيكون اشتراط وجود المندوحة أجنبياًعن البحث، لأنّ النزاع مبني على أنّ تعدّد العنوان هل يجدي في تعدد المعنون أو لا؟و بين كونه كبرويّاً وأنّه هل يجوز اجتماع حكمين فعليين في مورد واحد باعتبار انطباق عنوانين عليه أو لا؟ فلابدّ من اعتبار قيد المندوحة، لأنّ


1-لاحظ كفاية الأُصول: 1/239، ط المشكيني.


(182)

فعلية الحكم رهن وجود المندوحة، وإلاّسقط التكليف بالصلاة في المثال، لعدم إمكان امتثالها خارج الدار المغصوبة لعدم المندوحة، ولا فيها، لأنّ الممنوع شرعاً كالممنوع عقلاً. فإذن لا يمكن أن يتوجّه إليه التكليف بالصلاة.

يلاحظ عليه: أنّ الموجب لأخذ هذا القيد ليس اجتماع الحكمين الفعليين في مورد واحد، بل حتى لو لم يكن هناك اجتماع، للزم وجود هذا القيد، لأنّ التكليف بـ«لا تغصب» إنّما يصحّ إذا كان المكلّف قادراً على امتثاله (سواء أكان هناك تكليف بالنسبة إلى الصلاة أم لا) ولا يكون قادراً، إلاّعند وجود الفسحة والسعة، ومع عدمها يسقط ذاك التكليف برأسه.

وبذلك علم أنّه لا صلة بين لزوم وجودها ومسألة الاجتماع سواء أكان النزاع في الصغرى أم كان في الكبرى، وإنّما الموجب له هو صحّة التكليف بحرمة الغصب وفعليته، سواء أكان هناك أمر بالصلاة أم لا، حتى أنّ التكليف الواحد لا يصحّ عند العقل إلاّ مع وجود المندوحة، كما اتضح ممّا تقدّم.

وأمّا القول الثالث فهو خيرة المحقّق القمي صرّح به في مسألة من توسّط أرضاً مغصوبةً ويريد الخروج منها الّتي سيوافيك الكلام فيها في مختتم هذا البحث، حيث قال: إنّ الخروج مأمور به ومنهي عنه، وقال: فإنّهما دليلان يجب إعمالهما ولا موجب للجمع والتقييد، فانّ الموجب للتقييد لو كان هو العقل، فإنّما يقيد إذا دخل دار الغير سهواً فإنّ الأمر بالخروج عنها والنهي عنه موجب للتكليف بمالا يطاق فهو مأمور بالخروج لا غير، وأمّا فيما نحن فيه فانّه و إن كان يلزم تكليف مالا يطاق أيضاً لكن لا دليل على استحالته إن كان الموجب هو سوء اختياره كما يظهر من الفقهاء في كون المستطيع مكلّفاً بالحجّ إذا أخّره اختياراً وإن فاتت بعدُ استطاعته.(1)


1-المحقّق القمي: القوانين، في آخر قانون اختلف العلماء في جواز اجتماع الأمر و النهي:153 ـ 154.


(183)

ومن كلامه هذا يمكن استظهار نظره في المقام وأنّه لا يشترط المندوحة إذا اضطرّ إلى الصلاة في الدار المغصوبة تقصيراً وبسوء الاختيار كما إذا توسّط أرضاً مغصوبة للتنزّه وضاق الوقت، فالوجوب والنهي كلاهما فعليان، وإن لم يتمكّن من الصلاة في غير المغصوبة في الوقت ولو أخّرها إلى بعد خروج الوقت فهو وإن كان يتمكّن من أدائها في غير الأرض المغصوبة لكنّها تصير عندئذ قضاء، والمفروض وجوب الإتيان بها أداءً بخلاف ما إذا توسّط جبراً وضاق الوقت للصلاة فالأمر فعلي دون النهي لعدم المندوحة لعدم إمكان الإتيان بالصلاة في وقتها في الأرض المباحة.

يلاحظ عليه: أنّ خطاب المضطرّ وغير المتمكّن من ترك الغصب قبيح سواء كان الاضطرار بسوء الاختيار أم بالإجبار ولا يصحّ التكليف بالمحال لما عرفت من أنّ مرجع التكليف بالمحال إلى كونه محالاً، وكون الاضطرار عن تقصير أو قصور يؤثّر في حسن العقاب في الأوّل دونه في الثاني، لا في حسن الخطاب فإنّ الخطاب بترك الحرام مع عدم تمكّنه قبيح مطلقاً فظهر أنّ وجود المندوحة مطلقاً شرط في فعلية النهي وأنّه لولاها لما صار النهي فعلياً، نعم ليست شرطاً في تجويز الاجتماع أو امتناعه على ما حقّقه المحقّق الخراساني.

الأمر الثامن: هل النزاع مبني على مسألة تعلّق الأحكام بالطبائع أو الأفراد، أو لا؟

هنا أقوال ثلاثة:

1ـ إنّ القول بجواز اجتماع الأمر والنهي مبني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، والقول بامتناعه مبني على تعلّقها بالأفراد، فيجوز على الأوّل قطعاً، ويمتنع على الثاني كذلك.


(184)

2ـ إنّ النزاع في الجواز وعدمه مبني على تعلّقها بالطبائع، وأمّا على القول بتعلّقها بالأفراد، فلا شكّ في الامتناع.

3ـ إنّه يصحّ تصوير القولين على المبنيين، فيمكن للقائل بتعلّق الأوامر، بالطبائع، أن يقول بجواز الاجتماع كما يمكن أن يقول بامتناعه كما أنّه يمكن للقائل بتعلّقها بالأفراد، أن يكون اجتماعياً، كما يصحّ أن يكون امتناعياً فلا القول بتعلّقها بالطبائع ملازم للقول بالجواز، ولا القول بتعلّقها بالأفراد ملازم للقول بالامتناع بل يصحّ تصوير الفكرتين على كلّ من المبنيين. وإليك البيان.

ردّ القولين الماضيين

وحاصل ما أفاده المحقّق الخراساني في ردّ القولين الأوّلين عبارة عمّا يلي:

إنّ القول بجواز الاجتماع أو الامتناع لا يدور على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، أو تعلّقها بالأفراد، بل كلا القولين أمام تجويز الاجتماع أو الامتناع سيّان، بل المدار للتجويز والامتناع أمر واحد وهو أنّ تعدّد العنوان، موجب لتعدد المعنون أو لا. فلو قلنا بالأوّل، تكون النتيجة هي الجواز سواء قلنا بتعلّق الأحكام بالطبائع أو بالأفراد وإن قلنا بالثاني تكون النتيجة على القولين هي الامتناع لأنّ متعلّقها على القول الأوّل، وإن كان هو الطبائع الكلية، لكن مجرّد القول بتعلّقها بالطبائع لا يلازم الجواز، وذلك لأنّ الطبيعتين وإن كانتا متغايرتين مفهوماً لكنهما متّحدتان وجوداً وخارجاً فيلزم أن يكون الشيء الواحد، واجباً وحراماً، إلاّإذا قيل بأنّ تعدّد العنوان موجب لتعدد المعنون فالفرد الخارجي، من حيثية خارجية، مصداق للمأمور به، ومن حيثية خارجية أُخرى مصداق للمنهي عنه، ولولا ذلك الدليل، لما يجدي القول بتعلّقها بالطبائع، للزوم اجتماع المتضادّين في مقام الإيجاد والامتثال إلاّأن يرفع التضادّ ، بتعدد الموضوع.

كما أنّ مجرّد القول بتعلّقها بالأفرادلا يلازم الامتناع إذا كانت في الفرد كثرة


(185)

خارجية، ويكون الموجود الخارجي الموجّه بوجهين، فرداً لكلّ من الطبيعتين ومجمعاً لفردين موجودين بوجود واحد، ويكون بما أنّه مصداق لذاك العنوان، مأموراً به، وبما أنّه مصداق لعنوان آخر، منهيّاً عنه. نعم هناك فرق بين القولين وهو أنّ القائل بتعلّق الأحكام بالطبائع يواجه مشكلة اجتماع المتضادّين بعد مرتبة تعلّق الأحكام وهو مرتبة التحقّق وإيجاد الطبيعة، والقائل بتعلّقها بالأفراد، يواجه المشكلة في نفس مرتبة تعلّقها. فلو كان تعدّد العنوان مجدياً في رفع الإشكال، فيجدي على كلا القولين، وإلاّفلا يجدي عليهما.(1)

ولكن الظاهر أنّ أساس التوهم باطل فانّه مبني على تفسير الفرد في المقام بالفرد المنطقي الذي هو عبارة عن الجزئي الخارجي الذي لا ينطبق على كثيرين، وعلى هذا التفسير الخاطئ في تفسير الفرد توهم أنّ كلاًّ من الجواز والامتناع يبتني على القول بتعلّقها بالطبائع وأمّا على القول بتعلّقها بالأفراد فالمسألة ذات قول واحد وهو الامتناع أو أنّ القول بالجواز مبني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع والقول بالامتناع مبني على تعلّقها بالأفراد.

ولكن الفرد بهذا المعنى، يستحيل، لأن يتعلّق به الأحكام، لأنّ الفرد قبل وجوده الخارجي، ليس فرداً إلاّبالحمل الأوّلي، وبعد وجوده كذلك، وإن كان فرداًبالحمل الشائع لكنّه في هذا الظرف، آية سقوط الأمر لا تعلّقه.

وبذلك يظهر الإشكال فيما أفاده سيّد مشايخنا البروجردي حيث فسر الفرد، بكون كلّ واحد من وجودات الطبيعة بخصوصياته المفرِّدة وعوارضه المشخِّصة، متعلّقاً للحكم ـ ثمّ ذكر أحد القولين ـ بأنّ الفرد بهذا المعنى، أمر وحداني فلا يعقل تعلّق الأمر والنهي به معاً، فالنزاع في المسألة إنّما هو على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع.(2)


1-كفاية الأُصول: 1/240ـ241.
2-نهاية الأُصول:227.


(186)

والعجب أنّ المحقّق الخوئي أيضاً فسر الفرد في المقام بهذا المعنى وقال: إنّه الطبيعي المشخَّص بالفرد.(1)

ولكنّك عرفت عند البحث عن متعلّق الأحكام في الأوامر أنّ المراد من الفرد في المقام هو المصطلح الأُصولي، أي كون الأعراض وأمارات التشخص ـ بنعت كونها كلية ـ متعلّقة للأمر، مثل نفس الطبائع، فكما أنّ الصلاة مأمور بها، فهكذا تأيّنها بأين، متعلّق للأمر. وعند ذلك لا يُفرّق بين القول بتعلّقها بالطبائع وتعلّقها بالأفراد، إذ المصحّح للجواز على القول الأوّل هو نفسه المصحّح له على القول الثاني، كما أنّ المانع من الجواز على القول الثاني هو نفسه المانع على القول الأوّل.

وبالجملة: القولان يشتركان جوازاً ومنعاً، ودليلاً وجواباً.

نعم انّ المحقّق النائيني ممّن تنبّه بالتفسير الصحيح للفرد، وهو كون العوارض بعناوينها الكلية متعلّقة للأمر والنهي لكنّه ذكر وجهاً آخر لابتناء مسألة الجواز والامتناع، على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع والأفراد، وحاصل ما أفاده: أنّ النزاع في أنّ الأمر المتعلّق بالطبيعة، هل يتعلّق بمشخصاتها الخارجية أو أنّها من لوازم الوجود وخارجة عن حيّز الأمر؟ فإذا بنينا على تعلّق الأمر بالمشخصات، سواء أكان الأمر بها استقلالياً أم تبعياً، وكانت نسبة كلّ من المأمور به والمنهيّ عنه، إلى الآخر، نسبة المشخِّصات، فلا محالة يكون كلّ منهما محكوماً بحكم الآخر، فيلزم منه اجتماع الحكمين المتضادّين في موضوع واحد. وأمّا إذا بنينا على خروج المشخصات عن حيّز الطلب، فلا يسري الأمر إلى متعلّق النهي، ولا النهي إلى متعلّق الأمر. فيكون القول بالجواز أو الامتناع مبنيّاً على القول بتعلّق الأوامر بالطبائع أو الأفراد، بالضرورة.(2)


1-المحاضرات:4/192.
2-لاحظ أجود التقريرات: 1/344ـ 345.


(187)

وأورد عليه تلميذه المحقّق الخوئي في المحاضرات بأنّ تشخّص كلّ وجود بنفس ذاته وهويته الشخصية لا بوجود آخر، فليست الأعراض الملازمة لهذا الوجود مشخّصة له، ضرورة أنّ تلك الأعراض، واللوازم أفراد لطبائع شتّى لكلّ منها وجود وماهية، فيستحيل أن يكون من مشخصاته. وإطلاق المشخص عليها مبني على المسامحة.(1)

والحاصل أنّ تلك الأعراض كما أنّها ـ على القول بتعلّق الأمر بالطبيعةـ خارجة عن متعلّقه وغير داخلة فيه، غاية الأمر أنّها ملازمة لوجود الطبيعة في الخارج، كذلك على القول بتعلّقه بالفرد، لأنّ تشخّص الفرد بوجوده، لا بوجودات تلك الأعراض الملازمة له خارجاً، فانّها وجودات في قبال وجود ذلك الفرد، ومبائنة له، غاية الأمر أنّها ملازمة له في الخارج.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ تشخص كلّ فرد بوجوده لا بالعوارض، وإن كان كلاماً متيناً ـ وأوّل من أبدعه هو الحكيم الفارابي حيث إنّ الفلاسفة قبله كانوا يظنّون أنّ تشخّص الكلي بالعوارض وقد نقده الفارابي بمقولته: إنّ الأعراض كلية مثل الطبيعي، ولا يفيد ضمّ كلّي إلى كلّي تشخصها ـ إلاّ أنّ ما ذكره غفلة عن معنى الفرد في مصطلح علم الأُصول فانّ المراد من الفرد فيه هو العوارض الملازمة للطبائع عند الوجود، وإن شئت فسمّها «أمارات التشخّص». وعندئذ يصحّ ما ذكره المحقّق النائيني إذ تكون أمارات التشخص من متعلّقات الأمر وواقعة تحته، وحينئذ تكون نسبة كلّ من المأمور به والمنهي عنه إلى الآخر، نسبة المشخّصات، فلا محالة يكون كلّ منهما محكوماً بحكم الآخر.

نعم، يرد على ما ذكره المحقّق النائيني من أنّ القول بتعلّق الأمر بالفرد يستلزم أن يكون الشيء الواحد متعلّقاً للأمر والنهي، إنّما يصحّ لو كان المراد من الأفراد المشخِّصات الفردية وما يصاحبها ويقارنها اتّفاقاً، كالغصبية للصلاة، إذ


1-المحاضرات: 4/192.


(188)

عندئذ يكون متعلّق الأمر هو الصلاة المشخصة بالغصبية المصاحبة لها اتّفاقاً، كما يكون متعلّق النهي هو الغصب المصاحب للصلاة اتّفاقاً فيكون الشيء الواحد متعلّقاً للأمر والنهي.

وأمّا لو كان المراد من الأفراد هو المشخصات الفردية، كأصل الأين، وأصل المتى، لا ما يقارنها اتّفاقاً ويصاحبها أحياناً، فلا يكون متعلّقهما واحداً، لأنّ كلاًّ من الصلاة والغصب بالنسبة إلى الآخر، من قبيل المصاحبات والمقارنات الاتّفاقيّة.

ويمكن أن يجاب بوجه آخر وهو أنّ المراد من الأفراد هو الوجود السعي لأصل الطبيعة بما هو هو، من دون أن تكون العوارض واللواحق متعلّقة للأحكام. فمتعلّق الأمر هو الوجود السعي لأصل الصلاة الذي يعمّ كلّ الأفراد، كما أنّ المتعلّق للنهي هو الوجود السعي لأصل الغصب، وأمّا العوارض اللازمة والمفارقة فهي خارجة عن حريم الأحكام مفهوماً ووجوداً، وعند ذلك لا يكون الشيء الواحد متعلّقاً للأمر والنهي.

***

ابتناء القولين على ما هو الأصل من الوجود أو الماهية

إنّ صاحب الفصول جعل النزاع مبنيّاً على النزاع المعروف في الفلسفة من أنّ الخارج هل هو مصداق للوجود، والماهية أمر انتزاعيّ منه، أو أنّ الخارج مصداق لها، والوجود مفهوم ينتزعه العقل منها؟ فعلى الأوّل، المختار هو الامتناع، وعلى الثاني، الجواز، إذ على أصالة الوجود واعتبارية الماهية، بما أنّ الوجود في مورد الاجتماع واحد، فلا يعقل تعلّق الأمر والنهي به، فإذن لا مناص عن القول بالامتناع.


(189)

وأمّا على القول بأصالة الماهية، فبما أنّ الماهية المتعلّقة للأمر، غير الماهية المتعلّقة للنهي، والماهيات متبائنات بالذات، فلا يمكن اتحاد ماهية مع ماهية أُخرى، ولا يمكن اندراج ماهيتين تحت ماهية واحدة، فلا مناص عن القول بالاجتماع.(1)

يلاحظ عليه: أنّه يمكن القول بأصالة الوجود مع تجويز اجتماعهما سواء كان النزاع صغرويّاً أم كبرويّاً، إذ على الأوّل يكون ملاك الجواز والامتناع كون تعدد العنوان موجباً لتعدد المعنون أو لا، من غير فرق بين كون الخارج مصداقاً للوجود أو للماهية. كما أنّه على الثاني، يكون محور النزاع في أنّه هل يصحّ الأمر والنهي المتعلّقين بشيئين، والمتصادقين على شيء واحد، أو لا؟

كما أنّه يمكن القول بأصالة الماهية، وتصحيح القول بالامتناع، وليس معنى أصالة الماهية عينية كلّ من الماهيتين عينية خارجية واقعية، لا تمتّ إحداهما إلى الأُخرى بصلة. بل الخارج ـ على القول بأصالة الماهية ـ ليس له إلاّ ماهية واحدة، وبالجملة: لا القول بأصالة الوجود ملازم للقول بالامتناع، ولا القول بأصالة الماهية ملازم للقول بالجواز .

الأمر التاسع: في تمييز باب الاجتماع عن غيره عند تصادق العنوانين

إذا اجتمع عنوانان في موضوع واحد كالغصب والصلاة في الحركة، فما هو الضابطة ثبوتاً في عدّ المسألة من باب اجتماع الأمر والنهي، وعدّها من غيره الذي نسميه في مقام الإثبات بالتعارض وعلى هذا فالبحث مركّز على تمييز ما هو من هذا الباب أو من غيره، إذاكان هناك عنوانان متصادقان على موضوع واحد.

وإذا حاولنا تفهيم ما أفاده المحقّق الخراساني في هذا الأمر ومابعده فلنقدّم


1-محمد حسين الغروي: الفصول:127.


(190)

مقدّمة وهي :

أنّ في المقام مسألتين:

إحداهما: ما هوالفرق بين التزاحم والتعارض، وإن شئت قلت: ما هوالفرق بين المتزاحمين والمتعارضين؟

ثانيهما: ما هوالفرق بين باب اجتماع الأمر والنهي وباب التعارض؟

أمّا الأُولى فيبحث عنها في باب الضدّ مقدّمة لمسألة الترتّب وحاصل الفرق حسب ما مرّ أنّه لو كان التنافي راجعاً إلى مقام الجعل والإنشاء، على وجه يمتنع أن يصدر من الجاعل الحكيم حكمان متضادّان سواء أمكن امتثالهما كجعل الوجوب والإباحة لفعل شيء مثل الدعاء عند رؤية الهلال. فلو دعا، فقد عمل بكلّ من الدليلين، لكن المشكل في ظرف الإنشاء والجعل. وإن لم يكن مشكل في ظرف الامتثال أم لم يمكن كجعل الوجوب والحرمة له فهما متعارضان أيضاً كما إذا قال: ثمن العذرة سحت، ولا بأس ببيع العذرة.

و أمّا إذا لم تكن مطاردة في ذلك المقام، بل في مقام الامتثال ونشأت من عجز المكلّف كما إذا قال: أنقذ الأب، ثمّ قال: أنقذ العمّ ولم يكن قادراً على انقاذهما معاً . ومن المعلوم، أنّ التزاحم هنا حصل من عجز المكلّف، مع إمكان جعل الحكمين، ولأجل ذلك، لو كان المكلّف وسيع القدرة وتمكن من انقاذهما لما كان هناك أيّ تزاحم فهذا ما يسمّى بالمتزاحمين.

وهذا هو الذي فرغنا عنه وعن فروعه في باب الترتّب، فلو أُطلق التزاحم والتعارض فإنّما يراد هذا النوع من التكليف.

وأمّا الثانية: فالغرض الأصلي من عنوانها هو أنّه إذا كان بين العنوانين عموم وخصوص من وجه فنحن نرى أنّ الأُصوليين تارة يبحثون عنه في مبحث اجتماع الأمر والنهي ويمثلون بقولهم: «صلّ ولا تغصب» وأُخرى يبحثون عنه في باب


(191)

التعادل والتراجيح عند بيان الجمع الدلالي: أكرم العلماء ولا تكرم الفساق ويقولون هل المجمع (العالم الفاسق) داخل تحت العام الأوّل أو الثاني، أو لا هذا ولا ذاك؟

وعند ذاك يطرح هنا سؤال، وهو لماذا يبحث عن شيء واحد في بابين تارة في باب الاجتماع وأُخرى في باب التعادل والتراجيح؟ ولماذا صارت المسألة الواحدة مع وحدة الموضوع مسألتين؟ وبالجملة لما ذا يبحث عن عنوانين بينهما عموم وخصوص من وجه، مع تصادقهما على مورد واحد في بابين؟ فحاول المحقّق الخراساني أن يجيب عن هذا السؤال في الأمرين: الثامن والتاسع، وهو ـ قدَّس سرَّه ـ بيّن الفرق بين المسألتين في الأمر الثامن وبيّن وجه تمييز إحداهما عن الأُخرى في الأمر التاسع.(1)

ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ أوّل من تنبّه لهذا الموضوع نذكر نصّه في درسه الشريف قال: والذي يختلج في البال وليس ببعيد عن مساق بعض عبائره أن يكون مراده ـ قدَّس سرَّه ـ فيما أفاده في الأمر الثامن والتاسع هو إبداء الفرق بين هذا المقام وبين باب التعارض دفعاً عن إشكال ربّما يرد في المقام وهو أنّ القوم ـ رضوان اللّه عليهم ـ لما عنونوا مسألة جواز الاجتماع مثّلوا له بالعامين من وجه واختار جمع منهم جواز الاجتماع، ولكن هذا الجمع لما وصلوا إلى باب التعارض جعلوا العامين من وجه أحد وجوه التعارض، ولم يذكر أحد منهم جواز الجمع بينهما بصحّة اجتماع الأمر والنهي في عنوانين بينهما عام من وجه فصار ـ قدَّس سرَّه ـ  بصدد دفع هذا الإشكال بالفرق بين البابين بأنّ كون العامين من وجه من باب الاجتماع مشروط بإحراز المناط حتى في مورد التصادق وإلاّ دخل في باب التعارض وبالجملة فالميز التام هو دلالة كلّ من الحكمين على ثبوت المقتضي في مورد الاتّفاق أو عدمها، (2)


1-كفاية الأُصول: 1/241ـ 242، طبعة المشكيني.
2-تهذيب الأُصول: 1/383.


(192)

هذا.

ثمّ إنّ البحث يقع في مقامين: الأوّل: في مقام الثبوت، وأُخرى في مقام الإثبات والمراد من مقام الثبوت هنا دراسة الموضوع من حيث هوهو مع قطع النظر عن تعلّق الحكم به في الكتاب والسنّة ويقابله الإثبات. ومن هنا يُعلم أنّ استعمال لفظ التعارض يختصّ بمقام الإثبات، لا الثبوت ولأجل ذلك قلنا في عنوان البحث باب الاجتماع وغيره. وإليك تبيين ما أفاده المحقّق الخراساني في الكفاية تحت عنوان «الأمر الثامن».

حكم المجمع في مقام الثبوت

1ـ لو أُحـرز وجـود الملاك في كلّ من الموضوعين مطلقاً، حتى في مقام الاجتماع والتصادق كالصلاة والغصب فهو من باب الاجتماع فعندئذ فلو قلنا بجواز الاجتماع فالمجمع يكون محكوماً بحكمين من دون أيّ تزاحم ومطاردة ، بل يكون حكم هذا، مثل ما إذا صلّى ونظر إلى الأجنبية.

ولو قلنا بالامتناع فلو كان أحد المناطين أقوى، يكون محكوماً بحكمه، وإن لم يكن كذلك بل كان المناطان متساويين يكون المجمع محكوماً بحكم آخر كالبراءة والحلّية.

2ـ وأمّا إذا لم يحرز وجود الملاكين في مورد التصادق (و إن كان كلّ ذا ملاك في غير مورد التصادق) فهو ليس من باب الاجتماع، ولا من باب التعارض لما عرفت أنّه إنّما يطلق في مقام الإثبات.(1)

وعندئذ إمّا أن يحرز الملاك في واحد دون الآخر فيكون الحكم تابعاً لذي


1-لأنّه من مادة العرض، أي إذا كان أحد الدليلين يعرض نفسه على الآخر ولا يتحقّق ذلك إلاّإذا كان كلّ من الموضوعين متعلّقاً للحكم فيدخل في مقام الإثبات.


(193)

الملاك في مورد الاجتماع أو يحرز عدمه في كلّ واحد في ظرف الاجتماع، فلا يكون المجمع محكوماً بحكم واحد منهما، بل بحكم آخر، من غير فرق بين القول بالاجتماع والقول بالامتناع، لأنّ للقولين تأثيراً عند العلم بالمناطين وأمّا في غيره فهما أجنبيّان بالنسبة إليه . إذ النتيجة على القولين في هذا القسم واحدة، وهي أنّه لو كان لواحد ملاك دون الآخر في ظرف التصادق فالحكم لذي الملاك وإلاّ ، فالمجمع يكون محكوماً بحكم ثالث. هذا كلّه في مقام الثبوت.

حكم المجمع في مقام الإثبات

قدّم المحقّق الخراساني البحث عمّا لا يكون فيه ملاك في واحد منهما أو في كليهما على ما فيه ملاك في كلّ من العنوانين فقال: إذا أحرز أنّ المناط من قبيل الثاني (أي ما ليس فيه ملاك إمّا في واحد دون الآخر، أو في كليهما في ظرف التصادق)، فيكون من باب التعارض فلابدّمن عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح أو التخيير.

وأمّا إذا أحرز وجود الملاك لكلا العنوانين في المجمع فإن قلنا بجواز الاجتماع فحكمه في مقام الإثبات نفسُ حكمه في مقام الثبوت، من ثبوت الحكمين وعدم التزاحم أبداً، ولأجل ذلك لم يذكر المحقّق الخراساني شيئاً من هذه الصورة.

وأمّا إذا قلنا بالامتناع فهو على قسمين:

1ـ ما لم تحرز فعلية كلا الحكمين وإن أُحرز وجود الملاكين في ظرف التصادق فهو من باب التزاحم بين المقتضيين، فيرجع في تعيين الفعلي منهما إلى مرجِّحات باب التزاحم من الأخذ بأقوى الملاكين وإن كان أضعف سنداً أو دلالة.


(194)

2ـ إذا أُحرزت فعلية كلا الحكمين وأنّ كلاًّ من الدليلين متكفّل لبيان الحكم الفعلي في ظرف التصادق، فهو من جانب، مصداق للتزاحم، باعتبار وجود الملاكين للعنوانين في المجمع، ومن جانب مصداق للتعارض لعدم إمكان فعلية كلا الحكمين، فلا بدّ من إعمال مرجّحات باب التعارض عندئذ.(1)

إلى هنا تمّ كلام المحقّق الخراساني وقد خرج بالنتائج التالية:

أوّلاً: خصص بحثه، بما إذا تصادق العنوانان على موضوع واحد فلو كان ملاك كلّ من العنوانين موجوداً في المجمع، فهو من باب الاجتماع وإلاّ فهو من غير ذاك الباب، سواء كان الملاك لواحد دون الآخر أو لم يكن لواحد منهما في ظرف التصادق، وإن كان لكلّ ملاك في ظرف الافتراق.

وثانياً: إذا كان مجمع العنوانين مشتملاً على الملاكين فلو قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي فلا يرد أيّ إشكال في مقامي الثبوت والإثبات ويكون المجمع محكوماً بحكمين بلا تزاحم وتعارض.

وأمّا إذا قلنا بالامتناع في هذه الصورة يكون محكوماً بأقوى الملاكين لو كان، وإلاّفيكون محكوماً بحكم آخر، غيرهما، لقبح الترجيح بلا مرجّح.

وثالثاً: لو لم يكن المجمع مشتملاً على كلا الملاكين بل إمّا أن يكون مشتملاً لملاك واحد، أو لم يكن مشتملاً حتى على الواحد منهما في ظرف التصادق، فعلى الأوّل يكون الحكم تابعاً لذي الملاك وعلى الثاني، يكون محكوماً بحكم آخر غير حكم العنوانين لافتراض عدم ملاك لهما في المجمع من غير فرق بين القول بالجواز أو الامتناع، فإنّ النظريتين مؤثرتان فيما إذا أُحرز الملاكان في المجمع لا ما أُحرز أحد الملاكين أو أُحرز عدم واحد منهما ، كلّ ذلك يرجع إلى مقام الثبوت.

وأمّا الإثبات فما ليس فيه ملاك للعنوانين في ظرف التصادق أو لواحد منهما


1-كفاية الأُصول: 1/241ـ 242.


(195)

فالدليلان متعارضان ويرجع إلى مرجحات باب التعارض.

وأمّا إذا أُحرز الملاكان في المورد فلو قلنا بجواز الاجتماع يكون الحكم إثباتاً وثبوتاً واحداً، وأمّا إذا قلنا بالامتناع فلو كان المحرز تزاحم المقتضيين لا الحكمين الفعليين، فيرجع إلى مرجّحات باب التزاحم من الأخذ بأقوى الملاكين، وأمّا إذا كان الدليلان متكفلين لبيان حكمين فعليين فهو يكون معجوناً مركباً من باب التزاحم بالذات والتعارض بالعرض.

***

وبهذا تقف على ما يورد على المحقّق الخراساني، من أنّ ما ذكره ليس ضابطة لتمييز المتزاحمين عن المتعارضين أوّلاً بل الضابطة هو وجود التنافي في مقام الجعل، أو الامتثال غفلة عمّا يهدف إليه كلامه. فانّه ـ قدَّس سرَّه ـ ليس بصدد بيان الفرق بينهما، بل هو بصدد إبداء الفرق بين مسألة واحدة فيبحث عنها تارة في باب الاجتماع وأُخرى في باب التعادل، وحاصله: وجود المقتضي لكلا العنوانين في المجمع وعدمه والأوّل من صغريات باب الاجتماع والثاني من صغريات باب التعادل والتراجيح ولا محيص في إبداء الفرق ممّا ذكره ـ قدَّس سرَّه ـ. نعم يظهر من المحقّق النائيني أنّ الفرق بين البابين أنّه إذا كان التركيب بين العنوانين انضمامياً فهو من باب الاجتماع كما في الصلاة والغصب فانّ تركيب المبادي انضمامي وأمّا إذا كان التركيب اتحادياً كالعالم والفاسق فهو من باب التعارض لأنّ التركيب بين المشتقين اتحاديّ.(1)


1-الكاظمي: فوائد الأُصول: 1/410 بتلخيص، و لكن بيانه يختلف عمّا جاء في أجود التقريرات: 1/354ـ 355 حيث قال: الفرق بين كون العنوانين من الجهات التقييدية فهو من باب الاجتماع ، و الجهات التعليلية فهو من باب التعارض.


(196)

الأمر العاشر : في بيان ما يحرز به وجود المناطين

قد عرفت أنّه ليس بصدد بيان الفرق بين التزاحم والتعارض الذي يناسب مبحث الضدّمقدّمة لمسألة الترتّب بل بصدد بيان أنّه إذا كان بين العنوانين عموم وخصوص من وجه وانطبقا على مورد، ما هو الدليل على جعلهما تارة من باب اجتماع الأمر والنهي أي وجود المقتضي فيهما و أُخرى من باب التعارض وحاصل ما أفاد أنّه كلّما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضي في الحكمين فهو من باب الاجتماع وكلّما لم تكن دلالة فهو من باب التعارض ولكن من أين نعلم وجود المناطين فهو ما أفاده بالبيان التالي:

1ـ لو دلّ دليل كالإجماع والعقل على وجود المناط للحكمين في مورد الاجتماع فلا إشكال أنّه من هذا الباب.

2ـ لو استكشفنا وجود المناط في مورد الاجتماع بإطلاق الدليلين اللفظيين ففيه تفصيل:

أ: لو كان إطلاقهما في مقام بيان الحكم الاقتضائي لكان دليلاً على ثبوت المقتضي والمناط في مورد الاجتماع فهما من هذا الباب.

ب: ولو كان بصدد بيان الحكم الفعلي فعلى القول بالجواز نستكشف ثبوت المقتضي للعنوانين فيؤخذ بكلا الدليلين وأمّا على القول بالامتناع فالإطلاقان متنافيان فلا يدلان على وجود المناط في المورد فلابدّ في رفع التنافي من ارتكاب أحد الأمرين:

إمّا أن نقول بوجود المناط فيهما غير أنّ أحد الحكمين فعلي والآخر اقتضائي.

وإمّا أن نقول بوجود المناط في واحد منهما ـ لا بعينه ـ لا في كليهما.


(197)

والفرق بين الوجهين واضح وذلك لأنّ رفع التنافي في الأوّل عن طريق وجود المانع عن تأثير المقتضي، بخلاف الثاني فانّ الدفع فيه مستند إلى فقد المقتضي في أحدهما.

وهناك وجه آخر لرفع التنافي بغير ذينك الوجهين، وهو أنّه لو كان أحدهما أظهر في الفعلية من الآخر يحمل على الفعلية وإن كان أحدهما ظاهراً والآخر غير ظاهر يحمل الظاهر على الفعلية وعند التساوي في الظهور فالتخيير بحمل أحدهما على الفعلية والآخر على الاقتضاء.

ولقد أطلنا الكلام في المقام لأجل رغبة الحضّار إلى تبيين مواقف الكفاية في المقام.

الأمر الحادي عشر: هل النزاع خاص بالعامين من وجه؟

هل النزاع يختصّ بالعامين من وجه، ويكون العموم المطلق خارجاً عنه، كما عليه المحقّق القمي  ـ قدَّس سرَّه ـ أو يعمّ كلتا الصورتين إذا كان بينهما تغاير عنواناً، كما عليه صاحب الفصول؟

قال المحقّق القمي: إنّ المنهيّ عنه بالنهي التنزيهي أخصّ من المأمور به (مثل قولنا: صلّ، ولا تصلّ في الحمام) وهو داخل في مسألة النهي عن العبادات بخلاف مانحن فيه، فإنّ النسبة بينهما عموم من وجه.(1)

وقال صاحب ا لفصول: لا فرق في موضع النزاع بين أن يكون بين الجهتين عموم من وجه، كالصلاة والغصب، أو يكون بينهما عموم مطلق مع عموم المأمور به، كما لو أمره بالحركة و نهاه عن التداني إلى موضع مخصوص، فتحرّك إليه، فإنّ الحركة والتداني طبيعتان متخالفتان وقد أوجدهما في فرد واحد، والأوّل منهما


1-قوانين الأُصول، باب النواهي، ص 142.


(198)

أعم.(1)

والحقّ ما ذكره صاحب الفصول، فإنّ ما هو الملاك لتجويز الاجتماع أو النزاع في جوازه وعدمه، هو تغاير متعلّقي الأمر والنهي في مقام الجعل، وإن كانا متّحدين في مقام الامتثال، وهذا إن كفى في صحّة النزاع لكان كافياً فيما إذا كان بينهما عموم مطلق ولكن مع وجود تغاير بين المفهومين.

فالملاك لجواز النزاع هو التغاير لا كيفيّة النسبة، ولأجل ذلك خرج عن محلّ النزاع ما إذا كان بينهما عموم من وجه مع وحدة المتعلّق واختلافهما في الإطلاق والتقييد، كما إذا قال: صلّ الصبح، ولا تصلّ في الأرض المغصوبة، مع أنّ النسبة بينهما عموم من وجه. كما خرج قولنا: صلّ، ولا تصلّ في الحمام، لوحدة المتعلّق، وعدم كفاية الإطلاق والتقييد في جواز الاجتماع، وذلك لأنّ المطلق بنحو اللا بشرط المقسمي موجود في المقيّد، وتعلّق الحكم بالمطلق بنفس تعلّقه بالمقيّد، فعندئذ يكون الشيء الواحد ـ أعني المطلق ـ واجباً بملاك أنّه تمام الموضوع، وحراماً بملاك أنّه جزء الموضوع، فلاحظ.

والحاصل أنّ التغاير المفهومي، بحيث يكون المفهوم من أحدهما غير المفهوم من الآخر، كاف في تجويز النزاع، سواء أكان بينهما عموم وخصوص من وجه، كالصلاة والغصب، أم عموم وخصوص مطلق، كالحركة والتداني، بشرط تعلّق الأمر بالأعم.

كما أنّ وحدة المتعلّقين من حيث المفهوم جوهراً، غير كافية لتصحيح النزاع، سواء أكان بينهما عموم من وجه، كما إذا قال: صلّ الصبح، ولا تصلّ في الدار المغصوبة، أم عموم مطلق، كما في النهي عن بعض العبادات تنزيهاً.


1-الفصول في علم الأُصول، ص 126.


(199)

الأمر الثاني عشر: ثمرة البحث

يبدو عن المحقّق الخراساني أنّ الثمرة تظهر في الصور التالية:

1ـ حصول الامتثال، على القول بجواز الاجتماع، عبادياً كان أم توصلياً.

2ـ حصوله، على القول بالامتناع، مع تقديم جانب الأمر.

3ـ حصوله في تلك الصورة ، مطلقاًحتى في التعبديّات إذا كان جاهلاً قاصراً، لحصول التقرّب بما يصلح لأن يتقرّب به.

4ـ عدم حصول الامتثال في التعبديّات على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي، إذا كان جاهلاً مقصّراً، أو ناسياًكذلك.

5ـ عدم حصوله في التعبديّات على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي إذا كان عا لماً .

و لنأخذ بالبحث في جميع هذه الصور:

الصورة الأُولى: القول بجواز الاجتماع

ذهب المحقّق البروجردي رحمه اللّه إلى بطلان العبادة، من جهة أنّها وجود واحد أتى به العبد مبغوضاً ومتمردّاً وخارجاً بالإتيان به عن رسم العبوديّة، فلا يصلح لأن يتقرّب به إلى ساحة المولى، إذ المبعِّد لا يكون مقرِّباً.(1)

ويمكن دفعه بأنّ المجمع لمّا كان مركّباً من حيثيتين مختلفتين، فلا مانع من أن يتقرّب بالمأتي به من حيثية واحدة، وهذا كما إذا مسح رأس اليتيم في الدار المغصوبة، أو أطعمه فيها، طالباً لرضاه سبحانه، فيكون متقرّباً من جهة، وإن كانت الجهة الأُخرى مبعِّدة.


1-نهاية الأُصول، ص 233 و أوضحه في ص 235.


(200)

هذا، و قد أشكل المحقّق النائيني على القول بالصحّة في صورة القول بجواز الاجتماع بوجه آخر قائلاً بأنّ المأتي به ليس مصداقاً للمكلّف به، كما أنّه ليس واجداً للملاك.

أمّا الأوّل، فلأنّه على القول بأنّ منشأ اعتبار القدرة نفس التكليف لا حكم العقل، يكون متعلّق التكليف هو الحصة المقدورة من الطبيعة، لا مطلق الصلاة، ومن المعلوم أنّ المراد منها هي المقدورة عقلاً أو شرعاً، وبما أنّ الممنوع شرعاً كالممنوع عقلاً، تخرج الحصّة المحرّمة من تحت الأمر.

هذا حسب القاعدة، وأمّا تطبيقها على المقام، فلأنّ الصلاة لمّا كانت ملازمة للمحرّم، فلا تكون مصداقاً للأمر، فلا تكون مأموراً بها، ولا يمكن الحكم بالصحّة لأجل الأمر.

وأمّا عدم إمكان تصحيحها لأجل الملاك، فلأنّ الملاك إنّما يصحّ التقرب به إذا لم يكن ملازماً بالقبح الفاعلي وإلاّفلا يكون صالحاً للتقرّب، والصلاة والغصب وإن كانا غير متّحدين، إلاّ أنّهما موجودان بإيجاد واحد، فلا محالة يكون موجدهما مرتكباً للقبيح بنفس هذا الإيجاد، ويستحيل أن يكون الفعل الصادر منه مقرّباً.(1)

يلاحظ عليه:

أمّا أوّلاً، فانّ المبنى ممنوع لأنّ أخذ القدرة في المتعلّق من ناحية العقل، لا بنفس اقتضاء التكليف، ضرورة تعلّقه بنفس الطبيعة لا بالفعل المقدور ولا الإرادي منه. وعلى ذلك يعمّ المقدور وغيره، الممنوع شرعاً وغيره.

وما ذكره من أنّ الأمر هو جعل داع للمكلّف نحو العمل، ولا يصحّ جعله داعياً إلاّ إلى ما وقع في إطار قدرة المكلّف، وإن كان صحيحاً، لكن مآله إلى أنّ


1-لاحظ المحاضرات:4/216و 217و 219.


(201)

العقل لمّا كان حاكماً بشرطية القدرة في صحّة التكليف، وقبحه بدونها، انحصرت داعوية التكليف بالمقدور من المتعلّق. ولمّا كان حكم العقل بشرطية القدرة سابقاً على داعوية الأمر إلى القسم المقدور، فانّه لا يوجب تضييقاً في المتعلّق وتقييداً فيه. بل الحكم على المطلق، والحاكم بالشرطية هو العقل.

وثانياً: أنّ لازم ذلك خروج المقام عن موضوع البحث، لأنّ البحث فيما إذا أُحرز وجود الأمر والنهي في المعنون، باعتبار العنوانين.وعلى ما ذكره يكون المفروض متعلّقاً للنهي دون الأمر، لخروج الممنوع شرعاً عن متعلّق التكليف، وهو خلف.

وثالثاً: أنّ الصلاة ـ على القول بجواز الاجتماع ـ ليست ممنوعة شرعاً، وإنّما الممنوع ملازمها، وهو الغصب. والحاصل أنّ الصلاة إنّما تكون محرّمة إذا كانت متّحدة مع الغصب أو مقدّمة لوجوده وكلاهما منفيان على القول بالجواز فتكون الصلاة من مصاديق الحصّة المقدورة عقلاً وشرعاً.

ورابعاً : أنّ التقرّب، من الأُمور العقلائية، كما نبّهنا عليه آنفاً، فأي مانع من أن يتقرّب بالفعل بحيثية دون حيثية. وإذا صحّ هذا، فالتقرّب بالفعل مع كونه موصوفاً بالقبح أمر ممكن لا يخفى، فيصحّ الإتيان بالفعل بالملاك المقرِّب.

الصورة الثانية: القول بالامتناع وتقديم جانب الأمر

حكم المحقّق الخراساني في هذه الصورة بالصحّة لأنّ المجمع ـ حينئذ ـ مصداق للمأمور به دون المنهي عنه.(1)

ولكنّه ليس صحيحاً على إطلاقه، لأنّ ملاك الصلاة وإن كان أقوى، لكن التقديم إنّما يصحّ إذا دار الأمر بين فوت الأقوى وارتكاب المنهيّ عنه، كما إذا لم يتمكّن من الصلاة إلاّفي المكان المغصوب بأن يكون المكان المباح مقروناً بالمانع.


1-كفاية الأُصول:1/246.


(202)

وأمّا إذا كانت هناك مندوحة، فلا يكون من باب دوران الأمر بين فوت الواجب وارتكاب الحرام، لتمكّن المكلّف حينذاك من الصلاة في المندوحة من دون أن يفوته الواجب أو يرتكب الحرام.

ولعلّ إطلاق كلامه نازل إلى الصورة التي يدور فيها الأمر بين فوت الواجب وارتكاب المحرّم.

الصورة الثالثة: القول بالامتناع وتقديم جانب النهي مع الجهل بالحرمة قصوراً

الحكم في هذه الصورة هو الصحّة، سواء أكان الجهل بالحكم أم بالموضوع لأنّ الحرمة منفية بحديث الرفع، والعمل ليس مصداقاً للتمرّد والطغيان، فيصلح لأن يكون مسقطاً للأمر وإن كان لا يُعدّ امتثالاً. والحكم بالصحّة في هذه الصورة، لأجل الملاك، لا لوجود الأمر، لأنّ المفروض تقديم جانب النهي، وهو كاف في التقرّب، لأنّ أتميّة ملاك الغصب لا توجب نقصاً في ملاكها، غاية الأمر أنّ ملاك الغصب كان مانعاً عن إنشاء الحكم على طبق ملاك الصلاة، وهو غير كون ملاكها ناقصاً وغير صالح للتقرّب بها، فعدم الأمر هنا كعدمه في الضدّين المتزاحمين.

فإن قلت: فمن أين علم الملاك فيها مع أنّ الكاشف عنه هو الأمر وهو غير موجود؟

قلت: إنّ وجود المقتضي ممّا لا يمكن انكاره، والمانع من تأثيره اتحاده مع عمل مبغوض للمولى، ولكن المفروض في هذه الصورة خلافه، لأنّ المفروض أنّ جهله كان عن قصور، فهو مانع عن فعلية الحرمة وهو ملازم لعدم مبغوضية الصلاة، فلا معنى لاضمحلال الملاك عنها.

ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ أورد عليه إشكالاً هذا حاصله:


(203)

إنّ الصحّة تتوقف على إثبات اشتمال الصلاة على الملاك التام في مورد الاجتماع، وهو غير ممكن، وذلك للتضادّ بين ملاك الغصب وملاك الصلاة، فإن أمكن رفع التضادّ بين الملاكين باختلاف الحيثيتين، أمكن رفعه في الحكمين، مع أنّ القائل بالامتناع لا يلتزم به بل يجب على القائل بالامتناع الحكم بأنّ الحيثية التي تعلّق بها الحكم الإلزامي عين ما تعلّق به النهي، ومع وحدة الحيثية لا يعقل تحقّق الملاكين، فلابدّ أن يكون المرجوح بلا ملاك، فعندئذ تكون الصلاة غير صحيحة، لعدم الأمر بها، كما هو المفروض، ولفقدان الملاك. ومعه لا تأثير للعلم والجهل في الصحّة والبطلان.(1)

يلاحظ عليه: الظاهر هو وجود الفرق بين الأحكام والملاكات، إذ لقائل أن يقول إنّ اختلاف العنوانين لا يكون مصحِّحاً لتعلّق الوجوب والحرمة بالشيء الواحد وجوداً، وإن جاز أن يكون مصحِّحاً لاجتماع الملاكين فيه، وذلك لأنّ العنوانين وإن كانا مختلفين مفهوماً، لكنّهما متحدان وجوداً. ولازم اجتماع الحكمين المتضادّين، طلب إيجاد شيء واحد وتركه، وهو بمنزلة الأمر بالمحال. وهذا بخلاف الملاكين المختلفين في المصلحة والمفسدة، فانّهما ليسا قائمين بالمكلّف به حتى لا يصحّ توصيفه بالصلاح والفساد، لأنّهما من الأُمور الخارجية الراجعة إلى نفس المكلَّف تارة، ومجتمعه أُخرى. فالصلاة في الدار المغصوبة ذات صلاح وفلاح وهي التي تدفع الإنسان إلى ذكر ربّه، الذي هو مفتاح كلّ خير. كما أنّها مبدأ فساد وشرّ، لاستلزامها التعديّ على حقوق الغير الذي هو قبيح عقلاً، ومستلزمة لرواج الفوضى في المجتمع واختلال النظام. ولا مانع من اجتماعهما لاختلاف محلّهما. وهو ـ دام ظلّه ـ صرّح بذلك في موضع آخر(2)، وبذلك صحّ كون الشيء الواحد مقرّباً ومبعداً، حسناً وقبيحاً.


1-لاحظ تهذيب الأُصول:1/288.
2-المصدر السابق، ص 316.


(204)

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني احتمل في هذه الصورة الأخيرة، صدق الامتثال أيضاً، وعلى هذا لو قيل باعتبار قصد الامتثال في صحّة العبادة و عدم كفاية الإتيان بمجرّد المحبوبية تصحّ الصلاة و ذلك ببيانين:

الأوّل: إنّ العقل لا يرى تفاوتاً بين هذا الفرد و سائر الأفراد في الوفاء بالغرض. فالمجمع ـ حينئذ ـ مصداق للطبيعة بما هي هي، وإن لم تعمّه بما هي مأمور بها، لكنّه لوجود المانع لا لعدم المقتضي. فيكفي الإتيان بالفرد بنيّة الأمر بالطبيعة، و إن كان شخص هذا الفرد فاقداً للأمر، للابتلاء بالمزاحم.

الثاني: إنّ عدم انطباق الطبيعة المأمور بها على هذا الفرد مبنيّ على تزاحم جهات المصالح و المفاسد في مقام تأثيرها في الأحكام الواقعية فحيث كانت جهة الحرمة أقوى من جهة الوجوب في الواقع، فلا محالة كان ملاك الأوّل هو المؤثر. وأمّا لو قلنا بعدم المزاحمة بين تلك الجهات في الواقع، و إنّما المزاحمة إنّما هي بين الجهات في مقام فعلية الأحكام، لكان المجمع مصداقاً للطبيعة المأمور بها، وذلك لأنّ المؤثر من الملاكات هو ملاك الأمر لكونه الواصل دون ملاك النهي لكونه غير واصل، كما لا يخفى.(1)

يلاحظ عليه:

أنّ ما ذكره أوّلاً، هو نفس ما أفاده المحقّق الثاني رحمه اللّه في بحث الترتّب، في الإتيان بالفرد المزاحم، بالأمر المتوجّه إلى الطبيعة. و هو إنّما يكفي مع العلم بعدم الفرق بينه و بين سائر الأفراد، و هو في مثل الأهم و المهم المتمائزين وجوداً، أمر محرز، لأنّ العلم الضروري حاصل بأنّه لا فرق بين الصلاة المبتلاة بالمزاحم ـ كلزوم إزالة النجاسة ـ وغير المبتلاة به إلاّ من جهة اقتران إحداهما بالمانع دون الأُخرى.


1-لاحظ كفاية الأُصول: 1/247، ط المشكيني.


(205)

وهذا بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة، التي تُكْمَنُ المبغوضية في صميم ذاتها. فادّعاء عدم الفرق بينها و بين غيرها ممّا يحتاج إلى الدليل، والحاصل أنّ الصلاة في المسجد، مع الابتلاء بالأهم، صلاة تامة، لا حضاضة فيها، بخلافها في الدار المغصوبة فانّها مبغوضة .

وما ذكره ثانياً ، خلط بين مسألة الحسن و القبح، و مسألة تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، فانّ الحسن و القبح الفاعليين يتبعان علمَ الإنسان بفعله. فما لم يعلم الإنسان بحسن فعله أو قبحه، لا يتّصف الفاعل بالحسن و القبح.

وأمّا تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، فإنّما هي ناظرة لما هو الملاك واقعاً، فتتبعه ، سواء علم به المكلّف أم لا.

فتزاحم الجهات في مقام الأحكام الواقعية، يستلزم جعل الحكم طبق الأقوى منها، سواء علم به المكلّف أم لا. والقول بتبعية الحكم للمعلوم من الملاك دون المجهول، يُشبه قول المصوّبة القائلة بأنّ أحكامه سبحانه تابعة لعلم المكلّف، على أنّه يستلزم تقديم الأمر، لا النهي و هو خلاف المفروض.

الصورة الرابعة: القول بالامتناع و تقديم جانب النهي مع الجهل التقصيري

الحكم في هذه الصورة هو البطلان، بلا فرق بين تعلّق الجهل بالحكم أو بالموضوع، كما إذا كان من أطراف العلم الإجمالي. ووجه البطلان، عدم الأمر ـ كما هو المفروض ـ أوّلاً، وعدم العلم بالملاك ثانياً ، فإنّ الكاشف عنه هو الأمر و هو غير موجود.

ومنه يعلم حال الناسي المقصّـر، إذ الناسي المقصّـر خارج عن مفاد حديث الرفع، كخروج الجاهل المقصّر عن مفاد قاعدة لا تعاد.


(206)

الصورة الخامسة: القول بالامتناع و تقديم جانب النهي مع العلم بالحرمة

الحكم في هذه الصورة هو البطلان، بلا إشكال، لأنّ كون العمل محكوماً بالصحّة إنّما هو لأحد أمرين: إمّا الأمر أو الملاك. و كلاهما مفقودان. أمّا الأوّل، فلأنّ المفروض هو تقديم النهي دون الأمر. و أمّا الملاك، فلأنّ المفروض مانعية المغصوبية عن التقرّب به، بل لا نعلم بوجود الملاك فيه، لأنّ الكاشف عنه هو الأمر، و المفروض سقوطه.

نعم لا كلام في الصحّة وسقوط الأمر إذا كان المأمور به توصلياً.

***

إنّ الثمرة لا تنحصر بما ذكر بل هناك ثمرات أُخرى نشير إليها:

1ـ إذا صلّى في الذهب سواء كان ممّا تتمّ فيه الصلاة أو لا، فصحّة الصلاة و عدمها مبنيّة على جواز اجتماع الأمر والنهي قال في الجواهر: فيتّجه البطلان حينئذ كالصلاة في المكان المغصوب بناء على ما هو المعلوم من مذهب الإمامية من عدم جواز اجتماع الأمر و النهي.

وربّما يمنع الابتناء للفرق الواضح بين حرمة اللبس و الكون في المكان المغصوب، لعدم رجوع الأُولى إلى النهي عن شيء من أجزاء الصلاة فانّ اللبس أمر مغاير للاجزاء، بخلاف الثاني.(1)

2ـ لو صلّى تحت سقف مغصوب أو خيمة فقد جزم في جامع المقاصد بعدم البطلان لأجل إباحة المكان فانّه لا يعدّ مكان بوجه من الوجوه وإن كان


1-الجواهر:8/290.


(207)

المصلي متصرفاً بكلّ منهما و منتفعاً به، لأنّ التصرّف في كلّ شيء حسب ما يليق به و الانتفاع فيه حسب ما أعدّله.(1)

3ـ من شرائط صحّـة الاعتكاف إباحة اللبث، فلو وجب عليه الخروج لجنابة أو لعارض فمكث، يبتني فساد اعتكافه و صحّته على جواز اجتماع الأمر والنهي.

ومثله إذا حرم عليه اللبث لعدم إذن من يشترط إذنه في الخروج كالزوج، فالصحّة و عدمها مبنية على جواز الاجتماع و عدمه.(2)

خاتمة المطاف

إنّ القول بجواز اجتماع الأمر والنهي هو مذهب أكثر الأشاعرة، و الفضل ابن شاذان من قدمائنا. وهو الظاهر من كلام السيّد المرتضى في الذريعة. وذهب إليه فحول المتأخّرين، كالمحقّق الأردبيلي، وسلطان العلماء، والمحقّق الخوانساري، وولده المحقّق ، والفاضل المدقق الشيرواني، والفاضل الكاشاني، والسيد الفاضل صدر الدين، وغيرهم. ومن المشايخ ، السيد المحقّق البروجردي ـ قدَّس سرَّه ـ والسيّد الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ.

و يظهر من المحدّث الكليني ـ حيث نقل كلام الفضل بن شاذان في كتاب ولم يطعن عليه ـ رضاؤه بذلك. كما يظهر من كلام الفضل أنّ ذلك من مسلّمات الشيعة.(3)

***

إذا تبيّنت لك هذه الأُمور ، فاعلم أنّه قد استدل المانع والمجوّز، بوجوه متعدّدة، ونحن نقدّم البحث أوّلاً في أدلّة المانعين ثمّ نعرِّج على أدلة المجوزين.


1-الجواهر :12/231.
2-الجواهر:17/187.
3-لاحظ القوانين، ص 140.


(208)

دليل امتناع اجتماع الأمر والنهي

استدل على الامتناع بوجوه أحسنها و أتقنها وأوجزها ، ما أفاده المحقّق الخراساني، بترتيب مقدّمات، ونحن نتعرّض فيما يلي لما هو المهمّ منها، فنقول:

إنّ الحجر الأساس لاستنباط الامتناع، مقدّمتان:

الأُولى: تضادّ الأحكام بعضها مع بعض.

الثانية: إنّ متعلَّق الأحكام هو الأفعال الخارجية.

وأمّا المقدّمة الثالثة: أعني أنّ تعدّد العناوين الانتزاعية كالغصب والصلاة، لا يوجب تعدّداً في المعنون كأنّه واضح لا يحتاج إلى البسط في الكلام، لأنّه لو صحّ التعدّد فإنّما هو في العناوين التأصلية كالجنس والفصل دون الاعتبارية كالصلاة والانتزاعية كالغصب.

كما أنّ المقدّمة الرابعة من أنّه ليس للشيء الواحد إلاّ ماهية واحدة، غير لازمة، لأنّ تعدّد الماهية ووحدتها أيضاً إنّما يتصوّر في الماهيات المتأصّلة، لا في مثل العناوين الاعتبارية كالصلاة، أو الانتزاعية كالغصب فالأولى تركيز البحث على المقدّمتين الأُوليين فنقول:

تحليل المقدّمة الأُولى

قال المحقّق الخراساني في إثبات الأمر الأوّل(1): إنّ الأحكام الخمسة متضادّة في مقام فعليتها وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث نحو واحد في زمان، والزجر عنه في ذاك الزمان... فاستحالة


1-كفاية الأُصول:1/249، ط المشكيني.


(209)

اجتماع الأمر و النهي في واحد لا تكون من باب التكليف بالمحال، بل من جهة أنّه بنفسه محال، فلا يجوز عند من يجوز التكليف بغير المقدور أيضاً.(1)

أقول: عُرِّف الضدّان بأنّهما أمران وجوديان لا يستلزم تعقّل أحدهما تعقّل الآخر، يتعاقبان على موضوع واحد، داخلان تحت جنس قريب، بينهما غاية الخلاف.

والتعريف يشتمل على قيود خمسة وكلّ قيد، احترازيّ يُخرج ما ليس بضدّ عن التعريف وإليك توضيحها:

1ـ «أمران وجوديان» خرج المتناقضان، والأعدام والملكة.

2ـ «لا يستلزم تصوّر أحدهما تصوّر الآخر»، خرج المتضائفان. كالأُبوة والبنوة.

3ـ «يتعاقبان على موضوع واحد» خرج ما يجتمع من الأعراض كالحلاوة والحمرة.

4ـ «داخلان تحت جنس قريب»، خرج المتماثلان لأنّهما داخلان تحت نوع واحد، وإن كانا لا يجتمعان.

5ـ «بينهما غاية الخلاف» خرج القتمة(2) والحمرة.

إذا وقفت على تعريف التضاد، فهلمّ نحاسب هل ينطبق التعريف على الوجوب والحرمة أو لا ؟

نقول: إن أُريد من الأحكام، البعث والزجر الإنشائيين بلفظ «إفعل» أو «لا


1-إنّ تضادّ الأحكام ممّا أطبق على صحّته الطرفان، فالمجوّز يسعى لأن يجعل متعلّق الأحكام شيئين مختلفين، و المانع يسعى لأن يجعله أمراً واحداً. و لأجل ذلك ينبغي أن يبحث عن هذا الأمر المسلّم.
2-القتمة لون فيه غبرة و حمرة.


(210)

تفعل» ففيه:

أوّلاً: أنّه لا ينطبق التعريف على الحرمة والوجوب، لأنّ الضدّين أمران وجوديان، والأحكام الإنشائية من الأُمور الاعتبارية التي لا محلّ لها إلاّ في عالم الاعتبار وحسب المواضعة، حيث جعل العقلاء هيئة «إفعل» قائمة مقام البعث التكويني، كما جعلوا هيئة «لا تفعل» قائمة موضع الزجر العملي الخارجي والتضاد ـ حسب التعريف المزبور ـ من الأُمور الخارجية التكوينية، فلا ينطبق عليهما.

وثانياً: أنّ الظاهر منهم وجود التضادّ بين الأحكام جميعها، مع أنّ التعريف المزبور لا ينطبق على الوجوب والاستحباب، ولا على الحرمة والكراهة، لعدم انطباق القيد الأخير أعني التخالف الشديد بينهما عليهما. فإنّ الاستحباب أخ الوجوب، كما أنّ الكراهة أُخت الحرمة، وينتزعان من شدّة الإرادة وضعفها، أو شدّة الكراهة وفتورها. فإذا كانت مبادئ الوجوب والاستحباب، أو الحرمة والكراهة متمايزات بالشدّة والضعف، لا بالتباين، فما ظنّك بالمنتزع عن المراتب المختلفة لتلك المبادئ.

وإن أُريد من الأحكام الإرادة المظهرة بلفظ «إفعل» أو «لا تفعل» فعدم دخول الإرادتين الموجودتين في الوجوب والحرمة، تحت التضاد، أوضح. لما قلنا من أنّه يشترط فيه أن يكون الضدّان من نوعين داخلين تحت جنس قريب، والإرادتان في الأمر والنهي ليستا من نوعين ، بل كليهما فردان من الإرادة النفسانية التي تعدّنوعاً واحداً.

فإن قلت: إنّ القول باجتماع الأمر والنهي يستلزم اجتماع ما لا يمكن اجتماعهما ، سواء أكان من الأُمور المتضادّة أم من غيرها وذلك في مواضع ثلاثة:


(211)

1ـ في مقام الجعل حيث لا يمكن البعث إلى شيء في وقت، والزجر عنه في نفس الوقت.

2ـ في المبادئ حيث إنّ الأمر كاشف عن المحبوبية والمصلحة، والنهي كاشف عن خلافهما.

3ـ في مقام الامتثال حيث إنّ بينهما مطاردة من حيث الامتثال والإطاعة، فامتثال الأمر يكون بالإتيان بالمتعلّق، وامتثال النهي بتركه وليس بإمكان المكلّف الجمع بين الفعل والترك.

قلت: إنّ البحث مركّز على مسألة وجود التضادّ بين الأحكام وعدمه، وأمّا البحث عن إمكان اجتماع البعث والنهي وعدم إمكانهما، أو عن اختلاف المبادي وعدم إمكان اجتماعها، أو المطاردة في مقام الامتثال فسيوافيك البحث عنها في التقريب الرابع للقائل بالاجتماع ، إن شاء اللّه تعالى.

تحليل المقدّمة الثانية

قد عرفت أنّ المحقّق الخراساني استند في منعه عن جواز الاجتماع إلى مقدّمتين، أُولاهما: تضادّ الأحكام وقد سبق تحليلها. وثانيتهما: أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف وما هو في الخارج يصدر عنه وهو فاعله وجاعله، لا ما هو اسمه وهو واضح، ولا ما هو عنوانه، مما قد انتزع عنه، وإنّما يؤخذ في متعلّق الأحكام آلة للحاظ متعلّقاتها والإشارة إليها بمقدار الغرض منها والحاجة إليها، لا بما هو هو وبنفسه وعلى استقلاله وحياله.(1)

هذا ما ذكره في المقدّمة وذكر في مقام الاستنتاج ما هذا لفظه: إنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً وذاتاً كان تعلّق الأمر والنهي به محالاً. ولو كان تعلّقهما به


1-كفاية الأُصول:1/249.


(212)

بعنوانين وذلك لما عرفت من كون فعل المكلّف بحقيقته وواقعيته الصادرة عنه، متعلّقاً للأحكام، لا بعناوينه الطارئة عليه.(1)

ثمّ إنّه ذكر في أثناء كلامه تقريبين لجواز الاجتماع وردّهما نأتي بهما:

الأوّل: متعلّق الأحكام، الماهية المقيّدة بالوجود

«إنّ الطبائع من حيث هي هي وإن كانت ليست إلاّهي ولا يتعلّق بها الأحكام الشرعية كالآثار العادية والعقليّة إلاّ أنّها مقيّدة بالوجود بحيث كان القيد خارجاً، والتقيد داخلاً صالحة لتعلّق الأحكام بها، ومتعلّقا الأمر والنهي على هذا لا يكونان متحدين أصلاً لا في مقام تعلّق البعث والزجر ولا في مقام عصيان النهي وإطاعة الأمر بإتيان المجمع بسوء الاختيار.

أمّا في المقام الأوّل فلتعددهما بما هما متعلّقان لهما، وإن كانا متّحدين فيما هو خارج عنهما بما هما كذلك. وأمّا في المقام الثاني فلسقوط أحدهما بالإطاعة والآخر بالعصيان بمجرّد الإتيان، ففي أيّ مقام اجتمع الحكمان في واحد؟

ثمّ أجاب وقال: إنّ متعلّق الأحكام هو المعنونات لا العنوانات وأنّها إنّما تؤخذ في المتعلّقات بما هي حاكيات كالعبارات لا بما هي على حيالها واستقلالها.

الثاني: الفرد مقدّمة للطبيعي

إنّ متعلّق كلّ من الأمر والنهي هو الماهية فبتعدّد المتعلّق ترتفع الغائلة، وأمّا الفرد فهو مقدّّمة المأمور به والمنهيّ عنه ولا يسري الطلب والزجر إلى المقدّمة إذ لا ملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها وكذا الحرمة فلا يجتمع الحكمان المتضادّان في موضوع واحد. وعلى فرض السراية فنقول إنّه حرام غير واجب لأنّ الواجب هو المقدّمة المباحة، لا المحرّمة.


1-المصدر نفسه:1/251ـ252.


(213)

ثمّ أجاب بأنّ الفرد عين الطبيعي في الخارج كيف لا يكون كذلك والمقدّمية تقتضي الإثنينية بحسب الوجود ولا تعدّد بعد كون المجمع واحداً وجوداً وماهية.(1)

هذا خلاصة ما أفاده المحقّق الخراساني في إرساء نظريته من القول بالامتناع.

أقول: إنّ في متعلّق الأحكام احتمالات نذكرها وندرسها:

1ـ الأحكام متعلقة بالمفاهيم الذهنية المقيّدة بكونها في الذهن.

2ـ الأحكام متعلّقة بالأفعال الخارجية، والمعنونات الواقعية والموجودات العينية أي الوجود بالمعنى اسم المصدر.

3ـ متعلّقة بإيجـاد الطبائع في الخـارج والذي يقـال له الوجــود بالمعنى المصدري.

4ـ متعلّقة بالطبيعة المعراة من كلّ عارض ولاحق، المنسلخة عن كلّ شيء لكن لغاية إيجادها والإيجاد غاية للبعث، وليس متعلّقاً له.

أمّا الأوّل فلا شكّ في بطلانه وذلك لأنّ المفاهيم بقيد كونها ذهنية لا يسمن ولا يغني من جوع لأنّها لا تخرج عن حيطة الذهن ومثله، لا يُلبّي حاجة المولى.

أمّا الثاني: فلأنّ طلب الأفعال الخارجية بعد وجودها، طلب للحاصل، وقبل وجودها ليست لها أيّة واقعية حتّى يتعلّق به الطلب إلاّ المفاهيم الذهنية، والقائل يفرّعن تعلّق الأحكام بها.

والحاصل أنّ المعنونات قبل وجودها لا تصلح لأن تقع طرف الإضافة للإرادة و الطلب، وبعد وجودها تسقط الأمر.


1-كفاية الأُصول:1/252ـ 253، مع تلفيق بما أفاده المحقّق القمي.


(214)

أمّا الثالث: فقد أوعز إليه المحقّق الخراساني في باب الأوامر عند البحث عن متعلّقات الأوامر في خاتمة كلامه ويرد عليه أمران:

1ـ ليس لها دالّ على إيجاد الطبائع في الخارج لا في صيغة الأمر والنهي، لأنّ الهيئة فيهما وضعت للبعث والزجر، ولا في المادة لأنّها وضعت لنفس الطبيعة فأين الدال على الإيجاد، نعم الإيجاد هو الغاية.

2ـ لو افترضنا صحّة النظرية لما ضرّت القول بالجواز، وذلك لأنّ القول بتعلّقها بإيجاد الطبيعة عبارة أُخرى عن تعلّقها بالعناوين لكن مقيّداً بالإيجاد لا بالمعنونات لأنّ المفروض، أنّ الطبيعة بعد لم توجد وإنّما الآمر بصدد الأمر بإيجادها فيتعلّق الأمر أو النهي، بالعنوان الكلي أي إيجاد طبيعة الصلاة أو إيجاد طبيعة الغصب بالبعث إلى الأوّل والزجر عن الثاني فيكون متعلّق كلّ من البعث والزجر، أمراً متغايراً. والحاصل أنّ البعث إلى إيجاد الطبيعة، لا يجعل الخارج متعلّقاً للحكم مباشرة بل الحكم في هذه الصورة أيضاً يتعلّق بالعنوان والإنسان مهما تصعد أو تصوّب لا يخرج عن حيطة المفاهيم وهو يمارسها على كلّ تقدير حتّى فيما يريد نفس الخارج.

و أمّا الرابع: فهو الحقّ القراح الّذي لا غبار عليه، فالقوّة المقنّنة إنّما ينظر إلى واقع الحياة، عن طريق المفاهيم والعناوين الكلية، ويبعث إليها، لغاية الإيجاد أو الترك، فيكون متعلّق كلّ في الأمر والنهي، مفهوماً فاقداً لكلّ شيء، إلاّ نفسه فلا يكون عندئذ أي مطاردة في مقام التشريع. ولا في مقام الامتثال لأنّه بوجوده الواحد، مصداق للامتثال، ومصداق للعصيان لكن كلاًّ بحيثية خاصة.

فإن قلت: إنّ هنا احتمالاً خامساً ولعلّه مراد القائل بتعلّق الأحكام بالمعنونات، وهو أنّ العنوان متعلّق للأحكام بما أنّه مرآة للخارج وطريق إليه وليس مراد القائل، أنّ الخارج من دون توسط عنوان، متعلّق له، بل الخارج متعلّق لكن بتوسيط عنوان مشير إليه.


(215)

قلت: إن أُريد من المرآتية، الطريقية بالفعل، كالصور الذهنية التي هي مرآة للخارج، فهو أمر باطل، لعدم وجود فعل المكلّف في الخارج قبل الأمر ولا حينه، حتى يكون المصدر الواقع تحت دائرة الطلب مشيراً إليه.

و إن أُريد منها المرآتية الشأنية وأنّ الطبيعة بما هي هي ليست مطلوبة، فهو راجع إلى ما نقول به من أنّ الأمر المتعلّق بالطبيعة المعراة عن كلّ شيء، غير واجد لشيء سوى نفسها وذاتها وأجزائها، وإنّما أمر بها لغاية إيجادها وتحقّقها في الخارج فكون الخارج غاية، غير كونه هو المتعلّق. ولمّا لم تكن الطبيعة المجرّدة في متناول الإنسان، فيتوسّل إليها، من طريق تصوّرها في الذهن فيكون المتعلّق هو المفهوم المعرى عن كلّ قيد غير أنّ الأمر به لغاية الإيجاد.

إلى هنا تمّ تحليل دليل المحقّق الخراساني في إرساء نظريته وقد علمت عدم تماميته، ولنعطف عنان البحث إلى بيان أدلّة القائلين بالجواز وهي كثيرة نأتي بالقدر المستطاع.(1)

أدلّة القائلين بالجواز

استدل القائلون بالجواز بوجوه من سالف الأيّام إلى يومنا هذا وقد عرفت أنّ المشهور بين الأصحاب هو الجواز، وأنّ حكم المشهور ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة إذاكان المصلّي عامداً أو ناسياً أو جاهلاً مقصّراً، لا يدلّ على ذهابهم إلى الامتناع وتقديم جانب النهي بل يمكن أن يكون البطلان مستنداً إلى عدم كون المبغوض عندهم مقرِّباً وإليك ما ذكروا من الوجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكره قدماء الأُصوليين

إذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب ونهاه عن الكون في مكان خاص، فخاطه


1-يذكر الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ في المقام وجوهاً سبعة، أمتنها الخامس، ثم السادس.


(216)

العبد في ذلك المكان عُدّ مطيعاً لأمر الخياطة، ولذا لا يأمره بتجديد الخياطة، وعدّعاصياً للكون في ذاك المكان الخاص.

يلاحظ عليه: أنّ الامتناعي لا يعدّه إلاّ عاصياً لو قدَّم النهي، أو مطيعاً لو قدَّم الأمر. وأمّا عدم الأمر بتجديد الخياطة، فما هو إلاّ لأجل حصول الغرض. ولكن الحقّ أنّه في نظر العقلاء مطيع وعاص.

أضف إليه أنّ متعلّقي الأمر والنهي مختلفان في مقام التعلّق، والتحقّق. أمّا الأوّل فواضح. وأمّا الثاني، فلأنّ الخياطة لا تختلط بالغصب أبداً، لكونها عبارة عن إدخال الإبرة في الثوب وأمّا الغصب فهو الكون في المكان الخاص. اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ دخول الإبرة في الثوب هو أيضاً تصرّف في المغصوب، لكونه تصرّفاً في الهواء، وهو كما ترى.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق القمي

قرّره كلّ من المحقّق النائيني والعلاّمة الخوئي بشكل مُغْلق، وإليك فيما يلي ما أفاده في القوانين:

قالرحمه اللّه: إنّ متعلّق الأمر، طبيعة الصلاة، ومتعلّق النهي طبيعة الغصب، وقد أوجدهما المكلّف بسوء اختياره في شيء واحد، ولا يرد في ذلك قبح على الآمر، لتغاير متعلّق المتضادّين، فلا يلزم التكليف بالمتضادّين.

فإن قلت: الكلّي لا وجود له إلاّ بالأفراد، فالمراد بالتكليف بالكلّي هو إيجاد الفرد، وإن كان ـ على الظاهر ـ متعلّقاً بالكلي.

قلت: إنّ الفرد مقدّمة لتحقّق الكلي في الخارج، فلا غائلة في التكليف به مع التمكّن من سائر المقدّمات.

فإن قلت: إنّ الأمر بالمقدّمة، اللازم من الأمر بالكلي، يكفينا، فإنّ الأمر


(217)

بالصلاة، أمر بالكون الكلي، والأمر به أمر بالكون الخاص مقدّمة، فهذا الكون بعينه منهيّ عنه أيضاً بالنهي المقدّمي.

قلت: نمنع وجوب مقدّمة الواجب، وعلى فرض الوجوب، فالواجب هو فرد ما من الكون، لا الكون الخاص الجزئي، وإنّما اختار المكلّف مطلقاً الكون في ضمن هذا الفرد المحرّم.

نعم، لو كانت المقدّمة منحصرة في الحرام، كما إذا لم يتمكّن إلاّ من الصلاة في الدار المغصوبة فنحن نقول بامتناع الاجتماع، فلابدّ إمّا من الوجوب أو الحرمة.(1)

هذا ملخص كلامه، وحاصله:

1ـ لا مانع من اجتماع الحكمين، لاختلاف المتعلّقين، والفرد مقدّمة لهما.

2ـ لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب، وحرمة مقدّمة الحرام، فالكون حرام لا أنّه واجب لاختصاص الوجوب بالمباح، ويسقط وجوب المقدّمة بالمحرّم، لكون وجوبها توصلياً.

3ـ لو فرض انحصار المقدّمة بالحرام، فلابدّ من القول بامتناع الاجتماع، فلابدّ من تقديم الوجوب أو التحريم.

و ربّما ينسب إليه التفصيل بين كون الانحصار بسوء الاختيار وعدمه، وأنّه لا مانع من فعلية وجوب ذيها لكونه بسوء الاختيار، دون ما لم يكن كذلك، ولكنّه ليس في كلامه إشارة إليه. ولعلّه ذكره في غير هذا المقام، كما قال المحقّق المشكيني  - رحمه اللّه - ، المعلِّق على الكفاية.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الفرد الخارجي نفس الطبيعي في عالم العين وإن كان غيره في عالم التصوّر. ومع العينية، كيف تتصور المقدّمية المستلزمة للإثنينية؟ وهي


1-القوانين:1/141ـ142.


(218)

منتفية قطعاً.

و ثانياً: أنّ ما نسب إليه من فعلية وجوب ذيها مع تسليم حرمة المقدّمة إذا كان الانحصار لا بسوء الاختيار قائلاً بجوازالتكليف بالمحال، كما ترى. لأنّ العقل لا يجوّز التكليف بالمحال، و إن كان العبد سبباً لكونه محالاً، لأنّ الغرض من الأمر والنهي جعل الداعي، وهو غير متحقّق في الموارد الخارجة عن الاختيار، كما لا يخفى.

و ما ربّما يقال من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالمقصود منه أنّه لا ينافيه ملاكاً وعقاباً، لا خطاباً، إذ من الواضح بطلان خطاب العاجز وإن كان عجزه عن تقصير.

الثالث: في تقريب المحقّق النائيني:

إجماله: أنّ تركيب الصلاة مع الغصب تركيب انضمامّي لا تركيب اتّـحادي، فما يحاذي الأوّل في الخارج، غير ما يحاذى الثاني فيه ولو بالبرهان العقلي، فيكون متعلّق الأمر، غير متعلّق النهي، في الخارج وترتفع الغائلة. وهذا النوع من التركيب بين العنوانين، كتركيب الصورة مع الهيولى، ولكل في الخارج تحقّق وواقعية، وليست الصورة نفس الهيولى، أو الثانية نفس الأُولى يقول الحكيم السبزواري:

إنّ بقول السيد السنادِ * تركيب عينيّة، اتحـادي

و لكن مختاره غير ذلك قال:

لكن قول الحكمـاء العـظام * من قبله، التركيب الانضمـاميّ

هذا إجمال كلامه مجرّداً عن البرهان ثمّ إنّه برهن على مختاره ببيان مفصّل، نأتي بموجزه تحت أرقام رياضية.


(219)

1ـ إنّ الصلاة الموجودة في المجمع لا تنقص عن حقيقة الصلاة بشيء، إذا أُتي بها في مكان مباح كما أنّ الغصب الموجود في المجمع لا تنقص من حقيقة الغصب بشيء.

2ـ إنّ الصلاة من مقولة الوضع وعرِّف الوضع بأنّه نسبة حاصلة لشيء من نسبة أجزاء الشيء بعضها إلى بعض والمجموع إلى الخارج، (أي الخارج عن ذلك الشيء) كالقيام والقعود، والاستلقاء والانبطاح وغيرها، فالقيام مثلاً هيئة في الإنسان بحسب نسبة فيما بين أجزائه من كون رأسه من فوق، ورجله من تحت.

فالصلاة مؤلّف من قيام وركوع وسجود، وجلوس في التشهد كلّها من مقولة الوضع وأمّا الهويّ إلى الركوع والسجود، فإن قلنا بخروجهما عن ماهية الصلاة وإلاّ فما هو جزء للصلاة عبارة عن الأوضاع المتلاحقة والمتلاصقة فإنّ الهويّ، لا ينفك عن الأوضاع المتبادلة فإذا شرع في الانحناء للركوع أو السجود إلى الأرض يتبدل الوضع السابق إلى وضع لاحق، ويستمرّ التبدّل إلى أن يصل إلى حدّ الركوع أو السجود.

كما أنّ الغصب من مقولة الأين، وعرف الأين بأنّه هيئة حاصلة من كون الشيء في المكان، وليس مجرّد نسبة الشيء إلى المكان بل الهيئة الحاصلة من كون المكين فيه، فالصلاة في الدار ا لمغصوبة لا ينفك عن كون الإنسان فيها، فتحصل هيئة خاصّة باسم الغصب.

3ـ يستحيل اشتمال هويّة واحدة (الحركة) على الصلاة والغصب وذلك بأحد الوجهين:

أ: كون الحركة جنساً والصلاة والغصب فصلاً لها، لاستلزامه تفصّل الجنس الواحد بفصلين في عرض واحد.

ب: كون الحركة عرضاً، والصلاة والغصب عارضين لها، وهذا باطل


(220)

لاستلزامه قيام العرض بالعرض أوّلاً، وحدوث التركّب في الأعراض، مع أنّها بسائط خارجية وما به الاشتراك فيها نفس ما به الامتياز وذلك لأنّ الحركة في ضمن الصلاة، متّحدة معها، كما أنّ الحركة مع الغصب متّحدة معه، فلا يعقل اتّحادهما في حركة واحدة كما هو لازم بساطة الأعراض، بعد ثبوت تغايرهما في أنفسهما.فإذا بطل القسمان يتعيّن الأمر التالي.

4ـ إنّ الحركة لا تدخل تحت مقولة، بل هي في كلّ مقولة عينها فالحركة في الصلاة وضع كما أنّ الحركة في الغصب أين(و ليس هذا من خصيصتها بل كلّ أمر وجودي يوجد في أكثر من مقولة واحدة، لا يدخل بما هوهو، تحت مقولة، هذا كمقولة العلم والوجود، والوحدة، فالوجود لا جوهر ولا عرض، ولكنّه مع الجوهر جوهر، ومع العرض عرض قال الحكيم السبزواري:

ليس الوجود جوهراً ولا عرض * عند اعتبار ذاته بـل بالعـرض)(1)

و على هذا فالصلاة بما أنّها من مقولة الوضع، والغصب بما أنّه من مقولة الأين يمتنع أن يكون تركيبهما اتحادياً بل تركيبهما انضمامي سواء كانا متحققين بالحركة أو بالسكون والوقوف في الدار. فعلى الأوّل، تكون الحركة الوضعية(الصلاة) غير الحركة الأينية(الغصب) أخذاً بما عرفت من كون التركيب انضمامياً ومثله حال الركون والجلوس، فالكون المتبلور بالوضع، غير الكون المتبلور بالأين، وقد صرّح المحقّق النائيني بما ذكرنا في خصوص الحركة ويعلم منه نظره في حالة الركون والسكون قال: الصلاة من مقولة، والغصب من مقولة أُخرى منضمّة إليها. ومن الواضح أنّ المقولات كلّها متبائنة يمتنع اتحاد اثنين منها في الوجود، وكون التركيب بينهما اتحادياً. فالحركة الموجودة في الصلاة مبائنة للحركة الموجودة في ضمن الغصب لفرض أنّهما من مقولتين متبائنتين ففرض كون الحركة


1-ما بين القوسين من إفاضات شيخنا الأُستاذ ـ مدّظلّهـ.


(221)

الواحدة مصداقاً للصلاة والغصب يستلزم اتحاد مقولتين متبائنتين في الوجود وهو مستحيل.(1)

وفي ما ذكره أنظار نشير إلى بعضها:

أمّا أوّلاً: فإنّ سعيه الأكيد لجعل تركيب المبدأين تركيباً انضمامياً لا اتحادياً، يعرب عن أنّ المختار لدى المحقّق النائيني هو تعلّق الأحكام بالأفعال الخارجية، فانبرى لتصحيح تغاير المتعلّقين وقد عرفت أنّه خلاف الحقّ وأنّه لا يمكن أن يكون الخارج ظرف التعلّق بل هو ظرف السقوط فهذا السعي على فرض صحّته غير مفيد، مع أنّ متعلّق الأحكام لدى المحقّق أيضاً هوا لطبائع.

و ثانياً: فإنّ حديث التركيب الانضمامي على فرض صحّته، يختصّ بالعناوين الحقيقية والماهيات المتأصّلة، كالحيوان والنفس الناطقة اللّذين لكل منهما ماهية تامّة ووجود متأصل فيقع البحث في أنّ التركيب انضمامي أو اتحادي.

وأمّا العناوين الانتزاعية التي تنتزع من أكثر من جنس واحد، فهي خارجة عن مصبّ القاعدة والصلاة والغصب من هذا القسم. فالصلاة ليست ماهية حقيقية متأصّلة داخلة تحت جنس واحد من المقولات العشر، بل هي أمر انتزاعيّ ينتزع من أجناس مختلفة، فالأذكار صلاة، وهي من مقولة الكيف، والركوع والسجود صلاة وهما من مقولة الوضع، والهوي إليهما، من مقولة الحركة في الأين والوضع، ومثل هذا لا يمكن الحكم بأنّ تركيبه انضمامي أو اتحادي لعدم تأصّله .

ومثلها الغصب فإنّه أمر انتزاعي، وهو الاستيلاء على مال الغير عدواناً، ويكفي في ذلك منع المالك من الدخول إلى داره أو الاستفادة من ماله، وإن لم يحدث الغير في ملكه شيئاً، فلو جلس الإنسان في داره وأمر خادمه بمنع زيد من


1-أجود التقريرات: 1/339ـ 341.


(222)

الاستفادة من ملكه فهو غاصب وإن لم يصدر منه فعل، وهذا يعرب عن كونه أمراً انتزاعياً غير داخل تحت مقولة من المقولات، ففي مثل هذا لا يجري حديث التركيب الاتحادي أو الانضمامي.

و ثالثاً: فانّ ما ذكره من تعدّد الحركة في الدار المغصوبة وأنّ إحدى الحركتين موصوفة بالصلاتية والأُخرى موصوفة بالغصبية، من غرائب الكلمات، لأنّه مخالف للحس والوجدان، إذ لا تصدر عن المصلّـي إلاّ حركة واحدة لا حركتان، وعلى فرض تعدّدها تتّصف الحركة الصلاتيّة أيضاً بالغصبية لأنّها لا تخرج عن التصرّف في ملك الغير.

تقرير مقالة المحقّق النائيني بوجه آخر

إنّ المحقّق الخوئي في تعاليقه على أجود التقريرات قد أفاد بعض ما ذكرنا وهو:

إنّ الغصب ليس ماهية متأصّلة، إنّما هو مفهوم انتزاعي، ينتزع من مقولة الأين تارة كما في التصرّف في دار الغير بالكون فيها، وقد ينتزع من مقولة أُخرى كلبس ثوب الغير أو أكل خبزه بغير إذنه، فالغصب المتحقّق في ضمن التصرّف في الدار، مغاير بحسب ماهية منشأ انتزاعه، للغصب المتحقّق في ضمن لُبس ثوب الغير أو أكل خبزه بغير إذنه.

كما أنّ الصلاة أيضاً ليست من الماهيات المتأصّلة، بل أمر انتزاعي، ينتزع من ماهيات متعدّدة، فالأذكار من قبيل الكيف المسموع، والقيام والركوع والسجود والجلوس من مقولة الوضع، والهُويّ إلى الركوع والسجود، أو النهوض منهما إلى القيام من مقولة الحركة في الوضع.

فإذا كان الغصب والصلاة من المفاهيم الانتزاعية ، لا من الماهيات المتأصّلة فلا يأتي فيه حديث التركيب الاتحادي أو الانضمامي. وعلى ضوء ذلك،


(223)

فلابدّ من ملاحظة كلّ مورد من أجزاء الصلاة بخصوصه فإن كان بنفسه منشأ لانتزاع الغصب فلابدّ من القول بالامتناع وإلاّ فالجواز.

ثمّ إنّه اختار إلى أنّ الصلاة لا تتّحد مع الغصب إلاّ في مورد واحد وقال: لا ينبغي الشكّ في عدم صدق الغصب على الأذكار ضرورة أنّ التكلّم في الدار المغصوبة لا يصدق عليه التصرّف في الدار، إنّما الشكّ في صدق الغصب على الأفعال المعتبرة في الصلاة كالقيام والجلوس والركوع والسجود. والصحيح أنّها من مقولة الوضع أعني بها الهيئة الحاصلة للجسم باعتبار إضافة بعض أجزائه إلى بعضها الآخر، وأمّا الغصب فهو منتزع من الكون في الدار، الذي هو من مقولة الأين، فلا يصدق الغصب على شيء منها.

وأمّا الهويّ إلى الركوع والسجود فيصدق عليهما الغصب لأنّهما من أظهر أفراد التصرّف في ملك الغير بلا رضاه، فإن قلنا بأنّهما من أجزاء الصلاة كان المأمور به متّحداً مع المنهيّ عنه وجوداً فلا مناص عن القول بعدم جواز الاجتماع.

وأمّا إذا قلنا بأنّهما من المقدّمات كما هو الظاهر فالغصب بالهوي أو النهوض يكون مقدّمة لإيجاد المأمور به. وبما أنّ حرمة المقدّمة لا تنافي إيجاب ذي المقدّمة إذا لم تكن منحصرة، فلابد من القول بجوازالاجتماع وحصول الامتثال، ولكن الظاهر أنّ السجود لا تكفي فيه مماسة الجبهة للأرض، بل لابدّ من اعتمادها عليها ليصحّ معه صدق وضع الجبهة على الأرض ومن الواضح أنّ الاعتماد على الأرض المغصوبة ، تصرّف فيها فيتحد المأمور به والمنهي عنه وجوداً.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ كلامه ـ دام ظلّه ـ ككلام أُستاذه يعرب عن أنّ متعلّق الأوامر عنده هو الأفعال الخارجية فلأجل ذلك صار لتبيين الموارد، وأنّ أيّ مورد يتّحد فيه الغصب مع الصلاة وأيّ مورد لا يتّحد فيه، وقد عرفت أنّ الخارج ظرف


1-تعاليق أجود التقريرات:1/338ـ 340.


(224)

السقوط لا العروض.

وثانياً: أنّه قال: أمّا الغصب فهو منتزع من الكون في الدار الذي هو من مقولة الأين .

و في كلامه هذا نظران:

أ: إنّ مقولة الأين عبارة عن الهيئة الحاصلة من إحاطة المكان بالمكين، فأين هو من الكون في الدار؟ كما أنّ الوضع عبارة عن الهيئة الحاصلة من نسبة بعض الأجزاء إلى بعض والمجموع إلى الخارج فتفسير مقولة الأين بالكون في الدار المغصوبة أشبه بتفسير المقولة بمنشأ انتزاعها.

ب: إنّ تفسير الغصب بالكون في الدار، تفسير غيرتام، بل الصحيح أنّ الغصب هو الاستيلاء على مال الغير عدواناً، ومن المعلوم أنّه يتحقّق بمجرّد منع المالك من التصرّف في ماله ولا يتوقف على الكون في الدار المغصوبة. نعم الكون في الدار المغصوبة تصرّف حرام، ولو تنزّلنا لوجب أن نقول أنّه استمرار للغصب الحاصل بالاستيلاء على مال الغير.

وثالثاً: أنّ مجرّد الانحناء والانخفاض ليس ركوعاً مالم يكن هناك هوي، فلا يقال ركع، إلاّلمن قصد الانحناء الخاص عن قيام، والتفصيل في محلّه.

الوجه الرابع

ما ذكره بعضهم(1) من أنّ الاجتماع لو كان آمريّاً ومن قبل المولى، لكان ذلك مستحيلاً، لكنّه ليس في المقام كذلك بداهة أنّه مأموريّو من قبل نفس المكلّف بسوء اختياره، فلا يكون هناك مانع عن الاجتماع.

يلاحظ عليه: أنّ القائل بالامتناع يقول بأنّ الحكم بصحّة الاجتماع يؤول إلى


1-لاحظ أجود التقريرات:1/350.


(225)

الاجتماع الآمري، لأنّ المفروض أنّ كلا الخطابين ـ لإطلاق متعلّقه ـ يعمّ ما لو وجد كلّ في ضمن الآخر، فيعود المحذور، إذ لو كان لمقولة «صلّ» إطلاق، يعمّ ما إذا كانت متحدة مع الغصب، للزم أن يكون المجمع واجباً وحراماً، وهذا لا يمكن الالتزام به.

الوجه الخامس

ما ذكره المحقّق البروجردي رحمه اللّه (1) وشيّد أركانه سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ(2)، وإليك محصّل كلامهما. بتوضيح وتحقيق زائد منّا:

لو كان متعلّق الأمر والنهي شيئاً واحداً، لكان للامتناع وجه، وأمّا إذا كان مختلفاً فلا مانع من تعلّق الأمر بحيثية والنهي بحيثية أُخرى، وإن تصادق المتعلّقان في مقام الامتثال في شيء واحد، لأنّ الحيثية التي تجعله مصداقاً للمأمور به، غير الحيثية التي تجعله مصداقاً للمنهي عنه، ولا يجب أن يكون النسبة بين المتعلّقين التباين، بل يكفي كون النسبة عموماً من وجه، توضيحه ببيان أُمور.(3)

الأمر الأوّل: في أنّ الإرادة لا تتعلّق إلاّ بما هوالدخيل في الغرض

إنّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بما هو الدخيل في الغرض دون ما يلازمه من الخصوصيات غير الدخيلة في الغرض، ومثله النهي، فلا يتعلّق إلاّ بما هو المبغوض وفيه الملاك، دون اللوازم والخصوصيات، فاللوازم الوجودية والمقارنات الاتّفاقية للمأمور به في الوجود الخارجي غير مأمور بها، وخارجة عن تحت الأمر.

وعلى ذلك فما هو المأمور به هو الحيثية الصلاتية فقط وإن قارنت الغصب


1-لاحظ نهاية الأُصول:1/256ـ260.
2-لاحظ تهذيب الأُصول:1/391ـ398.
3-بعضها راجع إلى مقام الثبوت و البعض الآخر إلى مقام الإثبات.


(226)

في مقام الإيجاد، والمنهيّ عنه هو الحيثية الغصبية وإن قارنت الصلاة في الوجود الخارجي. فالخصوصيات الملازمة أو الاتفاقية كلّها خارجة عن حريم الأمر، ولوتعلّق الأمر أو النهي بها لكان من قبيل تعلّق الإرادة بشيء لا ملاك فيه وليس دخيلاً في الغرض وهو محال على الحكيم.

وبالجملة: إنّ الإرادة التشريعية كالتكوينية، فكما أنّ الثانية لا تتعلّق حسب اللّب إلاّ بما هو الدخيل في الغرض، المحصِّل له، ولا تسري إلى مالا مدخلية له فيه، فهكذا الإرادة التشريعية لا تتعلّق إلاّ بما هو المحصل لغرض المريد، دون مالا دخل له فيه، فالمتعلّق في كليهما واحد.

الأمر الثاني: في أنّ اللفظ لا يدلّ إلاّ على ما وضع له

إنّ اللفظ لا يدلّ إلاّ على ماوضع له ويمتنع أن يدلّ على ما يقارن الموضوع له في الخارج أو يلازمه، فإنّ دلالة اللفظ إنّما هي بالجعل والمواضعة والمفروض أنّ اللفظ موضوع لذات الماهية دون ما يصاحبها من اللوازم والمقارنات.

و مثله الماهية المتصوّرة فإنّها لا تكشف في عالم التصوّر، إلاّ عن ذاتها وذاتيّاتها ولا تكون إلاّ مرآة لهما دون لوازمهما ومقارناتهما. وعليه فلفظ «الصلاة» في مقام الأمر، كمفهومها الذهني، لا يدلّ ولا يكشف إلاّ عن الحيثيّة الصلاتية لا عن لوازمها ومقارناتها.

و بعبارة أُخرى : انّ دلالة اللفظ دائرة مدار الاعتبار ووجود العلقة ـ الاعتبارية ـ والمفروض انتفاؤها بالنسبة إلى لوازمها، فلا تدلّ إلاّ على المفاد الكلي.

وأمّا المفهوم (الماهية) فيمتنع أن يكون مرآة لغيره، كاشفاً عن غير ذاته، لأنّ الغير ليس جزءاً له ولا عينه. وكون الصلاة متحدة مع الغصب أحياناً، لا يوجب دلالة اللفظ عليه، ولا يوجب كون المفهوم الكلي كاشفاً عنه. فمرآتية اللفظ وكاشفيته فرع وضع اللفظ له، كما أنّ كاشفية المفهوم الكلي فرع كون الشيء عينه أو


(227)

جزءه.

وقد ذكرنا في باب الوضع أنّ العام يمتنع أن يكون مرآةً إلاّ للمعنى العام دون الخصوصيات والمشخصات، ولذلك أنكرنا صحّة كون الوضع عاماً والموضوع له خاصاً على معنى، وإن صحّحناه على وجه آخر(1)، فلاحظ.

الأمر الثالث: في أنّ الإطلاق رفض القيود

إنّ الإطلاق ليس إلاّ رفضُ القيود، لا الجمع بين القيود. ومعنى الإطلاق كون الطبيعة بنفسها، بلا مدخلية قيد، متعلّقة للحكم، وتمام الموضوع له، لا مدخلية جميع القيود في الحكم سواء أكانت ملازمة أم مقارنة.

وإن شئت قلت: ليس معنى الإطلاق هو كون الشيء بتمام حالاته ولواحقه موضوعاً للحكم، حتّى يكون معنى قوله: «إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة» هو وجوب عتق الرقبة عادلة كانت أم فاسقة، عالمة كانت أم جاهلة، بحيث يكون لكلّ واحد مدخلية في الحكم بل معناه كون الموضوع هو الرقبة لا غير من دون مدخلية أيّ قيد فيه، لا مدخليّة جميع القيود تخييراً. فعندئذ فالحيثية الغصبية حالة من حالات الصلاة لا أنّها قيد من قيودها، فكيف يسرى حكمها إليه؟

الأمر الرابع: في توضيح الإطلاق الذاتي

ربما يتصوّر أنّ لازم الإطلاق الذاتي على القول بالاجتماع هو الأمر بالمحال وذلك لسريان الحكم إلى جميع حالات الطبيعة قهراً، فإنّ مقتضى كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم، هو كونها موضوعاً حتى عند التصادق في الخارج مع الغصب. فعندئذ نسأل القائل بالاجتماع. أفهل تنقدح في نفس الإرادة بالنسبة إلى طبيعة


1-أنكرنا صحّته إذاكان العام مرآةً للخاص و صحّحناه، إذا كان العام سبباً للانتقال.


(228)

الصلاة والبعث إليها في هذه الحالة، أو لا؟ والثاني خلاف إطلاق المادّة وعلى الأوّل، يلزم التكليف بالمحال لأنّ الصلاة كما هي مأمور بها في هذه الحال، فالغصب أيضاً منهيّ عنه كذلك فكيف تنقدح الإرادة في نفسه بطبيعة لا تنفك عن المغصوب وجوداً ولو في مورد خاص.

وإن شئت قلت: كما أنّ المتلازمين لا يمكن أن يكونا مختلفي الحكم ومتضادّيه كالأربعة والزوجية فلا يصحّ أن يأمر بإيجاد الأربعة وينهي عن الزوجية، فكذلك الطبيعتان المتصادقتان على مورد، فلا يمكن أن تكون الطبيعة مأموراً بها، إذا كانت توأمة مع طبيعة مبغوضة، والملاك في المقامين أمر واحد وهو الاجتماع سواء كان دائماً كما في المتلازمين، أو في مورد كما في المقام، فعنذئذ يجب انسحاب أحد الحكمين عن صورة التصادق، وإلاّ يلزم التكليف بالمحال.

أقول: معنى الإطلاق الذاتي للمادة هو كون الصلاة مأموراً بها حتى في زمان التصادق لكن المأمور به هو نفس الحيثية الصلاتية، الحاملة للمصلحة، المحبوبة للمولى وهي المتعلّقة للإرادة كما أنّ المنهي عنه، والحامل للمفسدة، المبغوض للمولى هو الحيثية الغصبية وما توهم من استلزام وجوبها التكليف بالمحال ناشئ من التسوية بين الملازم والمقارن، وما ذكر من لزوم عدم المخالفة في الحكم إنّما يختصّ بالملازم، فلا يمكن أن يجب إيجاد الأربعة، ويحرم إيجاد الزوجية، وهذا بخلاف المقارن الذي يمكن للمكلّف، التفريق بين الواجب والحرام وعلى ضوء ذلك فلا مانع من إيجاب الصلاة، التوأمة مع الغصب، مع تحريم مقارنها ولا يلزم أي محذور حتى التكليف بالمحال إذ من وسع المكلّف، أن يأتي بالمأمور به في المكان غير المغصوب، لكنّه لو أتى بها في المكان المغصوب، فقد أتى بالواجب، والحرام ولكلّ حكمه ولو كان الواجب توصلياً يسقط، ولو كان تعبديّاً يتوقف على تمشّي قصد القربة.

وعلى هذا التقرير:


(229)

يرتفع المحاذير الثلاثة السابقة أعني:

1ـ محذور التضادّ في مقام الجعل والتشريع .

2ـ محذور التضادّ في مبادئ الأحكام.

3ـ محذور التضادّ في مقام الامتثال.

و إليك البيان:

1ـ محذور التضادّ في مقام الجعل والتشريع

فقد اتضح بالأُمور الثلاثة من أنّ إرادة التشريعية ثبوتاً والبعث اللفظي إثباتاً لا يتعلّقان إلاّ بما هو المؤمّن لغرض المولى، ولا تتعدى الإرادة ولا البعث عمّا هو الموضوع ثبوتاً وإثباتاً، إلى غيره من اللوازم والمقارنات، وليس معنى الإطلاق هو إسراء الحكم من الطبيعة إلى عامة القيود، حتى يكون الغصب بما هو حراماً، وبما أنّه من قيود الصلاة واجباً بل معناه كونها تمام الموضوع وعدم مدخلية الغصب.

2ـ المحذور في مقام مبادئ الأحكام

إنّ لازم تعلّق الأمر والنهي بشيء واحد عن طريق عنوانين لزوم المحذور في مبادئ الأحكام ولوازمها، فإنّ الحبّ من مبادئ الأمر، والكراهة من مبادئ النهي فكيف يمكن أن يكون شيء واحد محبوباً ومكروهاً، ومثلهما وجود المصلحة في الأمر، والمفسدة في النهي فلا يكون شيء واحد ذا مصلحة ومفسدة مقرّباً ومبعِّداً والكلّ من الأضداد ولا تجتمع.

قلت: ليس الحبّ والبغض من الكيفيات الجسمانيّة القائمة بالشيء الخارجي كالبياض والسواد حتى يلزم من اجتماعهما، اجتماع الضدّين، بل هما من الكيفيات النفسانية القائمة بالنفس ذات الإضافة بالذات إلى الصورة العلمية من الشيء، وذات الإضافة بالعرض إلى مصداقها كالعلم .


(230)

وكون الشيء محبوباً ليس معناه إلاّ اشتمال الموجود على حيثية تشتاق إليها النفس لأجلها، وكونه مبغوضاً ليس إلاّ لأجل اشتماله على حيثية تنزجر لأجلها النفس. وكون الشيء الواحد مشتملاً على هاتين الحيثيتين المختلفتين ، تشتاق النفس إليه لأجل إحديها، وتنزجر لأجل الأُخرى، بمكان من الإمكان، وليس ما يصدر من المكلّف من قبيل الشيء الواحد البحت البسيط الذي يمتنع عليه الكثرة، كما لا يخفى.

وأمّا حديث المصلحة، والمفسدة، فجوابه أنّهما ليستا من العوارض القائمة بالموضوع بل المصالح والمفاسد إمّا فردية يعود نفعها وضررها إلى النفس أو اجتماعية يعود إلى المجتمع. فالصلاة ذات مصلحة لأنّها من عوامل التربية حيث تسوق الفرد إلى الصلاح والكمال، والغصب ذو مفسدة لانّ التصرّف في مال الغير ظلم موجب لاختلال النظام. وهذا المعنى غير كون الصلاح والفساد عرضيين قائمين بنفس الصلاة في الدار المغصوبة.

وأمّا القرب والبعد فقد عرفت أنّهما من الأُمور العقلائية فلا مانع من أن يكون شيء واحد مقرّباً من وجه ومبعداً من وجه آخر، كضيافة اليتيم في الدار المغصوبة، لأجل اشتماله على حيثيتين مختلفتين كما لا يخفى. إلى هنا تبيّن عدم المحذور في القول بالاجتماع، لا في مقام الجعل والتشريع، ولا في مبادئ الأحكام بفضل تقديم الأُمور الثلاثة و لكلّ دور في توضيح المطلب.

فعلى الأمر الأوّل: لا تتعلّق الإرادة التشريعية إلاّ بما هو الموضوع واقعاً، وليس الملازم والمقارن دخيلاً.

وعلى الأمر الثاني: لا يدلّ لفظ الغصب إلاّ على الماهية المعراة، لعدم دلالة اللفظ على أزيد منها.

وعلى الأمر الثالث: ليس مقتضى الإطلاق، تعلّق الحكم، على جميع القيود الملازمة والمقارنة، مقتضاه كون الطبيعة موضوعاً للحكم فقط، لا سائر القيود.


(231)

بقي الكلام في رفع المحذور في مقام الامتثال.

3ـ المحذور في مقام الامتثال

إنّ بيت القصيد للامتناعي هو هذا المحذور وحاصله: أنّه يلزم من القول بجواز الاجتماع أن يكون شيء واحد مبعوثاً إليه ومنهيّاً عنه من غير فرق بين القول بتعلّق الأحكام بالمعنونات وما يصدر من المكلّف، أو بالطبائع أمّا الأوّل فواضح وأمّا الثاني فتوضيحه يتوقّف على بيان مفاد الإطلاق الذاتي في الأحكام الذي هو السبب لظهور هذا النوع من المحذور فنقول:

إنّ الإطلاق اللحاظي وإن كان باطلاً كما مرّ غير أنّ الإطلاق الذاتي للحكم أمر لا محيص عنه وذلك لأنّ نسبة الحكم إلى الموضوع في جميع الأزمنة والأمكنة، كنسبة لازم الماهية، إليها، فكما لا ينفك اللازم أعني الزوجية عن الماهية كالأربعة، فكذلك لا ينفك الحكم الشرعي عن موضوعه، بعد كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم ففي أيّ مكان تحقّقت الطبيعة بنحو من الأنحاء يشملها الحكم ويعمّها.

و إن شئت قلت: إنّ مفاد الإطلاق الذاتي هوحضور الحكم لدى حضور الموضوع بلا قيد وشرط لحضوره وعدم انفصاله عنه، من دون حاجة إلى لحاظ الآمر وتصوّره، حتى يقال إنّ مرجعه إلى الإطلاق اللحاظي وهو باطل.

وعلى ضوء هذا البيان فلو أراد المكلّف إيجاد المأمور به، مع المنهيّ عنه، ففي هذه اللحظة الحسّاسة إن قلنا بالامتناع يكون الحضور لأحد الحكمين ولا يلزم المحذور وإن قلنا بالاجتماع، يعمُّ الحضور لكلا الحكمين أحدهما يبعث إلى الإيجاد، والآخر ينهى عنه وما هذا إلاّ الأمر بالمحال.

والجواب: إنّه إذا كان المنهي عنه بالنسبة إلى المأمور به من قبيل اللوازم غير المنفكّة كان لما توهم وجه، ولأجله قالوا لا يمكن أن يكون اللازم محكوماً بحكم


(232)

مضادّ لحكم الملزوم بأن يكون إيجاد الأربعة واجباً وإيجاد الزوجية محرّماً، لأنّه تكليف بالمحال.

وأمّا لو كان المنهيّ عنه بالنسبة إلى المأمور به من قبيل، المقارن الذي في وسع المكلّف تفكيكه عن المأمور به، فلا يلزم من كون الشيء واجباً، والمقارن محرماً، التكليف بالمحال، لأنّ الحركة في الدار المغصوبة وإن كانت واجبة من حيث كونها مصداقاً للصلاة ومحرّمة من حيث كونها مصداقاً للغصب والمولى في وقت واحد، يأمر بها وينهى عنها، لكن الإتيان بالصلاة فيها لمّا لم تكن واجباً تعيينيّاً، بل تخييريّاً عقلياً، فلا يلزم من توجّه الأمر والنهي، محذور التكليف المحال إذ في وسع المكلَّف الإتيان بها في المكان المباح.

والحاصل أنّ الحركة الواحدة، باعتبار عنوانين، مبعوث إليها، ومنهي عنها، والمكلّف مخيّر عقلاً بين امتثال الأمر، مع الأمر المحرَّم، فيكون مطيعاً من جهة وعاصياً من جهة أُخرى، أو امتثاله في مكان مباح فيكون مطيعاً مطلقاً ولا يلزم من توجّه الأمر والنهي إلى المكلَّف أيّ ضيق وحرج بعد وجود المندوحة.

فإن قلت: قد سبق أنّ قيد المندوحة غير مؤثر في الحكم بالجواز والامتناع مع أنّه على هذا البيان مؤثّر في القول بالجواز.

قلت: قد سبق منّا، أنّه غير مؤثر في كون التكليف عند الاجتماع، تكليفاً محالاً، وذلك لكفاية اختلاف متعلّق الأمر والنهي في رفع هذا المحذور سواء أكانت هناك مندوحة أو لا، وأمّا في مسألة التكليف بالمحال فهو مؤثّر جدّاً، ولولاها يلزم التكليف بالمحال، إذا كان الأمر والنهي باقيين بحالهما وإنّما لا يلزم مع بقائهما بحالهما إذا كانت هناك مندوحة.

فإن قلت: أيّ فائدة في تعميم الحكم ـ حسب الإطلاق الذاتي ـ إلى حالة الاقتران مع المحرّم ، ولماذا لا ينسحب الأمر عن الساحة إذا اقترن بالمحرّم؟


(233)

قلت: أمّا مسألة التعميم أو الانسحاب فليسا بيد المكلَّف بل الشمول أمر قهري، بعد كون الطبيعة بلا قيد وشرط، تمام الموضوع للحكم، فعندئذ يكون حضور الحكم في عامة الموارد حتى في مورد الاجتماع مع المحرّم أمراً قهريّاً، وأمّا الثمرة التي أشرت إليها في أوّل الإشكال فيكفي في الفائدة سقوط الأمر بالامتثال إذا كان توصلياً أو تعبدياً مع تمشّي القربة.

فإن قلت: إنّ جمع المكلّف بين الصلاة والغصب مع وجود المندوحة وإن كان ، بسوء الاختيار ولكن قد تقدّم أنّ سوء الاختيار لا يكون مجوّزاً ، للتكليف بمالا يطاق.

قلت: إنّ ارتكاب المحرّم بسوء الاختيار على قسمين:

1ـ قسم يجعل المكلَّف في مضيق العصيان القطعي، وليس له بعده أيّ مخلِّص عنه كما إذا ألقى نفسه من شاهق، فلا يكون مكلّفاً، بعدم السقوط بعد الإلقاء، لكونه تكليفاً بالمحال، مع عدم مخلِّص عنه ففي مثله، يسقط التكليف، خطاباً لا عقاباً.

2ـ قسم يجعله على عتبة العصيان ولكن له، أن لا يعصي كما إذا ألقى نفسه من شاهق، ولكن كان مجهزاً بجهاز صناعي، لواستعمله، لهبط إلى الأرض بهدُوء ففي مثله، لا يسقط النهي، لا خطاباً ولا عقاباً، لإمكان امتثاله.

والمقام من قبيل القسم الثاني فهو في آن الدخول إلى الصلاة في المكان المغصوب، يخاطب بالإتيان بها ، وفي الوقت نفسه، مكلّف بترك الغصب كذلك ولا يلزم أيّ محذور في حفظ الإطلاقين لأنّ الجمع حصل بسوء الاختيار مع إمكان التخلّص عنه بالإتيان بها في مكان مباح.

فإن قلت: ما الفرق بين المقام والأمرين العرضيين بالمتزاحمين كالأمر بإنجاء هذا الغريق، وذاك الغريق من دون تقييد أحد الأمرين بترك الآخر، وقد تقدّم أنّه


(234)

محال، لأنّه تكليف بالمحال وقد مرّ أنّ كون المكلّف قادراً على تعجيزه الشرعي وتعذير نفسه بالاشتغال بأحدهما ، لا يصحح التكليف بالمحال.

قلت: إنّ المجوز للتكليف يجب أن يكون قبل الحكم أو مقروناً معه، وإلاّ فالتعجيز بالاشتغال بأحدهما المؤكّد للعذر لا يبرر انقداح إرادتين إلى أمرين متضادّين، بخلاف المقام، فأنّ المجوّز للتكليف متقدّم، حيث إنّ الأمر بالصلاة في الدار المغصوبة ليس على وجه التعيين بل على وجه التخيير بينها وبين المكان المباح فتأمّل.

فإن قلت: ما الفرق بين الإرادة الشخصية والإرادة القانونية، فكما لا يمكن اجتماع إرادتين متضادتين في نفس الإنسان بالنسبة إلى شيء بأن يريد إيجاده مباشرة وفي الوقت نفسه يريد تركه وعدمه، فهكذا الإرادة القانونية إذ على القول باجتماع الأمر والنهي، يلزم ـ ولو نهاية وغاية ـ أن تتعلّق إرادة المقنن، بإيجاده، وفي الوقت نفسه تتعلّق إرادة أُخرى بعدمه، فكما أنّ الاجتماع هناك ممتنع وهكذا المقام.

قلت: إنّ القياس باطل لأنّه مع الفارق إلاّ أنّ الإرادة الشخصية تتعلّق بفعل نفس الإنسان، وتكون علّة تامة لتحقّق المراد، فلا يمكن اجتماع علّتين تامّتين متضادّتين على معلول واحد.

وهذا بخلاف الإرادة التشريعية، فانّها ليست علّة تامّة لتحقّق المراد ، سواء قلنا إنّها تتعلّق بفعل الغير الأعم من الإيجاد أو الترك، أو أنّها تتعلّق بفعل النفس، وإنشاء البعث، وعلى كلّ تقدير فبما أنّها ليست علّة تامّة للمراد، بل جعل داع ومبدأ تحريك فلا إشكال في تعلّق إرادتين تشريعيتين بالنسبة إلى المراد الواحد، بعنوانين، فالحركة في الدار المغصوبة بما أنّها صلاة مبعوث إليها قانوناً وبما أنّها غصب، متعلّقة للنهي، ولا يلزم من جعل الداعيين، التكليف بمالا يطاق فلاحظ.


(235)

وأظنّ أنّك لو تأمّلت فيما ذكرنا في المقامات الثلاثة يتجلّـى لك جواز الاجتماع بأجلى مظاهرة ولا يبقى في ذهنك أيّ ريب وشكّ.

***

الوجه السادس:

يمكن استكشاف جواز الاجتماع من خلال عدم ورود النصّ على عدم جواز الصلاة في المغصوب وبطلانها مع عموم الابتلاء به، فانّ ابتلاء الناس بالأموال المغصوبة في زمان الدولتين: الأُموية والعباسيّة لم يكن أقلّ من زماننا خصوصاً مع القول بحرمة ما كانوا يغنمونه من الغنائم في تلك الأزمان، حيث إنّ الجهاد الابتدائي حرام بلا إذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ على القول المشهور فكلّ الغنائم ملك لمقام إمامته، ومع ذلك لم يصلنا نهي في ذلك المورد، ولو كان لوصل، والمنقول (1) عن ابن شاذان المتوفى بعد سنة 254هـ، هو الجواز، وذلك يكشف عن صحّة اجتماع الأمر والنهي إذا كان المتعلّقان متصادقين على عنوان واحد.

***

هذه هي الوجوه الستة التي استدل بها على جواز اجتماع الأمر و النهي والجامع بينها هو قضاء العقل بالجواز بطرقه المختلفة.

لكن هناك دليلاً آخر يغاير ما سبق في كيفية الاستدلال وهو إقامة الدليل على الجواز من باب أنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه .

وإليك البيان:


1-الكليني: الكافي: 6/94 قال: وإنما قياس الخروج والاخراج كرجل دخل دار قوم بغير إذنهم فصلى فيها فهو عاص في دخوله الدار و صلاته جائزة إلى آخر ما ذكره.


(236)

الوجه السابع: الاستدلال بالعبادات المكروهة

إنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه وقد تعلّق النهي في الشريعة الإسلامية بالعبادات المأمور بها، فلو كان التضادّ مانعاً من الاجتماع، لما وقع الاجتماع في غير الوجوب والحرمة من الأحكام. وقد وقع على وجوه:

الأوّل: ما تعلّق فيه النهي بنفس ما تعلّق به الأمر من دون أن يكون له بدل، كصوم يوم عاشوراء والنوافل المبتدئة عند طلوع الشمس وغروبها.

الثاني: تلك الصورة لكن مع وجود البدل للواجب كالأمر بالصلاة، والنهي عنها في الحمّام.

الثالث: ما تعلّق به النهي بعنوان العبادة في لسان الدليل ولكن علم من الخارج أنّ متعلّق النهي عنوان آخر متّحد معه وجوداً أو ملازم معه خارجاً كالصلاة في مواضع التهمة فعلى الأوّل، يجب بذل الجهد على كلّ من الاجتماعي والامتناعي لرفع المنافاة، وعلى الثاني، لا يجب على الاجتماعي بل هو من أدلّة نظريته وإن كان يجب بذله على الامتناعي وسوف يظهر ما ذكرنا عند دراسة هذا القسم، ثمّ إنّ المحقّق الخراساني قد ذكر قبل دراسة حكم كلّ قسم، أُموراً ثلاثة:(1)

1ـ لابدّ من التصرف فيما وقع في الشريعة ممّا ظاهره الاجتماع بعد قيام الدليل على الامتناع فإنّ الظهور لا يصادم البرهان.

2ـ أنّ الاجتماعي والامتناعي أمام هذا القسم على سواء لأنّ ظواهرها اجتماع الحكمين بعنوان واحد فهو ممّا لا يجوّزه الاجتماعي فضلاً عن الامتناعي فيلزم عليهما بذل السعي لدفع المحذور.

فإن قلت: لو كان النهي تحريمياً، لكان للمحاولة في رفع التضاد وجه وأمّا إذا كان تنزيهياً كما هو المفروض فلا وجه له.


1-كفاية الأُصول:1/254ـ255.


(237)

قلت: لا فرق في حدوث المنافاة في كون النهي تحريمياً أو كراهياً، لأنّ تعلّق الأمر الاستحبابي على صوم يوم عاشوراء كما هو المفروض يكشف عن كونه محبوباً، وتعلّق النهي الكراهي بنفس ما تعلّق به الأمر يكشف عن كونه ليس كذلك، وهذان الأمران غير مجتمعين ولأجل ذلك قلنا بأنّه يجب على الاجتماعي والامتناعي بذل الجهد لرفع المنافاة.

3ـ إنّ القائل بالاجتماع إنّما يقول به إذا كانت هناك مندوحة حتى تكون مبررةً لفعلية النهي مع الأمر وأمّا العبادات المكروهة فليس لها بدل لأنّ صيام يوم الحادي عشر في المحرّم، موضوع آخر وليس بدلاً عن صيام يوم عاشوراء ولذلك قلنا إنّ الاجتماعي والامتناعي أمام القسمين الأوّلين على سواء.

وأمّا الأجوبة الثلاثة التفصيلية فيذكرها المحقّق الخراساني بعد ملاحظة أمرين:

أ: اتّفاق الفقهاء على صحّة الصوم في يوم عاشوراء.

ب: كانت سيرة أئمّة أهل البيت على الترك.

فبالنظر إلى هذين الأمرين لا محيص من تأويل النهي.

دراسة القسم الأوّل

قد تقدّم أنّه لا يجتمع استحباب العمل مع كراهته الاصطلاحية، فيمكن رفع المنافاة على كلا القولين بأحد وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل

انطباق عنوان ذي مصلحة (كمخالفة بني أُمية) على الترك، فيكون كلّ من الترك والفعل مشتملاً على المصلحة، ويكون مفاد النهي هو الترك، كما أنّ مفاد الأمر هو الفعل فيكونان من قبيل المستحبّين المتزاحمين (الوجوديين) فعلى فرض تساوي المصلحتين، يكون مخيّـراً، وإلاّ يتعيّن الأهم منهما.


(238)

الوجه الثاني

ملازمة الترك لعنوان كذلك (كالقدرة على إقامة مجالس عزاء الحسين ـ عليه السَّلام ـ ) من دون انطباقه عليه. فيكون كما إذا انطبق عليه من غير تفاوت، إلاّ أنّ الطلب المتعلّق بالترك ليس حقيقياً بل عرضي، وإنّما الطلب الحقيقي متعلّق بالعنوان الملازم الوجودي. فإذا قال مثلاً: اترك الصوم فكأنّه يقول: ابك على الحسين ـ عليه السَّلام ـ و أقم العزاء له.

الوجه الثالث

حمل النهي على الإرشاد إلى الترك الذي هو أرجح من الفعل (كما في الوجه الأوّل) أو ملازم لما هو أرجح وأكثر ثواباً (كما في الوجه الثاني)، فيكون النهي على نحو الحقيقة(1) لا بالعرض والمجاز كما في الوجه الثاني، والكراهة في هذا المورد، غير الكراهة المصطلحة الحاكية عن المنقصة والحزازة بخلاف المقام فانّها بمعنى الأقل ثواباً. فللكراهة اصطلاحان فتارة يراد منها ما هو المعنى المعروف أي المشتمل على المنقصة، وأُخرى ما هو المراد هنا أي الأقل ثواباً.

يلاحظ على الجواب الأوّل، بوجهين:

أوّلاً: قلّما يتّفق أن يكون كلّ من الفعل والترك متساويين من حيث المصلحة، بل الغالب وقوع الكسر والانكسار بين الجهات والمصالح، فيكون إمّا مطلوب الفعل فقط أو مطلوب الترك فقط، أو متساوي الطرفين فيكون مباحاً كما لا يخفى، لا أنّه يكون كلّ من الفعل والترك مستحبّاً.

و ثانياً: أنّ ما ذكره خلاف ما اتّفق عليه الفقهاء إذ لم يقل أحد بأنّ كلاًّ من الفعل والترك في صيام عاشوراء، مستحب أو كون كلّ من الصلاة وتركها عند طلوع الشمس وغروبها، مستحب. ولا يظنّ بأحد أن يقول بأنّ ترك صوم يوم


1-لاحظ كفاية الأُصول:1/257، طبعة المشكيني.


(239)

عاشوراء مستحب، بحيث إنّه لو أكل وشرب فيه فقد قام بعمل مستحب كما إذا صام.

يلاحظ على الوجه الثاني، بأنّ تفسير قوله: «لا تصم يوم عاشوراء، بقوله: أقم العزاء للحسين ـ عليه السَّلام ـ و ابك له» تأويل بارد، فلا داعي إلى العدول عن الأصل (أي الأمر بإقامة العزاء) إلى التعبير عنه بالنهي عن الصيام فيه، لأنّ الكناية عبارة عن ذكر الملزوم وإرادة اللازم بشرط أن تكون هناك ملازمة عقلية أو عرفية واضحة، وليست في المقام كذلك إذ ربّما تارك الصوم، لا يشارك في العزاء.

والصحيح هو الثالث: وهو حمل النهي على الإرشاد إلى أنّ الترك إمّا أرجح أو ملازم لما هو الأرجح.

الوجه الرابع

وهناك وجه رابع وهو أنّه يمكن أن يجاب بأنّ متعلّق الأمر هو الصوم، ومتعلّق النهي هو التشبه المتحقق بالصوم فالنهي عن الصوم، ليس نهياً ذاتياً، بل نهي عرضي، والمنهي عنه بالذات هو التشبه المنطبق هنا على الصوم، وعلى هذا فهناك أمر بالصوم ولا نهي عنه على خلاف الجواب الخامس.

ولا يرد عليه ما أوردناه على الوجه الثاني، لأنّ الانتقال من النهي عن الصيام، إلى الأمر بإقامة العزاء بعيد جدّاً، بخلاف المقام بعد وضوح تظاهر الأُمويين بالصيام للتبرّك فالقرينة الحالية تدلّ على أنّ النهي عن الصيام لغاية النهي عن التشبّه بهم.

ومثله الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، فالنهي ليس متعلّقاً بنفس الصلاة، بل متعلّق بعنوان التشبّه، لأنّ عبدة الشمس، يعبدونها عند طلوعها وغروبها، فعند ذلك يكون بين المتعلّقين صم، ولا تتشبه بالأعداء أو صلّولا تتشبه بعبدة الشمس عموم من وجه وقد عرفت الجواز فيه.


(240)

فإن قلت: إنّ الظاهر أنّ متعلّق النهي هو نفس الصوم والصلاة، لا عنوان التشبّه.

قلت: الظاهر وإن كان ذلك، إلاّ أنّ كلامه ـ عليه السَّلام ـ في زيارة الإمام الحسين ـ سلام اللّه عليه ـ يُقرّب كون المنهي عنه هو التشبّه حيث ورد فيه «اللّهمّ إنّ هذا يومٌ تبرّكت به بنو أُميّة وابن آكلة الأكباد» ولم يكن تبرّكهم إلاّبصيام هذا اليوم شكراً، لانتصارهم فيه على الحسين ـ عليه السَّلام ـ و قتله.

الوجه الخامس

وهناك وجه خامس: وهو ما ذكره المحقّق البروجردي، وحاصله:

أنّ صوم يوم عاشوراء، أو الصلاة حين طلوع الشمس وغروبها، بما أنّه مندرج تحت عنوان مبغوض مثل موافقة بني أُمية، أو عبدة الشمس، صار ذا حزازة تفوق المصلحة الموجودة فيه، ولذلك صار متعلّقاً للنهي التنزيهي.

وأمّا الصحّة ، فلا تكشف عن تعلّق الأمر به، ولعلّ وجه الصحّة هو اشتماله على الملاك، فيكون هناك ـ عندئذ ـ نهي لا أمر. والنهي التنزيهي لا يمنع عن قصد التقرّب، كما لا يخفى.

و الفرق بين هذا الوجه والوجه الرابع واضح إذ على الوجه السابق، أنّ متعلّق النهي، هو التشبه لا الصوم فيكون الصوم مأموراً به لا منهياً عنه، وأمّا على هذا الوجه، فالنهي تنزيهي تعلّق بالصوم، فهناك نهي لا أمر والصحّة لاشتماله على الملاك.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على استكشاف الملاك بلا أمر، وهو غير تام، إذ من أين لنا العلم باشتمال الصوم المنهيّ عنه، على الملاك لولا الأمر، كما لا يخفى.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّا نعلم وجداناً أنّ الصوم في يوم عاشوراء بعد شهادة


1-نهاية الأُصول، ص 243.


(241)

الحسين ـ عليه السَّلام ـ هو نفس الصوم قبلها في الاشتمال على المصلحة والملاك وإنّما الاختلاف في عروض عنوان يمنع عن كون الحكم فعلياً، كما هو مبنى المجيب.

الوجه السادس

ما ذكره المحقّق النائيني، وحاصله: أنّه إذا اجتمع أمران في مورد واحد، فإن كان متعلّقهما واحداً، فلا محيص من اندكاك أحد الأمرين في الآخر، كما في مورد نذر صلاة الليل، وإن كان المتعلّقان، متغايرين فلا وجه للاندكاك بل نحتفظ بكلا الأمرين.

و مثله الأمر والنهي، إذا كانا متغايرين من حيث المتعلّق نحتفظ بهما من دون اندكاك أحدهما في الآخر والمقام من هذا القبيل.

و إليك نصّ تقريره:

إذا تعلّق النذر بعبادة مستحبة، يكون متعلّق الأمر الناشئ من العنوان الثانوي كالنذر، ومتعلّق الأمر الاستحبابي، شيئاً واحداً. فالأمر الناشئ من النذر، يتعلّق بذات العبادة التي تعلّق بها ـ أيضاً ـ الأمر الاستحبابي في نفسها، لا بالعبادة التي تعلّق بها، فلا محالة ـ حينئذ ـ يندكّ الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبي، ويتّحد به، فيكتسب الأمر الوجوبي جهة التعبّد من الأمر الاستحبابي، كما أنّ الأمر الاستحبابي يكتسب جهة اللزوم من الأمر الوجوبي، فيتولّد من اندكاك أحد الأمرين في الآخر أمر واحد وجوبيّ عباديّ.

وقد يكون متعلّق الأمر الناشئ من العنوان الثانوي كالإجارة مغايراً لمتعلّق الأمر بالعبادة وذلك كما إذا كانت العبادة المستحبّة متعلّقة للإجارة في موارد النيابة عن الغير، فكان متعلّق الأمر الاستحبابي مغايراً لما تعلّق به الأمر الوجوبي، لأنّ الأمر الاستحبابي ـ على الفرض ـ تعلّق بذات العبادة، وأمّا الأمر الناشئ من الإجارة فلم يتعلّق بها بل تعلّق بإتيان العبادة بداعي الأمر المتوجّه إلى المنوب عنه ففي مثله يستحيل تداخل الأمرين.


(242)

و مثله المقام، فانّ متعلَّق الأمر هو ذات العبادة، وأمّا النهي التنزيهي فهو لم يتعلّق بها، لعدم مفسدة في فعلها ولا مصلحة في تركها، بل تعلّق بالتعبّد بهذه العبادة، لما فيها من مشابهة للأعداء.

وعلى ذلك، فمتعلّق النهي التنزيهي غير متعلّق الأمر الاستحبابي، فإنّ متعلّق الثاني هو نفس العمل وذات الصوم، بينما متعلّق الأوّل هو التعبّد بالعمل والتقرّب به إليه تعالى، فيكون الصوم مستحبّاً، ومع ذلك يكون التعبّد به مكروهاً.

وله نظائر في الفقه، فإنّ ذات صلاة الظهر واجبة حيث تعلّق الوجوب بنفس الطبيعة، ولكنّها بما هي مقدّمة وجودية لصلاة العصر، واجبة غيريّة، ولا يلزم اتحاد متعلّق الوجوب النفسي والغيري.

هذا حاصل كلامه.(1)

ويلاحظ عليه أوّلاً: أنّ متعلّق الأمر الاستحبابي غير متعلّق الأمر النذري. فالأوّل تعلّق بذات العبادة كصلاة الليل، والثاني تعلّق بالوفاء بالنذر، ولا يتحقّق الوفاء بالنذر إلاّ بالإتيان بالعبادة بوصف كونها مستحبة ذاتاً.

فإذا كان متعلّق أحدهما غير الآخر، فلا معنى حينئذ لاندكاك أحدهما في الآخر، وتولّد أمر واحد منهما.

و من ذلك يتبيّن أنّ المثال الأوّل والمثال الثاني من باب واحد حسب ما شرحناه، فالأمر الاستحبابي تعلّق بنفس العبادة، والأمر الإجاري تعلّق بالوفاء بالعقود لقوله تعالى: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة/1) ولا يتحقّق الوفاء بالعقد إلاّ إذا أتى بالحجّ بداعي الأمر المتوجّه إلى الغير، وجوباً كان أم استحباباً.

وثانياً: أنّ ما ذكره في مورد النهي عن صوم يوم عاشوراء إنّما يتمّ لو قلنا بامتناع «أخذ قصد الأمر في المتعلّق» وأمّا لو قلنا بإمكانه، وكونه مأخوذاً فيه،


1-لاحظ أجود التقريرات:1/365ـ367، و فوائد الأُصول:1/439ـ440.


(243)

فالأمر الاستحبابي يكون متعلّقاً بنفس ما تعلّق به النهي التنزيهي، حيث إنّ الأوّل تعلّق بالصوم بقصد أمر، وبنية التعبّد، والمفروض أنّ النهي أيضاً تعلّق به.

و ثالثاً: أنّ مآل ما ذكره إلى تضادّ الحكم مع ما يعطيه مفهوم متعلّقه، فلو فرضنا أنّ النهي تعلّق بالصوم بقيد التعبّد، والمفروض أنّه لا معنى له إلاّقصد أمره الاستحبابي، فيصير مآله إلى أنّ الصوم بما هو مستحبّ، مكروه، وهو معنى مناقضة الحكم لموضوعه.

و رابعاً: أنّ ما ذكره تمحل ولا دليل له عليه، إذ أيّ معنى لكون الصوم، بماهوهو، مستحباً وبما أنّه مأتي به بقيد التعبّد والاستحباب، مكروه.

إلى هنا تمّ الكلام في القسم الأوّل من أقسام العبادات المكروهة وإليك الكلام في القسم الثاني منها.

***

أمّا دراسة القسم الثاني، وهو ما إذا كان بين المتعلّقين نسبة الإطلاق والتقييد، فقد أفاد المحقّق الخراساني بأنّه يجري فيه، ما ذكره في القسم الأوّل من الأجوبة الثلاثة حرفاً بحرف لكنّه ذكر في هذا القسم جواباًخاصّاً به والفرق بينه وبين الأجوبة الثلاثة المتقدّمة هو أنّ بناء الأجوبة على انطباق عنوان راجح على الترك أو ملازمته له، وأمّا هذا الجواب فمبني على حدوث عنوان قبيح في الفعل.

توضيحه: أنّ الطبيعة تارة تتشخص بمشخص غير ملائم لها كالصلاة في الحمام فإنّه لا يناسب مع كونها معراجاً، وأُخرى تتشخص بمشخص شديدة الملائمة لها ومعها مزية فيها كالصلاة في المسجد، وثالثة تتشخص بما لا يكون معه شدّة الملائمة ولا عدمها لها كالصلاة في الدار والكراهة عندئذ، بمعنى كونها أقلّ ثواباً.


(244)

فإذا كان المقياس لكثرة الثواب وقلّته هو ثواب طبيعة الصلاة، فكلّ عمل زاد ثوابه عن الثواب المترتّب على نفس الطبيعة يكون مستحبّاً وكل عمل كان أقلّ ثواباً مما يترتّب على نفس الطبيعة يكون مكروهاً.(1)

نظرنا في القسم الثاني

هل يشترط في مسألة اجتماع الأمر والنهي، كون النسبة بين العنوانين عموماً وخصوصاً من وجه أو يعمّه وما كانت النسبة بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً كما في المقام، فلو قلنا بالثاني، فالمورد يكون دليلاً على جوازالاجتماع وإلاّ فيجب على الاجتماعي أيضاً، بذل الجهد لرفع التنافي.

و لكن الظاهر عدم دخوله في محلّ النزاع ويدلّ على ذلك أنّهم يمثّلون بما إذا أمر المولى بالخياطة ونهى عن الكون في مكان خاص، ولو كان الملاك أعمّ، لناسب، أن يمثّلوا بقولهم ونهى عن الخياطة في مكان خاص، أو التنبيه على الفرد أيضاً.

و ربّما يستدل على الخروج بأنّ المطلق بما هوهو متعلّق للأمر، وبهذا العنوان يكون واجباً، وبما أنّه جزء، موضوع للنهي وبهذا العنوان يصير محرّماً، فالنهي عن الخياطة المقيّدة، نهي عن نفس الطبيعة اللابشرطية وهو في الوقت نفسه متعلّق للوجوب وربّما يجاب بأنّ الموضوع للأمر هو المطلق ولكن الموضوع للنهي هو المقيّد والمقيّد بما هو مقيّد، غير المطلق، فاختلف الموضوعان وهذا هو الأقوى.

وعلى ذلك، فمثل تلك العبادات، تكون من دلائل مقالة الاجتماعي.

نعم على القول بخروجه عن محلّ النزاع والاتّفاق مع القائل بالامتناع على


1-كفاية الأُصول: 1/257ـ 258.


(245)

عدم الجواز يمكن أن يقال بوجود الفرق بين النهي التحريمي والنهي التنزيهي فإنّه لا منافاة بين الأمر بالصلاة على وجه الإطلاق، والنهي التنزيهي عن إقامتها في مكان خاص، وذلك لأنّ المنافاة إنّما تتحقّق إذا كان النهي تحريمياً، وذلك لأنّ مفاد إطلاق الأمر، هو الترخيص في الإتيان حتّى في ذلك المكان الخاص، مع أنّ مقتضى النهي التحريمي، عدمه فيحصل التدافع بين كلّ من إطلاق الأمر، ومفاد النهي ولأجل ذلك يحمل إطلاق الأمر على غير هذا الفرد لقوّة إطلاق النهي ويكون الجمع دلالياً موافقاً لفهم العرف.

و هذا بخلاف ما إذا كان النهي تنزيهيّاً إذ لا منافاة بين الأمر بالإتيان بالصلاة على وجه الإطلاق الشامل لإتيانها في الحمام والنهي عنها تنزيهاً عن ذلك الفرد، لأنّ الترخيص في إيجاد الطبيعة في ضمن هذا الفرد، لا ينافي النهي التنزيهي وتجويز العدول عنه إلى فرد آخر، لأنّ مفاد الأمر هو جواز العدول منه إلى غيره وإن لم يرد، النهي فضلاً عن ورود النهي.

و إن شئت قلت: إنّ مفاد إطلاق الأمر هوالترخيص في مورد هذا الفرد، ومفاد النهي التنزيهي أيضاً هوالترخيص، فلا تضادّ بين الترخيصين وإنّما التضادّ بين المتعيّنين أو بين المتعيّن والمرخّص.

وأمّا وجه النهي التنزيهي فهو ما ذكره المحقّق الخراساني فلا نعيد.

حكم القسم الثالث على القول بالاجتماع

إنّ للقسم الثالث ظاهراً وواقعاً فالنهي حسب الظاهر، تعلّق بالعبادة، في مكان خاص، فصار متعلّق الأمر والنهي شيئاً واحداً.و أمّا حسب الواقع فالأمر تعلّق بالعبادة، والنهي بالكون في مكان خاص، والمنهي عنه من خصوصيات المأمور به ومتّحداته ولوازمه فأصبح لازماً للصلاة والنهي عن الغصب وعلى هذا


(246)

لا حاجة للاجتماعي أن يجيب عن هذا القسم.

و لكن بما أنّ المستدل تمسّك بالظاهر وأنّ العبادة ، صارت متعلّقة للنهي،دون خصوص الكون في مكان التهمة، لزم على الاجتماعي والامتناعي، الإجابة عنه، وبعبارة أُخرى أنّ الاجتماعي مكلّف بالإجابة حسب النظر إلى الظاهر وأمّا بالنظر إلى الواقع فهو في فسحة من الإجابة لأنّه نظير الصلاة والغصب.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني(1) ذكر عن جانب الاجتماعي جوابين أحدهما مبنيّ على التصرّف في متعلّق النهي وموضوعه والآخر على التصرّف في مفهوم الحكم ومعناه.

أمّا الأوّل فبإيجاد الاختلاف في موضوعي الأمر والنهي فالأمر متعلّق بالعبادة والنهي متعلّق في الواقع بالكون في مكان خاص، ولو نسب إلى العبادة فإنّما هو بالعرض والمجاز، وعلى ذلك فالنهي فعلي مولوي متعلّق بالكون لا بالعبادة إلاّ بالعرض.

أمّا الثاني، فهو تفسير الحكم ومفاد النهي وإخراجه عن المولوية إلى الإرشاد إلى ما ليس فيه هذا النقص هذا كلّه على القول بالاجتماع وأمّا على القول بالامتناع فقد ذكر فيه ما يلي:

دراسة القسم الثالث على القول بالامتناع

إنّ العنوان الموجب للنقصان والحزازة لا يخلو إمّا أن يكون عنواناً ملازماً للصلاة في موضع التهمة أو عنواناً منطبقاً عليها.


1-كفاية الأُصول:1/259.


(247)

أمّا الأوّل: فيقال فيه بمثل ما قيل على القول بالاجتماع(1) وهو أنّ الوجوب متعلّق بالصلاة، والنهي متعلّق بالعنوان الملازم حقيقة، ولو نسب التحريم إلى الصلاة فإنّما هو بالعرض والمجاز.

وأمّا الثاني، فبما أنّ المفروض صحّة الصلاة، فهذا يدلّ على تقديم الأمر على النهي، ويكفي في رفع الغائلة، التصرّف في مولوية النهي وحمله على الإرشاد، حسب ما ذكرناه في القسم الثاني، لأنّ القسمين: الثاني والثالث مشتركان في هذه الجهة.

***

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أشار إلى أُمور بعبارات موجزة

الأوّل: إنّ للكراهة اصطلاحاً شائعاً وهو كون العمل مرجوحاً لدى الشارع واصطلاحاً خاصّاً في باب العبادات بمعنى أقليّة الثواب ولا يصحّ تفسير النهي بهذا المعنى في صوم يوم عاشوراء لأنّها إنّما يتصوّر، إذا كان هناك فردان، يستطيع معه الإنسان من العدول عن الأقلّ ثواباً إلى الأكثر ثواباً وهو فرع تعدّد الفرد، والمفروض في القسم الأوّل عدم البدل.

كما لا يصحّ ذلك في القسم الثالث على القول بالاجتماع، لأنّه لا يسري حكم المنهي عنه إلى المأمور به عند الاجتماعي ولا محيص عن تفسير الكراهة فيهما بمرجوحية العمل ونقصانه وحزازته نعم يصحّ تفسيرها بالأقلّية ثواباً في غير هذين الموردين.

الثاني: إنّ البحث السابق كان راجعاً إلى حلّ عقدة اجتماع الوجوب


1-غير أنّ الاجتماعي اعتمد عليه في كلا العنوانين الملازم و المنطبق، و لكن الامتناعي، يعتمد عليه في خصوص العنوان الملازم دون الثاني إذ عليه يلزم أن يكون الشيء الواحد محكوماً بحكمين متضادّين ولو بعنوانين و هو غير جائز عنده.


(248)

والكراهة، لكن المستدل كما استدلّ به، استدلّ باجتماع الوجوب والاستحباب في مثل الصلاة في المسجد، بل استدلّ باجتماع الوجوب مع الإباحة(1) فحاول المحقّق الخراساني أن يجيب عنه وحاصل ما أجاب: أنّ المحال إنّما يلزم بتعلّق الوجوب والاستحباب على العبادة بنحو يكونان، مولويين، فعليين، حقيقيين، وأمّا إذا تخلّف واحد منهما، فلا يكون الاجتماع محالاً فعلى ذلك يمكن حمل الأمر الاستحبابي المتعلّق بنفس العبادة بأحد الأنحاء التالية:

1ـ أن يكون الأمر الاستحبابي إرشاداً إلى أفضل الأفراد مع كونه حكماً فعليّاً متعلّقاً بالحقيقة على العبادة ، إذ لا مانع من تعلّق حكمين بشيء واحد، يكون أحدهما إرشادياً والآخر مولوياً. من غير فرق بين القول بجواز الاجتماع أو الامتناع.

2ـ أن يكون الأمر الاستحبابي مولويّاً لكن اقتضائيّاً متعلِّقاً بالعبادة على نحو الحقيقة، ولا مانع من اجتماع أمرين في شيء واحد، أحدهما: فعلي كالوجوب والآخر اقتضائي، على كلا القولين.

3ـ أن يكون الأمر الاستحبابي مولويّاً فعليّاً حقيقيّاً بالنسبة إلى العنوان الملازِم ومجازيّاً بالعرض بالنسبة إلى العبادة وذلك فيما إذا اختلف موضوع الأمرين، فالأمر الوجوبي يتعلّق بنفس الصلاة والأمر الاستحبابي يتعلّق بالعنوان الملازِم كتأليف القلوب في الاقتداء بالمخالف، ويكون اتصاف العبادة عندئذ بالاستحباب بالعرض والمجاز، هذا من غير فرق بين القول بالاجتماع أو الامتناع إذا كان العنوان ملازماً للعبادة لا متّحداً معها.

4ـ أن يكون الأمر الاستحبابي مولوياًفعلياً حقيقياً بالنسبة إلى العنوان المتّحد وبالعرض والمجاز بالنسبة إلى العبادة ، فالأمر الوجوبي يتعلّق بنفس


1-كفاية الأُصول:1/254،ط المشكيني.


(249)

العبادة والأمر الاستحبابي يتعلّق بالعنوان المتّحد حقيقة وبوجه العرض والمجاز يتعلّق بنفس العبادة أيضاً لكن هذا على القول بالاجتماع، حيث يرى الاجتماعي عدم سراية الحكمين من أحدهما إلى الآخر وإن كان العنوان متحداً مع العبادة بخلافه على القول بالامتناع، بل على هذا القول يجب أن يحمل الأمر الاستحبابي على إحدى الطرق المتقدّمة.

الثالث: قد تقدّم في دراسة القسم الأوّل احتمال انطباق أو ملازمة عنوان ذي مصلحة على الترك فيكون الترك كالفعل مستحبّاً.

وأمّا المقام فلو كان هنا وراء ملاك الوجوب، ملاك راجح وافترضنا كونه منطبقاً(لا ملازماً) على الفعل لا على الترك ـ كما هو الحال في مسألة يوم عاشوراء ـ فعلى القول بالامتناع لا يوجب استحباب الفعل بل يوجب تأكّد الوجوب، فلا يكون الفعل مستحبّاً، لا حقيقة ولا عرضاً لعدم بقاء الاستحباب.

وأمّا على القول بالاجتماع، فيكون كلّ من الأمرين مستقرّاً على موضوعه لا يسري حكم الاستحباب من العنوان المستحب إلى عنوان الواجب، ولا يصير مستحبّاً إلاّ بالعرض والمجاز.

فتلخّص أنّ ملاك الاستحباب المنطبق على الفعل لا يعطي لنفس الفعل وصف الاستحباب، بل يؤكّد الوجوب على القول بالامتناع.

نعم على القول بالاجتماع يعطي له وصفه لكن بالعرض والمجاز لتغايرالموضوعين.

وأمّا إذا كان العنوان ملازماً فالاجتماعي والامتناعي سواء فلا يوصف العمل بالاستحباب إلاّ اقتضائياً وبالعرض والمجاز أمّا كون الاتصاف بالاستحباب بالعرض والمجاز فواضح لتغاير موضوعي الوجوب والاستحباب إنّما الكلام في تفسير قوله: «اقتضائياً» والظاهر أنّه سهو والصحيح «فعلياً»، لأنّ


(250)

الاستحباب حكم فعلي على العنوان غاية الأمر حقيقيّ بالنسبة إلى العنوان، ومجازيّ بالنسبة إلى المعنون أي العبادة.

ولا يذهب على القارئ انّ عبارات الكفاية في المقام أشبه بالطلاسم. وقد قمنا ـ بفضله سبحانه ـ بحلّها . فاغتنم.(1)

***

تنبيهات

ذكر المحقّق الخراساني تبعاً للشيخ الأعظم تنبيهات في المقام ونحن نقتفيهما.

التنبيه الأوّل: في حكم التخلّص عن الحرام الأشدّ بالحرام الأخفّ

إذا انحصر التخلّص عن الحرام الأشدّ الذي ارتكبه بسوء الاختيار، بارتكاب الحرام الأخفّ كالخروج من الدار المغصوبة بعد توسّطها على وجه محرّم، وكشرب الخمر للنجاة عن التهلكة التي ارتكب بسوء الاختيار ما يؤدي إليها.

ثمّ إنّ موضوع البحث هو المضطرّ إلى ارتكاب الحرام وأمّا المختار، سواء كان فيه ملاك الوجوب كالغسل الارتماسي في شهر رمضان، أو لا، كمجرّد الارتماس فيه من دون قصد الغسل فهو خارج عن موضوع البحث. فما يرى من المحقق المشكيني من عدّه في ضمن الأقسام فإنّما هو لأجل الاستطراد.

ثمّ إنّ المضطرّ إلى ارتكاب الحرام على قسمين تارة يكون الاضطرار إليه لا بسوء الاختيار، كما إذا حبس في مكان مغصوب، وأُخرى بسوء الاختيار كما إذا


1-راجع كفاية الأُصول: 1/260ـ261.


(251)

توسّط الأرض المغصوبة تنزّهاً، فأراد ترك الحرام بالخروج.

وقد اختصر المحقّق الخراساني الكلام في القسم الأوّل فقال ما هذا نصّه: «إنّ الاضطرار إلى ارتكاب الحرام وإن كان يوجب ارتفاع حرمته، والعقوبة عليه، مع بقاء ملاك وجوبه لو كان ـ الملاك ـ مؤثراً له كما إذا لم يكن بحرام بلا كلام».

وحاصل كلامه أمران:

1ـ إنّ الإقامة في مكان مغصوب للمحبوس ليس بحرام وترتفع حرمته.

2ـ بما أنّ الحرمة شأنية فلو كان هناك ملاك للوجوب، يكون مؤثراً كالصلاة فيه، فيكون ملاك وجوبه مؤثراً للوجوب، لو كان الملاك ووجد(1) ولأجل توضيح كلامه نقول:

يقع الكلام في مقامين:

1ـ الاضطرار لا بسوء الاختيار

و يقع الكلام فيه في مقامين:

المقام الأوّل: في حكم التصرّف فيها دخولاًو بقاءً وخروجاً.

لا شكّ في عدم حرمته فيها مطلقاً، للآيات والروايات الدالّة على أنّ الاضطرار رافع للتكليف كقوله سبحانه: (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها) (الأنعام/152) فالآية كاشفة عن تحديد التكاليف بحدّ الاضطرار، ومعه لا


1-إنّ لفظة: «كان »في قوله: «لو كان» تامّة و قوله «مؤثراً له» حال من ملاك: وتقدير الكلام: «مع بقاء ملاك وجوبه، مؤثراً له لو كان فيه ملاك الوجوب. كما أفاده السيد المحقّق البروجردي في درسه الشريف عام 1366 هـ.


(252)

تكليف وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حديث الرفع: «رفع عن أُمّتي تسعة... وما اضطرّوا إليه» رواه الصدوق في خصاله: قال: حدثني أحمد بن محمد بن يحيى العطّار القمي ـ رضي اللّه عنه ـ عن يعقوب بن يزيد ، عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ (1) والسند لا غبار عليه إلاّ توهم أنّ أحمد بن محمّد بن يحيى ـ شيخ الصدوق ـ لم يوثق ولكن القرائن، دالّة على وثاقته وذلك لأنّه:

1ـ من مشايخ الصدوق حيث يروي عنه ويترضى له ويقول ـ رضي اللّه عنه ـ كما عرفت.

2ـ من مشايخ التلّعكبري وقد سمع منه عام 356هـ.

3ـ كثرة النقل عنه، فإنّ الثقات وإن كانوا يروون عن غيرهم أحياناً، لكن تكثير النقل عن غير الثقة كان عيباً لدى القدماء ولذلك أخرج أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، أحمد بن محمّد بن خالد وسهل بن زياد الآدمي من قم لأجل كثرة النقل عن الضعاف من دون أيّ غمز فيهما، فلو كان الرجل غير ثقة، لما كان لأمثال الصدوق و غيره أيُّ داع، لملء كتبهم بالنقل عن الضعيف مع إمكان النقل عن الثقات.

وأمّا عدم التصريح بالوثاقة فليس أمراً غريباً، فكم له من نظير، فإنّ أحمد ابن الحسن بن الوليد من مشايخ الصدوق الذي يعتمد الصدوق عليه في الجرح والتعديل ومع ذلك لم يوثق، وليس لأحد أن يردّ روايته بمجرّد عدم ورود التوثيق الصريح عليه في الكتب الرجالية.

و لو سلّمنا، فيكون أحمد بن محمّد، مهملاً في الرجال لا مجهولاً والفرق بينهما واضح لمن له إلمام بالرجال والدراية فما عليه المحقّق الخوئي في معجم رجال الحديث من كون الرجل مجهولاً فهو كما ترى(2) فلاحظ.


1-الخصال: 2/417.
2-معجم رجال الحديث: 2/330.


(253)

المقام الثاني: في حكم العبادة فيها

الظاهر صحّتها، أمّا على القول بالاجتماع فواضح لا سترة فيه مع تمشي القربة من غير فرق بين أن تكون حيثية الحرام متّحدةً مع حيثية الواجب كالصلاة في الدار المغصوبة لما عرفت من أنّ ميزان جواز الاجتماع ليس كون حيثية الواجب، مغايراً مع حيثية الحرام في الخارج حتى يفرق بين القسمين، بل الميزان كون المتعلّق في مقام التعلّق مختلفاً وهو موجود في كلا القسمين.

وأمّا على القول بالامتناع وتقديم الحرمة فلأنّ المانع من فعلية حكم الصلاة ليس إلاّ فعلية الحرمة فلأجل المزاحمة بينهما وتقديم ملاك الحرمة بوجه من الوجوه صار حكم الواجب غير فعلي فإذا سقطت الحرمة لأجل الاضطرار، فلا مانع من فعلية حكم الواجب إذ لا تزاحم بينهما عندئذ ويكون الإتيان، إثباتاً بالواجب مع عامة أجزائه وشرائطه.

فإن قلت: إنّ المانع عن تحقّق الوجوب ليس هو الحرمة الفعلية، حتى يصير ارتفاعها سبباً لتحقّقه،بل المانع عن تحقّقه وتأثير ملاكه فيه، هو أقوائية ملاك الحرمة(أعني المفسدة الداعية إلى جعلها)، من ملاك الوجوب (أعني المصلحة الباعثة نحو الإيجاب) فمادامت المفسدة باقية على قوّتها لا مجال لتأثير ملاك الوجوب وإن كان هنا مانع عن فعلية الحرمة أيضاً.(1)

قلت: هذا ما أفاده سيّدنا المحقّق البروجردي ـ قدَّس سرَّه ـ لكن وجود المفسدة الأقوى من مصلحة الواجب عند الاضطرار. أوّل الكلام، لأنّ العلم بالملاك، رهن وجود الحكم وفعليته، ومع عدمها ، كما هو المفروض، فكيف تعلم فعلية المفسدة؟

فإن قلت: لو كان النهي عن التصرّف في المغصوب، موجباً لتقيّد الصلاة


1-نهاية الأُصول:244، الطبعة الأُولى.


(254)

بقيد وجوديّ كلزوم كون الصلاة في مكان مباح أو بقيد عدمي كاشتراطها بعدم كونها في مكان مغصوب الذي مرجعه إلى مانعية الغصب لصحّتها، فعندئذ يكون المأمور به مقيّداً بقيد وجودي (إذا كانت الإباحة شرطاً) أو عدمي (إذا كان الغصب مانعاً) ومع عدم إمكان تحصيله يسقط الأمر بالمركّب لعدم إمكان تحصيله، لا أنّ الواجب ينحصر في الباقي ويصحّ الإتيان به.

قلت: إنّ ما ذكرته يتفرّع على بقاء شرطية المكان المباح أو مانعية المغصوب في حال الاضطرار وليس كذلك لأنّه إذا كان الوجوب الوضعي (الشرطية) أو الحرمة الوضعية (المانعية) مستفادين من الحكم التكليفي، فيسقطان مع سقوطه فلا يعقل أوسعية الوضع من التكليف.

و إن شئت قلت: إذا قال الشارع لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال الغير إلاّبإذنه يكون مفاده الزجر تكليفاً عن ذاك التصرّف، فلو دلّ ـ مع ذلك ـ على شرطية الإباحة أو مانعية الغصب بالنسبة إلى التصرّف، فسعة الحكم الوضعي وضيقه، تابع لسعة الحكم التكليفي فلا وجه لبقاء الحكم الوضعي الذي هو الفرع مع ارتفاع الحكم التكليفي الذي هو الأصل.

فالظاهر صحّة الصلاة والأعمال العبادية إلاّ ما كان له بدل مباح مثل الوضوء فانّ التيمّم بالتراب المباح بدل عنه وعندئذ يجب عليه العدول إلى ماله بدل مباح كما قرر في محلّه. وعلى ضوء ما ذكر تجب عليه إقامة الصلاة التامة قياماً وركوعاً وسجوداً . نعم نقل صاحب الجواهر عن بعضهم رأياً شاذّاً فلاحظ(1).


1-جواهر الكلام:8/300.


(255)

2ـ حكم الاضطرار بسوء الاختيار

وهذه المسألة هي التي عقد البحث لبيانها في المقام ويقع في موارد:

الأوّل: في حكم الدخول.

الثاني: في حكم الخروج تكليفاً.

الثالث: في حكم العبادة حين الخروج وضعاً. فنقول:

أمّا الأوّل: فلا شك ّ في حرمة الدخول لأنّه من مصاديق الغصب أو التصرّف في مال الغير عدواناً. وهذا واضح إنّما الكلام في الأمر الثاني وهو الذي نطرحه .

الأمر الثاني: حكم الخروج

فقد اختلفت الأقوال في حكم الخروج وإليك بيانها:

1ـ إنّه منهي عنه بالنهي الفعلي وليس بواجب وهو خيرة سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ.

2ـ إنّه مأمور به شرعاً مع جريان حكم المعصية عليه، وأنّه منهي عنه بالنهي السابق الساقط


(256)

من ناحية الاضطرار، اختاره صاحب الفصول.

3ـ إنّه مأمور به مع عدم جريان حكم المعصية عليه، وليس منهيّاً عنه بالنهي السابق الساقط ذهب إليه المحقّق الأنصاري واختاره المحقّق النائيني.

4ـ إنّه واجب وحرام بالفعـل ذهب إليـه أبو هاشــم الجُبّائي المعتزلي (المتوفّى303هـ) واختاره المحقّق القمي.

5ـ إنّه واجب عقلاً لدفع أشدّ المحذورين بارتكاب أخفّ القبيحين، وليس محكوماً بحكم شرعي بالفعل. نعم هو منهي عنه بالنهي السابق الساقط بالاضطرار ويجري عليه حكم المعصية. وهذا مختار المحقّق الخراساني.

و هنا احتمال سادس(1) وهوالقول بالترتّب في المقام وحاصله: أنّ الغصب بجميع أنحائه من الدخول والبقاء والخروج حرام لكن لا بهذه العناوين بل كلّواحد بما أنّه غصب وتصرّف في مال الغير، فإذا قال: لا تغصب يشمل هذه الأُمور كلّها ثمّ إنّ هنا حكماً آخر مقيّد بعصيان الخطاب الأوّل فلو عصى وغصب بالتوسّط يكون الخروج مأموراً به ومعنوناً بعنوان حسن في رتبة عصيان النهي وعدم تأثيره.

يلاحظ عليه: أنّ الترتّب إنّما يتصوّر إذا كان هناك خطابان، متزاحمان ملاكاً، وامتثالاً، ومختلفان موضوعاً والمقام ليس من هذا القبيل فانّه ليس هنا إلاّ حكم واحد وهو الحرمة، لموضوع واحد وهو الغصب، فحكم عليه تارة بالنهي وقال: لا تغصب، وأُخرى بالأمر بالضدّ العام فانّ معنى أُخرج، أي اترك الغصب بخروجك مثل قولك لا تغتب أو اترك الغيبة.

فكما أنّهما متّحدان حكماً وموضوعاً، متّحدان امتثالاً لأنّ الأمر بالخروج أمر مقدّمي، لترك الغصب مهما أمكن، ومتحدان ملاكاً كما هو واضح فما نحن فيه يفارق الترتّب من جهات أربع فهناك حكمان، لموضوعين، لكلّ امتثال وملاك وأمّا المقام فليس كذلك والشاهد على وحدة الحكم وأنّ الثاني أعني قوله: «و إن عصيت فاخرج» تأكيد للحكم الأوّل أنّه لو عصى ولم يخرج ، ليس له إلاّ عصيان واحد.

والحقّ من بين الأقوال هو قول المحقّق الخراساني وهو مركّب من أُمور:

1ـ واجب بالوجوب العقلي.

2ـ ليس واجباً بالوجوب الشرعي.


1-نهاية الأُصول: 1/246، الطبعة الأُولى.


(257)

3ـ منهي عنه بالنهي السابق.

4ـ النهي ساقط فعلاً وباق أثراً وهو العقاب.

أمّا أنّه محكوم عند العقلاء بوجوب الخروج والتخلّص فلأجل أنّه الطريق الوحيد للتخلّص من أشدّ المحذورين بارتكاب أقلّهما وهو ممّا يستقلّ به العقل، وأمّا أنّه ليس واجباً شرعاً فلأجل أنّه ليس في باب الغصب إلاّ حكم واحد وهو حرمته وأمّا وجوب الخروج على النحو النفسي فليس حكماً مستقلاً ذا ملاك مستقلّ في مقابل حرمة الغصب بل هو عبارة أُخرى عن حرمة الغصب بقاءً وأمّا الوجوب المقدّمي فسيأتي البحث عنه عند تحليل القول الثالث.

وأمّا أنّه محرّم بالنهي السابق، فلأنّ قوله: لا تغصب شامل لألوان الغصب كلّها ومنه البقاء والخروج لا بعنوانهما بل بما همامن أفراد الغصب، وتوهم أنّ ترك الغصب المتحقّق في ترك البقاء وترك الخروج أمر غير مقدور فلا يعمهما إطلاق لا تغصب مدفوع بأنّه مقدور ولو بالواسطة. أي بترك الدخول، ولا يلزم أن يكون ترك الشيء مقدوراً بلا واسطة.

وأمّا كون النهي السابق ساقطاً فلأجل عدم إمكان امتثاله بعد التوسط فترك التصرّف في المغصوب بعد التوسّط غير ممكن فالخروج بما أنّه تصرّف في المغصوب غير مقدور الترك، ومعه كيف يكون الخطاب فعلياً وبالجملة: التصرّف فيه بعد التوسط أمر قهري ضروري سواء كان بصورة البقاء أو الخروج ومعه لا يصحّ أن يخاطب بقوله: لا تغصب زاجراً عن كلّ تصرّف صدر منه بعنوان البقاء والخروج.

ثمّ إنّ العلاّمة الطباطبائي صار إلى تصحيح الخطاب ولو في ظرف التوسط قائلاً بأنّه يكفي في صحّة الخطاب ترتّب الأثر عليه وإن كان الأثر نفس العقاب ويكفي في القدرة، القدرة على الامتثال في ظرف من الظروف والشرطان حاصلان والمكلّف كان قادراً على ترك التصرّف الخروجي قبل الدخول وهو يكفي في بقاء


(258)

الخطاب حتى في صورة العجز عن الامتثال كما إذا توسطها وفائدة الخطاب مع عجزه، هي صحّة عقابه ومؤاخذته.(1)

ولا يخفى أنّه خلط بين الخطاب النابع عن الإرادة الجدّية في حال الاضطرار وبين قيام الحجّة عليه حتى في هذا الظرف.

والأوّل منتف قطعاً لامتناع تعلّق الإرادة بفعل العاجز والثاني ثابت بلا كلام لأنّ القدرة قبل الدخول أتمّت الحجّة على العبد في جميع أحواله من الدخول والبقاء والخروج، وكفاية القدرة في ظرف من الظروف إنّما يكفي في الثاني دون الأوّل.

الأقوال الأربعة الباقية

إذا تعرّفت على الحقّ في المقام، يجدر بنا أن نشرح سائر الأقوال الباقية تحت المشراط العلمي وإليك بيانها:

القول الأوّل: الخروج ليس بواجب شرعاً بل منهي عنه بالنهي الفعلي:

فله دعويان:

الأُولى: أنّ الخروج ليس بواجب.

الثانية: أنّه حرام بالنهي الفعلي.

أمّا الأُولى فلأنّه لم يدلّ دليل على وجوب الخروج من الأرض المغصوبة، أو وجوب التخلّص عن الغصب، أو وجوب ردّ المال إلى صاحبه، أو ترك التصرّف في مال الغير بعناوينها بأن تكون هذه العناوين موضوعاً لحكم الوجوب وما ورد


1-التعليقة على الكفاية، ص 143، بتوضيح منّا.


(259)

في بعض الروايات من أنّ المغصوب كلّه مردود فالظاهر أنّه تأكيد لحرمة الغصب.

وأمّا ما استدلّ به الشيخ على وجوب الخروج شرعاً فسيوافيك نقده عند التعرّض للقول الثالث:

وأمّا أنّه حرام بالفعل فلا مبرر له إلاّ إطلاق الدليل وشمول إطلاق دليل الغصب له أيضاً.

أقول: الدعوى الأُولى لا غبار عليها إنّما الكلام في الدعوى الثانية وهي كون الخروج منهياً عنه بالنهي الفعلي وذلك: لأنّ النهي عن الخروج لا يخلو إمّا أن يكون بعنوانه الخاص أو بما أنّه داخل تحت الخطاب الكلي أعني لا تغصب أمّا الأوّل فهو دفع للفاسد بالأفسد لأنّ النهي عنه بذاك العنوان مستلزم للبقاء فيه وهو أشدّمحذوراً، وإن كان بالعنوان الكلي وأنّه من مصاديقه، فهو تكليف بالمحال لعدم قدرة المكلّف على ترك الغصب إذ لو ترك الخروج لزم الالتجاء إلى البقاء وهو أيضاً حرام ، ومعه كيف يصحّ التكليف.

نعم إنّ سيّدنا الأُستـاذ ـ دام ظلّه ـ ذهب إلى بقاء النهي في هذه الحالة وحاصل ما أفاده: أنّ العجز مانع من الخطاب الشخصي دون الخطاب القانوني حيث إنّه لا ينحلّ بعدد أفراد المكلَّفين، ولا يشترط في صحّتها وجود القدرة والعلم في المكلّف بل يتوجّه إلى العالم والجاهل والقادر والعاجز ، ويكون فعلياً في حقّ الجميع غاية الأمر أنّ لذي العذر عذره، وليس في شأن العقل، تقييد الخطاب بالقدرة لأنّ تصرّفه في إرادة الجاعل غير صحيح وإنّما شأنه التعذير لا رفع الخطاب ولكنّه إنّما يعذر إذا طرأ العذر من غير سوء الاختيار لا بسوئه كما في المقام فالحكم الفعلي قد يخالف بلا عذر، وقد يخالف معه ولا يرتفع أصلاً.(1)


1-تهذيب الأُصول: 1/404.


(260)

يلاحظ عليه أمّا أوّلاً: فبالنقض، فانّه ملتزم بتقييد الخطاب الشخصي بالقدرة وعندئذ يسأل عن المقيِّد فهل هو الجاعل أو العقل، والأوّل منتف لإطلاق كلامه وعدم تقييده، والثاني يستلزم أن يتصرّف العقل في إرادة الجاعل.

وثانياً: فبالحلّ، بيانه أنّ العقل لا يتصرّف في إرادة الجاعل أبداً وإنّما يكشف عن ضيق إرادته وعدم تعلّقها إلاّبالقادر، فالإنسان الذي طرأ عليه العجز ولو بسوء اختياره خارج عن إطار إرادة الفاعل.

وثالثاً: تظهر حقيقة الحال بما ذكرناه في باب الترتّب من أنّ الإهمال في عالم الثبوت غير ممكن فلو سئل المولى عن أنّ الخطاب شامل للعاجز أو لا، فلو قال نعم، يلزم التكليف بالمحال، ولو قال لا، ثبت المطلوب فتلخّص أنّه لا مجال لتصحيح بقاء الخطاب.

القول الثاني: إنّ الخروج واجب فعلاً شرعاً ومحرّم بالنهي السابق الساقط بالاضطرار

فالمدّعى مؤلّف من أمرين:

1ـ كونه محرّماً بالنهي السابق الساقط فقد تبيّن وجهه، لأنّه أحد أفراد الغصب وأنّه كان من وسعه ترك الخروج بترك الدخول وعليه يصحّ عقابه دون خطابه لعدم إمكان امتثاله في حال الخطاب.

2ـ كونه واجباً شرعاً لأنّه مصداق للتخلية وردّ المال إلى مالكه فلا مانع من كونه واجباً ولا مانع من اجتماع الحكمين المختلفين لاختلاف زمان تعلّقهما، لأنّ زمان تعلّق الحرمة هو قبل الدخول وزمان تعلّق الوجوب بعد الدخول والتصرف.


(261)

يلاحظ عليه: أنّه قد عرفت أنّ الجزء الأوّل من المدّعى حقّ لا غبار عليه. إنّما الكلام في الجزء الثاني فإنّه لم يدل دليل على وجوب ردّ المغصوب وإنّما الوارد هو حرمة الغصب، فإمساك المغصوب حرام لأجل كونه غصباً واستيلاء على وجه الطغيان في مال الغير، لا أنّ ردّه واجب.

نعم يجب ردّ الأمانة إلى أهلها لقوله سبحانه:(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهْلِها)(النساء/58) وهي خارجة عن البحث.

وأورد عليه صاحب المحاضرات بأنّ الميزان في صحّة جواز الاجتماع هو اختلاف زمان متعلقي الأمر والنهي، لا اختلاف زمان الأمر والنهي، فلو نهى يوم الأربعاء عن صوم يوم الجمعة وأمر به يوم الخميس لا يصحّ وإن كان زمان التعلّق مختلفاً، كما أنّه لو أمر بصوم يوم الخميس ونهى عن صوم يوم الجمعة في زمان واحد لجاز، والمقام من قبيل الأوّل لأنّ الخروج منهيّ عنه بالنهي السابق على الدخول ومأمور به بالأمر اللاحق بعد الدخول.

أضف إلى ذلك أنّ الخروج إن كان مشتملاً على المفسدة امتنع تعلّق الأمر به وإن كان مشتملاً على المصلحة امتنع تعلّق النهي به.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المفروض أنّ النهي السابق قد سقط وغير باق بعد ومعه كيف يمتنع الأمر به، وجريان حكم المعصية عليه ليس بمعنى بقاء الخطاب والحكم، بل معناه أنّه لما كان قادراً على ترك الغصب بألوانه وأفراده الثلاثة كالدخول والبقاء والخروج، ولكنّه عصى نهي المولى باختياره فهو يعاقب لأجل العصيان السابق لا العصيان الفعلي.

و بالجملة، إنّ النهي السابق الساقط لأجل امتناع امتثاله، سبب لصحّة العقاب على الدخول والبقاء والخروج فسبب العقاب المتوجّه إليه الآن، هو مخالفة


1-المحاضرات:4/369ـ 370.


(262)

النهي السابق، والموجود فعلاً هو الأمر فقط، ولا مانع من الأمر بشيء فعلاً، مع العقاب عليه لأجل المخالفة السابقة.

وما ذكره من أنّ الميزان هو وحدة المتعلّق وإن كان صحيحاً إلاّ أنّه مشروط ببقاء كلا الحكمين إلى زمان الامتثال لا مع عدم بقائه لسقوطه بالاضطرار أو بالنسخ أو غير ذلك وتوهّم أنّ العقاب لا يجتمع مع الوجوب مدفوع بوقوعه شرعاً كما في المواقعة في أربعة أشهر بعد الظهار والإيلاء، وإن كان المكلّف في هذين الموردين قادراً على رفع العقاب بالكفّارة فتأمّل.

وما يقال من أنّ الخروج إن كان مشتملاً على المفسدة، امتنع تعلّق الأمر به وإن كان مشتملاً على المصلحة امتنع تعلّق النهي به، مدفوع بأنّ المصالح والمفاسد ليست من الكيفيات الجسمانيّة كالبياض والسواد حتى يمتنع اجتماعهما في مورد واحد بل جهات راجعة إلى حياة الفرد والمجتمع قائمة بنفس المكلّف أو مجتمعه، ولا مانع من أن يكون شيء ذات مصلحة من جهة وذات مفسدة من جهة أُخرى.

القول الثالث: وجوب الخروج مع عدم إجراء حكم المعصية عليه

استدل على ذلك بوجوه ثلاثة: ذكرها المحقّق الخراساني بصورة الإشكال والجواب:

الوجه الأوّل

إنّ الخروج مقدّمة لترك البقاء الواجب الأهم ومقدّمة الواجب واجبة فلا يكون منهياً عنه لامتناع الاجتماع.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني أوّلاً: بأنّ مقدّمة الواجب إنّما تكون واجبة إذا


(263)

كانت مباحة لا محرّمة وكون الواجب أهمّ من المقدّمة المحرّمة وإن كان يوجب وجوبها إلاّ أنّه فيما لم يكن بسوء الاختيار ومعه لا يتغيـّر عمّـا هو عليه من الحرمة والمبغوضية.

توضيحه: أنّ مقدّمة الواجب على أقسام أربعة، الأوّل: أن تكون مباحة فلا إشكال في وجوبها، الثاني: أن تكون محرّمة مع وجود المقدّمة المباحة فلا شكّ أنّ وجودها مانع عن وجوب المقدّمة المحرّمة. الثالث: أن تكون محرّمة مع الانحصار فيها لا بسوء الاختيار فلو كان الوجوب أهم ارتفعت الحرمة ولو كانت الحرمة أشدّ، ارتفع الوجوب وإن تساويا يتخير. الرابع: تلك الصورة مع سوء الاختيار ففيها تكون الحرمة مانعة من اتّصاف المقدّمة بالوجوب كما في المقام من غير فرق بين الحالات الثلاث فترك البقاء وإن كان أهم من الحرمة إلاّ أنّه لمّا كان الابتلاء بسوء الاختيار، تكون الحرمة باقية بحالها.

وثانياً: لو قلنا بسراية الوجوب إلى المقدّمة مع سوء الاختيار، يلزم أن تكون حرمة المقدّمة (الخروج)و عدمها معلَّقة على إرادة المكلّف واختياره. فلو لم يدخل الأرض المغصوبة تبقي المقدّمة على حرمتها وإن دخل، ترتفع الحرمة.

ثالثاً: لم يدل دليل على وجوب ترك البقاء حتى تكون مقدّمته أعني الخروج واجباً وإنّما دلّ الدليل على حرمة الغصب بأنحائه. اللّهمّ إلاّ أن يقال: أنّ النهي عن الشيء أعني: لا تغصب أمر بضدّه العام أعني: «ترك الغصب» و«البقاء» وقد عرفت عدم الملازمة في مبحث الضدّ.(1)

الوجه الثاني

إنّ التصرّف في أرض الغير حرام دخولاً وبقاءً وأمّا التصرّف الخروجي فليس بحرام أمّا قبل الدخول فلعدم التمكن منه، وأمّا بعده فلكونه مضطراً إليه لأنّه


1-كفاية الأُصول:1/264.


(264)

سبب للتخلّص، فحاله حال من يشرب الخمر للتخلّص عن الوقوع في التهلكة.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بوجوه:

1ـ النقض بالبقاء فإنّه غير مقدور قبل الدخول مع أنّه حرام وبالنقض بالأفعال التوليدية المترتبة على الأفعال المباشرية قهراً فإنّ تركها بتركها وإيجادها بإيجادها.

2ـ الحلّ بأنّ التصرّف الخروجي حرام مقدور، غاية الأمر أنّه مقدور بالواسطة، فتركه بترك الدخول والمقدور بالواسطة، مقدور أيضاً، وكون ترك الخروج بترك الدخول من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع لا يضرّ في صدق المقدورية.

3ـ إنّ قياس المقام بشرب الخمر لأجل التخلّص عن الهلكة، غير تامّ لما عرفت التفصيل فيه بين كون الاضطرار بسوء الاختيار وعدمه فيجب في الثاني إذا كان الواجب أهمّ دون الأوّل.(1)

والأولى أن يجاب; بأنّ التقلّب والتصرّف في المغصوب حرام إذا كان بسوء الاختيار فالدخول والبقاء والخروج حرام لأجل أنّه تقلّب وتصرّف في مال الغير لا بما هو دخول أو بقاء أو خروج فالقول بأنّ الخروج غير محرّم لعدم وقوعه تحت التمكّن قبل الدخول مبني على كون المحرّم هو العناوين المتقدّمة، فعندئذ يقع البحث في أنّه كيف تعلّق النهي بالخروج مع أنّه غير مقدور قبل الدخول ثمّ يجاب بأنّ المقدور بالواسطة مقدور أيضاً، لكن ذلك تبعيد للمسافة، وإنّما المحرّم التقلب في المغصوب وهو حرام بعامة أفراده وأمّا وصف التقلّبات بأسماء خاصة وعناوين معيّنة فإنّما هو من ناحية المكلَّف لا من جانب الشارع الأقدس كما لا يخفى.


1-المصدر نفسه:265ـ268.


(265)

ثمّ إنّ الشيخ شبّه المقام بشرب الخمر لأجل التخلّص من الهلكة،والتشبيه في غير مورده لأنّه لا شكّ أنّ هناك تكليفين أحدهما، وجوب حفظ النفس والآخر حرمة شرب الخمر، فعندئذ تجري الملاحظة في تقديم أحدهما على الآخر، بخلاف المقام فإنّه ليس هناك إلاّ تكليف واحد وهو حرمة الغصب والتصرّف في مال الغير وأمّا وجوب التخلص أو ردّمال الغير والخروج فليس واجباً إلاّعقلاً لا شرعاً، ولو عبّر بوجوب هذه فإنّما هو تعبير آخر عن حرمة الغصب كما لا يخفى.

الوجه الثالث

ثمّ إنّ هنا وجهاً يمكن به الاستدلال على مختار الشيخ. ذكره صاحب الكفاية في السؤال الثالث وحاصله:

إذا كان الخروج مقدّمة لترك البقاء الواجب فإن كان مأموراً به لا غير فهو وإلاّفكيف يُعقل وجوبه مع حرمة مقدّمته المنحصرة وهل المنع الشرعي إلاّ كالامتناع العقلي.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ المنع عن المقدّمة مع إيجاب ذيها لا يمكن، لو لم يكن هنا إرشاد من العقل بلزوم الإتيان بالمقدّمة المحرّمة للتخلّص من الحرام الأشد، وأمّا معه فلا يلزم هنا محذور أبداً.(1)

ولا يخفى عدم إتقان الجواب إذ كيف يرضى العقل بصحّة إيجاب ذي المقدّمة مع النهي عن المقدّمة أو مع العقاب عليها وهل هذا إلاّ طلب الأمر غير المقدور وإرشاد العقل لا يرفع هذا التنافي.

و لذلك عاد إلى جواب ثان وحاصله: إذا سلّمنا كلام الخصم وهو أنّه لا يجوز إيجاب شيء مع تحريم مقدّمته وأنّ إرشاد العقل غير كاف مع تحريم المقدّمة،


1-كفاية الأُصول:1/268ـ269.


(266)

فلنا أن نقول بسقوط وجوب ذيها وهو ترك البقاء، أو التخلّص من الغصب والهلاك فيتبعه سقوط وجوب مقدّمتها فقوله: «فالساقط إنّما هوالخطاب فعلاً» ناظر إلى سقوط وجوب ذيها ـ وجه السقوط ـ هو حرمة المقدّمة، التي صارت سبباً لسقوط وجوب ذيها ثمّ وجوب نفس المقدّمة.

والأولى إنكار وجوب ترك البقاء أو التخلّص أصلاً لا لسقوط وجوبه لأجل حرمة مقدّمته فليس هنا إلاّ خطاب واحد وهو حرمة الغصب، وأمّا وجوب ترك البقاء ووجوب الخروج من باب المقدّمة فليس إلاّتحليلاً لذاك الحكم، لا حكماً مستقلاً في مقابل تحريم الغصب.

وإن شئت قلت: كلّ هذه التعابير من وجوب ترك البقاء والتخلّص، والتخلية وردّ المال توضيح وتحليل لحرمة الغصب وغيرها.

هذه هي الوجوه الثلاثة ممّا استدل به الشيخ أو يمكن به الاستدلال على مدعاه في وجوب الخروج.

القول الرابع: أنّه واجب بالفعل وحرام كذلك

أمّا الأوّل فلأجل أنّه مقدّمة للتخلّص الواجب عقلاً أو شرعاً، وأمّا أنّه حرام فلأنّه مصداق للتصرف في مال الغير.

و أورد عليه المحقّق الخراساني إشكالين:

1ـ إنّ القول بوجوب الخروج وحرمته لأجل جواز اجتماع الأمر والنهي إنّما يصحّ لو كان متعلّق الأمر، غير متعلّق النهي. مع أنّهما في المقام واحد أمّا كون الخروج متعلّقاً للنهي فواضح وأمّا كونه متعلّقاً للوجوب المقدّمي فلأنّ التخلّص عنوان تعليلي للوجوب لا تقييدي وقد مرّ أنّه لا يكفي العنوان التعليلي. وإنشئت قلت التخلّص عنوان منتزع عن ترك الحرام (البقاء) المسبّب عن


(267)

الخروج.

2ـ إنّه إنّما يصحّ لو كانت هنا مندوحة، حتى يكون هنا مبرّراً لفعلية النهي وليست هنا مندوحة ولا يصحّ النهي إلاّ على مبنى سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ من صحّة توجّه الخطابات القانونية إلى العاجز والمضطرّ أو على مبنى العلاّمة الطباطبائي رحمه اللّه من أنّه لا يشترط في صحّة الخطاب إلاّ ترتّب الأثر وهو صحّة العقاب وأنّ الخطاب خطاب تسجيلي لا حقيقي والغرض منه تصحيح العقاب. وقد عرفت ضعف كلا المبنيين.(1)

فالحقّ هوالقول الخامس الذي هو مختار المحقّق الخراساني وقد عرفت صحّته. فقد تم الكلام حول الأمرين الأوّلين حكم الدخول والخروج وحان حين البحث عن الأمر الثالث.

***

الثالث: في حكم العبادة حال الخروج فهل هي صحيحة أو لا؟

أفتى المشهور ببطلان الصلاة في حال السعة دون الضيق. وأورد عليه بأنّ اللازم على القول بالاجتماع هو الصحّة مطلقاً وكذلك على القول بالامتناع إذا كان المقدَّم هو الأمر، وأمّا إذاكان المقدَّم هو النهي فاللازم هو البطلان فما وجه التفصيل؟

أقول: نذكر مقتضى القاعدة ببيان صورها:

فقد ذكر المحقّق الخراساني صوراً خمس (2):


1-لاحظ ص 257 و 259 من كتابنا هذا.
2-كفاية الأُصول:1/272.


(268)

1ـ إذا قلنا بجواز الاجتماع، تكون الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة حال الخروج صحيحة فهو بما أنّه غصب حرام وبما أنّه صلاة واجب سواء كان بسوء الاختيار أو لا معه.

2ـ إذا كان الاضطرار لابسوء الاختيار فتكون الصلاة صحيحة لسقوط النهي عن الغصب بالاضطرار فليس هنا إلاّ أمر سواء قلنا بجواز الاجتماع أولا.

3ـ إذا قلنا بالامتناع وكان الاضطرار بسوء الاختيار لكن قلنا بمقالة الشيخ الأنصاري من عدم كون الخروج محرّماً أو لا يجري عليه حكم المعصية فتكون الصلاة صحيحة لعدم النهي.

4ـ إذا قلنا بالامتناع وكون الخروج منهياً عنه بالنهي السابق أو الحاضر، فإن قلنا بتقديم ملاك النهي، فلا شكّ في بطلان الصلاة سواء كانت في سعة الوقت أو ضيقه، فإنّها في مثل ضيق الوقت تكون نظير فاقد الطهورين الساقطة معه الصلاة وسيوافيك منّا أنّ تفصيل المشهور ناظر إلى هذه الصورة خلافاً للمحقّق الخراساني حيث جعله ناظراً إلى الصورة الخامسة.

5ـ إذا قلنا بالامتناع وكون الخروج منهياً عنه بالنهي السابق أو الحاضر ولكن قدّمنا ملاك الأمر فمقتضى القاعدة هو الصحّة مطلقاً، لكن يمكن توجيه التفصيل المنقول عن المشهور بما ذكره في الكفاية بتوضيح منّا وهو أنّ الصلاة في الدار المغصوبة في سعة الوقت وإن كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة إلاّ أنّه لا شبهة في أنّ الصلاة في غيرها تضادّها فأحد الفردين المضادّين خال عن المفسدة والمنقصة، والآخر واجد لها فلا محالة يكون الفاقد لها أهمّ من الواجد فالأمر الفعلي يتوجّه إلى الفاقد، ويكون الواجد منهياً عنه بحجّة أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه فتكون الصلاة في الغصب منهياً عنها لخلوّ الأهمّ


(269)

من المنقصة الناشئة من قبل اتّحادها مع الغصب بخلاف المهم.

وأمّا الصلاة في ضيق الوقت فلانحصار امتثال الأمر بالصلاة في الأرض المغصوبة فلا أمر بالصلاة في خارج الأرض حتّى يكون الأمر بالصلاة فيه ناهياً من إقامتها في الأرض المغصوبة ولعلّ نظر المشهور الذاهب إلى التفصيل، إلى هذا المبنى.

يلاحظ عليه: أنّ الأهمية والمهمية إنّما تتصوران فيما إذا كان الملاك في أحدهما أقوى من الآخر كإنقاذ النبي والوصي، دون ما إذا كان الملاك في الكل متساوياً ولكن كان أحد الفردين مشتملاً على المفسدة، فإنّ الاشتمال على المفسدة لا يجعل أحد الفردين أضعف ملاكاً والآخر أقوى ملاكاً، فعندئذ لا وجه لتعيّـن الأمر بالصلاة في خارج الأرض حتى يكون موجباً للنهي عن الصلاة في داخلها والمفروض مغلوبية مفسدة الغصب وعدم تأثيرها عند الاجتماع مع مصلحة الصلاة فتوجيه التفصيل بما ذكر لا وجه له.(1)

فالأولى أن يقال: إنّ التفصيل الموجود في كلام المشهور ناظر إلى الصورة الرابعة وهي مورد تقديم النهي وكون ملاكه أقوى من الأمر ووجه التفصيل بالصحّة في ضيق الوقت، والبطلان في عدمه، هو ما دلّ على عدم سقوط الصلاة بحال، فعندئذ يكون حاكماً على أدلّة حرمة التصرف في مال الغير، فلا يكون التحريم حكماً فعلياً ولا تكون الصلاة فيها أمراً مبغوضاً.

وإن شئت قلت: إنّ الحكم بعدم سقوط الصلاة مطلقاً، والحكم بفعلية حرمة التصرف في مال الغير لا يجتمعان فتقديم الأوّل يقتضي رفع اليد عن الثاني فيكون المجال لحكم الصلاة فقط ومعه تصحّ الصلاة بلا كلام.


1-لاحظ تعليقة المحقّق الاصفهاني:1/297.


(270)

و هذا بخلاف سعة الوقت إذ لا وجه لتقديم الأمر على النهي مع سعته فتكون التصرّفات المتّحدة مع الصلاة أمراً مبغوضاً ومنهياً عنه، بلا أمر، كما هو المفروض من اختيار الامتناع في المسألة.

ثمّ إنّ المحقّق البروجردي قد استوجه صحّة الصلاة في حال الخروج مطلقاً إذا كان الخارج نادماً حاله قائلاً بأنّ العبد إذا تاب بعد توسّطه في الأرض صارت التوبة رافعة للعصيان الصادر عنه بالدخول وتوابعه، وبعد التوبة يصير كمن لم يدخل في أرض الغير على الوجه المحرّم، ويصير الدخول الصادر عنه عصياناً المؤدّي إلى التوابع المحرّمة، بمنزلة ما لو لم يصدر عنه عصياناً وتمرّداً فلا يصير الخروج عندئذ مبغوضاً إذ الفرض أنّه مضطرّإليه وكونه أمراً اختيارياً باعتبار الدخول ويعدّ عصياناً وإن كان صحيحاً من هذه الجهة، لكن ارتفاع حكم الدخول بالتوبة، ارتفاع لحكم الخروج من هذه الناحية أيضاً. وعلى ذلك إن اتّحدت حركاته الخروجية بعد التوبة مع أفعال الصلاة وقت الصلاة تكون صحيحة.(1)

أقول: ما ذكرهـ قدَّس سرَّه ـ تبعاً لصاحب الجواهر لا يكفي في الحكم بصحّة الصلاة لأنّ التوبة لا تكفي في رفع المبغوضية مالم يحصل رضا صاحب الأرض لأنّ التصرّف في أرض الغير ليس اعتداء على حقوقه سبحانه بل اعتداء على حقوق عبيده الذين أعطاهم وسلّطهم عليها، فلا ترتفع المبغوضية إلاّبالندم وكسب رضا صاحبها وعند ذلك تصير الصلاة صحيحة كما لا يخفى ومع إحراز الأمرين، لا يبقى مورد للبحث.

***


1-نهاية الأُصول:249، الطبعة الأُولى.


(271)

التنبيه الثاني: في بيان الفرق بين باب الاجتماع والعموم والخصوص من وجه

قد عقد صاحب الكفاية هذا التنبيه لبيان مطالب ثلاثة:

الأوّل: على القول بالامتناع ، ما هو الفرق بين قولنا: صلّولا تغصب وبين الدليلين اللّذين بينهما من النسبة العموم والخصوص من وجه كما إذا قال : أكرم العلماء ولا تكرم الفساق ففي العالم الفاسق يجتمع الحكمان.

الثاني: انّ تقديم أحد الدليلين وتخصيص الآخر به في المسألة على القول بالامتناع، لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الأمر رأساً حتى تكون العبادة باطلة في مورد الأعذار كما إذا كان النهي اقتضائياً.

الثالث: ما هوالمرجّح في المقام لتقديم النهي على الأمر على القول بالامتناع وبيان هذه الأُمور لأجل كون المختار عنده هو الامتناع وإلاّفالاجتماعي في فسحة من بيانها.

وقد أشبع صاحب الكفاية البحث عن الأمر الأوّل عند البحث عن مقدّمات المسألة فلاحظ الأمر الثامن والتاسع كما أنّه بحث عن الأمر الثاني في عاشرها، وكان الأولى له هو عقد البحث للأمر الثالث فقط ونحن نقتفيه على وجه الإجمال.

وحاصل ما أفاده في المطلب الأوّل أُمور:

أ: قد سبق منّا في باب الترتّب وفي نفس المقام أنّ هنا مسألتين (1) ربّما


1-يجمعهما أمر واحد و هو أنّ الكلّ من باب التزاحم، وهوعلى قسمين: قسم يكون سبب التزاحم ضيق قدرة المكلّف وعدم تمكّنه الجمع بين الحكمين كما في أنقذ الغريقين. و هذا هو الذي مرّ في باب الترتّب وقسم يكون سببه، وجود التدافع بين ملاكي الحكمين كما في باب الصلاة و الغصب فتدبّر.


(272)

يوجب الخلط بينهما غموضاً في فهم مقاصد الكفاية.

الأُولى: ما الفرق بين التزاحم والتعارض وهذا هوالذي سبق البحث عنه في باب الترتّب.

الثانية: ما الفرق بين باب الاجتماع، وباب العامين من وجه كقولنا: أكرم العلماء ، ولا تكرم الفساق حيث إنّ الدليلين الأخيرين يعدّان من قبيل المتعارضين في المجمع. بخلاف قولنا: صلّ ولا تغصب حيث لا يعامل معهما معاملة المتعارضين، مطلقاً، أمّا على القول بالاجتماع فواضح وأمّا على القول بالامتناع، فهما من باب المؤثرين والمقتضيين اللّذين لا يمكن الجمع بينهما فالملاكان متدافعان تحقّقاً فيقدّم الغالب منهما ملاكاً وإن كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى سنداً وأتقن دلالة وليسا من قبيل المتعارضين وإلاّ لوجب الرجوع إلى الأقوى دلالة وسنداً، بل يرجع في تمييز الحكم الفعلي إلى الأقوى ملاكاً ومناطاً وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخراساني «بل إنّما هو من باب تزاحم المؤثّرين والمقتضيين فيقدّم الغالب منهما وإن كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى». بخلاف باب العموم والخصوص من وجه، فالملاك موجود في واحد منهما دون الآخر، ولأجله يرجع في تعيين الواجد إلى المرجّحات الدلالية والسندية.

ب: ثمّ إذا علمت فعلية الخطابين، ،فإن علم الأقوى ملاكاً والأهمّ مناطاً فيقدّم، وإلاّ فيكون الأقوى دلالة أو سنداً، طريقاً إلى كشف الأقوى ملاكاً. وإن علمت فعلية أحد الحكمين دون الآخر يتعيّن الأخذ بالفعلي منهما.

ج: ولو كان كلا الحكمين اقتضائيين يرجع إلى الأصل، مثلاً لو شككنا في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة في شرطية الإباحة أو مانعية الغصب يرجع إلى الأصل المحكّم في باب الشروط والموانع.(1)


1-كفاية الأُصول:1/273.


(273)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الأقوائية سنداً أو دلالة لا تكشف عن الأقوائية ملاكاً فلو قال الأعدل: أنقذ الوصي وقال العادل: أنقذ النبي فهل ترى من نفسك أن تجعل الأعدلية كاشفةً عن الأقوائية ملاكاً؟ كلاّ.

و إن شئت قلت: إنّ قوّة الكاشف أجنبية عن قوّة المنكَشَف وليست بالإضافة إلى المقتضي من قبيل نسبة المعلول إلى العلّة كي تكشف عنها كشفاً انّياً كما لا يخفى.

ثمّ إنّ المحقّق الاصفهاني وجّه كلام المحقّق الخراساني بما هذا حاصله: أنّ التعبّد بالأقوى سنداً ودلالة منبعث عن ملاك ومقتضي فعلي ذاتي أو عرضي فلو لم يكن هذا الملاك أقوى لم يعقل التعبّد بخصوص الأقوى بل وجب التعبّد بالأضعف سنداً أو دلالة لكون المقتضي للتعبّد به أقوى أو وجب التخيير بينهما لو لم يكن بينهما أقوى.(1)

ولا يخفى ما فيه من الخلط بين المصلحة في المتعلّق، والمصلحة في نفس العمل بالأقوى سنداً ودلالة والكلام في المورد الأوّل دون الثاني فانّ الكلام في أنّ أيّ واحد من الصلاة والغصب أقوى ملاكاً من الآخر حتى يؤخذ بحكمه ومن المعلوم أنّ الأقوائية دلالة وسنداً لا تكشف عن أقوائية الملاك في المتعلّق.

وأمّا الأمر بالأخذ بالأعدل أو الأظهر فليس لأجل كونه كاشفاً عن أقوائية الملاك في المتعلّق بل لأجل أنّ الأعدل أبعد من الكذب، والأظهر أقرب إلى مقصود المتكلّم وأين هذه المصلحة من مصلحة المتعلّق كمعراج المؤمن في الصلاة أو إشاعة الفوضى في الغصب.

و ثانياً: أنّ ما ذكره من أنّه إذا كان كلا الحكمين اقتضائيّين يرجع إلى الأصل فلم يعلم مراده من الحكم الاقتضائي فهل المراد منه الأحكام المخزونة عند


1-نهاية الدراية:1/297.


(274)

صاحب الأمر، أو الأحكام التي لم يتحّقق موضوعها ، أو غير ذلك؟

هذا كلّه حول المطلب الأوّل وأمّا المطلب الثاني فأفاد:

«أنّ ترجيح أحد الدليلين لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الأمر رأساً فهذا الكلام ناظر إلى تصحيح الصلاة على القول بالامتناع مع تقديم جانب النهي في صورة الجهل، والصحّة لأجل أنّ وزان التخصيص في المقام، وزان التخصيص العقلي الناشئ من جهة تقديم أحد المقتضيين على الآخر والحاصل أنّه فرق بين التخصيص اللفظي الكاشف عن خروج المورد عن تحت الدليل العام وعدم شمول الإرادة الجدّية له رأساً، وبين التخصيص لأجل التزاحم فهو تخصيص مؤقّت يكون مادام مفاد الدليل الآخر كان فعليّاً، فإذا فرضنا عدم كون المقتضي فيه مؤثراً فعلاً للجهل أو الاضطرار يكون الآخر مؤثراً لما عرفت من أنّ الإخراج لم يكن إخراجاً من رأس، بل إخراجاً لأجل التزاحم فإذا ارتفع المانع يؤثّر المقتضي أثره.

ثمّ إنّ المانع تارة يمنع عن تأثير المقتضي للنهي، كما في مورد الاضطرار، فهو مانع عن أصل التأثير وأُخرى يمنع عن فعلية التأثير كالجهل والنسيان، وعلى فرض عدم تأثير النهي أو فعليته فالصحّة تارة لأجل الأمر وأُخرى بالملاك وإلى ما ذكرنا أشار المحقّق الخراساني وقال: «من جهة تقديم أحد المقتضيين وتأثيره فعلاً، المختصّ بما إذا لم يمنع عن تأثيره مانع ، المقتضي لصحّة مو(1)رد الاجتماع مع الأمر أو بدونه فيما كان هناك مانع عن تأثير المقتضي للنهي له (كما في مورد الاضطرار)، أو كان هناك مانع عن فعليّة التأثير كما في صورة الجهل والنسيان».(2)

إلى هنا تمّ ما أراده المحقّق الخراساني في المطلب الثاني.


1-وصف لقوله «المختص».
2-كفاية الأُصول:1/274.


(275)

أمّا المطلب الثالث أي المرجّحات النوعية لتقديم أحد الحكمين على الآخر على القول بالامتناع (وأمّا لو قلنا بجواز الاجتماع فلا مانع من إعمال الحكمين) فلابدّ من تقديم ما هوالأقوى مناطاً ثمّ إنّهم ذكروا لتقديم النهي وجوهاً ثلاثة:

الأوّل: كون النهي أقوى دلالة من الأمر.

الثاني: دفع المفسدة أقوى من جلب المنفعة.

الثالث: الاستقراء في الشريعة يرشدنا إلى تقديم جانب النهي على الأمر.

أمّا الأوّل: فربّما يقال: إنّ دليل النهي أقوى دلالة من دليل الأمر لأنّ مفاد النهي شمولي بخلاف مفاد الأمر فانّه بدليّ لأنّ النهي حسب الواقع ينحل بانحلال موضوعه ومتعلّقه في الخارج فيكون هناك نهي بعدد الموضوع، فيكون كلّ تصرّف عصياناً للنهي المختصّ به وإن لم يتصرّف في شيء آخر كما أنّه لو كان له تصرّفان في مورد واحد، كان له عصيانان، وهذا بخلاف الأمر فإنّه بعث إلى الطبيعة ويكفي في امتثالها صرف وجودها بأوّل مصداقها، ،لأنّ المفروض أنّ المطلوب هوالطبيعة بلا قيد توحّد ولا تكثّر وهويتحقّق بنفس إيجاد مصداق واحد.

وأورد على الاستدلال بأنّ مفاد النهي وإن كان شموليّاً، ومفاد الأمر بدليّاً لكنّه لا يكون مرجّحاً بعد كون الدليل فيهما هو الإطلاق، فهو في النهي يقتضي الشمول، وفي الأمر البدل.

و رُدّ الإشكال بأنّ الشمول في النهي والنفي لو كان مستنداً إلى الإطلاق يلزم أن يكون استعمال «لاتغصب» في بعض الأفراد حقيقة، وهذا واضح الفساد فلابدّأن يكون الدليل عليه هو العقل لأنّ انتفاء الطبيعة إنّما يكون بانتفاء جميع أفرادها.

و نصر المحقّق الخراساني المستشكل بأنّه لا غنى لنا في استفادة الشمول


(276)

عن مقدّمات الحكمة لأنّ النهي والنفي يدلاّن على انتفاء ما أُريد من متعلّقهما وأمّا ما هوالمتعلّق، فهل هو المطلق أو المقيّد، فلا يتعيّـن إلاّ بإجراء مقدّمات الحكمة.

و بعبارة أُخرى النهي في قوله: «ولا تغصب» يدلّ على انتفاء ما أُريد من المتعلّق أي الغصب لكن تعيين دائرة المراد منه، سعة وضيقاً يتوقّف على إجراء مقدّمات الحكمة فهل المراد هو النهي عن مطلق الغصب أو عن الغصب في غير حال الصلاة.

ثمّ عدل عمّا ذكره باحتمال كفاية دلالتهما على الاستيعاب في إثبات أنّ المراد من المتعلّق هو المطلق كما يدعى في لفظة «كلّ رجل».(1)

والحقّ أن يقال: إنّ كون مفاد أحدهما شمولياً، والآخر بدلياً لا يكون دليلاً على ترجيح مدلول أحدهما على الآخر بعد كونهما مستفادين من الإطلاق وعدم البيان، فكما أنّ النهي يمكن أن يكون بياناً للأمر، فيخصّه بغير المغصوب فهكذا الأمر يمكن أن يكون بياناً للنهي، فيخصّه بغير حالة الصلاة.

نعم لو كان الشمول وضعيّاً والبدلي إطلاقياً يصحّ القول بتقديم الأوّل على الثاني كما إذا قال: لا تكرم الفساق وقال أكرم عالماً، فبما أنّ دلالة الأوّل على الشمول بالدلالة اللفظية أعني الجمع المحلّى باللام ودلالة الثاني على كفاية فرد من أفراد الطبيعة بالدلالة العقلية لا مناص من أن يقدّم الأوّل على الثاني عند التعارض كالعالم الفاسق.

هذا كلّه حول الدليل الأوّل على تقديم جانب النهي على الأمر.

***


1-كفاية الأُصول:1/275ـ 276.


(277)

أمّا الثاني: فهو مقتضى القاعدة المعروفة «دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة» ، فانّها تقتضي تقديم النهي على الأمر.

أقول: إنّ الدليل الأوّل مبني على تقديم النهي لكونه أقوى دلالة فهو ناظر إلى عالم الإثبات وهذا الدليل مبني على تقديم النهي، لكونه أقوى ملاكاً فهو ناظر إلى عالم الثبوت فهو مركّب من صغرى وكبرى.

فالصغرى هي أنّ في ارتكاب النهي مفسدة، وفي ترك الواجب، ترك المصلحة،والكبرى هي أنّ دفع الأُولى أولى من جلب الثانية.

وقد ناقش المحقّق القمي في الصغرى بأنّ في ترك الواجب أيضاً مفسدة إذا تعيّن.

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ الواجب إذا تعيّـن ليس إلاّ لأجل أنّ في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة كما أنّ الحرام بالعكس.

ثمّ إنّه ـ قدَّس سرَّه ـ ناقش في الكبرى وسيوافيك الكلام.

الظاهر عدم صحّة القاعدة صغرى وكبرى.

أمّا الأُولى فلأنّ المراد من المصالح والمفاسد، هي الأعمّ من الفردية والاجتماعية فعندئذ ربّما يكون في ترك الواجب مفسدة اجتماعية، كما في ترك الجهاد، فانّه يوجب الذلّ والهوان وسيطرة العدو على النفوس والأموال وأيّ مفسدة أعظم من ذلك.

قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «فو اللّه ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم قط إلاّ ذلّوا»(1) ومثله ترك الزكاة فانّ في تركها إيجاد الفوضى واتساع دائرة الفتنة وفقدان الأمن المالي . قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «فما جاع فقير إلاّبما مُتِّع به غني».(2)


1-نهج البلاغة، الخطبة 27.
2-نهج البلاغة، قصار الحكم، برقم 328.


(278)

وأمّا الكبرى فلأنّ: الواجبات والمحرّمات ليس على وزان واحد فربّ واجب يكون في تركه أشدّالمجازات. قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبارَ*و َمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاّمُتَحَرِّفاً لِقِتال أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَة فَقَدْ باءَ بِغَضَب مِنَ اللّهِ وَمأْواهُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصيرُ) (الأنفال/ 15ـ16).

فهل يجوز تركه بحجّة أنّه يستلزم النظر إلى المرأة الأجنبية، وربّما يكون الأمر على العكس فليس هنا ضابط كلي دال على تقديم النهي على الأمر.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على القاعدة ـ بعد المناقشة في كلية الكبرى ـ ما هذا توضيحه:

1ـ إنّ القاعدة راجعة إلى ما إذا دار الأمر بين كون الشيء الواحد واجباً أو حراماً كالمرأة المردّدة بين كونها زوجة على رأس أربعة أشهر، أو أجنبية ، أو كالصلاة إلى الجهة المرددة بين كونها محرّمة أو واجبة فتختص بما إذا كان هناك حكم واحد مردّد بين الحكمين، لا مثل المقام الذي نعلم بوجود الحكمين ولكن حكم العقل بامتناع الاجتماع ولم يعلم ترجيح أحدهما و إن شئت قلت: تختصّ بما إذا كان دليل واحد ثبوتاً تردّد بين الدليلين إثباتاً، لا ما إذا كان هناك دليلان ثبوتاً وإثباتاً وحكم العقل بعدم إمكان إعمالهما.

2ـ لو افترضنا العموم لكلتا الصورتين لكن الترجيح بالقاعدة مخصوص بما إذا قُطِع بالأولوية لا ما إذا ظنّو ليس في المقام أيّ قطع بها.

3ـ ولو افترضنا عمومها لما إذا ظنّ بالأولوية لكنّها إنّما تجري إذا لم يكن المورد مجرى للبراءة كما في المثالين حيث دار الأمر بين الوجوب والحرمة التعينيين، حيث إنّ إجراء الأصل في أحد الاحتمالين يعارض إجراءه في الطرف الآخر لعلم القطعي بالإلزام المردّد بين الحرمة والوجوب، لا في مثل المقام، فانّه تجري البراءة عن الحرمة لاحتمال تساوي الملاكين وتساقطها فتكون الحرمة مشكوكة، ولا تجري


(279)

في جانب الوجوب للعلم بوجوب الصلاة على وجه الإجمال ولو في ضمن أفراد أُخرى لها.

4ـ لو قيـل: إنّ الأصل عند الشكّ في الأجزاء والشرائط ـ ككون السورة جزء من الصلاة أو لا ـ هو الاشتغـال وبطلان الصلاة بدونها، لما كان دليلاً على القول بالاشتغال وبطلان الصلاة في المقام، وذلك لوجود المقتضي للصحة في المقام وهو الأمر وليس المانع إلاّالحرمة المرفوعة بأصل البراءة، بخلاف الشكّ في كميّة الأجزاء والشرائط فلا علم بالصّحة لاحتمال وجوب الشيء المشكوكة جزئيته.

وحاصل الفرق بين المقامين هو أنّ المأمور به في المقام تام من حيث الأجزاء والشرائط والشكّ في الصحّة نابع من جهة كونه مبغوضاً لأجل حرمة الغصب ولكن المبغوضية الواقعية، لا يؤثر في البطلان، والمبغوضية الفعلية وإن كانت مؤثرة فيه ، لكنّها مشكوكة لأجل الشكّ في الحرمة الفعلية المرفوعة بأصالة البراءة عقلاً ونقلاً، بخلاف الشكّ في الأجزاء والشرائط، فلو كانت السورة جزءاً للصلاة فتركها بما أنّه ترك للجزء الواقعي مؤثر في البطلان وأمّا أصل البراءة فإنّما ترفع جزئيّتها ووجوبها في الظاهر، وهو غير العلم بعدم جزئيتها للصلاة في الواقع.

5ـ هذا كلّه إذا قلنا بأنّ المفسدة الغالبة المحرزة مانعة عن صحّة الصلاة وأمّا إذا قلنا بأنّها بوجودها الواقعية الغالبة، مانعة وإن لم يعلم بها المكلّف، فعندئذ تكون النتيجة معكوسة، فلا يجدي أصل البراءة في المقام وإن قلنا بها في المسألة الأُخرى أي الشكّ في الجزئية والشرطية.

والفرق أنّنا إذا افترضنا أنّ المفسدة بوجودها الواقعية الغالبة مانعة عن الصلاة، وهي وإن كانت غير معلومة لكنّها محتملة ومع احتمال ذلك المانع لا يتمشى قصد القربة، إذ كيف يتقرّب العبد تقرّباً قطعياً بعمل يحتمل أنّه مبعِّد في الواقع، بخلاف الشكّ في الجزئية فإنّ الشكّ في البطلان ناش عن الشكّ في


(280)

الصحّة الناشئ عن الشكّ في تعلّق التكليف بها فإذا ارتفع التعلّق حكم بالصحّة.(1)

هذا توضيح كلامه وفيه مواقع للنظر يعلم بالإمعان والدقة نتركها للقارئ الكريم فلاحظ.

***

وأمّا الدليل الثالث أعني الاستقراء في الشرع، فالمتحصّل منه موردان:

1ـ أيّام الاستظهار بعد تمام العادة وقبل العشرة حيث أمر الشارع بترك العبادة والحال أنّ الأمر يدور بين وجوب الصلاة وحرمتها ولكن الشارع غلب جانب الحرمة على جانب الوجوب وأمر بترك الصلاة.

2ـ الوضوء والغسل بمائين مشتبهين فإنّ الأمر يدور بين الوجوب والحرمة فأمر بإهراق المائين ولزوم التيمم.

ولا يخفى ما فيه من الضعف.

أمّا أوّلاً: فلأنّ الحكم بالاستقراء ولو كان ناقصاً يحتاج إلى تتبّع قدر معتدّاً به من الجزئيات حتى ينتقل منه الإنسان إلى الحكم الكلي ظنّاً، وامّا تتبّع موردين فهو لا استقراء تام ولا استقراء ناقص.

و ثانياً: أنّ لزوم الاستظهار بترك العبادة ، ليس أمراً متّفقاً عليه بين الفقهاء بل اختلفوا فيه حسب اختلاف الروايات فمن قائل بالاستحباب كصاحب العروة الوثقى لاختلاف النصوص(2) وقائل بوجوبه يوماً والتخيير في باقي الأيّام، وقائل بوجوبه ثلاثة أيّام والتخيير في الباقي إلى غير ذلك من الأقوال ومع هذا الاختلاف كيف يمكن أن يقال قدّم الشارع الحرمة على الوجوب.


1-كفاية الأُصول:1/277ـ278.
2-السيد الطباطبائي: العروة الوثقى.


(281)

ثالثاً: أنّ لزوم الاستظهار لأجل الدليل الحاكم على كون الدم المشكوك حيضاً وهو الاستصحاب أو قاعدة الإمكان أعني كلّ دم يمكن أن يكون حيضاًفهو حيض. ومعه لا مجال لتقديم جانب الوجوب.

وأمّا المورد الثاني: ففيه أوّلاً: أنّ إطلاقه على خلاف القاعدة، لأنّ مقتضى إطلاقه هو لزوم إهراق الماء ولو كان الماء الثاني المشتبه ، كثيراً يكفي لطهارة مواضع التوضي بالماء السابق ثمّ التوضؤ به ، مع أنّ مقتضي القاعدة في هذه الصورة هو تكرار الوضوء مع تكرار الصلاة بالنحوالآنف إذ عندئذ يعلم بأنّ إحدى الصلاتين كانت مع الوضوء فإذن خرجنا عن القاعدة لأجل إطلاق النص، فلا يمكن انتزاع قاعدة كلية تفيد أنّ الشارع قدّم جانب الحرمة على الوجوب.

وثانياً: أنّ ترك الوضوء من الإنائين لأحد أمرين إمّا لأجل لزوم التشريع إذا قصد الوضوء الواقعي. وإمّا للتعبّد كما إذا توضّأ بهما رجاءً، وعلى كلّ تقدير لا يجوز التعدي منه إلى سائر المقامات أمّا إذا كان تعبداً فواضح إذ معناه الاختصاص بمورده أمّا التشريع فالمفروض عدمه في المقام.

وثالثاً: أنّ تقديم الحرمة على الوجوب في مورد المائين المشتبهين بإهراق الماء والتيمّم، لأجل أنّه لو توضّأ بهما وإن كان يحصل له العلم بالطهارة من الحدث، لكن في مقابله يحصل له العلم بتنجّس الأعضاء تفصيلاً في آن إصابة الماء الثاني إذا كان قليلاً، وتستصحب النجاسة إلى العلم بالمزيل هذا من جانب.

و من جانب آخر أنّ فتوى المشهور في بعض الموارد يكشف عن أنّه لو دار الأمر بين تحصيل الطهارة الحدثية والخبثية، تقدّم الثانية كما إذا كان محدثاً وكان بدنه أو ثوبه الساتر نجساً أيضاً، والماء الموجود غير كاف إلاّ لواحدمنهما، فيجب عليه تطهير البدن والثوب، والتيمم مكان الوضوء وما هذا إلاّ لأنّ للأُولى بدلاً دون الثانية، ومن المعلوم في باب التزاحم تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل.


(282)

وأمّا حدوث العلم التفصيلي بنجاسة العضو في زمان معين، فلأجل أنّ الماء الثاني لو كان قليلاً فبمجرّد إصابة جزء من الماء إلى العضو قبل حصول التعدّد أو انفصال الغسالة، يعلم تفصيلاً بنجاسة ذلك العضو، لأنّه لو كان النجس هو الماء الثاني فواضح ولو كان النجس هوالماء الأوّل فالماء الثاني وإن كان طاهراً وبالتالي مطهراً لكنّه بما أنّه قليل لا يكون مطهراً إلاّ بعد انفصال الغسالة وتعدد الغسل، والمفروض عدم حصولهما، فزمان إصابته للعضو، قبل الانفصال والتعدد، زمان العلم التفصيلي بنجاسته نعم بعد حصولهما ينقلب العلم التفصيلي إلى العلم الإجمالي بنجاسة العضو إمّا بالماء السابق، المرتفعة قطعاً أو بالماء اللاحق، الباقية قطعاً، فيستصحب ذلك المعلوم تفصيلاً ولا مجال لجريان قاعدة الطهارة بعد تمامية أركان الاستصحاب وهو العلم بالنجاسة تفصيلاً في زمان معين . نعم لو كان الماء الثاني كثيراً بحيث لا يحتاج في التطهير به إلى التعدّد وانفصال الغسالة لم يحصل علم تفصيلي بنجاسة العضو بل يكون هناك من أوّل الأمر علم إجمالي بنجاسته إمّا بالماء السابق المرتفعة أو بالماء اللاحق الباقية فلا موضوع للاستصحاب فتجري قاعدة الطهارة.

أقول: الحقّ جريان استصحاب النجاسة في كلتا الصورتين حتى فيما إذا كان الثاني كثيراً وذلك لحصول الغاية أعني قوله:«حتى تعلم أنّه قذر» وهي أعمّ من العلم التفصيلي وا لإجمالي.

بل الحقّ كما سيوافيك في مبحث الاستصحاب أنّه يرجع فيه إلى ضدّ الحالة السابقة الموجودة قبل توارد المائين وذلك لأنّه يشترط في تأثير العلم الإجمالي أن يكون العلم محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، بأن يكون استعمال الماء الطاهر محدثاً للتكليف مطلقاً سواء تقدّم استعماله أو تأخّر ففي مثله، يكون العلم الإجمالي بحدوث الطهارة والنجاسة مع الشكّ في التقدّم والتأخّر مؤثراً.

و هذا الشرط غير موجود في استعمال الماء الطاهر وإن كان موجوداً في


(283)

استعمال الماء النجس وذلك لأنّا إذا افترضنا طهارة العضو فالعلم باستعمال الماء، الطاهر غير محدث للتكليف إذا تقدّم استعماله، لأنّ ورود الماء الطاهر على العضو الطاهر، لا يحدث تكليفاً بل يؤكِّد طهارة العضو نعم هو محدث للتكليف إذا تأخّر استعماله وتقدّم استعمال الماء النجس فيكون مزيلاً للنجاسة الحاصلة باستعمال الماء النجس، فيكون محدثاً للتكليف على فرض دون فرض وهذا هو الذي قلنا إنّه غير محدث للتكليف على كلّ تقدير، وهذا بخلاف استعمال الماء النجس فهو محدث له على كلّ تقدير فيكون مؤثراً ومنجّزاً وتستصحب النجاسة الحاصلة باستعماله قبل الماء الطاهر أو بعده، إلى أن يحصل العلم بالمزيل، ولأجل ذلك قلنا يؤخذ بضدّ الحالة السابقة ومنه يعلم حكم عكس المسألة أعني ما إذا كان العضو نجساً، فتستصحب الطهارة بالبيان السابق كما لا يخفى.

التنبيه الثالث

هل تعدّد الإضافات كالإكرام المضاف إلى العالم والفاسق بالأمر بالأوّل والنهي عن الثاني كتعدّد المعنونات والجهات أو لا؟ ذهب المحقّق الخراساني إلى الأوّل لأنّه لو كان اختلاف العناوين مجدياً مع وحدة المعنون كان تعدّد الإضافات مجدياً لأنّ المصالح والمفاسد تختلف حسب الإضافات والجهات وما يترآى من العلماء معاملة التعارض مع العموم من وجه، لأجل البناء على الامتناع أو إحراز عدم المقتضي لأحد الحكمين في مورد الاجتماع.

و يظهر ذلك من الشيخ أيضاًقائلاً بأنّ العالم والفاسق طبيعتان متغائرتان فيلزم على المجوّز في مورد الصلاة والغصب، التجويز فيهما.

تمّ الكلام في باب اجتماع الأمر والنهي
والحمد للّه ربّ العالمين


(284)

هل النهي عن الشيء يقتضي الفساد أو لا؟

وقبل الورود في صلب الموضوع نقدّّم أُموراً:

الأوّل: يظهر من المحقق الخراساني أنّ هذه المسألة، والمسألة السابقة متّحدتان جوهراً ولبّاً ومختلفتان في الجهة المبحوث عنها، فإنّ جهة البحث في هذه المسألة هي دلالة النهي بوجه على الفساد، ولكن جهة البحث في المسألة السابقة هي أنّ تعدّد الجهة هل يرفع غائلة اجتماع الأمر والنهي في مورده أولا؟(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا جهة اشتراك بين المسألتين حتّى نحتاج إلى بيان جهة التمايز فانّهما مختلفتان موضوعاً ومحمولاً ويعلم ذلك بطرحِ عنواني المسألتين.

فمحور المسألة الأُولى هو جواز تعلّق الأمر والنهي بشيئين مختلفين في مقام التعلّق ومتّحدين في مقام الإيجاد وعدم جوازه، هذا بناء على أنّ النزاع في تلك المسألة كبرويّ.

وأمّا على القول بأنّ النزاع فيهما صغرويّ كما عليه المحقّق الخراساني فلبّ البحث عبارة عن كون تعدّد العنوان موجباً لتعدّد المعنون ورافعاً للغائلة أو لا.


1-كفاية الأُصول: 1/283.


(285)

فأين هذه المسألة ممّا نحن فيه، أعني: وجود الملازمة بين النهي والفساد ثبوتاً على القول بأنّ النزاع عقليّ، ودلالةً وإثباتاً على القول بأنّه لفظي. فهما مسألتان مختلفتان من جميع الجهات.

أضف إلى ذلك أنّ ركيزة المسألة الأُولى هي وجود الأمر والنهي معاً كما أنّ ركيزة المسألة الثانية هي وجود النهي سواء أكان معه أمر كما في مورد العبادات أم لم يكن معه أبداً كما في باب المعاملات.

نعم لو قلنا في المسألة السابقة بجواز الاجتماع وأنّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي، أو قلنا بالامتناع ولكن قدّمنا الأمر ورفضنا النهي، فلا يبقى حينئذ أيّ مجال للبحث عن المسألة الثانية، إمّا لعدم تعلّق النهي بالعبادة، أو لعدم وجود النهي أصلاً.

وأمّا لو قلنا في المسألة السابقة بالامتناع وقدّمنا النهي، فهو يحقّق موضوعاً وصغرى للمسألة الثانية، والصلة بهذا المقدار لا تجعل المسألتين مسألة واحدة.

الثاني: أنّ البحث في المسألة السابقة عقلي محض وليس لدلالة اللفظ فيها أيّ دخل، وأمّا المقام فمن قائل إلى أنّ البحث عقليّ في هذه المسألة كما عليه الشيخ الأنصاري والمحقّق النائيني ـ قدّس سرّهما ـ إلى قائل آخر بأنّه لفظيّ كما هو الظاهر من المحقّق الخراساني، أو لا هذا ولا ذاك وإنّما يخضع كونها من أيّ قسم، للدليل القائم عليها، فإن استدل بدليل عقلي يكون النزاع عقلياً، وإن استدلّ بدليل لفظي يكون النزاع لفظياً.

وإن شئت قلت: هل البحث في الملازمات العقلية للأحكام وأنّ النهي عن الشيء يلازم الفساد سواء أكان هناك لفظ أم لا؟ أو أنّ النزاع في دلالة الألفاظ على الفساد كما ربّما يقال بأنّ الظاهر من النهي هو الإرشاد إلى الفساد أو إلى


(286)

المانعية، والأوّل كقوله: دعي الصلاة أيّام أقرائك(1) أو لا تبع ما ليس ع(2)ندك والثاني كما في قوله ـ عليه السَّلام ـ :لا تجز الصلاة في شعر ووبر مالا يؤكل لحمه.(3)

وبعبارة ثالثة هل النزاع في الثبوت كما عليه القول الأوّل، أو في الإثبات كما عليه القول الثاني؟

استدل للقول الأوّل بأنّ أبا حنيفة قال بأنّ النهي يدلّ على الصحّة ومن المعلوم أنّ استنتاج الصحّة من النهي ليس إلاّبالدلالة العقلية لا بالدلالة اللفظية.

يلاحظ عليه: أنّه لا يجعل النزاع ممحضاً في العقلية غاية الأمر أنّه يصحّ البرهنة عليه من طريق العقل أيضاً.

واستدل المحقّق الخراساني على كون النزاع لفظياً، بأنّ بين الأقوال قولاً بدلالته على الفساد في المعاملات مع انكار الملازمة بينه وبين الحرمة التي هي مفاده فيها.(4)

يلاحظ عليه: بمثل مالاحظنا على السابق، فإنّه يجعل النزاع صالحاً لأن يكون لفظياً ولا يجعله ممحضاً فيه لإمكان الاستدلال عليه عن طريق العقل كما في باب العبادات.

ثمّ إنّ المحقّق الثاني أورد على نفسه إشكالاً وجواباً وإليك توضيحها:

أمّا الأوّل فانّ الملازمة بين الحرمة والفساد في باب العبادات إمّا ثابتة أو لا.

فعلى الأوّل يكون النزاع عقلياً سواء كان هناك نهي لفظي أو لم يكن كما إذا


1-كنز العمال:6/42، 262.
2-سنن النسائي: 7/289.
3-الوسائل: الجزء 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7.
4-كفاية الأُصول:1/283.


(287)

كانت الحرمة معقد الإجماع، وعلى الثاني تكون الملازمة منتفية بينهما.

وعلى كلا التقديرين فالنزاع عقلي إثباتاً ونفياً هذا هو الإشكال، وقد أجاب عنه بقوله: «لإمكان أن يكون البحث معه في دلالة الصيغة بما تعمّ دلالتها بالالتزام».(1)

توضيحه: أنّ النزاع على القول بالملازمة لفظي أيضاً، لأنّ المراد من الدلالة ليست هي الدلالة المطابقية أو التضمّنية، بل الدلالة الالتزامية التي يعدّها المنطقيون من الدلالات اللفظية خلافاً لعلماء البيان فانّهم يعدونها دلالة عقلية، هذا إذا كان النهي موجوداً لفظياً، وأمّا إذا لم يكن في مقام الإثبات فالنهي اللفظي مستكشف عن معقد الإجماع، فتكون دلالته أيضاً لفظية.

والحقّ أنّ النزاع يمكن لحاظه لفظياً، ويمكن لحاظه عقليّاً، ولا اختصاص له بواحد دون سواه.

فإن كان أساس الاستدلال هو ادّعاء الملازمة وعدمها يكون النزاع عقلياً.

و إن كان أساس النزاع في ظهور النهي في الإرشاد إلى الفساد أو المانعية وعدمه، يكون النزاع لفظياً.

فإن قلت: إنّ دلالة النهي الإرشادي على الفساد ليس مورداً للنزاع، لاتّفاقهم على فساد المنهي عنه حينئذ.

قلت: إنّ الكبرى وإن كانت مسلّمة، لكن البحث في الصغرى وأنّ النهي في العبادات والمعاملات هل هو ظاهر في النهي الإرشادي إلى الفساد، أو ظاهر في النهي المولوي؟ فكون الكبرى أمراً مسلّماً لا يوجب كون الصغرى كذلك.

الثالث: لا شكّ أنّ المسألة أُصولية لكون نتيجة البحث واقعة في طريق الاستنباط فلو قلنا بدلالة النهي على الفساد، أو بالملازمة بين النهي والفساد،


1-كفاية الأُصول:1/283.


(288)

تكون العبادات والمعاملات المنهية فاسدة لا يترتّب على إتيانها الأثر المقصود من سقوط الإعادة والقضاء، أو خروج المعوّض من ملك البائع ودخوله في ملك المشتري والثمن على العكس فيقال البيع الربوي ممّا تعلّق به النهي، وكلّ ما تعلّق به النهي فهو فاسد، فينتج أنّ البيع الربوي فاسد.

فإن قلت: قد تقدّم في الأمر الأوّل من مقدّمة الكتاب أنّ الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية، هو أنّ محتوى الأُولى ليس حكماً شرعيّاً مجعولاً، بخلاف الثانية فانّ مضمونها هوالحكم الشرعي المجعول.

والمسألة في المقام تحتوى بيان الحكم الشرعي، وهو فساد المنهي عنه على القول بدلالته عليه أو عدمه وليست من المسائل الأُصولية.

قلت: ليس الفساد حكماً شرعياً وإنّما هو أمر انتزاعي من عدم ترتّب الآثار الشرعية للبيع المنهي عنه. من خروج المعوّض عن ملك البائع ودخول العوض في ملكه وإلاّ فلو قلنا، بأنّه مجعول كالصحّة فلا محيص عن كونها قاعدة فقهية. فلاحظ.

***

الرابع: في تعيين محلّ النزاع من أقسام النواهي:

إنّ النهي ينقسم إلى تحريمي وتنزيهي، وإلى نفسي وغيري، وإلى أصلي وتبعي، وقد اختلفت كلمتهم في كون الجميع داخلاً في محلّ النزاع إمّا عنواناً إذا كان عنوان البحث شاملاً له، أو ملاكاً إذا لم يشمله عنوانه، كما عليه المحقّق الخراساني، أو اختصاصه بالنهي التحريمي النفسي وأنّ النهي التنزيهي والغيري خارجان عن محلّ النزاع لعدم دلالتهما على فساد العبادة، كما عليه المحقّق النائيني، فلنشرع بتوضيح ما أفاده المحقّق الخراساني.


(289)

لا إشكال في دخول النهي التحريمي النفسي الأصلي في محلّ النزاع، إنّما الكلام في دخول غيره، فهو إمّا داخل ملاكاً أو عنواناً وذلك أنّ النهي التحريمي داخل في عنوان البحث، ولكن النهي التنزيهي، كالنهي عن الصلاة في الحمام أو عند طلوع الشمس وغروبها، وإن لم يكن داخلاً في العنوان لكنّه داخل فيه ملاكاً، أمّا عدم دخوله فيه عنواناً، فلأنّ النهي ظاهر في النهي التحريمي، وأمّا دخوله فيه ملاكاً، فلأنّ ملاك النزاع عبارة عن كشف النهي عن عدم المطلوبية المانع عن التقرّب وهو موجود في كلا القسمين.

نعم النزاع في التنزيهي مختصّ بالعبادات التي يطلب فيها التقرّب، ولا يعمّ ملاك التنزيهي، المعاملات لعدم مطلوبية التقرّب فيها.

وأمّا الغيري كالنهي عن الصلاة عند الابتلاء بالإزالة فالأصلي منه داخل في العنوان، وأمّا التبعي منه فلو قلنا بأنّ الأصلي ما فُهِم حكمه بخطاب مستقلّ والتبعي مالم يكن كذلك، فيدخل التبعي أيضاً في العنوان لكونه من أقسام الدلالة اللفظية. ولو قلنا بأنّ الأصلي ما تعلّقت به إرادة مستقلّة، والتبعي ما ليس كذلك بل لو التفت لأراده فيدخل التبعي في عنوان البحث ملاكاً لعدم كونه من مقولة الدلالة.

ثمّ إنّه علّل دخول الغيري في محلّ النزاع بقوله: فإنّ دلالته على الفساد... وحاصله أنّ المجوّز لدخول النهي في محلّ النزاع كون الشيء منهياًعنه، وكون النهي كاشفاً عن عدم المطلوبية، سواء ترتّب عليه العقاب كما في النفسي أو لا كما في الغيري، ويؤيّد ذلك ما سبق، من أنّ ثمرة البحث عن كون الأمر بالشيء، مقتضياً للنهي عن ضدّه، هو فساد المنهيّ عنه إذا كان عبادة، هذا حاصل كلامه.(1)


1-كفاية الأُصول:1/284.


(290)

يلاحظ عليه بأمرين:

1ـ إنّ الظاهر أنّ النهي في لسان الأُصوليين أعمّ من التحريمي والتنزيهي لشيوع النواهي التنزيهيّة في الشريعة، فلا وجه لاختصاصه بالتحريمي بل هو والتنزيهي داخلان في العنوان.

2ـ إنّه لمّا جعل النزاع في هذا الفصل لفظياً لا عقلياً، كما مرّ فقد فصّل في دخول النهي الغير التبعي بين مسلك المشهور ومختاره، ولمّا كان الغير التبعي على مسلكهم من مقولة الدلالة فيدخل في محلّ النزاع عنواناً، وأمّا على مختاره فلمّا كان من مقولة المعنى فيدخل ملاكاً مع أنّه يلزمه ذاك التفصيل في النهي الغير الأصلي أيضاً فإنّه على مسلكهم من مقولة الدلالة، لا على مختاره، لأنّ كون الشيء متعلّقاً للإرادة المستقلّة، أعمّ من كونه مبرزاً، باللفظ وعدمه، اللّهمّ إلاّ أن يقال بالملازمة بين الأصلي والإبراز باللفظ.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني قال بخروج النهي التنزيهي من محلّ النزاع قائلاً: بأنّ النهي التنزيهي عن فرد لا ينافي الرخصة الضمنية المستفادة من إطلاق الأمر فلا يكون بينهما معارضة ليقيّد به إطلاق الأمر، نعم لو تعلّق النهي التنزيهي بذات ما يكون عبادة لكان لدعوى اقتضائه الفساد مجال من جهة أنّ ما يكون مرجوحاً ذاتاً لا يصلح أن يتقرّب به إلاّ أنّ النواهي التنزيهية الواردة في الشريعة المتعلّقة بالعبادات لم تتعلّق بذات العبادة على وجه يتّحد متعلّق الأمر والنهي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من عدم اقتضاء النهي التنزيهي فساد العبادة وإن كان حقّاً، لكنّه لا يوجب خروجه عن محلّ النزاع إذ يمكن أن يتوهم أنّ النهي كاشف عن عدم المطلوبية أو الحزازة وهما لا يجتمعان مع التقرّب.

والحاصل أنّ كون الفساد على خلاف التحقيق أمر، وكونه غير داخل في محطّ النزاع شيء آخر. والكلام في الدخول وعدمه إنّما هو قبل التحقيق وبيان الحال لا بعده، وما ذكره راجع إلى ما بعد التحقيق.


1-الفوائد الأُصولية : 1/ 455ـ456.


(291)

ثمّ إنّهما لم يذكرا من النهي الإرشادي والتشريعي والنهي التخييري شيئاً فنقول:

1ـ النهي الإرشادي المسوق لبيان المانعية كما في النهي عن الصلاة في غير المأكول فلا إشكال في دلالته على الفساد، ولأجل ذلك الوضوح يخرج عن محلّ النزاع، فإنّه يدلّ على أنّ الصلاة ولُبْس غير المأكول لا يجتمعان سواء قلنا بأخذ قيد عدمي في المأمور به كما عليه البعض من إرجاع المانعية إلى أخذ ذلك القيد فيه وإن كان غير تام لرجوع المانعية عندئذ إلى شرطية العدم، أو قلنا بأنّ مفاده هو الإرشاد إلى أنّ ذلك الشيء المنهي عنه والصلاة لا يجتمعان وعلى كلّ تقدير وضوح الحكم يستلزم عدم دخوله في محلّ النقاش بين الأعلام.

وأظهر منه خروجاً النهي المسوق لبيان الفساد كما في قوله:«لا تبع ما لا يُملك».

2ـ النهي التشريعي و مفاده النهي عن الاعتقاد بكون شيء مأموراً به بالخصوص ، كما إذا صلّى في مكان خاص زاعماً بتعلّق أمر خاص به مع إطلاق الأمر فصار باعتقاده وعمله مشرِّعاً، فهل هو داخل في محلّ البحث أو لا؟

يظهر من المحقّق القوچاني خروجه عن حريم النزاع قائلاً بأنّ مفاد النهي التشريعي هو البطلان فلا يتصوّر فيه النزاع.

يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يدل عليه النهي التشريعي هوحرمة الإتيان بالعمل الناشئ منه. أمّا الفساد فليس من المداليل الواضحة، فيقع البحث عن دلالته على الفساد، أو ملازمته معه عقلاً، أوعدمهما.

3ـ النهي التعييني والتخييريّ كما إذا قال: لا تصلّ في الدار المغصوبة، أو لا تجالس الفساق، فصلّى فيها مع مجالستهم، فالظاهر دخول القسمين في محلّ النزاع لكن المحرّم في الأوّل نفس العمل، وفي الثاني الجمع بين العملين.

***


(292)

الخامس: ما هو المراد من العبادة في هذا المقام؟

عُرّفت العبادة بوجوه:

أ: ما أمر به لأجل التعبّد به.

ب: ما تتوقف صحّته على النيّة.

ج: مالا يعلم انحصار المصلحة فيها في شيء.(1)

د: ما ذكره المحقّق الخراساني: ما يكون بنفسه وبعنوانه عبادة له تعالى، موجباً بذاته للتقرّب من حضرته لولا حرمته كالسجود والخضوع له وتسبيحه وتقديسه.

أو ما لو تعلّق الأمر به كان أمره أمراً عبادياً لا يكاد يسقط إلاّ إذا أتى به بنحو قربي كسائر أمثاله نحو صوم العيدين والصلاة في أيّام العادة.(2)

يلاحظ على الشق الأوّل من التعريف الأخير: أنّه لو كان السجود والخضوع والخشوع عبادة ذاتية لما جاز أمر الملائكة بالسجود لآدم، ولما جاز ليعقوب أن يسجد ليوسف، فإنّ لازم ذلك أنّ اللّه تعالى أمر الملائكة بعبادة آدم، أو أنّ يعقوب قام بعبادة ابنه وهو كما ترى، إذ معناه أنّه أمر بالشرك، واللّه سبحانه لا يأمر بالفحشاء:(أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) .(3)

وبذلك يظهر أنّه ليس شيء من السجود والخضوع والخشوع عبادة ذاتية وأنّ محقّق العبادة بالمعنى الوارد في قوله سبحانه: (إِيّاكَ نَعْبُدُ) شيء آخر كما سيوافيك.


1-و سيوافيك ما هوالتعريف الصحيح للعبادة فانتظر.
2-كفاية الأُصول:1/286ـ284.
3-يونس/68.


(293)

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على التعاريف الثلاثة الأُول بأنّواحداً منها لا يمكن أن يتعلّق بها النهي (لكونها ملازمة للصحّة الفعلية).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتّم في التعريف الأوّل، فإنّ ماله الأمر فعلاً يكون صحيحاً، فلا يصحّ تعلّق النهي به والكلام في العبادة التي يصحّ تعلّق النهي بها، وأمّا الأخيران فيصحّ تعلّق النهي بالعبادة المفسرة بهما، وذلك لأنّ ما يتوقّف صحّته على النيّة أو مالا يعلم انحصار المصلحة فيه لا يلازم الصحّة الفعلية حتى لا يصحّ تعلّق النهي به، والحقّ انّ المراد من العبادة في المقام هو ما ذكره المحقّق الخراساني في الشقّ الثاني من عبارته، وهو: مالا يسقط أمره على فرض تعلّقه به إلاّ إذا أتى به بوجه قربي فخرجت التوصليّات لأنّها أُمور تسقط لو لم يأت به كذلك، وا لمراد من المعاملات العقود والإيقاعات، التي تتّصفان بالصحّة تارة وبالفساد أُخرى.

بحث استطرادي

قد عرفت ما هو المقصود من العبادة في مصطلح الأُصوليين في المقام ، بقي هناك بحث و هو بيان المقصود من العبادة في القرآن؟

أقول: العبادة في القرآن التي لا يجوز الإتيان بها إلاّ للّه، لقوله سبحانه:(إِيّاكَ نَعْبُدُ) (الحمد/5) هي القول أو العمل الحاكي عن الخضوع القلبي أمامَ من نعتقد أنّه إله خالقٌ أو ربٌّ مدبِّر أو من بيده مصير الإنسان عاجلاً وآجلاً.

فلو كان المخضوع له إلهاً حقيقياً وربّاً واقعياً، كان مصير الإنسان بيده حقيقة فالعبادة حقّه والخاضع موحِّد، وأمّا لو كان إلهاً أو ربّاً كاذباً ولم يكن مصير الإنسان بيده، فالعبادة عبادة لغير صاحبها، والعابد مشرك.

و لأجل ذلك تتّصف عبادة الموحّدين بالعبادة الحقّة، وعبادة المشركين


(294)

بالعبادة الباطلة، فإنّ المشركين وإن لم يؤمنوا بأنّ الأصنام والأوثان كإله للعالمين وخالقهم، لكن كانوا يؤمنون بأنّ آلهتهم أرباب يدبّرون العالم كلّه أو بعضه، وقد كان احتجاج إبراهيم على مشركي عصره في ذلك المصاف، فقد كان البابليون يعتقدون بإله العالمين ومع ذلك كانوا يقولون بأنّ الكواكب والشمس والقمر أرباب يدبّرون ما تحتها من الأفلاك ومن فيها، ولأجل ذلك ترى أنّ إبراهيم يصرّ على لفظ الربّ. قال سبحانه: (فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَيْلُ رَءَا كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ إِنِّي لا أُحِبُّ الآفِلينَ) (الأنعام/76).

و إن شئت قلت: إنّ العبادة عبارة عن الخضوع أمام من يقوم بالخلق والإحياء والرزق وغيرها من أفعاله سبحانه، كإنزال المطر وشفاء المرضى وغفران الذنوب وقضاء الحوائج، فلو كان المخضوع له يملك تلك الأفعال حقيقة فالعبادة حقّه، وإن كان لا يملكها حقيقة، فالخضوع أمامه عبادة له وظلم في حقّه سبحانه.

و عبدة الوثن وإن كانوا مؤمنين بإله العالم وخالقه، لكنّهم كانوا على عقيدة أنّ اللّه سبحانه فوّض أمر التكوين كلّه أو بعضه إليهم، وتقاعد هو عن ساحة التدبير، وكانوا يردّدون حين الطواف والسعي قولهم:«لبّيك اللهمّ لبّيك، لا شريك لك، إلاّ شريك هو لك، تملكه وما ملك».

هذا وأنّ اللّه سبحانه ينسب إلى اليهود والنصارى بأنّهم كانوا يتّخذون أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه. قال سبحانه:(اتَّخذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ) (التوبة/31).

ومن المعلوم أنّهم لم يكونوا مؤمنين بخالقيتهم بل وربوبيّتهم في التكوين، وإنّما كانوا على عقيدة أنّ التشريع الذي هو فعل اللّه سبحانه، بأيديهم فلهم


(295)

تحريم حلال اللّه وتحليل حرامه.

فتحصّل(1) من ذلك : أنّه لو كان الخضوع بأشدّ مراحله خالياً عن الاعتقاد بأُلوهية المخضوع له أو ربوبيّته أو كونه مفوّضاً إليه أمر التكوين والتشريع لا يكون شركاً في العبادة، نعم يمكن أن يكون حراماً لغير ذلك الوجه، كالسجود أمام الإنسان مع الاعتقاد بأنّه إنسان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، لما ورد النهي عن الإتيان بصورة العبادة المشتركة بين جميع الملل أمام غير اللّه.

***

السادس:

قال المحقّق الخراساني(2): لا يدخل في عنوان النزاع إلاّما كان قابلاً للاتّصاف بالصحّة والفساد بأن يكون تارة تاماً يترتّب عليه ما يترقّب منه من الأثر، وأُخرى لا كذلك لاختلال بعض ما يعتبر في ترتّبه، فخرج أمران:

1ـ مالا أثر له شرعاً، كالنهي عن المشي، فانّه لا موضوع للأثر الشرعي حتّى تكون له حالتان فيترتّب الأثر تارة فيصحّ ولا يترتّب أُخرى فيبطل، فلا يدلّ النهي فيه إلاّ على الحرمة التكليفية فقط.

2ـ أو كان أثره ممّا لا يكاد ينفكّ عنه كالضمان بالإتلاف والاستيلاء من دون طرو عنوان ثانوي عليهما كما إذا كانت دار ما مأوى للفتنة ولا تخمد إلاّ بهدمها.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فسّر المعاملة بالأعم من العقود والإيقاعات، حيث قال: «عقداً أو إيقاعاً أو غيرهما».

و لعلّه أراد من الغير الرضاع والإحياء، كما نهى عن الإرضاع بلبن المشرك أو


1-لاحظ مجمع البيان :6/35، ط دار المعرفة في تفسير ما ورد حول الآية ، من الرواية عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
2-كفاية الأُصول:1/286.


(296)

الكتابي أو الإحياء بآلة غصبية.ولا أظنّ أنّهما داخلان في محطّ النزاع.

***

السابع:

يظهر من المحقّق الخراساني في المقام وفي بحث الصحيح والأعم أُمور:

1ـ إنّ الصحّـة بمعنى التمـام ،ولازمه أنّ الفساد بمعنى النقص، وإن لم يُصرِّح بذلك.

2ـ إنّ توصيف الشيء بأحدهما إنّما هو باعتبار الآثار التي يترقّب منه، فوصف العبادة أو المعاملة بأحدهما إنّما هو بلحاظ آثارهما، لا بلحاظ أنفسهما وصرّح بذلك بقوله فربّما يكون شيء واحد صحيحاً بحسب أثر أو نظر وفاسداً بحسب آخر.

3ـ إنّ اختلاف الصحّة في العبادات والمعاملات ليس في المفهوم بل فيهما بمعنى واحد وهو التمامية، وإنّما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار التي بالقياس عليها تتّصف بالتمامية وعدمها حيث إنّ المطلوب في العبادة سقوط الإعادة والقضاء، وفي المعاملة، ترتّب الأثر المطلوب وحصوله، أعني: النقل والانتقال في البيع.

4ـ إنّ اختلاف الفقيه والمتكلّم في تفسير الصحّة أيضاً لأجل الاختلاف فيما هوالمهمّ لكلّ منهما من الأثر بعد الاتفاق ظاهراً على أنّها بمعنى التمامية، ولأجل ذلك فسـّرها الفقيه بسقوط الإعادة والقضاء لأنّهما يهمّـانه، وفسّرها المتكلّم بموافقة الأمر، لأنّ الذي يهمّه حصول الامتثال الموجب لاستحقاق المثوبة.

5ـ إنّ الأمر ينقسم إلى ظاهري وواقعي، والواقعي إلى أوّلي وثانوي، وإذا فسر المتكلم الصحّة «بموافقة الأمر»، وانضمّ هذا الكلام إلى قول الفقيه:«امتثال


(297)

الأمر يقتضي الإجزاء» فتارة يتساويان وأُخرى يختلفان، فلو قيل إنّ المراد من الأمر في كلا الكلامين أعمّ من الواقعي والظاهري يتساويان في الصدق، ويكون المأتي بالأمر الظاهري صحيحاً وإن اختلفا بأن خصّص الفقيه الأمر، بالواقعي وعمّم المتكلم، أو بالعكس يختلفان في الصدق، فالاختلاف ليس في معنى الصحّة وإنّما الاختلاف في التحقّق والصدق. هذا كلامه.(1)

يلاحظ عليه بأُمور:

1ـ إنّ تفسير الصحّة بالتمام يستلزم تفسير الفساد بالنقص، مع أنّهما ليسا كذلك لقضاء أهل اللغة وأنّ موارد الاستعمال على خلافه.

أمّا التمام والنقص فيستعملان باعتبار كون الشيء جامعاً للأجزاء وعدمه، فمقطوع اليد وفاقد العين ناقصان، ومقابلهما كاملان وإن شئت قلت: إنّما يوصف به الشيء باعتبار الكمّية وبين اللفظين تقابل العدم والملكة.

قال ابن فارس في مقاييسه:«تم»: التاء والميم أصل واحد وهو دليل الكمال يقال: تمّ الشيء إذا كمل «والتميمة» كأنّهم يريدون أنّها تمام الدواء، والشفاء المطلوب.

ويقال امرأة حبلى متمّ.

وبذلك يعلم أنّ التمام والكمال بمعنى واحد وأنّهما يستعملان حسب الكمّية ويقال شهر تام أي كامل حسب الأيّام، ولو استعملا في غير مورد الكميّة فلأجل مناسبة صحَّحت الاستعمال كما سيوافيك.

وأمّا الصحّة فالظاهر أنّها كيفيّة وجوديّة موافقة للطبيعة النوعية تتّصف بهاالأنواع من الإنسان والحيوان والنبات، ويقابلها المرض وهي كيفية وجودية مخالفة للطبيعة النوعية وبينهما تقابل التضاد.


1-كفاية الأُصول:1/286.


(298)

قال ابن فارس: «صحّ» أصل يدلّ على البراءة من المرض والعيب وعلى الاستواء ومن ذلك الصحّة: ذهاب السقم والبراءة.

فإذا كان الصحيح في مقابل المريض، وكان إطلاقه للشيء بملاك كونه واجداً لكيفية معتبرة في نوع أفراده فلا محيص عن القول بأنّ استعمال الصحّة في لسان الفقهاء في المركّبات المخترعة فيما إذا تمّت أجزاؤها وشرائطها إمّا لوضع جديد وهو بعيد، أو بنحو من العناية وهو قريب بتنزيل الكامل من حيث الكميّة منزلة الكامل من حيث الكيفية، وإلاّ فقد عرفت أنّ الصحّة كيفية وجودية في النوع تجري أفعالها معها على وفق الطبيعة.

وقد تفطّن لما ذكرناه الطريحي في مجمعه قال: استعيرت الصحّة لمعان فقيل، صحّت الصلاة إذا سقط قضاؤها وصحّ العقد إذا ترتّب عليه أثره، وصحّ: إذا طابق الواقع.

وبالجملة المدار في توصيف الشيء لغة بالصحّة والفساد هو الكيفية، والمدار في توصيف المركّبات الاختراعية بهما هو تماميّتها من حيث الأجزاء ونقصها كذلك فإطلاقهما على المركّبات التامّة والناقصة إمّا بالنقل أو بالعناية وهي الأقرب.

2ـ إنّ وصف المركّبات الاختراعية بالصحّة والفساد إنّما هو بالإضافة إلى أنفسها، فإن كانت جامعة لما يعتبر فيها فصحيحة، وإلاّ ففاسدة لا بالإضافة إلى الآثار المترتبة عليها من سقوط القضاء والإعادة أو موافقة الأمر والشريعة المسقط للعقاب.

نعم لو كانت تامّة يترتّب عليها الأثر وإلاّ فلا، ولكنّه غير القول بأنّ الاتّصاف بالصحّة لأجل ترتّب الآثار.

وعلى ذلك فيطلق الصحيح على مصداق جامع لجميع الأجزاء والشرائط


(299)

مطابق للمخترع والمجعول ويقابله الفاسد.

فإن قلت: فعلى ذلك ينقلب التقابل عن التضاد إلى العدم والملكة مع أنّك قلت: إنّ بين الصحّة والفساد تقابل التضاد.

قلت: إنّما قلنا ذلك إذا استعملت في الطبائع التي لها كيفية وجودية تقتضيها طبيعة النوع، لا في أمثال المركّبات الاختراعية التي ليست لها كيفية طبيعية بل هي من المركّبات الاعتبارية فانقلب التقابل من التضاد إلى العدم والملكة لاختلاف الاستعمال.

3ـ إنّ كون الصحّة والفساد من الأُمور الإضافية تتصوّر على وجوه:

أ: إيقاع الإضافة بين العمل وأجزائه أو شرائطه فيقال أنّ العمل صحيح حسب الأجزاء دون الشرائط أو بالعكس وهذا لا يهمّ أحداً.

ب:أن يكون إضافياً بالنسبة إلى حالات المكلّفين وأصنافهم كالصلاة مع الطهارة الترابية فإنّها صحيحة لفاقد الطهارة المائية دون الواجد، وهذا ممّا يقع مورد الالتفات.

ج: أن يكون إضافياً بالنسبة إلى الأنظار فيكون عند فقيه صحيحاً دون فقيه، وهذا ما رامه المحقّق الخراساني وهو غير مهمّ، لأنّ نظر الفقيه طريق إلى الواقع ولا موضوعية له، والشيء حسب الواقع لا يخلو من الأمرين، واختلاف الأنظار لا يؤثّر على الواقع.

***

الثامن:

هل الصحّة والفساد مجعولان مطلقاً، أو ليسا كذلك مطلقاً، أو مجعولان في المعاملات دون العبادات، أو الصحّة الظاهرية مجعولة دون الواقعية؟ وجوه واحتمالات، فتارة يقع البحث في العبادات، وأُخرى في المعاملات.


(300)

أمّا العبادات فيظهر من المحقّق الخراساني التفصيل وحاصله(1): أنّ الصحّة والبطلان في العبادات غير مجعولين من غير فرق بين تفسيرهما بمطابقة المأتي به للمأموربه، وعدمه كما عليه المتكلّمون، أو تفسيرهما بسقوط الإعادة والقضاء كما عليه الفقهاء، أمّا على التفسير الأوّل (مطابقة المأتي به للمأمور به وعدمه) فهما وصفان اعتباريان ينتزعان من المطابقة وعدمها.

وأمّا على التفسير الثاني (من سقوط القضاء والإعادة) فهي من المستقلاّت العقلية إذا كان المأتي به مطابقاً للمأمور به بالأمر الواقعي الأوّلي، حيث يستقلّ العقل بسقوط الإعادة والقضاء جزماً، فالصحّة بهذا المعنى ليست بحكم وضعي مجعول بنفسه كالوجوب أو بتبع التكليف كالجزئية المجعولة باعتبار منشأ انتزاعها، أعني: وجوب السورة كما أنّها ليست بأمر اعتباري منتزع.

نعم عند الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري سواء كان وافياً بالمصلحة، أو لم يكن، وسواءكان الفائت غير لازم الاستيفاء أو غير ممكن الاستيفاء، فالصحّة لا تكون مجعولة، لأنّ السقوط قهري وإن كان الفائت لازماً وأمكن الاستيفاء، لكنّه تفضّل ورفع اليد ويكون الحكم بالصحّة مجعولاً تخفيفاً ومنَّة على العباد مع ثبوت المقتضي لثبوت الإعادة والقضاء كما مرّفي مسألة الإجزاء.(2)

هذا خلاصة كلامه وفيما ذكره مجال للنظر من وجهين:

أحدهما: أنّه جمع بين الاعتباري والانتزاعي، فقال: وصفان اعتباريان ينتزعان مع أنّه على خلاف الاصطلاح، فانّ الأمر الانتزاعي من مراتب الحقيقة والتكوين، بعد الجوهر والعرض، فلو كان المنشأ متحيّزاً بحيثية وجودية خارجية كالفوق المتحيّز بحيثية واقعية ككونه فوق الأسفل تنتزع منه الفوقية، نعم ليس كلّ


1-كفاية الأُصول:1/289.
2-ذكر في الإجزاء أنّ الصور حسب الثبوت أربع والمقصود ما إذا كان المأتي به غير واف بمصلحة الواقع و كان الفائت ممكن التدارك و واجبه، فالحكم بالصحّة حكم مجعول شرعاً.


(301)

أمر انتزاعي منتزعاً من أمر واقعي حقيقي تكويني، كما في انتزاع الزوجية من إنشائها، والنجاسة من الأمر بالاجتناب، و الجزئية للسورة من الأمر بالقراءة، وعلى كلّ تقدير فالمفهوم الانتزاعي ما يصنعه الذهن بالنظر إلى منتزعه.

وأمّا الأمر الاعتباري فهو من مقولة الإنشاء سواء كان المعتبر من الاعتباريات الاجتماعية كالرئاسة والوزارة أو من الأحكام المفوّضة على المكلّف كالوجوب والحرمة والاعتباريات بكلا قسميها، لا تعدّمن مراتب الحقيقة.

ثانيهما: بناءً على تفسير الصحّة بالمطابقة (على رأي المتكلّمين) فإنّها ليست من الأُمور الاعتبارية ولا الانتزاعية، بل من الأُمور الواقعية، فكما أنّ توازي الخطين وتساويهما من الأُمور الواقعية، فكذلك مطابقة المأتي به للمأمور به من الأُمور الواقعية التي يدركها العقل كإدراكه الجواهر والأعراض. نعم إنّ الطرفين في الخطين المتوازيين من الأُمور الخارجية وفي المقام أحدهما اعتباري وهو المأمور به والآخر تكويني، غير أنّ ذلك لا يضرّبعدم كون التطابق أمراً اعتبارياً ولا انتزاعياً بل أمراً له واقعية بالنسبة إلى ظرفه، يدركه العقل، فهو ليس اعتبارياً ولا انتزاعياً ولا مجعولاً بنفسه أو بتبع منشئه ولا من المستقلاّت العقلية، بل من إدراكاته وليس كلّ إدراك عقلي من قبيل المستقلاّت.

نعم الصحّة بمعنى سقوط القضاء والإعادة ـ كما أفاده ـ قدَّس سرَّه ـ ـ من الأحكام التي يستقلّ بها العقل، عند الإتيان بالفعل بعامة أجزائه وشرائطه.

فتحصّل أنّ الصحّة ليست من المجعولات الشرعية، بل أمرها دائر بين كونها من الأُمور الواقعية أو من المستقلاّت العقلية ، لا من الأُمور الاعتبارية والانتزاعية.

نعم يمكن تصحيح كونها مجعولة في مورد امتثال الأوامر الظاهرية ـ كما أفاده ـ باعتبار منشئها، فإنّ الشارع لا يصف العمل بالصحّة إلاّ إذا رفع اليد عن


(302)

جزئية الجزء وشرطية الشرط وإلاّ فيكون الحكم بالصحّة اعتباطياً بلا ملاك، فليست الصحّة مجعولة للشارع ابتداء، بل المجعول إنّما هو رفع الشرط والجزء أو إثباتهما.

الصحّة في المعاملات

إنّ الصحّة فيها عند المحقّق الخراساني مجعولة شرعاً حيث إنّ ترتّب الأثر على معاملة إنّما هو بجعل الشارع ولو إمضاءً ضرورة أنّه لولا جعله لما ترتّب الأثر عليها لأصالة الفساد، نعم صحّة كلّ معاملة شخصية وفسادها تابعة لانطباقها مع ما هو المجعول سبباً وعدمه ، كما هو الحال في العبادات.(1)

يلاحظ عليه: وجود الخلط بين موضوع الجعل، وموضوع الصحّة فالجعل إنّما يتعلّق بالعناوين الكلّية كما في قوله سبحانه:(أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ)(البقرة/275) و في قوله ـ عليه السَّلام ـ : الصلح جائز بين المسلمين(2)، وأين هو من جعل الصحّة والصحّة إنّما توصف بها المصاديق الخارجية .

و بعبارة أُخرى جعل الجواز على العناوين الكلّية كالبيع والصلح حتى الجواز بالمعنى الوضعيّ ليس بمعنى كونها صحيحة، بل بمعنى أنّها قانونية ومعتبرة عند الشارع، وإنّما توصف بالصحّة إذا قام أحد المكلّفين بالبيع والصلح، فعندئذ لو كان المأتي به مطابقاً للقانون يوصف بالصحّة، وعلى ضوء ذلك فهي هاهنا من الأُمور الواقعية التي يدركها العقل كما هوالحال في الصحّة لدى المتكلّمين في العبادات على ما مرّ.

***


1-كفاية الأُصول:1/290.
2-الوسائل: الجزء 13، الباب 3 من أبواب أحكام الصلح ، الحديث 2.


(303)

التاسع:

ما هوالأصل المعوّل عليه في المسألة عند الشكّ في دلالة النهي على الفساد؟

يقع الكلام تارة في المسألة الأُصولية، وأُخرى في المسألة الفقهية.

أمّا الأُولى: فإن قلنا النزاع في الملازمة بين النهي والفساد عقلي، فلا أصل يعوّل عليه في المقام. لعدم وجود الحالة السابقة لها بل أمرها دائر بين الوجود أزلاً وعدمه كذلك، على أنّه لو افترضنا صحّة جريانه في المقام فلا ينفع، لأنّ مفاد الأصل ليس بنفسه أثراً شرعياً ولا موضوعاً لحكم شرعي، نعم لو ثبتت الملازمة لحكم الشارع بالفساد، ولكنّها غير كافية في صحّة التعبّد بها.

وإن قلنا بأنّ النزاع لفظي ومصبّ البحث على أنّ النهي هل وضع لمعنى يدلّ على الفساد أو لا؟ والأصل و إن كان موجوداً لكنّه مثبت في مورد الشكّ. لأنّ المتيقّن هو عدم وضع النهي لمعنى يدلّ على الفساد بالسلب التام، بصورة عدم الموضوع حيث لا لفظ ولا واضع، ولا وضع فلم تكن دلالة على الفساد، ولكن المشكوك هو دلالة «لا تفعل» الموضوع لمعنى خاص على الفساد الذي يعبّر عنه بالسلب الناقص واستصحاب السلب التام لغاية إثبات السلب الناقص من أوضح الأُصول المثبتة.

أمّا الثانية: فيقع الكلام تارة في المعاملات، وأُخرى في العبادات.

فقال المحقّق الخراساني: إنّ الأصل في المعاملات هو الفساد، لأنّ مقتضى الأصل بقاء كلّ من الثمن والمثمن على ملك مالكه وعدم حدوث الملكية الجديدة إلاّ إذا كان هناك عام أو إطلاق يقتضي الصحّة فيتمسّك به.

توضيحه: أنّ الأصل في المعاملات هو الفساد، لأنّ مقتضى الأصل بقاء كلّ من الثمن والمثمن على ملك المالك السابق وعدم حدوث الملك الجديد.

هذا إذا لم يكن هناك إطلاق أو عموم يقتضي الصحّة وإلاّ فيحكم بالصحّة


(304)

وذلك فيما إذا كان الشكّ في الفساد ناشئاً من النهي عنه فقط كما في البيع عند النداء، وأمّا إذا كان هناك منشأ آخر للشكّ في الصحّة وراء النهي كاحتمال عدم كونه مالاً كما إذا نهى عن بيع البول وشككنا في دلالة النهي على الفساد، ومع ذلك شككنا في كونه مالاً أو لا فلا ينفع إطلاق (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ)(البقرة/275) في المقام لكونه من قبيل الشكّ في المصداق كما لا يخفى لأنّ الشكّ في المالية يلازم الشكّ في صدق عنوان البيع.

وأمّا التفصيل (1) في هذه الصورة بين قوله تعالى:(أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) و قوله تعالى: (أَوفُوا بِالْعُقُودِ)(المائدة/1) أو (تِجارَةً عَنْ تَراض) (النساء/29) فلا يصحّ التمسك في الأُولى دون الأخيرتين لعدم أخذ المالية فيهما. فغير تام لما بيّناه في أبحاثنا الفقهية فلاحظ.

وأمّا الأصل في العبادات أي الشكّ في حكم العبادة من حيث الحكم الفرعي فقد أفاد المحقّق الخراساني بأنّ الأصل هو الفساد لعدم الأمر بها مع النهي عنها.

وأورد عليه المحقّق الاصفهاني بأنّه لا شكّ في المسألة الفرعية حتى يؤسس الأصل في مقام الشكّ، لأنّ الصحّة لو كانت بمعنى موافقة الأمر فلا شكّ في الفساد لعدم تعلّق الأمر بالعبادة مع تعلّق النهي بها، وإن كان بمعنى موافقة المأتي به للمأمور به من حيث الملاك فهو قطعي الثبوت فالمنهي عنه مستجمع لجميع الأجزاء والشرائط الدخيلة في الملاك، والشكّ في أمر آخر وهو إمكان التقرّب مع المبغوضية وعدمه، ولا أصل يقتضي أحد الأمرين فكيف يقال: «الأصل الفساد».(2)


1-كما عن المحقّق ، ميرزا محمد تقي الشيرازي ـ قدَّس سرَّه ـ.
2-نهاية الدراية:1/310.


(305)

يلاحظ عليه: أنّه يمكن اختيار الشقّ الأوّل والذبّ عن الإشكال بأن يقال أنّه إنّما يتمّ فيما إذا تعلّق النهي بنفس العبادة، كالنهي عن صوم الوصال بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«لا وصال في صيام»(1) ،لا ما إذا تعلّق بوصفه كالجهر ففي مثله يمكن تصوّر الأمر القطعي المتعلّق بالكلي غير أنّ المنهي عنه هوالفرد، كما في النهي عن الجهر موضع الإخفات فالنهي عن الفرد لأجل الوصف غير عدم وجود الأمر المتعلّق بالكلي.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ النهي عن الجهر في الظهرين يرجع إلى اشتراط الإخفات فيهما، فيرجع الجهر بهما ، إلى نقصان الواجب وصفاً وشرطاً فلا أمر قطعاً.

كما يمكن اختيار الشقّ الثاني وتفسير الصحّة بالمطابقة للمأمور به من حيث الملاك وتصوّر أنّ الملاك قطعي الثبوت إنّما يصحّ إذا كان النهي عن العبادة لأجل الابتلاء بالأهم كالصلاة مع لزوم الإزالة عن المسجد، وأمّا إذا كان النهي عن وصف من أوصافه فلا علم لنا بوجود الملاك حتّى يتمحّض الشكّ في إمكان التقرّب مع المبغوضية وعدمه.

وقد فصّل المحقّق النائيني بين ما إذا كان الشكّ في صحّتها و فسادها لأجل شبهة موضوعية كما إذا شكّ في أنّه ركع أو سجد في الركعة الأُولى أو لا؟فمقتضى القاعدة الأُولى فسادها مع قطع النظر عن القاعدة الثانية (قاعدة الفراغ والتجاوز).

وأمّا إذا كان لأجل شبهة حكمية فالحكم بالصحّة والفساد عند الشكّ يبتني على الخلاف في جريان البراءة أو الاشتغال عند الشكّ في الجزئية أو الشرطية أو المانعية، وإن شئت قلت: الشكّ في اقتضاء النهي للفساد يستتبع الشكّ في


1-الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب الصوم المحرّم والمكروه، الحديث 1.


(306)

مانعية المنهي عنه عن العبادة ويندرج في مسألة الأقل والأكثر.(1)

يلاحظ عليه:

أولاً: أنّ البحث في المقام ممحض فيما إذا كان الشكّ في الفساد ناشئاً من تعلّق النهي، لا عن الشكّ في الإتيان بالجزء أو الشرط فانّه خارج عن موضوع البحث ولا من الشكّ في كون شيء جزءاً أو شرطاً أو لا، فإنّ الموردين خارجان من محطّ البحث، والحاصل أنّ النزاع يختص في اقتضاء النهي للفساد، لا أمر آخر من الشك في الإتيان بالجزء أو كون شيء جزءاً حتى يبتني الحكم على قواعد أُخرى.

وبذلك يظهر ضعف ما أفاده شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ـ قدَّس سرَّه ـ حيث فرّق بين كون النزاع لفظياً وكونه عقلياً إذ على الأوّل يرجع الشكّ في تقييد دليل العبادة بغير الخصوصية، ومعه إمّا تجري البراءة أو الاشتغال على الخلاف، بخلاف ما إذا كان عقلياً وإنّما الشكّ في القرب المعتبر في العبادات هل يحصل بإيجاد العمل في ضمن فرد محرّم، أو لا والأصل الاشتغال حتّى يحصل القطع.(2)

يلاحظ عليه: أنّا نفترض أنّ البحث في المقام لفظي ولكن لا يكون مرجع الفساد مطلقاً، إلى مسألة تقييد الأمر بغير هذه الخصوصية إلاّ إذا تعلّق النهي بأمر خارج عن العبادة، لا ما إذا تعلّق بنفسها فما ذكره إنّما يتمّ في القسم الأوّل دون الثاني.

والتحقيق أنّ الأصل في العبادات المنهية، الفساد، لأنّ الشكّ في الصحّة والفساد شكّ في حصول البراءة اليقينية ومعه يجب الإتيان ثانياً لتحصيل اليقين، اللهمّ إلاّ أن يحرز الملاك كما في المهمّ المبتلى بالأهم وقلنا بكفاية الملاك في الصحّة ولعلّه خارج عن حريم الشكّ.


1-أجود التقريرات:1/394.
2-درر الأُصول:1/155.


(307)

العاشر: في أقسام تعلّق النهي بالعبادة

إنّ النهي عن العبادة على أقسام:

1ـ إمّا يتعلّق بنفس العبادة.

2ـ أو جزئها.

3ـ أو شرطها الخارج عنها كالستر.

4ـ أو وصفها الملازم لها.

5ـ أو وصفها غير الملازم لها والمنفكّة عنها.

6ـ أو يتعلّق بها لا بالمباشرة، بل لأجل تعلّق النهي بأحد هذه الأُمور.

أمّا القسم الأوّل، أي إذا كان النهي متعلّقاً بنفس العبادة، ومثله ما إذا كان النهي متعلّقاً بنفس المعاملة، فقد بحث عنه المحقّق الخراساني بعد هذا الأمر واكتفى في المقام بقوله:«وهو داخل في محلّ النزاع» وإنّما خصّص هذا الأمر، بالبحث عن تعلّق النهي، بالأُمور الخمسة المذكورة ونحن نقتفيه ، فنؤخّر البحث عن تعلّقه بنفس العبادة بعد الفراغ عن هذه الأقسام الخمسة فنقول:

***

1ـ إذا تعلّق النهي بجزء العبادة

إذا تعلّق النهي بجزء العبادة كالنهي عن قراءة سور العزائم في الصلاة، فقال المحقّق الخراساني بأنّ بطلان الجزء، لا يكون سبباً لبطلان العبادة إلاّ في صورتين:

أ: إذا اقتصر على الجزء المنهي عنه، لا مع الإتيان بغيره ممّا لم يتعلّق به النهي.


(308)

ب: إذا استلزم محذوراً آخر كالزيادة في الصلاة.

وأورد عليه المحقّق النائيني بأنّه موجب للفساد وذلك لوجوه:

الأوّل: إنّ النهي عن الجزء يوجب تقييد العبادة بما عدا ذلك الجزء وتكون النسبة إليه «بشرط لا»، لامحالة واعتبار العبادة «بشرط لا» بالنسبة إلى شيء، يقتضي فساد العبادة المشتملة على ذلك الشيء لعدم كون الواجد له من أفراد المأموربه بل المأمور به غيره فالآتي بالمنهي عنه غير آت بالمأمور به. والحاصل أنّ الآتي به في ضمن العبادة إمّا أن يقتصر عليه فيها أو يأتي بعده بما هو غير منهي عنه.

الثاني: إنّه يعدّزيادة في الفريضة فتبطل الصلاة بسبب الزيادة العمدية المعتبر عدمها في صحّتها، ولا يعتبر في تحقّق الزيادة قصد الجزئية إذا كان المأتي به من جنس أحد أجزاء العمل نعم يعتبر قصد الجزئية في صدقها إذا كان المأتي به من غير جنسه.

الثالث: إنّه تعمّه أدلّة مبطلية مطلق التكلّم من غير تقييد بكلام الآدمي والقدر الخارج عن هذا الإطلاق هوالتكلّم بالقرآن والذكر الجائزين ويبقى الذكر والقرآن المنهي عنهما داخلين تحت الإطلاق.(1)

يلاحظ عليه: أمّا في الأوّل فلأنّ معنى حرمة جزء العبادة لا تقتضي إلاّ عدم الاكتفاء به في مقام الامتثال، وأمّا اعتبار العبادة بالنسبة إليه بشرط لا، فلا تقتضيه، والحاصل أنّ حرمة جزء العبادة ليست إلاّ بمعنى حرمته في نفسه، وأمّا اعتبار العبادة بالنسبة إليه بنحو «بشرط لا» فهو يحتاج إلى الدليل.

وعلى ذلك فالنهي عن الجزء بما أنّه عبادة يوجب فساده. لا فساد العبادة إلاّ


1-أجود التقريرات:1/397; و الفوائد للكاظمي، ص466ـ465، و المنقول ملفق من كلا التقريرين.


(309)

إذا اقتصر عليه، وأمّا إذا أتى بغير المنهيّ عنه ثانياً وصارت العبادة جامعة للأجزاء فلا إشكال، وتصوّر أنّه ربّما يؤخذ الجزء «بشرط لا» بالنسبة إلى الفرد الآخر من هذا الجزء، فعندئذ تبطل العبادة على كلّ تقدير، لأنّه إذا اكتفى به يكون فاقداً للجزء وإن لم يكتف، يصير فاقداً للشرط أي الوحدة، غير تام لما عرفت من عدم دلالة النهي إلاّ على فساد نفس الجزء، وأمّا اعتبار الكلّ بالنسبة إليه «بشرط لا»، بحيث يكون وجوده مخلاً به لأجل الإخلال بقيد شرط الوحدة، فممّا لا يدلّ عليه.

وأمّا في الثاني: فلأنّ التفريق بين ما كان من سنخ العبادة وغيرها باشتراط قصد الجزئية في الثاني دون الأوّل خال عن الملاك، فإنّ تحقّق عنوان الزيادة الواردة في قوله:«من زاد في صلاته فعليه الإعادة»(1)يحتاج إلى قصد الجزئيةَ بما يؤتى به في الخارج وذلك للفرق الواضح بين كون شيء جزءاً تكوينياً وكونه جزءاً اعتبارياً، فلو زاد شيئاً في المعجون عن سهو يصدق أنّه زاد فيه، سواء كان بقصد الجزئية أم لم يكن، وأمّا إذا كان جزئية شيء لشيء بالقصد والاعتبار فلا تصدق الزيادة وأنّه جعل المحرّم جزءاً إلاّ بالقصد وإلاّفلا. والمفروض أنّه أتى بالسورة بغير قصد الجزئية لعلمه بحرمة قراءتها في الصلاة وإذا صارت منهياً عنها صارت مبغوضاًعنها والمبغوض لا يكون مقرّباً.

نعم لو دلّ على كون مطلق وجود الشيء زيادة وإن لم يكن عن قصد فهو خارج بالدليل كما ورد في السجود والحق به الركوع بالمناط وعلى ذلك فالجزء المحرّم ما لم يقصد به الجزئية، لا دليل على كونه مبطلاً، لعدم صدق عنوان الزيادة.

وأمّا في الثالث، فالمحرّم هو التكلّم بكلام الآدميين لا مطلق التكلّم حتّى يخرج منه القرآن والذكر الجائزان ويبقى التكلّم بكلام الآدميين والقرآن والذكر المحرّم تحته.


1- الوسائل: الجزء 4، الباب 19 من أبواب الخلل ، الحديث 2.


(310)

ويرشدك إلى ما ذكرنا، النصوص الواردة عن الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ في المورد.

روى أبوبصير عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ : إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة.

وروى أيضاً: من تكلّم في صلاته متعمّداً فعليه إعادة الصلاة ومن أنّ في صلاته فقد تكلّم».(1)

أضف إلى ذلك أنّ الوجهين الأخيرين يختصّان بباب الصلاة ولا يعمّان غيرها والبحث منصب على أنّ حرمة الجزء وفساده بما هو هو هل يوجب فساد العبادة أو لا؟لا بعنوان تحقّق الزيادة في المكتوبة أو من جهة التكلّم بكلام الآدمي، فانّ هذه الأدلّة تناسب الفروع الفقهية لا المسائل الأُصولية.

2ـ إذا تعلّق النهي بشرط العبادة

إذا تعلّق النهي بشرط العبادة فهل يوجب الفساد أو لا؟ذهب المحقّق الخراساني إلى التفصيل بين ما يكون الشرط عبادة وبين مالا يكون كالستر، فعلى الأوّل يوجب فساد الشرط ويسري إلى نفس العبادة كما في النهي عن الطهارات الثلاث، بخلاف ما إذا لم يكن عبادة، فإنّ النهي يجتمع مع الصحّة لعدم لزوم قصد القربة حتى لا يجتمع مع الحرمة.

يلاحظ عليه: أنّ الشرط غير العبادي لو كان متقدّماًعلى المأمور به، كان لما ذكر وجه، لأنّ الشرط عندئذ أمر توصلي وبحصوله يسقط الواجب وإن كان محرّماً.

وأمّا إذا كان مقارناً للواجب كما في الستر فالأمر فيه مشكل،لأنّ الشرط المنهيّ عنه ينحلّ إلى قيد، أعني: نفس الستر، وإلى تقيّد أي الستر والإضافة


1-الوسائل: الجزء الرابع ، الباب 25 من أبواب القواطع، الحديث1و2و4.


(311)

الحاصلة بين الستر والصلاة، والقيد وإن كان خارجاًعن المأموربه ولكن التقيّد داخل فيه، فيتعلّق الأمر به نحو تعلّق، وإذا كان منهياً عنه يوجب فساده ومع فساده تفسد العبادة.

فإن قلت: إنّ التقيّد ليس إلاّأمراًذهنياً لا خارجياً ولا يتعلّق الأمر إلاّ بالأمر الخارجي.

قلت: لا يراد من كونه ذهنياً هو أمر ذهني محض، بل يراد منه أنّه ليس له في الخارج عينية مثل الجواهر والأعراض وإلاّ فله واقعية وخارجية مناسبة لمقامه وإلاّ يلزم أن تكون المعاني الحرفية كلّها أُموراً ذهنية لا واقع لها إلاّ في الذهن وهو كما ترى و«التستر» كالتعمّم والتقمّص أشبه بمقولة «الجدة».

نعم لو قلنا بعدم وجوب التستر بالأمر النفسي بل بوجوبه بالأمر الغيري المقدّمي، فلا يلزم من حرمته، فساده ولا فساد العبادة، ولكنّه خلاف مبنى القوم.

فإن قلت: ما الفرق بين النهي عن الجزء والنهي عن الشرط حيث نفيت كون النهي عن الجزء بمعنى أخذ عدمه في الصلاة بخلاف النهي عن الشرط حيث قلت بأنّ مآله إلى أخذ عدمه في الصلاة.

قلت: الفرق واضح، حيث أن لا دور للسورة المحرّمة في الصلاة وإنّما هي عمل محرّم فيها، بخلاف التستر بالحرير فانّ له دوراً وتأثيراً فيها، حيث يكتفى به المصلّي في إحراز الشرط كما لا يخفى.

و بعبارة أُخرى هو يأتي بذات الجزء لا بعنوان الجزئية، وليست الصلاة بالنسبة إليه مأخوذة بشرط لا وإلاّ يلزم أن تكون كذلك بالنسبة إلى كلّ المحرّمات، وهذا بخلاف التستر بالحرير فانّه يكتفي به في إحراز الشرط اللازم في الصلاة.


(312)

3ـ إذا تعلّق النهي بالوصف الملازم

إذا تعلّق النهي بالوصف الملازم كالجهر بالنسبة إلى القراءة والمراد من الملازم هو أن لا يكون للوصف وجود مغاير للموصوف حيث إنّ الجهر من خصوصيات القراءة و كيفياتها وليس المراد منه عدم قابلية انفكاك الوصف عن الموصوف كما قيل لانتقاضه بالجهر حيث يمكن انفكاكه عن القراءة كما إذا قرأ الصلاة إخفاتاً ومع ذلك يعدّمن الوصف الملازم، والحاصل أنّ المراد من اللازم مالا يكون له وجود مستقل.

وعلى أيّ تقدير فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ النهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن موصوفه فيكون النهي عن الجهر مساوقاً للنهي عن القراءة لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها مأموراً بها مع كون الجهر بها منهياًعنه فعلاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ النسبة بين القراءة والنهي عن الجهر بها، هي العموم والخصوص المطلق فإن قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي فيهما، فلا يسري النهي إلى متعلّق الأمر، وإن قلنا بعدم جوازه، وقدّمنا النهي، فأقصى ما يقتضيه هو عدم تعلّق الأمر بالقراءة عند النهي عن الجهر، لا كون القراءة منهياً عنها، لأنّ النهي لا يتجاوز العنوان الذي تعلّق به إلى عنوان آخر. كما أوضحناه في المسألة السابقة.

نعم إنّ القراءة وإن لم تكن منهياً عنها (على القول بالاجتماع وعلى القول بالامتناع وتقديم النهي على ما عرفت) لكنّها باعتبار اتّحادها مع المبغوض يشكل التقرّب بها، لكنّه خارج عن حريم البحث،لأنّ البحث منصب على كون النهي عن الوصف بما هوهو موجباً للفساد أو لا؟وأمّا الفساد من جانب عدم تمشّي قصد القربة لأجل اتحادها مع المبغوض، فخارج عن عنوان البحث.و ما أفاده المحقّق الخراساني صحيح نتيجة وإن كان غير تام دلالة.


1-كفاية الأُصول:1/293.


(313)

4ـ إذا تعلّق النهي بالوصف غير الملازم

إذا تعلّق النهي بالوصف غير الملازم للعبادة، وكان متّحداً مع العبادة كالغصبية يجري فيه ما قلناه في مسألة اجتماع الأمر والنهي فلو قلنا بجواز الاجتماع فلا يسري وإلاّ فلو قدّمنا النهي تكون منهياًعنها فلا يصلح للتقرّب خرج بقولنا إذا كان متّحداً، ما إذا كان غير متّحد وجوداً مع العبادة كالنظر إلى الأجنبية فلا يسري إليها النهي بوجه من الوجوه كما لا يخفى.

5ـ إذا تعلّق النهي بالعبادة لأجل النهي عن أحد هذه الأُمور :

إذا تعلق النهي بالعبادة لأجل النهي عن أحد هذه الأُمور، فتارة يكون النهي عن أحدها واسطة في العروض، فيتعلّق النهي بالكلّ مجازاً ويكون الوصف بحال المتعلّق وبما أنّ النسبة مجازية والاتّصاف بالنهي غير حقيقي لا يزيد شيئاً وراء ما يستفاد من النهي عن أحدها.

و أُخرى يكون النهي عن أحدها واسطة في الثبوت، ويتّصف الكلّ بالحرمة حقيقة ويكون الوصف بحال الموصوف حقيقة كذلك فيكون حكمه، حكم النهي عن العبادة ابتداءً.

ثمّ إنّه يمكن تصوير الأقسام الخمسة في المعاملات أيضاً إذا قلنا بأنّها أسماء للأسباب أي العقود والإيقاعات، فإنّ لها جزءاً وشرطاً ووصفاً ملازماً وغير ملازم وربّما تكون نفس المعاملة منهياً عنها لأجل النهي عن هذه الأُمور ولكنّها فروض لا مصداق لها في الخارج، نعم لو كانت أسماء المعاملات أسماء للمسبّبات التي هي بسائط غير مركّبات، لا يتصوّر فيها سوى القسم الواحد وهو النهي عن ذاتها.

ثمّ إنّ النهي عن العبادة إمّا مولوي أو إرشادي والأوّل إمّا مولوي ذاتي أو مولوي تشريعي والنزاع منصب على القسمين من المولوي، وأمّا الارشادي فهو


(314)

خارج عن محطّ البحث لوضوح الدلالة فيه على الفساد سواء كان إرشاداً إلى المانعية مثل قوله ـ عليه السَّلام ـ :«لا تجوز الصلاة في شعر ووبر مالا يؤكل لحمه»(1) أو إلى الفساد مثل قوله تعالى:(وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ) (النساء/22).

نعم لو دار أمر النهي، بين المولوي والإرشادي، فالظاهر كونه إرشادياً لما هو المتبادر، فإنّ العبادات المخترعة كالمعاجين الطبيّة، لها أجزاء وشرائط وموانع، فكما إذا قال الطبيب: اجعل هذا في الدواء ولا تجعل ذاك فيه، يفهم من الأوّل الجزئية ومن الثاني المانعية، فكذلك إذا نهى عن شيء وقال: «لا تصلّ في وبر ما لا يؤكللحمه» فانّ قوله هذا،وزان قول الطبيب إذا قال: لا تجعل السكر في الدواء.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم انّ الكلام يقع في مقامين:

المقام الأوّل: إذا تعلّق النهي بنفس العبادة وهو على أقسام:

1. تعلّق النهي المولوي الذاتي

إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بالعبادة سواء كان النهي متعلّقاً بها بلا واسطة، كما في قوله ـ عليه السَّلام ـ : «دعي الصلاة أيّام أقرائك»(2) وكالنهي عن الصيام في العيدين أو بواسطة النهي عن وصفه كالنهيِ عن صوم الوصال بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «لا وصال في الصوم»(3) فلا شكّ في دلالته على الفساد، وا ستدل المحقّق الخراساني على الفساد بالبيان التالي:

1ـ إنّ الصحّة إمّا بمعنى مطابقة الأمر والشريعة ومع النهي عن الشيء لا


1-الوسائل: الجزء3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7.
2-مسند أحمد:6/42و 262و في المصدر «حيضك».
3-الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث 1.


(315)

يصحّ الأمر به لعدم إمكان تعلّق الأمر والنهي بشيء واحد.

2ـ وإن كانت بمعنى سقـوط الإعادة والقضاء فهو مترتّب على المأتي به بقصد القربة ومع الحرمة كيف يتمشى قصدها.

وبعبارة ثالثة: الصحّة إمّا لأجل وجود الأمر، أو لأجل وجود الملاك، وكلا الأمرين منتفيان، أمّا الأوّل فلامتناع اجتماع الأمر والنهي، وأمّا الملاك فلا يتصوّر في المبغوض.(1)

إشكال وإجابة

إنّ المحقّق الخراساني أورد في المقام إشكالاً وحاصله:

إنّ العبادة لا تتّصف بالحرمة الذاتية وإنّما تتّصف بالحرمة التشريعية، وذلك لأنّ المكلَّف بعد تعلّق النهي بها، إمّا يحاول أن يأتي بها بلا قصد الأمر، وهذا ليس بحرام قطعاً بل يكون أشبه شيء باللغو وإن حاول أن يأتي بها بالأمر الواقعي وهذا أمر غير ممكن لعدم تعلّق الأمر بها ـ بعد تعلّق النهي ـ وإن حاول أن يأتي بها بالأمر التشريعي هذا وإن كان ممكناً لكن لا تتعلّق بها الحرمة الذاتية لامتناع اجتماع المثلين.

كصلاة التراويح التي نهي عن إقامتها جماعة، فإن أراد أن يأتي بها بلا قصد الأمر فهو ليس بحرام، وإن أراد أن يأتي بها مع قصد الأمر الواقعي فهو غير ممكن لعدم الأمر بها جماعة، وإن أراد أن يأتي بها بالأمر التشريعي فلا تكون محرمة إلاّ تشريعاً لا ذاتياً ولا يصحّ تعلّق نهي آخر بها لامتناع اجتماع المثلين.

ثمّ أجاب عنه بوجوه:

أوّلاً: أنّا نختار الشق الأوّل وذلك لأنّ المراد من العبادة ليست العبادة


1-كفاية الأُصول:1/294.


(316)

الفعلية إذ من المعلوم أنّها لا تكون متعلّقة للنهي بل المراد تعلّق النهي بشيء لو كان مأموراً به لكان عبادة، ومثلها تصحّ أن تكون متعلّقة للحرمة الذاتية كصوم العيدين فانّه لو أمر به كان عبادة لا يسقط الأمر به إلاّإذا أتى به بقصد الأمر كصوم سائر الأيام فسقط قوله: «بعدم الحرمة بدون قصد القربة».

وثانياً: نختار أنّ المراد من العبادة هي العبادة الفعلية، ولكنّها لا تتوقّف على تعلّق الأمر بها، لإمكان كون عباديّتها ذاتية كما في نهي الحائض عن السجود للّه تبارك وتعالى فتكون عبادة محرّمة ذاتية.

وثالثاً: لا مانع من اجتماع النهيين، وتوهم أنّه من قبيل اجتماع المثلين مدفوع بتغاير الموضوع، لأنّ الحرمة الذاتية تعلّقت بنفس العمل والحرمة التشريعية بعقد القلب بأنّه ممّا أمر به الشارع.

ورابعاً: نعترف صحّة ما ذكر وأنّ النهي في المقام نهي تشريعي، لكنّه كاف في إثبات الفساد لأنّه يكشف عن عدم تعلّق الأمر بها هذا من جانب ومن جانب آخر، لم يحرز الملاك فيها فيحكم بفساد العبادة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذه المحاولات لغاية إثبات وجود العبادات المحرّمة بالذات، مع أنّ الظاهر من جميع النواهي الواردة في الشرع المتعلّقة بالعبادات كلّها، أنّها محرّمة تشريعاً. حتى مثل قوله ـ عليه السَّلام ـ :«دعي الصلاة أيّام أقرائك»(2) أوالنهي عن صوم العيدين، فلو أتت بالصلاة، من دون أن تنسب العمل إلى الشرع لا يكون محرّماً.

نعم تعلّق النهي الذاتي بالسجود للشمس والقمر قال سبحانه: (وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُوَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ...) (فصّلت/37).


1-كفاية الأُصول:1/295ـ296.
2- مسند أحمد:42و 262.


(317)

وأمّا الأجوبة الأربعة فأكثرها غير تامّ:

أمّا الأوّل: فلأنّ ما ذكره من تفسير العبادة بما لو تعلّق به أمر لكانَ عبادة وإن كان صحيحاً في مصطلح الفقهاء لكن كونه المراد من العبادة عند تعلّق النهي به خلاف الظاهر، فلو قال: «دعي الصلاة أيّام أقرائك» فالظاهر أنّ المنهى عنه هو الصلاة المأمور بها.

نعم لو فسّر النهي التشريعي بعدم تعلّق الأمربها فهو خلاف المفروض عند المجيب.

أمّا الثانـي: فقد عرفت عدم صحّته وأنّه ليس عندنا عبادة ذاتية.

وأمّا الثالث: فلأنّ التشريع أمر محال لأنّ المفروض علم الفاعل بأنّه لم يأمر الشارع به ومع ذلك كيف يعتقد بوجوبه شرعاً وإنّما المحرّم هو البدعة وإشاعة وجوب عمل بين الناس لم يأمر الشارع به وعندئذ يكون المتعلّق للحرمة هو نفس العمل الخارجي.

وأمّا الرابـع: فهوحق، لكنّه عدول عن المبنى أي وجود الحرمة الذاتية.

2ـ تعلّق النهي المولوي التشريعي

لا شكّ في دلالته على الفساد فانّه يكشف عن عدم الأمر مع عدم إحراز الملاك.

أقول: بل لكشفه عن المبغوضية التي يشير إليها قوله سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ) (الأنعام/21) وقوله سبحانه: (ءآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ)(يونس/59) فلا شكّ أنّ النهي يدلّ على الفساد، لأنّه بعمله، يحقّق الفرية على اللّه، فهو من أبغض المبغوضات، فكيف يكون مقرّباً ومسقطاً عن الإعادة والقضاء؟


(318)

3ـ تعلّق النهي الإرشادي

إذا تعلّق النهي الإرشادي بالعبادة فدلالته على الفساد وعدمه تابعة للوقوف على الدليل، فإن كان إرشاداً إلى الفساد يحكم به مثل قوله ـ عليه السَّلام ـ : «دعي الصلاة أيّام أقرائك»(1) وإن كان إرشاداً إلى قلّة الثواب كما في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«لا صلاة لجار المسجد إلاّ في مسجده»(2) يحكم بالصحّة والكراهة بالمعنى المزبور.

***

هل النهي في المعاملات يدلّ على الفساد أو لا؟

المراد من المعاملة مالا يعتبر فيه قصد القربة سواء كانت من العقود والإيقاعات أو لا، وإن خصّ المحقّق الخراساني مورد النزاع فيها بالعقود والإيقاعات، لكنّه أعمّ منهما. إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام يقع في موارد:

الأوّل: إذا كان النهي مولوياً تحريمياً.

الثاني: إذا كان النهي إرشادياً.

الثالث: إذا لم يعلم حاله من المولويّة والإرشادية.

وقد اقتصر المحقّق الخراساني بالمورد الأوّل وذكر له أقساماً تبعاً للشيخ الأعظم ونحن نقدّم البحث حوله ثمّ نتبعه ببيان الأقسام الأُخر. ولنذكر أمراً وهو أنّه قد تقدّم اتّفاق كلمتهم على أنّ النهي المولوي التحريمي في العبادات مقتض للفساد بخلاف المقام فقد ذكروا له أقساماً .وجه الفرق أنّ الصحّة في العبادات إمّا بمعنى موافقة الأمر، والأمر لا يجتمع مع النهي أو سقوط الإعادة وهو فرع قصد


1-مسند أحمد: 6/42و 262.
2-الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 1.


(319)

القربة ولا يجتمع مع الحرمة فلأجل ذلك اتّفقوا على الفساد بلا تفصيل، بخلاف المعاملات ، فليست الصحّة فيها إلاّ رهن كونها موافقة للمشرَّع بلا حاجة إلى الأمر أو قصد القربة وهي موجودة في بعض الأقسام دون بعض وإليك البيان:

القسم الأوّل: إذا تعلّق النهي بنفس المعاملة بما هو فعل مباشري كالنهي عن البيع وقت النداء فالحرام هو نفس العقد أي الإيجاب والقبول لكونه مانعاً عن الواجب الآخر.

يلاحظ عليه: ذكر البيع في الآية الكريمة :(ذَرُوا الْبَيْعَ) (الجمعة/9) من باب المثال والمنهي عنه في الحقيقة هو الأعمال المزاحمة للصلاة والبيع أحد مصاديقها وعلى ذلك لم يتعلّق النهي بنفس العقد أي الإيجاب والقبول حتى يكون مثالاً للبحث.

وهنا إشكال آخر وهو أنّ النهي في هذه الموارد ليس ناشئاً من مفسدة موجودة في المتعلّق من البيع وغيره بل لأجل كونه مفوّتاً لمصلحة الواجب وعلى ذلك لا يكون النهي إلاّ تأكيداً للإتيان بنفس الواجب لا شيئاً زائداً وفي الحقيقة، الأمر والنهي في المقام صورتان لعُملة واحدة لا تعدّد بينهما في الحقيقة.

و يمكن التمثيل بعقد المحرم، فانّ النهي تعلّق بنفس إجراء العقد مع كونه محرّماً إذا أُحرز كونه مولوياً لا إرشاداً إلى الفساد.

وعلى كلّ تقدير لا يدلّ النهي في هذا القسم على الفساد لأنّ غايته هومبغوضية نفس العمل (العقد) وهي لا يلازم الفساد وليس العقد أمراً عبادياً حتّى لا يجتمع مع النهي.

القسم الثاني: أن يتعلّق النهي بمضمون المعاملة بما هي فعل بالتسبيب.

وإن شئت قلت:أن يتعلّق بنفس المسبّب كالنهي عن بيع المصحف والعبدالمسلم من الكافر أو النهي عن بيع آلات اللهو والقمار، فانّ الحرام


(320)

هو مالكية الكافر لَهما التي هي فعل تسبيبي ويُعدّ سبيلاً على المسلم وسلطة عليه.

وقد اختار الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني عدم دلالة النهي فيه على الفساد إذ أقصاه كون البيع مبغوضاً وهو لا ينافي الإمضاء والإنفاذ، وبالجملة إذا لم يكن النهي إرشاداً إلى الفساد كما هو المفروض، ولم يكن لسانه، لسان التقييد والتخصيص لأدلّة إمضاء البيع على الإطلاق، لما كان وجه للفساد.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني ـ رضوان اللّه عليه ـ فصّل بين القسم الأوّل فاختار فيه عدم دلالته على الفساد وهذا القسم فاختار فيه الفساد قائلاً بأنّه يشترط في صحّة المعاملة أُمور:

الأوّل: كون كل من المتعاملين مالكاً للعين أو بحكم المالك حتى لا يكون عن النقل أجنبياً.

الثاني: أن لا يكون محجوراً عن التصرّف فيها من جهة تعلّق حقّ الغير بها أو لغير ذلك من أسباب الحجر لتكون له السلطنة الفعلية على التصرّف فيها.

الثالث: أن يكون لإيجاد المعاملة سبب خاصّ.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه إذا تعلّق النهي بالمسبّب وبنفس الملكية المنشأة كالنهي من بيع المصحف، كان النهي معجزاً مولوياً للمكلّف ورافعاً للسلطنة عليه، فينحلّ بذلك الشرط الثاني المعتبر في صحّة المعاملة أعني به كون المكلّف مسلّطاً على المعاملة في حكم الشارع ويترتّب على ذلك فسادها.

ثمّ استشهد على كلامه بما حكم به الفقهاء من فساد الإجارة على الواجبات المجّانيّة، لأنّ العمل لوجوبه عليه، خارج عن سلطانه ومملوك للّه سبحانه، كما حكموا ببطلان بيع منذور الصدقة فانّ النذر يجعل المكلّف محجوراًعن التصرّف المنافي له، أو شرط في نفس العقد حجره عن بيع خاص كما إذا باع الدار واشترط


(321)

على المشتري عدم بيعها من زيد، فيبطل إذا باعها من زيد والملاك في الجميع استلزام نهي المولى عن معاملة، حَجَر المكلّف عنها، المترتّب عليها فساد تلك المعاملة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ شرط صحّة المعاملة هو أن لا يكون البائع محجوراً شرعاً كالسفيه أو لا يكون مورد المعاملة متعلّقاً لحقّ الغير كالعين المرهونة التي تعلّق بها حقّ الراهن أو ورثة الميّت، أو أموال المفلس، التي تعلّق بها حقّ الديّان وأمّا ما عدا ذلك فلم يقم دليل على اشتراطه في صحّة المعاملة، وما ذكره إنّما يتمّ لو دلّ دليل على اشتراط عدم كون التصرّف حراماً في صحّتها والحاصل أنّ ما هو الشرط أن لا يكون مورد المعاملة متعلّقاً لحقّ الغير كحقّ المرتهن والديّان وأن لا يكون البائع محجوراً ولو انتزعت من تلك الموارد، قاعدة كلية تجب أن لا تكون أوسع عن موردهاو أمّا المقام فليس العين مورداً لحقّ الغير ولا البائع محجوراً، بل غاية الأمر أنّ التصرّف مبغوض لا أنّه متعلّق لحقّ الغير ولا تدلّ المبغوضيّة على البطلان.

وأمّا الأمثلة التي استشهد بها فلا تخلو من نظر.

أمّا الأوّل: فلأنّ بطلان المعاملة فيه ليس من جهة أنّ العمل لأجل وجوبه خارج عن سلطانه، مملوك للّه بل لأجل أنّ أخذ الأُجرة مخالفٌ لغرض الشارع، كما في تغسيل الميّت وتكفينه ودفنه أو الأذان والقضاء فأخذ الأُجرة يضادّغرض الشارع حيث تعلّق غرضه بتحقّق هذه الأُمور مجّاناً ولأجل ذلك إذا تعلّق غرض الشارع بوجود الواجب أعمّ من المجّان وغيره جاز أخذ الأُجرة كما في الصناعات والتّجارات الكفائية والعينية وهذا يكشف عن أنّ الوجه هو ما ذكرنا وأمّا كون العمل مملوكاً للّه سبحانه فإن أُريد الملكية التكوينية باعتبار أنّه لا خالق إلاّإيّاه وأنّ العالم وما فيه كلّه مخلوق له سبحانه، فهذا لا ينافي كونه مملوكاً للعبد اعتباراً


1-أجود التقريرات:1/404.ـ405.


(322)

لأنّها في طول مملوكيّته له سبحانه وإن أُريد كونه مملوكاً له سبحانه بالاعتبار فهو ممّا لا يصحّ في حقّه تعالى بعد كونه مالكاً حقيقياً.

ولو كانت مالكيّته سبحانه مانعاً يجب أن يكون مانعاً في كلّ مورد وهوكما ترى.

وأمّا الثاني، أعني: بيع العين المنذورة مع تحقّق المعلّق عليه، فهنا صورتان:

الأُولى: أن يكون النذر من قبيل نذر الفعل والمراد منه أن يلتزم أن يفعل كذا وكذا عندما صار كذا، فالبطلان فيه أوّل الكلام لأنّ غايته وجوب العمل بالنذر تكليفاً، مع كون العين باقيةً في ملك الناذر، فلو تخلّف عصى، ولكنّه باع شيئاً هو مالك له ولم يتعلّق به حقّ الغير.

الثانية: أن يكون من قبيل شرط النتيجة أي يتعهّد على أنّه إذا صار كذا تكون العين ملكاً للمنذور له، بلا حاجة إلى نقل وإيجاب ولو قلنا بصحّة هذا القسم من النذر والشرط، فالبطلان فيه واضح لعدم كون البائع مالكاً للعين عند البيع لخروجها عن ملكه ودخولها في ملك المنذور له بمجرّد وقوع المعلّق عليه.

وأمّا الثالث: فعدم جواز البيع أوّل الكلام لأنّ بيعها من زيد يعدّ تخلّفاً للشرط وهو يوجب حدوث الخيار للبائع، لا بطلان البيع كما لا يخفى.

و بالجملة إمّا أنّ البيع باطل ولكن لا لأجل المحجورية والممنوعية، بل لأجل أنّ أخذ الأُجرة مخالف لغرض الشارع أو لكون العين خارجة عن ملك البائع أو أنّ البيع غير باطل فلم يكن للممنوعية دور أبداً.

القسم الثالث، من أقسام النهي في المعاملات أن يتعلّق النهي بالتسبّب كتملّك الزيادة عن طريق البيع الربوي، والتوصّل إلى الطهارة والحيازة بالآلة المغصوبة، أو التسبّب إلى الطلاق بقوله: أنت خليّة وإن لم يكن السبب ولا المسبّب بما هو فعل من الأفعال بحرام، فالكلام فيه هوالكلام في السابق إذ لا


(323)

منافاة بين مبغوضيّة التسبّب وحصول الأثر بعده بشرط أن لا يكون لسانه، لسان التقييد لأدلّة السبب أو لم يكن إرشاداً إلى عدم تحقّق المسبب بهذا السبب كما هو غير بعيد في قوله ـ عليه السَّلام ـ :«ليس الطلاق إلاّ كما روى بكير بن أعين أن يقول لها وهي طاهرة من غير جماع : أنت طالق (1)«إنّما الطلاق أن يقول لها... أنتِ طالق».(2)

القسم الرابع: إذا تعلّق النهي بالأثر المترتّب على المسبب، كما إذا تعلّق النهي بالتصرّف في الثمن أو المثمن وعلى جواز الوطء فهذا عند العرف يساوق الفساد، إذ لا معنى لصحّة المعاملة إلاّترتّب هذه الآثار عليها فإذا كانت تلك الآثار مسلوبة، يكشف عن فساد المعاملة.

و إن شئت قلت:إنّ الصحّة لا تجتمع مع الحرمة المطلقة في التصرّف في الثمن الذي دفعه المشتري، أو المثمن الذي دفعه البائع.

وهناك قسم آخر في عالم الإثبات وإن كان لا يتجاوز عن أحد هذه الأقسام الماضية في مقام الثبوت وهو أنّه لو ورد النهي، ولم يعلم أنّه من أيّ الأقسام الأربعة فإذا قيل: « لا تبع ماليس عندك» فلم يعلم أنّه نهي عن السبب أو المسبّب أو التسبّب أو الأثر المترتّب على البيع فالظاهر وفاقاًلجمع من الأجلّة هو الحمل على القسم الرابع.


1-الوسائل:ج15، الباب 16من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 1و3.
2-الوسائل:ج15، الباب 16من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 1و3.


(324)

أمّا الأسباب فلأنّها ملحوظة مرآة وبالتبع غير مطلوبة بالذات ومثله لا يتعلّق به النهي إلاّنادراً وأمّا المسبّبات، فانّـها أُمور عقلائيّة غير مطلوبة إلاّبآثارها، وأمّا التسبّب فالنهي عنه قليل، وإنّما المطلوب بالذات في المعاملات هو التصرّف والتقلّب في المثمن أيّ نحو شاء، فإذا صارت الآثار مسلوبة فكأنّه لم تتحقق المعاملة، وبالجملة إنّ ذهن العقلاء في هذه النواهي لا يتوجّه إلاّ إلى القسم الرابع.

ومع ذلك ففي هذا التقرير نظر، لأنّه استظهار ظنيّ لا ينعقد به للكلام ظهور والحقّ أن يقال: إن كان للنهي أعني قوله:«لا تبع ما ليس عندك» ظهور فهو، وإلاّ يكون مجملاً فالمرجع الأصل ومقتضاه هو الفساد، إذ الأصل عدم انتقال الثمن والمثمن من ملك المتبايعين.

دفع وهم

ربّما يستدل بصحيحة زرارة على الملازمة الشرعية بين النهي المولوي التحريمي والفساد نظير الملازمة المستفادة من قوله ـ عليه السَّلام ـ :«إذا قصّرت أفطرت»(1) وإليك الرواية.

عن زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده، فقال: «ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما». قلت: أصلحك اللّه إنّ حكم بن عتيبة(2) وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد ولا تحلّ إجازة السيّد له، فقال أبوجعفر ـ عليه السَّلام ـ : «إنّه لم يعص اللّه. وإنّما عصى سيّده(3) فإذا أجازه فهو له جائز».(4)

وجه الاستدلال: أنّ ظاهر قوله: «إنّه لم يعص اللّه...» أنّه لو كان هنا عصيان بالنسبة إليه تعالى كان فاسداً والمراد من العصيان هو العصيان التكليفي وبما أنّه ليس هنا عصيان بالنسبة إلى اللّه سبحانه لم يكن فاسداً.

وقد وقعت الرواية مثاراً للبحث من وجهين آخرين مآلهما إلى أنّه إمّا لم يعص كليهما أو عصى كليهما وإليك البيان.


1-الوسائل: الجزء 5، الباب 2، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 19.
2-في الوسائل عيينة مكان عتيبة، و لكنّه تصحيف و المراد منه أبو محمّد .
3-ففيه تصريح بأنّ المراد من العصيان هو العصيان الوضعي، نعم السند غير نقي لأجل موسى بن بكر.
4-الوسائل: الجزء 14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1، ولاحظ الحديث 2.


(325)

أمّا الأوّل: فانّه كما لم يعص اللّه، لم يعص سيّده أيضاً، لأنّ المفروض أنّه تزوّج بغير إذن سيّده لا مع نهيه، والأوّل لا يستلزم العصيان والثاني وإن كان يستلزمه لكنّه غير المفروض.

أمّا الثاني: نفترض أنّه عصى سيّده لكن الإمام كيف خصّ العصيان بالسيّد، مع أنّ عصيانه عصيان للّه سبحانه لأنّه هو الذي أمر العبيد بإطاعة مواليهم فإذا خالفوهم فقد خالفوا أمره سبحانه.

ويظهر الجواب عن ذينك الوجهين عند الإجابة عن أصل الاستدلال.

أقول: إنّ الاستدلال بالحديث على أنّ النهي المولوي التحريمي يدلّ على الفساد مبنيّ على تفسير العصيان، بالعصيان التكليفي فيدل حينئذ على أنّ كلّ مخالفة شرعية للحكم التحريمي في مورد المعاملات يوجب الفساد ويثبت مقصود المستدل ويتوجّه عليه الإشكالان الماضيان.

لكن هنا محتملات:

أ: أن يكون المراد من العصيان في كلا الموردين هو العصيان التكليفي المستتبع للعقاب.

ب: أن يكون المراد منه العصيان الوضعي المستتبع للفساد قطعاً.

ج: أن يكون المراد من العصيان في الأوّل، العصيان الوضعي ومن الثاني العصيان التكليفي.

د: أن يكون عكس الثالث.

وبما أنّ التفريق بين العصيانين خلاف الظاهر فيحمل على معنى واحد وبذلك يبطل الاحتمالان الأخيران ولكن الظاهر من الرواية والرواية التالية هوالعصيان الوضعي الذي يراد منه كون الشيء غير موافق للقانون والتشريع وتؤيّده الرواية التالية:


(326)

عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن رجل تزوّج عبده امرأة بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطّلع على ذلك مولاه، قال: ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما... فقلت: لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ فانّ أصل النكاح كان عاصياً فقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : إنّما أتى شيئاً حلالاً وليس بعاص للّه وإنّما عصى سيّده ولم يعص اللّه إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح في عدّة وأشباهه.(1)

ترى أنّ الإمام يفسر العصيان بالإضافة إلى اللّه بأنّه ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح في العدّة فتكون النتيجة أنّ أباجعفر ـ عليه السَّلام ـ ينفي العصيان الوضعي في المورد لا العصيان التكليفي ومن المعلوم أنّ الأوّل يدلّ على الفساد بلا إشكال.وأمّا الثاني الذي نحن بصدده فلا تدل الرواية في مورده على شيء.

وبما أنّ الظاهر من الرواية أنّ العصيانين في كلا الموردين من نوع واحد فيكون المراد من العصيان فيه هو عدم رعاية حقّ المولى وهو إذنه فيكون أيضاً فاسداًمعلّقاً على عدم الإذن فإذا أذن صحّ.

وبعبارة أُخرى أنّ الفساد الوضعي على قسمين وكلاهما مقتضيان للفساد غير أنّ الفساد في أحدهما محتّم لا يزول بخلاف الثاني فهو معلّق يحكم به على العقد مالم يحرز المعلّق عليه.

فالعصيان الوضعي بمعنى عدم كونه مشروعاً في الدين كنكاح المحارم أو نكاح ما حرّمه اللّه كنكاح المعتدّة فهذا النوع من الفساد لا يُغيّر ولا يبدّل وإلاّ لزم طروء النسخ على الشريعة.

وأمّا العصيان الوضعي بالوجه الثاني فالفساد فيه شأني فإذا ارتفع المعلّق عليه ارتفع الفساد.

وبذلك يعلم اندفاع الإشكالين لأنّه مبني على تفسير العصيان في الفقرة


1-الوسائل:ج14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.


(327)

الثانية بالعصيان التكليفي ولأجل ذلك قال: إنّ نفس العقد ليس بحرام قطعاً لعدم حرمة التكلّم وعلى فرض الحرمة فعصيان المولى ملازم لعصيانه سبحانه.

يلاحظ عليه : بأنّ المبنى غير ثابت بل الثابت خلافه، لأنّ الاعتراضين مبنيان على تفسير العصيان بالتكليف فلذلك قال: إنّ نفس التكلّم ليس بحرام الخ.

هذا كلّه في المورد الأوّل أعني كون النهي تحريمياً مولوياً بأقسامه الأربعة أو الخمسة ويقع الكلام في المورد الثاني وإليك البيان:

***

المورد الثاني: ما إذا كان النهي إرشاداً إلى الفساد مثل قوله تعالى:(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) (النساء/22). ولا كلام في الدلالة على الفساد إنّما الكلام في المورد الثالث.

المورد الثالث: إذا ورد نهي، وتردّد بين كونه نهياً مولوياً دائراً بين أحد الأقسام الأربعة أو كونه نهياً إرشادياً ، فالظاهر أنّه يحمل على الإرشاد إلى الفساد وعدم ترتّب الآثار.

وإذا قيل:«لا تبع المصحف»، أو «لا تبع ما ليس عندك أو الكتب الضالّة»، فهو إرشاد إلى عدم إمضاء تلك البيوع.

ولذا ترى الفقهاء يستدلون بالنواهي المتعلّقة بالمعاملات على الفساد، وما ذلك إلاّ لأجل كونها ظاهرة في الإرشاد إلى الفساد من أجل عدم صلاحية السبب، أو عدم إمضاء المسبّب.

وإلى ما ذكرنا ينظر ما حكى عن الشيخ في تقريراته: الظاهر من النهي المتعلّق بعبادة أو معاملة كونه ناظراً إلى العمومات الشرعية لها تأسيساً أو إمضاءً فيكون بمنزلة المقيّد والمخصّص، فإذا قال اللّه تعالى: (وَ لاتَنْكِحُوا ما نَكَحَ


(328)

آباؤُكُمْ) (النساء/22) علم منه إرادة التخصيص للعمومات الدالّة على صحّة النكاح، والظاهر أنّ كلام المستدل فيما لم يعلم كونه إرشاداً إلى الفساد أو إلى تخصيص الأدلة.

تذنيب

قال المحقّق القمي:

«أفرط أبوحنيفة وتلميذاه أبو يوسف ومحمّد بن الحسن الشيباني، فقالوا بدلالة النهي على الصحّة والكلام تارة في العبادات وأُخرى في المعاملات.

أمّا الأُولى فتقّرر بوجهين:أمّا الوجه الأوّل فهو ما أفاده المحقّق القمي في القوانين وحاصله: «ليس المراد أنّ دلالة النهي على الصحّة بالدلالة المطابقية أو التضمنية إذ ليست الصحّة مفاد النهي لا عيناً ولا جزءاً، بل المراد أنّه يستلزم الصحّة فقول الشارع «لا تصم يوم النحر» وللحائض:«لا تصلي» يستلزم إطلاق الصوم على صومه والصلاة على صلاتها والأصل في الإطلاق الحقيقة فلو لم يكن مورد النهي صحيحاً لم يصدق تعلّق النهي على أمر شرعي فيكون المنهي عنه مثل الإمساك والدعاء وهو باطل مع أنّا نحن نجزم بأنّ المنهي عنه أمر شرعي».(1)

و الاستدلال دائر بين تعلّق النهي بأمر شرعي أو أمر لغوي، وبما أنّ دلالة الثاني باطلة، فتعين الأمر الأوّل وهو الصحيح.

يلاحظ عليه: أنّ هناك شيئاً ثالثاً وهو أيضاً أمر شرعي، وهو أن يتعلّق الأمر بالعبادة المطلقة سواء كانت صحيحة أو فاسدة وليس الأمر دائراً بين إرادة الصحيح أو المعنى اللغوي، بل يمكن أن يراد، المعنى الأعم من الصحيح والفاسد الشرعيان.


1-القوانين:1/163.


(329)

أمّا الوجه الثاني فهو «أنّ النهي عن شيء كالأمر إنّما يصحّ بعد كون المتعلّق مقدوراً، ومن المعلوم أنّ النهي لم يتعلّق بالعبادة الفاسدة إذ لا حرمة لها فلابدّ أن يكون متعلّق النهي هو الصحيح ولو بعد النهي فلو اقتضى النهي الفساد يلزم أن يتعلّق النهي بشيء غير مقدور»، وبعبارة أُخرى لو كان النهي سبباً للفساد لزم أن يكون النهي سالباًللقدرة، والتكليف الذي يجعل المكلّف عاجزاً عن الإرتكاب يكون لغواً.

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني حيث قال:

وأمّا العبادات فما كان منها عبادة ذاتية كالسجود والركوع والخشوع والخضوع له تبارك وتعالى فمع النهي عنه يكون مقدوراً كما إذا كان مأموراً به وما كان منها عبادة لاعتبار قصد القربة فيه لو كان مأموراً به فلا يقدر عليه إلاّ إذا قيل باجتماع الأمر والنهي في شيء ولو بعنوان واحد وهو محال.(1)

و ما أجاب به المحقّق الخراساني حقّ لولا أنّه ليس في العبادات شيء من الذاتية .

هذا كلّه حول القسم الأوّل.

وأمّا الثانية أي المعاملات فقد فصّل المحقّق الخراساني بين تعلّق النهي عن المسبّب أو التسبّب فيدلّ على الصحّة لاعتبار القدرة في متعلّق النهي ولا يكاد يقدر عليهما إلاّ فيما كانت المعاملة مؤثرة صحيحة، أمّا إذا كان عن السبب فلا لكونه مقدوراً، وإن لم يكن صحيحاً وقد عرفت أنّ النهي عنه لا ينافي الصحّة.(2)

وحاصله الفرق بين النهي المتعلّق بالسبب والمتعلّق بالمسبّب أو التسبّب بأنّ النهي لا يكشف في الأوّل عن الصحّة ، لأنّه مقدور بخلاف الثاني فانّه يكشف عن مقدوريته، ولا يكاد يقدر عليهما إلاّ فيما كانت المعاملة مؤثرة


1-كفاية الأُصول:1/299ـ300.
2-كفاية الأُصول:1/299ـ300.


(330)

صحيحة.

وهو من المحقّق الخراساني عجيب جدّاً والحقّ أنّه لا يدلّ على الصحّة بتاتاً وذلك لأنّ المعاملات ليست من الماهيات المخترعة كالعبادات بل ماهيات عرفية اجتماعية وقد أمضاها الشارع بقوله:(وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (البقرة/275) وقد تحقّقت التسمية قبل إمضاء الشارع وتصويبه فلو قلنا إنّها موضوعة للصحيح، فإنّما المراد الصحيح مقابل الفاسد عند العرف ويكون الصحيح العرفي طريقاً لإحراز الصحيح عند الشارع إلاّ إذا قام الدليل على التخطئة والتخصيص في أدلّة الإمضاء.

وعلى ضوء ذلك فيكفي في النهي عن المسبّب، كونه مقدوراً عرفاً وليس كلّ مقدور عرفاً، بصحيح شرعاً، فالنهي عن بيع الميتة وغيرها، وإن كان نهياً عن المسبّب، لكنّه نهي عن الملكية المحقّقة لدى العرف وإن كانت غير متحقّقة عند الشرع وبما أنّ الملكية متحقّقة في نظر العرف يتوجّه النهي إليها لكونها محقّقة ومقدورة وصحيحة عندهم ولكنّه لا يلازم كونها صحيحة ومحققة عند الشارع.

و ليس لأحد أن يدّعي أنّ أسماء المعاملات موضوعة للصحيح عند الشارع فانّه باطل بالبداهة ولا مانع من أن يكون الممنوع ما هو الصحيح عند العرف فأقصى ما يدلّ عليه النهي هو صحّة المتعلّق عرفاً لا شرعاً. كما هو المدّعى.

فروع

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم تطرق في تقريراته إلى بعض المسائل التي لها صلة بالموضوع ونحن نقتفيه:

1ـ إذا تعلّق النهي بالإيجاب دون القبول فهل تسري الحرمة إلى القبول أو لا؟كما إذا كان الموجب مُحرماً دون القابل؟الظاهر لا، لعدم الملاك إلاّ إذا لوحظت المسألة من باب الإعانة على الإثم وهو خارج عن محطّالبحث، قال في الجواهر:


(331)

ذهب جماعة إلى اختلاف حكم المتعاقدين في البيع وقت النداء إذا كان أحدهما مخاطباً بالجمعة دون الآخر، فخصّوا المنع بمن خوطب بالسعي وحكموا بجواز البيع من طرف الآخر نعم رجّح جماعة آخرون عموم المنع من حيث الإعانة بالإثم.(1)

2ـ إذا كانت المعاملة باطلة من جانب واحد كما إذا كانت غررية من جانب الموجب دون القابل فهل يسري الحكم الوضعي إلى الطرف الآخر، أو لا؟الظاهر نعم، لأنّ مفاد المعاملة أمر بسيط لا يقبل التبعض. فالملكية المنشأة إمّا موجودة أو لا.فعلى الأوّل يلزم صحّة المعاملة في كلا الجانبين وهو خلاف الفرض والثاني هو المطلوب.

3ـ لو كان لنفس الإيجاب أثر مستقلّ وإن لم ينضمّ إليه القبول. لترتّب عليه كما إذا كان الموجب أصلياً دون القابل، فما لم يرد القابل الحقيقي لما كان له حقّ التصرّف في المبيع، لأنّه أثر للإيجاب الكامل وهو محقّق وليس أثراً لملكية القابل حتّى يقال بأنّها غير متحقّقة بعده.(2)

***

الثمرات الفقهية للمسألتين

ثمّ إنّ اللازم ذكر بعض الثمرات المترتبة على هاتين المسألتين ليكون سبباً للتدريب والتمرين وإليك بعض ما ورد في الجواهر وغيره في أبواب مختلفة:

1ـ الصلاة في خاتم الذهب

روى الشيخ بسند صحيح عن عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في


1-الجواهر:29/241 .
2-مطارح الأنظار:171.


(332)

حديث قال:«لا يلْبس الرجل الذهب ولا يصلّي فيه لأنّه من لباس أهل الجنّة».(1)

روى الكليني بسند صحيح عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا يصلّي الرجل وفي يده خاتم حديد.(2)

و مرسلة محمد بن أبي الفضل المدائني عمّن حدّثه عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: لا يصلّي الرجل وفي تكَّته مفتاح حديد.(3)

قال شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري قد دلّت طائفة من الأخبار على اعتبار عدم كون لباس المصلّي من الذهب للرجال والنهي في تلك الأخبار قد تعلّق بالصلاة في الذهب، والنهي المتعلّق بالعبادة يقتضي الفساد كما حرّر في محلّه.(4)

2ـ لو طلب الإمام الزكاة

يجب صرف الزكاة إلى الإمام ـ عليه السَّلام ـ لو طلبها ولو فرقها المالك والحال هذه، فهل هو يجزى أو لا؟ قيل لا يجزى للنهي المفسد للعبادة.(5)

3ـ لو تضرّر باستعمال الماء

متى تضرّر باستعمال الماء ـ في الوضوء ـ لم يجز استعمال الماء فإن استعمل لم يجز لانتقال فرضه فلا أمر بالوضوء مثلاً بل هو منهي عنه بنفسه.(6)

لا يصحّ التيمّم بالتراب أو الحجر المغصوب أي الممنوع من التصرّف فيه شرعاً للنهي المقتضي للفساد عقلاً وشرعاً وهو واضح بناءً على جزئية الضرب من


1-الوسائل: الجزء 3، الباب 30 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 4.
2-الوسائل: الجزء 3 ، الباب 32 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1ـ2.
3-الوسائل: الجزء 3 ، الباب 32 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1ـ2.
4-الحائري، الصلاة:57.
5-النجفي، الجواهر:15/421.
6-النجفي ، الجواهر:5/111.


(333)

التيمّم بل وشرطيته مع اعتبار النيّة فيه كما هوالأصل في كلّ ما أمر به. نعم لو لم يكن شرطاً وكان كاغتراف الماء من الاناء أو كان شرطاً لكن لم تعتبر النيّة فيه اتّجه عدم اقتضاء النهي للفساد حينئذ عقلاً، بل التيمّم صحيح وإن كان الضرب محرماً وكيف كان ففساد التيمّم دائر مدار النهي عنه شرعاً وإلاّ فلا فساد حيث لا نهي.(1)

قلت: الظاهر هو الفساد وإن لم نقل بجزئية الضرب على الأرض أو شرطيته وذلك لما حقق في محلّه من اعتبار العلوق على اليد ومسحه على الوجه واليدين وقلنا لا يصحّ التيمم على الحجر الأملس الذي لا علوقَ عليه أبداً، قال سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (المائدة/6).

5ـ الاكتفاء بالأذان المنهي عنه

إذا تغنّى بالأذان، أو أذّنت المرأة متخضعّة أو أذّن في المسجد وهو جنب، فهل يمكن الاكتفاء بها وإن كان الفرق بين الصورتين الأُولتين والثالثة واضح فانّ النهي في الأوّل متوجّه إلى نفس الأذان، بخلافه في الثالث فانّه متوجّه إلى التوقّف في المكان الغصبي.(2)

6ـ قراءة العزائم في الفرائض

لا يجوز أن يقرأ في الفرائض شيئاً من سور العزائم كما هوالمشهور بين الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعاً إنّما البحث في البطلان الذي قد اعترف في كشف اللثام بعدم المصرِّح به قبل الفاضل غير ابن إدريس وأقصى ما يحتج له


1-النجفي، الجواهر:5/135.
2-النجفي، الجواهر:9/53ـ59.


(334)

بظاهر النهي المقتضي للفساد إمّا في الصلاة وإمّا في الجزء.(1)

7ـ طلب الأمر الحرام في الصلاة

لا يجوز أن يطلب شيئاً محرّماً في الصلاة وغيرها ولو فعل بطلت صلاته كما نصّ عليه غير واحد لصيرورته بالنهي عنه من كلام الآدميين أو لما في التذكرة «الدعاء المحرم مبطل للصلاة إجماعاً لأنّه ليس بقرآن ولا دعاء مأمور به بل هو منهي عنه والنهي عنه يدلّ على الفساد».(2)

8ـ إذا حرم الاستمرار في الصلاة

إذا وجب قطع الصلاة لأجل صيانة النفس والمال المحترمين من الغرق والحرق واحتمال انهدام السقف على رأسه احتمالاً عقلائياً، فلواستمرّ بطلت صلاته للنهي المفسد للعبادة.(3)

9ـ النهي عن التكفير في الصلاة

قد ورد النهي عن الصلاة بالتكفير أي قبض اليسرى باليمنى كما ورد النهي عن إقامة النوافل بالجماعة في ليالي رمضان أعني صلاة التراويح، فهل الصلاة فاسدة، للنهي عنها أو لا؟(4)

10ـ صوم يوم الشك بنيّة رمضان

إذا صام آخر يوم من شهر شعبان بنيّة رمضان، لم يجز عن رمضان إذا كان أوّل يومه للنهي عنه المقتضي للفساد.(5)


1-النجفي، الجواهر:9/343ـ344.
2-النجفي، الجواهر:11/121.
3-النجفي، الجواهر:11/123.
4-النجفي، الجواهر:12/328.
5-النجفي، الجواهر:16/207.


(335)

11ـ القران بين الحجّ والعمرة

لو قرن بين الحجّ والعمرة بنية واحدة بطلا للنهي المفسد للعبادة كما لو نوى صلاتين وكأنّ الوجه في اقتضائه الفساد هنا اقتضاء بطلان النيّة المقتضي لفساد العبادة.(1)

وقال أيضاً لو أحرم متمتّعاً ودخل مكة وأحرم بالحجّ قبل التقصير عامداً قيل بطلت عمرته، وصارت حجّته مبتولة وقيل يبقى على إحرامه الأوّل وكان الثاني باطلاً للنهي عنه المقتضي لفساده ضرورة عدم إدخال الحجّ على العمرة قبل إتمام مناسكها والتقصير منها.(2)

هذه نماذج ممّا تعلّق فيها النهي بالعبادة وإليك نماذج ممّا تعلّق فيها النهي بالمعاملة.

12ـ شرط اللزوم في المضاربة

اتّفقت كلّمتهم على أنّ المضاربة جائزة في تمام الأزمان، فلو شرط اللزوم فقد شرط شيئاً مخالفاً للشرع المنكشف عن طريق الإجماع فيكون منهياً عنه فيدخل في الضابطة.(3)

13ـ إذا استعمل في الاستنجاء مالا يجوز استعماله فيه كالروث والعظم والأحجار الكريمة أو الحجر المغصوب، فالنهي فيها هل يدلّ على الفساد وعدم الاعتداد بهذا النوع من الاستنجاء أو لا؟(4)


1-النجفي، الجواهر:18/98و 252.
2-النجفي، الجواهر:18/98و 252.
3-السيد الخوئي: مباني العروة الوثقى، كتاب المضاربة، ص13ـ14.
4-النجفي، الجواهر:2/54ـ55.


(336)

14ـ إذا باع يوم الجمعة بعد الأذان، فالنهي لا يدلّ على الفساد لتعلّقه بأمر خارج بخلاف ما إذا تعلّق بنفس المعاملة أو أحد أركانها أو وصفها اللازم، لا مثل المقام الذي تعلّق النهي لأجل كونه مفوّتاً للواجب (1).

***


1-النجفي، الجواهر:11/306.


(337)

المقصد الثالث
في المفهوم والمصداق

وفيه أمور وفصول:

الأمر الأول: المنطوق والمفهوم من أوصاف المدلول.

الأمر الثاني: التقسيم راجع إلى المداليل الجملية.

الأمر الثالث: تعريف المفهوم.

الأمر الرابع: مسلك القدماء في استفادة المفهوم.

الأمر الخامس: النزاع في باب المفاهيم صغروي.

الأمر السادس: تفسير مفهوم الموافقة ولحن الخطاب.

الأمر السابع: في ما إذا كان الشرط غير محقّق للموضوع.

الفصل الأوّل: مفهوم الشرط مع تنبيهات.

الفصل الثاني: مفهوم الوصف.

الفصل الثالث: مفهوم أداة الغاية.

الفصل الرابع: مفهوم الحصر.

الفصل الخامس: مفهوم اللقب.

الفصل السادس: مفهوم العدد.


(338)


(339)

و قبل الدخول في أصل المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: المنطوق و المفهوم من أوصاف المدلول

هل المنطوق والمفهوم من أوصاف المدلول بما هومدلول بمعنى أنّ قسماًمنه منطوق ينطق به المتكلّم في نظر العرف وقسماً منه مفهوم، يفهم من كلامه، وإن لم ينطق به، أو هو من أوصاف الدلالة كما يقال:دلالة منطوقية ودلالة مفهومية، كما هي باعتبار آخر على أقسام ثلاثة مطابقية وتضمنية والتزامية.

الظاهر هو الأوّل، فانّ ما يدلّ عليه اللفظ بنحو من الدلالة ينقسم إلى ما يسمّى في العرف بما ينطق، وإلى ما يفهم، ووصف الدلالة بهما ليست بنفسها بل بعناية انتزاعهما من المدلول ووصفها بهما. وذلك إذاكان المدلول، مدلولاً منطوقياً، يصحّ توصيف الدلالة أيضاً بالمنطوقية، وإذا كان مدلولاً مفهومياً، يصحّ توصيفها بالمفهومية، ولمّا كان المدلول على قسمين فستكون الدلالة بحسبها على قسمين أيضاً.

لكنّه ليس من صفات ذات المدلول بما هوهو بل بما هو مدلول، لأنّ من الصفات ما يكون وصفاً للمعنى الذهني وإن لم يكن مدلولاً، كالكلية والجزئية، ومنها ما يكون وصفاً له بما أنّه مدلول للفظ، وحينئذ ينقسم المدلول إلى ما يعدّ عرفاً ممّا نطق به فيسمّى مدلولاً منطوقياًأو ما يعدّعرفاً ممّا فهم منه، وإن لم ينطق فيسمّى مدلولاً مفهومياً. و سيوافيك شرح ذلك.

الثاني: التقسيم راجع إلى المداليل الجملية

إنّ تقسيم المداليل إلى المفهوم والمنطوق يرجع إلى تقسيم مداليل الجمل والقضايا إليهما وأمّا مداليل المفردات مطابقيها أو تضمنيها أو التزاميها فالكلّ


(340)

خارج عن المقسم.

وبذلك يعلم أنّه لا واسطة بين المفهوم والمنطوق فما دلّت عليه القضية إمّا مدلول منطوقي، أو مفهومي ولا ثالث.

دلالة الاقتضاء والتنبيه والإشارة

كما أنّ المدلول ينقسم إلى منطوق ومفهوم فهكذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام أُخر:

1ـ المدلول عليه بدلالة الاقتضاء.

2ـ المدلول عليه بدلالة التنبيه والإيماء.

3ـ المدلول عليه بدلالة الإشارة.

ولأجل الوقوف على هذه الدلالات وكيفية الإفهام بها نبحث عن كلّواحدة منها إجمالاً، فنقول: إنّ الدلالة إمّا أن تكون مقصودة للمتكلّم أو لا، والثاني هو المدلول بدلالة الإشارة كما سيوافيك بيانه وأمّا الأوّل فينقسم إلى قسمين:

الأوّل: المدلول بدلالة الاقتضاء وهو ما يدلّ عليه الكلام لأجل توقّف صدق الكلام عليه أو يتوقّف صحّته عقلاً أو شرعاً عليه فالأوّل مثل قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«رفع عن أُمّتي تسعة»(1) إذ لو لم تقدر المؤاخذة أو مثلها، لزم الكذب لوجود هذه الأُمور التسعة في الأُمة الإسلامية والثاني مثل قوله تعالى:(وَاسئَلِ الْقَرْيةَ) (يوسف/82) إذ لو لم يقدّر الأهل لما صحّ الكلام، والثالث مثل قوله: «اعتق عبدك عنّي»، فانّ العتق عن شخص فرع كونه مالكاً للعبد إذ لا يصحّ العتق إلاّ في ملك.

الثاني: المدلول بدلالة التنبيه وهو استفادة العلّية وأمثالها من اقتران شيء


1-الخصال، باب التسعة، ص 417، الحديث9.


(341)

بشيء بحيث لو لم يكن المتقدّم علّة لما صحّ الاقتران بينهما وذلك مثل قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «كفّر» بعد قول الأعرابي:«هلكت وأهلكت واقعت أهلي في نهار رمضان»(1) فانّ قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «كفّر» بعد قول الأعرابي، يدلّ على أنّ الوقاع علّة لوجوب الكفارة عليه فهو في قوّة قوله:«إذا واقعت فكفّر» وهذا يعدّ في مقابل منصوص العلّة.

وأمّا المدلول بدلالة الإشارة :فهو ما يعدّ من لوازم كلام المتكلّم وإن لم يكن قاصداًمثل دلالة قوله سبحانه :(وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) (الأحقاف/15) مع قوله سبحانه:(وَ الوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ) (البقرة/233) على كون أقلّ الحمل ستة أشهر فانّ المقصود في الآية الأُولى بيان تعب الأُمّو في الثانية بيان أكثر مدّة الرضاع، غير أنّ لازم هذين المدلولين مدلول ثالث وهو أنّ أقلّ الحمل ستة أشهر وأمّا كون المداليل الالتزامية من المداليل المنطوقية أو المفهومية أو التفصيل بين اللازم البيّن بالمعنى الأخص، وغيره من البيّن بالمعنى الأعم واللازم غير البيّن، فسيوافيك الكلام فيه عند البحث عن تعريف المنطوق والمفهوم.و قد تقدّم مختار المحقّق القمي ـ قدَّس سرَّه ـ.

الثالث: تعريف المفهوم

عرّف الحاجبي (2) المفهوم بما دلّ عليه اللفظ في غير محلّ النطق والمنطوق ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق.

وفسّره العضدي في شرحه بأنّ المراد من الموصول هو الحكم،و هو إن كان محمولاً على موضوع مذكور فهو منطوق وإن كان محمولاً على موضوع غير مذكور فهو مفهوم، وبذلك فسر قوله: «في محل النطق» و«لا في محل النطق».(3)


1-التاج الجامع للصحاح:2/67.
2-منتهى الوصول والأمل/147، المعروف بالمختصر الحاجبي، مختصره الذي شرحه العضدي وغيره واشتهر بشرح المختصر.
3-مطارح الأنظار: 172.


(342)

ولكن التفسير عجيب جدّاً، لأنّ الفارق بينهما ليس كون الموضوع مذكوراً في المنطوق دون المفهوم، بل الموضوع مذكور في كليهما ففي مثل قوله: «إذا جاء زيدفأكرمه»، الموضوع هو زيد في المنطـوق والمفهوم وإن كان الحكمان مختلفين.

وقد أوضح المحقّق البروجردي تعريف الحاجبي بما هذا خلاصته: أنّ ما يفهم من كلام المتكلّم قد يكون بحيث يمكن أن يقال إنّه تنطق به على نحو لو قيل للمتكلّم: أنت قلت هذا؟ لا يصحّ له انكاره.

وهاهنا مداليل أُخرى تفهم من الكلام من جهة وجود الخصوصية ومع ذلك يكون للمتكلّم إمكان الفرار منه ونفي صدوره عنه، فإذا قال:«إذا جاءك زيد أكرمه»، فعدم ثبوت الإكرام عند عدم المجيء وإن كان مفهوماً منه لكن للمتكلّم إمكان الفرار منه وانكار أنّه مراده. والمداليل المطابقية والتضمّنية والالتزامية للجمل (لا للمفردات كما تقدّم) ممّا لا يمكن للمتكلّم أن ينكر القول بها بعد إقراره بنطقه بالكلام ولأجل ذلك جعلوها من المداليل المنطوقية ببيان أنّ المنطوق ما تنطق به المتكلّم بلا واسطة كما في المدلول المطابقي أو مع الواسطة كما في الأخيرين، والمفهوم عبارة عمّـا لم ينطق به لا بلا واسطة ولا معها ولكن يفهم من كلامه.(1)

و محصّله انّ المدلولات الثلاثة ممّا نطق بها المتكلّم وغيرها كالمفاهيم ممّا لم ينطق به المتكلّم وهذا تفسير تعريف الحاجبي، ويؤيد ذاك التفسير أنّ الغزالي عرّف مفهوم الموافقة بأنّه فهم غير المنطوق به من المنطوق به بدلالة سياق الكلام، وعرّف مفهوم المخالفة تخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عمّا عداه ويسمّى مفهوماً لأنّه مفهوم مجرّد لا يستند إلى منطوق وإلاّفما دلّ عليه المنطوق أيضاً مفهوم.(2)


1-نهاية الأُصول:1/263.
2-الغزالي، المستصفى:2/190ـ191.


(343)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لم يبيـّن ضابطاً لما نطق به المتكلّم ولما لم ينطق به، حتى يتبيّن وجه جعل المداليل التضمّنية والالتزامية من المنطوق دون المفهوم.

فإن كان الملاك سرعة التبادر إلى الذهن وأنّ الأخيرين أسرع تبادراً إليه من المداليل المفهومية ففيه، أنّه ربّ مفهوم أسرع تبادراً من القسمين المذكورين خصوصاً إذا كان المفهوم، مفهوم الموافقة كالنهي عن الشتم والضرب المتبادر من النهي عن التأفيف، وتبادره أسرع من تبادر جزء المعنى الذي يكون مغفولاً عنه، فكيف يكون التنطق بالكل تنطقاً بالجزء، ولا يكون النهي عن التأفيف تنطقاً بالنهي عن الضرب والشتم عندهم؟ اللهمّ إلاّ أن يلتزم قائل بأنّه من المداليل المنطوقية كما هو ليس ببعيد.

وإن كان المقياس هو كون المنطوق ممّا سيق لأجله الكلام، فلا ريب أنّ المفاهيم ربّما تكون ممّا سيق لأجلها الكلام.

وثانياً: أنّ التنطق بالملزوم إنّما يعدّ تنطقاً باللازم إذا كان اللازم من قبيل اللازم البيـّن بالمعنى الأخص، وأمّا اللازم البيّن بالمعنى الأعم أو اللازم غير البيّن فجعلهما من قبيل المنطوق بعيد غايته ولا يصحّ أن يقال إنّ المتكلم تنطق بذلك. فلا يصحّ عدّ جميع الدلالات الالتزامية من المداليل المنطوقية.

توضيح ذلك: أنّ دلالة اللفظ على المعنى اللازم على وجوه ثلاثة:

الأوّل: يكفي تعقّل الملزوم في الانتقال إلى لازمه وهذا ما يسمّى باللزوم البيّن بالمعنى الأخص وهذا في المفردات كالبصر بالنسبة إلى العمى، وكون النهار موجوداً بالنسبة إلى قولنا: «الشمس طالعة» في المركّبات.

الثاني: مالا يكفي ذلك بل لابدّ من تصور اللازم والملزوم والنسبة بينهما وهذا ما يقال له اللازم البيّن بالمعنى الأعم كما في الزوجية بالنسبة إلى الأربعة فما لم


(344)

يتصوّر الطرفان والنسبة بينهما لا يحكم بأنّ الأربعة زوج وكون الأجداد الدانية أربعة، فالحكم بالزوجية لا يتحقّق مالم تتصوّر التصوّرات الثلاثة.

الثالث: مالا يلزم تصوّره مطلقاً حتى بعد تصوّر الطرفين والنسبة بينهما بل لابدّ من إقامة البرهان كالحدوث بالنسبة إلى العالم في المفردات، ومثل دلالة الاقتضاء و التنبيه والإيماء في المركّبات.

فانّ الانتقال من سؤال القرية إلى السؤال عن أهلها لا يتحقّق إلاّبضميمة مقدّمة خارجية.

كما أنّ الانتقال إلى أقلّ الحمل في الآيتين لا يتحقّق إلاّ بعد المحاسبة والتفريق كما أنّ الانتقال إلى العلّية من اقتران الجملتين في قصّة الأعرابي لا تحصل إلاّ بعد مقدّمة خارجية وهي أنّه لو لم يكن الوقاع علّة لما كان اقتران الجملتين صحيحاً.

إذا عرفت ذلك تعرف أنّ جعل اللازم البيّن بالمعنى الأعم أو غير البيّن من المداليل المنطوقية في غاية البعد إذ كيف يمكن لمن تنطق بأنّ أجداده الدانية أربعة أن يحكم عليه بأنّ أجداده الدانية زوج أو من تنطق بالسؤال من القرية أنّه تنطق بالسؤال عن أهلها.

والأولى إخراج هذين القسمين من المداليل المنطوقية وجعلهما من المفاهيم وإن لم يكن من المفاهيم المصطلحة في علم الأُصول، والجامع بين هذين القسمين والمفاهيم المصطلحة عدم صحّة توصيف الجميع بأنّه ممّا نطق به المتكلّم.

والظاهر أنّ عبارة الحاجبي لا يشمل إلاّ اللازم البيّن بالمعنى الأخص فانّه هو الذي يعدّ النطق بالملزوم تنطقاً به، لا القسمين الأخيرين.


(345)

تعريف المحقّق الخراساني للمفهوم

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني عرّف المفهوم بأنّه حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أُريد من اللفظ بتلك الخصوصية فالمفهوم حكم غير مذكور لا أنّه حكم لغير مذكور.(1)

و أورد عليه المحقّق الإصفهاني بأنّه إن أُريد كون الحكم غير مذكور بشخصه فالموضوع أيضاً بشخصه غير مذكور، لأنّ الموضوع في المنطوق بشخصه غير الموضوع بشخصه في المفهوم وإن أُريد كون سنخ الحكم غير مذكور فلا يعمّ المفاهيم جميعاً لخروج مفهوم الموافقة إذ الحكم في المنطوق والمفهوم واحد سنخاً.(2)

يلاحظ عليه: أنّ المراد من سنخ الحكم ليس هو الاختلاف في الإيجاب والسلب فقط حتّى يقال بأنّ سنخ الحكم في مفهوم الموافقة مذكور، بل الاختلاف في مادة الفعل الذي يتوارد عليه النفي والإثبات كاف كما في قوله تعالى: (وَلا تَقُلْ لَهُما أُفّ) (الإسراء/23) فإنّ مفهومه لا تضربهما، فالاختلاف في نفس الفعل المنفي كاف في كون الحكم غير مذكور.

الرابع: مسلك القدماء في استفادة المفهوم

قد ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّ مسلك القدماء في استفادة المفهوم من القضايا يختلف مع مسلك المتأخرين، فانّ دلالة الخصوصية المذكورة في الكلام من الشرط أو الوصف أو الغاية أو اللقب أو نحوها على الانتفاء ليست دلالة لفظية، بل هي من باب بناء العقلاء على حمل الفعل الصادر عن الغير على كونه صادراً لغاية وكون الغاية المنظورة منه غايته النوعية العادية والغاية المنظورة (عند العقلاء) من نفس الكلام حكايته لمعناه ومن خصوصياته دخالتها في المطلوب فإذا قال المولى: إن جاءك زيد فأكرمه، حكم العقلاء بمدخليّة مجيئ زيد في


1-كفاية الأُصول:1/301ـ300.
2-نهاية الدراية:1/319.


(346)

وجوب إكرامه قائلاً بأنّه لولا دخله فيه لما ذكره المتكلّم وكذا سائر القيود، وعلى ذلك فاستفادة المفهوم ليس مبنياًعلى دلالة الجملة على الانتفاء عند الانتفاء بل مبني على أنّ الأصل في فعل الإنسان أن لا يكون لاغياً بل يكون كلّ فعل منه وهو الإتيان بالقيد، صادراً لغايته الطبيعية وهو مدخلية القيد في الحكم.

وأمّا مسلك المتأخرين فهو مبني على دلالة الجملة وضعاً أو إطلاقاً على كون الشرط أو الوصف علّة منحصرة للحكم فيرتفع الحكم بارتفاعه.(1) وعلى ذلك يكون البحث عند القدماء عقلياً وعند المتأخرين لفظياً.

ولا يخفى أنّ ما ذكره إنّما ينطبق على بعض استدلالاتهم كقولهم في إثبات مفهوم الشرط بأنّه لو لم يفد التعليق انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط لكان التعليق لغواً يجب تنزيه كلام الحكيم عنه.

ومثله ما ذكروه في مفهوم الوصف من أنّه لولا دخله، لعرى وجوده عن الفائدة ولكنّه لا ينطبق عليه ما ذكره في المعالم لنفي حجّية مفهوم الوصف بأنّه لو دلّ لدلّ بإحدى الدلالات الثلاث وكلّها منتفية أمّا المطابقة أو التضمن فظاهر وأمّا الالتزام فلعدم اللزوم الذهني، فانّ الظاهر أنّ الاستدلال يدور مدار الدلالة اللفظية، والاستدلال ليس لصاحب المعالم وإنّما هو ناقل عمّن قبله.

الخامس: النزاع في باب المفاهيم صغروي

إنّ النزاع في باب المفاهيم صغروي لا كبروي وأنّ مدار البحث هو أنّه هل للقضايا الشرطية مفهوم أو لا؟ وأنّ الجملة هل تدل على ذلك أو لا؟ وأمّا على فرض الدلالة والانفهام العرفي فلا شكّ في حجّيتها.

وأمّا على مسلك القدماء فقد أفاد المحقّق البروجردي على أنّ النزاع كبروي وأنّ النزاع في حجّية بناء العقلاء لأنّه قد استقرّ بناؤهم على حمل الخصوصيات الموجودة في كلام المتكلّم على كونها صادرة عنه بداعي غايتها


1-نهاية الأُصول،ص 265.


(347)

النوعية وأنّ الغاية النوعية هي مدخليتها في المطلوب وهذا البناء من العقلاء موجود والإشكال في حجّيته.

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر أنّ النزاع على مسلكهم أيضاً صغروي، لأنّ البحث ليس في حجّية بناء العقلاء على دخل القيد في الحكم وإنّما الكلام في تفسير معنى الدخل فهل معناه في قوله ـ عليه السَّلام ـ :«إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء»(1) هو انتفاء الحكم بانتفاء القيد أعني ارتفاع العاصمية بارتفاع الكرّية كما يدعيه القائلون بالمفهوم.

أو أنّ معناه: أنّ الماء وحده ليس موضوعاً تامّاً للعاصمية بتقريب أنّه لو كان الماء موضوعاً تامّاً لكان ذكر الكرّية لغواً وأمّا أنّ ارتفاعه يستلزم ارتفاع الحكم مطلقاً وأنّه لا ينوبه شيء آخر، كالمطر والجريان على رأي بعضهم فلا يستفاد ذلك.

وعلى ذلك يصير النزاع في مفاد مقدار الدخل الذي اتّفق العقلاء على أصله بلا كلام وأمضاه الشارع.

السادس: تفسير مفهوم الموافقة ولحن الخطاب

إنّ الحكم المدلول عليه عن طريق المفهوم إمّا أن يكون موافقاًللحكم المذكور، في النفي والإثبات فيسمّى مفهوم الموافقة أو لحن الخطاب(2) أو فحواه كدلالة حرمة التأفيف على حرمة الضرب وإن كان مخالفاً فيهما فيسمّى مفهوم المخالفة ودليل الخطاب.

السابع: في ما إذا كان الشرط غير محقّق للموضوع

إنّ النزاع في وجود مفهوم في القضايا الشرطية فيما إذا عُدَّ القيد، شيئاً


1- الوسائل:1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث1ـ2.
2-و ربما يطلق لحن الخطاب على دلالة الاقتضاء.


(348)

زائداً على الموضوع وتكون الجملة مشتملة على موضوع ومحمول وشرط فعند ذاك يقع النزاع في أنّ القضية الشرطية هل تدلّ على ارتفاع المحمول عن الموضوع عند ارتفاع الشرط مثل قوله ـ عليه السَّلام ـ :« إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء»، فهناك موضوع وهو الماء ومحمول وهو العاصمية وشرط وهو الكرّية .

وأمّا القضايا التي يعدّالمقدّم بمجموعه موضوعاً من دون تفكيك بين الموضوع والشرط فخارج عن حريم البحث مثل قوله: إن شربت الدواء تصحّ ومثله كلّ القضايا التي يعدّ الشرط فيها محقّقاً للموضوع مثل قوله: إن رزقت ولداً فاختنه.

إذا عرفت هذه الأُمور فاعلم أنّ البحث في ثبوت المفهوم وعدمه وقع في موارد نأتي بها:


(349)

الفصل الأوّل:

مفهوم الشرط

هل الجملة الشرطية تدلّ على الثبوت عند الثبوت والانتفاء عند الانتفاء وضعاً أو بقرينة عامة بحيث لابدّ من الحمل عليه عند الإطلاق إلاّ إذا دلّ الدليل على خلافه، أو لا تدل.

هنا مسلكان: مسلك منسوب إلى القدماء، ومسلك مشى عليه المتأخّرون.

أمّا مسلك القدماء فقد عرفت بيانه وهو أنّ ظاهر القضية وظاهر حال فعل الحكيم دخل القيد في الحكم وإلاّكان الإتيان به لغواً ومقتضاه ارتفاع الحكم عند ارتفاعه. ولكنّه لا يفيد القائل بالمفهوم شيئاً إذ أقصاه كون الخصوصية دخيلة في الحكم.

وأنّ الماء في الحديث السابق ليس تمام الموضوع وهو يكفي في ردّ ابن أبي عقيل العمّـاني القائل بعدم انفعال الماء القليل وأمّا أنّه لا يخلفه غيره فلا يدلّ عليه فالقائل بالمفهوم إن أراد كونه دخيلاً إجمالاً فنحن نوافقه وإن أراد، أنّه لا يخلفه عنه غيره فهو ممّا لا يدلّ عليه الكلام ولا يقتضيه صون الكلام عن اللغويّة.

توقف المفهوم على ثبوت الانحصار

إنّ دلالة الجملة الشرطية على المفهوم، أي ثبوت الجزاء لدى ثبوت الشرط وانتفاءه لدى انتفائه لا يتمّ إلاّبإثبات أحد الأمرين:


(350)

الأوّل: أنّ الهيئة للقضيّة الشرطية موضوعة لذلك فدلالتها على المفهوم دلالة لفظية وضعية.

الثاني: إنّها وإن لم تكن موضوعة لذلك، لكنّها في عامّة الموارد مقرونة بقرينة عامّة تفيد ذلك كالانصراف أو مقدّمات الحكمة فيحمل عليه إلاّ إذا دلّت قرينة خاصة على خلافه. فلابدّ للقائل بالمفهوم من إقامة الدليل على أحد الأمرين المستتبع لترتّب الجزاء على الشرط على نحو ترتّب المعلول على علّته المنحصرة. ولا يتمّ ذلك إلاّ إذا ثبت الأُمور الثلاثة التالية:

1ـ وجود الملازمة بين الجزاء والشرط في القضية،و ليست من قبيل القضايا الاتّفاقية فانّ فيها الثبوت عند الثبوت لكن من باب الاتّفاق.

2ـ إنّ التلازم من باب الترتّب أي ترتّب أحدهما على الآخر، خرج ما إذا كان كلاهما معلولين لعلّة ثالثة، ففيهما الثبوت عند الثبوت والانتفاء عند الانتفاء، لكن ليس هناك أيّ ترتّب كما إذا قال إن طال الليل، قصر النهار، أو إذا قصر النهار طال الليل، فليس هناك أيّ ترتّب، ولأجل ذلك صحّ كلتا القضيتين لكونهما معلولين لعلّة ثالثة.

3ـ كون الترتّب عليّاً بنحو العلّة المنحصرة بعد تسلّم المراتب الثلاثة المتقدّمة ومعنى الانحصار عدم وجود علّة أُخرى تقوم مقام الشرط. هذا وأنّ للقائل بعدم المفهوم منع إحدى هذه المقدّمات أو أكثر منها وعلى القائل به إثبات جميعها.

***


(351)

أدلّة القائلين بالمفهوم

استدل القائل بالمفهوم بوجوه:

الأوّل: التبادر، إنّ المتبادر كون اللزوم والترتّب بين الشرط والجزاء بنحوالترتّب على العلّة المنحصرة.

يلاحظ عليه: أنّ ادّعاء تبادر اللزوم والترتّب والعلّية لا غبار عليه إلاّ أنّ تبادر كون الشرط علّة منحصرة ممنوع لوجهين:

1ـ لو كانت الهيئة موضوعة للعلّة المنحصرة، يلزم أن يكون استعمالها في غير صورة الانحصار مجازاً ومحتاجاً إلى إعمال العناية كسائر المجازات وليس كذلك.

2ـ لو كان كذلك، يجب الأخـذ بالمفهـوم حتّى في مقـام المخاصمات والاحتجاجات وعدم القبول من المتكلّم إذا قال: ليس لكلامي مفهوم مع أنّه خلاف المفروض.

الثاني: انصراف القضية إلى أكمل أفرادها وهو كون الشرط علّة منحصرة.

يلاحظ