welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : إرشاد العقول / ج 4*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

إرشاد العقول / ج 4

إرشاد العقول
إلى
مباحث الأُصول

يبحث عن الأدلة اللفظى
مباحث الالفاظ ـ القسم الثاني

تقريراً لمحاضرات

العلاّمة المحقّق
آية الله جعفر السبحاني دام ظلّه

تأليف

محمد حسين الحاج العاملي

الجزء الرابع

دار الاضواء
بيروت ـ لبنان


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)

التوبة: 122


(5)

كلمة الأُستاذ المحاضر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي تواترت نعماؤه، واستفاضت آلاؤه، والصلاة والسلام على سيّد أنبيائه وخاتم رسله أبي القاسم محمّد وآله الذين هم معجزة نبوته وآية رسالته صلاة دائمة لا نهاية لها.

أمّا بعد ، فقد سبرت هذا الجزء من كتاب «إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول» الذي قام بتحريره وترصيفه ولدنا الأعزّ العلاّمة الحجّة الثبت الشيخ محمد حسين الحاج العاملي حفظه اللّه وقد أودع فيه ما ألقيته على فضلاء الحوزة العلمية في قم المقدسة، فوجدته كأجزائه السابقة وافياً للمراد، بعيداً عن الإيجاز المخلّ، والإطناب المملّ.

وجاءت هذه الأجزاء الأربعة على منوال واحد في حسن التعبير وروعة البيان، وقد قام المؤلّف بهذا المجهود العظيم.

بعزمة دونها العيّـوق منزلـة وساعد ليس تُثنيه الملمّات


(6)

فقد شمّر عن ساعد الجدّ، وبذل غاية الجهد والكدّ، وأسهر الناظر، وأتعب الخاطر، فجاء بصحيفة كاملة لدورة أُصولية ، بلغة واضحة، تناسب لغة علم الأُصول، فصار قدوة لأمثاله، وأُسوة لأقرانه.

فجـزاه اللّه أحسـن الجزاء بما أسدى للمكتبة الإسلامية من خدمة كبيرة.

وأسأله سبحانه أن يرزقه خير الدنيا والآخرة، ويوفقه لمزيد من العلم والعمل. وجعل مستقبل أمره خيراً من ماضيه.

جعفر السبحاني           
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ   
12 محرم الحرام من شهور عام 1424هـ


(7)

كلمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وآله الطيّبين الطاهرين الذين هم أساس الدين وعماد اليقين صلاة دائمة زاكية غير منقطعة.

أمّا بعد، فهذا هو الجزء الرابع من كتابنا «إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول» أُقدمه للقراء الكرام عسى أن ينال الرضا منهم وقد اقتطفته من بحوث شيخنا الجليل والأُستاذ الكبير الذي كرّس نفسه للتدريس والتأليف وتربية جيل كبير من رواد العلم، أعني: به شيخنا وأُستاذنا آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني(مدّ اللّه في عمره الشريف).

وهذا الجزء يحتوي على لبّ ما أفاده وألقاه في حوزة درسه على فضلاء الحوزة العلمية بقم المقدسة وبه تتم دورة كاملة أُصولية، وقد أشرف على ما كتبتُه ونسّقته فحظى بالرضا و القبول.


(8)

وحقيقة الأمر أنّي لم أكن أحلم ـ يوم حضرتُ مجلس درس شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله الوارف ـ بهذه النعمة العظمى التي لا تُنال إلاّ بهمة قعساء، وجهود مضنية، لكن سوابغ نعمه سبحانه، وعميم فضله شملتني حتّى وفقتُ لتقديم موسوعة أُصولية تحتوي على أقوال المتقدّمين، وأنظار المتأخرين للجيل الحاضر.

أشكره سبحانه على هذه النعمة الكبرى، التي حباني بها، وأسأله سبحانه أن يتقبله بقبول حسن، ويرزقني حسن العاقبة.

محمد حسين الحاج العاملي
قم ـ الحوزة العلمية   


(9)

الفصل الخامس

اقتضاء الأمر بالشيء النهيَ عن ضدّه؟

وقبل الخوض في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

1. المسألة أُصولية

البحث عن أحكام الضد مسألة أُصولية لوقوع نتيجتها في طريق الاستنباط، لأنّه إذا ثبت اقتضاء الأمر بالشيء النهيَ عن ضدّه، كالإزالة الواجبة بالنسبة إلى الصلاة، تكون الصلاة منهيّة والنهي يوجب فسادَ متعلّقِه على القول بأنّ مثل هذا النهي يوجب الفساد فتُصبح الصلاة فاسدة، كما أنّه على القول بعدم الاقتضاء يحكم بصحتها.

2. المسألة عقلية أو لفظية

لو قلنا بأنّ المراد من الاقتضاء في عنوان البحث (الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه) هو الملازمة بين إرادة الوجوب وإرادة النهي عن ضدّه، تُصبح المسألة مسألة عقلية، وأمّا لو قلنا بأنّ المراد من الاقتضاء هو دلالة الأمر سواء أكانت مطابقية أو تضمنية أو التزامية، تكون المسألة لفظية أُصولية.


(10)

ومن هنا يعلم أنّ الجمع بين كون المسألة عقلية وتفسير الاقتضاء بالدلالة المطابقية أو التضمنية أو الالتزامية جمع غير صحيح، فمن جعل المسألة عقلية ليس له إلاّ البحث عن وجود الملازمة وعدمه، ومن جعل المسألة لفظية فعليه البحث عن كيفية الدلالة في مقام الإثبات .

3. الضدّ العام والخاص

يُفسّر الضدُّ المطلق بالمعاند، وهو إمّا ترك الشيء ـ كترك الإزالة ـ أو الشيء المزاحم للواجب كالصلاة بالنسبة إليها; ويسمى الأوّل بالضدّ العام، والثاني بالضد الخاص، وكلّما أطلق الضد بلا قرينة ينصرف إلى الضد الخاصّ.

4. محاور البحث

يتلخص البحث في هذا الفصل في محاور ثلاثة:

أ. حكم الضدّ العام.

ب. حكم الضدّ الخاص.

ج. الثمراث الفقهية للمسألة.

وإنّما قدمنا البحث عن الضدّ العام على الخاص، لأنّ إقامة البرهان على اقتضاء الأمر النهيَ عن الضدّ الخاص مبني على اقتضائه النهيَ عن الضدّ العام.


(11)

المحور الأوّل: الضد العام

هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضدّ العام أو لا؟

قد عرفت أنّ الاقتضاء إمّا بدلالة اللفظ، أو بحكم العقل بالملازمة. فلنقدّم الكلام في دلالة اللفظ على البحث في حكم العقل بالملازمة، فنقول:

إنّ دلالة الأمر على النهي عن الضدّ العام إمّا بالدلالة المطابقية، أو بالتضمنية، أو بالالتزامية.

أمّا الأُولى: فقد قالوا في بيانها ما يلي:

إذا أمر المولى بإزالة النجس عن المسجد فضده العام هو ترك الإزالة هذا من جانب.

ومن جانب آخر انّ النهي مطلقاً عبارة عن طلب الترك.

فعندئذ لو تعلّق النهي بترك الإزالة يكون مفادُه، طلبَ تركِ تركِ الإزالة، وهو نفس الأمر بالإزالة.


(12)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه افترض أُموراً، نحن أيضاً نفترض انّها صحيحة.

أ. انّ ضدّ الإزالة هو: ترك الإزالة .

ب: انّ مفاد النهي عن الشيء في عامة الموارد هو طلب الترك.

ج. انّ طلب ترك ترك الإزالة عبارة عن نفس الأمر بالإزالة.

نفترض انّ هذه الأُمور الثلاثة لا نزاع فيها وإنّما الكلام هل الأمر بالشيء يقتضي النهي الكذائي حتّى يكون النهي عين الأمر أو لا يقتضي؟ والمستدلّ لم يقم برهاناً على الاقتضاء ، و من المعلوم أنّ الكلام ليس في عينية، الأمر بالشيء مع النهي عن ترك الترك، وإنّما الكلام في اقتضاء الأمر وانّه يتولّد منه ذلك النهي الكذائي.

وثانياً: لو افترضنا وجود النهي الكذائي فهو ليس عين الأمر بالإزالة مفهوماً، نعم عينه مصداقاً ووجوداً، ومحل النزاع هو الأوّل لا الثاني.

وثالثاً: أنّ الاستدلال مبني على أنّ مفاد هيئة النهي في عامة الموارد هو (طلب الترك)، فإذا أُضيف إلى الضدّ العام (ترك الإزالة) يكون حاصل المجموع طلب ترك ترك الإزالة لكن مفهوم النهي هو الزجر عن الطبيعة، لأنّ النهي مشتمل على هيئة ومادة، فالهيئة تدلّ على الزجر، والمادة تدلّ على الطبيعة فأين الدال على طلب الترك؟

هذا كلّه حول الدلالة المطابقية.

وأمّا القول بالاقتضاء بالدلالة التضمنية فهو يَكْمُنُ في تحليل قولنا :«أزل النجاسة» حيث إنّ الأمر عند القائل «طلب الشيء مع المنع عن تركه» بحيث يكون المنع عن الترك جزء مفاد الأمر.

يلاحظ عليه: بأنّ الأمر مشتمل على الهيئة والمادة; والهيئة تدلّ على إنشاء البعث، والمادة على الطبيعة، فما هو الدالّ على المنع عن الترك؟

هذا كلّه حول الدلالة التضمنية.

وأمّا الدلالة الالتزامية فهي إمّا بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص بأن يكون


(13)

نفس تصور الوجوب كافياً في تصور المنع عن الترك، وإمّا بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم بأن يكون تصور الطرفين والنسبة كافياً في التصديق بالاقتضاء والدلالة.

أمّا الأوّل فواضح الانتفاء، إذ كيف يمكن ادّعاء الدلالة الالتزامية بهذا النحو مع أنّ الإنسان كثيراً ما يأمر بالشيء وهو غافل عن تركه، فضلاً عن النهي عن تركه.

وأمّا الثاني فلو افترضنا وجود ذلك النهي بعد تصور الأُمور الثلاثة، فهو إمّا لغو، أو غير باعث على النحو الذي ذكرنا في وجوب المقدّمة، إذ لو كان مطيعاً فلا حاجة إلى النهي عن الترك، وإن كان عاصياً فلا يكون النهي عن الترك داعياً وباعثاً.

أضف إلى ذلك: انّ ملاك الأمر وجود المصلحة في الفعل وعدمها في الترك، كما أنّ معنى النهي عن الشيء وجود المفسدة في الفعل وعدمها في الترك، فلو تواجد الأمر والنهي في مورد واحد فمعنى ذلك وجود المصلحة في الفعل والمفسدة في الترك وهو أمر نادر.

هذا كلّه إذا قلنا بالدلالة اللفظية، وأمّا القول بالدلالة العقلية فبيانه هو ادّعاء الملازمة بين الإرادتين، فلو أمر بشيء فلا محيص من ظهور إرادتين في نفسه وهو إرادة فعل الشيء وإرادة ترك تركها، وإثباتها دونه خرط القتاد، بل ليس في لوح النفس الإرادة واحدة فتارة تنسب إلى فعل الشيء، و أُخرى إلى ترك الترك.

إلى هنا تبيّن انّه لا وجه لادّعاء الاستلزام لا لفظياً ولا عقلياً، فلنعطف عنان القلم إلى بيان حكم الضدّ الخاص الذي هو بيت القصيد في هذا الفصل.


(14)

المحور الثاني

حكم الضدّ الخاص

والكلام في المقام هو نفس الكلام في المقام السابق، غير أنّ البحث فيه كان في الضدّ العام وفي المقام في الضدّ الخاص، وانّ الأمر بالشيء كالإزالة هل يدل على النهي عن الضدّ الخاص كالصلاة ؟فلو قال المولى: أزل النجاسة عن المسجد أو أدِّ الدين العاجل، فهل يلازم النهي عن الصلاة وأمثالها ممّا يمنع عن القيام بالواجب المضيّق أو لا.

وقد استدلّ القوم على الدلالة بوجهين:

الأوّل: انّ ترك الضد مقدمة لفعل الضدّ الأهم، وهذا ما نسمّيه بمسلك المقدمية.

الثاني: وجود الملازمة العقلية بين الأمر بالأهم والنهي عن المهم، وهذا ما نسمّيه بمسلك الملازمة.

ولنقدم البحث في الوجه الأوّل على الثاني، فنقول:

إنّ مسلك المقدمية مبنيّ على أُمور ثلاثة:

1. انّ ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ الآخر الأهم.

2. انّ مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.


(15)

3. انّ الأمر بالشيء أي الأمر بترك الصلاة بحكم انّه مقدمة يقتضي النهي عن ضدّه العام أي نقيض الترك وهو فعل الصلاة.

فلو ثبتت هذه المقدمات تكون النتيجة هي النهي عن الصلاة التي هي ضدّ عام لتركها وضدّ خاص للإزالة.

وبما انّ المهم من هذه الأُمور الثلاثة هو الأمر الأول نقدّم الكلام فيه.


(16)

مسلك المقدّمية

استدلّ القائل بالمقدّمية بالنحو التالي:

إنّ توقّف الشيء على ترك ضدّه ليس إلاّ من جهة المضادة والمعاندة بين الوجودين وقضيتهما الممانعة بينهما، ومن الواضح انّ عدم المانع مـن المقدمات.

وحاصل الاستدلال: انّ الصلاة مانعة عن الإزالة، وعدم المانع من أجزاء العلة، وجزء العلة ككلّ العلّة مقدّمة.

وقد ناقش صاحب الكفاية هذه المقدّمة بوجوه:

المناقشة الأُولى: بينهما كمال الملائمة لا المقدمية

إنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين لا تقتضي إلاّ عدم اجتماعهما في التحقّق بحيث لا منافاة أصلاً بين إحدى العينين وما هو نقيض الآخر(كالإزالة وعدم الصلاة)، بل كان بينهما كمال الملائمة، فإنّ إحدى العينين مع نقيض الآخر في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدم أحدهما على الآخر.(1)

وحاصل المناقشة: انّ المعاندة بين العينين وكمال الملائمة بين إحدى العينين ونقيض الآخر يقتضي انّ الجميع في رتبة واحدة، وما يكون في رتبة واحدة


1 . الكفاية:1/206.


(17)

لا يمكن أن يعد إحداهما مقدّمة للآخر.(1)

ثمّ إنّ المحقّق النائيني نقد هذه المقدمة، وقال:

إنّ المانع هو ما يوجب المنع عن رشح المقتضي، بحيث لولاه لأثر المقتضي أثره من إفاضة الوجود إلى المعلول فيكون الموجب لعدم الرشح والإفاضة هو وجود المانع، وهذا المعنى من المانع لا يتحقّق إلاّ بعد فرض وجود المقتضي بما له من الشرائط فانّه عند ذلك تصل النوبة إلى المانع ويكون عدم الشيء مستنداً إلى وجود المانع، وأمّا قبل ذلك فليس رتبة المانع، لوضوح أنّه لا يكون الشيء مانعاً عند عدم المقتضي أو شرطه، فلا يقال للبلّة الموجودة في الثوب أنّها مانعة عن احتراق الثوب إلاّ بعد وجود النار وتحقّق المجاورة والمماسة بينها و بين الثوب، وحينئذ يستند عدم احتراق الثوب إلى البلّة الموجودة فيه.

ويترتب على ذلك عدم إمكان مانعية أحد الضدّين.

وذلك لأنّه لا يتصوّر المانعية للصلاة إلاّ بعد تحقّق أمرين متضادين:

1. وجود العلّة التامة الشاملة للمقتضي لتحقّق الصلاة في الخارج.

2. وجود المقتضي والشرط للإزالة حتّى تكون الصلاة مانعة.

وذلك يستلزم وجود المقتضيين للضدّين، فكما أنّه لا يمكن اجتماع الضدّين، كذلك لا يمكن اجتماع مقتضي الضدّين لتضاد مقتضيهما أيضاً، وبعد عدم إمكان اجتماع مقتضي الضدّين لا يمكن كون أحدهما مانعاً عن الآخر.(2)


1 . ثمّ إنّ المحقّق الاصفهاني ناقش جواب المحقّق الخراساني كما ناقش السيد الإمام الخميني كلام المحقّق الاصفهاني، وقد نقلهما شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة كما نقل نظره في كلام الإمام السيد الخميني، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «المحصول» لزميلنا السيد الجلالي المازندراني حفظه اللّه.
2 . فوائد الأُصول:1/307ـ 308.


(18)

ثمّ إنّ أساس الإشكالين السابقين من المحقّق الخراساني والمحقّق النائيني كان مبنياً على تسليم كون عدم المانع مقدمة ولكن نوقش في خصوص كون عدم الضدّ مقدّمة لترك الضدّ.

وبعبارة أُخرى: كانت المناقشة في الصغرى مع قبول الكبرى ولكن الحقّ المناقشة في الكبرى وانّ عدم المانع على وجه الإطلاق من غير فرق بين المقام وغيره كعدم الرطوبة بالنسبة إلى الاحتراق ليس مقدّمة.

وذلك لأنّ الأصل في الخارج هو الوجود، والعدم ليس له أيّ أصالة فيه وإنّما هو مفهوم ذهني يصنعه الذهن بتعمل، مثلاً انّ الإنسان إذا دخل القاعة أملاً برؤية زيد ولم يره فيها ، فهو في الواقع لم ير شيئاً ولم يجد فيها شيئاً لا انّه يرى عدمه فيها، لكن الذهن بالتعمل يصنع من هذا مفهوماً ذهنياً باسم العدم مع خلو صفحة الوجود عنه.

وعلى ضوء ذلك فلا معنى لجعل عدم المانع من أجزاء العلة، إذ ليس له شأن التأثير أو التأثر ولا الموقوف ولا الموقوف عليه.

نعم لما كان وجود الضد مزاحماً لوجود الضد الآخر عُبِّر عن هذا التزاحم بأنّ عدم الضدّ شرط لوجود الضد الآخر، وكم فرق بين القول بأنّ الضدّ مزاحم، والقول بأنّ عدمه شرط.

وبعبارة أُخرى: انّ رطوبة الحطب أو القطن مانعة من تأثير المقتضي أي النار فيهما لا أنّ عدم الرطوبة شرط. فالأحكام كلّها للوجودات (الرطوبة مانعة) وينسب إلى الاعدام (عدم الرطوبة شرط بالعرض والمجاز)، وإلى ذلك يشير المحقّق السبزواري في منظومته وشرحه ما هذا لفظه:


(19)

لا ميز في الاعدام من حيث العدم وهو، لها إذاً بوهم ترتسم

كذاك في الأعدام لا عليّة وإن بها فاهوا فتقريبية

فلو قالوا : عدم العلّة علّة لعدم المعلول، فهو على سبيل التقريب، فانّ الحكم بالعلّية عليه، بتشابه الملكات، فإذا قيل: عدم الغيم علّة لعدم المطر، فهو باعتبار انّ الغيم علّة للمطر، فبالحقيقة قيل: لم تتحقّق العلّية التي كانت بين الوجودين، وهذا كما تجري أحكام الموجبات على السوالب في القضايا، فيقال: سالبة، حملية، أو شرطية، متصلة أو منفصلة أو غيرها كلّ ذلك بمتشابه الموجبات.(1)

وعلى ضوء هذا يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الاصفهاني حيث رأى أنّ لاعدام الملكات واقعية لكونها أمراً منتزعاً من الخارج فقال:

الاستعدادات والقابليات وأعدام الملكات كلّها، لا مطابَق لها في الخارج، بل شؤون وحيثيات انتزاعية لأُمور موجودة، فعدم البياض في الموضوع ـ الذي هو من أعدام الملكات كقابلية الموضوع ـ من الحيثيات الانتزاعية منه «فكون الموضوع بحيث لا بياض له» هو بحيث يكون قابلاً لعروض السواد فمتمم القابلية كنفس القابلية حيثية انتزاعية.(2)

وجه الضعف: انّ ما ذكره صحيح في الاستعداد والقابلية وحتى الإضافة فانّ القابلية في النواة والنطفة أمر تكويني موجود فيها دون الحجر، وهكذا الإضافة كالأُبوّة والبنوّة، فانّهما ينتزعان من حيثية وجودية من تخلّق الابن من ماء الأب،


1 . شرح المنظومة، قسم الحكمة، ص 47، نشر دار العلم.
2 . نهاية الدراية:1/220.


(20)

فلكلّ واقعية بواقعية مبدأ انتزاعهما، وأمّا الاعدام فليس لها واقعية سوى واقعية ملكاتها، فالواقعية في عدم البياض هي لنفس البياض دون عدمه وفي عدم البصر لنفس البصر لا للعدم.

وما أفاده من أنّ متمّم القابلية كنفس القابلية مشيراً إلى أنّ «عدم المانع» متمم للقابلية ضعيف جداً، فانّ قابلية الجسم لقبول البياض تامة لا نقص فيها، وأمّا عدم قبوله له مع وجود السواد، فليس لأجل نقص في القابلية، بل لوجود التزاحم بين الوجودين، فعُبِّر عن التمانع بأنّ عدم المانع شرط.

وعلى ما ذكرنا فالأولى رفض الكبرى على وجه الإطلاق لا قبولها والمناقشة في الصغرى.

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيد العلاّمة الطباطبائي ـ قدس سره ـ حيث قال: ربما يضاف العدم إلى الوجود، فيحصل له حظ من الوجود، ويتبعه نوع من التمايز كعدم البصر الذي هو العمى المتميز من عدم السمع الذي هو الصمم، وكعدم زيد وعدم عمر المتميز أحدهما عن الآخر.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ التميّز الذهني، غير كون العدم ذا حظ من الوجود في الخارج، فكلّ ما ذكره صحيح في الذهن لا في الخارج، والكلام إنّما هو في الثاني دون الأوّل، والتميز نوع ارتباط ذهني بين الأمرين الوجوديين فانّ العدم في عدم البصر، عدم بالحمل الأوّلي ، لكنّه موجود بالحمل الشايع الصناعي.

ثمّ إنّ للمحقّق الخراساني مناقشتين أُخريين حول المقدّمة الأُولى، وإليك دراستهما.


1 . نهاية الحكمة:19.


(21)

المناقشة الثانية: قياس الضدّين بالنقيضين

إنّ المنافاة بين النقيضين كما لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر كذلك في المتضادين.(1)

هذه، هي المناقشة الثانية التي وجّهها المحقّق الخراساني إلى المقدّمة الأُولى، أعني: كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضد، وتوضيحها كالتالي:

إنّ ارتفاع أحد النقيضين كرفع اللابياض ليس مقدمة لتحقّق النقيض الآخر (البياض) مع كمال المنافرة بين النقيضين(البياض و اللابياض)، بل رفع أحد النقيضين ملائم لثبوت النقيض الآخر.

فإذا كان هذا حال النقيضين فليكن حال الضدين أيضاً كذلك لوحدة الملاك وهو المنافرة بين العينين والملائمة بين أحدهما ورفع الآخر، فلا يكون رفع البياض مقدمة لثبوت الضدّ الآخر.

وربما تقرّر المناقشة بوجه آخر وهو التمسّك بقانون المساواة، بيانه:

إنّ النقيضين كالبياض واللا بياض في رتبة واحدة هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ الضدّين كالبياض والسواد في رتبة واحدة، فينتج انّ اللا بياض في رتبة الضدّ الآخر أي السواد.

وذلك لأنّه لو كان اللا بياض في رتبة البياض، وكان البياض في رتبة السواد، تكون النتيجة انّ اللا بياض في رتبة السواد لقاعدة التساوي، فانّ مساوي المساوي للشيء، مساو لذلك الشيء.(2)


1 . كفاية الأُصول:1/207.
2 . المراد من المساوي الأوّل هو اللا بياض ومن الثاني البياض، والمراد من الشيء هو السواد.


(22)

يلاحظ عليه: أنّ قانون المساواة إنّما يجري في المسائل الهندسية فيقال: انّ زاوية «أ» مساوية لزاوية «ب»، و زاوية «ب» مساوية لزواية «ج»، فينتج انّ زاوية «أ» مساوية لزواية «ج»، و أمّا التقدّم والتأخّر والتقارن من حيث الرتبة فلا تعمّها القاعدة، بل ثبوت كلّ تابع لوجود الملاك فيه وقد يوجد الملاك في أحد المساويين دون الآخر، ولذلك قالوا: إنّ ملازم العلّة ليس متقدماً على المعلول رتبة مع أنّ العلّة متقدمة عليه كذلك وما هو إلاّ لأنّ ملاك التقدّم وهو نشوء المعلول عن العلّة موجود في العلة لا في ملازمها.

وعلى ذلك فلو كان البياض متحداً مع السواد رتبة لا يكون دليلاً على أنّ المتحد مع البياض (اللا بياض) متّحد مع السواد في الرتبة، وذلك لفقد الملاك، لأنّ اتحاد النقيضين في الرتبة لأجل انّه لولا الاتحاد يلزم ارتفاعهما وهو محال مثلاً إذا لم يصدق أحد النقيضين كالبياض فلو قلنا بأنّ النقيضين في رتبة واحدة فلابدّ أن يصدق اللابياض، ولو نقل، لا يلزم أن يصدق اللا بياض وعند ذاك يلزم ارتفاع النقيضين، فظهر انّه لا محيص من القول بوحدة رتبة النقيضين وإلاّ يلزم ارتفاع النقيضين.

وهذا بخلاف اللا بياض والسواد فلا يلزم من القول بعدم الوحدة في الرتبة، سوى ارتفاعهما وعدم صدقهما ولا محذور فيه.

المناقشة الثالثة: استلزامه الدور

هذه هي المناقشة الثالثة التي وجهها المحقّق الخراساني إلى كون الضدّ مقدمة للضدّ الآخر، وبيّنها بالعبارة التالية:

لو اقتضى التضاد توقّفَ وجود الشيء على عدم ضدّه، توقّفَ الشيء على


(23)

عدم مانعه، لاقتضى توقّفَ عدمِ الضدّ على وجود الشيء، توقّفَ عدم الشيء على مانعه، بداهة ثبوت المانعية في الطرفين وكون المطاردة من الجانبين، وهو دور واضح.(1)

وربما يردّ الدور ـ بما في الكفاية ـ من أنّ توقف وجود أحد الضدين على عدم الآخر فعلي، ولكن توقّف عدم الآخر على وجود واحد من الضدّين شأني، مثلاً: انّ وجود السواد في محل متوقف فعلاً على عدم تحقّق البياض فيه، وأمّا توقّف عدم الضدّ (البياض) على وجود الآخر فهو شأني لا فعلي فلا دور.

أمّا كون التوقّف في جانب الوجود فعلي، فلوضوح انّ توقّف وجود المعلول على جميع أجزاء علته ومنها عدم المانع فعلي، لأنّ للجميع دخلاً فعلاً في تحقّقه ووجوده في الخارج، وأمّا عدم الضدّ فلا يتوقّف على وجود الضدّ الآخر، لأنّ عدمه يستند إلى عدم المقتضي له لا إلى وجود المانع في ظرف تحقّق المقتضي مع بقية الشرائط ليكون توقّفه عليه فعليّاً.

وقد أجاب عن الإشكال المحقّق الخراساني(2) بأنّ الدور وإن ارتفع فعلاً لكن لم يرتفع شأناً، لأنّ عدم الضدّ وإن كان موقوفاً عليه بالفعل، لوجود الضدّ


1 . كفاية الأُصول:1/207.
2 . لا يخفى انّ عبارة الكفاية في هذا المقام لا تخلو من إغلاق وغموض، وذلك لأجل أمرين:   الأوّل: انّه فصل بين المبتدأ أعني قوله:«وما قيل في التفصي» والخبر أعني قوله: «غير سديد» بفاصل طويل يبلغ مقدار صفحة، ومثل هذا يخل بالبلاغة.   الثاني: انّه أقحم بين الإشكال على الدور والإجابة عنه سؤالاً وجواباً تحت عنوان «إن قلت، قلت»، وزاد هذا تعقيداً على تعقيد.   وذكر شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ انّ السؤال قد طرحه تلميذه الشيخ عبد اللّه الكلبايكاني في درسه الشريف، وأجاب عنه بما في الكفاية، فمدّ اللّه عمر شيخنا الأُستاذ فقد أوضح ما في الكفاية بما لا مزيد عليه كما ترى.


(24)

الآخر، ولكنّه أيضاً موقوف على وجود الضدّ الآخر شأناً، بحيث لو وجد المقتضي للإيجاد يكون عدمه مستنداً إلى وجود الضدّ وهو أيضاً محال، ضرورة استلزامه كون شيء مع كونه في مرتبة متقدمة فعلاً، في مرتبة متأخرة شأناً.

تحليل المقدّمة الثانية من الاستدلال

قد عرفت أنّ القائل بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضدّ الخاص استدلّ بدليل ذات مقدّمات ثلاث:

الأُولى: انّ ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ الآخر، وهذا هو الذي تقدّم الحديث عنه.

الثانية: انّ مقدّمة الواجب واجب، وقد مرّ الكلام فيه.

الثالثة: إذا كان ترك الصلاة مقدّمة للإزالة بحكم المقدّمة الأُولى، وكان ترك الصلاة واجباً بحكم المقدّمة الثانية، تصل النوبة إلى المقدّمة الثالثة وهي انّ الأمر بالشيء ـ و هو في المقام أمر مقدّمي، لأنّ ترك الصلاة مقدّمة للإزالة ـ يقتضي النهي عن ضدّه العام أي نقيضه وهو هنا الصلاة، فتكون الصلاة منهياً عنها.

وببركة هذه المقدّمات الثلاث يثبت انّ المولى إذا أمر بالإزالة فلا محيص له عن النهي عن الصلاة بحكم هذه المقدّمات.

أقول: إنّ المقدّمتين التاليتين كالمقدّمة الأُولى باطلتان.

أمّا الثانية فقد قلنا: إنّ مقدّمة الواجب ليست بواجبة مطلقاً من غير فرق بين المقام وغيره، لأنّ الهدف من إيجاب المقدّمة هو إيجاد البعث والداعي في ذهن المخاطب; وعندئذ فلو كان المخاطب قاصداً للإتيان بذيها، فهو يأتي بالمقدّمة


(25)

بحكم العقل من دون حاجة إلى إيجابها; وإن كان صارفاً عن إتيانه، فلا يبعثه الأمر بالمقدّمة إلى امتثال ذيها لعدم ترتّب العقاب على تركها .

ومنه يظهر بطلان المقدّمة الثالثة وهو انّه إذا أمر المولى بترك الصلاة بحكم انّه مقدّمة فعليه أن ينهى عن ضدّه العام ـ أعني: ترك ترك الصلاة الذي هو مساو للصلاة ـ فانّ هذا النهي مثل الأمر بالمقدّمة إمّا لغو وإمّا غير باعث، لأنّه لو كان ناوياً للإزالة فلا حاجة للنهي عن الصلاة، وإن كان صارفاً عنها فلا يكون النهي عن الصلاة داعياً له إلى امتثال الإزالة.

وبذلك تمّ الكلام في المسلك الأوّل الذي أسميناه بمسلك المقدّميّة حيث إنّ المستدلّ يتطرق إلى مقصود عن هذا الطريق، وبدوري أرفع آية الاعتذار إلى القرّاء الأعزاء من الإطناب في هذا البحث، فانّ طبيعة البحث ألجأتني إليه.


(26)

المسلك الثاني: مسلك الملازمة

قد عرفت أنّ القائل بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام استدلّ بوجهين:

أحدهما: مسلك المقدمية وقد مضى الكلام فيه.

الثاني: مسلك الملازمة والاستدلال عن هذا الطريق مبني على أُمور ثلاثة:

أ: انّ الأمر بالشيء كالإزالة مستلزم للنهي عن ضدّه العام وهو ترك الإزالة.

ب: انّ الاشتغال بكلّ فعل وجودي (الضدّ الخاص) كالصلاة والأكل ملازم للضدّ العام، كترك الإزالة حيث إنّهما يجتمعان.

ج: المتلازمان متساويان في الحكم، فإذا كان تركُ الإزالة منهياً عنه ـ حسب المقدّمة الأُولى ـ فالضدّ الملازم لها كالصلاة يكون مثلَه. فينتج انّ الأمر بالشيء ـ كالإزالة ـ مستلزم للنهي عن الضدّ الخاص.

يلاحظ على الأمر الأوّل بما مرّ من المنع عن اقتضاء الأمر النهي عن ضدّه العام، وانّ مثل هذا النهي المولوي لا يترتّب عليه أي أثر.

كما يلاحظ على الأمر الثاني بأنّه لا دليل على تساوي المتلازمين في الحكم، إذ يمكن أن يكون الملاك موجوداً في أحدهما دون الآخر. بأن يكون ترك الإزالة حراماً ولا يكون ملازمة الصلاة حراماً لوجود الملاك في الأوّل دون الثاني.

نعم يجب أن لا يكون المساوي محكوماً بحكم مضاد لحكم المساوي، فإذا


(27)

وجب الاستقبال إلى الكعبة لا يجوز أن يحرم الاستدبار إلى الجدي. نعم لا يجب أن يكون الاستدبار واجباً.

قد فرغنا عن الدليلين اللّذين أُقيما على أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاص، ولما كانت المقدّمة الأُولى للدليل الأوّل، هو مقدمية ترك الضدّ، لفعل الضدّ الآخر، وقد عرفت بطلانه وكان للمحقّق الخوانساري تفصيلاً في المقام، أحببت التعرّض له فأقول:

عود إلى مسلك المقدمية ثانياً

ذهب المحقّق الخوانساري إلى التفصيل بين الضدّ الموجود والضدّ المعدوم، فذهب إلى توقّف الضدّ على ارتفاع الضد الموجود ولا يمكن، فلو كان المحل أسود توقف عروض: البياض على ارتفاع السواد دونما إذا لم يكن أسود.

وأيّده المحقّق النائيني بقوله: إنّ المحل إذا كان مشغولاً بأحد الضدّين، فلا يكون قابلاً لعروض الضدّ الآخر إلاّ بعد انعدامه، ويكون وجوده موقوفاً على عدم الضدّ الموجود، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن شيء منهما موجوداً وكان المحل خالياً عن كلّ منهما، فانّ قابليته لعروض كلّ منهما فعلية، فإذا وجد المقتضي لأحدهما، فلامحالة يكون موجوداً من دون أن يكون لعدم الآخر دخل في وجوده.(1)

يلاحظ على أصل الاستدلال بأنّ العدم أنزل من أن يكون موقوفاً عليه أو موقوفاً وحقيقة الأمر انّه يرجع إلى التزاحم بين الوجودين، فعبّروا عن رفع التزاحم بأنّ ورود أحدهما يتوقّف على عدم الآخر، ففيما كانت الفاكهة على الشجر سوداء، وإن كان يمتنع عروض البياض عليها، لكن لا لأجل كون عدم السواد مقدمة


1 . أجود التقريرات:1/259.


(28)

لعروض البياض، بل لأجل التزاحم بين الوجودين فعبروا عن التزاحم بكون عدم السواد مقدمة لعروض البياض.

ويلاحظ على التأييد بأنّه أيضاً كأصل الاستدلال، إذ لا نقص في قابلية الجسم، بل هي كاملة سواء أكان الضدّ موجوداً أم لا، وانّ عروض الضدّ لا يبطل القابلية للجسم، وعدم قبوله لا للنقص في القابلية بل لأجل وجود التمانع بين الوجودين.

بحث استطرادي: إنكار المباح أو شبهة الكعبي

نقل الأُصوليون عن عبد اللّه بن أحمد الكعبي انتفاء المباح وانّ الأحكام تنحصر في الواجب والحرام قائلاً بأنّ ترك الحرام يتوقّف على فعل واحد من أفراد المباح فيجب بوجوبه بحكم كونه مقدّمة.

وما ذكره من الاستدلال مبنيّ على أُمور ثلاثة:

الأوّل: انّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بضدّه العام، فلو كان فعل الشيء حراماً كالكذب كان تركه واجباً، وهذا نظير ما لو كان فعله واجباً ـ كالإزالة ـ كان تركه حراماً.

وبالجملة كما يتولد من الأمر بالشيء، النهي عن الضدّ العام، فهكذا يتولّد من النهي عنه، الأمر بالضد العام.

الثاني: انّ الترك الواجب (ترك الكذب) يتوقّف على فعل من الأفعال الاختيارية الوجودية لاستحالة خلو المكلّف عن فعل من الأفعال الاختيارية.

الثالث: انّ مقدمة الواجب وهي الفعل الاختياري الذي يتوقّف عليه الترك الواجب واجبة فينتفي المباح.


(29)

يلاحظ على الأمر الأوّل: أنّه لا دليل إذا كان فعل الشيء حراماً أن يكون تركه واجباً لما عرفت من أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه العام، إذ هو لا يترتّب عليه أيّ أثر.

ويلاحظ على الأمر الثاني: أنّ الترك الواجب (ترك الحرام ) لا يتوقّف على فعل من الأفعال الاختيارية الوجودية كالمباح، وذلك لأنّ ترك الحرام مستند إمّا إلى فقد المقتضي الذي يعبر عنه بالصارف، أو وجود المقتضي للضد الآخر. مثلاً: انّ ترك الكذب إمّا لأجل الصارف عنه خوفاً من اللّه سبحانه، أو إلى وجود المقتضي للأضداد الأُخر كالأكل والشرب.

وعلى كلّ تقدير فالمقدّمة لترك الحرام(أو للترك الواجب) أحد الأمرين:

1. الصارف عن الحرام.

2. وجود المقتضي لارتكاب الأكل والشرب وبالتالي لا يكون المباح مقدّمة.


(30)

المحور الثالث

في الثمرة الفقهية

قد عرفت أنّ الكلام في هذا الفصل يدور على محاور ثلاثة، وقد مضى الحديث عن المحورين الأوّلين فلا نعود إليهما، ولنركِّز على المحور الثالث وهو ثمرة البحث، فنقول:

إنّ ثمرة البحث هي بطلان الصلاة وصحّتها على القول بالاقتضاء وعدمه، فلو كان الأمر بالمضيَّق كالإزالة مقتضياً للنهي عن الموسَّع كالصلاة، فالصلاة تكون محكومة بالبطلان، ولو نُفِي الاقتضاء فلا تكون منهياً عنها وتكون صحيحة طبعاً.

نعم مجرّد ثبوت تعلّق النهي بالصلاة لا يكفي في استنتاج المسألة الفقهية بل يجب أن تُضم إليها مسألة أُصولية أُخرى، وهي انّ النهي في العبادات موجب للفساد.

وعلى ضوء ذلك فاستنتاج البطلان موقوف على مقدّمتين: صغرى وكبرى.

فالصغرى أي تعلّق النهي يثبت في المقام.

وأمّا الكبرى فترجع إلى المقصد الثاني وهو انّ النهي في العبادات يدلّ على الفساد.

وبذلك يعلم أنّ المسألة الأُصولية تارة تكون علّة تامّة لاستنتاج المسألة


(31)

الفقهية كما هو الحال في حجّية خبر الواحد، وأُخرى تكون جزء العلّة كما في المقام حيث إنّ الصغرى على ذمّة هذا البحث و الكبرى على ذمّة المقصد الثاني، فبضم الأمرين يُستنتج الحكم الشرعي.

ثمّ إنّ جماعة أنكروا الثمرة لوجهين:

الأوّل: انّ النهي ـ على فرض ثبوته ـ نهي غيري، و هو لا يكشف عن وجوب المفسدة في المتعلّق فلا يكون ملازماً للفساد، وإنّما يدلّ النهي على الفساد إذا كان كاشفاً عن وجود المفسدة في المتعلّق على نحو يكون مبغوضاً للمولى وهو من خصائص النهي النفسي لا الغيري كما في المقام.(1)

هذا من غير فرق بين كون النهي مستفاداً من مسلك المقدمية أو مسلك الملازمة.

أمّا الأوّل فهو واضح، لأنّ ترك الصلاة مقدّمة لفعل الإزالة فيكون واجباً ويتعلّق به الأمر، لكن الأمر بترك الإزالة أمر مقدّمي يتولّد منه نهي غيري آخر، وهو النهي عن الصلاة بذريعة انّ الأمر بالشيء (ترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضدّه العام أي النقيض وهو الصلاة.

وأمّا الثاني فقد عرفت أنّ استنباط النهي متوقّف على أنّ الأمر بالإزالة مقتض للنهي عن الضد العام، أعني: ترك الإزالة، وهذا النهي غيري يتولّد منه نهي آخر عن الصلاة لكونها ملازمة لترك الإزالة، والمتلازمان متحدان حكماً.

ولعلّنا نرجع إلى الإجابة عن هذا الإشكال.

الثاني: ما ذكره بهاء الدين العاملي من أنّ التكليف لإثبات النهي عن


1 . تهذيب الأُصول:1/300.


(32)

الصلاة أمر لا طائل تحته، إذ لا نحتاج في الحكم بفساد الصلاة إلى النهي، بل يكفي عدم الأمر بالصلاة، وهو أمر متفق عليه لظهور سقوط الأمر بالصلاة بعد الأمر بالإزالة، فكون الصلاة غير مأمور بها يكفي في فسادها.

ثمّ إنّ القوم حاولوا الإجابة عن هذا الإشكال بوجوه ثلاث:

الأوّل: كفاية وجود الملاك في صحّة العبادة ولا يلزم قصد الأمر، وهذا ما أجاب به المحقّق الخراساني.

الثاني: كفاية قصد الأمر المتعلق بالطبيعة وإن كان الفرد المزاحَم فاقداً للأمر، وهو المستفاد من كلمات المحقّق الثاني.

الثالث: تصحيح الأمر بالصلاة عن طريق الترتب.

وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر:

الأوّل: كفاية وجود الملاك في صحّة العبادة

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الصحّة ليست رهن تعلّق الأمر بالعبادة فقط، بل الصحّة أعمّ من الأمر، ويكفي فيها أيضاً وجود الملاك والرجحان الذاتي في العبادة، إذ الفرد المزاحم من العبادة وغير المزاحم سيّان في الملاك والمحبوبية الذاتية، إذ غاية ما أوجبه الابتلاء بالأهم هو سقوط أمره وأمّا سقوط ملاكه ورجحانه الذاتي وكونه معراج المؤمن وقربان كلّ تقي فهو بعد باق عليه.

فإن قلت: إنّ العلم بوجود الملاك فرع تعلّق الأمر بالصلاة والمفروض سقوطه، ومعه كيف يعلم الملاك وانّها صالحة للتقرب.وبعبارة أُخرى كما أنّ النهي يكشف عن عدم الملاك، فكذلك الأمر يكشف عن وجوده، ومع فقد الأمر فمن أين نستكشف وجود الملاك؟


(33)

قلت: إنّ المقام من قبيل المتزاحمين لا المتعارضين، والملاك في كلّ من المتزاحمين موجود على نحو لولا التزاحم لكان الفرد الموسَّع مأموراً به، وهذا معنى اشتماله على الملاك وإن لم يكن مأموراً به بالفعل، حتّى أنّ المحقّق النائيني جعل قصد الملاك أقوى في حصول التقرب من قصد الأمر، فقال: لم يدل دليل على اعتبار أزيد من قصد التقرب بالعمل في وقوعه عبادة، وأمّا تطبيقه على قصد الأمر فإنّما هو بحكم العقل، وقصد الملاك لو لم يكن أقوى في حصول التقرب بنظر العقل من قصد الأمر فلا أقلّ من كونه مثله.(1)

الثاني: كفاية قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة

وهذا الجواب مستنبط من كلام المحقّق الكركي وإن لم يكن هو بصدد الإجابة على إشكال بهاء الدين العاملي لتقدّم عصره عليه.

وحاصل ما يستنبط من كلامه انّ البحث عديم الثمرة في المضيقين دون المضيّق والموسّع.

أمّا الأوّل كإنقاذ الغريقين اللّذين أحدهما أهمّ من الآخر، فإنّ الأمر بالأهم يوجب سقوط الأمر بالمهم مطلقاً عن الفرد والطبيعة، إذ ليس لها إلاّ فرد واحد مزاحم بالأهم.

وأمّا الثاني فتظهر فيه الثمرة، فأمّا إذا بنينا على عدم تعلّق النهي بالضد كما هو مفروض الإشكال فغايته انّه يوجب سقوط الأمر بالطبيعة المتحقّقة في الفرد المزاحم لعدم القدرة على الإتيان به شرعاً، وهـو في حكم عـدم القـدرة عقلاً، لا سقوط الأمر عن الطبيعة بوجودها السعيّ، بل الأمر بها باق لعدم اختصاص


1 . أجود التقريرات:1/265; المحاضرات:3/71ـ 73.


(34)

تحقّق الطبيعة بالفرد المزاحم.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ الفرد المزاحم وإن لم يكن من مصاديق الطبيعة المأمور بها ولكنّه من مصاديق مطلق الطبيعة، وملاك الامتثال إنّما هو انطباق عنوان الطبيعة على الفرد الخارجي لا كون الفرد الخارجي بشخصه مأموراً به، فهو مصداق الطبيعة وإن لم يكن مصداق الطبيعة المأمور بها.

وبعبارة أُخرى : انّ الثابت هو سقوط الأمر عن هذا الفرد فواضح، لا سقوطه عن الطبيعة، وذلك لأنّ الواجب الموسّع له أفراد غير مزاحمة وإنّما المزاحمة بين المضيق والفرد المزاحم من الموسع، فيأتي الفرد بنية الأمر بالطبيعة باعتبار انّ لها مصاديق غير مزاحمة.

هذا هوالمستفاد من كلام المحقّق الكركي في «جامع المقاصد» في كتاب الدين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الأمر المتعلّق بالطبيعة يتصوّر على أقسام:

1. أن يكون وجوبها إنشائياً مادام الأهم غير مأتي به.

2. أن يكون وجوبها فعلياً والواجب استقبالياً، والمراد من الاستقبالي تعيّن الإتيان بالمهم بعد الإتيان بالأهم.

3. أن يكون الوجوب والواجب فعليّين.


1 . قال فيه: لا نسلم لزوم تكليف ما لا يطاق إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: أوجبت عليك كلاً من الأمرين لكن أحدهما مضيق والآخر موسّع، فإنّ قدّمت المضيّق فقد امتثلت وسلمت من الإثم، وإن قدّمت الموسّع فقد امتثلت وأثمت بالمخالفة في التقديم . (جامع المقاصد:5/12). ولم نجد فيه عبارة تصلح سنداً لما ذكره شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ في المتن، وهو أعرف بمواقع كلمات الفقهاء.


(35)

لكن الأمر الإنشائي لا يمكن التقرّب به، لأنّ المفروض عدم بلوغ إرادة المولى حدّ الطلب الجدّي.

وعلى الثاني لا يصحّ الإتيان بالفرد المزاحم، لأنّ المفروض انّ الطبيعة مقيدة بالزمان المتأخّر عن الإتيان بالأهم.

وأمّا الثالث وهو يستلزم أن يكون كلّ من الوجوب والواجب فعليين، فهو يستلزم الأمر بالضدين.

فالإتيان بالمهم في الأمر المتعلّق بالطبيعة لا ينجع، لأنّه بين كون الأمر إنشائياً أو الواجب استقبالياً وبين استلزامه طلب الضدين.

أضف إلى ذلك هو انّ الأمر المتعلّق بصرف الوجود أو نفس الطبيعة باعثاً وداعياً بالنسبة إلى هذا الفرد أو لا; فعلى الأوّل يلزم التكليف بالضدّين، وعلى الثاني لا يصحّ الإتيان بهذا الفرد بنية الأمر المتعلّق بالطبيعة لافتراض عدم باعثيته له.

هذا فإذا كان الجواب الأوّل ـ أي إتيان الصلاة بملاكها أو إتيانها بلحاظ الأمر المتعلّق بالطبيعة ـ ناجعاً في إضفاء الصحة على الصلاة فهو، وإلاّ فلابدّ من سلوك طريق آخر، وهو تصوير تعلّق الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان أمر الأهم وهذا هو البحث المعروف بالترتب، لترتب الأمر المتعلق بالمهم على عصيان الأمر الأهم.


(36)

الأمر بالضدين على نحو الترتّب

إنّ الترتّب من المسائل الشائكة التي تضاربت فيه الأقوال والآراء، وبما انّها من أُمّهات المسائل الأُصولية التي يستنبط بها مسائل مختلفة كما سنشير إليها، نقدم أُمّوراً قبل الخوض في صلب الموضوع.

الأوّل: الفرق بين التعارض و التزاحم

يستعمل لفظ التزاحم في هذا الباب و مبحث اجتماع الأمر والنهي، فلابدّ من توضيح المراد في المقام فقط، فنقول:

لا شكّ انّ التعارض والتزاحم يجمعهما وجود التنافي بين الدليلين وإنّما الاختلاف في مصبِّه، فنقول:

إنّ التعارض عبارة عن تنافي الدليلين في الجعل والإنشاء بأن يستحيل من المقنن الحكيم، صدور حكمين أو جعلين حقيقيين لغاية الامتثال فهو التعارض ويعرف بالتنافي بين مدلولي الدليلين في مقام الجعل والإنشاء.

مثلاً يستحيل على الحكيم أن يحرّم بيع العذرة وفي الوقت نفسه أن يبيحها فيقول: ثمن العذرة سحت ثمّ يقول: ولا بأس ببيع العذرة، إذ لا تنقدح الإرادتان المتضادتان في نفس المقنن على وجه الجد، فيُعلم كذب أحد الدليلين وعدم صدور واحد منهما في مقام التشريع.

ثمّ إنّ التكاذب بين الدليلين تارة يكون بالذات كما في المثال المذكور،


(37)

وأُخرى بالعرض، كما إذا ورد الدليل على وجوب صلاة الظهر وصلاة الجمعة في يومها، فانّ الدليلين خاليان من التنافي في مقام الجعل، إذ لا مانع من إيجاب صلاتين في وقت واحد يسع كلاً منهما لكن بعد ما علمنا أنّ الشارع لم يكتب يوم الجمعة على المكلّف إلاّ فريضة واحدة، عرضهما التكاذب بالعرض.

نعم لا يشترط في التعارض التنافي في مقام الامتثال، بل يمكن أن يكون المتعارضان ممكني الامتثال، كما إذا دلّ أحد الدليلين على وجوب الشيء والآخر على استحبابه أو إباحته; كما يمكن أن يكون ممتنعي الامتثال، كما إذا دلّ أحدهما على الوجوب والآخر على الحرمة والجامع بين عامة الأقسام وجود التكاذب في مقام الجعل والإنشاء.

وأمّا التزاحم فهو عبارة عن وجود التنافي بين الحكمين في مقام الامتثال بمعنى عدم المنافاة في مقام الجعل والتشريع، بل الحكمان في ذلك المقام متلائمان غير أنّ عجز المكلّف وقصور قدرته صار سبباً لحدوث التنافي بين الدليلين، كما في قولك «انقذ أخاك» و«انقذ عمّك» فجعل الحكمين والأمر بإنقاذ كلا الشخصين ليس فيه أي تناف في مقام الإنشاء، ولذلك لو ابتلى المكلّف بهما متعاقباً لا مجتمعاً تمكّن من الامتثال، وإنّما التنافي في مقام الامتثال عندما ابتلي بهما جمعاً.

ومثله المقام فإذا قال المولى أزل النجاسة عن المسجد وقال: (أَقِمِ الصَّلاةَ لدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيلِ)(1) فليس هناك أيّ تناف بين الدليلين لا في مقام الجعل كما هو واضح لاختلاف الموضوعين، بل ولا في مقام الامتثال، كما إذا ابتلى بأحدهما بعد الآخر، وإنّما التنافي فيما إذا ابتلى بهما معاً حيث يعجز عن القيام بالأمرين معاً.


1 . الإسراء:78.


(38)

وهذا هو المسمّى بالتزاحم بمعنى انّ صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن الصرف في الآخر.

ثمّ اعلم أنّ تفسير التعارض والتزاحم على هذا النحو هو خيرة المحقّق النائيني وتلاميذ مدرسته، وقد خالف في تفسيره المحقّق الخراساني وسيوافيك تفسيره في باب اجتماع الأمر والنهي عند الكلام في الأمر الثامن والتاسع من مقدّمات البحث.

الثاني: مرجحات التعارض غير مرجحات التزاحم

إذا كان التعارض يختلف بجوهره عن التزاحم فمرجّحات الأوّل غير مرجّحات الثاني، أمّا الأوّل فبما انّ التعارض هناك يرجع إلى مقام الجعل والتشريع فتمييز الصادق عن الكاذب رهن المرجحات التي يذكرها الشارع لتلك الغاية وليس للعقل إليها سبيل، وستوافيك تلك المرجحات في المقصد الثامن عند البحث عن التعادل والترجيح، وأمّا مرجحات باب التزاحم فبما انّ التنافي خارج عن مصب التشريع ولا صلة له بالشارع وإنّما يرجع إلى قصور قدرة المكلّف عن الامتثال، فللعقل سبيل إلى تعيين المرجّحات وهو تقديم الأهم بالذات أو بالعرض على غيره.

وعناوين تلك المرجّحات عبارة عن الأُمور التالية:

1. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل.

2. تقديم المضيق على الموسع.

3. تقديم الأهم بالذات على المهم.

4. سبق أحد الحكمين زماناً.


(39)

5. تقديم الواجب المطلق على المشروط.

وبما انّا قد استوفينا الكلام فيها ـ تبعاً لشيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في باب التعادل والتراجيح نطوي الكلام فيها و إن شئت فراجع «إرشاد العقول».(1)

الثالث: في تعريف الترتّب

إنّ الترتّب عبارة عن تعلّق أمر فعلي بواجب أهم على وجه الإطلاق بلا تقييد بشيء وتعلّق أمر فعلي آخر بضدّه المهم مشروطاً بعصيان ذلك الأمر المتعلّق بالأهم على نحو الشرط المتأخر أو بالعزم على عصيانه، وتظهر حقيقة الترتّب في المثالين الأخيرين.

أ. إذا كان الواجبان مضيّقين، كما إذا قال المولى: انقذ ولدي فإن عصيت فأنقذ الأجنبي.

ب. إذا كان أحد الواجبين مضيّقاً والآخر موسّعاً كما إذا قال: أزل النجاسة فإن عصيت فصلِّ.

فعلى كلا التقديرين يكون أحـد الأمرين مطلقاً والآخر مشروطاً بالعصيان.

الرابع: صحّة الترتّب وعدمها عقلي

البحث عن صحّة الترتّب وعدمها بحث عقلي لا دخالة للّفظ فيه وذكره في أبواب مباحث الألفاظ كذكر أحكام الملازمات في باب الأوامر مع أنّ البحث فيها عن الملازمة العقلية.


1 . إرشاد العقول:2/310ـ314، من المباحث العقلية.


(40)

الخامس: الترتّب يكفي في وقوعه إمكانه

إنّ مسألة الترتّب من المسائل التي يكفي في وقوعها إمكانها، وذلك لأنّه إذا ابتلى المكلّف في أوّل الظهر مثلاً بواجبين أحدهما مضيق والآخر موسّع، فيدور الأمر لأجل رفع التنافي بين أحد الأمرين:

أ. إمّا رفع اليد عن نفس الأمر بالمهم مطلقاً والقول بسقوطه كما عليه شيخنا بهاء الدين العاملي حيث زعم انّ الأمر بالإزالة موجب لسقوط الأمر بالصلاة مطلقاً.

ب. رفع اليد عن إطلاق الأمر بالمهم بأن يُقيّد بعصيان أمر الأهم، فلو كان تقييد الأمر بالمهم كافياً لرفع التنافي فلا وجه لرفع اليد عن أصل الأمر، لأنّ الضروريات تتقدر بقدرها، فمن صحّح الترتّب أخذ به، ومن لم يصحّحه رفع اليد عن الأمر بالمهم أساساً.

السادس: الأمر بالمهم فعليّ كالأهم

إنّ واقع الترتّب يقوم على أساس توجه أمرين فعليين إلى المكلّف أحد الأمرين مطلق والآخر مشروط.

وبعبارة أُخرى ففي الوقت الذي يكون الأمر بالمهم (الصلاة) فعلياً يكون الأمر بالإزالة أيضاً فعلياً لم يَسقط بعدُ لا بالامتثال ولا بالعصيان، فلأجل تصحيح الجمع بين الأمرين الفعليين يبقى الأمر بالأهم على إطلاقه، ويُقيّد الأمر بالمهمّ بالعصيان على نحو يكون الأمر معه فعليّاً أيضاً. ولذلك لابدّ من الدقة في الشرط الذي يخرج الأمر بالمهم عن إطلاقه ويصيره مشروطاً مع كونه فعلياً أيضاً.


(41)

فالجمع بين هذه الأُمور:

أ: كون الأمر بالمهم مشروطاً.

ب: كون الأمر بالمهم فعلياً.

ج: كون الأمر بالأهم غير ساقط بعد.

أمر دقيق يحتاج إلى مزيد من النظر.

فالذي يمكن أن يجمع بين هذه الأُمور هو عبارة عن جعل الشرط (العصيان) بالنحو التالي:

جعل العصيان شرطاً للأمر بالمهم لكن على نحو الشرط المتأخر لا المتقدم.

والمراد من الشرط المتأخر للتكاليف هو ما يكون الشرط متقدماً لحاظاً ومتأخراً وجوداً، وفي المقام انّ المولى يتصور عصيان العبد بالنسبة إلى الأمر بالأهم في المستقبل، ففي ذاك الظرف الذي يكون العصيان متقدماً لحاظاً ومتأخراً وجوداً يأمر بالمهم ويقول: وإن عصيت فصلِّ.

فالشرائط الثلاثة الآنفة الذكر محقّقة:

1. انّ الأمر بالمهم مشروط بالعصيان بنحو الشرط المتأخر.

2. كون الأمر بالمهم فعلياً لوجود شرطه وهو العصيان لكن بنحو الشرط المتأخر بمعنى تحقّقه لحاظاً لا خارجاً، وإلاّ فلو تحقق خارجاً لسقط الأمر بالإزالة ولا يوجد في ظرف التكليف إلاّ الأمر بالمهم.

3. والأمر بالأهم غير ساقط، لأنّه إنّما يسقط بالطاعة أو بالعصيان الخارجي المتقدّم على الأمر بالصلاة والمفروض انتفاؤهما.

أمّا الامتثال فظاهر، وأمّا العصيان فالمفروض انّه لم يتحقّق بعدُ كما هو


(42)

مقتضى أخذ العصيان على نحو الشرط المتأخر وجوده، وبذلك يعلم سرّ أخذ الشرط على نحو الشرط المتأخر لا المتقدّم بوجوده ولا المقارن، لأنّ العصيان المتقدم بوجوده يوجب سقوط الأمر بالإزالة وانحصار التكليف بامتثال الأمر المهم.

وأمّا العصيان المقارن فلأنّ الكلام في الأُمور التدريجية ولا يتصوّر فيها العصيان التدريجي، بل في الأُمور الدفعية كعصيان الأمر بإنقاذ الولد شرطاً مقارنها للأمر بإنقاذ الأجنبي.

فكما يمكن أن يكون العصيان الخارجي شرطاً للأمر بالمهم لكن بنحو الشرط المتأخر يمكن أن يكون الشرط المأخوذ في المهم هو عزم المكلّف بالعصيان، والفرق بين الأمرين واضح.

ففي الأوّل يكون الشرط هو العصيان الخارجي بوجوده المتأخر ومرجعه إلى لحاظ المولى العصيان شرطاً.

وأمّا الثاني فالشرط هو نية المكلّف وعزمه على العصيان، ومن المعلوم أنّ التكليف بالأهم لا يسقط بالعزم والنية فيكون الأمران فعليين متجانسين.

وبذلك تختلف مسألة عزم العصيان مع العصيان المتقدم حيث إنّ الأوّل لا يوجب سقوط التكليف بالأهم بخلاف الثاني.

إذا علمت ذلك فلنرجع إلى تقرير الترتّب. وقد ذكر له تقريبات مختلفة نأتي بها واحد بعد الآخر.


(43)

التقريب الأوّل للترتّب

قد قرر صاحب الكفاية دليل جواز الترتّب بالنحو التالي:

إنّه لا مانع عقلاً عن تعلّق الأمر بالضدّين كذلك أي بأن يكون الأمر بالأهم مطلقاً والأمر بغيره معلقاً على عصيان ذلك الأمر (على نحو الشرط المتأخر) أو البناء والعزم عليه بل هو واقع كثيراً عرفاً.(1)

نقد المحقّق الخراساني دليل القائل بالترتّب

إنّ المحقّق الخراساني نقد الدليل المذكور بما هذا بيانه:

إنّ ملاك الامتناع في الأمرين المطلقين متوفر في الأمرين اللّذين أحدهما مطلق والآخر مشروط، فانّ ملاك امتناع الأمريـن العرضيين عبـارة عن استـلزامهما طلب الضدين، فإذا قال: أزل النجاسة وفي الوقت نفسه صلِّ، فمعنى ذلك طلب الضدّين مع عدم تمكين المكلّف من صرف القدرة إلاّ في امتثال أحد الأمرين.

فإذا كان هذا (طلب الضدين) هو الملاك في امتناع الأمرين العرضيين المطلقين، فهو أيضاً موجود في الأمرين اللّذين أحدهما مطلق والآخر مشروط، وذلك لأنّ الأمر بالمهم وإن لم يكن في مرتبة الأمر بالأهم لكن الأمر بالأهم موجود


1 . الكفاية:1/213.


(44)

في رتبة الأمر بالمهم، فانّ المفروض انّ الأمر بالأهم لم يسقط بعدُ لا بالامتثال ولا بالعصيان فيكون في رتبة الأمر بالمهم، فيجتمع أمران فعليان في رتبة الأمر بالمهمّ وإن لم يكونا كذلك في رتبة الأمر بالأهمّ.

وبعبارة أُخرى: في المرتبة التي للأمر بالأهم دعوة إلى نفسه ليس للأمر بالمهم دعوة إلى امتثال نفسه ولكن في المرتبة التي للأمر بالمهم دعوة إلى متعلّقه فللأمر بالأهم أيضاً دعوة وطلب، لافتراض انّه بعدُ لم يسقط، لأنّ الشرط هو العصيان على نحو الشرط المتأخر.

هذا هو الإشكال الذي اعتمد عليه المحقّق الخراساني في نفي الترتّب، والذي عاقه عن تصويبه هو اجتماع الأمرين في مرتبة الأمر بالمهم وإن لم يكن اجتماع في مرتبة الأمر بالأهم.

تحليل نظرية المحقّق الخراساني

إنّ الملاك في استحالة توجه أمرين مطلقين إلى المكلّف ليس هو طلب الضدّين، بل طلب الجمع بين الضدّين، فانّ طلب الضدّين إذا لم يكن هناك طلبُ جمع بينهما فلا مانع منه كما في الأمر بالسكون في ظرف والأمر بالحركة في ظرف آخر، وإنّما الملاك في الاستحالة هو أن تكون نتيجة الأمرين هو طلب الجمع بينهما في زمان واحد، وهذا الملاك موجود في الأمرين المطلقين دون المطلق والمشروط، فهاهنا دعويان:

الأُولى: انّ نتيجة الأمرين المطلقين هي طلب الجمع بين الضدّين حيث يقول: أزل النجاسة وفي الوقت نفسه صلِّ صلاة الظهر، فهو يطلب في زمان واحد صدور أمرين متضادين وهما بمعنى الجمع بين الضدين، لأنّه جعَل ظرف امتثال


(45)

الأمر الأوّل، نفس ظرف امتثال الأمر الثاني بشهادة انّه قال: وفي الوقت نفسه صلِّ.

الثانية: انّ نتيجة الأمرين اللّذين أحدهما مطلق والآخر مشروط هو طلب الضدين لا طلب الجمع بين الضدين، وذلك لأنّه يطلب الإزالة بلا قيد وشرط كما هو مقتضى الإطلاق.

ولكن يطلب الصلاة في ظرف انصراف المكلّف عن امتثال الأمر بالإزالة، فتكون النتيجة طلب الضدين لا طلب الجمع بينهما، وإنّما يلزم طلب الجمع بين الضدّين لو طلب الأمر بالمهم حتّى في ظرف إرادته لامتثال الأمر بالأهم والمفروض خلافه.

وبعبارة أُخرى: انّ المولى يلاحظ انّ للمكلّف حالتين:

تارة يريد صرف قدرته في الأمر بالأهمّ، وهذا هو الذي يبعثه الأمر بالأهم إلى امتثاله.

وأُخرى لا يريد صرف قدرته فيه فلا يبعثه الأمر بالأهم إلى امتثاله لبعض الملابسات ولكن يوجد في نفسه داع إلى امتثال الأمر بالمهم، ولأجل رعاية كلتا الحالتين يأمر بالأهم وفي ظرف العصيان على نحو الشرط المتأخر يأمر بالمهم.

وبذلك يظهر انّ شيئاً من الأُمور التالية ليس مانعاً من توجيه أمرين إلى المكلّف على نحو الترتب.

1. اجتماع أمرين فعليين.

2. كون الأمر بالأهم في رتبة الأمر بالمهم.

3. استلزام اجتماعهما في مرتبة الأمر بالمهم طلب الضدين.


(46)

فليس شيء من هذه الأُمور مانعة عن إنشاء أمرين أحدهما مطلق والآخر مشروط ما لم يكن هناك طلب الجمع بين الضدين، وإنّما المانع هو الأمر الرابع أعني:

4. استلزام توجه الأمرين طلب الجمع بين الضدين، وهذا موجود في الأمرين العرضيين لا في الأمرين الطوليين.

ونزيد بياناً انّ مفتاح الترتّب كلمة واحدة، وهي استلزام اجتماع الأمرين الفعليين هل هو طلب الضدين أو طلب الجمع بين الضدّين؟ فمن أحال فاعتمد على الأوّل مع أنّه ليس بمحال، ومن جوزه فقد اعتمد على الثاني وانّ الترتب لا ينتهي إلى طلب الجمع بين الضدّين.

بذلك تقف انّ أكثر ما تداولته الألسن والرسائل والكتب حول الترتّب بحوث جانبية لا صلة لها بما هو مفتاح المسألة وحل معضلتها.

اعتراضات وأجوبتها

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني لما تبنَّى امتناعَ الترتّب و زعم أنّ لازمه طلب الضدّين، أثار أسئلة أربعة وأجاب عنها على النحو الرائج في الكتب العلمية، ونحن نذكر الأسئلة والأجوبة مع القضاء بين المعترض والمجيب.

الاعتراض الأوّل

لا دليل على امتناع طلب الضدّين إذا كان بسوء الاختيار حيث يعصي فيما بعدُ بالاختيار فلولاه لما كان متوجهاً إليه إلاّ الطلب بالأهمّ ولا دليل على امتناع طلب الضدّين إذا كان بسوء الاختيار.


(47)

إجابة المحقّق الخراساني

أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ استحالة طلب الضدّين إنّما هي لأجل كون صدور نفس التكليف بهذا النحو من الحكيم الملتفت إلى امتناعه، محالاً، بمعنى أنّه لا تنقدح في نفس الحكيم إرادتان متضادتان متعلّقتان بأمرين لا يتمكن المكلّف من جمعهما، وما هذا شأنه لا يفرَّق فيه بين سوء الاختيار أو حسن الاختيار، فلا فرق بين قولنا: أزل النجاسة وإن عصيت فصلّ، وقولنا: أزل النجاسة وإن سلمت على زيد فصلِّ، وقد حقّق في محله انّ مرجع التكليف بالمحال إلى كون نفس التكليف محالاً، فلا ينقدح في ذهن المولى إرادة جديّة متعلّقة بطيران زيد إذا كان فاقداً لأسبابه.

تحليل السؤال والجواب

إنّ المعترض يسلِّم انّ الترتّب يستلزم المحال غير أنّ المكلّف لما كان مقصّراً في المقام، وسبباً لهذا النوع من التكليف فلا مانع من تكليفه أخذاً بقولهم: الامتناع بالاختيار، لا ينافي الاختيار.

كما أنّ المجيب يسلِّم انّ الترتّب يستلزم المحال ولكن يردّ على تجويز التكليف بغير المقدور حتّى ولو كان السبب هو المكلّف.

ونحن نقول: الحقّ مع المجيب فإنّ التكليف بغير المقدور تكليف محال، وهو غير جائز في منطق العقل، سواء أكان المكلّف مقصّراً أم لا، غير أنّ الكلام في مقام آخر وهو فقدان الموضوع(المحال) في مبحث الترتب، إذ غاية ما يترتب عليه هو طلب الضدّين وهو ليس بمحال وما هو محال أي طلب الجمع بين الضدّين فليس بلازم في المقام.


(48)

فالسائل والمجيب يبحثان عن أمر لا وجود له في المقام كما عرفت.

الاعتراض الثاني

إنّ قياس المقام بالأمرين العرضيين قياس مع الفارق، فانّ كلاً من الأمرين العرضيين يطارد الآخر، فإذا قال: أزل النجاسة وفي الوقت نفسه صلِّ، فكلّ يدعو إلى بذل القدرة في متعلّقه، وعندئذ تظهر المطاردة لوحدة القدرة وكثرة المقدور، بخلاف الأمرين الطوليين، أي إذا كان الأمر الثاني مقيداً بعصيان الأمر الأوّل، فانّ الأمر المتعلّق بالمهم لا يطرد الأمر المتعلق بالأهم، وذلك لأنّ دعوة الأمر المتعلّق بالمهم إلى امتثاله في ظرف عدم الإتيان بالأهم، فلا يكاد يريد غير الأهم على تقدير إتيانه وإطاعة أمره.

وبعبارة أُخرى لو كانت دعوة الآمر المتعلق بالمهم شاملة لصورة إطاعة الأمر بالأهم يلزم المطاردة، وأمّا لو اختصت دعوته بصورة عدم امتثاله فلا يكون هناك مطاردة.

إجابة المحقّق الخراساني

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجهين:

الأوّل: انّ طرد الأمر المتعلّق بالمهم لا يختصّ بصورة إتيان الأمر بالأهم حتّى يقال: لا مطاردة عندئذ بين الأمرين، بل يعمّ حتّى صورة عدم إتيانه.

الثاني: انّ المطاردة من جانب واحد وهو طرد الأمر المتعلّق بالأهمّ كاف في إبطال الترتّب.

أمّا الأوّل فانّ الأمر المتعلّق بالمهم يطارد الأمر الآخر حتّى في صورة عصيان


(49)

الأمر بالأهم وعدم الإتيان به، وذلك لأنّ المطاردة لازم فعلية الأمر بالمهم، وكلّ أمر فعلي يدعو إلى متعلّقه ولو في ظرف عدم الإتيان بالأهم والمفروض انّ الأمر المتعلّق بالأهم لم يسقط بعدُ، و هو أيضاً فعلي فيلزم اجتماع أمرين فعليين كل يدعو إلى متعلّقه، وهو نفس مطاردة الأمر بالمهم، الأمرَ بالأهم.

والحاصل: انّ المعترض يركِّز في إنكار المطاردة على صورة إطاعة الأمر المتعلّق بالأهم، ومن المعلوم أنّه ليس في هذه الصورة أيّة مطاردة، ولكن المجيب يركز في إثبات المطاردة على صورة أُخرى، وهي صورة عصيان الأمر المتعلّق بالأهم ووجه المطاردة فعلية كلّ من الحكمين لحصول شرط الفعلية وداعوية كلّ إلى متعلّقه.

أقول: هذا، هو الإشكال المهم في الترتّب وهنا تُكْمنُ روح الترتب أو إنكاره، ولابدّ من علاجه على وجه يقلع الشبهة عن الأذهان، فنقول:

إنّ للأمر المتعلّق بالمهم في الصورة التي أشار إليها المحقّق الخراساني (صورة عدم الإتيان بالأهم) مفهومين:

الأوّل: بما انّه أمر فعلي يدعو إلى إيجاد متعلّقه لحصول شرط الفعلية، وعندئذ يتبادر إلى الذهن وجود المطاردة بينه و بين الأمر بالأهم غير الساقط بعدُ، وبما انّ الأمر بالأهم غير ساقط بعد يُستظهر منه وجود المطاردة، وهذا هو الذي جرّ المحقّق الخراساني إلى القول بوجود المطاردة حتّى من جانب الأمر بالمهم، ولكنّه غفل عن المفهوم الثاني للأمر بالمهم وهو:

الثاني: انّ الأمر بالمهم مع كونه فعلياً لا يأبى عن ترك امتثاله والاشتغال بالأهم حتّى في نفس هذه الحالة، وهذا هو الذي يزيل المطاردة المتوهمة، فالمحقّق الخراساني أخذ بالمفهوم الأوّل وغفل عن المفهوم الثاني.


(50)

وبعبارة أُخرى: انّ الأمر بالمهم وإن كان يدعو إلى إنجاز متعلّقه ولكنّه في حدّ نفسه يرخِّص ترك امتثاله والاشتغال بالأهم وبذلك تنثلم المطاردة المتوهمة.

هذا كلّه حول الجواب الأوّل.

وأمّا الجواب الثاني فهو انّ المحقّق الخراساني اكتفى في إبطال الترتّب بوجود الطرد من جانب واحد وهو الأمر بالأهم، وأساسه ما مرّ من أنّ الأمر بالمهم وإن لم يكن في مرتبة الأمر بالأهم لكن الأمر بالأهم موجود في مرتبة الأمر بالمهم فيجتمع أمران فعليان كما مرّ.

يلاحظ عليه بما مرّ من أنّ اجتماع أمرين فعليين كلّ يدعو إلى إنجاز متعلّقه إنّما يستلزم الامتناع بما إذا لم يكن لواحد من الأمرين مرونة وليونة وأمّا المقام فانّ الأمر بالأهم وإن لم يكن فيه مرونة وليونة لكنّ اجتماعهما في مرتبة الأمر بالمهم، لا يضرّ مادام الأمر الثاني يحتضن المرونة حيث إنّه في كلّ زمان ينسحب عن الساحة إذا أراد المكلّف امتثال الأمر المتعلّق بالأهم.

ونزيد إيضاحاً ونقول: إنّ مركز المطاردة الذي يعتمد عليه المحقّق الخراساني أحد المواضع الثلاثة:

أ. مقام الجعل والتشريع.

ب. مقام الفعلية.

ج. مقام الامتثال.

أمّا الأوّل فقد عرفت أنّ المورد من قبيل المتزاحمين، والمتزاحمان متلائمان في مقام الجعل ولا تكاذب بينهما في تلك المرتبة، فلا إشكال في جعل الإيجاب على إزالة النجاسة والصلاة وغيرهما من عشرات الموضوعات.


(51)

وأمّا الثاني: أي المطاردة في مرحلة الفعلية فلا شكّ انّ كلاً من الحكمين فعلي يدعو إلى إنجاز متعلّقه، لأنّ الأوّل مطلق والثاني مشروط قد تحقّق شرطه.

لكن كلّ أمر يدعو إلى متعلّقه ولا ينظر إلى الأمر الآخر حتّى تكون النتيجة طلب الجمع، وعلى فرض تسليمه في سائر الموارد ليس للأمر بالمهم إطلاق بالنسبة إلى صورة امتثال الأمر بالأهم.

وأمّا الثالث أي الامتثال، ومن حسن الحظ عدم المطاردة فيه، وذلك انّه لم يكن هناك صارف فالتأثير للأمر الأوّل، وإن كان صارف فالتأثير للأمر الثاني.

فتبيّن انّه لا مطاردة في البين في أية مرحلة من المراحل الثلاث:

الاعتراض الثالث

كيف تنكرون الترتب مع أنّه واقع في العرف كثيراً؟

إجابة المحقّق الخراساني

يمكن الجواب عمّا يتراءى انّه من باب الترتّب بوجهين:

أ. أن يكون الأمر بالمهم بعد التجاوز عن الأمر بالأهم.

ب. أن يكون الأمر بالمهم إرشاداً إلى محبوبيته وبقائه على ما هو عليه من المصلحة والغرض.

يلاحظ على الجواب الأوّل ـ أعني التجاوز عن الأمر بالأهم ـ: أنّه ماذا يريد من التجاوز؟ فهل يريد كونه منسوخاً والمفروض خلافه، ولأجل ذلك كلّما رجع إلى امتثال الأمر بالأهم لكان مطيعاً.


(52)

أو يريد انّه عند الخيبة عن تأثير الأمر الأوّل دون سقوطه، يأمر بالمهم، فهو نفس الترتّب.

إلى هنا تمّت الاعتراضات التي طرحها المحقّق الخراساني وأجاب عنها، وقد عرفت مدى صحّة الأجوبة .

الاستدلال على بطلان الترتّب بطريق الأن

وقد استدلّ المحقّق الخراساني على بطلان الترتّب من طريق الأن و قال: لو صحّ الترتّب للزم تعدّد التكليف، ولو تعدد التكليف وعصى المكلّف كلا الأمرين يلزم أن يعاقب بعقابين، ولكن التالي باطل لامتناع تعدّد العقوبة مع وحدة القدرة، فكذا المقدم أي تعدد التكليف.

يلاحظ عليه : أنّ في تعدّد العقاب ووحدته قولين:

1. انّ تعدّد العقاب ووحدته تابع لتعدّد القدرة ووحدتها، لا وحدة التكليف وتعدّده، فلو كانت القدرة واحدة والتكليف متعدداً، كما إذا تعدد الغريق وهو ترك نجاة الجميع لما كان عليه إلاّ عقاب واحد، لاستقلال العقل بقبح تعدّده مع عدم تعدّد القدرة.

ولذلك أفتوا بتعدّد العقاب في التكاليف العرضية كالصلاة والصوم، فلو تركهما، يعاقب عقابين لتعدّد القدرة المستلزمة كون المخالفة لا عن عذر.

وهذا بخلاف التكاليف الطولية فلا يوجب تعدد التكليف فيها تعدد العقاب مع وحدة القدرة.

وعلى ضوء ذلك فالتكليف في الترتب متعدد و بما انّ القدرة واحدة فليس هنا إلاّ عقاب واحد.


(53)

2. انّ تعدد العقاب ووحدته تابع لتعدد التكليف ووحدته عند المعصية، فلو كان هناك غريقان و ترك نجاة الكلّ، يعاقب بعقابين وإن لم يكن له إلاّ قدرة واحدة، ولا ينافي ذلك عدله سبحانه، لأنّه كان في وسع العبد ـ مع تعدد التكليف ووحدة القدرة ـ الاجتناب عن مخالفة التكليفين عن عذر، وذلك ببذل قدرته في إنقاذ واحد، والاعتذار عن ترك الأمر الآخر بالعجز، ومع أنّ هذا الباب كان مفتوحاً أمامه، فقد ترك إنقاذ الغريقين بلا عذر، فللمولى أن يؤاخذه ويقول:

لِمَ تركت إنقاذ زيد بلا عذر؟

لم تركت إنقاذ أخيه كذلك؟

فصار العبد التارك لكلا الأمرين مصدراً لمخالفة أمرين بلا عذر، فيستحقّ عقابين.

وبعبارة أُخرى: انّه يجب على العبد إمّا الامتثال وإمّا الاعتذار، فلو بذل قدرته في واحد يصحّ له الاعتذار عن عدم امتثال الآخر، وأمّا إذا ترك الجميع فليس له ما يصرف عنه العقاب، إذ لا امتثال ولا اعتذار.

إلى هنا تمّ التقريب الذي ذكره المحقّق الخراساني للترتّب كما تمّت مناقشاته وتحليلاته.

وهناك وجوه أُخرى لتقريب الترتب نذكرها تباعاً.

بيان للمحقّق الحائري في امتناع الترتّب

إنّ لشيخ مشايخنا المحقّق الحائري ـ قدس سره ـ تقريباً للقول بامتناع الترتّب ونقداً عليه، ونحن نذكر إجمال التقريب ثمّ نذكر نظرنا فيه.

إنّ هنا مقدّمتين:


(54)

1. انّ الضدّين ممّا لا يمكن إيجادهما في زمان واحد عقلاً، وهذه المقدّمة تعود إلى المكلَّف.

2. لا يصحّ للمكلِّف أن يطلب الضدّين في زمان واحد على وجه الإطلاق، وهذه المقدمة راجعة للآمر.

وعلى ضوء ذلك فإمّا أن يكون الأمران المتعلّقان بإيجاد الضدّين مطلقين، أو يكون أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً.

والأوّل لا يلتزم به كلّ من أحال التكليف بما لا يطاق.

وأمّا الثاني ـ أي كون التكليف الثاني مشروطاً ـ فالشرط إمّا هو الترك الخارجي للأهم، و بتعبير آخر العصيان الخارجي المتقدّم أو تصور المولى عصيان العبد، بمعنى انّه يترك في علم اللّه.

والأوّل أي كون الشرط هو العصيان الخارجي خارج عن الترتّب، لأنّ الأمر الأوّل يسقط بالعصيان الخارجي كما لو غرق الأهم دون المهمّ فلا يكون هناك أمران ولو طوليان، فبقي كون الشرط هو العزم على العصيان أو العصيان على نحو الشرط المتأخر، فعندئذ يسأل هل الشرط متحقّق أو لا؟ فعلى الثاني لا يكون الأمر بالمشروط فعلياً، وعلى الأوّل ينقلب الواجب المشروط بعد حصول شرطه إلى الواجب المطلق فتقع هذه الصورة في عداد الصورة الأُولى، أي الأمرين العرضيين المطلقين.

يلاحظ عليه: نحن نختار الشقّ الأخير، وانّ الشرط هو تصوّر العصيان من جانب المولى أو علمه سبحانه بعصيان العبد، أو قول المولى: «إن كنت معرضاً عن امتثال الأمر الأوّل»، أو: «كان في نفسك صارف عنه». وعلى كلّ تقدير فالشرط


(55)

متحقق، وانّ القضية الشرطية بعد حصول شرطها تنقلب إلى قضية مطلقة، ومع ذلك كلّه فالأمر بالمهم على نحو لو انصرف من صرف القدرة في المهم وحاول أن يمتثل الأمر بالأهم لما منعه الأمر بالمهم، فهذا النوع من التكليف وإن كان مطلقاً لكن لا يزاحم الأمر بالإزالة على وجه الإطلاق.

وقد تقدّم منّا انّ السبب لكون المطاردة من طرف واحد لا من طرفين، هو اشتمال الأمر الثاني على شرط يوجد فيه مرونة بالنسبة إلى امتثال الأمر بالأهم.

على أنّ انقلاب الواجب المشروط بعد حصول شرطه إلى الواجب المطلق، ممنوع جدّاً كما بيّن في محله.


(56)

التقريب الثاني(1) لتصحيح الترتّب

نقل المحقّق الاصفهاني تقريباً عن بعض الأُصوليين ما هذا حاصله:

إنّ اقتضاء كلّ أمر لإطاعة نفسه، في رتبة سابقة على إطاعته، كيف لا وهي مرتبة تأثيره وأثره، ومن البديهي أنّ كلّ علّة منعزلة في مرتبة أثرها عن التأثير وإنّما اقتضاؤها، في مرتبة ذاتها المقدّمة على تأثيرها وأثرها، ولازم ذلك كون عصيان المكلّف ـ وهو نقيض طاعته ـ أيضاً في مرتبة متأخّرة عن الأمر واقتضائه.

وعليه فإذا أُنيط أمر بعصيان مثل هذا الأمر، فلا شبهة انّ هذه الإناطة تُخرج الأمرين عن المزاحمة في التأثير، إذ في رتبة الأمر بالأهم، لا وجود للأمر بالمهم، وفي رتبة وجود الأمر بالمهم لا يكون اقتضاء للأمر الأهم. فلا مطاردة بين الأمرين، بل كلّ يؤثر في رتبة نفسه على وجه لا يوجب تحيّر المكلّف في امتثال كلّ منها ولا يقتضي كلّ من الأمرين إلقاء المكلّف فيما لا يطاق، بل كلّ يقتضي موضوعاً لا يقتضي غيره.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ التأخر الرتبي يحتاج إلى وجود الملاك في نفس الشيء وإلاّ فبمجرّد كونه مقارناً لما هو متأخر رتبة عن شيء لا يوجب اتّصافه بالتأخّر الرتبي والمقام من هذا القبيل، لأنّ تأخّر الطاعة عن الأمر لا يوجب تأخّر العصيان عن الأمر، إذ ملاك التأخّر موجود في الطاعة دون العصيان، لأنّ الطاعة


1 . مرّ التقريب الأوّل في كلام المحقّق الخراساني.
2 . نهاية الدراية:1/233.


(57)

أثر الأمر ومعلوله، والمعلول متأخّر رتبة عن العلّة، بخلاف العصيان، فإنّه ليس أثرَ الأمر لأنّ أثر الأمر هو البعث والتحريك.

وقد سبق منّا انّ قانون المساواة إنّما يحتجّ به في المسائل الهندسية، كمساواة الزوايا مثلاً وفي الزمانيات، فلو كان زيد متأخراً عن عمرو تأخراً زمانياً، وكان زيد وبكر من حيث الزمان متقارنين، فيكون بكر أيضاً متأخراً عن عمرو.

وأمّا التأخّر العقلي الذي يعبر عنه بالتأخّر الرتبي فلا يكفي فيه المقارنة، بل يجب أن يكون في المتأخر ملاك التأخر الرتبي، ولذلك لا يكون ملازم المعلول متأخراً عن العلة تأخّراً رتبياً مع أنّ ملازم المعلول متّحد معه رتبة .

وثانياً: أنّ التزاحم والتضاد ليس في المعية العقلية حتّى يرتفعا بالتأخر الرتبي للأمر بالمهم، بل موردهما هو المعية الزمانية، إذ الزمان الذي يكون الأمر بالأهم فيه فعلياً يكون الأمر بالمهم فيه أيضاً فعلياً باعثاً، فاللازم رفع التضاد في ذلك الظرف لا رفعه باختلاف الرتب.

والحاصل: انّ مجرّد تأخّر الأمر بالمهم عن الأمر بالأهم بحسب الرتبة العقلية مع المعية في الاقتضاء بحسب الزمان لا يدفع المطاردة، إذ مناط الاستحالة هي المعية الكونية في المتزاحمات والمتضادات لا في الرتب العقلية من المراتب الوجودية.

وهذا الإشكال يرد على أكثر من يحاول تصحيح الترتّب من طريق الاختلاف في الرتبة العقلية مع أنّه لا ينجع في رفع التضاد في زمان الامتثال.


(58)

التقريب الثالث لتصحيح الترتّب

ما نقله المحقّق الاصفهاني أيضاً وحاصله: انّ مرجع إطلاق الأمر بالأهم إلى سدّ باب عدمه من جميع الجهات حتّى العدم الآتي من قبل الأمر بالمهم فهو بإطلاقه يدعو إلى حفظه مطلقاً.

وأمّا الأمر بالمهم فلما كان مترتّباً على عدم الأهم وتركه، فإطلاقه يقتضي سدّ باب عدمه من كل الجهات إلاّ في ناحية الإتيان بالأهم.

وإن شئت قلت: إنّ الأمر بالمهم يقتضي سدّ باب عدمه في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق ولا منافاة بين قيام المولى بسدّ باب عدم الأهم مطلقاً، وسدّ باب عدم المهم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق، فالأمر بالمهم وإن كان فعليّاً لكنّه حيث تعلّق بسدِّ باب عدم المهم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق، فلا محالة لا محركية للأمر بالمهم نحو طرد عدم المهم إلاّ في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق.(1)

توضيحه: انّ لكلّ شيء اعداماً من جانب فقد المقتضي وفقد الشرط ووجود المانع وهو الضدّ هنا، والأمر بالأهم يقتضي سدّ كلّ عدم يتطرق إليه من أية جهة كان حتّى من جانب وجود المانع.

وأمّا الأمر بالمهم فهو يقتضي سدّ باب عدمه من جانب المقتضي، ومن


1 . نهاية الدراية:1/235.


(59)

جانب الشرط، وأمّا من ناحية المانع ـ أعني: الأهم ـ فانّه يقتضي سدّ باب عدم المهم، إلاّ فيما إذا كان سبب عدمه هو وجود الأهم فلا يقتضي عند ذلك سدّ عدمه، فحينئذ لا محركية للأمر بالمهم نحو طرد عدم نفسه، إلاّ إذا تطرق العدم إلى الأهم من باب الصدفة.

يلاحظ عليه: أنّ التزاحم بعد باق فنحن نفترض انّه تطرق العدم على الأهم من باب الاتفاق، وعندئذ فهل الأمر بالأهم عندئذ ساقط أو لا؟ والأوّل خلاف المفروض والثاني يستلزم المطاردة حيث إنّ الأمر بالأهم يطلب قلب عدمه إلى الوجود مع التحفظ على عدم المهم لكون وجوده مانعاً مع أنّ الأمر بالمهم في هذه الحالة أي عند تطرق العدم إلى الأهم فعلي يطلب طرد عدمه إلى الوجود فتقع المطاردة بين الاقتضاءين.

ولعمري الحقّ انّ الترتّب أمر عرفي لا يتوقف على هذه الدقائق العقلية، فالمهم ألاّ يكون نتيجته طلب الجمع بين الضدّين وإن كان نتيجته طلب الضدّين.


(60)

التقريب الرابع لتصحيح الترتّب

وهناك تقريب رابع ذكره المحقّق البروجردي، و قد ركز على خلاف التقريبين السابقين على عدم التزاحم في المواضع الثلاثة: مقام الجعل و التشريع، ومقام الفعلية، و مقام الامتثال. و قد قرره تارة في هذا المبحث وأُخرى في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، وإليك إجمال ما أفاد:

إنّه لا إشكال في أنّ التكليف بالمحال، بنفسه محال، فإنّ التكليف الحقيقي إنّما يصدر من المولى بداعي انبعاث المكلّف وتحرّكه نحو العمل، فإذا كان نفس المكلّف به محالاً، كالجمع بين السواد والبياض، أو الصعود إلى السماء بلا وسيلة، فلا محالة لا تنقدح الإرادة في نفسه جدّاً، وإن تكلّم به فإنّما يتكلّم به لدواع أُخر.

و مثله إذا كان هناك تكليف و كان كلّ واحد منهما أمراً ممكناً، و الزمان لا يتّسع إلاّلواحد منهما. فهذا أيضاً لا يصدر من المولى، لا لأنّ المكلّف به أمر محال، لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد منهما أمر ممكن، و ليس الجمع هو المأمور به حتّى يكون الامتناع لأجل طلب الجمع، بل من جهة تزاحمهما في مقام التأثير و إيجاد الداعي، فإنّ كلّ واحد من الضدّين، وإن كان ـ بحياله ـ أمراً ممكناً، لكن لمّا كان قيامه بهذا الواجب و ذاك الواجب في زمان لا يسع إلاّ واحداً منهما، أمراً غير ممكن، كان صدور الطلب من المولى بهذا النحو، أمراً محالاً بعد التفاته إلى الحال.


(61)

وأمّا إذا فرض البعثان غير متزاحمين في مقام التأثير، بل كان تأثير أحدهما عند عدم تأثير الآخر وخلوّ الظرف من المزاحم، فلا محالة ينقدح في نفس المولى طلب آخر يتعلّق بالضدّ، إذ الفعل مقدور للمكلّف، و الأمر الأوّل غير باعث ولا داع، و الزمان خال عن الفعل بحيث لولم يشغله المهمّ، لكان الزمان فارغاً عن الفعل مطلقاً، فأيّ مانع من طلب المهم عند عدم تأثير الأهم و عدم باعثيته؟

وهذا التقريب جميل في بابه حقيق بالتصديق، وقد أجال فكره في مجال التطبيق من دون أن يركز على الدقائق العقلية فيرفع التزاحم بجعل الأمرين في رتبتين، وبالتالي لم تأخذه هيبة الأمر بالمهم وفعليته في ظرف فعلية الأمر بالأهم الذي صار سبباً لذهاب جمع من الأعاظم إلى امتناع الترتب، منهم المحقّق الخراساني ومنهم سيدنا العلاّمة الحجّة الكوهكمري، فقد شغلت بالهم فعلية الأمر بالمهم وقالوا بأنّ نتيجة فعلية الأمرين هي طلب الضدّين.

ونزيد بياناً انّ التلاؤم والتضاد ـ يعني الأمرين ـ أمر عرضي، ومصبهما هو متعلّقات الأوامر، وقد عرفت أنّ بين المتعلّقين كمال التلاؤم في المجالات الثلاثة، والمهم هو مقام الامتثال فانّ تقييد أحد الأمرين بالعصيان يوجب التلاؤم بين الامتثالين.


(62)

التقريب الخامس لتصحيح الترتّب

وهناك تقريب خامس قام بتفصيله وتهذيبه وتشييد معالمه المحقّق النائيني آخذاً أصله من المحقّق المجدد الشيرازي(1230ـ1312هـ) ثمّ من تلميذه السيد محمد الفشاركي(المتوفّى 1315هـ) (قدس اللّه أسرارهم) وقد أطال الكلام في المقام ورتّب لإثبات الترتّب مقدّمات خمس، ونحن نذكر من كلّ مقدمة ملخّصها.

المقدّمة الأُولى: هل الموجب للجمع إطلاق الخطابين أو نفسهما؟

لا إشكال في أنّ الذي يوجب وقوع المكلّف في مضيقة المحال واستلزام التكليف بما لا يطاق إنّما هو إيجاب الجمع بين الضدّين، وعلى ذلك لا إشكال في سقوط ما هو منشأ إيجاب الجمع ليس إلاّ، ولا يمكن سقوط ما لا يوجب ذلك، وهذان الأمران ممّا لا كلام فيهما، بل الكلام كلّه في أنّ الموجب لإيجاب الجمع بين الضدّين هل هو نفس الخطابين واجتماعهما وفعليتهما مع وحدة زمان امتثالهما لمكان تحقّق شرطهما؟ أو انّ الموجب لإيجاب الجمع هو إطلاق كلّ من الخطابين لحالتي فعل متعلق الآخر وعدمه.

فلو قلنا بأنّ الموجب لإيجاب الجمع هو إطلاق الخطابين يسقط الإطلاق ويبقى أصل الخطاب ويصحّ الترتب ولو قلنا بأنّ الموجب هو نفس الخطابين واجتماعهما وفعليتهما مع وحدة زمان امتثالهما يسقط الخطابان من رأس وعليه


(63)

يبتني بطلانه.

ثمّ قال: ومن الغريب ما صدر من الشيخ حيث إنّه أنكر الترتّب في الضدين اللّذين يكون أحدهما أهم، ولكنّه في مبحث التعادل والترجيح التزم بالترتب من الجانبين عند التساوي وفقد المرجّح حيث قال في ذيل قوله: «إنّ الأصل في المتعارضين عدم حجّية أحدهما» ما لفظه:

«لكن لما كان امتثال التكليف بالعمل بكلّ منهما كسائر التكاليف الشرعية والعرفية مشروطاً بالقدرة، والمفروض انّ كلاً منهما مقدور في حال ترك الآخر وغير مقدور مع إيجاد الآخر، فكلّ منهما مع ترك الآخر مقدور يحرم تركه ويتعيّن فعله، ومع إيجاد الآخر يجوز تركه ولا يعاقب عليه، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلّة وجوب الامتثال والعمل بكلّ منهما بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة، وهذا ممّا تحكم به بديهية العقل كما في كلّ واجبين اجتمعا على المكلّف ولا مانع من تعيين كلّ منهما على المكلّف بمقتضى دليله إلاّ تعيين الآخر عليه كذلك».(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في تبيين محل النزاع لا غبار عليه، إنّما الكلام في عزو الترتب من الجانبين إلى الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ مع أنّ ما ذكره الشيخ لا صلة له بالترتّب المصطلح في المقام وذلك بالبيان التالي:

ذهب الشيخ إلى أنّ القول بحجّية الأخبار من باب الطريقية يستلزم السقوط وطرح كليهما،وأمّا على القول بحجّيتها من باب السببية واشتمال العمل بكلّ واحد منهما على مصلحة، فاللازم هو التخيير بين الخبرين، وهذا الخطاب التخييري يستفاد من نفس الأمر بالعمل بخبر العادل، أعني قوله: «صدق العادل» حيث إنّ العمل به في كلّ، مع الأخذ بالآخر غير ممكن، فيُقتصر في تقييد


1 . فوائد الأُصول:1/337ـ 338.


(64)

الدليل بتركه حين الأخذ بالآخر، فالحكم في الدرجة الأُولى هو الأخذ بهما، ولمّا كان الأخذ بهما محالاً يقتصر في الأخذ بكلّ عند ترك الآخر.

وعندئذ يظهر الفرق بين المقامين، بوجهين:

الأوّل : انّ التزاحم في مورد الترتّب وإن كان في مرحلة الامتثال لكن لا يعالج التزاحم فيها إلاّ بالتصرّف في مقام التشريع بتقييد خطاب المهم بعصيان الأهم، وسيوافيك انّ الترتّب من المسائل التي يلازم إمكانُها وقوعَها، فالدليلان بإطلاقهما يستلزمان التزاحم في مقام الامتثال، ولا يعالج إلاّ بتقييد المهم بعصيان الأهم فيرتفع التزاحم في مقام الامتثال.

وأمّا التعارض في كلام الشيخ فلا يمكن علاجه بالتصرّف في مقام التشريع للعلم بكذب أحدهما ولكن لمّا كان كلّ واحد مشتملاً على المصلحة مع كذب واحد منهما يقتصر في ترك المصلحة، بالأخذ بالآخر فيختصّ مورد العلاج بمقام الامتثال.

الثاني: انّ الأمر بالمهم في المقام في طول الأمر بالأهم ـ كما سيوافيك تفصيله ـ وهذا بخلاف الترتّب في كلام الشيخ فانّ كلاً من الدليلين في عرض الآخر غير انّه يتخير في العمل بواحد مع ترك الآخر، فكيف يقاس هذا الترتب بذلك؟

الثانية: الواجب المشروط (بعد حصول شرطه) لا ينقلب إلى الواجب المطلق

إنّ الواجب المشروط بعد حصول شرطه لا ينقلب إلى الواجب المطلق، فالحجّ واجب مشروط في حقّ الفقير والغني، والمستطيع وغيره حتّى بعد حصول شرطه، وبنى ذلك على أمرين:

أ. انّ الأحكام الشرعية مجعولة على نهج القضايا الحقيقية، وهي الحكم على


(65)

عنوان له مصاديق محققّة ومقدرة وليست من قبيل القضايا الشخصية، بل هي أحكام كلية.

ب. انّ كلّ شرط موضوع (وربما يبالغ ويقول: وكل موضوع شرط) وانّ الاستطاعة إن كانت بظاهرها شرطاً للوجوب لكنّها موضوعة للوجوب وكأنّه سبحانه يقول: الإنسان العاقل البالغ المستطيع يجب عليه الحجّ.

والحكم المجعول على موضوعه، لا ينقلب عمّا هو عليه، ولا يخرج الموضوع عن كونه موضوعاً، ولا الحكم عن كونه مجعولاً على موضوعه ووجود الشرط عبارة عن تحقّق موضوعه خارجاً، وبتحقّق الموضوع خارجاً لا ينقلب الواجب المجعول من الكيفية التي جعل عليها ولا يوصف بالإطلاق بعد ما كان مشروطاً، لأنّ انقلابه إلى الإطلاق يستلزم خروج ما فرض كونه موضوعاً عن كونه موضوعاً.

نعم لو كانت الأحكام الشرعية أحكاماً شخصية لصحّ ما ذكر.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ إرجاع عامّة الشروط إلى الموضوع مخالف لواقع الشروط فانّها حسب الواقع تنقسم إلى أقسام ونكتفي بذكر أقسام ثلاثة:

1. ما يكون قيداً للوجوب ومفاد الهيئة والحكم المنشأ، المعبِّـر عن الإرادة، كما إذا كان الشخص غير محب للضيف ولكن لو فاجأه الضيف لم يكن له بدّ من التكريم فيقول لعبده: إذا نزل بك الضيف فأكرمه، فالوجوب معلّق على نزوله، ولولاه فلا إرادة ولا وجوب بل ربما تتعلّق به الكراهة.

2. ما يكون قيداً لمتعلّق الحكم، كما إذا تعلّقت إرادة المولى على الصلاة في المسجد فيقول: صلّ صلاة الظهر في المسجد فالقيد ظرف للصلاة يجب تحصيله كتحصيلها.


1 . فوائد الأُصول:1/339 ـ 340.


(66)

3. ما يكون قيداً للموضوع، ككونه إنساناً عاقلاً بالغاً.

فإذا كانت القيود على أقسام ثلاثة فكيف نجعلها قسماً واحداً؟

وثانياً: أنّ ما ذكره من بقاء القضايا الكلية المشروطة على وصفها السابق مبني على القول بعدم انحلالها إلى أحكام جزئية وشخصية لهذا الفرد وذاك الفرد، وإلاّ فلو ثبت الانحلال يكون الخطاب الشخصي إلى الفقير مشروطاً بالاستطاعة دون خطابه إلى الغني مطلقاً، إذ يقبح أن يخاطب الغني السالم بأنّك إذا استطعت فحج، مع علمنا وعلمه بأنّ المقتضي تام والمانع مفقود.

وثالثاً: أنّ رحى الترتّب لا تدور على بقاء الواجب المشروط بعد حصول شرطه على ما كان عليه، بل تدور على أن يكون الشرط المأخوذ في موضوع الأمر بالمهم على وجه لا يقتضي طلب الجمع بين الضدّين وإن اقتضى طلب الضدّين. وعلى ذلك فلابدّ من التركيز على أنّ العصيان هل يقتضي طلب الجمع بين الضدين أو يقتضي طلب الضدّين؟ فعلى الأوّل يمتنع الترتّب، وعلى الثاني يصحّ، مثلاً لو كان الشرط هو امتثال الأمر الأهم على نحو الشرط المتأخر أي تصوّر الامتثال أو كان الشرط هو التسليم على زيد و افترضنا انّه سلم، ففي هذا القسم لا ينجع الشرط في صحّة الترتّب، سواء قلنا بأنّ الواجب المشروط بعد تحقّق شرطه باق على مشروطيته، أو ينقلب إلى الواجب المطلق، كما أنّه إذا كان الشرط هو العصيان على نحو الشرط المتأخر فهو نافع في رفع طلب الجمع، من غير فرق بين بقاء الواجب المشروط بعد حصول شرطه على الشرطية أو لا، فالواجب التركيز على دراسة واقعية الشرط وانّه هل يمنع عن طلب الجمع أو لا يمنع؟ لا على انقلاب الواجب المشروط إلى المطلق وعدمه.

فالمحقّق النائيني ـ مكان التركيز على هذا الأمر المهم الذي تدور عليه رحى


(67)

الترتّب ـ ركّز على قضية لا ينتفع بها في الترتب إلاّ على وجه بعيد كما سيوافيك.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني بحث في مقدّمة مستقلة ثالثة عن تقسيم الواجب المضيق إلى قسمين، وأفاد انّ هذه المقدّمة ليست بمهمة في إثبات الترتّب، ولأجل ذلك تركناها ونعرّج إلى المقدمة الرابعة في كلامه التي هي مقدّمة ثالثة في كلامنا وقد وصفها بأنّ رحى الترتّب تدور مدارها.

المقدّمة الثالثة: في أنّ الأمر بالمهم في طول الأمر بالأهم

إنّ السبب لوجود الخطاب في صورة خاصة أو في عامّة الصور هو التقييد أو الإطلاق، فالتقييد آية وجود الخطاب في ظرف خاص، والإطلاق آية وجود الخطاب في عامة الأحوال.

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ قسم الإطلاق إلى أقسام ثلاثة:

الأوّل: الإطلاق والتقييد اللحاظيان.

الثاني: نتيجة الإطلاق والتقييد.

الثالث: الإطلاق الذاتي.

وذكر انّ مصب الأوّل هو الانقسامات الطارئة على المتعلّق قبل تعلّق الحكم، كتقييد الصلاة بالوضوء أو إطلاقها بالنسبة إلى جميع الأمكنة.

كما أنّ مصبّ الثاني هو الانقسامات اللاحقة بعد تعلّق الحكم كاختصاص وجوب الجهر أو القصر بالعالم دون الجاهل، أو كاشتراك أحكام اللّه بين العالم والجاهل فانّ التقييد والإطلاق نتيجة دليل ثانوي يفيد الاختصاص أو التعميم ولا يكون الدليل الأوّل متكفلاً لا للاختصاص ولا للتعميم، لأنّ المفروض انّهما من الأحوال الطارئة بعد تعلّق الحكم.


(68)

وإنّما المهم في المقام هو الإطلاق الذاتي، والمراد وجود الخطاب في حالتي الفعل والترك بنفسه وباقتضاء هويته الذاتية، فالخطاب في قوله«أزل النجاسة» عام يشمل صورة الإزالة وعدمها، نظير قولك: الإنسان موجود، فالموضوع ذات الإنسان لا بوصف الوجود، وإلاّ لانقلبت النسبة إلى الضرورة; ولا بوصف العدم، وإلاّ لانقلبت إلى الامتناع بل الماهية المعراة من كلّ قيد و منه الوجود والعدم.

وفي المقام يتعلّق الوجوب بذات الإزالة لا بقيد الوجود الذي نعبر عنه بالامتثال، ولا بقيد العدم الذي نعبر عنه بقيد العصيان، فينتج انّ خطاب أزل النجاسة محفوظ في حالتي الوجود والعدم والامتثال والعصيان.

هذا كلّه حول الأمر بالأهم، وأمّا الأمر بالمهم فنلفت نظرك إلى أمرين:

1. ما مرّ في المقدّمة الثانية من أنّ الشرط أي العصيان موضوع في الأمر بالمهم فمرجع قولك: «وإن عصيت فصلّ» إلى قولك: «أيها العاصي صلّ»، ومن الواضح انّ الحكم لا يتكفّل حال موضوعه من وضع أو رفع، بل هو حكم على تقدير وجوده ومشروط به.

وبعبارة أُخرى: قولك: «أيّها العاصي صلّ» بمعنى انّه إن وجد العصيان صدفة فصلّ وليس الأمر بالصلاة داعياً إلى إيجاد العصيان،لأنّ الحكم لا يثبت موضوعه.

إذا عرفت معنى الإطلاق في الأهم أي كونه محفوظاً في حالتي العصيان والامتثال، وعرفت أنّ العصيان مأخوذ في موضوع الأمر بالمهم من دون أن يكون للأمر دعوة إلى إيجاد موضوعه أي العصيان، يظهر لك انّ الأمر بالصلاة في طول الأمر بالإزالة وذلك ببيانين:


(69)

1. انّ مقتضى الإطلاق الذاتي في الأمر بالأهم كونه محفوظاً في حالتي الامتثال والعصيان وداعياً إلى إيجاد متعلّقه في حالة العصيان أيضاً فيكون طارداً للعصيان ورافضاً له من أن يدخل في حوزة الأمر بالأهم.

وأمّا الأمر بالمهم فلا يدعو إلى حفظ العصيان وإثباته وإيجاده، بل يدعو إلى الأمربالصلاة لو تحقّق العصيان صدفة وعلى عفو الخاطر وما يشبه ذلك، فيكون الأمر بالمهم غير مزاحم للأمر بالأهم.

2. انّ خطاب الأهم في رتبة متقدمة على موضوع خطاب المهم وهو العصيان، لما عرفت من أنّ العصيان كالطاعة متأخران عن الحكم، والمفروض انّ العصيان موضوع في الأمر بالمهم فهو مقدّم على حكمه تقدّم الموضوع على حكمه، فينتج تقدّم خطاب الأهم على خطاب المهم برتبتين.

وإن أردت تصويره فلاحظ العناوين التالية:

الأمر بالأهم علة فهو في رتبة متقدّمة.

العصيان في رتبة الإطاعة التي هي متأخرة عن الأمر.

العصيان موضوع في الأمر المهم و هو متقدّم على حكمه .

فيكون الأمر بالمهم متأخّراً عن الأمر بالأهم برتبتين.(1)

يلاحظ على هذه المقدّمة بطولها التي لخصناها في هذه السطور بوجهين:

الأوّل: انّ الطاعة وإن كانت متأخّرة عن الأمر بالأهم، لأنّها أثرها، والأثر كالمعلول يكون متأخّراً عن العلة رتبة، إلاّ انّه لا دليل على تأخر العصيان رتبة عن الحكم، لعدم وجود ملاك المعلولية في العصيان.


1 . فوائد الأُصول: 1/357ـ 361.


(70)

نعم الطاعة والعصيان متأخران زماناً عن الأمر بالأهم ولكن الكلام في التأخّر الرتبي.

الثاني: انّ التأخّر الرتبي لا ينفع مالم يرفع فساد طلب الجمع بين الفعلين بشهادة انّه لو جعل الشرط في الأمر الثاني امتثال الأمر الأوّل على نحو الشرط المتأخر بأن يقول: «أزل النجاسة إن امتثلت فصلِّ» فلا يرتفع الفساد، بل يلزم طلب الجمع بين الفعلين مع أنّ الأمر الثاني متأخّر عن الأمر الأوّل برتبتين.

والحاصل انّ التأخّر الرتبي مهما بذلت الجهود على إثباته لا ينجح، فانّ التزاحم في مقام الامتثال، والامتثال أمر زماني ولا يرتفع طلب الجمع إلاّ أن يكون زمان تأثير الأوّل مغايراً لتأثير زمان الثاني على النحو الذي عرفت في تقريب السيد المحقّق البروجردي.

المقدّمة الرابعة: في أنّ الخطاب الترتّبي لا يقتضي الجمع

هذه المقدّمة ـ كما قلنا سابقاً و يفصح عنوانُها ـ سيقت لإثبات أنّ الخطابَ الترتبيّ لا يقتضي إيجابَ الجمع، وهي تحمل روح الترتّب و لها أهمية خاصة، و قد فصّل المستدل الكلام في بيان مقصوده، ونحن نقتصر على ما هو اللازم المؤثر في إثبات المدّعى.

إذا كان أحد الدليلين متعرّضاً لحال الدليل الآخر، فإمّا أن يكون نفس الخطاب رافعاً أو دافعاً لموضوع الآخر، و إمّا أن يكون امتثاله.

فإن كان الأوّل فهذا ممّا يوجب عدم اجتماع الخطابين في الفعلية، ولا يعقل أن يكون كلّ من الخطابين فعليّاً، لأنّ وجود أحد الخطابين رافع لموضوع الآخر فلا يبقى مجال لفعلية الآخر حتى تقع المزاحمة، و هذا كما إذا ربح الرجل و كان عليه


(71)

دين من عام الربح، فخطاب «أدّ دينك»، رافع لموضوع خطاب الخمس الوارد في الآية المباركة، وذلك لأنّ الخمس بعد المؤونة وأداء ا(1)لدين من المؤونة.

فإن كان الثاني، أي كان أحد الخطابين بامتثاله رافعاً لموضوع الآخر، فهذا هو محلّ البحث في الخطاب الترتّبي حيث يتحقّق اجتماع كلّ من الخطابين في الفعلية، لأنّه مالم يمتثل خطاب الأهمّ لا يرتفع خطاب الآخر لعدم ارتفاع موضوعه بعدُ، فيجتمع الخطابان في الزمان و في الفعلية بتحقّق موضوعهما، فيقع الكلام في أنّ اجتماع مثل هذين الخطابين يوجب إيجاب الجمع أو لا، و الحقّ أنّه لا يوجب لوجوه ثلاثة:

1. لو لزم إيجاب الجمع يلزم المحال في جانب المطلوب، لأنّ مطلوبية المهمّ ووقوعه على هذه الصفة إنّما يكون في ظرف عصيان الأهم و خلوّ الزمان عنه، بداهة أنّ ما يكون قيداً للطلب (فإن عصيت فصلّ) يكون قيداً للمطلوب، فيكون الواجب «الصلاة بعد العصيان»، كالحجّ بعد الاستطاعة، فلو فرض وقوعه على صفة المطلوبية في حال وجود الأهم و امتثاله، يلزم الجمع بين النقيضين، إذ يلزم أن يكون مطلوباً مقيداً بكونه بعد العصيان و في الوقت نفسه مطلوباً و لو حال عدمه.

2.لو لزم إيجاب الجمع لزم المحال في ظرف الوجوب، لأنّ خطاب الأهمّ يكون من علل عدم خطاب المهم لاقتضائه رفع موضوعه، فلو اجتمع خطاب الأهم و المهم و صار المهمّ في عرض خطاب الأهمّ كما هو لازم إيجاب الجمع لكان من قبيل اجتماع الشيء مع علّة عدمه.

3. البرهان المنطقي أيضاً يقتضي عدم إيجاب الجمع فانّ الخطاب الترتبي بمنزلة المنفصلة المانعة الجمع، بين النسبة الطلبيّة في جانب المهمّ والنسبة


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(72)

الفاعليّة في جانب الأهم، فصورة القضية هكذا: إمّا أن يكون الشخص فاعلاً للأهم، و إمّا أن يجب عليه المهم و معه كيف يعقل إيجاب الجمع.(1)

يلاحظ على الوجه الأوّل، منع كون العصيان قيداً للطلب و المطلوب، و إنّما هو قيد للطلب دون المطلوب بشهادة أنّه لو تمكّن عن طريق الإعجاز الجمع بين الأهم و المهمّ لوقع المهمّ على وصف المطلوبية فما يظهر منه ـ قدس سره ـ من عدم كون المهم مطلوباً في غير صورة العصيان كما ترى.

وعلى الثاني، أنّ ما ذكره من أنّ خطاب الأهم من علل عدم خطاب المهمّ لاقتضائه رفع موضوعه. لا يوافق جعل المقام من القسم الثاني، أي كون أحد الخطابين بامتثاله رافعاً لموضوع الآخر، فكيف يصحّ أن يقول إنّ خطاب الأهم من علل عدم خطاب المهم لاقتضائه رفع موضوعه.

والحقّ أن يقال: إنّ المحقّق النائيني أتعب نفسه الشريفة في ترتيب هذه المقدّمات لتصحيح الترتّب، لكن تصحيحه واستنباطه، لا يتوقّف على هذه المقدّمات المفصّلة، وكان في وسعه أن يرد من أقصر الطرق و أسهلها كما عرفت منّا. شكر اللّه مساعي علمائنا.


1 . فوائد الأُصول: 1/357ـ 361.


(73)

ثمرات بحث الترتّب:

الفروع الفقهية المترتّبة على صحّة الترتّب

إنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، و نحن إذا راجعنا الفقه نرى أنّ هناك أحكاماً شرعية أفتى بها العلماء، و لا يصحّ الإفتاء بها إلاّ على القول بصحّة الترتّب، وإليك بعض ما عثرنا عليه أو ذكره غيرنا:

1. المسألة المعروفة، أعني: ما إذا رأى المكلّف نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة، فلا شكّ أنّه تجب المبادرة إلى إزالتها قبل أن يصلي مع سعة الوقت، و مع الضيق يقدّم الصلاة، و لكن لو ترك الإزالة مع سعة الوقت واشتغل بالصلاة عصى، لأنّه ترك الأهمّ، و إنّما الكلام في صحّة صلاته، فتحكم بالصحّة على الترتّب.(1)

2. إذا كان بدن المكلّف أو ثوبه نجساً، و من جانب آخر كان محدثاً و ليس عنده من الماء إلاّ بقدر أحد الأمرين: رفع الحدث أو الخبث. فبما أنّ لرفع الحدث بدلاً و هو التيمّم، يجب استعمال الماء في رفع الخبث، فصار رفع الخبث أهمّ، و رفع الحدث هو المهم. فلو عصى واستعمل الماء في رفع الحدث بالتوضّؤ أو الاغتسال، فصحّتهما مبنيّة على القول بالترتّب، أي توجّه الأمر إلى رفع الحدث


1 . لاحظ العروة الوثقى، كتاب الطهارة، فصل «يشترط في صحّة الصلاة...» المسألة الرابعة.


(74)

عند العزم على عصيان الأمر بالأهم.(1)

3. إذا كانت وظيفة المكلّف التيمّم لضيق الوقت عن استعمال الماء، و مع ذلك خالف فتوضّأ أو اغتسل، فصحّة الوضوء أو الغسل مبنية على صحّة الترتّب أو الاكتفاء بالملاك.(2)

4. إذا كان وضوء الزوجة مفوِّتاً لحقّ الزوج، مع سعة الوقت فتوضأت، فصحّة وضوئها مبنيّة على صحّة الترتّب، أو القول بكفاية الملاك، كما هو الحال في عامة المسائل.(3)

5. لو انحصر ماء الوضوء بما يوجد في الآنية المغصوبة، فإن اغترف منها مرّة واحدة ـ لأجل التوضّؤ ـ ما يكفيه للوضوء، فيجب عليه الوضوء، و إن عصى في الاغتراف، و لا صلة للصحّة هنا بالترتّب، لسقوط النهي عن الاغتراف بالعصيان، وأمّا إذا كان بناؤه على الاغتراف تدريجياً، فاغترف مرّة ما يكفيه لغسل الوجه، فصحّة وضوئه بهذا الشكل ـ بأن يغترف مرّة أُخرى بعد غسل الوجه، لغَسْل اليمنى ثمّ اليسرى ـ مبنية على صحّة الترتّب، فانّ القدرة على كلّ غسلة من غسلات الوضوء حاصلة عند كلّ غسلة بالعصيان بالتصرّف في الآنية المغصوبة.(4)

و نظيره الاغتراف من آنية الذهب أو الفضّة، و ليست القدرة الفعلية على


1 . لاحظ العروة الوثقى، كتاب الطهارة، فصل في التيمم و مسوغاته، في ذيل المسألة 22.
2 . المصدر السابق، المسألة 29.
3 . لاحظ العروة الوثقى، كتاب الطهارة، شرائط الوضوء، المسألة 36.
4 . لاحظ فوائد الأُصول:1/378.


(75)

مجموع العمل قبل الشروع فيه شرطاً، بـل تكفي القدرة عنـد كلّ جزء من أجزائـه.

6. إذا توقّف حفظ نفس محترمة على ترك الصلاة أو قطعها، فلو عصى و اشتغل بالصلاة، مبتدأ بها أو مستمرّاً فيها، فالصحّة مبنية على صحّة الترتّب أو القول بكفاية الملاك.(1)

7. إذا كان المكلّف في حال الصلاة فسلّم عليه شخص، وجب عليه ردّ السلام، و لو عصى و استمرّ في الصلاة، صحّت لمكان الأمر الترتبي.(2)

8. لو شرع في اليومية مع سعة وقتها، ثمّ ظهر له ضيق وقت صلاة الآية، يجب عليه قطعها والاشتغال بصلاة الآية، فلو لم يقطعها و استمرّ في الصلاة، فالصحّة مبنية على القول بالترتّب أو كفاية الملاك.(3)

و مثله كلّ صلاة موسّعة عارضت صلاة مضيّقة، كالنافلة في وقت الفريضة مع ضيق وقتها.

9. إذا وجب السفر في شهر رمضان بإيجاب أهم من صومه، كسفر الحجّ، فلو عصى و لم يسافر توجّه إليه الأمر بالصوم بحيث لو أفطر وجبت عليه الكفّارة، كما يجب عليه الإتمام ولا يصحّ منه القصر، فكأنّ المولى يقول: «سافر، وأفطر، و قصّر، و لو عصيت فصم و أتمم».(4)


1 . لاحظ العروة الوثقى، فصل لا يجوز قطع صلاة الفريضة اختياراً، المسألة 4.
2 . لاحظ العروة الوثقى، فصل في مبطلات الصلاة، المسألة 16.
3 . العروة الوثقى، فصل في صلاة الآيات، المسألة 12.
4 . لاحظ فوائد الأُصول:1/357، و أجود التقريرات:1/302.


(76)

10. إذا زاحم الصوم، حفظ نفس الغير أو عرضه أو زاحمه حفظ مال أهمّ في نظر الشارع من الصوم، و مع ذلك صام، فالصحّة مبنية على أحد الأمرين الترتّب أو القول بكفاية الملاك.(1)

11. إذا كان اعتكاف الزوجة منافياً لحقّ الزوج، أو اعتكاف المستأجر منافياً لحقّ الأجير، فلوخالف و صام و اعتكف، فتصحيح العبادة بأحد الأمرين كما مرّ.(2)

12. إذا كان عليه خمس من عام الربح الماضي، و كان عليه دين حال، فيقدّم الدين على الخمس، فلو خالف و لم يؤدّ الدين يمكن القول بوجوب الخمس مترتّباً على العصيان.(3)

13. لو صلّى العصر قبل الظهر في الوقت المشترك نسياناً فلا مانع من الإتيان بالظهر في الوقت المختصّ بالعصر.

فلو ترك الإتيان بالظهر في هذا الوقت واشتغل بصلاة أُخرى قضاءً فيمكن أن يقال إنّ اشتغال الذمّة بالواجب الفوريّ .ـ أعني: صلاة الظهر ـ لا ينافي صحّة عبادة أُخرى مضادّة له بناء على تعلّق الأمر بالموسّع ـ أعني: صلاة القضاءـ فعلاً أيضاً على الترتّب.(4)

14. لو فرضت حرمة الإقامة على المسافر من أوّل الفجر إلى الزوال، فلو


1 . لاحظ العروة الوثقى، كتاب الصوم، فصل في شرائط صحّة الصوم، في ذيل قوله:«الشرط السادس».
2 . لاحظ العروة الوثقى، كتاب الاعتكاف، فصل: يشترط في صحّته أُمور: السابع.
3 . لاحظ فوائد الأُصول: 1/358.
4 . كتاب الصلاة للحائري اليزدي: 16.


(77)

فرض أنّه عصى هذا الخطاب و أقام، فلا إشكال في أنّه يجب عليه الصوم و يكون مخاطباً به، فيكون في الآن الأوّل الحقيقي من الفجر قد توجّه إليه كلّ من حرمة الإقامة و وجوب الصوم و لكن مترتّباً، فيكون وجوب الصوم أو وجوب التمام مترتّباً على عصيان حرمة الإقامة. و كأنّه يقول: تحرم لك الإقامة، و إن عصيت بنيّة الإقامة، فصُم و اتمم.

15. لو فرض وجوب الإقامة على المسافر من أوّل الزوال، فلو عصى و لم ينو الإقامة وجب عليه القصر وإفطار الصوم، و كأنّه يقول: أقم و إن عصيت فقصّر و أفطر.(1)


1 . فوائد الأُصول: 1/357ـ 358.


(78)

خاتمة المطاف

نظرية الأمر بالأهم والمهم عرضاً لا بنحو الترتّب

إنّ سيّدنا الأُستاذ الإمام الخميني ـ قدس سره ـ لمّا لم يرتض بالترتّب على النحو الذي أقام دعائمه المحقّق النائيني، سلك مسلكاً آخر في تصحيح الأمر بالمهم مع الأمر بالأهم.

وحاصل النظرية: عبارة عن حفظ الأمر على الموضوعين بلا تقييد المهم بالعصيان، وذلك بترتيب مقدّمات مفصّلة، نذكر ملخّصاً منها:

الأُولى: الأحكام تتعلّق بالطبائع

إنّ الأحكام الشرعية تتعلّق بنفس العناوين الكلّية، لا بها مع سائر الخصوصيات، فانّ الطبيعي في الخارج لا ينفك عن الزمان والمكان وسائر الملابسات، لكن المأمور به نفس الصلاة لا ضمائمها الكلّية، وهكذا النواهي، وذلك لأنّ المحصِّل للغرض هو نفس وجود الطبيعة دون الضمائم وإن كانت الطبيعة لا تنفك عنها.

وبذلك يُعلم أنّ مراد القائل بتعلّق الأحكام بالأفراد ليس هو المصاديق


(79)

الخارجية، بل الضمائم والمشخّصات الكلّية، فالوجوب في الصلاة يتعلّق بنفس الطبيعة لا بملازماتها، كالصلاة في المساجد والبيوت والشوارع; وقس على ذلك، النواهي.

الثانية: الإطلاق: كون الطبيعة تمام موضوع الحكم

إنّ الإطلاق عبارة عن كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم، ففي قولنا: اعتق رقبة«الرقبة» مطلق ومرسل عن القيد باسم المؤمنة، فهي تمام الموضوع، بخلاف المقيّد، فالمطلق فيها جزء الموضوع.

وأمّا تفسير الإطلاق بلحاظ سريان الطبيعة في أفرادها وأصنافها بأن يلاحظ المولى الرقبة في ضمن المؤمنة والكافرة والعادلة والفاسقة وهكذا فليس بتام، فما ربّما يفسر الإطلاق بكون الرقبة واجبة سواء أكانت مؤمنة أم كافرة وهكذا، فهو إطلاق لحاظي غير ثابت ولا دليل عليه، إذ يكفي بالاحتجاج بالمطلق جعله تمام الموضوع من دون لحاظ سيلانه أو سريانه في أصنافه ومصاديقه.

الثالثة: انّ الدليل غير ناظر لحال التزاحم

إذا تعلّق الحكم بنفس الإزالة فالمقنن في حال التقنين لا يلاحظ زمان تزاحمه بالصلاة وغيرها، وذلك لأنّ الحكم المتعلّق بالصلاة متأخّر عن الحكم بوجوب الإزالة بمرحلتين، وما يتأخّر عن الشيء بمرحلتين، لا يصحّ أن يكون الحكم ناظراً إليه، وذلك لأنّ الحكم بالإزالة متقدّم على تطبيق الحكم على الصعيد العملي، أعني: مقام الامتثال، كما هو متقدّم على حدوث التزاحم بينه و بين سائر الواجبات، فيكون الحكم بالإزالة متقدّماً على التزاحم برتبتين، فكيف يكون ناظراً لحال ما يتأخّر عنه برتبتين؟


(80)

أضف إلى ذلك انّ الأمر بالإزالة مشتمل على الهيئة والمادة، والهيئة تدلّ على الوجوب والمادة على الطبيعة فليس هناك دالّ على صورة التزاحم.

الرابعة: ليس للحكم إلاّ مرحلتان

المعروف أنّ للحكم الشرعي مراتب أربعة:

الف: مرحلة الاقتضاء، وهي مرحلة المصالح والمفاسد المقتضية لإنشاء الحكم.

ب: مرحلة الإنشاء، وهي إنشاء الحكم على وفق المصالح والمفاسد بالإيجاب في الأُولى والنهي في الثانية.

ج: مرحلة الفعلية : وهي مرحلة بيان الحكم على المناهج المعروفة سابقاً ولاحقاً.

د: مرحلة التنجّز: وهي قيام الحجّة عند المكلّف على حكم المولى.

لكنّه ـ قدس سره ـ أنكر كون الأُولى والرابعة من مراحل الحكم، قائلاً: بأنّ مرحلة الاقتضاء من مقدّمات الحكم لا نفسه، كما أنّ مرحلة التنجّز مرحلة متأخّرة عن الحكم، وهو حكم العقل بتنجّز الحكم على المكلّف وأثره استحقاق الثواب والعقاب و لا صلة للتنجّز بالحكم.

الخامسة: الخطاب الشرعي خطاب قانوني واحد

إنّ الخطابات الشرعية بل الأحكام مطلقاً ـ سواء أكان هناك خطاب أم لا ـ خطاب أو حكم واحد، وهو بوحدته حجّة على عامّة المكلّفين، فالحكم أو الخطاب واحد، والمتعلّق كثير، مثلاً، قوله سبحانه: (وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ


(81)

الْبَيت)(1) حكم واحد لا كثرة فيه وإن كان المتعلّق (الناس) فيه الكثرة لكن الحكم بوحدته بما انّه متعلّق بالناس حجّة على الجميع، فكلّ فرد وقف على ذلك الحكم، تتمّ الحجّة عليه لكونه من مصاديق الناس، ولا حاجة لتكثير الحكم والخطاب حسب تعدد المكلّفين بأن يكون لكلّ فرد من أفراد المكلّفين حكم خاص أو خطاب كذلك.

ويشهد على ذلك الأُمور التالية:

1. قضاء الوجدان، فانّ من يخاطب الجمع الكثير لإنجاز عمل فإنّما يدعوهم إليه بخطاب واحد ولا يدعو كلّ فرد بخطاب خاص لكفاية وحدة الخطاب مع تعدد المتعلّق مع كون كلّ مكلّف مصداقاً للمتعلّق ومخاطباً به بنفس الخطاب الواحد.

2. لو صحّ انحلال الخطاب الواحد إلى خطابات في الجمل الإنشائية لصحّ في الجمل الإخبارية، فإذا أخبر بأنّ القوم جاءوا، والحال انّه لم يجئ منهم أحد، فلو قلنا بالانحلال يلزم أن يحكم عليه بأنّه كذب حسب تعدد الأفراد مع أنّه لم يكذب إلاّ كذبة واحدة.

3. لو قلنا بانحلال الخطاب يلزم خروج الكفّار والعصاة عن مصبِّ الخطابات، وذلك لأنّ خطاب العاصي والكافر أمر قبيح لا يصدر من الحكيم، فانّ من نعلم أنّه يعصي على وجه القطع والجزم لا نطلب منه شيئاً على وجه الجد، مع أنّ العصاة والكفّار محكومون بالفروع، كما أنّهم محكومون بالأُصول، وهذا بخلاف ما إذا قلنا إنّ الخطاب واحد وهو حجّة على الكلّ سواء أطاع أم خالف، ولا يشترط في الخطاب القانوني إلاّ وجود جماعة ينبعثون من بعث المولى أو ينتهون


1 . آل عمران: 97 .


(82)

من نهيه، ولا يشترط انبعاث الكلّ أو انزجارهم.

وقد اشتهرت هذه المقدّمة عن سيّدنا الأُستاذ بأنّه يفرّق بين الخطابات الشخصية والخطابات القانونية، وانّه لا حاجة في الخطاب القانوني إلى الانحلال في الخطاب والحكم. وعلى هذه المقدّمة تدور رحى النظريّة: اجتماع خطابين عرضيين في وقت واحد.

السادسة: انّ الأحكام غير مقيّدة بالقدرة

المعروف أنّ الأحكام الشرعية مقيّدة عقلاً بالقدرة، وذلك لأنّ خطاب العاجز أمر قبيح، بل أمر محال، إذ لا تنقدح الإرادة في ذهن المولى الذي يعلم بعجز المخاطب.

هذا هو المعروف، غير أنّ سيدنا الأُستاذ أنكر هذه المقدّمة وذهب إلى أنّه ليس للعقل التصرّف في حكم الغير والشرع غير العقل فلا تكون الأحكام مقيّدة بالقدرة.

فإن قلت: إنّ خطاب العاجز قبيح بل محال فكيف للشارع الأمر به أو الحكم عليه؟

قلت: فرق بين الخطاب القانوني والخطاب الشخصي، فما ذكرته صحيح في الخطاب الشخصي، إذ لا يصحّ خطاب العاجز مع العلم بعجزه، بخلاف الخطابات القانونية فانّ الحكم فيها واحد والكثرة في المتعلّق، وليس لكلّ فرد حكم وخطاب حتّى يطلب لنفسه التقيّد بالقدرة، بل خطاب واحد متعلّق بالعنوان وهو حجّة على الجميع.

نعم يشترط في الخطاب القانوني وجود جماعة مستعدّة لامتثال أمر المولى


(83)

والانتهاء بنهيه حتّى لا يكون جعل الحكم لغواً.

فإن قلت: هذا يدلّ على أنّ الحكم الشرعي غير مقيّد بالقدرة عقلاً ولكن لا مانع من القول بتقيّد الأحكام بالقدرة الشرعية.

قلت: إنّ لازم هذه النظرية هو إجراء البراءة عند الشكّ في القدرة، لأنّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في وجود شرط التكليف، والأصل عدم وجوده، مع أنّهم لا يلتزمون بها عند الشكّ في القدرة، بل الكلّ صائرون إلى القول بالاحتياط مع الشكّ فيها ، ولذلك لو شكّ في الاستطاعة أو بلوغ النتاج، النصاب وجب الفحص، ولا تجري البراءة.

السابعة: كلّ من الضدين أمر مقدور

إنّ المأمور به هو كلّ من الضدّين بما هوهو وذلك أمر مقدور، وأمّا غير المقدور فهو الجمع بين الضدّين وهو ليس بمأمور به، مثلاً: إذا زالت الشمس وقامت حجّة على إزالة النجاسة عن المسجد وقامت حجّة أُخرى على صلاة الظهر، فهناك حجّتان تامتان قامتا على العبد كلّ يطلب نفسه ولا يطلب الجمع، فقيامهما في هذه الحالة كقيام الحجّتين عند طلوع الفجر في شهر رمضان فكلّ حجّة في مفاده سواء أكانتا غير متزاحمتين كما في الصوم والصلاة أو متزاحمتين كما في الإزالة والصلاة.

هذا هو حال الشرع، وأمّا العقل فإن رأى التكليفين متساويين في الأهمية حكم بالتخيير بين الأمرين، فيكون في ترك الأمر الآخر معذوراً


(84)

من دون أن يقيد أحد الأمرين بترك الآخر، وأمّا لو كان أحدهما أهم من الآخر فيحكم العقل بتقديم الأهم على المهم على نحو لو اشتغل بالأهم يكون في ترك الآخر معذوراً ولو اشتغل بالمهم فقد امتثل أحد التكليفين لكن لا يكون معذوراً في ترك الأهم، كما أنّه لو ترك اشتغاله بالأهمّ والمهمّ معاً فلا يكون معذوراً في ترك الأمرين.

إذا عرفت هذه المقدّمات السبع، فقد استنتج ـ قدس سره ـ من هذه المقدّمات بقاء الحكمين أو الخطابين على الموضوعين من دون تقييد الأمر بالمهم بالعصيان، وذلك لما مرّ في المقدّمة الخامسة من أنّ الخطابات الشخصية تختلف عن الخطابات القانونية، فالخطاب الشخصي ناظر إلى صورة الابتلاء فلا محيص من تقييد الخطاب بالمهم بترك الأهم وعصيانه، وأمّا الخطابات القانونية فبما انّ الخطاب واحد وهو غير ناظر إلى حالة التزاحم بحكم المقدّمة الرابعة فلا داعي لتقييد امتثال الأمر بالمهم بعصيان الأوّل.

فخرج بهذه النتيجة بقاء الحكمين والخطابين بحالهما عند الابتلاء بالتزاحم غاية الأمر للمكلّف تحصيل العذر في ترك أحدهما، فلو امتثل الأمر بالأهم فقد حصّل العذر، وإن امتثل الأمر بالمهم لم يحصّل العذر في ترك الأهم، وإن عصى كلا الأمرين فلم يحصّل عذراً أبداً.

وبهذا تبين انّ الأهم والمهم نظير المتساويين في أنّ كلّ واحد مأمور به في عرض الآخر، وهذان الأمران العرضيان فعليّان متعلّقان بعنوانين كلّيين من غير تعرّض لهما لحال التزاحم وعجز المكلّف، إذ المطاردة التي تحصل في مقام الإتيان لا توجب تقييد الآخرين أو أحدهما أو اشتراطهما أو اشتراط أحدهما بحال عصيان الآخر لا شرعاً ولا عقلاً، بل تلك المطاردة لا توجب عقلاً إلاّ المعذورية العقلية في ترك أحد التكليفين حال الاشتغال بالآخر في المتساويين و في ترك المهم حال اشتغاله بالأهم.(1)


1 . تهذيب الأُصول:1/302ـ 312.


(85)

نظرنا في المقدّمات والنتيجة

هذا ما أفاده سيدنا الأُستاذ ـ قدس سره ـ ـ شكر اللّه مساعيه ـ ولكنّ لنا في بعض المقدّمات والنتيجة نظراً نطرحه على صعيد البحث؟

1. انّ ما استدلّ على نفي الانحلال بأنّه لو صحّ الانحلال في الإنشاء لصحّ في الإخبار، ولو صحّ في الإخبار يلزم أن يُحكم على القائل بأنّ النار باردة انّه كذب بعدد وجود النار في العالم ماضية وحاضرة، غير تام، وذلك إذ لا ملازمة بين الانحلال وتعدّد الكذب، لأنّ الثاني من صفات الكلام المتفوَّه به، فإذا كان ما تفوَّه به كلاماً واحداً وإن كان الموضوع وسيعاً فلا يلزم إلاّ كذباً واحداً، فلو جاء القوم ولم يجئ واحد منهم لم يكذب إلاّ كذباً واحداً، إذ لم يصدر منه إلاّ كلام واحد مع وحدة المجلس.

2. انّ ما أفاده فـي المقـدّمة السادسة بـأنّ الأحكـام الشرعية غير متقيـّدة بالقدرة عقلاً وإلاّ يلزم تصرّف العقل في حكم الغير، ولا شرعاً وإلاّ يلزم إجراء البراءة عند الشكّ في التكليف، غير تام، لأنّ موقف العقل في المقام موقـف الكشف لا التصرّف، فإذا وقف العقل على صفات الشارع يستكشف بما انّه حكيم انّه لا يوجه الحكم إلاّ إلى القادر لا الأعم منه والعاجز، فالأحكام الشرعية مقيّدة بالقدرة الشرعية دلّ على ذلك العقل دون أن يتصرّف في حكم الشرع.

ومع الاعتراف بأنّ الأحكام الشرعية مقيّدة بالقدرة فمع الشكّ في القدرة يجب الاحتياط ولا يجوز إجراء البراءة، لما قلنا في محلّه من أنّ كلّ شرط لا يعلم وجوده وعدمه إلاّ بالفحص يجب الفحص عنه، ولذلك يجب التفحّص عن


(86)

الاستطاعة في الحج، والنصاب في الزكاة والقدرة في كلّ الأحكام، وإلاّ يلزم تعطيل قسم كبير من الأحكام.

هذا كلّه حول بعض ما أفاده في المقدّمات.

وأمّا النتيجة التي استنتجها من هذه المقدّمات فهي مبنيّة على مقدّمتين :

المقدمة الأُولى: الإطلاق هو كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع من دون سريان حكمه إلى حالات الموضوع المختلفة.

المقدمة الثانية: انّ الدليل غير ناظر إلى صورة التزاحم.

فنقول: إنّ ما ذكره صحيح في عالم الإثبات دون الثبوت، والدليل وإن كان غير ناظر إلى حالات المكلّف من الابتلاء والتزاحم إلاّ انّ المولى يمكنه التفطّن إلى صورة الابتلاء، وعندئذ نسأل هل يرى المولى نوع المكلّف محكوماً بالحجّتين وملزماً بالعمل بهما أو لا؟ فعلى الأوّل يلزم التكليف بغير المقدور، وعلى الثاني يلزم رفع اليد عن إحدى الحجّتين تعييناً أو تخييراً.

وإن شئت قلت: إنّ الأحكام الشرعية متقيّدة بالقدرة بالمعنى الذي عرفت، وعلى ضوء ذلك فلو سئل المولى عن انبساط طلبه وشموله لصورة التزاحم في حقّ نوع المكلّف، لا شخصه حتّى يقال انّ الخطاب قانوني لا شخصي فامّا أن يجيب بالإثبات لزم الأمر بغير المقدور، وإن أجاب بالسلب فمعنى هذا انّه رفع يده عن إحدى الحجّتين تعييناً أو تخييراً، وهذا ما يجرّنا إلى القول بعدم التحفّظ بالأمرين معاً.

والحاصل: انّه قد وقع الخلط بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، فما ذكره صحيح في مقام الإثبات، فالدليل غير ناظر لصورة التزاحم والخطاب واحد


(87)

وليس هناك خطابات، إلاّ انّ الكلام في مقام الثبوت وتوجّه المولى إلى أنّه ربّما يبتلي نوع المكلّف بالأمرين، ومن المعلوم أنّ هذا ا لموقف لا يقبل الإهمال، فإمّا أن يكون هناك إرادتان وحجّتان على المكلّف من دون رفع اليد عن أحدهما تخييراً أو تعييناً فيلزم الأمر بغير المقدور أو لا يكون إلاّ إحدى الحجّتين تعييناً أو تخييراً فهو على جانب النقيض ممّا اختاره.


(88)

الفصل السادس

في جواز الأمر مع العلم بانتفاء شرطه

هل يجوز أمر الآمر مع علم الآمر بانتفاء شرطه، أو لا؟

ظاهر العنوان يعرب عن أنّه من فروع مسألة «التكليف بما لا يطاق» فالأشاعرة على الجواز والعدلية على المنع، وعلى كلّ تقدير ففي مرجع الضمير في قوله«بانتفاء شرطه» وجوه.

الأوّل: انّ الضمير يرجع إلى نفس الأمر، والمراد من شرط الآمر هو علل وجوده، فانّ الأمر ظاهرة كونيّة ولكلّ ظاهرة علّة ومن أجزاء العلّة هو الشرط. فيقع الكلام في جواز الأمر مع انتفاء شرط من شرائط علّة وجود الأمر. وأمّا علّة وجود الأمر فهو عبارة عن تصور الشيء، والتصديق بفائدته، والشوق المؤكّد إليه، ودفع موانعه و....

وعليه يكون المراد من الجواز هو الإمكان الوقوعي، وأنّه هل يصدر الأمر من الآمر في هذا الظرف أو لا يصدر؟

والجواب هو عدم الجواز، لأنّ صدور المعلول مع عدم العلّة التامّة أشبه بصدور المعلول بلا علّة، وهو محال وقوعاً ـ وإن كان بالذات ممكناً ـ و هذا شأن


(89)

كلّ معلول ممكن بالذات ، ممتنع بعدم وجود علّته، فيكون ممكناً بالذات ممتنعاً بالغير، وهذا هو الذي يعبر عنه بالامتناع الوقوعي.

الثاني: انّ الضمير يرجع إلى الأمر مثل الاحتمال الأوّل، لكن يراد من المرجع نفس الأمر ومن الضمير الراجع إليه بعض مراتبه على نحو الاستخدام، بأن يقال: هل يجوز أمر الآمر مع علم الآمر بانتفاء شرط الفعلية أو شرط التنجز ؟وهذا هو الذي اختاره المحقّق الخراساني وقال: إنّ داعي إنشاء الطلب لا ينحصر بالبعث والتحريك حقيقة وقد يكون صورياً وربما يكون غير ذلك.

ويؤيد ذلك انّ القائلين بالجواز يستدلّون بأمره تعالى إبراهيمَ الخليلَ بذبح ولده إسماعيل مع علمه تعالى بفقدان شرط فعلية الأمر أو تنجّزه، والشرط هو عدم النسخ ، وقد كان منتفياً والأمر منسوخاً، وإلى هذا الاحتمال يرجع ما ذكره العلاّمة الطباطبائي في تعليقته على الكفاية من رجوع الضمير إلى الامتثال. أي هل يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرط الامتثال؟ وهذا التعبير أفضل وأوضح من تعبير المحقّق الخراساني.

وقد سبق منّا القول بأنّ شرط فعلية الأمر هو بيان المولى والمفروض انّه سبحانه بيّن أمره للخليل، وإنّما المنتفي هو شرط التنجز وهو عدم النسخ فهو شرط تنجز الأمر لا فعليته.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ذكر انّ هذا الاحتمال يرفع النزاع من البين ويقع التصالح بين الجانبين فالقائل بالجواز يريد من الأمر بالشيء هو الإنشاء الصوري مع عدم بلوغ الأمر إلى مرحلة الفعلية والتنجّز، كما أنّ القائل بالامتناع يريد من الأمر بالشيء هو الأمر به بعامّة مراتبه حتّى التنجز، فعندئذ لا نزاع بين النافي والمثبت.


(90)

الثالث: ما اختاره سيدنا الأُستاذ ـ قدس سره ـ وهو انّ المراد الأمر بالشيء مع انتفاء شرائط المأمور به، كما إذا أمر بالصلاة مع الطهارة وهو يعلم عدم تمكّن المكلّف منها، ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ قال بجوازه وذلك مستنداً بما اختاره في البحث السابق من وجود الفرق بين الخطاب الشخصي والخطاب القانوني حيث لا يصحّ توجيه الخطاب الشخصي إلى الفاقد بأن يقول لفاقد الماء والتراب، صل مع الطهارة.

وأمّا الخطاب القانوني فيصحّ، وذلك لأنّه ليس خطاباً شخصياً، بل خطاباً لعامّة المكلّفين، وهم بين واجد للشرط وفاقد له، فيصحّ خطاب الجميع بالأمر وإن كان بعضهم فاقداً للشرط، إذ عند الفقدان تصل النوبة إلى العقل فيعد العاجز معذوراً والواجد غير معذور.

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره لا ينطبق على المثال الذي طرحه كلّ من النافي والمثبت، وهو أمر الخليل بذبح إسماعيل مع عدم شرطه، إذ لم يكن الخطاب في هذا المورد إلاّ خطاباً شخصياً لا قانونياً.

أضف إلى ذلك ما ذكرناه سابقاً من أنّ الخطابات القانونية وإن كانت غير ناظرة إلى صورة التزاحم أو إلى صورة فقد المكلّف شرط المأمور به، لكن عدم النظارة يختص بعالم الإثبات فالدليل في مقام الدلالة غير ناظر إلى صورة التزاحم وفقد الشرط.

لكن المولى سبحانه واقف باختلاف المكلّفين من حيث الشروط و أنّهم بين واجد لشرط المكلّف به وفاقد له وعندئذ فهل يبقى خطابه ـ عند التوجه إلى اختلاف المكلّفين في الشرط ـ أو لا؟ فعلى الأوّل عاد محذور التكليف بالمحال وعلى الثاني لا يكون للخطاب القانوني دور في المقام، لأنّ الخطاب الشخصي أيضاً مثله.


(91)

ثمرة البحث

تظهر الثمرة في لزوم الكفّارة على من أفطر يوم شهر رمضان مع فقد شرط المأمور به في الواقع، دون أن يكون المكلّف عالماً به، كما إذا أفطر ثمّ بدا له السفر قبل الظهر أو مات أو مرض كذلك، فعلى القول بصحّة التكليف تجب عليه الكفارة بخلاف القول بعدم صحّته، لفقدان الشرط.

يلاحظ على الثمرة: أنّ الظاهر لزوم الكفّارة مطلقاً، إذ ليست الكفّارة دائرة مدار وجوب الصوم و عدمه واقعاً حتّى يقال بأنّ المكلّف لم يكن مكلّفاً بالصوم لفقدان الشرط في الواقع به، بل تدور على الإفطار بلا عذر والمفروض انّه أفطر بلا عذر ثمّ طرأ عليه العذر.


(92)

الفصل السابع

هل الأوامر والنواهي تتعلّق بالطبائع أو الافراد؟

وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: ليس النزاع في الدلالة اللفظية

إنّ النزاع لا يختصّ بالأمر والنهي باللفظ بل يعمّ الأمر بالجملة الخبرية أو النهي بمثلها، كما يعمّ الأمر والنهي بالإشارة فيقع الكلام في الجميع فيما هو المتعلّق للأمر والنهي.

والذي يعرب عن عمومية محلّ النزاع ما نقل عن السكاكي من اتّفاق علماء العربيّة على أنّ المصدر المجرّد عن اللام والتنوين لا يدلّ إلاّ على نفس الماهية، فلو كان النزاع في الدلالة اللفظية لكان اللازم عدم النزاع، لأنّ المادة في الأمر والنهي هي المصدر المجرّد من اللام والتنوين فلا يدلّ إلاّ على نفس الماهية، وهي المتعلّق للأمر، فيجب على الأُصوليّين الاتّفاق على كون المتعلّق هو الطبيعة، لكن وجود النزاع يُعرب عن كون محلّه أعمّ من اللفظ والفعل. ومن اللفظ أعم من الإنشاء والإخبار.


(93)

الثاني: ليس النزاع مبنيّاً على المسائل الفلسفية

إنّ في الفلسفة مسألتين هامّتين لهما تأثيران في سائر المسائل الفلسفية.

1. هل الأصل في الخارج، والمنشأ للأثر هو الوجود أو حدّ الوجود وهو الماهية؟

وبعبارة أُخرى: هل المحصّل للغرض هو الوجود وتحقّق الشيء أو المحصّل هو الشيء لكن عند التلبّس بالتحقق؟

فربّما يقال بتعلّق الأمر بالفرد على القول الأوّل وبالطبيعة على القول الثاني.

2. هل الموجود في الخارج هو طبيعي الشيء أو فرده؟ فعلى الأوّل يكون المتعلّق هو الطبيعة، وعلى الثاني هو الفرد.

يلاحظ على كلا الأمرين: بأنّ المسائل الأُصولية مسائل عرفية، وبتعبير آخر عقلائية لا صلة لها بالمسائل الفلسفية الدقيقة، فانّ الحاكم في المسائل الفلسفية هو العقل الدقيق، ولكن الحاكم في المسائل الأُصولية هو العرف الدقيق.

وعند ذلك لا وجه لابتناء البحوث الأُصولية على البحوث الفلسفية.

وبذلك يعلم أنّ ما أطنب به المحقّق الاصفهاني(قدّس اللّه نفسه الزكية) من أنّ النزاع مبني على أنّ الطبيعي بنفسه موجود أو هو موجود بوجود أفراده تبعيد للمسافة وخروج عن طور البحث في المسائل الأُصولية.

الثالث: ما هو المراد من الطبيعة؟

قد تطلق الطبيعة ويراد بها الماهية الحقيقية التي لو وجدت في الخارج لكانت من إحدى الحقائق الكونيّة وتكون داخلة تحت مقولة واحدة كالإنسان


(94)

الذي هو داخل تحت مقولة الجوهر.

وقد تطلق على العنوان المنتزع من حقائق متعددة داخلة تحت مقولات مختلفة، كالصلاة التي هي ليست داخلة تحت مقولة من المقولات، بل هي عنوان منتزع من حقائق متباينة كالقراءة التي هي من مقولة الفعل، والجهر والمخافتة اللّتين هما من مقولة الكيف، والركوع والسجود اللّذين هما من مقولة الوضع، ولأجل ذلك توصف الصلاة، بالماهية المخترعة وهي في الحقيقة عنوان منتزع من ماهيات وحقائق متباينة.

الرابع: ما هو المراد من الافراد في عنوان البحث؟

هذا هو بيت القصيد في المقام وهناك احتمالات:

1. المراد من الافراد هو المصاديق الخارجية من أفراد الطبيعة بحيث يتعلّق الأمر أوّلاً وبالذات بنفس الفرد لا على العنوان حتّى يكون مرآة لها.

يلاحظ على ذلك: أنّ الغرض من الأمر هو تحصيل ما ليس بموجود، ولو تعلّق الأمر بالفرد الخارجي، يلزم تحصيل الحاصل، إذ بعد وجود الفرد الذي هو متعلّق الأمر لا معنى للبعث إليه، فانّ ظرف الفرد بهذا المعنى ظرف سقوط الأمر لا تعلّقه.

2. أن يراد من الفرد، المشخّصات الكلّية والضمائم التي لا تنفك الطبيعة عنها فالمتعلّق والضمائم عناوين كلّية يتعلّق بهما الأمر أيضاً، فبما انّ الطبيعة والمشخّصات عناوين كلّية والمفروض تعلّق الأمر بكليهما، فيُصبح الفرد الخارجي مصداقاً للواجب بكلتا الحيثيتين: فيكون مصداقاً للطبيعة كما أنّه يكون مصداقاً للضمائم والمشخّصات والأعراض التي لا ينفك عنها.


(95)

وعلى ضوء هذا فالنزاع في أنّ المأمور به هو الطبيعي بما هوهو أو هو مع المشخّصات والأعراض الكلية.

فمن قال بالأوّل فقد جعل الواجب هو الحيثية الطبيعية و من قال بالثاني جعل الواجب الحيثيتين الطبيعية والضمائم المقترنة بها.

فإذا فرضنا انّه توضأ بماء حار في البرد القارص، فهل متعلّق الأمر هو نفس التوضأ بالماء، أو أنّ متعلّقه هو الضميمة المقترنة بها كحرارة الماء؟ فلو افترضنا انّه قصد القربة في أصل الوضوء دون الوضوء بالماء الحارّ، فعلى القول بأنّ متعلّقه هو الطبيعة يصحّ وضوؤه دون القول الثاني لأنّه لم يقصد القربة في الضمائم.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي اعترض على تفسير الفرد بهذا المعنى فقال ما هذا لفظه:

إنّ تشخّص الطبيعي بنفس وجوده، وتشخّص الوجود بذاته، وأمّا الأُمور الملازمة للوجود الجوهري خارجاًً التي لا تنفك عنه، كأعراضه من الكم و الكيف والأين والوضع وغيرها، فهي موجودات أُخرى في قبال ذلك الموجود ومباينة له ذاتاً وحقيقة، ومتشخّصات بنفس ذواتها، وافراد لطبائع شتّى، لكلّ منها وجود وماهية فلا يعقل أن تكون الأعراض مشخّصات لذلك الوجود لما عرفت من أنّ الوجود هو نفس التشخّص، فلا يعقل أن يكون تشخّصه بكمه وكيفه وأينه ووضعه.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه خلط بين المصطلحين: مصطلح الفلاسفة وما اصطلح عليه الأُصوليون.

توضيح ذلك: قد كان الرأي السائد قبل الفارابي (المتوفّى 339هـ) على أنّ


1 . المحاضرات:4/19.


(96)

التشخّص بالاعراض وانّ الجواهر تتشخّص بالكم والكيف وسائر الاعراض، فالإنسان الطبيعي بالبياض والسواد يتميّز عن الآخر، كما أنّه بطول قامته وقصرها يتميّز عن الآخر وهكذا.

ولكن انقلب الرأي السائد في عصر الفارابي إلى يومنا هذا بأنّ تشخّص الإنسان بوجوده، ومع قطع النظر عن الوجود فالإنسان كلّي، وضم كلي (العرض) إلى كلي آخر لا يفيد التشخّص، فإذاً التشخّص الخارجي، يتحقق بنفس وجود الجوهر فله طبيعة ووجود، كما أنّ للعرض طبيعة ووجوداً، فالوجود هو الذي يضفي التشخّص على الجوهر وعلى العرض، فتعيّن الجوهر بوجوده كما أنّ تعيّن العرض به ولا يتشخّص الجوهر لا بطبيعة العرض ولا بوجوده.

هذا هو مصطلح الفلاسفة المتأخرين عن الفارابي ولكنّ للتشخّص اصطلاحاً آخر عند الأُصوليين وهو مبنيّ على الفهم العرفي، حيث إنّ تميّز فرد عن فرد آخر عند العرف بعوارضه واعراضه ككون زيد أبيض وأطول من عمرو الذي هو أسود وأقصر، أو كون زيد ابن فلان وعمرو ابن فلان آخر، فهذه الاعراض تميّز الجواهر بعضها عن بعض. وكلّ من المصطلحين صحيح في موطنه، ففي الدقّة العقلية التشخّص مطلقاً بالوجود لا بالاعراض ولكن التشخّص بين الناس إنّما هو بالاعراض ولكل قوم مصطلحهم ومشربهم.

الثالث: ما اختاره سيدنا الأُستاذ ـ قدس سره ـ وهو انّ المراد من الافراد هو المصاديق المتصوّرة بنحو الإجمال كما هو الحال في الوضع العام والموضوع له الخاص فيكون معنى «صلّ» أوجد فرد الصلاة ومصداقها، لا بمعنى انّ الواجب هو الفرد الخارجي أو الذهني بما هو كذلك، بل ذات الفرد المتصوّر إجمالاً، فانّ الافراد قابلة للتصوّر إجمالاً قبل وجودها كما انّ الطبيعة قابلة للتصوّر كذلك.(1)


1 . تهذيب الأُصول:1/343.


(97)

دليل القول المختار

إذا عرفت هذه الأُمور فالظاهر انّ المراد من الفرد هو المعنى الثاني، وعلى ذلك فالأمر يتعلّق بنفس الطبيعة لا بالمشخّصات التي نعبّر عنها بالضمائم أو الجهات الفردية، ودليله واضح وهو انّ البعث لا يتعلّق إلاّ بما هو دخيل في غرض المولى ولا يتعلّق بما ليس له دخل فيه، ومن المعلوم أنّ المؤمِّن لغرض المولى هو نفس الطبيعة مع قطع النظر عن الضمائم والمشخّصات الفردية بحيث لو أمكن أن توجد الطبيعة مجرّدة عن الضمائم والمشخّصات لكان صالحاً للامتثال، غير أنّ الطبيعة لا تتحقّق في الخارج بلا ضمائم.

أدلّة القول بتعلّقه بالافراد

استدلّ القائل بتعلّق الأوامر بالافراد بأُمور فلسفية غير مفيدة في المقام، وإليك بيانها ضمن أُمور:

1. انّ الطبيعة ليست موجودة في الخارج وإنّما الموجود هو الفرد، فكيف يكون ما ليس موجوداً في الخارج متعلقاً بالأمر؟

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بما ذكر غفلة عن تفسير قولهم:«الحقّ انّ الطبيعي موجود بوجود أفراده» وذلك لأنّ تحقق الفرد عين تحقّق الطبيعة وهي تتحقّق في ضمن كلّ فرد مع تكثّر الأفراد. فإذا كان في مجلس عشرة أشخاص فهناك طبائع كثيرة حسب تكثّر الأفراد، فزيد إنسان تام كما أنّ عمرو إنسان تام آخر وهكذا، والتفصيل في محلّه.

2. قد اشتهر بين الفلاسفة أنّ الطبيعة بما هي هي ليست إلاّ هي، فهي لا موجودة ولا معدومة، ولا مطلوبة ولا مبغوضة، فإذا كان هذا مقام الطبيعة وشأنها


(98)

فكيف تكون متعلّقة للأمر وموضوعاً للبعث؟

يلاحظ عليه: بأنّ الاستدلال بهذه الكلمة المأثورة من الفلاسفة نابع من تفسير خاطئ لها فانّ المراد من سلب الوجود والعدم أو المطلوبية والمبغوضية عن الماهيّة هو عدم كون هذه الأُمور في مرتبة الماهية، إذ لو كان الوجود أو العدم مأخوذين في مرتبتها لأصبحت واجبة الوجود أو ممتنعة فلا محيص عن توصيف الماهية بالإمكان بمعنى سلب الوجود والعدم عن حدّها وكونهما غير مأخوذين في تلك المرحلة، وهكذا المطلوبية والمبغوضية فليستا في حد الماهية، إذ لو كانت الأُولى مأخوذة لما صحّ السلب عنه في ظرف من الظروف، وهكذا العكس.

ومع هذا الاعتراف تكون الماهية في مرتبة دون حدها موجودة معدومة مطلوبة ومبغوضة.

وإن شئت قلت: إنّ الماهية بالحمل الأوّلي ليست واجدة لهذه الأُمور بشهادة انّ مفهوم الإنسان غير مفاهيم هؤلاء، وأمّا بالحمل الشائع الصناعي فلا شك انّ الإنسان موجود والعنقاء معدوم والصلاة مطلوبة وشرب الخمر مبغوض.

3. انّ الطبيعي الصرف لا يقضي حاجة الإنسان وإنّما القاضي لها هو وجوده الخارجي ومعه كيف يكون الطبيعي الصرف متعلقاً للبعث والزجر؟

يلاحظ عليه: بأنّ المستدل خلط بين متعلّق البعث وما هو غاية البعث المفهومة من القرينة، فالبعث يتعلّق بالطبيعي الصرف من كلّ قيد ولكن الغاية من البعث إليه هو إيجادها، فإذا قال: إسقني، فقد بعثه إلى السقي من دون تجاوز الطلب عن السقي إلى شيء آخر لكن الغاية هو إيجادها.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني لما وقف على الاستدلال حاول أن يجيب عنه بالتفريق بين متعلّق الأمر ومتعلّق الطلب، فقال: إنّ الأمر يتعلّق بالطبيعة وأمّا


(99)

الطلب فهو يتعلق بوجودها وإليك نصّه، يقول:

إنّ المراد بتعلّق الأوامر بالطبائع دون الافراد هو انّ الطبائع بوجودها السعي بما هو وجودها (قبالاً لخصوص الوجود) متعلّقة للطلب لا أنّها بما هي هي، كانت متعلّقة لها كما ربما يتوهّم فانّها كذلك ليست إلاّ هي، نعم هي كذلك تكون متعلّقة للأمر فانّه طلب الوجود.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ كلامه مبني على أنّ الهيئة تدلّ على أخذ الوجود في متعلّق الطلب، فإذا قال: اسقني، فمعنى ذلك : اطلب منك وجود السقي، لكنّه كلام غير تام، لأنّ الهيئة وضعت للبعث أو الطلب المجرّدين عن الوجود.

فالأولى في الإجابة ما قلنا من أنّ البعث إلى الطبيعة لغاية الإيجاد، فبما انّ المؤمِّن للغرض هو الوجود فهذا يشكِّل قرينة على أنّ البعث لتلك الغاية.

وربما يجاب عن الإشكال بأنّ الطبيعة تؤخذ مرآة للخارج شأن كلّ المفاهيم فإذا قال: اسقني، فقد جعل السقي مرآة إلى الحيثية الوجودية والجهة العينية من الطبيعي فيطلب الطبيعي بما هو حاك عن الخارج ومرآة له.

يلاحظ عليه: بما سبق في مبحث الوضع من أنّ الطبيعة لا يمكن أن تكون مرآة إلى الافراد، لأنّ اللفظ لا يحكي إلاّ عن معناه، والمفروض انّ الخصوصيات الفردية خارجة عن الموضوع له، فكيف تدلّ عليها الطبيعة؟ ومجرّد اتحاد الطبيعة مع المشخّصات الفردية لا يكون سبباً لحكاية الطبيعة عن الملازمات فلابدّ من إرادة المشخّص من لفظ ودالّ آخر، والمفروض عدمه.

4. انّ المتلازمين يجب أن يكونا متّحدين في الحكم، فإذا تعلّق البعث بالطبيعة، يجب أن يتعلّق بلوازمها وضمائمها.


1 . كفاية الأُصول:1/222ـ223.


(100)

يلاحظ عليه: ما مرّ في مبحث وجوب المقدمة من أنّ المتلازمين يجب أن يكونا غير متضادين في الحكم كأن يكون أحدهما واجباً والآخر محرّماً، أمّا اتحادهما في الحكم فلا.

ثمرة البحث

تظهر ثمرة البحث في موارد نشير إلى موردين:

الأوّل: إذا توضأ في الصيف بماء بارد وقصد القربة في أصل الوضوء لا في الضمائم، فلو قلنا بتعلّق الأمر بالطبائع يكفي وجود القربة في أصل التوضّؤ بالماء، وأمّا لو قلنا بتعلّقها مضافاً إلى الطبائع بالافراد أي اللوازم والمقارنات يبطل الوضوء لعدم القربة فيها، بل الغاية منها هو التبرّد.

الثاني: فيما إذا صلّى في دار مغصوبة فعلى القول بأنّ متعلّق الأمر والنهي هو نفس الطبيعة لا المشخّصات الفردية يكون متعلّق الأمر غير متعلّق النهي، لأنّ الصلاة تتشخّص تارة بالمباح وأُخرى بالمغصوب والكلّ من الملازمات المتّحدة معها في الوجود فلا يتجاوز الأمر عن متعلّقه إلى ملازماته ومتشخّصاته، بخلاف ما لو قلنا بتعلّق الأمر بالأفراد حيث تكون الملازمات المتّحدة متعلقة للأمر فيلزم أن يتعلّق الأمر بنفس ما تعلّق به النهي وهو غير جائز.

وأورد عليه المحقّق الخوئي بما هذا حاصله: بأنّ الأمر على كلا القولين تعلّق بالصلاة أو بفرد ما منها، ولم يتعلق بفرد ما من هذه الطبيعة وفرد ما من الطبائع الأُخرى الملازمة لها في الوجود الخارجي، وعلى ذلك فالقائل بتعلّق الأمر بالطبائع يدّعي تعلّقه بطبيعة الصلاة مع عدم ملاحظة أيّة خصوصية من الخصوصيات، والقائل بتعلّقه بالافراد يدّعي انّه تعلّق


(101)

بفرد ما من أفرادها، ولا يدّعي انّه تعلّق بفرد ما من أفرادها وفرد ما من الطبائع الأُخرى كالغصب أو نحوه، فالخصوصيات من الاعراض خارجة عن مصب الأمر.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على تفسير الفرد بالمعنى الأوّل وانّ مدار القولين هو تعلّق الأمر بالطبيعي أو فرد ما من ذلك الطبيعي، فعندئذ يصحّ ما يقول من أنّ المقصود من تعلّق الأمر بالفرد، هو الفرد من طبيعي واحد لا الفرد من طبيعة أُخرى أيضاً كالغصب.

ولكنّك عرفت أنّ هذا التفسير تفسير خاطئ، لأنّ الفرد بهذا المعنى ظرف سقوط الوجوب لا ظرف ثبوته وتعلّقه ، بل المراد من الفرد هو الضمائم واللوازم التي لا تنفك عن الطبيعة مطلقاً أو تقارنها أحياناً، وعندئذ يقع البحث في أنّ متعلّق الأمر هو ذلك الطبيعي أو الطبيعي مع ضمائمه الكلية ولوازمه غير المنفكة عند التحقّق، فعلى القول الأوّل، يجوز اجتماع الأمر والنهي، لأنّ متعلّق الأمر الحيثية الصلائية ومتعلّق النهي هو الحيثية الغصبية وكلّ ثابت على متعلّقه، وهذا بخلاف القول بتعلّق الأمر بالفرد، أي اللوازم والضمائم الكلّية، فبما انّ الصلاة تارة تقام في مكان مباح وأُخرى في مكان مغصوب فالأمر يتعلّق بالصلاة في المكان المباح أو بالصلاة في مكان مغصوب، فعندئذ تكون الحيثية الغصبيّة متعلّقة بالأمر كما تكون نفس الصلاة كذلك، فيلزم من القول باجتماع الأمر والنهي اجتماعهما في عنوان واحد.

إلى هنا ظهر انّ الأمر كالنهي يتعلّقـان بالطبائع دون الخصوصيـات الفردية.


1 . المحاضرات:4/20.


(102)

تكميل

للطبيعة أفراد لا حصص

إنّ الدائر في ألسن كثير من المحقّقين كالشيخ النائيني وضياء الدين العراقي والسيد الخوئي وجود الحصص للطبيعة، والحقّ انّ للطبيعة أفراداً لا حصصاً، وإليك التفصيل:

إنّ الكلّي ينقسم إلى كلي منطقي وطبيعي وعقلي.

أمّا الأوّل: فهو مفهوم الكلي في مقابل مفهوم الجزئي، فالأوّل ما لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، والثاني ما يمتنع فرض صدقه كذلك.

وأمّا الثاني: فهو عبارة عن معروض الكلي أي المفهوم الذي يصدق عليه انّه كلي كالإنسان والحيوان والشجر، فالطبيعي عبارة عن المفهوم الذي ينطبق عليه عنوان الكلي.

وأمّا الثالث: فهو عبارة عن لحاظ العارض والمعروض معاً، أي الإنسان بما انّه كلي فعندئذ يطلق عليه انّه كليّ عقلي، وليس للأوّل ولا للثالث موطن إلاّ العقل، إنّما الكلام في الثاني أي ذات الطبيعي، والحقّ انّه موجود في الخارج متكثّر بتكثّر الأفراد.

وذلك لأنّ مفهوم الإنسان لما كان معرىً عن كلّ قيد حتّى قيد كونه في الـذهن يتكثّر في الخـارج بتكثّر الأفـراد فلـو كان على أديم الأرض إنسـان واحد فهناك طبيعـة واحدة، و إذا كـان عليه أفراد كثيرة فهنـاك طبائـع كثيـرة محققـة في


(103)

الخارج.

والذي يوقع الإنسان غالباً في الاشتباه هو الخلط بين ذات الطبيعي والطبيعي بقيد الكلية، فالثاني غير موجود لأنّ ظرف الكلية هو الذهن دون الخارج، بخلاف ذات الطبيعي فانّه معرّى عن كلّ قيد فيوجد في الذهن كما يوجد في الخارج، فلو وجد في الذهن يوصف بالكلية، ولو وجد في الخارج يتكثر بتكثر أفراده، ولذلك اشتهر عن الشيخ الرئيس انّه قال: إنسانية زيد غير إنسانية عمرو وإنسانيته غير إنسانية بكر، وكلّ واحد إنسان، تام الإنسانية، لأنّها تقبل الكثرة في الخارج.

وعلى ضوء ذلك فمثل الطبيعي إلى أفراده كمثل الآباء إلى الأبناء لا كمثل أب واحد إلى الأبناء، وهذا ما يقال انّ الطبيعي واحد نوعي والفرد واحد شخصي، فلو وجد فرد في الخارج فقد وجد الطبيعي بعامّة حقيقته وهو لا يمنع أن يوجد في ضمن فرد آخر بعامّة حقيقته، وذلك لأنّه واحد نوعي فلا تمنع الوحدة النوعية عن الكثرة العددية.

ومن هنا يعلم أنّ كلّ فرد من أفراد الإنسان تمام الإنسان لا حصة منه، كما أنّ كلّ فرد من أفراد الصلاة نفس الصلاة لا حصة منها، فإذا كان الإنسان يقبل التكثّر حسب تكثّر الأفراد فلا معنى لكون الفرد حصة من الإنسان، بل الفرد كلّ الإنسان، لا جزء منه.

وأمّا من قال بأنّ الطبيعي واحد بالشخص وانّه موجود خاص جزئي، فالأفراد تكون حصصاً بالنسبة إليه، وبالتالي يكون كلّ إنسان ناقصاً في إنسانيته، بل جميع الأفراد تشكل إنساناً تاماً، وهذه هي نظرية الشيخ الهمداني الذي رآه الشيخ الرئيس في مدينة همدان وكان يقول: إنّ الطبيعي واحد بالشخص، فألّف


(104)

رسالة مستقلة في ردّه وكان في التعبير بالحصة شيئاً من التأثر بتلك النظرية المردودة.

وقد اعتذر شيخنا الأُستاذ (مد ظله) عن الورود في هذه المسألة التي ليس لها مسيس بالمسائل الأُصولية وإنّما ألجأته إليه كثرة استعمال الحصة والحصص في كلمات المتأخرين من الأُصوليين.


(105)

الفصل الثامن

بقاء الجواز عند نسخ الوجوب

إذا استعقب وجوبَ الشيء نسخُه فهل يبقى الجواز بعد نسخ الوجوب أو لا؟ مثلاً إنّه سبحانه أمر المؤمنين إذا أرادوا النجوى مع رسول اللّه أن يُقدِّموا صدقة قبل نجواهم حتّى يُصان بذلك وقتُ النبي الثمين، حيث كان الأكثر راغبين في النجوى والمسارّة مع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في أُمور تافهة غير ناجعة، فلأجل الحيلولة دون فوات وقت النبي أمرهم بإعطاء دينار، وقد حكاه سبحانه في الذكر الحكيم بقوله: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم).(1)

ولمّا نُهوا عن المناجاة إلاّ بالصدقة ضنّ كثير من الناس بماله فلم يناجه أحد إلاّ علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ حيث تصدّق بدينار وناجى، وبذلك امتحن المؤمنون امتحاناً في ذلك المجال.ولمّا حصلت الغاية المتوخّاة من فرض الصدقة وعلم أنّ الدينار عند الأكثر أثمن من وقت النبي فاجأهم النسخ بقوله سبحانه: (أأشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدقات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَاللّهُ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُون).(2)


1 . المجادلة:12.
2 . المجادلة:13.


(106)

فعندئذ يقع الكلام في أنّه هل يبقى الجواز بعد النسخ على نحو يصحّ لمن يناجي النبي أن يدفع الصدقة قبل النجوى بنيّة العمل بالآية لا بنيّة مطلق الصدقة؟

إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الكلام يقع في موضعين:

الأوّل: إمكان بقاء الجواز بعد النسخ وعدمه.

الثاني: الدليل على بقائه إذ ليس كلّ ممكن واقعاً.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني استسهل البحث في المقام الأوّل وسلم إمكانه بعد نسخ الوجوب وقال: ضرورة انّ ثبوت كلّ واحد من الأحكام الأربعة الباقية بعد ارتفاع الوجوب واقعاً ممكن.(1)

إذا عرفت هذا فلنبحث في الموضعين واحداً تلو الآخر.

الموضع الأوّل: إمكان بقاء الجواز

إنّ إمكان بقاء الجواز رهن ثبوت أمرين:

الأوّل: انّ الوجوب مجعول شرعي ومفاد للأمر، وليس أمراً انتزاعياً من أمر المولى مع سكوته عن جواز تركه.

الثاني: انّ الوجوب مركب من أُمور ثلاثة: الجواز، الرجحان، اللزوم.

وعلى ضوء ذينك الأمرين فإذا نسخ الوجوب فيمكن أن يتعلق النسخ بالفصل الأخير ـ أي اللزوم ـ و يبقى الجواز والرجحان ضمن فصل آخر أي جواز الترك.

فإن قلت: إنّ بقاء الجنس مع ذهاب الفصل أمر غير ممكن فانّ الفصل


1 . كفاية الأُصول:1/224.


(107)

علّة تحقق الجنس فالجنس حقيقة مغمورة ومبهمة لا تخرج من الإبهام إلاّ بفضل الفصل فالفصل والجنس متّحدان زماناً اتحاد المتقوم مع المقوّم، وعندئذ كيف يمكن أن يبقى الثاني مع ذهاب الأوّل؟

قلت: ما ذكرته صحيح في عالم التكوين دون الاعتبار فلا مانع من قيام الجنس بفصلين متتاليين كالخيمة التي تقوم بدعامة بعد زوال دعامة.

ولكنّ الأمرين غير ثابتين.

أمّا الأوّل: فلأنّ الوجوب أمر بسيط ربما ينحل إلى المفاهيم الثلاثة، فالجواز والرجحان والالزام يفهم من الوجوب عند التحليل، فهذه المفاهيم الثلاثة تنضوي تحت لواء الوجوب انضواء الكثرات في الواحد البسيط.

وأمّا الثاني: فلأنّ الوجوب ليس مفاد الأمر فانّ مفاده هو البعث ، وأمّا الوجوب والاستحباب فإنّما يستفاد من القرائن أو من حكم العقل، فإذا أمر وسكت يحكم العقل بلزوم إطاعة أمر المولى، لأنّه لا يترك أمر المولى بلا جواب.

كما أنّه إذا أمر و رخّص يستفاد منه الاستحباب، فالوجوب والاستحباب مفاهيم انتزاعية من الأمر بالشيء حسب ظروف مختلفة.

فاتضح بذلك انّ إمكان البقاء رهن أمرين وكلاهما منتفيان، لأنّ الوجوب بسيط، وليس بمركب، كما أنّ الوجوب والاستحباب ليسا من المجعولات الشرعية بل من المفاهيم الانتزاعية.

ثمّ إنّ للمحقّق الخوئي كلاماً في تفسير الوجوب والحرمة وهو انّ المجعول في الواجبات والمحرّمات ليس إلاّ اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف أو محروميته.


(108)

ورتب على ذلك أنّ الوجوب والحرمة ليسا مجعولين شرعاً، بل منتزعان من اعتبار الشارع شيئاً في الذمة فينتزع منه الوجوب، ومن اعتبار محرومية المكلف من الفعل فينتزع منه الحرمة، فالمجعول إنّما هو نفس ذلك الاعتبار(اعتبار الشيء في ذمة الإنسان أو محروميته عن الشيء) لا الوجوب والحرمة إلى أن قال: وعلى ذلك لا يعقل القول بأنّ المرفوع هو نسخ الوجوب دون جنسه ضرورة انّ الوجوب ليس مجعولاً شرعيّاً ليكون هو المرفوع بتمام ذاته أو بفصله .(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ ما أفاده من أنّ الوجوب من الأُمور المنتزعة وإن كان صحيحاً لكن تفسير الوجوب بجعل الفعل في ذمة المكلّف والحرمة بحرمان المكلف عن الفعل تفسير غير تام وذلك لتغاير الاعتبار في المثالين التاليين:

أ. له عليه دين كذا أو له على زيد عمل يوم.

ب. أدِّ دينك أو اعمل في هذا اليوم.

فانّ الاعتبار في المورد الأوّل هو جعل الفعل في ذمّة المكلّف بخلاف الاعتبار في الثاني ففيه البعث إلى أداء الدين، والعمل في اليوم، فإرجاع أحد الاعتبارين إلى الآخر أمر غير تام.

وثانياً: أنّ الالتزام بكون الحرمة غير مجعولة وانّه ينتزع من حرمان المكلّف عن الفعل أمر لا يساعده الكتاب العزيز فانّ الظاهر منه إنشاء نفس الحرمة بالمصطلح الدارج فلاحظ الآيات التالية:

قوله تعالى: (إِنّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ).(2)

وقوله تعالى: (وَأَحلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) .(3)


1 . المحاضرات:4/23.
2 . البقرة:173.
3 . البقرة:275.


(109)

وقوله تعالى: (قُلْ إِنّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَن).(1)

وثالثاً: لو صحّ ما ذكر فإنّما يصحّ في الأحكام الأربعة دون الإباحة، إذ ليس فيه أيُّ واحد من الاعتبارين: اعتبار جعل الفعل في ذمة المكلّف أو حرمانه منه، بل مفاده فسح المجال للمكلّف وكونه مخيّراً بين الفعل والترك إلاّ أن يكون كلامه في غير الإباحة.

إلى هنا تمّ الكلام في الموضع الأوّل، وقد عرفت عدم إمكان بقاء الجواز لفقد الشرطين، فليس الوجوب أمراً مركباً ولا مجعولاً شرعياً.

وإليك البحث في الموضع الثاني وهو بحث افتراضي أي لو فرضنا إمكان بقاء الجواز نبحث في الدلالة عليه.

الموضع الثاني: فيما يدلّ على بقاء الجواز

لو افترضنا إمكان بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب، فيقع الكلام في فعلية الجواز وانّه هل هنا دليل على بقائه أو لا؟

ثمّ الدليل إمّا داخلي أو خارجي، والمراد من الداخلي هو دلالة كلّ من الناسخ والمنسوخ على البقاء، كما أنّ المراد من الخارجي هو الاستصحاب.

أمّا الأوّل فيستدلّ عليه بأمرين:

1. انّ القدر المتيقّن من دليل الناسخ هو رفع خصوص الإلزام، وأمّا ما عداه فيؤخذ من دليل المنسوخ.

2. انّ المقام نظير ما لو دلّ دليل على وجوب شيء، ودلّ دليل آخر على عدم وجوبه، كما إذا ورد أكرم زيداً وورد «لا بأس بترك إكرامه»، فيحكم ـ


1 . الأعراف:33.


(110)

بأظهرية الدليل الثاني ـ ببقاء الجواز والرجحان.

يلاحظ على الأوّل: أنّه ليس للأمر إلاّ ظهور واحد وهو البعث نحو المأمور به، فإذا دلّ الناسخ على أنّ المولى رفع اليد عن بعثه فلا معنى للالتزام ببقاء الجواز والرجحان، إذ ليس له إلاّ ظهور واحد لا ظهورات متعددة حتّى يؤخذ بالباقي.

وأمّا الثاني: فانّ قياس المقام بالدليلين المتعارضين قياس مع الفارق، لأنّ استكشاف الجواز هنا إنّما هو لاتفاق الدليلين عليه، وذلك لأجل تحكيم الأظهر (لا بأس بترك إكرامه) على الظاهر (أكرم زيداً)، وأمّا المقام فليس من هذا القبيل بل هو من قبيل نفي الدليل الأوّل بالدليل الثاني.

وبكلمة مختصرة ليس هنا أيُّ دليل على بقاء الجواز، أمّا المنسوخ فالمفروض ارتفاعه، وأمّا الناسخ فالمفروض انّ مفاده منحصر في رفع البعث أو الوجوب(على القول بكونه مدلولاً لفظياً لا إثبات أمر آخر).

هذا كلّه حول القرينة الداخلية، وأمّا القرينة الخارجية فليس هناك دليل إلاّ الاستصحاب بأن يقال كان التصدّق قبل النجوى جائزاً والأصل بقاؤه حتّى بعد النسخ.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه يشترط في المستصحب أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، ولكن الجواز ليس حكماً شرعياً، لأنّ المراد من الجواز في المقام هو الجواز الجامع بين الأحكام الأربعة و من المعلوم أنّه أمر عقلي ينتزعه العقل من البعث إلى المأمور به الكاشف عن الإرادة الحتمية، الكاشفة عن جوازه عند المولى فلا يكون عندئذ حكماً شرعياً قابلاً للاستصحاب.

وثانياً: انّ الاستصحاب في المقام أشبه بالقسم الثالث من أقسام


(111)

استصحاب الكلي، لأنّ المتيقن هو الجواز في ضمن الوجوب، والمفروض انتفاؤه، فلو بقي الجواز فانّما يبقى ضمن إقامة فرض آخر كالاستحباب مكانه، ومن المعلوم أنّ استصحاب الكلي بهذه الصورة غير جار لعدم اتحاد القضيتين.

فإن قلت: إنّ نسبة الوجوب إلى الاستحباب نسبة الشديد إلى الضعيف فيرجع الشك إلى انتفاء البعث الشديد من رأس أو تبدّله إلى فرد ضعيف كالاستحباب وقد استثناه بعضهم من هذا القسم.

قلت: ما ذكرته وإن كان صحيحاً عند العقل لكنّهما عند العرف متباينان.


(112)

الفصل التاسع

الواجب التخييري

عُرِّف الواجبُ التعييني بما لابدل له ولا يسقط بإتيان شيء آخر، إذ لا بدل له، بخلاف التخييري فللواجب بدل ويسقط بإتيان بدله، وقد وقع في الشرع كخصال كفّارة الصوم ودية قتل العمد وغيرهما.

إنّما الكلام في بيان ما هو واقع الواجب التخييري حيث اختلفوا في المأمور به إلى أقوال:

1. ذهب أصحابنا وجمهور المعتزلة إلى أنّ كلّ واحد واجب على البدل، وأيّاً منها أتى فقد أتى بالواجب لا البدل.

2. ذهب الأشاعرة إلى أنّ أحد الأبدال واجب لا بعينه.

3. انّ الواجب هو الجميع ويسقط بفعل البعض.

4. انّ الواجب معيّن عند اللّه ولكن يسقط به وبالآخر وقد نُسِبَ هذان القولان إلى المعتزلة.

5. ما يفعله المكلّف ويختاره هو الواجب عند اللّه فيختلف باختلاف المكلّفين.(1)


1 . لاحظ القوانين:1/116.


(113)

شبهات مثارة حول تصوير الواجب التخييري

قد عرفت أنّ الأصحاب ذهبوا إلى أنّ الواجب كلّ واحد منها على البدل، فقد طرأت هناك عدّة إشكالات نطرحها على طاولة البحث.

1. الإرادة والبعث لا تتعلّقان بالأمر المردّد

وحاصل هذا الإشكال: انّ الإرادة الفاعلية إنّما تتعلّق بالأمر المعيّن لا بالأمر المردد، و هو أمر واضح ومثله الإرادة الآمرية فلا تتعلّق إلاّ بأمر معيّن، ووجه ذلك انّ تشخّص الإرادة في كلا المقامين بالمراد.فإذا كان المراد مردداً لا تتعلّق به الإرادة، وظاهر كون كلّ واحد واجباً على البدل، تعلّق الإرادة بالأمر المردد، ونظيره البعث، إذ لا معنى للبعث إلى المردد.

2. كيف يكون واجباً ويجوز تركه؟

وهذا هو الإشكال الثاني، فانّ كلّ واحد من أطراف الواجب التخييري واجب ولكن يجوز تركه إلى بدل وهذا ينافي كون الشيء واجباً.

3. وحدة العقاب مع كثرة الواجب

وهذا هو الإشكال الثالث حيث إنّه إذا ترك الكلّ يعاقب بعقاب واحد، مع كون الواجب متعدداً.

هذه الأُمور هي التي دعت المتأخرين إلى البحث عن ماهية الواجب التخييري وواقعه حتّى يتيسر لهم الذب عن هذه الإشكالات.

وسنتناولها بالتفصيل واحداً تلو الآخر.


(114)

أمّا تعلّق الإرادة بالأمر المردد وهو المهم بين الإشكالات فقد أجيب عنه بوجوه.

1. نظرية المحقّق الخراساني

وحاصل هذه النظرية: انّ الواجب التخييري على قسمين:

فقسم منه يكون التخيير فيه تخييراً عقلياً، والقسم الآخر يكون التخيير تخييراً شرعياً.

أمّا الأوّل: ففيما إذا كان الغرض واحداً يقوم به كلّ من الطرفين، كما إذا كان الغرض هو إنارة الغرفة وهي تتحقّق بإسراج المصباح أو إيقاد النار في الموقد فيأمر المولى ويقول: اسرج المصباح أو أوقد النار.

فهاهنا غرض واحد يحصل بكلا الأمرين، وبما انّ الواحد لا يصدر إلاّ من الواحد فلابدّ من القول بأنّ إنارة الغرفة معلولة للجامع بين الفعلين، لامتناع صدور الواحد عن الكثير فيكون الواجب هو الجامع، فجعلهما متعلّقين للخطاب الشرعي كما عرفت تبيان انّ الواجب هو الجامع بين الاثنين. فعلى المكلّف إيجاده في الخارج لتحصيل الغرض الواحد، وفي هذا القسم تتعلّق الإرادة بأمر معين وهو الجامع بين الفعلين.

وأمّا الثاني: أعني ما إذا كان التخيير شرعياً، فهناك أغراض متعددة للمكلّف لكن بينها تزاحم في مقام الإتيان بأن تكون الأغراض غير قابلة للتحصيل والجمع فلا يمكن للمولى الأمر بتحصيلها.

فعندئذ يكون كلّ واحد واجباً لكن بنحو من الوجوب تَكشف عنه تبعاتُه وآثارُه، أعني:


(115)

أ. عدم جواز ترك كلّ واحد إلاّ إلى الآخر.

ب. ترتّب الثواب على فعل الواحد منهما.

ج. العقاب على تركهما لا على ترك واحد منهما.

ففي هذه الصورة يكون الواجب كلّ واحد لكن بنحو من الوجوب يتفاوت سنخه مع وجوب الواجب التعييني.

فالصلاة والصوم في شهر رمضان واجبان تعيينيان والحمد أو التسبيحات واجبان تخييريان في الركعتين الأخيرتين.

لكن سنخ الوجوب في الأوّل غير سنخه في الثاني، مع اشتراك الجميع في تعلّق إرادة مستقلة بكلّ واحد كتعلّق البعث المستقل بكلّ واحد.

إلى هنا تمّ تقرير نظرية المحقّق الخراساني.(1)

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني استطاع أن يذب عن الإشكالات الثلاثة بما اختاره في حقيقة الواجب التخييري.

أمّا التخيير العقلي فلأنّ الواجب هو الجهة الجامعة التي تؤمّن غرض المولى فالواجب واحد والإرادة واحدة.

وأمّا التخيير الشرعي فلما كانت الأغراض متعددة، وبتبعها تتعدد الإرادة، وكلّ إرادة متعلّقة بموضوع خاص وهو محصّل لغرض خاص.

ومثلها البعث فليس هنا بعث متعلّق بالمردد، بل لكلّ بعث خاص دون أن يكون هناك تردد في المتعلّق.

هذا كلّه حول الإشكال الأوّل الذي هو المهم.


1 . لاحظ كفاية الأُصول:1/226.


(116)

وأمّا الثاني: أعني كون الشيء واجباً مع جواز تركه والإتيان بالآخر.

فقد أجاب عنه انّ هذا خصيصة نحو هذا الوجوب، فانّ الوجوب على قسمين: تارة يكون الإتيان بأحد الفعلين لا يجزي عن الفعل الآخر كالصلاة والصوم في شهر رمضان، وأُخرى يكون الوجوب على نحو لو أتى بواحد ممّا تعلّق به الوجوب يغني عن إتيان الآخر وذلك نتيجة تزاحم الأغراض وعدم اجتماعها.

وإلى ذلك يشير المحقّق الخراساني بقوله:

كان كلّ واحد واجباً بنحو من الوجوب يُستكشف عنه تبعاتُه من عدم جواز تركه إلاّ إلى الآخر.(1)

هذا كلّه حول الإشكال الثاني.

وأمّا الإشكال الثالث: وهو أنّ تعدد الواجب يقتضي تعدد العقاب عند ترك عامّة الأطراف مع أنّهم اتفقوا على وحدة العقاب.

والإجابة عنه واضحة، وذلك لأنّ تعدد العقاب إمّا لأجل تفويت المصلحتين الملزمتين أو لأجل مخالفة التكليفين الفعليين.

أمّا الأوّل: فلأنّ المفروض عدم إمكان الجمع بين الغرضين وتنافيهما في مقام التأثير في الغرض، فإذا كان كذلك فليس عليه إلاّ تحصيل غرض واحد وبفوته يستحقّ عقاباً واحداً.

وأمّا الثاني: فلأنّ الحكمين وإن كانا فعليين ولكن مخالفة التكليفين الفعليين إنّما توجب كثرة العقاب إذا لم يكتف المولى في مقام الامتثال بواحد منهما. ومع هذا التصريح لا ملاك لتعدد العقاب.


1 . كفاية الأُصول:1/226.


(117)

والحاصل: انّ الكبرى أي مخالفة كلّ حكم فعلي توجب العقاب ممنوعة، وإنّما توجبه إذا لم يصرح المولى بأنّه يكفي إتيان واحد منهما ، ففي مثله لا يتعدد العقاب.

فاتّضح بما ذكرنا انّ نظرية المحقّق الخراساني خصوصاً في التخيير الشرعي نظرية صالحة لدفع الإشكالات الثلاثة، والمؤثر في دفعها هو تعدد الغرض الموجب لتعدد الإرادة والتزاحم بين الأغراض في مقام الامتثال.

نعم يرد على هذه النظرية إشكالان يرجع أحدهما إلى التخيير العقلي والثاني إلى التخيير الشرعي.

أمّا الأوّل: أي التخيير العقلي، فقد أسس نظريته على قاعدة: «لا يصدر الواحد إلاّ من واحد» وبما انّ الغرض واحد فلا يصدر إلاّ من واحد وهو الجهة الجامعة بين إيقاد النار وإسراج المصباح ولا يصدر من كلّ واحد منهما لاستلزامه صدور الواحد عن الكثير.

ولكن القاعدة صحيحة إلاّ أنّ تطبيقها على المورد تطبيق خاطئ.

أمّا صحّة القاعدة فتظهر بملاحظة أمرين:

الأوّل: انّ صدور شيء عن شيء رهن وجود صلة بينهما، وإلاّ يلزم أن يكون كلّ شيء علّة لكلّ شيء، وهذا ما يعبّر عنه في الفلسفة بقانون السنخية.

مثلاً انّ شرب الماء يزيل العطش دون أكل الخبز، وهذا يدلّ على وجود صلة بين الأوّلين وعدمها في الآخر.

نعم السنخية المعتبرة هي سنخية ظلية لا سنخية توليدية (انتاجية) كالسنخية الموجودة بين المطر والندى.

الثاني : انّ مصب القاعدة هو المعلول البسيط من كلّ الجهات كالعقل


(118)

الأوّل فانّه عند الفلاسفة إنّي الوجود فلا يصدر إلاّ من سبب واحد، فلو صدر من كثير يلزم أن يكون مشتملاً على أكثر من جهة حتّى تكون كلّ جهة سبباً لصدوره عن السبب المحتمل عليها أخذاً بما تقدّم من اشتراط السنخية بين العلة والمعلول، وعندئذ (تعدد السنخية والرابطة) يلزم أن يكون الواحد كثيراً لكثرة الجهات وهذا خلف.

هذا إجمال ما عليه الفلاسفة في مفاد القاعدة وهو كما ترى يجري في المعلول البسيط من جميع الجهات، وأين هذا من النور الصادر من إيقاد الموقد وإسراج المصباح؟ فهناك نوران مختلفان وإن كانا يتحدان في الاسم أي النور، فإعمال القاعدة في المتكثّر بالذات إعمال لها في غير محلّه.

وقد استند المحقّق الخراساني إلى هذه القاعدة في محل آخر حيث قال: بوجود الجامع بين أفراد الصلاة الصحيحة ونستكشف وجود الجامع من وحدة الأثر، فانّ اشتراك جميع الصلوات الصحيحة في الأثر كاشف عن وجود جامع بين الصلوات يؤثر الكلّ فيه بذاك الجامع، مثلاً: النهي عن الفحشاء أثر واحد مشترك بين الجميع فيحكم بوحدة الأثر على وجود الجامع الذي هو المؤثر في ذلك الأثر وإلاّ يلزم صدور الكثير عن الواحد.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الأثر واحد بالنوع ولكنّه متعدد في الخارج ومصب القاعدة هو الواحد الشخصي لا الواحد النوعي، فكلّ من أقام صلاة صحيحة يترتب عليه النهي عن الفحشاء وهو في كلّ مورد يغاير الفرد الآخر في مورد آخر.

أضف إلى ذلك انّ أثر الصلاة متعدد لا واحد، فأين قربان كلّ تقي، من الناهية عن الفحشاء والمنكر؟ وأين كلاهما من عمود الدين؟ إلى غير ذلك.


1 . كفاية الأُصول:1/36.


(119)

هذا كلّه حول التخيير العقلي وأمّا التخيير الشرعي فقد بنى نظريته على أنّ الأغراض متنافية غير قابلة للجمع، فعندئذ يتوجّه إليه السؤال الثاني وهو: انّ مصب التزاحم إمّا مقام الامتثال وإمّا ملاكات الأحكام:

أمّا الأوّل فلا تزاحم فيه، إذ لا مانع من أن يقوم المفطر بعتق رقبة وإطعام ستين مسكيناً وصوم ستين يوماً.

وأمّا الثاني ـ أي التزاحم في مقام الملاكات، أعني: التزاحم في المرتبة المتقدمة على الخطاب ـ فهو أيضاً منتف بشهادة انّه لو أفطر بالمحرّم وجب عليه الخصال جميعاً من دون أن يكون أيّ تزاحم بين الملاكات، والظاهر انّ ملاك التخيير هو التسهيل على العباد ورفع الحرج عنهم لا التزاحم بين الملاكات كما يدور عليه كلام المحقّق الخراساني.

إلى هنا تمت نظرية المحقّق الخراساني نقلاً وتحليلاً.

2. نظرية المحقّق النائيني

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ الواجب هو العنوان المردّد، أعني: أحد الفعلين أو أحد الأفعال قائلاً: بأنّ الخصوصيات المعتبرة في الإرادة على قسمين، فتارة تعتبر فيها لا لخصوصية كونها تكوينية، بل لكونها إرادة، فهذا النوع من الخصوصية معتبرة في التشريعية أيضاً، وأُخرى يكون اعتبارها فيها لأجل كونها تكوينية فلا يعم التشريعية قطعاً .

وعلى ضوء هذا لا مانع من تعلّق الإرادة التشريعية بالأمر الكلي بين الفردين بخلاف الإرادة التكوينية(الفاعلية) فانّها لكونها علّة لإيجاد المراد لا


(120)

تتعلّق إلاّ بالشخص لامتناع ايجاد الكلّي في الخارج إلاّ في ضمن فرده.

ثمّ قال: إنّ امتناع تعلّق الإرادة التكوينية بالمردّد وما له بدل من لوازمها خاصة ولا يعم التشريعية فانّ الغرض المترتب على كلّ من الفعلين، إذا كان أمراً واحداً، كما هو ظاهر العطف بكلمة «أو» سواء كان عطف جملة على جملة كما هو الغالب أو عطف مفرد على مفرد انّه حسب مقام الإثبات الموافق لمقام الثبوت يدل على أنّ هناك غرضاً واحداً يترتّب على واحد من الفعلين على البدل، فلابدّ وأن يكون طلب المولى بأحدهما على البدل أيضاً لعدم الترجيح بينهما.

والحاصل: انّ امتناع تعلّق الإرادة بالمبهم والمردد من خصائص الإرادة التكوينية لكونها علّة للمراد ولا معنى لتعلّق العلّة بالكلي بخلاف الإرادة التشريعية.(1)

ثمّ إنّ هذه النظرية هي خيرة تلميذه المحقّق الخوئي في تعليقته على أجود التقريرات و في محاضراته التي دوّنها بعض تلاميذه.

قال ما هذا حاصله:

الذي ينبغي أن يقال في هذه المسألة تحفظاً على ظواهر الأدلّة هو انّ الواجب أحد الفعلين أو الأفعال لا بعينه، وتطبيقه على كلّ منها في الخارج بيد المكلّف، كما هو الحال في موارد الواجبات التعيينية غاية الأمر انّ متعلّق الوجوب في الواجبات التعيينية الطبيعة المتأصّلة و الجامع الحقيقي، وفي الواجبات التخييرية الطبيعة المنتزعة والجامع العنواني، فهذا هو الفارق بينها وتخيّل انّه لا يمكن تعلق الأمر بالجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدهما في المقام، ضرورة انّه ليس


1 . أجود التقريرات:1/183، ولاحظ فوائد الأُصول:1/235 فالتقريران يهدفان إلى أمر واحد في هذه الدورة وقال:و الاختلاف بين التقريرين طفيف.


(121)

له واقع موضوعي غير تحقّقه في عالم الانتزاع والنفس فلا يمكن أن يتعدّى عن أفق النفس إلى ما في الخارج، ومن الواضح انّ مثله لا يصلح أن يتعلّق به الأمر ، خيال خاطئ جداً، بداهة انّه لا مانع من تعلق الأمر به أصلاً بل تتعلّق به الصفات الحقيقية كالعلم والإرادة وما شاكلهما فما ظنك بالحكم الشرعي الذي هو أمر اعتباري محض.(1)

إنّ الأُستاذ والتلميذ قد نجحا ـ لو قلنا بصحّة المعنى ـ في الذب عن الإشكالات الآنفة الذكر، أمّا تعلّق الإرادة بالفرد المردد مفهوماً فلأجل الفرق بين الإرادة الفاعلية والإرادة الآمرية. والامتناع من خصائص الإرادة الفاعلية دون الآمرية، وأمّا ترك أحد الأطراف عند الإتيان بالآخر فذلك لازم كون الواجب أحد الأفعال لا جميعها.

وبه يُعلم دفع الإشكال الثالث، لأنّ وحدة العقاب لأجل وحدة الواجب المتحقّق بإنجاز واحد من الأطراف.

نعم يرد على تلك النظرية انّها لم تتحفظ على ظواهر النصوص فانّ ظاهرها على أنّ الواجب هو نفس تلك العناوين لا العنوان المنتزع عنها باسم أحدهما، فانّ العنوان المنتزع أمر عقلي ينتزعه من تعلّق الحكم بالعناوين الأصلية على وجه التخيير وإن كنت في شكّ فلاحظ الآيتين التاليتين.

قال سبحانه: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغوِ فِي أَيْمانِكُمْ ولكن يُؤاخِذُكُم بِما عَقَّدْتُّم الأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشرةِ مَساكِينَ مِنْ أَوسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة).(2)


1 . المحاضرات:4/42و44.
2 . المائدة:89.


(122)

فانّ المتبادر من الآية أنّ الواجب هو نفس العناوين لا عنوان أحدها، ومثلها الآيات التالية:

(فَلا اقْتَحَمَ الْعَقبة * وَمَا أَدْراكَ مَا الْعَقَبَة* فَكُّ رَقَبة* أَو إِطْعامٌ فِي يَوم ذِي مَسْغَبة* يَتيماً ذا مَقْرَبة* أَوْ مِسكيناً ذا مَتْرَبة).(1)

فانّ المتبادر من الآيات انّ الواجب، هو كلاً من الفك والإطعام في يوم ذي مسغبة لا عنوان أحدهما، وهو ـ قدس سره ـ أبدع تلك النظرية ليتحفظ بها على ظواهر الأدلة، ولكن كانت النتيجة هي العكس.

3. نظرية المحقّق الإصفهاني

وللمحقّق الإصفهاني نظرية أُخرى، حاصلها: أن يكون كلّ واحد منها واجباً تعيينياً ويكون الإتيان بواحد منهما في الخارج موجباً لسقوط الآخر أيضاً بحكم المولى إرفاقاً وتسهيلاً على المكلّفين.

هذا ما لخّصه تلميذه المحقّق الخوئي(2) وإليك نصّ عبارة صاحب النظرية قال: يمكن أن يفرض غرضان، لكلّ منهما اقتضاء إيجاب محصَّله ، إلاّ أنّ مصلحة الإرفاق والتسهيل تقتضي الترخيص في ترك أحدهما، فيوجب كليهما لما في كلّ منهما من الغرض الملزم في نفسه، ويرخِّص في ترك كلّ منهما إلى بدل، فيكون الإيجاب التخييري، شرعيّاً، محضاً من دون لزوم الإرجاع إلى الجامع.(3)

إنّ هذه النظرية قريبة من نظرية المحقّق الخراساني ـ و ليست عينها ـ غير أنّ الأُستاذ علل عدم وجوب الإتيان بسائر الابدال لأجل التزاحم في الملاك ولكن


1 . البلد:11ـ16.
2 . تعاليق الأجود:1/182.
3 . نهاية الدراية:1/254.


(123)

التلميذ علله بالتسهيل والإرفاق.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي اعترض على تلك النظرية في تعاليق الأجود وفي المحاضرات بإشكالين:

الأوّل: انّه يستلزم تعدد العقاب عند عصيان الوجوب التخييري وعدم الإتيان بشيء من الفعلين ضرورة انّ الجائز هو ترك كلّ منهما إلى بدل لا مطلقاً.

الثاني: انّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك في كلّ من الطرفين إلاّ بالأمر، وحيث إنّ الأمر فيما نحن فيه تعلّق بأحد الطرفين أو الأطراف فلا محال لا نستكشف إلاّ قيام الغرض به.(1)

يلاحظ على الإشكال الأوّل: أنّ تعدد العقاب رهن أحد أمرين:

1. تفويت المصلحتين الملزمتين.

2. عصيان الخطابين العقليين المطلقين.

أمّا الأوّل: فهو خلاف الفرض، لأنّ المفروض انّ المولى رخص في ترك أحد الغرضين لأجل التسهيل.


1 . أجود التقريرات:1/182; المحاضرات:4/28.


(124)

وأمّا الثاني: انّ عصيان الخطابين الفعليين المطلقين إنّما يُصحح تعدّد العقاب إذا لم يصرّح المولى بأنّه يجوز ترك أحدهما عند الإتيان بالآخر، فانّ معنى ذلك انّ المطلوب الجدّي المصحح للعقاب هو واحد لا كثير، ومعه كيف يوجب تعدد العقاب؟

وإن شئت قلت: إنّ دائرة التكليف لا تكون أوسع من الملاك اللازم تحصيلُه، والمفروض انّ اللازم تحصيله هو أحد الملاكين لا كلاهما.

وأمّا الإشكال الثاني: فظاهره انّه لا ملاك في كلّ واحد من أحد الأطراف، بل الملاك في واحد منها غير معيّن، وهذا خلاف فرض المحقّق الاصفهاني حيث قال: فيوجب كليهما لما في كلّ منهما من الغرض الملزم في نفسه قطعاً، إذ لو لم يكن كلّ واحد منها مشتملاً على الملاك، لما صحّ الأمر بأحدها.

نعم تعدّد الأمر لا يلازم تعدّد الغرض، بل يجتمع مع وحدة الغرض، المتحقّق بكلّ من الأطراف.

4. نظرية بعض القدماء

إنّ الواجب هو الواحد المعيّن الذي يعلم اللّه انّ العبد يختاره.

يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ لازم ذلك عدم الاشتراك في التكليف وانّ تكليف من يختار العتق هو العتق وتكليف من يختار الصوم هو الصوم، وهذا ممّا اتّفق العلماء على بطلانه.

وثانياً: أنّ لازم ذلك عدم العقاب على من ترك التكليف رأساً، لأنّ الواجب هو ما يختاره العبد في علم اللّه، فإذا لم يختر واحداً منهما كشف عن عدم موضوع للتكليف في علم اللّه ومع فقد الموضوع لا عقاب.

5. ما هو المختار في تفسير الوجوب التخييري؟

هذا ما ذكره القوم في المقام وهناك نظرية خامسة هي أقرب إلى الواقع وما هو الدارج بين الموالي والعبيد في الواجبات التخييرية.

وحاصله : انّه إذا كان للمولى غرض واحد يتحقّق بأُمور متعددة وليس بينهما جامع أصيل كما في المثالين التاليين:


(125)

أ. إذا تخلّف السائق عن مراعاة قوانين المرور، فيمكن للحاكم تأديبه بأحد أمرين:

1. الحكم عليه بتأدية غرامة نقدية.

2. الحكم عليه بزجّه في السجن.

ب: من أفطر في شهر رمضان متعمداً فللمولى أن يوبخ المكلّف بأحد الأُمور الثلاثة المعروفة بخصال الكفارة.

إلى غير ذلك من الأمثلة.

فبما انّ إيجاب واحد معيّن خال عن الوجه، وكلّ منهما محصّل للغرض فعندئذ يخاطب المكلّف بإيجاب الجميع لكن على وجه التخيير لأجل وحدة الغرض، وهذه النظرية تشارك نظرية المحقّق الخراساني من جهة، وتفارقها من جهة أُخرى. أمّا المشاركة فهي إيجاب الجميع لكن على وجه التخيير. وانّ الوجوب التخييري نحو من الوجوب.

وأمّا المفارقة فتفارقها بوحدة الغرض على هذه النظرية وكثرتها على نظرية المحقّق الخراساني.

وكلتا النظريتين تستمدان من أنّ الوجوب التخييري نحو من الوجوب كالتعييني ولكن يفارق التخييريُ، التعيينيَ باكتفاء المولى بالإتيان بأحد الأطراف في الواجب التخييري دون الواجبات التعيينية، ويعود وجهه إلى وحدة الغرض في الأوّل و تعدّده في الثاني حسب ما بيّناه.

وأمّا على مختار المحقّق الخراساني فالاكتفاء في الأوّل بأحد الأطراف لأجل امتناع الجمع بين الغرضين في التخييري، وإمكانه في الواجبات التعيينيّة.

وبذلك تقدر على الذبّ عن الإشكالات الثلاثة.


(126)

أمّا الإرادة فلم تتعلّق بالمراد، بل تعلّقت بالمعيّن، حيث إنّ المراد متعدد كالإرادة والمبعوث إليه متعدد كالمراد.

وأمّا الإشكال الثاني ـ أي جواز ترك أحدهما عند الإتيان بالآخر ـ فانّه مقتضى وحدة الغرض.

وأمّا وحدة العقاب عند ترك الجميع فلما عرفت من أنّ تعدد العقاب رهن أحد أمرين وكلاهما منتفيان.

1. كون الغرض متعدداً والمفروض في المقام خلافه.

2. مخالفة الخطابين الفعليين المطلقين، وقد عرفت عدم كلّية هذه الضابطة في تعدد العقاب وإنّما هو إذا لم يكن هناك تصريح أو تلويح من المولى بكفاية أحد الأطراف دون الآخرين.

إلى هنا تمّ الكلام في الواجب التخييري.


(127)

التخيير بين الأقل والأكثر

لا شكّ في التخيير بين المتباينين أو الأُمور المتباينة كما في خصال الكفّارة، إنّما الكلام في جوازه بين الأقلّ والأكثر كتخيير المصلّي بين تسبيحة أو ثلاث تسبيحات.

وجه الإشكال هو انّ المكلّف إذا أتى بالأقلّ يحصل الامتثال ويسقط الأمر ولا تصل النوبة إلى امتثال الأمر بالأكثر وبذلك يكون الأمر بالأكثر لغواً، ولذلك حمل القائلون بكفاية التسبيحة الواحدة على أنّ الزائد أمر مستحبّ.

تصحيح التخيير بين الأقل والأكثر

ذهب المحقّق الخراساني إلى التفصيل، وانّ التخيير غير جائز في صورة وجائز في صورة أُخرى. فلو كان الغرض مترتباً على ذات الأقل ولو في ضمن الأكثر لامتنع التخيير بين الأقل والأكثر، لأنّ الأقلّ حاصل مطلقاً قبل حصول الأكثر وكان الزائد على الأقل زائداً على الواجب.

وأمّا إذا ترتّب الغرض لا على مطلق الأقل ولو في ضمن الأكثر، بل على خصوص الأقل الذي لم يكن معه الأكثر، فعندئذ يحصل الامتثال بكلا الطرفين.

أمّا الأقلّ الذي لم يكن معه الأكثر فهو أحد الواجبين، وأمّا الأكثر الذي في ضمنه الأقل فالغرض قائم بالأكثر لا بالأقل الذي في ضمنه، لماعرفت من أنّ الأقل إنّما يحصِّل الغرض إذا انقطع عن الأكثر وصار فرداً مستقلاً، وأمّا إذا انضمّ


(128)

إليه شيء فلا يكون مصداقاً للواجب.

ويمكن تصويره بالمثال التالي:

إذا أمر المولى برسم خط طولي إمّا متراً أو مترين، فلو كان الغرض حاصلاً بمطلق الأقل سواء كان الأقل منفكّاً عن الأكثر أو في ضمن الأكثر ففي مثله لا يصحّ التخيير، لأنّه إذا أتى بالأكثر فبالأقل الموجود في ضمنه يحصل الامتثال ويكون الزائد أمراً زائداً على الواجب.

وأمّا إذا ترتّب الغرض على الأقل التام المنفصل عن الأكثر، أو نفس الأكثر دون الأقل الذي في ضمنه، فعندئذ يصحّ الأمر بترسيم أحد الخطين، فالمكلّف إمّا يأتي بالواجب الأقل أو يأتي بالواجب الأكثر وليس في ضمن الأكثر إلاّ ذات الأقلّ لا الأقلّ الواجب.

يلاحظ عليه: أمّا ما ذكره من المحاولة يخرج المورد من التخيير بين الأقل والأكثر فانّ البحث دائر على إمكان التخيير بين الأقل والأكثر لا بين المتباينين، وما فرضه من جواز التخيير بين الأقل والأكثر فإنّما هو من قبيل المتباينين وإن كان في نظر العرف الساذج تخييراً بين الأقل والأكثر. إذ على ما فرضه يكون الموضوع أحد الأمرين:

أ. الأقل بشرط لا، أي الخط الذي بلغ طوله متراً بشرط أن لا يَضمّ إليه الأكثر.

ب. الأكثر بشرط شيء، أي ذات الأقل الذي يضاف إليه متر آخر ، ففي مثله يكون التخيير بين الأقل بشرط لا و الأكثر بشرط شيء وهو خارج عن الموضوع.

نعم يصدق عليه عرفاً التخيير بين الأقل والأكثر.


(129)

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ استشكل على نفسه وقال:

إنّ ما ذكرته من المحاولة إنّما يصحّ إذا كان الأقل مندكّاً في الأكثر ولم يكن للأقل في ضمنه وجود مستقل.

وأمّا الأقلّ الذي يكون له وجود مستقل مطلقاً ـ سواء زيد عليه أم لا ـ غير مندك في ضمن الأكثر كالتخيير بين تسبيحة أو ضمن ثلاث تسبيحات أو التخيير بين نزح 30 دلواً و40 دلواً، ففي مثله يسقط الأمر بالواجب بالأقل مطلقاً ولا تصل النوبة إلى الامتثال بالأكثر.

وهذا نظير ما إذا خيره بين ترسيم خط طوله متر أو مترين بشرط تخلل العدم بعد رسمه متراً، فعندئذ يحصل الامتثال بالأقل مطلقاً ولا تصل النوبة إلى الأكثر.

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ أجاب عن الإشكال بأنّ التخيير في مثل هذه الموارد إنّما يتحقّق إذا أخذ الأقل بشرط لا ـ أي عدم انضمام شيء إليه ـ والأكثر بشرط شيء ـ أي بشرط الانضمام ـ فعندئذ لو أتى بالأقل ولم ينضم إليه شيء يسقط الأمر بالأقل، وأمّا إذا أضاف إلى التسبيحة الواحدة تسبيحتين أُخريين، ففي مثله لا يسقط الأمر بالأقل، لأنّ الأقل يفقد شرطه، وإنّما يحصل بالأكثر.

يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرناه في البحث السابق فانّ أخذ التسبيحة الواحدة بشرط لا، والأكثر بشرط شيء، يخرج المورد عن الأقل والأكثر ويدخله في التخيير بين المتباينين، ومثله التخيير بين ثلاثين دلواً أو أربعين، فإذا أخذ الثلاثين بشرط لا، والعِدْل الآخر بشرط شيء، فلا يكون فيه الأقل موجوداً في ضمن الأكثر.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني عاد في آخر البحث إلى ذكر النتيجة، فقال: إذا كان الغرض الواحد مترتّباً على الأقل والأكثر فالواجب هو الجامع بين الفردين، لما عرفت من امتناع صدور الواحد عن الكثير فيكون التخيير عقلياً.


(130)

وأمّا إذا كان هناك غرضان مختلفان متزاحمـان فيكـون التخيير تخييراً شرعيـاً.

نعم لو كان الغرض مترتّباً على الأقلّ مطلقاً سواء أكان له وجود مستقلّ أو في ضمن الأكثر فالواجب يسقط بالأقل والزائد عليه مستحب لحصول الأقل مطلقاً قبل الأكثر.(1)

وقد عرفت عدم تمامية نظره، فلاحظ.


1 . الكفاية:1/228.


(131)

الفصل العاشر

الواجب الكفائي

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

1. لا شكّ في وجود الواجبات الكفائية بين العقلاء والشريعة الإسلامية المقدسة حيث إنّ الوالد يأمر أولاده بتنظيف البيت، وشراء اللحم والخبز إلى غير ذلك من الأُمور، فلو قام واحد منهم بهذا الواجب لسقط عن الجميع، ولو عصوا يُعاقب الكلّ; ونظيره ما في الشريعة من الأمر بإجراء الحدود والأمر بالمعروف وإقامة النظام فانّها واجبات كفائية. فلو قام واحد من المكلّفين بهذه الأُمور لسقط عن الجميع، ولو عَصوا لعوقبوا.

2. تقسيم الواجب إلى العيني والكفائي، تقسيم للوجوب باعتبار إضافته إلى المكلَّف، كما أنّ تقسيمه إلى التعييني والتخييري تقسيم له بالإضافة إلى المكلَّف به، وذلك لأنّ التكليف من الأُمور ذات الإضافة، فله إضافة إلى المكلِّف وفي الوقت نفسه إضافة إلى متعلّق التكليف الذي يطلق عليه المكلّف به، كما أنّ له إضافة إلى المكلَّف الذي ربما يطلق عليه الموضوع في مصطلح المحقّق النائيني ـ قدس سره ـ .

فباعتبار كون المكلَّف به واحداً أو متعدداً على وجه التخيير ينقسم الواجب إلى التعييني والتخييري، كما أنّ باعتبار كون امتثال بعض مسقطاً عن الآخرين أو


(132)

غير مسقط، ينقسم الواجب إلى العيني والكفائي.

وإن شئت قلت: إمّا أن يكون لصدور الفعل من مكلّف مشخص مدخلية في حصول الغرض أو لا، بل الغرض يحصل بصدور الفعل من مكلّف ما، فالأوّل هو الواجب العيني، والثاني هو الواجب الكفائي. ولبّ الفرق بينهما يرجع إلى أنّ المكلّف في العيني آحاد المكلّفين مستغرقاً، وفي الكفائي صرف المكلّف، فالفـرق بين العيني والكفائي يرجع إلى جانب المكلَّف، خلافاً للمحقّق البروجـردي حيث أرجع الفرق بينهما إلى جانب المكلّف به فقـال: إنّ متعلّق الكفائي هـو نفس الطبيعة، كما أنّ متعلّق العيني هو الطبيعة بقيد مباشرة كلّ مكلف بالخصوص.

يلاحظ عليه: أنّ جعل متعلّق التكليف في الكفائي نفس الطبيعة وفي العيني الطبيعة بقيده صدورها من كلّ مكلف بالخصوص، عبارة أُخرى عن لحاظ المكلف في العيني بصورة العام الاستغراقي وفي الكفائي بصورة العام البدلي.

3. على ضوء ما ذكرنا عرف الواجب الكفائي بأنّه: عبارة عن الواجب الذي لو أتى به فرد من المكلّفين لسقط عن الباقي، وإن تركه الجميع لعوقبوا، فعندئذ يجري الإشكال المذكور في الواجب التخييري في المقام أيضاً حيث إنّ كلاً من الواجب التخييري والكفائي واضحان مفهوماً ولكن مبهمان كنهاً حيث إنّ مشكلة كيفية تعلّق الإرادة بالأمر المردد قائمة في كلا الواجبين، وقد عرفت كيفية دفع الإشكال في الواجب التخييري.

وأمّا المقام فيقرر الإشكال بالنحو التالي:


(133)

إنّ المكلّف إن كان هو الفرد المردد يلزم تعلّق الإرادة والوجوب بالفرد المردد، والإرادة لا تتعلّق بالمردد، سواء أكانت فاعلية أم آمرية.

وإن كان هو جميع الأفراد فلماذا يسقط بفعل واحد منهم؟ وقد أجاب الأُصوليون عن الإشكال بنظريات:

النظرية الأُولى : تعلّق التكليف بعموم المكلّفين

إنّ الواجب الكفائي سنخ من الوجوب وله تعلّق بكلّ واحد، بحيث لو أخلّ الكلّ بامتثاله لعوقبوا على مخالفته جميعاً، وإن أتى به بعضهم لسقط عنهم، وذلك لأنّه قضية ما إذا كان هناك غرض واحد يحصل بفعل واحد صادر عن الكلّ أو البعض.(1)

وحاصل هذه النظرية: انّ الوجوب يتعلّق بعامّة المكلّفين فلا يكون متعلّق الإرادة والوجوب أمراً مردداً، غير أنّ تعلّقه بالجميع على قسمين:

تارة يكون الغرض متعدداً ويتوقّف حصوله على قيام كلّ واحد من المكلّفين بالواجب كالصلوات اليومية، فلا يسقط تكليف مكلّف، بفعل مكلّف آخر، وأُخرى يكون الغرض واحداً يحصل بقيام واحد منهم، ومقتضى هذا، سقوط الواجب بفعل أحد المكلّفين، ومعاقبة الجميع حين تركهم.

هذا هو ما يركّز عليه صاحب الكفاية، وكان الأولى أن يضيف إليه شيئاً آخر ويقول: الفرق بين الواجب العيني والكفائي أمران:

الأوّل: ما صرح به صاحب الكفاية من تعدد الغرض في العيني ووحدته في الكفائي.


1 . كفاية الأُصول:1/229.


(134)

الثاني: مدخلية قيام مكلّف خاص بالمأمور به في تحصيل غرض المولى في العيني دون الكفائي، بل يكفي صدور الفعل عن أيّ واحد من المكلّفين، كالصلاة على الميت.

فإن قلت: إذا كان الغرض واحداً حاصلاً بإنجاز فرد من المكلّفين فلماذا وجّه التكليف إلى عامّة المكلّفين؟

وبعبارة أُخرى: لو كان الغرض حاصلاً بفعل الواحد فلماذا وجّه التكليف إلى عامّتهم؟ وإن لم يكن حاصلاً إلاّ بفعل الجميع فكيف يسقط بفعل الواحد؟

قلت: نختار الشق الأوّل، وهو انّ الغرض واحد يحصل بفعل واحد من المكلّفين، لكن عدم تخصيصه بمكلف خاص لأجل رعاية أمرين:

أ. ما تقدّم من عدم مدخلية صدور الفعل عن مكلَّف خاص، فلذلك لم يوجهه إلى واحد معيّن ، بل إلى الجميع.

ب. انّ توجيه التكليف إلى الجميع بهذا النحو يؤمِّن غرض المولى في الإتيان به، إذ لو وجّهه إلى فئة خاصّة ربما يتساهلون في القيام بواجبهم لعذر أو لغير عذر، بخلاف ما لو جعل التكليف في ذمة الجميع وحذّرهم من مخالفته فعندئذ لقام الأمثل فالأمثل بامتثال التكليف قطعاً.

سؤال و إجابة

فإن قلت: إذا كان الخطاب في الواجب الكفائي متوجّهاً إلى عامة المكلّفين فلماذا جعل سبحانه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي من الواجبات الكفائية على عاتق طائفة من الأُمّة، لا على نفسها، قال سبحانه:


(135)

(وَلْتَكُنْ مِنكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون)؟(1)

قلت: أوّلاً: يحتمل أن تكون لفظة «من» نشأوية لا تبعيضيّة، مثل قول القائل: «وليكن لي منك صديق»: أي كن صديقاً، والمراد كونوا أُمّة يدعون إلى الخير.

وثانياً: نفترض انّ «من» تبعيضيّة، لكن الآية ناظرة إلى حال الامتثال وتجسيد التشريع المتوجّه إلى الكل وانّه يكفي في تحقيقه قيام أُمّة من المسلمين بهذه الفريضة الحيويّة، بشهادة انّ الأمر بالمعروف فُرض في بعض الآيات على قاطبة المؤمنين، لا إلى لفيف منهم يقول سبحانه: (وَالْمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَولياءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر).(2)

ثالثاً: انّ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مراتب:

مرتبة يشمل وجوبها عامّة المؤمنين وذلك كالإنكار بالقلب واللسان وإظهار الاشمئزاز بالوجه، قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :«أمرنا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة».(3)

ومرتبة منها تختص بأصحاب القدرة، كقطع يد السارق، وحدّ الزاني، روى مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: وسئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أواجب على الأُمّة جميعاً؟ فقال: «لا» فقيل له: لم؟ قال: «إنّما هو على القوي المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً إلى أيّ من أيّ، يقول في الحقّ إلى الباطل، والدليل على ذلك


1 . آل عمران:104.
2 . التوبة:71.
3 . الوسائل:11، الباب6 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث1.


(136)

كتاب اللّه عزّ وجلّ قوله (ولتكن منكم أُمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )فهذا خاص غير عام».(1)

وعلى ضوء هذا الحديث: انّ إجراء الحدود، والأحكام التأديبية، واجبة على عامّة القضاة والحكام لا على صنف منهم لكن على نحو لو قام واحد منهم بإجراء الحكم أو تصدّى أحد القضاة للقضاء في موضوع، سقط عن الآخرين.

نقد النظرية والإجابة عنه

إنّ السيد الأُستاذ ـ قدس سره ـ تناول تلك النظرية بالنقد وقال: ما هذا حاصله :

كيف يتعلق الوجوب بعامّة المكلفين مع أنّ الواجب الكفائي على أقسام:

1. ما لا يقبل التعدد وما لا يمكن امتثاله إلاّ مرّة واحدة كقتل ساب النبي.

2. ما يقبل التكثّر، ولكن الفرد الثاني مبغوض ممنوع كمواراة الميت.

3. ما يقبل التكثّر وليس الفرد الثاني مبغوضاً، ولكنّه ليس مطلوباً أيضاً كتكفين الميّت ثانياً.

4. ما يقبل التكثر ويكون مطلوباً كالصلاة على الميت.

أمّا الشقّ الأوّل، فيمتنع بعث عامّة المكلّفين إليه، لأنّه فرع إمكان التكثّر، وأمّا الثاني والثالث اللّذان يقبلان التكثر لكن الفرد الثاني إمّا مبغوض أو غير مطلوب، فبعث عامة المكلّفين إليه الملازم للتكثر إمّا نقض للغرض أو بعث إلى ما ليس بمطلوب .


1 . الوسائل:11، الباب2 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث1.


(137)

وأمّا الرابع فإمكان بعث الجميع إليه وإن كان لا يُنكَر، إلاّ انّ لازمه هو لزوم اجتماعهم في إيجاد صرف الوجود، على نحو لو لم يحضر، عُدّ المتخلف عاصياً لترك الأمر المطلق.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ دعوة عامة المكلّفين إلى إيجاد الطبيعة في الواجب الكفائي ليس مثل دعوتهم إلى إيجادها في الواجب العيني، بأن يقوم كلّ مكلّف في زمان واحد بإيجادها حتّى يقال بأنّ الطبيعة ربّما لا يكون قابلاً للتكرار أو يكون قابلاً له ولكن يكون مبغوضاً، أو غير مطلوب، بل دعوة الجميع إلى إيجاد الطبيعة على نحو البدلية مثلها في الواجب التخييري الذي قد مرّ انّ الكلّ واجب على البدل، فإذا قام أحد الأفراد بامتثال التكليف سقط الواجب ولا تصل النوبة إلى التكرار بأنواعه الثلاثة.

وقد عرفت أنّ النكتة لتوجيه الخطاب إلى عامّة المكلّفين مع أنّه يكفي في حصول الغرض قيام فرد منهم بالواجب، هو أمران:

1. عدم قيام الغرض بقيام مكلّف خاص .

2. التحفّظ عليه، إذ احتمال التسامح وترك الامتثال أمر محتمل في فرد منهم، لا في جميعهم.

وأمّا الصورة الرابعة التي يكون الفعل قابلاً للتكرار ومطلوباً، لا يلازم كون المتخلّف عاصياً، لأنّ الأمر وإن كان في الظاهر مطلقاً غير مقيد، لكنّه بشهادة القرائن مقيّد بالبدلية، ومعه لا يعد تركه عصياناً، كأخذها في جانب المكلف به في الواجب التخييري.


1 . تهذيب الأُصول:1/366ـ 367.


(138)

النظرية الثانية: التكليف على ذمّة واحد من المكلّفين

هذه هي النظرية الثانية التي تؤكد على أنّ التكليف على ذمّة واحد من المكلّفين لا بعينه نظير الواجب التخييري، غير أنّ الواحد لا بعينه في الواجب التخييري في ناحية متعلّق التكليف، وفي الكفائي في جانب موضوعه، وهذا واقع في العرف كما إذا أمر الوالد أولاده، بقوله : فليقم واحد منكم بالعمل الفلاني.(1)

واختاره السيد الأُستاذ لكن بتفصيل خاص، وهو انّ المكلّف أحد المكلّفين بشرط لا في الثلاثة الأُولى، أعني: ما لا يقبل التكثّر، أو يقبل لكن يكون مبغوضاً أو غير مطلوب، أو أحد المكلّفين لا بشرط في الصورة الرابعة، أعني: ما يقبل التكثر ويكون مطلوباً.(2)

أقول: هذه النظرية لبعض القدماء من الأُصوليين.(3) ولذلك تناولها السيد البروجردي بالنقد، و قال: هل المراد من توجه التكليف إلى أحد المكلفين، هو أحدهم المردد مفهوماً، أو أحدهم المردد مصداقاً و خارجاً؟ أمّا الأوّل فهو غير قابل لتوجه التكليف إليه ـ كما هو معلوم ـ و أمّا الثاني فليس له مصداق في الخارج، لأنّ كلّ فرد من آحاد المكلّفين فرد معين، والوجود يلازم التشخّص والتعيّن، فكيف يكون الفرد موجوداً ومع ذلك مردداً؟(4)

يلاحظ عليه: بأنّا نختار الشقّ الثاني، وانّ المراد من قولهم بأنّ التكليف يتوجه إلى الفرد المردد، هو ذات الفرد الخارجي، ولكن ليس التردد قيداً له، حتّى


1 . تعليقة العلاّمة الطباطبائي على الكفاية: 137، والمحاضرات:4/53.
2 . تهذيب الأُصول:1/367.
3 . انظر للوقوف على الأقوال: المعالم وتعليقة المشكيني على المقام .
4 . نهاية الأُصول:228.


(139)

يمنع تشخصه، بل المردد عنوان مشير إلى أحد المكلّفين وانّه لا خصوصية لمكلف دون مكلف .

ولك أن تقول مكان الفرد المردد، أحد المكلّفين، وكلّهم مصاديق لهذا العنوان على نحو البدلية.

نعم يرد على تلك النظرية أنّه مخالف لظاهر الأدلّة في الواجب الكفائي فلاحظ.

النظرية الثالثة: تعلّق الوجوب بمجموع المكلّفين

إن هناك تكليفاً واحداً يتعلّق بمجموع المكلّفين من حيث المجموع، فالمكلّف هو مجموع الأشخاص على نحو العام المجموعي، غاية الأمر انّه يتحقّق فعل المجموع بفعل الواحد منهم وتركه بترك المجموع، نسبه في حاشية القوانين إلى قطب الدين الشيرازي.

وأورد على هذه النظرية بأنّ المجموع أمر اعتباري لا وجود له في الخارج وإنّما الموجود ذوات الأفراد فلا معنى لتكليف المجموع.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره صحيح على الأُصول العقلية الفلسفية، إذ لا وجود للهيئة الاجتماعية، بل الوجود للأفراد، وأمّا النظر إلى الموضوع من منظار العرف فللهيئة واقعية تصحّح تعلّق التكليف بها، ولذلك نرى أنّ الأُمّة وقعت موضوعاً لأوصاف أو أحكام في القرآن والسنّة كما سيوافيك بيانه.

نعم يرد على تلك النظرية التي جعل المكلّف عنوان مجموع المكلّفين انّ لازمه لزوم اشتراك الجميع في التكليف لا سقوط التكليف بفعل واحد منهم، لأنّ


1 . نهاية الأُصول:228.


(140)

المفروض هو توجّه التكليف إلى المجموع من حيث المجموع لا إلى البعض، وعندئذ كيف يسقط عن المجموع بفعل الواحد أوّلاً وعدم إمكان اشتراك المجموع في كثير من الواجبات الكفائية كغسل الميت ومواراته ثانياً؟

نعم يمكن إصلاح تلك النظرية ببيان آخر بأن يقال: انّ الفرق بين الواجبات العينية والكفائية هو انّ الأوّل يتعلّق بذوات الأفراد فكلّ فرد محكوم بحكم خاص غير حكم الفرد الآخر، وأمّا الواجبات الكفائية فهي عبارة عن الأحكام التي تتعلّق بالأُمة وبالمجتمع، فالمولى يطلب من المجتمع إقامة النظام وجهاد العدو، وتجهيز الميّت والقضاء بين الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كان المسؤول هو المجتمع فيجب عليهم تنظيم الأُمور من خلال تقسيم الوظائف فيما بينهم.

وهذه النظرية قريبة من النظرية الأُولى، فانّ الأُولى تركّز على تعلّق الأحكام بذوات الأفراد، وأمّا هذه النظرية فهي تركِّز على تعلّق الأحكام بذات المجتمع والأُمّة، ومن الواضح انّ واقع الأُمّة بواقعية أفرادها، نعم في مقام تعلّق الأمر يظهر التغاير بين الموضوعين.

وممّا يدلّ على إتقان تلك النظرية أنّ القرآن يخاطب الأُمّة مكان مخاطبة الأفراد ويقول: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّة أُخرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر).(1)

وفي آية أُخرى تعدّ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من وظائف الأُمّة المتمكنة لا الفرد المتمكن، ويقول: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ


1 . آل عمران:110.


(141)

الأُمُور).(1)

فجعل إقامة الصلاة وما تلاه في ذمّة الأُمّة المتمكّنة وهو روح الواجبات الكفائية.

هذا وقد بسط الكلام شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في تبيين هذه النظرية في موسوعته المسمّاة بـ«مفاهيم القرآن».(2)

النظرية الرابعة: تعلّق الوجوب بواحد معيّن

وحاصل هذه النظرية انّ التكليف منصبٌّ على واحد معيّن عند اللّه سبحانه، فإن قام هو بالفريضة وإلاّ يسقط عنه بفعل غيره، لأنّ المفروض انّ الغرض واحد، فإذا حصل في الخارج فلا محالة يسقط الأمر.

يلاحظ عليه: أوّلاً: ما هو السبب لتعلّق التكليف بشخص معين عند اللّه دون إعلامه.

وثانياً: انّه خلاف ظواهر الأدلّة فانّ التكليف إمّا متوجّه إلى عامّة المكلّفين استغراقاً، أو إلى الفرد غير المعيّن أو مجموع المكلّفين.

إكمال فيه أمران:

1. ربّما يظهر من المحقّق الخراساني عند البحث فيما إذا دار أمر الواجب بين العينية والكفائية، كون الواجب الكفائي من قبيل الواجب المشروط، حيث قال في وجه الحمل على كون الواجب واجباً عينياً بأنّ الحكمة تقتضي كونه مطلقاً


1 . الحج:41.
2 . مفاهيم القرآن:2/198ـ203.


(142)

سواء أتى به آخر أو لا.(1)

ومفاد ذلك انّ الواجب الكفائي مشروط بعدم إتيان الآخر به، بخلاف العيني، وهو كما ترى، لأنّ الترك إمّا شرط للوجوب أو شرط للواجب. فعلى الأوّل يلزم على الجميع وجوب القيام بالفعل، دفعة واحدة لحصول الشرط. وعلى الثاني يلزم عدم حصول الامتثال إذا أتى به الجميع لعدم الإتيان بالواجب مع شرطه.

وبما انّ هذه النظرية مستوحاة من عبارة الكفاية ولا نص عليها، فلم نردفها بسائر النظريات.

2. إذا قلنا بأنّ الواجب الكفائي ما له بدل فإذا قام أحد يسقط الحكم عن الأبدال الأُخر، فالمقصود البدل الذي يكون مثل الأبدال الأُخر في توجّه الوجوب إليه، فخرج وجوب أداء الدين عن التعريف فانّه وإن كان يسقط بأداء البريء، لكنّه ليس بدلاً بهذا المعنى، إذ ليس الأداء عليه واجباً وإنّما هو متبرّع له أن يؤدي و له أن لا يؤدي.(2)

ثمرات البحث

ثمّ إنّه يقع الكلام في ثمرات الاختلاف في واقع الواجب الكفائي فنقول:

إنّ هناك ثمرات فقهية وكلامية على تلك النظريات، وإليك الفقهية ثم الكلامية.

1. لو نذر أحد أن يعطي عشرة رجال لكلّ درهماً إذا أتى كلّ واحد منهم بواجب، فلو قام الكلّ بالصلاة على الميّت ودفع الشخص لكلّ واحد درهماً، فهل


1 . الكفاية:1/116 .
2 . الفصول:107.


(143)

برَّ نذره أو لا؟ يختلف حسب اختلاف الأنظار.

أمّا على الأوّل فقد امتثل نذره، لأنّ المفروض انّ الوجوب يتعلّق بآحاد المكلّفين فكلّ واحد من هذه العشرة كان مخاطباً بتجهيز الميّت والصلاة عليه غاية الأمر لو سبق أحد منهم إلى الواجب لسقط عن الآخر، وأمّا إذا شارك الكلّ دفعة واحدة، أو كان التكثّر والتعدد مطلوباً فقد أتى كلّ بواجبه، فيكون إعطاء الدرهم إعطاءً لمن أتى بواجبه.

ويمكن أن يقال بصدق الطاعة والامتثال على النظرية الثانية أيضاً لما عرفت من أنّ متعلّق التكليف هو الفرد الخارجي أو الفرد الذي يصدق عليه عنوان المكلّف، والمفروض انّ كلّ واحد من المصلّين مصداق للفرد، وينطبق عليه عنوان المكلّف.

نعم على القول بأنّ المتعلّق هو المجموع فالوجوب تعلّق به لا بكلّ واحد من آحاد المكلّفين فليس هناك إلاّ امتثال واحد لا امتثالات.

ومثلها النظرية الرابعة فانّ التكليف تعلّق بفرد مشخّص عند اللّه فليس هناك إلاّ تكليف واحد ومكلّف معيّن والباقي من العشرة غير مكلّفين.

وحصيلة البحث: انّه إذا دفع لكلّ واحد من المصلّين درهماً فقد أبرّ نذره على النظريتين الأُوليين دون الأُخريين.

2. جواز قصد الأمر لكلّ واحد من المكلّفين إذا كان المتعلّق قابلاً للتكرار ومطلوباً غير مبغوض كتحصيل علم الدين مع قيام عدّة معه بالتحصيل، فعلى النظريتين الأُوليين يصحّ لكلّ واحد قصد الأمر لما عرفت من أنّ النظرية الثانية تتحد نتيجة مع الأُولى و إن كانت تختلف عنها في كيفية التحليل.

وأمّا الثالثة فالأمر متوجّه إلى المجموع وليس الفرد نفس المجموع، فكيف


(144)

يتقرب بالأمر غير المتوجّه إليه؟ ومثلها النظرية الرابعة حيث إنّ المكلّف فرد معيّن عند اللّه، لا كلّ من بلغ وعقل.

3. إذا كان رجلان متيمّمين فوجدا ماءً لا يفي إلاّ بوضوء واحد منهما فهل يبطل تيمم كلّ منهما أو لا يبطل واحد منهما، أو يبطل واحد منهما على البدل؟ فاختار المحقّق النائيني ـ قدس سره ـ الوجه الأوّل، وذلك لأنّ بطلان التيمّم مترتّب على وجدان الماء، المحقّق في ظرف القدرة على الحيازة، فيبطل التيمّمان معاً، وليس بطلانه مترتباً على الأمر بالوضوء حتّى يقال بوجود التزاحم في تلك الناحية حيث إنّ الأمر بواحد منهما بالتوضّؤ يزاحم الأمر بالآخر.

وفصّل تلميذه الجليل في التعليقة بين صورة سبق أحدهما إلى الحيازة وعدمه، ففي الأُولى يبطل تيمم السابق فقط ويستكشف به عدم قدرة الآخر على الوضوء وبقائه على ما كان عليه من عدم وجدانه الماء، وأمّا الصورة الثانية فيبطل كلّ من التيمّمين لتحقّق ما ترتّب عليه بطلانه وهو وجدان الماء، فإذا تحقّق يترتّب عليه كلّ من الأمرين.(1)

وقال السيد الطباطبائي: إذا وجد جماعة متيمّمون ماءً مباحاً لا يكفي إلاّ لأحدهم بطل تيمّمهم أجمع إذا كان في سعة الوقت وإن كان في ضيقه بقى تيمّم الجميع.(2)

أقول: إنّ المتبادر من قوله:(فَلَم تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيِّباً)(3) هو الوجدان العرفي الملازم مع التمكّن من استعماله بلا نزاع، وعلى ذلك يختلف


1 . أجود التقريرات:1/189.
2 . العروة الوثقى: أحكام التيمم، المسألة22.
3 . المائدة:6.


(145)

حكم الصور.

1. إذا تسابقوا عليه فسبق واحد منهم لحيازته بطل تيمّمه خاصّة، لأنّه وجد الماء عرفاً متمكّناً من استعماله بالانتزاع دون الآخرين فانّهم وإن وجدوا ماءً ولكن غير متمكّنين من استعماله.

2. تلك الصورة ولكن كان المسبوق قادراً على التغلّب فتسامح، ففي تعليقة السيد الحكيم بطل تيممه أيضاً، والحقّ صحته لما عرفت من أنّ المراد هو التمكّن العرفي بلا مغالبة ومصارعة، والمفروض هنا عدمه.

3. إذا وجدا ماءً مع الانصراف عن الحيازة فهل يبطل تيمم الكلّ لتحقّق شرط البطلان في كلّ واحد لصدق وجدان الماء والتمكّن منه بلا نزاع، لأنّ المفروض انصرافهما عن حيازته؟


(146)

الفصل الحادي عشر

تقسيم الواجب إلى المطلق والمؤقّت و تقسيم المؤقت إلى الموسّع والمضيّق

قُسِّم الواجب إلى المطلق والمؤقّت، والمطلق إلى فوري وغير فوري، والمؤقّت إلى موسّع ومضيّق، وإليك بيان كلا التقسيمين.

لا شكّ انّ الفعل لا ينفك عن زمان فالإنسان المادّي بما هو يعيش في عالم المادة لا يفارق فعلُه الزمانَ بل فعلُه يولِّد الزمان، ومع ذلك كلّه فنسبة الفعل إلى الزمان على قسمين:

أ. تارة لا يكون للزمان تأثير في وصف الفعل بالمصلحة أو المفسدة وإنّما يكون الزمان ظرفاً للفعل، وأُخرى يكون للزمان دور ـ وراء كونه ظرفاً للفعل ـ في وصف الفعل بالملاك، ويكون له مدخلية في تحقّق الغرض، وعندئذ ينقسم الواجب إلى مطلق ـ مرسل من مدخلية الزمان فيه ـ ومؤقّت قُيّد الفعل بالوقت والزمان.

ثمّ إنّ المطلق أي الواجب الذي لا دور للزمان فيه، تارة يكون واجباً فورياً


(147)

لا يجوز تأخيره كصلاة الآيات، وأُخرى يكون غير فوري كقضاء الفوائت الذي يجوز تأخيره.

كما أنّ المؤقت وهو الواجب الذي للزمان فيه دور، تارة يكون مضيّقاً كصوم رمضان وأُخرى موسّعاً كالصلوات اليومية بالنسبة إلى أوقاتها.

فعلى ذلك فالمؤقت على قسمين: تارة يكون الوقت بمقدار الفعل لا أوسع ولا أضيق كصوم رمضان، وأُخرى يكون الزمان أوسع من الفعل كالصلوات اليومية، وأمّا عكس الثاني فغير صحيح أي كون الفعل أكثر من الزمان، لأنّه يستلزم التكليف بما لا يطاق.

إذا عرفت تقسيم الواجب إلى المطلق والمؤقّت، والأوّل إلى فوري و غير فوري، والثاني إلى الموسّع والمضيّق، فلنذكر أُموراً لها صلة بالمقام:

1. إذا وجبت الصلاة بين الزوال والمغرب فللطبيعة أفراد عرضية كالصلاة في المسجد أو البيت، كما أنّ لها أفراداً طولية كالصلاة في الساعة الأُولى والثانية و هكذا، فالتخيير بين تلك الأفراد تخيير عقلي لا شرعي فالعقل يخيّر بين هذه الأفراد في مقام الامتثال. نعم لو قال الشارع: صلِّ في المسجد أو في البيت أو في الوقت الأوّل أو في الوقت الثاني، يكون التخيير شرعيّاً كخصال الكفّارة، والمفروض انّه فرض الصلاة بين الحدين فقط.

2. إذا أخر المكلّفُ الواجبَ الموسّع حتّى ضاق الوقت فلا يخرج الواجب عن كونه موسّعاً ولا يدخل في المضيّق، نعم يكون مضيقاً بالعرض، وعدم تأخيره لكونه مفوِّتاً للواجب لا لكونه مضيَّقاً بالذات.

3. أشكل على الواجب الموسّع بأنّه ما يجوز تركه في بعض الأوقات، فكيف يكون واجباً ويجوز تركه؟


(148)

يلاحظ عليه: بأنّ الواجب عبارة عمّا لا يجوز تركه بتاتاً، والموسّع كذلك، ولا ينافيه تركه في بعض الأوقات.

4. عُرِّف الواجبُ المضيّق بأنّه عبارة عمّا يكون وقت الوجوب والواجب (المكلّف به) واحداً مع أنّ مقتضى القاعدة أن يكون وقت الوجوب أوسع من وقت الواجب ولو بلحظة، لأنّ الإتيان بالواجب انبعاث وهو معلول البعث والوجوب فيجب أن يكون الوجوب متقدّماً على الانبعاث تقدّمَ العلّة على المعلول فيكون وقت الوجوب أوسع من وقت الواجب الذي يعبّر عنه بوقت الانبعاث.

يلاحظ عليه: بأنّ تقدّم العلّة على المعلول ترتبيّ لا زماني كتقدّم حركة اليد على حركة المفتاح، وأقصى ما يمكن أن يقال انّه يجب تقدّم بيان الوجوب على زمان الواجب حتّى يتمكّن المكلّف من امتثاله، وأمّا تقدّم زمان الوجوب على الواجب فليس بلازم.

هل القضاء تابع للأداء أو بأمر جديد؟

هذه مسألة أُصولية يعبّر عنها تارة بما ذكر، وأُخرى بأنّ القضاء بالأمر الأوّل أو بأمر جديد.

وحاصله: انّه إذا مضى وقت الفعل هل الأمر الأوّل كاف في وجوب قضائه خارج الوقت أو يتوقّف على وجود أمر جديد وإلاّ فالأمر الأوّل قد سقط؟ قولان:

فمنهم من يقول بكفاية الأمر الأوّل في إيجاب القضاء، و منهم من يقول بلزوم أمر جديد متعلّق بالفعل خارج الوقت أيضاً.

وتحقيق المقام يتوقّف على البحث في مقامين:

الأوّل: في مقام الثبوت.

الثاني: في مقام الإثبات.


(149)

أمّا الأوّل: فحاصله انّه لو قلنا بتعدّد المطلوب وأنّ إيجاد الفعل مطلوب وإيجاده في وقته مطلوب آخر فالقضاء بالأمر الأوّل، وأمّا لو قلنا بوحدة المطلوب وانّ هنا مطلوباً واحداً وهو إيجاد الفعل في وقته، فإيجاده خارج الوقت رهن أمر جديد.

وأمّا الثاني: أي البحث إثباتاً فهو فرع استظهار التعدد أو الوحدة من لسان الدليل، فالحقّ انّ الدليل قاصر عن إفادة تعدد المطلوب، فإذا أمر بالوقوف في عرفات من الزوال إلى الغروب فلو فات الموقف من المكلّف فإيجاب القضاء عليه بوقوفه فيها في خارج الوقت الذي يعبّر عنه بالوقوف الاضطراري يحتاج إلى الدليل، وذلك لأنّ الأمر متعلّق بالمقيّد بالوقت، فالواجب هو الفعل المحدد بالوقت فلا دلالة للأمر على إيجاب الفعل المجرّد عن الوقت.

نعم استثنى المحقّق الخراساني ممّا ذكرنا مورداً خاصّاً بالشروط الثلاثة:

1. أن يكون لدليل الواجب إطلاق بالنسبة إلى خارج الوقت.

2. أن يكون التقييد منفصلاً لا متّصلاً.

3. أن لا يكون في الدليل المقيّد إطلاق حاك عن كون الوقت دخيلاً في أصل المصلحة (الركن) وانّ المولى يطلبه مطلقاً متمكناً كان أو عاجزاً غاية الأمر إذا عجز المكلّف منه سقط وجوب الباقي، فعندئذ يجب قضاء الفعل بنفس الأمر الأوّل، قال:

نعم لو كان التوقيت بدليل منفصل ولم يكن له إطلاق على التقييد بالوقت وكان لدليل الواجب إطلاق لكان قضية إطلاقه ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت وكون التقييد به بحسب تمام المطلوب لا أصله.(1)


1 . كفاية الأُصول:1/230.


(150)

مثلاً إذا قال المولى: اغتسل من دون تحديد، ثمّ قال في دليل آخر: اغتسل يوم الجمعة، فلو افترضنا وجود الإطلاق في دليل الواجب والإهمال في دليل القيد بالنسبة إلى خارج الوقت، فعندئذ يكون إطلاق دليل الواجب محكّماً خارج الوقت، فعليه الغسل بعد غروب الجمعة.

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره خارج عن محل النزاع، فإنّ البحث فيما إذا لم يكن في المقام دليل اجتهادي بالنسبة إلى تعدد المطلوب أو وحدته، وإلاّ فالمتبع هو الدليل الاجتهادي، ولو افترضنا كون البحث في نطاق وسيع، فعليه أن يطرح الصور الأربع في المقام:

أ. أن يكون لكلّ من دليلي الواجب والتوقيت إطلاق والمراد من وجود الإطلاق في دليل الواجب كونه بذاته مطلوباً، سواء أُتي به في الوقت أو خارجه، كما أنّ المراد من الإطلاق لدليل التوقيت كون الوقت دخيلاً في أصل المصلحة وانّه مطلوب في حالتي التمكن وعدمه.

ب. أن يكون كل من الدليلين مهملاً من هذه الناحية فلا يدلّ دليل الواجب على كون الفعل بذاته مطلوباً مع قطع النظر عن القيد كما لا يدلّ دليل التوقيت على مدخلية الوقت في أصل المصلحة وكونه مطلوباً في حالي التمكّن وعدمه.

ج. أن يكون لدليل الواجب إطلاق دون دليل التوقيت.

د. عكس الثالث.

أمّا الأوّل: فيؤخذ بإطلاق دليل التقييد لأظهريته من إطلاق دليل الواجب، ويكون المراد انّ الوقت دخيل في أصل المصلحة لا في كمالها.

كما أنّ المرجع في الثاني هو الأُصول العملية لفقدان الدليل الاجتهادي،


(151)

وسيوافيك ما هو المرجع من الأُصول، وعلى الثالث يؤخذ بإطلاق دليل الواجب ويثبت تعدد المطلوب ويجب القضاء بنفس الأمر الأوّل.

وعلى الرابع يكون الأمر على العكس، إذ إطلاق القيد يثبت كون الوقت دخيلاً في تمام مراتب مصلحة الواجب لا في بعضها.

وبعبارة أُخرى يكون إطلاق المقيَّد بياناً للمطلق، فيؤخذ به لا بالمطلق فلا تتم مقدّمات الحكمة في جانب دليل الواجب.

والظاهر انّ محط النزاع هو الثاني لا الأوّل ولا الأخيران.

الأصل العملي في المسألة

إذا كان دليل الواجب أو دليل التوقيت مهملاً بالنسبة إلى خارج الوقت فما هو المرجع عند الشكّ؟

فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المرجع هو أصالة البراءة وعدم وجوبها في خارج الوقت لا استصحاب وجوب المؤقت بعد انقضاء الوقت، وذلك لعدم جريان الاستصحاب في المقام لعدم اتحاد القضيتين، وذلك لأنّ الوقت إمّا قيد للموضوع (الغُسْل) أو للمحمول الوجوب، وعلى كلا الفرضين فإبقاء الحكم بعد خروج الوقت قضية أُخرى غير القضية المتيقنة.

نعم يستظهر من الروايات الواردة في المستحبّات المقيّدة انّ القيد ليس ركناً بل يأتي بالمستحب خارج الوقت أيضاً كما إذا ورد بزيارة الحسين تحت السماء إذا لم يتمكّن منه لعذر أو لغير عذر فيجوز له الزيارة في البيت وغيره.

ثمرات القولين:

تظهر الثمرة في موارد نذكر منها ما يلي:


(152)

1. إذا ترك الواجب في وقته قطعاً، فهل يجب عليه القضاء أو لا؟ يجب على القول الثاني دون الأوّل، كما إذا لم يخرج الفطرة في وقتها المحدد، أو تساهل في صلاة الخسوف والكسوف حتّى انجلى النيران، فهل يجب القضاء أو لا؟

2. إذا أتى بالواجب ولكن شكّ في صحّة العمل لأجل الشكّ في الشرائط وعدمها على النحو التالي:

أ. إذا توضّأ في الظلمة بمائع مردد بين كونه ماء مطلقاً أو مضافاً فشكّ في صحّة العمل بعد خروج الوقت.

ب. إذا صلّى على جهة ثمّ شكّ بعد خروج الوقت انّها كانت إلى القبلة أو لا.

ج. إذا توضّأ أو اغتسل والخاتم على اصبعه مع العلم بعدم تحريكه وقت العمل، فشكّ بعد خروج الوقت في جريان الماء تحته وعدمه.

توضيحه: انّه لو قلنا بأنّ الأمر الأوّل كاف في إيجاب القضاء، فالعلم بالقضاء وإن لم يكن موجوداً في الصور الثلاثة، لكن على القول بهذا الأصل ينقلب الشكّ في المقام، إلى الشكّ في أصل الامتثال الذي يعبّر عنه بالشكّ في السقوط حيث بعد خروج الوقت يشكّ في أنّه هل امتثل ما علم اشتغال ذمته به، يقيناً أو لا، وبما انّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، يحكم العقل بلزوم الاشتغال في حالة الشكّ.

وأمّا لو قلنا بأنّ الأمر الأوّل غير كاف في إيجاب القضاء فلا يجب شيء خارج الوقت، لأنّه لو علم قطعاً بعدم الامتثال في الوقت فلا يجب القضاء عليه خارج الوقت، فكيف إذا شكّ في الامتثال؟ فعدم وجوب شيء بطريق أولى.

فإن قلت: المشهور عدم العبرة بالشكّ بعد خروج الوقت، فلماذا لا يكون


(153)

هو المرجع بعد خروجه في هذه الصور الثلاث؟

قلت: إنّ القاعدة المزبورة راجعة إلى الشكّ في أصل الإتيان، فلا يعتد به خارج الوقت، وأمّا المقام فالشكّ إنّما هو في صحّة العمل المأتي به لا في إتيانه.

فإن قلت: إنّ مقتضى قاعدة الفراغ هو الحكم بصحّة العمل، وعليها، فالوضوء في الصورة الأُولى والثالثة محكوم بالصحة، مثل الصلاة في الصورة الثانية.

قلت: سيوافيك في محلّه انّ القاعدة إنّما تجري فيما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة حتى لا يكون حال العمل و حال الشكّ سيّان من حيث التذكر وعدمه، وأمّا المقام فالحالتان متساويتان من حيث التذكر بشهادة انّه لو نبّهه إنسان حال العمل، وسأله عن إطلاق الماء وعدمه، أو جريان الماء تحت خاتمه وعدمه أو كون الجهة قبلة أو لا، لأجاب بالشك وعدم الترجيح بواحد من الطرفين، ومثله لا يكون مجرى للقاعدة، لأنّ المتيقّن منها ما يكون حال العمل أذكر من حال الشكّ كما في روايات الباب، فلاحظ.


(154)

الفصل الثاني عشر

الأمر بالأمر بفعل هل هو أمر بنفس الفعل؟

إذا أمر المولى فرداً، ليأمر فرداً آخر بإنجاز فعل، فهل الأمر الصادر من المولى أمر بذلك الفعل أيضاً أو لا؟ وإليك بعض الأمثلة:

1. إذا أمر سبحانه نبيّه أن يأمر الأُمّة بغضِّ الأبصار عن النساء الأجنبيات و قال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُروجَهُمْ)(1)، هل ينحصر أمره سبحانه في الأمر بالنبي فقط، أو يسري أمره إلى نفس الفعل، أعني: غضّ البصر؟

2. إذا أُمر أولياءُ الصبيان بأمرهم بالصلاة، فهل يتلخص أمر الشارع في الأمر بالأولياء أو يسري إلى نفس الفعل أي الصلاة أيضاً، فعندئذ تصبح صلاتهم، شرعية؟

3. إذا أمر الوالدُ، الولدَ الأكبر بأمر الولد الأصغر ببيع الدار، فهل يكون


1 . النور:30


(155)

الأصغر مأموراً من جانب الوالد أيضاً، أو لا؟ فلو باع الدار قبل أمر الولد الأكبر يكون بيعه صحيحاً لازماً أو لا؟ والكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في مقام الثبوت

إنّ للمسألة صوراً ثلاث في عالم التصوّر:

الف: إذا تعلّق غرض المولى بإنجاز الفعل وكان أمر المأمور الأوّل طريقاً للوصول إليه، على نحو لو كان المأمور الثاني حاضراً لدى المولى، لأمره بالفعل مباشرة.

ب: إذا كانت المصلحة قائمة بمجرّد أمر المأمور الأوّل للثاني منهما من دون أن يكون إنجاز الفعل مورداً للغرض، مثلاً إذا كان المأمور الثاني معروفاً بالتمرّد عن طاعة المولى، فيأمر المولى أحد ملازميه بالأمر لغرض أن يقوم بفعل كذا، فيكون تمام المصلحة قائماً بالإنشاء. وأمر المأمور الأوّل الثاني.

ج. إذا تعلّق الغرض بنفس الفعل لكن ـ بعد أمر المأمور الأوّل ـ فيكون كلا الشيئين متعلّقين للغرض.

فعلى الأوّل، يكون الأمر بالأمر، أمراً بنفس الفعل، دون الصورتين الأخيرتين، وذلك لأنّ الأمر الثاني إمّا تمام الموضوع كما في الصورة الثانية، أو جزءه كما في الصورة الثالثة، فلا يصحّ القيام بالفعل قبل ثبوت الموضوع كلّه أو جزؤه.

ثمرات المسألة

الثمرة الأُولى: إذا أمر الولي الصبي بالصلاة، فهل تكون الصلاة مأموراً بها للآمر الأوّل، أو ينحصر مفاد أمره بنفس الأمر بالثاني؟ مثلاً ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين،


(156)

فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين» فالحديث يدلّ على أنّه سبحانه أمر الأولياء بأمر الصبيان بالصلاة في سنين خاصّة، فلو قلنا بأنّ الأمر بالأمر بالشيء أمر بنفس ذلك الشيء تقع صلاة الصبي متعلقاً بأمره سبحانه فتصبح صلاته وصومه ، شرعية يُكتفى بصلاتهم وصيامهم عند النيابة عن الغير كما يجوز الاقتداء بهم، إلى غير ذلك من آثار الصحة، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّه ليس أمراً بالفعل، بل أمر بالأمر فقط، فلا يترتّب عليها آثار الصلاة الشرعية.

والظاهر هو الأوّل فانّ المتبادر عرفاً في هذه المواضع انّ أمر المولى طريق إلى قيام الصبي بالصلاة، فلو قام بها من دون أمر الآمر الثاني لكان مثل ما إذا قام بعد أمره، وهذا يكشف عن عدم مدخلية أمره، فيكون أمره بالأمر أمراً بذلك الشيء.

كما أنّ أمر الإمام أولاده بالصلاة، طريقي لا موضوعي، فأولاد الإمام في خمس سنين، وأولاد غيره في سبع سنين مأمورون شرعاً ، بأمر غير إلزامي لإتيان الصلاة.

وربّما تردّ الثمرة بأنّه لا حاجة في إثبات شرعية عبادات الصبي، إلى هذه القاعدة المتمثلة في هذه الرواية لوجود روايات كثيرة في هذا المورد حيث حكم عليهم بالأمر بالعبادات المحمول على الاستحباب في سنين خاصة.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا مانع من إثبات المطلب من طريقين، أحدهما ما أُشير إليه في الروايات، وثانيهما هذه القاعدة.


1 . الوسائل:6، الباب29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث1ـ14.


(157)

إثبات شرعية عبادات الصبي بالعمومات

ثمّ إنّه ربّما يستدلّ على شرعيّة عبادات الصبي بالعمومات الواردة في الكتاب والسنة الشاملة للبالغ والصبي، غاية الأمر انّ حديث الرفع (رفع القلم عن ثلاثة، ... الصبي حتّى يحتلم) رفع الإلزام لا أصل الحكم ولا أصل المحبوبية، لانّه حديث امتنان ولا امتنان في رفع الحكم غير الإلزامي، فتكون عباداته شرعية.(1)

يلاحظ عليه بأمرين:

1. انّ القول بشمول الخطاب والعمومات لكلّ مميّز، سواء أكان بالغاً شرعياً أم لا، خرق للسنّة السائدة بين الأُمم و العقلاء، فانّ مصبّ القوانين بين العقلاء في عامّة الحضارات هم البالغون لا غيرهم وإن كانوا مختلفين في حدّ البلوغ ولم يثبت انّ للشارع طريقة خاصّة تخالف طريقتهم.

وبعبارة أُخرى: انّ تعيين نصاب خاص لشمول القانون في المجتمعات الإنسانية ـ بلا فرق بين الدينية وغيرها ـ لقرينة على أنّ التشريع الإسلامي كسائر التشريعات، رهن الوصول إلى ذلك النصاب غير أنّ الشارع قد حدّد النصاب ولم يفوضه إلى العرف والعقلاء ولكنّه لا يكون مانعاً، عن انصراف العمومات والخطابات إلى البالغ ذلك النصاب.

فإن قلت: إذا كان غير البالغ غير مشمول للحكم، فما معنى «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم»، فانّ الرفع فرع الثبوت.

قلت: إنّ استعمال الرفع ـ وإن لم يكن الحكم ثابتاً ـ لأجل قابلية المميّز


1 . مستمسك العروة الوثقى:8/424، المسألة2 ; حقائق الأُصول:1/342.


(158)

للحكم عليه بشيء من الأحكام، نظير رفع الحكم عن النائم بل في المجنون أيضاً بإلزام الولي بمراقبته، فوجود المقتضي للإيجاب، صار مصحّحاً للاستعمال.

2. انّ المنشأ هو البعث نحو المطلوب وهو أمر بسيط دائر أمره بين الوجود والعدم وليس أمراً مركباً من أصل الحكم والإلزام حتى يرفع الثاني ويبقى الأوّل.

الثمرة الثانية

الثمرة الثانية ما مرّ في صدر البحث من أنّه لو أمر الوالد ولده الأكبر، بأمر الولد الأصغر، ببيع الدار، فاطّلع الولد الأصغر قبل أمر الأكبر فباعه، فلو قلنا بأنّ مثل هذا الأمر، أمر بنفس الفعل يكون البيع صحيحاً لازماً دون ما لم نقل فيكون بيعاً فضوليّاً.


(159)

الفصل الثالث عشر

الأمر بعد الأمر تأكيد أو تأسيس

إذا أمر المولى بشيء، ثمّ أمر به ثانياً، فهل هو تأكيد للأمر الأوّل، أو إيجاب ثان غير الإيجاب الأوّل ويعبّر عنه بالتأسيس؟ هنا صور:

1. إذا قيّد الأمر الثاني بشيء يدلّ على التعدد، كما إذا قال: صلّ، ثمّ قال: صلّ صلاة أُخرى.

2. إذا كان السبب للأوّل، غيره للثاني، كما إذا قال: إن ظاهرت فاعتق، وإن أفطرت عمداً فاعتق.

3. إذاكان أحد الأمرين خالياً عن ذكر السبب والآخر محفوفاً بذكر السبب فقط كما إذا قال: توضّأ، ثمّ قال: إذا بُلت فتوضّأ.

4. إذا كان كلّ من الأمرين خالياً من ذكره.

لا إشكال انّ الأمر الثاني في الصورة الأُولى يحمل على التأسيس أي تعدد الوجوب، وتعدد الواجب، لمكان قيد «أُخرى»، وأمّا الصورة الثانية فيحمل على التأسيس أي تعدد الوجوب، وأمّا تعدد الواجب ـ أي العتق وعدمه ـ فهو مبني على ما سيأتي في باب المفاهيم من التداخل في المسببات أو لا، وانّه هل يمكن


(160)

امتثال وجوبين، بفعل واحد أو لا؟

وأمّا الصورتان الباقيتان، فإطلاق المادة وعدم تقييدها بقيد «أُخرى» يقتضي الحمل على التأكيد، لامتناع تعلّق الوجوبين الكاشف عن الإرادتين، بشيء واحد، لأنّ تشخّص الإرادة في لوح النفس بالمراد فلا يعقل التعدد فيها مع وحدة المشخِّص، هذا حول المادة، وأمّا الهيئة فربما يقال بأنّها ظاهرة في التأسيس أي تعدد الوجوبين.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر بعد الأمر ظاهر في تعدد الطلب، وأمّا إنّه طلبُ تأسيس أو طلبُ تأكيد فلا ظهور له في واحد منهما، فيؤخذ بإطلاق المادة وانّ الموضوع هو نفس الوضوء الآبي عن تعلّق إرادتين به وتكون النتيجة هي التأكيد .

تمّ الكلام في المقصد الأوّل (الأوامر)

وحان البحث في المقصد الثاني (النواهي)


(161)

المقصد الثاني

في النواهي

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في مادة النهي وصيغته
الفصل الثاني: في اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين
الفصل الثالث: في كشف النهي عن الفساد وعدمه
وفيه مقامان:
الأوّل: كشف النهي في باب العبادات، عن الفساد
الثاني: كشف النهي في باب المعاملات عن الفساد


(162)


(163)

الفصل الأوّل

في مادّة النهي و صيغته

أسقط المحقق الخراساني البحث في مادّة النهي مع أنّها مثل مادة «الأمر» قابلة للبحث فيها من جهات شتّى ـ على ضوء ما مرّ في مادة الأمرـ وخصَّ البحث بصيغة النهي التي تمثّلها لفظة «لا تفعل» مكان «إفعل» في جانب الأمر، كما أسقط كثيراً من المباحث التي خاض فيها في صيغة الأمر نظير: دلالتها على الحرمة وعدمها، واشتراط العلو أو الاستعلاء وعدمهما، وظهورها في النفسي العيني التعييني وعدمه، ودلالتها على الفور والتراخي وعدمه، إلى غير ذلك من المباحث، وإنّما ركّز في المقام على الأُمور التالية:

1. انّ مفاد هيئة النهي هو الطلب.

2. انّ متعلّق الطلب، هو الترك لا الكف عن الفعل.

3. انّ النهي لا يدل على الدوام، غير أنّ العقل يحكم بأنّ الطبيعة لا تنعدم إلاّ بانعدام جميع أفرادها.

4. إذا خالف النهي فهل يدلّ على إرادة ترك المتعلّق ثانياً أو لا؟

وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر.


(164)

الف: مفاد الهيئة

ادّعى المحقّق الخراساني بأنّ مفاد الهيئة في كلا الموردين هو الطلب، غير أنّه يتعلّق في الأمر بالوجود وفي النهي بالعدم.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ادّعاء محض و المتبادر منهما غير الطلب، بل الهيئة في الأمر والنهي تدل على البعث أو الزجر، حيث إنّ الصيغة تقوم مكان البعث أو الزجر بالفعل، فانّ الإنسان يبعث غلامه بحركة الرأس ويزجره بالإشارة باليد، فقام الأمر بالصيغة، مكان البعث بالرأس، والنهي بالصيغة مكان الزجر باليد.

ب: متعلّق الطلب

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المتعلّق في الأوّل هو الوجود و في الثاني هو العدم.

لكنّه خلاف التحقيق، لأنّ الصيغة مركّبة من هيئة ومادة، والمادة لا تدلّ إلاّ على نفس الطبيعة، فأين الدال على الوجود والعدم؟

نعم البعث أو الزجر، لغاية الإيجاد، أو الاستمرار على الترك وكون شيء غاية شيء، غيرُ كونه مأخوذاً فيه وبذلك يسقط البحث عن كون المتعلّق هو الترك أو كف النفس، وما حولهما من النقض و الإبرام.

ج: عدم دلالتها على الدوام

ذكر المحقّق الخراساني بأنّ الصيغة لا تدلّ على الدوام والتكرار، غير أنّ إيجاد الطبيعة يتحقّق بوجود فرد واحد، وعدمها لا يكون إلاّ بعدم الافراد.

ما ذكره ـ قدس سره ـ ونسبه إلى أنّه مقتضى العقل، منظور فيه، بل مقتضى العقل انّ


(165)

الإيجاد والإعدام على نسق واحد، لما حُقِّق في محلّه من أنّ الطبيعة تتكثّر حسب تكثّر الأفراد فزيد إنسان تام، وبكر إنسان آخر، وكلّ حائز تمام الإنسانية، ونسبة الطبيعة إلى الافراد نسبة الآباء إلى الأبناء لا الأب الواحد بالنسبة إليهم، فإذا كانت الطبيعة متعددة الوجود حسب تعدد الأفراد، تكون متعددة العدم كذلك.

نعم ما ذكره صحيح عرفاً، فلا تكون الطبيعة معدومة ـ عنده ـ إلاّ بانعدام جميع الأفراد، فلو نهى عن السرقة وشرب الخمر والغيبة، فلا يصدق ترك الطبيعة إلاّ بترك جميع أفرادها وذلك لمناسبات مغروسة في ذهن المكلّف من أنّ النهي عن الشيء لغاية المفسدة الملزمة في كلّ فرد، فلا يتحقّق الغرض الغائي ـ الاجتناب عن المفسدة ـ إلاّ بترك جميع الأفراد.

د. إذا خالف النهي

إذا خالف النهي ، فهل يدل على لزوم تركه ثانياً أو لا؟ والظاهر عدم الدلالة لسقوط النهي بالعصيان، ولزوم امتثاله ثانياً يتوقف على الدليل، بل إطلاق المتعلّق يدل على العدم، وإلاّ لكان على المولى أن يقيّد ويقول: و إن عصيت فلا تفعل أيضاً.


(166)

الفصل الثاني

في اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد باعتبار عنوانين

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: الفرق بين الاجتماع الآمري والاجتماع المأموري

إنّ الأمر والنهي من المفاهيم ذات الإضافة، فللأمر إضافة إلى الآمر، وإضافة إلى المأمور به، وإضافة إلى المأمور، كما أنّ النهي له إضافة إلى الناهي أوّلاً، وإلى المنهيّ عنه ثانياً وإلى المنهيّ ثالثاً، فعندئذ فهنا صور ثلاث:

1. لو اتّحد الآمر والمأمور، والناهي والمنهي في زمان واحد، وكان بين المأمور به والمنهي عنه، من النسب التساوي كأن يقول: أخرج من البيت في ساعة خاصّة ولا تخرج منه في نفس الساعة، يسمّى الاجتماع آمرياً، فإنّ الآمر هو السبب لاجتماع الأمر والنهي في شيء واحد في زمان واحد، ويكون من قبيل التكليف المحال، إذ لا ينقدح في ذهن الإنسان، في زمان واحد إرادتان متضادتان طلبُ الخروج وعدمُه فهذا النوع من الطلب تكليف محال من شخص واحد في زمان واحد ـ بدل كونه تكليفاً بالمحال ـ حيث إنّ عدم إمكان امتثاله يرجع إلى عدم


(167)

القابلية في ناحية المكلّف به قبل أن يرجع إلى قصور قدرة المكلّف، حيث لا يمكن الجمع بين الوجود والعدم.

نعم لو رجع عدم إمكان الامتثال إلى قصور قدرة المكلّف، مع كون المكلّف به في نفسه أمراً ممكناً كما إذا قال: انقذ الغريقين مع عدم قدرته إلاّ على إنقاذ أحدهما، يكون من قبيل التكليف بالمحال، وإن كان مرجع ذلك ـ عند الدقّة أيضاً ـ إلى التكليف المحال، لانّ المكلِّف إذا وقف على قصور قدرة المكلَّف كيف ينقدح في ذهنه إرادة إنقاذ الغريقين؟ لكن القضية شكلاً و صورة من قبيل التكليف بالمحال، وحقيقة ومآلاً من قبيل التكليف المحال.

2. تلك الصورة ولكن كانت النسبة بين المأمور به والمنهي عنه، هي التباين كما إذا أمر بالصلاة ونهى عن النظر إلى الأجنبية، فهذا من الإمكان بمكان ولا يعدّ من باب الاجتماع حتّى لو نظر إليها حين الصلاة، لا توصف الصلاة به، لأنّ النظر قائم بالعين والصلاة قائمة بسائر الجوارح.

3. نفس الصورة الأُولى ولكن كانت النسبة بين المأمور به والمنهي عنه، عموماً و خصوصاً من وجه، كما إذا أمر بالصلاة ونهى عن الغصب، فيقع الكلام في أنّه هل يصحّ للمولى أن يأمر بالأُولى على الإطلاق وينهى عن الغصب كذلك أو لا يصح؟ اختلف الأُصوليون على قولين:

1. يجوز، لانّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي فيخرج عن كونه تكليفاً محالاً، كما هو واضح، أوتكليفاً بالمحال، لأنّ له المندوحة في إقامة الصلاة في غير المغصوب.

2. لا يجوز، لأنّ مفاد الإطلاق في الدليلين عبارة : صل ولو في الدار المغصوبة، ولا تغصب ولو في حال الصلاة، ولو أخذنا بكلا الإطلاقين يكون


(168)

الشيء الواحد ـ الصلاة في الدار المغصوبة ـ متعلّقاً للأمر والنهي ويكون من قبيل الاجتماع الأمري.

فقد ظهر ممّا ذكر انّ محل النزاع هو الصورة الثالثة، وانّ أساس النزاع بين المجوّز والمانع هو كفاية اختلاف المتعلّقين في توجّه الأمر والنهي، وعدم كفايته، لأنّ مرجع الأخذ بالإطلاقين إلى الاجتماع الأمري و كون الشيء الواحد في مورد الاجتماع متعلّقاً للأمر والنهي فلاحظ.

الثاني: هل النزاع صغروي أو كبرويّ؟

هل النزاع في المسألة صغروي ـ كما ذهب إليه صاحب الكفايةـ أو كبرويّ كما هو اللائح من الكتب الأُصولية حيث يبحثون عن جواز الاجتماع وعدمه ولكلّ من القولين، وجه.

أمّا كونه صغروياً فمن اعتمد ـ كالمحقّق الخراساني ـ في إقامة الدليل على الجواز وعدمه، على أنّ تعدد العنوان ـ كالصلاة والغصب ـ يوجب تعدد المعنون كالحركة في الدار المغصوبة أو لا يوجب، جعل النزاع صغروياً وانّه هل هنا اجتماع أو لا؟ وذلك لأنّه لو قلنا بأنّ تعدّد العنوان، لا يحدث تعدّداً في المعنون، يلزم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، ولو قلنا: إنّ تعدّده يحدث تعدّداً في المعنون، وانّ كلاً من الصلاة والغصب موجود بوجود خاص لا يلزم اجتماعهما في شيء واحد.

ويقرب من ذلك نظرية المحقّق النائيني حيث إنّه بنى الجواز وعدمه في المسألة على أنّ تركيب المادة والصورة، أو تركيب المقولات بعضها مع بعض، تركيب انضمامي أو اتّحادي، فعلى الأوّل يكون متعلّق الأمر غير متعلّق النهي فلا


(169)

يلزم الاجتماع، وعلى الثاني تلزم وحدة متعلّقهما فيلزم الاجتماع.

وبالجملة من بنى الجواز وعدمه على قضية «تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون، أو لا» أو انّ تركيب المقولات بعضها مع بعض تركيب انضمامي أو اتّحادي، فقد جعل النزاع صغروياً، فالمجوز ينفي الاجتماع، والمانع يثبته.

لكن جعل النزاع صغروياً، يلازم القول بأنّ الأوامر والنواهي تتعلّق بالأفراد الخارجية، مع أنّ المعروف بينهم ـ حتّى المحقّق الخراساني ـ انّها تتعلّق بالطبائع دون الافراد إذا فسّرت الأفراد، بالمصاديق الخارجية، وذلك لأنّ الخارج ظرف لسقوط الأمر لا ثبوته، ولا محيص عن القول بكون النزاع كبرويّاً وانّ مصب النزاع عبارة عن الأمر التالي:

هل يجوز الأمر بشيء، والنهي عن شيء آخر، مع تصادقهما على مورد واحد، أو لا؟ فالقائل بالجواز يقول: إنّ متعلّق الأمر هو حيثية الصلائية، ومتعلّق النهي هو الحيثية الغصبية، فالمتعلّقان مختلفان، وتصادقهما على مورد لا يكون مانعاً عن حفظ الأمر والنهي المتعلّقين بشيئين مختلفين فيجوز اجتماع الأمر والنهي في المقام.

والقائل بالامتناع يقول: إنّ متعلّق الأمر والنهي وإن كان مختلفاً حقيقة، لكن حفظ إطلاق الدليلين، يستلزم وحدة متعلّق الأمر والنهي في النهاية، وذلك لأنّ مقتضى إطلاق «اقم الصلاة» هو وجوب إقامة الصلاة في عامّة الأماكن حتّى المكان المغصوب، كما أنّ مقتضى إطلاق قوله :«لا تغصب» هو تحريمه مطلقاً حتّى في الحالة الصلائية، فلو صلّى في مكان مغصوب يلزم أن يكون العنوان الكلي (الصلاة في الدار المغصوبة) متعلّقاً للأمر والنهي بحكم حفظ الإطلاقين، فيرجع الاجتماع المأموري إلى الاجتماع الأمري لاتّحاد الآمر والناهي، والمأمور والمنهي، والمأموربه والمنهي عنه فلا يجوز هذا النوع من الأمر والنهي.


(170)

الثالث: ما هو المراد من الواحد في العنوان؟

العنوان المعروف للمسألة هو قوله: هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في واحد أو لا؟ فقد وقع الكلام في تعيين المراد من «الواحد» في التعريف.

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المراد هو الأعم من الواحد الشخصي والنوعي والجنسي وقال: المراد منه مطلق ما كان ذا وجهين ومندرجاً تحت عنوانين، بأحدهما كان مورداً للأمر، وبالآخر مورداً للنهي فيعم الواحد الشخصي الذي له عنوانان كالصلاة في الدار المغصوبة، والواحد النوعي مثل عنوان «الصلاة في المغصوب» و الواحد الجنسي كالحركة المعنونة بالصلائية والغصبية ـ و أضاف ـ فخرج ما إذا تعدّد متعلّق الأمر والنهي ولكن لم يجتمعا وجوداً ولو اجتمعا مفهوماً كالسجود للّه والسجود للصنم.

يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك إرادة معنيين من لفظ الواحد، فتارة أُريد به مطلق الواحد، ليشمل الواحد الشخصي والنوعي والجنسي، وأُخرى أُريد به الواحد الشخصي فقط ليخرج السجود للّه والسجود للصنم، حيث لا يجتمعان وجوداً في مصداق واحد.

والأولى أن يقال: انّ المراد من الواحد هو الواحد الشخصي فقط، ويرجع النزاع إلى أنّ اجتماع العنوانين في واحد شخصي وتصادقهما عليه، هل يمنع من الأخذ بالإطلاقين في الأمر والنهي معاً فيكون الحقّ مع الامتناعي، فعندئذ لا محيص من الأخذ بأحد الإطلاقين، إمّا الأمر بالصلاة، أو النهي عن الغصب ففي مورد الصلاة في الدار المغصوبة، إمّا أمر ولا نهي، أو نهي ولا أمر أو لا يمنع فيكون الحقّ مع الاجتماعي.


(171)

الرابع: ما هو الفرق بين المسألتين؟

اختلفت كلمتهم في بيان الفرق بين هذه المسألة، وما سيوافيك من البحث في دلالة النهي عن العبادات والمعاملات، على الفساد وعدمها، ففي بيان ما هو الفارق أقوال:

1. التمييز بالغرض

انّ الجهة المبحوث عنها في المسألتين هي التي تميّز إحدى المسألتين عن الأُخرى، فانّ الجهة المبحوث عنها في المقام عبارة عن كون تعدد العنوان موجباً لتعدّد المعنون أو لا، فعلى القول بالتعدّد ترتفع غائلة استحالة الاجتماع في الواحد، لاستقرار كلّ حكم على موضوعه من دون سراية أحد الحكمين إلى موضوع الحكم الآخر، وعلى القول بعدم التعدّد، يتحد متعلّق كلّ من الأمر والنهي،فيسري كلّ حكم إلى متعلّق الحكم الآخر، فيعود البحث إلى السراية وعدمها تلو القول بأنّ تعدّد العنوان هل يوجب تعدّد المعنون أو لا؟

هذه من الجهة المبحوث عنها في هذه المسألة، بخلاف الجهة المبحوث عنها في الأُخرى فانّها ـ بعد تسليم توجّه النهي إلى العبادة ـ يقع الكلام في كون النهي موجباً للفساد أو لا، فجهة البحث في الأُولى غيرها في الثانية.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تعدد الغرض يحكي عن وجود اختلاف جوهري بين المسألتين، إذ لا معنى لترتّب أثرين مختلفين على المسألتين مع عدم اختلافهما في الذات والجوهر، وعلى ذلك فيحصل التمايز الجوهري قبل الغرض والأثر.

وثانياً: أنّ ما ذكره مبني على كون البحث في المسألة صغروياً وإنّ تعدّد


(172)

العنوان هل يوجب تعدّد المعنون، حتّى يكون متعلّق الأمر غيره في النهي أو لا؟ فيكون مرجع البحث إلى أنّه هل هنا اجتماع أو لا؟ولكنّك عرفت أنّ البحث في المقام كبروي و انّ البحث إنّما هو في جواز الأمر بشيء و النهي عن شيء آخر، متصادقين على مصداق واحد وعدمه، ومرجع البحث إلى جواز الاجتماع وعدمه ـ بعد تسليم أصل الاجتماع في مصداق واحد ـ لا أصل الاجتماع وعدمه.

2. التمييز بالموضوع

ذهب صاحب الفصول إلى أنّ المسألتين تتميّزان بالموضوع ـ ذكره عند البحث عن دلالة النهي المتعلّق بالعبادة، على الفساد أو لاـ وحاصل ما ذكره هو انّ النزاع في ما نحن فيه إنّما هو فيما إذا تعلّق الأمر والنهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة، سواء أكان بينهما عموم و خصوص من وجه كما إذا قال: صلّ ولا تغصب، أو عموم و خصوص مطلق كما إذا قال: أكرم الناطق، ولا تكرم الشاعر، وعلى كلّ تقدير، فالموضوعان متغايران مفهوماً، وأمّا النزاع في مسألة دلالة النهي على الفساد وعدمه، ففيما إذا كان الموضوعان متّحدين حقيقة مختلفين بالإطلاق والتقييد، كما إذا قال: صلّ، ولا تصلّ في الحمام.

يلاحظ عليه: بأنّه لو انحصر وجه التمايز بين المسألتين بالتمايز في الموضوع لتوجّه إليه، ما أورده المحقّق الخراساني عليه، وحاصله: انّه لو كانت الجهة المبحوث عنها متعددة فلابدّ من عقد مسألتين وإن كان موضوعهما واحداً، وإن كانت الجهة المبحوث عنها واحدة فلابدّ من عقد مسألة واحدة وإن كان الموضوع متعدّداً، فلا دور لوحدة الموضوع وتعدّده.


(173)

3. التمييز بالموضوع والمحمول

إنّ المسألتين تتميّزان موضوعاً ومحمولاً، أمّا الأوّل فقد عرفته في كلام صاحب الفصول، وأما الثاني فلأنّ المحمول في المقام جواز الاجتماع وعدمه، وفي مسألة النهي عن العبادة، هو دلالة النهي على الفساد وعدمه، ومع الاختلاف الجوهري بين المسألتين في جانب الموضوع والمحمول، لا وجه اشتراك بينهما حتّى يُسأل عن جهة افتراقهما.

نعم لو قلنا في المقام بالامتناع وانّه لابدّ من حفظ أحد الحكمين فقدّمنا النهي على الأمر، يكون المورد من صغريات المسألة الآتية في دلالة النهي على الفساد وضعاً أو لا.

4. التمييز بكون البحث عقلياً

الفرق بين المسألتين هو انّ ملاك البحث في المقام عقلي حيث يبحث في جواز الاجتماع وعدمه عقلاً، وفي المسألة الآتية لفظي حيث يبحث في دلالة النهي على الفساد لفظاً.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ البحث هناك لا يختصّ باللفظ، بل يعمّ ما إذا كان الدالّ عليه، هو الدليل اللّبي كالعقل والإجماع، انّ مثل هذا الاختلاف لا يصير سبباً لتعدّدها، لأنّ اختلاف طريق إثباتها لا يجعل المسألة الواحدة، مسألتين.

الأمر الخامس: المسألة أُصولية

اختلفت كلمة علماء الأُصول في حقيقة هذه المسألة إلى أقوال:


(174)

1. مسألة أُصولية، 2. مسألة كلامية، 3. من مبادئ الأحكام، 4. مسألة فقهية، 5. من المبادئ التصديقية.

وإليك تبيين هذه الأقوال مع نقدها.

1. المسألة أُصولية

المشهور انّ هذه المسألة مسألة أُصولية لوجود ملاكها فيها وهو صحّة وقوع نتيجتها كبرى للاستنباط، فانّها على القول بجواز الاجتماع يُستنبط منها صحّة الصلاة، كما أنّها كذلك على القول بالامتناع مع تقديم جانب الأمر، وأمّا على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي فيترتّب عليه الفساد.

هذا ولو قلنا بأنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه، فالمسألة أُصولية أيضاً لما عرفت من أنّ البحث عن العوارض التحليلية بحث عن عوارض الموضوع، والمراد من العوارض التحليلية هو تعيّنات الموضوع وتشخّصاته.

فانّ الفقيه عالم بوجود الحجّة بينه و بين ربّه ولكن لا يعلمها على وجه التحديد، فالبحث في علم الأُصول بحث عن تعيّن الحجّة بخبر الواحد ونظائره، ومثله المقام فالكلام في تشخيص ما هو الحجّة عند اجتماع الأمر والنهي فهل هناك حجّتان أو حجّة واحدة؟ وعلى الثاني فهل هي الأمر بالصلاة أو النهي عن الغصب؟

الإشكال على كون المسألة أُصولية

وقد أورد المحقّق النائيني على كون المسألة أُصولية بأنّ فساد العبادة لا يترتّب على مجرّد القول بالامتناع، بل القول بالامتناع يوجب دخول دليلي الوجوب


(175)

والحرمة في باب التعارض وإجراء أحكام التعارض عليهما. ويستنبط من ذلك حكم فرعي.(1)

توضيحه: انّ القول بالامتناع لا يكفي في إثبات فساد العبادة، بل يتوقّف على أمر آخر وهو إعمال المرجّحات بتقديم جانب النهي على الأمر، فعند ذلك تفسد العبادة أخذاً بأحد الدليلين ورفض الآخر، فظهر انّ فساد العبادة ليس نتيجة مباشرة للقول بالامتناع، بل لابدّ بعد القول به من إعمال قواعد التعارض وتقديم جانب النهي على جانب الأمر.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ كون المسألة أُصولية ليس رهن ترتّب الأثر على كلتا الصورتين: الإثبات والنفي، بشهادة انّ حجّية خبر الواحد مسألة أُصولية يترتّب الأثر على واحد من طرفي القضية وهو كونه حجّة دون عدمها. وعلى ذلك فيكفي في عدّ المسألة أُصولية ترتّب أثر الصحة على القول بالاجتماع وإن لم يكن على القول بالامتناع أثر شرعي حسب افتراضه.

وثانياً: لا يشترط في كون المسألة أُصولية أن تكون المسألة سبباً تامّاً لاستنباط الحكم الشرعي، بل ربّما يتوقّف استنباط الحكم الشرعي على ضم مسألة أُخرى إلى المسألة الأُولى حتّى يستنبط منها الحكم الشرعي وذلك كحجّية خبر الواحد التي لا يستنبط منها الحكم الشرعي ما لم تنضم إليها مسألة أُخرى باسم حجّية الظواهر.

وعلى ذلك فلا مانع من جعل المسألة أُصولية وان توقّف ترتّب الأثر ـ على القول بالامتناع ـ على إعمال قواعد التعارض.

وثالثاً: أنّ المتبادر من كلام المحقّق النائيني انّ المسألة من باب التزاحم على


1 . أجود التقريرات:1/334; فوائد الأُصول:1/399.


(176)

القول بالاجتماع، ومن باب التعارض على القول بالامتناع، ولكنّه رأي شاذ فإنّ الظاهر من الأُصوليين انّه على القول بالاجتماع لا تزاحم ولا تعارض، وأمّا على القول بالامتناع فهناك تزاحم لا تعارض، ولأجل ذلك يجب أن يلجأ الامتناعي إلى إعمال مرجّحات باب التزاحم لا التعارض، و سيوافيك شرحه عند البحث عن الأمر الثامن للمحقّق الخراساني.

2. مسألة كلامية

إنّ المسألة كلامية، لأنّ الأمر والنهي من الأُمور الواقعية، فالبحث هو عن جواز اجتماعهما وامتناعه.

وأورد عليه المحقّق النائيني بأنّ علم الكلام هو العلم المتكفّل لبيان حقائق الأشياء من واجباتها وممكناتها وممتنعاتها، وليس البحث في المقام عن جواز الاجتماع وامتناعه، بل البحث عن وجود الاجتماع وعدمه.(1)

ولا يخفى ضعف الاستدلال والإشكال.

أمّا الأوّل: فلأنّ علم الكلام، هو العلم الباحث عن ذاته سبحانه، وصفاته وأفعاله، حتّى أنّ البحث عن النبوّات العامّة والخاصّة والإمامة والمعاد، بحث عن أفعاله سبحانه، و انّه هل يجب عليه بعث الأنبياء، أو نصب الإمام أو احياء المكلّفين للجزاء أو لا؟ وأمّا البحث عن الجواز والامتناع ـ كما في كلام المستدل، أو البحث عن حقائق الأشياء من واجباتها وممكناتها وممتنعاتها كما في كلام المستشكل ـ فلا صلة لهما بعلم الكلام.

ولو أردنا جعلها في عداد المسائل الكلامية لوجب تغيير عنوان المسألة بأن


1 . فوائد الأُصول:1/399.


(177)

نقول: هل يجوز على اللّه أن يأمر بعنوان و ينهى عن عنوان آخر، متصادقين في أمر واحد أو لا؟ ولكن الملاك في عدّ المسألة من مسائل علم ما، هو العنوان الموجود في الكتب لا المحرّف منه.

3. من مبادئ الأحكام

وربّما يظهر من بعض الأُصوليين انّها من مبادئ الأحكام حيث يبحث فيها عن أحوال الأحكام الخمسة وأوصافها، فيبحث عن إمكان اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد أو لا، وانّه هل هناك مطاردة بين الوجوب والحرمة أو لا؟

وأورد عليه المحقّق الخوئي: بأنّ مبادئ الأحكام راجعة إلى المبادئ التصوّرية أو المبادئ التصديقية، وذلك لأنّه إن أُريد تصوّر نفس الأحكام كالوجوب والحرمة ونحوهما فهو من المبادئ التصورية (لعلم الفقه)، لأنّه لا يعني من المبادئ التصورية إلاّ تصوّر الموضوع والمحمول (وهنا الأخير).

وإن أُريد منها ما يوجب التصديق بثبوت حكم أو نفيه فهي من المبادئ التصديقية لعلم الفقه، وعلم الأُصول كلّه مبادئ تصديقية لعلم الفقه، وبفضل هذه المسألة نجزم بحكم الصلاة في الدار المغصوبة.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ مبادئ الأحكام من مصطلحات القدماء في خصوص علم الفقه، والمراد منها لا هذا ولا ذاك، بل شيء ثالث و هو البحث عن ماهية الأحكام الخمسة وملازماتها كالبحث في أنّ الوجوب والاستحباب بسيطان أو مركبان، والبحث عن اقتضاء وجوب شيء وجوبَ مقدمته، أو حرمته حرمتَها، وفي المقام يعود البحث إلى استلزام وجوب الشيء عدمَ حرمته أو بالعكس فيما إذا


1 . المحاضرات:4/178ـ 179.


(178)

تصادق العنوانان في مورد واحد، فالبحث كلّه يرجع إلى الأحكام الخمسة بصور مختلفة، فلو كان علم الفقه باحثاً عن عوارض فعل المكلّف التي هي الأحكام الخمسة فالمبادئ الأحكامية تبحث عن حالات تلك العوارض التي تعرض فعل المكلّف.

نعم يلاحظ على صاحب النظرية انّ الملاك في جعل المسألة من باب هو عنوانها المعروف في الكتب، وليس هو إلاّ جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، دون مطاردة الوجوب الحرمة أو بالعكس، فانّ البحث على هذا العنوان يوجب تغيير عنوان المسألة المعروفة من الكتب.

4. مسألة فقهية

وجعل بعضهم مسألة جواز الاجتماع أو الامتناع من المسائل الفقهية قائلاً بأنّ البحث يرجع إلى صحّة الصلاة وفسادها عند الإتيان بها في المكان المغصوب.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره نتيجة المسألة وليس أصلها، والمحمول في المسألة جواز الاجتماع وعدمه لا صحّة الصلاة وفسادها.

على أنّ نتيجة البحث لا تختص بباب الصلاة، بل تعم الحجّ والاعتكاف وغيرها.

5. من المبادئ التصديقية

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ المسألة من المبادئ التصديقية، وقد ذهب إليه عندما ردّ على أُصولية المسألة قائلاً: بأنّ فساد العبادة لا يترتّب على القول


(179)

بالامتناع مباشرة، بل يجب أن ينضم إلى القول بالامتناع شيء آخر وهو فرض المورد من باب التعارض وإجراء أحكامه على العبادة، ويستنبط من الجميع حكم فرعي. والمسألة الأُصولية عبارة عمّا يستنبط بها حكم فرعي من دون حاجة إلى ضم نتيجتها إلى قاعدة أُخرى.

فإذن ليس للمسألة دور، إلاّ أنّ القول بالامتناع يحقّق موضوعاً للتعارض، كما أنّ القول بالاجتماع يحقق موضوعاً للتزاحم، ومن المعلوم أنّ البحث عن أحكام التعارض والتزاحم مسألة أُصولية، لكن البحث عن وجود التعارض أو التزاحم بحث عن المبادئ التصديقية.(1)

فالإنصاف انّ البحث في المسألة أشبه بالبحث عن المبادئ التصديقية لرجوع البحث فيه إلى البحث عمّا يقتضي وجود الموضوع لمسألة التعارض والتزاحم.(2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ تسمية هذه المسألة بالمبادئ التصديقية تسمية خاطئة، فانّها عبارة عن المقدّمات التي يتوقّف عليها الجزم بالنسب الموجودة في مسائل العلم، كشعر امرئ القيس في علم النحو حيث يثبت به القواعد النحوية، أو البراهين التي يتوقّف عليها إثبات النسبة في المسألة الهندسية ككون زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين.

فإذا كان هذا هو المراد من المبادئ التصديقية فليست هذه المسألة سبباً للإذعان بالنسب في المسائل الأُصولية، بل هي من المبادئ التصوّرية لإثبات وجود موضوع المسائل وهو انّ المقام على الاجتماع ـ حسب فرضه ـ من باب


1 . أجود التقريرات:1/333ـ 334.
2 . فوائد الأُصول:1/400.


(180)

التزاحم، فعلى الفقيه أن يجري فيه قواعد التزاحم، وعلى الامتناع من باب التعارض فعليه أن يجري مرجّحات التعارض.

وبالجملة: فالتزاحم والتعارض من موضوعات المسائل الأُصولية حيث إنّ كل واحد منها موضوع لأحكام خاصّة فللتزاحم حكم وللتعارض حكم آخر.

فنتيجة البحث في المقام تنتهي إلى إثبات التزاحم أو التعارض في المقام وهما من موضوعات المسائل الأُصولية التي لهما من الأحكام والمرجّحات، وإثبات موضوع المسائل، يعد من المبادئ التصوّرية للعلم لا التصديقية.

وثانياً: الظاهر أنّ القول بالاجتماع يخرج المسألة عن إطار التزاحم والتّعارض، و أمّا القول بالامتناع في المقام فيدخل المسألة في باب التزاحم لا التعارض، لأنّ المتزاحمين عبارة عمّـا إذا كان مورد كلّ دليل مشتملاً على مصلحة ملزمة والمقام كذلك حيث نعلم بوجود المصلحة الملزمة في جانب الفعل أي الصلاة ووجود المفسدة الملزمة للترك لأجل الغصب، غير أنّ المكلّف بسوء الاختيار صار عاجزاً عن الجمع بين المصلحتين فأشبه بما إذا لم يتمكّن من إنقاذ الغريقين.

السادس: في عموم النزاع لأقسام الأمر والنهي

هل النزاع يختص بالايجاب والتحريم النفسيّين، العينيّين، التعيينيّين، أو يعم الغيريّين والكفائيّين والتخييريّين؟ ذهب صاحب الفصول إلى الأوّل، والمحقّق الخراساني إلى الثاني.

لا شكّ انّ كلاً من مادّة الأمر والنهي، إذا أطلقت تنصرف إلى ما هو الشائع، أي النفسي العيني والتعييني، كما أنّ مقتضى مقدّمات الحكمة في صيغة الأمر هو كذلك، لأنّ غيرها في مقام الإثبات يحتاج إلى بيان زائد، بخلافها، وقد مرّ


(181)

توضيح ذلك في المقصد الأوّل عند البحث في دوران الصيغة بين هذه الاحتمالات.

إنّما الكلام في أنّ البحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي، هل يختصّ بما إذا كان الإيجاب والتحريم نفسيين أو عينيين أو تعيينيين، أو يعمّها ومقابلاتها؟ الظاهر هو العموم، لوجود ملاك البحث في عامّة الأقسام، فالقائل بالامتناع يستدلّ بتضاد الوجوب والحرمة تارة، وتضاد مبادئهما من الإرادة والكراهة ثانياً، وإنّ تعدد العنوان، لا يوجب تعدد المعنون ثالثاً ، وهذا النوع من الاستدلال جار في عامّة أقسام الأمر والنهي، كما أنّ القائل بالاجتماع يستدلّ بأنّ متعلّق الأمر والنهي متغايران والتصادق في مورد لا يضر بتعدّد المتعلّق في مقام الإنشاء، والفعلية، من غير فرق بين أقسام الأمر والنهي، ولإيضاح الحال نأتي بمثالين:

1. إذا أمر المولى بالصلاة والصوم تخييراً، ونهى عن التصرّف في الدار ومجالسة الأشرار كذلك، فالامتثال في جانب الأمر يحصل بإتيان واحدة منهما لكن المخالفة في جانب النهي تتوقف على مخالفتهما معاً، وعلى ذلك لو صلّى في نفس الدار مع مجالسة الأشرار، يقع الكلام في صحّة الصلاة والحال هذه وعدمها.

نعم لو صلّى فيها مع عدم مجالستهم، أو صلّى في غيرها مع مجالستهم، أو صام فيها بلا مجالسة، أو صام مع المجالسة لكن في غيرها، فقد أتى بالواجب دون الحرام، لما عرفت من أنّ الحرام هو الجمع لا الواحد منهما.

2. إذا أمر بالوضوء أو الغسل أو التيمم للصلاة ونهى عن التصرّف في دار معيّنة، فتوضأ أو اغتسل أو تيمّم فيها يقع الكلام فيه كما في غيرها والأمر بها غيري ولكن النهي نفسي.


(182)

السابع: في لزوم أخذ عنوان المندوحة في النزاع وعدمه

هل يلزم أخذ عنوان المندوحة في عنوان النزاع أو لا يلزم؟ فيه أقوال:

1. عدم اعتباره في صحّة النزاع.

2. اعتباره فيه كما عليه صاحب الفصول.(1)

3. التفصيل بين كون النزاع صغروياً فلا يعتبر، وكبروياً فيعتبر.

4. التفصيل بين كون الابتلاء بسوء الاختيار فلا يعتبر، وما إذا حصل بدونه فيعتبر، وعليه المحقّق القمي في قوانينه.(2)

والحقّ هو الأوّل: على القول بكون النزاع صغروياً، إذ لا دور لوجود المندوحة في أساس القولين، وهو انّ تعدد العنوان هل يوجب تعدد المعنون أو لا؟ كما في تعبير المحقّق الخراساني، أو تركيب المقولات تركيب اتحادي أو انضمامي، كما في تعبير المحقّق النائيني.

وبعبارة أُخرى: هل الحركة الصلاتية غير الحركة الغصبية ـ لأجل انّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون أو لأجل تركيب المقولات، انضمامياً لا اتحادياً، أو لا؟ـ بناء على أنّ تعدد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون، أو تركيب المقولات، تركيب اتحاديّ، والجزم بأحد الطرفين لا يتوقف على وجود المندوحة وعدمه في المورد، فسواء أكان المكان منحصراً بالمغصوب أو متعدداً، فالعقل إمّا يحكم بالوحدة أو التعدد.

نعم فعلية النهي تتوقّف على وجود المندوحة حتى لا يلزم الأمر بالمحال، سواء أكان هناك أمر أو لا، إذ لا يصلح النهي جداً عن المغصوب حتى يتمكّن


1 . الفصول:126.
2 . قوانين الأُصول:1/53ـ54.


(183)

الإنسان من تركه فالمحبوس في مكان مغصوب، مأمور بالصلاة، وليس منهيّاً عن الغصب فعلاً وإن كان منهيّاً عنه إنشاء.

وبعبارة أُخرى: انّ صاحب الفصول خلط بين مقام التكليف المحال، والتكليف بالمحال، فلو كان متعلّق الأمر نفس متعلّق النهي، يكون التكليف محالاً سواء أكان هناك مندوحة أم لا، لاستحالة انقداح الإرادة والكراهة في النفس مع وحدة المتعلّق.

ولو تجاوزنا عن ذلك المحذور وقلنا بتعدّد المتعلّق وكان التكليف ممكناً، يأتي الكلام في كون المكلّف به ممكناً، و عندئذ يشترط وجود المندوحة، وإلاّ فالتكليف وإن كان ممكناً، لكن المكلّف به يكون أمراً محالاً، لافتراض انحصار المكان بالمغصوب، وبذلك يظهر صحّة قول المحقّق الخراساني وضعف قول صاحب الفصول.

وأمّا الثالث: أي التفصيل بين كون النزاع صغروياً فلا يشترط وجود المندوحة، وذلك لما في كلام المحقّق الخراساني من أنّ ملاك النزاع، وصحته لا يتوقّف على وجود المندوحة، لأنّ البحث يرجع إلى أمر تكويني وبحث فلسفي فانحصار المكان في المغصوب وعدمه، لا يؤثر فيه.

وهذا بخلاف ما إذا كان البحث كبرويّاً فانّ تجويز اجتماع حكمين فعليين في مورد واحد، باعتبار انطباق عنوانين عليه فرع وجود المندوحة والتمكّن من إقامة الصلاة في غير المكان المغصوب، وإلاّ فلو كان مضطرّاً فلا محيص من سقوط أحد الحكمين، إمّا وجوب الصلاة أو حرمة الغصب، فالتحفّظ على فعلية الحكمين يستدعي وجود المندوحة والسعة.

يلاحظ عليه: أنّ لزوم وجود المندوحة ليس من آثار اجتماع الحكمين


(184)

الفعليين في مورد واحد، بل من آثار نفس النهي، سواء أكان هناك اجتماع أم لا، إذ التكليف مطلقاً مجرّداً أو مقروناً بآخر يطلب لنفسه الاستطاعة والقدرة كسائر الشرائط العامّة، ومع عدمها، يصبح التكليف تكليفاً بالمحال.

وأمّا القول الرابع: الذي هو قول المحقّق القمي فسيوافيك الكلام فيه في التنبيه الأوّل من تنبيهات المسألة.

الثامن: صحّة النزاع على كلا الرأيين في متعلّق الأحكام

قد مرّ في المقصد الأوّل أنّ في متعلّق الأوامر والنواهي قولين:

1. تعلّقها بالطبائع والمفاهيم المجردة عن كلّ قيد.

2. تعلّقها بالافراد.

وعندئذ يطرح السؤال التالي: النزاع في جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، هل يطرح على كلا القولين أو لا؟

والجواب : هنا آراء و أقوال:

1. النزاع مبني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، وأمّا على القول بتعلّقها بالأفراد فلا مجال للبحث بل يتعيّن الامتناع.

2. انّ القول بالجواز مبنيّ على القول بتعلّقها بالطبائع، والقول بالامتناع مبنيّ على القول بتعلّقها بالأفراد.

3. جريان النزاع على كلا الرأيين، وهذا مذهب المحقّق الخراساني، فلا القول بتعلّقها بالطبائع يلازم القول بالجواز، ولا القول بتعلّقها بالأفراد يلازم القول بالامتناع.

أمّا الأوّل: فلو قلنا بأنّ تعدّد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون، فالامتناع هو


(185)

المتعيّن حتّى على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، وذلك لأنّ الطبيعتين وإن كانتا متغايرتين مفهوماً لكنّهما متحدتان وجوداً وخارجاً، فيلزم أن يكون الشيء الواحد متعلقاً بحكمين متضادين.

وأمّا الثاني: فلو قلنا بأنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون، فالجواز لا غبار عليه، حتى على القول بتعلّقها بالأفراد، وذلك لأنّ الحكمين وإن تعلّقا بالفرد الخارجي لكنّه لمّا كان معنوناً بعنوانين يكون فرداً لكلّ من الطبيعتين، ومجمعاً لفردين موجودين بوجود واحد، ويكون بما انّه فرد لهذا العنوان متعلّقاً للوجوب، وبما انّه مصداق لعنوان آخر متعلّقاً للنهي، فهو على وحدته وجوداً يكون اثنين لكونه مصداقاً للطبيعتين.(1)

يلاحظ على القولين الأوّلين: أنّهما مبنيّان على تفسير الفرد في متعلّق الأحكام، بالفرد المنطقي وهو الجزئي الخارجي، وعندئذ يصحّ القولان بأنّ النزاع في الجواز والامتناع مبنيّ على القول بتعلّقها بالطبائع، وأمّا على القول بتعلّقها بالفرد، فالقول بالامتناع متعيّن، أو انّ الجواز مبنيّ على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، والامتناع مبنيّ على القول بتعلّقها بالأفراد.

ولكنّك خبير أنّ الفرد بهذا المعنى، لا يعقل أن يكون متعلّقاً للحكم، لأنّه قبل الوجود لا يوصف بالفرديّة، و بعده فهو ظرف سقوط الحكم بالطاعة أو بالمعصية، بل المراد من الفرد في متعلّق الأحكام هو الفرد الأُصولي، والمراد، هو الطبيعة مع ملازماتها ومقارناتها، والمراد من الملازمات هو ما لا يفارقها كالتأيّن بأين، والتحيّن بالزّمان وغير ذلك، كما أنّ المراد من المقارنات ما يصاحبها تارة ويفارقها أُخرى، كالغصب بالنسبة إلى الصلاة، ويعبّر عن ملازمات الطبيعة


1 . الكفاية:1/240ـ241.


(186)

ومقارناتها، بالمشخّصات الفرديّة، فلو قلنا بتعلّق الأحكام بها، فبما انّها كلي كالطبائع فالواجب الأين الكلّي و الزمان الكلّي، وهكذا فيتأتى النزاع على كلا الرأيين، لأنّ الفرد بهذا المعنى كالطبيعة في الكلية والشمول وصحّة تعلّق الأمر به.

بيان للمحقّق النائيني حول التفصيل

ثمّ إنّ المحقّق النائيني قام بأمرين:

الف: فسّر الفرد، على النحو الذي فسّرناه، وفرّق بين الفرد في مصطلح المنطقيين، والفرد في مصطلح الأُصوليين.

ب: قبل التفصيل الثاني وانّ جواز الاجتماع مبنيّ على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، والامتناع على القول بالافراد.

أمّا الأوّل: فقال: إنّ النزاع في أنّ الأمر المتعلّق بالطبيعة، هل يتعلّق بمشخّصاتها الخارجية أو انّها من لوازم الوجود وخارجة عن حيّز الأمر؟

أمّا الثاني: فقال: فإذا بنينا على تعلّق الأمر بالمشخّصات سواء أكان الأمر بها استقلالياً أم تبعياً، وكانت نسبة كلّ من المأمور به، والمنهي عنه إلى الآخر نسبة المشخّصات، فلا محالة يكون كلّ منهما محكوماً بحكم الآخر، فيلزم منه اجتماع الحكمين المتضادّين في موضوع واحد، وأمّا إذا بنينا على خروج المشخّصات عن حيّز الطلب فلا يسري الأمر إلى متعلّق النهي، ولا النهي إلى متعلّق الأمر، فيكون القول بالجواز والامتناع مبنيّاً على القول بتعلّق الأوامر بالطبائع أو الافراد بالضرورة.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه إنّما يتمّ لو أُريد من المشخّصات الفرديّة ما يعمّ


1 . أجود التقريرات:1/344ـ 345.


(187)

الملازمات والمقارنات الاتفاقية كالغصبية بالنسبة إلى الصلاة، وأمّا لو خصصناه، بخصوص الملازمات، أي ما لا ينفك وجود الطبيعة عنها، كالزمان والمكان، لا ما يصاحبه تارة ويفارقه أُخرى، فلا تلزم وحدة المتعلّق، لأنّ النهي تعلّق بالغصب، لا الغصب المصاحَب بالصلاة اتفاقاً، وهكذا الأمر تعلق بالصلاة، لا الصلاة المقارنة بالغصب.

والذي يسهل الخطب هو أنّ المشخّصات الفردية غير داخلة في متعلّق الأوامر، لأنّ المولى الحكيم لا يأخذ من متعلّق الحكم إلاّ ما هو دخيل في غرضه، والدخيل فيه، هو نفس الطبيعة، لا ملازماتها ولا مقارناتها على نحو لو أمكن إيجادها مجرّداً عنها، يعد ممتثلاً.

ثمّ إنّ السيد الأُستاذ ذكر لتعلّق الحكم بالفرد صوراً صحح النزاع في بعضها دون بعض، وبما أنّ المبنى غير تام، فلا يهمّنا بيان الصور المختلفة له.

التاسع: الفرق بين التعارض والتزاحم

إنّ كلمتي التزاحم والتعارض من الكلمات الدائرة على ألسنة الأُصوليين، حيث يستعملون التزاحم في هذا المقام(باب اجتماع الأمر والنهي) والتعارض في باب «التعادل والترجيح»، فإذاً يقع الكلام فيما هو الفرق بينهما.

والذي يزيد غموضاً في المقام هو أنّ الأُصوليّين ـ فيما إذا كان بين الدليلين عموم و خصوص من وجه ـ تارة يطرحونه في هذا المقام نظير صلّ ولا تغصب، وأُخرى يعقدون له مبحثاً في باب التعادل والترجيح نظير: أكرم العالم ولا تكرم الفاسق. حيث يتعارض الدليلان في العالم الفاسق، وعندئذ يقع الكلام فيما هو الفرق بين المقامين وكيف تكون مسألة واحدة من مسائل هذا الباب والباب الآخر


(188)

الذي بينهما من البعد بعد المشرقين؟ فنقول:

إنّ المحقّق الخراساني بصدد الإجابة عن هذين السؤالين:

1. ما الفرق بين التزاحم والتعارض؟

2. ما الفرق بين المثالين؟

وحاصل ما ذكره: انّه لو كان في كلّ من موردي الدليلين مناط الحكم وملاكه فهو من باب التزاحم، وأمّا إذا كان المناط موجوداً في و احد منهما، أو احتملنا انّ كلاً منهما فاقد للملاك، فهو من باب التعارض، هذا هو الذي تبنّاه وعقد لبيانه فصلين باسم التاسع والعاشر، وكأنّ الأوّل بصدد بيان الموضوع وأقسامه ، والثاني في بيان ما يحرر به وجود المناطين وعدمه.

وإليك توضيح ما ذكره في الأمر الثامن برُمّته كي يتّضح للقارئ ما رامه صاحب الكفاية، وأمّا التاسع فنضرب عنه صفحاً لما سيوافيك وجهه، فنقول:

جعل المحقّق الخراساني الكلام في مقامين:

الأوّل: مقام الثبوت، والمراد منه ملاحظة الموضوع مع قطع النظر عن تعلّق الحكم به.

الثاني: مقام الإثبات، والمراد منه ملاحظة الموضوع بعد تعلّق الحكم به.

أمّا المقام الأوّل: فقد ذكر فيه صوراً ثلاثاً:

الأُولى: إذا كان الملاك موجوداً في مورد التّصادق منهما، وقلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي، يكون الموردمحكوماً بحكمين فعليّين، فالصلاة في الدار المغصوبة والغصب بما انّهما واجدان للملاك فالاجتماعي يقول إنّه يكون محكوماً بحكمين بلا تريّث.


(189)

الثانية: تلك الصورة أي يكون مورد التصادق واجداً للملاكين ولكن لا نقول بجواز الاجتماع بل امتناعه، فعندئذ يكون مورد التّصادق من باب التزاحم(1) ويؤخذ بمرجّحات بابه فيكون مورد التّصادق محكوماً بأقوى المناطين، ولو لم يكن هناك مناط أقوى يرجع إلى حكم آخر غير الحكمين.

الثالثة: ما إذا لم يكن في مورد التّصادق ملاك، فيخرج من هذا الباب ويدخل في باب التّعارض الذي يبحث عنه في المقصد الثامن من المقاصد الثمانية، فعندئذ يؤخذ بالحكم الذي له مناط دون ما ليس له مناط.

وأمّا ما هو طريق كشف وجود المناط في حكم دون حكم؟ فهو ما سيوافيك في مقام الإثبات، وحاصله: انّ مرجّحات باب التّعادل والتراجيح طريق إلى وجود الإحراز في المرَّجَّح دون المرجح عليه.

كما أنّه يحتمل أن يكون المورد فاقداً للملاك مطلقاً، وعندئذ يطرحان ويرجعان إلى حكم آخر، ولا تأثير في هذا المقام للقول بالجواز والامتناع لما عرفت من أنّ القولين من فروع القول بوجود الملاك في مورد التصادق والمفروض عدم اشتمال مورده على المناط.

هذا كلّه بيان الأحكام حسب الثبوت، وإليك أحكامها حسب الإثبات.

ما هو المختار حسب الإثبات؟

قد عرفت أنّ صور البحث في مقام الثبوت ثلاثة، وعندئذ يقع الكلام في بيان ما هو المختار على الإثبات أي بعد تعلّق الحكم بالموضوعين؟ فنقول:


1 . والعجب انّ الشيخ الأنصاري، جعل هذه الصورة من صغريات التعارض. لاحظ مطارح الأنظار: 124.


(190)

إنّ المحقّق الخراساني قدَّم حكم الصورة الثالثة أوّلاً، وحذف بيان حكم الصورة الأُولى، واقتصر على بيان حكم الصورة الثانية، ونحن نشرح الجميع لكن على ضوء الكفاية بتقديم ما قدّمه فنقول:

الصورة الثالثة: عبارة عمّا إذا كان مورد الدليلين خالياً من الملاكين، فيرجع إلى دليل آخر، وأمّا إذا كان واحد منها خالياً عنه، فعندئذ يؤخذ بما فيه المناط، وطريق التعرّف عليه هو الرجوع إلى المرجّحات الواردة في باب التعادل والترجيح، فيؤخذ بما هو المشهور أوّلاً، ثمّ الموافق للكتاب ثانياً، ومخالف العامّة ثالثاً، وهذا النوع من البحث يرجع إلى باب التّعادل والترجيح.

وأمّا الصورة الأُولى: التي أحجم المحقّق الخراساني عن بيانها فنقول: إذا كان مورد التصادق واجداً لكلا الملاكين و قلنا بجواز الاجتماع وانّ كلّ حكم ثابت على متعلّقه من غير تجاوز عن موضوعه إلى موضوع آخر فلا كلام فيه، وهذا هو الذي يتبنّاه الاجتماعي ويرى الساحة خالية عن التزاحم فضلاً عن التعارض، وبما انّ المحقّق الخراساني لم يقل بجواز الاجتماع أسقط بيان حكم هذه الصورة.

الصورة الثانية: ما إذا كان مورد التصادق واجداً للملاكين ولكن قلنا بامتناع الاجتماع، فالقائل لا محيص له إلاّ الأخذ بأقوى المناطين فانّه إذا كان هناك تزاحم بين المقتضيين يؤخذ بالأقوى مناطاً من غير فرق بين هذا الباب وسائر الأبواب حتّى إذا كان أقوى المناط مروياً بسند غير قوي يقدم على ما هو أضعف مناطاً وإن روي بسند قوي، فلو ورد إنقاذ النبي بخبر الواحد وإنقاذ الولي بخبر أقوى منه، فبما انّ إنقاذ النبي أقوى مناطاً يؤخذ به وإن كان السند غير قوي.

هذا ما أفاده في الكفاية، ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ أشار بالجملة التالية إلى صورة رابعة تعد من شقوق مقام الإثبات و من فروع القول بعدم جواز الاجتماع حيث قال:


(191)

نعم لو كان كلّ منها متكفلاً للحكم الفعلي لوقع بينهما التعارض فلابد من ملاحظة مرجّحات باب المعارضة لو لم يوفق بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجّحات باب المزاحمة.(1)

توضيحه: انّه إذا كان في مورد التصادق كلا المناطين يؤخذ بأقواهما ولكن فيما إذا لم يدل دليل خارجي على فعلية كلا الحكمين، بل كان المورد قابلاً لحمل أحدهما على الفعلي والآخر على الاقتضائي، وأمّا لو دلت القرينة على فعلية كلا الحكمين مع القول بامتناع الاجتماع فلا محالة يكون المقام مزيجاً من التزاحم والتعارض.

أمّا التزاحم فلما عرفت من وجود الملاكين، وأمّا التعارض فلما عرفت من شهادة القرائن على فعلية الحكمين فعندئذ لا مناص في هذه المرحلة من إعمال مرجحات باب التعارض.

هذا إيضاح ما أفاده في الثامن.

يلاحظ على ما ذكره المحقّق الخراساني بأُمور:

الأوّل: انّ ما ذكره في أوّل الفصل من أنّه لا يكاد يكون من باب الاجتماع إلاّ إذا كان في كلّ واحد من متعلّق الإيجاب والتحريم مناط حكمه مطلقاً حتّى في مورد التصادق والاجتماع شيء لا مدخلية له في حقيقة البحث وإن كان له مدخلية في ترتب الأثر فانّ البحث في المقام يدور على أنّ تعدد العنوان موجب لتعدّد المعنون أو لا، وهذا لا يتوقف على وجود المناط لكلا الدليلين في مورد التصادق و عدمه.

نعم ترتّب الثمرة والقول بصحّة الصلاة على الاجتماع رهن وجود المناط في


1 . الكفاية:1/242.


(192)

الموردين، كما أنّ الحكم بصحّتها على القول بالامتناع وتقديم الأمر على النهي رهن وجود الملاك فيها، وهذا هو الذي أشار إليه السيد المحقّق البروجردي، فقال: إنّ صاحب الكفاية خلط بين الإمكان والامتناع كبروياً و بين ثمرة النزاع في الفقه فالقائل بالجواز يقول: إنّ اجتماع الأمر والنهي في واحد ذي جهتين ممكن والقائل بالامتناع ينكره.

نعم تظهر الثمرة في الشرعيات في مورد يكون ملاك الحكم متحقّقاً في صور الاجتماع وهو أمر آخر وراء محل النزاع.(1)

الثاني: انّ الفرق بين التزاحم والتعارض ليس وجود المناط لكلا الدليلين في مورد التزاحم وعدمه لهما في مورد التعارض، بل الملاك هو ما سبق ذكره في مبحث الترتّب، وهو انّه إذا كان التكاذب بين الدليلين في مقام الجعل والتشريع فهو من باب التعارض كما إذا قال: ثمن العذرة سحت ، لا بأس ببيع العذرة، فلا يمكن جعل حكمين متضادين لموضوع واحد و هو ثمن العذرة.

وأمّا إذا كان بين الدليلين في مقام التشريع كمال الملائمة ولكن طرأ التزاحم في مقام الامتثال وهذا كقول القائل: انقذ النبي وأنقذ الإمام، فلا نرى أي تكاذب بين الدليلين، ولو كان هناك شيء من التدافع فإنّما هو لضيق قدرة المكلّف وبُعْد الغريقين مكاناً، وإلاّ فلو كان الغريقان متقاربين أو كانت قدرة المكلّف أوسع فلا تزاحم.

الثالث: وهو ان عدّ قولنا : صلّ ولا تغصب من هذا الباب وقول القائل: أكرم العالم ولا تكرم الفاسق من قبيل المتعارضين ليس لأجل وجود الملاك فيما يسمى بالتزاحم، وعدمه فيما يسمّى بالتعارض، وإنّما يعد العرف المورد الثاني من


1 . لمحات الأُصول:217.


(193)

التعارض دون الأوّل، وذلك لأنّ كلاً من الدليلين في الأوّل غير ناظر إلى صورة الاجتماع، بل الأمر تعلّق بطبيعة الصلاة والنهي تعلّق بطبيعة الغصب، فلا يعد الدليلان عند العرف متعارضين، لعدم الإشارة فيها إلى صورة التصادق ولو إجمالاً بخلاف الدليلين الآخرين، أي أكرم كل فاسق وأكرم كلّ عالم ، أو قوله: أكرم العالم وأكرم الفاسق، فإنّ في كلّ من لفظتي: «كل» و «اللام» إشارة إلى المصاديق الخارجية التي منها اجتماع الفسق والعلم في مورد واحد.

وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده سيدنا الأُستاذ في درسه الشريف حيث يقول: إنّ الميز بين البابين لبس بما ذكر، إذ الميزان في عد الدليلين متعارضين هو كونهما كذلك في نظر العرف، ولذا لو كان بينهما جمع عرفي خرج من موضوعه فالجمع والتعارض كلاهما عرفيان، و هذا بخلاف المقام فانّ التعارض فيه إنّما هو من جهة العقل، إذ العرف مهما أدق النظر وبالغ في ذلك لا يرى بين قولنا: صلّ ولا تغصب تعارضاً، لأنّ الحكم على عنوانين غير مرتبط أحدهما بالآخر، كما أنّ الجمع أيضاً عقلي مثل تعارضه، وعليه فكلّ ما عدّه العرف متعارضاً مع آخر وإن أحرزنا المناط فيهما فهو داخل في باب التعارض ولابدّ فيه من إعمال قواعده من الجمع و الترجيح والترك، كما أنّ ما لم يعده متعارضاً مع آخر وآنس بينهما توفيقاً وإن عدهما العقل متعارضين فهو من باب الاجتماع وإن لم يحرز المناط فيها.(1)

ثمّ إنّ الشيخ المحقّق المظفر ـ أتى بهذه المقالة ـ التي ذكرها السيد الأُستاذ ببيان مشروح، وإليك ما ذكره، فإنّه ـ قدس سره ـ عد ما جعل الملاك بين التزاحم والتعارض هو ما ذكرناه من وجود التكاذب في مقام التشريع في الثاني دون الأوّل، قال:

إنّ العنوان المأخوذ في الحكم على قسمين:


1 . تهذيب الأُصول:1/383.


(194)

الأوّل: إذا أخذ العنوان في الخطاب على وجه يسع جميع الأفراد بما لها من الكثرات والمميزات، يكون في حكم المتعرض لحكم كلّ فرد من أفراده فيكون نافياً بالدلالة الالتزامية لحكم مناف لحكمه.

الثاني: أن يكون العنوان ملحوظاً في الخطاب من دون ملاحظة كونه على وجه يسع جميع الأفراد، أي لم تلحظ فيه الكثرات والمميزات في مقام الأمر بوجود الطبيعة ولا في مقام النهي عن وجود الطبيعة الأُخرى، فيكون المطلوب في الأمر والنهي عنه صرف وجود الطبيعة.

فإن كان العنوان مأخوذاً في الخطاب على النحو الأوّل، فإنّ موضع الالتقاء يكون العام حجّة فيه كسائر الأفراد الأُخرى بمعنى أن يكون متعرضاً بالدلالة الالتزامية لنفي أي حكم آخر مناف لحكم العام بالنسبة إلى الأفراد وخصوصيات المصاديق.

وفي هذه الصورة لابدّ أن يقع التعارض بين دليلي الأمر والنهي في مقام الجعل والتشريع، لأنّهما يتكاذبان بالنسبة إلى موضع الالتقاء من جهة الدلالة الالتزامية في كلّ منها على نفي الحكم الآخر بالنسبة إلى موضع الالتقاء.

وإن كان العنوان مأخوذاً على النحو الثاني فهو مورد التزاحم أو مسألة الاجتماع ولا يقع تعارض بين الدليلين حينئذ ذلك مثل «صلّ» وقوله: «لا تغصب» باعتبار انّه لم يلحظ في كلّ من خطاب الأمر والنهي الكثرات والمميزات على وجه يسع العنوان وجميع الأفراد، وإن كان نفس العنوان في حدّ ذاته وإطلاقه شاملاً لجميع الأفراد، فإنّه في مثله يكون الأمر متعلّقاً بصرف وجود الطبيعة للصلاة وامتثاله يكون بفعل أي فرد من الأفراد فلم يكن ظاهراً في وجوب الصلاة حتى في مورد الغصب على وجه يكون دالاً بالدلالة الالتزامية على انتفاء حكم


(195)

آخر في هذا المورد ليكون نافياً لحرمة الغصب في المورد.

وكذلك النهي يكون متعلّقاً بصدق طبيعة الغصب فلم يكن ظاهراً في حرمة الغصب حتّى في مورد الصلاة على وجه يكون دالاً بالدلالة الالتزامية على انتفاء حكم آخر في هذا المورد ليكون نافياً لوجوب الصلاة.(1)

وفي الختام نقول: إنّ المحقّق النائيني جعل الفرقَ بين البابين، هو انّ اجتماع المتعلّقين في باب الاجتماع ـ صلّ ولا تغصب ـ يكون على وجه الانضمام، وفي باب التعارض ـ أكرم العالم ولا تكرم الفاسق ـ يكون على وجه الاتحاد، وقد عرفت أنّ مسألة اجتماع الأمر والنهي لا تندرج في صغرى التعارض لكون التركيب فيها انضمامياً.(2)

يلاحظ عليه: أنّه إن رجع ما ذكره إلى ما ذكرناه فنعم الوفاق وإلاّ فالتفريق بما ذكره ليس أمراً واضحاً.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني سوف يرجع إلى المسألة في التنبيه الثاني من تنبيهات المسألة بعد الفراغ عن مسألة امتناع الاجتماع فلاحظ.(3) وكان عليه أن يقتصر بما أفاده في المقام.

العاشر: في ثمرات القولين

ذكر المحقّق الخراساني في المقام صوراً خمساً حسب القولين، وإليك الإشارة إلى عناوينها:

1. إذا قلنا بجواز الاجتماع.


1 . أُصول الفقه، الطبعة المنقحة:329ـ 330.
2 . فوائد الأُصول:1/428 .
3 . كفاية الأُصول:1/273.


(196)

2. إذا قلنا بالامتناع مع تقديم الأمر.

3. إذا قلنا بالامتناع مع تقديم النهي والالتفات إلى الحرمة.

4. إذا قلنا بالامتناع مع تقديم النهي، مع الجهل بالحرمة تقصيراً ونسيانها كذلك.

5. إذا قلنا بالامتناع مع تقديم النهي مع الجهل بالحرمة جهلاً عن قصور.

فنذكر هذه الصور و بيان أحكامها من حيث صحّة العمل وبطلانه عبادياً كان أو توصلياً.

الصورة الأُولى: إذا قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي فلا شكّ في صحّة العمل التوصلي، وهكذا العمل العبادي، لأنّه يأتي بالمجمع بداعي الأمر وإن كان عمله معصية أيضاً، لأنّ الاعتبار إنّما هو بالأمر غير الساقط، وإلى هذه الصورة أشار المحقّق الخراساني بقوله: «لا إشكال في سقوط الأمر وحصول الامتثال بإتيان المجمع بداعي الأمر على الجواز قطعاً ولو في العبادات وإن كان معصية للنهي أيضاً».

وهذه الثمرة هي الثمرة المعروفة للمسألة اعتمد عليها الأُصوليون من سالف الأيام وكانت النتيجة صحة العبادة على القول بالاجتماع وبطلانها على القول بالامتناع.

غير أنّ كلاً من العلمين: المحقّق البروجردي، والمحقّق النائيني ـ قدّس اللّه سرّهما ـ أشكلا على صحّة الصلاة، بل مطلق العبادة على القول بجواز الاجتماع، لكن كل ببيان خاص.

أمّا الأوّل فقال بأنّ العمل غير قابل للتقرب، ومتعلّق كلّ من الأمر والنهي وإن كان متغايراً لكنّهما موجودين بوجود واحد، فهو موجود غير محبوب، بل


(197)

مبغوض فكيف يتقرب إلى المولى بأمر مبغوض؟!

وبعبارة أُخرى: انّ المكلّف بعمله هذا متمرد على المولى وخارج عن رسم العبودية وزيّ الرقيّة، فكيف يتقرب إلى ساحته سبحانه، بما يعدُّ مبعِّداً ولا يكون مقرِّباً؟!

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان القرب والبعد، أمراً عقلائياً، وكان العمل مزيجاً بالمحبوب والمبغوض، فلا مانع من أن يتقرّب بحيثية دون الأُخرى، نظير ما إذا أطعم اليتيم بمال حلال في دار مغصوبة، فيعدّ لأجل الترحم عليه متقرباً، وإن كان لأجل التصرّف في مال الغير بلا إذن عاصياً، غير متقرّب.

والذي يرشدك إلى وجود الفرق بين العملين: انّه لو غصب دار المولى، و أكرم فيها ابنه، وما لو غصبها وضرب فيها ابنه، فلا شكّ انّ بين العملين بعد المشرقين، وهذا آية إمكان التقرب، بعمل متحد مع العمل المبغوض.

وأمّا الثاني فحاصل ما أفاده انّ الصلاة في الدار المغصوبة ليس مصداقاً للمكلّف به، كما أنّه ليس واجداً للملاك.

أمّا الأوّل فلأنّ منشأ اعتبار القدرة نفس التكليف لا حكم العقل، لأنّ الأمر هو جعل داع للمكلّف نحو المكلف به ولا يصح جعله داعياً إلاّ إلى ما وقع في إطار قدرة المكلّف، فيكون متعلّق التكليف هو الحصة المقدورة عقلاً، غير الممنوعة شرعاً، فتخرج الحصة المحرمة تحت الأمر، وعلى ضوء ذلك فالصلاة لما كانت ملازمة للمحرم فلا تكون مصداقاً للأمر ولا تكون مأموراً بها، ولا يمكن الحكم بالصحة لأجل الأمر.

وأمّا عدم تصحيحها بالملاك، فلأنّه إنّما يصحّ التقرب به إذا لم يكن ملازماً بالقبح الفاعلي وإلاّ فلا يكون صالحاً للتقرب، والصلاة والغصب وإن كانا غير


(198)

متحدين إلاّ انّهما موجودان بإيجاد واحد، فلا محالة يكون موجِدهما مرتكباً للقبيح بنفس الإيجاد ويستحيل أن يكون الفعل الصادر منه مقرّباً.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المعروف بين المتكلّمين هو انّ الحاكم باشتراط التكليف بالأُمور العامّة من العقل والقدرة والعلم، هو العقل دون ذات التكليف، وما ذكره من «أنّ منشأ اعتباره القدرة نفس التكليف، وذلك لأنّ الأمر جعل داع للمكلّف نحو العمل، ولا يصحّ جعله داعياً إلاّ إلى ما وقع في إطار قدرة المكلّف»، عبارة أُخرى عن حكم العقل بذلك، وإلاّ فلو غضّ النظر عن حاكمية العقل، فأيّ دليل يمنع عن كون الأمر داعياً إلى الأعم ممّا هو واقع في إطار قدرة المكلّف وما هو خارج عنه؟

وبذلك يعلم أنّ متعلّق الأمر هو مطلق الطبيعة، لا الطبيعة المقدورة، غير الممنوعة، فيكون الفرد المحظور مصداقاً لها ، غير خارج عنها.

أضف إلى ذلك أنّ لازم ذلك هو الخروج عن محلّ البحث، فانّ المفروض اجتماع الأمر والنهي، وتصادقهماعلى المصداق الخارجي، وتخصيص المورد بالنهي فقط خلف الفرض.

وثانياً: انّ ما ذكره من كون المجمع فاقداً للملاك بحجّة أنّ موجد الصلاة والغصب مرتكب للقبح بنفس هذا الإيجاد، «ويستحيل أن يكون العمل الصادر منه مقرِّباً» مبنيّ على سراية القبح الفاعلي إلى الفعل، وهو بعدُ غير ثابت، لأنّ الصلاة في الدار المغصوبة نفسها في البيت، وكون الفاعل مرتكباً للقبيح مقارناً للصلاة ـ كما هو المفروض ـ لا يجعل الصلاة فعلاً قبيحاً.

إلى هنا تمّ الكلام في الصورة الأُولى وإليك الكلام في الصورة الثانية.


1 . المحاضرات:4/216، 217، 219.


(199)

الصورة الثانية: القول بالامتناع وتقديم جانب الأمر وإلى هذه الصورة أشار بقوله: «وكذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الأمر إلاّ أنّه لا معصية عليه، والفرق بين الصورتين هو وجود المعصية في الأُولى دون الثانية، لكون النهي حكماً اقتضائيّاً لا فعليّاً» وذلك لأنّ القائل بالامتناع يحمل أحد الحكمين على الاقتضائي والآخر على الفعلي، وظاهر العبارة صحّة العمل عبادياً كان أم توصلياً.

لكن الموافقة معه مطلقاً مشكلة، لأنّ الأخذ بالأمر لأجل كونه أقوى ملاكاً عن الحرام مختص بالصورتين التاليتين:

1. إذا لم يتمكن من الصلاة إلاّ في المكان المغصوب.

2. إذا تمكن من الصلاة في المكان المباح لكن دار الأمر بين فوت الواجب ـ لأجل ضيق الوقت ـ وارتكاب الحرام فيقدم الأمر.

وأمّا إذا كان الوقت وسيعاً، وكان هناك مندوحة، فيؤخذ بالنهي دون الأمر لإمكان الجمع بين الامتثالين.

الصورة الثالثة: إذا قلنا بالامتناع مع تقديم النهي لكونه أقوى ملاكاً مع الالتفات و العلم بالحرمة وإلى هذه الصورة أشار في الكفاية بقوله: «وأمّا عليه (الامتناع) وترجيح جانب النهي فيسقط به الأمر به مطلقاً في غير العبادات لحصول الغرض الموجب له، وأمّا فيها فلا مع الالتفات إلى الحرمة» وما ذكره هو المتعيّن ووجهه واضح.

الصورة الرابعة: إذا قلنا بالامتناع مع تقديم جانب النهي لكن المكلّف غير ملتفت إلى الحرمة تقصيراً أو نسياناً، وإلى هذه الصورة أشار في «الكفاية» بقوله: أو بدونه(الالتفات) تقصيراً فانّه وإن كان متمكناً مع عدم الالتفات من قصد


(200)

القربة وقد قصدها إلاّ أنّه مع التقصير لا يصلح لأن يتقرّب به أصلاً، فلا يقع مقرباً وبدونه لا يكاد يحصل به الغرض الموجب للأمر به عادة.

وحاصله: انّه يتمكن من قصد القربة، لكن العمل غير صالح لأن يتقرب به، ونزيد بياناً بأنّ الصحة رهن أحد أمرين: الأمر والمفروض كونه اقتضائياً، والملاك وهو بعد غير معلوم، لأنّ الكاشف عنه هو الأمر والمفروض كونه إنشائياً، ولأجل ذلك قال الفقهاء بأنّ المقصر والناسي خارجان عن قاعدة «لا تعاد» كما هما خارجان أيضاً عن حديث الرفع.

الصورة الخامسة: تلك الصورة مع الجهل بالحرمة قصوراً.

إذا قلنا بالامتناع وقدمنا النهي ولكن كان المصلي جاهلاً بالحرمة حكماً أو موضوعاً عن قصور ، فقد نسب إلى المشهور صحّة الصلاة في الدار المغصوبة إذا كان الجهل عن قصور، والظاهر انّ قولهم لها لأجل قولهم بجواز الاجتماع ـ و سيوافيك انّ القول المشهور بين الإمامية من عصر الفضل بن شاذان(المتوفّى 260هـ) إلى الأعصار المتأخرة كالمحقّق الأردبيلي و تلميذيه هو القول بجواز الاجتماع، غير أنّ المحقّق الخراساني لما قال بالامتناع حاول أن يصحح فتوى المشهور بالصحة على مختاره وحاصل ما أفاده من الفرق بين الجهل عن تقصير والجهل عن قصور يتلخص في النقاط التالية:

1. انّ صحّة العبادة رهن أمرين:

الف: قصد القربة.

ب: كون المأتي به صالحاً لأن يتقرّب به.

والأوّل مشترك بين الجاهلين فيقصدان القربة، لكن الثاني كون المأتي به صالحاً للتقرب غير متحقّق في المقصّر، لأنّ الجاهل لما كان كالعامد، يعد عمله


(201)

تمرّداً وعصياناً للمولى والمفروض انّ الحكم بالحرمة فعلي، لا اقتضائي، ولكنّه متحقّق في القاصر، لعدم فعلية النهي و كونه اقتضائياً، فلا يكون المأتي به مبغوضاً فيصلح لأن يتقرب به، وإلى ما ذكرنا أشار بقوله: وأمّا إذا لم يلتفت إليها قصوراً وقد قصد القربة فالأمر يسقط لقصد التقرب بما يصلح أن يتقرب به لاشتماله على المصلحة مع صدوره حسناً لأجل الجهل بحرمته قصوراً.

2. انّ سقوط الأمر لأجل حصول الغرض من الأمر، وليس لأجل الامتثال، لافتراض تقديم النهي على الأمر، وذلك (تقديم النهي) لأنّ الأحكام الشرعية تابعة للجهات الواقعية في المصالح و المفاسد، لا للجهات المؤثرة فيها فعلاً والمفروض انّ مصلحة النهي ـ و إن لم يكن واصلاً ـ هو الأقوى فيكون العمل محكوماً بالحرمة لا بالوجوب، ولأجل ذلك قلنا إنّه لا يصدق الامتثال نعم يسقط الأمر لأجل حصول الغرض. وإلى ما ذكرنا أشار بقوله:فيحصل به الغرض من الأمر فيسقط به قطعاً وإن لم يكن امتثالاً بناء على تبعية الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح والمفاسد.

3. لو قلنا بأنّ الأحكام الشرعية تابعة للجهات الواصلة، وانّه لا أثر للملاك الواقعي، بل التأثير في التقديم والتأخير هو الملاك الواصل ـ و هو ما كان ملتفتاً إليه ـ ينقلب حكم الواقعة من النهي إلى الوجوب فيكون المورد، امتثالاً للأمر المقدم، دون النهي، لكن الفرض غير ثابت عند الإمامية لاستلزامه نوعاً من التصويب وأن يكون حكم اللّه تابعاً لعلم المكلف.

وإلى ما ذكرنا أشير بقوله:لا لما هو المؤثر منها فعلاً للحسن أو القبح لكونهما تابعين لماعلم منهما ـ كما حقّق في محله ـ.

4. يمكن أن يقال بحصول الامتثال في المقام حتّى بناءً على تبعية الأحكام


(202)

للملاكات الواقعية من المصالح والمفاسد، لا للجهات المؤثرة فيها فعلاً، وذلك لأنّ العقل لا يرى فرقاً بين هذا الفرد و الفرد الآخر في الوفاء بالغرض من الأمر بالطبيعة، وإلى ذلك أشار في «الكفاية» بقوله: مع أنّه يمكن أن يقال بحصول الامتثال مع ذلك ـ كون المؤثر هو الجهات الواقعية لا الواصلة ـ بأنّ العقل لا يرى تفاوتاً بينه و بين سائر الأفراد في الوفاء بفرض الطبيعة المأمور بها وإن لم يعمه بما هي مأمور بها، لكنّه لوجود المانع لا لعدم المقتضي، فيكون المورد أشبه بما مرّ في الواجب الموسع المبتلى بواجب مضيق فيأتي بالموسع دونه، فإنّ الفرد الموسع وإن كان فاقداً للأمر، لكنّه لا لفقد المقتضي، بل لأجل وجود المانع، فيأتي به بنيّة الأمر المتعلّق بالطبيعة بما هي هي لا بما هي مأمور بها.

5. ثمّ رتّب على ما ذكر بأنّه لو كان دليلا الحرمة والوجوب من قبيل المتعارضين وقُدّم دليل الحرمة، فلا يكون مجال للصحة، لفقدان الملاك حتى في الجهل عن قصور بخلاف ما إذا كانا من باب الاجتماع وقيل بالامتناع وتقديم جانب الحرمة، فيمكن الحكم بالصحة في موارد الجهل والنسيان عن قصور لوجود الملاك وحصول الغرض كما في الفروض الثلاثة الأُولى وإمكان إتيانه بالأمر المتعلّق بالطبيعة كما في الفرض الرابع.

هذا إيضاح ما في «الكفاية».

ثـمّ إنّ السيـد الأُستـاذ، أورد على صاحب الكفاية بـأنّ الجمـع بيـن القول بالامتناع، واشتمال الصلاة في الدار المغصوبة على الملاكين، جمع بين المتضادين.

توضيحه: انّه لا شكّ في وجود التضاد بين ملاكي الغصب والصلاة، فإن أمكن رفع التضاد بين الملاكين باختلاف الحيثيتين، أمكن رفعه في الحكمين مع أنّ


(203)

القائل بالامتناع لا يلتزم به، ولو قلنا بأنّ اختلاف الحيثيتين، لا يرفع تضاد الحكمين لكونهما موجودين بوجود واحد فلا يرفع تضاد الملاكين.(1)

لكن لقائل أن يقول: إنّ اختلاف العنوانين لا يكون مصحِّحاً لتعلّق الوجوب والحرمة بالشيء الواحد وجوداً، وإن جاز أن يكون مصحِّحاً لاجتماع الملاكين فيه، وذلك لأنّ العنوانين وإن كانا مختلفين مفهوماً، لكنّهما متّحدان وجوداً. ولازم اجتماع الحكمين المتضادّين، طلب إيجاد شيء واحد وتركه، وهو بمنزلة الأمر بالمحال. وهذا بخلاف الملاكين المختلفين في المصلحة والمفسدة، فانّهما ليسا قائمين بالمكلّف به حتّى لا يصحّ توصيفه بالصلاح والفساد، لأنّهما من الأُمور الخارجية الراجعة إلى نفس المكلَّف تارة، ومجتمعه أُخرى. فالصلاة في الدار المغصوبة ذات صلاح وفلاح وهي التي تدفع الإنسان إلى ذكر ربّه، الذي هو مفتاح كلّ خير. كما أنّها مبدأ فساد وشرّ، لاستلزامها التعدّي على حقوق الغير الذي هو قبيح عقلاً، ومستلزمة لرواج الفوضى في المجتمع واختلال النظام. ولا مانع من اجتماعهما لاختلاف محلّهما. وهو ـ دام ظلّه ـ صرّح بذلك في موضع آخر(2)، وبذلك صحّح كون الشيء الواحد مقرّباً ومبعداً، حسناً وقبيحاً.

إذا عرفت هذه المقدمات يقع الكلام في أدلّة القائل بالامتناع، وقد هذّبه المحقّق الخراساني في ضمن أُمور:


1 . تهذيب الأُصول:1/288.
2 . لاحظ تهذيب الأُصول:1/316.


(204)

دليل القائلين بامتناع اجتماع الأمر والنهي

استدلّ القائل بالامتناع بوجوه أتقنها وأوجزها ما أفاده المحقّق الخراساني بترتيب مقدّمات أربع، وإليك الإشارة إلى رؤوسها:

1. الأحكام الخمسة تضاد بعضاً بعض، والمتضادان لا يجتمعان.

2. الأحكام تتعلّق بالمصاديق والأفعال الخارجية لا العناوين الكلية.

3. انّ تعدد العنوان كالغصب والصلاة لا يوجب تعدداً في المعنون.

4. ليس للوجود الواحد إلاّ ماهية واحدة.

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ شرع ببيان هذه المقدّمات الأربع وخرج بالنتيجة التالية، وهي امتناع اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين.

والحجر الأساس لاستنباط الامتناع هو الأوّليان من المقدّمات الأربع دون الثالثة والرابعة، فانّ الثالثة أي إيجاب تعدّد العنوان تعددَ المعنون ـ على القول به ـ إنّما يختصّ بالعناوين الأصلية كالجنس والفصل دون الاعتبارية كالصلاة والانتزاعية كالغصب، فانّ الصلاة كما سيوافيك أمر اعتباري يطلق على موجود متشكل من أجناس مختلفة كالكيف في القراءة والوضع في الركوع والسجود، كما أنّ الغصب عنوان انتزاعي ينتزع من استيلاء الأجنبي على ملك الغير سواء كان بالكون فيه كالسكنى في بيت الغير، أو بالحيلولة بينه و بين المالك و إن لم يتصرف فيه، وعلى أيّ حال فالبحث في أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون أو لا، مختص بالأُمور التكوينية ولا يعم الاعتبارية والانتزاعية.


(205)

كما أنّ المقدمة الرابعة خارجة عن محط البحث، لأنّ البحث في أنّ للوجود الواحد ماهية واحدة لا غير يختص بالماهيات المتأصلة، وأين هذا من الماهيات الاعتبارية والانتزاعية؟

فالمهم في المقام هو المقدّمة الأُولى والثانية ،وإليك تحليلهما.

تحليل المقدّمة الأُولى

قال المحقّق الخراساني في إثبات تلك المقدمة :إنّ الأحكام الخمسة متضادة في مقام فعليتها وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث نحو واحد في زمان، والزجر عنه في ذاك الزمان فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في واحد لا تكون من باب التكليف بالمحال، بل من جهة انّه بنفسه محال، فلا يجوز عند من يجوّز التكليف بغير المقدور أيضاً.(1)

أقول: القول بأنّ الأحكام الخمسة بأسرها متضادة، رهن انطباق تعريف التضاد عليها مع أنّه غير منطبق عليها، وقد عُرّف الضدّان بأنّهما أمران وجوديان لا يستلزم تعقّل أحدهما تعقّل الآخر يتعاقبان على موضوع واحد داخلان تحت جنس قريب، بينهما غاية الخلاف.

والتعريف مشتمل على قيود خمسة وكلّ قيد يحترز به عمّا ليس واجداً للقيد.

1. أمران وجوديان، خرج المتناقضان والعدم والملكة.

2. لا يستلزم تصوّر أحدهما تصوّر الآخر، خرج المتضائفان، كالأُبوة والبنوة.


1 . كفاية الأُصول:1/249.


(206)

3. يتعاقبان على موضوع واحد، خرج ما يجتمع من الأعراض كالحلاوة والحُمْرة.

4. داخلان تحت جنس قريب، خرج المتماثلان لأنّهما داخلان تحت نوع واحد و إن كانا لا يجتمعان.

5. بينهما غاية الخلاف، خرج القتمة والحمرة.

إذا وقفت على تعريف التضاد فهلمّ معي ندرس انطباقَ تعريف التضاد على مطلق الأحكام أو خصوص الوجوب والحرمة وعدمه؟

فنقول: المراد من الوجوب والحرمة في اصطلاح الأُصوليّين هو البعث والزجر الإنشائيّان بلفظ: «افعل» أو «لا تفعل» والبعث والزجر من الأُمور الاعتبارية بقرينة إنشائهما باللفظ، فإنّ الإنشاء يتعلّق بالأمر الاعتباري دون الأمر التكويني، و الإنشاء نوع مضاهاة لعالم التكوين مثلاً انّ الإنسان قبل الحضارة كان يبعث غلامه أو يزجره بيده و لما جلس على منصّة التشريع والتقنين أخذ ينشأ بلفظتي «افعل» و «لا تفعل» ما يضاهي البعث أو الزجر التكوينيين، فالمنشأ بعث إنشائي قائم مكان البعث باليد، والأُمور الاعتبارية خارجة موضوعاً عن تعريف التضاد.

فإن قلت: إنّ الوجوب والحرمة وإن كانا أمرين اعتباريين لكن منشأهما هو الإرادة، ومن المعلوم انّ إرادة البعث تضادّ إرادة الزجر، فلعلّ إطلاق التضاد على الأحكام باعتبار مباديها وهي الإرادة.

قلت: إنّ الإرادتين وإن كانتا غير مجتمعتين لكن عدم الاجتماع ليس لأجل التضاد لما قلنا من أنّ الضدّين عبارة عن الأمرين اللّذين يكونان من نوعين داخلين تحت جنس قريب كالسواد والبياض، إذ هما داخلان تحت الكيف المبصر


(207)

ولكن الإرادتين في الأمر والنهي ليستا من نوعين، بل من نوع واحد، غاية الأمر يختلفان باعتبار المراد.

فإن قلت: إنّ القول باجتماع الأمر والنهي يستلزم ما لا يمكن اجتماعهما، سواء أكانا من الأُمور المتضادة أم من غيرها، وذلك في مواضع ثلاثة:

1. في مقام الجعل حيث لا يمكن البعث إلى شيء في وقت، والزجر عنه في نفس الوقت.

2. في المبادئ حيث إنّ الأمر كاشف عن المحبوبية والمصلحة، والنهي كاشف عن خلافها.

3. في مقام الامتثال حيث إنّ بينهما مطاردة من حيث الامتثال والإطاعة، فامتثال الأمر يكون بالإتيان بالمتعلق، وامتثال النهي بتركه وليس بإمكان المكلّف الجمع بين الفعل والترك.

قلت: إنّ البحث منصبّ على مسألة وجود التضاد بين الأحكام وعدمه وأمّا البحث عن إمكان اجتماع البعث والنهي وعدم إمكانهما، أو عن اختلاف المبادي وعدم إمكان اجتماعها، أو المطاردة في مقام الامتثال فموكول إلى المستقبل وسيوافيك دفع هذه المحاذير.

تحليل المقدّمة الثانية

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف وما هو في الخارج يصدر عنه وهو فاعله وجاعله، لا ما هو اسمه وهو واضح، ولا ما هو عنوانه ممّا قد انتزع عنه، وإنّما يؤخذ في متعلّق الأحكام آلة للحاظ متعلّقاتها والإشارة إليها بمقدار الغرض منها والحاجة إليها، لا بما هوهو وبنفسه وعلى


(208)

استقلاله وحياله.(1)

ثمّ استنتج ممّا ذكره ما هذا لفظه: انّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً وذاتاً كان تعلّق الأمر والنهي به محالاً، ولو كان تعلّقهما به بعنوانين وذلك لما عرفت من كون فعل المكلّف بحقيقته وواقعيته الصادرة عنـه، متعلّقاً للأحكـام، لا بعناوينه الطارئة عليه.(2)

أقول: إنّ في متعلّق الأحكام احتمالات نذكرها تباعاً:

1. الأحكام متعلّقة بالمفاهيم الذهنية المقيدة بكونها في الذهن.

2. الأحكام متعلّقة بالأفعال الخارجية والموجودات العينية، وهذا ما يعبَّر عنه بالوجود بمعنى اسم المصدر.

3. الأحكام متعلّقة بإيجاد الطبائع في الخارج، والذي يقال له الوجود بالمعنى المصدري.

4. الأحكام متعلّقة بالطبائع المعراة من كلّ عارض ولاحق، المنسلخة عن كلّ شيء لكن لغاية الإيجاد، فالإيجاد غاية للبعث وليس متعلّقاً له.

5. الأحكام متعلّقة بالعناوين بما هي مرآة للخارج وطريق إليه، وليس مراد القائل بتعلق الأحكام بالخارج، بتعلّقها به من دون توسيط عنوان مشير إليه.

هذه هي مجموع الاحتمالات التي تتصوّر في المقام.

أمّا الأوّل فهو غير صحيح بالمرة، لأنّ المفاهيم بقيد كونها في الذهن غير قابلة للامتثال أوّلاً ، ولا تغني ولا تسمن من جوع ثانياً.

وأمّا الثاني فهو الذي بنى عليه المحقّق الخراساني نظرية الامتناع، فهو أيضاً


1 . كفاية الأُصول:1/249.
2 . كفاية الأُصول:1/251ـ 252.


(209)

غير تام، وذلك لأنّه إن أُريد من تعلّق الحكم بالخارج ، الفرد الخارجي من الصلاة بعد وجودها فهو طلب للحاصل، وإن أُريد الفرد الخارجي قبل وجودها فليس له أيّة واقعية حتّى يتعلّق به الطلب، وماله الواقعية هي العناوين الكلية التي لا يرضى القائل في المقام بتعلّق الأحكام بها.

وأمّا الثالث فهو الذي أوعز إليه المحقّق الخراساني عند البحث عن متعلّقات الأوامر في خاتمة كلامه.

فيرد عليه أمران:

أ . انّ دلالته على إيجاد الطبيعة فرع وجود دال عليه، والدال منحصر في الهيئة والمادة، والأولى وضعت للبعث نحو الطبيعة، والثانية وضعت لنفس الطبيعة فأين الدال على إيجاد الطبيعة.

ب. لو افترضنا صحّة النظرية لكانت النتيجة هي جواز اجتماع الأمر والنهي، لأنّ القول بتعلّق الأحكام بإيجاد الطبيعة عبارة أُخرى عن تعلّقها بالعناوين الكلية من دون فرق بين أن يكون العنوان هو الصلاة أو الغصب أو يكون العنوان إيجاد الصلاة وإيجاد الغصب فيكون متعلّق كلّ غير الآخر.

وأمّا الرابع فهو الحقّ الذي لا غبار عليه، فانّ القوة المقننة تنظر إلى واقع الحياة عن طريق العناوين والمفاهيم الكلية وتبعث إليها لغاية الإيجاد أو الترك فيكون متعلّق كلّ من الأمر والنهي مفهوماً فاقداً لكلّ شيء إلاّ نفسه، فعندئذ ترتفع المطاردة في مقام التشريع، لأنّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي.

كما ترتفع المطاردة في مقام الامتثال، لأنّه بوجوده الواحد مصداق للامتثال والعصيان لكن كلاً بحيثية خاصة.

وأمّا الخامس فهو يرجع إلى الاحتمال الرابع، فإن أُريد من المرآتية، المرآتية


(210)

بالفعل، فالمفاهيم الذهنية لا تكون مرآة للخارج بالفعل لعدم وجود المرئي; وإن أُريد المرآتية الشأنية، فهو يرجع إلى الاحتمال الرابع، وهو انّ المأمور به هو الطبيعة المنسلخة عن كلّ تعين وعارض سوى نفسها لكن الأمر بها لغاية الإيجاد أو لغاية الترك.

إلى هنا تمّ تحليل ما أرساه المحقّق الخراساني من الاستدلال على الامتناع، وقد عرفت عدم تماميته، فحان البحث في بيان أدلّة القائلين بالجواز.


(211)

أدلة القائلين بجواز الاجتماع

استدلّ القائل بالجواز بوجوه سبعة نذكرها واحداً تلو الآخر، ولكن قبل الخوض في بيان هذه الوجوه نلفت نظر القارئ إلى نكتة، وهي:

إنّ القائلين بالجواز على طائفتين:

فمنهم من يقول بأنّ الأحكام تتعلّق بالمصاديق الخارجية والأُمور العينية، وعلى الرغم من ذلك فهو يقول بجواز الاجتماع لأجل انّ التركيب بين الصلاة والغصب انضمامي لا اتحادي وهذا يقرب ممّا ذكره الآخرون من أنّ تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون فالقول بالجواز لأجل انّ متعلق الأمر غير متعلق النهي في الخارج .

وهذا كالمحقق النائيني الذي تطرق إلى تثبيت الجواز عن طريق انّ التركيب بين المادة والصورة انضمامي لا اتحادي، فخرج بالنتيجة التالية: انّ تركيب الغصب والصلاة تركيب انضمامي فالحيثية الصلائية غير الحيثية الغصبية.

ومنهم من يقول بأنّ متعلّق الأحكام هو الطبائع بما هي هي، و عندئذ يسهل له القول بالجواز، لأنّ متعلّق الأمر في عالم الجعل والإنشاء غير متعلّق النهي، و قد ذهب إلى هذا القول السيد المحقّق البروجردي و السيد الأُستاذ (قدس سرهما).

فعلى القارئ الكريم الالتفات إلى هذه النكتة في دراسة أدلّة القائلين بالجواز.

إذا عرفت ذلك فلنذكر تلك الوجوه:


(212)

الأول: دليل قدماء الأُصوليّين

إذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب ونهاه عن الكون في مكان خاص، فخاطه العبد في ذلك المكان عدّ مطيعاً لأمر الخياطة، ولذا لا يأمره بتجديد الخياطة، وعدّ عاصياً للكون في ذاك المكان الخاص.

يلاحظ عليه: أنّ المثال خارج عن محط البحث فلأنّ الخياطة لا تختلط بالغصب، لأنّ الأولى عبارة عن إدخال الإبرة في الثوب، كما أنّ الثاني عبارة عن الكون في المكان الخاص فلا يعد إدخال الإبرة في الثوب غصباً، إذ ليس فيه تصرف في المغصوب، وليس التصرّف في الهواء تصرّفاً في المغصوب، لأنّه ليس ملكاً لصاحب المكان.

الثاني: دليل المحقّق القمّي

استدل المحقّق القمي بوجه مفصل نذكره ضمن مقاطع.

قال: إنّ متعلّق الأمر طبيعة الصلاة، ومتعلّق النهي طبيعة الغصب، وقد أوجدهما المكلّف بسوء اختياره في شيء واحد ولا يرد في ذلك قبح على الآمر، لتغاير متعلق المتضادين فلا يلزم التكليف بالمتضادين.

فإن قلت: الكلي لا وجود له إلاّ بالأفراد، فالمراد بالتكليف بالكلي هو إيجاد الفرد وإن كان على الظاهر متعلّقاً بالكلّي.

قلت: إنّ الفرد مقدّمة لتحقّق الكلّي في الخارج، فلا غائلة في التكليف به مع التمكّن من سائر المقدمات.

فإن قلت: إنّ الأمر بالمقدّمة اللازم من الأمر بالكلّي يكفينا، فإنّ الأمر بالصلاة أمر بالكون الكلي، والأمر به أمر بالكون الخاص مقدّمة، فهذا الكون


(213)

بعينه منهي عنه أيضاً بالنهي المقدّمي.

قلت: نمنع وجوب مقدّمة الواجب، وعلى فرض الوجوب، فالواجب هو فرد ما من الكون، لا الكون الخاص الجزئي، وإنّما اختار المكلّف مطلقاً الكون في ضمن هذا الفرد المحرّم.

نعم لو كانت المقدّمة منحصرة في الحرام، كما إذا لم يتمكن إلاّ من الصلاة في الدار المغصوبة، فنحن نقول بامتناع الاجتماع، فلابدّ إمّا من الوجوب أو الحرمة.(1)

هذا ملّخص كلامه، وحاصله:

1. لا مانع من اجتماع الحكمين لاختلاف المتعلّقين، واجتماع الحكمين المتضادين في الفرد لا يضر، لأنّ الفرد مقدمة لهما.

2. لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب وحرمة مقدّمة الحرام، فالكون حرام لا انّه واجب لاختصاص الوجوب بالمباح، ويسقط وجوب المقدّمة بالمحرّم، لكون وجوبها توصلياً.

3. لو فرض انحصار المقدّمة بالحرام، فلابدّ من القول بامتناع الاجتماع، فلابدّ من تقديم الوجوب أو التحريم.

وربما ينسب إليه التفصيل بين كون الانحصار بسوء الاختيار وعدمه، وانّه لا مانع من فعلية وجوب ذيها لكونه بسوء الاختيار، دون ما لم يكن كذلك ولكنّه ليس في كلامه إشارة إليه، ولعلّه ذكره في غير هذا المقام، كما قال المحقّق المشكيني في تعليقته على الكفاية، وستوافيك النسبة في التنبيه الأوّل من تنبيهات المسألة


1 . القوانين:1/141ـ 142.


(214)

فانتظر.

يلاحظ عليه أوّلاً: بما في الكفاية من أنّ الفرد الخارجي نفس الطبيعي في عالم العين وإن كان غيره في عالم التصوّر، ومع العينية كيف تتصوّر المقدّمية المستلزمة للاثنينية. وهي منتفية قطعاً.

وثانياً: انّ ما نسب إليه من فعلية وجوب ذيها مع تسليم حرمة المقدّمة غير تام، لأنّه يستلزم التكليف بالمحال وهو غير جائز، سواء أكان بسوء الاختيار أو لا.

وأمّا القاعدة المعروفة من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فليس بمعنى صحّة الخطاب بل بمعنى وجود الملاك.

وبعبارة أُخرى: لا ينافي ملاكاً وعقاباً لا خطاباً وحكماً، فلو ألقى نفسه من شاهق فحال السقوط حرام ملاكاً لا خطاباً لامتناع الامتثال عندئذ.

الثالث: دليل المحقّق النائيني

إنّ المحقّق النائيني من القائلين بالجواز مع القول بتعلّق الأحكام بالمصاديق الخارجية، غير أنّه يسعى ليثبت انّ متعلّق الأمر في الخارج غير متعلّق الأمر فيه، ودليله مبني على مسألة فلسفية حول تركيب المادة والصورة، فالحكماء على طائفتين، فمنهم من يقول بأنّ التركيب اتحادي وليست هنا كثرة.

مثلاً الحيوان إذا وقع في مدارج الكمال يصير نفس الإنسان لا شيئاً منضماً إلى النفس الناطقة ونظيره: تركب الجسم من حيوان وصورة، فانّ الهيولى في الماء نفس الصورة المائية كما أنّ الهيولى في النار نفس الصورة الخارجية.

ومنهم من يذهب إلى أنّ التركيب انضمامي وإنّ هنا كثرة باسم المادة والصورة كالحيوان بالنسبة إلى الناطق، أو باسم الهيولى والصورة كما في الماء والنار


(215)

على القول بتركب الكل من الهيولى والصورة. وإلى كلا القولين يشير المحقّق السبزواري بقوله:

ان بقول السيد السناد تركيب عينية اتحاد

لكن قـول الحكماء العظام من قبله التركيب الانضمام

ثمّ إنّ المحقّق النائيني ـ قدس سره ـ برهن على مختاره ببيان مفصل نأتي بموجزه تحت أرقام رياضية حتى يسهل فهم مرامه.

1. انّ الصلاة الموجودة في المجمع لا تنقص عن حقيقة الصلاة بشيء، إذا أتى بها في مكان مباح كما أنّ الغصب الموجود في المجمع لا تنقص من حقيقة الغصب بشيء كما إذا كان الغصب مجرداً عن الصلاة.

2. انّ الصلاة من مقولة الوضع وعُرّف الوضع بأنّه نسبة حاصلة للشيء من نسبة أجزاء الشيء بعضها إلى بعض والمجموع إلى الخارج (أي الخارج عن ذلك الشيء) كالقيام والقعود، والاستلقاء والانبطاح وغيرها، فالقيام مثلاً عبارة عن الهيئة الحاصلة من نسبة بعض أعضاء البدن إلى بعض كالرأس إلى أعلى والأقدام إلى أسفل، والمجموع إلى الخارج ككونه مستقبلاً للقبلة ومستدبراً الجدي.

فعلى هذا فالصلاة مؤلفة من قيام وركوع وسجود، وجلوس في التشهد كلّها حتّى مقولة الوضع، وأمّا الهويّ إلى الركوع والسجود فإن قلنا بخروجها عن ماهية الصلاة فهو، وإلاّ فما هو جزء للصلاة عبارة عن الأوضاع المتلاحقة والمتلاصقة، فانّ الهويّ لاينفك عن الأوضاع المتبادلة، فإذا شرع في الانحناء للركوع أو السجود إلى الأرض يتبدّل الوضع السابق إلى وضع لاحق ويستمر التبدّل إلى أن يصل إلى حدّ الركوع أو السجود.

كما أنّ الغصب من مقولة الأين، وعرف الأين بأنّه هيئة حاصلة من كون


(216)

الشيء في المكان وليس مجرد نسبة الشيء إلى المكان، بل الهيئة الحاصلة من كون المكين فيه ، فالصلاة في الدار المغصوبة لا تنفك عن كون الإنسان فيها، فتحصل هيئة خاصة باسم الغصب.

إلى هنا تبيّن انّ الصلاة لا تجتمع مع الغصب في حال من الأحوال، لأنّ الأولى من مقولة الوضع والثاني من مقولة الأين، والوضع والأين من الأجناس العالية التي لا جنس فوقها وهي متباينات بالذات غير مجتمعات كذلك.

3. هذا هو لبّ البرهان غير أنّ المستدل التفت إلى وجود الإشكال في الحركة في حال الهوي إلى الركوع والسجود، فإنّ الحركة يجتمع فيها عنوان الغصب والصلاة مع كونها أمراً واحداً، فهذا هو الأمر الثالث الذي حاول أن يثبت فيه انّ هنا حركتين، لأنّ وحدة الحركة في المقام يتصور على وجهين وكلاهما باطلان.

أ. أن تكون الحركة جنساً وعنوانا الصلاة والغصب فصلاً.

ب. أن تكون الحركة عرضاً والصلاة والغصب عارضين لها.

أمّا الأوّل فغير صحيح بالمرة لاستلزامه أن يكون الشيء الواحد يقع تحت فصلين.

وأمّا الثاني فيستلزم قيام العرض بالعرض كما يستلزم تركب الأعراض مع انّها بسائط، فلا محيص إلاّ عن الالتزام بأمر آخر وهو تعدّد الحركة الذي بيّنه في المقطع الرابع بقوله:

4. قد حقّق في محله انّ الحركة لا تدخل تحت مقولة، والمقولات وإن كانت عشرة ولكن الحركة لا تدخل تحت واحدة من هذه المقولات، وهذا لا يعني انّ الحركة مقولة وراء المقولات العشرة تضاف إليها حتّى ينتهي عدد المقولات إلى إحدى عشرة مقولة بل الحركة في كل مقولة نفسها، مثلاً:


(217)

إنّ التفاحة على الشجرة يطرأ عليها حالات مختلفة، فتنقلب من البياض إلى الصفرة والحمرة، ومن صغر الحجم إلى كبره.

فهناك حركتان حركة في الكيف وحركة في الكم والحركة في كلّ مقولة نفس تلك المقولة لا شيئاً وراء ذلك.

وعلى ضوء ذلك فالحركة في الدار المغصوبة ينطبق عليها الوضع والأين، فهي مع الوضع وضع ومع الأين أين، وبما انّهما من الأجناس المتباينة لا محيص إلاّ أن يقال انّ الصلاة مغايرة بالحقيقة والهوية للغصب، وبالتالي الحركة الصلائية مغايرة للحركة الغصبية، بعين مغايرة الصلاة والغصب، ويكون في المجمع حركتان : حركة صلائيّة، وحركة غصبيّة، وليس المراد من الحركة رفع اليد ووضع اليد وحركة الرأس والرّجل ووضعهما، فإنّ ذلك لا دخل له في المقام حتّى يبحث عن أنّها واحدة أو متعددة، بل المراد من الحركة: الحركة الصلائيّة، والحركة الغصبيّة، وهما متعددتان لا محالة.

وإلى الأمر الثالث والرابع يشير المحقّق الخوئي في تقريراته عن أُستاذه، فيقول:

فإن قلت: أليست الحركة الواحدة الخارجية يصدق عليها انّها صلاة كما يصدق عليها انّها غصب وعليه، فلا محالة يكون التركيب بينهما اتحادياً ويكون كلّ منهما بالإضافة إلى الآخر لا بشرط.

قلت: ليس الأمر كذلك فانّ الصلاة من مقولة والغصب من مقولة أُخرى منضمة إليها، أعني بها مقولة الأين، ومن الواضح انّ المقولات كلّها متباينة يمتنع اتحاد اثنتين منها في الوجود و كون التركيب بينهما اتحادياً و ما ذكر من صدقها على حركة شخصية واحدة يستلزم تفصّل الجنس الواحد، أعني به: الحركة بفصلين في


(218)

عرض واحد وهو غير معقول.

هذه عصارة البرهان التي استللناها من كلا التقريرين:( «فوائد الأُصول» للكاظمي و«أجود التقريرات» للخوئي).

يلاحظ على الاستدلال بأُمور:

الأوّل: فلأنّ التأكيد على أنّ تركيب العنوانين تركيب انضمامي لا اتحادي يعرب عن اتّفاقه مع المحقّق الخراساني على أنّ الأحكام تتعلّق بالأفعال الخارجية، ولما كانت نتيجة ذلك هو الامتناع لا جواز الاجتماع فانبرى إلى تصحيح الاجتماع بأن تركيب المقولتين انضمامي وكلّ مقولة بمعزل عن المقولة الأُخرى، فتكون إحداهما متعلّقة بالأمر والأُخرى متعلّقة بالنهي.

ولكنّك عرفت أنّ الأحكام لا تتعلّق بالأفعال الخارجية لأنّها بعد الوجود ظرف السقوط، و قبل الوجود ليس لها تحقّق في الخارج حتّى يتعلّق بها الحكم.

الثاني: انّ حديث التركيب الانضمامي والاتحادي من خصائص الوجودات الخارجية كالمادة والصورة أو الهيولى والصورة، فمن قائل بأنّ المادة في مدارج حركتها تصير نفس الصورة من دون أن يكون بينهما اثنينية، والتركيب بينهما اتحادي إلى آخر بأنّ المادة في مدارج حركتها تتشخص بالصورة وبينهما اثنينية والتركيب بينهما انضمامي.

وعلى كلّ حال فهذا البحث الفلسفي مختص بالموجودات الخارجية دون العناوين الاعتبارية كالصلاة أو الانتزاعية كالغصب.

أمّا الصلاة فهي عنوان اعتباري يعبر بها عن عدة مقولات متنوعة ومجتمعة فالصلاة تشتمل على الأذكار، وهي بما انّها مشتملة على الجهر والإخفات من مقولة الكيف، وعلى القيام والركوع والسجود فهي من مقولة الوضع، وعلى الهوي فإن


(219)

قلنا بأنّ الواجب هي الهيئة الركوعية والسجودية وانّ الهوي مقدمة فهي من مقولة الوضع، وإن قلنا: إنّ الواجب هو الفعل الصادر من المكلّف، فيكون الهُويّ حركة في الوضع إلى أن تنتهي بترك الأوضاع المتلاحقة إلى حدّ الركوع والسجود.

وعلى ضوء ذلك تكون الصلاة أمراً اعتبارياً باعتبار إطلاقها على ما يشتمل على أزيد من مقولة و أمّا الغصب فهو أمر انتزاعي بشهادة انّه ينتزع من أمرين مختلفين في الماهية.

1. قد ينتزع من التصرف في مال الغير، كلبس ثوب الغير .

2. قد ينتزع من الاستيلاء على مال الغير بلا تصرف فيه، كما إذا منع المالك من التصرف في ماله فيكون الغصب عنواناً انتزاعياً، تارة ينتزع من التصرف في مال الغير، وأُخرى من الاستيلاء على مال الغير وإن لم يتصرف فيه، فمثل ذلك لا يكون داخلاً تحت مقولة وإنّما يكون أمراً انتزاعياً، فحديث التركيب الاتحادي والانضمامي في المقام أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، وعلى ذلك فالغصب ليس من الماهيات المتأصلة ليستحيل اتحاده مع الصلاة خارجاً وانّه من المفاهيم الانتزاعية القابلة للانطباق على ماهيات متعددة، وعليه فلا مانع من انطباقه على الصلاة.

الثالث: انّ القول بتعدّد الحركة وانّ الحركة الصلائية غير الحركة الغصبية يخالف الحس والوجدان، إذ لا يصدر عن المصلي إلاّ حركة واحدة وعلى فرض صدور حركتين فالحركة الثانية أيضاً بما انّها تصرف في مال الغير توصف بالغصب أيضاً.

على أنّ استنتاج الحكم الشرعي من هذه المقدّمات الفلسفية المبتنية على مقدّمات غير واضحة لا يمكن الاعتماد عليه.


(220)

الوجه الرابع

ما ذكره بعضهم من أنّ الاجتماع لو كان آمرياً ومن قبل المولى، لكان ذلك مستحيلاً، لكنّه ليس في المقام كذلك بداهة أنّه مأموري ومن قبل نفس المكلّف بسوء اختياره، فلا يكون هناك مانع عن الاجتماع.

يلاحظ عليه بوجهين:

1.انّ القائل بالامتناع يقول بأنّ الحكم بصحّة الاجتماع يؤول إلى الاجتماع الآمري، لأنّ المفروض أنّ كلا من الخطابين ـ لإطلاق متعلّقه ـ يعمّ ما لو وجد كل في ضمن الآخر فيعود المحذور، إذ لو كان لمقولة: «صلّ» إطلاق، يعمّ ما إذا كانت متحدة مع الغصب، للزم أن يكون المجمع واجباً وحراماً و هذا لا يمكن الالتزام به.

2. لو افترضنا انّ الاجتماع مأموريّ، فالإشكال غير مندفع أيضاً، لأنّ التكليف بالمحال أمر قبيح من غير فرق بين سوء الاختيار وعدمه، هذا وسيوافيك في الوجه الخامس دفع الإشكالين فانتظر.

الوجه الخامس للمحقّق البروجردي

وهذا الوجه ذكره المحقّق البروجردي ـ قدس سره ـ وأوضحه السيّد الإمام الخميني ـ قدس سره ـ وشيّد أركانه، ودفع المحاذير المتوهمة شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ، وحاصل الوجه هو:

إنّ الأحكام لا تتعلّق إلاّ بالطبائع دون المصاديق الخارجية، وعندئذ لا مانع من تعلّق الأمر بحيثيته، والنهي بحيثية أُخرى و عندما تصادفت الحيثيتان على شيء واحد، لا مانع من أن يكون ذاك الشيء مصداقاً للمأمور به بحيثيته


(221)

ومصداقاً للمنهي عنه بحيثية أُخرى، فالتضاد بين الأحكام على فرض صحته، يرتفع باختلاف المتعلّقات، وهذا هو حاصل النظرية وإجمالها، وأمّا التفصيل فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: إيضاح النظرية بذكر ما تبتني عليه.

الثاني: دفع المحاذير المتوهمة على القول بالاجتماع في المراحل الثلاث: مرحلة التشريع، مرحلة المبادئ، مرحلة الامتثال، وإليك الكلام في الأوّل.

المقام الأوّل: في إيضاح النظرية بذكر ما تبتني عليه

إنّ النظرية تبتني على مقدّمات:

الأُولى: انّ أساس التشريع هو تعلّقه بالعناوين والطبائع دون المصاديق، فالمشرِّع ينظر إلى واقع الحياة عن طريق متعلّقات الأحكام التي ليست إلاّ عنواناً كلياً، قابلاً للانطباق على مصاديق كثيرة، فيأمر بها، لغاية الإيجاد، كما يزجر عنها لغاية الانتهاء والترك، وبما انّ هذه المقدّمة قد سبق ذكرها فلا نطيل الكلام فيها.

الثانية: إنّ الإرادة لا تتعلّق إلاّ بما هو دخيل في الغرض، ثبوتاً وتتبعها دلالة الأمر إثباتاً.

أمّا الثبوت، فلأنّ تعلّق الإرادة بما لا مدخلية له في غرضه، أمر جزاف لا يحوم حوله الحكيم، فلو كان لما هو الدخيل في الغرض، لوازم وجودية، أو أُمور مقارنة معه أحياناً فلا تتعلق بهما الإرادة، وعلى ضوء ذلك، فالأمر يتعلّق بالحيثية الصلائيّة دون الغصبية وإن قارنت معها أحياناً، إذ لا مدخلية للثانية في حصول غرض المولى، كما أنّه لو كان المحصِّل لغرضه شيء له أجزاء أربعة، فلا تتعلق إرادته إلاّ بذات الأربعة بما هي هي وإن كانت تلازم الزوجية فاللوازم والمقارنات


(222)

خارجتان عن مصب الإرادة في الإرادة الفاعلية التكوينية، ومثلها الإرادة الأمرية التشريعية حرفاً بحرف.

وأمّا الإثبات فلأنّ المفروض انّ المادة موضوعة لنفس الطبيعة بما هي هي، فلا تدل إلاّ عليها، وأمّا اللوازم والمقارنات، فخارجتان عن حريم دلالة المادة اللفظية وإن كانت ربما تدلّ عليها بالدلالة الالتزامية التي هي دلالة عقلية فلا يتعلق بهما الأمر اللّهمّ إلاّ بدال آخر والمفروض عدمه، ولذلك قلنا في محله انّ العام لا يكون مرآة للخاص، لأنّه موضوع للجامع بين الأفراد، لا له مع الخصوصيات، ولذلك اخترنا عدم صحة الوضع العام والموضوع الخاص، إلاّ على وجه ـ قد أوضحناه في محله ـ.

الثالثة: انّ الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود، وبعبارة أُخرى الإطلاق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب، تمام الموضوع للحكم لا بعضه وجزئه، فيكون الحكم، حاضراً بحضور موضوعه، وهذا ما نسمّيه بالإطلاق الذاتي.

وأمّا الإطلاق اللحاظي، أعني: تسرية الحكم إلى عامة حالات الموضوع، بلحاظ الحالات واحدة بعد الأُخرى حين الأمر حتّى يكون معنى قوله: «إن ظاهرت أعتق رقبة» هو عتقها سواء أكانت مؤمنة أم كافرة، عادلة أو فاسقة، عالمة أو جاهلة، فممّا لا أساس له، لما عرفت أنّ الإطلاق هو تسريح الموضوع عن القيد، لا أخذه مع جميع القيود وبعبارة أُخرى هو: رفض القيود وتركها وعدم العناية بها، لا جمعها وذكرها في الموضوع ولو بصورة القضية المنفصلة، لعدم مدخلية القيود في الحكم حتّى تلاحظ وتؤخذ في الموضوع وعلى ضوء ذلك، فمعنى الأمر بالصلاة على وجه الإطلاق هو كون الحيثية الصلائية تمام الموضوع للحكم، وليس معناه هو


(223)

الأمر بها سواء أكانت مع الغصب أو لا، بحيث يعد الغصب، مأخوذاً في موضوع الأمر ولو على نحو القضية المنفصلة.

إذا عرفت هذه المقدمات: ظهر لك جواز الاجتماع، لأنّ تمام المتعلّق للأمر، هو الصلاة، وتمامه للنهي هو الغصب، وهما مختلفان مفهوماً و ماهية، وليس معنى الأمر بها هو الأمر باللوازم الوجودية أو الأُمور المقارنة لعدم مدخليتهما في الغرض المطلوب، بالإرادة ثبوتاً، وبالأمر إثباتاً، فمعنى كون الصلاة مطلوبة مطلقاً، ليس كونها مطلوبة مع الغصب، حتّى يكون الثاني، جزء المتعلّق ،بل المراد عدم أخذ أية خصوصية في المتعلّق، وتصادقهما على مورد واحد لا يضر، إذ لا إشكال في إمكان الشيء الواحد مصداقاً لعنوانين لكن بحيثيتين مختلفتين.

نعم غاية ما يمكن أن يقال: انّه يمتنع أن يكون اللازم محكوماً بحكم مضاد مع حكم الملزوم، فإذا وجب إيجاد الأربعة، لا يجوز تحريم إيجاد الزوجية، وأمّا المقارن المنفك عنه أحياناً، فلا يمتنع أن يكون محكوماً بحكم مضاد، إذ في وسع المكلّف التفكيك بينهما كما هو الحال في المقام حيث إنّ الصلاة واجبة والغصب المقارن معها أحياناً حرام.

هذا هو حاصل النظرية بقي الكلام في المقام الثاني، وهو دفع المحاذير في المراحل الثلاث على القول بجواز الاجتماع، وإليك البيان:

المقام الثاني: دفع المحاذير

إنّ المحاذير المقصودة في المقام تدور على محاور ثلاثة:

1. في الجعل والتشريع.

2. في مبادئ الأحكام ومقدّماتها.


(224)

3. في مقام الامتثال والطاعة.

فلندرس الجميع واحداً تلو الآخر.

1. عدم المحذور في مقام الجعل

أمّا عدم المحذور في مقام الجعل والتشريع فلعدم التكاذب بين الحكمين، إذ لا مزاحمة بين إيجاب الصلاة وتحريم الغصب لاختلاف المتعلّقين بالذات، وتصادقهما في مورد، لا يضرّ بصحّة التشريع وحفظ الإطلاقين في مورده، لأنّ الواجب هو الحيثية الصلائية، والمحرم هو الحيثية الغصبية، ولا مانع من أن يكون شيء واحد مصداقاً للواجب والحرام بحيثيتين مختلفتين وبما انّا بسطنا الكلام فيه فلا نطيل.

2. عدم المحذور في مبادئ الأحكام

إنّ الحبّ والبغض من مبادئ الأحكام فيأمر بإتيان المحبوب وينهى عن ممارسة المبغوض، كما أنّ المصلحة والمفسدة من مباديها، فيطلب ذات المصلحة، وينهى عن ذات المفسدة ولو قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ولو بعنوانين، ربّما يتوهم أنّه يلزم أن يكون الشيء محبوباً و مبغوضاً، وذات مصلحة ومفسدة، وهي عين القول باجتماع الضدين.

يلاحظ عليه: بأنّ الإشكال مبني على كون الحبّ والبغض أو المصلحة والمفسدة من الكيفيات الجسمانية القائمة بالشيء الخارجي كالسواد والبياض، فيمتنع وصف الشيء بهما ولو بعنوانين، لكن الأمر ليس كذلك.

أمّا الحبّ والبغض، ويقرب منهما الإرادة والكراهة فالجميع من الكيفيات


(225)

النفسانية ذات الإضافة، فلها إضافة إلى النفس لقيامها بها، وإضافة بالذات إلى الصورة العلمية من المحبوب والمبغوض، والمراد والمكروه، وإضافة بالعرض إلى مصاديقها وأعيانها الخارجية، وعلى ضوء ذلك فلا مانع من اجتماع الجميع في شيء واحد، لأنّه إذا اجتمعت حيثيتان في شيء واحد، تشتاق النفس إليه لحيثية وتزجر عنه لأجل حيثية أُخرى، فتكريم اليتيم في الدار المغصوبة محبوب من جهة، إذ فيه ترويح لحال اليتيم; ومبغوض لكونه تصرفاً في مال الغير، ونقضاً للقانون، ويقرب منهما، كون الشيء الواحد مراداً ومكروهاً لجهتين.

وأمّا المصلحة والمفسدة فليستا من الأُمور القائمة بذات الشيء، بل المصالح والمفاسد الفردية، يرجع إلى حياة الشخص الفردية، فلا غرو في أن يكون الشيء في حياة الإنسان ذا مصلحة باعتبار، وذا مفسدة باعتبار آخر، إذ ربما يكون الدواء الخاص مفيداً و مضرّاً باعتبارين، ومنه يظهر حال المصالح والمفاسد الاجتماعية، والإشكال نابع من تنزيل المصلحة والمفسدة، منزلة الكيفيات الجسمانية القائمة بذات الشيء، وقد عرفت أنّهما من الأُمور الإضافية والنسبية ولا مانع من كون الشيء ذا مصلحة ومفسدة باعتبارات مختلفة.

3. عدم المحذور في مقام الامتثال

هذه المرحلة من المراحل الثلاث، هي بيت القصيد للامتناعي، وهو يعتمد في إبطال الاجتماع على هذا المحذور، أكثر من المحاذير الأُخر، وحاصله انّه لو قلنا بجواز الاجتماع يلزم أن يكون الشيء الواحد مبعوثاً إليه ومنهياً عنه، أمّا على القول بتعلّق الأحكام بالمصاديق الخارجية فواضح، إذ يلزم من تصحيح الاجتماع أن يكون الشيء الواحد مبعوثاً إليه ومنهياً عنه، وكون متعلّق الأمر غير متعلّق


(226)

النهي لا ينفع في المقام بعد تحقّق العنوانين في شيء واحد، فعندئذ تكون نتيجة تجويز الاجتماع هو التكليف بالمحال، حيث يكلف بالإتيان والترك في آن واحد وإن كان لأجل عنوانين، لأنّ تعدّد العنوان، لا يجعل الشيء الواحد، شيئين.

وأمّا على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، فكذلك لأنّ المولى وإن لم يلاحظ عند الأمر بالصلاة، اقترانها مع الغصب الذي أسميناه بالإطلاق اللحاظي، لكن حضور الحكم عند حضور الموضوع في كلّ الأمكنة والأزمنة أمر لا يُنكر، و هذا هو المسمّى بالإطلاق الذاتي للدليل، فعندئذ يسأل القائل بالاجتماع، إذا حاول المكلف إيجاد الصلاة في الدار المغصوبة فهل الحضور يختص بأحد الحكمين وهو نفس القول بالامتناع، أو يعمّ الحضور لكلا الحكمين؟ ونتيجة حضور الحكمين وحفظ الإطلاقين في المورد هو اجتماع البعث والزجر بالنسبة إلى شيء واحد، وليس هذا إلاّ التكليف بالمحال فالمكلّف بحكم إطلاق الأمر بالصلاة مبعوث إلى الفعل، و بحكم إطلاق النهي عن الغصب مزجور عنه، فهل هذا إلاّ الأمر بالمحال.

قلت: هذا الإشكال كما قلنا هو بيت القصيد في المقام، فلو أتيح للاجتماعي حلُّه فقد حاز القِدْح المُعلّى فنقول:

لو كان المنهي عنه بالنسبة إلى المأمور به من قبيل اللوازم غير المنفكة كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة، كان لما توهّم وجه ـ حتّى على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع ـ إذ لا يعقل أن يكون اللازم محكوماً بحكم يضاد حكم الملزوم بأن يجب إيجاد الأربعة ويحرم إيجاد الزوجية، وأمّا إذا كان المنهي عنه بالنسبة إلى المأمور به قبيل المقارن الذي في وسع المكلّف تفكيكه من المأمور به فلا يلزم من إيجاب الشيء، وتحريم المقارن، التكليف بالمحال، لأنّ الحركة في الدار المغصوبة وإن


(227)

كانت واجبة من حيث كونها مصداقاً للصلاة، ومحرمة من حيث كونها مصداقاً للغصب والمولى في وقت واحد ـ بحكم حفظ كلا الإطلاقين ـ يأمر بها وينهى عنها ، إلاّ أنّ إيجاد الصلاة في الدار المغصوبة ليس واجباً تعيينياً، بل هي إحدى المصاديق الواجبة التي يتخيّر المكلّف بينها عقلاً و لما كان هذا المصداق مقروناً بالمحذور، فعلى المكلّف العدول إلى الفرد الخالي عنه، وبهذا ينحل إشكال التكليف بالمحال، من دون حاجة إلى تقييد أحد الإطلاقين بالآخر.

والحاصل: انّ المولى لو أمر بالصلاة في الدار المغصوبة على وجه التعيين يكون التأكيد على حفظ الإطلاقين موجباً للتكليف بالمحال، ولكنّه لمّا أمر بها على النحو الكلي مخيّراً المكلّفة بين مصاديقه، وكانت المصاديق بين مجرّد عن المحذور، ومقرون به، فعلى العبد، أن يختار الأوّل دون الثاني.

1. فإن قلت: ما فائدة حفظ الإطلاقين في صورة التقارن بالمانع؟

قلت: أقل ما يترتّب عليه انّه لو صلّى فيها، كان مطيعاً من جهة وعاصياً من جهة أُخرى.

2 . فإن قلت: قد سبق في بعض المقدّمات أنّه لا يعتبر قيد المندوحة فيما هو المهم في المقام أعني: أنّ تعدّد العنوان، هل يوجب تعدّد المعنون أو لا؟

قلت: نعم لا تأثير لقيد المندوحة في المسألة الفلسفية، أعني: كون تعدّد العنوان موجباً لتعدّد المعنون أو لا.

وبعبارة أُخرى: قيد المندوحة غير مؤثر في مسألة«كون التركيب اتحاديّاً أو انضمامياً»، وأمّا في رفع غائلة التكليف بالمحال فقيد المندوحة معتبر قطعاً، وقد مرّ الكلام فيه تفصيلاً و صرّح به المحقّق الخراساني في الأمر السادس فلاحظ.

3. فإن قلت: قد سبق انّ سوء الاختيار لا يكون مجوّزاً للتكليف بالمحال،


(228)

وإنّ من ألقى نفسه من شاهق، وهو في أثناء السقوط، لا يكون مكلفاً بصيانة النفس، لعدم التمكّن منه و إن كان بسوء الاختيار، وقد مرّ انّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، عقاباً و ملاكاً، لا خطاباً و حكماً.

قلت: ما ذكرته صحيح لكنّ المقام ليس من صغريات تلك القاعدة حتّى لا يصح خطابه، بل هو في كلّ آن من الآنات قادر على ترك الغصب، والإتيان بها في مكان مباح، فهو أشبه بمن ألقى نفسه من شاهق، لكنّه مزوّد بجهاز صناعي لو أعمله لهبط إلى الأرض بهدوء، فعندئذ لا يسقط النهي لا ملاكاً و لا عتاباً، و لا خطاباً و لا حكما.(1)

4. فإن قلت: قد سبق في باب الترتّب أنّه لا يجوز خطاب المكلّف بأمرين متزاحمين من دون تقييد أحدهما بترك الآخر، كأن يقول: انقذ هذا الغريق، وانقذ ذاك الغريق، مع عدم استطاعته إلاّ بإنقاذ أحد الغريقين، وما ذاك إلاّ لكونه تكليفاً بالمحال، وإن كان في وسع المكّلف تعذير نفسه بالاشتغال بإنقاذ أحدهما، وإن ترتّب عليه غرق الآخر، فمجرّد التعذير، لا يسوِّغ التكليف بالمحال، والمقام أشبه بذلك حيث إنّه مخاطب بخطابين غير قابلين للامتثال معاً، لكن باب التعذير واسع، بأن يصلي في مكان مباح، فكما أنّ فتح باب العذر غير مسوِّغ لخطابين مطلقين، فهكذا المقام.

قلت: الفرق بين المقامين واضح فلا يصحّ قياس أحدهما بالآخر، وذلك لأنّ التكليف هناك متقدّم على التعذير، فلا ينقدح في ذهن المولى إيجاب إنقاذ غريقين مع علمه بعدم قدرة المكلّف إلاّ بإنقاذ أحدهما، و إن كان للعبد تعجيز


1 . وقد اختلف تقرير شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة، مع ما أفاده في هذه الدورة وما أثبتناه هو الموافق لتقريره أخيراً.


(229)

نفسه وتعذيرها بخلاف المقام فانّ المسوغ مقارن مع التكليف حيث إنّ الأمر بالصلاة في الدار المغصوبة ليس على النحو التعييني من أوّل الأمر.

5. إن قلت: إنّ وزان الإرادة التشريعية كوزان الإرادة التكوينية، أو إنّ وزان الإرادة الأمرية كوزان الإرادة الفاعليّة. فكما لا ينقدح في ذهن الفاعل، إرادتان متضادّتان، بأن يريد إيجاد الشيء في وقت، وتركه وعدمه في نفس ذلك الوقت، فهكذا لا ينقدح في ذهن الآمر إرادتان متضادّتان فيطلب الشيء(الصلاة التوأمة مع الغصب) في وقت، وتركه في نفس ذلك الوقت.

قلت: إنّ قياس الإرادة التشريعية بالإرادة الفاعلية قياس مع الفارق، فانّ الإرادة الفاعلية علّة تامّة لتحقّق المراد فلا يمكن اجتماع علّتين تامّتين ـ فضلاً عن كونهما متضادّتين ـ على شيء واحد، و هذا بخلاف التشريعية فانّها ليست علّة تامّة لتحقّق المراد، سواء أقلنا بأنّها تتعلّق بفعل الغير كما هو المعروف، أو تتعلّق بالبعث والطلب كما هو المختار. وعلى كلّ تقدير فبما انّها ليست علّة تامّة لتحقق المراد، بل أشبه بالداعي، فلا إشكال في تعلّق إرادتين تشريعيتين بمراد واحد بعنوانين ولا يلزم من جعل الداعيين، التكليفُ بما لا يطاق، بل فائدة تعلّقهما انّه لو جمع بين المأمور به والمنهي عنه، يكون مطيعاً من جهة وعاصياً من جهة أُخرى.

***

الوجه السادس: استكشاف جواز الاجتماع من عدم ورود النص على عدم جواز الصلاة في المكان واللباس المغصوبين، مع عموم الابتلاء به في زمان الدولتين: الأموية والعباسية، خصوصاً على القول بحرمة الغنائم التي كانوا يغنمونها عن طريق جهاد العدو ابتداءً الذي هو حق طلق للإمام العادل أو المعصوم .


(230)

والذي يوضح ذلك أنّ الشيخ الكليني نقل عن الفضل بن شاذان ـ الذي هو من أصحاب العسكريين مؤلّف كتاب الإيضاح و قد توفّي عام 260 هـ ـ انّه قال: وإنّما قياس الخروج والإخراج كرجل دخل دار قوم بغير إذنهم فصلّى فيها فهو عاص في دخوله الدار وصلاته جائزة.(1)و هذا يعرب عن كون المشهور لدى أصحاب الأئمّة هو الجواز، و إلاّ لصدر النصّ عنهم ـ عليهم السَّلام ـ على المنع .

هذه هي الوجوه الستة التي استدل بها القائل بالاجتماع، بقي في المقام وجه سابع وهو وجود العبادات المكروهة في الشريعة الإسلامية التي تلازم اجتماع الأمر والنهي في الشيء الواحد كصوم يوم عاشوراء، والصلاة في الحمام، فقد اجتمع الاستحباب والكراهة في الأوّل، والوجوب والكراهة في الثاني، وإليك بيان هذا الوجه.

الوجه السابع: الاستدلال بالعبادات المكروهة

أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، وقد تعلّق النهي في الشريعة الإسلامية بالعبادات، فلو كان التّضاد بين الأحكام مانعاً عن الاجتماع لما تعلّق النهي بصوم يوم عاشوراء، أو بالنوافل المبتدئة في أوقات خاصّة فكلّ واحد منها بنفسه مأمور به وفي الوقت نفسه منهي عنه.

وقد أجاب المحقّق الخراساني عن الاستدلال بهذه الموارد إجمالاً بوجوه ثلاثة:

1. انّ الظهور لا يصادم البرهان فلو قام البرهان على الامتناع فلابدّ من تأويل ما يدلّ على الجواز.


1 . الكافي: 6/94 .


(231)

2. انّ الاجتماعي والامتناعي أمام بعض الأقسام كالقسم الأوّل أو جميعها سواء، حيث إنّ الأمر والنهي تعلّقا بعنوان واحد وهو صوم يوم عاشوراء، ومن المعلوم أنّه غير جائز حتّى عند الاجتماعي.

3. انّ الاجتماعي إنّما يقول به إذا كان هناك مندوحة والمورد المذكور خال عن هذا الشرط، لأنّ صوم يوم الحادي عشر، موضوع مستقل، وليس بدلاً عن صوم يوم عاشوراء.

تقسيم العبادات المكروهة على أقسام ثلاثة

ثمّ إنّه بعد ما فرغ عن الأجوبة الثلاثة حاول أن يجيب عن الاستدلال على نحو التفصيل، فقال: إنّ العبادات المكروهة على أقسام ثلاثة:

أحدها: ما تعلّق به النهي بعنوانه وذاته، ولا بدل له كصوم يوم عاشوراء أو النوافل المبتدئة في بعض الأوقات.

ثانيها: ما تعلّق به النهي كذلك ويكون له بدل كالنهي عن الصلاة في الحمام.

ثالثها: ما تعلّق به النهي لا بذاته، بل بما هو مجامع معه وجوداً أو ملازم له(1)، خارجاً كالصلاة في مواضع التهمة بناء على أنّ النهي عنها لأجل اتّحادها مع الكون في مواضعها .

القسم الأوّل: النهي عن عبادة ليس لها بدل

ثمّ إنّه شرع بالإجابة التفصيلية فأجاب عن العبادة التي تعلّق بها النهي


1 . الترديد لأجل احتمال جزئية الكون للصلاة كاحتمال خروجه عنها.


(232)

وليس لها بدل بأجوبة ثلاثة فقال:

الأوّل: انّ حقيقة النهي عن الصوم يرجع إلى طلب تركه لأجل انطباق عنوان ذي مصلحة على الترك فيكون الترك ذا مصلحة، كالفعل، فحينئذ يكونان من قبيل المستحبّين المتزاحمين، والأصل فيهما هو التخيير لو كانا متساويين، وإلاّ فيتعيّن الأهم وإن كان الآخر يقع صحيحاً حيث إنّه كان راجحاً وموافقاً للغرض كما هو الحال في سائر المستحبّات المتزاحمة، بل الواجبات، وأرجحية الترك من الفعل لا توجب حزازة ومنقصة فيه أصلاً كما يوجبها ما إذا كان مفسدته غالبة على مصلحته، ولذا لا يقع صحيحاً على الامتناع فانّ الحزازة والمنقصة فيه مانعة عن صلاحية المتقرَّب به بخلاف المقام فانّه على ما هو عليه من الرجحان وموافقة الغرض كما إذا لم يكن تركه راجحاً بلا حدوث حزازة فيه أصلاً.(1)

وحاصل ما أفاده يعتمد على أُمور:

1. انّ الكراهة في المقام ليست كراهة مصطلحة وهي التي تنشأ من مفسدة في الفعل وحزازة فيه غالبة على مصلحته، إذ لو كان كذلك لامتنعت الصحة، مع انّها أمر اتفاقي، بل هو بمعنى رجحان تركه مع بقاء الفعل على ما هو عليه من المصلحة والمحبوبية. وبعبارة أُخرى النهي ناش من مصلحة في الترك، لا من مفسدة في الفعل.

2. انّ رجحان الترك وكونه محبوباً لأجل انطباق عنوان ذي مصلحة عليه كمخالفة بني أُمية ولأجل انطباقها عليه صار الترك ذا مصلحة كالفعل.

3. انّ النهي عن الصوم، يؤوّل إلى تعلّق الطلب بالترك، فيخرج المورد عن صلاحية الاستدلال، لعدم تعلّق النهي بالصوم أبداً، بل تعلّق به الأمر فقط، وفي


1 . الكفاية:1/255ـ 256.


(233)

الحقيقة هنا طلبان، يتعلّق أحدهما بالفعل والآخر بالترك فيكون من قبيل المستحبين المتزاحمين فيحكم بالتخيير بينهما لولا الأهمية، وإلاّ فيقدم الأهم وإن كان المهم أيضاً يقع صحيحاً لرجحانه وموافقته للغرض، وأرجحية الترك لا توجب منقصة في الفعل بل الفعل يكون ذا مصلحة خالصة وإن كان الترك لأجل انطباق عنوان عليه مثله.

الثاني: نفس ذلك الجواب غير أنّ العنوان الراجح ليس منطبقاً على الترك، بل ملازماً معه كملازمة ترك الصوم مع التمكّن من إقامة العزاء على الحسين ـ عليه السَّلام ـ .

فإذا فرض أنّ الترك ملازم لعنوان وجودي ذي مصلحة أقوى من مصلحة الفعل لا محالة يكون الترك أرجح منه، ولا فرق بين العنوان المنطبق والملازم إلاّ أنّ الطلب في الأوّل يتعلّق بالترك حقيقة، لاتّحاد العنوان مع الترك، بخلاف الثاني فانّ الطلب يتعلّق بالعنوان الراجح الملازم حقيقة، وبالترك بالعرض والمجاز، إذ الملازم خارج عن حقيقة الترك، فلا يتجاوز الطلب عن العنوان إلى الملازم.

الثالث: حمل النهي على الإرشاد إلى أنّ الترك أرجح من الفعل أو ملازم لما هو أرجح وأكثر ثواباً، فيكون النهي متعلّقاً بالصوم حقيقة، لا بالعرض والمجاز ـ كما في الوجه الثاني، والكراهة في المقام ليس بمعنى المنقصة في الفعل، بل بمعنى كونه أقلّ ثواباً.

ففي الكراهة اصطلاحان، أحدهما وجود المنقصة، والثاني كون العبادة، أقلّ ثواباً، وهذا هو المراد من قولهم: عبادة مكروهة.

هذا إيضاح ما في الكفاية.

يلاحظ على الجواب الأوّل: أوّلاً بأنّه إذا كان الفعل والترك متساويين في المصلحة فيصبح الفعل مباحاً لا انّه يكون كلّ منهما مستحبّاً، و يشهد على ذلك


(234)

انّه لم يقل أحد من الفقهاء بأنّ النوافل المبتدئة في أوقات خاصّة مستحبّة فعلاً و تركاً، أو الإفطار في يوم عاشوراء مستحب فعلاً وتركاً.

وثانياً: انّ تأويل قوله: «لا تصم يوم عاشوراء»، الذي هو بمعنى الزجر عن الفعل، إلى طلب الترك، بحيث يصبح الترك كالفعل، أمراً مستحبّاً، أمر غير صحيح، فأين الزجر عن الفعل الذي هو مفاد النهي من طلب الترك المقصود منه استحباب الترك.

ويلاحظ على الجواب الثاني: بأنّ إرجاع لا تصم يوم عاشوراء إلى طلب الترك وجعل الثاني كناية عن الدعوة إلى إقامة العزاء للحسين، تأويل في تأويل، مضافاً إلى أنّه يشترط في صحّة الكناية وجود الملازمة العقلية أو العرفية بين ذكر الملزوم وإرادة اللازم، وهي مفقودة في المقام، إذ ربّما صائم يقيم العزاء، وربّما مفطر لا يقيمه، فكيف يكون النهي عن الصوم المتأوّل إلى طلب الترك، كناية عن إقامة العزاء؟!

نعم لا بأس بالجواب الثالث، و هو كون النهي إرشاداً إلى أنّ الفعل أقلّ ثواباً من الترك المنطبق عليه عنوان المخالفة لأعداء الدين الملازم لما هو أرجح من الفعل على فرض صحته.

إلى هنا تمّ تحليل ما أفاده المحقّق الخراساني من الأجوبة الثلاثة، وقد أُجيب عن الاستدلال بوجوه أُخرى ربّما تصل مع الأجوبة لصاحب الكفاية إلى وجوه ستّة، فنقول على غرار ما سبق.

الرابع: انّ السابر في الروايات التي جمعها الحرّ العاملي في الباب21 من أبواب الصوم المندوب، انّ يوم عاشوراء يوم حزن ومصيبة لأهل البيت وشيعتهم، ويوم فرح وسرور لأعدائهم، وقد صام ذلك اليوم آل زياد وآل مروان شكراً و فرحاً


(235)

وتبركاً، فمن صامه يقع في زمرة من يصومه شكراً للمصيبة الواردة على أهل البيت وشكراً على سلامة أعدائهم.

فعند ما سأل الراوي عن صوم يوم عاشوراء، قال ذلك يوم قتل فيه الحسين، فإن كنت شامتاً فصم ثمّ قال: إنّ آل أُمية نذروا نذراً إنْ قتل الحسين أن يتخذوا ذلك اليوم عيداً لهم، يصومون فيه شكراً ويُفرِّحون أولادَهم، فصارت في آل أبي سفيان سنّة إلى اليوم، فلذلك يصومونه ويدخلون على أهاليهم وعيالاتهم الفرح ذلك اليوم، ثمّ قال: الصوم لا يكون للمصيبة ولا يكون إلاّ شكراً للسلامة، وانّ الحسين ـ عليه السَّلام ـ أُصيب يوم عاشوراء فإن كنت فيمن أُصيب به فلا تصم، وإن كنت شامتاً ممّن سرّه سلامة بني أُمية فصم شكراً للّه تعالى.(1)

فعلى ضوء هذه الروايات فالمبغوض هو التشبّه ببني أُمية والانسلاك في عدادهم ولو في الظاهر، فقد كانوا متبرّكين بهذا اليوم كما في الزيارة: «اللّهمّ إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو أُمية وابن آكلة الأكباد»، و كان صوم ذلك اليوم من مظاهر التشبّه على نحو لولاه لما توجّه إليه نهي، وعندئذ يصبح الصوم مأموراً به، لا منهياً عنه، وإنّما المنهيّ عنه هو التشبّه والانسلاك في عدادهم في الظاهر، فأين اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد؟

فإن قلت: النهي عن الصوم، كناية عن النهي عن التشبّه يتوقّف على وجود الملازمة بين النهيين كما مرّ في الجواب الثاني للمحقّق الخراساني.

قلت: الملازمة هنا واضحة، بعد شيوع عمل الأمويين والمروانيين في هذا اليوم وانّهم كانوا يصومون ذلك اليوم للتبرّك والفرح .

الخامس: ما أفاده المحقّق البروجردي من كون الصوم منهيّاً عنه، وليس


1 . الوسائل:7، الباب21 من أبواب الصوم المندوب، الحديث7.


(236)

بمأمور به، ولو صام وإن كان صحيحاً لكن الصحة لا تكشف عن الأمر، لاحتمال كونها لأجل الملاك.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الحكم بالصحة جازماً فرع وجود الأمر ولولاه لما كان هنا كاشف عن الملاك قطعاً.

السادس: انّ متعلّقي الأمر بالصوم والنهي عنه مختلفان فالأمر تعلّق بنفس الصوم ، والنهي تعلّق بالصوم بداعي أمره الاستحبابي فلا يكون متعلّقه متحداً مع متعلّقه ليلزم اجتماع الضدين في شيء واحد، والنهي ليس ناشئاً عن وجود مفسدة في ذات الصوم أو وجود مصلحة في تركه ـ كما عليه المحقّق الخراساني ـ بل هو ناش عن مفسدة في التعبد بهذه العبارة (بقصد أمرها) لما فيه من المشابهة والموافقة لأعداء الدين فالنهي مولوي حقيقي ناش عن المفسدة في التعبدي.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: نحن نفترض امتناع أخذ قصد الأمر في متعلّقه ـ و إن كان الحقّ خلافه ـ لكن متعلّق الأمر لباً و حسب حكم العقل، هو إيقاع الصوم بقصد أمره وإلاّ يصبح الصوم واجباً توصلياً وهو خلف الفرض.

فإذا كان متعلّق الأمر هو الصوم بقصد العبادة، وكان هو أيضاً متعلّقاً للنهي يلزم اتحاد متعلق الأمرين.

وثانياً: أنّ ما ذكره افتراض لا دليل عليه، ولو انّه ـ قدس سره ـ اكتفى بما في آخر كلامه من أنّ النهي لأجل المشابهة والموافقة لأعداء الدين، يكون أفضل ويرجع محصل مرامه إلى ما ذكرنا في الوجه الرابع.


1 . نهاية الأُصول:243، والموجود في اللمعات التي هي تقرير لدرس السيد البروجردي غير ذلك، ويقرب مما ذكرناه في الوجه الرابع فلاحظ.
2 . المحاضرات:4/317بتلخيص.


(237)

القسم الثاني: النهي عن عبادة لها بدل

استدلّ المجوز بورود النهي عن العبادات التي لها بدل، كالنهي عن الصلاة في الحمام مع تعلّق الأمر بالصلاة مطلقاً، ولما كان المحقّق الخراساني قائلاً بالامتناع حاول أن يصحح النهي على وجه لا يصادم مختاره.

توضيحه: انّه لو قلنا بأنّ جواز الاجتماع يختص بما إذا كان بين المتعلّقين عموم وخصوص من وجه كالصلاة والغصب دونما إذا كان بينهما عموم وخصوص مطلق، كالمقام، يكون الاجتماعي وا لامتناعي أمام هذا القسم سواء، فيجب على كلتا الطائفتين الإجابة عن الاستدلال، وأمّا لو قلنا بجواز الاجتماع مطلقاً حتّى فيما إذا كان بين المتعلّقين عموم مطلق، فالاجتماعي في فسحة من الجواب، بل له أن يتّخذ ذلك دليلاً على مدعاه.

ثمّ إنّ السيد المحقّق البروجردي ذهب إلى الجواز مطلقاً من غير فرق بين العموم من وجه أو العموم المطلق، ولذلك قال في المقام: نحن في فسحة من القسمين الأخيرين (القسم الثاني والثالث)، لأنّا اخترنا الجواز كما تقدّم. (1)

وقال أيضاً: وهل يجري النزاع في الأخص المطلق، كالأخص من وجه حسب المورد؟ الظاهر جريانه فيه، ويلتزم الاجتماعي بالجواز في كلا الموردين، فلو فرض أنّ خياطة الثوب تكون ذات مصلحة تامّة ملزمة و كانت تمام الموضوع لتلك المصلحة بلا مدخلية شيء وجودي أو عدمي فيها بأن يتعلّق الأمر بها بنفس ذاتها على الإطلاق أي بلا دخالة قيد فيها لا بمعنى السراية إلى الافراد.

ولو فرض انّ في خياطته في دار زيد مفسدة تامّة بحيث تكون الخياطة فيها


1 . لمحات الأُصول: 336.


(238)

تمام الموضوع للمفسدة، فلابدّ أن يتعلّق النهي بها، فلو خاط المكلّف الثوب في دار زيد أتى بمورد الأمر بلا إشكال لتحقق الخياطة التي هي تمام الموضوع بلا مدخلية أمر وجودي أو عدمي، و أتى بمورد النهي الذي هو الخياطة في دار زيد وتكون تمام الموضوع للمفسدة والنهي، فأصل الخياطة مأمور بها، وهي مع التقييد الكذائي منهي عنها، فهما مفهومان، قد تعلّق النهي بأحدهما، والأمر بالآخر، وأخذ أحدهما في الآخر لا يوجب اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بجهة واحدة، واجتماعهما في الوجود بسوء اختيار المكلّف لا يوجب امتناعاً في ناحية التكليف.(1) و أشار السيد الأُستاذ إلى المسألة و ذكر لكلّ من جريان النزاع فيها وعدمه وجهاً ولم يختر شيئاً وقال: والمسألة محل إشكال.

والكلام (2)الحاسم في المقام: هو انّ النهي في المقام على أقسام:

1. أن يكون النهي إرشاداً إلى مانعية هذه الأُمور عن الصلاة وتقييدها بعدمها كما في النهي عن الصلاة فيمالا يؤكل والنجس والميتة، فيكون النهي مقيِّداً لإطلاق ما دلّ على صحّة العبادة، دالاًّ على الفساد في العبادات والمعاملات، فهذا القسم خارج عن محط البحث.

2. أن يكون النهي لبيان حكم تحريمي كالنهي عن الوضوء والغسل من الماء المغصوب، فالنهي يدلّ على مبغوضية متعلّقه (الوضوء بماء مغصوب)، ومعه يقيّد إطلاق الأمر بالوضوء، إذ مقتضى النهي، عدم جواز إيجاد هذا الفرد المنهي عنه في الخارج وعدم جواز تطبيق الطبيعة المأمور بها، عليه، وهذا أيضاً خارج عن محط البحث، إذ التقييد في هذين القسمين ممّا لا بدّ منه.


1 . لمحات الأُصول: 230.
2 . تهذيب الأُصول:1/389ـ 390.


(239)

3. أن يكون النهي تنزيهياً ملازماً للترخيص في متعلّقه، ففي مثل هذا لا وجه لتقييد إطلاق متعلّق الواجب، لأنّه غير مانع عن إيجاد الطبيعة في مثل هذا الفرد، غير أنّه يرى أنّ الأفضل هو غير هذا الفرد من أفراد الطبيعة.

وعلى ذلك لا مانع من اجتماع الأمر والنهي، و قد عرفت أنّ الميزان في صدق التزاحم عدم التكاذب في مقام الجعل والتشريع، والمفروض انّه كذلك، إذ لا مانع من الأمر بالطبيعة على وجه الإطلاق، ثمّ النهي التنزيهي عن قسم خاص منها، و يكون النهي مولوياً تنزيهياً.

إجابة المحقّق الخراساني عن القسم الثاني

ثمّ إنّ المحقّق، لما اختار امتناع الاجتماع، حاول تأويل الاستدلال بهذا النوع من الاجتماع بحمل النهي على الإرشاد إلى انطباق عنوان قبيح على الفعل، فقال: إنّ النهي فيه يمكن أن يكون لأجل ما ذكر في القسم الأوّل، كما يمكن أن يكون لأجل وجه رابع. والفرق بين هذا الجواب وماسبق من الأجوبة الثلاثة انّ بناء الأجوبة الثلاثة على انطباق عنوان راجح على الترك أو ملازمته معه، وأمّا هذا الجواب فالعنوان القبيح (مكان الراجح في الثلاثة) منطبق على الفعل، وذلك لأنّ الطبيعة تارة تتشخّص بمشخّص غير ملائم لها كالصلاة في الحمام فانّه مركز الخبث والوسخ فلا يصلح أن يكون وعاء للمعراج، وأُخرى تتشخّص بمشخّص شديد الملائمة معها كالصلاة في المسجد، وثالثة تتشخّص بما لايكون معه شديد الملائمة ولا عدمها كالصلاة في الدار، ويكون النهي فيه لحدوث نقصان في مزيّتها فيه، إرشاداً إلى ما لا نقصان فيه من سائر الأفراد ويكون أكثر ثواباً.

وهذا مراد مَن يفسر الكراهة في العبادة بكونها أقلّ ثواباً، المدار في القلة


(240)

والكثرة هو نفس الطبيعة إذا تشخصت الطبيعة بما لا تكون معه شدّة الملاءمة(كالصلاة في البيت) ولا عدم الملاءمة، فإن زاد ثواب الفرد على الثواب المرتب على الطبيعة الكذائية يكون مستحبّاً وإن نقص كان مكروهاً.

ولا يرد على هذا، بأنّ لازمه وصف عامّة افراد الطبيعة بالكراهة إلاّ الفرد الأعلى، لما عرفت من أنّ الميزان في التفضيل والتنقيص هو الطبيعة المتوسطة فالراجح عليها، مستحبّ والمرجوح بالنسبة إليها، مكروه.

القسم الثالث: تعلّق النهي بشيء خارج عن العبادة

إنّ للقسم الثالث ظاهراً وواقعاً، فالنهي حسب الظاهر تعلّق بالعبادة وقال: صلّ، و لا تصلّ في مواضع التهمة، فصار كالقسم الثاني من حيث إنّ النسبة بين المتعلّقين، هو العموم والخصوص المطلق، وأمّا حسب الواقع فالنهي تعلّق بالكون في مواضع التهمة، لأجل الصلاة أو غيرها، فالكون إمّا من خصوصيات المأمور به أو من لوازمه، والنسبة بين المتعلّقين هو العموم والخصوص من وجه كالصلاة والغصب، وعلى هذا فالاجتماعي في فسحة من الإجابة، بل يعدّ ذلك من دلائل رأيه.

وبما انّ المستدل، استدلّ بظاهر الكلام وانّ العبادة في مكان خاص صارت متعلّقة للنهي دون خصوص الكون في المكان، لزمت على الاجتماعي أيضاً، الإجابة عن الإشكال.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ذكر عن جانب الاجتماعي جوابين:

أحدهما: مبني على التصرف في متعلّق النهي.

ثانيهما: مبني على التصرف في مفهوم الحكم ومعناه.


(241)

أمّا الأوّل فبأن يقال انّ الأمر تعلّق بالعبادة، والنهي لم يتعلق بها أبداً، بل تعلّق بالكون فيها ولو نسب إلى العبادة فإنّما هو بالعرض و المجاز، فالنهي المولوي تعلّق بالكون حقيقة وبالعبادة مجازاً.

وإلى هذا الوجه أشار في «الكفاية» بقوله: «فيمكن أن يكون النهي فيه عن العبادة، المتحدة مع ذلك العنوان أو الملازمة له، بالعرض والمجاز وكان المنهي عنه به حقيقة ذاك العنوان» .

أمّا الثاني، فبحمل الأمر على الإرشاد، إلى ما ليس فيه هذا النقص ولا مانع من اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، إذا كان النهي إرشادياً.

وإلى هذا الوجه أشار في «الكفاية» بقوله: «ويمكن أن يكون النهي على الحقيقة إرشاداً إلى غيرها من سائر الأفراد ممّا لا يكون متحداً معه أو ملازماً له، إذ المفروض التمكّن من استيفاء مزية العبادة بلا ابتلاء بحزازة ذاك العنوان أصلاً».(1)

وأمّا الإجابة عنه على القول بالامتناع فالعنوان الموجب للنقصان لا يخلو إمّا أن يكون ملازماً للصلاة، أو عنواناً منطبقاً.

أمّا الأوّل فيمكن أن يقال بنفس الجواب المذكور على القول بالاجتماع، غاية الأمر انّ الاجتماعي يقول به مطلقاً في العنوان المتحد والملازم، والامتناعي يقول به ـ حسب أُصوله ـ في خصوص الملازم، بأن يقول: انّ الأمر تعلّق بالعبادة والنهي تعلّق بالعنوان الملازم، ولو نسب إلى العبادة، فإنّما هو بالعرض والمجاز ولا مانع من اختلاف المتلازمين في الحكم إذا لم يكونا متساويين كالصلاة، والكون في مواضع التهمة الملازم لعنوان قبيح .


1 . كفاية الأُصول:1/259.


(242)

وإنّما قلنا :إنّ هذا النوع في الجواب من الامتناعي يجري في العنوان الملازم دون العنوان المنطبق، لأنّه لو تعلّق النهي بالعنوان المنطبق، المتحد مع الصلاة يلزم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ولو بعنوانين، وهو خلاف المختار عند الامتناعي، ولذا اقتصر بهذا الجواب في خصوص الملازم بخلاف الاجتماعي فانّه لقوله بالجواز، لم يفرق بين الملازم والمنطبق.

أمّا الثاني، فيحمل النهي على الإرشاد إلى أفضل الأفراد، والتحرز، عن الفرد الفاقد للفضيلة، ولا مانع من الجمع بين الأمر والنهي الإرشادي وإن تعلّق بشيء واحد لكن بعنوانين .

وعلى كلّ تقدير فالصلاة على القولين صحيحة، لأنّ النهي التنزيهي لا يوجب تقييد إطلاق دليل العبادة، إذ معنى التنزيه هو الدعوة إلى العدول إلى الأفراد الأُخرى، مع تجويز إيجاد الطبيعة بالفرد المنهيّ.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أشار في ذيل كلامه إلى أُمور، أوضحها شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ في الدورة السابقة وطوى الكلام فيها في هذه الدورة فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى تقريرات زميلنا السيد محمود الجلالي.(1)


1 . المحصول:2/247ـ 250.


(243)

تنبيهات

1

في حكم الاضطرار إلى الحرام

إنّ لارتكاب الحرام صوراً أشار المحقّق الخراساني ـ في كفايته ـ إلى ثلاث منها:

الأُولى: إذا كان المكلّف متمكّناً من امتثال الواجب في غير المكان المغصوب ولكنّه أتى به فيه عن اختيار، وهذه هي التي مضى الكلام فيها تحت جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين.

الثانية: إذا اضطرّ إلى ارتكاب الحرام لكن لا بسوء الاختيار كما إذا كان محبوساً في الدار المغصوبة فيقع الكلام في دخوله، وبقائه، وخروجه وحكم العبادة في هذه الحالات.

الثالثة: إذا اضطرّ إلى ارتكاب الحرام لكن بسوء اختياره، كما إذا دخل أرض الغير للتنزّه وأراد الخروج فهو مضطر إلى التصرف في أرض الغير عند الخروج، لكن الاضطرار طارئ عليه بسوء اختيار، إذ لم يكن هناك أيُّ إلزام على الدخول، ليضطرّ في ترك الغصب إلى الخروج الذي هو تصرّف فيه أيضاً، فيقع الكلام في حكم الخروج تكليفاً أوّلاً، وحكم الصلاة الواقعة حال الخروج وضعاً ثانياً، وهذا هو المقصود من عقد هذا التنبيه، وإليك دراسة القسمين واحداً تلو الآخر.


(244)

الاضطرار إلى ارتكاب الحرام من غير اختيار

إذا حبسه الظالم في مكان مغصوب، فالاضطرار لا عن اختيار رافع للحرمة التكليفية دخولاً وبقاءً وخروجاً أخذاً بالأدلّة.

1. قال سبحانه: (لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها).(1) فالآية دالة على أنّ الأحكام محدّدة بالقدرة والوسع، فإذا كانت فوقها، فليس هناك أي حكم للشرع.

2. حديث الرفع، روى الصدوق في خصاله عن شيخه أحمد بن محمد بن يحيى ـ رضى الله عنه ـ عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :«رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، و ما أُكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه...».(2) والرواية صحيحة ورواتها كلّهم ثقات، وأحمد بن محمد بن يحيى العطار من مشايخ الصدوق ثقة بلا إشكال، وعدم ورود التوثيق في حقّه في الكتب الرجالية لأجل انّ المشايخ فوق التوثيق أوّلاً، والقرائن تشهد على وثاقة أحمد بن محمد بن يحيى ثانياً، لأنّ الشيخ الصدوق يروي عنه ويترضّى عليه ويقول رضي اللّه عنه، وإكثار الثقات النقل عنه ثالثاً، فإنّ الثقة وإن كان يروي عن غير الثقة أحياناً ولكن كثرة النقل عن الضعيف كان من أسباب الجرح عند القدماء، ولذلك أخرج الرئيس أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري محدّثين عظيمين من قم ـ أعني بهما: أحمد بن محمد بن خالد و سهل بن زياد الآدمي ـ و ما هذا إلاّ لكثرة نقلهما عن الضعاف من دون أي غمز فيهما.


1 . البقرة:286.
2 . الخصال:2، باب التسعة، الحديث8.


(245)

في عبادة المحبوس المضطر

هذا كلّه حول الحكم التكليفي إنّما الكلام في الحكم الوضعي، أي صحّة عبادته في الحالات الثلاث دخولاً وبقاءً وخروجاً.

فلو قلنا بجواز الاجتماع فالحكم بالصحة موافق للقواعد بشرط تمشي قصد القربة، كما أنّه لو قلنا بالامتناع وقدّمنا الأمر على النهي فكذلك إنّما الكلام في القول بالعكس، أي قلنا بالامتناع و قدّمنا النهي على الأمر، فالتحقيق صحّة عبادة ذلك المضطر بغير سوء الاختيار.

لأنّ الاضطرار يرفع الحرمة التكليفية والعقوبة، ولكن ملاك الوجوب ـ لو كان ـ يكون مؤثراً، وذلك لأنّه لو كان الاضطرار بسوء الاختيار بأن يختار ما يؤدي إليه لا محالة فانّ سقوط الخطاب لا يلازم الصحة، لأنّه يصدر عنه مبغوضاً عليه وعصياناً لذلك الخطاب ومستحقاً عليه العقاب، ولكن المفروض انّ الاضطرار لم يكن بسوء الاختيار، بل فُرِض عليه ارتكابُ المحرّم من جانب القويّ القاهر وعندئذ فالحرمة ـ مع تقدّمها على الأمر عند الامتناعي ـ شأنية وملاك الوجوب باق مؤثر فيكون صحيحاً.

يقول المحقّق الخراساني: إنّ الاضطرار إلى ارتكاب الحرام إن كان يوجب ارتفاع حرمته والعقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه ـ لو كان ـ مؤثراً له كما إذا لم يكن بحرام.(1)

فإن قلت: إنّ المانع عن تحقّق الوجوب ليس هو الحرمة الفعلية، حتّى يصير


1 . قوله: «لو كان مؤثراً له» لفظة «كان» تامة فاعلها ضمير الملاك، وقوله«مؤثراً» حال من ملاكه ومعنى العبارة: بعد سقوط التحريم يبقى ملاك الوجوب ـ لو كان ـ مؤثراً في الوجوب و مقتضياً له لسقوط ملاك التحريم من صلاحية المزاحمة له فيترتب على بقاء الملاك أثره فعلاً.


(246)

ارتفاعها سبباً لتحقّقه، بل المانع عن تحقّقه وتأثير ملاكه فيه، هو أقوائية ملاك الحرمة(أعني: المفسدة الداعية إلى جعلها) من ملاك الوجوب (أعني المصلحة الباعثة نحو الإيجاب) فمادامت المفسدة باقية على قوتها لا مجال لتأثير ملاك الوجوب وإن كان هنا مانع عن فعلية الحرمة أيضاً.(1)

قلت: هذا ما ذكره السيّد المحقّق البروجردي لكن وجود المفسدة الأقوى من مصلحة الواجب(كالصلاة) عند الاضطرار أوّل الكلام، لأنّ العلم بالملاك رهن وجود الحكم وفعليته، ومع عدم الفعلية كما هو المفروض كيف نستكشف وجود المفسدة الأُقوى من مصلحة الواجب.

مثلاً انّ التصرف في مال الغير أمر قبيح عقلاً، لأنّه يعدّ من شقوق الظلم والتعدي على حقوقه وأمواله، ومن المعلوم أنّ استقلال العقل بقبح التصرف بمال الغير محدّد بصورة الاختيار، والمفروض انّه مضطر غير مختار، بل فُرِض عليه التصرف في مال الغير فيكون عمله فاقداً للمفسدة ولو كان هناك ذمّ أو عقاب فإنّما لحامله على الحرام.

ثمّ إنّ المحقّق البروجردي قاس المقام بالخمر الذي اضطرّ إلى شربه فكما أنّ ارتفاع حرمته لا يصير شربه راجحاً أو واجباً، فهكذا المقام.

فقال: مثلاً انّ الخمر مع كونه ذا مصلحة ومنفعة، لكن لما كانت مفسدته راجحة، وإثمه أكبر من نفعه، صار حراماً لغلبة الملاك فلو فرضنا الاضطرار إلى شربه لمرض أو شبهه و ارتفع الخطاب لأجله، فلا يصير راجحاً أو واجباً بمجرده.

نعم لو حدثت في ظرف الاضطرار مصلحة أُخرى ملزمة أو راجحة على المفسدة صار الفعل لا محالة واجباً لكن هذا غير ما أفاده ـ قدس سره ـ .(2)


1 . نهاية الأُصول:244، الطبعة الأُولى.
2 . لمحات الأُصول:239.


(247)

أقول: البحث في كلام المحقّق الخراساني مركّز على ما إذا كان هناك ملاكان ملزمان للوجوب والحرمة كالصلاة والغصب، غير أنّ ملاك الغصب غلب على ملاك الصلاة فقدم النهي على الأمر، فإذا زال النهي لأجل الاضطرار يكون ملاك الوجوب مؤثراً، لأنّ انقلاب الحرمة الفعلية إلى الشأنيّة يكون كاشفاً عن ضعف الملاك في هذه الحالة.

وبذلك تظهر الحال في المثال الذي ذكره، إذ ليس في شرب الخمر، ملاك ملزم لا قبل الشرب ولا بعده، حتّى يؤثر في الوجوب، ولذلك لا يوصف به، نعم لو طرأ ملاك ملزم كما أشار إليه في آخر كلامه كما إذا توقفت حياة الإنسان عليه، يوصف العمل بالوجوب ويكون ملاكاً مؤثراً.

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ بين أقسام الاضطرار وعلاجه فمن أراد فليرجع إليه.

فإن قلت: لو كان النهي عن التصرف في المغصوب موجباً لتقيد الصلاة بقيد وجودي كلزوم كون الصلاة في مكان مباح أو بقيد عدمي كاشتراطها بعدم كونها في مكان مغصوب الذي مرجعه إلى مانعية الغصب لصحتها، فعندئذ يكون المأمور به مقيداً بقيد وجودي(إذا كانت الإباحة شرطاً) أو عدمي (إذا كان الغصب مانعاً) و مع عدم إمكان تحصيله يسقط الأمر بالمركب لعدم إمكان تحصيله، لا أنّ الواجب ينحصر في الباقي ويصحّ الإتيان به.

قلت: إنّ الأحكام الوضعية من الشرطية أو المانعية أُمور منتزعة من الأحكام التكليفية، فلو كان الحكم التكليفي مرفوعاً بفضل القرآن والسنّة فلا يبقى لاحتمال الشرطية والمانعية في هذه الحالة مجال. فسعة الحكم الوضعي وضيقه تابع لسعة الحكم التكليفي وضيقه فبارتفاعه يرتفع الوضعي.

فالظاهر صحّة عامة عباداته إلاّ ما كان له بدل مباح، فإذا دار الأمر بين


(248)

الوضوء بماء مغصوب أو التيمم بالتراب فالثاني مقدّم على الأوّل.

فإن قلت: على هذا يجب على المحبوس الاقتصار على الإيماء والإشارة بدلاً عن الركوع والسجود باعتبار انّهما تصرف زائد على مقدار الضرورة.(1)

قلت: ذهب جماعة إلى أنّه لابدّ في جواز التصرف في أرض الغير من الاقتصار على مقدار تقتضيه الضرورة دون الزائد على ذلك المقدار، وإليه ذهب الشيخ المحقّق النائيني قائلاً بأنّ الركوع والسجود تصرف زائد عند العرف فيجب الاقتصار على الإيماء.

ولكن الصحيح ما اختاره تلميذه ـ أعني: المحقّق الخوئي ـ وحاصله: عدم الفرق بين كون المكلّف في الأرض المغصوبة على هيئة واحدة أو كونه على هيئات متعدّدة، وذلك لأنّ كلّ جسم له حجم خاص ومقدار مخصوص كما عرفت يشغل المكان بمقدار حجمه دون الزائد عليه، ومن الطبيعي أنّ مقدار أخذه المكان لا يختلف باختلاف أوضاعه وأشكاله الهندسية من المثلث والمربع وما شاكلهما بداهة انّ نسبة مقدار حجمه إلى مقدار من المكان نسبة واحدة في جميع حالاته وأوضاعه، ولا تختلف تلك النسبة زيادة ونقيصة باختلاف تلك الأوضاع الطارئة عليه، مثلاً إذا اضطر الإنسان إلى البقاء في المكان المغصوب لا يفرق فيه بين أن يكون قائماً أو قاعداً فيه وان يكون راكعاً أو ساجداً، فكما أنّ الركوع والسجود تصرف فيه فكذلك القيام والقعود، فلا فرق بينها من هذه الناحية أصلاً.

حكم الاضطرار بسوء الاختيار

هذا هو الموضع الثاني الذي عقد لبيانه هذا التنبيه، ويقع الكلام في موارد:


1 . المحاضرات:4/355. ولاحظ جواهر الكلام:8/300.


(249)

1. حكم الدخول.

2. حكم الخروج تكليفاً.

3. حكم العبادة حين الخروج وضعاً.

أمّا الأوّل فلا شكّ انّه أمر محرم، لأنّه تصرّف في مال الغير بلا عذر فيكون محرماً، إنّما الكلام في الأمر الثاني، وهذا ما سندرسه.

الثاني: حكم الخروج تكليفاً

إذا توسط أرضاً مغصوبة بسوء الاختيار كأن دخل حديقة الغير للتنزّه وغيره، ثمّ حاول أن يخرج ويترك الغصب، فما هو حكم الخروج من حيث الحكم التكليفي؟

هناك أقوال:

1. انّ الخروج منهي عنه بالنهي الفعلي وليس بواجب شرعاً، وهو خيرة السيد البروجردي والسيد الأُستاذ قدس سرهما.

2. انّه مأمور به شرعاً وليس وراء الأمر أي حكم شرعي، وهو خيرة المحقّق الأنصاري والنائيني.

3. انّه مأمور به شرعاً لكن مع جريان حكم المعصية عليه حيث إنّه منهي عنه بالنهي السابق الساقط من ناحية الاضطرار، اختاره صاحب الفصول.

4. انّه واجب وحرام بالفعل، وهو خيرة أبي هاشم الجبائي المعتزلي (المتوفّى عام 321هـ) واختاره المحقّق القمي.

5. انّه واجب عقلاً لدفع أشد المحذورين بارتكاب أخف القبيحين وليس محكوماً بحكم شرعي بالفعل. نعم هو منهي عنه بالنهي السابق الساقط


(250)

بالاضطرار، وهذا خيرة المحقّق الخراساني و هو الأقوى.

6. انّه مأمور به ومنهي عنه لكن بالترتّب فكأنّه قال: لا تغصب، وهو يشمل الدخول والبقاء والخروج، ثمّ قال: فإن عصيت فاخرج.

هذه هي الأقوال الستة فلندرس قول المحقّق الخراساني أوّلاً، ثمّ بقية الأقوال ثانياً.

فقوله مركّب من أُمور:

1. واجب بالوجوب العقلي.

2. ليس واجباً بالوجوب الشرعي.

3. منهي عنه بالنهي السابق الساقط.

4. انّ أثر النهي ـ و هو العقاب ـ باق.

وإليك دراسة الأُمور الأربعة:

أمّا الأوّل، فلاستقلال العقل بوجوب الخروج والتخلّص، لأنّه الطريق الوحيد للتخلّص من أشدِّ المحذورين بارتكاب أقلّهما، فلو دار الأمر بين قليل العصيان وكثيره فالعقل يستقل بتقديم الأقل.

وأمّا الثاني، أي ليس محكوماً بحكم شرعي من الوجوب، و ذلك لأنّه لو كان واجباً فإمّا أن يكون وجوبه نفسيّاً أو مقدّمياً.

أمّا النفسي فلم يرد في الشرع ما يدلّ على وجوب الخروج من المغصوب وإنّما ورد المنع عن التصرّف في المغصوب.

وأمّا الغيري فهو فرع القول بأنّ حرمة الشيء تلازم وجوب ضدّه العام، أعني: تركه، كحرمة الغصب الملازم لوجوب تركه، فإذا وجب الترك تجب مقدّمته، أعني: الخروج حيث إنّه مقدمة لترك الغصب، أو يقال ـ كما يأتي عن


(251)

الشيخ ـ بأنّ حرمة البقاء الذي هو من مصاديق الغصب، يستلزم وجوب تركه والخروج مقدّمة له.

ومن المعلوم أنّ المقدّمات ممنوعة لعدم دلالة حرمة الشيء على وجوب تركه حتّى تجب مقدّمته.

وأمّا الثالث، أي كون النهي السابق ساقطاً فلأجل عدم إمكان امتثاله بعد التوسط، فقوله: لا تغصب، وإن كان قبل الدخول يعمّ الدخول والبقاء والخروج، لأنّ الجميع من مصاديق الغصب، لكنّه بعد الدخول ولو بسوء الاختيار لا يتمكن المكلّف من امتثال قوله لا تغصب المتمثّل في البقاء والخروج.

نعم ذهب العلاّمة الطباطبائي إلى تصحيح وجوب الخطاب(لا تغصب) ولو بعد ما توسط الأرض المغصوبة قائلاً: بأنّه يكفي في صحّة الخطاب ترتّب الأثر عليه وإن كان الأثر نفس العقاب، ويكفي في القدرة، القدرة على الامتثال في ظرف من الظروف، والشرطان حاصلان والمكلّف كان قادراً على ترك التصرّف الخروجي قبل الدخول، و هو يكفي في بقاء الخطاب حتى في صورة العجز عن الامتثال كما إذا توسّطها، وفائدة الخطاب مع عجزه هي صحّة عقابه ومؤاخذته.(1)

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين الخطاب النابع عن الإرادة الجدّية في حال الاضطرار وبين قيام الحجة على المضطر في هذا الظرف، والأوّل منتف، لامتناع تعلّق الإرادة بفعل العاجز، والثاني ثابت بلا كلام، لأنّ القدرة قبل الدخول أتمّت الحجّة على العبد في جميع أحواله من الدخول والبقاء والخروج، و القدرة في ظرف خاص إنّما تكفي في إتمام الحجّة حين المخالفة لا في توجّه الخطاب.

وأمّا الرابع، فهو جريان حكم المعصية عليه وكونه معاقباً فقد علم ممّا ذكرنا


1 . التعليقة على الكفاية:143.


(252)

حيث إنّ القدرة في ظرف من الظروف ـ أعني: قبل الدخول ـ تصحح العقوبة على التصرّف الخروجي وإن لم يكن في ظرف العمل قادراً، وقد عرفت فيما سبق أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ملاكاً وعقوبة.

نعم ينافي الاختيار حكماً وخطاباً ولذاك قلنا بسقوط الخطاب السابق و بقاء الملاك، أعني: العقاب وهو الرابع.

وبذلك يظهر الحال فيما أفاده السيد المحقّق البروجردي حيث قال: إذا سقط النهي فلا معنى للعصيان والمخالفة ومجرّد كون الاضطرار بسوء الاختيار لا يوجب المخالفة والعصيان، مع عدم النهي الفعلي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ صدق العصيان، ليس رهن النهي الفعلي، بل يكفي في ذلك تمامية الحجّة عليه ولو قبل العمل، فالساقط من شاهق عاص بسقوطه وإن لم يكن النهي فعلياً، لتمامية الحجّة عليه، فمن علم بنجاسة أحد الإناءين تمّت الحجّة عليه ولزمه الاجتناب مطلقاً، ولو اضطرّ إلى أحد الأطراف لا يحل له الطرف الآخر وإن لم يكن العلم الإجمالي موجوداً لتماميّة الحجّة عليه قبل الاضطرار، و هو كاف في إيجاب الاجتناب عن الإناء غير المضطر إليه.

فخرجنا بالنتيجة التالية: نظرية المحقّق الخراساني هي أقوى النظريات في المقام، فلندرس سائر الأقوال على الترتيب المذكور في صدر البحث.

الأوّل: الخروج منهي عنه بالنهي الفعلي فقط

ذهب السيد المحقّق البروجردي إلى أنّ الخروج حرام وليس بواجب، أمّا أنّه حرام فلأنّ التصرّف في مال الغير، بغير إذنه أو مع نهيه، حرام وخروج عن طاعة


1 . لمحات:242.


(253)

المولى، من دون فرق بين التصرّف الدخولي والخروجي في نظر العقل فإنّه يرى جميع التصرفات ـ في كونها معصية وخروجاً عن رسم العبودية ـ متساوية.

وأمّا أنّه ليس بواجب، فلأنّ وجوبه إمّا بالخصوص فلا دليل عليه، وإمّا لكونه مقدّمة لترك الغصب الواجب، فهو أيضاً مثله، إذ لم يرد دليل على وجوب ترك الغصب وما ورد من أنّ الغصب مردود، فإنّما تأكيد لحرمة الغصب.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ حرمة الخروج إمّا لأجل تعلّق النهي به بالخصوص، أو لأجل انّه تصرّف في مال الغير; أمّا الأوّل فهو دفع الفاسد بالأفسد، لأنّ النهي عن الخروج بما هوهو يستلزم البقاء في المغصوب إلى آخر العمر وهو أشدّ محذوراً، وأمّا الثاني فهو يستلزم التكليف بالمحال، لعدم قدرته على امتثال ذلك النهي إلاّ أن يلتجئ إلى البقاء، وهو أيضاً حرام.

فإن قلت: إنّ الامتناع بالاختيار، لا ينافي الاختيار.

قلت: قد سبق انّ القاعدة صحيحة، ولكن المراد أنّه لا ينافي ملاكاً وعقاباً، لا خطاباً وحكماً، فهو معاقب إذ كان في وسعه امتثال هذا النهي الشامل للخروج أيضاً بترك الدخول، لأنّه عصى و دخل فيعاقب على الخروج للنهي السابق الساقط لا أنّه مخاطب بالفعل بالنهي عن الخروج.

ثمّ إنّ السيد الأُستاذ ـ قدس سره ـ اختار نظرية السيد البروجردي واستدلّ عليه لكن بطريق آخر، وهو ما اختاره من أنّ خطابات الشرع، خطابات قانونية وليست خطابات شخصية، ويكفي في صحّة الخطاب القانوني، اجتماعُ الشرائط العامّة في كثير من المكلّفين لا في كلّ واحد، بخلاف الخطاب الشخصي فانّه يشترط اجتماع الشرائط العامة في كلّ مخاطب بالخصوص.


1 . لمحات:244.


(254)

توضيح ذلك: انّ الخطاب تارة يتعلّق بالعنوان الكلّي كالناس والمؤمنين، وأُخرى بفرد معيّن، ومعنى الخطاب في الأوّل جعل الحكم على العنوان الكلّي من دون لحاظ كلّ واحد واحد من الأفراد التي ينطبق عليها العنوان، ويكفي في صحّة الخطاب وعدم لغويته، اجتماع الشرائط في كثير من مصاديق العنوان، لا في كلّ واحد، بخلاف الخطاب الشخصي، فانّ الصحّة فيه رهن اجتماع الشرائط في نفس المخاطب.

فإن قلت: إنّ العقل يتصرّف في الخطابات القانونية، ويقيّدها بالقدرة، فعندئذ يكون الخطاب القانوني، كالخطاب الشخصي في اعتبار القدرة في كليهما.

قلت: ليس من شأن العقل، التصرّفُ في إرادة الغير وخطابه، غاية ما في الباب أنّ للعقل، التعذير، فإذا كان بعض المكلّفين فاقداً للشرط أو الشرائط يعدّه معذوراً في مخالفة التكليف من دون أن يتصرّف في إرادة المولى، أو خطابه.

وعلى ضوء ذلك يكون الخروج محرّماً و مصداقاً للحكم الكلّي، أعني: حرمة التصرّف في مال الغير المطلق الشامل للقادر والعاجز، وأمّا التعذير فإنّما يصحّ إذا كان بغير سوء الاختيار، دون ما إذا كان معه كما في المقام.

فخرجنا بالنتيجة التالية: من كون التصرّف «الخروج» حراماً لكونه مصداقاً لحرمة التصرّف في مال، وانّ الخطاب أو الحكم شامل، وإن كان عاجزاً، إذ لا يشترط القدرة في كلّ واحد من الأفراد، وأمّا التعذير فهو منتف لأجل سوء الاختيار.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بالنقض بالخطاب الشخصي فإنّه مقيّد بالقدرة، مع كون الخطاب أو الحكم مطلقاً، فهل المقيّد هو المولى أو العقل؟ والأوّل منتف لإطلاق


1 . تهذيب الأُصول:1/404.


(255)

خطابه وكلامه، والثاني يستلزم تصرّف العقل في إرادة المولى.

وثانياً: أنّ العقل لا يتصرّف في إرادة المولى وإنّما يكشف عن ضيق إرادته وعدم تعلّقها إلاّ بالقادر، فكم فرق بين التصرّف في إرادة المولى وحمله على ما يحكم به العقل، وبين كشف العقل عما في ضمير الجاعل وصميم ذهنه، وهو انّ الطلب من العاجز ـ و إن كان بسوء الاختيار ـ غير صحيح، لأنّه تكليف بالمحال.

وثالثاً: بما تقدّم في باب الترتب من أنّ الإجمال في مقام الثبوت غير ممكن، فلو سئل المولى عن عموم حكمه للعاجز، لأجاب بالنفي، لأنّه تكليف بالمحال.

الثاني: الخروج واجب شرعاً

ذهب الشيخ الأنصاري وا لمحقّق النائيني إلى أنّ الخروج واجب شرعاً وليس وراء الوجوب حكم سواه، واستدلّ عليه بوجوه ثلاثة نقلها المحقّق الخراساني بصورة السؤال والجواب.

الأوّل: أنّ الخروج مقدّمة لترك البقاء الواجب الأهم، ومقدّمة الواجب، واجبة، فلا يكون منهياً عنه لامتناع الاجتماع.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بوجهين:

أوّلاً: أنّ مقدّمة الواجب إنّما تكون واجبة إذا كانت مباحة لا محرمة، وكون الواجب أهمّ من المقدّمة المحرّمة وإن كان يوجب وجوبها إلاّ أنّه فيما إذا لم يكن بسوء الاختيار، ومعه لا يتغير عمّا هو عليه من الحرمة والمبغوضية.

توضيحه: انّ المقدّمة المحرّمة على أقسام ثلاثة:

1. أن لا تكون المقدّمة منحصرة بالحرام، بل كان معها مقدّمة مباحة، وعندئذ لا توصف المقدّمة المحرمة بالوجوب لعدم الانحصار، وبالتالي عدم


(256)

التوقف عليه.

2. أن تكون المقدمة منحصرة به، ولكن لم يكن الابتلاء بها عن سوء الاختيار، فلو كان الواجب أهمّ من حرمة المقدّمة ليطرأ عليها الوجوب، كالمحبوس في مكان مغصوب إذا أُطلق سراحه فيكون الخروج واجباً على فرض وجوب ترك البقاء.

3. تلك الصورة ولكن كان الابتلاء بسوء الاختيار كما في المقام، فلا توصف المقدّمة بالخروج شرعاً وإن كان الواجب أهمّ من المقدمة، غير أنّ العقل يحكم بالخروج حذراً من أشدّ المحذورين.

وثانياً: لو قلنا بوجوب المقدمة (الخروج) في هذه الحالة يلزم أن تكون حرمة الخروج ووجوبها، معلّقة على إرادة المكلّف، فلو لم يدخل، يبقى الخروج على حرمته، لكونه من مصاديق الغصب; وإن دخل، صار واجباً بحكم كونه مقدّمة للواجب.(1)

والأولى أن يجاب بأنّ أصل الدليل باطل، لأنّه مبني على وجوب «ترك البقاء» الذي مقدّمته الخروج، مع أنّ الحكم الشرعي في المقام هو حرمة الغصب، لا وجوب ترك البقاء، اللّهم إلاّ إذا قلنا بأنّه إذا حرم الشيء (البقاء بما أنّه من مصاديق الغصب)، وجب تركه أخذاً بالقاعدة المعروفة من أنّ حرمة الشيء تستلزم وجوب ضدّه العام ـ أي الترك ـ وقد عرفت في مبحث الضدّ عدم صحته.

***

الثاني: انّ التصرّف في أرض الغير حرام دخولاً و بقاءً ، و أمّا التصرّف الخروجي فليس بحرام، أمّا قبل الدخول فلعدم التمكّن منه، و أمّا بعده فلكونه


1 . كفاية الأُصول:1/264ـ 265.


(257)

مضطرّاً إليه لانّه سبب للتخلص، فحاله حال من يشرب الخمر للتخلص عن الوقوع في التهلكة.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:

1. بالنقض بالبقاء فانّه غير مقدور قبل الدخول، مع أنّه حرام ، و بالنقض بالأفعال التوليدية ـ كالإحراق ـ المترتّبة على الأفعال المباشرية ـ كالإلقاء ـ فإنّ تركها بتركها وإيجادها بإيجادها.

2. بالحل فانّ التصرّف الخروجي مقدور، غاية الأمر انّه مقدور بالواسطة، فتركه بترك الدخول، والمقدور بالواسطة مقدور أيضاً، و كون ترك الخروج بترك الدخول من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع لا يضرّ في صدق المقدورية.

وإلى هذا الوجه أشار بقوله:«ضرورة تمكّنه من (ترك الخروج) قبل اقتحامه فيه بسوء اختياره، وبالجملة كان قبل ذلك متمكّناً من التصرّف خروجاً كما يتمكّن منه دخولاً غاية الأمر يتمكّن من الدخول بلا واسطة، ومن الخروج بالواسطة، ومجرّد عدم التمكّن منه إلاّ بالواسطة لا يخرجه عن كونه مقدوراً.

3. انّ قياس الخروج بشرب الخمر لأجل التخلّص من الهلكة قياس مع الفارق، لأنّ اضطراره إلى شرب الخمر لم يكن بسوء الاختيار، كما إذا لسعه العقرب فاضطرّ إلى شرب الخمر بتجويز الطبيب، بخلاف المقام.

وإلى هذا الوجه أشار بقوله: «ومن هنا ظهر حال شرب الخمر...».

ونشير في المقام إلى نكتتين:

الأُولى: انّ الاستدلال والإجابة مبنيّان على أنّ كلا ًمن الدخول والبقاء، والخروج متعلّقات للحرمة بعناوينها، فعندئذ يُوجَّه استدلال الشيخ بأنّه كيف يكون الخروج حراماً، مع أنّه غير مقدور؟ كما يوجّه إجابة المحقق الخراساني بأنّه


(258)

مقدور بالواسطة.

ولكن الحقّ أنّ هنا حكماً واحداً متعلّقاً بموضوع واحد، وهو حرمة التصرف في مال الغير إذا كان بسوء الاختيار، فكلّ من الدخول والبقاء والخروج، حرام لأجل انّها من مصاديق التقلّب في مال الغير والتصرّف فيه، لا بما أنّه دخول، أو بقاء، أو خروج، فوصف التصرّف بهذه العناوين إنّما هو من جانب المكلّف لا من جانب الشارع، وعندئذ يسقط البرهان ، ومع سقوطه لا يبقى مجال للإجابة.

الثانية: انّ الشيخ شبّه المقام بمن يضطرّ إلى شرب الخمر للنجاة من الهلكة ولكنّه في غير موقعه، إذ في مورد الخمر حكمان شرعيان.

أ . وجوب حفظ النفس من الهلكة.

ب. حرمة شرب الخمر.

فإذا كان الأوّل أهمّ في نظر الشارع يقدّم حكمه على حرمة المقدّمة(الخمر). بخلاف المقام، إذ ليس فيه إلاّ تكليف واحد وهو حرمة التصرّف في مال الغير، وأمّا وجوب التخلّص من الغير، أو ردّه إليه، أو الخروج من المغصوب فكلّها أحكام عقلية مشتقة من حكم الشارع بحرمة الغصب، فليس في المقام حكمان شرعيان يكون أحدهما أهمّ من الآخر.

***

الثالث: كيف يكون مثل الخروج ممنوعاً عنه شرعاً ومعاقباً عليه عقلاً، مع بقاء ما يتوقّف عليه (ترك البقاء أو التخلّص من الغصب) على وجوبه، لوضوح سقوط وجوب ذي المقدّمة مع امتناع المقدّمة المنحصرة ولو كان بسوء الاختيار، والعقل قد استقل فانّ الممنوع شرعاً كالممنوع عادة أو عقلاً؟

أقول: هذا هو الوجه الثالث الذي استدلّ به الشيخ على وجوب الخروج، وأساسه هو تسليم وجوب «ترك البقاء» أو «التخلّص من الغصب» ومع فرض


(259)

وجوب ذيها، لا تعقل حرمة المقدّمة، تنزيلاً للممنوع الشرعي منزلة الامتناع العقلي.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بوجهين:

1. إنّما يكون الممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً إذا لم يكن هناك إرشاد من العقل إلى لزوم الأخذ بأقل المحذورين والخروج ليتخلّص عن أشدّهما، ومع حكم العقل بالخروج، لا يكون الممتنع شرعاً كالممتنع عقلاً.

يلاحظ على هذا الجواب: هو وجود التناقض بين ايجاب ذي المقدّمة شرعاً(وجوب التخلّص) وتحريم مقدّمتها، فانّ إيجاب ذيها، يلازم إيجاب مقدّمتها، أو لا أقل من عدم تحريم المقدّمة، فإيجاب ذيها مع تحريم مقدّمته ممّا لا يجتمعان.

2. انّ الخروج عن هذا المأزق ـ لا يصحّ إيجاب الشيء مع تحريم مقدّمته، وانّ ارشاد العقل إلى الخروج غير كاف ـ كما يتحقّق بتحليل المقدّمة(الخروج)، يتحقّق بنحو آخر أيضاً وهو سقوط وجوب ذيها، أعني: «وجوب ترك البقاء» أو «التخلّص من الغصب»، وبكلمة جامعة سقوط «حرمة الغصب» بعد الدخول للعصيان فانّه أحد أسباب سقوط التكليف ويتبعه عدم وجوب المقدّمة، مع بقاء حكم العقل بالخروج حذراً من أشدّ المحذورين كما حقّقناه.

إلى هنا تمّت دراسة القول الثاني، وإليك دراسة القول الثالث وهو قول صاحب الفصول.

القول الثالث: مأمور به، ومنهي بالنهي الساقط

ذهب المحقّق صاحب الفصول إلى قول ثالث مركّب من جزءين:


(260)

1. الخروج مأمور به وواجب شرعاً.

2. انّه منهيّ عنه بالنهي السابق الساقط.

فقد وافقه الشيخ الأنصاري في الجزء الأوّل، كما وافقه المحقّق الخراساني في الجزء الثاني، فلو كان هنا ردّ عليه من المحقّق الخراساني، فلابدّ أن يتوجّه إلى الجزء الأوّل دون الثاني ولذلك ردّ على الأوّل بأُمور:

أ: ما قد مرّ في دراسة نظرية الأنصاري أنّه لا وجه لوجوب الخـروج شرعاً.

ب: انّه يستلزم اتصاف فعل واحد (الخروج) بعنوان واحد بالوجوب والحرمة.

فإن قلت: إنّه لا مانع من اجتماع حكمين مختلفين، لاختلاف زمان تعلّقهما، لأنّ زمان تعلّق الحرمة هو قبل الدخول، وزمان تعلّق الوجوب بعد الدخول والتصرف في الأرض.

قلت: لا ينفع اختلاف زمان التعلّق، مع اتّحاد زمان الفعل المتعلّق به، وإنّما المفيد، اختلاف زمان الفعل ولو مع اتحاد زمانهما، فلو نهى يوم الأربعاء عن صوم يوم الجمعة، وأمر يوم الخميس بصوم ذلك اليوم، لزم التكليف بالمحال، وإن كان زمان التعلّق مختلفاً، بخلاف ما لو أمر و نهى ـ و لو في آن واحد ـ بصوم يوم الخميس ونهى عن صوم يوم الجمعة، والمقام من قبيل القسم الأوّل، لأنّ الدخول منهي عنه بالنهي السابق على الدخول ومأمور به بالأمر اللاحق بعد الدخول فزمان التعلّق وإن كان مختلفاً، لكن زمان الفعل والامتثال واحد.

فإن قلت: إنّ النهي مطلق يعم الحالات الثلاث: الدخول والبقاء والخروج، والأمر بالخروج مشروط بالدخول، فلا منافاة بينهما.


(261)

قلت: كيف لا منافاة بينهما، مع أنّ المأمور به، قسم من المنهي عنه، وشمول إطلاق المنهيّ عنه لخصوص الخروج بعد الدخول، ينافي كونه واجباً بالخصوص.

هذا توضيح مقالة المحقّق الخراساني، حول نقد القول الثالث لصاحب الفصول.

أقول: ما أفاده من أنّه لا دليل على وجوب الخروج حق لا غبار عليه، إنّما الكلام فيما ذكره من امتناع كون الخروج محرّماً بالنهي السابق الساقط وواجباً بعد الدخول لاستلزامه طلب المحال. ذلك لأنّه إنّما يلزم طلب المحال لو كان النهي باقياً في ظرف امتثال الأمر بالخروج، وأمّا إذا كان ساقطاً في نفس ذلك الظرف فلا يلزم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد.

وما ذكره من أنّ الميزان في الصحة والامتناع اختلاف زمان الفعل والامتثال ووحدتهما وإن كان صحيحاً، لكن وحدة المتعلّق إنّما تكون سبباً للامتناع إذا كان كلا الحكمين باقياً إلى زمان الامتثال، دونما إذا كان أحدهما ساقطاً بالعصيان ـ كما في المقام ـ أو بالنسخ كما في غيره.

والمقام نظير ما لو أمر يوم الأربعاء بصوم يوم الجمعة، ونهى عنه يوم الخميس، ومع ذلك نَسخ أحد الحكمين قُبيل ظرف الامتثال.

وجريان حكم المعصية، ليس بمعنى بقاء الخطاب والحكم، بل بمعنى انّه كان قبل الدخول قادراً على امتثال «لا تغصب» بأقسامه الثلاثة، ولماعصى باختياره، يعاقب على الخروج لأجل أنّه بالدخول، أعجز نفسه عن امتثال الخطاب في مورد هذا المصداق، و هذا غير بقاء الخطاب والحكم في حال الخروج.


(262)

فإن قلت: انّ الخروج إن كان مشتملاً على المفسدة امتنع تعلّق الأمر به، وإن كان مشتملاً على المصلحة امتنع تعلّق النهي به.

قلت: قد مرّ أنّ المصالح والمفاسد، ليست من الأعراض القائمة بالفعل حتّى يمتنع اجتماعهما في الموضوع كالبياض والسواد، وإنّما هي جهات خارجية راجعة إلى حياة الفرد والمجتمع، ولا مانع من أن يكون الشيء ذا مصلحة من جهة ومفسدة من جهة أُخرى.

إلى هنا تبيّن حال القول الثالث، فلندرس القول الرابع وهو قول أبي هاشم الجبائي و المحقّق القمي.

القول الرابع: انّه مأمور به ومنهيّ عنه

ذهب أبوهاشم الجبائي(المتوفّى 321هـ) والمحقّق القمي (المتوفّى 1231هـ) إلى أنّ الخروج مأمور به ومنهي عنه وكلاهما فعليان.

وقد استدلّ لهذا القول ـ كما نقله المحقّق الخراساني في آخر كلامه حول هذا القول ـ بأنّ الأمر بالتخلّص، والنهي عن الغصب دليلان يجب إعمالهما، ولا موجب للتقييد عقلاً، لعدم استحالة كون الخروج واجباً وحراماً باعتبارين مختلفين(التخلّص والغصب).

إذ منشأ الاستحالة:

إمّا لزوم اجتماع الضدين، و هو غير لازم مع تعدّد الجهة.

وإمّا لزوم التكليف بما لا يطاق، وهو ليس بمحال إذا كان مسبباً عن سوء الاختيار.

وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجوه:


(263)

أوّلاً: من لزوم التقييد وتقديم أحدهما على الآخر، فيما إذا تعدّد العنوان، والجهة حقيقة، كما إذا تعلّق الأمر بعنوان الصلاة، والنهي بعنوان الغصب، وإلاّ يلزم اجتماع الضدّين في شيء واحد وهو الفعل الخارجي لتعلّق الأحكام بالمصاديق دون العنوانين.

ثانياً: لو قلنا بالجواز هناك فلا نقول بالجواز في المقام لعدم تعدد الجهة، وذلك لأنّ عنوان التخلّص ليس عنواناً تقييدياً حتّى يتعلّق الأمر به والنهي بالغصب وإنّما هو عنوان انتزاعي، ينتزع من خروج الغاصب عن أرض الغير، وهو علّة غائية وليس بموضوع للحكم، كأنّ الشارع يقول أخرج لأجل التخلّص من الغصب فيلزم اجتماع الأمر والنهي في موضوع واحد وهو الخروج.

وثالثاً : انّ التكليف بالمحال محال حتى و إن كان بسوء الاختيار، وما ربّما قيل من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالمراد به انّه لا ينافي عقاباً و ملاكاً، لا انّه لا ينافي خطاباً و حكماً، لوضوح قبح خطاب العاجز و إن كان السبب للعجز هو نفسه.

ورابعاً: انّ القاعدة لا صلة لها بالمقام، وقد وردت في ردّ الأشاعرة حيث أنكروا القاعدة الفلسفية، أعني: «الشيء ما لم يجب لم يوجد»، بأنّه يستلزم الجبر، لأنّ تحقّق المعلول لو كان رهن وصوله إلى حالة الوجوب، يخرج عن اختيار الفاعل ويستلزم الجبر.

فأُجيب بأنّ إيجاب المعلول و وصوله إلى حدّ اللزوم والوجوب لما كان باختيار الفاعل فلا يكون هذا النوع من الإيجاب والامتناع أمراً غير اختياري، لأنّ الفاعل هو الذي أضفى على الممكن ـ عند إيجاده أو إعدامه ـ وصفَ الوجوب والامتناع باختياره فالفاعل، فاعل موجِب(بالكسر) لا موجَب (بالفتح).


(264)

القول الخامس: ليس محكوماً بحكم فعلاً مع جريان المعصية

وهذا القول هو مختار المحقّق الخراساني و خيرة شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ و قد مرّ تفصيلاً فلا نعيده.

القول السادس: انّه منهي عنه و مأمور به بالترتّب

نقل السيد المحقّق البروجردي هذا الوجه في درسه الشريف، وهو انّه منهي عنه ومأمور به بالترتّب، فكأنّه قال: لا تغصب وهو يشمل الأقسام الثلاثة، ثمّ قال: فإن عصيت بالدخول فأخرج.

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين الترتّب والمقام، وذلك: انّ في الترتّب أمرين يتعلّق أحدهما بالأهم والآخر بالمهم مقيّداً بعصيان الأوّل ولو تركهما يعاقب على كلا العصيانين.

وأمّا المقام فليس هنا إلاّ تكليف واحد وهو النهي عن التصرّف في ملك الغير، بدون إذنه، وأمّا الأمر بالخروج فهو حكم العقل، ليدفع أشد المحذورين بأخفّهما، دون أن يكون هنا حكم من الشرع متعلّق به.

تمّ الكلام في مسألة من توسط أرض الغير بلا إذن، أو مع النهي، في الموردين:

1. حكم الدخول، 2. حكم الخروج.

بقي الكلام في المورد الثالث وهو حكم العبادة حين الخروج، وإليك دراسته:


(265)

المورد الثالث: حكم العبادة حين الخروج

إذا صلّى حال الخروج جامعة لسائر الشرائط فالمشهور هو القول بالصحّة عند ضيق الوقت والبطلان عند سعته.

ولكنّه لا ينطبق على القواعد، لأنّه لو قلنا بجواز الاجتماع أو بالامتناع لكن قدّمنا الأمر فمقتضى القاعدة هو الصحة مطلقاً، ولو قدّمنا النهي فاللازم هو البطلان من دون فرق بين سعة الوقت وضيقه، وعندئذ لا محيص من ذكر الصور المتصوّرة مع بيان مقتضى القاعدة فيها.

1. إذا قلنا بجواز الاجتماع وإمكان تمشّي القربة فالصلاة في الأرض المتوسطة مطلقاً دخولاً و بقاء و خروجاً صحيحة، سواء كان بسوء الاختيار أو لا، وإلى هذه الصورة أشار في الكفاية : «لا إشكال في صحة الصلاة مطلقاً في الدار المغصوبة على القول بالاجتماع».

2. إذا كان الوقوع فيها لا بسوء الاختيار فالصلاة فيها صحيحة، سواء أقلنا بجواز الاجتماع أم لا، أمّا على الأوّل فواضح، وأمّا على الثاني فلأجل سقوط النهي لأجل الاضطرار.

وإلى هذه الصورة أشار بقوله: «وأمّا على القول بالامتناع فكذلك مع الاضطرار إلى الغصب لا لسوء الاختيار».

3. إذا قلنا بالامتناع وكان الاضطرار بسوء الاختيار، وقلنا بمقالة الشيخ من أنّ الخروج واجب، وليس بحرام، ولا يجري عليه حكم المعصية، فالصلاة صحيحة لوجود الأمر وعدم النهي.

وإلى هذه الصورة أشار بقوله ومعه (أي مع القول بالامتناع) ولكنّها وقعت


(266)

في حال الخروج على القول بكونه مأموراً، بدون إجراء حكم المعصية.

4. إذا قلنا بالامتناع و قدّمنا الأمر فمقتضى القاعدة الصحة، وإلى هذه الصورة أشار بقوله: «أو مع غلبة ملاك الأمر على النهي... مع ضيق الوقت وأمّا السعة ففيها وجهان».

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المحقّق الخراساني حاول أن يطبِّق فتوى المشهور على التفصيل بين ضيق الوقت وسعته على هذه الصورة قائلاً:

بإمكان امتثال الأمر بالصلاة في الأرض المباحة في سعة الوقت، دون ضيقه بل ينحصر امتثال الأمر بالصلاة في الأرض المغصوبة.

توضيحه: انّ مصلحة الصلاة في الأرض المغصوبة ـ على فرض تقديم الأمر على النهي ـ وإن كانت غالبة على ما فيها من المفسدة، لكن الصلاة في غير تلك الدار خالية عن المفسدة، فيكون أهمّ من الواجد لها، وبما انّهما ضدّان يتوجّه الأمر الفعلي إلى الفاقد للمفسدة، ويكون الواجد لها منهيّاً عنه، بحجّة انّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فتكون الصلاة في الأرض المغصوبة منهياً عنها، ومحكومة بالبطلان لوجود النهي.

وهذا بخلاف الصلاة فيها مع ضيق الوقت فانّ انحصار الامتثال بالصلاة في الدار المغصوبة ينفي توجّه الأمر إلى الضدّ الأهم الفاقد للمفسدة، فلا يكون هناك أمر بالضد الفاقد لها حتى يتولّد منه النهي عن الضد المهم.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من تقديم الأهم على المهم في باب التزاحم، هو تقديم الأقوى ملاكاً، على الأضعف ملاكاً، كما إذا دار الأمر بين إنقاذ النبي والرعية، فالعقل حكم بتقديم الأوّل، وأمّا المقام فالمفروض أنّ الفردين ـ في سعة الوقت ـ متساويان في الملاك، غير أنّ أحدهما يشتمل على المفسدة دون الآخر،


(267)

والخلو عن المفسدة، غير كون الخالي أهم من المشتمل عليها.

بل يمكن أن يقال: انّ المفروض هو تقديم ملاك الأمر على ملاك النهي وكون مصلحة الأوّل غالبة على مفسدة الآخر، ولأجله لا تؤثر المفسدة لوجود المصلحة الغالبة، وعندئذ تكون الصلاة في الدار المغصوبة، مثل الصلاة في غيرها فلا مفسدة مؤثرة، حتّى يجعل الفرد المشتمل عليها، أضعف والخالي عن المفسدة أقوى.

5. ويمكن أن يقال انّ تفصيل المشهور راجع إلى صورة خامسة لم يذكرها المحقّق الخراساني، وهي إذا قلنا بالامتناع وكون الخروج منهيّاً عنه بالنهي السابق الساقط، أو الحاضر و قلنا بتقديم ملاك النهي، فالصلاة باطلة في سعة الوقت وضيقه، لتقديم النهي على الأمر.وهذه الصورة لم يذكرها في الكفاية، فإذا قدّم النهي تكون المفسدة غالبة على المصلحة ومن المعلوم انّها في سعة الوقت وأمّا في ضيقه، فيقدّم الأمر، لأجل قوله:«لا تسقط الصلاة بحال» فيقدّم على حرمة التصرّف في مال الغير لقوّة لسان دليل الأمر

وهذا بخلاف سعة الوقت، إذ لا دليل ثالث حتّى يكون مؤثراً في تقديم الأمر على النهي فتكون التصرّفات المتّحدة مع الصلاة أمراً مبغوضاً ومنهيّاً عنه فلا أمر كما هو المفروض من القول بالامتناع وتقديم النهي.

حكم الخروج إذا تاب بعد الدخول

لو تاب العبد ـ بعد الدخول ـ و حاول أن يخرج من أقرب الطرق للتخلّص عن المعصية لا للتنزّه كالدخول، فقد ذهب السيد البروجردي إلى عدم كونه منهياً عنه وصادراً عن معصية، وذلك لأنّه إذا تاب عن تصرّفاته السابقة تكون تصرفاته


(268)

اللاحقة الاضطرارية بعد التوبة، تصرفات غير مسبوقة بالمعصية المؤثرة، فيصير حاله بالنسبة إلى التصرّفات الخروجية لأجل التخلّص كمن اضطرّ إلى الدخول، فاختار الخروج ـ بعد رفع الاضطرار ـ للتخلّص من البقاء المحرم.

والحاصل:أنّ الخروج بما انّه من توابع الدخول فلو عدّ الدخول عصياناً و ظلماً و تمرّداً على المولى تكون توابعه محكومة بحكمه، وأمّا إذا تقلّب حكمه ـ بحكم انّ التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ـ فتكون توابعه أيضاً محكومة بحكمه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتصوّر فيما إذا عصى اللّه في حقوقه، دونما إذا عصاه في حقوق الناس، وأمّا إذا عصاهم وتجاوز على حقوقهم ، فلا تكفي التوبة والندامة مالم يُحصِّل رضاهم، ومع تحصيله لا يبقى موضوع للبحث.


1 . لمحات الأُصول:246; نهاية الأُصول:249.


(30)

المحور الثالث

في الثمرة الفقهية

قد عرفت أنّ الكلام في هذا الفصل يدور على محاور ثلاثة، وقد مضى الحديث عن المحورين الأوّلين فلا نعود إليهما، ولنركِّز على المحور الثالث وهو ثمرة البحث، فنقول:

إنّ ثمرة البحث هي بطلان الصلاة وصحّتها على القول بالاقتضاء وعدمه، فلو كان الأمر بالمضيَّق كالإزالة مقتضياً للنهي عن الموسَّع كالصلاة، فالصلاة تكون محكومة بالبطلان، ولو نُفِي الاقتضاء فلا تكون منهياً عنها وتكون صحيحة طبعاً.

نعم مجرّد ثبوت تعلّق النهي بالصلاة لا يكفي في استنتاج المسألة الفقهية بل يجب أن تُضم إليها مسألة أُصولية أُخرى، وهي انّ النهي في العبادات موجب للفساد.

وعلى ضوء ذلك فاستنتاج البطلان موقوف على مقدّمتين: صغرى وكبرى.

فالصغرى أي تعلّق النهي يثبت في المقام.

وأمّا الكبرى فترجع إلى المقصد الثاني وهو انّ النهي في العبادات يدلّ على الفساد.

وبذلك يعلم أنّ المسألة الأُصولية تارة تكون علّة تامّة لاستنتاج المسألة


(31)

الفقهية كما هو الحال في حجّية خبر الواحد، وأُخرى تكون جزء العلّة كما في المقام حيث إنّ الصغرى على ذمّة هذا البحث و الكبرى على ذمّة المقصد الثاني، فبضم الأمرين يُستنتج الحكم الشرعي.

ثمّ إنّ جماعة أنكروا الثمرة لوجهين:

الأوّل: انّ النهي ـ على فرض ثبوته ـ نهي غيري، و هو لا يكشف عن وجوب المفسدة في المتعلّق فلا يكون ملازماً للفساد، وإنّما يدلّ النهي على الفساد إذا كان كاشفاً عن وجود المفسدة في المتعلّق على نحو يكون مبغوضاً للمولى وهو من خصائص النهي النفسي لا الغيري كما في المقام.(1)

هذا من غير فرق بين كون النهي مستفاداً من مسلك المقدمية أو مسلك الملازمة.

أمّا الأوّل فهو واضح، لأنّ ترك الصلاة مقدّمة لفعل الإزالة فيكون واجباً ويتعلّق به الأمر، لكن الأمر بترك الإزالة أمر مقدّمي يتولّد منه نهي غيري آخر، وهو النهي عن الصلاة بذريعة انّ الأمر بالشيء (ترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضدّه العام أي النقيض وهو الصلاة.

وأمّا الثاني فقد عرفت أنّ استنباط النهي متوقّف على أنّ الأمر بالإزالة مقتض للنهي عن الضد العام، أعني: ترك الإزالة، وهذا النهي غيري يتولّد منه نهي آخر عن الصلاة لكونها ملازمة لترك الإزالة، والمتلازمان متحدان حكماً.

ولعلّنا نرجع إلى الإجابة عن هذا الإشكال.

الثاني: ما ذكره بهاء الدين العاملي من أنّ التكليف لإثبات النهي عن


1 . تهذيب الأُصول:1/300.


(32)

الصلاة أمر لا طائل تحته، إذ لا نحتاج في الحكم بفساد الصلاة إلى النهي، بل يكفي عدم الأمر بالصلاة، وهو أمر متفق عليه لظهور سقوط الأمر بالصلاة بعد الأمر بالإزالة، فكون الصلاة غير مأمور بها يكفي في فسادها.

ثمّ إنّ القوم حاولوا الإجابة عن هذا الإشكال بوجوه ثلاث:

الأوّل: كفاية وجود الملاك في صحّة العبادة ولا يلزم قصد الأمر، وهذا ما أجاب به المحقّق الخراساني.

الثاني: كفاية قصد الأمر المتعلق بالطبيعة وإن كان الفرد المزاحَم فاقداً للأمر، وهو المستفاد من كلمات المحقّق الثاني.

الثالث: تصحيح الأمر بالصلاة عن طريق الترتب.

وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر:

الأوّل: كفاية وجود الملاك في صحّة العبادة

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الصحّة ليست رهن تعلّق الأمر بالعبادة فقط، بل الصحّة أعمّ من الأمر، ويكفي فيها أيضاً وجود الملاك والرجحان الذاتي في العبادة، إذ الفرد المزاحم من العبادة وغير المزاحم سيّان في الملاك والمحبوبية الذاتية، إذ غاية ما أوجبه الابتلاء بالأهم هو سقوط أمره وأمّا سقوط ملاكه ورجحانه الذاتي وكونه معراج المؤمن وقربان كلّ تقي فهو بعد باق عليه.

فإن قلت: إنّ العلم بوجود الملاك فرع تعلّق الأمر بالصلاة والمفروض سقوطه، ومعه كيف يعلم الملاك وانّها صالحة للتقرب.وبعبارة أُخرى كما أنّ النهي يكشف عن عدم الملاك، فكذلك الأمر يكشف عن وجوده، ومع فقد الأمر فمن أين نستكشف وجود الملاك؟


(33)

قلت: إنّ المقام من قبيل المتزاحمين لا المتعارضين، والملاك في كلّ من المتزاحمين موجود على نحو لولا التزاحم لكان الفرد الموسَّع مأموراً به، وهذا معنى اشتماله على الملاك وإن لم يكن مأموراً به بالفعل، حتّى أنّ المحقّق النائيني جعل قصد الملاك أقوى في حصول التقرب من قصد الأمر، فقال: لم يدل دليل على اعتبار أزيد من قصد التقرب بالعمل في وقوعه عبادة، وأمّا تطبيقه على قصد الأمر فإنّما هو بحكم العقل، وقصد الملاك لو لم يكن أقوى في حصول التقرب بنظر العقل من قصد الأمر فلا أقلّ من كونه مثله.(1)

الثاني: كفاية قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة

وهذا الجواب مستنبط من كلام المحقّق الكركي وإن لم يكن هو بصدد الإجابة على إشكال بهاء الدين العاملي لتقدّم عصره عليه.

وحاصل ما يستنبط من كلامه انّ البحث عديم الثمرة في المضيقين دون المضيّق والموسّع.

أمّا الأوّل كإنقاذ الغريقين اللّذين أحدهما أهمّ من الآخر، فإنّ الأمر بالأهم يوجب سقوط الأمر بالمهم مطلقاً عن الفرد والطبيعة، إذ ليس لها إلاّ فرد واحد مزاحم بالأهم.

وأمّا الثاني فتظهر فيه الثمرة، فأمّا إذا بنينا على عدم تعلّق النهي بالضد كما هو مفروض الإشكال فغايته انّه يوجب سقوط الأمر بالطبيعة المتحقّقة في الفرد المزاحم لعدم القدرة على الإتيان به شرعاً، وهـو في حكم عـدم القـدرة عقلاً، لا سقوط الأمر عن الطبيعة بوجودها السعيّ، بل الأمر بها باق لعدم اختصاص


1 . أجود التقريرات:1/265; المحاضرات:3/71ـ 73.


(34)

تحقّق الطبيعة بالفرد المزاحم.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ الفرد المزاحم وإن لم يكن من مصاديق الطبيعة المأمور بها ولكنّه من مصاديق مطلق الطبيعة، وملاك الامتثال إنّما هو انطباق عنوان الطبيعة على الفرد الخارجي لا كون الفرد الخارجي بشخصه مأموراً به، فهو مصداق الطبيعة وإن لم يكن مصداق الطبيعة المأمور بها.

وبعبارة أُخرى : انّ الثابت هو سقوط الأمر عن هذا الفرد فواضح، لا سقوطه عن الطبيعة، وذلك لأنّ الواجب الموسّع له أفراد غير مزاحمة وإنّما المزاحمة بين المضيق والفرد المزاحم من الموسع، فيأتي الفرد بنية الأمر بالطبيعة باعتبار انّ لها مصاديق غير مزاحمة.

هذا هوالمستفاد من كلام المحقّق الكركي في «جامع المقاصد» في كتاب الدين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الأمر المتعلّق بالطبيعة يتصوّر على أقسام:

1. أن يكون وجوبها إنشائياً مادام الأهم غير مأتي به.

2. أن يكون وجوبها فعلياً والواجب استقبالياً، والمراد من الاستقبالي تعيّن الإتيان بالمهم بعد الإتيان بالأهم.

3. أن يكون الوجوب والواجب فعليّين.


1 . قال فيه: لا نسلم لزوم تكليف ما لا يطاق إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: أوجبت عليك كلاً من الأمرين لكن أحدهما مضيق والآخر موسّع، فإنّ قدّمت المضيّق فقد امتثلت وسلمت من الإثم، وإن قدّمت الموسّع فقد امتثلت وأثمت بالمخالفة في التقديم . (جامع المقاصد:5/12). ولم نجد فيه عبارة تصلح سنداً لما ذكره شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ في المتن، وهو أعرف بمواقع كلمات الفقهاء.


(35)

لكن الأمر الإنشائي لا يمكن التقرّب به، لأنّ المفروض عدم بلوغ إرادة المولى حدّ الطلب الجدّي.

وعلى الثاني لا يصحّ الإتيان بالفرد المزاحم، لأنّ المفروض انّ الطبيعة مقيدة بالزمان المتأخّر عن الإتيان بالأهم.

وأمّا الثالث وهو يستلزم أن يكون كلّ من الوجوب والواجب فعليين، فهو يستلزم الأمر بالضدين.

فالإتيان بالمهم في الأمر المتعلّق بالطبيعة لا ينجع، لأنّه بين كون الأمر إنشائياً أو الواجب استقبالياً وبين استلزامه طلب الضدين.

أضف إلى ذلك هو انّ الأمر المتعلّق بصرف الوجود أو نفس الطبيعة باعثاً وداعياً بالنسبة إلى هذا الفرد أو لا; فعلى الأوّل يلزم التكليف بالضدّين، وعلى الثاني لا يصحّ الإتيان بهذا الفرد بنية الأمر المتعلّق بالطبيعة لافتراض عدم باعثيته له.

هذا فإذا كان الجواب الأوّل ـ أي إتيان الصلاة بملاكها أو إتيانها بلحاظ الأمر المتعلّق بالطبيعة ـ ناجعاً في إضفاء الصحة على الصلاة فهو، وإلاّ فلابدّ من سلوك طريق آخر، وهو تصوير تعلّق الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان أمر الأهم وهذا هو البحث المعروف بالترتب، لترتب الأمر المتعلق بالمهم على عصيان الأمر الأهم.


(36)

الأمر بالضدين على نحو الترتّب

إنّ الترتّب من المسائل الشائكة التي تضاربت فيه الأقوال والآراء، وبما انّها من أُمّهات المسائل الأُصولية التي يستنبط بها مسائل مختلفة كما سنشير إليها، نقدم أُمّوراً قبل الخوض في صلب الموضوع.

الأوّل: الفرق بين التعارض و التزاحم

يستعمل لفظ التزاحم في هذا الباب و مبحث اجتماع الأمر والنهي، فلابدّ من توضيح المراد في المقام فقط، فنقول:

لا شكّ انّ التعارض والتزاحم يجمعهما وجود التنافي بين الدليلين وإنّما الاختلاف في مصبِّه، فنقول:

إنّ التعارض عبارة عن تنافي الدليلين في الجعل والإنشاء بأن يستحيل من المقنن الحكيم، صدور حكمين أو جعلين حقيقيين لغاية الامتثال فهو التعارض ويعرف بالتنافي بين مدلولي الدليلين في مقام الجعل والإنشاء.

مثلاً يستحيل على الحكيم أن يحرّم بيع العذرة وفي الوقت نفسه أن يبيحها فيقول: ثمن العذرة سحت ثمّ يقول: ولا بأس ببيع العذرة، إذ لا تنقدح الإرادتان المتضادتان في نفس المقنن على وجه الجد، فيُعلم كذب أحد الدليلين وعدم صدور واحد منهما في مقام التشريع.

ثمّ إنّ التكاذب بين الدليلين تارة يكون بالذات كما في المثال المذكور،


(37)

وأُخرى بالعرض، كما إذا ورد الدليل على وجوب صلاة الظهر وصلاة الجمعة في يومها، فانّ الدليلين خاليان من التنافي في مقام الجعل، إذ لا مانع من إيجاب صلاتين في وقت واحد يسع كلاً منهما لكن بعد ما علمنا أنّ الشارع لم يكتب يوم الجمعة على المكلّف إلاّ فريضة واحدة، عرضهما التكاذب بالعرض.

نعم لا يشترط في التعارض التنافي في مقام الامتثال، بل يمكن أن يكون المتعارضان ممكني الامتثال، كما إذا دلّ أحد الدليلين على وجوب الشيء والآخر على استحبابه أو إباحته; كما يمكن أن يكون ممتنعي الامتثال، كما إذا دلّ أحدهما على الوجوب والآخر على الحرمة والجامع بين عامة الأقسام وجود التكاذب في مقام الجعل والإنشاء.

وأمّا التزاحم فهو عبارة عن وجود التنافي بين الحكمين في مقام الامتثال بمعنى عدم المنافاة في مقام الجعل والتشريع، بل الحكمان في ذلك المقام متلائمان غير أنّ عجز المكلّف وقصور قدرته صار سبباً لحدوث التنافي بين الدليلين، كما في قولك «انقذ أخاك» و«انقذ عمّك» فجعل الحكمين والأمر بإنقاذ كلا الشخصين ليس فيه أي تناف في مقام الإنشاء، ولذلك لو ابتلى المكلّف بهما متعاقباً لا مجتمعاً تمكّن من الامتثال، وإنّما التنافي في مقام الامتثال عندما ابتلي بهما جمعاً.

ومثله المقام فإذا قال المولى أزل النجاسة عن المسجد وقال: (أَقِمِ الصَّلاةَ لدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيلِ)(1) فليس هناك أيّ تناف بين الدليلين لا في مقام الجعل كما هو واضح لاختلاف الموضوعين، بل ولا في مقام الامتثال، كما إذا ابتلى بأحدهما بعد الآخر، وإنّما التنافي فيما إذا ابتلى بهما معاً حيث يعجز عن القيام بالأمرين معاً.


1 . الإسراء:78.


(38)

وهذا هو المسمّى بالتزاحم بمعنى انّ صرف القدرة في أحدهما يمنع المكلّف عن الصرف في الآخر.

ثمّ اعلم أنّ تفسير التعارض والتزاحم على هذا النحو هو خيرة المحقّق النائيني وتلاميذ مدرسته، وقد خالف في تفسيره المحقّق الخراساني وسيوافيك تفسيره في باب اجتماع الأمر والنهي عند الكلام في الأمر الثامن والتاسع من مقدّمات البحث.

الثاني: مرجحات التعارض غير مرجحات التزاحم

إذا كان التعارض يختلف بجوهره عن التزاحم فمرجّحات الأوّل غير مرجّحات الثاني، أمّا الأوّل فبما انّ التعارض هناك يرجع إلى مقام الجعل والتشريع فتمييز الصادق عن الكاذب رهن المرجحات التي يذكرها الشارع لتلك الغاية وليس للعقل إليها سبيل، وستوافيك تلك المرجحات في المقصد الثامن عند البحث عن التعادل والترجيح، وأمّا مرجحات باب التزاحم فبما انّ التنافي خارج عن مصب التشريع ولا صلة له بالشارع وإنّما يرجع إلى قصور قدرة المكلّف عن الامتثال، فللعقل سبيل إلى تعيين المرجّحات وهو تقديم الأهم بالذات أو بالعرض على غيره.

وعناوين تلك المرجّحات عبارة عن الأُمور التالية:

1. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل.

2. تقديم المضيق على الموسع.

3. تقديم الأهم بالذات على المهم.

4. سبق أحد الحكمين زماناً.


(39)

5. تقديم الواجب المطلق على المشروط.

وبما انّا قد استوفينا الكلام فيها ـ تبعاً لشيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في باب التعادل والتراجيح نطوي الكلام فيها و إن شئت فراجع «إرشاد العقول».(1)

الثالث: في تعريف الترتّب

إنّ الترتّب عبارة عن تعلّق أمر فعلي بواجب أهم على وجه الإطلاق بلا تقييد بشيء وتعلّق أمر فعلي آخر بضدّه المهم مشروطاً بعصيان ذلك الأمر المتعلّق بالأهم على نحو الشرط المتأخر أو بالعزم على عصيانه، وتظهر حقيقة الترتّب في المثالين الأخيرين.

أ. إذا كان الواجبان مضيّقين، كما إذا قال المولى: انقذ ولدي فإن عصيت فأنقذ الأجنبي.

ب. إذا كان أحد الواجبين مضيّقاً والآخر موسّعاً كما إذا قال: أزل النجاسة فإن عصيت فصلِّ.

فعلى كلا التقديرين يكون أحـد الأمرين مطلقاً والآخر مشروطاً بالعصيان.

الرابع: صحّة الترتّب وعدمها عقلي

البحث عن صحّة الترتّب وعدمها بحث عقلي لا دخالة للّفظ فيه وذكره في أبواب مباحث الألفاظ كذكر أحكام الملازمات في باب الأوامر مع أنّ البحث فيها عن الملازمة العقلية.


1 . إرشاد العقول:2/310ـ314، من المباحث العقلية.


(40)

الخامس: الترتّب يكفي في وقوعه إمكانه

إنّ مسألة الترتّب من المسائل التي يكفي في وقوعها إمكانها، وذلك لأنّه إذا ابتلى المكلّف في أوّل الظهر مثلاً بواجبين أحدهما مضيق والآخر موسّع، فيدور الأمر لأجل رفع التنافي بين أحد الأمرين:

أ. إمّا رفع اليد عن نفس الأمر بالمهم مطلقاً والقول بسقوطه كما عليه شيخنا بهاء الدين العاملي حيث زعم انّ الأمر بالإزالة موجب لسقوط الأمر بالصلاة مطلقاً.

ب. رفع اليد عن إطلاق الأمر بالمهم بأن يُقيّد بعصيان أمر الأهم، فلو كان تقييد الأمر بالمهم كافياً لرفع التنافي فلا وجه لرفع اليد عن أصل الأمر، لأنّ الضروريات تتقدر بقدرها، فمن صحّح الترتّب أخذ به، ومن لم يصحّحه رفع اليد عن الأمر بالمهم أساساً.

السادس: الأمر بالمهم فعليّ كالأهم

إنّ واقع الترتّب يقوم على أساس توجه أمرين فعليين إلى المكلّف أحد الأمرين مطلق والآخر مشروط.

وبعبارة أُخرى ففي الوقت الذي يكون الأمر بالمهم (الصلاة) فعلياً يكون الأمر بالإزالة أيضاً فعلياً لم يَسقط بعدُ لا بالامتثال ولا بالعصيان، فلأجل تصحيح الجمع بين الأمرين الفعليين يبقى الأمر بالأهم على إطلاقه، ويُقيّد الأمر بالمهمّ بالعصيان على نحو يكون الأمر معه فعليّاً أيضاً. ولذلك لابدّ من الدقة في الشرط الذي يخرج الأمر بالمهم عن إطلاقه ويصيره مشروطاً مع كونه فعلياً أيضاً.


(41)

فالجمع بين هذه الأُمور:

أ: كون الأمر بالمهم مشروطاً.

ب: كون الأمر بالمهم فعلياً.

ج: كون الأمر بالأهم غير ساقط بعد.

أمر دقيق يحتاج إلى مزيد من النظر.

فالذي يمكن أن يجمع بين هذه الأُمور هو عبارة عن جعل الشرط (العصيان) بالنحو التالي:

جعل العصيان شرطاً للأمر بالمهم لكن على نحو الشرط المتأخر لا المتقدم.

والمراد من الشرط المتأخر للتكاليف هو ما يكون الشرط متقدماً لحاظاً ومتأخراً وجوداً، وفي المقام انّ المولى يتصور عصيان العبد بالنسبة إلى الأمر بالأهم في المستقبل، ففي ذاك الظرف الذي يكون العصيان متقدماً لحاظاً ومتأخراً وجوداً يأمر بالمهم ويقول: وإن عصيت فصلِّ.

فالشرائط الثلاثة الآنفة الذكر محقّقة:

1. انّ الأمر بالمهم مشروط بالعصيان بنحو الشرط المتأخر.

2. كون الأمر بالمهم فعلياً لوجود شرطه وهو العصيان لكن بنحو الشرط المتأخر بمعنى تحقّقه لحاظاً لا خارجاً، وإلاّ فلو تحقق خارجاً لسقط الأمر بالإزالة ولا يوجد في ظرف التكليف إلاّ الأمر بالمهم.

3. والأمر بالأهم غير ساقط، لأنّه إنّما يسقط بالطاعة أو بالعصيان الخارجي المتقدّم على الأمر بالصلاة والمفروض انتفاؤهما.

أمّا الامتثال فظاهر، وأمّا العصيان فالمفروض انّه لم يتحقّق بعدُ كما هو


(42)

مقتضى أخذ العصيان على نحو الشرط المتأخر وجوده، وبذلك يعلم سرّ أخذ الشرط على نحو الشرط المتأخر لا المتقدّم بوجوده ولا المقارن، لأنّ العصيان المتقدم بوجوده يوجب سقوط الأمر بالإزالة وانحصار التكليف بامتثال الأمر المهم.

وأمّا العصيان المقارن فلأنّ الكلام في الأُمور التدريجية ولا يتصوّر فيها العصيان التدريجي، بل في الأُمور الدفعية كعصيان الأمر بإنقاذ الولد شرطاً مقارنها للأمر بإنقاذ الأجنبي.

فكما يمكن أن يكون العصيان الخارجي شرطاً للأمر بالمهم لكن بنحو الشرط المتأخر يمكن أن يكون الشرط المأخوذ في المهم هو عزم المكلّف بالعصيان، والفرق بين الأمرين واضح.

ففي الأوّل يكون الشرط هو العصيان الخارجي بوجوده المتأخر ومرجعه إلى لحاظ المولى العصيان شرطاً.

وأمّا الثاني فالشرط هو نية المكلّف وعزمه على العصيان، ومن المعلوم أنّ التكليف بالأهم لا يسقط بالعزم والنية فيكون الأمران فعليين متجانسين.

وبذلك تختلف مسألة عزم العصيان مع العصيان المتقدم حيث إنّ الأوّل لا يوجب سقوط التكليف بالأهم بخلاف الثاني.

إذا علمت ذلك فلنرجع إلى تقرير الترتّب. وقد ذكر له تقريبات مختلفة نأتي بها واحد بعد الآخر.


(43)

التقريب الأوّل للترتّب

قد قرر صاحب الكفاية دليل جواز الترتّب بالنحو التالي:

إنّه لا مانع عقلاً عن تعلّق الأمر بالضدّين كذلك أي بأن يكون الأمر بالأهم مطلقاً والأمر بغيره معلقاً على عصيان ذلك الأمر (على نحو الشرط المتأخر) أو البناء والعزم عليه بل هو واقع كثيراً عرفاً.(1)

نقد المحقّق الخراساني دليل القائل بالترتّب

إنّ المحقّق الخراساني نقد الدليل المذكور بما هذا بيانه:

إنّ ملاك الامتناع في الأمرين المطلقين متوفر في الأمرين اللّذين أحدهما مطلق والآخر مشروط، فانّ ملاك امتناع الأمريـن العرضيين عبـارة عن استـلزامهما طلب الضدين، فإذا قال: أزل النجاسة وفي الوقت نفسه صلِّ، فمعنى ذلك طلب الضدّين مع عدم تمكين المكلّف من صرف القدرة إلاّ في امتثال أحد الأمرين.

فإذا كان هذا (طلب الضدين) هو الملاك في امتناع الأمرين العرضيين المطلقين، فهو أيضاً موجود في الأمرين اللّذين أحدهما مطلق والآخر مشروط، وذلك لأنّ الأمر بالمهم وإن لم يكن في مرتبة الأمر بالأهم لكن الأمر بالأهم موجود


1 . الكفاية:1/213.


(44)

في رتبة الأمر بالمهم، فانّ المفروض انّ الأمر بالأهم لم يسقط بعدُ لا بالامتثال ولا بالعصيان فيكون في رتبة الأمر بالمهم، فيجتمع أمران فعليان في رتبة الأمر بالمهمّ وإن لم يكونا كذلك في رتبة الأمر بالأهمّ.

وبعبارة أُخرى: في المرتبة التي للأمر بالأهم دعوة إلى نفسه ليس للأمر بالمهم دعوة إلى امتثال نفسه ولكن في المرتبة التي للأمر بالمهم دعوة إلى متعلّقه فللأمر بالأهم أيضاً دعوة وطلب، لافتراض انّه بعدُ لم يسقط، لأنّ الشرط هو العصيان على نحو الشرط المتأخر.

هذا هو الإشكال الذي اعتمد عليه المحقّق الخراساني في نفي الترتّب، والذي عاقه عن تصويبه هو اجتماع الأمرين في مرتبة الأمر بالمهم وإن لم يكن اجتماع في مرتبة الأمر بالأهم.

تحليل نظرية المحقّق الخراساني

إنّ الملاك في استحالة توجه أمرين مطلقين إلى المكلّف ليس هو طلب الضدّين، بل طلب الجمع بين الضدّين، فانّ طلب الضدّين إذا لم يكن هناك طلبُ جمع بينهما فلا مانع منه كما في الأمر بالسكون في ظرف والأمر بالحركة في ظرف آخر، وإنّما الملاك في الاستحالة هو أن تكون نتيجة الأمرين هو طلب الجمع بينهما في زمان واحد، وهذا الملاك موجود في الأمرين المطلقين دون المطلق والمشروط، فهاهنا دعويان:

الأُولى: انّ نتيجة الأمرين المطلقين هي طلب الجمع بين الضدّين حيث يقول: أزل النجاسة وفي الوقت نفسه صلِّ صلاة الظهر، فهو يطلب في زمان واحد صدور أمرين متضادين وهما بمعنى الجمع بين الضدين، لأنّه جعَل ظرف امتثال


(45)

الأمر الأوّل، نفس ظرف امتثال الأمر الثاني بشهادة انّه قال: وفي الوقت نفسه صلِّ.

الثانية: انّ نتيجة الأمرين اللّذين أحدهما مطلق والآخر مشروط هو طلب الضدين لا طلب الجمع بين الضدين، وذلك لأنّه يطلب الإزالة بلا قيد وشرط كما هو مقتضى الإطلاق.

ولكن يطلب الصلاة في ظرف انصراف المكلّف عن امتثال الأمر بالإزالة، فتكون النتيجة طلب الضدين لا طلب الجمع بينهما، وإنّما يلزم طلب الجمع بين الضدّين لو طلب الأمر بالمهم حتّى في ظرف إرادته لامتثال الأمر بالأهم والمفروض خلافه.

وبعبارة أُخرى: انّ المولى يلاحظ انّ للمكلّف حالتين:

تارة يريد صرف قدرته في الأمر بالأهمّ، وهذا هو الذي يبعثه الأمر بالأهم إلى امتثاله.

وأُخرى لا يريد صرف قدرته فيه فلا يبعثه الأمر بالأهم إلى امتثاله لبعض الملابسات ولكن يوجد في نفسه داع إلى امتثال الأمر بالمهم، ولأجل رعاية كلتا الحالتين يأمر بالأهم وفي ظرف العصيان على نحو الشرط المتأخر يأمر بالمهم.

وبذلك يظهر انّ شيئاً من الأُمور التالية ليس مانعاً من توجيه أمرين إلى المكلّف على نحو الترتب.

1. اجتماع أمرين فعليين.

2. كون الأمر بالأهم في رتبة الأمر بالمهم.

3. استلزام اجتماعهما في مرتبة الأمر بالمهم طلب الضدين.


(46)

فليس شيء من هذه الأُمور مانعة عن إنشاء أمرين أحدهما مطلق والآخر مشروط ما لم يكن هناك طلب الجمع بين الضدين، وإنّما المانع هو الأمر الرابع أعني:

4. استلزام توجه الأمرين طلب الجمع بين الضدين، وهذا موجود في الأمرين العرضيين لا في الأمرين الطوليين.

ونزيد بياناً انّ مفتاح الترتّب كلمة واحدة، وهي استلزام اجتماع الأمرين الفعليين هل هو طلب الضدين أو طلب الجمع بين الضدّين؟ فمن أحال فاعتمد على الأوّل مع أنّه ليس بمحال، ومن جوزه فقد اعتمد على الثاني وانّ الترتب لا ينتهي إلى طلب الجمع بين الضدّين.

بذلك تقف انّ أكثر ما تداولته الألسن والرسائل والكتب حول الترتّب بحوث جانبية لا صلة لها بما هو مفتاح المسألة وحل معضلتها.

اعتراضات وأجوبتها

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني لما تبنَّى امتناعَ الترتّب و زعم أنّ لازمه طلب الضدّين، أثار أسئلة أربعة وأجاب عنها على النحو الرائج في الكتب العلمية، ونحن نذكر الأسئلة والأجوبة مع القضاء بين المعترض والمجيب.

الاعتراض الأوّل

لا دليل على امتناع طلب الضدّين إذا كان بسوء الاختيار حيث يعصي فيما بعدُ بالاختيار فلولاه لما كان متوجهاً إليه إلاّ الطلب بالأهمّ ولا دليل على امتناع طلب الضدّين إذا كان بسوء الاختيار.


(47)

إجابة المحقّق الخراساني

أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ استحالة طلب الضدّين إنّما هي لأجل كون صدور نفس التكليف بهذا النحو من الحكيم الملتفت إلى امتناعه، محالاً، بمعنى أنّه لا تنقدح في نفس الحكيم إرادتان متضادتان متعلّقتان بأمرين لا يتمكن المكلّف من جمعهما، وما هذا شأنه لا يفرَّق فيه بين سوء الاختيار أو حسن الاختيار، فلا فرق بين قولنا: أزل النجاسة وإن عصيت فصلّ، وقولنا: أزل النجاسة وإن سلمت على زيد فصلِّ، وقد حقّق في محله انّ مرجع التكليف بالمحال إلى كون نفس التكليف محالاً، فلا ينقدح في ذهن المولى إرادة جديّة متعلّقة بطيران زيد إذا كان فاقداً لأسبابه.

تحليل السؤال والجواب

إنّ المعترض يسلِّم انّ الترتّب يستلزم المحال غير أنّ المكلّف لما كان مقصّراً في المقام، وسبباً لهذا النوع من التكليف فلا مانع من تكليفه أخذاً بقولهم: الامتناع بالاختيار، لا ينافي الاختيار.

كما أنّ المجيب يسلِّم انّ الترتّب يستلزم المحال ولكن يردّ على تجويز التكليف بغير المقدور حتّى ولو كان السبب هو المكلّف.

ونحن نقول: الحقّ مع المجيب فإنّ التكليف بغير المقدور تكليف محال، وهو غير جائز في منطق العقل، سواء أكان المكلّف مقصّراً أم لا، غير أنّ الكلام في مقام آخر وهو فقدان الموضوع(المحال) في مبحث الترتب، إذ غاية ما يترتب عليه هو طلب الضدّين وهو ليس بمحال وما هو محال أي طلب الجمع بين الضدّين فليس بلازم في المقام.


(48)

فالسائل والمجيب يبحثان عن أمر لا وجود له في المقام كما عرفت.

الاعتراض الثاني

إنّ قياس المقام بالأمرين العرضيين قياس مع الفارق، فانّ كلاً من الأمرين العرضيين يطارد الآخر، فإذا قال: أزل النجاسة وفي الوقت نفسه صلِّ، فكلّ يدعو إلى بذل القدرة في متعلّقه، وعندئذ تظهر المطاردة لوحدة القدرة وكثرة المقدور، بخلاف الأمرين الطوليين، أي إذا كان الأمر الثاني مقيداً بعصيان الأمر الأوّل، فانّ الأمر المتعلّق بالمهم لا يطرد الأمر المتعلق بالأهم، وذلك لأنّ دعوة الأمر المتعلّق بالمهم إلى امتثاله في ظرف عدم الإتيان بالأهم، فلا يكاد يريد غير الأهم على تقدير إتيانه وإطاعة أمره.

وبعبارة أُخرى لو كانت دعوة الآمر المتعلق بالمهم شاملة لصورة إطاعة الأمر بالأهم يلزم المطاردة، وأمّا لو اختصت دعوته بصورة عدم امتثاله فلا يكون هناك مطاردة.

إجابة المحقّق الخراساني

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجهين:

الأوّل: انّ طرد الأمر المتعلّق بالمهم لا يختصّ بصورة إتيان الأمر بالأهم حتّى يقال: لا مطاردة عندئذ بين الأمرين، بل يعمّ حتّى صورة عدم إتيانه.

الثاني: انّ المطاردة من جانب واحد وهو طرد الأمر المتعلّق بالأهمّ كاف في إبطال الترتّب.

أمّا الأوّل فانّ الأمر المتعلّق بالمهم يطارد الأمر الآخر حتّى في صورة عصيان


(49)

الأمر بالأهم وعدم الإتيان به، وذلك لأنّ المطاردة لازم فعلية الأمر بالمهم، وكلّ أمر فعلي يدعو إلى متعلّقه ولو في ظرف عدم الإتيان بالأهم والمفروض انّ الأمر المتعلّق بالأهم لم يسقط بعدُ، و هو أيضاً فعلي فيلزم اجتماع أمرين فعليين كل يدعو إلى متعلّقه، وهو نفس مطاردة الأمر بالمهم، الأمرَ بالأهم.

والحاصل: انّ المعترض يركِّز في إنكار المطاردة على صورة إطاعة الأمر المتعلّق بالأهم، ومن المعلوم أنّه ليس في هذه الصورة أيّة مطاردة، ولكن المجيب يركز في إثبات المطاردة على صورة أُخرى، وهي صورة عصيان الأمر المتعلّق بالأهم ووجه المطاردة فعلية كلّ من الحكمين لحصول شرط الفعلية وداعوية كلّ إلى متعلّقه.

أقول: هذا، هو الإشكال المهم في الترتّب وهنا تُكْمنُ روح الترتب أو إنكاره، ولابدّ من علاجه على وجه يقلع الشبهة عن الأذهان، فنقول:

إنّ للأمر المتعلّق بالمهم في الصورة التي أشار إليها المحقّق الخراساني (صورة عدم الإتيان بالأهم) مفهومين:

الأوّل: بما انّه أمر فعلي يدعو إلى إيجاد متعلّقه لحصول شرط الفعلية، وعندئذ يتبادر إلى الذهن وجود المطاردة بينه و بين الأمر بالأهم غير الساقط بعدُ، وبما انّ الأمر بالأهم غير ساقط بعد يُستظهر منه وجود المطاردة، وهذا هو الذي جرّ المحقّق الخراساني إلى القول بوجود المطاردة حتّى من جانب الأمر بالمهم، ولكنّه غفل عن المفهوم الثاني للأمر بالمهم وهو:

الثاني: انّ الأمر بالمهم مع كونه فعلياً لا يأبى عن ترك امتثاله والاشتغال بالأهم حتّى في نفس هذه الحالة، وهذا هو الذي يزيل المطاردة المتوهمة، فالمحقّق الخراساني أخذ بالمفهوم الأوّل وغفل عن المفهوم الثاني.


(50)

وبعبارة أُخرى: انّ الأمر بالمهم وإن كان يدعو إلى إنجاز متعلّقه ولكنّه في حدّ نفسه يرخِّص ترك امتثاله والاشتغال بالأهم وبذلك تنثلم المطاردة المتوهمة.

هذا كلّه حول الجواب الأوّل.

وأمّا الجواب الثاني فهو انّ المحقّق الخراساني اكتفى في إبطال الترتّب بوجود الطرد من جانب واحد وهو الأمر بالأهم، وأساسه ما مرّ من أنّ الأمر بالمهم وإن لم يكن في مرتبة الأمر بالأهم لكن الأمر بالأهم موجود في مرتبة الأمر بالمهم فيجتمع أمران فعليان كما مرّ.

يلاحظ عليه بما مرّ من أنّ اجتماع أمرين فعليين كلّ يدعو إلى إنجاز متعلّقه إنّما يستلزم الامتناع بما إذا لم يكن لواحد من الأمرين مرونة وليونة وأمّا المقام فانّ الأمر بالأهم وإن لم يكن فيه مرونة وليونة لكنّ اجتماعهما في مرتبة الأمر بالمهم، لا يضرّ مادام الأمر الثاني يحتضن المرونة حيث إنّه في كلّ زمان ينسحب عن الساحة إذا أراد المكلّف امتثال الأمر المتعلّق بالأهم.

ونزيد إيضاحاً ونقول: إنّ مركز المطاردة الذي يعتمد عليه المحقّق الخراساني أحد المواضع الثلاثة:

أ. مقام الجعل والتشريع.

ب. مقام الفعلية.

ج. مقام الامتثال.

أمّا الأوّل فقد عرفت أنّ المورد من قبيل المتزاحمين، والمتزاحمان متلائمان في مقام الجعل ولا تكاذب بينهما في تلك المرتبة، فلا إشكال في جعل الإيجاب على إزالة النجاسة والصلاة وغيرهما من عشرات الموضوعات.


(51)

وأمّا الثاني: أي المطاردة في مرحلة الفعلية فلا شكّ انّ كلاً من الحكمين فعلي يدعو إلى إنجاز متعلّقه، لأنّ الأوّل مطلق والثاني مشروط قد تحقّق شرطه.

لكن كلّ أمر يدعو إلى متعلّقه ولا ينظر إلى الأمر الآخر حتّى تكون النتيجة طلب الجمع، وعلى فرض تسليمه في سائر الموارد ليس للأمر بالمهم إطلاق بالنسبة إلى صورة امتثال الأمر بالأهم.

وأمّا الثالث أي الامتثال، ومن حسن الحظ عدم المطاردة فيه، وذلك انّه لم يكن هناك صارف فالتأثير للأمر الأوّل، وإن كان صارف فالتأثير للأمر الثاني.

فتبيّن انّه لا مطاردة في البين في أية مرحلة من المراحل الثلاث:

الاعتراض الثالث

كيف تنكرون الترتب مع أنّه واقع في العرف كثيراً؟

إجابة المحقّق الخراساني

يمكن الجواب عمّا يتراءى انّه من باب الترتّب بوجهين:

أ. أن يكون الأمر بالمهم بعد التجاوز عن الأمر بالأهم.

ب. أن يكون الأمر بالمهم إرشاداً إلى محبوبيته وبقائه على ما هو عليه من المصلحة والغرض.

يلاحظ على الجواب الأوّل ـ أعني التجاوز عن الأمر بالأهم ـ: أنّه ماذا يريد من التجاوز؟ فهل يريد كونه منسوخاً والمفروض خلافه، ولأجل ذلك كلّما رجع إلى امتثال الأمر بالأهم لكان مطيعاً.


(52)

أو يريد انّه عند الخيبة عن تأثير الأمر الأوّل دون سقوطه، يأمر بالمهم، فهو نفس الترتّب.

إلى هنا تمّت الاعتراضات التي طرحها المحقّق الخراساني وأجاب عنها، وقد عرفت مدى صحّة الأجوبة .

الاستدلال على بطلان الترتّب بطريق الأن

وقد استدلّ المحقّق الخراساني على بطلان الترتّب من طريق الأن و قال: لو صحّ الترتّب للزم تعدّد التكليف، ولو تعدد التكليف وعصى المكلّف كلا الأمرين يلزم أن يعاقب بعقابين، ولكن التالي باطل لامتناع تعدّد العقوبة مع وحدة القدرة، فكذا المقدم أي تعدد التكليف.

يلاحظ عليه : أنّ في تعدّد العقاب ووحدته قولين:

1. انّ تعدّد العقاب ووحدته تابع لتعدّد القدرة ووحدتها، لا وحدة التكليف وتعدّده، فلو كانت القدرة واحدة والتكليف متعدداً، كما إذا تعدد الغريق وهو ترك نجاة الجميع لما كان عليه إلاّ عقاب واحد، لاستقلال العقل بقبح تعدّده مع عدم تعدّد القدرة.

ولذلك أفتوا بتعدّد العقاب في التكاليف العرضية كالصلاة والصوم، فلو تركهما، يعاقب عقابين لتعدّد القدرة المستلزمة كون المخالفة لا عن عذر.

وهذا بخلاف التكاليف الطولية فلا يوجب تعدد التكليف فيها تعدد العقاب مع وحدة القدرة.

وعلى ضوء ذلك فالتكليف في الترتب متعدد و بما انّ القدرة واحدة فليس هنا إلاّ عقاب واحد.


(53)

2. انّ تعدد العقاب ووحدته تابع لتعدد التكليف ووحدته عند المعصية، فلو كان هناك غريقان و ترك نجاة الكلّ، يعاقب بعقابين وإن لم يكن له إلاّ قدرة واحدة، ولا ينافي ذلك عدله سبحانه، لأنّه كان في وسع العبد ـ مع تعدد التكليف ووحدة القدرة ـ الاجتناب عن مخالفة التكليفين عن عذر، وذلك ببذل قدرته في إنقاذ واحد، والاعتذار عن ترك الأمر الآخر بالعجز، ومع أنّ هذا الباب كان مفتوحاً أمامه، فقد ترك إنقاذ الغريقين بلا عذر، فللمولى أن يؤاخذه ويقول:

لِمَ تركت إنقاذ زيد بلا عذر؟

لم تركت إنقاذ أخيه كذلك؟

فصار العبد التارك لكلا الأمرين مصدراً لمخالفة أمرين بلا عذر، فيستحقّ عقابين.

وبعبارة أُخرى: انّه يجب على العبد إمّا الامتثال وإمّا الاعتذار، فلو بذل قدرته في واحد يصحّ له الاعتذار عن عدم امتثال الآخر، وأمّا إذا ترك الجميع فليس له ما يصرف عنه العقاب، إذ لا امتثال ولا اعتذار.

إلى هنا تمّ التقريب الذي ذكره المحقّق الخراساني للترتّب كما تمّت مناقشاته وتحليلاته.

وهناك وجوه أُخرى لتقريب الترتب نذكرها تباعاً.

بيان للمحقّق الحائري في امتناع الترتّب

إنّ لشيخ مشايخنا المحقّق الحائري ـ قدس سره ـ تقريباً للقول بامتناع الترتّب ونقداً عليه، ونحن نذكر إجمال التقريب ثمّ نذكر نظرنا فيه.

إنّ هنا مقدّمتين:


(54)

1. انّ الضدّين ممّا لا يمكن إيجادهما في زمان واحد عقلاً، وهذه المقدّمة تعود إلى المكلَّف.

2. لا يصحّ للمكلِّف أن يطلب الضدّين في زمان واحد على وجه الإطلاق، وهذه المقدمة راجعة للآمر.

وعلى ضوء ذلك فإمّا أن يكون الأمران المتعلّقان بإيجاد الضدّين مطلقين، أو يكون أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً.

والأوّل لا يلتزم به كلّ من أحال التكليف بما لا يطاق.

وأمّا الثاني ـ أي كون التكليف الثاني مشروطاً ـ فالشرط إمّا هو الترك الخارجي للأهم، و بتعبير آخر العصيان الخارجي المتقدّم أو تصور المولى عصيان العبد، بمعنى انّه يترك في علم اللّه.

والأوّل أي كون الشرط هو العصيان الخارجي خارج عن الترتّب، لأنّ الأمر الأوّل يسقط بالعصيان الخارجي كما لو غرق الأهم دون المهمّ فلا يكون هناك أمران ولو طوليان، فبقي كون الشرط هو العزم على العصيان أو العصيان على نحو الشرط المتأخر، فعندئذ يسأل هل الشرط متحقّق أو لا؟ فعلى الثاني لا يكون الأمر بالمشروط فعلياً، وعلى الأوّل ينقلب الواجب المشروط بعد حصول شرطه إلى الواجب المطلق فتقع هذه الصورة في عداد الصورة الأُولى، أي الأمرين العرضيين المطلقين.

يلاحظ عليه: نحن نختار الشقّ الأخير، وانّ الشرط هو تصوّر العصيان من جانب المولى أو علمه سبحانه بعصيان العبد، أو قول المولى: «إن كنت معرضاً عن امتثال الأمر الأوّل»، أو: «كان في نفسك صارف عنه». وعلى كلّ تقدير فالشرط


(55)

متحقق، وانّ القضية الشرطية بعد حصول شرطها تنقلب إلى قضية مطلقة، ومع ذلك كلّه فالأمر بالمهم على نحو لو انصرف من صرف القدرة في المهم وحاول أن يمتثل الأمر بالأهم لما منعه الأمر بالمهم، فهذا النوع من التكليف وإن كان مطلقاً لكن لا يزاحم الأمر بالإزالة على وجه الإطلاق.

وقد تقدّم منّا انّ السبب لكون المطاردة من طرف واحد لا من طرفين، هو اشتمال الأمر الثاني على شرط يوجد فيه مرونة بالنسبة إلى امتثال الأمر بالأهم.

على أنّ انقلاب الواجب المشروط بعد حصول شرطه إلى الواجب المطلق، ممنوع جدّاً كما بيّن في محله.


(56)

التقريب الثاني(1) لتصحيح الترتّب

نقل المحقّق الاصفهاني تقريباً عن بعض الأُصوليين ما هذا حاصله:

إنّ اقتضاء كلّ أمر لإطاعة نفسه، في رتبة سابقة على إطاعته، كيف لا وهي مرتبة تأثيره وأثره، ومن البديهي أنّ كلّ علّة منعزلة في مرتبة أثرها عن التأثير وإنّما اقتضاؤها، في مرتبة ذاتها المقدّمة على تأثيرها وأثرها، ولازم ذلك كون عصيان المكلّف ـ وهو نقيض طاعته ـ أيضاً في مرتبة متأخّرة عن الأمر واقتضائه.

وعليه فإذا أُنيط أمر بعصيان مثل هذا الأمر، فلا شبهة انّ هذه الإناطة تُخرج الأمرين عن المزاحمة في التأثير، إذ في رتبة الأمر بالأهم، لا وجود للأمر بالمهم، وفي رتبة وجود الأمر بالمهم لا يكون اقتضاء للأمر الأهم. فلا مطاردة بين الأمرين، بل كلّ يؤثر في رتبة نفسه على وجه لا يوجب تحيّر المكلّف في امتثال كلّ منها ولا يقتضي كلّ من الأمرين إلقاء المكلّف فيما لا يطاق، بل كلّ يقتضي موضوعاً لا يقتضي غيره.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ التأخر الرتبي يحتاج إلى وجود الملاك في نفس الشيء وإلاّ فبمجرّد كونه مقارناً لما هو متأخر رتبة عن شيء لا يوجب اتّصافه بالتأخّر الرتبي والمقام من هذا القبيل، لأنّ تأخّر الطاعة عن الأمر لا يوجب تأخّر العصيان عن الأمر، إذ ملاك التأخّر موجود في الطاعة دون العصيان، لأنّ الطاعة


1 . مرّ التقريب الأوّل في كلام المحقّق الخراساني.
2 . نهاية الدراية:1/233.


(57)

أثر الأمر ومعلوله، والمعلول متأخّر رتبة عن العلّة، بخلاف العصيان، فإنّه ليس أثرَ الأمر لأنّ أثر الأمر هو البعث والتحريك.

وقد سبق منّا انّ قانون المساواة إنّما يحتجّ به في المسائل الهندسية، كمساواة الزوايا مثلاً وفي الزمانيات، فلو كان زيد متأخراً عن عمرو تأخراً زمانياً، وكان زيد وبكر من حيث الزمان متقارنين، فيكون بكر أيضاً متأخراً عن عمرو.

وأمّا التأخّر العقلي الذي يعبر عنه بالتأخّر الرتبي فلا يكفي فيه المقارنة، بل يجب أن يكون في المتأخر ملاك التأخر الرتبي، ولذلك لا يكون ملازم المعلول متأخراً عن العلة تأخّراً رتبياً مع أنّ ملازم المعلول متّحد معه رتبة .

وثانياً: أنّ التزاحم والتضاد ليس في المعية العقلية حتّى يرتفعا بالتأخر الرتبي للأمر بالمهم، بل موردهما هو المعية الزمانية، إذ الزمان الذي يكون الأمر بالأهم فيه فعلياً يكون الأمر بالمهم فيه أيضاً فعلياً باعثاً، فاللازم رفع التضاد في ذلك الظرف لا رفعه باختلاف الرتب.

والحاصل: انّ مجرّد تأخّر الأمر بالمهم عن الأمر بالأهم بحسب الرتبة العقلية مع المعية في الاقتضاء بحسب الزمان لا يدفع المطاردة، إذ مناط الاستحالة هي المعية الكونية في المتزاحمات والمتضادات لا في الرتب العقلية من المراتب الوجودية.

وهذا الإشكال يرد على أكثر من يحاول تصحيح الترتّب من طريق الاختلاف في الرتبة العقلية مع أنّه لا ينجع في رفع التضاد في زمان الامتثال.


(58)

التقريب الثالث لتصحيح الترتّب

ما نقله المحقّق الاصفهاني أيضاً وحاصله: انّ مرجع إطلاق الأمر بالأهم إلى سدّ باب عدمه من جميع الجهات حتّى العدم الآتي من قبل الأمر بالمهم فهو بإطلاقه يدعو إلى حفظه مطلقاً.

وأمّا الأمر بالمهم فلما كان مترتّباً على عدم الأهم وتركه، فإطلاقه يقتضي سدّ باب عدمه من كل الجهات إلاّ في ناحية الإتيان بالأهم.

وإن شئت قلت: إنّ الأمر بالمهم يقتضي سدّ باب عدمه في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق ولا منافاة بين قيام المولى بسدّ باب عدم الأهم مطلقاً، وسدّ باب عدم المهم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق، فالأمر بالمهم وإن كان فعليّاً لكنّه حيث تعلّق بسدِّ باب عدم المهم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق، فلا محالة لا محركية للأمر بالمهم نحو طرد عدم المهم إلاّ في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق.(1)

توضيحه: انّ لكلّ شيء اعداماً من جانب فقد المقتضي وفقد الشرط ووجود المانع وهو الضدّ هنا، والأمر بالأهم يقتضي سدّ كلّ عدم يتطرق إليه من أية جهة كان حتّى من جانب وجود المانع.

وأمّا الأمر بالمهم فهو يقتضي سدّ باب عدمه من جانب المقتضي، ومن


1 . نهاية الدراية:1/235.


(59)

جانب الشرط، وأمّا من ناحية المانع ـ أعني: الأهم ـ فانّه يقتضي سدّ باب عدم المهم، إلاّ فيما إذا كان سبب عدمه هو وجود الأهم فلا يقتضي عند ذلك سدّ عدمه، فحينئذ لا محركية للأمر بالمهم نحو طرد عدم نفسه، إلاّ إذا تطرق العدم إلى الأهم من باب الصدفة.

يلاحظ عليه: أنّ التزاحم بعد باق فنحن نفترض انّه تطرق العدم على الأهم من باب الاتفاق، وعندئذ فهل الأمر بالأهم عندئذ ساقط أو لا؟ والأوّل خلاف المفروض والثاني يستلزم المطاردة حيث إنّ الأمر بالأهم يطلب قلب عدمه إلى الوجود مع التحفظ على عدم المهم لكون وجوده مانعاً مع أنّ الأمر بالمهم في هذه الحالة أي عند تطرق العدم إلى الأهم فعلي يطلب طرد عدمه إلى الوجود فتقع المطاردة بين الاقتضاءين.

ولعمري الحقّ انّ الترتّب أمر عرفي لا يتوقف على هذه الدقائق العقلية، فالمهم ألاّ يكون نتيجته طلب الجمع بين الضدّين وإن كان نتيجته طلب الضدّين.


(287)

الفصل الثالث

في كشف النهي عن الفساد(1)

قبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: قد اختلفت كلماتهم في عنوان الفصل فتارة يعبّرون عنه بقولهم:

هل النهي عن الشيء يقتضي فساده أو لا؟

وأُخرى:

هل النهي يدلّ على الفساد أو لا؟

والأوّل غير وجيه، إذ ليس النهي مؤثراً في الفساد، وإنّما هو دالّ عليه أو كاشف عنه، والثاني منصرف إلى الدلالة اللفظية، ولا يشمل استكشاف الفساد، من الملازمة العقلية، والأولى أن يعبّر بما صدّرنا به البحث من كشف النهي عن الفساد.

الثاني: يتبادر من عبارة «الكفاية» انّ المسألتين (هذه المسألة والمسألة السابقة) متحّدتان جوهراً ومختلفتان في الجهة المبحوث عنها، فانّ جهة البحث في المقام هو دلالة النهي على الفساد، وهي في المسألة السابقة، هو انّ تعدد العنوان هل يجدي في رفع غائلة اجتماع الأمر والنهي في مورد الاجتماع أو لا؟


1 . فيه مقامان: النهي عن العبادات، والنهي عن المعاملات.


(288)

يلاحظ عليه: بأنّ المسألتين متميّزتان جوهراً قبل تميّزهما بالاغراض وجهـات البحث، فأين قولنا: هل يجوز تعلّق الأمر والنهـي بشيئين مختلفين في مقـام التعلق، ومتحدين في مقام الوجود، أو لا؟ من قولنا: هل النهي يكشف عن الفساد أو لا؟ وقد مرّ أنّ لفظ الكشف جامع للدلالة اللفظية، والملازمة العقلية.

هذا إذا قلنا بأنّ النزاع في المسألة السابقة كبروي ـ كما هو المختار ـ وأمّا إذا قلنا بأنّ النزاع فيها صغروي ـ كما هو مختار المحقّق الخراساني ـ بأن يقال: ـ بعد تسليم امتناع الكبرى ـ هل تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون أو لا؟ فهذا النوع من البحث غير ما هو المبحوث عنه في المقام.

والذي يعرب عن تمايز المسألتين بجوهرهما هو لزوم وجود الأمر في المسألة السابقة، دون هذه المسألة، بل يكفي وجود النهي سواء أكان معه أمر ـ كما في العبادات ـ أو لا كما في المعاملات.

نعم لو قلنا في المسألة السابقة بالامتناع، وقدّمنا النهي على الأمر، تكون نتيجة البحث في المسألة السابقة، صغرى لهذه المسألة، وأمّا لو قلنا بجوازهما، أو قلنا بالامتناع لكن بتقديم الأمر على النهي، فلا صلة بين المسألتين أبداً.

الثالث: انّ البحث في المسألة السابقة عقلي محض، كما يعلم من براهين المجوّزين والمانعين، وأمّا المقام، فذهب المحقّق النائيني(1) تبعاً للشيخ الأنصاري في مطارح الأنظار(2) إلى أنّ البحث في المقام أيضاً عقلي، كما أنّ المتبادر من المحقّق الخراساني أنّ البحث لفظي، قال: لا يخفى انّ عدّ هذه المسألة من مباحث الألفاظ إنّما هو لأجل انّه في الأقوال قول بدلالته على الفساد في المعاملات مع إنكار الملازمة بينه و بين الحرمة.(3)


1 . فوائد الأُصول:1/455.
2 . مطارح الأنظار:161.
3 . كفاية الأُصول:1/283.


(289)

والأولى أن يقال: إنّ وصف البحث بأحد العنوانين، تابع لكيفية البرهنة والاستدلال عليه.

فإن قلنا بدلالة لفظ النهي على الفساد، فيكون البحث لفظياً، وإن قلنا بوجود الملازمة العقلية بين الحرمة والفساد، يكون البحث عقلياً.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني لما استظهر كون النزاع لفظياً، أورد إشكالاً ثمّ أجاب عنه ولما كان الإيراد والجواب مبهمين نأتي بتوضيحهما.

أمّا الإشكال فحاصله: انّ الملازمة بين الحرمة والفساد إما ثابتة أو لا، فعلى الوجه الأوّل يكون النزاع عقلياً، وعلى الوجه الثاني تكون الملازمة منتفية، فلم يبق لكون النزاع لفظياً أو عقلياً ملاك .

وحاصل الجواب: انّ وجود الملازمة عبارة أُخرى عن دلالة النهي على الفساد عن طريق الدلالة الالتزامية وهي عند المنطقيين دلالة لفظية، وإن كانت عند علماء البيان دلالة عقلية فالنزاع على القول بالملازمة لفظيّ أيضاً.

يلاحظ عليه: بأنّه لم يدفع الإشكال بحذافيره وإنّما دفعه عند وجود النهي اللفظي فصار البحث لفظياً حتّى على القول بالملازمة بين الحرمة والفساد، ولكن المورد أعمّ، إذ ربّما لا يكون لفظ في المقام وإنّما دلّ الإجماع على التحريم دون وجود أيِّ لفظ فالفساد ثابت و متحقّق دون أن تكون هنا دلالة لفظيّة.

الرابع: لا شكّ أنّ المسألة أُصولية، لأنّ نتيجة البحث تقع كبرى للاستنباط، فلو قلنا بدلالة النهي على الفساد، أو قلنا بالملازمة بين الحرمة والفساد أو بين النهي والفساد تكون العبادات والمعاملات المنهية فاسدة لا يترتّب عليها الأثر المقصود، فإذا قال: «لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه» أو قال: «لا تبع ما ليس عندك» وقلنا بدلالة النهي على الفساد، أو قلنا بالملازمة العقلية، تكون


(290)

النتيجة فساد الصلاة والبيع،فلا تكون الصلاة مسقطة للقضاء والإعادة كما لا يكون البيع سبباً لخروج المبيع عن ملك البائع ودخوله في ملك المشتري والثمن على العكس.

فإن قلت: قد مرّ في المقدّمة الأُولى من مقدّمات علم الأُصول أنّ الفرق بين القاعدة الأُصولية والقاعدة الفقهية هو أنّ المحمول في الثانية حكم شرعي، نظير قوله: «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم انّه قذر» أو قوله: «لا تعاد الصلاة إلاّ في خمس» وأمّا المسألة الأُصولية فالمحمول فيها هو الحجّية وعدمها كالبحث عن حجية الخبر الواحد والإجماع والشهرة، أو البحث عن الملازمات بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته.

وعلى كلّ تقدير فالمحمول إمّا حكم عقلائي كحجية الخبر الواحد أو عقلي كباب الملازمات.

وعلى ضوء ذلك فالمسألة في المقام قاعدة فقهية لأنّها تبحث عن فساد العبادة والمعاملة وعدمهما،والفساد حكم شرعي كالصحة.

قلت: إنّ الفساد والصحّة من الأُمور الانتزاعية من مطابقة المأتي به للمأمور به وعدمه، فهما حكمان وضعيّان منتزعان من قول الشارع «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس» فيوصف عمل ناسي السورة بالصحّة، بحكم الرواية، كما يوصف بيع من باع من غير ملك بالفساد بفضل قوله: «لا تبع ما ليس عندك».

وعلى ذلك فليس الفساد كالصحة من الأحكام الشرعية بل من الأحكام الوضعية المنتزعة.

نعم لو قلنا بأنّهما مجهولان فلا محيص عن كون المسألة فقهية.

الخامس: إنّ للنهي أقساماً وإنّ أيّ قسم من الأقسام مورد للنزاع، والأقسام كالتالي.


(291)

ـ تحريمي وتنزيهي.

ـ نفسي وغيري.

ـ أصلي وتبعي.

وقد اختلفت أنظار الأُصوليين في تعيين محط النزاع، فذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الجميع داخل في محطّ النزاع، فقولنا: هل النهي يدل أو يكشف عن الفساد؟ يعم جميع الأقسام، إمّا عنواناً أو ملاكاً، كما سيتضح.

وذهب المحقّق النائيني إلى اختصاص النزاع بالنهي التحريمي دون التنزيهي، وبالنفسي دون الغيري، ولم يذكر شيئاً حول الأصلي والتبعي.

والحقّ مع المحقّق الخراساني، وإليك بيان كلامه:

إنّ النهي التحريمي داخل في محط النزاع ويشمله عنوان البحث، وامّا النهي التنزيهي كالعبادة عند مطلع الشمس ومغربها فغير داخل في عنوان البحث (هل النهي...) لانصراف النهي إلى التحريمي ولكنّه داخل فيه ملاكاً، إذ لقائل أن يقول: إنّه يكفي عدم المطلوبية في الفساد وهو أمر مشترك بين التحريمي والتنزيهي.

كما أنّ النهي النفسي داخل في مصب النزاع، وأمّا الغيري كالنهي عن الصلاة عند ابتلاء المصلي بوجوب إزالة النجاسة عن المسجد فهو على قسمين: غيري أصلي، وغيري تبعي.

فلو قلنا بأنّ الملاك في تقسيم الأمر إلى الأصلي والتبعي إنّما هو مقام الإثبات والدلالة، بمعنى أنّه إذا كان الوجوب مفهوماً بخطاب مستقل ومدلولاً بالدلالة المطابقية، فالواجب أصلي، وإن كان مفهوماً بتبع خطاب آخر ومدلولاً بالدلالة الالتزامية فالواجب تبعي، فلو قلنا بهذا التفسير للأصلي والتبعي،


(292)

فالغيري مطلقاً داخل في عنوان النزاع لشمول قوله: هل النهي يدلّ على الفساد للنهي المفهوم بالدلالة المطابقية أو الالتزامية.

وأمّا لو قلنا بأنّ ملاك التقسيم إليها هو الثبوت لا الإثبات، فلو كان الشيء متعلّقاً للإرادة على وجه الاستقلال عند الالتفات إليه بما هو عليه فهو أصلي، وإن كان متعلّقاً بهاتبعاً لإرادة غيره من دون التفات إليه فهو تبعي، فلو قلنا بهذا التفسير فالغيري التبعي بما انّه ليس مدلولاً للدلالة يكون داخلاً في محط البحث ملاكاً لاعنواناً.

هذا هو توضيح ما أفاده المحقّق الخراساني.(1)

يلاحظ عليه بأمرين:

الأوّل: أنّ القول بانصراف النهي إلى التحريمي وخروج التنزيهي عن مدلوله غير تامّ، لأنّ الانصراف إمّا لكثرة استعمال النهي في التحريمي، أو لكثرة وجوده، و كلاهما منتفيّان، فانّ النهي استعمل في التنزيه كثيراً و له مصاديق متوفرة، فالتحريمي والتنزيهي أمام العنوان سواء.

الثاني: أنّه جعل الغيري التبعي تارة داخلاً في عنوان النزاع، وأُخرى داخلاً فيه بملاك النزاع لا بعنوانه، مع أنّ الأصلي أيضاً كذلك، فلو فسّر الأصلي بما تعلّق به الخطاب على وجه الاستقلال، فهو داخل في عنوان النزاع، وان فسّر بما تعلّقت به الإرادة الاستقلالية وإن لم يتلفّظ به المولى، فهو داخل في البحث ملاكاً ، اللّهمّ إلاّ أن يقال إذا كان الشيء متعلّقاً للإرادة الاستقلالية لا ينفك عن كونه متعلّقاً للنهي اللفظي مطلقاً، فكأنّ الأصلي بكلا التفسيرين داخل في عنوان النزاع.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أخرج النهي التنزيهي عن محل النزاع قائلاً: بأنّ


1 . كفاية الأُصول:1/284.


(293)

النهي التنزيهي عن فرد لا ينافي الرخصة الضمنية المستفادة من إطلاق الأمر فلا يكون بينهما معارضة ليقيّد به إطلاق الأمر، نعم لو تعلّق النهي التنزيهي بذات ما يكون عبادة لكان لدعوى اقتضائه الفساد مجال من جهة انّ ما يكون مرجوحاً ذاتاً لا يصلح أن يتقرّب به، إلاّ أنّ النواهي التنزيهية الواردة في الشريعة المتعلّقة بالعبادات لم تتعلّق بذات العبادة على وجه يتّحد متعلّق الأمر والنهي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من عدم اقتضاء النهي التنزيهي فساد العبادة وإن كان حقاً، لكنه لا يوجب خروجه عن محلّ النزاع، إذ يمكن أن يتوهم أنّ النهي كاشف عن عدم المطلوبية أو الحزازة، وهما لا يجتمعان مع التقرّب.

والحاصل: انّ كون الفساد على خلاف التحقيق أمر، وكونه غير داخل في محط النزاع شيء آخر، والكلام في الدخول وعدمه إنّما هو قبل التحقيق وبيان الحال لا بعده، وما ذكره راجع إلى ما بعد التحقيق.

إلى هنا تمّ ما ذكره صاحب الكفاية والمحقّق النائيني، بقي هنا أقسام لم يشر إليها المحقّق الخراساني وهي:

1. النهي الإرشادي.

2. النهي التشريعي.

3. النهي التخييري في مقابل التعييني.

أمّا الأوّل: فتارة يكون إرشاداً للفساد، كقوله: «لا تبع ما لا يملك»; وأُخرى يكون إرشاداً إلى المانعية، كقوله: «لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه». من غير فرق بين أن تفسّر المانعية بأخذ قيد عدمي في المأمور به، أو بضدية الشيء المنهي عنه مع الصلاة وانّهما لا يجتمعان، وبما أنّ النهي الإرشادي بكلا قسميه سواء كان


1 . الفوائد الأُصولية:1/455ـ 456.


(294)

إرشاداً إلى الفساد أو إلى المانعية واضح الحكم فلا يكون داخلاً في محلّ النزاع.

وأمّا الثاني: أي النهي التشريعي فمفاده النهي عن الاعتقاد بكون شيء مأموراً به بالخصوص، كما إذا صلّى في مكان خاص زاعماً بتعلّق أمر خاص به مع إطلاق الأمر فصار باعتقاده وعمله مشرّعاً، فهل هو داخل في محلّ النزاع أو لا؟ اختار المحقّق القوجاني(1) الثاني قائلاً بأنّ مفاد النهي التشريعي هو البطلان فلا يتصوّر فيه النزاع.

يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يدلّ عليه النهي التشريعي هو حرمة الإتيان بالعمل الناشئ منه، أمّا الفساد فليس من المداليل الواضحة، فيقع البحث عن دلالته على الفساد أو ملازمته معه عقلاً أو عدمها.

وأمّا الثالث: أي النهي التعييني والتخييري كما إذا قال: «لا تصلّ في الدار المغصوبة أو لا تجالس الفسّاق» فصلى فيها مع مجالستهم، فالظاهر دخول القسمين في محلّ النزاع، لكن المحرّم في الأوّل نفس العمل وفي الثاني الجمع بين العملين.

السادس: في تعريف العبادة والمعاملة

الغاية القصوى من عقد هذا الفصل، هو استكشاف حال العبادة والمعاملة إذا تعلّق بهما النهي من حيث الصحّة والفساد، فيلزم التعرّف على مفهوم العبادة والمعاملة.

امّا العبادة: فقد عُرّفت بوجوه ثلاثة ـ وراء ما عَرَّف به المحقّق الخراساني ـ وهي:

أ. ما أمر لأجل التعبّد به.


1 . من تلاميذ المحقّق الخراساني ـ قدس سره ـ ومقرر بحثه وهو أُستاذ المحقّق المشكيني ـ قدس سره ـ توفّى سنة 1333هـ.


(295)

ب. ما تتوقف صحّتُه على نيّة القربة.

ج. ما لا يعلم انحصارُ المصلحة فيها في شيء.

وأورد عليها المحقّق الخراساني بأنّ الكلام في العبادة التي يتعلّق بها النهي، والعبادة بهذه المعاني لا يتعلق بها النهي.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره يصحّ في التعريف الأوّل، لأنّ ما أمر به يكون صحيحاً بالفعل، فكيف يتعلّق به النهي، بخلاف التعريفين الأخيرين، فلا مانع من تعلّق النهي بما تتوقّف صحّته على الأمر، ولكن لم يتعلّق به الأمر، ومثله الثالث، فلنرجع إلى ما ذكره المحقّق الخراساني من التعريف وقد عرفها بوجهين:

1. ما يكون بنفسه وبعنوانه عبادة له تعالى، موجباً بذاته للتقرّب من حضرته لولا حرمته كالسجود والخضوع له وتسبيحه وتقديسه.

2. ما لو تعلّق به كان أمره عباديّاً لا يكاد يسقط إلاّ إذا أتى به بنحو قربي، كسائر أمثاله نحو «صوم العيدين»، و الصلاة في أيّام العادة.(1)

يلاحظ على التعريف الأوّل: بأنّه لو كان السجود عبادة ذاتية، لما جاز أمر الملائكة بالسجود لآدم ـ كما قال سبحانه: (وإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ)(2) فآدم كان مسجوداً له، لا قبلة، ولا مسجوداً عليه، كالتربة الحسينية إذ معنى ذلك انّه سبحانه أمر بعبادة غيره الذي هو يساوي الأمر بالشرك المنزّه عنه سبحانه، يقول:(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون).(3) والفحشاء القبيح، أو ما اشتد قبحه والمقصود به هنا هو الشرك.


1 . كفاية الأُصول:1/286.
2 . البقرة:34.
3 . الأعراف:28.


(296)

فالأولى أن يعرف بما ذكره ثانياً أعني: ما لو تعلّق به الأمر لا يكاد يسقط إلاّ إذا أتى به بنحو قربي(1)، خرج التوصليّات فانّها لو تعلّق بها الأمر يسقط مطلقاً قصد به القربة أو لا. هذا كلّه حول العبادة.

وأمّا المعاملة، فقد أُريد منها في العنوان، كلّ ما يكون قابلاً لوصفه بالصحة والفساد، فيعمّ العقود والإيقاعات وغيرهما، كالرضاع والاحياء من الموضوعات التي تارة يترتّب عليه الأثر المترتّب عنه، وأُخرى لا يترتب لاختلال بعض الشرائط المعتبرة.

فخرج الأمران التاليان:

1. ما لا يترتّب عليه الأثر شرعاً مطلقاً، كالغلبة في القمار.

2. ما لا ينفك أثره عنه كالإتلاف بلا إذن، لعدم طروء الفساد عليه.

السابع: في معنى الصحّة والفساد

ذكر المحقّق الخراساني في المقام أُموراً نشير إليها:

1 . انّ الصحّة والفساد، وصفان إضافيّان يختلفان حسب الآثار والأنظار، فربّ شيء يكون صحيحاً بحسب أثر، دون أثر كإفساد الصوم بما يوجب القضاء دون الكفّارة، فهو صحيح بالنسبة إلى الكفّارة وفاسد حسب القضاء، كما ربّما يكون صحيحاً في نظر فقيه دون فقيه آخر.

2. انّ الصحّة في العبادة والمعاملة، بمعنى واحد و هو التمامية، وأمّا الاختلاف فيهما فإنّما هو فيما هو المرغوب منهما من الآثار ، حيث إنّ المطلوب في


1 . انّ شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ قد اختصر الكلام في تفسير العبادة، وله بحث ضاف حولها في مفاهيم القرآن، لاحظ الجزء الأوّل: 455ـ 468.


(297)

العبادة حصول الامتثال أو سقوط التّضاد والإعادة، وفي المعاملة ترتّب الأثر المطلوب كالملكية في البيع، فتوصف الصلاة بالصحة لهاتين الغايتين، كما يوصف البيع بالصحة لتلك الغاية(ترتّب الأثر) وإلاّ فالصحة في الموردين بمعنى التمامية.

3. إنّ اختلاف الفقيه والمتكلّم في صحّة العبادة ليس اختلافاً مفهومياً أو اختلافاً جوهرياً، بل الصحّة عند الطائفتين بمعنى واحد وهو التمامية، لكن ملاك التمامية عند المتكلّم هو حصول الامتثال الموجب عقلاً، لاستحقاق المثوبة، وملاكها عند الفقيه سقوط الإعادة والقضاء، فكلّ ينظر إلى التمامية من منظاره الخاص ومطلوبه، فالغاية عند المتكلّم هو تعيين موارد استحقاق المثوبة والعقوبة فيفسّر التمامية بموافقة الأمر، أو الشريعة الملازم للامتثال الموجب عقلاً للمثوبة بخلاف الغاية عند الفقيه، فهو بصدد تعيين موارد سقوط القضاء والإعادة فيفسّر التمامية بهما.

4. انّ الأمر ينقسم إلى واقعي أوّلي وواقعي ثانوي وظاهري، وقد اختلفت الأنظار في أنّ امتثال الأخيرين هل يجزيان عن امتثال الأمر الواقعي أو لا كالصلاة متيمّماً، أو الصلاة بالطهارة الظاهرية؟

فلو فسّر الأمر في قوله: «امتثال الأمر، يقتضي الإجزاء» بالأعم من الواقعي الثانوي والظاهري، تكون النتيجة هو الإجزاء مطلقاً، ولو فسّر بخصوص امتثال الأمر الواقعي، تكون النتيجة عدم الإجزاء.

وربّما يكون الملاك عند المتكلّم، موافقة مطلق الأمر، وعند الفقيه هو خصوص موافقة الأمر الواقعي، فيكون مجزئاً عند الأوّل دون الثاني، وربّما يكون الملاك على العكس، فيكون مجزئاً عند الفقيه دون المتكلّم، وربّما يتفقان في الملاك، فيخرجان بنتيجة واحدة.


(298)

فظهر انّه لا اختلاف في مفهوم الصحّة في الموارد التالية:

1. لا في العبادات ولا في المعاملات.

2. ولا بين الفقيه والمتكلّم.

3. ولا في مجال امتثال الأمر الواقعي الثانوي.

هذا توضيح ما في الكفاية:

يلاحظ عليه أوّلاً: بما قدمناه في مبحث الصحيح والأعم (1) أنّ تفسير الصحّة بالتمام ليس تفسيراً تاماً في عامة الموارد وذلك لأنّ الصحّة تستعمل في موردين:

1. الصحّة في مقابل المرض، فيقال مصحّ لا مريض، قال ابن فارس: الصحّة أصل يدل على البراءة من المرض والعيب و على الاستواء من ذلك، والصحة: ذهاب السقم. و عند ذلك فالصحة كيفية وجودية في الشيء ملائمة لنوعه، والمرض على خلافها. وبين المعنيين من التقابل تقابل التضاد.

2. الصحّة في مقابل العيب،فيقال صحيح لا معيب، وإليه أشار ابن فارس في كلامه أيضاً فقال: البراءة من المرض والعيب، فإذا كان الوجود تاماً حسب الخلقة النوعية يقال صحيح وإن كان ناقصاً يقال انّه معيب.

وبذلك ظهر أنّ الصحّة بمعنى التمامية في خصوص المورد الثاني، أي إذا استعملت في مقابل المعيب، فيكون وزان الصحيح والمعيب، وزان التام والناقص، وبين المعنيين تقابل العدم والملكة. وأكثر استعمال الصحّة إنّما هو في المعنى المقابل للمرض.

هذا حال اللغة: و أمّا اصطلاحاً فتطلق الصحّة تارة على الجامع للصفة


1 . إرشاد العقول:1/133.


(299)

المعتبرة في العبادة في مقابل الآخر إذا لم تكن كذلك. ككون القراءة صحيحة أو ملحونة، فيكون بينهما من التقابل، هو تقابل التضاد. وأُخرى على الجامع للأجزاء والشرائط وغير الجامع لهما، فيكون بينهما من التقابل هو تقابل العدم والملكة. فالأوّل يناسب كون الصحّة في مقابل المرض، والآخر كون الصحّة في مقابل المعيب.

وثانياً: إنّ وصف المركبات الانتزاعية بالصحة والفساد إنّما هو بالإضافة إلى أنفسها عند تحقّقها في الخارج(وسيوافيك أنّ الصحّة والفساد من عوارض الماهية الموجودة لا بما هي هي) فإن كانت جامعة لما يعتبر فيها فصحيحة وإلاّ ففاسدة لا بالإضافة إلى الآثار والأنظار .

الثامن: هل الصحّة والفساد مجعولان مطلقاً؟

هل الصحّة والفساد مجعولان مطلقاً أو ليس كذلك مطلقاً، أو مجعولان في المعاملات دون العبادات، أو الصحّة الظاهرية مجعولة دون الواقعية؟ وجوه واحتمالات، فتارة يقع الكلام في العبادات، وأُخرى في المعاملات.

نظرية المحقّق الخراساني حول الصحّة في العبادات

يظهر من المحقّق الخراساني في مجعولية الصحّة في العبادات، التفصيل التالي:

أ. لو فسِّرت الصحّة والفساد وِفقَ مسلك المتكلّمين (مطابقة المأتي به للشريعة) فالصحّة والفساد وصفان اعتباريان ينتزعان من المطابقة وعدمها.

ب. ولو فُسِّرت الصحّة والفساد وفق مسلك الفقهاء (ما كان مسقطاً للإعادة والقضاء) فالصحة والفساد حكمان عقليان حيث يستقل العقل بسقوط


(300)

الإعادة والقضاء جزماً أو يستقل بعدمها.

وعلى ضوء ذلك فليست من الأحكام المجعولة مستقلة ولا من المجعولة تبعاً كما ليست أمراً اعتبارياً وانتزاعياً.

هذا كلّه حول امتثال الأمر الواقعي، وأمّا امتثال الأمر الاضطراري(1) فقد ذكر هنا صورة واحدة وهي ما إذا لم يكن المأتي به وافياً لمصلحة الواقع وكانت المصلحة الفائتة لازمة الاستيفاء، فلو كان الاستيفاء حرجيّاً يكون السقوط (الصحّة) مجعولاً ـ شرعاً ـ تخفيفاً و منّة على العباد مع وجود المقتضي لثبوت الإعادة والقضاء، كما ربّما يكون وجوب الإعادة والقضاء (الفاسد) مجعولين كذلك.

هذا خلاصة ما أفاده في «الكفاية» و يرجع حاصله إلى أُمور ثلاثة:

أ. الصحة والفساد في مسلك المتكلّمين اعتباريان انتزاعيان.

ب. وفي مسلك الفقهاء من الأحكام العقلية.

ج. وفي امتثال الأمر الاضطراري إذا كان الفائت لازم الاستيفاء ولكن حرجيّاً تكون الصحّة مجعولة شرعاً وإلاّ يكون الفساد مجعولاً. (2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الجمع بين الاعتباري والانتزاعي في الشق الأوّل على خلاف الاصطلاح، فانّ الأمر الانتزاعي يُعدُّ من مراتب التكويني في بعض الموارد، كما إذا كان المنشأ متحيثاً بحيثية وجودية، كالفوقية المنتزعة من الطابق الثاني لكونه فوق الأوّل، وهو تحته، فلذلك قالوا إنّ الحقائق الخارجية إمّا جواهر،


1 . وقد أشار إليه بقوله:وفي غيره فالسقوط ربّما يكون مجعولاً، والضمير يرجع إلى امتثال الأمر الواقعي الأوّلي، فيكون المراد امتثال الأمر الواقعي الثانوي أي الاضطراري كالتيمّم.
2 . كفاية الأُصول:1/289.


(301)

أو أعراض أو انتزاعيات، بخلاف الأُمور الاعتبارية فانّ قوامها بإعطاء حدّ التكوين لشيء آخر، اعتباراً، كإعطاء حد الرأس الذي شأنه الإدارة للرئيس، فهو رأس اعتباراً، والآخرون بمنزلة الأعضاء فأين الثاني من الأوّل؟!

وللبحث حول الأُمور الانتزاعية والاعتبارية مجال آخر والغرض أنّ الجمع بينهما خلاف الاصطلاح.

وثانياً: انّ الصحّة على مسلك المتكلّمين ليست من الأُمور الانتزاعية ولا الاعتبارية وإنّما هي من الأُمور الواقعية كسائر الواقعيات التي يدركها العقل، فانّ حصول الامتثال بتطابق المأتي به للشريعة، من الأُمور الواقعية كتطابق الخطين وتساويهما، فالصحة عندئذ ليست أمراً انتزاعياً ولا اعتبارياً ولا مجعولاً بنفسه ولا مجعولاً بتبع أمر آخر، ولا من الأحكام العقلية المستقلة كحسن الإحسان وقبح الظلم أو الملازمة بين الوجوبين، بل واقعية يدركها العقل.

نعم ما أفاده من أنّ الصحّة على مسلك الفقهاء ، من الأحكام العقلية، إذ هو الحاكم بسقوط الإعادة والقضاء إذا أتى بالمأمور على ما هو عليه، وعدمه إذا لم يأت كذلك.

وثالثاً: أنّه ـ قدس سره ـ حكم بأنّ الصحّة والفساد مجعولين شرعاً فيما إذا كان المأتي به غير واف بمصلحة الواقع فيما كانت الإعادة أو القضاء حرجيّاً فيكون سقوطهما (الصحة) مجعولين وإلاّ كان ثبوتهما (الفساد) مجعولين، مع أنّ الظاهر منه في مبحث الإجزاء، أنّ الإجزاء و عدمه في الصورتين أمر عقلي(1) ، ومع ذلك يمكن تصحيح كونهما مجعولين لكن باعتبار منشأ انتزاعهما حيث إنّ العمل لا يوصف


1 . كفاية الأُصول:1/129 .


(302)

بالصحة، إلاّ برفع اليد عن جزئية الجزء وشرطية الشرط، كما لا يوصف بالفساد إلاّ بإثباتهما، فالمجعول رفع الشرط أو الجزء أو إثباتهما، فيتبعهما جعل الصحة والفساد.

إكمال

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أفاد في آخر التنبيه الذي عقده في ذيل الأمر السادس بأنّ الصحّة والفساد في الموارد الخاصّة لا يكاد يكونان مجعولين، بل إنّما هي تتصف بهما بمجرّد الانطباق على ما هو المأمور به.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ معنى ذلك أنّ الموصوف بالصحّة والفساد هو العناوين الكلّية من الصلاة والبيع، واتّصاف الفرد الخارجي منهما إنّما هو بانطباق المفهوم الكلّي عليه، ولكنّه كما ترى، لأنّ الصلاة الكلية لا توصف بالصحة والفساد ما لم تتحقّق في الخارج، فانّ الأجزاء والشرائط بما هي هي لا توصف بالصحّة والفساد، وإنّما توصف بأحدهما إذا انطبق عليها عنوان الصلاة في الخارج، فإن كانت جامعة لهما فتوصف بالصحة، وإلاّ فتوصف بالفساد. وسيوافيك الكلام في البحث التالي.

الصحّة في المعاملات

قد وقفت على نظرية الخراساني حول الصحّة في العبادات وتفاصيلها، وأمّا الصحّة في المعاملات فأفاد في المقام كالتالي:

1. انّ الصحّة في المعاملات مجعولة، حيث كان ترتّب الأثر على معاملة إنّما


1 . كفاية الأُصول:1/290.


(303)

هو بجعل الشارع وترتيبه عليها ولو إمضاءً ، ضرورة انّه لولا جعله لما كان يترتّب عليه لأصالة الفساد.

2. نعم صحّة كلّ معاملة شخصية وفسادها ليس إلاّ لأجل انطباقها على ما هو المجعول سبباً وعدمه كما هو الحال في التكليفية من الأحكام، فاتصاف المأتي به بالوجوب أو الحرمة ليس إلاّ انطباق ما هو الواجب عليه.

يلاحظ عليه بأمرين:

1. انّه سبحانه جعل البيع حلالاً، فقال: (وأَحَلَّ اللّهُ البيعَ)(1)، وجعل الصلح بين المسلمين جائزاً ونافذاً فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «الصلح جائز بين المسلمين». فمتعلّق الجعل في الآية والرواية، هو الحلّية والجواز، لا الصحة، فلو قلنا بأنّه لا دور للشارع في مجال المعاملات، فالمراد انّه أمضى الحلّية والجواز الرائجين بين العقلاء قبل الإسلام.

وأمّا الصحّة فإنّما يوصف بها العنوان إذا تحقّق في الخارج، وانطبق عليه ما أمضاه الشارع بالحلّية أو الجواز.

والحاصل: انّ المحقّق الخراساني خلط بين متعلّق جعل الحلية والجواز (وإن شئت قلت القانونية) وبين متعلّق الصحّة، فمتعلق الحلّية والجواز هو العناوين الكلية والمجعول فيها هو الحلّية والجواز، ومتعلّق الصحّة هو المصداق الخارجي المنطبق عليه تلك العناوين .

وعلى ذلك فما هو المجعول شرعاً ولو إمضاء، هو الحلّية والجواز، لا الصحّة، بل الصحّة والفساد تنتزع من انطباق تلك العناوين الحامل للأحكام على المصداق الخارجي، وقد أشرنا إلى ذلك في الإكمال السابق.


1 . البقرة:275.


(304)

التاسع: ما هو الأصل المعوّل عليه عند الشكّ؟

إذا ثبت عند المجتهد دلالة النهي على الفساد أو عدم دلالته عليه فهو في غنى عن طرح هذا البحث، لعدم الحاجة إليه بعد وجود الدليل الاجتهادي على أحد الطرفين. وإنّما تصل النوبة إليه إذا قصرت اليدُ عن الدليل الاجتهادي ولم يثبت أحد الأمرين، فلا محيص من الرجوع إلى الأصل العملي عند الشكّ.

فنقول: تارة يتعلّق الشكّ بالمسألة الأُصولية، وأُخرى بالمسألة الفرعية.

أمّا الأوّل: فلو كان مصب النزاع عقلياً، أي في وجود الملازمة بين النهي والفساد عقلاً وعدمها ، فلا أصل هنا يعوّل عليه، إذ ليست للملازمة ولا لعدمها حالة سابقة، وعلى فرض وجودها لا شكّ في الحالة اللاحقة، إذ لو ثبت الملازمة لكانت باقية قطعاً، ولو ثبت عدمها فكذلك.

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّه إذا كان النزاع عقليّاً فليس هاهنا قضية متيقّنة أوّلاً، وعلى فرض وجودها فليس هاهنا قضية مشكوكة.

أضف إلى ذلك أنّ الملازمة وعدمها غير قابلة للاستصحاب، لأنّه يشترط فيه كون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، والملازمة تفتقد هذا الشرط.

هذا إذا كان مصبُّ النزاع في المسألة الأُصولية عقليّاً، وأمّا إذا كان لفظياً، أي في دلالة لفظ النهي على الفساد أو عدمه، فالأصل وإن كان موجوداً، أعني: أصالة عدم وضع النهي للفساد ولكنّها بالنسبة إلى إثبات أنّ النهي الموجود غير موضوع له مثبت، وقد ثبت في محلّه انّ استصحاب النفي التام لا يثبت النفي


(305)

الناقص، كاستصحاب عدم قرشية هذه المرأة عندما لم تكن موجودة وإثبات عدم قرشيتها بعدما وجدت، لأنّ القضية المتيقّنة صادقة بانتفاء الموضوع، والقضية المشكوكة لا تصدق إلاّ بعد وجود الموضوع وانتفاء محموله، ومثله المقام حيث إنّ عدم دلالة النهي على الفساد لأجل عدم وجود الواضع والوضع، فكان عدم دلالتها أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، والمقصود إثبات عدم الدلالة بعد وجود الواضع وثبوت الوضع وصدور النهي من المولى، فالقضية المتيقّنة سالبة بانتفاء الموضوع، والقضية المشكوكة ـ إن صدقت ـ صادقة بعد وجود الموضوع والاتصاف بعدم المحمول.

فثبت أنّه لا أصل مفيد إذا كان النزاع في المسألة الأُصولية، إمّا لا أصل ـ كما إذا كان عقليّاً ـ أو هنا أصل ولكنّه مثبت كما إذا كان النزاع لفظيّاً .

إذا كان الشكّ في المسألة الفرعية

إذا كان الشكّ في المسألة الفرعية في باب المعاملات بأن شك في صحّة البيع وقت النداء، أو صحة المضاربة مع شرط اللزوم، فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الأصل هو الفساد، لأنّ مقتضى صحّة البيع مثلاً انتقال المبيع من ملك البائع إلى ملك المشتري والثمن على العكس، فالأصل عدم حصول النقل والانتقال.

هذا في المعاملات، و أمّا في العبادات فقد أفاد المحقّق الخراساني بأنّ الأصل هو الفساد، لأنّ تعلّق النهي مانع عن تعلّق الأمر لامتناع اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، فصوم يوم الفطر إذا كان منهيّاً عنه يمتنع أن يتعلّق به الأمر.


(306)

كلام للمحقّق الإصفهاني

وأورد عليه المحقّق الاصفهاني ـ قدس سره ـ بأنّه لا شكّ في المسألة الفرعية حتّى يؤسس الأصل في مقام الشكّ، لأنّ الصحّة لو كانت بمعنى موافقة الأمر فلا شكّ في الفساد لعدم تعلّق الأمر بالعبادة مع تعلّق النهي بها.

وإن كان بمعنى موافقة المأتي به للمأمور به من حيث الملاك فهو قطعي الثبوت، فالمنهي عنه مستجمع لجميع الأجزاء والشرائط الدخيلة في الملاك، والشكّ في أمر آخر وهو إمكان التقرّب مع المبغوضية وعدمه، ولا أصل يقتضي أحد الأمرين، فكيف يقال الأصل الفساد؟(1)

وحاصله: انّه لو كان ملاك الصحّة، هو الأمر، فالعبادة باطلة قطعاً بلا شكّ لعدم الأمر; ولو كان ملاك الصحة هو وجود الملاك فهو صحيح قطعاً لكونه واجداً للملاك، ولو طرأ الشكّ في الصحة لأجل إمكان التقرّب مع المبغوضية وعدمه فلا أصل يعيّن أحد الطرفين.

يلاحظ عليه أوّلاً: نختار الشقّ الثاني وهو انّ الصحّة تدور حول وجود الملاك في الصلاة، والقول بأنّه قطعي الثبوت غيرتام، إذ لو كان الشكّ في الصحّة لأجل ابتلاء العبادة بالمزاحم كابتلاء الصلاة بإزالة النجاسة عن المسجد، فالقول بوجود الملاك القطعي صحيح، وأمّا إذا كان الشكّ معلولاً لأجل النهي عن الجزء كقوله لا تقرأ العزائم في الصلاة، أو الوصف كالنهي عن الصلاة متكتفاً، فالقول بأنّ الملاك قطعي غير صحيح، لاحتمال أن تكون الصلاة مقيّدة بغير العزائم والتكتّف، والشكّ في الصحّة يلازم الشكّ في كون الصلاة تامّة من حيث عدم


1 . نهاية الدراية:1/310.


(307)

المانع أو لا، فعندئذ يكون الملاك أيضاً مشكوكاً.

وثانياً: لو افترض أنّ الشك في إمكان التقرّب مع المبغوضية وعدمه، فقوله «لا أصل» غير صحيح، لوجود الأصل وهو انّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، فليس للمكلّف الاكتفاء بالصلاة مع سور العزائم أو التكتّف لاحتمال مانعيتها، فيجب عليه الإعادة أخذاً بقاعدة الاشتغال.(1)

كلام للمحقّق النائيني

وقد فصّل المحقّق النائيني ـ قدس سره ـ بين ما إذا كان الشكّ في صحتها وفسادها لأجل شبهة موضوعية، كما إذا شكّ في أنّه ركع أو سجد في الركعة الأُولى أو لا؟ فمقتضى القاعدة الأُولى فسادها مع قطع النظر عن القاعدة الثانية(قاعدة الفراغ والتجاوز).

وأمّا إذا كان لأجل شبهة حكمية، فالحكم بالصحّة والفساد عند الشكّ يبتني على الخلاف في جريان البراءة أو الاشتغال عند الشكّ في الجزئية أو الشرطية أو المانعية.

وإن شئت قلت: الشكّ في اقتضاء النهي للفساد يستتبع الشكّ في مانعية المنهي عنه عن العبادة وعدمها ويندرج في مسألة الأقل والأكثر.(2)

يلاحظ عليه: بأنّ كلاً من الشقين خارج عن محطّ البحث، أمّا إذا كانت الشبهة موضوعية فلا نهي هناك حتّى يدخل في صلب الموضوع، فمن يشكّ في أنّه


1 . هذا و قد قرر شيخنا الأُستاذـ مدّ ظلّه ـ هذه المباحث على خلاف ما قرره في الدورة الثالثة، فلو كان هناك خلاف بيننا و بين ما أفاده في تلك الدورة فهو راجع إلى اختلاف التقرير من جانب شيخنا الأُستاذـ مدّ ظلّه ـ.
2 . أجود التقريرات:1/394.


(308)

ركع أو سجد لا نهي هنا قطعاً حتّى يبحث في دلالته، وأمّا إذا كانت الشبهة حكمية فالشكّ في الصحة وإن كان نابعاً من الشكّ في مانعية التكتّف أو لبس خاتم الذهب فبالتالي يدخل في مبحث الشكّ في المانعية الذي يبحث عنه في باب الاشتغال، ولكنّه خروج عن نمط البحث في المقام، فانّ البحث هنا مركّز على شيء واحد وهو دلالة النهي على الفساد وعدمها، وإرجاع البحث إلى الشكّ في المانعية وإدخاله في مبحث الأقل و الأكثر الارتباطيين خروج عن موضوع البحث.

كلام للمحقّق الحائري

قد فرّق شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ـ قدس سره ـ بين كون النزاع لفظياً و كونه عقلياً، إذ على الأوّل يرجع الشكّ إلى تقييد دليل العبادة بغير الخصوصية كالتختّم بالذهب والتكتّف، ومعه إمّا تجري البراءة أو الاشتغال على الخلاف، بخلاف ما إذا كان عقلياً ، وإنّما الشكّ في القرب المعتبر في العبادات هل يحصل بإيجاد العمل في ضمن فرد محرّم، أو لا و الأصل الاشتغال حتّى يحصل القطع.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في الشق الثاني لا غبار عليه، وقد أوضحناه عند نقل كلام المحقّق الاصفهاني حيث زعم «انّه لو كان مناط الصحة هو الملاك فيرجع إلى مبغوضية المنهي عنه وعدمها ولا أصل في البين» و قد عرفت أنّ الأصل هو انّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينة.

نعم يرد الإشكال على الشقّ الأوّل حيث أرجع البحث في المقام إلى الشكّ في تقييد العبادة بغير الخصوصية (التكتّف مثلاً) وقد عرفت أنّ هذا خروج عن


1 . درر الأُصول:1/155.


(309)

موضوع البحث، بل البحث مركَّز على كون النهي مانعاً عن الصحّة أو لا، لا كون النهي سبباً للشكّ في تقييد المأمور به بعدم المنهي عنه.

فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ الأصل في العبادات المنهية هو الفساد، إذ الشكّ في الصحّة يلازم الشكّ في حصول البراءة اليقينية، ومعه تجب الإعادة والقضاء.

العاشر: في أقسام تعلّق النهي بالعبادة

إنّ النهي عن العبادة على أقسام:

1. إمّا يتعلّق بنفس العبادة.

2. أو جزئها.

3. أو شرطها الخارج عنها كالتستّر.

4. أو وصفها الملازم لها.

5. أو وصفها غير الملازم لها .

6. أو يتعلّق بها لا بالمباشرة، بل لأجل تعلّق النهي بأحد هذه الأُمور.

فقد قدّم المحقّق الخراساني البحث في تعلّق النهي بالجزء والشرط و...، ثمّ انتقل إلى البحث عن تعلّق النهي بنفس العبادة، وبعد إنهائه استعرض مسألة تعلّق النهي بالمعاملات، ونحن نقتفيه أيضاً فنقول:

1. إذا تعلّق النهي بالجزء

إذا تعلّق النهي بالجزء كالنهي عن قراءة سور العزائم في الصلاة، روى زرارة عن أحدهما عليمها السَّلام قال: «لا تقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم، فانّ السجود


(310)

زيادة في المكتوبة»(1) فقال المحقّق الخراساني: إنّ النهي يوجب بطلان الجزء لكن بطلانه لا يوجب بطلان العبادة إلاّ في صورتين:

1. إذا اقتصر على الجزء المنهي عنه لا مع الإتيان بغيره ممّا لم يتعلّق به النهي بأن يقرأ سورة أُخرى من العزائم.

2. إذا استلزم الإتيان بجزء آخر، محذوراً كالقران بين السورتين وقد نهي عنه، روى الصدوق عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «لا قرآن بين السورتين في ركعة».(2)

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أورد على نظرية المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة. وحاصل الوجوه: انّ النهي عن الجزء، مبطل للجزء والكلّ، أي العبادة، وإليك الوجوه:

الأوّل: انّ النهي عن الجزء يوجب تقييد العبادة بما عدا ذلك الجزء، وتكون نسبة العبادة إلى ذلك الجزء المنهي عنه «بشرط لا» لا محالة، واعتبار العبادة «بشرط لا» بالنسبة إلى شيء، يقتضي فساد العبادة المشتملة على ذلك الشيء لعدم كون الواجد من أفراد المأمور به، بل المأمور به غيره، فالآتي بالمنهي عنه غير آت بالمأموربه.

الثاني: انّه يعد زيادة في الفريضة فتبطل الصلاة بسبب الزيادة العمدية المعتبر عدمها في صحتها، ولا يعتبر في تحقّق الزيادة قصد الجزئية إذا كان المأتي به من جنس إجزاء العمل ، نعم يعتبر قصد الجزئية في صدقها إذا كان المأتي به من غير جنسه.


1 . الوسائل:4، الباب40 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث1 .
2 . الوسائل: 4، الباب8 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث12.


(311)

الثالث: انّه تعمّه أدلّة مبطلية مطلق التكلّم من غير تقييد بكلام الآدمي، والقدر الخارج عن هذا الإطلاق هو التكلّم بالقرآن والذكر الجائزين،ويبقى الذكر و القرآن المنهي عنهما داخلين تحت الإطلاق.(1)

والوجوه الثلاثة تهدف إلى أنّ بطلان الجزء موجب لبطلان الكلّ أي نفس العبادة، فتارة من جهة فقدان وصف الصلاة، أي اللا بشرط، وأُخرى من جهة الزيادة، وثالثة من جهة كونه تكلّماً غير جائز.

يلاحظ على الأوّل: أنّ حرمة جزء العبادة ليست إلاّ بمعنى حرمته في نفسه، وحرمته كذلك تقتضي بطلانه وعدم حصول الامتثال به، و أمّا تقييد العبادة بعدمه، و كون نسبتها إليه، على نحو «لا بشرط» فهو ممّا لا تدلّ عليه حرمة الجزء.

وإن شئت قلت: قولنا: «جزء العبادة» تعبير مسامحي، فانّ الروايات الناهية عن قراءة سور العزائم في المكتوبة سلبت عنها وصف الجزئية، وصارت قراءتها فيها، كالنظر إلى الأجنبيّة في حال الصلاة، فكما أنّ الثاني، لا يبطل العبادة فهكذا قراءة العزائم، وكون السورة المنهيّة من جنس سائر الأجزاء دون النظر لا يكون فارقاً، بعد سلب عنوان الجزئية عنها بقوله«لا تقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم».

وبطلان الجزء [الشأني] في نفسه، يلازم بطلان العبادة إذا اقتصر به، وأمّا إذا قرأ سورة أُخرى، كانت الصلاة واجدة للجزء لولا المحذور الآخر، أعني: قران بين السورتين المنهي عنه كما مرّ.

ويلاحظ على الثاني: المفروض انّ المصلّي عالم بالحكم، وانّ الشارع سلب عن العزائم عنوان الجزئية فيمتنع أن يقرأها بقصد الجزئية، وإنّما يقرأها بعنوان انّه


1 . أجود التقريرات:1/397; فوائد الأُصول:1/465ـ 466.


(312)

قرآن، فعندئذ كيف يكون سبباً للزيادة مع عدم قصد الجزئية؟ والتفريق بين ما كان من سنخ العبادة وغيرها باشتراط قصدها في الثاني دون الأوّل خال عن الوجه، وذلك للفرق الواضح بين كون شيء جزءاً تكوينياً و كونه جزءاً اعتباريّاً، فلو زاد في المركب الخارجي شيئاً عن سهو، صدق انّه زاد فيه سواء قصد الجزئية أم لا، و بين كونه جزءاً اعتبارياً للمركب الاعتباري الذي هو في الحقيقة أُمور مختلفة، متفرقة، من مقولات متشتّة، يجمعها عنوان اعتباري آخر كالصلاة، ففي مثلها، تكون جزئية الشيء رهن القصد والاعتبار فلا يصدق انّه زاد في صلاته إلاّ إذا أتى بالجزء بما انّه جزء منه، والمفروض خلافه. نعم لو أتى بالجزء بما انّه جزء للصلاة وانّه لا فرق بين العزائم وغيرها صدقت الزيادة.

فإن قلت: إنّ الإمام عدّ السجود لأجل قراءة العزائم زيادة في المكتوبة كما مرّ، مع أنّه لم يقصد كونه جزءاً من الصلاة، وهذا دالّ على التفصيل بين ما يكون من جنس المزيد عليه وما ليس كذلك.

قلت: لعلّ المراد كون السجود ماحياً للهيئة الصلائية المعتبرة فيها كالأفعال الكثيرة المبطلة، بما هي ماحية لها، وإلا فالاستعمال أعمّ من الحقيقة، وإطلاقها على السجود في مورد لا يكون دليلاً على صحّة إطلاقها على غيره إذا لم يقصد كونه من الصلاة.

وعلى الثالث، فانّ المحرّم هو التكلّم بكلام الآدمي لا مطلق التكلّم حتّى يخصص بالقرآن والذكر الجائزين ويبقى القرآن والذكر المحرّمين تحته، ويدلّ على ذلك لسان الروايات.

روى أبو بصير عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ :«ان تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة».(1)


1 . الوسائل:4، الباب25 من أبواب القواطع، الحديث 1و 2و 4.


(313)

أضف إلى الجميع أنّ المسألة أُصولية ، لا فقهية، فيجب تحليلها على غرار سائر المسائل الأُصولية بأن يركّز على البحث في الملازمة أو دلالة النهي على الفساد، و أمّا تحليله بفقدان الوصف أو الزيادة، أو بكونه تكلّماً فهو يناسب المسائل الفرعية.

2. إذا تعلّق النهي بالشرط

إذا تعلّق النهي بالشرط ـ كالتستر بالحرير ـ فهل يوجب فساد العبادة أو لا؟ ذهب المحقّق الخراساني إلى التفصيل بين أن يكون الشرط عبادة، كالطهارات الثلاث فانّ فسادها يوجب فساد المشروط، و ما لا يكون عبادة كالتستر فانّ النهي يجتمع مع الصحة لعدم لزوم قصد القربة حتّى لا تجتمع مع الحرمة.

يلاحظ عليه: أنّ الشرط غير العبادي إذا كان متقدّماً على المشروط صح ما ذكره كغسل الثوب النجس بالماء المغصوب، والصلاة فيه بعد جفافه وأمّا إذا كان الشرط مقارناً مع الصلاة كالتستر، فانّ النهي عنه كاشف عن مبغوضيته وعدم إمكان التقرّب بالصلاة المتّحدة مع الشرط المبغوض.

وبعبارة أُخرى: انّ هنا ـ مشروطاً كالصلاة ـ و قيداً كالثوب المنسوج من الحرير ـ و تقيداً و هو الإضافة الحاصلة بين الستر والصلاة، وذات القيد أي نفس الثوب و إن كان خارجاً عن الصلاة، لكن التقيّد داخل فيها، فالأمر يتعلّق بالصلاة التي تكون العورة فيها مستورة، فإذا كان الشرط أي التستّر محرماً، يمتنع تعلّق الأمر الصلائي به ولو بانبساط الأمر، و قد اشتهر قولهم: «تقيّد جزء وقيد خارجي» فالتستّر جزء من الصلاة داخل فيها وإن كان نفس الستر خارجاً فالأمر النفسي المتعلّق بالمشروط، يتعلّق بالشرط أيضاً والنهي مانع عن تعلّقه به.


(314)

فإن قلت: إذا كان التقيّد أمراً ذهنياً، فلا يكون متعلّقاً للأمر النفسي ولو بانبساطه إلى الأجزاء والشروط.

قلت: المراد من كونه أمراً ذهنياً أنّ وجوده ليس من سنخ الجواهر بأن يكون عيناً من الأعيان، وإلاّ يلزم أن تكون المعاني الحرفية كلّها أُموراً ذهنية فاقدة للواقعية، مع أنّها من مراتب التكوين، ولذلك يمكن أن يقال انّ التستّر، كالتعمم والتقمّص من مقولة الجدة وله واقعية كسائر الأعراض النسبية.

فإن قلت: ما الفرق بين الجزء والشرط حيث إنّ بطلان الجزء بما هوهو لا يوجب بطلان الكل، بخلاف الشرط فانّ مبغوضية «الشرط» أي «التستّر» توجب بطلان العبادة؟

قلت: الفرق واضح فانّه ليس للجزء المنهي أيُّ دور في قوام الصلاة وانّما هو فعل زائد في الصلاة موصوف بالحرمة، بمعنى أنّه لا يسري بطلانه إلى الكلّ إذا استدركه بإتيان فرد منه غير ممنوع، بخلاف الشرط فانّ له دوراً في الصلاة، لأنّه من توابع الصلاة ومكمّلاً لها حيث لا تصحّ الصلاة بلا تستر.

3. إذا تعلّق النهي بالوصف اللازم

إذا تعلّق النهي بالوصف اللازم كالجهر بالقراءة في الصلوات النهارية، فهل يدلّ على فساد القراءة أو لا؟

وربّما يفسّر الوصف اللازم بما لا ينفك عن الملزوم، كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة، لكن التفسير خاطئ من وجهين:

1. انّ الجهر ليس من اللوازم غير المنفكّة، لإمكان القراءة بالمخافتة.

2. لو كان الوصف ممّا لا ينفك، يمتنع تعلّق الوجوب بالملزوم والحرمة


(315)

باللازم لاستلزامه طلب الضدّين ولذلك قيل بأنّ اللاّزم وإن كان لا يجب أن يكون محكوماً بحكم الملزوم لكن يجب أن لا يكون محكوماً بحكم يضادّ حكم الملزوم كما في المقام.

بل المراد من اللازم مالا يمكن سلبه مع بقاء موصوفه، وفي المقام تنعدم القراءة الشخصية مع انعدام وصفها، نعم يمكن إيجاد قراءة أُخرى في ضمن صنف آخر.

وإن شئت قلت: أن لا يكون للموصوف وجود مغاير للوصف حيث إنّ الجهر من كيفيّات القراءة وخصوصياتها.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ذهب إلى أنّ النهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن القراءة لامتناع كون القراءة التي يجهر بها مأموراً بها مع كون الجهر بها منهيّاً عنه فعلاً.

وما ذكر مبنيّ على مختاره في باب تعلّق الأحكام فانّ التحريم عنده يتعلّق بما هو مصداق الجهر خارجاً، والمفروض انّه متّحد وجوداً مع القراءة، و لو تعلّق بها الأمر، يلزم أن يتعلّق بنفس ما تعلّق به النهي لحديث اتحادهما في الخارج وهو محال، ولازم ذلك خروج القراءة عن تحت الأمر فيكون ما أتى به غير مأمور به، وما هو المأمور به، غير مأتي به، وهذا هو الوجه لفساد القراءة ـ عند المحقّق ـ لا ما ذكره بعض الشرّاح من «أنّه لا يمكن عند العقل أن يكون أحد المتلازمين واجباً والآخر حراماً» لما عرفت من عدم صحّة تفسير اللازم في المقام بما ذكر.

وأمّا تفسير الفساد، بامتناع التقرّب بهذه القراءة المنهية، أو استلزام النهي كون القراءة فاقدة لوصفها الشرعي، أعني: المخافتة، كلّها خروج عن محط البحث، لأنّ البحث أُصولي، لا فقهي، وما ذكر من الوجهين يناسب كون البحث


(316)

فقهياً.

لكن الظاهر عدم اقتضاء النهي الفساد، لما عرفت من أنّ متعلّق الأحكام هو العناوين الفعلية، والمصاديق ليست متعلّقة للأحكام، وإنّما هي مصاديق لما هو الواجب، والقراءة والجهر من المفاهيم المختلفة فلا يسري الحكم المتعلّق بالجهر إلى القراءة وهكذا بالعكس.

4. إذا تعلّق النهي بالوصف المفارق

إذا تعلّق النهي بالوصف المفارق، كالغصب بالنسبة إلى الصلاة حيث إنّ الصلاة عبارة عن الأذكار والأفعال، والغصب، هو الاستيلاء على مال الغير عدواناً، وهما في الخارج حقيقتان مختلفتان، بل ربّما يحصل الاستيلاء بلا تصرّف في مال الغير، كما إذا منع المالك من التصرّف في ماله، وسلب سلطانه عنه من دون أن يتصرّف في الدار، فعندئذ عدم استلزام النهي، فساد الموصوف واضح لا يحتاج إلى البيان، وأمّا فسادها لأجل عدم حصول التقرب وغيره فهو خارج عن محط البحث.

5. إذا تعلّق النهي بالعبادة لأجل أحد هذه النواهي

إذا تعلّق النهي بالعبادة وكان النهي ناجماً من تعلّق النهي بالجزء، أو الشرط وغيرهما فهو على قسمين، فتارة يكون النهي عن الجزء والشرط واسطة في العروض فيكون حكمه ، حكم الواسطة، وأمّا إذا كان النهي عن أحد هذه الأُمور واسطة في الثبوت، يدخل في باب النهي المباشر عن العبادة الذي سوف يوافيك حكمه.

وجهه، انّه إذا كانت الواسطة، واسطة في العروض، كقولك جرى الميزاب،


(317)

فإنّ جريان الماء واسطة لنسبته إلى الميزاب، فلا يكون ذو الواسطة (الميزاب) موصوفاً حقيقة بالجريان وإنّما ينسب إليه مجازاً وبالعرض، بإعطاء حكم الحالّ للمحلّ، فيكون النهي الناجم من هذه النواهي، المتعلّق بنفس العبادة، نهياً مجازيّاً لا حقيقياً، فلا يزيد حكمه على حكم الواسطة.

وإذا كانت الواسطة، واسطة في الثبوت كوساطة النار لعروض الحرارة على الماء، يكون ذو الواسطة(الماء) موصوفاً بالحرارة حقيقة، لا مجازاً، فيكون النهي المتولّد من هذه النواهي نهيّاً حقيقياً متعلّقاً بالمباشرة بالعبادة فيدخل في قسم النهي عن ذات العبادة الذي سيوافيك بيانه.

ثمّ إنّ هذه الأقسام الخمسة متصوّرة في النهي عن المعاملة، فتارة يتعلّق النهي بجزء المعاملة، وأُخرى بشرطها وهكذا...، ولكنّها فروض لا مصداق لها في الخارج وكلّها مبتنية على كون أسماء المعاملات، أسماء للأسباب المركّبة، لا للمسببات البسيطة كالملكية في البيع.

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى ما هو المقصود من عقد هذا الفصل، أعني:

1. تعلّق النهي بنفس العبادة.

2. تعلّق النهي بنفس المعاملة.

فيقع الكلام في مقامين.

الأوّل: تعلّق النهي بالعبادة

إذا تعلّق النهي بالعبادة، فهو إمّا مولوي، وإمّا إرشادي. والمولوي إمّا ذاتي أو تشريعي، فتصير الأقسام ثلاثة، وإليك بيان أحكامها:


(318)

1. النهي التحريمي المولوي الذاتي

إذا تعلّق النهي التحريمي المولوي الذاتي بذات العبادة كصلاة الحائض في قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «دع الصلاة أيّام أقرائك».(1)وصوم يوم الفطر في قوله:«نهى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن صيام ستة أيام يوم الفطر، و يوم النحر...».(2)

أو بذات العبادة، ولكن بواسطة النهي عن وصفه كصوم الوصال في قوله: «لا وصال في الصوم»(3) فهل يدلّ النهي على الفساد أو لا؟ ذهب المحقّق الخراساني إلى الدلالة واستدلّ بالبيان التالي:

إنّ الصحّة إمّا بمعنى مطابقة الأمر للشريعة كما عليه المتكلّمون أو بمعنى سقوط الإعادة والقضاء.

فعلى الأوّل الصحة فرع الأمر، ومع النهي عن ذات الشيء لا يتعلّق به الأمر.

وعلى الثاني فسقوط القضاء والإعادة فرع تمشّي قصد القربة، ومع الحرمة الذاتية كيف يتمشّى قصدها؟!

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على نفسه إشكالاً حاصله:

إنّ النهي في الموارد المذكورة ليس نهياً تحريمياً ذاتيّاً وإنّما هو نهي تحريمي تشريعي، وذلك لأنّ متعلّق النهي الذاتي إمّا العبادة الشأنية، أو العبادة الفعلية.

وإن شئت قلت: إمّا ذات الفعل بلا قصد القربة، أو هو مع قصد القربة.

فالأوّل ليس عبادة فلا يوصف فعلها بالحرمة، كما إذا علّمت الحائض إقامة


1 . مسند أحمد:6/42و 262و في المصدر «حيضك».
2 . الوسائل: 6، الباب1 من أبواب الصوم المحرم، الحديث4.
3 . الوسائل:6، الباب4 من أبواب الصوم المحرم، الحديث1.


(319)

الصلاة من حضرها من النساء.

وعلى الثاني، أي ما يكون متعلّق النهي العبادة الفعلية والتي تعلّق به الأمر بالفعل فلا يخلو إمّا أن يقصد الأمر الواقعي أو الأمر التشريعي.

فالأوّل أمر غير ممكن لامتناع تعلّق الأمر بالمحرّم ذاتاً، وعلى الثاني تكون الحرمة تشريعية لا ذاتية، ومعه يمتنع أن يتعلّق به نهي ذاتي لامتناع اجتماع المثلين.

وإلى هذه القضية المنفصلة أشار المحقّق الخراساني بقوله: «وعدم القدرة عليها مع قصد القربة (إذا قصد الأمر الواقعي) إلاّ تشريعاً(إذا قصد الأمر التشريعي) وبالنتيجة يصبح النهي تشريعيّاً لا ذاتياً» والكلام في النهي الذاتي.

ولتوضيح الحال نذكر صلاة التراويح التي نهي عن إقامتها جماعة.

فإن أتى بها بلا قصد الأمر الواقعي فلا تكون محرّمة، وإن أتى بها بقصد الأمر الواقعي فهو غير ممكن لامتناع تعلّق الأمر بها مع النهي.

وإن أتى بها بالأمر التشريعي بأن ادّعى انّ الشارع أمر بصلاة التراويح جماعة فتصبح العبادة حراماً تشريعياً ويمتنع أن يتعلّق بها نهي ذاتي لامتناع اجتماعهما.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن الإشكال بوجوه أربعة:

أوّلاً: نختار الشق الأوّل وانّ المراد من العبادة، العبادة الشأنية، أعني: الفعل الذي لو تعلّق به الأمر يكون عبادة وإن لم يتعلّق به الأمر الفعلي كصوم يوم العيدين فانّ فيه تلك القابلية، أعني: لو تعلّق به الأمر يكون عبادة فالإتيان به والحال هذه حرام ذاتي، فسقط قول المعترض«من أنّه بدون قصد القربة ليس بحرام».

وثانياً: نختار الشق الثاني أي كون متعلّق النهي العبادة الفعلية ولكنّها


(320)

ليست رهن أمر فعلي، بل ربّما تكون عبادة ذاتية كما في نهي الحائض عن السجود للّه فتكون عبادة محرّمة ذاتاً بلا حاجة إلى الأمر.

وثالثاً: نمنع ما قاله من أنّه: «إذا قصد الأمر التشريعي يصير حراماً تشريعيّاً ويمتنع تعلّق النهي الذاتي به لاستلزامه اجتماع المثلين، وذلك لاختلاف متعلّق الحرمتين، لأنّ النهي الذاتي تعلّق بذات الفعل والحرمة التشريعية تتعلّق بعقد القلب بأنّه ممّا أمر به الشارع مع أنّه لم يأمر به.

ورابعاً: نفترض أنّ النهي ليس ذاتياً بل نهي تشريعي فيكون دالاً على الفساد ولا أقلّ يدلّ على أنّها ليست بمأمور بها وان عمّها إطلاق دليل الأمر أو عمومه... فيخصص به (النهي) أو يقيد.(1)

يلاحظ على الأوّل بأنّ ما ذكره وإن كان صحيحاً في تعريف العبادة وقد قلنا بصحّة التعريف في أوائل البحث، لكن عنوان البحث، أعني قولهم: «هل النهي عن العبادة يدلّ على الفساد أو لا» ناظر إلى العبادة الفعلية لا الشأنية.

ويلاحظ على الثاني بأنّه مبنيٌّ على وجود العبادة الذاتية كالسجود للّه، وقد عرفت ضعفها، لأنّه يستلزم أن يكون أمر الملائكة بالسجود لآدم أمراً بالشرك، وهو فحشاء، واللّه سبحانه لا يأمر بالفحشاء أتقولون على اللّه ما لا تعلمون.

ويلاحظ على الثالث بأنّ تصوير النهيين: الذاتي والتشريعي والقول باختلاف متعلّقها صحيح على القول بإمكان التشريع وراء البدعة، وأمّا على ما حقّقناه من امتناع التشريع بالمعنى الرائج عند العلماء وهو عقد القلب بوجوب شيء يعلم بعدم وجوبه شرعاً، فهو غير متصوّر. إذ كيف يتأتّى عقد القلب بما


1 . كفاية الأُصول:1/295ـ 296. قوله«فيخصص به أو يقيّد» ناظر إلى قوله: إطلاق دليل الأمر بها أو عمومه ولا صلة له بقوله:«نعم لو لم يكن النهي عنها إلاّ عرضاً».


(321)

يعلم خلافه؟!

نعم الذي يتصوّر هو البدعة، وهو القيام العملي بنشر البدع بين الناس والقول بأنّها من الشارع، وهو غير التشريع.

وأمّا الرابع فهو عدول عن القول بالحرمة الذاتية وتسليم للحرمة التشريعية.

هذا كلّه حول ما ذكره المحقّق الخراساني و ما يرد عليه.

والذي نقول به: إنّ النهي في هذه الموارد وما شابهها ليس نهياً ذاتيّاً كالنهي عن الخمر والقمار كما يدّعيه المحقّق الخراساني، ولا نهياً تشريعيّاً كما كان يدّعيه المستشكل، بل النهي في هذه الموارد إرشادي إلى فساد العبادة وعدم تحقّقها والذي يدلّ على ذلك هو فهم العرف في امتثال الموارد.

مثلاً إذا كان العنوان موضوعاً لحكم ولم يكن العنوان مطلوباً بالذات وإنّما أمر به لأجل مصالح تترتّب عليه، غير أنّ المأمور جاهل بتركيب العنوان وأجزائه وشرائطه وموانعه، فعندئذ كلّما يصدر من الآمر أمر أو نهي فكلّها تحمل على الإرشاد إلى أجزاء الموضوع وشرائطه وموانعه، فإذا قيل: «دع الصلاة أيّام أقرائك» فهو إرشاد إلى أنّ الحيض مانع عن صحّة الصلاة فلا يحصل ما هو المطلوب.

والحقّ انّ المحقّق الخراساني ومن سار على نهجه أطنبوا الكلام في المقام مع انتفاء الموضوع وهو تعلّق الحرمة الذاتية بالعبادة.

بقي الكلام في القسمين الآخرين، وإليك الكلام فيهما.

الثاني: النهي المولوي التشريعي

إذا أوجب الإنسان على نفسه شيئاً لم يوجبه الشرع أو حرّم عليها ما لم يُحرّمه


(322)

فأتى به أو تركه بنيّة أمره ونهيه، يكون الفعل والترك حراماً تشريعياً لا ذاتياً، فالفعل والترك ربّما لايكون واجباً ولا حراماً بالذات، لكن ادّعاء تعلّق الأمر أو النهي به شرعاً، يصيِّره حراماً تشريعياً، ويحكم عليه بالفساد، سواء أقلنا بأنّ الصحة رهن الأمر، فالمفروض انّه لا أمر له ـ و إلاّ لم يكن حراماً تشريعاً ـ أو رهن الملاك والمفروض عدم العلم به، لأنّ الكاشف عنه هو الأمر والمفروض عدمه . وعلى ذلك حمل النواهي المتعلّقة بصوم يوم العيدين، وصلاة الحائض وصومها، و قد مضى انّ الظاهر انّها من قبيل القسم الثالث الذي سيوافيك.ولعل منه، النهي عن إقامة صلاة النوافل في ليالي رمضان بالجماعة.

ثمّ أشار في «الكفاية» إلى قسم من النهي وأسماه بالعرضي، وهو النهي المتولّد من الأمر بالشيء المقتضي للنهي عن ضده (الصلاة )عرضاً، فهذا النهي بما انّه عرضي، لا يوجب الفساد، إذ ليس هنا إلاّ واجب واحد، وهو الإزالة، ونسبة النهي إلى ضده، أعني: الصلاة، نسبة مجازية.

الثالث: النهي الإرشادي

قد عرفت أنّه إذا أمر المولى بعنوان طريق لإحراز المصالح، فالأوامر والنواهي المبيّنة، لإجزائه وشرائطه وموانعه، نواهي إرشادية إلى بيان الأجزاء والشرائط والموانع، وربما يكون المرشد إليه هو الكراهة كما في النهي عن الصلاة في الحمام، وفي البيت و هو جار للمسجد، فانّ المتبادر ـ بعد الإجماع على الصحة ـ هو الإرشاد إلى الكراهة.

وربّما يكون النهي المتعلّق بالعنوان، إرشاداً إلى كونه فاسداً كما في النهي عن صوم العيدين.


(323)

المقام الثاني

دلالة النهي على الفساد في المعاملات

قد عرفت حكم النهي عن العبادة ولم يذكر له المحقّق الخراساني إلاّ قسماً واحداً و هو تعلّق النهي المولوي التحريمي بذات العبادة، وقد أضفنا إليه قسمين آخرين وهو تعلّق النهي التشريعي بالعبادة، أو النهي الإرشادي إلى الفساد، وقد أشرنا إلى أنّه ليس للقسم الأوّل مصداق في الفقه، وانّ دلالة النهي على الفساد في القسمين الأخيرين واضحة.

وأمّا المعاملات فقد ذكر له المحقّق الخراساني أقساماً خمسة أنكر دلالة النهي فيها على الفساد إلاّ في القسم الرابع والخامس، وإليك الإشارة إلى أقسامها:

1. إذا تعلّق النهي بنفس المعاملة بما هو فعل مباشري كالعقد وقت النداء.

2. إذا تعلّق النهي بمضمون المعاملة بما هو فعل بالتسبيب كالنهي عن بيع المصحف من الكافر فالمنهي عنه هو مالكيته المتحققة بالبيع.

3. إذا تعلّق النهي بالتسبيب بها إليه وإن لم يكن السبب ولا المسبب بما هو فعل من الأفعال بحرام، وهذا كالتسبب إلى الطلاق بقوله : أنت خليّة، و مثل المحقّق البروجردي بالظهار، فانّ التلفّظ بلفظة (ظهرك كظهر أُمّي) ليس بحرام، كما أنّ مفارقة الزوجة مثله، فالمبغوض هو تحصيل المسبب بذلك السبب.

4. رابعها أن يتعلّق النهي بما لا يكاد يحرم مع صحّة المعاملة مثل النهي عن


(324)

أكل الثمن والمثمن في بيع المنابذة، أو بيع شيء كالخمر.

5. ما يكون ظاهراً في الإرشاد إلى الفساد وخص الدلالة على الفساد بالعقود والإيقاعات لا مطلق المعاملات كالنهي عن غسل الثوب النجس بماء مضاف.

وهناك قسم سادس لم يتعرّض له المحقّق الخراساني وهو:

6. إذا ورد نهي ولم يعلم أنّه من مصاديق أيِّ قسم من الأقسام الخمسة.

وإليك دراسة الكل.

أمّا القسم الأوّل فإنّ تعلّق النهي بالفعل المباشري أي صدور العقد وقت النداء لكونه مانعاً من درك الفريضة لا بمضمونه، فهو لا يلازم الفساد.

يلاحظ عليه بوجهين:

1. لا معنى لتعلّق النهي بنفس التلفّظ بالعقد مع كونه غير مبغوض، بل النهي تعلّق في الواقع بالاشتغال بغير ذكر اللّه، ولما كان البيع من أغلب ما يوجب الاشتغال بغيره، خصّ بالذكر وقيل(وَ ذَرُوا البَيْعَ).

2. انّ النهي في المقام لما لم يكن ناشئاً عن مفسدة موجودة في المتعلّق لا في لفظه ولا في معناه، بل كان لأجل كونه مفوّتاً للمصلحة فيكون النهي في الواقع تأكيداً للأمر بإتيان الواجب لا شيئاً زائداً، وكان الأمر (فَاسْعَوا إِلى ذِكْرِ اللّهِ) في المقام والنهي (وَ ذَرُوا البَيْعَ) وجهين لعُملة واحدة فتارة يعبر عنه بالأمر به وأُخرى بالنهي عمّا يزاحمه.

والأولى أن يمثّل بإجراء العقد مُحْرِماً، لنفسه أو غيره.

وأمّا القسم الثاني، أي تعلّق النهي بمضمون المعاملة(المسبّب) بما هو فعل تسبيبي لا مباشري. وقد ذهب الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني إلى عدم دلالته على الفساد، لأنّ غاية ما يدلّ عليه النهي هو كونه مبغوضاً، وأمّا كونه فاسداً فلا، بشرط أن لايكون النهي إرشاداً إلى الفساد، ولم يكن لسانُه لسانَ تقييد العمومات


(325)

والمطلقات.

وذهب المحقّق النائيني إلى دلالته على الفساد بالبيان التالي:

يشترط في صحّة المعاملة أُمور:

1. أن يكون كلّ من المتعاملين مالكاً للعين أو بحكم المالك.

2. أن لا يكون محجوراً عن التصرّف فيها من جهة تعلّق حقّ الغير بها أو لغير ذلك من أسباب الحجر لتكون له السلطنة الفعلية على التصرّف فيها.

3. أن لا يكون لإيجاد المعاملة سبب خاصّ.

إذا عرفت ذلك فاعلم إذا تعلّق النهي بالمسبب وبنفس الملكية المنشأة كالنهي عن بيع المصحف، كان النهي معجزاً مولوياً للمكلّف ورافعاً للسلطنة عليه، فلا يكون المكلّف مسلّطاً على المعاملة في حكم الشارع ويترتب على ذلك فسادها.

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ استشهد على ما رامه بأنّ الفقهاء حكموا بفساد البيع في الموارد التالية لأجل فقدان هذا الشرط أي ما يكون محجوراً عن التصرّف فيها.

1. الإجارة على إنجاز الواجبات المجّانية، لأنّ العمل لوجوبه عليه، خارجة عن سلطانه ومملوك للّه.

2. بيع منذور الصدقة فانّ النذر يجعل المكلّف محجوراً عن التصرّف المنافي.

3. شرط حجر المشتري عن بيع خاص كما إذا باع الدار، وشرط على المشتري عدم بيعه من زيد، فيبطل لو باعه، لحجر المكلّف حسبَ ما التزم في هذا النوع من التصرّف فيترتّب عليه الفساد.(1)


1 . أجود التقريرات:1/404ـ 405.


(326)

يلاحظ عليه: أنّ الشرط الثاني لصحّة المعاملة عبارة عن عدم كون البائع محجوراً شرعاً كالسفيه، وعدم كون مورد المعاملة متعلّقاً لحقّ الغير كالعين المرهونة التي تعلّق بها حقّ المرتهن أو ورثة الميّت، وكأموال المفلّس التي تعلّق بها حقّ الديّان.

وأمّا ما ادّعاه من أنّ شرط صحّة المعاملة اشتراط كون التصرّف حلالاً وغير حرام ،فلم يقم عليه دليل، فإذا كان التصرّف مبغوضاً، لا لأجل تعلّق حق الغير به، ولا لأجل كون المتصرّف محجوراً، بل لنهي الشارع عن التصرّف كالنهي عن بيع المصحف فلا دليل على كونه شرطاً في الصحّة، نعم هو حرام لكن ليس كلّ حرام باطلاً.

ثمّ إنّ الموارد التي استشهد بها على ما ادّعى من الشرط مورد نظر:

أمّا الأوّل، أعني: فساد الإجارة على الواجبات المجانية، فإنّما هو لأجل تعلّق غرض الشارع بتحقّقها في الخارج بالمجان لا لكون العمل مملوكاً للّه سبحانه أو كون الأجير محجوراً عن التصرّف، وذلك فان أريد من كونه مملوكاً للّه تكويناً فالكون وما فيه حتّى أفعال الإنسان مملوك للّه سبحانه مع أنّه يجوز عقد الإجارة على فعله.

وإن أريد كونه مملوكاً للّه تعالى اعتباراً وبالتقنين والتشريع، فاللّه سبحانه فوق هذا وفي غنى عن كونه مالكاً قانوناً بعد كونه مالكاً حقيقة.

وأمّا قوله سبحانه: (فَأَنَّ لِلّهِ خُمْسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى)(1) فاللام للاختصاص لا للملكية، وعلى فرض كونها للملكية بعد كونه سبحانه مالكاً لأجل اقترانه بمالكية الرسول وذي القربى، فعبّر عن الأوّل بلفظ الأخيرين وهذا


1 . الأنفال:41.


(327)

ما يوصف في علم البديع، «بالمشاكلة» ،نظير (وَ يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرينَ).(1)

وأمّا الثاني، أعني: بيع المنذور، فهو بين صحيح وفاسد فانّ تعلّق النذر بالفعل، أي الالتزام بأن ينذر للّه سبحانه، فلو لم يفعل فقد حنث نذره ولكن المنذور باق على ملكه له أن يبيع ويهب، وهذا ما يعبّر عنه بنذر الفعل. وان تعلّق النذر بالنتيجة أي التزم أن يكون قطيع الغنم صدقة إذا قضيت حاجته، فبعد القضاء تكون العين خارجة عن ملك الناذر ولا يجوز له البيع لعدم كونه مالكاً و هذا ما يعبّر عنه بنذر النتيجة.

والحاصل: انّه إذا كان النذر نذر فعل فالمعاملة صحيحة وليس عليه إلاّ كفّارة الحنث، وإن كان نذر نتيجة فالبيع باطل لعدم كونه مالكاً للعين عند البيع لدخولها في ملك المنذور له.

وأمّا الثالث: أعني إذا شرط في البيع، عدم بيعها من زيد فالظاهر انّه لو باعه منه صحّ البيع وللبائع الأوّل خيار تخلّف الشرط.

فقد تحصّل من ذلك انّه لم يقم دليل على أنّ جواز التصرّف في المبيع من شروط الصحّة أوّلاً وإنّ ما رتّب عليه من المسائل الثلاث لا تصلح للاستشهاد ـ كما عرفت ـ ثانياً.

إكمال: الاستدلال بصحيحة زرارة

ربّما يستدلّ بصحيحة زرارة على الملازمة الشرعية بين النهي المولوي التحريمي والفساد نظير الملازمة المستفادة من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «إذا قصّرتَ أفطرتَ»(2)


1 . الأنفال:30.
2 . الوسائل:5، الباب2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث19 .


(328)

وإليك الرواية.

عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيّده، فقال: «ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما» قلت: ـ أصلحك اللّه ـ إنّ الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابَهما، يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد ولا تُحِلُّ إجازة السيّد له، فقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «إنّه لم يعص اللّه، وإنّما عصى سيّده، فإذا أجاز فهو له جائز».(1)

وجه الاستدلال: انّ ظاهر قوله: «إنّه لم يعص اللّه...» أنّه لو كان هنا عصيان بالنسبة إليه تعالى كان فاسداً والمراد من العصيان هو العصيان التكليفي، وبما انّه لم يكن هناك عصيان بالنسبة إلى اللّه سبحانه لم يكن فاسداً.

فعلى ظاهر هذا الحديث كلّ ما تعلّق به النهي التحريمي فهو يدلّ على فساد متعلّقه إذا أتى به .

ثمّ إنّ هناك سؤالاً آخر وهو أنّه كيف فرّق الإمام بين عصيان اللّه وعصيان السيد، وقال: «إنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيّده» مع أنّ عصيان السيّد يلازم عصيانه سبحانه، لانّه تعالى أمر العبد بإطاعة مولاه. وعدم التصرّف في شيء إلاّ بإذنه، فإذا خالف مولاه وسيده فهو في الحقيقة خالف أمر اللّه تعالى، فكيف فرَّق بينهما في الحديث؟

أقول: إنّ الجواب عن الاستدلال بالحديث أوّلاً، والإجابة عن وجه التفريق بين العصيانين ثانياً يظهر بالبيان التالي:

فإنّ الاستدلال بالحديث على أنّ العصيان يلازم الفساد في النهي التحريمي، مبنيّ على تفسير العصيان في الرواية بالعصيان التكليفي، أي ما


1 . الوسائل:14، الباب24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1.


(329)

يستلزم العقوبةَ والمؤاخذةَ في الآخرة، وحينئذ يدلّ على أنّ كلّ مخالفة شرعية للحكم التحريمي في مورد المعاملات، يوجب الفساد ويثبت مقصود المستدل، كما يوجب طرح السؤال عن التفريق بين العصيانين.

وأمّا إذا قلنا بأنّ المراد من العصيان في المقام هو العصيان الوضعي، أي كون الشيء موافقاً للضوابط أو مخالفاً لها، فعندئذ يسقط الاستدلال أوّلاً، ولا يبقى مجال لطرح السؤال ثانياً .

توضيحه: انّ في مورد العصيان احتمالات:

1. أن يكون المراد منه في كلا المقامين، العصيانَ التكليفي المستتبع للعقاب.

2. أن يكون المراد منه في كلا الموردين، العصيانَ الوضعي المستتبع للفساد قطعاً.

3. أن يكون المراد من العصيان في الأوّل، العصيان الوضعي; ومن الثاني العصيان التكليفي.

4. أن يكون عكس الثالث.

وبما انّ التفريق بين العصيانين خلاف الظاهر فيحمل على معنى واحد، وبذلك يبطل الاحتمالان الأخيران المبنيّان على التفريق بين العصيانين، ولكن الظاهر من الرواية والرواية التالية هو العصيان الوضعي الذي يراد منه كون الشيء غير موافق للقانون و الضابطة الشرعيّة.

والدليل على ذلك أنّ الإمام أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ فسّر العصيان في رواية أُخرى بالنكاح في عدّة و أشباهه الذي يكون نكاحها على خلاف الشريعة وقوانينها،


(330)

وإليك الرواية:

روى زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال:سألته عن رجل تزوّج عبدُه امرأةً بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطّلع على ذلك مولاه، قال: ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما...»فقلت لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : فإن أصل النكاح كان عاصياً، فقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «إنّما أتى شيئاً حلالاً وليس بعاص للّه وإنّما عصى سيده ولم يعص اللّه إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللّه عليه من نكاح في عدة وأشباهه».(1)

ترى أنّ الإمام يفسّر العصيان ـ المنفي في المقام ـ بما حرّم اللّه عليه من النكاح في العدة، فتكون النتيجة أنّ الإمام ينفي العصيان الوضعي في المورد من غير تعرّض للعصيان التكليفي، ومن المعلوم أنّ العصيان الوضعي يلازم الفساد، لأنّ كون العمل غير موافق للضابطة عبارة أُخرى عن عدم إمضاء الشارع له، وهو لا ينفك عن الفساد، بخلاف العصيان التكليفي الذي نحن بصدد بيان حكمه فلا يلازم الفساد.

وإن شئت قلت: إنّ صحّة نكاح العبد تعتمد على دعامتين:

الأُولى: كون المنكوحة محللة النكاح ولا يكون بينها و بين الزوج ما يحرمه عليه من النسب والرضاع والمصاهرة.

وبعبارة أُخرى: أن لا يكون ممّا حرّم اللّه نكاحه في قوله :(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ...).(2)

والمفروض تحقّق هذا الشرط.

الثانية: صدور العقد من العبد عن رضا المولى، والمفروض انتفاء هذا


1 . الوسائل:14، الباب24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث2.
2 . النساء:23.


(331)

الشرط، فنكاح العبد جامع للشرط الأوّل دون الشرط الثاني، فإذا حاز الشرطَ الثاني يكتمل الموضوع ويصحّ.

وبعبارة ثالثة: انّ نكاح العبد عقد فضولي صدر من أهله ووضع في محله، ولكنّه يفقد شرطاً من شروط الصحّة الوضعية، فإذا حاز شرطها يحكم عليه بالصحة.

وبذلك تحيط بالاجابة عن كلا الأمرين:

أمّا الاستدلال فقد عرفت أنّه مبنيّ على تفسير العصيان بالحرمة التكليفية التي هي محلّ البحث والنقاش، ولكن المراد من العصيان هو الوضعية، فالعصيان الوضعي يلازم الفساد، لا العصيان التكليفي الذي هو المدّعى.

وأمّا الثاني فانّ الملازمة بين عصيان السيّد وعصيانه سبحانه إنّما هو في مرحلة الحرمة التكليفية، والمفروض أنّها غير مطروحة.

وأمّا الحرمة الوضعية أي كون العقد مشروطاً برضا المولى فهو من خصائصه حيث أعطى له سبحانه تلك الخصيصة فله أن يجيز وله أن لا يجيز.

وما ذكرنا من الجواب هو أوضح ما يمكن أن يقال:

وربّما يظهر من تقريرات سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي ارتضاؤه لهذا الجواب.(1)

تذنيب: في ملازمة النهي للصحّة

قد عرفت أنّ الأُصوليين ركّزوا على البحث في دلالة النهي على الفساد وعدم دلالته، ولكن أبا حنيفة وتلميذيه أبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني،


1 . لاحظ لمحات الأُصول:259.


(332)

وحُكي عن فخر المحقّقين أيضاً انّ النهي يدل على الصحّة مكان دلالته على الفساد، وهذا من غريب الدعاوي حيث يجتني الصحة من النهي مكان اجتناء المشهور الفساد منه.

ثمّ إنّ ما ذكره أبو حنيفة وتلميذاه من البيان غير موجود بأيدينا ولكن المحقّق القمي نقل في المقام بيانين... نذكر كلّ واحد على وجه الإيجاز.

الأوّل: المنهي عنه هو الصوم الشرعي لا اللغوي

ليس المراد دلالة النهي على الصحـة بالدلالـة المطابقيـة أو التضمنيـة، إذ ليست الصحة نفس مفاد النهي لا عينـاً ولا جزءاً، بل المراد انّـه يستلزم الصحـة، فقول الشارع «لا تصم يوم النحر» وللحائض«لا تصل»يتضمن إطلاق الصوم على صومها والصلاة على صلاتها، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فلو لم يكن مورد النهي صحيحاً لم يصدق تعلّق النهي على أمر شرعي فيكون المنهي عنه مثل الإمساك والدعاء ونحو ذلك وهو باطل إذ نحن نجزم بأنّ المنهي عنه أمر شرعي.(1)

وحاصل هذا الاستدلال: انّ المنهي عنه إمّا الصوم أو الصلاة بمفهومهما الشرعي أو بمفهومهما اللغوي، والثاني غير منهيّ عنه، والأوّل يلازم الصحة، فإذا تعلّق النهي بالصوم الشرعي فقد تعلّق بالصوم الصحيح، لأنّ كلّ صوم شرعي صحيح، وهذا ما قلنا من أنّ النهي يدلّ على الصحة.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر غير دائر بين شيئين، بل هناك أمر ثالث يعد قسماً من الشرعي، وهو انّ الأمر تعلّق بالصوم أو الصلاة بمفهومهما الشرعي، لكنّه أعمّ من الصحة والفساد، فالصلاة غير الصحيحة والصوم الفاسد كلاهما من العبادات


1 . القوانين:1/163.


(333)

الشرعية الفاسدة، فلو قلنا بأنّ ألفاظ العبادات موضوعة للأعمّ فهو واضح، لأنّ الفاسد أيضاً أمر شرعي فاسد، وأمّا لو قلنا بكونها موضوعة لخصوص الصحيح، فاستعمال هذه الألفاظ في القسم الفاسد يكون مجازاً ولا مانع منه بعد قيام القرينة على الفساد.

الثاني: الحرمة الذاتية لاتتعلّق بالفاسد

هذا هو البيان الثاني لإثبات أنّ النهي يلازم الصحّة يقول: إنّ النهي عن شيء كالأمر إنّما يصحّ بعد كون المتعلّق مقدوراً، ومن المعلوم أنّ النهي لا يتعلّق بالعبادة الفاسدة، إذ لا حرمة لها فلابدّ أن يكون متعلّق النهي هو الصحيح ولو بعد النهي فلو اقتضى النهي الفساد يلزم أن يتعلّق النهي بشيء غير مقدور.

وبعبارة أُخرى لو كان النهي سبباً للفساد لزم أن يكون النهي سالباً للقدرة، و التكليف الذي يجعل المكلّف عاجزاً عن الارتكاب يكون لغواً.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن هذا الاستدلال في مجال العبادات أوّلاً والمعاملات ثانياً، أمّا في الأوّل فقد أجاب عنه بالبيان التالي:

«أمّا العبادات فما كان منها عبادة ذاتية كالسجود والركوع والخشوع والخضوع له تبارك وتعالى فمع النهي عنه يكون مقدوراً، كما إذا كان مأموراً به وما كان منها عبادة لاعتبار قصد القربة فيه لو كان مأموراً به، فلا يكاد يقدر عليه إلاّ إذا قيل باجتماع الأمر والنهي في شيء ولو بعنوان واحد وهو محال، وقد عرفت أنّ النهي في هذا القسم إنّما يكون نهياً عن العبادة بمعنى انّه لو كان مأموراً به كان الأمر به أمر عبادة لا يسقط إلاّ بقصد القربة».(1)


1 . الكفاية:1/300.


(334)

وحاصل بيانه: انّ العبادة على قسمين امّا الذاتي فلا تتغيّر ولا تتبدّل أوصافها فهي عبادة بالذات قبل النهي وبعد النهي ولا يؤثر النهي في حالها.

وأمّا العبادات المجعولة التي قوام عباديتها بتعلّق الأمر بها، فهي تنقسم إلى عبادة فعلية وعبادة شأنية أو بالتالي إلى صحيحة فعلية وصحيحة شأنية.

والمراد من الأُولى ما يكون متعلّقاً للأمر بالفعل.

كما أنّ المراد من الثانية ما لو تعلّق به الأمر لكان أمره عبادية ولما سقط إلاّ بالقصد، فالقسم الأوّل لا يقع متعلّقاً للنهي، لأنّ العبادة والصحّة الفعلية والصحّة عبارة عمّا تعلّق به الأمر، و ما هو كذلك يمتنع أن يقع متعلّقاً للنهي والمفروض انّه تعلّق به النهي.

والقسم الثاني، أي العبادة الشأنية يقع متعلّقاً للنهي ويكشف عن صحّة المتعلّق لكن صحّة شأنية، وهو غير مطلوب المستدلّ فانّه يريد أن يستدلّ بتعلّق النهي على الصحّة الفعلية دون الشأنية، ولكن النهي لا يكشف إلاّ عن الصحّة الشأنية، أي ما لو تعلّق به الأمر يكون أمره عبادياً وفعله صحيحاً.

فما هو المطلوب أي الصحّة الفعلية لا يعطيه النهي وما يعطيه النهي، أي العبادة الشأنية ليس هو المطلوب.

إجابة المحقّق الخراساني في مورد المعاملات

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن الاستدلال في مجال المعاملة بالنحو التالي قال: والتحقيق في المعاملات انّه كذلك إذا كان في السبب أو التسبيب لاعتبار القدرة في متعلّق النهي كالأمر ولا يكاد يقدر عليهما إلاّ فيما كانت


(335)

المعاملة مؤثرة صحيحة، وأمّا إذا كان عن السبب فلا لكونه مقدوراً وإن لم يكن صحيحاً.(1)

وحاصله انّ النهي عن السبب لا يكشف عن الصحّة، لأنّ حرمة السبب عبارة عن حرمة التلفّظ به في حال النداء والإحرام، وهو مقدور مطلقاً قبل النهي وبعده، نعم يكشف النهي عن الصحّة فيما إذا تعلّق النهي بمضمون المعاملة، أي تملّك الكافر المصحفَ والعبدَ أو تعلّق النهي بالتسبب، فانّ النهي كاشف عن كون المعاملة المنهية مؤثرة في حصول السبب وهو آية الصحة.

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين العبادات والمعاملات فانّ الأُولى مخترعات شرعية بخلاف الثانية فانّها مخترعات عقلائية، وقد تحقّق الاختراع والتسمية بالبيع والإجارة وغيرها قبل بزوغ شمس الرسالة ولم يتصرف الشارع فيها إلاّ بإضافة شرط أو جزء أو بيان مانع، فعلى ذلك فأسماء المعاملات اسم للصحيح عند العرف والعقلاء ونهي الشارع دليل على أنّ المعاملة مؤثرة في حصول هذا النوع من الصحّة، أي الصحّة العرفية، ومن المعلوم أنّ الصحة العرفية لا تثبت مطلوب المستدل فانّه يريد أن يستدل بالنهي على الصحة الشرعية لا العرفية و بينها من النسب عموم و خصوص مطلق أو من وجه، فكلّ صحيح عند الشرع صحيح عند العقلاء دون العكس، فالبيع الربوي صحيح عند العقلاء وليس كذلك عند الشرع.

وبعبارة أُخرى فأقصى ما يدل عليه النهي تأثير المعاملة في الصحة العرفية، وهي ليست بمطلوبة، وإنّما المطلوب دلالة النهي على الصحّة الشرعية.


1 . الكفاية:1/299ـ 300.


(336)

فروع فقهية

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم تعرض في تقريراته إلى بعض المسائل التي لها صلة بالموضوع ونحن نقتفيه:

1. إذا تعلّق النهي بالإيجاب دون القبول فهل تسري الحرمة إلى القبول أو لا؟ كما إذا كان الموجب محرماً دون القابل؟ الظاهر، لا لعدم الملاك إلاّ إذا لوحظت المسألة من باب الإعانة على الإثم، وهو خارج عن محط البحث، قال في «الجواهر»: ذهب جماعة إلى اختلاف حكم المتعاقدين في البيع وقت النداء إذا كان أحدهما مخاطباً بالجمعة دون الآخر، فخصّوا المنع بمن خوطب بالسعي وحكموا بجواز البيع من طرف الآخر، نعم رجّح جماعة آخرون عموم المنع من حيث الإعانة بالإثم.(1)

2. إذا كانت المعاملة باطلة من جانب واحد كما إذا كانت غررية من جانب الموجب دون القابل، فهل يسري الحكم الوضعي إلى الطرف الآخر، أو لا ؟ الظاهر نعم، لأنّ مفاد المعاملة أمر بسيط لا يقبل التبعض، فالملكية المنشأة إمّا موجودة أو لا. فعلى الأوّل يلزم صحة المعاملة في كلا الجانبين، وهو خلاف الفرض، والثاني هو المطلوب.

3. لو كان لنفس الإيجاب أثر مستقل وإن لم ينضم إليه القبول لترتب عليه، كما إذا كان الموجب أصلياً دون القابل، فما لم يردّ القابلُ الحقيقي لما كان له حق التصرف في المبيع، لأنّه أثر للايجاب الكامل، وهو محقّق وليس أثراً لمالكيّة القابل حتّى يقال بأنّها غير متحقّقة بعده.(2)


1 . الجواهر:29/241.
2 . مطارح الأنظار:171.


(337)

ثمّ إنّ الثمرات الفقهية لمسألة النهي عن العبادات والمعاملات متوفرة في الفقه، وقد ذكر شيخنا الأُستاذ ـ مد ظلّه ـ قسماً منها في الدورة السابقة ولم يتعرض لها في هذه الدورة (الرابعة) وأحال إلى كتاب المحصول الذي هو تقرير لدروس الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة الثالثة من دورات أُصوله بقلم زميلنا السيّد محمود الجلالي المازندراني ـ حفظه اللّه ـ فمن حاول الاطلاع فليرجع إليه.


(338)


(339)

المقصد الثالث
المفاهيم

1. مفهوم الشرط

2. مفهوم الوصف

3. مفهوم الغاية

4. مفهوم الحصر

5. مفهوم اللّقب

6. مفهوم العدد


(340)


(341)

المقصد الثالث

المفاهيم

وقبل الدخول في صلب المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: المنطوق والمفهوم من أوصاف المدلول

يوصف المدلول، بالمنطوق تارة وبالمفهوم أُخرى، يقال: مدلول منطوقي ومدلول مفهومي، كما توصف الدلالة بهما أيضاً ويقال دلالة منطوقية، ودلالة مفهومية، فيقع الكلام في أنّهما من أوصاف المدلول أو الدلالة، والظاهر انّهما من أوصاف المدلول فانّ المعنى إذا دلّ عليه شيء، فإمّا أن يفهم من منطوق اللفظ وحاقِّه فهو مدلول منطوقي، أو يفهم لا من منطوقه وحاقه فهو مدلول مفهومي، فعندئذ ينقسم المعنى المدلول إلى منطوق ومفهوم.

وبما انّ المدلول هو المعنى الذي دلّ عليه اللفظ الدالّ فتنقسم الدلالة أيضاً ـ باعتبار المدلول ـ إلى منطوقية ومفهومية.

وإن شئت قلت: إنّ ما يدلّ عليه اللفظ ينقسم إلى ما يسمّى بالعرف بما يُنْطَق و إلى ما يُفْهم، ووصف الدلالة بهما ليست بنفسهما، بل بعناية انتزاعهما من المدلول ثمّ وصفها بهما. فإذا كان المدلول منطوقياً توصف الدلالة أيضاً بها، وإذا كان مفهومياً توصف بها أيضاً.


(342)

نعم، ليس المنطوق ولا المفهوم من أوصاف المعنى بما هوهو، بل من أوصاف المعنى إذا وقع في إطار الدلالة حتى صار مدلولاً، وهذا بخلاف الكلية والجزئية فانّها من صفات المعنى بما هوهو، وإن لم يقع في إطار الدلالة.

ومن هنا يعلم أنّ أوصاف المفهوم على قسمين، قسم وصف له بما هوهو، كما مثّلنا بالكلية، وقسم وصف له بما انّه مدلول بإحدى الدلالات فلاحظ.

الثاني: تعريف المفهوم

عرّف الحاجبي (المتوفّى 642هـ) المفهوم ما دلّ عليه اللفظ في غير محل النطق والمنطوق ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق.

ثمّ إنّ العضدي(المتوفّى 757هـ) شارح مختصر الحاجبي قال بأنّ المراد من الموصول (ما) هو الحكم، فهو إن كان محمولاً على موضوع مذكور فهو منطوق، وإن كان محمولاً على موضوع غير مذكور فهو مفهوم . ثمّ قال: إنّ قوله: «في محلّ النطق» إشارة إلى المنطوق بما انّ الموضوع مذكور فيه، كما أنّ قوله: «لا في محل النطق» إشارة إلى المفهوم لعدم ذكر الموضوع في محله.(1)

يلاحظ على ذلك التفسير بأنّ الفارق بين المنطوق والمفهوم ليس هو ذكر الموضوع في الأوّل، وعدمه في الثاني، بل الموضوع مذكور في كلتا القضيتين، وإنّما الاختلاف في وجود القيد في المنطوق وعدمه في المفهوم وبالتالي اختلاف القضيتين في الكيف أي الإيجاب والسلب، فإذا قلنا: إن سلّم زيد أكرمه، فالموضوع هو زيد لكنّه في صورة التسليم يحكم عليه بالإكرام، وفي صورة عدمه بعدمه.


1 . منتهى الوصول والأمل المعروف بمختصر الحاجبي:147، ونقل الشيخ الأعظم كلام العضدي في مطارح الأنظار:172، الطبعة الحجرية


(343)

ولمّـا كان هذا التفسير من العضدي غير صحيح عاد المحقّق البروجردي إلى تفسير كلام الحاجبي بنحو آخر وقال: ما هذا خلاصته: انّ ما يفهم من كلام المتكلّم قد يكون على نحو يمكن أن يقال انّه نطق به على نحو لو قيل للمتكلّم: أنت قلت هذا؟ لايصحّ له إنكاره.

وقديكون على نحو لا يصحّ أن ينسب إليه بأنّه نطق به وللمتكلّم إمكان الفرار منه ونفي صدوره عنه، فإذا قال: «إذا جاءك زيد أكرمه» فعدم ثبوت الإكرام عند عدم المجيء وإن كان مفهوماً منه لكن للمتكلم إمكان الفرار منه وإنكار انّه مراده، والمداليل المطابقية والتضمنية والالتزامية للجمل ممّا لا يمكن للمتكلّم أن ينكر القول بها بعد إقراره بنطقه بالكلام، ولأجل ذلك جعلوها من المداليل المنطوقية.

وببيان آخر : انّ المنطوق ما نطق به المتكلم بلا واسطة كما في المدلول المطابقي أو مع الواسطة كما في الأخيرين، والمفهوم عبارة عمّا لم ينطق به لا بلا واسطة ولا معها ولكن يفهم من كلامه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذا التفسير أيضاً كالتفسير السابق، وذلك لأنّه لم يبين ضابطة لما يُنطق به المتكلّم ولما لم يُنطق به، بل اكتفى بأنّ المداليل الثلاثة يعدّ ممّا ينطق بها وغيرها ممّا لا ينطق بها، وذلك لأنّ الملاك في النطق وعدمه لو كان سرعة التبادر إلى الذهن فرب مفهوم أسرع تبادراً من المنطوق خصوصاً إذا كان المفهوم مفهوم الموافقة، كالنهي عن الشتم والضرب المتبادر من النهي عن التأفيف وتبادره أسرع من تبادر جزء المعنى الذي ربما يكون مغفولاً عنه، وعندئذ يطرح السؤال: كيف يكون النطق بالكل (المدلول المطابقي) نطقاً بالجزء(الدلالة التضمنية) ولا يكون النهي عن التأفيف نطقاً بالنهي عن الضرب والشتم؟


1 . نهاية الأُصول:1/263.


(344)

ولو كان الملاك كون المنطوق ممّا سيق لأجله الكلام دون المفاهيم فهو أيضاً كالشقّ السابق، إذ ربما يكون المفهوم ممّا سيق لأجله الكلام ويتعلّق الغرض من الكلام إفادة المفهوم.

أضف إلى ذلك، إذا كانت الدلالة التزامية من المداليل المنطوقية فلا يبقى للمدلول المفهومي شيء، سوى الدلالات السياقية الثلاثة كما سيوافيك.

وعلى كلّ حال فتعريف الحاجبي بكلا التفسيرين غير خال عن الإشكال.

تعريف المحقّق الخراساني للمفهوم

عرّف المحقّق الخراساني المفهوم بأنّه حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصيةُ المعنى الذي أُريد من اللفظ بتلك الخصوصية، فالمفهوم حكم غير مذكور لا أنّه حكم لغير مذكور.(1)

إنّ ما أفاده في ذيل الكلام هو الذي أشرنا إليه في نقد كلام العضدي و قلنا: إنّ الموضوع مذكور، والاختلاف في الحكم رهن الاختلاف في الشرط، فعند وجوده يترتّب عليه الجزاء، وعند عدمه يرتفع.

ثمّ إنّ مراد المحقّق الخراساني من المعنى في لفظ «خصوصية المعنى» هو العلية، والمراد من الخصوصية كونها منحصرة، ومعنى العبارة : انّ المفهوم رهن كون القيد علّة منحصرة.

ولا يخفى انّ ظاهر العبارة انّ هنا شيئين:

1. المعنى و هو العلّية.

2. الخصوصية وهي الانحصار.


1 . كفاية الأُصول:1/301.


(345)

ولا يخفى انّ الخصوصية جزء من المعنى لا زائد عليه، فمعنى قولنا: إن سلّم زيد أكرمه، هو انّ التسليم علّة منحصرة دلّ عليها الهيئة الشرطية، فإذا ارتفعت العلّة المنحصرة ارتفع المعلول.

وكان على المحقّق الخراساني أن يعرّفه بتعريف أسهل وهو: حكم إنشائي أو إخباري لازم للمعنى المراد من اللفظ.

الثالث: حصر المداليل في المنطوق والمفهوم

إنّ ظاهر كلمات القوم حصر المداليل في المنطوق والمفهوم ولا ثالث له، والمراد من المنطوق ما نطق به المتكلّم باعتبار كون اللفظ مرآة للمعنى، وينحصر في الدلالة المطابقية والتضمنية باعتبار انّ النطق بالكل، نطق بالجزء، كما أنّ المراد من المفهوم هو الدلالة الالتزامية، أي لازم المعنى، من غير فرق بين لازم المفرد، أو لازم الكلام.

نعم ظاهر كلام المنطقيين، انّ تقسيم الدلالة إلى مطابقية أو تضمنية أو التزامية من خصائص المفردات والكلمات، لا الكلام والجمل ولكنّ الأُصوليين عمّموها إلى الكلام أيضاً، فيجري فيه ما يجري في المفرد، مثلاً إذا قال: الشمس طالعة، فقد أخبر بالدلالة الالتزامية عن أنّ النهار موجود.

والذي يعرب عن كون موضوع التقسيم عند أهل الميزان هو المفرد، تعبير التفتازاني في «التهذيب» والسبزواري في منظومته .

قال الأوّل: دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، مطابقة، وعلى جزئه تضمن وعلى الخارج التزام.

وقال الحكيم السبزواري:


(346)

دلالة اللفظ بدت مطابقة حيث على تمام المعنى وافقه

وماعلى الجزء تضمنا وُسِم وخارج المعنى التزام إن لزم

ونظير ذلك، تقسيم اللازم إلى البيّن وغير البيّن، وكلّ منهما إلى الأخص والأعم فانّ المتبادر، هو تقسيم العرض (المفرد) إلى تلك الأقسام قال التفتازاني في «التهذيب»: وكلّ من العرض الخاص والعام إن امتنع انفكاكه عن الشيء فلازم بالنظر إلى الماهية والوجود، بيّن يلزم تصوّره من تصوّر الملزوم أو من تصوّرهما والنسبة بينهما بالجزم باللزوم وغير بيّن بخلافه.

توضيحه: انّهم قالوا:

1. اللازم البيّن بالمعنى الأخص هو ما يكون تصوّر الموضوع كافياً في تصوّر اللازم، كالأعمى بالنسبة إلى البصر. واللازم غير البيّن بخلاف حيث لا يكفي تصوّر الموضوع، في تصوّر اللازم.

2. اللازم البيّن بالمعنى الأعم وهو ما يكون تصوّر الموضوع غير كاف في تصور اللازم، بل يحتاج إلى تصوّر الطرفين ولحاظ النسبة ثمّ الجزم باللزوم، و هذا كالزوجية بالنسبة إلى الأجداد القريبة، فانّ الإنسان لا ينتقل من مجرد تصوّر الموضوع إلى اللازم والحكم بالملازمة.

3. اللازم غير البيّن بالمعنى الأعم، وهو ما يحتاج وراء تصوّر الأُمور الثلاثة إلى إقامة البرهان على الملازمة، وهذا كالحدوث بالنسبة إلى العالم الذي يحتاج بالجزم بالنسبة إلى برهان، نظير قولنا: العالم متغير، وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث.

ولكنّ الأُصوليين، قالوا بجريان مثل ذلك في لوازم الكلام والجمل، وانّه أيضاً ينقسم إلى أقسام ثلاثة، فلوازم المعنى مفرداً كان المعنى أو كلاماً، بيّناً كان


(347)

اللازم أو غير بيّن من أقسام الدلالة الالتزامية .

فاتّضح بذلك انّ المداليل إمّا منطوقية أو مفهومية ولا ثالث. لأنّ المداليل لا يخلو إمّا أن تكون مطابقية أو تضمنية أو التزامية ولا رابع. والأوّلان يشكّلان المداليل المنطوقية، والأخير ـ بعرضها العريض ـ كما عرفت يشكّل المدلول المفهومي.

فإن قلت: ما تقول في المداليل السياقية أهي مداليل منطوقية، أو مفهومية، أو لا هذه ولا تلك بل هي أُمور برأسها، يجمع الكل انّها دلالات سياقية، فعندئذ تنثلم كلية القضية المذكورة، أعني: المداليل إمّا منطوقية أو مفهومية؟

قلت: ذهب المحقّق البروجـردي إلى أنّهـا دلالات منطوقيـة بأنّ المنطـوق منقسم إلى الصريح وغير الصريح، والثاني ما دلّ عليه اللفظ بدلالة الاقتضـاء والتنبيه والإشارة، لأنّ ما يدلّ عليه إن كان غير مقصود للمتكلّم فهو المدلول عليه بدلالة الإشارة كدلالة الآيتين(البقرة:233، الأحقاف:15) على أقلّ الحمل.

وإن كان مقصوداً بأن كان صدق الكلام أو صحته يتوقّف عليه فهو المدلول بدلالة الاقتضاء، نحو رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ والنسيان ونحو :(اسأل القرية)(1) فانّهما يدلاّن على مقدّر مصحّح الكلام.

وإن اقترن بالحكم ما فهم منه العلية فهو المدلول عليه بدلالة الإيماء والتنبيه، كما لو قال السائل: واقعت في نهار رمضان، فأجيب«كفّر»، فإنّ اقتران الجواب بسؤال السائل يفهم منه، عليّة الوقاع للكفّارة.


1 . يوسف:82.


(348)

وأقول: يمكن عدّها من الدلالات الالتزامية حيث إنّ الجميع من لوازم المعنى، سواء كان مقصوداً أو لا.

وقد خصّ المحقّق النائيني المفهوم باللازم البيّـن بالمعنى الأخص، وجعل الدلالات الثلاث من اللازم البيّن بالمعنى الأعمّ وأسماها دلالة سياقية، وظاهره انّها ليست منطوقية ولا مفهومية.

وجود اصطلاحين في لفظ المفهوم

وممّا يجب إلفات نظر القارئ إليه انّ في إطلاق لفظ «المفهوم» اصطلاحين مختلفين:

1. الاصطلاح العام: وهو يعمّ جميع المداليل الالتزامية للمفرد والكلام، البيّن وغير البيّن حتّى الأقسام الثلاثة التي أسماها المحقّق النائيني بالسياقية.

2. الاصطلاح الخاص: و هو ما يبحث عنه هنا من ثبوت الحكم عند ثبوت القيد وارتفاعه عند ارتفاعه، والمقصود في المقام هو الثاني، و لعلّ النسبة بين الاصطلاحين هي العموم والخصوص المطلق.

الرابع: مسلك القدماء والمتأخّرين في استفادة المفهوم

ذهب السيّد البروجردي إلى أنّ مسلك القدماء في استفادة العموم من القضايا، يختلف مع مسلك المتأخرين، فإنّ دلالة الخصوصية المذكورة في الكلام من الشرط أو الوصف أو الغاية أو اللقب أو نحوها ليست دلالة لفظيّة، بل هي من باب بناء العقلاء على حمل الفعل الصادر عن الغير، على كونه صادراً لغاية، وكون الغاية المنظورة منه، غايته النوعية العادية، والغاية المنظورة عند العقلاء من


(349)

نفس الكلام، حكايته لمعناه، ومن خصوصياته، دخالتها في المطلوب، فإذا قال المولى: إن جاءك زيد فأكرمه، حَكَمَ العقلاءُ بمدخلية مجيء زيد في وجوب إكرامه قائلاً بأنّه لولا دخله فيه لما ذكره المتكلّم، وكذا سائر القيود، وعلى ذلك فاستفادة المفهوم ليست مبنيّة على دلالة الجملة على الانتفاء عند الانتفاء، بل مبني على أنّ الأصل في فعل الإنسان أن لا يكون لاغياً، بل يكون كلّ فعل منه، و منه الإتيان بالقيد صادراً لغايته الطبيعية وهو دخله في الحكم.

وأمّا مسلك المتأخّرين فهو مبنيّ على دلالة الجملة وضعاً أو إطلاقاً على كون الشرط أو الوصف علّة منحصرة للحكم فيرتفع الحكم بارتفاعه، و على ذلك يكون البحث عند القدماء عقلياً، وعند المتأخّرين لفظيّاً.(1)

إنّ ما نسبه سيّدنا الأُستاذ إلى القدماء لم أقف عليه صريحاً في كتب القدماء إلاّ في الذريعة للشريف المرتضى، قال: استدلّ المخالف لنا في هذه المسألة بأشياء.(2)

منها: انّ تعليق الحكم بالوصف لو لم يدل على انتفائه إذا انتفت الصفة لم يكن لتعليقه بالصوم معنى وكان عبثاً.

ومع ذلك فقد استدلّ بأُمور أُخرى غالبها يرجع إلى التبادر أو قياس الوصف بالاستثناء، أو قياس الوصف بالشرط، ولذلك استدلّ المخالف بالوجوه التالية أيضاً:

1. انّ تعليق الحكم بالسوم يجري مجرى الاستثناء من الغنم، ويقوم مقام قوله: «ليس في الغنم إلاّ السائمة، الزكاةُ» فكما أنّه لو قال ذلك لوجب أن تكون


1 . نهاية الأُصول: 265.
2 . يريد بالمخالف، القائل بالمفهوم.


(350)

الجملة المستثنى منها بخلاف الاستثناء، فكذلك تعليق الحكم بصفة.

2. انّ تعليق الحكم بالشرط لمّا دلّ على انتفائه بانتفاء الشرط، فكذلك الصفة، و الجامع بينهما انّ كلّ واحد منهما كالآخر في التخصيص، لأنّه لافرق بين أن يقول: في سائمة الغنم الزكاة، و بين أن يقول: فيها إذا كانت سائمة الزكاة.

3. ما روي عن عمر بن الخطاب: أنّ يعلى بن منبه سأله، فقال له: ما بالنا نقصر، وقد أُمنّا؟ فقال له: عجبتُ ممّا عجبتَ منه، فسألتُ عنه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: «صدقة تصدق اللّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته» فتعجبهما من ذلك يدلّ على أنّهما فهما من تعلّق القصر بالخوف أنّ حال الأمن بخلافه.(1)

هذا هو نصّ المرتضى من أعيان أئمّة الأُصوليين من الشيعة (المتوفّى عام 436هـ) و إليك نصاً آخر من أحد أئمّة الأُصوليين من السنّة ألا و هو أبو الحسين محمد بن علي بن طيب البصري المعتزلي، المتوفّى في نفس السنة التي توفي فيها المرتضى، فانّه ذكر ما ذكره المرتضى بصورة أُخرى، واستدلّ على وجود المفهوم بالقضايا الشرطية، قال: الدليل على أنّ الشرط يمنع من ثبوت الحكم مع عدمه على كلّ حال انّ قول القائل لغيره (أدخل الدار إن دخلها عمرو) معناه انّ الشرط في دخولك هو دخول عمرو، لأنّ لفظة إن موضوعة للشرط، ولو قال له: «شرط دخولك الدار دخول عمرو» علمنا أنّه لم يوجب عليه دخول الدار مع فقد دخول عمرو على كلّ حال، فكذلك في مسألتنا.(2)

ترى أنّه يستدلّ بالتبادر.

ثمّ قال: ويدلّ على أنّ المعقول من الشرط ما ذكرنا ما روي من أنّ يعلى بن


1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة:1/402ـ 403.
2 . المعتمد:1/142.


(351)

منبه سأل عمر بن الخطاب: ما بالنا نقصر وقد أُمنا؟ فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه فسألت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: صدقة تصدق اللّه بها عليكم فأقبلوا صدقته، فلو لم يعقل من الشرط نفي الحكم عمّا عداها لم يكن لتعجبهما معنى.

كما أنّ أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز آبادي الشيرازي (المتوفّى 476هـ )مؤلف «التبصرة في أُصول الفقه» استدلّ ببعض هذه الوجوه مثلاً، قال: روي أنّ ابن عباس خالف الصحابة في توريث الأُخت مع البنت واحتجّ بقوله تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)، وهذا تعلّق بدليل الخطاب. وانّه لما ثبت ميراث الأُخت عند عدم الولد، دلّ على أنّها عند وجوده لا تستحقه. وهو من فصحاء الصحابة وعلمائهم، ولم ينكر أحد استدلاله، فدلّ على أنّ ذلك مقتضى اللغة.(1)

ترى أنّهم يستدلّون بالتبادر تارة، وبالمقايسة ثانياً، وليس في كلامهم شيء من بناء العقلاء على أنّ للقيد دخلاً، كما ليس في كلامهم ما يدلّ على أنّ البحث منعقد على حجّية بناء العقلاء.

نعم كان لسيد مشايخنا المحقّق البروجردي ـ قدس سره ـ اطلاع واسع على كلمات الأُصوليين قدمائهم ومتأخريهم، ولعلّه وقف على ما لم نقف عليه.

الخامس: النزاع صغروي لا كبروي

إنّ النزاع في باب المفاهيم على مسلك المتأخّرين صغروي ومرجعه إلى دلالة القضية الشرطية الوصفية بالوضع أو الإطلاق على كون الشرط أو الوصف علّة منحصرة للحكم، وعدم دلالتها، فلو ثبت الانحصار، ودلّ على المفهوم، يكون


1 . التبصرة في أُصول الفقه:219.


(352)

حجّة بلا كلام، بخلاف ما إذا لم يثبت، فالنزاع في دلالة القضية على الانحصار، وبالتالي في وجود المفهوم للقضية وعدمه، الذي هو نزاع صغروي. وإلاّ فلو ثبت انّ للقضية مفهوماً فهو حجّة بلا كلام.

وأمّا على مسلك القدماء فقد استظهر السيّد البروجردي بناءً على أنّ النزاع كبروي، أنّ البحث في حجية بناء العقلاء، لأنّه قد استقر بناؤهم على حمل الخصوصيات الموجودة في الكلام على كونها صادرة عنه بداعي غايتها النوعية، وانّ الغاية النوعية هي دخلها في المطلوب، وهذا البناء من العقلاء موجود والكلام في حجّيته.

يلاحظ عليه: أنّه يمكن أن يكون النزاع على مسلك القدماء ـ لو ثبت ـ أيضاً صغرويّاً و هو النزاع في تفسير مقدار المدخلية في الحكم، فهل على نحو لو ارتفع ارتفع، الحكم مطلقاً ولا ينوبه شيء آخر، حتّى يكون سنخ الحكم مرتفعاً أيضاً كشخص الحكم أو ليس كذلك.

فإذا قال الإمام: «الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجسه شيء» فهل مدخلية الكرّية على نحو، يدور سنخ الحكم مدارها فيثبت بثبوتها وينتفي بانتفائها؟ أو ليس كذلك وإنّما يرتفع شخص الحكم، دون سنخه لإمكان إقامة علّة قيد آخر مكانه ككونه جارياً، أو كون السماء ماطرة عليه عند ملاقاته بالنجاسة، فالنزاع في مقدار المدخلية، فلو ثبت مقدارها فبناء العقلاء حجّة لكونه بمرأى و مسمع من الشارع .

السادس: في مفهوم الموافقة

الفرق بين المفهوم المخالف والموافق هو انّ الحكم في القضيتين لو كان


(353)

مخالفاً بالنفي والإثبات، فالمفهوم مخالف، ولو كان موافقاً فالمفهوم موافق، فإذا قال سبحانه: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُف) فهو يدلّ على حرمة الضرب والسب، فالحكم منطوقاً ومفهوماً هو الحرمة، والقضية سالبة بخلاف ما إذا قال: إن سلّم زيد أكرمه، فالمنطوق قضية موجبة، والمفهوم قضية سالبة.

السابع: في الشرط المحقّق للموضوع

النزاع في وجود المفهوم أو حجّيته فيما إذا شملت القضية على أُمور ثلاثة متغايرة:

1. فعل الشرط.

2. الموضوع، أو الفاعل

3. الجزاء.

فيحكم على الموضوع أو الفاعل بالجزاء عند وجود الشرط، وبعدمه عند عدم الشرط، و أمّا إذا كان فعل الشرط، محقّقاً للموضوع لا أمراً زائد عليه، كما إذا قال: إن رزقت ولداً فاختنه، فإنّ رزق الولد، ليس شيئاً زائد على وجود نفس الولد، ففي مثله، تكون القضية خالية عن المفهوم لعدم الموضوع، لا لوجود الموضوع وعدم الشرط.

إذا عرفت هذه الأُمور فلندخل في صلب الموضوع، والكلام فيه ضمن فصول:


(354)

الفصل الأوّل

مفهوم الشرط

هل الجملة الشرطية، تدلّ على الثبوت لدى الثبوت والانتفاء عند الانتفاء، أو لا؟و القائل بالدلالة، إمّا يدّعيها عن طريق الوضع وان هيئة الجملة الشرطية وضعت لذلك، أو يدّعيها عن طريق الإطلاق ومقدّمات الحكمة، وانّ الاقتصار على بيان شرط واحد، مع كونه في مقام البيان، شاهد على أنّه السبب المنحصر، أو يدّعيها عن طريق الانصراف.

ثمّ إنّ القول بالدلالة على المفهوم فرع ثبوت أُمور ثلاثة:

1. وجود الملازمة بين وجود الشرط والجزاء، وعدم كون القضية من قبيل القضايا الاتفاقية، مثل قولك: خرجت فإذا زيد بالباب، فانّ المفاجأة بوجود زيد، لدى الخروج قضية اتفاقية دون وجود أيّة ملازمة بين الخروج والمفاجأة لوجوده.(1)

2. انّ التلازم من باب الترتّب، أي كون الشرط علّة للجزاء، فخرج ما إذا كان هناك تلازم دون أن يكون ترتّب علّـيّ كقولك: كلّما قصر النهار طال الليل، أو كلّما طال النهار قصر الليل، فانّ طول الليلة عند قصر النهار، معلولين لعلّة


1 . خرج قولهم: «إذا كان الإنسان ناطقاً، فالحمار ناهق» لوجود الملازمة الاتّفاقية وإن لم يكن بين الحكمين، رابطة علّية أو معلولية.


(355)

ثالثة دون أن يكون الأوّل علّة للثاني.

3. كون الترتّب بنحو العلّة المنحصرة، وعدم وجود علّة أُخرى تقوم مقام العلّة المنتفية،ولعلّ ظهور القضية في الأوّلين ممّا لا ريب فيه، إنّما الكلام في ثبوت الأمر الثالث و قد استدل عليه المحقّق الخراساني بوجوه خمسة وناقش في الجميع.

ونحن نذكر الجميع، مع بعض الملاحظات في كلام المحقّق الخراساني.

الأوّل: التبادر

المتبادر من الجملة الشرطية، كون اللزوم والترتّب بين الشرط والجزاء، بنحو العلّة المنحصرة.

وناقش فيه المحقّق الخراساني بوجهين:

1. انّ التبادر آية الوضع، أي وضع الجملة الشرطية على ما كون الشرط علّة منحصرة، ويترتّب على ذلك انّه لو استعملت في غير العلة المنحصرة صار مجازاً و هو كما ترى، إذ لا يرى في استعمالها في غير المنحصرة عناية ورعاية علاقة، بل إنّما تكون إرادته كإرادة الترتّب على العلة المنحصرة بلا عناية،فلا ترى أي عناية في قوله: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» مع أنّ الكرّيّة ليست علّة منحصرة للعاصمية، بل ينوب عنها كون الماء جارياً، أو ورود المطر عليه عند ورود النجاسة على الماء.

2. عدم صحّة التمسك بمفهوم كلام المتهم في المحاكمات والمخاصمات وأنّ له أن يعتذر بخلو كلامه عن المفهوم، مع أنّه لو كان موضوعاً له، لم يصحّ الاعتذار.


(356)

الثاني: الانصراف

وحاصل هذا الوجه: انّ المطلق ينصرف إلى أكمل أفراده، فإذا كان السبب دالاً على الترتّب العلّي فهو ينصرف إلى أكمل الأفراد، وهي العلّة المنحصرة.

وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين: أحدهما صغروي والآخر كبروي.

أوّلاً: بمنع كون العلّة المنحصرة، أكمل في العلّية ـ من غيرها إذ عدم قيام شيء آخر مقامه ، أو قيامه، لا يؤثر في شؤون العلية وواقعها.

وثانياً: لو افترضنا انّ المنحصرة أكمل أفراد العلّة ـ فلا وجه لانصراف المطلق إليه، لأنّ الانصراف معلول أحد أمرين:

كثرة الاستعمال، أو كثرة الوجود. وكلاهما منتفيان في العلّة المنحصرة.

الثالث: التمسّك بالإطلاق

وقد قرره المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:

الأوّل: الانحصار مقتضى إطلاق أداة الشرط

إنّ أداة الشرط أو هيئة الجملة الشرطية موضوعة لمطلق اللزوم الترتّبي إلاّ أنّ له فردين:

1. اللزوم الترتّبي بنحو الانحصار.

2. اللزوم الترتّبي لا بنحو الانحصار.

ومن المعلوم أنّ المتكلّم بالقضية الشرطية لم يستعمل صرف الشرط أو هيئة الجملة الشرطية في الجامع، أعني: اللزوم الترتبي بما هوهو، بل أراد منه أحد


(357)

الفردين، فمقتضى مقدمات الحكمة حملها على الفرد الذي لايحتاج إلى بيان زائد، أعني: العلّة المنحصرة لا على الفرد الآخر، أي العلّة غير المنحصرة ولو أراد الثاني لقيّده.

ثمّ إنّ المستدل قاس المقام بما إذا دار الأمر بين الواجب النفسي والغيري، فانّ الضابطة هي حمل الصيغة على الأمر النفسي دون الغيري، وذلك لأنّ النفسي هو الواجب على الإطلاق بلا قيد ولكن الثاني هو الواجب لغيره، أو إذا وجب الغير فمقتضى مقدّمات الحكمة حمله على ما يكون المطلق وافياً ببيانه كالنفسي دون الفرد الآخر الذي يحتاج وراء المطلق إلى وجود قيد آخر.

وقد أورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:

الأوّل: انّ الإطلاق والتقييد من شؤون المعاني الاسمية التي تقع في أُفق النفس، فيلاحظها تارة مطلقة وأُخرى مقيدة.

وأمّا المعاني الحرفية كمعنى «إن الشرطية» أو هيئة الجملة الشرطية فكلّها معان حرفية آلية فلا توصف بالإطلاق ولا التقييد، إذ لا يمكن لحاظها على وجه الاستقلال حتّى توصف بأحدهما.

الثاني: وجود الفارق بين المقيس والمقيس عليه، وحاصله: انّ المطلق أو الجامع بين الفردين كاف في بيان الواجب النفسي، وليس كذلك في بيان الواجب الغيري، وذلك لأنّ النفسي هو الواجب على كلّ حال بخلاف الغيري فانّه واجب إذا وجب الغير، فإذا تمت مقدّمات الحكمة يحمل المطلق على النفسي لعدم حاجته إلى بيان زائد.

وهذا بخلاف اللزوم الترتّبي فانّ له فردين وكلّ فرد يتميّز عن الفرد الآخر بقيد زائد على اللزوم الترتّبي، أعني: الانحصار وعدم الانحصار.


(358)

يلاحظ على نقد المحقّق الخراساني بوجوه:

أوّلاً: أنّ ما ذكره هنا في وصف المعاني الحرفية يغاير مختاره في مقدّمات الكتاب عند البحث عن المعاني الاسمية والحرفية، فقد ذهب هناك إلى وحدة المعنى الاسمي والحرفي جوهراً وان الاستقلالية والآلية من طوارئ الاستعمال وعوارضه، فعندئذ تصبح المعاني الحرفية كالاسمية مصباً للإطلاق، إذ ليس الآلية جزءاً، كما أنّ الاستقلالية ليست جزءاً بل ذات المعنى عارية عن الآلية والاستقلالية.

ثانياً: سلمنا انّ الآلية جزء للمعنى الحرفي ولكن كون الشيء مفهوماً آلياً ليس بمعنى كونه مغفولاً عنه من رأس حتّى يمتنع التقييد، بل انّ كثيراً من القيود في الكلام يرجع إلى المعاني الحرفية، فقولك: ضربت زيداً في الدار، فالظرف قيد للنسبة، أي كونه في الدار.

ثالثاً: انّ التفريق بين المقيس والمقيس عليه غير تام إذا قصرنا النظر إلى مقام الثبوت، فكما أنّ العليّة التي هي المقسم ينقسم إلى قسمين منحصرة وغير منحصرة وكلّ من القسمين يتميز عن المقسم بقيد زائد وإلاّ عاد القسم مقسماً، فهكذا الواجب فانّه بما هوهو مقسم والنفسي والغيري من أقسامه، ومن واجب القسم أن يتميز عن المقسم بقيدين، وإلاّ عاد القسم مقسماً، فالواجب النفسي ما وجب لنفسه أو ما وجب على كلّ تقدير; والواجب الغيري ما وجب لا على كلّ تقدير، بل إذا وجب الغير(1) ، فأصبح كالعلّة المنقسمة إلى المنحصرة وغير المنحصرة.

والأولى أن يُردّ الاستدلال بوجه حاسم، وهو انّ قوام الإطلاق كون المتكلّم


1 . نعم قد ذكرنا في أوائل مبحث الأوامر انّه إذا دارت صيغة الأمر بين النفسي والغيري يحمل على الغيري بالبيان المذكور في محله.


(359)

في مقام البيان بالنسبة إلى نفي القيد الزائد، إلاّ أنّ احتمال دخالة القيد الزائد يتصوّر على وجهين:

1. دخله في الموضوع بنحو الجزئية والشرطية، كما إذا قال: اعتق رقبة، فاحتمال دخالة الإيمان مدفوع بالإطلاق، وذلك لأنّ المتكلّم إذا صار بصدد بيان الموضوع كلّه كان عليه أن يقيد الرقبة بالإيمان، فإذا خلا كلامه عن ذلك القيد يحكم عليه بعدم الدخالة.

2. دخله في الموضوع لا بصورة الجزئية، بل لكونه نائباً عن الموضوع ومؤثراً مثله، كما إذا احتملنا انّ لوجوب تكريم زيد سببين أحدهما تسليمه، والآخر إحسانه، فإذا قال المولى: زيد ـ إن سلّم ـ أكرمه، فمقتضى الإطلاق كون التسليم تمام الموضوع كالرقبة في المثال السابق، وأمّا كونه سبباً منحصراً لا ينوب عنه شيء آخر فلا يثبته الإطلاق إلاّ أن يكون المتكلّم بصدد بيان هذه الجهة أيضاً وهو نادر.

فإذا قال الصادق: الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء، فمقتضى الإطلاق كون الكرّيّة تمام الموضوع للعاصمية وليس لها شرط ولا جزء وراء الكرّيّة.

نعم وأمّا كون الكرّيّة سبباً منحصراً ـ مضافاً إلى أنّه سبب تام ـ فهو يحتاج إلى كون المتكلّم في مقام البيان بالنسبة إلى هذه الجهة، أي وراء جهة كونه سبباً تامّاً وأنّى يمكن إحرازه، وهذا هو الإشكال المهم في المقام، وهو يرد على عامّة التقريرات الثلاثة للإطلاق، ولكن المحقّق الخراساني أشار إليه في التقرير الثاني من التقريرات الثلاثة للإطلاق .

الثاني: الانحصار مقتضى إطلاق فعل الشرط

هذا هو التقرير الثاني للإطلاق، والفرق بين التقريرين واضح، فإنّ مصب


(360)

الإطلاق في التقرير الأوّل هو مفاد «إن الشرطية» أو هيئة الجملة الشرطية، بخلاف هذا الوجه فانّ مصبه هو فعل الشرط، أعني قوله: «سلم» في قوله: «إن سلم زيد أكرمه».

وحاصل هذا الوجه: انّه لو لم يكن منحصراً لزم تقييد تأثيره بما إذا لم يقارنه أو لم يسبقه شرط آخر ضرورة انّه لو قارنه أو سبقه شرط آخر لما أثّر وحدة كما في عاصمية الكر فانّه إنّما يؤثر إذا لم يكن ماء جارياً عن مبدأ وإلاّ فلا يكون مؤثراً مع أنّ قضية إطلاقه أنّه مؤثر مطلقاً، قارنه شيء أم لم يقارنه، سبقه شيء أم لم يسبقه.(1)

يلاحظ عليه: بما مرّ في نقد الوجه الأوّل من التقرير للإطلاق، وهو انّ الإطلاق رهن كون المتكلّم في مقام البيان بالنسبة إلى القيد الذي يراد نفيه، فلو كان القيد مؤثراً في نفس الموضوع جزءاً أو شرطاً فينفى دخله بالموضوع في الإطلاق.

وأمّا إذا كان القيد المحتمل غير مؤثر في الموضوع، بل يحتمل أن يكون ذلك القيد سبباً مستقلاً للحكم وراء السبب الموجود في المنطوق بأن يكون للعاصمية سببان:

1. الكرّيّة.

2. جريان الماء متّصلاً بالنبع.

فنفي الشك الثاني النابع عن احتمال تعدّد السبب، وعدمه، فرع كون المتكلّم في مقام البيان من هذه الجهة أيضاً وأنّى لنا إثبات ذلك.

وبتعبير آخر: انّ نفي الشكّ في وحدة السبب وعدمها، رهن كون المتكلّم يكون في مقام بيان أمرين:


1 . كفاية الأُصول:1/306.


(361)

1. بيان كمال السبب وعدم نقصه.

2. بيان وحدة السبب وعدم تعدّده.

والسائد على المتكلّمين في مقام الإطلاق هو الأوّل، وأمّا كونه واحداً لا متعدّداً فخارج عن مصب الإطلاق غالباً، إلاّ أن يحرز انّه أيضاً في مقام البيان لهذه الجهة.

إلى هنا تمّ بيان التمسّك بالإطلاق لإثبات الانحصار بوجهين.

بقي الكلام في الوجه الثالث للإطلاق، وهو الذي أشار إليه المحقّق الخراساني بقوله: «وأمّا توهم انّه قضية إطلاق الشرط...» وإليك بيانه:

الوجه الثالث: التمسّك بإطلاق الشرط بتقريب انّ مقتضى إطلاقه، انحصارُه كما أنّ مقتضى إطلاق الأمر كون الوجوب تعيينياً لا تخييرياً.(1)

وهذا الوجه ليس شيئاً جديداً وإنّما أخذ من الأوّل شيئاً ومن الثاني شيئاً آخر ولفّقهما وصار بصورة تقريب ثالث للإطلاق المفيد للانحصار، فقد أخذ من التقريب الثاني كون مصب الإطلاق هو الفعل لا مفاد هيئة الجملة الشرطية، كما أخذ من التقريب الثاني التشبيه غاية الأمر شبّه المقام بتردد صيغة الأمر بين التعييني والتخييري، وقد شبّه المقام في التقريب الأوّل بتردّد الصيغة بين النفسي والغيري، و إليك توضيحه:

إذا كانت العلّة والمؤثر على قسمين: قسم منحصر يؤثر مطلقاً سواء أكان هناك شيء آخر أو لا، وقسم غير منحصر وإنّما يؤثر إذا لم يكن هناك مؤثر آخر متقدّم عليه، فإذا كان المتكلّم في مقام البيان واقتصر على بيان مؤثر واحد، فمعناه انّه يؤثر مطلقاً حتّى وان تقدّم عليه شيء، إذ لو لم يكن كذلك لزم المتكلّم تقييد


1 . الكفاية:1/306.


(362)

تأثيره بما إذا لم يكن هناك شيء آخر، فسكوته دليل على أنّه من قبيل القسم الأوّل، نظير الواجب التعييني والتخييري حيث إنّ المتكلّم إذا اقتصر على بيان واجب واحد فمعناه انّه واجب مطلقاً أتى بشيء آخر أو لا، وإلاّ كان عليه تقييد وجوبه بما إذا لم يأت بشيء آخر، فإذا سكت فهو دليل على أنّه واجب تعييناً، إذ لو كان واجباًتخييرياً كان عليه بيان العِدْل.

فخرجنا بتلك النتيجة: انّ بيان الجامع بين المنحصرة وغير المنحصرة، وبين الواجب التعييني والتخييري كاف في بيان الشق الأوّل من الشقين ـ أي العلّة المنحصرة والواجب التعييني ـ وليس بواف لبيان الشقين الآخرين: غير المنحصر، والتخييري.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على هذا البيان، ما هذا حاصله:

إنّ الفرق بين المقيس والمقيس عليه ظاهر فانّ التعيين والتخيير وصفان داخلان في ماهية الوجوبين، وكأنّهما بالنسبة إلى الوجوب فصلان منوِّعان فكلّ من التعييني والتخييري نوع من الوجوب.

حيث إنّ الوجوب التعييني وجوب على كلّ تقدير أتى بشيء أو لا، بخلاف الثاني فانّ التخييري وجوب على تقدير عدم الإتيان بشيء آخر.

وهذا بخلاف الانحصار وعدمه فانّهما غير داخلين في ماهية العلّة، فانّ تأثير العلّة المنحصرة مثل تأثير غير المنحصرة من دون تفاوت بينهما ثبوتاً في نحو التأثير، بل الانحصار وعدمه من المشخصات الصنفية حيث يكون الفرق بين العلّة المنحصرة وغيرها كالفرق بين الإنسان الأبيض والأسود.

ويترتّب على ذلك الفرق هو انّ بيان الجامع كاف لبيان الفرد من الواجب التعييني، وليس كذلك في مورد العلة المنحصرة، ووجهه هو انّ الاختلاف في القسم الأوّل يعود إلى مقام الثبوت، لما عرفت من أنّ نسبة الوجوب التعييني و


(363)

التخييري كنسبة نوع إلى نوع كالإنسان بالنسبة إلى الفرس، فإذا أطلق ولم يذكر عدلاً يحمل على بيان خصوص الوجوب التعييني، وإلاّ يلزم أن لا يكون في مقام البيان، بل في مقام الإهمال والإجمال وهذا خلاف المفروض.

وهذا بخلاف العلّة المنحصرة وغير المنحصرة، لأنّهما لمّا كانا في مقام الثبوت محددين جوهراً وإنّما الاختلاف في مقام الإثبات إذا أُطلق ولم يقيد بشيء يكون الكلام مجملاً لا محمولاً على الفرد المنحصر، وإلى ما ذكرنا أخيراً يشير المحقّق الخراساني بقوله: واحتياج ما إذا كان الشرط متعدداً إلى ذلك إنّما يكون لبيان التعدّد لا لبيان نحو الشرطية فنسبة إطلاق الشرط إليه لا تختلف كان هناك شرط آخر أم لا، حيث كان مسوقاً لبيان شرطيته بلا إهمال ولا إجمال بخلاف إطلاق الأمر فانّه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعييني فلا محالة يكون في مقام الإهمال والإجمال.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذا البيان مع طوله غير واف في التفريق، لأنّه إذا افترضنا انّ نسبة التعيين والتخيير إلى الوجوب نسبة الفصلين المنوعين إلى الجنس، ونسبة الانحصار وغير الانحصار إلى العلّة نسبة المصنّفات، ومع ذلك فكلّ من المشبه والمشبه به يشتركان بوجود الاختلاف في الثبوت والإثبات وإلاّ لأصبح القسم مقسماً، وذلك لأنّ الواجب التعييني ثبوتاً يختلف مع التخييري، فالأوّل هو الواجب مطلقاً سواء أتى بشيء أو لا، والثاني واجب فيما إذا لم يأت بشيء، فكما أنّ هذه القيود معتبرة في مقام الثبوت ليجعلها نوعين من الوجوب، فهكذا معتبرة في مقام الإثبات، لأنّ الإثبات هو المعبر عن الثبوت بالتمام، فإذا كان القيد مأخوذاً في الثبوت يكون مأخوذاً في مقام الإثبات، وعندئذ لا معنى للقول بأنّ بيان الجامع


1 . الكفاية:1/307.


(364)

كاف في إثبات أحد النوعين دون النوع الآخر، لما عرفت من أنّ النوعين يتميزان ثبوتاً وإثباتاً بقيدين، فلا يكون بيان الجامع بياناً لأحد من النوعين لا ثبوتاً ولا إثباتاً، وكون المتكلّم في مقام البيان لا يُلزمنا بالأخذ بالوجوب التعييني، بل يمكن أن يكشف ذلك عن عدم كون المتكلّم في مقام البيان، بل هو في مقام الإهمال والإجمال، بحجة انّ المتكلّم لم يشر إلى أحد القيدين المتنوعين.

ومنه يظهر حال العلّة المنحصرة وغير المنحصرة فهما متميزان في مقام الثبوت بقيدين كما أنّهما متميزان في مقام الإثبات بقيدين أيضاً، فلا يكون بيان الجامع بياناً لأحد الفردين لا في مقام الثبوت ولا في مقام الإثبات.

فإن قلت: قد تقدّم في الجزء الأوّل في مبحث دوران أمر الصيغة بين النفسي والغيري والتعييني والتخييري، والكفائي والعيني انّه يحمل على النفسي والتعييني والعيني.

قلت: ما ذكرناه هناك مبني على بيان آخر مذكور في محله، لا على هذا الأصل الذي بنى عليه حمل الأمر على التعييني.(1)

إلى هنا تمّت الوجوه الخمسة التي ذكرها المحقّق الخراساني وهناك وجه آخر، وهو الوجه السادس: الذي سمعناه من السيد المحقّق البروجردي في درسه الشريف عام 1367هـ وحاصله:

إنّ مقتضى الترتّب العلّي على المقدّم، أن يكون المقدّم بعنوانه الخاص علّة، وهو محفوظ عندما كانت العلّة منحصرة ولو لم يكن كذلك لزم استناد الثاني إلى الجامع بينهما لامتناع استناد الواحد إلى الكثير، وهو خلاف ظاهر الترتّب على المقدّم بعنوانه.(2)


1 . إرشاد العقول:3/341 ،طبعة بيروت.
2 . نهاية الدراية:322.


(365)

ثمّ إنّا وقفنا على ذلك التقريب في تعليقة المحقّق الاصفهاني، ولعلّ البيانين من قبيل توارد الخاطرين أو انّ المحقّق المحشّي أخذه من السيد المحقّق البروجردي، وذلك لأنّ السيد البروجردي قال: عرضت ذلك التقريب على المحقّق الخراساني، فأجاب عنه بالنحو التالي:

إنّ المفهوم رهن الظهور العرفي، والظهور العرفي لا يثبت بهذه المسائل الفلسفية البعيدة عن الأذهان العرفية، وأنّى للعرف دراسة هذا الموضوع «انّه لو كان للجزاء علل مختلفة يجب أن يستند إلى الجامع وحيث إنّه خلاف ظاهر القضية فهو مستند إلى شخص الشرط وتصير نتيجته انّه علة منحصرة».

السابع: ما ذكره المحقّق النائيني على ما في تقريراته، وحاصله:

إنّ الشرط المذكور في القضية الشرطية إمّا أن يكون في حدّ ذاته ممّا يتوقف عليه عقلاً، وجود ما هو متعلّق الحكم في الجزاء، وإمّا أن لا يكون كذلك، وعلى الأوّل لا يكون للقضية مفهوم لا محالة، كما في قولنا: إن رزقت ولداً فاختنه، وبما انّ كلّ قضية حملية تنحل إلى قضية شرطية يكون مقدّمها وجود الموضوع، وتاليها ثبوت المحمول له ويكون التعليق عقلياً لايكون هناك مفهوم.

وأمّا القسم الآخر في أنّ الحكم الثابت في الجزاء ليس بمتوقّف على وجود الشرط عقلاً، فلا يخلو إمّا أن يكون مطلقاً بالإضافة إلى وجود الشرط، أو يكون مقيّداً به، وبما انّه رتب في ظاهر القضية على وجود الشرط، يمتنع الإطلاق فيكون مقيّداً بوجود الشرط وبما انّ المتكلّم في مقام البيان قد أتى بقيد واحد ولم يقيده بشيء آخر، سواء أكان التقييد بذكر عدل له في الكلام أم كان بمثل العطف بالواو ليكون قيد الحكم في الحقيقة مركباً من أمرين، كما في قولنا: إذا جاءك زيد وأكرمك فأكرمه، يستكشف من ذلك، انحصار القيد بخصوص ما ذكر في القضية


(366)

الشرطية، وبالجملة فكما أنّ إطلاق الشرط وعدم تقييده بمثل العطف بالواو، يدلّ على عدم كون الشرط مركباً، كذلك إطلاقه وعدم تقييده بشيء مثل العطف، يدلّ على انحصار الشرط بما هو مذكور في القضية.(1)

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه ليس تقريباً جديداً، بل هو نفس التقريب الثالث للمحقّق الخراساني للإطلاق ـ وجود الفرق الواضح بين كون الشرط ذا جزء و بين كونه ذا عدل، فلو تعلق الشكّ بالأوّل لكان مقتضى الإطلاق هو كونه تاماً في السببية والشرطية لا ناقصاً، وأمّا إذا تعلّق الشكّ بأنّ له عدلاً أو لا فلا يكفي الإطلاق، وقد عرفت فيما سبق انّ الإطلاق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع لا انّه لا موضوع له بغير ما ورد في متعلّق النص .

فلو شككنا في أنّ للكرّيّة شرطاً أو لا، يتمسّك بإطلاق الدليل، و امّا أنّ له عدلاً أو لا، كجريان الماء و إن لم يكن كرّاً فلا يدلّ على نفيه.

إلى هنا تمت أدلّة القائلين بالمفهوم، وقد عرفت أنّ الأدلّة غير وافية .

نظرية المحقّق البروجردي

ثمّ إنّ المحقّق البروجردي فصل في القضايا المشروطة بين كون سوقها لأجل إفادة كون المشروط علّة للجزاء، وسوقها لأجل إفادة انّ الجزاء ثابت للمشروط بهذا الشرط، فالأوّل كقول الطبيب: إن شربت السقمونيا فيسهل الصفراء.

والثاني: كقوله ـ عليه السَّلام ـ : إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء.

فإن سيقت لإفادة العلّية فلا مفهوم لها، لأنّ المتكلّم لم يأت في كلامه بقيد زائد، بل أفاد انّ السقمونيا مثلاً علّة لإسهال الصفراء.


1 . أجود التقريرات:1/418.


(367)

وبالجملة كلّما كان إتيان الشرط لإفادة علّيته للجزاء، ولا يكون فيه قيد زائد لا يكون له مفهوم.

وإن سيقت على النحو الثاني، يكون له مفهوم إن تم ما ذكر من أنّ القيود الزائدة في الكلام تفيد دخالتها على نحو ينتفي الحكم عند انتفائها.

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره ـ قدس سره ـ نقض لما أبرمه في السابق، وهو انّ غاية ما يدلّ عليه أخذ القيد في الكلام ان له دخلاً فإذا ارتفع ارتفع شخص الحكم، وأمّا أنّه لاينوب هنا به شيء آخر فلا يدلّ عليه إلاّ أن يكون المتكلّم في مقام البيان لهذه الجهة.اللّهمّ إلاّ إذا كان التفصيل على مبنى القوم كما يعرب عنه قوله ـ إن تمّ ما ذكر ـ .

ما هو المختار في المقام؟

قد عرفت عدم كفاية التقريبات السبعة لإثبات كون الشرط سبباً منحصراً للجزاء و ـ مع ذلك ـ يمكن القول بدلالة القضية الشرطية على المفهوم في موردين:

الأوّل: إذا كان الشرط من الأضداد التي لا ثالث لها، وبالتالي لا يكون للموضوع إلاّ حالتين لا غير، وإليك بعض الأمثلة:

1. السفر والحضر فيها من الأوصاف التي تعرض الإنسان و لا ثالث لهما، إذ الإنسان الذي هو الموضوع إمّا حاضر أو مسافر، فإذا قال: إذا سافرت فقصِّر أو إذا سافرتَ فأفطر، يفهم منه انّ التقصير والإفطار، من أحكام المسافر دون الحاضر، فهو يتم ويصوم. والمراد من الحاضر، هو المتواجد في الوطن بما هو هو مع قطع النظر عن العوارض ككونه مريضاً، أو شيخاً مطيقاً.


(368)

2. انّ الاستطاعة والعجز من الأضداد التي لا ثالث لها، والإنسان الذي هو الموضوع، إمّا مستطيع أو غير مستطيع، فإذا قال:«إن استطعت فحجّ» يدلّ بمفهومه على سلب الوجوب عن غيره. إذ لو كان الحكم ثابتاً عند وجود الشرط وعدمه، يكون التعليق لغواً، ولا يتصور فيه قيام سبب آخر مكان الشرط المنتفي، إذ المفروض انّهما من الأضداد التي لا ثالث لهما.

3. انّ الظلم والعدل من الأضداد التي لا ثالث لهما، فإذا قال: «ليس لعرق ظالم حق»(1) فالوصف يدلّ على أنّ عرق غير الظالم له حقّ، فلو كان الحكم عاماً، للظالم و العادل يلزم اللغوية، ولذلك فرّع الفقهاء على القول بالمفهوم في الحديث فروعاً:

1. ما لو زرع أو غرس المفلس في الأرض التي اشتراها ولم يدفع ثمنها، وأراد بائعها أخذها، فإنّه لا يقلع زرعه وغرسه مجاناً ولا بأرش، بل عليه إبقاؤه إلى أوان جذاذ الزرع، وفي الغرس يباع ويكون للمفلس بنسبة غرسه من الثمن.

2. لو انقضت مدّة المزارعة، و الزرع باق. ولم يعلما تأخّره عن المدّة المشروطة وقت العقد، فإنّ الزرع حينئذ لا يقلع أيضاً، لأنّه ليس بظالم، نعم يجمع بين الحقّين بالأُجرة. والفرق أنّ المشتري دخل على أن تكون المنفعة له مباحة بغير عوض، بخلاف العامل.

3. لو أخذ الشفيع الأرض بالشفعة بعد زرع المشتري. ونظائر ذلك كثيرة. وادّعى بعضهم الإجماع أيضاً على العمل بمفهوم الحديث هنا، وإن منع من العمل بمفهوم الوصف.(2)


1 . صحيح البخاري:3/140، كتاب المزارعة.
2 . تمهيد القواعد:112.


(369)

الثاني: إذا كان المتكلّم بصدد بيان حكم الموضوع بعامة صوره، كما إذا سئل السائل وقال: ما هو الماء الذي لا ينجس، حيث تعلّق السؤال بعاصمية مطلق الماء، سواء أكان ماء غدير، أو بئر، أو جار، أو غير ذلك فإذا أُجيب بأنّ الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجسه شيء، بقيد انّ السبب المنحصر للعاصمية، هو الكرية على نحو لو دلّ الدليل على عاصمية ماء المطر أو الجاري المتصل بالنبع، أو الماء الواقع تحت المطر عند إصابة النجاسة، لوقع التعارض بين المفهوم والدليل الدالّ على عاصمية غير الكرّ بخلاف ما إذا سئل عن عاصمية ماء خاص، كما إذا سئل عن ماء الغدير الذي تلغ فيه الكلاب، فأجيب : الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجسه شيء، فانّ السؤال والجواب قرينة على أنّ السؤال تعلّق ببيان ما هو العاصم للماء الخاص وهو ماء الغدير، فيكون الجواب مشيراً إلى الموضوع الذي جاء في سؤال السائل، فعاصمية ماء الغدير وعدمها تدور مدار الكرّيّة وعدمها، من دون نظر إلى عاصمية مطلق الماء الذي يعم ماء البئر والجاري وما يقع عليه المطر.

هذه هي الضابطة ومع ذلك فاستنباط المفهوم وعدمه من القضية رهن قرائن أُخرى أيضاً ربما تؤيد اشتمالها عليه، هذا و انّ الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ استدلّ على حرمة لحم الشاة التي ذبحت ولم تتحرك وأُريق منها دم عبيط بمفهوم كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ .

ففي صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الشاة تذبح فلا تتحرك ويهراق منها دم كثير عبيط فقال: لا تأكل انّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ كان يقول: إذا ركضت الرِّجْلُ أو طرفت العين فكُلْ.(1) فكلام علي ـ عليه السَّلام ـ إنّما يدلّ على الحرمة بمفهومه لا بمنطوقه ولولا كون المفهوم حجّة، كيف استدلّ الإمام به على حرمة


1 . الوسائل:16، الباب12 من أبواب الصيد والذباحة، الحديث1.


(370)

أكله.

فعلى المستنبط أن يتحرى في القرائن الحافّة حتى يعرف موقف المتكلم من الكلام.

ثمّ إنّ نفاة المفهوم استدلوا بوجوه ذكرها في «الكفاية» ونحن في غنى عن دراستها، إذ لم نقل بدلالة القضايا الشرطيّة على المفهوم مطلقاً، حتّى ندرس أدلّة المخالف، بل ألمعنا إلى مواضع خاصّة لا أظن انّ المخالف ينفي وجود المفهوم فيها فلنرجع إلى البحث في تنبيهات الفصل التي عقدها المحقّق الخراساني.


(371)

تنبيهات

التنبيه الأوّل

المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم لاشخصه

إنّ نزاع المثبت والنافي للمفهوم إنّما هو في انتفاء سنخ الحكم المعلّق على الشرط وعدم انتفائه، لا انتفاء شخصه ضرورة انتفائه بانتفاء موضوعه ولو ببعض قيوده، والنزاع في اشتمال القضية على المفهوم فرع ثبوت مرحلتين للحكم:

1. شخص الحكم الذي ينتفي قطعاً بانتفاء شرطه باتفاق من المثبت والنافي.

2. سنخ الحكم ونوعه الذي يحتمل الانتفاء وعدمه.

فلو كان للجزاء مرحلة واحدة من الحكم وهو شخص الحكم لما يبقى وجه للنزاع، لأنّه منتف على كلّ حال، سواء قلنا باشتمال القضية على المفهوم أو لا.

توضيح المقام رهن بيان أمرين:

1. ما هو الفرق بين سنخ الحكم وشخصه؟

2. لماذا لا يجري النزاع إذا لم يكن للجزاء إلاّ مرحلة واحدة وهو شخص الحكم؟

أمّا الأوّل فبيانه: انّه إذا قلنا : زيد ـ إن سلّم ـ أكرمه، فهناك حكمان:


(372)

الف: الوجوب الجزئي المتعلّق بإكرام زيد بقيد تسليمه.

ب: الوجوب الكلّي المتعلّق بإكرام زيد، غير مقيّد بتسليمه، بل يعمّ تلك الحالات وسائر حالاته، كما إذا لم يسلم، ولكنّه أطعم اليتيم وغير ذلك.

ونظيره قوله ـ عليه السَّلام ـ :«الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجّسه شيء»، فهناك مثل السابق، حكمان:

1. إنشاء العاصمية للماء بقيد كونه كرّاً.

2. إنشاء العاصمية له غير مقيد بالكرية بل يعمّ تلك الحالة وسائر الحالات الطارئة له، ككونه جارياً، نابعاً من الأرض، أو ماء بئر فالحكم الجزئي المقيّد بالشرط ينتفي بانتفاء شرطه عقلاً، لأنّ المعلّق ينتفي بانتفاء المعلّق عليه، فلو لم يسلِّم أو لم يكن كرّاً، فالإنشاء المقيّد بهما، بكونه منتفياً بالاتّفاق، سواء قلنا بالمفهوم أو لا.

والذي يصلح للنزاع هو البحث في انتفاء سنخ الحكم ونوعه، أي وجوب الإكرام غير المقيد بالتسليم، أو إنشاء العاصمية غير المحدد بالكرّيّة، فهل يحكم بانتفائه كانتفاء شخص الحكم ـ كما عليه القائل بالمفهوم ـ أو لا يحكم عليه بل يحتمله الانتفاء وعدمه؟

ثمّ إنّ المحقّق البروجردي أنكر وجوب سنخ الحكم ونوعه، وراء شخص الحكم وانّه لا يعقل لسنخ الحكم وراء شخصه مفهوم معقول، فقال ما هذا حاصله: إنّا لا نتعقّل وجهاً معقولاً لسنخ الحكم لوضوح أنّ المعلّق في قولك: إن جاءك زيد فأكرمه هو الوجوب المحمول على إكرامه، والتعليق يدلّ على انتفاء نفس المعلّق عند انتفاء المعلّق عليه فما فرضته سنخاً إن كان متّحداً مع هذا المعلّق، موضوعاً ومحمولاً فهو شخصه لا سنخه، إذ لا تكرّر في وجوب إكرام زيد


(373)

بما هوهو وإن كان مختلفاً معه في الموضوع كإكرام عمرو أو محمولاً كاستحباب إكرام زيد، فلا معنى للنزاع في أنّ قوله: إن جاءك زيد فأكرمه يدلُّ على انتفائه أو لا يدلّ.(1)

يلاحظ عليه: أنّ سنخ الحكم متّحد مع شخصه موضوعاً(زيد) ومحمولاً (وجوب الإكرام) لكن يختلف في الشرط فهو شرط لشخص الحكم دون سنخه لكن اتحادهما ليس بمعنى كونهما متساويين كالإنسان، والحيوان الناطق بل اتحادهما كاتحاد الكلي ومصداقه، والطبيعي وفرده، فالوجوب المنشأ بقيد التسليم وجوب جزئي، والوجوب المنتزع عنه غير المقيد بالشرط، كلي يعم الفرد المنشأ، وغيره.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

وأمّا الأمر الثاني و هو انّ مدار النزاع هو إمكان اشتمال القضية وراء شخص الحكم على سنخه، حتّى يحكم على السنخ أيضاً بالانتفاء كالشخص كما عليه القائل بالمفهوم أو لا يحكم عليه، بل يكون الانتفاء والبقاء احتمالين متساويين وأمّا لو اشتملت القضية على الحكم الجزئي، ولم يكن فيها صلاحية للحكم الكلي وسنخه، فارتفاع الحكم وعدم ثبوته، عند انتفاء القيد ليس من باب المفهوم، بل لأجل عدم القابلية في المحل، وذلك فيما إذا وقف داره للفقراء أو أوصى بتمليك ماله لهم، أو نذر كونها لهم ـ إذا قضيت حاجته الشرعية ـ أو حلف بالتمليك لهم فانّ سلب الملكية عن الأولاد الأغنياء، ليس من باب المفهوم، بل من باب عدم وجود المرحلتين للملكيّة الشخصية والسنخيّة سنخ الحكم، وذلك: لأنّ المال الخارجي إذا صار وقفاً أو نذراً أو وصية فقد صار ملكاً أو وقفاً لهؤلاء،


1 . نهاية الأُصول:1/273.


(374)

ولا يتصور عندئذ ملكية كلية، للمال، حتّى يبحث عن ارتفاعها ـ عند ارتفاع الفقر ـ و عدمه ، لأنّ المال الواحد، لا يصلح أن يكون وقفاً أو ملكاً إلاّ لواحد، وعندئذ يكون الارتفاع عن غير مورده عقلياً لا من باب المفهوم، ففرق بين إنشاء وجوب الإكرام وانشاء الملكية، إذ يصحّ إنشاء وجوبين طوليين أحدهما في ظرف التسليم وثانيهما في ظرف آخر، و هذا بخلاف إنشاء الملكية للعين فلا يمكن نقلها مرّتين تارة للأولاد الفقراء، وأُخرى لأولاده الأغنياء.

ومنه يظهر ما في كلام الشهيد الثاني في تمهيد القواعد حيث زعم انّ انتفاء الحكم في هذه الموارد من باب المفهوم فقال: لا إشكال في دلالة الشرط والرهن في مثل الوقف و الوصايا والنذور والأيمان، كما إذا قال: وقفت هذا على أولادي الفقراء، أو إن كانوا فقراء، و نحو ذلك.(1)

إشكال و إجابة

أمّا الإشكال فقد حكاه الشيخ الأنصاري في تقريراته عن بعضهم، وقال: وقد يستشكل في المقام(مطلق القضايا الشرطيّة) نظراً إلى أنّ الشرط المذكور إنّما وقع شرطاً بالنسبة إلى الإنشاء الخاص، الحاصل بذلك الكلام دون غيره فأقصى ما تفيده الشرطية انتفاء ذلك وأين ذلك، من دلالته على نوع الوجوب؟!(2)

وإلى هذا الإشكال يشير في «الكفاية» بقوله: إنّ المناط في المفهوم هو سنخ الحكم لا نفس شخص الحكم في القضية، وكان الشرط في الشرطية إنّما وقع شرطاً بالنسبة إلى الحكم الحاصل بإنشائه دون غيره فغاية قضيتها انتفاء ذاك


1 . تمهيد القواعد، القاعدة25، ص 110.
2 . مطارح الأنظار: 177.


(375)

الحكم بانتفاء شرطه لا انتفاء سنخه.(1)

ثمّ إنّه أجاب بأنّ الخصوصـية غير مأخوذة في المستعمل فيه وذلك لوجهين:

1. الخصوصية الإنشائية كالخصوصية الاخبارية غير مأخوذة في المعنى، مثلاً كلمة بعت وقعت لنسبة البيع إلى المتكلم، وأمّا كونه موجداً للبيع أو حاكياً عنه في الخارج فهو يستفاد من القرائن و يعد من طوارئ الاستعمال.

2. انّ اللحاظ الآلي في الحروف والاستقلالية في الأسماء ليس جزءاً للمعنى الموضوع له والمستعمل فيه ،وإنّما تعرضه الآلية عند الاستعمال كما يعرضه الاستقلال عنده.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان الإشكال هو ما يتبادر من ظاهر«المطارح» و«الكفاية» من أنّ الجزاء مقيّد بالشرط حيث إنّ الظاهر انّ الشرط، شرط للحكم الحاصل بإنشائه دون غيره فبانتفاء الشرط ينتفي شخص الحكم دون سنخه، فيصح الذب عنه بما اختاره المحقّق الخراساني من أنّ الخصوصيات غير مأخوذة لا في الإخبار ولا في الإنشاء، لا في الأسماء ولا في الحروف.

وأمّا لو قرر الإشكال حسب ما قرره السيد المحقّق البروجردي في درسه الشريف، ويستفاد من بعض مواضع المطارح أيضاً، وهو انّ شأن صيغة الأمر في جانب الجزاء هو إيجاد البعث والوجوب، فإذاً المنشأ أمر جزئي، لا نوعي فليس هنا دال على سنخ الوجوب، فعندئذ لا يصلح ما في «الكفاية» ردّاً له.

توضيحه: انّ القول بالمفهوم فرع تصوّر وجود حكمين في جانب الجزاء.

أ. سنخ الحكم ونوعه.


1 . كفاية الأُصول:1/310.


(376)

ب. شخص الحكم وجزئيّه.

وهذا إنّما يتصوّر فيما إذا كان الجزاء جملة خبرية كما إذا قال: إن جاء زيد فيجب إكرامه، فقال: إن جاء زيد فإكرامه واجب، فالجزاء يمكن أن يكون حكاية عن حكم جزئي مقيّد بالمجيء وعن حكم غير مقيّد به.

وأمّا إذا كان الجزاء جملة إنشائية من شأنها إيجاد المعاني في عالم الاعتبار فليس هناك وراء شخص الحكم حكم آخر، لأنّ المفروض انّ شأن الجملة الإنشائية إيجاد المعنى لا حكايته عن الخارج والإيجاد نفس الوجود وهو نفس التشخص، فيكون الجزاء غير مشتمل على وجوب وراء شخصه.

وبعبارة أُخرى: انّ الجمل على قسمين : حاك عن الخارج كما يقول: زيد قائم أو يقول: يجب إكرامه أو إكرامه واجب بشرط أن يكون جملة خبرية غير مستعملة في الإنشاء موجد للمعنى على نحو ليس وراء عالم الإنشاء شيء يحكي عنه اللفظ فالمعنى الذي هذا شأنه يكون جزئياً شخصياً لا غير ولا يتصوّر فيه نوع المعنى وراء الشخص.

هذا هو الإشكال والأولى أن يجاب عن كلا التقريرين بجواب واحد، وهو:

إنّ الوجوب وإن كان مقيّداً بالشرط، أو انّ الشرط وقع شرطاً للحكم المذكور في الجزاء ـ حسب تقرير العلمين ـ أو انّ مفاد الجزاء معنى إيجادي وجزئي حقيقي حسب تقرير السيد البروجردي لكن تعلّق الوجوب بمادة الجزاء عند وجود الشرط تحكي عن مناسبة بين الشرط (التسليم) والجزاء(الإكرام) فإذا تمت دلالة القضية على انحصار العلّة، دلّت على فقدان المقتضي للإكرام عند فقدان الشرط، وهو نفس القول بالمفهوم، لأنّ عدم المقتضي له، يلازم عدم كونه مطلوباً، لا بهذا الطلب المختص أو الجزئي ولا بطلب آخر.


(377)

ولك أن تقول: إنّ الهيئة وإن كانت جزئية لكن تناسب الحكم والموضوع يوجب إلغاء الخصوصية، وجعل الشرط علّة منحصرة لنفس الوجوب وطبيعيّه، فبانتفائه ينتفي طبيعي الوجوب.

جواب آخر:

ويمكن أن يقال: انّ الحكم الشخصي و إن كان جزئياً حسب أفراده، ولكنّه حسب حالاته أمر قابل للتقييد، مثلاً: إذا قلنا أكرم زيداً، فالبعث وإن كان جزئياً لكنّه حسب حالاته قابل للتقييد كأن يقول: أكرم زيداً إذا كان عادلاً لا فاسقاً، عالماً لا جاهلاً بإرجاع القيود إلى مفاد الهيئة وسوف يوافيك انّه لايشترط في جريان مقدّمات الحكمة كون الموضوع كلياً ذا أفراد، بل يكفي كونه جزئياً ذا أحوال.

وعلى ضوء ذلك فالبعث الجزئي و إن كان متشخّصاً لكنّه قابل للتقييد بالتسليم كما يمكن أن يكون مطلقاً عنه.

فالبعث المقيد بالتسليم شخص الحكم فينتفي بانتفاء التسليم ولحاظه غير مقيد به هو سنخ الحكم، فعندئذ انتفاء الحكم الشخصي لا يكون دليلاً على انتفاء سنخ الحكم، بل يمكن أن يكون نفس الشخص باقياً ضمن شرط آخر.

نعم وصف البعث الجزئي باعتبار شخص الحكم، وباعتبار آخر سنخ الحكم لأجل تقريب المطلب إلى الذهن، وإلاّ فالأمر الجزئي، بهما معاً.


(378)

التنبيه الثاني

إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء

إذا ورد: إذا خفي الأذان فقصّر، وورد أيضاً إذا خفيت الجدران فقصّر، فلو قلنا بخلوّ الجملة الشرطية عن المفهوم فلا تعارض بين الدليلين ويؤخذ بظهورهما في انّ كلّ واحد سبب تام، وليس سبباً ناقصاً فيكفي خفاء واحد منهما في وجوب التقصير.

ولو قلنا بظهور الجملة الشرطية في المفهوم يقع التعارض بين مفهوم كلّ مع منطوق الآخر.

وذلك لأنّ مفهوم قوله: إذا خفي الأذان فقصّر : انّه إذا لم يخف الأذان لا تقصّر الصلاة، سواء أخفيت الجدران أم لا، فهذا المفهوم يعارض منطوق القضية الثانية التي تحكم بوجوب القصر عند خفاء الجدران.

ومثل القضية الأُولى القضية الثانية فانّ مفهومها انّه إذا لم تخـف الجـدران فلا تقصّر، سواء أخفي الأذان أم لا، فيعارض مفهومُها منطوق القضية الأُولى التي مفادها انّه إذا خفي الأذان، فقصّر، فلابدّ من علاج التعارض بين القضيتين .

وقد ذكر المحقّق الخراساني في رفع التعارض وجوهاً خمسة، والمقبول منها هو الأوّل والثالث والبعيد هو الثاني، والمردود هو الرابع والخامس. فنحن نذكر


(379)

المقبول أوّلاً، ثمّ نذكر البعيد، ثمّ المردود.

أمّا المقبول فوجهان:

1. تخصيص مفهوم كلّ بمنطوق الآخر

وحاصل هذا الوجه: انّه يخصص مفهوم كلّ بمنطوق الآخر، فإذا كان مفهوم قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر» انّه إذا لم يخف الأذان فلا تقصر، فيُخصّص النهي عن التقصير عند عدم خفاء الأذان بقوله:«إذا خفي الجدران فقصّر» إذا لم تخف ومثلها، القضية الثانية فمفهوم قوله: إذا خفيت الجدران فقصّر، انّه إذا لم تخف الجدران لا تقصر، فيُخصص النهي عن التقصير عند عدم خفاء الجدران بقوله: «إلاّ إذا خفي الأذان»، فتكون النتيجة كفاية خفاء واحد من الأمرين، فكأنّه قال: إذا خفي الجدران أو الأذان فقصر، فما في عبارة «الكفاية» من قوله:«عند انتفاء الشرطين» بمعنى كفاية انتفاء واحد من الشرطين وحاصل هذا الجمع، هو عطف الجملة الثانية على الأُولى بلفظة «أو» العاطفة.

2. تقييد منطوق كلّ بالآخر

وحاصل هذا الوجه: انّه يقيد إطلاق الشرط في كلّ من القضيتين بمنطوق الآخر، فيكون الشرط عندئذ هو خفاء الأمرين معاً، فتكون النتيجة بعد التقييد هو انّه إذا خفيت الجدران والأذان فقصّر، خلافاً للتصرف الأوّل فانّ النتيجة تكون «إذا خفي الأذان أو الجدران فقصّر».

وإن شئت قلت: إنّ ظاهر القضية الشرطية ـ على القول بالمفهوم ـ انّ للشرط وصفين:

1. انّه سبب تام لاناقص.


(380)

2. انّه سبب منحصر ليس له بديل.

فالتصرف في مفهوم كلّ بمنطوق الآخر بمعنى سلب الانحصار عن كلّ مع حفظ سببية كلّ، للقصر، كما أنّ التصرف في منطوق كلّ هو التصرف في تمامية السبب، وانّ كلّ واحد ليس سبباً تاماً، بل سبب ناقص لا يتمّ إلاّ بضمّ جزء آخر إليه.

وهذان الوجهان معقولان، وأمّا انّ الترجيح بأي واحد منهما فهو رهن قرينة خارجية.

وذهب المحقّق النائيني إلى عدم الترجيح وبالتالي صيرورة القضيتين مجملتين، فتصل النوبة إلى الأُصول العملية، قال:

إنّ كلا من القضيتين ظاهر في العلّة المنحصرة ولكن تعدّدها ينافي ذلك، فلابدّ إمّا من رفع اليد عن كونه علّة تامة وجعله جزء العلة فيكون المجموع من الشرطين علة تامة منحصرة ينتفي الجزاء عند انتفائهما معاً، فتكون القضيتان قضية واحدة، مثلاً يكون قوله: إذا خفي الأذان فقصّر وإذا خفي الجدران فقصّر بمنزلة قوله: إذا خفي الأذان والجدران فقصّر .

وإمّا من رفع اليد عن كونه علّة منحصرة مع بقائه على كونه علّة تامّة فيكون الشرط أحدهما تخييراً وتكون القضيتان بمنزلة قوله: إذا خفي الأذان أو خفي الجدران فقصّر، ويكفي حينئذ أحدهما في ترتب الجزاء، وحينئذ لابدّ من رفع اليد عن أحد الظهورين: إمّا ظهور الشرط في كونه علة تامة وإمّا ظهوره في كونه علّة منحصرة.

وحيث لم يكن أحد الظهورين أقوى من ظهور الآخر ولا أحدهما حاكماً على الآخر لمكان انّ كلا من الظهورين إنّما يكون بالإطلاق ومقدّمات الحكمة كان


(381)

اللازم الجري على ما يقتضيه العلم الإجمالي من ورود التقييد على أحد الإطلاقين.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه إذا كان أحد الظهورين أقوى من الظهور الثاني فيؤخذ بالأقوى ويتصرف في الأضعف.

هذه هي الضابطة وأمّا تطبيقها على المقام، فبيانه:

إنّ دلالة القضية الشرطية على السببية التامة أظهر من دلالتها على السببية المنحصرة، والدلالة الأُولى مورد اتفاق إذا كان المتكلّم في مقام البيان، بخلاف الدلالة الثانية فقد عرفت إنكار جمع المحقّقين لها، والتصرف في مفهوم كلّ من القضيتين بمنطوق الآخر تصرف في الدلالة الثانية (أي دلالتها على انحصار العلّية والسببية في واحد من الشرطين).

بخلاف التصرف في منطوق كلّ بالآخر فانّه تصرف في سببية كلّ للجزاء ودلالة القضية الشرطية للسببية التامة أقوى وأظهر من دلالتها على الانحصار، ومع دوران الأمر بين أحد التقييدين يتصرف في الأضعف دون الأقوى.

أضف إلى ذلك انّا نعلم علماً وجدانياً بزوال الانحصار إمّا بزواله وحده أو في ضمن زوال الاستقلال، فعند ذلك ينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي، و هو زوال الانحصار وشك بدوي وهو الشك في زوال الاستقلال.

وربما يؤيّد ما ذكرنا من أنّ اللازم رفع اليد عن الانحصار دون السببيّة بأنّ مصب التعارض وإن كان هو المفهوم من جانب والمنطوق من جانب آخر إلاّ أنّه يستحيل التصرف في المفهوم نفسه، لأنّه مدلول تبعي ولازم عقلي للمنطوق، فلابدّ من رفع اليد عن ملزوم المفهوم بمقدار يرتفع به التعارض، ولا يكون ذلك إلاّ


1 . فوائد الأُصول للكاظمي:1/487ـ 488.


(382)

ذبتقييد المنطوق ورفع اليد عن انحصاره، دون كونه علة تامة، لعدم الحاجة إلى التصرف في تمامية كل واحد من الشرطين بعد إلغاء الانحصار.(1)

يلاحظ عليه: كيف يقول باستحالة التصرف في المفهوم بحجّة انّه مدلول تبعي ولازم عقلي للمنطوق، لأنّه إذا صار حجة فيكون كالمنطوق في قابلية كلّ للتقييد.

نعم صار المنطوق واسطة في الثبوت في ظهور هذه الحجة، وعندئذ لا مانع بعد ظهورها أن يكون طرفاً للمعارضة بينه و بين المنطوق الآخر.

هذا كلّه حول الوجهين الأوّلين المقبولين، وقد عرفت أنّ الجمع الأوّل أظهر من الجمع الثاني.

والقول بأنّ كلّ واحد سبب مستقل أظهر من القول بأنّهما معاً سبب مستقل.

بقي الكلام في الوجوه الثلاثة.

الثالث: رفع اليد عن المفهوم منهما

وحاصل هذا الوجه هو سلب المفهوم عن القضيتين وانّهما لا تدلاّن وراء المنطوق على شيء آخر حتّى يخصص منطوق كلّ بمفهوم الآخر.

يلاحظ عليه: أنّ إنكار الموضوع ليس علاجاً للمشكلة فانّ المفروض في البحث اشتمال القضيتين على المفهوم ولولا الاشتمال لما كان للبحث ملاك.

أضف إلى ذلك: انّ هذا ليس وجهاً مستقلاً، بل يتحد نتيجة مع الوجه الأوّل، غاية الأمر انّ القائل بالجمع الأول يقول بدلالته كلّ على المفهوم غاية الأمر


1 . أجود التقريرات:1/424ـ 425، قسم التعليقة.


(383)

يخصص مفهوم كلّ بمنطوق الآخر.

وأمّا القائل بهذا الوجه فهو ينفي أساس التعارض، وهو الاشتمال على المفهوم ويأخذ بظهور كلّ قضية في استقلال سببها.

الرابع: جعل الشرط هو القدر المشترك

وحاصل هذا الوجه، هو جعل الشرط القدر الجامع المشترك بين الخفاءين، فليس الميزان خفاء الأذان بما هوهو ولا خفاء الجدران كذلك، بل الميزان في وجوب القصر، هو البعد عن الوطن أو محل الإقامة بمقدار خاص يلازمه خفاء الأذان والجدران، فخفائهما أمارتان للموضوع أي الابتعاد بمقدار خاص وطريقان إليه، و ليس لهما موضوعيّة.

ثمّ استدلّ على ذلك بوجهين:

1. انّ وحدة المعلول ـ أي وجوب القصر ـ كاشف عن وحدة العلّة لامتناع صدور الواحد عن الكثير بما هو كثير من دون جامع بينهما، فهذه القاعدة تجرّ الباحث إلى القول بأنّ هنا علّة واحدة وهي البعد عن الوطن أو محل الإقامة للمعلول الواحد أي وجوب القصر.

يلاحظ عليه: أنّ مصب القاعدة على فرض الصحة هو الأُمور التكوينية لا الاعتبارية وفي التكوين، الواحد البسيط الذي لا كثرة فيه، كالعقل الأوّل بناء على كونه وجوداً بلا ماهية فهو لا يصدر إلاّ عن البحث البسيط وهو اللّه سبحانه، وأين هذه الضابطة من الوجوب الاعتباري النوعي(وجوب القصر) الذي يتكثر بتكثر أفراده؟!

2. انّ الشارع لمّا لم يجوز بالإفطار والتقصير في البلد حفظاً لكرامة الصيام


(384)

بين الحاضرين، وكرامة الصلاة الرباعية بين الأهل والعيال و إنّما جوز إذا ابتعد المسافر عن البلد على قدر يلازمه خفاء الأذان والجدران.

وهذا الوجه لا بأس به غير أنّه يثير إشكالاً، وهو كيف يكون خفاء الأذان والجدران أمارة على البعد المعين مع أنّ الأذان يخفى بكثير قبل خفاء الجدران، فانّ خفاء الثاني يتوقّف على قطع طريق كثير.

ويمكن دفعه بأنّ الأمارة هي تواري المسافر عن البيوت لا تواريها عن المسافر كما في الحديث(1) ، ولمّا كان تواري المسافر عن البيوت غير معلوم للمسافر جعل تواري البيوت عن المسافر طريقاً إلى الطريق (تواري المسافر عن البيوت) والأمارتان الواقعيتان(خفاء الجدران، وتواري المسافر عن أهل البيوت) متقاربتان جداً.

الخامس: رفع اليد عن مفهوم إحدى القضيتين

وحاصل هذا الوجه: انّه يرفع اليد عن خصوص إحدى القضيتين ويؤخذ بمفهوم القضية الأُخرى، وهذا هو المنقول عن ابن إدريس الحلي فزعم انّه يُلغى مفهوم قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر» ويؤخذ بمفهوم القضية الأُخرى، فعندئذ يرتفع التعارض.

يلاحظ عليه: مع أنّه ترجيح بلا مرجح، انّ التعارض باق على حاله أيضاً ولم يقلع من الأساس، وذلك لأنّ القول بعدم اشتمال القضية الأُولى على المفهوم وإن كان يعالج التعارض في جانب مفهوم تلك القضية، ولكنّه باق على حاله في الجانب الآخر، فإذا كان مفهوم قوله:«إذا خفيت الجدران فقصّر» هو انّه إذا لم


1 . الوسائل:ج5، الباب6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.


(385)

تخف الجدران فلا تقصر، وعندئذ يقع التعارض بين هذا المفهوم ومنطوق القضية الأُولى، فعلى المفهوم لا يجوز القصر، وعلى منطوق القضية الأُولى يجب القصر وبذلك ظهر انّ الطريق منحصر في الأوّلين، أي إمّا تقييد مفهوم كل بمنطوق الآخر، أو تقييد منطوق كلّ بالآخر، فمقتضى الصناعة هو الأوّل كما عرفت، غير أنّ الفتاوى على الثاني.


(386)

التنبيه الثالث

تداخل الأسباب والمسببات

وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: قد جعل المحقّق الخراساني عنوان البحث في التنبيهين: الثاني والثالث أمراً واحداً، وهو قوله:«إذا تعدّد الشرط واتحد الجزاء» وجعل وجه التمايز بينهما الغرض والجهة المبحوثة عنها، فكأنّ الغاية من عقد التنبيه الثاني معالجة التعارض الواقع بين مفهوم كلّ قضية مع منطوق القضية الأُخرى، ولكن الغرض من عقد التنبيه الثالث البحث عن تداخل الأسباب في مقام التأثير وعدمه، وعلى فرض عدم التداخل، البحث عن تداخل المسببات في مقام الامتثال وعدمه، وعلى ذلك فالبحث في التنبيه الثاني لفظي وفي الثالث عقلي حيث يقع البحث تارة في أنّ كلّ سبب هل يقتضي مسبباً مستقلاً أو لا؟ فإذا قال: إذا بلت فتوضأ، وإذا نمت فتوضأ، فهل يقتضي كلّ من البول والنوم مسبباً مستقلاً، أي إيجاباً متعدّداً أو لا؟ وعلى فرض اقتضائه وجوباً متعدداً، يقع الكلام في كفاية الوضوء الواحد لامتثال الوجوبين أو لا، فيعبر عن الأوّل (اقتضاء كلّ سبب وجوباً مستقلاً وعدمه) بعدم التداخل في الأسباب وتداخله كما يعبر عن الثاني (كفاية وضوء واحد عن امتثال وجوبين أو لا) بالتداخل في المسببات وعدمه.

والأولى تغيير العنوان، ولذلك جعلنا العنوان عند تعدّد الشرط تداخل


(387)

الأسباب والمسببات لأنّ المسألتين متمايزتان جوهراً وذاتاً، ومع هذا لا تصل النوبة إلى التمايز بالأغراض والمقاصد.

الثاني: قد ظهر ممّا ذكرنا المراد من تداخل الأسباب والمسببات فمرجع التداخل في الأسباب وعدمه إلى اقتضاء السببين وجوباً واحداً أو اقتضائهما وجوبين مختلفين، فالأوّل هو التداخل في الأسباب والثاني هو عدم التداخل فيها.

ومرجع التداخل في المسببات وعدمه ـ بعد القول بعدم تداخل الأسباب وانّ كلّ سبب يقتضي إيجاباً مستقلاً ـ إلى لزوم تعدّد الامتثال وعدمه ويعبر عن الأوّل بعدم تداخل المسببات وعن الثاني بتداخلها.

وإن شئت قلت: إنّ مرجع التداخل السببي وعدمه إلى دعوى عدم اشتغال الذمة إلاّ بوجوب واحد أو بوجوبين، كما أنّ مرجع التداخل المسببي وعدمه بعد القول بعدم التداخل في الأسباب إلى دعوى صدق الامتثال بالإتيان بفرد واحد عند تعدّد التكاليف والاشتغالات وعدمه، فالتداخل في المسببات لا يعني تداخل الوجوبين، بل المراد تداخلهما في مقام الامتثال، وبذلك اتّضح انّ البحث في مورد الأسباب ـ تداخلاً وعدمه ـ يرجع إلى مقام الدلالة وظهور القضية في تعدد الوجوب وعدمه، كما أنّ البحث في مورد المسببات ـ تداخلاً وعدمه ـ يرجع إلى مقام الامتثال وانّه هل يكفي الإتيان بفرد واحد في امتثال الوجوبين أو لا؟

الثالث: انّ النزاع في التداخل وعدمه فيما إذا كان الجزاء أمراً قابلاً للتكرار كالوضوء والغسل، وأمّا لو كان غير قابل له كالقتل فيما إذا ارتد وزنى بالإحصان، فهو خارج عن محطّ البحث.

الرابع: انّ الشرط للجزاء ـ وجوب الوضوء ـ تارة يختلف نوعاً كالنوم والبول بالنسبة إلى وجوب الوضوء، ومسّ الميت والجنابة بالنسبة إلى الاغتسال، وأُخرى


(388)

يتحد نوعاً ويتعدد مصداقاً، كما إذا بال مرتين أو نام أو وطأ الحائض كذلك فيقع الكلام تارة في مقام الدلالة، وأُخرى في مقام الامتثال، فلو كان الكلام في الأُولى فيقال: هل ظاهر القضية الشرطية انّ كلّ شرط يطلب جزاء ـ وجوباً ـ خاصاً أو لا؟ ولو كان الكلام في مقام الامتثال فيقال ـ على القول بعدم التداخل في الأسباب ـ: هل يكفي الإتيان بمصداق واحد، في امتثال الوجوبين أو لا؟

الخامس: انّ النزاع كما يجري في القضايا الشرطية، يجري في القضايا الخبرية، كما إذا قال: الحائض تغتسل، والجنب يغتسل ، نعم يمكن إرجاع القضايا الخبرية إلى الشرطية بأن يقال: إذا حاضت تغتسل كما يمكن العكس.

السادس: انّ الأقوال في المسألة ثلاثة:

1. عدم التداخل مطلقاً، وهو المشهور وإليه ذهب الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني، إلاّ ما خرج بالدليل.

2. التداخل مطلقاً، وهو خيرة المحقّق الخونساري والسيد البروجردي.

3. التفصيل بين اختلاف الشرطين ماهية أو اتحادهما كذلك وتعدّدهما مصداقاً، فالأوّل ـ كما مرّ ـ كالنوم والبول، والجنابة ومس الميت والزيادة والنقيصة في الصلاة فانّ زيادة الركوع ، غيرزيادة السجود، وكذلك نقيصتهما; وأمّا الثاني فمعلوم.

فذهب ابن إدريس إلى عدم التداخل في الأوّل، والتداخل في الثاني، ولذلك أفتى بعدم تكرر الكفّارة، لو تكرر وطء الحائض.

السابع: انّ المحقّق الخراساني قد خلط بين البحثين: التداخل وعدمه في الأسباب، والتداخل وعدمه في المسبّبات ولم يفصّل بينهما بالعنوان، وقد أوجب


(389)

ذلك إغلاقا في فهم عبارات الكتاب.

إذا عرفت ذلك، فلندخل في صلب الموضوع. اعلم أنّ التنبيه الثالث يقع في موضعين:

الموضع الأوّل

حكم الأسباب من حيث التداخل وعدمه

قد عرفت أنّ المقصود من تداخل الأسباب وعدمه، هو اقتضاء كلّ سبب وجوباً مستقلاً، وعدمه. وبعبارة أُخرى: تأثير كلّ شرط في حدوث وجوب خاص، غير تأثير الشرط الآخر فيه، ولا ملازمة بين عدم التداخل في الأسباب (وحدوث وجوبين مستقلين)، وبين عدم التداخل في المسببات، أي عدم كفاية مصداق واحد في امتثال الوجوبين، بل ربّما يمكن القول بعدم التداخل في الأسباب، ومع ذلك يكتفى في امتثال السببين، بالإتيان بمصداق واحد، فلو مسّ الميت أو أجنب، يكفي الاغتسال الواحد لامتثال وجوبين. نعم القول بعدم التداخل في المسببات فرع القول بعدم التداخل في الأسباب، أي فرع القول بتعدّد الوجوب.

إذا عرفت ذلك فلنذكر دليل القائل بعدم التداخل:

إطلاق الشرط يقتضي عدم التداخل

استدلّ القائل بعدم التداخل في الأسباب،( اقتضاء كلّ شرط وجوباً مستقلاً) بظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء (الوجوب) عند حدوث الشرط، سواء أقلنا إنّه هو السبب أو كاشف عن السبب الواقعي ولازم ذلك تعدّد


(390)

الوجوبين.

وبعبارة أُخرى: انّ ظاهر كلّ قضية شرطية أنّه علّة تامة لحدوث الجزاء، سواء أوجد الشرط الآخر أم لا، وعلى فرض الوجود، سواء وجد معه أو قبله، أو بعده.

هذا هو دليل القائل بعدم التداخل فيها.

دليل القائل بالتداخل إطلاق الجزاء

فإذا كان ظهور كلّ من الشرطين في كلّ من القضيتين في الحدوث عند الحدوث دليل القائل بعدم التداخل، فإطلاق متعلّق الوجوب وهو «الوضوء» أو «الاغتسال» دليل القائل بالتداخل، لأنّ ظاهر إطلاق الجزاء ، انّ الوضوء مثلاً هو الموضوع التام، ومن المعلوم أنّ الطبيعة الواحدة لا يمكن أن تقع متعلّقاً، لوجوبين، لاستلزامه اجتماع المثلين، وهو محال كاجتماع الضدين.

فتلخّص انّ إطلاق الشرط وتأثيره في الحدوث عند الحدوث مطلقاً، دليل القائل بعدم التداخل، كما أنّ إطلاق الجزاء وانّ الموضوع لكلا الوجوبين، هو الوضوء لا غير دليل القائل بالتداخل ولا يمكن الأخذ بكلا الظهورين ولابد من التصرف في أحدهما.

تخلّص القائل بالتداخل عن الإشكال

ثمّ إنّ القائل بالتداخل يتصرف في ظهور الشرط في الحدوث عند الحدوث، بأحد الوجهين:

1. منع دلالة القضية الشرطية على الحدوث عند الحدوث، بل على الثبوت


(391)

عند الحدوث، أي ثبوت الوجوب، أعمّ من كونه نفس الوجوب السابق أو الوجوب الجديد.

وهذا تصرف في ناحية الشرط، ومنع دلالته على الحدوث عند الحدوث.

2. أو الالتزام بحدوث الأثر عند وجود كلّ شرط إلاّ أنّ الأثر وجوب الوضوء في المثال عند الشرط الأوّل، وتأكّده عند الآخر.

وهذا تصرف في ناحية الجزاء وانّ الهيئة الجزائية لا تدلّ على الوجوب التأسيسي، بل إذا سبقه شرط آخر، يدل على الوجوب التأكيدي.(1)

هذان الوجهان ممّا اعتمد عليه القائل بالتداخل وتخلّص عن التعارض اللازم من الأخذ بالإطلاقين، وإليك ما تخلّص به القائل بعدم التداخل في الأسباب.

تخلّص القائل بعدم التداخل عن الإشكال

وقد تخلّص القائل بعدم التداخل بوجهين آخرين:

1. الالتزام بأنّ متعلّق الجزاء وإن كان واحداً صورة، إلاّ أنّه حقائق متعدّدة حسب تعدّد الشرط، كصلاة الفجر ونافلته فهما واحدتان صورة ومختلفتان حقيقة. وعلى ضوء ذلك نقول الوضوء لأجل النوم غير الوضوء لأجل البول.(2) وهذا تصرّف في الجزاء.


1 . هذا الوجه هو الذي ذكره المحقّق الخراساني بعنوان ثالث الوجوه، وكان الأولى أن يذكره بعد الأول ـ كما فعلناه ـ و أمّا ما ذكره بصورة الوجه الثاني، فهو دليل القائل بعدم التداخل، لا التداخل فقد أدخل في ضمن بيان دليل القائل بالتداخل، دليل القائل بعدمه.
2 . وما في الكفاية في ذيل هذا الاحتمال من إمكان الاجتزاء بمصداق واحد ممّا لا حاجة إليه في المقام وإنّما يناسب مسألة تداخل المسببات مع أنّ الكلام في تداخل الأسباب.


(392)

2. ما أشار إليه في ضمن النقض والإبرام وقال: «قلت نعم إذا لم يكن المراد بالجملة فيما إذا تعدد الشرط كمافي المثال هو وجوب الوضوء مثلاً لكلّ شرط غير ما وجب بالآخر».

وحاصله: انّه يقيّد إطلاق الجزاء بقوله:«مرة أُخرى» وكأنّه يقول: «إذا نِمت فتوضّأ» وإذا بُلت فتوضّأ مرّة أُخرى، ويكون الموضوع للوجوب الأوّل هو الطبيعة وللوجوب الثاني، هو الفرد الثاني، ويرتفع محذور اجتماع المثلين، وهذا أيضاً تصرّف في الجزاء.

فظهر من ذلك، انّ كلاً من القائل بالتداخل وعدمه قد لمس الإشكال وصار بصدد دفعه، إمّا بالتصرف في جانب الشرط كما في الوجه الأوّل، أو في جانب الجزاء هيئة أو مادة كما في الوجوه الثلاثة المتأخّرة، إنّما الكلام في ترجيح أحد التأويلين بكلا شقيه على التأويل الآخر كذلك، فنقول:

ترجيح ظهور القضية الشرطية على إطلاق الجزاء

ثمّ إنّ القائلين بعدم التداخل في الأسباب، ذكروا لترجيح ظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث، الذي هو الأساس لعدم التداخل وجوهاً نذكرها تباعاً.

الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراساني تبعاً للشيخ الأعظم وقال: «لا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء، وظهور الإطلاق ، ضرورة انّ ظهور الإطلاق، يكون معلّقاً على عدم البيان، وظهورها (القضية الشرطية) صالح لأن يكون بياناً فلا ظهور للجزاء مع ظهورها فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلاً، بخلاف القول بالتداخل.(1)


1 . كفاية الأُصول:1/318.


(393)

توضيحه: انّ دلالة القضية الشرطية على الحدوث عند الحدوث بالدلالة اللفظية الوضعية ودلالتها عليه، لا يتوقف على شيء آخر غير نفسها، بخلاف دلالة الجزاء (فتوضأ) على وحدة متعلّق الوجوبين فانّه بالإطلاق وسكوت المتكلّم عن القيد مع كونه في مقام البيان، فدلالته على وحدة الجزاء متعلّق على عدم البيان الدالّ على القيد، وظهور القضية الشرطية، في الحدوث عند الحدوث كاف، لأن يكون بياناً وانّ متعلّق الوجوب في كلّ من القضيتين شيء غير الآخر، وانّ المحكوم في كلّ فرد غير الآخر، فعندئذ لا ينعقد الإطلاق في جانب الجزاء لوجود البيان فلا يُعدّ تقديم ظهور الشرط على الجزاء تصرّفاً فيه، لعدم انعقاد الإطلاق.

يلاحظ عليه: أنّ دلالة القضية الشرطية على الحدوث عند الحدوث وإن كانت لفظية لكن دلالتها على أنّ الشرط في عامة الأحوال كذلك، سواء سبقه الشرط الآخر أم قارنه أو تأخّر عنه، إنّما هو بالإطلاق وسكوت المتكلّم مع كونه في مقام البيان، فالمقام من قبيل تعارض الإطلاقين، لا من قبيل تعارض الدلالة اللفظية مع الدلالة الإطلاقية، فكما أنّ إطلاق الشرط يصلح لأن يكون قرينة على تقييد متعلّق الجزاء، أي الوجوب، وانّ المحكوم بالوجوب في الشرط الثاني غير الأوّل، كذلك إطلاق الجزاء يصلح لأن يكون قرينة على أنّ الحدوث عند الحدوث فيما إذا تفرّد الشرط، لا ما إذا سبقه الآخر أو قارنه، فعندئذ يكون الوجوب مؤكّداً لا مؤسّساً لحكم جديد.

وبعبارة أُخرى: انّ دلالة القضية الشرطيّة على أنّ كلّ سبب تامّ للجزاء وتعلّق الوجوب، وإن كان بالوضع، لكن كونه كذلك في عامة الحالات سواء كان قبله أو معه شيء أو لا، إنّما هو بالإطلاق ببيان انّه لو كان المؤثر هو الشرط، بشرط أن لا يسبقه شيء أو يقارنه شيء، لكان عليه البيان ورفع الجهل، وحيث لم يبين


(394)

يؤخذ بالإطلاق ويقال: الشرط مؤثر في عامة الأحوال.

وهذا النوع من الإطلاق موجود في جانب الجزاء ببيان انّ الموضوع هو الطبيعة، فلو كان الموضوع الطبيعة الموجودة في ضمن فرد آخر، لكان عليه البيان وحيث لم يبين نستكشف انّ الموضوع هو الطبيعة، ويستحيل تعلّق إرادتين مستقلتين بها.

فكما أنّ إطلاق القضية الشرطية صالح للتصرّف في جانب الجزاء بإضافة قيد عليه مثل «فرد آخر» عليه، فهكذا إطلاق الجزاء صالح للتصرّف في جانب القضية الشرطية بأحد الوجهين الماضيين: الثبوت عند الحدوث، أو الوجوب المؤكّد.

الثاني ما أفاده المحقّق الاصفهاني: انّ نسبة الصدر إلى الذيل نسبة ذات الاقتضاء إلى فاقد الاقتضاء حيث إنّ متعلّق الجزاء نفس الماهية المهملة، والوحدة والتعدّد، خارجان عنها، بخلاف أداة الشرط فانّها ظاهرة في السببية المطلقة ولا تعارض بين المقتضي والاقتضاء.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من خروج الوحدة و التعدّد من مدلول الجزاء و إن كان صحيحاً لكن دلالة القضية الشرطية على السببية المطلقة ليس إلاّ كونه سبباً لحدوث الجزاء عند حدوث الشرط وهذا المقدار من الدلالة لا يكفي، لأنّ كونه سبباً مطلقاً في جميع الأحوال ليس مدلول الدلالة اللفظية، بل مدلول الدلالة الإطلاقية حيث إنّ المتكلّم لم يخص السببية بحال دون حال وعند ذاك تصبح السببية في عامة الأحوال مدلول الإطلاق، فكيف يقدّم على إطلاق الجزاء؟

الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني وحاصله:


1 . نهاية الدراية:326.


(395)

«إنّ ظهور القضية الشرطية في كونها انحلالية أظهر من اتحاد الجزاء في القضيتين، وذلك لأنّه لا شبهة في أنّ القضية الشرطية، كالقضية الحقيقية، فكما أنّ قوله: «المستطيع يحجّ» عامّ لمن استطاع في كلّ وقت، فكذلك قوله: «إذا استطعت فحجّ» عام لمن استطاع في وقت ولازم الانحلال ان يترتّب على كلّ شرط جزاء غير ما رتب على الآخر، فيكون هذا قرينة للجزاء ويصير بمنزلة أن يقال: إذا بُلت فتوضأ وإذا نِمْت ثانياً فتوضأ وضوءاً آخر.(1)

وقد وصفه تلميذه في محاضراته بأنّه في غاية الصحة والجودة وانّه يتمّ ببيان أمرين:

أوّلهما: انّ القضية الشرطية ظاهرة في الانحلال وتعدد الطلب، لأنّها ترجع إلى القضية الحقيقية، ولا إشكال انّ الحكم في القضية الحقيقية ينحلّ بانحلال موضوعه إلى أحكام متعددة.

ثانيهما: انّ مقتضى تعدّد القضية الشرطية في نفسها، تعدّد الطلب أيضاً، فإذا فرض تعلّق طلبين بماهية واحدة كان مقتضى كلّ، إيجادَ تلك الماهية، فيكون المطلوب في الحقيقة هو إيجادها مرّتين فإذا فرض ظهور القضية الشرطية في الانحلالية وتعدّد الطلب، كان ظهور القضية في تعدّد الحكم لكونه لفظياً مقدماً على ظهور الجزاء في وحدة الطلب لو سلمنا ظهوره فيها، و يكون مقتضى القاعدة عدم التداخل.(2)

يلاحظ عليه: بأنّه لو أُريد من الانحلال، انحلالُ قضيّة واحدة إلى قضايا كثيرة حسب عدد الموضوعات، على نحو، لو افترضنا انّ عبر القرون ملايين من


1 . فوائد الأُصول:1/494.
2 . المحاضرات:5/118.


(396)

المسلمين لهم القدرة والاستطاعة لحجِّ البيت لتعلّق بكلّ إرادة وإنشاء وحكم مستقل، وبالتحليل، فلو أُريد من الانحلال هذا، فنحن نمنعه لشهادة الوجدان على أنّ المولى إذا أنشأ إلزاميّاً على عبيده، أو على من تحت يده فليس هنا إلاّ إرادة واحدة متعلّقة بالعنوان الكلي يتلقّاه كلّ منهم حجّة على نفسه دون أن يكون هنا انشاءات وإرادات.

وإن أُريد من الانحلال كون الحكم المتعلّق بالعنوان حجّة على كلّ منهم، أو حجّة على ثبوت الحكم، للموضوع كالقوم مهما وجد، فهو صحيح، لكن دلالته على ثبوت الحكم له، في عامة الأحوال، متقدماً، أو متأخراً أو لاحقاً إنّما هو بالإطلاق وسكوت المولى عن القيد، فعندئذ يكون ذلك الإطلاق نظير الإطلاق الموجود في الذيل.

الرابع: ما اعتمد عليه السيد الأُستاذ

إنّ العلل الشرعية في نظر العرف كالعلل التكوينية، فكما أنّ كلّ علّة تكوينية تُؤثّر في معلول مستقل، دون المعلول المشترك بينها و بين غيرها، فهكذا العلل الشرعية يؤثر كلّ منها في معلول خاص.

مثلاً انّ كلاً من النار والشمس، تُولّد حرارة خاصة، لا حرارة مشتركة، سواء أكانت النار متقدّمة على الشمس، أو متأخّرة وهذا هو المرتكز في أذهان العرف، فإذا سمع العرف الذي ارتكز في ذهنه ما لمسه وشاهده في العلل التكوينية، قوله:إذا بُلْت فتوضأ، وإذا نمت فتوضأ، ينتقل ـ حسب الارتكاز السابق ـ انّ لكلّ من البول والنوم معلولاً مستقلاً، و انّ وجوب الوضوء الناشئ من البول، غير الوجوب الناشئ من النوم، و ظهور الصدر في هذا المعنى ليس


(397)

مستنداً إلى الإطلاق، بل إلى الارتكاز الحاصل من ممارسة الأُمور التكوينية، ويكون ظهوره أقوى من ظهور الجزاء في الإطلاق، بل يصير مثل ذاك سبباً للتصرف في ذيل الجزاء على نحو يلتحم مع تعدّد الوجوب.

نعم قد مرّ منّا انّ قياس التشريع بالتكوين، أو الاعتبار بالحقيقة ممنوع وانّ هذا سبب لأكثر المغالطات، ولكن ما ذكرناه لا ينافي ذلك، لأنّ كلامنا في المقام في فهم العرف، الذي لا يدرك هذه الأُمور الدقيقة، فارتكازه في الأُمور التكوينية وتلقّيه العلل الشرعية أسباباً و عللاً للأحكام كالتكوين، يصير سبباً لانعقاد ظهور أقوى في جانب القضية الشرطية على نحو يقدم على ظهور الجزاء في الوحدة.(1)

ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع قول المحقّق الإصفهاني في بيان وجه عدم التداخل«انّ العرف إذا أُلقي إليه القضيتان، فكأنّه يرى مقام الإثبات مقروناً بمقام الثبوت ويحكم بمقتضى تعدّد السبب بتعدّد الجزاء من غير التفات إلى أنّ مقتضى إطلاق المتعلّق خلافه، وهذا المقدار من الظهور كاف في المقام».(2)

ترجيح إطلاق الجزاء على الشرط

ثمّ إنّ السيد المحقّق البروجردي ذهب إلى ترجيح ظهور الجزاء في الوحدة على ظهور الشرط في تعدّد الوجوب قائلاً: إذا قال المولى: إذا بلت فتوضأ، وقال: إذا نمت فتوضأ، فإمّا أن يكون متعلّق الوجوب نفس الحيثية المطلقة، أعني: طبيعة الوضوء، أو شيء وراء ذلك. فعلى الأوّل لا يصحّ تعلّق وجوبين على أمر واحد،


1 . تهذيب الأُصول:1/444.
2 . نهاية الدراية:326.


(398)

وعلى الثاني فلابدّ أن يقال: إذا نمت فتوضّأ وإذا بلت فتوضأ وضوءاً آخر، وهذا لا يصحّ من وجهين:

1. ربما يكون البول متقدّماً، فعندئذ لا يصحّ أن يقال: إذا بلت فتوضأ وضوءاً آخر.

2. انّ هذا النوع من التقييد إنّما يصحّ إذا كان أحد الخطابين ناظراً إلى الآخر، لا فيما إذا لم يكن كذلك كما في المقام.(1)

يلاحظ على الأوّل: أنّ القيد لا ينحصر بلفظة «آخر» بل يمكن أن يُقيّد الطبيعة بقيد آخر، كأن يقال: إذا بلت فتوضّأ لأجل البول، وإذا نمت فتوضّأ وضوءاً لأجل النوم.

يلاحظ على الثاني: بانّ المتفرقات في كلام إمام واحد بل الأئمة كحكم كلام واحد.

فتلخّص من هذا البحث الضافي، تقدّم ظهور القضية الشرطية الدالة على تعدّد الوجوب على ظهور الجزاء في وحدة المتعلّق، وتكون النتيجة هو عدم تداخل الأسباب وانّ لكلّ سبب تأثيراً.

بقيت هنا أُمور:

الأوّل: التفصيل بين كون الأسباب معرفات أو مؤثّرات

قد بنى فخر المحقّقين المسألة على أنّ الأسباب الشرعية هل هي معرفات وكواشف، أو مؤثرات؟ وعلى الأوّل الأصل التداخل بخلافه على الثاني، وحكاه الشيخ الأنصاريّ عن المحقّق النراقي في عوائده.(2)


1 . نهاية الأُصول:278ـ 279; لمحات الأُصول:293.
2 . مطارح الأنظار: 180.


(399)

قال العلاّمة في القواعد: لا تداخل في السهو وإن اتّفق السبب، على رأي.

وقال فخر المحقّقين في شرحه: ذهب الشيخ في «المبسوط» إلى التداخل مطلقاً... وذهب ابن إدريس إلى التداخل في المتّفق لا المختلف، والتحقيق انّ هذا الخلاف يرجع إلى أنّ الأسباب الشرعية، هل هي مؤثرات أو علامات.(1)

وقال أيضاً في باب غسل الجنابة والأسباب الشرعية علامات فلا يستحيل تعدّدها.(2)

إنّ الفرق بين تداخل الأسباب وتداخل المسببات غير منقّح في كلمات القدماء، بل عند بعض المتأخّرين كالمحقّق الخراساني فقد خلط بينهما في الكفاية. وأوّل من نقّحه ببيان رائق هو الشيخ الأنصاري(3)والظاهر انّ كلام الفخر ناظر إلى التداخل في الأسباب وهذا هو الذي استظهره الشيخ أيضاً حيث قال: «ولا ينافي ذلك استدلالهم بأنّ العلل الشرعية معرفات فلا يمتنع اجتماعها في شيء واحد» الظاهر في دعوى تداخل الأسباب.(4)

وحاصل كلام فخر المحقّقين انّه لو كان كلّ من البول والنوم موضوعاً للحكم، وعلّة وسبباً له فيطلب كلّ، حكماً و معلولاً ـ وجوباً ـ غير ما يطلبه الآخر، لامتناع توارد العلّتين المستقلّتين على معلول واحد.

وأمّا لو كان كلّ منها معرفاً لما هو الموضوع واقعاً، فلا مانع من تعدد المعرّف لموضوع واحد، وذلك كمبطلات الوضوء فانّ الظاهر انّ الجميع حتى الريح كاشفة عن ظلمة نفسية يُذهبها الوضوء.


1 . إيضاح الفوائد:1/245.
2 . إيضاح الفوائد:1/48.
3 . لاحظ المطارح: 180، في أوائل الهداية.
4 . مطارح الأنظار:180.


(400)

يلاحظ عليه أوّلاً: بعدم الملازمة بين كون الأسباب الشرعية معرّفات و بين كونها معرّفات لشيء واحد، إذ من المحتمل أن يكون كلّ كاشفاً عن سبب مستقل، فيكون حكم المعرِّف، حكم كونه موضوعاً وسبباً.

وثانياً: أنّ تعدد الأسباب الشرعية كما أفاده المحقّق الخراساني، ليس إلاّ كالأسباب العرفية في كونها معرفات تارة، ومؤثرات أُخرى.

أمّا السبب الشرعي فتارة يكون علّة للحكم الشرعي ودخيلاً في ترتّب الحكم الشرعي، كما في قوله: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً)(1) ، وقوله: إذا شككت فابن على الأكثر; وأُخرى كاشفاً عن السبب، كعبور الحمرة إلى جانب المغرب، الكاشف عن استتار القرص كاملاً.

ومثلها، الأسباب العرفية فهي أيضاً على قسمين فتارة تكون علّة ـ كما في قولك: إذا طلعت الشمس كان النهار موجوداً ـ وأُخرى يكون أمارة على حدوث الموضوع وكاشفاً كما إذا قلنا: إذا كان النهار موجوداً كانت الشمس طالعة.

فليست الأسباب الشرعية، معرفات مطلقاً، ولا الأسباب العرفية عللاً مطلقاً بل ينقسمان إلى قسمين.(2)

الثاني: التفصيل بين وحدة الأسباب جنساً وعدمها

وهناك تفصيل آخر لابن إدريس وهو التفصيل بين ما كان السبب من جنس واحد كتكرر وطء الحائض، أو من أجناس متعددة كزيادة العمل والذكر في الصلاة، فاختار في الأوّل التداخل دون الثاني.


1 . الإسراء:78.
2 . لاحظ الكفاية:1/318ـ 319.


(401)

وقد ذكر ذلك التفصيل في ضمن مسألة «ومن سها فلم يدر أربعاً صلّى أم خمساً وتساوت ظنونه في ذلك فعليه سجدتا السهو» وقال ما هذا لفظه:

فإن سها المصلّي في صلاته بما يوجب سجدتي السهو مرّات كثيرة، في صلاة واحدة، أيجب عليه بكلّ مرّة سجدتا السهو، أو سجدتا السهو عن الجميع؟

قلنا: إن كانت المرّات من جنس واحد، فمرّة واحدة تجب سجدتا السهو، مثلاً تكلّم ساهياً في الركعة الأُولى، وكذلك في باقي الركعات، فانّه لا يجب عليه تكرار السجدات، بل يجب عليه سجدتا السهو فحسب; لأنّه لا دليل عليه، وقولهم ـ عليهم السَّلام ـ : من تكلّم في صلاته ساهياً يجب عليه سجدتا السهو(1)، وما قالوا دفعة واحدة أو دفعات.

فأمّا إذا اختلف الجنس، فالأولى عندي بل الواجب، الإتيان عن كلّ جنس بسجدتي السهو; لأنّه لا دليل على تداخل الأجناس، بل الواجب إعطاء كلّ جنس ما تناوله اللفظ; لأنّ هذا قد تكلّم مثلاً، وقام في حال قعود، وأخلّ بإحدى السجدتين، وشكّ بين الأربع والخمس، وأخلّ بالتشهد الأوّل، ولم يذكره إلاّ بعد الركوع في الثالثة، وقالوا ـ عليهم السَّلام ـ : من فعل كذا، يجب عليه سجدتا السهو، ومن فعل كذا في صلاته ساهياً يجب عليه سجدتا السهو، وهذا قد فعل الفعلين فيجب عليه امتثال الأمر، ولا دليل على تداخلهما، لأنّ الفرضين لا يتداخلان بلا خلاف من محقّق.(2)

وحاصل كلامه: أنّه إذا كانت الأسباب الشرعية من نوع واحد يمكن التمسّك بإطلاق الجزاء وهو وجوب سجدتا السهو من دون تقييد بالمرّات، و أمّا


1 . الوسائل ج5، الباب4 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.
2 .