welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه

أُصول الفقه المقارن
فيما لا نصّ فيه


(2)

السبحانى التبريزي، جعفر، 1347 هـ . ق ـ

أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه: دراسة متواضعة لأحكام الموضوعات الّتي لم يرد فيها نصّ من الكتاب والسنّة / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ، 1425 ق. = 1383 .

394 ص.    ISBN: 964_357_155_6

1. الفقه التطبيقي. الف. مؤسسة الإمام الصادق (ع) ب. العنوان.

6الف 2 س / 7 / 169 BP    32/297

اسم الكتاب:   …أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه

المؤلف:   …آية الله جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى

المطبعة:   …مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

التاريخ:   …1425 هـ / 1383 ش

الكمية:   …2000 نسخة

الناشر:   …مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الصفّ والإخراج باللاينوترون:    …مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الإخراج الفني في صفحة wab : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) _ السيد محسن البطاط

E-mail:pub@imamsadeq.org

www.imamsadeq.org

توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء
هاتف: 7745457 و 2925152، فاكس 2922331


(3)

أُصول الفقه المقارن
فيما لا نصّ فيه

دراسة متواضعةٌ لأحكام الموضوعات الّتي لم يرد فيها نصٌّ في الكتاب والسُّنَّة

تأليف

الفقيه المحقّق
آية الله جعفر السُبحاني دام ظله

مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)


(4)

الحمد لله على جزيل إفضاله وعظيم إنعامه، والصّلاة والسّلام على خاتم رسله وأنبيائه، محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين الّذين هم عيبة علمه، وموئل حكمه، صلاة دائمة مادامت السماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد:


(5)

«فإنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة الّتي أعظم اللّه بها عليهم النعمة، حيث حفظهم عن وَصْمَة محاباة أهل الكتابين، المؤدية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتّى اتضحت الآراء وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف».(1)

أفتتحنا كتابنا هذا بهذه الكلمة القيمة لبعض الأعلام حول مخالفة العلماء بعضهم لبعض في الآراء والنظريات من دون محاباة، لما فيه من حكمة بالغة تسهّل لنا موضوع النقاش والنقد الذي لم يزل يرافق العلم والعلماء عبر قرون.

إنّ الاختلاف بين الفقهاء نابع عن حبّ الحقيقة لا عن اتّباع الهوى فكان اختلافهم كاختلاف النبيّين العظيمين: داود وسليمان (عليهما السلام) في واقعة واحدة قال سبحانه:(وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَومِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدين * فَفَهَّمْنَاها سُلَيْمانَ وَكلاً آتَيْنا حُكْماً وعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داودَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فَاعِلينَ).(1)


1 . إبانة المختار لشيخ الشريعة الاصفهاني: 10 .


(6)

ومن أسباب الاختلاف بين فقهاء الفريقين في الفتاوى هو اختلافهم في ما هو المرجع فيما لا نصّ فيه، فالمرجع في الفقه الشيعي فيه هو الأُصول العملية الأربعة الّتي سيوافيك شرحها ومواردها وأدلّتها من الكتاب والسنّة والعقل.

لكن المرجع فيه عند فقهاء السنة هو القواعد التالية:

القياس، الاستحسان، الاستصلاح، سدّ الذرائع أوفتحها، وحجّية قول الصحابي، إلى غير ذلك من القواعد الّتي استنبطوها ليُحلّوا بها مشكلة عدم النصّ في المسألة.

وهذه القواعد وإن لم تتفق كلمتهم على جميعها، لكن القياس حجّة لدى الأئمّة الأربعة، والاستحسان حجّة عند المالكية دون الشافعية وهكذا كما ستعرف.

وقد ألف غير واحد من فقهاء الفريقين كتباً و رسائل كثيرة في مالا نصّ فيه، واقتصر على بيان مذهبه دون أن يتعرض لمذهب الفريق الآخر من غير فرق بين شيعة وسنة.(2)

ولما رأيت فراغاً في المقام خامرتني فكرة تأليف كتاب يتكفّل ببيان مذهب الفريقين فيما لا نصّ فيه بصورة مقارنة، ليكون ذلك ذريعة للتفاهم والتعاضد.


1 . الأنبياء:78ـ 79.
2 . إلاّ ما قام به الأُستاذ السيد محمد تقي الحكيم (رحمه الله) فألّف كتاباً في إطار أوسع باسم «الأُصول العامة للفقه المقارن» وقد طبع وانتشر وله صدى في الأوساط العلمية.


(7)

وتحقيقاً لهذا الغرض عقدتُ بابين، خصّصت الأوّل منهما للحديث عن المرجع عند الإمامية في ما لا نصّ فيه، والثاني لبيان المرجع في ما لا نصّ فيه عند السنّة.

ولما كان هناك بعض المشتركات الّتي يعتمدها فقهاء الفريقين كالاستصحاب أو استصحاب البراءة فقد ذكرته في الباب الأوّل وأشرت في الهامش إلى أنّ هذا الأصل متّفق عليه.

ولو لمس القارئ في تقرير كلام المخالف شيئاً من القسوة في التعبير فذلك نابع عن حب الحقيقة والتعريف بها لا تنديد بالمخالف. فإنّي اثمّن الخلاف المبني على الدليل والبرهان.

رحم اللّه أُستاذنا الكبير السيد الإمام الخميني (قدس سره) فقد قال يوماً في بعض دروسه ـ مثمِّناً مخالفة الفقهاء بعضهم لبعض والتي بها حياة العلم وتكامله وبقاء الشريعة ونضارتها ـ، قال ما هذا مثاله: لو أنّ صاحب الشريعة أو أحد الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) كتب كتاباً جمع فيه أُصول أحكام العبادات والمعاملات والإيقاعات والسياسات ثمّ أودعه بين الأُمّة ليقتصروا عليه دون أن يخضع للبحث والدراسة، لماتت الشريعة وفقدت نضارتها، وبقيت الشكوك تطرأ عليها وتجعلها في غمّة بعد غمّة، فالذي أعطى للشريعة خلوداً وبقاءً، وأضفى عليها رونقاً وبهاءً هو دراسة الآيات و الروايات، وبالتالي ظهور آراء وأفكار متنوعة في شتى المجالات. ومناقشة الفتاوى والنظريات.

وانطلاقاً من هذا المبدأ قمت بدراسة أحكام الموضوعات الّتي لا نصّ فيها على ضوء كلا الفقهين وأُصولهما وسميته بـ«أُصول الفقه المقارن في مالا نصّ فيه».


(8)

أرجو من اللّه سبحانه أن يكون هذا العمل مصباحاً ينير الدرب أمام طلاب الحقيقة ويكون وسيلة لتقارب الخطى والت آلف والتعاضد في مجالي العلم والعمل.

فإنّ من أهمّ عوامل التفرقة هو الجهل بالطرف الآخر وبما يمتلكه من أفكار وآراء.

و نلفت نظر القارئ إلى أنّ أصحابنا الإمامية قد أشبعوا البحث في الأُصول العملية الأربعة التي هي المرجع فيما لا نصّ فيه عندهم ولذلك نقتصر بالقدر اللازم لإيقاف غير العارف بأُصولهم على حد الإمكان. ومن أراد التبسّط فعليه الرجوع إلى كتب أصحابنا في الأُصول من عصر الوحيد البهبهاني(1118ـ 1206هـ) إلى يومنا هذا، مضافاً إلى محاضراتنا في الأُصول ـ قسم الدراسات العليا.

ولتسليط(1) الضوء على المقصود نقدّم مقدمة فيها أُمور:

جعفر السبحاني          
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الثاني والعشرون من جمادى الأُولى
من شهور عام 1425هـ    


1 . المحصول: ج3; إرشاد العقول: ج3.


(9)

1
كمال الدين وإتمام النعمة

دلّ القرآن الكريم على أنّه سبحانه أكمل دينه وأتمّ نعمته، وهذا ما يتجلّى في قوله تعالى: (الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً)(1)، ومعنى ذلك أنّ ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقل العقيدة والشريعة كامل أتمّ الكمال، فهو يغني المسلمين في كلّ عصر عن كلّ فكر مستورد وقانون وضعي لا يمتّ إلى الوحي والسماء بصلة.

والسنّة تُدعم الكتاب في هذا المجال أشد الدعم، كما يتّضح ذلك جلياً في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة حجة الوداع حيث جاء فيها: أيّها الناس ما من شيء يقرّبكم من الجنة ويباعدكم من النار إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ ونهيتكم عنه».(2)

وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج له الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجعل لكلّ شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدلّ


1 . المائدة:3.
2 . الكافي:2/74، كتاب الإيمان والكفر.


(10)

عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حداً».(1)

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : «ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أوسنّة».(2)

قال سماعة لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) : أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه أو تقولون فيه؟ قال (عليه السلام) : «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة رسوله».(3)

نعم وجود حكم كلّ شيء في الكتاب والسنّة ليس بمعنى أنّ كلّ مَن رجع إلى المصدرين يستطيع الوقوف على حكمه وإن لم تكن تتوفر فيه الصلاحيات والقابليات الخاصة، بل ذاك رهن العلم والمعرفة والأنس بالكتاب والسنّة والتوغّل فيهما على نحو يخالط القرآن والسنّة روحه ودمه ليقف على المعاني السامية فيهما.


1 . الكافي:1، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2، 4، 10 .
2 . الكافي:1، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2، 4، 10 .
3 . الكافي:1، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2، 4، 10 .


(11)

2
القرآن وسعة آفاق دلالته

من تمعّن في القرآن الكريم وتدبّر في معانيه ومفاهيمه يقف على سعة آفاق دلالته على مقاصده يقول سبحانه:(وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدىً).(1)

وهانحن نقدّم نموذجاً يدلّ على سعة آفاق الكتاب، وأنّ للفقيه الواعي إمكان استخراج أحكام الموضوعات المستجدة عبر القرون من المصدرين الشريفين.

قُدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: ا لإيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود. فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي (عليه السلام) يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت».

فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب:

بسم اللّه الرّحمن الرحيم:(فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قَالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما


1 . النحل: 89.


(12)

كُنّا بِهِ مُشْرِكينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللّهِ الّتي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ).(1)

فأمر به المتوكّل، فضرب حتّى مات.(2)

تجد أنّ الإمام الهادي (عليه السلام) لوقوفه على سعة دلالة القرآن ، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، وكم لها من نظير. ولو أنّ القارئ الكريم جمع الروايات الّتي استشهد بها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على مقاصدهم استشهاداً تعليمياً لا تعبدياً لوقف على سعة آفاق الذكر الحكيم.

ويدلّ على سعة دلالة آيات القرآن الكريم ما رواه المعلّى بن خنيس قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب اللّه عزّوجلّ ولكن لا تبلغه عقول الرجال».(3)

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) :«ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم، أُخبركم عنه أنّ فيه علم ما مضى، وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم».(4)

وقد حكى بعض مشايخنا، أنّ بعض الفقهاء استنبط من سورة «المسد» أربعة وعشرين حكماً شرعياً، كما وقع قوله سبحانه:(قَالَ إِنّي أُريدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحدَى ابْنَتَي هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأَجُرَني ثَماني حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ)(5) مصدراً للأحكام في باب النكاح.


1 . غافر: 84 ـ 85.
2 . مناقب آل أبي طالب:4/403.
3 . الكافي: 1 / 60ـ 61، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 6، 7.
4 . الكافي: 1/60ـ 61، باب الردّ إلى الكتاب والسنّة، الحديث 6، 7.
5 . القصص: 27.


(13)

إنّ أئمّة أهل البيت استدلّوا على جملة من الأحكام الفرعية ب آيات ربّما لا تصل إليها العقول العادية، ولمّا سُئلوا عن وجه الدلالة، أرشدوا أصحابهم إلى وجه الدلالة، فسلّما واعترفوا بفضلهم في فهم كتاب اللّه سبحانه، وللقارئ الكريم أن يجمع شتات الروايات الواردة في ذلك المجال، فإنّها مبعثرة في طيّات كتب الحديث والتفسير.


(14)

3
عدد آيات الأحكام أكثر من خمسمائة

على ضوء ما ذكرنا من سعة آفاق دلالة القرآن الكريم، نقف على أنّ تخصيص آيات الأحكام بخمسمائة آية أو أقلّ منها أو أقلّ منها أنّه لأجل قصر النظر بالآيات التي تتبنّى الحكم الشرعي بدلالة مطابقية كآيات الإرث وغيرها، وأمّا بالنظر إلى ما ذكرنا من دلالة قسم من الآيات، على أحكام شرعية عملية، دلالة التزامية أو غير ذلك، فإنّها سوف تتجاوز الخمسمائة آية .

وبذلك يظهر النظر فيما ذكره بعض المحقّقين في هذا المقام: قال الفاضل المقداد:

اشتهر بين القوم أنّ الآيات المبحوث عنها نحو خمسمائة آية ، وذلك إنّما هو بالمتكرر والمتداخل، وإلاّ فهي لا تبلغ ذلك، فلا يظن من يقف على كتابنا هذا ويضبط عدد ما فيه، انّا تركنا شيئاً من الآيات فيُسيء الظن به، ولم يعلم أنّ المعيار عند ذوي البصائر والأبصار، إنّما هو التحقيق والاعتبار لا الكثرة والاشتهار.(1)

ويظهر من الأُستاذ «عبد الوهاب خلاّف» أنّ عدد آيات الأحكام ربّما تبلغ


1 . كنز العرفان في فقه القرآن:1/5.


(15)

330 آية:

ففي العبادات بأنواعها نحو 140آية.

وفي الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وإرث ووصية وحجر وغيرها نحو سبعين آية.

وفي المجموعة المدنية من بيع وإجارة ورهن وشركة وتجارة ومداينة وغيرها نحو سبعين آية.

وفي المجموعة الجنائية من عقوبات وتحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.

وفي القضاء والشهادة وما يتعلّق بها نحو عشرين آية.(1)

قال السيد محمد رشيد رضا: والمشهور عند علماء الأُصول أنّ آيات الأحكام العملية في القرآن من دينية وقضائية لا تبلغ عُشْر آياته، وقد عدّها بعضهم خمسمائة آية للعبادات والمعاملات، والظاهر أنّهم يعنون الصريح منها وأكثرها في الأُمور الدينية.(2)


1 . خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي:28ـ 29.
2 . الوحي المحمدي:187، ط سوريّا.


(16)

4
دراسة آيات الأحكام بصورتين:

نستطيع أن ندرس آيات الأحكام بصورتين، غير أنّ الصورة الثانية أفضل من الصورة الأُولى، وإليك بيانهما:

الأُولى: ما درج عليه فقهاء أهل السنّة كالجصاص وابن العربي وغيرهما حيث فسّروا الآيات حسب ترتيب السور، وهذا ما لا نستحسنه ونراه منهجاً غير متكامل، لأنّ القرآن حينما يتناول الجهاد ـ مثلاً ـ بالبحث لا يتطرق إليه في سورة واحدة، بل يذكر معالمه وشروطه وآثاره في عدّة سور، فالفقيه الّذي يريد استنباط أحكام الجهاد من القرآن، لابدّ له من مراجعة تلك الآيات في مواضع مختلفة، وهذا يأخذ منه وقتاً كثيراً ولا يجد ضالّته إلاّ بعد بذل جهد كثير.

الثانية: ما هو الدارج عند فقهاء الشيعة وهو دراستها حسب المواضيع الفقهية، مثلاً يبحث عن جميع الآيات الواردة حول الطهارة أو الصلاة أو الصوم أو غيرها في باب خاص، وهذا ما نطلق عليه التفسير الموضوعي في إطار خاصّ.(الفروع العملية).

وممّا أعجبني ما ذكره الأُستاذ عبد الوهاب خلاف، حيث اقترح ذلك المنهج


(17)

على الفقهاء، غافلاً عن أنّ علماء الشيعة قد نهجوا ذلك المنهج منذ قاموا بتفسير آيات الأحكام، قال: «وأوّل واجب على من يستأهل للاجتهاد أن يُحصي آيات الأحكام في القرآن، يجمع آيات كلّ نوع منها بحيث يكون بين يديه كلّ آيات القرآن في الطلاق، وكلّ آياته في الإرث، وكلّ آياته في البيع، وكلّ آياته في العقوبات، وهكذا، ثمّ يدرس هذه الآيات دراسة عميقة ويقف على أسباب نزولها، وعلى ما ورد في تفسيرها من السنّة، ومن آثار للصحابة أو التابعين، وعلى ما فسرها به المفسّرون، ويقف على ما تدلّ عليه نصوصها وما تدلّ عليه ظواهرها، وعلى المحكم منها، والمنسوخ وما نسخه».(1)

ولعلّ هذا البحث الموجز حول الكتاب العزيز الّذي هو المصدر الأوّل لاستنباط الأحكام كاف في المقام، فلنعد إلى البحث عن السنّة التي هي المصدر الثاني.


1 . مصادر التشريع الإسلامي:14.


(18)

5
السنّة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي

السنّة النبوية هي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز، سواء أكان منقولاً باللفظ أم كان منقولاً بالمعنى شريطة أن يكون الناقل ضابطاً في النقل، وقد خصّ اللّه بها المسلمين دون سائر الأُمم، وقد وضع المسلمون في حفظ السنّة النبوية علوماً مختلفة ليصونوا بها الحجّة الثانية عن الدس والتحريف.

وقد أكّد القرآن الكريم على أنّ السنّة من مصادر التشريع الإسلامي، وكفانا في ذلك بعض الآيات.

1. قوله سبحانه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌّ يُوحى).(1)

وتخصيص الآية بالوحي القرآني تقييد في إطلاقه بلا دليل،على أنّ الذوق السليم لا يقبل التخصيص، إذ يكون مرجع الآية عندئذ إلى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى حينما يتلو القرآن دون غيره من الأحوال، فهو ربّما يتكلّم فيه عن الهوى، وهو كما ترى.

2. قوله سبحانه:(وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ


1 . النجم:3ـ4.


(19)

تَعْلَم وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).(1)

والآية تتضمن مقاطع ثلاثة، وكلّ مقطع يشير إلى بُعد من أبعاد علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

فالأوّل: أعني قوله:(وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالحِكْمَة) يشير إلى علمه الّذي يتلقّاه عن الروح الأمين.

والثاني: أعني قوله: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَم) يشير بقرينة المقابلة، إلى العلم غير المعتمد على نزول الملك، فالمراد به هو الإلقاء في القلب والإلهام الإلهي الخفيّ.

كما أنّ الثالث: أعني قوله: (وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) يشير إلى سعة علمه.

وما ذكرنا من الآيات تُثبت عصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أقواله وأفعاله، فإنّ علمه مستند إمّا إلى نزول الملك، أو الإلقاء في القلب من جانبه سبحانه، فلا يعرض له الخطأ، وكيف يعرض له الخطأ واللّه سبحانه بيّن فضله بقوله: (وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).

ومردّ سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى العلم الواسع الّذي تفضّل به سبحانه عليه، فلا يخطئ الواقع قدر شعرة. وقد مضت كلمة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في سعة السنّة وأنّ فيها كلّ شيء.

على أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) جعلوا موافقة السنّة الحدّ المائز بين الحقّ والباطل عند تعارض الروايات عنهم، واختلاف كلمة النقلة.


1 . النساء:113.


(20)

قال الإمام الصادق (عليه السلام) :«وكلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة».(1)

وقال أيضاً: «من خالف كتاب اللّه وسنّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كفر».(2)

إنّ السنّة النبوية تارة تكون ناظرة إلى القرآن الكريم، تبيّن مجملاته أو تخصّص عموماته أو تقيّد مطلقاته، وأُخرى تكون مبتدئة بالتقنين، وكلتا الحالتين تعبير عن الوحي وبيان لما أُوحي إليه.


1 . الكافي:1، باب الأخذ بالسنّة، الحديث 3و6.
2 . الكافي:1، باب الأخذ بالسنّة، الحديث 3و6.


(21)

6
ظاهرة عدم النصّ بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

قد تعرّفت على مكانة السنّة النبوية وأنّها تتمتع بالدرجة الثانية من بين مصادر التشريع، فإذا كانت السنّة من الأهميّة بهذه المكانة العظيمة، فيجب بذل الجهود المضنية لتدوينها وحفظها وشرحها ونقلها إلى الأجيال القادمة، ولكن ـ يا للأسف ـ أُهملت السنّة النبويّة ، كتابة ودراسة، ونقداً، قرابة قرن، اعتماداً على روايات معزوّة إلى النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لا توافق القرآن الكريم، وتحطّ من مكانة السنّة.

كيف يصحّ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يمنع من تدوين المصدر الثاني للتشريع بالرغم من أنّه سبحانه أمر بكتابة ما هو أدون منه شأناً، بل لا يقاس به، كما هو الحال في كتابة الدين، فقال:(وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبيراً إلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا).(1)

نعم ربّما نجد في ثنايا التاريخ أنّ بعض الصحابة قام بتدوين شيء من الصحف ولكنّه لم يكن تدويناً لائقاً بشأن السنّة النبوية، وكان الرأي العام على منع الكتابة والتدوين، نعم بعد ما بلغ السيل الزبى، وحتّى فهم الخليفة الأموي


1 . البقرة:282.


(22)

عمر بن عبد العزيز خطورة الموقف وأنّ إهمال كتابة الحديث النبوي يؤدّي إلى اندراس السنّة ونسيانها، كتب إلى أبي بكر بن حزم: «انظر ما كان من حديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ حديث النبي ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتّى يعلّم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً».(1)

ومع أنّ الخليفة الأموي أكّد وحثّ على الكتابة والتدوين، ولكن كان للمنع السابق أثره السيّء فلم تُشاهد أي حركة حديثية مرموقة بعد ذلك. نعم قام المسلمون في عصر الخليفة العباسي المنصور الدوانيقي بتدوين الحديث. قال الذهبي في حوادث سنة 143للهجرة:

في سنة143شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة، وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنّف ابن إسحاق المغازي، وصنّف أبو حنيفة الفقه والرأي، ثمّ بعد يسير صنف هيثم والليث وابن لهيعة، ثمّ ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودوّنت كتب العربية واللغة وأيام الناس وقبل هذا العصر كان الأئمّة يتكلّمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتّبة، فسهل ـ و للّه الحمد ـ تناولُ العلم، وأخَذَ الحفظُ يتناقص، فللّه الأمر كلّه.(2)


1 . صحيح البخاري: 1، باب كيف يقبض العلم من أبواب كتاب العلم. وبما أنّه لم يكن من حديث الرسول جاء غير مرقّم، وهو واقع بين رقمي 99 و 100.
2 . تاريخ الإسلام للذهبي:9/13، حوادث سنة143هـ.


(23)

7
السبب الأوّل لظاهرة عدم النصّ

إنّ لمنع كتابة الحديث مضاعفات كثيرة لا يسع المقال ذكرها، وقد أوردنا شيئاً منها في كتابنا «بحوث في الملل والنحل».(1)

والّذي يناسب ذكره في المقام هو أنّ الحظر عن تدوين الحديث ومدارسته دراسة لائقة بشأنه صار سبباً لذهاب قسم كبير من السنّة النبوية خصوصاً ما يتعلّق بالأحكام والآداب وحلّت مكانها أحاديث مختلقة اختلقها مستسلمة أهل الكتاب، نظراء: كعب بن ماتع الحميري، وقد وصفوه بأنّه من أوعية العلم، حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس وغير ذلك.

ووهب بن منبه اليماني وقد أكثر النقل عن كتب الإسرائيليات، توفّي سنة 114هـ.(2)

وتميم بن أوس الداري، راوية الأساطير، كان نصرانياً، قَدِمَ المدينة فأسلم في سنة 9هـ; والحديث بعد ذو شجون.


1 . بحوث في الملل والنحل:1/60ـ 76.
2 . ميزان الاعتدال:4/352.


(24)

نعم خسر الفقه الإسلامي في هذا المجال أكثر من سائر الموضوعات، فصارت نتيجة ذلك أنّه لم يدوّن من الحديث النبوي حول الشريعة والأحكام العملية إلاّ قرابة 500 حديث، تمدّها روايات موقوفة لم تثبت نسبتها إلى النبي الأكرم قال السيّد محمدرشيد رضا: إنّ أحاديث الأحكام الأُصول خمسمائة حديث تمدّها أربعة آلاف فيما أذكر.(1)

فصار ذلك ذريعة لتوهّم قصور الشريعة عن تبيين أحكام قسم من الموضوعات الموجودة في عصر الرسول أو المستجدة بعده.

وحصيلة الكلام: أنّ منع تدوين الحديث، هو أحد السببين لظاهرة فقدان النص في قسم كبير من الموضوعات الفردية أو الاجتماعية، ولو لم يكن هناك حظر عن تدوينه لما التجأ الفقهاء إلى قواعد وضوابط قلّما يوجد لها رصيد في الكتاب والسنّة.

فمن جانب وقف الفقهاء الأوائل على أنّه سبحانه أكمل دينه وأتمّ نعمته، ومن جانب آخر لم يجدوا حلولاً في الكتاب والسنّة لموضوعات مستجدة، بل الموجودة في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذا ما دفعهم إلى اختراع قواعد وضوابط سيوافيك بيانها، وبذلك عالجوا ما لا نصّ فيه بقواعد، جوهرها انطباعات شخصية من الكتاب والسنّة.


1 . الوحي المحمدي:187ـ 188.


(25)

8
السبب الثاني لظاهرة عدم النصّ

قد وقفت على أنّ أحد الأسباب الرئيسية لمواجهة المسلمين مسائل شرعية لم يرد حكمها في الكتاب والسنّة، هو منع تدوين السنّة، وهناك سبب آخر لا يقلّ أهميةً عن الأوّل وهو إعراضهم عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم حفَظَة سنن رسول اللّه وعيبة علمه ونَقَلة حديثه، مع أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حثّ على الرجوع إليهم وجعلهم قرناء الكتاب وأعداله، وقد شبّههم بسفينة نوح الّتي مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق وهوى، وبذلك عالج الرسول مشكلة عدم النصّ بالأمر بالرجوع إلى أئمّة أهل البيت ليغرف المسلمون من معينهم الصافي بعد الصدور عن الكتاب والسنة، لكي لا يتوهّم الغافل: «أنّ الكتاب والسنّة غير مستوعبين لأحكام المواضيع ومتطلّبات العصر الحديث، وأنّه لا محيص للمسلمين إلاّ التطفّل على موائد الغربيين والأخذ بالقوانين الوضعية».

إنّ ما ادّعوه من أنّ السنّة النبوية لا تتجاوز عن خمسمائة حديث ناشئ عن قصر النظر على ما رواه أصحاب الصحاح والسنن، فلم يتجاوز مسندها عن خمسمائة حديث تمدّها أربعة آلاف (موقوفة)، وأمّا إذا ضمّ إليها ما روي عن أئمّة


(26)

أهل البيت (عليهم السلام) في عامّة المجالات فربّما يبلغ عدد ما روي عنهم في حقل الأحكام والأخلاق ما يربو على خمسين ألف حديث، وعندئذ يصبح مالا نصّ فيه شيئاً قليلاً يمكن استخراج أحكامه من النصوص الموجودة، لأنّ التشريع لا يمكن أن يتعرّض لكلّ مورد جزئي أو واقعة خاصة والّتي تندرج تحت ضوابط كلّية.

وها هو كتاب«جامع أحاديث الشيعة» الّذي ألّفته اللجنة العلمية(1) تحت رعاية المرجع الديني الأعلى السيد آقا حسين البروجردي (قدس سره) ، ونشر في ثلاثين جزءاً، قد بلغ عدد أحاديثه قرابة خمسين ألف حديث، فلو قمنا بحذف المكررات لكان فيما بقي غنى وكفاية.


1 . ونحن نقدّر جهود الشيخ الجليل الموفّق المؤيد الشيخ إسماعيل المعزّي الملايري ـ دام ظلّه ـ ، حيث قام بجمع ما تركته اللجنة في ذلك المجال، وتنقيحه وتهذيبه، حتّى أتى بما هو فوق ما يترقب.


(27)

9
حجّية أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)

ربّما يكون القارئ غير عارف بما ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مجال حجّية قول العترة الطاهرة وأنّه كيف قرن أقوالهم بالكتاب، فنذكر شيئاً من ذلك:

1. حديث الثقلين

1. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :«يا أيّها النّاس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي».(1)

2. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :«إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر : كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».(2)

3. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء والأرض ـ أو ما بين السماء إلى الأرض ـ و عترتي أهل بيتي، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(3)


1 . سنن الترمذي:5/662، حديث3786، باب مناقب أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
2 . سنن الترمذي: 5/663، الحديث3788، باب مناقب أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ; الدرّ المنثور:6/7; ذخائر العقبى:16.
3 . مسند أحمد:5/182ـ 189.


(28)

4. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وأهل بيتي; وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(1)

5. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «انّي أُوشك أن أدعى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي; كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».(2)

إلى غير ذلك من النصوص الّتي كان آخرها في حجّة الوداع عندما نزل غدير خمّ أمر بدوحات فقممن، فقال:«كأنّي دُعيتُ فأجبتُ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكثر من الآخر: كتاب اللّه تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(3)

وهذه الصحاح الحاكمة بوجوب التمسّك بالثقلين متواترة تنتهي أسانيدها إلى بضع وعشرين صحابياً، وقد صدع بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مواقف له شتّى، تارة يوم غدير خمّ، وأُخرى على منبره في المدينة، إلى غير ذلك، وقد خصّص سيدنا الجليل المتتبع مير حامد حسين أجزاءً من كتابه الجليل «عبقات الأنوار» ببيان أسانيد هذا الحديث.

ونكتفي في اشتهاره بما ذكره ابن حجر حيث قال بعد ما أورد حديث الثقلين:

ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشُّبه، وفي بعض تلك الطرق أنّه


1 . مستدرك الحاكم:3/148.
2 . مسند أحمد:3/17 و 26.
3 . الصواعق المحرقة:136.


(29)

قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وأُخرى أنّه قال بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وأُخرى أنّه قال ذلك بغدير خمّ، وفي أُخرى أنّه قال لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مرّ; ولا تنافي، إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.

وفي رواية عند الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلّم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اخلفوني في أهل بيتي (عليهم السلام) ».(1)

2. حديث السفينة

إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شبّه أهل بيته بسفينة نوح وجعل التمسّك بأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم وسيلة النجاة، كما أنّ السفينة كذلك عند ظهور الطوفان. وإليك بعض نصوصه:

1. «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق».(2)

2. «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق».(3)

3. حديث الأمان

وقد عرّفهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض أحاديثه أنّهم أمان لأهل الأرض من الاختلاف قال: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان من


1 . الصواعق المحرقة:150، طبع مكتبة القاهرة(الباب11، الفصل الأوّل في الآيات الواردة فيهم).
2 . مستدرك الحاكم:3/151.
3 . الأربعون للنبهاني:216.


(30)

الاختلاف في الدين، فإذا خالفتها قبيلة من العرب ـ يعني في أحكام اللّه عزّ وجلّ ـ اختلفوا فصاروا حزب إبليس».(1)

هذا قليل من كثير، وغيض من فيض ممّا ورد في حقّهم من أئمّة أهل البيت، وكفى بهذا المقدار دليلاً على لزوم الرجوع إليهم في الأُصول والفروع، وهناك كلمة قيّمة لسيّد المحقّقين السيد شرف الدين العاملي يقول:

وأنت تعلم أنّ المراد بتشبيههم (عليهم السلام) بسفينة نوح: أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمّتهم الميامين نجا من عذاب النار، ومن تخلّف عنهم كان كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل يعصمه من أمر اللّه، غير أنّ ذاك غرق في الماء وهذا في الحميم، والعياذ باللّه.(2)

وهانحن نذكر نماذج من جوامع كلمهم الّتي أخذوها من عين صافية، وقد عرفت أنّهم حفظَة أحاديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعيبة علمه ونَقَلةُ سننه، ونعم ما قال القائل:

فـوال أُنـاسـاً فعلهـم وكـلامهـم *** روى جدنا عن جبرئيل عن الباري

1. قال الصادق (عليه السلام) :«إنّما علينا أن نلقي عليكم الأُصول وعليكم التفريع».

2. وقال الصادق (عليه السلام) :«كلّما غلب اللّه عليه من أمره فإنّه أعذر لعبده».

وفي رواية أُخرى: «كلّما غلب اللّه عليه فإنّه أحرى بالعذر».

3. قال الصادق (عليه السلام) :«ليس شيء ممّا حرّم اللّه إلاّ وقد أحلّه لمن اضطر


1 . مستدرك الحاكم:3/149.
2 . المراجعات:79، المراجعة8، طبع المجمع العلمي لأهل البيت (عليهم السلام) قم، 1422هـ.


(31)

إليه».

4. وقال الصادق:«اللّه أكرم من أن يكلّف الناس مالا يطيقون».

5. وقال الصادق (عليه السلام) :«حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجري غيره».

6. وقال الصادق:«إنّ حكم اللّه عزّ وجلّ في الأوّلين والآخرين وفرائضه عليهم سواء».

7. قال الصادق:«إنّ اللّه احتجّ على الناس بما آتاهم وعرّفهم».

8. عن الصادق (عليه السلام) :«الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر».

9. وقال الصادق (عليه السلام) :«خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».

10. قال الرضا (عليه السلام) :«ماء البئر واسع لا يفسده شيء، إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فينزح حتّى يذهب الريح ويطيب طعمه لأنّ له مادّة».

11. وقال الصادق (عليه السلام) :«كلّما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّراً فامضه ولا إعادة عليك».

12. وقال الصادق (عليه السلام) :«من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».

13. وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) :«متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة، إنّك لم تصلّها، أو في وقت فوتها إنّك لم تصلّها صلّيتها، وإن شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل، فلا إعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فإن استيقنت، فعليك أن تصلّيها في أيّ حالة كنت».

14. وقال الصادق (عليه السلام) :«ألا أجمع لك السهو كلّه في كلمتين: متى شككت فخذ بالأكثر».


(32)

15. وقال الصادق (عليه السلام) :«أدنى ما يقصر فيه المسافر بريدان أو بريد ذاهباً وبريد جائياً».

16. سئل أبو الحسن الرضا عن الخمس؟ قال:« فيما أفاد الناس من قليل أو كثير».

17. قال الصادق (عليه السلام) : «إذا قصّرت أفطرت وإذا أفطرت قصّرت».

18. وقال الصادق (عليه السلام) : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه».

19. وقال الصادق (عليه السلام) :«صم للرؤية وأفطر للرؤية وإيّاك والشك والظن، وإن خفي عليكم فأتموا الشهر الأوّل ثلاثين».

20. سئل الصادق (عليه السلام) عمّا تجب فيه الزكاة؟ قال:«في تسعة أشياء: في الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والبقر والغنم، وعفا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سوى ذلك...».

21. وقال الصادق (عليه السلام) :«المسلمون عند شروطهم، إلاّ شرط خالف كتاب اللّه فلا يجوز». وفي رواية أُخرى:«إلاّ شرط حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً».

22. وقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) :«كلّ مجهول فيه القرعة»، فقال الراوي: إنّ القـرعة تُخطئ وتُصيب. فقال:«كلّما حكم اللّه به فليس بمخطئ»، قال: وقال الصادق (عليه السلام) :«ما تقارع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللّه إلاّ خرج سهم المحقّ».

23. قال الصادق (عليه السلام) :«لا يكون الربا إلاّ فيما يكال أو يوزن، ومن أكله جاهلاً بتحريمه لم يكن عليه شيء».

24. سئل الصادق (عليه السلام) : عن القصار يفسد؟ فقال:«كلّ أجير يؤتى الأُجرة


(33)

على أن يصلح فيفسده فهو ضامن».

25. وقال علي (عليه السلام) :«إنّ الدين قبل الوصية، ثمّ الوصية على أثر الدين، ثمّ الميراث».

26. وقال الصادق (عليه السلام) :«ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع».

27. وقال الصادق (عليه السلام) :«لا يمين في معصية اللّه ولا في قطيعة رحم».

28. قال الصادق (عليه السلام) :«الشفعة جائزة في كلّ شيء».

29. وقال الصادق (عليه السلام) : «من أحيا أرضاً فهي له».

30. سئل الصادق (عليه السلام) : عن السواد (العراق) وما منزلته؟ قال:«هو لجميع المسلمين ممّن هو اليوم، وممّن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد».

31. وقال الصادق (عليه السلام) :«المسلم يُحجب الكافر ويرثه والكافر لا يحجب المسلم ولا يرثه».

32. وقال الصادق (عليه السلام) :«من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فله ميراثه، ومن أسلم وقد قسّم فلا ميراث».

33. قال الصادق (عليه السلام) :«لا ميراث للقاتل». سئل الصادق (عليه السلام) :المال لمن هو؟ للأقرب؟ أو للعصبة؟ قال:«المال للأقرب، والعصبة في فيه التراب».

34. وقال الصادق (عليه السلام) :«لا تشهد على شهادة حتّى تعرفها كما تعرف كفّك».

35. وقال (عليه السلام) :«ادرؤوا الحدود بالشبهات، ولا شفاعة ولا كفالة ولا يمين في حدّ».

36. عن الصادق (عليه السلام) : قال: «ما كان في الإنسان منه اثنان ففيه نصف الدية».


(34)

37. عن الصادق (عليه السلام) عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: السهو، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والطيرة، والحسد، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة».

38. عن الصادق (عليه السلام) قال:«أصحاب الكبائر إذا أُقيم عليهم الحدّ مرّتين قتلوا في الثالثة».

39. عن عليّ (عليه السلام) قال:«إنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يُفيق، وعن النائم حتّى يستيقظ».

40. وقال الصادق (عليه السلام) :«تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، ولا تجوز شهادة أهل الذمّة على المسلم».

هذه نماذج من جوامع كلمهم التقطناها من كتاب «الفصول المهمة في أُصول الأئمّة» تأليف شيخ المحدّثين محمد بن الحسن الحرّ العاملي (1033ـ 1104هـ)، ومن أراد التبسط فليرجع إلى ذلك الكتاب.

إنّ السياسة الزمنية حالت بين الأُمّة وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فجعلت المنح والرواتب لمن هو دونهم في العلم والفضل لأغراض سياسية، بل صار الرجوع إلى العترة في بعض الأحايين عملاً إجرامياً يؤاخذ المراجع في بعض الموارد.

فدع عنك نهباً صيح في حَجَراته *** ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

***

هذا بعض ما صار سبباً لمواجهة الصحابة والتابعين والفقهاء لموضوعات لم يوجد عندهم النصّ فيها، فعالجوها بقواعد خاصّة مع أنّ الشيعة الإمامية أغناهم


(35)

الرجوع إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) عن العمل بتلك القواعد، إذ وجدوا لها حلولاً في روايات العترة الطاهرة موصولة إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

نعم عالجوا ما لا نصّ فيه عندهم، بالأُصول العملية الأربعة الّتي كلّها مستفادة من الكتاب والسنّة. لكن مواردها ليست متوفرة.

ولأجل أنّ أصحابنا الإمامية قد بسطوا القول فيها فنقتصر بذكر شيء قليل منها إيقافاً للقارئ غير العارف، بمقاصدهم من هذه الأُصول.


(36)


(37)

الباب الأوّل
في الأُصول العملية الأربعة

1. أصالة البراءة

2. أصالة التخيير

3. أصالة الاحتياط

4. الاستصحاب


(38)


(39)

الأُصول العملية الأربعة
و
تحديد مجاريها

إنّ المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي تحصل له إحدى حالات ثلاث:

1. القطع، 2. الظن، 3. الشك.

فإن حصل له القطع فقد فرغنا عن حكمه في بابه، وانّه حجّة عقلية لا مناص من العمل على وفقه، وإن حصل له الظن فالأصل فيه عدم الحجّية إلاّ إذا دلّ الدليل القطعي على صحّة العمل به .

وإن حصل له الشكّ يجب عليه العمل وفق القواعد التي قررها العقل والنقل للشاك.(1)


1 . انّ تقسيم حال المكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعيّ إلى حالات ثلاث، تقسيم طبيعيّ، ولا يختص التقسيم الثلاثي بمورد التكليف بل كلّ موضوع وقع في أُفق الالتفات، فهو بين إحدى حالات ثلاث فمن قال بأنّ للمكلّف الملتفت إلى الحكم الشرعي إحدى حالات ثلاث فقد انطلق من هذا المنطَلق، واستلهم عن تلك القاعدة العامّة. فما أورده المحقّق الخراساني على التقسيم الثلاثي، من «إرجاعه إلى الثنائي من أنّ الظن بالحكم إن كان حجّة فهو ملحق بالقطع بالحكم (الظاهري) وإلاّ كان في حكم الشكّ، فليس هنا إلاّ القطع بالحكم أو الشكّ فيه» غفلة عن ملاك التقسيم الثلاثي وإن كان للثنائي منه أيضاً ملاك.


(40)

ثمّ إنّ المستنبط إنّما ينتهي إلى تلك القواعد التي تسمى بـ«الأُصول العملية» إذا لم يكن هناك دليل قطعي، كالخبر المتواتر، أو دليل علمي كالظنون المعتبرة التي دلّ على حجّيتها الدليل القطعي وتسمّى بالأمارات والأدلّة الاجتهادية، كما تسمّى الأُصول العملية، بالأدلة الفقاهية، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى الأُصول مع وجود الدليل.

وبذلك تقف على ترتيب الأدلّة في مقام الاستنباط، فالمفيد لليقين هو الدليل المقدّم على كلّ دليل، ويعقبه الدليل الاجتهادي ثمّ الأصل العملي.

إنّ الأُصول العملية على قسمين:

القسم الأوّل: ما يختصّ بباب دون باب، نظير:

أ: أصالة الطهارة المختصة بباب الطهارة والنجاسة.

ب: أصالة الحلّية المختصة بباب الشك في خصوص الحلال والحرام.

ج: أصالة الصحة المختصة بعمل صدر عن المكلّف وشُكّ في صحّته وفساده، سواء أكان الشكّ في عمل نفس المكلّف فيسمّى بقاعدة التجاوز والفراغ، أو في فعل الغير فيسمّى بأصالة الصحّة.

القسم الثاني: ما يجري في عامة الأبواب الفقهية كافة وهي حسب الاستقراء أربعة:

الأوّل: البراءة.

الثاني: التخيير.

الثالث:الاشتغال.

الرابع: الاستصحاب.

فهذه أُصول عامّة جارية في جميع أبواب الفقه، إنّما الكلام في تعيين مجاريها


(41)

وتحديد مجرى كلّ أصل متميّزاً عن مجرى أصل آخر، وهذا هو المهم في المقام، وقد اختلفت كلمتهم في تحديد مجاريها والصحيح ما يلي:

تحديد مجاري الأُصول

إنّ الشكّ إمّا أن يكون ملحوظاً فيه اليقين السابق عليه أو لا يكون. فالأوّل مورد الاستصحاب; والثاني إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً، أو لا; والثاني مورد التخيير، والأوّل إمّا أن يدلّ دليل عقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا; والأوّل مورد الاحتياط، والثاني مورد البراءة.

وعلى ذلك فقد عُيِّن مجرى كلّ أصل بالنحو التالي:

أ. مجرى الاستصحاب: أن تكون الحالة السابقة ملحوظة.

ب. مجرى التخيير: أن لا تكون الحالة السابقة ملحوظة وكان الاحتياط غير ممكن .

ج. مجرى الاشتغال: إذا أمكن الاحتياط ونهض دليل على العقاب لو خالف.

د. مجرى البراءة: إذا أمكن الاحتياط ولم ينهض دليل على العقاب بل على عدمه من العقل، كقبح العقاب بلا بيان، أو من الشرع كحديث الرفع.

وممّا ذكرنا يُعلم أنّ ما هو المعروف من أنّ الشكّ في التكليف مجرى البراءة غير تام بل مجرى البراءة عمّا لم ينهض فيه دليل على العقاب في صورة وجود التكليف، وإلاّ يجب الاحتياط وإن كان الشكّ في التكليف كما في الشكّ فيه قبل الفحص فيجب الاحتياط مع كون الشكّ في التكليف.

كما أنّ ما هو المعروف من أنّ الشكّ في المكلّف به ـ الذي هو عبارة عمّا إذا


(42)

علم نوع التكليف مع تردد المكلّف به بين أمرين، كالعلم بوجوب إحدى الصلاتين ـ مجرى الاحتياط غير تام، بل مجرى الاشتغال هو ما إذا أمكن الاحتياط ونهض دليل على العقاب لو خالف وإن كان نوع التكليف مجهولاً كما إذا علم بوجوب شيء أو حرمة شيء آخر، فالعلم بالالزام أي الجنس الجامع بين الوجوب والحرمة موجب للاحتياط لوجود الدليل على العقاب وإن كان نوع التكليف مجهولاً.

والحاصل: انّ ما ذكرنا من الميزان لمجرى البراءة والاشتغال أولى من جعل الشكّ في التكليف مجرى البراءة والشكّ في المكلّف به مجرى الاشتغال.

هذه هي الأُصول العملية الأربعة وهذه مجاريها على النحو الدقيق، وإليك البحث في كلّ من هذه الأُصول العملية الأربعة واحداً تلو الآخر.


(43)

الأصل الأوّل

أصالة البراءة

دلّت الأدلة على أنّ الوظيفة العملية فيما إذا أمكن الاحتياط ولكن لم ينهض دليل على العقاب ـ حسب تعبيرنا ـ أو إذا كان الشكّ في التكليف ـ حسب تعبير المشهور ـ هو البراءة وعدم وجوب الاحتياط، فلنذكر ما هو المهم من الأدلة روماً للاختصار:

الاستدلال بالكتاب

1. التعذيب فرع البيان

دلّت آيات الذكر الحكيم على أنّه سبحانه لا يعذِّب قوماً على تكليف إلاّ بعد بعث الرسول الذي هو كناية عن بيان التكليف، وقد تواتر ذلك المضمون في الآيات الكريمة نذكر منها ما يلي:

1. قال سبحانه: (فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عليها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى وَما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتّى نَبْعَث رَسُولاً).(1)


1 . الإسراء:15.


(44)

2. وقال تعالى: (وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمّها رَسولاً يَتْلُوا عَليهِمْ آياتنا وَما كُنّا مهْلكي القُرى إِلاّ وَأَهلها ظالِمُون) .(1)

والاستدلال بالآيتين مبني على أمرين:

الأوّل: انّ صيغة «وما كنّا » أو «وما كان» تستعمل في إحدى معنيين: إمّا نفي الشأن والصلاحية لقوله تعالى: (وَما كانَ اللّه ليضيعَ إِيمانكُمْ إِنَّ اللّه بِالنّاسِ لَرؤوف رَحيم)(2) ، أو نفي الإمكان كقوله تعالى: (وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تَموتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّه كِتاباً مُؤْجلاً) .(3)

الثاني: انّ بعث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كناية عن إتمام الحجّة على الناس، وبما انّ الرسول أفضل واسطة للبيان والإبلاغ أُنيط التعذيب بالرسول، وإلاّيصحّ العقاب ببعث غيره أيضاً لوحدة المناط وحصول الغاية المنشودة.

وعلى ضوء ذلك: فلو لم يبعث الرسول بتاتاً، أو بعث ولم يتوفق لبيان الأحكام أبداً، أو توفق لبيان البعض دون البعض الآخر، أو توفق للجميع لكن حالت الحواجز بينه و بين بعض الناس، لقبح العقاب إلاّ من وصل إليه التكليف، وذلك لاشتراك جميع الصور في عدم تمامية الحجة.

والمكلف الشاك في حكم من الأحكام كالحرمة والوجوب من مصاديق القسم الأخير، فإذا لم يصل إليه البيان لا بالعنوان الأوّلي ولا بالعنوان الثانوي كإيجاب الاحتياط، ينطبق عليه قوله سبحانه: (وَما كُنّا مُعذّبين حَتّى نَبْعَث رَسُولاً) أي نُبيّن الحكم والوظيفة.


1 . القصص:59.
2 . البقرة:143.
3 . آل عمران: 145.


(45)

ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يعلّق إهلاك القرية على وجود المنذر ويقول: (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرية إِلاّولَها منذرون) .(1)هذا كلّه حول الآيتين الأُوليين.

3. وقال سبحانه: (وَلَو أَنَّا أَهلكناهُم بِعَذاب مِنْ قَبلهِ لَقالُوا رَبّنا لَولا أَرسلتَ إِلينا رَسُولاً فَنَتّبع آياتك مِنْ قَبل أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) .(2)

4. وقال سبحانه: (وَلَولا أَنْ تصيبهُمْ مُصيبة بِما قَدَمت أَيديهِمْ فَيَقُولُوا ربّنا لَولا أَرسَلت إِلينا رَسُولاً فَنَتَّبع آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين).(3)

والاستدلال بهما مبني على أنّه سبحانه استصوب منطق المجرمين ، وهو انّ التعذيب قبل البيان قبيح، فأرسل الرسل لإفحام المشركين ودحض حجتهم يوم القيامة، فلو كان منطقهم ـ عند عدم البيان ـ منطقاً، زائفاً كان عليه سبحانه نقض منطقهم ببيان انّ التعذيب صحيح مطلقاً مع أنّا نرى أنّه سبحانه استصوبه وأرسل الرسل لإتمام الحجّة.

2. الإضلال فرع البيان

قال سبحانه:(وَما كانَ اللّه ليُضلّ قوماً بَعْدَ إذ هَداهُم حتّى يُبيّنَ لَهُم ما يتقون إِنَّ اللّه بكُلِّ شيء عَليم) .(4)

وجه الاستدلال: انّ التعذيب من آثار الضلالة، والضلالة معلَّقة على بيان التكليف في الآية، فيكون التعذيب معلَّقاً عليه، فينتج انّه سبحانه لا يعاقب إلاّ بعد بيان ما يجب العمل أو الاعتقاد به.


1 . الشعراء:208.
2 . طه:134.
3 . القصص: 47.
4 . التوبة: 115.


(46)

فإن قلت: ما هو المراد من إضلاله سبحانه، فإنّ الإضلال أمر قبيح فكيف نسب إلى اللّه سبحانه؟

قلت: إنّ الإضلال يقابل الهداية، وهي على قسمين، فيكون الإضلال أيضاً مثلها.

توضيحه: انّ للّه سبحانه هدايتين:

هداية عامّة تعمّ جميع الناس من غير فرق بين إنسان دون إنسان حتى الجبابرة والفراعنة، وهي تتحقق ببعث الرسل وإنزال الكتب ودعوة العلماء إلى بيان الحقائق، مضافاً إلى العقل الذي هو رسول باطني، وإلى الفطرة التي تسوق الإنسان إلى فعل الخير.

وهداية خاصّة وهي تختص بمن استفاد من الهداية الأُولى، فعندئذ تشمله الألطاف الإلهية الخفية التي نعبر عنها بالهداية الثانوية أو الإيصال إلى المطلوب.

قال سبحانه: (وَالّذينَ اهتَدُوا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) .(1)

وقال تعالى: (وَالّذينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنا) .(2)

وأمّا إذا لم يستفد من الهداية الأُولى، فلا يكون مستحقاً للهداية الثانية، فيضلّ بسبب سوء عمله، فإضلاله سبحانه، كناية عن الضلال الذي اكتسبه بعمله بالإعراض من الاستضاءة بالهداية الأُولى.

قال سبحانه: (فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلوبَهُمْ وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوم الفاسِقين)(3) فإضلاله سبحانه كإزاغته نتيجة زيغهم وإعراضهم وكِبْرهم وتولّيهم عن الحقّ.


1 . محمد: 17.
2 . العنكبوت:69.
3 . الصف: 5.


(47)

وبذلك يظهر مفاد كثير من الآيات التي تنسب الضلالة إلى اللّه سبحانه، فالمراد هو قبض الفيض لأجل تقصير العبد لعدم استفادته من الهداية الأُولى، فيصدق عليه انّه أضلّه اللّه سبحانه . قال سبحانه: (إِنَّ اللّه لا يَهدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّاب)(1)أي يضلّه لأنّه مسرف كذّاب (لم يهتد بالهداية الأُولى فأسرف وكذّب) فاستحق قبض الفيض وعدم شمول الهداية الخاصة له.

وفي آية أُخرى (كَذلِكَ يُضِلُّ اللّه مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرتاب) (2) فقوله: (يضلّ اللّه من هو مسرف مرتاب) في هذه الآية هو نفس قوله: (لا يهدي القوم الفاسقين)في الآية السابقة فكلاهما يرميان إلى معنى واحد وهو عدم الهداية لقبض الفيض لعدم قابليته للهداية الثانوية لأجل إسرافه وكذبه وارتيابه.

إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات وهناك آيات أُخر تدلّ على براءة المكلّف عند الشك في الحكم الشرعي تركنا البحث فيها روماً للاختصار.

الاستدلال بالسنّة

1. حديث الرفع

روى الصدوق في «التوحيد» و«الخصال» عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون ومالا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة».(3)


1 . غافر:28.
2 . غافر: 34.
3 . الوسائل: 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1.


(48)

ورواه محمد بن أحمد النهدي مرفوعاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «وضع عن أُمّتي تسع خصال: الخطأ، والنسيان، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه، والطيرة، والوسوسة في التفكّر في الخلق، والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد».(1)

ورواة الحديث الأُولى كلهم ثقات، والرواية صحيحة.

وأمّا أحمد بن محمد بن يحيى، فهو وإن لم يوثق ظاهراً، ولكن المشايخ أرفع من التوثيق، فهو من مشايخ الصدوق، فهو ثقة قطعاً.

نعم الرواية الثانية مرفوعة، مضافاً إلى أنّ محمد بن أحمد النهدي مضطرب فيه، كما ذكره النجاشي في ترجمته.

وتوضيح الاستدلال رهن بيان أُمور:

1. انّ الفرق بين الرفع والدفع هو انّ الأوّل عبارة عن إزالة الشيء بعد وجوده وتحقّقه، كما أنّ الثاني عبارة عن المنع عن تقرر الشيء وتحقّقه بعد وجود مقتضيه، يقول سبحانه: (اللّهُ الَّذي رَفَعَ السَّموات بِغَيرِ عَمَد تَرَونَها) (2)، فكانت السماء والأرض ملتصقتين فأزالها عن مكانها. ويقول سبحانه:

(إِنَّ عَذابَ رَبّكَ لَواقِع * مالهُ مِنْ دافِع) (3)، أي ما له من شيء يمنع عن تحقّقه بعد تعلّق إرادته بالوقوع.

وعلى ذلك فاستعمال الرفع في المقام لأجل تحقّق هذه الأُمور التسعة في صفحة الوجود، فتعلّق الرفع بها باعتبار كونها أُموراً متحقّقة.


1 . الوسائل: 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3.
2 . الرعد:2.
3 . الطور: 7ـ8.


(49)

نعم رفع هذه الأُمور التسعة ـ بعد تحقّقها ـ رفع ادّعائي باعتبار رفع آثارها، فتعلّقت الإرادة الاستعمالية برفع نفس هذه الأُمور التسعة المتحقّقة، وتعلّقت الإرادة الجدية برفع آثارها.

2. انّ نسبة الرفع إلى هذه التسعة مع وجودها يحتاج إلى مصحّح ومسوّغ وإلاّ يلزم الكذب، وليس الحديث متفرداً في هذا الباب، بل له نظائر، مثل قوله: «لا ضرر ولا ضرار»، «لا طلاق إلاّعلى طهر» ، «لا رضاع بعد فطام»، «لا رهبانية في الإسلام»، فمع أنّ هذه الأُمور التي دخلت عليها «لا» النافية، موجودة متحقّقة في صحيفة الوجود لكن الشارع أخبر عن عدمها، والمصحّح لهذا الإخبار هو سلب آثارها، مثلاً لا يترتب على الرضاع بعد الفطام أثر الرضاعة وهكذا، وعلى ذلك فيلزم تعيين ما هو الأثر المسلوب في هذه التسعة خصوصاً قوله:«ما لا يعلمون» وهذا هو المهم في المقام.

3. انّ لفظة «ما» في قوله:«ما لا يعلمون» موصولة تعمّ الحكم و الموضوع المجهولين، لوضوح انّه إذا جهل المكلّف بحكم التدخين، أو جهل بكون المايع الفلاني خلاً أو خمراً ، صدق على كلّ منهما أنّه من «مالا يعلمون»، فيكون الحديث عاماً حجّة في الشبهة الحكمية و الموضوعية معاً.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ الرفع ـ كما عرفت ـ رفع تشريعي، و المراد منه رفع الموضوع بلحاظ رفع أثره، فحينئذ يقع الكلام في تعيين ما هو الأثر المسلوب الذي صار مصحِّحاً لنسبة الرفع إليها، فهنا أقوال ثلاثة:

1. المرفوع هو المؤاخذة .

2. المرفوع هو الأثر المناسب لكلّ واحد من تلك الفقرات، كالمضرّة في الطيرة، والكفر في الوسوسة.

3. المرفوع هو جميع الآثار أو الآثار البارزة.


(50)

والظاهر هو الأخير، لوجهين:

الأوّل: أنّه مقتضى الإطلاق وعدم التقييد بشيء من المؤاخذة والأثر المناسب.

الثاني: أنّ فرض الشيء مرفوعاً في لوح التشريع ينصرف إلى خلوّه عن كلّ أثر وحكم، أو عن الآثار البارزة له.(1) فلو كان البعض مرفوعاً دون البعض، فلا يطلق عليه أنّه مرفوع.

وإن شئت قلت: إنّ وصف الشيء بكونه مرفوعاً في صفحة التشريع إنّما يصحّ إذا كان الشيء فاقداً للأثر مطلقاً فيصحّ للقائل أن يقول بأنّه مرفوع، وإلاّ فلو كان البعض مرفوعاً دون بعض لا يصحّ ادّعاء كونه مرفوعاً، من غير فرق بين الآثار التكليفية كحرمة شرب الخمر ووجوب جلد الشارب إذا كان الشارب جاهلاً بالحرمة، أو الوضعية كالجزئية والشرطية عند الجهل بحكم الجزء والشرط أو نسيانهما وكالصحة في العقد المكره.

ويؤيد عموم الآثار ما رواه البرقي، عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي جميعاً، عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يُستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك أيلزمه ذلك؟ فقال: «لا، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : وضع عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه وما لم يطيقوا وما أخطأوا».(2)

وقد تمسّك الإمام بالحديث على بطلان الطلاق ورفع الصحة، فيكشف عن أنّ الموضوع أعم من المؤاخذة والحكم التكليفي والوضعي.


1 . كما في قول الإمام علي (عليه السلام) : «يا أشباه الرجال ولا رجال» هذا إذا كان الأثر منقسماً إلى بارز و غيره، وأمّا إذا كان الجميع على حد سواء، فالمرفوع هو جميع الآثار كما في المقام.
2 . الوسائل: 16، الباب 12من أبواب الأيمان، الحديث 12، نقلاً عن المحاسن.


(51)

تنبيه

المراد من الآثار الموضوعة، هي الآثار المترتبة على المعنون، أي ما يعرضه الخطأ، أو النسيان، أو الجهل، مثلاً إذا نسي السورة أو غيرها من أجزاء الصلاة فمعنى رفعها رفع وجوبها الضمني، وأمّا الآثارالمترتبة على نفس تلك العنوانات العارضة في هذه الظروف فلا ترتفع كسجدتي السهو عند نسيان الأجزاء، لأنّ هذه الآثار أثر نفس العنوانات، فلا يكون طروء الخطأ رافعاً للحكم المترتّب على نفس الخطأ في لسان الدليل.

و مثله النسيان، و إنّما تكون تلك العنوانات سبباً لرفع الآثار المترتبة على معروض النسيان و الخطأ، و لأجل ذلك لو قتل خطأ فالقصاص ساقط وأمّا الدية فلا، لأنّ القصاص مترتب على نفس القتل، بصورة الإطلاق، قال سبحانه: (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بالسِّنِّ و الْجُرُوحَ قِصاص)(1) ويقيّد بغير الخطأ، وأمّا الدية فغير مرفوعة، لأنّها أثر مترتب على عنوان الخطأ في ظرفه فلا يحكم برفعها، قال سبحانه: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خطأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ). (2)

2. مرسلة الصدوق

روى الصدوق مرسلاً في «الفقيه» و قال: قال الصادق (عليه السلام) : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي».(3)

والحديث و إن كان مرسلاً، و لكن الصدوق يُسنده إلى الإمام الصادق (عليه السلام)


1 . المائدة:45.
2 . النساء:92.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.


(52)

بصورة جازمة، و يقول: قال الصادق (عليه السلام) ، و هذا يعرب عن يقينه بصدور الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، نعم لو قال رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) كان الاعتماد على مثله مشكلاً.

أمّا كيفية الاستدلال: فقد دلّ الحديث على أنّ الأصل في كلّ شيء هو الإطلاق والإرسال حتى يرد فيه النهي بعنوانه، فإنّ الضمير في قوله: «يرد فيه» يرجع إلى الشيء بما هوهو، كأن يقول: الخمر حرام، أو الرشوة حرام، فما لم يرد النهي عن الشيء بعنوانه يكون محكوماً بالإطلاق والإرسال، وبما أنّ التدخين مثلاً لم يرد فيه النهي بعنوانه الأوّلي فهو مطلق، و على هذا فلا يكفي في رفع الإطلاق ورود النهي بعنوانه الثانوي كأن يقول: إذا شككت فاحتط، بل هو باق على إطلاقه حتى يرد النهي فيه بالعنوان الأوّلي، فتكون الشبهات البدوية ـ التي لم يرد النهي فيها بعنوانها الأوّلي ـ محكومة بالإطلاق والحليّة.

إلى هنا تمّ الاستدلال على البراءة بالكتاب العزيز و السنّة المطهّرة، بقي الكلام في الاستدلال عليها بالعقل.

الاستدلال بحكم العقل

استدلّ القائل بالبراءة بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان واصل إلى المكلف بعد إعمال العبد ما تقتضيه وظيفتُه من الفحص عن حكم الشبهة واليأس عن الظفر به في مظانّه، وانّ وجود التكليف ـ في الواقع ـ مع عدم وصوله إلى المكلّف غير كاف في صحّة التعذيب، وانّ وجوده بلا وصول إلى المكلّف كعدمه في عدم ترتب الأثر، وذلك لأنّ فوت المراد مستند إلى المولى في كلتا الصورتين التاليتين:


(53)

1. ما إذا لم يكن هناك بيان أصلاً فحاله معلوم.

2. ما إذا كان هناك بيان صادر من المولى لكنّه غير واصل إلى العبد، فلأنّ الفوت أيضاً مستند إلى المولى، إذ في وسعه إيجاب الاحتياط على العبد، في كلّ ما يحتمل وجود التكليف، ومع تركه يكون ترك المراد مستنداً إلى المولى، وذلك لأنّه اقتصر في طلب المقصود، بالحكم على الموضوع بالعنوان الواقعي، ولو كان مريداً للتكليف حتى في ظرف الشك فيه وعدم الظفر به بعد الفحص، كان عليه استيفاء مراده بإيجاب التحفّظ، ومع عدمه يحكم العقل بالبراءة وانّ العقاب قبيح، ويشكَّل قياساً بالشكل التالي:

العقاب على محتمل التكليف ـ بعد الفحص التام وعدم العثور عليه في مظانّه لا بالعنوان الأوّلي ولا بالعنوان الثانوي ـ عقاب بلا بيان.

والعقاب بلا بيان مطلقاً أمر قبيح.

فينتج انّ العقاب على محتمل التكليف أمر قبيح.

الإشكال على كبرى البرهان

ثمّ إنّ السيد الشهيد الصدر (قدس سره) استشكل على كبرى هذا البرهان وأنكر قبح العقاب بلا بيان بتأسيس مسلك «حق الطاعة للّه سبحانه»، فقال:

والذي ندركه بعقولنا أنّ مولانا سبحانه وتعالى، له حقّ الطاعة في كلّ ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع أو بالظن أو بالاحتمال، ما لم يرخص هو نفسه في عدم التحفّظ.

وعلى ذلك فليست منجّزية القطع ثابتة له بما هو قطع، بل بما هو انكشاف، وانّ أيّ انكشاف، منجِّز، مهما كانت درجته ما لم يحرز ترخيص الشارع نفسه في عدم الاهتمام به .


(54)

نعم كلّما كان الانكشاف بدرجة أكبر كانت الإدانة وقبح المخالفة أشد، فالقطع بالتكليف يستتبع لا محالة مرتبة أشدّ من التنجز والإدانة، لأنّها المرتبة العليا من الانكشاف، وبهذا يظهر انّ القطع لا يتميز عن الظن والاحتمال في أصل المنجزية، وإنّما يتميز عنهما في عدم إمكان تجريده عن تلك المنجزية (بأن يرخص على خلاف ما قطع)، لأنّ الترخيص في مورده مستحيل، وليس كذلك في حالات الظن والاحتمال، فإنّ الترخيص الظاهري فيها ممكن، لأنّه لا يتطلب أكثر من فرض الشك، والشكّ موجود.

ومن هنا صحّ أن يقال بأنّ منجزية القطع غير معلقة، بل ثابتة على الإطلاق، وانّ منجزية غيره من الظن والاحتمال معلّقة، لأنّها مشروطة بعدم إحراز الترخيص الظاهري في ترك التحفظ.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ القول بأنّ احتمال التكليف منجِّز للواقع عند العقل وإن لم يستوف المولى البيان الممكن غير تام، وذلك لأنّ الاعتمادَ في التعذيب والمؤاخذة على مثل هذا الحكم العقلي، إنّما يصحّ إذا كان ذلك الحكم من الأحكام العقلية الواضحة لدى العقلاء حتى يعتمد عليه المولى سبحانه في التنجيز والتعذيب ولكن المعلوم خلافها، إذ لو كان حكماً واضحاً لما أنكره العلماء.

وثانياً: أنّ اتّفاق العقلاء على قبح العقاب بلا بيان نابع عن حكم العقل بأنّ العبد إذا قام بوظيفته في الوقوف على مقاصد المولى ولم يجد بياناً بأحد العنوانين، يُعدُّ العقاب بحكم وحي الفطرة أمراً قبيحاً وإلاّيعود بناء العقلاء إلى أمر تعبدي وهو كما ترى.

وثالثاً: انّ الظاهر من الذكر الحكيم كون المسألة من الأُمور الفطرية حيث


1 . دروس في علم الأُصول: الحلقة الثانية:32ـ 33.


(55)

يستدلُّ بها الوحي على الناس ويقول: (وَما كُنّا مُعَذّبين حتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (1) ، ويذكر في آية أُخرى انّه سبحانه أبطل ببعث الرسل، حجّة الكفّار والعصاة حيث قال: (وَلَو أَنّا أَهلكناهُم بِعذاب من قبلهِ لقالُوا ربّنا لولا أرْسَلْت إِلينا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) (2) . فتبين بذلك انّ الكبرى من الأحكام الواضحة لدى العقل والعقلاء بشرط التقرير على نحو ما ذكرناه.

الإشكال على صغرى البرهان

قد عرفت حال الإشكال على الكبرى، ولكنّ هناك إشكالاً آخر يتوجه إلى الصغرى تعرّض إليه المحقّقون، وحاصل الإشكال انّه يكفي في مقام البيان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، الموجود في مورد الشبهة التحريمية الحكمية، ويكون شكل القياس بالنحو التالي:

في المشتبه التحريمي ضرر محتمل.

وكل ما فيه ضرر محتمل يلزم تركه.

فينتج المشتبه التحريمي يجب تركه.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من الضرر في القاعدة أحد الأُمور الثلاثة:

أ. العقاب الأُخروي.

ب. الضرر الدنيوي الشخصي.

ج. المصالح والمفاسد الاجتماعية.

أمّا الأوّل: أي العقاب الأُخروي فهو بين قطعيّ الإحراز، وقطعيّ الانتفاء، وليس هنا ضرر محتمل; فالأوّل كما في مورد العلم الإجمالي بحرمة أحد الأمرين أو


1 . الاسراء: 15.
2 . طه:134.


(56)

وجوبه، فينطبق الكبرى على الصغرى، ولذلك أطبق العلماء على وجوب الموافقة القطعية.

وأمّا الثاني: أي قطعي الانتفاء كما في المقام، فانّ الضرر بمعنى العقاب قطعي الانتفاء بحكم العقل على قبح العقاب بلا بيان، ومع العلم بعدمه لا يصحّ الاحتجاج بالكبرى المجردة عن الصغرى، وبذلك يعلم أنّه لا تعارض بين الكبريين «قبح العقاب بلا بيان»و «وجوب دفع الضرر المحتمل» وانّ لكلّ موضعاً خاصاً، فمورد الأُولى هو الشبهة البدوية، كما أنّ موضع الثانية إنّما هو صورة العلم بالتكليف إجمالاً أو تفصيلاً.

هذا كلّه حول العقاب الأُخروي، وأمّا الضرر الدنيوي الشخصي فالإجابة عنه واضحة، لأنّ الأحكام الشرعية لا تدور مدار الضرر أو النفع الشخصيين حتى يكون احتمال الحرمة ملازماً لاحتمال الضرر الشخصي على الجسم والروح، بل الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد نوعية، وربما تكمن المصلحة النوعية في الضرر الشخصي كما في ترك الربا وترك الظلم على الناس.

نعم ربما يجتمع الضرر الشخصي مع المفسدة النوعية كشرب المسكر لكنّه ليس ضابطة كلية.

سلّمنا انّ في ارتكاب المشتبه احتمالَ ضرر دنيوي لكن إنّما يجب دفعه إذا لم يكن في تجويز الارتكاب مصلحة كما هو المقام، لأنّ في الترخيص دفعَ عسر الاحتياط.

وأمّا الثالث: أي المصالح والمفاسد النوعية، فحكم الشارع بالبراءة يكشف عن أحد الأمرين: إمّا عدم الأهمية، وإمّا لوجود المصلحة الغالبة على المفسدة الحاصلة.


(57)

الأصل الثاني

أصالة التخيير

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: انّ الميزان في جريان أصالة التخيير هو عدم إمكان الاحتياط، أعني الموافقة القطعية، سواء أكانت المخالفة القطعية أيضاً ممتنعة كما في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة في واقعة واحدة، كشرب مائع مردد بين الحلف على فعله أو تركه في ليلة واحدة، أو كانت ممكنة كتردده بينهما مع تعدد الواقعة ككل ليلة جمعة إلى شهر.

الثاني: انّ دوران الأمر بين المحذورين يجتمع تارة مع الشكّ في التكليف إذا كان نوعه مجهولاً، ومع الشكّ في المكلف به إذا كان نوعه معلوماً والمتعلّق مردداً بين أمرين غير قابلين للاحتياط:

أمّا الأوّل: كتردد العبادة في أيام الاستظـهار بين كونها واجبة أو محرمة، فهنا تكليف واحد مجهول نوعه، فلو كانت المرأة حائضاً فنوع التكليف هو الحرمة ولو كانت مستحاضة فنوع التكليف هو الوجوب.

وأمّا الثاني: كما إذا علم أنّ واحدة من الصلاتين واجبة وأُخرى محرمة، وتردد أمرهما بين الظهر والجمعة، فالنوع هنا معلوم، وهو انّ هنا واجباً ومحرماً، غير أنّ


(58)

الموضوع مردد بين الجمعة والظهر، فالجامع لكلا القسمين عدم إمكان الموافقة القطعية.

الثالث: انّ الكلام يقع في مقامات ثلاثة:

أ. دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع التكليف التوصلي.

ب. دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع التكليف التعبدي.

ج. دوران الأمر بين المحذورين مع العلم بنوع التكليف والشكّ في المكلّفبه.

وإليك الكلام في كلّ واحد منها.

المقام الأوّل: دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع الحكم التوصلي

إذا دار أمر التكليف بين المحذورين، كما إذا علم إجمالاً بوجوب قتل إنسان أو حرمته، ومنشأ التردد كونه مجهول الهوية، فهو دائر بين كونه مؤمناً أو محارباً; فعلى الأوّل يحرم قتله، وعلى الثاني يجب، فأمر القتل دائر بين الحرمة والوجوب، ولكن الحكم الواقعي ـ الأعم من الوجوب والحرمة على فرض ثبوته ـ، توصلي.

هذا فيما إذا كانت الشبهة موضوعية، وربما تكون الشبهة حكمية كالولاية عن الجائر لدفع الظلامة عن الناس، فقالت طائفة بالحرمة، لأنّها إعانة للظالم، وأُخرى بالوجوب، لأنّ فيها التمكّن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب المقدرة.

لا شكّ انّ المخالفة والموافقة القطعيتين غير ممكنة والمكلّف مخيّـر تكويناً بين الفعل والترك، لكن يقع الكلام في الحكم الظاهري والأصل الجاري في المقام. والظاهر انّ المقام محكوم بالبراءة العقلية والنقلية.


(59)

أمّا الأوّل: فلأنّ كلاًّ من الوجوب والحرمة مجهولان فيقبح المؤاخذة عليهما.

وأمّا الثاني: فلعموم قوله: رفع عن أُمّتي مالا يعلمون.

المقام الثاني: دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع التكليف التعبدي

إذا كان أحد الحكمين أو كلاهما تعبديّين كصلاة المرأة في أيام الاستظهار، فلو كانت حائضاً حرمت العبادة حرمة توصلية، وأمّا إذا كانت طاهراً وجبت الصلاة وجوباً تعبدياً، فلا تجري هنا البراءتان العقلية والنقلية لاستلزام الجريان المخالفة القطعيّة، للفرق بين المقام و ما قبله، ففي المقام السابق كانت الموافقة القطعيةَ كالمخالفة القطعية ممتنعة، وأمّا في المقام فالموافقة القطعية وإن كانت ممتنعة لكن المخالفة القطعية ممكنة، فلو صلت بلا نيّة القربة معتمدة على جريان البراءة من الوجوب والحرمة، فقد أتت بالمبغوض، إذ لو كانت طاهرة فصلاتها باطلة، ولو كانت حائضاً فقد ارتكبت الحرام بناء على أنّ صورة العبادة محرمة عليها.

فالمرجع هو أصالة التخيير إمّا الإتيان بالصلاة مع قصد القربة أو تركها أصلاً، والميزان في جريان أصالة التخيير هو امتناع الموافقة القطعية، سواء أمكنت المخالفة القطعية كما في المقام، أو لا كما في المقام السابق.

المقام الثالث: دوران الأمر بين المحذورين مع الشكّ في المكلّف به

إنّ أصالة التخيير بملاك عدم إمكان الموافقة القطعية كما تجري في الشك في التكليف كما في الصورتين السابقتين، كذلك تجري في الشكّ في المكلّف به كما في المقام، مثلاً:


(60)

1. إذا علم أنّ أحد الفعلين واجب والآخر حرام في زمان معيّن واشتبه أحدهما بالآخر، فهو مخيّـر بين فعل أحدهما وترك الآخر، لأنّ الموافقة القطعية غير ممكنة، نعم ليس له ترك كليهما أو فعل كليهما، إذ تلزم فيه المخالفة القطعية.

2. إذا علم بتعلّق الحلف بإيجاد فعل في زمان، وترك ذاك في زمان آخر، واشتبه زمان كلّ منهما كما إذا حلف بالإفطار في يوم، والصيام في يوم آخر، فاشتبه اليومان فهو مخيّـر بين الإفطار في يوم، والصيام في يوم آخر، لكن ليس له المخالفة القطعية كأن يصومهما أو يفطر فيهما.

نعم لا تجري أصالة التخيير فيما إذا دار أمر شيء بين كونه شرطاً للصحّة أو مانعاً كالجهر، وذلك لأنّ الموافقة القطعية بإقامة صلاة واحدة وإن كانت غير ممكنة لكنّها ممكنة بإقامة صلاتين يجهر في إحداهما ويخافت في الأُخرى.

وقد عرفت أنّ الملاك لجريان أصالة التخيير امتناع الموافقة القطعية وهو ليس بموجود في هذا المورد.

هذا كلّه في دوران الأمر بين المحذورين عند عدم النص و نظيره إجمال النصّ، و تعارض النصّين أو الشبهة الموضوعية التحريمية، فالحكم في الجميع واحد، وقد استقصينا الكلام في هذه الصور في «الموجز».

فخرجنا بالنتائج التالية:

1. انّ الميزان في جريان أصل التخيير عدم إمكان الموافقة القطعية سواء أمكنت المخالفة القطعية أو لا.

2. انّ المكلّف في المقام الأوّل مخيّر تكويناً، والحكم الظاهري هو البراءة، بخلاف المقامين الأخيرين فالحكم الظاهري فيهما هو التخيير.


(61)

الأصل الثالث

أصالة الاحتياط

قد تقدّم في الفصل الأوّل مجرى الاحتياط وهو ما إذا قام دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع، وله صور أربع:

أ. الشبهة التكليفية قبل الفحص.

ب. الشبهة البدوية ولكن كان للمحتمل أهمية بالغة، كما في الدماء والأعراض والأموال.

ج. إذا دار الأمر بين وجوب فعل وترك فعل آخر.

د. إذا علم نوع التكليف وتردّد الواجب بين أمرين، كتردد الفريضة بين الظهر والجمعة، والخمر بين الإناءين. والثلاثة الأُول من قبيل الشك في التكليف مع وجوب الاحتياط فيها، والرابع من قبيل الشكّ في المكلّف به.

ومن هنا علم أنّ مجرى أصالة الاحتياط أعمّ من الشكّ في المكلّف به، والميزان قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجود العقاب عند المخالفة والجميع داخل تحت هذا العنوان، وبما انّ حكم الصور الثلاث الأُول واضحة، نكرس البحث في الصورة الرابعة، أي الشكّ في المكلّف به، والكلام فيه في مقامين:

1. اشتباه الحرام بغير الواجب، ويعبّر عنه بالشبهة التحريمية.

2. اشتباه الواجب بغير الحرام ، ويعبّر عنه بالشبهة الوجوبية.

وإليك الكلام في كلا المقامين:


(62)

المقام الأوّل

أصالة الاحتياط

الشبهة التحريمية

الشبهة التحريمية على قسمين: لأنّ الحرام المشتبه بغيره إمّا مشتبه في أُمور محصورة أو غير محصورة، فيقع الكلام في هذا المقام في موردين:

المورد الأوّل: حكم الشبهة المحصورة

إذا علم المكلّف بتكليف(الحرمة) على وجه لا يرضى المولى بمخالفته، فلا محيص عن وجوب الموافقة القطعية، فضلا ًعن حرمة المخالفة القطعية، سواء أكان العلم إجمالياً أم تفصيلياً، فالبحث عن إمكان جعل الترخيص لبعض الأطراف أو لجميعها مع العلم الوجداني بالتكليف الجدي تهافت، لاستلزامه اجتماع الإرادتين المتضادتين، وهذا كمثل قتل المؤمن إذا اشتبه بغيره، وهذا النوع من العلم الإجمالي غير مراد في المقام.

وأمّا المناسب للمقام، فهو ما إذا قامت الأمارة على حرمة شيء وشمل إطلاق الدليل مورد العلم الإجمالي، كما إذا قال: اجتنب عن النجس، وكان مقتضى إطلاقه شموله للنجس المعلوم إجمالاً أيضاً، فيقع الكلام في أنّه هل يجوز


(63)

المخالفة الاحتمالية أو لا؟

وعلى هذا يقع الكلام في أمرين:

الأول: إمكان الترخيص.

الثاني: في وقوعه في الشريعة المطهرة.

الأوّل: إمكان الترخيص

فالحقّ إمكانه لأنّك عرفت أنّ ما لا يقبل الترخيص هو العلم الوجداني بالتكليف وهو الذي لا يجتمع مع الترخيص لاستلزامه اجتماع الإرادتين المتناقضتين.

وأمّا لو كان سبب العلم بالتكليف هو إطلاق الدليل ـ أعني:(إِنّما الخَمْرُ وَالْمَيْسِر وَالانْصاب وَالازْلام رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطان فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)(1) ـ الشامل للصور الثلاث.

أ. المعلوم تفصيلاً.

ب. المعلوم إجمالاً.

ج. المشكوك وجوداً مع وجوده واقعاً.

فكما يصحّ تقييد إطلاقه بإخراج المشكوك وجعل الترخيص فيه، فهكذا يجوز تقييد إطلاقه بإخراج صورة المعلوم بالإجمال، فتكون النتيجة اختصاص حرمة الخمر بصورة العلم به تفصيلاً، فالشكّ في إمكان التقييد كأنّه شكّ في أمر بديهي، إنّما الكلام في الأمر الثاني.


1 . المائدة:90.


(64)

الثاني: في ورود الترخيص في لسان الشارع

وهذا هو الأمر المهم في هذا الباب، والمتتبع للروايات وفتاوى العلماء يقف على عدم ورود الترخيص لبعض الأطراف، فكيف بجميعها.

نعم ربما استدلّ ببعض الروايات على جعل الترخيص نذكر منها ما يلي:

الأوّل: قوله «كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه» بناء على أنّ قوله«بعينه» تأكيد للضمير في قوله: «انّه» فيكون المعنى حتى تعلم أنّه بعينه حرام، فيكون مفاده انّ محتمل الحرمة مالم يتعين انّه بعينه حرام فهو حلال فيعم العلم الإجمالي والشبهة البدوية.

يلاحظ عليه: بأنّ الرواية جزء من رواية مسعدة بن صدقة، والإمعان في الأمثلة الواردة فيها يورث اليقين بأنّ موردها هو الشبهة البدوية ولا صلة لها بأطراف العلم الإجمالي.

الثاني: ما رواه عبد اللّه بن سنان، عن عبد اللّه بن سليمان، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن، فقال لي: «لقد سألتني عن طعام يُعجبني» ثمّ أعطى الغلام درهماً، فقال: «يا غلام ابتع لنا جبناً»، ثمّ دعا بالغداء، فتغدّينا معه، فأتى بالجبن فأكل وأكلنا، فلمّا فرغنا من الغذاء، قلت: ما تقول في الجبن... إلى أن قال:« سأخبرك عن الجبن وغيره، كلّما كان فيه حلال وحرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه».(1)

وربّما يستدلّ به على جواز الترخيص في أطراف العلم الإجمالي لكن الرواية ناظرة إلى الشبهة غير المحصورة، إذ كان في المدينة المنورة أمكنة كثيرة تُجعل الميتة في الجبن، وكان هذا سببَ السؤال، فأجاب الإمام (عليه السلام) بما سمعت.


1 . الوسائل:17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث1.


(65)

ويشهد على ذلك ما رواه أبو الجارود، قال: سألت أباجعفر (عليه السلام) في الجبن، فقلت له: أخبرني مَنْ رأى أنّه يجعل فيه الميتة فقال: «أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة، حرّم في جميع الأرضين».

فخرجنا با(1)لنتيجة التالية: انّ الروايتين المرخِّصتين خارجتان عن محطّالبحث، وانّ العلم الإجمالي بالتكليف منجّز مطلقاً سواء أكان علماً قطعياً، أم حاصلاً من إطلاق الدليل، فتحرم مخالفته القطعية كما تجب موافقته القطعية.

***

المورد الثاني: حكم الشبهة غير المحصورة

قد عرفت أنّ الشبهة التحريمية الموضوعية تنقسم إلى محصورة وغير محصورة، وقد عرفت حكم الأُولى، وإليك الكلام في الثانية، فيقع الكلام تارة في معيار كون الشبهة غير محصورة وأُخرى في حكمها.

أمّا الأوّل: فقد عُرّفت الشبهة غير المحصورة بتعاريف أفضلها كثرة الوقائع المحتملة للتحريم إلى درجة لا يعتني العقلاء بالعلم الإجمالي الحاصل فيها، ألا ترى أنّ المولى إذانهى عبده عن المعاملة مع زيد، فعامل مع واحد من أهل قرية كثيرة الأهل يعلم وجود زيد فيها لم يكن ملوماً وإن صادف الواقع، وقد ذكر انّ المعلوم بالإجمال قد يؤثر مع قلّة الاحتمال، مالا يؤثّر مع الانتشار وكثرة الاحتمال، كما إذا نهى المولى عن سبّ زيد وهو تارة مردّد بين اثنين وثلاثة، وأُخرى بين أهل بلدة ونحوها.(2)

وأمّا الثاني أي حكمها، فإنّ عنواني المحصورة و غير المحصورة لم يردا في


1 . الوسائل:17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 5.
2 . الفرائد:261.


(66)

النصوص لكنّ العنوان الأوّل مشير إلى تنجيز العلم الإجمالي لاعتناء العقلاء بالعلم فيها لقلة الأطراف، والعنوان الثاني مشير إلى عدم تنجيزه لعدم اعتنائهم بالتكليف فيه لصيرورته موهوماً في كلّ طرف، وهذا هو الدليل القاطع على عدم التنجيز.

هذا مضافاً إلى أنّ الاجتناب عن الأطراف في الثاني يوجب العسر، والتبعيض في الارتكاب إلى حدّ العسر غير خال عن العسر أيضاً .

على أنّ هناك روايات في أبواب مختلفة تدلّ على إمضاء الشارع بناء العقلاء، وهذه الروايات مبثوثة في أبواب أربعة.

1. ما ورد حول الجبن.(1)

2. ما ورد حول شراء الطعام والأنعام من العامل الظالم.(2)

3. ما ورد حول قبول جائزة الظالم.(3)

4. ما ورد حول التصرف في المال الحلال المختلط بالربا.(4)

ولعلّ هذه الروايات مع بناء العقلاء والسيرة الجارية بين المتشرعة كافية في رفع اليد عن إطلاق الدليل لو قلنا بأنّ له إطلاقاً لصورة اختلاط الحرام بين كثير من الحلال.


1 . انظر الوسائل:7، الباب61 من أبواب الأطعمة المباحة.
2 . الوسائل:12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1، 3، 5.
3 . الوسائل: 12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4; والباب 53 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2و3.
4 . الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب الربا، الحديث 2و3.


(67)

المقام الثاني

أصالة الاحتياط

الشبهة الوجوبية

قد عرفت أنّ الشكّ في المكلّف به ينقسم إلى شبهة تحريمية وإلى شبهة وجوبية، وقد تمّ الكلام في الأُولى.

بقي الكلام في الشبهة الوجوبية من المكلّف به فهي تنقسم إلى قسمين، تارة يكون الشكّ مردداً بين المتباينين كتردد الأمر بين وجوب الظهر أو الجمعة.

وأُخرى بين الأقل والأكثر كتردد الواجب بين الصلاة مع السورة أو بدونها. وبذلك يقع الكلام في موضعين.

ولما كان حكم المتباينين واضحاً وهو وجوب الاحتياط فيهما نقتصر في المقام من الشبهة الوجوبية على الأقل والأكثر.

ثمّ إنّ الأقل والأكثر ينقسمان إلى الاستقلاليين والارتباطيين، والفرق بينهما بأنّ الأقل الاستقلالي يغاير الأكثر الاستقلالي ـ على فرض وجوبه ـ حكماً ووجوباً، ملاكاً وغرضاً، طاعة وامتثالاً، كالفائتة المرددة بين الواحد والكثير، والدّين المردّد بين الدرهم والدرهمين، بخلاف الأقل الارتباطي فانّه على فرض وجوب الأكثر، متحد معه حكماً ووجوباً، ملاكاً وغرضاً، طاعة وامتثالاً، ولا استقلال له في


(68)

شيء من الأُمور الثلاثة، كالشكّ في وجوب الصلاة مع السورة وعدمها.

ثمّ إنّ المشكوك في الشبهة الوجوبية يكون تارة الجزء الخارجي كالسورة والقنوت وجلسة الاستراحة بعد السجدتين، وأُخرى الشرط أي الخصوصية المعتبرة في العبادة، المنتزعة من الأمر الخارجي كالطهارة الحاصلة عن الغسلات والمسحات بنيّة التقرب، وثالثة الخصوصية المتحدة مع المأمور به، كما إذا دار أمر الواجب بين مطلق الرقبة أو الرقبة المؤمنة، أو دار أمر الواجب بين واحد معين من الخصال أو المردد بين الأُمور الثلاثة، وحكم الجميع واحد.

والأقوال في المقام لا تتجاوز عن ثلاثة:

أ. جريان البراءة العقلية والشرعية.

ب. القول بالاحتياط وعدم جريانهما.

ج. التفصيل بين العقلية والشرعية تجري الأُولى دون الثانية.

ولكن الحقّ جريانهما معاً، وقد استدل على البراءة العقليّة بوجوه مختلفة نذكر منها وجهاً واحداً وهو أوضح الوجوه.

وهو انّ الأمر وإن تعلق بعنوان الصلاة لكنّها ليست شيئاً مغايراً للأجزاء، بل هو عبارة أُخرى عن نفس الأجزاء لكن بصورة الجمع والوحدة في التعبير. وذلك لأنّ الأجزاء تارة تلاحظ بصورة الكثرة بملاحظة كلّ جزء مستقلاً مع جزء آخر، وأُخرى تلاحظ بنعت الجمع وفي لباس الوحدة، والعنوان المشير إلى ذات الأجزاء بهذا النعت هو عنوان الصلاة. وهي نفس الأجزاء في لحاظ الوحدة وعلى نحو الجمع في التعبير.

إذا علمت ذلك فنقول: إنّ الحجة قامت على وجوب العنوان نحو قوله:«أقم الصلاة» وقيام الحجّة عليه نفس قيامها على الأجزاء، وقد عرفت أنّ


(69)

نسبة الصلاة إليها نسبة المجمل إلى المفصّل لكن الاحتجاج بالعنوان على وجوب الأجزاء إنّما يصحّ فيما إذا علم انحلاله إلى جزء وجزء حتى يكون داعياً إليه، وأمّا إذا جُهلت جزئية الشيء فلا يكون الأمر به، حجّة عليها وداعياً إليها ضرورة انّ قوام الاحتجاج بالعلم، والعلم بتعلّق الأمر المركب، إنّما يكون حجّة على الأجزاء التي علم تركب المركب منها دون ما لا يكون.

وإن شئت نزّل المقام على ما إذا تعلّق الأمر بالأجزاء بلا توسط عنوان، فكما أنّه لا يحتج إلاّ على الأجزاء المعلومة دون المشكوكة، فهكذا المقام فانّ الأمر وإن تعلق بالعنوان مباشرة دونها، لكنّك عرفت أنّ نسبة العنوان إليها نسبة المجمل إلى المفصل، فالأجزاء في مرآة الإجمال، عنوان; و في مرآة التفصيل، أجزاء.

وعلى ضوء ذلك: انّ العبد إذا بذل جهده للعثور على الأجزاء التي ينحلّ العنوان إليها، فلم يقف إلاّ على التسعة منها دون الجزء العاشر المحتمل، يستقل العقل بأنّه ممتثل حسب قيام الحجة ويعدّ العقاب على ترك الجزء المشكوك عقاباً بلا بيان.

وبعبارة موجزة: انّ العقل يستقل بقبح مؤاخذة مَنْ أمر بمركب لم يُعلَم من أجزائه إلاّ عدّة أجزاء، ويشكّ في وجود جزء آخر، ثمّ بذل جهده في طلب الدليل على جزئية ذلك الأمر، فلم يعثر فأتى بما علم وترك المشكوك، خصوصاً مع اعتراف المولى بعدم نصب قرينة عليه، فكما تقبح المؤاخذة فيما إذا لم ينصب قرينة فهكذا تقبح فيما إذا نصب ولكن لم تصل إلى المكلّف بعد الفحص وهذا تقرير للبراءة العقلية.

وبهذا يعلم جريان البراءة الشرعية حيث إنّ تعلّق الوجوب الشرعي بالنسبة إلى الجزء أو الشرط أو القيد مجهول فيشمله حديث الرفع وغيره من أدلّة البراءة


(70)

الشرعية.

ومن هنا يعلم أنّ المرجع في الأقل والأكثر هو البراءة من غير فرق بين أن يكون منشأ الشك فقدان النص كما علمت أو إجمال النص، كما إذا دلّ الدليل على غسل ظاهر البدن ويشك في أنّ الجزء الفلاني داخل فيه أو لا، أو تعارض النصين، كما إذا دلّ دليل على جزئية السورة، وأُخرى على عدم جزئيتها، فالمرجع حسب القاعدة الأُولى هو البراءة، غير أنّ الأدلة الشرعية دلّت على التخيير بين الدليلين عند عدم المرجح.

أو كان منشأ الشك خلط الأُمور الخارجية، كما إذا أمر بتكريم مجموع العلماء على نحو العام المجموعي بأن يكون هناك وجوب واحد وإطاعة واحدة فشكّ في كون زيد عالماً أو لا.فالمرجع هو البراءة، لأنّ الشكّ في كون زيد عالماً يرجع إلى الشكّ في كون الموضوع ذا أجزاء كثيرة أو قليلة فيكون حكمه، حكم الأقل والأكثر الارتباطيين.

خاتمة: في شرائط العمل بالاحتياط والبراءة

والمراد من الشرائط ما هو شرط لجريانهما دون جواز العمل بهما، و الفرق بينهما واضح، لأنّ الشرائط على قسمين:

الأوّل: ما يكون وجوده محقِّقاً لموضوع الأصل بحيث لولاه لما كان هناك محلّ للأصل.

الثاني: ما يكون وجوده شرطاً للعمل بالأصل على وجه يكون الأصل جارياً، و لكن لايعمل به إلاّمع هذا الشرط، و إليك الكلام في كلا الشرطين على وجه الإيجاز.


(71)

أصل الاحتياط و شروط جريانه

لا شكّ في حسن الاحتياط لكونه طريقاً لتحصيل الحقّ و العمل به والعقل حاكم بحسنه، ولا يشترط فيه سوى أمرين:

1. عدم استلزامه لاختلال النظام.

2. عدم مخالفته لاحتياط آخر.

وأمّا موارده فتنحصر في المواضع التالية:

1. الاحتياط المطلق فيما إذا لم يكن هنا علم إجمالي و لا حجّة شرعية، كالشبهة البدويّة.

2. الاحتياط فيما إذا كان هناك علم وجداني إجمالي.

3. الاحتياط إذا كانت هناك حجّة شرعية لها إطلاق بالنسبة إلى المعلوم بالتفصيل والمعلوم بالإجمال.

أصل البراءة و شرط جريانه

لا يشترط في جريان البراءة في الشبهات الحكمية إلاّ الفحص عن الدليل الاجتهادي، لأنّ البيان الرافع لقبح العقاب هو البيان الواصل هذا من جانب.

ومن جانب آخر ليس المراد من الواصل هو إيصاله إلى كلّ واحد بدقّ باب بيته و إعطائه البيان، بل المراد وجود البيان في مظانّه على وجه لو أراد لوقف عليه، وعلى هذا فوجود البيان عند الرواة أو حملة العلم أو في الجوامع الحديثية كاف في رفع القبح و مع احتماله فيها لا يستقل العقل بالقبح مالم يتفحّص.

وأمّا الشبهات الموضوعية، فالظاهر تسالم الأُصوليين على عدم وجوب الفحص، و لكنّه على إطلاقه غير صحيح، وإنّما لا يحتاج إلى الفحص إذا كان


(72)

تحصيل العلم منوطاً بمقدّمات بعيدة.

وأمّا إذا كان العلم بالواقع ممكناً بأدنى نظر، كالنظر إلى الأُفق فيمن شكّ في دخول الفجر فيجب عليه الفحص، و مثله إذا شكّ في بلوغ الأموال الزكوية حدّ النصاب، أو الشكّ في زيادة الربح على المؤونة، أو الشكّ في حصول الاستطاعة المالية للحج، أو الشكّ في مقدار الدين مع العلم بضبطه في السجلاّت، إلى غير ذلك من الشبهات الموضوعية التي يحصل العلم بها بأدنى تأمّل.


(73)

الأصل الرابع

الاستصحاب(1)

الاستصحاب أحد الأُصول الأربعة العامة الذي له دور كبير في استنباط الوظيفة العملية، ولم يزل يُتمسك به بين الفقهاء من عصر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) إلى يومنا هذا، و يتميز عن سائر الأُصول الثلاثة بوجود الحالة السابقة وملاحظتها.

أمّا وجود الحالة السابقة فهو أساس الاستصحاب، وأمّا اشتراط كونها ملحوظة، فلأجل انّه ربّما لا تكون الحالة السابقة معتبرة عند الشارع بأن تكون حجة في استنباط الوظيفة العملية كما سيوافيك موارده.

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: الاستصحاب في اللغة أخذ الشيء مصاحَباً أو طلب صحبته، وفي الاصطلاح«إبقاء ما كان على ما كان » والمعروف بين المتأخرين أنّ الاستصحاب أصل كسائر الأُصول ـ و إن كانت مرتبته متقدّمة على سائر الأُصول العملية ـ لكن الظاهر من قدماء الأُصوليين أنّه أمارة ظنية، فكأنّ اليقين السابق بالحدوث أمارة ظنية لبقاء الشيء في ظرف الشك، إذليس المراد من الشك هو الشكّ المنطقي ـ أعني به تساوي الطرفين ـ حتى ينافي الظن بالبقاء، بل المراد احتمال


1 . وهذا الأصل معتبر عند الفريقين فيما لا نصّ فيه.


(74)

الخلاف الجامع مع الظن بالبقاء.

وأمّا المتأخرون فلم يعتبروه أمارة ظنية بل تلقّوه أصلاً عملياً وحجّة في ظرف الشك، واستدلّوا عليه بروايات ستوافيك.

الثاني: الاستصحاب مسألة أُصولية لا قاعدة فقهية، وذلك لأنّ المعيار في تمييز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية هو محمولاتها.

توضيحه: انّ المحمول في القواعد الفقهية لا يخلو إمّا أن يكون حكماً فرعيّاً تكليفيّاً كالوجوب والحرمة و الاستحباب والكراهة و الإباحة، أو حكماً فرعيّاً وضعيّاً كالضمان و الصحّة و البطلان. مثلاً قوله:«كل شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام» قاعدة فقهية بحكم أنّ المحمول هو الحليّة، التي هي من الأحكام الفرعية التكليفية، كما أنّ قوله: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» قاعدة فقهية، لأنّ المحمول فيها هو الضمان وهو حكم وضعي، ومثله قوله:«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس: الطهور و الوقت والقبلة والركوع و السجود».(1) فإنّ المحمول هو البطلان في الخمسة و الصحّة في غيرها. هذا هو ميزان القاعدة الفقهية.

وأمّا القاعدة الأُصولية فتختلف محمولاً عن القاعدة الفقهية، فالمحمول فيها ليس حكماً شرعياً تكليفياً أو وضعياً، بل يدور حول الحجّية وعدمها، فنقول: الظواهر حجّة، الشهرة العملية حجّة، خبر الواحد حجّة، أصل البراءة والاحتياط والاستصحاب، كلٌّ حجّة في ظرف الشك.

وإن شئت قلت: الغاية من إثبات الصغرى هي احتجاج المولى به على العبد. وروح المسألة عبارة عن كون الأمر حجّة في الوجوب أو لا.

الثالث: قد تضافرت الأخبار عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مضمون «أنّ اليقين


1 . الوسائل:4، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث4.


(75)

لا يُنقض بالشك»، وظاهره اجتماعهما في زمان واحد وعدم نقض أحدهما الآخر، وهو في بادئ النظر أمر غريب، لأنّهما لا يجتمعان حتى لا ينقض أحدُهما الآخر، لأنّ اليقين هو الجزم بشيء، والشكّ هو التردّد وانفصام الجزم، فكيف يجتمعان؟!

والجواب: أنّ اليقين والشكّ لايجتمعان إذا كان المتعلّق واحداً ذاتاً وزماناً، كما إذا فرضنا انّه تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثمّ شكّ في نفس ذلك اليوم في عدالته، ففي مثله لا يمكن اجتماع اليقين والشكّ، فعندما يكون متيقناً لا يمكن أن يكون شاكاً وبالعكس.

وأمّا إذا كان متعلقاهما متحدين جوهراً، ومتغايرين زماناً، فاليقين والشكّ يجتمعان قطعاً، مثلاً لو تيقن بعدالة زيد يوم الجمعة لكن صدر منه يوم السبت فعلٌ شكَ معه في بقاء عدالته في ذلك اليوم، ففي هذا الظرف يجتمع اليقين والشكّ فهو في آن واحد متيقن بعدالة زيد يوم الجمعة لا يشك فيه أبداً، وهو في الوقت نفسه شاك في عدالته يوم السبت، وبذلك صحّ اجتماع اليقين والشكّ في زمان واحد لتغاير المتعلّقين زماناً، وإلى ذلك يؤول قولهم في باب الاستصحاب «اليقين يتعلّق بالحدوث والشكّ بالبقاء» فمقتضى الاستصحاب إبقاء عدالة زيد يوم الجمعة إلى يوم السبت وترتيب أثر العدالة في كلا الزمانين.

وبذلك علم أنّ الاستصحاب يتقوّم بأمرين:

أ. فعليّة اليقين في ظرف الشكّ، ووجودهما في آن واحد في وجدان المستصحِب.

ب. وحدة متعلّقهما جوهراً وذاتاً، و تعدده زماناً بسبق زمان المتيقن على المشكوك.


(76)

الرابع: الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين

إنّ في مصطلح الأُصوليين قاعدة موسومة بقاعدة اليقين والشك الساري لسريان الشكّ إلى نفس اليقين كما إذا تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثم طرأ عليه الشكّ يوم السبت في عدالة زيد في نفس يوم الجمعة (لا السبت) وقد تبيّن بذلك أركان قاعدة اليقين:

أ. عدم فعلية اليقين في ظرف الشك.

ب. وحدة متعلقهما جوهراً وزماناً، حيث تعلّق الشكّ بنفس ما تعلّق به اليقين وهو عدالة يوم الجمعة.

والمعروف بين الأصحاب أنّ الاستصحاب حجّة دون قاعدة اليقين.وانّ روايات الباب منطبقة على الأوّل دون الثانية كما ستوافيك.

***

الخامس: انّ هنا قاعدة ثالثة وهي قاعدة المقتضي والمانع التي تغاير القاعدتين الماضيتين وتختلف عنهما باختلاف متعلّق اليقين والشك جوهراً وذاتاً فضلاً عن الاختلاف في الزمان.

مثلاً إذا تيقن بصبِّ الماء على اليد للوضوء، وشك في تحقّق الغَسْل للشك في المانع. أو تيقن برمي السهم وشكّ في القتل للشك في وجود المانع، فمتعلّق اليقين غير متعلّق الشكّ بالذات، حيث تعلّق اليقين بصبّ الماء والرمي، وتعلّق الشكّ بوجود الحاجب والمانع.

نعم يتولد من هذا اليقين والشكّ، شك آخر، وهو الشكّ في حصول المقتضى أعني: الغَسْل والقَطْع، والقائل بحجّية تلك القاعدة يتمسك بأصالة عدم المانع و الحاجب ويثبت بذلك الغَسل أو القطع. بحجّة انّ المقتضي موجود،


(77)

والمانع مرفوع بالأصل فيكون «المقتضى» محقّقاً.وربما حاول تطبيق روايات الباب على تلك القاعدة.(1)

والمشهور أعرضوا عن تلك القاعدة بحجّة عدم الدليل عليها.

السادس: تقسيمات الاستصحاب

إنّ للاستصحاب تقسيمات، تارة باعتبار المستصحَب، وأُخرى باعتبار الشكّ المأخوذ فيه، وإليك البيان:

1. تقسيمه باعتبار المستصحَب

ينقسم الاستصحاب باعتبار المستصحَب إلى الأقسام التالية:

ألف. أن يكون المستصحَب أمراً وجوديّاً أو عدميّاً، كاستصحاب الكرّية إذا كان الماء مسبوقاً بها، أو عدم الكرّية إذا كان مسبوقاً به.

ب. أن يكون المستصحَب حكماً شرعيّاً تكليفيّاً سواء أكان كليّاً كاستصحاب حليّة المتعة، أم جزئياً كاستصحاب وجوب الإنفاق على الزوجة المعيّنة إذا شكّ في كونها ناشزة.

ج. أن يكون المستصحَب حكماً شرعيّاً وضعياً ـ لا تكليفياً ـ كاستصحاب الزوجية، والجزئية، والمانعية والشرطية، والسببية عند طروء الشك في بقائها.

د. أن يكون المستصحب موضوعاً لحكم شرعي، سواء كان موضوعاً لحكم شرعي تكليفي، أو موضوعاً لحكم وضعي، وهذا كاستصحاب حياة زيد، فتترتب عليه حرمة قسمة أمواله، و بقاء علقة الزوجية بينه وبين زوجته.


1 . لاحظ تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد:195 عند البحث عن مفاد «لا تنقض».


(78)

2. تقسيمه باعتبار الشك

ينقسم الاستصحاب باعتبار الشكّ المأخوذ فيه إلى الأقسام التالية:

أ. أن يتعلّق الشكّ باستعداد المستصحَب للبقاء في الحالة الثانية، كالشكّ في بقاء نجاسة الماء، المتغيّرِ أحدُ أوصافه الثلاثة، بالنجس، إذا زال تغيره بنفسه، حيث إنّه يتعلّق الشكّ بمقدار استعداد النجاسة للبقاء، بعد زوال تغيّره بنفسه، ومثله الشكّ في بقاء الليل أو النهار، حيث إنّه يتعلّق بمقدار استعدادهما للبقاء من حيث الطول و القِصَر، وهذا ما يسمّى بالشكّ في المقتضي.

ب. وأُخرى يتعلّق بطروء الرافعمع إحراز قابلية بقاء المستصحب ودوامه لولاه، وهو على أقسام:

1. أن يتعلّق الشكّ بوجود الرافع، مع إحراز قابلية بقائه ودوامه لولا الرافع، كما إذا شكّ في وجود الحدث بعد الوضوء.

2. أن يتعلّق الشكّ برافعية الأمر الموجود للجهل بحكمه، كالمذي الخارج من الإنسان، فيشك في أنّه رافع للطهارة مثل البول أو لا؟ فيرجع الشكّ إلى رافعية الأمر الموجود للجهل بحكمه.

3. أن يتعلّق الشكّ برافعية الأمر الموجود للجهل بوصفه وحاله، كالبلل المردّد بين البول والوذي مع العلم بحكمهما.

هذه هي التقسيمات الرئيسيّة، وهناك تقسيمات أُخرى تركنا ذكرها للاختصار.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه استدلّ على حجّية الاستصحاب بوجوه مختلفة أصحّها هو الأخبار المتضافرة في المقام، منها:


(79)

1. صحيحة زرارة

روى الكليني ، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال:« إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع، وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها أُخرى ولا شيء عليه، ولا ينقض اليقين بالشك».(1)

وجه الاستدلال: الظاهر انّ قوله:«ولا ينقض اليقين بالشك» علّة للأمر بإضافة ركعة أُخرى، فكأنّه يقول: يأتي بركعة أُخرى ولا شيء عليه، لأنّه كان على يقين بعدم الإتيان بها فليمض على يقينه.

نعم ظاهر قوله:«فأضاف» أنّه يأتي بالركعة الاحتياطيّة متصلة، مع أنّ الفتوى على الانفصال، فتُرفع اليد عن هذا الظاهر بقرينة إجماع الطائفة على الانفصال.

2. موثّقة إسحاق بن عمّار

روى الصدوق باسناده، عن إسحاق بن عمار، قال: قال لي أبو الحسن الأوّل: «إذا شككت فابن على اليقين»، قال: قلت: هذا أصل؟ قال: «نعم».(2)

وجه الاستدلال: أنّ ظاهر الكلام فعليّة اليقين والشكّ، فهو في آن واحد ذو يقين وشك، فينطبق على الاستصحاب.

وأمّا قاعدة اليقين، فالشكّ فيها فعلي دون اليقين بل هو زائل كما مرّ في توضيح القاعدة.


1 . الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 3، رواه عن علي بن إبراهيم الثقة عن أبيه، الذي هو فوق الثقة، عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة وكلّهم ثقات.
2 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 2. و سند الصدوق إلى إسحاق بن عمار صحيح في المشيخة.


(80)

أضف إلى ذلك أنّ الرواية ظاهرة في الاستصحاب بقرينة وحدة لسانها مع سائر الروايات .

3. مكاتبة القاساني

كتب علي بن محمد القاساني إلى أبي محمد (عليه السلام) ، قال: كتبت إليه ـ وأنا بالمدينة ـ عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب:« اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية وأفطر للرؤية».(1)

وجه الاستدلال: أنّ المراد من اليقين، إمّا هو اليقين بأنّ الزمان الماضي كان من شعبان فشكّ في خروجه بحلول اليوم التالي، أو اليقين بعدم دخول رمضان وقد شكّ في دخوله.وعلى كلا التقديرين لا يكون اليقين السابق منقوضاً بالشك. وهذا هو المراد من قوله: «اليقين لا يدخل فيه الشك» .

4. صحيحة عبد اللّه بن سنان

روى الشيخ بسند صحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد اللّه (عليه السلام) وأنا حاضر: إنّي أُعير الذمِّي ثوبي وأنا أعلم أنّه يشرب الخمرَ، ويأكل لحم الخنزير، فيردّها عليّ أفأغسِلُه قبل أن أُصلّي فيه؟فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «صلّ فيه ولا تَغْسله من أجل ذلك، فإنّك أعرته إيّاه و هو طاهر، ولم تستيقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه».(2)


1 . الوسائل: الجزء7، الباب3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث13.
2 . الوسائل: 2، الباب 74 من أبواب النجاسات ، الحديث 1. رواه الشيخ باسناده عن سعد بن عبد اللّه القمي، عن أحمد بن محمد بن عيسى المتوفّـى نحو 280هـ، عن الحسن بن محبوب المتوفّى عام 224هـ، عن عبد اللّه بن سنان، وسند الشيخ إلى سعد بن عبد اللّه صحيح في التهذيبين، لاحظ آخر الكتاب الذي ذكر فيه أسانيده إلى أصحاب الكتب التي أخذ الأحاديث منها.


(81)

وجه الاستدلال: انّ الإمام لم يعلِّل طهارة الثوب بعدم العلم بالنجاسة حتى ينطبق على قاعدة الطهارة، بل علّله بأنّك كنتَ على يقين من طهارة ثوبك وشككتَ في تنجيسه فمالم تستيقن انّه نجّسه فلايصحّ لك الحكم على خلاف اليقين السابق، والمورد و إن كان خاصّاً بطهارة الثوب لكنه غير مخصِّص وذلك لوجهين:

الأوّل: ظهور الرواية في صدد إعطاء الضابطة الكلّية.

والثاني: التعليل بأمر ارتكازيّ يورث إسراء الحكم إلى غير مورد السؤال.

5. خبر بكير بن أعين

روى بكير بن أعين قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا استيقنت أنّك توضّأت، فإيّاك أن تحدث وضوءاً حتى تستيقن أنّك أحدثت».(1)

هذه هي المهمّات من روايات الباب، وفيما ذكرنا غنىً و كفاية.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الروايات، وكون التعليل (لا تنقض اليقين بالشك) أمراً ارتكازياً، حجّية الاستصحاب في جميع الأبواب والموارد، سواء أكان المستصحب أمراً وجودياً أم عدميّاً، وعلى فرض كونه وجوديّاً لا فرق بين كونه حكماً شرعيّاً تكليفياً أو وضعياً أو موضوعاً خارجياً له آثاره الشرعيّة كالكرّية، وحياة زيد، وغير ذلك.

حجّية الاستصحاب في الشكّ في المقتضي

ذهب بعضهم إلى عدم حجّيته في الشكّ في المقتضي دون الرافع، ولإيضاح


1 . الوسائل1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7. والسند صحيح إلى «بكير» غير أنّ بكيراً لم يوثّق لكن القرائن تشهد على وثاقته.


(82)

الفرق بين الشكّين نقول:

كلُّ حكم أو موضوع لو ترك لبقي على حاله إلى أن يرفعه الرافع فالشكّ فيه شكّ في الرافع، وأمّا كلّ حكمأو موضوع لو ترك لزال بنفسه ـو إن لم يرفعه الرافع ـ فالشك فيه من قبيل الشكّ في المقتضي، فمثلاً وجوب الصلاة والصوم والحجّ من التكاليف التي لا ترفع إلاّ برافع، وذلك لأنّ الوجوب الجزئي منه لا يُرفع إلاّ بالامتثال، وأمّا الوجوب الكلي فبالنسخ، فالشكّ في الامتثال في مورد الحكم الجزئي، أو الشكّ في النسخ في مورد الحكم الكلي، شك في الرافع، لإحراز المقتضي لبقائه.

وهذا بخلاف مالو شكّ في بقاء الخيار في الآونة المتأخرة، كالخيار المجعول للمغبون بعد علمه بالغبن و تمكّنه من إعمال الخيار، إذا لم يفسخ، فيشكّ في بقاء الخيار، لأجل الشكّ في اقتضائه للبقاء بعد العلم و المساهلة في إعماله، ومثله الشكّ في بقاء النهار إذا كانت في السماء غيوم، فالشكّ في تحقّق الغروب يرجع إلى طول النهار وقصره، فالشكّ فيه شكّ في المقتضي.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه استدل القائل بعدم حجّية الاستصحاب في الشكّ في المقتضي بدليل مبني على أمرين:

الأوّل: أنّ حقيقة النقض هي رفع الهيئة الاتصالية، كما في قوله نقضت الحبل، قال سبحانه:(وَ لا تَكُونُوا كَالّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنكاثاً). (1)

الثاني: أنّ إرادة المعنى الحقيقي ممتنعة في المقام لعدم اشتمال اليقين على الهيئة الاتصالية، فلابدّ من حمله على المعنى المجازي، وأقرب المجازات هو ما إذا تعلّق اليقين بما أحرز فيه المقتضي للبقاء وشك في رافعه، لا ما شكّ في أصل


1 . النحل:92.


(83)

اقتضائه للبقاء مع صرف النظر عن الرافع، وقد قُرر في محلّه أنّه إذا تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى.

يلاحظ عليه: أنّه لم يثبت في اللغة كون النقض حقيقة في رفع الهيئة الاتصالية حتى لا تصح نسبته إلى نفس«اليقين» لعدم اشتماله عليها، بل هو عبارة عن نقض الأمر المبرم و المستحكم ـ سواء أكان أمراً حسيّاً أم قلبيّاً ـ والشاهد على ذلك صحّة نسبة النقض إلى اليمين والميثاق والعهد في الذكر الحكيم، قال سبحانه: (وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمانَ بَعْدَ تَوكِيدِها) (1) ، وقال سبحانه:(فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِ آياتِ اللّهِ)(2) ، وقال سبحانه:(وَالّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ)(3) ، واليقين كالميثاق و اليمين والعهد من الأُمور النفسانية المبرمة المستحكمة فتصح نسبة النقض إليه، سواء تعلق بما أحرز فيه المقتضي للبقاء أو لا، والمصحح للنسبة هو كون نفس اليقين أمراً مبرماً مستحكماً، سواء أكان المتعلّق كذلك، كما في الشكّ في الرافع، أم لم يكن كذلك كما في الشكّ في المقتضي.

اعتذار

هذا موجز الكلام في الأُصول العملية الأربعة التي هي المرجع عند عدم النصّ، وقد اختصرت القول فيها غاية الاختصار، وحذفت كثيراً من المباحث الهامة حولها والتنبيهات التي عقدها الأعلام لكلّ واحد منها. كلّ ذلك روماً للاختصار والغاية إيقاف غير العارف بأُصولنا على وجه الإيجاز.


1 . النحل:91.
2 . النساء:155.
3 . الرعد:25.


(84)


(85)

الباب الثاني

ما هو المرجع فيما لا نصّ فيه
عند السنّة؟


(86)


(87)

ظاهرة عدم النص
و
فقهاء السنّة

قد ظهر ممّا مرّ انّ ظاهرة عدم النصّ في الموضوعات المستجدة بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بل قبله أيضاً، ممّا واجهها فقهاء الفريقين، فعالجها فقه الشيعة بما تقدّم من الضوابط الأربعة.

وأمّا فقهاء السنّة بل كلّ من يؤخذ منه الفتوى منهم فقد لجأوا إلى قواعد اختلفت كلمتهم في عددها.فمنهم من أنهى هذه القواعد إلى سبعة عشر قاعدة ـ أعني: القياس، والاستحسان، وإجماع أهل المدينة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع العترة، وإجماع العشرة من الصحابة، وإجماع الخلفاء الأربعة، وقول الصحابي، والاستصحاب، والبراءة الشرعية، والأخذ بالأخفّ، و الاستقراء، والعوائد، والمصلحة المرسلة، وسدّ الذرائع، وشرع من قبلنا، والعصمة.(1)

ومنهم جعلها كذلك سبع عشرة قاعدة أيضاً لكن بإضافة الاستدلال.


1 . تقريب الوصول إلى علم الأُصول لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي(المتوفّى 741هـ).


(88)

وحذف «شرع من قبلنا» ذكرها الطوفي (المتوفّى سنة 716هـ) في رسالة نشرها الأُستاذ عبد الوهاب خلاف في مصادر التشريع الإسلامي ص 109.

ومنهم الشاطبي فقد جعل الأدلّة الشرعية ضربين:

أحدهما ما يرجع إلى النقل المحض.

والثاني: ما يرجع إلى الرأي المحض.

أمّا الضرب الأوّل، فالكتاب والسنّة، ويلحق بهما الإجماع، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا، لأنّ ذلك كلّه وما في معناه راجع إلى التعبّد بأمر منقول صرف لا نظر فيه لأحد(بل يكشف الجميع عن الدليل النقلي).

وأمّا الضّرب الثاني، فالقياس والاستدلال، ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان والمصالح المرسلة.(1)

وبما أنّ القياس مقبول عند عامّة الفقهاء خصوصاً الأئمّة الأربعة، فلنقدّم البحث فيه على غيره.


1 . الموافقات:3/22، ط دار إحياء الكتب العربية.


(89)

1
في القياس

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً تسلّط الضوء عليه.

1. القياس لغة

القياس لغة يستعمل في معنيين:

1. التقدير: قال في «لسان العرب»: قاس الشيء يقيسه قيساً إذا قدّره على مثاله، والمقياس المقدار.(1)

ومن ذلك يقال: قاس الثوب بالذراع إذا قدّره به.

2. المساواة: يقال: فلان لا يقاس بفلان، أي لا يساوى به.

قال الإمام علي (عليه السلام) :«لا يقاس ب آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الأُمّة أحد».(2) أي لا يساوى بهم أحد.

ويمكن إرجاع المعنى الثاني إلى المعنى الأوّل، لأنّ الحكم بالمساواة وعدمها


1 . لسان العرب: مادة «قاس».
2 . نهج البلاغة: الخطبة2.


(90)

يلازم التقدير قبله، فمعنى قول الإمام: أي لا يقدر أحد ب آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلا يصحّ أن يقال: علم فلان مثل علم الإمام أو جزء منه، ويؤيد ذلك ما ذكره أبو الحسين أحمد بن فارس في «مقاييس اللغة» الّذي ألّفه لتوحيد أُصول المعاني قال: قوس، أصل واحد يدلّ على تقدير شيء بشيء ثمّ يصرّف فتقلب واوه ياءً، المعنى في جميعه واحد.

فالقوس الذراع، وسمّيت بذلك لأنّه بها يقدر بها المذروع.(1)

وبذلك يعلم أنّ ما ذكروه له من معان أُخرى، كالاعتبار والتمثيل والتشبيه والمماثلة كلّها مشتقات من معنى واحد.

2. القياس اصطلاحاً

قد عرّف القياس بتعاريف مختلفة منذ زمن قديم إلى يومنا هذا، ومن هذه التعاريف:

1. حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما.(2)

2. مساواة فرع بأصل في علّة حكمه. وهو خيرة الآمدي في «الإحكام».(3)

3. هو إثبات حكم مثل المقيس عليه للمقيس.وهو خيرة السيّد المرتضى في «الذريعة»(4) والشيخ الطوسي في «العُدّة».(5)


1 . مقاييس اللغة:5/40، مادة «قوس».
2 . تقريب الوصول إلى علم الأُصول:122. وقد ذكر محقّق الكتاب في الهامش أنّ هذا التعريف لأبي بكر الباقلاني ووافقه عليه أكثر المالكية.
3 . الإحكام في أُصول الأحكام:3/170.
4 . الذريعة:2/669.
5 . العدة:2/647.


(91)

4. إثبات مثل حكم الأصل في الفرع بعلّة جامعة بينهما. وهو خيرة أبي الحسين البصري في «المعتمد».

5. إثبات (1)حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علّة الحكم. وهو خيرة الغزالي في «شفاء الغليل».(2)

وأوضح التعاريف هو أن يقال: استنباط حكم واقعة لم يرد فيها نصّ عن حكم واقعة ورد فيها نصّ، لتساويهما في علّة الحكم ومناطه وملاكه.

وعامّة التعاريف تشير إلى حقيقة واحدة، ولا جدوى في النقض والإبرام وانّها غير جامعة ولا مانعة.

3. اصطلاح آخر في القياس

وهناك اصطلاح آخر للقياس صار مهجوراً بين الأُصوليّين، وهو: التماس العلل لغاية تصحيح النصوص وعرضها عليها، والقياس بهذا المعنى كان رائجاً في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) .

وقد استعمل هذا المصطلح في رواية أبان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع امرأة كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون». قلت:قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون». قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون». قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، ونقول: إنّ الّذي جاء به شيطان.

قال (عليه السلام) : «مهلاً يا أبان! هذا حكم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى


1 . المعتمد:2/446.
2 . شفاء الغليل:18.


(92)

ثُلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».(1)

والقياس في هذا الحديث هو بهذا المعنى، أي التماس العلل، ثمّ عرض النصوص على العلل المستنبطة والقضاء فيها بالقبول إن وافق، والرد إن خالف. وهذا النوع من القياس محظور في الشريعة الإسلامية، وأنّى للعقول هذه المنزلة.

وعلى هذا الأصل رفض الشيطان السجود لآدم قائلاً بأنّه أفضل منه ومخاطباً اللّه سبحانه وتعالى:(أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طين)(2)، ولو قيل: إنّ أوّل من قاس هو الشيطان، فالمراد به، هو القياس بهذا المعنى المهجور.

4. إمكان التعبّد بالقياس

اختلفت كلمة الفقهاء بالعمل في القياس، وأهمّ المذاهب في ذلك مذهبان:

الأوّل: القياس أصل من أُصول التشريع ومصدر لاستنباط الأحكام الشرعية يجوز التعبّد به عقلاً وشرعاً. وهو رأي جمهور أهل السنّة سلفاً وخلفاً.

الثاني: جواز التعبّد به عقلاً، ولكنّه ممنوع في الشريعة . وهو مذهب الإمامية.

قال المرتضى: والّذي نذهب إليه أنّ القياس محظور في الشريعة استعماله، لأنّ العبادة لم ترد به، وإن كان العقل مجوّزاً ورود العبادة باستعماله.(3)


1 . الوسائل: ج19، الباب44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
2 . الأعراف:12.
3 . الذريعة في أُصول الشريعة:2/675.


(93)

وعلى هذا درج الإمامية عبر العصور، هذا هو الشيخ الطوسي (385ـ 460هـ) وابن زهرة الحلبي (511ـ 588هـ)، صرّحا بجواز التعبّد به عقلاً بلفظ واحد قالا: ويجوز من جهة العقل التعبّد بالقياس في الشرعيات، لأنّه يمكن أن يكون طريقاً إلى معرفة الأحكام الشرعية ودليلاً عليها، ألا ترى أنّه لا فرق في العلم بتحريم النبيذ المسكر مثلاً بين أن ينصّ الشارع على تحريم جميع المسكر، وبين أن ينصّ على تحريم الخمر بعينها، وينص على أنّ العلّة في هذا التحريم الشدّة.

ولا فرق بين أن ينص على العلّة، وبين أن يدلّ بغير النص على أنّ تحريم الخمر لشدّتها، أو ينصب لنا أمارة تغلب في الظن عندها انّ تحريم الخمر لهذه العلّة مع إيجابه القياس علينا في هذه الوجوه كلّها، لأنّ كلّ طريق منها، يوصل إلى العلم بتحريم النبيذ المسكر، ومن منع من جواز ورود العبادة بأحدها كمن صنع من جواز ورودها بالباقي.(1)

هذان المذهبان هما المهمان، وهناك مذاهب أُخرى أشار إليها الشيخ الطوسي في «العدّة» فمن أراد التفصيل فليرجع إليها.(2)

وخلاصة الكلام: أنّ القياس دليل ظنّي كسائر الظنون: مثل خبر الواحد، والإجماع المنقول به، فكما يجوز ـ عند العقل ـ أن يأمر الشارع بالعمل بهما، كذلك القياس، والمحاذير المتوهمة في العمل بالقياس، أعني:

المحاذير الملاكية.

والمحاذير المبادئية.


1 . غنية النزوع: 386، قسم الأُصول، الطبعة الحديثة. قوله:«يوصل إلى العلم» أي إذا كان الدليل الدالّ على هذه التسوية دليلاً قطعيّاً.
2 . عدة الأُصول: 2/650ـ 692; ولاحظ الذريعة:2/675ـ 680.


(94)

والمحاذير الخطابية.(1)

مشتركة بين عامّة الأدلّة الطبيعية، وقد فرغنا من حلّها في أبحاثنا العليا في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، وفي وسع القارئ أن يرجع إلى المصدر أدناه.(2)

وبذلك يعلم عدم صحّة ما ذكره الدكتور عبد الحكيم عبد الرحمن أسعد السعدي مؤلف كتاب «مباحث العلّة في القياس عند الأُصوليّين» حيث نسب إلى جمهور الإمامية والظاهرية، انّ التعبّد بالقياس مستحيل عقلاً وشرعاً.(3)

أمّا الإماميّة فإنّهم مجمعون على الإمكان العقلي، ولكن ينكرون وقوعه شرعاً. وأما الظاهرية، فصحّة النسبة إليهم على عاتق مؤلّف «مباحث العلّة في القياس».

5. أقسام القياس

القياس ينقسم إلى منصوص العلّة ومستنبطها.

فالأوّل: عبارة عمّا إذا نصّ الشارع على علّة الحكم وملاكه على وجه عُلِم، انّه علّة الحكم الّتي يدور الحكم مدارها، لا حكمتُه الّتي ربّما يتخلّف الحكم


1 . إذا كان الحكم الواقعي هو وجوب شيء، ودلّ خبر الواحد أو القياس ـ على القول بحجّيته ـ على حرمته فتتوهم عندئذ محاذير ثلاثة:
ألف. المحذور الملاكي: اجتماع المصلحة باعتبار كون الحكم الواقعي هو الوجوب والمفسدة، باعتبار كون الحكم المستفاد منهما هو الحرمة.
ب. المحذور المبادئيّ: اجتماع الإرادة أو الحب في نفس المشرّع باعتبار كونه واجباً، والكراهة والبغض باعتبار كونه حراماً.ج. المحذور الخطابي: اجتماع الوجوب والحرمة وهو بمنزلة اجتماع الضدين في شيء واحد.
2 . إرشاد العقول:3/112ـ 127.
3 . مباحث العلّة في القياس: 43.


(95)

عنها.

والثاني: عبارة عمّا إذا لم يكن هناك تنصيص من الشارع عليها، وإنّما قام الفقيه باستخراج علّة الحكم بفكره وجُهده، فيطلق على هذا النوع من القياس، مستنبط العلّة.

وينقسم مستنبط العلّة إلى قسمين:

تارة يصل الفقيه إلى حدّ القطع بأنّ ما استخرجه علّة الحكم ومناطه، وأُخرى لا يصل إلاّ إلى حدّ الظن بكونه كذلك.

وقلّما يتّفق لإنسان عادي أن يقطع بأنّ ما وصل إليه من العلّة هو علّة التشريع ومناطه واقعاً، وانّه ليس فيه ضمائم أُخرى لها مدخلية في الحكم، وراء ما أدرك.

وسيوافيك أنّ القياس في منصوص العلّة خارج عن محط النزاع، إذ ليس هو من باب ضم الفرع إلى الأصل، أو استخراج حكم الفرع من حكم الأصل بجهة جامعة بينهما، بل هو عمل بالنصّ في كلا الموردين، دون أن يتشكل هناك فرع وأصل.

6. الفرق بين علّة الحكم وحكمته

التفريق بين العلّة والحكمة أحد الأُمور الّتي يجب على الفقيه أن يميّز بينهما. و الفرق بينهما كالتالي:

أ. لو كان الحكم دائراً مدار شيء وجوداً وعدماً فهو علّة الحكم ومناطه، كالإسكار بالنسبة إلى الخمر، ولذلك لو انقلب الخمر خلاً لحلّ شربه.

فإن قلت: اتّفق الفقهاء على أنّ ما يُسكِر كثيره فقليله أيضاً حرام. وعلى هذا فالقليل من الخمر ـ كالقطرة ـ حرام، ولكنّه ليس بمسكر، فصار الحكم أعمّ من


(96)

العلّة.

قلت: قد دلّ الدليل الخارجي على حرمته، ولولاه لما قلنا بحرمته. وإنّما حرّم الشارع القليل منه، لأنّ الإنسان إذا شرب القليل فسوف تدعوه نفسه إلى شرب أكثر وربّما ينتهي الأمر إلى شرب ما يُسكر.

ب. إذا لم يكن الحكم دائراً مدار ما يتوهم أنّه علّة، بل كان أوسع منها، فهي حكمة الحكم، وهذا كما في المثال التالي:

إنّه سبحانه تبارك وتعالى فرض على المطلّقة تربص ثلاثة قروء بُغية استعلامِ حالها من حيث الحمل وعدمه، وأضاف سبحانه بأنّها لو كانت حاملاً فعدتها وضع حملها. قال تعالى:

(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحامِهنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ).(1)

وقال في آية أُخرى: (وَأُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).(2)

ولكن ليس استعلام حال المطلقة ملاكاً للحكم وعلّة لوجوب الاعتداد، وإنّما هو من حِكَمِ الحُكْم الّتي تلازمه في أكثر موارده. ولذلك لو علم حال المطلقة وخلوِّ رحمها عن الحمل بسبب غيبة زوجها عنها مدّة سنة، أو انكشفت حالها بواسطة الطرق العلمية المفيدة لليقين، فمع ذلك كلّه يجب عليها الاعتداد، وليس لها ترك الاعتداد بحجة أنّ رحمها خال عن الحمل فلا فائدة في الاعتداد.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الاستعلام يمثّل حكمة الحكم لا علّته، فليس الحكم دائراً مداره.


1 . البقرة:228.
2 . الطلاق:4.


(97)

قال أبو زهرة: الفارق بين العلّة والحكمة، هو أنّ الحكمة غير منضطبة، بمعنى أنّها وصف مناسب للحكم يتحقّق في أكثر الأحوال، وأمّا العلّة فهي وصف ظاهر منضبط محدود، أقامه الشارع أمارة على الحكم.(1)

ومن ذلك يعلم فساد من حرّم المتعة أو الزواج المؤقّت بتوهّم أنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكون الأُسرة وإيجاد النسل وهو يختص بالنكاح الدائم دون المنقطع الّذي لا يترتّب عليه سوى الاستجابة للغريزة الجنسية وصبّ الماء وسفحه.

قال الدكتور الدريني: شُرّع النكاح في الإسلام لمقاصد أساسية قد نصّ عليها القرآن الكريم صراحة ترجع كلّها إلى تكوين الأُسرة الفاضلة الّتي تشكّل النواة الأُولى للمجتمع الإسلامي بخصائصه الذاتية من العفّة والطهر والولاية والنصرة والتكافل الاجتماعي، ثمّ يقول: إنّ اللّه إذ يربط الزواج بغريزة الجنس لم يكن ليقصد مجرّد قضاء الشهوة، بل قصد أن يكون على النحو الّذي يحقّق ذلك المقصد بخصائصه من تكوين الأُسرة الّتي شرع أحكامها التفصيلية في القرآن الكريم.

وعلى هذا الأساس فإنّ الاستمتاع مجرّداً عن الإنجاب وبناء الأُسرة، يُحبط مقصد الشارع من كلّ أصل تشريع النكاح.(2)

أقول: عزب عن الدكتور أنّ الإنجاب وتشكيل الأُسرة من فوائد النكاح ومصالحه، ولأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منه بشهادة أنّه يصحّ الزواج مع القطع بعدم الإنجاب، كما في الصور التالية:


1 . أُصول الفقه:223، ولاحظ أيضاً ص 233منه.
2 . الدكتور الدريني في تقديمه لكتاب (الأصل في الأشياء الحلية).


(98)

1. زواج العقيم بالمرأة الولود.

2. زواج المرأة العقيم بالرجل المُنجب.

3. زواج العقيمين.

4. زواج اليائسة.

5. زواج الصغيرة.

6. نكاح الشاب بالشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.

ولأجل انقسام ما يدلل به الأحكام إلى قسمين: علّة وحكمة، اختلف الفقهاء في تفسير الحكمة الواردة في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الهرّة: «إنّها ليست بنجس، إنّها من الطّوافين عليكم و الطّوافات».(1)

فلو كان المفهوم من الرواية أنّ الطواف علّة الحكم وأنّه يدور مداره صحّ إلحاق الحيوانات الأُخرى كالفأرة وغيرها بها، وأمّا لو قلنا بأنّه حكمة الحكم لا علّته لتوقف الإلحاق.

7. منصوص العلّة والعمل بالسنّة

إذا نصّ الشارع على علّة الحكم وملاكه، أي ما يدور الحكم مداره على نحو لا يتخلّف الحكم عنه، كما إذا قال الخمر حرام لأنّه مسكر، فإلحاق سائر المسكرات به ليس عملاً بالقياس المصطلح، بل عمل بالسنّة الشريفة والضابطة الكلية، ولنذكر مثالاً على ذلك:

روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الإمام الرضا (عليه السلام) ، أنّه قال: «ماء البئر واسع لا يُفسده شيء، إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فيُنزح حتّى يذهب الريح،


1 . سنن الترمذي:1/154، كتاب الطهارة، رقم الحديث92.


(99)

ويطيب طعمه، لأنّ له مادة».(1)

فإنّ قوله: «لأنّ له مادة» بما أنّه تعليل لقوله: «لا يفسده شيء» يكون حجّة في غير ماء البئر أيضاً، فيشمل التعليل بعمومه، ماء البئر، وماء الحمام والعيون وصنبور الخزّان الكرّ وغيرها، فلا ينجس الماء إذا كان له مادة، فالعمل عندئذ بظاهر السنّة لا بالقياس، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحته دفعة واحدة.

وبعبارة أُخرى: يكون العمل بالملاك المنصوص، عملاً بظاهر السنّة لا بالقياس، وشأن المجتهد وعمله ليس إلاّ تطبيق الضابطة الّتي أعطاها الشارع على جميع الموارد دفعة واحدة، فليس هناك أصل ولا فرع، ولا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة والفروع بأجمعها داخلة تحتها.

وإن شئت قلت: هناك فرق بين استنباط الحكم عن طريق القياس وبين استنباط الحكم عن طريق تطبيق القاعدة المعطاة على مواردها.

ففي الأوّل ـ أي استنباط الحكم عن طريق القياس ـ يتحمّل المجتهد جُهداً في تخريج المناط، ثمّ يجعل الموضوع الوارد في الدليل أصلاً، والّذي يريد إلحاقه به فرعاً.

وأمّا الثاني فيكفي فيه فهم النصّ لغة بلا حاجة إلى الاجتهاد، ولا إلى تخريج المناط، فيكون النصّ دالاً على الحكمين بدلالة واحدة.

يقول سبحانه:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ)(2) دلّت الآية على وجوب الاعتزال في


1 . وسائل الشيعة1، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.
2 . البقرة:222.


(100)

المحيض، وعلّل بكونه أذى، فلو دلّت الآية على كونه تمام الموضوع للحكم فيتمسّك بها في غير المحيض إذا كان المسّ أذى كالنفاس وليس ذلك من مقولة العمل بالقياس، بل من باب تطبيق الضابطة على مواردها.

وبذلك يعلم ما في كلام الأُستاذ:«محمد أبو زهرة» حيث زعم أنّ نفاة القياس يرفضون النص وقال: إنّ تعليل النصوص هو أساس الخلاف بين مثبتي القياس ونفاته، فنفاته نفوا التعليل فقصروا النصوص على العبارة، ومثبتوه أثبتوا التعليل، فاعتبروا القياس إعمالاً للنصوص.

وقال أيضاً: وفي الحق أنّ نفاة القياس قد أخطأوا إذ تركوا تعليل النصوص، فقد أدّاهم إهمالهم إلى أن قرّروا أحكاماً تُنفيها بداهة العقول، فقد قرّروا أنّ بول الآدمي نجس للنصّ عليه، وبول الخنزير طاهر لعدم النص، وأنّ لعاب الكلب نجس، وبوله طاهر، ولو اتّجهوا إلى قليل من الفهم لفقه النص ما وقعوا في مناقضة البديهيات على ذلك النحو.(1)

أقول: ما ذكره من أنّ نفاة القياس تركوا تعليل النصوص، كلام مجمل.

فإن أراد الموضع الّذي كان الحكم معلّلاً في نفس النصّ ودلّ الدليل أو القرائن المفيدة للعلم، بأنّه علّة تامة للحكم وليس بحكمة، فيعمل به نفاة القياس، إذ لا يرونه من أقسام القياس، بل عملاً بالنص، إذ ليس هناك أصل ولا فرع، بل الجميع داخل تحت التعليل مرة واحدة، فإذا قال: علّة حرمة الخمر هي الإسكار، فالنبيذ والخمر وغيرهما من المسكرات داخلة تحت التعليل على نسق واحد دون أن يكون هناك أصل وفرع.

وإن أراد الموضع الّذي ورد النص على الحكم ولم يشتمل على التعليل وإنّما


1 . أُصول الفقه:212.


(101)

توصّل المجتهد بجهده وكدّه إلى العلة ومع ذلك لا يعلم أنّها علّة الحكم أو حكمته، وعلى فرض أنّها علّة هل هي علة تامة أو علة ناقصة ؟ فلو أراد هذا فنفاة القياس ما تركوا النص في مورده، وإنّما تركوه فيما ليس مورداً له.

وأمّا ما ذكره من أنّ نفاة القياس قرّروا أحكاماً تنفيها بداهة العقول كطهارة بول الخنزير والكلب، فلا أظن أنّ لهؤلاء نصيباً من الفقه، ولو أنّهم رجعوا إلى أئمّة أهل البيت لوقفوا على أنّ الجميع نجس دون أن يكون هناك حاجة إلى القياس.

فهذا هو الإمام الصادق يقول(عليه السلام):«اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه».(1)

8. تقسيم العلّة باعتبار المناسبة إلى أقسام:

ثمّ إنّهم قسّموا العلل باعتبار المناسبة إلى أقسام اربعة:

1. المناسب المؤثر.

2. المناسب الملائم.

3. المناسب الملغى.

4. المناسب المرسل.

وفسّروا الأوّل بما اعتبره الشارع علّة بأتمّ وجوه الاعتبار، ودلّ صراحة وإشارة على ذلك.

يقول عبد الوهاب خلاّف: مادام الشارع دلّ على أنّ هذا المناسب هو علّة الحكم، فكأنّه دلّ على أنّ الحكم نشأ عنه وأنّه أثر من آثاره، ولهذا سمّاه الأُصوليون «المناسب المؤثر»، وهو العلّة المنصوص عليها، ولا خلاف بين العلماء في بناء


1 . وسائل الشيعة:2، الباب8 من أبواب النجاسات، الحديث2. ولاحظ بقية أحاديث الباب.


(102)

القياس على المناسب المؤثر، ويسمّون القياس بناءً عليه قياساً في معنى الأصل.(1)

أقول: لو كان محط النزاع هو هذا القسم فهو ليس من القياس بشيء، فإنّه إذا نصّ الشارع بأنّ الحكم نابع عن هذا الأصل، فلا يبقى هناك شكّ في أنّ الحكم يدور مداره من غير فرق بين الأصل والفرع بل لا أصل ولا فرع.

وفسّروا الثاني ـ أي المناسب الملائم ـ بأنّه هو الّذي لم يعتبره الشارع بعينه علّة لحكمه في المقيس عليه وإن كان قد اعتبره علّة لحكم من جنس هذا الحكم في نص آخر، ومثّلوا له بالحديث القائل: «لا يُزوِّجُ البكرَ الصغيرة إلاّ وليّها» ففي رأي أصحاب القياس أنّ الحديث اشتمل على وصفين كلّ منها صالح للتعليل وهو الصغر والبكارة، وبما أنّه علّل ولاية الولي على الصغيرة في المال في آية: (وَابْتَلُوا الْيَتامَى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ)(2)، ومادام الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على المال، والولاية على المال والولاية على التزويج نوعان من جنس واحد هو الولاية، فيكون الشارع قد اعتبر الصغر علّة للولاية على التزويج بوجه من وجوه الاعتبار، وبهذا يقاس على البكر الصغيرة من في حكمها من جهة نقص العقل وهي المجنونة أو المعتوهة، وتقاس عليها أيضاً الثيّب الصغيرة.

أقول: وبذلك أسقطوا دلالة لفظ البكارة من الحديث مع إمكان، أن تكون جزءاً من التعليل، كما هو مقتضى جمعها مع الصغر لو أمكن استفادة التعليل من أمثال هذه التعابير.(3)

وفسّـروا الثالث بما ألغى الشارع اعتباره مع أنّه مظنّة تحقيق المصلحة، أي


1 . مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نصّ فيه:45.
2 . النساء:6.
3 . الأُصول العامة للفقه المقارن:298.


(103)

بناء الحكم عليه من شأنه أن يحقّق مصلحة، ولكن دلّ دليل شرعي على إلغاء اعتبار هذا المناسب ومنع بناء الحكم الشرعي عليه.

ومثّلوا له بفتوى من أفتى أحد الملوك بأنّ كفّارته في إفطار شهر رمضان هو خصوص صيام شهرين متتابعين، لأنّه وجد أنّ المناسب مع تشريع الكفّارات ردع أصحابها عن التهاون في الإفطار العمدي، ومثل هذا الملك لاتّهمه بقية خصال الكفّارة لتوفّر عناصرها لديه، فإلزامه بالصيام أكثر مناسبة لتحقيق مظنّة الحكمة من التشريع.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ التعيين يخالف حكم الشارع بأنّ وجوب الخصال الثلاث من باب التخيير مطلقاً ملكاً كان أو رعية; فمثل هذا يعدّ نوع تقدّم على اللّه سبحانه قال تعالى: (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ).(2)

أضف إلى ذلك أنّه من قبيل القياس المهجور، أي التماس العلل وعرض النصوص عليها والتصرف فيها حسب ما يناسب العلل المستنبطة، وهذا المستنبط تخيّل أنّ الغاية الوحيدة من إيجاب الخصال هو تعذيب المفطر لكي لا يعود إلى الإفطار وهو لا يحصل إلاّ بإيجاب صيام شهرين متتابعين. فنفى التخيير وأوجب عليه التعيين، لكنّه تصرّف خاطئ، إذ ليس للعقول التماس العلل والكشف عن واقعها ثمّ تطبيق النصوص عليها، فكأنّ العقل، مشرّع له ان يقيّد إطلاق النص، دون أن يكون هناك اضطرار أو حرج أو ضرر، بل أقصى ما هناك مصلحة متخيّلة يمكن أن تكون الغاية أحد الأمرين:

1. ردع المتهاون في الإفطار العمدي.


1 . مصادر التشريع الإسلامي لخلاف:46.
2 . الحجرات:1.


(104)

2. إطعام الفقراء وإشباع بطونهم أو كسوتهم.

وفسّر الرابع بأنّه هو الّذي يظهر للمجتهد أنّ بناء الحكم عليه لابدّ أن يحقّق مصلحة ما مع أنّ الشارع لم يقم على اعتباره أو إلغائه أي دليل.

أقول: إنّ هذا داخل في البحث عن المصالح المرسلة ولا يمتّ إلى القياس بشيء.

فاتّضح من ذلك أنّ القسم الأوّل خارج عن محط النزاع، وهو عمل بالنص في كلا الموردين.

كما أنّ القسم الثاني مخدوش بعدم العلم بكون الصغر علّة تامة في كلا الموردين، بل يحتمل أن يكون للبكارة في النكاح مدخلية وإن لم يكن كذلك في مورد المال.

وأمّا القسم الثالث فهو من قبيل التماس العلل لصرف النصوص عليها، وهو محظور عقلاً وشرعاً.

وأمّا الرابع فهو الوصف الذي لم يرتّب الشارع حكماً على وفقه ولم يدلّ دليل شرعي على اعتباره ولا على إلغاء اعتباره فهو مناسب أي يحقّق مصلحة، ولكنّه مرسل أي مطلق عن دليل اعتبار ودليل إلغاء، وهذا هو المسمّى بالمصالح المرسلة(1) الّتي سيوافيك بيانها.

9. قياس الأولوية

إنّ للأُصوليّين مصطلحات ثلاثة متقاربة، وهي:

أ. لحن الخطاب.


1 . علم أُصول الفقه: 82.


(105)

ب. فحوى الخطاب.

ج. دليل الخطاب.

أمّا الأوّل فهو ما حذف من الكلام شيء ولا يستقل المعنى إلاّ به، كقوله سبحانه: (فَأَوحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ).(1)

أي ضرب فانفلق.

وأمّا الثاني فهو ما يسمّى أيضاً بتنبيه الخطاب ومفهوم الموافقة، وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى، وهو نوعان:

1. تنبيه بالأقل على الأكثر كقوله سبحانه: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفّ).(2)

فإذاحرم التأفيف، حرم الشتم والضرب بطريق أولى.

ومثله قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأمَنْهُ بِدِينار لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ).(3)

فإذا كان الرجل غير مأمون بدينار، فأولى أن يكون كذلك بالنسبة إلى ألف دينار.

2. وتنبيه بالأكثر على الأقل، كقوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ).(4)

فمن كان يؤتمن على القنطار، فأولى أن يكون كذلك في الأقلّ منه.

وأمّا الثالث ـ أعني: دليل الخطاب ـ فهو مفهوم المخالفة الّذي يبحث عنه في باب المفاهيم.

والّذي يهمّنا في المقام أنّ فهم الخطاب أو مفهوم الموافقة أو قياس الأولوية


1 . الشعراء:63.
2 . الإسراء:23.
3 . آل عمران:75.
4 . آل عمران:75.


(106)

ليس عملاً بالقياس بل عمل بالحجة، لأنّ المفهوم الموافق مدلول عرفي يقف عليه كلّ مَن تدبّر في الموضوع.

وبذلك يعلم أنّ بعض ما استدلّ به على حجّية القياس من مقولة القياس الأولوي، كقوله (عليه السلام) : «فدين اللّه أحقّ بالقضاء»، كما سيوافيك.

10. تنقيح المناط

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف وخصوصيات لا يراها العرف دخيلة في الموضوع ويتلقّاها من قبيل المثال، كما إذا ورد في السؤال: رجل شكّ في المسجد بين الثلاث والأربع فأجيب بأنّه يبني على كذا، فإنّ السائل وإن سأل عن الرجل الّذي شكّ في المسجد، لكنّه يتلقّى العرف تلك القيود، مثالاً، لا قيداً للحكم، أي بأنّه يبني على كذا، فيعمّ الرجل والأُنثى، ومَن شكّ في المسجد والبيت.

إنّ تنقيح المناط على حدّ يساعده، الفهم العرفي ممّا لا إشكال فيه، ولا صلة له بالقياس، إذ لا أصل ولا فرع، بل الحكم يعمّ الرّجل والأُنثى، والشاك في المسجد والبيت، بنفس الدليل مرة واحدة.

ولعلّ من هذا القبيل قصة الأعرابي حيث قال: هلكت يا رسول اللّه، فقال له: «ما صنعت؟» قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، قال: «اعتق».(1)

والعرف يساعد على إلغاء القيدين وعدم مدخليتهما في الحكم.

1. كونه أعرابياً.

2. الوقوع على الأهل.


1 . صحيح مسلم، كتاب الصيام، الحديث187. وقد روي بطرق مختلفة وباختلاف يسير في المتن.


(107)

فيعمّ البدوي والقروي والوقوع على الأهل وغيره فيكون الموضوع من أفطر بالوقاع في صوم رمضان.

إنّ تنقيح المناط من المزالق للفقيه، وربّما يُلغي بعض القيود باستحسان، أو غيره مع عدم مساعدة العرف عليه، فعليه الاحتياط التام في تنقيح موضوع الحكم والاقتصار بما يساعد عليه فهم العرف على إلغاء القيد، وإن شك في مساعدة العرف على الإلغاء وعدمها، فليس له تعميم الحكم.

وعلى كلّ حال، فهذه التعميمات، لا صلة لها بالقياس، وإنّما هي استظهار مفاد الدليل واستنطاقه حسب الفهم العرفي.

وهذا ما يعبر عنه في الفقه الإمامي، بإلغاء الخصوصية، أو مناسبة الحكم والموضوع، مضافاً إلى التعبير عنه بـ«تنقيح المناط».

وليعلم أنّ قسماً من الأحكام المستنبطة باسم القياس عند أهل السنّة داخل في هذا العنوان، أي إلغاء الخصوصية حسب فهم العرف دون أن يكون هناك أصل وفرع، وقد مرّ أنّ مثل هذا من مقولة المداليل العرفية وإن لم تكن مصرحاً بها، وإليك بعض الأمثلة:

1. دلّ قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوا إِلى ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)(1)، على ترك البيع وقت النداء. ومن المعلوم أنّ ذكر البيع من باب المثال الشائع والعلّة هو كونه شاغلاً عن الصلاة، فعندئذ فلا فرق بين البيع والإجارة والرهن أو أي معاملة من المعاملات وقت النداء. بل كلّ فعل يُشغل الإنسان عن الصلاة وإن كان مذاكرة علمية، وليس هذا من مقولة القياس كما توهّمه الأُستاذ عبد الوهاب خلاف.(2)


1 . الجمعة:9.
2 . علم أُصول الفقه:60.


(108)

2. قد ثبت بالنص أنّ قتل الوارث مورّثه لغاية الحصول على الإرث عاجلاً يحرمه من الإرث. فلو فرضنا وجود نفس تلك الغاية في قتل الموصى له للموصي يكون محروماً من مال الوصية، لأنّ قتله فيه كان لأجل استعجال الشيء قبل أوانه، فيرد عليه قصده ويعاقب بحرمانه. هذا إذا ثبت أنّ القتل كان لتلك الغاية.

3. لو ورد في النصّ أنّ الورقة الموقع عليها بالإمضاء حجّة على الموقّع فيلحق بها الورقة المبصومة بالأصبع، وذلك لأنّ الميزان في الحجية هو العلم بشخصية الممضي وهو تارة يحصل بإمضائه وأُخرى ببصمة إصبعه.

فعلى القائلين بالقياس استخراج هذه الأمثلة ـ الّتي تساعد العرف على إلغاء الخصوصية ـ عن مقولة القياس.

11. التشابه غير التماثل

من الأُمور الّتي يجب أن يركّز عليها هو الفرق بين تشابه الأمرين وتماثلهما. فالتماثل عبارة عن دخول شيئين تحت نوع واحد وطبيعة واحدة، فالتجربة في عدة من مصاديق طبيعية واحدة يفيد العلم بأنّ النتيجة لطبيعة الشيء لا لأفراد خاصة، ولذلك يقولون: إنّ التجربة تفيد العلم، وذلك بالبيان التالي:

مثلاً: إذا أجرينا تجربة على جزئيات من طبيعة واحدة، كالحديد، تحت ظروف معينة من الضغط الجوي، والجاذبية، والارتفاع عن سطح البحر، وغيرها مع اتّحادها جميعاً في التركيب، فوجدنا أنّها تتمدد مقداراً معيناً، ولنسمّه(س)، عند درجة خاصة من الحرارة ولنسمّها (ح). ثمّ كررنا هذه التجربة على هذه الجزئيات، في مراحل مختلفة، في أمكنة متعددة، وتحت ظروف متغايرة، ووجدنا النتيجة صادقة تماماً: تمدد بمقدار (س) عند درجة (ح). فهنا نستكشف أنّ التمدد بهذا المقدار المعين، معلول لتلك الدرجة الخاصة، فقط، دون غيرها من


(109)

العوامل، وإلاّ لزم أن تكون ظاهرة التمدد بمقدار(س) معلولة بلا علّة، وحادثة بلا جهة، لصدق النتيجة في جميع الظروف، والأمكنة، وهو أمر محال، لأنّ المفروض وحدة الأفراد في جميع الخصوصيات، إلاّ الزمان، والمفروض عدم تأثيره في الحكم. وعلى هذا يحكم العقل بأنّ الحديد، بجميع جزئياته وتراكيبه، يتمدد بمقدار (س) عند درجة (ح).

وأمّا التشابه فهي عبارة عن وقوع فردين مختلفي الطبيعة تحت صفة واحدة توجب التشابه بينهما، وهذا كالخمر والفقاع فإنّهما نوعان وبينهما تشابه وهو الإسكار.

وأوضح من ذلك مسألة الاستقراء، فإنّ ما نشاهده من الحيوانات البرية والبحرية، أنواع مختلفة. فلو رأينا هذا الحيوان البري وذلك الحيوان البحري كلّ يحرك فكّه الأسفل عند المضغ نحكم بذلك على سائر الحيوانات من دون أن تكون بينها وحدة نوعية أو تماثل في الحقيقة، والدافع إلى ذلك التعدّي في الحكم هو التشابه والاشتراك الموجود بين أنواع الجنس الواحد رغم اختلافها في الفصول والأشكال، ومن هنا لا يمكن الجزم بالحكم والنتيجة على وجهها الكلي لإمكان اختلاف أفراد نوعين مختلفين في الحكم.

وبذلك يعلم أنّ القياس عبارة عن إسراء حكم مشابه إلى مشابه لا حكم مماثل إلى مماثل، ومن المعلوم أنّ إسراء الحكم من طبيعة إلى طبيعة أمر مشكل لا يصار إليه إلاّ إذا كان هناك مساعدة من جانب العرف لإلغاء الخصوصية، وإلاّ يكون الإسراء فعلاً بلا دليل، مثلاً دلّ الكتاب العزيز على أنّ السارق والسارقة تقطع إيديهما، والحكم على عنوان السارق، فهل يلحق به النبّاش الّذي ينبش القبر لأخذ الأكفان؟


(110)

فإنّ التسوية بين العنوانين أمر مشكل، يقول السرخسي:

لا يجوز استعمال القياس في إلحاق النبّاش بالسارق في حكم القطع، لأنّ القطع بالنصّ واجب على السارق، فالكلام في إثبات السرقة حقيقة، وقد قدّمنا البيان في نفس التسوية بين النبّاش والسارق في فعل السرقة.(1)

والحاصل: أنّ هناك فرقاً واضحاً بين فردين من طبيعة واحدة، فيصحّ إسراء حكم الفرد إلى الفرد الآخر لغاية اشتراكهما في الإنسانية، وأنّ حكم الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحد، لكن بشرط أن يثبت أنّ الحكم من لوازم الطبيعة لا الخصوصيات الفردية.

وأمّا المتشابهان فهما فردان من طبيعتين ـ كالإنسان والفرس ـ يجمعهما التشابه والتضاهي في شيء من الأشياء، فهل يصحّ إسراء حكم نوع إلى نوع آخر؟ كلاّ، ولا، إلاّ إذا دلّ الدّليل على أنّ الوحدة الجنسية سبب الحكم ومناطه وملاكه التام.

12. تخريج المناط

إذا قضى الشارع على حكم في محل من دون أن ينصّ بمناطه، مثلاً: إذا حرّم المعاوضة في البُرّ إلاّ مثلاً بمثل، فهل يصحّ تعميم الحكم إلى الشعير وسائر الحبوب بمناط أنّ الجميع مكيل أو موزون أو لا؟وهذا هو بيت القصيد في القياس، فلو أمكن للمستنبط استخراج العلّة التامة للحكم فله أن يقيس، لأنّ المعلوم ـ أي الحكم ـ لا يتخلّف عن علّته. إنّما الكلام في كون المجتهد متمكّناً من استخراج مناط الحكم من الدليل استخراجاً قطعياً لا ظنياً، إذ لا عبرة بالظن ما


1 . أُصول السرخسي:2/157.


(111)

لم تثبت حجّيته، وقد ذكروا لاستخراج المناط طرقاً مختلفة. وأشهرها هو استخراجها بالسبر والتقسيم.

قال الأُستاذ عبد الوهاب خلاّف: السبر معناه الاختبار، ومنه المسبار. و التقسيم هو حصر الأوصاف الصالحة لأن تكون علّة في الأصل، وترديد العلّة بينها بأن يقال: العلّة إمّا هذا الوصف أو هذا الوصف، فإذا ورد نصّ بحكم شرعي في واقعة ولم يدلّ نص ولا إجماع على علّة هذا الحكم، سلك المجتهد للتوصل إلى معرفة علّة هذا الحكم مسلك السبر والتقسيم: بأن يُحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم، وتصلح لأن تكون العلّة وصفاً منها، ويختبرها وصفاً وصفاً على ضوء الشروط الواجب توافرها في العلّة، وأنواع الاعتبار الّذي تعتبر به، بواسطة هذا الاختبار يستبعد الأوصاف الّتي لا تصلح أن تكون علّة، ويستبقي ما يصلح أن يكون علّة، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف علّة.(1)

وما ذكره الأُستاذ خلاّف سهل في مقام البيان، ولكنّه شاق في مقام التطبيق، وذلك للبيان التالي:

أوّلاً: نحتمل أن يكون الحكم في الأصل معللاً عند اللّه بعلّة أُخرى غير ما ظنّه القائس، أعني كونه صغيراً أو قاصر العقل، في قوله: «لا يزوّج البكر الصغيرة إلاّ وليّها» حيث ألحق بها أصحاب القياس الثيب الصغيرة، بل المجنونة والمعتوهة، وذلك بتخريج المناط وانّه هو قصور العقل وليس للبكارة مدخلية في الحكم، فهل يمكن ادّعاء القطع بذلك، وقد قال سبحانه: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَليلاً)؟(2)


1 . علم أُصول الفقه :84.
2 . الإسراء:85.


(112)

إذ الإنسان لم يزل في عالم الحسّ تنكشف له أخطاؤه، فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة، فكيف بملاكات الأحكام ومناطاتها المستورة على العقل إلاّ في موارد جزئية كالإسكار في الخمر، أو إيقاع العداء والبغضاء في الميسر، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات؟ وأمّا ما يرجع إلى العبادات والمعاملات خصوصاً فيما يرجع إلى أبواب الحدود والديات فالعقل قاصر عن إدراك مناطاتها الحقيقية وإن كان يظن شيئاً.

قال ابن حزم: وإن كانت العلّة غير منصوص عليها، فمن أيّ طريق تعرف ولم يوجد من الشارع نصّ يبين طريق تعرفها؟ وترك هذا من غير دليل يعرف العلّة ينتهي إلى أحد أمرين: إمّا أنّ القياس ليس أصلاً معتبراً، وإمّا أنّه أصل عند اللّه معتبر ولكن أصل لا بيان له وذلك يؤدي إلى التلبيس، وتعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، فلم يبق إلاّ نفي القياس.

ثانياً: لو افترضنا أنّ المقيس أصاب في أصل التعليل، ولكن من أين يعلم أنّها تمام العلّة، ولعلّها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضم إليه في الواقع ولم يصل القائس إليه؟

ثالثاً: احتمال أن يكون القائس قد أضاف شيئاً أجنبياً إلى العلّة الحقيقية لم يكن له دخل في المقيس عليه.

رابعاً: احتمال أن يكون في الأصل خصوصية في ثبوت الحكم وقد غفل عنها القائس، ويعلم ذلك بالتدبّر في الأمثلة التالية:

1. قياس الولاية في النكاح بالميراث

يقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في الميراث المقيس عليه.

فيقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في ولاية النكاح المقيس.


(113)

فإنّ علّة التقديم في الميراث امتزاج الإخوة وهو الجامع

2. قياس الجهل في المهر بالبيع

إنّ الجهل بالعوض يفسد البيع بالاتّفاق المقيس عليه

فالجهل بالمهر يفسد النكاح المقيس

لوجود المعاوضة والجهل فيها الجامع

3. قياس ضمان السارق بالغاصب

إنّ الغاصب يضمن إذا تلف المال تحت يده المقيس عليه

والسارق أيضاً يضمن وإن قطعت يده المقيس

تلف المال تحت اليد العادية الجامع

فإنّ تخريج المناط في هذه الموارد وعشرات من أمثالها تخريجات ظنية وهي بحاجة إلى قيام الدليل، وإلاّ فيمكن أن يكون للميراث خصوصية غير موجودة في النكاح أو يكون الجهل بالعوض مفسداً في البيع دون النكاح، لأنّ البيع مبادلة بين المالين بخلاف النكاح فإنّه علاقة تجمع بين شخصين، فالعلّة هو الجهل بالعوض لا الجهل بالمهر، والمهر ليس عوضاً.

ولأجل أنّ سلوك هذا الطريق مخطور جداً وأين للعقل الفردي الإحاطة بأسرار التشريع ومناطاته حتّى يقف عن طريق السبر والتقسيم على ما هو المناط، نرى أنّ الإمام الشافعي يشدّد الأمر في المقام ويقول: ليس للحاكم أن يقبل، ولا للوالي أن يدع أحداً، ولا ينبغي للمفتي أن يفتي أحداً إلاّ متى ما يجتمع له أن يكون عالماً علم الكتاب... وعالماً بلسان العرب عاقلاً يميز بين المشتبه، ويعقل


(114)

القياس، فإن عدم بعضاً من هذه الخصال لم يحل له أن يكون قياساً.

ثمّ إنّ أبا زهرة بعد أن نقل هذا الكلام من الشافعي يقول: وفي الحقّ أن تعرف العلل واستخراجها من النصوص والأحكام هو عمل الفقيه الحاذق الّذي عالج النصوص وتحرى فهمها فهماً عميقاً، وتعرف مقاصد الشريعة في عمومها وفي خصوصها.(1)

والّذي يغرّ القائلين بالقياس في إمكان استخراج المناط هو الاستشهاد بأمثلة يكون المناط فيها واضحاً، مثلاً يقول الغزالي مثاله: أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب ينوطه به وتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة فيجب حذفها عن درجة الاعتبار حتّى يتسع الحكم: مثاله إيجاب العتق على الأعرابي حيث أفطر في رمضان بالوقاع مع أهله فإنّا نلحق به أعرابياً آخر بقوله (عليه السلام) : حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، أو بالإجماع على أنّ التكليف يعمّ الأشخاص ولكنّا نلحق التركي والعجمي به، لأنّا نعلم أنّ مناط الحكم وقاع مكلّف لا وقاع أعرابي ونلحق به من أفطر في رمضان آخر، لأنّا نعلم أنّ المناط هتك حرمة رمضان لا حرمة ذلك الرمضان، بل نلحق به يوماً آخر من ذلك الرمضان; ولو وطأ أمته أوجبنا عليه الكفّارة، لأنّا نعلم أنّ كون الموطوءة منكوحة لا مدخل له في هذا الحكم، بل يلحق به الزنا، لأنّه أشدّ في هتك الحرمة، إلاّ أنّ هذه إلحاقات معلومة تنبئ على تنقيح مناط الحكم بحذف ما علم بعادة الشرع في موارده ومصادره في أحكامه أنّه لا مدخل له في التأثير.(2)

أقول: ما ذكره من المثال خارج عن محط النزاع لما عرفت من أنّ حذف


1 . أُصول الفقه:230.
2 . المستصفى:2/232، ط مصر.


(115)

الخصوصية في حديث الأعرابي انّما هو من المداليل العرفية.

إنّما الكلام في الموارد الصعبة الّتي يتحير العقل في أنّ ما استخرجه هو المناط أو المناط غيره.

وعلى فرض كونه مناطاً فهل هو مناط تام، أو جزء المناط؟ وبذلك يعلم أنّ أكثر من يستدلّ على حجّية القياس بإمكان استخراج مناطه يمثل بالخمر والنبيذ.

قال الأُستاذ خلاّف: وكذا ورد النصّ بتحريم شرب الخمر ولم يدلّ نص على علّة الحكم، فالمجتهد يردّد العلية بين كونه من العنب أو كونه سائلاً أو كونه مسكراً، ويستبعد الوصف الأوّل لأنّه قاصر، والثاني لأنّه طردي غير مناسب، ويستبقي الثالث فيحكم بأنّه علّة.(1)

خاتمة المطاف في مرتبته في الحجّية

إنّما يحتج بالقياس ـ على القول بحجّيته ـ ، إذا لم يكن دليل نقلي كالكتاب والسنّة، أو إجماع من الفقهاء على حكم الموضوع، لأنّ حجّية القياس محدّدة بـ«ما لا نصّ فيه»، ولو افترضنا وجود النص، ينتفي القياس بانتفاء موضوعه.

قال عبد الوهاب خلاف: مذهب جمهور علماء المسلمين أنّ القياس حجّة شرعية على الأحكام العلمية، وأنّه في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية، بحيث إذا لم يوجد في الواقعة حكم بنص أو إجماع، وثبت أنّها تساوي واقعة نُصَّ على حكمها، في علّة هذا الحكم، فإنّها تقاس بها ويحكم فيها بحكمها، ويكون هذا حكمها شرعاً، ويسع المكلّف اتّباعه و العمل به، وهؤلاء يطلق عليهم: مثبتو


1 . علم أُصول الفقه:85.


(116)

القياس.(1)

وقال الأُستاذ محمد مصطفى شلبي: كان على المجتهد الباحث عن أحكام اللّه إذا لم يجد الحكم في كتاب اللّه أو في سنّة رسول اللّه أو فيما أجمع عليه في عصر سابق، أن يبحث في الوقائع الّتي ثبت لها حكم بواحد من الأدلّة الثلاثة السابقة، عن واقعة تشبه الّتي يبحث عن حكمها، فإذا وجدها بحث عن المعنى الّذي من أجله شُـرّع حكمها وهو المسمّى في الاصطلاح بعلّة الحكم، فإذا عرفه ووجد أنّه موجود في الواقعة الجديدة غلب على ظنّه أنّهما متساويان في الحكم بناء على تساويهما في العلّة فيلحقها بها ويثبت لها حكمها.

وهذه العملية هي الّتي تسمّى القياس. وهو دليل نصبه الشارع لمعرفة الأحكام، لكنّه لا يلجأ إليه إلاّ إذا لم يجد ما هو أقوى منه، ولذلك كان في المرتبة الرابعة في قائمة الأدلّة.(2)

هناك عدّة ملاحظات:

الأُولى: إذا كان القياس دليلاً في ما لم يكن هناك دليل شرعي من الكتاب والسنّة والإجماع، فكيف يخصّص به عموم الكتاب وإطلاقه حيث ذهب الأئمّة الأربعة والإمام الأشعري وجماعة من المعتزلة كأبي هاشم وأبي الحسين البصري إلى جوازه(3)، مع أنّ موضوعه ما لا نصّ فيه والإطلاق والعموم دليل في المسألة.

وتوهّم أنّ القياس خاص، والخاص يقدّم على العام، غير تام، وذلك لأنّ الخاص إنّما يقدّم على العام في ما إذا ثبتت حجّيته في مقابل الكتاب، كالخبر المتواتر أو المستفيض أو خبر الواحد ـ على قول ـ لا ما إذا حدّدت حجّيته بـقيد «ما لا نصّ فيه» والمراد من النصّ مطلق الدليل والإطلاق والعام دليلان ومع


1 . علم أُصول الفقه:61.
2 . أُصول الفقه الإسلامي:189.
3 . لاحظ الإحكام للآمدي:2/213; تيسير التحرير:1/321.


(117)

وجودهما لا موضوع للقياس حتّى يكون حجّة فيقدم عليه.

الثانية: إذا كانت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) حجّة بنصّ حديث الثقلين وثبت عند الفقيه السنّي صحّة الحديث المروي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) كان عليهم الأخذ بالحديث مكان الأخذ بالقياس لعدم الموضوع للقياس بعد صحّة الخبر.

ولا عذر لهم في ترك التحرّي والتحقيق في الأحاديث المروية عن علي وأولاده (عليهم السلام) .

الثالثة: انّ الأُستاذ مصطفى شلبي صرّح بأنّ الموجود في ذهن المجتهد هو غلبة الظن بأنّهما متساويان في الحكم، والتساوي فيه فرع الظن بالتساوي في العلّة، وإلاّ فلو كان هناك علم بالتساوي في العلّة التامة، لحصل العلم بالتساوي في الحكم، كما هو الحال في الحكم بحرمة النبيذ للعلم بتساويه مع الخمر في العلّة، وعندئذيسأل ما هو الدليل على حجّية هذا الظن الّذي يبني عليه الفقه الإسلامي في مختلف الأبواب وسيوافيك دراسة أدلّته.

هذه هي الأُمور الّتي ذكرناها تسلّط الضوء على المقصود، فها نحن نذكر أدلّة نفاة القياس.

ثمّ نذكر أدلّة مثبتيه أيضاً، وذلك في فصلين:


(118)

الفصل الأوّل

أدلّة نفاة القياس

قد نسب إلى نفاة حجّية القياس أدلّة غير تامّة غالباً، فنحن نعرض عنها ونأتي بما هو الصحيح المتقن عندنا في عدم حجّيته:

وقد نقل الشيخ الطوسي أدلّة نفاة القياس وقال:«على جميعها اعتراض»، ثمّ ذكر الاعتراضات، ومن حاول التفصيل فليرجع إلى عدة الأُصول:2/667ـ 668.

الشكّ في الحجّية يساوق القطع بعدمها

إنّ الأثر تارة يترتّب على الوجود الواقعي للشيء كتحريم الخمر المترتّب على الخمر الواقعي، وأُخرى يترتّب على واقعه ومشكوكه معاً، كالطهارة حيث إنّ الطاهر الواقعي ومشكوك الطهارة كلاهما محكومان بالطهارة واقعاً أو ظاهراً.

وثالثة أُخرى يترتّب على الوجود العلمي للشيء بأن يكون معلوماً للمكلّف.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المراد من الحجّة في المقام هو ما يحتجّ به المولى على العبد، والعبد على المولى.

والغاية من جعل شيء ـ كالظن ـ حجّة هو كونه منجزاً للواقع إذا كان


(119)

مصيباً، وموافقاً للواقع، ومعذّراً للمكلّف إذا كان مخالفاً له، وهذا ما يعبّر عنه في علم الأُصول بأنّ الغاية من الحجية، هو المنجّزية والمعذّرية.

هذا من جانب ومن جانب آخر، انّ المنجزية المعذرية ليستا من آثار الحجّة الواقعية و إن لم يقف عليها المكلّف،إذ في ظرف عدم الوقوف عليها، تكون البراءة الشرعية والعقلية محكّمة لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون»، وحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.

فعلى ضوء هذين الأمرين ففي ظرف الشكّ في حجّية ظن من الظنون كخبر الواحد أو القياس يكون الشاك قاطعاً بعدم الحجّية، وينتج الشك في الحجّية، القطع بعدمها، لما عرفت من أنّ الغاية منها هو المنجزية والمعذرية، وهما من آثار معلوم الحجّية لا مشكوكها.

وهنا بيان آخر ربّما يكون أوضح من السابق وهو:

إنّ البدعة أمر محرم إجماعاً من غير خلاف; وهي عبارة عن إدخال ما يعلم أنّه ليس من الدين أو يشكّ انّه منه، في الدين; والاعتماد على الظن الذي لم يقم دليل على جواز العمل والإفتاء على وفقه، التزام بكون مؤدّاه حكم اللّه في حقّه وحقّ غيره، وهذا هو نفس البدعة، لأنّه يُدخل في الدين ما يشكّ انّه من الدين.

وبعبارة أُخرى: انّ العمل بالظن عبارة عن صحّة إسناد مؤدّاه إلى الشارع في مقام العمل، ومن المعلوم أنّ إسناد المؤدّى إلى الشارع والعمل به إنّما يصحّ في حالة الإذعان بأنّ الشارع جعله حجّة، وإلاّ يكون الإسناد تشريعاً قولياً وعملياً دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة، وليس التشريع إلاّ إسناد ما لم يعلم أنّه من الدين إلى الدين.

قال سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً


(120)

وَحَلالاً قُل ءاللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُون).(1)

فالآية تدلّ على أنّ الإسناد إلى اللّه يجب أن يكون مقروناً بالإذن منه سبحانه، وفي غير هذه الصورة يعدّ افتراءً، سواء كان الإذن مشكوك الوجود كما في المقام أو مقطوع العدم، والآية تعمّ كلا القسمين، والمفروض أنّ العامل بالظن شاك في إذنه سبحانه ومع ذلك ينسبه إليه.

وقال سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون).(2)

تجد انّه سبحانه يذم التقوّل بما لا يُعلم حدوده من اللّه، سواء أكان مخالفاً للواقع أم لا، والعامل بالظن يتقوّل بلا علم.

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ الضابطة الكلية في العمل بالظن هي المنع، لكونه تشريعاً قولياً وعملياً محرّماً وتقوّلاً على اللّه بغير علم، فالأصل في جميع الظنون ـ أي في باب الحجج ـ هو عدم الحجّية، إلاّ إذا قام الدليل القطعي على حجّيته.

وعلى ضوء ذلك فنفاة القياس في فسحة من إقامة الدليل على عدم حجّيته، لأنّ الأصل عدم حجّية الظن إلاّ ما قام على حجّيته الدليل، وإنّما يلزم على مثبتي القياس إقامة الدليل القطعي على أنّ الشارع سوّغ العمل بهذا النوع من الظن كما سوغ العمل بخبر الثقة.ولو قام الدليل القطعي على حجّيته، لخرج عن البدعة وصار ممّا أذن اللّه به وأن يعبد وهذا ما ندرسه في الفصل الثاني. فإن ثبت الدليل القاطع على حجّية هذا الظن نخرج من الأصل بالدليل، وإلاّ كان الأصل هو المرجع.


1 . يونس:59.
2 . الأعراف:28.


(121)

الفصل الثاني

أدلّة مثبتي القياس

استدلّ القائلون بالقياس بوجوه من الأدلّة من الكتاب والسنّة والعقل. فلنقدّم البحث فيما استدلّوا به من الآيات.

الآية الأُولى: آية الرد إلى اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :

قال تعالى : (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأمرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْء فَرُدُّوهُ إِلى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُم تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً).(1)

لم تزل الآية يستدلّ بها كابر بعد كابر على حجّية القياس، ولبّ الدليل هو: «أنّ العمل بالقياس رد إلى اللّه سبحانه ورسوله» وإليك التفصيل:

إنّه سبحانه أمر المؤمنين إن تنازعوا واختلفوا في شيء، ليس للّه ولا لرسوله ولا لولي الأمر منهم فيه حكم، أن يردّوه إلى اللّه والرسول، وردّه وإرجاعه إلى اللّه وإلى الرسول يشمل كلّ ما يصدق عليه أنّه ردّ إليهما، ولا شكّ أنّ إلحاق ما لا نصّ فيه بما فيه نصّ لتساويهما في علّة حكم النص; من رد ما لا نصّ فيه إلى اللّه


1 . النساء:59.


(122)

والرسول، لأنّ فيه متابعة للّه ولرسوله في حكمه.(1)

وقال أبو زهرة: وليس الرد إلى اللّه وإلى الرسول إلاّ بالتعرّف على الأمارات الدالّة منهما على ما يرميان إليه، وذلك بتعليل أحكامهما والبناء عليها، وذلك هو القياس.(2)

وقال الشلبي: وفي هذه الآية يأمر اللّه المؤمنين عند الاختلاف والتنازع في شيء ليس للّه ولا لرسوله حكم صريح فيه أن يردّوه إلى اللّه ورسوله، ومعنى الردّ إلى اللّه والرسول إرجاع المختلف فيه إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله، فيلحق النظير بنظيره، وما تنازعته الأشباه يلحق بأقربها شبهاً، ولا يتحقّق ذلك إلاّ في الاشتراك بالعلّة فيؤول الأمر إلى الأمر بالقياس.(3)

ولا يخفى أنّ القوم كلّهم قد ضربوا بسهم واحد بمعنى انّهم عبّروا عن حقيقة واحدة بألفاظ متقاربة.

والّذي يجب علينا هو تحديد معنى «الرد إلى اللّه ورسوله»، ليتبين أنّ العمل بالقياس ردٌّ إلى اللّه ورسوله، أو هو عمل بالظن بأنّه حكم اللّه.

أقول: إنّ الرد إلى اللّه سبحانه ورسوله يتحقّق إمّا بالرجوع إليهم وسؤالهم عن حكم الواقعة قال سبحانه:(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُون).(4)

أو إرجاعها إلى الضابطة الكلّية الّتي ذكرها الرسول، فمثلاً إذا شككنا في لزوم شرط ذكره المتعاقدون في العقد وعدمه، فنرجع إلى الضابطة الّتي ذكرها الرسول في باب الشروط وقال: «إنّ المسلمين عند شروطهم، إلاّ شرطاً حرّم حلالاً


1 . علم أُصول الفقه :61.
2 . أُصول الفقه:207.
3 . أُصول الفقه الإسلامي:200; ولاحظ أُصول السرخسي:2/129 وغيره.
4 . الأنبياء:7.


(123)

أو أحلّ حراماً».

قال القرطبي في تفسير قوله : (فَرُدُّوهُ إلَى اللّهِ وَالرَّسُول) أي ردّوا ذلك الحكم إلى كتاب اللّه، أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر إلى سنّته بعد وفاته. وهذا قول مجاهد والأعمش وقتادة وهو الصحيح ـ إلى أن قال ـ : وقد استنبط عليّ (عليه السلام) ـ مدّة أقلّ الحمل ـ وهو ستّة أشهر من قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)(1) وقوله تعالى:(وَالْوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ)، فإذا فصلنا (2)الحولين من ثلاثين شهراً بقيت ستة أشهر.

وأين هذا(أي الرد إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله)، من الرجوع إلى القياس، لأنّ قياس ما لا نصّ فيه على ما نصّ فيه لأجل تساوي الواقعتين في شيء أو في أشياء نحتمل أو نظنّ أن تكون جهة المشاركة هي العلّة لبناء الحكم، ليس ردّاً إلى اللّه ورسوله، لأنّ العلّة، ليست منصوصة في كلامه أو كلام نبيّه، بل مستنبطة بطريق من الطرق الّتي لا نذعن بإصابتها بل عملاً بالظن بأنّه حكم اللّه.

وبذلك يظهر ضعف ما مرّ من الشيخ أبي زهرة، وذلك لأنّ الاهتداء بتعليل الأحكام إلى نفسها إنّما يصحّ إذا كانت العلّة مذكورة في كلامه سبحانه أو كلام رسوله، لا ما إذا قام العقل الظنّي باستخراج العلّة بالسبر والتقسيم أو بغيرهما من الطرق.

وحصيلة الكلام: أنّه لا مشاحة في الكبرى وهي:

وجوب الرد إلى اللّه ورسوله، وإنّما النزاع في الصغرى وهي: هل العمل بالقياس ردّ إلى اللّه ورسوله، أو عمل بالظن بأنّه حكم اللّه؟ وذلك لأنّ العلّة لو


1 . الأحقاف:5.
2 . البقرة:233.


(124)

كانت منصوصة في كلامه سبحانه أو في كلام نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ما حصل اليقين بكونه العلّة، يصحّ أنّه ردّ إلى اللّه، لأنّه عمل بالتعليل الشامل على الأصل والفرع.

وأمّا إذا كانت العلّة مظنونة، أي نحتمل انّها العلّة أو أنّ العلّة غيرها كما نحتمل أنّه علّة تامّة أو جزء علّة، ومع هذا الاحتمال كيف يصدق عليه أنّه ردّ إلى اللّه ورسوله؟!

وثانياً: انّ الآية نزلت في مورد التخاصم والتحاكم، كما يدلّ عليه قوله سبحانه في نفس الآية:(فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيء فَرُدُّوهُ إِلى اللّهِ وَالرَّسُولِ)، وقوله سبحانه بعد هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُريدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه)(1). ومن المعلوم أنّ الرجوع إلى القياس الظني لا يفضّ نزاعاً ولا يقطع اختلافاً، وإنّما يقطع النزاع الرجوعُ إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله اللّذين لا يختلف فيهما اثنان، ولذلك تختلف فتاوى العلماء القائلين بحجيّة القياس في موارد كثيرة حيث إنّ البعض يرى توفر شروط العمل به دون البعض الآخر، ومثله لا يقطع الخصومة.

وثالثاً: انّ مصب الآية هو التنازع فلو دلّت الآية على حجّية القياس في باب التحاكم لاختصت دلالتها به، وتعميمها إلى باب الإفتاء، يحتاج إلى الدليل والتمسّك بالقياس في هذا المورد،يستلزم الدور، لأنّ حجّية الآية في مورد الإفتاء تتوقّف على حجّية القياس، والمفروض، انّ حجيته موقوف على دلالة الآية.

الآية الثانية: آية الاعتبار

قال سبحانه:(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ


1 . النساء:60.


(125)

لأوّلِ الْحَشرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّهِ فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيِهِمْ وَأَيْدِي الْمؤمِنينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصارِ).(1)

والحشر هو الاجتماع، قال سبحانه: (وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحىً)(2)، وهو كناية عن اللقاء بين اليهود (بني النضير المقيمين في المدينة) والمسلمين.

كيفية الاستدلال

إنّه سبحانه ذكر ما حلّ بهم ونبّه على علّته وسببه ثمّ أمر بالاعتبار وذلك تحذير من مشاركتهم في السبب، فلو لم تكن المشاركة في السبب تقتضي المشاركة في الحكم، ما كان لهذا القول معنىً.(3)

يقول الأُستاذ شلبي: وهو تحذير لهم وبيان أنّ سنّة اللّه في خلقه أنّ ما جرى على الشيء يجري على نظيره وأنّ المسببات مرتبطة بأسبابها، فإذا وجد السبب وجد المسبب، وما القياس إلاّ إلحاق النظير بنظيره في إعطائه حكمَه وربط للحكم بعلته يوجد معهما حينما وجدت، فتكون الآية أمراً بأمر عام يشمل القياس وغيره، والأمر يفيد المشروعية بصرف النظر عن كونه للوجوب أو الندب.(4)

وقال عبد الوهاب خلاّف: وهذا يدلّ على أنّ سنّة اللّه في كونه، أنّ نعمه ونقمه وجميع أحكامه هي نتائج لمقدّمات أنتجتها، ومسببات لأسباب ترتّبت عليها، وأنّه حيث وجدت المقدّمات نتجت عنها نتائجها، وحيث وجدت


1 . الحشر:2.
2 . طه:59.
3 . عدة الأُصول:2/673.
4 . أُصول الفقه الإسلامي:199.


(126)

الأسباب ترتّبت عليها مسبباتها، وما القياس إلاّ سيرٌ على هذا السنن الإلهي وترتيب المسبب على سببه في أيّ محل وجد فيه.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: إنّ المثبت والنافي ركّزوا على تفسير قوله سبحانه: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصارِ)فالمثبت يقول: إنّ لفظ الاعتبار من العبرة، وهو العبور من شيء إلى شيء، فيدلّ على أنّ من وظائف الإنسان هو العبور من شيء إلى مشابهه. فالقياس من تلك المقولة، أي عبور من الأصل إلى الفرع.

ولكن نفاة القياس يركّزون على أنّ المراد هو الاتّعاظ، أي فاتّعظوا بقصة بني النضير، وأين هو من القياس؟!

أقول: سواء أفسِّر الاعتبار بالاتّعاظ أم بالعبور من شيء إلى شيء، فإنّ المرمى في كليهما واحد، لأنّ الاتّعاظ أيضاً لا يخلو من العبور، أي العبور ممّا شاهد إلى ما لم يشاهد.

وبذلك يظهر أنّ النزاع في قوله: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصارِ) نزاع لا طائل تحته. إنّما الكلام في كون الاعتبار بالمسائل الكونية الّتي هي سنن اللّه سبحانه،هل هي من مقولة القياس أو لا صلة لها به؟

والتحقيق هو الثاني، وذلك لأنّ من شرائط العمل بالقياس هو أن لا يكون الدليل الدالّ الّذي دلّ على العلّة، متناولاً حكم الفرع لا بعمومه ولا بخصوصه، فإذا كان الدليل الدالّ على العلّة شاملاً على الفرع والأصل في درجة واحدة غير أنّ أحد المصداقين كان ملموساً والآخر غير ملموس، فهذا خارج عن كونه قياساً. والمقام من تلك المقولة.

توضيحه: انّ الآية بصدد بيان سنّة اللّه في الظالمين من غير فرق بين بني


1 . علم أُصول الفقه:62.


(127)

النضير وغيرهم، و أنّ إجلاء بني النضير من قلاعهم وتخريبهم بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين كان جزاء لأعمالهم الإجرامية ومن مصاديق تلك الضابطة الكلّية حيث إنّه سبحانه وتعالى يعذب الكافر والمنافق والظالم بألوان العذاب ولا يتركه، فليس هناك أصل متيقّن ولا فرع مشكوك حتّى نستبين حكم الثاني من الأوّل بواسطة المشابهة، بل كلّ ذلك فرض على مدلول الآية.

وكم لها من نظائر في القرآن الكريم، قال سبحانه: (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبينَ * هذا بَيَانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقينَ).(1)

وقال سبحانه: (فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظّالِمينَ بِبَعيد).(2)

وأدلّ دليل على أنّ الآية ليست بصدد بيان حجّية القياس، هو أنّك لو وضعت كلمة أهل القياس مكان قوله: (أُولي الأَبْصارِ)فقلت: فاعتبروا يا أهل القياس، لعاد الكلام هزلاً غير منسجم.

وثانياً: نفترض أنّ الآية بصدد بيان أنّ حكم النظير، يستكشف من حكم النظير، ولكن مصبّها هو الأُمور الكونيّة لا الأُمور التشريعية والأحكام الاعتبارية، فتعميم مدلول الآية من الأُولى إلى الثانية يحتاج إلى الدليل، وإثبات التعميم بالتمسّك بالقياس مستلزم للدور.

وثالثاً: نفترض أنّها بصدد إضفاء الحجّية على القياس في التشريع أيضاً، وأنّ حكم الفرع يعلم من الحكم الأصل فيما إذا توفّرت علّة الحكم بينهما بحيث


1 . آل عمران:137ـ 138.
2 . هود:82ـ 83.


(128)

يجعلهما كصنوان على أساس واحد، ولكن ما هو المسلك الكاشف عن توفّر العلّة، فالآية ساكتة عنه، فهل المسلك الكاشف هو:

1. تنصيص الشارع عليها في كلامه؟

2. أو الإجماع على وحدة العلّة؟

3. أو تنقيح المناط حسب فهم العرف من الكلام؟

4. أو تخريج المناط بالسبر والتقسيم؟

وبما أنّ الآية ساكتة عن هذه الجهة فلا يصحّ الاستدلال بها على حجّية القياس على وجه الإطلاق.

الآية الثالثة: آية النشأة الأُولى

قال سبحانه : (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظامَ وَهِيَ رَميمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الّذي أَنْشَأها أَوّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ).(1)

وجه الاستدلال: أنّ الآية الثانية جواب لما ورد في الآية الأُولى، أعني: قوله: (مَنْ يُحْيِي الْعِظامَ وَهِيَ رَميم) فأُجيب بقياس إعادة المخلوقات بعد نشأتها، على بدء خلقها وإنشائها أوّل مرة ليقنع الجاهلين بأنّ من يقدر على خلق الشيء، وإنشائه أوّل مرّة، قادر على أن يعيده مرة ثانية.

وهذا الاستدلال بالقياس، إقرار بحجّيته وصحّة الاستدلال به.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ اللّه سبحانه لم يدخل من باب القياس، وهو أجلّ من أن يُقيس شيئاً على شيء، وإنّما دخل من باب البرهان، فأشار إلى سعة قدرته


1 . يس:78ـ 79.
2 . علم أُصول الفقه :62.


(129)

ووجود الملازمة بين القدرة على إنشاء العظام وإيجادها أوّل مرّة بلا سابق وجود، وبين القدرة على إحيائها من جديد، بل القدرة على الثاني أولى، فإذا ثبتت الملازمة بين القدرتين والمفروض أنّ الملزوم وهي القدرة على إنشائها أوّل مرّة موجودة، فلابدّ أن يثبت اللازم، وهي القدرة على إحيائها وهي رميم، فأين هو من القياس؟!

و لو صحّت تسمية الاستدلال قياساً، فهو من باب القياس الأولوي الذي فرغنا عن كونه خارجاً عن مورد النزاع.

ويدلّ على ذلك أنّه سبحانه لم يقتصر بهذا البرهان، بل أشار إلى سعة قدرته ب آية أُخرى بعدها وقال: (أَوَ لَيْسَ الّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَليمُ).(1)

والآيات كسبيكة واحدة، والهدف من ورائها تنبيه المخاطب على أنّ استبعاد إحياء العظام الرميمة في غير محلّه، إذ لو كانت قدرته سبحانه محدودة لكان له وجه، وأمّا إذا وسعت قدرته كلّ شيء بشهادة أنّه خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً، وخلق السماوات والأرض وخلقها أعظم من الإنسان، لكان أقدر على معاد الإنسان وإحياء عظامه الرميمة.

وليس كلّ استدلال عقلي، قياساً.

وثانياً: سلّمنا دلالة الآية على حجّية القياس، لكن مصبّها هو قياس الأُمور الكونيّة بعضها ببعض فيما إذا كانت الجهة المشتركة بين المقيس والمقيس عليه أمراً واضحاً، كالشمس في رائعة النهار، وأين هذا من القياس في الأُمور التشريعية الاعتبارية في الموارد التي يصل المجتهد فيها إلى الجهة المشتركة بالسبر والتقسيم


1 . يس:81.


(130)

وربّما يظن بالعلة المشتركة، فتعميم مفاد الآية، إلى التشريع لا يصحّ إلاّ بضرب من القياس، والاستدلال عليه بالآية عندئذ يستلزم الدور، كما مرّ نظيره.

الآية الرابعة: آية جزاء الصيد

قال سبحانه: (لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ هَدْياً بِالِغَ الْكَعْبَةِ).(1)

قال الشافعي: فأمرهم بالمثل، وجعل المثّل إلى عدلين يحكمان فيه، فلمّا حُرِّم مأكولُ الصيد عامّاً، كانت لدوابّ الصيد أمثال على الأبدان. فحكم مَن حكم من أصحاب رسول اللّه على ذلك، فقضى في الضَّبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة.(2)

والعلم يحيط أنّهم أرادوا في هذا، المِثْلَ بالبدن لا بالقِيَم، ولو حكموا على القيم اختلفت أحكامهم، لاختلاف أثمان الصيد في البلدان، وفي الأزمان وأحكامهم فيها واحدة.

والعلم يحيط أنّ اليربوع ليس مثل الجفرة في البدن، ولكنّها كانت أقرب الأشياء منه شَبهاً، فجعلت مثله، وهذا من القياس، يتقارب تقارب العنز والظبي، ويبعد قليلاً بُعْدَ الجفرة من اليربوع.(3)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّه تدلّ الآية على أنّه يشترط في الكفّارة أن تكون مماثلة لما قتله من النعم إمّا مماثلة في الخلقة كما هو المشهور أو المماثلة في القيمة كما هو


1 . المائدة:95.
2 . العَناق، هي الأُنثى من أولاد المعز، ما لم يتمّ له سنة، والجفرة ما لم يبلغ أربعة أشهر، وفصل عن أُمّها وأخذ في الرعي.
3 . الرسالة:490ـ491.


(131)

المنقول عن إبراهيم النخعي، وعلى أيّ تقدير فلا صلة له بحجّية القياس في استنباط الأحكام الشرعية وكونه من مصادرها، لأنّ أقصى ما يستفاد من الآية أنّ المُحْرِم إذا قتل الصيد متعمّداً فجزاؤه هو ذبح ما يُشبه الصيد في الخلقة كالبدنة في قتل النعامة، والبقرة في قتل الحمار الوحشي وهكذا، وهل اعتبار التشابه في مورد يكون دليلاً على أنّ الشارع أخذ به في جميع الموارد، أو يقتصر بمورده ولا يصحّ التجاوز عن المورد إلاّ بالقول بالقياس غير الثابت إلاّ بهذه الآية، وهل هذا إلاّ دور واضح؟

إنّ وزان التمسّك بالآية في حجّية القياس نظير الاستدلال عليها بقول الفقهاء في ضمان المثلي بالمثلي والقيمي بالقيمي، حيث اقتصر في براءة الذمّة، بالمماثلة، في العين أو قيمتها.

وثانياً: أنّ محطّ البحث هو كون القياس من مصادر التشريع للأحكام الشرعية الكلّية، وأين هذا من كون التشابه معياراً في تشخيص مصداق الواجب على الصائد؟

وربّما يستدلّ بالآية بوجه آخر، وهو انّه سبحانه أوجب المثل وجعل طريق تشخيص المماثلة هو الظن.

يلاحظ عليه: أنّ حجّية الظنّ في مورد لا يكون دليلاً على اعتباره في سائر الموارد كما سيوافيك.

وقد استدلّ الشوكاني بوجه ثالث قريب من الوجه الثاني هو انّه سبحانه أوجب المثل ولم يقل أيّ مثل فوكّل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا، نظيره أنّه أمر بالتوجّه إلى القبلة بالاستدلال وقال: (حَيْثُ مَاكُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).(1)


1 . البقرة:236.


(132)

يلاحظ عليه: أنّ الشارع وإن ترك لنا تشخيص الموضوعات، إلاّ أنّه جعل لها طرقاً كالبيّنة، وقال «يحكم به ذوا عدل» مضافاً إلى الطرق العلمية في مورد القبلة.

ثمّ إنّ القوم استدلّوا ب آيات أُخرى تفقد الدلالة جدّاً فالأولى صرف عنان الكلام إلى الاستدلال بالسنّة.


(133)

الاستدلال بالسنّة

استدلّ مثبتو القياس بروايات متعدّدة، نذكر منها ما يصلح للدراسة في بدء النظر ونضرب صفحاً عمّا لا يصلح لها.

1. حديث معاذ بن جبل

احتجّ غير واحد من مثبتي القياس بحديث معاذ. فقد روي أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا بعثَ معاذاً إلى اليمن قال له: بم تحكم؟ قال: بكتاب اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول اللّه، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: الحمد للّه الّذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضي اللّه ورسوله.

يقول الشلبي: هذا الحديث أقرّ مبدأ الاجتهاد بالرأي، حيث لا يوجد نصّ من القرآن والسنّة، و الاجتهاد بالرأي عام شامل للقياس وغيره، فيكون القياس مشروعاً بإذن رسول اللّه.(1)

هذا ويظهر من الإمام الشافعي أنّ الاجتهاد يساوي القياس وليس أعمّ منه. قال: فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ ثمّ أجاب: أنّهما اسمان لمعنى واحد.

وقال في موضع آخر: أمّا الكتاب والسنّة فيدلاّن على ذلك، لأنّه إذا أمر


1 . أُصول الفقه الإسلامي:200.


(134)

النبيّ بالاجتهاد، فالاجتهاد أبداً لا يكون إلاّ على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلاّ بدلائل، والدلائل هي القياس.(1)

وقال أبو الحسين البصري: وجه الاستدلال به أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صوّبه في قوله: أجتهد رأيي عند الانتقال من الكتاب والسنّة، فعلمنا أنّ قوله: أجتهد رأيي، لم ينصرف إلى الحكم بالكتاب والسنّة.(2)

يلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فإنّ الاستدلال بحديث معاذ فرع صحّة السند وإتقان الدلالة.

ومن سوء الحظ أنّ السند مخدوش والدلالة مثله.

أمّا السند فإنّ جميع أسانيده تنتهي إلى الحرث بن عمر بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص.(3)

نعم ربّما يحاول تصحيح الحديث بما ذكره الغزالي بقوله:« إنّ الأُمّة تلقّته بالقبول». ولكن خفي عليه بأنّ الاستدلال على القياس به جعله مشهوراً، وتُصوّر أنّ الأُمّة تلقّته بالقبول، حتّى أنّ الجوزقاني قد أورده في «الموضوعات» وقال: هذا حديث باطل، رواه جماعة عن شعبة، وقد تصفّحت هذا الحديث في أسانيد الكبار والصغار، وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه، فلم أجد له طريقاً غير هذا... إلى أن قال: فإن قيل: إنّ الفقهاء قاطبة أوردوه واعتمدوا عليه. قيل: هذا طريقه والخلف قلّد السلف.(4)


1 . الرسالة:477و 505.
2 . المعتمد:2/222.
3 . مسند أحمد:5/230; سنن الدارمي:170; سنن أبي داود:3/303 برقم 3593; سنن الترمذي:3/616 برقم 1328.
4 . عون المعبود شرح سنن أبي داود: 9/510.


(135)

وأمّا الدلالة فيلاحظ عليها أنّها مبنيّة على مساواة الاجتهاد بالقياس أو شموله له، وكلا الأمرين ممنوعان، بل الظاهر أنّ المراد من الاجتهاد هو الاجتهاد في كتاب اللّه وسنّة رسوله حتّى يتوصّل إلى حكم اللّه عن طريقهما.

فإن قلت: لا يصحّ تفسير الاجتهاد في الحديث، بالاجتهاد في كتاب اللّه وسنّة رسوله، لأنّ المفروض أنّه إنّما ينتهي إلى الاجتهاد بعد ما لم يجد حكم الموضوع في كتاب اللّه وسنّة رسوله، وعندئذ لا معنى أن يفسّر قوله: «اجتهد رأيي» أي اجتهد في كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قلت: الأحكام الواردة في القرآن والسنّة على قسمين:

قسم موجود في ظواهر الكتاب والسنّة ولا يحتاج في الوقوف عليه إلى بذل الجهد، بل يعرفه كلّ من يعرف اللغة.

وقسم منه غير موجود في ظواهر الكتاب والسنّة لكن يمكن التوصّل إليها عن طريقهما بالتدبّر فيهما، وهذا هو الاجتهاد الدارج بين العلماء. فأين هذا من القياس الّذي ورد فيه النصّ على حكم الأصل دون الفرع؟!

قال المرتضى: لا ينكر أن يكون معنى قوله: «أجتهد رأيي» أي أجتهد حتّى أجد حكم اللّه تعالى في الحادثة، من الكتاب والسنّة، إذ كان في أحكام اللّه فيهما ما لا يتوصّل إليه إلاّ بالاجتهاد، ولا يوجد في ظواهر النصوص فادّعاؤهم أنّ إلحاق الفروع بالأُصول في الحكم لعلّة يستخرجها القياس، هو الاجتهاد الّذي عناه في الخبر، ممّا لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه.(1)

والحاصل: أنّ الاستدلال بالحديث مبني على اختصاص الاجتهاد بالقياس


1 . الذريعة:2/776.


(136)

أو شموله له وهو موضع شكّ، بل القدر المتيقّن من الحديث هو الاجتهاد المألوف في عصر النبي، وهو بذل الجهد في فهم الكتاب والسنّة وما عليه المسلمون.

وثانياً: كان مصب القضاء غالباً هو الشبهات الموضوعية دون الحكمية، ويمكن فصل الخصومة فيها بقاعدة العدل والإنصاف، أو بما هو المعروف بين العرف والعقلاء، ممّا يرضى به المتخاصمان، وأين هو من القياس في الأحكام الشرعية؟!

وثالثاً: أنّ تجويز القياس في القضاء لا يكون دليلاً على تجويزه في الإفتاء، لأنّ القضاء أمر لا يمكن تأخيره، بخلاف الإفتاء، فالاستدلال بجواز القياس في القضاء على جوازه في الإفتاء، مبنيّ على صحّة القياس، وهو دور واضح.

ورابعاً: أنّ القضاء منصب خطر، إذ به تصان الدماء والأعراض والأموال، كما به تباح النواميس والشؤون الخطيرة، فهل يمكن أن يبعث النبي رجلاً ويخوّل له النبي التصرف في مهام الأُمور، بإعمال الرأي من دون أن يحدّده على وجه يصونه عن الخطأ ومجانبة الواقع والقائلون بحجّية القياس ذكروا لإعمالها شروطاً وموانع لم يكن معاذ يعرف معشارها، ومعه كيف بعثه وقرر عمله بالقياس وهو غير عارف بالشروط والموانع؟! وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المراد من الاجتهاد هو استخراج حكم الواقعة من المصدرين ـ الكتاب والسنّة ـ بالتأمّل فيهما، لا إعمال الرّأي بأقسامه المختلفة الّتي ربّما لا تمس الواقع غالباً.

وهذا يكشف عن وجود خصوصية في معاذ تصدّه عن استعمال الرأي الخارج عن حدود الكتاب والسنّة، وإلاّ لما خوّله أمر القضاء من دون تحديده.

ويشهد على ما ذكرنا ما حكي من سيرة معاذ حيث إنّه لم يكن يجتهد برأيه في الأحكام وإنّما كان يتوقّف حتّى يسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .


(137)

روى يحيى بن الحكم أنّ معاذاً قال: بعثني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُصدِّق أهل اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كلّ ثلاثين تبيعاً، ومن كلّ أربعين مُسِنَّةً قال: فعرضوا عليّ أن آخذ من الأربعين فأبيت ذاك، وقلت لهم: حتّى أسأل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك.

فقدمتُ، فأخبرت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأمرني أن آخذ من كلّ ثلاثين تبيعاً، ومن كلّ أربعين مُسِنَّة.(1)

فإذا كانت هذه سيرته فكيف يقضي بالظنون والاعتبارات؟!

2. حديث الخثعمي

أخرج النسائي عن عبد اللّه بن الزبير قال جاء رجلُ من خثعم إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّ أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب وأدركته فريضة اللّه في الحجّ فهل يجزئ أن أحجّ عنه؟ قال: أنت أكبر ولده، قال: نعم، قال: أرأيت لو كان عليه دينٌ أكنت تقضيه؟ قال: نعم، قال: فحجّ عنه.(2)

وأخرج النسائي عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول اللّه إنّ أبي مات ولم يحجّ أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضية؟ قال: نعم، قال: فدين اللّه أحقّ.(3)

وأخرج النسائي عن عبد اللّه بن عباس: أنّ رجلاً سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أبي أدركه الحجّ وهو شيخٌ كبيرٌ لا يثبت على راحلته فإن شددته خشيت أن يموت، أفأحجّ عنه؟ قال: أرأيت لو كان عليه دينٌ فقضيته أكان مجزئاً؟ قال: نعم. قال:


1 . مسند أحمد:5/240; المسند الجامع:15/230.
2 . سنن النسائي:5/117، باب تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين.
3 . المصدر نفسه.


(138)

فحجّ عن أبيك.(1)

وقد استدلّ بهذا الحديث بصوره المختلفة الّتي رواها النسائي وغيره، على حجّية القياس.

يقول السرخسي: هذا تعليم المقايسة وبيان لطريق إعمال الرأي.(2)

وقال الآمدي: إنّه ألحق دَيْن اللّه بدَيْن الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس.(3)

يلاحظ على الاستدلال بهذا الحديث بصوره المختلفة بوجهين:

الأوّل: أنّ القياس الوارد في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من باب القياس الأولوي، وذلك لأنّه إذا وجب الوفاء بحقوق الناس حسب النص فحقوق اللّه أولى بالقضاء والوفاء ـ كما نصّ به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث ـ و أين هذا من مورد النزاع؟! وقد تقدّم أنّ القياس الأولويّ عمل بالنصّ، لأنّه مدلول عرفي وليس عملاً بالقياس.

الثاني:أنّ القياس من أقسام الاستنباط وهو استخراج حكم الفرع من الأصل بالدقّة وإعمال النظر وبعد التأنّي والتفكير، وذلك لأنّ الحكم يكون في الأصل منصوصاً، وفي الفرع غير منصوص، فيُستنبط حكم الفرع من دليل الأصل بفضل القياس.

ولكن المقام يفقد هذا الشرط، فإنّ الأصل والفرع على صعيد واحد داخلان تحت ضابطة واحدة، وهي وجوب قضاء الدين.

فإنّ اسم الدين يقع على الحجّ كوقوعه على المال، فإذا كان كذلك دخل في


1 . المصدر نفسه.
2 . أُصول الفقه:2/130.
3 . الإحكام:3/78.


(139)

قوله تعالى:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْن)(1). ومع التنبيه على العلّة قد أثبت الحكم في الفرع والأصل معاً، وما هذا حاله لا يدخل في القياس.(2)

وإن شئت قلت: إنّ المخاطب كان يحضره حكم أحد الموردين دون الآخر، فأرشده النبي إلى ما كان يحضره من قضاء دين الناس، حتّى ينتقل إلى حكم ما لا يحضره، بحجة أنّ الموردين من أقسام الضابطة الكلية، أعني: وجوب أداء الحق ممّن عليه، إلى من له، من غير فرق بين كونه من حقوق اللّه أو حقوق الناس.

إنّ ما ورد في هذه الأحاديث ليس من القياس في شيء، بل من قبيل تطبيق الكبرى على الصغرى. فالكبرى ـ و هي مطوية ـ «كلّ دين يقضى» هي في واقعها أعمّ من ديون اللّه وديون الآدميين، وقد طبقها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على دين اللّه لأبيه، فحكم بلزوم القضاء، وأين هذا من القياس المصطلح؟(3)

إنّ المقام أشبه بما يقال: إنّ من شرائط الاستدلال بالقياس أن لا يتناول دليل الأصل، إثبات الحكم في الفرع، وإلاّ لغى التمسّك بالعلّة المشتركة، كما إذا قيل: النبيذ حرام بجامع الإسكار الموجود في الخمر، فإنّ دليل الأصل كاف في إثبات الحكم له من دون حاجة إلى التعليل، وهو قوله: «كلّ مسكر خمر وكلّ مسكر حرام».(4)

وجه الشبه: انّ الكبرى الشرعية: «يجب قضاء الدين» يتناول حكم الفرع


1 . النساء:11.
2 . عدّة الأُصول:2/718.
3 . الأُصول العامّة للفقه المقارن:329.
4 . مباحث العلّة في القياس: 225.


(140)

كما يتناول حكم الأصل، غير أنّ المخاطب كان غافلاً عن أحد الفردين، نبّه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه مثل حق الناس يجب قضاؤه.

3. حديث عمر

عن جابر بن عبداللّه، عن عمر بن الخطاب، قال: هششت فقبَّلتُ وأنا صائم، فقلت: يا رسول اللّه أتيت أمراً عظيماً قبّلتُ وأنا صائم، فقال: «أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟» فقلت: لا بأس بذلك، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ففيم».(1)

قال السرخسي: هذا تعليم المقايسة، فإنّ بالقبلة يُفتتح طريق اقتضاء الشهوة ولا يحصل بعينه اقتضاء الشهوة، كما أنّ بإدخال الماء في الفم يفتح طريق الشرب ولا يحصل به الشرب.(2)

وقال ابن قيم الجوزية: ولولا أنّ حكم المثل حكم مثله، وأنّ المعاني والعلل مؤثرة في الأحكام نفياً وإثباتاً، لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى، فذَكر ليُدلّ به على أنّ حكم النظير حكم مثله، وأنّ نسبة القبلة الّتي هي وسيلة للوطء كنسبة وضع الماء في الفم الّذي هو وسيلة إلى شربه، فكما أنّ هذا الأمر لا يضرّ، فكذلك الآخر.(3)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ الحديث دليل على بطلان القياس، لأنّ عمر ظنّ أنّ القُبلة تبطل الصوم قياساً على الجماع، لاشتراكهما في كونهما من أسباب الالتذاذ الجنسي، فرد


1 . سنن أبي داود:2/311، كتاب الصوم رقم 2385; مسند أحمد:1/21.
2 . أُصول الفقه:2/130.
3 . إعلام الموقعين:1/199.


(141)

عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الأشياء المماثلة المتقاربة لا تتساوى أحكامها.

وثانياً: أنّ القياس عبارة عن استفادة حكم الفرع من حكم الأصل، بحيث يستمد الفرع حكمه من الأصل، وليس المقام كذلك، بل كلاهما على مستوى واحد كغصني شجرة، أو نهر.

وإن شئت قلت: إنّ المبطل هو الشرب لا مقدّمته (المضمضة)، كما أنّ المبطل هو الجماع لا مقدّمته(القُبلة)، فبما أنّ المخاطب كان واقفاً على ذلك الحكم في الشرب ، دون الجماع، أرشده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تشبيه القُبلة بالمضمضة إقناعاً للمخاطب، لا استنباطاً للحكم من الأصل.

وكم فرق بين كون المتكلم في مقام استنباط حكم الفرع من الأصل، وكونه في مقام إرشاد المخاطب إلى حكم اللّه وإقناعه بالمثال؟ وهذا المورد وما تقدّم من قبيل الثاني دون الأوّل.

4. حديث الأعرابي

روى البخاري عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جاءه أعرابيّ فقال: يا رسول اللّه إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود(وإني أنكرته)، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «ما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق(1)»؟ قال: نعم، قال: «فأنّى كان ذلك؟»، قال: أراه عرق نزع، قال: «فلعلّ ابنك هذا عرق نزعه(2)» .(3)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الأصل المقرر في الشرع هو أنّ الولد للفراش، ولمّا كان


1 . الأورق: الإبل الأسود غير الحالك، أي الّذي يميل إلى الغبرة.
2 . نزع: أي رجع إليه.
3 . صحيح البخاري: 8/173، كتاب الحدود.


(142)

الأعرابي بصدد نفي الولد بحجة عدم التوافق في اللون حاول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبطل حجته بأنّ عدم التوافق لا يكون دليلاً على عدم ولادته منه، وذلك لأنّه يوجد نظير ذلك في الحيوانات، فربّما تلد الإبل الحمر ولداً أورق يغاير لونه لون والديه. وأين هذا من القياس؟

وإن شئت قلت: الحديث بصدد رفع استبعاده وإقناعه وإزالة شكّه ببيان انّ هذه القاعدة (لزوم التوافق في اللون) ليست ضابطة كلية وإنّما ربّما تنتقض كما في الأورق من الإبل.

وثانياً: أنّ القياس يتشكّل من أصل وفرع وجهة جامعة، وعندئذ يقاس الفرع على الأصل، وعلى ضوء هذا فما هو الأصل في الرواية وما هو الفرع؟!

فهل ولادة الإبل أصل وولادة الإنسان فرع، مع أنّ كلا النوعين في الإيلاد واللقاح سواء؟

يقول ابن حزم: وهل من قال: إنّ توالد الناس مقيس على توالد الإبل، إلاّ بمنزلة من قال: إنّ صلاة المغرب إنّما وجبت فرضاً، لأنّها قيست على صلاة الظهر، و إنّ الزكاة إنّما وجبت قياساً على الصلاة.(1)

وحصيلة الكلام:

أوّلاً: أنّ هذه الروايات روايات أُحادية لا تفيد العلم اليقين، فكيف يمكن أن يستدلّ بما لا يفيده في المقام؟ وقد عرفت أنّ الأصل في العمل بالظن ومنه القياس هو الحرمة، فلا يخرج عن الأصل إلاّ بدليل قطعي.

وثانياً: أنّ هذه الأحاديث ليست بصدد الاستدلال على الحكم الشرعي، بل بصدد رفع الاستبعاد وإرشاد الطرف إلى الحكم الشرعي بأسهل الطرق، وحاشا أن


1 . الإحكام:7/413.


(143)

يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مستدلاً بالقياس على الحكم الشرعي، فإنّه عالم بعامّة الأحكام عن طريق الوحي، وقد وصفه سبحانه بقوله: (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).(1)

وفضله سبحانه على نبيّه هو علمه، فمن وُصف علمه بالعظمة، فهو غني عن أن يلتجئ إلى القياس. وإنّما حاول في المقام رفع الاستبعاد عن المخاطب أو إرشاده إلى الحكم الشرعي بأسهل الطرق.

وقد استدلّوا بروايات غير صححية ولا ظاهرة في المقصود أعرضنا عن ذكرها، ونتطرق هنا إلى استدلالهم بالعقل.


1 . النساء:113.


(144)

الاستدلال على القياس بالدليل العقلي

ويقرر بوجوه:

الأوّل: وحدة المناط تقتضي وحدة الحكم

إنّه سبحانه ما شرّع حكماً إلاّ لمصلحة، وأنّ مصالح العباد هي الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا ساوت الواقعةُ المسكوت عنها، الواقعة المنصوص عليها في علّة الحكم الّتي هي مظنّة المصلحة، قضت الحكمة والعدالة أن تُساويها في الحكم، تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، ولا يتّفق وعدل اللّه وحكمته أن يحرّم الخمر لإسكارها محافظة على عقول عباده، ويبيح نبيذاً آخر فيه خاصيّة الخمر، وهي الإسكار، لأنّ مآل هذا، المحافظةُ على العقول من مسكر، وتركها عرضة للذهاب بمسكر آخر.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الكبرى مسلّمة، وهي أنّ أحكام الشرع تابعة للمصالح والمفاسد، إنّما الكلام في إمكان وقوف الإنسان على مناطات الأحكام وعللها على وجه لا يخالف الواقع قيد شعرة، وأمّا قياس النبيذ على الخمر فهو خارج عن محلّ الكلام، لأنّا نعلم علماً قطعياً بأنّ مناط حرمة الخمر هو الإسكار، ولذلك روي عن


1 . مصادر التشريع الإسلامي:34ـ 35.


(145)

أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنّه سبحانه حرّم الخمر وحرّم النبيّ كلَّ مسكر.(1) ولو كانت جميع الموارد من هذا القبيل لما اختلف في حجّية القياس اثنان.

ولأجل إيضاح الحال، وأنّ المكلّف ربّما لا يصل إلى مناطات الأحكام، نقول:

إذا نصّ الشارع على حكم ولم ينصّ على علّته ومناطه، فهل للمجتهد التوصّل إلى معرفة ذلك الحكم عن طريق السبر والتقسيم بأن يُحصر الأوصاف الّتي توجد في واقعة الحكم، وتصلح لأنّ تكون العلّة، واحدة منها، ويختبرها وصفاً وصفاً، وبواسطة هذا الاختبار تُستبعد الأوصاف الّتي لا يصحّ أن تكون علّة، ويستبقي ما يصحّ أن يكون علّة، وبهذا الاستبعاد وهذا الاستبقاء يتوصّل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة؟

ولكن في هذا النوع من تحليل المناط إشكالات واضحة مع غضّ النظر عن النهي الوارد في العمل بالقياس:

أوّلاً: نحتمل أن تكون العلّة عند اللّه غير ما ظنّه بالقياس، فمن أين نعلم بأنّ العلّة عندنا وعنده واحدة؟

ثانياً: لو افترضنا أنّ المقيس أصاب في أصل التعليل، ولكن من أين نعلم أنّها تمام العلّة، لعلّها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضمّ إليه في الواقع ولم يصل المُقيس إليه؟

ثالثاً: نحتمل أن تكون خصوصية المورد دخيلة في ثبوت الحكم، مثلاً لو علمنا بأنّ الجهل بالثمن علّة موجبة شرعاً في فساد البيع، ولكن نحتمل أن يكون الجهل بالثمن في خصوص البيع علّة، فلا يصحّ لنا قياس النكاح عليه، إذا كان


1 . الكافي:1/266.


(146)

المهر فيه مجهولاً، فالعلّة هي الجهل بالثمن، لا مطلق الجهل بالعوض حتّى يشمل المهر، ومع هذه الاحتمالات لا يمكن القطع بالمناط.

وقد ورد على لسان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) النهي عن الخوض في تنقيح المناط.

والّذي يكشف عن هذا المطلب، هو أنّ الجارية تحت العبد إذا أُعتقت فلها الخيار إن شاءت مكثت مع زوجها، وإن شاءت فارقته، أخذاً بالسنّة حيث إنّ«بريدة» كانت تحت عبد، فلمّا أُعتقت، قال لها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اختاري فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، وإن شئت أن تفارقيه».(1)

ثمّ إنّ الحنفية قالت بأنّ الجارية تحت الحرّ إذا أُعتقت لها الخيار كالمعتقة تحت العبد، لاشتراكهما في كونهماجاريتين اعتقتا، ولكن من أين نعلم بأنّ الانعتاق تمام المناط للحكم؟ ولعلّ كونها تحت العبد وافتقاد المماثلة جزء العلّة؟ فما لم نقطع بالمناط لا يمكن إسراءالحكم، وهذا هو الّذي دعا الشيعة إلى منع العمل بالقياس وطرح تخريج المناط الظني الّذي لا يغني من الحقّ شيئاً.

الثاني: النصوص متناهية والوقائع غير محدودة

إنّ نصوص القرآن والسنّة محدودة ومتناهية، ووقائع الناس وأقضيتهم غير محدودة ولا متناهية، فلا يمكن أن تكون النصوص المتناهية وحدها مصادر تشريعية لما لا يتناهى.

وبعبارة أُخرى: القياس هو المصدر التشريعي الذي يسايرالوقائع المتجدّدة، ويكشف حكم الشريعة فيما يقع من الحوادث، ويوفّق بين التشريع والمصالح.(2)


1 . الكافي:1/266 برقم4.
2 . مصادر التشريع الإسلامي:35، انظر المنخول:327 و 359.


(147)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ عدم إيفاء النصوص عند أهل السنّة بالإجابة عن جميع الأسئلة المتكثّرة، لا يكون دليلاً على حجّية القياس، فربّما تكون الحجّة غيره، إذ غاية ما في الباب أنّ عدم الوفاء يكون دليلاً على أنّ الشارع قد حلّ العقدة بطريق ما، وأمّا أنّ هذا الطريق هو القياس، فلا يكون دليلاً عليه.

إنّ فقهاء السنّة لو رجعوا إلى الطرق والأمارات والأُصول العملية الأربعة(1) التي مضى الإيعاز إليها في الباب الأوّل لاستغنوا عن اعتبار القياس، وهذه الضوابط والأمارات واردة في حديث أئمّة أهل البيت عن جدّهم، والقوم لما أعرضوا عن أحد الثقلين ـ أعني: العترة الطاهرة في حديث الرسول ـ وقعوا في هذا المأزق وزعموا انّ النصوص غير وافية ببيان الأحكام غير المتناهية، وقد غفلوا انّ غير المتناهي هي الجزئيات والمصاديق، وهو لا يوجد مشكلة إذا كانت الضوابط العامة قادرة على إعطاء حكمها.

وثانياً: أنّ المستدلّ اتّخذ المدّعى دليلاً وقال: «والقياس هو المصدر التشريعي الذي يساير الوقائع المتجدّدة»،مع أنّ الكلام في أنّ القياس هل هو مصدر تشريعيّ حتّى نأخذ به في مسايرته مع الوقائع المتجدّدة أو لا؟ومجرّد كونه يساير الحوادث لا يكون دليلاً على كونه حجّة، فانّ القوانين الوضعيّة في الغرب أيضاً تساير الوقائع، فهل يصحّ لنا أخذها بذلك الملاك؟!

إنّ العمل بالقياس ـ ما لم يدعمه دليل قطعي ـ تشريع وبدعة وإدخال في الدين ما لم يعلم كونه منه، فهل يكون مثله يبيح البدعة مع إمكان الخروج من المأزق بروايات أئمّة أهل البيت الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه في حديث


1 . البراءة، الاحتياط، التخيير، الاستصحاب.


(148)

الثقلين؟ فهل رواياتهم وأحاديثهم (عليهم السلام) كابر عن كابر موصول إلى رسول اللّه، أقلّ منزلة من القياس الظنّي؟!

الثالث: في العمل بالقياس دفع للضرر المظنون

القياس يفيد الظنّ بالحكم وهو يلازم الظنّ بالضرر فيجب دفعه.

قال الرازي: إنّ من ظنّ أنّ الحكم في الأصل معلّل بكذا وعلم أو ظنّ حصول ذلك الوصف في الفرع، وجب أن يحصل له الظنّ بأنّ حكم الفرع مثل حكم الأصل. ومعه علم يقيني بأنّ مخالفة حكم اللّه تعالى سبب العقاب، فتولّد من ذلك الظن، وهذا العلم، ترك العمل به سبب للعقاب، فثبت أنّ القياس يفيد ظن الضرر.(1)

وقال الأرموي: العمل بالقياس دفع ضرر مظنون، وأنّه واجب. فيكون العمل بالقياس واجباً.

أمّا الأوّل: فلأنّه إذا ظن تعليل الحكم في الأصل بوصف، وظن أنّ ذلك الوصف موجود في الفرع، فحينئذ يظن أنّ ذلك الحكم ثابت في الفرع. وعنده عُلم«أنّ مخالفة حكم اللّه سبب للعقاب». فيتولد من هذا «العلم» وذلك«الظن» ظن أنّ خلاف القياس ضرر، وا لعمل يدفع ذلك.

وأمّا الثاني: ـ أي أنّ دفع الضرر واجب فواضح عند العقل ـ.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الرازي والأرموي خلطا بين موردي القاعدتين العقليتين المحكَمتين:


1 . المحصول:2/288.
2 . الحاصل من المحصول:3/119. لاحظ ذيل كلامه في أنّ دفع الضرر واجب، فقد أطال الكلام بما لا حاجة إليه.


(149)

1. قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

2. وجوب دفع الضرر المظنون بل المحتمل.

فإنّ القاعدتين لا غبار عليهما لكن لم يعرفا موردهما.

أمّا القاعدة الأُولى، فهي قاعدة محكمة دلّ العقل والنقل على صحّتها. أمّا العقل فواضح فإنّ استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان شيء لا ينكر، وأمّا النقل فيكفي قوله سبحانه:(وَما كُنّا مُعذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً).(1) وبعث الرسول كناية عن إتمام الحجّة وبيان التكليف.

فإذا لم يرد في واقعة دليل شرعي على الحرمة أو الوجوب يستقل العقل بقبح عقاب المكلّف إذا ارتكب، حتى ولو ظن بأحد الحكمين، وذلك إمّا لا يكون هناك ظنّ بالضرر الأُخروي أو يكون ظنّ به (الدنيوي) لكن لا يكون مثله واجب الاجتناب.

وذلك لأنّه لو أُريد بالضرر، الضرر الأُخروي فهو مقطوع الانتفاء بحكم تقبيح العقل مثل ذلك العقاب وتأييد الشرع له، ففي مثل ذلك المورد لا يكون الظن بالحرمة أو الوجوب، ملازماً للظن بالضرر أبداً، لعدم تمامية الحجّة على المكلّف.

ولو أُريد بالضرر، الضرر الدنيوي، فهو وإن كان ملازماً للظنّ بالحكم غالباً، نظراً إلى تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، لكنّه ليس بواجب الدفع إلاّ إذا كان ضرراً عظيماً لا يتحمل، ففي مثله يستقل العقل بدفعه.

وحصيلة الكلام: أنّ القياس لما لم تثبت حجّيته فالظن بالحكم لأجله،لا يلازم الظن بالضرر الأُخرويّ أبداً، وأمّا الضرر الدنيوي فهو وإن كان ربّما يلازمه


1 . الإسراء:15.


(150)

لكنّه غير واجب الدفع غالباً إلاّ ما ذكرناه.

فخرجنا بتلك النتيجة: انّ الظنّ الحاصل بالحكم لأجل القياس الذي لم تثبت حجّيته لا يكون ملازماً للظن بالعقوبة ولا يكون داخلاً في قاعدة «لزوم دفع الضرر المظنون».

وأمّا القاعدة الثانية التي زعم الرازي أنّ المقام من مصاديقها وجزئياتها، فموردها ما إذا قام الدليل على الحكم الكلي، وعلى وجود الموضوع له، فعندئذ يجب دفع الضرر بصوره الثلاث:

ألف. تارة يكون الضرر (العقاب) مقطوعاً، كما إذا علم بأنّ الخمر حرام وانّ هذا المانع خمر.

ب. وأُخرى يكون الضرر مظنوناً، كما إذا علم بأنّ الخمر حرام، وعلم أنّ أحد الإناءين خمر، فشرب أحدهماـ لا كليهما ـ مظنة للضرر الأُخروي.

ج. وثالثة يكون الضرر (العقاب) مشكوكاً، كما إذا تردّد الخمر بين أوان عشر، فشرب أحدها، يكون محتملاً للضرر.

فالضرر بتمام صوره واجب الدفع للعلم بالكبرى، أعني: الحكم الكلّي، والعلم بالموضوع معيناً أو مردّداً بين إناءين أو أوان كثيرة.

فاللازم على الفقيه تنقيح مصاديق القاعدتين حتّى لا يخلط مواردهما، كما خلط الرازي ومن لفّ لفّه.


(151)

الاستدلال على القياس بالإجماع

استدلّ القائلون بحجّية القياس، بإجماع الصحابة على العمل به، كما عمل به من جاء بعدهم من التابعين والفقهاء.

قال الغزالي: والّذي ذهب إليه الصحابة (رضي اللّه عنهم) بأجمعهم وجماهير الفقهاء والمتكلّمين بعدهم رحمهمُ اللّه، وقوع التعبّد به شرعاً.(1)

وقال الأرموي: العمل بالقياس مجمع عليه والإجماع حجّة.

ثمّ قال: وإنّما قلت: «إنّه مجمع عليه» لوجوه:

أحدها: قول عمر: «اعرف الأشياء والنظائر، وقس الأُمور برأيك» من غير إنكار أحد من الصحابة عليه.

وثانيها: إنكار ابن عباس على زيد بن ثابت في عدم حجبه الأخ بالجد وقياس ابن عباس الجد على ابن الابن من غير إنكار من الصحابة.

وثالثها: اتّفاقهم على القول بالرأي، مع أنّ «الرأي» هو: القياس.

أمّا «اتّفاقهم على القول بالرأي» فقول أبي بكر في الكلالة: «أقول فيها برأيي».

وعن عمر ـ في الجد ـ: «أقضي برأيي» وعن علي (عليه السلام) :«اجتمع


1 . المستصفى:2/234.


(152)

رأيي ورأي عمر في أُمّ الولد: أن لا تباع، وقد رأيت الآن بيعهن».

وأمّا «أنّ الرأي هو: القياس»: فلأنّهم يجعلونه قسيماً للنص و«قسيم النص» هو: القياس.

فثبت إجماع الصحابة على القول بالقياس.

وأمّا «إنّ الإجماع حجّة»: فلما مرّ.(1)

أقول: سيوافيك أنّ العمل بالقياس كان مورد خلاف بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من الفقهاء، وستوافيك نصوص الخلاف.

وأمّا ما احتجّ به من الوجوه على الإجماع فالجميع مخدوش.

أمّا الأوّل: أعني قول عمر: «اعرف الأشياء والنظائر وقس الأُمور برأيك» فقد قاله لأبي موسى الأشعري حين ولاّه على البصرة.(2)

فلعلّ المراد هو معرفة مصاديق الشيء الكلّي الّذي ورد النص على حكمه، إذ ربّما يغفل الإنسان عن حكم مصداق لضابطة كلية، فالمراد استخراج حكم مصاديق الضابطة الّتي ورد على وفقها النص كما هو الحال في الدين، ففي قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِها أَوْ دَيْن).(3) ضابطة كلية تدفع الفقيه إلى الحكم بقضاء مطلق الدين من غير فرق بين ديون الناس وديونه سبحانه.

ومنه يظهر معنى قوله: «وقس الأُمور برأيك».

وأمّا إنكار ابن عباس على زيد بن ثابت في عدم حجبه الأخ بالجد، فإنّما


1 . الحاصل من المحصول:3/110ـ 111.
2 . المستصفى:2/244.
3 . النساء:12.


(153)

هو لأجل أنّ ابن الابن ابنٌ، وأب الأب أب، فالأوّل يدخل في قوله سبحانه:(يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ).(1)

والثاني يدخل في قوله تعالى: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ)(2). فيكون الجدّ حاجباً للأخ لكونه مصداقاً ادّعائياً للأب.

وأمّا الثالث: أعني اتّفاقهم على الرأي فلم يعلم أنّ المراد على الرأي هو القياس ولم يثبت أنّ الرّأي مساوق للعمل بالقياس. بل لعلّهم اعتمدوا فيها على ضرب من الاستدلال والتأمّل.

يقول الشيخ المظفر: ويجب الاعتراف بأنّ بعض الصحابة استعملوا الاجتهاد بالرأي وأكثروا، بل حتّى فيما خالف النص تصرّفاً في الشريعة باجتهاداتهم، والإنصاف أنّ ذلك لا ينبغي أن ينكر من طريقتهم، ولكن لم تكن الاجتهادات واضحة المعالم عندهم من كونها على نحو القياس، أو الاستحسان، أو المصالح المرسلة، ولم يعرف عنهم، على أيّ كانت اجتهاداتهم، أكانت تأويلاً للنصوص، أم جهلاً بها، أم استهابة بها؟ ربّما كان بعض هذا، أو كلّه من بعضهم، وفي الحقيقة إنّما تطوّر البحث عن الاجتهاد بالرأي في تنويعه وخصائصه في القرن الثاني والثالث.(3)

ولو ثبت عمل لفيف من الصحابة، فليس عملهم حجّة ما لم يبلغ حدّ الإجماع.


1 . النساء:11.
2 . النساء:11.
3 . أُصول الفقه:2/172.


(154)

الاستدلال بالإجماع ببيان آخر

ثمّ إنّ الرازي استدلّ بإجماع يعتمد على مقدّمات ثلاث:

المقدّمة الأُولى: إنّ بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس والقول به.

المقدّمة الثانية: إنّه لم يوجد من أحدهم إنكار أصل القياس، فلأنّ القياس أصل عظيم في الشرع نفياً أو إثباتاً، فلو أنكر بعضهم لكان ذلك الإنكار أولى بالنقل من اختلافهم، ولو نقل لاشتهر، ولوصل إلينا، فلمّا لم يصل إلينا علمنا أنّه لم يوجد.

المقدّمة الثالثة: إنّه لمّا قال بالقياس بعضهم ولم ينكره أحد منهم فقد انعقد الإجماع على صحّته.(1)

يلاحظ عليه: أنّ كلاً من المقدمات الثلاث قابل للنقاش والرد.

أمّا الأُولى: فلنفترض أنّ بعض الصحابة عمل بالقياس على وجه الإجمال ولكن لم يُشخّص تفاصيله، وانّهم هل عملوا بمنصوص العلّة أو بمستنبطها؟ وعلى فرض العمل بالثاني فلم يعلم ما هو مسلكهم في تعيين علّة الحكم ومناطه، فهل كان بالسبر والتقسيم أو من طريق آخر؟ ومع هذا الإجمال كيف يمكن أن يتّخذ عمل الصحابة دليلاً على حجّية القياس في عامة الموارد وعامة المسالك إلى تعيين علّة الحكم ومناطه.

وأمّا الثانية: فلأنّ تسمية عمل البعض مع سكوت الآخرين إجماعاً غير صحيح جدّاً، لأنّ الإجماع عند الأُصوليين عبارة عن اتّفاق علماء عصر واحد على حكم شرعي.(2)


1 . المحصول:2/262ـ 269. وقد صرح في ص 292: أنّ مذهب أهل البيت إنكار القياس.
2 . المستصفى:1/110.


(155)

ومن المعلوم أنّ عمل البعض لا يعدّ دليلاً على الإجماع وإن سكت الآخرون، وذلك لأنّ الصحابة لم يكونوا مجتمعين في المدينة المنورة، بل ميادين الجهاد والبلدان المفتوحة والثغور وغيرها أخذت كثيراً من الصحابة ولاة وعمّالاً وجنداً وقادة، فكيف عرف اتّفاقهم على هذين المقامين حتّى يتحقّق الإجماع؟!

وأمّا الثالثة: وهو عدم إنكار أحد منهم فهو أيضاً محجوج بالروايات القطعية عن بعض الصحابة والتابعين في استنكار القياس. وسيوافيك بيانها.

استنكارات الصحابة للعمل بالقياس

رويت كلمات عن بعض الصحابة (تحذر) بالعمل بالقياس، وها نحن نذكر بعض هذه الكلمات:

1. عن عمر بن الخطاب: إيّاكم وأصحاب الرأي، فإنّهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلّوا وأضلّوا .(1)

وقد شاع عند القائل بالقياس أنّ الرأي هو القياس أو أعمّ منه ومن غيره.

وعلى كلّ تقدير يعمّ القياس.

2. وعن علي (عليه السلام) قال: «لو كان الدين يؤخذ قياساً لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره».

3. وعن (2)ابن عباس: يذهب قرّاؤكم وصلحاؤكم، ويتّخذ الناس علماءً


1 . الإحكام لابن حزم:6/779ـ 780، تحقيق أحمد شاكر; الفقه والمتفقّه للخطيب البغدادي: 5/181.
2 . الإحكام للآمدي:4/44.


(156)

جهّالاً: يقيسون الأُمور ب آرائهم.(1)

وقال: إذا قلتم في دينكم بالقياس: أحللتم كثيراً ممّا حرم اللّه، وحرّمتم كثيراً ممّا أحلّ اللّه.

4. عن الشعبي، عن مسروق، عن عبداللّه بن مسعود أنّه قال: ليس عام إلاّ والذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام ، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهب خياركم وعلماؤكم، ثمّ يحدث قوم يقيسون الأُمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم.

5. عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر قال: يا جابر إنّك من فقهاء البصرة وستُستفتى، فلا تُفتينّ إلاّ بكتاب ناطق أو سنّة ماضية.

6. عن زيد بن عميرة، عن معاذ بن جبل، قال: تكون فتن يكثر فيها الملل ويفتح فيها القرآن حتى يقرؤه الرجل والمرأة، والصغير والكبير، والمؤمن والمنافق، فيقرؤه الرجل فلا يتبع، فيقول: واللّه لأقرأنّه علانية، فيقرؤه علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجداً ويبتدع كلاماً ليس من كتاب اللّه ولا من سنّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإيّاكم وإيّاه، فإنّها بدعة ضلالة. قالها ثلاث مرات.

هذا وقد ذكر ابن حزم أحاديث أُخرى على لسان الصحابة في ذم القياس أعرضنا عنها خوفاً من الإطالة ، ونقتصر على سرد أسمائهم:

أبو هريرة، سمرة بن جندب، عبد اللّه بن أبي أوفى، ومعاوية.(2)

هذا بعض ما نقل عنهم حول إنكار العمل بالقياس.


1 . المستصفى:2/247باختلاف يسير في المتن.
2 . أُنظر الإحكام في أُصول الأحكام :6/508ـ 511; إعلام الموقعين عن ربّ العالمين :1/240ـ 242، طبعة دار الكتاب العربي.


(157)

وأمّا العترة الطاهرة فحدّث عنهم ولا حرج فقد تواترت كلماتهم على إنكار القياس.

وقد اعترف الرازي بإنكار العترة العمل بالقياس.

وقال: إنّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إنكار القياس.(1)

وهانحن نذكر كلماتهم (عليهم السلام) :

القياس في كلمات العترة الطاهرة (عليهم السلام)

1. عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) ، عن أبيه (عليه السلام) أنّ علياً (عليه السلام) قال:«من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، ومن دان اللّه بالرأي لم يزل دهره في ارتماس».

2. كتب الإمام الصادق (عليه السلام) في رسالة إلى أصحابه أمرهم بالنظر فيها وتعاهدها والعمل بها، وقد جاء فيها:«لم يكن لأحد بعد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه ـ ثمّ قال: ـ واتّبعوا آثار رسول اللّه وسنّته فخذوا بها ولا تتبعوا أهواءكم ورأيكم فتضلّوا».

3. روى سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) :«ما لكم وللقياس، إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس».

4. عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«إنّ السنّة لا تقاس، ألا ترى أنّ المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، يا أبان إنّ السنّة إذا قيست محق الدين».

5. عن عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن موسى عن القياس؟


1 . المحصول:2/292.


(158)

فقال: «وما لكم وللقياس، إنّ اللّه لا يسأل كيف أحلّ وكيف حرّم».

6. عن أبي شيبة الخراساني، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:«إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلاّ بعداً، وإنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس».

7. عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمنى إذ أقبل أبو حنيفة على حمار له، فلمّا جلس قال: إنّي أُريد أن أُقايسك، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «ليس في دين اللّه قياس».

8. عن زرارة بن أعين قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي (عليه السلام) : «يا زرارة إيّاك وأصحاب القياس في الدين، فانّهم تركوا علم ما وُكّلوا وتُكلِّفوا ما قد كفوه، يتأوّلون الأخبار، ويكذبون على اللّه عزّ وجلّ، وكأنّي بالرجل منهم ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه، وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه، قد تاهوا وتحيّروا في الأرض والدين».(1)

القياس في كلمات الصحابة والتابعين

إنّ لفيفاً من التابعين ممّن يؤخذ عنهم العلم قد خالفوا القياس بحماس وندّدوا به، وإليك نزراً من كلماتهم ليعلم أنّ القياس لم يكن أمراً متفقاً عليه بين أوساط التابعين كما لم يكن كذلك بين الصحابة:

1. عن داود بن أبي هند قال: سمعت محمد بن سيرين، يقول: القياس شؤم، وأوّل من قاس إبليس فهلك، وإنّما عُبدت الشمسُ والقمرُ بالمقاييس.

2. قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن علي أنّ شريحاً القاضي قال: إنّ


1 . راجع الوسائل:18، الباب6 من أبواب صفات القاضي.


(159)

السنّة سبقت قياسَك.

3. عن المغيرة بن مقسم، عن الشعبي، قال: السنّة لم توضع بالقياس.

4. وعن عامر الشعبي أيضاً: إنّما هلكتم حيث تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس.

5. عن جابر، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئاً بشيء، قيل: لمَ؟ قال: أخشى أن تزل رجلي.

وكان يقول: إيّاكم والقياس والرأي، فإنّ الرأي قد يزل.

إلى غير ذلك من الروايات التي يطول بذكرها الكلام، ونكتفي هنا بسرد أسماء التابعين الذين نالوا من القياس:

إياس بن معاوية، مالك بن أنس، وكيع بن الجراح،حماد بن أبي حنيفة، ابن شبرمة، مطر الوراق، عطاء بن أبي رباح، أبو سلمة بن عبد الرحمن.(1)

أفبعد هذه الاستنكارات المتضافرة عن العترة ولفيف من الصحابة والتابعين يصحّ ادّعاء الإجماع على صحّة القياس ولم يخالفه أحد، لو لم نقل انّ الإجماع قام على نفي القياس؟!

وهذا يدلّ على أنّ هذا العنصر قد دخل حيّز التشريع الإسلامي بموافقة بعض ومخالفة البعض الآخر له، وانّ ادّعاء الإجماع في مثل هذه المسألة أمر لا يليق بمن تتبّع كلمات الفقهاء في هذا الصدد، وقد نقل ابن قيم الجوزيّة كلمات الموافقين كما نقل كلمات المخالفين للقياس، وإن كان في كثير من المباحث عيالاً على كتاب «الإحكام» لابن حزم الأندلسيّ.


1 . أُنظر: الاحكام في أُصول الاحكام لابن حزم:6/511ـ 514; اعلام الموقعين:1/243ـ 246; عدّة الأُصول: 2/688ـ 690.


(160)

الآن حصحص الحقّ

لقد أثبتت البحوث السابقة حول ما أُقيم من الأدلّة على حجّية القياس انّه ليس هناك دليل صالح قاطع للنزاع، مفيد للعلم بأنّ الشارع جعل القياس حجّة فيما لا نصّ فيه، وهناك نكتة جديرة بالتأمّل فيها، وهي انّه إذا كان للقياس في الشريعة المقدّسة هذه المنزلة في التشريع الإسلامي، فلماذا لم يقع في إطار البيان الصريح من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما وقع قول الثقة أو حجّية البيّنة في إطاره؟

وقد عرفت أنّ ما استدلّوا من كلام الشارع في ذلك المجال كلّها انتزاعات شخصية فرضت عليه، وانّ عقيدة المستدلّ جرّته إلى أن يبحث عن الدليل حول عقيدته، فلذلك جمع أشياء من هنا وهناك ليثبت بها مدّعاه، والجميع بريء ممّا يرتئيه.


(161)

2
الاستحسان

الاستحسان من مصادر التشريع لدى المالكيّة، وقد روي عن الإمام مالك أنّه قال: «الاستحسان تسعة أعشار العلم»، خلافاً للشافعي فرفضه وقال: «من استحسن فقد شرّع»، وربما يُفصّل بين الاستحسان المبنيّ على الدليل، والاستحسان المبنيّ على الهوى والرأي، ومع كونه أصلاً معتبراً لدى المالكيّة وغيرهم، فلم يُعرَّف بوجه يكون مثلَ القياس، واضحَ المعالم، فإنّ الاستحسان ضد الاستقباح، وتعالى التشريع الإسلامي أن يكون تابعاً لاستحسان إنسان أو استقباحه من دون أن يكون له رصيد من الشرع والعقل، ولا يصحّ الإفتاء إلاّ بما دلّ الدليل القطعي على حجّيته، والاستحسان بما هوهو، ليس عِلْماً ولا ظنّاً يدلّ دليل قطعي على حجّيته، كلّ ذلك يبعثنا إلى تحقيق مراد القائلين من كونه دليلاً فقهياً كسائر الأدلّة، واللازم هو الإمعان في موارد استعماله.

أقول: مع ما عُرّف الاستحسان بتعاريف كثيرة أكثرها خاضعة للسجع دون بيان الواقع نظير ما يحكى عن الصاحب بن عبّاد الذي كتب إلى عامله بقم بقوله:

أيّهـا العامل بقـم، قــد عزلنــاك فقـم


(162)

فقال العامل المعزول ما عزلني إلاّ السجع(1)، وإن شئت فأمعن النظر في هذه التعاريف، فكأنّ الغاية فيها هو حفظ السجع دون تفهيم المراد.

1. الاستحسان: ترك القياس، والأخذ بما هو أوفق للناس.

2. الاستحسان: طلب السهولة في الأحكام، فيما يبتلى به الخاص والعام.

3. الاستحسان: الأخذ بالسعة، وابتغاء الدعة.

4. الاستحسان: الأخذ بالسماحة، وانتفاء ما فيه الراحة.

5. الاستحسان: هو الالتفات إلى المصلحة والعدل.

فإنّ هذه التعاريف لا تُوضح حقيقة الاستحسان، فالذي يمكن أن يكون محطاً للنزاع هو ما سنذكره عن قريب.

وقبل استعراضه يجب أن نركّز على نكتة وهي أنّ ظاهر القائلين بالاستحسان أنّه دليل مستقل وراء الكتاب والسنّة والإجماع والعقل; ووراء القياس والاستصلاح (المصالح المرسلة) وسدّ الذرائع وفتحها وغيرها، لكنّه في أغلب الموارد يرجع إلى أحد الأدلّة المذكورة كما سيتّضح عن قريب.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يُطلق ويراد منه أحد المعاني التالية:

الأوّل: العمل بالرأي والظن

قد يطلق الاستحسان ويراد منه العمل بالرأي فيما جعله الشارع موكولاً إلى آرائنا، ويظهر هذا من السرخسيّ في أُصول فقهه، كما في مورد تمتيع المطلقة غير المدخول بها قال سبحانه: (لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ


1 . أعيان الشيعة، في ترجمة الصاحب بن عباد: 353.


(163)

تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَة وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى الْمُقْتر قَدَرُهُ مَتاعاً بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنين).(1)

ونظيره قوله سبحانه في مورد رزق الوالدات وكسوتهنّ، قال سبحانه: (وَعَلى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(2) ، فقد ترك الشارع تعيين كيفية التمتيع وتقدير المعروف بحسب اليسر والعسر إلى آرائنا.(3) وهو يختلف حسب اختلاف الأزمنة والأمكنة.

والاستحسان بهذا المعنى، عمل بالظن في موضوع من الموضوعات، كالعمل به في سائر الموارد الذي جعل الظن فيه حجّة، فلو قام دليل على حجّية مثل هذا الظن يُتمسك به ويقتصر على مورده، سواء استحسنه المجتهد أم لا، وإلاّ فلا. وتسمية مثل هذا استحساناً أمر مُورِث للاشتباه.

على أنّ المرجع في هذه الموارد هو عرف البلد لا رأي القاضي ولا المجتهد كما هو واضح، ولذلك يختلف مقدار تمتيع المطلقة ونفقة الزوجة حسب اختلاف الأزمنة والأمكنة.

الثاني: العدول من قياس إلى قياس أقوى منه

وقد يطلق ويراد منه العدول عن مقتضى قياس ظاهر إلى مقتضى قياس أقوى منه، وهذا هو الذي نقله أبو الحسين البصري عن بعضهم، فقال: العدول من موجب قياس إلى قياس أقوى منه.(4)


1 . البقرة:236.
2 . البقرة:233.
3 . أُصول الفقه للسرخسي: 2/200.
4 . المعتمد:2/296.


(164)

وعلى هذا لا يكون الاستحسان دليلاً مستقلاً ويكون مرجّحاً لتقديم القياس الأقوى على غيره، كما هو الحال في سائر الأدلّة حيث يقدم الأقوى على غيره، كالخاص على العام، والمقيّد على المطلق، وهكذا، ولو أُريد من الاستحسان هذا فمثله لا يليق أن يقع موضع خلاف بين القائلين بحجّية القياس كمالك والشافعي، فالجميع على تقديم أقوى الدليلين على الآخر من غير فرق بين القياسين أو الدليلين.

الثالث: العدول من مقتضى قياس جلي إلى قياس خفي

يطلق الاستحسان ويراد منه، العدول من مقتضى القياس الجلي إلى قياس خفي.(1) وهذا هو الذي يظهر من الأُصولي المعاصر الدكتور «وهبة الزحيلي» وغيره و الفرق بين التعريفين ـ الثاني والثالث بعد اشتراكهما في أنّ المعدول عنه و المعدول إليه، قيـاس ـ هـو انّ المعـدول إليه على التعريف الثاني، هو القياس الأقوى الأعم من أنيكون جلياً أو خفياً، بخلاف التعريف الثالث فإنّ المعدول إليه قياس خفيّ. ولنذكر مثالين:

1. مقتضى القياس الجلي، هو إلحاق سؤر الطيور المعلّمة بسؤر الحيوان المفترس في النجاسة ـ على القول بنجاسة سؤره ـ لاشتراكهما في الافتراس، ولكن مقتضى القياس الخفي إلحاقه بسؤر الإنسان في الطهارة.

2. إذا وقف أرضاً زراعية فهل يدخل فيه حقوق الري و المرور؟ قولان:

أ. لا يدخل حقوق الريّ و المرور في الوقف قياساً على البيع، فإنّ البيع، والوقف يشتركان في خروج المبيع عن ملك الواقف و البائع، فلا يدخل في بيع


1 . الوجيز في أُصول الفقه:86.


(165)

الأرض الزراعية حقوقُ ريّها وصرفها والمرور إليها بدون ذكرها، فكذلك في وقفها، وهذا هو مقتضى القياس الظاهري .

ب. يدخل حقوق الري والمرور قياساً على الإجارة بجامع انّ المقصود من كلّ منهما الانتفاع بريع العين لا تملُّك رقبتها، وفي إجارة الأرض الزراعية تدخل حقوق ريّها وصرفها و المرور إليها بدون ذكرها، فكذلك في وقفها، وهذا هو العدول عن مقتضى القياس الظاهري إلى مقتضى القياس الخفي وسمّوه بالاستحسان.(1)

أقول: إنّ دخول حقّ الريّ و المرور أو عدمه لا يبتني على قياس الوقف بالبيع أو الإجارة، بل هما مبنيان على وجود الملازمة العرفية بين وقف الأرض ودخول حقوق ريّها والمرور إليها فيه أو عدمها ، فلو قلنا بالملازمة العرفية بين إخراج الشيء عن ملكه وإخراج ما يتوقف الانتفاع به عليه (كحقوق ريّها وصرفها والمرور إليها على نحو إذا بيعت الأرض الزراعية أو أُوجرت أو أُوقفت يفهم منه نقل توابعها ممّا يتوقف الانتفاع بها عليها) فيدخل إلاّ أن ينصَّ على خلافه، ولو قلنا بعدم الملازمة وانّه لا يفهم من نقل الأصل، نقل التوابع، فلا يدخل واحد، فعلى الأوّل يكونُ الدخول هو مقتضى القاعدة حتى يثبت خلافه بخلاف الثاني، فإنّه يكون عدم الدخول هو المطابق لمقتضى القاعدة حتى يثبت خلافه.

ونظير المقام توابع المبيع من اللجام والسرج ومفتاح الباب وغيرها، وبذلك تعرف انّه لا دور للقياس في حلّ المسألتين خروجاً وعدمه، حتّى يسمّى العدول استحساناً وإنّما يجب على الفقيه أن يركز على الملازمة العرفية بين النقلين وعدمها.


1 . مصادر التشريع الإسلامي: 72.


(166)

الرابع: العدول من مقتضى القياس بدليل

قد يطلق ويراد منه هو العدول عن مقتضى القياس بدليل شرعي، سواء كان المعدول إليه قياساً أم غيره. نعم يشترط في المعدول عنه كونه قياساً.

وهذا هو الذي يظهر أيضاً من السرخسي في أُصول فقهه قال:هو الدليل يكون معارضاً للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إنعام التأمل فيه، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادث وأشباهه من الأُصول يظهر أنّ الدليل الذي عارضه، فوقه في القوة وانّ العمل به هو الواجب.(1)

وظاهر هذا التعريف كما عرفت أنّ العدول عن القياس بدليل شرعي هو الاستحسان، وعلى ضوء هذا يختص الاستحسان بصورة العدول عن مقتضى القياس فحسب لا مطلق الدليل، فيشترط في المعدول عنه أن يكون قياساً ، وأمّا المعدول إليه، فيشترط أن يكون دليلاً غير القياس.

وهذا هو الظاهر من الكرخي أيضاً حيث عرفه بقوله: إثبات الحكم في صورة من الصور على خلاف القياس من نظائرها مع أنّ القياس يقتضي إثباته، بدليل خاص لا يوجد في غيرها.(2)

ولنذكر مثالاً:

إذا ضاع شيء تحت يد الصانع، فمقتضى القياس هو عدم ضمانه إذا ضاع أو تلف لديه من غير تقصير منه قياساً على يد المودع، ولكن روي عن الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) والقاضي أبي أُمية شريح بن الحارث الكندي بأنّهما يضمّنان


1 . أُصول الفقه: 2/200.
2 . الوصول إلى الأُصول:2/321; المنخول:375، حيث قال: الصحيح في ضبط الاستحسان ما ذكره الكرخي.


(167)

الصنّاع، وما هذا إلاّ لأنّ عدم تضمينهم ربما ينتهي إلى إهمالهم في حفظ أموال الناس.(1)

وروي أنّ الإمام الشافعي يذكر انّه قد ذهب شريح إلى تضمين القصّار فضمّن قصّاراً احتُرق بيته، فقال: تضمّنني وقد احترق بيتي، فقال شريح: أرأيت لو احترق بيته كنت تترك له أجرك. (2)

وعلى ضوء هذا المثال ربما يفسر الاستحسان: بترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس.

أقول: المثال قابل للنقاش.

أوّلاً: ليس المورد من موارد القياس، لأنّ قياس الأجير، بالودعي قياس مع الفارق، فإنّ الأوّل يأخذ المال لصالحه بُغية أخذ الأُجرة لعمله، وهذا بخلاف الودعي فإنّه يأخذ المال لصالح صاحب المال، فقياس الأوّل بالثاني مع هذا الفارق، قياس مع الفارق.

ثانياً: إذا كان المورد غير صالح لإعمال القياس ـ لفقدان بعض شرائطه ـ فيكون المرجع، هو الأصل الأوّلي في الأموال، وليس إلاّالاحترام والضمان حتى يثبت خلافه لا الاستحسان «أعني: كون الضمان أوفق للناس، أو لئلاّ ينتهي إلى الإهمال في أموال الناس» وإن كانت النتيجة واحدة. فإذا أتلفه الأجير أو تلف عنده فمقتضى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» هو الضمان ما لم يدل دليل على خلافه كما دلّ في مورد الودعي حيث ليس لصاحب المال تغريم الودعي، نعم لصاحب المال إحلافه على أنّ التلف لم يكن عن تعد أو تفريط، ولذلك قالوا:«ليس على الأمين إلاّ اليمين».


1 . السنن الكبرى:3/122.
2 . السنن الكبرى:3/122.


(168)

الخامس: الاستحسان والعمل بأقوى الدليلين

إذا كان بين الدليلين تعارض بنحو التباين أو بنحو العموم والخصوص من وجه، يُعمل بأقوى الدليلين، فالأوّل كما إذا ورد «ثمن العذرة سحت»، و ورد أيضاً «لا بأس ببيع العذرة». والثاني كما إذا قال: أكرم العلماء و قال أيضاً: لا تكرم الفاسق، فاجتمع الدليلان في العالم الفاسق، ففي هذه الموارد يرجع إلى مرجّحات باب التعارض التي طرحها الأُصوليون في باب التعادل والترجيح، وأهمّ المرجّحات هو موافقة الكتاب، أو موافقة السنّة، أو كون أحد الدليلين موافقاً لما هو المشهور بين العلماء، أو غير ذلك.

ونظير ذلك إذا كان بين الدليلين تزاحم، كما إذا تزاحم الأمر بإنقاذ نفس محترمة بالتصرف في أرض الغير، أو تزاحم أداء الدين مع الحجّ إلى غير ذلك من موارد المتزاحمين، فيرجع فيهما إلى أقوى الدليلين ملاكاً وأعظمهما أهمية.

فلو أُريد من الاستحسان هذا فلا أظن أن يكون هذا موضع اختلاف بين مالك والشافعي، أو بين القائلين به والنافين له.

السادس: الاستحسان والأخذ بالعرف

وربما يفسر الاستحسان بالرجوع إلى العرف كما في عقد «الاستصناع» وهو عقد على معدوم و قد قيل بصحته لأخذ العرف به، ولعلّ المراد من العرف هو السيرة ولكنّها لاتكون دليلاً على مشروعية العقد إلاّ أن تكون متصلة إلى عصر المعصوم حتّى يقع موقع إقراره.

يلاحظ عليه: أنّ صحّة بيع السلم والاستصناع مستفادة من عموم الكتاب والسنّة، قال سبحانه:(وَأَحَلَّ اللّه البيع)وقوله:(أَوفُوا بِالعُقُود) من دون حاجة


(169)

إلى التمسّك بالاستحسان المفسّر بالعرف .

نعم زعم المستدلّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع المعدوم، وهو بظاهره يشمل السلم، فجعل تجويز بيع السلم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ترخيصاً واستثناء مبنياً على الاستحسان.

ومن هذا القبيل، بيع الاستصناع الرائج في عصر الصنعة، حيث إنّ أصحاب الصنائع يعقدون اتّفاقية مع الشركات ، لصنع أشياء خاصّة ويسلّمون الثمن مقدّماً ويأجّلون المثمن، فزعم القائل أنّ هذا النوع من البيع داخل فيما نهى عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لكن يُرخَّص استحساناً.

لكن المبنى(نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع المعدوم) باطل، والبناء (إخراج المورد بالاستحسان) المبني عليه مثله إنّما الوارد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تبع ما ليس عندك»(1)، وهو ناظر إلى المبيع الشخصي الذي هو تحت يد الغير وملكه، فليس للإنسان أن يبيع مال الغير، الذي لا يملكه، وأين هو من بيع السلم الذي هو بيع شيء في الذمّة؟! فلم يكن السلم والسلف ولا الاستصناع وما ضاهاه داخلاً في المنهي عنه حتى يحتاج إلى الاستثناء فإنّ السلم معاملة عقلائية رائجة في عامة القرون حيث إنّ أصحاب الذمم المعتبرة يتعهّدون بتسليم المبيع الكلّي في الذمّة للمشتري في أجل خاص. وسيوافيك الكلام فيه في آخر الفصل.

السابع: الاستحسان والمصلحة

وربّما يفسّر الاستحسان بإدراك العقل مصلحة توجب جعل حكم من الشارع له على وفقها، وهذا يرجع إلى الاستصلاح والمصالح المرسلة الذي سيوافيك البحث فيه في الفصل التالي.


1 . بلوغ المرام162، الحديث82.


(170)

الثامن: العدول عن مقتضى الدليل إلى ما يستحسنه المجتهد

الظاهر أنّ المراد بالاستحسان هو العدول عن مقتضى الدليل باستحسان المجتهد.

وقريب منه ما يقال:«دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه» ولذلك يستحسن أن يفتي على وفقه.

وبعبارة أُخرى: يستحسن أن يكون الموضوع داخلاً تحت ذلك الدليل لا الدليل الآخر من دون أن يكون له دليل على هذا سوى استحسانه.

والاستحسان بهذا المعنى قابل للنقض والإبرام، وقد نقل عن الشافعي أنّه قال: «أفرأيت إذا قال المفتي في النازلة ليس فيها نصّ خبر ولا قياس، وقال: استحسن فلابدّ أن يزعم أنّه جائز لغيره أن يستحسن خلافه، فيقول كلّ حاكم في بلد ومفت بما يستحسن، فيقال في الشيء الواحد بضروب من الحكم والفتيا، فإن كان هذا جائزاً عندهم فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاءوا، وإن كان ضيقاً فلا يجوز أن يدخلوا فيه».(1)

ولعلّ مراد الشافعي من كلامه هذا ما استظهره بعض الأجلة وقال:

والظاهر أنّ مراده هو الردع عن خصوص هذا القسم، كما تومئ إليه بقية أقواله، ممّا لا تخضع لضوابط من شأنها أن تقلل من وقوع الاختلاف وتفسح المجال أمام المتطفّلين على منصب الإفتاء ليرسلوا كلماتهم بسهولة استناداً إلى ما يدعونه لأنفسهم من انقداحات نفسية وأدلّة لا يقدرون على التعبير عنها، ممّا يسبِّب إشاعة الفوضى في عوالم الفقه والتشريع.(2)


1 . فلسفة التشريع الإسلامي:174.
2 . الأُصول العامة للفقه المقارن:363.


(171)

ويمكن توضيح هذا الوجه من الاستحسان بمثالين:

أ. انّ مقتضى إطلاق قوله سبحانه: (وَالسّارِقُ وَالسّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)(1) ، هو قطع يد السارق دون فرق بين عام الرخاء و المجاعة، ولكن نقل عن عمر عدم العمل به في عام المجاعة.

ب. يقول سبحانه:(وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَولَينِ كامِلين لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرضاعَة )(2) ، وقد نقل عن الإمام مالك إخراج الأُم الرفيعة المنزلة التي ليست من شأن مثلها أن ترضع ولدها، وعلى هذا ينطبق تعريف الجرجاني: الاستحسان ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس.(3)

أقول: لا وجه للعدول عن إطلاق الآية الشامل لعام المجاعة والأُم الرفيعة المنزلة وغيرهما إلاّبدليل، ويمكن أن يكون الدليل انصراف الآية عن الصورتين، والانصراف يحدّد دلالة الدليل ويُتّبع الدليل في غير مورد الانصراف.

ولكن الذي يؤاخذ على هذا الاستعمال هو انّ تسمية الانصراف وأشباهه ممّا يوجب العدول عن الدليل الأوّل بالاستحسان أمر غير صحيح.

وبعبارة أُخرى: إذا كان هنا دليل على العدول، وكان المورد يتمتع برصيد خاص، فما هو الوجه لاستعمال كلمة الاستحسان المريب، إذ من الواضح انّ استحسان شخص واستقباحه ما لم يعتمد على دليل، لا يعدّان من مصادر التشريع؟


1 . المائدة:38.
2 . البقرة:233.
3 . التعريفات: 13.


(172)

نتائج البحث

1. فظهر ممّا ذكرنا أنّ الاستحسان لم يكن يمتلك مفهوماً واضحاً عند القائلين به أو النافين لحجّيته، ولذلك فسّروه بتعاريف مختلفة، كلّ يهدف إلى معنى خاص.

والعجب أنّ النفي والإثبات وردا على موضوع غير محدّد المفهوم.

2. كما ظهر أيضاً أنّ الاستحسان يطلق ويراد به أحد المعاني الثمانية التالية:

الأوّل: العمل بالظن والرأي; فهو فرع وجود دليل على حجّيته وعندئذ لا يختلف فيه عالمان.

الثاني: العدول عن القياس إلى قياس أقوى، فلو قلنا بحجّية القياس فلا محيص عن العدول.

الثالث: العدول عن مقتضى قياس جليّ إلى قياس خفي، فلو كان المعدول إليه أقوى فلا محيص عنه، وإلاّ صار القياسان متعارضين.

الرابع: العدول عن مقتضى القياس بالدليل ـ سواء كان المعدول إليه قياساً، أو غيره ـ فهو أيضاً على وفق القاعدة بشرط أن يكون الدليل أقوى من القياس.

الخامس: العمل بأقوى الدليلين في بابي التعارض والتزاحم، فهو أيضاً أمر لا سترة فيه.

السادس: العمل بالعرف والسيرة المستمرة، فهو أمر صحيح بشرط أن تكون


(173)

السيرة مورد تقرير للمعصوم.

السابع: العمل بالمصلحة، فالاستحسان بهذا المعنى لا يكون أصلاً مستقلاً برأسه، والمفروض أنّه دليل في مقابل الاستصلاح.

الثامن: العدول عن مقتضى الدليل بشيء كالانصراف وغيره.

3. إنّ من عجائب الدهر ـ وما عشت أراك الدهر عجباً ـ الاستدلال على الاستحسان الّذي لم يمتلك مفهوماً واحداً، بل تردّد بين معان ثمانية، ولم يحدد تحديداً دقيقاً، فإقامة الدليل على صحّته أمر غير ممكن.

قال الأُستاذ خلاّف: والظاهر انّ الفريقين المختلفين في الاستحسان لم يتّفقا في تحديد معناه، فالمحتجّون به يريدون منه معنى غير الّذي يريده غير المحتجّين به، ولو اتّفقوا على تحديد معناه ما اختلفوا في الاحتجاج به، لأنّ الاستحسان هو عند التحقيق عدول عن دليل ظاهر أو عن حكم كلّي لدليل اقتضى هذا العدول، وليس مجرّد تشريع بالهوى. وكلّ قاض قد تنقدح في عقله في كثير من الوقائع مصلحة حقيقية،تقتضي العدول في هذه الجزئية ممّا يقضي به ظاهر القانون، وما هذا إلاّ نوع من الاستحسان.(1)

4. إنّ الاختلاف في حجّية الاستحسان ناتج عن عدم دراسة مصادر التشريع حسب مراتبها، فإنّ تقديم دليل على دليل آخر سواء كانا قياسين أو غيرهما فرع وجود الملاك للتقديم حتى تقدم إحدى الحجّتين على الأُخرى بملاك وليس الاستحسان منه أبداً، وعلى القائلين بالاستحسان بالوجوه المذكورة أن يدرسوا ملاك تقدّم الأدلّة بعضها على بعض .


1 . علم أُصول الفقه:92.


(174)

مثلاً انّ الخاص يقدّم على العام، والمقيّد على المطلق، والنص على الظاهر المخالف، وأحكام العناوين الثانوية كالضرر والحرج على أحكام العناوين الأوّلية وغير ذلك، فتقديم أيّ دليل على آخر يجب أن يكون داخلاً تحت أحد هذه الملاكات وأمثالها ممّا قرّر في مبحث تعارض الأدلّة وترجيحها، لاتحت عنوان الاستحسان، وعلى هذا لو فسروا الاستحسان بمعنى تقدم أحدالدليلين على الدليل الآخر بملاك موجب له، لاتّفقت الشيعة أيضاً معهم.

وممّا يرشد إلى ذلك انّ الأُستاذ «أبو زهرة» يعرف القياس ويقسمه إلى قسمين: أحدهما: استحسان القياس، والآخر: استحسان سبب معارضة القياس، ويمثل للقسم الأوّل بقوله: أن يكون في المسألة وصفان يقتضيان قياسين متباينين أحدهما ظاهر متبادر وهو القياس الاصطلاحي، والثاني خفي يقتضي إلحاقها بأصل آخر فتسمى هنا استحساناً، مثل انّ المرأة عورة من قمة رأسها إلى قدميها، ثمّ أُبيح النظر إلى بعض المواضع للحاجة، كرؤية الطبيب، فأعملت علّة التيسير هنا في هذا الموضع.(1)

إنّ الأُستاذ و إن أصاب في تقديم الدليل الثاني على الأوّل ولكنّه لم يذكر وجهه، فانّ المقام داخل تحت العناوين الثانوية فتقدم على أحكام العناوين الأوّلية، فقوله سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(2) يدلّ على أنّ كلّ حكم حرجي مرفوع في الإسلام وغير مشرّع، فلو افترضنا انّ بدن المرأة عورة كلّه يجب عليها ستره، لكن هذا الحكم يختص بغير حالة الضرورة، وذلك لتقدم


1 . أُصول الفقه: 247ـ 249.
2 . الحج: 78.


(175)

أحكام العناوين الثانوية كالضرورة والاضطرار على العناوين الأوّلية، فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «رفع عن أُمّتي ما اضطروا إليه» دليل على إباحة الرؤية، فأي صلة لهذه المسألة بالاستحسان، وما هذا إلاّ لأنّ القوم لم يقيّموا مصادر التشريع حسب مراتبها فأسموا مثلَ ذلك بالاستحسان.


(176)

الاستدلال على حجّية الاستحسان

استدلّوا على حجّيته بوجوه:

الأوّل: قوله سبحانه:(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ).(1)

يلاحظ عليه: أنّ الآية ناظرة إلى القول الأحسن الذي يدعمه العقل والفطرة في مجال العقائد والمعارف. والشاهد عليه قوله سبحانه قبل هذه الآية.

يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنابُوا إِلى اللّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).(2)

فالآية تندد بمن يعبد الطاغوت وتمدح من يجتنبه ويعبد اللّه وحده. فأين هذا من الاستحسان في الحكم الشرعي في مقام القضاء والإفتاء؟! وعلى فرض الشمول للأحكام العملية فالآية تمدح من يتبع القول الأحسن الّذي له رصيد عقلي أو نقلي لا مطلق الجنوح إلى شيء بلا دليل عليه.

ونظير هذه الآية قوله سبحانه:(وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرونَ).(3)


1 . الزمر:18.
2 . الزمر:17ـ18.
3 . الزمر:55.


(177)

فإنّ المتّبع في الآية ما علم نزوله من جانبه سبحانه وصيغة«أحسن» مجردة عن التفضيل.وأين هذا من الاتّباع لما لم يعلم أنّ له رصيداً من الكتاب والسنّة أو لا؟!

الثاني: ما نقل عن عبد اللّه بن مسعود أنّه قال: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن.

يلاحظ عليه: بعد ثبوت نسبته إليه وحجّية قوله بعد ثبوت النسبة أنّ المراد ما اتّفق المسلمون على حسن الشيء وقبحه لا الفقيه الواحد.

الثالث: النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) رخّص في مسائل على أساس الاستحسان دون أن ينزل عليه الوحي، وهي:

أ. نهى رسول اللّه عن بيع المعدوم، ورخّص في السلم.

ب. نهى رسول اللّه عن بيع الرطب باليابس، ورخّص في العرايا.

ج. نهى رسول اللّه عن أن يختلى شجر مكة وأن يختلى خلاها، ورخّص في الإذخر.

أقول: قد تقدّم أنّ المستدلّ زعم أنّ النبي(الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ) اجتهد في هذه المسائل وأفتى على غرار الاستحسان!! والحقّ أنّه لم يكن يفتي إلاّ بما أُوحي إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّه أجلّ من أن يكون جاهلاً بالحكم الشرعي أو شاكّاً ثمّ يجتهد في استنباط الحكم; وأمّا المسائل الثلاث فليست مبنية على الإفتاء بالاستحسان.

1. أمّا الترخيص في السلم فقد مضى أنّه لم يرد على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:«لا تبع المعدوم» حتّى يكون بيع السلم استثناء، وإنّما الوارد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«لا تبع ما ليس عندك» وهو ناظر إلى بيع المبيع الشخصي الذي هو تحت الغير، فما لم يتملّكه البائع لا يحق له أن يبيعه، لعدم جواز بيع ما ليس عنده، الذي هو كناية


(178)

عمّا لا يملك، وأين هو من بيع السلم الذي هو بيع شيء في الذمّة؟ فلم يكن ما صدر عن الرسول بنحو الضابطة شاملاً لبيع السلم حتّى يكون الثاني استثناء من الأوّل ومبنياً على اجتهاده واستحسانه.

وأمّا بيع العرايا: فإنّ المماثلة بين المتجانسين(مثلاً بمثل) واجب فيما إذا كان العوضان مكيلين أو موزنين، كما هو الحال في مبادلة الرطب المجنى من الشجرة بالتمر، وأمّا الرطب على الشجرة فهو ليس مكيلاً ولا موزوناً، بل هو مشاهديّ، فلذلك يقول الفقهاء: يجب تحديد المبيع عن الزيادة والنقص بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الزرع أو بالمشاهدة. فقد تعلّق نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمكيل والموزون. وبيع العرايا الذي هو بيع الرطب على الشجر باليابس في الأرض، خارج عن مصب النهي.

وأمّا الثالث، أعني: استثناء الأذخر من تحريم اختلاء خلاه، فلم يكن ذلك من اجتهاده أو تابعاً لعلمه حين قال بعد كلام الرسول إلاّ الأذخر، بل لأجل كثرة وجوده في بيوت مكة رخّص سبحانه اختلاه وعضده، أو للحاجة إليه في بعض الأُمور.

ويعجبني أن أختم البحث بما ذكره بعض المعاصرين حول الاستحسان الذي أخذ من عامّة الفقهاء ومنّا وقتاً كثيراً.

قال الأُستاذ وهبة الزحيلي: بالمقارنة بين أدلّة المنكرين للاستحسان والمثبتين له، أقرر أنّه ليس هناك ملتقىً موحدٌ في تأسيس الخلاف، فإنّ إنكار الشافعي للاستحسان إنّما هو المبني على محض العقل ومجرد القول بالرأي والتشهّي من غير اعتماد على دليل شرعي، وهذا المعنى لم يقل به الحنفية ومشايعوهم.

قال البزدوي: أبو حنيفة (رحمه الله) أجل قدراً وأشدّ ورعاً من أن يقول في الدين


(179)

بالتشهّي أو عمل بما استحسنه من دليل قام عليه شرعاً. والواقع أنّ الخلاف لفظي كما قلنا، وراجع إلى العبارة ولا مشاحّة في الاصطلاح، قال القفال الشافعي: «إن كان المراد بالاستحسان ما دلت الأُصول بمعانيها عليه فهو حسن لقيام الحجّة به، قال: فهذا لا ننكره ونقول به، وإن كان ما يقع في الوهم من استقباح الشيء واستحسانه من غير حجّة دلّت عليه من أصل ونظير، فهو محظور، والقول به سائغ» وقد ردّد هذا المعنى من بعده ابن السَّمْعاني فقال: «إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل، ولا أحد يقول به»، ثمّ ذكر أنّ الخلاف لفظي، ثمّ قال:«فإنّ تفسير الاستحسان بما يشنع به عليهم لا يقولون به، وإنّ تفسير الاستحسان بالعدول عن دليل إلى دليل أقوى منه، فهذا ممّا لم ينكره أحد عليه». (1)


1 . أُصول الفقه الإسلامي:2/750.


(180)

3
المصالح المرسلة أو الاستصلاح

هذا الأصل سمّاه المالكية بالمصالح المرسلة، والغزّالي بالاستصلاح، ومتكلّمو الأُصوليين بالمناسب المرسَل الملائم، وربّما يعبر عنه بألفاظ أُخرى.

واستيفاء البحث في هذا الأصل يقتضي ذكر أُمور:

1. بيان الأقسام للوصف المناسب لجعل الحكم على وفقه.

2. دراسة الأدلّة الّتي أُقيمت على حجّية المصالح المرسلة.

3. شروط العمل بها.

4. الكلام الحاسم في الاستصلاح وموقف الإمامية من هذا الأصل.

وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر.

الأمر الأوّل: تقسيم الوصف المناسب

الوصف المناسب لجعل الحكم الشرعي على وفقه من حيث اعتبار الشارع له ينقسم إلى أقسام ثلاثة:


(181)

1. المناسب المعتبر

هو ما شهد الشارع باعتباره حيث وضع أحكاماً توصل إليه وشرّع الشارع أحكاماً لتحقيقها وجعلها عللاً لما شرّع، والّتي تسمّى في اصطلاح الأُصوليّين من أهل السنّة بالمصالح المعتبرة من الشارع، وهي خمسة:

«حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال» وهذه الأُمور مقاصد وغايات لجميع الأحكام الشرعية الموضوعة.(1)

فشرّع الجهاد لأجل حفظ الدين، والقصاصَ للحفاظ على النفوس والدماء، وحرّم المسكرات لصيانة العقول وحرّم السرقة للمحافظة على أموال الناس، وحرّم الزنا لأجل صيانة الأعراض، وربّما يعبر عن الجميع بجلب المنفعة ودفع المفسدة.

ويوضحه الغزالي بقوله: «المصلحة هي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة ـ و قال ـ : ولسنا نعني به ذلك، فإنّ جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنّا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع; ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينَهم، ونفسَهم، وعقلَهم، ونسلهم، ومالهم; فكلّ ما يتضمن هذه الأُصول الخمسة فهو مصلحة، وكلّ ما يفوِّت هذه الأُصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة.(2)

2. المناسب الملغى

وهو ما شهد الشارع بإلغائه ويكشف أحكامُه عن عدم اعتداده، بهذا


1 . أُصول الفقه الإسلامي:2/752.
2 . المستصفى:1/140.


(182)

الوصف المناسب وذلك كالمثال التالي:

يجب في كفّارة شهر رمضان أحد الخصال الثلاث على الترتيب عند السنّة والتخيير عند الشيعة الإمامية، ولا شكّ أنّ إيجاب خصوص صوم شهرين على الغنيّ أبلغ في الزجر و الردع من إيجاب العتق لكن الشارع ألغاه حيث أوجب العتق أوّلاً على القول بالترتيب، أو أوجب الجميع تخييراً في عرض واحد على قول الإمامية، فالقول بتعيين صوم شهرين للمصلحة المذكورة مخالف لتنصيص الشارع على الترتيب أو التخيير.

3. المناسب المرسل

وهو الوصف الّذي لم يعلم من الشارع إلغاؤه ولا اعتباره لا بنصّ ولا بإجماع.

أي لم يوجد في الأحكام الشرعية ما يوافقه أو يخالفه.

ويوضحه عبد الوهاب خلاف بقوله: وأمّا المصالح التي اقتضتها البيئات والطوارئ بعد انقطاع الوحي، ولم يشرع الشارع أحكاماً لتحقيقها، ولم يقم دليل منه على اعتبارها أو إلغائها، فهذه تسمّى المناسب المرسل، أو بعبارة أُخرى المصلحة المرسلة.(1)

وعلى ضوء ما ذكره، فالمصالح المرسلة عبارة «عن كلّ مصلحة لم يرد فيها أيُّ نصّ يدعو إلى اعتبارها، أو عدم اعتبارها، ولكن في اعتبارها نفع أو دفع ضرر». فيكون الاستصلاح طريقاً شرعياً لاستنباط الحكم فيما لا نصّ فيه ولا إجماع والمصلحة المطلقة الّتي لا يوجد من الشرع ما يدلّ على اعتبارها ولا إلغائها، تكون


1 . علم أُصول الفقه:94.


(183)

مصلحة صالحة لأن يبنى عليها الاستنباط.(1)

وقد أوضحها المتأخّرون من الأُصوليّين بأمثلة:

أ. المصلحة الّتي اقتضت أنّ الزواج الّذي لا يثبت بوثيقة رسمية، لا تسمع الدعوى به عند الإنكار.

ب. المصلحة الّتي اقتضت أنّ عقد البيع الّذي لا يسجل، لا ينقل الملكية.

قال عبد الوهاب خلاّف بعد ذكر المثالين: فهذه كلّها لم يشرع الشارع أحكاماً لها ولم يدلّ دليل منه على اعتبارها أو إلغائها فهي مصالح مرسلة.(2)

ج. ما إذا صال الكفّار علينا متترّسين بأسارى المسلمين وقطعنا بأنّنا لو امتنعنا عن قتل الترس لصدمونا، واستولوا على ديار المسلمين وقتلوا المسلمين كافّة، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً من غير ذنب صدر منه، فإن قتل الترس، والحالة هذه مصلحة مرسلة، لكونه لم يعهد في الشرع جواز قتل مسلم بلا ذنب.

ولا دليل أيضاً على عدم جواز قتل المسلم في سبيل تحقيق مصلحة للمسلمين، بل إنّ التحقيق يؤدّي إلى أنّ هذا الأسير مقتول بكلّ حال، فحفظ جماعة المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ مسلم واحد; لأنّ مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل.(3)

د. لو اشتغل الجنود بالكسب لخيف دخول الكفّار بلاد الإسلام أو خيف


1 . مصادر التشريع:73.
2 . علم أُصول الفقه :94.
3 . أُصول الفقه الإسلامي:2/759.


(184)

ثوران الفتنة في بلاد الإسلام، وحينئذ فيجوز لولي الأمر أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، لأنّه إذا تعارض شرّان أو خيران، قصد الشارع دفع أشدّ الضررين وأعظم الشرّين، وما يؤديه كلّ فرد وحده قليل بالنسبة لمداهمة الخطر الذي يترتّب على زوال السلطة الّتي تحفظ النظام وتقطع دابر الشر والفساد.(1)

إلى هنا تم الكلام في الأمر الأوّل، أعني:تقسيم الوصف المناسب إلى معتبر وملغى ومرسل.

وإليك الكلام في الأمر الثاني.

الأمر الثاني: أدلّة حجّية المصالح المرسلة

استدلّ على حجّيتها بوجوه:

الدليل الأوّل: قلّة النصوص والمصالح المتجددة

1. أنّ مصالح الناس تتجدّد ولا تتناهى، فلو لم تشرع الأحكام لما يتجدّد من صالح الناس، ولما يقتضيه تطورهم واقتصر التشريع على المصالح الّتي اعتبرها الشارع فقط، لعطَّلت كثير من مصالح الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، ووقف التشريع عن مسايرة تطورات الناس ومصالحهم، وهذا لا يتفق وما قصد بالتشريع من تحقيق مصالح الناس.(2)

وقال المعاصر الزحيلي حول هذا الدليل: إنّ الحياة في تطور مستمر، وأساليب الناس للوصول إلى مصالحهم تتغير في كلّ زمن وبيئة، و في أثناء التطور


1 . المصدر نفسه.
2 . علم أُصول الفقه :94.


(185)

تتجدّد مصالح الناس، فلو اقتصرنا على الأحكام المبنية على مصالح نص الشرع على اعتبارها لتعطل كثير من مصالح الناس، وجمد التشريع ووقف عن مسايرة الزمن، وفي ذلك إضرار بهم كبير لا يتّفق مع قصد التشريع من تحقيق المصالح ودفع المفاسد، وحينئذ لابدّ من إصدار أحكام جديدة تتلاءم مع مقاصد الشريعة العامة وأهدافها الكلية، حتّى يتحقّق خلود الشريعة وصلاحيتها الدائمة.(1)

أقول: حاصل هذا الوجه ادّعاء وجود النقص في التشريع الإسلامي لو اقتصر في مقام الاستنباط على الكتاب والسنّة، لأنّ حاجات المجتمع إلى قوانين وتشريعات جديدة لا زالت تتزايد كلّ يوم، فإذا لم يكن هناك تشريعات وأحكام جديدة تتلاءم مع هذه الحاجات لم تتحقق مقاصد الشريعة العامّة وأهدافها الكلّية.

يلاحظ عليه: أنّ أحكام الشريعة بمفاهيمها الكلّية لا تضيق عن مصالح العباد ولا تقتصر عن حاجاتهم، وهي بذلك مسايرة لمختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال، يعلم كلّ ذلك بالإمعان في ما سنذكره:

1. حجّيّة العقل في مجالات خاصّة

إنّ العقل حجّة قاطعة في مواضع له الصلاحية التامة في القضاء والحكم فيها، فعندئذ فبحكم الملازمة بين الحكم القاطع للعقل والحكم الشرعي ينكشف لنا أحكام شرعية في مواضع شتّى، كما سيوافيك بيانها.

إنّ القائلين بالاستصلاح لمّا أخرجوا العقل عن مصادر التشريع وأنكروا


1 . أُصول الفقه الإسلامي:2/763.


(186)

التحسين والتقبيح العقليين، هذا من جانب، ومن جانب آخر آمنوا بمقاصد الشريعة وأنّ أحكام الشرع تابعة لمصالح ومفاسد فلم يجدوا طريقاً إلى إدراكها سوى العمل بالظن، أي المصالح المرسلة.

وهذا من عجيب الأُمور، حيث لا يعتدّون بالحكم القطعي للعقل، ومع ذلك يعملون بالظن بالمصالح أو المفاسد.

فلو كان العمل بالقطع العقلي ممنوعاً، فالعمل بالظن «المصالح المرسلة» يكون مثله، فما هو المبرّر للفرار من الرمضاء إلى النار.

إنّ الاعتراف بحجّية العقل ليس بمعنى أنّه يطلق سراحه في جميع المجالات حتّى يتاح له أن يتسرّع بالحكم في مصالح الفرد والمجتمع بشكل العلاقات والروابط الاجتماعية والعبادات، وإنّما يُفسح له المجال فيما أعطاه اللّه سبحانه له حقّ القضاء الحاسم، وذلك كما في الموارد التالية.

أ. الحكم بالحسن والقبح العقليين الّذي يندرج تحته قسم كبير من الأُمور الّتي فيها المصلحة والمفسدة، مثلاً يحكم بالبراءة عند عدم البيان، والاشتغال عند وجوده مع تردّد الأطراف،أو التخيير فيما إذا لم يمكن الاحتياط.

ب. باب الملازمات نظير الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته ووجوب وحرمة ضدّه، أو عدمهما، وحرمة العبادة وفسادها، وإجزاء الأوامر الاضطرارية كالتيمّم والظاهرية كالصلاة في ثوب نجس مستصحب الطهارة، إلى غير ذلك من الموارد.

ج. أبواب التزاحم، أي تزاحم المصالح التي لابدّ من أخذها، أو تزاحم المصالح والمفاسد، فإنّ للعقل دوراً فيها، وله ضوابط لتقديم إحدى المصلحتين على الأُخرى، أو تقديم المصلحة على المفسدة، أو بالعكس.


(187)

2. التشريع الإسلامي ذو مادة حيوية

إنّ التشريع الإسلامي في مختلف الأبواب، مشتمل على أُصول وقواعد عامة، تفي باستنباط آلاف من الفروع الّتي يحتاج إليها المجتمع البشري، على امتداد القرون والأجيال، وهذه الثروة العلمية الّتي اختصت بها الأُمّة الإسلامية من بين سائر الأُمم أغنت الشريعة الإسلامية عن التمسّك بكلّ تشريع سواها، أو بظنون لم يقم دليل على حجّيتها.

وهذا هو العلاّمة الحلّي أحد فقهاء الإمامية في القرن الثامن(648ـ 726هـ)، قد ألّف كتباً وموسوعات في الفقه وأُصوله، منها «تحرير الأحكام الشرعية» وقد حوى من الأحكام والقوانين ما يربو عن أربعين ألف مسألة،استنبطها من هذه الأُصول الواردة في القرآن والسنّة النبوية، والأحاديث المأثورة عن أئمّة الدين، رتّبها على ترتيب كتب الفقه في أربع قواعد: العبادات، والمعاملات، والإيقاعات، والأحكام.

وهذا صاحب الجواهر ذلك الفقيه الأعظم من فقهاء القرن الثالث عشر (1191ـ 1266هـ) قد جاء في مشروعه الوحيد «جواهر الكلام» بأضعاف ما جاء به العلاّمة الحلّي، فإنّ الباحث عندما يقف أمام هذا الكتاب الثمين وينظر في مباحثه، يرى أمامه بحراً يزخر بالدرر الّتي تحار في حصرها النهى والخواطر، وتنبهر لها عيون البصائر، فلقد حوى من الفروع والقوانين ما يعسر عدّها. وقد اعتمد في استنباط هذه الأحكام الشرعية الهائلة على الكتاب والسنّة والعقل والإجماع.

3. الأحكام الّتي لها دور التحديد

من الأسباب الموجبة لمرونة هذا الدين وحفظ المصالح ودرء المفاسد


(188)

وانطباقه على جميع الحضارات الإنسانية تشريعه لقوانين خاصة الّتي لها دور التحديد والرقابة بالنسبة إلى عامة تشريعاته وقد اصطلح عليها الفقهاء، بالأدلّة الحاكمة، لأجل حكومتها وتقدّمها على كلّ حكم ثبت لموضوع بما هوهو. فهذه القوانين الحاكمة تعطي لهذا الدين مرونة يماشي بها كلّ حضارة إنسانية، مثلاً: قوله سبحانه:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(1) حاسم على كل تشريع استلزم العمل به حرجاً، لا يتحمل عادة، للمكلّف، فهو مرفوع، في الظروف الحرجية.

ومثله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«لا ضرر ولا ضرار» فكلّ حكم استتبع العمل به ضرراً شديداً، فهو مرفوع في تلك الشرائط، وقس عليهما غيرهما من القوانين الحاكمة التي لها دور التحديد والحكومة.

4. صلاحيات الحاكم الإسلامي

المراد بالحاكم الإسلامي هو الفقيه العارف بالكتاب والسنّة الّذي يقتدر على استنباط الأحكام الشرعية في عامّة المجالات من مصادرها.

فالحاكم بهذا المعنى هو الممثل للقيادة الحكيمة في أُمور الدين والدنيا الّتي من شأنها أن توصل المجتمع البشري إلى أرقى المستويات الحضارية الصحيحة، فقد مُنح لمثل هذا الحاكم بنص أحاديث العترة الطاهرة كافة الصلاحيات المؤدية إلى حق التصرف المطلق في كلّ ما يراه ذا مصلحة للأُمّة، لأنّه يتمتع بمثل ما يتمتع به النبي والإمام من النفوذ المطلق، إلاّ ما يعد من خصائصهما.

وإلى ذلك يشير شيخ الأُمّة الميرزا النائيني في أثره الخالد «تنبيه الأُمّة وتنزيه


1 . الحج:78.


(189)

الملّة» ويقول: «فوّض إلى الحاكم الإسلامي وضع ما يراه لازماً من المقررات لمصلحة الجماعة وسدّ احتياجاتها في إطار القوانين الإسلامية».(1)

وعلى سبيل المثال أنّ الحاكم الإسلامي لو رأى أنّ المصلحة اللازمة تقتضي فتح طريق وهذا الأمر لا يتمّ إلاّ بإجبار بعض أصحاب الأراضي على بيع أراضيهم، فله العمل بما يراه، ولكن على ضوء العدل والإنصاف.

إنّ الحضارة الصناعية تلازم وضع مقررات ولائيّة خاصة في دائرة المرور لأجل سلامة النفوس وسهولة الذهاب والإياب فللحاكم تلك الصلاحية في ضوء سائر القواعد العامة.

إنّ هذه الصلاحيات كانت ثابتة في الدرجة الأُولى للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لقوله سبحانه: (النَّبِي أَوْلَى بِالْمؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ).(2) وبعده لخلفائه ـ أعني : المعصومين (عليهم السلام) ـ أئمّة الدين، وبعدهم فوّضت إلى فقهاء الأُمّة وعلمائهم الذين أُلقيت على كواهلهم أُمور تدبير الحياة وصيانة الشريعة.

ومع إدخال هذه الأُمور في التشريع الإسلامي ـ سواءً أكان تشريعاً واقعياً أم حكماً ولائياً حكومياً مؤقتاً ـ فمادام الملاك موجوداً فلا تجد أي حاجة إلى إعمال قاعدة الاستصلاح أو المصالح المرسلة المظنونة.

5. ما هو السبب لجعل الاستصلاح مصدراً للتشريع؟

قد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ الّذي حمل القائلين بالاستصلاح والمصالح المرسلة على عدها من مصادر التشريع هو أنّهم أهملوا هذه الأُمور الأربعة التي بها يحلّ ما أشكل من المسائل أو تزاحم من المصالح، أعني:


1 . تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة :97.
2 . الأحزاب:6.


(190)

أ. إهمال العقل كأحد مصادر التشريع في مجال التحسين والتقبيح العقليين أو الملازمات أو التزاحمات.

ب. إقفال باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع إقفالاً سياسياً، فقد صار ذلك سبباً لوقف الدراسات الفقهية منذ قرون، ولذلك توهّم وجود النقص في التشريع الإسلامي، وعدم كفايته لتحقيق مقاصد الشريعة، ولو كان القوم غير مقفلين لباب الاجتهاد لعرفوا أنّ الفقه الإسلامي ذو مادة حيوية قادرة على تلبية كافة الحاجات المستجدة.

ج. عدم دراسة عناوين الأحكام الأوّلية والثانوية كأدلّة الضرر والحرج والاضطرار والنسيان. فالأحكام الأوّلية محدّدة بعدم استلزام إطلاقها الحرج والضرر، فإذا صارت موجبة لأحدهما يقدّم حكمهما على الأحكام الأوّلية.

د. عدم الاعتراف بصلاحيات الفقيه الجامع للشرائط بوضع أحكام ولائية كافية في جلب المصلحةودفع المفسدة أحكاماً مؤقتة مادام الملاك موجوداً.

والفرق بين الأحكام الواقعية والولائية هي أنّ الطائفة الأُولى أحكام شرعية جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتبقى خالدة إلى يوم القيامة، وأمّا الطائفة الثانية فإنّما هي أحكام مؤقتة. أو مقررات يضعها الحاكم الإسلامي (على ضوء سائر القوانين) لرفع المشاكل العالقة بحياة المجتمع الإسلامي.

وبذلك يتّضح أنّ أكثر الأمثلة الّتي ذكروها لقاعدة الاستصلاح أو المصالح المرسلة على قسمين: قسم فيه ما له رصيد في الكتاب والسنّة من دون حاجة إلى الاستصلاح.وقسم آخر من شعب حقوق الحاكم الإسلامي، فلو كانوا معترفين بذلك (أي بولاية الفقيه) لم يكن هنا أيّة حاجة لقاعدة الاستصلاح، وإليك ما ذكروه من أمثلة:


(191)

1. جمع القرآن الكريم في مصحف.

2. قتال مانعي الزكاة.

3. وقف تنفيذ حكم السرقة في عام المجاعة.

4. إنشاء الدواوين.

5. سك النقود.

6. فرض الإمام العادل على الأغنياء من المال ما لابدّ منه، كتكثير الجند وإعداد السلاح وحماية البلاد.

7. سجن المتهم كي لا يفر.

8. حجر المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس.

إلى غير ذلك من المسائل الّتي لها دليل في الكتاب والسنّة، أو هي من شؤون الحاكم الّذي فوض إليه إدارة المجتمع وحفظ الدين.

وأمّا النوع الأوّل أي ما له دليل في الكتاب والسنّة، فجمع القرآن الكريم ومحاربة مانعي الزكاة، فإنّ جمع القرآن الكريم كان تجسيداً لقوله سبحانه :(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ)(1) حيث إنّ الآية تكشف عن كون الجمع أمراً مرغوباً ومحبوباً عند اللّه، واللّه سبحانه تنفّذ إرادته من خلال إرادة عباده.

ونظيره محاربة مانعي الزكاة فإنّه من شعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال سبحانه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَوَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ).(2)

ويقرب منهما، وقف تنفيذ حد السرقة في عام المجاعة، فلعلّه لانصراف أدلّة


1 . القيامة:17.
2 . الحج:41.


(192)

الحدود عن الظروف القاسية.

وأمّا الثاني، أي ما يعدّ من شؤون الحاكم الإسلامي وصلاحياته فكالأمثلة الباقية: فإنّ إنشاء الدواوين من الأُمور المباحة، فإذا اقتضت المصلحة يقوم بذلك الحاكم، ويليه سك النقود، فإنّه بذاته من الأُمور المباحة، فإذا اقتضت المصلحة سك النقود، والاستغناء عن نفوذ الأجانب يقوم به الحاكم، إذ فيه عزّة الإسلام التي خوّل تحقيقها إلى الحاكم الأعلى.

وسجن المتهم الّذي هو على عتبة الفرار أمر لازم لحفظ حقوق الناس الذي وكّل إلى الحاكم حفظ حقوقهم. وقس عليه ما بقي من الأمثلة كحجر المفتي الماجن و....

نعم ربّما يمثّلون بأُمور لا تبرّرها أدلّة التشريع الواقعي ولا صلاحية الحاكم، نظير:

1. تنفيذ الطلاق الثلاث ثلاثاً.

2. درء القصاص عن خالد بن الوليد من قبل أبي بكر.

3. تجديد الأذان الثاني لصلاة الجمعة.

أمّا الأوّل فقد خالف المنفذ كتاب اللّه وسنّة رسوله والرأي العام للصحابة في ذلك اليوم وقد ندم بعد ما بلغ السيل الزبى.

وأمّا درء القصاص عن خالد بن الوليد حيث قتل «مالك بن نويرة، ثمّ نزا على امرأته» فكان خطيئة، إذ كيف يمكن درء هذه الخطيئة الّتي لا تغسل عن ثوب المقترف بماء البحار؟! ولذلك قال عمر بن الخطاب لخالد عندما دخل المدينة: قتلت امرءاً مسلماً ثمّ نزوت على امرأته واللّه لأرجمنّك بأحجارك.

وأقصى ما كان عند أبي بكر من العذر هو ما قال في جواب عمر: «ما كنتُ


(193)

لأغمد سيفاً سلّه اللّه عليهم» مع أنّ الغاية من سلّ السيف هي صيانة دماء المسلمين وأعراضهم، لا سفك دمائهم واستباحة نواميسهم، فما قيمة هذا السيف الّذي يُستعمل ضد الإسلام والمسلمين؟!

إلى هنا تمّ الوجه الأوّل، وإليك سائر ما استدلّ به على حجّية الاستصلاح.

الدليل الثاني: وجوب العمل بالظن بالمصلحة

ثبت بالاستقراء أنّ أحكام الشرع روعي فيها الأخذ بمصالح الناس، واعتبار جنس المصالح في جملة الأحكام يوجب ظن اعتبار هذه المصلحة في تعليل الأحكام; لأنّ العمل بالظن واجب. والدليل على اعتبار المصالح قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمينَ)(1)، ومقتضى الرحمة تحقيق مصالح الناس:(يُريدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسر)(2)، وقوله تعالى في إباحة لحم الميتة للمضطر:(فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجانِف لإِثْم فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ).(3) وقوله عزّوجلّ:(أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ)(4). وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«لا ضرر ولا ضرار».(5)

أقول: ما ذكره الفقيه المعاصر، صحيح إذا قطع الفقيه بالمصلحة خصوصاً إذا تشاور مع الخبراء في الموضوع، وأصبح الموضوع، عند العقلاء من الأُمور المبتلى


1 . الأنبياء:107.
2 . البقرة:185.
3 . المائدة:3.
4 . يونس:57.
5 . أُصول الفقه الإسلامي:2/762ـ 763.


(194)

بها أكثر الناس. وأمّا إذا كانت المصلحة مظنونة فالإفتاء على وفق هذا الظن الذي لم يدلّ الدليل على حجّيته، أمر حرام يُعدُّ بدعة حيث إنّه من إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين.

والذي يثير العجب قوله:«... لأنّ العمل بالظن واجب» فماذا يريد من الظن؟ فهل يريد ما دلّ الدليل القاطع على حجّيته، فهو صحيح، لكن المورد عندئذ ممّا نص فيه، والكلام فيما لا نصّ فيه؟

أو أراد ما لم يدلّ دليل على حجّيته، فقد مرّ أنّ العمل بمثل هذا الظن يصبح بدعة وأمراً محرماً، لا تصحّ نسبته إلى الشارع جزماً.

الدليل الثالث: عمل الصحابة بالمصلحة الراجحة

إنّ من يتتبّع اجتهادات الصحابة ومن جاء بعدهم يجد أنّهم كانوا يفتون في كثير من الوقائع بمجرّد اشتمال الواقعة على مصلحة راجحة، دون تقييد بمقتضى قواعد القياس،أي بقيام شاهد على اعتبار المصلحة، دون إنكار من أحد، فكان فعلهم إجماعاً على اعتبار المناسب المرسل، والإجماع كما هو معروف حجة يجب العمل به.(1)

الأمر الثالث: شروط العمل بها

إنّ الاستصلاح من مصادر الفقه والاستنباط عند المالكية والحنابلة، دون الحنفية والشافعية، فقد ذهب الأوّلان إلى أنّ الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الحكم فيما لا نصّ فيه ولا إجماع، وانّ المصلحة المطلقة ـ التي لا يوجد دليل


1 . أُصول الفقه الإسلامي:2/763.


(195)

من الشرع يدلّ على اعتبارها ولا على إلغائها ـ مصلحة صالحة لأن يبنى عليها الاستنباط.

والمعروف من الحنفية انّهم لا يأخذون بالاستصلاح، وكذا الشافعية، حتّى روي عن الشافعي أنّه قال: من استصلح فقد شرّع، كما أنّ من استحسن فقد شرّع، والاستصلاح كالاستحسان متابعة الهوى.

وقد اعتبرها الإمام مالك بشروط ثلاثة:

1. أن لا تنافي إطلاق أُصول الشرع، ولا دليلاً من أدلّته.

2. أن تكون ضرورية للناس مفيدة لهم، أو دافعة ضرراً عنهم.

3. أن لا تمسّ العبادات، لأنّ أغلبها لا يعقل لها معنى على التفسير.

وعلى ذلك فالاستصلاح عبارة عن تشريع حكم في واقعة لا نصّ فيها ولا إجماع، بناء على مراعاة مصلحة مرسلة مطلقة.(1)

الأمر الرابع: الكلام الحاسم في الاستصلاح

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام في الاستصلاح يقع في مقامات ثلاثة:

1. الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد.

2. المصلحة من مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه.

3. الأحكام الولائية خاضعة للمصالح والمفاسد الاجتماعية.

إنّ دراسة كلّ من هذه الأُمور الثلاثة، تلقي بصيصاًمن الضوء على الموضوع ويتضح موقف الاستصلاح من التشريع، ولعلّ ما يمرّ عليك يكون قولاً حاسماً في المقام .


1 . تاريخ التشريع الإسلامي:172ـ 173.


(196)

فنقول:

المقام الأوّل: الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد

اتّفقت العدلية خلافاً للأشاعرة ـ على ما حكي ـ انّ الأحكام الشرعية تابعة لمصالح ومفاسد واقعية في متعلّقها وانّه سبحانه لم يفرض أو يحرم شيئاً إلاّ فيه مصلحة أو مفسدة عائدة إلى المكلّف وإلاّ يلزم أن يكون التكليف عبثاً وفعله سبحانه لغواً وقد أشار نصير الدين الطوسي إلى الموضوع بجملة موجزة وقال: ونفي الغرض يستلزم العبث، ولا يعود إليه .(1)

والجملة الأُولى دليل المسألة وانّه لولا الغرض، يعود فعله سبحانه عبثاً تعالى عن ذلك، وهو ينافي كونه حكيماً، ويؤيده النقل قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ)(2) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنزيه فعله سبحانه عن العبث واللغو.

وتؤكد ذلك الآيات التي تتضمن بيان ملاكات الأحكام ومناطاتها يقول سبحانه في وجه تحريم الخمر: (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)(3) ، ويقول تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)(4). إلى غير ذلك من الآيات المبينة لمناطات الأحكام وملاكاتها .

وقد وردت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) روايات حول علل الشرائع حتى ألف الشيخ الصدوق( 306 ـ 381هـ) في الموضوع كتاباً خاصا أسماه «علل الشرائع».


1 . كشف المراد:64 مع تعليقاتنا.
2 . المؤمنون:115.
3 . المائدة:91.
4 . العنكبوت:45.


(197)

المقام الثاني: المصلحة من مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه

هل المصلحة من مصادر التشريع ومن منابع استنباط الحكم الشرعي فيما لا نصّ فيه؟ فهناك صور ربّما يختلف حكمها.

الأُولى: تقديم المصلحة على النصّ، ونبذ الآخر

إنّ الاستصلاح بهذا المعنى تشريع محرّم وتقدّم على اللّه ورسوله قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُولِه)(1)، والواجب على كلّ مسلم، التجنّب عن هذا القسم من الاستصلاح، فمن يتوهّم المصلحة في سلب حقّ التطليق عن الزوج، أو منح الزوجة حقّ التطليق أيضاً، لا يصحّ له التشريع، ولكن نجد ـ مع الأسف ـ رواج هذا الأُسلوب بين لفيف من الصحابة ـ بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ حيث كانوا يقدّمون المصلحة على النص.

1. روى مسلم عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.

2. وروى عن ابن طاووس، عن أبيه: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وثلاثاً من خلافة عمر؟ فقال: نعم.

3. وروى أيضاً : أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك،


1 . الحجرات:1.


(198)

فلمّا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم.(1)

هذه النصوص تدلّ بوضوح على أنّ عمل الخليفة لم ينطلق من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّر عنه بتنقيح المناط، وإنّما كان عمله من الاجتهاد تجاه النص ونبذ الدليل الشرعي والسير وراء رأيه لمصلحة مذكورة في كلامه.

ومن هذا القبيل: نهي الخليفة عن متعة الحجّ، ومتعة النساء، والحيعلة في الأذان، وغير ذلك.

الثانية: تقييد النصّ بالمصلحة

روي أنّه جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: هلكت يا رسول اللّه، قال: «ما أهلكك؟».

قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: «هل تجد ما تعتق رقبته؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟» قال: لا، ثمّ جلس فأُتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعرق فيه تمر، فقال: «تصدّق بهذا».(2)

ومقتضى إطلاق الحديث كفاية كلّ من الخصال في مقام التكفير، فالغنيّ المفطر، له أن يكفّر بالعتق كما له التكفير بالأُخرى، ولكن ربما يقال بتعيّن الصيام على الغني، لأنّه لا يُكفّر ذنبه إلاّ به، أي صوم شهرين متتابعين، لأنّه هو الرادع له عن العود إلى الإفطار لا الإطعام ولا عتق الرقبة، لعسر الأوّل ويسر الثانيين.


1 . صحيح مسلم:4/183ـ 184، باب الطلاق ثلاثاً، الحديث1ـ3.
2 . بلوغ المرام/136 برقم 695.


(199)

وقد منع عمر بن الخطاب المؤلّفة قلوبهم... من أخذ الزكاة قائلاً بأنّ مناط الحكم هو ضعف المسلمين وشوكة الكافرين فيصرف شيء من الزكاة فيهم، لكي يستعان بهم على الكفار، وهو منتف الآن. وبهذا، قيّد إطلاق الآية :(إِنّما الصَّدقاتُ لِلْفُقَراءِ والْمَساكِينِ وَالْعامِلينَ عَلَيْها وَالْمُؤلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمينَ وَفِي سَبيلِ اللّهِ وابْنِ السَّبيلِ فَريضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَليمٌ حَكيم)(1) وخصّصها بصورة الضعف وأخرج صورة القوّة.

ولكنّه تشريع تجّاه النص، والاستصلاح في المقام، كالاستصلاح في القسم الأوّل بدعة، غير أنّه في الأوّل بمعنى نبذ النص من رأسه وفي المقام نبذ لإطلاقه.

إنّ هذا القسم من الاستصلاح ربما يعبّر عنه بالأخذ بروح القانون(2)، وهو بذل الجهد للوقوف على ملاك الحكم ومناطه الذي يقع التشريع وراءه، وهو يكون أساساً لعملين:

1. إسراء الحكم ممّا فيه النصّ إلى ما ليس فيه إذا كان حائزاً للمناط، وهنا تلتقي المصالح المرسلة مع القياس.

2. تقييد إطلاق النصّ بالمناط والاسترشاد بالمصلحة والأخذ بروح القانون لا بحرفيّته.

إنّ الاستصلاح في كلا الموردين ممنوع، امّا إذا كان أساساً للقياس فقد مرّ الكلام فيه وانّه لا دليل على حجّيته; وأمّا الثاني ما كان سبباً لتقييد إطلاق الدليل فيه ، ففيه:

أمّا أوّلاً: فإنّ عقول الناس أقصر من أن تحيط بالمصالح والمفاسد.

وثانياً: فإنّ الاستصلاح بهذا المعنى، فوق ما يرومه الأُصوليّون من أهل


1 . التوبة:60.
2 . فجر الإسلام:238، نشر دار الكتاب.


(200)

السنّة، وقد عرفت أنّ الإمام مالكاً خصّ العمل به بما إذا توفّرت فيه الشروط الثلاثة التي منها أن لا تنافي إطلاق أُصول الشرع ولا دليلاً من أدلّته.

فتلخّص أنّ الاستصلاح بالمعنى الأوّل والمعنى الثاني بكلا قسميه خارج عمّا هو محط البحث لدى الأُصوليين، وإليك سائر الأقسام.

الثالثة: إنشاء الحكم فيما لا نصّ فيه على وفق المصلحة

إذا كان الموضوع ممّا لا نصّ فيه و لكن أدركنا بعقولنا وجود مصلحة فيه وإن لم يرد من الشارع أمر بالأخذ، ولا بالرفض، فتشريع الحكم الشرعي على وفقها هو الاستصلاح ولا مانع منه ويعلّله بعض المعاصرين بأنّ الحياة في تطوّر مستمر، ومصالح الناس تتجدّد و تتغير في كلّ زمن، فلو لم تشرع الأحكام المناسبة لتلك المصالح، لوقع الناس في حرج، وتعطّلت مصالحهم في كلّ الأزمنة و الأمكنة، ووقف التشريع عن مسايرة الزمن ومراعاة المصالح والتطوّرات، وهذا مصادم لمقصد التشريع في مراعاة مصالح الناس و تحقيقها.(1)

يلاحظ عليه: أنّ لتشريع الحكم على وفق المصلحة صوراً:

الأُولى: تشريعه في الأُمور العبادية التوقيفية، كتشريع الأذان الثاني لصلاة الجمعة لمّا كثر المسلمون ولم يكف الأذان بين يدي الخطيب لإعلامهم، فلا شكّ انّه تشريع محرّم وإدخال في الدين مالم يأذن به اللّه، لأنّ الأذان الثاني عمل عباديّ لم يأذن به الشارع مع توفّر طرق أُخرى عاديّة لإعلام المصلّين، من دون لزوم التشريع كما هو واضح.

الثانية: إذا كان أصل الحكم منصوصاً بوجه كلي، ولكن فُوِّضت كيفيةُ العمل به وتحقيقه على صعيد الحياة إلى الحاكم الشرعي، وذلك مثل ما مرّ من


1 . الوجيز في أُصول الفقه: 94; مصادر التشريع الإسلامي: 100.


(201)

الأمثلة، كإنشاء الدواوين أو سكّ النقود، وتكثير الجنود وغيرها فالمنصوص، هو حفظ بيضة الإسلام، للحيلولة دون غلبة الكفار. قال سبحانه: (وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّه وَعَدوّكُمْ).(1) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه».(2)

فعند ذلك فالحكم المنشأ على وفق المصلحة ليس حكماً شرعياً أوّلياً، ولا حكماً شرعياً ثانوياً وإنّما هو حكم ولائي نابع من ولاية الحاكم على إجراء القانون المنصوص عليه على صعيد الحياة وفقاً للمصالح، ما لم يخالف تشريع الكتاب والسنّة فقد سُمِح للحاكم وضع هذه الضوابط والمقررات ضمن «إطار خاص» لأجل تطبيق الأحكام الكلية على صعيد الحياة فهي لازمة الاتّباع مادامت تضمن مصلحة الأُمة فيدوم مادام الحكم مقروناً بالمصلحة، فإذا فقد الملاك ينتفي.

والأولى تسمية هذا النوع من الأحكام بالمقررات، لتمييزها عن الأحكام الشرعية المجعولة الصادرة من ناحية الشرع.

فلو أُريد كون الاستصلاح مبدأ لهذا النوع من الحكم، فهو صحيح لكن يبدو انّه غير مراد للقائلين بكونه من مبادئ التشريع ومصادره.

الثالثة: تشريع الحكم حسب المصالح والمفاسد العامة الذي اتّفق عليه العقلاء، فلو افترضنا انّ موضوعاً مستجدّاً لم يكن له نظير في عصر النبي والأئمّة المعصومين، لكن وجد فيه مصلحة عامة للمسلمين أو مفسدة لهم، فالعقل يستقل بارتكاب الأُولى والاجتناب عن الثانية، فالعقل عندئذ لا يكون مشـرِّعاً بل كاشفاً عن حكم شرعي دون أن يكون للمجتهد حقّ التشريع. وذلك كتعاطي المخدّرات فقد اتّفق العقلاء على ضررها وإفسادها الجسم والروح، فيكون العقل


1 . الأنفال: 60.
2 . الوسائل: الجزء 17، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 11.


(202)

كاشفاً عن حكم شرعي، للملازمة بين الحكمين، وعندئذ تكون قاعدة الاستصلاح من شعب حجّية العقل.

ومثله التلقيح الوقائي عند ظهور الأمراض السارية كالجدري، والحصبة وغيرهما فقد أصبح من الأُمور التي لا يتردد في صلاحيتها ذوو الاختصاصات.

يقول الأُستاذ عبد الوهاب خلاف: إنّ الأحكام الشرعية إنّما شرعت لتحقيق مصالح العباد وانّ هذه المصالح التي بنيت عليها الأحكام الشرعية، أمر معقول، أي ممّا يدرك العقل حسنها كما أنّه يدرك قبحها فيصح ما نهى عنه ، فإذا حدثت واقعة لا نصّ فيها، وبنى المجتهد حكمه فيها على ما أدركه عقله من نفع أو ضرر، كان حكمه على أساس صحيح معتبر من الشارع ولذلك لم يقع باب الاستصلاح إلاّ في المعاملات ونحوها ممّا تعقل معاني أحكامها.(1)

أقول: ما ذكره لا غبار عليه لولا ما في قوله: «وبنى المجتهد حكمه فيها على ما أدركه عقله من نفع أو ضرر» حيث اتّخذ الإدراك الفردي ملاكاً للتشريع وهو غير صحيح، لأنّ كون الفعل ذا مصلحة أو مفسدة عند الفقيه، لا يكشف عن كونه كذلك في الواقع، لقصور العقل الفردي عن الإحاطة بالمصالح والمفاسد الواقعية، فربما يدرك المصلحة والمفسدة ويغفل عن موانعهما، فإدراك فرد واحد أو فردين، أو ثلاثة وجود المصلحة أو المفسدة في الفعل لا يكون ملاكاً للتشريع على وفقه.

وهذا بخلاف ما أطبق عليه العقلاء جيلاً بعد جيل على اشتمال الفعل على المصلحة الملزمة أو المفسدة، فيؤخذ بما يحكم فيه العقل.

الرابعة: إذا استدعى العمل بالتشريع الإسلامي حرجاً عاماً أو مشقة


1 . مصادر التشريع الإسلامي: 75.


(203)

للمجتمع الإسلامي لأجل ظروف وملابسات مقطعية أو كان هناك تزاحم بين الحكمين الواقعيين، فللحاكم الإسلامي رفع الحرج بتقديم أحكام العناوين الثانوية على أحكام العناوين الأوّلية مادام الحرج باقياً، أو تقديم الأهم من الحكمين على المهم، وهذا النوع من الأحكام ليست أوّلية، كوجوب الصلاة ولا ثانوية كالتيمم عند فقدان الماء، بل صلاحيات خوّلها الشارع إلى الحاكم الشرعي لما يتمتع به من ولاية على الناس. فهذا النوع من التصرّف لغاية تطبيق الأحكام على صعيد الحياة.

المقام الثالث: كون المصلحة موضوعاً للأحكام الولائية

إنّ للرسول الأعظم مناصب ومقامات ثلاثة، لكلّ مقام حكمه ومقتضاه :

1. انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول،يوحى إليه في مجالي العقيدة والشريعة والأخلاق وغيرها فهو مبين الفرائض والمناهي والمندوبات والمكروهات والمباحات دون أي تصرف في تشريعاته سبحانه فهو حامل رسالات اللّه ومبلغها إلى الأُمة بقوله وفعله وتقريره وهذه سمة لكلّ مبعوث من اللّه سبحانه كما يقول:(وما على الرسول إلاّ البلاغ)(1)

2. انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قاض، وحاسم للخصومات وقاطع للمرافعات، يُجسد بقضائه قضاء داود وسليمان وغيرهما قال سبحانه:(يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَليفَةً فِي الأَرضِ فاحْكُمْ بَيْنَ النّاس بِالحَقّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضلَّكَ عَنْ سَبيلِ اللّه)(2)

وفي الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «انّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان».(3)


1 . المائدة:99.
2 . ص:26.
3 . الوسائل:18، الباب2 من أبواب كيفية القضاء، الحديث 1.


(204)

وقال أيضاً: «البينة على من ادّعى، واليمين على من ادّعي عليه».(1)

إلى غير ذلك من الروايات الحاكية عن قضائه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقضاء من نصبه لذلك المنصب.

3. انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سائس وحاكم وإمام يدير دفة الحكم والسياسة ويقود الأُمّة بسياسته الحكيمة إلى ما هو الأصلح، فيؤمّن الطرق، ويجلب الأرزاق، ويحفظ النواميس، ويسدّ الثغور، إلى غير ذلك مما تقتضيه إدارة المجتمع ممّا لا محيص عنه، وقد أشار إلى شي ء من وظائف الحاكم بقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمعْـرُوفِ وَنَهَوْ عَن المُنكَرِ وَ للّهِ عاقِبَةُ الأُمور).(2)

والنبي الخاتم قد قام بإنجاز كلّ ما تقتضه المناصب الثلاثة التي منحت له، فبما أنّه كان رسولاً، بيّن الشرائع الإلهية في العبادات والمعاملات والإيقاعات والسياسات .

كما أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم بالأيمان والبيّنات بما أنزل اللّه تبعاً لقوله سبحانه: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنزل اللّه وَلا تتَّبَِع أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بعْضِ ما أَنزل اللّه إِلَيْك).(3) كما أنّه أسّس حكومة إسلامية وأرسى قواعدها طيلة إقامته في المدينة، فجهّز الجيوش وبعث البعوث العسكرية إلى مختلف المواطن وراسل الملوك والأُمراء يدعوهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام، إلى غير ذلك من مئات الأعمال التي قام بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي لا يسع المقام لذكر معشارها.

ثمّ إنّ المنصب الأوّل بمعنى كونه طرف الوحي، مختص به (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأمّا


1 . الوسائل:18، الباب3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.
2 . الحج:41.
3 . المائدة:49.


(205)

المنصبان الأخيران، فهو للإمام بعده أيضاً، فهو بما أنّه خليفة النبي في منصب القضاء يفصل الخصومات، وبما أنّه خليفته في القيادة الحكمية في أُمور الدين والدنيا يسعى في أن يوجّه الأُمة الإسلامية إلى أرقى المستويات في عامّة الجهات، و يجب على الأُمّة إطاعته فيما يأمر وينهى.

يقول شيخ الأُمة المحقّق النائيني في أثره الخالدة«تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة»: فوّض إلى الحاكم الإسلامي وضع ما يراه لازماً من المقررات لمصلحة المجتمع وسدّ حاجاته في إطار القوانين الإسلامية.(1)

وعلى ضوء ما ذكرنا يتّضح موقف الاستصلاح في مجال التشريع للحكم الحكومي، فهو أساس لأحكام حكوميّة، في إدارة المجتمع، وهو كلام صحيح، قطع به الإمامية خصوصاً كلّ من يقول بولاية الفقيه.

مثلاً إذا رأى العالم أنّ المصلحة تقتضي فتح طريق، أو شارع لصيانة نفوس المسلمين، فقد فوّض إليه ذلك أن ينفذ ذلك في ضوء العدل والإنصاف كما له أن يجبر أصحاب الأراضي التي يمرّ بها الطريق، على البيع، بثمن رائج وبقيمة عادلة.

إذا اقتضت المصالح العامة فرض ضريبة على صنف خاص من الشعب، أو على نوع من الأمتعة الوطنية والمستوردة من الخارج، فله ذلك.

ووجه ذلك، أنّ طبيعة الحكومة لا تنفك عن الأمر والنهي، وإلاّ لفاتت المصالح الكبيرة، ووقعت الأُمة في أغوار المفاسد في مثل هذه الموارد، فيكون الاستصلاح مبدأ للأمر والنهي والإيجاب والتحريم يدور على ملاك المصالح والمفاسد، إلى حد لو انتفى الملاك لانتفى الحكم بانتفاء موضوعه.


1 . تنبيه الأُمة وتنزيه الملّة: 97.


(206)

4
سدّ الذرائع

إنّ سدّ الذرائع من الأُصول المعتبرة لدى المالكية والحنابلة دون غيرهما.

ولأجل إيضاح الحال نبحث في أُمور:

1. سدّ الذرائع لغة واصطلاحاً

«الذريعة» في اللغة، بمعنى الوسيلة التي يتوصّل بها إلى الشيء، سواء أكان الشيء محبوباً أم مبغوضاً، أم أمراً مباحاً غير محبوب ولا مبغوض. و«السدّ» يقابل الفتح، والظاهر عدم الفرق بين الذريعة والمقدّمة، فالمراد ما يتوقّف عليه وجود الشيء سواء أكانت علّة تامّة للشيء أم جزء العلة، وسواء أكانت علّة منحصرة أم غير منحصرة.

ولمّا أُضيف إلى الذريعة كلمة السد وقيل«سدّ الذرائع» يكون هذا قرينة على أنّ المراد هو مقدّمة الحرام، وعندئذ تصبح المسألة من فروع حكم مطلق المقدّمة، سواء أكانت مقدّمة للواجب أو للحرام.

وقد طرحه الأُصوليون في كتبهم واختلفوا في اتّحاد المقدّمة مع ذيها في الحكم


(207)

إلى أقوال:

1. فمن قائل بلزوم اتّحاد الحكم مطلقاً.

2. إلى آخر بلزوم الاتّحاد إذا كانت المقدّمة موصلة.

3. إلى ثالث بلزوم الاتّحاد في المقدّمة الّتي يتوصّل بها إلى ذيها.

4. إلى قائل بنفي لزوم اتّحاد الحكم وأنّه يمكن أن تكون المقدّمة محكومة بحكم كالإباحة وذو المقدمة بحكم آخر كالوجوب، والحرمة.

نعم يجب أن لا يكونا متضادين غير ممكنين للامتثال، كما إذا كان ذو المقدمة واجباً والمقدّمة حراماً، أو كان ذو المقدّمة حراماً والمقدّمة واجبة.

فتلخّص من ذلك أنّ هذه القاعدة «سدّ الذرائع» فرع من أحكام مطلق المقدّمة، غاية الأمر أنّ الأُصوليّين يبحثون عن حكم مطلق المقّدمة، سواء أكانت المقدّمة للواجب أو الحرام أو المكروه أو المستحبّ أو المباح، ولكن القائل بسدّ الذرائع يبحث في فرع من فروع هذه المسألة وهو مقدّمة الأمر الحرام.

ومن ذلك يظهر ضعف ما ذكره الدكتور وهبة الزحيلي: انّ المقدّمة عبارة عمّا يتوقّف عليها وجود الشيء ولولاها لما تمكّن أحد من تحقيق الهدف المقصود، وأمّا الذريعة فهي لا يتوقّف عليها وجود الشيء ولكن أُتي بها للتوصّل إليه، فقوله سبحانه:(وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ).(1) من باب الذريعة لا من قبيل المقدّمة، لأنّ افتتان الرّجل بالمرأة لا يتوقّف على الضرب بالرِّجْل، ولكن هذا ذريعة إلى تلك المفسدة، لأنّ من شأنه أن يؤدّي إليها.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ضرب الرِّجْل أيضاً مقدّمة لافتتان الرَّجُل بها، غاية الأمر


1 . النور:31.
2 . الوجيز في أُصول الفقه:108.


(208)

ليس مقدّمة منحصرة، بل له أسباب كثيرة، منها، ضرب النساء بأرجلهن، أمامهم فما ذكره من أنّ افتتانه بالمرأة لا يتوقّف على الضرب بالرجل، إن أراد عدم انحصاره بهذه الوسيلة فهو صحيح، لكنّه لا يمنع عن كونه مقدّمة أيضاً، إذ لا يشترط في صدقها، الانحصار وإن أراد عدم دخالته في الافتتان، فهو كما ترى، لأنّه من أسبابه في بعض الظروف.

2. تعريفه

وقد عرّف بتعاريف منها:

1. العمل الّذي يُعدّ حلالاً في الشرع لكن الفاعل يتوصّل به إلى فعل محظور.

2. التذرّع بفعل جائز إلى عمل غير جائز.

3. ما يتوصّل به إلى شيء ممنوع مشتمل على مفسدة.

4. التوصّل بما هو مصلحة إلى مفسدة.

إلى غير ذلك من التعاريف الّتي جمعها محمد هاشم البرهاني في كتابه«سدّ الذرائع في الشريعة الإسلامية».

فلو قلنا بأنّ لفظ التوصّل يدلّ على القصد والعزم،يكون مرجع التعاريف الأربعة إلى أنّ الفاعل يتدرّع بفعل الحلال إلى فعل حرام، وعند ذلك يصحّ توضيح هذه التعاريف الأربعة بما ذكره الشاطبي بالمثال التالي:

إذا اشترى شخص غنماً من رجل بعشرة إلى أجل، ثمّ باعها منه بثمانية نقداً، فقد صار هذا العمل مقدّمة لأكل الربا، لأنّ المشتري أخذ ثمانية ودفع عشرة عند حلول الأجل.فالقائل بسدّ الذرائع يمنع البيع الأوّل تجنّباً عن الربا.(1)


1 . الموافقات:4/112.


(209)

وهو نفس «بيع العينة» و عُرّف: ان يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجّل ويسلّمه إلى المشتري ثمّ يشتريه قبل قبض الثمن، بثمن نقد أقل من ذلك القدر.(1)

وعلى هذا: يكون البحث في هذا الفصل غير مركّز على حكم مقدّمة الحرام بما هي هي، بل يكون مركّزاً على حكم قسم واحد وهو ما قصد بالمقدّمة، التوصّل إلى الحرام، دون ما لم يُقصد، وعندئذ كلّ من قال بسدّ الذرائع يجب أن يقول بمنع فتحها، لأنّ الذرائع في ذلك الفصل الّذي يجيء البحث عنه عبارة عن الأُمور المحللة، ولكن المكلّف يقصد بها التوصّل الحرام، وكأنّه يأخذ الأمر الحلال واجهة لارتكاب الحرام.

ومع ذلك يمكن أن يقال: الموضوع مطلق مقدّمة الحرام سواء قصد بها التوصل إلى الحرام أو لا، بشهادة الاستدلال في المقام بالنهي عن سبّ آلهة المشركين، لأنّها مقدّمة لسب إله الموحّدين، ومن المعلوم أنّ سبّهم ليس لغاية أمر حرام وإنّما ينتهي إليه، ومثلها النهي عن خطاب النبي بـ«راعنا» مع أنّ القائل لا يقصد به التوصّل إلى الحرام وإنّما ينتهي إليه، فيكون الموضوع الشيء المفضي إلى مقصد ممنوع، سواء أكان هناك قصد أو لا.

ويؤيّد ما ذكرنا من أنّ مصب البحث هو مطلق المفضي إلى الحرام ما ذكره الباحث محمد سلاّم مذكور في المدخل لدراسة الفقه الإسلامي قال: «الذرائع إذا كانت تفضي إلى مقصد هو قربة وخير أخذت الوسيلة حكم المقصد، وإذا كانت تفضي إلى مقصد ممنوع هو مفسدة أخذت حكمه; ولذا فإنّ الإمام مالكاً يرى أنّه يجب فتح الذرائع في الحالة الأُولى، لأنّ المصلحة مطلوبة، وسدّها في الحالة الثانية، لأنّ المفاسد ممنوعة».(2)


1 . الموسوعة الفقهية الكويتية:5/207.
2 . المدخل للفقه الإسلامي:266.


(210)

ويؤيد ما ذكرنا، من كون محلّ النزاع مطلق ما ينتهي إلى الحرام، سواء أكان هناك قصد إليه أو لا، قول ابن القيم قال: «وباب سدّ الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنّه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود; والنهي نوعان: أحدهما ما يكون النهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سدّ الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين».(1)

ولا يصحّ التقسيم(سدّ الذرائع رُبع التكليف) إلاّ على القول بأنّ الموضوع هو مطلق ما ليس فيه مفسدة ولكن ينتهي إليها. ولو كان الموضوع ما قصد به التوصّل إلى الحرام يكون سدّ الذرائع ثُمْن التكليف كما لا يخفى.

فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ إفضاء الأمر الحلال إلى حرام، ممنوع عند المالكية والحنابلة وجائز عند الشافعية والحنفية.

نعم هناك قاعدة فقهية، وهي حرمة التعاون على الإثم والعدوان، ولا صلة لها بسدّ الذرائع وانّما هي قاعدة أُخرى.

3. حرمة الوسيلة حرمة غيرية لا نفسية

تنقسم الحرمة إلى نفسية وغيرية، فلو كان ملاك الحرمة (المفسدة) موجوداً في نفس الشيء يكون حراماً نفسياً. وأمّا إذا كان الشيء في حدّ ذاته فاقداً للمفسدة، ولكنّه صار مقدّمة لما فيه المفسدة، فلو قلنا بلزوم اتّحاد حكم المقدّمة وذيها يوصف بالحرمة الغيرية لا النفسية كحرمة المشي إلى النميمة.

وبما أنّ الذريعة في المقام حلال بالذات خال عن المفسدة، غير أنّه وقع


1 . إعلام الموقعين:3/171.


(211)

ذريعة للأمر الحرام يكون النهي المتعلّق به نهياً غيرياً، فلو وجدنا في الشريعة تعلّق النهي بالشيء وفي الوقت نفسه تعلّق بغايته يكون هذا خارجاً عن هذا الفصل.

4. أقسامه

قد ذكر ابن القيم للذريعة أقساماً أربعة:

1. الوسائل الموضوعة للإفضاء إلى المفسدة كشرب الخمر المفضي إلى مفسدة السكر، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش.

2. الوسائل الموضوعة للأُمور المباحة، إلاّ أنّ فاعلها قصد بها التوصّل إلى المفسدة كما يعقد البيع قاصداً الربا (كما في مثال الشاطبي).

3. الوسائل الموضوعة للأُمور المباحة، والتي لم يقصد بها التوصّل إلى المفسدة لكنّها مفضية إليها غالباً، كسبّ آلهة المشركين المفضي إلى سبّ اللّه سبحانه.

4. الوسائل الموضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها، كالنظر إلى المخطوبة، أو المشهود عليها.(1)

أقول: إنّ مصبّ القاعدة ـ حسب ما يشهد عليه الفروع المترتبة عليها ـ هو الفعل المباح الخالي عن المفاسد، غير المحكوم بالحرمة، إذا وقع ذريعة للحرام وما فيه المفسدة. وأمّا لو كان الفعل ذات مفسدة، وبالتالي أمراً محرّماً بالذات ـ و مع ذلك ـ وقع ذريعة لحرام آخر، فهو خارج عن الكلام، لأنّ الغاية من القاعدة إثبات الحرمة عليه، والمفروض أنّه حرام نفسي، وإثبات الحرمة عليه يكون تحصيلاً للحاصل.


1 . إعلام الموقعين:3/148.


(212)

وبذلك يظهر خروج القسم الأوّل من كلام ابن القيم عن تحت القاعدة، لأنّ المفروض أنّ الزنا في حدّ نفسه حرام ولا حاجة في عروض الحرمة عليه، كونه مستلزماً لاختلاط المياه الّذي فرض في كلام القائل إنّه أيضاً حرام.

كما يظهر خروج القسم الرابع باتّفاق منّا ومن ابن القيم، لأنّ المفروض أنّ مصلحته أرجح من مفسدته ، فتكو(1)ن القاعدة مختصّة بالقسمين: الثاني والثالث.

وقد أكثر الإمام مالك العمل بهذه القاعدة حتّى أفتى لمن رأى هلال شوال وحده، أن لا يفطر لئلاّ يقع ذريعة إلى إفطار الفسّاق، محتجّين بما احتجّ به، ولكن كان في وسع الإمام أن لا يُحرِّم عليه الإفطار عملاً بالسنّة: «صوموا عند الرؤية وأفطروا عند الرؤية»(2) ، وفي الوقت نفسه يمنعه عن التظاهر به ويجمع بين القاعدتين، ولعلّ هذا مراد الإمام.

5. سدّ الذرائع أصل برأسه عند القائل

الظاهر من القائلين بسدّ الذرائع أنّه دليل مستقل وراء الأدلّة الاجتهادية، كالكتاب والسنّة والإجماع والعقل، ولذلك جعلوه دليلاً فيما لا نصّ فيه.

ولكنّك عرفت أنّ المقام من فروع المسألة الأُصولية وهي لزوم اتّحاد حكم المقدّمة وذيها، فإذا كان الشيء مقدّمة للواجب يحكم بوجوبه، وإذا كان مقدّمة للحرام يحكم بحرمته، فالمسألة من فروع تلك القاعدة. فمن قال بلزوم الاتّحاد يحكم في المقام كذلك، وإلاّ فلا.


1 . إعلام الموقعين:2/148.
2 . بلوغ المرام برقم 271 باختلاف يسير.


(213)

وأظن أنّ علم الأُصول لم يكن مدوّناً في عصر الإمام مالك وقد أخذ هو بهذا الأصل وأفتى بحرمة التوصّل. ووجوب السدّ وعذر الإمام مالك مسموع، وأمّا المتأخّرون عنه الذين نضج علم الأُصول بأيديهم وأفكارهم فكان عليهم أن يجعلوا هذا الأصل فرعاً من أحكام المقدّمة أو لا أقلّ من أحكام مقدّمة الحرام أو خصوص ما قصد به التوصّل لو قيل باختصاص البحث بصورة القصد خلافاً لما حقّقناه، وعندئذ يتخلّصوا من عناء البحث الطويل.

6. أدلّته

ثمّ إنّ القائلين بسدّ الذرائع استدلّوا بوجوه مختلفة ، وممّن أطنب الكلام فيه ابن القيّم في كتابه إعلام الموقعين، فقد استدلّ تارة بالاستقراء، وأُخرى بدليل العقل، ونحن نأتي بكلا الدليلين ثمّ نشير إلى سائر الأدلّة.

الأوّل: الاستدلال بالاستقراء

لقد جمع ابن القيّم مسائل كثيرة تبلغ تسعاً وتسعين مسألة، وجد فيها جميعاً اتّحاد الحكم في الوسائل وما تفضي إليه. واستنتج من هذا الاستقراء انّ الشارع يعطي للوسائل دائماً حكم ما تنتهي إليه، فإذا وجدنا وسيلة وذريعة لحرام، ولم نعثر في الكتاب والسنّة على دليل لحرمتها على حرمته نستنتج أنّ الشارع أعطى لها حكم ذيها آخذاً بالاستقراء.

وإليك شيئاً من الأمثلة التي استقرأها من مواضع مختلفة ووجد فيها وحدة الحكم بين المقدّمة وذيها:

الأوّل: قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً


(214)

بِغَيْرِ عِلْم)(1) ، فحرّم اللّه تعالى سبّ آلهة المشركين لكونه ذريعة إلى سبّهم اللّه تعالى.

الثاني: قوله تعالى: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهنَّ)(2) ، فمنعهن من ضربهن بالأرجل ـ وإن كان جائزاً في نفسه ـ لئلاّ يكون سبباً لسماع الرجال صوت الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن.

الثالث: قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّات).(3)

أمر تعالى مماليك المؤمنين ومن لم يبلغ منهم الحُلُم أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة لئلاّ يكون دخولهم بغير استئذان، فيها ذريعة إلى اطّلاعهم على عوراتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة.

الرابع: قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا).(4)

نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة ـ مع قصدهم بها الخير ـ لئلاّ يكون قولهم ذريعة إلى التشبّه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنّهم كانوا يقصدون بها السبّ.

الخامس: انّه تعالى نهى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلاّ يتّخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها.

السادس: انّ اللّه حرم القطرة الواحدة من الخمر لئلاّ تتّخذ القطرة ذريعة إلى الحُشوة، كما حرم إمساكها للتخليل لئلاّ يتّخذ ذريعة إلى إمساكها للشرب.

السابع: حرم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن والسفر بها، سدّاً لذريعة ما يحاذر من الفتنة.


1 . الأنعام:108.
2 . النور:31.
3 . النور:58.
4 . البقرة:104.


(215)

الثامن: انّه تعالى حرم نكاح أكثر من أربع، لأنّ ذلك ذريعة إلى الجور.

التاسع: انّ اللّه حرم خِطْبة المعتدة صريحاً، لأنّ إباحة الخطبة قد تكون ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة والكذب في انقضاء عدتها.

العاشر: انّ اللّه حرم عقد النكاح في حال العدة وفي الإحرام وإن تأخّر الوطء إلى وقت الحل لئلاّ يتّخذ العقد ذريعة إلى الوطء.(1)

هذه نماذج ممّا استقرأه ابن قيم الجوزية من مواضع مختلفة ليُثبت أنّ الغالبية في الشيء وذريعته، هو اتّحاد الحكم.

فلو قلنا بحجّية الاستقراء، ففي مورد لم نجد دليلاً على حرمة الذريعة نحكم بحرمته إذا كانت الغاية محرمة. والاستقراء يكون رصيداً لقاعدة سدّ الذرائع.

يلاحظ عليه أوّلاً:

الظاهر أنّ القائلين بسدّ الذرائع هو أنّ الأمر المباح إذا وقع ذريعة لحرام يكون حراماً غيرياً (أي مقدّمياً) لا حراماً نفسياً، وأغلب ما ذكره من الأمثلة فهو حرام نفسي، وإن وقع ذريعة لحرام نفسيّ آخر، فما جمعه واستقرأه من الأمثلة إنّما يكون شاهداً على القاعدة، إذا كانت المقدّمة فيها محرمة بالحرمة الغيرية لا بالنفسية.

والفرق بين الحرمة الغيرية والنفسية واضحة، فإنّ الحرام ـ غيرياً ـ لا يعاقب عليه بخلاف الحرام النفسي، فالمشي إلى النميمة حرام غيري، فلو مشى ونمّ فلا يعاقب عقابين : أحدهما للمشي والآخر للنميمية، بل يعاقب عقاباً واحداً، وهذا بخلاف الحرام النفسي، فإنّه يعاقب عليه حتّى وإن وقع ذريعة لحرام آخر.


1 . إعلام الموقعين:3/147ـ 153.


(216)

وما ذكره من الأمثلة من هذا القبيل نظير:

1. سبُّ آلهة المشركين أمامهم.

2. ضرب النساء بأرجلهنّ عند سماع الرجال.

3. البيع وقت النداء الذي يقع ذريعة لترك صلاة الجمعة.

4. شرب القطرة الواحدة من الخمر وإن لم تُسكر، لأنّ ما يسكر كثيره فقليله أيضاً حرام.

5. الخلوة بالأجنبية.

6. خطبة المعتدة في عدّتي الطلاق والوفاة.

7. عقد المعتدة في تلك الحالة.

إلى غير ذلك من الأمثلة، فإنّ هذه الأُمور محرّمة حراماً نفسياً وإن كانت ذريعة لمفاسد أُخرى. وكون الشيء مشتملاً على مفسدة لا يكون سبباً لصيرورة النهي المتعلّق به نهياً غيرياً.

فلو صحّ ما ذكره فإنّما يصحّ في بعض الأمثلة، وعندئذ يصبح الاستقراء استقراءً ناقصاً جداً غير مفيد للعلم بالملازمة.

وثانياً: أنّه إذا علم في الموارد الّتي استقرأها أنّ النهي المتعلّق بالذريعة نفسي أو غيري، فهو، وإلاّ فإن شكّ في كونه غيرياً أو نفسياً فمقتضى الإطلاق هو كونه نفسياً، وذلك لأنّ الغيري يتوقّف على بيان زائدـ أعني: «ما وجب لأمر آخر» ـ بخلاف النفسي فهو ما وجب بلا قيد، أي سواء وجب شيء آخر أو لا، فلو تعلّق النهي بشيء وفي الوقت نفسه تعلّق بغايته، ودار أمر النهي بين كونه نفسياً أو غيرياً، فيحمل بحكم الإطلاق على كونه نفسياً ما لم يدلّ دليل على أنّه غيري. والتفصيل يُطلب في محلّه.


(217)

الثاني: حكم العقل

وقد استدلّ على سدّ الذرائع بحكم العقل على أنّ المولى إذا حرم شيئاً، يُحرّم الوسيلة الّتي تُفضي إليه، ولو أباح الوسيلة يكون ذلك نقضاً للغرض، وقد أوضح ذلك ابن القيّم ببيان طويل قال: لمّا كانت المقاصد لا يتوصّل إليها إلاّ بأسباب وطُرُق تُفْضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعةً لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقُربَات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها; فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنّه مقصود قصدَ الغاياتِ، وهي مقصودة قصد الوسائل; فإذا حَرَّم الربُّ تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تُفْضِي إليه فإنّه يحرمها ويمنع منها، تحقيقاً لتحريمه، وتثبيتاً له، ومنعاً أن يقرب حِماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المُفْضِية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم، وإغراء للنفوس به. وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كلّ الإباء،بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك; فإنّ أحدهم إذا منع جُنْدَه أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثمّ أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصِّلة إليه لعدَّ متناقضاً، ولحصل من رعيته وجنده ضدّ مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حَسْمَ الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصّلة إليه، وإلاّ فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة الّتي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لو صحّ ما ادّعاه من الملازمة بين حرمة الشيء وحرمة ذريعته تكون القاعدة من فروع حكم العقل ولا تكون قاعدة مستقلة وراء الأدلّة الأربعة. وهذا خلاف ما يرتئيه القائل بأصل «سدّ الذرائع».


1 . إعلام الموقعين:3/147.


(218)

وثانياً: أنّه لا ملازمة بين حرمة الشيء وحرمة مقدّمته، بل لا مانع من حرمة الشيء وحلّية مقدّمته، وليس فيه أي نقض للتحريم، إذ ليس معنى الإباحة، هو الإلزام بإتيان المقدّمة، بل معناها هو كون المكلّف مختاراً بين الفعل والترك، ولكن لو أتى بها يعاقب لأجل إتيان ذيها ، لا لإتيانها ولذلك يشترط في المقدّمة عدم التنافي بين حكمها وحكم ذيها، بأن يكون الشيء حراماً وذريعته واجبة، إذ مثل هذا يعدّ نقضاً للتحريم، دون ما إذا كانت مباحة، فإنّه وإن لم يكن في هذه الحالة إلزام شرعي بتركها، بل الفعل والترك سيان عنده، لكن العقل يوجّهه ويرشده إلى ما هو فيه الصلاح، ويدعوه من باب النُّصح إلى ترك الذريعة خوفاً من الوقوع في الحرام.

وثالثاً: يمكن أن يقال انّ تحريم المقدّمة، تحريماً غيريّاً أمر لغو، وذلك لأنّ حرمة المقدّمة حرمة غيرية، والتحريم الغيري لا يترتّب عليه ثواب ولا عقاب، وعندئذ يُصبح تحريم المقدّمة أمراً لا طائل تحته، وذلك: لأنّ الغرض من الإيجاب المولوي ـ فيما إذا كانت مقدّمة للواجب ـ هو جعل الداعي وإحداثه في ضمير المكلّف، لينبعث ويأتي بالمتعلّق، مع أنّه إمّا غير باعث، أو غير محتاج إليه، فإنّ المكلّف إن كان بصدد الإتيان بذي المقدّمة، فالأمر النفسي الباعث إلى ذيها باعث إليها أيضاً، ومعه لا يحتاج إلى باعث آخر بالنسبة إليها. وإن لم يكن بصدد الإتيان بذيها وكان مُعرِضاً عنه، لما حصل له بعث بالنسبة إلى المقدّمة.

والحاصل: أنّ الأمر المقدّمي يدور أمره بين اللغوية إذا كان المكلّف بصدد الإتيان بذيها ، و عدم الباعثية وإحداث الداعوية أبداً، إذا لم يكن بصدد الإتيان بذيها.

هذا، وأيّة فائدة لبعث لا يترتّب عليه ثواب ولا عقاب؟!

ومنه يعلم حكم مقدّمة الحرام حذوا النعل بالنعل.


(219)

الثالث: الاستدلال بالسنّة

قد استدلّوا ـ وراء الكتاب ـ بما ورد في السنّة أوضحها: ما رواه معاذ بن جبل قال: كنت رديف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على حمار يقال له عفير قال: فقال: «يا معاذ تدري ما حقّ اللّه على العباد، وما حقّ العباد على اللّه؟» قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: «فإنّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوا اللّه، ولا يشركوا به شيئاً; وحقّ العباد على اللّه عزّ وجلّ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً»، قال: قلت يا رسول اللّه: أفلا أبشّـر الناس؟ قال: «لا تبشّـرهم فيتّكلوا».(1)

مناقشة حديث معاذ

أ. انّ ما نقله عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من حقّ العباد على اللّه وأمره بكتمانه، فقد جاء في الذكر الحكيم ولم يكتمه سبحانه حيث قال: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْركَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء)(2)، وقوله سبحانه:(قُلْ يا عِبادي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيم)(3)، وقوله تعالى: (وَإِنَّ رَبّكَ لَذُو مَغْفِرة لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ)(4)، أي في حالة كونهم ظالمين وعاصين، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على غفرانه سبحانه لذنوب عباده.

ب. لو صحّ الحديث، فقد أمر النبي معاذاً بالكتمان، فلماذا أفشى سرّه وارتكب الحرام مع أنّه كسائر الصحابة عدل؟!


1 . شرح النووي على صحيح مسلم:1/232.
2 . النساء:48.
3 . الزمر:53.
4 . الرعد:6.


(220)

الرابع: الاستدلال بالإجماع

اتّفقوا على النهي عن إلقاء السم في أطعمة المسلمين المبذولة للتناول، بحيث يعلم أو يظن أنّهم يأكلونها فيهلكون، والمنع عن حفر بئر خلف باب الدار في الظلام الدامس لئلاّ يقع فيها الداخل.

يلاحظ عليه: أنّ النهي في هذه الموارد نفسيّ وإن كان لغاية أُخرى، كما شأن عامة النواهي في المصدرين.

7. دراسة بعض الفروع المبنيّة عليها

ثمّ ذكر بعض الكتّاب المعاصرين تطبيقات عملية لهذه القاعدة نسرد بعضها:

1. الاجتهاد لاستنباط أحكام الوقائع أمر مقرر مشروع، لكنّ في الاجتهاد الفردي في هذه الأيّام مفسدة ينبغي التحرّز عنها وسدّ أبوابها بأن تؤلّف مجالس تَضُم كبارَ العلماء المختصّين في مختلف علوم الشريعة وأبوابها ويسند إليها أمر الاجتهاد.

أقول: إنّ الحقيقة بنت البحث، والاختلاف إذا نشأ عن نيّة صادقة يؤدي إلى نضج العلم وتكامله، ولذلك يُعدّ الاجتهاد الجَماعي أوثق وأقوى، ولكن إذا بلغ الرجل مبلغَ الاجتهاد، فمنعه عن الاجتهاد والعمل برأيه والإفتاء به، أمر بالمنكر وصدّ عن العمل بالواجب.

2. ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية، فزعم القائل عدم جوازه سدّاً لذريعة التبديل والتغيير والتحريف. مضافاً إلى أنّ اللغات الأجنبية لا تسع لمعاني القرآن العميقة والدقيقة.


(221)

يلاحظ عليه: لا شكّ انّ ترجمة القرآن بأيّ لغة كانت لا تواكب معاني القرآن العميقة، وهذا أمر ليس بحاجة إلى برهنة، ولكن الحيلولة بين القرآن وترجمته، يوجب سدّ باب المعرفة للأُمم التي لا تجيد اللغة العربية، فإذا أقر المترجم في مقدّمة ترجمته بما ذكرناه وانّ ترجمته اقتباس ممّا جاء في الذكر الحكيم فعندها سترتفع المفسدة، فتكون الترجمة ذات مصلحة خالية عن المفسدة.

ثمّ إنّ النصّ القرآني محفوظ بين المسلمين فهو المرجع الأصيل دون الترجمة.

3. تدخّل الدولة في أيّام الأزمات والحروب لتحديد الأسعار، والأُجور والخدمات وتنظيم الحياة العامة على نحو معين لحماية الضعفاء من أرباب الجشع والطمع على أن لا يتجاوز حدّ الضرورة.

أقول: المراد من مصادر التشريع، ما يقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية التي أمر النبي بإبلاغها، للناس، وهي أحكام ثابتة عبر الأجيال والقرون.

وأمّا تحديد الأسعار، فليس من الأحكام الشرعية بالمعنى المتقدّم، بل هو حكم حكومي، يعدّ من حقوق الحاكم واختياره، فلو مسّت الحاجة إلى التسعير قام به، وإلاّ ترك الناس والأجناس بحالها، فعدّ سدّ الذرائع من مصادر التشريع، واستنتاج جواز تحديد الأسعار منه واقع في غير محلّه.

حصيلة البحث

إنّ سدّ الذرائع، ليس دليلاً مستقلاً في عرض سائر الأدلّة الأربع، فإنّ حرمة المقدّمة إمّا مستفادة من نفس النهي عن ذيها، على قول بعض الأُصوليّين حيث يقول بدلالة دليل ذيها على حكمها دلالة التزامية، فتدخل في السنّة حيث إنّ النهي عن ذيها، الوارد في السنّة مثلاً يدلّ بإحدى الدلالات على تحريم المقدّمة.


(222)

أو مستفادة من العقل الحاكم بالملازمة بين التحريمين وانّه إذا حرم الشيء، يجب أن يحرم ما يتوصّل به إليه فيكون جزءاً من أحكام العقل.

وعلى كلّ تقدير فليس سدّ الذرائع أصلاً برأسه.

بقيت هنا نكتتان:

الأُولى: ربّما يكون الشيء مقدّمة لحرام نفسي وفي الوقت نفسه يكون حراماً بالذات أيضاً، فلا يصحّ الاستدلال بهذا القسم على حرمة المقدّمة، نظير ما ورد أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن في الربا خمسة: آكله ومؤكله وشاهديه وكاتبه.(1)

أو ما ورد في بيع الخمر أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن في الخمر عشرة: غارسها، وحارسها، وعاصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها.

فإنّ (2)اللعن دليل على الحرمة المستلزمة للعقاب.

وقد مرّ أنّه لا مانع من أن يكون شيء بنفسه حراماً وفي الوقت نفسه مقدّمة لحرام آخر.

هذا كما أنّ الحرمة الغيرية المقدّمية لا عقاب فيها كذلك الوجوب المقدّمي الغيري لا يترتّب على امتثاله ثواب.

نعم ربّما نستكشف أنّ الشيء مع كونه واجباً غيرياً واجب نفسي أيضاً، وذلك لأجل ترتّب الثواب عليه، كما هو الحال في المشي إلى الجهاد، يقول سبحانه: (وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنينَ).(3)


1 . وسائل الشيعة:12، الباب4 من أبواب الربا، الحديث 1، 2، 3.
2 . وسائل الشيعة:12، الباب55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.
3 . التوبة:120.


(223)

الثانية: بما أنّ بين سدّ الذرائع وفتحها الّذي يأتي في الفصل التالي، صلة وتقابل فالذي يصلح للاستدلال به على هذا المقام الآيتان التاليتان:

أ. (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم).(1)

ب. قوله سبحانه: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهنَّ).(2)

فإنّ السبّ والضرب بالرِّجل يقعان ذريعة للأمر المحظور وهو سب اللّه، أو افتتان الغير بالنساء.

وأمّا قوله سبحانه: (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كانُوا يَفْسُقُونَ).(3)

فهي أنسب لباب فتح الذرائع، فتدبّر.


1 . الأنعام:108.
2 . النور:31.
3 . الأعراف:163.


(224)

5
فتح الذرائع
أو
إعمال الحيل الشرعية

وتحقيق المقام يقتضي البحث في أُمور:

الأوّل: قد عرفت أنّ القوم فتحوا بابين: أحدهما سدّ الذرائع، وهو للمالكية والحنابلة، و الآخر فتح الذرائع وهو للأحناف، وقد قلنا : إنّ مصب البحث في سدّ الذرائع هو حرمة المقدّمة المفضية إلى الحرام، سواء أكان الفاعل قاصداً الغاية المحرّمة، أم كان العمل مفضياً إليه وإن لم يكن الفاعل قاصداً. فمن أوجب سدّ الذرائع حرّم فتحها، ومن أجاز فتح الذرائع فلم يوجب سدّ الذرائع.

وعلى ما ذكرنا فليس هناك بابان، بل باب واحد، وهو حرمة المقدّمة للحرام أو جوازها.

ولو حاولنا أن نردف سدّ الذرائع بباب آخر فالأولى أن نعبّر عنه بتعبير


(225)

آخر له مساس واضح بما في ذلك الباب وهو: تجويز الحيل الشرعية للتخلّص عن الم آزق الشرعية. وهذا ما يعبّر عنه بالحيل الشرعية الّتي أفاض الفقهاء فيه في مختلف الأبواب. ونعم ما قال الأُستاذ المعاصر: ويجب العلماء على أصل «سدّ الذرائع» منعَ الحيل في الشريعة الإسلامية.(1)

الثاني: انّ إعمال الحيل الشرعية لم يزل موجوداً من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعد رحيله إلى زماننا هذا، وصار ذلك سبباً لفتح باب خاص له يسمّى الحيل الشرعية من غير فرق بين السنّة والشيعة.

أمّا الشيعة فقد بحثوا فيه بعد الفراغ من كتاب الطلاق، فهذا هو المحقّق الحلي صاحب الشرائع وشرّاحه(2) أفاضوا الكلام في إعمال الحيل جوازاً أو منعاً أو تفصيلاً.

وأمّا السنّة فممّن كتب فيه بنفس طويل هو ابن القيم فقد خصّص الجزء الثالث وقسماً من الرابع من كتابه«إعلام الموقعين» لقاعدة الحيل وضرب لها أمثلة كثيرة تناهز 116 مثالاً، وقد استغرق بحثه من كتابه حول هذه القاعدة351صفحة.

فلو كانت المالكية والحنابلة من الدعاة إلى سدّ الذرائع فتكونان بالطبع من دعاة تحريم فتح الذرائع.

الثالث: إنّ الحنابلة من المتحمّسين لمنع هذه القاعدة، ثمّ المالكية، كما أنّ الحنفية من المتحمّسين لتجويزها، ولمّا كان البخاري مخالفاً لأبي حنيفة مع أنّه


1 . أُصول الفقه الإسلامي:2/911.
2 . مسالك الأفهام:3/334 و ج9/203; مجمع الفائدة:8/488; الحدائق:25/375; والجواهر:32/201، إلى غير ذلك من المصادر الفقهية.


(226)

جعل عنوان الباب من كتابه بـ(«كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) )»ولكنّه جاء بعده بحديث لا صلة له بعنوان الباب فقال: حدّثني الحميدي ـ إلى أن قال: ـ سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر : قال: سمعت رسول اللّه يقول:«إنّما الأعمال بالنيات، ولكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».(1)

وما أراد بذلك إلاّ الإطاحة برأي أبي حنيفة حيث فتح الذرائع واكتفى بالظواهر مع كون النيّات والمقاصد على خلافه.

ولم يكتف البخاري بذلك بل أشار في ثنايا كتابه إلى نقد الحيل الشرعية ونسبه إلى بعض الناس مريداً به (أبا حنيفة).

قال: «باب» إذا غصب جارية فزعم أنّها ماتت، فقُضي بقيمة الجارية الميتة، ثمّ وجدها صاحبها فهي له ويردّ القيمة، ولا تكون القيمة ثمناً ـ فقال البخاري: ـ و قال بعض الناس: الجارية للغاصب لأخذه القيمة. وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها فغصبها واعتلّ بأنّها ماتت حتّى يأخذ ربُّها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :«أموالكم عليكم حرام، ولكلّ غادر لواء يوم القيامة».(2)

قال ابن القيّم: وقد فصل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«إنّما الأعمال بالنيّات، ولامرئ ما نوى» الأمر في هذه الحيل وأنواعها، فأخبر أنّ الأعمال تابعة لمقاصدها ونيّاتها، وأنّه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلاّ ما نواه وأبطنه، لا ما أعلنه وأظهره، وهذا نصّ في أنّ من نوى التحليل كان محللاً، ومن نوى الربا بعقد التبايع كان مرابياً، ومن نوى


1 . صحيح البخاري:1/2.
2 . صحيح البخاري:9/33، كتاب الإكراه.


(227)

المكر والخداع كان ماكراً مخادعاً، ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال الحيل، ولهذا صدر به حافظ الأُمّة محمد بن إسماعيل البخاري إبطال الحيل، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبطل ظاهر هجرة مهاجر أُمّ قيس بما أبطنه ونواه من إرادة أُمّ قيس.(1)

الرابع: إنّ ابن القيّم الّذي أفاض الكلام في القاعدة حاول أن يبرّئ ساحة أئمّة المذاهب الأربعة عن تجويز الحيل الشرعية وقال في ذلك: إنّ هؤلاء المحتالين الّذين يُفتون بالحيل الّتي هي كفر أو حرام ليسوا مقتدين بمذهب من أحد الأئمّة، وأنّ الأئمّة أعلم باللّه ورسوله ودينه وأتقى له من أن يُفتوا بهذه الحيل، وقد قال أبو داود في مسائله: سمعت أحمد وذكر أصحاب الحيل: يحتالون لنقض سنن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ! وقال في رواية أبي الحارث الصانع: هذه الحيل الّتي وضعوها عمدوا إلى السنن واحتالوا لنقضها، والشيء الّذي قيل لهم إنّه حرام احتالوا فيه حتّى أحلُّوه، قالوا: الرهن لا يحل أن يستعمل، ثمّ قالوا: يحتال له حتّى يستعمل، فكيف يحل بحيلة ما حرّم اللّه ورسوله؟ وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :«لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فأذابوها فباعوها وأكلوا ثمنها» أذابوها حتّى أزالوا عنها اسم الشحم.(2)

يلاحظ عليه: أنّه كيف يقول إنّ القول بالحيل كفر أو حرام وليس بمقتد بمذهب أحد من الأئمّة، وهذا هو الإمام أبو حنيفة قد أبدع هذه القاعدة أو روّجها، فكيف ينزّهه عنها وقد عرفت كلام البخاري في الرد عليه؟!

الخامس: أنّ القول بالحيل الشرعية نابع عن أحد أمرين:

1. نفي المناطات والملاكات المقصودة من الأحكام الشرعية حتّى يكون الإنسان مكلّفاً بالألفاظ والصور لا إلى المعاني والمقاصد.


1 . إعلام الموقعين:3/176.
2 . إعلام الموقعين:3/191.


(228)

2. الاجتراء على إبطال الحكمة الشرعية بما يرضي العامّة، وهذه نزعة إسرائيلية معروفة تشهد بها قصة أصحاب السبت في سور مختلفة هي: البقرة:65ـ 66، النساء:154ـ 155، الأعراف:163، النحل:124 وقد جاء لعنهم في سورة النساء:47، قال سبحانه: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ).

إنّ الأحكام الشرعية عند العدلية الذين يمثّلون الطبقة العليا من المسلمين تابعة لمصالح ومفاسد في متعلّقاتها، فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه، وقد تحقّق عندهم إنّ للتشريع الإسلامي نظاماً لا تعتريه الفوضى وهذا الأصل، وإن خالف فيه بعض الأُمّة، غير أنّ نظرهم محجوج بكتاب اللّه وسنّة نبيّه ونصوص خلفائه (عليهم السلام) ترى أنّه سبحانه يعلّل حرمة الخمر والميسر بقوله: (إِنَّما يُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).(1)

ويستدلّ على وجوب الصلاة بقوله سبحانه:(وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)(2)، إلى غير ذلك من الفرائض والمناهي التي صرّح أو أُشير إلى ملاكات تشريعهما في الذكر الحكيم.

وقد قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا (عليه السلام) : «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد».(3)

وقال (عليه السلام) في الدم: «إنّه يسيء الخلق ويورث القسوة للقلب، وقلّة الرأفة


1 . المائدة:91.
2 . العنكبوت:45.
3 . مستدرك الوسائل:3/71.


(229)

والرحمة، ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده».(1)

وهذا باقر الأُمّة وإمامها يقول: «إنّ مدمن الخمر كعابد وثن، ويورثه الارتعاش، ويهدم مروته، ويحمله على التجسّر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا».(2)

وغيرها من الأقوال المتضافرة عن أئّمة الدين.(3)

السادس: في نقل آراء الفريقين في المسألة ولنبدأ بكلمات أصحابنا فقد أفاضوا القول في الكتب الفقهية بمناسبات خاصّة، تارة في باب الربا في البيع، وأُخرى في آخر باب الطلاق، وإليك بعض كلماتهم فيهما.

إنّ الربا في البيع يثبت ببيع أحد المتساويين جنساً مع الآخر زيادة عينية أو حكمية، إذا كانا مقدّرين بالكيل والوزن، كبيع قفيز حنطة بقفيزين منها، أو قفيز حنطة مقبوض بقفيز مؤجّل منها.(4)

ثمّ إنّه ربّما تمسّ الحاجة بمبادلة حنطة جيدة بحنطة رديئة، والتبادل على نحو التساوي لا يرضى به البائع، وبالزيادة يلزم الربا، فما هو طريق الخروج من هذا المأزق؟

1. كلام المحقّق الحلّي

قد احتيل بوجوه ذكرها المحقّق في «الشرائع» حيث قال:


1 . بحار الأنوار:62/165، الحديث3.
2 . المصدر نفسه، ص 164، الحديث2.
3 . راجع علل الشرائع للشيخ الصدوق فقد أورد فيه ما أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) في بيان علل التشريع وفلسفته.
4 . المثال الأوّل للزيادة العينية، والثاني للزيادة الحكمية.


(230)

1. أن يبيع أحد المتبايعين سلعة من صاحبه بجنس غيرها ثم يشتري الأُخرى بالثمن ويسقط اعتبار المساواة.

2. لو وهبه سلعته ثمّ وهبه الآخر.

3. لو أقرضه صاحبه ثمّ أقرضه هو تبارآ.

4. لو تبايعا ووهبه الزيادة.

كلّ ذلك من غير شرط.(1)

وقال أيضاً في كتاب الطلاق: يجوز التوصّل بالحيل المباحة دون المحرّمة في إسقاط ما لولا الحيلة لثبت، ولو توصّل بالمحرّمة أثم وتمّت الحيلة.

1. فلو أنّ امرأة حملت ولدَها على الزنا بامرأة لتمنع أباه من العقد عليها، أمّا لو توصّل بالمحلّل كما لو سبق الولد إلى العقد عليها في صورة الفرض لم يأثم.

2. ولو ادّعي عليه دين قد برأ منه بإسقاط أو تسليم فخشي من دعوى الإسقاط أن تنقلب اليمين إلى المدّعي لعدم البيّنة، فأنكر الاستدانة وحلف، جاز بشرط أن يورّي ما يخرجه عن الكذب. كذا لو خشي الحبسَ بدين يدّعى عليه فأنكر.(2)

ثمّ إنّ المحقّق قد ذكر بعد هذين المثالين أمثلة خارجة عن الموضوع، كالإكراه على اليمين، والإجبار على الطلاق، فذكر أنّه يورّي خروجاً عن المأزق، مع أنّه ليس للإكراه أثر في الطلاق واليمين فلا حاجة إلى التورية.

2. كلام العلاّمة الحلّي

قد عرفت أنّ استيهاب الزيادة أحد الحيل الشرعية، وقد جوّزه العلاّمة في


1 . الشرائع:2/47، ط دار الأضواء.
2 . الشرائع:3/31.


(231)

«إرشاد الأذهان» وقال: وأن يبيع الناقص بمساويه من الزائد ويستوهب الزيادة.(1)

3. كلام الشهيد الثاني

وقال الشهيد الثاني في التوصّل بالحيل: هذا باب واسع في جميع أبواب الفقه، والغرض منه التوصّل إلى تحصيل أسباب يترتّب عليها أحكام شرعية، وتلك الأسباب قد تكون محلّلة وقد تكون محرّمة، والغرض تعليم الفقيه الأسباب المباحة، وأمّا المحرّمة فيذكرونها بالعرض ليعلم حكمها على تقدير وقوعها. فمن ذلك الحيل على إسقاط الربا والشفعة وهي مذكورة في بابهما. وكذلك الحيل على التخلّص من الرضاع المحرِّم، ونحو ذلك.(2)

4. نظرية المحقّق الأردبيلي

منع المحقّق الأردبيلي من إعمال الحيل الشرعية وقال:وينبغي الاجتناب عن الحيل مهما أمكن، وإذا اضطر يستعمل ما ينجيه عند اللّه ولا ينظر إلى الحيل وصورة جوازها ظاهراً لما عرفت من علّة تحريم الربا، فكأنّه إلى ذلك أشار في «التذكرة» بقوله: لو دعت الضرورة إلى بيع الربويات مستفضلاً مع اتحاد الجنس الخ وذكر الحيل منها ما تقدّم.(3) أي الاستيهاب.

5. كلام المحدّث البحراني

قال المحدّث البحراني بعد ما نقل كلام المحقّق الأردبيلي: إنّ الفقهاء قد


1 . إرشاد الأذهان: 1/379.
2 . مسالك الأفهام:9/203ـ 204.
3 . مجمع الفائدة والبرهان:8/488.


(232)

ذكروا جملة من الحيل الموجبة للخروج من الربا كما قدّمنا ذكره في كتاب البيع، ومنها ما ذكر هنا، وهو أن يبيعه المساوي ويهب له الزائد. وظاهر المحقّق المذكور التوقّف في ذلك من حيث عدم القصد إلى الهبة، وإنّما الغرض منها التوصّل إلى تحليل ما حرّم اللّه تعالى بالحيل إلاّ ما ورد به النصّ.(1)

وعلى كلّ تقدير فالذي يمنع فقهاء الشيعة من التحيّل حتّى بأسباب محلّلة الأمران التاليان:

الأوّل: فقدان القصد، وإنّما القصد إلى تحليل الربا فقد اعتمد المحقّق الأردبيلي في مبادلة الزائد بالناقص مع استيهاب الزائد على عدم قصد الهبة جداً حيث قال: وهو ظاهر لو حصل القصد في البيع والهبة.(2)

وهذا الإشكال لا يختصّ به، وقد أشار إليه قبله الشهيد الثاني، وأجاب عنه بقوله: ولا يقدح في ذلك كون هذه الأُمور غير مقصودة بالذات، والعقود تابعة للقصود، لأنّ قصد التخلّص من الربا إنّما يتم مع القصد إلى بيع صحيح، أو قرض، أو غيرهما من الأنواع المذكورة، وذلك كاف في القصد، إذ لا يشترط في القصد إلى عقد، قصدُ جميع الغايات المترتبة عليه، بل يكفي قصد غاية صحيحة من غاياته، فإنّ من أراد شراء دار مثلاً ليؤاجرها ويكتسب بها فإنّ ذلك كاف في الصحّة، وإن كان لشراء الدار غايات أُخر أقوى من هذه وأظهر في نظر العقلاء. وكذا القول في غير ذلك من أفراد العقود. وقد ورد في أخبار كثيرة ما يدلّ على جواز الحيلة على نحو ذلك.(3)

وقد سلك منهج الشهيد الثاني،المحدّث البحراني فقال: فما ذكره المحقّق


1 . الحدائق الناضرة:25/377.
2 . مجمع الفائدة و البرهان:8/488.
3 . مسالك الأفهام:3/332.


(233)

الأردبيلي من أنّ القصد لم يكن للهبة من حيث هي هي، وإنّما القصد إلى تحليل الربا; يمكن خدشه بأنّه لا يشترط قصد جميع الغايات المترتّبة على ذلك العقد، بل يكفي قصد غاية صحيحة من غاياته. ثمّ نقل كلام صاحب «المسالك» إلى آخره.(1)

الثاني: أنّ الحيل نقض للغرض الّذي شُرّع لأجله الحكم، وعلى ذلك يعتمد صاحب الجواهر حيث قال: ومن الحيل ما يتعاطاه بعض الناس في هذه الأزمنة من التخلّص ممّا في ذمّته من الخمس والزكاة ببيع شيء ذي قيمة ردية، بألف دينار مثلاً من فقير برضاه ليحتسب عليه ما في ذمّته عن نفسه، ولو بأن يدفع له شيئاً فشيئاً، ممّا هو مناف للمعلوم من الشارع من كون المراد بمشروعية ذلك نظم العباد وسياسة الناس في العاجل والآجل بكفّ حاجة الفقراء من مال الأغنياء، بل فيه نقض للغرض الّذي شُرّع له الحقوق، وكلّ شيء تضمّن نقض غرض أصل مشروعية الحكم يحكم ببطلانه، كما أومأ إلى ذلك غير واحد من الأساطين، ولا ينافي ذلك عدم اعتبار اطّراد الحكمة، ضرورة كون المراد هنا ما عاد على نقض أصل المشروعية، كما هو واضح.

ولعلّ ذلك هو الوجه في بطلان الاحتيال المذكور لا ما قيل من عدم القصد حقيقة للبيع والشراء بالثمن المزبور ضرورة إمكان تحقّق القصد ولو لإرادة ترتّب الحكم وتحصيل الغرض، إذ لا يجب تحقيق جميع فوائد العقد.(2)

وتحصّل من ذلك أمران:

1. أنّ جماعة منهم يجوّزون التوصّل بالحيلة إذا كان السبب حلالاً دون ما إذا كان حراماً.


1 . الحدائق الناضرة:25/377.
2 . جواهر الكلام:32/202.


(234)

2. أنّ بعضهم كالأردبيلي وغيره يجتنبون عن إعمال الحيل، إمّا لأجل فقدان القصد إلى السبب الحلال، حيث إنّ القصد متوجّه إلى الأمر الحرام، أو لكون التوصّل إلى الحيل يناقض غرض الشارع في تشريع الأحكام والحقوق، وهذا أشبه بمن حرّم شيئاً ثمّ جعل طريقاً لنقضه.

***

ونختم الكلام بما جاء في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) عند قوله سبحانه في سورة البقرة(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئينَ)(1)، فنقل فيه عن علي بن الحسين (عليه السلام) : كان هؤلاء قوماً يسكنون على شاطئ بحر، فنهاهم اللّه وأنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت، فتوصّلوا إلى حيلة ليحلّوا بها لأنفسهم ما حرم اللّه، فخدّوا أخاديد وعملوا طرقاً تؤدي إلى حياض يتهيّأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق، ولا يتهيّأ لها الخروج إذا همّت بالرجوع، فجاءت الحيتان يوم السبت جارية على أمان اللّه لها، فدخلت الأخاديد وحصّلت في الحياض والغدران، فلمّا كانت عشيّة اليوم همّت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن من صائدها، فرامت الرجوع فلم تقدر، وبقيت ليلتها في مكان يتهيّأ أخذها بلا اصطياد لاسترسالها فيه، وعجزها عن الامتناع لمنع المكان لها، فكانوا يأخذون يوم الأحد ويقولون: ما اصطدنا يوم السبت وإنّما في الأحد، وكذب أعداء اللّه، بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم الّتي عملوها يوم السبت حتّى كثر من ذلك مالهم».(2)

هذا بعض ما وقفنا عليه من الكلمات، وإليك بعض ما ورد عن فقهاء أهل السنّة.


1 . البقرة:65.
2 . تفسير الإمام العسكري: 136.


(235)

كلمات فقهاء السنّة

إنّ لفقهاء السنّة في المقام نظريات متقاربة، نذكرها وفقاً لتاريخ وفياتهم.

ولنقدّم ما أخرجه البخاري (المتوفّى 256هـ) من الأحاديث وما علّق من النتائج وكلّها ردود للإمام أبي حنيفة ولأجل ذلك نرى أنّ الأحناف غير مرتاحين من كلمات البخاري في المقام.

أخرج البخاري في كتاب الحيل من صحيحه أحاديث دالّة على إبطال الحيل مبوبة على أبواب من تصرفات المكلّفين كترتيب كتب الفقه، ونحن نختار منها ما يلي:

1. أخرج عن ثمامة بن عبد اللّه بن أنس، أنّ أنساً حدثه: أنّ أبا بكر كتب له فريضة الصدقة الّتي فرض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا يجمع بين متفرّق، ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة.(1) فانّ تفريق المجتمع ربما ينتهي إلى طروء النقص في النصاب.

2. نقل عن بعض الناس(وأراد أبا حنيفة) في عشرين ومائة بعير حقّتان، فإن أهلكها متعمداً أو وهبها أو احتال فيها فراراً من الزكاة فلا شيء عليه.(2)

3. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إذا ما ربُّ النِعَم لم يعط حقها تُسلّط عليه يوم القيامة تخبط وجهه بأخفافها». وقال بعض الناس في رجل له إبل فخاف أن تجب عليه الصدقة فباعها بإبل مثلها أو بغنم أو ببقر أو بدراهم فراراً من الصدقة احتيالاً: فلا بأس عليه، وهو يقول: إن زكّى إبله قبل أن يحول الحول بيوم أو بسنة


1 . صحيح البخاري: كتاب الحيل الحديث برقم 6955.
2 . المصدر السابق:برقم 6956.


(236)

جازت عنه.(1)

4. استفتى سعد بن عبادة الأنصاري رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في نذر كان على أُمّه توفّيت قبل أن تقضيه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :«اقضه عنها». وقال بعض الناس: إذا بلغت الإبل عشرين ففيها أربع شياه، فإن وهبها قبل الحول، أو باعها فراراً واحتيالاً لإسقاط الزكاة فلا شيء عليه، وكذلك إن أتلفها فمات فلا شيء في ماله.(2)

5. إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن الشغار، قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: ينكح ابنة الرجل ويُنكحه ابنته بغير صداق، وينكح أُخت الرجل وينكحه أُخته بغير صداق. وقال بعض الناس: إن احتال حتّى تزوج على الشغار فهو جائز، والشرط باطل، وقال في المتعة: النكاح فاسد والشرط باطل. وقال بعضهم: المتعة والشغار جائز والشرط باطل.(3)

6. إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلاَ».(4)

وصلته بالمقام واضحة، لأنّ صاحب البئر لأجل إبعاد الرعاة عن الكلأ يمنع فضل الماء لئلاّ يأتي الرعاة بأغنامهم للرعي أطراف البئر.

إلى آخر ما ذكره من الأمثلة.

إنّ الحنابلة من أشدّ المنكرين لفتح الذرائع وتجويز الحيل، وإليك بعض كلماتهم:

1. قال ابن تيمية (المتوفّى728هـ): إنّ الشارع سدّ الطريق إلى ذلك


1 . المصدر السابق: برقم 6958.
2 . المصدر السابق: برقم 6959.
3 . المصدر السابق:6960.
4 . المصدر السابق:6962.


(237)

المحرّم بكلّ طريق، والمحتال يريد أن يتوسّل إليه. ولهذا لما اعتبر الشارع في البيع والصرف والنكاح وغيرها شروطاً سدّ ببعضها طريق الزنا والربا، وكمل بها مقصود العقود، لم يمكن لمحتال الخروج منها في الظاهر، فإذا أراد الاحتيال ببعض هذه العقود على ما منع الشارع منه، أتى بها مع حيلة أُخرى توصله بزعمه إلى نفس ذلك الشيء الّذي سدّ الشارع ذريعته، فلا يبقى لتلك الشروط الّتي يأتي بها فائدة ولا حقيقة، بل يبقى بمنزلة اللعب والعبث.(1)

2. ولخّصه تلميذه ابن القيّم (المتوفّى751هـ) بقوله: وتجويزُ الحِيَل يُناقض سدّ الذرائع مناقضة ظاهرة; فإنّ الشارع يَسُدُّ الطريق إلى المفاسد بكلّ ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين مَن يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرّم، إلى من يعمل الحيلة في التوصّل إليه؟(2)

3. وقال أبو إسحاق الشاطبي(المتوفّى 790هـ): إنّ اللّه أوجب أشياء، وحرّم أشياء، إمّا مطلقاً، من غير قيد ولا ترتيب على سبب، كما أوجب الصلاة والصيام... و كما حرّم الزنا والربا... وأوجب أيضاً أشياء مترتبة على أسباب، وحرم آخر كذلك كإيجاب الزكاة والكفّارات... وكتحريم المطلقة والانتفاع بالمغصوب أو المسروق وما أشبه ذلك، فإذا تسبّب المكلّف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه، أو في إباحة ذلك المحرّم عليه، بوجه من وجوه التسبب، حتّى يصير الواجب غير واجب في الظاهر، أو المحرّم حلالاً في الظاهر أيضاً... فعند التسبب يسمّى حيلة وتحيلاً.(3)

ولا يخفى ما في كلامه من الإطناب من تقسيم الواجب والحرام، إلى المترتّب


1 . فتاوى ابن تيمية:2/146.
2 . إعلام الموقعين لابن القيّم:3/171.
3 . الموافقات:2/265،المسألة العاشرة من القسم الثاني، ط مصر; وفي طبعة أُخرى:2/655ـ 656.


(238)

على سبب وغير المترتّب مع أنّ هذا التقسيم لا مدخلية له في مقصوده، وحاصله: إذا انتهى التحيل إلى إسقاط الواجب أو تحلّل الحرام مطلقاً فهو تحيّل غير جائز.

وسيوافيك أنّه بإطلاقه غير صحيح، كما سيوافيك عند بيان المختار، نعم ما ذكره في المسألة الثامنة عشرة أفضل ممّا تقدّم قال:

«لما ثبت أنّ الأحكام شُرِّعت لمصالح العباد، كانت الأعمال معتبرة بذلك، لأنّ مقصود الشارع فيها، فإذا كان العمل في ظاهره وباطنه (أي منفعته وحكمته) على أصل المشروعية فلا إشكال.

وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح، لأنّ الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها وإنّما قصد بها أُمور هي معانيها، وهي المصالح الّتي شرّعت لأجلها، فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات.(1)

وقال أيضاً في موضع آخر: قصد الشارع من المكلّف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصد الشارع في التشريع، والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة، إذ قد مرّ أنّها موضوعة لمصالح العباد.(2)

وقال في موضع ثالث: إنّ المشروعات إنّما وضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال الّتي خولف بها جلب مصلحة ولا درء مفسدة.(3)

وحاصل النظرية: انّه إذا كان فعل المكلّف مفوّتاً مصلحة الشارع أو غير


1 . الموافقات:2/268.
2 . الموافقات:2/230، 613.
3 . نفس المصدر:2/231، 613.


(239)

دارء للمفسدة التي لأجلها حرّم الفعل، يكون التحيّل حراماً .

4. قسّم الشيخ محمد طاهر بن عاشور (المتوفّى 1393هـ) في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، التحيّل إلى خمسة أنواع استقراءً لا بالحصر العقلي، وإليك بيانها على وجه الإيجاز:

النوع الأوّل: تحيّل، يفيت المقصد الشرعي كلّه ولا يعوضه بمقصد شرعي آخر. وذلك بأن يتحيّل بالعمل لإيجاد مانع من ترتّب أمر شرعي، وهذا النوع لا ينبغي الشكّ في ذمّه وبطلانه.

النوع الثاني: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر.

وهذا نظير التجارة بالمال المجتمع خشية أن تُنقصه الزكاة، فإنّه إذا استعمل المال في المأذون فيه فحصل مسبب ذلك وهو بذل المال في شراء السلع، وترتّب عليه نقصانه عن النصاب فلا يزكّى زكاة النقدين. ولكن انتقلت مصلحة ذلك المال من نفع الفقير إلى منافع عامة تنشأ عن تحريك المال، وانتقلت زكاتُه إلى زكاة التجارة.

النوع الثالث: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمراً مشروعاً هو أخف عليه من المنتقل منه، مثل من أنشأ سفراً في رمضان لشدة الصيام عليه في الحر منتقلاً منه إلى قضائه في وقت أرفق به، وهذا مقام الترخُّص.

النوع الرابع: تحيّل في أعمال ليست مشتملة على معان عظيمة مقصودة للشارع، وفي التحيّل فيها تحقيق لمماثل مقصد الشارع، مثل التحيّل في الأيمان التي لا يتعلّق بها حقّ الغير كمن حلف أن لا يدخل الدار فإنّ البرّ في يمينه هو الحكم الشرعي.


(240)

والمقصد المشتمل عليه هو تعظيم اسم اللّه تعالى الّذي جعله شاهداً عليه ليعمل ذلك العمل. فإذا ثقل عليه البر فتحيل للتفصِّي من يمينه بوجه يشبه البر، فقد حصل مقصود الشارع من تهيّب اسم اللّه تعالى.

ثمّ مثّل لذلك بما ذكره القاضي أبو بكر ابن العربي في كتاب العواصم، قال: «وكنت أُشاهد الإمام أبو بكر فخر الإسلام الشاشي في مجلسه بباب العامّة من دار الخلافة يأتيه السائل فيقول له: حلفت أن لا ألبس هذا الثوب، فيأخذ من هدبته مقدار الإصبع ثمّ يقول له: إلبسه لا حنث عليك».

النوع الخامس: تحيّل لا ينافي مقصد الشارع أو هو يعين على تحصيل مقصده ولكن فيه إضاعة حقّ لآخر أو مفسدة أُخرى. مثل التحيّل على تطويل عدة المطلقة حين كان الطلاق لا نهاية له في صدر الإسلام.

فقد روى مالك في «الموطأ» من طريقين أنّ الرجل كان إذا طلق امرأته له أن يرتجعها قبل انقضاء عدتها ولو طلقها ألف مرّة، فعمد رجل إلى امرأته وطلقها حتّى إذا شارفت انقضاء عدّتها راجعها ثمّ طلقها فأنزل اللّه قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسريحٌ بِإِحْسان)(1).(2)

وحاصله: أنّ المحرّم هو النوع الأوّل والأخير، فالأوّل لا يعوّض مقصد الشارع بمقصد شرعي آخر، وأمّا الخامس ففيه إضاعة حقّ لآخر، أو مفسدة، وأمّا النوع الثاني أي ما يعطل أمراً مشروعاً ولكن ينقله إلى مشروع آخر، أو ينتقل من مشروع إلى مشروع أخفّ، أو ما لا يشمل الفعل معنى عظيماً سوى تعظيم اسم اللّه وكان الغرض حاصلاً في صورة التحيّل أيضاً والجميع جائز.


1 . البقرة:229.
2 . مقاصد الشريعة الإسلامية:356ـ 360.


(241)

ولا يخفى أنّ النوع الثاني والثالث ليس من قبيل الحيل فإنّ الشارع هو الّذي رخّص تعطيل باب والدخول من باب آخر.

فإنّ الاتجار بالمال الزكوي قبل السنة أو السفر في شهر رمضان ممّا رخّص فيه الشارع فلا يوصف بالتحيّل.

وأمّا النوع الرابع فتجويزه عجيب، وأنّ مع ذلك أن لا يستقر حجر على حجر في باب الأيمان، إذ عندئذ يجوز لكلّ من يريد أن يحنث أن يدخل من نفس الباب الّذي فتحه الشاشي.

5. فصّل الفقيه المعاصر الدكتور وهبة الزحيلي بين ما قصد بالوسيلة الوصول إلى المحرّم فهو حرام وإلاّ فلا، ورتّب على ذلك ما يلي:

1. حيلة شرعية مباحة: وهي التحيّل على قلب طريقة مشروعة وضعت لأمر معيّن، واستعمالها في حالة أُخرى بقصد التوصّل إلى إثبات حقّ أو دفع مظلمة، أو إلى التيسير بسبب الحاجة، فهذا الفرع من الحيل لا يهدم مصلحة شرعية، فهو إذن جائز شرعاً; لأنّه ليس المقصود به إبطال الحق، وإنّما هو تخريج فقهي للخروج من مأزق، ولا يقصد به إبطال أحكام الشرع، أو التعدي على أحد في ماله أو نفسه.

مثاله: أنّ أهالي بخارى اعتادوا الإجارة الطويلة، وبما أنّ هذه الإجارة لا تجوز عند الحنفية في الأشجار، اضطرّوا إلى وضع حيلة بيع الكرم وفاء(1)، فالبيع الوفائي حيلة شرعية اتّخذت بسبب حاجة الناس، ولأجل التخلّص من قاعدة منع الإجارة الطويلة في الأشجار.


1 . بيع الوفاء هو البيع بشرط أنّ البائع متى ردّ الثمن يرد المشتري المبيع إليه، وإنّما سمّي بيع الوفاء لأنّ المشتري يلزمه الوفاء بالشرط، وربّما يسمّى بيع العهدة أو بيع الأمانة، أو بيع الطاعة، إلى غير ذلك من الأسماء. لاحظ الموسوعة الفقهية:9/260.


(242)

2. حيلة شرعية محظورة: وهي الّتي يقصد منها التحيّل على قلب الأحكام الثابتة شرعاً إلى أحكام أُخر بفعل صحيح الظاهر، لغو في الباطن، مثل الحيل الموضوعة لإسقاط الشفعة، وتخصيص بعض الورثة بالوصية، ولإسقاط حدّ السرقة.(1)

وحاصل ما اختاره هو التفريق في الغاية، فإن كان الهدف هو الحصول على أمر مباح كإثبات حقّ أو دفع مظلمة فهو جائز، وأمّا إذا كان المقصود إسقاط حقّ الغير كالشفعة أو حدّ السرقة فلا.

هذه بعض كلمات القوم، ولعلّ في ما ذكرنا كفاية في الاطلاع على آراء الفريقين في المقام.

القول الحاسم في إعمال الحيل

قد تعرّفت على كلمات الفريقين حول إعمال الحيل فمن محرِّم مطلقاً، إلى مجوِّز كذلك، إلى مفصّل بين كون الغاية حلالاً أو حراماً كما كان عليه المحقّق الحلّي في شرائعه والدكتور الزحيلي أخيراً، أو بين ما يفوت مقصد الشارع أو فيه إضاعة لحق الغير، وما ليس كذلك، فلا يجوز في الأوّل ويجوز في غيره كما عليه ابن عاشور على ما مرّ.

والّذي يمكن أن يقال ربّما يكون حاسماً ورأياً قاطعاً ونافعاً للخلاف:

إنّ الحيل الّتي يتوصّل بها في المقام على أقسام:

الأوّل: أن يكون التوصّل بالوسيلة منصوصاً في الكتاب والسنّة، وليس المكلّف هو الذي يتحيّلها، بل أنّ الشارع هو الذي جعلها سبباً للخروج عن


1 . أُصول الفقه الإسلامي:2/912.


(243)

المضائق، نظير تجويز السفر في شهر رمضان لغاية الإفطار، قال سبحانه:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وََمَنْ كانَ مَريضاً أَوْ على سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر يُريدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْر وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْر).(1)

فخيّر المكلّف بين البقاء في بلده فيصوم، والخروج عنه فيفطر، فالخروج عن ضيق الصوم بالسفر،ممّا أرشده إليه الشارع. وليس بإيعاز من المكلّف نفسه.

ونظير تجويز نكاح المطلّقة ثلاثاً بعد التحليل، إذ من المعلوم أنّه من طلّق زوجته ثلاثاً حرمت عليه أبداً، قال سبحانه: (فَإِنْ طَلَّقها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ) وفي الوقت نفسه إنّ الشارع قد أرشده إلى الخروج من هذا المأزق بقوله: (حتّى تَنْكِحَ زَوجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُود اللّه).(2)

فلو طلّقها بعد نكاحها والدخول بها عن رضى، جاز نكاحها ثانياً عملاً بالنص.

فلا أظن فقيهاً من المذاهب يرى مثل هذا التحيّل أمراً قبيحاً، أو على خلاف المصلحة، فإنّ معنى ذلك هو رفض التشريع الإلهي، بل يمكن أن يقال: إنّ هذا القسم خارج عن محلّ الكلام، لاختلاف موضوعي الحكمين، فقد وجب الصوم على الحاضر، والإفطار على المسافر، ومثله المطلقة ثلاثاً. فالمحرّمة هي غير المنكوحة للغير، والمحلّلة هي المنكوحة بعد الطلاق.

الثاني: إذا كان هناك أمر واحد له طريقان، أحلّ الشارع أحدهما وحرّم الآخر، فلو سلك الحلال لا يعدّ ذلك تمسّكاً بالحيلة، لأنّه اتّخذ سبيلاً حلالاً إلى أمر حلال.


1 . البقرة:185.
2 . البقرة:230.


(244)

مثاله: انّ مبادلة التمر الرديء بالجيّد تفاضلاً رباً محرّم، ولكنّ بيع كلّ على حدة أمر جائز، وإن كانت النتيجة في كلا الأمرين واحدة، ولكن الحرام هو سلوك الطريق الثاني لا الأوّل. وإن كانت النتيجة واحدة وليس للعقل الإنساني الإحاطة بعامة المصالح والمفاسد.

وهذا القسم خارج عن محلّ النزاع أيضاً، لأنّه فيما إذا احتال وتوصّل بالحلال إلى الحرام، وأمّا هنا فقد توصّل بالحلال إلى الحلال.

الثالث: إذا كان السبب غير مؤثر في حصول النتيجة شرعاً، فالتوصّل في مثله محرّم غير ناتج، وذلك كالمثال الذي نقله الإمام البخاري عن أبي حنيفة وانّه أفتى فيما إذا غصب الرجل جارية، فزعم انّها ماتت فقضى بقيمة الجارية الميتة، وانّ الجارية للغاصب وإن تبيّن بعدُ انّها حيّة، وليس لصاحبها أخذها إذا وجدها حيّة.

وغير خفي أنّ زعم الغاصب موت الجارية لا يخرجها عن ملك صاحبها، ولا يوجب اشتغال ذمة الغاصب بقيمتها، بل تبقى الجارية على ملكية المالك، فلو ظهر حياتها انكشف انّ القضاء بردّ القيمة، كان باطلاً من أصله.

ومن خلاله ظهر أنّ السبب(زعم الغاصب موت الجارية) غير مؤثر في الانتقال فلا يقع ذريعة لتملّكها، وهو الذي رتّب عليه البخاري رداً على أبي حنيفة وقال: إنّه يحتال من اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتلّ بأنّها ماتت حتّى يأخذ ربّها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره.(1)

لما عرفت من أنّ اعتقاد الغاصب بموت الجارية جازماً لا يكون سبباً لخروج الجارية عن ملك صاحبها وخروج قيمتها عن ملك الغاصب، فكيف إذا كان


1 . صحيح البخاري:9/33، كتاب الإكراه.


(245)

عالماً بالخلاف وكاذباً في الإخبار؟ فعدم جوازالتحيّل في هذه المسألة، لأجل انّ السبب ـ حلالاً كان أو حراماً ـ غير مؤثر فيه.

ومن هذا الباب ما حكي عن أبي حنيفة: إذا غصب الرجل دابة الغير وانتفع بها، لا يضمن أُجرة ما انتفع به، مستدلاً بأنّه إذا خالف بالغصب صار ضامناً ويكون الخراج ومنافع العين في مقابل الضمان تمسّكاً بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«الخراج بالضمان».

فإنّ التوصّل بهذه الوسيلة لغاية تملّك منافع الدابة مجاناً، توصل بسبب حرام لا حلال، فإنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الخراج بالضمان» ناظر إلى الضمان بسبب صحيح، كما إذا استأجر الدابة في مقابل أُجرة معيّنة فيملك المنافع، لا في مثل المقام الّذي يوصف عمله بالغصب وشخصه غاصباً، وقد ورد تفصيل ذلك في بعض رواياتنا.

إنّ أبا ولاّد الحنّاط اكترى بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، ثمّ خالف الإجارة لسبب من الأسباب، فلمّا رجع إلى الكوفة، أخبر صاحب البغل بعذره وأنّه مكان أن يذهب إلى قصر ابن هبيرة ذهب إلى مكان آخر ولذلك طال سفره.

يقول أبو ولاّد الحناط: فبذلت لصاحب البغل خمسة عشر درهماً فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقصة، وأخبره الرجل، فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته إليه سليماً، قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً، قال: فما تريد من الرجل؟ فقال: أُريد كراء بغلي، فقد حبسه عليّ خمسة عشر يوماً، فقال: ما أرى لك حقّاً، لأنّه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة، فخالف وركبه إلى النيل وإلى بغداد فضمن قيمة البغل، وسقط الكراء، فلمّا ردّ البغل سليماً وقبضته، لم يلزمه الكراء.

قال: فخرجنا من عنده وجعل صاحب البغل يسترجع فرحمته ممّا أفتى به


(246)

أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحلّلت منه، وحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبد اللّه (عليه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة فقال: «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركتها».

قال: فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : فما ترى أنت؟فقال: «أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفّيه إياه».(1)

ترى أنّ الإمام (عليه السلام) رد فتوى أبي حنيفة بسقوط الأُجرة، لأنّه توصّل بسبب غير مسوّغ، فإنّ الخراج إنّما يباح إذا كان الضمان بسبب صحيح لا بسبب باطل كالغصب.

الرابع: إذا كانت الوسيلة حلالاً، ولكن الغاية هي الوصول إلى الحرام على نحو لا تتعلّق إرادته الجدّية إلاّ بالمحرّم، ولو تعلّق بالسبب فإنّما تعلّق بها صورياً لا جدياً، كما إذا باع ما يسوى عشرة بثمانية نقداً، ثمّ اشتراه بعد بعشرة نسيئة إلى شهرين، فمن المعلوم أنّ إرادته الجدية تعلّقت باقتراض ثمانية ودفع عشرة، وحيث إنّ ظاهره ينطبق على الربا، فاحتال ببيعين مختلفين مع عدم تعلّق الإرادة الجدية بهما، فيكون عندها التحيّل أمراً محرّماً.

وما مرّ من كلام الشاطبي ناظر إلى هذا القسم قال: إنّ المشروعات وضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال التي خولف بها، جلب مصلحة ولا درء مفسدة» فالمفسدة التي لأجلها حرم الربا موجود في هذا القسم وعلى ضوء ذلك يكون التحيل حراماً إمّا لعدم القصد الجدي في المقام، أو لعدم درء المفسدة بالتحيل.


1 . الوسائل:13، الباب17 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث1.


(247)

ولعلّ من هذا القسم قوله سبحانه في سورة الأعراف: (اسأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الّتي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتيهِمْ حيتانُهُمْ يَومَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَومَ لا يَسْبِتُونَ لا تأتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُون).(1)

فإنّ الغرض من تحريم الاصطياد في السبت هو امتحانهم في أُمور الدنيا، ولكنّهم توصّلوا بحيلة مبطلة لغرضه سبحانه، وهي حيازة الحيتان وحبسها عن الخروج إلى البحر يوم السبت، لغاية الاصطياد يوم الأحد، فكيف يمكن أن يكون مثل هذا التحيّل أمراً جائزاً؟!

ومنه يعلم أنّ أكثر الحيل المطروحة للمرابين أمر محرّم، لعدم تعلّق الإرادة الجدّية بصورة المعاملة وإنّما تعلّقت بالنتيجة وهو أخذ الفائض.

الخامس: إذا كانت الحيل سبباً لإضاعة حقّ الآخر، وذلك مثل منع فضل الماء لغاية حرمان الرعاة عن رعي الكلأ، ولذلك نهى عنه الرسول كما مرّ.

هذا هو القول الحاسم في العمل بالحيل، وبذلك خرجنا بالنتائج التالية:

1. إذا كان الشارع هو الذي أرشد إلى الخروج عن المضائق، كما في تجويز السفر في شهر رمضان للإفطار.

2. أو أنّه لم يُشِرْ إلى الخروج، ولكن جعل لأمر واحد طريقين، حرّم أحدهما وأحلّ الآخر، فهاتان الصورتان خارجتان عن محطّ البحث.

3. إذا كان السبب غير مؤثر في حصول النتيجة، و التوصّل به للوصول إلى الحلال توصّلاً باطلاً لافتراض أنّه غير مؤثر في نظر الشارع، كالجارية المغصوبة التي يزعم الغاصب موتها كذباً ويكتم حياتها، ففي مثله لا يكون الخروج عن الغرامة بدفع القيمة مؤثراً في تملك الجارية.


1 . الأعراف:163.


(248)

4. إذا كانت الغاية من التوصّل بالأمر الحلال صوريّاً وتعلّقت الإرادة الجدية بالأمر الحرام، أو كانت نفس المفسدة موجودة، فالتوصّل بها حرام، نظير توصل أصحاب السبت إلى اصطياد الحيتان بحفر جداول قرب البحر لحبسها يوم السبت واصطيادها يوم الأحد، أو بيع الشيء نقداً بثمانية واشترائه نسيئة بعشرة.

ولذلك قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :«قاتل اللّه اليهود، إنّ اللّه تعالى لما حرّم عليهم شحومها جملوه ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه».(1)

5. إذا كان الحيل سبباً لاضاعة حقّ الآخر على ما مرّ.

أدلّة القائلين بجواز التحيّل

وقد استدلّ المثبتون له بالكتاب والسنّة:

الاستدلال بالكتاب

1. قوله سبحانه:(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّاب).(2)

روى المفسّارون أنّ أيّوب قد حلف على ضرب امرأته بمائة سوط، فأمره سبحانه أن يجمع مائة من شماريخ(3)ويجعلها ضِغثاً، ويضربها مرة واحدة، وكأنّه ضربها مائة سوط، فذلك تحلّة أيمانه.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالآية غير صحيح، لاحتمال أن يكون ذلك الحكم تخفيفاً من اللّه سبحانه في حقّ أيّوب لمّا صبر طيلة سنين متمادية حتّى وصفه


1 . بلوغ المرام: برقم 801. وجملوه: أي جمعوه ثمّ أذابوه احتيالاً على الوقوع في المحرم.
2 . ص:44.
3 . جمع الشمارخ غصن دقيق ينبت في أعلى الغصن الغليظ.


(249)

اللّه سبحانه بقوله: (إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نعْمَ الْعَبْدُ) فهذا النوع من التخفيف كان جزاءً له على صبره، وتخفيفاً عن امرأته ورحمة بها.

ولو كان هذا الحكم عامّاً لما خفي على أيوب وهو نبيّ من أنبيائه سبحانه، وسّع اللّه صدره بالعلم.

وبذلك يظهر الفرق بين المقام وتحيّل بني إسرائيل، فانّ احتيال بني إسرائيل كان لغاية سخيفة محرّمة وهي صيد الحيتان، وهذا بخلاف المقام فهو احتيال من أجل الرحمة والإنسانية وليس احتيالاً على الحقّ والإنسانية.

وحاصل الكلام: أنّه من خصائص أيّوب (عليه السلام) لا يعدوه إلى غيره وما ذلك إلاّ لكونه تخفيفاً من اللّه .

وما ربما يقال من أنّ الخصوصية لا تثبت إلاّ بدليل(1)، وإن كان صحيحاً، ولكن الدليل على الخصوصيّة هو التعليل الوارد في الآية. أعني: صبره وحسن عبوديته.

2. وقوله سبحانه:(فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجِهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤذِّنٌ أَيَّتُها العِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُون).(2)

حيث أمر يوسف (عليه السلام) بجعل صواع الملك في رحل أخيه ليتوصّل بذلك إلى أخذه وكيد إخوته.

يلاحظ عل(3)يه: أنّ يوسف توصّل بالحلال إلى الحلال، وهو أخذ الأخ ولم يكن غير راض بذلك في الواقع، كما لم يكن قصده بذلك إيذاء إخوته ولا إيذاء أبيه.


1 . الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي:2/491.
2 . يوسف: 70.
3 . إعلام الموقعين:3/224.


(250)

أمّا الأوّل (إيذاء الإخوة) فواضح، إذ لو كان قاصداً لذلك لعاقبهم بغير هذا الأُسلوب، وأمّا الثاني (إيذاء الأب) فلأنّ الوالد كان واقفاً على أنّ أخا يوسف سيُحاصر، حيث قال لهم: (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُون مَوثِقاً مِنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّني بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ).(1)

والظاهر من الكتاب العزيز أنّ يوسف قام بذلك بأمر من اللّه سبحانه حيث قال: (كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ في دِينِ المَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّه)(2)، أمره سبحانه بذلك ليبلغ الكتاب أجله ويتم البلاء الذي أحاط بيعقوب ويوسف وتبلغ حكمة اللّه تعالى التي قضاها لهم نهايتها.

وهل يكون ذلك دليلاً على الجواز لعامة الناس لغايات سخيفة؟!

الاستدلال بالسنّة

استدلّوا من السنّة بما رواه البخاري، عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ قال: لا واللّه يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّا لنأخذ الصاعَ من هذا، بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثمّ ابتع بالدراهم جنيباً».(3)

والجمع نوع من تمر خيبر رديء، والجنيب نوع جيد، ولم يفصّل بين أن يكون البيع من رجلين أو رجل واحد.

وقد ظهر الجواب ممّا ذكرناه من أقسام الحيل، وأنّ الشارع هو الّذي جعل للشيء طريقين حرّم أحدهما وسوّغ الآخر.


1 . يوسف:66.
2 . يوسف:76.
3 . إعلام الموقعين:3/202; ولاحظ بلوغ المرام برقم 855.


(251)

6
قول الصحابي

يعدُّ الأئمّة الثلاثة غير أبي حنيفة قولَ الصحابي من مصادر التشريع، وربّما ينقل عنه أيضاً خلافه، لكن المعروف انّه لا يعترف بحجية قول الصحابي. والمهم في المقام هو تحرير محل النزاع وتعيين موضوعه، فإنّه غير منقّح في كلامهم.

إنّ ظاهر العنوان ـ مذهب الصحابي من مصادر التشريع ـ هو انّ مذهبه من مصادره، في عرض الكتاب والسنّة والإجماع والعقل وغيرها وربما يعبّر عن مذهب الصحابي، بسنّته، الظاهرة في أنّ له سنّة، عرض سنّة النبي، فلو أُريد هذا فهو محجوج بما ذكره الغزالي حيث قال:

إنّ من يُجوَّز عليه الغلط والسهو، ولم تثبت عصمته عنه، فلا حجّة في قوله، فكيف يحتجُّ بقولهم مع جواز الخطأ؟ وكيف تدّعى عصمتهم من غير حجّة متواترة؟ وكيف يتصوّر قوم يجوز عليهم الاختلاف؟ وكيف يختلف المعصومان؟ كيف وقد اتّفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة؟ فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كلّ مجتهد أن يتبع


(252)

اجتهاد نفسه.(1)

وعلى ظاهر العنوان (مصادر التشريع) اعترض عليه الشوكاني وقال: والحقّ أنّه ليس بحجّة، فإنّ اللّه سبحانه لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّنبيّنا محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وليس لنا إلاّرسول واحد وكتاب واحد، وجميع الأُمّة مأمورة باتّباع كتابه وسنّة نبيّه ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فكلّهم مكلّفون بالتكاليف الشرعية، وباتّباع الكتاب والسنّة، فمن قال: إنّه تقوم الحجّة في دين اللّه عزّ وجلّ بعد كتاب اللّه تعالى وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما يرجع إليهما، فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت.(2)

وعلى كلّ تقدير، فنحن نذكر صور القاعدة.

لا شكّ انّه لو نقل الصحابي سنّة الرسول يؤخذ به بالإجماع عندهم، وعندنا إذا اجتمعت فيه شرائط الحجّية. وهذا خارج عن محل البحث.

كما إذا اتّفق سائر الصحابة على رأي الصحابي; فمن قال بحجّية الإجماع بما هوهو، أو لكشفه عن وجود الحجّة في البين، يكون قوله حجّة، لأجل انعقاد الإجماع عليه. وهذا أيضاً خارج عن محل البحث.

فينحصر النزاع في الموارد الثلاثة التالية:

1. قول الصحابي

إذا نقل الصحابي قولاً، ولم يُسْنده إلى الرسول، ودلّت القرائن على أنّه نقلُ قول لا نقلُ رأي فهل هو حجّة أو لا؟ لاحتمال كونه ناقلاً قول الرسول، أو قول


1 . المستصفى:1/135.
2 . إرشاد الفحول: 214.


(253)

غيره، وهذا ما يطلق عليه «الموقوف» لوقف النقل على الصحابي دون أن يتجاوز عنه إلى غيره.

2. رأي الصحابي

إذا نقل رأيه واستنباطه من الكتاب والسنّة وما فهمه منهما، فهو حجّة له ولمقلِّديه، ولا يكون حجّة لسائر المجتهدين.

3. المردّد بين النقل والرأي

إذا تردّد بين كونه نقلَ قول أو نقلَ رأي; فلو قلنا بحجّية قوله ورأيه على سائر المجتهدين، يكون حجّةً في المقام بخلاف ما لو خصّصنا الحجّية بنقل القول دون الرأي ـ كما هو الحقّ ـ فلا يكون النقل المردّد بين القول والرأي حجّة.

هذه هي الصور الثلاث التي تصلح لأن تقع محلاً لورود النفي والإثبات.

وأمّا الأقوال، فمن قائل بحجّية ما روي عن الصحابي، إلى آخر ناف لها، إلى ثالث يفصّل بين كون المنقول موافقاً للقياس فليس بحجّة وكونه مخالفاً له فهو حجّة.

إذا وقفت على الصور المتصوّرة لمحلّ النزاع والأقوال، فلنتناول كلّ واحدة منها بالدراسة:

1. حجّية قول الصحابي

يظهر من السرخسي انّ محلّ النزاع هو الصورة الأُولى، فقد حاول في كلام مبسوط أن يثبت انّ قول الصحابي ظاهر في أنّ مستنده هو قول النبي وإن لم


(254)

يُسنده إليه ظاهراً، يقول:

لا خلاف بين أصحابنا المتقدّمين والمتأخرين انّ قول الواحد من الصحابة حجّة فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه، وذلك لأنّ أحداً لا يظن بهم المجازفة في القول، ولا يجوز أن يحمل قولهم في حكم الشرع على الكذب; فإنّ طريق الدين من النصوص إنّما انتقل إلينا بروايتهم، وفي حمل قولهم على الكذب والباطل قولٌ بفسقهم، وذلك يبطل روايتهم.

فلم يبق إلاّ الرأي أو السماع ممّن ينزل عليه الوحي، ولا مدخل للرأي (القياس) في هذا الباب، فتعيّن السماع وصار فتواه مطلقاً كروايته عن رسول اللّه، ولا شكّ انّه لو ذكر سماعه من رسول اللّه لكان ذلك حجّة لإثبات الحكم به، فكذلك إذا أفتى به ولا طريق لفتواه إلاّ السماع، ولهذا قلنا: إنّ قول الواحد منهم فيما لا يوافقه القياس يكون حجّة في العمل به كالنص يترك القياس به. (1)

وخلاصة كلامه: أنّ قول الصحابي إن كان موافقاً للقياس نحدس بأنّه رأيه ونظره استند إلى القياس فلا يكون حجّة للمجتهد الآخر، وأمّا إذا كان مخالفاً للقياس، فلا يكون لقوله مبدأ سوى السماع عن الرسول ويكون حجّة.

يلاحظ على كلامه بوجوه:

الأوّل: أنّ كلامه مبنيّ على أنّ للاجتهاد دعامتين: إحداها: القياس، والأُخرى: النص. فإذا كان قول الصحابي مخالفاً للقياس، فيكون دليلاً على أنّه اعتمد على النص ونقله، ولكنّك خبير بأنّ للاجتهاد دعامات أُخرى، فمن الممكن أن يستند في قوله إلى إطلاق الآية وليس لها إطلاق، أو عموم دليل وليس


1 . أُصول السرخسي:2/110 بتلخيص.


(255)

بعام، وعلى كلّ تقدير استنتج الحكم من دليل لو وصل إلينا لم نعتبره دليلاً، فمع هذا الاحتمال لم يبق وثوق بأنّه سبحانه أذن في الإفتاء وفق قوله.

الثاني: أنّ أقصى ما يمكن أن يقال هو الظنّ بأنّه استند إلى النّص، لا القطع، ومن المعلوم أنّ الظنّ ليس بحجّة مالم يدل دليل قاطع على حجّيته فمالم يحرز انّه استند إلى النص، لا يحكم عليه بالحجيّة وإلاّ يدخل الإفتاء به تحت قوله سبحانه:(ءَآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُون).(1)

الثالث: لو كان قول الصحابي مستنداً إلى سماعه عن النبي، أو عمّن سمعه من النبي، لم يكن يترك ذكره، لما فيه من الشرف والمفخرة له، بشهادة أنا نجد اهتمام الصحابة بنقل كلّ ما يمتّ إلى النبي بصلة من دقيق وجليل وقول وفعل وتقرير وتصديق.

فالإفتاء بلا ذكر السماع يُشرف الفقيه على القطع بأنّ ما نقله الصحابي هو في الواقع اجتهاد منه، وبذلك لا يبقى أيّ اطمئنان ووثوق بمثل هذا القول.

وهناك حقيقة مرّة، وهي انّ التأكيد على حجية قول الصحابي لأجل انّ حذفه من الفقه السنّي يوجب انهيار صرح البناء الفقهي الذي أشادوه، وتغيّر القسم الأعظم من فتاواهم، وحلول فتاوى أُخر محلّها ربما استتبع فقهاً جديداً لا أُنس لهم به.

والحاصل: انّ الحجّة هو العلم بأنّه بصدد نقل سنة الرسول، وأمّا إذا ظنّ بأنّه كذلك فليس بحجّة، وما دلّ من الأدلّة على حجّية قول الصحابي، منحصر بما إذا علم أنّه بصدد بيان كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقوله، أو عمله وفعله، أو تقريره وتصديقه.


1 . يونس:59.


(256)

2. حجّية رأي الصحابي

يظهر من كلام ابن القيّم، أنّ موضوع النزاع أعمّ من القول والرأي فقد أقام على حجّيته 46 دليلاً لا يسعنا ذكرها، لأنّ غالبها لا يخرج عن نطاق الحدس وليس لها أصالة، وإنّما نقتصر على قليل منها:

الدليل الأوّل

إنّ قول الصحابي يحتمل أوجهاً لا تخرج عن ستة:

1. أن يكون قد سمعها من النبي.

2. أن يكون سمعها ممّن سمعها منه.

3. أن يكون فهمها من آيات كتاب اللّه فهماً خفي علينا.

4. أن يكون قد اتّفق عليها ملؤُهم ولم ينقل إلينا إلاّ قول المفتي بها وحده.

5. أن يكون لمكان علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنّا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أُمور فهموها على طول الزمان لأجل معاشرة النبي.

6. أن يكون فهم ما لم يرده الرسول واخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجّة، ومعلوم قطعاً أنّ وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين، وذلك يفيد ظناً غالباً قوياً على أنّ الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال مَن بعده وليس المطلوب إلاّ الظنّ الغالب والعمل به متعيّن، ويكفي العارف هذا الوجه.(1)


1 . إعلام الموقعين:4/148 في ضمن الدليل الثالث والأربعين.


(257)

أقول: يلاحظ عليه بوجوه:

أوّلاً: أنّ أقصى ما يمكن أن يقال هو الظن الغالب بأنّه استند إلى الوجوه الخمسة الأُولى لا القطع به، وقد أثبتنا في محلّه أنّ الأصل في الظن عدم الحجّية، إلاّإذا دلّ دليل قطعي على حجّيته.

ثانياً: من أين نعلم أنّ فهمه من الكتاب كان فهماً صحيحاً؟ أو انّ استفادته من اللغة كانت استفادة رصينة مع أنّ التابعين من العرب الأقحاح مثله؟ فما هو الفرق بين قوله وقول التابعين؟

ثالثاً: على أنّه يحتمل أن يكون لفتواه مصادر ظنّية اعتمد عليها، كالقياس بشيء لا يخطر في أذهاننا، أو الاعتماد على وجوه واعتبارات تبلورت في ذهنه، أو الاستناد إلى الإطلاق والعموم مع أنّه ليس من مواردهما، لكون المورد شبهة مصداقية لهما.

الدليل الثاني

قد ذكر ابن القيّم في الوجه الرابع والأربعين ما هذا لفظه: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تزال طائفة من أُمّتي ظاهرين بالحق».

وقال علي ـ كرم اللّه وجهه ـ: «لا تخلو الأرضُ من قائم للّه بحجّة، لئلاّ تبطل حججُ اللّه وبيّناته» فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأُمّة قائم بالحقّ في ذلك الحكم، لأنّهم بين ساكت ومخطئ، ولم يكن في الأرض قائم للّه بحجّة في ذلك الأمر، ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر.(1)


1 . إعلام الموقعين:4/150، فصل جواز الأخذ بفتاوى الصحابة.


(258)

أقول: أمّا الحديث الأوّل فيدلّ على وجود طائفة ظاهرين بالحقّ من أُمّته، ولكن من أين نعلم أنّهم هم الصحابة؟ فإنّ الإخبار عن الكبرى لا تثبت الصغرى، أي كون القائمين بالحقّ هم الصحابة، فليكن هؤلاء، التابعين لهم بإحسان أو تابعي التابعين وليس في الرواية ما يدلّ على اتصال زمانهم بزمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وأمّا الحديث الثاني فيدلّ على وجود القائم بالحقّ بين الأُمّة في كلّ الأزمنة والأعصار لا الناطق بالحقّ، وشتان ما بين القائم بالحقّ والناطق بالحقّ ، والقائم بالحقّ بطبيعة الحال يكون ناطقاً، ولكن ربما يكون مضطراً للسكوت خوفاً من حكّام الجور، فلا يكون سكوت الأُمّة دليلاً على إصابة الصحابي الناطق وكونه القائم بالحقّ.

وعلى كلّ تقدير فالحديث الثاني يدلّ على حجّية قول شخص واحد لا عامة الصحابة والتابعين، وأين هذا من حجّية أقوال و آراء عامة الصحابة؟!

وجود المخالفة بين الصحابة

إنّ تاريخ التشريع حافل بنماذج كثيرة من مخالفة صحابي لصحابي آخر حتى بعد سماع كلامه وقوله، فلو كان قول الصحابي نتاجاً للسماع لما جاز لآخر أن يخالفه ويقدّم رأيه على قوله، فإنّه يكون من قبيل تقديم الرأي على النصّ، وهذا يعرب على أنّ قول الصحابي لا يساوق سماعه عن النبي، بل أعمّ منه بكثير، وهذا هو الذي يسوغ وجود المخالفة بينهم، فمثلاً:

كان أبو بكر وعمر وعبد اللّه بن عباس يرون قول الرجل لامرأته: أنت عليّ حرام، إيلاء ويميناً، وفي الوقت نفسه كان ابن مسعود يراه طلقة واحدة، وكان زيد


(259)

بن ثابت يراه طلاق ثلاث، فلم يقل أحد انّ قول الخليفتين حجّة على الآخرين.

وذلك لأنّ كلّ واحد كان مجتهداً ومستنبطاً، وليس رأي المستنبط حجّة على الآخرين من الصحابة ، فإذا كان هذا هو الحال بين الصحابة، فليكن كذلك بعدهم، فإنّ التكليف واحد، والتشريع فارد، فلا معنى أن يكون تكليف الصحابة مغايراً لتكليف التابعين لهم بإحسان، أي لا يكون رأي الصحابي حجّة على مثله، ولكنّه حجّة على التابعين.

اجتهاد الصحابي بين الردّوالقبول

كان اجتهاد الصحابة عند غيبتهم عن الرسول حجّة لهم لعدم تمكّنهم من الرجوع إليه، فإذا ما رجعوا إليه، إمّا يقرّهم على ما رأوا، وإمّا أن يبيّن لهم خطّ الصواب، فلم يكن اجتهاد الصحابي بما هو اجتهاد من مصادر التشريع، وهو ظاهر لمن رجع إلى اجتهادات الصحابة وطرحها على الرسول، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) بين مصوّب لهم ومخطِّئ، ولنذكر نموذجين:

1. كان علي (عليه السلام) باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، فقال كلّواحد منهم هو ابني، فجعل علي (عليه السلام) يخبرهم واحداً واحداً أترضى أن يكون الولد لهذا؟ فأبوا، فقال: «أنتم شركاء متشاكسون» فأقرع بينهم، فجعل الولد للذي خرجت له القرعة، وجعل عليه للرجلين الآخرين ثلثي الدية، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فضحك حتى بدت نواجذه، من قضاء علي (عليه السلام) . روى ذلك الخطيب البغدادي في كتاب «الفقيه والمتفقّه». (1)


1 . إعلام الموقعين: 1/203.


(260)

وقد اعتبر علي (عليه السلام) في هذا الحكم أنّه بالنسبة للقارع بمنزلة الإتلاف للآخرين، كمن أتلف رقيقاً بينه وبين شريكين له، فإنّه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه، فإتلاف الولد الحر بحكم القرعة، كإتلاف الرقيق الذي بينهم.

2. روى مسلم، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه أنّ رجلاً أتى عمر، فقال: إنّي أجنبت فلم أجد ماء؟ قال: لا تصلّ، فقال عمار: ما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية ، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأمّا أنت فلم تصلّ، وأمّا أنا فتمعكت في التراب وصليت.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثمّ تنفخ، ثمّ تمسح بهما وجهك وكفيك.

فقال عمر: اتّق اللّه يا عمار، قال: إن شئت لم أُحدّث به. (1)

الدليل الثالث

قوله سبحانه:(السَّابِقُونَ الأَوّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسان رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّات تَجْرِي تَحْتَها الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).(2)

وجه الدلالة أنّ اللّه تعالى أثنى على من اتّبعهم، فإذا قالوا قولاً، فاتّبعهم متَّبع عليه قبل أن يعرف صحّته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محموداً على ذلك، وأن يستحق الرضوان، ولو كان اتّباعهم تقليداً محضاً كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلاّ أن يكون عامياً، فأمّا العلماء والمجتهدون فلا يجوز


1 . صحيح مسلم: 1/193، باب التيمّم.
2 . التوبة:100.


(261)

لهم اتّباعهم حينئذ.(1)

يلاحظ عليه: أنّ قوله: «بإحسان» إشارة إلى وجه الاتّباع والمراد منه هو العمل، أي الذين اتبعوا المهاجرين والأنصار أو السابقين منهم في العمل حيث إنّهم آمنوا ونصروا الرسول وآووه وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، فمن تبعهم بهذا النحو فقد تبعهم ورضي اللّه عنهم ورضوا عنه.

ويدلّ على أنّ المراد التبعية في العمل مضافاً إلى ما ذكره المفسرون في المقام(2) أنّه سبحانه يجزيهم بالجنة الّتي هي جزاء الأعمال، لا جزاء الآراء والأفكار على أنّه لم يكن للصحابة في ذلك اليوم آراء وأفكار حتّى تشملها الآية الكريمة.

والحقّ أنّ الاستدلال بهذه الآية والآية التالية صنع من أعوزه الدليل فأخذ يتمسك بكلّ شاردة وواردة.

الدليل الرابع

قوله سبحانه: (اتَّبِعُوا مَنْ لا يسْأْلُكُمْ أَجراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ).(3)

هذا ما قصّه اللّه سبحانه وتعالى عن صاحب ياسين على سبيل الرضا بهذه المقالة والثناء على قائلها والإقرار له عليها وكلّ واحد من الصحابة لم يسألنا أجراً وهم مهتدون.(4)

يلاحظ عليه: أنّ قوله لا يسألكم أجراً عنوان مشير إلى الرسل الوافدين من


1 . إعلام الموقعين: 4/123ـ124.
2 . انظر من باب المثال تفسير الجلالين حيث يذكر بعد لفظة بإحسان قوله: في العمل.
3 . يس:21.
4 . إعلام الموقعين: 4/130.


(262)

جانب المسيح إلى أنطاكية وليس علة للحكم، وإلاّ يجب أن يكون رأي كلّ مجتهد لم يسأل أجراً حجة على سائر المجتهدين، وهو كما ترى.

أضف إلى ذلك أنّ المراد من الاتّباع هو الاتّباع في التوحيد ورفض الوثنية، لا الاتّباع في الفروع الفقهية الّتي لم يكن فيها أثر لدى الرسل الثلاثة.

الدليل الخامس

قوله سبحانه:(وَاتَّبِعْ سَبيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ).(1)

وكلّ من الصحابة منيب إلى اللّه فيجب اتّباع سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ما استدلّ به خطاب من اللّه للإنسان ورد في ثنايا وصايا لقمان لابنه، حيث قال تعالى: (وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُما وَصَاحِبْهُما فِي الدُّنيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِليَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).(3)

إنّه سبحانه يحذر عن متابعة طائفة ويأمر بمتابعة طائفة.

الأُولى: المشركون، وفي طليعتهم الوالدان المشركان ويقول: (وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ فَلاَ تُطِعْهُما).

الثانية: من رجع من الشرك إلى التوحيد كما قال سبحانه: (وَاتَّبِعْ سَبيلَ مَنْ


1 . لقمان:15.
2 . نفس المصدر:4/130.
3 . لقمان:15.


(263)

أَناب)، فيكون حاصل الآية التحذير عن متابعة المشركين والدعوة إلى متابعة الموحدين.

فأي صلة للآية ياتُرى لما يرتئيه القائل من حجّية فتاوى الصحابة؟!

واللّه لأنّي لأضنّ أن أسود صحائف كتابي بالوجوه الّتي ذكرها ابن القيّم لحجّية فتوى الصحابي. وكلّها ركام من التخيّلات الّتي لاتمسّ بالمقام.

والّذي دعا الكاتب إلى الاستدلال بهذه الآيات هو توغله في حبّ السلف وإحياء السلفية، فلو كان حيادّياً لما استدلّ بهذه الآيات على ما رامه و لما خطر بباله.

أحاديث الاقتداء بالصحابة

استدلّ ابن قيم الجوزيّة على حجّية رأي الصحابي بأحاديث الاقتداء:

1. ما رواه الترمذي من حديث الثوري، عن عبدالملك بن عمير، عن هلال مولى رِبْعي بن حِرَاش، عن رِبْعي، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر و عمر».(1)

يلاحظ عليه: أنّ الحديث مخدوش سنداً ودلالةً.

أمّا سنداً فبعبد الملك بن عمير، حيث روى إسحاق الكوسج، عن يحيى بن معين قال: مخلِّط.

وقال علي بن الحسن الهسنجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عبد الملك بن عمير مضطرب الحديث جداً مع قلّة روايته.


1 . إعلام الموقعين: 4/140.


(264)

وذكر إسحاق الكوسج عن أحمد، أنّه ضعفه جداً.(1)

وقد نُقل هذا الحديث بسند ثان عن أحمد بن محمد بن الجسور، حدّثنا أحمد بن الفضل الدينوري، حدّثنا محمد بن جبير، حدّثنا عبدالرحمان بن الأسود الطفاوي، حدّثنا محمد بن كثير الملائي، حدّثنا المفضل الضبي، عن ضرارة بن مرة، عن عبد اللّه بن أبي الهذيل العتري، عن جدته.

وهو مخدوش أيضاً، لأنّه مروي عن مولى لربعي مجهول، كما أنّ المفضل بن محمد الضبي متروك الحديث، متروك القراءة.(2)

كما نقل هذا الحديث بسند ثالث عن القاضي أبي الوليد بن الفرضي، عن ابن الدخيل، عن العقيلي، عن محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا وكيع، حدثنا سالم المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن حرث وأبي عبد اللّه، عن رجل من أصحاب حذيفة، عن حذيفة.

وفيه أنّ هلال مولى ربعي مجهول، كما أنّ سالم المرادي قد ضعَّفه ابن معين والنسائي.(3)

وأمّا دلالةً، فقد قال ابن حزم: وأمّا رواية: «اقتدوا باللّذين من بعدي» فحديث لا يصح. ولو صحّ لكان عليهم لا لهم، لأنّهم ـ أصحاب مالك و أبي حنيفة والشافعي ـ أترك الناس لأبي بكر وعمر، وقد بيّنا أنّ أصحاب مالك خالفوا أبابكر ممّا رووا في «الموطّأ» خاصة في خمسة مواضع، وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية ممّا رووا في «الموطّأ» خاصة، وقد ذكرنا أنّ عمر وأبا بكر اختلفا، وإن اتّباعهما


1 . سير أعلام النبلاء: 5/439.
2 . الجرح والتعديل: 8/318 برقم 1466; لسان الميزان: 6/81 برقم 293.
3 . كتاب الضعفاء الكبير: 2/150 برقم 651; لسان الميزان: 3/7 برقم 21.


(265)

فيما اختلفا فيه، متعذر ممتنع لا يقدر عليه أحد.(1)

وثانياً ولو صحّ الحديث فلماذا لم يستند إليه الشيخان في السقيفة، بل طوال حياتهما.

وثالثاً انّ مضمون الحديث يضاد ما هو المسلم عند أهل السنة من انّ الخلافة ـ بعد الرسول ـ انتخابي، لا انتصابي، إذ لو صحّ الحديث فقد عيّـن الرسول خليفة المسلمين.

2. ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد اللّه بن رباح عن أبي قتادة انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن يطع القوم أبا بكر وعمر يُرشَدُوا.(2)

أقول: لو صحّت الرواية، وقلنا بأنّ المراد من القوم هم المسلمون بأجمعهم إلى يوم القيامة، لدلّت على وجوب طاعتهما فيما لهما فيه أمر ونهي، وأين هما من لزوم الأخذ ب آرائهما وفتاواهما في الأحكام الشرعية التي ليس لهما فيه أي أمر ونهي؟!

3. ما روي عن طريق عبد اللّه بن روح، عن سلام بن سلم، قال: حدثنا الحارث بن غصين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم.(3)

وهذا الحديث مخدوش سنداً ودلالة.

أمّا سنداً فبالحارث بن غصين، قال عنه ابن عبد البر في كتاب العلم: مجهول.(4)


1 . الإحكام: 5/243.
2 . إعلام الموقعين: 4/140.
3 . جامع العلم: 2/91; جامع الأُصول: 8/556، الحديث 6369.
4 . لسان الميزان: 2/156.


(266)

كما أنّ في السند المذكور سلام بن سلم المدائني، وقيل: سلام بن سليمان المدائني، قال عنه يحيى: كان ضعيفاً.

وقال الأعين: سمعت أبا نعيم ضعّف سلام بن سلم.(1)

وقال عنه البخاري: سلام بن سلم المدائني: متروك.

وذكره ابن حبان في المجروحين.(2)

كما روي هذا الحديث أيضاً عن طريق عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر. وعن طريق حمزة الجزري، عن نافع، عن ابن عمر.

وفيه أنّ عبد الرحيم بن زيد وأبيه متروكان(3) ، وحمزة الجزري مجهول.

وأمّا دلالة: فلما قاله ابن حزم: قد ظهر أنّ هذه الرواية لا تثبت أصلاً، إذ من المحال أن يأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) باتّباع كلّ قائل من الصحابة، وفيهم من يحلل الشيء، وغيره منهم يحرّمه. (4)

ولقد أجاد الشوكاني حينما قال: وأمّا ما تمسّك به بعض القائلين بحجيّة قول الصحابي ممّا روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم، فهذا ممّا لم يثبت قط، والكلام فيه معروف عند أهل هذا الشأن بحيث لا يصحّ العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع، فكيف مثل هذا الأمر العظيم والخطب الجليل؟!(5)


1 . الضعفاء الكبير: 2/158.
2 . المجروحين: 2/339.
3 . سير أعلام النبلاء: 8/358; التاريخ الكبير: 6/137; ميزان الاعتدال: 2/605.
4 . الإحكام: 5/244.
5 . إرشاد الفحول: 214.


(267)

وحاصل الكلام: أنّ الفقيه يجب أن يعتمد على كتاب اللّه وسنّة رسوله، و ان يحتج بما جعله اللّه حجّة بينه و بين اللّه تبارك وتعالى، كخبر العدل المتصل إلى المعصوم، أو العقل فيما له فيه قضاء وحكم، وأمّا في غير هذه الموارد كآراء الصحابة أو سنّتهم وسيرتهم أو التابعين فكلّها أُمور ظنية لا دليل على الاحتجاج بها إلاّإذا ثبت أنّها أقوال الرسول و سننه، وأنّى لنا إثبات ذلك.

وبذلك يعلم أنّ الفقه ليس هو نقل آراء الصحابة والتابعين، أو الفقهاء الذين جاءوا بعدهم، فإنّ مرد ذلك إلى سرد آراء أُناس غير مصونين عن الخطأ والزلل.

أدلة الشاطبي على حجّية رأي الصحابي

ذهب الشاطبي في موافقاته إلى أنّ سنّة الصحابة سنّة يعمل بها ويرجع إليها، والظاهر منه انّها من مصادر التشريع ، واستدلّ على ذلك بوجوه أربعة لا يستدلّ بها إلاّ من أعوزه الدليل مع الرغبة الأكيدة إلى إثبات المدّعى، قال:

أحدها: ثناء اللّه عليهم من غير مثنويّة، مدحهم بالعدالة وما يرجع إليها، كقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيَر أُمّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاس)(1) وقوله: (وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً).(2) ففي الأُولى إثبات الأفضلية على سائر الأُمم، وذلك يقضي باستقامتهم في كلّ حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة; وفي الثانية إثبات العدالة مطلقاً، وذلك يدلّ على ما دلّت عليه الأُولى.(3)


1 . آل عمران:110.
2 . البقرة:143.
3 . الموافقات:4/55، ط دارالكتب العلمية.


(268)

يلاحظ على الآية الأُولى: أنّها بمعزل عن الدلالة على «استقامتهم على كلّ حال» وإنّما هي بصدد بيان أحد أمرين:

1. انّ الآية تخاطب معاشر المسلمين عبر القرون بأنّهم خير أُمّة أظهرها اللّه للناس بهدايتها بحجّة انّهم يؤمنون باللّه ويأتون بفريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والخطاب و إن كان للحاضرين في عصر الخطاب لكن خطابات القرآن كخطابات الكتب المصنّفة لا تختص بفرد دون فرد، بل تشمل كلّ المسلمين من دون اختصاص بالصحابة، كيف وقد قال سبحانه: (تَبارَكَ الّذي نَزَّلَ الفُرقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذيراً)(1)، وقال سبحانه: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القُرآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ)(2) فيكون الخطاب عاماً يشمل جميع المسلمين من عصر الرسالة إلى يوم البعث.

ثمّ إنّّ وصف الأُمّة بهذا الوصف ليس باعتبار اتصاف كلّ فرد منهم به، بل لأجل اتّصاف جمع منهم بحقيقة الإيمان والقيام بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس ذلك بأمر بديع وقد وصف القرآن بني إسرائيل بكونهم ملوكاً وهو وصف لبعضهم وقال: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عََلَيْكُمْ إِذ جَعَلَ فيكُمْ أَنْبياءَ وَجعََلَكُمْ مُلُوكاً).(3)

ولو افترضنا تواجد هذه الصفات في عامة المسلمين، لما كان دليلاً على حجّية آرائهم وتفكّراتهم، بل يكون دليلاً على فضيلتهم وكرامتهم، وأين هي من حجّية آرائهم؟!


1 . الفرقان:1.
2 . الأنعام:19.
3 . المائدة:20.


(269)

2. انّ الآية تمدح حال المؤمنين في أوّل ظهور الإسلام من السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، وتخاطبهم بقوله كنتم خير أُمّة ظهرت للناس لأجل الإيمان باللّه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثمّ يصف بأنّه لو كان أهل الكتاب مثلكم لكان خيراً لهم، ولكنّهم اختلفوا، منهم أُمّة مؤمنون وأكثرهم فاسقون. ويدلّ على ما ذكر ذيل الآية، وإليك الآية بتمامها:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّة أُخرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَو آمَنَ أَهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيراً لَهُمْ مِنْهُم المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهُم الفاسِقُون).(1)

فاتّضح بذلك انّ الآية ليست بصدد إثبات الاستقامة للصحابة في عامّة الأحوال ولا بصدد إثبات العدالة لهم، ولا لإفاضة الحجّية على أقوالهم وآرائهم، وليست للآية أي صلة بهذا الموضوع، بل يدور المعنى على أحد أمرين:

إذا قلنا بأنّ فعل «كنتم» منسلخ عن الزمان يكون الهدف مدح المسلمين عامة لأجل اتّصافهم بالأوصاف الواردة بالآية 1. الأمر بالمعروف، 2. النهي عن المنكر، 3. الإيمان باللّه، 4. ووحدة الكلمة المفهومة من قوله«أُمّة».

ومن المعلوم أنّ عامّة المسلمين لا يشاركون في هذه الأوصاف، بل عدّة منهم بوصف الجميع باعتبار وصف البعض.ولو افترضنا تواجدها في جميعهم، لما كان أيضاً دليلاً على حجّية آرائهم.

وإذا قلنا: إنّ فعل «كنتم» غير منسلخ عن الزمان والآية تختص بالمهاجرين والأنصار، فالآية بصدد تنبيه أهل الكتاب وتذكيرهم بأن يتّصفوا بأوصاف المسلمين ويكونوا مثلهم في الأوصاف الأربعة، لكنّهم ـ للأسف ـ ليسوا على وتيرة واحدة، فقليل منهم مؤمن باللّه وأكثرهم فاسقون.


1 . آل عمران:110.


(270)

هذا كلّه حول الآية الأُولى.

وأمّا الآية الثانية، أعني قوله: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً).(1)

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ ظاهر الآية انّه سبحانه جعل الأُمّة الإسلامية أُمّة وسطاً، لأجل تخلّلهم بين الناس والرسول فجعلهم وسطاً.

1. ليكونوا شهداء على الناس من جانب.

2. ويكون الرسول شهيداً عليهم من جانب آخر.

وعندئذ فمعنى كونهم وسطاً لأجل تخلّلهم بين الرسول والناس.

فالناس هم المشهود عليهم.

والأُمّة الإسلامية هم الشهداء عليهم.

والرسول هو الشهيد على الأُمّة.

هذا هو ظاهر الآية، وبذلك يعلم معنى الوسطية التي هي تخلّلهم بين الناس والرسول.

وعلى ضوء هذا فيجب أن نقف على معنى كون الأُمّة شهداء على الناس، فهل يصحّ وصف جميع الأُمّة بذلك، أو هو وصف لطائفة خاصة، أعني: الذين وصلوا في طهارة القلب والروح إلى حدّ يشهدون يوم القيامة على الناس؟ ومن المعلوم أنّ مثل هذه الشهادة ليست في وسع الإنسان العادي إلاّ رجل يتولّى اللّه أمره وكشف الغطاء عن بصره وبصيرته، وأمّا من هم الذين لهم تلك الميزة والمكانة فالآية ساكتة عنه، وكون المراد منهم عامة الصحابة، قول بلا دليل، ولكن الآيات


1 . البقرة:143.


(271)

الأُخرى تفصح عن ذلك، يقول سبحانه: (مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِيقينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً)(1) ، والمراد من الشهداء هم شهداء الأعمال الذين شملتهم عنايته سبحانه فشهدوا على حقائق الأعمال والمعاني النفسية من الكفر والإيمان والفوز والخسران، فلا صلة للآية بعدالة الصحابة.

إنّ للإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية بياناً بديعاً رواه أبو عمرو الزبيري عنه قال: قال الإمام بعد تلاوة الآية: «فإن ظننتَ أنّ اللّه عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين؟ أفترى أنّ من لا يجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب اللّه شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية؟!».(2)

ثمّ لو افترضنا دلالة الآية على عدالة كلّ صحابي، ولكنّه لا يكون دليلاً على حجّية كلّ ما يصدر عنهم من السنّة، وإلاّ لعمّمنا الحكم إلى كلّ عادل، سواء كان صحابياً أم غير صحابي، لكون الموضوع هو العدل والعدالة، وغاية ما تقتضيه العدالة انّه لا يتعمّد الكذب، أمّا مطابقة كلامه وفعله للواقع نزيهاًعن الخطأ والاشتباه، فالآيتان لا تدلاّن عليه.

ثمّ إنّ الإمام الشاطبي استدلّ بوجه ثان وهو التمسّك في مدح الصحابة وقال:

الدليل الثاني: ما جاء في الحديث من الأمر باتّباعهم، وانّ سنّتهم في طلب الاتّباع كسنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كقوله:«فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»، وقوله: «وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ واحدة». قالوا: ومن هم يا رسول اللّه؟ قال: «ما أنا عليه


1 . النساء:69.
2 . البرهان في تفسير القرآن:1/160.


(272)

وأصحابي» .

وعنه أنّه قال: «أصحابي مثل الملح، لا يصلح الطعام إلاّ به».

وعنه أيضاً: انّ اللّه اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيّين والمرسلين، واختار لي منهم أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، فجعلهم خير أصحابي كلّهم خير. و يروى في بعض الأخبار: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» إلى غير ذلك ممّا في معناه.(1)

يلاحظ على الاستدلال: أنّ الشاطبي أرسل هذه الروايات إرسالَ المسلّمات من دون أن يبحث عن أسانيدها وما جاء فيها من الطعون، ونحن أيضاً نتغافل عمّا حول الأسانيد من الضعف والنكارة ونركّز الأمر على المضامين.

أمّا الحديث الأوّل، أعني قوله: «فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهتدين...» فقد ذكر محقّق كتاب «الموافقات» أنّه قطعة من الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي ولم يصف السند بشيء، فهو قاصر عن إثبات عدالة عامّة الصحابة، فكيف حجّية أقوالهم ومذاهبهم، فإنّه يختص بالخلفاء الأربعة لا غير؟!

أضف إلى ذلك أنّ العمل بمضمونه مستحيل لاختلاف سيرة الخلفاء، وكيف يمكن أن يتعبّدنا الشارع بالمتناقضات من سيرتهم؟!

وهذا هو أبو بكر ساوى في توزيع الأموال الخراجية، وخالفه عمر حيث فاوت فيها; وكان أبو بكر يرى طلاق الثلاث واحداً، ورآه عمر ثلاثاً.

وأمّا الاختلاف بين سيرة الشيخين وعثمان فواضح جدّاً حتّى أنّ اختلافه معهما أودى بحياة الخليفة وأثار حفيظة المسلمين على خلافته فقتل في عقر داره.


1 . الموافقات:4/56، ط دار الكتب العلمية.


(273)

كما أنّ اختلاف سيرة علي مع عثمان، بل مع الجميع واضح لمن استقرأ التاريخ، فكيف يمكن للنبي أن يتعبّدنا بالعمل بالمتناقضات؟!

وأمّا الحديث الثاني، أعني قوله: «تفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ واحدة» فيكفي في نكارة الحديث:

أوّلاً: أنّ هذه الزيادة (ما أنا عليه وأصحابي) غير موجودة في بعض نصوص الرواية، ولا يصحّ أن يقال انّ الراوي ترك نقلها مع عدم الأهمية.

وثانياً: أنّ المعيار الوحيد للهلاك والنجاة هو شخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمّا أصحابه فلا يمكن أن يكونوا معياراً للهداية والنجاة إلاّ بقدر اهتدائهم واقتدائهم برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإلاّ فلو تخلّفوا عنه قليلاً أو كثيراً فلا يكون الاقتداء بهم موجباً للنجاة.

وعلى ذلك فعطف «أصحابي» على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يخلو من غرابة!!

وثالثاً: أنّ المراد إمّا صحابته كلّهم، أو الأكثرية الساحقة.

فالأوّل: مفروض العدم، لاختلاف الصحابة في مسالكهم ومشاربهم السياسية والدينية بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأدلّ دليل على ذلك ما وقع من الخلاف في السقيفة وبعدها في كثير من الأحكام والموضوعات.

والثاني: ممّا لا يلتزم به أهل السنّة، فإنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة خالفوا الخليفة الثالث، وقد قتله المصريون والكوفيون على مرآى ومسمع من بقية الصحابة، الذين كانوا بين مؤلِّب، أو مهاجم، أو ساكت.

وأمّا الحديث الثالث، أعني قوله: «أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلاّ به».

قال معلق كتاب «الموافقات»: رواه ابن قيّم الجوزية في «اعلام الموقعين»


(274)

عن ابن بطة باسنادين إلى عبد الرزاق، ثمّ بطرق أُخرى عن الحسن عنه، منها رواية البغوي. فلو افترضنا صحّة الحديث، فالحديث مجمل للغاية، لا يثبت شيئاً.

وأمّا الحديث الرابع، أعني «انّ اللّه اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيّين والمرسلين، واختار لي منهم أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، فجعلهم خير أصحابي كلّهم خير» فمع غض النظر عن سنده، فهو يناقض ما تضافر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من ارتداد كثير من أصحابه فكيف يمكن أن يكونوا كلّهم خيراً ؟!

روى البخاري عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «بينا أن قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت:وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثمّ إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم».(1)

وفي روايته الأُخرى عن سهل بن سعد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثمّ يحال بيني و بينهم»، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: اشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: «فأقول: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً لمن غير بعدي».(2)


1 . صحيح البخاري:8/121، باب في الحوض، الحديث6099.
2 . المصدر السابق.


(275)

وكأنّ هذه الأحاديث تفسر قوله سبحانه: (وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شَيئاً وسَيَجزي اللّه الشّاكرين).(1)

ولا يصحّ حملها على الأعراب المرتدّة لمكان قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«أعرفهم ويعرفوني».

وأمّا الحديث الخامس، أعني: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» فيكفي في ضعفه ما قاله ابن حزم في حقّه حيث قال: حديث موضوع مكذوب باطل، وقال أحمد: حديث لا يصحّ، وقال البزاز: لا يصحّ هذا الكلام عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .(2)

وقد نقل الشارح الحديدي عن النقيب أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي البصري أنّه قال: إنّ هذا الحديث: «أصحابي كالنجوم» من موضوعات متعصّبة الأموية، فإنّ لهم من ينصرهم بلسانه وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف.(3)

الدليل الثالث: أنّ جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل.

فقد جعل طائفة قول أبي بكر وعمر حجّة ودليلاً.

وبعضهم عدّ قول الخلفاء الأربعة دليلاً.

وبعضهم يعدّ قول الصحابة على الإطلاق حجّة ودليلاً. ولكلّ قول من هذه الأقوال متعلّق من السنّة.

و هذه الآراء ـ وإن ترجّح عند العلماء خلافها ـ ففيها تقوية تضاف إلى


1 . آل عمران:144.
2 . لاحظ تعليقة الموافقات:4/56.
3 . الشرح الحديدي:20/29، اقرأ نقد أبي جعفر النقيب، كلام الجويني، ص 12ـ 30.


(276)

أمر كلّي هو المعتمد في المسألة، وذلك أنّ السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمّة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قوّوها بذكر من ذهب إليها من الصحابة . وما ذاك إلاّ لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم، وقوة مآخذهم دون غيرهم، وكبر شأنهم في الشريعة، وأنّهم ممّا يجب متابعتهم وتقليدهم فضلاً عن النظر معهم فيما نظروا فيه.

وقد نقل عن الشافعي أنّ المجتهد قبل أن يجتهد لا يُمنع من تقليد الصحابة، ويمنع من غيره. و هو المنقول عنه في الصحابي:«كيف أتركُ الحديثَ لقول من لو عاصرتُه لحَجَجْتُه؟» ولكنّه مع ذلك يعرف لهم قدرهم.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المدّعى في هذا الدليل بطوله هوقوله: «إنّهم ممّا يجب متابعتهم وتقليدهم»، ولكن الدليل غير واف بإثباته ولا يلازمه، إذ غاية ما يثبته: انّ جمهور العلماء عند تعارض الأقاويل يرجّحون قول الشيخين أو الخلفاء الأربعة أو عامّة الصحابة، وأين الترجيح عند التعارض، من القول بحجّية آرائهم ومذاهبهم وسننهم مطلقاً، سواء كان هناك تعارض أو لا، وأنّه يجب على الخلف متابعة الصحابة وتقليدهم مطلقاً.

أضف إلى ذلك انّ أصل الدليل غير ثابت، إذ طالما خالف الخَلفُ، السلفَ، نعم لو اتّفقت الصحابة على أمر من الأُمور يكون حكمه، حكم سائر الإجماعات، وعندئذ لا تظهر خصوصية، لإجماعهم.

هذا وقد علّق على الدليل محقّق الكتاب وقال: فإن كان غرض المسألة وجوب الأخذ بسنّتهم التي اتّفقوا عليها، فذلك ما لا نزاع فيه، لأنّه أهمّ أنواع


1 . الموافقات:4/57.


(277)

الإجماع فليس من باب السنّة، وإن كان الغرض ما جرى العمل عليه في عهدهم، وإن لم يتّفقوا عليه، فهذا ليس بدليل شرعي يتقيّد به المجتهد.

وقد يقال: أنّه عند الاختلاف لا تخرج سنتهم عن كونها حجّة في نفسها كأخبار الآحاد والنصوص الظاهرة، وعلى هذا يكون سنّة قولاً وفعلاً في غير موضع الإجماع منهم، تعدّ سنّة كخبر الآحاد فيعوّّل عليها ويرجع إليها كحجّة ظنية. وهذا المعنى مأخوذ من كلام الآمدي في مذهب الصحابة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ قياس رأي الصحابة وسنّتهم، على خبر الواحد، قياس مع الفارق، فإنّ الثاني يروي عن المعصوم ويسنده إليه، فيدخل في باب السنّة المحكية بواسطة الثقة، بخلاف سنّة الصحابي، فهي مرددة بين النقل عن المعصوم، والاستنباط عن الكتاب والسنّة، ومع هذا التردد كيف يجوز للمجتهد أن يأخذ بها، إذ لو كان رأي الصحابي لا يكون حجّة عليه.

على أنّك قد عرفت أنّ الأصل في الظن هو عدم الحجّية، والشكّ فيها يساوق القطع بعدمها، فكيف يُؤخذ بهذا الظن مع عدم دليل دالّ عليه.

الدليل الرابع: ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبّتهم وذم ّمن أبغضهم، وانّ من أحبّهم فقد أحبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة والسلام، وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه أو حاوروه فقط، إذ لا مزية في ذلك، وإنّما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنّته، مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتّخذ قدوة، وتجعل سيرته قبلة، ولما بالغ مالك في هذا المعنى بالنسبة إلى الصحابة أو من اهتدى بهديهم واستنّ بسنّتهم جعله اللّه تعالى قدوة لغيره في ذلك، فقد كان المعاصرون لمالك يتبعون آثاره


1 . الموافقات:4/57، قسم التعليقة بتلخيص.


(278)

ويقتدون بأفعاله، ببركة اتّباعه لمن أثنى اللّه ورسوله عليهم وجعلهم قدوة، أو من اتّبعهم، ( رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون)(1).(2)

يلاحظ عليه: أنّ هذا الدليل، كسابقه ضعيف غايته: إذ مع غض النظر عمّا في أسانيد هذه الروايات انّ أقصى ما يدلّ عليه، هو تكريمهم وحرمة بغضهم، لأنّهم رأوا نور الوحي، وعاشوا معه في السراء والضرّاء، في الحرب والسلم، والشدة والرخاء، وأين هذا من حجّية آرائهم ومذاهبهم واجتهاداتهم، كمشرِّع يؤخذ بتشريعاته؟!

والعجب انّ الشاطبي يجعل الأمر بحب الصحابة دليلاً على حجّية آرائهم ومذاهبهم ـ مضافاً إلى حجّية أقوالهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فلماذا لم يأخذ شيئاً من أقوال أئمّة أهل البيت وآرائهم ومذاهبهم؟! مع تضافر النصوص على لزوم حبهم، قال سبحانه: ( قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَودَّةَ فِي الْقُربى).(3)

وأمّا النصوص فنقتصر من الكثير بالقليل:

1. «لا يؤمن عبد حتّى أكون أحب إليه من نفسه، وتكون عترتي أحبّ إليه من عترته، ويكون أهلي أحبّ إليه من أهله».

2. «إنّ لكلّ نبيّ عصبة ينتمون إليها إلاّ ولد فاطمة فأنا وليّهم وأنا عصبتهم وهم عترتي خلقوا من طينتي، ويل للمكذبين بفضلهم، من أحبهم أحبه اللّه، ومن أبغضهم أبغضه اللّه».


1 . المجادلة:22.
2 . الموافقات:4/58.
3 . الشورى:23.


(279)

3. انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد حسن وحسين، وقال: «من أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأُمهما كان معي في درجتي يوم القيامة».(1)

أيّ الفريقين أحقّ بالأمن؟

قد عرفت منزلة مذهب الصحابي ورأيه تحليلاً ونقداً، وتبيّن أنّ قول الصحابي إنّما يكون حجّة إذا أسنده إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأمّا لو وقف ولم يسنده، أو تبيّن أنّه رأيه ومذهبه وسنّته فلا قيمة له في عالم الاعتبار، ومع ذلك عرفت إصرار ابن قيم الجوزيّة والشاطبي على لزوم الأخذ ب آرائهم و مذاهبهم وإن كان نتيجة اجتهادهم واستنباطهم.

وهناك من يوافقهما من قدماء القوم.

1. أخرج السيوطي وقال: قال حاجب بن خليفة شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إنّ ما سنَّ رسولُ اللّه وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنّا نرجئه.

2. أخ(2)رج ابن سعد في طبقاته عن ثعلبة بن أبي مالك القرطبي انّه قال في محاضرته مع عبد الملك بن مروان :وليست سنّة أحبّ إليّ من سنّة عمر.(3)

3. يقول الشيخ أبو زهرة: لقد وجدناهم يأخذون (أي الفقهاء من أهل السنّة) جميعاً بفتوى الصحابي ولكن يختلفون في طريق الأخذ، فالشافعي كما يصرح في «الرسالة» يأخذ بفتواهم على أنّها اجتهاد منهم واجتهادهم أولى من


1 . لاحظ للوقوف على هذه الأحاديث ونظائرها الكثيرة، كتاب كنز العمال:ج10 و 12و 13.
2 . تاريخ الخلفاء:241، ط مصر.
3 . طبقات ابن سعد:5/172.


(280)

اجتهاده.

ووجدنا مالكاً يأخذ بفتواهم على أنّها من السنّة ويوازن بينها و بين الأخبار المروية ان تعارض الخبر مع فتوى صحابي، ثمّ يقول ما حاصله:

انّه اختلف في نظر أبي حنيفة وأبو الحسن الكرخي اعتبر أبو حنيفة الأخذ بفتوى الصحابي من قبيل الأخذ بالحديث والسنّة وأبو سعيد البراذعي يجعل أبا حنيفة مثل الشافعي، وأمّا أحمد بن حنبل فنراه يقدم الحديث الصحيح على فتوى الصحابي ويأخذ بكلّ فتاوى الصحابة كما نجده يقدّم فتوى الصحابي على الحديث المرسل. ويلخّص أبو زهرة رأي أحمد: انّ فتاوى الصحابة سّنة ولكنّها سنّة بعد الحديث الصحيح وحيث لا تصح سنّة غير أقوالهم.(1)

فإذا دار الأمر بين الأخذ بهذه السنن والآراء التي هي نتاج الاجتهاد والاستنباط دون الاستناد إلى قول الرسول وفعله وتقريره، وبين الأخذ بأقوال أئمّة أهل البيت الذين يروون عن آبائهم فأجدادهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأيّهما أولى وأحق بالأخذ؟

1. فهذا هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيرهما قالا: سمعنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وحديث أمير المؤمنين (عليه السلام) حديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قول اللّه عزّ وجلّ».(2)

2. روى جابر قال: قلت لأبي جعفر (الباقر (عليه السلام) ) :إذا حدثتني بحديث


1 . بحوث مع أهل السنة والسلفية:234.
2 . الكافي:1/53، الحديث14.


(281)

فأسنده لي.

فقال: «حدّثني أبي، عن جدّي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، عن جبرئيل (عليه السلام) ، عن اللّه عزّ وجلّ، وكلّما أحدّثك بهذا الاسناد».

فقال: يا جابر لحديث واحد تأخذه عن صادق خير لك من الدنيا وما فيها.(1)

3. وهذا عنبسة قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسألة فأجابه فيها، إلى أن قال: «مهما أجبتك بشيء فهو عن رسول اللّه لسنا نقول برأينا من شيء».

4. وفي رواية لجابر عن أبي جعفر قال: «يا جابر انّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه». إلى غير ذلك من الروايات.(2)

(فَأَيُّ الْفَريقَينِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).(3)

رؤيا الصحابي والتشريع

قد وقفت على أنّ التشريع الإلهي أعلى وأجلّ من أن تناله يد الاجتهاد، فالتشريع فيض إلهي جار من ينبوع فياض لا يشوبه خطأ ولا وهم ولا ظن ولا خرص ولا تخمين، والنبي هو المبيّـن للتشريع، وليس بمجتهد فيه يضرب الآراء بعضها ببعض كي يصل إلى حكم اللّه سبحانه.

وأسوأ من ذلك أن تكون رؤيا الصحابة أو تصويبهم مصدراً للتشريع، ومع


1 . أمالي المفيد:42.
2 . لاحظ كتاب جامع أحاديث الشيعة:1، الباب الرابع من أبواب المقدّمات وما هو الحجّة في الفقه:181ـ 183 وقد أخذنا بالقليل من الكثير.
3 . الأنعام:81.


(282)

الأسف نرى نماذج كثيرة منها مروية في الصحاح والمسانيد، فلنقتصر على ذكر نموذجين على سبيل المثال:

1. اهتم النبي للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القبع ـ يعني الشبور ـ قال زياد: شبور اليهود، فلم يُعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود.

قال: فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى.

فانصرف عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه وهو مهتم لهمِّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأُري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره، فقال له: يا رسول اللّه، إنّي لبين نائم ويقظـان، إذ أتاني آت فأراني الأذان.

قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوماً، ثمّ أخبر النبي به، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد، فاستحييت.

فقال رسول اللّه: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فافعله، قال: فأذّن بلال، قال أبو بشر: فأخبرني أبو عمير أنّ الأنصار تزعم أنّ عبد اللّه بن زيد لولا انّه كان يومئذ مريضاً لجعله رسول اللّه مؤذناً.(1)

إنّ هذه الرواية وما شاكلها لا تتفق مع مقام النبوة، لأنّه سبحانه بعث رسوله لإقامة الصلاة مع المؤمنين في أوقات مختلفة، وطبيعة الحال تستدعي أن


1 . سنن أبي داود:1/134ـ135 برقم 498ـ 499، تحقيق محمد محيي الدين.لاحظ سنن ابن ماجة: 1/232ـ 233، باب بدء الأذان برقم 706ـ 707; سنن الترمذي: 1/358، باب ما جاء في بدء الأذان برقم 189.


(283)

يعلّمه سبحانه كيفية تحقّق هذه الأُمنية، فلا معنى لتحيّر النبي أياماً طويلة، وهو لا يدري كيف يحقّق المسؤولية الملقاة على عاتقه!!

إنّ الصلاة والصيام من الأُمور العبادية وليست من الأُمور الطبيعية العادية حتى يشاور النبي فيها أصحابه، أوليس من الوهن في أمر الدين أن تكون رؤيا وأحلام أشخاص عاديّين مصدراً لأمر عبادي في غاية الأهمية كالأذان والإقامة؟!

إنّ هذا يدفعنا إلى القول بأنّ الرؤيا كانت مصدراً للأذان أمر مكذوب ومجعول على الشريعة، وانّ الكذّابين المنتمين إلى بيت عبد اللّه بن زيد هم الذين أشاعوا هذه الأُكذوبة طلباً لعلو المنزلة والجاه.

إنّ البحث عن اسناد الروايات الواردة في هذا الموضوع وما فيها من التناقضات لا يناسب وضع كتابنا هذا.

2. روى الإمام أحمد أنّ الصحابة «كانوا يأتون الصلاة، وقد سبقهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل إن جاءكم صلى، فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصلّيها، ثمّ يدخل مع القوم في صلاتهم.

قال: فجاء معاذ، فقال: لا أجده على حال أبداً إلاّ كنت عليها، ثمّ قضيت ما سبقني.

قال: فجاء وقد سبقه النبي ببعضها، قال: فثبت معه، فلمّا قضى رسولاللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاته قام فقضى.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : قد سنَّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوا.(1)


1 . مسند أحمد : 5/246.


(284)

قد سبق انّ الصلاة عبادة إلهية وليس في الإسلام عبادة أعظم منها، فكيف تخضع لسنّة صحابي مقطوع عن الوحي، وقد سنَّ شيئاً اعتباطياً دون أن يستأذن من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان عمله أشبه بالبدعة وإدخال شيء في الدين مالم يأذن به اللّه؟! ومعاذ أجلّ من أن لا يعرف حد البدعة والسنّة ويدخل في الصلاة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سبقه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ يقضي ما فاته.

وأنت إذا تصفّحت الصحاح والمسانيد تعثر على نماذج كثيرة لهذا النوع من التشريع.


(285)

7
إجماع أهل المدينة

قد نقل أنّ مالك بن أنس اعتمد في فقهه على أحد عشر دليلاً:

1. القرآن، 2. السنّة، 3. الإجماع، 4. إجماع أهل المدينة، 5. القياس، 6.قول الصحابي، 7. المصلحة المرسلة، 8. العرف والعادة، 9. سدّ الذرائع، 10. الاستصحاب، 11. الاستحسان.

غير أنّ الشاطبي في «الموافقات» أرجع هذه الأدلّة إلى أربعة، وهي: الكتاب والسنّة والإجماع والرأي، فإنّ إجماع أهل المدينة وقول الصحابي كاشفان عن السنّة فهما من شعبها، والخمسة الباقية من شعب الرأي ومن وجوهه.

وعلى كلّ تقدير فقد ذهب مالك إلى حجّية اتّفاق أهل المدينة قائلاً: بأنّ المدينة دار الهجرة، وبها نزل القرآن وأقام رسول اللّه وأقام صحابته، وأهل المدينة أعرف الناس بالتنزيل وبما كان من بيان رسول اللّه للوحي، وهذه ميزات ليست لغيرهم، وعلى هذا فالحقّ لا يخرج عمّا يذهبون إليه، فيكون عملهم حجّة يقدّم على القياس وخبر الواحد.

وقد أوجد مشربه هذا ضجة كبيرة بين معاصريه، فردّ عليه فقيه عصره اللّيث


(286)

ابن سعد في رسالة مفصّلة نقد فيها قسماً من آراء مالك التي أفتى بها نظراً لاتّفاق أهل المدينة عليها وإن كان موضع خلاف بينهم وبين من خرجوا من دار الهجرة إلى غيرها من أمصار الإسلام.

وقد نقل الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي(المتوفّى277هـ) في كتاب «المعرفة والتاريخ» رسالة الل(1)يث بن سعد إلى مالك بن أنس .

ولمّا وصلت رسالة الليث إلى مالك ردّ عليها وكتب رسالة نقلها القاضي عياض (المتوفّـى 544هـ) في كتابه «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة اعلام مذهب مالك» وحيث إنّ هذه الرسالة موجزة ننقلها بنصها، وكان الأحرى أن ننقل رسالة الليث أيضاً، لكن إسهابها عاقنا عن إثباتها بنصّها:

رسالة مالك إلى الليث بن سعد

من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد.

سلام عليكم!

فإنّي أحمد اللّه إليك الذي لا إله إلاّهو. أمّا بعد عصمنا اللّه وإيّاك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإيّاك من كلّ مكروه. اعلم رحمك اللّه أنّه بلغني أنّك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتّباعه، فإنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: (وَ السّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالأَنْصار) (2) الآية. وقال تعالى: (فَبَشِّرْ عَبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ


1 . المعرفة والتاريخ:1/687ـ 697.
2 . التوبة: 100.


(287)

أَحْسَنَهُ) (1) الآية.

فإنّما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأحلّ الحلال وحرّم الحرام، إذ رسول اللّه بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسنّ لهم فيتّبعونه، حتى توفّاه اللّه، واختار له ما عنده صلوات اللّه عليه ورحمته وبركاته. ثمّ قام من بعده أتبع الناس له من أُمّته ممّن ولي الأمر من بعده، فما نزل بهم ممّا علموا أنفذوه، ومالم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثمّ أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف أو قال امرؤ غيره أقوى منه أو أولى، ترك قوله وعمل بغيره.

ثمّ كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادّعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منّا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم.

فانظر رحمك اللّه فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أنّي أرجو أن لا يكون دعاني إلى ما كتبت به إليك إلاّالنصيحة للّه تعالى وحده، والنظر لك والضن بك، فانزل كتابي منك منزلته، فإنّك إن فعلت تعلم أنّي لم آلك نصحاً. وفقنا اللّه وإيّاك لطاعته وطاعة رسوله في كلّ أمر وعلى كلّ حال. والسلام عليك ورحمة اللّه، وكتب يوم الأحد لتسع مضين من صفر.(2)


1 . الزمر: 17 ـ 18.
2 . ترتيب المدارك: 1/64ـ65.


(288)

ردّ ابن حزم على رسالة مالك

ولم تكن رسالة مالك إلى الليث مقنعة لمن أتى بعده، فقد رد عليه ابن حزم الظاهري قائلاً في إبطال قول من قال: الإجماع هو إجماع أهل المدينة، فإنّ هذا قول لهج به المالكيون قديماً وحديثاً، وهو في غاية الفساد، لأنّ قولهم: إنّ أهل المدينة أعلم بأحكام رسول اللّه من سواهم، كذب وباطل، وإنّما الحقّ انّ أصحاب رسول اللّه وهم العالمون بأحكامه، سواء بقى منهم من بقى بالمدينة، أو خرج منهم من خرج لم يزد(1) الباقي بالمدينة بقاءه فيها درجة في علمه وفضله ولا حطّ(2) الخارج منهم عن المدينة خروجه عنها درجة من علمه وفضله.

وأمّا قولهم: شهدوا آخر حكمه وعلموا ما نسخ ممّا لم ينسخ، فتمويه فاحش وكذب ظاهر، بل الخارجون من الصحابة عن المدينة شهدوا من ذلك كالذي شهده المقيم لها منهم سواء، كعلي وابن مسعود وأنس وغيرهم، والكذب عار في الدنيا ونار في الآخرة.

فظهر فساد كلّ ما موّهوا به، وبنوه على هذا الأصل الفاسد، وأسموه بهذا الأساس المنهار.(3)

رد الآمدي على رسالة مالك

وردّ عليه الإمام الآمدي أيضاً بقوله: اتّفق الأكثرون على أنّ إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجّة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافاً


1 . في المطبوع: لم يرد، وهو تصحيف.
2 . في المطبوع: لاحظ، وهو تصحيف.
3 . الإحكام: 4/586ـ587.و لكلامه صلة، فراجع.


(289)

لمالك، فإنّه قال: يكون حجّة.

ومن أصحابه من قال: إنّما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم.

ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفته.

ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

والمختار مذهب الأكثرين، وذلك انّ الأدلّة الدالّة على أنّ الإجماع حجّة، ليست ناظرة إلى أهل المدينة دون سواهم لا سيما وانّهم لا يشكلّون كلّ الأُمة، فلا يكون إجماعهم حجة.

ثمّ ذكر من نصر مذهب مالك بالنص والعقل، وذكر من الثاني ثلاثة أوجه، ثمّ أخذ بالرد على جميع الوجوه، وخرج بالنتيجة التالية:

لا يكون إجماع أهل الحرمين: مكة والمدينة، والمصرين: الكوفة والبصرة، حجّة على مخالفيهم، وإن خالف فيه قوم لما ذكرناه من الدليل.(1)

نظرنا في الموضوع

إنّ اتّفاق أهل المدينة على حكم شرعي ليس بأقوى من إجماع علماء عصر واحد على حكم شرعي، فكما أنّ الثاني لا يكون حجّة على المجتهد ولا يمكن أن يستدلّ به على الحكم الشرعي، فهكذا اتّفاق أهل المدينة خاصة انّ عنصر الاتّفاق تم على تقليد بعضهم البعض، فالاحتجاج بهذا الاتفاق ونسبته إلى الشارع بدعة وإفتاء بما لم يعلم أنّه من دين اللّه.

نعم لو كان اتفاقهم ملازماً لإصابة الواقع خاصة في العصور الأُولى،


1 . الإحكام في أُصول الأحكام: 1/302ـ 305.


(290)

فيؤخذ به لحصول العلم، وأنّى للمجتهد إثبات تلك الملازمة، أو لو كشف اتّفاقهم عن وجود دليل معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا يمكن أن يحتج به.

وحصيلة البحث: أنّ اتّفاق أهل المدينة أو اتّفاق المصرين: الكوفة والبصرة رهن وجود الملازمة العادية بين الاتّفاق وإصابته للواقع، أو بين الاتّفاق ووجود دليل معتبر وإلاّ فلا قيمة لاتّفاق غير المعصوم قليلاً كان أو كثيراً.

***


(291)

8
إجماع العترة (1)

كلّ من كتب في تاريخ الفقه الإسلامي وتعرض لمنابع الفقه والأحكام غفل عن ذكر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وحجّية أقوالهم فضلاً عن حجّية اتّفاقهم، وذلك بعين اللّه بخس لحقوقهم، وحيث إنّ المقام يقتضي الاختصار نستعرض المهم من الأدلّة الدالّة على حجّية أقوالهم فضلاً عن اتّفاقهم على حكم من الأحكام، كقوله سبحانه:(إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).(2)

والاستدلال بالآية على عصمة أهل البيت وبالتالي حجية أقوالهم رهن أُمور:

الأوّل: الإرادة في الآية إرادة تكوينية لا تشريعية، والفرق بين الإرادتين واضحة، فإنّ إرادة التطهير بصورة التقنين تعلّقت بعامّة المكلّفين من غير اختصاص بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) كما قال سبحانه: (وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) .(3)


1 . وهو نفس تعبير الطوفي في رسالته. وإلاّ فالحجّة عندنا قول أحد العترة فضلاً عن إجماعهم.
2 . الأحزاب: 33.
3 . المائدة: 6.


(292)

فلو كانت الإرادة المشار إليها في الآية إرادة تشريعية لما كان للتخصيص والحصر وجه مع أنّا نجد فيها تخصيصاً بوجوه خمسة:

أ: بدأ قوله سبحانه بحرف (إِنَّما) المفيدة للحصر.

ب: قدّم الظرف (عَنْكُم) وقال: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) ولم يقل ليذهب الرجس عنكم لأجل التخصيص.

ج: بيّن من تعلّقت إرادته بتطهيرهم بصيغة الاختصاص، وقال: (أَهلَ الْبَيْتِ) أي أخصّكم.

د: أكد المطلوب بتكرير الفعل، وقال: (وَيُطَهِّرَكُمْ) تأكيداً (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْس) .

هـ: أرفقه بالمفعول المطلق، وقال: (تَطْهِيراً) .

كلّ ذلك يؤكد أنّ الإرادة التي تعلّقت بتطهير أهل البيت غير الإرادة التي تعلّقت بعامة المكلّفين.

ونرى مثل هذا التخصيص في مريم البتول قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمين).(1)

الثاني: المراد من الرجس كل قذارة باطنية ونفسية، كالشرك، والنفاق، وفقد الإيمان، ومساوئ الأخلاق، والصفات السيئة، والأفعال القبيحة التي يجمعها الكفر والنفاق والعصيان، فالرجس بهذا المعنى أذهبه اللّه عن أهل البيت، ولا شكّ انّ المنزّه عن الرجس بهذا المعنى يكون معصوماً من الذنب بإرادة منه سبحانه، كيف وقد ربّاهم اللّه سبحانه وجعلهم هداة للأُمة كما بعث أنبياءه ورسله لتلك الغاية.


1 . آل عمران: 42.


(293)

الثالث: المراد من أهل البيت هو علي وفاطمة وأولادهما، لأنّ أهل البيت وإن كان يطلق على النساء والزوجات بلا شك، كقوله سبحانه: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْت).(1) ولكن دلّ الدليل القاطع على أنّ المراد في الآية غير نساء النبي وأزواجه وذلك بوجهين:

أ: نجد انّه سبحانه عندما يتحدّث عن أزواج النبي يذكرهن بصيغة جمع المؤنث ولا يذكرهن بصيغة الجمع المذكر، فإنّه سبحانه أتى في تلك السورة (الأحزاب) من الآية 28 إلى الآية 34 باثنين وعشرين ضميراً مؤنثاً مخاطباً بها نساء النبي، وإليك الإيعاز بها:

1. كُنْتُنّ، 2. تُرِدْنَ، 3. تَعالَيْنَ، 4. أُمتّعكُنّ، 5. أُسرّحْكُنَّ.(2)

6. كُنْتُنَّ، 7. تُرِدْنَ، 8. مِنْكُنَّ.(3)

9. مِنْكُنَّ.(4)

10. مِنْكُنَّ.(5)

11. لَسْتُنَّ، 12. إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، 13. فَلا تَخْضَعْنَ، 14. قُلْنَ.(6)

15. قَرنَ، 16. فِي بُيُوتِكُنَّ، 17. تَبَرَّجْنَ، 18. أَقِمْنَ، 19. آتِينَ، 20. أَطِعْنَ اللّهَ.(7)

21. اذكُرْنَ، 22. في بُيُوتِكُنَّ.(8)

وفي الوقت نفسه عندما يذكر أئمة أهل البيت في آخر الآية 33 يأتي بضمائر


1 . هود: 73.
2 . الأحزاب: 28.
3 . الأحزاب: 29.
4 . الأحزاب: 30.
5 . الأحزاب: 31.
6 . الأحزاب: 32.
7 . الأحزاب: 33.
8 . الأحزاب: 34.


(294)

مذكّرة ويقول: (ليذهب عنكم... ويطهّركم) فإنّ هذا العدول دليل على أنّ الذكر الحكيم انتقل من موضوع إلى موضوع آخر، أي من نساء النبي إلى أهل بيته، فلابدّ أن يكون المراد منه غير نسائه.

ب: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أماط الستر عن وجه الحقيقة، فقد صرّح بأسماء من نزلت الآية بحقّهم حتى يتعيّن المنظور منه باسمه ورسمه ولم يكتف بذلك، بل أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء ومنع من دخول غيرهم.

ولم يقتصر على هذين الأمرين (ذكر الأسماء وجعل الجميع تحت كساء واحد) بل كان كلّما يمرّ ببيت فاطمة إلى ثمانية أشهر يقول: الصلاة، أهل البيت (إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ


(295)

الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً) .

وقد تضافرت الروايات على ذلك، ولولا خوف الإطناب لأتينا بكلِّ ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن نذكر من كلّ طائفة نموذج.

أمّا الطائفة الأُولى: أخرج الطبري في تفسير الآية عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نزلت الآية في خمسة: فيّ وفي علي (رضي الله عنه)وحسن (رضي الله عنه)، وحسين (رضي الله عنه)، وفاطمة رضي اللّه عنها، (إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً) .

وقد رويت روايات كثيرة في هذا المجال، فمن أراد فليرجع إلى تفسير الطبري والدر المنثور للسيوطي.

وأمّا الطائفة الثانية: فقد روى السيوطي وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: خرج رسول اللّه غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين رضي اللّه عنهما فأدخلهما معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه، ثمّ قال: (إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيت ويُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً) .

ولو لم تذكر فاطمة في هذا الحديث، فقد جاء في حديث آخر، حيث روى السيوطي، قال: واخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد، قال: نزل على رسول اللّه الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه، قال: اللّهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي.

وفي حديث آخر جاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى فاطمة ومعه حسن وحسين، وعلي حتى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثمّ تلا هذه الآية: (إِنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً) .

وأمّا الطائفة الثالثة: فقد أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت (إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُم تَطهيراً) . (1)

والروايات تربو على أربع وثلاثين رواية، رواها من عيون الصحابة: أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، ابن عباس، أبو هريرة الدوسي، سعد بن أبي وقاص، واثلة بن الأسقع، أبو الحمراء، أعني: هلال بن حارث، وأُمهات المؤمنين: عائشة وأُمّ سلمة.(2)

فعلى ضوء هذا فأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) معصومون من الذنب، قولاً وفعلاً فيكون قولهم كاتفاقهم حجّة وإن غاب هذا الأمر عن أكثر إخواننا أهل السنّة.


1 . وللوقوف على مصادر هذه الروايات لاحظ: تفسير الطبري:22/5ـ7، والدر المنثور: 5/198ـ 199.
2 . ورواه مسلم في صحيحه: 7/122ـ123.ولاحظ جامع الأُصول لابن الأثير: 10/103.


(296)

نعم قد عدّ نجم الدين الطوفي (المتوفّـى 716هـ) إجماع العترة الطاهرة من مصادر التشريع الإسلامي كما أنهاها إلى 19 مصدراً، وإليك رؤوسها:

1. الكتاب.

2. السنّة.

3. إجماع الأُمّة.

4. إجماع أهل المدينة.

5. القياس.

6. قول الصحابي.

7. المصلحة المرسلة.

8. الاستصحاب.

9. البراءة الشرعية.

10. العوائد.

11. الاستقراء.

12. سد الذرائع.

13. الاستدلال.

14. الاستحسان.

15. الأخذ بالأخف.

16. العصمة.

17. إجماع أهل الكوفة.

18. إجماع العترة.

19. إجماع الخلفاء الأربعة.(1)

ولا يخفى انّ بعضها متّفق عليه وبعضها مختلف فيه، وأنّ كثيراً ممّا عدّه من مصادر التشريع قابل للإدغام في البعض الآخر، كما مرّ في بعض الفصول.

إلى هنا قد تمّ الضوابط التي يرجع إليها فقهاء السنّة في الموضوعات التي لم يرد فيها نصّ وقد عرفت موقفنا منها وهي بين مرفوضة ومقبولة.

بقي هنا أصلان عليهما الفريقان وإن اختلفا في بعض الخصوصيات، ألا وهما:

1. دور العرف والسيرة العقلية فيما لا نصّ فيه.

2. مقاصد الشريعة وأهدافها.

وهذا ما دعاني للبحث فيهما وجعلهما خاتمة المطاف.


1 . رسالة الطوفي، نشرها الأُستاذ عبد الوهاب خلاف في مصادر التشريع الإسلامي فيما يرجع إلى المقام، ص 109.


(297)

خاتمة المطاف

1. دور العرف وسيرة العقلاء فيما لا نصّ فيه

2. مقاصد الشريعة العامة


(298)


(299)

1
دور العرف وسيرة العقلاء
فيما لا نصّ فيه

العرف والسيرة والعادة وبناء العقلاء ، أسماء أربعة تهدف إلى معنى واحد، وهي ألفاظ كثيرة الدوران على ألسنة الفقهاء، وربّما يعتمد عليها القضاة في فصل الخصومات، كما يعتمد عليها الفقهاء في تبيين المفاهيم وتمييز المصاديق، وأحياناً في استنباط الأحكام ونحن نستخدم كلمة العرف تارة والسيرة أُخرى.

وهل العرف، حجّة شرعية يُستنبط منه حكم كلّي شرعي كسائر المسائل الأُصولية ويصبح البحث عن حجّيته بحثاً أُصولياً كالبحث عن حجّية خبر الواحد، أو لا؟ فسنرجع إليه عند بيان مجالاته.

وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً تسلّط الضوء على المقصود:


(300)

1
تقديم أُمور

1. لقد حاول بعض المعاصرين إلغاء الأحكام الشرعيّة الواردة في الأصعدة المختلفة بإحلال ما عليه العرف العام مكانها، وهؤلاء هم المنكرون لخاتميّة الإسلام، وأنّ تشريعاته كانت تشريعاً مؤقّتاً إلى أن يبلغ المجتمع درجة من الرقي يستغني بها عن تشريع السماء، وخطابنا في هذه الرسالة غير موجّه إليهم، وإنمّا نحن نتكلّم مع من يحترم تشريع الإسلام في عامّة الأصعدة غير أنّه يتخذ العرف طريقاً لاستنباط الحكم الشرعي أو العمل به فيما لا نصّ فيه كما يظهر ذلك في ثنايا الرسالة.

2. إنّ للعرف دوراً واضحاً في فهم الأحكام الشرعية في مختلف المجالات ولكنّ فقهاءنا لم يفتحوا له باباً ولم يخصّوا له فصلاً وإنّما أشاروا إلى ما له من دور في مناسبات مختلفة في شتّى الأبواب، وهذا ما صار سبباً لتعطش طلاب الحوزة إلى معرفة مكانته ودوره في الاستنباط، ولقد كتبنا في ذلك في مقدّمة موسوعة طبقات الفقهاء ـ القسم الأوّل ـ كما طرحناه على وجه الإيجاز في الجزء الثاني من كتاب «الوسيط في أُصول الفقه»، ولكن الموضوع بحاجة إلى تفصيل أكثر.


(301)

3. ويكفي في الإشارة إلى أهميّة الفهم العرفي أنّ القرآن الكريم قد أنزل بلسان قوم النبي وقال سبحانه: (ما أَرسَلْنا مِنْ رَسُول إِلاّ بِلِسانِ قَومِهِ لِيُبيّن لَهُم...)(1) ، فنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وهو كتاب عالمي حجّة على الناس على ضوء ما يدركه العربي الصميم في عصر النزول، فالخطابات القرآنية حجّة للأجيال المتأخّرة على نفس القياس.

ويكفي في أهمية الموضوع أنّ قسماً من الخلافات بين الفقهاء يرجع إلى الاختلاف في ما هو المفهوم من الكتاب والسنّة عند العرف.

يقول الإمام الخميني في بيان شرائط الاجتهاد: «الأنس بالمحاورات العرفية، وفهم الموضوعات العرفية ممّا جرت محاورة الكتاب والسنّة على طبقها والاحتراز عن الخلط بين دقائق العلوم والعقليات الرقيقة، وبين المعاني العرفية العادية، فإنّه كثيراً ما يقع الخطأ لأجله كما يتّفق كثيراً لبعض المشتغلين بدقائق العلوم الخلط بين المعاني العرفية السوقية الرائجة بين أهل المحاورة المبني عليها الكتاب والسنّة والدقائق الخارجة عن فهم العرف».(2)

ولذلك يجب على المجتهد في فهم المفردات والجمل التركيبية الرجوع إلى المعاجم الأصلية التي تذكر معاني الألفاظ ومقاصد التراكيب في عصر النزول، وممّا لا شكّ فيه طروء التطور على كثير من المفاهيم عبر القرون الغابرة وهكذا مفاد الهيئات التركيبيّة.

4. ذكروا للعرف تعاريف مختلفة، ولعلّ أفضلها ما ذكره الأُستاذ عبد الوهاب خلاّف: «العرف ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو


1 . إبراهيم:4.
2 . الرسائل للإمام الخميني: 2/96.


(302)

ترك».(1)

وإن شئت قلت: العرف عبارة عن كلّ ما اعتاده الناس وساروا عليه من فعل شاع بينهم أو قول تعارفوا عليه.

5. الفرق بينه و بين الإجماع هو انّه يشترط في الإجماع الاتّفاق في المسائل الولائيّة كالإمامة أو اتّفاق المجتهدين في المسائل الفقهية، بخلاف العرف فيكفي فيه الأكثرية الساحقة، ولا يشترط فيه الاجتهاد، بل القارئ والأُمّي فيه سواء.

6. ينقسم العرف إلى: عام، وخاص.

والمراد من الأوّل: ما يشترك فيه أغلب الناس على اختلاف بيئاتهم وظروفهم وثقافاتهم، كرجوع الجاهل إلى العالم.

والثاني: ما يشترك فيه فئة من الناس في مكان أو زمان معيّن، وهذا ما يعبّر عنه بالآداب والرسوم المحلّية.

7. ينقسم العرف إلى: عملي كبيع المعاطاة في أغلب البيئات، وقوليّ كلفظ الولد حيث يستعمل عند العراقيين في الذكر دون الأُنثى خلافاً لقوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْن)(2)، فلو وقف الواقف مزرعة على الأولاد فلا يتبادر عندهم إلاّ الذكور منهم.

8. ينقسم العرف إلى: صحيح، وفاسد.

والمراد من الأوّل: ما لا ينافي عمومات الكتاب والسنّة ولا سائر الأدلّة، كتأجيل بعض المهر وتعجيل البعض الآخر.

والمراد من الثاني: ما يخالف الحكم الشرعي، كالعقود الربوية واختلاط


1 . علم أُصول الفقه: 99.
2 . النساء:11.


(303)

النساء بالرجال في مجالس اللهو.

قد قام التشريع الإلهي بردّ بعض الأعراف من رأس كالبيع الربوي والغرري انطلاقاً من قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن قائلاً:«وأمِتْ أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام».(1) كما قام بإقرار بعض العادات والأعراف دون أن يتصرّف فيها إلاّ بشيء بسيط، كالنكاح والطلاق والبيع والإجارة والرهن.

9. إنّما يعتبر العرف عنصراً في الشرع إذا لم يكن في مجراه حكم شرعي. وبتعبير آخر: يكون المورد، منطقة فراغ، وإلاّ فلو كان هناك حكم شرعي فلا يكون العرف مورداً للاعتماد.

10. إنّ مصب البحث هو صيرورة العرف مصدراً لاستنباط الحكم الشرعي الكلّي، كخبر الواحد والإجماع المنقول والشهرة على القول بحجّيتها، وإلاّ فمجرد كونه ممّا يرجع إليه الفقيه في تبيين المفاهيم أو تمييز المصاديق أو القاضي في القضاء وفصل الخصومات لا يكون سبباً لعدّه من المسائل الأُصولية .


1 . من كلمات الرسول في خطابه التاريخي في حجة الوداع، ولقد نقله الفريقان باختلاف يسير، ولعلّ ما نقله ابن شعبة الحراني في «تحف العقول»:25 أفضل وأجمع ممّا نقله ابن هشام في سيرته.


(304)

2
دور العرف في فهم المقاصد

إذا عرفت هذه الأُمور فاعلم أنّ للعرف أو السيرة مجالات يعتمد عليها الفقيه أو القاضي في مختلف الموارد نأتي بها واحداً بعد الآخر:

1. الرجوع إلى عرف أهل اللغة

العرف هو المرجع في فهم اللغة وتشخيص معاني الألفاظ وما وضعت له، وقد أُلّفت معاجم اللغة من عصر الخليل (المتوفّـى170هـ) إلى يومنا هذا على ضوء الرجوع إلى أهل اللغة، وقد حقّقنا في محلّه، انّ تنصيص أهل اللغة حجّة تحت شرائط خاصة، ليس المقام مناسباً لبيانها.

2. الرجوع إلى العرف في رفع الإجمال

1. إذا وقع البيع والإجارة وماشابههما موضوعاً للحكم الشرعي ثمّ شكّ في مدخلية شيء في صدقه أو صحّته أو مانعيته شرعاً فالصحة عند العرف دليل على أنّه هو الموضوع عند الشرع.

إذ لو كان المعتبر غير البيع بمعناه العرفي لما صحّ من الشارع إهماله مع تبادر غيره وكمال اهتمامه ببيان الجزئيات من المندوبات والمكروهات، إذ يكون


(305)

تركه إغراء بالجهل، وهو لا يجوز.

وبهذا تحلّ المشكلة المعروفة في التمسّك بالعمومات والإطلاقات في أبواب المعاملات، حيث يتمسّك بإطلاق: (أحلّ اللّه البيع) أو عموم قوله: (أَوفوا بالعقود) عند الشكّ في الجزئية والشرطية، وعندئذ يستشكل بأنّه إذا كانت ألفاظ المعاملات أسماء للصحيح منها ، فمرجع الشكّ في الشرطية والجزئية، إلى الشكّ في صدق الموضوع، فيكون المورد من قبيل التمسّك بالعام أو المطلق في الشبهة المصداقية لهما.

ويجاب بأنّه إذا كان مفهوم البيع عند العرف أوسع من الواجد للجزء أو الشرط المشكوك وجوبهما، نستكشف من ذلك، كونه كذلك عند الشرع، فالصحيح عرفاً يكون طريقاً إلى ما هو الصحيح شرعاً إلاّ إذا قام الدليل على الخلاف. وممّن صرّح بذلك الشيخ الأنصاري في أوّل المتاجر بعد الفراغ من تعريف البيع قال: إذا قلنا بأنّ أسماء المعاملات موضوعة للصحيح عند الشارع، فإذا شككنا في صحّة بيع أو إجارة أو رهن يصحّ لنا أن نستكشف ما هو الصحيح عند الشارع ممّا هو الصحيح عند العرف، بأن يكون الصحيح عند العرف طريقاً إلى ما هو الصحيح عند الشارع إلاّما خرج بالدليل.(1)

2. لو افترضنا الإجمال في مفهوم الغبن أو العيب في المبيع فيحال في تحديدهما إلى العرف.

قال المحقّق الأردبيلي: قد تقرر في الشرع انّ ما لم يثبت له الوضع الشرعي يحال إلى العرف جرياً على العادة المعهودة من ردّالناس إلى عرفهم.(2)


1 . المتاجر:80، ط تبريز.
2 . مجمع الفائدة والبرهان:8/304.


(306)

3. لو افترضنا الإجمال في حدّالغناء، فالمرجع هو العرف، فكلّ ما يسمّى بالغناء عرفاً فهو حرام وإن لم يشتمل على الترجيع ولا على الطرب.

4. «الإحياء» ورد في الشرع مطلقاً من غير تفسير كقوله: «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له»(1) ، فلابدّ فيه من الرجوع إلى العرف والتعويل على ما يسمّى في العرف «احياء».(2)

5. وقد ورد لفظ «المؤونة» في قوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المؤونة»(3) ، ومفهوم «العيال» في وجوب الفطرة وغيره(4)، فالمرجع في تفسير هذه المفاهيم هو العرف، كما أنّ المرجع في تفسير الاستحالة والانقلاب هو العرف، فإنّ الاستحالة هي إحدى المطهرات، كاستحالة الكلب ملحاً، أو انقلاب الخمر خلاً، فالتشخيص في تعيين ذينك المفهومين على عاتق العرف.

يقول صاحب مفتاح الكرامة: المستفاد من قواعدهم حمل الألفاظ الواردة في الأخبار على عرفهم، فما علم حاله في عرفهم جرى الحكم بذلك عليه، وما لم يعلم يرجع فيه إلى العرف العام كما بيّن في الأُصول.(5)

يقول الإمام الخميني (رحمه الله) : أمّا الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع والعنـوان فصحيح لا محيص عنـه إذا كـان الموضـوع مأخـوذاً فـي دليـل لفظي أو معقد الإجماع.(6)والشاهد في قوله:«والعنوان». وكان الأولى أن يقول: «وتحديد العنوان».


1 . الوسائل:17، الباب 1 من كتاب الإحياء، الحديث5.
2 . كفاية الأحكام:241.
3 . الوسائل:6، الباب12 من أبواب الخمس، الحديث 1.
4 . الوسائل:6، الباب5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث6 وغيره.
5 . مفتاح الكرامة:4/229.
6 . البيع: 1/331.


(307)

3. الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق

قد اتّخذ الشرع مفاهيم كثيرة وجعلها موضوعاً للأحكام، ولكن ربّما يعرض الإجمال على مصاديقها ويتردّد بين كون الشيء مصداقاً له أو لا .

وهذا كالوطن والصعيد والمفازة والمعدن والحرز في السرقة والأرض الموات إلى غير ذلك من الموضوعات التي ربّما يشك الفقيه في مصاديقها، فيكون العرف هو المرجع في تطبيقها على موردها.

يقول المحقّق الأردبيلي في حفظ المال المودع: وكذا الحفظ بما جرى الحفظ به عادة، فإنّ الأُمور المطلقة غير المعيّنة في الشرع يرجع فيها إلى العادة والعرف، فمع عدم تعيين كيفية الحفظ يجب أن يحفظها على ما يقتضي العرف حفظه، مثل الوديعة، بأن يحفظ الدراهم في الصندوق وكذا الثياب، والدابة في الاصطبل ونحو ذلك، ثمّ إنّ في بعض هذه الأمثلة تأمّلاً، إذ الدراهم لا تحفظ دائماً في الصندوق، ولا الثياب، وهو ظاهر.(1)

ومع ما للعرف من الدور في فهم الحكم الشرعي وتطبيقه على المصداق ولكن ذلك الدور للعرف الدقيق لا للعرف المتهاون، وقد كان سيدنا الأُستاذ السيد الخميني (قدس سره) يركّز على ذلك في دروسه الشرعية، فلو وصف العرف ما يبلغ وزنه تسعمائة وتسعة وتسعين كيلو بكونه طُناً فلا عبرة به، لأنّه عرف متسامح، وأمّا العرف الدقيق فيقول: إنّه ينقص من الطن كيلو واحد، نعم لون الدم وإن كان في العقل الدقيق من أقسام الدم لكنّه عند العرف حتّى الدقيق لونه لا نفسه، فيوصف بالطهارة لا بالنجاسة.


1 . مجمع الفائدة والبرهان:10/279ـ 280.


(308)

فإن قلت: إنّ المختار عند المحقّق النائيني هو أنّ العرف مرجع في المفاهيم دون المصاديق قال:

فالتعويل على العرف إنّما يكون في باب المفاهيم، ولا أثر لنظر العرف في باب المصاديق، بل نظره إنّما يكون متبعاً في مفهوم «الكرّ» و «الفرسخ» و«الحقّة» و نحو ذلك; وأمّا تطبيق المفهوم على المصداق: فليس بيد العرف، بل هو يدور مدار الواقع; فإن كان الشيء مصداقاً للمفهوم ينطبق عليه قهراً، وإن لم يكن مصداقاً له فلا يمكن أن ينطبق عليه.

قلت: انّه (قدس سره) يخطّئ مرجعية العرف المتسامح لا الدقيق ولذلك يقول بعد كلامه المتقدّم: ولو فرض أنّ العرف يتسامح أو يخطئ في التطبيق، فلا يجوز التعويل على العرف في تطبيق المفهوم على المصداق مع العلم بخطائه أو مسامحته أو مع الشكّ فيه، بل لابدّ من العلم بكون الشيء مصداقاً للمفهوم في مقام ترتيب الآثار.(1)

4. كشف العرف عن مراد الشارع عند الملازمة العادية

إذا كان بين الحكم الشرعي المنطوق والحكم الشرعي الآخر غير المنطوق ملازمة عادية ينتقل العرف من الحكم الأوّل المجعول إلى الحكم الثاني وإن لم يكن ملفوظاً، وهذا كما إذا دلّ الدليل على طهارة الميت بعد الأغسال الثلاثة فهو يلازم طهارة يد الغسّال، والخشب الذي أجرى الغسل عليه وسائر الأدوات عند العرف.

ونظير ذلك ما دلّ على طهارة الخمر بانقلابه إلى الخل الملازم للحكم


1 . فوائد الأُصول:4/574، النشر الإسلامي.


(309)

بطهارة جميع أطراف الإناء.

ومثله ما دلّ على طهارة العصير العنبي بعد التثليث بناء على نجاسته بالغليان، فإنّ طهارة العصير يلازم عادة طهارة الإناء والأدوات التي كان الطبّاخ يستخدمها.

5. كشف الأعراف عن مقاصد المتكلّم

إنّ لكلّ قوم وبلد أعرافاً خاصة بهم، يتعاملون في إطارها ويتّفقون على ضوئها في كافّة العقود والإيقاعات، فهذه الأعراف تشكل قرينة حالية لحلّ كثير من الاختلافات المتوهمة في أقوالهم وأفعالهم، ولنقدّم نماذج منها:

1. إذا باع دابة ثمّ اختلفا في مفهومها، فالمرجع ليس هو اللغة، بل ما هو المتبادر في عرف المتعاقدين وهو الفرس.

2. إذا باع اللحم ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع هو المتبادر في عرف المتبايعين، وهو اللحم الأحمر دون اللحم الأبيض كلحم السمك والدجاج.

3. إذا وصّى بشيء لولده، فالمرجع في تفسير الولد هو العرف، ولا يطلق فيه إلاّعلى الذكر لا الأُنثى خلافاً للفقه والكتاب العزيز، قال سبحانه: (يُوصيكُمُ اللّه في أَولادِكُم لِلذَّكَرِمِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن) .(1)

4. إذا اختلف الزوجان في أداء المهر، فالمرجع هو العرف الخاص، فلو جرت العادة على تقديم المهر أو جزء منه قبل الزفاف ولكن ادّعت الزوجة بعده انّها لم تأخذه، وادّعى الزوج دفعه إليها، فللحاكم أن يحكم على وفق العرف الدارج في البلد.


1 . النساء:11.


(310)

وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) فيما إذا اختلف أحد الزوجين مع ورثة الزوج الآخر، انّه جعل متاع البيت للمرأة وقال للسائل: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين، فقال: «لو سألت من بين لابتيها ـ يعني الجبلين ونحن يومئذ بمكة ـ لأخبروك انّ الجهاز والمتاع يهدى علانية، من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي التي جاءت به وهذا المدّعي، فإن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البيّنة».(1)

5. إذا اختلف البائع والمشتري في دخول توابع المبيع في البيع فيما إذا لم يصرّحا به، كما إذا اختلفا في دخول اللجام والسرج في المبيع، فإذا جرى العرف على دخولهما في المبيع وإن لم يذكر يكون قرينة على أنّ المبيع هو المتبوع والتابع، ولذلك قالوا: إنّ ما يتعارفه الناس من قول أو فعل عليه يسير نظام حياتهم وحاجاتهم، فإذا قالوا أو كتبوا فإنّما يعنون المعنى المتعارف لهم، وإذا عملوا فإنّما يعملون على وفق ما يتعارفونه واعتادوه، وإذا سكتوا عن التصريح بشيء فهو اكتفاء بما يقتضي به عرفهم، ولهذا قال الفقهاء: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.

6. ويظهر من المحقّق الأردبيلي (قدس سره) انّ العرف هو المعتمد في تشخيص كون الشيء مكيلاً أو موزوناً حتى يجري فيه الربا المعاوضي، لأنّه يحرم التفاضل في مبادلة المتجانسين إذا كانا مكيلين أو موزونين، دون ما إذا كانا معدودين أو مذروعين. فلو اختلفت البلاد فكان جنس موزوناً في بلد، و معدوداً في بلد آخر، يكون لكلّ بلد حكمه بشرط أن لا يعلم حاله في عهد الرسول، وإليك كلامه:

قال: كلّما لم يثبت فيه الكيل ولا الوزن ولا عدمهما في عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) فحكمه حكم البلدان، فإن اتّفق البلدان فالحكم واضح، وإن اختلفا ففي بلد الكيل أو


1 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.


(311)

الوزن يكون ربوياً تحرم الزيادة وفي غيره لا يكون ربوياً فيجوز التفاضل، والظاهر انّ الحكم للبلد لا لأهله وإن كان في بلد غيره.(1)

7. الشروط المبنيّ عليها العقد، يجب الوفاء بها وإن لم تذكر في العقد كالبكارة في التزويج عند المسلمين ولو بانت ثيّباً فللزوج حقّ الفسخ إذا لم يدخل بها بعد العلم بحالها .

8. الرجوع إلى العرف في تعيين حريم القرية فإنّه يختلف حسب اختلاف الأعراف والعادات.

فقد اتضح ممّا ذكرنا انّ للعرف دوراً في تبيين الموضوع (تبيين المفاهيم)، أو تشخيص المصاديق، أو تشكيل قرينة على مقصود الشارع كما في الملازمات العادية، أو مقصود المتعاملين كما هو الحال في الأعراف والرسوم القومية، أو تشخيص الموضوع عند الشارع كما هو في الشك في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً، ومرجع الجميع إلى تشخيص المفاهيم أو الصغريات أو الموضوعات، أو المقاصد.

ومع ذلك يقع في بعض الموارد صغرى لاستكشاف حكم شرعي، وبذلك يعود البحث عن حجّيته، بحثاً أُصولياً كالبحث في حجّية الإجماع المنقول، أو الشهرة الفتوائية.

6. استكشاف الجواز تكليفاً أو وضعاً بالعرف

ربّما يستكشف جواز الفعل تكليفاً أو وضعاً من السيرة العقلائية الدارجة بينهم، لكن بشرطين:

1. اتّصال السيرة إلى أعصارهم وكونها بمرأى ومسمع منهم.


1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/477، كتاب المتاجر، مبحث الربا.


(312)

2. عدم ردعهم عنها، بقول أو فعل.

وهذا ما نلاحظه في العقود التالية:

1. العقود المعاطاتية في البيع والإجارة والرهن وغيرها، فهي حجّة على مَن يشترط العقد اللفظي في صحّة المعاملات المزبورة.

2. وقف الأشجار والأبنية منفكّة عن وقف العقار، فالسيرة حجّة عند الشكّ في صحّة هذا النوع من الوقوف.

3. دخول الحمام من دون تقديره المكث فيه ومقدار المياه التي يصرفها.

4. استقلال الحافلة بأُجرة عينية من دون أن يعين حدّ المسافة.

5. بيع الصبي وشراؤه في المحقرات، دون الجلائل. مع أنّ الثالث والرابع غرريّان، والخامس، ينافيه قول علي (عليه السلام) عمد الصبي خطأ.(1) أو قول الصادق: عمد الصبي وخطؤه واحد.(2)

فإن قلت: يكفي في ردع هذه السير ما دلّ على بطلان البيع والإجارة المجهولين، أو ما ورد في مورد الصبي من أنّ عمده كلا عمد، وقصده كلا قصد.

قلت: إنّ رسوخ هذه السير في حياة المسلمين والفقهاء على نحو لا يمكن لأحد إنكاره، يكشف أنّ ما ورد في الكتاب والسنّة حول مانعية جهالة المبيع والأُجرة، منصرفان عن هذه الموارد أو ما ورد حول عمد الصبي ناظر إلى غير هذه الصورة.

فالسيرة في هذه الموارد ونظائرها، كاشفة عن حكم شرعي كلّي وبهذا يصحّ


1 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب العاقلة، الحديث 3.
2 . الوسائل:19، الباب11 من أبواب العاقلة، الحديث2. بناء على عدم اختصاص الحديثين، بباب الديات.


(313)

عدّ حجّيته، مسألة أُصولية. ويكون البحث عن حجّيتها بحثاً أُصوليّاً.

وبهذا تبيّن انّ الاحتجاج بالسيرة يتوقّف على وجود شرطين:

1. اتّصال السيرة بعصر المعصومين (عليهم السلام) وكونها بمرأى ومسمع منهم.

2. عدم ردع صريح عنها.

فخرج بالشرط الأوّل العقود التالية الرائجة بين العقلاء الحادثة في الحضارة الصناعية:

1. عقد التأمين: وهو عقد رائج بين العقلاء، عليه يدور رحى الحياة العصرية، فموافقة العرف لها ليس دليلاً على مشروعيتها، بل يجب التماس دليل آخر عليها.

2. عقد حقّ الامتياز: قد شاع بين الناس شراء الامتيازات كامتياز الكهرباء والهاتف والماء وغير ذلك التي تعد من متطلّبات الحياة العصرية، فيدفع حصة من المال بغية شرائها وراء ما يدفع في كلّ حين عند الاستفادة والانتفاع بها، وحيث إنّ هذه السيرة استحدثت ولم تكن من قبل، فلا تكون موافقة العرف لها دليلاً على جوازها، فلابد من طلب دليل آخر.

3. بيع السرقفلية: قد شاع بين الناس أنّ المستأجر إذا استأجر مكاناً وسكن فيه مدّة فيصبح له حقّ الأولوية وربما يأخذ في مقابله شيئاً باسم «السرقفلية» حين التخلية.

4. عقود الشركات التجارية على أنواعها الرائجة في عصرنا هذا، ولكلّ منها تعريف يخصّها، ولم يكن لها أثر في عصر الوحي، فتصويب كلّ هذه العقود بحاجة ماسة إلى دليل آخر وراء العرف، فإن دلّ عليها دليل شرعي يؤخذ بها وإلاّ فلا يحتج بالعرف.


(314)

وخرج بالشرط الثاني: ما يصادم الكتاب والسنّة نظير السير التالية:

1. اختلاط الرجال بالنساء في الأفراح والأعراس.

2. المعاملات الربوية بأنواعها.

3. اشتراط المرتهن الانتفاع من العين المرهونة.

4. تجويز اشتراط رب المال في المضاربة قدراً معيناً من الربح لا بالنسبة بهذه السيرة، لأنّه لا يحتج بها.

هل السيرة دليل مستقل أو راجع إلى السنّة؟

قد عرفت أنّ السيرة تستخدم تارة في تبيين المفاهيم وتشخيص المصاديق، وأُخرى في استكشاف مرادات الشارع فيما يرجع إلى الدلالات الالتزامية بالنسبة لكلامه، وثالثة مقاصد المتكلّم الذي وقع فعله أو كلامه موضوعاً للحكم الشرعي، إلى غير ذلك من الموارد التي لا تتجاوز عن تشخيص الصغرى أو الموضوع للحكم الشرعي، دون أن يقع ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي الكلّي، وبذلك لا يصلح أن تعدّ السيرة مسألة أُصولية يستنبط بها، الحكم الشرعي الكلّي.

نعم السيرة المتّصلة في قسم من المعاملات بعصر المعصوم وسكوتهم عنها وعدم ردعهم ربّما يكون ذريعة لتقريرهم وإمضائهم إذا كانت السيرة بمرأى ومسمع منهم، وهذا وإن كان يصحّح كون البحث عنها مسألة أُصولية، لكنّها لا تخرج عن الكشف عن السنّة التي هي قول المعصوم وفعله و تقريره، فلا يصحّ عدّها أصلاً مستقلاً، أو دليلاً خاصاً وراء الأدلّة الأربعة، فهي داخلة تحت تقرير المعصوم الذي هو قسم من السنّة.


(315)

3
هل العرف من مصادر التشريع؟

هذا حسب أُصولنا ولكن الظاهر من أهل السنّة، انّه من مصادر التشريع لا بمعنى انّه كاشف عن الحكم الشرعي، بل هو خلاّق للحكم الشرعي، نظير الإجماع عندهم، فهو عندهم من مصادره كالكتاب والسنّة، فالإجماع يضفي المشروعية على الحكم المتّفق عليه، ويصير بالاتّفاق حكماً واقعياً إلهياً.

يقول الأُستاذ السوري«وهبة الزحيلي» في مستند الإجماع، بأنّه إمّا دليل قطعي من قرآن أو سنّة متواترة، فيكون الإجماع مؤيّداً ومعاضداً له; وإمّا دليل ظنّي وهو خبر الواحد والقياس، فيرتقي الحكم حينئذ من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين.(1)

والسيرة عندهم كالإجماع، غير أنّ الثاني يشترط فيه الاتّفاق والاجتهاد، دون السيرة، غاية الأمر أن لا تكون مخالفة لنصّ الكتاب والسنّة أو روح الشريعة ولذلك اشتهرت في ألسنة فقهائهم.

إنّ العرف عندهم من مصادر التشريع، وهو أصل أخذ به الحنفية والمالكية


1 . الوجيز في أُصول الفقه: 149.


(316)

في غير موضع النص.

والعرف عندهم ما اعتاده الناس من معاملات و استقامت عليه أُمورهم، وهذا يُعدّ أصلاً من أُصول الفقه، ولذلك ذكر الفقهاء من الحنفية والمالكية: أنّ الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي.

ويقول السرخسي في «المبسوط»: الثابت بالعرف كالثابت بالنص. ومعناه أنّ الثابت بالعرف ثابت بدليل يعتمد عليه كالنص حيث لا نص.

وقالوا أيضاً: العرف شريعة محكمة، والعرف المعتبر ما يخصّص به العام ويقيد المطلق.(1)

يقول محمد أبو زهرة في حقّ العرف من منظار الحنفية والمالكية: إنّ العلماء الذين يقرّرون أنّ العرف أصل من أُصول الاستنباط، يقرّرون أنّه دليل حيث لا يوجد نصّ من كتاب أو سنّة. وإذا خالف العرف الكتاب، أو السنّة، كتعارف الناس في بعض الأوقات تناول بعض المحرمات كالخمر، وأكل الربا، فعرفهم مردود عليهم، لأنّ اعتباره إهمال لنصوص قاطعة، واتّباع للهوى وإبطال للشرائع، لأنّ الشرائع ما جاءت لتقرير الفساد.

ثمّ قال: إنّ العرف قسمان: عرف فاسد لا يؤخذ به، وهو الّذي يخالف نصاً قطعياً، فإنّ هذا يرد; والقسم الثاني عرف صحيح، فإنّه يؤخذ به ويعتبر الأخذ به أخذاً بأصل من أُصول الشرع.(2)

ما أفاده الأُستاذ أبو زهرة من تخصيص حجّية العرف في مجال ما لا نصّ فيه


1 . رسائل ابن عابدين: رسالة نشر العرف التي فرغ منها عام 1241هـ، ومصادر التشريع الإسلامي فيما لا نصّ فيه للشيخ عبد الوهاب خلاف مطابع دار الكتاب العربي وغيرهما.
2 . أُصول الفقه:255.


(317)

وانّه لا يحتجّ به إذا خالف الكتاب والسنّة، ممّا لا غبار عليه.

إنّما الكلام في جواز الاعتماد عليه في كشف الحكم الشرعي الكلّي، سواء أكان سائداً في عصر المعصوم أو لا.

قال أبو زهرة: العرف العام هو الّذي اتّفق عليه الناس في كلّ الأمصار، كدخول الحمام واطّلاع الناس بعضهم على عورات البعض أحياناً، وعقد الاستصناع. نعم العرف الخاص الّذي يسود في بلد أو طائفة فإنّ هذا العرف لا يقف أمام النص.(1)

وقال ابن عابدين: وتجويز الاستصناع بالتعامل تخصيص للنصّ الّذي ورد في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان لا ترك للنص، لأنّا عملنا بالنصّ في غير الاستصناع.(2)

وهذه الجمل توضح موقفهم من العرف وانّه حجّة فيما نصّ فيه وانّه ربما يكون مصدراً للتشريع بل مخصصاً له. وهذا هو المدّعى، ولنذكر دلائلهم على مدّعاهم.

ثمّ إنّهم استدلوا على حجّية العرف ببعض الآيات والروايات:

1. قوله سبحانه:(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ).(3)

قال ابن عابدين: واعلم أنّ بعض العلماء استدلّ على اعتبار العرف بقوله سبحانه:(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ).(4)


1 . أُصول الفقه:255ـ 256.
2 . سيوافيك توضيح عقد الاستصناع.
3 . الأعراف:199.
4 . رسائل ابن عابدين، رسالة نشر العرف:113.


(318)

والاستدلال مبني على أنّ المراد به المتعارف بين الناس كما هو المتبادر من هذا اللفظ في مصطلح اليوم; ولكن الظاهر أنّ المراد هو كلّ خصلة تعرف صوابها العقول وتطمئن إليها النفوس ولا صلة له بالرسوم والأعراف القومية.(1)

يقول السيد الطباطبائي: العرف هو ما يعرفه عقلاء المجتمع من السنن والسير الجميلة الجارية بينهم، بخلاف ما ينكره المجتمع وينكره العقل الاجتماعي من الأعمال النادرة الشاذة.(2)

والإمعان فيما ورد في الآية من الجمل الثلاث، يكشف عن أنّه سبحانه يأمر النبي بالأخذ بخصال ثلاث كلّها خير وصلاح، وهي:

أ. العفو عن المجرم وقبول عذره وبالتالي المداراة مع الناس.

ب. الدعوة إلى خصال الخير التي يعرفها العقل والشرع.

ج. الصبر و الاستقامة أمام إيذاء الجاهلين.

وأين هذا من دلالة الآية على العادات السائدة بين الناس، سواء أكانت لها جذور في العقل والشرع أم لا؟

ولذلك فسّر السيوطي الآية بالنحو التالي:

(خذ العفو): اليسر من أخلاق الناس، ولا تبحث عنها (وأْمر بالعرف): المعروف، (وأعرض عن الجاهلين): فلا تقابلهم بسفههم.(3)

وعلى ضوء هذا فالاستدلال بالآية على اعتبار الحسن والقبح العقليين أظهر من الاستدلال على غيره، فالعقل يدرك حسن الأفعال وقبحها في مجالات مختلفة.


1 . مجمع البيان:2/212.
2 . الميزان:9/330.
3 . تفسير الجلالين:222.


(319)

2. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند اللّه حسن».(1)

يلاحظ على الاستدلال: أنّ الرواية على فرض صحّة سندها تهدف إلى الحسن العقلي، الّذي رآه المسلمون حسناً حسب ضوء العقل وإرشاده فهو عند اللّه حسن، للملازمة بين ما يدركه العقل وما هو عند اللّه.

أضف إلى ذلك أنّ الحديث موقوف راوه عبد اللّه بن مسعود دون أن يسنده إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قال ابن عابدين: ناقلاً عن كتاب الأشباه: القاعدة السادسة: العادة محكم وأصلها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن. قال العلائي: لم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنّما هو من قول عبد اللّه بن مسعود موقوفاً عليه أخرجه الإمام أحمد في مسنده.(2)

3. انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمضى بعض الأعراف السائدة بين العرب، مثلاً أمضى ما سنّه عبد المطلب في دية الإنسان وانّه مائة من الإبل كما أمضى انّ الدية على العاقلة.

إنّ الرسول لمّا وجد عرف أهل المدينة جارياً على بيع السلم وعلى بيع العرايا وأصبح هذان النوعان من البيوع الّتي لا يستغني عنهما المتعاملون أباحهما، فرخّص في السلم ورخّص في العرايا مع أنّ كلاً منهما حسب الأحكام الشرعية عقد غير صحيح، لأنّ السلم بيع مبيع غير موجود وقت البيع بثمن حال فهو


1 . رسائل ابن عابدين، رسالة نشر العرف:113.
2 . رسائل ابن عابدين، رسالة نشر العرف: 113; لاحظ مسند أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، الحديث 3418.


(320)

عقد على معدوم، وقد نهى (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع المعدوم.

والعرايا: عبارة عن بيع الرطب على النخل بالتمر الجاف، وهذا لا يمكن فيه التحقّق من تساوي البدلين، وقد نهى (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الشيء بجنسه متفاضلاً، ولكن ضرورات الناس دعتهم إلى هذا النوع من التعامل وجرى عرفهم به، فراعى الرسول ضرورتهم وعرفهم ورخّص فيه.

أقو(1)ل: كأنّ الأُستاذ خلاف يهدف بكلامه هذا إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا اعترف ببعض الأعراف الّتي كانت تنسجم مع حياة الناس، فنحن أيضاً إذا واجهنا سيراً تنسجم مع حياة الناس وتتلاءم معها يلزم علينا إمضاؤها وتطبيق الحياة عليها وإن لم يرد على صحتها نصّ في الكتاب ولا في السنّة.

وعلى ضوء ذلك فكلّما سار عليه العقلاء في الحضارة الصناعية من المعاملات المستحدثة، فتتخذ لنفسها صبغة شرعية اقتداءً بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أخذ بالسير السائدة.

نحن نصافق الأُستاذ بالأخذ بهذه السير ولكن بشروط محددّة:

1. أن لا تكون السيرة وما جرى عليه الناس مخالفة لنصوص الكتاب والسنّة، ولا أظن أنّ الأُستاذ لا يوافقنا في هذا الشرط، وكيف ومجال العرف هو منطقة الفراغ أي في ما لا نص فيه، ولو كان هناك نص ـ سواء أوافق العرف أم خالفه ـ فلا يكون هناك موضوع للاحتجاج بالعرف.

2. أن يكون ما اعتبره العقلاء موجوداً في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على نحو كان بمرأى و مسمع منه، وإلاّ فلا قيمة لما اجتمع عليه العقلاء مع إمضاء الشارع وتصديقه.


1 . مصادر التشريع الإسلامي:146.


(321)

وأمّا ما استدلّ به على اعتبار عرف العقلاء بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمضى ما سنّه عبد المطلب في دية الإنسان، أو أمضى أنّ الدية على العاقلة، فهو وإن كان صحيحاً، لكنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقابل الأخذ بهذين ألغى عامّة الأعراف السائدة في الجاهلية وسننها، وجعلها تحت قدميه واستثنى القليل منها، فهو كان أشبه بالتخصيص الأكثر فالأكثر كما قال في خطبة حجة الوداع: «وإنّ دماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أوّل دم ابدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإنّ مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والسعاية».(1)

على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا كان عالماً بملاكات الأحكام ـ حيث تعلّم من عند اللّه ما تعلّم على وجه وصف سبحانه علمه بالعظمة وقال: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيكَ عَظِيماً)(2) ـ ميّز الصالح عن غيره، والصحيح عن الفاسد، فأعطى ما هو لصالح الأُمّة وألغى ما كان فاسداً ومفسداً، وأين علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) من غيره الّذي وصفه اللّه سبحانه بقوله: (وَمَا أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً)(3)؟!

هذا كلّه يرجع إلى الاستدلال بإمضاء دية النفس أو كون الدية على العاقلة.

ثمّ إنّه استدلّ ـ كما مرّ ـ بإمضاء عادتين مع كونهما مخالفتين لأُصول الشرع، ألا وهما:

1. أمضى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيع السلم مع أنّه من أقسام بيع المعدوم.

2. أمضى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيع العرايا، أي بيع الرطب على النخل بالتمر الجافّ، مع أنّهما من المتجانسين اللّذين لا يجوز فيهما التفاضل، مع وجوده في هذا النوع من البيع.


1 . السيرة النبوية:2/603ـ 604; تحف العقول: 29.
2 . النساء:113.
3 . الإسراء:85.


(322)

أقول: أمّا الأوّل: أعني: تشريع بيع السلم، فلم يكن منهياً عنه حتّى يرخّص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه، وذلك لأنّ المنهي عنه هو قوله: «ولا بيع ما ليس عندك»(1) ، وهو ناظر إلى بيع العين الشخصية الّتي ليست في ملك البائع وإنّما يبيعها فضوليّاً ليشتريها من غيره ثمّ يدفعها إليه، وأين هذا من بيع السلم؟!

فإنّ السلم عبارة عن ابتياع مال مضمون في ذمّة البائع إلى أجل معلوم بمال حاضر أو في حكمه، والمبيع كلّي في ذمّته لا عين شخصيّة.

ولذلك اشترط الفقهاء فيه أُموراً منها ذكر الجنس والوصف، لأنّه يختلف لأجلهما الثمن، بخلاف العين الشخصية فإنّها محسوسة مشاهدة.

يقول ابن عباس: اشهد انّ السلف المضمون إلى أجل مسمّى قد أحلّه اللّه في كتابه وأذن فيه، ثمّ قرأ قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)(2). (3)

وبذلك يعلم أنّ عقد الاستصناع ـ هو عقد مقابل مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئاً ـ لا صلة له بالنهي عن بيع ما ليس عندك.

وقد صرّح بما ذكرنا بعض فقهاء السنّة منهم:

ابن تيمية حيث قال: وأمّا قولهم «السلم على خلاف القياس» فقولهم هذا من جنس ما رووا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تبع ما ليس عندك» وأرخص في السلم. وهذا لم يرو في الحديث، وإنّما هو من كلام بعض الفقهاء، وذلك أنّهم قالوا: السلم بيع الإنسان ما ليس عنده، فيكون مخالفاً للقياس.


1 . بلوغ المرام:162 برقم 820. قال: ورواه الخمسة، وروي أيضاً: «ولا تبع».
2 . البقرة:282.
3 . مستدرك الحاكم:2/286.


(323)

ونهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده: إمّا أن يراد به بيع عين معينة، فيكون قد باع مال الغير قبل أن يشتريه. وفيه نظر. وإمّا أن يراد به بيع ما لا يقدر على تسليمه، وإن كان في الذمّة. وهذا أشبه. فيكون قد ضمن له شيئاً لا يدري هل يحصل أو لا يحصل؟ وهذا في السلم الحال إذا لم يكن عنده ما يوفيه، والمناسبة فيه ظاهرة.

فأمّا السلم المؤجل، فإنّه دين من الديون، وهو كالابتياع بثمن مؤجّل، فأي فرق بين كون أحد العوضين مؤجّلاً في الذمّة، وكون العوض الآخر مؤجّلاً في الذمّة، وقد قال تعالى:(إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجَل مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ) قال ابن عباس: أشهد أنّ السلف المضمون في الذمّة حلال في كتاب اللّه، وقرأ هذه الآية.

فإجابة هذا على وفق القياس لا على خلافه».(1)

ومنهم ابن القيّم حيث قال في «إعلام الموقعين»: «وأمّا السلم، فمن ظن أنّه على خلاف القياس فوهم دخوله تحت قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تبع ما ليس عندك» فإنّه بيع معدوم، والقياس يمنع منه.

والصواب أنّه على وفق القياس، فإنّه بيع مضمون في الذمّة موصوف مقدور على تسليمه غالباً، وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، وقد تقدّم أنّه على وفق القياس.

وقد فطر اللّه العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمّته، مقدور في العادة على تسليمه. فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى والربا والبيع».(2)


1 . الموسوعة الفقهية:25/195، نقلاً عن: مجموعة فتاوى ابن تيمية:20/529.
2 . الموسوعة الفقهية:25/195ـ 196، نقلاً عن: إعلام الموقعين عن رب العالمين(مراجعة طه عبد الرؤوف سعد):2/19.


(324)

وأخيراً نضيف أنّ الحياة الاجتماعية في الوقت الحاضر متوقّفة على بيع السلم والسلف، فالكثير من أصحاب الصنائع وغيرهم يحتاجون إلى أدوات وأجهزة غير موجودة في الخارج وإنّما يهيّئونها حسب ما يطلبونها منهم، ومن المعلوم أنّ الإسلام دين الفطرة فكيف ينهى عنه أوّلاً ثمّ يرخصه؟

نعم ربّما كان بيع السلف عندهم أوسع ممّا سنّه الشارع، ولذلك يقول ابن عباس:قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف في تمر فليُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».(1) ولو تصرّف فيه الشارع فإنّما حدّده بشرائط خاصّة.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل، وقد عرفت أنّ تجويز السلم لم يكن استثناءً من المنهي عنه.

حول بيع العرايا

وأمّا الثاني: أعني «بيع العرايا الّذي هو عبارة عن بيع الرطب على النخل بالتمر الجافّ، وهذا لا يمكن فيه التحقّق من تساوي البدلين» فهو ليس استثناءً من الضابطة، أعني: شرطية تساوي المتجانسين كيلاً و وزناً عند مبادلتهما، وذلك بالبيان التالي:

إنّ أبا سعيد الخدري قد روى عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ مثلاً بمثل ولا تشفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلاّ مثلاً بمثل، ولا تُشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز».(2)


1 . بلوغ المرام:174 برقم 874.
2 . بلوغ المرام:170برقم 852.


(325)

وروى عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُـرّ بالبرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاً بمثل ، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».(1)

فمورد الروايات هو المكيل والموزون من الجانبين فيحرم فيهما التفاضل، وأمّا الثمرة على الشجرة فهي ليس ممّا يوزن أو يكال عند البيع، بل هي من قبيل المشاهدات ولذلك يغتفر فيها الجهل إلى حدّ والتفاضل. فالتبادل فيها ولو بالتفاضل الرائج غير داخل في النصّ.

وبعبارة واضحة: ما ذكره الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) راجع إلى المكيل والموزون وبيع العرايا ليس من قبيل المكيل والموزون ولو من جانب واحد، بل من قبيل المشاهدات فيختلف حكمه عن حكمهما.

فتبيّن أنّ ما زعمه الأُستاذ من أنّ ترخيص بيع السلم أو العرايا كان من قبيل تقديم العرف على النص وانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه قام بذلك ممّا لا أساس له.

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجلّ من أن يقدّم عادة الناس على التشريع الإلهي، إلاّ أن يأذن اللّه سبحانه.


1 . المصدر السابق.


(326)

4
العادة كالقرينة الحالية

ثمّ إنّ فقهاء السنّة ذكروا تخريجات في المقام زاعمين أنّ للعرف بما هوهو دوراً في استنباط الحكم الجزئي للمورد، غافلين عن أنّ العرف، قسم من القرائن، وهو كالقرينة الحالية الّتي هي نظيرة القرينة المقالية فيجب اتباعهما، والعرف الخاص والعرف العام من أقوى القرائن على توجيه الكلام.

وهانحن نذكر فروعاً من التخريحات التي ذكرت في مجلة الأحكام الّتي كانت تُدرّس في معاهد الحقوق من زمن بعيد في البلاد العربية.

وكلّ ما ذكر فيها للعرف من شأن فهو لأجل كونه قرينة حالية يعتمد عليها المتكلّمون في محاوراتهم ومعاملاتهم لا غير، وإليك هذه الفروع:

1. كلّما كان من توابع العمل ولم يشترط على الأجير يعتبر فيه عرف البلدة وعادتها: فالعادة في الخيط أن يكون على الخياط، وفي الحبل أن يكون على المكاري، وكذلك يعتبر العرف في اللجام والسُّرج إذا استؤجر الحيوان للركوب. فلو اشترط على أحد الطرفين القيام بتوابع العمل فهو، وإلاّ فالعرف هو المتبع.

2. وإذا استأجر كاتباً فالقلم والحبر عليه.

3. ولو استأجر الدابة فعلف الدابة على المؤجر.


(327)

4. ولو دفع ثوبه إلى صبّاغ ليصبغه ولم يعين له أُجرة، استحقّ أُجرة المثل.

5. لو اشترى شيئاً من السوق بثمن معلوم ولم يصرّحا بحلول ولا تأجيل يتبع العرف والعادة ولعلها هو التعجيل.

6. لو استأجر حجرة في دار إجارة مطلقة لم يقيّدها بلون من الألوان كان له أن يسكنها ويضع فيها أمتعته وليس له استعمالها بما يخالف العادة كأن يشتغل فيها بصنعة الحدادة.

7. إذا وجد المشتري في الحنطة والشعير وأمثالهما من الحبوب المشتراة تراباً، فإن كان ذلك التراب يُعدّ قليلاً في العرف صحّ البيع ولزم، وإن كان كثيراً بحيث يعدّ عيباً عند الناس، كان المشتري مخيراً.

8. البيع المطلق ينعقد معجلاً أمّا إذا جرى العرف في بلده على أن يكون البيع المطلق مؤجلاً أو مقسّطاً إلى أجل معلوم، سينصرف البيع المطلق إلى ذلك الأجل.

9. الهدايا الّتي ترد في الختان والعرس هي لمن ترد باسمه من المختون والعروس والوالد والوالدة، وإن لم يذكر لمن وردت، ولم يمكن السؤال والبحث، فيراعى عرف البلدة وعادتها.

10. إذا وقع العقد على الثمن، فيتبع في تعيين العُمْلة عرف البلدة والعادة الجارية.

11. إذا وقع العقد بثمن له أجزاء فيتبع في تعيين الجزء عرف البلد، فإذا اشترى شيئاً بمائة ألف ريال، فالعرف هو دفع الثمن بعملة كبيرة كالألف وغيره لا بعملة صغيرة كالريال والتومان الواحد.

12. كلّ ما كان في حكم جزء من أجزاء المبيع، أي ما لا يقبل الانفكاك


(328)

عن المبيع نظراً إلى عرف الاشتراء يدخل في المبيع بدون ذكر، كما إذا بيع قفل دخل مفتاحه. وإذا اشتريت بقرة حلوب لأجل اللبن، يدخل فلوها الرضيع في البيع بدون ذكر.و ما لا يكون من مشتملات المبيع ولا هو من توابعه المتصلة المستقرة أو لم يكن في حكم جزء من المبيع أو لم تجر العادة والعرف في بيعه معه، لا يدخل في البيع ما لم يذكر وقت البيع، أمّا ما جرت عادة البلدة والعرف ببيعه تبعاً للمبيع فيدخل في البيع من غير ذكر، فالأشياء غير المستقرة الّتي توضع لأن تستعمل وتنقل من محل إلى آخر كالخزّانة والكرسي و السرير المنفصلات لا تدخل في بيع الدار بلا ذكر.(1)

وهناك فروع أُخرى مذكورة في الكتب الفقهية يظهر حالها بما ذكرنا. وليس للعرف فيها دور سوى كونه قرينة حالية.

وبهذا يظهر انّ كلمات فقهاء السنّة حول العرف لا تخلو من إغراق، نظير :

1. العرف عادة محكمة.

2. العرف شريعة محكمة.

3. التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.

4. الثابت بالعرف كالثابت بالنص.

5. العرف في الشرع له اعتبار.

6. استعمال الناس حجة.

7. الحقيقة تترك بدلالة العادة.

8. العبرة للغالب.


1 . انظر شرح المجلة: 13.


(329)

9. المعروف عرفاً كالمشروط.

10. المعروف بين التجار كالمعروف بهم.

إلى غير ذلك من التعابير المتكررة الواردة في مجلة الأحكام(1) تحت عناوين مختلفة والّتي يرجع الجميع إلى وجود القرينة الحالية الدالة على المراد.

وفي الختام نلفت نظر القرّاء إلى نكتة، وهي: أنّ دراسة تاريخ التشريع في المجتمعات البشرية تشهد على أنّ كلّ أُمّة لم يكن لها قانون مدوّن لم يكن لها محيص عن التعاطف مع العرف والعادة ، فكانت تتخذهما قانوناً حاسماً في المخاصمات كما كان الحال كذلك عند الرومان.

وقد كان للعرف والعادة دور هام في شمال فرنسا إلى عهد نابليون، ولمّا تمّ التقنين العام لمجموع البلد، انحسرت العادة والعرف عن مجال التقنين فلا يعتمد عليهما إلاّ في مجالات التجارة، وأمّا المسلمون فهم ـ بحمد اللّه ـ في غنى عن اتخاذ العرف أساساً للتشريع حيث أغناهم اللّه سبحانه عن كلّ تشريع سوى تشريعه، والحمد للّه على إكمال الدين وإتمام النعمة.

وأمّا إخواننا أهل السنّة فإنّما يلتجئون إلى العرف والعادة في التقنين والتشريع فيما لم يكن له أصل في عصر الرسول بسبب قلّة مصادر التشريع عندهم، فلذلك التجأوا إلى العرف والعادة في التقنين و التشريع.

يقول الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في تحرير المجلّة حول مادّة 36:

«العادة محكّمة، هذا مبنيّ على الأصل المقرّر عندهم من «عدم النص وفقد الدليل الشرعي على حكم جملة من الحوادث»، خلافاً لما ذهبت إليه الإمامية من


1 . انظر شرح المجلة: 13، 34، 35، 37، 38، 113، 116، 124، 126، 196، 308، 492.


(330)

عدم خلوّ واقعة من الدليل على حكمها، بالعموم أو الخصوص ، وعلى فرض خلوّ واقعة من النصّ فالعادة عند الإمامية لا يعتبر بها ولا تصلح لإثبات حكم شرعيّ».(1)

فخرجنا من هذا البحث الضافي بنتيجتين، هما:

1. إذا وقع العرف ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي الكلّي، فهو يرجع لباً إلى السنّة لكن تقريراً وليس دليلاً مستقلاً.

2. انّ الاعتماد على العرف في رفع المنازعات ونظائرها، اعتماد على القرينة الحاليّة وهو ليس بشيء بديع.


1 . تحرير المجلة: 31.


(331)

2
المقاصد الشرعية العامّة

قبل الخوض في البحث نقدّم أُموراً:

1. أفعاله سبحانه تكويناً و تشريعاً معللة بالغايات

إنّ الرأي السائد لدى الأشاعرة ، هو أنّ أفعال اللّه سبحانه لا تكون معلّلة بالأغراض والمقاصد، مستدلّين بأنّه لو كان فعله خاضعاً للغرض لكان ناقصاً في ذاته، مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من عدمه وهو معنى الكمال.(1)

ولكنّهم خلطوا بين الغرض العائد إلى الفاعل، والغرض المترتّب على الفعل، ـ و إن كان المستفيد غيره سبحانه ـ فالاستكمال لازم الصورة الأُولى دون الثانية، والقائل بكون أفعاله معلّلة بالأغراض والدواعي، يعني بها الصورة الثانية دون الأُولى، وتبعية الفعل للغرض بالمعنى الأوّل ينافي كونه غنياً في ذاته وصفاته وأفعاله، ولكنّها بالمعنى الثاني توجب خروج فعله عن كونه عبثاً ولغواً، وكونه سبحانه عابثاً ولاغياً، فالجمع بين كونه غنياً غير محتاج إلى شيء، وكونه حكيماً منزهاً عن العبث واللغو، يتحقق باشتمال أفعاله على حِكَم ومصالح


1 . المواقف:231.


(332)

ترجع إلى العباد لا إلى وجوده وذاته، كما لا يخفى.

انّ القرآن الكريم يُجلّ أن تكون أفعاله الكونية عبثاً بلا غرض، وسُدىً بلا غاية، لأنّ العبث يضادّ كونه حكيماً يضع الأشياء مواضعها.

قال سبحانه:

1.(أَفَحَسِبْتُمْ أَنّما خَلَقْناكُمْ عَبثاً وَأنّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُون).(1)

2. (وَما خَلَقْنا السمواتِ وَالأَرضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ).(2)

3. (وَما خَلَقْنا السَّماءَ وَالأَرضَ وَما بَيْنَهُما باطلاً ذلِك ظَنُّ الّذينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلّذِينَ كَفَرُوا من النار).(3)

4. (وما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونَ) (4) إلى غير ذلك من الآيات التي تَنفي العبث عن فعله سبحانه، وتصرح باقترانه بالحكمة والغرض ومع هذه التصريحات القاطعة للعذر، كيف يتفلسف الأشعري بما ذكره من الدليل العقلي وينفي كلّ غرض وغاية عن فعله، ويعرّف فعله سبحانه على خلاف الحكمة، مع أنّ من صفاته كونه حكيماً .

وكما أنّ أفعاله الكونية مقرونة بالغرض، فكذا تشريعاته في عامة المجالات تابعة لأغراض تحقّق مصالح للناس عاجلاً وآجلاً.

وسيوافيك نصوص الذكر الحكيم وما رُوي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الصدد.

2. من خالف المنهج وهو أشعريّ

كان الأصل المعروف لدى الأشاعرة هو خلوّ فعله سبحانه في مجالي


1 . المؤمنون:115.
2 . الدخان:38.
3 . ص:27.
4 . الذاريات:56.


(333)

التكوين والتشريع عن أيّ غاية وغرض، لكن ظهر في القرن الخامس والسادس وما بعده رجال من الأشاعرة أنكروا هذا الأصل وطرحوا نظرية «مقاصد الشرائع الإسلامية» وأنّ لتشريعات القرآن والسنّة غايات وأغراضاً. وإليك أسماء من اختمرت تلك الفكرة بأيديهم في العصور السابقة:

1. أبو المعالي الجُويني الملقّب بإمام الحرمين(419ـ 478هـ) مؤلف «البرهان في أُصول الفقه»، و«الشامل في أُصول الدين» وسيوافيك كلامه.

2. محمد بن محمد المعروف بالغزالي (450ـ 505هـ) مؤلف «المستصفى في أُصول الفقه» و«إرشاد الفحول إلى علم الأُصول» وسيأتي كلامه.

3. أبو إسحاق بن إبراهيم بن موسى الغرناطي المالكي المتوفّى سنة (790هـ) فقد خصّص تمام الجزء الثاني من كتابه «الموافقات» لبيان المقاصد العامة للتشريع، وهو أوّل من كتب في الموضوع بإسهاب، وقورن اسمه بـ «مقاصد الشريعة».

هذا ما وقفنا عليه ممّن أكّدوا على هذا الموضوع خلال القرون السابقة.

لكن طرأ الركود على البحث خلال فترة زمنية لا يستهان بها استمرّت إلى بداية القرن الرابع عشر حيث أخذ البحث ينتعش من جديد، وذلك بالبيان التالي:

عاش الشيخ محمد عبده (1266ـ 1323هـ) في الأزهر الشريف بين شيوخ لا يقيمون للعقل وزناً، ويصفون الدين بالتزمت والتعبدية المحضة ولا يخضع للعقل أبداً، وقد بلغ تحجّرهم إلى حدّ لو تفوّه أحدمنهم بالعلّية بين الظواهر المادية، أو بأثر الطبيعة يحكم عليه بالكفر وكانوا يردّدون بألسنتهم قول القائل:


(334)

«ومن يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملّـة»

ولمّا كان هذا النوع من التفكير، يضفي على الدين جموداً لا يواكب متطلّبات الحضارات ومتغيّرات الزمان، التجأ الشيخ إلى نقد هؤلاء، بإرجاع طلابه وتلامذته إلى ما كتبه الشاطبي في القرن الثامن حول مقاصد الشريعة، وبذلك عاد البحث عنها إلى الساحة من جديد، وأخذ المحقّقون يبحثون فيها بدقة وأمانة. وبدراسة معمقة بإحدى الصورتين:

1. إفراده بالتأليف والتصنيف.

2. إدخاله في أبحاث أُصول الفقه بما أنّه من مسائله.

فمن الكتب المخصّصة لذلك:

1. مقاصد الشريعة الإسلامية، تأليف العلاّمة الشيخ محمد طاهر بن عاشور(1296ـ 1393هـ) ، طبع عام (1421هـ)، بتحقيق الشيخ محمد طاهر الميساوي. وقد طبع قبله أيضاً طبعة غير محقّقة.

2. مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها ، تأليف علاّل الفاسي. طبع عام 1411هـ.

3. مقاصد الشريعة ، للشيخ طه جابر العلواني.طبع عام 1421، ونشره دار الهادي في بيروت.

4. مقاصد الشريعة وهو محاضرات متعددة حول الموضوع لعلماء معاصرين، وهم: 1. محمد مهدي شمس الدين، 2. محمد حسين فضل اللّه، 3. طه جابر العلواني، 5. محمد حسن الأمين، 6. حسن الترابي، 7. عبد الهادي الفضلي، 8. جمال الدين عطية. و طبع برعاية عبد الجبار الرفاعي عام 1423هـ.

وهناك من أدخل الموضوع في المسائل الأُصولية وأذكر منهم مايلي:


(335)

1. الأُستاذ عبد الوهاب خلاّف في كتابه« علم أُصول الفقه» الذي فرغ من تأليفه عام 1361هـ.

2. أُصول الفقه للشيخ محمد أبو زهرة المصري (1316ـ 1396) ،طبع مرّات.

3. أُصول الفقه الإسلامي، تأليف الأُستاذ محمد مصطفى شلبي رئيس قسم الشريعة الإسلامية بجامعة بيروت العربية. طبع عام 1406هـ. وقد أفرد الأُستاذ تأليفاً حول تعليل الأحكام وهو كتاب ممتع.

4. أخيرهم لا آخرهم أُصول الفقه الإسلامي للفقيه المعاصر الدكتور وهبة الزحيلي، أدرجه في الجزء الثاني من كتابه المذكور. طبع عام 1419هـ.

إلى غير ذلك من محاضرات ومقالات يقف عليها المتتبع.

3. الشيعة الإمامية ومقاصد الشريعة

إنّ الشيعة الإمامية عن بكرة أبيهم أكّدوا على أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمقاصد والأغراض، فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه، وقد تحقّق عندهم إنّ للتشريع الإسلامي نظاماً لا تعتريه الفوضى. وهذا الأصل وإن خالف فيه بعض الأُمّة(الأشاعرة)، غير أنّ نظرهم محجوج بكتاب اللّه وسنّة نبيه ونصوص خلفائه. وإليك البيان:

المراد من الأغراض والدواعي، ما يترتب على تشريع الحكم من مصالح اجتماعية أو فردية، أو دفع مفاسد كذلك، مثلاً (أَحلّ اللّه البيع) لما في إباحته من منافع، (وحرّم الربا) لما في تحريمه من درء مفاسد لا تخفى.

ومن قرأ القرآن بإمعان ودقة، وتدبّر في آيات التشريع والأحكام، يقف


(336)

بوضوح على أنّه سبحانه تارة يصرح بعلل التشريع ودوافعه، وأُخرى يشير إليها بأروع الإشارات، ونحن نذكر من كلّ قسم شيئاً.

التصريح بالعلل

قد وردت في الذكر الحكيم آيات تتضمن تشريع الأحكام مقرونة بذكر عللها والمصالح التي تترتب عليها، أو المفاسد التي تُدرأ بها، نظير:

(إِنّما الخَمرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطان فَاجْتَنِبُوهُ لَعلَّكُمْ تُفْلِحُون * إِنّما يُريدُ الشيطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالمْيَسْرِ ويَصُدَّكُم عن ذِكرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون) . (1)

فالآيتان تشتملان على علل تشريع حرمة الخمر والميسر وما عطف عليهما من الأنصاب والأزلام، إمّا بالإشارة إليها كقوله: «رجس من عمل الشيطان» و «رجاء الفلاح» وإمّا بالتصريح بها كما في الآية الثانية بأنّ مزاولتهما تورث العداء والبغضاء وتصد عن ذكر اللّه.

2. (ما أَفَاءَ اللّهُ عَلى رَسُولهِ مِنْ أَهْلِ القُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُول وَلِذي القُربى والْيَتامى وَالْمساكينِ وَابن السَّبيل كَي لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغنِياء مِنْكُم وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللّهَ إِن اللّهَ شَديدُ العِقاب).(2)

جعل الفيء للّه وللرسول ولمن عطف عليهما، لئلاّ يتم تداول الثروة دائماً بين الأغنياء.

3. (وَلاَ تَسُّبُوا الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهَ فَيَسبُّوا اللّه عَدْواً بِغَيْر عِلْم...).(3)


1 . المائدة:90ـ 91.
2 . الحشر:7.
3 . الأنعام: 108.


(337)

فقد نهى سبحانه عن سبّ آلهة المشركين، لأنّه ينتهي إلى سبّ اللّه سبحانه.

4. (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلى الْمَرافِقِ ـ إلى أن قال سبحانه:ـ ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكن يُريدُ ليطهِّرَكُم وَلِيُتِمَّ نِعمتَهُ عليكُم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(1)

أمر تبارك وتعالى بغسل الوجوه والأيدي ومسح الرؤوس والأرجل لمن كان واجداً للماء، كما أمر لفاقده بالتيمم بمسح الوجوه والأيدي بما يعلق بها من الغبار، ثمّ علل سبحانه الأمر بالطهارة الأعم من المائية والترابية بأنّه لغاية تطهيركم لا لإيجاد الحرج عليكم.

5. (وَلَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُولي الأَلْباب لَعَلَّكُمْ تَتَقُون). (2)

أمر سبحانه بالقصاص وقتل النفس بالنفس لما فيه حياة للمجتمع.

6. انّه سبحانه بعد ما قصّ نبأ ابني آدم وانّ أحد الأخوين قتل الآخر قال: (مِنْ أَجْلِ ذلكَ كَتَبْنا على بَني إِسْرائيلَ أنّهُ مَنْ قَتلَ نَفْسَاً بِغَيْر نَفْس أو فَساد فِي الأَرْضِ فكأَنّما قتلَ النّاسَ جَمِيعاً). (3)

فجعل وقوع تلك الحادثة الفجيعة سبباً لكتابته سبحانه على بني إسرائيل: أنّه من قتل نفساً ـ بغير حقّ ـ فكأنّما قتل الناس جميعاً، فالحكم المكتوب على بني إسرائيل نابع عن قصّة نبأ ابني آدم.

7.(فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْناكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى الْمُؤْمِنينَ حَرَجٌ في أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً).(4)


1 . المائدة:6.
2 . البقرة:179.
3 . المائدة:32.
4 . الأحزاب:37.


(338)

كان الحكم السائد في الجاهلية تحريم تزوّج الرجال بأزواج أدعيائهم، وحينما طلّق زيدٌ (الذي تبنّاه رسول اللّه في الجاهلية) امرأته زينب بنت عمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أمر سبحانه نبيّه الكريم أن يتزوجها بهدف إماتة تلك السنّة الجاهلية، وبذلك جسّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله سبحانه: (لِكَي لا يَكُونَ عَلى المؤمنينَ حَرَج في أزْواجِ أدْعيائِهم).

8.(أُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلُون بأَنّهُمْ ظُلِموا وإِنَّ اللّهَ على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذينَ أُخرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أن يَقُولُوا رَبُّنا اللّهُ).(1)

فقد علل سبحانه الإذن بقتال الظالمين بقوله«بأنّهم ظُلموا» فالآية صريحة في أنّ المظلوم مأذون في قتال الظالم مادام كونه مظلوماً والآخر ظالماً.

9. (وأَقِمِ الصَّلوةَ إِنّ الصّلاة تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر)(2) ، فلكونها ناهية عنهما صارت سبباً للأمر بإقامتها.

10. (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا استطعتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُو اللّه وَعَدُوَّكُمْ وآخَرينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شيْء في سَبيلِ اللّه يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ). (3)

وقد أمر سبحانه بلزوم التأهب واتخاذ العدة للقتال، وذلك لغاية إرهاب عدو اللّه وعدو المسلمين من غير فرق بين معلوم العداء وغيره.

هذه نماذج من آيات التشريع التي صرّح الذكر الحكيم بعللها، وإليك نماذج من القسم الآخر.


1 . الحج:39ـ40.
2 . العنكبوت:45.
3 . الأنفال:60.


(339)

الإلماع إلى علل التشريع دون التصريح

هناك آيات في الذكر الحكيم تشير إلى علل الأحكام لا بصورة واضحة، بل بالكناية والإشارة يقف عليها من تدبّر الذكر الحكيم وإليك نماذج من هذا القسم.

1. (وَالسّارِقُ وَالسارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهُما جَزاءً بما كَسَبا نَكالاً مِن اللّه واللّه عَزيزٌ حَكيم)(1)، فالآية مشتملة على التعليل الصريح مثل قوله:(جَزاء بِما كَسبا)وقوله: (نكالاً من اللّه)، و على الإشارة إليه حيث علق لزوم القطع على عنواني السارق والسارقة مشيراً إلى أنّ علة القطع هو السرقة وقد اشتهر قولهم: «تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّية».

2. (الزّانيةُ وَالزّاني فَاجْلِدُوا كُلّ واحد مِنْهُما مائَةَ جَلْدَة وَلا تأخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ في دِين اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمنين).(2)

فالآية مشتملة على الإشارة بالتعليل وهو تعليق الحكم على عنوان الزانية والزاني.

3. (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذا اطْمأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاة إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى الْمُؤْمنينَ كِتاباً مَوْقُوتاً).(3)

ذكر سبحانه في هذه الآية صلاة الخوف و بيّن كيفيتها، ولما كان هناك سؤال


1 . المائدة:38.
2 . النور:2.
3 . النساء:103.


(340)

وهو أنّه سبحانه إذاكان بصدد التخفيف عن العباد، فلماذا لم يأمر بتأخير الصلاة حتى يستقر المسافر في بلده؟ فأجاب سبحانه عن ذلك بقوله: (إِنّ الصلاة كانتْ عَلى المُؤمنينَ كتاباً موقوتاً)، أي أنّ الصلاة قد شرّعت مؤقتةً بأوقات لابدّ من أدائها فيها بقدر الإمكان.

4. (فَبِظُلم مِنَ الَّذينَ هادُوا حَرَّمنا عَلَيْهِمْ طَيِّبات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عن سبيلِ اللّهِ كثيراً). (1)

ففي الآية إلماع إلى علّة تحريم الطيبات على اليهود وهو ظلمهم وصدهم عن سبيل اللّه.

5. (قُلْ لِلْمُؤْمنين يَغُضُّوا مِنْ أَبصارهِمْ وَيَحْفَظُوا فُروجهُمْ ذلكَ أَزكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خبيرٌ بِما يصنَعُون). (2)

فقد أشار سبحانه إلى علّة تشريع الحكم وإيجاب غض البصر وحفظ الفروج بقوله: (ذلِكَ أَزكى لَهُمْ).

6. (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجاب ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ). (3)

فقد علّل سبحانه لزوم السؤال من وراء الحجاب بأنّه مورث لطهارة قلوب السائل والمسؤول .

7. (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَير بُيُوتِكُمْ حتّى تَسْتأنِسُوا وتُسَلّمُوا على أهْلِها ذلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ لعَلّكُمْ تَذَكَّرون * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا


1 . النساء:160.
2 . النور:30.
3 . الأحزاب:53.


(341)

حَتّى يُؤذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَليمٌ). (1)

ترى أنّه سبحانه يشير إلى علّة التشريع في الآية بقوله: (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم) وفي الآية الثانية: (هوَ أزكى لكم).

8.(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)(2) ، فالغاية من كتابة الصيام على عامّة الأُمم المسلمين، هو رجاء الاتّقاء عن المعاصي ولك أن تجعل بعض ما ذكر من قبيل التصريح لا الإلماع والإشارة.

الاستدلال بالروايات

1. قال الإمام علي (عليه السلام) : «فرض اللّه تعالى الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً عن الكبر، والزكاة تسبيباً للرزق، والصيام ابتلاءً لإخلاص المحقّ، والحجّ تقوية للدين، والجهاد عزّاً للإسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للعوام، والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء، وصلة الأرحام منماةً للعدد، والقصاص حقناً للدماء، وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم، وترك شرب الخمر تحصيناً للعقل، ومجانبة السرقة إيجاباً للعفّة، وترك الزنا تحقيقاً للنسب، وترك اللّواط تكثيراً للنسل، والشهادات استظهاراً على المجاحدات، وترك الكذب تشريفاً للصدق، والسلم أماناً من المخاوف، والإمامة نظاماً للأُمّة، والطاعة تعظيماً للسلطان».(3)


1 . لنور:27ـ 28.
2 . البقرة:183.
3 . نهج البلاغة، قسم الحكم:252.


(342)

2. وقال علي (عليه السلام) : «قال اللّه عزّ وجلّ من فوق عرشه: يا عبادي أطيعوني فيما أمرتكم، ولا تُعلّموني بما يصلحكم، فإنّي أعلم به ولا أبخل عليكم بصالحكم.(1)

3. وقال أيضاً، حول فريضة الصلاة والزكاة: «ومن ذلك ما حرس اللّه عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات، ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات، تسكيناً لأطرافهم، وتخشيعاً لأبصارهم، وتذليلاً لنفوسهم، وتخفيفاً لقلوبهم، وإذهاباً للخيلاء عنهم، لما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعاً، والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغراً، ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذللاً.(2)

4. قالت فاطمة الزهراء (عليها السلام) سيدة النساء في خطبتها المعروفة بعد رحيل أبيها: «للّه فيكم عهد قدّمه إليكم، وبقيّة استخلفها عليكم، كتاب اللّه الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللاّمع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبط به أشياعه، قائد إلى الرضوان اتباعه، مؤدّ إلى النجاة استماعه، به تنال حجج اللّه المنوّرة، وعزائمة المفسّرة، ومحارمه المحذرة، وبيّناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة.

فجعل اللّه الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماءً في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحجّ تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام ]وذلاًّ لأهل الكفر والنفاق[، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر


1 . عدة الداعي:31.
2 . نهج البلاغة، الخطبة:192، تصحيح صبحي الصالح.


(343)

تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللّعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرّم اللّه الشرك إخلاصاً له بالربوبية فاتّقوا اللّه حقّ تقاته، ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون، وأطيعوا اللّه فيما أمركم به و]ما[ نهاكم عنه، فإنّه إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء.(1)

5. وهذا باقر الأُمّة وإمامها يقول: «إنّ مدمن الخمر كعابد وثن ، ويورثه الارتعاش، ويهدم مروته ويحمله على التجسّر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا» .(2)

6. روى جميل بن دراج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سأله عن شيء من الحلال والحرام؟ فقال: «إنّه لم يجعل شيء إلاّ لشيء».(3)

قال العلاّمة المجلسي معلّقاً على الحديث: أي لم يشرّع اللّه تعالى حكماً من الأحكام إلاّ لحكمة من الحكم، ولم يحلّل الحلال إلاّ لحسنه، ولم يحرّم الحرام إلاّ لقبحه، لا كما تقوله الأشاعرة من نفي الغرض وإنكار الحسن والقبح العقليّين; ويمكن أن يعمّ بحيث يشمل الخلق والتقدير أيضاً، فإنّه تعالى لم يخلق شيئاً أيضاً إلاّ لحكمة كاملة وعلّة باعثة.

7. عن هشام بن الحكم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن علّة الصيام قال: «العلّة في الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك أنّ الغني لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير، لأنّ الغني كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد اللّه عزّ وجلّ أن يسوّي بين خلقه وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم ليحسن على الضعيف ويطعم


1 . الاحتجاج:1/258ـ259.
2 . بحار الأنوار:65/164، الحديث2.
3 . بحار الأنوار:6/110.


(344)

الجائع».(1)

8. روى محمد بن سنان قال: سمعت علي بن موسى بن جعفر (عليهم السلام) يقول: «حرّم اللّه الخمر لما فيها من الفساد ومن تغييرها عقول شاربيها، وحملها إيّاهم على إنكار اللّه عزّ وجلّ، والفرية عليه وعلى رسله، وسائر ما يكون منهم من الفساد والقتل، والقذف، والزنا، وقلّة الاحتجاز من شيء من الحرام، فبذلك قضينا على كلّ مسكر من الأشربة أنّه حرام محرّم، لأنّه يأتي من عاقبتها ما يأتي من عاقبة الخمر; فليجتنب من يؤمن باللّه واليوم الآخر ويتولاّنا وينتحل مودّتنا كلّ شراب مسكر فإنّه لا عصمة بيننا وبين شاربيها».(2)

9. وقد قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا (عليه السلام) : «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد» .(3)

10. وقال (عليه السلام) في الدم: «إنّه يسيء الخلق، ويورث القسوة للقلب، وقلّة الرأفة والرحمة، ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده» .(4)

11. وقال الرضا (عليه السلام) : «إنّا وجدنا كلّ ما أحلّ اللّه تبارك وتعالى ففيه صلاح العباد وبقاؤهم، ولهم إليه الحاجة التي لا يستغنون عنها; ووجدنا المحرم من الأشياء، لا حاجة للعباد إليه، ووجدناه مفسداً داعياً إلى الفناء والهلاك».(5)

12. وقال الرضا (عليه السلام) : «إنّما أمروا بالصلاة، لأنّ في الصلاة الإقرار بالربوبية،


1 . فضائل الأشهر الثلاثة:102.
2 . بحار الأنوار:6/107.
3 . مستدرك الوسائل:3/71.
4 . الاختصاص:103; لاحظ البحار:64/164، قسم الهامش.
5 . معادن الحكمة:2/151.


(345)

وهو صلاح عام، لأنّ فيه خلع الأنداد والقيام بين يدي الجبار».(1)

إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة عن أئمّة الدين.

وقد أفرد غير واحد من أصحابنا كتاباً أو رسالة، وإليك بعض المؤلّفات في هذا المجال:

1. علل الشرائع (طبع في جزءين) للشيخ الأقدم أبي جعفر الصدوق (306ـ 381هـ). جمع فيه ما روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) حول فلسفه الأحكام وغيرها، وجعله في 647 باباً، ومقصوده من العلل هي الأعم من العلة والحكمة جزاه اللّه عن الإسلام خير الجزاء.

2. كتاب «علل الشريعة» للحسين بن علي بن شيبان القزويني الذي هو من مشايخ المفيد .

3. كتاب في «علل الصوم» لأبي علي أحمد بن إسحاق القمي.

4. كتاب في «علل الفرائض والنوافل» لمحمد بن الحسن بن عبد اللّه الجعفري.(2)

وقال السيد المرتضى: اعلم أنّ العبادة بالشرعيات تابعة لمصالح ، ولا مكلّفين إلاّ ويصحّ أن يختلفا في مصالحهما، فتختلف عبادتهما، كالطاهر والحائض والمقيم والمسافر، والغني والفقير ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الشرعيات فهي ألطاف ومصالح ولا يعلم كونها كذلك إلاّ بالسمع.(3)

وقد اتّفقت كلمة الأصحاب على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.


1 . وسائل الشيعة:3/5.
2 . الذريعة إلى تصانيف الشيعة:15/314.
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة:2/570ـ 571.


(346)

4. المقاصد العامة، غير الاستصلاح

ثمّ إنّ المقاصد العامة للشريعة، غير المصالح المرسلة أو الاستصلاح، فإنّ مورد الثاني، هو إدراك الفقيه منفعة أو مضرة في موضوع خاص، فيفتي بجلب الأوّل ودفع الثاني دون أن يستند في استكشافهما إلى نص قرآني، أو سنة نبوية وذلك كوجوب الوقاية والتداوي من الأمراض، أو حرمة تناول المخدرات من الأفيون والحشيشة وغيرها.

وهذا بخلاف الأوّل، فإنّ الباحث يستكشف مقاصد الشريعة من الغور والتأمل في الكتاب العزيز، والسنّة النبوية أو الاستقراء في الفتاوى فيستكشف من الجميع مقاصد الشرع من هذا التحريم أو ذلك الإيجاب.

هذا و قد ذكر ابن عاشور طرقاً ثلاثة لإثبات المقاصد الشرعية:

1. الطريق الأوّل: استقراء الأحكام المعروفة عللها، إذ باستقراء العلل يحصل العلم بمقاصد الشريعة بسهولة، لأنّنا إذا استشعرنا عللاً كثيرة متماثلة في كونها ضابطاً لحكمة متحدة أمكن أن نستخلص منها حكمة واحدة فيجزم بأنّها مقصد شرعي، كما يستنتج من استواء الجزئيات حكم كلي حسب قواعد المنطق ثم ذكر أمثلة:

الطريق الثاني: أدلة القرآن الواضحة الدلالة مثل ما يؤخذ من قوله تعالى: (وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)، وقوله: (يَا(1) أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)(2) ، وقوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(3)، وقوله: (إِنّما يُريدُ الشَّيْطانُ


1 . البقرة:205.
2 . النساء:29.
3 . الزمر:7.


(347)

أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)(1) ، وقوله: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(2)، وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(3); ففي كلّ آية من هذه الآيات تصريحٌ بمقصد شرعي أو تنبيهٌ على مقصد.

الطريق الثالث: السنّة المتواترة، حيث استخلص من مشاهدة أفعال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) المتعدّدة أنّ من مقاصد الشريعة التيسير، فرأى أنّ قطع الصلاة من أجل إدراك فرسه ثمّ العود إلى استئناف صلاته أولى من استمراره على صلاته مع تجشم مشقة الرجوع إلى أهله راجلاً. (4)

5. مقاصد الشريعة تدور حول أُمور ثلاثة

قد يبدو من الكثير انّ مقاصد الشريعة تدور حول أُمور ثلاثة:

الضروريات، الحاجيات، والتحسينيات

1. قال إمام الحرمين الجويني : «الباب الثالث: في تقاسيم العلل والأُصول».

هذا الذي ذكره هؤلاء أُصول الشريعة، ونحن نقسّمها إلى خمسة أقسام: أحدها: ما يعقل معناه وهو أصل ويؤول المعنى المعقول منه ـ إلى أمر ضروريّ لابدّ منه ـ إلى أن قال: ـ وهذا ضرب من الضروب الخمسة.

الضرب الثاني: ما يتعلّق بالحاجة العامة ولا ينتهي إلى حد الضرورة.


1 . المائدة:91.
2 . البقرة:185.
3 . الحج:78.
4 . مقاصد الشريعة:190ـ 194.


(348)

الضرب الثالث : ما يتعلّق بضرورة خاصة ولا حاجة عامة، ولكنّه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو في نفي نقيض لها.(1)

2. و قد أشار الغزالي إلى الأقسام الثلاثة وقال:

1. الضروري

«وهو المتضمّن لحفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع بل هي مطبقة على حفظها». وهي الدين، والنفس، والعقل، والعرض والمال، وهذه الأُصول الخمسة، حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضلّ، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، فإنّ هذا يفوِّت على الخلق دينهم. وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حدّ الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنى إذ به حفظ النسل والانساب، وإيجاب زجر الغاصب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها».(2)

2. الحاجي

وأرادوا به «ما يقع في محل الحاجة لا الضرورة كتشريع أحكام البيع والإجارة، والنكاح لغير المضطر إليها من المكلّفين».(3)

3. التحسيني

وأرادوا به ما يقع ضمن نطاق الأُمور الذوقية، كالمنع عن أكل الحشرات،


1 . البرهان في أُصول الفقه:2/602ـ 603.
2 . إرشاد الفحول: 216; المستصفى:1/140.
3 . إرشاد الفحول: 216.


(349)

واستعمال النجس فيما يجب التطهّر فيه، أو ضمن ما تقتضيه آداب السلوك كالحث على مكارم الأخلاق، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، وقد عرّفه الغزالي بقوله هو: «ما لا يرجع إلى ضرورة ولا حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزايد».(1)

هذا وقد أوضحه الشاطبي بنحو موجز وقال:

تكاليف الشريعة ترجع إلى مقاصدها في الخلق وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها ضرورية، والثاني أن يكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية.

فأمّا الضرورية فمعناها أنّها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأُخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران.

ومجموع الضروريات خمسة: وهي الدين والنفس والعقل، والنسل والمال.(2)

وأمّا الحاجيات فمعناها أنّها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة ولكنّه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة.

وأمّا التحسينات فمعناها الأخذ بما يلتقي من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات.(3)


1 . المستصفى:1/140.
2 . المذكور في الموافقات بغير هذا الترتيب، إذ فيما ذكرنا ترتيب العالي إلى النازل.
3 . الموافقات: 2 / 7 ـ 9 بتلخيص.


(350)

6. حصر المقاصد في الأنواع الثلاثة استقرائي

الظاهر انّ انحصار مصالح الناس في هذه الأنواع الثلاثة، من باب الاستطراد لدلالته على أنّ مصالح كلّ فرد أو مجتمع تتكون من أُمور ضرورية أو أُمور حاجية أو أُمور كمالية، ولك أن تتخذ السكنى مثالاً للأُمور الثلاثة بصورها المختلفة.

فالسكنى من ضروريات حياة الإنسان، ولم يزل يلجأ إليه منذ أن وجد في الأرض حتى يقيه الحرّ والبرد، وعلى ذلك فالضروري هو ما تقوم عليه حياة الناس ولابدّ منه لاستقامة مصالحهم، و إذا فُقد اختلّ نظام حياتهم ولم تستقم مصالحهم وعمّت فيهم الفوضى.

كما أنّ اشتمال السكنى على نوافذ وأبواب تفتح وتغلق من الحاجيات وعلى ذلك فالأُمور الحاجية ترجع إلى رفع الحرج عنهم والتخفيف عليهم ويتسّر لهم سبيل العيش.

واشتمال السكنى على وسائل الراحة بوفرة تعدّ من الكماليات والأُمور التحسينية، وعلى ذلك فالأُمور التحسينية ترجع إلى محاسن العادات ومكارم الأخلاق وكلّ ما يقصد به سير الناس في حياتهم على أحسن منهاج.

ومن هنا يعلم حال طعام الإنسان ولباسه، فلكلّ صورٌ تُحقق كلّ واحدة منها أحد الأنواع الثلاثة.

وفي ظلّ هذا التحليل، تقدر على تمييز ما شرّع للمقاصد الضرورية عما شرّع للحاجيات من الأغراض، أو الكماليات منها.

7. الإلماع إلى ما شرّعه الإسلام للأنواع الثلاثة

إذا وقفت على تعريف الأنواع الثلاثة من المقاصد العامة للشريعة فلنذكر


(351)

شيئاً ممّا شرعه الإسلام لهذه الأنواع الثلاثة، ليكون القارئ على بصيرة منها، ويعرف ما شرع لأجل تحقّقها، أو لصيانتها.

الف. ما شرعه للأُمور الضرورية

قد تعرفت على رؤوس الأُمور الضرورية الخمسة وترتّبها من العالي للنازل.

1. الدين

يُعتبر الدين بمعنى الإيمان والعمل بالأحكام أول الضروريات الخمس، فقد أوجب الإيمان باللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، قاصداً بتشريعها ترسيخه في القلوب، وذلك باتّباع الأحكام التي لا يصلح الناس إلاّ بها، كما أنّه شرّع لتحقّقه إيجاب الجهاد، وعقوبة المرتد عن دينه، وعقوبة من يبتدع فيه ما ليس منه، كلّ ذلك صيانة للدين.

2. النفس

شرّع لإيجادها الزواج للتوالد والتناسل، وشرع لحفظها إيجاب تناول ما يُقيمُها من ضروري الطعام والشراب واللباس والسكن، وأوجب القصاص والدية لدفع الضرر عنها.

3. العقل

شرع لحفظ العقل تحريم الخمر وكلّ مسكر، كما حرم تناول أي مخدّر.

4. العرض

شرع لحفظ العرض حدّ الزاني والزانية والقاذف.


(352)

5. المال

شرع لتحصيله وكسبه إيجاب السعي للرزق وإباحة المعاملات، كما شرع لحفظه: تحريم السرقة والغش والخيانة، وأكل أموال الناس بالباطل وإتلاف مال الغير، إلى غير ذلك من الأحكام التي بها تصان أموال الناس.

هذا كلّه ما شرّعه لتحقّق الأُمور الضرورية وصيانتها من الزوال.

ب. ما شرّعه للأُمور الحاجية

قد عرفت أنّ الأُمور الحاجية هي ما تُيسَّـر بها الحياة ويُرفع الحرج، وقد شرع الإسلام في مختلف الأبواب ما يرفع بها الحرج ويحصل اليسر.

وعلى ضوء ذلك ألزم الإفطار في رمضان للمريض والمسافر كما ألزم المسافر بقصر الصلاة، وفرض الصلاة قاعداً لمن كان عاجزاً عن القيام، وفرض التيمّم لفاقد الماء.

وفي كثير من أنواع العقود أُمور شرّعت لرفع الحرج، ومثال ذلك الطلاق الذي شُرّع للخلاص من الزوجة عند الحاجة ، والخيار إذا كان العقد مشتملاً على الضرر والحرج وحلّيّة الصيد والطيبات من الرزق.

ج. ما شرعه الإسلام للأُمور التحسينية

قد عرفت أنّ الأُمور التحسينية ترجع إلى طيبات الحياة ورفاهة العيش، فقد شرع الإسلام الطهارة للبدن عند الصلاة والاحتراز عن النجاسات وندب إلى أخذ الزينة عند كلّ مسجد. وعلى كلّ تقدير فاستقراء الأحكام الشرعية وعللها في


(353)

مختلف الأبواب يكشف عن أنّ الهدف من التشريع هو حفظ ضروريات الناس وحاجياتهم وتحسيناتهم.(1)

8. مقاصد الشريعة والتقسيم الثلاثي

قد تعرّفت على التقسيم الثلاثي لمقاصد الشريعة الذي ورثه الباحثون عن إمام الحرمين والغزالي ثمّ الشاطبي، وحاك على منوالهم المتأخرون في العصر الحاضر، ولكن يصحّ هذا التقسيم فيما إذا نظرنا إلى الشريعة من منظار التجزئة، أمّا إذا نظرنا إلى مجموع الديانة الإسلامية عقيدة وشريعة وقِيَماً فالمقصد الأسنى للوحي المحمدي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو تربية الإنسان في ظل العقيدة الصحيحة والعمل الصالح على نحو يكون فيه موجوداً مثالياً يُمثّل أسماء اللّه وصفاته، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه مخاطباً الملائكة:(وَإِذْ قالَ رَبّكَ لِلْمَلائِكةِ إنّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَليفةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقدِّسُ لَكَ قالَ إِنّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُون).(2)

وليس المراد من الخلافة هي الخلافة عن موجود أرضيّ كان يعيش قبل آدم، بل المراد هو الخلافة عن اللّه سبحانه في الأرض حتّى يكون ممثلاً لأسمائه وصفاته والدليل على ذلك الآية التالية: (وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأَسْماءَ كُلّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِؤوني بِأَسْماء هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين)(3)، فلو كان المراد من الخلافة هو النيابة عن موجود أرضي بائد لم يكن وجه لذكر تعليم


1 . انظر علم أُصول الفقه، للأُستاذ عبد الوهاب خلاف.
2 . البقرة:30.
3 . البقرة:31.


(354)

الأسماء لآدم (عليه السلام) يقول العلاّّمة الطباطبائي: «هذا السياق يشعر بأنّ الخلافة المذكورة إنّما كانت خلافة اللّه تعالى لا خلافة نوع من الموجود الأرضي كانوا في الأرض قبل الإنسان وانقرضوا ثمّ أراداللّه تعالى أن يخلفهم بالإنسان كما احتمله بعض المفسرين، وذلك لأنّ الجواب الّذي أجاب سبحانه به عنهم وهو تعليم آدم الأسماء لا يناسب ذلك، وعلى هذا فالخلافة غير مقصورة على شخص آدم (عليه السلام) ،بل بنوه يشاركونه فيها من غير اختصاص».(1)

نعم النظرة التجزيئية تناسب التقسيم الثلاثي على النحو المعروف، ومع ذلك كلّه يمكن أن نتجاوز هذا التقسيم الثلاثي مع حفظ النظرة، ولذلك نرى أنّ الباحث الشيخ طه جابر العلواني قد تجاوزها ورتب المقاصد بثلاثيات مترتبة، أعني:

ألف. التوحيد والتزكية والعمران.

وهذه المقاصد الثلاثة تستدعي المستويات الأُخرى من المقاصد، وهي:

ب: العدل، الحرية، المساواة

والتي بدورها تستدعي المستوى الأخير، وهي:

ج: ضروريات، حاجيات، تحسينيّات.

وبذلك ساق الباحث منظومات ثلاثية كلّ يستدعي الآخر.(2)

***


1 . الميزان:1/115ـ 116.
2 . مقاصد الشريعة، 10، المقدمة.


(355)

ثمرة التعرف على المقاصد

تظهر ثمرة التعرف على مقاصد الشرع وأغراضه في مقامين:

1. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر، كتقديم حفظ الدين على حفظ النفس، وهكذا، كما سيوافيك بيانه.

2. كون التعرف على المقاصد، من مصادر التشريع بحيث يستكشف الحكم الشرعي من العلم بالغرض. وعلى هذا يقع الكلام هنا في مقامين:

المقام الأوّل: تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأجل التعرّف على المقاصد

إذا كان هناك تعارض بين حفظ الحكم الضروري والحكم الحاجي فلا شك في تقديم الأوّل على الثاني.

كما إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الحاجي والحكم التحسيني يقدّم الأوّل على الثاني وهكذا.ومثله ما إذا وقع التزاحم بين الأُمور الضرورية الخمسة وهي: 1. الدين، 2. النفس، 3. العقل، 4. النسل أو العرض، 5. المال. فيقدّم حفظ الأوّل على الثاني وهكذا في سائر الموارد، وإليك الأمثلة:

التزاحم بين الضروريات

قد عرفت أنّ الدين هو الضروري الأوّل الّذي تليه النفس، فإذا دار الأمر بين الأمرين فحفظ الدين هو الأهم، ولذلك وجب الجهاد بالنفس حفظاً للدين


(356)

وإن كان فيه تضحية بالنفس.

كما أنّه إذا دار الأمر بين حفظ النفس والعقل، فحفظ النفس أهمّ من حفظ العقل، فلو أصيب بمرض لا يعالج إلاّ بشرب الخمر، يجب عليه شربه حفظاً للنفس وإن كان فيه إزالة للعقل بشكل مؤقّت.

ولو دار الأمر بين الاعتداء على العرض وقتل النفس فيجوز له الاعتداء لحفظ النفس، كما أنّه لو دار الأمر بين حفظ العرض والاعتداء على مال الغير يجب الثاني حفظاً للعرض.

نعم ما ذكرناه هو الضابطة الغالبة، ولكن ربما ينعكس الحكم، فلو أكره عالم مُطاع على شرب الخمر على رؤوس الأشهاد وهُدّد بالقتل على تركه فلا يجوز له شربه، لأنّ في ذلك زعزعة لإيمان الناس وهدماً لعقيدتهم.

وبذلك يعلم أنّه إذا كان هناك تزاحم بين الضروري والحاجي، يقدّم الأوّل على الثاني، فلو كان في إتيان الواجبات كلفة ومشقة فيقدّم الأوّل وتتحمّل المشقة، وإلاّ لزم ترك الفرائض والنوافل بحجّة أنّ فيها مشقة وقد تقدّم أنّ عدم الحرج من الحاجيات ولا يتحمل إلاّ إذا دار الأمر بينه و بين الامتثال لأحكام الدين.

ثمّ إنّه إذا دار الأمر بين الحاجي والأمر التحسيني فيقدّم الأوّل، ولذلك اغتفرت الجهالة في المزارعة والمساقاة لحاجة الناس إليهما وإن كان فيها ترك التحسينات. هذه هي النتائج المترتبة على التعرف لمقاصد الشريعة، وقد عرفت أنّها ثمرات غالبية، وربما يطرأ على المورد عنوان آخر يوجب قلب الحكم.


(357)

التعرف على الأهم عن طريق آخر غير التعرف على المقاصد

إنّ التعرف على مقاصد الشريعة هو أحد الطرق لتقديم أحد المتزاحمَيْن على الآخر، وهناك طريق آخر سلكه أصحابنا لا بأس بذكره لإيقاف الآخرين عليه:

إنّ الأُصوليين من الإمامية فتحوا باباً باسم التعارض والتزاحم، وبيان الفرق بينهما، ومرجّحات كلّ منهما قالوا:

إذا كان التنافي في مقام الجعل والإنشاء على وجه لا يمكن للحكيم إنشاء حكمين عن جدّ لموضوع واحد، فهو المسمّى بالمتعارضين، كما إذا أنشأ وقال: ثمن العذرة سحت، وقال: لا بأس ببيع العذرة.

وأمّا لو كان التنافي راجعاً إلى مقام الامتثال مع كمال الملائمة في مقام الإنشاء والجعل فهو المسمّى بالمتزاحمين كما إذا أمر المولى بإنقاذ الغريق، ففوجئ بغريقين وليس له قدرة إلاّ بإنقاذ أحدهما، فالدليلان متلائمان في مقام الجعل، متزاحمان في مقام الامتثال.

وقد ذكر الأُصوليون لتقدّم أحد الدليلين على الآخر، عدّة مرجّحات نشير إليها على وجه الإيجاز فإنّ التزاحم ينقسم إلى الأقسام التالية:

1. ما يكون التزاحم لأجل كون مخالفة أحد الحكمين مقدّمة لامتثال الآخر، كما إذا توقّف إنقاذ الغريق على التصرّف في أرض الغير.

2. ما يكون منشأ التزاحم وقوع التضاد بين متعلّقين من باب التصادف لا دائماً، كما إذا زاحمت إزالة النجاسة عن المسجد، إقامةَ الصلاة فيه.

3. ما يكون أحد المتعلّقين مترتّباً في الوجوب على الآخر، كالقيام في الركعة الأُولى والثانية مع عدم قدرته عليه إلاّ في ركعة واحدة، أو كالقيام في الصلاتين:


(358)

الظهر والعصر، مع عدم استطاعته إلاّ على القيام في واحدة منهما.

ومثله إذا دار أمره بين الصلاة قائماً في مخبأ بلا ركوع وسجود، أو الصلاةَ معهما من دون قيام في مخبأ آخر.

إذا عرفت ذلك فلنذكر مرجّحات باب التزاحم التي هي وسيلة التعرف على الأهم.

1. تقديم ما لا بدل له على ماله بدل

إذا كان هناك واجبان لأحدهما بدل شرعاً، دون الآخر، فالعقل يحكم بتقديم الثاني على الأوّل، جمعاً بين الامتثالين، كالتزاحم الموجود بين رعاية الوقت وتحصيل الطهارة الحدثية بالماء، فبما أنّ الوقت فاقد للبدل، بخلاف الطهارة الحدثية، فتُقدّم مصلحة الوقت على مصلحة الطهارة الحدثية بالماء، فيتيمم بدلاً عن الطهارة المائية ويصلّي في الوقت.

2. تقديم المضيّق على الموسّع

إذا كان هناك تزاحم بين المضيّق الذي لا يرضى المولى بتأخيره، والموسّع الذي لا يفوت بالاشتغال بالواجب المضيّق، إلاّفضيلة الوقت، فالعقل يحكم بتقديم الأوّل على الثاني، ولذلك يجب امتثال إزالة النجاسة أوّلاً ثمّ القيام بالصلاة.

3. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأهميته

إذا دار الأمر بين ترك الأهم والمهم، كإنقاذ الغريق والتصرّف في مال الغير، فالعقل يحكم بتقديم الأهم على المهم، وهذه من القضايا التي قياساتها معها.


(359)

4. سبق امتثال أحد الحكمين زماناً

إذا كان أحد الواجبين متقدّماً في مقام الامتثال على الآخر زماناً، كما إذا وجب صوم يوم الخميس والجمعة، ولا يقدر إلاّعلى صيام يوم واحد، أو إذا وجبت عليه صلاتان ولا يتمكن إلاّ من الإتيان بواحدة منهما قائماً، أو وجبت صلاة واحدة ولا يتمكن إلاّ من القيام بركعة واحدة، ففي جميع هذه الصور يستقلُّ العقل بتقديم ما يجب امتثاله سابقاً على الآخر، حتى يكون في ترك الواجب في الزمان الثاني معذوراً، إلاّ إذا كان الواجب المتأخر أهمّ في نظر المولى فيجب صرف القدرة في الثاني، وهو خارج عن الفرض.

وبعبارة أُخرى: لو صام يوم الخميس، أو صلّى الظهر قائماً، فقد ترك صوم يوم الجمعة والقيام في صلاة العصر عن عذر وحجّة بخلاف ما لو أفطر يوم الخميس وصلّـى الظهر جالساً فقد ترك الواجب بلا عذر.

5. تقديم الواجب المطلق على المشروط

إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) في كلّ يوم عرفة، ثمّ حصلت له الاستطاعة فيقدّم الحج على زيارة الحسين (عليه السلام) ، لأنّه إذا قال القائل: للّه عليَّ أن أزور الإمام الحسين (عليه السلام) في كلّ يوم عرفة، إمّا أن لا يكون له إطلاق بالنسبة إلى عام حصول الاستطاعة للحج، أو يكون.

فعلى الأوّل ـ عدم الإطلاق لدليل النذر ـ يكون الحجّ مقدّماً، إذ لا يكون عندئذ إلاّ واجب واحد.

وعلى الثاني، بما أنّ الإطلاق مستلزم لترك الواجب ـ أعني: الحجّ ـ يكون إطلاق النذر ـ لا نفسه ـ باطلاً، نظير ما إذا نذر شخص أن يقرأ القرآن من طلوع


(360)

الفجر إلى طلوع الشمس، فإنّه في حدّنفسه راجح، لكنّه بما أنّه مستلزم لتفويت الواجب ـ وهي صلاة الصبح ـ فلا ينعقد، وهذا هو المراد من قولنا تقديم الواجب المطلق (الحج) على الواجب المشروط (زيارة الحسين) حيث إنّها مشروطة بعدم كونها مفوّتة للواجب.

وبذلك يعلم، أنّ علاج المتزاحمين مبني على التعرف على الأهم والمهمّ، كما في هذه الوجوه الستة، وهذا مسلك سلكه أصحابنا الأُصوليون، وراء التعرف على مقاصد الشريعة.

التزاحم بين الضررين

التزاحم بين الضررين من أوضح مصاديق باب التزاحم فللعقل في تقديم أحد الضررين على الآخر دور واضح، وبما أنّ الرسالة لا تتّسع لذكر صورها مع أدلّتها، فلنذكر رؤوس المسائل ونترك التفصيل إلى محلّه:

1. إضرار الغير لدفع الضرر عن النفس، كما إذا كان الضرر متوجهاً إليه، فهل يجوز دفع الضرر عن نفسه، بتوجيهه إلى الغير؟

2. إذا كان الضرر متوجّهاً إلى الغير، فهل يجب دفع الضرر عن الغير بتحمّله عنه؟

هذا كلّه إذا كان هناك ضرر واحد ودار الأمر بين توجيهه إلى النفس أو الغير.

3. أمّا إذا كان هنا ضرران، كما إذا أدخلت الدابة التي ترعى في الصحراء رأسها في قدر الشخص الآخر، ودار الأمر بين ذبحه وكسر القدر، ولهذا النوع صور مذكورة في محلها.


(361)

4. إذا استلزم تصرف المالك تضرر الجار.

إلى غير ذلك من الصور التي لا تحلّ عقدتها إلاّ بتمييز الأهم من المهم، وله طرق مذكورة في كتاب «قاعدة لا ضرر»، وانظر كتاب «نيل الوطر في قاعدة لا ضرر»: (ص 115ـ 135)

المقام الثاني: استكشاف الحكم من التعرف على مقاصد الشريعة

هذه هي الثمرة الثانية للبحث عن مقاصد الشريعة، وهي المزلقة الكبرى للفقيه، لأنّ ما دلّ من الآيات والروايات ومعاقد الإجماعات، على كون الشيء هو مقصد الشارع وغرضه على قسمين:

الأوّل: أن يكون الغاية المصطادة من المصادر علّة للحكم وسبباً تاماً، فلا شكّ أنّه يمكن استكشاف الحكم المعلوم من العلم بالمقاصد، وذلك كثبوت الخيار في موارد ليس لها دليل شرعي خاصّ، لأنّا نعلم أنّ دفع الضرر في المعاملات هو المقصد الأسنى للشارع، فلو اشتمل العقد على الغبن، أو كان المبيع معيباً ولم يكن هناك دليل على الخيار، يمكننا استكشاف الخيار عن طريق التعرّف على مقاصد الشريعة، ولذلك قال الفقهاء بالخيار وإن لم يكن هناك دليل خاص.

الثاني: أن يكون حكمة للحكم بمعنى اشتماله عليها في أغلب الموارد، دون جميعها، وذلك كالإنجاب وتكثير النسل في النكاح فإنّه حكمة وليس بعلة، ولذلك يصحّ النكاح في الموارد التالية:

1. زواج العقيم بالمرأة الولود.

2. زواج المرأة العقيم بالرجل المنجب.


(362)

3. نكاح اليائسة.

4. نكاح الصغيرة.

5. نكاح الشاب من الشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.

وبذلك يعلم ضعف ما ذكره الدكتور الدريني حول بطلان المتعة قال: «شرع النكاح في الإسلام لمقاصد أساسية قد نصّ عليها القرآن الكريم صراحة ترجع كلّها إلى تكوين الأُسرة الفاضلة التي تشكل النواة الأُولى للمجتمع الإسلامي بخصائصه الذاتية من العفّة والطهر والولاية والنصرة والتكافل الاجتماعي، ثمّ يقول: إنّ اللّه إذ يربط الزواج بغريزة الجنس لم يكن ليقصد مجرّد قضاء الشهوة، بل قصد أن يكون على النحو الذي يحقق ذلك المقصد بخصائصه من تكوين الأُسرة التي شرع أحكامها التفصيلية في القرآن الكريم.

وعلى هذا فإنّ الاستمتاع مجرّداً عن الإنجاب وبناء الأُسرة يحبط مقصد الشارع من أصل تشريع النكاح.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الاستاذ خلط بين العلّة في التشريع ومناطه وبين حكمته، فإنّ العلّة عبارة عمّا يدور الحكم مدارها، بحيث يحدث الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها، وهذا بخلاف الحكمة، فربما يكون الحكم أوسع منها، وإليك توضيح الأمرين:

إذا قال الشارع: اجتنب المسكر، فالسكر علّة وجوب الاجتناب بحجّة تعليق الحكم على ذلك العنوان فمادام المائع مسكراً له حكمه فإذا انقلب إلى الخلّ يرتفع.

وأمّا إذا قال: (وَالمُطلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ


1 . الأصل في الأشياء الحلية... ولكن المتعة حرام، قسم المقدمة.


(363)

يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ في أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِر...).(1)

فالتربّص ـ لأجل تبيّن وضع الرحم، وهل هي تحمل ولداً أو لا؟ ـ حكمة الحكم لا علته، ولأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منه بشهادة أنّه يجب التربص على من نعلم بعدم وجود حمل في رحمها.

وحصيلة الكلام: إنّ دراسة مقاصد الشريعة التي غابت في حقب من الزمان، ثمّ عادت إلى الساحة في القرن الرابع عشر أمرٌ مفيد في التعرف على الأهم والمهم، حيث إنّ التعرف على الأغراض والغايات يوجب المعرفة بما هو الأهمّ عند الشارع وغيره.

وأمّا التعرف عليها لتكون ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي فهو رهن الحكم بأنّ ما استكشفناه من التدبّر في الآيات والروايات ومعاقد الإجماعات أنّها علّة تامّة للتشريع بحيث لا ينفك عن المعلول، وأنّى لنا تحصيل ذلك اليقين، مع كثرة وجود الحكم عند ذكر الغايات والأغراض؟!

وقد اعترف بذلك الأُستاذ محمد مصطفى شلبي في كتابه تعليل الأحكام، وقال في رد زعم نفاة القول بالتعليل ما هذا لفظه:

ولم يقل أحد من أنصار القول بالتعليل انّ هذا علّة حكم يقاس عليه حتى يقول نفاة التعليل: إنّه لو كان علة قسم الفيء إلاّ أن يكون دولة بين الأغنياء، سرى ذلك إلى كلّ مال وقسّم كما قسّم الفيء، ولم يقل أحد بذلك، ونحن إذا قلنا: علّل اللّه حكماً ما، بعلّة ما لانعني أكثر من أن يبين المصالح التي شرع لها الأحكام، والمفاسد التي دفعها بهذا التشريع، وكون هذا يصلح لتعليل غيره فيعدى الحكم إليه، أمر وراء هذا.(2)


1 . البقرة: 228.
2 . تعليل الأحكام، ص 18.


(364)

نظرة أُخرى إلى مقاصد الشريعة

قد تبيّن لك أنّ المراد من مقاصد الشريعة هي العلل والمصالح والأغراض الداعية إلى تشريع الحكم، على أقسامها المختلفة.

ولكن ربما يطلق ذلك العنوان، على دراسة الفقه بصورة عامّة بتبيين خصوصيّاتها التي يعبّر عنها اليوم بفلسفة الفقه، وقد أجرى الباحث عبد الجبار الرفاعي حوارات مع عدد من العلماء حول مقاصد الشريعة، وأدلى كلّ واحد منهم بوجهة نظره في هذا الموضوع، ونحن نقتبس كلمات من بعض الحوارات معترفين بعدم الصلة بينها وبين مقاصد الشريعة التي أشاد بنيانها الشاطبي في القرن الثامن.

1. خطابات موجّهة إلى الأُمّة وإلى الأفراد

ركّز الشيخ محمد مهدي شمس الدين (رحمه الله) في المقام على لزوم التمييز بين نوعين من الخطابات التكليفيّة في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة:

أحدهما: الخطابات الموجهة إلى الأُمّة باعتبارها مكلّفاً للجماعة.

الثاني: الخطابات الموجهة للأفراد. خلافاً للنظرة الموروثة والسائدة التي اعتبرت الخطابات الشرعية كلّها موجهة للأفراد....

ويؤكد الشيخ شمس الدين على أنّ الخلل المنهجي الذي اعتبر الشريعة شريعة أفراد واعتبر الدين دين أفراد لا جماعة، تغلغلت آثاره بوضوح في الفقه، فلا نلاحظ في مجال الاجتماع، فقه قضايا الوحدة الإسلامية، أو قضايا الأُمّة، أو قضايا المجتمع، وهكذا فقه البيئة، أو فقه الطبيعة.


(365)

2. أرضية جديدة لبناء القيم العليا

يتجاوز الشيخ طه جابر العلواني التصنيف الذي صاغه الشاطبي للمقاصد ومستوياتها ويصوغ منظومة مقاصدية بديلة، يستوحيها من القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وتعبّر هذه المنظومة المقاصدية عن محاولة جادّة أصيلة في تجديد الاجتهاد في حقل المقاصد بنحو يمكن أن تشكل هذه المقاصد العليا إطاراً يوجّه عملية الاستنباط الفقهي لبلوغ الحكم الشرعي المواكب لمستجدّات الحياة.

وتمثّل المقاصد العليا بالقيم التي استخلف الإنسان لتحقيقها وهي:

المستوى الأوّل:

1. التوحيد، 2. التزكية، 3. العمران.

المستوى الثاني:

1. العدل، 2. الحرية، 3. المساواة.

المستوى الأخير:

1. ضروريات ، 2. حاجيات، 3. تحسينيّات.

3. العبادات كالمعاملات خاضعة للتعليل

يتجاوز الدكتور أحمد الريسوني المنظور التقليدي للشاطبي وغيره، الذي يذهب إلى أنّ الأصل في العبادات عدم التعليل فيقرّر أنّ الأصل في الشريعة بتمامها هو التعليل، لأنّ اللّه تعالى علل الشريعة كلّها، بأنّها رحمة للعالمين، وصلاح لهم، وإخراج من الظلمات إلى النور، فالشريعة رحمة كلّها، ومصلحة كلّها وحكمة كلّها، ومن الخطأ قصر النظر في المصالح على الأُمور المعيشية، لأنّ العبادات فيها


(366)

ضبط وانضباط ونظام للعباد وفيها تسهيل لقيامهم بواجبهم، وتدريبهم على الانضباط، بما هو نوع من التحضّر.

إلى غير ذلك من نظريات أبداها أصحاب الفضيلة، ومن أحبّ الوقوف عليها فليرجع إلى هذا المصدر : مقاصد الشريعة، دار الفكر ، دمشق.

هذا ما سنحت به الفرصة لتبيين مقاصد الشريعة على وجه الإيجاز، والأمل أن نعود إليها على وجه التفصيل في المستقبل بإذنه سبحانه.

جعفر السبحاني    
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
18جمادى الآخرة 1425هـ     


(367)

الفهارس الفنية

1. فهرس مصادر التأليف

2. فهرس المحتويات


(368)


(369)

فهرس مصادر التأليف

نبدأ تبركاً بالقرآن الكريم

حرف الألف

1. إبانة المختار: شيخ الشريعة الاصفهاني (1266ـ 1339هـ ) دار القرآن الكريم، قم ـ 1405هـ.

2. الاحتجاج: أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي(من علماء القرن السادس الهجري) منشورات أُسوة التابعة لمنظمة الحجّ والأوقاف، قم ـ 1413هـ.

3. الإحكام في أُصول الأحكام: الآمدي: علي بن محمد(551ـ 631هـ) دار الكتاب العربي، بيروت ـ 1404هـ.

4. الإحكام في أُصول الأحكام: ابن حزم الأندلسي الظاهري (384ـ 456هـ) دار الجيل، بيروت ـ 1407هـ.

5. الاختصاص: الشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان(336ـ 413هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.


(370)

6. الأربعون حديثاً: النبهاني

7. إرشاد الأذهان: العلاّمة الحلي: الحسن بن يوسف بن المطهّر(648ـ 726هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1410هـ.

8. إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول: محمد حسين الحاج العاملي تقريرات لمحاضرات آية اللّه جعفر السبحاني، دار الأضواء; بيروت، 1420ـ 1425هـ.

9. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأُصول: محمد بن علي بن محمد الشوكاني(المتوفّى 1255هـ) دار المعرفة، بيروت.

10. أُصول السرخسي: محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي(المتوفّى 490هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1414هـ.

11. الأُصول العامة للفقه المقارن: محمد تقي الحكيم(المتوفّى 1423هـ)، المجمع العالمي لأهل البيت ـ 1418هـ.

12. أُصول الفقه: محمد أبو زهرة (المتوفّى 1396هـ)، دار الفكر العربي، مصر ـ 1997م.

13. أُصول الفقه الإسلامي: محمد مصطفى شلبي، دار النهضة العربية، بيروت ـ 1406هـ.

14. أُصول الفقه الإسلامي: وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر، بيروت; و دار الفكر، دمشق ـ 1416هـ.

15. إعلام الموقعين عن ربّ العالمين: ابن قيّم الجوزية. محمد بن أبي بكر(691ـ 751هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1374هـ.


(371)

16. أعيان الشيعة: السيد محسن الأمين العاملي (المتوفّى 1371هـ) دار التعارف، بيروت.

17. الأمالي: المفيد: محمد بن محمد بن النعمان (336ـ 413هـ) قم ـ 1404هـ.

حرف الباء

18. بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي(المتوفّى 1110هـ) مؤسسة الوفاء، بيروت ـ 1403هـ.

19. بحوث في الملل والنحل: جعفر السبحاني (المتولّد 1347هـ) مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ، قم، 8 أجزاء طبع الجزء الأخير 1418هـ.

20. بحوث مع أهل السنّة والسلفية: مهدي الحسيني الروحاني، المكتبة الإسلامية، الطبعة الأُولى ـ 1399هـ.

21. البرهان في أُصول الفقه: أبو المعالي عبد الملك بن عبد اللّه الجويني(419ـ 478هـ) دار الوفاء ـ 1420هـ.

22. بلوغ المرام من أدلّة الأحكام: ابن حجر العسقلاني (733ـ 852هـ) تصحيح وتعليق محمد حامد الفقي، دار النهضة، مصر ـ 1352هـ.

23. البيع: الإمام الخميني (1320ـ 1409هـ) مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران ـ 1418هـ.

حرف التاء

24. تاريخ الإسلام: الذهبي: محمد بن أحمد (673ـ 748هـ) دار الكتاب العربي، بيروت ـ 1991م.

25. تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي (849ـ 911هـ) مطبعة المدني،


(372)

القاهرة ـ 1383هـ.

26. التاريخ الكبير: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري(المتوفّى 256هـ) حيدر آباد الدكن ـ1362هـ.

27. تحرير المجلة: محمد حسين كاشف الغطاء (1294ـ 1373هـ) المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، قم ـ 1422هـ.

28. تحف العقول: الحسن بن علي الحرّاني (من أعلام القرن الرابع الهجري) مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ 1394هـ.

29. ترتيب المدارك: القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي (المتوفّى 544هـ) دار مكتبة الحياة، بيروت; ودار مكتبة الفكر، طرابلس، ليبيا.

30. التعريفات: الشريف علي بن محمد الجرجاني، دار السرور، بيروت.

31. تفسير الجلالين: جلال الدين السيوطي (849ـ 911هـ) طبعة حجر.

32. تفسير الطبري(جامع البيان): محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310هـ) دار المعرفة، بيروت.

33. التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام) : تحقيق و نشر مؤسسة الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف قم ـ 1409هـ.

34. تقريب الوصول إلى علم الأُصول: أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي(المتوفّى 741هـ) مكة المكرمة ـ 1410هـ.

حرف الجيم

35. جامع أحاديث الشيعة: إسماعيل المعزي الملايري (المعاصر) تحت إشراف السيد حسين الطباطبائي البروجردي (قدس سره) ، قم المقدسة، 26 جزءاً طبع الجزء الأخيرـ 1421هـ.


(373)

36. جامع الأُصول: ابن الأثير الجزري: المبارك بن محمد (544ـ 606هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1403هـ.

37. الجرح والتعديل: أبو حاتم الرازي (المتوفّى 327هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1371هـ.

38. جواهر الكلام: محمد حسن النجفي(المتوفّى1266هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

حرف الحاء

39. الحاصل من المحصول: الأرموي: محمود بن أبي بكر(المتوفّى 682هـ) دار المدار الإسلامي، بيروت ـ 1423هـ/2002م.

40. الحدائق الناضرة: الشيخ يوسف البحراني(المتوفّى 1186هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المقدّسة.

حرف الخاء

41. خلاصة التشريع الإسلامي: عبد الوهاب خلاف، دار القلم، الكويت ـ 1402هـ.

حرف الدال

42. الدر المنثور: جلال الدين السيوطي (849ـ 911هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1403هـ.

43. دروس في علم الأُصول: الحلقة الثانية: محمد باقر الصدر (المتوفّى 1400هـ) إسماعيليان، قم ـ 1408هـ.

حرف الذال

44. ذخائر العقبى: محب الدين أحمد بن عبد اللّه الطبري، مؤسسة الوفاء،


(374)

بيروت ـ1401هـ.

45. الذريعة إلى أُصول الشريعة: الشريف المرتضى: محمد بن علي علم الهدى(355ـ 436هـ) طهران ـ 1386هـ.

46. الذريعة في تصانيف الشيعة: آقا بزرگ الطهراني(المتوفّى 1389هـ) دار الأضواء، بيروت.

حرف الراء

47. رسائل ابن عابدين: محمد أمين افندي الشهير بابن عابدين، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

48. الرسائل: الإمام الخميني(1320ـ 1409هـ) مؤسسة إسماعيليان، قم ـ 1385هـ.

49. الرسالة: الشافعي: محمد بن إدريس (150ـ 204هـ) تحقيق أحمد محمد شاكر، المكتبة العلمية، بيروت.

حرف السين

50. السنن: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني(202ـ 275هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

51. السنن: الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة (209ـ 279هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

52. السنن: الدارمي: عبد اللّه بن عبد الرحمن (181ـ 255هـ) دار إحياء السنّة النبوية.

53. السنن الكبرى: البيهقي: أحمد بن الحسين(المتوفّى 458هـ) دار المعرفة، بيروت ـ 1406هـ.


(375)

54. السنن: النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي(215ـ 303هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1348هـ.

55. سير أعلام النبلاء: محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 848هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت ـ 1409هـ.

56. السيرة النبوية: ابن هشام: عبد الملك بن أيوب الحميري (المتوفّى 213 أو 218هـ) دار التراث العربي، بيروت.

حرف الشين

57. شرائع الإسلام : المحقّق الحلّي: نجم الدين جعفر بن الحسن (602ـ 676هـ) النجف الأشرف ـ 1389هـ.

58. شرح النووي على صحيح مسلم: أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (631 ـ 676هـ) دار القلم، بيروت ـ 1407هـ.

حرف الصاد

59. الصحيح: البخاري محمد بن إسماعيل (المتوفّى 256هـ) مكتبة عبد الحميد أحمد حنفي، مصر ـ 1314هـ.

60. الصحيح: مسلم بن الحجاج القشيري (المتوفّى 261هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

61. الصواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيتمي(899ـ 974هـ) مكتبة القاهرة، مصر ـ 1385هـ.

حرف الضاد

62. الضعفاء الكبير: محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي (المتوفّى 322هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1404هـ.


(376)

حرف الطاء

63. الطبقات الكبرى: محمد بن سعد (المتوفّى 230هـ) دار صادر، بيروت ـ 1380هـ.

حرف العين

64. عدة الأُصول: الشيخ الطوسي (385ـ 460هـ) مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) ، قم ـ 1403هـ.

65. عدة الداعي: أحمد بن فهد الحلّي (757ـ 841هـ) مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدسة ـ 1420هـ.

66. علم أُصول الفقه : عبد الوهاب خلاّف، دار الحديث، مصر ـ 1423هـ.

67. عون المعبود شرح سنن أبي داود: محمد شمس الحق العظيم آبادي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر، بيروت.

حرف الغين

68. غنية النزوع: حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (511ـ 585هـ) مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ، قم ـ 1417هـ.

حرف الفاء

69. الفتاوى الكبرى: ابن تيمية الحرّاني (المتوفّى 728هـ) دار القلم، بيروت ـ 1407هـ.

70. فضائل الأشهر الثلاثة: الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (306ـ 381هـ) مطبعة الآداب، النجف الأشرف ـ 1396هـ.

71. الفقه والمتفقه: الخطيب البغدادي.


(377)

72. فوائد الأُصول: محمد علي الكاظمي الخراساني (المتوفّى 1365هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1404هـ.

حرف الكاف

73 . الكافي: محمد بن يعقوب الكليني(المتوفّى 329هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1397هـ.

74. كفاية الأحكام: المحقّق السبزواري: المولى محمد باقر(المتوفّى 1090هـ) الطبعة الحجرية، إيران.

75. كنز العرفان في فقه القرآن: الفاضل المقداد بن عبد اللّه السيوري(المتوفّى826هـ) المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران ـ 1384هـ.

76. كنز العمال: المتّقي الهندي (المتوفّى 975هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت ـ 1405هـ.

حرف اللام

77. لسان العرب: ابن منظور محمد بن مكرم(المتوفّى 711هـ) قم المقدسة ـ 1405هـ.

78. لسان الميزان: أحمد بن علي بن حجر (المتوفّى 852هـ) مؤسسة الأعلمي، بيروت.

حرف الميم

79. مباحث العلّة في القياس: عبد الحكيم عبد الرحمن أسعد السعدي، دار البشائر الإسلامية،بيروت ـ 1421هـ.

80. المتاجر: الشيخ مرتضى الأنصاري(1214ـ 1281هـ) طبع تبريز.


(378)

81. المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين: محمد بن حبّان بن أحمد بن أبي حاتم التميمي البستي (المتوفّى 354هـ) دار المعرفة، بيروت ـ 1412هـ.

82. مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي(471ـ 548هـ) دار المعرفة، بيروت ـ 1408هـ.

83. مجمع الفائدة والبرهان: أحمد المقدس الأردبيلي (المتوفّى 993هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.

84. المحصول في علم الأُصول: جعفر السبحاني(المتولد 1347هـ ) مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ، قم ـ 1418هـ.

85. المدخل للفقه الإسلامي: محمد سلام مذكور

86. المراجعات: السيد عبد الحسين شرف الدين(1290ـ 1377هـ)طبع المجمع العلمي لأهل البيت، قم ـ 1422هـ.

87. مسالك الأفهام: الشهيد الثاني: زين الدين بن علي العاملي (911ـ 965هـ) مؤسسة المعارف الإسلامية، قم ـ 1413هـ.

88. المستدرك: الحاكم النيسابوري: محمد بن عبد اللّه (المتوفّى 405هـ) دار المعرفة، بيروت.

89. مستدرك الوسائل: المحدّث النوري: الحسين بن محمد تقي(1254ـ 1320هـ) مؤسسة آل البيت، قم ـ 1407هـ.

90. المستصفى من علم الأُصول: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (المتوفّى 505هـ) المطبعة الأميرية، مصر ـ 1322هـ.


(379)

91. المسند: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241هـ) دار الفكر، بيروت.

92. المسند الجامع (لأحاديث الكتب الستة، ومؤلّفات أصحابها الأُخرى...) حقّقه ورتّبه مجموعة من المؤلّفين، نشر دار الجيل في بيروت والشركة المتحدة في الكويت، الطبعة الأُولى ـ 1413هـ.

93. مصادر التشريع الإسلامي: عبد الوهاب خلاف

94. معادن الحكمة في مكاتيب الأئمّة: محمد بن المحسن بن المرتضى الكاشاني(1039ـ 1115هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ 1407هـ.

95. المعتمد في أُصول الفقه: أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي (المتوفّى 436هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1403هـ.

96. المعرفة والتاريخ: أبو يوسف يعقوب بن سفيان البسوي (المتوفّى 277هـ) نشر مكتبة الدار، المدينة المنوّرة ـ 1410هـ.

97. مفتاح الكرامة: السيد محمد جواد الحسيني العاملي (1164ـ حدود 1226هـ) دار التراث ومؤسسة فقه الشيعة، قم المقدسة ـ 1417هـ.

98. مقاصد الشريعة الإسلامية: الشيخ محمد طاهر بن عاشور، دار النفائس، الأردن ـ 1421هـ.

99. مقاييس اللغة : أحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى 395هـ) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة ـ 1366هـ.

100. مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب محمد بن علي السروي المازندراني(488ـ 588هـ) المطبعة العلمية، قم.


(380)

101. المنخول من تعليقات الأُصول: أبو حامد الغزالي (المتوفّى 505هـ) دار الفكر، دمشق ـ 1419هـ.

102. الموافقات في أُصول الأحكام: الشاطبي: إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي(المتوفّى 790هـ) دار الكتب العلمية، بيروت.

103. الموسوعة الفقهية الكويتية: وزراة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت ـ 1414هـ.

104. الميزان في تفسير القرآن: العلاّمة الطباطبائي(1321ـ 1402هـ) مؤسسة الأعلمي، بيروت ـ 1403هـ.

105. ميزان الاعتدال: محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 748هـ) دار المعرفة، بيروت.

حرف النون

106. نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي (359ـ 406هـ) بيروت ـ 1387هـ.

حرف الواو

107. الوجيز في أُصول الفقه: وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق; و دار الفكر المعاصر، بيروت ـ 1416هـ.

108. الوحي المحمدي: محمد رشيد رضا (المتوفّى 1354هـ) طبع سورية.

109. وسائل الشيعة: الحر العاملي: محمد بن الحسن(1033ـ 1104هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1403هـ.

110. الوصول إلى الأُصول: الكرخي: أبو الحسن عبد اللّه بن حسين (المتوفّى 340هـ) المطبعة الأدبية، مصر.

Website Security Test