welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : شبهات وردود*
تألیف :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

شبهات وردود

صفحه 1

صفحه 2

صفحه 3
شبهات وردود

صفحه 4

صفحه 5
شبهات وردود
رسائل أربع في الكلام والفقه تردّ على الشبهات
الواردة حول المعاد الجسماني والسعادة والشقاء الذاتيّين والارتداد ونظام الرقّ في الإسلام

تأليف
العلاّمة الفقيه
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
1433 هـ

صفحه 6
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ
شبهات وردود: رسائل اربع في الكلام والفقه تردّ على الشبهات الواردة، حول المعاد الجسماني والسعادة والشقاء الذاتيين والارتداد ونظام الرق في الإسلام / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1391.
216 ص .   ISBN: 978-964-357-511-3
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس .
چاپ دوم; 1392 .
1. اسلام ـ ـ مقاله ها و خطابه ها. 2. كلام ـ ـ مقاله ها و خطابه ها. الف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان. ج. عنوان : رسائل اربع في الكلام والفقه تردّ على الشبهات الواردة حول المعاد الجسماني والسعادة والشقاء الذاتيتين والارتداد و نظام الرّق في الإسلام.
2ش 2س5/10BP   08/297
1392
اسم الكتاب:    شبهات وردود
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    الثانية ـ مصححة ومنقحة
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التاريخ:    1392 هـ . ش / 1435 هـ . ق / 2013 م
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 804   تسلسل الطبعة الأُولى: 395
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir, www.tohid.ir
كلمة مدرسة نواب للعلوم الإسلاميّة   
    شبهات وردود

صفحه 7
المعارف الإلهية تتلخّص أُصولها في أُمور ثلاثة:
1. المعارف والعقائد .
2. الأحكام الشرعية العملية في مختلف الحقول.
3. الأخلاق والسلوك العملي.
هذه هي أُمّهات العلوم الّتي بعث بها الأنبياء لأجل هداية الأُمم إلى قمم الكمال.
وقد تلقّتها أُمّة كبيرة من الناس بالقبول، وواجهها آخرون بالنقاش واللجاج، لكن لا نقاشاً علمياً موضوعياً بل كان جدالاً نابعاً عن عتوّ وعناد.
ولم يزل الذكر الحكيم يردّ على هذه النقاشات بمنطق سليم خصوصاً فيما يرجع إلى التوحيد والمعاد، وقد فندّ منطق المشركين ودمّره، وأثبت أنّ الحياة بلا معاد عيش بلا غاية،

صفحه 8
وركّز القرآن الكريم على هذين الموضوعين انطلاقاً من انتشار الشرك وإنكار البعث في الجزيرة العربية؟
وهكذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يرد عليهم بحواراته المذكورة إلى حدّ ربما انتهى الحوار إلى الاتّفاق على المباهلة بينه وبين المخالفين.
لم تزل الحال على هذا والأُمة الإسلامية منتفعة بكلمات أُئمة أهل البيت(عليهم السلام)فلهم اقتداء بجدّهم، ولهم احتجاجات وردود حفلت بها كتب التاريخ والحديث ، وأخصّ بالذكر أوّل الأوصياء الإمام علي (عليه السلام)الذي كان له دور في الإجابة عن الشبهات الواردة من اليهود والنصارى الوافدين إلى المدينة المنوّرة بعد رحيل النبي الصادع بالحق.
وهذا ولده الطاهر الإمام علي بن موسى الرضا (عالم آل محمد) صلوات الله عليه وعلى آبائه فقد ارتجّت أرض طوس بكلماته وحججه أمام الطبيعيين ، ومغالطات الأحبار والرهبان.
نعم اقتدى بأئمة أهل البيت(عليهم السلام)عظماء الإمامية وأكابر علمائهم، فقد اشتهر الشيخ المفيد (قدس سره)باحتجاجاته، وتلميذه المرتضى بغرره ودرره، والعلاّمة الحلي بآثاره.

صفحه 9
وهكذا كان الأمر كذلك إلى عصرنا هذا، حتّى وصلت النوبة إلى العالم المحقّق آية الله الشيخ جعفر السبحاني (دام ظلّه) فقد عقد دروساً عبر سنوات في مدرسة النواب العامرة بالعلم والتقى وقد تناول فيها مواضيع في الكلام والعقائد الّتي كانت تشغل بال طلاب المعارف الدينية في هذه الفترة الّتي تتولّد فيها الشبهات يوماً فيوماً من قبل الأعداء .
وهذا هو الطبع يزفّ إلى القرّاء الكرام دروسه الّتي ألقاها في صيف عام 1391 هـ . ش ـ 1433 هـ ، في هذه المدرسة المباركة في جوار مشهد الإمام الرضا (عليه السلام). حول مسائل أربع وقد أغرق نزعاً في التحقيق ولم يُبق في القوس منزعاً.
وقد أفاد بها سماحته جمعاً كبيراً من عشّاق العلم وطلاب الفضيلة. ونحن بدورنا نرحّب بالأُستاذ ودروسه وندعو له بالتوفيق ودوام الصحة.
رحم الله الماضين من علمائناً وحفظ الله الباقين منهم.
مشهد المقدسة
مديرية مدرسة
نواب للعلوم الإسلامية

صفحه 10

صفحه 11
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأشرف رسله محمد وآله الطاهرين، الذين فرض الله تعالى مودّتهم والاهتداء بهداهم وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فمن فضل الله ومنّه على عبده الفقير أن سهّل له في السنوات الأربع الأخيرة زيارة مشهد ثامن الحجج عالم آل محمد علي بن موسى الرضا (عليه وعلى آبائه آلاف التحية والسلام).
وقد قمنا خلال إقامتنا في المشهد الرضوي، بإلقاء محاضرات في الكلام والعقائد والفقه، والإجابة عن الشبهات المثارة في غير واحد من المواضيع.
وقد اخترنا في هذه السنة (صيف 1433 هـ) من بين الموضوعات المقترحة، المواضيع الأربعة التالية:

صفحه 12
1. المعاد الجسماني العنصري في الكتاب والسنّة والشبهات المثارة حوله.
2. السعادة والشقاء الذاتيان.
3. الارتداد ; موضوعاً وحكماً والشبهات المثارة حوله.
4. موقف الإسلام من نظام الرق.
وقد سلكنا في هذه المحاضرات النهج الموضوعي الذي يعتمد على الأدلّة العقلية والنقلية المستقاة من الكتاب العزيز والسنّة النبوية وما ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام); وإتماماً للفائدة قمنا بطبع هذه المحاضرات في كتاب مستقل أسميناه: «شبهات وردود» راجين أن يساهم هذا الكتاب في الذبِّ عن حياض الإسلام ودفع الشبهات المثارة حوله، وعلى الخصوص في مجالي الكلام والفقه.
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدسة
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
29 رمضان المبارك 1433 هـ

صفحه 13

   الرسالة الأُولى

المعاد الجسماني العنصري في الكتاب والسنّة
والشبهات المثارة حوله
وفيها فصلان:
الفصل الأوّل: المعاد الجسماني العنصري في الكتاب والسنّة
تأكيد القرآن على عودة الإنسان إلى الحياة مجدّداً ضمن آيات تربو على الألفين.
المعاد يصون الخلقة عن العبث واللاهدفية.
المعاد جسماني عنصري
نظرية ابن سينا حول المعاد الجسماني العنصري
البرهان العقلي للمعاد الجسماني العنصري

صفحه 14
الفصل الثاني: في الشبهات المثارة حول المعاد الجسماني العنصري:
1. عدم التعرّف على الأجزاء البالية من بدن كلّ إنسان المتفرّقة في أنحاء الأرض .
2. الموت إبطال للشخصية وإعادتها يكون أمراً مماثلاً، لا عينها.
3. شبهة الآكل والمأكول، والإجابة عن الفروض المختلفة.
4. تعلّق الروح ـ بعد المفارقة ـ بالبدن: تناسخ .
5ـ . عود ما بالفعل إلى ما بالقوّة.
6. المعاد العنصري رجوع إلى الدنيا المذمومة.
7. عدم كفاية المواد الأرضية لإحياء الناس.
8 . ضيق سطح الأرض لبعث النفوس عامّة.
9 . المعاد الجسماني يفقد الغرض .
10. أين مكان الجنة والنار العنصريتين؟

صفحه 15
المعاد الجسماني العنصري في الكتاب والسنّة والشبهات المثارة حوله   
 

الفصل الأوّل

المعاد الجسماني العنصري

في الكتاب والسنّة
الاعتقاد بالمعاد أصل أساسي في كلّ شريعة لها صلة بالسماء، ويحتل في الأصالة والتأثير محلّ العمود الفقري من بدن الإنسان، ولا تصحّ تسمية شيء باسم الدين إلاّ أن يكون فيه ذلك الأصل، ولو خلا عنه، لا يعدّ ديناً بل هو مسلك من المسالك.
وقد أكّد القرآن الكريم عليه في آيات ربّما تُناهز الألفين إمّا تصريحاً أو تلميحاً.
ويظهر من الآيات الحاكية عن خطابه سبحانه في أوّل الخليقة أنّ الاعتقاد بالمعاد كان أمراً مهماً وقد ركّز عليه في ذلك الوقت.

صفحه 16
قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَ أَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)1.
فهذا هو شيخ الأنبياء نوح (عليه السلام)يخاطب أُمّته بقوله: (وَ اللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا)2.
وهذا خليل الرحمن يخاطب قومه بقوله: (وَ اعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)2، وفي آية أُخرى حكاية عنه: (وَالذِي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ * وَ الذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)3 .
كما أنّه سبحانه يخاطب موسى (عليه السلام)بقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا تَسْعَى)4 .
ويظهر من بعض الآيات أنّ القول بالمعاد كان أمراً مسلّماً بين أتباع الشرائع السماوية، فهؤلاء قوم موسى يخاطبون قارون

1 . الأعراف: 35 ـ 36 .         2 . نوح: 17 ـ 18 .
2 . العنكبوت: 17 .
3 . الشعراء: 81 ـ 82 .
4 . طه: 15 .

صفحه 17
بقولهم: (وَ ابْتَغِ فِي مَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَ لاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)1.
كما أنّ مؤمن آل فرعون يصرّح في مجلس الفراعنة بإيمانه بالمعاد ويقول: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَ إِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)2 .
ونجد ذلك في لسان من نصر مبعوثي عيسى (عليه السلام)وقد استشهد في هذا الطريق حيث قال عندما يُضرب بالحجارة: (وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الذِي فَطَرَني وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَ لاَ يُنْقِذُونَ * إنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)2.
وبكلمة قصيرة: إنّ الدعوة إلى الاعتقاد بالمعاد جاءت في الكتب السماوية الثلاثة، يقول سبحانه: (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ)4،

1 . القصص: 77 .   2 . غافر: 39 .
2 . يس: 22 ـ27 .   4 . التوبة: 111 .

صفحه 18
إلى غير ذلك من الآيات الناطقة عن لسان الأنبياء أو أتباعهم بأنّ المعاد أحد أركان الدعوات الإلهية بحيث لو قطع النظر عن هذا الركن الركين لما اتّسمت الدعوة بالإلهية والسماوية.
وقد ظهرت في العصور الأخيرة حتّى القرون الغابرة شخصيات لهم نيّات خالصة في إصلاح المجتمع البشري وإيقاف الحروب وتبديلها إلى التعايش السلمي، وربما نالوا بعض النيل ممّا راموه ولكنّها لمّا لم تتسم بالصبغة الإلهية أو السماوية لخلوّها عن الدعوة إلى الإيمان بالمعاد. لم يكتب لهم النجاح إلاّ قليلاً، وآخر ما يمكن وصف دعواتهم به هو أنّها مسالك بشرية ظهرت لإصلاح الأُمم والشعوب.

المعاد يصون الخلقة عن العبث واللاهدفية

كيف لا يكون المعاد عنصراً أساسياً في الديانات الإلهية مع أنّه لولا المعاد لصارت الخلقة عبثاً وبلا غاية، فإنّ أفعاله سبحانه وإن كانت مجردة عن الأغراض العائدة إليه، ولكنّها ليست مجردة عن الغاية لنفس الفعل، وإلى ذلك يشير سبحانه بقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)1.

1 . المؤمنون: 115 .

صفحه 19
ويظهر من دراسة الآيات الواردة في سورة النبأ أنّ خلق النظام البديع السائد في الكون كأنّه مقدّمة لتحقيق المعاد، قال سبحانه: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّات أَلْفَافًا * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا)1.
وبما أنّ هذا الموضوع وما يشبهه ممّا تعرّض له علماء الكلام والعقائد في مبحث المعاد، لذا رأينا أنّه يلزمنا الإحجام عن إفاضة البحث فيه، وإنّما اللازم أن نشير إلى بعض الشبهات المثارة حول المعاد الجسماني العنصري ونجيب عنها.
لاشكّ أنّ مَن تدبّر في الآيات القرآنية التي تحدّثت عن المعاد، يقف على أنّ المعاد الّذي يتحدّث عنه القرآن الكريم هو معاد جسماني لا روحاني، عنصري لا برزخي.

1 . النبأ: 6 ـ 17 .

صفحه 20

المعاد جسمانيّ عنصري

إذا تدبّر الإنسان في الآيات الواردة حول المعاد، يقف على وجه القطع بأنّ ما دعا إليه القرآن هو المعاد الجسماني العنصري، أي عودة الإنسان بنفس بدنه الّذي كان يعيش به، وكان يأكل ويشرب ويقوم ويقعد به، من دون فرق بين تحرّك النفس من البرزخ إلى البدن الذي بقي في الدنيا متفرّق الأجزاء بعد اجتماع أجزائه المتفرّقة ثانياً وصيرورته قابلة لتعلّق النفس به، وبين تحرك البدن إلى النفس تحرّكاً خاصّاً يخلصه عن الزوائد ويصلحه لتعلّق النفس به، كما عليه بعض المحقّقين1، كما سيوافيك.
وعلى كلّ تقدير فالمعاد الجسماني العنصري هو المعروف بين المتشرعين، نعم يمكن أن يقال: إن البدن الأخروي وإن كان جسمانياً عنصرياً لكنّه ألطف وأفضل من البدن الدنيوي، ولذلك صار صالحاً لتعلّق النفس به، فالعينية محفوظة، غاية الأمر الفرق بين البدنين هو الفرق بين التراب المشتمل على الذهب، والذهب الخالص، بشرط أن تقف على

1 . الحكيم علي المدرس الزنوزي في رسالته سبيل الرشاد في اثبات المعاد، وسيأتي ذكره في هذا الفصل .

صفحه 21
أن المثال يقرب من وجه ويبعد من ألف، ويعلم ذلك (كونه عنصرياً) عن طريقين:

الطريق الأوّل: اعتراض المشركين

كان المشركون يتحسّسون من أمرين:
1. الدعوة إلى إله واحد بدل الآلهة المتعدّدة، وكانوا يعترضون على نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقولهم: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيء عُجَابٌ)1.
2. القول بأنّ وراء الحياة الدنيا حياةً أُخروية وهي دار الجزاء، وكانوا يشمئزّون من الآيات الّتي تصرّح بذلك، ويظهر من كلماتهم أنّ المعاد الّذي دعا إليه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)هو إحياء البدن العنصري ومجازاتهم، فكانوا ينكرون ذلك أشدّ الإنكار، ويكتشف من نكيرهم ما دعا إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك بعض الآيات :
1. قال سبحانه: (وَ ضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)2.

1 . ص: 5 .   2 . يس: 78 ـ 79 .

صفحه 22
2. قال سبحانه: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ)1.
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تتضمّن إنكار المشركين الحياة الأُخروية الّتي سمعوها من الصادع بالحق.
وذلك يكشف عن أنّ اتّجاه الدعوة كان إلى الاعتقاد بالمعاد الجسماني العنصري لا المعاد الروحاني، ولا المعاد البرزخي المثالي.

الطريق الثاني: الآيات الّتي تصف يوم القيامة

الآيات الّتي تصف يوم القيامة وأحواله، تكشف عن كون المعاد هو عود البدن العنصري الجسماني حيث تثبت له آثار الجسم العنصري لا المثالي، قال سبحانه: (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) 2، إلى غيرها من الآيات الّتي لا يصحّ في منطق العقل تأويلها بأنّ المعاد يتعلّق بجسم مثالي أشبه بالبدن الّذي يعيش فيه الإنسان بالمنام.
وهذا هو الّذي دعانا إلى أن ندرس بعض الشبهات الّتي

1 . القيامة: 3 ـ 4 .
2 . العاديات: 9 .

صفحه 23
أُثيرت حول هذا الموضوع.
وقبل أن نبدأ بدراسة الشبهات نذكر عقيدة الشيخ الرئيس في المعاد.

نظرية ابن سينا حول المعاد الجسماني العنصري

ربّما نسمع ممّن ليس له قدم راسخ في العلوم العقلية اتّهام الشيخ الرئيس بأنّه يعتقد بالمعاد الروحاني دون الجسماني العنصري، ولكن النسبة في غير محلّها، وسيوافيك نصّ عبارته، وأنّه يقول بأنّ القسم الروحاني ممّا قام عليه البرهان العقلي وخضع الحكيم بقبوله، وأمّا المعاد الجسماني العنصري فلم يقم على ضرورته برهان عقلي ومع ذلك فقد نزل به الوحي وأوجب الاعتقاد به. وكم له من نظير، فإنّ عبادة الله سبحانه ممّا قام على وجوبها برهان عقلي حيث دلّت البراهين العقلية على وجوب شكر المنعم، وأمّا كيفية الشكر الذي يتجسّد بالصلاة فإنّما دلّ عليه الشرع وأنّه يؤدي شكر المنعم بالصلوات الرباعية والثلاثية والثنائية، فالكبرى أمر عقلي، والصغرى أمر نقلي تعبّدي، ونظير ذلك المعاد فالكبرى عقلية برهانية، وأمّا الكيفية فهي تثبت عن طريق الشرع، وإن

صفحه 24
كنت في شك ممّا فسّرنا به كلامه، فنذكر نص عبارته.
قال: يجب أن يُعَلَم أنّ المعاد منه ما هو مقبول من الشرع، ولا سبيل إلى إثباته إلاّ من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة، وهو الّذي للبدن عند البعث، وخيرات البدن وشرورُه معلومةٌ لا تحتاج إلى أن تُعلم، وقد بسطت الشريعة الحقّة الّتي أتانا بها سيدنا ومولانا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، حال السعادة والشقاوة الّتي بحسب البدن.
ومنه ما هو معلوم مدرك بالعقل والقياس البرهاني، وقد صدقته النبوة وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالقياس اللتان للأنفس، وإن كانت الأوهام منّا تقصر عن تصوّرهما الآن، والحكماء الإلهيون، رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في إصابة السعادة البدنيّة، بل كأنّهم لا يلتفتون إلى تلك وإن أُعطوها، ولا يستعظمونها في جنب السعادة الّتي هي مقارنة الحق الأوّل .1
وكلامه هذا صريح في أنّه يقول بكلا المعادين غير أنّه يفسّر المعاد الجسماني باللّذات والآلام الجسمانية من الجنة ونعيمها والنار ولهيبها، وأنّ إثبات خصوص هذه اللّذات يرجع

1 . النجاة: 291 ; الشفاء، قسم الإلهيات، المقالة التاسعة، الفصل 7 .

صفحه 25
إلى عالم الوحي، ولولا السمع لما قدرنا على الحكم بأنّ لله سبحانه في النشأة الأُخرى هذه النعم والنقم.
وبعبارة أُخرى: أنّ البرهان قائم على وجوب المعاد وأمّا كيفيته وأنّ اللّذات عقلية محضة أو عقلية وحسيّة، فإنّما يثبت بالشرع، لأنّ هذه الخصوصيات لا تخضع للبرهان .
يقول الحكيم السبزواري: القول الفحل والرأي الجزل، ] هو الجمع بين المعادين[; لأنّ الإنسان بدن ونفس، وإن شئت قلت: نفس وعقل، فللبدن كمال ومجازاة، وللنفس كمال ومجازاة، وكذا للنفس وقواها الجزئية كمالات وغايات تناسبها، وللعقل والقوى الكلية كمال وغاية، ولأنّ أكثر الناس لا يناسبهم الغايات الروحانية العقلية، فيلزم التعطيل في حقّهم في القول بالروحاني فقط...1.
ثم إنّ الظاهر من كلام الشيخ الرئيس أنّ البرهان العقلي مختصّ بالمعاد الروحاني، وأمّا الجسماني فقد ثبت بالشرع دون العقل، ولكن يمكننا القول بأنّه أيضاً قد ثبت به.

1 . الاسفار الأربعة: 9 / 165 (الهامش).

صفحه 26

البرهان العقلي للمعاد الجسماني العنصري

أمّا الشرع فواضح ; وأمّا العقل، فإنّه سبحانه تبارك وتعالى قد وعد عباده في الجنّة بنعم ومثوبات مادّية كما هو ظاهر لمن سبر آيات القرآن الكريم، ومن المعلوم أنّ الروح لا تتمتّع بهذه الجوائز المادّية إلاّ إذا تعلّقت ببدن جسماني عنصري، فوجوب الوفاء بالوعد على الله سبحانه يلزمنا بالقول بالمعاد الجسماني العنصري ولولاه لزم تخلّف الوعد وهو قبيح على الله تعالى، فمن قرأ سورة الرحمن يقف على أنّ لعباده الصالحين نعماً وآلاءً لا تفارق النعم الدنيوية غير أنّها أكمل منها.
يقول سبحانه: (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ)1.
ويقول سبحانه: (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَة زَوْجَانِ)2.
ويقول سبحانه : (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُش بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق وَ جَنى الْجَنَّتَيْنِ دَان)2.
ويقول سبحانه: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاَ جَانٌّ )3 .

1 . الرحمن: 50 .   2 . الرحمن: 52 .
2 . الرحمن:54.
3 . الرحمن: 56 .

صفحه 27
ويقول سبحانه: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ)1.
فإنّ جزاء المحسنين ومثوباتهم من النعم الأُخروية، يحكي عن آلاء لا تتمتّع النفس بها إلاّ بعد التعلّق بالبدن، فلزوم الوفاء بالوعد يجرّنا إلى القول بالمعاد الجسماني العنصري وراء المعاد الروحاني.
وقد أشار المحقّق الطوسي إلى هذا البرهان بقوله: ووجوب إيفاء الوعد والحكمة يقتضي وجوب البعث .2
وحاصل الاستدلال: أنّ الله تعالى وعد بالثواب وتوعّد بالعقاب مع مشاهدة الموت للمكلّفين، فوجب القول بعودهم ليحصل الوفاء بوعده ووعيده .3
إذا عرفت ذلك فالمهم هو دراسة الشبه التي خصصنا هذه الرسالة ببيانها وتحليلها.

1 . الرحمن: 68 .
2 . كشف المراد: 285، قسم المتن.
3 . لاحظ شرح التجريد للقوشجي: 495 .

صفحه 28

الفصل الثاني

الشبهات المثارة حول المعاد الجسماني العنصري

الشبهة الأُولى:

عدم التعرّف على الأجزاء المندثرة

الشبهة: إنّ الاجزاء المتلاشية المبعثرة في أكناف الأرض لا يمكن التعرّف عليها حتى تعود أجزاء بدن كلّ إنسان إليه.
وإن شئت قلت: لا يمكن التعرّف على الأجزاء البالية من بدن كلّ إنسان المتفرقّة في أنحاء الأرض.
وهذه الشبهة قديمة كان يثيرها المشركون، قال سبحانه حاكياً عنهم: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ)1 .
الجواب: إنّ مثير الشبهة قاس علم الله سبحانه بعلمه هو، وهذا قياس غير صحيح، ولذلك يقول سبحانه: (قَدْ عَلِمْنَا مَا

1 . ق: 3 .

صفحه 29
تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ )1.
ويقول تعالى : (مَا خَلْقُكُمْ وَ لاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْس وَاحِدَة إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)2.
فالتركيز على كونه سميعاً وبصيراً يعرب عن كونه جواباً عن شبهتهم وهي عدم إمكان التعرّف على أجزاء بدن كلّ إنسان.

الشبهة الثانية:

الموت إبطال للشخصية

الشبهة: كلّ مَن يتصوّر أنّ الإنسان مجموعة من خلايا وعروق وأعصاب وعظام وجلود لا بُدّ له أن يقول: إنّ الموت إبطال للشخصية، فإذا مات الإنسان وصار تراباً بطلت شخصيته، فكيف يمكن أن يكون المعاد هو رجوع نفس الإنسان الأوّل؟
ولو أُعيد الإنسان بعد صيرورته تراباً وصار ذا مجموعة من الخلايا والعروق والأعصاب والعظام والجلود، فليس هو نفس الشخص الأوّل، لأن الأوّل قد انعدم بموته فإعادته ثانيةً

1 . ق: 4 .   2 . لقمان: 28 .

صفحه 30
إنّما هو بنفخ حياة جديدة يكون بها غير الإنسان الأوّل. بل مماثلاً له، وبعبارة أُخرى: إنّ الإعادة إيجاد بعد إيجاد، وتعدّد الفعل يدلّ على تعدّد المفعول.
وإن شئت قلت: تعدّد الإيجاد يدلّ على تعدّد الموجود، فإذن الشخصية الثانية غير الشخصية الأُولى وإن كانت المواد فيها واحدة.
وعلى هذا فخلق العروق والأعصاب والأرجل والأيدي وغيرها من الأعضاء من نفس المادة الترابية والمائية خلق جديد وإيجاد طارئ، فلو أُصيب أو أوقب يكونان في غير محلّهما، لأنّ الشخصية الأُولى انعدمت وحدثت شخصية أُخرى.
وبعبارة مختصرة: الصلة بين الشخصيتين مفقودة، فكيف يمكن أن يقال: إنّ عقاب الشخص الثاني نفس عقاب الشخص الأوّل، فإنّ وحدة المواد لا تضفي على الوجودين وحدة حقيقية؟
ولعلّ هذه الشبهة هي المعروفة بأنّ المعدوم لا يعاد فيمتنع حشر الموتى .1

1 . الشواهد الربوبية: 269، المشهد الرابع، الإشراق الرابع.

صفحه 31
والظاهر من بعض الآيات أنّ المُعاد ـ بالضمّ ـ نفس الشخص الأوّل لا مثله، يقول سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)1.
الجواب: إنّ هذه الشبهة أيضاً ـ ليست جديدة ـ بل كان يطرحها العرب في الجاهلية فقد قالوا ـ كما يحكي عنهم القرآن الكريم ـ : (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)2.
فإنّ مرادهم من الضلال في الأرض بطلان الهوية بطلاناً كاملاً لا يمكن أن يتّسم بالإعادة، بل يكونون خلقاً جديداً مماثلاً للخلق الأوّل، لا نفسه. ثم إنّه سبحانه يردّ على هذه الشبهة بوجهين:
1. قوله تعالى: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)2.
2. قوله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)3.
فالآية الأُولى تشير إلى أنّ الباعث لإثارة هذه الشبهة هو

1 . يس: 77 .   2 . السجدة: 10 .
2 . السجدة : 10 .
3 . السجدة: 11.

صفحه 32
تبنِّيهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء الله تعالى، فبما أنّهم يكفرون بذلك اللقاء يثيرون هذه الشبهة، وهي قولهم: (وَ قَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)، فلو كانوا مؤمنين باللقاء لما تمسّكوا بهذه الشبهة.
وأمّا الآية الثانية فهي بصدد قلع الشبهة من أساسها، وذلك من خلال تفسير التوفّي وأنّه ليس بمعنى الإماتة في الآية، بل بمعنى الأخذ، ففرق بين التوفّي وبين الموت، فالأوّل أعمّ من الثاني بشهادة قوله سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)1.
ترى أنّ لفظة (الّتي) معطوفة على (الأَنْفُسَ)وتقدير الآية: الله يتوفّى الّتي لم تمت في منامها، فقد جمع بين التوفّي وعدم الموت، وهذا أفضل شاهد على أنّ التوفّي إنّما هو بمعنى الأخذ لا الإماتة.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى توضيح مفاد الآية جواباً عن الشبهة:
يقول سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ): أي يأخذكم

1 . الزمر: 42.

صفحه 33
ملك الموت الّذي وكلّ بكم ثم إنّكم إلى الله ترجعون، ومعناه أنّ شخصيتكم الحقيقية يأخذها ملك الموت ولا تبقى في الأرض حتّى تضل، وما يأخذه ملك الموت هو عندنا محفوظ لا يضل، وإنّما الضال ـ عندكم ـ هو البدن الّذي يكون بمنزلة اللباس لهذه الشخصية، وعلى هذا فالبدن الضال (على فرض ضلاله) لا يمت لشخصية الإنسان بصلة، وأمّا ما يمت إلى شخصية الإنسان بصلة فهو غير ضالّ، فلو تعلّق بالبدن العنصري تتحقّق الشخصية الإنسانية الّتي كانت تعيش في عالم المادة، وإلى هذا يرجع قول العلماء: شخصية الإنسان بنفسه وروحه.
فلو أُريد منه أنّ المعاد هو النفس والروح فهو مخالف لصريح القرآن، وإن أُريد به أنّ النفس هي الّتي تحفظ بها شخصية الإنسان، لا العروق والأعصاب والجلود المتبدّلة إلى التراب فهو صحيح، وعلى هذا لو تعلّق ما هو المحفوظ عند الله سبحانه بالبدن الدنيوي في الحشر يكون المُعاد نفس الأوّل .
وحاصل الكلام: أنّ الشبهة مبنية على أنّ الإنسان هو نفس البدن بما فيه من أعضاء وأعصاب وغير ذلك ، فإذا صار تراباً بطلت روحياته ونفسانياته من خير وشر، فلو أُعيد يكون مثلاً لا

صفحه 34
عين الأوّل، ويقع الثواب والعقاب في غير محلّه.
وأمّا لو قلنا بأنّ للإنسان ـ وراء البدن ـ حقيقة متعالية لا تندثر بمرّ الزمان وكرّ الجديدان وهي الّتي تحمل روحيات الإنسان من خير وشر، وهي الصلة الوثيقة بين المبتدأ والمُعاد، فلا يلزم الإشكال.
وذلك لأنّ ما هو المحفوظ عند الله يجعل البدن الثاني إعادة للشخص الأوّل، والبدن الثاني وإن لم يكن عين البدن الأوّل بل مثله.
لكن الروح المصونة عن كلّ تغيّر، إذا تعلّقت بالبدن الثاني يكون المُعاد هو المبتدأ ; لأنّ المناط في تحديد الشخصية الإنسانية هو روحه ونفسه والبدن غير مهتم به، والسبب الداعي لحشره ببدنه هو عدم إمكان تعذيب الروح أو تنعمها إلاّ عن طريق البدن، فإذا كانت الشخصية محفوظة فلا تنقطع الصلة بين المبتدأ والمعاد، خصوصاً أنّ أجزاء البدن المبعثرة معلومة لله سبحانه، فهو يركّب تلك الأجزاء المبعثرة وتصير بواسطة الحركة الجوهرية في داخلها إلى حدٍّ تكون قابلة لأن تتعلّق بها الروح السابقة.

صفحه 35

الشبهة الثالثة:

شبهة الآكل والمأكول

الشبهة: إنّ هذه الشبهة من أقدم الشبهات الّتي وردت في الكتب الكلامية حول المعاد الجسماني، وقد اعتنى بدفعها المتكلّمون والفلاسفة عناية بالغة، وإلى هذه الشبهة أشار المحقّق الطوسي ـ في ضمن الجواب ـ بقوله: ولا تجب إعادة فواضل المكلّف .1 وقد قُرّرت بصور نذكر منها ما يلي:
1. لـو أكـل إنسانٌ كافرٌ، إنساناً مؤمناً، وقلنا بأنّ المراد من المعاد هو حشر الأبدان الدنيوية في الآخرة، فيلزم تعذيب المؤمن، لأنّ المفروض أنّ بدنه أو جزءاً منه، صار جزءاً من بدن الكافر، والكافر يُعذَّب، فيلزم تعذيب المؤمن .2
2. أنّ المقابر الواقعة في أكناف البلاد تتبدّل إلى حدائق للتنزّه والتفرّج أو إلى مزارع وحقول زراعية يتغذّى منها

1 . كشف المراد: 258 .
2 . لاحظ : شرح المواقف للسيد الشريف: 8 / 245; شرح المقاصد للتفتازاني: 2 / 216 .

صفحه 36
الحيوان والإنسان، فيؤول بدن الإنسان الميّت، جزءاً من الإنسان الحي، فعندئذ يطرح الإشكال المتقدّم.
الجواب: وهو من وجهين:
الأوّل: ما أجاب به غير واحد من المتكلّمين وحاصله: أنّ المُعاد، إنّما هو الأجزاء الأصلية، وهي الباقية من أوّل العمر إلى آخره، لا جميع الأجزاء على الإطلاق، وهذه الأجزاء الأصلية، التي كانت للإنسان المأكول، هي في الآكل فضلات، فإنّا نعلم أنّ الإنسان يبقى مدّة عمره وأجزاء الغذاء تتوارد عليه وتزول عنه، فإذا كانت فضلات فيه، لم يجب إعادتها في الآكل بل في المأكول.1
ويظهر من المحقق الطوسي ارتضاؤه ـ هذا القول ـ حيث قال: ولا تجب إعادة فواضل المكلّف ـ كما مرّ ـ وأوضحه العلاّمة الحلي بقوله: إنّ لكلّ مكلّف أجزاء أصلية لا يمكن أن تصير جزءاً من غيره، بل تكون فواضل من غيره لو اغتذى بها.2
الثاني: ما يحتاج إلى تقديم مقدّمة، وهي أنّ الإشكال مبني على أنّ للإنسان عبر الحياة بدناً واحداً، لا يتبدّل ولا يتغيّر،

1 . شرح المواقف:8/296.   2 . كشف المراد:256.

صفحه 37
ولكن الثابت عند الاخصّائيين غير ذلك، فقد ذهبوا إلى أنّ مجموع خلايا البدن تتبدّل إلى خلايا أُخرى كلّ عشر سنوات، فبدن الإنسان بعد عشر سنين، من عمره يغاير بدنه الموجود قبل عشر سنين، وعلى هذا فالإنسان الّذي يبلغ عمره ثمانين سنة قد عاش في ثمانية أبدان مختلفة، وهو يحسبها بدناً واحداً.
إذا عرفت ذلك فنقول هنا فروض للشبهة، نفترضها ثم نجيب عنها:
1 . لو فرض أنّ بدن إنسان صار جزءاً من بدن إنسان آخر، فبما أنّ للمأكول أبداناً متعدّدة على مدى حياته، فواحد منها مقرون بالمانع، والأبدان الأُخرى خالية منه فيحشر مع الخالي.
2 . لو فرض أنّ جميع أبدانه اقترنت بالمانع، فإنّه أيضاً لا يصد عن القول بالمعاد الجسماني، لأنّ الناموس السائد في التغذية، هو أنّ ما يستفيده الإنسان من الغذاء لا يتعدى ثلاثة بالمائة من المأكول والباقي يدفعه.
فإذن لا مانع من أنْ تتعلق الروح بالأجزاء الباقية الّتي تتفاوت عن البدن الدنيوي من حيث الوزن والحجم، ولم يدلّ دليل على أنّ المحشور في النشأة الأُخروية يتّحد مع الموجود في النشأة الدنيوية في جميع الجهات وعامّة الخصوصيات.

صفحه 38
3 . لو فرض أنّ قانون التحوّل ساد على أبدان المأكولين، فلم يبق من كلّ بدن إلاّ النزر اليسير الّذي يتشكّل منه بدن إنسان كامل، فلا مانع في هذا الفرض النادر من تكميل خلقته بالمواد الأرضية الأُخرى حتى يكون إنساناً قابلاً لتعلّق الروح به، وليس لنا دليل على أنّ المُعاد في الآخرة يتّحد مع الموجود في الدنيا في جميع الجهات حتى المادة الّتي يتكّون منها أكثر البدن.
نعم، إنْ كانت المادة الترابية الّتي تكوّن منها البدن الدنيوي موجودة، فلا وجه للعدول عنها إلى تراب آخر، وأمّا إذا كانت مقرونة بالمانع، فلم يبق إلاّ جزء يسير لا يكفي لتكوّن البدن، فلا غرو في أن يُتَسَبَّب في تكميل خلقته بالأخذ من المواد الترابية غير المقرونة بالمانع.
وهنا جواب آخر عن عامّة الفروع، وهو: أنّ العلم الحديث كشف عن وجود خلايا أساسية لكلّ فرد من أفراد الكائنات الحية، فلو بقي من كلّ إنسان خلية أساسية واحدة وهي إذا خضعت للتربية والنمو والتكامل تكون إنساناً كاملاً، ولا شكّ أنّ الإنسان يتشكّل بدنه من مليارات الخلايا، ومن البعيد أن تؤكل عامّة خلاياه ولا يبقى منها حتّى ولو خلية واحدة تقبل التكامل والإعادة في يوم المعاد.

صفحه 39

الشبهة الرابعة:

تعلّق الروح ـ بعد المفارقة ـ بالبدن تناسخ

الشبهة: ربّما يتصوّر أن تعلّق الروح ـ بعد المفارقة ـ بالبدن، تناسخ، لأنّ التناسخ عبارة عن انتقال الروح بالموت من البدن المادي إلى بدن مثله في هذه النشأة، وهذا النوع من الانتقال هو التناسخ المصطلح الّذي ذهب إليه بعض الفلاسفة من البراهمة والهندوس، ورائد هذا الفكر هو «يوذاسف»، فلو قلنا بالمعاد الجسماني العنصري لكانت النتيجة هي التناسخ الّذي اتّفق علماء الإسلام على بطلانه وحكموا بكفر من يقول به .
وقد أشار إلى هذه الشبهة صدر المتألّهين حاكياً عن المنكرين، قولهم: إنّه يلزم التناسخ.
الجواب: إنّ صاحب الشبهة لم يفرّق بين التناسخ المصطلح الرائج بين الهنود والبراهمة، والمعاد الجسماني

صفحه 40
العنصري الّذي قال به القرآن الكريم، وإليك الفرق بينهما.
إنّ التناسخ المصطلح عبارة عن تعلّق روح الإنسان ـ بعد مفارقة البدن بالموت ـ بجنين إنسان أو حيوان أو خلية نباتية، والكلّ دونها في الكمال. فأصحاب هذا القول يتصوّرون أنّ النفوس المتوسطة تنتقل بعد فناء أبدانها إلى أجنّة الإنسان أو الحيوان، و تعود إلى الدنيا لمتابعة مسيرة الاستكمال، و الإرتقاء إلى درجة النفوس الكاملة.
ولكنّه خيال باطل، لأنّ تعلّق تلك النفوس بالجنين الإنساني أو الحيواني بما لها من الكمال المناسب لمقامها، أمر غير ممكن عقلا، لأنّ النفس ما دامت في البدن تزداد في فعليتها شيئاً فشيئاً حتى تصير أقوى وجوداً و أشد تحصُّلا. و مثل هذا لا يمكنه أن يتعلّق بالموجود الأدنى منه، الّذي لا يتحمّل ذلك الكمال و تلك الفعليّة، لعدم تحقّق التعاضد و الانسجام بينهما.
و بعبارة أُخرى: إنّ واقعية النفس التّي عاشت مع البدن أربعين سنة مثلا، واقعيةُ تَفَتُّح القوى وبلوغها مقام الفعلية. و أمّا النفس التّي تتعلّق بالأجنّة، فتفقد كلّ فعلية، ويكون انتسابها الى جميع الكمالات بالقوة، فحسب. فإذن القول بتعلّق النفس

صفحه 41
الأُولى مع تلك الفعلية بالجنين، جمع بين النقيضين. لأنّها ـ على الفرض ـ بما أنّها نفس إنسان مرّت عليه أربعون سنة، مستجمعة لجميع الكمالات بالفعل. وبما أنّها تعلّقت بالجنين، مستجمعة لها بالقوة فحسب. فتكون الكمالات في محلّ واحد و زمان واحد، بالفعل و بالقوة معاً، و هذا محال.
وأين هذا من القول بالمعاد الجسماني؟ فإنّ الروح تتعلّق بنفس البدن المادي الذي فارقته، وقد كان بينهما انسجام والتئام.
وحصيلة الكلام: أنّ التناسخ عبارة عن تعلّق نفس منسلخة بالجنين، وعندئذ يلزم أن يكون أحدهما بالقوة والآخر بالفعل، وذلك ممتنع ; لأنّ التركيب بينهما طبيعي اتّحادي، والتركيب الطبيعي يستحيل بين أمرين أحدهما بالفعل والآخر بالقوة، وهذا بخلاف المعاد، فإنّ النفس بما لها من الفعلية تتعلّق بالبدن بما له من قابلية تعلّق النفس به.
نعم إنّ للقول بالتناسخ صوراً أُخرى ذكرنا تفاصيلها في موسوعتنا «الإلهيات».1

1 . لاحظ : الإلهيات: 4 / 298 ـ 312 .

صفحه 42

الشبهة الخامسة:

عود ما بالفعل إلى ما بالقوّة

الشبهة: إنّ تعلّق النفس بالبدن العنصري يستلزم رجوعها عن الفعل إلى القوّة، فكما أنّ النفس بعد الانتقال عن المرتبة المعدنية إلى النباتية أو الحيوانية لا ترجع وراءها وإنّما تأخذ بالتكامل من الحيوانية إلى الإنسانية، فإنّ النفس بالموت تنتقل من عالم المادّة إلى عالم التجرّد، ومن عالم العنصر إلى عالم القدس، فرجوعها إلى عالم المادة وتعلّقها بالبدن العنصري يستلزم رجوع ما بالفعل إلى ما بالقوّة.
وبعبارة أُخرى: تعلّقها بالبدن العنصري نحو انحطاط لها وتنزّل من درجة عالية إلى درجة دانية، ونوع رجعيّة يضادّ حكمة الباري حتى أنّهم ربما يتمّسكون في بيان الاستحالة ببعض التمثيلات:
يقول جلال الدين المولوي في مثنويه:

صفحه 43
هيج انگورى دگر غوره نشد *** هيج ميوه پخته باكوره نشد1
يريد: أنّ العنب لم يعد إلى الحصرم إطلاقاً، كما أنّ الفاكهة الناضجة لم تصر باكورةً (وهي أوّل ما يدرك من الفاكهة).
الجواب: إنّ هذه الشبهة مردودة بوجهين:
الأوّل: أنّ صدر المتألّهين قد صوّب ذلك في شرحه على الهداية الأثيرية وقال: ثمّ اعلم، أنّ إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا، مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة كما نطقت به الشريعة من نصوص التنزيل وروايات كثيرة متضافرة لأصحاب العصمة والهداية غير قابلة للتأويل، كقوله تعالى:(قالَ مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ)2، وقوله تعالى: (فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)3، وقوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرينَ عَلى

1 . مثنوي معنوي: الجزء الثاني، القسم 26 .
2 . يس: 78ـ 79 .
3 . يس : 51.

صفحه 44
أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ)1، أمرٌ2 ممكن غير مستحيل فوجب التصديق
بها لكونها من ضرويات الدين، وإنكاره كفر مبين.2
الوجه الثاني: أنّ خروج النفس من البدن بالموت لا يعني صيرورتها أمراً بالفعل ومجرّداً تامّاً غير قابل لتعلّقها بالمادة; وذلك لأنّ النفس وإن كانت في وحدتها كلّ القوى، ولكنّها في عالم العقل عقل، وفي عالم النفس نفس، وفي عالم المثال خيال، وفي عالم الحسّ حسّ، وعلى ذلك فهي لا تنقلب عمّا هي عليه ولا تخرج عمّا كان لها من القوّة، فعلى ذلك فالنفس تتعلّق بالبدن العنصري بما فيها من القوّة الموجودة في مرتبة الحسّ، وتكون مدبّرة للبدن بما لها من هذه المراتب.
والّذي يجب إلفات نظر صاحب الشبهة إليه، هو أنّه وقع في الاشتباه حيث زعم أنّ المعاد الجسماني يستلزم رجوع ما في الفعل إلى ما بالقوة، ولكنّه في الحقيقة ليس هناك أي رجوع، بل الكلّ في مقامه.
بيان ذلك: أنّ البدن العنصري في رتبة الطبيعة والنفس لها رتب ودرجات، هي:

1 . القيامة: 3 ـ 4.   2 . خبر أنّ في أوّل قوله: أنّ إعادة النفس.....
2 . شرح الهداية الأثيرية : 381، ط 1313هـ.ق.

صفحه 45
1. الرتبة العقلية، والنفس في هذه الرتبة تُدرك الكلّيات، وتستنتج النظريات من البديهيات وبالتالي تسوق البرهان.
2. الرتبة المثالية، والنفس في هذه الدرجة تدرك الصور البرزخية، وربما يطلق على هذه الرتبة رتبة الخيال، فالصور المدركة هي ذات كمّ بدون أن تكون لها مادّة.
3. الرتبة الطبيعية وفي هذه الرتبة يكون البدن آلة للنفس لأجل درك الأُمور الطبيعية من الجواهر والأعراض، فلمّا فقدت النفس الآلة، انقطعت عن إدراك العالم المادي ولذائذه وآلامه، وعلى هذا فالموت عبارة عن فقد النفس تلك الآلة، فإذا حصلت النفس على تلك الآلة بإيجاد البدن من الله سبحانه تعود إلى عالم الطبيعة مع الاحتفاظ بكلتا الرتبتين المتقدّمتين.
وعلى هذا فلا يوجد هناك رجوع ولا تراجع حتى يقال: إنّ تعلّق النفس بالبدن أشبه بصيرورة العنب حصرماً، بل النفس كانت محتفظة بعامّة درجاتها ومراتبها غير أنّها فقدت في فترة من الزمان الوسيلة التي تتوصّل بها إلى عالم الطبيعة.
فإذا استبدل الانفصال إلى الاتّصال ووجدت كلّ نفس الوسيلة للاتّصال بعالم الطبيعة، يكون المُعاد كالمبتدأ دون أن

صفحه 46
يكون هناك تراجع أو تناقض في الحكمة.

الجهود العلمية لحلّ الشبهة

هذا ما عندنا في حلّ الشبهة وهي من الوضوح بمكان، إلاّ أنّ قسماً من المتألّهين ـ بعد الشيخ الرئيس ـ قاموا بحلّ هذه الشبهة، بطرق مختلفة ـ شكر الله مساعيهم ـ وها نحن نذكر أسماءهم مع إيعاز إلى لباب آرائهم:
1. غياث الدين الشيرازي الأمير منصور بن صدر الدين الشيرازي الحسيني الدشتكي (المتوفى 941 هـ)، وهو من العلماء الذين ظهروا في القرن العاشر وله مؤلّفات في الفلسفة والكلام والمنطق والفلك والرياضيات، وقد ألف رسالة في المعاد الجسماني، وحكي عنه أنّه قال: إنّ للنفس تعلّقين بالبدن:
أ. تعلّقها بالروح الحيوانية.
ب. تعلّقها بالأعضاء الجسمانية.
وهي عند الموت تُعدم التعلّق الأوّل وبالتالي يشتد تعلّقها الثاني ويتقوّى، وبهذا الطريق تكون الصلة بين النفس والبدن محفوظة.
هذا خلاصة مرامه وقد نقله صدر المتألهين بالنحو التالي: قال بعض الأعلام في رسالة لفّقها في تحقيق المعاد أنّ للنفس

صفحه 47
الناطقة ضربين من التعلّق في هذا البدن:
أوّلهما: أوّلي وهو تعلّقها بالروح الحيواني.
وثانيهما: ثانوي بالأعضاء الكثيفة، فإذا انحرف 1 مزاج الروح وكاد أن يخرج عن صلاحية التعلّق الثانوي من جهة النفس بالأعضاء، وبهذا تتعيّن الأجزاء تعيّناً ما، ثم عند المحشر إذا جمعت وتمّت صورة البدن ثانياً وحصل الروح البخاري مرّة أُخرى، عاد تعلّق الروح كالمرّة الأُولى، فذلك التعلّق الثانوي يمنع من حدوث نفس أُخرى على مزاج الأجزاء، فالمُعاد هي النفس الباقية لنيل الجزاء .2
أنّ ما ذكره من التعلّقين ثم رتّب عليه ما رتّب لم يُقم عليه برهاناً، ولذلك أورد عليه صدر المتألّهين، فمن أراد المزيد، فليرجع إلى الشواهد الربوبية.
ولا يمكن لمسلم واع أن يبني عقيدته على هذا النوع من الادّعاءات .
***

1 . لم يأت جواب «إذا» .
2 . الشواهد الربوبية: 272 ـ 273، المشهد الرابع، الإشراق السادس .

صفحه 48
2. محمد بن إبراهيم المعروف بصدر المتألّهين (971 ـ 1050 هـ) وقد أسس أُصولاً سبعة لما يتبنّاه من إثبات الحشر الجسماني كلّ ذلك في «الشواهد الربوبية»، وأمّا في كتابه «الأسفار الأربعة» فقد أسّس أزيد من عشرة أُصول لإثبات ما يتبنّاه.
والمهم هو الأصل السابع في «الشواهد الربوبية»، وحاصل كلامه: أنّ شيئية الشيء بصورته، وأنّ صورة ذات النفس هو نفسه، وأنّ المادة الدنيوية لمكان عدم مدخليتها في قوام الشيء، لا تُحشر، وأنّ المحشور هو النفس، غاية الأمر إمّا مع إنشائها لبدن مثالي قائم بها قياماً صدورياً مجرداً عن المادّة ولوازمها إلاّ المقدار كما في نفوس المتوسّطين من أصحاب الشمال أو أصحاب اليمين، وأمّا بدون ذلك أيضاً كما في المقرّبين.
وبعبارة أُخرى: إن الأبدان الأُخروية مجردّة عن المادّة الدنيوية، القابلة للاستحالات وسوانح الحالات، وورود الصور والكمالات وتجدد الحركات، والاستكمالات، والكون والفساد، غير مجردة عن الصور الامتدادية، فليست هي في التجرد بمثابة العقل ولا في المقارنة كالصور الدنيوية، بل إنّما هي مجردة عن المادة فقط، بخلاف العقل فإنّه مجرد عن

صفحه 49
الصور الامتدادية، فالبدن الأُخروي قائم بالجهة الفاعلية فقط والبدن الدنيوي قائم بها وبالجهة القابلية.
وعلى ما ذكره فالبدن الأُخروي بعينه هو البدن البرزخي، وأمّا البدن الدنيوي فيفسد إلى عناصره فيصير حكمه حكم سائر العناصر كما كان قبل صيرورته بدناً، فلا تتعلّق النفس به بعد مفارقتها عنه أصلاً.1
ثم إن البدن البرزخي الذي تتعلّق به النفس هو مخلوق لها بعد مفارقتها البدن الدنيوي، وذلك لأن قوّة الخيال باقية مع النفس فتخيله مثل ذلك البدن يسبب وجوده في البرزخ، وهذا أيضاً يستفاد من بعض كلماته.
ثم إن صدر المتألهين بيّن نظريته في الشواهد الربوبية بأوضح بيان، يقول: إنّ المُعاد يوم المَعاد هذا الشخص بعينه نفساً وبدناً، وأنّ تبدّل خصوصيات البدن من المقدار والوضع وغيرهما لا يقدح في بقاء شخصيّة البدن، فإنَّ تشخّص كلَّ بدن إنّما هو ببقاء نفسه مع مادّة ما وإن تبدّلت خصوصيات المادَّة، حتى أنَّك إذا رأيت إنساناً في وقت سابق ثم تراه بعد مدَّة كثيرة
وقد تبدَّلت أحوال جسمه جميعاً بخصوصياتها، أمكنك أن

1 . لاحظ : الاسفار الأربعة: 9 / 190 .

صفحه 50
تحكم عليه بأنّه ذاك الإنسان، فلا عِبَرة بتبدّل أحوال جسمه بعد انحفاظ الصورة النفسانية، بل الحال كذلك في تشخّص كلِّ عضو منه ولو كان إصبعاً واحداً، فإنّ له اعتبارين: اعتبار كونه آلة مخصوصة لزيد مثلاً، واعتبار كونه في ذاته جسماً متعيّناً من الأجسام، واسم الاصبع واقع عليه بذلك الاعتبار لا بهذه، فتعيّنه بالاعتبار الأوّل باق ما دامت النفس تتصرّف فيه وتستعمله وتحفظ مزاجه وتُقَلِّبه كيف تشاء، وتعيّنه بالاعتبار الثاني زائل لأجل الاستعمالات الواقعة فيه .
فبعد حشر النفوس وتعلّقها بأجساد أُخرى غير هذه الأجساد ليس لأحد أن يقول: إنّ هذا البدن المحشور غير البدن الذي مات .1
يلاحظ عليه: بأنّه على فرض صحّته لا يتّفق مع ما عليه الذكر الحكيم فإنّ تبدّل المادّة البدنية إلى بدن مثالي يشبه البدن الدنيوي في الصورة والمقدار دون المادّة، يغاير قوله سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ )2 على
أنّه خصّ هذا النوع من المعاد للمتوسطين، واستثنى منه

1 . الشواهد الربوبية: 266، المشهد الرابع، الإشراق الثاني.
2 . يس: 79 .

صفحه 51
المقرّبين مع أنّه سبحانه سمّى يوم القيامة بيوم الجمع ويقول: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْم لاَ رَيْبَ فِيهِ)1، وقال سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا)2، ونحن لا ننكر جهوده العلمية، وإنّما ننكر ما استنبطه منها، نعم لا بأس بما ذكره في الحياة البرزخية دون الحياة الأُخروية.
***
3. الحكيم المتألّه المعروف بآقا علي الزنوزي، ابن المولى عبدالله الزنوزي التبريزي نزيل طهران (المتوفّى عام 1307 هـ)، وقد ألّف رسالة خاصّة في إثبات المعاد الجسماني أسماها «سبيل الرشاد»، طبعت عام 1310 هـ طبعة حجرية، ثم أُعيد طبعها ثانياً ضمن مجموعة آثاره.
وقد أبدع نظرية خاصّة في المعاد الجسماني وكأنّها نظرية ثانية بعد نظرية صدر المتألّهين. وسيوافيك بيانها بعد كلام المتألّه الاصفهاني والرفيعي القزويني (قدس سره)تالياً.
***
4. الشيخ المتألّه الحكيم محمد حسين الاصفهاني الذي

1 . آل عمران: 25 .   2 . الكهف: 99 .

صفحه 52
لخّص نظرية الحكيم الزنوزي في رسالة خاصّة1، وقد صاغ هذه النظرية بعبارات مختصرة، نقتبس منها ما يلي:
إنّ للقول بالمعاد الجسماني احتمالات مختلفة:
أ. عود الروح إلى البدن الدنيوي.
وهذا ما قام برده بقوله: لو صحّ ذلك لم تكن الآخرة نشأة أُخرى، بل نشأة دنيا، وكانت بالآخرة عمارة الدنيا بعد خرابها.
ب. تعلّق النفس بالبدن الصوري 2 لا المادي الدنيوي بحيث لا يكون كالعقل مجرداً عن الصورة الامتدادية والمادّة، ولا كالبدن الدنيوي منغمراً في المادّة بل مجرداً عن المادّة فقط، فيؤول إلى البدن البرزخي.
وهذا ما قام بردّه ـ أيضاً ـ بقوله: إنّ الآخرة نشأة أُخرى غير البرزخ .
ج. ما اختاره وقال: بل الحق إنّ النفس بعد انتهائها إلى كمال ذاتها لا حركة لها، وإنّما الحركة للبدن إليها، ولا تكون

1 . وطبعت هذه الرسالة في مجلة نور علم (العدد 12). وقد فرغ المؤلّف منها في السادس عشر من شهر رجب عام 1355 هـ .
2 . يريد نظرية صدر المتألّهين المتقدّمة.

صفحه 53
الحركة إلاّ بالخروج من حدّ النقص إلى الكمال، فالبدن الأُخروي عين البدن الدنيوي لكنّه لا باللوازم الدنيوية، فإنّه مناف للحركة من نشأة إلى نشأة في الطول، ولا بمجرّد الصورة الامتدادية فقط فإنّه التزام بالبدن البرزخي المعبّر عنه بالبدن الهورقليائي، بل عينية حقيقية بحركة جميع أجزاء البدن إلى عالم الآخرة بما هو بدن، ومقوّم لبدنية البدن لا لهويته فقط حتى يقال: إنّ النفس صورة الإنسان وشيئية الشيء بصورته النوعية، فإنّه مناف لقوله تعالى: (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة)1، وإلى غير ذلك من الآيات المباركة .
***
4. الحكيم المتألّه السيد أبو الحسن الرفيعي القزويني (المتوفّى 1396 هـ)، فإنّه (قدس سره)أيّد وأوضح تلك النظرية في بعض رسائله وقال ما هذا ترجمته:
النفس بعد مفارقة البدن العنصري تتعلّق بجسد مثالي كي تستعد المادّة العنصرية لأن يصنع بها البدن الأُخروي، فإنّ التربة

1 . يس: 78 ـ 79 .

صفحه 54
العنصرية عبر تكاملها الطبيعي تصل إلى درجة تصلح لأن تقع مادة لصنع البدن الأُخروي، فإذا تمّ التكامل وصلحت التربة العنصرية لصنع البدن الأُخروي تتعلّق الروح به منضماً إلى البدن المثالي، فبما أنّ البدنين كلٌّ في طول الآخر فلا مانع من اجتماعهما، غاية الأمر أنّ البدن المثالي على وفق الملكات الحسنة أو السيئة، والبدن الأُخروي على وفق أشكال وهيئات البدن البرزخي.1
وحاصل النظرية: أنّ البدن العنصري الذي تركته الروح عند الموت لا يصلح لأن يكون بدناً أُخروياً، فإذا تبدّل إلى التربة العنصرية تقع تلك التربة عبر عناية الله تعالى في صراط التكامل على نحو تصلح التربة لصنع بدن أُخروي منها مستعد لتعلّق النفس به يوم القيامة.
إنّ الرجعية ورجوع ما بالفعل إلى ما بالقوة إنّما يتصوّر إذا كانت النفس طالبة للبدن الدنيوي حتى تتعلّق به، ومن المعلوم أنّ لازم ذلك تنزّل العالي عن علوّه إلى المقام الداني، وأمّا إذا كان البدن هو الذي يطلب النفس حتى يتعلّق بها فعندئذ فالبدن

1 . رسائل ومقالات فلسفى، للحكيم المتألّه الرفيعي القزويني: 83 .

صفحه 55
الذي يخلقه الله سبحانه يوم القيامة في ظل الحركة الجوهرية يأخذ بالتكامل إلى حدّ يحصل بينهما انسجام والتحام واتصال، وقابلية للاتحاد.
وبما أنّ العلمين الجليلين بنيا مقالتهما في المعاد الجسماني على نظرية الحكيم الزنوزي وكلّ منهما عيال عليه فيما اختارا، فلنأت بنظريته على وجه الإيجاز حسب ما وردت في كتابه «سبيل الرشاد» قال:
والحق تعلّق النفس ثانياً بالبدن الدنيوي لكن برجوع البدن إلى الآخرة وإلى حيث النفس، لا بعود النفس إلى الدنيا وإلى حيث البدن فيكون البدنُ واقفاً والنفس متحرّكة إليها.
وقال: إنّ المقرّبين لا يبلى جسدهم كما شاهدت ذلك في جسد الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي ـ رضي الله عنهما ـ المدفون في أرض ري في سرداب، دخلتُ السرداب بعد مضيّ سنوات قريبة من عشر من ظهور جسده الطيب فشاهدته كإنسان تام الأعضاء بلا نقص وفساد وبلاء نام مستلقياً، وأمّا أصحاب اليمين والشمال ففي كلّ بدن بعد مفارقة النفس عنه، ودائع من آثار النفس حسب ذاتها وملكاتها الأصلية والمكتسبة الحاصلة من أعمالها وأفعالها يخالف سائر الأبدان،

صفحه 56
ويتميّز ترابه عن سائر الأتربة ـ إلى أن قال ـ : فالبدن الخاص المتخصّص بودائع وآثار من نفس مخصوصة، لا يمكن أن يكون مادة متحرّكة إلى نفس أُخرى، كما أنّ النفس الجزئية المفارقة عن بدنها لا تتعلّق ببدن جزئي آخر، فتراب بدن زيد لكونه متصوّر بصور ودايع نفسه لا يمكن أن يكون نطفة متحركة إلى نفس عمر، بل يكون محفوظاً عند من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة 1 .
ثم إنّ كلّ نوع واقع في عالم الحركات والمتحرّكات متحرّك إلى الوصول إلى غاية الأعلى منه وجوداً حركة طويلة إلى أن يصل إليها، والأعلى من الدنيا هو الآخرة ـ إلى أن قال ـ : فإذن الدنيا بكلّية وجودها من سماوياتها وأرضياتها متحرّكة إلى الآخرة، إذ قد ثبت الحركة الذاتية فيها والآخرة لكلّ واحد من هذه هي ما يناسبه ويختلف كاختلافها في الدنيا، فكلّ واحد من أجزاء الدنيا متحرّك إلى غاية المناسبة له مناسبة تامّة ذاتية لكون الحركة ذاتية جوهرية فلا يخرج بعد الوصول إليه من شخصه، بل يتمّ به شخصه وسيكمل به هويته.
وقد علمت أنّ البدن أو التراب الذي صار البدن إليه أمر

1 . سبيل الرشاد في إثبات المعاد، المطبوع ضمن مجموعة مصنّفات المؤلّف: 98.

صفحه 57
شخصي ممتاز بما كمن فيه من آثار النفس وودائعها الّتي نزلت
منها بحسب ذاتها وملكاتها إليه، فهو أيضاً متحرّك إلى غايته الأعلى منه الّتي لا أقرب إليه منها إلى أن يتّصل بها ويتمّ بها شخصه ويستكمل، فيصير آخرة بعد كونه دنيا، وحيّاً بعد كونه ميّتاً (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ)1، وعالماً بعد كونه جاهلاً، وناطقاً بعد كونه صامتاً (أَنْطَقَنَا اللهُ الذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء)2، (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )3 ولا أقرب إليه من النفس الّتي فارقت عنه الّتي كانت فاعلة له وكانت بها تمامية شخصه وحصلت منها ما به تتعيّن بعد مفارقتها عنه من الآثار المودعة فيه منها»4.
ثم إنّه (قدس سره)استدلّ على مختاره بما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء وفسحة وروح المسيء في ضيق وظلمة، والبدن يصير

1 . العنكبوت: 64 .
2 . فصّلت: 21 .
3 . يس: 65 .
4 . لاحظ : سبيل الرشاد في إثبات المعاد: 102 ضمن مجموعة مصنّفات الحكيم المتألّه الزنوزي، طهران 1387 ش.

صفحه 58
تراباً كما منه خلق وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ممّا أكلته ومزّقته، كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإنّ تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في تراب، فإذا كان حين البعث مطر الارش مطر النشور، فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء والزبد من اللبن إذا مخض، فيجمع تراب كلّ قالب إلى قالب ينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها، وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً»1.
ثم إنّه (قدس سره)قام بتبيين الرواية بفقراتها الّتي يناهز عددها اثنتا عشرة فقرة وأوضحها بشكل صار الحديث منطبقاً على مختاره.
هذه هي نظرية ذلك الحكيم، وبما أنّه استنبط مختاره من الحديث لا نعلّق على تلك النظرية بشيء، لأنّها مستلّة من حديث الإمام الصادق (عليه السلام)عن تفسير العياشي، ولكن الرواية مرسلة، حيث إنّ روايات تفسير العياشي كلّها مراسيل، ولم

1 . تفسير الصافي: 4 / 261، في تفسير قوله سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة).

صفحه 59
يكن يوم تأليفه كذلك وإنّما ابتلي به بيد مَن تأخّر عنه حيث حذف الأسانيد وأبقى الراوي عن الإمام ومتن الحديث، وهذا بعين الله خسارة عظيمة.
وعلى كلّ تقدير نحن نثمن كلّ هذه الجهود المتعدّدة الّتي طرحت، فإنّ الجميع بصدد بيان ما دلّ عليه القرآن الكريم، ولو أردنا التمثيل فنقول: كلّ هؤلاء من الأعاظم بصدد تسلّق قمّة الجبل فبعضهم حاول الوصول إلى القمة ولكن ضعفت قواه فوقف في وسط الطريق، ولعلّ البعض الآخر وصل إلى ما هو المقصود.

صفحه 60

الشبهة السادسة:

المعاد العنصري رجوع إلى الدنيا المذمومة

الشبهة: إذا كانت حقيقة المعاد هي رجوع النفس إلى البدن العنصري فإنّ مرجع هذا هو رجوع الإنسان إلى الدنيا مع أنّ الآيات الكريمة تذمّ الحياة الدنيا ولا تعطي لها قيمة، فكيف يرجع الإنسان إلى الدنيا بعد المفارقة؟
يقول سبحانه: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَ الأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَ رِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)1.
وربما يؤيّد بقوله سبحانه: (وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ)2، فلابد أن تكون الآخرة نشأة غير تلك النشأة.

1 . الحديد: 20 .
2 . الواقعة: 62 .

صفحه 61
الجواب: أنّ البدن الأُخروي والحياة الأُخروية حياة لطيفة، فلا يلزم من القول بالمعاد العنصري رجوع الإنسان إلى الدنيا بعد مفارقتها ; وذلك لأنّ الحياة الأُخروية وإن كانت عنصرية لكنّها حياة رفيعة لا تنافي حكمته سبحانه. وممّا يشهد على سمو الحياة الآخروية قوله سبحانه: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَة رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)1.
حيث يدلّ قوله: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) وجود التشابه بين الثمار في الحياتين، وما هذا إلاّ لأنّ الحياة الأُخروية أسمى وأفضل من الدنيوية.

1 . البقرة: 25 .

صفحه 62

الشبهة السابعة:

عدم كفاية المواد الأرضية لإحياء الناس

الشبهة: قد كشفت التنقيبات الجيولوجية وعلوم الآثار أنّ الإنسان يعيش على سطح الأرض منذ قرابة مليوني عام، ولذا فلو كان المعاد عامّاً لجميع الناس الذين عاشوا على هذا الكوكب، فكيف يكون ترابه كافياً لإحيائهم، فإنّ المعاد إذا كان عنصرياً، فالمُعادون كثيرون، مع أنّ ما يُعادون به ـ وهو المواد العنصرية الأرضية ـ قليل لا يكفي لإعادة أبدانهم؟
الجواب: وهو من وجوه:
أوّلاً: أنّ ما تنقله لنا هذه التنقيبات والحفريات التاريخية والطبيعية ليس على درجة تفيد القطع واليقين، حتى نرفع بأقوالهم اليد عن الوحي الإلهي أو نتردّد في صحّة المعاد.
وثانياً: لم يدلّ دليل على أنّ بدن الإنسان كنفس البدن الدنيوي في الحجم والوزن وسائر الجهات المادّية، بل يكفي أن يصدق على المُعاد أنّه نفس المبتدأ، وأمّا المطابقة في سائر

صفحه 63
الجهات فلم يدلّ عليها دليل.
وثالثاً: لو فرض عدم كفاية المواد الترابية لإحياء جميع من قطنوا هذا الكوكب، فلا مانع من تكميلها بتراب الكرات الأُخرى، وليس ذلك على خلاف العدل، لما عرفت من أنّ الثواب والعقاب بملاك الروح والنفس، فالنفس الإنسانية إذا أُدخلت في أي بدن كان،وحُشرَت مع أي جسم إنساني، فهوهو، وليس غيره، وإنّما يكون البدن أداة ووسيلة لتعذيبه، وتنعيمه، ولولا دلالة القرآن على أنّ المُعاد في الآخرة عنصري، لكان العقل مكتفياً بإعادة الروح والنفس، غير أنّ إصرار الذكر الحكيم، على كون المعاد عنصرياً، يصدّه عن الاكتفاء بالمعاد الروحاني
وعلى ضوء ذلك، فلو كانت المواد الأرضية غير كافية لإحياء كلّ من سكن هذا الكوكب، فلا مانع من تكميل بدن كلّ إنسان بمواد من كواكب أُخرى.
ورابعاً: أنّ النيازك المشاهدة في الليالي هي نتيجة وصول أحجار وأتربة وأجسام ثقيلة من الفضاء الخارجي إلى الغلاف الجوي، فيوجب احتكاكها الشديد به احتراقها وتناثرها، وهبوطها على الأرض بصورة ذرات خفيفة لا تزعج الحياة

صفحه 64
عليها وهذه الأحجار توجب ازدياد المواد الأرضية زيادة مطّردة بشكل يومي، قال العلماء: إنّ عشرين مليون حجراً فضائياً يصطدم يومياً بالغلاف الجوي وهي تسير بسرعة خمسين كيلومتراً في الثانية، فتتلاشى وتتناثر وتهبط بلا إزعاج على القشرة الأرضية.1
وعلى هذا، فالمواد الأرضية لم تزل في حال التوفر والازدياد، والله يعلم إلى أي حد يصل حجمها إلى يوم البعث.

الشبهة الثامنة:

ضيق سطح الأرض لبعث النفوس عامّة

الشبهة: هل يكفي سطح الأرض لاستقرار جميع الخلائق التي لا يحصي عددها إلاّ خالقها، في يوم واحد، كما هو صريح قوله سبحانه:(هذا يوم الفصل جمعناكم والأوّلين).2
مع أنّ مساحة الأرض لاتتجاوز الـ(715,950,509) كيلومتراً مربعاً؟

1 . الله يتجلى في عصر العلم: 20.
2 . المرسلات:38.

صفحه 65
وإلى هذه الشبهة أشار صدر المتألهين ناقلاً عن الجاحدين للمعاد الجسماني، قولهم: إنّ جرم الأرض مقدار معدود ممسوح بالفراسخ والأميال، وعدد النفوس غير متناه فلا يفي بحصول الأبدان غير المتناهية معاً.1

الجواب:

إنّ السؤال مبني على حفظ النظام السائد حاليّاً، مع أنّ صريح الآيات يدلّ على تبدّل النظام، وحدوث نظام أوسع وأكثر، وقد ثبت أنّ الديناميكا الحرارية تثبت اتجاه المواد الكونية إلى الفناء بمرور الزمن، فلا تقوم القيامة على صعيد هذا النظام. والآيات في هذا المجال كثيرة.
يقول سبحانه:(يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرضُ غَيرَ الأرضِ وَالسَّمواتُ وَبَرَزُوا للهِ الواحدِ القَهّار).2
والذكر الحكيم يصرّح بأنّ الشمس والقمر يجريان إلى أجل مسمّى. يقول سبحانه:(وَسَخَّرَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجري لأجل مُسمّى)3، بل جميع العوالم المحسوسة من الأرض

1 . الشواهد الربوبية: 271 المشهد الرابع، الإشراق الخامس.
2 . إبراهيم:48.   3 . الرعد:2.

صفحه 66
والسماوات، كلّها تجري إلى أجل مسمّى، يقول سبحانه:(أوَ لَمْ يَتَفكَّروا في أنفسهم ما خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ وَالأرض وَما بَينَهُما إلاّ بِالحَقِّ وَأجل مُسمّى وَإنَّ كَثيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافرونَ).1
والآيات التي ننقلها في كيفية حدوث القيامة، تكشف عن تدمير النظام بأسره، وانقلابه إلى نظام آخر، يقول سبحانه:(إذا رُجَّتِ الأرضُ رَجَّاً* وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسّاً).2 ويقول سبحانه: (يَومَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً* وَتَسيرُ الجِبالُ سيراً).3، وغير ذلك ممّا سيوافيك بيانه.
فالناس يحشرون على صعيد واحد، في يوم واحد، لكن في نظام آخر، عظيم هائل يسع لجمع جميع العباد، ومحاسبتهم فيه.

1 . الروم: 8 ، ولاحظ : الأحقاف:3.
2 . الواقعة:4و5.
3 . الطور:9 و10.

صفحه 67

الشبهة التاسعة:

المعاد الجسماني يفقد الغرض

الشبهة: إنّ الإعادة لا لغرض، عبث لا يليق بالحكيم، والغرض إن كان عائداً إليه كان نقصاً له فيجب تنزيهه، وإن كان عائداً إلى العبد فهو إن كان إيلامه فهو غير لائق بالحكيم العاقل، وإن كان إيصال لذة إليه فاللّذات لاسيّما الحسيّات إنّما هي دفع الآلام كما بيّنه العلماء في كتبهم فيلزم أن يؤلمه أوّلاً حتى يوصل إليه لذة حسيّة، فهل هذا يليق بالحكيم؟ مثل من يقطع عضو أحد ثم يضع عليه المراهم ليلتذ .1
والجواب أوّلاً: أنّ المعاد لغاية إيصال كلّ عبد إلى مستحقّه، فمن أطاع المولى فهو استحق المثوبة، ومن خالف المولى استحق العقوبة، فالإحسان إلى الأوّل وعقوبة الثاني من باب إيصال كلّ حق إلى مستحقّه.

1 . الشواهد الربوبية: 270، نقلاً عن الجاحدين للمعاد الجسماني.

صفحه 68
وثانياً:أنّ المثوبات والعقوبات من ثمرات الأعمال ونتائج الأفعال على نحو لا ينفك أحدهما عن الآخر، فكلّ يجني ثمرة عمله.
وإن شئت قلت: إنّ ما اكتسب الصالحون من الحسنات أو اقترف الطالحون من السيئات، تتجلّى في الآخرة بالوجود الأُخروي، والمتجلّي في الأوّل هو الجنة ونعيمها، وفي الثاني الجحيم ونارها؟ يقول سبحانه: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَ يُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَ اللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)1.
وثالثاً: إنّ ما قاله من أنّ اللّذات الحسية إنّما هو دفع الآلام، غير تامّ، فهل تناول الفواكه الحلوة، من هذا القبيل أو المعاشرة مع الزوجة الجميلة، دفع ألم؟

1 . آل عمران: 30 .

صفحه 69

الشبهة العاشرة:

أين مكان الجنة والنار العنصريتين؟

الشبهة: إنّ القول بالمعاد الجسماني العنصري يلازم القول بكون الجنة والنار أيضاً عنصريتين; هذا من جانب، ومن جانب آخر عُلم من الكتاب والسنّة أنّهما موجودتان بالفعل، فإذا كانتا موجودتين فأين مكانهما من العالم؟ وفي أي جهة يكونان؟
وقد أشار إلى هذه الشبهة صدر المتألّهين ناقلاً عن بعض الجاحدين للمعاد الجسماني .1
الجواب: أنّ الظاهر من الذكر الحكيم أنّ مكان الجنة غير السماوات والأرض فهناك سماوات وأرض وجنة وجحيم بشهادة أنّه سبحانه يشبّه مساحة الجنة بمساحة السماوات، ويقول: (وَ جَنَّة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَ الأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)2.

1 . الشواهد الربوبية: 273، المشهد الرابع، الإشراق الخامس.
2 . آل عمران: 133.

صفحه 70
وقال سبحانه: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّة عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَ الأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَ رُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)1.
فالإشكال نابع عن عدم التعرّف على ما عليه الشريعة الإسلامية في الجنة والجحيم.
***
هذه شبهات عشر جمعتها من هنا وهناك، والقارئ إذا رجع إلى وجدانه سيعرف أنّها ليست شبهاً قوية تصد المسلم عن عقيدته، وعلى القارئ التدبر والتأمل فيما ذكرناه.
وحصيلة الكلام: أنّ هذه الشبه الّتي عرفت بطلانها بوجه واضح ليست على حدٍّ يجر الحكيم إلى تأويل الآيات الصريحة والروايات القطعية وإجماع المسلمين .
تمّ الكلام في تحليل الشبهات
المطروحة حول المعاد الجسماني
العنصري

1 . الحديد: 21.

صفحه 71

   الرسالة الثانية

السعادة والشقاء الذاتيان
تصنيف القرآن النفوس البشرية إلى شقيّة وسعيدة
مإذا يريد القرآن من هذا التصنيف؟
مفاد الحديث النبوي: «الشقي شقي في بطن أُمّه... الخ»
عدم صحّة وصف السعادة والشقاء بالذاتيّة
***
تحقيق رائع للسيد الإمام الخميني في تفسير أخبار الطينة
   

صفحه 72

صفحه 73

السعادة والشقاء الذاتيان

لا شكّ أنّ القول بالجبر يستلزم بطلان بعث الأنبياء ووصاية الأوصياء وإمامة الأولياء وإصلاحات المصلحين، ولكن نرى في بعض الروايات تصنيف الإنسان إلى صنفين; سعيد وشقيّ، وإن كلّ إنسان منذ كونه جنيناً في رحم أُمّهِ إمّا سعيد أو شقيّ، وهذا يكشف عن كونهما من الأُمور الذاتية للإنسان، ومعه لا يبقى للاختيار مفهوم، بل كلٌّ مسيّر إلى ما توحيه ذاته، وقد اشتهر في الألسن أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «الشقي من شقى في بطن أُمّه، والسعيد من سعد في بطن أُمّه »1.
فهنا يُطرح هذا السؤال: ما معنى هذا التقسيم، الّذي لو صحّ بظاهره لأدّى إلى القول بالجبر ؟
أقول: إنّ تقسيم البشر إلى سعداء بالذات وأشقياء بالذات لا ينسجم مع الذكر الحكيم، فإنّه يقول: إنّ الله سبحانه قد خلق الإنسان بأحسن ما يمكن وأنّه خلقه على الفطرة السليمة، قال

1 . التوحيد للصدوق: 356، الحديث 3، باب السعادة والشقاء.

صفحه 74
سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)1 .
فمع ذلك كيف يمكن أن يقال بأنّ الناس على صنفين: شقيّ وسعيد بالذات، كما أنّه سبحانه يصرّح بعموم هدايته التكوينية والتشريعية للخلائق كافّة، وأخصّ بالذكر الإنسان، قال سبحانه ـ حاكياً عن لسان نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ : (رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)2.
ويقول في آية أُخرى: (وَ نَفْس وَ مَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)3.
كلّ هذه الآيات تدلّ على أنّ صحيفة النفس الإنسانية كانت خالية عن كلّ زيغ، ومع ذلك كيف يمكن أن يصنّف الإنسان إلى صنفين، صنف خلق سعيداً من أوّل الأمر فمصيره الجنة ونعيمها، وصنف آخر خلق شقيّاً فمصيره الجحيم وعذابها.
كلّ ذلك يحتم علينا دراسة الآيات القرآنية بدقّة، فنقول:

1 . الروم: 30 .            2 . طه: 50 .   3 . الشمس : 7 ـ 8 .

صفحه 75
إنّه قد استدلّ القائل بتصنيف الناس إلى قسمين بما ورد في موضعين من القرآن الكريم:
الموضع الأوّل: قوله سبحانه: (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)1.
وجه الاستدلال: أنّ الآية تصنّف المحشورين يوم القيامة إلى شقيّ وسعيد .
أقول: هذه الآيات لا تدلّ على أزيد من أنّ هناك جماعة موصوفة بالسعادة وأُخرى موصوفة بالشقاء، وأمّا كون هذين الوصفين ذاتيين لموصوفيهما فلا تدلّ الآيات عليه، بل من المحتمل أنّهما يكتسبان ذينك الوصفين، عبر حياتهما باعمالهما، ولا أقل فالآيات ساكتة عن أحد الوجهين، بل يمكن أن يقال: هناك آية أو آيات تدلّ على عدم كونهما ذاتيين، وهذا قوله

1 . هود: 105 ـ 108 .

صفحه 76
سبحانه: (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْء خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَة خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ)1.
الموضع الثاني: قوله سبحانه: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَ كُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)2.
فربما يستظهر من إضافة الشقوة إلى الأنفس، أنّ شقاء المجرمين كان أمراً نابعاً من ذواتهم.
لكنّه ظهور بدوي يزول بالإمعان في مفاد الآية، بل الظاهر أنّ في الإضافة تلويحاً إلى أنّ لهم دخلاً في شقوتهم من اكتسابهم ذلك بسوء اختيارهم، وما يدلّ على أنّ شقوتهم كانت أمراً اكتسابياً، أمران:
1. إنّه سبحانه ذكر ـ قبل هذه الآيات ـ السعادة بلفظ الفلاح، والشقاء بلفظ الخسران، وجعلهما من آثار ثقل الميزان وخفّته اللّذين يُعدّان من الأُمور الاختيارية، قال سبحانه: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)3، أي أنّ السعادة نابعة

1 . عبس: 17 ـ 20 .
2 . المؤمنون: 106 ـ 107 .
3 . المؤمنون : 102 .

صفحه 77
من ثقل الميزان، وقال سبحانه: (وَ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)1 أي أنّ الشقاء نابع من خفّة الميزان. وهو أمر اختياري كما هو واضح.
2. أنّهم يطلبون من الله الخروج من الجحيم والرجوع إلى الدنيا لكي يعملوا صالحاً ويصيروا سعداء، فلو كان شقاؤهم أمراً ذاتياً غير متغيّر، فما معنى طلب الخروج لكسب السعادة، بالأعمال الصالحة.

مفاد الحديث النبوي: «الشقي شقي في بطن أُمّه...»

روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «الشقي شقي في بطن أُمّه، والسعيد سعيد في بطن أُمّه»2.
وقد استدلّ القائل بالجبر بهذا الحديث الّذي رواه الفريقان.
أقول: السعادة والشقاء من المفاهيم الواضحة، لكن يختلف ما هو المراد منهما حسب اختلاف متعلّقهما، فالسعادة والشقاء في الدنيا شيء وهما في الآخرة شيء آخر، مثلاً

1 . المؤمنون: 103 .
2 . بحار الأنوار: 5 / 154، باب السعادة والشقاء.

صفحه 78
الإنسان من حيث الصحّة والسقم ينقسم إلى سعيد وشقيّ، ومن حيث الغنى والفقر ـ في حوائج الحياة ـ كذلك.
وإذا قيسا إلى الآخرة يكون المراد منهما من حُكم عليه بالجنّة ومرافقة الأبرار أو حكم عليه بالنار ومجالسة الأشرار، فيمكن أن يكون السعيد في الدنيا شقياً في الآخرة، أو بالعكس.
ولذلك يجب أن نركّز على النقطة الّتي يتولّد منها هذان الوصفان، وبما أنّ الرواية تعرّف تلك النقطة بالقول: «في بطن أُمّه» فيجب تفسيرها بعوامل السعادة والشقاء في ذلك الموطن. ومن المعلوم أنّ تلك العوامل لا صلة لها بالسعادة والشقاء في الآخرة.
ولذلك يمكن أن يقال: إنّ الجنين المتكوّن من نطفة وبويضة لأبوين سالمين روحاً وجسماً يتّصف بالسعادة في بطن أُمّه وترافقه في حياته الدنيوية، وهذا بخلاف الجنين المتكوّن من نطفة وبويضة لأبوين عليلين ومريضين جسماً وروحاً، فهو من ذلك الوقت يكون محكوماً بالشقاء، وإذا ولد رافقه الشقاء إلى آخر عمره، أو إلى ما شاء الله.
فالرواية لا صلة لها بالسعادة والشقاء الأُخرويين، وبالنتيجة لا ترتبط بمبحث الجبر والاختيار .

صفحه 79
هذا هو معنى الحديث على أنّه خبر واحد، لا يمكن إثبات العقيدة به.
والعجب أنّ القائل بالجبر يصفهما بالذاتيين، مع أنّه لم يذكر أنّهما من أي مقولة من الذاتيات.
فإن أراد ذاتي باب الإيساغوجي أي الكليّات الخمس، فهو واضح البطلان، إذ معنى ذلك أنّ الشقاء والسعادة إمّا جنس للإنسان أو فصل له.
وإن أراد ذاتي باب البرهان فالمراد منه ما ينتزع عن الشيء بلا ضمّ ضميمة، كالزوجية عن الأربعة، والإمكان بالنسبة للماهية.
فإن أراد ذلك فهو أيضاً مثل المتقدّم، إذ معنى ذلك أنّ فرض الإنسان في أي ظرف من الظروف يقع موضوعاً للشقاء والسعادة، ومن المعلوم أنّه ليس كذلك.
فتعيّن أنّهما من قبيل المحمول بالضميمة، نظير حمل الأبيض على الإنسان ببركة ضمّ البياض إليه، فكذلك السعيد والشقيّ المحمول على الإنسان بوجود ضمائم يكتسبها الإنسان في حياته الدنيوية فيوصف بالشقاء أو بالسعادة.

صفحه 80
إلى هنا تمّت دراسة موضوع الشقاء والسعادة الذاتيين، بقي هنا بحث يتعلّق بما يُسمّى بحديث الطينة الّتي وردت فيه روايات .
حيث روى الصدوق (رحمه الله) في «العلل» عن أبيه الثقة الجليل، عن سعد بن عبدالله، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن محمد السيّاري، عن محمد بن عبدالله بن مهران الكوفي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي إسحاق الليثي، قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام): يابن رسول الله أخبرني عن المؤمن؟ فانتهى كلامه أنّ طينة الأئمة وشيعتهم من شيء وطينة الآخرين من شيء آخر، يقول: «خلق الله عزوجل أرضاً طيبة ثم فجر منها ماءً عذباً زلالاً، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها. ثم نضب ذلك الماء عنها فأخذ من صفوة ذلك الطين طيناً فجعله طين الأئمة، ثم أخذ ثفل ذلك الطين فخلق منه شيعتنا.
ثم خلق الله بعد ذلك أرضاً سبخة خبيثة منتنة فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فلم تقبلها. ثم أخذ من ذلك الطين فخلق منه الطغاة وأئمتهم». انتهى بتلخيص .1

1 . علل الشرائع: 2 / 607 .

صفحه 81
وجه الإشكال
إنّ الطينة الطيبة تبعث الإنسان إلى الطاعة والطينة الخبيثة تدفعه إلى العصيان والطغيان، وينتهي الأمر إلى الجبر، وعندئذ فما معنى هذا الخبر؟
قلت: إن أخبار الطينة من متشابهات الأخبار ومعضلات الآثار الّتي اعترف بها السيد عبدالله شبر في كتابه «مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار»1 وقد ذكر وجوهاً تسعة لتفسير هذا الخبر.
إنّ الإشكال من ذلك الجانب قابل للإجابة حيث إنّ غاية ما يلزم من الخلق من الطينتين الميل والمحبّة لما يقتضيه كلٌّ منهما من خير وشر بالاختيار وذلك لا يستلزم الجبر.
وبعبارة أُخرى: إنّ الطينة من قبيل المقتضي لا العلّة التامّة، فللإنسان القدرة على السير على خلافهما.
إنّما الكلام في أمرين آخرين:
الأوّل: المناقشة في السند حيث إنّ الرواية وردت في العلل بالشكل التالي: عن سعد بن عبدالله، عن محمد بن أحمد،

1 . مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار: 1 / 11.

صفحه 82
عن أحمد بن محمد السيّاري.
فقد وقع في السند أحمد بن محمد السيّاري، ومن المعلوم أنّ أحمد بن محمد السيّاري من كتّاب آل طاهر ضعيف جدّاً لا يعتد برواياته.
يقول العلمان النجاشي والطوسي: كان من كتّاب آل طاهر في زمن أبي محمد ويعرف بالسيّاري، ضعيف الحديث، فاسد المذهب، كثير المراسيل.1
والعجب أنّ أكثر روايات التحريف نقلت عنه، وقد طبع بعض المستشرقين ـ أخيراً ـ كتابه القراءات ليشين به وجه الشيعة، فلا تصلح مثل هذه الرواية للاحتجاج على مسألة عقائدية.
وبذلك نستغني عن الأجوبة الّتي ذكرها السيد شبر في كتابه.
الثاني: ما هو موضع الطينة؟ فإنّ الإنسان خلق من نطفة أمشاج، ثم تدرّج في رحم الأُمّ بالتكامل حتّى خرج منه بشراً سوّياً، كما تدرّج في التكامل بعد النزول إلى الدنيا.

1 . رجال النجاشي: 80 برقم 192; الفهرست للطوسي: 66 برقم 70 .

صفحه 83
فالمبدأ لكلّ إنسان هو النطفة الإمشاج فأين تقع الطينة الّتي يمزج بها...؟!
أمّا قبل النطفة فالمواد الأوّلية لصنعها هي التربة العامّة والنباتات ولحوم الحيوانات، فأين مكان الطينة حتّى تكون طينة المؤمن غير طينة الكافر؟
نعم لو قلنا بخلق الأرواح قبل الأبدان فيمكن أن يتصوّر فيه تأثير الطينة في خلق الأرواح، ولكنّه لم يثبت .
***
بيان للسيد الخميني في المقام
إنّ لسيدنا الأُستاذ الإمام الخميني (قدس سره)بياناً علمياً وتحقيقاً رائعاً في أخبار الطينة نأتي به حسب ما تلقّيناه منه في سالف الزمان.1
قال (قدس سره):
إنّ من الأسئلة المثارة حول اختياريّة الإنسان مسألة خلقة الإنسان من طينات مختلفة، فطينتهم إمّا من عليّين أو من

1 . ألقى سيدنا الأُستاذ (قدس سره)تلك المحاضرات عام 1371 هـ بعدما انجرّ كلامه في مسألة اتحاد الطلب والإرادة إلى الكلام في الجبر والتفويض، وقد نشرناه في رسالة خاصّة باسم: «لب الأثر في الجبر والقدر»، لاحظ: ص 111 ـ 119 .

صفحه 84
سجّين، ومن الواضح أنّ لكلّ أثراً خاصاً في مصير الإنسان، ومعه لا يمكن أن يكون الإنسان فاعلاً مخيّراً، وإنّما يكون فاعلاً مسيّراً؟
أقول: إنّ تحقيق الحق يتوقّف على بيان أمرين:
الأوّل: إنّ ملاك المثوبة والعقوبة هو مخالفة البالغ العاقل التكليفَ الواصل إليه، فبالعقل يميّز بين الحسن والقبيح، وبين إطاعة المولى ومخالفته، كما أنّه بالوقوف على التكليف يقف على مراد المولى ممّا يُرضيه أو يسخطه، فإذا خالف باختياره وإرادته من دون ضرورة يكون هو تمام الموضوع عند العقلاء لصحة مؤاخذته وعقوبته بألوان العقوبات، فهذا هو ملاك العقوبات عند العقلاء.
الثاني: يمتنع عليه سبحانه إمساك الفيض وقبض الإحسان، لأنّه الفيّاض المطلق الذي لا يتصوّر فيه شائبة البخل وعلى ضوء ذلك، فإذا كان الفاعل فياضاً والموضوع قابلاً للأخذ والموانع منتفية، فما هو الوجه عن منع الإفاضة؟
وإن شئت قلت: إنّ واجب الوجوب بالذات واجب من جميع الجهات والحيثيات، فلا يتصوّر فيه إمكان أن يفعل أو يترك، بل إمّا يجب فعله أو يلزم تركه حتى لا يتطرّق إليه

صفحه 85
الإمكان المستلزم للمادة المنزّه عنها، والقول باللزوم في الفعل والترك لا ينافي كونه مختاراً، نظير لزوم ترك الظلم وعدم صدور القبيح الذي لا ينافي كونه مريداً قادراً مختاراً في ترك الظلم والقبح.
نعم يُفاضُ الجود حسب قبول القابل، وعلى وفق قابلية السائل، فإذا تمّ الاستعداد في القوابل تفاض عليها الصور من المبادئ العالية، ويكون ما يفاض عليها أكملها وأفضلها.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ منشأ اختلاف النفوس من بدء نشوئها إلى ارتقائها، رهن عوامل عديدة نشير إليها، ولأجل ذلك نرى أنّ بعض النفوس تسارع إلى الخيرات والأعمال الصالحة وبعضها تميل إلى الشرور والاعمال الطالحة، فكأنَّ في جوهر الأُولى حبّ الصلاح والفلاح، وفي جوهر الثانية حبّ الدنيا وزخارفها، وإليك بيان تلك العوامل:
الأوّل: اختلاف الناس في النفس المفاضة، واختلافها ناشئ عن اختلاف النطف المستعدّة لقبول الصور الإنسانية، وإليك توضيحه:
إنّ من القوى الكامنة في الإنسان: القوة المولّدة وهي عبارة عن تهيئة المواد اللاّزمة من جسم الإنسان وجعله مبدأً

صفحه 86
لإنسان آخر أُودعت فيه لحفظ نوعه.
وثمة قوة ثانية باسم القوة المغيّرة وشأنها تهيئة كلّ جزء من المنيّ في الرحم ليختصّ بإيجاد أعضاء خاصة بأن يجعل بعضه مستعدّاً للعظميّة وبعضها الآخر للعصبية، إلى غير ذلك.
ثم إنّ مادة المنيّ الذي هو أثر القوة المولّدة عبارة عن الأغذية، بعد عملِ القوى أعمالها وعبورها عن الهضم الرابع، ولكن الأغذية مختلفة غاية الاختلاف في الصفاء والكدر واللّطافة والكثافة وبتبعه يختلف المنيّ، ويعبّر العلماء عن اختلاف الأغذية باختلافها من حيث الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، ويعبّر عنها اليوم باشتمالها على فيتامينات وبروتينات مختلفة وغيرها.
وعلى أيّة حال فلو كانت النطفة حصيلة الأغذية اللطيفة، يكون استعدادها لقبول الصور مغايراً لاستعداد النطف الحاصلة من الأغذية الكثيفة، ومهما تصاعد اختلاف الأغذية تصاعد الاختلاف في المنيّ صفاءً وكدراً أيضاً، وقد مضى أنّ الإفاضة حسب قابلية المواد، فكما لا يمكن منع المواد من نور الوجود، كذلك يمتنع إفاضة صور قوية على المادة الضعيفة.
الثاني: إنّ لشموخ الأصلاب وعلوّها ونورانيتها وكذا

صفحه 87
مقابلاتها، مدخلية تامّة في اختلاف الفيض المفاض واستعداد المواد للنفوس الطاهرة وخلافها، ولذلك وردت في زيارة الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام): «أشهد أنّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة»، فسمّيت النطفة لكمال لطافتها نوراً وإنّها لم تختلط بقذارة الأرحام ونجاستها بل أُودعت في الأرحام الطيبّة.
الثالث: إنّ لمراعاة آداب النكاح والجماع والحمل ورعاية شرائط الرضاع وسلامة مزاج الزوج والزوجة وصفاء روحهما، تأثيراً خاصاً في صفاء النفس وكدرها، وقد ورد في هذا الصدد روايات.
يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «أُنظر في أيّ شيء تضع ولدك فإن العرق دسّاس»1.
والمراد من الدسّاس أنّ أخلاق الآباء تصل إلى الأبناء.
ويقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «إيّاكم وخضراءَ الدِمَن»، قيل: يا رسول الله وما خضراءُ الدِّمَن؟ قال: «المرأة الحسناء في منبت سوء»2.

1. المستطرف: 2 / 218 .
2. غرر الحكم : 379.

صفحه 88
يقول الإمام عليّ(عليه السلام): «حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق»1.
الرابع: إنّ عنصر التربية من العوامل المؤثرة في تكوين شخصية الإنسان وتكامله فهو يلازمه منذ نعومة أظفاره إلى بلوغه، فإنّ دور الوالدين في تلقين الخير والشرّ لطفلهما أمر غير خفيّ على أحد، ويليه في الأهميّة عنصر التعليم الذي يتلقاه الإنسان في المدارس والمعاهد، إلى غير ذلك من العوامل المؤثّرة في النفس الإنسانية.
الخامس: نشوءُها في البيئات الصالحة البعيدة عن المعاصي وفساد الأخلاق التي تترك بصمات واضحة على خلق الإنسان وأخلاقياته، وهذا أمر واضح لا يشوبه شك.
وحصيلة البحث: أنّ ثمة عوامل كثيرة مؤثّرة في تكوين شخصية الإنسان منذ تكوّن نطفته في الأرحام إلى أن يصبح إنساناً كاملاً، ولكن هذه الأسباب خيرها وشرّها ليست على حدّ يسلب الاختيار عن الإنسان ويجعله مكتوف اليد أمامها، بل كلّها مقرّبات ومعدّات لهما وفي مقابلها اختيار الإنسان وانتخابه وحرّيته في العمل.

1. بحار الأنوار: 23 / 54 .

صفحه 89
نعم من اجتمع له لطافة المواد وشموخ الأصلاب وعلوّها وطهارة الأرحام والبيئات يجد في نفسه ميلاً نحو العمل الصالح، كما أنّ من اجتمع فيه خلافها ومقابلاتها يجد في نِفسه ميلاً نحو العمل الطالح، ومع ذلك كلّه فليس كلُّ إنسان ملْجئاً إلى ما يميل إليه، فالعبد بعدُ باسط اليدين وهو مختار في فعله لدى العقلاء وإن اختلفت طينته.
هذه هي العوامل التي تختلف بها الطينة تباعاً، فما ورد في المأثورات حول الطينة وخلقة الإنسان فما كان موافقاً لما ذكرنا فيؤخذ به، وأمّا المخالف لما ذكرنا الدالة على الجبر فلابدّ من تأويله وتفسيره أو حمله على التقيّة، فإنّ الأمر بين الأمرين من ضروريات مذهب الإمامية فلا يقدّم عليه الخبر الواحد.
إنّ ثمة مأثورات وروايات ربّما تقع ذريعة للقول بالجبر مع أنّها لاصلة لها به وإنّما تشير إلى المعدات التي أشرنا إليها في الدراسة السابقة، وإليك بعض هذه المأثورات:
1. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة»1.

1. من لا يحضره الفقيه: 4 / 380 برقم 5821. أقول: لعلّ في الحديث إشارة إلى أنّ جوهر عامة الناس ثمين إلاّ أنّه يختلف بعضه عن بعض بالخلوص والشوائب كما في الذهب والفضة.

صفحه 90
والحديث بصدد بيان اختلاف جوهر النفوس في الصفاء والكدر كاختلاف المعادن في الصور النوعية والآثار والخواص، والجميع من نوع واحد لكن اختلافها حسب اختلاف الأمكنة وحرارة الأرض وجفافها وإشراق الشمس وعدمها، مّما لها مدخلية في تكون المعادن وصلابتها وخلوصها عن الشوائب.
وهكذا المواد المكوّنة للنطفة والظروف المحيطة بها، لها تأثير في صفاء نفس الإنسان، ومع ذلك لا تسلب الاختيار عنه.
2. ما أُثر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «الشقيّ من شقى في بطن أُمه والسعيد من سعد في بطن أُمه»1. وفي رواية أُخرى: «الشقي شقي في بطن أُمه، والسعيد سعيد في بطن أُمه»2.
ولا دلالة للحديث على ما يرتئيه الجبري، وذلك لأنّ النفس المفاضة على المادة المستعدّة النورانيّة، طاهرة وسعيدة منذ أوّل أمرها لعدم تدنّسها من ناحية العوامل المدنّسة كالآباء

1. بحار الأنوار: 3 / 44 .
2. تفسير روح البيان: 1 / 104 .

صفحه 91
والأجداد وغيرهما، ولكن النفس المفاضة على المواد الكثيفة دنسة ونجسة وشقية منذ بدوها وأوّل نشوئها لكن لا طهارة النطفة موجبة إلى الخيرات والسعادات، ولا قذارة المادة وكثافتها موجبة لاختيار الشرور والشقاء، بل كل يحنُّ إلى ما يناسبه من الخيرات والشرور ولكن الميل شيء والإلجاء شيء آخر.
ويمكن أن يكون الحكم بالسعادة أو الشقاء باعتبار ما يؤول إليه أمر الشخص فمن ينتهي مآل أمره إلى الجنة، فهو محكوم بالسعادة منذ أوان حياته، فكُنّي عن أوان الحياة ببطن الأُم، ولعلّه إلى ذلك يشير الحديث الشريف الذي رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن أبي عمير، قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام)عن معنى قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الشقيُّ من شقي في بطن أُمّه والسعيد من سعد في بطن أُمّه» فقال: الشقيُّ من علم الله وهو في بطن أُمه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء، والسعيد من علم الله وهو في بطن أُمه أنّه سيعمل أعمال السعداء»، قلت له: وما معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له»؟
فقال: «إنّ الله عزّ وجلّ خلق الجنّ والإنس ليعبدوه ولم

صفحه 92
يخلقهم ليعصوه وذلك قوله عزّ وجلّ: (وما خَلقتُ الجِنَّ والإنسَ إلاّ لِيَعبُدونِ)فيسّر كلاًّ لما خلق له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى».1
فترى أنّه سلام الله عليه دفع الشبهة كلّها بأنّ العباد مختارون وأنّ ما خلقوا لأجله من العبادة ميسور لهم، وأنّ علمه تعالى بعملِ السعداء والأشقياء أو اتخاذ النطف من الأُمور الصفوة أو الكدرة، لا تسلب الاختيار.
هذا بعض ما يمكن أن يقال في أخبار الطينة وما يشبهها.
تمّ الكلام في موضوع
السعادة والشقاء

1. التوحيد: 356 .

صفحه 93

   الرسالة الثالثة

الارتداد موضوعاً وحكماً
والشبهات المثارة حوله

صفحه 94

صفحه 95

الارتداد ; موضوعاً وحكماً

والشبهات المثارة حوله
نحن نعيش هذه الأيام ونرى أنّ وسائل الإعلام تثير ـ يوماً بعد يوم ـ عناوين كبيرة تورث الغرور في المشاهِد والسامع والقارئ، فتارة يقولون: عصر الحرية، وأُخرى حرية التعبير، وثالثة حرية الصحافة، ورابعة حرية الاعتقاد، إلى غير ذلك من العبارات الخادعة لعقول السُّذّج .
والعجيب أنّ الذين يديرون معركة الحرية في وسائل إعلامهم لا يسمحون لمواطنيهم من القيام بأي أعمال تخالف نظامهم وتعترض على سياساتهم. وما نشاهده من مظاهرات في شوارع الدول الغربية، فإنّما هي مطالبات اقتصادية واعتراضات ضد البطالة أو انخفاض الأُجور، وكأنّما صُنعت هذه التعابير للشرق والشرقيين فقط حتّى يجرّدوا الشباب عن

صفحه 96
إيمانهم وعقائدهم لتسهل لهم السيطرة على بلدانهم وتسخير مناجم خيراتهم وثرواتهم.
ومن الموضوعات الّتي أُثيرت حولها شبهات وأسئلة ; مسألة الارتداد عن الدين، والأحكام المترتّبة عليه في الشريعة الإسلامية .
ولأجل قلع هذه الشبهات والاجابة عن الاستفسارات المطروحة، ندرس هذا الموضوع بالتفصيل معتمدين على الكتاب العزيز والسنّة النبوية الشريفة وما يقتضيه حكم العقل الحصيف.
وتحقيق الموضوع رهن البحث في فصول خمسة، هي:
1. ما هي حقيقة الارتداد؟
2. بماذا يتحقّق الارتداد؟
3. أقسام المرتد.
الارتداد موضوعاً وحكماً والشبهات المثارة حوله   
4. ما هو حكم المرتد بأقسامه؟
5. ردّ الشبهات المثارة حول موضوع الارتداد وحكمه.

صفحه 97

الفصل الأوّل

في حقيقة الارتداد

الردّة ـ لغة ـ هي: الرجوع عن الشيء. وفي الاصطلاح: كفر المسلم بقول صريح، أو لفظ يقتضيه، أو فعل يتضمّنه .
قال الشيخ الطوسي: الرابع مَن كفر بعد إيمانه وهم المرتدون. 1 وقال في موضوع آخر: وأمّا الردة فأن يكفر بعد الإيمان 2.
وعرّف المحقّقُ المرتدَّ بقوله: بأنّه الذي يكفر بعد الإسلام.2
وقال المجلسي: الارتداد: هو الكفر المتعقّب للإيمان.4
وتجد نظير هذه الكلمات في الكتب الفقهية، وقد جاء الارتداد بهذا المعنى في الكتاب العزيز في موردين:

1 . المبسوط: 7 / 157 .   2 . المبسوط: 7 / 282 .
2 . شرائع الإسلام: 4 / 183 .   4 . بحار الأنوار: 66 / 216 .

صفحه 98
1. قوله سبحانه: (وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ )1.
2. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)2.
وربما أُشير إليه بغير هذا اللفظ نظير:
3. (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)2.
4. (وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)4.
والارتداد من أفحش أنواع الكفر وأغلظها حكماً، ويدلّ عليه قوله تعالى: (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ). وقوله: (وَ هُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

1 . البقرة: 217 .   2 . المائدة: 54.
2 . آل عمران: 144 .   4 . آل عمران: 85 .

صفحه 99
ولا يتحقّق الارتداد إلاّ إذا توفرت الشرائط الثلاثة وهي: البلوغ، والعقل، والاختيار ; فلا عبرة بردّة الصبي، ولا المجنون، ولا السكران، ولا المكره. وقد تضافرت الروايات على أنّ عمّار ابن ياسر حمله المشركون على ما يكره فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له: «إن عادوا فعد»1.
ثم إنّه (قدس سره)
ويظهر من التعاريف الواصلة من الفقهاء أنّ الارتداد ليس أمراً سلبياً، بل هو أمر إيجابي بمعنى الرجوع عن الإسلام إلى ما كان عليه قبل إسلامه، وعلى هذا فلا يشمل طروء الشكّ في بعض العقائد والأُصول خصوصاً إذا حاول الإنسان رفع الشك والتحقيق فيه .
وعلى هذا فالوسوسة ربما تحيط بتفكير الشباب وإن طالت فهي ليست من الارتداد. روى الكليني عن محمد بن حمران قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الوسوسة وإن كثرت؟ قال: «لا شيء فيها، تقول: لا إله إلاّ الله» 2.

1 . لاحظ كتب التفسير، في تفسير قوله سبحانه: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنّ)]النحل: 106 [.
2 . الكافي: 2 / 424، باب الوسوسة وحديث النفس، الحديث 1 .

صفحه 100
وروى أيضاً عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله هلكت، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أتاك الخبيث فقال لك: من خلقك؟ فقلت: الله، فقال لك: الله مَن خلقه؟» فقال: إي والذي بعثك بالحق لكان كذا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ذاك والله محض الإيمان» .1
إلى غير ذلك من الأحاديث.
ويدلّ على ذلك لزوم التفكّر في الأُصول والعقائد، ومن المعلوم أن الوصول إلى الأمر النهائي لا ينفك عن الشكّ والترديد في بدء الأمر فهذا النوع من الشكّ هو مرقاة اليقين .

نظرية جديدة في حدّ الارتداد

تخصيص الارتداد بمن أنكر عن عناد

ذهب بعض الباحثين 2 إلى أنّ الارتداد ليس مجرّد تغيير في المعتقد وخروج من الدين، بل هو عبارة عن نوع من

1 . الكافي: 2 / 425، برقم 3.
2 . في رسالة باللغة العربية أسماها «رسالة في حكم الارتداد» وجاء تفصيله في كتاب آخر له باللغة الفارسية باسم «آزادى در قرآن».

صفحه 101
العناد وكتمان لنداء الضمير.
وعلى هذا لا يمكن القول بأنّ الكفر والارتداد مجرّد نمط من أنماط تغيير المعتقد، وأنّ الموقف الصارم للإسلام ينطبق على كلّ حالات استبدال العقيدة.
فما جاء في التعاليم الإسلامية التي ينصّ عليها القرآن الكريم والحديث الشريف والسيرة النبوية، ليس مجرد تبديل للدين من غير علم ومعرفة أو جهل وقصور، بل هو عبارة عمن غيّر الدين وكان الحق واضحاً لديه، ولكن تركه عن عناد.
ثم إنّه يستشهد على ما يرتئيه بالكتاب المجيد والسنّة الشريفة.
أمّا الكتاب فقد استدلّ بالآيات التالية:
1. (وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سَاءَتْ مَصِيرًا)1.
2. (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلَى لَهُمْ)2.
3. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَ شَاقُّوا الرَّسُولَ

1 . النساء: 115 .   2 . محمد: 25 .

صفحه 102
مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَ سَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ)1.
ووجه الاستدلال هو: أنّه سبحانه حكم في الآية الثانية بارتدادهم، ولكن بعد تبيّن الهدى لهم ووضوح الحق، فستكون النتيجة تغيير العقيدة بعد وضوح الحق عن عناد.
هذا كلّه ما ورد في الكتاب العزيز.
وأمّا السنّة فسيوافيك كلامه بعد دراسة ما في الكتاب العزيز.
***
ثم إنّ الكاتب لم يخصّص الارتداد بالإنكار عن عناد، وإنّما خصّ الكفر أيضاً بهذا المعنى وأنّه في الذكر الحكيم يساوي معنى الارتداد، وإن لم يكن عينه، حيث قال: الكفر سواء بمعناه اللغوي أم بالتعابير القرآنية ليس مجرد انحراف عن العقيدة، بل يعني لغة إخفاء الحقائق وكتمانها، ثم استشهد على ذلك بقوله سبحانه:
(كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ

1 . محمد: 32 .

صفحه 103
الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)1 .
إلى غير ذلك من الآيات التي استشهد بها على أنّ الكفر نظير الارتداد هو الستر عن عناد.2
هذه خلاصة ما تبنّاه بتصرف يسير في العبارة.

مناقشة الاستدلال بالآيات

ما ذكره من أنّ الارتداد والكفر عبارة عن الإنكار عن عناد وعلم، وستر عن وعي، إنّما هو أحد أنواع الارتداد، (أو أحد أقسام الكفر) بل إطلاق الارتداد عليه نوع من المجاز حيث إنّه ارتد ظاهراً لا واقعاً.
ثم إنّ التظاهر بخلاف ما هو المعلوم عنده يقع على وجهين:
1. يتظاهر بخلاف معتقده لصيانة نفسه ونفيسه من شر العدو، كما هو الحال في قصة عمّار حيث تظاهر بالكفر خوفاً على نفسه وقد رأى بأُمِّ عينيه أنّ أباه وأُمّه قتلا بأفظع قتل لمّا لم يعطيا لكفّار قريش ما طلبوه من الكفر بما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك جاء باكياً إلى النبي وأنّه قال كذا وكذا، فقال له

1 . آل عمران: 86 .   2 . لاحظ : رسالة في حكم الارتداد: 12، 13، 30، 31.

صفحه 104
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تسلية له: «عمار ملئ بالإيمان من القرن إلى القدم، ثم قال: فإن عادوا فعد»1.
2. التظاهر بخلاف المعتقد لآمال دنيوية كما هو الحال في حياتنا الحاضرة حيث إنّ بعض المسلمين يتظاهرون بالارتداد لكسب اللجوء في البلاد الكافرة والسماح لهم بالإقامة في هذه البلدان .
إذا علمت هذا فالارتداد لا ينحصر بهذا النوع، بل له أصناف حسب اختلاف الدواعي، وتتبيّن بتوضّح دواعي الكفر.

دواعي الكفر المختلفة

إنّ الحوافز التي تبعث الشخص إلى الكفر، على أنواع نشير إليها تالياً:

1. الجهل بالحقيقة

هناك جماعة يكفرون بالله ورسوله لجهلهم بالحقيقة لا علماً بها وتظاهراً بالخلاف، وهذا هو الغالب على أهل الكتاب والمشركين، ونذكر النصارى كأُنموذج، يقول سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ

1 . لاحظ: التفاسير في تفسير قوله سبحانه: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)]النحل: 106 [.

صفحه 105
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ)1.
لاشكّ أنّ النصارى بأجمعهم كفّار حسب الذكر الحكيم، ولا ينكر ذلك من له أدنى إلمام بالكتاب والسنّة، ومن المعلوم أنّهم يدينون بهذه العقيدة واقعاً ومع ذلك يصفهم سبحانه بالكفر، فلو كان الكفر حسب ما يذكره الباحث هو الستر عن علم، فلازم ذلك أن لا يكون النصارى كافرين.
وبما أنّه عطف الكفر على الارتداد وجعل الداعي فيهما أمراً واحداً، فانقسام الكفر حسب الدواعي انقسام للارتداد بالطبع.
ونظير النصارى المشركون فقد كانوا لأجل جهلهم بالحقيقة معتقدين بأُلوهية الأصنام ومنكرين للمعاد بجد وحماس لا عن تعنّت وعناد، ويظهر ذلك في محاجّاتهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث كانوا يحتجّون على امتناع المعاد ببعض الخطابات التي لا قيمة لها في سوق العلم، ولكنّهم كانوا يعتمدون عليها.
ومن ذلك قولهم: (أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَ أُولَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ)2.

1 . المائدة: 73 .   2 . الرعد: 5 .

صفحه 106
وفي آية أُخرى يذكر سبحانه أساس إنكارهم المعاد ـ وإن كان أساساً منهاراً في منطق العلم ـ قال سبحانه: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ )1.
ويظهر من بعض الآيات أنّه كان يوجد في الجزيرة العربية من يقول بالدهر والطبيعة وينكر كلّ المبادئ والقيم كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَ نَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ)2.
إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على أنّ المشركين كانوا جازمين بصحّة عقيدتهم، لا أنّهم كانوا عالمين بالحقيقة متظاهرين بالخلاف.

2. ترجيح سلوك الآباء على إتباع الأنبياء

إنّ من إحدى الدواعي للكفر وبالتالي على الارتداد، التعصّب الذي يعمي ويصم، فقد كان سلوك الآباء عندهم أفضل من مسالك الأنبياء ومصائرهم، فلذلك قدّموا مسلك الآباء على منطق الأنبياء، فكان التعصّب حجاباً غليظاً بين عقليتهم وسيماء الواقع ورؤيته، كما يحكي عنهم سبحانه بقوله:

1 . يس: 78 .   2 . الجاثية: 24.

صفحه 107
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ)1.
وفي آية أُخرى يذكر سبحانه محاجّة المشركين مع رسل الله وأنّ طريقة الآباء أفضل ممّا يدعوا إليه رسل الله، قال سبحانه: (إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَان مُبِين)2.

3. طلب العزّ والنصرة من الآلهة

إنّ قسماً من المشركين كانوا يرون النصرة والعزّ بيد الأصنام والأوثان، وكانوا يحملونها معهم في الحروب، يقول سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)2، وقال سبحانه: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)3.
وهاتان الآيتان من أظهر الأدلّة على أنّ بعض المشركين كانوا مشركين في الربوبية، خلافاً للوهابيين حيث يخصّون

1 . المائدة: 104 .   2 . إبراهيم: 10، ولاحظ : البقرة: 170 .
2 . يس: 74 .
3 . مريم: 81 .

صفحه 108
شركهم بالعبادة فقط ويعبّرون عنها ـ خطأً ـ بالأُلوهية، والتفصيل في محلّه.

4. المحافظة على العلاقات الاجتماعية

ربّما يكون الداعي للشرك هو المحافظة على العلاقات الاجتماعية، فلمّا كان كثير من المشركين يعبدون الأصنام والأوثان ربّما التحقت بهم بعض الطوائف للتوادد بينهم، والمحافظة على العلاقات الاجتماعية، قال سبحانه: (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْض )1.

5. تأثير أعمال الإنسان في تغيير العقيدة

يقول سبحانه: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)2.
فقوله تعالى: (مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) يشير إلى أنّ الإصرار على الذنوب مرّة بعد أُخرى يؤثر في تفكير الإنسان وقضائه في الموضوعات المختلفة، على وجه لو استمر الإنسان عليها

1 . العنكبوت: 25.   2 . المطففين: 14.

صفحه 109
وتوغّل في التعدّي على حدود الله ربّما سيكون هذا سبباً لتكذيبه بما وراء الطبيعة، ويشهد على ذلك وراء تلك الآية، قوله سبحانه:(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَ كَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ).1
نعم إنّ من المعروف أنّ عمل الإنسان دليل عقيدته، وأنّ أثر الإيمان يظهر في أعماله وأفعاله وفي سلوكه مع أفراد أُسرته وعشيرته «فَبِالاِْيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَبِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الاِْيمَانِ»2، وهذا صحيح لا إشكال فيه، ولكن ربما ينعكس الأمر، فيكون العمل بنّاءً للعقيدة، وصانعاً لها، وهذا هو الذي يشير إليه قوله سبحانه في هذه الآية وما تقدّمها: (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، فكأنّ ما اكتسبوه وما زالوا يكتسبونه صار صدأً على مرآة القلب، فلا ينعكس فيها نور الإيمان.
إنّ كثيراً من المرتدّين إنّما يرتدّون على أدبارهم لأجل توغّلهم في المعاصي على نحو يؤثر في زوال العقيدة وزعزعتها.

1 . الروم:10.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 156 .

صفحه 110
فهذا هو محمد الدشتي ـ الكاتب المعروف ـ الذي كان أيام شبابه في سلك العلماء والمعمّمين، ثم إنّه انفصل عن هذا المسلك ودخل في عالم السياسة مع الساسة حينذاك، الذين كانوا بعيدين عن الدين والالتزام بالشرع، وأصبح يتوغّل شيئاً فشيئاً في اقتراف المعاصي والمنكرات إلى أن أنكر وجود الإله في كتابه المعروف «العقل، على خلاف العقلاء»، 1 وفي كتابه: «ثلاث وعشرون سنة» 2 دلائل واضحة على إنكاره الرسالة النبوية وكون القرآن ليس موحى من الله سبحانه.
وعلى هذا فعوامل الارتداد تختلف ولا تختصّ بالإنكار عن علم.
فإذا كانت دواعي الكفر متنوّعة ومختلفة والمفروض أنّ الكفر والارتداد عند الكاتب يجريان مجرى واحداً، فربّما تكون دواعي الارتداد بعض هذه المؤثرات في زوال الاعتقاد بالإسلام، إذ ليس كلّ مسلم على درجة عالية من الوعي، ولهذا يتجرّد عن العقيدة بهذه الدواعي والمؤثرات.

1 . عقل بر خلاف عقلاء.
2 . بيست وسه سال .

صفحه 111

ليس كلّ مرتد عالماً بارعاً في الدين

نعم لو كان المسلم حكيماً أو فيلسوفاً أو متكلّماً وقد بنى عقيدته على أساس علمي رصين فلا يعدل عنها استجابة لهذه المؤثرات، ويكون ارتداده عن عناد.
ولكن انتحال كثير من المسلمين للإسلام إنّما هو بالتوارث عن الآباء بضميمة شيء يسمعونه من العلماء والوعاظ، فزعزعة هذه العقيدة بأحد الدواعي المذكورة أمر ممكن جدّاً، بل ربّما يمكن شراء عقيدتهم بالدراهم والدنانير، وهذا أمر ملموس في حياتنا الحاضرة، يقول الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام): «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه مادرّت معائشهم، فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الديّانون»1.
إنّ الله سبحانه يصف بعض المرتدّين بتبديل الإيمان بالكفر تبديلاً واقعياً، قال سبحانه: (وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)2.
والتبديل هنا (حقيقي لا صوري) لقوله: (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)أضف على ذلك: أنّ الآية وردت في قصة أصحاب

1 . تحف العقول: 245 .         2 . البقرة: 108 .

صفحه 112
موسى (عليه السلام)حيث طلبوا منه رؤية الله رؤية بصرية، فيحكي عنهم سبحانه بقوله: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ).
وقد تنبّأ القرآن الكريم بوقوع الردّة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويقول: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)1.
وقد صدق الخُبر الخبرَ فقد حصلت الردّة في القبائل العربية ـ ولا أقول: إنّ كلّ مَن خالف خلافة الخليفة الأوّل فقد رغب عن الإسلام ـ بل كان هناك جماعة من القبائل قد خرجوا عن الإسلام بقيادة مسيلمة الكذّاب وقد حاربهم المسلمون في اليمامة وغيرها، وما هذا إلاّ لأنّ الإسلام لم يدخل في قلوبهم بصورة راسخة لا تزعزعها العواصف الاجتماعية.
ونحن في حياتنا الاجتماعية رأينا أنّ قسماً ممّن يدّعي التنوّر والثقافة أنكر قسماً من ضروريات الإسلام، على أُسس ومحاسبات غربية، فخرج عن الإسلام لا عن اعتقاد بصحّته، بل تنديداً به.

1 . آل عمران: 144 .

صفحه 113
منهم الكاتب المعروف بـ «أحمد كسروي» الذي عاش حياة مرتبكة، وفي أواخر أيّامه ادّعى القيادة العامّة للبشر كلّهم وأحرق كثيراً من الكتب المشتملة على الآيات القرآنية.

دراسة ما ورد في الكتاب العزيز

تمسّك الباحث بما ادّعاه من الانحصار بالفقرتين التاليتين من آيات الذكر الحكيم، وهما:
1. قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى).1
2. قوله سبحانه: (وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) . 2
فخرج بأنّ ارتدادهم كان بعد وضوح الحق وتبيّن الهدى.
والجواب بوجهين:
الأوّل: أنّ الفقرتين لا تدلاّن على انحصار الارتداد بهذه الصورة، وقد قلنا: إنّ الدواعي إلى الارتداد مختلفة.
الثاني: لا تدلّ الفقرتان على أنّهم آمنوا حقيقة كما هو المدّعى، إذ يكفي في صدق تبيّن الهدى، وجود البيّنات التي من شأنها أن يقتفي أثرها المرتد وأن يؤمن بها قلباً وإذعاناً،

1 . محمد: 25 .   2 . آل عمران: 86 .

صفحه 114
لكنّهم لم يؤمنوا بها لدواعي نفسانية، فيصدق في حقّ هؤلاء أنّه تبيّن لهم الهدى وشهدوا الحق وضلّوا.
إنّ الواجب على الأنبياء عرض الحجج والبيّنات على الناس، وهذا يكفي في الحكم عليهم بالعذاب والعقاب إذا كفروا بها.
قال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)1.
وعلى هذا فيكفي في الاحتجاج وجود الآيات البيّنات التي لو تدبّر فيها الإنسان بعد تجرّده عن عقيدته المسبقة، لهدته إلى الصراط المستقيم.

دراسة الاستدلال بالروايات على النظرية

استدلّ الباحث على ما يرتئيه بورود لفظة «جحد» في الروايات وهو عبارة عن الإنكار مع العلم، فيكون موضوع الارتداد هو الجحد أي الإنكار عن علم .
وإليك الروايات:
1. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث

1 . الحديد: 25 .

صفحه 115
قال: «ومن جحد نبياً مرسلاً نبوّته وكذّبه فدمه مباح».1
2. روى عمّار الساباطي قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام وجحد محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)نبوّته وكذبه فإنّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه...».2
3. ما رواه الكليني عن أبي أيوب الخزاز قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام)جالساً عن يساره وزرارة عن يمينه فدخل عليه أبو بصير فقال: يا أبا عبدالله ما تقول فيمن شكَّ في الله؟ فقال: «كافر يا أبا محمد» قال: فشكّ في رسول الله؟ فقال: «كافر» ثم التفت إلى زرارة فقال: «إنّما يكفر إذا جحد...».3
ثم ادّعى أنّ هذه الروايات المشتملة على لفظة «جحد» تكون مقيّدة لسائر الروايات التي ورد فيها ما يشعر بالأعم ـ أي سواءً أكان عن علم أم لا ـ .
والجواب أوّلاً: أنّ ما ادّعاه من اختصاص الارتداد بالإنكار عن عناد ينافي ما رواه الشيخ في «التهذيب» بسند صحيح عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني: أنّ بني ناجية

1 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 3.
3 . الكافي: 2 / 396، باب الشكّ، من كتاب الإيمان والكفر.

صفحه 116
قوماً كانوا يسكنون الأسياف (السيف بالكسر ساحل البحر) وكانوا قوماً يدّعون في قريش نسباً وكانوا نصارى فأسلموا ثم رجعوا عن الإسلام، فبعث أمير المؤمنين (عليه السلام)معقل بن قيس التميمي فخرجنا معه، فلمّا أتينا إلى القوم جعل بيننا وبينه أمارة، فقال: إذا وضعت يدي على رأسي فضعوا فيهم السلاح، فأتاهم فقال: ما أنتم عليه؟ فخرجت طائفة فقالت: نحن نصارى فأسلمنا لا نعلم ديناً خيراً من ديننا فنحن عليه ; فعزلهم ـ إلى أن قال: ـ
فقالت طائفة نحن نصارى ثم أسلمنا ثم عرفنا أنّه لا خير في الدين الذي كنّا عليه فرجعنا إليه، فدعاهم إلى الإسلام ثلاث مرات، فأبوا فوضع يده على رأسه قال: فقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم... 1
ترى أنّ الإمام حكم بردّتهم مع أنّ إنكارهم لم يكن عن علم وعناد، بل عن نوع استحسانات شيطانية.
وثانياً: قد ورد في صحيحة محمد بن مسلم أنّ الموضوع هو الرغبة عن الإسلام والإعراض عنه لا الجحد.
روى الكليني عن محمد بن مسلم بسند صحيح قال:

1 . جامع أحاديث الشيعة: 31 / 50 ـ 51، أبواب حدّ المحارب والمرتد.

صفحه 117
سألت أبا جعفر عن المرتد؟ فقال: «مَن رغب عن الإسلام وكفر بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد إسلامه، فلا توبة له فقد وجب قتله وبانت منه امرأته ويقسّم ما ترك على ولده».1 فقد جعل الموضوع الرغبة عن الإسلام والإعراض عنه .
ثم إنّ الباحث أجاب عن مثل هذه الرواية بوجهين:
أوّلاً: أنّ هذه الروايات ليست في مقام البيان ولذلك لا يمكن الأخذ بإطلاقها.
ثانياً: لو فرضنا ورودها في مقام البيان يقيّد إطلاقها بما ورد فيه لفظة «الجحد» الذي يخصّص الارتداد بالإنكار عن علم.
أقول: ما ذكره لا يخلو من غرابة وذلك:
أوّلاً: أي فرق بين الصنفين من الروايات الذي اشتمل أحد الصنفين على «الجحد» والصنف الآخر على «الرغبة أو الإعراض» وغير ذلك، فتصوّر أنّ أحدهما في مقام البيان دون الآخر.
وثانياً: أنّ الناظر في الروايات المتضافرة في باب الارتداد

1 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 2. وروى الشيخ مثله.

صفحه 118
خصوصاً فيما ورد في ارتداد المرأة يقف على أنّ الموضوع هو الخروج عن الإسلام والرغبة عنه، سواء أكان عن علم وعناد أم لا، بل المتبادر هو الصورة الثانية، فإنّ ارتداد المرأة يتحقّق غالباً في ظل الزواج بغير المسلم، أو معاشرته، أو اقتراف المعاصي التي تنسي الآخرة، فلاحظ ما عقده صاحب الوسائل في باب ارتداد المرأة ونقل فيه ستة أحاديث ننقل واحداً منها كنموذج، فليطلب القارئ المزيد من أحاديث ذلك الباب.
روى حمّاد عن أبي عبدالله (عليه السلام)في المرتدّة عن الإسلام قال: «لا تقتل وتستخدم خدمة شديدة، وتمنع الطعام والشراب إلاّ ما يمسك نفسها، وتلبس الخشن من الثياب، وتضرب على الصلوات»1.

تحقيق في مفهوم «جحد»

قال الكاتب: اتّفق جميع كتب اللغة على أنّ كلمة الجحد استخدمت بمعنى الإنكار والمخالفة مع العلم .2
أقول: ما سبق من الكلام كان مبنياً على تسليم أنّ «جحد»

1 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 1 .
2 . رسالة في حكم الارتداد: 15.

صفحه 119
هو الإنكار مع العلم، وقد عرفت أنّ كونه بهذا المعنى لا يضر بسعة موضوع الحكم، ولكن الكلام في المقام في تبيين مفهوم «الجحد» فقد ادّعى اتّفاق جميع كتب اللغة على ما ادّعاه، ولكنّه بمعزل عن الحقيقة ولو قال: اتّفق بعض كتب اللغة، لكان صحيحاً ; لأنّ قسماً من اللغويين صرّحوا بعموم الجحد وسعة مفهومه عن الإنكار مع العلم، وها نحن نذكر ما وقفنا عليه :
1. الخليل الفراهيدي، قال: الجحود: ضد الإقرار كالإنكار والمعرفة.1
2. ابن دريد، قال: جحد الرجل، يجحد جحوداً: إذا أنكر ما عليه من حق.2
3. الصاحب بن عباد، قال: الجحود: ضد الإقرار.2
4. ابن سيده ، قال: الجحد نقيض الإقرار، جحده، يجحده جحداً وجحوداً، وجحده إيّاه.4
5. ابن منظور، قال: الجحد والجحود: نقيض الإقرار، كالإنكار والمعرفة، ثم ينقل عن الجوهري أنّ الجحود هو

1 . العين: 3 / 72 .   2 . الجمهرة: 2 / 53.
2 . المحيط في اللغة: 2 / 395 .   4 . المحكّم: 3 / 63 .

صفحه 120
الإنكار مع العلم .1
وبما أنّه ذكر المعنى الأوّل قبل الثاني وإنّما نقله عن الجوهري، فيدلّ ذلك على أنّ المختار عنده هو الأوّل.
6. النسفي من المفسّرين يقول: قيل: الجحود لا يكون إلاّ من علم من الجاحد وهذا ليس بصحيح ; لأنّ الجحود هو الإنكار، وقد يكون الإنكار للشيء للجهل به، وقد يكون بعد المعرفة تعنّتاً .2
7. الشيخ الطوسي، قال: كلّ من جحد بآيات الله من المكلّفين فهو كافر، معانداً كان أو غير معاند.3
8 . الشيخ المصطفوي، نقل في صدر كلامه عن المصباح أنّه لا يكون إلاّ مع العلم به، ثم قال: والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادة هو ما يقابل الاعتراف وإظهار الوفاق، ويعبر عنه بالإنكار .4
وأمّا الاستدلال على التخصيص بقوله سبحانه: (وَجَحَدُوا

1 . لسان العرب: مادة «جحد».
2 . مدارك التنزيل: 3 / 204 .
3 . التبيان: 8 / 215 .
4 . التحقيق في كلمات القرآن: 2 / 67 .

صفحه 121
بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ)1 فغير تام ; لأنّ الآية تحتمل وجهين:
1. أن يكون قوله: (وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) قيداً توضيحياً .
2. أن يكون قيداً احترازياً وتقييداً للجحد.

ما يؤيّد أنّ الجحد يساوق الإنكار

يستظهر من بعض الروايات أنّ الجحد يساوق الإنكار، ويضاد العرفان وذلك بملاحظة حديثين، بشرط مقابلة الفقرتين:
1. روى سدير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام):
إنّ العلم الذي وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عند عليّ (عليه السلام):
«مَن عرفه كان مؤمناً، ومَن جحده كان كافراً».2
2. وروى أبو سلمة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سمعته يقول:
«مَن عرفنا كان مؤمناً، ومَن أنكرنا كان كافراً».3
فلاحظ أنّ قوله في الرواية الثانية: «من أنكرنا» يقابل قوله:

1 . النمل: 14.
2 . جامع أحاديث الشيعة: 31 / 69، برقم 49 .
3 . جامع أحاديث الشيعة: 31 / 69، برقم 50 .

صفحه 122
«من جحده» في الرواية الأُولى.
3. ما رواه الكليني عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه، فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين:
كفر الجحود وهو الجحود بالربوبية، وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدهرية، وهم الذين يقولون: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ )1 وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان من غير تثبيت لهم ولا تحقيق لشيء ممّا يقولون. قال الله: (وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)2.
أمّا الوجه الآخر من الجحود على معرفة وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنّه حق وقد استقر عنده .2
والحديث صريح في أنّ «الجحد» يستعمل على وجهين.

من ثمرات هذه النظرية

إذا كان المرتد هو خصوص مَن كان معتقداً باطناً ولكنّه يتظاهر بالخلاف افتناناً وعناداً، يترتّب على هذا التعريف

1 . الجاثية: 24.   2 . البقرة: 78 .
2 . الكافي: 2 / 389، كتاب الإيمان والكفر، باب وجوه الكفر، الحديث 1 .

صفحه 123
ثمرات عجيبة لا يلتزم بها كلّ من له أدنى إلمام بالفقه، وهي:
1. مَن كان متديّناً واقعاً وملتزماً بالدين قلباً، لكن يتظاهر بالخلاف عناداً وفتنة، فهذا هو المرتد ويحكم عليه بحكمه!
2. مَن غيّر عقيدته حقيقة ورفض الأُصول الثلاثة، لكن لا عن عناد، بل عن فهم وشعور ناقص، فهو إمّا ليس بمرتد، أو لا يحكم عليه بشيء من أحكام المرتد!
3. تلك الصورة ولكنّه أخذ يبلغ في الأوساط العلمية ويغري الشباب بابدال دينهم، فهذا ليس بمرتد موضوعاً، أو لا يحكم عليه بحكم من أحكامه!
4. تلك الصورة ولكنّه أخذ يؤسّس الكنائس السرّية في البيوت ويعلّمهم أُصول النصرانية وينتقد الإسلام وأُصوله، فهذا أيضاً ليس بمرتدّ أو لا يحكم عليه بحكمه!
اقرأ واقض بما يحكم عليه ضميرك الحرّ، ما هكذا تورد يا سعد، الإبل!!
إلى هنا تمّ بيان أنّ الارتداد عبارة عن التراجع عن الدين سواء أكان عن علم وعناد، أو كان بتسويل من التسويلات. وإليك الكلام في الفصل الثاني.

صفحه 124
 
الفصل الثاني

بماذا يتحقّق الارتداد؟

اتّفق الفقهاء على أنّ الكفر بعد الاسلام يوجب الارتداد; وضابط الكفر: إنكار الله سبحانه، أو إنكار بعض صفاته القطعية، أو إنكار نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو رسالته، أو تكذيبه في بعض ما جاء به منها; أو إنكار ما هو من الدين ضرورة، كالصلاة والصيام ونحو ذلك.
أقول: لاشكّ أنّ إنكار أحد الأُصول الثلاثة: التوحيد والنبوّة والمعاد، يوجب الكفر ويورث الردّة، غير أنّ العلماء أضافوا إنكار الضروري من الدين وإن لم يكن من الأُصول الثلاثة، كاستحلال ترك الصلاة والحج أو صوم شهر رمضان ; أو هتك حرمة بقول، كَسَبّ الله أو نبيّه أو خلفائه الراشدين(عليهم السلام)، أو فعل، كإلقاء القاذورات في الكعبة أو عليها، أو على قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو على القرآن، أو وضع الأقدام عليه، أو على أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)استخفافاً .1

1 . كشف الغطاء: 4 / 418 .

صفحه 125
وبذلك يظهر أنّ المراد من ضروريات الدين ما كان واضحاً وبديهياً ومسلّماً عند كافّة المسلمين بلا حاجة إلى إثباته بالاستدلال والبرهان. ووجه كون إنكار ضروري الدين سبباً للارتداد هو الملازمة العرفية بين إنكار الضروري وإنكار أحد الأُصول الثلاثة خصوصاً النبوّة.
نعم يقع الكلام: هل الموضوع الملازمة العرفية عند المنكر أو عند المسلمين؟ وهذا ما سندرسه تالياً.
اعتبر طائفة من الفقهاء في الضروري ـ الذي يوجب إنكاره الارتداد ـ أن يثبت عند المنكر يقيناً أنّه من الدين، ويعلم بضرورته عند أهله، فلو أنكر الضروري مع عدم علمه بكونه ضرورياً، لم يتحقّق الارتداد، وها نحن نذكر شيئاً من كلماتهم.
قال المحقّق الأردبيلي: الظاهر أنّ المراد بالضروري الذي يكفّر منكره الذي ثبت عنده يقيناً كونه من الدين.1
وقال الفاضل الاصفهاني في حدّه للمرتد: وكلّ من أنكر ضروريّاً من ضروريّات الدين مع علمه بأنّه من ضروريّاته...2.

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 3 / 199 .   2 . كشف اللثام: 1 / 402 .

صفحه 126
وقال الفاضل النراقي: وإنكار الضروري إنّما يوجبه ] الكفر [ لو وصل عند المنكر حدّ الضرورة.1
وقال صاحب الجواهر: فالحاصل أنّه متى كان الحكم المنكَر في حدّ ذاته ضرورياً من ضروريّات الدين ثبت الكفر بإنكاره ممّن اطّلع على ضروريّته عند أهل الدين.2
وقال السيد اليزدي: والمراد بالكافر من كان منكراً للأُلوهيّة...، أو ضروريّاً من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضرورياً.3

1 . مستند الشيعة: 1 / 207 .
2 . جواهر الكلام: 6 / 49 .
3 . العروة الوثقى: 1 / 143 ـ 144 .

صفحه 127

الفصل الثالث

أقسام المرتدّ

من المعروف أنّ المرتدّ ينقسم إلى قسمين: فطريّ ومليّ.
الأوّل: المرتد الفطري: فهو مَن انعقدت نطفته حال إسلام أحد أبويه، وإلى هذا يشير المحقّق (رحمه الله) بقوله: بعد أن انعقد حال إسلام أحد أبويه .1
وربّما يفسر بمن ولد على الإسلام ، وعلى هذا يكفي كون أحد الأبوين مسلماً حين الولادة، وإن كانا كافرين حين انعقاد النطفة.
والمختار عندنا: إسلام أحد الوالدين حين انعقاد النطفة، ولا يكفي إسلام أحدهما حين الولادة .2
وهناك شرط آخر وهو أن يبلغ مسلماً واصفاً للإسلام،

1 . مسالك الأفهام: 15 / 23.
2 . راجع كتابنا: الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 430 ـ 432، وستجد الدليل على ما اخترناه.

صفحه 128
فلو بلغ كافراً وإن كان أحد أبويه حين الانعقاد أو الولادة مسلماً لم يكن مرتداً عن فطرة .
وهذا النوع من الشرط هو القدر المتيقّن وإن لم يكن له دليل بالخصوص.
الثاني: المرتدّ المليّ: فهو عبارة عمَن أسلم عن كفر ثم ارتدّ1.

1 . شرائع الإسلام 4 / 184 .

صفحه 129
 
الفصل الرابع

في حكم المرتدّ بأقسامه

إنّ كلاًّ من المرتدّ عن فطرة أو ملّة ربّما يكون رجلاً وأُخرى امرأة، فلنقدّم البحث في حكم المرتدّ الفطري رجلاً كان أو امرأة، ثم ننتقل إلى بيان حكم المرتدّ بكلا قسميه عن ملّة.

1. حكم المرتدّ عن فطرة

اتّفقت كلمات الفقهاء على أنّ حكم المرتدّ عن فطرة هو القتل، وإنّما اختلفوا في قبول توبته وعدمه، والمشهور عند الإمامية عدم قبول توبته.
قال الشيخ: مَن ولد على فطرة الإسلام من بين مسلمين فمتى ارتدّ وجب قتله، وبه قال عطاء والحسن البصري. نعم قال أبو حنيفة والشافعي ومالك وعامة الفقهاء: إنّه يستتاب فإن لم يتب وجب قتله 1.

1 . الخلاف: 5 / 353، المسألة 3 .

صفحه 130
وقال المحقّق: لا يُقبل إسلامه ولو رجع، ويحتُم قتله، وتبين منه زوجته وتعتد منه عدة الوفاة، وتقسم أمواله بين ورثته.1
ومن راجع الكتب الفقهية لأهل السنّة يجد اتّفاقهم على قتل المرتدّ، غير أنّ ثلاثة من أئمة المذاهب الأربعة، قالوا بأنّه يستتاب وإلاّ فيقتل، وربّما استثنوا سابّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّه لا يستتاب إلاّ أن يكون كافراً فيسلم. 2 ومعنى ذلك عدم قبول توبة المرتدّ الفطري بسبّ النبي وقبول توبة الملّي به، وسيوافيك الكلام في الثاني .

دليل قتل المرتدّ في الكتاب العزيز

ويدلّ على حكم المرتدّ الفطري قوله تعالى: (وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ)3.
وهذه الآية ناظرة إلى جزاء من ترك التوحيد وعبد العجل، من بني إسرائيل، فلمّا رجع موسى من الميقات ورأى هذا الأمر

1 . شرائع الإسلام: 4 / 183 .
2 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 22 / 185 .   3 . البقرة: 54 .

صفحه 131
الشنيع هدّدهم ونزل الوحي الإلهي على لزوم توبتهم وقتل أنفسهم، إنّما الكلام فيما هو المقصود من القتل؟
المشهور أنّ المراد بالقتل ـ في الآية ـ إزهاق الروح، غير أنّ أصحاب التأويل يفسّرونه بالاستسلام للقتل، وهم أرباب الخواطر، وإليك بعض كلمات المفسّرين:
1. قال الشيخ الطوسي في تفسير الآية: ليقتل بعضكم بعضاً، ذهب إليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وغيرهم من أهل العلم، كما يقول القائل: قُتل آل فلان، إذا قتل بعضهم بعضاً.
ثم قال: وقيل يستسلموا للقتل على وجه التوسّع.1وقوله: (على وجه التوسّع) بمعنى المجاز، فإن القدماء كانوا يعبّرون عن المجاز بالتوسّع.
2. قال القرطبي: قال أرباب الخواطر: ذلّلوها بالطاعات وكفّوها عن الشهوات، والصحيح: أنّه قتل على الحقيقة.(2) ومراده من أرباب الخواطر هم أهل التأويل من الصوفيّة.
3. قال الطبرسي: ليقتل بعضكم بعضاً، بقتل البريء

1 . التبيان: 1 / 246 .   2 . تفسير القرطبي: 1 / 401 .

صفحه 132
المجرم، عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم، وهذا كقوله سبحانه: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ)،1أي ليسلّم بعضكم على بعض .
وقيل معناه: استسلموا للقتل، وجعل استسلامهم للقتل منهم لأنفسهم على وجه التوسّع; عن أبي إسحاق، واختاره الجبّائي .2
4. قال الرازي: اختلف الناس فيه فقال قوم من المفسّرين: لا يجوز أن يكون المراد أمر كلّ واحد من التائبين بقتل نفسه، وهو اختيار القاضي عبدالجبار.
ثمّ إنّ الرازي بعدما ناقش قوله قال: فإذا كانت هذه الاحتمالات ممكنة، سقط ما قاله القاضي، ثم ذكر في معنى الآية وقال: (اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)3 ليقتل بعضكم بعضاً، وهو كقوله في موضع آخر: (وَ لاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)4 أي لا يقتل بعضكم بعضاً، وتحقيقه أنّ المؤمنين كالنفس الواحدة، وقيل في قوله تعالى:

1 . التوبة: 61.
2 . مجمع البيان: 1 / 156 .
3 . النساء: 66 .
4 . النساء: 29 .

صفحه 133
(وَ لاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)1 أي إخوانكم من المؤمنين.2
5. قال الآلوسي: القتل المعروف من إزهاق الروح وعليه جمع من المفسّرين، فإن كانت توبتهم هو القتل إمّا في حقّهم خاصّة، أو توبة المرتد مطلقاً في شريعة موسى (عليه السلام).2
ومورد الآية هم الذين عكفوا على عبادة العجل في غياب موسى، فبعدما جاءهم وندّد بعملهم رجعوا إلى ما كانوا عليه، فصارت توبتهم قتل أنفسهم، وأمّا كيفية القتل فهي مذكورة في التفاسير.
ومن المعلوم أنّ العاكفين على عبادة العجل كانوا جمعاً من بني إسرائيل لا كلّهم.
نعم هاهنا سؤالان:
الأوّل: أنّ مورد الآية هو الارتداد الجماعي، فلو شُرّع فيه القتل فلا يكون دليلاً على جوازه في الردّة الفردية.
والجواب عليه: أنّه إذا جاز القتل في الارتداد الجماعي، فأولى أن يكون جائزاً في الردّة الفردية.

1 . الحجرات: 11.   2 . تفسير الرازي: 3 / 81 ـ 82 .
2 . روح المعاني: 1 / 260 .

صفحه 134
الثاني: أنّ غاية ما تدلّ عليه الآية كونه مشروعاً في شريعة موسى (عليه السلام)، ولا يدلّ على كونه كذلك في الشريعة المحمدية، إلاّ على القول بتجويز استصحاب أحكام الشرائع السابقة.
والجواب: أنّ القرآن الكريم كتاب هداية للأُمّة جمعاء، فإذا ذكر شيئاً كان مشروعاً في الأُمم السابقة ولم يرد دليلٌ على نسخه، فمقتضى حجيّة الكتاب كونه نافذاً علينا أيضاً، فمن أراد تخصيص هذه الأحكام بالأُمم السابقة جعل كتاب الله العزيز كتاب تاريخ أو قصة، وإنّما هو كتاب هداية ونور، ولذلك قلنا بجواز البناء على القبور، وجواز بناء المساجد على قبور الأولياء لأجل كونه مشروعاً في الأُمم السابقة، والقرآن نقل الأمرين دون أنّ يردّ عليهما، وربّما نقلهما بنحو التحسين والتقدير ، قال سبحانه في حق أصحاب الكهف عندما تبيّن أمرهم بعد ثلاثمائة وتسع سنين: إنّ الّذين وقفوا على أمرهم صاروا فريقين، قال سبحانه: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)1.
أمّا الروايات حول تفسير آية الارتداد فلم يرد من طرقنا

1 . الكهف: 21.

صفحه 135
إلاّ ما ذكره الطبرسي من روايتين هما:
1. روي أنّ موسى (عليه السلام)أمرهم أن يقوموا صفين; فاغتسلوا ولبسوا أكفانهم، فجاء هارون باثني عشر ألفاً ممّن لم يعبدوا العجل، ومعهم الشفار المرهفة، وكانوا يقتلونهم، فلمّا قتلوا سبعين ألفاً تاب الله على الباقين وجعل قتل الماضين شهادة لهم.1
2. وروي أنّ موسى وهارون (عليهما السلام)وقفا يدعوان الله تعالى ويتضرعان إليه، وهم يقتل بعضهم بعضاً حتّى نزل الوحي بترك القتل; وقبلت توبة مَن بقي.2
وأمّا من غير طرقنا فقد روى السيوطي في «الدر المنثور» خمسة أحاديث عن الطبري وغيره كلّها تدلّ على أنّ المراد ممّا ورد في الآية هو القتل.2
ولذلك قال الآلوسي في تفسيره: ولولا أنّ الروايات على خلاف ذلك التأويل بالاستسلام للقتل لقلت به تفسيراً .3
نعم الآية الصالحة للاستدلال فقط هي التي مرّت الإشارة

1 و 2 . مجمع البيان: 1 / 156 .
2 . لاحظ الدر المنثور: 1 / 168 ـ 169 .
3 . روح المعاني: 1 / 260 .

صفحه 136
إليها، وأمّا الآية الأُخرى الّتي تدل على أنّ مَن ارتدّ عن دينه تحبط أعماله في الدنيا والآخرة، فلا تثبت ما نرتئيه، وإليك الآية الكريمة، قال تعالى: (وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ وَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )1 .
فالآية تدلّ على حبط عمله، وأنّ ما أتى به من الحسنات ـ حتّى الإسلام ـ يصير فاسداً وتكون كأن لم تكن.
هذا غاية ما يستفاد من حبط العمل ومعناه صيرورته كافراً، ولكن ليس الكلام في كفره وإنّما الكلام في وجوب قتله والآية لا تدلّ عليه، وبذلك يظهر أنّ ما ذكره الرازي في تفسيره لا يعرّج عليه حيث قال: أمّا حبوط الأعمال في الدنيا فهو أنّه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالدة ولا نسلاً ولا ثناءً حسناً، وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من المسلمين.2
ومن المعلوم أنّ ما ذكره من التفسير لا تدلّ عليه الآية.
وبعبارة أُخرى: فنحن بصدد بيان دلالة الآية على وجوب

1 . البقرة: 217 .   2 . تفسير الرازي: 6 / 40 .

صفحه 137
قتل المرتد، والآية الثانية لا تدلّ على أزيد من كونه كافراً، وأمّا وجوب القتل فهي قاصرة عن الدلالة عليه.
نعم كلّ أثر يترتّب في الأدلّة على عنوان الكافر، فالمرتدّ محكوم به .
***

الاستدلال بالسنّة على قتل المرتدّ الفطري

هذا كلّه حول دلالة القرآن على حكم المرتدّ الفطري، وأمّا السنّة فحدّث ولا حرج، ونحن نذكر بعض ما ورد من طرقنا:
1. روى الصدوق بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث، قال: «ومَن جحد نبيّاً مرسلاً نبوّته وكذّبه، فدمه مباح»1.
2. روى الكليني بسندين أحدهما أصحّ من الآخر عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن المرتدّ؟ فقال: «من رغب عن الإسلام، وكفر بما أنزل على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد إسلامه، فلا توبة له، وقد وجب قتله وبانت منه امرأته، ويقسم

1 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 1.

صفحه 138
ما ترك على ولده ».1
3. روى الكليني باسناد صحيح عن عمّار الساباطي قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام وجحد محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)نبوته وكذبه، فإنّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه، وامرأته بائنة منه يوم ارتد، ويقسم ماله على ورثته، وتعتد امرأته عدّة المتوفّى عنها زوجها، وعلى الإمام أن يقتله ولا يستتيبه ».2 وسيوافيك الكلام في تضافر ما دلّ على حكم المرتد عند دراسة الشبهات .
وأمّا من غير طرقنا، فقد روى البخاري عن عكرمة
قال: أُتي عليٌّ (رضي الله عنه)بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس
فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من بدل دينه فاقتلوه»3.
وروى أصحاب السنن عن عثمان أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يحل دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: كفر بعد

1 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 2.
2 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 3.
3 . صحيح البخاري: 1736، برقم 6922 .

صفحه 139
إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس»1 .

حكم المرتدّة عن فطرة

كان الكلام فيما مضى في حكم المرتدّ عن فطرة، وأمّا المرتدّة كذلك، فهي عند جمهور فقهاء السنّة كالمرتدّ، تستتاب وإلاّ فتقتل، قائلين بعموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من بدل دينه فاقتلوه» ولما روى جابر أنّ امرأة يقال لها: أم رومان ارتدّت فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلاّ قتلت.
وذهب الحنفية إلى أنّ المرتدّة لا تقتل بل تحبس حتّى تتوب أو تموت ; لنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن قتل الكافرة الّتي لا تقاتل أو لا تحرّض على القتال، فتقاس المرتدّة عليها .2
وأمّا فقهاء فالإمامية فعندهم أن المرتدّة لا تقتل، بل تحبس دائماً وإن كانت مولودة على الفطرة.3
وهذا مورد اتّفاق بين الأصحاب، قال الشيخ: المرأة إذا

1 . لاحظ: السنن الكبرى: 8 / 194; والمستدرك على الصحيحين: 4 / 350; وسنن ابن ماجة: 2 / 847 ، برقم 2533 .
2 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 22 / 195 .
3 . شرائع الإسلام: 4 / 183 .

صفحه 140
ارتدّت لا تقتل، بل تحبس وتجبر على الإسلام حتّى ترجع، أو تموت في الحبس. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وفي الحقيقة فالإمامية والحنفية في هذه المسألة على قول واحد.
ويدلّ عليه معتبرة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام)، قال: «إذا ارتدّت المرأة عن الإسلام لم تقتل ولكن تحبس أبداً»1.
وصحيحة حمّاد، عن حريز، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لا يخلد في السجن إلاّ ثلاثة: الّذي يُمسك على الموت، والمرأة ترتدّ عن الإسلام ، والسارق بعد قطع اليد والرجل»2.
إلى غير ذلك من الروايات 3.
هذا هو حكم المرتدّ عن فطرة، وبقي الكلام في المرتدّ الملّي بكلا قسميه .
***

1 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 3 .
3 . لاحظ : الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 1 .

صفحه 141

2. حكم المرتدّ المليّ

المرتدّ المليّ هو من كان كافراً ثم أسلم ثم ارتدّ، وحكمه يفارق حكم مَن كان مسلماً فارتد; فإنّ الأوّل يستتاب وإلاّ فيقتل، بخلاف الثاني فإنّه يقتل بلا استتابة، وذلك للفرق بين المسلم إذا ارتد فإنّ سوء أثره في المجتمع أكثر من ارتداد الكافر، قال المحقّق: من أسلم عن كفر ثم ارتد فهذا يستتاب، فإن امتنع قتل.1
ويدلّ عليه غير واحدة من الروايات:
1. روى علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)في حديث: قلت: فنصراني أسلم ثم ارتد ؟ قال: « يستتاب فإن رجع، وإلاّ
قتل»2.
2. روى الصدوق قال: قال علي (عليه السلام): «إذا اسلم الأبُ جَرّ الولد إلى الإسلام، فمن أدرك من ولده دُعي إلى الإسلام، فإن أبى قُتل» 3.

1 . شرائع الإسلام: 4 / 184 .
2 . الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 4، إلى غير ذلك من الروايات.

صفحه 142

حكم المرتدّة عن ملّة

المرتدّة عن ملّة يتّحد حكمها مع المرتدّة عن فطرة في أنّها تحبس ولا تقتل، قال المحقّق: ولا تقتل المرأة بالردّة، بل تحبس دائماً وإن كانت مولودة على الفطرة، وتضرب أوقات الصلاة.1 وما هذا إلاّ لأجل الأولوية فإذا ارتدّت المرأة عن فطرة فلا تقتل ولكن تحبس كما مرّ في صحيحة حماد، فأولى أن يكون كذلك إذا ارتدّت عن ملّة .
ولم نجد نصّاً لأهل السنّة في التفريق بين المرتدّة عن فطرة أو ملّة وجمهورهم على أن المرتدّة تستتاب وإلاّ قتلت من غير فرق بين الصنفين، نعم الأحناف أفتوا بأنّ المرتدّة لا تقتل بل تحبس حتّى تتوب أو تموت.
هذا هو حكم المرتدّ بقسميه، وهذه هي الكتب الفقهية أطبقت على تسالم الفقهاء على قتل الرجل إمّا مطلقاً أو بعد الاستتابة، وأمّا المرأة فقد عرفت عدم قتلها مطلقاً بل يحكم عليها بالحبس المؤبد، نعم ذهب غير الحنفية إلى قتلها.
***

1 . شرائع الإسلام: 4 / 183 .

صفحه 143

الفصل الخامس

في الشبهات المثارة حول حكم الارتداد

الشبهة الأُولى:

حكم المرتدّ لا ينسجم

مع قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )

الشبهة: قال سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَ اللهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ )1.
فإذا كان الإكراه على الدين أمراً غير مشروع فلماذا توضع العقوبة على مَن ترك الدين؟ إذ معنى ذلك أنّ المسلم ملزم بالدين وليس له العدول عنه.
الجواب: أنّ الشبهة ناشئة عن تفسير الآية تفسيراً خاطئاً ولذلك زُعم أنها على طرف الخلاف من حكم المرتدّ، وذلك

1 . البقرة: 256 .

صفحه 144
لأنّ الآية بصدد بيان حكم تكويني وهو أنّ الدين أمر غير خاضع للإكراه، إذ فرق بين الأعمال الجوارحيّة، والأعمال القلبية «أي الجوانحية» ; فإنّ الأُولى خاضعة للإكراه، إذ يمكن إجبار الإنسان على السكوت أو التكلّم أو الجلوس أو القيام، بخلاف الثانية فإنّها من الأُمور القلبية، والأمر القلبي لا يخضع للإكراه، بل هو رهن وجود مقدّمات تنتهي إلى العلم والتصديق، فلو أجبر الحاكم إنساناً بأن يعتقد أن نتيجة ضرب
2 × 2 هو 3، فهذا أمر غير ممكن، ولو بذل في طريقه الملايين، فالدين هو الاعتقاد الجازم بأمر غيبي، إذ كيف يمكن إلزام الطرف بالاعتقاد الجازم مع عدم وجود مبادئ العلم والتصديق؟
ويشهد على ذلك ما روي من سبب النزول حيث إنّه ارتدّ ولد بعض الأنصار والتحقوا بالنصرانية، فجاء والدهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعرض عليه أن يكرههم على العود إلى الإسلام فنزلت الآية: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ).
روى الطبرسي: أنّ رجلاً من الأنصار يُدّعى أبا الحصين وكان له ابنان فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلمّا أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى

صفحه 145
النصرانية، فتنصّرا ومضيا إلى الشام، فأخبر أبو الحصين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )1.
قال السيد الطباطبائي (قدس سره): الدين عبارة عن سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها أُخرى عملية يجمعها
أنّها اعتقادات، والاعتقاد والإيمان من الأُمور القلبية التي
لا يحكم فيها الإكراه والإجبار، فإنّ الإكراه إنّما يؤثر في
الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادية،
وأمّا الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أُخرى قلبية من سنخ الاعتقاد والإدراك، ومن المحال أن ينتج الجهل علماً، أو تولّد المقدّمات غير العلمية تصديقاً علمياً، فقوله: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، إن كان قضية إخبارية حاكية عن حال التكوين أنتج حكماً دينياً بنفي الإكراه على الدين والاعتقاد، وإن كان حكماً إنشائياً تشريعياً كما يشهد به ما عقبّه تعالى من قوله: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي )2، كان نهياً عن الحمل على الاعتقاد والإيمان كُرهاً، وهو نهي متك على حقيقة تكوينية، وهي التي مرّ بيانها أنّ

1 . مجمع البيان: 1 / 465 .
2 . البقرة: 256 .

صفحه 146
الإكراه إنّما يعمل ويؤثر في مرحلة الأفعال البدنية دون الاعتقادات القلبية.1
وبما أنّ هذه الشبهة قد ترسّخت في قلوب المعترضين فيجب علينا دراساتها على وجه التفصيل.
فأقول: لم تزل الحرّية أعزّ ما تنشده البشرية قديماً وحديثاً، وتبذل من أجلها النفوس والدماء، ولذلك فالحرّية كلمة مقدّسة تهفو إليها الشعوب والأُمم، وخاصّة المستضعفة والمضطهدة منها وتسعى لتحقيقها بكلّ وسيلة، ولكنّها قليلاً ما تنالها وتصل إليها، رغم ما تبذل من دماء، وتقدّم من ضحايا في سبيلها.
فلا تزال شعوب وأُمم إلى اليوم ترزح تحت نير الاستبداد والديكتاتورية وتعيش بين مخالب الاستعباد والاستعمار.
ثم إنّ للحرية مجالات مختلفة أهمها:
1. الحرية الشخصية.
2. الحرية الفكرية والعقدية.
3. الحرية السياسية.

1 . الميزان في تفسير القرآن: 3 / 342 ـ 343.

صفحه 147
4. الحرية المدنية.
وقد كفلت القوانين الإسلامية تلك الحريات لأصحابها، غير أنّ الحرية الدينية شيء وتجويز ارتداد الإنسان عن الإسلام شيء آخر، فللإنسان أن لا ينتحل ديناً، ويبلغ كافراً ولا يزاحم إنساناً آخر، أو يبقى على النصرانية واليهودية ويخلّي بين نفسه وما فيها. لكن إذا اختار الإسلام عن بصيرة ووعي، ثم عدل عن الإسلام وتظاهر بذلك فإنّه يوجب التزعزع في سائر المعتقدين بالإسلام، وينتهي إلى ما لا تحمد عقباه، ولذلك فالإسلام يحاربه بشدة وبلا هوادة. وذلك لأنّ عمله هذا يُعتبر نوع محاربة للدّين الإسلامي، إذ الارتداد والتشهير به ليس أمراً فردياً يتسامح فيه، بل هو محاربة للدّين بنحو سرّي.
توضيح ذلك: أنّ الأنظمة على قسمين:
1. أنظمة قائمة على أُسس مادية، وقوانين اجتماعية مستمدة منها، ولا علاقة لها بالدين، وما وراء الطبيعة، ومثالها الأنظمة السائدة في الغرب، فإنّ اللازم على كلّ مواطن في تلك البلدان، هو العمل على وفق القوانين السائدة فيها، من دون أن يكون للدين والعقيدة، تأثير في تلك الأنظمة، ومن ثم فلو

صفحه 148
تحوّل المواطن المسيحي إلى بوذيّ، مثلاً، أو تحوّل البوذي إلى مسيحي، لا يكون مؤثراً في النظام ولا في استقرار المجتمع; لأنّ أعمدة النظام، هي تلك الأُسس المادية الّتي يقوم عليها النظام، وهي معزولة عن أي فكر ديني أو عقيدة إلهية.
2. أنظمة قائمة على أُسس دينية وعقائد إلهية، مرتبطة بما وراء الطبيعة، ففي هذه الأنظمة، يُعدّ اعتقاد المواطن بالدين وأحكامه، ركناً ركيناً في حفظ النظام، كما أنّ الخروج عن العقيدة، والتظاهر به، يعدّ خروجاً على أصل النظام، خصوصاً إذا أعلن المرتدّ عن فكرته، وفي المجتمع ضعفاء العقول سمّاعون لكلّ صوت، ففي هذه الحالة، يعدّ الشخص محارباً للنظام، داعياً إلى نقضه وهدمه.
فهل يُتصوّر أن يمهل مدير النظام ورئيسه من يحاول إلغاء وجوده وسلب أثره عن المجتمع؟ كلا، ولا، ولذلك لاترى في أي مجتمع ـ وإن كان ينادي بالحرية ـ يسمح لأحد أفراده أن يعمد إلى خلخلة النظام، وتعكير أمن المجتمع، والّذي يشهد لذلك أنّ الجاسوس في عامّة الأنظمة، يعاقب بأشد العقوبات، وما ذلك إلاّ لأنّه يحارب النظام ويعاديه.
***

صفحه 149

الشبهة الثانية:

عدم ورود حكمه في القرآن الكريم

الشبهة: أنّ حكم المرتدّ من المسائل المهمة، فلماذا لم يرد حكمه في القرآن الكريم ؟
الجواب: أنّ مثير الشبهة يتصوّر أنّ القرآن هو المرجع الوحيد لاستنباط الأحكام الشرعية، مع أنّه في الحقيقة أحد المصادر لذلك، لأنّ السنّة والإجماع والعقل الحصيف هي من مصادر التشريع أيضاً، فعدم ورود حكم المرتدّ في القرآن لا يعني عدم وروده مطلقاً في الشريعة الإسلامية، مضافاً إلى أنّك قد عرفت أنّ القرآن قد بيّن قتل المرتدّ في الشرائع السماوية السابقة، وقد قلنا: إنّ كتاب الله كتاب تشريع وليس كتاب قصة، فما ورد فيه حجّة ما لم يمنع منه دليل.
مضافاً إلى وجود روايات صحيحة تدلّ على حكم المرتدّ، وأنّ الحكم ممّا أجمع عليه فقهاء الإسلام مع الاختلاف في بعض الجزئيات، فلو لم يكن هذا الاتّفاق حجّة في الشرع فما معنى عدّ الإجماع مصدراً كسائر المصادر .
***

صفحه 150

الشبهة الثالثة:

قتل المرتدّ لا ينسجم مع روح القرآن

الشبهة: أنّ القرآن يصف الباري سبحانه بكونه رحماناً ورحيماً كما يصف رسالة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)بكونه رحمة للعالمين، وهذان الأمران لا ينسجمان مع فرض العقوبة على مَن ترك دينه؟
الجواب: زعم مثير الشبهة أنّ الأنبياء بعثوا فقط للتبشير دون الإنذار مع أنّهم مبشّرون ومنذرون، وقد ورد في القرآن الكريم ما هو أشد عقوبة من عقوبة المرتدّ، قال سبحانه في حقّ المفسدين في الأرض: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَف أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)1.

1 . المائدة: 33 .

صفحه 151
فلو كانت روح القرآن ـ كما يزعمه مثير الشبهة ـ لا تنسجم مع قتل المرتدّ، فماذا يقول عن هذه الآية وبماذا يفسّرها؟!
حتّى أنّ من تكرّرت ردّته وتوبته ذهب عدّة من فقهاء السنّة إلى أن توبته لا تقبل، محتجّين بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً)1.
***

1 . النساء: 137 .

صفحه 152
 
الشبهة الرابعة:

قلّة الروايات الدالّة على حكم المرتدّ

الشبهة: إنّ القتل من الأُمور المهمة كالأعراض والأموال وقد ثبت فيها وجوب الاحتياط حتّى في الشبهة البدوية، فكيف يمكن أن يستدلّ بخبر واحد على إراقة الدماء؟
الجواب: أنّ هذه الشبهة صدرت من رماة القول على عواهنه حيث لم يدرسوا الكمّية الهائلة من الروايات الدالّة على قتل المرتدّ في ظروف خاصّة، فمثير الشبهة لم يرجع إلى الجوامع الحديثية حتّى يقف على عدد الأحاديث الواردة في جامع من الجوامع.
هذا هو شيخنا الكليني قد عقد باباً لحكم المرتد أورد فيه ثلاثاً وعشرين رواية حول المرتد، يرجع القسم الأعظم منها إلى حكم المرتد، وهو القتل .1

1 . لاحظ : الكافي: الجزء السابع ، باب حدّ المرتد، الحديث 1، 2، 3، 5 6، 8 ، 9، 10، 11، 13، 14، 15، 17، 18، 22، 23 .

صفحه 153
وقد عقد شيخنا الصدوق باباً باسم الارتداد أورد فيه أحد عشر حديثاً يرجع قسم منها إلى بيان حكم المرتد وهو القتل1.
وأمّا الشيخ الطوسي فقد عقد باباً في التهذيب باسم باب حدّ المرتد والمرتدّة أورد فيه ثلاثين رواية يتضمن قسم منها حكم قتل المرتد.2
هذا ما ورد في الأبواب الخاصّة بحدّ المرتد وأحكامه في مصادرنا الحديثية، وإذا ضممنا إليه ما ورد في الأبواب المختلفة في «وسائل الشيعة» وما استدركه النوري في «مستدرك الوسائل» من الروايات من مصادر أُخرى سوف يخرج المتتبع بنتيجة هي: أنّ قتل المرتد بصورة إجمالية قد بلغ حدّ التضافر لو لم نقل أنّه قد بلغ حدّ التواتر، فمن وصف المورد بقلّة الروايات أو أنّه خبر آحاد، فإنّه لم يتعب نفسه في الرجوع إلى المصادر. فقد ورد في الكتب الثلاثة إحدى وأربعون حديثاً، ولو قمنا بحذف المكرّر منها، لكان في الباقي غنى وكفاية.

1 . لاحظ : من لا يحضره الفقيه: 3 / 149، الباب 370، الحديث 1، 2، 5، 6، 7، 8 ، 11.
2 . لاحظ التهذيب: 10 / 156 ـ 165، الرقم 1 ـ 13، 16، 19 ـ 21، 22، 27، 30 وغيرها.

صفحه 154

الشبهة الخامسة:

حكم قتل المرتدّ يسبب الفوضى في المجتمع

الشبهة: إذا جاز لكلّ إنسان ان يقتل المرتدّ، فإنّ هذا الحكم يوجب الفوضى في المجتمع، إذ عندئذ يجوز لكلّ أحد أن يتهم الآخر بالارتداد ويقتله دون أن يتعرّض له أحد، ولو فتحنا هذا الباب لعمّت الفوضى المجتمع.
الجواب: إنّ هذه الشبهة على مستوى من الضعف :
أوّلاً: أنّ الارتداد ليس من الموضوعات البسيطة حتّى يستطيع التعرّف عليه كلّ إنسان، فإنّ لتحقيق الارتداد شرائط خاصّة جعلت الموضوع شائكاً لا يجوز لغير المجتهد التعرّض له .
وثانياً: أنّ إجراء الحدود من وظائف الإمام المعصوم (عليه السلام)ثم فوضت إلى المجتهد الجامع للشرائط، فتشخيص الموضوع وتطبيق الحكم عليه من شؤون الحاكم الإسلامي، لا غير .

صفحه 155
فلو قتل مسلمٌ مرتدّاً يقتل إلاّ أن يثبت في المحكمة عند الحاكم أنّه كان مهدور الدم.
وقد قلنا في مقدّمة كتابنا: «الحدود والتعزيرات» ما هذا لفظه: إنّ إجراء الحدود والتعزيرات الواردة في الكتاب والسنّة رهن وجود حكومة إسلامية تتبنّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء وفق الشريعة الإسلامية الغرّاء.1
فمثير الشبهة يتصور أنّه يجوز لكلّ إنسان أن يقتل الآخر بتهمة الارتداد ولذلك يقول: إنّ هذا يوجب الفوضى في المجتمع، ولكنّه غفل عن أنّ قتل المرتدّ من مقولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من وظائف صاحب القوة والقدرة الّذي يتمثّل عندنا في المجتهد الجامع للشرائط .
***

1 . الحدود والتعزيرات في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 5.

صفحه 156
 
الشبهة السادسة:

قتل المرتدّ يسبب تشويه سمعة الدين

الشبهة: أنّ الغربي إذا سمع بأنّه يجوز في الإسلام قتل شخص لأجل تغيير دينه، فسوف يتجلّى له الإسلام بصورة سلبية; لأنّ وجوب قتل المرتدّ أمر ربما لا تتحمّله المجتمعات الغربية المتحضّرة ; لأنّهم يرون ذلك نوعاً من القسوة من قبل الحاكم ضد المحكوم، فتجويز هذا النوع من القسوة والاضطهاد سوف يسبب تشويه سمعة الإسلام في نظر الغربيين.
الجواب: أنّ الأحكام الإسلامية هي منظومة واحدة يكمّل بعضها بعضاً ولا يمكن الأخذ بواحد منها والقضاء عليه بالحسن والقُبح، وهذا هو كمناسك الحج فإنّها منظومة واحدة لو نظر إليها الموحّد المعتقد نظرة كلّية مترابطة، لرأى أنّ جميعها من مظاهر التوحيد والدعوة إلى الله سبحانه، وإلاّ فلو قصرنا النظر عن المجموع وأخذنا بمنسك واحد كالطواف حول البيت الحرام، ربّما تتجلّى له في ذلك الوثنية ; لأنّ الطواف على الأحجار والطين أشبه بعمل الوثني حيث يقدّس الحجر اليابس،

صفحه 157
ولكن الإنسان الواقف على مجموع مناسك الحج يقف على أنّ الجميع من مظاهر التوحيد.
وهكذا مجموع تعاليم الإسلام في مجالاتها المختلفة في العبادات والمعاملات والإيقاعات والسياسات، فأحكامه السياسية في باب القضاء والشهادة والحدود والقصاص والديات هي منظومة واحدة يدعم بعضها بعضاً ولا تؤتي ثمارها إلاّ إذا اقترنت مع بقية القوانين، ولذلك لا يمكن الأخذ بقانون واحد والنظر إليه مع قطع النظر عن الأحكام والقوانين الأُخرى.
إنّ النظام القائم على أُسس دينية وعقائد إلهية يستلزم الحفاظ على تلك الأُسس، ومن المعلوم أنّ ارتداد فرد في المجتمع يُعدّ خرقاً لجدار الأمن والاستقرار في المجتمع الّذي لا يخلو من ضعفاء الإيمان، فليس للنظام الحاكم في هذا المجتمع من بُدّ إلاّ الاهتمام بضرورة إزالة كلّ ما يزعزع ذلك النظام.

الدعوة إلى الارتداد من خصائص اليهود

بزغت شمس الإسلام في المدينة المنوّرة وكان الاقتصاد والسياسة في يد اليهود الذين كانوا قبل الإسلام يؤجّجون نار

صفحه 158
الحرب بين الأُوس والخزرج، ولمّا تأسّست الدولة الإسلامية ضعفت سيطرة اليهود الاقتصادية، فبدأوا يخطّطون لإضعاف البنية التحتية لدولة الإسلام الفتيّة بأساليب مختلفة، ومنها ما يذكره القرآن الكريم، حيث يقول سبحانه: (وَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)1.
ويستفاد من الآية أنّهم كانوا يخطّطون لبذر ظاهرة الارتداد بين المسلمين، فإنّ الإيمان وجه النهار والارتداد آخره، يورث الشكّ والترديد في نفوس المؤمنين.
ولذا فإنّ ارتداد «سلمان رشدي» أو «رافق تقي»، أو «شاهين نجفي» (الّذي تجّرأ ـ أخيراً ـ على مقام الإمام الهادي (عليه السلام)) كلّها ارتدادات سياسية تقف وراءها دول غربية تدعمهم بالعدّة والعدد، وتشجّعهم على ذلك حتّى يحقق المستكبرون أهدافهم في زعزعة إيمان المسلمين بإسلامهم، وتتحقّق عند ذلك خططهم الشيطانية في السيطرة على بلاد الإسلام وخيراته.
***

1 . آل عمران: 72 .

صفحه 159

الشبهة السابعة:

إجراء الحدود مشروط بحضور المعصوم (عليه السلام)

الشبهة: إنّ إجراء الحدود الشرعية من وظائف الإمام المعصوم أو نائبه الخاص، وفي عصر الغيبة لا دليل على جواز إجرائها، وأدلّة ولاية الفقيه قاصرة عن إثبات ذلك.
الجواب : أنّ المسألة وإن كانت خلافية غير أنّ كثيراً من الفقهاء لا يلتزمون بشرطية الحضور، بل يرون أنّ الأحكام الجزائية لا تختصّ بعصر دون عصر، فإنّ حياة المجتمع واستقراره رهن تنفيذ هذه الأحكام، إذ كيف يمكن إجراء حدٍّ يصفه الإمام الكاظم (عليه السلام)بقوله: «أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحاً» 1 مختصّاً بعصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وشيئاً من حياة الإمام علي (عليه السلام)، ويكون إجراؤها متوقفاً إلى ظهور الإمام الثاني عشر (عج)، فإنّ معنى ذلك سيادة الفوضى في المجتمع أو

1 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 3 .

صفحه 160
اللجوء إلى القوانين الوضعية، هذا وقد درسنا الموضوع ـ وظائف الفقيه في عصر الغيبة ـ في كتابنا «أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء».
وقد درسنا هذا الموضوع عن طريق خاص غير الطريق الّذي سلكه علماؤنا في مبحث ولاية الفقيه، ومن أراد التفصيل فليرجع إليه .1

1 . أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 2 / 174 ـ 190 .

صفحه 161

الشبهة الثامنة:

تطرّق الشبهة أمر غير اختياري

الشبهة: اتّفق الفقهاء على وجوب الاجتهاد في المعارف والأُصول وأنّه لا يجوز التقليد فيها، فلنفرض أنّ رجلاً مسلماً ولد في بيت الإسلام وأخذ يبحث في الأُصول الّتي يجب فيها الاعتقاد لكن دخلت الشبهة على ذهنه من غير اختيار ثم عرض ذلك على أخيه المسلم وهو أخبر الحاكم الإسلامي بذلك، فهل يصح عندئذ الحكم عليه بالارتداد وإجراء الحدّ عليه مع أنّ المقدّمات أُمور خارجة عن الاختيار.
الجواب: أنّ مثير الشبهة لم يقرأ صفحة من الكتب الفقهية فإن هذه المسألة مطروحة في الفقه، وقد اتّفق الفقهاء على الإمهال حتّى تنحلّ الشبهة عنده.
قال العلاّمة ـ بعد الحكم بارتداد منكر وجوب الزكاة ـ : وإن كان ممّن يخفى وجوبها عليه ـ لأنّه نشأ بالبادية أو كان

صفحه 162
قريب العهد بالإسلام ـ عُرّف وجوبها ولم يحكم بكفره .1
وقال الشهيد في «الدروس»: ويكفّر مستحل ترك الزكاة المجمع عليها، إلاّ أن يدّعي الشبهة الممكنة.2
وقال الوحيد البهبهاني: إنّ كلّ مَن أنكر ضروري الدين يكون خارجاً عنه ـ عند الفقهاء ـ إذا لم يحتمل فيها الشبهة.3
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يجدها المتتبع.
هذا وقد درسنا الموضوع في المحاضرات الّتي ألقيناها أوائل الثورة الإسلامية المباركة، وإليك نصّ ما ذكرناه: أنّه لو كان ارتداده عن طروء شبهة من أصدقائه وزملائه أو من وسائل الإعلام الّتي تبثّ الشبهات كلّ يوم وليلة في أذهان الشباب المسلمين، ففي هذا المجال يجب على الحاكم قبل كلّ شيء رفع الشبهة باستخدام العلماء الواعين، الواقفين على الشُّبه ورفعها، من غير فرق بين المرتدّ الفطري والمرتدّ المليّ. نعم ظاهر بعض كلماتهم جواز الإمهال في المرتدّ الملّي، وقد تقدّم

1 . منتهى المطلب: 1 / 424 (ط . حجرية).
2 . الدروس الشرعية: 1 / 229 .
3 . الطهارة للشيخ الأنصاري: 354 ، النجاسات.

صفحه 163
عن العلاّمة الحلّي: أنّه لو قال: حلّوا شبهتي، احتُمل الإنظار إلى أن تحلّ شبهته وإلزامه التوبة في الحال، ثم يكشف له.1
وقال الفاضل الأصفهاني في شرح قوله: «حلّوا شبهتي احتمل الإنظار إلى أن تحل شبهته»: لوجوبه، وكون التكليف بالإيمان مع الشبهة من التكليف بما لا يطاق.2
وقال صاحب الجواهر: بعد قول المحقّق: «وضابطه من خرج عن الإسلام أو من انتحله ما لم يعلم من الدين ضرورة كالخوارج والغلاة» ما هذا لفظه: «ومن هنا لم يحكم بالكفر بإنكار جديد الإسلام وبعيد الدار ونحوها وكلّ مَن علم أنّ إنكاره لشبهة، بل قيل: وكلّ مَن احتمل وقوع الشبهة في حقّه.3
هذا ما ذكرناه قبل ثلاثين سنة، وأُزيد الآن القول: إنّ الفضائيات المدعومة من الدول الاستكبارية لم تزل تولّد الشبهات وتلقيها في آذان المشاهدين ليل نهار، وقد استخدموا لهذه الغاية عقولاً ذكية، وعندئذ فلو تفوّه شاب ـ متأثراً بهذه

1 . قواعد الأحكام: 3 / 575 .
2 . كشف اللثام: 10 / 664 .
3 . جواهر الكلام: 6 / 46 .

صفحه 164
الفضائيات ـ بشيء يُشم منه التشكيكُ في الضروريات فيجب على الحاكم الشرعي، التريّث في إصدار الحكم بكفره وارتداده، ويجب عليه ـ أيضاً ـ تكليف هيئة من أصحاب العلم والفضل للإجابة عن شبهته وحلّها وحلّ جميع الشبهات الّتي تطرح من قبل وسائل الإعلام المغرضة.
***

صفحه 165

الشبهة التاسعة:

اختصاص الأحكام التأسيسية بعهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

الشبهة: هل الأحكام التي شرّعت في عهد التأسيس توضع على قدم المساواة مع أحكام العهود الأُخرى؟ وهل الحكم ـ الذي جاء متناسباً مع ظروف وحوادث العصر الذي كان المسلمون يواجهون معارضة شديدة من خصومهم وكانت تقوية شوكة المسلمين في تلك الظروف العصيبة المليئة بالمنعطفات تستلزم إصدار أحكام خاصة ـ هل هذا الحكم يسري على سائر الأدوار والعهود؟ 1
وحصيلة الإشكال: أنّ الأحكام الواردة في الإسلام على قسمين :
أحكام شرّعت في عهد التأسيس فلا دليل على استمرارها إلى ما بعده ; لأنّ المجتمع الديني كان عرضة للصراعات ويواجه تهديدات خطيرة، ومن الطبيعي أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كان في ذلك العهد يتّخذ قرارات سريعة وعاجلة

1 . رسالة في حكم الارتداد: 35 .

صفحه 166
خشية ذهاب الدين وخوفاً من ضياع ما حقّقه من إنجازات وكلّ هذه الأحكام تعد من خصائص عهد التأسيس .
والعهد الآخر هو العهد الذي ثبتت فيه أركان وأُسسُ الدين وعاش فيه المسلمون حالة من الاستقرار والهدوء، وهذا النوع من الأحكام يستمر استمرار الخاتمية. والقرار المتّخذ في المرتدّ ـ لعلّه ـ من القسم الأوّل .
الجواب أوّلاً: أنّه لم يحدّد لنا عهد التأسيس ولا عهد التثبيت فإنّ اراد بالأوّل العهد الذي عاش فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمون بين المشركين في مكّة المكرّمة فلم يعهد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تشريع أي حكم في مجال القضاء والحدود وأشباهها. وإن أراد العهد المدني الذي عاش فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمون قرابة عشر سنين فتشريعاته كلّها راجعة إلى عهد التثبيت فيجب أن يستمر باستمرار النبوة. ومنه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن بدل دينه فاقتلوه».
ثانياً: الروايات المتضافرة حول حكم المرتدّ مروية عن طرق أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وقد وردت في عصر ضرب الإسلام بجرانه، وأحكامه على ربع المعمورة، فلو كان حكم المرتدّ

صفحه 167
حكماً حكومياً مؤقتاً لما صدرت هذه الأحكام منهم(عليهم السلام)بصورة التشريع المستمر .
وثالثاً: لو تمّ ما ذكره لوقعت عامّة الأحكام في إطار الشكّ حيث إنّ كلّ مسلم يحتمل أن يكون الحكم المشروع قراراً سريعاً لعلاج الصراعات.
***

صفحه 168
 
الشبهة العاشرة:

احتمال أنّ حكم المرتدّ حكم تعزيري وليس حدّاً

الشبهة: هل ما ورد في الروايات في حكم الارتداد هو من الحدود أو من التعزيرات حتى يكون تعيينه بيد الحكومة، ومن الطبيعي أنّه إذا كان من الحدود لا يمكن تغييره، وأمّا إن كان من التعزيرات فيبقى خاضعاً لرأي الحاكم؟
الجواب: إنّ الميزان في كون العقوبة تعزيراً أو حدّاً هو أنّ الأوّل عبارة عن عقوبة لا تقدير لها بأصل الشرع، والحدّ عبارة عن ارتكاب المحرّم الذي عيّن الشارع له العقوبة كمّاً وكيفاً.
يقول صاحب الجواهر في تعريف الحدّ: عقوبة خاصّة تتعلّق بإيلام البدن بواسطة تلبّس المكلّف بمعصية خاصة عيّن الشارع كميّتها بجميع أفراده، وأمّا التعزير فهي عقوبة أو إهانة لا تقدير لها بأصل الشرع غالباً.1
نعم ربّما يطلق التعزير في موارد الحدّ، وقد أنهاه صاحب الجواهر إلى خمسة مواضع منها تعزير المجامع زوجته في نهار

1 . جواهر الكلام: 41 / 254 .

صفحه 169
رمضان مقدّر بخمسة وعشرين سوطاً .1
وما ذكره هو نفس ما ذكره الشهيد الثاني في «المسالك»، وغيره في الكتب الفقهية، وعلى هذا فحكم المرتدّ من الحدود قطعاً لانطباق الميزان عليه، وأمّا أنّ بعض الفقهاء لم يطرح قضية حكم الارتداد بشكل مستقل فهذا لا يؤثر في كونه حدّاً; لأنّ الفقهاء يختلفون في تنظيم المسائل الفقهية.
وحصيلة الكلام: أنّ اتّفاق المسلمين وفي طليعتهم الفقهاء على حكم القتل دليل على أنّه من الحدود. وما ذكره من التشكيك أشبه بتمسّك الغريق بالطحلب.
***
وأعجب من ذلك أنّ الكاتب استدلّ على كون حكم المرتدّ من مقولة التعزير: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يجر حكم الارتداد على المنافقين.2
وجهه: أنّ المرتدّ عبارة عمّن يتظاهر على ضد ما اعتقده سابقاً ; وان شئت قلت: يتظاهر بتغيير العقيدة، والمنافق يتظاهر بالبقاء على ما كان عليه وإن كان في تظاهره كاذباً، والأحكام تابعة لما هو الظاهر.

1 . جواهر الكلام: 41 / 254 .   2 . رسالة في حكم الارتداد: 42.

صفحه 170

الشبهة الحادية عشرة:

عدم كون حدّ المرتدّ رادعاً

الشبهة: لاشكّ أنّ الأحكام وضعت لملاكات ومصالح فردية واجتماعية والملاك في حكم المرتد كونه رادعاً عن ارتداد غيره لكن هذا الملاك غير متحقّق في أعصارنا وأنّه لا يساعد على معالجة مجتمع وجدت فيه تلك الظاهرة، بل سيؤدّي إلى إثارة سخط ومعارضة البعض .1
الجواب : أنّ الباحث خلط بين الحكمة والعلّة، فالردع حكمة لا علّة، والأحكام لا تدور مدار الحكمة، ولذلك لو طلّق الرجل زوجته التي لم يمسها سنة يجب عليها أن تعتدّ عدة الطلاق وذلك لان احتمال الحمل من مقولة الحكمة لا العلّة. ونظيره التوالد والتناسل فإنها من حِكَم الزواج لا ملاكه ولذلك يجوز زواج المرأة اليائسة أو الشابة العقيمة.

1 . رسالة في حكم الارتداد: 50 .

صفحه 171
اضف إلى ذلك لو تمّ ما ذكره لبطلت الحدود إذ يمكن ان يدّعي في عامة الحدود بعدم الرادعية وفقد الملاك.
وفي النهاية أقول ذلك بصراحة أنّه لو سادت الحكومة الإسلامية بتمام ضوابطها وقواعدها لترى أن الأحكام الجزائية أحكام رادعة. وما نراه من قلّة التأثير في أحوالنا الحاضرة فإنّما يرجع إلى وجود الضعف في الهيئة الحاكمة، فلو كان لها عزم صارم على إجراء الأحكام الجزائية بعامّة فروعها لترى أنّ الأمن والهدوء يسودان المجتمع بأحسن وجه.
***

صفحه 172

الشبهة الثانية عشرة:

الارتداد يختصّ بما إذا كان هناك تآمر

الشبهة: إنّ الملاك لصدق الارتداد هو ما يقترن به من فعل تآمري وآثار مدمّرة، وأنّه حيث ما تقترن مفارقة الدين لعمل تآمري ونتجت عنها بلبلة وفوضى في المجتمع فهي مرفوضة ولابد من التصدّي لها، وأمّا حيثما يكون الارتداد مجرد تبديل للدين فهو على الأقل موضع شبهة وترديد ويخرج عن عنوان الارتداد وإجراء الحكم.1
الجواب: لاشكّ أنّ الارتداد النابع من التآمر على الإسلام من أقسام الارتداد، وأمّا تخصيصه بهذا المورد فهو على خلاف الروايات المتضافرة في مورد القتل، هذا هو الإمام الصادق (عليه السلام)يقول: «مَن رغب عن الإسلام وكفر بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد إسلامه، فلا توبة له وقد وجب قتله»2.

1 . رسالة في حكم الارتداد: 52 .
2 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حد المرتد، الحديث 2 و 5 .

صفحه 173
وفي حديث آخر عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام)نقله عنه علي بن جعفر قائلاً: سألته عن مسلم تنصّر؟ قال: «يقتل ولا يستتاب».1
إلى غير ذلك من الروايات المطلقة.
ثم لو كان التآمر مقوّماً لصدق الارتداد يلزم التصريح به ; لأنّه من القيود التي يغفل عنها المتشرّعة. فالإطلاق المقامي مضافاً إلى الإطلاق البياني حاكم على عدم اعتباره.
نعم كان ارتداد اليهود من هذه المقولة.

1 . المصدر نفسه.

صفحه 174
 
الشبهة الثالثة عشرة:

حكم المرتدّ  كان تشريعاً في ظروف خاصّة

الشبهة: إنّ الملابسات التي شُرّع فيها حكم المرتد كانت نزعة العنف والتزمّت وكان القتل علاجاً لكثير من الأمراض الاجتماعية بينما لا يوجد هذا العمل بنظر الاعتبار في علم الجريمة والوقاية منها وماله من تجارب في هذا الحقل ـ إلى أن قال: ـ إنّ قضية تبديل الدين مطروحة على بساط البحث في كافة العقائد والأديان وقد وضعت لمجابهتها أساليب شتّى فإن أمكن استخدام هذه الأساليب فخير، وإلاّ فإنّ استخدام العنف والعقوبات التي لا طائل منها يبدو عملاً عبثياً، بل ينطوي على ضرر بالغ.
ثم إنّه أشار إلى الأساليب التي توجب ترسيخ الإيمان والعقيدة دون حصول أي شكوك وردّة عن الدين، ويذكر منها ما يلي:
ومنها: المواظبة والنظم في أداء الفرائض العبادية وخاصّة

صفحه 175
الصلاة والصوم والحج.
ومنها: إقامة الشعائر ومواكبة اللقاءات الاجتماعية والدينية التي تعد من العوامل ذات التأثير في منع الارتداد .
ومنها: الدعوة إلى صلة الرحم والتزاور مع الأقارب والاتّصال الدائم بهم ; وذلك لأنّ وجود الفرد بين جماعة الأصدقاء يغلق المنافذ أمام الانعزال واهتزاز العقيدة ويحول دون الوقوع في حبائل الشبكات الأُخرى .1
حاصل ما ذكره الباحث: أنّ الأحكام الجزائية شرّعت في ظروف خاصّة لم تكن العلاقات بين المجتمعات سليمة، وكان العنف وقمع المعارض أمراً شائعاً; ففي هذه الظروف لم يكن بدّ لقلع الزعزعة في الدين إلاّ بتشريع القتل، ولو كان علم الجرائم سائداً في ذلك الزمان حيث يخفّف من هذه الصراعات، لما كانت هناك حاجة لتشريع القتل.
الجواب: أنّ ما ذكره نوع استلهام ممّا ذكره المادّيون في تحليل الظواهر الاجتماعية، فقد زعموا أنّ الدين والفلسفة والفنون كلّها ظواهر مبنية على أُسس تحتانية تدور هذه الظواهر

1 . رسالة في حكم الارتداد: 62 ـ 64.

صفحه 176
مدار بقائها، فإذا انهارت تلك الأُسس انهارت البُنية الفوقانية .
ولكنّا نلفت نظر الباحث إلى أنّ الأحكام الإسلامية على قسمين :
أحكام شرّعت على وفق الفطرة فهي تستمر ما دامت الفطرة مستمرة .
وأحكام حكومية وولائية تشرّع حسب المصالح والملاكات المؤقتة .
فهل الأحكام الجزائية كلّها في الإسلام من المقولة الثانية والحال أنّه سبحانه يعدّ القصاص حياة لأُولي الألباب ويقول: (وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ )1.
ثم إنّ ما ذكره من الأساليب الوقائية عن طروء الزعزعة على دين الشباب ينافي مائة بالمائة ما اختاره في معنى
الارتداد حيث زعم أنّ الارتداد عبارة عن التراجع ظاهراً
لا واقعاً، فأي فائدة في الأساليب الوقائية التي وصفها سبباً لصيانة الدين وعدم زواله، فإنّ المفروض أنّ المرتدّ لم يرجع عن عقيدته وإنّما تظاهر بالرجوع. نعم تفيد تلك الأساليب في

1 . البقرة: 179 .

صفحه 177
القسم الآخر من الارتداد.
ثم إنّ ما ذكره من الأساليب أُمور صحيحة وقد أقرّها الإسلام واعترف بها في الكتاب والسنّة فلا شكّ أنّ في تطبيقها تأثيراً في ثبات الدين وصيانته عن الأوهام والأفكار الشيطانية.
***
هذه عمدة الشبهات التي أُثيرت حول المرتد، وهي كما ترى ليست دلائل منطقية أو براهين رصينة حتى تصدّ الفقيه عن استنباط حكم المرتد من الكتاب والسنّة، وإنّما هي شبهات برزت عن عقيدة مسبقة وهي إبعاد الإسلام عن المجتمع وحصره في الأُمور الفردية، ولأجل هذه الغاية حيك حول أحكامه الجزائية ما حيك، وأنا أُجلّ الباحث عن أن يعتقد بهذه الشبهات ويتراجع عمّا عليه فقهاء الإسلام في الأحكام الجزائية وخصوصاً في حكم المرتد.
وأخيراً نلفت نظر الباحث إلى أنّه يعتمد على علم الجريمة كأنّه وحي منزل من الله سبحانه على قلوب المفكّرين الغربيّين لا تمسّه أي خدشة فكرية مع أنّه نظرية وضعت منذ قرنين أو أكثر، وكان يوم ذاك نواة ثم تكامل بتبدّل وتغيير

صفحه 178
جذري في كلّ عصر، وهكذا يبقى إلى آخر الدهر، ولا يخرج عن كونه فروضاً لا تقاوم الوحي السماوي.
وربّما يتمسّك على أنّ حكم المرتدّ ليس القتل بما رواه الصدوق في أماليه عن علي (عليه السلام)في حديث طويل، قال: «ولقد بلغني أنّ رجلاً من قطّان المدائن تبع بعد الحنيفية علوجه»،... إلى أن قال: «لأن أمكنني الله منه لأخضمنّهم خضم البر، ولأقيمنّ عليه حدّ المرتدّ، ولأضربّنه الثمانين بعد حدّ»1.
مستدلاًّ بأنّه لو كان حكم المرتدّ هو القتل فلا معنى لضرب المقتول ثمانين جلدة، وهذا يدلّ على أنّه محكوم بحكم دون القتل، ولذلك يصح أن يقال: لأضربنه الثمانين بعد حدّ؟
يلاحظ عليه: أنّ الرواية لا تقاوم ما تضافر أو تواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، وهو خبر واحد في مقابل المتواتر أو المتضافر، وقد ورد نظير هذه القضية في قضايا علي (عليه السلام)ما لا يوافق القواعد العامّة، فيقال: قضية في واقعة، ولعلّ الأمير (عليه السلام)كان أعرف بمصالح الحكم والموضوع.

1 . بحار الأنوار: 40 / 347 .

صفحه 179
ولسيد قطب كلام في المقام نذكره بنصّه، قال:
ومن أبرز خصائص التصوّر الإسلامي، خصيصة «الثبات» وهي ناشئة من كون هذا التصوّر ربانيّ المصدر، وليس نتاج فكر بشري وُجد في بيئة معيّنة أو فترة زمنية محدودة، وإنّما هو هدى الله للإنسان أيّاً كان زمانه أو مكانه.1
***
وفي الختام نذكر ما قد سُئلنا عنه في سالف الزمان حول المرتد وعقوبته، وهو ملخّص لما تناولناه، فإليك السؤال وما أجبنا به .

1 . خصائص التصوّر الإسلامي: 40 .

صفحه 180
 
لماذا لا تحترم حياة المرتد في الإسلام ؟
السؤال: الدين الإسلامي، هو دين الحرية، وشعاره منذ اليوم الأوّل الآية الكريمة: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، ومع ذلك، فلماذا يجب قتل المسلم المرتد عن الدين الإسلامي؟ فهل علينا أن نقبل الإسلام بالإجبار حتّى إذا خرج عنه أحد يجب قتله؟
بالإضافة إلى ذلك، هل هذا الحكم يجري أيضاً بحق الشخص الذي تحدث في ذهنه شبهة؟!

الجواب:

الإسلام لا يجبر أحداً على قبول الدين، رغم أنّه يدعو الجميع إليه باعتباره الدين الوحيد الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى، إلاّ أنّه بإمكان اليهود والنصارى البقاء على دينهم تحت شروط، وهذه الشروط ليست بضرر أو نفع طرف معيّن، بل هي اتفاقية ومعاهدة بين طرفين، حيث تتعهد الحكومة الإسلامية أمام الأقلّيات الدينية الذين يدينون بأحد الأديان السماوية أن تحافظ على حياة ومال وناموس كلّ واحد منهم وتحرس وتصون معابدهم، وهم قبال هذه الخدمة يتعهّدون أن لا

صفحه 181
يتعاونوا مع أعداء الإسلام والمسلمين، ثم يدفعون ضريبة قليلة (جزية) إلى الدولة الإسلامية.
في الواقع أنّه لا يمكن إدخال الايمان والعقيدة بالقوة في قلوب الأشخاص، وطالما لا توجد العلل وعواملها في نفس الإنسان، فإنّه لا يمكن بأي صورة إيجاد العقيدة والإيمان لدى أي شخص، لهذا السبب جعل القرآن الكريم شعاره منذ اليوم الأوّل: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ).
وفي الواقع أنّ (الإكراه) لا يؤمّن الهدف الذي يسعى إليه الإسلام، لأن أحقيّة أيّة رسالة مرسلة من قبل الله سبحانه وتعالى هي حالة تبرز من أعماق القلوب مع مرور الزمن أو بمطالعة ودراسة خصوصيات وجذور الدين ودلائله وبراهينه، ولا يفيد الضرب ولا القوة في ذلك. إنّ الإيمان برسالة ما والاعتقاد بدين معيّن ليس كتسجيل اسم في حزب من الأحزاب حيث يكتب اسمه ويصبح من أعضائه، سواء أكان معتقداً بآيديولوجية الحزب أم كان مخالفاً لها.
مع كلّ ذلك فإنّ الدين الإسلامي له أحكام خاصّة عن الشخص المرتدّ، هي في النظرة الأُولى لا تنسجم مع سماحة الإسلام، ولكن مع ملاحظة ملاك التشريع، وحكمة هذه الشدّة

صفحه 182
تتّضح صحّة وثبات هذه الأحكام. ومن بينها أحكام المرتد 1، وهو الحكم الذي سأل عنه السائل، وندرسه فيما يلي:
1. الرجل الذي يولد في عائلة إسلامية، إن كان أحد أبويه مسلماً أو الاثنان وبلغ سن الرشد، وأنكر أحد أُصول الدين المشتركة بين جميع المذاهب الإسلامية (التوحيد، الرسالة، المعاد)، أو أنكر حكم الدين الإسلامي عن علم، ويكون إنكاره ملازماً لإنكار رسالة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمثل هذا الشخص حتّى ولو أعلن التوبة، وثبت ارتداده عند حاكم الشرع، يجب أن يقتل، ومثل هذا المرتدّ يسمّى المرتدّ الفطري.
2. غير المسلم إذا أسلم بعد بلوغه، ثم ارتدّ بعد ذلك، فإنّ مثل هذا الشخص، يستتاب فإن لم يتب ولم يعد إلى الدين الإسلامي، فإنّه يقتل. وهذا المرتدّ يسمّى بـ (المرتدّ الملّي).
3. وإذا ارتدت امرأة ارتداداً فطرياً أو ملّياً تحبس وتستتاب فإن تابت قبلت توبتها وأخرجت من الحبس، وإذا لم تتب بقيت في الحبس ويضيّق عليها في المعيشة وتضرب

1 . للمرتدّ أحكام اُخرى، فأموال المرتدّ تقسّم بين وارثيه، وزوجته تنفصل عنه مع احتفاظهابعدة وفاته، وهذه الأحكام تسري على المرتدّ الملّي في حالة عدم توبته.

صفحه 183
أوقات الصلاة.
والآن حان الوقت لدراسة التشريع الإسلامي عن المرتدّ، ولتوضيح الموضوع نشير إلى نقطتين:
1. إنّ تنفيذ الأحكام المتعلّقة بالمرتدّ منوطة بحاكم الشرع الذي يستقر على رأس الحكومة الإسلامية، ولا يحقّ للأشخاص العاديّين التدخّل في هذا الأمر 1، ويجب على العدول والموثّق بهم أن يعلنوا عن ارتداد الشخص، والحاكم ـ مع أخذه بنظر الاعتبار جميع أنواع الأحكام الإسلامية ـ يدرس الموضوع، وفي حالة ثبوت الارتداد، يصدر حكم الإعدام بحقّ المرتدّ، وينفذ أحد المأمورين هذا الحكم.
وهذا الشرط ـ أعني أن يكون صدور الحكم والأمر بتنفيذه منوطاً برأي الحاكم ـ ليس جارياً فقط في موضوع (الارتداد)، وإنّما هو مشروط في جميع الحدود أيضاً قال تعالى:
ـ (السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا...)2.

1 . من وجهة نظر الفقه فإنّ من يقدم على إهانة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)في الملأ العام فإنّه يستثنى من هذا الحكم، أي يحقّ للجميع اجراء الحدّ عليه، إذا أُمن الضرر.
2 . المائدة: 38 .

صفحه 184
ـ (الزَّانِيَةُ وَ الزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)1.
والمقصود من هذه الآيات هو أن ينفذ الحاكم هذا الأمر، وليس أن يقوم عامّة الناس بذلك، كقطع يد السارق، أو جلد الزاني أو الزانية.
نعم إنّ القرآن يوجّه الخطاب إلى الناس كافّة، لكن الحاكم هو المسؤول عملياً عن تنفيذ الحكم.
2. إنّ الحكومة الإسلامية هي حكومة تقوم على أساس الإيمان والعقيدة يشارك في إقامتها كافّة الطبقات، خلافاً للحكومات الأُخرى في العالم الّتي أُسست على أُسس عنصرية وعرقية، فينضوي الجميع تحت راية الإسلام والتوحيد .
وبملاحظة هذين الأمرين يتّضح موضوع (المرتدّ) أمام الحكومة الإسلامية بصورة كاملة، لأنّ الارتداد هو إنكار لأسس وأعمدة حكومة قامت هذه المجموعة من المسلمين بتأسيسها.
الشخص المرتدّ يقول: إنّ جميع الأحكام الشرعية والتشكيلات الفردية والاجتماعية للمسلمين التي تقوم على أساس التوحيد والإيمان بالرسالة، باطلة ولا أساس لها، بل هي

1 . النور: 2.

صفحه 185
مضرة ويجب إقامة نظام آخر بدل هذا النظام.
صحيح أنّ ارتداد شخص قد لا يتعدّى أحياناً اللسان، ولكن بحثنا هو من الناحية العامّة، والّتي لا ترتبط بالفرد النادر، لهذا يمكن القول:
إنّ عودة شخص مؤمن إلى الإنكار والاعتراض لا تخلو غالباً من ردود فعل واعتراضات ضد النظام الموجود القائم، ليس ضد المسائل السطحية والفرعية، بل ضد نظام قام على أُسس إلهية رصينة، أعطى من أجل تثبيتها آلاف المضحيّن، من الشهداء والمعوّقين.
وعندها يصبح ارتداد هذا الشخص بؤرة للفتن، وتستقطب تحركاته وأعماله الأعداء والمغرضين والمغامرين، وضعاف الإيمان فيؤدّي ذلك إلى تعميم حالة التمرّد.
ولذلك فإنّ الدين المقدّس، ولقلع جذور مثل هذه الفتن والمفاسد، يصدر أمره بحزم، بقتل المرتدّ، لكي لا يتعرض نظام الدين وحكومة الإسلام، لمثل هذه الحوادث المشؤومة، ويتلاعب المغرضون برسالة الله عزوجل.
صحيح أنّ البحث والنقد مسموح بهما في الحكومات

صفحه 186
الديمقراطية، ولكن الحرّية هي في نقد شخص ومسؤول خاص، وليست الحرية في نقد أساس المجتمع أو مواجهة النظام الحاكم على البلاد، بل أنّ الأنشطة والأعمال المضادّة يكون جزاؤها أشدّ العقوبات في العالم.
وعليه، فإنّ الإسلام ليس الوحيد الذي يمنع مواجهة أساس ونظام الحكومة الإسلامية، وإنّما هو كذلك في جميع البلدان، فإنّ مواجهة نظام البلاد له نفس هذا الحكم، مع فارق أنّ الحكومة الإسلامية تقوم على أساس الإيمان، وكونها إلهية، بينما أساس الحكومات الأُخرى تعتمد على أُسس أُخرى كالقومية وأمثالها.
إنّ معاقبة هذه المجموعة من الأشخاص في البيئة غير الإسلامية لا يمكن مقارنته مع عقوبتهم في البيئة الإسلامية، حيث إنّ المرتدّ يُدان وحده فقط.
لقد جعل الإسلام فرقاً بين (المرتدّ الفطري) و (المرتدّ الملّي)، فالأوّل يقتل بدون قيد أو شرط، بينما الثاني يستتاب لفترة، ثم يُقتل إذا لم يعد إلى السلام وسبب هذا الفرق واضح، فضرر ارتداد شخص مسلم بالولادة أكثر من الشخص الذي لم

صفحه 187
يكن مسلماً في البداية ثم أسلم، الشخص الأوّل بسبب ارتباطه الوثيق يمكنه أن يؤثر سلبياً على العوائل الإسلامية ويستطيع بسهولة أن يقوم بنشاط ضد الحكومة الإسلامية، بينما الأثر السلبي للشخص الثاني أقل من الأوّل.
وأمّا المرأة المرتدّة فلا تقتل، لأنّ المرأة بما أنّها إنسان كامل، إلاّ أنّها لعواطفها الجياشة تقع بسرعة تحت تأثير الآخرين، ومع أنّها تنحرف فكرياً بسرعة، فهي تعود إلى الحق بسرعة أيضاً .
في هذا الجواب، يبقى هناك سؤالان:
1. أحياناً ينكر شخص بعض أحكام الإسلام الضرورية، أثر اتّصال وارتباط مع مجموعة ضالّة باطلة فتتولّد شبهات في قلبه وتبدأ بالترسّب في أعماقه، ولكن إذا زالت شبهاته فإنّه سيعود فوراً إلى أحضان الحق، فهل مثل هذا الشخص يقتل أيضاً ؟
الجواب: إنّ هذه المسألة درست بدقّة في الكتب الفقهية، ورأي المحقّقين فيها هو أنّ الإنكار الذي يستند على الشبهة لا يستوجب القتل، لأنّ موضوع الحكم، في الأحاديث الإسلامية،

صفحه 188
هو (الجحد) و (الإنكار) .
وتصدق هذه الحالات إذا كان الإنسان، يقوم بالإنكار بعلم ودراية، واستناداً لأغراض خاطئة ،وليس على أساس إغواء الآخرين وشبهة الأعداء. وإليكم نموذجاً من هذه الأحاديث: قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«الإسلام قبل الإيمان، وهو يشارك الإيمان، فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي، أو صغيرة من صغائر المعاصي الّتي نهى الله عنها، كان خارجاً عن الإيمان، وثابتاً عليه اسم الإسلام، فإن تاب واستغفر، عاد إلى الإيمان، ولم يخرجه إلى الكفر إلاّ الجحود والاستحلال. أن يقول للحلال: هذا حرام، وللحرام: هذا حلال، ودان بذلك، فعندها يكون خارجاً من الإيمان والإسلام، داخلاً في الكفر».1
ويقول الإمام الباقر (عليه السلام):
ـ «فما بال من جحد الفرائض كان كافراً».2
أمّا فقهاء الإسلام، مثل صاحب «جواهر الكلام»،

1 . الكافي: 2 / 27، الحديث 1، باب أنّ الإسلام قبل الإيمان.
2 . الكافي: 2 / 33، الحديث 2، باب .

صفحه 189
والمحقّق الهمداني في «مصباح الفقاهة»، والمرحوم آية الله الحكيم في كتاب «المستمسك»، فقد بحثوا المسألة بشكل موسّع .1
2. وإذا لم يقتل المرتدّ لأسباب ويعود إلى الإسلام، فهل يستطيع الزواج من زوجته مرّة أُخرى، وهل يستطيع أن يتزوّج بأُخرى؟!
الجواب: أنّ إسلامه من جديد يجعله متمكناً، من الزواج بالمسلمة، وأن يكون مالكاً لأمواله بعد إسلامه، ومنذ لحظة ارتداده، وتقبل عبادته، وتوبته مقبولة عند الله تعالى باطناً، رغم أنّ حكم القتل في (المرتدّ الفطريّ) يبقى على قوته ولا يسقط عنه.2

1 . راجع جواهر الكلام: 6 / 41 ; مصباح الفقاهة: 52 ; مستمسك العروة الوثقى: 1 / 173، ط . النجف .
2 . جاء في «مباني تكملة المنهاج» لآية الله الخوئي: 1 / 336 ـ 337، المسألة 281.
إذا تاب المرتدّ عن فطرة لم تقبل توبته بالنسبة إلى الأحكام اللازمة عليه من وجوب قتله وانتقال أمواله إلى ورثته وبينونة زوجته منه; وأمّا بالإضافة إلى غير تلك الأحكام فالأظهر قبول توبته، فتجري عليه أحكام المسلم فيجوز أن يتزوج من زوجته السابقة أو امرأة مسلمة أُخرى، وغير ذلك من الأحكام .

صفحه 190

ما هي حدود حرية المعتقد في الإسلام ؟

عقوبة المرتدّ في الإسلام من المسائل الّتي كانت ومازالت من الأُمور الّتي يؤاخذ بها الإسلام من قبل أعدائه ومخالفيه وخاصّة المستشرقين الغربيّين، وجعلوها من علامات التعصّب الديني ومنع الإسلام حرية التعبير عن الرأي والمعتقد.
وقبل مناقشة هذا الحكم، نحدّد معنى كلمة المرتدّ وما المقصود بها.
فهل المرتدّ هو مَن تردّد في بعض عقائده ولم ينكرها.
أو أنّه مجرد إنكار إحدى ضرورات الدين.
أو أنّ المرتدّ هو الذي يكفر بعد الإسلام، وقد قال الله تعالى: (وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ)1.
وبدراسة معنى كلمة الارتداد والمرتدّ، نطرح هذا السؤال فهل أنّ الشخص الشاك مرتدّ أو لا؟ وبتعبير آخر: هل أنّ المسلم إذا أصابه شكّ وتردّد في بعض المسائل الّتي يجب عليه أن يعتقد بها وبدون أن ينكرها فهل هو مرتدّ، وهل تجري

1 . البقرة: 217 .

صفحه 191
عليه عقوبة الارتداد؟
وللإجابة على هذه الاستفسارات نرجع إلى رواية موثّقة عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام)جالساً عن يساره وزرارة عن يمينه فدخل عليه أبو بصير فقال: يا أبا عبدالله ما تقول في مَن شكّ في الله تعالى؟ قال: «كافر، يا أبا محمد»، قال: فشكّ في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: «كافر» ; ثم إلتفت إلى زرارة: «إنّما يكفر إذا جحد...».1
وعن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا...»2.
وفي جواب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لمن قال له: إنّي هلكت حيث إنّه قد فكّر وتردّد في إيمانه بالله تعالى، قال (صلى الله عليه وآله وسلم)له: «ذلك والله محض الإيمان» .3
وقد قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسع خصال... والتفكّر في الوسوسة في الخلق...»4.

1 . الوسائل : 18،الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 56.
2 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 11 .
3 . الكافي: 2 / 425 ح 3، باب الوسوسة وحديث النفس .
4 . الوسائل : 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1 .

صفحه 192
وفي رواية أُخرى قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله تجاوز لأُمّتي عمّا وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم عنه»1.
لذا نجد أنّ هذه الروايات وتعريف الفقهاء للمرتدّ هو أنّ الشاك ـ إلى فترة من الزمن ـ وهو في حال التحقيق والفحص والاستدلال، ولم ينكر من الإسلام شيئاً لا بقلبه ولا بعمله فهو لا يعتبر مرتدّاً.
وقد عرّف الإمام الخميني (رحمه الله) المرتدّ بقوله: المرتدّ: هو مَن خرج عن الإسلام وأظهر الكفر، وها نحن نراه (قدس سره)قد ذكر شرطين للارتداد: الخروج من الإسلام، وإظهار الكفر.
أمّا من لم يظهر الكفر فلا يمكن اعتباره مرتدّاً،
حيث يمكن أن يتردّد الإنسان في المسائل الاعتقادية،
وهذا الشكّ ينتهي به إلى عدم الاعتقاد بها، ولكنّه لم يظهر
ذلك فلا يمكن أن يطبّق عليه حكم المرتدّ حسب ما يستفاد من رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)حيث قال: «كلّ مسلم
بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام وجحد محمداً نبّوته وكذّبه ; فإنّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه»2. حيث إنّ كلمة كذّب تعني

1 . صحيح البخاري: 7 / 225، كتاب الإيمان والنذور.
2 . الوسائل : 18، الباب 1 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 3.

صفحه 193
التكذيب أي إظهار وإبراز الكفر.
وكذلك كلمة «جحد» و «لمن سمع» بدل «لمن فهم»، تدل على أنّ عقوبة الارتداد تنفذ على مَن كان أظهر ارتداده الباطني بالقول أو العمل.
ويجب أن ننوّه إلى أنّ موجبات الارتداد هو إنكار أصل الإسلام، وإنكار إحدى ضرورات الدين، والثالث سبّ الأنبياء...
إن الإنسان الذي يموت كافراً في خط الارتداد يسقط من حساب الله في كلّ المجالات، لأنّ قيمة كلّ عمل من أعمال الإنسان تتحدّد بالانطلاق به من خلال الإيمان بالله; فلا قيمة لأي عمل لا ينطلق من تلك القاعدة. لذا فإنّ الارتداد يحبط أعمال الإنسان في الدنيا والآخرة، ويؤدّي به إلى الخلود في النار. وعلى ضوء ذلك كأنّ الإسلام يمحو كلّ الأعمال السيئة المتقدّمة عليه كما ورد: «أن الإسلام يجبّ ما قبله»، وكأنّ الكفر يمحو كلّ الأعمال الصالحة المتقدّمة عليه، لأنّ الإسلام يتعامل مع الأعمال من موقع القاعدة الّتي ينطلق منها العمل لا من موقع العمل نفسه; لأنّ القاعدة الفكرية هي الّتي تعطي العمل معناه الإيجابي أو السلبي في خط الاستقامة والانحراف.

صفحه 194
هذا فيما لو ثبت الارتداد بالشروط المذكورة فيما ذكرناه لا في حالة البحث والاستدلال على المسائل الإسلامية، بل أنّ الإسلام رفض واستهجن التقليد في الاعتقاد بأُصول الدين وطلب من كلّ مسلم أن يكون له دليل خاصٌّ به في اعتقاده بوجود الله وتوحيده وإثبات صفاته والاستدلال على رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والإمامة والمعاد.
وعلى ضوء ما ذكرناه نقول: إنّ المسلم الذي نشأ في بيئة إسلامية ومن أبوين مسلمين أو أحدهما مسلم لا يجوز له إعلان الارتداد عن الإسلام، بل يجب عليه أن يتبع الإسلام عن اقتناع واستدلال وبرهان ودليل، وعليه كذلك أن يقرأ مختلف الآراء والأفكار ويوازن بينها إذا كان من أهل الخبرة أو يستعين بأهل الخبرة (من العلماء والمؤلّفين المسلمين) والذين ناقشوا هذه الآراء والنظريات وردّوها، وليس هذا معناه تقييد أو حجر للرأي بل هو صيانة المجتمع من الانحلال والفساد ونشر الضلال والكفر بين صفوف أفراده، وهذا من طرق المحافظة على المجتمع وصيانته عن تسلل الأفكار الهدّامة، ولذا فإنّ ما يسمّى بكتب الضلال محرّمة على مَن لا يستطيع الرد والإجابة، وهي غير محرّمة على العلماء والمفكّرين من أبناء المجتمع

صفحه 195
الإسلامي، ويجب على باقي الأفراد قراءة إجاباتهم واتّباع الحق عن اعتقاد لا عن تقليد.
وهكذا نجد أنّنا حينما نقرأ أحكام المرتدّ في الكتب الفقهية، أو حكم تداول وقراءة وبيع وشراء كتب الضلال، يجب علينا أن نعرف ما هو معنى المرتدّ وما هو معنى الضلال وعلى من يحرم ذلك ؟
وعلى كلّ حال فإنّ إجابتنا قد تكون مركّزة وسريعة ويتطلب من السائل مطالعة الموضوع بشكل جيّد في المصادر الإسلامية الموثّقة، وإفهام الشباب بأنّ الإسلام لا يصادر حرية الأفراد، وهو الذي يدعو إلى حرية الفكر والاعتقاد، وما يثار من شبهات فما هو إلاّ بسبب عدم الفهم الكامل للإسلام ومبادئه.1
***
تمّ الكلام في الارتداد موضوعاً وحكماً
كما تمّ الكلام في الإجابة
عن الشبهات المثارة حوله

1 . تم نشر هذا السؤال والجواب في كتابنا: «عقائدنا الفلسفية والقرآنية»: 239.

صفحه 196

صفحه 197

   الرسالة الرابعة

موقف الإسلام من نظام الرقّ
دعوة الإسلام إلى أصالة الحرية
موقف الأُمم السابقة من الرقيق
التعامل السيّئ مع الرقيق في الجزيرة العربية
الشريعة الإسلامية ونظام الرق
أساليب الإسلام في محو الرقيّة
أهل البيت(عليهم السلام) وتعاملهم مع الرقيق

صفحه 198

صفحه 199
موقف الإسلام من نظام الرقّ   

موقف الإسلام من نظام الرقّ

يختلف نظام الرق في الإسلام عمّا كانت عليه سائر الأنظمة البشرية، فإنّ الأنظمة الوضعية ترى جواز استعباد الإنسان واسترقاقه من قبل إنسان آخر، بحجّة أنّه أقلّ ثقافة، أو أنّه يعيش في بلاد متأخّرة، أو أنّه يجري في عروقه دم وضيع، أو لأنّه لا ينتمي إلى حزبه.
إنّ الاسترقاق على هذه الأُسس مرفوض في الإسلام، وقد حرّم الله التفاضل بسبب هذه الخرافات، وأنقذ الناس من سيادة بعضهم على بعض بتلك الذرائع الواهية، ولم يُجز لأحد أن يسلب حرية غيره بهذه المعاذير.

دعوة الإسلام إلى أصالة الحرية

وهناك كلمات درِّية عن ربيب خاتم الأنبياء عليٍّ (عليه السلام)يبيّن لنا فيها موقف الإسلام من موضوع الرق:
1. قال (عليه السلام): «بعث الله محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)ليُخرج عبادَهُ من عبادة عباده إلى عبادته، ومن عهود عباده إلى عُهوده، ومن طاعة

صفحه 200
عباده إلى طاعته، ومن ولاية عباده إلى ولايته »1.
2. وقال (عليه السلام): «ولا تكُن عبد غيرك وقد جعلك اللهُ حُرّاً»2.
3. وقال (عليه السلام): «أيّها الناس إنّ آدم لم يلد سيّداً ولا أمة، وإن الناس كلّهم أحرار، ولكنَّ الله خوّل بعضكم بعضاً»2.

موقف الأُمم السابقة من الرقيق

وفي مقابل ذلك لنمرّ سريعاً على ما كان عليه حال الرقّ في الأنظمة السابقة للإسلام.
فهذا هو النظام الفرعوني في مصر في القرون السابقة كانوا يعتبرون الرقيق كآلة للإنتاج ولم يكن للأرقّاء أدنى حق مدني في تلك العصور، فكان السيد له تمام الحرية في إبقاء أو قتل رقيقه.
وأمّا الصينيون فكان مسموحاً لهم أن يتعاملوا مع رقيقهم بأية معاملة شاءُوا.
وأمّا اليونانيون فكانوا يعاقبون المذنبين من الرقيق بكيّهم

1 . الوافي: 3 / 142، الحديث 22.   2 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، الرسالة 31.
2 . روضة الكافي: 69 .

صفحه 201
بالنار على جباههم وإجبارهم على إدارة الطواحين بدل البهائم.
وأمّا الرومان فكانوا يعدّون الأُممّ المغلوبة أرقاء لهم، وكانوا يسرقون الأطفال ليبيعوهم والنساء ليتخذونهن سراري.1
إلى غير ذلك من الممارسات الظالمة في حق العبيد والإماء في القرون السابقة.
وأمّا الحال في ما سبق عصر النهضة الصناعية فهو كالتالي:
هذه هي فرنسا (مهد الحرية) لم تكن تسمح لذوي الألوان أن يحضروا إلى فرنسا لطلب العلم والاستفادة، وبقي الحال على هذا حتّى ظهرت ثورة سنة 1848 م فأبطلت الاسترقاق بتاتاً، ولكنّ حلّت محلّه الرقية بشكل آخر والّذي يعبر عنه بالاستعمار.
نعم الإسلام لم يحرّم الاسترقاق بتاتاً ـ لمصلحة ستأتي ـ ولكنّه حصره في دوائر ضيّقة، مؤكّداً على العلاقات الوثيقة بين الموالي والعبيد، كما يتّضح .

1 . دائرة معارف القرن العشرين، لمحمد فريد وجدي: 4 / 274 ـ 277 .

صفحه 202

التعامل السيّئ مع الرقيق في الجزيرة العربية

وقبل دراسة الموضوع نشير إلى الوضع المأساوي السائد على الجزيرة العربية آنذاك، وهو أنّ الحاكم في الجزيرة كان هو منطق القوّة، فالقوي يسترقّ الضعيف ويتملّكه ويتعامل معه معاملة مملوكاته كبعيره وفرسه وغير ذلك، فمن كان قوياً فله الحرية وأمّا الضعيف فكان محكوماً بالرقية، ففي هذا الجو المظلم اتّخذ الإسلام للرق نظاماً خاصّاً يتمّ لمصلحة الرقيق، وهو أنّه إذا وضعت الحرب أوزارها واستولى المسلمون على الأسرى الذين كانوا يقاتلون المسلمين ويقتلونهم فحكم عليهم بالرقية حفظاً على حياتهم، لكن ذلك بعد مراحل:
1. يدعو حاكم الإسلام من يلون المسلمين من الكفّار إلى كلمة الحق بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن، فإن استجابوا فإخوان في الدين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.
2. إذا أبوا إلاّ ردّ الدعوة، فإن كانوا أهل كتاب وقبلوا بالجزية فهم على ذمّتهم.
3. إن أخذوا عهداً ـ سواء كانوا أهل كتاب أم لا ـ وفي بعهدهم.

صفحه 203
4. وإن لم يكن شيءٌ من ذلك يُقتل منهم من شهر سيفاً ودخل المعركة، فيقاتلون حتّى لا تكون فتنة ولا يُقتل منهم من ألقى السلم، ولا يُقتل منهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، ولا يقطع عنهم الماء ولا يعذبون ولا يمثّل بهم .
5. وإذا غلبوهم ووضعت الحرب أوزارها فما سيطر عليه المسلمون من نفوسهم وأموالهم فهو ملك لهم.

الشريعة الإسلامية ونظام الرق

وعندئذ يطرح هذا السؤال: لماذا شرّع الإسلام اعتبار أنفسهم وأموالهم مملوكة للمسلمين؟1 .
والجواب: هو أنّه لم يكن أمام الإسلام في مورد المعتدين بعد السيطرة عليهم إلاّ خمسة خيارات، وليس الصالح منها إلاّ القسم الخامس كما سترى:
1. أن يقتلهم جميعاً ويسفك دماءهم عن آخرهم وهي قسوة تتنافى مع روح الإسلام الرحيمة المحبّة للسلام.
2. أن يسجنهم جميعاً وذلك يكلّف الدولة تكاليف

1 . الميزان في تفسير القرآن : 6 / 346 .

صفحه 204
باهضةً وميزانيةً ضخمةً مضافاً إلى أنّ السجن ممّا يعقّد السجين، ويزيده اندفاعاً في الشرور والفساد.
3. أن يتركهم ليعودوا إلى بلادهم سالمين، وهذا رجوع إلى المؤامرة والاحتشاد والعدوان مرّة اُخرى.
4. أن يتركهم ليسرحوا في بلاد الإسلام وهذا يعني تعريضهم لسفك دمائهم على أيدي المسلمين، انتقاماً منهم.
ولمّا لم يكن اختيار شيء من هذه الطرق اختياراً عقلائيّاً، يبقى أمام الإسلام طريق خامس وهو:
5. استرقاقهم، بمعنى جعلهم تحت ولاية المسلمين ليراقبوا بشدة تصرفاتهم، وليتسنّى لهم من خلال العيش في ظل الحياة الإسلاميّة أن يقفوا على تعاليم الدين وينشأوا نشأةً إسلاميّةً، ويكون الإسلام بهذا قد حافظ على حياتهم، ومنع من سفك دمهم، لأنّ مالكهم سوف يحرص عليهم أشدّ الحرص ويحافظ على حياتهم أشد المحافظة بخلاف من لا يملكهم، ولا يرجو منهم نفعاً.
إنّ الإسلام طلب من تشريع هذا النظام منع المزيد من إراقة دماء المعتدين الغزاة بعد السيطرة عليهم، ولأنّ توزيعهم على المسلمين وجعلهم تحت ولايتهم أقرب إلى تمكّنهم من

صفحه 205
تلقّي التربية الإسلاميّة وتوفير أجواء التهذيب والتعليم الدينيّ لهم. 1

أساليب الإسلام في محو الرقيّة

شرّع الإسلام الرقيّة وأقرّها في إطار ضيّق ـ كما عرفت ـ وأبطل بقية الأساليب الّتي كانت متبعة من قبل الأُممّ آنذاك، ورغم ذلك فقد اتّخذ أساليب وشرّع قوانين كان يهدف من ورائها محو الرقيّة بشكل تدريجي يتلاءم مع عقلية الشعوب في تلك العصور، ومنها:
1. جعل عتق العبيد هو أحد مصارف الزكاة الثمانية، على نحو لو صرف مَن عليه الزكاة جميعها في عتق رقاب العبيد، لأجزأه ذلك ، قال سبحانه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقَابِ وَ الْغَارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)2، وذلك مبني على عدم وجوب التقسيم بين الأصناف الثمانية ـ كما هو المشهور ـ .

1 . مفاهيم القرآن: 2 / 260 ـ 261 .
2 . التوبة: 60 .

صفحه 206
2. جعل عتق العبيد كفّارة لكثير من المحرّمات، مثلاً:
أ. لو حلف وحنث بيمينه، فكفّارته أحد أُمور ثلاثة:
إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة 1.
ب. مَن قتل مؤمناً خطأ، فكفّارته تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلّمة إلى أهله.2
ج. وهكذا لو قتل كافراً وله ميثاق مع المسلمين، فكفّارته دية مسلّمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة .2
د. إذا ظاهر الرجل زوجته فكفّارته تحرير رقبة من قبل أن يتماسّا .4
هـ . إنّ الإنسان المؤمن لا يقتحم العقبة إلاّ بأحد الأُمور الثلاثة: فكّ رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة،.. الخ.5
هذا ما ورد في القرآن الكريم، وأمّا السنّة فقد عدّت عتق الرقاب من الكفّارات لبعض المحرّمات، ومن هذه الموارد :
و. كفّارة من أفطر في شهر رمضان.
ز . كفّارة حنث النذر.

1 . المائدة: 89 .   2 . النساء: 92 .
2 . النساء: 92 .         4 . المجادلة: 3 .   5 . البلد: 13 ـ 15 .

صفحه 207
ح. كفّارة جزّ المرأة شعرها في المصاب.
وكفّارة جميع ذلك عبارة عن عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً مخيّراً.
وإذا تجاوزنا عن باب الكفّارات، وبحثنا في بقية الأبواب فسوف نرى أنّه توجد بعض الأسباب الّتي تؤدي للعتق بلا اختيار، نظير:
3. مَن ملك أحد أبويه فيعتق قهراً.
4. لو جامع الرجل أمته فأنجبت منه، فتعتق الأُم بميراث الولد.
5. مَن نكّل بعبده أو أمته، يتحرّر منه بلا اختيار.
6. لو أسلم العبد ومولاه كافر، فيعتق من بيت المال.
7. المكاتبة: وهو أن للعبد الحق أن يكاتب مولاه، ويتّفقا على دفع مبلغ في زمان محدّد عوضاً لحريته، وهذا ما يقال له العبد المكاتب، قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَ آتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الذِي آتَاكُمْ )1.

1 . النور: 33.

صفحه 208
8 . التدبير، وهو أنّ للمولى أن يوصي بحرية عبيده بعد موته، ويقول: أنت حر أو أنتم أحرار بعد وفاتي، فينفذ ذلك حسب الوصية، ولا يحق لورثة هذا المولى استرقاقهم.
إلى غير ذلك من الأسباب المؤدّية إلى عتق العبيد. وقد وردت في الكتب الفقهية .
قال العلاّمة الطباطبائي: وقد وصى الإسلام أن يعامل المولى مع عبده معاملة الواحد من أهله وهو منهم فيساويهم في لوازم الحياة وحوائجها، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يؤاكل عبيده وخدمه ويجالسهم، ولا يؤثر نفسه عليهم في مأكل ولا ملبس ونحوهما.
وأن لا يشقّ عليهم ولا يعذّبوا ولا يسبّوا ولا يظلموا، وأُجيز أن يتزوّجوا فيما بينهم بإذن أهلهم، وأن يتزوّج بهم الأحرار، وأن يشاركوهم في الشهادات، ويساهموهم في الأعمال حال الرق وبعد الانعتاق.
وقد بلغ من إرفاق الإسلام في حقّهم أن شاركوا الأحرار في عامّة الأُمور، وقد قُلّد جمع منهم الولاية والإمارة وقيادة الجيش على ما يضبطه تاريخ صدر الإسلام، ويوجد بين

صفحه 209
الصحابة الكبار عدة من الموالي كسلمان وبلال وغيرهما.
وهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أعتق جاريته صفية بنت حيي بن أخطب وتزوّج بها، وتزوّج جويرية بنت الحارث بعد وقعة بني المصطلق وقد كانت بين سباياهم، وكانوا مائتي بيت بالنساء والذراري، وصار ذلك سبباً لانعتاق الجميع، وقد مرّ إجمال القصّة في الجزء الرابع من «تفسير الميزان» .
ومن الضروري من سيرة الإسلام أنّه يقدّم العبد المتّقي على المولى الحر الفاسق، وأنّه يبيح للعبد أن يتملّك المال ويتمتع بعامّة مزايا الحياة بإذن من أهله، هذا إجمال من صنيع الإسلام فيهم.1
ولعمر الحق لو كان المسلمون عاملين بهذه التشريعات لما بقي فيهم أثر من الرقيّة إلاّ القليل النادر، ولما احتاج المسلمون إلى إلغاء الرقيّة خضوعاً لقانون إبطال الغرب رقيّة الإنسان الّذي صدر عام 1848 م، أو قرار إلغاء الاستعباد الذي اتّخذ في مؤتمر بروسل عام 1890 م.
***

1 . الميزان في تفسير القرآن: 7 / 347 .

صفحه 210

أهل البيت(عليهم السلام)وتعاملهم مع الرقيق

في سيرة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)دروس ضافية تعلمنا كيف يجب على الأسياد أن يتعاملوا مع عبيدهم وإمائهم، ونذكر هنا سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام); وهي عينها سيرة أبيه وجده وأبنائه(عليهم السلام):
1. إنّ الإمام (عليه السلام)كان يشتري العبيد والإماء ولكن لا يُبقي أحدهم عنده أكثر من سنة واحدة فقط، وهذا لا يعني أنّه كان مستغنياً عن خدمتهم، بل كان يعتقهم بحجج متعدّدة وفي مناسبات مختلفة.1
2. أنّ الإمام (عليه السلام)كان يعامل الموالي لا كعبيد أو إماء ، بل يعاملهم معاملة إنسانية مثالية، ممّا يعزّز في نفوسهم الأخلاق الكريمة ويحبّب إليهم الإسلام وأهل البيت(عليهم السلام).
3. أنّ الإمام (عليه السلام)كان يعلّم الرقيق أحكام الدين ويغذّيهم بالمعارف الإسلامية، بحيث يخرج الواحد من عنده محصّناً بالمعلومات الّتي تفيده في حياته ويدفع بها الشبهات ولا ينحرف عن الإسلام الصحيح.
4. كان الإمام (عليه السلام)يزوّد مَن يعتقه بما يغنيه، فيدخل

1 . لاحظ : بحار الأنوار: 46 / 62 .

صفحه 211
المجتمع ليزاول الأعمال الحرّة كأيّ فرد من أفراد الأُمّة، ولا يكون عالةً على المجتمع.
فالإمام (عليه السلام)كان يستهدف إسقاط السياسة الّتي كان يزاولها الأمويون في معاملتهم للرقيق، فقد حقّق عمل الإمام (عليه السلام)النتائج التالية:
أ. حرّر مجموعة كبيرة من عباد الله وإمائه الذين وقعوا في الأسر، وتلك حالة استثنائية، ومع أنّ الإسلام كان قد أقرّها لأُمور يعرف بعضها من خلال قراءة التأريخ الإسلامي، إلاّ أنّ الشريعة وضعت طرقاً عديدة لتخليص الرقيق وإعطائهم الحرية، وقد استفاد الإمام (عليه السلام)من كلّ الظروف والمناسبات لتطبيق تلك الطرق، وتحرير العبيد والإماء، ففي عمل الإمام (عليه السلام)تطبيق للشريعة الإسلامية .
ب. أنّ الرقيق المعتَقين يشكّلون جيلاً من الطلاّب الذين تربّوا في بيت الإمام (عليه السلام)وعلى يده بأفضل صورة، وعاشوا معه حياة مفعمة بالحقّ والمعرفة والصدق والإخلاص وبتعاليم الإسلام من عقائد وشرائع وأخلاق كريمة.1

1 . أعلام الهداية / الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام): 154 ـ 155 .

صفحه 212
وهلّم معي لنقرأ شيئاً من سيرة الإمام الثامن علي بن موسى الرضا(عليهما السلام)مع عبيده: يقول المحدّث القمي: وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه ومواليه حتّى البواب والسائس .1
وروى الشيخ الكليني عن رجل من أهل بلخ قال: كنت مع الرضا (عليه السلام)في سفره إلى خراسان، فدعا يوماً بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة؟ فقال: «مه، إنّ الرب تبارك وتعالى واحد والأُم واحدة والأب واحد، والجزاء بالأعمال» .2
هذا وقد بلغ قسم كبير من العبيد بعدما تحرّروا مناصب عالية في السياسة وإدارة المجتمع والعلوم، وهذا ما لا يستطيع أحد إنكاره، فللقارئ الكريم أن يدرس هذا الموضوع في تاريخ الملوك والمماليك وغيرهم.
تمّ الكلام في نظام الرق في الإسلام
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

1 . الأنوار البهية: 213.
2 . الأنوار البهية: 216.
Website Security Test