welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : المحصول في علم الأُصول / ج1*
تألیف :السيد محمود الجلالي المازندراني*

المحصول في علم الأُصول / ج1

المحصول
في
علم الأُصول

يبحث عن الادلة الاجتهادية والأُصول العملية

الجزء الأول

تقريراً لبحوث آية الله الشيخ جعفر السبحاني

بقلم
السيد محمود الجلالي المازندراني

نشر
مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنزل كتابه تبياناً لكلّ شيء، وجعل السنّة الشريفة مفتاحاً لفهمه ومبيّنة لمعضلاته، والصلاة والسلام على أفضل من أُوتي الحكمة وفصل الخطاب، وآله الطاهرين الأطياب الذين هم عيبة علمه، ومؤل حِكَمِه، صلاة دائمة مادامت السماوات ذات أبراج والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد: فإنّ حياة كلّ علم رهن مدارسته ومذاكرته، وفي ذلك تكامل للعلم وبلوغه الذروة من الكمال.

وإنّ من منن الله سبحانه على هذه الأُمّة عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض، فلم يزل النقاش العلمي على قدم وساق، منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا مغدقاً على العلوم غنىً وثراءً.

ويعد علم الشريعة الكفيل ببيان الوظائف العملية للمكلّفين، من أشرف العلوم بعد معرفة الله سبحانه وصفاته وأفعاله، وقد استأثر هذا العلم باهتمام المسلمين، فدأبوا بعد رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على إرساء قواعده، وتدوين أبوابه، وتخريج فروعه، وأمّا أئمّة أهل البيت، فقد اهتمّوا ببسط هذا العلم وبقر مكامنه بعملين جبّارين، هما:

1. طرح قواعد كلّية يعتمد عليها المجتهد في استنباط الأحكام الشرعية،


(4)

وقد شكلَت البُنى التحتية لعلم الأُصول، جمعها الحرّ العاملي في كتابه «الفصول المهمة في أُصول الأئمّة»، وغيره من الاعلام.(1)

2. تربية جيل كبيرمن جهابذة الفقهاء بلغوا الذروة والسنام في حقل الفقه، وقد احتفل التاريخ، وكتب التراجم بأسمائهم، كلّ ذلك يُعرب عن مدى الأهمية التي حازها ذلك العلم.

وممّا لا شكّ فيه أنّ استنباط الأحكام مبني على علوم كثيرة، منها علم الأُصول الذي يتكفّل بيان القواعد الكلية التي لا يمكن للفقيه الاستغناء عنها في استنباط الأحكام الشرعية، وقد جاءت أكثر هذه القواعد في الروايات التي أملاها الصادقان عليمها السَّلام على أصحابهما.

وبذلك يعلم أنّ علم الأُصول لم يكن أمراً مغفولاً عنه عند الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ وأصحابهم، فهذا يونس بن عبد الرحمان (ت/208هـ) من أصحاب الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، ألّف كتاب «اختلاف الحديث ومسائله»، كما ألّف إسماعيل بن علي النوبختي (237ـ 311هـ) كتاب «الخصوص والعموم»، و«الأسماء والأحكام»، وألّف كتاب «إبطال القياس».

كما ألّف الحسن بن موسى النوبختي (الذي كان حيّاً على رأس المأة الثالثة) كتاب «خبر الواحد والعمل به» إلى غير ذلك من أصحابهم وأتباعهم، وحيث إنّ الشيعة ترى انفتاح باب الاجتهاد وعدم انغلاقه يوماً، فلم تزل دؤوبة على إرساء قواعد الفقه، وإكمال أُصوله، فتجد في كلّ عصر وقرن كتباً قيمة أُلّفت في هذا المضمار. فلم يزل ركب علم الأُصول في تقدّم مستمر عبْر القرون خلّفت فيها الشيعة تراثاً أُصولياً ضخماً يعد من الكنوز والنفائس وقد بلغ الذروة خلال القرنين


(1) كما ألّف العلاّمة السيد شبر كتابه «الأُصول الأصيلة» والسيد هاشم الخزنساري كتابه «أُصول آل الرسول» وكلاهما في ذلك المضمار.


(5)

الثالث عشر والرابع عشر على أيدي فطاحل العلم وجهابذته أمثال المحقّق البهبهاني والشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني والمحقّق النائيني والمحقّق العراقي (قدّس الله أسرارهم).

ونحن بدورنا ـ بفضله تبارك وتعالى ـ قمنا بإلقاء محاضرات عديدة في علم أُصول الفقه ضمن دورات.

ومن توفّق لكتابة ما أمليناه وتسجيل ما ألقيناه من المباحث هو السيد الجليل المحقّق السيد محمود الجلالي المازندراني (دامت إفاضاته) فقد دوّن في هذين الجزءين ما ألقيناه من المحاضرات حول مباحث الألفاظ كما دوّن في الجزءين المتقدّمين ما يرجع إلى الأُصول العقلية وبذلك قدّم إلى المكتبة الإسلامية خدمة جليلة مشكورة، وقد آلى على نفسه تحرّي الدقة في ضبط المطالب، فشكر الله مساعيه الجميلة، وأرجو منه سبحانه أن يوّفقه لنشر ما انتجه في مجال الفقه ، فيكون أُسوة حسنة للعلم و روّاده، وأن ينتفع بكتابه المعنيّون بهذا الشأن انّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

للبحوث والدراسات الإسلامية

جعفر السبحاني

في 22 رجب المرجب عام 1418هـ

قم المقدسة


(6)

بسم الله الرحمن الرحيم


(7)

مقدمات الأُصول

المقدمة الأُولى: موضوع علم الأُصول ومسائله وغاياته

المقدمة الثانية: الوضع

المقدمة الثالثة: هل الاستعملات المجازية بالوضع أو بالطبع؟

المقدمة الرابعة: استعمال اللفظ في اللفظ

المقدمة الخامسة: هل الألفاظ موضوعة لمعانيها من حيث هّي هّي، أو من حيث كونها مرادة للافظ؟

المقدمة السادسة: وضع الامركّبات

المقدمة السابعة: علائم الوضع

المقدمة الثامنة: أحوال الألفاظ

المقدمة التاسعة: الحقيقة الشرعية

المقدمة العاشرة: الصحيح والأعلم

المقدمة الحادية عشرة: الاشتراك

المقدمة الثانية عشرة: جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى المقدمة الثالثة عشرد المشتق


(8)


(9)

المقدمة الأُولى:

في موضوع العلم و مسائله و غاياته

عرّف المنطقيّون موضوع كلّ علم بـ«ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، أي بلا واسطة في العروض».(1)

نقول: استيفاءالكلام في هذا الأمر، يستدعي البحث في جهات عشر:

الجهة الأُولى : في تفسير العرض

للعرض اصطلاحان: فلسفي و منطقي و نكتفي في المقام بالتنبيه على تغاير الاصطلاحين، فنقول:

العرض في الفلسفة هو ما يقابل الجوهر فإنّ الفلاسفة المشائيين قسّموا المقولات (الماهيّات) إلى عشرة ، جوهر وأعراض تسعة.

فالجوهر هو الماهية التي إذا وجدت، وجدت لا في موضوع، كالإنسان.

والعرض هوالماهية التي إذا وجدت، وجدت في موضوع، كالسواد


(1) ظاهر التعريف يدلّ على أنّ لكلّ علم موضوعاً أوّلاً، و أنّه يبحث في كلّ علم عن عوارض الموضوع الذاتية ثانياًفحاول تعريف العرض الذاتي، فكان الأحرى، البحث عن الأوّلين قبل الثالث، ولكن لمّا كان الأوّلان من نتائج البحث عن الثالث كما ستعرف، قدّم على الأوّلين كما لا يخفى.( منه دام ظلّه).


(10)

والبياض. و هو على قسمين:

نسبي: وهو ما كانت النسبة مأخوذة في مفهومه، كالأعراض السبعة، أعني: الإضافة، والوضع، و الأين، و الملك، ومتى، و الفعل، و الانفعال.

وغير نسبيّ: وهو الكم و الكيف.

والعرض في المنطق هو الخارج عن ذات الشيء، المحمول والمقول عليه لاتّحاده معه في الخارج وعلى هذا، العرض المنطقي أوسع من الفلسفيّ. فالناطق مثلاً، عرض عند المناطقة، لأنّه خارج عن ماهية الحيوان محمول عليها، بينما هو جوهر عند الحكماء.

كما يتّضح أنّ العرض في المنطق نسبي و في الفلسفة مطلق. و المراد من« المطلق» أن يكون عرضاً دائماً و في كلّ الاعتبارات والمراد من «النسبي» أن يكون عرضاً بالنسبة إلى شيء وغيره عرض بالنسبة إلى آخر.

فالناطق (في باب المنطق) عرض بالنسبة إلى الحيوان، و ذاتي بالنسبة إلى الإنسان، لأنّه ليس خارجاًعن ذاته، بل الإنسان متقوّم به.

وعلى أيّ تقدير، فالمراد من العرض هنا هو العرض في مصطلح المنطقيين لا في مصطلح الفلاسفة.

***

الجهة الثانية: في تفسير الذاتي في باب الإيساغوجي

للذاتي معنيان:

1ـ ذاتي باب الإيساغوجى(الكلّيات الخمس).

2ـ ذاتي باب البرهان، المذكور في الصناعات الخمس.

والذاتي في باب الكلّيات الخمس، هو ما كان جنساً للشيء أو نوعاً. أو


(11)

فصلاً، فيكون من مقوّمات ذات الموضوع و ماهيّته. و يقابله العرضي من هذا الباب، و هو على قسمين: عام و خاصّ، فتصير الكلّيات خمسة.وأمّا الذاتي في باب البرهان فيوافيك بيانه في الجهة الثالثة.

***

الجهة الثالثة: في تفسير العرض الذاتي في باب البرهان

عرّف العرض الذاتي في هذا الباب، بالخارج المحمول الذي يلحق الشيء لذاته أو لأمر يساويه، فأخرجوا به ما يلحق الشيء بواسطة أخصّ أو أعمّ أو مباينه.

وقد أوجد هذا التعريف إشكالاً عند البعض منشؤه ما لاحظوه من أنّه ما من علم إلاّ و يبحث فيه عن الأحوال المختصّة ببعض أنواع موضوعه، وذلك كالعلم الإلهي بالمعنى الأعمّ، فانّ الموضوع فيه هو الموجود بما هو موجود و يبحث فيه من أحوال الواجب و الممكن و الممتنع، فالأحوال العارضة لهذه الأُمور الثلاثة، عارضة لموضوع العلم، ولكن بواسطة أخصّ و هي الواجب والممكن والممتنع، و معه كيف عرّف العرض الذاتي بأنّه ما يعرض الشيء بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو؟

ونظير ذلك العلوم الاعتبارية، فانّ الرفع يعرض الكلمة، بواسطة أمر أخصّ منها كالفاعل والمبتدأ، والنصب يعرضها بواسطة أمر أخصّ أيضاً، كالمفعول والحال، و مثله الجرّ.

هذا، وقد نقل صدر المتألهين في أسفاره (1) عدّة أجوبة من القوم في التخلّص عن الإشكال، من أرادها فليرجع إليه. غير أنّ المحقّق الخراساني ـ تبعاً للمحقّق السبزواري في تعاليقه على الأسفار ـ أجاب عن الإشكال بما حاصله:


(1) صدرالمتألّهين: الأسفار الأربعة: 1/32ـ33.


(12)

جواب المحقّق الخراساني عن الإشكال

إنّ الحقّ في معنى العرض الذاتي هو ما يكون العرض من قبيل الوصف بحال الشيء، لا الوصف بحال متعلّق الشيء. و بعبارة أُخرى: العرض الذاتي ما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض.

وعلى ذلك فعوارض الفصل ـ كالناطق ـ تعدّعوارض ذاتية للجنس إذا أُخذ لا بشرط. فالتعجّب في قولنا: «الحيوان متعجّب» عرض ذاتي له و إن كان عروض التعجّب له بواسطة الناطق، لاتّحاد الحيوان المأخوذ جنساً مع الناطق المأخوذ فصلاً فتصحّ نسبة التعجّب إلى الحيوان المتّحد مع معروض التعجّب أعني الناطق.

وهذا بخلاف عوارض الجسم الواقع في التغيّر، فلا تصحّ نسبتها حقيقة إلى الموجود من حيث هو موجود، فلا تعدّ عوارض الجسم ـ الذي هو موضوع للعلم الطبيعي ـ من عوارض الموجود من حيث هو موجود الذي هو موضوع العلم الإلهي بالمعنى الأعمّ، للتغاير الموجود بين الموضوعين، فانّ موضوع العلم الإلهي مطلق عن قيود التغيّر والحركة و المادّية، وموضوع العلم الطبيعي، مقيّد بهذه القيود، فلا يتّصف الموجود بما هو موجود بعوارض الجسم الطبيعي كالتحيّز والانقسام و غيرهما إلاّ عرضاً و مجازاً(1) و لأجل ذلك فسّر المحقّق الخراساني العرض الذاتي بقوله:«أي بلا واسطة في العروض» فقط، فاكتفى في صدق العرض بكون الصدق، صدقاً حقيقياً، لا مجازاً ولا كذباً.

توضيح هذا الجواب

إنّ الواسطة تطلق و تراد منها تارة: الواسطة في الثبوت، وهي ما يكون علّة


(1) لاحظ تعاليق المحقّق السبزواري على الأسفار: 1/32 وقد نقلناه كلامه بمضمونه لا بنصّه طلباً للتوضيح.


(13)

لعروض المحمول على الموضوع كالنّار الموجودة تحت القدر، الموجبة لعروض الحرارة على الماء حيث نقول: «الماء حار».

و أُخرى: الواسطة في الإثبات، أي ما هو السبب لحصول اليقين بثبوت المحمول للموضوع كالتغيّر الموجب لحصول العلم بالنتيجة أعني: «فالعالم حادث» بعد قولنا: «العالم متغيّر» و «كلّ متغيّر حادث». ولذا يسمّى الحدّ الأوسط، واسطة في الإثبات.

وثالثة: ما هو الواسطة في العروض أي المصحّح للنسبة بحيث لولاها لعدّت النسبة كاذبة، كما في قولنا: «جرى الميزاب» فانّ الجاري في الحقيقة هو الماء، لكن علاقة المجاورة أو الحاليّة و المحلّية، تصحح نسبة الجريان إلى الميزاب، ادّعاءً و مجازاً. و على هذا فقولنا: الماء جار، من قبيل كون الوصف بحال الموصوف، وقولنا:الميزاب جار، من قبيل الوصف بحال المتعلّق.

وعلى مسلك المحقّق الخراسانى، لا يشترط في مسائل العلم أزيد من كون اتّصاف موضوع العلم بمحموله اتّصافاً حقيقياً لا ادّعائياً، من غير فرق بين أن يعرض بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو أو أعمّ أو أخصّ أو مباين، وأمثلة الكلّ واضحة، فخرج مثل عروض الحركة للجالس بواسطة السفينة كما هوالمعروف.

نعم الحقّ كون السفينة بالنسبة إلى عروض الحركة على جالسها، من قبيل الواسطة في الثبوت لا العروض(1) وعليه فالمهمّ كون الاتّصاف حقيقياً لا اتّحاد الواسطة مع ذي الواسطة، فيدخل في العرض الذاتي المثالان: الماء حارّ و الجالس متحرّك، فانّ الماء و إن كان غير النّار، والجالس غير السفينة، وجوداً، لكن الماء حار حقيقة والجالس متحرّك واقعاً.


(1) لأنّ حركة السفينة سبب لانتقال الحركة إلى الجالس فيها، فهو متحرّك حقيقة. ألا ترى أنّه كان في مكان ثمّ صار بعد زمن في مكان آخر. والمثال الواضح للواسطة في العروض ما مرّمن كون الميزاب جارياً.


(14)

و يقابل العرض الذاتي، العرض الغريب الذي تتّصف به الواسطة حقيقة، ولا يتّصف به ذو الواسطة إلاّ مجازاً وادّعاءً كما في قولنا: الميزاب جار.

والداعي إلى هذا التفسير، هو أنّ الملاك في كون القضية من مسائل العلوم، تأثيرها في الغرض الذي لأجله دُوّن العلم. فإذا كان الملاك هو هذا، فلا وجه لتخصيصه بما نُقل عن القدماء، بل يعمّ كلّ الأقسام إذا كان حائزاً على الشرط الماضي.

الظاهر انّ الداعي الواقعي إلى هذا التفسير إدخال بعض المسائل في مسائل العلم، مع انّها على التفسير المعروف (مساواة المحمول لموضوع العلم) خارجة عنها فلأجل هذا الغرض عُدِلَ عن التعريف المذكور إلى ما عرفته من صاحب الكفاية.

والظاهر انّ كلا التعريفين صحيحان لكن كلّ في موضعه، ففي العلوم الاعتبارية التي ليست لها واقعية وراء عالم الاعتبار يكفي في عدّ شيء من مسائل العلوم كون المحمول، منسوباً إلى موضوع العلم نسبة حقيقية، لا مجازيّة ـ كما يشير إليه قوله: أي بلا واسطة في العروض ـ سواء كان مساوياً أو أعمّ أو أخص و أمّا العلوم الحقيقية التي لها وراء الذهن واقعية فلا يحصل اليقين إلاّ باجتماع شروط أربعة، رابعها كون المحمول عرضاً ذاتياً ولا يكون ذاتياً إلاّ إذا كان مساوياً له. و إليك البيان .

ما هو الحقّ في تفسير العرض الذاتي؟

إنّ ما ذهب إليه المحقّق الخراساني ـ تبعاً للمحقّق السبزواري ـ مبنيٌ على أنّ الاقتصار في العلوم على الأعراض الذاتية بالمعنى المعروف عند المنطقيين، مجرد اصطلاح و مواضعة، مع أنّ الأمر ليس كذلك و إنّما هو مقتضى البرهان في العلوم البرهانية.


(15)

بيان ذلك: إنّ المنطقيين اشترطوا في كلّ علم أن تكون قضاياه يقينيّة، و المراد من اليقين هو العلم بثبوت النسبة و امتناع خلافها، وهو لا يحصل إلاّ باجتماع شروط أربعة ذكرها الشيخ الرئيس في كتاب البرهان من الشفاء ، وهي:

الأوّل: يجب أن تكون النسبة ضرورية الصدق بما لها من الجهة و إن كانت ممكنة. بمعنى انّه إذا صدق أحد النقيضين كالإيجاب، يكون النقيض الآخر أي السلب ممتنعاً فقولنا: «الإنسان كاتبٌ بالإمكان، ضروريّ الصدق، أي ممتنع خلافها، بمعنى أنّ قولنا:«ليس الإنسان كاتباً بالإمكان»، محكوم بالامتناع.

الثاني: أن تكون دائمة الصدق بحسب الأزمان فقولنا:«الإنسان كاتبٌ بالإمكان» قضية صادقة في عامّة الأزمان.

الثالث: أن تكون كليّة الصدق بحسب الأحوال، فالإنسان في كلّ أحواله كاتب بالإمكان سواء أكان قائماً أم قاعداً.

الرابع: أن تكون ذاتية(1) أي يكون المحمول من العوارض الذاتية للموضوع، و هو كما قال الشيخ هو المحمول الذي يؤخذ الموضوع في حده، بمعنى إذا أردنا أن نعرِّف المحمول نأخذ الموضوع في التعريف و نجعله في حدّه كما إذا قلنا الإنسان متعجب، والعدد زوج أو فرد. فنقول في تعريف المتعجب هو الإنسان الذي تعرضه الدهشة و الاستغراب و في تعريف الزوج هو العدد المنقسم إلى متساويين.

والسرّ في اشتراط الجميع واضح، فانّ اليقين لا يحصل إلاّ باجتماع هذه الشرائط، إذ المراد من اليقين هو العلم بكذا و كذا، و أنّه لا يمكن أن لا يكون كذا و كذا. ولا يحصل اليقين بواحد من طرفي القضية إلاّإذا امتنع الطرف


(1) وبعبارة أُخرى: إذا وضع الموضوع، و قطع النظر عن كلّ ما عداه من الموضوعات، كان ثبوت المحمول له في محله.


(16)

المخالف، ولا يمتنع الطرف المخالف إلاّ بهذه الشرائط.

مثلاً: إذا كانت القضية ضرورية في الصدق، تعلق بها اليقين، و إن كانت الجهة ممكنة، و صار الطرف المخالف ممتنعاً، ولو كان صدق القضية بما لها من الجهة، غير ضروريّ، للزم احتمالُ صدقِ الطرفِ المخالفِ وهو يناقض اليقين بالمقدمة.

كما أنّه لو كانت دائمة فيصدق بحسب الأزمان، تعلق بها اليقين و امتنع الطرف المقابل. ولو كانت غير دائمة في الصدق، لم يمتنع الطرف المقابل، فلا يحصل يقين.

ولو كانت كلية في الصدق بحسب الأحوال، تعلّق بها اليقين. ولو كانت صادقة في بعض الأحوال دون بعض، لم يمتنع الطرف المقابل، فلا يحصل يقين.

ولو كان محمول القضيّة ذاتياً للموضوع يوضع بوضع الموضوع و يرفع برفعه، تعلق بها اليقين و تكون المقدمة يقينية و أمّا لو رُفع مع وضع الموضوع، أو وضع مع رفعه لم يحصل يقين.

وهذا يقتضي أن يكون المحمول مساوياً للموضوع ، فلو كان أخصّ كالتعجب بالنسبة إلى الحيوان ولا يوضع بوضعه، لا يحصل يقين، ولا يمتنع خلافه. و لو كان أعمّ من الموضوع ، كالماشي بالنسبة إلى الإنسان، كان القيد (أي الناطق) لغواً لا أثر له في العروض.

و لأجل ذلك اشترطوا في المحمول أن يكون ذاتياً و مساوياً للموضوع، عارضاً عليه بلا و اسطة، أو بواسطة أمر مساو.(1)


(1) لاحظ ما علّقه العلاّمة الطباطبائي رحمه الله على الجزء الأوّل من الأسفار، بحث العرض الذاتي والغريب، ص 30ـ31.


(17)

الإجابة عن الإشكال السابق

تقرير الاشكال لو كان الملاك في كون المحمول ذاتياً، مساواته للموضوع، للزم خروج كثير من المسائل عن كونها مسائل للعلم، ففي الفن الأعلى نقول:«الموجود واجب»، و المحمول أخصّ من الموضوع لا يوضع بوضعه.

و لكن الإجابة عنه واضحة، إذ ليس المحمول خصوص الواجب، بل المحمول هو القضية المنفصلة المرددة المحمول مثل قولنا: «الموجود واجب أو ممكن». و كما في علم الهندسة، فيقال:«الكمُّ المتصل خط أو سطحٌ أو جسم تعليميّ» و ليس المحمول خصوص الخط، بل هو مع أقسامه.

و منه يظهر أنّ المحمول على الموجود بواسطة الواجب أو الممكن، أيضاً عرض ذاتي كقولنا:«واجب الوجود بسيط» و «الممكن مركب من الوجود والماهية». فإنّ الموضوع للبساطة هو «الموجود الواجب» و هو يساوي البساطة العقلية، كما أنّ الموضوع، هو الموجود الممكن و هو يساوي التركّب العقلي.

وإلى ما ذكرنا يشير الأُستاذ العلاّمة الطباطبائي قدَّس سرَّه بقوله :«إنّ كلاًّ منهما (الواجب والممكن)ذاتيٌّ لحِصَّة خاصة من الأعم المذكور، لأنّ المأخوذ في حدّكلّ منهما هوالحِصَّة الخاصة به، و في حَدّ المجموع المردد، الموضوع الأعمّ بنفسه».(1)

مقصوده أنّا إذا قلنا : «واجب الوجود بسيط » فالموضوع ليس مطلق الوجود الأعم، بل الحصة الخاصة التوأمة للواجب، و تكون البساطة من أعراضه الذاتية لمساواتها له، كما إذا قلنا:«الموجود إمّا واجبٌ أو ممكن» ، فالموضوع هو مطلق الوجود الأعم، ليصحّ تقسيمه إلى القسمين:

و بذلك يتبين انّ مساواة العوارض مع موضوع العلم، شرط في المحمولات


(1) المصدر السابق.


(18)

الأولية كقولنا: الموجود إمّا واجب أو ممكن و أمّا المحمولات الثانوية كالبساطة و التركب فلا تشترط المساواة مع موضوع العلم، بل تكفي مساواتها، مع موضوعها ، أي الموجود المتحصص بالوجوب، أو الإمكان، و هكذا سائر الموارد، لكفاية هذا المقدار في حصول اليقين بالنسبة كما عرفت.

تشخيص العرض الذاتي عن الغريب

ثمّ إنّ تشخيص العرض الذاتي عن غيره يتعيّن بأمرين، أحدهما راجع إلى مقام الثبوت، و الآخر إلى مقام الإثبات.

أمّا الأوّل: فهو المساواة بين المحمول والموضوع كما عرفت بالتفصيل.

وأمّا الثاني: فحيث كان المحمول الذاتي ـ بما هو محمول ـ قائماً بموضوعه بالضرورة، و واصفاً و ناعتاً له، كان الموضوع من علل وجود المحمول الذاتي، فوجَب أن يؤخذ في حدّ المحمول، كما هو مبين في المنطق.(1)

فالعرض الذاتي يجب أن يؤخذ في حدّه، موضوعه. فلو فرض للمحمول، محمول، و لمحموله محمول، وجب أن يؤخذ الموضوع الأوّل في حدّه حتى ينتهي إلى آخر محمول مفروض، وكان الجميع ذاتيات للموضوع الأوّل، كما أنّ كلاً منها ذاتي لموضوع قضيته، فلو قلنا:«الإنسان متعجب» و «المتعجِّب ضاحك» و «الضاحك بادي الأسنان» ، كان الجميع أعراضاً ذاتية للإنسان و لموضوع قضيته، لأخذ الإنسان في حدّالجميع.

و من ذلك يُعلم أنّ تقسيم الموجود إلى الواجب والممكن، والممكنِ إلى الجوهروالعرض، و الجوهرِ إلى العقل و النفس و الهيولى و الصورة والجسم، و العرضِ إلى الكم و الكيف ... الخ، كلّها أعراض ذاتية بالنسبة إلى الموجود، لوجود الشرطين: المساواة، بالمعنى الذي عرفت، وكون الموجود مأخوذاً في حدّ كلِّ


(1) منطق الشفاء، كتاب البرهان، ص 127.ولاحظ شرح الاشارات للمحقّق الطوسي: 1/58.


(19)

واحد من هذه المحمولات.

هذا هو الغالب: أي أخذ الموضوع في حدّ العارض. و لكن الشيخ ذكر أقساماً أُخر، و قال: «أن يُؤخذ ما يقوم الموضوع في حدّالعارض، فذلك على أقسام:

1. أن يؤخذ موضوع المعروض في حدّالعارض.

2. أن يؤخذ جنس الموضوع في حدّالعارض.

3. أن يؤخذ موضوع جنسه في حدّالعارض».

ثمّ ذَكَرلكل واحدأمثلة، فلاحظها.(1)

وقد أحسن العلامة المُظَفّر في منطقه، تبعاً للشيخ أبي علي حيث أتى بعبارة جامعة، فقال:«المحمول الذاتي للموضوع ما كان موضوعه أو أحد مقوماته واقعاً في حدّه، لأنّ جنس الموضوع مقوّم له، وكذا معروضه (الموضوع)، لأنّه يدخل في حدّه و كذا معروض جنسه كذلك».(2)

وهناك قسم آخر، و إن شئت فاجعله رابع الأقسام، وأشار إليه الشيخ أيضاً، وهو أن يؤخذ المحمول في حدّالموضوع ، كما في قولنا:«الواجب موجود»، فالمحمول مأخوذ في حدّ الواجب الذي هو الموضوع، فإنّ الواجب عبارة عن الموجود الذي يمتنع عليه العدم.

ولأجل ذلك قال الشيخ في كتاب البرهان: «فما كان من المحمولات لا مأخوذاً في حدّالموضوع، ولا الموضوع أو ما يقوّمه مأخوذاً في حدّه، فليس بذاتي، بل هو عَرَض مطلق غير داخل في صناعة البرهان، مثل البياض للققنس».

فتلخص ممّا ذكر أمران:


(1) المنطق للمظفر، ج3، ص 326، طبعة بيروت 1400هـ.
(2) منطق الشفاء، كتاب البرهان، ص 127.


(20)

الأوّل: إنّ العرض الذاتي يجب أن يكون مساوياً لموضوعه، لا أعمّ منه ولا أخص على ما مرّ، إذ لو كان أعمّ من الموضوع للزم لغوية القيد المأخوذ في الموضوع، ولو كان أخص، للزم عدم إفادة اليقين.

الثاني: أنّ العرض الذاتي الذي يعرض الموضوع بواسطة أمر مساو، عرض ذاتي بشرط أن يكون الموضوع مأخوذاً في حدّالواسطة كالبساطة العارضة للموجود بواسطة الواجب، فهي عَرَضٌ ذاتيٌّ للموجود لأنّ الموجود مأخوذ في حدّ الواجب على ما عرفت.

وأمّا إذا كان الموضوع غير مأخوذ في حدّالواسطة، فما يعرضه بها لا يكون عرضاً ذاتياً، كعروض السواد للغراب بواسطة ريشه.

هذا خلاصة القول في العرض الذاتي، غير أنّ هنا نكتة يجب التنبيه عليها و هي أنّ ما ذكرناه من أنّ شرط كون القضايا يقينية هو أن يجتمع فيها شروط أربعة: كون النسبة ضرورية أوّلاً، و دائمة الصدق ثانياً، و كلية الصدق ثالثاً، و كون المحمول من العوارض الذاتية للموضوع رابعاً; إنّما يختص بالعلوم الحقيقية (1) ولا يعم العلوم الإعتبارية، لأنّ الاعتباريات قائمة بلحاظ المعتبر، و تتغيّر بتغيير الاعتبار، ولا يمكن أن تكون ضرورية الصدق و دائمته و كليته.

وبذلك يتضح أنّ الأُمور الإعتبارية لا يقام عليها البرهان العقلي بالشكل الذي يقام في العلوم الحقيقية . فإنّ الموضوع فيها ليس من علل وجود المحمول حقيقة إلاّبالإعتبار والمواضعة، و تدوم العلية مادام الاعتبار قائماً (2)فإذا زال، زالت


(1) العلوم الحقيقية لاتتبدّل في زمان ولاحال، لاحظها اللاحظ أم لا، مثلاً، قولنا: «كل معلول يحتاج إلى علة» ، أو «زوايا المثلث تساوي 180 درجة، فانّ الشروط الثلاثة مجتمعة فيها، ضرورة الصدق و دائميته و كليته.
(2) مثل كون القيام لشخص عند قدومه احترام، و الدخول عليه من دون نزع القبعة إهانة، و نحو ذلك فانّ هذه الاعتباريات تتبدل بتبدل الاعتبارات.


(21)

العليّة.

كما أنّه لا يعتبر كون المحمول عرضاً ذاتياً (الشرط الرابع) لأنّ العلوم الإعتبارية تدوّن لتحقيق غرض اجتماعي كالعلوم الأدبية، فإنّ الملاك في كون شيء من مسائل تلك العلوم كونه واقعاً في دائرة الغرض المطلوب من ذلك العلم سواء أكان العروض بلا واسطة أو معها، و سواء أكانت الواسطة مساوية أو أعمّ أو أخصّ أو مبائنة، وسواء عُدّ عرضاً ذاتياً أو غريباً، فإنّ اشتراط واحد من هذه الأُمور من قبيل لزوم مالا يلزم ،بل إنّ استعمال الذاتي و الغريب في مسائل تلك العلوم من باب التشابه، و إلاّفلا عرض حقيقة فضلاً عن كونه ذاتياً أو غريباً.

***

الجهة الرابعة: النسبة بين موضوع العلم و موضوعات مسائله

قال المحقّق الخراساني: «إنّ موضوع كلّ علم هو نفس موضوعات مسائله عيناً و ما يتّحد معها خارجاً و إن كان يغايرها مفهوماً، تغايرَ الكلّي ومصاديقه، والطبيعي وأفراده».

نقول:

لمّا كانت محمولات مسائل العلم تعرض موضوعاتها أوّلاً بلا واسطة، وتعرض موضوع العلم بواسطة موضوعات مسائلها، وكان ذلك موجباً لكون محمولات المسائل من العوارض الغريبة لموضوع العلم، لكون موضوعات المسائل ـ عندئذ ـ واسطة في عروض محمولاتها على موضوعه، وقد اشترطوا أن تكون محمولات المسائل من العوارض الذاتية ، أي العارضة لموضوع العلم بلا واسطة في العروض.

ـ لمّا كان الأمر كذلك ـ انبرى المحقّق الخراساني لدفع هذا الإيراد، فقال: بأنّ التغاير بين موضوعي العلم والمسألة، في المفهوم دون الخارج، فموضوع العلم


(22)

هو عين موضوعات المسائل، فلا واسطة في عروض المحمولات على موضوع العلم، مثلاً:

ما يعرض لفرد الإنسان يعرض لنفس الإنسان، لأنّ المباينة بين الفرد والكلّي في المفهوم لا في الخارج فانّ ظرف العروض هوالخارج لا عالم المفهوم.

وأورد سيّدنا الأُستاذـدام ظلّهـ على هذا الجواب بانتقاضه بعلمي الهيئة و الجغرافيا، فانّ النسبة بين الموضوعين فيهما و موضوعات مسائل كلّ منهما، نسبة الكلّ إلى أجزائه.

و لكنّه قابل للدفع، بأنّ الموضوع للأوّل، هو البحث عن أوضاع الكواكب و طباعها، ثابتها و سيّارها. فالبحث عن كلّ واحد من الكواكب، بحث عن جزئيات الموضوع لا عن أجزائه.

كما أنّ الموضوع للثاني، هو القارّات والبحار. فالبحث عن كلّ واحد من المناطق، بحث عن جزئيات الموضوع لا عن أجزائه.

نعم ما أفاده المحقّق الخراساني غير مفيد، فانّ الاتّحاد مصداقاً لا ينفي الواسطة، إذ لا شكّ أنّ الخصوصية الموجودة في موضوع المسألة دخيلة، في عروض العرض لموضوع العلم، بحيث لولا تلك الخصوصية لما صحّ حمله عليه، فإذا قلنا:

إنّ زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين، فالمساواة تعرض الكمّ المتّصل الذي هو موضوع علم الهندسة بواسطة الخصوصية الموجودة في موضوع المسألة، أعني: المثلثية.

بل الأمر كذلك حتّى في العلوم الاعتبارية، فالوجوب لا يعرض فعل المكلّف إلاّبعد تقييده بالصلائية والصومية. فالتغاير مفهوماً و الاتّحاد وجوداً لا ينفي الواسطة.

فالجواب الصحيح على مختار المحقّق السبزواري هو أنّ الواسطة لا تضرّما


(23)

لم تكن واسطة في العروض، كما هو كذلك في المقام. فإنّ الكمّ المتّصل يتّصف حقيقة بالمساواة إذا كان متحداً مع المثلث. كما أنّ الجسم الطبيعي، يتّصف بالحرارة والبرودة إذا كان متحداً مع النار والماء وغير ذلك.(1)

وأمّا على مختار الحكماء في معنى العرض الذاتي، فالحقّ ما قلناه من أنّ العرض الذاتي(المحمول) ما يؤخذ في حدّه الموضوع، فلو كان للمحمول محمول، و لمحموله محمول أيضاً، فالموضوع مأخوذ في حدّ الجميع كما قلنا في مورد: «الإنسان المتعجّب، ضاحك فالموضوع للضاحك ليس هو المتعجّب فقط كما هو الظاهر من قولنا:«بعض المتعجّب ضاحك» بل الموضوع هوالإنسان المتعجّب الموصوف بأنّه ضاحك. فالإنسان جزء الموضوع لبّاً، وإن لم يكن كذلك ظاهراً. فكما أنّ كلاً منها ذاتي لموضوع قضيّته، كذلك هو ذاتي، للموضوع الأوّل.

و بذلك يعلم حال محمولات المسائل في العلوم . فانّ موضوعات المسائل من محمولات موضوع العلم و أقسامه و إن صارت بعد، موضوعات لمحمولات أُخر. و على ذلك فموضوع العلم داخل في حدّ موضوعات المسائل.

و بالتالي، فالمحمول على موضوعات المسائل، محمول على موضوع العلم.

فإذا قلنا:«الموجود إمّا واجب أو ممكن»، ثمّ قلنا: «الواجب بسيط أو الممكن مركّب»، فكأنّما نقول: «الموجود الواجب بسيط أو الموجود الممكن مركّب» و هكذا سائر المسائل فنّ الأعلى وغيره من العلوم.


(1) ولك أن تجري هذا في العلوم الاعتبارية فتقول: إنّ بين موضوع علم النحو ـ مثلاً ـ و هو الكلمة، و محمول المسألة، وهو الرفع ـ مثلاً ـ العارض للفاعل، واسطة، إلاّ أنّها واسطة غير مضرّة، لأنّها واسطة في الثبوت لا في العروض. وذلك لأنّ الفاعل ـ و هو موضوع المسألة ـ كما هو مرفوع حقيقة ، كذلك الكلمة مرفوعة حقيقة، لكن الكلمة المضيّقة بالضيق الفاعلي. و هكذا الصلاة، فكما أنّها واجبة واقعاً وحقيقة، كذلك فعل المكلّف ـ المضيّق بالضيق الصلاتي ـ واجب واقعاً و حقيقة.


(24)

اجابة المحقّق النائيني

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أجاب عن الإشكال: بأنّ الموضوع لعلم النحو ليس هو الكلمة من حيث لا بشرط، بل الكلمة من حيث لحوق الإعراب و البناء فيتّحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل، لأنّ الموضوع في قولنا: «كلّ فاعل مرفوع» هوالكلمة من حيث لحوق الإعراب والبناء لها،والمفروض أنّها من هذه الحيثية تكون موضوعاً لعلم النحو. فيتّحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل، لأنّ كلاًّ من موضوع العلم مع موضوعات المسائل ملحوظ بشرط شيء و هو قيد الحيثية.(1)

يلاحظ عليه: أنّ القيد المأخوذ في ناحية موضوع العلم، غير القيد المأخوذ في ناحية موضوع المسألة ، فالقيد المأخوذ في ناحية موضوع العلم هوالقابلية للحوق الإعراب والبناء كما صرّح به في ذيل كلامه، وأين هو من قيد الفاعلية و المفعولية المأخوذ في ناحية موضوع المسألة. وادّعاء الوحدة بينهما، عجيب جدّاً.

وإن شئت قلت: إنّ كلاً من قيدي الفاعليّة والمفعوليّة قيد تقييدي، يميّزه عن موضوع العلم، و مع ذلك كيف يصحّ أن يعدّ عارض موضوع المسألة، عارضاً لموضوع العلم مع أنّ الثاني فاقد لذلك القيد.

والأُولى أن يكتفي بما في صدر كلامه من أنّه لمّا لم تكن الواسطة، واسطة في العروض، فلا يضرّ كون العرض ذاتياً لموضوع العلم.

والأصحّ أن يقال: إنّ الالتزام بكون موضوع كلّ مسألة متّحداً مع موضوع العلم، التزام بما لا يجب الالتزام به، لأنّه لا يشترط في العلوم الاعتبارية وجود موضوع للعلم فضلاً عن اشتراط كون موضوع مسائله من مصاديق موضوع العلم . فما قيل من السؤال و الجواب ساقط في هذا المجال، فلاحظ.


(1) فوائد الأُصول للكاظمي: 1/23ـ24 بتلخيص.


(25)

الجهة الخامسة: في لزوم وجود الموضوع للعلوم

قداستقرّت آراء المتأخّرين على أنّ كلّ علم عبارة عن عدّة مسائل متشتّتة يجمعها اشتراكها في حصول غرض واحد، ولا يحتاج وراء ذلك، إلى وجود موضوع يبحث عن أعراضه الذاتية.

وقال المحقّق الاصفهاني: إنّ العلم عبارة عن مركّب اعتباري من قضايا متعدّدة يجمعها غرض واحد.(1) ولكنّ الظاهر من التعاريف التي ذكرها المتقدّمون لموضوع العلم، أعني قولهم: «موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية»، اتّفاق كلمتهم على لزوم أن يكون لكلّ علم موضوع يبحث فيه عن عوارضه. واستدل بعضهم على ذلك بأنّ ترتّب الغرض الواحد على مجموع المسائل، يتوقّف على وجود جامع بينها و إلاّيلزم صدور الواحد عن الكثير.

و لكن هذا الاستدلال غير صحيح، لأنّ القاعدة أصلها و عكسها ـ حسب ما يعطيه برهانها ـ مختصّة بالواحد البحت البسيط الذي ليست فيه رائحة التركيب.

فقولهم: لا يصدر من الواحد إلاّ الواحد.

أو قولهم: لا يصدر الواحد إلاّ من الواحد.

راجعان إلى الواحد البسيط، سواء كان مُصدِراً ، أو صادراً. و حاصل برهانها; أنّه لو لم يكن كذلك لزم انقلاب الواحد إلى الكثير، و ذلك للزوم وجود الرابطة الظلّية بين العلّة والمعلول، فلو صدر من الواحد شيئان مختلفان، لزم وجود رابطتين في العلّة البسيطة بالنسبة إلى معلوليهما، و هذا لا يجتمع مع وحدتها كما أنّه لو صدر الواحد البسيط من شيئين، للزم وجود حيثيتين في المعلول أخذاً بلزوم


(1) المحقّق الاصفهاني: نهاية الدراية:1/7.


(26)

الرابطة، وهو يستلزم انقلاب المعلول البسيط من البساطة إلى الكثرة.

وهذا كما ترى يُخصِّصُ برهانَ القاعدة و موردَها بالبسيط من جميع الجهات، و ليس له مصداق في جانب العلّة إلاّ الله سبحانه.

وأمّا الغرض المترتّب على المسائل فليس غرضاً واحداً شخصياً بسيطاً حتّى يتوقّف صدوره على تصوير جامع بين المسائل الكثيرة، بل هو غرض نوعي يتكثّر بتكثّر المسائل، فالغرض المترتّب على مسألة حجّية خبر الواحد غيرالغرض المترتّب على مسألة دلالة الأمر على الوجوب وعدمه. و الغرض المترتّب على أبواب النواسخ، غير الغرض المترتّب على باب الفاعل والمفاعيل، و مثل هذا لا يلزم أن يصدر من الواحد بل قد يصدر من الكثير لأنّه أيضاً كثير.

فإن قلت: إنّ الغرض في العلوم و إن كان نوعياً لا شخصياً، لكن الغرض النوعي يحتاج إلى جهة جامعة نوعية، لامتناع ترتّب الغرض الواحد النوعي على الأُمور المتباينة التي لا تسانخ بينها.

قلت: ما ذكرته صحيح، لكن لا يفيد في المقام، لأنّ المقصود إثبات وجود الموضوع للعلم في الخارج حتّى يكون مؤثّراً ومصدراً للأثر و مصداقاً للقاعدة و الجهة الجامعة النوعية غير موجودة في الخارج، لأنّ الخارج ظرف التعيّنات والتشخّصات لا ظرف العناوين الكلّية. نعم يستطيع الذهن من انتزاع وجود جامع انتزاعي ذهني من عدّة من المسائل فلا مانع من استكشافه بوحدة الغرض كما لا يخفى، لكنّه بما أنّه أمر ذهني لا يكون مؤثّراً في الشيء ولا مصدراً له.

فالحقّ هوالتفصيل في لزوم وجود الموضوع بين العلوم الحقيقية و الاعتبارية و ذلك:

أنّ البحث في العلوم الحقيقيّة، بحث عن التكوينيات والأُمور الخارجة عن إطار الذهن و الغرض فيها غرض واقعي، لا اعتباري، و ما هذا شأنه يطلب لنفسه في هويّته و تحقّقه موضوعاً واقعياً، هذا من جانب.


(27)

و من جانب آخر قد عرفت أنّ العرض الذاتي، عبارة عن المحمول المساوي للموضوع ولو باستيفاء أقسامه المتعاطفة، حتّى يصحّ تعلّق اليقين به. و كلّ واحدة من محمولات المسائل، و إن كانت أخصّ من موضوع العلم، لكنّها بضميمة ما يقابلها من المحمولات تكون مساوية له. كالحركة والسكون، فانّ كلّ واحد منهما ليس مساوياً للجسم الطبيعي، لكنّه بانضمام الآخر ، يكون مساوياً له.

و في ضوء هذين الأمرين تبيّن لزوم وجود الموضوع في كلّ علم حقيقي، أخذاً بماهية الغرض التي لا تنفكّ ـ في التحقّق ـ عن معروض. و يكون مجموع الأعراض مساوياً للموضوع، فيطلب الكلّ موضوعاً لنفسه، حتّى يعرض عليه.

و هذا هوالذي دعى إلى الحكم بأنّ العلوم الحقيقية لاتستغني عن الموضوع.

وهذا بخلاف العلوم الاعتبارية التي تُدوَّن لتأمين غرض واحد اعتباري، فموضوعية الموضوع، ومحمولية المحمول ، وكونها ذا غرض، أُمور فرضية لا صلة لها بتكوين، بل الكلّ قائم بالاعتبار. و في مثله يكفي اشتراك عدّة من المسائل في تأمين الغرض الواحد ، سواء أكان لها موضوع أم لا.

***

الجهة السادسة: في تمايزالعلوم

هل تمايز العلوم بتمايز الأغراض، أو بتمايز الموضوعات أو بتمايز ما هو الجامع لمحمولات مسائلها أو تمايز كلّ علم بنفس ذاته . وجوه أو أقوال:

أمّا الأوّل، فقد ذهب إليه المحقّق الخراساني فقال: بأنّ تمايز العلوم، إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا الموضوعات ولا المحمولات، وإلاّ كان كلّ باب، بل كلّ مسألة من كلّ علم، علماً على حدة، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدّد، كما لا تكون وحدتهما سبباً لأن يكون من


(28)

الواحد.(1) (إذا كان الغرض متعدّداً).

يلاحظ عليه: أنّ المراد من التمايز هل هو التمايز في مقام الثبوت، أو في مقام الإثبات.

فعلى الأوّل، فكلّ علم يتميّز عن غيره بخصوصية موجودة فيه، وهي إمّا متحقّقة في موضوعه أو محموله الذي نُعبّر عنه بجهة البحث، و ليس هناك أيّ أثر من التدوين حتّى يكون الميز بغرضه.

وعلى الثاني : فانّما يصحّ التميّز به بشرطين:

1ـ أن لا يسبقه الميز بالموضوع، حتّى في مقام التدوين كما في معرفة النفس، ومعرفة البدن، فانّ مسائل العلمين تنادي بالتمايز في رتبة الذات فلا تصل النوبة إلى التميّز بالغرض.

2ـ إذا كان هناك علمان مختلطان ـ مدوّنان بصورة علم واحد، لكن كان يحمل غرضين متعدّدين، يترتّب كلّ على بعض مسائله فيصحّ بوجه أن يقال: إنّ التمايز بالأغراض و هذا كما إذا افترضنا أنّ علمي النحو والصرف، كانا يدرّسان بصورة واحدة، و لمّا كانت صيانة اللسان عن اللحن في الإعراب والبناء غير صيانته عن اللحن من حيث الصحّة والاعتلال، صار ذلك موجباً لتفكيك ذاك عن آخر، و جعلهما علمين متمايزين. و مع ذلك كلّه ، فالغرض ، صار محرّكاً للإفراد و التفكيك، لكن مسائل العلمين متمايزة بالموضوع ، أو بالمحمول أي جهة البحث فنسبة التمايز إلى جواهر العلم أولى من نسبته إلى الغرض المحرّك للإفراد في التدوين.

و ربّما يتقوّى غرض في ذهن الإنسان و يكون سبباً، للتفتيش عن المسائل التي تحصّل ذلك الغرض و تصير المسائل المبعثرة لأجل تأمين غرض واحد علماً ـ


(1) كفاية الأُصول:1/5.


(29)

بعد مالم يكن منه عين ولا أثر ـ و لكن بعد التدوين، ترى المسائل المجتمعة في دفتر، يتمايز بأحد الأمرين: الموضوع و المحمول ـ عن سائر العلوم و إن كان الغرض محرّكاً للإفراد، بجمع تلك الشتات في كتاب واحد، فإن أُريد من التمايز بالأغراض ذلك فلا مشاحة في الاصطلاح و إن أُريد كونه المؤثّر دون الخصوصية الموجودة في مسائل العلم ، فلا نسلِّمه.

وأمّا القول الثاني: فلا غبار عليه إذا كان موضوع كلّ علم داخلاً تحت نوع خاص، كعلمي الحساب و الهندسة فانّ الموضوع في الأوّل من مقولة الكمّ المنفصل، و يبحث فيه عن أحوال الأعداد و الموضوع في الثاني من مقولة الكمّ المتّصل، ويبحث فيه عن أحكام الخطوط والسطوح و الأجسام التعليمية. و مع هذا المائز الذاتي، لا تصل النوبة إلى المائز بالغرض.

ولكن ليس جميع العلوم كذلك، فانّ العلوم ربّما تتّحد موضوعاً و تتعدّد وصفاً و تأليفاً حسب الجهات الملحوظة فانّ البدن الإنساني موضوع لكلّ من علم الطبّ، والتشريح، ووظائف الأعضاء، فبما أنّه يبحث عنه من جهة عروض الصحّة و المرض عليه يكون موضوعاً لعلم الطبّ، وبما أنّه يبحث عنه لغاية معرفة أعضائه و أجزائه. فهو موضوع لعلم التشريح،

و بما أنّه يبحث عنه لغاية معرفة وظيفة كلّ عضو، فهو موضوع لعلم الأعضاء، فالعلوم متعدّدة و الموضوع واحد، فالميز هنا بالمحمولات لا بالموضوع.

فإن قلت: إنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، و تمايزها بتمايز الحيثيات والجهات التي توجب الكثرة في ناحية الموضوع. فالتمايز يحصل بتلك الحيثيات منضمّة إلى الموضوعات فلا يصحّ النقض بهذه العلوم للضابطة (تمايز العلوم بالموضوعات).

قلت: إنّ هذه الحيثيات، ليست إلاّ أُموراً منتزعة من المحمولات المختلفة في هذه العلوم الثلاثة فما هو المحمول في علم الطبّ غير المحمول في علم التشريح،


(30)

والمحمول فيهما غير المحمول في علم وظائف الأعضاء وإذا لاحظها الخبير، يرى بينها اختلافاً ذاتياً و ينتزع من كلّ واحد حيثيّة خاصّة يتّصف بها الموضوع في كلّ علم و يتخيّل أنّ تمايز العلوم، بالموضوعات وتمايز الموضوعات بالحيثيات، غافلاً عن أنّ هذه الحيثية منتزعة من محمولات العلوم، متأخّرة عنها. وعلى ذلك فنسبة الميز إلى المحمولات في أمثال هذه الموارد، أولى من نسبته إلى الحيثيات.

ومثلها الحال في العلوم العربية، فانّ المعروف كون التمايز بينها بالحيثيات مع وحدة الموضوع فانّ البحث عن الكلمة من حيث البناء والإعراب غير البحث عنها من حيث الاعتلال. و لكن هذه الحيثيات منتزعة من محمولات المسائل، فهناك ميز متقدّم على الميز بالحيثيات.

فالقول بأنّ تمايز العلوم بالموضوعات على وجه الموجبة الجزئية لا مانع منه.

و أمّا القول الثالث: فقد اختاره المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه قال:

1ـ إنّ لكلّ مسألة، خصوصية ذاتية بها تمتاز عن غيرها من مسائل العلم كخصوصية الفاعلية و المفعولية والمضاف إليه في مسائل علم النحو.

2ـ إنّ لمسائل كلّ علم، جهة و خصوصية لا توجد في مسائل سائر العلوم وتكون هذه الجهة جامعة بين تلك المسائل و بسببها يحصل الميز بين مسائل هذا العلم ومسائل سائر العلوم مثلاً: الجهة الجامعة لمسائل علم النحو هي البحث عن كيفية آخر الكلمة من المرفوعية وا لمنصوبية و المجرورية فهي خصوصية ذاتية ثابتة في جميع مسائله، و بهذه الجهة تمتاز هذه المسائل عن مسائل سائر العلوم.

بل ربّما يكون المحمول في جميع المسائل واحداً كما في العلم الإلهي بالمعنى الأعمّ كالموجود فانّه المحمول في عامّة المسائل كقولنا: الله موجود، العقل موجود، و الجسم موجود وهكذا.

و ربّما يكون المحمول في المسألتين واحداً و إن لم يكن المحمول في جميعها


(31)

واحداً. مثل قولنا: الفاعل مرفوع، والمبتدأ مرفوع.

إذا عرفت ذلك، فامتياز كلّ مسألة عن سائر مسائل علم واحد بموضوعها، و أمّا امتياز كلّ علم عن سائر العلوم فبتمايز ما هو الجامع لمحمولات مسائلها.(1)

ثمّ إنّه رحمه الله أتعب نفسه بإرجاع ذاك القول إلى القول بأنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات فلاحظ.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح فيما إذا كان الشيء الواحد موضوعاً لعلوم مختلفة كالبدن الإنساني من حيث إنّه موضوع لعلوم ثلاثة تختلف محمولاتها و يتميّز كلّ بمحموله. و مثلها الكلمة والكلام فانّ المايز بين علمي النحو والصرف هوالجهة الجامعة بين مسائل العلمين التي قد تقدّم أنّها المنشأ لانتزاع حيثيات مختلفة و تقييد موضوع كلّ علم بها.

وأمّا إذا لم يكن كذلك أي لم يكن أمر واحد موضوعاً لعلوم مختلفة، فالظاهر أنّ الميز بالموضوع متقدّم رتبة و زماناً على الميز بالجهة الجامعة. فانّ أوّل ما يقع في الذهن في هذه الموارد هو التوجّه إلى الموضوع ثمّ البحث عن أحواله. كعلمي النفس والنبات، و لذلك سمّي العلم بنفس الموضوع، و بذلك يتميّز عن سائر العلوم، ،ومثله علم الهيئة فانّ السماء بكواكبها و شمسها و قمرها لم تزل على مرأى من الإنسان، و كلّ إنسان شائق لحلّ مشاكلها و معضلاتها و تحليل أوضاعها من المقارنة والمقابلة و التثليث والتربيع ولأجل ذلك الشوق، صار كلّ جيل بصدد تفسير هذه الأوضاع و توجيه عللها و معاليلها على حسب ما تصل له مقدرته.

وأمّا القول الرابع: فهو مختار سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ ، وحاصل ما أفاده: أن منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتتة التي يناسب بعضها بعضاً،


(1) المحقّق البروجردي: نهاية الأُصول:1/5ـ 6.


(32)

فهذه السنخية موجودة في جوهر تلك القضايا و حقيقتها، ففي مثله تمايز العلوم واختلاف بعضها يكون بذاتها. فقضايا كلّ علم مختلفة و متميّزة بذاتها عن قضايا علم آخر.

وأمّا تداخل بعض مسائل العلوم في بعض فلا يضرّ بما ذكرناه لأنّ المركّب بما هو مركّب متميّز بذاته عن غيره لاختلاف أكثر أجزائه مع أجزاء المركّب الآخر، و إن اتّحدا في بعض.(1)

يلاحظ عليه: أنّه ليس قولاً آخر غير القول بأنّ التمايز إمّا بالموضوع أو بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل. فانّ قولنا: «كلّ فاعل مرفوع» و إن كان غير مسانخ لقولنا: «كلّ مثلث تساوى زواياه زاويتين قائمتين، غير أنّ عدم التسانخ إمّا لأجل الاختلاف في الموضوع أو المحمول أو النسبة الحكمية و ليس في المقام وراء هذه الأُمور الثلاثة أمر آخر يكون هو موجباً لعدم التسانخ فلاحظ.

و الحقّ في المقام هو أنّ الميز بالموضوع، فيما إذا كان بين الموضوعين تباين نوعي كعلمي الهندسة والحساب، و بالجهة المشتركة بين محمولات المسائل، فيما إذا كان الموضوع واحداً كعلمي الصرف والنحو وعلوم الطبّ و التشريح ووظائف الأعضاء.

و أمّا التمايز بالأغراض فقد عرفت تأخّره عن الميز الجوهري الموجود بين المسائل، إذ ترتّب غرض واحد على عدّة من المسائل دون الآخر، كاشف عن تمايز جوهري بين العلمين فلا تصل النوبة إلى التمايز بالأغراض مع وجود التمايز الجوهري.

***


(1) تهذيب الأُصول:1/4.


(33)

الجهة السابعة : ما هو موضوع علم الأُصول؟

هناك نظريّات نشير إليها:

1ـ نظرية المشهور

المشهور بين القوم هو أنّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة أعني الكتاب والسنّة والإجماع وا لعقل. و أُشكل عليه بأنّ الموضوع ما يبحث فيه عن عوارضه كالبدن في الطبّ الذي يبحث فيه عن عوارضه من الصحّة و المرض بعد تسليم أصل الموضوع، مع أنّ البحث في علم الأُصول ـ في غالب مسائله ـ عن وجود الموضوع ـ أعني الدليل ـ لا عن عارضه، كالبحث عن حجّية الخبر الواحد والاستصحاب، فانّ مرجعه إلى البحث في أنّ خبر الواحد دليل أو لا، و هكذا الاستصحاب. والبحث عن وجود الموضوع، بحث عن المبادي، لا عن العوارض.

وأجاب عنه الشيخ الأعظم بأنّ الموضوع ـ وهو السنّة مثلاً ـ محقّق لا شكّ فيه، و البحث إنّما هو عن ثبوت تلك السنّة بخبر الواحد، أو البحث عن ثبوتها بأيّ الخبرين في باب التعارض.

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ المراد من السنة إمّا المحكيّ أعني: قول المعصوم ـ عليه السَّلام ـ و فعله و تقريره أو ما يعمّ الحاكي أعني خبر الواحد الحاكي عنها.

فعلى الأوّل، المراد من الثبوت، إمّا الثبوت الواقعي أي وجود السنّة الذي هو مفاد كان التامّة، فهو بحث عن وجود الموضوع لا عن عوارضه.

و إمّا الثبوت التعبدي، أي وجوب العمل على طبق الخبر، فهو و إن كان بحثاً عن العوارض لكنّه بحث عن عوارض الحاكي لا المحكي و مرجع البحث إلى أنّ الحاكي هل له هذا الشأن أو لا.

وعلى الثاني أي كون المراد من السنّة ما يعمّ حاكيها، فالإشكال و إن كان


(34)

مرتفعاً و ذلك لأنّ البحث في تلك المباحث يكون عن أحوال السنّة بهذا المعنى، إلاّ أنّ البحث في غير واحد من مسائل هذا العلم لا يخصّ الأدلّة بل يعمّ غيرها كالبحث عن مفاد الأمر و النهي وأنّهما ظاهران في المعنى الكذائي أو لا.(1)

يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الثاني و نقول بأنّ البحث عن الظهور و إن كان لا يختصّ بالسنّة بل يعمّ السنّة وغيرها كالبحث عن ظهور صيغة الأمر في الوجوب والفور، لكنّه لا يمنع من كون البحث بحثاً عن العوارض الذاتية بالمعنى الذي فسّرها به هذا المحقّق، أي مالا يكون فيها واسطة في العروض، فيعمّ ما يعرض السنّة (الحاكي) بواسطة أعم، فظهور الأمر في الوجوب يعمّ مطلق الأمر، ثمّ يعرض بسبب ذاك الأمر الأعم نفس السنّة، لاتّحادها مع الأعم اتّحاد المصداق مع الكّلي.

2ـ نظرية المحقّق الخراساني

ولمّا كان مختار الشيخ غير مرضي عند المحقّق الخراساني، ذهب إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة من دون أن نعلم ذاك الموضوع بخصوصه.

ولا يخفى أنّه فرار عن بيان الحقيقة لأجل المشاكل الموجودة في طريقها.

3ـ نظرية المحقّق البروجردي

إنّ للمحقّق البروجردي رحمه الله نظرية أُخرى في موضوع علم الأُصول فانّه يرى أنّ موضوعه هو الحجّة في الفقه، و مسائل علم الأُصول تبحث عن عوارض الحجّة في الفقه. بيانه:

إنّ المراد من الأعراض الذاتية هو الأعمّ من الأعراض الخارجية والأعراض


(1) كفاية الأُصول: 1/6ـ9.


(35)

التحليلية. فالبحث عن خواص الأجسام الظاهرية أو الباطنية في علمي الفيزياء و الكيمياء، بحث عن العوارض الخارجية ، و لكن البحث عن تعيّنات الوجود، في العقل والنفس، و الجسم و الصورة والهيولى، بحث عن العوارض التحليلية فالموضوع في العلم الإلهي إنّما هو الوجود أو الموجود بما هو موجود، ومباحثه عبارة عن تعيّناته التي هي الماهيّات ، وليست نسبة الماهيّات إلى الوجود إلاّ كنسبة الأعراض التحليلية إلى موضوعاتها، و روح البحث عبارة عن أنّه هل يتعيّن الوجود، بالواجب، أو الممكن أو يتعيّن الموجود الممكن، بالجوهر والعرض. أويتعيّن الموجود الممكن الجوهر، بالعقل و النفس والجسم الخ...والفيلسوف لمّا رأى الوجود و شاهده بعين القلب، يضعه أمام فكره و يبحث عن تعيّناته وحدوده التي هي المهيّات و يقول: هل الوجود يتعيّن بهذا و ذاك، أو لا؟.

والظاهر أنّ مثل علم الأُصول كمثل الفن الأعلى، فالفقيه واقف على أنّ بينه و بين ربّه حجّة قاطعة للعذر، موجودة فيما بأيديه من الحجج. فيبحث عن تعيّناتها بالخبر الواحد أوّلاً.

و إن شئت قلت: إنّ الضرورة قائمة على ثبوت شريعة ذات أحكام يجب الأخذ بها، كما قامت الضرورة على أنّ إبلاغ الأحكام مبني على الطرق التي بنى عليها العقلاء في مخاطباتهم و محاوراتهم و حوائجهم فهذه الضرورة توجب اذعان الفقيه بوجود حجّة أو حجج بينه و بين ربّه و لكنّه لا يعلم حدودها وخصوصياتها وألوانها: هل هي خبر الواحد، أو لا، الشهرة أو لا، الخ... فيضع الموضوع المقطوع بوجوده أمامه، و يبحث عن تعيّناته و خصوصياته.

وأنت إذا تفحّصت المسائل الأُصولية تقف على أنّ روح البحث في جميعها عن وجود الحجّة على إثبات حكم أو نفيه، أو الحجّة على إثبات عذر وعدمه، كمسائل البراءة و الاشتغال. وما من مسألة من المسائل الأُصولية إلاّ و يحتجّ بها بنحو من الاحتجاج.


(36)

وعلى هذا فالموضوع هو الحجّة في الفقه، والعوارض العارضة عليها هي العوارض التحليلية كما لا يخفى.

فإن قلت: لو كان الموضوع هو الحجّة في الفقه، فالواجب أن يقال: الحجّة خبر الواحد، مع أنّ المتعارض هو العكس.

قلت: هذا نظير مسائل الفنّ الأعلى، فإنّ الموضوع فيه بالاتّفاق هو الموجود من حيث هو موجود، مع أنّه يقع محمولاً لا موضوعاً، فلا يقال: الموجود عقل، بل يقال العقل موجود، و هكذا، ووجه ذلك ما أشار إليه الحكيم السبزواري في أوّل الطبيعيات حيث قال:

إن قلت: كيف يكون الجسم هناك عرضاًذاتياً للموضوع، و المسألة : «الجسم موجود».

قلت: بل المسألة «الموجود جسم»، ولا سيما على أصالة الوجود واعتبارية الماهيّة».(1)

هذا توضيح ما أفاده المحقّق البروجردي (2)، وهو لا يخلو من إشكال.

أمّا أوّلاً: فلأنّ الالتزام بوجود الموضوع ، ثمّ الالتزام بلزوم كون البحث عن عوارضه الذاتية في العلوم الاعتباريّة ممّا لا وجه له، إذ العلوم الاعتبارية لا واقعية لها إلاّفي ظرف الاعتبار، و لها وجود اعتباري كسائر الأُمور الاعتبارية . فيكفي في كون الشيء مسألة لعلم اعتباري، كونها واقعة في طريق غرض اعتبار المعتبر وهدفه. سواء أكان لمجموع المسائل موضوعاً واحداً أم لا. وسواء أكان البحث عن وجود الموضوع ، أم كان عن عوارضه. فالالتزام بكلّ ذلك في العلوم الاعتبارية نوع تشبّه بالعلوم الحقيقية.

وأمّا ثانياً: فلأنّ الالتزام بكون البحث عن تعيّنات الحجّة يستلزم خروج


(1) المحقّق الحكيم السبزواري: شرح المنظومة:201.
(2) نهاية الأُصول :1/5ـ12.


(37)

مباحث كثيرة عن هذا العلم كالبحث عن وجود الظهور للأمر والنهي في الوجوب والتحريم، و الفور والتراخي، والوحدة و التكرار والإجزاء وعدمه، ممّا يتطلّب إثبات أصل الظهور. إذ ليس البحث هناك بحثاً عن تعيّنات الحجّة و تطوّراتها. و إرجاع البحث إلى طلب حجّة على وجوب الشيء أو حرمته، أو فوريته وعدمها، أو لزوم تكراره وعدمه، تكلّف و انحراف عن سياق البحث.

4ـ ما هو المختار عندنا

فالأولى أن يقال: إنّ كلّ قاعدة تكون ممهدة لتشخيص الأحكام والوظائف الكلّية للمكلّفين، فهي مسألة أُصولية. سواء أكان لهذه القواعد موضوع واحد أم لا، وسواء أكان البحث عن عوارض الأدلّة الأربعة أو تعيّنات الحجّة أم لا. بل يكفي كون القاعدة ممهدة لتشخيص الوظائف الكلّية، وسيوافيك تفصيل القول فيه في البحث الآتي.

الجهة الثامنة: ما هو تعريف علم الأُصول؟

وقد عرّف بوجوه:

الأوّل : ما عرّفه القدماء و هو «العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية و لمّا لم تكن الأحكام المستنبطة كلّها أحكاماً واقعية، بل يرجع بعضها إلى أحكام ظاهرية ذهبوا إلى تعميم الأحكام إلى الواقعية و الظاهرية و مع ذلك لا يخلو التعريف عن الإشكال و ذلك أنّه ليس كلّ قاعدة في الأُصول، ممهدة لاستنباط الحكم الشرعي، كالظنّ في ظرف الانسداد على القول بأنّ حجّية الظنون من باب الحكومة، و الأُصول العملية العقلية.

الثاني: ما ذكره المحقّق الخراساني بأنّه: صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي ينتهي إليها في مقام العمل.(1)


(1) كفاية الأُصول:1/9.


(38)

ولا يخفى أنّه يلزم على مختاره في باب تمايز العلوم، أن يعدّعلم الأُصول علمين لتعدّد الغرض. إذ الغرض من بعض القواعد، استنباط الأحكام الشرعية، و من البعض الآخر تحصيل العذر أو قطعه، كما في البراءة و الاشتغال العقليين.

و إن شئت قلت: تارة يكون المستنبط هو الحكم الشرعي، كما في باب الأمارات، و أُخرى يكون المستنبط هو تحصيل العذر أو قطعه، لا الحكم الشرعي، كما في باب الأُصول العقلية و الظنّ الحكومي.

و ما يقال من وجود الجامع بين الغرضين ، وهو أنّ المستنبط هو الحكم الأعمّ من الواقعي و الظاهري، ففيه أنّ المستنبط في الظنّ على الحكومة أو الأُصول العقلية، ليس حكماً شرعياً أبداً لا واقعياً ولا ظاهرياً بل المستنبط هو الحكم العقلي القاطع للعذر أو الموجد له. وعلى فرض صحّته يستلزم الغنى عمّا أضافه لكفاية التعميم في لفظ: «الأحكام» إلى الواقعية و الظاهرية على أنّ الاكتفاء بالجامع العرضي في وحدة العلوم ـ كما يظهر من كلام القائل في المقام ـ يستلزم تداخل أكثر العلوم بعضها في بعض كالصرف والنحو و غيرها فانّ الهدف من العلوم الأدبية، هو صون اللسان عن الخطأ، سواء كان في الأبنية كما في علم الصرف، أم في الكلام كما في علم النحو.

ثمّ إنّ تعريفه بالعلم بالقواعد، مع أنّه نفس القواعد لا العلم بها، لا يضرّ، لأنّ العلم في التعريف طريقي لا استقلالي، آلي لا موضوعي.

الثالث: ما عرّفه المحقّق النائيني و هو العلم بالكبريات، التي لو انضمّت إليها صغرياتها، يستنتج منها حكم فرعي كلّي.(1)

يلاحظ عليه: عدم شموله لبعض مسائله كالأُصول العقلية التي لا يستنبط منها حكم فرعي، بل المستنبط هو الوظيفة الفعلية. ومثله الظنّ الانسدادي على القول بحجّيته من باب الحكومة.


(1) فوائد الأُصول: للكاظمي:1/19.


(39)

الرابع: ما عرّفه سيّدنا الأُستاذـدام ظلّهـ بأنّه هو القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى لاستنباط الأحكام الكلّية الفرعيّة الإلهية أو الوظيفة العملية فيخرج بقيد الآلية، القواعد الفقهية فانّ المراد كونها آلة محضة ولا ينظر فيها بل ينظر بها فقط و القواعد الفقهية ممّا ينظر فيها فتكون استقلالية لا آلية، و التعبير بقوله:«و يمكن» لأجل إدخال القياس و الاستحسان لأنّهما يمكن أن يقعا في طريق الاستنباط و إن كانا غير واقعين في طريقه عندنا، وخرج بقوله: «تقع كبرى» مسائل سائر العلوم حيث ليس لها هذا الشأن و دخل بقوله: «أو الوظيفة العلمية» ما إذا انتهى المستنبط إلى استنباطها، لاا لحكم الشرعي كما في مورد أصل البراءة العقلية.(1)

فإن قلت: إنّ بعض المسائل الأُصولية ليست واقعة في طريق استنباط الحكم الشرعي، بل يكون مفادها نفس الحكم الشرعي مثل قولهعليه السَّلام : «كل شيء هو لك حلال» بناءً على شموله للشبهات الحكمية، فهو مشتمل على الحلّية، و يعدّمسألة أُصولية غير مختصّة بباب دون باب، و كذلك كلّ أصل مشتمل على حكم شرعي.

قلت: سيوافيك أنّ المسألة الأُصولية ما تكون ممهدة لتشخيص الأحكام الكلّية للمكلّفين، من دون أن تكون مشتملة على حكم شرعي، و المشتمل عليه، يكون قاعدة فقهية لا أُصولية، فأصالة الحلّية، في الشبهات الحكمية قاعدة فقهية لا مسألة أُصولية.

وعلى كلّ تقدير، فلا يخفى أرجحية التعريف الأخير و إن أردت التعريف الواضح فقل، هو القواعد الكلّية غير المشتملة على أحكام شرعيّة فرعية الممهدة لاستنباط الأحكام أو الوظيفة العملية. و هذا خامس الوجوه.


(1) تهذيب الأُصول: 1/11.


(40)

الجهة التاسعة:

الفرق بين المسائل الأُصولية، والقواعد الفقهية، و المسائل الفقهية

إنّ المسائل الأُصولية تدور حول أُمور:

1ـ ما يبحث فيه عن مفاد الألفاظ الواقعة في الكتاب والسنّة، كمفاد الأمر والنهي ويسمّى «مباحث الألفاظ».

2ـ ما يبحث فيه عن حجّية أُمور يمكن أن تقع في طريق الاستنباط كالبحث عن حجّية الخبر الواحد والإجماع و الشهرة.

3ـ ما يبحث فيه عن وجود الملازمات بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته، أو حرمة ضدّه، أو بين حرمة الشيء و فساده سواء كان المنهي عنه عبادة أو معاملة. أو بين تعليق الحكم على شرط و ارتفاعه عند ارتفاعه، ويبحث عنها في مباحث الألفاظ أيضاً.

4ـ ما يبحث فيه عن الوظيفة العملية عند الشكّ في الحكم الشرعي إذا لم يكن هناك طريق إليه.

5ـ ما يبحث فيه عن تعارض الأدلّة الشرعية و كيفية علاجها.

6ـ ما يبحث فيه عن حجّية قول المجتهد للعامي وغيره، ممّا يعدّمن المسائل الأُصولية.

فإذا لاحظنا هذه المباحث رأينا أنّ الضابطة الكلّية للمسائل الأُصولية كونها ممهدة لتشخيص الأحكام الشرعية أو الوظيفة العملية. فخرج علم اللغة و العلوم العربية كلّها لأنّها ليست ممهدة لتشخيص الوظائف و إن كان الفقيه يستفيد منها كمباحث المشتق.

فخصائص المسائل الأُصولية أُمور:


(41)

الأوّل: أنّ نتائج المسائل الأُصولية أحكام ووظائف كلّية . فيخرج الاستصحاب في الشبهات الموضوعية وأصل البراءة و الاحتياط فيها، لأنّ نتائجها وظائف شخصية.

الثاني: أنّ القاعدة الأُصولية لا تختصّ بباب دون باب أو موضوع دون موضوع، بل تعمّ جميع الأبواب. فانّ البحث عن صيغة الأمر والنهي، لا يختصّ بباب الصلاة بل يعمّ أبواب الفقه جميعها من الطهارة إلى الحدود والديّات، إذا وجد له فيها مصداق.

الثالث: أنّ متن المسألة الأُصولية ليس حكماً شرعياً، بل ممهّد لاستنباط الحكم الشرعي و الوظيفة العملية كما مرّتعريفه.

أمّا القواعد الفقهية: فهي أحكام عامّة فقهية جارية في أبواب مختلفة، فتمتاز عن المسائل الأُصولية بأمرين أحدهما دائمي والآخر غالبي:

1ـ إنّها مشتملة على حكم شرعي كلّي أو منتزع من الأحكام الشرعية كقاعدة الطهارة، و قاعدة لا تعاد، وقاعدة ما يضمن و غيرها، و هذا بخلاف القواعد الأُصولية.

2ـ إنّها لا تجري في جميع الأبواب بل في أبواب مختلفة، فقاعدة الطهارة تختصّ ببابها، وقاعدة لا تعاد بباب الصلاة، وما لا يضمن بأبواب المعاملات.

نعم هذا القيد غالبي لا دائمي لأنّ قاعدتي نفي الضرر و الحرج قاعدتان فقهيتان تجريان في جميع أبواب الفقه.

وأمّا المسألة الفقهية: فهي ما يبحث فيها عن أحكام الموضوعات الخاصّة، تكليفية كانت ـ كالبحث عن وجوب الصلاة والصوم ـ أو وضعيّة ـ كالبحث عن طهارة الماء و نجاسة الدم، بل يمكن أن يقال إنّ المسائل الفقهية، لا تختصّ بالبحث عن أحكام الموضوعات بل تشمل أيضاً البحث عن ماهية الموضوعات


(42)

التي تتعلّق بها الأحكام، كالبحث عن ماهية الصلاة و الصوم و أجزائها و موانعها و شرائطها. إذ لا وجه لكون البحث عنها استطرادياً.

أسئلة مع أجوبتها

1ـ هل الأُصول الثلاثة، الاستصحاب والاحتياط و البراءة مسائل أُصولية مطلقاً، أو يفصل بين كون المجرى شبهة حكمية أو موضوعية؟

الجواب: أنّ الثاني هو الحقّ فإنّها في موارد الشبهات الموضوعية قاعدة فقهية لأنّ نتائجها وظائف شخصية، كاستصحاب الحدث والطهارة فيما لو تيقّن بأحدهما ثمّ شكّ فيه و هكذا الاحتياط و البراءة. وفي موارد الشبهات الحكمية مسائل أُصولية لانّ نتائجها أحكام كلّية.

2ـ كيف تكون قاعدة واحدة، قاعدة أُصولية تارة و فقهية أُخرى مع كون لسانها واحد إذ أنّها لا تخلو من الاشتمال على الحكم الشرعي أو عدمه فعلى الأوّل فقهية، و على الثاني أُصولية ولا يمكن الجمع بين الوجود والعدم.

الجواب: أنّها ، قاعدة أُصولية جوهراً و لكنّها في مقام التطبيق تختلف نتيجتها في الشبهات الحكمية والموضوعية.

3ـ إنّ لسان دليل الاستصحاب حكم شرعي لأنّ معناه حرمة نقض اليقين بالشكّ فيكون قاعدة فقهية.

الجواب: ليس مفاده حرمة نقض اليقين بالشكّ بداهة عدم ترتّب العقاب على النقض بل لزوم تنفيذ العمل على طبق اليقين السابق في مجال الحكم والموضوع، إرشاداً إلى تحصّل الحجّة.

4ـ ما هو حكم قاعدة «الرفع» فهل هي قاعدة أُصولية أو فقهية؟

الجواب: أنّه لو كان المقدّر هو رفع المؤاخذة تكون قاعدة أُصولية لعدم


(43)

اشتمالها على الحكم الشرعي، كما أنّه لو كان المقدّر الحكم ولو لبّاً فإن قلنا إنّ رفع الحكم ليس بحكم شرعي فكذلك و إلاّتكون قاعدة فقهية.

فظهر الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية والمسائل الفقهية من دون أن نتكلّف في إدخال المسائل أو إخراجها.

ضابطتان لتمييز المسائل الأُصولية عن الفقهية

ثمّ إنّ هنا ضابطتين لتميّز إحداهما عن الأُخرى; إحداهما للشيخ الأنصاري والأُخرى للمحقّق العراقي و إليك تحليلهما :

1ـ الفرق بين المسألة الأُصولية والقواعد والمسائل الفقهية هو أنّ إجراء المسألة الأُصولية في موردها يختصّ بالمجتهد، بخلاف الفقهية فإنّ إجرائها في مواردها جائز للمقلّد أيضاً.(1)

والظاهر عدم صحّة هذا الفرق : أمّا القواعد الفقهية، فهي كالمسائل الأُصولية يختصّ العمل بها بالمجتهد، إذ هو القادر على تشخيص ما يضمن و مالا يضمن، و تمييز الأصل الحاكم عن الأصل المحكوم في مورد قاعدة الطهارة و الحلّية، و تمييز الشرط المخالف للكتاب والسنّة عن موافقهما.

وأمّا المسألة الفقهية فليس ما ذكره أيضاً ضابطة كلّية، لأنّ العمل بالمسألة الفقهية و إن كان لا يختصّ بالمجتهد، ويعمّ المقلّد لكنّه في المصاديق المعلومة لا في المشكوكة. وأمّا المصاديق المشكوكة فيجب الرجوع فيها إلى المجتهد، ثمّ التقليد لا ينحصر بباب الأحكام بل يعمّ الموضوعات إذ احتاجت إلى الدقّة و النظر الخارج عن قدرة العامي، كالبحث عن أنّ المراد من التغيّر المنجِّس، هو التغيّر الحسيّ أو يعمّ التقديري، أو أنّ المراد من الكرّهل المصداق الحقيقي أو يعمّ ما يعدّمصداقاً له عرفاً و إن لم يكن عقلاً كما إذا نقص عن مقدار الكرّ عدّة قطرات.


(1) الشيخ الأنصاري: فرائد الأُصول: 320.


(44)

أو أنّ الأحجار الكريمة هل هي من الأرض حتّى يجوز السجود عليها أو لا، أو أنّ الفواكه إذا أُكلت وطرحت قشورها يجوز السجود عليها أو لا.

2ـ جعل المحقّق الشيخ ضياء الدين العراقي الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية، هو كون الأُولى مستعدة بذاتها لأن تقع في طريق استكشاف كلّوظيفة عملية في أيّ باب من أبواب الفقه بخلاف الثانية، فانّ كلّواحدة منها مختصّة بباب من أبواب الفقه لا تتجاوزه إلى غيره، ثمّ استشكل على نفسه بأنّ هذا الفارق لا يتمّ في قاعدة الضرر و الحرج فانّهما يجريان في جميع أبواب الفقه، فأجاب بأنّه إنّما يمكن بهما تشخيص الحكم الشرعي، ولا يقع شيء منهما في طريق استكشاف الوظيفة العملية الكلّية كما هو شأن المسألة الأُصولية.(1)

وفيه: أنّ النتيجة في موردهما أيضاً كلّية، أما ترى أنّ الفقهاء أفتوا بحرمة الوضوء و الغسل الضرريين و كون الملاك في القاعدة هو الضرر و الحرج الشخصيان، لا يكون دليلاً على كون النتيجة شخصية كما لا يخفى.

الجهة العاشرة: من هو مؤسس علم الأُصول؟

إنّ أوّل من ألّف كتاباً في أُصول الفقه من أهل السنّة، هو قاضي القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، المتوفّى عام 182 هـ. ق. يقول ابن خلكان في ترجمته:أنّه أوّل من صنّف في أُصول الفقه على مذهب أبي حنيفة.(2) و بعده فقيه العراق محمّد بن الحسن الشيباني المتوفّى في ذلك العام أو عام 189 هـ. ق و يقول ابن النديم في الفهرس: من مؤلّفاته كتاب أُصول الفقه، و كتاب الاستحسان و كتاب اجتهاد الرأي(3) و بعده محمّد بن إدريس الشافعي المتوفّى عام 204، فانّ له


(1) بدائع الأفكار:1/ 26.
(2) وفيات الأعيان:6/382، المطبوع في ثمانية مجلّدات بتحقيق د. إحسان عبّاس.
(3) فهرست ابن النديم:302، ط مطبعة الاستقامة بالقاهرة.


(45)

رسالة في أصول الفقه المطبوعة.

وأمّا الشيعة فمن راجع الأخبار و الأحاديث وقف على أنّ الإمام الباقر والصادق عليمها السَّلام أمليا على أصحابهما قواعدها و قد جمع الروايات الشيخ الأجل الحرّ العاملي في كتاب أسماه «الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة» و قد طبع و انتشر كما جمعها السيّد الشريف هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني في كتاب أسماه «أُصول آل الرسول» و الكتاب الأخير مرتّب على مباحث أُصول الفقه الدائرة بين المتأخّرين.

وأمّا المصنّفون من الشيعة من أصحاب الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ فقد ذكر النجاشي أنّ ليونس بن عبد الرحمان كتاباً أسماه« اختلاف الحديث و مسائله». و لعلّ المراد منه ما يرجع إلى باب التعادل والتراجيح. وقد ألّفت بعده رسائل إلى أن وصلت النوبة إلى من ألّف في أُصول الفقه بعده هو شيخ الشيعة محمّد بن النعمان المفيد (336ـ 413) فألّف رسالة فيه أدرجه تلميذه الكراجي في كتاب «كنز الفوائد» و طبع أخيراً مع مؤلّفات الشيخ المفيد. ثمّ السيّد الأجل الشريف المرتضى (355ـ 436) فألّف الذريعة في أُصول الفقه طبع في جزئين و قد رأيت نسخة خطيّة منها في مدينة قزوين جاء فيها أنّه فرغ من تأليفه عام 400 هـ. ق.

وبعده ألّف شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي كتاب العُدّة و هو أبسط كتاب بالنسبة إلى ما قبلها.

فما عن بعض الأخباريين من أنّ أُصول الفقه تراث العامة، ممّا لا وجه له بل هو عبارة عن القواعد التي يتوقّف عليها الاستنباط، و لها أُصول في القرآن والحديث.

وقد استغنى بعض الفقهاء عن الخوض في المسائل الأُصولية على وجه الاستقلال، بإدراج مسائلها أو مهمّاتها في مقدّمة كتبهم الفقهية، كما فعله صاحب الحدائق و كشف الغطاء في كتابيهما. و ربّما كان هذا أيضاً هو النسق المألوف كما


(46)

عليه ابن زهرة(585ـ 511) في الغنية حيث إنّ مقدّمتها مشتملة على مسائل أُصول الفقه و الحقّ أنّ ما جاء في هذه المقدّمات من الفوائد جدير بالمطالعة و التدبّر فلا تغفل. و ربّما تجد فيها ما لا تجده في الكتب الأُصولية الرائجة. والله العالم. وقد ألّفنا رسالة في تاريخ أصول الفقه، طبعت في مقدّمة تقرير الإمام السيّد الخميني لدرس السيّد البروجردي قدّس سرّهما.

تمّ الكلام في المقدمة الأُولى في جهات عشر، والحمد لله ربّ العالمين.

***

المقدمة الثانية :

في الوضع

و تحقيق المطلب يأتي في جهات:

الجهة الأُولى: حقيقة الوضع

عرّف المحقّق الخراساني الوضعَ بأنّه نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما ناش من تخصيصه به تارة و من كثرة استعماله فيه أُخرى.(1)

يلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فلأنّ اختصاص اللفظ بالمعنى والارتباط المذكور، أمر متأخّر عن الوضع، ناش منه و ليس نفسه.

وثانياً: أنّ الارتباط المذكور كما يحصل بالأمرين اللذين أشار إليهما، كذلك يحصل باستعمال اللفظ في المعنى بداعي الوضع كما هو مختاره في الحقيقة الشرعية و سيأتي منه، ولم يشر إليه.

أضف إلى ذلك أنّ تعريفه بما ذكر لا يخلو من إبهام فإنّ الهدف التعرّف على حقيقة هذا الارتباط و لم يأت فيه بشيء.


(1) كفاية الأُصول:1/10.


(47)

مسلك التعهّد

قال المحقّق النهاوندي (ت1317) في «تشريح الأُصول» : إنّ حقيقة الوضع ليست إلاّالتعهّد بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى الفلاني.

و شرحه تلميذه أبو المجد الإصفهاني و قال: الوضع عبارة عن التعهّد، أعني: تعهد المتكلم للمخاطب و التزامه له بانّه لا ينطق بلفظ خاص إلاّ عند ارادته معنى خاصاً أو أنّه إذا أراد إفهامه معنى معيّناً لا يتكلّم إلاّ بلفظ معيّن فمتى تعهّد له بذلك و أعلمه به حصلت الدلالة و حصل الإفهام.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الوضع عمل خاص يلازم ذاك التعهّد و ليس هو نفس ذاك التعهّد، والتعهّد والالتزام في مورد الوضع لأجل إخراجه عن اللغْوية وهو غاية للوضع و ليس حقيقته.

وثانياً: لو كانت حقيقة الوضع ذاك التعهّد، لزم كون كلّ مستعمِل واضعاً، لالتزام كلّ مستعمل تفهيم المعنى عند التكلّم باللفظ المخصوص و الالتزام به أمر غريب و إن التزم به بعض المحقّقين كما سيوافيك.

ثالثاً: أنّ الالتزام بالتعهّد في الوضع، غير لازم بل يكفي كون جعل اللفظ في مقابل المعنى بداعي الانتقال إليه عند التكلّم كما هو الحال في سائر الدوال كالعلائم الرائجة لإدارة المرور.

وقد تفطّن المحقّق الإصفهاني لما ذكرناه من كون كيفية الدلالة والانتقال من اللفظ و سائر الدوال، على نهج واحد بلا إشكال فقال: فليس من ناصب العلامة على رأس الفرسخ إلاّ وضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه، من دون أيّ تعهّد منه.(2)


(1) أبو المجد: وقاية الأذهان:62، ط آل البيت.
(2) المحقّق الاصفهاني: نهاية الدراية:1/14.


(48)

وقال المحقّق الخوئي في محاضراته: إنّ حقيقة الوضع عبارة عن «التعهّد بإبراز المعنى الذي تعلّق قصد المتكلّم بتفهيمه، بلفظ مخصوص. فكلّ واحد من أهل أيّ لغة متعهّد في نفسه أنّه متى ما أراد تفهيم معنى خاص، أن يجعل مبرزه لفظاً مخصوصاً.(1)

وقال في تعاليقه على أجود التقريرات: الوضع عبارة عن الالتزام النفسي بإبراز المعنى الذي تعلّق قصد المتكلّم بتفهيمه بلفظ مخصوص. فمتعلّق الالتزام والتعهّد أمر اختياري و هو التكلّم بلفظ مخصوص عند تعلّق القصد بتفهيم معنى خاص، و الارتباط بينهما إنّما ينتزع من هذا الالتزام».(2)

يلاحظ عليه: أنّ الملموس في المجامع العلمية المعدَّة لوضع الألفاظ للمعاني المستحدثة، غير ذاك فانّ الاخصائيين من علماء اللغة، ليس لهم شأن إلاّ تعيين الألفاظ في مقابل المعاني، ولا يخطر ببالهم عند الوضع غير هذا. وأمّا التزام الواضع بأنّه متى أراد تفهيم المعنى، يتكلّم بهذا اللفظ فأمر مترتّب عليه و هو بعد من دواعي الوضع و ليس نفسَه.

و الأولى أن يقال: إنّ وضع الألفاظ للمعاني أمر اعتباري لا يقتضي لنفسه جنساً ولا فصلاً و يعلم كنهه من حال سائر العلامات و الدوّال، التي تضعها إدراة المرور للانتقال إلى وظائف خاصّة، ككون الدخول في الشارع مجازاً أو ممنوعاً، فإنّ ماهية جعل تلك الدوّال ليس إلاّجعلها للانتقال إلى مقاصد خاصّة فيكون وضع الألفاظ أيضاً من هذه المقولة و يعرّف بأنّها جعل اللفظ في مقابل المعنى، بداعي الانتقال إليه عند سماعه أو إفهامه عند التكلّم به، أو تعيّنه علامة للمعنى بسبب كثرة الاستعمال، و الأوّل كما في الوضع التعييني و في الاستعمال بداعي الوضع و الثاني كما في الوضع التعيني.


(1) المحاضرات: 1/48.
(2) أجود التقريرات:1/12.


(49)

فإن قلت: التعريف المذكور يستلزم الدور، إذ ليس الجعل إلاّ الوضع فهو من قبيل رفع كلمة و وضع كلمة أُخرى مترادفة مكانه.

قلت: إنّ الوضع أمر اعتباري، فليس له جنس ولا فصل و لو تخيّل إنسان جنسا أو فصلاً له فهو من باب المشاكلة، فعند ذاك يصحّ التعريف بشرح الاسم الذي يكفي فيه أيّ تعبير يقرّب المقصود فتلخّص أنّوضع الألفاظ للمعاني لا يختلف عن نصب الدوّال في الطرق والشوارع فيعلم حاله من حالها.

***

الجهة الثانية: قلّة الوضع التعييني و كثرة التعيّني

دلّت التجربة على أنّ الأعلام الشخصية موضوعة بالوضع التعييني أو بالاستعمال بداعي الوضع وأمّا غيرها فسبيله هو الوضع التعيّني على وجه يأتي في الجهة الثالثة نعم المجامع المعدّة في البلاد المتقدّمة أو النامية لتوسيع اللغة و تمشيتها مع الحوائج الحضارية، يستمدّفي تحقيق أغراضها بالوضع التعييني فإنّ مجمع اللغة العربية في دمشق أو مصر، أخذ على عاتقها رفض الكلمات الخارجية ، ووضع معادلات لها من نفس اللغة العربية بعد رعاية المناسبات بين المعنى واللفظ المخترع. أو تعريبها بشكل، يخرجها عن أصالتها الخارجية كما هو واضح لمن له إلمام بأعمال المجمع.

وأمّا في غير هذين فالقول بالوضع التعييني يتوقّف على وجود واضع خاص لكلّ لغة و سيوافيك عدم صحّته في الجهة الرابعة.

***

الجهة الثالثة: وجود الرابطة الذاتية بين الألفاظ و معانيها و عدمه

لا أظنّ أنّ إنساناً يتفوّه بأنّ بين الألفاظ و معانيها رابطة ذاتية، إذ لازمه


(50)

لغوية الوضع أوّلاً، و لغوية تعلّم اللغة ثانياً، ولو تفوّه بذلك فإنّما يريد شيئاً آخر، و هو وجود رابطة خيالية بين اللفظ والمعنى، وإلاّ يلزم الترجيح بلا مرجّح، فإنّ جعل لفظ في مقابل المعنى، أو استعماله بداعي الوضع أو تعيّنه لأجل كثرة الاستعمال، عمل اختياري صادر من الإنسان العامل الذي لا يرجّح أحد الطرفين إلاّ بمرجّح فالقول بوجود مرجّح في اختيار لفظ على آخر ليس ببعيد لو لم يكن متعيّناً، نعم المناسبة الداعية لاختيار اللفظ ليس مناسبة خارجية لأنّها على فرض الصحّة قائمة بطبيعي اللفظ و المعنى و هما غير موجودين.

وأمّا بيان تلك المناسبة فهي ظاهرة في أسماء الحيوانات أوّلاً و أسماء الأصوات ثانياً و أمّا في غيرهما فغير واضحة وإن كانت موجودة فنقول:

إنّ الغالب في الحيوان إمّا عرض المعنى بنفسه على المخاطب كتناول أُمّ الحيوان الصغيرالحبَّة بمنقارها و تكرار ذلك أمام ولده إذا أرادت إفهامه أن يأكل. أو بالإشارة إلى المعنى، بالذنب أو اليد أو بالتصويت كما تفعل الهرّة لإفهام جوعها، أو طلب ولدها أو يفعل الهرّ عند طلبه الأُنثى من جنسه أو بغير ذلك من المواهب المودعة من الله تعالى في الحيوانات.

وأمّا الإنسان فقد حباه الله المنطق و البيان فيعبّر به عمّا يجول في ضميره لكن كيف يستخدم الألفاظ لإظهار ما في الضمير؟ هل بالوضع التعييني أو لا ؟ الظاهر لا، فإنّ التتبّع، يكشف عن أنّه كان يستند في تسمية الحيوانات إلى أصواتها، كالهدهد والبوم و الحمام و العصفور والهرّة، كما يستند في حكاية الأفعال والحركات إلى أصواتها أيضاً، كالدق و الدك والشق و الكسر، و الصرير والدوي و النهيق.

و لأجل ذلك يمكن أن يقال: إنّ كلّ إنسان بما هو مفطور على إظهار مافي ضميره، كان ينتخب لإبراز ما في ضميره ألفاظاً يرى مناسبة خيالية أو وهمية بينها و بين معانيها، كالمشابهة في الشكل والهيئة و غير ذلك من المناسبات. فها هو


(51)

لفظ الهيولى فانّه بمعنى «المادة الأُولى»، لكن يستعمله العرف الخاص في الموجود المهيب، لما يراه بين ذاك اللفظ و المعنى من مناسبة وهمية.

وقد جرّبنا ذلك في بعض الأطفال فرأيناهم يخترعون لبعض الأشياء و المعاني ألفاظاً مهملة عند ما يحكون بها عمّا يقوم في ضمائرهم، لمناسبة خيالية بينهما عندهم ولعلّ هذا هو القاعدة الكلّية في تكثّر الألفاظ وتكامل اللغة من دون أن يكون هناك وضع تعييني.

***

الجهة الرابعة: هل الواضع هو الله؟

إنّ الإمعان في الحياة البشرية يدلّ على أنّ الحضارة الإنسانية بألوانها المختلفة ليست وليدة يوم أو شهر أو سنة، بل الإنسان خرج من البداوة و الحياة الفردية شيئاًفشيئاً، وأحدث الحضارة ، بالتدريج فهو عَبْر تعمير الأرض بأنحائها المختلفة كان بحاجة شديدة إلى المفاهمة و المكالمة و قد خلق الله سبحانه، مادته في فطرته و قال: (علّمه البيان) فالحاجة دعته إلى إفهام ما في ضميره من الحوائج بإنشاء ألفاظ مقابل معان بالتدريج فلو قلنا إنّ لكلّ لغة واضعاً، فالواضع هو البشر بإذن الله سبحانه بالتدريج و لم يزل الأمر كذلك في ميدان توسيع اللغات و تكثير الألفاظ.

و ربّما يتخيّل أنّ الواضع هو الله سبحانه مستدلاً بأنّ وضع أيّ لفظ في مقابل معنى يحتاج إلى درك الرابطة الذاتية بينهما، دفعاً للترجيح بلا مرجّح ولا يقف عليها إلاّ الله سبحانه.

يلاحظ عليه: بما عرفت من عدم صحّة القول بالرابطة الذاتية و يكفي في دفع الترجيح بلا مرجّح ما ذكرناه.

لكن المحقّق النائيني رحمه الله، ذهب إلى خلاف ما ذكرنا، فزعم أنّ الواضع هو


(52)

الله تعالى، و استدلّ على ذلك بأمرين:

الأوّل: لو فرضناجماعة أرادوا إحداث ألفاظ، بقدر ألفاظ أيّ لغة لما قدروا عليه فما ظنّك بواحد.

الثاني: كثرة المعاني فانه يتعذّر تصوّرها من شخص أو أشخاص.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ لو كان هنا واضع خاص أو أشخاص معيّنون، وأمّا على القول بأنّ أصل كلّ لغة و تكاملها، مرهون جهد الإنسان عبْر آلاف السنين فلا مانع من قيام أُمّة كبيرة بعمل خارج عن إحاطة الإنسان الواحد أو الجماعة القليلة، أعني وضع اللغة وإكمالها، حسب ما أُلهموا من قبل خالقهم سبحانه الذي قال: (الرَّحْمن* عَلَّمَ الْقُرانَ* خَلَقَ الإِنْسان* عَلَّمَهُ الْبَيان).(2)

***

الجهة الخامسة: ما هو الأقدم من أقسام الوضع

قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ الأقدم من أقسام الوضع هو الوضع الخاص والموضوع له الخاص، لأنّ الباعث لإبراز ما في الضمير هو مشاهدة الأُمور الجزئية فإذا رأى طيراً أو حيواناً، يتفوّه بكلمة تبعث توجّه المخاطب إليه، و لمّا كانت سائر الأفراد مثل الفرد الأوّل الذي رآه، يأخذ اللفظ لنفسه معنى عامّاً و كلّياً بعد ما لم يكن كذلك. فما ربّما يترائى من كون أسماء الأجناس من قبيل الوضع العام، محلّ تأمّل وإشكال، نعم لا شكّ في كونها حقيقة في المعنى المطلق بعد مرور زمن عن الوضع الأوّل.

***


(1) أجود التقريرات:1/12.
(2) الرحمن/1ـ4.


(53)

الجهة السادسة: في أنّ الدلالة لا تتوقّف على فناء اللفظ في المعنى

ربّما يقال إنّ دلالة اللفظ على المعنى تتوقّف على دعوى الاتّحاد بين اللفظ و المعنى، و فناء الأوّل في الثاني، فناء الآلة في ذيها، والمعنى الحرفي في الاسمي.

لكنّه من الغرابة بمكان فانّ الألفاظ و إن كانت مغفولة عنها أحياناً، لكنّها ليست كذلك في أحايين أُخر، كما إذا أراد المتكلّم أن يتكلّم بغير لغة الأُمّ، أو بلغة الأُمّ لكنّه أراد أن يكون كلامه على وجه فصيح و بليغ، فيتوجّه إلى الألفاظ و يختار ما هو الأنسب، فيلقيه على وجه يكون مؤثّراً و نافذاً.

***

الجهة السابعة: في أقسام الوضع

إنّ القوم قسّموا الوضع إلى أقسام أربعة، اتّفقوا على إمكان ثلاثة منها واختلفوا في إمكان الرابع والثلاثة الأُول عبارة عن كون الوضع و الموضوع له، خاصّين، أو عامّين، أو كون الوضع عامّاً و الموضوع له خاصّاً. وأمّا المختلف فيه فهو عكس القسم الثالث أعني: كون الوضع خاصّاً و الموضوع له عامّاً.

ثمّ إنّ كون الوضع خاصّاً أو عامّاً يتبع كون الملحوظ حين الوضع خاصّاً أو عامّاً إذ الوضع يحتاج إلى ملاحظة لفظ و ملاحظة معنى، فإن كان المعنى الملحوظ خاصّاً فالوضع خاص، وإلاّفالوضع عام.

ثمّ إنّ الموضوع له قد يكون نفس الملحوظ الخاص أو نفس الملحوظ العام فعندئذ يتحقّق القسمان الأوّلان و مثالهما وضع الأعلام وأسماء الأجناس.

وأمّا القسم الثالث فهو عبارة عمّا يكون الملحوظ فيه عامّاً، ولكن اللفظ يوضع على ما يصدق عليه ذلك الملحوظ العام فيكون الوضع (باعتبار عمومية الملحوظ) عامّاً، و الموضوع له خاصّاً. لأنّ اللفظ لم يوضع للمفهوم المعرّى بل


(54)

لمصاديق ذلك المفهوم. فلابدّ من تركيز البحث على القسم الثالث والرابع. لوضوح إمكان القسمين الأوّلين و وقوعهما.

تقرير إمكان القسم الثالث

ثمّ إنّهم قرروا إمكان القسم الثالث بوجوه:

التقرير الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراساني في الكفاية ، قال: «إنّ العام(1) يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو كذلك، فانّه من وجوهها، ومعرفة وجه الشيء معرفته بوجه، بخلاف الخاص، فانّه بما هو خاص لا يكون وجهاً للعام ولا لسائر الأفراد. فلا يكون معرفته و تصوّره معرفة له و لا لها أصلاً ولو بوجه.(2)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره غير تامّ، لأنّ كون الشيء وجهاً و مرآةً لشيء آخر، يرجع مفاده إلى كونه حاكياً عنه. فلو كان هذا العام من قبيل المفاهيم الموضوعة فالحكاية فرع الوضع و المفروض أنّ العام (كالحيوان الناطق) لم يوضع إلاّلنفس الحقيقة المعرّاة عن كلّ قيد و شرط، و عندئذ كيف يمكن أن يكون مثله وجهاً للأفراد، و مرآة و معرّفاً لها و إن كان أمراً ذهنياً منتزعاً من الأفراد باعتبار القدر المشترك بينها، فالحكاية فيه و إن لم يكن فرع الوضع، لكن عدم الحكاية لأجل أنّ المنتزع هو القدر المشترك لا الخصوصيات فكيف يصلح أن يحكى عنها.

و ماذكره من أنّ العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو كذلك، يحتمل أمرين:

الأوّل: أن يكون العام حاكياً عن الخصوصيات والمشخّصات الفردية، لكنّه


(1) المراد من العام إمّا المفهوم الموضوع أي العام الذي يكون آلة لوضع اللفظ على مصاديقه (كالحيوان الناطق) أو الأمر المشترك الذي ينتزعه الذهن من مشاهدة أفراد نوع واحد و إن لم يكن مفهوماً موضوعاً بل أمراً ذهنياً مرآةً إلى الجامع فلاحظ.
(2) كفاية الأُصول:1/10.


(55)

أمر ممتنع و يعلم بمقايسته مع الخاص إذ كما أنّ الخاص لأجل تشخّصه و اقترانه بالخصوصيات، لا يصلح أن يكون مرآة للعام ولا لسائر الأفراد لأنّ تقيّد الفرد بالقيود المشخصة، يمنعه عن حكاية المعنى العام الوسيع الكلّي، كذلك المعنى العام بما هو عام و معرى من جميع الخصوصيات، لا يصلح لأن يكون مرآة للمصاديق و الخصوصيات و حاكياًعنها لكونه معرّى عنها و غير موضوع لها و الحكاية فرع الوضع.

الثاني: أن يكون العام من غير فرق بين كونه مفهوماً موضوعاً أو أمراً ذهنياً منتزعاً من التكوين، آلة و سبباً للانتقال من العام إلى الأفراد، بمعنى أن تكون ملاحظة العام سبباً لانتقال الذهن بنحو من الأنحاء إلى تصوّر الأفراد و هذا صحيح، لأنّه لا يشترط في كون الشيء وسيلة للانتقال إلى شيء كون السبب موضوعاً له حتى تكون حينئذ حكاية العام عن الخاصّ كحكاية اللفظ عن معناه، و ذلك لانّ للانتقال أسباباً، و ربّما يكون التضادّ أو التقارن سبباً له.

فإذا صحّ هذا الوجه في القسم الثالث يصحّ في القسم الآخر أيضاً مع أنّ المحقّق الخراساني حكم بامتناع القسم الرابع، فانّ الخاصّ مع تقيّده ربّما يكون آلة للانتقال إلى العام كالانتقال من المصاحب إلى مثله، و من المقارن إلى شبيهه.فالشخص الخارجي الملحوظ و إن كان غير حاك عن العام، لكنّه ربّما يوجب الانتقال إليه. فتجويز إمكان أحد القسمين دون الآخر، غير صحيح.

و منه يظهر عدم تمامية ما ذكره أبو المجد في وقايته إذ صار بصدد تصويره بالبيان الثاني قال:«لو رأى شبحاً من بعيد، ولم يعلم انّه جماد أو حيوان، أو نبات و على كلّ منها، لم يُدرَ انّه من أيّ نوع فوضع اللفظ بازاء ما هو نوع له بحسب الواقع و متّحد معه في الصورة النوعية، ولا شكّ في انّ الموضوع له من هذه الصورة ملحوظ إجمالاً و ليس وجهه إلاّ الجزئي المتصور.(1)


(1) أبو المجد الاصفهاني:وقاية الأذهان/66.


(56)

وذلك، لأنّه لا يتجاوز عن كون الصورة الجزئية المبهمة، سبباً للانتقال إلى الجامع الحقيقي للأفراد المشتركة مع هذه الصورة ، معنا و قد علمت انّه جائز و إنّما الكلام في المرآتية.

التقرير الثاني: إنّ المحقّق الخوئيـدامظلّهـ قرّر إمكان القسم الثالث (1) بما هذا خلاصته: إنّ الفرق بين القضية الخارجية و الحقيقية، هو أنّ الحكم في الأُولى مقصور على الأفراد الموجودة في ظرف الخطاب والحكم. مثل قولك: «قُتل من في العسكر»، «ونُهب ما في الدار» و أمّا الحقيقية فالحكم فيها مجعول على الأفراد المحقّقة ، و المقدّرة في الأزمنة الآتية. مثل قولك: «كلّ إنسان كاتب بالقوّة»، فالإنسان الموجود في ظرف الحكم والموجود في الأزمنة الآتية المقدّرة في ظرفه، مشمول لهذا الحكم، وليس هذا إلاّلأجل أخذ الطبيعة في موضوع الحكم على وجه تكون سارية في أفرادها، و جارية في مصاديقها، فيشمل كلّ فرد محقّق في ظرفه. و ما قيل: من أنّ العام لا يحكى عن المصاديق والأفراد فانّه إنّما يصحّ إذا كانت القضية طبيعيّة أو خارجية وأمّا إذا كانت مأخوذة على نحو القضية الحقيقية التي تكون فيها الطبيعة متّحدة مع المصاديق و سارية فيها، فانّها تحكي عن الجميع حسب سريانها.

يلاحظ عليه: أنّ معنى سريان الطبيعة في مصاديقها، لا يستلزم أكثر من اتّحادها مع مصاديقها، و لكن الاتّحاد ليس مناط الحكاية بل مناطها كون المحكي عنه داخلاً في مفهوم الحاكي، و يكون نفس معناه أو جزءه، و المفروض عدمه، أما ترى أنّ العرض متّحد مع الجوهر في الخارج، مع أنّ أحدهما لا يحكي عن الآخر أبداً، وإلاّفليكن الخاص أيضاً حاكياً عن العام لكونه متّحداً معه في


(1) ذكر الأُستاذ ـ دام بقاؤه ـ قد سمع هذا التقرير منه ـ دام ظلّه ـ في درسه الشريف في النجف الأشرف عام 1270 من الهجرة النبوية. وكانت الدورة التي حضرها ، هي الدورة الثالثة من دوراته الأُصولية ـ حفظه الله و حياه ـ ولاحظ أيضاً المحاضرات:1/54.


(57)

الخارج.

أضف إلى ذلك أنّ السبب لشمول الحكم لكلّ فرد محقّق أو مقدّر ليس أخذ الطبيعة سارية في مصاديقها، بل لأجل كلمة «كل» أو اللام القائمة مقامها، أو لفظ «البعض»الذي يشار به إلى الأفراد إجمالاً، أو نتيجة الإطلاق الثابت، بمقدّمات الحكمة على مبنى القوم في مفاد الإطلاق. ولولا هذه الأُمور لما أجزأ أخذ الطبيعة على نحو القضية الحقيقية في شمول الحكم. وملاحظتها مقترنة بواحد من هذه الدوال يرجع إلى التقريب الثالث الذي سنذكره.

التقرير الثالث: قد جاء المحقّق العراقي بتقريب آخر لتصحيح هذا القسم و تبعه المحقّق الخوئي على ما في تقريراته فقال ما هذا خلاصته: إنّ العناوين العامة المنتزعة على أنواع:

1ـ العنوان المنتزع من الجامع الذاتي بين أفراده، المتّحد وجوداً مع خصوصيات الأفراد، والمعرّى عنها تصوّراً و حقيقة كالحيوان والإنسان.

2ـ العنوان المنتزع من الأفراد باعتبار اتّصافها بخصوصية خارجة عن ذاتها و ذاتياتها سواء كان ما بحذائها شيء كالأبيض أو لا كالممكن. و هذان القسمان لا يحكيان عن شيء من خصوصيات أفراده بل يحكيان عن الجامع الساري.

3ـ العنوان العام الذي يحكي إجمالاً عن الخصوصيات التي يكون بها التشخّص خارجاً.

والأوّل والثاني يحكيان عن الجامع والمعنون الموجود في الفرد، دون الخصوصيات. والثالث يحكي عن نفس الخصوصيات التي بها يكون التشخّص خارجاً، مثل مفهوم «الشخص» و «الفرد» و «المصداق» فهذه عناوين كلّية منتزعة من الأفراد و الخصوصيات الخارجية. و نظيرها لفظ «كل» و «بعض» والموصولات مثل «من» و«ما». و عندئذ يصحّ أن يوضع لفظ «الإنسان» لكلّ من ينطبق عليه


(58)

لفظ الإنسان(1) فانّ لفظ الكلّ، حاك عن الأفراد إجمالاً، أو يقال لفظ «هذا» موضوع لكلّ مفرد مذكّر.(2)

تقرير امتناع القسم الرابع

وأمّا القسم الرابع فالمعروف بين المنطقيين و الأُصوليين أنّه ممتنع و علّله المحقّق الخراساني بما حاصله:

«أنّ الخاص لا يكون مرآة للعام، لأنّه إذا لوحظت الخصوصية فيه حينَ الوضع يكون الموضوع له كالوضع، خاصّاً. وإن جرّد عن الخصوصية يكون الوضع عامّاً و يرجع إلى القسم الثالث.(3)

ثمّ بعض المتأخّرين حاولوا أن يصحّحوا هذا النوع من الوضع و لهم في المقام تقريبات نذكر منها ما يلي:

1ـ ما ذكره شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري في درره، قال ما هذا لفظه: إذا تصوّر شخصاً جزئياً خارجياً من دون أن يعلم تفصيلاً بالقدر المشترك بينه و بين سائر الأفراد و لكنّه يعلم إجمالاً باشتماله على جامع مشترك بينه و بين باقي الأفراد مثله ، كما إذا رأى جسماً من بعيد ولم يعلم أنّه حيوان أو جماد فوضع لفظاً بازاء ما هو متّحد مع هذا الشخص في الواقع (أي على الجامع الموجود بينه و بين غيره) فالموضوع له لوحظ إجمالاً و بالوجه و ليس الوجه عند هذا الشخص إلاّالجزئي لأنّ المفروض أنّ الجامع ليس متعقّلاً عنده إلاّبعنوان ما هو متّحد مع هذا الشخص.(4)


(1) الأُولى أن يقال: لفظ «الحيوان الناطق».
(2) لاحظ بدائع الأفكار:1/38ـ 39.
(3) كفاية الأُصول:1/10.
(4) المحقّق الشيخ عبد الكريم الحائري: الدرر: 1/5، الطبعة الحديثة.


(59)

يلاحظ عليه: أنّه ناش عن الخلط بين الحكاية والانتقال، فالمرئي من بعيد بحكم أنّه جزئي و متقيّد بقيود، و متخصّص بخصوصيات لا يكون حاكياً عن الجامع المشترك بينه و بين غيره من الأفراد. نعم، يكون آلة للانتقال منه إلى الجامع، و هو خارج عن محلّ البحث كما سيوافيك بيانه.

هذا و يمكن توضيحه بمثال آخر: إذا ابتكر شخص كمّاً متّصلاً الذي نسمّيه اليوم بمائة سانتيمتر. و حاول التسمية ، فيأخذ ما أحدث و يقول سمّيت الجامع بين هذا و غيره متراً، فالفرد الموجود من هذا المقدر لا يحكي عن الجامع المشترك بينه و بين سائر الأفراد لتضيّقه بالخصوصيات، وملاحظته معرّى عنها يوجب كون الوضع عامّاً و الموضوع له كذلك و لكنّه في الوقت نفسه يصلح لأن يكون سبباً للانتقال إلى الجامع و ربّما يمكن أن يقال :إنّه لا دليل على شرطية الحكاية في تحقّق الوضع بل يكفي ما يصلح لإحضار الموضوع له في الذهن.

2ـ ما نقله المحقّق الاصفهاني عن المحقّق الرشتي من تنزيل المقام على منصوص العلّة الموضوع للحكم الشخصي و مع ذلك يسري إلى كلّ ما فيه العلّة، وكذلك إذا وضع لفظ لمعنى باعتبار ما فيه من فائدة فانّ الوضع يسري إلى كلّ ما فيه تلك الفائدة فيكون الموضوع له عامّاً مع كون آلة الملاحظة خاصّاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هنا قضايا ثلاثة:

1ـ الخمر حرام 2ـ لأنّه مسكر 3ـ كلّ مسكر حرام، فالقضية الأُولى ليست بكاشفة ولا ناقلة: والثانية بحكم ضيق الموضوع ليست كاشفة، لكنّه بحكم العقل: العلّة تعمِّم و العلة تخصِّص، تسبّب انتقال الإنسان إلى القضية الثالثة و هو خارج عن البحث.

3ـ ما أفاده سيّدنا الأُستاذ في المقام من التسوية بين الثالث و الرابع و أنّهما


(1) نهاية الدراية: 1/15.


(60)

على وجه جائزان. وعلى وجه ممتنعان ولا وجه للتفكيك بينهما و إليك نصّ ما أفاده.

والحقّ أنّهما مشتركان في الامتناع على وجه و الإمكان على نحو آخر، إذ كلّ مفهوم لا يحكى إلاّ عمّا هو بحذائه و يمتنع أن يكون حاكياً عن نفسه وغيره، و الخصوصيّات و إن اتّحدت مع العام وجوداً إلاّ أنّها تغايره عنواناًو ماهيّة، فحينئذ إن كان المراد من لزوم لحاظ الموضوع له في الأقسام هو لحاظه بما هو حاك عنه و مرآة له فهما سيّان في الامتناع، إذ العنوان العام كالإنسان لا يحكى إلاّ عن حيثيّة الإنسانية دون ما يقارنها من العوارض والخصوصيات لخروجها من حريم المعنى اللاّبشرطي، والحكاية فرع الدخول في الموضوع له، وإن كان المراد من شرطية لحاظه، هو وجود أمر يوجب الانتقال إليه فالانتقال من تصوّر العام إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس بمكان من الإمكان، و الظاهر كفاية الأخير بأن يؤخذ العنوان المشير الإجمالي آلة للوضع لأفراده، ولا يحتاج إلى تصوّرها تفصيلاً، بل ربّما يمتنع لعدم تناهيها.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما أفاده صحيح في القسم الرابع إذ الفرد المضيّق، لا يمكن أن يحكى عن الجامع الموسّع، إلاّبنحو الانتقال، وأمّا القسم الثالث فيمكن أن يحكى العام بنحو من الخاص إذا انضمّ إليه ما يشير إلى الفرد، مثل ما تقدّم في كلام المحقّق العراقي من ضمّ لفظ «كلّ» و «من» وغيرهما . فكونهما متساويين في جميع المراحل غير تامّ بل هما في مجال الانتقال متساويان و في مجال الحكاية يفترقان، إذ يصحّ للعام الحكاية بضمّ ما يدلّ على الخصوصية، إليه، بخلاف الخاص فانّه لا يصلح للحكاية مطلقاً إلاّ بالتعرية و عندئذ ينقلب إلى الوضع العام و الموضوع له العام.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ القسمين الأوّلين لا غبار عليهما وأمّا الثالث فيصحّ أن


(1) الإمام الخميني: تهذيب الأُصول: 1/8.


(61)

يكون العام حاكياً و ناقلاً بضم كلمة «كل» و أمّا الرابع فيصحّ إذا جعل الخاص سبباً للانتقال، لا وجهاً حاكياً كما لا يخفى.

وعلى ما أوضحناه في أوّل البحث، فالأوّل ممكن و واقع كالأعلام، و الثاني غير واقع لما عرفت من أنّ أسماء الأجناس وضعت أوّلاً للشيء الخارجي ، ثمّ سرت إليه الكلّية عرضاً.

وأمّا القسم الثالث فلا بأس به إمكاناً، ولكن وقوعه مشكل، لما عرفت في أوّل البحث من أنّ المفاهيم العامّة لا تقع في أُفق الذهن خصوصاً بالنسبة إلى الإنسان البدائي، فكيف ينسب إليه هذا الوضع؟!

وأمّا الرابع فعلى فرض إمكانه، غير واقع لما عرفت.

***

الجهة الثامنة: في معاني الحروف و وضعها

يقع البحث في الحروف في موضعين:

1ـ ما هو معانيها و مضامينها.

2ـ ما هو كيفية وضعها.

والنظر في كيفية الوضع و أنّه خاص أو عام يتبع اتّخاذ النظر في الموضع الأوّل والبحثان مختلطان في كلام القوم.

ونحن نركّز البحث على الموضع الأوّل و نبحث عن الموضع الثاني في الجهة التاسعة.

التعريف المعروف لكلّ من الاسم والحرف، هو ما ذكره ابن الحاجب صاحب الكافية حيث قال:

«الاسم ما دلّ على معنى في نفسه، والحرف ما دلّ على معنى في غيره، و


(62)

المراد من الموصول هوالكلمة. والضمير في كلّ من «نفسه» و «غيره» يرجع إلى المعنى. وأنّه في حدّذاته على قسمين، قسم يكون مفهوماً محصَّلاً في نفسه، لا يحتاج في تحصيله في الذهن إلى معنى آخر، و قسم يكون مفهوماً متحقّقاً في الذهن يتبع غيره.

وإلى ذلك ينظر المحقّق الشريف في حواشيه على المطوّل حيث قال: «إنّ معاني الأسماء معان مستقلّة ملحوظة بذواتها، و معاني الحروف معان آلية حيث إنّها تُلْحظُبنحو الآلية و المرآتية لملاحظة غيرها. هذا هو المعروف في معنى الحروف و أمّا كيفية الوضع فيأتي البحث عنه.

ثمّ إنّه ظهرت بعد ابن الحاجب (570ـ 648) آراء في معنى الحروف و هي بين الإفراط والتفريط و إليك دراسة هذه الآراء .

1ـ نظرية المحقّق الرضي قدَّس سرَّه (ت686)

إنّ الشيخ الرضي اختار في تفسير التعريف المذكور بأنّ الضمير في كلّ من نفسه و غيره يرجع إلى الموصول الذي أُريدت منه الكلمة و انتهى إلى أنّ مضمون الاسم (الابتداء) مضمون نفسه، و لكن معنى الحرف (من) مضمون لفظ آخر، يضاف ذلك المضمون(مضمون من) إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي و إليك نصّه.

قال الرضي: «إنّ معنى"من" الابتداء، فمعنى "من" و معنى لفظة "الابتداء "سواء إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر، بل مدلوله معناه الذي في نفسه مطابقة. و معنى "من" مضمون لفظ آخر يضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي، فلهذا جاز الإخبار عن لفظ الابتداء في قولك "الابتداء خير من الانتهاء" و لم يجز الإخبار عن لفظ "من "لأنّ الابتداء الذي هو مدلولها، في لفظ آخر، فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه، بل في لفظ غيره. وإنّما يخبر عن الشيء باعتبار المعنى الذي في نفسه مطابقة،


(63)

فالحرف وحده لا معنى له أصلاً، إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما، فإذا أفرد عن ذلك الشيء بقي غير دالّ على معنى في شيء أصلاً. فظهر بهذا أنّ المعنى الإفرادي للاسم و الفعل في أنفسهما، و للحرف في غيره».(1)

أقول: إنّ بين التفسيرين بوناً شاسعاً إذ على التعريف الأوّل تكون الحروف ذات معان، متحقّقة في غيرها، و على الثاني لا تكون ذات معان أصلاً و إنّما تكون دالّة على خصوصية المعاني الاسمية الّتي تضمّنتها الألفاظ الأُخر، فكلّ من لفظي «من» و «إلى» يبيّن خصوصية السير المحدود من حيث المبدأ و المنتهى. كعلامات الإعراب من الرفع والنصب والجرّ، فكما أنّ الأُولى علامة للفاعلية والثانية علامة للمفعولية والثالثة علامة للمضاف إليه، من دون أن يكون لنفس الرفع و النصب و الجرّ معنى أصلاً، فكذلك الحروف حيث وضعت لمجرّد الإشارة إلى ما أُريد من مدخولها، فلفظ «من» يدلّ على أنّ البصرة لوحظت بما هي مبدأ السير و الكوفة لوحظت بما هي منتهاه فلتفهيم هذا المعنى لابدّ من علامة وهي الحروف.

وعلى هذا تكون الحروف، أشبه شيء بالعلائم المنصوبة في الطرق حيث تحكي عن حالات الطرق من حيث الاستقامة والانحناء، وغيرهما، والحال أنّها لا معنى لها أصلاً تفيده لو كانت في غير مواضعها المتعارفة.

أقول: إنّ هذه النظرية على طرف النقيض ممّا سيأتي من المحقّق الخراساني فلو فرّط الرضي في تفسير الحروف، فقد أفرط المحقّق الخراساني حيث جعلهما مترادفين وموضوعين لمعنى واحد كما سيوافيك.

يلاحظ على نظرية الرضي: أنّه إذا كان المقياس في تبيين المعاني، هو المتبادر، فانّ المتبادر من الحروف عند الاستعمال غير ما هو المتبادر من سماع الإعراب أو مشاهدتها، في آخر الكلام، فانّ الحروف يتبادر منها المعاني المخصوصة من نفس


(1) شرح الرضي لمقدّمة ابن الحاجب (الكافية): ص 4.


(64)

الحروف بخلاف الإعراب فلا نتلقّاها إلاّ كالعلائم.

2ـ نظرية المحقّق الخراساني قدَّس سرَّه

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المعاني الحرفية والاسمية متّحدة جوهراً (1) فلا فرق بينهما، وأنّ الاستقلال و الآلية خارجان عن حريم المعنى و حقيقته، و إنّما يعرضان عند الاستعمال. فيكون الوضع عاماًو الموضوع له عامّاً.(2)

وإنّما ذهب إلى هذا القول تخلّصاً من المضاعفات الموجودة في القول بأنّها موضوعة للمعاني الآلية من الابتداء والانتهاء لأنّ أخذ الآلية جزء للمعنى يوجب كون الموضوع له خاصّاً وعندئذ يعود السؤال بأنّه ما هو المراد من كونه خاصّاً فإن أُريد منه الجزئي الخارجي، فربّما يكون المستعمل فيه عامّاً كما إذا قال : سر من البصرة إلى الكوفة، و إن أُريد منه الجزئي الذهني بحيث يكون لحاظ الآلية قيداً له فيترتّب عليه عدّة أُمور:

1ـ لزوم تعدّد اللحاظين عند الاستعمال، لاستلزامه لحاظ المعنى مضافاً إلى اللحاظ الموجود فيه عن طريق الوضع.

2ـ عدم انطباقه على الخارج لكون جزء الموضوع أمراً ذهنياً.

3ـ لزوم كون لحاظ الاستقلالية جزءاً للمعاني الاسمية فيصبح المعنى الاسمي خاصّاً وهو خلاف ما اتّفقوا عليه.

ويلاحظ عليه بأُمور:

الأوّل: أنّ الهدف من الوضع هو تفهيم ما يقع في الضمير من المعاني، فإذا كانت المعاني على قسمين، معان مستقلّة متحقّقة في أنفسها، و معان متدلّية و


(1) وربّما ينسب هذا القول إلى الرضي لقوله في العبارة السابقة معنى «من و لفظ الابتداء سواء» لكن الذيل يشهد على خلافه.
(2) كفاية الأُصول: 1/15.


(65)

متحقّقة في غيرها، والغرض ربّما يتعلّق بإفهام الأُولى كما ربّما يتعلّق بإفهام الثانية، فلا وجه عند ذاك لأن يترك الواضع الوضع لكلّ من المعنيين اللذين يتعلّق الغرض ببيانهما أكثر من تعلّقه ببيان الجامع بينهما.

الثاني: أنّه إذا لم يكن كلّ من الاسم و الحرف موضوعاً للخصوصية العارضة للجامع، لم يكن حاكياً عنها أبداً، لا قبل الاستعمال و لا بعده، إذ كيف يكون حاكياً عنها مع عدم الوضع، فانّ مجرّد قصد المستعمل لا يكون سبباً للدلالة و الحكاية، مالم يكن دخيلاً في الموضوع له. و قد عرفت أنّ الحكاية فرع الوضع.

الثالث: أنّ لازم ما ذكره جواز استعمال كلّ مكان الآخر، وهو كما ترى. و ما أجاب به بأنّه لا مانع لكنّه مخالف للشرط الذي جعله الواضع. حيث شرط عند ما وضع الاسم للجامع، أن يراد منه عند الاستعمال معناه بما هو وفي نفسه وشرط عند وضع الحرف أن يراد منه المعنى بما هو حالة لغيره، غير تامّ، لعدم لزوم اتّباع شرط الواضع، وإن شرطه في ضمن وضعه، فيلزم أن يكون الاسم و الحرف مترادفين يفرّقهما شرط الواضع و هو غير لازم الاتّباع و يترتّب عليه جواز استعمال كلّ مكان الآخر و هو كما ترى.

الرابع: أنّه لو أراد خروج واقع الاستقلال والتبعية لا مفهومهما ولحاظهما عن حريم المعنى، فهو عين القول بارتفاع النقيضين، فانّ المعاني كما سيوافيك على ضربين، إمّا متحقّقة في نفسها أو لا، فكيف يمكن القول بخروجهما عن ذواتها.

وإن أراد خروج لحاظ الاستقلالية و الآلية كما هو ظاهر كلامه، فهو وإن كان صحيحاً و غير موجب لارتفاع النقيضين في الواقع غير أنّه يرد عليه أنّ الآلية ليست مقوّمة للمعنى الحرفي و إلاّلعادت الأسماء معان حرفية إذا أخذت آلات للحاظ الغير، كالعناوين الكلّية من القضايا الحقيقية المشيرة إلى الأفراد، مثل قولك: «كلّ إنسان ناطق» بل تكون المصادر معان حرفية إذا لوحظت أوصافاً و حالات لموصوفاتها، مثل قولك: «طلع زيد بغتة» والنتيجة أنّ خروج الآلية عن


(66)

الموضوع له ليس دليلاً على وحدة معاني الأسماء و الحروف. والحقّ تمايز المعنى الاسمي عن الحرفي بجوهره و حقيقته، كما سيوافيك بيانه بإذنه سبحانه.

وأمّا ما ذكره من المضاعفات الثلاثة على القول بدخول الآلية في الموضوع فنرجع إليها في الجهة التاسعة فانتظر حتى لا يختلط بحوث الجهتين.

3ـ نظرية المحقّق الشيخ محمد تقي قدَّس سرَّه (ت 1248)

ذهب المحقّق الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب الحاشية إلى أنّ معاني الحروف على قسمين: إخطاريّة و إيجاديّة. والمراد من المعاني الإخطارية ما يكون استعمال ألفاظها في معانيها موجباً لخطور معانيها في ذهن السامع واستحضارها لديه. مثل معاني الأسماء حيث إنّ المفاهيم الاسمية لها نحو تقرّر و ثبوت في وعاء العقل الذي هو وعاء الإدراك، فيكون استعمال ألفاظها موجباً لإحظار تلك المعاني في الذهن. و المراد من الإيجادية مالا يكون لمعانيها نحوُ تقرّر و ثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال، بل توجد في موطن الاستعمال، نظير المعاني الإنشائية.

و من الحروف ما تكون معانيها إيجادية ككاف الخطاب، و ياء النداء وما أشبه ذلك. بداهة أنّه لولا قولك يا زيد، و إيّاك ، لما كان هناك نداء ولا خطاب، ولا يكاد يوجد معنى «ياء» النداء و «كاف» الخطاب إلاّبالاستعمال، فيكون الحرفان موجدين لمعنى لم يكن له سبق تحقّق بل يوجد بنفس الاستعمال.

و من الحروف ما تكون معانيها إخطارية مثل «من» و «إلى» و «على» وغير ذلك من الحروف حيث كان استعمالها موجباً لإخطار ما وقع في الخارج من نسبة الابتداء والانتهاء ففي قولك«سرت من البصرة إلى الكوفة» يكون لفظ «من» و «إلى» حاكيين عمّـا وقع في الخارج كحكاية لفظ «زيد» عن معناه.(1)


(1) المحقّق الشيخ محمد تقي: هداية المسترشدين، الفائدة الثانية من الفوائد التي وضعها في تتمة مباحث الألفاظ، ص 22.


(67)

يلاحظ عليه: أنّ تقسيم معاني الحروف إلى إيجادية و إخطارية، تقسيم بديع، يبتني عليه كون الموضوع له خاصّاً لكونه أمراً إيجادياً لا ينفكّ عن الجزئية. و كان على صاحب الحاشية أن يركّز على أنّ الإيجاد والإخبار، يتحقّقان بما لهما من المعاني و ما هو حقيقة تلك المعاني ـ مع انّه أهمله ـ و مع غضّ النظر عنه لا يتحقّق واحد منهما أبداً.

4ـ نظرية المحقّق النائيني قدَّس سرَّه (ت1355)

اختار المحقّق النائيني أنّ معاني الحروف كلّها إيجادية حتّى القسم الأخير، وأنّ شأن أدوات النسبة ليس إلاّإيجاد الربط بين جزئي الكلام، فإنّ الألفاظ بمالها من المفاهيم متباينة بالهوية والذات، فلفظ «زيد» بما له من المعنى مبائن للفظ «قائم» بما له من المعنى . و كذا لفظ «السير»مباين للفظ «الكوفة» و« البصرة» بما لهما من المعنى. وأدوات النسبة إنّما وضعت لإيجاد الربط بين جزئي الكلام بما لهما من المفهوم على وجه يفيد فائدة تامّة يصحّ السكوت عليها فكلمة «من» و «إلى» إنّما جيء بهما لإيجاد الربط و إحداث العلقة بين «السير» و «البصرة» و «الكوفة» الواقعة في الكلام بحيث لولا ذلك لما كان بين هذه الألفاظ ربط و علقة أصلاً.(1) و سيوافيك نظرنا عند دراسة نظرية تلميذه الجليل و هي الآتي:

5ـ نظرية المحقّق الخوئي ـ دامظلّه ـ

اختار في تعاليقه على أجود التقريرات أنّ الحروف وضعتْ لتضييق المعاني الاسمية وتقييدها بقيود خارجة عن حقائقها ومع ذلك لا نظر لها إلى النسب الخارجية بل التضييق إنّما هو في عالم المفهوم، ثمّ مثّل بمثال و قال: الصلاة في المسجد حكمها كذا، فانّ الصلاة لها إطلاق إلى الخصوصيات المنوّعة و المصنّفة والمشخّصة، فغرض المتكلّم قد يتعلّق ببيان المفهوم على إطلاقه و سعته و يقول :


(1) المحقق النائيني : فوائد الأُصول: 1/42، ولاحظ أجود التقريرات: 1/18.


(68)

الصلاة خير موضوع، وقد يتعلّق بإفادة حصّة خاصّة منه و يقول: الصلاة في المسجد حكمها كذا، حتى تدلّ على انّ المراد ليس الطبيعة السارية إلى كلّ فرد بل خصوص حصّة منها.(1)

وفيه أوّلاً: أنّ التضييق ليس من خواص الحروف فقط، بل يحصل من ضمّ كلمة إلى كلمة أو جملة إلى جملة مثل قولك : جاء زيد راكباً فإنّ الحال يقيد إطلاق المجيء الشامل لمجيئه راجلاً و راكباً و لا يختص بالحروف.

وثانياً: أنّ ما ذكره لا يتمّ في بعض الحروف مثل قد و واو القسم ، و أدوات التحضيض مثل هلاّ و الا، فأيّ ضيق في مثل قولك: هلاّ قرأت القرآن أو في قولك: قد قامت الصلاة بل الكلّ من قبيل إضافة معنى إلى معنى آخر و لو سمينا الإضافة «ضيقاً» لعمّ الأسماء والأفعال أيضاً.

وثالثاً: إن أُريد أنّ الحروف وضعت للتضييق بالحمل الأوّلي، فيلزم الانقلاب و رجوع المعاني الحرفية إلى المعاني الاسمية و إن اريد إنّهما وضعت له بالحمل الشائع ففيه ، أنّ الضيق يحصل لأجل دلالتها على معاني خاصّة كالظرفية في مثاله، فيجب التحقيق حول تلك المعاني، لا عن التضييق و بالجملة إنّ ما ذكره المحقّق النائيني من كون الحروف موضوعة لإيجاد الربط الكلامي مثلما ذكر تلميذه من أنّها موضوعة لتضييق المعاني الاسمية لا يرجعان إلى تفسير نفس المعاني الحرفية و بيان صميمها،بل يرجعان إلى ما تستبعه تلك المعاني من الربط الكلامي وإيجاد الضيق.

6ـ النظرية المعروفة بين الأعلام(2)

إنّ الغاية من وضع الألفاظ سواء كان بالوضع التعييني أو التعيّني، هي


(1) تعاليق أجود التقريرات:1/ 18.
(2) ويرجع أساس هذه النظرية إلى ما حقّقه الحكيم صدر المتألهين (979ـ1050هـ) في باب تقسيم الموجود الإمكاني إلى وجود في نفسه لنفسه، أعني الجواهر، ووجود في نفسه لغيره كالأعراض. و وجود في غيره لغيره، كالحروف، ثمّ أوضحه الحكيم السبزواري ( 1214ـ 1289هـ) حتّى وصلت النوبة إلى أعلام العصر فحقّقوها بالبيان الواضح كالمحقّق الاصفهاني(1296ـ 1361هـ) في نهايته والعلاّمة الطباطبائي (1321ـ 1402هـ) في تعليقته على الكفاية و سيّدنا الأُستاذ (1320ـ 1409هـ) في محاضراته و تقريراته ـ قدّس الله أسرارهم ـ .


(69)

رفع الحاجة و إظهار ما يقوم في النفس من المفاهيم و المعاني التي ينتقل إليها الذهن من طرف الحواس وغيرها من أدوات المعرفة و لمّا كانت النشأة الخارجية على مراتب وأقسام، كانت المفاهيم المتّخذة منها ذات أقسام.

توضيحه: إنّ الإنسان إذا لاحظ صحيفة الوجود والنشأة الخارجية، يجد فيها أقساماً من الحقائق، نشير إلى أهمّها.

الأوّل: ما هو مستقلّ ذاتاً و ماهية، كما هو مستقلّ خارجاً و وجوداً. و إن شئت قلت: مستقلّ في كلتا النشأتين الذهنية والخارجية، فكما له استقلال في صفحة الوجود، له استقلال في صحيفة الذهن و ذلك كالجواهر كلّها، فانّ لها مفاهيم نفسية، ،غير ناعتة لشيء ولا واصفة له، كما هو حالها كذلك في عالم العين و ظرف التحقيق و هذا ما يسمّيه الفلاسفة :«ما وجوده في نفسه لنفسه» فيشير قولهم:« في نفسه» إلى كونها ذات مفاهيم مستقلّة، كما يشير قولهم: «لنفسه»إلى كونها غير ناعتة كالأعراض المتأصلة.

الثاني: ما يكون ذا مفهوم تام في النشأة الذهنية، و لكنّه لا توجد في الخارج إلاّناعتاً لغيره و واصفاً له، فهو مستقلّ في عالم التصوّر دون عالم العين، و ذلك كالكمّ و الكيف و سائر الأعراض النسبية. فانّ البياض الذي هو كيف محسوس، له ماهيّة تامّة يتصوّر مستقلاً بلا ضمّ ضميمة و يقال: إنّه لون مفرِّق لنور البصر، لكنّه غير مستقلّ في عالم العين حيث إنّه لا يوجد إلاّ في الموضوع. و مثله الكمّ ، منفصلاً كان أو متّصلاً.

فإن قلت: إنّ الأعراض النسبية كالأين و المتى و غيرهما ليست كذلك،


(70)

فإنّها غير مستقلّة في كلتا النشأتين فانّ الأين عبارة عن كون الشيء في المكان، كما أنّ المتى عبارة عن كونه في الزمان، و قس عليهما البواقي من الأعراض النسبية.

قلت: العرض النسبي ليس هو حصول الشيء في المكان و الزمان، بل هو عبارة عن الهيئة الحاصلة من هذا الكون، و هو مفهوم مستقلّ، غير قائم بشيء في النشأة الذهنية و إن كان قائماً بغيره في النشأة الخارجية.

و يقال للقسم الأوّل : «الوجود النفسي» كما يقال لهذا القسم، «الوجود الرابطي» تمييزاً بينه و بين ما سيأتي من القسم الثالث.

الثالث: ما هو غير مستقلّ في كلتا النشأتين ، لا في الذهن ولا في الخارج و ليس له مفهوم تام، كما ليس له وجود مستقلّ، فهو اندكاكي المعنى، كما هو اندكاكي الوجود. فمفهومه فان في غيره، كما أنّوجوده كذلك.وهذا ما يقال له «الوجود الرابط» و إلى ذلك يشير الحكيم السبزواري في منظومته:

إنّ الوجود رابط ورابطي ثمّة نفسي فهاك فاضبط

فالمعاني الحرفية من هذا القبيل، فهي لا تتصوّر إلاّتبعاً للمعاني المستقلّة و في ظلّها، كما لا تتحقّق إلاّمندكة في الغير و فانية فيه. و إن شئت فاستوضح الأمر من المثال التالي :

تقول: «زيد في الدار» فهناك زيد، ودار، ووقوعه فيها. و الأوّلان مستقلان ماهية ووجوداً. وأمّا الثالث ـ أعني حصوله فيها ـ مثلاً لا يتصوّر إلاّمضافاً إلى زيد و الدار، كما لا يتحقّق إلاّ بهما، ولو أردت استقلال ذاك الحصول و سلب التبعيّة عنهما لأفنيته وأعدمته. فاستقلال تلك المعاني مفهوماً و وجوداً مساو لانعدامها و فنائها من رأس. و هذا نوع وجود، و نوع تحقّق لها، و إن كان أضعف من جميع مراتب الوجود المتقدّمة، حيث لا يمكن وجودها لا في الخارج ولا في الذهن من حيث هي هي مع قطع النظر عن الطرفين.

فإن قلت: إنّ أهل الأدب يقولون: إنّ«في» للظرفية»، و «على» للاستعلاء و


(71)

«من» و «إلى» للابتداء و الانتهاء، وظاهرها أنّها موضوعة للمفاهيم المستقلّة.

قلت: لا يراد منه كونها موضوعات لنفس هذه المفاهيم الاسمية، وإلاّ لانقلبت المعاني الحرفية إلى معان اسمية وهو خلاف مرادهم، بل المراد أنّها موضوعة لما هو ظرف مصداقاً، واستعلاء حقيقة، و ابتداء و انتهاء عيناً، غير أنّه لمّا كان تصوّر هذه المعاني الحرفية محالاً على وجه الاستقلال، لأنّ تصوّرها على هذا الوجه إفناء وإعدام لها، اتخذت المعاني الاسمية، أعني مفهوم الظرفية والاستعلاء، وسيلة لتصوّر المعاني الحرفية، و قيل «في» للظرفية مراداً بها كون الموضوع له مصداق الظرفية لا مفهومها.

و إن شئت قلت: إنّ لفظة «في» ليست موضوعة لما هو ظرف بالحمل الأوّلي، بل هي موضوعة لما هو ظرف بالحمل الشائع، و مثلها سائر الحروف، كما لا يخفى.

تقريب بين الآراء الماضية

ثمّ إنّه يمكن التقريب بين هذه النظرية و ما تقدّم من صاحب الحاشية و المحقّق النائيني و المحقّق الخوئي فانّ الأنظار الثلاثة الأخيرة في طول هذه النظرية و قابلة للجمع معها بيانه:

إنّ كون الحروف ذات معان مندكّة في الغير، قائمة به في كلتا النشأتين، لا يتفاوت فيها الحال بين كونها حاكيات كما مثّلناه، أو إيجاديات كما هو الحال في بعض الحروف ككاف الخطاب ، وياء النداء و حروف التحضيض، و القسم، فانّه لا تراد من الحروف في هذه المقامات، الحكاية عن معنى متحقّق في الخارج مع قطع النظر عن استعمالها كما هو الحال في الحاكيات منها، بل يراد منها معان مندكّة موجودة بنفس الاستعمال، متحقّقة بنفس التلفّظ بها، فالخطاب والنداء ليسا من الأُمور التي لها تحقّق في الخارج حتّى يحكي عنها الخطاب أو النداء بل


(72)

المعنيان يوجدان بنفس الاستعمال و إن كان المعنى الموجد مندكّاً في الغير.

وعلى كلّ تقدير فالحروف بمالها من المعاني غير المستقلّة لها دور الإخطار و الإيجاد. فيتّحد الرأيان غير أنّ أحدهما أساس للآخر.

و بعبارة أُخرى انّ تقسيم المعاني الحرفية إلى الإيجاديّة و الإخطارية، غير مانع من أن يكون واقعها، مفاهيم غير مستقلّة في الذهن و الخارج بل في الدلالة كما لا يخفى.

ثمّ إنّ للحروف ـ حاكياتها و إيجادياتهاـ شأن آخر و هو إيجاد الربط، بمالها من المعنى الاندكاكي، فإنّ شأن الحروف إيجاد الربط الكلامي بحيث لولاها لخرج الكلام عن الانسجام.

وبذلك يعلم أنّ الإيجاد بهذا المعنى، أي إيجاد الربط الكلامي، ليس ممّا يغاير كون بعضها حاكيات، بل الحروف سواء كانت حاكيات أو إيجاديات، لها دخالة تامّة في حصول الربط بين أجزاء الكلام كما لا يخفى.(1)

و تضييق المعاني الاسمية بالحروف لا ينافي كونها موضوعة للمعاني المتدلّية فانّها في ظلّ تلك المعاني يقوم بدور التضيق و بذلك يتحقّق التوحيد بين الآراء الأربعة:

فإن قلت: إنّ بعض الحروف ربّما يقوم مقام الأسماء مثل قوله سبحانه:

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) (الشورى /11) فانّ معناه : ليس مثل مثله شيء، و معه كيف تصحّ النظرية الأخيرة من أنّها موضوعة للمعاني غير المستقلّة.

قلت: إنّ الكاف في الآية اسم ليس بحرف و على ذلك يكون مشتركاً لفظياً


(1) بذلك يظهر أنّ تعريف الحرف «بما دلّ على معنى قائم بالغير» من أتقن التعاريف لما عرفت من أنّ جوهر المعاني الحرفية مطلقاً هو التدلّي بالغير، لكن بشرط أن يفسر بما ذكرنا لا مطلق المعنى القائم بالغير حتى يعمّ الأعراض النسبية و غيرها بأن يقال: قياماًبالغير تصوّراً ووجوداً.


(73)

بين الحرف والاسم و ليس ذلك ببعيد. و له نظائر ذكره ابن هشام في المغني ، نحو:

غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها * تصلّ عن قيض ببيداء مَجْهل

أى صارت ناقته من فوقه ...و البيت لمزاحم بن عمرة العقيلي

و يقول القطري بن الفجاة المازني:

و لقد أراني للرمـاح دريئة * من عن يميني مرّة و أمامي

أي من جانب يميني.

وقال ابن مالك:

و مـذ و منـذ اسمان حيث رفعا * أو أوليا الفعل كجئت مذ دعا.

بقيت هنا نكتة و هي: أنّ ما ذكرنا من التعريف ربّما لا يصدق على بعض الحروف نحو واو الاستيناف، و تاء التأنيث في «ضربت» و «قد» في الماضي إلاّبتكلّف فالأولى المعاملة معها معاملة العلائم .

الجهة التاسعة: في بيان كيفية وضع الحروف

ذهب المحقّق الخراساني إلى عموم الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه فيها قائلاً بأنّ الخصوصية المتوهمة إن أوجبت كون المعنى جزئياًخارجياً فهو منقوض بأنّ المستعمل فيها قد يكون كلّياً مثل قولك: سر من البصرة إلى الكوفة ، والشاهد على كلّية الأوّل، صدق الامتثال إذا سار من أي نقطة منها إلى الكوفة ، وإن أوجبت كونه جزئياًذهنياً للحاظه حالة لمعنى آخر فهي لا توجب أخذه في المستعمل فيه و إلاّلما انطبق على الخارج شيء من الأخبار، و لاستلزم إلغاء الخصوصية عند الأمر بالسير من البصرة إلى الكوفة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على ما سلّمه من وحدة المعنى في الاسم و


(1) المحقّق الاصفهاني: نهاية الدراية: 19.


(74)

الحرف ثمّ بنى على هذا المبنى ما بنى من الاستدلال.

و بعبارة أُخرى : لمّا كان المعنى الاسمي و الحرفي عنده متساويين جوهراً و متّحدين ذاتاً، و كان المعنى الاسمي، كلّياً غير جزئي بالذات، أنكر فكرة الجزئية العارضة على المعنى الحرفي بأنّ الجزئية العارضة إمّا أن تجعل المعنى جزئياً خارجياً أو تجعله جزئياً ذهنياً، و لمّا بطل الأمران، ثبتت كلّية المعنى ذاتاً. و لكن صحّة الاستدلال فرع تسليم المبنى، فعلى القول بأنّهما مختلفان جوهراً و تعقّلاً، عيناً وخارجاً، فالاستدلال ساقط من أصله.

فالحقّ أن يقال: إنّ الوضع عام و الموضوع له خاص أمّا في الإيجاديات من الحروف، كحروف النداء و الخطاب، وحروف التحضيض، و التأكيد، فلما عرفتَ من أنّها وضعت لإيجاد معانيها بنفس الاستعمال، والموضوع له هو النداء والخطاب بالحمل الشائع، و هو يساوق الجزئية ـ كما لا يخفى ـ من غير فرق بين كون المنادي واحداً أو أكثر.

و إن شئت قلت: إنّ الواضع لاحظ مفهوم النداء والخطابَ فوضع الحروف على ما هو المصداق، و ما هو بالحمل الشائع خطاب و نداء، ولا يصحّ أن يقال: بأنّها موضوعة لنفس هذه المفاهيم الكلّية ضرورة استلزامه انقلابَ المعاني الحرفية إلى الاسمية، و هو متّفق على بطلانه.

وأمّا الحاكيات من الحروف فلأنّ الموضوع له فيها ليس هو مفهوم الظرفية و الاستعلاء والابتداء والانتهاء، ضرورة كونها معان اسمية، بل الموضوع له ماهو المصداق لهذه المفاهيم بالحمل الشائع، و هو يساوق الجزئية بلا كلام.

وبعبارة أُخرى: إنّ حقيقة المعاني الحرفيّة ترجع إلى الربط و التدلّي و القيام بالغير ذهناً وخارجاً، فهي إذن لا تتقوّم في كلتا النشأتين إلاّ بالوجودات غير المستقلّة مفهوماً و وجوداً. و ما هذا شأنه لا يتصوّر له جامع كلّي ينطبق على أفراده، ويحكي عن مصاديقه، لأنّ الجامع لابدّ من أن يكون من سنخ المعاني


(75)

الحرفية، أي يكون ربطاً و تدلّياً بالحمل الشائع، وإلاّ انقلب معنى اسمياً.و ما يكون ربطاً بالحمل الشائع، يصير جزئياً لا كليّاً. و إلى ذلك يشير المحقّق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية حيث يقول: إنّ أنحاء النسب الحقيقية في حدّ ذاتها ـ مع قطع النظر عن أحد الوجودين من الذهن أو العين ـ تعليقية، ولا يُعْقل انسلاخها عن هذا الشأن. و حيث إنّ ذات النسبة تعليقية ـ فلا جامع ذاتي بين أنحائها، لأنّ إلغاء التعلّق منها، إخراج لها عن النسبية فلابدّ من الوضع لأنحائها بجامع عنواني يجمع شتاتها.(1)

و بذلك يظهر أنّ المعاني الحرفية لا تدخل تحت مقولة من المقولات بحيث تعدّالمقولة من سنخ المعاني الحرفية، لأنّ المقولة لابدّ أن تكون محمولة، وحملها يساوي استقلالها، وهو يوجب انقلابها إلى المعنى الاسمي.

وبعبارة أُخرى: إنّ المعاني الحرفية هي المعاني المندكّة في هذا الغير، وذاك الغير، و ذلك الغير، فإذاأردتَ تصوير جامع بينهما فلابدّ من الغاء الخصوصيات و الموارد و «الغيريات» حتّى تصبح مفهوماً كلّياً و قطعها عن هذه الإضافات يوجب تبدّلها إلى معاني اسمية. فتبيّن من هذا البحث الضافي أنّه ليس للمعاني الحرفية جامع ذاتي بحيث يعدّ الجامع من سنخ المعاني

الحرفية بل الجامع جامع عنواني و هذا شأن كلّ أمر تعليقي في حدّذاته.

ولأجل ذلك لابدّ للواضع من أن يتوصّل عند الوضع بمفاهيم اسمية لا تكون جامعاً ذاتياً لها ولا تكون ربطاً حقيقياً وتدلّياً واقعياً. كمفاهيم الظرفية والابتداء الآلي وغيرهما. فيضع الحروف لما هو مصداق لها بالحمل الشائع، و يشير بهذه العناوين إلى المصاديق، و بهذه المفاهيم إلى الأفراد.

و ما استدلّ به المحقّق الخراساني على كون معاني الحروف كلّية و عامة بقوله: إنّ المستعمل فيه كثيراً ما يكون كلّياً، كما إذا وقع تحت الأمر، كقوله: «سر من


(1) . كفاية الأُصول: 1/16.


(76)

البصرة إلى الكوفة»، غير تامّ، لأنّا لا نجد فرقاً بين هذا المثال المدّعى استعمال الحرف فيه في المعني الكلّي، وبين قولنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة» المدّعى استعمال الحرف فيه في المعنى الجزئي، و الظاهر أنّ المتكلّم لاحظ البصرة أمراً واحداً شخصياً و استعمل الحرف في ذلك الواحد الشخصي، وإنّما التكثر جاء من جانب العقل، حيث إنّ العقل بعد ما لاحظ أنّ البصرة واحد ذو أجزاء، يصلح أن يبتدء بالسير من كلّ جزء مصداقاً للامتثال، حكم بأنّ الامتثال يحصل من أيّ جزء تحقّق، و كم فرق بين أن يكون المستعمل فيه أمراً كلّياً من أوّل الأمر، وبين أن يكون واحداً حقيقياً منحلاً إلى كثير بحكم العقل، نظير انحلال الحكم الواحد إلى الكثير، كما لا يخفى.

فتلخّص: أنّ جزئية المعنى الحرفي لازم كونه رابطاً واقعياً بين الشيئين، وقائماً بالطرفين، لا لأجل لحاظ الآلية و التبعية فيه، بل ذات المعنى وسنخه يقتضي ذلك.

كما ظهر أنّه لا جامع ذاتي مقولي بين المعاني الحرفية، إذ لو كان الجامع من سنخ المعنى الحرفي لوجب أن يكون متدلّياً بالذات و هو بهذا الوصف يمتنع أن يكون مقولة، لأنّ المقولة تحمل على مصاديقها و الحمل يستلزم الاستقلال في التصوّر وهو لا يجتمع مع كونه معنى حرفياً غير مستقلّ في المفهوم.

وإن شئت قلت: إنّه لو كان الجامع من سنخ المعاني الاسمية، فهو لا يكون جامعاً للمعاني الحرفية.

***


(77)

تكميل:

ماهي ثمرة البحث في المعاني الحرفية؟

ربما يقال ما هو ثمرة النزاع سواء أكان الموضوع له خاصّاً أو عامّاً.

قلت: قد ذكروا لذلك ثمرتين:

الأُولى: لو كان الموضوع له فيها خاصّاً، لا يتصوّر تقييده.

ويترتّب على ذلك أمران:

1ـ إنّ الحكم المستفاد من الهيئة، بما أنّ معناها معنى حرفي، لا يمكن تقييده، لأنّ التقييد فرع الإطلاق، و هو لا يجتمع مع كون المعنى جزئياً حقيقياً. و على ذلك يلزم انكار الواجب المشروط بالمعنى المشهور، لأنّه ذهب المشهور إلى رجوع القيد إلى مفاد الهيئة في مقابل من قال بلزوم رجوع القيد إلى المادة، فلو كانت مفاد الهيئات أُموراً جزئية، لما صحّ تقييد الأمر الجزئي، بقيد أو قيود.

2ـ انكار المفهوم للقضايا الشرطية فانّ القول بالمفهوم، على أساس أنّ المنفي سنخ الحكم لا شخصه، وهو لا يجتمع مع كون مفاد الهيئة الطلبية أمراً جزئياً.

يلاحظ عليه: أنّ كون المعاني الحرفية أُموراً جزئية حقيقية، لا يستلزم عدم إمكان تقييدها، لأنّ الجزئي و إن كان يفترق عن الكلّي في أنّ له فرداً واحداً، فلا يتصوّر فيه الإطلاق الأفرادي، بخلاف الكلّي فهو لأجل إمكان صدقه على كثيرين يتصوّر فيه ذاك الإطلاق، إلاّ أنّ الإطلاق الأحوالي لا يختصّ بالكلّي بل يأتي في الجزئي أيضاً، مثل قولك: «أكرم زيداً» فلو شككنا في لزوم إكرامه فاسقاً، لرفعنا الشكّ بالإطلاق الأحوالي، لأنّه بمنزلة أكرمه مطلقاً سواءأكان عادلاً أم فاسقاً. و بذلك يصحّ القول بالمفهوم في مورد القضايا الشرطية.

الثانية: أنّه لو كانت المعاني الحرفية جزئية فانّها تكون حينئذاك آلية، لأنّ


(78)

الجزئية منشؤها الآلية، وكون لحاظها آلياً يستلزم كونها مفاهيم مغفولاً عنها، فلا تقبل حينئذ الإطلاق اللحاظي، فانّ الإطلاق اللحاظي يستلزم ملاحظة الشيء بنفسه مستقلاً ثمّ تقييده و مع كونه مغفولاً عنه لا يقع مورد اللحاظ. ويترتّب عليه عدم إمكان إرجاع القيد إلى المعاني الحرفية، لأنّ التقييد فرع الإطلاق و هو لا يجتمع مع المعاني الحرفية.

يلاحظ عليه:أنّ المراد من كونها آلية ليس هو لحاظ الآلية فيها تصوّراً بل المراد منها كونها قائمة بالغير و ليس لازم ذلك كونها مغفولاً عنها، و ربّما يكون الهدف بيان الخصوصية الحرفية، كما في قولك:«ضربت زيداً في الدار» ، في جواب سؤال السائل أين ضربته. فسيق الكلام لبيان الظرفية كما لا يخفى.

***

الجهة العاشرة: في تبيين وضع أسماء الإشارة والضمائر

وفي المسألة آراء نشير إليها:

1ـ سلك المحقّق الخراساني في أسماء الإشارة و الضمائر عين الطريق الذي سلكه في الحروف فقال: بأنّ الوضع فيها عام والموضوع له و المستعمل فيه أيضاً عام، وأنّ أسماء الإشارة مثل «هذا» والضمائر الغائبة و الحاضرة كلّها وضعت لنفس المفرد المذكّر على النحو الكلّي، إمّا ليشار بها إلى معانيها كأسماء الإشارة و الضمائر الغائبة، أو يخاطب بها كما في الضمائر الخطابية، و لمّا كانت الإشارة و التخاطب يستدعيان التشخص لأنّ الإشارة و التخاطب لا يكاد يكون إلاّ إلى الشخص أو معه ، فتعرض الخصوصية من ناحية الاستعمال كما لا يخفى.(1)

يلاحظ عليه:أنّ ما ذكره صرف إدّعاء لم يقم عليه برهان، أضف إليه أنّ المراد من قوله «ليشار بها إلى معانيها» لا يخلو عن إبهام، فإمّا أن يراد الإشارة بنفس


(1) . المحقق البروجردي: نهاية الأُصول: 21ـ22.


(79)

اللفظ، فهو غير معقول، لأنّه إذا كان موضوعاً لنفس المفرد المذكّر فاستعماله فيه لا يستلزم إلاّإفادة نفس المستعمل فيه لا أمراً زائداً عليه.

وإمّا أن يراد الإشارة بأمر آخر كالإصبع و غيره، فمع أنّه يستلزم عدم صحّة استعماله إلاّ مع الإشارة يستلزم عدم الصحّة في الضمائر الخطابية، فانّ الخطاب لا يتحقّق إلاّبنفس اللفظ لا بأمر آخر.

2ـ ذهب المحقّق البروجردي و اختاره سيّدنا الاستاذـدامظلّهـ إلى أنّ أسماء الإشارة و الضمائر و الموضوعات، التي يجمعها «المبهمات»، وضعت لنفس الإشارة فيكون لفظ «هذا» بمنزلة الإشارة بالإصبع فيكون آلة للإشارة، و الإشارة أمر متوسّط بين المشير والمشار إليه. و على ذلك يكون عمل المبهمات كلّها عملاً إيجادياً، و لأجل ذلك ينتقل الذهن بعد سماعها إلى المشار إليه.

ولعلّه إلى ذلك يشير ابن المالك في ألفيته بقوله:

بـــذا لمــفرد مــــذكر أشــر * بذي و ذه تي تا على الأُنثى اقتصر

فهو يقول: إنّ لفظ «ذا» موضوع لنفس الإشارة لا للمشار إليه، و مثله الضمائر فيشار بلفظ «أنا» إلى المتكلّم ، و بلفظ «أنت» إلى المخاطب، و بلفظ«هو» إلى الغائب. و لأجل ذلك يجب أن يكون المشار إليه متعيّناً إمّا تعيّناً خارجياً أو ذكرياً، كما في ضمير الغائب، أو وصفياً كما في الموصولات حيث يشار بها إلى ما يصدق عليه مضمون الصلة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المبهمات على هذا تكون من قبيل الحروف لكونها موضوعة لنفس الإشارة التي هي معنى اندكاكي متوسّط بين الأمرين. و على ذلك لا يصحّ أن تقع مبتدا لامتناع الإخبار عن المعنى الحرفي، مع أنّها تقع مبتدأو خبراً، و يقال: هذا عالم ، أو يقال: العالم ذاك. وما أجاب به سيّدنا الأُستاذ عن الإشكال


(1) كفاية الأُصول: 1/13ـ14.


(80)

بانّ المبتدأ هو الشخص الخارجي و قد أحضر بواسطة اللفظ، و المحمول إنّما يحمل على ذاك الشخص الخارجي، غير تامّ، لأنّه يلزم فيه تركيب الكلام من أمر خارجي وأمر ذهني.

أضف إليه أنّ بعض المبهمات مثل «من» و «ما» و«أيّ» لا يتبادر منه الإشارة كما في قوله ـ عليه السَّلام ـ : «من كان على يقين فيشكّ فليمض على يقينه» (1) وقوله سبحانه:(يُسَبِّحُ للّهِ ما فِي السَّمواتِوَ ما فِي الأَرْضِ)(2) وقوله تعالى: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).(3)

3ـ و هناك رأي ثالث: وهو انّها وضعت لنفس المفرد المذكّر، أو لآحاده متضمّنة معنى الإشارة على وجه يكون القيد خارجاً و التقيّد داخلاً، فقولنا: «هذا» يدلّ على ذات مأخوذة مع معنى الإشارة. و لفظ «اولئك» يدلّ على الذات مع الإشارة إلى الأفراد الغائبة.

4ـ و هناك رأي رابع يظهر من المحقّق الاصفهاني و حاصله: أنّ أسماء الإشارة و الضمائر وبعض المبهمات موضوعة لنفس المعنى في حال تعلّق الإشارة به خارجاً أو ذهناً على نحو القضية الحينية. فقولك: «هذا» لا يصدق على زيد إلاّإذا صار مشاراً باليد أو بالعين. و الفرق بين مفهوم لفظ «المشار إليه» و لفظ«هذا»هو الفرق بين لفظ «الربط»و مفهوم «في» و «من».(4)

أقول: إنّ النظرية الثالثة هو الأوفق بالاعتبار، و هو المتبادر من المبهمات سوى الموصولات. أمّا أسماء الإشارة فيمكن استظهار حالها من الإشارة التكوينية فإنّ دورها هو إحضار المشار إليه عن طريق الإشارة بالإصبع والعصا و كان الإنسان البدائي يحضرها بعون الإشارة التكوينيّة و لمّا تقدّم في مجال الحضارة قام


(1) الوسائل، ج1، كتاب الوضوء، أبواب نواقض الوضوء، الباب الأوّل، الحديث 6.
(2) الجمعة: 1.
(3) الأنعام: 81.
(4) المحقق الاصفهاني: نهاية الدراية: 1/21.


(81)

بوضع الألفاظ مكان الأعمال و وضع لفظ هذا، مكان هذا العمل التكويني، أي إحضار المشار إليه عن طريق الإشارة اللفظية فيكون الموضوع: الذات الواقعة في إطار الإشارة و مجالها.

وإن شئت قلت: المتبادر من أسماء الإشارة هو الذات المتقيّدة بالإشارة و المتلوّنة بها. فلا يراد منها الذات المجرّدة، ولا الإشارة المفردة بل كلاهما على وجه تكون الإشارة داخلة كدخول التقيّد دون القيد أو بمعنى دخول الإشارة بالمعنى الحرفي دون الاسمي فيوضع اللفظ على الذات في هذا المجال.

وأمّا كيفية الوضع فهو عام لكون الملحوظ عاماً (الذات في مجال الإشارة) و بما أنّ الإشارة معنى حرفي لا جامع مقولي بين أفرادها، يكون الموضوع هو المصاديق الجزئية لهذا الاسمي الكلّي فيكون الموضوع له خاصّاً.

ومنه يظهر حال الضمائر: الخطاب والتكلّم والغيبة حرفاً بحرف، فالمتبادر من لفظ «أنت» و «أنا» و «هو» الذات في قيد الإشارة و إن كانت الإشارة في الضمير الغائب أضعف من الأوّلين.

ثمّ إنّ الإشارة اللفظية تتكفل وراء إحضار المشار إليه، بيان إفراده و تثنيه وجمعه و تذكّره و تأنيثه، حضوره و غيبته و لذلك مسّت الحاجة إلى وضع الألفاظ وعدم الاكتفاء بالإشارات التكوينية.

وأمّا الموصول فالظاهر عدم وجود الإشارة فيه فهو بأسماء الأجناس أشبه و لأجل اشتمالها على الإبهام المطلق دون أسماء الأجناس تلزم الصلة بعدها، فالظاهر أنّ الوضع فيها عام كالموضوع له.

***

الجهة الحادية عشرة: في الفرق بين الجمل الإخبارية والإنشائية

إعلم أنّ الجمل الإنشائية على ضربين، ضرب يستعمل في باب الأوامر


(82)

والنواهي، و سيوافيك مفادها في بابهما. و ضرب يستعمل في العقود و الإيقاعات مثل قولك: «بعتُ» في مقام الإنشاء أو «أنتِ طالق» في ذلك المقام.

فقد اختلفت أنظارهم في تبيين الفرق بين الجمل الإنشائية والإخبارية و إليك بيانها:

1ـ نظرية المحقّق الخراساني

اختار المحقّق الخراساني في المقام نفس ما اختاره في المعاني الاسمية والحرفية من عدم دخول واقعية الإنشاء والإخبار في الموضوع له، و إنّما هما من قيود الوضع و طوارئ الاستعمال. فمفاد بعتُ نسبة مادّة البيع إلى المتكلّم إمّا بقصد ثبوت معناه في موطنه فإخبار، أو بقصد تحقّقه و ثبوته بنفس الاستعمال فإنشاء.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الوضع لرفع الحاجة، فإذا كانت المعاني في حدّ ذاتها على قسمين كما هو مفروض كلامه ـ و يريد المتكلّم تارة: الحكاية عن ثبوت الشيء، وأُخرى إيجاده بنفس الاستعمال فلا وجه للعدول عن هذا الطريق الطبيعي و إخراج مفاد الإخبار و الإنشاء عن حريم الموضوع له و جعلهما من قيود الوضع، و ما هذا إلاّ تبعيد للمسافة.

وثانياً: أنّه إذا لم تكن الإخباريةو الإنشائية داخلتين في المدلول، فكيف يصحّ للجملة أن تدلّ عليهما، فانّ الحكاية فرع الوضع كما تقدّم نظيره في بيان المعاني الحرفية، فلابدّ من وجود قرائن تدلّ عليهما و هو كما ترى.

2ـ نظرية المحقّق الخوئي

إنّ للمحقّق الخوئي في باب الفرق بين الإنشاء والإخبار نظرية خاصة توجد


(1) كفاية الأُصول:1/16.


(83)

جذورها في كلام المحقّق الإيرواني (1) قال: أمّا الإنشائيات فالتحقيق فيها أنّ حقيقة الإنشاء ليست عبارة عن إيجاد الطلب وغيره باللفظ كما هو المعروف فإنّ الوجودات الحقيقية للمعاني لا يمكن إيجادها إلاّ بأسبابها الخارجية و اللفظ ليس منها بالضرورة وأمّا الوجودات الاعتبارية فاعتبار نفس المتكلّم قائم بنفسه ولا دخل لوجود اللفظ في تحقّقه أصلاً، وهو ظاهر، وأمّا الاعتبارات العقلائية فالإنشائات و إن كانت موضوعات لتلك الاعتبارات إلاّ أنّ تلك الاعتبارات مترتبة على قصد المعاني بها و الكلام فعلاً في بيان ذلك وأنّه كيف يوجد باللفظ بل (الصحيح) أنّ الإنشاء حقيقة هو إبراز أمر نفساني باللفظ غير قصد الحكاية فالمتكلّم بمقتضى تعهده و التزامه يكون اللفظ الصادر منه مبرِزاً لاعتبار من الاعتبارات القائمة بنفسه، و أنّه هو الداعي لإيجاده.

فكما أنّ في الجملة الخبرية كان اللفظ دالاً بالدلالة الوضعية على قصد الحكاية وكان مبرِزاً له عن الخارج فكذلك الجملة الإنشائية تكون دالة على اعتبار خاص و يكون مبرِزاً فهيئة افعل بمقتضى التعهد المزبور تكون مبرزة لاعتبار الوجوب وكون المادة على عهدة المخاطَب فالإخبار و الإنشاء يشتركان في تحقّق الإبراز بهما و الفرق بينهما هو أنّ المبرَز في الإخبار حيث إنّه عبارة عن قصد الحكاية و هو متّصف بالصدق أو الكذب فالجملة تتّصف بأحدهما أيضاً لا محالة بالتبع و هذا بخلاف المبرَز في الإنشاء فانّه اعتبار خاصّ لا تعلّق له بوقوع شيء ولا بعدمه فلا معنى للاتصاف بالكذب و الصدق من ناحية المدلول و قد عرفت أنّ الدلالة بما هي كذلك لا تتّصف بشيء منهما مطلقاً كانت الجملة خبرية أو إنشائية.(2)

وأوضحه في المحاضرات بقوله: إنّ الجملة الإنشائية موضوعة لإبراز أمر


(1) نهاية النهاية:1/13.
(2) تعليقة أجود التقريرات:25ـ26.


(84)

نفساني خاص. و كلّ متكلّم متعهد بأنّه متى ما قصد إبراز ذلك يتكلّم بالجملة الإنشائية. مثلاً: إذا قصد إبراز اعتبار الملكيّة، يتكلّم بصيغة «بعت» أو «ملكت» وإذا قصد إبراز اعتبار الزوجية يبرزه بقوله: «زوّجت» أو «أنكحت»و إذا قصد إبراز اعتبار كون المادة على عهدة المخاطب يتكلّم بصيغة «إفعل» و نحوها.

فالجمل الإخبارية والإنشائية تشترك في الدلالة على الإبراز، إلاّ أنّ الأُولى مبرزة لقصد الحكاية والإخبار عن الواقع و نفس الأمر، وتلك مبرزة لاعتبار من الاعتبارات كالملكيّة و الزوجيّة ونحوهما.

واستدل على ذلك بأنّ المراد من كون الإنشاء للإيجاد، ،إمّا الإيجاد التكويني فهو بيّن البطلان و إمّا الإيجاد الاعتباري، كإيجاد الوجوب و الحرمة و الملكيّة والزوجيّة، فيردّه أنّه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلّم، فانّ الإيجاد يتحقّق بالاعتبار النفساني سواء أكان هناك لفظ يتلفّظ به أم لم يكن و من هنا يعلم أنّه لا فرق بينهما و بين الجمل الإخبارية.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره هادم للمعيار المعروف بين الإخبار و الإنشاء و أنّ الأوّل يقبل الصدق و الكذب دون الثاني، إذ عليه يرجع الإنشاء إلى الإخبار فانّ الجملتين موضوعتان حسب تصريحه للإبراز غير أنّ المبرَز، مختلف وأنّه في الأُولى عبارة عن قصد الحكاية و الإخبار عن الواقع، و في الثانية عن إبراز اعتبار من الاعتبارات كالملكيّة، فعند ذاك يتوجّه عليه أنّ مفاده الإخبار عن وجود اعتبار من الاعتبار في الذهن و لكن من أين نعلم أنّه اعتبره و أنّه صادق في إبرازه إذ من المحتمل عدمه و بالجملة «المبرز» في كلتا الصورتين محتمل للصدق والكذب، وفي الأوّل يخبر عن الفعل الخارجي، وفي الثاني عن فعل نفسه و كلاهما محتملان لهما.

وثانياً: أنّ لازم ما ذكره، هو كون «بعت» و «زوّجّتُ» مرادفاً لاعتبار الملكيّة للمشتري أو الزوجيّة، للزوج، و هو كما ترى.


(1) المحقق الخوئي: المحاضرات: 1/94ـ 95.


(85)

وثالثاً: أنّ الأثر ليس مترتّباً على اعتبار الملكيّة لزيد في الذهن أو الزوجيّة له فيه، حتى يقال: إنّ الموضوع متحقّق في الذهن غاية الأمر، يحتاج في مقام الإثبات إلى لفظ يدلّ عليه، من دون حاجة ـ وراء الإظهار ـ إلى إيجاد المعنى، بل الأثر مترتّب على جعل زيد زوجاً، و المشتري مالكاً، في عالم الاعتبار، وهو فرع إيجاد المعنى باللفظ و منشأ الخلط تصوّرأنّ الأُمور الاعتبارية، أُمور ذهنية في مقابل الخارج وعندئذ لا حاجة إلى الإنشاء وراء الاعتبار الذهني غاية الأمر أنّه يحتاج إلى المبرِز، لا الموجِد، و لكنّه نوع غفلة عن واقعية الأُمور الاعتبارية فانّها أُمور لا خارجية ولا ذهنية بل لها واقعية في عالم الاعتبار، والأثر مترتّب على إيجاد الموضوع في ذلك الوعاء لا في وعاء الذهن، فقولك زوّجت هذه بهذا، إيجاد للزوجية في عالم الاعتبار و في ذلك الوعاء لا في الذهن.

3ـ نظرية المشهور

إنّ مشاهير الأُدباء والأُصوليين ذهبوا إلى أنّ دور الصيغ الإنشائية دور الإيجاد لمعانيها فقولك زوّجت، إيجاد للزوجيّة وبعتُ إيجاد للملكية في عالم الاعتبار كما أنّ قولك: «هل قام زيد»إيجاد للاستفهام بالحمل الشائع وبما أنّ الكلام في الاعتبارات العقلائيّة نكتفي بتوضيحها، ونرجئ البحث عن سائر الإنشائيات إلى مباحث الأمر و النهي فنقول:

لا شكّ أنّ الزوجيّة والملكيّة و الرئاسة وغيرها مفاهيم اجتماعية تدور عليها رحى الحياة فلو حذفناها عن صعيد الحياة يلزم حذف الحضارة عن قاموس الإنسان.

إنّما الكلام في بيان السبب الذي أدّى به إلى اعتبارها في حياته الاجتماعية و هو ليس إلاّ عقله الواعي، فانّه لما نظر إلى صحيفة الوجود رأى هناك أشياء مزدوجة يعدّكلّ عِدلاً للآخر، ولا انفكاك بينهما فالعينان و الأُذنان و الرجلان واليدان زوجان إلى غير ذلك من الأُمور المزدوجة، هذا من جانب، و من جانب


(86)

آخر أنّ الحياة الإنسانية الاجتماعية، تقوم على أساس رابطة قانونية بين الرجل والمرأة يجعل كلاً عدلاًللآخر، و يصور كلاً عونا كذلك، و ليست تلك الرابطة إلاّ تصويرها زوجين يتساهمان في طريق واحد، كالعينين والأُذنين، وبما أنّهما فاقدان لها تكويناً، لا محيص عن تنزيلهما منزلة الزوجين و اعطاءها لهما بنحو من الأنحاء على وجه تكون الزوجيّة في مورد تكوينياً مجعولاً بجعل تكويني، وفي آخر اعتبارياً مجعولاً بجعل جاعل و للجعل أدوات وأسباب أوضحها هو الألفاظ التي يستعان بها على الجعل والإيجاد في ظرف الاعتبار.

وبذلك يظهر أنّ الاعتبار العقلائي عبارة عن تنزيل الفاقد منزلة الواجد تكويناً حتّى يكون واجداً اعتباراً فيكونُ الثاني مثالاً للاعتبار و أُسوة للجعل. ولايتحقّق التنزيل إلاّ بالإنشاء.

وبذلك يعلم حال الملكيّة الاعتباريّة للمشتري المستنسخة من الملكيّة التكوينية الحاصلة لأعضاء الإنسان و منها يتعدّي إلى جناة أيديه وحاصل سعيه(1) ، وكدّه، ثمّ إلى اعتبارها للمال الذي يدفعه إلى المشتري بازاء شيء فبما أنّ المورد فاقد لها تكويناً، فلا محيص عن إيجادها له بسبب من الأسباب و هو اللفظ.وبذلك يظهر حال سائر الموارد من الاعتبارات العقلائيّة كالرئيس والمرؤس، فانّ الرأس في بدن الإنسان مدبّر تكويناًللبدن، فيتّخذه أُسوة ، ويعطيه إلى إنسان واع بين جماعة متوحّدة في العمل و الهدف فبما أنّه فاقد لهذا الشأن تكويناً، فلا محيص عن إيجاده له بالاعتبار.

فاتّضح انّ عالم الاعتبار و إن كان عالماً وهميّاً، كنفس الاعتبار لكن رحى الحياة تدور على هذه الأُمور الوهمية، الطارئة على موضوعات حقيقية، كالأعيان والأموال.

و بذلك يظهر أنّ الإنشائيات لا تتّصف بالصدق ولا بالكذب،


(1) قال أمير المؤمنين عليه السَّلام :فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم .نهج البلاغة، الخطبة 232.


(87)

لأنّ السبب وضع للإيجاد، اعتباراً بالاستعمال والمفروض تحقّق السبب و يتلوه المسبب، غاية الأمر ربّما لا يترتّب الأثر على كلّ مسبّب اعتباري.

هذا حال الكلام في الأُمور الاعتبارية العقلائية والتفصيل يطلب عن محالّها.(1)

***

الجهة الثانية عشرة: في مفاد الهيئات

المعروف بين المنطقيين أنّ القضية التامة تتركّب من أُمور ثلاثة: الموضوع و المحمول والنسبة، إيجابية كانت أو سلبية، و المعروف بين الأُدباء أنّ هيئة الجملة الاسمية موضوعة للحكاية عن تلك النسبة حيث جعلوا ملاك الصدق والكذب ذلك، فقالوا: إذا طابقتِ النسبة الكلامية النسبةَ الخارجية، فالكلام صادق، و إلاّفالكلام كاذب. قال الخطيب في تلخيص المفتاح:

«إنّ الكلام إمّا خبر أو إنشاء، لأنّه إمّا لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه فخبر، وإلاّ فإنشاء. وصدق الخبر مطابقته للواقع وكذبه عدمها».(2)

وقال الحكيم السبزواري في منظومته في الحكمة:

الحكم إن في خارجيّة صدق * مثل الحقيقية للعين انطبق

وحقّة من نسبة حكميّة * طِبقٌ لنفس الأمر في الذهنية

وقال في شرح الأبيات: الصدق في الخارجية باعتبار مطابقة نسبتها لما في الخارج، و كذا في الحقيقية. وأمّا الصدق في الذهنية فباعتبار مطابقة نسبتها لما في نفس الأمر، إذ لا خارج لها تطابقه.(3)


(1) لاحظ أُصول الفلسفة للعلامة الطباطبائي: الجزء الثاني: المقالة الخامسة.
(2) العلاّمة التفتازاني: المطوّل الفنّ الأوّل في علم المعاني قبل الباب الأوّل، ص 31.
(3) الحكيم السبزواري: شرح المنظومة قسم الحكمة، ص 53ـ 54.


(88)

وقد اختاره المحقّق العراقي على ما في تقريراته فقال: «إنّ مداليل الهيئات هي عبارة عن ربط الأعراض بموضوعاتها، المعبّر عن ذلك الربط بالوجود الرابط».(1)

ثمّ إنّ الكلام يقع في موردين:

الأوّل: في النسبة الكلامية، و أنّ الواضع هل وضع الهيئة لتلك النسبة أو لا.

الثاني: في وجود النسبة الخارجية.

أما الأوّل: فإنّ المدرَك الوحيد في المقام هو التبادر، و لكن المتبادر منها، هو «الهوهوية» و أنّ هذا، ذاك، سواء في الحمليات الأوليّة مثل قولك: الإنسان إنسان أو حيوان ناطق، أو في الحمليات الشائعة من غير فرق بين الشائعات بالذات مثل قولك: البياض أبيض، أو الشائعات بالعرض مثل قولك: الجسم أبيض. والفرق بين القسمين الأخيرين أنّ الموضوع في الأوّل مصداق حقيقي للمحمول، و في الثاني مصداق له بالعرض، فانّ ما هو الأبيض واقعاً، هو البياض، ثمّ يكون الجسم ببركة ذاك العارض مصداقاً للأبيض.

كما لا فرق بين الهليّات البسيطة مثل قولك: «زيد موجود» والهلية المركّبة مثل قولك: «زيد قائم» فانّ المتبادر من الجميع هو الحكم بالهوهوية. والشاهد على ذلك ـ مضافاً إلى التبادر ـ أنّ السائل بقوله: هل زيد موجود أو قائم، يسأل عن أنّه هل هو ، هو. وأنّه مصداق لذلك أو لا، و لا يسأل عن ثبوت نسبة القيام لزيد أو ثبوت المحمول للموضوع.

هذا، من غير فرق بين القول بأنّ مفهوم المشتق أمر بسيط، وأنّ الفرق بينه و بين المبدأ هو الفرق بين اللا بشرط وبشرط لا. أو هو مركّب من ذات و مبدأ و نسبة، لأنّ الكلام ليس في مفهوم المشتق، بل الكلام في مفهوم الجملة المركّبة من


(1) بدائع الأفكار: 1/51، ط المطبعة العلمية في النجف.


(89)

زيد و أبيض، سواء كان مفهوم المشتق بسيطاً أو مركّباً، فالمفهوم من الكل هو الهوهوية و الاتّحاد بينهما.

هذا في الحمليات الموجبة. وأمّا الحمليات السالبة، فالأمر فيها أوضح، فالتحقيق هو أنّها موضوعة لسلب الحمل و نفي الهوهوية. فقول القائل: «ليس زيد عالماً، لا يريد حمل النسبة السلبية على زيد كما لا يريد سلب النسبة الحملية، بل يريد سلب كونه هوهو، وأنّه لا اتّحاد بينهما، وأنّه ليس هذا ذاك.

والدليل على ذلك كلّه هو التبادر.

وأمّا المورد الثاني، أعني: وجود النسبة الخارجية عن هاتيك القضايا، فالبرهان الفلسفي ينفي وجودها في الموارد التالية:

الحمل الأوّلي، كقولنا:« الإنسان إنسان، أو حيوان ناطق» ، فلا يعقل جعل الربط بين الشيء و نفسه، إذ الحدّ عين المحدود و إنّما يفترقان بالإجمال والتفصيل.

و مثله الهلية البسيطة مثل قولنا: «زيد موجود» لأنّ وجود النسبة بين الماهية والوجود، يستلزم استقلال الماهية و كونها طرفاً للنسبة، و هو باطل.

و نظير الهليّات البسيطة، المحمول الذاتي في باب البرهان مثل قولك: «زيد ممكن» إذ لو اشتملت على النسبة للزم أن يكون الإمكان أمراً خارجياً محمولاً على الموضوع و هو باطل، لأنّ الذاتي في باب البرهان هو ما يكفي فيه وضع الموضوع في وضع المحمول، و ينتزع المحمول من حاق الموضوع. و معه كيف يمكن أن يكون أمراً خارجياً زائداً على موضوعه؟!

ويقرب منه الحمل الشائع بالذات مثل قولنا: «البياض أبيض» لامتناع تصوّر النسبة بين الشيء و مصداقه الحقيقي. نعم لا بأس بالقول بوجود النسبة في غيرها كقولنا زيد قائم ، فانّ وجود الرابط في الخارج بين الموضوع والمحمول فيه غير منكر، ،و لكن اشتمال الخارج عليها لا يدلّ على كون الكلام مشتملاً عليها.


(90)

الحمليّات المؤوّلة

أمّا الحمليّات المؤوّلة، و المراد منها ما تتخلّلها الأدوات مثل «في» و «على» فالحقّ هو التفصيل بين موجباتها و سالباتها، فالأُولى منها يشتمل على النسبة الكلامية والخارجية، مثل قولك: «زيد في الدر» و «زيد على السطح» و إنّما يصحّ أن يسمّى حملية لأجل تقدير كائن أو موجود. و على أيّ تقدير فانّ دلالتها على النسبة ممّا لا كلام فيه، فانّ مفهوم الجملة هو أنّ زيداً حاصل في الدار، فانّ زيداً شيء والدار شيء آخر وحصوله فيها أمر آخر ذهناً و دلالةً وخارجاً، وله حظّ من الوجود، و ليست السوالب من تلك الحمليّات إلاّ سلب تلك النسبة و نفي ذلك الحصول، وتسميتها حملية للمشاكلة، كما في القضايا الشرطية، فانّ مفهوم السوالب فيها هو سلب الشرطية، مع أنّها تسمّى بالشرطية السالبة.

ثمّ إنّ ما ذكرناه، و إن كان موافقاً لما أفاده سيّدنا الأُستاذـدامظلّهـ إلاّ أنّه ـدامظلّهـكان يستدلّ على عدم النسبة الكلامية بعدم النسبة في الخارج التي ثبت عدمها بالبرهان العقلي، وقد أوردنا عليه ـدامظلّهـ في درسه الشريف، أنّ الاستدلال بعدم النسبة الخارجية، لأجل البرهان العقلي على عدم وجود النسبة الكلامية، إنّما يتمّ لو كان الواضع حكيماً عارفاً بعدم تحقّق النسبة الخارجية في تلك الموارد حتّى يحترز عن وضع الهيئة للنسبة الكلامية، لأنّ القضيّة الذهنية يجب أن تكون بمثابة لو قورنت إلى الخارج لكانت عينه، وأمّا إذا كان الواضع إنساناً عاديّاً غير واقف على البراهين الفلسفية، فلا يكون عدم اشتمال الخارج على النسبة، دليلاً على خلوّ الكلام عنها، ولم نتوفق لأخذ الجواب عنه.

فالأولى ما ذكرناه، حيث جعلنا محلّ البحث، أمرين. و استدلنا على الأوّل بالتبادر والاستظهار، وعلى الثاني بالبراهين الفلسفية لكن في موارد خاصّة.

***


(91)

المقدمة الثالثة: هل الاستعمالات المجازية بالوضع أو بالطبع؟

عرّف المجاز بأنّه استعمال اللفظ في غير ما وضع له، لمناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى الآخر. فإن كانت المناسبة هي المشابهة، فالمجاز استعارة، وإلاّ فالمجاز مرسل. كاستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ، و بالعكس، نحو استعمال العين في الإنسان، مثلما ورد في قول أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ :«عيني بالمغرب كتب إليّ يُعْلمني...»(1)واستعمال الإنسان في عضو منه، كما في قولك: «ضربت إنساناً» إذا ضربت عضواً منه. هذا هو المعروف بين القوم.

غير أنّ للسكاكي في المقام رأياً خاصاً، و هو أنّ مصحح الاستعمال في مورد الاستعارة هو ادّعاء الفردية والمصداقية، و الظاهر من كلامه أنّ المجاز عنده أيضاً من قبيل استعمال اللفظ في غير ما وضع له، بادّعاء أنّه مصداق له، و سيوافيك نصّه.

والظاهر، تبعاً لما حقّقه العلاّمة أبو المجد الشيخ محمد رضا الاصفهاني (المتوفّى عام 1362هـ) وسيّدنا المحقّق البروجردي (المتوفّى عام 1380هـ) إنّ المجاز مستعمل في معناه الموضوع له .قال الأوّل هناك مسلك آخر و هو انّ تلك الألفاظ مستعملة في معانيها الأصلية ، و مستعملها لم يحدث معنى جديداً و لم يرجع عن تعهده الأوّل بل أراد بها معانيها الأوّلية بالإرادة الاستعمالية على نحو سائر استعمالاته من غير فرق بينهما في مرحلتي الوضع و الاستعمال.(2)

توضيحه:أنّ حقيقة المجاز ليست من قبيل استعمال اللفظ في غير ما وضع له كاستعمال الأسد في زيد الشجاع ابتداء، لعدم حصول الغاية المطلوبة من مثل ذلك الاستعمال، أعني: المبالغة في الشجاعة، أو المبالغة في النضارة والصباحة


(1) نهج البلاغة: قسم الكتب، الرقم 33.
(2) ابو المجد: وقاية الأذهان:103.


(92)

عند إطلاق الملك على الغلام الوجيه كما في قوله سبحانه: (ما هذا بَشَراًإنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) (1) بل الغرض إنّما يحصل إذا كان اللفظ مستعملاً في معناه لغاية ادّعاء العينية بينه و بين المعنى المجازي.

فإنّ الأسد في قوله:

لدى أسد شاكي السلاح مقذّف * له لُبـــد أظفـــاره لم تقـلّم

مستعمل في معناه الحقيقي أعني: الحيوان المفترس لغاية ادّعاء أنّ الرجل المعهود هو من مصاديق ذاك المعنى و لذا أثبت له اللبد والأظفار. فالمجاز مطلقاً ليس من قبيل التلاعب بالألفاظ، بل من قبيل التلاعب بالمعنى، إذ به يحصل الغرض منه و هو المبالغة.

كما أنّ الشمس في قول القائل:

قامت تظلِّلني ومن عجب * شمس تظلّلني من الشمس

مستعملة في معناها الحقيقية ولولاه لما كان للتعجّب سبب، لأنّ عارية لفظها، دون معناها للمرأة المحبوبة لا يفيد تعجّباً، لأنّ الاستظلال بالأجسام ليس أمراً غريباً و إنّما الغريب، كون الاستظلال بالشمس عنها.

وكما أنّ البطحاء في قول القائل:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيـت يعرفـه و الحـلّ والحـرم

استعملت في معناها اللغوية و يريد القائل أنّ سيّد الساجدين ـ عليه السَّلام ـ وصل في الاشتهار والمعرفة إلى حدّ حتّى أنّ الأرض و البيت يعرفانه، لا أنّ أهلهما يعرفه ، و هكذا الكلام في تمام المجازات المعتبرة للبلاغة، حتّى فيما يستعمل بعلاقة التضادّ، كالحاتم في البخيل، والأسد في الجبان ويوسف في قبيح المنظر.

فإن قلت: ما ذكرتم إنّما يصحّ في اسم الجنس مثل الأسد، حيث يستعمل


(1) يوسف:31.


(93)

مطلقاً في الجامع، ثمّ ينطبق على الفرد الحقيقي أو الفرد المجازي، وأمّا مثل حاتم و يوسف اللذين يعدّان علمين فكيف يتصوّر لهما فردان.

قلت: إنّ قوام المجازية فيهما هو ادّعاء العينية و أنّه هو، لا أنّه من مصاديقه كما هو كذلك من راجع وجدانه.

و يمكن تأييد المقال (المجاز مستعمل في المعنى الحقيقي) بالكناية أيضاً فانّها من قبيل الاستعمال في الموضوع له لغاية الانتقال إلى ملازمه من دون علاقة بملزومه فهذا القول يدفعنا إلى القول بأنّ المجاز أيضاً من تلك المقولة، غاية الأمر أنّ الغاية فيها الإنتقال من الملزوم إلى اللازم، وفي المجاز الانتقال من المعنى الحقيقي إلى الفرد الادّعائي.

هذا هو الذي ذكره الشيخ محمّد رضا الاصفهاني في كتابه «وقاية الأذهان»و أوضحه السيّد الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ.

الفرق بين النظرتين

والفرق بين هذا النظر و ما ذهب إليه السكّاكي بأمرين:

الأوّل : أنّ السكّاكي يذهب إلى ما ذهب إليه المشهور من كون المجاز من قبيل استعمال اللفظ في غير ما وضع له، و يمتاز عليه بزيادة ادّعاء أنّه من مصاديقه. و أمّا في هذا النظر فاللفظ مستعمل في نفس ما وضع له، لكن بادّعاء أنّ المورد من مصاديقه، فالادعاء هنا قبل الاستعمال، و هناك بعده.

والذي يدلّ على أنّ المجاز عند السكّاكي مستعمل في غير ما وضع له هو نصّ عبارته في «مفتاح العلوم»قال في قسم البيان:«وأمّا المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ماهي موضوعة له بالتحقيق، استعمالاً في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها، مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع، ثمّ أخذ في تفسير قيود التعريف وقال:


(94)

«وقولي بالتحقيق احتراز أن لا تخرج الاستعارة التي هي من باب المجاز نظراً إلى دعوى استعمالها في ما هو موضوع له».(1)

وما هذا إلاّ لأنّه قال بالادعاء بعد الاستعمال في غير ما وضع له فتبقى الإستعارة في التعريف و إلاّ فلو قال بمثل ما يقوله مشايخنا العظام لخرجت عن التعريف قطعاً، فعدم خروجها عنه رهن كونها استعمالاً في غير ما وضع له من أوّل الأمر.

وأنت إذا أمعنت النظر فيما ذكرناه في المجازي، تقف على أنّ الحال أيضاً كذلك في الإسناد المجازي و أنّه ليس اسناداً إلى غير ما هو له، بل إلى ما هو له، إذا أُريد من المنسوب إليه، الدخيل في الإسناد، لا العلّة التامّة ففي مثل أنبت الربيع البقل، و أنبت الله البقل، فكلّ من نسبتي الإنبات ، نسبة حقيقية من غير فرق بين صدوره من المؤمن أو المعطِّل و إنّما الفرق خطأ المعطِّل، الجهة الإلهية و زعمه انّ نسبة الخلق والإيجاد إلى الربيع، بلا مدخلية للقوة الإلهية و إلاّ فلو أراد تأثير كلّ حسب ما يناسب مقامه لم يكن مجازاً ففي مثل:

أشاب الصغير و أفنى الكبير * كرّالغــداة و مرّ العــشى

النسبة حقيقيّة بشرط أن يقع كلّ في موقفه.(2)

الثاني: أنّ مصحح الاستعمال عنده ادّعاء المصداقية في خصوص الاستعارة و لكن الظاهر أنّ المصحح مطلقاً، هو ذاك من غير فرق بين الاستعارة والمجاز المرسل. فكأنّ القائل «هو عين» يتصوّر أنّ الرجل لا ذات ولا حيثية له سوى كونه عيناً و مراقباً، فكأنّه بتمام ذاته عين و مراقب.

كتب أمير المؤمنينعليه السَّلام إلى قثم بن العباس و هو عامله بمكّة: أمّا بعد فانّ عيني بالمغرب كتب إليّ يُعْلمني... إلى آخر الكتاب الذي أوعزنا إليه.


(1) العلاّمة السكّاكي: مفتاح العلوم: 153، طبعة مصر عام 1318هـ.
(2) أبوالمجد: وقاية الأذهان: 129.


(95)

وبذلك يظهر أنّ صحّة الاستعمالات المجازية يستند إلى الوضع لأنّه من قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له، ولكن حسنه يستند إلى الطبع والذوق. و بعبارة المصححة هو الوضع منضماً إلى حسن الطبع.

والأولى أن يعرف المجاز بأنّه من قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له، لغاية الانتقال منه إلى غير ما وضع له بادّعاء العينية والمصداقية من غير فرق بين ما يسمّى استعارة أو مجازاً مرسلاً.(1)

***

المقدمة الرابعة: في استعمال اللفظ في اللفظ

وهو على أقسام أربعة:

1ـ قد يطلق اللفظ ويراد شخص اللفظ الصادر من المتكلّم كما في قول القائل: «زيد الذي تكلّمت به لفظ» بحيث يكون الحكم لخصوص ما تكلّم به و أوجده في هذه العبارة.

2ـ وقد يطلق و يراد مثله، كما إذا قال القائل: «زيد قائم» فقلت: «زيد الواقع في كلامه مبتدأ» فموضوع الحكم ليس خصوص ما تكلّم به اللافظ الثاني، بل شيء مثل الواقع في كلام المتكلّم الأوّل.

3ـ وقد يطلق و يراد منه صنفه و المراد من الصنف، الطبيعة المقيّدة بقيد لم يخرجها من الكلّية. كما في قول القائل: «زيد» في «ضرب زيد» فاعل ، فانّ زيداً استعمل في الصنف الخاص، و هو ما إذا وقع بعد الفعل.

ثمّ هو على قسمين: فتارة لا يشمل نفسه، كما في المثال المزبور، و أُخرى يشمله، كما إذا قيل: «زيد إذا وقع في أوّل الجملة الاسمية، مبتدأ».


(1) كان اللازم إفاضة الكلام في المجاز في الإسناد ولكن أجمل الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ الكلام فيه.


(96)

4ـ وقد يطلق ويراد منه نوعه، أعني الطبيعة السارية في كلّ فرد كما إذا قيل: زيد لفظ و المراد ما يصدق عليه لفظ زيد سواء كان نفس الملفوظ، أو مثله، أو صنفه، أو أعمّ.

ثمّ إنّه يقع الكلام في هذه الأقسام في مقامين:

الأوّل: صحّة الإطلاق.

والثاني: كونه من قبيل الاستعمال أو لا.

والمهمّ هو الثاني، وأنّه من قبيل الاستعمال مطلقاً، أو لا مطلقاً، أو يفصّل بين الأقسام وأمّا الإطلاق فيكفي في صحّته، وقوعه، كما في الأمثلة التي مثّلناها مع عدم استنكار العرف و الطبع له خلافاً لصاحب الفصول حيث استشكل في بعض الصور كالأُولى على ما تعرفه و على ذلك فالبحث مركّز على المقام الثاني.

قد ذهب المحقّق البروجردي والمحقّق الخوئي إلى عدم كون أي قسم من هذه الأقسام من قبيل الاستعمال و التحقيق هو التفصيل بين القسم الأوّل و سائر الأقسام، فالأوّل ليس من قبيل الاستعمال، بخلاف الأقسام الباقية فانّها منه و مع ذلك ليس الاستعمال في المقام حقيقياً كما هو واضح، ولامجازياً بمعنى كون الحقيقة معْبراً له، نعم لو فسّر المجاز بالاستعمال في غير ما وضع له، فهو من قبيل المجاز و إليك تفصيلها.

1ـ إطلاق اللفظ و إرادة شخصه

قد ظهر:أنّ الاستعمالَ عبارة عن عمل اللفظ في المعنى، و هو يتحقّق بإيجاد المتكلّم نفس اللفظ في الخارج لينتقل المخاطب مع سماعه، إلى الصورة الذهنية للفظ، ثمّ ينتقل منه إلى المعنى بواسطة الانس الحاصل بينهما، و يقال: عمل اللفظ في معناه، أي صار معْبَراً و وسيلة للانتقال إليه. فحقيقة الاستعمال، إيجاد اللفظ عن مقاطع الفم في الخارج حتى ينتقل منه المخاطب إلى الصورة الذهنية و


(97)

منها إلى معنى اللفظ، و إذا كان هذا معنى الاستعمال، فليس القسم الأوّل من قبيل الاستعمال لأنّ المتكلّم ، أوجد اللفظ عن طريق مقاطع الفم في الخارج، و انتقل المخاطب إلى الصورة الذهنية للّفظ، و من تلك الصورة إلى نفس اللفظ الصادر من المتكلّم لا إلى أمر ثالث. ففي الاستعمال ينتقل ذهن المخاطب من الصورة الذهنية للفظ إلى شيء ثالث و هو المعنى بينما هنا ينتقل من الصورة الذهنية للفظ إلى مبدئها عن طريق القرينة.

والحاصل أنّ هنا وجوداً خارجياً للفظ، وهو أمر تكويني قائم بالمتكلّم . وصورة ذهنية له حاصلة في ذهن المخاطب، ثمّ انتقال منها إلى اللفظ الصادر من المتكلّم.

فليس المقام من قبيل الدلالة الوضعية ولا من قبيل الاستعمال، لأنّ الدلالة الوضعية عبارة عن دلالة اللفظ على معناه الذي هو غير الصورة الذهنية للفظ، وشخص اللّفظ و ليس هنا شيء وراء الأمرين.

و منه يظهر أنّه ليس من قبيل الاستعمال لأنّه عمل اللفظ في معناه الذي هو شيء ثالث. و بعبارة أُخرى: انّ الاستعمال أمر ثلاثي و هو الانتقال من اللفظ إلى الصورة الذهنيّة له، و منها إلى الخارج و لكن الأمر هنا ثنائي ينتقل من اللفظ إلى الصورة الذهنية و منها إلى اللفظ.

فإن قلت: إذا لم يكن من باب الاستعمال ولا من الدلالة الوضعية فما هو إذاً؟

قلت: إنّ المقام من قبيل إلقاء صورة الموضوع في ذهن المخاطب لينتقل منه إلى نفس الموضوع. أي إلقاء الصورة الذهنية في ذهن المخاطب لينتقل إلى الصورة الخارجية (شخص اللفظ) ثمّ يحكم عليه بأنّه كذا، لا إلقاء نفس الموضوع في ذهن المخاطب كما سييجيء نقله عن المحقّق الخراساني.

وأمّا تسميته دالاً و مدلولاً فبضرب من المجاز، بأن يقال إنّ الصورة


(98)

الخارجيّة، بايجاد الصورة الذهنية في نفس المخاطب، صارت دالّة و بما أنّ الصورة الذهنية كاشفة عنها في الآن المتأخّر، صارت مدلولة.

بقيت هنا نظريتان إحداهما لصاحب الفصول والأُخرى للمحقّق الخراساني و إليك بيانهما.

أ: منع صحّة الإطلاق بتاتاً

إنّ صاحب الفصول منع صحّة الإطلاق و الاستعمال من رأس قائلاً بأنّه إن اعتبرت دلالته على نفسه، لزم اتّحاد الدال والمدلول، وإلاّ لزم تركّب القضية اللفظية من جزئين، لأنّ القضية على هذا تكون حاكية عن المحمول والنسبة، لا الموضوع

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني باختيار كلّ من الشقّين. أمّا الأوّل، فلأنّه يكفي تعدّد الدال والمدلول اعتباراً، وإن اتّحدا ذاتاً. فمن حيث إنّه لفظ صادر عن لافظه كان دالاً، و من حيث إنّ نفسه و شخصه، مراده، كان مدلولاً.

وأمّا الثاني: فلأنّ تركّب القضية من جزئين ـ إذا لم تكن دلالة في البين ـ إنّما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه و إلاّ كانت أجزائها الثلاثة تامّة، و كان المحمول فيها منتسباً إلى شخص اللفظ ونفسه، غاية الأمر أنّه نفس الموضوع لا الحاكي عنه.(1)

يلاحظ على الأوّل: أنّ عنوان الصادرية أمر منتزع من اللفظ بعد صدوره من المتكلّم، كما أنّ دلالة اللفظ على كونه مراداً، أمر يحكم به العقل بعد الاستعمال، و بعد ملاحظة كونه فعلاً صادراً من الإنسان بلا قرينة ولا طبع، وعندئذ كيف يكون مصحّحاً للإطلاق، فانّ مصحّحه يجب أن يكون قبله لا بعده.

ثمّ إنّ المحقّق الاصفهاني صحّح الإطلاق بتجويز اجتماع وصفي الدالّية


(1) كفاية الأُصول: 1/20ـ21.


(99)

والمدلولية في الشيء الواحد، من غير حاجة إلى وجود الكثرة الاعتبارية، قائلاً بأنّ المفهومين المتضائفين ليسا بمتقابلين مطلقاً، بل التقابل في قسم خاص و هو ما إذا كان بين المتضائفين تعاند و تناف في الوجود، كالعلّية و المعلولية، ممّا قضى البرهان بامتناع اجتماعهما في وجود واحد. لا في مثل العالمية و المعلومية، و المحبيّة والمحبوبية، فانّهما يجتمعان في الواحد غير ذي الجهات، كما لا يخفى. والحاكي والمحكي، والدالّوالمدلول، كاد أن يكونا من قبيل القسم الثاني حيث لا برهان على امتناع حكاية الشيء عن نفسه ثمّ استشهد بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «يا من دلّ على ذاته بذاته» و قوله ـ عليه السَّلام ـ : «أنت دللتني عليك».(1)

و لكنّه غير تام من جهات:

أمّا أوّلاً: فانّ التضايف من أقسام التقابل، الذي هو من أقسام الغيرية بالذات . قال الحكيم السبزواري:

قد كان من غيرية تقابل * عرّفه أصحابنا الأفاضل

فامتناع الاجتماع داخل في حقيقة التقابل في جميع أقسامه.

وثانياً: أنّ المجتمع في الواجب عزّاسمه هو ذات العالم والمعلوم، وهما ليسا من المتضائفين ذوي النسبة المتكررة. وأمّا العالمية والمعلومية فهما معنيان انتزاعيان يعرضان له سبحانه في العقل باعتبارات شتّى، ويكفيه التعدد الاعتباري في الذهن.

وثالثاً: أنّ الدلالة لا تنفكّ عن العلم بالشيء بعد العلم بشيء آخر، كالعلم بالنّار بعد العلم بالدخان وعلى ذلك لابدّ أن يكون هناك كاشف ومكشوف و نسبة. والشيء الواحد مع وحدته وعدم تكثّره اعتباراً كيف يكون كاشفاً و منكشفاً.


(1) المحقق الاصفهاني: نهاية الدراية:1/22.


(100)

ب: أنّه من قبيل نفس إلقاء الموضوع

يظهر من المحقّق الخراساني و تلميذه البروجردي أنّ القسم الأوّل من قبيل إلقاء نفس الموضوع حيث ذكر الأوّل في ردّ نظرية صاحب الفصول أنّ حديث «تركّب القضية من جزئين لولا اعتبار الدلالة في البين» ، إنّما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه، وإلاّ كانت أجزائها الثلاثة تامّة، وكان المحمول فيها منتسباً إلى شخص اللفظ نفسه غاية الأمر أنّه نفس الموضوع لا الحاكي عنه.

يلاحظ عليه: أنّ الهوية الخارية لا تنالها النفس ولا تقع في لوحها.

وإن شئت قلت: أنّ الواجب في القضايا اتّحاد ظرف الطرفين، فالنسبة أو الهوهو إمّا بين الخارجيين أو بين الذهنيين و يمتنع وجود النسبة بين الأمر الخارجي والمحمول الذهني كما لا يخفى.

وحاصل الكلام أنّ ما اخترناه يشترك مع مختار المحقّق الخراساني في نفي كون المقام من الاستعمال و لكنّه يقول بأنّه من قبيل إلقاء نفس الموضوع، و نحن نقول بأنّه من قبيل إيجاد صورة الموضوع في الذهن.

وعلى كلّ تقدير فليس القسم الأوّل من قبيل الاستعمال. ثمّ إنّ أبا المجد الاصفهاني قد ذهب إلى انّه ليس من قبيل الاستعمال قائلاً ذلك لانّ الوضع هو تعهد الاستعمالات بمعنى تعهّد المتكلّم بانّه لا ينطق بلفظ زيد قائم مثلاً إذا أراد إثبات صفة القيام لهذا الشخص وأمّا المقام فهو لا يريد بلفظ زيد إفهام شيء به بل يريد إفهام نفسه ولا الحكم على شيء بواسطة اللفظ.(1)

2ـ إطلاق اللفظ و إرادة مثله

وأمّا القسم الثاني فيمكن أن يقال إنّه من قبيل الاستعمال، لأنّه إذا قال


(1) أبو المجد الاصفهاني: وقاية الأذهان: 135ـ 136 ولا يخفى انّ نفي كون المقام من قبيل الاستعمال لا يتعين على تفسير الوضع بالتعدد بل هو كذلك على سائر المباني.


(101)

القائل: «زيد قائم» و قلت أنت:«زيد الواقع في كلامه مبتدأ» ، يكون زيد في الكلام الثاني وسيلة وآلة للحاظ مماثله و تصوّره، ويكون هو دالاً و المماثل مدلولاً فالمماثل هنا بمنزلة المعنى.

و إن شئت قلت: إنّ التلفظ بلفظ زيد، يكون سبباً لإيجاد الصورة الذهنية للفظ في ذهن المخاطب، ثمّ هو لا ينتقل من تلك الصورة ، إلى نفس ذاك اللفظ الصادر حتّى يكون من قبيل القسم الأوّل، بل إلى مماثله الذي هو غيره شخصاً. نعم، ليست تلك الدلالة والاستعمال دلالة وضعية أو استعمالاً كذلك، لعدم وضع اللفظ لمماثله، ولا استعمالاً مجازياً لعدم صدق تعريفه عليه و الحاصل أنّ حدّ الاستعمال صادق في المقام دون الأوّل نعم ليس حقيقياً ولا مجازياً بل لأنّ زيداً وضع للشخص الخارجي و إطلاقه و إرادة المماثل أو غيره لا يعدّ من الحقيقة، ولا من المجاز، ،بمعنى كونها معْبَراً لمشابهه، نعم لو فسّر المجاز بكونه استعمالاً للّفظ في غير ما وضع له تصحّ تسميته مجازاً.

وأمّا جعل المقام من قبيل إلقاء الموضوع بنفسه فلوصحّ في القسم الأوّل فهو غير صحيح هنا، لعدم اختصاص الحكم بالملفوظ، بل يعمّ المماثل كما لايخفى.

3و4ـ الاستعمال في الصنف والنوع

وأمّا القسم الثالث و الرابع:أعني استعمال اللفظ في الصنف والنوع، كما في قول القائل: «زيد في ضرب زيد فاعل»، أو قول القائل:«زيد لفظ» فحدّ الاستعمال صادق عليهما. لأنّ اللفظ الصادر من المتكلّم ـ و هو الصورة الخارجية للّفظ ـ صار سبباً لإيجاد صورة اللفظ في الذهن، وعندئذ ، بدل أن ينتقل المتكلّم منها إلى الشخص الخارجي، ينتقل ـ لأجل القرينة ـ إلى مراد المتكلّم أعني: الصنف أو النوع ولا يقصر ذلك عن الاستعمال أعني: إطلاق اللفظ وإرادة معناه الحقيقي أو المجازي.

وذهب المحقّق الخراساني إلى أنّه من قبيل إلقاء نفس الموضوع إلى المخاطب


(102)

خارجاً(وقد أحضر في ذهنه بلا وساطة حاك، وقد حكم عليه ابتداء بدون واسطة أصلاً) لا لفظه. فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى بل فرد قد حكم في القضية عليه بما هو مصداق لكلّي اللفظ لا بما هو خصوص جزئيه.(1)

يلاحظ عليه: أنّه كيف يكون اللفظ الملقى، نفس الموضوع مع أنّ الملقى أمر جزئي شخصي، و الموضوع حسب الفرض أمر كلّي، لأنّ المحمول، محمول على طبيعي اللفظ و صنفه لا على شخصه.

ثمّ إنّ المحقّق البروجردي، صحّح ما ذكره أُستاذه الخراساني بطريق آخر و قال:

إنّ الوارد في ذهنه وإن كان جزئياً لكن السامع يغفل عن التشخصات الزمانية والمكانية وغيرهما فيكون من باب إيجاد الكلّي بذاته و لو قيد بدالّ آخر لفهم منه الصنف.(2)

قلت: نعترف بالفرق بين الصورة الأُولى والأخيرتين، فإنّ الموضوع هناك نفس اللفظ الصادر ، فقد مرّ أنّه يمتنع إلقاء نفس الموضوع في ذهن المخاطب و إلاّ انقلب الذهن إلى الخارج، و الموضوع هنا أمر كلّي أو صنفي قابل لإيجاده في الذهن بنفسه. و مع هذا الاعتراف يرد عليه أنّ غفلة المخاطب عن الخصوصيات لا يجعل الجزئي الحقيقي كلّياً، والمفروض أنّ الموجود في الذهن من سماع لفظ «زيد في ضرب زيد فاعل» أو سماع «زيد لفظ» أمر جزئي و هو يساوق التشخص.

فإن قلت: على هذا يلزم عدم تصوّر الكلّي بالذات.

قلت: نعم، ما هو المتصوّر بالذات أمر جزئي لأجل وجوده الذهني، و لكنّه


(1) كفاية الأُصول: 1/21، المطبوع مع حاشية المشكيني، نعم احتمل في آخر كلامه أنّه من قبيل الاستعمال لكن احتمالاً ضعيفاً يعرب عنه قوله. اللّهمّ إلاّ أن يقال:
(2) المحقق البروجردي: نهاية الأُصول: 28.


(103)

يُشارُ به إلى الكلّي كما في قولك:«المعدوم المطلق لا يمكن الإخبار عنه». و المعدوم المطلق في هذه العبارة ليس معدوماً مطلقاً إلاّبالحمل الأوّلي وهو موجود بالحمل الشائع الصناعي، و لكنّه يُشارُ به إلى المعدوم المطلق الذي لا يمكن تصوّره في الذهن بلا واسطة.

فإن قلت: كيف يكون من قبيل استعمال اللفظ في المعنى، فانّوجود الطبيعي، عين وجود فرده في الخارج، وإيجاده عين إيجاد فرده، لا يعقل أن يجعل إيجاد الفرد استعمالاً في إيجاد الطبيعي.

قلت:إنّ الفرد وإن كان عين الطبيعي في الخارج، لكنّه غيره اعتباراً والمفروض أنّ الطبيعي المستعمل فيه هنا، أمر اعتباري غير مقيّد بوجوده الذهني ولا الخارجي حتّى يقال: إنّ الفرد عين الطبيعي.

فإذا قال المتكلّم :«زيد» فقد أوجد فرداً من الطبيعة كما أوجدها نفسها بما هي هي، لكن الطبيعي لا ينحصر في ذاك الفرد بل يتعدّد، فلا مانع من جعل ذلك الفرد، استعمالاً في نفس الطبيعة الاعتبارية أي الطبيعة المنفكّة عن كافّة الوجودات. و من المعلوم أنّ الطبيعي بما هو هو، غير مقيّد بالوجود الذهني ولا بالوجود الخارجي.

فإن قلت: هل هذا الاستعمال حقيقة أو مجاز.

قلت: ليس هو حقيقة ، بل مجاز، لكن لا من قبيل المجاز الذي أوضحنا حاله، أعني: جعل الحقيقة معبراً للمعنى المجازي، بل هو مجاز خاص بطائفة من المستعملين، لأنّ هذه الاستعمالات ليست مشهورة و إنّما تختصّ بطائفة من أهل التحقيق، نعم هو مجاز على مصطلح القوم.

وخلاصة الفرق بين القسم الأوّل والصور الأخيرة الثلاث هو أنّه ليس في الأوّل وراء الصورتين الخارجية والذهنية، شيء حتّى يعدّمستعملاً فيه. وهذا بخلاف الأقسام الباقية فانّ هنا وراء الصورتين أمر ثالث، وهو المثل أو الصنف


(104)

أو النوع، يمكن أن يعدّمستعملاً فيه.

ثمّ إنّ للمحقّق الخوئي في المقام نظرية خاصة تعلم حالها ممّا ذكرنا فلاحظ.(1)

***

المقدّمة الخامسة:

هل الألفاظ موضوعة لمعانيها من حيث هي هي
أو موضوعة لها من حيث كونها مرادة للافظها؟

ويجب أن يبحث عن جهات:

الجهة الأُولى:

نشأ الانتقال إلى هذه المسألة من سؤال و جواب دار بين المحقّق الطوسي و تلميذه العلاّمة الحلّي كما يظهر من مراجعة كتاب «الجوهر النضيد».(2)

فقد عرّف المحقّق الطوسي في منطق التجريد الدلالةَ المطابقية، بأنّها دلالة اللفظ على تمام المسمّى، و التضمنية بأنّها دلالة اللفظ على جزئه، و من هنا نشأ إشكال و هو أنّه ربّما يكون اللفظ مشتركاً بين الكلّ و الجزء كما إذا كان لفظ الإنسان موضوعاً للحيوان الناطق، و لخصوص الناطق أيضاً. فعند ذلك ينتقض التعريفان، لأنّ دلالة الإنسان على الناطق تكون دلالة تضمنية و مطابقية.

وقال العلاّمة في كتابه المزبور:«إنّي أوردت هذا الإشكال على المحقّق الطوسي فأجاب بأنّ اللفظ لا يدلّ بذاته على معناه، بل باعتبار الإرادة والقصد، و اللفظ حين ما يراد منه المعنى المطابقي لا يراد منه المعنى التضمّني، فهو يدلّ على


(1) المحقق الخوئي: المحاضرات: 1/106ـ 108.
(2) الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد: 4.


(105)

معنى واحد لا غير، ثمّ قال العلاّمة:« وفيه نظر».

ولكن العلاّمة نفسه أجاب عن هذا الإشكال في ضمن كلامه عندما قال بأنّه يجب أنّ تقيّد التعاريف في الدلالات الثلاثة بجملة«من حيث هو كذلك» وعندئذ يندفع النقض، لأنّ الدلالة المطابقية عبارة عن دلالة اللفظ على تمام المسمّى من حيث هو تمام المعنى . كما أنّ الدلالة التضمنيّة عبارة عن دلالة اللفظ على جزء المعنى من حيث هو جزء المعنى .و على ذلك فلا ينطبق على دلالة الإنسان على الناطق، إلاّ أحد التعريفين كما لا يخفى.

و قد أجاب المحقّق الطوسي بنفس هذا الجواب عن إشكال اُورد على تعريف المفرد، فقد عرّف المفرد بأنّه الذي ليس لجزئه دلالة أصلاً. واعترض عليه بعض المتأخرين بلفظ «عبد الله» إذا جعل علماً لشخص، فانّه مفرد مع أنّ لأجزائه دلالة ما. وأجاب عنه المحقّق الطوسي بأنّ دلالة اللفظ لمّا كانت وضعية، كانت متعلّقة بإرادة المتلفّظ الجارية على قانون الوضع، فما يتلفّظ به و يراد به معنى ما، و يفهم عنه ذلك المعنى. يقال له إنّه دالّ على ذلك المعنى، و ما سوى ذلك المعنى ، ممّا لا تتعلّق به إرادة المتلفّظ، لا يقال إنّه دالّ عليه و إن كان ذلك اللفظ أو جزء منه، بحسب تلك اللغة أو لغة أُخرى أو بإرادة أُخرى، يصلح لأن يدلّ به عليه.

وإذا ثبت هذا فنقول، اللفظ الذي لا يراد بجزئه الدلالة على جزء معناه، لا يخلو من أن يراد بجزئه، الدلالة على شيء آخر أو لا يراد، وعلى التقدير الأوّل لا تكون دلالة ذلك الجزء، متعلّقة بكونه جزء من اللفظ الأوّل، بل قد يكون ذلك الجزء بذلك الاعتبار لفظاً برأسه دالاً على معنى آخر بإرادة أُخرى، وليس كلامنا فيه، فإذن لا يكون لجزء اللفظ الدالّ من حيث هو جزء دلالة أصلاً و ذلك هو التقدير الثاني بعينه. فحصل من ذلك أنّ اللفظ الذي لا يراد بجزئه دلالة على جزء معناه، لا يدلّ جزؤه على شيء أصلاً.(1)


(1) شرح الإشارات:1/ 31ـ 32.


(106)

والحاصل أنّ اللفظ إمّا أن يتلفّظ به علماً، فعندئذ يكون مفرداً لا يدلّ جزء لفظه على جزء معناه، و إمّا يتلفّظ به بما أنّه مركّب من لفظين مستقلّين، لكلّ معنى خاص، و إن أُضيف أحدهما إلى الآخر، فعندئذ و إن كان يدلّ جزء لفظ على جزء معناه، لكنّه لا يكون مفرداً.

فالظاهر من عبارة المحقّق الطوسي أنّه ممّن ذهب إلى أنّ الدلالة اللفظية تابعة لإرادة المتلفّظ. و لأجل ذلك أوضحه صاحب المحاكمات في محاكماته بين شارحي الإشارات: الإمام الرازي والمحقّق الطوسي بقوله: لمّا كانت دلالة اللفظ على المعنى بالمطابقة، ووضعية، كانت موقوفة على إرادة المتلفّظ ذلك المعنى إرادة جارية على قانون الوضع، إذ الغرض من الوضع تأدية ما في الضمير. و ذلك يتوقّف على إرادة اللافظ فمالم يرد المعنى من اللفظ لم تجد له دلالة عليه.

ثمّ أورد عليه بأنّه لم يفرق بين الدلالة و الاستعمال، فانّه في إطلاق اللفظ و إرادة المعنى و أمّا دلالته فلا تعلّق لها بالإرادة أصلاً.(1)

الجهة الثانية:

إنّ كلّ من فسّر الوضع بالتعهد والالتزام بأنّه كلّما أطلق اللفظ أراد منه المعنى، كالمحقّق النهاوندي قدَّس سرَّه والمحقّق الخوئي ـدام ظلّهـلا مناص له عن القول باختصاص الدلالة الوضعية(2) بصورة قصد التفهيم و إرادة المعنى من اللفظ بنحو من الأنحاء الآتية و لعلّ كونها قيداً للعلقة أوضح، فانّ الالتزام و التعهد إنّما يتعلّقان بالأمر الاختياري، و ما يقع تحت اختيار الواضع هو ذاك. و أمّا الالتزام بكون اللفظ دالاً على معناه ولو صدر منه عن غير شعور أو اختيار، فلا يعقل أن يكون طرفاً للالتزام و الاختيار. و بالجملة، إنّما يتعلّق الالتزام بفعل


(1) شرح الإشارات:1/32.
(2) سيوافيك أنّ الدلالة الوضعية عند هذين العلمين هي الدلالة التفهيمية عندنا فانتظر.


(107)

الإنسان لا بفعل غيره. وفي أفعال النفس، يتعلّق بالاختياري منها لا بالخارج عنه، كالنطق نائماً و ساهياً.

و لكنّك عرفت ضعف المبنى و أنّ الوضع التعييني لو قلنا بوجوده ليس إلاّ تعيين اللفظ في مقابل المعنى، وأمّا التعهّد والالتزام بأنّه متى أطلق اللفظ أراد منه ذاك المعنى، فهو من قبيل الغايات، بل ربّما يكون مغفولاً عنه.

كما قد عرفت أنّ كيفية الدلالة والانتقال من الألفاظ إلى المعاني و من سائر الدوال إلى مداليلها على نهج واحد. فهل ترى تعهداً من ناصب العلامة على رأس الفرسخ، بل ليس هنا إلاّالمواضعة على الانتقال من رؤيته إليه، من غير فرق بين الناصب وغيره من المارّة.

الجهة الثالثة:

إنّ كون الألفاظ موضوعة للمعاني المرادة يتصوّر على وجوه خمسة:

الأوّل: أخذ مفهوم الإرادة بالحمل الأوّلي جزءاً للموضوع و هو ممّا لا يلتزم به أحد.

الثاني: كونها موضوعة للمعلوم بالذات بقيد كونه مراداً بالحمل الشائع، و المعلوم بالذات هو الصور العلمية الذهنية التي تعلّقت بها الإرادة، لأنّ الإرادة لا تتعلّق بالذات إلاّبالصور الذهنية، فلفظ «القائم» في قولنا«زيد قائم» موضوع للصورة الذهنية منه مع تعلّق الإرادة بها.

و هذا يستلزم انقلاب الأخبار الخارجية إلى الأخبار الذهنية، إذ على هذا يكون «زيد قائم»، بموضوعه و محموله و هيئته، حاكياً عن الأُمور الذهنية، لأنّ المفردات موضوعة لما هو المراد بالذات، وما هو المراد بالذات في الصورتين هو الصور العلمية.

الثالث: كونها موضوعة للمعلوم بالعرض، أعني: القيام الخارجي الذي


(108)

تعلّقت به الإرادة، بواسطة الصورة العلمية، وهذا يستلزم عدم صحّة الحمل إلاّ بالتجريد ضرورة أنّ المركّب من أمر خارجي وأمر ذهني لا يصحّ حمله على الخارج إلاّبالتجريد، فإنّ القيام و إن كان موجوداً في الخارج، إلاّ أنّ الإرادة التي اتّصف بها القيام، ذهنية.

وبالجملة: كون الموضوع له هو المعنى المراد بالحمل الشائع الأعم من الذاتي والعرضي، يستلزم انقلاب الأخبار الخارجية إلى الأخبار الذهنية، أو يتوقّف صحّة الأخبار على التجريد في ناحيتي الموضوع و المحمول.

الرابع: أن يكون الموضوع له هو ذات المعنى حالَ كونه مراداً على نحو الحينية، بحيث يكون القيد والتقيّد خارجين عن المعنى، لا أن يكون الموضوع له هو المعنى بقيد كونه مراداً على نحو المشروطة حتّى يكون القيد خارجاً و التقيّد داخلاً على نحو القضية المشروطة. فاللفظ و إن لم يكن موضوعاً للمعنى المقيّد بالمراد، و لكنّه على وجه لا يصدق إلاّعليه، ولا يصدق على غيره. والفرق بينهما كالفرق بين قولنا:«كلّ كاتب متحرك الأصابع حين هو كاتب، وكلّ كاتب متحرّك الأصابع مادام كاتباً» فالمحمول في الأوّل أعني: متحرّك الأصابع» ـ غير مقيّد بالكتابة، لكنّه على وجه ليس له سعة بحيث يشمل غير هذه الصورة، أي المتحرّك حال الكتابة. بخلاف الثاني، فانّ ثبوت التحرّك مقيّد بكونه كاتباً. و المحمول في الأوّل مطلق و لكن له ضيق ذاتي غير صادق على غير ذاك المورد.

وعلى هذا يكون الموضوع له حصّة من المعنى الطبيعي لا جميع الحصص، فانّ الموضوع له هو المعنى المقترن بإرادته. والوجه في ذلك أنّ الغاية من الوضع يجب أن تكون أمراً اختيارياً و ليس هو إلاّ أنّه كلّما أطلق الواضع أو غيره، كان مريداً لذاك المعنى و مفهماً إيّاه، فإذا كانت الغاية من الوضع هو ذاك الهدف فلا محالة يتضيّق المعلول ـ أعني الوضع ـ بتضيّق علّته، فانّ العلّة الغائية، لمّا كانت إحدى العلل و سبباً لفاعلية الفاعل، فلا محالة يتضيق المعلول


(109)

تضييقاً ذاتياً بضيقها، و يختصّ المعلول بمورد العلّة.

وإلى ذلك يشير المحقّق الاصفهاني في تعليقته حيث قال: أن يكون اللفظ موضوعاً للمعنى الذي تتعلّق به الإرادة الاستعمالية، فهو إشارة إلى ذات الخاص(1)، لا بوصف الخصوصية، وفائدته عدم الاختصاص الوصفي بين اللفظ والمعنى الذي لا يتخصص بالمرادية.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّا لم نتحقق بعد للحينية معنى محصّلاً و إن أصرّ عليها المحقّق ضياء الدين العراقي ـ قدس الله سرّه ـ بل بنى على صحّتها أُموراً في الأُصول. فانّ الكتابة في قوله: «حين هو كاتب» إمّا قيد للمحمول (متحرك الأصابع) فيكون من قبيل المشروط، أو ليس قيداً له و للمحمول إطلاق، فيكون من قبيل المطلقة العامّة فما معنى هذا التذبذب بين المشروطة والمطلقة، و إن نطق به المنطقيون.

وبعبارة أُخرى: إنّ القول بأنّ المحمول هو المتحرّك المقترن بالكتابة لا يخلو عن إبهام، لأنّ المحمول إمّا مقيّد بالاقتران بالكتابة أو لا، وعلى الأوّل تعود الحينية إلى المشروطة، وعلى الثاني يكون المحمول مطلقاً صادقاً في كلتا الحالتين: حالة وجود الكتابة و عدمها.

وبذلك تبيّن عدم تمامية قوله:«إنّ الموضوع له هي المعاني حال كونها مرادة ، لا مقيّداً بها» فانّ نفس الأمر لا يخلو عن أمرين: إمّا أن يكون المعاني مقيّدة بها، أو غير مقيّدة وعلى الأوّل تكون القضية مقيّدة، وعلى الثاني مطلقة شاملة لكلتا الصورتين. وما يقال من أنّ الموضوع هو الحصّة التوأمة بالإرادة لا الطبيعة المطلقة، ولا الحصّة غير التوأمة، غير تام، لأنّ المعنى لمّا كان ذا حصتين، حصّة توأمة بالإرادة، وحصّة غير توأمة فتخصيص الوضع بإحدى الحصّتين يحتاج إلى مقيِّد و


(1) أي المعنى في ظرف الإرادة.
(2) المحقق الاصفهاني: نهاية الدراية: 1/24.


(110)

مخصِّص.

و ثانياً: أنّ الغاية من الوضع ليست منحصرة في الإفادة و الاستفادة، بل للوضع غاية أُخرى هي إحضار المعنى في ذهن المخاطب كلّما سمعه من لافظه سواء أكان عن شعور أو لا عن شعور.

وبعبارة أُخرى: الغاية من الوضع هو تصوّر المعنى و أمّا الإفادة والاستفادة فيحقّقان بالأُصول العقلائية.

توضيحه: أنّ تنبيه المتكلّم السامع، بأنّه يريد الأمر الفلاني و استفادة السامع ذلك، يتوقّف على أمرين: تصوّر المعنى المقصود أوّلاً، و الدلالة على أنّ المعنى المتصوّر هو مراد المتكلّم ثانياً . والأوّل مستند إلى الوضع، و الثاني يحصل بالاتّكاء على الأُصول العقلائية في مقام التخاطب، وهي كون المتكلّم عاقلاً حكيماً، والفرد الحكيم لا يعبث ولا ينقض الغرض، ولو كان مراده غير المعنى المقصود الوارد في ذهن السامع، لوجب التنبيه عليه.

وثالثاً: أنّ الغاية من الوضع هو إفادة ذوات المعاني والحقائق بماهي هي، لا بما هي مرادة المتكلّم فإذا قال القائل: «الماء رطب» فإنّه يرد الحكم على ذات الماء بالرطوبة، لا على الماء المراد و يتّضح ذلك إذا كان المتكلّم معلِّماً للعلوم الحقيقية والرياضية، فهو يريد أن يحكي عن القواعد الحاكمة على الطبيعة الخارجية، لا القواعد المرادة، بل كونها مرادة له كالحجر في جنب الإنسان.

الخامس: أنّ الوجوه المزبورة مبنية على كون الإرادة مأخوذة في الموضوع له. و هناك احتمال خامس و هو أن تكون قيداً للعلقة الوضعية، فالعلقة مختصّة بصورة خاصّة و هي ما إذا أراد المتكلّم تفهيم المعنى باللفظ فالإرادة من قيود العلقة الوضعية لا من خصوصية المعنى لا قيداً ولا جزءاً. كالواجب المشروط على القول المشهور فانّ الاستطاعة قيد للوجوب وإن كان يسري إلى المادة أعني: الحجّ.

والدليل عليه: أنّ الوضع أمر اعتباري، و الأمر الاعتباري يتبع الغرض


(111)

الداعي إليه في السعة و الضيق، و الزائد على ذلك لغو. و الغرض الباعث للواضع على الوضع هو قصد تفهيم المعنى من اللفظ وجعله آلة لإحضار معناه في الذهن عند إرادة تفهيمه، فلا موجب لجعل العلقة الوضعية أوسع من ذلك.

وإلى ذلك يشير المحقّق الاصفهاني بقوله: «العلقة الوضعية متقيّدة بصورة الإرادة الاستعمالية، وفي غيرها لا وضع، وما يرى من الانتقال إلى المعنى بمجرّد سماع اللفظ من لافظ غير شاعر فمن جهة انس الذهن بالانتقال من سماعه عند إرادة معناه».(1)

يلاحظ عليه: ما عرفت من أنّ الغاية إنّما هي إفادة الحقائق الواقعية بما هي هي لا بما هي مرادة كما عرفت في قولنا:«الماء جسم رطب سيال».

أضف إلى ذلك ما ذكرنا من أنّ الغرض الأوّل من الوضع هو إحضار المعنى في ذهن المخاطب لينتقل منه في مرتبة أُخرى إلى كونه مراداً للمتكلّم. وتلك الإرادة لا تُعْلَم من الوضع بل من الأُصول العقلائية.

فتبيّن أنّه لا وجه للقول بوضع الألفاظ للمعاني المرادة أو كون الدلالة تابعة للإرادة.

الجهة الرابعة:

أنّ الدلالة تنقسم إلى تصوّرية و تفهيمية و تصديقية.

أمّا الأُولى: فهي عبارة عن دلالة اللفظ على معناه عند سماعه.

و إن شئت قلت: الانتقال إلى المعنى من سماع اللفظ. وهي لا تتوقف على شيء ماعدا العلم بالوضع. و لأجل ذلك ينتقل الذهن إلى المعنى بمجرّد السماع و لو من لافظ غير شاعر.


(1) المحقق الاصفهاني: نهاية الدراية: 1/23.


(112)

أمّا الثانية: أعني الدلالة التفهيمية فهي عبارة عن دلالة اللفظ على أنّ المتكلّم أراد تفهيم المعنى للغير.

وهذه الدلالة تتوقف ـ مضافاً إلى كون المتكلّم عالماً بالوضع ـ على إحراز أنّه في مقام التفهيم، فلو لم يحرز، كما إذا احتمل أنّه يتكلّم لأجل تعلّم اللغة و تمرين الخطابة، أو كانت هناك قرينة على أنّه ليس في ذاك المقام، لا تكون هناك تلك الدلالة.

وأمّا الثالثة: أعني الدلالة التصديقية، فهي عبارة عن دلالة اللفظ على أنّ الإرادة الاستعمالية مطابقة للإرادة الجدّية، وهي تثبت بالأصل الحاكم في مقام المحاورة من أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية. والأصل إنّما يجري إذا لم تكن هناك قرينة على الخلاف، كالمخصّص و المقيّد، بعد ورود العام والمطلق، فانّ الورود يكشف عن عدم التطابق، وأنّ إلقاء الكلام على وجه العموم كان لأجل ضرب القاعدة حتى يتمسّك به في الموارد المشكوكة، كما سيوافيك بيانه في محلّه.

ثمّ إنّه ربّما يوضع مكان الدلالة، الإرادة ، و يقال: الإرادة التصوّرية والإرادة التفهيمية و الإرادة الجدّية. و تفسّر الأُولى بإرادة استعمال اللفظ في المعنى، و الثانية بإرادة تفهيم المعنى الذي استعمل فيه اللفظ والثالثة بإرادة المعنى الذي استعمل اللفظ فيه جدّاً و حقيقة.

و بما ذكرنا يظهر أنّ الدلالة الوضعية، هي نفس الدلالة التصوّرية لما عرفت من وضع الألفاظ على الحقائق المعراة عن كلّ قيد، فالانتقال إلى ذات المعنى من سماع اللفظ يستند إلى الوضع. خلافاً لمن قال بأنّ الدلالة التصوّرية ليست مستندة إلى العلم بالوضع ، بل هي من جهة الأُنس الحاصل من كثرة الاستعمال أو من أمر آخر.(1)


(1) المحقّق الخوئي: المحاضرات: 1/111.


(113)

يلاحظ عليه : أنّه لولا الوضع، لما حصل الانتقال في المراحل الابتدائية و لما حصل الأُنس وأعجب منه أنّه نقض كلامه هذا في موضع آخر عند تعريف الدلالة التصوّرية حيث قال: وهي (الدلالة التصوّرية) لا تتوقّف على شيء ماعدا العلم بالوضع، فهي تابعة له.(1)

نعم على ما سلكه في تفسير الوضع من أنّه الالتزام والتعهد، تكون الدلالة الوضعية عبارة عن الدلالة التفهيمية، فإنّ الالتزام لا يتعلّق إلاّ بأمر اختياري، وأمّا دلالة اللفظ على معناه ولو صدر عن لافظ بلا شعور واختيار، فلا يمكن أن يكون متعلّقاً للالتزام.

الجهة الخامسة:

قد عرفت كلام المحقّق الطوسي عند الذبّ عن الإشكال المتوجّه إلى تعريف الدلالات، و تعريف المفرد، و الظاهر من كلامه هو أنّ الدلالة التصوّرية تتوقّف على إرادة اللافظ، وإلاّ لم تندفع الإشكالات الواردة على التعاريف. فلاحظ الإشكال المتوجّه إلى تعريف المفرد فانّه إنّما يندفع إذا كانت الدلالة تابعة لإرادة اللافظ فإذا قال: «عبد الله». وأراد منه المعنى العلمي، أعني: الشخص الإنساني، فليس له إلاّ معنى واحد، و هو الإنسان الموجود في الخارج. و معه لايتصوّر الدلالة التضمنية، وإنّما هنا دلالة مطابقيّة: الدال واحد والمدلول فارد.

وإن أُريد منه المعنى الوصفي التركيبي أي من هو عبد الله سبحانه، فهناك دالاّن ومدلولان فلا تجتمع الدلالة المطابقية مع التضمنيّة أبداً.

فتفسير المحقّق صاحب الكفاية(2) الدلالة في كلام العلمين بالدلالة التصديقية، غير مطابق لكلامهما.


(1) المصدر السابق: 109.
(2) كفاية الأُصول: 1/23، الطبعة المزينة بحواشي المشكيني رحمه الله.


(114)

أضف إليه أنّ التبعية فيها ليست أمراً مختلفاً فيه حتّى يتميز العلمان بالقول بها، مضافاً إلى أنّ الدلالة التصديقية، لا تعقل إلاّ في الجمل والمركّبات و مورد النقض عبارة عن المفردات كما لا يخفى.

وأضعف منه ما عن المحقّق الخوئي (1) من أنّ مقصودهما أنّ العلقة مختصّة بصورة إرادة تفهيم المعنى، مع أنّه ليس في كلامهما المنقول أثر من هذا.

***

المقدمة السادسة:

في وضع المركّبات

ربما نسب إلى بعض الأُدباء(2) القول بوضع خاص للمركّبات وراء المفردات. ولكن النسبة غير ثابتة ، و نقول في بيان ذلك:

إنّ المركّب لا يخلو من أوضاع ثلاثة، فقولنا: «زيد إنسان» يشتمل على أوضاع ثلاثة: فلزيد وضع، ولإنسان وضع آخر، وكذا للهيئة الاسمية وضع ثالث. و ربّما تزيد الأوضاع على الثلاثة، كما إذا كان المحمول مشتقاً، مثل قولنا:«زيد قائم» فإنّ لـ«قائم» وضعاً بحسب المادّة، و وضعاً بحسب الهيئة. وربّما تزيد على الأربعة وتصل إلى خمسة، كما إذا كان كلاهما مشتقين، مثل قولنا:«الضارب متعجّب»، فلكلّ من المبتدأ والخبر وضعان، و للهيئة الإسمية وضع آخر. وهكذا قد يزداد عدد الأوضاع بحسب الكلمات.


(1) تعاليق الأجود، ص 31 ،نعم مقتضى ما اختاره في تفسير الوضع من أنّه عبارة عن الالتزام بإرادة المعنى الذي تعلّق قصد المتكلّم بتفهيمه بلفظ مخصوص ، كون الدلالة الوضعية مختصة بصورة قصد التفهيم إذ لا معنى للالتزام بكون اللفظ دالاً على معناه ولو صدر من لافظ من غير شعور واختيار لما عرفت من أنّه يتعلّق بأمر اختياري لا بما هو خارج عن إطاره.
(2) يعلم من كلام ابن مالك في شرحه على المفصّل أنّ النظرية ليست حديثة بل لها جذور في تاريخ دراسة الأدب العربي.


(115)

وعندئذ يقع الكلام في أنّ للمركّب وراء هذه الأوضاع، وضعاً آخر، باعتبار وضعه من حيث المجموع من المفردات والهيئات أو لا. التحقيق هو الثاني و ذلك لوجوه:

1ـ إنّ وضع كلّ جزء من أجزاء الجملة ـ مادّة و صورة ـ لمعناه، و وضع نفس الهيئة الاسمية، للمعنى الخاص، كافل لما يحتاج إليه الإنسان في مقام التفهيم. وعندئذ يكون وضع المجموع من حيث المجموع أعني الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة أمراً بعيداً عن وضع العقلاء.

2ـ لو صحّ لزم الانتقال إلى المعنى مرّتين في آن واحد، لفرض وضع المفردات مرّة، و المجموع من حيث المجموع مرّة أُخرى. و هذا يكون نظير ما إذا أتى الإنسان أوّلاً بأسماء كلّ عضو من أعضاء الإنسان، ثمّ أتى بلفظ الإنسان الجامع للأعضاء كلّها مرّة ثانية.

يلاحظ عليه: أنّ الانتقال معلول للأُنس الحاصل من الاستعمال المعلول للوضع، و تعدّد الوضع لا يوجب تعدد الأُنس فلا يلزم الانتقالان.

3ـ و نقل عن ابن مالك في شرحه على المفصّل وجه آخر. و حاصله أنّه لو كان لها وضع لما كان لنا أن نتكلّم بكلام لم يسبق إليه، إذا المركّب الذي أحدثناه، لم يسبق إليه أحد.

توضيحه: أنّ هيئة الجملة الاسمية و إن كانت واحدة مشتركة بين الجميع، إلاّ أنّ موادها مختلفة، من زيد و عمرو و قيام و قعود... و ما يمكن توصيفه نوعياً إنّما هو الهيئات لا المواد، إذ ليست هناك جامع نوعي تجتمع تحته المواد، لكي يشار به إليها.وهذا بخلاف الهيئات فانّ لها هيئة نوعية تشمل كلّ هيئة وجدت في أيّ مادّة من المواد. فلو كان للمجموع من المواد والهيئة وضع، للزم الالتزام بوضع كلّ جملة جملة، وضعاً شخصياً. وهو مع امتناعه، يستلزم ما ذكره ذلك الأديب، أعني كون الجمل المحدثة جملاً غير موضوعة، كما لا يخفى.


(116)

و بالجملة: الجمل الاسمية المخترعة التي لم يسبق إلى التكلّم بها أحد كما في قولنا: «القنبلة الذرية مدمِّرة» لو احتاجت إلى الوضع الجملي لزم عدم استعمالها لافتراض كونها مبدعة مستحدثة لم تنل يد الوضع لوضعها و هو كما ترى.

تتميم: إنّ من الكلمات المشهورة بين الأُدباء والأُصوليين أنّ وضع المواد شخصي و وضع الهيئات نوعي بمعنى أنّ المواد موضوعة بوحدتها الشخصيّة، و الهيئات موضوعة بجامعها العنواني. و لكنّه أيضاً لا يخلو عن إبهام: فإن أُريد من نوعية الوضع في الهيئات، عدم اختصاصها بمادّة معيّنة ، كهيئة «فاعل»، فالمادّة أيضاً غير مختصة بهيئة معيّنة، فانّ المادة غير مختصة بهيئة معيّنة فانّها متشكّلة بأشكال مختلفة من ماض و مضارع....

وإن أُريد من شخصية الوضع في المواد، امتياز كلّ مادّّة عن الأُخرى، فالهيئات، كلّ واحدة منها، ممتازة عن الأُخرى، فهيئة الفاعل غير هيئة المفعول.

والأولى أن يقال: إنّ المادة حيث يمكن لحاظها استقلالاً بلا هيئة، فيمكن الوضع لشخص كلّ مادة، و لأجله قالوا الوضع شخصي. والهيئة حيث لا يمكن لحاظها استقلالاً، بل تلاحظ في ضمن مادة. فالوضع لها في ضمن مادة معيّنة يوجب عدم إطرادها في مادة أُخرى، فيجب أن يكون وضعها بشكل آخر، و يقال: هيئة فاعل و ما يشبهها. و هذا معنى نوعية الوضع في الهيئة، فليس الوضع متعلّقاً لهيئة شخصية قائمة بمادة معلومة، بل لها و لما يشبهها.(1)

بخلاف المادة فانّها قابلة لللحاظ استقلالاً كما هو الحال في وضع المصادر والحاصل أنّ لحاظ الهيئة في ضمن أيّ مادة يوجب اختصاصها بتلك المادّة فوضعها في ضمنها يختصّ بها ولا يعمّها في ضمن مادة أُخرى و بما أنّ لكلّ من الهيئة و المادة معنى تكون الهيئة محبوسة في ضمن تلك المادة ولا مناص من عطف جملة «و ما يشبهها» عليه و هذا بخلاف المادة فانّها قابلة لللحاظ استقلالاً و لا


(1) نهاية الدراية: 1/27.


(117)

تكون المادة مقيّدة بالهيئة لعدم المعنى لها فيها بل هي لأجل إمكان التنطق بها و بذلك يعلم جواب الإشكال التالي.

إنّ المادّة أيضاً لا يمكن لحاظها إلاّ في ضمن الهيئة فصار حكمها حكم الهيئة.

قلت: إنّ هيئة المصدر ليس لها دخل إلاّ في إمكان التنطق، فلا دخالة لها في كونها ضمن مادة.ولو كان لها دخالة، لما كان المصدر أصلاً في الكلام. فصحّ أنّ المادة صالحة للحاظها و تنطقها مستقلاً، فيكون وضعها شخصياً. بخلاف الهيئة، فإنّها لا يمكن لحاظها مستقلّة، ولأجل أنّ المادة فيها ذات معنى تكون الهيئة متقيّدة بها و لأجل ذلك يجب أن يعطف عليها لفظة «وما يشبهها».

أضف إلى ذلك، أنّ المواد التي تعرضها الهيئة، أُمور غير متناهية عرفاً، فوضع الهيئة وضعاً شخصياً يوجب تخصّصها بتلك المادة.فيستدعي ذلك وضعها للمادة الثانية والثالثة و هكذا، كلّ منها على حدة، و هو موجب للعسر، إن لم يكن أمراً ممتنعاً عادة.

وهذا بخلاف المادة، فانّ الهيئة التي تعتورها، محدودة في صيغ معيّنة، فلا مانع من وضع المادة شخصياً في تلك الصيغ المحدودة و إن أخذ وقتاً من الواضع لكنّه ليس بأمر غير ممكن عادة، و مع ذلك ليس بمحتاج إليه لما عرفت من أنّوضع المصدر كاف في وضع المادة الموجودة في الصيغ المختلفة.

***


(118)

المقدمة السابعة:

في علائم الوضع

الأوّل: التبادر

ليس المراد سبق أحد المعاني إلى الذهن أسرعَ من الآخر و إلاّانتقض بالمشترك اللفظي إذ ربّما يكون لبعض سبق على البعض الآخر لمناسبات شتّى مع أنّ الجميع معان حقيقية بل المراد سبق المعنى من اللفظ عند الإطلاق، بنفسه، من غير قرينة.

وإن شئت قلت: انسباق المعنى إلى الذهن من حاق اللفظ، لا عن القرينة بحيث كان السبق مستنداً إلى اللفظ نفسه لا إلى القرينة، فيكون دليلاً على أنّه موضوع له، إذ ليس لحضور المعنى منشأ إلاّ أحد الأمرين: إمّا القرينة، أو الوضع ، فإذا انتفى الأوّل ثبت الثاني.

نعم، أنّ التبادر يكون كاشفاً عن الوضع إذا كان سبق المعاني من الألفاظ أمراً مرتكزاً في النفس، كما إذا نشأ السامع بين أهل اللغة، و ترعرع فيهم و تربى بين ظهرانيهم.

ثمّ إنّه لو قلنا بأنّ المجاز استعمال اللفظ في غير الموضوع له يكون للتبادر معنى صحيح و أمّا لو قلنا بأنّه أيضاً استعمال في نفس الموضوع له، لكن بادّعاء أنّ ما ليس مصداقاً له حقيقة، أنّه مصداق له فلا يكون في ظرف الاستعمال معنييان بل معنى واحد فلابدّ أن يقيّد التبادر بانسباق نفس المعنى مجرّداً عن الادّعاء كما لا يخفى و بذلك يعرف حال ما حكاه السيّد الأُستاذ عن المحقّق البروجردي و إن لم يصرّح باسمه.(1)


(1) تهذيب الأُصول: 1/56، ولاحظ نهاية الأُصول32، و لعلّ ما في الأوّل، أوضح لبيان مقصد السيّد البروجردي.


(119)

الإشكال على العلامة بالدور

قد اُورد على كون التبادر علامة للوضع بأنّ العلم بالوضع متوقّف على التبادر، و هو متوقّف على العلم بالوضع، إذ لولا العلم بأنّ اللفظ موضوع لذاك المعنى، لما تبادر.

و أُجيب عنه بأنّ المراد من التبادر، إمّا التبادر عند المستعلم الجاهل بالوضع أو عند غيره و على كلّ تقدير يرتفع الدور أمّا على الثاني باختلاف الموقوف و الموقوف عليه جوهراً، لأنّ العلم بالوضع عند المستعلِم يتوقّف على التبادر عند العالمين بالوضع، وهو لا يتوقّف على علم الجاهل المستعلم بالوضع بل يتوقّف على علمهم بالوضع من أيّ منشأ حصل فجاء التغاير.

وأمّا إذا كان المراد التبادر عند المستعلم، فالتغاير بالإجمال والتفصيل، وهو أنّ العلم التفصيلي بالوضع موقوف على التبادر عند ذاك الشخص، وهو غير موقوف على ذاك العلم بل على العلم الإجمالي الارتكازيّ.(1) بالوضع، إذ المفروض أنّ المستعلم من أهل اللسان فله علم بالوضع ارتكازاً و إن لم يلتفت إليه تفصيلاً، كعلم الأطفال بمعاني اللغات و الألفاظ و إن لم يتوجّهوا تفصيلاً إلى وضع الألفاظ لمعانيها.

ثمّ إنّ المحقق العراقي جاء بوجه آخر و قال: إنّ العلم المستفاد بالتبادر غير العلم الذي يتوقّف عليه التبادر حتى لو قلنا بتوقّفه على العلم التفصيلي، لأنّه يكفي في ارتفاع الدور تغاير الموقوف والموقوف عليه بالشخص لا بالنوع ولا


(1) المراد بالعلم الإجمالي هنا هو العلم الارتكازي الحاصل للإنسان الناشئ بين أهل اللغة من لدن صباه و إن كان غير ملتفت إلى علمه بالوضع ، وهو غير العلم الإجمالي الرائج في باب الاشتغال و الحاصل أنّ أهل اللغة من نعومة أظفارهم إلى كهولتهم يتعلّمون اللغة من آبائهم و أُمّهاتهم و أ بناء مجتمعهم ويكون لهم عند ذاك علم بوضع الألفاظ لمعانيها لكن علماً ارتكازياً إجمالياً من غير التفات تفصيلي إلى ذلك العلم.


(120)

بالصنف.ولا شبهة في مغايرة العلم الشخصي الحاصل بالتبادر، للعلم الشخصي الذي يتوقّف عليه التبادر.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان العلم التفصيلي الثاني موجوداً في لوح النفس قبل التبادر، فلا معنى لتحصيل الحاصل كما لا يخفى.

حول الدور المتوهّم في الشكل الأوّل

و لما انجرّ الكلام إلى رفع الدور عن كون التبادر علامة الوضع، لا بأس بالإشارة إلى رفع الدور المتوهّم في الشكل الأوّل، حيث إنّ العلم بالنتيجة موقوف على العلم بكلّية الكبرى، و العلم بكلّيتها موقوف على العلم بثبوت الحكم بجميع أفراد الأوسط، الذي من جملتها الأصغر. فلو استند العلم بالنتيجة إلى العلم بالكبرى لزم الدور. وقد روي أنّ الشيخ العارف أبا سعيد أبا الخير (2) أورد تلك الشبهة على رئيس الحكماء «أبي علي سينا» لإثبات أنّ الفكر غير موصل للإنسان إلى إدراك حقائق الأشياء قائلاً بأنّ الاستنتاجات كلّها من طرق الأشكال الأربعة، و الثلاثة الأخيرة تنتهي إلى الشكل الأوّل و هو مستلزم للدور و إليك نصّ كلام هذا الشيخ العارف قال: إيّاك أن تعتمد على العلوم العقليّة فانّ أوّل البديهيات هو الشكل الأوّل والاستنتاج منه مستلزم للدور، لأنّ ثبوت النتيجة يتوقّف على كلّية كبراه، ولا تصير كبراه كلية حتّى يكون الأكبر صادقاً على الأصغر، لأنّ الأصغر من جملة أفراد الأوسط.

وكان الشيخ أبو سعيد يريد أن يقول إنّ المواد التي تتألّف منها الأقيسة خمس، و القسم الشعري و المغالطي منها خارجان عن حيّز الاعتبار، و الجدل


(1) المحقّق العراقي: بدائع الأفكار:1/97.
(2) صوفيّ نيسابوري، من أكابر مشايخ العرفان و التصوّف في القرن الخامس الهجري ولد عام 357 وتوفي عام 440هـ.


(121)

لإسكات الخصم و تبكيته، والخطابي لأجل إقناع النفوس العاجزة عن إدراك اليقينيات، فبقي القياس البرهاني و هو يصاغ بأحد الأشكال الأربعة، وأفضلها هو الشكل الأوّل ، و هو لا ينتج لاستلزامه الدور.

و سيوافيك جواب الشيخ أبي علي عن الشبهة بنصّه.

وقد روى الشيخ محمد التنكابني في قصص علمائه حكاية لطيفة في أحوال الشيخ خليل القزويني و قال ما هذا تعريبه بتلخيص:

إنّ الشيخ خليل القزويني (1) كان ممن يجوز الترجيح بلا مرجّح مستدلاً بأنّ الإنسان الجائع يختار أحد الرغيفين والهارب يختار أحد الطريقين بلا مرجّح عند التسوية، وكان يعتقد ببطلان الشكل الأوّل وعدم صلاحيته للاستدلال لأنّه مستلزم للدور.

و لما وصلت شبهة الشيخ إلى اصفهان شنّع عليه المحقّق الآغا حسين الخونساري (2)وأضرابه و فندوا شبهته، و لما وقف القزويني على أنّ الخونساري قد أجاب عن إشكاله، سافر إلى اصفهان و لمّا دخل المدرسة، لقى أحد تلاميذ الخونساري أعني: الشيخ ميرزا محمّد بن حسن الشيرواني (3) و عرّف نفسه و أنّه جاء ليناظر الخونساري، فسأله الشيخ الشيرواني: لما إذا يكون الشكل الأوّل عقيماً غير منتج؟فقال: لأنّه مستلزم للدور، والدور باطل، فالشكل الأوّل باطل. فقال الشيرواني: إنّك تستدلّ على بطلان الشكل الأوّل بالشكل الأوّل لأنّ ما ذكرته من الاستدلال عين الشكل الأوّل، فكيف تبرهن بالاستدلال على بطلان الاستدلال، و


(1) ملا خليل بن غازي من تلاميذ الشيخ بهاء الدين و المحقّق الداماد، توفي عام 1089هـ.
(2) المحقّق حسين الخوانساري مؤلّف مشارق الشموس في شرح الدروس توفي عام 1099هـ وهو والد المحقّق جمال الدين خوانساري صاحب الحاشية على الشفاء المتوفى عام 1121 أو 1125هـ.
(3) شيرواني الأصل و المولد أُستاذ المولى ميرزا عبد الله التبريزي مؤلّف رياض العلماء توفي عام 1098 أو 1099هـ و كان صهراً للمولى محمد تقي المجلسي الأوّل المتوفى عام 1070هـ.


(122)

كأنّك تقول: الشكل الأوّل مستلزم للدور، و كلّ مستلزم للدور باطل وعقيم، فالشكل الأوّل باطل و عقيم.

و لمّا سمع الشيخ ما ذكره التلميذ، ركب مركبه وعاد إلى قزوين من دون أن يرى بعد الجواب حاجة لزيارة الخونساري.(1)

ونجد في كلام جلال الدين الرومي نظير ما استدلّ به القزويني حيث يقول مفنداً طريقة البرهة و الاستدلال.

پـاى استـدلاليـان چـوبيـن بـود * پاى چوبين سخت بى تمكين بود

فانّ ما ذكره في هذا البيت ليست إلاّ صورة استدلال على نفي أيّ طريق نظري و حاصله:

أنّ البرهان كالرجل الخشبية و الرجل الخشبية قليلة المقاومة، فينتج: أنّ البرهان قليل المقاومة. فجلال الدين يبطل الاستدلال بالاستدلال، وهذا من الغرائب.

وعلى كلّ حال فلابدّ من حلّ الشبهة فنقول: هاهنا أجوبة:

منها: ما ذكر من النقض، فلاحظ.

منها: ما عن الشيخ الرئيس من أنّ كلية الكبرى موقوفة على العلم باندراج الأصغر في الكبرى إجمالاً، و المقصود من النتيجة حصوله تفصيلاً.

وقد أوضحه المحقّق السبزواري في شرحه على منطق منظومته و قال: إنّ الحكم يختلف باختلاف العنوان حتّى يكون الموضوع بحسب وصف، معلومَ الحكم، و بحسب وصف آخر، مجهولاً، فيستفاد حكمه باعتبار وصف، من العلم بحكمه باعتبار وصف آخر. فإذا قلنا: كلّ إنسان حيوان، و كلّ حيوان حساس، أخذنا أفراد الحيوان الذي هو الحدّ الأوسط بعنوان الحيوان لا بعنوان الإنسان و مجانساته، فلا دور ولا مصادرة. و تختلف الأحكام باختلاف العنوانات اختلافاً


(1) محمد التنكابني: قصص العلماء: 264.


(123)

بيّناً.(1) فالإنسان بما أنّه حيوان، نعلم أنّه حساس، و نريد أن نقف على أنّه حساس، بما أنّه إنسان فالعلم الثاني موقوف على الأوّل بلا عكس.

وأوضحه المحشي المحقّق الاشتياني بقوله: إنّ العلم بالنتيجة أي أنّ العالم بالخصوص و بالتفصيل حادث، يتوقّف على العلم بالمقدّمتين. وأمّا العلم بأنّ كلّ متغيّر حادث لايتوقّف على العلم بأنّ العالم بما هو عالم و بعنوان كونه عالماً بخصوصه و تفصيلاً، حادث، بل على العلم إجمالاً بعنوان أنّه شيء متغيّر، حادث لابعنوان أنّه عالم بخصوصه. فالعلم به من حيث إنّه متّصف بعنوان خاص و هو العالمية، محكوم بصفة أُخرى و هي الحدوث، متوقّف على العلم به من حيث إنّه متّصف بصفة أُخرى بعنوان آخر و هو كونه شيئاً متغيّراً فلا دور لاختلاف طرفي التوقّف.(2)

منها: إنّ العلم بالنتيجة، أعني: العالم حادث، متوقّف على العلم بكلّية الكبرى، و لكن العلم بكلّية الكبرى موقوف على البرهان العلمي الدال على الملازمة بين التغيّر والحدوث من غير ملاحظة مصداق دون مصداق. فليست صحّة الكبرى ولا كلّيتها موقوفتين على العلم بالنتيجة أبداً، بل موقوفتان على وجود الملازمة المتساوية بين التغيّر والحدوث، سواء كان للتغيّر مصداق أم لا.

فالذي أوقع الشيخ العارف في الاشتباه توهّم أنّ الكبرى، سواء كانت قضيّة خارجية أو حقيقية، حصل بها العلم من طريق الاستقراء، والحكم الكلّي فيهما يتوقّف على العلم بحكم المصاديق تفصيلاً أو إجمالاً، فعندئذ يلزم الدور. و لكنّه غفل عن أنّ العلم بالحكم الكلّي تارة يحصل من الاستقراء التامّ، فيحصل العلم بالنتيجة قبل العلم بالحكم الكلّي، و أُخرى بالبرهان الدال على الملازمة بين الموضوع و المحمول، وفي مثله لا يتوقّف العلم بالحكم الكلّي، على العلم بأحكام


(1) الحكيم السبزواري: شرح المنظومة : قسم المنطق، 79.
(2) الحكيم مهدي الاشتياني: التعليقة على شرح المنظومة.


(124)

الأفراد لا إجمالاً ولا تفصيلاً، بل إذا علم الحكم من طريق البرهان أنّ بين طبيعة التغيّر و ماهية الحدوث ملازمة، يحكم بالحدوث على الأفراد و يسري الحكم إلى جميع مصاديقه وأفراده، فالعلم بأحكام المصاديق يحصل من العلم بالحكم الكلّـي، لا العكس كما هو مبنى الإشكال.

وبالجملة، ربّما يكون الموضوع في الكبرى ،علة و واسطة لثبوت الحكم عليه، كالتغيّر في قولنا: العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث فانّ حدوث المتغيّر، إنّما هو لأجل تغيّره إذ الحدوث إنّما هو الوجود بعد العدم، و التغيّر أيضاً هو الوجود بعد الوجود، وعدم ثبات الوجود الأوّل. فيتلازمان من غير حاجة إلى العلم بالنتيجة، كما لا يخفى.

و ربما تكون العلة للحكم الكلي في الكبرى شيئاً آخر غير الموضوع ، كما إذا دلّ البرهان على أنّ زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين فعندئذ نقول: هذا مثلث، و كلّ مثلث تساوى زواياه زاويتين قائمتين، فينتج، هذا تساوى زواياه زاويتين قائمتين. والذي يدلّ على صحّة الكبرى إنّما هو البرهان الهندسي الذي أثبت أنّ زوايا المثلث تتساوى مع الزاويتين القائمتين، من دون أن يتوقّف العلم بالكبرى على العلم بالنتيجة في المثلث الشخصي، لاتفصيلاً ولا إجمالاً، فافهم و اغتنم.

بقيت هنا أُمور:

1ـ ربّما يقال إذا كان الموضوع للاحتجاج هو ظهور الكلام سواء كان حقيقة أو مجازاً فلافائدة في معرفة الموضوع له، وتشخيص المعنى المجازي عن المعنى الحقيقي والذي يعتبره العقلاء هو ظهور الكلام سواء كان هو الموضوع له أو لا.(1)


(1) المحقّق العراقي: المقالات: 31و التعبير منّا.


(125)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الكلام ظاهراً في معنى، كان لما ذكره وجه وأمّا إذا كان الكلام مجملاً فانعقاد الظهور موقوف على العلم بالوضع، وهو يعرف بالتبادر. فيكون لمعرفة الموضوع له، أثر و فائدة.

2ـ إنّ تبادر المعنى من اللفظ في زماننا لا يثبت إلاّ كونه حقيقة فيه في هذا الزمان وأمّا كونه ذلك في صدر الشريعة، حتّى يحمل اللفظ الوارد في الكتاب والسنّة عليه، فلا يحصل بالتبادر اللّهمّ إلاّ أن يقال بجريان سيرة العقلاء على أصالة عدم النقل، و لأجل ذلك يفسّـرون بالمعاني المتبادرة في هذا الزمان ، دواوين شعراء الجاهليّة و الكتب والرسائل المكتوبة في هذه الأزمنة من غير فرق بين الأدب العربي و غيره من سائر الآداب، وكون أصالة عدم النقل مثبتاً حينئذ، لا يضرّ لاطباق العقلاء على العمل بهذه الأُصول، على هذا الوجه.

3ـ أنّ التبادر إنّما يكون حجّة على الموضوع له إذا كان التبادر مستنداً إلى اللفظ لا إلى القرينة، وإلاّ فالمعنى المجازي أيضاً يتبادر مع القرينة.

ولو شككنا في أنّه مستند إلى حاق اللفظ أو إلى القرينة فلا مجال لأصالة عدم القرينة، لأنّ ذاك الأصل حجّة عند العقلاء عند الشكّ في المراد، لا في ما إذا علم ا لمراد وشكّ في كيفية الإرادة، كما هو المفروض في المقام، لأنّ المراد معلوم والشكّ في كيفية الإرادة وأنّها هل هي على نحوالحقيقة أو المجاز كما لا يخفى. و الأُصول العقلائية حجّة فيما يمسّ بحاجاتهم و أما كيفية الإرادة و أنّها على حسب الحقيقة أو المجاز فخارج عن مقاصدهم.

الثاني: صحّة الحمل وصحّة السلب

و ربّما يعبّر عن الثاني بعدم صحّة السلب، أي عدم صحّة سلب اللفظ بمعناه المعلوم إجمالاً عن معنى. وصحّة السلب كذلك. فالأوّل آية الوضع والآخر آية عدمه توضيحه:


(126)

إنّ الحمل إمّا أوّلي ذاتي، أو شائع صناعي. أمّا الأوّل فهو ما إذا كان بين المحمول والموضوع وحدة مفهومية وأمّا الثاني فهو ما إذا كان الموضوع من مصاديق المحمول، و كان الاتحاد في مقام الوجود والعينيّة دون المفهوم كما إذا قلنا: «زيد إنسان».

وعلى أيّ تقدير، فالصور المتصوّرة في المقام لصحّة الحمل و صحّة السلب أربع: الأُولى: صحّة الحمل بالحمل الأوّلي الذاتي، الثانية: صحّته بالحمل الشائع الصناعي، الثالثة: صحّة السلب بالحمل الأوّلي، الرابعة: صحّته بالشائع الصناعي. والحمل الأوّلي يثبت كون الموضوع هو الموضوع له مثل قولنا: الحيوان المفترس أسد، والحيوان الناطق إنسان، بخلاف الحمل الشائع الصناعي، كزيد قائم فانّه لا يثبت كون الموضوع، هو الموضوع له للمحمول وإنّما يثبت كونه من مصاديق المحمول و بما نحن بصدد إحراز الموضوع له، نركِّز في المقام على الحمل الأوّلي دون الشائع الصناعي.

وأمّا كيفية الاستعلام في المقام فهي عبارة عن جعل المعنى موضوعاً، و اللفظ الذي نريد تبيين معناه محمولاً وعلى ذلك فيجب أن ينظر إلى الموضوع بما أنّه المعنى، لا بما لفظ ذو معنى بل اللفظ يكون مغفولاً عنه و ينظر إلى المحمول بما أنّه لفظ وضع لمعنى خاص و يقال: الحيوان المفترس أسد، أو الحيوان الناطق، إنسان، فإذا صحّ الحمل، أو لم يصحّ السلب، يكون ذلك آية أنّ الموضوع هو الموضوع له، كما أنّه إذا صحّ السلب حقيقة كما في قولنا: الرجل الشجاع ليس بأسد واقعاً، يكون آية أنّه ليس بموضوع له. و بالجملة ما نتصوّر أنّه معنى يجعل موضوعاً للقضية و ينظر إليه بما أنّه معنى محض ليس معه لفظ، و اللفظ الذي نريد تبيين معناه يجعل محمولاً هذا فيما إذا كان المعنى متميّزاً عن اللفظ الموضوع وأمّا في المترادفات التي يصلح أن يكون كلّ معنى للآخر، فلحفظ الضابطة يجعل المعلوم موضوعاً و المبهم محمولاً و يقال: المطَر هو الغيث و إن جاز العكس.


(127)

بقيت هنا أُمور نذكرها:

1ـ إنّ المحقّق القمي فرّق بين صحّة الحمل وصحّة السلب، فاكتفى في الأوّل بصحّة حمل معنى واحد على الموضوع، وقال في الثاني بأنّه لا يكون علامة إلاّ إذا صحّ سلب جميع المعاني الحقيقية عن المستعمل فيه لئلاّ يرد النقض في المشترك، فإنّه يصحّ سلب بعض المعاني عن مورد، كالعين بمعنى الذهب، عن الفضّة، و لا يصحّ سلب جميعها.(1)

وأورد عليه المحقّق البروجردي: أنّه إذا كانت جميع المعاني معلومة لغاية سلبها عن المورد، فلا يبقى لنا شكّ في أنّه ليس بموضوع له حتّى نتمسك بهذه العلامة،(2) و يمكن الذبّ عن الإشكال بأنّ المقصود سلب جميع المعاني المرتكزة إجمالاً في الذهن عن المورد، لا سلبها مع ملاحظتها تفصيلاً حتّى يستغني عن العلامة، للعلم التفصيلي بكونه ليس منها.

2ـ إنّ سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ أشكل على كون صحّة الحمل علامة الوضع، أو صحّة السلب علامة المجاز.

وحاصل ما أفاده: أنّ الاستشكاف والاستعلام حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع، السابق على الحمل و سلبه، فيكون إسناده إلى الحمل و سلبه في غير محلّه.

توضيحه: أنّ الحاكم لابدّ أن يتصوّر الموضوع أوّلاً بما له من المعنى حتّى يجده متّحداً مع المعنى المشكوك، ثمّ يحمل المعنى المشكوك على الموضوع المعلوم، حملاً أوّلياً. فإذا وجد ـ في عالم التصوّر ـ المعنى المحمول متّحداً مع الموضوع قبل حمله، فقد علم بوضع اللفظ للمعنى، و لم يبق لتأثير صحّة الحمل في رفع الإبهام


(1) المحقّق القمّي ، قوانين الأُصول:1/21.
(2) المحقّق البروجردي: نهاية الأُصول: 40.


(128)

مجال.

وأمّا الحمل الشائع فلا يكون علامة، إلاّ إذا كان شائعاً ذاتياً لكونه كاشفاً عن المصداق الحقيقي، كما في قولنا:«البياض أبيض» لا عرضياً. وحينئذ إذا كان المستعلم مردّداً في كون الحمل ذاتياً أو عرضياً، لم يكن له استكشاف الوضع في مجرّد الوضع و إذا كان عالماً بكونه حملاً ذاتياً، فقد علم المعنى قبل الحمل، إذا العلم بكونه مصداقاً حقيقياً ذاتياً مستلزم للعلم بكونه موضوعاً للطبيعة المطلقة.(1)

فإن قلت: إنّه إنّما يصحّ إذا كان المستعلم من أهل اللسان، وأمّا إذا كان من غيرهم فلا تبادر ولا وحدة عنده بين الموضوع والمحمول فحينئذ إذا رأى صحّة الحمل عند العرف أو صحّة السلب و عدم تنافره عندهم، يكتشف ضالّته . قلت: إنّ صحّة الحمل عند أهل اللغة أو عدم صحّته يرجع إلى تنصيص أهل اللغة و اللسان وليست بعلامة مستقلّة.(2)

يلاحظ عليه: إنّا نختار الشقّ الأوّل وأنّ المراد هو صحّة الحمل عند المستعلم لكنّه إنّما يرد إذا كان زمان الاستكشاف مقارناً لزمان الحمل و سلبه فيسبقه التبادر و يغني عن غيره. و أمّا إذا كان زمان الحمل مقدّماً على زمان الاستكشاف، كما إذا كان الحمل في مقامات اُخر، كإلقاء الخطباء، و المحاورات العرفية، ثمّ صار بصدد الاستشكاف عن المعنى الموضوع له، ورأى أنّ حمل المحمول بماله من المعنى الارتكازي على الموضوع أو سلبه عنه غير متنافرين، يستكشف من صحّة الحمل و سلبه، أنّ الموضوع الذي حمل عليه اللفظ أو سلب عنه، هو المعنى الحقيقي أو المجازي.

ونختار الشقّ الثاني و نقول إنّه لا يرجع إلى تنصيص أهل اللغة لأنّ المراد منه ليس صحّة الحمل وعدمها عندهم بل المراد تصريحهم بالموضوع بوجه تفصيلي


(1) تهذيب الأُصول: 1/58.
(2) نبّه بما ذكرناه في صدر البحث فلاحظ و إنّما ذكرناه إكمالاً لبيانه.


(129)

كالقواميس و المعاجم و ما أفاده من أنّ العلم بصحّة الحمل لا يحصل إلاّ بتصريح الغير فيرجع إلى تنصيصه، غير تامّ بل العلم بها، يحصل من الوقوف ولو بالقرائن الخارجية على كون الحمل أو السلب صحيحاً عندهم و إن لم يصرّحوا بصحّة الحمل.

3ـ إنّ المحقّق العراقي خصّ كون صحّة الحمل علامة، بالمتداول على ألسنة اللغويين، أعني به حمل أحد اللفظين المترادفين بماله من المعنى على الآخر، مثل قولهم: «الغيث هو المطر» وأمّا الحمل الأوّلي، مثل قولهم: «الإنسان حيوان ناطق» فلا يمكن أن يستكشف بصحّته وضع اللفظ للمعنى المعلوم عند من استعمل هذا الحمل، لأنّ مفهوم «حيوان ناطق» مفهوم مركّب متّصل، و بما هو كذلك، يمتنع أن يكون هو مفهوم الإنسان، لأنّ مفهوم كلّ لفظ مفرد بسيط مجمل.(1)

يلاحظ عليه: أنّ صحّة الحمل يكشف عن أنّ اللفظ موضوع لمعنى بسيط مجمل، لو وقع تحت التحليل العقلي، يصير نفس هذا العنوان المركّب، و ليس المراد أنّه موضوع لهذا المعنى المركّب، كما لا يخفى.

4ـ قد تقدّم ، أنّ التبادر، و كذلك صحّة الحمل، لا يثبتان إلاّ أنّ الموضوع هو الموضوع له بالفعل، و في عصر المستكشِف. وأمّا أنّه هو الموضوع له في عصر النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و الأئمّةـ عليهم السَّلام ـ فلا يتمّ إلاّبأصالة عدم النقل المتّفق عليها عند العقلاء الذي مرجعه إلى الاستصحاب القهقرى. فانّ الاستصحاب المعروف: جرّ المتيقّن من الماضي إلى الحال، وفيه جرّ المتيقن من الزمان الحال إلى الزمان الماضي، كما لا يخفى. و مثل هذا و إن كان لا تشمله أدلّة الاستصحاب الشرعية، لكنّه لا مناص عن القول بكون «أصالة عدم النقل» أصلاً عقلائياً مستقلاً غير معتمد على الاستصحاب.

نعم لو كان المدار في الحجّية هو الظهور الواصل للسامع، كفى نفس


(1) المحقّق العراقي: بدائع الأفكار: 1/99.


(130)

التبادر وصحّة الحمل المثبتين لهذا الظهور. وأمّا لو كان المدار هو الظهور حين صدوره من المتكلّم، فيحتاج إلى أصالة عدم النقل.

5ـ إنّ مشكلة الدور وحلّها في المقام نفسها في التبادر حرفاً بحرف فلا نطيل.

الثالث: الاطراد

الاطراد هو العلامة الثالثة و قد قرّر بالنحو التالي:

إذا اطّرد استعمال لفظ في أفراد كلّي بحيثية خاصّة، كرجل باعتبار الرجولية في زيد وعمر، مع القطع بكونه غيرموضوع لكلّواحد على حدة، استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها وبين ذاك الكلّي، وعلم أنّه موضوع للطبيعي من المعنى . واحتمال كونه مجازاً لأجل العلاقة، مدفوع بعدم الاطراد في علائق المجاز، فانّ علامة الجزء و الكلّ ليست مطّردة بشهادة أنّه يصحّ استعمال «العين »في المراقب ولا يصحّ استعمال الشعر فيه، ويصحّ استعمال اللسان في الوكيل، دون الصدر فيه و غير ذلك.

و أورد عليه المحقّق الخراساني بما هذا توضيحه:

1ـ إنّ المجاز و إن لم يطّرد في نوع علائقه و مطلق المشابهة، إلاّ أنّه في خصوص ما يصحّ معه الاستعمال في المجاز مطّرد كالحقيقة(1). فاستعمال الجزء في الكلّ مطّرد في خصوص ما إذا كان للجزء دور خاص في المورد، كالمراقبة في العين، والتبيين في اللسان، والعمل في اليد.

فإن قلت: إنّ هنا فرقاًبين الاطرادين، فإنّ الاطراد في الحقيقة، لا يحتاج إلى تأويل، بخلاف الاطراد، في المجاز فإنّه فيه يحتاج إلى التأويل و على هذا فالاطراد من غير تأويل علامة الحقيقة.


(1) كفاية الأُصول: 1/28ـ 29.


(131)

قلت: إنّ هذا يستلزم الدور: لأنّ معرفة الحقيقة متوقّفة على الاطراد «من غير تأويل»، و هو عبارة أُخرى عن «وجه الحقيقة» فصار الموقوف جزء الموقوف عليه.

أضف إليه: أنّه إذا علم كون الاستعمال على وجه الحقيقة و التفصيل، فقد تميّز المعنى الحقيقي عن المجازي فلا يحتاج بعده إلى الاستعلام أصلاً.

فإن قلت: هل يمكن الإجابة عن الدور بما ذكر في التبادر بالإجمال و التفصيل؟

قلت: لا، لأنّ المعرفة في كلا الطرفين تفصيلية، فالعلم بالحقيقة تفصيلاً موقوفة على الاطراد من غير تأويل، وعلى وجه الحقيقة تفصيلاً، فكيف يرتفع الدور.

هذا توضيح لما أفاده المحقّق الخراساني، وأضاف إليه سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ أنّ الاطراد مسبوق بصحّة الحمل في كلّ مورد، فإنّه إذا أُطلق اللفظ (العالم) على شيء (زيد) بماله من الخصوصية و العوارض يكون مجازاً مع العلاقة أو حسن الاستعمال و غلطاً بدونهما و إن أُطلق بلا إرادة الخصوصية بل باعتبار كونه واجداً لمبدء، كالعالم بالنسبة إلى زيد الواجد للعلم واطّرد ذلك الإطلاق فصحّة الحمل تكشف عن كون الموضوع هو الموضوع له، ولا يحتاج معه إلى الاطراد أبداً.

أقول: الذي يمكن أن يكون لنا ـ معاشر غير العرب ـ منتجاً هو الاطراد و قد عرفت أنّ الأعلام ، رفضوه، ولكنّهم ـ أنار الله برهانهم ـ لو أعطوا للمسألة حقّ النظر، لما رفضوه وأذعنوا أنّه أيسر الطرق و أنفعها و إليك البيان.

إنّ الجاهل (1) باللغة إذا أراد أن يعرف معاني اللغات الأجنبية من أهل


(1) الاطراد يعتمد عليه غير أهل اللسان و الجاهل باللغة خلافاً للعلامتين السابقتين فهما أعمّ يستفيد منهما أهل اللسان وغيره.


(132)

اللسان، فليس له طريق إلاّ الاستماع إلى محاورات أهل اللغة في مقامات مختلفة، فإذا رأى أنّ لفظاً خاصّاً يستعمل في مقامات مختلفة بمحمولات عديدة في معنى واحد، كما إذا رأى أنّ الفقيه يقول: الماء طاهر و مطهّر، أو قليل أو كثير، و قال الكيمائي: الماء رطب سيّال، وقال الفيزيائي: الماء لا لون له و رأى اطّراده في الموضوع الخاص، يحدس أنّ اللفظ موضوع على ما استعمل فيه في هذه الموارد، لأنّ المصحّح، إمّا الوضع أو العلاقة، والثاني لا اطراد فيه فتعين الأوّل.

وهذا هو الطريق المعروف في اقتناص معاني اللغة و لنذكر مثالاً:

ذهبت الشيعة الإمامية إلى أنّ الغنيمة في آية الخمس، مستعملة في مطلق ما يفوز به الإنسان في الحرب و غيره و لأجل ذلك استدل الفقهاء بها تبعاً لأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على تعلّق الخمس بأرباح المكاسب و غيرها خلافاً لأهل السنّة حيث قالوا باختصاص حكم الآية بالغنائم الحربية فإذا أردنا القضاء في معنى الغنيمة وأنّها هل كانت في زمن نزول الآية حقيقة في مطلق ما يفوز به الإنسان أو يختصّ بالغنائم الحربية، لا محيص من تتبّع استعمالها في القرآن و السنّة، فإنّه يهدينا إلى أحد المعنيين، وبه يثبت أنّها موضوعة لأحدهما وقد سلكنا هذا الطريق في كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنّة» وأثبتنا أنّها مطردة فيهما في مطلق ما يفوز به الإنسان.

فمن الكتاب قوله سبحانه: (...تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِندَ اللّهِ مَغانِمُ كَثيرَةٌ)(1)أراد به نعم الجنّة فمن السنّة ما رواه ابن ماجة في كتاب الزكاة أنّه جاء عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّاجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً».(2)

وفي مسند أحمد عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ:«غنيمة مجالس الذكر الجنّة».

و فيه أيضاً عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في وصف شهر رمضان: «غنم المؤمن».


(1) النساء: 94.
(2) الاعتصام بالكتاب والسنّة: 92.


(133)

إلى غير ذلك من الموارد التي اطّرد فيها استعما ل المادة في ذلك المعنى، و ليس له سبب سوى الوضع و إلاّلم يطّرد.

هذا هو الطريق المألوف في اقتناص مفاهيم اللغات و معانيها و عليه قاطبة المحقّقين.

وهذا المقدار من البيان لا يكفي في إثبات كونه علامة الوضع إلاّ بدفع الإشكالات الثلاثة التالية:

الأوّل: أنّ المجاز مثل الحقيقة مطّرد في مورد صنف العلاقة لا نوعها.

الثاني: أنّ المعرفة التفصيلية بالمعنى الحقيقي يتوقّف على الاطراد من غير تأويل، و المراد من غير تأويل هو المعرفة التفصيلية بالمعنى الحقيقي، ولازمه أخذ المعرَّف وجعله جزء المعرِّف.

الثالث: أنّ الاطراد مسبوق بصحّة الحمل، فيكون غير محتاج إليه.

وإليك الذبّ عن الجميع.

أمّا الإشكال الأوّل أي كون صنف المجاز مطّرداً في صنف العلاقة و إن لم يكن مطّرداً في نوعها. فيدفع بأنّ المجاز غير مطّرد حتّى في مورد صنف العلاقة و ذلك لأنّ المجاز من قبيل استعمال اللفظ في الموضوع له لكن بادّعاء اتّحاده مع المعنى المجازي و لكن حسن هذا الادّعاء، رهن أمرين:

1ـ حسن الادّعاء أنّ الرجل الشجاع أسد، دون الرجل الأبخر.

2ـ كون المقام مناسباً لإظهار هذا الادّعاء.

إذا عرفت ذلك ظهر أنّ المجاز غير مطّرد حتّى في صنف العلائق فضلاً عن نوعها، بل يتوقّف على كون المقام مناسباً لإظهار الادّعاء كبيان الشجاعة، فلو كان المتكلّم في مقام بيان شجاعة الرجل يصحّ خطابه، بقوله: «يا أسد»، أو توصيفه به، وأمّا إذا لم يكن المقام من هذا القبيل، كما إذا أراد دعوته إلى تناول


(134)

الطعام، فانّه لا يصحّ أن يقول: «يا أسد، تفضّل إلى الطعام» بل يجب أن يقال يا رجل.

فهناك فرق بين يا رجل، وياأسد، فالثاني لا يصحّ إلاّ إذا كان المقام مختصّاً ببيان شجاعته بخلاف الأوّل و بذلك يظهر اختصاص الاطّراد بالحقائق دون المجازات، ولأجل ذلك قلنا لو صحّ استعمال اللفظ في موارد مختلفة مع محمولات مختلفة، لكشف عن كون المجوّز هو الوضع دون القرينة و ليس المجاز متحمّلاً ذاك الأمر.

و مثله: إذا قلنا: «فلان عين» فليس له اطّراد، كاطّراد لفظ الإنسان. إلاّفي مقام خاص و هو كونه مراقباً للأُمور.

وبذلك يظهر عدم تمامية ما أفاده المحقّق العراقي حيث قال إن أُريد من التبادر هو الاطّراد في التبادر فيرجع إليه و إن أُريد الاطّراد في الاستعمال فهو ليس منحصراً بالمعنى الحقيقي لوجوده في المجازات أيضاً فلا يمكن أن يكون علامة(1) لما عرفت من أنّ المراد الاطّراد في الاستعمال لكن لمناسبات مختلفة، و في موارد متنوعة والمجاز ليس كذلك.

وأمّا الإشكال الثاني أعني: كون العلامة هو الاطّراد من غير تأويل، و المقصود من عدم التأويل كونه على وجه الحقيقة. و هو يستلزم الدور، لأنّ العلم بالموضوع له على وجه الحقيقة، يتوقّف على الاطّراد من غير تأويل و هو عبارة أُخرى عن وجه الحقيقة.

قلت: إنّ العلم بالموضوع له على وجه الحقيقة، متوقّف على الاطّراد على النحو الذي ذكرناه بأن يقع لفظ بمفهوم واحد، من طبقات مختلفة الحرفة، موضوعاً للمحمولات كثيرة وعلى ضوء ذلك، فليس كونه من غير تأويل جزء


(1) المحقق العراقي: بدايع الأفكار: 1/98.


(135)

للموقوف عليه، بل هو نتيجة الاطّراد وفي طوله لا في عرضه فيكون الاطّراد مبدء لحدس أُمور تالية:

1ـ إنّ الاطّراد معلول للوضع.

2ـ إنّ الاطّراد ليس مقروناً بالتأويل إذ لو كان لما خفي مع كثرة الموارد.

3ـ يحصل العلم بأنّ الموضوع هو المعنى الحقيقي .

والحاصل: أنّ هنا شيئاً واحداً، يعبّر عنه تارة أنّ المسوغ للاستعمال هو الوضع لا القرينة وأُخرى بالعلم بالحقيقة، وثالثة «العلم بلا تأويل» و الجمع نتيجة الاطّراد، على النحو الذي أوضحناه، لا أنّ العلم بالحقيقة، متوقّف على الاطراد بلا تأويل، بل كلاهما متوقّفان على الاطّراد على النحو الذي ذكرناه، و هو مبدء لحصولهما، وقد عرفت أنّ مرجعهما واحد.

ثمّ إنّ هذا الوجه هو الذي أشار إليه شيخ مشايخنا العلاّّمة الحائري: «أنّ المراد من الاطّراد حسن استعمال اللفظ في كلّ موقع من غير اختصاص له بمواقع خاصة، كالخطب والأشعار، ممّا يطلب فيها إعمال محاسن الكلام و رعاية الفصاحة و البلاغة. بخلاف المجاز فإنّه إنّما يحسن في تلك المواقع خاصة، وإلاّففي مورد كان المقصود ممحضاً في إفادة المدلول لا يكون له حسن كما لا يخفى.(1)

وقال المحقّق البروجردي: «إذا كان المقام مقام الإخبار بوقوع الرؤية على الرجل في قولنا:رأيت رجلاً يرمي» يكون إطلاق الرجل عليه حسناً بنحو الإطلاق وأمّا استعمال الأسد ـ في قولنا: «رأيت أسداً يرمي ـ فيتوقّف (مضافاً إلى تحقّق العلاقة و مصحّح الادّعاء) على كون المقام ، مقام إظهار شجاعته، وذلك يختلف بحسب الموارد فجعل عدم اطّراد الاستعمال من علائم المجاز صحيح بلا إشكال».(2)


(1) المحقّق الشيخ عبد الكريم الحائري: درر الأُصول: 1/15.
(2) المحقّق البروجردي: نهاية الأُصول: 37.


(136)

وأمّا الإشكال الثالث، أعني: ما أفاده سيّدنا الأُستاذـدامظلّهـ من أنّ الاطّراد مسبوق بصحّة الحمل، فيستكشف الوضع قبله به.

فيمكن أن يقال: إنّ الاطّراد إنّما يكون مسبوقاً به لو علم بصحّة الحمل بلا قرينة، وأمّا إذا شكّ، فلا فعندئذ يكون اطّراد الاستعمال في موارد مختلفة بمحمولات متنوعة كاشفاً عن الحقيقة، وأنّ المجوّز هو الوضع، دون القرينة من دون أن يكون لصحّة الحمل دور في مجال الاستكشاف.

ثمّ إنّ كون الاطّراد دليلاً على الحقيقة ليس بمعنى أنّ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة كما عليه المرتضى و ذلك للفرق بين القولين فإنّ ما ذكره يرجع إلى أنّ الأصل في كلّ استعمال ما لم يعلم كونه معنى مجازياً كون المستعمل فيه معنى حقيقياً ولأجل ذلك ذهب إلى أنّ اشتراك صيغة الأمر في الوجوب والندب لأجل استعماله فيهما وبالجملة هو يكتفي بمجرّد الاستعمال و يجعله دليلاً على الحقيقة.

وما ذكرنا يرجع إلى أنّ استعمالاً واحداً أو إثنين لا يكشف عن كون المستعمل فيه حقيقة إلاّ إذا انتهى إلى حدّ نطمئنّ بأنّ الانتقال من اللفظ إليه، مستند إلى الوضع لا إلى القرينة إذ لو كان لبان، ولو خفي في مورد فلا يكاد يخفى في الموارد المختلفة و كم فرق بين القولين:

الرابع: تنصيص أهل اللغة:

قد ذكروا أنّ تنصيص أهل اللغة من أسباب التعرّف على تميّز الحقائق عن المجازات. فإن أرادوا منه، أهل اللسان، و خصوصاً سكّان البادية والأعراب الذين لم يتأثّروا بالأجانب فصارت لغتهم مصونة عن التحريف فنعمت العلامة.

إنّ الأوائل من مدوني اللغة، كالخليل (ت/170)، و الجوهري (ت/299) قد أخذوا كثيراً من المعاني من ألسن الأعراب وسكّان البوادي، البُعداء عن المتحضرين، المتأثّرين بعد الفتوحات، بالأجانب من الترك والفرس


(137)

والهنود فصارت لغتهم ممزوجة بالدخيلات.

وإن أرادوا تنصيص مدوني المعاجم و القواميس، فقد استشكل عليه، بأنّ ديدنهم بيان المستعمل فيه، لا الموضوع له فترى أنّهم يذكرون للقضاء معاني عشرة، و للوحي، معاني متنوعة مع أنّهما ليسا من المشترك اللفظي و لأجل ذلك لا يكون نصّهم دليلاً على شيء.

لكن هنا ملاحظتان:

الأُولى: أنّ ما ذكر ليس هو الخطّ الحاكم على جميع المعاجم و هناك من اللغويين من يحاول أن يعرف المعنى الأصيل الذي اشتق منه سائر المعاني بأسباب شتّى، كالمقاييس تأليف أحمد بن فارس المتوفى عام 395 فإنّه من أحسن ما أُلّف في هذا الباب فعلى الفقيه مراجعة ذلك المعجم و نظائره حتى يميز المعنى الأصلي عن المعنى المشتق منه.

الثانية: أنّ الإمعان في المعاجم المعروفة التي تذكر موارد الاستعمال ربّما يوصل الإنسان إلى تميّز المعنى الحقيقي عن المعاني المتولّدة و المتعدّية إليها بمناسبات شتّى و ذلك كلفظ الوحي فقد ذكروا له معاني متعدّدة كالإشارة السريعة، و الصوت الخفي، و الإلهام القلبي، و التسخير، و ذكروا لكلّواحدة شاهداً من الكتاب و السنّة و الأدب و لكن الإمعان يعطي أنّه ليس له إلاّ معنى واحد و هو الإفهام بخفاء، و البواقي صور له فانّه يتحقّق تارة بالإشارة و أُخرى بالكلام الخفي، وثالثة بالإلقاء في الروع، إلى غير ذلك من الصور لذلك المعنى الحقيقي.

و لذلك يجب على الفقيه، ممارسة المعاجم و مطالعتها، كمطالعة سائر الكتب الفقهية والأُصولية، حتّى يخالط علم اللغة دَمه و لحمه و عند ذلك يستطيع على القضاء في اللغة وتبيين المعاني الحقيقية عن المجازيّة وقد كان مشايخ الشيعة الأوائل كالصدوق. والمفيد و المرتضى والطوسي والطبرسي، من فقهائنا من


(138)

الأقوياء في علم اللغة فكانوا لغويين قبل أن يكونوا فقهاء. ولكن يا للاسّف ارتحل الأدب العربي بالمعنى الصحيح عن جامعاتنا العلمية ويا لها من خسارة لا تجبر.

وهناك كلمة للعلاّمة أبي المجد نأتي بنصّها: قال: إنّ أئمّة هذا الفن (اللغة) المتقدى بهم في علمي النحو و الصرف و غيرهما من العلوم العربية، كيف صار كلامهم حجّة في تلك العلوم دونها؟ و بأيّ وجه لا يصدق الخليل ـ وهو الوجه و العين ـ فيما ينقله في كتاب «العين» عمّا سمعه في اللغة من بادية الأعراب و يصدق فيما ينقله عنه صاحب الكتاب من وجوه الإعراب! هذا هو الحيف إلاّ أن يمنع هذا المانع، حجّية أقوالهم في جميعها فتكون هذه الطامّة جناية على علوم العربية عامّة.(1)

***

المقدمة الثامنة:

أحوال الألفاظ و تعارضها

قد ذكر الأُصوليون للفظ أحوالاً خمسة، وهي: التجوّز، و التخصيص ، والاشتراك، و النقل، والإضمار. ولا شكّ أنّ الكلّ خلاف الأصل. و لأجل ذلك لو دار الأمر بين الحقيقة و المجاز، و العام و الخاص، و هكذا...فالحقيقة والعام مقدّمان على مقابليهما و هكذا....

إنّما الكلام إذا دار الأمر بين هذه الأُمور ـ كما إذا دار الأمر في قولنا: «واسأل القرية» ، بين إضمار لفظة «الأهل» أو المجاز ـ فقد ذكر الأُصوليون لترجيح بعضها على بعض وجوهاً، لكنّها وجوه و مرجّحات ظنّية استحسانية لا دليل على اعتبارها ، فلابدّ من اتّباع الظهور العرفي سواء أساعد هذه الوجوه أم لا.

و إن شئت قلت: ما ذكروه من الوجوه، أُمور عقلية بحتة لا يلتفت إليها


(1) أبو المجد الاصفهاني: وقاية الأذهان:510ـ 511.


(139)

العرف، ولا يثبت بها الظهور العرفي حتّى تكون متّبعة.

نعم، وقع الكلام في ما هو المتبع عند العقلاء، فهل هو أصالة الظهور، أو أصالة الحقيقة، أو أصالة عدم القرينة؟ و تظهر الثمرة فيما إذا احتُفّ الكلام بما يصلح للقرينية، فالأصلان الأوّلان محكّمان، دون الأصل الثالث، لجريانه في ما إذا شكّ في أصل وجود القرينة، لا فيما إذا شكّ في قرينية الشيء الموجود.

وسيوافيك عند البحث عن حجّية الظواهر أنّ حجّيتها لا تتوقّف على شيء من هذه الأُمور، وأنّ دلالة الظواهر على معانيها الاستعمالية قطعية، و ليست بظنّية ، فتربّص حتّى حين.

***

المقدّمة التاسعة:

في الحقيقة الشرعية

لا شكّ أنّ ألفاظ الصلاة والصوم والزكاة والحجّ و نظائرها كانت حقائق لغوية في الدّعاء والإمساك، والنموّ والقصد، قبل بعث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما أنّها كانت حقيقة في المعاني الخاصّة في عصر الصادقينعليمها السَّلام بل قبله. لكن الكلام في كيفية كونها حقائق في هذه المعاني الثانوية وأوانه و زمانه و لأجل إيضاح الحقّ نبحث في جهات:

الأُولى: في تحرير محلّ النزاع و بيان الأقوال فيها. أقول: الأقوال فيها أربعة:

1ـ ذهب أبوبكر الباقلاني (ت/403) من أكابر الأشاعرة إلى أنّ الألفاظ المذكورة باقية في المعاني اللغوية، وقد استعملت فيها،و طبّقت على مصاديق كشف عنها الشارع.

2ـ إنّها نقلت في لسان النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية بالوضع التعييني أو التعيّني فصارت حقائق في تلك المعاني في عصره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ.


(140)

3ـ إنّها استعملت في لسان النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في تلك المعاني مجازاً، ثمّ صارت حقائق فيها في لسان المتشرّعة بعد رحيل النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهي حقائق متشرعية لا شرعية.

4ـ إنّها كانت حقائق في تلك المعاني في عصر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و قبله وأنّ العرب يستعملها في تلك المعاني ـ وراء المعاني اللغوية ـ بلا قرينة مقاليّة أو حاليّة و النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تبع في استعماله ذلك الوضع الموجود قبل ميلاده.

والمشهور بين الأُصوليين هو الأقوال الثلاثة الأُول، والرابع هو خيرة سيّدنا المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه.

الثانية: في بيان الثمرة للبحث و هي ما إذا وردت هذه الألفاظ في لسان النبي أو الأمير عليمها السَّلام بلا قرينة مفهمة، فلو قلنا بالحقيقة الشرعية فيحمل عليها، وإلاّ فيحمل على المعاني اللغوية حتّى يثبت النقل فإذا قال الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: إذا رأيتم الهلال فصلّوا وافترضنا إجمال الكلام فعلى القول الثاني يحمل على الدعاء، بخلاف ما إذا قلنا بالحقيقة الشرعية فيحمل على المعاني المعروفة لدى المتشرعة.

و سيوافيك أنّ البحث عادم الثمرة إذ ليس لنا مورد يتردّد فيه مفهوم اللفظ بين المعنى اللغوي أو الاصطلاحي فالكلّ سواء كان نبوياً أوعلوياً واضح المعاني، مبيّن المقاصد وأمّا الوارد في لسان السبطين و من بعدهماـ عليهم السَّلام ـ فالأمر أوضح.

الثالثة: في بيان دلائل المثبتين والنافيين.

استدل المثبت بتبادر المعاني الشرعية منها في محاورات النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، مؤيّداً بأنّه لولا الوضع لا يصحّ استعمالها فيها مجازاً إذ ربّما لا تكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعيّة و اللغوية فأيّ علاقة بين الصلاة شرعاً و الصلاة بمعنى الدعاء و مجرّد اشتمال الصلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر في علاقة الجزء والكلّ.(1)


(1) المحقق الخراساني: كفاية الأُصول:1/32.


(141)

يلاحظ عليه: بأنّ التبادر في محاوراته أعمّ من كونها حقائق شرعية في لسانه إذ من المحتمل أن تكون تلك الألفاظ حقائق في تلك المعاني في لسان العرب المتواجدين في الحجاز و ما والاها المنتمين إلى دين الحنيف الذي هو شريعة إبراهيم الخليل. فالتبادر يلائم القول الرابع ايضاً.

استدلّ النافي بأنّ كونها حقائق شرعية في لسانه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتوقّف على الوضع و هو إمّا تعييني أو تعيّني والأوّل بعيد جدّاً وإلاّ لنقل، والثاني يتوقّف على الاستعمال بكثرة و لا يكفي عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و استعمالاته في تحقّق النقل.

يلاحظ عليه: بأنّه يُختار الشق الأوّل ويُجاب بأنّ الوضع غير منحصر فيما ذكر بل هناك قسم ثالث، وهو الاستعمال بداعي الوضع كما إذا احتفلت الأُسرة، لتسمية المولود الجديد، و الكلّ ينظر إلى كبيرهم بماذا يُسمي المولود، فيقول ائتني بولدي الحسن. فهو بنفس هذا الاستعمال، يسميه حسناً و هو واقع كثيراً و لعلّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند ما قال: صلّوا كما رأيتموني أُصلّي، قام بنفس هذا العمل.

وقد أُورد على هذه المحاولة بأنّه يستلزم الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي فإنّ اللفظ لدى الوضع يلاحظ استقلالاً وعند الاستعمال يلاحظ آلياً، فالجمع بين الوضع والاستعمال يستلزم الجمع بين اللازمين المختلفين.(1)

وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه مختلفة ذكرها السيّد الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ في درسه (2)أحسنها ما أفاده من أنّه إن أُريد من الآلية، هي الغفلة عن اللفظ وعدم الالتفات إليه فهو ممنوع و إنّما يغفل عنه العارف باللسان إذا تعلّقت إرادته بإبراز ما في ضميره على أيّ نحو كان، فيلقى الألفاظ فكأنّه يلقى المعاني، وأمّا إذا كان المتكلّم من غير أهل اللسان أو كان من أهل اللسان و لكنّه يظهر خطيباً يريد


(1) سمعنا من بعض المشايخ أنّ المورِد هو الفقيه السيّد أبو الحسن الاصفهاني صاحب الوسيلة ولكن نقله المحقّق النائيني في تقريراته بشكل يعرب أنّه المورد لاحظ أجود التقريرات: 1/33.
(2) الإمام الخميني : تهذيب الأُصول: 1/65.


(142)

إلقاء محاضره بأحسن الألفاظ والعبارات فيكون لهما عناية خاصة باللفظ و منهاهذا المقام، فإنّ لكبير الأُسرة في هذا المقام عناية باللفظ الذي يريد تسمية ولده به.

وإن أُريد منها، أنّ اللفظ وسيلة، و الغاية هي المعنى، فهو يلائم مع الاستعمال بداعي الوضع.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ذهب إلى أنّ هذا النوع من الاستعمال ليس بحقيقة ولا مجاز وأنّه غير ضائر بعد ما كان ممّا يقبله الطبع ولا يستنكره.

يلاحظ عليه: أنّه لو افترضنا أنّ هذه الألفاظ كانت موضوعة لمعاني لغوية كالدعاء للصلاة، لماذا لا يكون استعماله في العبادة الخاصّة مجازاً مع صدق حدّه عليه، من غير فرق بين تعريفه بالاستعمال فيما وضع له مع الادّعاء، أو الاستعمال في غيرما وضع بعلاقة المشابهة وغيرها نعم لا يوصف الاستعمال الثاني و الثالث بالمجاز لكونهما بتبع الوضع.

ويختار الشقّ الثاني و هو صيرورة هذه الألفاظ حقائق فيها بالوضع التعيني، ولكن لماذا لا يكفي فترة الرسالة له، مع أنّ بلالاً ينادي كلّ يوم و يقول: حيّ على الصّلاة عشر مرّات فيكفي في النقل، مضي أيّام فضلاً عن شهور و أعوام.

هذا هو حال القولين وأمّا القول الثالث، أعني: المنقول عن الباقلاني، فلا يعتدّبه .

ما هوالحقّ في المقام؟

القرائن الموجودة في القرآن والحديث والأدب العربي تثبت أنّ هذه الألفاظ كانت موضوعة لهذه المعاني قبل نزول الوحي على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، وأنّه ليس في الإسلام عبادة مخترعة أو معاملة كذلك (اللّهمّ إلاّالمتعة، فقد كانت من ابتكارات الرسول


(143)

بأمر منه سبحانه على قول) وهذا هو المختار، كما سيوافيك بيانه، و تحقيق المطلب يستدعي بيان أُمور:

1ـ هل كانت العبادات المشروعة في الإسلام، موجودة في الشرائع السابقة أو لا، الصحيح أنّها كانت موجودة، ويشهد له كثير من الآيات القرآنية ونكتفي ببعض منها:

قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامَ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون).(1)

وقال تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بالحَجِّ يَأْتوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق) .(2)

وقال تعالى: (قالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً* وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوصانِي بالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً) .(3)

وقال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الكِتابِ إِسْماعيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِوَ كانَ رَسُولاً نَبِيّاًوَ كانَ يَأْمُرُأَهلهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاة وَكانَ عِنْدَرَبّهِ مَرضيّاً) .(4)

فانّ هذه الآيات وغيرها ممّا يجده المتتبّع في القرآن ، تدلّ على وجود تلك الماهيّات في الشرائع السابقة و أنّها ليست ماهيات مخترعة.

أضف إلى ذلك أنّ لكلّ قوم حسب فطرتهم عبادة يتقرّبون بها إلى الله سبحانه و يخضعون دونه، لا سيما العرب، فإنّهم كانوا على مدى الأعصار، بين عابد لله و خاضع له، وعابد للأوثان متقرّب بعبادتها إلى الله.

والباقيات الأثرية للأُمم الماضية، كشفت عن كون العبادة للإله الحقيقي أو الموهوم، أقدم عمل للإنسان وأنّه لم تكن أيّة حضارة بشرية خالية عن الاعتقاد


(1) البقرة: 183.
(2) الحج: 27.
(3) مريم:30و 31.
(4) مريم: 53و 54.


(144)

والتعبّد.

2ـ إذا كانت هذه الحقائق موجودة في شريعة إبراهيم و كان إسماعيل أبو العرب العدنانيين(1)يبعث أولاده إلى الصلاة و الزكاة، فلا محالة كان اللفظ المعبّر عن هذه المهيّات، هو نفس ما ورد في القرآن و في لسان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الصلاة و الزكاة والصوم، إذ التعبير عنها بغير هذه الألفاظ مع كون العربية لسانهم، على خلاف الأمر المتّبع بين أهل اللسان.

ويؤيّد هذا المطلب، أنّ لفظ الصلاة ورد في السور المكّية 35 مرّة، و كان تشريع الصلاة ليلة المعراج في العام العاشر من البعثة و قد نزلت كثير من الآيات المشتملة على هذه الألفاظ قبل المعراج، في أوائل البعثة كقوله سبحانه في سورة القيامة: (فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلّى* وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى) (2) و في سورة المدّثر: (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّين) (3) وفي سورة العلق:(أَرَأَيْتَ الّذِي يَنْهىعَبْداً إِذا صَلّى) (4) و في سورة الأعلى: (وَ ذَكَر اسْمَ رَبّهِ فَصَلّى) (5). وفي سورة الكوثر: (إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوثَر* فَصَلِّ لِرَبِّكَوَانْحَر) (6) إلى غير ذلك من الآيات الواردة أوائل البعثة، الشاملة للصلاة و الزكاة.

وهذه الآيات أوضح شاهد على وجود هذه الماهيّات لدى العرب، وأنّ ألفاظها المعبرة عن تلك الماهيات هي نفس الألفاظ التي استعملها الشرع وأنّ الاختلاف بين صلاة الأُمم الماضية و الصلاة الواردة في الشريعة الإسلامية كالاختلاف بين صلاتي المسافر و الحاضر و المختار والمضطرّ.

والحاصل: أنّ المراد من الصلاة و ما يتلوها في هذه الآيات، هو المعاني


(1) تزوّج إبراهيم بامرأة جرهمية قحطانية. فأولاد إسماعيل من جانب الأب فلسطينيّون أو بابليون ـ تبعاً لكون أبيه إبراهيم من هذا القطر أو ذاك ـ و من جانب الأُم قحطانيون.
(2) القيامة:31و 32.
(3) المدثر:43.
(4) العلق: 9و10.
(5) الأعلى: 15.
(6) الكوثر: 1و2.


(145)

المعهودة، لا الدعاء و لا التزكية.

وبذلك يظهر أنّ ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ المعاني، و إن كانت ثابتة في الشرائع السابقة، إلاّ أنّها لم تكن يُعبّر عنها بهذه الألفاظ بل بألفاظ أُخر، فلا يكون ثبوتها في الشرائع السابقة مانعاً عن ثبوت الحقيقة الشرعية(1) غير تام. لأنّ الشرائع السابقة، و إن كانت تعبّر عن هذه المعاني بغير هذه الألفاظ وإنّما يعبّـرون بالعبرية و السريانية، لكن وجودها في الشرائع السابقة يستلزم وجودها في شريعة إبراهيم التي هي الدين الرائج في الجزيرة العربية، ولا سيما بعد ما عرفنا أنّ إسماعيل الذي يعدّأصلاً للعرب العدنانيين كان يتكلّم باللغة العربية و كان يأمر أهله بهذا اللسان بالصلاة والزكاة، فعند ذلك يتبيّن أنّ العرب كانت تعبّر عن هذه المعاني بهذه الألفاظ لا بغيرها و إلاّ لو كانت تعبّر بغيرها، لعلم و بان.

كما ظهر ضعف ما أفاده العلاّمة المشكيني في تعاليقه على الكفاية حيث قال بأنّ وجود المخترعات عند الأُمم السابقة لا يقدح في الحقيقة الشرعية، لأنّ تلك الألفاظ لم تكن حقيقة في هذه المعاني، كما هو كذلك بالنسبة إلى أكثر الشرائع الواردة على غير لسان العرب.(2)

لما عرفت من أنّ الاستدلال ليس بمجرّد ورودها من الشرائع السابقة، بل الاستدلال مبني على أنّ وجود هذه المعاني في شريعة إبراهيم و انتشارها في زمن إسماعيل في الجزيرة العربية، يقتضي وجود هذه المعاني بين عرب الجزيرة. .

ويؤيّد ذلك أنّ القرآن أطلق هذه الألفاظ في أوائل البعثة مجرّدة عن القرينة، و هو دالّ على وجود هذه المعاني عند العرب، وأنّهم كانوا يعبّرون عنها بهذه الألفاظ.

3ـ إنّ الله سبحانه يحكم على صلاة المشركين الرائجة في العهود الجاهلية


(1) المحقّق النائيني : أجود التقريرات: 1/ 34.
(2) المحقّق الخراساني: كفاية الأُصول:1/33.


(146)

المتقدّمة على الإسلام بأنّها كانت مكاء وتصدية.

قال سبحانه: (وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّمُكاءً وَتَصْدِيَةً) (1) فأثبت لهم صلاة، وحكم بأنّها لم تكن إلاّمكاءً وتصدية،. والمُكاء هو الصفير، والتصديةً هو التضيق.

4ـ لمّا هاجر جعفر بن أبي طالبعليمها السَّلام و لفيف من المسلمين إلى الحبشة في العام الخامس من البعثة أو بقليل بعده و بلغ ملك الحبشة تواجد المسلمين في بلاده حاول أن يكلّمهم ليعرف دينهم فالتفت النجاشي إلى جعفر وسأله قائلاً:

«ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا (به) في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟

فقال جعفر بن أبي طالب عليمها السَّلام :«أيّهاالملك! كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، ويأكل القوي منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتّى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه و صدقه، وأمانته و عفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، و نخلع ما كنّا نحن و آباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكفّ عن المحارم، والدماء و نهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. و أمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة و الصيام فصدّقناه وآمنّا به، واتّبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدى علينا قومنا فعذّبونا، و فتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، و أن نستحلّ ما كنّا نستحلّ من الخبائث، فلمّـا قهرونا و ظلمونا و ضيّقوا علينا، وحالوا بيننا و بين ديننا، خرجنا إلى بلادك ، و اخترنا بلادك، و اخترناك على من سواك، و رغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلَم عندك


(1) الأنفال:34.


(147)

أيّها الملك».(1)

كما يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الخوئي ـدامظلّهـ حيث قال: «إنّ مجرّد الثبوت هناك لا يلازم التسمية بهذه الألفاظ الخاصّة. و ليس في المقام إلاّ التعبير عنها بهذه الألفاظ في الكتاب العزيز، ومن والواضح أنّه لا يدلّ على وجود تلك الألفاظ في الشرائع السابقة، كما هو الحال بالقياس إلى جميع الحكايات و القصص القرآنية التي كانت بالسريانية، كما في لغة عيسى، أو العبرانية، كما في لغة موسى، و من المعلوم أنّ تلك المعاني كانت تعبّر عنها بألفاظ سريانية أو عبرانية».(2)

لأنّك قدعرفت أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاطب العرب الجاهليين في عصر نزول القرآن بهذه الألفاظ و أراد تلك الحقائق من دون نصب قرينة حالية أو مقالية أمّا الأُولى، فلعدم صدور عمل من النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يمثل حقيقة الصلاة والزكاة عند تلاوة الآيات. وأمّا الثانية، فلعدم احتفاف الآيات بشيء من القرآئن. وقد عرفت أنّ لفظ «الصلاة» ورد في السور المكّية 35 مرّة، و قد شرعت الصلاة في ليلة المعراج في العام العاشر من البعثة، وقد نزلت تلك السور أو أكثرها قبل المعراج.

وعلى ذلك فهذه الألفاظ حقيقة في هذه المعاني حقيقة عرفية.

والقول بأنّ الموجود في الشرائع السابقة يغاير الموجود في الشريعة الإسلامية مغايرة بالتباين كما يظهر من المحقّق النائيني حيث قال: «الألفاظ المستعملة في الشرائع السابقة لم يكن المراد منها هذه المعاني الشرعية»(3)غير تام، لاعتراف القرآن بوحدة الحقيقة في موردي الحجّ والصيام، كما عرفت من الآيات السابقة،


(1) ابن هشام: السيرة النبوية:1/338; المقريزي: امتاع الاسماع: 21; المجلسي: بحار الأنوار: 18/414.
(2) المحقّق الخوئي: المحاضرات:1/ 138.
(3) المحقق النائيني : أجود التقريرات: 1/ 34.


(148)

والتفكيك بينها و بين غيرها بعيد.

نعم الاختلاف الموجود في الشرائع لا يتجاوز عن الاختلاف في الكمّ و الكيف و هذا الاختلاف موجود في نفس الشريعة في صلاتها.

وعلى ذلك فالحقيقة الشرعية أو الحقيقة المتشرعية منتفية في هذه الألفاظ.

وأمّا الثمرة فهي أيضاً منتفية لعدم الشكّ في المراد في واحد من الكلمات الواردة في الكتاب والسنّة حتّى يتوقّف فهم المراد منها على ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمها. إلاّ موارد نادرة مثل الكراهة فقد ادّعى صاحب الحدائق أنّها في لسان الأئمّة مشتركة بين الحرمة والمعنى الاصطلاحي و لكن التردّد بين المعنيين ليست مستنداً إلى القول بالحقيقة الشرعية، بل المدعى أنّه في اللغة أيضاً كذلك.

وأمّا ألفاظ المعاملات كالبيع والإجارة حتّى مثل النكاح والطلاق والخلع، فقد كانت مستعملة في تلك المعاني في عصر الرسالة و قبله.

خاتمة المطاف في تحديد حجّية عدم النقل

قد عرفت أنّ البحث عن الحقيقة الشرعية عادم الثمرة ومع ذلك لو افترضنا مورداً كان الأمر فيه دائراً بين الحمل على المعنى اللغوي أو المعنى الشرعي، فهل يحمل على المعنى اللغوي، تمسّكاً بأصالة عدم النقل أو لا؟ نقول: إنّ هنا صوراً:

1ـ إذا كان تاريخ النقل والاستعمال معلومين.

2ـ إذا كان تاريخ النقل والاستعمال مجهولين.

3ـ إذا كان تاريخ النقل مجهولاً و تاريخ الاستعمال معلوماً.

4ـ إذا كان تاريخ الاستعمال مجهولاً و تاريخ النقل معلوماً.

لا حاجة إلى الأصل في الصورة الأُولى، كما أنّ الأصلين يتساقطان في الصورة الثانية ـ على فرض الجريان ـ إنّما الكلام في جريان الأصل في جانب


(149)

المجهول في الصورتين الأخيرتين.

أمّا إذا كان الاستعمال معلوم التاريخ، و النقل مجهوله فهل يصحّ إجراء أصالة عدم النقل إلى زمان الاستعمال لتكون النتيجة، حمل اللفظ على المعنى اللغوي: وجهان:

1ـ عدم جريانه، لأنّه إنّما يجري إذا شكّ في أصل النقل لا في تأخّره كما عليه المحقّق الخراساني قدَّس سرَّه.

2ـ الحجّة لا يرفع عنها اليد إلاّ بحجّة مثلها و الوضع السابق لا يتجاوزعنه إلاّ بعد العلم بالوضع الثاني كما عليه شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري قدَّس سرَّه.

يلاحظ عليه: كما أفاده السيّد الأُستاذ ـ أنّ الحجّة هو الظهور والعلم بتعاقب الوضعين، يمنع عن انعقاده أضف إليه أنّه لو صحّ ما ذكر لزم التمسّك به في جميع الصور الثلاث.

وأمّا إذا كان تاريخ الاستعمال مجهولاً والنقل معلوماً، فلا يجوز استصحاب تأخّر الاستعمال لتكون النتيجة، الحمل على المعنى الاصطلاحي. و ذلك لأنّه إمّا أصل شرعي يتوقّف على ترتّب الأثر الشرعي بلا واسطة و ليس بموجود وإمّا أصل عقلائي، فليس عندهم ذاك الأصل وقد عرفت مقالة شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري.

***


(150)

المقدمة العاشرة:

الصحيح والأعم

هذه المسألة معنونة في الكفاية بالنحوالتالي: «ألفاظ العبادات أسام لخصوص الصحيحة أو الأعمّ منها» والظاهر أنّ تخصيص العبادات بالذكر لأجل عقد بحث خاص للمعاملات في المستقبل و في كتب القوم هكذا: «أسماء

العبادات والمعاملات هل هي موضوعة للصحيح أو للأعمّ منه؟» أو «هل هي أسام للصحيح أو للأعمّ؟».

والظاهر أنّ عنوان البحث متفرّع على ثبوت الحقيقة الشرعية عندهم، وأمّا على القول بكونها استعملت في لسان الشارع مجازاً ثمّ صارت حقائق متشرعية، أو على القول بأنّها باقية على معانيها اللغوية و مستعملة فيها، كما روي عن الباقلاني، وأنّه إنّما علمت الخصوصيات ـ من أجزاء و شرائط ـ من دوّال أُخر ، فلا ينطبق عليه عنوان البحث، إذ ليس من الوضع والتسمية أثر على القولين. غير أنّ عدم شمول البحث، لا يلازم عدم جريان النزاع على ذينك القولين، بل النزاع يجري على جميع الأقوال الأربعة:

أمّا على القول بالحقيقة الشرعية أو الحقيقة العرفية الحاصلة باستعمال العرب الجاهلين المعاصرين لنزول القرآن ـ كما هو المختار ـ فواضح، فإنّه يبحث حينئذ عمّا هو الموضوع له.

وأمّا على القول بكون الاستعمال في لسان الشارع مجازاً، فيقع النزاع في أنّ الشارع هل لاحظ العلاقة والمناسبة بين المعاني اللغوية، و المعاني الصحيحة، أو لاحظ العلاقة بينها و بين الأعمّ من هذه المعاني الجديدة. وعلى كلّ تقدير يكون الأصل في استعمالات الشارع هو المعنى الذي لاحظ فيه العلاقة بينه و بين المعنى اللغوي، و تكون إرادة الآخر محتاجاً إلى القرينة الخاصّة و إلاّفيحمل على المعنى الذي وقع طرفاً لملاحظة المناسبة مضافاً إلى القرينة الصارفة عن المعنى اللغوي.

وأمّا على القول ببقاء الألفاظ على معانيها اللغوية، وأنّ إرادة الخصوصيات من طريق الدوال الأُخر فيقع النزاع في أنّ القرينة (1) التي نصبها الشارع لإفادة


(1) قال المحقّق النائيني : لو كانت القرينة المنصوبة في كلّ مورد، قرينة تفصيلية، لا يبقى للنزاع محلّ، إذ عندئذ ينظر في أنّه هل ذكر الجميع أو البعض. و إنّما يتصوّر لو كانت القرينة مجملة، فدار أمرها بين كونها مشيرة إلى المعنى الصحيح أو الأعمّ منه فليس هنا إطلاق لفظي يتمسّك به و أمّا الإطلاق المقامي فهو جار على كلا القولين و قد أوردعليه في تهذيب الأُصول، فلاحظ ج1/67.


(151)

الخصوصيات، هل كانت دالّة على إرادة المعنى الصحيح؟ أو كانت دالّة على المعنى الأعمّ، ويكون الأصل في الاستعمال هو المعنى الذي نصب عليه القرينة في هذا الاستعمال بحيث يحتاج إرادة المعنى الآخر إلى القرينة المعيّنة؟

ولو أردنا أن نجعل الكلّ تحت عنوان واحد، فالأولى أن يقال: ما هو الأصل في استعمالات الشارع لألفاظ العبادات و المعاملات؟ أو يجمع بين قولنا: ما هو الموضوع له لألفاظ العبادات و المعاملات، وقولنا: ما هو الأصل في الاستعمال فيها؟ والأمر سهل.

فإن قلت: إنّ النزاع لا يختصّ بألفاظ العبادات و المعاملات بل يعمّ كلّ ما ورد في لسان الشارع في أبواب الطهارة كالكرّ و الزكاة في مورد الأنعام و الحجّ و الكفّارات وحتّى الحدود و الدِّيات.

قلت: بما أنّه ليس للشارع في هذه الأبواب تصرّف واستعمال خاص فهو يتّبع ما هو الرائج عند العرف ولا وجه لإدخاله في مجال البحث فإن كان الرائج عندهم صحيحاً فصحيح و إلاّ فالأعم وهذا بخلاف ما للشارع فيه تصرّف بنحو من الأنحاء، فيحتاج إلى عقد البحث عنه و الأولى أن يقال: ما هو الأصل في استعمال تلك الألفاظ هل للشارع فيه تصرّف؟

و يشهد للاختصاص ما استدل به الصحيحي من قياس هذه الألفاظ بالمقادير و الأوزان و استظهار حالها منها وقد عرفت وجه الاختصاص .

إذا عرفت هذا فنقول: يقع البحث عن جهات:

الجهة الأُولى: ما هو معنى الصحّة الفساد؟

قد ادّعى المحقّق الخراساني أنّ الصحّة بمعنى التمامية. و تبعه المحقّق


(152)

النائيني، و السيّد المحقّق البروجردي وغيرهما. ثمّ ذكر أنّ تفسير المتكلّم الصحّة بموافقة الشريعة أو الفقيه بما يسقط الإعادة والقضاء تفسير باللازم و بما يهمّ كلّ واحد، لأنّ المتكلّم يهمّه التعرّف على ذاته سبحانه و صفاته وأفعاله، و العقاب والثواب من أفعاله و هما يترتبان على الموافقة والمخالفة و لأجل ذلك فسره بموافقة الشريعة كما أنّ الفقيه يهمّه تعيين تكليف المكلّف من الإعادة والقضاء وعدمهما و لذلك فسره بسقوطهما، فالكلّ يفسر باللازم وبما هو المهمّ لديه.

يلاحظ عليه: انّ ما ذكره حول تفسير المتكلّم و الفقيه جدير بالقبول، لكن تفسيرالصحّة، بالتمام غير تام. والظاهر أنّ الصحّة في مقابل الفساد، والتمام في مقابل النقص و بين الأوّلين تقابل التضاد كما انّ بين الأخيرين تقابل العدم و الملكة، والأوّلان كيفيتان وجوديّتان عارضتان للشيء في الوجود باعتبار اتّصافه بكيفية ملائمة لنوعه أو باعتبار ترتّب أثر يترقب منه أو اتّصافه بكيفية منافرة لطبعه أو باعتبار ترتّب أثر لا يترقّب منه ألا ترى أنّ توصيف الدهن والدواء والفواكه بالصحّة والفساد أو توصيف الإنسان بالصحّة والفساد من هذا الباب.

وأمّا التمام والنقص فيطلقان على الشيء باعتبار جامعيّته للأجزاء و عدم جامعيّته، فالإنسان الناقص، عبارة عمن فقدأحد أعضائه كما أنّ التام منه من كان جامعاً له، وعلى ذلك فالصحّة والفساد باعتبار الكيفية، والتمام والنقص باعتبار الكميّة و مع ذلك فكيف يدعي وحدة مفهوم الصحّة والتمام.

هذا ما هوالمتبادر من موارد استعمالات هذه الكلمة و أمّا أهل اللغة فالظاهر منهم انّهم يستعملون الصحّة في مقابل المرض تارة والعيب أخرى فإذا استعملت في مقابل المرض فهذا هو الذي قلناه من أنّ الصحّة و الفساد كيفيتان وجوديتان عارضتان للشيء باعتبار اتّصافه بكيفية ملائمة أو منافرة فالصحيح من صحّ مزاجه والمريض من فسد مزاجه. و إذا استعملت في مقابل العيب فالمراد هو التام في مقابل الناقص و إليك نصّ ابن فارس في مقاييسه.


(153)

قال الصاد والحاء: أصل يدل على البراءة من المرض، و العيب وعلى الاستواء، من ذلك «الصحّة: ذهاب السقم، والبراءة من كلّ عيب، قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «لا يوردن ذو عاهة على مصحّ».(1)

وقال الطريحي : «الصحّة ـ بالكسر ـ ، خلاف السقم و قد صحّ فلان منعلّته، و الصحّة في البدن حالة طبيعية تجري أفعاله معها على الجري الطبيعي».(2)

وقد اكتفى الطريحي في تفسيرها بما يقابل المرض، وترك ما يقابل العيب.

وقد ظهر ممّا ذكرنا أمرين:

1ـ إنّ الصحّة قد تطلق و يراد منها ما يقابل السقم والمرض. وهذا هو المناسب للصحّة في مقابل الفساد.

2ـ إنّ الصحّة قد تطلق و يراد منها البرء من العيب. وهذا هو المناسب للصحّة بمعنى التمام في مقابل النقص، إذ كلّ معيب ناقص.

إنّ الصحّة والفساد على ما عرفت في كلام ابن فارس من صفات الأُمور الواقعية فوصف الأُمور الاعتبارية كالصلاة بهما يتوقّف على وجود علاقة بينهما.

ويمكن أن يقال: إنّ ملاك الوصف بهما تارة يكون من حيث الكميّة أي كون المأتي به جامعاً للأجزاء والشرائط، وغير جامع و أُخرى من حيث الكيفية أي كونه جامعاً للصفات المعتبرة فيهما، أو غير جامع فوصفه بالملاك الأوّل، يناسب كون الصحة والفساد بمعنى التمامية والنقص، كما أنّوصفه بالملاك الثاني ككون القراءة صحيحة أو ملحونة، خالية عن الموانع و القواطع أو مقرونة بهما، يناسب كون الصحّة والفساد بمعنى الصحّة في مقابل السقم و المرض و مدار الاتّصاف


(1) المقاييس:3/281.
(2) مجمع البحرين، مادة «صحّ».


(154)

في الأوّل، كمال الأجزاء و نقصها، وفي الثاني كون الموجودة منها، جامعة للخصوصيات المعتبرة وعدمها فأشبه بالإنسان المُصحّ و المريض.

الجهة الثانية: ما هو المقصود من الوضع للصحيح

ليس المراد من الصحيح في قولهم: الألفاظ موضوعة للصحيح، هوالصحيح بالحمل الأوّلي بأن يكون مفهوم ألفاظ العبادات مساوياً لمفهوم الصحيح، إذ هو بديهي البطلان، وإلاّ لزم ترداف الصلاة مع الصحيح. كما أنّه ليس المراد وضعها لما هو الصحيح بالحمل الشائع، أي المصاديق المتّصفة في الخارج بالصحّة، لأنّه يستلزم كون الموضوع له خاصّاً، مع أنّ هذه موضوعة للطبائع. بل المراد أنّ الألفاظ موضوعة للماهيات الاعتبارية، بحيث إنّهالووجدت في الخارج، لاتّصفت بالصحّة، و كأنّ اللفظ (الصحّة) يشير إليالمرتبة الخاصّة من تلك الماهية، كما لا يخفى. وعلى ذلك تكون الصحّة التعليقة من أوصاف الماهيّة من حيث هي هي، و الصحّة الفعلية من صفات وجودها.

الجهة الثالثة: في تعيين ما هو الداخل من الأجزاء والشرائط في محلّ النزاع

هل المقصود من الصحيح هو الجامع للأجزاء فقط، أو هي مع الشرائط الشرعية، أو هما مع الشرائط العقليّة القابلة للأخذ في المتعلّق ككونه غير منهي عنه للابتلاء بالضدّ، و الشرائط العقليّة غير القابلة للأخذ في المتعلّق كقصد الأمر و الوجه بناءً على امتناع أخذهما في المتعلّق . أقوال:

ذهب الشيخ الأنصاري إلى الأوّل وأنّ محطّ النزاع في الصحّة والأعمّ هو الأجزاء فقط و أنّ الألفاظ وضعت للجامع من الأجزاء أوالأعمّ منه و من غيره مستدلاً بأنّ رتبة الأجزاء رتبة المقتضي و رتبة الشرائط متأخّرة عن رتبة المقتضي


(155)

فلايسوغ إدخالها في المسمّى لتستوى مع الأجزاء رتبة.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ التقدّم الرتبي في مقام التأثير لا يمنع من جعل اسم واحد للمجموع. وليس حالهما بأشدّ من حال الواجب والممكن حيث يمكن تصوّرهما تحت عنوان الوجود و الموجود.

و ربّما يجاب عن إشكال الشيخ بأنّه إنّما يتوجّه إذا كان الموضوع له هو الأجزاء والشرائط دون ما إذا كان الموضوع له هو ذات الأجزاء المقترنة في الواقع مع الشرائط لا المجرّدة عنها على القول بالصحّة وأمّا على القول بالأعمّ فالموضوع له، هي مطلق الأجزاء من غير فرق بين المقترنة وعدمها.

يلاحظ عليه: أنّ جعل متعلّق الوجود ذات الأجزاء المقترنة في الواقع بالشروط و إن لم تكن الشروط مأخوذة في المسمّى لا يفيد، لأنّ التضييق لا يحصل إلاّ بالتقييد، فإن أخذت الشروط قيداً، عاد إشكال الشيخ من أخذ المتأخّر مع المتقدّم في درجة واحدة و إن لم يؤخذ، يكون المسمّى ذات الأجزاء سواء اقترنت بالشروط أو لا.

والأولى أن يقال: إنّ الشروط على وجه الإطلاق شرعية وعقلية داخلة في محلّ النزاع واستدلال الصحيحي والأعمّي، شاهد على دخولها في محلّ النزاع أمّا الأوّل فما أفاده المحقّق الخراساني من أنّوجود الأثر أعني النهي عن الفحشاء يكشف عن وجود الجامع الواحد بين جميع أفرادها و من المعلوم أنّ

الأثر المزبور يترتّب على الصحيح التام الجامع للشرائط الشرعية والعقليّة فيجب أن تكون داخلة في المسمّى و أمّا الثاني فما نقله في الفصول بأنّه على القول بالوضع للصحيح يلزم تكرار معنى الطلب في الأوامر المتعلّقة بها، لأنّ الأمر حينئذ ترجع إلى الأمر بالمطلوب إذ هو معنى الصحيح فيكون المعنى أطلب المطلوب(2) و من المعلوم أنّ


(1) الشيخ الأنصاري: مطارح الأنظار، ص 6.
(2) عبد الرحيم: الفصول :48.


(156)

المطلوب هوالتام جزءاً و شرطاً.

و مع كون الجميع داخلة في محطّ النزاع و لكن الحقّ، الفرق بين شرائط الماهية، و شرائط تحقّقها بدخول الأُولى في المسمّى كالطهارة، وعدم دخول الثانية ، كعدم الابتلاء بالأهم فيه، أخذاً بمسلك العقلاء في التسمية كمالا يخفى إذ لم يُر منهم لحاظ عدم الابتلاء بالأهم في مقام التسمية، و المهمّ عندهم هو لحاظ الشيء ثمّ التسمية لا لحاظه مع الطوارئ الطارئة عليه التي منها عدم الابتلاء بالأهم.

وأمّا قصد الأمر فلو قلنا بامتناع أخذه في متعلّق الأمر يكون الأخذ أمراً لغواً، لأنّ الغرض من التسمية و الأخذ في المسمّى، هو انبساط الأمر عليها فإذا امتنع أخذه في متعلّقه يكون الأخذ في المسمّى لغواً، وأمّا على القول بجواز أخذه ـ كما هو الحقّ ـ فلا ملزم للأخذ أيضاً، بعد استقلال العقل بالإتيان بالعبادة معه و العقل مستقلّ به. و معه لا حاجة للأخذ.

ثمّ إنّه لابدّ من وجود جامع على كلا القولين و ذلك لوجهين:

1ـ إنّ الثمرة المهمّة المترتّبة على المسألة هو إجمال الخطاب على القول بالصحيح فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق وعدم إجماله على القول بالأعم ، وهي فرع وجود جامع على كلا الرأيين، مجمل على الأوّل، مطلق على الثاني نعم سيجيء أنّ الثمرة منتفية.

2ـ إنّ إطلاق ألفاظ العبادات والمعاملات على الأصناف الصحيحة على وجه الاشتراك المعنوي يستدعي جامعاً بينها و إلاّيلزم أن تكون مشتركاً لفظياً و هو باطل، كما أنّ إطلاقها على الصحيح و الأعمّ على الأعمّي كذلك وهو فرع وجود الجامع وإلاّيلزم كونها مشتركاً لفظياً.

ثمّ إنّ هنا نكتة يجب التنبيه عليها و هو أنّ الصحيحي أمام مشكلة عظيمة وهي أنّه يحاول أن يصوّر جامعاً، شاملاً لجميع أفراد الصلاة على اختلافها في


(157)

الأجزاء والشرائط قلّة و كثرة و هذا أمر غير ممكن ظاهراً لأنّ لازم كونها موضوعة للأجزاء القليلة، هو جواز الاكتفاء بها أوّلاً، وكون الأجزاء الأُخر، أمراً خارجاً عنها ثانياً، كما أنّ لازم كونها موضوعة للأجزاء الكثيرة، خروج المشتمل على الأجزاء القليلة، عن تحت الصلاة و ليس للصحيحي الفرار عن الإشكال بجعل البعض جزء المسمّى و البعض الآخر جزءاً للمأمور به، إذ هو إنّما يتمّ على القول بالأعمّ و بالجملة الجمع بين كون اللفظ مشتركاً معنوياً، وكون جميع الأصناف المختلفة من حيث القلّة والكثرة من مصاديق الصحيح و كون الجميع داخلاً في المسمّى، (لا أنّ البعض داخل فيه و البعض الآخر هو أجزاء المأمور به) أمر مشكل ولابدّللصحيحي من حلّ العقد بأحد الفروض الآتية.

تقريبات لتصوير الجامع على القول بالصحيح

التقريب الأوّل : ما ذكره المحقّق الخراساني و حاصله: أنّ الجامع بين أفراد الصلاة ليس مشخّصاً باسمه، و لكنّه يمكن الإشارة إليه بخواصّه وآثاره قال: فانّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثّر الكلّ فيه بذاك الجامع، فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة مثلاً، بالناهية عن الفحشاء وما هو معراج المؤمن، و نحوهما.(1)

ولا يخفى أنّ بين صدر كلامه و ذيله تناقضاً، حيث إنّ الظاهر من الصدر أنّ الجامع أمر مجهول نستكشفه بالأثر المترتّب عليه من النهي عن الفحشاء وعروج المؤمن، وظاهر كلامه في الذيل، أعني قوله: «فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة مثلاً بالناهية عن الفحشاء» أنّ الجامع هو نفس ذاك الأثر لا غير و ـ مع ذلك ـ ففي ما أفاده مواقع للنظر.

أمّا أوّلاً: فلأنّ الهدف من الوضع، تفهيم ماقام في الذهن من المعاني، فلو لم


(1) كفاية الأُصول: 1/36، المطبوع بحواشي المشكيني رحمه الله.


(158)

يكن المعنى قابلاً للتفهيم إلاّ بالإشارة إليه بالأثر الخاص، كان الوضع عليه لغواً و يتعيّن الوضع للأثر. و لأجل ذلك يجب أن يكون الجامع، مفهوماً عرفياً، حتّى يخطر في ذهن العرف، و يوضع اللفظ عليه.

وثانياً: أنّ استشكاف الجامع الوحداني بين الأفراد الصحيحة من الأثر الوحداني المترتّب على تلك الأفراد، اعتماداً على القاعدة المعروفة«لا يصدر الواحد إلاّ عن الواحد»، من غرائب الاستدلال لأنّ مصبّ القاعدة ـ على فرض صحّتها ـ في الواحد الشخصي، لا الواحد النوعي الذي يتكثّر بتكثّرات مختلفة، فإنّ النهي عن الفحشاء في المقام ليس إلاّ الانزجار عملاً عن الغيبة والكذب والخمر، والمراد من الانزجار الذي هو أثر الصلاة ، الانزجار التكويني، وكلّ واحد من هذه الزواجر غير الآخر، و ربما تجتمع في مورد، و أُخرى لا تجتمع. و إن شئت قلت: إنّ النهي عن الفحشاء واحد بالعنوان، ولا مانع من انتزاع الواحد بالعنوان عن الحقائق المختلفة و الأُمور المتبائنة إذا كانت فيها وحدة عنوانية كعنوان «الناهي عن الفحشاء».

وثالثاً: أنّ الأثر المترتّب على الصلاة ، لو كان أمراً واحداً ، كان لما ذكره وجه. و لكن تترتّب عليها آثار أُخرى و هي أنّها تقيم الدين في المجتمع و لهذا الأثر عبّر عنها في الروايات بأنّها عمود الدين، وهو غير «النهي عن الفحشاء» و هما غير «قربان كلّ تقي» ،فيلزم أن يكون فيها جوامع كثيرة يصدر كلّ أثر عن جامع، أو جامع واحد فيه حيثيات كثيرة.

ورابعاً: أنّ الأثر المزبور يترتّب على الصلاة بعامة أجزائها و شرائطها، الأعمّ من شرائط الماهية أوالصحّة. مع أنّ القسم الثاني غير داخل في المسمّى كما مرّ في الجهة المتقدّمة.

وخامساً: أنّ القول بأنّ الجامع عنوان بسيط مستكشف بالأثر المترتّب على الأفراد المختلفة يستلزم أن يكون الشكّ في أجزاء الصلاة و شرائطها من قبيل


(159)

الشكّ في السقوط و الشكّ في المحصّل، لأنّ الميزان فيه هو أن يكون المأمور به أمراً بسيطاً واضحاً لا إبهام فيه، و يكون الشكّ في محقِّقه و محصِّله وأنّ ما يحصل به ذاك الأمر الواضح، هل هو ذات لها أجزاء عشرة أو تسعة. وفي مثله يجب العمل بالاحتياط لا العمل بالبراءة، مع أنّ سيرة العلماء عند الشكّ في الأجزاء والشرائط هي العمل بالبراءة.

وقد تفطّن له المحقّق الخراساني فصار إلى دفعه. وحاصل ما أفاده : أنّ الجامع البسيط على قسمين:

الأوّل: أن يكون المأمور به البسيط مغايراً لوجود المركّب المشكوك في قلّته و كثرته، نظير الطهارة المسبّبة عن الغسلات و المسحات، فلو شكّ في كون غسلة جزء للوضوء أو الغسل، وجب عليه الإتيان به، لأنّ المأمور به واضح لا إبهام فيه، وليس أمره دائراً بين الأقل والأكثر حتّى يكون هناك معلوم و مشكوك، وينحلَّالعلم الإجمالي والمكلّف المأخوذ بذاك العنوان الواضح، ليس له مفرّ إلاّ الإتيان به.

الثاني: أن يكون الواحد البسيط منتزعاً من هذه المركّبات المختلفة زيادة و نقيصة بحسب اختلاف الحالات متّحداً معها نحو اتّحاد. وهذا كالإنسان المنتزع من الإنسان التام والناقص بنحو واحد، فيصدق على ذي العينين وذي العين الواحدة. ولا يزيد الزائد،في الإنسانية ، ولا ينقص الناقص، منها و وجود هذا البسيط عين وجود المركّبات و ليس مغايراً لها حتّى يكون الشكّ في قلّتها و كثرتها من قبيل الشكّ في المحقّق.

وبالجملة: فرق بين أن يكون وجود المنتزع غير وجود المنتزع منه كالطهارة النفسانية بالنسبة إلى الغسلات والمسحات، وبين كون وجوده متّحداً مع المنتزع منه و كان الثاني مردّداًبين الأقل والأكثر فتجري البراءة في المنتزع أيضاً باعتبار جريانها في المنتزع منه.


(160)

هذا توضيح مرامه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المكلّف به هل هو العنوان المنتزع أو المركّب المنتزع منه؟ فلو كان الثاني، تجري البراءة لدورانه في حدّ ذاته بين الأقلّو الأكثر بلا إشكال، و لكن تصويره في غاية الإشكال. لأنّ الجامع المركّب الذي يصدق على جميع الصلو ات الصحيحة بحسب حالات المكلّفين أمر غير ممكن ، فالصلاة عن جلوس صحيحة في حقّ العاجز دون القادر، فلو أخذ القيام في مفهومها الصحيحة كانت الصلاة عن جلوس باطلة و لو عكس،كانت الصلاة عن قيام باطلة، ولذلك التجأ القائل إلى كون الجامع أمراً بسيطاً.

وعلى الأوّل، أعني: كون المأمور به أمراً منتزعاً، فما هو المسمّى، إنّما هو ذاك العنوان، دون المركّب الذي يتّحد العنوان معه وجوداً، إذ ليس لذاك المركّب دخل في براءة المكلّف واشتغاله . وعلى ذلك فلا يتصوّر في العنوان البسيط، معلوم و مشكوك حتى يقال: يؤخذ بالمعلوم، و المشكوك يدفع بالأصل، بل في مثله يجري الاشتغال لا البراءة.

و بالجملة الالتزام بالجامع البسيط بأي نحو كان، يستلزم الالتزام بالاشتغال لا البراءة. وكون المنتزع غير المنتزع منه وجوداً (كما في الصورة الأُولى) أومتّحداً معه ، لا تأثير له في تصحيح جريان البراءة و عدمه، لأنّ متعلّق الأمر، هو العنوان المنتزع ، لا المنتزع منه، ولا الوجود الخارجي الذي يتّحد فيه الأمران،وسيوافيك تفصيل القول عند البحث عن ثمرات البحث (2)وأنّه يصحّ جريان البراءة على القول بالصحيح ، لكن بشرط أن لا يكون الجامع أمراً بسيطاً، فانتظر.


(1) راجع كفاية الأُصول:1/37.
(2) لاحظ الجهة السابعة من هذا الأمر، ص184.


(161)

التقريب الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني

وحاصله: أنّ الموضوع له أوّلاً هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط، و الاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحي، أو الأعمّ منها على الأعمّي، من باب الادّعاء و التنزيل ، أي تنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة، كما في جملة من الاستعمالات (1).

فإطلاق الصلاة على صلاة من يأتي بها جالساً يكون بتنزيلها منزلة صلاة القائم أو لاكتفاء الشارع بها عن الصلاة الكاملة كما في صلاة الغريق و هذا لا يختص بالصحيحي بل عند الأعمّي أيضاً كذلك فانّ القدر الجامع عنده هو المرتبة العليا من الصلاة و إطلاقها على الفاسد منها يكون بتنزيله منزلة الصحيح.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا يندفع به الإشكال، لأنّ المرتبة العليا، لها أيضاً مراتب مختلفة كصلاتي الحاضر والمسافر، فانّهما من مصاديق المرتبة العليا مع اختلافهما في الأجزاء قلّة وكثرة، و الصحيح في حقّ المسافر باطل في حقّ الحاضر.

و ثانياً: كيف يمكن وصف الصلاة عن جلوس مجازاً كما صرّح به مع أنّها صلاة كالصلاة عن قيام.

وثالثاً: لو كان الموضوع عند الأعمّي هوالمرتبة العليا و الإطلاق على الفاسد مجازاً، يلزم ارتفاع النزاع من رأس وانقلاب الأعمّي إلى الصحيحي.

التقريب الثالث: ما أفاده المحقّق العراقي

وحاصله: أنّ الجامع إمّا أن يكون جامعاً ذاتياًمقولياً، أو جامعاًعنوانياً اعتبارياً. و الالتزام بكلّواحد مشكل. أمّا الأوّل فهو غير معقول، لأنّ الصلاة


(1) المحقّق النائيني: أجود التقريرات: 1/36.


(162)

مؤلفة وجداناًمن مقولات متبائنة ، كمقولة الكيف كالأذكار المسموعة، والوضع كالركوع و السجود و نحوهما. و المقولات أجناس عالية، و ليس فوقها جنس تندرج تحته حتّى يكون هو الجامع بين هذه المقولات، وأمّا الثاني كالناهي عن الفحشاء فلأنّ لازمه عدم صحّة استعمال لفظ الصلاة في نفس المعنون، لأنّ العنوان غير المعنون، مع سخافة القول بوضع لفظ الصلاة على «الناهية عن الفحشاء».

لكن الجامع لا ينحصر فيهما بل هناك جامع آخر أيضاً، وهو مرتبة خاصة من حقيقة الوجود. فانّ الصلاة مثلاً، وإن كانت مركّبة من مقولات، و المقولات و إن كانت متبائنة، ولكن مع ذلك بينها اشتراك وجوديّ. و حينئذ فإن كانت الصلاة عبارة عن تلك المقولات المتبائنة، كان الإشكال المزبور في محلّه. وأمّا لو فرضنا أنّ الصلاة عبارة عن تلك المرتبة الخاصة من الوجود، الجامعة بين تلك المقولات المتبائنة ماهية فتكون الصلاة على هذا أمراً بسيطاً خاصاً يصدق على القليل و الكثير، و الضعيف والقوي. لأنّ تلك المرتبة الخاصة من الوجود الجامع بين المقولات قد أُخذت لا بشرط من حيث القلّة والكثرة والضعف والقوّة و ذلك لأنّ الموضوع له هو الوجود الساري في جملة من المقولات، المحدود من طرف القلّة بعدد أركان الصلاة مثلاً، و من طرف الزيادة لوحظ لا بشرط بنحو يصحّ حمله على الفاقد و الواجد.(1)

ثمّ أورد على نفسه بعد كلام مبسوط وقال(2) : إذا كان الجامع على ما عرفت عبارة عن مرتبة من الوجود المحدود من طرف القلّة بكونه مقارناً لمقولات الأركان كلّها، و الملحوظ من طرف الزيادة بنحو اللا بشرط بحيث يشمل الأقلّ و الأكثر لكن لا شبهة أنّ الأركان تختلف حسب الأشخاص من الانحناء إلى الإشارة


(1) لاحظ بدائع الأفكار: 118، السطر 6.
(2) لاحظ المصدر: 119، السطر 9.


(163)

بالعين.

فأجاب بأنّه لا محيص عن توسعة دائرة الجامع من طرف القلّة بحيث يشمل الوجود الساري جميع الأركان بجميع مراتبها.

ثمّ أورد و قال: على هذا يتوجّه الإشكال بأنّ مقتضى ذلك اقتصار المختار على بعض مراتب الأركان التي لا يسوغ شرعاًالاقتصار عليها إلاّللمضطرّ و ذلك ضروريّ الفساد.

فأجاب بأنّ الجامع عبارة عن مرتبة من الوجود الساري على نحو يشمل الأركان الأصلية و البدلية مقروناًبالخصوصيات و المزايا على طبق ما بيّنه الشرع لكلّ واحد من أصناف المكلّفين ، بحيث يكون المزايا من خصوصيات الأفراد، لكن خارجة عن دائرة الموضوع له ويكون الموضوع له مضيّقاً لا يشمل فرض عدم المقارنة لتلك الخصوصيات.(1)

و فيه مواقع للنظر

أمّا أوّلاً: فانّ الوجود الساري في تلك المقولات إنّما يكون وجوداً بسيطاً سارياًلو كانت للصلاة وحدة حقيقة. وأمّا إذا كانت الوحدة بين أجزائها وحدة اعتبارية، فلكلّ مقولة وجود خاص، كالاستقبال فانّه من مقولة الوضع، و الهويّ فانّه من مقولة الفعل، و التكلّم فانّه من مقولة الكيف، و لكلّ وجود و تشخص في الخارج، فكيف يقال إنّ هنا وجوداً سارياً في الجميع، وأنّ المقولات المتبائنة موجودة بهذا الوجود الساري فيها.

وثانياً: أنّ لفظ الصلاة ليس إلاّكسائر الألفاظ فلماذا فُرِّق بينه و بين سائرها بأنّ الجميع موضوع للماهية المعرّاة عن الوجود والعدم غير الصلاة فإنّها موضوعة للوجود الحقيقي الساري في الأركان و أبدالها مقترنة بالخصوصيات.


(1) المحقق العراقي: بدائع الأفكار، 116ـ119.


(164)

وثالثاً: أنّ تضيّق الموضوع له بالخصوصيات والمزايا على طبق ما بيّنه الشرع لكلّواحد من أصناف المكلّفين مبني على تصوير الحصّة التوأمة الموجبة لضيق المكلّف به، من دون مدخلية لها في المأمور به وقد مرّ أنّ الحينية المرددة بين المطلقة والمشروطة غير متصوّرة.

ورابعاً: أنّه يستلزم ، تعلّق الأمر بالوجود الخارجي، و الخارج ظرف السقوط لا ظرف العروض، إذ لو كان المتعلّق هو الخارج يلزم وجود المتعلّق قبل الأمر، وعندئذ يصير الأمر لغواً. ولو كان المتعلّق عنوان الوجود، يكون الجامع عنوانياً و هو لا يقول به .

التقريب الرابع: ما أفاده المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه

وحاصله: أنّ الصلاة ليست من الحقائق الخارجية، بل هي عنوان اعتباري ينتزع من أُمور مبائنة كلّواحدمنها داخل تحت مقولة خاصة لا تصدق الصلاة عليها صدقاً ذاتياً فلا يعقل تصوير جامع ذاتي بين أجزائها في مرتبة واحدة فكيف بين مراتبها المتفاوتة.

وأمّا الجامع العرضي فهو أمر معقول، فانّ جميع مراتب الصلاة بما لها من الاختلاف في الأجزاء والشرائط تشترك في كونها نحو توجّه خاص، و تخشّع مخصوص من العبد لساحة مولاه. ويوجد هذا التوجّه الخاص بإيجاد أوّل جزء منها، و يبقى إلى أن تتمّ، فيكون هذا التوجّه بمنزلة الصورة لتلك الأجزاء المتبائنة بحسب الذات و تختلف كمالاً و نقصاً باختلاف المراتب.

وليست الصلاة عبارة عن نفس الأقوال والأفعال المتبائنة المندرجة بحسب الوجود حتّى لا يكون لها حقيقة باقية إلى آخر الصلاة، محفوظة في جميع المراتب، بل هي عبارة عن حالة توجّه خاص يحصل للعبد و يوجد بالشروع فيها و يبقى ببقاء الأجزاء والشرائط، و يكون هذا المعنى المخصوص كالطبيعة المشككة، و


(165)

ليس له وجود، وراء وجودات الأجزاء حتّى تكون الأجزاء محصِّلات له، بل هو بمنزلة الصورة لهذه الأجزاء، فهو موجود بعين وجودات الأجزاء. فيكون الموضوع له للفظ الصلاة، هذه العبادة الخاصة و المعنى المخصوص. و يكون هذا المعنى محفوظاًفي جميع المراتب . فيكون وزان هذا الأمر الاعتباري وزان الموجودات الخارجية فكما أنّ طبيعة الإنسان محفوظة في جميع الأفراد المتفاوتة و بالكمال والنقص والصغر والكبر مادامت الصورة الإنسانية محفوظة ، فكذلك طبيعة الصلاة.(1)

وحاصله أنّ الصلاة اسم للعمل المؤلّف من أمر قلبي وهو الخشوع وأعمال خارجية ، والأوّل بمنزلة الصورة والأعمال الخارجية بمنزلة المادّة ، إلى آخر ما أفاده.

يلاحظ عليه: أنّه لا يمكن أن يكون الموضوع له هو نفس التوجّه و التخشّع القائم بالأجزاء، والشرائط، إذ عندئذ يلزم أن يكون الموضوع له بسيطاًو عليه يرجع الشكّ في الجزئية والشرطية إلى الشكّ في المحصِّل وهو خلاف المطلوب بل الموضوع له التوجّه الخاص بالإتيان بالأجزاء والشرائط و عليه يلزم عدم إمكان تصوير الجامع على القول بالصحيح، لاختلاف الصلاة الصحيحة في القلّة و الكثرة. فلو كان الموضوع له هو الكثرة، لم يصدق على القلّة. ولو كان الموضوع له هو الثاني لم يصدق على الآخر.

نعم يمكن رفع الإشكال بالاستمداد بما سبق من المحقّق العراقي من كون الصلاة اسماً للخشوع القائم بالأركان و أبدالها على نحو اللا بشرط بالنسبة إلى سائر الأجزاء حسب اختلاف أحوال المكلّف.

التقريب الخامس: ما أفاده المحقّق الاصفهاني

وحاصله بعد حذف ما لا دخل له في مقصوده أمران:


(1) نهاية الأُصول: 1/40.


(166)

1ـ إن كانت الماهيات من الماهيّات الحقيقية، كان ضعفها و إبهامها بلحاظ الطوارئ و عوارض ذاتها، مع حفظ نفسها. كالإنسان مثلاً، فانّه لا إبهام فيه من حيث الجنس والفصل، وإنّما الإبهام فيه من جهة الشكل، وشدّة القوى و ضعفها.

وإن كانت الماهيّات من الأُمور المؤتلفة من عدّة أُمور، بحيث تزيد و تنقص كمّاً و كيفاً، فمقتضى الوضع لها بحيث يعمّها مع تفرّقها و شتاتها، أن تلاحظ على نحو مبهم في غاية الإبهام بمعرّفية بعض العناوين غير المنفكّة عنها، كالخمر، فانّه مائع مبهم من حيث اتّخاذه من العنب و التمر وغيرهما، و لذا لا يمكن وصفه إلاّ بمائع خاص بمعرّفية المسكرية، من دون لحاظ الخصوصية تفصيلاً.

2ـ كلّ لفظ من قبيل الأمر الأخير، مع الاختلاف الشديد بين مراتبها كمّاً و كيفاً، لابدّ أن يوضع لسنخ عمل من معرفة النهي عن الفحشاء أو غيره من المعرّفات. بل العرف لا ينتقلون من سماع لفظ الصلاة إلاّ إلى سنخ عمل خاص مبهم إلاّ من حيث كونه مطلوباً في الأوقات.

وهذا هو الذي تصوّرناه في ما وضعت له الصلاة بتمام مراتبها، من دون الالتزام بجامع ذاتي مقولي، ومن دون الالتزام بالاشتراك اللفظي. ولا دخل لما ذكرناه بالنكرة، فإنّه لم يؤخذ فيه الخصوصية البدلية كما أخذت فيها. و بالجملة الإبهام غير الترديد.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قياس الماهيّات المخترعة بالأُمور التكوينية، قياس مع الفارق، فإنّ زمام الأُمور المخترعة سواء أكانت عبادية أو صناعية كالسيّارة بيد مخترعها، فهو الذي قام باختراعها و تسميتها، فعندئذ لا يعقل أن تكون مبهمة في ذاتها و في مقام تجوهرها، و إنّما الإبهام حسب الطوارئ والأشكال والعوارض الخارجية كيف وأنّ الآمر هو الذي يتصوّر الموضوع و يأمر به، وعند ذاك لابدّ له


(1) المحقق الإصفهاني : نهاية الدراية: 1/39.


(167)

من تصوّر ما يأمر به. وعلى ذلك، فذاك الجامع إمّا مقولي ذاتي أو عنواني و كلاهما لا يخلو من إشكال.

وقياس المقام بالخمر، قياس مع الفارق، لأنّه من الأُمور التكوينية و ليست ذاتها و تجوهرها رهن تصوّر متصوِّر، ولحاظ لاحظ ، فلا مانع من أن يكون لها واقع محفوظ، و يكون لفظ الخمر، اسماً للعنوان العريض.و هذا بخلاف المخترعة فانّواقعيتها و تجوهرها بيد مخترعها ولاحظها،فلابدّ أن تكون ذاتها معلومة لمخترعها في مقام الذات لا أن تكون مبهمة إلاّ من حيث النهي عن الفحشاء أو فريضة الوقت.

وثانياً: أنّه بعد ما اعترف أنّ الذات هنا مبهمة لا مردّدة، فيجب أن يكون للصلاة جامع متواطء يصدق على الجميع، و يشمل القليل والكثير، و يكون صحيحاً مطلقاً. و هو إمّا جامع مقولي أو عنواني و الأوّل غير متصوّر، لأنّ الصلاة مؤلّفة من مقولات متعدّدة من الكيف والوضع والفعل، وليس فوق الأجناس العالية جامع. و إن كان جامعاً عنوانياًكالناهي عن الفحشاء، فهو خلاف المطلوب لأنّه مضافاً إلى أنّه يستلزم وجوب الاحتياط عند الشكّ في الأقلّ والأكثر، ضعيف غايته.

التقريب السادس: ما ذكره سيّدنا الأُستاذـدامظلّهـ

أنّ المركّبات الاعتبارية إذا اشتملت على هيئة و مادة، يمكن أن يؤخذ كلّ منهما في مقام الوضع لا بشرط. و المراد من أخذهما لا بشرط هو أخذ المادة والهيئة بعرضها العريض. و ذلك كالمخترعات من الصنايع المستحدثة، فإنّ مخترعها بعد أن صنعها من موادّمختلفة و ألّفها على هيئة خاصة، وضع لها اسم الطيّارة أو السيّارة آخذاً كلاً من موادّها و هيئاتها لا بشرط. و لأجل ذلك ترى أنّ تكامل التصنيع كثيراً ما يوجب تغييراً في موادّها و هيئاتها، و مع ذلك يطلق عليها اسمها ، كما كان يطلق في السابق و ليس ذلك إلاّ لأخذ الهيئة و المادّة لا بشرط، أي عدم


(168)

لحاظ مادّة خاصّة و هيئة مقيّدة.

وأوضح مقالته هذه بقوله: «المركّبات الاعتبارية على قسمين:قسم يكون الملحوظ فيه كثرة معيّنة كالعشرة، فإنّها على وجه لو فقد منها جزء، تنعدم العشرة. و قسم يكون فيه الأمر الاعتباري، على نحو لم تلحظ فيه كثرة معيّنة في ناحية الموادّ، بحيث ما دامت هيئتها و صورتها العرضية موجودة، يطلق عليها اللفظ الموضوع و إن قلّت موادّها أو تكثّرت.

وإن شئت قلت: إنّ الهيئة قد ابتلعت هذه المواد و الأجزاء و صارت مقصودة في اللحاظ كما في السيّارة بالنسبة إلى هيئتها القائمة بأجزائها.

والحاصل: أنّ المادّة لم تلحظ فيها كثرة معيّنة، و يكفي فيها ذكر بعدَ (التكبيرة) ركوع و سجود و طهور و تصدق على الميسور من كلّواحد.

وأمّا الهيئة فهي أيضاً مأخوذة بنحو اللابشرط مثل مادّتها، بعرضها العريض، و تكفي صورة اتصالية حافظة لمادّتها أخذت لا بشرط في بعض الجهات.

ونظير ذلك، لفظ الدار والبيت فانّها من حيث المادة لابشرط، سواء أخذت موادّها من الطين، أو الآجر، أو من الحجر والحديد، كما أنّها من حيث الهيئة أيضاً كذلك، سواء بنيت على هيئة المربع أو المثلث، وعلى طبقة واحدة أو طبقتين فهو موضوع لهيئة مخصوصة غير معيّنة من بعض الجهات مع مواد فانية فيها.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ لفظ الصلاة موضوعة لنفس الهيئة اللا بشرط، الموجودة في الفرائض والنوافل قصرها و تمامها، و ما وجب على الصحيح أو المريض بأقسامها، فيكفي في صدقها، وجود هيئة بمراتبها إلاّ بعض المراتب التي لا تكون صلاة كصلاة الغرقى، لعدم وجود مواد من ذكر و قرآن و سجود و ركوع».(1)


(1) تهذيب الأُصول: 1/77ـ78، ط مؤسسة النشر الإسلامي.


(169)

التقريب السابع:

ما ذكره المحقّق الخوئي في تعليقته على أجود التقريرات وهذا حاصله:

إنّ كلّ مخترع هو أعرف بما اخترعه سواء كان المخترع شارعاً أم غيره و تدلّ الروايات على أنّ التكبيرة و التسليمة معتبرتان فيها حيث إنّ الصلاة أوّلها التكبّر و آخرها التسليم، كما أنّ الركوع والسجود والطهارة معتبرة فيها حيث إنّ كلاً منها ثلث الصلاة وأمّا غير ذلك من الأجزاء والشرائط فهي خارجة عن حقيقتها و دخيلة في المأمور به على اختلاف الأشخاص والحالات، و المراد من دخل الطهارة والركوع والسجود، هو الأعمّ منها و من أبدالها، ولا بأس أن يكون مقوّم الأمر الاعتباري على سبيل البدلية.

كما أنّه لا مانع من دخول شيء في مركّب اعتباري عند وجوده، وخروجه عنه عند عدمه إذا كان المسمّى بالنسبة مأخوذاً على نحو لا بشرط كما هو الحال بالنسبة إلى غير المأخوذ في المسمّى من القراءة و التشهد و غيرهما فلو وجب يكون عينها ولو لم يجب، لم يضرّبتحقق الصلاة كما هو الحال في حديث الدار فانّه موضوع بما اشتمل على ساحة وحيطان وغرفة فإن كان هناك ايوان ونهر و سرداب يكون جزء منه و إلاّفلا يضرّ عدمه.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: إذا كانت الصلاة موضوعة لما اشتمل على التسليم، يلزم بطلان صلاة من نسيه، مع أنّه يصحّ و إن كان عليه قضاء الجزء.

وثانياً: يلزم صحّة صلاة من ترك القيام المتّصل بالركوع مع أنّه يبطل إلاّ أن يقال، إنّه داخل في حقيقة الركوع، إذ هو الانحناء عن قيام.


(1) المحقق الخوئي: تعليقة أجود التقريرات: 1/40ـ 41.


(170)

التقريب الثامن:

ما استفدناه من العلاّمة الطباطبائي شفاهاً(1)، وأتى به في تعليقته على الكفاية . وهويبتني على التتبّع في كيفية الوضع في المركّبات غير الحقيقية أو المجعولة جعلاً شرعياً أو عقلياً فإنّ التسمية فيها أوّلاً بنحو التواطي، ثمّ يعرضها التشكيك أو شبهه على التدريج. و إليك توضيحه:

إنّ الإنسان قد توصل إلى مطبوخ يعمل من دقيق البرّ فأسماه خُبزاً، ثمّ إنّه بعد ما وقف على أنّه إذا عمله من دقيق الشعير يفي بالغرض المطلوب منه و هو سدّ الجوع، توسّع في الاسم. ثمّ إذا وجد أنّ دقيق الارز و دقيق الذرة يفيان بالغرض أو واحد منهما مع المزج بالسكر وغيره، توسع في الاسم أيضاً، إلى أن صار للخبز عدّة مراتب، لم يكن منها يوم وضعه للمركّب عين ولا أثر ولكن لمّا كان الجميع وافياً بالغرض وُسِّع الاسم من مرتبة إلى ثانية ، إلى ثالثة....

ومثله لفظ «المصباح» إذ لم يكن يوم وضع إلاّمجرّد أحطاب مشتعلة، ثمّ تطوّر البشر حتّى توصلوا إلى الاستفادة من الأدهان النباتية فاخترعوا فتيلة تمس الدهن بسهولة و تضئ حولها، ثمّ اخترعوا آلة أُخرى تشترك معها في الأثر، فتوسّعوا في الاسم إلى أن توصلوا إلى المراتب المختلفة الموجودة للمصباح في العالم و سمّوا الجميع مصباحاً. هذا في المركّبات الصناعية.

وأمّا المجعولات الشرعية من العبادات فهي على هذا الوزان، فالصلاة مثلاً كما شرّعت أوّلاً على ما فرضه الله تعالى ركعتين مع مالهامن الأجزاء والشرائط، فأخذ معناها الجامع، جامعاً متواطياً يصدق على أفراده على وتيرة واحدة ثمّ


(1) عند البحث عن صفة التكلّم لله سبحانه وأنّ العالم بجواهره و أعراضه كلامه تعالى لأنّه إذا كان الكلام اللفظي، كلاماً لأجل كونه مبرزاً لما في الضمير فعالم الإمكان ، مبرز لما هنالك من علم و قدرة، وجمال و كمال. فبيّن أنّ التطور في الإستعمال قانون شمل لفظ الكلام، نظير المصباح.


(171)

أُضيف إليها ما فرضه النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و تصرّف فيها بالتصرّفات المختلفة بالعفو والاعتبار، بحسب الحالات الطارئة والأعذار اللاحقة، من السفروالحضر والخوف والمرض و أقسام العذر والاضطرار حتّى وصلت النوبة إلى صلاة الغريق و هي مجرّد إيماء قلبي.

فهي كما ترى تبتدي أوّلاً من جامع متواطء في مرتبة واحدة، ثمّ بين كلّ مرتبة و ما يليها، ثمّ اعتبار جميع هذه الجوامع المتواطئة المختلفة و سبك جامع منها فينتج التشكيك.

فقد تبيّن أن الجامع في المركّبات الاعتبارية و منها العبادات الشرعية معنى مبهم تشكيكي يتوصّل إلى اعتباره أوّلاً باعتبار جوامع متواطئة تستنتج هو منها، و إلى فهمه ثانياً بالمعرّفات في الأغراض والآثار.(1)

وحاصل ما أفاده أنّ الصلاة موضوعة وصفاً متواطئياً على الركعتين، وهي يصدق على ما تحتها صدق المتواطء ثمّ إنّه حصل ـ بعد إضافة ما فرضه النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جامع ثان، يصدق على ما تحته صدق المتواطء.

ثمّ حصل ـ بعد التصرّفات المختلفة بالعفو والاعتبار حسب حالات المكلّفين في السفر والحضر والخوف والمرض جامع ثالث و رابع و خامس كلّ صادق لما تحته صدق المتواطء.

لكن العقل بعد لحاظ هذه الجوامع، يصنع جامعاً تشكيكياً، ليصدق على أفراد جميع المراتب كما هو الحال في المصباح حيث إنّ لكلّ مرتبة جامع متواطء و لكن نهاية الأمر يصنع جامعاً فوقانياً صادقاً على المراتب و مصاديقها. ينتزعه من الجوامع المتواطئة ويشير إليه بالآثار. و يصدق على الجميع صدقاً تشكيكياً و ليس المراد من التشكيك في المقام هو المعنى المصطلح أي تفاوت مصاديق مفهوم واحد بالكمال و النقص، بل المراد هو اختلاف المكلّف به حسب اختلاف الحالات.


(1) حاشية الكفاية:42ـ43.


(172)

و ليعلم أنّ التقريبات الثلاثة الأخيرة متقاربة لكن المهمّ هو قيامها برفع المشكلة الموجودة أمام الصحيحي من صدق الجامع على جميع المراتب،أوّلاً، و يكون صدقه على تمام مصاديقها بوضع واحد لا بأوضاع متعدّدة ثانياً، و كون الأجزاء قليلة أو كثيرة داخلة في المسمّى من دون أن يكون بعضها جزء المسمّى و البعض الآخر جزء المأمور به كما عليه الأعمّي ثالثاً، و عليك بالتأمّل فيها.

تقريبات للقول بالأعم

قد ذكر المحقّق الخراساني عدّة تقاريب للقول بالأعم أوضحها: ما ذكره المحقّق القمي من أنّ الموضوع له، هو خصوص الأركان، وأمّا بقية الأجزاء والشرائط فهي دخيلة في المأمور به دون المسمّى(1) و حاصله دعويان:

الأُولى: أنّ الموضوع له هو الأركان.

والثانية: خروج بقية الأجزاء عن المسمّى. و دخولها في المأمور به وأشكل عليه المحقّق الخراساني بأمرين:

1ـ إنّ التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها، ضرورة صدق الصلاة مع الإخلال ببعض الأركان، بل و عدم الصدق عليها مع الإخلال بسائر الأجزاء و الشرائط عند الأعمّي ـ و لو مع الإتيان بالأركان.

يلاحظ على الشق الأوّل: بأنّ وجه صدق الصلاة مع الإخلال بالأركان، لأجل اشتمالها على الأبدال. و إلاّ نمنع صدقها. نعم يرد عليه ما أفاده في الشق الثاني. إذ لا تصدق الصلاة على مجرّد الإتيان بالأركان.

2ـ يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو المأمور به بأجزائه و شرائطه مجازاً عنده، وكان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ.(2)


(1) المحقّق القمي: قوانين الأُصول: 44.
(2) كفاية الأُصول: 1/39.


(173)

يلاحظ عليه: بأنّه يصحّ للمحقّق القمي أن يجيب بأنّه إنّما يرد إذا أُخذت الأركان بشرط لا، لاما إذا أخذت لا بشرط كما قررناه. و عندئذ يكون الأجزاء الخارجة جزءاً لها لا أمراًخارجاً عنها ليكون الاستعمال مجازاً.

وأورد المحقّق النائيني على الدعوى الأُولى بأنّ المراد من الأركان أيّ مرتبة منها، مع اختلافها بحسب الموارد من القادر والعاجز، فلابدّحينئذ من تصوير جامع آخر بين تلك المراتب، فيعود الإشكال.

وعلى الدعوى الثانية بأنّه إن التزم بأنّ بقية الأجزاء خارجة دائماً، فهو ينافي الوضع للأعم، فإنّ المفروض صدقها على الصحيحة أيضاً. وإن أراد خروج بقية الأجزاء عند عدمها، فيلزم دخول شيء في الماهية عند وجوده، وخروجه عنها عند عدمه، و هو محال.(1)

والظاهر اندفاع كلا الإشكالين:

أمّا الأوّل، فلأنّ الشارع جعل الركوع و السجود بعرضهما العريض ركنين، وهما يختلفان باختلاف الحالات، و أدنى مراتبهما الإشارة و الإيماء. لكن وضع الاسم لهذه الأركان لا يحتاج إلى تصوير جامع بين تلك المراتب ليوضع اللفظ بازائه، بل يكفي في الوضع عطف البدل أو الأبدال على الأركان ، ولا مانع من أن يكون مقوّم المركّب الاعتباري أحد الأُمور.

وأمّا الثاني، فلأنّه إذا كانت الأركان، هي المسمّى، كانت لا بشرط بالنسبة إلى الأجزاء، بمعنى أنّها لو خلت عنها، تكون الصلاة هي نفسها، وإن انضمت إليها الأجزاء الخارجية، تكون غير خارجة عن ماهيتها. و هذا معنى كونها «داخلة عند وجودها، وعدمه عند عدمها». و لها في المركّبات الصناعية نظائر كالسيّارة و الطائرة والبيت، فانّ الايوان عند وجوده يعدّ جزء منه، دون ما إذا لم يكن و قس


(1) لمحقّق النائيني: أجود التقريرات:1/41ـ42.


(174)

عليه كثيراً من أجزاء المصنوعات كما هو معلوم، إذ لم تزل في طريق التكامل من حيث الإتقان و الأدوات.

هذا، و بما أنّ ما ذكر من الجوامع للقول بالأعم، لا يخلو من إشكال، فالأولى صرف عنان الكلام إلى البحث عن أدلّة الطرفين.

الجهة الخامسة: أدلّة القول بالصحيح

استدل للقول بالصحيح بوجوه من الأدلّة، ذكرها المحقّق الخراساني:

الأوّل: التبادر و دعوى أنّ المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح ولا منافاة بين دعوى ذلك، و بين كون الألفاظ على هذا القول مجملات فانّ المنافاة إنّما تكون فيما إذا لم يكن معانيها على هذا الوجه مبيّنة بوجه، و قد عرفت كونها مبيّنة بغير وجه.(1)

إنّ قوله: ولا منافاة...ردّ لما يشكل عليه من أنّه إذا كان الموضوع له عند الصحيحي مجملاً فكيف يمكن ادّعاء تبادر الصحيح فإنّه أشبه بالتناقض فأجاب بأنّه لا منافاة بين الإجمال من حيث الذات، و المعلومية من حيث الآثار وكفى في التبادر كونه مبيّنة من هذه الجهة.

يلاحظ عليه: أنّ تبادر الصحيح من هذه الألفاظ إمّا مع قطع النظر عن الآثار الواردة في الكتاب والسنّة أو مع ملاحظتها، فعلى الأوّل، لا سبيل إلى التبادر لأنّ الموضوع مجمل من جميع الجهات، وعلى الثاني أي تبادر الصحيح بالنظر إلى الآثار يرجع هذا الدليل إلى الثالث الذي سيوافيك.

وبعبارة أُخرى: قد عرفت أنّ الصحّة في المقام ليس من آثار الماهية من حيث هي بل من آثارها عند الوجود و معنى وضعها للصحيح: أنّها وضعت لماهية إذا وجدت في الخارج تكون صحيحاً، و التلفّظ بهذه القضية الشرطية فرع التعرّف


(1) كفاية الأُصول:1/45.


(175)

على الموضوع، فإن تلفّظ بها مع قطع النظر عن الآثار الواردة في الكتاب فهو باطل إذ كيف يمكن له أن يَصِفَ المجمل من جميع الجهات بوصف شرعي، وعلى الثاني فالقضية و إن كانت صحيحة، لكنّها يرجع إلى الدليل الثالث.

الدليل الثاني: صحّة السلب عن الفاسد بسبب الإخلال ببعض أجزاء العبادة أو شرائطها بالمداقّة و إن صحّ الإطلاق عليه بالعناية.(1)

ويرد عليه ما أوردناه على الدليل الأوّل، فإنّ سلب شيء عن شيء، فرع معلومية المعنى، حتّى يسلب عن الفاسد، و المفروض إجمال المعنى وعدم تبيّنه إلاّمن جانب الآثار.

فإن قلت: إنّ المسلوب عن الفاسد، هو المعنى المقيّد بهذه الآثار أو المعرَّف بها.

قلت: قد مرّ أنّ ما هو العلامة، عبارة عن سلب مطلق المعنى، عن المورد،لا المقيّد، أو ما هو بحكمه، كما إذا أخذت الآثار، معرِّفة بصورة القضية الحينية.

ثمّ إنّه يرد على الدليلين إشكال آخر، وهو أنّ التبادر، أو صحّة السلب عن الفاسد، إنّما هو بحسب عرفنا. وأمّا كون المتبادر في عصر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو ذاك، و أنّه كان يصحّ سلبها عن الفاسد في ذاك الزمان، فلا يثبت إلاّ بأصالة عدم النقل، وهو يرجع إلى الاستصحاب القهقري. ولو افترضنا صحّته، أو قلنا بأنّ أصالة عدم النقل أصل عقلائي مستقلّ لا صلة له بالاستصحاب، وإن كانا متّحدين في النتيجة، يكون الاستدلال بالتبادر وصحّة السلب ناقصاً لابدّمن ضمّ أصل إليهما.

الدليل الثالث: الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار


(1) كفاية الأُصول: 1/45.


(176)

للمسمّيات، مثل: «الصلاة عمود الدين»(1) أو «معراج المؤمن»(2) و «الصوم جنّة من النار»(3) إلى غير ذلك. أو نفي ماهياتها و طبائعها مثل: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»(4) و نحوه ممّا كان ظاهراً في نفي الحقيقة بمجرّد فقد ما يعتبر في الصحّة شرطاً أو شطراً، و إرادة خصوص الصحيح من الطائفة الأُولى، ونفي الصحّة من الثانية، خلاف الظاهر، لا يصار إليها مع عدم نصب قرينة عليه.(5)

فإن قيل: يمكن أن يكون الموضوع في القسم الأوّل، هو الطبيعة على وجه الإهمال، أي الصلاة على نحو القضية المهملة لها الآثارالخاصّة، أو أُريد ، الفرد الصحيح على نحو المجاز.

قيل له: إنّ أصالة الإطلاق، وأصالة الحقيقة، يدفع كلا الاحتمالين.

ولا يخفى عدم صحّة الاستدلال بالطائفتين من الأخبار.

أمّا الأُولى: فلأنّ هذه الآثار إنّما تثبت إذا أتى المكلّف بها لله سبحانه و انضمّ إليها قصد القربة، وإلاّ فلا تكون معراجاً، ولا ناهية .و لم يقل أحد بدخول هذا الجزء العقلي (قصد الأمر) في مدلول الصلاة .

وعلى هذا فيؤول المعنى إلى أنّ الصلاة مقتضية لهذه الآثار لا علة تامة فإذا كان كذلك فيعم الموضوع فإنّها أيضاً مقتضية لتلك الآثار. و بالجملة الاستدلال مبني على كونها علّة تامة لهذه الآثار، و تكون هناك ملازمة بين مسمّى الصلاة وتلك الآثار، و من المعلوم أنّه لا ملازمة مطلقة بين المسمّى وتلك الآثار، و إنّما الملازمة بين المسمّى الذي قرن به الجزء العقلي، و بين تلك الآثار. وعلى ضوء ذلك،


(1) محمد بن يعقوب الكليني: الكافي:3/99، باب النفساء، الحديث 4.
(2) ذكره في «جواهر الكلام»:7/ 2.
(3) الكافي، :4/62، باب ما جاء في فضل الصوم والصائم، الحديث 1; من لا يحضره الفقيه:2/44، باب فضل الصيام، الحديث 1و5.
(4) غوالي اللئالي:1/196، الحديث 2; و2/ 218، الحديث 12.
(5) كفاية الأُصول: 1/45.


(177)

فلابدّ من جعل المسمّى مقتضياً لها، و الاقتضاء كما هو موجود في الصحيحة، موجود في الفاسدة، غاية الأمر أنّه في الأُولى آلة.

أضف إليه: أنّه لا يمكن دفع احتمال كون الصلاة على نحو القضية المهملة موضوعة للآثار، أو متعلّقة بنحو المجاز بالأصلين المذكورين لأنّ مجراهما ما إذا شكّ في المراد، لا ما إذا علم المراد وشكّ في أمر آخر، وهو أنّها موضوعة للصحيح أو الأعمّ فانّ الغاية من الأصلين في المقام هو إثبات الأمر الثاني لا الأوّل لأنّ المراد معلوم و هو الصحيح في هذه الموارد، لدلالة الآثار الواردة فيها المترتّبة على الصحيح، و كيفية الوضع ثمّ الاستعمال وأنّه بنحو الحقيقة أو المجاز مجهولان و الأصلان لا يفيان بذلك.

وأمّا الثانية: فانّ هذه التراكيب وإن كانت مستعملة في نفي الحقيقة، لكنّها مستعملة فيها بعناية، ولغاية المبالغة كما في قوله ـ عليه السَّلام ـ :«يا أشباه الرجال ولا رجال»(1) فلا يكون مثله دليلاً على وضعها للصحيح.

لا أقول إنّها مستعملة في نفي الصحّة و الكمال، حتّى يقال إنّه لا يصار إليه إلاّ بقرينة، بل المستعمل فيه هو نفي الحقيقة مطلقاً، لكن فرق بين نفي الحقيقة حقيقة، وبين نفي الحقيقة مبالغة و عناية. و هذه التراكيب كثيرة الاستعمال في نفي الحقيقة مبالغة و عناية، مثل قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد».(2) و«لا رضاع بعد فطام»(3) و«لا رهبانية» (في الإسلام)(4)وإلى غير ذلك ممّا ورد على لسان النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ.

ومع هذه الكثرة ، لا تصلح للاستدلال، لأنّ كثرة الاستعمال إذا صارت إلى


(1) نهج البلاغة، الخطبة 27، وقد قالها يستنهض بها الناس.
(2) التهذيب، للشيخ الطوسي:3/261، باب فضل المساجد والصلاة فيها، الحديث55; والوسائل، ج3، أبواب أحكام المساجد، الباب 2، الحديث 1. ورواه الدار قطني في سننه:1/420.
(3) الوسائل، ج14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 5، الحديث 5.
(4) بحارالأنوار 68/317، و النسخة خالية من لفظة «في الإسلام».


(178)

حدّ وافر، تزاحم ظهوره اللفظ في نفي الحقيقة حقيقة. و الحاصل أنّ كثرة استعمال هذه التراكيب في نفي الحقيقة مبالغة و عناية، تزاحم حمل اللفظ في هذه الموارد على كون المراد هو نفي الحقيقة حقيقة.

أضف إلى ذلك أنّ الروايتين لا تثبتان إلاّ دخول الطهارة والفاتحة في المسمّى، وأمّا دخول غيرهما فيها فقاصرتان عن إثباته.

الدليل الرابع: و هومبنيّ على مقدّمات أربع:

الأُولى: أنّ طريقة العقلاء في وضع الألفاظ هي وضعها للصحيح.

الثانية : أنّ الداعي إليه هو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح.

الثالثة: أنّ هذه الحكمة أيضاً موجودة في وضع الشارع.

الرابعة: لا يصحّ التخطي عن هذه الطريقة.(1)

ولا يخفى أنّ تقرير الدليل على هذا الوجه غير تام، لأجل منع بعض مقدّماته، خصوصاً الثانية، لمنع كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح، هذا إذا لم يكن الأمر على العكس، و يمكن تقرير الدليل بوجه آخر لا يرد عليه ما ذكر، وحاصله:

أنّ الصلاة ماهيّة اعتبارية، اعتبرها المعتبر لأغراض خاصّة وردت في الكتاب والسنّة، وتلك الأغراض إنّما تترتّب على الصحيح منها دون الأعم.

و إن شئت قلت: إنّ الشارع لمّا أراد تهذيب الإنسان وتربيته، ورأى أنّ ذلك الغرض إنّما يترتّب على العبادة التي منها الصلاة، اخترعها لتحصيل هذا الغرض و من المعلوم أنّ الفعل يُتحدّد من ناحية العلّة الغائية، فلا يكون اعتبار العمل أوسع من الغرض و الغاية المحرّكة، والمعلول ـ الوضع ـ يتضيّق من ناحية علّته الغائية.

وبعبارة أُخرى: أنّ طبيعة الحال تقتضي أن يضع اللفظ لما تعلّق به غرضه و


(1) لاحظ كفاية الأُصول: 1/46.


(179)

يفي به، لا الأعم، فانّ الداعي للاعتبار هو الداعي للوضع، فوضع اللفظ للأوسع من الغرض يحتاج إلى داع آخر غير موجود.

نعم الإتيان بما يتعلّق به الغرض يقتضي وجود قسم آخر و هو الفاسد، فيطلق عليه الاسم عناية. و مقتضى ذلك أن يكون الموضوع له هو ما يترتّب عليه الغرض، و استعماله في الفاسد من باب العناية والمجاز.

وهذا البيان لا يرد عليه ما أورد على التقرير الأوّل، فلاحظ.

الجهة السادسة: في بيان أدلّة القول بالأعمّ

استدل الأعمّي أيضاً بوجوه:

الأوّل: التبادر.

الثاني: عدم صحّة سلب الصلاة عن الفاسدة.

يلاحظ عليهما: بما مرّ في نقد أدلّة الصحيحي فإنّ التبادر وعدم صحّة السلب فرع تصوّر جامع على الأعم حتى يتبادر عند الإطلاق و يترتّب عليه عدم صحّة السلب وقد مرّ عدم جامع صالح على القول بالأعمّ.

الثالث: صحّة التقسيم: إلى الصحيحة والفاسدة.

وأُجيب عن الاستدلال: بأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، إلاّ على رأي السيّد المرتضى:

وفيه: أنّا نرى أنّ استعمال الصلاة في هذا المورد، لا يحتاج إلى عناية و ادّعاء، كما هو شأن المجاز، و مثله إنّا نرى أنّه لا يصحّ سلب الصلاة عن الصلاة الفاسدة، و ليست الثانية بالنسبة إلى الصلاة، كنسبة الصوم إليها أو كنسبة الحجر إلى الإنسان.

والجواب غير تام فانّ الاستعمال و إن كان أعم، لكنّه إنّما يصحّ إذا احتمل


(180)

أنّ الاستعمال رهن الادّعاء والعناية و ليس المقام كذلك فانّ التقسيم، صحيح بلا حاجة إليهما، و هو آية كونه مستعملاً في الأعمّ على وجه الحقيقة الملازم كونه موضوعاً له .

نعم يمكن أن يقال: إنّ عدم الحاجة إليهما إنّما هو في عصرنا، و هو ليس دليلاً على عدم الحاجة إليهما في عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولعلّ الاستعمال في الأعمّ في ذلك العصر كان متوقّفاً على الادّعاء وجريان عدم النقل ـ مع كثرة الحاجة إلى استعمالها في الفاسدة ـ غير محرز إذ مع كثرة الحاجة، يغلب الظنّ على النقل بالوضع التعيّني و معه يتوقّف العقلاء في التمسك بها. و الحاصل أنّ أصالة عدم النقل أصل عقلائي و القدر المتيقّن منه، عدم الظنّ القويّ بالنقل كما في المقام، لأجل الحاجة إلى إفهام الفاسد من الموضوع.

الرابع: قوله ـ عليه السَّلام ـ : «بني الإسلام على خمس: الصلاة والزكاة و الحجّ و الصوم والولاية، ولم يناد أحد بشيءكما نودي بالولاية، فأخذ الناس بالأربع و تركوا هذه ، فلو أنّ أحداً صام نهاره و قام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة».(1)

فإنّه بناء على بطلان عبادة تاركي الولاية كما هو ظاهر قوله: «لم يقبل له صوم ولا صلاة»لا يصدق الأخذ إلاّإذا كانت أسامي للأعم.

والجواب عنه واضح: أمّا على القول ببطلان صلاتهم وسائر أعمالهم العبادية، فلأنّ المراد من الصلاة هو الصحيحة منها بقرينة كونه ممّا بني الإسلام عليه. و المراد من أخذهم هو الأخذ بها حسب اعتقادهم.

وأمّا على القول بصحّة أعمالهم، كما هو الظاهر، فيسقط الاستدلال، لأنّ الأخذ يحمل على الحقيقة. نعم أعمالهم ليست مقبولة، وعدم القبول لا لأجل بطلانها، بل لأجل موانع من عروج الصلاة، كما ورد في عدم قبول صلاة شارب


(1) الكافي: 2/19، باب دعائم الإسلام، الحديث5.


(181)

الخمر، وقاطع الرحم، وعاق الوالدين. فحينئذ، فالاستدلال ساقط.

وقدعقد صاحب الوسائل باباً أسماه «بطلان العبادة بدون ولاية الأئمّةـ عليهم السَّلام ـ(1) أورد فيها روايات تناهز تسع عشرة رواية، أكثرها دالة على الصحّة و لكن لا تقبل ولا يترتّب عليها الثواب فلاحظ رقم 2، 4، 5، 8 وغيرها وعلى ذلك فيكون الأخذ على وجه الحقيقة.

و لكن الأولى أن أن يجاب بوجه آخر وهو أنّ المراد من الصحيح هو تام الأجزاء والشرائط، لا الصحيح من سائر الجهات كالاعتقاد بالولاية فالصحّة من هذا الجانب خارج عن المسمّى كما تقدّم.

السادس: قوله: «دعي الصلاة أيّام أقرائك»(2) فانّه لو كانت الصلاة اسماً للصحيح لما صحّ النهي عنها لعدم كونها مقدورة و إنّما تكون مقدورة إذا كانت اسماً للأعم.

ولا يخفى أنّه إنّما يتمّ لو كان النهي مولوياً، فيشترط حينئذ أن يكون المتعلّق مقدوراً و ليس المقدور إلاّ الأعم لا ما إذا كان إرشادياً كما في المقام فإنّ النهي إرشاد إلى عدم تمكّنها من الصلاة الواقعية، وليس النهي مولوياً، وإلاّ يلزم كون الإتيان بصورة الصلاة، حراماً بالذات، وهو كما ترى.

السابع: أنّه لا شبهة في صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان تكره فيه، وحصول الحنث بفعلها، ولو كانت الصلاة المنذور تركها خصوصَ الصحيحة، لزم إشكالان:

الإشكال الأوّل: عدم إمكان حنث الحلف، لأنّ الحنث يتحقّق بالصلاة الصحيح، و هي غير مقدورة بعدنهي الشارع.


(1) الوسائل: الجزء الأوّل: الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات.
(2) الكافي: 3/88..


(182)

الإشكال الثاني: يلزم المحال، لأنّ المنذور حسب الفرض تعلّق بالصحيحة، ومع النذر لا تقع صحيحة، فيلزم من فرض تعلّق النذر بالصحيحة، عدم صحّتها.

أقول: إنّ الإشكال مشترك بين الصحيحي و الأعمّي، لأنّ متعلّق النذر على كلا القولين هو الصحيح لا الأعم، لأنّ المنذور ليس ترك الأجزاء الرئيسية ولا الصورة المعهودة المشتركة بين الصحيح و الفاسد، فما هو الجواب عند الأعمّي هوالجواب عند الصحيحي.

ثمّ إنّه قد أُجيب عنه بوجوه:

الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني بأنّ متعلّق النذر هو الصحيح في حدّ ذاته، مع قطع النظر عن تعلّق النذر وعدمه.

قال: «إنّ الفساد من قبل النذر، لا ينافي صحّة متعلّقه، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها».(1)

وعندئذ لا يترتّب عليه شيء من الإشكالين، بل يصحّ حنثه، ولا يلزم من فرض صحّتها، عدم صحّتها، فهي بعد تعلّق النذر أيضاً، صحيحة بالمعنى المذكور.

و بعبارة أُخرى: إنّها موضوعة للصحيح من حيث الجهات الراجعة إلى الصلاة نفسها، لا الصحيح حتّى من الجهات الطارئة كالنذر وشبهه. و الصلاة في المكان المكروه، صحيحة بالمعنى الأوّل، وقد تعلّق بها النذر، وهو أمر ممكن، فإذا أتى بها ، أتى بما نذر تركه، فيتحقّق الحنث.

و أورد عليه المحقّق البروجردي بأنّ النذر تعلّق بترك ما هو مصداق لصحيح بالحمل الشائع لا الصحيح المعلّق،فلا يتحقّق الحنث بالصلاة


(1) كفاية الأُصول: 1/49.


(183)

الفاسدة.(1)

ولا يخفى ضعف الإيراد، فإنّ قصد الناذر تابع لما وضع له اللفظ، والصحيحي لا يدّعي وضعه للصحيح من جميع الجهات حتّى من الجهات الطارئة من جانب النذر و شبهه، بل يدّعي أنّه موضوع للصحيح من الجهات الراجعة إلى الصلاة نفسها.

ولو ادّعى القائل بأنّ النذر تعلّق بالصحيح من جميع الجهات حتّى الطارئة، نلتزم بعدم انعقاد النذر لعدم صحّة تعلّق النهي به.

الوجه الثاني: ما أجاب به المحقّق البروجردي و هو عدم صحّة النذر، لأنّه ليس المراد من الكراهة هنا الحزازة الذاتية حتّى يصحّ تعلّق النذر بتركها، بل المراد هو كونها أقلّ ثواباً. و لو كان هذا ملاكاً لصحّة تعلّق النذر، للزم صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في البيت، إذ هوأقلّ ثواباً بالنسبة إلى المسجد، وهكذا هو بالنسبة إلى المسجد الحرام.(2)

يلاحظ عليه: أنّ هناك فرقاً بين الصلاة في الحمام و الصلاة في البيت، فإنّ الكراهة في الثاني ليست لأجل حزازة موجودة في إيقاعها في المكان المشخّص ، فيتعيّن كونها بمعنى أقلّ ثواباً. و أمّا كراهة الصلاة في الحمام، فإنّما هي لأجل الحزازة الموجودة في محلّها و مكانها، وإلاّ فلو كانت الكراهة في الحمام بمعنى كونها أقلّ ثواباً، للزم اتّصاف كلّ الصلوات بالكراهة، إلاّ الفرد العالي، وهو كما ترى.

الوجه الثالث: صحّة النذر أوّلاً ، وصحّة الصلاة ثانياً والحنث ثالثاً.

أمّا الأوّل، فلما عرفت من وجوه الحزازة والمنقصة في الصلاة المأتي بها في الحمام، الذي هو مركز الشياطين و القذارات، و هو أشبه بامتثال أمر المولى بالسقي، بسقيه بوعاء غير لائق به.


(1) المحقق البروجردي: نهاية الأُصول، ص 48.
(2) المحقق البروجردي: نهاية الأُصول، ص 48.


(184)

وأمّا الثاني والثالث، فلأنّ متعلّق الأمر الصلائي هو طبيعة الصلاة و متعلّق الأمر النذري هو الوفاء بالنذر، و متعلّق النهي التحريمي هو خلف النذر و بما أنّه كان في وسع المكلّف الإتيان بالصلاة في غير ذلك المكان، حتّى يقوم بامتثال كلا الأمرين. و لكنّه قام بامتثاله فيه، صارت الصلاة فيه مصداقاً ذاتياً للأمر الأوّل أعني: الأمر بالطبيعة، ومصداقاً عرضياًللتخلّف عن النذر، ولمّا كان متعلّقاً الأمر والتحريم مختلفين،فلا بأس بالأمر بها والنهي عن التخلّف، ولا يوجب ذلك بطلانها لأنّ ما هو الواجب بالذات هو طبيعة الصلاة المنطبقة على الفرد الخارجي بالذات، و ما هو المحرّم إنّما هو التخلّف عن النذر المنطبق على ذاك الفرد انطباقاًعرضياً، وبما أنّ كلّ أمر لا يتجاوز عمّا يتعلّق به فلا إشكال في أن تكون الصلاة واجبة بالذات، و محرمة بالعرض بانطباق عنوان التخلّف عن النذر عليها. و سيوافيك توضيحه عند البحث عن اجتماع الأمر والنهي، فانتظر.

وعلى كلّ تقدير فسواء أصحّت الصلاة أم لا، الاستدلال فاقد للقيمة، وذلك لأنّ المدّعى على القول بالصحّة، هو وضعها للأجزاء والشرائط التامّة و أمّا ما يعرض الموضوع من جانب العناوين الثانوية كالنذر والخلف فالصحّة و الفساد من تلك الناحية فخارجان عن محطّ النزاع و صميم المسمّى.

الجهة السابعة: في ثمرات المسألة

قد ذكرت للمسألة ثمرات أربع نذكرها:

الثمرة الأُولى: هو جواز التمسّك بالإطلاق وعدمه

قال المحقّق الخراساني: إنّ ثمرة النزاع، إجمال الخطاب على قول الصحيحي، وعدم جواز الرجوع إلى إطلاقه في رفع ما إذا شكّ في جزئية شيء للمأمور به وشرطيّته، أصلاً، (للزوم إحراز الموضوع في التمسكّ بالإطلاق ورجوع الشكّ إلى عوارضه وحالاته، و الشكّ في المقام يرجع إلى الشكّ في دخوله في


(185)

المسمّى المستلزم للشكّ في صدق الموضوع وعدمه). وجواز الرجوع إليه في ذلك على قول الأعمّي، في غير ما احتمل دخوله في المسمّى، ممّا شكّ في جزئيّته أو شرطيّته نعم إنّما يرجع إلى الإطلاقات في غير ما شكّ في دخوله في المسمّى، إذا كان الإطلاق وارداً مورد البيان، كما هو الحال في سائر الشرائط.(1)

وردّت الثمرة بوجوه ثلاثة:

الأوّل: أنّ الصحيحي و إن كان لا يمكنه التمسّك بالإطلاقات اللفظية، لكن بإمكانه أن يتمسّك في نفي جزئية شيء أو شرطيّته، بالإطلاقات البيانية، كما هو الحال في صحيحة «حمّاد» حيث قام الإمام و صلّى ركعتين و بيّن عملاً أجزاء الصلاة و شرائطها، بإقامته الصلاة أمام حمّاد(2)، فإذا لم يأت بالاستعاذة ـ مثلاً ـ نستكشف عدم وجوبها.

يلاحظ عليه: أنّ ذلك خروج عن البحث، فإنّ محور البحث هو جواز التمسّك بالإطلاقات اللفظيّة، لا الإطلاقات البيانية، ولا الإطلاقات المقامية، فإنّ الصحيحي والأعمّي فيهما سواء.

الثاني: أنّ الثمرة عديمة الفائدة، إذ المطلقات الواردة في الكتاب، لا يصحّ التمسّك بها، لأنّ المتكلّم فيها ليس في مقام البيان، بل في مقام أصل التشريع، و معه لا يجوز التمسّك فقوله سبحانه:(أقيموا الصلاة)، مثل قول القائل: «الغنم حلال» فكما لا يصحّ التمسّك بإطلاق الثاني لإثبات حلّية الغنم المغصوب، فهكذا لا يصحّ التمسّك بإطلاق الأوّل لرفع وجوب الاستعاذة أو جلسة الاستراحة. غاية الأمر أنّ الأعمّي لا يصحّ له التمسّك بالإطلاق لوجه واحد، و هو عدم كون المتكلّم في مقام البيان، و الصحيحي لا يصحّ له التمسّك به


(1) كفاية الأُصول، ص 43، بتوضيح منّا.
(2) الوسائل، ج4، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 1. ورواها الصدوق بإسناده عن حمّاد بن عيسى المتوفّى عام 212هـ، و سنده في المشيخة إلى حمّاد، صحيح.


(186)

لوجهين: عدم كون المتكلّم في مقام البيان أوّلاً و الشكّ في صدق الصلاة على الفاقد، وعدمه، ثانياً.

يلاحظ عليه: أنّ إنكار عدم وجود مطلق في الكتاب العزيز والسنّة الشريفة، في أبواب العبادات، غريب جدّاً، فيكفي فيه قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَأَيّاماً مَعْدُودات فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَرَ).(1)

فإنّه في مقام البيان، بقرينة ذكر الفروع في الآيات التالية. فعلى ذلك فالأعمّي القائل بأنّه لا حقيقة للصيام إلاّ قوله:(وَ كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (2)، لو شكّ في وجوب شيء زائد على ترك الأكل و الشرب، يتمسّك بإطلاقه، إلاّ ما دلّ الدليل على وجوب الكفّ عنه، كالارتماس في الماء، و الافتراء على الله و رسوله و الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ . وأمّا الصحيحي فلا، لكون مرجع الشكّ عنده إلى الشكّ في صدق الموضوع على الفاقد، و معه لا سبيل له للتمسّك بالإطلاق. و مثله قوله سبحانه:(وَاحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) (3) وقوله عزّ من قائل:(أَوفُوا بِالْعُقُودِ) (4) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «الصلح جائز بين المسلمين»(5) فعند الشكّ في دخالة شيء شرعاً في ماهية هذه الأُمور، يتمسّك بإطلاقها، على الأعمّ دون الصحيح. و إن حاول الشيخ أن يثبت جواز التمسّك بالإطلاقات الواردة في باب المعاملات لكن المحاولة مختصّة بباب المعاملات ولا يعمّ باب العبادات كما سيوافيك.

الثالث: إنّ الأعمّي أيضاً، لا يصحّ له التمسّك بالمطلقات، لأنّ المسمّى و إن كان الأعمّ لكن المأمور به هو القسم الصحيح فكلّما شكّ في جزئية شيء أو


(1) البقرة:183و184.
(2) البقرة: 187.
(3) البقرة: 275.
(4) المائدة: 1.
(5) من لا يحضره الفقيه:3/21، الحديث 2;والبحار:3/178، الحديث 2.


(187)

شرطيّته فهو شكّ في تحقّق الصلاة الصحيحة.

يلاحظ عليه: أنّ المأمور به ذات الصحيح، لا المقيّد بالصحّة، وعلى ذلك فإذا كان المسمّى صادقاً على المأتي به وشكّ في جزئية شيء أو شرطيّتة يتمسّك بالإطلاق و ليس الشكّ في كونه صحيحاً أو لا، مؤثّراً، لأنّ المأمور به ليس عنوان الصحيح، ولا الأجزاء والشرائط المقيّدة به حتّى يرجع الشكّ إلى الشكّ في المحصِّل و يوجب الاشتغال بل الشكّ في مدخلية أمر آخر وراء صدق الموضوع فيتمسّك بالإطلاق.

نعم يمكن ردّهذه الثمرة بأمرين آخرين:

الأوّل: ما حقّقناه في مبحث الحقيقة الشرعية من أنّ العرب كانوا يستعملون هذه الألفاظ في نفس هذه المعاني الشرعية، و لم يكن العرب غير عارفين بهذه المعاني بل كانوا يستعملونها فيها بكثرة ووفور، غير أنّ الإسلام تبع هؤلاء في استعمالها في تلك ا لمعاني بتصرّف فيها، بإضافة أجزاء وشرائط أُخر لم تكن موجودة فيها. وهذه المعاني مع كونها معاني شرعية قد صارت بمرور الزمان بمنزلة المعاني العرفية في تبادرها منها بلا قرينة.

وعلى ذلك فهذه الألفاظ موضوعة لما هو الصحيح عند العرب، لا الصحيح عند شارع الإسلام كما هو شأن سائر الألفاظ. فلو شككنا في جزئية شيء أو شرطيته واحتملنا كونه جزءاً أو شرطاً لهذه المعاني قبل الإسلام، لكان للتوقّف عن التمسّك وجه، وأمّا إذا شككنا في دخالتهما في هذه المعاني في الشريعة المقدّسة الإسلامية، كما هو الحال في كلّ الشكوك في زماننا، صحّ التمسّك بهذه الإطلاقات إذا كانت في مقام البيان، لأنّ المفروض أنّ هذه الألفاظ لم تكن مجملات غير مبيّنات المعاني عندهم، وأنّ نبيّ الإسلام قد استعمل هذه الألفاظ في تلك المعاني المبيّنة الصحيحة عندهم، وإنّما أضاف أشياء و تصرّف في كيفيتها، فمع ذلك لا معنى لإجمالها وعدم صحّة التمسّك بالإطلاق إذا أحرز المعاني


(188)

الأصلية و كان الشكّ في ما أضافه الإسلام إليها جزءاً أو شرطاً.

و يمكن استفادة ذلك ممّا ذكره الشيخ في أوّل البيع في تصحيح تمسّك العلماء بالعمومات الواردة في البيع و المعاملات مع قولهم بكون وضعها للصحيح، و حاصله جعل الصحيح عند العرف دليلاً وطريقاً لإحراز الصحيح عند الشارع إلاّما قام الدليل على فساده ، فلاحظ.(1)

الثاني: عدّهذه، ثمرة للمسألة الأُصولية مشكل، لأنّ ثمرة المسألة الأُصولية ما يقع كبرى للاستنباط بلا حاجة إلى ضمّ كبرى أُخرى إليه. و المقام ليس كذلك، فإنّ غاية هذه الثمرة،على فرض صحّتها و مع غضّ البصر عمّا قلناه هو وجود مطلق على القول بالأعمّ، وعدمه على القول بالصحيح فيرجع إلى البحث عن وجود مطلق وعدمه، وهو بحث عن مبادئ المسائل الفقهية.و المسألة الأُصولية هي التي تبحث عن جواز التمسّك بالمطلق أو لا، وأمّا أن هنا مطلقاً أو لا، فليس إلاّ بحثاً عن المبادئ.

الثمرة الثانية: التمسّك بالبراءة على الأعمّ وعدمه على الصحيح

توضيحها: إنّا إذا شككنا في شرطية شيء أو جزئيّته للمسمّى، فعلى القول بالأعم يكون الفاقد للشرط والجزء المحتمل وجوبهما، مصداقاً للمسمّى، ويعود الشكّ، إلى الشكّ في شرطية شيء زائد على المسمّى او جزئيّته، فيكون من قبيل الشكّ في تكليف أمر زائد، ويقع مجرى للبراءة. و هذا بخلاف ما إذا قلنا بالوضع للصحيح لأنّ الشكّ في شرطية شيء أو جزئيته، ملازم للشكّ في صدق المسمّى، و معه يجب الاحتياط حتّى يعلم أنّه أتى بالمأموربه.

وبالجملة ، صدق المسمّى قطعي، على القول بالأعم، و مشكوك على القول الآخر، و هذا يستلزم الاشتغال على الثاني دون الأوّل.


(1) المتاجر: في مبحث تعريف البيع، قبل الشروع في المعاطاة.


(189)

ولكن الظاهر فساد هذه الثمرة، لأنّ القول بالأعم غير ملازم للقول بالبراءة، كما أنّ القول بالصحّة غير ملازم للاشتغال.

أمّا الأوّل: فلأنّه مبني على جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيين، مع أنّ كلمة الأصحاب قد اختلفت فيه بين قائل بالبراءة، لأجل ادّعاء انحلال العلم الإجمالي إلى معلوم تفصيلاً و مشكوك بدواً، وقائل بالاشتغال لعدم انحلال العلم. فليس القول بالأعمّ ملازماً للقول بالبراءة إذ يمكن أن يكون القائل بالأعمّ غيرقائل بالانحلال، بل القول بالبراءة أو الاحتياط مبنيّ على صحّة الانحلال وعدمها في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين.

وأمّا الثاني: فلأنّه مبني على كون الجامع بين أفراد الصحيح أمراً بسيطاً حاصلاً من الأجزاء والشرائط، و يكون كلّ من المحصِّل والمحصَّل موجوداً في الخارج بحياله و استقلاله كما هو الحال في الطهارة الحدثية المسببة من الوضوء والغسل و التيمّم. فحينئذ، يكون المحكّم ـ عند الشكّ ـ هو الاشتغال، مثلاً بأن يقال في المقام: إنّ الموضوع هو «عنوان الناهي عن الفحشاء» أو يقال بأنّ الموضوع، هو: مفهوم الصحيح، لا مصداقه. وعلى ذلك، فلا مناص عن الاشتغال للشكّ في امتثال المأمور به المعلوم مفهوماً.

وأمّا إذا كان الجامع ، على القول بالصحّة، أمراً مركّباً ذا أجزاء و شرائط، وذا أبعاض، فالشكّ في جزئية شيء أو شرطيته، يرجع إلى الشكّ في تكليف زائد لأنّ الجامع عبارة عن مجموع الأجزاء على نحو اللابشرط من جانب الزيادة، فصدق الجامع على الفاقد من الجزء المشكوك ليس أمراً مشكوكاً فيه بل أمر متيقّن بل الشكّ في كون الواجب هو الأقلّ أو الأكثر، فلو قلنا بالانحلال فيهما، يكون المرجع إلى البراءة، و إلاّ فلا.

وبالجملة لمّا كانت الصلاة من الماهيّات الاعتبارية لا الحقيقية، لتركّبها من أجناس مختلفة، من الكيف المسموع، و الوضع، والفعل، فيكون تركّبه، تركّباً


(190)

اعتبارياً لاحقيقياً، ويكون الجامع نفس الأجزاء والشرائط، أو الهيئة القائمة بهما. وعليه يكون الجامع ذا أبعاض، وإذا كان تعلّق التكليف بالمقدار المتيقّن معلوماً ، وتعلّقه بغيره مشكوكاً، فالمرجع البراءة على القول بالانحلال، و الاشتغال على عدمه.

فصارت النتيجة: عدم ملازمة القول بالأعمّ، للبراءة، وعدم ملازمة القول بالصحّة، للقول بالاحتياط.

فإن قلت: إنّ المسمّى على الصحيح، ملازم لأحد العناوين التي منها «النهي عن الفحشاء»، «وعمود الدين» و عنوان الصحيح. فمع الشكّ في الشرطية و الجزئية وإجراء البراءة، يشكّ في تحقّق هذه العناوين و مع الشكّ فيها، يشكّ في امتثال المأمور به.

قلت: إنّ الواجب على المكلّف في دائرة المولوية والعبوديّة هوالإتيان بما وقع تحت دائرة الطلب، و هو الأجزاء والشرائط المعلومة. وأمّا سائر العناوين الملازمة، أعني الأغراض الداعية أو الآثار المترتبة فلا وجه لتحصيل العلم بتحقّقها و إلاّ يلزم الاحتياط في أكثر الموارد.

الثمرة الثالثة: في مورد النذر

إذا نذر الرجل أن يعطي درهماً للمصلّي، فعلى القول بوضعها للصحيح لا يجب له أن يعطي إلاّ من صلّـى صحيحاً، بخلافه على القول بالأعم، فيجب له إعطاء كلّ منهما.

يلاحظ عليه: أنّ وجوب الإعطاء تابع لنيّة الناذر، لا لكيفية الوضع، فلو نوى أن يدفع الدرهم لمن صلّى صلاة صحيحة، لما وجب له الدفع لمن يصلّـي صلاة فاسدة، و إن كان الوضع للأعم. كما أنّه لو نوى الإعطاء لمطلق من يصلّـي سواء كانت صلاته صحيحة أم فاسدة، يجب له إعطاؤه، و إن كان الوضع


(191)

للصحيح.

على أنّ مثل هذه الثمرة لا تكون ثمرة لمسألة أُصولية، إذ الملاك في عقد المسألة الأُصولية، كونها كبرى لقياس استنباط الحكم الشرعي الكلّي، و تشخيص موضوع النذر كما هو الحال في هذه المسألة ليس استنباطاً لحكم شرعي. اللّهمّ إلاّ أن يقال، إنّ المسألة ليست مسألة أُصولية، ولأجل ذلك يبحث عنها في المقدّمة، فلا يضرّ عدم كون النتيجة، من مقولة النتائج الأُصولية.

الثمرة الرابعة: صحّة صلاة الرجل عند المحاذاة مع المرأة

ربّما يقال: إنّه تظهر الثمرة فيما إذا ورد النهي عن محاذاة المرأة للرجل في حال الصلاة و علمنا بفساد صلاة المرأة، فعلى القول بوضعها للصحيح، تصحّ صلاة الرجل ولا يشملها النهي، بخلاف ما إذا قلنا بأنّها للأعم، فيشملها النهي.(1) و مثلها ، إقامة صلاتي جمعة في أقلّ من فرسخ مع بطلان إحداهما.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ النهي عن المحاذاة منصرف إلى الصلاة الصحيحة سواء كان لفظ الصلاة موضوعاً للصحيح منها أو للأعمّ إنّه ليس ثمرة للمسألة الأُصولية إذ غاية ذلك هو البحث عن إمكان تطبيق الحكم الكلّي، على هذا المورد و ليس ذلك ثمرة لها.

فتلخّص أنّه ليس للمسألة ثمرة أُصولية أمّا الأخيرتان فقدعرفت وأمّا إجراء البراءة، فقد عرفت أنّه غير مترتّب على القول بالأعم، كما أنّ الاحتياط غير مترتّب على القول بالصحيح، بل مترتّب على النزاع المعروف في الأقلّ والأكثر الارتباطيين و أمّا الثمرة الأُولى فقد عرفت أنّها عقيمة على المختار في كون ألفاظ العبادات حقائق عرفية.


(1) المحاضرات:1/193.


(192)

الجهة الثامنة: في أسماء المعاملات

إنّ البحث عن كونها موضوعة للصحيح أو الأعمّ لا يلازم القول بوجود الحقيقة الشرعية فانّ الظاهر اتّفاقهم على عدمها فيها و ـ مع ذلك كلّه ـ يقع البحث في كونها موضوعة لأيّ واحد منهما و ذلك لأنّ القائل بالوضع للصحيح يدعي أنّ العرف وضعها له و استعملها الشارع فيه أيضاً و على كلّ تقدير فالبحث فيها يقع في أُمور:

الأمر الأوّل: قد ذكر المحقّق الخراساني أنّ أسامي المعاملات، على القول بكونها موضوعة للمسبّب، أعني: الحاصل من الإنشاء اللفظي لا يجري فيها النزاع، فانّ المسبب ـ لأجل بساطته ـ يدور أمره بين الوجود و العدم، لا بين الصحيح و الأعم .(1)

توضيحه: أنّ المسبّبات بما أنّها من الأُمور الاعتبارية، يدور أمرها بين الوجود والعدم، لأنّ المعتبر (بالكسر)، شرعاً كان أم عرفاً، إمّا أن يعتبرها عند بعض الأسباب أو لا. فعلى الأوّل، يكون المعتبر (بالفتح) متحقّقاً، وعلى الثاني يكون معدوماً، لا فاسداً، ولا معنى لاعتباره فاسداً.

نعم يمكن اتّصافه بالصحّة والفساد إذا قيس المسبّب العرفي إلى المسبّب عند الشرع فيحكم عليه عند الشرع بالفساد و مع ذلك فالظاهر أنّه توسع في العبارة والحقيقة أنّه يخبر بالفساد عنده عن عدم اعتباره موضوعاً، لا اعتباره موضوعاً والحكم عليه بالفساد.

الأمر الثاني: قال المحقّق الخراساني : إذا كانت أسماء المعاملات موضوعة للأسباب فللنزاع فيه مجال.


(1) كفاية الأُصول: 1/49.


(193)

أقول: الفرق بين وضعه للمسبّبات، ووضعه للأسباب حيث لا يتّصف الأوّل بالصحّة والفساد، بخلاف الثاني، هو بساطة المسبّب، وتركّب السبب من أجزاء وشرائط يتّصف عند الاجتماع بالصحّة وعند الفقدان بالفساد. ولا يتوقّف اتّصاف السبب بالفساد ملاحظة ما هو المعتبر عند العرف إلى ما هو المعتبر عند الشرع بل نفس المعتبَر عند الشارع باعتبار تركّبه، يتّصف بالصحّة والفساد و إن كان دقيق النظر فيه أيضاً يرجع إلى نفي الاعتبار، لا اعتباره فاسداً و مع ذلك وصف السبب بالصحّة والفساد، أسهل من وصف المسبّب بهما.

الأمر الثالث: إذا قلنا بوضع ألفاظ المعاملات عند العرف للسبّب الصحيح ، فهل اختلاف الشرع و العرف في كون شيء سبباً ـ كبيع المنابذة ـ يرجع إلى التخطئة في المصداق، مع اتّفاقهما في المفهوم، أو يرجع إلى الاختلاف في مفهوم البيع الصحيح بالسعة لدى العرف و الضيق عند الشرع؟

ذهب المحقّق الخراساني إلى الأوّل و قال: ليس للاختلاف في الموضوع له، أعني: العقد المؤثّر لأثر كذا، بل الموضوع له عند الجميع واحد، و إنّما الاختلاف في المحقّقات و المصاديق و من قبيل تخطئة الشرع العرف في تخيّل كون العقد بدون ما اعتبره الشرع في تأثيره، محقّقاً لما هو المؤثّر.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه مبني على كون الموضوع له هوالعقد المؤثّر للملكية بهذا العنوان الكلّي، فيرجع اختلافهما في اعتبار شيء في العقد وعدمه، إلى تشخيص المصداق الواقعي. و الظاهر عدم صحّته، بل الموضوع له أمر أضيق من هذا العنوان الكلّي و هو الإيجاب والقبول بشرائطهما، فالعرف لا يعتبر لزوم كون اللفظ عربياً في النكاح، و الشرع يعتبره فليس الاختلاف في المصداق مع الاتّحاد في الموضوع له الكلّي، بل الاختلاف في نفس الموضوع له: هل هو مطلق الإيجاب والقبول أو هما مع كونهما عربيين؟ وقس عليه سائر الموارد وليس ذلك بمعنى


(1) كفاية الأُصول: 1/49.


(194)

وجود وضع خاص لها في الشرع بل المقصود تضييق دائرة المفهوم بأدلّة خاصّة فالبيع بالمنابذة ليس بيعاً عند الشرع و إن كان كذلك عند العرف.

وثانياً: أنّ التخطئة في المصداق إنّما تصحّ في الأُمور التكوينية التي لها ملاكات واقعية، ولا تختلف باختلاف الأنظار، كقوله ـ عليه السَّلام ـ في الفقاع:«هي خميرة استصغره الناس»(1) وأمّا الأُمور الاعتبارية التي ملاكها و مجوّزها نفس الاعتبار، فلا معنى لتخطئة معتبر، اعتبارَمعتبرِ آخر، مع أنّ صحّة الاعتبار بنفس الاعتبار و ترتّب الأثر في محيط المعتبر، لا في جميع المحيطات والبيئات.

وبعبارة أُخرى: لو كان للشيء واقع محفوظ مع قطع النظر عن ملاحظة اللاحظ واعتبار المعتبر، لكان للتخطئة مجال، كالمقياس المعروف بـ«متر» فإنّه عبارة عن مائة سنتيمتر، ففي وسع أحد، أن يخطئ كون مقياس متراً لزيادته عنها أو لنقصانه و أمّا إذا لم يكن كذلك، بل كانت واقعيته بنفس الاعتبار في محيط المعتبر، فلا تصحّ تخطئة معتبر، اعتبار معتبر آخر، نعم له أن لا يرتّب الأثر في محيطه و ظرف تقنينه وتشريعه، و لأجل ذلك نرى أنّ الشارع اعتبر نكاح كلّ قوم، نكاحاً و إن كان باطلاً في تشريعه و قال: «لكلّ قوم نكاح».(2)

الأمر الرابع: في صحّة التمسّك بالإطلاقات على القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: إذا قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات أسام للأسباب الصحيحة فهل يكون ذلك مانعاً من التمسّك بإطلاقات الأدلّة الإمضائية عند الشكّ في صحّة سبب و فساده كما إذا تقدّم القبول على الإيجاب، أو كانا بصيغة المضارَع و نحوهما أو لا؟

أمّا على مختار المحقّق الخراساني فيجوز التمسّك بها عند الشكّ، لما مرّ من


(1) الكليني: الكافي 6/ باب الفقاع، ص423، الحديث91.
(2) الطوسي: التهذيب 7/باب الزيادات ، ص472، الحديث99.


(195)

أنّ البيع الصحيح شرعاً وعرفاً واحد مفهوماً وأنّ الاختلاف يرجع إلى التخطئة في المصداق قال:

لأنّ إطلاقها لو كان مسوقاً في مقام البيان ينزّل على أنّ المؤثر عند الشارع هو المؤثر عند العرف ولم يعتبر في تأثيره عنده غير ما اعتبر فيه عندهم كما ينزّل عليه إطلاق كلام غيره حيث إنّه منهم ولو اعتبر في تأثيره ما شكّ في اعتباره كان عليه البيان و نصب القرينة عليه و حيث لم ينصب بان عدم اعتباره عنده أيضاً و لذا يتمسّكون بالإطلاق في أبواب المعاملات مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح.(1)

وأمّا على المختار فربّما يشكل التمسّك عليه ـ كما بيّنه السيّد الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ قائلاً بأنّه إذا كان البيع من حيث السبب عند الشارع مغايراً مع البيع من حيث السبب لدى العرف، يرجع الشكّ في اعتبار سبب وعدمه إلى الشكّ في كون المشكوك مصداقاً للسبب الصحيح عند الشارع أو لا، والتمسّك بالعام عند الشبهة المصداقية للعام غير جائز بالاتفاق. وقد أشار إلى هذا الإشكال الشيخ الأعظم في آخر تعريف البيع حيث قال: و يشكل بأنّ وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسّك بإطلاق نحو أحلّ الله البيع وإطلاقات أدلّة سائر العقود في مقام الشكّ في اعتبار شيء فيها مع أنّ سيرة علماء الإسلام التمسّك بها في هذه المقامات.(2)

و مع ذلك كلّه الظاهر عدم الإشكال في التمسّك بها حتّى على مختاره الذي اتبعناه و ذلك يظهر بالإمعان في أمرين:

1ـ إنّ مفهوم البيع السببي عند الشرع و إن كان مغايراً مع البيع السببي عند العرف، لكن الاختلاف ليس بالتباين بل بالأقلّو الأكثر والضيق والسعة،


(1) كفاية الأُصول: 1/50.
(2) تهذيب الأُصول:1/ 88 طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.


(196)

فالمفهوم الشرعي أضيق من المفهوم العرفي.

2ـ إنّ الأدلّة الإمضائية، ناظرة إلى المفاهيم العرفية والأسباب الصحيحة عندهم لأنّ المفروض أنّها في مقام البيان، لا في مقام الإجمال و الإهمال، و هذا الافتراض يستلزم أن يكون الممضى في هذه الأدلّة هو الأسباب الصحيحة عند العرف و إلاّ يصير الكلام مجملاً و هو خلاف الفرض، غير أنّه لمّا كان هناك في مقام المفهوم اختلاف بالسعة والضيق وبالتالي، اختلاف في كون شيء سبباً أو لا جعل الشارع، ما هو المفهوم عرفاً مرآة وطريقاً إلى ما هو البيع شرعاً، غاية الأمر قد أشار إلى ما ليس عنده بيعاً بالأدلّة التفصيلية الخارجية فقد نهى عن بيع المنابذة، وبيع الخمر و الخنزير، وغيرها ففي كلّ مورد، ورد الدليل الخارجي تستكشف عدم المرآتية و الخطأ في الطريقية وأنّ الإرادة الاستعمالية مخالفة للإرادة الجدّية، وأمّا إذا لم يظهر الخلاف كعقد التأمين والشركات التجاريّة الحديثة، كشركة التضامن، و المساهمة، فيقال: الأصل تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية.

وحاصل الكلام أنّ تغاير الصحيح عند الشرع مع الصحيح عند العرف لا يكون دليلاً على أنّ الأدلّة الإمضائية، ما هو السبب الصحيح عند الشرع و إلاّ يكون الكلام لغواً و هو خلاف المفروض بل أمضاه بالمعنى الثاني و بالتدريج وحسب ورود الأدلّة نقف على الضيق عند الشرع. كما لا يخفى. و ما ذكرنا توضيح لما أفاده الشيخ في الوجه الأوّل من الذبّ عن الإشكال قال: إنّ البيع و شبهه في العرف إذا استعمل لا يستعمل حقيقة إلاّ فيما كان صحيحاً مؤثراً ولو في نظرهم. ثمّ إذا كان مؤثراً في نظر الشارع كان بيعاً عنده ، وإلاّ كان صورة بيع نظير بيع الهازل عند العرف. فالبيع الذي يراد منه ما حصل عقيب قول القائل: بعتُ عند العرف والشرع حقيقة في الصحيح المفيد للأثر ومجاز في غيره إلاّ أنّ الإفادة و ثبوت الفائدة مختلف في نظر العرف. وأمّا وجه تمسك العلماء بإطلاق أدلّة البيع و نحوه فلأنّ الخطابات لمّا وردت على طبق العرف حُمل لفظ البيع و شبهه في الخطابات


(197)

الشرعية على ما هو الصحيح المؤثّر عند العرف .أو على المصدر الذي يراد من لفظ (بعتُ) فيستدلّ بإطلاق الحكم بحلّه أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثراً في نظر الشارع أيضاً.

البيان الأوّل يناسب كونه موضوعاًللصحيح المسبب والبيان الثاني يناسب كونه موضوعاً للصحيح السببي. وقد عرفت أنّ الذبّ عن الإشكال في كلا الموردين واحد و هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية إلاّ ما خرج بالدليل.(1)

وأمّا الفرق بين الجوابين حيث عبر في الأوّل باسم المصدر و في الثاني بالمصدر فموكول إلى محلّه.

هذا كلّه إذا قلنا بوضعها للأسباب.

المقام الثاني: إذا قلنا بوضعها للمسبّبات، أعني: الملكيّة الحاصلة من الإيجاب والقبول، مثلاً: أنّ النكاح اسم للعلقة الحاصلة من الأمرين و هكذا.

فقد عرفت أنّ أسماء المعاملات لو كانت أسماء للمسبّبات، فلا تتّصف بالصحّة والفساد، بل يدور أمرها بين الوجود والعدم، و عليه فلو كان الدليل في مقام البيان، فهل يجوز التمسّك بإطلاقها إذا شكّ في خروج بيع عن الإطلاقات، أو إذا شكّ في جزئية شيء أو شرطيّته في أسبابها، أو لا؟

أمّا الأوّل، فلا شكّ في جواز التمسّك، لما عرفت من أنّ الأدلّة الإمضائية، إمضاءً لما بيد العرف من المسبّبات، و لم يكن للشارع هنا منطق خاص بل كان يستعمل هذه الألفاظ في المعاني التي يستعملها فيها العرف، فإذا كان الشارع قد أمضى كلّ المسببات إلاّما خرج بالدليل كالبيع الربوي وغيره، فكلّما شكّ في خروج مورد من تحته، يتمسّك بالإطلاق إلاّأن يعلم الخروج.


(1) الشيخ الأنصاري: المتاجر: في آخر تعريف البيع ص80.


(198)

غير أنّ سيّدنا الأُستاذـدامظلّهـ منع من التمسّك قائلاً بأنّ المسبّبات أمرها دائر بين الوجودوالعدم، فالشكّ في اعتبار نوع من المسبّب، يرجع إلى صدق عنوان البيع عليه في محيط التشريع إذ لا معنى لاعتبار شيء فاسد، إذ الاعتبار مساوق لترتّب الأثر، فعند ذلك كيف يصحّ التمسّك مع الشكّ في المصداق.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ لوكانت الإطلاقات إمضاءً للبيع و المسبّب الشرعيين، إذ عندئذ يرجع الشكّ إلى الشبهة المصداقية، لأنّ احتمال عدم اعتبار بيع خاص ـ كالفضولي ـ يساوق الشكّ في صدق البيع عليه شرعاً و عدمه، و يكون التمسّك، تمسّكاً بالإطلاق في الشبهة المصداقية.

و لكن الإطلاقات إمضاء لما في يد العرف أي البيع المسببيّ العرفي، فإذا كان مورد الشكّ مصداقاً للإطلاق حسب العرف، نستكشف من الإطلاق كونه بيعاً عند الشرع و صحيحاً لديه.

وأمّا الثاني، أعني: إذا كان الشكّ في تحقّق المسبّب وعدمه ناشئاً عن الشكّ في شرطيّة شيء أو جزئيّته للسبب مع كون الألفاظ أسامي للمسبّبات كما إذا شكّ في مورد المعاطاة في كونه بيعاً داخلاً في الأدلّة الإمضائية لأجل الشكّ في اعتبار اللفظ في الإنشاء وعدم اعتبار الإنشاء الفعلي.

فقد ذهب المحقّق النائيني إلى عدم جواز التمسّك قائلاً بأنّه إذا كان إمضاؤه للمسبّبات أي للمعاملات التي هي رائجة عند العرف كالزوجية والمبادلة، مع قطع النظر عن الأسباب التي يتوسل بها إليها، كما في قوله تعالى:(وَأَحَلَّ اللّهُ الْبيعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا) .(1) فإنّه في مقام بيان أنّ المعاملة الربوية ـ من دون نظر إلى الأسباب ـ غير ممضاة في الشريعة، بخلاف المعاملة البيعية، فالإطلاق لو كان وارداً في هذا المقام فلا يدلّ على إمضاء الأسباب العرفية، و ذلك


(1) البقرة: 275.


(199)

لعدم الملازمة بين إمضاء المسبّب وإمضاء السبب إلاّ فيما إذا كان له سبب واحد فانّ إمضاءه لمسبّبه يستلزم إمضاءه لا محالة و إلاّ كان إمضاءه لغواً و كذا فيما إذا لم يكن في البين قدر متيقّن فإنّ نسبة المسبّب حينئذ إلى الجميع على حدّ سواء فلا يمكن الحكم بإمضاء بعض دون بعض، و في غير هاتين الصورتين لابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن وفي الزائد يرجع إلى أصالة العدم.(1)

ثمّ إنّهقدَّس سرَّه أجاب عن الإشكال بأنّ نسبة صيغ العقود إلى المعاملات ليست من باب الأسباب والمسبّبات، بل من باب الإيجاد بالآلة والفرق بينهما أنّ المسبّب في باب الأسباب لم يكن بنفسه فعلاً اختيارياً و ما تتعلّق به الإرادة هوالسبب و يلزمه حصول المسبّب و هذا كالإحراق فالصادر من المكلّف هو الإلقاء في النار لا الإحراق كما هو الحال في جميع الأفعال التوليدية.

وهذا بخلاف الفعل في باب الإيجاد بالآلة فانّ ما يوجد بالآلة كالكتابة بنفسه فعل اختياري للفاعل، و متعلّق لإرادته و يصدر عنه أوّلاً و بالذات، فإنّ الكتابة ليست إلاّ عبارة عن حركة القلم على القرطاس بوضع مخصوص و هذا بنفسه فعل اختياري صادر عن المكلّف أوّلاً و بالذات.

إذا تبيّن الفرق بين الأمرين فاعلم أنّ صيغ العقود كلّها من قبيل الإيجاد بالآلة فإنّ هذه الألفاظ كلّها آلة لإيجاد الملكيّة والزوجية و الفُرقة و ليس البيع مسبّباً توليدياً لهذه الألفاظ بل البيع بنفسه فعل اختياري للفاعل متعلّق لإرادته أوّلاً و بالذات ويكون إيجاده بيده (و ذلك لأنّ قولك بعت أو اضرب ليس بنفسه موجداً للملكيّة، أو الطلب في الخارج نظير الإلقاء الموجد للإحراق بل الموجد هو الإرادة المتعلّقة بإيجاده إنشاء).(2)

فمعنى أحلّ الله البيع، هو حلّية إيجاده، فكلّ ما يكون إيجاداً للبيع بنظر


(1) أجود التقريرات:1/49ـ50; و المحاضرات 1/197.
(2) وما بين الهلالين مأخوذ من أجود التقريرات.


(200)

العرف فهو مندرج تحت إطلاق قوله تعالى: (أَحَلَّ الله البيع) ، و المفروض أنّ العقد الفارسي مثلاً يكون مصداقاً لإيجاد البيع بنظر العرف فيشمله الإطلاق.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ظاهر قوله: «و ما تتعلّق به الإرادة هو السبب ويلزمه حصول المسبّب، أنّ الإرادة لا تتعلّق بالمسبّب و لكنّه غير تام بل الإرادة كما تتعلّق بالسبب تتعلّق بالمسبّب، نعم تعبير المحقّق الخوئي في هذا المقام أضبط حيث قال: «و الإرادة تتعلّق بالمسبّب بتبع تعلّقها بالسبب».

وثانياً: حاصل ما أفاده في مقام الفرق أنّ الإلقاء سبب تام للإحراق، و لكن الإيجاب والقبول بما هما لفظان ليسا سبباً تاماً بل يجب أن ينضمّ إليهما الإرادة المتعلّقة بإيجاده بهما إنشاء. و لكن هذا لا يكفي في رفع الإشكال بل يجب أن تنضمّ إليه دعوى أُخرى: وهي أنّ إرادة الإنشاء بالإيجاب و القبول نفس إيجاد الملكيّة والزوجية حتّى يكون تنفيذ الأوّل بالإطلاقات تنفيذاً للثاني و إمضاء الأوّل نفس إمضاء الثاني فليس في المقام شيئان مختلفان ـ كما هو الحال في الإلقاء الإحراق و إلاّ ما لم تتحقّق الوحدة بينهما، لكان الإشكال باقياً.

وبذلك يعلم أنّ ما أجاب به خارج عن المفروض لأنّ مبنى الإشكال تعلّق التنفيذ بالمعنى المسبّبي و الذي أجاب به هو تعلّق الحلّية للبيع بالمعنى السببي حيث قال: «فمعنى أحل البيع هوحلّية إيجاده بكلّ ما يكون إيجاداً للبيع بنظر العرف فهو مندرج تحت الإطلاق».

وأخيراً نضيف كيف يمكن أن نقول إنّ تعلّق الإرادة بالإنشاء بالصيغة، نفس تمليكه مال بمال، أو مبادلة مال بمال، مع أنّ الأوّل فيه عناصر التكوين، و الثاني أمر اعتباري محض. فلاحظ.


(1) الكاظمي : فوائد الأُصول:1/82; و أجود التقريرات:1/50;و المحاضرات:1/198، واللفظ للأوّل بتلخيص.


(201)

الإجابة عن الشبهة

والأولى أن يقال: إنّ هنا ملازمة عرفية بين إمضاء المسبّب وإمضاء السبب و إن لم يكن عقلاً كذلك وعلى ضوئها لا يكون للأخذ بالقدر المتيقّن من الأسباب وجه ، لأنّ الملازمة من المداليل اللفظية و معها لا وجه للأخذ بالقدر المتيقّن.(1)

ويمكن الإجابة بوجه آخر وهو التمسّك بالإطلاق المقامي توضيحه: أنّ المسبب إذا كان أمراً تكوينياً لا تختلف في خصوصيات سببه الأنظار، فلا يحتاج إلى بيان سبب خاص إلاّ إذا كانت الخصوصية مورداً للعناية كما في التذكية حيث اعتبر فيها كون الآلة، حديداً، و الذابح مسلماً، و المذبوح مستقبل القبلة، وغير ذلك. وأمّا إذا كان المسبّب أمراً اعتبارياً تختلف خصوصيات سببه حسب الأنظار و اللغات والبيئات، فلو أمضى المسبّب و كان السبب عنده، غير ما هو المتعارف عند العرف، يجب عليه أن يعرّفه و يبيّنه، لأنّ إمضاء المسبّب عند العرف بمنزلة إمضاء السبب، بحيث ينتقل من إمضائه إلى إمضائه، ولو كان عنده سبب خاص ـ كما في مورد الطلاق ـ لوجب عليه البيان، فقد ورد في روايات الطلاق أنّه يقول المطلِّق: «أنتِ طالق»(2) وحيث لم يرد في باب المعاملات بيان خاص، يستكشف عدم اعتبار سبب خاص، وأنّ السبب الفعلي كالسبب القولي.

وإن شئت فسمّه بالإطلاق المقامي، وأنّ كلّ ما يغفل عنه عامة الناس، يجب على الشارع فيه البيان، كما في قصد الوجه والتمييز حيث يرفع وجوبهما بالإطلاق المقامي، بضميمة الإطلاقات الواردة في الكتاب والسنّة.


(1) ولا تتوهم أنّ ما ذكرناه راجع إلى كلام المحقّق النائيني، لأنّه كان منكراً للإثنينية وأنّه ليس هنا إلاّ شيء واحد. و نحن نسلم الإثنينية و لكن نقول بالملازمة العرفية، ولو كانت الملازمة غير مقبولة ، لوجب عليه البيان.
(2) الوسائل: ج15، كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته و شرائطه، الباب 16، الحديث 3و4.


(202)

وقد اتّضح بذلك صحّة التمسّك بالإطلاق على كلا القولين، سواء أقلنا بوضعها للأسباب الصحيحة أم للمسبّبات الصحيحة، سواء أكان الشكّ في الثاني في اعتبار نفس المسبّب كالعقد الفضولي، أو في أسبابها كما في المقام.

الأمر الخامس: هل أسماء المعاملات أسماء للأسباب أو للمسببات أو تختلف؟ لا تترتب على هذا البحث ثمرة لما عرفت من صحّة التمسّك بالإطلاق على جميع التقادير. لكن يمكن أن يقال إنّ لفظ العقود في قوله سبحانه :(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أوفُوا بِالعُقُود) (المائدة/1) ظاهر في إمضاء السبب فانّ المتبادر عن العقود هو الإيجاب والقبول اللّذان هما الأسباب كما أفاده المحقّق العراقي (1). واحتمال أنّ المراد من العقد هوالعهد المشدّد كما نقله الشيخ الأعظم في المتاجر عن بعضهم، ليس بتمام إذ لا عهد في المعاملة فضلاً عن كونه مشدَّداً، وقد ورد في القرآن الكريم قوله سبحانه: (إِلاّأَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاح)(2) فاتّضح أنّ العقد هو الأسباب و الآية ظاهرة في امضائها و ما ربّما يقال: إنّ الآية ناظرة إلى المسبّبات بقرينة تعلّق وجوب الوفاء بها،و هو لا يتعلّق إلاّ بالأمر الباقي، ضعيف، لأنّ وجود العقد و إن كان آنياً، إلاّ أنّ له بقاءً في عالم الاعتبار، و لأجل ذلك يتعلّق به الفسخ، و هو حلّ له.

وأمّا غيرها كقوله سبحانه: (وَأَحَلَّ اللّهُ البيع) (3) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «الصلح جائز بين المسلمين»(4) و : «النكاح سنّتي»(5) و: «الطلاق بيد من أخذ بالساق» (6) فالظاهر أنّها بمعنى المسبّبات أعني: ما يحصل من أسبابها، و قد عرفت عدم ثمرة واضحة لتعيين أحد الشقين، لصحّة التمسك بالإطلاقات على كلا القولين.


(1) العراقي: بدائع الأفكار: 1/143.
(2) البقرة:237.
(3) البقرة:275.
(4) من لا يحضره الفقيه:3/21، الحديث 2; و البحار:3/178، الحديث 2.
(5) لئالي الأخبار: 3/221; بحار الأنوار:103/220.
(6) الجامع الصغير:2/57.


(203)

الأمر السادس: أنّ دخالة شيء في شيء تارة تكون بنحو الجزئية للماهية وأُخرى بنحوالشرطية لها و ثالثة بنحو لا يكون جزءاً أو شرطاً لها، و لكنّه ممّا يتشخّص به المأمور به، فيكون جزءاً أو شرطاً للفرد، لا للماهية. فتصير الأقسام أربعة.

توضيحه: أنّه ربّما يتعلّق الأمر بالمركّب من شيء و شيء ويلاحظان شيئاً واحداً ويتعلّق بهما الأمر دفعة و ذلك ما يسمّى بجزء المأمور به وعندئذ يكون القيد والتقييد داخلين فيه، واقعين تحت الأمر.

وأُخرى يتعلّق الأمر بشيء، غير أنّ ترتّب الغرض عليه يتوقّف على تحقّق شيء قبله أو معه أو بعده، كالتوضؤ قبل الصلاة والاستقبال حينها، والأغسال الليلية لصحّة صوم اليوم الماضي، فعند ذلك يكون التقيّد داخلاً، والقيد خارجاً، فيكون المأمور به هو الطبيعة المتقيّدة، فالوضوء و إن لم يكن داخلاً في المأمور به، ولكن مطلوبية الأجزاء و ترتّب الأثر عليها يتوقّف على تحقّقه قبلها.

وعلى ذلك يكون كلّ من الجزء والشرط داخلاً في قوام المأمور به على النحو الذي عرفت. ثمّ إنّ المحقّق الخراساني، صرّح بإمكان أخذ العدم جزءاً أو شرطاً للمأمور به و أورد عليه بأنّ الجزء (بل و مثله الشرط) عبارة عمّا يكون مؤثّراً في المصلحة ولو بعنوان الجزئية، والعدم لا يكون مؤثّراً في الأمر المتأصّل.

يلاحظ عليه: أنّ حقيقة أخذ العدم في المأمور به على كلا النحوين ليس إلاّ لأجل كون وجوده مخلاً، فيعبّر عن إخلال وجوده بأخذ عدمه في المأمور به ـ وعلى ذلك فلا مانع في عالم الاعتبار من أخذ العدم في المأمور به بأحد الوجهين مشاراً بذلك، إلى أنّ وجوده مخلّ للمأمور به. وأمّا القول بأنّ الجزء أو الشرط ما يكون مؤثّراً في المصلحة، و العدم أنزل من أن يكون مؤثّراً فغير تام لأنّ ذلك صحيح في الأُمور التكوينية لا الاعتبارية التي يتوقّف فيها صحّة لحاظ شيء جزءاً أوشرطاً، على ترتّب فائدة على الأخذ والاعتبار و يكفي في وجود الفائدة ، الإشارة إلى كون


(204)

وجوده مخلاً كما لا يخفى.

هذا كلّه في الجزء والشرط الدخيلين في ماهية المأمور به، وأمّا القسم الثالث أعني: العوارض الفردية سواء أُخذت بصورة الجزء للفرد أو بصورة الشرط له، فالمراد منها ما يكون خارجاً عن حقيقة المأمور به فلا يكون جزئه ولا شرطه و لكنّه يعدّمن خصوصيات الفرد بمعنى أنّه يوجب مزيّة فيه كالصلاة مع القنوت (جزء الفرد) أو في المسجد (شرط الفرد)، و إذا وجدت الطبيعة في ضمن ذاك الفرد، تنطبق الطبيعة عليه و يصدق عنوان المأمور به على المتشخص به. لا أنّه يكون أمراً مستحبّاً في المأمور به حتّى يكون كالأدعية المستحبّة الواردة في أيّام وليالي شهر رمضان، الذي هو القسم الخامس الذي نشير إليه.

وبالجملة : كما أنّ عنوان الإنسان ينطبق على الفرد بما أنّه حيوان ناطق، فهكذا ينطبق على سائر خصوصياته الفردية فليس زيد القصير أوالطويل إنساناً و أمراً منضّماً إليه بل هو بأجمعه إنسان لأنّ الطبيعة تشخّصت في ضمنه، و مثله المقام: فالصلاة مع القنوت، أو في المسجد مصداق للمأموربه، لا أنّها مركّبة من المأمور به والشيء المستحبّ المنضمّ إليها.

ثمّ إنّه يورد على تصوير هذا القسم بأنّ المراد من جزء الفرد و شرطه هوالعوارض الفردية الخارجة عن ماهيّة الشيء و هذا إنما يتصوّر في المركّبات الخارجية، فإنّ الإنسان له علل القوام، أعني: الجنس و الفصل، كما له العوارض الفردية من الأعراض التسعة من الطول والقصر واللون وغيرها، وعندئذ يحلّله العقل إلى أُمور مربوطة بجوهره و ماهيته، و أُمور مربوطة بعوارضه و خصوصياته الفردية.

وأمّا المركّب الاعتباري، بما أنّه فاقد للوحدة الحقيقية، فكلّ فرد منه، له ماهيّة خاصّة. فللفاقد ماهية، و للواجد ماهيّة أُخرى. مثلاً الصلاة مع القنوت موجودة، والصلاة لا معه موجودة أُخرى. فلا يعدّالقنوت من العوارض الفردية


(205)

والبواقي من علل القوام.

وبالجملة هنا فرق بين الواحد الحقيقي والواحد الاعتباري فالواحد الحقيقي، بما أنّ له وجوداً حقيقياً، يجوز للعقل أن يعتبر له علل قوام و عوارض فردية، و هذا بخلاف الكثير الحقيقي الذي لاوحدة له إلاّ في عالم الاعتبار، ولا وجود له واقعاً إلاّ في طرف الوهم و الفرض، إذ عندئذ يعدُّ و يحاسب الجميع في عرض واحد.

وقد أجاب عنه المحقّق البروجردي بما هذا حاصله: أنّ الصلاة لها مراتب كاملة و غير كاملة فالجزء الدخيل في جميع مراتبها هو جزء وجوبي، والدخيل في مرتبتها الكاملة يسمّى جزءاً ندبياً والأجزاء أوالشرائط الفردية راجعة إلى نفس الطبيعة ولكن بحسب مراتبها.(1)

يلاحظ عليه: أنّه خلاف الفرض (إذ البحث في جزء الفرد)، و ما ذكره راجع إلى القسمين الأوّلين أعني: جزء المأمور به و شرطه، غاية الأمر لما كانت الصلاة ذات مراتب متفاوتة فهي جزء للطبيعة في بعض مراحلها لا في جميعها.

والأولى أن يقال: إنّه ربّما يكون الشيء خارجاً عن ماهية الشيء و لكنّه إذا وجد،، يعدّ جزءاً له لا أمراً خارجاً، كما إذا كان لذاك الشيء دخالة في حسن الشيء الآخر، و كماله.

وذلك كالايوان بالنسبة إلى الدار، إذ ليس هو جزءاً من الدار، وإلاّ لزم أن لا يصدق على فاقده أنّه دار. لكنّه إذا وجد، يعدّ جزءاً منها، ومثله السرداب، وليكن القنوت من هذا القبيل، و إذ ليست الصلاة متقوّمة بالقنوت و إلاّ لزم عدمها بعدمه و لكنّها على وجه لو أتى به المكلّف فيها لا يعدّأمراً أجنبياً عنها، أو مستحبّاً في واجب، بل ينطبق عليه عنوان الصلاة كما ينطبق عنوان الدار على


(1) نهاية الأُصول: 50.


(206)

الكلّ، ومنه الايوان. و بما أنّ لهذا الشيء تأثيراً في كمال سائر الأجزاء، فلا يعدّ أمراً أجنبياً عنها، بل يعدّ جزءاً منها أو شرطاً فيها عند وجوده. و هذا ما يسمّى بجزء الفرد وشرطه.

ويترتّب على ذلك بطلان العمل إذا كان الشيء مأخوذاً جزءاً أو شرطاً في الماهية بالترك، بخلاف المأخوذ جزءاً أو شرطاً للفرد، فلو أتى به فقد أتى بأفضل الأفراد ولو ترك، لقد أتى بالفرد المجزي و يكون مسقطاً للواجب.

وهنا قسم خامس أشار إليه في الكفاية بقوله: وحاصله أن لا يكون للشيء أيّة دخالة فيه، و إنّما يكون الشيء ظرفاً للشيء، كالأدعية الواردة في أيّام شهر رمضان لخصوص الصائم ،فلاحظ.(1)

***

المقدمة الحادية عشرة:

في الإشتراك

والكلام يقع في أُمور:

الأمر الأوّل: في إمكانه

الاشتراك اللفظي عبارة عن كون اللفظ الواحد موضوعاً لمعنيين أو أكثر من واضع واحد بأوضاع متعددة، بالوضع التعييني أو التعيّني وفي إمكانه مذاهب ثلاثة:

1ـ الإمكان

3ـ الامتناع

3ـ الوجوب

ولكلّ من أصحاب هذه الآراء دليل.


(1) كفاية الأُصول:1/51.


(207)

أمّا الأوّل، فقد ذهب إليه الأكثر قائلين بأنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، و انكاره مكابرة محضة، فهذا هوالعين تستعمل في الباكية و الجارية، وفي الذهب و الفضة و لو افترضنا أنّها كانت حقيقة في الباكية مثلاً، و استعلمت في الجارية لعلاقة المشابهة لنبوع الماء فيهما، لا يضرّبالمقصود إذ ليس المدّعى كون اللفظ مشتركاً من أوّل يومه و إنّما المدّعى كونه مشتركاً فعلاً ولو بعد مضيّ الزمان و ليعلم أنّ المراد من الإمكان في المقام، هوالإمكان الوقوعي في مقابل الامتناع الوقوعي. فوقوعه دليل على إمكانه بهذا المعنى ، وليس المراد الإمكان الذاتي حتى يقال إنّ الوقوع أعمّ منه و من الواجب كما حرر في محلّه فإذاً يكون الوقوع دليلاً على الإمكان الوقوعي في مقابل الامتناع الوقوعي .

أمّا الثاني، فقد أحالوه بوجهين:

1ـ أنّه مخلّ بالتفهيم المقصود من الوضع لخفاء القرائن.

وأجاب عنه في الكفاية بوجهين(1):

أ: من إمكان الاتكال على القرائن الواضحة.

ب: منع كونه مخلاً بالحكمة لتعلّق الغرض بالإجمال.

والأولى أن يقال: إنّ ما ذكره من التعليل إنّما يصحّ إذا كان الواضع واحداً، فيصدّه الإخلال عن الوضع الثاني، ،دون ما إذا كان متعدّداً، وكان كلّ غافلاً عن عمل الآخر.

2ـ ما استدل به صاحب الحاضرات على امتناع الاشتراك بأنّ الوضع الثاني يستلزم نقض الوضع الأوّل، لأنّ الوضع ليس بمعنى جعل الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له، أوجعله وجوداًتنزيلياً للمعنى، بل بمعنى تعهّد الواضع في نفسه بأنّه متى تكلّم بلفظ مخصوص لا يريد منه إلاّ تفهيم معنى


(1) كفاية الأُصول:1/52.


(208)

خاص. و من المعلوم أنّ هذا التعهد لا يجتمع مع تعهّده ثانياً بأنّه متى تكلّم بذلك اللفظ لا يقصدإلاّ تفهيم معنى آخر مباين للأوّل، ضرروة أنّ معنى ذلك نقض ما تعهده أوّلاً. وإن شئت قلت: إنّ الوضع عبارة عن التعهّد المجرّد عن الإتيان بأيّة قرينة و هذا غير متحقّق في الاشتراك اللفظي.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً : ـ مع تسليم المبنى و هو غير مسلّم ـ أنّ لازمه عدم تحقّق الاشتراك اللفظي من واضع واحد، لا من واضعين فأزيد. و سيوافيك أنّ الاشتراك اللفظي مستند إلى اختلاف اللغات غالباً .

و ثانياً: ليس معنى الوضع هو التعهّد المجرّد عن الإتيان بالقرينة ، بل التعهد الأعمّ من المجرّد بشهادة أنّ المشترك المعنوي إذا أُريد منه الفرد الخاص، يحتاج إلى القرينة، و ليس هذا التطبيق من قبيل المجاز حتّى يحتاج إلى قرينة مفهمة(2) لأنّ إفهام المعنى المشترك غير محتاج إليها.

و أمّا الثالث، أي القول، بوجوب الاشتراك فقد استدل عليه بأنّ الألفاظ والتراكيب المؤلّفة منها جميعاً متناهية، والمعاني غير متناهية، والحاجة ماسّة إلى تفهيم المعاني بالألفاظ، ولا يتمّ ذلك إلاّ بالاشتراك وأورد عليه في الكفاية بأنّ المعاني إذاكانت غير متناهية فلا يمكن الوضع لها لا بالاشتراك ولا بغيره لاستلزامه الأوضاع غير المتناهية من الإنسان المتناهي.

والظاهر أنّ مراد القائل هو كثرة المعاني، لاكونها غير متناه حقيقية فالأولى ما أجاب به بعد هذا و قال:

1ـ إنّ المعاني على فرض تناهيها، لا تمسّ الحاجة إلاّ بالقدر المتناهي منها، لأنّ الأغراض المتداولة بين العقلاء متناهية.


(1) المحاضرات:1/213.
(2) كجميع أسماء الأجناس فانّ استفادة الأسد المعيّن، بالقرائن فانّ اللفظ كاف لجميع أفراده على وجه الإجمال لكونها داخلة تحت الطبيعة التي وضع اللفظ لها.


(209)

2ـ مع أنّه يكفي الوضع للمفاهيم الكلّية و إرادة الجزئيات بالقرائن.

3ـ إنّ طريق التفهيم لا ينحصر بطريق الحقيقة. بل يكفي إفهام المعاني بطريق المجاز ، و هو باب واسع.(1)

و يمكن أن يقال: إنّ تناهي الألفاظ منظور فيه، فانّ مواد الألفاظ إن كانت هي الثمانية والعشرين حرفاً، لكن الألفاظ المؤتلفة منها بكثرة الحروف و قلّتها، و تقديم بعضها على بعض وتأخيره، و الحركات و السكنات المختلفة توجب بلوغها إلى حدّ غير متناه عرفاً، كالمعاني .

الأمر الثاني: في منشأ الاشتراك

وهو أحد أُمور:

إمّا تشتّت الناطقين باللغة: حيث إنّ العرب، كانوا يعيشون متشتّتين في أطراف الجزيرة العربية و كانت الحاجة تلزمهم إلى التعبير عن كلّ معنى بلفظ، فيطلقون لفظاً خاصّاً على معنى. و كانت الطوائف الأُخر تعبّر بذاك اللفظ عن معنى آخر. و لمّا قام اللغويون بجمع لغات العرب، ظهر الاشتراك اللفظي.

وإمّا استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي بكثرة، حتّى صار معنى حقيقياً بكثرة الاستعمال، كما في لفظ الغائط مثلاً فهو موضوع للمكان الذي يضع فيه الإنسان، ثمّ كنى به القرآن عن فضلة الإنسان، إلى أن صار حقيقة فيها.

و إمّا وجود العلاقة الشديدة بلفظ خاص كما سمّى الحسين ـ عليه السَّلام ـ أولاده بعلي، و ميّزهم بالأكبر والأصغر والأوسط.

الأمر الثالث: في وقوعه في القرآن

لا يخفى وجود الاشتراك في لغة العرب والقرآن، وقد جمع اللغويّون


(1) كفاية الأُصول:1/53.


(210)

المشتركات اللفظية في تلك اللغة و ما ورد في القرآن«كالنجم» المشترك بين الكوكب والنبات الذي لا ساق له، و «النون» المشترك بين السّمك و الدواب إلى غير ذلك. قال سبحانه: (وَ النَّجْمِ إِذا هَوى) (1)، وقال: (وَ النَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدان) .(2)

«و توهم عدم صحّة استعماله في القرآن، لأنّه يستلزم الاعتماد على القرائن و هو تطويل بلا طائل، و مع عدم القرائن يلزم الإجمال» غير تام لإمكان تعلّق الغرض بالإطناب مع صحّة الاتّكال على القرائن السماعية، و منع كون الإجمال غير مطلوب إذا كان المقام مقتضياًله.

و مع ذلك كلّه ليس لنا أن نغترّ بمعاجم اللغة، حيث ربّما تصوّر لنا أنّ للكلمة مثلاً، معاني متعدّدة، مع أنّ أكثرها من قبيل المصداق، للمعنى الواحد، و ليس بموضوع له مستقلاً. ولنذكر مثالاً: هذا هو القاموس يذكر لكلمة القضاء، المعاني التالية: 1ـ القضاء، 2ـالحكم، 3ـ الصنع، 4ـ الحتم، 5ـ البيان، 6ـ الموت، 7ـ الإتمام و بلوغ النهاية، 8ـ العهد، 9ـ الإيصاء، 10ـ الأداء(3) و يمكن الاستشهاد على كلّواحد من هذه الموارد من الكتاب والشعر ، مثلاً على الخلق بقوله سبحانه :(فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَموات فِي يَومَيْنِ) (فصّلت/12) وعلى الحكم والإيجاب، بقوله سبحانه:(وَ قَضى ربُّكَ أَلاّتَعْبُدُوا إِلاّإِيّاهُ) (الإسراء/23) إلى غير ذلك.

ولكن إذا راجعنا، كتاب المقاييس الذي ألّف لتوحيد المعاني المتصوّرة كثيراً و بإرجاعها إلى جذورها و أُصولها، نرى أنّه يقول ليس له إلاّ أصل واحد، و الجميع يرجع إلى ذلك و هو ما يدلّ على إحكام أمر، و إتقانه و إنفاذه لجهته قال الله تعالى: (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَموات فِي يَومَيْنِ) ، أي أحكم خلقهنّ، و القضاء الحكم قال

الله سبحانه في ذكر من قال: (فَاقْضِ ما أنْتَ قاض)(طه/72) أي اصنع واحكم و لذلك سمّي القاضي قاضياً، لأنّه يحكم الأحكام و ينفذها. و سمّيت المنيّة قضاءً لأنّه أمر يُنفذ في ابن آدم وغيره من الخلق ـ إلى أن قال:ـ و كلّ كلمة في الباب فإنّها تجري على القياس الذي ذكرناه فإذا هُمِز تغيّر المعنى يقولون: القُضْأة: العيب، يقال ما عليك منه قضأة و في عينه قُضأة: أي فساد.(4)

***


(1) النجم:1.
(2) الرّحمن:6.
(3) الفيروز آبادي: القاموس: 4/378، مادة قضى. و قد مرّ سابقاً أيضاً.
(4) أحمد بن فارس: المقاييس:5/ 99ـ 100مادة قضى.


(211)

المقدمة الثانية عشرة:

في جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى

إنّ عنوان البحث و إن كان مختصاً باستعمال اللفظ المشترك في المعنيين الحقيقين إلاّ أنّ ملاكه جوازاً و منعاً يعمّ استعماله في المعنى الحقيقي والمجازي، أو الحقيقي والكنائي و يعلم حال الأخيرين ممّا نذكره في الأوّل، توضيح الكلام في هذه المقدّمة يتمّ في ضمن أُمور:

الأمر الأوّل

إذا ثبت وجود اللفظ المشترك، فهل يجوز استعماله في أكثر من معنى واحد في عرض واحد دفعة و احدة أو لا؟ ومحلّ النزاع هو أن يكون كلّ من المعنيين مراداً بحياله واستقلاله، كما إذا استعمل في واحد من المعنيين.

فخرج ما إذا استعمل في مجموع المعنيين، بحيث يكون كلّ منهما جزء المستعمل فيه، نظير العام المجموعي عند الأُصوليين.

كما خرج ما إذا استعمل في معنى جامع صادق، على كلّ من المعنيين، كما


(212)

إذا استعمل في المسمّى بالعين، فانّ الذهب والفضّة داخلان تحت هذا العنوان.

فانّ هاتين الصورتين الخارجتين ليستا من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى. بل الأُولى استعمال في المركّب من المعنيين مجازاً، كما أنّ الثانية استعمال في جامع المعنيين، والفرق بين الاستعمالين أنّ المعنى في الأوّل ذو أجزاء و في الثاني ذو أفراد.

الأمر الثاني

هل المراد من الجواز الجوازالعقلي أو الجواز اللغوي؟

يظهر من صاحب المعالم و القوانين أنّ البحث في الجواز اللغوي، و أنّ الواضع هل أجاز ذاك الاستعمال أو لا؟ و يظهر من المتأخّرين كالمحقّق الخراساني و غيره أنّ البحث في الجواز العقلي. و على أيّ حال فالأُصوليون بين قائل بالامتناع مطلقاً، و بالجواز كذلك، أو التفصيل بين المفرد و التثنية، أو النفي والإثبات فلنقدّم أدلّة القائلين بالامتناع و المانع امّا من جهة نفس الوضع، أو من جهة الواضع أو من جهة العقل. والظاهر من كلامهم انّ المانع عقلي و قد استدل للامتناع العقلي بوجوه:

الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّ الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة للمعنى حتّى يصحّ جعل اللفظ الواحد علامة لشيئين، بل الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى، فإذا كان فانياً في أحد المعنيين، فكيف يكون فانياً في المعنى الآخر.

قال في الكفاية:«حقيقة الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى، بل جعله وجهاً و عنواناً له بل بوجه نفسه، كأنّه الملقى، ولذا يسرى إليه قبحه وحسنه كما لا يخفى، ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك إلاّ لمعنى واحد، ضرورة أنّ لحاظه هكذا في إرادة معنى، ينافي لحاظَه كذلك في إرادة الآخر، حيث إنّ لحاظه كذلك، لا يكاد يكون إلاّ بتبع المعنى فانياً فيه فناء الوجه في ذي الوجه.


(213)

و العنوان في المعنون. و معه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد، مع استلزامه للحاظ آخر، غير لحاظه كذلك في هذا الحال».(1)

يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد الإفناء الحقيقي، بأن يكون اللفظ عين المعنى، و تذهب فعلية اللفظ كما تذهب فعلية الملح في الماء، فهو بيّن البطلان. و إن أُريد أنّ الغرض الذاتي يتعلّق بالمعنى دون اللفظ، فالتالي غير ممتنع . فأيّ مانع من أن يتعلّق الغرض الذاتي بمعنيين، و ينظر إليهما بلفظ واحد و لحاظ فارد.

الوجه الثاني: ما أفاده المحقّق العراقي و هو أنّوضع اللفظ للمعنى ليس جعله علامة عليه ولو بنحو التنزيل، بل هو جعل اللفظ مرآة تحكي المعنى و تصوّره للسامع، و استعمال اللفظ في المعنى هو فعلية كون اللفظ الموضوع مرآة و حاكياً. و بما أنّ المرآة ملحوظة حين استعمالها باللحاظ الآلي، فيلزم من استعمال اللفظ الواحد في معنيين أو أكثر، أن يلحظ ذاك اللفظ الواحد، في آن واحد، بلحاظين آليين و حينئذ يجتمع اللحاظان في واحد شخصي.

نعم لو كان معنى الوضع هوالعلامة، فلا مانع من كون شيء واحد علامة لشيئين.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ذلك إنّما يلزم إذا كان هناك استعمالان. و أمّا إذا كان هناك استعمال واحد، فلا يلزم اجتماع لحاظين آليين في اللفظ، لأنّ مصحح تعدّد اللحاظ في المعنيين، هو كون كلّواحد مراداً بحياله. وأمّا اللفظ، فبما أنّه أمر واحد و ليس هنا إلاّ استعمال واحد لا يتعلّق به إلاّلحاظ واحد آلي. و معناه أنّ المتكلّم إذا لاحظ المعنيين بحيالهما، ينتقل منهما إلى اللفظ، و ينتقل منه إليهما دفعة واحدة. و ذلك لأنّ الغرض الذاتي متعلّق بالمعنى ، فيلزم فيه تعدّد اللحاظ دون اللفظ، فالغرض المتعلّق به آلي يكفي لحاظه مرّة واحدة والانتقال منه إليهما.


(1) كفاية الأُصول:1/54، المطبوع بحاشية المشكيني قدَّس سرَّه.
(2) بدائع الأفكار:1/146. و ما أفاده تعبير آخر عمّا في الكفاية، فلاحظ.


(214)

الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني، و هو أنّ لازم استعمال اللفظ في المعنيين على نحو الاستقلال، تعلّق اللحاظ الاستقلالي بكلّ واحد منهما في آن واحد، كما إذا لم يستعمل اللفظ إلاّفيه. و من الواضح أنّ النفس لا تستطيع أن تجمع بين اللحاظين المستقلّين في آن واحد.(1)

و حاصله: أنّ اللحاظين المستقلّين في جانب المعنى، لا يمكن اجتماعهما في النفس في آن واحد.

يلاحظ عليه: أنّ النفس أوسع من ذلك فهي في آن واحد ترى الأشخاص وتسمع أصواتهم وتدرك مذاق المطعومات، كلاً منها بحياله، وإنّما الممتنع اجتماع اللحاظين المسقلّين في آن واحد في شيء واحد لأنّه من قبيل اجتماع المثلين في مورد واحد. ألا ترى أنّ الإنسان يلاحظ الموضوع مستقلاً، وفي الوقت نفسه يلاحظ المحمول كذلك، ثمّ يحكم بالاتّحاد.

الوجه الرابع: ما أفاده المحقّق الاصفهاني في تعليقته، فقال: إنّ الأمر في الاستحالة أوضح من ذلك لأنّ حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ، حيث إنّ وجود اللفظ في الخارج، وجود لطبيعي اللفظ بالذات ، (تكويناً) ووجود لطبيعي المعنى بالجعل والمواضعة والتنزيل، لا بالذات. ولا يعقل أن يكون وجود واحد، وجوداً لماهيتين بالذات. و حيث إنّ الموجود الخارجي (اللفظ) بالذات واحد، فلا مجال لأن يقال: إنّوجود اللفظ وجود لهذا المعنى خارجاً، ووجود آخر لمعنى آخر، حيث لا وجود آخر حتى ينسب إلى الآخر بالتنزيل. وليس الاستعمال إلاّ إيجاد المعنى بنحو وجوده اللفظي خارجاً. وقد عرفت أنّ الإيجاد و الوجود متّحدان بالذات، وحيث إنّ الوجود واحد فكذا الإيجاد.(2)

وحاصل ما أفاده يرجع إلى أمرين:


(1) المحاضرات:1/217. ولاحظ أجود التقريرات:1/51. والمذكور في الثاني لا يخلو من إجمال.
(2) نهاية الدراية:1/64.


(215)

1ـ اللفظ وجود تنزيلي للمعنى، فإذا صار وجوداً لذاك المعنى، فلا وجود آخر له لكي يكون وجوداً لمعنى آخر.

2ـ الوجود والإيجاد واحد بالذات، والاختلاف بالاعتبار. فإذا كان وجود اللفظ واحداً بالذات، فليكن إيجاداً كذلك، لتفرّع الإيجاد على الوجود في الوحدة والكثرة.

يلاحظ عليه: أنّ اللفظ وإن كان وجوداً لطبيعي اللفظ، بالتكوين، و وجوداً لطبيعي المعنى، بالجعل، و المواضعة، و لكنّه لا ينافي أن يكون شيء واحد وجوداً تنزيلياً لشيئين، وذلك لأنّ الاعتبار قليل المؤنة.و ما ذكره من أنّه ليس الاستعمال إلاّإيجاد المعنى بنحو وجوده اللفظي خارجاً، و أنّ الإيجاد والوجود متّحدان بالذات، حيث إنّ الوجود واحد فكذا الإيجاد، غير تام: لأنّ ما ذكره أهل المعقول من أنّوجود الممكن و إيجاده أمر واحد مختلف بالاعتبار، لا ينطبق في المورد إلاّعلى الأُمور التكوينية لا على الأُمور الاعتبارية مثلاً ينطبق على نفس اللفظ، ففيه الوجود و الإيجاد واحد، وأمّا الإيجاد الاعتباري المتفرع على هذا الوجود التكويني، فلا دليل على أنّه واحد، إذ أيّ مانع من فرضه وجوداً لكلّ من المعنيين اعتباراً؟ و هل هذا إلاّإجراء حكم التكوين على الاعتبار؟

ثمّ إن أبا المجد الاصفهاني تخلّص عن الامتناع العقلي بقوله: إنّ المحاورات إذا كانت من قبيل جعل الألفاظ علائم للمعاني فيصح جعل شيء علامة لمعنيين و إنّما تقع المناقشة في تسمية ذلك استعمالاً.(1)

الأمر الثالث

إذا ثبت الجواز العقلي، فهل هناك مانع من جانب الواضع، حتى يكون ممنوعاً من جانب اللغة، أو لا؟


(1) أبو المجد الاصفهاني: وقاية الأذهان:86.


(216)

ذهب المحقّق القمي إلى الأوّل، قائلاً بأنّ الواضع، و إن لم يضع اللفظ للمعنى بقيد الوحدة أو بشرطها، لكنّه وضعه عليه في حال كونه واحداً. و على هذا لا يجوز استعمال المفرد في غير حال الانفراد لا حقيقة ولا مجازاً. أمّا الأوّل، فواضح. وأمّا الثاني، فلأنّه لم تثبت الرخصة في هذا النوع من الاستعمال.

أقول: إنّ قوله: «في حال الوحدة لا بقيد الوحدة أو بشرطها» لا يخلو إمّا أن يكون قيداً أو لا. أمّا الأوّل فهو يردّه أشدّ المنع، خلافاً لصاحب المعالم. وأمّا الثاني فلا يكون مانعاً، لعدم كونه قيداً.

وبالجملة، لم يشترط الواضع عدم وجود معنى آخر معه حتى يكون هناك مانع قانوني، والمفروض أنّ المستعمل فيه نفس الموضوع في كلتا الحالتين، و كون المعنى واجداً لتلك الحالة في زمان الوضع، لا يكون دليلاً على كونها دخيلة في الموضوع له.

فإن قلت: إنّ الوحدة و إن لم تكن قيداً للوضع أوالموضوع له، إلاّ أنّ للموضوع له ضيقاً ذاتياً لا ضيقاً توصيفياً، فهو وإن لم يقيّد الموضوع له بهذا القيد، لكنّه لم يضعه لغير المعنى الواحد، فكيف يستعمل في أكثر من واحد.

قلت: إنّ الضيق الذاتي إنّما يكون مانعاً، إذا لم يكن هناك وضع آخر لمعنى ثان. و ليس استعمال اللفظ في أكثر من معنى لأجل وضع واحد، بل لأجل وضعين، و ذلك كاف في الاستعمال. نعم لو استعمله في معنيين بملاك وضع واحد كان لما ذكر وجه. و ما جاء في الإشكال من أنّه لم يضعه لغير المعنى الواحد، إن رجع إلى تقييده بالوحدة، فقد عرفت خلافه، وإن رجع إلى كونه موضوعاً لذات المعنى، من غير تقييد بعدم المعنى الآخر، فهو متحقّق لأنّ المفروض أنّ المستعمل فيه كلّ من المعنيين.

الأمر الرابع

إذا تمّ إمكان الاستعمال في أكثر من معنى واحد، فهل هو واقع أو


(217)

لا؟الظاهر وقوعه و هو أدلّ دليل على إمكانه الوقوعي، ويجده المتتبع في كلمات الأُدباء، و إليك نماذج منها.

يقول الشاعر في مدح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

المُرْتمي في الدجى، و المُبتلى بِعَمى * و المُشتكي ظَمأًوالمبتغي دَيْنا

يأتون سَدَّته من كلّ ناحية * و يستفيدون من نعمائه عيناً

فاستعمل الشاعر لفظ «العين» في الشمس.و البصر، و الماء الجاري،والذهب، حيث إنّ المرتمي (المرميّ) في الدجى، يتطلب الضياء، و المبتلى بالعمى «يتطلب العين الباصرة، والإنسان الظم آن يريد الماء، و المستدين يطلب الذهب.

وهناك شاعر آخر يشتكي طول ليلته و أنّه لا فجر لها، كما يشتكي الدماميل في بدنه، لا تنفتح حتى يخرج قيحها، فيطلق كلمة الفجر على فجر الصبح، و انفتاح الدماميل و يقول: «ما لليلي و مالها فجر».

والضمير في «لها» يعود إلى الدماميل المذكور قبل هذا.

وهناك شاعر ثالث ملقّب بسراج الدين، يمدح صديقيه الملقّبين بـ «شمس الدين» و «بدر الدين»و يرى نفسه ضئيلاً دونهما، كما أنّ السراج ضئيل دون الشمس و القمر، فيطلق الشمس والقمر و السراج ويريد من الأوّلين النيّرين تارة، و صديقيه أُخرى، كما يريد من السراج المصباح تارة، و نفسه ـ الملقّب بسراج الدين ـ أُخرى، و يقول:

و لمّا رأيتُ الشمس والبدرَ معاً * قد انجلتْ دونهما الدياجي

حقّرتُ نفسي و مضيت هارباً * و قلت ماذا موضعُ السراج

ولو أُريد أحد المعنيين، لذهب رونق الشعر و سقط عن مقامه.


(218)

و يقول شاعر رابع:

أيّ المـــكان تروم من الذي * تمضي له فأجبته المعشوقا

فقد أراد من المعشوق ، المعنى الاشتقاقي أوّلاً، و المكان المسمى به بقرينة «أيّ المكان»(1)

الأمر الخامس

إذا قلنا بجواز استعمال اللفظ في الأكثر، فالظاهر أنّه حقيقة في المفرد وغيره، لما عرفت من أنّ محلّ النزاع هو استعمال اللفظ في كلّ واحد من المعنيين مستقلاً، لا في مجموع المعنيين على نحو التركيب و على ذلك يكون اللفظ مستعملاً في نفس ما وضع له. و قد عرفت أنّ الوحدة ليست قيداً للوضع ولا قيداً للموضوع له، وكون الموضوع له مضيّقاً ذاتاً لا يمنع من كون الاستعمال أيضاً حقيقة، لما عرفت من وجود الوضعين المتعدّدين.

ثمّ إنّ صاحب المعالم اختار كون الاستعمال المذكور مجازاً في المفرد و حقيقة في التثنية و الجمع قائلاً بأنّ استعمال المفرد في الأكثر يوجب سقوط قيد الوحدة المأخوذ في الموضوع له، فيكون مجازاً، و يصير من قبيل استعمال اللفظ الموضوع للكل، في الجزء. وأمّا غير المفرد فالاستعمال حقيقة لأنّ التثنية بمنزلة تكرير اللفظ، فكأنّك نطقت بلفظين، استعمل كلّ واحد، في معنى.

ولا يخفى عدم تمامية كلا الادّعائين، أمّا الأوّل: فلما عرفت من عدم الدليل على اعتبار قيد الوحدة في الموضوع له.

وأمّا الثاني: فلأنّه قياس مع الفارق، إذ في صورة تكرّر اللفظ، يوجد لفظان مستقلاّن يستعمل كلّواحد في معنى مستقل.و أمّا في صورة التثنية و الجمع، اللفظ الواحد، فالعلامة فيهما موضوعة لتعدّد ما أُريد من المفرد. فإن أُريد منه


(1) أبو المجد: وقاية الأذهان:87.


(219)

«معنى واحد»، دلّت العلامة على تكرّر ذاك المعنى الواحد، فلا يكون من استعمال اللفظ في أكثر من معنى. و إن أُريد منه أكثر من معنى، كأن أُريد من مفرده الذهب والفضّة دلّت العلامة على تعدّدهما، وقد قالقدَّس سرَّه بكون استعمال المفرد في المعنيين مجاز.

والحاصل أنّ التثنية والجمع مشتملان على مادة و هيئة. فإن أُريد من المادة، طبيعة واحدة، فالهيئة تدلّ على تكرار تلك الطبيعة، فيكون المراد فردين من الطبيعة الواحدة، و إن أُريد من المادة طبيعتان، فالهيئة تدلّ على تكرار كلّ من الطبيعتين أي الفردين من كلّ من الذهب و الفضّة وعلى ذلك فليس للهيئة أيّ تأثير في كون الاستعمال حقيقة أو مجازاً.

بل يمكن أن يقال إنّ مرجع استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى واحد، إلى استعمال المفرد في أكثر من معنى، لما عرفت من أنّه مالم يستعمل المفرد في أكثر من طبيعة واحدة، لا يتحقق الاستعمال في أكثر من معنى واحد.

و بذلك يعلم بطلان تفصيل آخر حكاه صاحب المعالم عن بعضهم من الامتناع في المفرد والجواز في غيره، فانّ أساس هذا التفصيل نفس ما مضى في تفصيل صاحب المعالم من أنّ التثنية بمنزلة تكرار اللفظ دون غيره، وقد عرفت فساد المبنى.

الأمر السادس

إذا ثبت جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فهل يُحْمل المشترك على جميع المعاني عند عدم قرينة على واحد منها، أو لا؟

ذهب المحقّق البروجردي إلى الأوّل قائلاً بأنّه حقيقة في الجميع فمقتضى أصالة الحقيقة في الاستعمالات حمله على الجميع.

يلاحظ عليه: أنّ المتّبع في الكلام هو الظهور العرفي،حتّى أنّ العمل بأصالة


(220)

الحقيقة، لأجل كون المجاز خلاف الظاهر المتبادر، ولا شكّ أنّ المتبادر هو إرادة واحد من المعاني لا أكثر لأنّ استعمال اللفظ في أكثر من معنى نادر ، فلا يصار إليه إلاّ أن يدلّ عليه دليل.

الأمر السابع

هل يجوز استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي و المجازي معا؟

يظهر حكمه ممّا سبق ، وأنّه لا مانع عقلي ولا قانوني منه. و ما نقل عن صاحب «المحجّة» من امتناعه نظراً إلى أنّ الحقيقة والمجاز أمران متقابلان غير مجتمعين، غير تام، لاختلاف الجهة. فمن حيث إفادته المعنى الموضوع له يصير حقيقة، و من حيث إفادته المعنى غير الموضوع له يصير مجازاً.

وهذا بخلاف الأعراض المتأصّلة، كالسواد و البياض، فلا يجري فيها اختلاف الحيثيات. و بذلك يجاب عن الشبهة في استعماله في المعنيين الحقيقيين أو المجازيين لاستلزامهما اجتماع المتماثلين.

الأمر الثامن

دلّت الروايات على أنّ للقرآن تنزيلاً و تأويلاً و ظهراً و بطناً. فاستدلّ القائل بجواز استعمال المشترك في معنيين، بهذه الروايات فانّ للتأويل معنى غير التنزيل، و البطن، غير الظهر.

أمّا أنّ لجميع القرآن تأويلاً ـ وراء التأويل لخصوص المتشابهات التي دلّت عليها الآية السابعة في سورة آل عمران(1)، فيدلّ عليه بعض الروايات و نكتفي


(1) (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتاب وَ أُخَر مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَالْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَتَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّالله وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّأُولُوا الأَلْباب) .(آل عمران/7).


(221)

بواحدة روى القمي بسند صحيح عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ انّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أفضل الراسخين في العلم فقد علم جميع ماأنزل الله عليه من التأويل والتنزيل وما كان الله لينزّل عليه شيئاً لم يُعلِّمه التأويل، وأوصياؤه من بعده يعلمون كلّه.(1)

وأمّا أنّ للقرآن ظهراً و بطناً فيدلّ عليه من الروايات ما رواه البرقي عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال لجابر بن يزيد الجعفي: يا جابر إنّ للقرآن بطناً و للبطن، بطن و له ظهر وللظهر ظهر، يا جابر ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن إنّ الآية يكون أوّلها في شيء وآخرها في شيء و هو كلام متّصل منصرف على وجوه.(2)

وقد اختلفت الأنظار في تفسير المراد من هذه الروايات و إليك الإشارة إلى بعضها :

1ـ ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ التأويل أو البطن معنى مبائن للظهر والتنزيل لكن أُريد لا من اللفظ، بل أُريد مع المعنى الأوّل . قال: إنّ المراد إرادتها في أنفسها حال الاستعمال في المعنى، لا من اللفظ كما إذا استعمل فيها، أو كان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ و إن كان أفهامنا قاصرة عن إدراكها.(3)

يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ تلك المعانى إمّا ذات صلة بالمعاني الأوّلية أو لا، فعلى الثاني لا وجه لإرادة تلك المعاني، حين إرادة تلك المعاني الأوليّة، لأنّها ليست بمعان مطابقية ولو بالوضع الآخر، ولا لوازم للمعاني الأوّلية (4) وعلى الأوّل يرجع إلى الجواب الثاني.


(1) البحار: 89/81 باب أنّ للقرآن ظهراً و بطناً، الحديث 8و37.
(2) البحار: 89/81 باب أنّ للقرآن ظهراً و بطناً، الحديث 8و37.
(3) كفاية الأُصول:1/57.
(4) نعم قد فسر في بعض الروايات«التفث» الذي هو بمعنى الوسخ في قوله سبحانه (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيطّوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتيق) (الحج/29) بلقاء الإمام ، مع عدم كون اللفظ موضوعاً للمعنى الثاني.
لاحظ البحار:89/84، برقم 15 فلابدّ من ردّعلمه إلى أهله ـ إذا صحّ الحديث.


(222)

ويلاحظ على الوجه الثاني: أنّ عدّ اللوازم من المعاني خلاف الظاهر، لأنّ المتبادر من الروايات أنّ للقرآن بطناً، و أنّ البطنَ مثل الظهر، في كونه معنى مطابقياً، غير أنّ الأوّل ظاهر دون الآخر.

2ـ حملها السيّد المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه على مراتب مفهوم الآية حسب اختلاف مراتب الناس، فالنفوس الكاملة يستفيدون من الآيات، مالا يستفيد المتوسّطون من الناس، فالسبعة أو السبعون كناية عن الاستفادات المختلفة حسب اختلاف الأفراد.(1)

ويؤيّده الإمعان في الآيات التالية، فإنّ كلّ صنف يستفيد منه حسب استعداده و قابليّته، و يظهر ذلك بالمراجعة إلى التفاسير حول هاتين الآيتين.

(أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَودِيةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السيلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِابْتِغاءَ حِلْيَة أَوْ مَتاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ والْباطلَ فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَب جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثال) (2) فانّ لهذه الآية مراتب و درجات من التفسير، و كلّ يستفيد منها حسب قابليّته.

ومثل قوله سبحانه في سورة النور:(اللّهُ نُورُ السَّمواتِوَالأَرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكوة فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَة الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبارَكة زَيْتُونة لا شَرقِيّة وَلا غَرْبِيّة يَكادُزَيْتُها يُضيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ على نُور يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثالَ لِلنّاسِوَ اللّهُ بِكُلّ شَيء عَليم) (3)

فقد خاض المفسرون في تفسير هذه الآية، و تطبيقها على موارد مختلفة. وكلّ


(1) نهاية الأُصول:56.
(2) الرعد: 17، لاحظ في تفسيرها ما كتبه الأُستاذ في تفسير سورة الرعد، و ما ذكره في الإلهيات: 2/299.
(3) النور: 35.


(223)

استضاء من نورها حسب لياقته و قابليته.

إنّ هناك وجهاً آخر لعلّه أقرب ممّا سبق و تؤيّده أكثر روايات الباب، و يعلم إذا وقفنا على أنّ التنزيل يساوي الظهر، والتأويل يساوي البطن ويدلّ عليه ما رو اه فضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ عن هذه الرواية «ما من القرآن آية إلاّو لها ظهر و بطن» فقال: ظهره تنزيله، و بطنه تأويله....(1) فإذاً، المقصود من البطن و التأويل المصاديق الجديدة التي لم يكن عنها أثر حين النزول، و ليست من الموارد الواضحة للآية حتّى يكون تطبيقها عليها من الأُمور غير المهمّة.

ويدل على هذا الوجه إنّ القرآن قد شُبِّه في هذه الروايات بالشمس والقمر، وأنّه يجري كجريهما و مقتضى التشبيه كون القرآن مثل النيّرين مفيضاً في كلّ عصر، ولا يكون إفاضته مختصّة بزمان دون زمان(2) وتدلّ عليه بعض الروايات:

1ـ روى العياشي عن الفضيل بن يسار قال سألت أبا عبد الله ـ عليه السَّلام ـ عن هذه الرواية: «ما في القرآن آية إلاّو لها ظهر وبطن...» قال: «ظهره تنزيله، وبطنه تأويله، منه ما مضى و منه ما لم يجئ بعد، يجري كما تجري الشمس و القمر، لكلّ ما جاء منه شيء واقع».(3)

2ـ وروى العياشي عن الباقر ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال لحمران: «إنّ ظهر القرآن، الذين نزل فيهم و بطنه، الذين عملوا بمثل أعمالهم، يجري فيهم ما نزل في أُولئك».(4)

3ـ و في غيبة النعماني: «إنّ للقرآن تأويلاً يجري كما يجري الليل والنهار، و كما تجري الشمس والقمر. فإذا جاء تأويل شيء، منه قد وقع، فمنه ما قد جاء و منه مالم يجئ».(5)

4ـ روى فرات بن إبراهيم : «إنّ الآية إذا نزلت في قوم ثمّ مات أُولئك،(لو)


(1) البحار: ج89، باب أنّ للقرآن ظهراً و بطناً، الحديث 64.
(2) لاحظ مقدّمة مفاهيم القرآن:3/20.
(3) كنز الدقائق: 1/6.
(4) تفسير العياشي: 1/11.
(5) الغيبة للنعماني: ح1/134.


(224)

ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، و لكن القرآن يجري أوّله على آخره مادامت السماوات والأرض».(1)

التأمّل في هذه الروايات يعطي أنّ المقصود من التأويل أحد الوجهين:

الوجه الأوّل: أنّ ما ورد في القرآن حول الأقوام والأُمم من القصص، و ما أصابهم من النعم و النقم، لا ينحصر في من ورد فيهم بل أُولئك كانوا مظاهرَ لكلامه سبحانه، وهو يعمّ غيرهم ممّن يأتون بعدهم.

فقوله سبحانه: (وَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الجُوعِ وَالْخَوفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَوَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَ هُمْ ظالِمُونَ)(2) و إن كان وارداً في قوم خاص كما تشهد له الآية الثانية، لكنّه قاعدة كلية مضروبة على كلّ الأُمم.

ومثله قوله سبحانه:(أَلَمْ تَرَإِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَالْبَوارِ*جَهَنَّمَ يَصْلَونَها وَبِئْسَ الْقَرار) (3) و يشهد لذلك رواية حمران، فلاحظ.و يؤيده ما ورد من أنّ القرآن ذو وجوه، فاحملوه على أحسن الوجوه.

الوجه الثاني: أن يكون المراد، حمل الآية على الموارد التي لولا بيان الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ لما أمكن الاهتداء إليها.

وقد فسّر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ قوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)برحم آل محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد يكون في قرابة الإنسان، قال: «فلا تكوننّ ممّن يقول للشيء، أنّه في واحد».(4)


(1) كنز الدقائق: 1/6. و لاحظ مرآة الأنوار:2و3و4، للشيخ أبي الحسن الفتوني العاملي; و البحار 89باب أنّ للقرآن ظهراً، الحديث 54، 62، 64و 65.
(2) النحل:112و113.
(3) إبراهيم:28و29.4. الغيبة للنعماني:211.
(4) لاحظ مرآة الأنوار:4.


(225)

كما فسّر قوله سبحانه: (وَ لِكُلِّ قَوْم هاد) بـ«على الهادي» وقال أبوجعفر: «ومنّا الهادي قلت: فأنت جعلت فداك، الهادي قال: صدقت أنّ القرآن حيّ لا يموت، و الآية حيّة لا تموت. فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام وماتوا، ماتت الآية لمات القرآن».(1)

ويؤيد ذلك ما ورد في تفسير قوله سبحانه:(وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ)(2) سمعت عليّاً يوم الجمل يقول بعد تلاوة الآية: «إنّه ما قوتل أهلها منذ نزلت حتّى اليوم».

و في رواية قال علي ـ عليه السَّلام ـ : «عذرني الله من طلحة والزبير، بايعاني طائعين، غير مكرهين، ثمّ نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته. ثمّ تلا هذه الآية».(3) وعلى ضوء ذلك فليست البطون و التأويلات معاني ثانوية مغايرة للمعنى الأوّل، بل الكلّ في صف واحد، غير أنّ بعضه جليّ وبعضه خفي، كان بعضه موجوداً في عصر النزول و تحقّق البعض الآخر بعده و بما أنّ القرآن حجّة في جميع الأجيال والقرون، ينطبق على الكلّ على نسق واحد.

***

المقدمة الثالثة عشرة:

في المشتق

اتّفقت كلمتهم على كون المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ، ومجازاً فيما يتلبّس به في المستقبل، واختلفوا فيما انقضى عنه، و قبل الخوض في المطلب نقدّم


(1) التوبة:12.
(2) البرهان في تفسير القرآن:1/107.
(3) محمد حسين الغروي: الفصول الغروية: 58.


(226)

أُموراً عشرة.

الأمر الأوّل: تعريف المشتق

المشتق هو اللفظ المأخوذ من لفظ، ويسمّى الأوّل فرعاً، و الثاني أصلاً، ولابدّ بينهما من مناسبة حتى يتحقّق الأخذ.(1)

وقد قسم الاشتقاق إلى صغير و كبير وأكبر، لأنّ الفرع إمّا أن يشتمل على حروف الأصل و ترتيبه، فهو الأوّل، وإذا أطلق لا ينصرف إلاّ إليه. و إمّا أن يشتمل على حروفه دون ترتبيه، وهو الاشتقاق الكبير، كما قيل إنّ «فسر» مأخوذ من سفر، و يقال: «أسفر النقاب»، إذا رفع و التفسير أيضاً رفع النقاب عن وجه المراد، وإمّا أن لا يشتمل على حروفه فضلاً عن ترتيبه و هو الأكبر كثلم و ثلب.(2)

الأمر الثاني: النزاع لغوي أو عقلي؟

الظاهر أنّ النزاع في المقام لغوي و البحث في حدود الموضوع له و أنّ الواضع هل وضعه لخصوص المتلبّس بالمبدأ أو وضعه للأعم منه و ممّن تلبّس به آناً ما وإن زال عنده.

و الدليل على كون النزاع لغوياً استدلال الطرفين بالتبادر وصحّة السلب وعدمه، ولو كان النزاع عقلياً لما كان لهذه الاستدلالات وجه.

وذهب صاحب المحجّة قدَّس سرَّه (3) إلى كون النزاع عقلياً وأنّه لاخلاف في المفهوم والمعنى بل الاختلاف في الحمل، فإنّ القائل بعدم صحّة الإطلاق على ما انقضى


(1) لاحظ في الوقوف على تفصيل الأقسام الفصول الغروية: 58ـ 59.
(2) يقال: ثلم الحائط إذا حدث فيه خلل، ثلم الإناء: إذا انكسر من حافّته و أيضاً يقال: ثلب الرجل: إذا تناهى في الهرم و تكسرت أسنانه.
(3) المحقّق الشيخ محمد هادي الطهراني المتوفى عام 1321هـ.ق.


(227)

عنه المبدأ يرى وحدة سنخ الحمل في المشتقّات والجوامد، فكما لا يصحّ إطلاق الماء على البخار بعد ما كان ماء، كذلك لا يصحّ إطلاق المشتق على ما زال عنه المبدأ بعد تلبّسه به، والقائل بصحّة الإطلاق يدّعي تفاوت الحملين فإنّ الحمل في الجوامد، حمل هوهو، فلا يصحّ أن يقال للهواء، أنّه ماء و الحمل في المشتقات «حمل ذي هو» و «حمل انتساب»، ويكفي في التلبّس مجرّد الخروج من العدم إلى الوجود فيصحّ الحمل على المتلبّس وما انقضى عنه، دون ما لم يتلبّس أصلاً.

حاصله: أنّ المفهوم واحد عند الطرفين، و لكن القائل بالمجازية يدّعي كون الحمل في الجامد والمشتق، حمل مواطاة و القائل بالحقيقة يقول إنّ الحمل في الجامد مواطاة، وفي المشتق حمل ذي هو(ولعلّه لأجل وحدة مفهوم المشتق والمبدأ فكما أنّ الحمل في المبدأ حمل ذي هو فهكذا ما هو مثله).

يلاحظ عليه: مضافاً إلى خلطه في تفسير الحملين ـ فانّ حمل الجوامد والمشتقّات كلّها من باب واحد و هو الحمل مواطاة وأنّ قولنا: «هذا ماء»، مثل قولنا:«هذا أبيض» أو «ضارب»(1) و إنّما يطلق حمل ذي هو على حمل المصادر على الذوات مثل قولنا: «زيد عدل» أو «بياض» ـ أنّه لامعنى للنزاع في صحّة الإطلاق وعدمه عقلاً، مع التسالم على المفهوم والمعنى، لبداهة بطلان عدّ ما كان واجداً للمبدأ ثمّ صار فاقداً، من مصاديقه، بحسب نفس الأمر والواقع، لأنّ الصدق والجري يدورمدار الاتّصاف والواجدية حقيقة، و مع فقدانه، لاوجه للاتّصاف.

الأمر الثالث: مورد البحث

إنّ مورد البحث هو ما يجري على الذوات باعتبار اتّصافها بالمبدأ و اتّحاده معها بنحو من الاتّحاد.


(1) حتى لو قلنا بأنّ المبدأ و المشتق متّحدان جوهراً و مختلفان اعتباراً، فانّ كون المبدأ بشرط لا و المشتق لا بشرط يغني من جعل المشتق من قبيل «ذي هو» لعدم الحاجة إلى تقدير «ذي» مع اعتباره لا بشرط، و إنّما يحتاج إليه في حمل المبدأ، المعتبر بشرط لا.


(228)

فخرج بعض المشتقّات، كالأفعال قاطبة: ماضيها و مستقبلها وأمرها، ضرورة أنّ الأفعال تدلّ على قيام مبادئها بالذات قيام صدور أو حلول أو طلب الفعل أو الترك، ولا تدلّ على توصيف الذات بها كما خرجت المصادر المزيدة و المجرّدة لعدم صحّة جريها على الذوات على نحو الهوهوية بل تدلّ على نفس المبادئ.

ودخل غيرهما من المشتقات من أسماء الفاعلين و المفعولين و أسماء الزمان والمكان والآلات والصفات المشبّهة و صيغ المبالغة، لوجود الملاك في جميعها و هو انتزاعها عن الذات باعتبار اتّصافها بالمبدأ.

ودخل بعض الجوامد، ممّا يجري على الذوات و ينتزع عنها باعتبار اتصافها بالمبدأ، كالزوج والرقّوالحرّ و ما شاكل ذلك.

وخرج بعض الجوامد ممّا ينتزع عن الذات بما هي لا باعتبار اتّصافها بالمبدأ، كالإنسان و الحيوان والتراب والماء.

فعلم أنّ بين المشتق المبحوث عنه في المقام، والمشتق المصطلح، عموم من وجه، لعموم الأوّل بعض الجوامد، دون الثاني، و عموم الثاني للأفعال والمصادر، دون المبحوث عنه، و يصدقان على أسماء الفاعلين و المفعولين وغيرهما ممّا مرّ.

والوجه في تعميم البحث مع عدم صحّة إطلاق المشتق على الجوامد، هو الغرض الذي دوّنت لأجله هذه المسألة، فانّ لفظي «المثمرة» و «الزوجة» مشتركان في جهة البحث وأنّه هل هما موضوعان للمتلبّس بالمبدأ، أعني: الثمرة والزوجية، أو موضوعان للأعمّ منه و بما اتّصف به آناً ما ثمّ انقضى عنه المبدأ؟

و بالجملة: الميزان وجود ذات و مبدأ قائم بها، من غير فرق بين القيام الصدوري والحلولي أو كون المبدأ فعلاً، أو حرفة، أو ملكة كما لا فرق بين النسب، أي النسبة القائمة بين الصفات والذات، سواء أكانت النسبة ثبوتية أو تجدّدية أو وقوعاً عليه، أووقوعاً فيه أووقوعاً به، أو غير ذلك ممّا يجده الإنسان في أسماء الفاعل


(229)

والمفعول و الزمان و المكان والآلة والصفة.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية أيّد كون ملاك البحث أعمّ، من الفرع الذي طرحه صاحب الإيضاح من أنّه من كانت له زوجتان كبيرتان، أرضعتا زوجته الصغيرة، قال: تحرم الأُولى والصغيرة، وأمّا الثانية فحرمتها و عدمها مبني على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس، أو كونه حقيقة في الأعمّ منه و ممّن انقضى عنه المبدأ، فإن قلنا بالأوّل، لم يصدق على الثانية أنّها أُمّ زوجته، بل هي أُم ّ البنت ، وليست أُمّ البنت محرّمة. وإن قلنا بالأعم، يصدق أنّها أُمّ من كانت زوجته سابقاً.(1)

و أورد عليه سيّدنا الأُستاذ بأنّ الملاك في نشر الحرمة في باب الرضاع هوانطباق أحد العناوين الواردة في لسان النصوص على مورد الرضاع والعنوان الوارد في النصوص إنّما هو (أُمّهات نسائكم) ، كما قال سبحانه (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بهِنَّ) (2) و لميرد فيه لفظ «الزوجة» حتّى يبتني البحث على صدق المشتق فالابتناء ساقط من أصله.

يلاحظ عليه: بما مرّ من أنّ قسماً من الجوامد داخل في هذا البحث، أعني: ما يصدق على الذات باعتبار اتّصافها بالمبدأ. وعلى ذلك لا فرق بين الزوجة و النساء فانّ معنى النساء هنا ليس ما يقابل الرجال حتى يكون كالإنسان، بل بمعنى الزوجات كمالا يخفى.

ثمّ أقول: يقع الكلام تارة في المرتضعة، و أُخرى في الكبيرة الاُولى، وثالثة في الكبيرة الثانية.


(1) إيضاح الفوائد في شرح القواعد:3/52. قال: وأمّا المرضعة الأخيرة ففي تحريمها خلاف و اختار والدي المصنف وابن إدريس تحريمها لأنّ هذه يصدق عليها أُمّ زوجته لأنّه لا يشترط في صدق المشتق بقاء المعنى المشتق منه فكذا هنا. و لأنّ عنوان الموضوع لا يشترط صدقه حال الحكم، بل لو صدق فيه كفى، فيدخل تحت قوله تعالى: (وَأُمّهاتُ نِسائِكُمْ) .
(2) النساء:23.


(230)

أمّا المرتضعة فلا تخلو من حالتين فإمّا أن يكون اللبن للزوج ، أو يكون لفحل آخر فلو كان الأوّل فالزوجة الصغيرة المرتضعة، بنته الرضاعية، والبنتية و الزوجية غير مجتمعين، ولو كان اللبن من فحل آخر قبله، فهي بنت الفحل السابق رضاعاً، وربيبة بالنسبة إلى الزوج الثاني . و حرمة مثل هذه الربيبة مبنية على الحرمة في مسألة أُخرى و هي: هل حرمة الربيبة عند الدخول بالأُم مختصّة بمن تقدّمت ولادتها على الزواج الثاني، أو تعمّ أيضاً مالو تأخّرت عنه كما إذا طلّقها الزوج الثاني، وتزوّجت برجل ثالث و أتت ببنت، فتحرم ـ على القول بالتعميم ـ على الزوج الثاني بحجّة أنّها ربيبة الرجل من الزوجة التي دخل بها، لأنّها صارت ربيبته بعد الزواج بالثالث و إن كانت المرأة بعدُفي حبال الزوج الثاني ولم تُطَّلق منه، و إلاّفلا.

وأمّا الكبيرة الأُولى، فقد اتّفقت كلمتهم على بطلان زوجيتها، لأنّها صارت أُمّ الزوجة، و لكن الحكم بالحرمة فيها مبني أيضاً على وضع المشتق للأعمّ، لا للمتلبّس. و يمكن تقريره بنحوين:

الأوّل: إنّ المتضائفين متكافئان قوّة وفعلاً ولا يمكن التفكيك بينهما، وعليه فبنتية المرتضعة، و أُمومة المرضعة، متضائفان، لأنّه عندما صارت المرضعة أُمّاً صارت المرتضعة بنتاً، فهي أُمّ البنت، لا أُمّ الزوجة، وإلاّ لزم تفكيك أحد المتضائفين(الأُمومة) عن الآخر (البنتية).

الثاني: إنّ زوجية المرتضعة و بنتيتها، متضادّتان شرعاً، فمرتبة البنتية، مرتبة زوال الزوجية، و المفروض أنّها أيضاً مرتبة حصول الأُمومة، فينتج أنّ مرتبة الأُمومة، مرتبة زوال الزوجية، فليس لنا زمان ولا مرتبة تضاف فيه الأُمومة إلى الزوجية.

وحاصل التقرير الأوّل: أنّ صدق الأُمومة على الكبيرة، و الزوجية على الصغيرة غير معقول، لعدم صحّة انفكاك أحد المتضائفين(الأُمومة) عن


(231)

المتضائف الآخر (البنتية).

وحاصل التقرير الثاني انّ مرتبة حصول البنتية والأُمومة، مرتبة زوال الزوجية، فكيف تكون أُمّاً للزوجة بل تكون أُمّاً للبنت.

وأُجيب بوجهين:

الوجه الأوّل: ما عن صاحب الجواهر من مقارنة الأُمومة لزوال الزوجية فانّ صدق البنتية للمرتضعة و زوال زوجيتها، و أُمومة المرضعة الأُولى، متّحدات في زمان، ف آخر زمان الزوجية متّصل بأوّل زمان حدوث الأُمومة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الاكتفاء بهذا المقدار، خلاف منصرف الأدلّة، فانّ الظاهر من (أُمّهات نسائكم) أن تكون المرأة أُمّاً حقيقة أو تنزيلاً لزوجة فعلية، و أمّا الأُمومة المقارنة لآخر جزء الزوجية الزائلة، فليست داخلة تحت النص.

الوجه الثاني: ما أجاب به المحقّق البروجردي و حاصله:

أنّ حصول الأُمومة والبنتية علّة لزوال زوجية المرتضعة، فبما أنّ العلّة متقدّمة على المعلول، فالأُمومة والبنتية متقدّمتان على زوال الزوجية وانفساخها، فينتج، بقاء الزوجية عند حصول الأُمومة و البنتية فالمرضعة الكبيرة زوجة، و أُمّ للزوجة، كما أنّ المرتضعة، زوجة وبنت للرجل، و ما دلّ على عدم صحّة الجمع بينهما راجع إلى عدم إمكان جمعهما في آن واحد، لا في رتبة واحدة كما في المقام.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الأحكام مترتبة على المصاديق الخارجية بأن تكون الكبيرة أُمّاً والصغيرة زوجة في عمود الزمان، لا في المرتبة العقلية.

والحاصل أنّ التفريق بين الأُولى و الثانية مشكل بل حرمة الكلّ مبنية على وضع المشتق للأعمّ. وأمّا إذا قلنا بوضعه للأخص، فلا يصحّ الحكم بالحرمة.


(1) الشيخ محمد حسن النجفيّ: الجواهر: 29/329ـ330.
(2) نهاية الأُصول: 63.


(232)

هذا حسب الدقّة العقلية و أمّا حسب النصوص فالظاهر هوالتفريق بين تحريم الأُولى والثانية، و ذلك لمعتبرة علي بن مهزيار عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال قيل له: إنّ رجلاً تزوّج بجارية صغيرة، فأرضعتها امرأته، ثمّ أرضعتها امرأة له أُخرى، فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية و امرأتان، فقال أبوجعفر ـ عليه السَّلام ـ : أخطأ ابن شبرمة، تحرم عليه الجارية و امرأته التي أرضعتها أوّلاً، فأمّا الأخيرة فلم تحرم عليه، كأنّها أرضعت ابنته(1) و لعلّ حكم المشهور بحرمة الأُولى دون الثانية مبني على هذه المعتبرة.

والرواية شاهدة على أنّه لا اعتبار بهذه الدقائق العقلية لا إشكالاً و لا جواباً، بل يكفي الصدق العرفي فانّه يرى الكبيرة الأُولى أُمّاً للزوجة ولا يلتفت إلى أنّها إذا صارت أُمّاً، تصير الأُخرى بنتاً ولا تبقى زوجة، بخلاف الثانية فانّها يراها أُمّاً للبنت لأنّها أرضعت بنته كما في الرواية.

وبذلك تعلم حال الكبيرة الثانية فإنّ التحريم مبني على صدق المشتق على من انقضى عنه المبدأ وعلى فرض صدقه فالرواية معارضة للقاعدة.

الأمر الرابع: أسماء الزمان داخلة في النزاع أو لا؟

ربّما يتوهم خروج أسماء الزمان من حريم النزاع، كالمضرب، إذا أُريد منه زمان الضرب، فانّه لا يتصوّر له إلاّقسم واحد و هو الذات المتلبس بالمبدأ، أي الزمان الواقع فيه الضرب وأمّا القسم الآخر، أعني: بقاء الذات مع انقضاء المبدأ، فلايتصوّر فيه، لأنّ الزمان ذاته التصرّم و التقضي فلا يعقل بقاؤه و انقضاء وصفه.


(1) الوسائل: ج14، الباب 14 من أبواب الرضاع، الحديث 1، وفي السند علي بن محمد، وهو ابن إبراهيم بن أبان الكليني الرازي المعروف بعلاّن ، خال الشيخ الكليني ثقة جليل، و صالح بن أبي حمّاد و روايته مقبولة فانّ النجاشي و إن قال في حقّه: « و كان أمره ملبساً يعرف وينكر» (رقم الترجمة 526 غير أنّ الظاهر من الكشي كونه ثقة،قال: وقال علي (المراد علي بن محمد القتيبي): كان أبو الفضل يرضيه و يمدحه.(لاحظ ص 472 من رجال الكشي».


(233)

وقد أجاب عنه في الكفاية بأنّ انحصار مفهوم عام بفرد، كما في المقام، لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بازاء الفرد دون العام، وإلاّ لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة، مع أنّ الواجب موضوع للمفهوم العام مع انحصاره فيه تبارك وتعالى.(1)

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى كونه أمراً لغواً بعد وضوح انحصار المصداق في واحدـ أنّه قياس مع الفارق، إذ انحصار اسم الزمان بمصداق واحد، و هو الزمان المتلبّس بالمبدأ، وعدم إمكان فرد آخر له، أمر واضح لكلّ من له أدنى بصيرة، و هذا بخلاف وحدة الإله الحقيقي فليس بهذا الوضوح، و لأجل ذلك تسرّبت الثنوية إلى ملايين من البشر كالمسيحية الممسوخة القائلة بتعدّد الإله، الأب و الابن و روح القدس، و هم يضاهون قول الذين كفروا من قبل (2) أعني: البوذيين و الهندوس، فلا مانع من أن يكون اسم الجلالة موضوعاً لمعنى كلي له مصاديق عند بعض المشركين و مصداق واحد عند الموحدين.

وأمّا لفظ «الواجب» فليس فرده منحصراً في مفرد، بل يعمّ الواجب بالذات، والواجب بالغير كالممكن و الواجب بالقياس إلى الغير، كالمتضائفين فإنّ كلّواحد منهما متّصف بالوجوب بالقياس إلى الآخر، كالأب عند فرض الابن و بالعكس أضف إليه أنّه بمعنى الثابت.

وأجاب عنه المحقّق النائيني، بأنّه لو كان الزمان المأخوذ فيها، شخص ذاك اليوم بعينه لا كلّيه فللتوهم المذكور مجال، لكن كون المأخوذ فيها هو الشخص، في حيّز المنع، بل الظاهر أنّه الكلي.(3)


(1) كفاية الأُصول:1/60.
(2) اقتباس من قوله سبحانه: (يُضاهئونَ قَوْلَ الّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى يُؤفَكُونَ) التوبة/ 30.
(3) أجود التقريرات:1/56.


(234)

يلاحظ عليه: أوّلاً : أنّ الإشكال ليس مركّزاً على اليوم الثاني والثالث من السنوات التالية حتى يقال في جوابه أنّه بمعنى يوم القتل على الوجه الكلي من غير فرق بين العاشور الأوّل أو الثاني والثالث، بل الإشكال متوجه إلى نفس اليوم الأوّل فانّ «المقتل» بمعنى زمان القتل و هو ليس إلاّجزء من اليوم يذهب مع ذهاب المبدأ و لا يبقى فلا يتصور فيه ذات مع انقضاء المبدأ.

وثانياً : أنّ الموضوع له و إن كان هو الزمان الكلي، لكنّه بعد الانطباق على الخارج و تحقّق مقتل الحسينعليه السَّلام في يوم معيّن، تشخص الكلي في ضمن ذاك الفرد، و مع زوال المبدأ أي القتل، زالت الذات أيضاً، فلا يعقل له قسم آخر. و ليس الكلام إلاّفي استعماله بعد التحقّق والانطباق.

وأجاب عنه المحقّق الاصفهاني في تعليقته(1)، و اختاره المحقّق الخوئي في تعاليقه على أجوده و أوضحه في محاضراته(2): بأنّه ليس لاسم الزمان وضع خاص وراء اسم المكان، بل هو بوضع واحد، وضع لكلا المعنيين، فانّ المقتل و المغرب وغيرهما من الألفاظ المشتركة بين اسمي الزمان و المكان، لها مفهوم واحد و هو ما كان وعاء القتل أو الغروب مثلاً، زماناً أو مكاناً، فإذا لم يعقل بقاء الذات في مادة مع زوالها، لم يوجب ذلك عدم جريان النزاع في الهيئة نفسها، التي هي مشتركة بين ما يعقل فيه بقاء الذات مع انقضاء المبدأ عنها، و مالا يعقل فيه ذلك مثلاً إذا كان الذات زماناً لم يعقل بقاؤها مع زوال التلبس عن المبدأ و إذا كانت مكاناً يعقل فيه ذلك لكنّه لا مانع من وضع اللفظ للجامع بين الفرد الممكن و الممتنع ولا اباء للمفهوم من حيث هو مفهوم للشمول والعموم، المتلبس والمنقضي عنه، و إن لم يكن له في خصوص الزمان إلاّ مصداق واحد.

يلاحظ عليه: أنّ الاشتراك المعنوي بين الاسمين يحتاج إلى قدر جامع بين


(1) نهاية الدراية:1/71.
(2) المحاضرات:1/245.


(235)

المعنيين، وهو إمّا ذاتي أو عرضي. أمّا الذاتي فلا يعقل بين الزمان الذي هو من الكمّ المتصل غير قارّ الذات، و المكان الذي هو من مقولة أُخرى، و إلاّ لزم وجود الجنس للأجناس العالية.

وأمّا العرضي كما يفصح عنه كلامه من وعاء الفعل و ظرفه،فيلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّ وعائية الزمان ليست كوعائية المكان، فإنّ المكان وعاء للفعل حقيقة، وأمّاالزمان فليس ظرفاً للحدث، و إنّما يتولّد الزمان من تصرّم الطبيعة و تقضّـي الفعل ـ أنّ الجامع الانتزاعي إمّا هو نفس مفهوم الوعاء والظرف بالحمل الأوّلي، ففيه أنّه لا يتبادر من أسماء الزمان و المكان ذلك المفهوم، أو مصاديقه الخارجية من الزمان و المكان، فيعود الإشكال، لعدم مصداق خارجي في موارد الزمان إلاّ للمتلبّس، و معه كيف يمكن وضعه للأعم.

والحقّ في حلّ الإشكال أن يقال: إنّ لكلّ شيء بقاء بحسبه، فكما أنّ للجوامد بقاء فكذا للزمان والزمانيّات بقاءعند العرف، و لأجل ذلك، صحّ استصحاب بقاء الليل والنهار، و سيلان الدم، وجريان الماء و دوام التكلّم، مع أنّ الزمان و الزماني غير قابلين للبقاء. وعلى ذلك فاليوم الذي قتل فيه الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، واحد شخصي عند العرف، تحقّق بطلوع الشمس، و انتهى بغروبها ، و ليست أجزاء الزمان لليوم الواحد، إلاّ كالأجزاء المكانية للمكان الواحد، فكما أنّ أجزاءه غير مجتمعة فهكذا أجزاء الزمان، والتفرّق والانبساط غير مانعين من عدّ الزمان و المكان شيئاً واحداً عرفاً، و على ذلك فإذا وقع القتل، في أوّل اليوم، صحّ إطلاق المقتل إلى آخره، لبقاء الذات ـ أعني الزمان ـ عرفاً مع انقضاء المبدأ و هذا لا ينافي انقسام اليوم إلى أقسام مختلفة وساعات متنوعة، و ذلك إنّما هو إذا أطلّ على اليوم بنظرة اخرى تسوقه إلى تحليل أجزاء اليوم الواحد و إن كنت في شك فلاحظ قول القائل: رأيته مطلع الشمس أو مغربها، إذ لا شكّ أنّ الطلوع والغروب آنيّان، لكنّهما في نظر العرف من الأُمور الباقية مدّة.


(236)

وأمّا صحّة إطلاقه بعد مضي سنة أو سنوات، فلأجل اعتقاد الناس بعود الزمان بنفسه في ذاك اليوم، و هم يرونه عينه، لا مثله، و لأجل ذلك يصحّ إطلاق المقتل على يوم العاشر من محرّم الحرام في كلّ سنة، كما لا يخفى.

ثمّ إنّه ربما يقال بخروج اسم المفعول عن حريم النزاع لصدقه على من وقع عليه الفعل مطلقاً، مادام الشخص موجوداً والوجه المشترك بينه و بين اسم الزمان هو عدم تصوّر الانقضاء فيهما، غاية الأمر أنّ السبب في اسم الزمان هو عدم بقاء الذات بعد انقضاء المبدأ و في المقام هو عدم انفكاك المبدأ عن الذات فهو صادق مادام العمر.

يلاحظ عليه: أنّ المبدأ بالمعنى الحدوثي التجدّدي، قابل للانفكاك وأمّا غير المنفكّ فهو ما إذا وقع ناعتاً و معرّفاً كما يقال: علي ـ عليه السَّلام ـ قالع باب خيبر و ما ذكره لا يختصّ بباب اسم المفعول، بل يأتي في اسم الفاعل كالضارب، فهو بالمعنى الحدوثي، غيره بالمعنى التوصيفي، فالسارق حدوثاً، غير السارق معرّفاً.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني استثنى من محلّ البحث، ألفاظ العلّة و المعلول و الممكن و الواجب و الممتنع قائلاً بأنّ منزلة هذه الألفاظ، منزلة العناوين الذاتية كالإنسان، إذ لا يعقل بقاء الذات مع ذهاب الإمكان و إلاّ لزم انقلاب الممكن إلى الواجب والممتنع.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه غير تام في بعضها مثل العلّية، فهي ، و إن كانت غير منفكّة عن الذات في العلل غير الاختيارية فلا يمكن ذهاب الوصف مع بقاء الذات، إلاّ أنّه لا مانع من بقاء الذات و إزالة العلّية في العلل الإرادية. وبالجملة ليس ما ذكره تامّاً في كلّ الموارد.

وثانياً: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ لو كانت هذه الألفاظ موضوعة بوضع خاص، فبما أنّه لا يتصوّر فيه الأعمية، فلا معنى للوضع بالأعم، وأمّا إذا كان الموضوع له هو الهيئة الكلّية في أسماء الفاعلية و المفعولين من دون نظر إلى مادة، فعدم جريان


(237)

النزاع في بعض الموارد لا يوجب عدم جريانه في الهيئة على الوجه الكلّي من دون نظر إلى مادة خاصة، كما لا يخفى.

الأمر الخامس: في دلالة الأفعال على الزمان و عدمها

قد عرفت خروج المصادر المزيدة و المجرّدة عن محلّ البحث، لعدم صحّة جريها على الذات وحملها عليها، وأمّا الأفعال فكذلك، لانّها تدلّ على نسبة المادة إلى الفاعل بنحو و إلى المفعول بنحو آخر. فمدلولها إمّا تحقّق النسبة أو ترقّب تحقّقها، أو طلب النسبة. و شيء منها لا يجري على الذات و يحمل عليها.

ثمّ إنّ المعروف بين الأُدباء، دلالة الأفعال على الزمان. فالفعل الماضي يدلّ على تحقّقه في الماضي، والمضارع على تحقّقه في المستقبل أو الحال، و صيغة الأمر تدلّ على الطلب في زمان الحال و قد عرّف ابن الحاجب في كافيته الفعل بأنّه ما دلّ على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة.(1)

واستدل على عدم دلالته على الزمان، بأنّ المادة في الأفعال تدلّ على نفس الحدث، و الهيئة تدلّ على نسبة الحدث إلى الفاعل، فأين الدالّ على الزمان؟

ويلاحظ عليه: أنّ القائل بالدلالة يقول بأنّ الهيئة تدلّ على نسبة الحدث إلى الفاعل في زمان خاص لا على مطلق النسبة.

واستدل المحقّق الخراساني على عدم دلالته على الزمان بوجوه أربعة:

الوجه الأوّل: النقض بصيغة الأمر والنهي، فانّ مدلولهما إنشاء طلب الفعل أو الترك، غاية الأمر أنّ نفس الإنشاء بهما متحقّق في الحال، وهو غير القول بدلالتهما عليه.

الوجه الثاني: صحّة الإسناد إلى الزمان والمجرّدات، وإلاّ لزم القول بالتجريد


(1) شرح الكافية، للشريف الرضي، بحواشي السيد الشريف الجرجاني1/11، و 2/223.


(238)

والمجاز.

الوجه الثالث: المضارع عندهم مشترك في الحال والاستقبال، وليس بمشترك لفظي، و إلاّلزم استعماله فيهما استعمالاً في أكثر من معنى واحد في مثل قولنا: «يضرب زيد اليوم و غداً» ولا معنوي لعدم الجامع بين الحال و الاستقبال لتباين أجزاء الزمان.

الوجه الرابع: أنّ الماضي ربّما يستعمل فيما هو مستقبل حقيقة ،و بالعكس، مثل قولك: «يجيئني زيد بعد عام و قد ضرب قبله بأيّام» و قولك: «جاء زيد في شهر كذا و هو يضرب في ذلك الوقت » أو «فيما بعده» أو «فيما مضى».

وعلى ذلك فدلالة الأفعال على الزمان، بالإطلاق فيما يسند إلى الزمانيات، لا بالوضع.

ولا يخفى عدم صحّة شيء من هذه الوجوه:

أمّا الأوّل: فلأنّ عدم دلالة الأمر والنهي على الزمان ، لا يدلّ على عدم دلالة غيرهما للفرق الواضح بين المقيس و المقيس عليه فإنّ الأوّل من قبيل الإخبار الملازم للزمان، لكونه إخباراً عن أمر محقّق أو يستحق بخلاف الثاني فانّه من قبيل الإنشاء.

أَضف إلى ذلك أنّ القائل بالفورية في كلتا الصيغتين، قائل بدلالتهما على الزمان الحاضر.

وأمّا الثاني: أعني: أنّه لو دلّ على الزمان، لما صحّ إسناده إلى نفس الزمان مثل قوله: «مضى الزمان» و إلاّيلزم أن يكون للزمان زمان، ولما صحّ إسناده إلى المجرّدات العارية عن الزمان مثل قوله: «علم الله».

فيرد عليه أنّ ذلك إثبات للغة بالاستدلال الفلسفي ، فإنّ امتناع أن يكون للزمان زمان، أمر عقلي، قام البرهان على امتناعه ، و إلاّلزم التسلسل أو الدور وأمّا


(239)

الأفهام الساذجة فهي تتخيّل أنّ للزمان: زماناً، و تقول: «كان يوم و لم يكن سوى الله سبحانه، ثمّ خلق السماوات والأرض والأيّام والليالي» حتى سرى هذاا لزعم إلى بعض المتكلّمين المعتقدين بحدوث مجموع العالم زماناً بمعنى أنّه كان زمان لم يكن للعالم وجود، فأثبتوا زماناً وهمياً لمجموع العالم المركّب من الجواهر والأعراض و الزمان.

و مثله: قولنا« علم الله»، فانّ كون علمه مجرّداً عن الزمان، أمر أثبته البرهان، ولا يكون هذا دليلاً على كون الوضع على طبق البرهان.و ما هو المفهوم من «ضرب زيد»، عين المفهوم من «علم الله»، غير أنّ البرهان أثبت تنزية فعله تعالى عن الاقتران بالزمان دون أفعال غيره من المخلوقات، ولو استعمله الفيلسوف المعتقد بتجرّدّ فعله تعالى عن الزمان، لكان له التجريد دون غيره من الأفراد العاديين.

وبذلك يعلم بطلان الاستدلال على تجريد الأفعال من الزمان بمثل قولنا: «خلق الله الأرواح» ، ممّا يكون المفعول فوق الزمان، أو يكون أمراً ماديّاً، ولكن يكون مبدأ للزمان مثل قولنا: «خلق الله المادة»، فإنّ الزمان ناش عن حركة المادة، فلا زمان قبل تحقّق المادة، فانّ كلّ ذلك ساقط لأنّه مبني على إثبات اللغة بالفلسفة، بل المفهوم العرفي من هذا التركيب، انّ الأرواح خلقت في زمان، كما أنّ الأجسام خلقت في زمان، غير أنّ هذا حسب البرهان يرجع إلى أمر وهمي لا واقعي، وهو غير عدم دلالة اللفظ. حتى أنّ العرف ـ كما سلف ـ يتخيّل وجود الزمان الخالي عن كلّ شيء قبل خلق العالم.

وأمّا الثالث: فلإمكان الجامع بين الحال والاستقبال، وهو ما لم يمض من الزمان، وهو كاف في الوضع، إذ يمكن به الإشارة إلى الموضوع له.

وأمّا الرابع: فنقول: إنّ الملاك في كون الشيء ماضياً أو مضارعاً، إمّا حال التكلم أو الحدث الذي قورن به الكلام، والمثالان من قبيل الثاني لا الأوّل، فإنّ الملاك هو المجيء و «ضرب زيد» ماض بالنسبة إليه، كما أنّ«ضربه» مضارع


(240)

بالنسبة إليه، فلا تعارض.

و بالجملة إنّ هذه الأدلّة غير كافية ولا شافية، و لكن يجب إلفات النظر إلى أمرين:

1ـ لا يمكن إنكار فهم الزمان بنحو من الأنحاء من الماضي والمضارع، لبداهة بطلان قولنا:«ضرب زيد غداً» و «يضرب أمس»، هذا من جانب.

2ـ و من جانب آخر، أنّ الزمان عموماً من المفاهيم المستقلّة الاسمية، ولا معنى لأخذه بهذا العنوان في مداليل الهيئة التي هي من المفاهيم الحرفية فضلاً عن أخذ قسم من الزمان بهذا المفهوم.

ولا يخفى أنّ نتيجة الأمرين مختلفة، فأحدهما ينتهي إلى أنّ الفعل يدلّ على الزمان و الأُخرى إلى خلافه. والذي يمكن أن يقال في الجمع بين الأمرين هو أنّ مفاد هيئات الأفعال معاني حرفية، لأنّ المتبادر من المادّة هو نفس الحدث، وأمّا الهيئة فالمتبادر منها في الماضي هو الحكاية عن تحقّق صدور الحدث من الفاعل، كما في الأفعال المتعدّية، أو تحقّق قيامه به، كما في بعض الأفعال اللازمة، و كلا التحققين من المعاني الحرفية. كما أنّ الحال في المضارع كذلك، بتفاوت أنّ الهيئة فيه تدلّ على ترقّب الصدور أو الحلول أو القيام أو ما يقرب من ذلك، و هو أيضاًمعنى حرفي.

وعلى ذلك يمكن أن يقال: مراد القائلين بدلالة الفعل على الزمان، هو أنّ الماضي أو الحال أو الاستقبال، ليست مأخوذة في مفاد الهيئة بالمعنى الاسمي، بل لمّا كان الماضي إخباراً عن تحقّق الحدث و صدوره عن الفاعل، و المضارع إخباراً عن ترقّب صدوره أو لحوق صدوره، كان مفاد الأوّل ملازماً للزمان الماضي، و الثاني ملازماً لزمان غيره.

وإن شئت قلت: إنّ الهيئة وضعت لما هو المصداق لهذا السبق، أي سبق صدور الحدث من الفاعل، و هو معنى حرفي لا اسمي، ولا بأس بالتوصل


(241)

بالمعنى الاسمي، للوضع على المعنى الحرفي، كما هو الحال في غالب الموارد، فلفظة «مِنْ» وضعت لما هو المصداق بالحمل الشائع للفظ الابتداء. و لفظ الابتداء و إن كان مفهوماً اسمياً، لكن مصداقه معنى حرفي، كما لا يخفى و ليست دلالة الأفعال على الحدث و النسبة و سبق الصدور أو لحوقه، بنحو دلالات متعددة، بل هنا دلالة واحدة، تنحلّ عند التحليل إلى هذه المفاهيم المتعدّدة.و ليس المفهوم من قولنا«ضرب» إلاّما يعادله في الفارسية «زد» لكن العقل يحلّله إلى الدلالات و المداليل، كما أنّ لفظ «ضرب» شيء واحد، يحلّله العقل إلى مادة و هيئة. وفي الحقيقة ، المتبادر أمر و جداني ينحلّ إلى هذه الأُمور كما سنقرّره في مفهوم المشتق أيضاً.

وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده المحقّق الاصفهاني في تعليقته وما أفاده سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ في درسه الشريف .قال المحقّق الاصفهاني:إنّ هيئة الماضي موضوعة للنسبة المتقيدة بالسبق الزماني بنحو يكون القيد خارجاً و التقيّد داخلاً، وهيئة المضارع موضوعة للنسبة المتقيّدة بعدم السبق الزماني، لا أنّ الزمان الماضي أو الحال أو الاستقبال أوغير الماضي بهذه العناوين الاسمية، مأخوذ في الهيئة كي يقال إنّ الزمان عموماً و خصوصاً من المعاني المستقلّة بالمفهومية فلا يعقل أخذها في النسبة التي هي من المفاهيم الأدَوّية.(1)

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات قد سلّم جميع ما استدل المحقّق الخراساني على عدم دلالة الفعل على الزمان و أفاد انّ الفعل الماضي وضع للدلالة على قصد المتكلّم الحكاية عن تحقّق المادة مقيداً بكونه قبل زمان التكلّم من غير فرق بين صدور الفعل ممن هو فوق الزمان وغيره و هذه الخصوصية موجودة في الفعل


(1) نهاية الدراية:1/75، ط عبد الرحيم، طهران. والأدوّية منسوب إلى الأداة. و لاحظ تهذيب الأُصول:1/108ـ109 وفي كلام المحقّق الخراساني إشارة إلى هذا التحليل في خصوص المضارع.


(242)

الماضي في جميع موارد استعمالاته من دون دلالة له على وقوع المبدأ في الزمان الماضي.

نعم إذا اسند الفعل إلى الزماني يدلّ بالالتزام على وقوع الحدث في الزمان الماضي و ذلك لأنّ صدور الفعل من الزماني قبل حال التكلم يستلزم وقوعه في الزمان الماضي لا محالة.(1)

ولا يخفى ما فيه: أمّا أوّلاً: فلأنّ الفعل الماضي إذا دلّ على تحقّق المادة مقيداً بكونه قبل زمان التكلّم، فهو عين القول بدلالته على الزمان الماضي، إذ تحقّقها مقيداًبكونه قبل زمان التكلّم عبارة أُخرى عن تحقّقه في الزمان الماضي.

وثانياً: انّ تعميم هذه الدلالة إلى ما كان الفاعل فوق المادة، يستلزم كون فعله سبحانه وارداً في إطار الزمان، مع معنى كونه فعلاً غير زماني أنّ سنخ وجوده شيء لا يقبل الزمان وأنّ وجود الزمان وعدمه بالنسبة إليه سواء.

أضف إليه أنّ ما أفاده من أنّ استفادة الزمان إنّما هو لأجل أنّ نسبة الفعل إلى الزماني الذي لا ينفك فعله عن الزمان، غير تام لظهور تبادر السبق من الفعل قبل سماع فاعله كما لا يخفى.

الأمر السادس: ما هي مادّة المشتقّات؟

يجب تقديم أُمور:

الأوّل: لابدّ في المشتقّ من مبدأ يكون سارياً في جميع الفروع. والوجه في ذلك، هو أنّ وضع الهيئات نوعي، بمعنى أنّ الواضع وضع هيئة «فاعل» لمن صدر منه أو قام به الفعل في أيّة مادة كانت و مثلها هيئة الماضي والمضارع. ولو لم تكن هناك مادة موضوعة بوضع شخصي، للزم أن يقوم الواضع ـ عند وضع الهيئات بأوضاع ـ متعدّدة حسب الصيغ الكثيرة، و هو أمر مقطوع بعدمه.


(1) المحاضرات:1/ 247ـ248.


(243)

ويؤيّد أنّ المادة موضوعة بوضع خاص، أنّ الإنسان كثيراً ما يجهل معنى المادّة، ولا يجهل مفاد الهيئة، وذلك آية كون المادة موضوعة بوضع خاص.

الثاني: اختلفت كلماتهم في تعيين ما هو المبدأ لهذه المشتقّات الكثيرة ، فمن قائل (كالبصريين) أنّ المصدر أصل و الفعل والوصف مشتقّان منه، إلى قائل (كالكوفيين) أنّ الفعل أصل والمصدر مشتق منه، إلى ثالث قائل بانّ المصدر أصل والفعل مشتق منه، والصفات مشتقّة من الفعل، إلى رابع (كابن طلحة) قائل بأنّ كلاً من المصدر والفعل أصل برأسه.(1)

قال ابن مالك مؤيداً نظرية البصريين:

المصدر اسم ما سوى الزمان * مدلولي الفعل كأمن من أمِن

بمثله أوفعل أو وصف نصب * و كونه أصلاً لهذين انتخب

الثالث: المراد من المبدأ في المشتقات هو ما يكون بلفظه و معناه سارياً في فروعه و مشتقّاته ولا يكون الشيء مبدأ إلاّ أن يكون عارياً عن الفعليات والتشخّصات من حيث اللفظ والمعنى، إذ لو كان مشتملاً على خصوصية و فعلية خاصة، لوجب أن تكون تلك الخصوصية مأخوذة في فروعه بحكم كونه المادة الأُولى، و لكن بما أنّ الخصوصية غير قابلة للأخذ، كالهيئة، فانّها لا تجتمع مع سائر الهيئات، أو كالمعنى الخاص الذي يأبى عن السريان في جميع الفروع.

وبالجملة: كون الشيء مبدأ، يستلزم تعرّيه عن جميع الفعليات، وتجرّده عن جميع الطوارئ، و الخصوصيات ليكون سارياً في فروعه، و موجوداً في مشتقّاته. فالمبدأ في باب الألفاظ كالمادة الأُولى في عالم التكوين، حيث إنّها عارية عن كافة


(1) شرح ألفية ابن مالك لابن عقيل، ص 68، ط مصر. واستدل البصريون على مبدئية المصدر بأنّ الفرع لابدّ وأن يشتمل على الأصل مع شيء زائد، و هو كذلك في الفعل إذا قيس إلى المصدر دون العكس.


(244)

الفعليات، لتكون موجودة في جميع الموجودات والفعليات.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المتأخّرين من الأُصوليين نفوا كون المصدر أصلاً قائلين بأنّه يجب أن يكون المبدأ محفوظاً في جميع الفروع، و هو لا يمكن إلاّ إذا كان عارياًعن جميع الفعليات والتشخّصات كالهيولى الأُولى المحفوظة في جميع المراتب. والمصدر ذوتعيّن خاص من حيث اللفظ، لاشتماله على الهيئة، كالضرب، حيث إنّ الفاء منه مفتوحة والعين ساكنة، وهو غير محفوظ في جميع المشتقّات. وأمّا من حيث المعنى فلاشتماله على نسبة ناقصة (يعبّر عنها في الفارسية بـ «زدن)» فيجب أن يكون المبدأ هو نفس المعنى الخالي عن جميع أنحاء النسب في حدّ ذاته فالإطلاق الذاتي للمبدأ هو المصحح لكونه مشتقّاً منه.

وبالجملة: يجب أن يكون المبدأ كالمقسم، محفوظاً في تمام الأقسام بلفظه و معناه. و ليس المصدر كذلك، فانّ الهيئة الموجودة في المصدر، آبية عن تشكّله بهيئة أُخرى إلاّ بزوال الأُولى، و إزالة الهيئة الأُولى لا يجتمع مع كونه أصلاً و مبدأ. كما أنّ اشتماله على النسبة يمنعه عن كونه مبدأ إلاّبازالة النسبة، و هو لا يجتمع مع موقف المبدأ.

ويؤيد ذلك أنّهم قالوا بقياسية بعض المصادر كما يقوله ابن مالك:

فعل قياس مصدر المعدّى * من ذي ثلاثة كردّ ردّا(1)

ولا معنى لكونه قياسياً، إلاّ عدم توقّفه على السماع في كلّ مادّة مادّة، و لو كان المصدر أصل الكلام لا معنى لكونه قياسياً، فصحّة المصادر القياسية الثلاثية آية كونه موضوعاً بالوضع النوعي، و هولا يجتمع مع كونه أصلاً، و لأجله يصحّ أن يشتق من الطين: التطين.

فإن قلت: إنّ اسم المصدر مجرّد عن النسبة الناقصة، فهو موضوع لنفس


(1) ألفية ابن مالك، باب أبنية المصادر.


(245)

الحدث من دون نسبة إلى فاعل ما.(1)

قلت: مضافاً إلى كونه متشخّصاً بهيئة خاصة، أنّ أسماء المصادر قليلة جدّاً، فلا يمكن جعلها مبدأ وأصلاً، كما لا يخفى.

هذا غاية توضيح لنفي مبدئية المصدر.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ اشتراط كون المبدأ خالياً عن جميع الخصوصيات والفعليات، ليكون سارياً في جميع الفروع والمشتقّات، من باب قياس المبدأ في الأُمور التكوينية على المبدأ في الأُمور الاعتبارية العقلائية فانّ مادة المواد في عالم التكوين يجب أن يكون عارية عن كلّ خصوصية و قيد حتى تتحوّل إلى صور كثيرة، و أمّا المبدأ في الأُمور الصناعية فيكفي كون البسيط مادة للمركّب، والأبسط لغيره، سواء أكانت خصوصيات البسيط محفوظة أو لا، و العرف ببساطة ذهنه، يعدّالقطن مادة للخيط، والخيط مبدأ للباس، أو النفط مادة للمصنوعات البلاستيكية، وهي مادة للقُمصان، مع أنّ المادة الأُولى في الصنائع مشتملة على خصوصية ليست محفوظة في المراحل الأُخر.

فإذا كانت الحال في الأُمور الصناعية بهذه المثابة، فالأمر في عالم الاعتبار أهون، فانّ المصدر لمّا كان أقل وأبسط من حيث المعنى، جعل مبدأ للفعل، فاكتفى الواضع بوضعه، عن وضع مادة الفعل مستقلاً، وأمّا لزوم انحفاظ خصوصيات المبدأ بلفظها و معناها في المشتقّات حتى يصلح أن يكون مادة لها فشرط غير لازم، بل يكفي سريانها بنحو من السريان في المشتقّات.

وثانياً: أنّ اشتمال المصدر على النسبة الناقصة لا يضرّ إذا كان المقصود منها، انتساب الضرب إلى شخص، فانّه محفوظ في جميع المشتقّات فاعلاً و مفعولاً، و زماناً ومكاناً وا لة، نعم لو اشتمل على نسبة فاعلية خاصة، صحّ عدم إمكان


(1) هذه هي النظرية الخامسة في تعيين مادة المشتقّات.


(246)

أخذها في سائر الفروع. و الظاهر أنّ المراد من المصادر هو الأوّل، أي الحدث المنتسب، القابل للتلوّن بألوان الانتساب.

وثالثاً: أنّ المراد من قياسية بعض المصادر، ليس عدم الحاجة إلى تكلّم العرب به بل المراد انّا نستكشف أنّ العرب تكلّمت به و تلفّظت في فترة من الفترات.

ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ اختار في المقام نظراً خامساً، وحاصل ما أفاده أنّ المبدأ عبارة عن الحروف المترتبة مجرّدة عن كلّ هيئة، كحروف «ض، ر، ب» فهي موضوعة لنفس المعنى مجرّدة عن كلّ خصوصية ونسبة فاعلية أو مفعولية.

فإن قلت: إنّ اللفظ الموضوع لابدّ و أن يكون قابلاً للتنطق والتلفّظ، و المادة العارية عن كلّ صورة غير قابلة له.

قلت: إنّ وضع المادة لمّا كان وضعاً تهيّئياً لأن تتلبس بالهيئات الكثيرة من الماضي والمضارع، فلا يلزم أن تكون قابلة للتنطق.(1)

يلاحظ عليه: أنّ العرف العادي لا يضع لفظاً لمعنى مالم ينطق به، فهو بتنطقه يضع اللفظ غالباً، و قد مرّ أنّ وضع غالب الألفاظ، وضع تعيّنيّ لا تعييني، ووضع المادة بلا هيئة يحتاج إلى مقدرة علمية و فلسفية بعيدة عن الواضع الساذج.

ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ لما رأى ذلك بعيداً التجأ إلى رأي سادس فقال:

إنّ المبدأ هو المصدر بشرط أن يكون موضوعاً لنفس الحدث بلا نسبة تامة و لاناقصة، وبذلك يحفظ كون المصدر مادة من حيث المعنى، وأمّا كونه ذا هيئة فبأن يقال: إنّ الهيئة ليس لها دخالة في كونه مبدأ إلاّ لأجل إمكان التنطق به، ولو صحّ التنطق به بلا هيئة لما احتيج إليها.(2)


(1) تهذيب الأُصول:1/105ـ106، ط مؤسسة النشر الإسلامي.
(2) تهذيب الأُصول:1/105ـ106، ط مؤسسة النشر الإسلامي.


(247)

ولا يخفى أنّ ما ذكره غير تام، لأنّ المتبادر من المصدر، ليس هو الحدث بلا نسبة ناقصة، و قد فُسّر الضرب بـ «زدن» و القتل بـ«كشتن»، و كلاهما مشتملان على النسبة الناقصة.

أضف إلى ذلك، أنّ ذلك يستلزم أن يكون النزاع أشبه بالنزاع اللفظي، كما لا يخفى.

فإن قلت: لو كان للمادة وضع مستقل وراء وضعِ الهيئات، للزم تعدّد الدلالة، وهويستلزم تعدّد المداليل، و هو لا يناسب بساطة المشتق الذي اتّفقت عليه كلمتهم في هذه الأعصار، على أنّ تعدّد المداليل خلاف المتبادر في عامة الصيغ.

قلت: كما أنّ وجود المادة في التكوين مندكّ في وجود صورتها، و متحصِّل بتحصيلها، كذلك وجود المادة اللفظية مندك في هيئتها و يتّحد معها نحو اتّحادِ كاتّحاد الهيولى مع صورتها. و لأجل ذلك تندك إحدى الدلالتين، أي دلالة المادة، في دلالة الهيئة، فيكون اللفظ بمادته و صورته مفيداً معنى واحداً.

وبعبارة أُخرى: إنّ المبدأ موضوع لمعنى قابل للسيلان والجريان، والتكوّن بأنواع عديدة و مثل هذا، إذا اجتمع مع الهيئة ، لا يفيد شيئاًمستقلاً عن مفاد الهيئة حتى يستلزم التكرار.

الأمر السابع: هل هناك تفصيل في المشتقّات؟

ربما يفصِّل بين المشتقات فيتوهم أنّ بعضها حقيقة في المتلبّس و بعضها في الأعم، و ذلك نظير الكاتب والمثمر و المجتهد، فما يكون المبدأ فيه حرفة أو قوّة أو


(248)

ملكة، تصدق فيه هذه الثلاثة مع عدم التلبّس بالكتابة والإثمار والاجتهاد.

و لأجل هذا التوهم، قال المحقّق الخراساني ـ مدافعاً ـ بأنّ اختلاف المشتقات في المبادئ و كون المبدأ في بعضها حرفة وصناعة، و في بعضها قوة و ملكة، وفي بعضها فعليّاً، لا يوجب تفصيلاً في المسألة، بل يوجب طول التلبس و قصره حسب اختلاف المواد، فلو كانت المادة فعلية، يكون المتلبس أقصر مدّة ممّا إذا كانت المادة حرفة أو ملكة أوقوّة.(1)

أقول: توضيحه: إنّ المبدأ يؤخذ تارة على نحوالفعلية كقولنا قائم، وأُخرى على نحوالحرفة كقولنا تاجر، وثالثة على نحوالصناعة، كقولنا: حدّاد و نسّاج، ورابعة على نحو القوّة كقولنا: شجر مثمر و خامسة على نحو الملكة كقولنا مجتهد. وسادسة ، على نحو الانتساب إلى الأعيان الخارجية كقولنا: لابن، تامر.

وإذا اختلفت المبادئ جوهراً ومفهوماً، تختلف أنحاء التلبّسات تبعاً، و يجمع الكلّ قولنا: فمادام المبدأ موجوداً يصدق التلبّس دون ما إذا انقضى المبدأ، فلا يصدق التلبّس غير أنّ بقاء المبدأ يختلف حسب اختلافه. ففي القسم الأوّل، يشترط في صدق التلبّس كونه واجداً للمبدأ فعلاً و إلاّ صدق أنّه القاعد دون القائم ففي الثاني والثالث يكفي عدم إعراضه عن حرفته و صناعته و إن لم يكن ممارساً بالفعل، وفي الرابع يكفي كونه واجداً لقوّة الإثمار في مقابل فقدانها و إن لم يثمر الآن، وفي الخامس، يكفي وجود الملكة و إن لم يمارس فعلاً، وهكذا....

وإن شئت قلت: إنّ تلبّس كلّ مادة بحسبها، فلو كانت المادة قوّة و ملكة كالمثمر و المجتهد فهي متلبّسة بالمبدأ مادامت القوّة و الملكة موجودة، فإذا زالت انقضى عنها، كما أنّه إذا كان المبدأ حرفة و صنعة، فالتلبّس بها متحقق مادامت حرفة للرجل، و يقال إنّه تاجر و صانغ، وإذا تركها و اتّخذ لنفسه شغلاً آخر يصدق عليه أنّه انقضى عنه المبدأ، كما أنّه إذا كان المبدأ عيناً من الأعيان كالتمر واللبن والحديد، فالانتساب إليها يتبع مزاولة الرجل لها، واتّخاذها حرفة وشغلاً، فمادام كذلك يصدق أنّه متلبّس وفي غيره لا يصدق.

وعند ذلك يقع البحث في وضع هيئاتها إمّا للمتلبّس، المناسب لكلّ مورد


(1) كفاية الأُصول:1/65،قوله: رابعها، بإيضاح.


(249)

بحسبه، أو للأعمّ منه و ممّا انقضى عنه المبدأ وبذلك يعلم أنّ اختلاف المواد يوجب اختلاف طول زمان التلبّس و قصره ولا يوجب تفصيلاً في المسألة فما تخيّله بعضهم مصداقاً لما انقضى عنه المبدأ فإنّما هو من مصاديق المتلبّس. و منشأ التخيّل أخذ المبدأ في الجميع فعلياً، و عليه يكون غير المشتغل بالاجتهاد مع وجود الملكة فيه ممّا انقضى عنه المبدأ بخلاف ما إذا جعل المبدأ فيه ملكة، فانّه من مصاديق المتلبّس و إنّما يكون من مصاديق المقتضي إذا زالت عنه ملكة الاجتهاد.

نعم يظهر من المحقّق الخراساني، أنّ الاختلاف في كيفية التلبّس ينشأ من جانب المادة و لكنّه ليس بتام بل ربّما ينشأ من الهيئة ، وذلك كما في المفتاح والمسجد، فإنّ المادة فيهما من قبيل الفعليات كالفتح والسجود لكن الهيئة وضعت لما يمكن به الفتح أو يكون معدّاً للسجود و العبادة و إن لم يعبد فيه فعلاً، على أنّ في المسجد والمحراب احتمالاً آخر، وهو أنّهما انقلبا من الوصفية إلى الاسمية، فصارا من أسماء الأجناس لا يتبادر منهما إلاّ الأمكنة المقدّسة.

بل ربّما ينشأ من كيفية الجري فإذا قلت: هذا المائع قاتل يستفاد أنّ المبدأ، أُخذ بالقوّة بخلاف ما إذا قلت: زيد قاتل فلا يكفي القوّة أو نيّة القتل بل لابدّ من صدوره عنه.

الأمر الثامن: هل المراد من الحال في عنوان البحث هو زمان النطق أو زمان التلبّس أو زمان الجري والنسبة أو لا هذا و لا ذاك و إليك البيان.

أمّا الأوّل، فليس بمراد، لوجوه:

أ: إنّ المشتق لا يدلّ على الزمان و سيوافيك أنّ مفهومه أمر بسيط ينحلّ إلى ذات و مبدأ. أو مبدأ منسوب إليها. و قد منعنا دلالة الأفعال على الزمان بنحو المطابقة و التضمّن، فكيف الصفات؟

ب: اتّفاقهم على أنّ قولنا: كان زيد ضارباً أمس. أو سيكون غداً ضارباً،


(250)

حقيقة إذا كان زيد متلبساً بالمبدأ في ظرف النسبة، و ليس كذلك إلاّلأجل عدم دلالة المشتق على زمان النطق و إلاّ يلزم المجاز.

ج: إنّ وضع الصفات للمتلبّس في زمان النطق يستلزم كونها حقيقة في الأقلّ من المصاديق، مع كون أكثر مصاديقها من غير هذا القبيل.

د: ما ذكره المحقّق الخوئي من أنّ الصفات كما تستند إلى الزمانيّات، كذلك تستند إلى نفس الزمان و إلى ما فوقه من المجرّدات مع أنّه لا يعقل أن يكون للزمان زمان و كذا للمجرّدات والإسناد في الجميع على نسق واحد.(1)

يلاحظ عليه: بما ذكرناه في مبحث دلالة الفعل على الزمان و عدمها، من أنّ هذا النمط من الاستدلال، من قبيل إثبات اللغة بالدليل العقلي وهو غير تام على أنّ العرف يتصوّر للزمان زماناً، ولا يرى فعل المجرّدات، غير قرين بالزمان.

وأمّا الثاني: فهو بالنسبة مع عنوان البحث، غير منسجم بل هذا التفسير من الحال يستلزم أن يكون لفظ «في الحال» أمراً زائداً فلاحظ قولهم في عنوانه:«هل المشتق حقيقة في خصوص ما تلبّس بالمبدأ في الحال أو فيما يعمّه» ولا معنى لقولنا:«تلبس بالمبدأ في حال التلبّس» لأنّ المتلبّس بالمبدأ يتلبّس في حال التلبّس، لا في غيره إلاّأن يفسّر على النحو الذي سيوافيك في المستقبل.

وأمّا الثالث: فحاصله: أنّه موضوع للمتلبّس بالمبدأ في ظرف النسبة فلو كان ظرف التلبس موافقاً لظرف النسبة فهوحقيقة و إلاّ فهو مجاز فإذا قلت: زيد ضارب غداً فلوأردت أنّ المتلبّس بالضرب غداً، ضارب غداً يكون حقيقة ولو أُريد أنّ المتلبّس بالضرب غداً، ضارب فعلاً فهو مجاز.

لكن يردعليه أُمور:

1ـ إنّ مدلول المشتق بسيط و وضعه للمتلبّس في حال الجري و زمان النسبة، يستلزم كونه مركّباً و دالاً على الزمان تضمّناً، وهو لايجتمع مع كونه


(1) المحاضرات : 1 / 253 ـ 254 .


(251)

بسيطاً.

2ـ إنّ هذا المعنى إنّما يتمشى في الجمل الإخبارية، وأمّا الجمل الإنشائية مثل قولك: «أكرم العالم»، فلا، لخلوّالجمل الانشائية عن الزمان حتّى يقال إذا طابق زمان التلبّس مع زمان النسبة فهو حقيقة و إلاّ فهو مجاز.

3ـ إنّ البحث في المقام عن مفاهيم المفردات و أنّ هذا اللفظ المفرد موضوع لما ذا. وأمّا النسبة و زمانها، و الجري والإطلاق و زمانهما، فهي من المفاهيم التصديقية التي تحصل بعد نسبة الضارب إلى فاعله، ولا معنى لوضع المشتق لمفهوم يحصل بعد تركيبه مع شيء آخر.

وإن شئت قلت: إنّ النسبة الحكمية الاتحادية متأخّرة عن مفهوم الوصف، المحمول على موضوعه، فلايعقل تقيّد مفهوم الوصف بزمان النسبة المتأخّرة عنه.

ولامناص عن تفسير «الحال» في عنوان البحث بالفعلية، وإطلاق الحال و إرادة الفعلية في مقابل القوّة شائع وأنّ النزاع يرجع إلى سعة المفاهيم و ضيقها، و إلى أنّ الموضوع له هل هو خصوص الذات المتلبّسة بالمبدأ أو الأعمّ من تلك الذات المنقضي عنها المبدأ فعلى القول بالأخصّ، يكون مصداقه منحصراً في الذات المتلبّسة، وعلى القول بالأعمّ يكون مصداقه أعمّ من هذه و ممّا انقضى عنها المبدأ.

و إن شئت قلت: هل الصفات تنتزع من الذات التوأمة للمبدأ، أو تنتزع منها ومن الذات المنقضي عنها المبدأ. و على ذلك فالحال في عنوان البحث بمعنى فعلية التلبّس و ما أشبه ذلك.

وبعبارة ثالثة: إنّ العقل يرى جامعاً حقيقياً بين الأفراد المتلبّسة بالمبدأ، ولا يرى ذاك الجامع الحقيقي للأعمّ منها و ممّا انقضى عنها المبدأ و إنّما يرى بينها جامعاً انتزاعياً. فالنزاع في أنّ الموضوع له هو ذاك الجامع الحقيقي أو جامع انتزاعي آخر.


(252)

وعلى ضوء هذا فنرجع إلى المثالين فعلى القول بالأخصّ يكون الموضوع في القضية الإنشائية كلّ متلبّس بالمادة ، دون من كان متلبّساً و زال عنه المبدأ كالعلم والعدالة بخلاف القول بالأعم فيكون الموضوع هو الأعم منه و من انقضى عنه المبدأ و يكفي وجود نسبة ما بين الذات والمبدأ و أمّا القضية الخبرية فالمخبر به على القول بالأخص وإن كان هو الواجد للمبدأ و المتلبّس به بالفعل، ولكنّه يكون منطبقاً قهراً (لا دلالة) على زمان الجري والنسبة، و كم فرق بين كونه موضوعاً للمتلبّس في زمان النسبة كما عليه المحقّق الخراساني و بين كونه موضوعاًللمتلبّس بالفعل، الذي ينطبق في القضية الخبريّة على زمان النسبة وبعدُ فالأمر سهل.

الأمر التاسع: هل هنا أصل يعتمد عليه عند الشكّ في الوضع لأحد الجامعين إذا لم نتمكّن من إثبات الأمر بالأدلة القطعية أو لا؟

نقول: والأصل المطروح في المقام إمّا أصل لفظي أو أصل عملي، أمّا الأوّل; و الذي يصلح أن يبحث عنه من الأُصول اللفظية هو دوران الأمر بين الحقيقة والمجاز والاشتراك المعنوي فعلى القول بالأخص يكون حقيقة في المتلبّس و مجازاً في غيره وعلى القول بالأعم يكون مشتركاً معنوياً و قد ذكر الأُصوليون في ترجيح كلّ على الآخر وجهاً أو وجوهاً قدّمنا الكلام فيها و أنّه لا يثبت الظهور بها و أمّا الثاني أعني: الأصل العملي أي الحكم الشرعي في المسألة الفقهية، كما كان السابق في بيان حكم المسألة الأُصولية. فنقول: الأصل في المقام إمّا أصل موضوعي ينقّح حال الموضوع أي المشتق من حيث الوضع، و أُخرى حكمي يبيّن حال الحكم الشرعي المتعلّق به.

أمّا الأوّل، أي استصحاب عدم الوضع للأعم، أو للأخص، فغير مفيد و ذلك لأنّ الوضع على القولين يجب أن يكون لجامع بين أفرادها، فالجامع الموجود بين أفراد المتلبّس يغاير الجامع بين أفراده و أفراد المنقضي. فعلى هذا، فأصالة عدم


(253)

الوضع للجامع الأوّل، تعارض أصالة عدم وضعها للجامع الآخر. مع عدم اعتبار هذه الأُصول عند العقلاء إلاّلإثبات المراد لا لإثبات الأمر اللغوي، مضافاً إلى كون الأصل مثبتاً، فانّ عدم الوضع للجامع بين أفراد المتلبّس يلازم عقلاً وضعها للجامع الآخر.

وأمّا الأصل الحكمي الشرعي في موارد الشكّ فقد قال المحقّق الخراساني بأنّه يختلف باختلاف الموارد فلو كان الانقضاء قبل إنشاء الحكم و شككنا في سعة الحكم و ضيقه لأجل الشكّ في معنى المشتق، تكون أصالة البراءة محكَّمة ، كما إذا قال: أكرم العلماء و قد انقضى عنه المبدأ قبل إنشاء الحكم عن بعض الأفراد، وأمّا إذا كان الانقضاء بعد إنشاء الحكم فاستصحاب الوجوب محكَّم.(1)

قلت: حاصله أنّه إذا كان الشكّ في الحدوث، تجري أصالة البراءة و إذا كان الشكّ في البقاء، تجري قاعدة الاشتغال و لكن يجب التنبيه على نكتة و هي أنّه إذا كان الواجب عاماً بدليّاً مثل أكرم عالماً ففي الصورة الأُولى لا يسقط التكليف إلاّ بإكرام المتلبّس بالمبدأ ولا يسقط بإكرام المنقضي عنه المبدأ للشكّ في سقوط التكليف به فيها و قاعدة الاشتغال تقتضي لزوم الامتثال بالمتلبّس به بخلاف الصورة الثانية فيجوز الاكتفاء به في ذلك المقام.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات اختار أنّ الأصل العملي في كلا الموردين هو البراءة أمّا إذا كان الشكّ في الحدوث فلما مرّ و أمّا إذا كان الشكّ في البقاء فإن قلنا بعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية و اختصاصه بالموضوعات فواضح وأمّا على القول بجريانه فيها ـ كما هو المشهور ـ فوجه عدم الجريان، عدم إحراز بقاء الموضوع فانّ الشبهة فيه مفهومية لأنّ الموضوع له مردّد بين خصوص المتلبّس أو الأعم منه و من المنقضي فالاستصحاب لا يجري في الحكم لعدم إحراز


(1) كفاية الأُصول:1/68، بتوضيح. وحاصل الفرق هو أنّه عند الشكّ في الحدوث يتمسّك بالبراءة وعند الشكّ في البقاء يتمسّك بالاستصحاب.


(254)

اتّحاد القضية المتيقّنة مع المشكوكة، مثلاً العالم بماله من المعنى موضوع للحكم فالتمسّك باستصحاب بقاء الحكم غير ممكن للشكّ في بقاء الموضوع.(1)

قلت: إنّ هذا الإشكال سار في جميع الاستصحابات الحكمية الكلية حتى و لو لم تكن شبهة مفهومية ، كما في استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره بنفسه، فيقال الموضوع للنجاسة في لسان الدليل هو الماء المتغيّر، و المشكوك هو الذي زال تغيّره فكيف يستصحب مع تباين الموضوع؟ و مثله استصحاب حكم النجاسة من العنب إلى الزبيب مع أنّهما موضوعان متغايران.

و سيوافيك دفعه في مبحث الاستصحاب بما حاصله: أنّ استصحاب الحكم الكلي المجعول على العنوان الكلي إلى فاقده أشبه بالقياس ولا تعمّه أدلّة الاستصحاب لتعدّد القضيتين: المتيقّنة والمشكوكة وما ذكره من الإشكال يختصّ باستصحاب الحكم الكلّي لا استصحاب الحكم الجزئي و ذلك لأنّه إذا انطبق الحكم الكلي على موضوع خارجي، أعني: الماء الموجود أمامنا فعندئذ يصير الموضوع هو الأمر الخارجي (لا الماء المتغير) فيصير محكوماً بالنجاسة. فتكون القضية الخارجية قضية متيقّنة قائمة مكان القضية الكلية و الموضوع فيها ليس هو عنوان المتغيّر أو العنب أو المتلبّس بالعلم بل هو الهوية الخارجية و هي بعد باقية و إن تغيّرت أوصافه و خصوصياته. فعند ذلك قد يشكّ في بقاء حكمه فيستصحب إلى أن يعلم زوال حكمه .نعم سبب الشكّ في بقاء الحكم الجزئي احتمال كون التغيّر حيثية تقييدية أو تعليلية فعلى الأوّل يكون الحكم منتفياً و على الثاني باقياً و كان التغير آناً مّا، يكون سبباًللنجاسة الدائمة، نعم لو قلنا بكونه حيثية تقييدية، يكون الحكم دائراً مداره. و مع الشكّ بين الأمرين يكون الحكم المترتب على الموجود الخارجي (الموضوع) مشكوك البقاء فيحكم بالبقاء . و منشأ الإشكال خلط الموضوع في لسان الدليل، بموضوع القضية المتيقّنة الخارجية. و


(1) المحاضرات: 1/257ـ 258 وقد أخذنا من كلامه ما يرتبط بالمقام.


(255)

سيوافيك تفصيله في تنبيهات الاستصحاب.

وبذلك يظهر جواز استصحاب الحكم الجزئي فيما إذا كان الشكّ في البقاء ناشئاًعن إجمال الموضوع كالمغرب فانّه مردّد بين كونه نفس استتار القرص أو هو مع ذهاب الحمرة المشرقية ، فلو شككنا بعد استتار القرص ـ و قبل ذهاب الحمرة ـ في بقاء وجوب صلاة العصر ووجوب الصوم فالموضوع أعني: النهار، منتف على الأوّل، و باق على الثاني، و مع ذلك يجوز الاستصحاب و ذلك لأنّ التردّد يضرّ باستصحاب الحكم الكلي المتوقّف على إحراز الموضوع (النهار) و هومردّد بين البقاء و عدمه، وأمّا استصحاب الحكم الجزئي ـ المتولّد من انطباق الكلّ على الخارج ـ فالموضوع ليس هوالنهار بل الزمان الموجود ـ الذي له بقاء في نظر العرف ـ فيشار إليه بانّ الإمساك فيه كان واجباً والأصل بقاءه و مثله وجوب صلاة العصر.

الأمر العاشر(1): في تحليل دعويين:

الدعوى الأُولى : يظهر من المحقّق النائيني الملازمة بين نظرية تركّب المشتق و وضعه للأعم و نظرية بساطته والقول بوضعه للأخص. قال إنّ الركن الوطيد على القول بالوضع للمركّب هو الذات وانتساب المبدأ إليها. و من المعلوم أنّ النسبة الناقصة لم يؤخذ فيها زمان دون زمان، و قد تبيّن عدم دلالة الأفعال على الزمان، فالمشتقات لا تدلّ عليه بالأولوية. ولذا كان المشهور بين القدماء القائلين بالتركيب هو الوضع للأعم و هذا بخلاف القول بوضعه لمعنى بسيط فانّ الركن في صدق المشتق بناء على البساطة هو نفس المبدأ، غاية الأمر أنّه ملحوظ بنحو يصحّ معه الحمل، ولا يكون مبائناً للذات بحسب الوجود، فيقوم الصدق بالمبدأ


(1) هذا الأمر ذكر لتحليل دعويين من المحقّق النائيني قدَّس سرَّه :
الأُولى : الملازمة بين البساطة و الوضع للمتلبّس، والتركّب و الوضع للأعم.
الثانية: عدم وجود الجامع بين المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ.


(256)

فإذا انعدم و انقضى فلا محالة لا يصدق العنوان الاشتقاقي إلاّ بالعناية.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: عدم الملازمة بين التركب و الوضع للأعم، و البساطة والوضع للأخص.

توضيحه:أنّه بعد تسليم أنّ الركن الركين على القول بالتركب هو الذات لكن يمكن ملاحظتها مع المبدأ غير الركن باحدى الصورتين التاليتين:

1ـ الذات المتلبسة أو الذات التوأمة.

2ـ الذات المنتسب إليها المبدأ.

فله أن يلاحظ الذات التوأمة مع المبدأ فلايصدق على الأعم كما له أن يلاحظ الذات مع صرف انتساب المبدأ إليها، واتّصافها به بلا خصوصية زائدة على نفس الانتساب و صرف الاتّصاف، فيصدق على الأعم.

وعلى هذا فالتركيب لا يلازم الوضع للأعم، وما أفاده من أنّ المشتق لا يدلّ على الزمان (زمان النطق أو زمان التلبّس) صحيح لكنّه لا يثبت ما رامه ضرورة أنّ المراد من الحال هو فعلية التلبّس و هو غير دلالته على الزمان، فالكلام في أنّ الواضع هل وضعه للذات التوأمة مع المبدأ أو وضعه للذات المنتسب إليها المبدأ، فلا ملازمة بين عدم الدلالة على الزمان و الوضع للأعم.

وأمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكره مبني على كون المشتق عين المبدأ و الفرق بينهما باللا بشرط و بشرط لا و على ذلك يكون الركن الركين هو المبدأ، و مع زواله لا معنى لصدقه.

وبعبارة أُخرى ما ذكر مبنيّ على أنّ المشتق بسيط غير منحلّ عقلاً إلى ذات و مبدأ بل هو نفس المبدأ لكن بنحو لا بشرط. و لكن سيوافيك أنّ المتبادر من المشتق ليس هذا بل المتبادر مفهوم وحداني ينحلّ إلى المعنون بعنوان المبدأ فعندئذ يقع


(1) أجود التقريرات: 1/75ـ 76.


(257)

الكلام في أنّ الموضوع له هل هو المفهوم الوحداني الذي لا ينطبق إلاّ على المعنون بعنوان المبدأ حدوثاً و بقاءً أو المفهوم الوحداني الذي يكفي في إنطباقه كونه معنوناً حدوثاً فقط و سيوافيك مزيد توضيح لذلك عند الكلام في أدلّة القائلين بالأخص.(1)

الدعوى الثانية

إنّ المحقّق النائيني أورد على القائلين بالأعم بأنّ القول به يحتاج إلى تصوير جامع بين المتلبّس و المنقضي ولا جامع بينهما يصدق عليهما صدقَ الطبيعي على أفراده و الكلّي على مصاديقه، فإذا لم يعقل وجود الجامع، فلامجال لدعوى الوضع للأعم.(2)

وقد استحسنه سيّدنا الأُستاذ ، وقال: «لا محيص للقائل بالأعم عن تصوير جامع بينهما، و إلاّ يلزم الاشتراك اللفظي أو كون الوضع عاماً و الموضوع له خاصّاً، و لو امتنع تصوير الجامع يسقط دعواه. و لكنّ الجامع غير موجود إذ الجامع الذاتي بين الواجد والفاقد غير موجود، و أمّا الجامع الانتزاعي فهو إمّا بسيط أو مركّب. والجامع البسيط على قسمين لأنّه إمّا جامع بسيط لا ينحلّ إلى شيئين و إمّا ينحل.

والأوّل غير معقول لعدم وجود جامع بسيط يتكفّل إفهام كلا المعنيين وإخراج المتلبّس فيما بعد والجامع البسيط المنحل إلى المركّب غير متصوّر إذ هو لابدّ أن ينتزع من الواقع، والانتزاع فرع صلاحية الواقع إذ كيف يصحّ انتزاع مفهوم بسيط منحل واحد من الواجد والفاقد، أمّا الجامع التركيبي التفصيلي فهو وإن كان ممكناً حتى يدخل المعنيان و يخرج الثالث لكنّه ممّا لا يرضى به القائل


(1) لاحظ الدليل الرابع للقول بالتلبس للمحقق الاصفهاني و ملاحظتنا حوله.
(2) أجود التقريرات: 1/78; والمحاضرات: 1/249.


(258)

بالأعم».(1)

ولا يخفى وجود الجامع الانتزاعي البسيط المنحلّ إلى المركّب، و يشار إليه بلفظ «المعنون» و هو ينحلّ عقلاً إلى ذات ثبت لها العنوان والمبدأ، فهيئة «الفاعل» وضعت للمعنون بالمبدأ المنحلّ إلى ما ذكر.

وما ذكره من أنّ صحّة الانتزاع فرع صلاحية الواقع له و أنّه لا يمكن انتزاع مفهوم واحد من الفاقد و الواجد، صحيح، لو كان من منشأ الانتزاع هو حيثية الفقدان و الوجدان، و لكن منشأ الانتزاع في كلا الموردين هو حيثية الوجدان، لأنّ القائل بالأعم يقول بأنّ ثبوت المبدأ للذات آناً مّا في التكوين، يوجب اتّصاف الذات بحيثية و هي تعنونها بمن ثبت له المبدأ، و هذه الحيثية الاعتبارية موجودة دائماً و إن زال عنها المبدأ.وهي المصحح لصدق المشتق و إن زال المبدأ، و الملاك للصدق هو هذه فالعنوان البسيط المنحلّ، ينتزع من هذه الحيثية الموجودة في المنقضي والمتلبّس كمالايخفى فالمعنى الجامع منتزع من الواجد، لامن الواجد والفاقد.

إذا عرفت ما ذكرناه من الأُمور العشرة، فاعلم أنّ الأقوال، و إن كانت متعدّدة لكن اللازم بالدراسة هو القولان و بما أنّ الحقّ عندنا هو وضع المشتق للمتلبّس ندرس دليله.

دليل القول بوضعه للمتلبّس

إنّ أسهل الطرق لإثبات القول المختار هو ما يلي:

الأوّل: إنّ مفهوم المشتق ليس هو تلوّن الذات بانحاء النسب، حتى يكون الركن الوطيد هو الذات سواء أبقي المبدأ أو انقضى، بل مفهومه هو تلوّن المبدأ بأنحاء النسب، وأنّ مفاهيم المشتقات منتزعة عن المبدأ باعتبار ألوان النسب


(1) تهذيب الأُصول: 1/114ـ 115 بتوضيح.


(259)

الحاصلة بينه و بين الذات، فتارة يلاحظ المبدأ بما أنّه منتسب إلى الذات بالصدور عنها، و أُخرى بالوقوع عليها، وثالثة بالثبوت فيها كما في الصفة المشبّهة، و رابعة بكونها ظرفاً له زماناً أو مكاناً، وعلى ذلك فالمشتقّ هو المبدأ الملحوظ مع الذات بنسبة خاصة، ومضاف إليها نحو إضافة و ما هذا شأنه يكون هو المحور، لاالذات، فالنسب المختلفة المتداولة، تصاغ من المبدأ و صحيحة عند الإضافة إلى الذات.

و إن شئت قلت: إنّ صوغ الصيغ المختلفة من مبدأ واحد تلاعب بالمبدأ لصوغه في قوالب مختلفة فكان المعاني تتوارد عليه و هو الذي يتجلّى بصور و أشكال، و ليس هنا تلاعب بالذات ولا صوغها بأشكال متنوعة و ما هذا شأنه لا يمكن غضّ النظر عنه عند الاستعمال.

و ما ذكرناه أمتن الأدلّة و هو واضح لمن رجع إلى أوّليات تحصيله، فانّ علماء الصرف والاشتقاق يحولون المبدأ(المصدر) إلى صور، لا الذات إلى صيغ و على هذا لا حاجة للتمسك بالتبادر ولا بصحّة السلب نعم كان المبنى عند القوم في تفسير المشتق، هو تلون الذات و تلبسها بأنواع النسب أخذوا يستدلون على القول بالأخص بالأدلّة التالية:

الثاني: التبادر إذ المرتكز عند أهل اللسان عند إطلاق المشتق هو المتلبّس بالمبدأ لا من هو كان متلبّساً فإذا قيل: صلّ خلف العادل أو أدّب الفاسق، أو إذا قيل: لا يصلين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون أو إذا قيل: الأعرابي لا يؤم المهاجرين(1) لا يفهم منه إلاّالمتلبّس بالمبدأ و هذا هو الظاهر في اللغات الأُخر.

و ليعلم أنّ محلّ النزاع ليس فيمالا يتصوّر فيه الانقضاء كالممكن، أو لا يتصور فيه الاستمرار و إن كان يتصوّر فيه التكرار كالسارق والزاني، بل محلّه هو ما يتصوّر فيه الاستمرار كالجالس والقائم والعادل، و على ضوء ذلك فلا يمكن


(1) الوسائل: الجزء 5، الباب الخامس عشر من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6.


(260)

الاستدلال بالأوّل على التلبّس إذ ليس له فرد آخر، كمالا يصحّ الاستدلال بالثاني على الأعم، إذ لا يتصوّر له الاستمرار، فلأجل ذلك يكون الإطلاقات فيها حسب الجري وزمان النسبة.

الثالث: صحّة سلب المشتق عمّن انقضى عنه المبدأ فيقال: زيد الناسي ليس بعالم و هي آية المجازية. و أورد عليه كما في الكفاية (1): أنّه إن أُريد بصحّة السلب صحّته مطلقاً، فغير سديد و إن أُريد مقيّداً فغير مفيد لأنّ علامة المجاز هي صحّة السلب المطلق. توضيحه: أنّ علامة المجازية هو سلب اللفظ بماله من المعنى عن المورد حتى يدلّ على أنّه ليس من مصاديقه مطلقاً، وأمّا سلب معنى خاص للفظ عن المورد فلا يدلّ إلاّعلى أنّه ليس من مصاديق ذلك المقيّد، وأمّا أنّه ليس من مصاديق المعنى على وجه الإطلاق فلا فإذا قلت ـ مشيراً إلى الرقبة الكافرة ـ أنّها ليست برقبة مؤمنة لا يدلّ على أنّها ليست برقبة أصلاً فعلى ذلك إذا قلت: زيد الناسي ليس بعالم الآن، يدلّ على أ نّه ليس من مصاديق المتلبس بالعلم في الآن و أمّا أنّه ليس من مصاديقه مطلقاً و لو باعتبار الانقضاء فلا.

وأجاب عنه بما هذا توضيحه من أنّ لفظ «الآن» يتصوّر على وجهين:

1ـ أن يكون قيداً للمسلوب فيقال: زيد الناسي ليس بعالم الآن.

2ـ أن يكون قيداً للسلب فيقال : زيد الناسي ليس الآن بعالم.

والفرق بينهما واضح لأنّه إذاكان الآن أو لفظ بالفعل قيد المسلوب يكون معناه أنّ زيد الناسي ليس مصداقاً للعالم بالعلم الفعلي و المبدأ الموجود بالفعل و من المعلوم أنّ القائل بالأعمّ لا يُنكره، و لكنّه يقول إنّه عالم بالفعل، باعتبار المبدأ المنقضي لا باعتبار المبدأ الفعلي و هذا بخلاف ما إذا كان الآن أو بالفعل مبدءاً للسلب، فمعناه أنّ زيد الناسي ليس الآن أو ليس ـ بالفعل ـ جزئياً من جزئيات العالم، لا باعتبار المبدأ المتحقق ولا المنقضي و هذا علامة المجازية.


(1) كفاية الأُصول : 1 / 71 ـ 72 .


(261)

وهذا الجواب مأخوذ ممّا ذكره الفلاسفة في مبحث تقدّم الحيثية على السلب أو تأخّرها عنه في قولهم: الماهية من حيث هي ليست إلاّ هي قال الحكيم السبزواري:

وقدّمن سلباً على الحيثية * حتّى يعمّ عارض الماهية

وأمّا بيان وجه الفرق بين التقديم و التأخير، فيطلب من محلّه.(1)

الرابع: ما أفاده بعضهم: لاريب في مضادّة الصفات المتقابلة المأخوذة من المبادئ المتضادّة على ما ارتكز لها من المعاني، فلو كان المشتق حقيقة في الأعم لماكان بينها مضادّة بل مخالفة، لتصادقها فيما انقضى عنه المبدأ وتلبس بالمبدأ الآخر.(2)

و إن شئت قلت: إنّ فرض الوضع للأعم، يستلزم صدق الضدّين على موضوع واحد، فلو كان زيد جالساً أمس و قائماً اليوم، للزم صدق كلا الوصفين.

وأورد عليه المحقّق الرشتي بعدم التضادّ على القول بوضعها للأعم(3) و أجاب عنه في الكفاية بأنّ المرتكز التضادّ بينها كما في مباديها.(4)

يلاحظ على الاستدلال بوجهين:

1ـ إنّه يرجع إلى التبادر و ليس دليلاً مستقلاً و ذلك أنّ الحكم بالتضاد بين المشتقّين بأنّهما من الأُمور غير القابلة للجمع فرع إحراز معنى كلّ بالتبادر، و أنّ المتبادر من كلّ واحد هو تلبّس الموضوع بالمبدأ، وعندئذ يحكم العقل بعدم صحّة اجتماعهما. فالحكم بالتضادّ متأخّر عن إحراز المعنى بالتبادر، ومعه لا حاجة إلى دليل آخر.

2ـ إنّ الأعميّ لا يسلم التضاد إلاّبين المبدأين لا بين العنوانين، فصدق


(1) لاحظ شرح المنظومة، ص 89.
(2) الكفاية: 1/69.
(3) البدائع، ص 181.
(4) الكفاية:1/69ـ 70.


(262)

الأبيض والأسود لا يستلزم إلاّ اجتماع العنوانين من غير ملازمة بين صدقهما و اجتماع المبدأين.

الخامس: ما أفاده المحقّق الاصفهاني قدَّس سرَّه من أنّ مفهوم المشتق بسيط، سواء أكانت البساطة على نحو ما يراه القدماء من اتّحاد المبدأ والمشتق ذاتاً واختلافهما اعتباراً، أو كانت على نحو ما يساعده النظر من كون مفهوم المشتق صورة مبهمة متلبّسة بالقيام على نهج الوَحدانية وعلى كلا النظرين لا يعقل الوضع للأعم. أمّا على الأوّل فالوصف نفس المبدأ و مع زواله لا معنى لصدقه، وأمّا على الثاني فلأنّ مطابق هذا المعنى الواحداني ليس إلاّ الشخص على ما هو عليه من القيام مثلاً، ولا يعقل معنى بسيط يكون له الانتساب حقيقة إلى الصورة المبهمة المقوّمة لعنوانية العنوان، و مع ذلك يصدق على فاقد التلبّس.(1)

يلاحظ عليه بأمرين:

1ـ إنّه لا تصل النوبة إلى هذا الدليل بعد التبادر لأنّ الإذعان ببساطة المشتق وتركّبه و ما يترتّب عليهما كلّها يحصل بالتبادر، فعندنا النتيجة المطلوبة تحصل و لا تصل النوبة إلى هذا الدليل العقلي.

2ـ إنّ مطابق المعنى الوحداني في الضارب يمكن أن يكون من قام به الضرب، حدوثاً و بقاءً أو حدوثاً فقط، و بعبارة أُخرى لا كلام في وحدانية المعنى، إنّما الكلام في أعميّة المنطبق أو أخصيّته.

هذه الوجوه الخمسة هي المهمّة، و للقوم أدلّة أُخرى في هذا المضمار يعلم حالها ممّا ذكرناه.

ب: أدلّة القول بالأعم

استدل القائل بالأعم بوجوه:


(1) نهاية الدراية:1/81.


(263)

الأوّل: التبادر، وقد عرفت خلافه و أنّ المتبادر من قول القائل: «لا تصلّ خلف الفاسق» و أمثاله، هوالمتلبّس وادّعاء وجود القرينة في بعض الموارد ـ و إن كان محتملاً ـ لكن ليس كلّ مورد كذلك.

أضف إليه أنّك قد عرفت أنّ الصيغ المشتقّة من المصدر تلاعب بالمبدأ لابالذات.

الثاني: عدم صحّة السلب في المقتول والمضروب في من قتل وضرب و انقضى عنه المبدأ.

يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد منهما، من وقع عليه المبدأ بوجوده الحدوثي فلا نسلّم صدقهما على من انقضي عنه المبدأ، و إن أُريد منهما الأثر الباقي بعد القتل والضرب، فلا يكون التلبّس منقضياً، وإن كان ذلك يوجب استعمال المبدأ في المعنى المجازي.

و الظاهر أنّ أكثر الإطلاقات في الجمل والتراكيب بلحاظ ثالث، و هو كون زيد مضروباً بلحاظ حال التلبّس كمالا يخفى. خصوصاً في المقتول فانّ عدم كونه قابلاً للتكرار قرينة على أنّ الإطلاق بلحاظ حال التلبّس و الجري، و مثله السارق و الزاني فانّ عدّ كونهما قابلين للاستمرار قرينة على أنّ الإطلاق بهذا اللحاظ.

الثالث: هو استدلال الإمام بآية الابتلاء على عدم صلاحية الخلفاء الثلاث لاشغال منصب الإمامة بعد رحلة الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و إليك الآية و نصّ الإمام و كيفية الاستدلال قال سبحانه:

(و إذْ ابْتَلى إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأتَمَّهُنَّ قالَ إِنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا ينالُ عَهْدي الظالِمينَ) (1)

وفي الآية جهات مهمّة للبحث نشير إليها: 1ـ ما هو الغرض من ابتلاء


(1) البقرة:124.


(264)

الأنبياء؟ ،2ـ كيف كان ابتلاء إبراهيمعليه السَّلام ؟ 3ـ ما هو المراد من الكلمات؟ ،4ـ ما هو المراد من الإتمام؟ 5ـ ما هو المراد من جعله إماماً، ـ بعد ما كان نبيّاً و رسولاً ـ ؟6ـ ما هو المقصود من العهد المنسوب إليه سبحانه و كيف تكون الإمامة عهد الله؟ 7ـ كيف تدلّ الآية على عصمة الإمام؟ و قد حقّقت هذه الأُمور في موسوعة «مفاهيم القرآن».(1)

2ـ وأمّا استدلال الإمام بالآية فقد روى الصدوق عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في تفسير قوله (لا ينال عهدي الظالمين) : أنّ الإمامة لا تصلح لمن عبد وثناً أو صنماً أو أشرك بالله طرفة عين، و إن أسلم بعد ذلك، و الظلم وضع الشي ء في غير موضعه، وأعظم الظلم الشرك بالله قال اللّهتعالى: (إِنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(لقمان/13).(2)

3ـ وأمّا كيفية الاستدلال فلأنّه مبني على صغرى مسلّمة وكبرى قرآنية.

أمّا الصغرى: هؤلاء كانوا ظالمين.

وأمّا الكبرى: والظالمون لا تنالهم الإمامة.

فينتج: هؤلاء لا تنالهم الإمامة.

وإنّما يصحّ توصفيهم بعنوان الظالمين عند التصدي إذا قلنا بوضع المشتق للأعم بحيث يصدق على المتلبّس بالمبدأ و المنقضي عنه حتى يصحّ عدّهم من الظالمين حين تصدُّوا للخلافة وقد انقضى المبدأ و لو قلنا بوضع المشتق على المتلبّس تبقى الكبرى بلا صغرى إذ لا يصحّ أن يقال: هؤلاء كانوا ظالمين عند التصدّي بل يجب أن يقال: كانوا ظالمين قبل التصدّي،، وأمّا بعده فقد صاروا موحدين.


(1) شيخنا السبحاني: مفاهيم القرآن:5/197ـ 259.
(2) البحراني: البرهان:1/149.


(265)

والجواب ; أنّ الاستدلال على عدم صلاحيتهم للإمامة، كما يصحّ على القول بالوضع للأعم، كذلك يصحّ على القول بوضعه للأخص، أمّا الأوّل فكما عرفت، فيقال إنّهم عند التصدي كانوا ظالمين حقيقة و من مصاديقهم قطعاً، لأنّ مصاديقهم غير منحصرة بالمتلبّس، بل يعمّه و المنقضي عنه المبدأ.

أمّا على الثاني أي كونه موضوعاً لخصوص المتلبّس، فوجه الاستدلال غير مبني على كونهم من مصاديق الظالمين حين التصدّي، بل على أساس آخر و إن لم يكونوا منهم حين التصدّي وهوالقرائن الدالّة على أنّ الإمامة منصب إلهي، يجب أن يكون المتصدّي لها بريئاً من الشرك، مطلقاً، حدوثاً و بقاءً أو حدوثاً فقط و ذلك لأنّ الإمام هو المتصرّف في النفوس و الأعراض والأموال أوّلاً، وهو الهادي و مخرج الناس من الضلالة إلى الهداية ثانياً لقوله سبحانه:(وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) (الأنبياء/73) والمتصدي لذلك المقام يجب أن يكون نزيهاً من كلّ شين، من لدن بلوغه إلى آخر حياته.

فهذه الرسالة الموضوعة على عاتق الإمام تدلّ بوضوح على لزوم طهارته عن كلّ عيب و شين، وأنّ اقترانه بالمعصية ولو آناً ما يسقطه عن الصلاحية واستدلال الإمام على عدم صلاحيتهم مبني على تلك النكتة لا أنّهم كانوا ظالمين حين التصدي.

وبعبارة أُخرى: أنّ استدلال الإمام ليس مبنياً على صدق المشتق عليه حين التصدي حتى يكون دليلاً على كون المشتق موضوعاً للأعم، وإنّما الاستدلال مبني على عظمة المناصب الإلهية وأنّه يجب أن يكون المتلبّس بها أُسوة و قدوة للناس طيلة حياته، منزّهاً عن كلّ ما يوجب تنفّر الناس منه و تباعدهم عنه، مجتمعة فيه عوامل النفوذ والجذب، و لا يتحقّق ذلك إلاّ بتباعده عن ألوان الشرك والأعمال القبيحة طوال عمره. حيث إنّ الناس يتنفّرون عن مرتكب هذه الأعمال، و تتأبى النفوس عن الانقياد و الخضوع له، و إن تاب و طهر، فلا يناله ذلك المنصب و إن


(266)

لم يصدق عليه ذلك العنوان.

والاستدلال ليس مبنياً على الظهور الوضعي حتّى يقال إنّه لا يجامع القول بالوضع للمتلبّس بل بقرينة المقام و عظمة المنصب.

ثمّ إنّ في الآية قرائن تدلّ على ذلك وأنّ التلبس آناًما يوجب المحرومية.

1ـ الإتيان بالظالمين بصيغة اللام و الجمع الدالتين على الاستغراق، ولا يصحّ حمل اللام على العهد لأنّه إنّما يصحّ إذا كان إخباراً عمّا مضى، لا عمّا يأتي. وقد خاطب سبحانه نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قبل أن يتولّد الظالمون فيشمل كلّ من يصدق عليه الظالم من غير فرق بين كونه ظالماً حين التصدي أو قبله، وبعبارة أُخرى إذا شمل عابد الوثن حين العبادة له، يحكم عليه بالحرمان، و إن زال عنه العنوان و لم يصدق عليه بعد الزوال.

2ـ لفظ (لا ينال) الدالّ على النفي المطلق من غير توقيته بوقت خاص و معناه: لا ينال عهد الله من تلبّس بالظلم، أبداً.

3ـ ثمّ إنّ هنا قرينة تالية تدلّ على أنّ الحرمان لا يختصّ بالمتلبّس بل يعمّ المنقضي عنه المبدأ و هو عبارة عن إمعان النظر، في حالات الذرية الّتي طلب إبراهيم لهم الإمامة و بتحديد أحوالهم، تعرف الذرية التي طلب الخليل، ذلك المنصب لهم. وقد أشار إلى ذلك السيّد الطباطبائي في ميزانه ناقلاً إيّاه عن بعض مشايخه.(1)

وحاصله: أنّ الناس بحسب التقسيم العقلي على أربعة أقسام: من كان ظالماً في جميع عمره، و من لم يكن ظالماً في جميع عمره، و من هو ظالم في أوّل عمره دون آخره، ومن هو بالعكس، هذا. و إبراهيم أجلّ شأناً من أن يسأل الإمامة


(1) وهو العلاّمة السيد علي القاضي الطباطبائي ذلك العارف الكامل المتوفى عام 1365 هـ ق، أوالحكيم الالهي السيد حسين البادكوبي المتوفى عام 1358هـ ق، وقد حكى بعض الأصدقاء أنّه سأل العلاّمة الطباطبائي عن المراد من هذا الشيخ فأجاب بالثاني، لاحظ الميزان: 1/277.


(267)

للقسم الأوّل والرابع من ذريّته، فيبقى القسمان الآخران، و قد نفى الله أحدهما ، وهو الذي يكون ظالماً في أوّل عمره دون آخره، فبقي الآخر و هو الذي يكون غير ظالم في جميع عمره.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أتى بجواب ثان و هو أنّ الإطلاق باعتبار حال التلبّس فلاحظ.(1)

خاتمة المطاف:

في ثمرات المسألة الفقهية

البحث عن كون المشتق موضوعاً للمتلبّس أو الأعم ليس عادم الثمرة بل المتتبع يجد في أبواب الفقه ثمرات لها و ذلك فيما إذا كان موضوع الحكم مشتقاً، له حالتان حالة التلبّس وحالة الانقضاء عن المبدأ، فهل يختصّ الحكم بالمتلبس أو يعمّ الحالة الثانية و إليك بعض الأمثلة:

1ـ قال رجل لعلي بن الحسين عليمها السَّلام : أين يتوضأ الغرباء؟ قال: تتقي شطوط الأنهار، و الطرق النافذة و تحت الأشجار المثمرة...(2) فعلى التلبّس يختص الحكم بما إذا كان مثمراً و لو بالقوة بخلاف القول بالأعم فيشمل حتى الشجرة اليابسة الساقطة عن التوريق والإثمار.

2ـ قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون و المحدود وولد الزنا و الأعرابي لا يؤم المهاجرين.(3)

3ـ عن أبي عبد الله ـ عليه السَّلام ـ : في المرأة إذا ماتت و ليس معها امرأة تغلسها،


(1) كفاية الأُصول: 1/76.
(2) الوسائل: الجزء 1، الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1، ولاحظ أحاديث ، الباب تقف على حقيقة الحال.
(3) الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 6.


(268)

قال: يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها إلى المرافق(1) فلو قلنا بكون المشتق حقيقة في المنقضي يجوز للزوج المطلّق لها، التغسيل عند فقد المماثل.

وربّما يمثل بالماء المشمَّس أوالمسخَّن، ولكن الوارد في لسان الأدلّة، التعبير عنه بصيغة الفعل لا بصيغة المشتق فقد ورد عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: الماء الذي تسخّنه الشمس لا تتوضأوا به ولا تغسلوا به ولا تعجنوا به فإنّه يورث البرص.(2)

مسائل في المشتق

1
الأُولى : في بساطة مفهوم المشتق و تركّبه

في المسألة أقوال ثلاثة:

القول الأوّل: ما عن المحقّق الشريف في تعليقاته على شرح المطالع(3) من أنّ المشتق هو المبدأ مع النسبة من غير أخذ الذات، و خالف الشارحَ في ادّعاء التركيب.

القول الثاني: إنّ المشتق غير المبدأ جوهراً لكنّه بسيط لفظاًو دلالة و مدلولاً في مقابل الجمل المركّبة، مثل قولنا: «زيد له الضرب» فهي جملة مركّبة لفظاًو دلالة و مدلولاً، لكن المشتق منحلّ عند التعمّل إلى أُمور ثلاثة: ذات و عنوان واتّصاف، في مقابل الجوامد التي هي بسائط في المراحل الثلاث وغير منحلّة إليها عند التعمّل وقد اختاره المحقّق الاصفهاني و سيّدنا الأُستاذ ـدام ظلّهـ .

القول الثالث: إنّ مفهوم المشتق مشتمل على المبدأ والنسبة و الذات مستدلاً صاحبه بما روى عن أهل العربية من وضع المشتق للذات المنسوب إليها


(1) الوسائل: الجزء 2، الباب 24 من أبواب غسل الميت، الحديث 8.
(2) الوسائل: الجزء 1، الباب 6 من أبواب الماء المضاف ، الحديث 2.
(3) شرح المطالع: 11.


(269)

المبدأ.

ثمّ إنّ ما نقل عن المحقّق الدواني من دعوى الاتّحاد بين مفاهيم المشتقات ومباديها، يرجع حاصله إلى دعوى الاتّحاد بين خصوص العرض (البياض)و العرضي (الأبيض)، لا كلّ مشتق و مبدئه الحقيقي و لأجل ذلك تركنا التعرّض لكلامه و دليله في المقام، لأنّه خارج عن محطِّ البحث. وستوافيك الإشارة إليه في آخر البحث.

ما هو محلّ النزاع

هل محور النزاع في البساطة والتركيب هو مفهومه الابتدائي و كأنّ التركيب في مفهومه الانحلالي أمر مسلّم، أو أنّ النزاع فيهما راجع إلى مفهومه الانحلالي فمن قائل بالبساطة و من قائل بالتركيب فيه .

والظاهر من المحقّق الخراساني هو أنّ النزاع في بساطة مفهوم المشتق وتركّبه إنّما هو في مفهومه الابتدائي لا في مفهومه الانحلالي.(1) و لكن الظاهر من عبارة صاحب شرح المطالع هوالثاني كما يعرب عنه قوله في شرح المطالع أنّ الخاصة أو الفصل و إن كانت في بداية الأمر وبالنظر السطحي أمراً واحداً، إلاّ أنّها في الواقع و بالنظر الدقيق تنحلُّ إلى أمرين ذات و مبدأ فالناطق ينحلّ إلى ذات و نطق، وكذا الضاحك» الخ(2)، فالتركيز على التركيب التحليلي يعرب عن كونه محط النزاع.

ما هو المختار في معنى بساطة المشتق

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المختار هو النظر الثاني.

بيانه: أنّ المشتق بسيط لفظاً و دلالة و مدلولاً، في مقابل الجمل التي هي مركّبة لفظاً و دلالة و مدلولاً. لكنّه ينحلّ عند العقل إلى أُمور ثلاثة: ذات و عنوان


(1) كفاية الأُصول: 1/82.
(2) شرح المطالع، 11.


(270)

واتّصاف، في مقابل الجوامد التي هي بسائط في المراتب الثلاث، وغير منحلّة إليها عند التعمّل.

توضيحه: أنّ القوة الإدراكية ربّما يدرك الذات بلا عنوان، كما أنّها ربّما يدرك العنوان لا مع الذات. و قد وضعت الجوامد للأوّل، كما أنّ المصادر وضعت للثاني. و ربّما تدرك الذات مع العنوان ، كما هو مبنى المحقّق الخراساني من انتزاع المشتق من الذات المتّصفة بالعنوان، أو تدرك العنوان مع الذات كما هو التحقيق من أنّ المشتق هو العنوان المنتسب إلى الذات، وأنّ الصيغ كلّها تلاعب بالمبدأ. و القسمان الأخيران، أي إدراكهما معاً على القسمين، فقد تلاحظ فيه الذات والعنوان والاتصاف على وجه التفصيل بحيث يتعلّق بكلّ من الذات، و العنوان، إدراك مستقل، فهذه هي المركّبات التفصيلية. و قد يكون الذات والعنوان مدركين بما أنّهما شيء وحداني، وبإدراك واحد، فهذا هو المشتق، فهو حاك لا عن الذات فقط ولا عن العنوان فقط و لا عن الذات و العنوان تفصيلاً، بل عن المعنون بما هو مفهوم واحد منحّل عند التعمل إليهما ، لا عند الإطلاق.

ففي المركّب التفصيلي: ألفاظ ودلالات و مدلولات تفصيلية، بخلاف المشتق ففيه لفظ ودلالة و مدلول واحد، لكنّها تنحلّ إلى ألفاظ ودلالات و مداليل عند التعمل

هذا هو المتبادر من المشتق ولا نحتاج في إثباته إلى أكثر من ملاحظته في اللغة العربية و معادلاتها في الألسنة الأُخرى، فلاحظ الكاتب والضارب مع «نويسنده» و «زننده» في لغة الفرس.

هذا ما ندّعيه من البساطة ، و إن كان تحليله إلى ذات و نسبة و عنوان ممّا لا إشكال فيه، فالمشتق حسب الإدراك الابتدائي بسيط و إن كان حسب التلحيل مركّباً.

استدل على بساطة المشتق وخروج الذات عنه في المرحلتين: الابتدائية


(271)

والتحليلية بأدلّة منها ما ذكره السيد الشريف.

الدليل الأوّل على بساطة المشتق

دخول الذات في المشتق يستلزم أحد المحذورين إمّا دخول العرض العام في الفصل إذا كان الداخل مفهوم الشيء في قولنا: «الإنسان ناطق»، و انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية إذا كان المأخوذ مصداق الشيء في قولنا: «الإنسان ضاحك»، إذا قلنا بأنّه بمعنى «الإنسان، إنسان ضاحك» بل يلزم عندئذ دخول النوع في الفصل أو في لازم الشيء و خاصّته وهو باطل سواء أكان الناطق فصلاً أم عرضاً خاصاً.

وقد أُجيب عن الشقّ الأوّل بوجوه:

1ـ ما عن صاحب الفصول من أنّا نختار الشق الأوّل و هو أخذ مفهوم «الشيء»، و لكن جعله فصلاً، مبني على تجريده عن مفهوم الشيء.

و فيه أنّ الظاهر جعله فصلاً بماله من المفهوم من دون تجريد.

2ـ ما عن المحقّق الخراساني من أنّ الناطق ليس فصلاً حقيقياً بل من أظهر خواص الإنسان، و لذا ربما يجعلون لازمين و خاصّتين مكان فصل واحد، فيعرفون الحيوان، بأنّه حسّاس متحرّك بالإرادة مع أنّ الشيء الواحد لا يكون له إلاّ فصل واحد.

والوجه في عدم كون الناطق فصلاً حقيقياً، هو أنّ المبدأ للناطق لو كان هو النطق بمعنى التكلّم فهو كيف محسوس، وإن كان بمعنى التفكر ودرك الكليّات فهو كيف نفساني على القول بأنّ العلم من مقولة الكيف.

3ـ والأولى في الجواب أن يقال: إنّ الفصل الحقيقي للإنسان هو النفس، غير أنّ الناطق عنوان وصفي لهذاالفصل الحقيقي و من أظهر خواصه، فلمّا كانت حقيقة الفصل مجهولة لنا، أُشير إلى توضيحه بالعنوان الوصفي كما لا يخفى.


(272)

الكلام حول الشقّ الثاني لكلام الشريف

هذا كلّه حول الشقّ الأوّل، وأمّا الشقّ الثاني فقد أجاب عنه صاحب الفصول بإمكان القول بدخول المصداق في المشتق، ولا يلزم الانقلاب لأنّ المحمول ليس مصداق الشيء والذات وحده، بل مقيّداً بالوصف و ليس ثبوته للموضوع حينئذ بالضرورة لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضرورياً.(1)

وأورد عليه صاحب الكفاية(2) بأنّ عدم كون ثبوت القيد ضرورياً لا يضرّ بدعوى الانقلاب بل يتحقّق الانقلاب على كلّ تقدير و ذلك لأنّ المحمول يتصوّر على وجهين:

الأوّل: أن يكون المحمول في قولنا: الإنسان كاتب هو مصداق الشيء أعني: الإنسان، ويكون القيد ـ أعني الكتابة ـ خارجاً والتقيّد داخلاً، لكن بالمعنى الحرفي أي بما أنّه عنوان مشير ومعرف للموضوع لا جزء له، كقولك:«هذا زيد الذي سلّم عليك اليوم»، ففي هذه الصورة يكون ثبوت الخبر ضرورياً، و يثبت الانقلاب الذي يدّعيه الشريف.

الثاني: أن يكون المحمول بما هو مقيّد محمولاً مع كون القيد والتقيّد داخلين، فعند ذلك قضية الإنسان كاتب تنحلّ إلى قضيتين:

الأُولى: قولنا: «الإنسان إنسان».

الثانية: قولنا: الإنسان له الكتابة.

و القضية بالاعتبار الأوّل ضرورية، و بالاعتبار الثاني ممكنة. هذا توضيح ماأفاده المحقّق الخراساني.


(1) قال شيخنا الأُستاذ ـ مدّظلّه ـ: الحقّ انّ هذا الكلام متين جدّاً و ما أورد عليه في الكفاية أو ما تنظر به نفس صاحب الفصول في هذا الكلام ليس بتامّ.
(2) كفاية الأصول: 1/79ـ 80.


(273)

يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ الوجه الأوّل أيضاً يتصوّر على وجهين، يلزم الانقلاب على أحد الوجهين دون الآخر و إليك بيان كلا الوجهين في الأوّل.

1ـ إنّ المحمول هو ذات المقيّد، و القيد خارج و التقيّد داخل بالمعنى الحرفي بمعنى عدم دخالة التقيّد أصلاً فيرد عليه أنّه يوجب انقلاب الحمل الشائع الصناعي إلى حمل أوّلي، و هو خلاف المفروض إذ ليس المراد إفادة كون الإنسان إنساناً، بل المقصود شيء آخر و هو كون الإنسان كاتباً. وكون القضية موجهة بجهة الإمكان إنّما هو بالاعتبار الثاني، لا الاعتبار الأوّل. وعلى هذا، فهذا الشقّ أي كون المحمول ذات الإنسان فقط، خارج عن المفروض، وإن كانت جهته هي الضرورة.

2ـ مدخلية التقيّد، دون القيد فالمحمول هو الإنسان المتقيّد بالكتابة و عندئذ يلزم الانقلاب إذ ليس المحمول ذات الإنسان بل الإنسان المتّصف بوصف الكتابة فهو أمر إمكاني لا ضروري.

ويلاحظ على الوجه الثاني أي و مدخلية الكتابة قيداً وتقيّداً فهو أيضاً يتصوّر على وجهين:

1ـ أن يكون المحمول أمراً مركّباً و على هذا لا يلزم الانقلاب، لأنّ ثبوت المركّب للموضوع إمكاني.

2ـ أن يكون كلّ من المقيّد والقيد خبراً مستقلاً من باب الخبر بعد الخبر مثل قولك: الرّمان حلو، حامض فيلزم في مورد المثال وجودمحمولين أحدهما: «إنسان»، والآخر: «إنسان له الكتابة» و كون القضية حسب الأُولى موجهة بجهة الضرورة. والأُخرى موجهة بجهة الإمكان، و إن كان صحيحاً حسب التحليل ، لكن جهة القضية ليست تابعة إلاّ لما هو المقصود، و ليست القضية الأُولى مقصودة لأنّها قضية بالحمل الأوّلي، بل المقصود هو الإنسان إنسان له الكتابة، و هذه القضية، هي المقصودة ، و الجهة فيها إمكانية،ولا يلزم أيّ انقلاب فيها.


(274)

و حصيلة البحث أنّ دليل الشريف على نفي دخول الذات في المشتق، بحجّة أنّه يلزم أحد الأمرين إمّا دخول العرض العام في الفصل أو انقلاب الممكنة إلى الضرورية، أمر غير صحيح، أمّا الأوّل فلما عرفت من أنّ الناطق ليس بفصل، وقد اتّفق فيه العلمان بنوع، غير أنّ الأوّل جرّده عن الذات ثمّ جعله فصلاً وأنكر الثاني كونه فصلاً، و أمّا الثاني، أعني: الانقلاب فهو بين ما يلزم فيما ليس بمقصود من القضية، أو لا يلزم أبداً سواء قلنا بأنّ القيد خارج و التقيّد داخل أو قلنا بدخول كليهما و عرفت أنّ كلّ واحد يتصوّر على وجهين.

عدول صاحب الفصول عن نظره

ثمّ إنّ صاحب الفصول تنظّر في ما أفاده سابقاً وعدل عنه و أتى بكلام غير لائق بساحته ولو لم يذكر هذا النظر، كان أحسن، حيث إنّه ردّ أولاً دليل الشريف بأنّه لو أخذ مصداق الشيء لزم الانقلاب، بقوله بأنّ المحمول ليس مصداق الشيء بل مقيّداً بالوصف و ليس المجموع ضرورياً ثمّ تنظر في ردّه هذا و صار بعد تنظره موافقاً للشريف.

وخلاصة النظر أنّ الموضوع لا يخلو عن أحد أمرين إمّا أن يكون بشرط المحمول فيصدق الإيجاب بالضرورة وإمّا أن يكون بشرط عدمه فيصدق السلب بالضرورة. وعلى كلّ تقدير فقد جاء الانقلاب الذي ادّعاه الشريف من طريق آخر. فقوله: انّ الذات المأخوذ الخ، المراد منه هو المسند إليه حسب ما فهمه المحقّق الخراساني وساق الإشكال على هذا المنوال.(1)

وردّه في الكفاية بأنّ الملاك في جهة القضية هو لحاظ المحمول و نسبته إلى


(1) قال شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ نحن تبعنا في تفسير نظر الفصول لما فهمه المحقق الخراساني من كلامه، و إن كان لكلامه توجيه آخر ضربنا عنه صفحاً، وكأنّ النسخة الموجودة عند صاحب الكفاية كانت مغلوطة ففسر كلامه بما في المتن والظاهر أنّ مقصوده غير ما فهمه، و التفصيل موكول إلى محلّ آخر.


(275)

الموضوع هو هو، لا مشروطاً بوجود المحمول ولا مشروطاًبعدمه.

على أنّ الانقلاب الذي ادّعاه الشريف لا يرتبط بالانقلاب الذي ادّعاه صاحب الفصول فانّ ملاك الانقلاب فيما ادّعاه الشريف هو دخول الذات (الإنسان) في المشتق، لا أخذ المحمول في ناحية الموضوع و لكن ملاك الانقلاب فيما ذكره الفصول، هو أخذ المحمول في الموضوع لا أخذ الذات في المشتق، فأيّ ربط بالانقلابين حتى يؤيّد قول الشريف بما تنظّر به.

إلى هنا تمّ تحليل الدليل الأوّل.

الدليل الثاني لبساطة المشتق

هذا الدليل ذكره صاحب الفصول ملهماً به من دليل الشريف حيث إنّ الشريف أتى بقضية منفصلة و قال: لو كان المأخوذ مفهوم الشيء يلزم دخول العرض العام في الفصل و لو كان المأخوذ مصداقه يلزم الانقلاب، وقد انتقل منه إلى أمر آخر، و هو أنّ الانقلاب غير منحصر بأخذ المصداق فيه، بل يلزم من أخذ مفهوم الشيء أيضاً فيه، لأنّ الشيئية أمر ضروري للإنسان.

يلاحظ عليه; بمثل ما لوحظ هو قدَّس سرَّه على كلام الشريف في الشقّ الثاني و قد أوضحناه و حاصله: أنّ المحمول ليس الشيئية المطلقة، بل المتقيّدة بالكتابة و هي ليست بضرورية.

وبذلك ظهر أنّ الغلق الموجود في عبارة الكفاية ناش من عدم نقله كلام الفصول و إنّما ردّه بلا نقل فلاحظ.(1)

الدليل الثالث على بساطة المشتق

لو كان الشيء داخلاً فيه بمفهومه أو مصداقه، للزم تكرار الموصوف في


(1) المقصود قوله:«و قدا نقدح بذلك عدم نهوض ما أفاده...».


(276)

قولنا: زيد الكاتب.

يلاحظ عليه: بأنّ المأخوذ فيه هو مفهومه المعرّى عن كلّ قيد ماعدا قيام المبدأ، ولا تعيّن له بالانطباق على ذوات معيّنة في الخارج كزيد وعمرو و عليه لا يلزم التكرار في مثل قولنا: زيد قائم و الإنسان كاتب.

وبعبارة أُخرى إنّما يلزم التكرار لو كان الذات مأخوذاً على نحو التفصيل ولا أظنّ أنّ القائل بالأخذ يعتقد به، لا ما إذا كان مأخوذاً على نحو الإجمال الذي سبق بيانه و يأتي توضيحه.

الدليل الرابع على بساطة المشتق

إنّ المادة في المشتق تدلّ على نفس الحدث، و الهيئة من الدوال الحرفية، فيجب أن يكون مدلولها معنى حرفياً لا اسمياً، وليس هو إلاّ نسبة الحدث إلى الذات بحيث تكون نفس الذات خارجة و التقيّد داخلاً. والقول بأنّ المشتق موضوع للذات المتلبّسة، قول بدلالة الدوال الحرفية على المعنى الاسمي، وهو غير تام. فانتزاع المشتق من الذات المتلبّسة و دلالته عليها أشبه شيء بدلالة الدوال الحرفية على المعاني الاسمية.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال إنّما يتمّ لو قلنا بدخول الذات على وجه التفصيل في ذات المشتق، و أمّا لو قلنا إنّ المتبادر منه شيء بسيط، لا الذات وحدها، و لا العنوان وحده، ولا النسبة وحدها، بل شيء بسيط ينحلّ لدى التحليل إلى أُمور ثلاثة، و ذاك البسيط القابل للانحلال هو المعنون.

هذا و قد عرفت الحقّ في معنى المشتق وعرفت ما هو المتبادر منه.

ثمّ إنّ هنا وجوهاً أُستدل بها على خروج الذات عن المشتق ، كلّها تبعيد للمسافة، فانّها من قبيل إثبات اللغة بالأدلّة العقلية، و هي ليست طريقاً ذُلُلاً، بل الطريق المعبّد في هذه المباحث هو التمسّك بما يتمسّك به في سائر الموارد.


(277)

والحقّ في مفهوم المشتق ما عرفته في صدر التنبيه من أنّ المشتق واقع بين الجوامد والمبادي، فالأُولى تدل على الذوات وحدها و الثانية تدل على الأحداث وحدها، وأمّا المشتق فيجمع بينهما، أي يدلّ على المعنون بالعنوان، لكن بلفظ واحد، ودلالة واحدة، ومدلول واحد، بحيث لدى التحليل، ينحلّ إلى قولنا:«زيد شيء له الكتابة»، الذي هو كثير لفظاًو دلالة و مدلولاً.

وبذلك اتضح أنّ البسيط في منهجنا، غير البسيط في منهج الشريف فانّ بساطة المشتق عنده هو إخراج الذات عن مفاد المشتق، ابتداءً وتحليلاً، وأنّ المشتقلا يدل إلاّ على الحدث المنتسبب ليصلح للحمل في مقابل المصدر الذي يدلّ على نفس الحدث (على مبناه) وأمّا البساطة عندنا فهو بمعنى أنّه لا يتبادر منه إلاّمفهوم واحد، لا هو الذات، ولا النسبة الناقصة، ولا المبدأ بل عصارة الأُمور الثلاثة، لكنّه لدى التحليل ينحلّ إليها بألفاظ و دلالات و مدلولات كثيرة.

الثانية: في الفرق بين المشتق و مبدئه

إذا قلنا بانّ الذات مأخوذ في مفهوم المشتق ابتداءً، أو انحلالاً ـ على النحو الذي عرفت ـ فالفرق بينهما أوضح من أن يخفى إذ المشتق على القول الأوّل موضوع لكلّ ذات قام به المبدأ فالذات مدلوله الابتدائي وأين هو من المبدأ الذي لا يدلّ إلاّعلى صرف الحدث، و على القول الثاني موضوع على المعنون الذي ينتهي عند التحليل إلى ذات، ثبت له العنوان، وأين هو من المبدأ الذي لا ينحلّ إلى شيء و شيء، و على هذين القولين لا حاجة إلى البحث عن الفرق بينهما إذ لا قدر مشترك حتى يحتاج إلى الفارق.

إنّما الكلام فيما إذا قلنا بخروج الذات و النسبة عن مفاد المشتق، وعندئذ يقع الكلام في بيان الفرق بينه و بين المبدأ الذي لا يدل إلاّعلى صرف الحدث من


(278)

غير دلالة على الذات و النسبة فحاول القائلون بالقول الثالث ببيان وجه الفرق بينهما فقالوا:

إنّ الفرق بينهما هو الفرق بين لا بشرط و بشرط لا، و ذكروا نظير ذلك في الفرق بين الجنس والفصل والهيولى والصورة و أنّ الأوّلين لا بشرط، و يحمل كلّ على الآخر و على النوع الحاصل منهما. بخلاف الأخيرين فقد اعتبرا بشرط لا فلا يحمل أحدهما على الآخر، ولا على النوع أي الإنسان.

ولمّا كان المقام من المسائل العويصة خصوصاً بالنسبة لغير الملمّين بالمسائل العقلية، كان اللازم تفكيك البحث في المشبّه به، عن البحث في المشبَّه فنبيّن أوّلاً ما هو مرادهم من كون الجنس و الفصل لا بشرط، و المادة والصورة بشرط لا ثمّ نبيّن ثانياً، وجه تشبيه المبدأ والمشتق بهما. فنقول:

المقام الأوّل: ما هو المراد من كون الجنس والفصل لا بشرط و...

إنّ الحكماء يبحثون عن مثل هذه الاعتبارات في موضعين، يختلف مفادها في كلّ عن الآخر.

الأوّل: في باب لحاظ الماهيات مع الطوارئ والعوارض قالوا إنّ كلّ ماهية من الماهيات إذا قيست إلى الأُمور الخارجة عن ذاتها، تلاحظ بإحدى الاعتبارات الثلاث كالإنسان بالنسبة إلى الإيمان و الكفر أو السواد والبياض وغيرها من الأعراض النفسانية أو الجسمانية و يكون مفاد هذه الاعتبارات هو أنّ مفهوماً واحداً متحصّلاً غير مبهم تارة يكون ملحوظاً مع الإيمان، وأُخرى ملحوظاً مع تجريده عنه و ثالثة يكون لا بشرط، فلو أمر بعتق الرقبة، فعلى الأوّل لا تكفي الرقبة الكافرة، وعلى الثاني لا تكفي المؤمنة، و على الثالثة يكفي مطلق الرقبة، فالإيمان والكفر و إن كانا من صفات نفس الماهية، ولكن الاعتبارات الثلاث(بشرط شيء،بشرط لا، لا بشرط ) وصف لها إذا أُضيف إلى الماهية و إلى هذا يشير الحكيم


(279)

السبزواري في منظومته.

مخلوطــة مطلـــــقة، مجرّدة * عند اعتبارات عليها موردة(1)

الثاني: في باب البحث عن الجنس والفصل، و الصورة و الهيولى قالوا الأوّلان مأخوذان لا بشرط ، ويحمل كلّ على الآخر، وعلى النوع و الأخيران مأخوذان بشرط لا و لا يحمل كلّ على الآخر، و لا على النوع . قالوا: إنّ كلاً من الحيوان والناطق يمكن أن يلاحظ على أحد وجهين:

1ـ أن يلاحظ كلّ غير محصّل في عالم المفهومية وعلى وجه الإبهام في العقل، بحيث يصلح لأن يتّحد مع ما ينضمّ إليه و يلحقه كلّ من الفصل والنوع ، ويتحصّل بتحصّله، وذلك كالحيوان إذا لم يلحظ بما له من الدرجة الخاصة من الوجود التي هي عبارة عن كونه فوق النامي و دون الإنسان، فعند ذلك يكون مفهوماً مبهماً يتّحد مع كلّ فصل ينضمّ إليه من الصاهل، والناطق، والناعق، و عند ذلك يكون الأعم جنساً والأخص فصلاًمحصِّلاً له، في عالم المفهوم، فضلاً عن عالم الكون، و إذا قيس كلّ إلى النوع يكون نفسه لكونه مفهوماً مبهماً لا جزءه.

2ـ أن يلاحظ على وجه الجزئية أي يلاحظ كلّ واحد مفهوماً تامّاً بحيث لو لحقه شيء، يكون من منضمّاته ولواحقه، لا من متمّماته و محصّلاته، فعند ذلك يكون كلّ جزء شيئاً، وما بحياله شيئاً آخر، و يكون كلّه متحصلاً بنفسه لا بالآخر، وعلى ذلك يسمّى الجزء الأعمّ مادّة ذهنية، والأخص صورة ذهنية.

وبعبارة واضحة : تارة يلاحظ الحيوان بنحو الجزئية للإنسان منفكّاً عن الجزء الآخر و أنّ كلاّ يشكل قسماً منه، و أُخرى يلاحظ مجرّدة عن الجزئية بما أنّه نفس الإنسان غير متميّز عنه و مثله الناطق فالأوّل، هو المادة والصورة و الأخيران هو الجنس والفصل.


(1) الحكيم السبزواري، قسم الفلسفة، الفريدة الخامسة في الماهية و لواحقها.


(280)

وبذلك يعلم مضمون الجملة المعروفة حيث قال: «إنّ الجنس والفصل من أجزاء الحدّ، لا من أجزاء المحدود أي الإنسان، يعني أنّ الحيوان و الناطق إذا لوحظا حدّاً يوصفان بالجزئية وأمّا إذا قيسا بالنسبة إلى المحدود فإنّما هما نفسه لا جزءه فمعنى قولهم ليس من أجزاء المحدود يعني أنّه نفسه لا غيره ولا جزءه.

وبذلك اتّضح أنّ المقصود من اللابشرطية في المقام هو لحاظ الأجزاء على نحو الإبهام بحيث لو لحقها شيء يكون عينها و متحصِّلاً بتحصّلِها، و لا يكون أمراً منضمّاً إليه و ملحقاً بها. كما أنّ المراد من البشرط لائية هو ملاحظة الأجزاء على نحو الجزئية وأنّها أُمور متحصِّلة، وذات فعلية ، ولو انضم إليها شيء، يكون ملحقاً بها لا داخلاً في ذاتها، وهذا المعنى لللابشرط والبشرط لا، غير المعنى المذكور لهما في باب اعتبارات الماهية فانّ المقصود في ذلك هو لحاظ المفهوم العام بالنسبة إلى العوارض والطوارئ فهو إمّا مشروط بها، أو مشروط بعدمها أو لا بشرط، ولا صلة له بالاصطلاح الآخر فلاحظ.

المقام الثاني: في بيان وجه الشبه في المبدأ والمشتق

إذا وقفت على مقصودهم في المشبه به، فلنذكر وجه الشبه فيهما فنقول:

إنّ الفرق بين المبدأ و المشتق هو الفرق بين الجنس والفصل والمادة و الصورة على المعنى الذي عرفت فالمشتق والمبدأ و إن كانا متّحدين مفهوماً كالمادة والجنس، أو الصورة والفصل، لكن المبدأ يلاحظ بما أنّه ذو مفهوم تام متحصّل في عالم المفهوم، يأبى عن الحمل. وأمّا المشتق فهو يلاحظ بما أنّه مفهوم مبهم غير متحصّل، و يتحصّل بكلّ ما انضمّ إليه ولا يأبى عن الحمل.

ثمّ إنّ صاحب الفصول لمّا زعم أنّ المقصود من الاعتباريات، ما هو المذكور في باب الماهية إذا قيست إلى طوارئها، اعترض على الفرق المذكور بأنّ الاعتبار المذكور لا يصحّح الحمل.


(281)

قال في الفصول: إنّ الفرق بين المشتق و مبدئه، هو الفرق بين الشيء لا بشرط و بينه بشرط لا فحدث الضرب إن اعتبر بشرط لا، كان مدلولاً للفظ الضرب وامتنع حمله على الذات الموصوفة به، وإن اعتبر لا بشرط كان مدلولاً للفظ الضارب وصحّ حمله عليها، و على هذا القياس فجعلوا الفرق بين العرض والعرضي، كالفرق بين المادة والصورة و بين الجنس و الفصل.(1)

ثمّ قال: إنّ أخذ العرض لا بشرط، لا يصحّح حمله على موضوعه مالم يعتبر المجموع المركّب منهما شيئاً واحداً، ويعتبر الحمل بالقياس إليه، ولا خفاء في أنّا إذا قلنا: «زيد عالم أو متحرّك لم نرد بزيد: المركّب من الذات وصفة العلم والحركة ، و إنّما نريد به الذات وحدها، فيمتنع حمل العلم والحركة عليه، بل التحقيق أنّ مفاد المشتق باعتبار هيئته مفاد ذو هو، فلا فرق في المفاد بين قولنا: «ذو بياض» وقولنا: «ذو مال»، فكما أنّ المال إن اعتبر لا بشرط لا يصحّ حمله على صاحبه فكذلك البياض فمجرّد استقلال أحدهما بالوجه دون الآخر لا يجدي في المقام، فالحقّ أنّ الفرق بين المشتق و مبدئه هو الفرق بين الشيء و ذي الشيء، فمدلول المشتق أمر اعتباري منتزع من الذات بملاحظة قيام المبدأ بها.(2)

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ صاحب الفصول فسر الوصفين بشرط اللائية و لا بشرطية بما هو المذكور في باب اعتبارات الماهية من نسبة مفهوم واحد تام إلى طوارئه وعوارضه بالصور الثلاث، فأورد عليه ما أورد من أنّ المبدأ الذي هو نفس المشتق، وإن اعتبر لا بشرط ألف مرّة، لا يصحّ حمله على المتلبّس. ولكنّه غفل عن أنّ المراد من اللابشرطية والبشرط لائية هنا، ما هو المذكور في باب الفرق بين الجنس و الصورة والمادة و الفصل بحيث يكون الوصفان مقوّمين للماهية فذكر في توضيح كون المشتق لا بشرط، و المبدأ بشرط لا، ما هذا لفظه:


(1) منظومة الحكيم السبزواري، قسم الفلسفة ، الفريدة الخامسة في الماهية ولواحقها، غرر في اعتبارات الماهية.
(2) الفصول:62.


(282)

«والفرق بين المشتق ومبدئه هو أنّ المشتق بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبّس بالمبدأ، و لا يعصى الجري عليه، لما هما عليه من نحو من الاتّحاد، بخلاف المبدأ فانّه بمعناه يأبى عن ذلك، بل إذا قيس ونسب إليه كان غيره، لا هو هو، وملاك الحمل والجري إنّما هو نحو من الاتّحاد والهوهوية».(1)

وبعبارة أُخرى: إنّ هذا النحو من الإباء عن الحمل أو عدم الإباء داخل في مفاد المبدأ و المشتق، و ليس خارجاً عنهما حتى يرد عليه ما ذكره صاحب الفصول من أنّ اعتبار «العلم والحركة لا بشرط، لا يصحح حملهما على زيد.

توضيح ما ذكره أهل المعقول

و يظهر ذلك أي كون الوصفين داخلين في حقيقة المبدأ والمشتق، ما ذكره أهل المعقول في المقامين:

المقام الأوّل: في الفرق بين العرض و العرضي.

المقام الثاني: في الفرق بين المادة والصورة، و الجنس و الفصل.

و إليك البيان:

أمّا المقام الأوّل: فقد نقل عن الحكيم السبزواري ما هذا حاصله:إنّ وجود كلّ عرض بوجوده الواحد، يطرد العدمين، عدماً من ناحية ماهية نفسه، و عدماً من ناحية موضوعه. والطردان يحصلان بوجود واحد، فإذا وجد البياض وانقلب اللابياض إلى البياض، فهو بوجوده كما طرد العدم عن ماهية نفسه حيث انقلب اللا بياض إلى البياض، فهكذا طرد العدم عن ناحية موضوعه، حيث لم يكن الجسم أبيض فصار بوجود البياض، أبيض، و مثله سائر الأعراض. وبما أنّه طارد للعدم من جانب ماهيته يطلق عليه البياض أعني: «المبدأ» و بما أنّه يطرد العدم عن جانب موضوعه، يطلق عليه الأبيض أعني: «المشتق».


(1) كفاية الأُصول: 1/83.


(283)

و إن شئت قلت: إنّ العرض تارة يلاحظ بما هو و أنّه موجود في قبال موضوعه، فهو بهذا اللحاظ بياض، و لا يحمل على موضوعه، كيف وقد لوحظت فيه المبائنة مع موضوعه، والحمل هو الاتّحاد في الوجود.وأُخرى يلاحظ بما هو ظهور موضوعه، وطور لوجوده، وشأن من شؤونه، وظهور الشيء وطوره وشأنه، لا يباينه فيصحّ حمله عليه، إذ المفروض أنّ هذه المرتبة، مرتبة من وجود الموضوع، و الحمل هو الاتّحاد في الوجود. هذا توضيح مرامه.(1)

يلاحظ عليه بأمرين:

1ـ إنّ كون العرض طارداً للعدم من ناحية ماهيته تارة و من ناحية موضوعه أُخرى و إن كان أمراً صحيحاً عند الدقة العقلية.

إلاّ أنّ ابتناء الفرق بين المبدأ و المشتق على هذا التقرير الوارد عن الحكماء في دراسة عالم الكون، من غير نظر إلى عالم الألفاظ ابتناء غير صحيح، فانّ معاني الألفاظ إنّما تصطاد من الإمعان فيما يتبادر منها عند أهل اللسان، لا ممّا يدور في خلد الحكيم عند مطالعة صحيفة الكون، الذي لا صلة له بعالم الألفاظ .

2ـ إنّ هذا التقرير إنّما يجري في خصوص العرض والعرضي، أعني ما يشير إليه الحكيم السبزواري في منظومته بقوله:

وعرضي الشيء غـــير العرض * ذا كالبياض ذاك مثل الأبيض

لا في كلّ مشتق، كأسماء الأزمنة والأمكنة، حيث لا يُعدّ المبدأ من شؤون الزمان و المكان، ومع ذلك يصحّ حمله عليهما.

وأمّا المقام الثاني: فيظهر من كلام أهل المعقول في باب الفرق بين الجنس والمادة و الفصل والصورة فانّ مرجع اللابشرطية والبشرط لا ئية إلى ملاحظة حقيقة واحدة بحيث ينتزع عنها مفهومان غير قابلين للحمل، و مفهومان قابلان


(1) لاحظ: الأسفار : 1/42و 59، قسم التعليقة.


(284)

له فبملاحظة ما ذكروه هناك يعلم معنى البشرط لا ئية و اللابشرطية هاهنا، و إليك حاصل ما ذكروه هناك حتى يعلم حال المقام.

إنّ التركيب قد يكون انضمامياً و قد يكون اتّحادياً.

أمّا الأوّل ففيما إذا لم يندك أحد الجزئين في الجزء الآخر بل تكون فعلية الجزئين محفوظة و كثرتهما معلومة، وإن اتّخذ صورة واحدة صناعية. وذلك كأجزاء المصنوع البشري مثل البيت و السيّارة، فانّ فعليّة كلّ جزء محفوظة، و الكثرة بعدُ باقية و إن اتخذ الكلّ صورة صناعية.

وأمّا الثاني فهو ما يكون وجود بعض الأجزاء عين وجود الأجزاء الأُخر، بحيث اندكت الأجزاء في الكل ولا كثرة ولا فعلية للأجزاء بل اتخذ الكلّ صورة واحدة تكوينية، كالإنسان المؤلف من الحيوان و الناطق.

مناقشة تنزيل المقام بالأجزاء الحدّية بوجهين:

و مع ذلك فهذا البيان على فرض صحّته في باب أجزاء الحدّ، لا يجري في المشتق و ذلك لأنّ الجنس مبهم مفهوماً و المشتق واضح مفهوماً ومسوِّغ الحمل في الجنس، غير مسوِّغه في المشتق. و إليك التوضيح:

إنّ مجوّز الحمل في الأجزاء الحدّية، هو إبهام الجنس وعدم تحصّله، وتحصّله بالفصل على النحو المقرّر في الفن الأعلى، فانّ الجنس هو المفهوم المغمور الذي لم تتعيّن حدوده وخصوصياته إلاّبالفصل بحيث لو وجد في الخارج يكون عين الفصل، عينية اللا متحصّل مع المتحصّل. وهذا بخلاف المشتق فانّ مسوغ الحمل ليس إبهام مفهومه فانّه ذو مفهوم متحصّل، و متعيّن فيه إلاّ من جهة عدم تعيّن موضوعه(1) و هذا غير الإبهام في المفهوم.بل مسوِّغ الحمل قيامه بالموضوع في


(1) فإن قلت: إنّ الظاهر من كلام الحكيم السبزواري هو أنّ إبهام الجنس راجع إلى إبهام وجوده لا إلى إبهام مفهومه كما يقول:


(285)

إبهام جنس حسب الكون خُذا * إذ كونه الدائر بين ذا و ذا

قلت: ليس هذا على وجه التحقيق، بل إبهامه أزيد من الإبهام من حيث الوجود، فهو مبهم من حيث المفهوم قبل كونه مبهماً من حيث الوجود، فالفصل يخرجه عن الإبهام في كلتا المرحلتين، مرحلتي المفهوم والوجود، و لأجله يتّحد مع الجنس.

والشاهد على هذا أنّ البحث عن الجنس والفصل معنون في باب البحث عن الماهيات، و ليس هناك من الوجود عين و لا أثر. فالجنس مبهم، أي في ذاك الإطار وفي مقام الحدّ المنطقي لا في مقام الخارج عنه كالعينية الخارجية . عالم التكوين، و شتّان بين المسوِّغين.(1)

فوجه الشبه بين الجنس و المشتق غير موجود، كما لا يخفى.

و بعبارة أُخرى انّ مصحح حمل الجنس على الفصل هو تقوّمه بالفصل في عالم المفهوم وهذا المصحح ليس موجوداً في حمل المشتق على الموضوع لعدم تقوّم مفهوم المشتق، بالموضوع و ذلك لأنّ الجنس هو الفصل ـ إذا انضم إليه ـ في تمام المراحل، و نفسه في الوجود الخارجي والذهني، و هذا بخلاف المشتق بمعنى المبدأ، فهو غير الموضوع مفهوماً، ولا يتّحد مع الموضوع إلاّفي بعض المراحل الخارج فليس المشتق بهذا المعنى عين المعروض والموضوع، فكيف يحمل عليه؟

واتّضح بهذا البيان أنّه لو كان المشتق نفس المبدأ، لما صحّ حمله على الموضوع، سواء لوحظ كونه طوراً من أطوار الموضوع و شؤونه على ما قرّره الحكيم السبزواري، أو لوحظ على النحو المقرّر في الجنس و الفصل والمادة والصورة.

فالحقّ أن يقال بتغاير المشتق والمبدأ في المفهوم، و تباينهما جوهراً. فالمتبادر من أحدهما المعنون، و من الآخر العنوان، و لأجل ذلك لا يصحّ حمل الثاني بخلاف الأوّل.

ثمّ إنّه ربما يؤيد كون مفاد المشتق نفس المبدأ، بتقريرين آخرين نقلهما الحكيم السبزواري في تعاليقه على الأسفار:

التقرير الأوّل: إذا رأينا شيئاً أبيض، فالمرئي بالذات هو البياض. ونحن قبل


(1) منظومة الحكيم السبزواري ، قسم المنطق، غوص في إيساغوجي.


(286)

ملاحظة أنّ البياض عرض و العرض لا يوجد قائماً بنفسه، نحكم بأنّه بياض وأبيض، ولولا الاتّحاد بالذات بين البياض و الأبيض لما حكم العقل بذلك في هذه المرتبة، ولم يجوّز قبل ملاحظة هذه المقدّمات، كونه أبيض، لكن الأمر بخلاف ذلك.

التقرير الثاني: إنّ المعلّم الأوّل و مترجمي كلامه عبّروا عن المقولات بالمشتقات، و مثّلوا لها بها، فعبّروا عن الكيف بالمتكيّف ومثّلوا لها بالحارّ و البارد، فلولا الاتّحاد بالذات لم يصحّ ذلك التعبير والتمثيل إلاّ بالتكلّف بأن يقال: ذكر المشتقات لتضمّنها مبادئها.(1)

ونقل عن بهمنيار تلميذ الشيخ الرئيس قال: إنّ الحرارة لوكانت قائمة بذاتها لكانت حرارة و حارة.(2)

ولا يخفى سقوط هذه الوجوه:

أمّا الأوّل: فانّا و إن كنّا نحكم عند رؤية البياض ـ قبل ملاحظة أنّه عرض وأنّ العرض لا يوجد قائماً بنفسه ـ بأنّه أبيض، لكن الملاحظة التفصيلية وإن كانت غير موجودة، لكنّها موجودة إرتكازاً لأنّ الإنسان طيلة حياته يشاهد أنّ البياض لا يوجد إلاّمع موضوعه، فهو مع هذا العلم الموجود في خزانة ذهنه إذا رأى البياض، وحمل عليه الأبيض، فإنّما حمل على البياض الذي لا يفارق الموضوع، فلا يدلّ ذاك الحمل على خروج الذات والنسبة عن مفهومه.

أمّا الثاني: فانّه لا حجّية لكلام أرسطو ومترجمي كلامه.

ومثله ما نقل عن تلميذ الشيخ الرئيس، إذ هو قضية شرطية لا تثبت بها اللغة.


(1) الأسفار:1/42.
(2) نهاية الدراية:1/94، طبع طهران.


(287)

الثالثة: في ملاك الحمل

قد اشتهر بينهم أنّ ملاك الحمل أمران: المغايرة من جهة، و الاتّحاد من جهة أُخرى.

أمّا المغايرة فإمّا أن تكون مفهوميّة اعتبارية كما في الحمل الأوّلي، مثل: «زيد زيد»، أو « الإنسان حيوان ناطق»، أو مفهومية حقيقية كما في الحمل الشائع الصناعي، مثل: «زيد قائم».

وأمّا الوحدة فالموضوع و المحمول إمّا متّحدان حقيقة لا اعتباراً في المفهوم كما في القسم الأوّل أو في الخارج كما في القسم الثاني.

هذا هو المعروف بين المنطقيين و اختاره المحقّق الخراساني و قال: ملاك الحمل هو الهوهوية والاتحاد من وجه و المغايرة من وجه آخر كما يكون بين المشتقّات والذوات.(1)

وأوضحه المحقّق الاصفهاني بأنّ ملاك المغايرة في الحمل الأوّلي، هو المغايرة بالاعتبار الموافق للواقع، وفي الحمل الشائع هو المغايرة بالمفهوم.(2)

يلاحظ عليه: أنّه لا شكّ في وجود تلك المغايرة في الحملين، إنّما الكلام في كونها ملاكاً ومصحّحاً للحمل و الحقّ أنّ المغايرة موجودة و لكنّها ليست ملاكاً له، إذ المغايرة بين الحدّ و المحدود بالإجمال والتفصيل موجودة، ولكنّها ليست مناطاً للحمل، بل لحاظ المغايرة يغاير ملاك الحمل الذي هو الوحدة و الهوهوية. نعم هو ملاكه لكونه مفيداً و خارجاً عن كونه لغواً و عبثاً فقد خلطوا بين كون شيء ملاكاً للحمل و مصححاً له وبين كونه مفيداً و خارجاً عن اللغو.


(1) كفاية الأُصول:1/84.
(2) نهاية الدراية:1/97، ط طهران.


(288)

و إن شئت قلت: إنّ ملاك الحمل هو تناسي التغاير والكثرة حتى يصحّ أن يقول: إنّه هو، وأنّهما واحد. ففي الوقت الذي يراهما الحامل شيئاً واحداً، لو التفت إلى الكثرة الموجودة، لعاقته الكثرة عن الحمل والحكم بالهوهوية، فظرف التغاير غير ظرف الحمل، و معه لا تكون ملاكاً له.

ثمّ إنّه يظهر من صاحب الفصول الاكتفاء بهذا الملاك في مورد يكون التغاير اعتبارياً والوحدة حقيقة، كما في قولك: «هذا زيد» أو «الناطق إنسان» وأمّا إذا انعكس بأن كان التغاير حقيقياً والاتّحاد اعتبارياً كقولك الإنسان جسم فيحتاج وراء ذلك إلى أمرين آخرين.(1)

الأوّل: أخذ الأجزاء لا بشرط كما في المثالين، و لأجل ذلك لا يصحّ حمل البدن و النفس على الإنسان، ولا يصحّ أن يقال الإنسان بدن (مكان الجسم)، أو نفس، مكان الناطق.

الثاني: تنزيل الأشياء المتغايرة منزلة شيء واحد و ملاحظتها من حيث المجموع و الجملة، فتلحقه بذلك الاعتبار وحدة اعتبارية، فيصحّ حمل كلّ جزء من الأجزاء المأخوذة لا بشرط، عليه، و حمل كلّو احد منها على الآخر بالقياس إليه نظراً إلى اتّحادهما فيه.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لم يعلم وجه الفرق بين ما جعل التغاير فيه اعتبارياً، مثل «زيد قائم» و ما جعله فيه حقيقياً، مثل: «الإنسان جسم».فإن أراد من التغاير الاعتباري، الاختلاف المفهومي، فهو موجود في كليهما، و إن أراد غيره، فلم يبيّنه.

وثانياً: أنّ ملاحظة التركيب يعطي للمحمول وصف كونه جزءاً من الكل و عندئذ يمتنع حمله على الكل لعدم صحّة حمل الجزء على الكل مثل: «زيد يد» أو


(1) ذكر في الفصول أمراً ثالثاً أيضاً فمن أراد فليرجع إليه، لاحظ ص 62.


(289)

«رجل» إلاّ عناية و مجازاً، و هو خلف. و إلى ذلك يشير المحقّق الخراساني بقوله: «بل يكون ذلك مخلاً لاستلزامه المغايرة بالجزئية والكلّية» أي كون الموضوع كلاً و المحمول جزءاً.

وثالثاً: أنّ الجنس و الفصل و إن كانا جزئين للنوع لكنّهما بهذا المعنى من الأجزاء الحدّية، أي يكونان حدّا للنوع، و ليسا من الأجزاء الحملية حتّى يصحّ حملهما بهذا المعنى عليه، و إنّما يصحّ حملهما عليه إذا لوحظ كلّ من الجنس و الفصل بما أنّه نفس النوع لا جزء منه، و ذلك لما قرّر في محله: من أنّ الجنس مفهوم مبهم، ينطبق على كلّ واحد من الأنواع المختلفة، فيقال: الإنسان حيوان، و البقر حيوان و غيرهما. وهو في هذا المجال ليس مفهوماً متحصّلاً متعيّناً، حتى يعدّ جزء من النوع، بل مفهوم مبهم، قابل لأن يصير في طريق التكامل نفس النوع و عينه.

و لأجل ذلك يشترط كون الجنس مبهماً غير متعيّن وجوداً و كوناً، كما عليه المشهور من الحكماء، أو مفهوماً كما عليه السيّد العلاّمة الطباطبائي على ما فصّل في محلّه، و بهذا الاعتبار يكون الجنس في طريق التكامل و مدارج الكمال، فإذا تعيّن في ضمن نوع، يكون نفسه لا جزء منه. فالجسم، والنامي، والحيوان الموجود في الإنسان، ليس هو الجسم المتشخص في الحجر، ولا النامي المتعيّن في الشجر و لا الحيوان المتقرر في البقر، بل المفهوم المبهم الذي وقع في صراط التكامل بحيث إذا وجد في ضمن الإنسان كان نفسه لا جزء منه.

هذا، و ليعذرنا الإخوان لطرح هذه البحوث التي لا صلة لها بالأدب أوّلاً، ولا بالأُصول ثانياً، فإنّما جرّنا البحث إليها.

الرابعة: مغايرة المبدأ للذات

قد عرفت أنّ المتبادر من هيئة المشتق هو المعنون، و مقتضى ذلك أنّ هنا ذاتاً و عنواناً أي ذاتاً و مبدأ، فيلزم أن يكون الثاني مغايراً مع الأوّل، وعندئذ


(290)

يشكل الأمر في صفاته سبحانه لأنّ المبدأ فيها متّحد مع الذات بل هو عينها خارجاً. توضيحه:

قد تحقّق في الإلهيات ، أنّ صفاته تعالى:

1ـ قديمة لا حادثة، كما عليه الكرامية.

2ـ هي عين ذاته، لا زائدة عليه كما عليه الأشاعرة، وإلاّيلزم تعدّد الواجب و تكثره، حسب تعدّد الصفات.

3ـ ليس كلّوصف من صفاته ، يشكّل بعض الذات، وإلاّ يلزم التركيب في ذاته، بل كلّ واحدة عين الذات، والذات عين الجميع، فذاته سبحانه علم كلّها، قدرة كلّها، حياة كلّها، ولا ضير في انتزاع مفاهيم متعدّدة من شيء واحد كما حقّق في محلّه. كيف فوجودك كما هو مقدور له سبحانه، معلوم له، و ليست حيثية المقدورية، غير حيثية المعلومية فهو من حيث أنّه مقدور، معلوم له سبحانه أيضاً.

فعلى مذهب العدلية: صفاته سبحانه: قديمة، عين ذاته، و ذاته البسيطة بوحدتها و بساطتها كافية في حمل الصفات المتغايرة عليها من دون لزوم أيّ تكثر.

إذا علمت ذلك يقع الكلام في إجراء صفاته عليه سبحانه من جهتين:

الأُولى: من جهة أنّ هيئة المشتق موضوعة للمعنون، وهو يقتضي تغاير العنوان ـ أعني العلم ـ مع الذات المتلبّسة به، مفهوماً و خارجاً، وهو لا يتّفق مع ما عليه العدلية من عينية صفاته مع ذاته.و التغاير المفهومي مع المتلبّس، وإن كان لا يضرّ بما عليه أهل الحقّ، لكن دلالة الهيئة على تغايره معها خارجاً لا يجتمع مع عقيدتهم.

الثانية: أنّ المبدأ يجب أن يكون مفهوماً حدثياً حتى يقبل الصياغة، و هو سبحانه فوق الجواهر والأعراض فضلاً عن الأحداث.


(291)

دفع الإشكالين:

أمّا الإشكال الثاني فجوابه واضح، إذ الشرط في تحقّق الصياغة هو قابلية المبدأ للتصرّف و التصريف بتوارد المعاني المختلفة عليه، وأمّا كون المبدأ معنى حدثيّاً أو عرضاً، فلم يدلّ عليه دليل أبداً، و إنّما يعلم ذلك من جانب المسند إليه فإن كان موجوداً مجرداً عن الزمان يُسند إليه بما له من المعنى و إن كان زمانيّاً غير منفكّ عنه ذاته، و صفته و فعله، يُسندُ إليه ويصير المبدأ حدَثيّاً بقرينة خارجية.

والعلم والقدرة من المبادئ القابلة للتصرّف، فذاته تعالى باعتبار انكشاف الأشياء لديها، عالمة و الأشياء معلومة، ولا يلزم أن يكون علمه مفهوماً حدثياً أو عرضاً.

وأمّا الإشكال الأوّل: فقد أُجيب عنه بوجوه:

الأوّل: ما أجاب به صاحب الفصول بالقول بالمجاز أو النقل في حمل العالم و القادر عليه سبحانه لأنّه موضوع للاستعمال في ما إذا كان المبدأ زائداً على الذات و فيه سبحانه عينه.(1)

ولا يخفى عدم استقامته لأنّا نجري صفاته عليه سبحانه بلا عناية أو اختلاف معنى، كما هو لازم كون الاستعمال مجازاً أو كون اللفظ منقولاً.

الثاني: ما أجاب به المحقّق الخراساني: بكفاية مغايرة المبدأ مع ما يجري عليه المشتق مفهوماً و إن اتّحدا عيناً و خارجاً، فحمل الصفات مثل العالم والقادر عليه سبحانه، على الحقيقة، فانّ المبدأ فيها، و إن كان عين ذاته خارجاً لكنّه غير ذاته مفهوماً.(2)

توضيحه: إنّ هنا مسألتين: الأُولى مغايرة المحمول مع الموضوع. الثانية:


(1) الفصول: 62، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق.
(2) كفاية الأُصول:1/85، قوله: الرابع:


(292)

مغايرة المبدأ مع الذات، وشرط المسألة الأُولى حاصل لأنّ المحمول مغاير مع الموضوع مفهوماً و إن كان متّحداً معه في الخارج وأمّا الثانية فلا دليل على شرطية مغايرة المبدأ مع الذات بل هو من هذا الجانب مطلق، بل ربّما يكون عينه نحو: الضوء مضى، الوجود، موجود.

يلاحظ عليه: أنّ كلامه أجنبي عن الإشكال، فانّ الإشكال عبارة عن دلالة الهيئة على زيادة العنوان على المعنون خارجاً، وهو يستلزم زيادة الصفات على الذات وهو ممّا لا يجتمع مع عقيدة أهل الحقّ.

وما ذكره من مغايرة المبدأ مع ما يجري عليه المشتق مفهوماً، غير مرتبط بالإشكال المبني على دلالة هيئة المشتق على زيادته على الذات خارجاً، مع أنّ الواقع فيه سبحانه خلافه.

و بعبارة أُخرى: القول بكفاية تغاير المبدأ مع ما يجري المشتق عليه مفهوماً، و إن اتّحدا عيناً و خارجاً، لا صلة له بالإشكال، فانّ الإشكال عبارة عن دلالة الهيئة على زيادة العنوان على الذات، و لأجله لا يصحّ حمل الصفات على الذات بمعناها الحقيقي، فلابدّ من نقل أو تجوّز كما عليه الفصول، أو توجيه آخر.فعندئذ القول بكفاية تغاير المبدأ مع ما يجري عليه المشتق مفهوماً و إن اتّحدا خارجاً، أجنبي عن الإشكال .

و بكلمة قصيرة: ليس البحث في مفاد الجملة، بل البحث في مفاد هيئة المفرد، فالإجابة عن الأوّل لا صلة له بالثاني.

الثالث: ما أجاب به سيّدنا الأُستاذـ دام ظلّه ـ : بأنّه لا يفهم من لفظ«العالم» إلاّ المعنون من حيث هو كذلك، وأمّا زيادة العنوان على المعنون و قيامه به فهو خارج عن مفهومه. فالمشتق يدلّ على المعنون، والعينية والزيادة من خصوصيات المصاديق.(1)


(1) تهذيب الأُصول: 1/128، ط جماعة المدرسين.


(293)

ويلاحظ عليه: أنّ دلالة الهيئة على مغايرة المبدأ لما يجري عليه، ليس أمراً مخفياً، لقضاء التبادر بذلك. و ما ذكره هنا يغاير مع ما ذهب إليه من التركيب التحليلي للمشتق.

والأولى أن يقال: إنّ المتبادر من المشتق، هو المعنون، والذات المتلبّسة بالمبدأ و ظاهره زيادة العنوان على الذات، ونحن نجري أوصافه سبحانه عليه بهذا المعنى، و نستعملها في المعنى المتبادر عرفاً بالإرادة الاستعمالية، غير أنّ البرهان قام على عينية صفاته مع ذاته، فنرفع اليد عن هذا الظهور بالدليل العقلي. فالمراد الجدّي عند من قام الدليل عنده على العينية، غير المراد الاستعمالي الذي يشترك فيه العالم والجاهل، الفيلسوف والمتكلم.

وقيام البرهان على الوحدة لا يكون سبباً لتغيير اللغة والمتبادر العرفي، غاية الأمر أنّ الأكثرية الساحقة من الناس لا يتوجّهون إلى هذه الدقائق، فيستعملون اللفظ فيه سبحانه على النحو الذي يستعملونه في غيره ولا يرون الزيادة مخلّة بالتوحيد.

وأمّا الفلاسفة و أهل الدقّة، فلمّا كانوا متوجّهين إلى هذا الأمر، فلا مفرّ لهم عن كون المراد الاستعمالي مغايراً مع المراد الجدّي، ولا يكون جري المشتقّات عليه سبحانه (مع أنّ ظواهرها لا ينطبق على الواقع) أمراً مرغوباً عنه، لأنّ الألفاظ الدارجة عندنا قاصرة عن إفادة ما في المقام الربوبي من الكمال والجمال و لا يختصّ ذلك بصفاته، بل يجري في أفعاله سبحانه.

والحاصل أنّ هنا مقامين:1ـ اللغة والظهور والتبادر; 2ـ العقيدة والبرهان والاستدلال، و ليس شأن الثاني تغيير اللغة و المتبادر العرفي، كما أنّه ليس للظواهر العرفية أن تصادم البراهين العقلية، فلكلّ طريقه و مجراه و ترفع اليد عنها بها.

***


(294)

الخامسة: في قيام المبدأ بالذات(1)

هل يشترط في صدق المشتق على نحو الحقيقة قيام المبدأ بالذات.

ربما يقال: لا، لصدق الضارب و المولم، مع عدم قيام الضرب والألم إلاّ بالمضروب والمولم.

يلاحظ عليه: أنّه كيف يعقل صدق المشتق و حمله على الذات مع عدم القيام بها بأنحائه، وإلاّ يلزم صحّة حمل كلّ شيء على كلّ شيء.

و أجاب عنه في الكفاية بأنّه يعتبر في صدق المشتق تلبّس الذات بالمبدأ بنحو خاص على اختلاف أنحائه الناشئة من اختلاف المواد تارة، واختلاف الهيئات أُخرى، من القيام صدوراً تارة، أوحلولاً أُخرى، أو وقوعاً عليه ثالثة، أو فيه رابعة، أو انتزاعه عنه مفهوماً مع اتّحاده معه خارجاً خامسة، كما في صفاته تعالى، أو مع عدم تحقّق إلاّللمنتزع عنه كما في الإضافات(مثل الأُبوة والبنوة) سادسة إلى أن قال: ففي صفاته الجارية عليه تعالى يكون المبدأ مغايراً له تعالى مفهوماً، و قائماً به عيناً لكنّه بنحو من القيام، لا بأن يكون هناك اثنينية. وعدم اطّلاع العرف على مثل هذا التلبّس، لا يضرّ بصدقها عليه تعالى على نحوالحقيقة، فانّ العرف إنّما يكون مرجعاً في تعيين المفاهيم لا في تطبيقها على مصاديقها.(2)

يلاحظ عليه: أنّ العرف متّبع في المصاديق كما هو متبع في المفاهيم مثلاً إذا لم يعدّ العرف لون الدم دماً، فلا يحكم عليه بأحكامه، و إن كان دماً عقلاً. نعم،


(1) الفرق بين هذه المسألة وسابقتها، أنّ ملاك البحث في السابقة هو تغاير المبدأ مع الذات فأشكل الأمر في صفاته سبحانه. وأمّا في المقام فملاكها، قيام المبدأ مع الذات بنحو من الأنحاء وعندئذ فأشكل في صفاته، أيضاً لأنّ مفاد القيام هو الإثنينية بين ذاته و صفاته، و فرض العينية يستلزم قيام الشيء بنفسه. وكان البحث في الأمر الثاني ناش من البحث في الأمر الأوّل.
(2) كفاية الأُصول:1/86.


(295)

المرجع هو العرف الدقيق، لا العرف المسامح، ولو كان صدق المشتق مشروطاً بصدق القيام، لأشكل إجراؤه عليه سبحانه، إذ لو كان المشتق موضوعاً للمتلبّس بالقيام، لاستلزم الإثنينية، إذ معناه جعل شيء لباساً لشيء. و مثله اشتراط القيام، فإنّ قيام شيء، لا ينفكّ عن شيء آخر يقوم به، و الجمع بين العينية والقيام جمع بين المتضادّين.

ثم أجاب صاحب المحاضرات عن الإشكال بأنّ المرا د من التلبّس والقيام واجدية الذات للمبدأ في مقابل فقدانها له و هي تختلف حسب اختلاف الموارد.

فتارة يكون الشيء واجداً لما هو مغاير له وجوداً و مفهوماً، كما هو الحال في غالب ا لمشتقات، كقولنا الجسم أبيض.

وأُخرى يكون واجداً لما هو متّحد معه خارجاً و عينه مصداقاً و إن كان يغايره مفهوماً كواجدية ذاته تعالى لصفاته الذاتية.

وثالثة يكون واجداً لما يتّحد معه مفهوماً ومصداقاً، وهو واجدية الشيء لذاته. و هذا نحو من الواجدية، بل هي أتمّو أشدّ من واجدية الشيء غيره.

وعلى هذا، فالمراد من التلبس، الواجدية، وهي كما تصدق على واجدية الشي لغيره كذلك تصدق على واجديته لنفسه و من هذا القبيل واجديته سبحانه لصفاته الكمالية والواجدية بهذا المعنى و إن كانت خارجة عن الفهم العرفي، إلاّ أنّه لا يضرّبعدَ الصدق بنظر العقل.(1)

يلاحظ عليه: أنّه قد عرفت أنّ العرف مرجع في المفاهيم و المصاديق جميعاً. والمراد من العرف، هو العرف الدقيق، ولا شكّ أنّ الواجدية من المفاهيم ذات الإضافة بين الواجد، و الذي وجده ولا يصلح إطلاقها على من وجد ذاته، أو صفته التي هي عين ذاته إلاّ بالعناية الفلسفية الخارجة عن حيطة الألفاظ


(1) المحاضرات:1/306.


(296)

وأوضاعها و معانيها العرفية، و الألفاظ وضعت على المفاهيم و المصاديق العرفية لا العقلية فإنّ واجدية الشيء لنفسه أمر فلسفي لا عرفي، كما أنّ ما يقال من أنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، و لو بهذا الثبوت عند السؤال بالهلية البسيطة كذلك، و إلاّفثبوت شيء لشيء عرفاً يلازم الإثنينية.

والحقّ أن يقال: إنّ الهيئة وضعت للقيام المستلزم للإثنينية و نحن نستعملها في حقّه سبحانه في نفس المعنى الذي نستعمله في الممكنات. وأنّ أسمائه وصفاته تجري عليه سبحانه كما تجري على غيره، وأنّها تستعمل في الكتاب و السنّة والأدعية في نفس المعنى اللغوي، لاقتضاء الحكمة الإلهية تكليم الناس بألسنتهم التي يتحاورون بها.

غير أنّ البرهان العقلي، و الروايات الواردة عن الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ دلاّ على وحدة الصفات مع الذات، و أنّ واقعية ذلك المقام الشامخ، فوق ما يقع في مستوى الأفهام العرفية. قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة. فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه و من ثنّاه فقد جزّأه و من جزّأه فقد جهله، و من جهله فقد أشار إليه، و من أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه».(1)

وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف» إشارة إلى ما ذكرناه من المتفاهم العرفي من الصفات و لكن الإمام نفى الإثنينية بالبرهان، لا بالتصرّف في معاني المشتقّات. ولا إشكال في أنّه يستعمله العامي و الحكيم في معنى واحد في حقّه سبحانه إرادة استعمالية غير أنّ المراد الجدّي في الأوّل كالمراد الإستعمالي بخلاف الثاني، فانّ المراد الجدّي فيه يغاير الاستعمالي.

وأظنّ أنّ القوم لو فتحوا باباً خاصاً للألفاظ و معانيها، وباباً آخر للعقائد، بحيث لا يكون ظهور اللفظ مبدأ للعقيدة، ولا العقيدة هادمة لظهور اللفظ،


(1) نهج البلاغة،:الخطبة الأُولى.


(297)

لكان أحسن.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية أورد على صاحب الفصول فيما اختاره (1) من نقل الصفات الجارية عليه سبحانه عمّا هي عليها في المعنى، بأنّه يستلزم كون وصفه سبحانه صرف لقلقة لسان، و ألفاظاً بغير معنى، أو وصفاً بضدّ العلم.(2)

أقول: هذه المؤاخذة منقولة عن الحكماء الإشراقيين الذي يقولون بكون الوجود مشتركاً بين جميع مراتبه و مصاديقه ردّاً على القائلين بأنّ الوجود مشترك لفظي، و حاصل المؤاخذة أنّ المفهوم من قولنا: الله موجود، هو المفهوم من قولنا:«زيد موجود» فإن ثبت المدّعى، وإلاّ فإمّا أن يفهم نقيضه فيلزم منه نفي الصانع، أو لا يعلم شيء فيلزم لقلقة اللسان.

و بمثل هذا ردّ المحقّق الخراساني على صاحب الفصول بأنّه إذا نقل من معناه اللغوي فإمّا أن يفهم من قولنا: «الله عالم»، ضدّه ، فيلزم وصفه بالجهل ـ والعياذ بالله ـ أو لا يعلم منه شيء، فتلزم لقلقة اللسان.

ولكن المؤاخذة في المقام غير صحيحة، إذ لا يخفى أنّه إنّما يستلزم ذلك لو كان المعنى المنقول إليه مغايراً للمنقول عنه مائة بالمائة، كما هو المحكي عن المشائين القائلين بالاشتراك اللفظي في صدق الوجود على الواجب الممكن. و مثله المقام إذا أُريد من «العالم» خلاف من تنكشف لديه الأشياء، أو لم يرد منه شيء حتّى يكون لقلقة اللسان. و أمّا إذا أُريد منه مجازاً ذاك المعنى، بإلغاء قيد زيادة المبدأ على الذات الذي يدلّ عليه المشتق، فلا يرده ما ذكر.

والحاصل أنّ بين المنقول عنه و المنقول إليه قدراً مشتركاً، فلا يلزم ـ لو أُريد منه المعنى المنقول إليه ـ ما ذكره من لقلقة اللسان ، أو خلاف ما يراد منه عرفاً.

***


(1) الفصول:62، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق.
(2) الكفاية:1/87.


(298)

و هاهنا مسألة سادسة: نوجز الكلام فيها و هي أنّه لا يشترط في استعمال المشتق على وجه الحقيقة كون الإسناد حقيقياً، لإمكان الافتراق بين الأمرين، ،فكما أنّ لفظ «جرى» في «جرى الميزاب» استعمل في معناه الحقيقي، فهكذا لفظ «جار» في قولنا: «الميزاب جار» مستعمل في المتلبّس، و لكن الإسناد مجازي.

والحمد لله أوّلاً و آخراً و ظاهراً و باطناً

أقول: بهذا أتمّ شيخنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ البحثَ في مقدّمات الأُصول. وقد اتّفق الفراغ من إلقاء هذه المحاضرات ـ و هي دورته الأُصولية الثانية يوم الأحد في التاسع و العشرين من شهر ربيع الثاني من شهور عام 1403 للهجرة وأضفنا إليه ما أفاده في الدورة الأُصولية الثالثة التي ابتدأ بها عام 1408 و بذلك أصبح الكتاب جامعاً لنكات الدورتين فشكر الله مساعي شيخنا الأُستاذ ـ مدّظلّه ـ و وفقه للتربية و التوعية.

حرّره مؤلفه الفقير إلى رحمة ربّه الغني

السيّد محمود الجلالي المازندراني عفى عنه

***


(299)

المقصد الأوّل

في الأوامر

وفيه الفصول التالية:

1. مادة الأمر

2. صيغة الأمر

3. الإجراء

4. مقدمة الواجب

5. أحكام الضدّ

6. الأمر مع العلم بانتفاء الشرط

7. متعلّق الأوامر والنواهّي

8. بقاء الجواز عند نسخ الوجوب

9. الواجب التخييري

10. الواجب الكفائي

11. الواجب المضيق

12. الأمر بالأمر

13. الأمر بعد الأمر


(300)


(301)

الفصل الأول:

في مادّة الأمر وفيه مباحث

المبحث الأوّل

في معنى الأمر في اللغة

في معنى مادة الأمر لغة، و فيه أقوال:

1ـ الأمر مشترك لفظي بين الفعل والطلب، و هذا هو المختار.

2ـ مشترك لفظي بين الشأن والطلب، و هو خيرة صاحب الفصول.

3ـ مشترك لفظي بين الشيء والطلب، وهو خيرة المحقّق الخراساني.

4ـ مشترك لفظي بين الشيء بوجه خاص، و الطلب. و هو خيرة المحقّق الخوئي في بعض دوراته الأُصولية.والحقّ هو القول الأوّل: أي كونه مشتركاً بين الطلب والفعل لا غير. أمّا كونه بمعنى الطلب ضدّ النهي، أي الطلب من الغير، فلم يختلف فيه اثنان و يكفي في إثباته قوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلَيمٌ) (1) و هذا الاستعمال في الكتاب العزيز ليس بعزيز و كثرة الاستعمال فيه بغير قرينة تعرب عن كونه حقيقة فيه.

إنّما الكلام في المعاني الثلاثة الباقية.

1ـ الفعل 2ـ الشأن 3ـ الشيء.

وظاهر كلمات اللغويين، هو كون الأوّل من معانيه و يكفي في المقام نقل بعض كلماتهم.

1ـ قال الخليل:


(1) النور:63.


(302)

2ـ قال صاحب المقاييس للأمر أُصول خمسة، قال: «الأمر: من الأُمور، و الأمر: ضدّ النهي. الأمر: النماء. والأمر: المعْلَم. و الأمر: العجب. ثمّ قال: «فأمّا الواحد من الأُمور، فقولهم: هذا أمر رضيتُه ، وأمر أرضاه».(1)

فلو أغمضنا النظر عن المعاني الثلاثة الأخيرة الخارجة عن محطّ البحث، يتلخّص أنّه يستعمل تارة في الأمر الذي جمعه «أُمور»، و أُخرى في «الأمر» الذي ضدّه النهي. والمقصود من الأمر هوالفعل بقرينة ذيل كلامه:«هذا أمر رضيته» وهو إلى تفسيره بالفعل أقرب من تفسيره بالشيء و يؤيّده ما في اللسان.

3ـ وقال في اللسان: «الأمر معروف، نقيض النهي» وقال: «الأمر واحد الأُمور: يقال أمر فلان مستقيم، و أُموره مستقيمة. والأمر: الحادثة، والجمع أُمور».(2)

و لو فسّرنا عبارة المقاييس بما ذكر في اللسان يكون المراد من المعنى الأوّل في المقاييس هو الحادثة و لعلّ عدم ذكر الاقطاب الثلاثة: الشانَ و الشيء من معانيه يعرب عن عدم كونهما منها عندهما.

هذا في اللغة وأمّا الكتاب فظاهره العزيز أنّه من معانيه كقوله سبحانه: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ) (3) و قوله سبحانه: (وَ قُضِيَ الأَمْرُوَإِلَى اللّهِ تُرجَعُ الأُموُرُ) (4) وقوله سبحانه: (وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (5) إلى غير ذلك من الآيات.

وأمّا جمعه على الأوامر أو الأُمور، فإذا كان بمعنى الطلب ـ الذي يراد منه الطلب الخاص المتعلّق بفعل الغير لا فعل النفس (كطلب العلم والرزق) يجمع على أوامر. كما أنّه إذا كان بمعنى الفعل أو الحادثة، يجمع على أُمور. والأوّل يتصرّف فيأتي منه اسم الفاعل و المفعول وغيرهما، بخلاف المعنى الثاني فانّه معنى جامد. فلفظ الأمر مشترك لفظي، ولا يصحّ جعله مشتركاً معنوياً، لعدم الجامع


(1) المقاييس:1/129.
(2) لسان العرب، مادة أمر.
(3) آل عمران:154.
(4) البقرة:210.
(5) آل عمران:159.


(303)

بين المعنى الحدثي والمعنى الجامد.

هذا هوالمختار.

و أمّا سائر الأقوال:

فاختار صاحب الفصول كونه حقيقة في الشأن أيضاً، و اختار صاحب الكفاية كونه حقيقة في الشيء أيضاً. و الظاهر عدم صحّة كلا النظرين.(1)

أمّا الأوّل، فانّه استدل له بقولهم: «شَغَله أمر كذا، أي شأن كذا و لكنّه أوّل الكلام إذ الظاهر أنّ المراد، الفعل والحادثة.

وأمّا الثاني: فقد استدلّ له بقولهم: «رأيت اليوم أمراً عجيباً»، أي شيئاً عجيباً. ولكنّه غير صحيح، لعدم صحّة استعمال لفظ الأمر مكان «الشيء»، فانّ«الشيء» من المفاهيم العامة الشاملة للواجب، والجوهر، والعرض، والفعل. و لا يصحّ توصيف الثلاثة الأُولى بأنّها أمر، فلا يقال: «الله أمر»، أو: «العقل أمر»، أو : «البياض أمر» مثلاً إذا رأى أحدنا إنساناً عجيباً، لا يقول: «رأيت أمراً عجيباً» و أمّا المثال فلو صحّ، فلفظ الأمر فيه ليس إلاّ بمعنى الفعل، ولو أُريد منه الشيء لكان استعماله مجازاً.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات لما رأى أنّ الأمر لا يرادف معنى «الشيء» ، عدل عنه ،و قال: إنّه حقيقة في أمرين:

1ـ في الطلب في إطار خاص.

2ـ في الشيء الخاص، و هو الذي يتقوّم بالشخص من فعل أو صفة أو نحوهما، في مقابل الجواهر و بعض أقسام الأعراض، وهو بهذا المعنى قد ينطبق على الحادثة و قد ينطبق على الشأن، و قد ينطبق على الغرض.(2)


(1) كفاية الأصول: 1/89.
(2) المحاضرات: 2/7، وقد عدل عنه في الدورة الأخيرة لا بشكل جوهري، فقال في جانب المعنى الأوّل: إنّ مادة الأمر لم توضع للطلب الخاص بل وضعت لإبراز الأمر الاعتباري النفساني.


(304)

يلاحظ عليه: أنّه لم يثبت استعماله في معنى الصفة أو الشأن أو الغرض، و إنّما استعمل في معنى الفعل وهو أن يكون ذا شأن و متعلقاًللغرض ومصداقاً له.

بقيت في كلام المحقّق الخراساني ملاحظة و هي أنّه استند في استعمال الأمر في معنى الفعل أو الفعل العجيب بآيتين.

الأُولى، قوله تعالى: (وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشيد) .(1)

الثانية، قوله سبحانه:(وَلَمّا جاءَأَمْرُنا) .(2)

والظاهر أنّ المراد من الأمر فيهما هو الطلب الخاص، أمّا الآية الأُولى فبقرينة قوله قبل ذلك: (وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِ آياتِنا وَسُلْطان مُبين* إِلى فِرْعَونَوَمَلاَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَفِرْعَوْنَ وَ ما أَمْرُ فِرْعَونَ بِرَشيديَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَورَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَورُودُ) .(3) و الظاهر أنّ المراد من «الأمر» في كلا الموردين هو الطلب الخاص.

وأمّا الثانية فلأنّ هذا اللفظ ورد في القرآن في الموارد التالية:

(حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ ) .(4)

(وَلَمّا جاءَأَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) .(5)

(فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ).(6)

(فَلَمّا جاءَأَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سِافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها) .(7)

(وَلَمّا جاءَأَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) .(8)

والمراد في الجميع ، هو أمره التكويني الصادق على العذاب، لا الفعل العجيب. نعم أمره هنا منطبق على الفعل، لكنّه مصداقه لا مفهومه فهو من قبيل خلط المصداق بالمفهوم. نعم صرّح في المقاييس أنّ الإمر ـ بكسر الهمزة ـ يستعمل


(1) هود:97.
(2) هود:58.
(3) هود:96ـ98.
(4) هود:40
(5) هود:58
(6) هود:66
(7) هود:82.
(8) هود:94.


(305)

بمعنى العجيب، مستدلاً بقوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) .(1)

فالظاهر أنّ لفظ الأمر ـ بفتح الهمزة ـ لا يستعمل إلاّ في الطلب والفعل (2) مضافاً إلى المعاني الثلاثة الأخيرة التي هي خارجة عن بحثنا.

هذا معناه اللغوي، وأمّا المعنى المصطلح بين الأُصوليين فقد قيل إنّه حقيقة في القول المخصوص (صيغة «افعل)» وبما أنّّه بهذا المعنى غير قابل للتصرّف، فسره المحقّق الخراساني بأنّ المراد منه الطلب بها. والظاهر عدم ثبوت اصطلاح خاص لهذا اللفظ ، و من القريب بقاؤه على معنى الطلب الذي يعبّر عنه في اللغة الفارسية بـ«فرمان» و «الطلب» بالصيغة المخصوصة من مصاديقه كالطلب بالإشارة والكتابة وغيرهما.

هذا حال المعنى اللغوي، فلو ورد في القرآن والحديث لفظ وعلم ظهوره في أحد المعنيين (الفعل والطلب)، فيتّبع ظهوره، وإلاّ يتوقّف في تفسير الأمر و أمّا من حيث العمل فيرجع إلى الأُصول العملية(3).

1ـ مادّة الأمر

المبحث الثاني

في اعتبار العلو و الاستعلاء في معنى الأمر و عدمه

هل يعتبر في صدق مادة الأمر وجود العلوّ في الأمر، فلا يصدق الأمر إذا كان عن المساوي أو السافل، أو لا يعتبر استعلاؤه، فيكون الطلب من العالي أمراً،


(1) الكهف:71.
(2) و أمّا استعماله في معنى الشيء في الكتب العلمية مثل قولهم: ينبغي التنبيه على أُمور، أو بقيت أُمور فهو اصطلاح حادث.
(3) والظاهر أنّه ليس في الكتاب والسنّة مورد يتوقّف فيه في معنى الأمر فلا ثمرة عملية للبحث.


(306)

وإن كان مستخفض الجناح، كما اختاره المحقّق الخراساني؟(1)

أو يعتبر كلاهما، فلا تعدّ مكالمة المولى عبده على طريق الاستدعا، أمراً كما اختاره سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ؟

أو يكفي أحدهما باعتبار تقبيح الطالب السافل المستعلي، عمّن هو أعلى منه، وتوبيخه بمثل: «أتأمره!» كما عليه البعض؟.

أو لا يعتبر واحد منهما، كما اختاره المحقّق البروجردي؟

الظاهر هوالثاني، أمّا اعتبارالعلو، فلتبادره من لفظ «الأمر» في اللغة العربية، و من لفظة «فرمان» في الفارسية. وصحّة سلب «الأمر» من طلب السافل، و لذا يذم خطاب الداني للعالي أو للمساوي بلفظ «إفعل» و ذلك آية أخذه فيه.

والمراد من العلو، هو العلو الاعتباري الذي يختلف حسب الأوضاع الاجتماعية، فربّ عال في زمان ماض، سافل في اليوم الحاضر، وأمّا العلو الحقيقي الذي لا يتغيّر، فليس مراداً هاهنا.

وأمّا اعتبار الاستعلاء فلعدم صدق الأمر إذا كان طلب العالي من السافل بلسان الاستدعاء، وانكاره مكابرة.

ويشهد له قول بريرة: «أتأمرني يا رسول الله؟» قال: «لا بل أنا شافع»(2) فلو كان مجرّد العلو كافياً لما انفكّ طلبه عن كونه أمراً.

دليل القول بعدم اعتبارهما

استدل المحقّق البروجردي على عدم أخذ واحد منهما في صدق الأمر


(1) كفاية الأُصول: 1/91.
(2) روى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس: «لما خُيِّرتْ بريرة رأيت زوجها يتبعها في سكك المدينة و دموعه تسيل على لحيته، فكلّم العباس ليكلّم فيه النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم لبريرة أنّه زوجكِ، فقالت تأمرني يا رسول الله، قال إنماأنا شافع. قال: فخيّرها، فاختارت نفسها»(مسند أحمد:1/215).


(307)

بقوله:«إنّ حقيقة الطلب على قسمين: قسم يطلب فيه انبعاث المطلوب منه من نفس الطلب، بحيث يكون داعيه و محرّكه إلى الامتثال صرف هذا الطلب، و هذا ما يسمّى أمراً. و قسم يقصد فيه انبعاث المطلوب منه من الطلب منضمّاً إلى بعض المقارنات التي توجب وجود الداعي في نفسه، كطلب المسكين من الغني، و هذا القسم من الطلب يسمّى التماساً. والقسم الأوّل يناسب العالي. ولا يراد منه كون الطالب عالياً، مأخوذاً في مفهوم الأمر، حتّى يكون معنى «آمرك بكذا»، أطلب منك و أنا عال فعلى هذا حقيقة الطلب على قسمين غاية الأمر أنّ القسم الأوّل منه حقّ من كان عالياً و مع ذلك لو صدر عن السافل بالنسبة إلى العالي كان أمراً أيضاً و لكن يذمّه العقلاء على طلبه بالطلب الذي ليس شأناً له فيقولون أتأمره ، كما أنّ القسم الثاني يناسب شأن السافل ولو صدر عن العالي أيضاً لم يكن أمراً فيقولون لم يأمره بل التمس منه و يرون هذا تواضعاً منه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ تقسيم الطلب إلى قسمين، و إن كان تقسيماً صحيحاً، لكن الكلام في كيفية وضع لفظ الأمر للقسم الأوّل فما هو المخصِّص لعدم شموله للقسم الثاني فلابدّ أن يضمّ إلى معنى الطلب شيء آخر، حتّى يصدّه عن الشمول للقسم الآخر، فما هو ذاك القيد؟ فهل هو:

1ـ ما يكون الانبعاث من نفس الطلب، و هو كما ترى.

2ـ ما يكون الطالب، عالياً بالنسبة إلى المطلوب منه.

ولا ثالث، والثاني هوالمتعيّن، ولا يعنى دخول العلو بالمعنى الاسمي في مدلول الأمر حتّى يكون معنى قوله: «آمرك» أي أطلب منك و أنا عال و لو فسّر بذلك فهو من قبيل زيادة الحدّ على المحدود، بل يراد دخوله على وجه الإجمال.

بقي هنا قولان:


(1) نهاية الأُصول:1/75ـ 76 بتلخيص.


(308)

الأوّل : قول المحقّق الخراساني بلزوم العلو دون الاستعلاء، لصدقه على ما إذا كان الطالب عالياً و كان مستخفضاً لجناحه.

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر عدم صدقه إذا كان بلسان الاستدعاء وكان الكلام خارجاً عن دائرة المولوية والعبودية. و قدعرفت كلام «بريرة».

الثاني: كفاية أحدهما لا بعينه ، أمّا كفاية العلو، فلما ذكره المحقّق الخراساني من صدق الأمر و إن لم يكن هناك استعلاء.

يلاحظ عليه بما مرّ من عدم صحّته بشهادة حديث بريرة.

وأمّا كفاية الاستعلاء و إن لم يكن عالياً فلتوبيخ الطالب السافل المستعلي على العالي بمثل «لِمَ تأمره؟».

ويلاحظ عليه: أنّ التوبيخ لاستعلائه على المخاطب لا على أمره وأمّا إطلاق لفظ الأمر فمن باب المشاكلة لأنّ استعلائه كاشف عن تخيّل علوّه فيطلق عليه لفظ الأمر من منظاره لا أنّه أمر حقيقة وواقعاً.

1ـ مادّة الأمر

المبحث الثالث

في دلالة مادة الأمر على الوجوب

كان الأولى البحث عن مفاد مادة الأمر و صيغته في مقام واحد روماًللاختصار، و لأجل ذلك نجمل الكلام هنا، ونشرحه عند البحث عن صيغة الأمر فنقول:

لا شكّ أنّ الإنسان ينتقل من سماع لفظ «الأمر» إلى لزوم الامتثال وعدم جواز الترك الذي نعبّر عنه بالوجوب و يؤيد هذا الانسباق والتبادر (1) أُمور:


(1) سيوافيك أنّ الانسباق مستند إلى ضابطة عقلائية بين الموالي والعبيد وأنّه يجب على العبد في دائرة المولوية والعبودية الإتيان بالمأمور به حتّى يقوم الدليل على أنّه مرخّص في تركه، ووجود التبادر مسلّم ، لكن كون اللفظ مصدراًله غير ثابت إذ يحتمل أن يكون الانسباق نتيجة الإطلاق أو وجود ضابطة بين العقلاء من أنّ البعث لا يترك بلا جواب وهو إمّا الانبعاث أووجود الدليل على جواز الترك كما سيوافيك.


(309)

1ـ التحذير من مخالفة أمر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في قوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ).(1)

2ـ توبيخ إبليس ـ لعنه الله ـ على مخالفة أمره سبحانه، قال:( ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) .(2)

3ـ مدح الملائكة بأنّهم لا يعصون أمر الله سبحانه في قوله: (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ) .(3)

4ـ الإخبار عن أنّ الأمر بالسواك يلازم المشقّة، في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك».(4)

إلى غير ذلك من الآيات و الروايات التي تدلّ على أنّ مطلق الأمر يلازم الحذر، و صحّة التوبيخ، وأنّ مخالفته عصيان، والأمر بالشيء يلازم المشقة، أو السجن على المخالفة كما في قول امرأة العزيز: (وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرهُ لَيُسْجَنَنَّ).(5)

إنّما الكلام في منشأ هذا التبادر، و أنّه هل هو مدلول لفظي وضعي لذاك اللفظ، أو مدلول إطلاقه أو أنّه يستفاد من دليل آخر.

وإن شئت قلت: أهو بدلالة اللفظ عليه بأن يكون اللفظ موضوعاً للوجوب؟ أو هو مقتضى الإطلاق وأنّ الطلب يساوق الوجوب، و غيره يحتاج إلى


(1) النور:63.
(2) الأعراف:12.
(3) التحريم:6.
(4) وسائل الشيعة، كتاب الطهارة ، أبواب السواك، الباب 3 ، الحديث 4.
(5) يوسف:32.


(310)

الدليل، كما أنّ مقتضاه كون الوجوب نفسياً و عينياً و تعييناً، لأنّ غيرها، أي كونه غيرياً كفائياً تخييراً، يحتاج إلى الدليل، كما سيوافيك بيانه. أو هو مقتضى العقل؟ احتمالات ثلاثة.

لا سبيل إلى الأوّل و ذلك لأنّ الظاهر أنّ الوجوب و الندب ليسا من مداليل لفظ الأمر أو صيغته بل هما من المفاهيم الانتزاعية، المنتزعة من الطلب المقارن بما يدلّ على شدّة علاقة المولى بالإتيان بالمأمور به وعدمها. ومادة الأمر وضعت لمعنى ضدّ النهي و يعبّر عنه في اللغة الفارسية بـ «فرمان» كما أنّ هيئة «إفعل» وضعت للبعث، و هيئة «لا تفعل» للزجر، و إنّما ينتزع الوجوب والندب من المقارنات، فإن أمر المولى بشيء واقترن الأمر بما دلّ على عدم رضاه بتركه انتزع منه الوجوب. كما أنّه إذا أمر به و اقترن به يدلّ على رضاه بتركه في عين رجحانه، انتزع منه الندب. فإذاً، ليس الوجوب والندب من مداليل لفظ الأمر أوهيئة « إفعل» بل كلاهما من المفاهيم الانتزاعية، فكيف يمكن استظهار واحد منهما من حاق اللفظ.

والاحتمال الثاني قريب جدّاً و سيوافيك بيانه عند البحث في كون مقتضى الإطلاق كون الأمر بالصيغة نفسياً، عينياً، تعيينياً باعتبار أنّ المخالف في نظر العرف يحتاج إلى بيان زائد دون الثلاثة و في المقام نقول إنّ الوجوب في نظر العرف يساوق الطلب و الندب يتوقّف على بيان زائد.

و الاحتمال الثالث هو الأقرب لأنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل المؤمِّن من العقوبة و أنّه ليس له تركه باحتمال أنّ المولى راض بتركه، ولا يعني من الوجوب إلاّ حكم العقل بلزوم تحصيل المؤمِّن من العقوبة.

وعلى هذا: إذا بعث المولى و لم يدلّ دليل على ترخيصه الترك، تصحّ عقوبته إذا تركه باحتمال ترخيصه إذا كان غير مرضيّ الترك عند المولى، هذا مجمل القول و سيوافيك تفصيله عند البحث في صيغة الأمر.


(311)

وعلى كلّ تقدير فدلالة مادة الأمر على الوجوب، لا تستلزم دلالة الصيغة عليه أيضاً، لإمكان وجود السعة في الصيغة دون المادة، بأن يجوز استعمال الصيغة في الندب والإرشاد دون المادة و لذلك عقد الأُصوليون في المقام بابين: باباً لمادة الأمر، و باباً لصيغته.

1ـ مادة الأمر

المبحث الرابع

في وحدة الطلب والإرادة وعدمها

كان الأولى تأخير البحث فيها، عن البحث في مفاد هيئة الأمر الذي عقد له الفصل الثاني و على كلّ تقدير فالمناسب للبحث الأُصولي هو البحث عن حقيقة الطلب والإرادة و وحدتهما أو تعدّدهما. وأمّا البحث في الجبر والتفويض فهو بحث كلامي أو فلسفي انتهى بحث المحقّق الخراساني إليه و نحن نفرّد لكلّ بحث باباً خاصاً حتّى لا يختلط البحثان ونقدّم البحث عن حقيقة الطلب والإرادة و اتّحادهما على البحث الآخر فنقول:

إنّ الفتوحات الإسلامية أوجبت اختلاط المسلمين بأصحاب المذاهب المنتحلة لغير الإسلام، و صار ذلك سبباً لدخول عدّة من المسائل الفلسفية والكلامية في الأوساط الإسلامية و لذلك نرى أنّ لكثير من الأبحاث الكلامية المعنونة في كتب المسلمين جذوراً في كتب الأُمم السالفة من اليهود والنصارى وغيرهم خصوصاً ما يرجع إلى الله سبحانه و أسمائه و صفاته و النفوس والعقول.

غير أنّ أكثر ما بأيدينا من الكتب خلت من الإشارة إلى جذور المسائل و أُصولها و كيفية ورودها إلى الأوساط الإسلامية.

ومن تلك المسائل وصفه سبحانه بكونه متكلّماً و هل هو وصف ذاتي له أو


(312)

فعلي؟ و قد انتهى البحث في كونه متكلّماً إلى البحث الدارج بين النصارى، من كون كلامه قديماً أوحادثاً فبما أنّ المسيح عندهم هو الله المتجسّد، وفي الوقت نفسه هو كلمة الله، ذهبوا إلى كون كلامه قديماً، فاغترّالمسلمون (كأهل الحديث و الأشاعرة) فذهبوا إلى كون كلامه كالقرآن قديماً و لم يقفوا على أنّ القديم عند النصارى هو كلمته أي المسيح الذي هو الله. و أين ذلك من القرآن النازل من عنده إلى رسوله و هو فعله. و قد بلغت تلك الأبحاث، خصوصاًما يرجع إلى خلق القرآن وقدمه القَّمة في عصر العباسيين حتّى أُريقت لأجلها الدماء المحرّمة.

وحاصل البحث أنّ صفاته تعالى على قسمين: صفة ذات، و صفة فعل. والأُولى هي القائمة بذاته ولا يصحّ سلبها عنها أبداً، كعلمه و قدرته و حياته، فلا يقال: يعلم و لا يعلم. والثانية، ما تنتزع من فعله سبحانه، ككونه رازقاً و خالقاً، وغيرهما فإنّها صفات تنتزع من فعله أعني: إيجاد العالم و رزقَ عباده بمواهبه الأرضية والسماوية، و هذه يصحّ ورود السلب عليها، فيقال: يرزق فلاناً ولا يرزق آخر، و يخلق كذا ولا يخلق كذا.

وقد وقع الكلام في تكلّمه سبحانه: هل هو من صفات فعله، أو من صفات ذاته. ذهبت المعتزلة و الإمامية إلى الأوّل، وأهل الحديث وتبعهم الأشاعرة إلى الثاني.

فقالت المعتزلة: كلامه تعالى أصوات وحروف يخلقها سبحانه في غيره كالشجر و الجبل، كما هو الحال في تكليمه سبحانه موسى، قال تعالى: (فَلَمّا آتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئ الْوادِ الأَيْمَنِ فِي البُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنّي أَنَا اللّهُ رَبُّ الْعالَمين) .(1)

وقال أهل الحديث: كلامه تعالى حروف و أصوات تقوم بذاته، و هوقديم. و قد بالغوا فيه حتّى قال بعضهم جهلاً: الجلد والغلاف أيضاً قديمان ، فضلاً عن


(1) القصص:30.


(313)

المصحف.

وقالت الكرامية: إنّ كلامه حروف وأصوات و أنّها حادثة قائمة بذاته، لتجويزهم قيام الحوادث بذاته تعالى.(1)

وكان هذا الرأي هو النظر السائد بين أهل الحديث، ولما التحق بهم الشيخ أبو الحسن الأشعري(2) وتاب من الاعتزال، أخذ بإصلاح عقيدتهم بقدر ما يمكن، و لمّا رأى أنّ القول بقدم الحروف والكلمات في غاية السخافة، قال بحدوثها وأنّ القديم من كلامه سبحانه هو الكلام النفسي، و هو صفة قائمة بذاته، وهو غير العلم في الجمل الخبرية، وغير الإرادة والكراهة في الجمل الإنشائية كالأوامر والنواهي.

وبما أنّ سخافة نظرية أهل الحديث واضحة، نركِّز البحث حول رأي الفريقين: المعتزلة والأشاعرة، ثمّ نأتي بما هو الحقّ في توصيفه سبحانه بالتكلّم فنقول:

إنّ اختلاف الأشاعرة والمعتزلة في صفة تكلّمه يرجع إلى قبول أحد القياسين التاليين فالأشاعرة نظرت إلى أنّ كلامه صفة له تعالى، و كلّ ما هو صفة له فهو قديم، فينتج: أنّ كلامه قديم. و لمّا كانت الحروف والأصوات أُموراً حادثة، والأُمور الحادثة لا تليق بذاته ذهبوا إلى أنّ كلامه ليس من جنس الحروف والأصوات بل معنى قائم بذاته يسمّى الكلامَ النفسي، وهو مدلول الكلام اللفظي المركّب من الحروف والأصوات.

والمعتزلة نظرت إلى أنّ كلامه تعالى مؤلّف من أجزاء مترتّبة متعاقبة في الوجود، و كلّما كان كذلك فهو حادث، فقالوا : إنّ صفة تكلّمه عبارة عن خلقهما في الأجسام كشجرة موسى وغيرها. قالوا بأنّ كلية الكبرى، وهي أنّ كلّ ما هو


(1) شرح التجريد، للقوشجي، ص 416.
(2) اقرأ حياته و آراءه في الجزء الثالث من كتاب بحوث في الملل و النحل.


(314)

صفة له فهو قديم ممنوعة، لكون صفاته على نوعين: صفة ذات و صفة فعل. و ما هو قائم بذاته و قديم، إنّما هو صفة الذات لا صفة الفعل.

ما هو المقصود من الكلام النفسي؟

المشكلة كلّها هي في توضيح ما هو المقصود من الكلام النفسي القائم بذاته، الذي هو ـ في الوقت نفسه ـ غير العلم في الإخبار، و غير الإرادة و الكراهة في الإنشاء. وقد حاول متأخّروا الأشاعرة توضيحه، و إليك فيما يلي نصوص أعلامهم:

1ـ قال السيد الشريف في شرح المواقف : «هذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن بل نقوله و نسمِّيه كلاماً لفظياً ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى و لكنّا نثبت أمراً وراء ذلك، و هو المعنى القائم بالنفس الذي يعبَّر عنه بالألفاظ، وهو الكلام حقيقة و هو قديم بذاته تعالى، وأنّه غير العبارات ، و تختلف العبارات ولا يختلف المعنى، و ليس تنحصر الدلالة عليه، إذ قد يدلّ عليه بالإشارة و الكتابة، و لأجل ذلك قيل:

إنّ الكلام لفي الفــؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

و الطلب الذي هو معنى قائم بالنفس لا يتغيّر مع تغيير العبارات.(1)

و بهذا البيان حاولت الأشاعرة إثبات وصف ذاتي له سبحانه وراء العلم في الإخبار و وراء الإرادة و الكراهة في الإنشاء.

2ـ و قال متكلّم الأشاعرة القوشچي في تقريب مقاصدهم: «إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك، يجد في نفسه معاني يعبّر عنها بالألفاظ التي يسميّها بالكلام الحسّي. فالمعنى الذي يجده في نفسه و


(1) المواقف، ص 77، ولاحظ إحياء العلوم للغزالي، ج1، في صفاته سبحانه.


(315)

يدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات و يقصد المتكلّم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الذي نسميه الكلام النفسي».(1)

وقال الفضل بن روزبهان في ردّه على العلاّمة في كتاب نهج الحق، :«إذا أراد المتكلّم بالكلام، فهل يفهم من ذاته أنّه يزور ويرتّب المعاني فيعزم على التكلّم بها، كما أنّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فانّه يرتّب معاني و أشياء و يقول في نفسه سأتكلّم بهذا؟ فالمنصف يجد في نفسه هذا البتّة».(2)

وما ذكره القوشجي وابن روزبهان أوضح ما قيل في تفسير الكلام النفسي، و أمّا غيرهما فقد تحدثوا عنه فلم يأتوا بشيء واضح.

نقد النظرية

لا يخفى أنّ ما ذكروه لا يفيد شيئاً، فإنّ ترتيب المعاني في الذهن لا يقتضي أكثر من تصوّرها قبل النطق، فلو كان المعنى من مقولة الإخبار، فيرجع الكلام النفسي إلى صفة العلم بالمعنى، مع أنّهم يريدون أن يثبتوا وصفاً غيره، و يسمّونه بالكلام النفسي. و إن كان من مقولة الإنشاء، فالموجود في الذهن هو الإرادة والكراهة في مورد الأمر و النهي أو مقدّماتهما كتصوّر المرجّحات والتصديق بها، و ليس هناك شيء آخر وراءهما و وراء مقدّماتهما نسمّيه بالطلب النفسي، كما لا يخفى.

استدلالهم على وجود الكلام النفسي في مورد الإخبار

إذا وقفت على مقصودهم من الكلام النفسي، يقع الكلام في استدلالهم على وجوده في الإخبار ـ و هو غير العلم فيه، وفي الإنشاء ـ و هو غير الإرادة والكراهة


(1) شرح التجريد للقوشجي، ص 420.
(2) المحقق الشيخ محمد حسين المظفر: دلائل الصدق:1/146.


(316)

ـ فيه. و إليك نقل دلائلهم في المجالين من دون خلط أحدهما بالآخر.

استدل السيدالشريف شارح المواقف، وتبعه الفضل بن روزبهان على أنّ الكلام النفسي غير العلم في الإخبار، بأنّ الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه. فالإخبار عن الشيء، غير العلم به.

يلاحظ عليه: أنّ مقصود المخالف من رجوع الكلام النفسي إلى العلم، هو رجوعه إلى التصوّر دون التصديق. فالمخبر الشاكّ يتصوّر الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية، ثمّ يخبر. وهذا من أقسام العلم بمعنى التصوّر ، و إن لم يكن التصديق موجوداً، فالمستدلّ لم يفرق بين العلم بمعنى التصوّر و العلم بمعنى التصديق، فجعل عدم التصديق دليلاً على انتفاء العلم مطلقاً، تصوّراً كان أم تصديقاً.

وبالجملة : إنّ الموجود في الجملة الخبرية لا يخرج عن إطار العلم، إذ هي مشتملة على تصوّر مفرداتها ومعانيها، وهيئاتها و معانيها، والتصديق بمطابقتها للواقع، و كلّها من مقولة العلم، الأعم من التصوّر والتصديق. و المستدل خلط العلم الذي هو المقسم للتصور والتصديق والعلم بمعنى التصديق الجازم الذي هو قسم من مطلق العلم والإخبارات: مفرداتها وقضاياها و نسبها كلّها من مقولة العلم، غاية الأمر أنّها إذا كانت مقترنة بالجزم و اليقين، تتحقّق جميع عناصر العلم من التصوّر والتصديق، ولا تنحصر بالتصوّر.

استدلالهم على الكلام النفسي في مورد الإنشاء

استدلّت الأشاعرة على وجود الكلام النفسي المعبّر عنه بالطلب في الجمل الإنشائية بوجوه:

الأوّل: ما ذكره شارح المواقف من أنّ الرجل قد يأمر بما لا يريده، كأمره للاختبار، فهنا طلب ولا إرادة.


(317)

والجواب عنه واضح، فانّ الأوامر الاختبارية على قسمين: قسم تتعلّق الإرادة فيه بنفس المقدّمة و إن كان نفس الفعل غير مراد. كما في الأمر بذبح إسماعيل، فانّ المقصود هوتزكية إبراهيم بهذا العمل حيث يؤثر رضا ربِّه على عواطفه النفسانية، وهو يحصل بالتهيّؤ للعمل، بالإتيان بالمقدّمات.

ولذلك لمّا أتى بها إبراهيم، أوحى الله إليه: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا). (1) وقسم تتعلق الإرادة فيه بنفس الإنشاء، دون المقدّمة و ذيها كما في أمر الوالد، ولده بالأمر، حتى يجرّبه هل هو يستطيع للأمر أو لا. وفي كلا القسمين لاينفكّ الطلب عن الإرادة.

الثاني: أنّ العصاة والكفّار مكلّفون بما كلّف به أهل الطاعة والإيمان. وتكليفهم لا يكون ناشئاً من إرادة الله سبحانه، وإلاّ لزم تفكيك إرادته عن مراده، فلابدّ أن يكون هناك مبدأ آخر للتكليف وهو الطلب . وهذا يدلّ على تغاير الإرادة والطلب أوّلاً، ووجود صفة أُخرى في ذاته غير الإرادة.

وحاصل الاستدلال: أنّ الأمر في مورد العصاة والكفّار لا يخلو من حالتين:

1ـ إمّا أن تكون هناك إرادة من الله بالنسبة إليهما.

2ـ أو لا تكون إرادة منه إليهما.

فعلى الأوّل يكون هؤلاء مكلّفين لكن يلزم تفكيك المراد من الإرادة، بشهادة المخالفة.

و على الثاني، يلزم عدم كونهم مكلّفين، فلا يصحّ العقاب.

وأجاب عنه المعتزلة بأنّ إرادته سبحانه إنّما لا تنفك لو تعلّقت بفعل نفسه، قال سبحانه: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (2) لا ما إذا تعلّقت بفعل الغير المطلوب منه، صدوره عنه عن حرّية واختيار، فلا محالة يكون الفعل


(1) الصافات:105.
(2) يس:82.


(318)

مسبوقاً باختيار العبد و انتخابه، وعندئذ يتوسّط بين إرادته سبحانه و نفس الفعل، انتخاب العبد واختياره و إرادته، فإن أراد العبد، يتحقّق الفعل، وإن لم يرد، لم يتحقّق و هذا ما يسمّى بالإرادة التشريعية.

فإذا توافقتا فلابدّ من الإطاعة و الإيمان و إذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان.(1)

يلاحظ عليه: أنّ تعلّق الإرادة بفعل الغير لا معنى له، فانّها إنّما تتعلّق بالأفعال الواقعة تحت اختيار المريد. و ما يقع تحت اختياره، إنّما هو أفعال نفسه، لا أفعال الغير، فتفسير الإرادة التشريعية بتعلّق الطلب بفعل العباد ممّـا لا أساس له، بل الإرادة، تكوينية كانت أو تشريعية، تتعلّق بفعل نفسه سبحانه، غاية الأمر تارة يكون المتعلّق إيجاد شيء في الخارج و في صحيفة التكوين، و أُخرى يكون المتعلّق نفس الإنشاء والبعث، و الكلّ فعل له سبحانه، و ليست الإرادة في كلا القسمين منفكّة عن المراد، غير أنّ المراد في الأُولى هو الإيجاد، وفي الثانية هو البعث الإنشائي والمراد في كلا القسمين متحقّق.

وبذلك يتّضح الجواب عن استدلال الأشاعرة من أنّه لولا التعدّد والتغاير للزم إمّا أن لا تكون في مورد العصاة والكفّار إرادة فيلزم عدم كونهما مكلّفين أو تكون إرادة فيلزم انفكاك الإرادة عن المراد. فانّا نختار الشق الثاني، ولا يلزم التفكيك، لأنّ متعلّق الإرادة في التشريعية هو البعث الإنشائي، و هو محقّق، لا تحريك العبد تكويناً، نعم أراد تحريكه عن اختيار ه، فإن امتثل حصل المطلوب، وإن لم يمتثل حصل المطلوب الآخر، وهو إتمام الحجّة.

والفرق بين الجوابين(2) واضح بعد اشتراكهما في كون الكفّار والعصاة مكلّفين لكن الإرادة عند المعتزلة على قسمين: قسم تتعلّق بفعل النفس ولا تنفكّ هذه


(1) كفاية الأُصول:1/99، والجواب للمعتزلة.
(2) جواب المعتزلة ، وجوابنا عن استدلال الأشاعرة.


(319)

الإرادة عن المراد، و قسم تتعلّق بفعل الغير (كما في مورد الكفّار والعصاة) فربّما تنفكّ عنه و أمّا على المختار فللإرادة قسم واحد و هو أنّها تتعلّق بفعل النفس أي فعل المريدو هي دائماً لا تنفكّ عن المراد و في موردهما تعلّقت الإرادة بالبعث و هو غير منفكّ عنها لا صدور الفعل عنهما.

الثالث: ما ذكره الفضل بن روزبهان، قال: إنّ كلّ عاقل يعلم أنّ المتكلّم من قامت به صفة التكلّم، و خالق الكلام لا يقال إنّه متكلّم، كما أنّ خالق الذوق لا يقال إنّه ذائق،، فيجب أن يكون كلامه قائماً بنفسه و ذاته، و ليس هو إلاّ الكلام النفسي.(1)

يلاحظ عليه: أنّه مبني على أنّ الهيئة موضوعة للدلالة على القيام الحلولي وعلى ذلك فلابدّ أن يكون الكلام حالاً في ذاته. و بما أنّ الأصوات والحروف غير قابلة للحلول، فلابدّ أن يكون اتّصافه بالتكلّم على نحوالكلام النفسي، أي المعاني القائمة بذاته.

و لكنّه مردود، لأنّها موضوعة على قيام المبدأ بالذات بنحو من الأنحاء، والقيام قد يكون على نحو الصدور والإيجاد كما في الضارب، و قد يكون على نحو الحلول كالحيّ والميّت، و قد يكون لأجل الممارسة بالمبدأ كالتمّار لبائع التمر واللبّان لبائع اللبن. و ليس صدق المشتقّات بإحدى هذه الملابسات، قياسياً، فربّ مشتق يستعمل مع مناسبة ولا يستعمل آخر معها، و لأجل ذلك يصدق عليه سبحانه: المتكلّم، بملابسة الإيجاد، ولا يصدق عليه الذائق، بهذه الملابسة مع كونه خالقاً للذوق، ولا يصدق عليه القائم والساكن باعتبار إيجاد القيام والسكون في غيره.


(1) المحقق الشيخ محمد حسين المظفر: دلائل الصدق:1/147 . اعلم أنّ الأدلة السابقة كانت مسوقة لبيان تعدّد الطلب و الإرادة، بخلاف هذا الدليل و ما بعده، فانّهما مركّزان على أن تتبيّن كيفية تكلّمه وأنّه ليس إلاّ النفسي. و ليس له صلة بوحدة الطلب والإرادة.


(320)

و يمكن أن يقال: إنّ اختلاف المبادئ من حيث التعدية و اللزوم يوجب صدق بعض المشتقّات عليه دون بعض. فما كان منها متعدّياً، يكفي فيه الإيجاد والصدور، ويستند إليه سبحانه، كالقابض والباسط والمتكلّم. و ما كان من قبيل اللازم، يشترط فيه الحلول، فلا يطلق عليه سبحانه، كالنائم والذائق والقائم.

أضف إليه النقض بتكليمه سبحانه موسى فانّه يصدق عليه أنّه متكلّم في هذه المرحلة بإيجاده الأصوات والحروف في الشجرة والجبل، فكيف لا يصحّ إطلاق هذا الاسم أو الوصف عليه بملابسة الإيجاد.

الرابع: أنّ الكلام كما يصحّ إطلاقه على الكلام اللفظي كذلك يصحّ إطلاقه على الكلام الموجود في النفس كما في قوله سبحانه: (وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُور) .(1) فأطلق «القول» على الموجود في الذهن. و قوله: (إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ) .(2)

والإجابة عن هذا الاستدلال واضحة، فالآية الثانية راجعة إلى نيّة السوء كما عليه المفسّرون، و لاصلة لها بالكلام، و إطلاق القول في الآية الأولى على الموجود في الضمير من باب العناية، فانّ القول من التقوّل باللسان فلا يطلق على الصورة المتصوّرة، وهذا نظير ما يقال: إنّ في نفسي كلاماً، أو أنّ قلبي كتاب كتبت فيه الأسرار، إلى غير ذلك.

والحاصل: ماذا يعنى الأشاعرة من الكلام النفسي؟ أيريدون المعاني المنتظمة في النفس التي يعبّر عنها بالألفاظ، فهي إمّا تصوّر، أو تصديق، أو إرادة أو كراهة، و الجميع لا تخرج عن مقولة العلم و الإرادة و الكراهة. وهم يدّعون أنّ الكلام النفسي وراءها. أم يريدون الألفاظ الذهنية المطابقة للألفاظ الخارجية فهي أيضاً من الصور الذهنية الداخلة تحت مقولة العلم.


(1) الملك:13.
(2) البقرة:284.


(321)

إلى هنا اتضح انّ تفسير وصفه سبحانه بالمتكلّم، بجعله صفة ذاتية، غير معقول، وأنّ ما ذكره المحقّق الطوسي من أنّ الكلام النفسي غير معقول، ومثله صاحب القوانين، واضح جدّاً.

إلى هنا تبيّنت عدّة أُمور:

1. المراد من الكلام النفسي.

2. دلائل الأشاعرة عليه.

3. فساد تلك الأدلّة.

وحدة الطلب والإرادة و تعدّدهما عند غير الأشاعرة

إذا علمت بطلان الكلام النفسي فلنرجع إلى وحدة مفهومي الطلب والإرادة أو تعدّدهما مع غضّ النظر عن الكلام النفسي، إذ على القول به يكون الطلب غير الإرادة قطعاً، و إلاّ لم يتحقّق الكلام النفسي. وعلى ذلك القول فانّ مصداق الطلب، هو الكلام النفسي، و مفاد الأمر هو الإرادة. وأمّا عند غيرهم فالمعروف عند الكثير من الأُصوليين هواتّحادهما. و إن كان الحقّ خلافه كما سيتضح.

فنقول: ذهب المحقّق الخراساني إلى اتّحادهما في المراحل الثلاث أعني:

اتّحادهما مفهوماً، و إنشاءً و خارجاً.

والبحث على الأوّل لغوي أي أنّ ما وضع له لفظ الطلب هو الذي وضع له لفظ الإرادة فيصير الكلام في ترادفهما، كالكلام في ترادف لفظي الإنسان والبشر.وعلى الثاني أُصولي، أي المنشأ بلفظ «افعل» هو الطلب الانشائى والإرادة الإنشائية. وعلى الثالث عقلي، أي انّ المصداق للطلب الحقيقي في النفس هو مصداق الإرادة، و أنّ ما هو بالحمل الشائع طلب، هو أيضاً بالحمل الشائع إرادة.


(322)

و لما اختار وحدتهما في جميع المراحل، زعم انصراف الطلب إلى الإنشائي، و انصراف الإرادة إلى الحقيقية.

ثمّ زعم أنّه يتحقّق، بذلك، الإصلاح بين الطرفين، و أنّ القائل بالتغاير، يريد تغاير الطلب الإنشائي مع الإرادة الحقيقية ، والقائل بالاتّحاد، يريد عينيتهما مفهوماً، وإنشاءً، و خارجاً، هذا كلامه.(1)

نقد اتحادهما في المراحل الثلاث

أمّا المرحلة الأُولى: أي وحدتهما مفهوماً فيرد عليها أنّ ادّعاء وحدة الطلب والإرادة مفهوماً، و أنّ المتبادر من أحدهما هو المفهوم من الآخر، غيرتام، بدليل أنّه لا يجوز استعمال أحدهما مكان الآخر، فلا يقال مكان: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) : «إنّ الله يطلب منكم اليسر و لا يطلب منكم العسر»، ولا مكان: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم»: «إرادة العلم فريضة على كلّ مسلم»، كما لا يصحّ وضع الإرادة مكان الطلب في قولك: «فاطلب الرزق لعيالك» و هذا يكشف عن أنّ الموضوع له فيهما مختلف،وأنّ بينهما فرقين:

1ـ أنّ الإرادة تستعمل فيما إذا كان المراد قريب الحصول غير محتاج إلى مقدّمات كثيرة، بخلاف الطلب فانّه السعي الذي يتوقّف على مقدّمات وحركات كثيرة توصل الإنسان إلى المقصد.

2ـ أنّ الإرادة أمر قلبي جوانحي، والطلب أمر خارجي جوارحي.

أمّا المرحلة الثانية: فيرد عليها: أنّ وحدتهما إنشاءً، غير تام من أصله. فانّ الإرادة من الصفات النفسانية الحقيقية، غير قابلة للإنشاء، فانّ الأُمور الحقيقية والانتزاعية غير قابلة للإنشاء و إنّما الصالح له هي الأُمور الاعتبارية.

توضيح ذلك: إنّ الإرادة الحقيقية من الأُمور التكوينية التي لا تقبل الجعل


(1) لاحظ جملة كلامه في كفاية الأُصول:1/95ـ96.


(323)

الإنشائى كسائر الأُمور الحقيقية و انّما القابل له، هو الأُمور الاعتبارية التي لا واقع لها سوى اعتبار المعتبر، ككون زيد رئيساً للعائلة أو للجمعية، أو كونه زوجاً لهند، أو مالكاً لما اصطاده من البحر وعلى ذلك فالإرادة الحقيقية الظاهرة في لوح النفس التي تتحقق بعد تحقّق مباديها، لا تقبل الجعل و إنّما تتبّع في الوجود مبادئها فإن كانت موجودة تتحقق بعدها و إلاّفلا.

فإن قلت: ليس المقصود ، جعل الفرد الحقيقي من الإرادة، حتّى يقال إنّها تتبّع وجود مقدّماتها في لوح النفس و إنّما المقصود، جعل مصداق لها في عالم الاعتبار، كما هو الحال في جميع الأُمور الاعتبارية فانّها ليست إلاّ جعل مثال ومصداق اعتباري لأُمور تكوينية، كما هو الحال في المسألتين الماضيتين، فانّ الرأس التكويني الذي يدبّر البدن لا يقبل الإنشاء. نعم الفرد الاعتباري منه يقبله كما في رئيس العائلة والجمعية، فبما أنّه يدبّر أمرهما، كان بمنزلة الرأس فهو رأس اعتباري، و مثله مالكية الإنسان، لما اصطاده من البحر أو جنت يداه من الأشجار، فهو يملكه ، كما يملك يده و رجله، و بصره و سمعه مالكية تكوينية فالمجعول هو مثال التكوين لا نفسه.

قلت: ما ذكرته صحيح لا غبار عليه فانّ إيجاد مثال للإرادة في عالم الاعتبار، وإن كان ممكناً ـ فانّ الاعتبار على ما قلناه هو إيجاد مثال للتكوين في عالم الاعتبار ـ لكنّه بعيد في هذا المقام و ذلك لأنّ الأُمور الاعتبارية أُمور عرفية، و ترجع حقيقتها إلى جعل مثال للأمر التكويني الملموس كالزوجية والملكية وغيرهما من الصفات الموجودة في الأعيان الخارجية، فيتخيّل العقلاء مثالاً لها في الأُمور الاجتماعية، كاعتبار الزوجية بين الزوجين، والمالكية بين الإنسان و ما اكتسبه.وأمّا الأُمور النفسانية الحقيقية البعيدة عن الحس، القائمة بالنفس فلا تمسّ الحاجة فيها إلى جعل فرد اعتباري يسمّى بالإرادة الإنشائية أو بالترجّي والتمني الإنشائيين بل غاية ما يطلبه العقلاء هو إظهارها.


(324)

وأمّا الطلب فلا مانع في تصوير فرد إنشائي له و ذلك للفرق الواضح بين الإرادة والطلب فانّ الأولى اسم لأمر جانحيّ مغمور في النفس فلا يصلح لأن يجعل له مثال و هذا بخلاف الطلب فإنّه اسم لعمل خارجي فبما أنّه من الأُمور الجوارحية لا الجوانحية كما هو الظاهر من استعمالاته، (في مثل قولك:«طلبت زيداً فما وجدته»، «طلبت ضالتي» أو «طالبته» أو «أُطلب لي من فلان شيئاً)» فيصحّ جعل مثال اعتباري له في مقام المحاورة، وجعل فرد اعتباري في مقابل الفرد الخارجي فكانَ أمر المولى، بمنزلة طلبه بيده ورجله و سعيه وراء حاجته.

مثلاً: الإنسان قد يطلب خروج زيد من بيته فتارة يقوم به بالتكوين فيخرجه بيده و أُخرى ينشيء مثالاً للطلب الخارجي في عالم الاعتبار، فتكون الإشارة باليد أو الحاجب، أو الكتابة أوالتلفّظ بالأمر، قائمة مقام الطلب التكويني.

و بذلك يتضح أنّ الإرادة الإنشائية لا واقعية لها. وأمّا الطلب فله وجود تكويني ووجود إنشائي. ومعه كيف يمكن أن يقال إنّهما متّحدان في مقام الإنشاء. مع أنّه ليس للإرادة إلاّفرد تكويني فقط.

وأمّا المرحلة الثالثة: أي عدم اتّحادهما مصداقاً فقد اتضح ممّا قلناه من أنّ الطلب من الأُمور القائمة بالجوارح، والإرادة من الأُمور القائمة بالجوانح، فظرف وجودهما مختلفة، فلا وجه للاتّحاد.

وبذلك تبيّن أنّ الحقّ مغايرة الطلب للإرادة ، ولكن المغايرة ليست بمعنى تصحيح مقالة الأشعري من القول بالكلام النفسي، بل الكلام النفسي باطل، و إن كانت المغايرة بين الإرادة و الطلب، صحيحة على ما عرفت.

أضف إلى ذلك: أنّ إرجاع النزاع القائم على قدم و سابق، طوال قرون، إلى النزاع اللفظي من أعجب العجائب، كيف و فيهم المفكّرون الواقفون على أنّ الطلب الإنشائي غير الإرادة الحقيقية النفسانية.


(325)

إنّ جنوح الأشعري إلى مغايرة الطلب للإرادة لم يكن إلاّلأجل إصلاح عقيدة أهل الحديث بقدم القرآن و أنّ التكلّم وصف ذاتي له سبحانه، قديم مثل سائر الصفات، و هو غير العلم و الإرادة. و لمّا كان القول بذلك بظاهره باطلاً بالبداهة لأنّ القرآن كلمات و حروف و أصوات وهي كلّها أُمور تدريجية، حادثة بالذات، ذهب الشيخ الأشعري إلى تصحيح القول بقدم كلامه باختراع الكلام النفسي أو بأخذه من الكُلاّبيين(1)، في مقابل الكلام اللفظي، فقال بحدوث اللفظي، وقدم النفسي، و هو غير العلم في الإخبار وغير الإرادة والكراهة في الإنشاء، لأنّ المفروض أنّ التكلم وصف له وراء كونه مريداً وعالماً فلابدّأن يكون غيرهما، و لأجل إفهام أنّ وراء الإرادة شيء في الإنشاء، التجأ إلى القول بمغايرة الطلب للإرادة، و لما لم يجد اسماً خاصاً له في الإخبار، ولا في النواهي ولا في سائر أقسام الإنشاء من التمنّي والترجّي والاستفهام، اكتفى منها بالكلام النفسي. فتصوير مثل هذا النزاع لفظياً، عجيب جدّاً، منشؤه عدم الرجوع إلى مظانّ المسألة في كتب القوم.

ما معنى كونه متكلّماً

قد عرفت مذهب الأشاعرة و المعتزلة في معنى كونه تعالى متكلّماً، ولا بدّ من


(1) ابن كلاب من نابتة الحشوية و هو عبد الله بن محمد بن كُلاّب القطّان و له مع عباد بن سلمان مناظرات و كان يقول: إنّ كلام الله هو الله، و كان عباد يقول: إنّه نصراني بهذا القول، قال أبو العباس البغوي دخلنا على «فثيون» النصراني و كان دار الروم بالجانب الغربي فجرى الحديث إلى ان سألته عن ابن كلاب فقال: رحم الله عبد الله كان يجيئني فيجلس تلك الزاوية وأشار إلى ناحية من البيعة، وعنّي أخذ هذا القول ولو عاش لنصّرنا المسلمين (الفهرست لابن النديم:230).
و من يعلم أنّ غائلة كون التكلم من صفات الذات أو من الفعل قد تسرّب إلى المسلمين من النصرانيين و العامل له هو عبدالله بن كلاب.
والعجب انّ ابن النديم ذكر أبا الحسن الأشعري و تلميذيه « الدمياني» و «حمويه» بعد ابن كُلاّب مشعراً بوجود الصلة بين الرجلين في التفكر و الرأي.


(326)

إكمال البحث ببيان مذهب أهل الحقّ، فنقول:

لا شكّ أنّ الكلام هو المؤلَّف من الألفاظ، الصادر عن المتكلّم، القائم به، الحاصل من تموّج الهواء واهتزازه، بحيث إذا زال التموّج، زال الكلام.

لكن الإنسان الاجتماعي توسع في إطلاقه، فأطلق الكلام على الخطبة المنقولةوالشعر المروي عن شخص، فيقول إنّه كلام علي ـ عليه السَّلام ـ و إنّه شعر «لبيد» ، مع أنّ كلامه الحقيقي زال مع زوال التموّج والاهتزاز، و ما هذا إلاّ من باب التوسّع في الإطلاق و مشاهدة ترتّب أثر الكلام الواقعي على المنقول الثاني، و يكفي ذلك في التوسّع.

ثمّ لمّا كان الأثر الحقيقي للكلام هو إنباؤه عن ما يقوم في ذهن المتكلّم من الأسرار والمعاني، فلوترتّب ذاك الأثر على غير الكلام ، صحّ إطلاق الكلام عليه حقيقة. مثلاً انّ المعلول، من حيث إنّه يكشف عن كمال علّته و قدرتها وعلمها، فهو كلام، كاشف عمّا في العلة من القدرة و الكمال، غير أنّ دلالة الألفاظ على المراد اعتبارية، ودلالة المعلول على ما عليه العلة من الكمال تكوينية.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ وصفه سبحانه بالكلام يقع في مرحلتين:

الأُولى: إذا أراد سبحانه أن يكلّم شخصاً من أنبيائه، كما في قوله سبحانه: (وَ كَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكليماً)(1) فطريقة ما أشار إليه سبحانه في آخر سورة الشورى بقوله: (وَ ما كانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْمِنْ وَراءِ حِجاب أَوْ يُرسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُإِنَّهُ علِيٌّ حَكِيمٌ).(2) والوحي هو الصوت الخفي الذي يسمعه الموحى إليه ولا يسمعه غيره. والمراد من (وراء حجاب)ما إذا سمع الكلام مع عدم رؤية المتكلّم كتكلّمه سبحانه مع موسى في الطور، والمراد من الثالث إرسال الملك إلى الناس أو انباء الرسول الناس.


(1) النساء:164.
(2) الشورى: 51


(327)

فلو كان المراد من وصفه تعالى بالتكلّم ، تكلّمه مع فرد أو أفراد، فهذه هي الطرق المعيّنة في القرآن.

الثانية: إذا أردنا وصفه بالكلام على وجه الإطلاق ، فالعالم كلّه كلام له، قال سبحانه: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَكَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً)(1) وقال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الأَرضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ)(2) وقال سبحانه في المسيح: (إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ). (3)

وقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ يقول لمن أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه، أنشأه»(4) ونقل عنه ـ عليه السَّلام ـ قوله:

وأنت الكتاب المبين الذي * بأحرفه يظهر المضمر

إلى هنا تبيّنت عدّة أُمور:

1ـ ما هوالمراد من الكلام النفسي.

2ـ ما هي دلائل الأشاعرة عليه.

3ـ فساد تلك الأدلة.

4ـ اختلاف مفهومي الطلب والإرادة ، من دون أن يعنى تصحيح الكلام النفسي.

5ـ ما معنى كونه تعالى متكلّماً؟

بقي هنا الإشارة إلى أنّ محلّ النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة، في قدم كلامه أو حدوثه ناش عن أنّ هذا الوصف هل هو وصف ذاتي أو وصف فعلي، فالأشاعرة


(1) الكهف:109.
(2) لقمان:27.
(3) آل عمران:45.
(4) نهج البلاغة: الخطبة181، طبعة عبده.


(328)

على الأوّل والمعتزلة على الثاني. و لأجل ذلك التجأت الأشاعرة إلى القول بثبوت صفة في ذاته سبحانه وراء العلم و الإرادة، سمّتها في الإنشائيات بالطلب، و في غيرها بالكلام النفسي، و ربّما يطلق الثاني على الإنشائيات والإخباريات جميعاً.

وبذلك اتّضح أنّ النزاع في اتّحاد مفهومي الطلب والإرادة ليس لغوياً، كما يتنازع في وحدة مفهومي البشر والإنسان، بل أنّ وراءه هدفاً آخر و هو أنّه هل توجد هناك صفة وراء الإرادة و العلم في ذاته سبحانه، تسمّى بالطلب تارة، و بالكلام النفسي أُخرى، أو لا؟

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فسر الإرادة التشريعية بالعلم بالمصلحة، و من جانب آخر قال بتعلّق إرادته التكوينية بأفعال العباد، غاية الأمر أنّه إذا وافقت إرادته التكوينية مع التشريعية يختار العبد الطاعة و إلاّ العصيان.

وعند ذاك أورد على نفسه بوجهين:

1ـ إذا كان الكفر والعصيان والطاعة والإيمان بإرادته تعالى التي لا تتخلف عن المراد فلا يصحّ أن يتعلّق بها التكليف لكونها خارجة عن الاختيار.

فأجاب عنه بأنّه تعلّقت إرادته على صدورها عن العبد عن اختياره و لو لم يصدر كذلك، تخلفت الإرادة عن المراد.

و لو كانقدَّس سرَّه مقتصراً على هذا الحدّ ـ لكان خيراً له لكنّه أورد إشكالاً ثانياً و لم يستطع على حلّه و حاصله:

أنّ الكفر والعصيان مسبوقين بإرادة العبد، لكنّها منتهية إلى إرادته سبحانه الأزلية فيعود الإشكال.

فأجاب عنه بمالا يليق بساحته و حاصله: أنّ إرادة الكافر والعاصي تابعة للشقاء الذاتي، مستدلاً بما روي من أنّ الشقي شقي في بطن أُمّه.(1)


(1) كفاية الأُصول:1/99ـ 100.


(329)

و لمّا كان ما ذكره، غير حاسم للإشكال بل مؤكّداً له قام غير واحد من المحقّقين بعده بالبحث عن الجبر والاختيار وأفرده بعضهم بالتأليف و نحن أيضاً نقتفي إثرهم و إن لم نكن منهم ـ لكن أحبّ الصالحين و لست منهم ـ فنطرح مسألة الجبر والاختيار على طاولة التحقيق بإذنه سبحانه و لمّا صار البحث طويل الذيل مترامي الأطراف أفردناه بالتدوين.

***


(330)


(331)

الفصل الثاني:

في صيغة الأمر وفيه مباحث

المبحث الأوّل

ما هو معنى صيغة «افعل»

لا شكّ أنّ صيغة الأمر استعملت في اللغة في معان، كالتمنّي والترجّي والتهديد والتعجيز و التسخير و غير ذلك، إنّما الكلام في تعيين ما وضعت له الصيغة.

فذهب المحقّق الخراساني إلى أنّها موضوعة لإنشاء الطلب، غاية الأمر أنّ الداعي يختلف، فتارة يكون هو البعث والتحريك الحقيقي، و أُخرى يكون غيره، فيكون حقيقة في الأوّل و مجازاً في الثاني.(1)

ولا يخفى ما في كلامه من المناقشة:

أمّا أوّلاً: فانّ الظاهر أنّ الصيغة موضوعة لإنشاء البعث، كما أنّ النهي موضوع لإنشاء الزجر، و يدلُّ على ذلك، ما ربّما يقوم مكان الصيغة في غير مواقع التكلّم. فانّ إشارة المولى إلى العبد بالخروج من البيت ليس إلاّ بعثاً له نحو المأمور به، و يقوم مقام: «اذهب»، أو «اخرج» و مثله إغراء جوارح الطير، و الكلاب المعلَّمة و غيرها لعمل الصيد وغيره، غير أنّ البعث في الإنسان باللفظ غالباً، و في غيره بالحركات والإشارات و الأصوات. فلو قال مكان إنشاء الطلب: إنشاء البعث لكان أولى، اللّهمّ إلاّ أن يكون مراده من الطلب هو البعث الإنشائي كما


(1) كفاية الأُصول:1/102.


(332)

هو غير بعيد.

وثانياً: فانّه لو كان المستعمل فيه مطلقاً هو الطلب الإنشائي و كان التفاوت في المبادئ والدواعي، للزم أن يكون استعماله فيه بدواع أُخر، على خلاف الوضع، لا استعمالاً لها في غير الموضوع له ليكون مجازاً و ذلك لأنّ المجاز عند المحقّق الخراساني عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له و المفروض في كلامه أنّ الصيغة مستعملة في كلتا الصورتين فيما وضع له و إنّما الاختلاف في الدواعي، و من المعلوم، أنّ الدواعي ليست داخلة في الموضوع له حتّى توجب المجازيّة، فبما أنّ المستعمل فيه في كلا الموردين واحد، فلا يوصف الاستعمال بالمجازية.

نعم لازم مختاره أن يكون استعمال صيغة الأمر في غير إنشاء الطلب، غلطاً، و ذلك لأنّ الواضع وضعها على إنشاء الطلب و شرط في مقام الوضع أن يكون الداعي للاستعمال، هو تحريك العبد نحو المطلوب فإذا استعملها مجرّدة عن هذا الداعي، يكون الاستعمال على خلاف شرطه فيكون غلطاً.

نظيره استعمال الحرف في المعنى الاسمي و بالعكس فانّ الموضوع في كلا اللفظين ـ حسب مختار المحقّق الخراساني ـ واحد إلاّ أنّ الواضع شرط استعمال الحرف في المعنى الآلي، و الاسم في المعنى الاسمي لكن التخلّف يوجب غلطيّة الاستعمال لا مجازيّته كما لا يخفى.

نعم على ما هو المختار عندنا في معنى المجاز، يمكن عدّ استعمال الصيغة في موارد الترجّي والتمني وغيرهما كالتهديد والتعجيز، مجازاً لأنّ المجاز ـ كما أوضحناه ـ كون اللفظ مستعملاً في ما وضع له ليكون وسيلة لإرادة غير ما وضع له بعناية وادّعاء.فعندئذ يكون اللفظ مستعملاً في إنشاء البعث ليكون جسراً إلى تفهيم التمني كما في قوله:

ألا أيّها الليل الطويلُ ألا انجلي * بصبح و ما الإصباحُ منك بأمثل


(333)

أو التعجيز كما في قوله سبحانه:(وَإنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ...) .(1) نعم فرق بين التمني و التعجيز فالأوّل أمر قابل للإنشاء، بخلاف الثاني فلا محالة يكون المنتقل إليه في الأوّل إنشائياً بخلافه في الثاني فانّه يكون أمراً إخبارياً. كما لا يخفى فالتعجيز و الإقدار من الأُمور التكوينية غير القابلة للإنشاء، و الآية لا تهدف إلى إنشاء التعجيز بل تخبر عنه.

وثالثاً: أنّ الفرق فيما تستعمل الصيغة بداعي التحريك نحو المطلوب وما يستعمل بداعي آخر كالتعجيز والتهديد، ليس منحصراً في اختلاف الدواعي ـ كما هو ظاهر كلامه ـ بل هناك فرق آخر و هو ـ اختلاف متعلّق الإرادة الجديّة فيهما بعد اشتراكهما في وحدة الإرادة الاستعمالية ففي القسم الأوّل، يكون متعلّق الإرادتين واحداً، وفي الثاني يكون متعلّقهما مختلفاً . فلو تعلّقت الإرادة الجديّة بنفس ما تعلّقت به الإرادة الاستعمالية، يكون الاستعمال حقيقياً، و إلاّ يصير مجازياً.

فتلخّص أنّ الفرق بين المختار، و مختار المحقّق الخراساني من وجوه:

الأوّل: إنّ الصيغة على المختار، حسب ما تعطيه الأشباه و النظائر، موضوعة لإنشاء البعث، دون إنشاء الطلب.

الثاني: أنّ استعمالها في مورد التمنّي والترجّي مجاز على المختار، و على خلاف الوضع على مبناه.

الثالث: إنّ التفاوت بين استعمالها في إنشاء


(1) البقرة:23.


(334)

البعث واستعمالها في موارد الترجّي والتمنّي لا ينحصر في اختلاف الدواعي والبواعث، بل يظهر الاختلاف في متعلّق الإرادتين الاستعمالية والجدّية، فعلى المختار إذا استعملت الصيغة في إنشاء البعث لأجل الدعوة إلى العمل، يكون متعلّق الإرادتين شيئاً واحداً و هو إنشاء البعث. و أمّا إذا استعملت لداعي الترجّي أو التمنّي أو التعجيز يكون متعلّق الإرادة الاستعمالية هو إنشاء البعث، و متعلّق الإرادة الجدّية هو إفادة التمنّي أو الترجّي أو التعجيز.

ثمّ إنّ استعمال صيغ الاستفهام والترجّي و التمنّي في كلامه سبحانه ليست على ظواهرها و إلاّ لاستلزمت الجهل والعجز ، تعالى عن ذلك، و إنّما يستلزم ذلك لو كانت تلك المفاهيم متعلّقة للإرادة الاستعمالية و الجدّية، و أمّا إذا كانت متعلّقة للأُولى دون الثانية و كان الهدف من استعمال تلك الصيغ الانتقال إلى مقاصد أُخر كإفهام محبوبية الحذر في قوله سبحانه: (لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) .(1)

أو غير ذلك كأخذ الإقرار في قوله: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لايَعْلَمُونَ)(2)فلايلزم شيء من المفاسد.

2ـ صيغة الأمر

المبحث الثاني

ما هو المتبادر من صيغة الأمر

هل يتبادر من صيغة الأمر، الوجوب، بأحد الوجوه الخمسة الآتية أو لا؟

ويقع الكلام في مقامين:

الأوّل: الكلام في حقيقة الوجوب والندب.

الثاني: هل هناك ما يدلّ على الوجوب بأحد الوجوه الآتية أو لا؟


(1) التوبة:122.
(2) الزمر:29.


(335)

1ـ الكلام في تفسير حقيقة الوجوب والندب

لا شكّ أنّ الوجوب والندب من أقسام البعث الإنشائي، وإنّما الكلام فيما يحصل به امتياز أحدهما عن الآخر. قيل فيه وجوه:

1ـ إنّهما مشتركان في البعث الإنشائي غير أنّ الوجوب يتميّز عن الندب، بأنّه البعث المنضمّ إليه المنع من الترك، فيكون الندب هو البعث لا معه.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ لو كان المتبادر من الوجوب و الندب أمراً مركّباً مثل ما ذكر، و لكنّه ليس كذلك، بل المتبادر منهما أمر بسيط و هو الحتمية في الأوّل و عدمها في الثاني و إنّما يصل إلى التركيب، العقل بالتعمل و التحليل الفلسفي مع أنّا نراهما متمايزين قبل التحليل،فلابدّ أن يكون ملاك الميز أمراً قبل ذاك التحليل. و سيوافيك بيانه في القول الثالث.

2ـ الوجوب هو الطلب الموجب لاستحقاق العقوبة عند مخالفته. فالاستحقاق فصل يميّز الوجوب عن الندب. و الاستحباب هو الطلب غير الموجب له.

يلاحظ عليه: أنّ استحقاق العقوبة و عدمه من آثارهما بعد تحقّقهما، و الكلام في مقوّماتها، و المقوّم يجب أن يكون مقارناً لا متأخّراً.

3ـ الظاهر أنّ الوجوب والندب يتميزان ثبوتاً و إثباتاً بوجه.

أمّا الثبوت فانّ الوجوب هو البعث المسبوق بالإرادة الشديدة بحيث لا يرضى الآمر بترك المبعوث إليه، و الندب هو البعث المسبوق بإرادة غير شديدة بحيث يرضى الآمر بترك المبعوث إليه. و شدّة الإرادة و ضعفها يتبعان مصالح و غايات، لازمها وجوب الاستيفاء أو عدمه.

و إن شئت قلت: البعث الإنشائي فعل اختياري للنفس، فلابدّ في تحقّقه


(336)

من سبق إرادة تكوينية، فهي تختلف شدّة و قوّة حسب اختلاف الغايات والأغراض والمصالح في لزوم إحرازها و عدمه. فالذي يميّز الوجوب عن الندب المشتركين في الطلب، إنّما هو نشؤ الطلب عن الإرادة الشديدة أو الخفيفة.

فإن قلت: الإرادة لا يتصوّر فيها الضعف والشدّة، إذ هي نفس الشوق المؤكّد المحرِّك للعضلات فإذا بلغ الشوقُ إلى هذا الحدّ، فهو إرادة و إلاّ فلا، من غير فرق بين كون إحراز متعلّقاتها أمراً حتمياً أو لا.

قلت: إنّ اختلاف الآثار يدلّ على اختلاف المؤثّرات، فاختلاف حركات العضلات في السرعة والبطء يكشف عن اختلاف مراتب الإرادة من حيث الشدّة و القوّة. فهل الإرادة المتعلّقة بانقاذ الولد من الموت مثل الإرادة المتعلّقة بشرب الشاي؟

فإن قلت: إنّ الإرادة من العلل الباعثة إلى الطلب، و المعلول متأخّر عن العلّة بتمام ذاته، ولا يمكن أن يكون صدور المعلول عن علّته، من مقوّماته و مميّزاته.

قلت: هذا لو صحّ فإنّما يصحّ في المعاليل الحقيقية، فانّ المتأخّر لا يمكن أن يتميّز بما هو مقدّم عليه. و أمّا الوجوب والندب اللذان يعدّان من المفاهيم الانتزاعية فلا مانع من تميّـزهما بالإرادة السابقة عليهما.

هذا كلّه في امتيازهما حسب الثبوت.

وأمّا امتيازهما حسب الإثبات، فإنّما يحصل بالمقارنات، فإذا كان إنشاء الطلب مقروناً بصوت عال، و حركات خاصّة تدلّ على عدم رضا المولى بتركه، فانّه ينتزع منه الوجوب. و إذا كان مقروناً بما يفيد عكس ذلك، ينتزع منه الندب.(1)


(1) إنّ السيد الأُستاذ المحقّق البروجردي ـ قدّس الله سرّه ـ اكتفى في مقام التمييز باختلافهما بالمقارنات الذي يرجع إلى التمييز في مقام الإثبات مع أنّ الاختلاف في ذلك المجال، فرع كونه متميّزاً في مقام الثبوت. لاحظ نهاية الأُصول، ص 89ـ 91.


(337)

إلى هنا تبيّن مفاد الوجوب والندب ثبوتاً و إثباتاً و أنّ التفاوت بينهما ثبوتاً يرجع إلى شدّة الإرادة و ضعفها، و إثباتاً إلى المقارنات الحاكية عن أحدهما.

2ـ الكلام في دلالة الصيغة على الوجوب بنحو ما

لو تبيّن أحد الأمرين في مقام الإثبات فيُتبع أحدهما بلا كلام. إنّما الكلام إذا لم يتبيّن أحد الأمرين، و كان الكلام مجرّداً عن المقارنات، فالظاهر تبادر الوجوب منه، وعليه سيرة الفقهاء في الفقه إنّما الكلام في منشأ هذا التبادر، هل سببه الدلالة اللفظية، أو الانصراف، أو كونه كاشفاً عند العقلاء عن الإرادة الحتمية أو كونه مقتضى مقدّمات الحكمة، أو أنّه حجّة على الوجوب عند العقل و أنّ الأمر تمام الموضوع عنده لاستحقاق العقوبة عند المخالفة حتّى يظهر خلافه، وجوه:

لا سبيل إلى الأوّل، لما عرفت من أنّ الهيئة وضعت لإنشاء البعث، و هو مشترك بين الوجوب والندب، و أنّ الاختلاف بينهما ثبوتاً بالإرادة الشديدة والخفيفة، و إثباتاً بالمقارنات. و كيف يمكن أن تكون موضوعة للوجوب، أو الندب مع أنّهما ليسا من المداليل اللفظية حتى تدلّ الهيئة على أحدهما بالدلالة اللفظية بل من الأُمور الانتزاعية التي ينتزعها العقل من المقارنات الدالة على شدّة الإرادة و ضعفها، و مع ذلك كيف يمكن أن تدلّ الهيئة على أحدهما بالدلالة اللفظيّة الوضعية؟

أضف إلى ذلك أنّه لو كانت الدلالة مستندة إلى الوضع، لتوقّف استعمالها في الندب على العناية و هي غير محسوسة عند الوقوف على الأوامر الندبية، فلا يصحّ سلب الأمر عنهما.

ولا سبيل إلى الثاني أيضاً ـ و هو انصراف إنشاء البعث إلى الوجوب والطلب الحتمي ـ لأنّ الانصراف إمّا لكثرة الوجود أو لكثرة الاستعمال، و كلاهما موجودان في جانب الندب أيضاً، فلا وجه للانصراف.


(338)

وأمّا الثالث، أي كونه كاشفاً عند العقلاء عن الإرادة الحتمية، فغير تام و ذلك أنّ الكشف لا يمكن أن يكون إلاّبملاك و الملاك إمّا كونه موضوعاً للوجوب، أو الانصراف، أو كونه مقتضى مقدّمات الحكمة و الأوّلان غير تامّين كما عرفت و الثالث يعود إلى الوجه الرابع الذي نتلوه عليك.

وأمّا الرابع: و هو كونه بمقتضى مقدّمات الحكمة ـ فهو خيرة المحقّق العراقي رحمه الله فقد قال ما هذا خلاصته: إنّ مقدّمات الحكمة كما تجري لتبيين سعة موضوع الحكم كذلك يمكن أن تجري لتشخيص أحد مصداقي المفهوم فلو كان لمفهوم الكلام فردان و مصداقان في الخارج و كان أحدهما يستدعي مؤنة في البيان أكثر من الآخر. مثلاً الإرادة الوجوبية تفترق عن الإرادة الندبية بالشدّة ، فيكون ما به الامتياز في الأوّل عين ما به الاشتراك. و أمّا الثانية فهي تفترق عن الوجوبية بالضعف، فما به الامتياز فيها غير ما به الاشتراك فالإرادة الوجوبية مطلقة من حيث الوجود الذي يكون به الوجوب، بخلاف الإرادة الندبية، فإنّها محدودة بحدّ خاص، به تكون إرادة ندبية. و عليه يكون إطلاق الكلام في مقام الدلالة على الإرادة الخاصة كافياً في الدلالة على كونها وجوبية إذ لا حدّ لها ليفتقر المتكلّم في مقام إفادته إلى بيان ذلك الحدّ، و هذا بخلاف ما لو كانت الإرادة ندبية فانّها محدودة بحدّ خاص ليس من سنخ المحدود، و لهذا يفتقر المتكلّم في مقام بيانه إلى تقييد الكلام بما يدلّ عليه.(1)

يلاحظ عليه: أنّه غير صحيح لا ثبوتاً ولا إثباتاً.

أمّا الأوّل: فلأنّ ما به التفاوت مطلقاً في التشكيك الخاص يرجع إلى ما به الاشتراك ولا محيص عن ذلك فانّ الجمع بين بساطة الوجود، و كونه ذا مراتب تتفاوت بالشدّة و الضعف لا يتحقّق إلاّ بذلك، و إلاّ يلزم التركيب في الوجود و منه تظهر حال الإرادة بناء على تجرّدها و بساطتها ، فما به الاشتراك فيها عين ما به


(1) بدائع الأفكار :1/214.


(339)

الامتياز من غير فرق بين الإرادة الشديدة أو الضعيفة، فالتفكيك بين الإرادتين بما ذكر غفلة عن حقيقة التشكيك فانّ التشكيك الخاص يكون فيه ما به الاشتراك عين ما به الامتياز مطلقاً.

قال الحكيم السبزواري:

بالعام والخاصيّ تشكيك قُسِم * إذ هو ما فيه التفاوت علم

إن ما به التفاوت أيضاً غدا * فعند ذا خاصيُّ تشكيك بدا

مثل الزمان إن ما به افترق * متّحد بنفس ما به اتفق

وأمّا الثاني، أعني: مقام الإثبات، فكما أنّ الضعف تحتاج إلى البيان، فهكذاالشدّة تحتاج إليه، و إلاّ لزم أن يكون القسمُ عينَ المقسم فإذا كان الوجوبُوالندبُ من أقسام الإرادة المطلقة، فلا يمكن أن يكون الوجوب نفسَ الإرادة، و الندبُ نفسها مع شيء زائد و إلاّ لاتّحد القسم و المقسم. فكلّ من القسمين يمتاز عن المقسم بشيء زائد.

هذا، و يمكن توجيه كلام المحقّق العراقي بما سيوافيك من حمل الأمر على النفسي دون الغيري بتركيز البحث على المنشأ، أعني البعث والطلب، دون الإرادة التي هي ظاهر كلام الأعلام، و يقال: إنّ كلاً من الوجوب والندب و إن كانا مركّبين عند التحليل وفي مقام الثبوت، لكن متلقّى العرف من الوجوب في مقام الإثبات شيء لا يحتاج إلى القيد دون الندب، فالبعث المنشأ بلا قيد، هو الوجوب عرفاً، و المنشأ مع القيد هو الندب، فيكفي في


(340)

الوجوب، السكوت، دون الندب.

والحاصل: أنّ هنا فرقاً بين مقام التحليل، و متلقّى العرف من الحكمين، فهما عند التحليل مركّبان يشتركان في جنس و يفترقان بفصل، و أمّا بالنسبة إلى متلقّاه فالوجوب بسيط يكفي فيه البعث مع السكوت عن القيد، بخلاف الندب.

وإن شئت قلت: إنّ القيد في أحدهما عدميّ و في الآخر وجوديّ فيكفي في إفادة القيد في أحدهما السكوت، دون الآخر. فالبعث بلا تجويز الترك هو الوجوب، و الندب هو البعث مع تجويز الترك. فلأجل ذلك، يكفي في الوجوب نفس البعث مع السكوت عن أصل التجويز، بخلاف الندب. هذا في مقام الإثبات ومتلقّي العرف، و إن كان مقام التحليل على خلافه، فإنّ كلّو احد منهما فيه، يحتاج إلى جنس وفصل، يفصَّل القسم عن المقسم والقسم الآخر، فلاحظ.

ولعلّه إلى ما ذكرنا يشير شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري من أنّ الأمر عند الإطلاق يحمل على الوجوب لأنّ الإرادة المتوجهة إلى الفعل تقتضي وجوده ليس إلاّ، و الندب إنّما يأتي من قبل الإذن في الترك منضمّاً إلى الإرادة المذكورة ، فاحتاج الندب إلى قيد زائد، بخلاف الوجوب فانّه يكفي فيه تحقّق الإرادة و عدم انضمام الرخصة.(1)

فإن أرادقدَّس سرَّه من كلامه ما ذكرنا من قضاء العرف فنعم الوفاق و إلاّفيرد عليه أنّه إن أراد عدم احتياج الوجوب إلى القيد واحتياج الندب إليه في مقام الثبوت، أي الإرادة الموجودة في الذهن، فكلتا الإرادتين كذلك، لأنّها بسيطة في كلتا المرحلتين. و إن أراد مقام الإثبات، فالكلّ يتميّز عن المقسم بقيد زائد هو لزوم المنع من الترك أو عدمه. فالكلّ يحتاج إلى البيان.

وأمّا الخامس، فهو المذهب الحقّ، أعني: كون مطلق الأمر موضوعاً لوجوب الإطاعة عند العقل، ولاستحقاق العقوبة عند الترك ما لم يحرز الطرف الآخر، أعني: كون الطلب، طلباً ندبياً(وهذا معنى كون الأمر ظاهراً في الوجوب).

وإن شئت قلت: إنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل المؤمِّن في دائرة المولوية و العبودية، ولا يصحّ الترك بمجرّد احتمال أن يكون طلب الشيء طلباً ندبياً. و هذا ما يعبّر عنه بأنّ أمر المولى يحتاج إلى الجواب، و أنّ الترك لابدّ أن يستند إلى عذر


(1) درر الأُصول:1/ 43.


(341)

قاطع كما لا يخفى. و هذا معنى كون المتبادر من الأمر هو الوجوب.(1)

فإن قلت: لو صحّ هذا ، للزم وجوب الاحتياط في الشبهة البدوية الوجوبية، فانّ المقام لا يتجاوز عن كونه محتمل الوجوب، فلزوم حكم العقل بالاحتياط ينافي ما قرّر في محلّه من قبح العقاب بلا بيان، و القائل باللزوم يلزمه أن يحصر البراءة العقلية على المحتمل الصرف من دون وجود خطاب مردّد بين الأمرين.

قلت: إنّ احتمال الوجوب احتمالاً غير مستند إلى التنصيص بالطلب، و التصريح بالبعث إلى مطلوب، يقع مورداً للبراءة العقلية و النقلية بحكم أنّ العقاب على ما لم يبيـّن، قبيح، و أنّ ما لا تعلمه الأُمّة مرفوع عنها. و أمّا إذا كان هناك تنصيص و تصريح بالأمر والبعث، فلا يقع مورداً للبراءة، لوجود البيان و هو حكم العقل بلزوم إطاعة أمر المولى إلاّ إذا أحرز كونه للندب، و مثل ذلك لا يعدّ مصداقاً لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «مالا يعلمون» لإطباق حكم العقل على أنّ أمر المولى لا يترك بلا جواب.

و إن شئت قلت: وظيفة المولى هي إنشاء البعث وإصدار الأمر، و أمّا بيان أنّه للوجوب أو الندب فهو ليس من وظائفه. بل على العبد السعي، فإن تبيّن له أحدهما عمل على طبق ما تبيّن، و إلاّ عمل على مقتضي حكم العقل و هو أنّ أمر المولى لا يترك بلا جواب.

تتمّة

قال صاحب المعالم: يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ أنّ استعمال صيغة الأمر في الندب كان شائعاً في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها في اللفظ، لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجِّح الخارجي،


(1) هذا ما اعتمد عليه السيّد المحقّق البروجردي في درسه الشريف، ووافقه صاحب المحاضرات، لاحظ ج2، ص 132.


(342)

فيشكل التعلّق في إثبات وجوب أمر، بمجرّد ورود الأمر به منهم ـ عليهم السَّلام ـ .(1)

وأجاب عنه في الكفاية بوجهين:

الأوّل: أنّ الاستعمال في الندب وإن كان كثيراً لكن الاستعمال لمّا كان بالقرينة فلا يوجب صيرورته مجازاً مشهوراً.

الثاني: النقض بالعمومات الواردة في لسان الشرع بأنّ كثرة التخصيص، لا يوجب عدم حمله على العموم عند عدم المخصّص.(2)

وفي كلا الوجهين نظر:

أمّا الأوّل; فلأنّ مدّعى صاحب المعالم، هو استعمال الأمر في الندب بلا قرينة، حيث كان الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ ، يستعملون الأمر في الندب بلا قرينة لأجل دعوة الناس إلى المندوبات، و ما ذكره من كون الاستعمال مصحوباً بالقرينة يحتاج إلى الإثبات.

وأمّا الثاني، فلأنّ تخصيص العام لا يوجب كونه مجازاً كما هو مبناه و مبنى المتأخّرين، لأنّ العام مستعمل بالإرادة الاستعمالية في معناه الحقيقي، و التخصيص إنّما يتوجّه على الإرادة الجدّية. و مدار الحقيقة و المجاز هو الإرادة الاستعمالية، و هذا بخلاف استعمال الأمر في الندب فانّه مجاز كما هو المفروض في كلام المعترض و المجيب فقياس هذا بذاك، قياس مع الفارق.

والأولى أن يقال: إنّ الوجوب و الندب ليسا من المداليل اللفظية بل المدلول اللفظي للأمر، هو إنشاء البعث فقط. و أمّا الوجوب والندب فإنّما يستفادان من القرائن الحافّة بالكلام كما أوضحناه، هذا إذا كانت مقترنة به، و أمّا إذا صار الكلام مجرّداً عن القرينة، فقد عرفت أنّ الحاكم بالوجوب و لزوم الطاعة


(1) المعالم: 48ـ 49، قوله: «فائدة»، الطبعة الحجرية.
(2) لاحظ كفاية الأُصول:70، الطبعة الحديثة.


(343)

هو العقل، إذ هو الذي يحكم بلزوم إطاعة الأمر ما لم يعلم الإذن في الترك، كما يحكم باستحقاق العقوبة إذا خالفه، كلّ ذلك لأجل لزوم تحصيل المؤمِّن في الحياة، و هو يحصل بالإتيان أو بالعلم بالندب. و عند ذلك فالأمر الصادر من المولى، موضوع لوجوب الطاعة، مالم يعلم الخلاف.

و بعبارة أُخرى، أنّ في جميع الأوامر قرينة عامة و هو حكم العقل أو مقتضى الإطلاق على انتزاع الوجوب منها مالم يدلّ دليل على خلافه. و أمّا أئمّة أهل البيت فقد استعملوها في مطلق إنشاء الطلب لا في الندب غير أنّه علم من الخارج ، أنّه لا ضير في تركها، لاأنّهمعليهم السَّلام استعملوها في الندب مقابل الوجوب فتدبّر. و بالجملة الإشكال والجواب مبنيان على أنّ الوجوب و الندب من المداليل اللفظية وعندئذ كثرة الاستعمال في الندب يكون مانعاً من ظهور الأمر في الوجوب و أمّا إذا كان الأمران خارجين عن المدلول، فلا، لأنّ الأمر محكوم عند العقل بلزوم الطاعة إلاّ إذا علم من الخارج عدم لزومها و إن كان القسم المعلوم أكثر، فانّه لا يضرّ بحكم العقل.

2ـ صيغة الأمر

المبحث الثالث

دلالة الجملة الخبرية على الوجوب

ربّما تستعمل الجملة الخبرية في مقام الطلب والبعث يقول سبحانه:(وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةُ قُرُوء) (1) و قال سبحانه: (وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (2) و قال سبحانه: (وَ الْوالِدين يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْن) (3) و قد تضافرت في الروايات عنهم ـ عليهم السَّلام ـ في أبواب الطهارة و


(1) البقرة:228.
(2) البقرة:240.
(3) البقرة:232.


(344)

الصلاة و غيرهما: «يغتسل»، «يعيد الصلاة»، «يستقبل القبلة» إلى غير ذلك، فالجمل الخبرية في هذه الموارد، استعملت لداعي الطلب أو البعث و الكلام يقع تارة في كون الاستعمال حقيقة أو مجازاً أو كناية، و أُخرى، في دلالتها على الوجوب واللزوم. و ثالثة، في كونها آكد في الدلالة على الوجوب من الأمر بالصيغة، و رابعة في عدم لزوم الكذب إذا لم يمتثل العبد.

أمّا الأوّل، فالظاهر أنّه ليس مجازاً على كلا المذهبين في تفسيره لا على مذهب المشهور ولا على المذهب المختار أمّا الأوّل فلأنّه عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له ابتداءً بعلاقة المشابهة وغيرها و هذا المعنى غير متحقّق في المقام إذ أيّ علاقة بين الإنشاء والإخبار حتّى يجوز استعمال اللفظ الموضوع للإخبار في الإنشاء ولو افترضنا وجود العلاقة بنحو من الأنحاء فالجمل المتقدّمة في الآيات و الروايات بشهادة الوجدان مستعملة في المعنى الخبري ، لا الإنشائي فالإرادة الاستعمالية تعلّقت بالإخبار، بخلاف الجدّ، و المقياس في كون الاستعمال حقيقة أو مجازاً هو تعلّق الإرادة الاستعمالية بالموضوع له أو بغيره.

وأمّا على المبنى المختار في المجاز من كونه عبارة عن استعمال اللفظ في ما وضع له و تطبيقه على الفرد الادّعائي بعلاقة المشابهة وغيرها فهو أيضاً غير متحقّق لأنّ العلاقة المذكورة غير موجودة في المقام و على فرض الوجود ليس هناك ادّعاء.

ومن جانب آخر، ليس الاستعمال فيها على وجه الحقيقة لأنّ الغرض ليس إيقاف الذهن على المعنى الخبري فانحصر كونه كناية و هو إطلاق اللفظ و استعماله في الملزوم ليكون معبراً و جسراً للانتقال إلى اللازم، كما في قولك:«زيد جَبان الكلب» فانّه كناية عن جوده و كرمه و المقام من هذا القبيل كما لا يخفى، فانّه لا يريد الإخبار عن الواقع، إذ لا علاقة له به ، و إنّما يذكره بداعي البعث والإنشاء، حتّى ينتقل منه إليه.


(345)

و منه يظهر حال الأمر الرابع فلو لم يمتثل العبد لا يلزم الكذب لأنّ الإرادة الجدّية لم تتعلّق بالإخبار عن وجود الشيء بل تعلّقت بانشاء البعث، و المفروض تحقّقه، ولا يضرّ عدم تحقّق المخبر عنه، لعدم تعلّق الإرادة الجدّية بالإخبار و إنّما تعلّقت بالبعث و إنشاء الطلب و هو متحقّق و هذا هو المقصود من كلامهم من أنّ العبرة في وصف الكناية بالصدق والكذب إنّما هو المعنى المكنّي عنه، لا المكنّي به فإذا قال: زيد جبان الكلب، فلو كان زيد جواداً، كان صادقاً و إن لم يكن له كلب أو كان و لم يكن جَباناً، و إن كان بخيلاً، كان كاذباً و إن كان له الكلب بالوصف المذكور.

و أمّا الأمر الثاني: أي كونها ظاهرة في الوجوب فلأجل أنّ الإخبار عن وجود الشيء في المستقبل بداعي البعث، يكشف عن شدّة علاقة المولى بالمراد إلى حدّ يراه موجوداً و محقّقاً في الخارج حيث يخبر عن وجوده و يأتي بجملة تشعر بالملازمة بين العبد و الفعل، فيكون حاكياً عن الوجوب والإرادة الحتمية.

و لك أن تقول إنّه مقتضى الإطلاق بعد افتراض دلالتها على الطلب، لما عرفت من أنّ الطلب على وجه الإطلاق يساوق الوجوب في نظر العرف، و الندب هو الطلب المقيّد. و قد نبّه بذلك المحقّق الخراساني في المقام و كان عليه أن ينبّه بذلك في المبحث المتقدّم، مع أنّ الظاهر منه هناك أنّه جعل الوجوب مدلولاً لفظياً لصيغة الأمر بخلاف المقام حيث جعله مدلولاً لمقتضى الإطلاق.

وأمّا الأمر الثالث: فيظهر ممّا سبق لأنّ الجملة حاكية عن أنّ شدّة العلاقة بالموضوع، دفعت المولى إلى حدّ يراه موجوداً في الخارج فيخبر عنه على وجه القطع و البتّ و إن كان الإعلام كناية عن البعث نحو المطلوب و قد نبّه بذلك علماء البلاغة في كتبهم.

***


(346)

2ـ صيغة الأمر

المبـحث الرابع

التوصلي والتعبّدي

ولا بدّ من تقديم مقدّمات:

المقدّمة الأُولى:في معنى التوصلي

يطلق التوصلي و تراد منه عدّة معان:

الأوّل: مالا يعتبر فيه المباشرة من المكلّف بل تبرأ ذمّته بفعل الغير سواء أكان بالتبرّع أم بالاستنابة، كأداء الدين، و يقابله ما يشترط فيه المباشرة كوجوب ردّالسلام إذا سلّم على شخص خاص لا على جماعة.

الثاني: ما لا يعتبر في سقوطه الاختيار والالتفات كتطهير البدن و الثوب من الخبث، فهو يتحقّق و إن كان بلا اختيار، كما إذا غمس يده النجسة في الماء الكثير بلا اختيار و أخرجها. و يقابله ما يجب في امتثاله الالتفات كعنوان البيع و غيره من العناوين القصدية.

الثالث: مالا يشترط في سقوطه، تحقّقه في ضمن فرد سائغ بل يكفي حصوله في ضمن فرد محرّم كقتل الحيّة بالآلة المغصوبة فانّه يتأتي الواجب به عندئذ، و يقابله ما يشترط فيه كونه محقّقاً في فرد سائغ ولا يسقط الوجوب بالإتيان به في ضمن فرد محرّم، كدفن الميّت في أرض مغصوبة. و ليس معنى ذلك أنّ الواجب هو الجامع بين ما هو سائغ و ما ليس بسائغ ، بل الواجب دائماً هو السائغ غير أنّ الغرض ربّما يترتّب على مطلق وجوده و إن حصل في ضمن فرد محرّم، و يسقط الأمر لا بالإمتثال بل لحصول الغرض.

الرابع: ما يحصل الغرض فيه بمجرّد وقوع الواجب ، و يقابله ما لا يحصل


(347)

الغرض منه بمجرّد وجوده، بل لابدّ في سقوطه و حصول الغرض من الإتيان به متقرّباً به منه تعالى، والأوّل كدفن الميّت و تطهير المسجد والثاني كالأُمور العبادية مثل الصلاة.

غير أنّ المراد من التوصلي في المقام هو المعنى الرابع، و بالتالي يتعيّن التعبّدي الذي في مقابله.

المقدّمة الثانية: في معنى التعبّدي

انّ التقرب بالعمل يحصل بأحد الأُمور التالية:

1ـ التقرّب بقصد امتثال أمره سبحانه.

2ـ الإتيان لله تبارك و تعالى.

3ـ الإتيان بداعي التقرّب إليه سبحانه.

4ـ الإتيان بداعي كونه تعظيماً و تقديساً له.

5ـ الإتيان بداعي المحبوبية للمولى فيكون الداعي إلى العمل، كونه محبوباً لله، لا سائر الدواعي النفسانية.

6ـ الإتيان بقصد المصلحة المعنوية التي أمر الله سبحانه به لأجلها كما في قوله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(1) و قوله سبحانه: (إِنَّ الصِّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ) .(2)

نعم لا تكفي الإتيان بها لأجل المصالح الدنيوية المترتبة على العبادات، كالرياضة المترتبة على الصلاة، و صحّة البدن المترتبة على الصوم، و التجارة المترتبة على الحجّ إذ قصدها، لا يضفى للعمل عنوان العبادة. أو غير ذلك من أنحاء الطاعات، فالواجب التعبّدي ما تتوقّف صحّته على الإتيان بها لواحد من


(1) البقرة:183.
(2) العنكبوت:45.


(348)

هذه العناوين.

نعم الإتيان بسائر العناوين فرع إحراز كون العمل قابلاً للإتيان له تعالى أو بداعي التقرّب إليه أو كونه تعظيماً وتقديساً أو كونه محبوباً، ولا يعلم ذلك إلاّ بأحد أمرين إمّا بتعلّق الأمر به أو كونه تعظيماً و تقديساً عند العقلاء كافّة كالسجودوالركوع إذ لم يختلف إثنان أنّهما من مظاهر التعظيم و التقديس و قد اتّفقوا على ذلك لمناسبات موجودة فيهما و لكنّه ليس بمعنى كونهما من العبادات الذاتية، فانّه باطل من وجهين:

1ـ أنّ كونهما من مظاهر التعظيم و التقديس إنّما هو بالجعل والاعتبار فكيف يكون ذاتياً ولو اتّفق العقلا على أن يكون الركوع علامة للنفرة و الابتعاد، لكان كذلك.

2ـ كيف يكون عباديّتهما ذاتية، مع أنّه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم، و قال: (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ) (1) و قد سجد يعقوب مع أولاده ليوسف، قال سبحانه :(وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدَاً) (2).

وقد اتّفقوا على إمكان أخذ الكلّ في متعلّق الأمر إلاّ الأوّل فاختلفت فيه كلمتهم. فمن ذهب إلى أنّ التقرّب لا يحصل إلاّ بقصد الأمر فقط، و الدواعي الأُخر في طول ذاك الداعي لا في عرضه، يجب عليه إثبات إمكان أخذه في متعلّقه أوّلاً،ثمّ يدعى أنّ التقرّب لا يحصل إلاّبقصد الأمر.

المقدّمة الثالثة هل التقسيم ثنائي أو ثلاثي؟

المعروف هو التقسيم الثنائي و أنّ الواجب إمّا تعبديّ أو توصلـّي و ذهب سيّدنا الأُستاذقدَّس سرَّه إلى أنّ الأقسام ثلاثة و ذلك أنّ ما يعتبر في سقوطه قصد التقرّب


(1) الحجر:29.
(2) يوسف:100.


(349)

إلى الله سبحانه على قسمين: تعبديّ و تقربيّ، فانّ ما يؤتى به متقرّباً إلى الله، إمّا ينطبق عليه عنوان العبودية لله، بحيث يعدّ العمل عبودية لله سبحانه كالصلاة والاعتكاف والحجّ، أو لا ينطبق عليه ذاك العنوان، و إن كان يُعدّ إطاعة، كالزكاة والخمس، و يعتبر في سقوط الواجب الإتيان به لله سبحانه، لكن لا يعدّ عبادة و عبودية، أعني ما يساوق عنوان: «پرستش» في الفارسية.و على ذلك فالأولى تبديل عنوان البحث إلى التوصلّـي والتقرّبي، حتّى يعمّ القسم الأخير.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أن ترادف العبادة للفظ «پرستش» في الفارسية مع أنّه غير ثابت فانّ للثاني ضيقاً لا ينطبق على الفرائض المالية التي يشترط في صحّتها الإتيان بها متقرّباً إلى الله، و لكن العبادة في لغة العرب أعمّ من ذلك اللفظ لأنّ العبادة لغة هي الخضوع و الخشوع و التذلّل لكن لا مطلقاً بل الخضوع النابع عن اعتقاد خاص و هو الاعتقاد بما أنّه إله، أو خالق أو أنّه قائم بالأفعال الإلهية، فصلاة الموحّد و صيامه عبادة، لأنّه قام بها لأجل أنّ المعبود إله أو ربّ، كما أنّ خضوع المشركين أمام الوثن و الصنم كان عبادة لا لأنّ الأصنام خلاّق أو أرباب، بل لتخيّلهم أنّه سبحانه فوّض أفعاله إليها، من المغفرة، و الشفاعة، فإذا شفعت تقبل شفاعتها من دون حاجة إلى إذنه سبحانه في الشفيع، و ارتضائه المشفوع له.

فإذا كان هذا معنى العبادة فكلّ عمل يشعر بالخضوع، و يعرب عن تعظيم الغير بما أنّه إله أو ربّ أو مفوّض إليه أفعاله سبحانه، يكون عبادة من غير فرق بين الصلاة و إعطاء الخمس و الزكاة. و الوقوف في عرفات والمشعر الحرام و منى، و الذبح و حلق الرأس و السعي و الطواف، فروح العبادة عبارة عن كون المحرّك، هو استشعار العظمة استشعاراً نابعة من الاعتقاد بكون المعبود خالقاً أو ربّاً أو ما يماثل ذلك.

المقدّمة الرابعة: لا كلام في أنّا إذا علمنا بأنّ الواجب تعبّدي أو توصلي،


(350)

يجب امتثاله على النحو الذي هو عليه. إنّما الكلام فيما إذا شككنا فيه، فهل هنا أصل لفظي من عموم أو إطلاق يرفع الشكّ و يثبت أنّ الواجب توصلي، أو لا. و التمسّك بالإطلاق يتوقّف على إمكان أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر حتى يرتفع وجوبه بالدليل الاجتهادي. و إن شئت قلت: إنّ الإطلاق إنّما يكون حجّة إذا كان التقييد ممكناً، وأمّا إذا لم يكن التقييد ممكناً، فلا يكون عدم التقييد دليلاً على إطلاق الكلام. و هكذا قصد الأمر إن كان قابلاً للأخذ في المتعلّق فعدم أخذه في لسان الدليل يدلّ على الإطلاق و يحكم بتوصلية المأمور به، لعدم وجوب القصد في التوصلي ، و أمّا إذا لم يكن قابلاً للأخذ فلا يمكن التمسّك بالإطلاق للحكم بالتوصلية.

وقد كان المشهور بين العلماء إلى زمن الشيخ الأنصاري جواز أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر و أنّه كسائر الأجزاء و الشرائط، غير أنّه انقلب النظر في زمان الشيخ و تبعه تلاميذه فقالوا بأنّ ما لا يتأتي إلاّمن قبل الأمر لا يمكن أخذه في متعلّقه، و ذلك لأنّ ما يصلح أن يكون قيداً أو جزء للعبادة على قسمين:

1ـ ما يمكن تنويع المتعلّق بالنسبة إليه قبل تعلّق الأمر، ككون الصلاة مع الطهارة و عدمها أو مع القنوت و عدمه و هذا ما يسمّى، القيود الواقعة تحت دائرة الطلب، فالطلب الإنشائي يرد عليها، لكونها مأخوذةً في المتعلّق، قبل تعلّقه.

2ـ مالا يمكن تنويع المتعلّق بالنسبة إليه إلاّبعد تعلّق الأمر به، كالصلاة مع قصد أمرها أو لا معه، فانّ هذا القيد، لا يتحقّق إلاّ بعد تعلّق الأمر بالمتعلّق ولا يصحّ التنويع إلاّ بعد الأمر و هذا ما يسمّى بالقيود الواقعة فوق دائرة الطلب، فالطلب يتعلّق بالصلاة، ثمّ يأتي دور هذا النوع من القيود.

وعلى هذا فانعقاد الإطلاق في المقام ممنوع و ذلك لأنّه يستحيل تقييد الواجب بقصد الأمر و طاعته و ما يستحيل تقييده ، يستحيل انعقاد


(351)

الإطلاق فيه.

فهنا دعويان:

الأولى: استحالة تقييد الواجب بقصدا لقربة، و المراد منه هو خصوص قصد الأمر لا الوجوه الأُخر، فانّ أخذها في متعلّقه بمكان من الإمكان.

الثانية: أنّ ما يستحيل تقييده، يستحيل إطلاقه، و نبحث عنهما في مقامين.

المقام الأوّل: أدلّة الأُصوليين على استحالة تقييد الواجب بقصد الأمر

إنّ القوم ذكروا وجوهاً للامتناع أشار إلى بعضها المحقّق الخراساني قدَّس سرَّه غير أنّي أتعجّب من محاولات القوم ـ في المقام ـ لاثبات الاستحالة بالدور تارة، و بمفسدته أُخرى، و بالتسلسل ثالثة، إلى غير ذلك من الوجوه التي يعرب بعضها عن كون الأخذ ممتنعاً بالذات، و بعضها الآخر عن كونه ممتنعاً بالغير. مع أنّ المقام من الأُمور الاعتبارية التي لا مجال لدعوى الاستحالة فيها، فإنّ التكليف عبارة عن فرض شيء على ذمّة المكلّف، فللمكلِّف أن يطلب منه أمراً مطلقاً، أو يطلبه منه مقيّداً بقصد الأمر والامتثال. فأيّ مانع من أن يقول بأمر واحد : أيّها المكلَّف، أقم الصلاة، بقصد أمرها.

و سيوافيك أنّ جميع ما ذكروه لا يخرج عن حدّ المغالطة. و إليك تقديم ما ذكره المحقّق الخراساني ثمّ أردفه بما ذكره غيره.

الدليل الأوّل:استلزام الأخذ تعلّق الأمر بغير المقدور

مالا يتأتي إلاّ من قبل الأمر بشيء يمتنع أخذه في المتعلّق شرطاً أو شطراً، لاستلزامه تعلّق التكليف بغير المقدور، لأنّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بشيء مقدور قبل الأمر، و المفروض أنّ بعض أجزائه ـ قصد الأمر ـ لا يمكن تحصيله إلاّبعد تعلّق الأمر.


(352)

وهذا الوجه ، و إن كان يلوح من عبارات صاحب الكفاية في أوّل بحثه، حيث قال: فما لم تكن نفس الصلاة متعلّقة للأمر لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها(1) لكنّه لا يعتمد عليه، ضرورة أنّ اللازم هو كون المتعلّق مقدوراً في ظرف الامتثال، لا قبل البعث، ولا حينه وقد أشار إليه بقوله: «وتوهم إمكان تعلّق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر و إمكان الإتيان بها بهذا الداعي ضرورة إمكان تصوّر الأمر بها مقيدة الخ...».

الدليل الثاني: استلزامه كون الأمر داعياً إلى داعوية نفسه

و قد أشار إلى هذا الدليل بقوله: «ضرورة أنّه و إن كان تصوّرها كذلك بمكان من الإمكان إلاّ أنّه لا يكاد يمكن الإتيان بها بداعي أمرها لعدم الأمر بها فانّ الأمر حسب الفرض تعلّق بها مقيدة بداعي الأمر و لا يكاد يدعو الأمر إلاّ إلى ما تعلّق به لا إلى غيره»(2)

توضيحه: إنّ الأمر لا يدعو إلاّ إلى متعلّقه، و المتعلّق هاهنا هو الشيء المقيّد بقصد الأمر. و المكلّف إمّا أن يقصد الأمر المتعلّق بنفس الصلاة وحدها، فهي ليست مأموراً بها حتى يقصد أمرها، و إمّا أن يقصد الأمر المتعلّق بها مع قصد الأمر، و هو محال، لاستلزامه كون الأمر داعياً إلى داعوية نفسه و محرّكاً لمحرّكية نفسه.

والحاصل: أنّ الأمر إمّا يدعو إلى امتثال نفس الصلاة، و هي ليست متعلّق الأمر. و إمّا يدعو إلى امتثال المركّب من الصلاة و قصد الأمر، و هو يستلزم كون الشيء داعياً إلى نفسه.

وهذا الوجه غير تام بكلا شقيه، إذ لنا أن نختار كلاً من الشقين و نجيب، فنقول:


(1) كفاية الأُصول:1/109.
(2) كفاية الأُصول:1/109.


(353)

أمّا الشقّ الأوّل، فلما سيوافيك في باب وجوب المقدّمة من أنّ الأمر في المركّبات لا يتعلّق إلاّ بعنوان وحداني، كعنوان الصلاة و الأمر يدعوا إلى أجزاء المأمور به بعين دعوته إلى المركّب. فإذا قال المولى: ابن مسجداً، فالإتيان بالأحجار و نصب الأعمدة، امتثال للأمر ببناء المسجد، و هو يدعو إلى الإتيان بكلّ جزء، بنفس دعوته إلى الكلّ.

لا أقول إنّ الأمر ينحلّ إلى أوامر، ولا الإرادة إلى إرادات، ولا أقول بأنّه يتولّد من الأمر الأصلي أوأمر ضمنية تدعو إلى كلّ جزء، فانّ كلّ ذلك مخالف للوجدان، بل الأمر الواحد بما أنّه أمر واحد متعلّق بواحد اعتباريّ، مركّب عند التحليل يدعو إلى الجزء بنفس دعوته إلى الكل، والإتيان بكلّ جزء امتثال لهذا الأمر أو شروع في امتثاله تدريجاً، فبطل قوله: إنّ نفس الصلاة مجرّدة عن قصد الأمر، ليست متعلّقة للأمر فكيف يأتي بها بالأمر المتعلّق بالكلّ لما عرفت من أنّ الأمر المتعلّق بالكلّ كاف في الدعوة إلى الإتيان بالجزء بنفس الأمر المتعلّق بالكلّ.

و أمّا الشقّ الثاني، فالإجابة عنه واضحة: فانّ داعوية الأمر و إن كانت لا تختصّ بأحد الجزءين أعني الصلاة، بل يدعوا إلى المركّب، و لكن لمّا كان الجزء الثاني يحصل قهراً بالإتيان بنفس الصلاة مع قصد الأمر من دون حاجة إلى الإتيان به بداعي أمره، تسقط ـ لا محالة ـ دعواية الأمر بالنسبة إليه.

و إن شئت قلت: إنّ الدعوة إلى الجزء و إن كانت غير مستقلّة بل في ضمن الدعوة إلى الكلّ، إلاّأنّه فيما إذا لم يكن بعض الأجزاء حاصلاً بنفسه عند الإتيان بأحد الجزئين مع القصد. نظير المقام ما لو أمر المولى عبده بالصلاة مع الطهارة و فرضنا أنّ الطهارة كانت حاصلة حين الأمر فتنحصر دعوته إلى نفس الصلاة فقط و مثله داعويته إلى الجزء الثاني أعني: قصد الأمر فانّ الجزء الثاني لمّا كان حاصلاً بالإتيان بنفس الصلاة مع هذا القصد، تسقط دعوته بالنسبة إلى داعي الأمر حين الأمر فتنحصر دعوته إلى نفس الصلاة فقط.


(354)

و الحاصل داعويتُه إلى الجزء الثاني أعني: قصد الأمر، لمّا كان حاصلاً بالإتيان بنفس الصلاة مع هذا القصد، تسقط داعويته بالنسبة إليه.

و إن أبيت إلاّ عن أنّ الأمر المتعلّق بالمركّب داع لكلّ واحد من الجزءين، و أنّ الدعوة إلى الجزء الثاني باطل بالضرورة نقول جواباً آخر و هو أنّ الواجب التعبّدي ليس كلا الجزئين بل خصوص الجزء الأوّل منه أعني نفس الصلاة دون الجزء الآخر أعني قصد الأمر فانّ منزلة قصد الأمر منزلة ستر العورة و طهارة البدن و الغاية القصوى من تقييد الصلاة بداعي الأمر، هي الدعوة إلى الإتيان بالصلاة بالداعي، لا الإتيان بالداعي به أيضاً.

والأمر و إن كان متعلّقاً بالمركّب و داعياً إلى الكلّ، لكن معنى داعويته إلى الكلّ بحكم الضرورة هو هذا فقط أي الإتيان بالجزء الأوّل بقصد الأمر، لا الإتيان بكلّ جزء جزء بالقصد المذكور.

الدليل الثالث: استلزامه التسلسل

إنّ المحقّق الخراساني لمّا خرج في الدليل الثاني إلى أنّ الصلاة وحدها هي التي يمكن الإتيان بها بداعي أمرها، ولكنها فاقدة للأمر، و المجموع و إن كان واجداً له لكنّه لا يمكن الإتيان به بداعي أمره لاستلزامه الإتيان بقصد الداعي بمثله، أورد على نفسه بأنّ الشقّ الأوّل إنّما يصحّ إذا كان الجزء الثاني شرطاً لا شطراً، لأنّ الأجزاء متعلّقة للأمر و منها نفس الصلاة و ليس تعلّق الأمر بهذا الجزء، منوطاً بتعلّقه بالجزء الآخر. و عندئذ حاول ردّه عن طريق آخر و هو أنّ المفترض و إن صحح تعلّق الأمر بذات الصلاة، لكنّه يرد عليه إشكالان .

الأوّل: استلزامه التسلسل و هو الذي أشار إليه صاحب الكفاية عند نقد الجواب عن «إن قلت» الثاني بقوله: «فانّه يوجب تعلّق الوجوب بأمر غير اختياري، فانّ الفعل و إن كان بالإرادة اختيارياً، إلاّأنّ إرادته ـ حيث لا تكون


(355)

بإرادة أُخرى و إلاّلتسلسلت ـ ليست باختيارية».(1)

توضيحه: إنّ الأمر بالشيء فرع كونه أمراً اختيارياً، و الأمر الاختياري ما كان مسبوقاً بالإرادة و لايمكن أن تكون الإرادة مسبوقة بها، لانّه يستلزم التسلسل، إذ اختيارية الإرادة تتوقّف على سبق إرادة ثانية و ثالثة و رابعة فهلمّ جرّاً، و إذا لم تكن أمراً اختيارياً، لا تقع تحت دائرة الطلب.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الميزان في اختيارية الشيء لا ينحصر في كونه مسبوقاً بالإرادة ، بل يكفي في ذلك كونه صادراً عن نفس مختارة بالذات، غير مجبورة، في فعلها، و لذلك قلنا عند البحث عن الجبر و التفويض أنّ أفعال النفس برمّتها أفعال اختيارية صادرة عن ذات مختارة بالذات، و إن لم تكن صادرة من إرادة سابقة.

و بعبارة أُخرى: أنّ اختيارية كل