welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : أُصول الحديث وأحكامه في علم الدّراية*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

أُصول الحديث وأحكامه في علم الدّراية

صفحه 1
أُصول الحديث وأحكامه
في علم الدّراية

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب   أُصول الحديث وأحكامه
الموضوع:   علم الدّراية
المؤلّف:   جعفر السبحاني
الطبعة الثانية:   عام 1414 هـ
المطبوع:   3000 نسخة
المطبعة:   اعتماد ـ قم
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج الفنّي:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء

صفحه 3
أُصول الحديث وأحكامه
في علم الدّراية
تأليف
الأُستاذ جعفر السّبحاني

صفحه 4

صفحه 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي تواترت نعماؤه وتسلسلت واستفاضت آلاؤه، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين،وخاتم النبيين محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة موصولة لامقطوعة إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فلمّا كان علم الحديث من أشرف العلوم وأوثقها وأكثرها نفعاً، لاتّصاله باللّه ورسله وخلفائه، عكف المسلمون ـ و في طليعتهم الشيعة الإمامية ـ على تدوينه وترصيفه و من ثمّ نقله إلى الأجيال، وبذلك أرسوا قواعد الشريعة، و أضفوا عليها سمة الخلودِ والدوام.
فقاموا بتدوين علوم الحديث خدمة للسنّة، فألَّفوا ـ أوّلاً ـ كتباً حول غريبه ومعضلاته، وبيّنوا مشاكله وغرائبه.
كما ألَّفوا ـ ثانياً ـ كتباً ورسائل في علم رجال الحديث، الكافل لتمييز الثقة من غيره، ومقبول الرواية من مردودها.
ثم عزّزوه بعلم ثالث، باسم: علم الدراية ،الذي يبحث عن العوارض الطارئة على الحديث من ناحية السند والمتن وكيفيّة تحمّله وآداب نقله.
إلى غير ذلك من العلوم التي قاموا بتدوينها خدمةً للسنّة النبويّة

صفحه 6
وأحاديث العترة الطاهرة.
وقد قمنا بتأليف كتاب حول الرجال باسم «كلّيات في علم الرجال» حافلاً ببيان قواعده الكلّية التي لاغنى للمستنبط عن التعرّف عليها، وقد تجاوب ـ بحمد اللّهـ وذوق أهل العصر ومشاعرهم، فصار محور الدراسة في الحوزة العلميّة.
وقد طلب منّي غير واحد من الفضلاء أن أردفه بكتاب ثان في علم الدراية، فنزلت عند رغبتهم، فوضعت هذا الكتاب على ضوء كتاب «البداية» للشهيد الثاني ـبعد ما ألقيت محاضرات على أساسه ـ واقتفيت أثره في أكثر المباحث، مكتفياً بالمهمّات من المسائل، ضارباً الصفح عن غيرها، محرّراً بعبارات واضحة، بعيداً عن الإيجاز والإطناب، وعن التعقيد والإغلاق، وسمّيته «أُصول الحديث وأحكامه» عسى أن يجعله سبحانه ذخراً ليوم المعاد، يوم تلتفّ الساق بالساق.
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
جعفر السبحاني

صفحه 7

مقدمة

في بيان أُمور:
1. أوّل من ألّف في علم الدراية
2. تعريف علم الدراية
3. ماهو موضوعه ومسائله وغايته؟
4. في تبيين بعض المصطلحات الرائجة:
السند، المتن، السنّة، الحديث، الخبر، الأثر، والحديث القدسي.

صفحه 8

صفحه 9

مقدمة

إنّ كتابنا هذا يشتمل على مقدمة وفصول.
أمّا المقدمة ففي بيان اُمور:

الأوّل: أوّل من ألَّف في علم الدراية:

1ـ إنّ أوّل من ألَّف من أصحابنا في علم الدرايـة ـ كما هو المشهور ـ هو جمال الدين أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس المتوفّى عام 673هـ، وهو والد عبد الكر يم بن أحمد بن موسى ابن طاووس، المتوفّى عام 693هـ، واُستاذ العلاّمة الحلّي (ت726هـ )، وابن داود الحلّي (ت707هـ ) وهو واضع للاصطلاح الجديد للإماميّة في تقسم الأحاديث ـ كما سيوافيك بيانه ، فالرجل من محقّقي علم الرجال والدراية، حتّى أنّ كتابه «حل الإشكال» مصدر لما جاء به العلاّمة الحلّي في خلاصته، وابن داود في رجاله، وصاحب المعالم في التحرير الطاووسي، وله كتب اُخرى تناهز الاثنين والثمانين مجلّـداً.(1)

1 . راجع في ترجمته: الطهراني: الأنوار الساطعة في المائة السابعة، ص 13 و14.

صفحه 10
نعم السيد ابن طاووس هو أوّل من ألَّف حسب ما عثرنا عليه ويمكن أن قد سبقه أعلام آخرون لم نقف عليهم.
نعم ذكر السيد الصدر: إنّ أوّل من ألَّف في دراية الحديث من الشيعة هو أبو عبد اللّه الحاكم النيسابوري الإمامي الشيعي، قال في كشف الظنون في باب حرف الميم ما نصّه:
«معرفة علوم الحديث أوّل من تصدى له الحاكم أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الحافظ النيسابوري المتوفّى سنة 405هـ، وهو في خمسة أجزاء ومشتمل على خمسين نوعاً، وتبعه في ذلك ابن الصلاح، فذكر من أنواع الحديث خمسة وستّين نوعاً».(1)
أقول: لو كان الملاك في القضاء على كون الحاكم النيسابوري شيعيّاً،إماميّاً، هو كتابه المستدرك ـ الذي استدرك فيه أحاديث كثيرة فات ذكرها البخاري ومسلم مع وجود شروطهما فيها ـ فالحاكم شيعيّ بالمعنى الأعم، أي بمعنى أنّه مبغض لخصوم عليّ، ومحبّ لأهل بيته، حتى أنّه ألَّف كتاب «فضائل فاطمة الزهراء»(عليها السلام)و استدرك على الشيخين أحاديث كثيرة تعد من اُصول فضائل الإمام كحديث الغدير وحديث الطير المشويّ، ولا يظهر من ثنايا الكتاب تقديم عليّ (عليه السلام)على الخلفاء في الخلافة والولاية، وأنّه كان منصوصاً عليه من قبل النبي لقيادة الاُمّة بعده، وعلى ذلك فهو شيعيّ بمعنى أنّه محبّ لعلي ومبغض لأعدائه، لا أنّه شيعي بمعنى

1 . السيّد حسن الصدر:تأسيس الشيعة، ص294. و توجد منه نسخة في مكتبة اياصوفيا في استنبول برقم 4044 (لاحظ ريحانة الأدب لشيخنا المدرّس:5/ 278)، قد طبع أيضاً عام 1937م في القاهرة بتقديم الدكتور السيّد معظم حسين (راجع علم الحديث، ص100، كما في دراية الحديث للأُستاذ كاظممديرشانهچي، ص18).

صفحه 11
تقديمه على غيره في الخلافة والولاية، والاقتفاء في الاُُصول والفروع بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام).
ولو كان الملاك في القضاء على الحاكم في ذلك المجال ما ذكره أصحاب المعاجم في حقّه،فلا شكّ أنّه مرمي بالتشيّع، ومتّهم به عند بعضهم، فقد نقل الذهبي في «تذكرة الحفاظ» عن ابن طاهر أنّه قال: كان الحاكم يظهر التسنّن في التقديم والخلافة.(1)
وقد عدّ الشيخ الحرّ العاملي، كتاب تاريخ نيسابور من كتب الشيعة في آخر الوسائل وقال: إنَّه من تأليف الحاكم(2)، كما عدّه ابن شهر آشوب في معالم العلماء من مؤلّفي الشيعة وذكر له كتاب الأمالي وكتاب مناقب الرضا (عليه السلام)(3)، وعقد صاحب الرياض له ترجمة في القسم المختص بعلماء الشيعة(4).
ولأجل عدم وضوح الحال لايصحّ لنا عدّه ممّن ألَّف من الشيعة في هذا المضمار فضلاً عن كونه أوّل المؤلِّفين فيه، فالقدر المتيقّن أنّ أوَّل من ألَّف هو أحمد بن طاووس الحلّي، وإليك ما أُلّف بعده إلى القرن الحادي عشر.
2ـ علي بن عبد الحميد الحسيني الذي يروي عنه الشهيد الأوّل(ت 786هـ) وأبو العباس أحمد بن فهد (757 ـ 841هـ)، صاحب عدّة الداعي، فله كتاب شرح اُصول دراية الحديث نسبه إليه السيد الصدر في

1 . الذهبي: تذكرة الحفاظ:2/1045 برقم 961.
2 . الحر العاملي: وسائل الشيعة:20/48، ولم ينسبه إلى الحاكم بل ذكر اسم الكتاب مصدراً لكتابه، وانّه من الكتب الّتي روى عنها مع الواسطة.
3 . ابن شهر آشوب: معالم العلماء: ص133 برقم 903.
4 . عبد اللّه الأفندي: رياض العلماء: 5/477 ويصرّح بأنّ ما عنونه ابن شهر آشوب، هو هذا.

صفحه 12
تأسيس الشيعة(1).
3ـ الشيخ الشهيد زين الدين العاملي (911 ـ 966هـ) وهو ـ قدس اللّه سره ـ قد بذل جهده في ذلك العلم وألّف كتباً ثلاثة:

أ ـ البداية في علم الدراية.

ب ـ شرح البداية، وقد فرغ منه عام 959هـ وقد طبع هذا الكتاب تكراراً، وطبع أخيراً باسم «الرعاية في علم الدراية» محققة(2)، وأضفى محقّق الكتاب عليه ثوباً جديداً وعلّق عليه تعليقات نافعة رفعته وجعلته في مستوى عـال ـ شكر اللّه مساعيه ـ.
ج ـ غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين، ألمح إليه في خاتمة شرح البداية، وقال: ومن أراد الاستقصاء فيها مع ذكر الأمثلة الموضحة لمطالبه فعليه بكتابنا «غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين» فإنّه قد بلغ في ذلك الغاية.(3)
4ـ الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (918 - 984هـ)، فله «وصول الأخيار إلى اُصول الأخبار» الذي طبع مرّتين و المرّة الثانية طبع محقّقاً.
5ـ الشيخ حسن بن زين الدين (ت1010هـ) المعروف بصاحب المعالم، فله أشواط في علمي الرجال والدراية، فألَّف «التحرير الطاووسي»

1 . تأسيس الشيعة،ص295.
2 . أثبت محقّق الكتاب ومصحّحه انّه الاسم الواقعي للكتاب، لاحظ ص168 ـ لذلك آثرناه عند التسمية.
3 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص404.

صفحه 13
و«منتقى الجمان» وفي كلا الكتابين من أُصول علم الدراية شيء كثير.
6ـ بهاء الدين العاملي (953 ـ 1030هـ) فله «الوجيزة» في علم الدراية، وهوالمتن الذي كان محور الدراسة طيلة أعوام، وقد شرحه السيد حسن الصدر وأسماه بنهاية الدراية، وهو مطبوع،و له أكثر من خمسة شروح كمانعرف، ولشيخنا بهاء الدين العاملي كتابا «الحبل المتين ومشرق الشمسين» وقد أدرج فيهما بعض ما يمت إلى علم الدراية بصلة.
7ـ السيد المحقق المعروف بـ«ميرداماد» (ت1041هـ) فقد أودع في كتابه «الرواشح السماوية» كثيراً من مسائل علم الدراية وأورد في مقدمته مصطلحات ذلك العلم.
هذه هي الكتب المؤلّفة إلى نهاية القرن العاشر أو بقليل بعده، ثم توالى التأليف بعد هؤلاء بين أصحابنا الإماميّة، فألّفوا كتباً ورسائل بين مختصر، ومتوسط، ومبسوط، ذكر أسماءها شيخنا المجيز الطهراني في ذريعته، وقد طبع قليل منها(1).
هذا وقد قام لفيف من المحقّقين بتأليف كتب قيّمة في العصر الحاضر، فيها بُغية الطالب وضالّة المحدّث، ونشير إلى كتابين قيّمين منها:
1ـ نهاية الدراية في شرح الوجيزة، لبهاء الدين العاملي، تأليف السيد حسن الصدر، (272 1ـ 1354هـ) فرغ منه عام 1314هـ، وطبع في الهند أوّلاً عام1324هـ هذا ما ذكره شيخنا في الذريعة وطبع أخيراً في إيران طبعة محققة.

1 . الطهراني: الذريعة:8/54 و 55.

صفحه 14
2ـ مقباس الهداية في علم الدراية، للعلاّمة الشيخ عبد اللّه المامقاني (1290ـ1351هـ) مؤلّف تنقيح المقال في علم الرجال. طبع في النجف عام1345هـ.
ثم طبع فى آخر المجلدالثالث من كتاب الرجال مع إضافات وزيادات منالمصنّف طاب ثراه.

الثاني: تعريف علم الدراية:

الدراية في اللغة بمعنى العلم والاطّلاع، ولعلَّها أخصّ من مطلق العلم، وهي عبارة عن العلم بدقّة وإمعان، قال سبحانه:( وَمَاتَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غداً وما تَدْري نَفْسٌ بِأَىِّ أرض تَمُوتُ إنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان/34)، وقال سبحانه: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإيمَان..)(الشورى/52).
وفي الإصطلاح عبارة عن العلم الذي يبحث فيه عن متن الحديث وسنده وطرقه، من صحيحها وسقيمها وعليلها، وما يحتاج إليه ليعرف المقبول منه من المردود.(1)
وعرّفه شيخنا بهاء الدين العاملي في وجيزته «بأنّه: علم يبحث فيه عن سند الحديث ومتنه وكيفيّة تحمّله وآداب نقله» (2).
وثاني التعريفين أولى من أوّلهما، لاشتماله على كيفيّة التحمّل وآداب نقل الحديث، وهما من مسائل هذا العلم أو من توابعه.
ولك أن تعرّفه بالنحو الثاني: «هو العلم الباحث عن الحالات العارضة

1 . الشهيد الثاني: شرح البداية، ص45، وقد سبق منّا أنّها طبعت باسم الرعاية في علم الدراية.
2 . بهاء الدين العاملي: الوجيزة: ص1.

صفحه 15
على الحديث من جانب السند أو المتن».
والمراد من السند، طريق الحديث جملة واحدة لا آحاد رواة الحديث على وجه التفصيل، وإنّما يبحث عن الأحوال العارضة على الآحاد في علم الرجال، وأمّا في علم الدراية فإنّما يبحث عن الأحوال العارضة على الحديث أو على السند بما أنّه طريق للحديث، والطريق هو المجموع لا كل واحد من الإفراد، ولأجل التوضيح نقول:
الأحوال العارضة على الحديث باعتبار طريقه، مثل ما يقال: إن كان رجال السند ثقات إِماميّين فالحديث صحيح، وإن كانوا ثقات غير إماميّين جميعهم أو واحداً منهم فالحديث موثّق، وإن كانوا إماميّين ممدوحين فالحديث حسن، وإلاّ فالحديث ضعيف، فهذه هي الأحوال العارضة على الحديث من جانب السندكلها يبحث عنها في علم الدراية.
ونظير ذلك الأحوال العارضة على الحديث من جانب المتن، مثل تقسيمه إلى النصّ والظاهر، أو المجمل والمبين، أو المحكم والمتشابه، أو المضطرب وغيره، فهذه المحمولات هي الأحوال العارضة للحديث من جانب المتن، وكل هذه العوارض هي من مسائل هذا العلم.
و ممّا ذكر يظهر النظر فيما ذكره شيخنا الطهراني في تعريف علم الدراية فقال:«هو العلم الباحث عن الأحوال والعوارض اللاحقة لسند الحديث أي الطريق إلى متنه، المتألّف ذلك الطريق من عدّة أشخاص مرتّبين في التناقل، يتلقّى الأوّل منهم متن الحديث عمّن يرويه له، ثمّ ينقله عنه لمن بعده حتى يصل المتن إلينا بذلك الطريق، فإنّ نفس السند المتألّف من هؤلاء المتناقلين، تعرضه حالات مختلفة مؤثّرة في اعتبار السند وعدمه، مثل كونه

صفحه 16
متّصلاً ومنقطعاً، مسنداً ومرسلاً، معنعناً، مسلسلاً، عالياً، قريباً، صحيحاً، حسناً، موثّقاً، ضعيفاً، إلى غير ذلك من العوارض التي لها مدخليّة في اعتبار السند وعدمه، فعلم دراية الحديث كافل للبحث عن تلك العوارض»(1).
ولقد أجاد فيما أفاد، لكنّه خصّ العوارض اللاحقة للحديث بجانب السند، وقد عرفت أنّها تعرض تارة من ناحيه السند، واُخرى من ناحية المتن وإن كان الغالب هو الأوّل.
وبذلك يظهر الفرق بين علمي الرجال والدراية، فإنّ علم الرجال يبحث عن آحاد رواة السند على وجه التفصيل جرحاً وتعديلاً، ووثاقةً وضعفاً، كما يبحث عن طبقة الراوي، وتمييزه عن مشتركاته في الاسم، وهذا بخلاف علم الدراية، فإنّه يبحث عن الأحوال الطارئة على الحديث باعتبار مجموع السند أو المتن.
وبعبارة اُخرى: البحث عن الأحوال الشخصيّة التي تعرض لأجزاء السند وأعضائه أي الأشخاص المرتّبين في التناقل، المعبّر عنهـم بـ : الرواة، والمزايا التي توجد في كلّ واحدمنهم من المدح والذم، وغير ذلك ممّا لها الدخل في جواز القبول عنهم وعدمه، فهو موكول إلى علم الرجال وهو فنّ آخر .
وبذلك يظهر ضعف ما ربّما يقال: من أنّ علم الرجال يبحث عن السند، والدراية عن المتن، أو غير ذلك من المميّزات، أو أنّ كليهما يبحثان عن سند الحديث لكنّ جهة البحث تختلف، فالدراية تبحث عن أحوال نفس السند، وعلم الرجال يبحث عن أحوال أجزائه، وأعضائه التي يتألّف

1 . الطهراني: الذريعة: 8/54.

صفحه 17
منها السند(1)،لاحظ وتأمّل فإنّ كلامه صحيح في غالب مسائل علم الدراية لا في جميعها كما عرفت .

الثالث: في موضوعه ومسائله وغايته:

قد ظهر من التعريف السابق أنّ موضوع هذا العلم هو سند الحديث ومتنه، وإن شئت قلت: هو الحديث باعتبار اشتماله على السند والمتن، فإنّ موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه وحالاته، والحالات الطارئة على الموضوع في هذا العلم كونه صحيحاً أو ضعيفاً، أو كونه محكماً أو متشابهاً، إلى غير ذلك من الطوارىء. نعم اتّصاف الحديث بهذه الحالات أمّا باعتبار سنده وطريقه، أو متنه ومضمونه، وقد عرفت التوضيح.
وبذلك عُلمتْ مسائله، فنفس تلك الأحوال ونظائرها من مسائله، فالكل يعرض الحديث أمّا من ناحية السند أو من ناحيه المتن.
وأمّا غايته فربّما يقال: إنّ غاية هذا العلم هي معرفة الاصطلاحات المتوقّفة عليها معرفة كلمات الأصحاب، واستنباط الأحكام، وتمييز المقبول من الأخبار ليعمل به، عن المردود ليجتنب عنه.(2)
والظاهر أنّ معرفة الإصطلاحات وكلمات الأصحاب غاية ثانويّة تترتّب على ذلك العلم، والغاية الاُولى الحقيقية هي ما جاء في آخر كلامه، وهي تمييز الروايات المعتبرة عن غيرها كما هي الغاية في علم الرجال أيضاً، غير أنّ الوصول إليها في علم الرجال يتحقّق بمعرفة آحاد رجال الحديث،

1 . الطهراني الذريعة: 8/54.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية في علم الدراية: ص4.

صفحه 18
ولكنّه في علم الدراية يتحقّق بالتعرّف على ما يطرأ على الحديث من الطوارئ من جانب السند أو المتن، فكلا العلمين يخدمان علم الحديث ليعرف الإنسان الحجة ويميّزها عن غيرها، والمقبول عن المردود.

الرابع: في معرفة بعض الاصطلاحات الرائجة:

إنّ من الاصطلاحات الرائجة في هذا الفن هو: السند،والمتن، والسنّة، والحديث، والخبر، والأثر، وما شابه ذلك فلا بأس بتوضيحها وإن كانت واضحةً إجمالاً:
1ـ السند: هو طريق المتن، والمراد هنا مجموع من رووه واحداً عن واحد حتى يصل إلى صاحبه، و هو مأخوذ من قولهم فلان سند أي يستند إليه في الاُمور، ويعتمد عليه، فَسُمّي الطريق سنداً لاعتماد المحدّثين والفقهاء في صحّة الحديث وضعفه على ذلك.
وأمّا الإسناد، فهو ذكر طريقه حتى يرتفع إلى صاحبه.
وقد يطلق «الإسناد» على «السند» ويقال إسناد هذا الحديث صحيح أو ضعيف.(1)
2ـ المتن: هو في الأصل مااكتنف الصلب ،ومتن كل شي مايتقوّم به ذلك الشيء ويتقوّى به، كما أنّ الإنسان يتقوّم بالظهر ،ويتقوّى به ، وفي الاصطلاح «لفظ الحديث الذي يتقوّم به معناه ،وهومقول النبيّ،أو الأئمّة المعصومين» (2).

1 . حسين بن عبد الصمد العاملي: وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار: ص90.
2 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص52.

صفحه 19
3 ـ السنّة: في اللغة هي الطريقة المحمودة أوالإسم منها، وفي الاصطلاح نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره، و بهذا المعنى ليس له إلاّ قسم واحد وهو الصحيح المصون عن الكذب والخطأ.
4 ـ الحديث: هو كلام يحكي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، وبهذا الاعتبار ينقسم إلى الصحيح ومقابله، وبهذا علم أنّ ما لا ينتهي إلى المعصوم ليس حديثاً، وأمّا العامّة فاكتفوا فيه بالانتهاء إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أحد الصحابة و التابعين. ولأجل التمييز بين القسمين ربّما يسمّون ما ينتهي إلى الصحابة والتابعين بالأثر.
5 ـ الخبر: وهو في اصطلاح المحدّثين يرادف الحديث، وربّما يطلق في كثير من العلوم ويراد ما يقابل الإنشاء. ثم توصيف المحدّث بالأخباري إنّما هو بالمعنى الأوّل ـ أي من يمارس الخبر والحديث ويتّخذه مهنة ـ.
وربّما يستعمل الأخباري في مقابل الاُصولي، وذلك لأنّه لا يعتمد على بعض الاُصول التي يعتمد عليها الاُصولي، وعلى ضوء ذلك فتقسيم الفقهاء إلى الأخباري والاُصولي بهذا الملاك لا بالملاك الأوّل ـ أي من يمارس الخبر والحديث ويشتغلبهـ.
ويظهر من العلاّمة(1) وجود هذا الاصطلاح (الأخباري في مقابل الاُصولي) في عصره .

1 . العلاّمة الحلّي، النهاية في الأُصول (مخطوط) نقله عنه في المعالم عند البحث عن حجّية الخبر الواحد في ضمن الدليل الثالث، و إليك نصّ عبارته: أمّا الإماميّة فالأخباريون منهم لم يعوّلوا في اُصول الدين وفروعه، إلاّ على أخبار الآحاد المرويّة عن الأئمّة (عليهم السلام)، والأُصوليون منهم كأبي جعفر الطوسي وغيره وافقوا على قبول خبر الواحد.

صفحه 20
وأمّا الأثر:فربّما يخصّص بما ورد عن غير المعصوم من الصحابي أو التابعي، وربّما يستعمل مرادفاً للحديث وهو الأكثر.
6 ـ الحديث القدسي: هو كلام اللّه المنزل ـ لا على وجه الإعجاز ـ ، الذي حكاه أحد الأنبياء أو أحد الأوصياء، مثل ما روي أنّ اللّه تعالى قال: «الصوم لي وأنا اُجزي به»، ومن الفوارق بينه وبين القرآن: أنّ القرآن هو المنزّّل للتحدّي والإعجاز بخلاف الحديث القدسي.
إذ كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يلقي أحياناً على أصحابه مواعظ يحكيها عن ربّه عزّ وجلّ ولم يكن وحياً منزلاً حتى يسمّوها بالقرآن، ولا قولاً صريحاً يسنده(صلى الله عليه وآله وسلم)إسناداً مباشراً حتى يسمّوها حديثاً، وإنّما كانت أحاديث يحرص النبيّ على تصديرها بعبارة تدلّ على نسبتها إلى اللّه لكي يشير إلى أنّ عمله الأوحد فيها، حكايتها عن اللّه باُسلوب يختلف اختلافاً ظاهراً عن اُسلوب القرآن، ولكنّ فيه ـ مع ذلك ـ نفحة من عالم القدس ونوراً من عالم الغيب، وهيبة من ذي الجلال والاكرام، تلك هي الأحاديث القدسيّة التي تسمّى أيضا:ً إلهيّة، وربّانية.
مثلاً أخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذر (رضي اللّه عنه)عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ فيما يرويه عن اللّه عزّ وجلّ ـ: «يا عبادي إنّي حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا....»(1).
إذا عرفت هذه الاُمور فلندخل في صلب الموضوع ونبحث عن اُمّهات المسائل و ذلك في فصول:

1 . مسلم: الصحيح ج8 كتاب البرّ، الباب 15، الحديث 1. و قد ألّف الشيخ الحرّ العاملي كتاباً باسم «الجواهر السنية في الأحاديث القدسيّة»

صفحه 21

الفصل الأوّل:

تقسيم الأخبار

1. تقسيم الخبر إلى المتواتر والآحاد.
2. تعريف الخبر المتواتر.
3. إمكان وقوعه وحصول العلم به.
4. كيفية العلم الحاصل بالتّواتر وأنّه ضروري أو نظريّ.
5. شروط الخبر المتواتر.
6. أقلّ عدد يتحقق به التواتر.
7. تقسيم المتواتر إلى اللفظي والمعنوي.
8. تقسيم آخر للتواتر.
9. التواتر التفصيلي والإجمالي.
10. تقسيم خبر الواحد إلى المستفيض والعزيز والغريب.
11. تقسيم خر الواحد إلى المحفوف بالقرائن وعدمه.

صفحه 22

صفحه 23

الفصل الأوّل:

تقسيم الخبر إلى المتواتر والآحاد

الخبر ينقسم إلى:
الخبر معلوم الصدق ضرورة أو نظراً.
أو معلوم الكذب كذلك.
أو ما لا يُعلَمُ صدقه ولا كذبه.
والقسم الأخير إمّا يظنّ صدقه، أو كذبه، أو يتساويان.
فهذه أقسام خمسة.
والملاك في هذا التقسيم هو مفاد الخبر ومضمونه، وبهذا الاعتبار ينقسم إلى متواتر وآحاد، والخبر المتواتر من أقسام معلوم الصدق دون الآحاد كما سيتّضح، وإليك البحث في كل واحد منهما.

الخبر المتواتر

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: في حدّ التواتر

«التواتر» في اللغة: هو مجيء الواحد بعد الآخر على وجه الترتيب، ومنه

صفحه 24
قولهسبحانه: (ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّما جاءَ اُمَّةً رَسولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُم بَعْضاً وجَعَلناهُمْ أحاديثَ فَبُعداً لِقَوم لا يؤْمِنون )(المؤمنون/44).
إنّ قوله «تترا» مصدر كدعوى و ذكرى و شورى، وهو من المواترة، وهي أن يتبع الخبر الخبر، والكتاب الكتاب، فلا يكون بينهما فصل كثير(1).
و أمّا في الإصطلاح فقد عرّف بوجوه:
أ ـ خبر جماعة يفيد بنفسه القطع بصدقه(2).
وإنّ قوله «بنفسه» يخرج ما أفاده اليقين بمعونة القرائن.
توضيحه:أنّ القرائن على قسمين:
الأوّل: القرائن الداخلية، وهي ما لا ينفك الخبر عن جميعها أو بعضها عادة، وهي:
إمّا تتعلّق بحال المخِبر ، ككونه موسوماً بالصدق و عدمه.
أو بالسامع ، ككونه خالي الذهن و عدمه.
أو بالمخبر به ، ككونه قريب الوقوع و عدمه.
أو نفس الخبر كالهيئات الواردة في الخبر كاشتماله على نون التأكيد والقسم ونحو ذلك.
الثاني: القرائن الخارجية الحافّة بالخبر، وهذا هو المسمّى بالخبر المحفوف بالقرينة، كما إذا جاء المخبر بموت أحد، وقورن بسماع النوح من بيته فذلك ممّا يفيد علمنا بصحّته.
قالوا: إنّ التقييد بقوله بـ «نفسه» لإخراج القسم الثاني من الخبر، فإنّه

1 . الطبرسي: مجمع البيان: 4/107.
2 . القمّي: قوانين الأُصول:1/420.

صفحه 25
ليس مفيداً للعلم بنفسه بل بمعونة القرائن.
يلاحظ على هذه التعريف: أنّه غير مطّرد، لصدقه على ما ليس بمتواتر، كما إذا أخبر ثلاثة بواقعة، وحصل العلم بها من جهة خصوص الواقعة لانصراف الدواعي عن تعمّد الكذب فيه وملاحظة مكانة المخبرين، وخلو ذهن السامع من الشبهة، فيلزم أن يكون مثل هذا الخبر متواتراً وليس منه بالضرورة.
ب ـ خبر جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب عادة وإن كان للوازم الخبر دخل في إفادة تلك الكثرة العلم(1).
ج ـ جمع بهاء الدين العاملي بين التعريفين وقال: فإن بلغت سلاسله في كل طبقة حدّاً يؤمن معه تواطؤهم على الكذب فتواتر. ويرسم بأنّه خبر جماعة يفيد بنفسه القطع بصدقه، وإلاّ فخبر آحاد(2).
ففي هذا التعريف رُكِّز على الكثرة وأنّه يجب أن يبلغ عدد المخبرين إلى حدّ من الكثرة يمنع عن تواطئهم على الكذب.
يلاحظ عليه: أنّ العلم بامتناع تواطئهم على الكذب أو العلم بعدم تواطئهم عليه لا يكون دليلاً على صدق الخبر وعدم تعمّد المخبرين الكذب، لأنّ للكذب أسباباً ودواعي اُخر غير التواطؤ عليه، فإنّ الحبّ والبغض في الأفراد ربّما يجرّان إلى التقوّل على الأفراد بكثرة من دون تواطؤ هناك، خصوصاً إذا كانوا أصحاب هوى ودعاية.
وهذه هي القوى الكبرى العالمية التي تلعب أيديها تحت الستار في

1 . المحقّق القمّي: قوانين الاُصول:1 /421.
2 . بهاء الدين العاملي: الوجيزة: ص2.

صفحه 26
مجال الإعلام العالمي، فربّما تنطق جماعة كثيرة في أرجاء مختلفة بكلام واحد بإشارة من السلطات، من دون أن يطّلع واحد منهم على الآخر. فمجرد علمه بعدم التواطؤ لا يكفي في رفع الشكّ في تعمّد الكذب، إلاّ أنّه يكفي التواطؤ بين أصحاب السياسة في البلدان و إن لم يكن التواطؤ موجوداً في دونها.
فالأولى أن يضاف إلى التعريف قولنا: يُؤمن معه من تعمّدهم الكذب، ويحرز ذلك بكثرة المخبرين ووثاقتهم، أو كون الموضوع(1)مصروفاً عنه دواعي الكذب أو غير ذلك.
و لنقتصر على ماذكرناه في تعريفه، و فيه مباحث شريفة و مفصّلة، وهي بعلم الأصول أحرى و أولى.

المبحث الثاني: في إمكان وقوعه وحصول العلم به:

لا يشكّ ذو مسكة في إمكانه و وقوعه. قال الغزالي :لا يستريب عاقل في أنّ في الدنيا بلدة تسمّى بغداد وإن لم يدخلها، ولايشكّ في وجود الأنبياء، والمخالف إنّما هو بعض الهنود المعروفين بـ «سمينة» الذين حصروا العلوم في الحواس وأنكروا هذا.

1 . ولقد وقف بعضهم على هذه النكتة وإن كانت عبارته ناقصة. قال الغزالي: «شرط قوم: أن لا يكونوا محمولين بالسيف على الإخبار»، ثمّ ردّ عليه بقوله: وهو فاسد، لأنّهم إن حملوا على الكذب لم يحصل العلم لفقد الشرط وهو الإخبار عن علم ضروريّ.   والظاهر أنّ الغزالي لم يقف على مغزى الكلام، لأنّ البحث فيما إذا احتمل حملهم على السيف بالكذب لا ما إذا علم حملهم عليه،فلا يرد قوله عليهم، لأنّهم إن حملوا على الكذب لميحصل العلم.

صفحه 27
هذا ما يذكره القدماء في إثبات إمكانه ووقوعه، وأمّا اليوم فنحن نسمع من أجهزة الإعلام العالميّة، أخباراً كثيرة علميّة واجتماعيّة وسياسيّة، نجزم بصحّة قسم خاصّ منها وهي ما إذا كانت بعيدة عن إطار دواعي الكذب فيها.
وكلّ إنسان منّا ربّما يواجه الخبر المتواتر طيلة عمره، خصوصاً في أوّل الشهور وآخرها، فربّما تتقاطر الأخبار من بلدان نائية من مختلف الطبقات، تحكي عن رؤية الهلال في اللّيلة المعيّنة، فيحصل العلم للقلوب السليمة، البعيدة عن الزيغ والانحراف.
ثمّ إنّ المحقّق القمّي اعترض على الإستدلال المعروف ـأعني الجزم بوجود البلدان النائية كالهند والصين والأُمم الخالية كقوم فرعون وقوم موسيـ بأنّ العلم هنا ليس من جهة التواتر لأنّا لانسمع إلاّ من أهل عصرنا، وهم لم يرووا لنا ذلك عن سلفهم أصلاً، فضلاً عن عدد يحصل به التواتر، وهكذا، بل حصول العلم من جهة أنّ أهل العصر مجمعون على ذلك قاطبة، أمّا بالتصريح أو بظهور أنّ سكوتهم مبنيّ على عدم بطلان هذا النقل(1).
ويلاحظ عليه: أنّا إذا وجدنا أهل زماننا متّفقين على الإخبار صريحاً أو التزاماً بوقوع واقعة مثلاً في سالف الزمان، فربّما نقطع بملاحظة العادة في تلك الواقعة أنّ اتّفاقهم على ذلك لا يكون إلاّ عن اتّفاق مثله على الأخبار بذلك، إلى أن تنتهي السلسلة إلى المشاهدين الّذين نقطع بمقتضى العادة في تلك الواقعة بلوغهم درجة التواتر، فيكون علمنا بالواقعة مستنداً إلى التواتر المتأخّر، الكاشف عن التواتر المتقدّم المعلوم لنا بطريق الحس(2).

1 . المحقّق القمّي: قوانين الأُصول: 1/421.
2 . محمّد حسين الاصفهاني: الفصول في الأُصول: ص270 ـ 271.

صفحه 28
وعلى كل تقدير ، فسواء صحّ ذلك الكلام أم لم يصحّ، فالمثال غير عزيز.
ثمّ إنّ للمنكرين شبهات واهية ربّما تبلغ ستّاً لا حاجة لنقلها، ذكر بعضها الغزالي كما ذكر أكثرها صاحب المعالم في مقدّمته والمحقّق القمّي في القوانين(1).

المبحث الثالث: في كيفيّة العلم الحاصل بالتواتر:

هل العلم الحاصل من التواتر علم ضرورىّّ ـ كما هو المشهور ـ، أو نظريّ كما نقل عن الكعبي وأبي الحسين البصري، والجويني،وإمام الحرمين؟ أو لا ضروري ولا نظري بل هناك واسطة بينهما؟ كما نقل عن الغزالي (وإن كان كلامه لايؤيّد تلك النسبة)؟ أو التوقّف فيه ـ كما نسب إلى السيد المرتضى ـ؟ أو التفصيل بين الاخبار عن البلدان وأمثالها فضروري وإلاّ فنظري ـ كما نسب إلى الشيخ في العدّة، واختاره المحقق القمّي ـ ؟ أقوال:

احتجّ المشهور بوجوه:

1 ـ لو كان نظرياً لتوقّف على توسط المقدّمتين واللازم منتف لأنّا نعلم علماً قطعياً بالمتواترات، مثل و جود مكّة والهند وغيرهما مع انتفاء ذلك.
2 ـ لو كان نظريّاً لما حصل لمن لا قدرة له على النظر، كالعوام

1 . الشيخ حسن: معالم الأُصول: ص177، المحقّق القمّي: قوانين الأُصول:ج1،ص421، وشبهاتهم لا تهدف إلى أمر واحد بل بعضها يهدف إلى إنكار حصول العلم من التواتر، وبعضها يهدف إلى إنكار كون العلم الحاصل من التواتر ضرورياً.

صفحه 29
والصبيان.
3 ـ لو كان نظريّاً للزم أن لا يعلمه من ترك النظر عمداً، إذ كل علم نظري فإنّ العالم به يجد نفسه أوّلاً شاكّاً ثمّ طالباً، ونحن لا نجد أنفسنا طالبين لوجود مكّة(1).
احتجّ القائل بكونه نظرياً بأنّه لو كان ضرورياً لما احتاج إلى توسط المقدّمتين، والتالي باطل لأنّه يتوقف على العلم بأنّ المخبر به محسوس، وأنّ هذه الجماعة لا يتواطؤون على الكذب.
وقد ناقش كلّ من الطرفين أدلّة الآخر، والكلام الحاسم للخلاف هو أن يقال:
إنّه إن اُريد من الضروري ما لا يحتاج إلى مقدّمة من المقدّمات على وجه الإجمال والتفصيل، فالعلم الحاصل من الخبر المتواتر ليس بضروريّ، لعدم استغنائه عن بعض المقدّمات الإجماليّة المخزونة في الذهن، ولكنّه لو كان هذا هو ملاك العلم الضروري، فقلّما يتّفق أن يتّصف خبر بالضروريّ حتّى قولنا الكلّ أعظم من الجزء، فإنّ التصديق بذلك متوقّف على القول بأنّ الكل يشتمل على الجزء وغيره، وما هو كذلك فهو أعظم.
وإن اُريد من الضروري ما هو أعمّ من ذلك وما يتوقّف حصول العلم فيه على بعض المقدّمات المخزونة في الذهن أو المترتبة فيه بالسرعة والإجمال، فالعلم الحاصل من التواتر ضروري، ولعلّه إلى ذلك يشير كلام الغزالي لا إلى القول بالواسطة. قال:

1 . المحقّق القمّي: قوانين الأُصول :1 /422، الغزالي: المستصفى1/132.

صفحه 30
فإن عنيتم بكونه نظرياً، أنّ مجرد قول المخبر لا يفيد العلم، ما لم تنتظم في النفس مقدّمتان:
إحداهما: أنّ هؤلاء مع اختلاف أحوالهم و تباين أغراضهم، ومع كثرتهم على حال لا يجمعهم على الكذب جامع، ولا يتّفقون إلاّ على الصدق.
وثانيهما: أنّهم اتّفقوا على الإخبار عن الواقعة فيبتني العلم بالصدق على مجموع المقدّمتين، فهذا مسلّم، ولا بدّ أن تشعر النفس بهاتين المقدّمتين حتّى يحصل لها العلم والتصديق، وإن لم تشكّل في النفس هذه المقدّمات بلفظ منظوم، فقد شعرت به حتّى حصل التصديق، وإن لم يشعر بشعورها...(1).
والحاصل أنّ الميزان في كون العلم نظرياً هو حاجة القضية إلى الإمعان، والدقّة والفكر والنظر، والاستدلال والبرهنة، وأمّا ما يحصل بعد الاخبار بسرعة»ـ وإن كان معتمداً على قضايا مسلّمة في الذهن من دون استشعار بها وبالإعتماد عليهاـ فهو ضروري.

المبحث الرابع: في شروط التواتر:

إنّ القوم ذكروا شروطاً للتواتر، ولكنّها ليست على نسق واحد، بل هي

1 . ذكر صاحب الفصول: إنّ ما يتوقّف عليه العلم هو المقدّمة الثانية وهي اتفاقهم على الإخبار عن هذه الواقعة، وأمّا المقدّمة الأُولى أعني لا يجمعهم على الكذب جامع فهو عين النتيجة أو في مرتبتها، فلا يتوقف العلم بها عليه، وليس مجرد إمكان تأليف قياس ينتج المطلوب ملاكاً لكون النتيجة نظريّة بل لا بدّ معه من كونه مستفاداً منها، وإلاّ لأمكن تأليفه في كل ضروري، كقولنا الكل مشتمل على الجزء وزيادة.

صفحه 31
بين ما هو شرط لتحقّق التواتر ويعد من مقدّماته، وما هو شرط لحصول العلم.
أمّا القسم الأوّل فذكروا له شروطاً(1):
1 ـ كون المخبرين بالغين في الكثرة حدّاً يمتنع معه في العادة تواطؤهم على الكذب، وقد عرفت أنّه غير كاف بل يجب أن يضاف إليه قولنا «يؤمن معه من تعمّدهم على الكذب» كما إذا نطقوا بشيء واحد وكانوا مختلفي الهوى، متباعدي المسلك والمشرب.
2 ـ كون علمهم مستنداً إلى الحسّ، فإنّه في مثل حدوث العالم لا يفيد قطعاً، لكثرة الإشتباه في المسائل النظريّة.
3 ـ استواء الطرفين و الوسط بمعنى أن يبلغ كلّ واحد من الطبقات حدّ الكثرة المذكورة، وذلك فيما لو حصل هناك أكثر من طبقة، وإلاّ فلا واسطة ولا تعدّد في الطبقات.
يلاحظ على هذا الشرط: أنّه إذا حصل التواتر في الطبقة الاُولى، ولكن و صل إلينا ذلك الخبر المتواتر بخبر الواحد المحفوف بالقرينة المفيدة للعلم، فيحصل العلم بلا حاجة إلى تحقّق التواتر في الطبقة الثانية وهكذا.
4 ـ كون إخبارهم عن علم، فلو أخبر أهل بغداد عن طائر أنّهم ظنّوه حماماً أو عن شخص أنّهم ظنّوه زيداً لم يحصل لنا العلم بكونه حماماً أو بكونه زيداً، وليس هذا معلّلاً بل حال المخبَر لا تزيد على حال المخبِر (2).

1 . لاحظ المستصفى: 1/134 للغزالي فقد اكتفى بشروط أربعة، وأضاف القمّي في قوانينه:1/424 و 425 شروطاً اُخر، فلاحظ.
2 . الغزالي: المستصفى:1 /134.

صفحه 32
واكتفى المحقّق القمّي بكون الباقين عالمين وإن كان بعضهم ظانّين.
يلاحظ على القولين: أنّه إذا صار كلّ واحد مبدءاً لحصول درجة من الظنّ، فربّما يحصل العلم، لأنّ العلم لا يحصل في التواتر دفعة واحدة، بل الخبر الأوّل يوجد ظنّاً ما، ثمّ يدعمه الثاني، والثالث إلى أن يتحوّل إلى العلم.
وأمّا القسم الثاني، أعني: ما هو شرط لحصول العلم منها:
فقالوا: يشترط كون السامع غيرعالم بما اُخبربه، لاستحالة تحصيل الحاصل، كما يشترط أن لا يكون قد سبق بشبهة أو تقليد إلى إعتقاد نفي موجب الخبر، ذكره السيد المرتضى، وبذلك يجاب عن كلّ من خالف الإسلام ومذهب الإماميّة في إنكارهم حصول العلم بما تواتر من معجزات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والنص على الوصيّ، وكذلك كلّ من اُشرب قلبه حبّ خلاف ما اقتضاه المتواتر، فلا يحصل له العلم إلاّ مع تخلّيه عمّا شغله عن ذلك إلاّ نادراً(1).
وقد ذكر الغزالي في خاتمة بحثه بأنّه قد ذكر القوم للتواتر شروطاً أُخر وهي فاسدة و هي عبارة عن:
1 ـ أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد.
2 ـ أن تختلف أنسابهم فلا يكونون بني أب واحد، وتختلف أوطانهم.
3 ـ أن يكونوا أولياء مؤمنين.
4 ـ أن لا يكونوا محمولين بالسيف على الإخبار.

1 . المحقّق القمّي: قوانين الأُصول: 1/425 ـ 426، السيّد المرتضى: الذريعة:2/491.

صفحه 33
5 ـ أن يكون الإمام المعصوم في جملة المخبرين، قال: شرطه الروافض، ثم أورد على الأخير أنّ هذا يوجب العلم باخبار الرسول عن جبرئيل لأنّه معصوم، فأي حاجة إلى إخبار غيره؟ ويجب أن لا يحصل العلم بنقلهم على التواتر النصّ على عليّ(رض) إذ ليس فيهم معصوم(1).
و ممّا يؤخذ عليه هنا: أنّه تقوّل على الشيعة وليس في كتبهم أثر من هذا الشرط، ولو شرطوه، فإنّما شرطه بعضهم في حجيّة الإجماع على فتوى نظريّة مستنبطة من الكتاب والسنّة، وأين هذا من الخبر المتواتر عن أمر محسوس؟ وكم للقوم في كتبهم من تقوّلات على الشيعة، وهم يكتبون كل شيء عنهم ولا يعرفون عنهم إلاّ الشيء الضئيل.

المبحث الخامس: في أقل عدد التواتر:

اختلفوا في أقل عدد يتحقّق معه التواتر، والحق أنّه لا يشترط فيه عدد، فالمقياس هو إخبار جماعة يؤمن من تعمّدهم الكذب وهو يختلف و يتخلّف باختلاف الموارد، فربّ مورد يكفي فيه عدد إذا كان الموضوع بعيداً عن الهوى والكذب، وربّ موضوع لا يكفي فيه ذلك العدد، وبذلك يظهر أنّ تقديره بالخمسة أو العشرة أو العشرين أو الأربعين أو السبعين لاأساس له.(2)

1 . الغزالي: المستصفى: 1/139ـ140.
2 . و إليك الأقوال:
1 ـ فعن القاضي أبي بكر الباقلاّني: «يشترط أن يكونوا أزيد من أربعة، لعدم إفادة خبر الأربعة العدول الصادقين العلم، كما هو الحال في البيّنة على الزنا و غيرها، و توقف في الخمسة لعدم اطّراد الدليل المذكور فيها».
2 ـ و عن الاصطخري: إنّ أقلّه عشرة لأنّه أوّل جموع الكثرة.
3 ـ و عن جمع: إنّه اثنا عشر، عدد نقباء بني اسرائيل، لقوله سبحانه: (و بعثنا منهم اثنى عشر نقيباً)(المائدة/12).
4 ـ و عن أبي هذيل العلاّف: إنّ أقلّه عشرون لقوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين)(الأنفال/65) خصّهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون.
5 ـ إنّ أقلّه أربعون لقوله تعالى: (يا أيّها النبىّ حسبك اللّه و من اتبعك من المؤمنين) (الأنفال/64)، حيث نزلت في الأربعين.
6ـ إنّ أقلّه سبعون لقوله تعالى:(واختار موسى قومه سبعون رجلا لميقاتنا)(الأعراف/155)، وإنّما كان كذلك ليحصل اليقين باخبارهم أصحابهم ما يشاهدون من المعجزات.
7 ـ من أنّ أقلّه ثلاثمائة و بضعة عشر، عدد أهل بدر. (الرعاية في علم الدراية، ص62، ومقباس الهداية ص14).
و لايخفى سخافة هذه الأقوال و أيّ صلة بين هذه الآيات الواردة في مقامات خاصة و بين العدد الذي يؤمن معه من التعمّد على الكذب.
هذا، و انّ حصول العلم من العوارض النفسانيّة، فهو يختلف حسب اختلاف روحيات الأشخاص و نفسياتهم و حسب اختلاف الموضوعات الظروف مع وجود دواعي الكذب و عدمه، و كون المخبرين أصحاب هوى أم لا ، فلايصحّ لعاقل تحديد حصول العلم بشيء قطعيّ على وجه يطّرد في جميع المقامات بحيث لاينقص و لايزيد.

صفحه 34
وختاماً: ذكر النووي(1) في مبحث المتواتر: «ولا يذكره المحدّثون ،وهو قليل لا يكاد يوجد في رواياتهم ، وهو مانقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم من أوّله إلى آخره، وحديث «من كذب عليّ متعمّداً فليََتَبوّأ مقعده من النار» متواتر لاحديث «إنّما الأعمال بالنيّات»(2).

1 . و في غلاف المطبوع «النواوي» و لعل لرعاية السمع في الاسم و إلاّ هو يحيى بن شرف بن حري الخراهي الشافعي النووي شيخ الإسلام محي الدين أبو زكريا ولد في «نوى» فنسب إليها: النووي و هي بلدة بحوران 631هـ ـ 676 هـ.
لاحظ طبقات الشافعية للسبكي 5/165، النجوم الزاهرة 7/278، الأعلام 9/185، أسماء الرجال الناقلين عن الشافعي: 68، طبقات النحاة و اللغويين: 529، معجم المؤلفين 13/202.
2 . النووي: التقريب والتيسير: 2/159 ـ 160 مع شرحه: تدريب الراوي.

صفحه 35

تقسيم المتواتر إلى اللفظي والمعنوي:

المتواتر على قسمين: لفظي ومعنوي.
فالأوّل: ما إذا اتّحدت ألفاظ المخبرين في أخبارهم، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما الأعمال بالنيّات» على القول بتواتره، وقوله: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، وقوله: «إنّي تارك فيكم الثقلين» والفرق بين الأوّل وبين الثاني والثالث أنّ تمام الحديث في الأوّل متواتر، وفي الثاني و الثالث بعضه، لوجود اختلاف في النقل في سائر ألفاظهما الذي لم نذكره.
والثاني:ما إذا تعدّدت ألفاظ المخبرين ولكن اشتمل كلّ منها على معنى مشترك بينها بالتضمّن أو الالتزام وحصل العلم بذلك القدر المشترك بسبب كثرة الأخبار.
ثمّ إنّ اختلافهم في ألفاظ الحديث ربّما يكون في واقعة واحدة، كما إذا قال رجل: «ضرب زيد عمراً باليد»، وقال آخر: «ضربه بالدرّة»، وقال الثالث: «ضربه بالعصا»، وقال رابع: «ضربه بالرجل» إلى غير ذلك،فالكلّ يتضمّن صدور الضرب، واُخرى في وقائع متعدّدة كما في الأخبار الواردة في بطولة عليّ (عليه السلام)في غزواته التي تدلّ بالدلالة الالتزامية على شجاعته وبطولته.

تقسيم آخر للتواتر:

ثمّ إنّ المحقّق القمّي قسّم التواتر إلى أقسام لابأس بنقلها إجمالاً:
1 ـ أن تتواتر الأخبار باللفظ الواحد سواء كان المتواتر تمام الحديث أو

صفحه 36
بعضه.
2 ـ أن تتواتر بلفظين مترادفين أو ألفاظ مترادفة، مثل ما إذا ورد: «الهرّ طاهر» و «السنور طاهر» و«الهرّ نظيف».
3 ـ أن تتواتر الأخبار بدلالتها على معنى مستقلّ وإن كانت دلالة بعضها بالمفهوم والاُخرى بالمنطوق وإن اختلفت ألفاظها، كما إذا ورد: «الماء القليل ينجس بالملاقاة»، و ورد: «الأنقص من الكر ينجس بالملاقاة»، وفي ثالث: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» فيدلّ الكلّ على نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة.
ومثله ما إذا ورد: «لاتشرب سؤر الكلب إلاّ أن يكون حوضاً كبيراً يستسقى منه الماء»، وورد أيضاً قوله حين سئل عن التوضّؤ في ماء دخلته الدجاجة التي وطأت العذرة: «إلاّ أن يكون الماء كثيراً» فينتزع من الكلّ انفعال الماء القليل.
4 ـ أن تتواتر بدلالة تضمّنية على شيء،ويكون المدلول التضمّني قدراً مشتركاً بين تلك الآحاد، كما في المثال الذي عرفته من صدور الضرب من زيد.
5 ـ أن تتواتر الأخبار بدلالة التزاميّة، ويكون ذلك قدراً مشتركاً بينها ، مثل ما إذا نهانا الشارع عن التوضّؤ من مطلق الماء القليل إذا لاقته العذرة، وعن الشرب منه إذا ولغ فيه الكلب، وعن الإغتسال منه إذا لاقته الميتة، فالكلّ يدلّ على نجاسة الماء القليل بذلك.
6 ـ أن تتكاثر الأخبار بذكر أشياء تكون لوازم لملزوم واحد(1)، مثل

1 . و في المصدر تكون ملزومات للازم، والصحيح ما ذكرناه، نبّه عليه المحقّق السيّد علي القزويني.

صفحه 37
الأخبار الواردة في غزوات علي (عليه السلام).
ثمّ إنّه ـ قدّس سرّه ـ فصّل في ذلك بما لا حاجة لذكره(1).
ولا يخفى أنّ ما ذكره من تقسيم التواتر، إنّما يرجع إلى مطلق التواتر لاخصوص التواتر المعنوي كما صرّح به المحقّق المامقاني(2)، لوضوح أنّ القسم الأوّل والثاني من أقسام التواتر اللفظي.

التواتر التفصيلي والاجمالي:

ثمّ إنّ هناك تقسيماً آخر ربّما يعبّر عنه بالتواتر الإجمالي والتفصيلي، أمّا الثاني فقد عرفته، وأمّا الأوّل فهو إذا ما وردت أخبار متضافرة تبلغ حدّ التواتر في موضوع واحد تختلف دلالتها سعة وضيقاً، ولكن يوجد بينها قدر مشترك يتّفق الجميع عليه، فيؤخذ به، ومثِّل لذلك بالأخبار الواردة حول حجّية خبر الواحد،فقد اختلفت مضامينها من حيث كثرة الشرائط وقلّتها، فيؤخذ بالأخصّ دلالة لكونه المتّفق عليه وهو خبر العدل الإمامي الضابط الذي عدّله اثنان، وليس مخالفاً للكتاب والسنّة، وذلك لأنّا نعلم بصدور واحد من هذه الأخبار حول حجّية خبر الواحد، غير أنّا لا نعرفه، فالصادر إمّا الأعمّ مضموناً أو الأخصّ أو المتوسّط بينهما، وعلى كل تقدير فقد صدر منهم الأخص مضموناً باستقلاله أو في ضمن واحد منهما.
ثم إذا وجدنا بين هذه الأخبار رواية تجمع هذه الشروط، أي كان رواتها

1 . المحقّق القمّي: قوانين الأُصول:1/426 ـ427.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص16، قال: وربّما صوّر بعض المحقّقين التواتر المعنوي على وجوه.

صفحه 38
عدولاً إماميين صدّقهم العدلان، فيعمل بمضمون خبرهم، وربّما يكون مضمون خبرهم حجّية مطلق قول الثقة و إن لم يكن عدلاً إماميّاً مصدّقاً بعدلين، وربّما يكون مضمونه غيره.
وقد عالجنا الموضوع بهذا الترتيب في أبحاثنا الاُصوليّة حيث وقفنا على خبر اتّفق الكلّ على حجّية مثله بأن يكون جامعاً لكلّ الشرائط من حيث السند، ثمّ أخذنا بمضمونه كائناً ما كان.
هذا كلّه حول التواتر بأقسامه. بقي الكلام في المستفيض و خبر الواحد.

المستفيض والعزيز والغريب(1)

إذا كان المتواتر هو الخبر المفيد بنفسه العلم، فكلّ خبر لم يبلغ إلى هذا الحدّ فهو خبر واحد، غير أنّه إذا تجاوز عدد رواته عن ثلاثة فهو مستفيض، وما لا يرويه أقلّ من اثنين عن اثنين فهو عزيز ـ سمّي عزيزاً لقلّة و جوده، وأصبح عزيزاً لكونه قويّاًـ.
وأمّا الخبر الذي انفرد واحد بروايته (أيّ موضع وقع التفرّد في السند) فهو غريب وإن تعدّدت الطرق إليه، أو تعدّدت الطرق منه، وفسّره المحقّق

1 . ذكره الشهيد في المقام، كما ذكره في الفصل المختصّ ببيان ما تشترك فيه الأقسام الأربعة. ولعلّ وجه التكرار أنّ الغرض تعلّق في المقام ببيان درجات خبر الواحد، فلامحيص من بيانه لأنّ من درجاته: المستفيض، والعزيز، والغريب، ولكن الغرض في البحث الآتي تعلّق بتبيين ما هو المقبول و المرفوض ببيان ما تشترك فيه الأقسام الأربعة أو بعضها في الصفات والأحكام، ومن صفات خبر الواحد بأقسامه الأربعة كونه غريباً، كسائر صفاته من كونه مسنداً ، متّصلاً، مرفوعاً و...... فاقتضت تلك المناسبة تكراره.

صفحه 39
الداماد (ت1040هـ) بالرواية التي يرويها راو واحد في الطبقة الاُولى، واثنان في الطبقات اللاحقة(1).
ثمّ إن كان الإنفراد في أصل سنده فهو الفرد المطلق وإلاّ فالفرد النسبيّ لأنّ التفرّد حصل بالنسبة إلى شخص معيّن، مثال الأخير:
إذا روى الكليني تارة عن طريق أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن ابن محبوب، واُخرى عن طريق علي بن مهزيار، عن الحسن بن محبوب، وثالثة عن طريق إبراهيم بن هاشم عنه، فهذا الخبر غريب لأنّ الحسن بن محبوب الذي انتهت إليه المسانيد راو واحد، سواء نقل هو عن واحد أيضاً أو نقل عن الكثير، وبذلك ظهر معنى قولنا «وإن تعدّ د الطريق إليه ومنه».

تقسيم خبر الواحد إلى المحفوف بالقرينة وعدمه:

الخبر الذي لم يبلغ حدّ التواتر تارة يكون مجرّداً عن القرائن فلا يفيد العلم غالباً، واُخرى يكون محفوفاً بها كما إذا أخبر شخص بموت زيد، ثمّ ارتفع النياح من بيته وتقاطر الناس إلى منزله، فهو يفيد القطع و اليقين، وقد كثر النقاش في إفادته اليقين بما لا يرجع إلى محصّل، و كأنّ المناقشين بُعداء عن الأحوال الاجتماعيّة التي تطرأ علينا كلّ يوم، فكم من خبر تؤيّده القرائن فيصبح خبراً ملموساً لا يشكّ فيه أحد.
إلى هنا خرجنا ببيان أقسام الخبر من حيث هو خبر، فحان حين بيان اُصوله التي يدور عليها قبوله ورفضه، وهي الأربعة المعروفة.

1 . المحقّق الداماد: الرواشح السماويّة ص130.

صفحه 40
وذلك ببيان مقدّمة وهي: أنّ الخبر المنقول لا يخرج عن كونه مقبولاً أو مردوداً أو مشتبهاً، فما اجتمعت فيه شرائط الحجّية فهو المقبول، وأمّا ما لمتجتمع فيه شرائطها فإمّا أن يعلم فقدانه لها فهو مردود، وما لم يحرز حاله فهو المشتبه، وفي الحقيقة هذا القسم الأخير ملحق بالمردود.
ثم إنّهم اختلفوا في سعة الحجّية وضيقها، فمنهم من يعمل بالصحيح الأعلائيّ، و آخر يعمل بالصحيح فقط ، أو هو مع الحسن فقط، ومنهم من يعمل بهما وبالموثّق، ولذلك يجب علينا تبيين مفاهيمها وحقائقها حتى يتميّز كلّ قسم عن مقابله، والمعروف أنّ أحمد ابن طاووس (ت 673هـ ) هو واضع ذلك الإصطلاح، قال صاحب المعالم: «ولا يكاد يعلم وجود هذا الإصطلاح قبل زمن العلاّمة إلاّ من السيد جمال الدين ابن طاووس ـ رحمه اللّهـ»(1) ومنهم من ينسب التقسيم إلى العلاّمة، والحق إنّ هذا التقسيم على وجه الإجمال كان موجوداً بين محدّثي العامّة، فالحديث عندهم إمّا صحيح أو غير صحيح، غير أنّ التقسيم على وجه التربيع وتبيين خصوصيّة كلّ قسم منها حدث من زمان السيد ابن طاووس ودعمه تلميذاه: العلاّمة الحلّي وابن داود، وهذا يدفعنا إلى إفراد فصل لهذا.
نعم توجد بعض المصطلحات في كلمات الشيخ الصدوق و السيّد المرتضى في الذريعة، والطوسي في العدّة، و لعلّها صارت ذريعة للسيّد ابن طاووس للقيام بهذا التقسيم.

1 . حسن بن زين الدين: منتقى الجمان: 1/13.

صفحه 41

الفصل الثاني

1. في بيان أُصول الحديث الأربعة: الصحيح، الحسن، الموثّق، الضعيف.
2. ما هو السبب لهذا التقسيمل؟
3. في تعريف الصحيح.
4. التوسّع في اطلاق الصحيح.
5. اعتبار عدم الشذوذ والعلّة في الصحيح. وعدمه.
6. تقسيم الصحيح والحسن إلى أقسام ثلاثة: الأعلى والأوسط والأدنى.
7. ما هو الحجّة من الأقسام الأربعة.

صفحه 42

صفحه 43

الفصل الثاني :

في بيان اُصول الحديث

اصطلح المتأخّرون من أصحابنا على تقسيم خبر الواحد باعتبار اختلاف أحوال رواته إلى الأقسام الأربعة المشهورة وهي: الصحيح، والحسن، والموثّق، والضعيف. فيقع الكلام في عدّة جهات:

الجهة الاُولى: لماذا أحدثوا هذه المصطلحات؟

المعروف أنّه لم يكن من تلك المصطلحات أثر بين أصحابنا، وإنّما حدثت في أثناء القرن السابع، وقد عرفت حقيقة الحال، واللازم بيان ما هو الدافع إلى اصطناعها، فقد أشبع بهاء الدين العاملي الكلام في ذلك فنحن نأتي به برمّته، يقول:
«هذا الاصطلاح لم يكن معروفاً بين قدمائنا ـ قدس اللّه أرواحهم ـ كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم. بل كان المتعارف بينهم اطلاق الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه، أو اقترن بما يوجب الوثوق به، والركون إليه، وذلك لاُمور:
منها: وجود الخبر في كثير من الاُصول الأربعمائة التي نقلوها عن

صفحه 44
مشايخهم بطرقهم المتّصلة بأصحاب العصمة ـ صلوات اللّه عليهم ـ وكانت متداولة لديهم في تلك الأعصار ،مشتهرة فيما بينهم اشتهار الشمس في رابعة النهار.
ومنها: تكرره في أصل أو أصلين منها فصاعداً بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة.
ومنها:وجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الّذين أجمعوا على تصديقهم كزرارة، ومحمد بن مسلم، والفضيل بن يسار، أو على تصحيح ما يصحّ عنهم كصفوان بن يحيى، ويونس بن عبد الرحمان، وأحمد بن محمد ابن أبي نصر، أو على العمل بروايتهم كعمّار الساباطي ونظرائه ممّن عدّهم شيخ الطائفة في كتاب العدّة كما نقله عنه المحقّق في بحث التراوح من المعتبر(1).
ومنها: اندراجه في الكتب التي عرضت على أحد الأئمّة ـ عليهم صلوات اللّهـ فأثنوا على مؤلّفيها ككتاب عبيد اللّه الحلبي الذي عرض على الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، وكتاب يونس بن عبد الرحمان، والفضل بن شاذان المعروضين على العسكري ـ عليه السَّلام ـ.
ومنها: أخذه من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها سواء كان مؤلّفوها من الفرقة الناجية الإماميّة ككتاب الصلاة لحريز بن عبد اللّه السجستاني وكتب بني سعيد وعلي بن مهزيار، ومن غير الإماميّة ككتاب حفص بن غياث القاضي، وحسين بن عبيد اللّه السعدي، وكتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري.
وقد جرى رئيس المحدّثين محمد بن بابويه ـ قدّس سره ـ على متعارف

1 . المحقّق الحلّي ـ أبو القاسمـ: المعتبر:1/60.

صفحه 45
المتقدّمين في إطلاق الصحيح على ما يركن إليه ويعتمد عليه، فحكم بصحّة جميع ما أورده من الأحاديث في كتاب من لا يحضره الفقيه، وذكر أنّه استخرجها من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع.
وكثير من تلك الأحاديث بمعزل عن الاندراج في الصحيح على مصطلح المتأخّرين، ومنخرط في سلك الحسان والموثّقات بل الضعاف، وقد سلك على هذا المنوال جماعة من أعلام علماء الرجال، فحكموا بصحّة حديث بعض الرواة ـ غير الإماميّينـ كعلي بن محمّد بن رباح وغيره لمّا لاح لهم من القرائن المقتضية الوثوق بهم، والاعتماد عليهم، وإن لم يكونوا في عداد الجماعة الذين انعقد الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم.
والذي بعث المتأخّرين ـ نوّر اللّه مراقدهم ـ على العدول عن متعارف القدماء ووضع ذلك الاصطلاح الجديد، هو أنّه لمّا طالت المدّة بينهم وبين الصدر السالف، وآل الحال إلى اندارس بعض كتب الاُصول المعتمدة لتسلّط حكّام الجور والضلال والخوف من اظهارها واستنساخها، وانضمّ إلى ذلك اجتماع ما وصل إليهم من كتب الاُصول، في الاُصول المشهورة في هذا الزمان (الكتب الأربعة) فالتبست الأحاديث المأخوذة من الاُصول المعتمدة، بالمأخوذة من غير المعتمدة، واشتبهت المتكرّرة في كتب الاُصول بغير المتكرّرة، وخفي عليهم ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ كثير من تلك الاُمور التي كانت سبب وثوق القدماء بكثير من الأحاديث، ولم يمكنهم الجري على أثرهم في تمييز ما يعتمد عليه ممّا لا يركن إليه، فاحتاجوا إلى قانون تتميّز به الأحاديث المعتبرة عن غيرها والموثوق بها عمّا سواها.
فقرّروا لنا ـ شكر اللّه سعيهم ـ ذلك الاصطلاح الجديد، وقرّبوا إلينا البعيد،

صفحه 46
ووصفوا الأحاديث الواردة في كتبهم الاستدلالية بما اقتضاه ذلك الاصطلاح من الصحّة والحسن والتوثيق.
و أوّل من سلك هذا الطريق من علمائنا المتأخّرين شيخنا العلاّمة جمال الحق والدين الحسن بن المطهّر الحلّي(1).
ثمّ إنّهم ـ أعلى اللّه مقامهم ـ ربّما يسلكون طريقة القدماء في بعض الأحيان، فيصفون مراسيل بعض المشاهير كابن أبي عمير وصفوان بن يحيى بالصحّة لما شاع من أنّهم لا يرسلون إلاّ عمّن يثقون بصدقه، بل يصفون بعض الأحاديث ـ التي في سندها من يعتقدون أنّه فطحي أو ناووسي ـ بالصحّة، نظراً إلى اندراجه فيمن أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنهم.
و على هذا جرى العلاّمة ـ قدّس اللّه روحه ـ في المختلف حيث قال في مسألة ظهور فسق إمام الجماعة: إنّ حديث عبداللّه بن بكير صحيح، وفي الخلاصة حيث قال: إنّ طريق الصدوق إلى أبي الأنصاري صحيح و إن كان في طريقه أبان بن عثمان مستنداً في الكتابين إلى إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه.
وقد جرى شيخنا الشهيد الثاني ـ طاب ثراه ـ على هذا المنوال أيضاً ، كما وصف في بحث الردّة من شرح الشرائع حديث الحسن بن محبوب عن غير واحد بالصحّة.
و أمثال ذلك في كلامهم كثير ، فلاتغفل» (2).

1 . الصحيح إنّ واضع ذلك الاصطلاح هو السيّد جمال الدين بن طاووس المتوفّى عام873هـ ، وقد عرفت تنصيص صاحب المنتقى لذلك.
2 . بهاء الدين العاملي: مشرق الشمسين: ص3 و 4.

صفحه 47
وقال صاحب المعالم: إنّ القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعاً لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالّة على صدق الخبر وإن اشتمل طريقه على ضعف، فلم يكن للصحيح كثير مزيّة توجب له التميّز باصطلاح أو غيره، فلمّا اندرست تلك الآثار، واستقلَّت الأسانيد بالأخبار، اضطر المتأخّرون إلى تمييز الخالي من الريب فاصطلحوا على ما قدّمنا بيانه، ولا يكاد يعلم وجود هذا الاصطلاح قبل زمان العلاّمة إلاّ من جهة السيد جمال الدين ابن طاووس ـ رحمه اللّه ـ(1).
أقول: إنّ التقسيم الصحيح بين القدماء كان هو تقسيمه إلى الصحيح والضعيف والمقبول وغير المقبول(2).
وأمّا هذا التقسيم الرباعيّ فيمكن أن يكون مأخوذاً ممّا ورد في كتب قدمائنا كالشيخ الصدوق، و السيّد المرتضى في ذريعته، و الشيخ الطوسي في عدّته، كما يمكن أن يكون مأخوذاً من التقسيم الثلاثي الرائج بين أهل الحديث من أهل السنّة، فإنّ الحديث عندهم إمّا صحيح وإمّا حسن وإمّا ضعيف(3)، ولكل تعريف نذكره في محلّه، وقد اتفقوا على أنّ مبدأ توصيف الحديث بالحسن هو الترمذي صاحب السنن(4)المتوفّى عام 280هـ.

1 . الحسن بن زين الدين العاملي: منتقى الجمان 1/13.
2 . نعم نقل النووي أنّ البغوي قسّم الأحاديث إلى حسان وصحاح، مريداً بالصحاح ما في الصحيحين، وبالحسان ما في السنن، ولكنّه تقسيم نسبي، لا يراد منه تقسيم جميع الأخبار إليهما، بل تقسيم كتابه الخاص باسم المصابيح إليهما، الذي جمع فيه ما في الصحاح والسنن. لاحظ: التقريب والتيسير:1/132. ولايخفى ما للترمذي في سننه من اصطلاحات خاصّة فيها الحسن و غيره.
3 . النووي: التقريب والتيسير:1/42، المطبوع مع شرحه باسم تدريب الراوي للسيوطي.
4 . المصدر نفسه: ص133.

صفحه 48
نعم التقسيم الرباعي باسم الموثّق مع الثلاثة من مبتكرات علمائنا في القرن السابع كما علمت.

الجهة الثانية: في تعريف الأقسام الأربعة حتى يتميّز كل قسم عن الآخر.

تعريف الشهيد الأوّل:

1 ـ الصحيح: ما اتّصلت روايته إلى المعصوم بعدل إماميّ.
2 ـ الحسن: ما رواه الممدوح من غير نصّ على عدالته.
3 ـ الموثّق: ما رواه من نصّ على توثيقه مع فساد عقيدته، ويسمّى القوي.
4 ـ والضعيف: ما يقابل الثلاثة(1).
وأمّا أهل الحديث من السنّة فعرّفوا «الصحيح» بأنّه:
«ما اتّصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علّة».
وقالوا: إنّ أوّل مصنّف في الصحيح المجرّد صحيح البخاري ثمّ مسلم، وإذا قيل: صحيح، فهذا معناه لا أنّه مقطوع به(2)، فإذا قيل: غير صحيح، فمعناه لم يصحّ إسناده. ثمّ عرّفوا الحسن بأنّه: «هو ما عرف مخرجه

1 . محمّد بن مكي ـالشهيد الأوّلـ: الذكرى: ص4، وقد ذكرنا ملخّص كلامه وحذفنا ما لا صلة له بنفس المصطلحات، وسيوافيك ما حذفنا منه في بحث مفرد، وتقسيم الخبر إلى الموثّق من خواصّ علمائنا والعامّة يدخلونه في قسم الصحيح كما نبّه عليه والد شيخنا البهائي في «وصول الاخيار إلى اُصول الأخبار» ص97.
2 . و إن كانوا عملاً يعاملوه معاملة المقطوع به لوكان في الصحيحين.

صفحه 49
واشتهر رجاله، ويقبله أكثر العلماء، واستعمله عامّة الفقهاء»(1).
وعرّفه بعض آخر بأنّه: «هو ما اتّصل سنده بنقل عدل خفيف الضبط وسلم من الشذوذ والعلّة»، والفرق بين الحسن والصحيح على هذا التعريف هو: أنّ العدل في الأوّل خفيف الضبط وفي الثاني تامّه(2).
وعرّفوا الضعيف بأنّه ما لم يجمع فيه صفة الصحيح أو الحسن، ويتفاوت ضعفه كصحّة الصحيح(3).
إذا وقفت على تعريفات الفريقين فلنرجع إلى تحليل تعريف الصحيح عن طريق أصحابنا، فنقول:
أورد الشهيد الثاني على تعريف الصحيح بأنّ إطلاق الاتّصال بالعدل الإمامي يتناول الحاصل في بعض الطبقات وليس بصحيح قطعاً، حيث قال: فإنّ اتّصاله بالعدل المذكور لا يلزم أن يكون في جميع الطبقات بحسب إطلاق اللفظ، وإن كان ذلك مراداً (4).
توضيحه: أنّه لو اتّصلت الرواية في آخرها بعدل إمامي بالإمام لصدق أنّه اتصلت روايته إلى المعصوم بعدل إمامي مع أنّه لا يطلق عليه الصحيح،بل يجب أن يكون جميع رواته متّصفين بهذا الوصف.
وأورد على تعريف الحسن والموثّق، بأنّه يشمل ما كان في طريقه واحد كذلك، وإن كان الباقي ضعيفاً، فضلاً عن غيره.

1 . النووي: التقريب والتيسير :1/43 و122 و 144.
2 . القاسمي ـ جمال الدين ـ: قواعد التحديث: ص59.
3 . النووي: التقريب والتيسير:1/144.
4 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص77 ـ 78.

صفحه 50
أضف إليه: أنَّه لم يقيّد الحسن بكون الممدوح إماميّاً مع أنّه مراد.

تعريف الشهيد الثاني:

الصحيح: ما اتّصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإماميّ عن مثله في جميع الطبقات وإن اعتراه شذوذ.
الحسن: ما اتّصل سنده كذلك بإمامي ممدوح بلا معارضة ذمّ مقبول، من غير نصّ على عدالته في جميع مراتبه أو بعضها مع كون الباقي بصفة رجال الصحيح.
الموثّق: ما دخل في طريقه مَن نصّ الأصحاب على توثيقه، مع فساد عقيدته، و لم يشتمل باقيه على ضعف.
الضعيف: ما لاتجتمع فيه شروط أحد الثلاثة(1).

مناقشة صاحب المعالم كلام الشهيدين:

إنّ صاحب المعالم ناقش كلامهما بالبيان التالي:
1 ـ يرد على الوالد (الشهيد الثاني): أنّ قيد العدالة مغن عن التقييد بالإمامي، لأنّ فاسد المذهب لا يتّصف بالعدالة حقيقة، كيف والعدالة حقيقة عرفيّة في معنى معروف لا يجامع فساد العقيدة قطعاً، وادّعاء والديـرحمه اللّه ـ في بعض كتبه توقّف صدق وصف الفسق بفعل المعاصي المخصوصة على اعتقاد الفاعل كونها معصية، عجيب، ولم أقف للشهيد

1 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص77 ـ 86.

صفحه 51
(الأوّل) على ما يقتضي موافقة الوالد عليه ليكون التفاته أيضاً إليها، فلا ندري إلى أيّ اعتبار نظر.
2 ـ ويرد عليهما (الشهيدين): أنّ الضبط شرط في قبول خبر الواحد، فلا وجه لعدم التعرّض له في التعريف، وقد ذكره العامّة في تعريفهم وسيأتي حكايته، ولوالديـرحمه اللّه ـ كلام في بيان أوصاف الراوي ينبّه على المقتضي لتركه، فإنّه لمّاذكروصف الضبط قال: وفي الحقيقة اعتبار العدالة يغني عن هذا، لأنّ العدل لايجازف ما ليس بمضبوط على الوجه المعتبر، فذكره تأكيد أو جري على العادة ـ إلى أنقال ـ:
وفي هذا الكلام نظر ظاهر، فإنّ منع العدالة من المجازفة التي ذكرها لا ريب فيه، وليس المطلوب بشرط الضبط الأمن منها، بل المقصود منه السلامة من غلبة السهو والغفلة الموجبة لوقوع الخلل على سبيل الخطأ، كما حقّق في الاُصول، وحينئذ فلابدّ من ذكره. غاية الأمر أنّ القدر المعتبر منه يتفاوت بالنظر إلى أنواع الرواية، فما يعتبر في الرواية من الكتاب قليل، بالنسبة إلى ما يعتبر في الرواية من الحفظ(1).

ما هو المراد من الإمامي؟

المراد من الإمامي هو: المعتقد بإمامة إمام عصره، وإن لم يعتقد بإمامة من يأتي بعده لجهله بشخصه واسمه، فتخرج الفطحيّة والواقفيّة واضرابهما، فإنّهم لم يعتقدوا بإمامة إمام عصرهم، فالفطحيّة جنحوا إلى إمامة عبد اللّه الأفطح، والواقفيّة توقّفوا على الإمام الكاظم وهكذا ، ولو فسّرنا الإمامي

1 . الحسن بن زين الدين : منتقى الجمان: 1/5 ـ 6.

صفحه 52
بإمامة الأئمّة الاثنى عشر، تخرج كثير من الأخبار الصحيحة عن تلك الضابطة، لأنّ الشيعة في تلك الظروف لم تكن واقفة على أسماء الأئمّة وخصوصياتهم وإن كان الخواص منهم عارفين بها.

التوسّع في اطلاق الصحيح:

قال الشهيد الأوّل: وقد يطلق الصحيح على سليم الطريق من الطعن وإن اعتراه إرسال أو قطع(1).
وقال الشهيد الثاني: وقد يطلق الصحيح عندنا على سليم الطريق من الطعن بما ينافي الأمرين، وهما: كون الراوي ـ باتّصال ـ عدلاً إماميّاً، وإن اعتراه مع ذلك الطريق السالم إرسال أو قطع.
وبهذا الاعتبار يقولون كثيراً: روى ابن أبي عمير في الصحيح كذا أو في صحيحه كذا،مع كون روايته المنقولة كذلك مرسلة.
ومثله وقع لهم في المقطوع كثيراً .
وبالجملة، يطلقون الصحيح على ما كان رجال طريقه المذكورون فيه عدولاً إماميّين ، وإن اشتمل على أمر آخر بعد ذلك حتّى أطلقوا الصحيح على بعض الأحاديث المرويّة عن غير إماميّ بسبب صحّة السند إليه، وقالوا في صحيحة فلان: وجدناها صحيحة بمن عداه.
وفي الخلاصة: إنّ طريق الفقيه إلى معاوية بن ميسرة(2)، وإلى عائذ

1 . محمّد بن مكّي ـالشهيد الأوّلـ: الذكرى: ص4.
2 . ابن شريح بن الحارث الكندي القاضي. روى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ .

صفحه 53
الأحمسي(1)، وإلى خالد بن نجيح(2)، وإلى عبد الأعلى مولى آل سام(3) صحيح مع أنّ الثلاثة الاُول لم ينصّ عليهم بتوثيق ولا غيره والرابع لم يوثّق، وكذلك نقلوا الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن أبان بن عثمان (4) مع كونه فطحياً (5).

يلاحظ عليه باُمور:

1 ـ لو صحّ ما ذكر من الاصطلاح الأخير، لزم نقض الغرض من التقسيم، فإنّ الغاية منه هو تمييز الصحيح عن غيره، فلو أطلق على ما ليس بصحيح حقيقة كما إذا اشتمل آخر السند على الإرسال أو على راو مجهول، لغي التقسيم وانتفت الغاية وحصلتالتعمية لكثير من المحدّثين، ولا أظنّ أحداً يرضى بذلك، ولأجل الصيانة للغرض المطلوب، يجب أن لا يوصف السند أو المتن بالصحّة إلاّ إذا كان جميع السند صحيحاً.
2 ـ إنّ ما استشهد به على وجود الاصطلاح الثاني «من أنّهم يقولون روى ابن أبي عمير في الصحيح كذا أو في صحيحته كذا مع كون روايته المنقولة كذلك مرسلة أو مقطوعة» ممّا لم يُعثر عليه كما اعترف به ولده في منتقى الجمان(6)، وإنّما يقال: روى الشيخ أو غيره في الصحيح عن ابن أبي عمير، وبين الصورتين فرق واضح، فإنّ الموصوف بالصحّة طريق الشيخ إلى

1 . من أصحاب الصادق ـ عليه السلام ـ .
2 . من أصحاب الصادق ـ عليه السلام ـ .
3 . من أصحاب الصادق ـ عليه السلام ـ .
4 . من أصحاب الصادق ـ عليه السلام ـ .
5 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص 79 ـ 80.
6 . الحسن بن زين الدين: منتقى الجمان: 1/14.

صفحه 54
ابن أبي عمير دون ابن أبي عمير ولا من بعده، ولو دخل ابن أبي عمير فإنّما هو لقرينة خارجيّة، ولكنّ العبارة غير دالّة عليه، و أمّا حال من بعد ابن أبي عمير فالعبارة ساكتة عنه، و هذا بخلاف ما إذا قيل: روى ابن أبي عمير في الصحيح، فالصحّة تقع فيها و صفاً لمجموع الطريق من ابن أبي عمير ومن بعده مع اشتماله على موجب الضعف، وما هذا إلاّ تلبيس وتعمية.
3 ـ إنّ ما استشهد به بما جاء في الخلاصة من أنّ طريق الفقيه إلى معاوية بن ميسرة، وعائذ الأحمسي، وخالد بن نجيح، وعبد الأعلى، صحيح، مع أنّ الثلاثة الاُول لم ينصّ عليهم بتوثيق والرابع ضعيف، غير تام، لأنّ الصحّة وصف للطريق إلى هؤلاء، فالمفروض أنّه صحيح، وأمّا نفس هؤلاء فخارج عن مدلول الكلام.
4 ـ كما أنّ ما استشهد به على وجود الاصطلاح الثاني: «من أنّهم نقلوا الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن أبان بن عثمان مع كونه فطحيّاً» غير تام، لأنّ هذه العبارة للكشّي، وهو الناقل لهذا الإجماع ومعقده وهو تلميذ العيّاشي، ومعاصر للكليني، فلا يدل إطلاقه الصحيح على رواية الفطحي، نقضاً للضابطة لأنّه من القدماء، والاصطلاح للمتأخّرين ولم يكن للقدماء علم به لاستنادهم فيه غالباً على القرائن الدالّة على صدق الخبر وإن اشتمل طريقه على ضعف.
5 ـ ثمّ إنّ صاحب المعالم اعتذر عن إطلاق الصحيح على ما ليس بصحيح واقعاً، بوجهين:
الأوّل: «إنّ بعض المتقدّمين من المتأخّرين أطلق الصحيح على ما فيه

صفحه 55
إرسال أو قطع،نظراً منه إلى ما اشتهر بينهم في قبول المراسيل التي لا يروي مرسلها إلاّ عن ثقة، لم يرَ إرسالها منافياً لوصف الصحّة».(1)
وعلى ضوء ذلك كانت الرواية صحيحة واقعاً غير صحيحة ظاهراً، فلا يكون الاصطلاح الثاني مناقضاً للأوّل، حيث إنّه كان مختصّاً بروايات المشايخ الذين التزموا على أن لايرووا إلاّ عن ثقة، فإذا أرسلوا، كشف ـ ببركة هذه الضابطة ـ أنّ المحذوف كان ثقة.
الثاني: إنّ جمعاً من الأصحاب توهّموا القطع في أخبار كثيرة وليست بمقطوعة، فربّما اتّفق وصف بعضها بالصحّة في كلام من لم يشاركهم في توهّم القطع، ورأى ذلك من لم يتفطّن للوجه فيه فحسبه اصطلاحاً واستعمله على غيروجهه، ثم زيد عليه استعماله فيما إذا اشتمل على ضعف ظاهر من حيث مشاركته للإرسال والقطع في منافاة الصحّة بمعناها الأصلي، فإذا لم يمنع وجود ذينك المنافيين ]الإرسال والقطع [من إطلاق الصحيح في الاستعمال الطارئ، فكذا ما جاء في معناهما، وجرى هذا الاستعمال بين المتأخّرين وضيّعوا به الاصطلاح(2).
والعجب من السيد الصدر في شرح الوجيزة حيث ادّعى أنّ توصيف رواية ابن أبي عمير بالصحة حسب مصطلح القدماء لا المتأخّرين، مع أنّ كلام ال(3)شهيد صريح في خلافه وأنّ توصيفها بالصحّة حسب اصطلاح المتأخّرين.

1 . الحسن بن زين الدين: منتقى الجمان: 1/12.
2 . الحسن بن زين الدين: منتقى الجمان: 1/12.
3 . السيد حسن الصدر، نهاية الدراية.

صفحه 56

اعتبار عدم الشذوذ والعلّة في الصحيح و عدمه

ثمّ إنّ الشهيد الثاني بعد ما فسّـر الصحيح بما عرفت، قال: وإن اعتراه شذوذ. على خلاف ما اصطلح عليه العامّة من تعريفه حيث اعتبروا سلامته من الشذوذ، وقالوا في تعريفه: ما اتّصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله وسلم عن شذوذ و علّة (1).
أقول: المراد من الشاذ ـ كما عرّفه هو في ثنايا الكتاب ـ مارواه الراوي الثقة مخالفاً لمارواه الجمهورأي الأكثر، سمّي شاذاً باعتبار ما قابله فإنّه مشهور(2).
وعرف المعلّل بقوله: ما فيه من أسباب خفيّة غامضة قادحة في نفس الأمر، وظاهره السلامة منها، بل الصحّة، وإنّما يتمكن من معرفة ذلك أهل الخبرة بطريق الحديث، و متونه، ومراتب الرواة الضابطة لذلك، وأهل الفهم الثاقب في ذلك(3).
هذا، مع أنّ الظاهر لزوم التفريق بين الشذوذ والعلّة، فالشذوذ غيرمانع عن اتّصاف الخبر بالصحّة،وإن كان غير حجّة، و ذلك لأنّ الشذوذ بالتفسير الذي عرفته (ما روى الناس خلافه) لاينافي الصحّة.
نعم وجود الرواية المخالفة يوجب الدخول في باب التعارض و طلب المرجّح، و الظاهر أنّ رواية الأكثر من جملة المرجّحات،فيطرح الشاذ بهذا الإعتبار، وهوأمر خارج عن الجهة التي قلنا إنّها مناط وصف الصحة .

1 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص115.
2 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص78.
3 . المصدر نفسه: ص141.

صفحه 57
وأمّا العلّة، فالظاهر أنّها تنافي توصيف الخبر بالصحة، وذلك لأنّ فرض غلبة الظن بوجود الخلل أو تساوي احتمالي وجوده وعدمه ينافي الجزم بذلك، فحينئذ يقوى اعتبار انتفاء العلّة في مفهوم الصحة.
والذي يدعم ذلك ما ذكره نفس الشهيد في باب الحديث المعَلِّلْ حيث قال:
و يستعان على إدراكها ـ أي العلل المذكورة ـ بتفرّد الراوي بذلك الطريق، أو المتن الذي تظهر عليه قرائن العلّة ـ أي المرض و النقص ـ وبمخالفة غيره له في ذلك، مع انضمام قرائن تنبّه العارف على تلك العلّة من إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم، أو غير ذلك من أسباب العلّة للحديث بحيث يغلب على الظن ذلك و لا يبلغ اليقين، وإلاّ لحقه بحكم مايتيقّن من إرسال أو غيره، فيحكم به أو يتردد في ثبوت تلك العلّة، من غير ترجيح يوجب الظن فيتوقّف(1).
***
قدعرفت فيما مضى أنّه ربّما يعبّر عن الموثق بالقويّ، قال والد بهاء الدين العاملي: وقد يراد بالقوي مروي الإمامي غيرالممدوح ولا المذموم، أو مروي المشهور في التقدّم غيرالموثّق، والأوّل (كونه مرادفاً للموثّق) هو المتعارف بين الفقهاء(2).
أمّا إطلاق القوي على الموثّق فلأجل قوة الظن بجانبه بسبب توثيق

1 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية:ص141.
2 . حسين بن عبد الصمد العاملي: وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار: ص98.

صفحه 58
رواته، ولكن الأليق حصر إطلاقه على المعنى الثاني، وعندئذ يكون قسماً خامساً خارجاً عن الأقسام الأربعة، و يمكن أن يكون من أقسام الضعيف إذا قلنا بعمومية الضعيف لمن لم يرد فيه مدح و لا ذم، وأمّا إذا خصّصناه بمن ورد فيه الذم فيكون قسماً خامساً.

النتيجة تابعة لأخس المقدّمات:

إذا كان الرواة حسب الصفات على نسق واحد، فالتوصيف حسب صفات الكل، وأمّا إذا كانوا مختلفين في الصفات كما إذا كان واحد منهم إماميّاً ممدوحاً لاموصوفاً بالوثاقة والعدالةوإن كانت البقية كذلك، فالنتيجة تابعة لأخسّها، فيوصف بالحسن دون الصحيح وهكذا في غيره.

الخبر الصحيح واضطراب الحديث:

قال الشهيد الثاني: إنّ اضطراب الحديث يلحق الخبر الصحيح بالضعيف.
أقول : إنّ الاضطراب تارة يقع في السند و اُخرى في المتن.
أمّا الاوّل: بأن يرويه الراوي تارة عن أبيه عن جده، وتارة عن جده بلا واسطة، وثالثة عن ثالث غيرهما، كما اتفق ذلك في رواية أمرالنبي بالخط للمصلي سترة حيث لا يجد العصا(1).

1 . روى أبو داود، عن أبي هريرة: إنّ رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قال: إذا صلّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطّاً ثمّ لا يضرّه مامرّ أمامه (أبو داود: السنن ج1 كتاب الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصا، ص183 ـ 184)، وقد ذكر صاحب المعالم اضطراب السند في منتقى الجمان، لاحظ: ج1/9 ، وللوقوف على كيفيّة الإضطراب راجع سند الرواية في كتاب: الرعاية في علم الدراية ، قسم التعليق.

صفحه 59
وأمّا الثاني: كاعتبار الدم عند اشتباهه بالقرحه بخروجه من الجانب الأيمن فيكون حيضاً، أو بالعكس، فرواه في الكافي(ج3، ص 94) بالأوّل وكذا في التهذيب في كثير من النسخ،وفي بعضها بالثاني واختلفت الفتوى بسبب ذلك حتى من الفقيه الواحد(1).
هذا هو حقيقة الاضطراب، ولكنّه هل يمنع عن التوصيف بالصحّة، أو يسقطه عن الحجّية وإن كان صحيحاً؟ فله وجهان، الأقرب هو الأوّل، لأنّ الإضطراب في السند أو المتن يدلّ على عدم كون الراوي ضابطاً، وقد عرفت اشتراط الضبط في توصيف الخبر بالصحّة.

تقسيم الصحيح إلى ثلاثة أقسام:

إنّ جمعاً قد قسّموا الصحيح إلى ثلاثة أقسام : أعلى وأوسط و أدنى.
فالأعلى : ماكان اتّصاف الجميع بالصحة بالعلم أو بشهادة عدلين أو في البعض بالأوّل وفي البعض الآخر بالثاني.
والأوسط : ماكان اتّصاف الجميع بما ذكر بقول عدل يفيد الظنّ المعتمد، أو كان اتّصاف البعض به بأحد الطرق المزبورة في الأعلى، والبعض الآخر بقول البعض المفيد للظنّ المعتمد.
والأدنى: ماكان اتّصاف الجميع بالصحّة بالظن الإجتهادي، وكذا إذا كان صحّة بعضه بذلك والبعض الآخر بالظنّ المعتمد أو العلم أو شهادة عدلين.

1 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص147 و 148 وسيوافيك تفصيله في محلّه.

صفحه 60
وربّما يقال: إنّ كلاّ ً من الحسن والموثّق يقسّم إلى أعلى وأوسط وأدنى، على نحو ما مرّ في الصحيح.

ماهو الحجّة من الأقسام الأربعة؟

اختلفت كلمات فقهائنا في حجّية خبر الواحد، فذهب السيد المرتضى إلى عدم جواز العمل به، و على ذلك تنتفي فائدة التقسيم، لأنّه مقدّمة للعمل، وهو يرفض خبر الواحد على الاطلاق.
وأمّا على القول بجواز العمل به ـ كما هو الحق، فمنهم من خصّه بالصحيح، ومنهم من أضاف الحسن، ومنهم من أضاف الموثّق، ومنهم من أضاف الضعيف على بعض الوجوه. والسعة والضيق في هذا المجال تابعان لدلالة ما استدل به على حجّية خبر الواحد، فمن خصّ نتيجة الأدلّة بحجّية قول العدل فخصّ العمل بالصحيح، وأمّا من قال بعمومية النتيجة فأضاف إليها الموثّق، إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يكون وجهاً لهذا الاختلاف.
وقد اخترنا في أبحاثنا الاُصولية انّه لا دليل على حجية خبر الواحد إلاّ سيرة العقلاء التي أمضاها الشارع، و هي كانت بمرآه ومسمعه، والسيرة كما تدلّ على حجّية قول الثقة كذلك تدلّ على حجّية كلّ خبر حصل الوثوق بصدوره عن المعصوم، سواءاُحرزت وثاقته أم لم تحرز، بل إحراز وثاقة الراوي مقدّمة لحصول الوثوق بصدور الخبر، هذا هو المختار، وليس المراد من الوثوق هو الوثوق الشخصي بل النوعي ـ كما سيظهر ـ ، و على ذلك فيعمل بالصحيح والموثّق، وأمّا العمل بالحسن والضعيف فهو رهن حصول الوثوق بصدوره، ولأجل ذلك ربّما يكون تضافر الحديث، وإن كان حسناً أو ضعيفاً

صفحه 61
سبباً لحصول الوثوق .
وهذا هو الداعي لضبط الأخبار جميعاً، صحيحها وموثّقها و حسنها وضعيفها، ولايجوز لنا حذف الضعيف في جمع الأحاديث، إذ ربّما تحصل هناك قرائن على صدقه، و ربما يؤيّد بعضه بعضاً، و يشد بعضه بعضاً، وربّما يتراءى من قيام بعض الجدد بتأليف كتب حول الصحاح كالصحيح من الكافي، فهو خطأ محض، خصوصاً إذا كان تمييز الصحيح عن غيره مبتـنياً على الإجتهاد الشخصي والذوق الخاص، غير مبتن على منهج معروف بين العلماء، وأيّ تفريق بني على هذا المنهج يؤدي إلى ضياع كثير من الأخبار التي يشدّ بعضها بعضاً و يحصل للفقيه الوثوق الكامل بصدق الحديث.
وسيوافيك توضيح أكثر عند البحث عن شرائط قبول الرواية.

صفحه 62

صفحه 63

الفصل الثالث

فيما تشترك فيه الأقسام الأربعة:

1. المسند
2. المتّصل
3. المرفوع
4. المعنعن
5. المعلّق
6. المفرد
7. المدرج
8. المشهور
9. الغريب
10. الغريب لفظاً
11. المتّفق عليه
12. المصحّف
13. العالي سنداً
14. الشاذّ
15. المسلسل
16. المزيد
17. المختلف
18. الناسخ والمنسوخ
19. المقبول
20. المعتبر
21. المكاتب
22. المحكم
23. المتشابه
24. المشتبه والمقلوب
25. المشترك

صفحه 64
26. المؤتلف والمختلف
27. المدبّج ورواية الاقران
28. رواية الأكابر عن الأصاغر
29. السابق واللاّحق
30. المطروح
31. المتروك
32. المشكل
33. النّص
34. الظاهر
35. المؤوّل
36. المجمل
37. المبيّن

صفحه 65

الفصل الثالث:

فيما تشترك فيه الأقسام الأربعة

قد عرفت المعاني الأربعة التي هي اُصول علم الحديث و بقيت هنا أقسام.
منها: ما تشترك فيها الأقسام الأربعة جميعاً.
ومنها: مايختصّ ببعضها ـ وقد ذكر الشهيد من جملة المشترك ثمانية عشر نوعاً ومن المختصّ ثمانية ـ ونحن نذكر من المشترك سبعة وثلاثين نوعاً ومن المختصّ بالضعيف أربعة عشر نوعاً.
و إنّ هذا التقسيم منها ما يرجع إلى السند خاصّة كالمسند و المتّصل و المرفوع وغيرها.
و منها: مايرجع إلى المتن خاصّة، كالنصّ والظاهر و المؤوّل و... ماشاكلها.
و منها: مايرجع لهما معاً، كالمتروك والمطروح... فتدبّر.
وإليك الكلام في المشترك أوّلاً ثم المختص.

1 ـ المسند:

الخبر المسند اصطلاحاً : ما اتّصل سنده من أوّله إلى آخره ولم يسقط منه أحد، سواء أكان المروي عنه معصوماً أم غيره، و يطلق عليه المتّصل

صفحه 66
والموصول، ويقابله المنقطع.
وفي مصطلح علم الدراية ما اتّصل سنده مرفوعاً من راويهإلى منتهاه إلى المعصوم، والعامّة لا تستعمله إلاّ فيما اتّصل بالنبي(1) لانحصار المعصوم ـ حسب زعمهم ـ فيه، و عندنا: ما اتّصل بالمعصوم نبيّاً كان أو إماماً من الأئمّة المعصومين (عليهم السلام).

2 ـ المتّصل:

المتّصل : ما اتّصل إسناده إلى المعصوم أو غيره، وكان كلّ واحد من رواته قد سمعه ممّن فوقه أوما هو في معنى السماع كالإجازة و المناولة، فالمتّصل في الحقيقة هو المسند لكن لمّا خصّ المسند بما اتّصل بالمعصوم اصطلحوا في الأعمّ بلفظ المتّصل أو الموصول.
قال النووي: المتّصل ويسمّى الموصول، و هو: ما اتّصل اسناده مرفوعاً كان (إلى المعصوم) أو موقوفاً على من كان (2).
وبذلك يعلم أنّ النسبة بين المتّصل و المسند بالمعنى المصطلح عموم وخصوص مطلق، وقد قيل غير ذلك.

3 ـ المرفوع :

وفيه اصطلاحان:
أ ـ يطلق على ما أُضيف إلى المعصوم من قول بأن يقول في الرواية انّه (عليه السلام)

1 . النووي: التقريب والتيسير :1/147، نقلاً عن الخطيب البغدادي.
2 . النووي: التقريب والتيسير: 1/149.

صفحه 67
قال كذا، أو فعل بأن يقول فعل كذا،أو تقريربأن يقول فعل فلان بحضرته كذاولم ينكره عليه، فإنّه يكون قد أقرّه عليه، و أولى منه ما لو صرّح بالتقرير.
قال والد بهاء الدين العاملي: وهو مااُضيف إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو أحد الأئمّة (عليهم السلام)من أيّ الأقسام كان متّصلاً كان أو منقطعاً، قولاً كان أو فعلاً أو تقريراً (1)، فمقوّم المرفوع إضافته إلى المعصوم سواء كان له اسناد أو لا، وعلى فرض وجوده كان كاملاً أو ناقصاً، ولأجل ذلك ينقسم المرفوع إلى المتّصل وإلى غيره. قال الشهيد: سواء كان إسناده متصلاً بالمعصوم أممنقطعاً بترك بعض الرواة أوإيهامه، أو رواية بعض رجال سنده عمّن لميلقه.
وعلى هذا فالمرفوع في مقابل الموقوف، فإن اُضيف إلى المعصوم بإسناد أولا فهو مرفوع، وإذا اُضيف إلى مصاحب المعصوم بإسناد أو لا فهو موقوف، فالملاك في التسمية هو الإضافة إلى المعصوم أو مصاحبه سواء أكان مسنداً أم لا.
وقال النووى: المرفوع هو ما اُضيف إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصة، لايقع مطلقه على غيره، متّصلاً كان أم منقطعاً (2).
ب ـ وقد يطلق على ما اُضيف إلى المعصوم بإسناد منقطع، قال والد الشيخ بهاء الدين العاملي: واعلم أنّ من المرفوع قول الراوي يرفعه أو ينميه]ينسبه[ أو يبلغ به إلى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أحد الأئمّة عليهم السَّلام ، فمثل هذا

1 . حسين بن عبد الصمد: وصول الأخيار:ص103.
2 . التقريب والتيسير:1/149.

صفحه 68
يقال له الآن: مرفوع، و إن كان منقطعاً أو مرسلاً أو معلّقاً (1) بالنسبة إلينا الآن(2).
وكان سيد الطائفة المحقّق البروجردي، يقول: المرفوع ما اشتمل على لفظ الرفع، مثلاً إذا روى الكليني وقال: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عميريرفعه إلى الصادق (عليه السلام)فهو مرفوع.
ولكن الحديث في الواقع يمكن أن يكون متّصلاً بالنسبة إلى محمد بن يعقوب، أو علي بن إبراهيم إلاّ أنّ أحد الشخصين حذف السند فقطعه وعبّر مكانه لفظة « رفعه».

4 ـ المعنعن:

هو الخبر الذي جاء في سنده كلمة «عـن».
توضيح ذلك: أنّ الكليني تارة يقول: علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أُذينة، واخُرى يقول: حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثني إبراهيم بن هاشم، قال: حدثني ابن أبي عمير ،قال: حدثني ابن اُذينة عن الصادق ـ عليهالسلام ـ .
والمعنعن هو القسم الأوّل لاستفادة الراوي في إبداء اتصال السند بهذا الحرف دون غيره.
وهل هو من قبيل المرسل حتى يتبيّن اتصاله بغيره؟ لأنَّ العنعنة أعمّ من الاتصال لغة، أو من قبيل المتّصل؟ قال الشهيد: الصحيح إنّه من قبيل

1 . سيوافيك تفسير هذه المصطلحات الثلاثة.
2 . حسين بن عبد الصمد: وصول الأخيار ص104.

صفحه 69
المتّصل (بشرطين):
أ ـ إذا أمكن اللقاء، أي ملاقاة الراوي بالعنعنة لمن روى عنه.
ب ـ مع براءته من التدليس أي بأن لايكون معروفاًبه، وإلاّ لم يكف اللقاء، لأنّ من عرف بالتدليس قد يتجوّز في العنعنة مع عدم الإتصال.
لاشك أن(1)ّ العبارة ظاهرة في الاتصال وإن لم يكن نصّاً فيه، فهويفيدأنّهلقى المروي عنه وأخذه منه فلا يحتاج إلى إحراز اللقاء،بلالمانعهو إحراز عدم اللقاء، وأمّا الأمن من التدليس فتكفي وثاقة الراوي، وبذلك يظهر أنّه من قبيل المتصل لامن قبيل المرسل والمنقطع(2).

5 ـ المعلّق:

المعلّق: مأخوذ من تعليق الجدار أو الطلاق، وهو ما حذف من مبدأ إسناده واحد أو أكثر كما إذا روى الشيخ عن الكليني وقال: محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه... ومن المعلوم أنّ الشيخ لا ينقل عن الكليني بلا واسطة، إنّما ينقل عنه بالسند التالي مثلاً يقول: الشيخ المفيد، عن جعفر بن قولويه، عن الكليني.
إنّ جُلّ روايات الشيخ في كتابي التهذيب والاستبصار روايات معلّقة، ومثله الصدوق في الفقيه لأنّهما أخذا الروايات من الاُصول والكتب، و ذكرا طريقيهما إلى أصحابهما في المشيخة، فربّما يحذفان من مبدأ سند الحديث أكثر

1 . الشهيد الثاني (زين الدين العاملي): الرعاية في علم الدراية: ص99.
2 . لاحظ: مقباس الهداية في علم الدراية: ص38.

صفحه 70
من اثنين.
ولكن المعلّق لايخرج عن الصحيح إذا عرف المحذوف ، وعلم أنّه عادل، وأمّا إذا لم يعرف القائل، أو عرف ولم تعلم عدالته فيلحق بالضعيف(1).
وأمّا التعليق في الكافي فقليل جداً، لأنّه التزم بذكر جميع السند، نعم قد يحذف صدر السند في خبر بقرينة الخبر الذي قبله، مثلاً يقول: « علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس».
ويقول في الخبر الثاني: «ابن أبي عمير، عن الحسن بن عطيّه، عن عمر بن زيد»(2).
فقد حذف صدر السند اعتماداً على السند المتقدّم، ولأجل ذلك لونقل المحدّث الحديث الثاني من الكافي يجب أن يخرجه عن التعليق ويذكر تمام السند، لأنّ الكليني إنّما حذفه اعتماداً على الخبر السابق.
وإلى ذلك يشير صاحب المعالم ويقول: إعلم أنّه اتفق لبعض الأصحاب توهّم الانقطاع في جملة من أسانيد الكافي، لغفلتهم عن ملاحظة بنائه في كثير منها على طرق سابقة، وهي طريقة معروفة بين القدماء.
والعجب أنّ الشيخ ـ رحمه اللّه ـ ربّما غفل عن مراعاتها فأورد الأسناد من

1 . إنّ عدم التعلّق من الصفات المشتركة بين الأقسام الأربعة، لأجل انّه ربّما يعرف المحذوف من أوّل السند، كتعاليق الشيخ والصدوق في التهذيب والفقية. لأنّهما ذكرا طريقهما إلى أصحاب الكتب، الّتي أخذا الحديث منها، والحقّ انّ مثل هذا ، متصلاً ، لا معلّق، فالازم تخصيص المعلّق، بالمحذوف غير المعلوم من أوّل السند، وعلى ذلك يختصّ بالخبر الضعيف. ولأجل ذلك نأتي به في الفصل الآتي المنعقد لبيان صفات الخبر الضعيف.
2 . الكليني: الكافي:2/96 ـ حديث 16 و 17.

صفحه 71
الكافي بصورته و وصله بطرقه عن الكليني من غير ذكر للواسطة المتروكة، فيصير الاسناد في رواية الشيخ له منقطعاً ولكن مراجعة الكافي تفيد وصله، ومنشأ التوهّم الذي أشرنا إليه فقد الممارسة المطلقة على التزام تلك الطريقة(1).

6 ـ المفــرد:

وهو الخبر الذي ينفرد بنقله إمّا راو واحد أو نحلة واحدة، أو أهل بلد خاص(2).
فالأوّل : مثل ما رواه أبو بكر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):«نحن معاشر الأنبياء لانورّث ديناراً و لا درهماً، ما تركناه صدقة» فقد تفرّد بروايته أبوبكر ولم يروه عن النبي غيره.
و نظيره في رواياتنا ما تفرّد بنقله أحمد بن هلال أبو جعفر العبرتائي(3) ومثله ما تفرّد بنقله الحسن بن الحسين اللؤلؤي(4).
والثاني: ما تفرّد به الفطحية، فهناك روايات كثيرة بهذا السند: «أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن

1 . الحسن بن زين الدين: منتقى الجمان:1/24 ـ 25.
2 . والفرق بين الغريب والمفرد هو أنّ الأوّل جزء من الثاني لاختصاص الغريب بما إذا رواه راو واحد فقط، بخلاف المفرد فإنّه يعمّ القسمين الآخرين المذكورين في المتن.
3 . ولد عام 180 وتوفي 267، قال الشيخ: كان مغالياً متّهماً في دينه، و قد روى أكثر اُصول أصحابنا، لاحظ رجال النجاشي:1/218 برقم 197، و ج2 /243 برقم 940.
4 . وهو غير ما عنونه النجاشي :1 برقم 82،بل هو ما استثناه ابن الوليد من رجال كتاب نوادر الحكمة، لاحظ رجال النجاشي:2/243 برقم940.

صفحه 72
عمّار الساباطي»، وهؤلاء كلّهم فطحيّة.
والثالث: كما إذا تفرّد بنقله أهل بلد معيّن كمكّة والبصرة والكوفة.
ثم إنّ الحديث المفرد ليس مرادفاً للشاذّ وإنّما يوصف بالشاذّ إذا أعرض عنه الأصحاب، أو كان مخالفاً للكتاب والسنّة القطعية.

7 ـ المُدرَج :

وهو ما أدرج فيه كلام بعض الرواة فيظنّ أنّه من الحديث، وهو على أقسام يجمعها، ادراج الراوي أمراً في الحديث، والإدراج إمّا أن يكون في السند أو في المتن، وإليك بيانهما.
أ ـ أن يكون عنده متنان بإسنادين فينقلهما بسند واحد.
ب ـ أن يسمع حديثاً واحداً من جماعة مختلفين في سنده بأن رواه بعضهم بسند و رواه غيره بغيره .
ج ـ أو يسمع حديثاً واحداً من جماعة مختلفين في متنه مع اتفاقهم على سنده. فيدرج روايتهم جميعاً على الاتفاق في المتن أو السند و لايذكر الاختلاف.
وقال الشهيد: وتعمّد كل واحد من الأقسام الثلاثة حرام(1) .

8 ـ المشهـور :

وهو ما شاع عند أهل الحديث خاصّة دون غيرهم، بأن نقله منهم رواة كثيرون، ولايعرف هذا القسم إلاّ أهل الصناعة.

1 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص104، والنووي: التقريب والتيسير: 1/231.

صفحه 73
أو ماكان مشهوراً عند المحدّثين و غيرهم، كحديث «إنّما الأعمال بالنيّات» الذي هو من الروايات المشهورة بين المحدّثين و المفسّرين والفقهاء والعرفاء.
وأمّا إذا كان مشهوراً عند غيرالمحدّثين ولاأصل له، فهو داخل في الضعيف، وهذا كالنبويّات المعروفة في كتب العبادات و المعاملات من الفقه، أعني قوله:
أ ـ إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
ب ـ لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه.
ج ـ الصلاة لاتترك بحال.
إلى غير ذلك من الأحاديث المشهورة التي هي مراسيل معروفة، ولا سند لها، نعم ورد في ذيل صحيحة زرارة في حقّ المستحاضة أنّ أبا جعفر قال :... وإلاّ فهي مستحاضة تصنع مثل النفساء سواء، ثم تصلّي ولا تدع الصلاة على حال، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: « الصلاة عماد دينكم»(1)، فجرّد الحديث من الرواية وحرّف وصار كما سمعت(2).
وهل لمجرد شهرة الرواية ـ مع كونها مسندة ـ قيمة في مقام الإفتاء،أو أنّه يشترط أن يضمّ إليها عمل المحدّثين والمفتين؟ وإلاّ فلو نقلوا بلا إفتاء على مضمونها فهو يورث شكّاً في صحتها، بل يوجب ـ على التحقيق ـ خروجها عن الحجّية، وفيه بحث طويل و قد استوفيناه في البحوث الاُصوليّة من قسم حجّيّة الشهرة.

1 . الحر العاملي: وسائل الشيعة:2، الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 5.
2 . لاحظ: الرعاية في علم الدراية ـ قسم التعليقـ: ص105.

صفحه 74

9 ـ الغريب(1):

قد عرفت معنى الغريب وهو المتفرّد في الرواية، وله أقسام نذكرها:
أ ـ الغريب اسناداً و متناً، وهو ما تفرّد برواية متنه واحد من الرواة، ويليق أن يوصف بالغريب المطلق أي الفريد من الجهتين: السند والمتن.
ب ـ الغريب اسناداً خاصّة لا متناً : و عرّفه الشهيد بقوله: كحديث يعرف متنه عن جماعة من الصحابة مثلاً... إذا انفرد واحد بروايته عن آخر غيرهم(2).
وإن شئت قلت: إذا اشتهرت الرواية عن جماعة معيّنة من الصحابة، ولكن نقله الراوي بسند آخر لا ينتهي إلى تلك الجماعة، بل عن صحابي غير معروف بنقلها.
وهذا ما يسمّى بأنه غريب من هذا الوجه أي من هذا الطريق، وقد أكثر الترمذي في سننه، وابن الجوزي في كتاب الموضوعات من هذا التعبير.
ج ـ ما تفرّد واحد برواية متنه، ثم يرويه عنه جماعة كثيرة، فيشتهر نقله عن المتفرّد، فيعبّر عنه للتمييز عن سائر الأقسام بالغريب المشهور، لاتصافه بالغرابة في طرفه الأوّل ، وبالشهرة في طرفه الآخر ، واليه يشير الشهيد بقوله: «أو غريب متناً لا اسناداً بالنسبة إلى أحد طرفي الاسناد» فإنّ اسناده متّصف بالغرابة في طرفه الأوّل وبالشهرة في طرفه الآخر، وحديث: «إنّما الأعمال بالنيّات» من هذا الباب، غريب في طرفه الأوّل لأنّه ممّا تفرّد به من الصحابة

1 . مرّ وجه التكرار وقد ذكره الشهيد في هذا المقام مستوفياً ، كما و أجمله في المقام السالف.
2 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص 107.

صفحه 75
عمر، مشهور في طرفه الآخر .
و الحديث قد ورد في طرقنا عن أئمتنا (عليهم السلام)عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(1).
وقد يطلق الغريب على غير المتداول في الألسنة والكتب المعروفة ويخص ذلك باسم الشاذّ، ولكن الاصطلاح جرى على تسمية الشاذّ في مقابل الغريب، فإنّ الشاذ ما يكون في مقابله رواية مشهورة بخلاف الغريب(2).

10 ـ الغريب لفظـاً:

وهو في عرف الرواة والمحدّثين عبارة عن الحديث المشتمل متنه على لفظ غامض بعيد عن الفهم، لقلّة استعماله في الشائع من اللغة.
هذا، وإنّ فهم الحديث الغريب لفظاً جزءٌ من علوم الحديث، لانتشار اللغة وقلّة تمييز معاني الألفاظ الغريبة، فربّما ظهر معنى مناسب للمراد، والمقصود في الواقع غيره ممّا لم يصل إليه.
وقد صنّف فيه جماعة من العلماء، وأوّل من صنّف فيه هو: النَضْـر بن شُمَيْل، أو أبو عُبيدة مَعْمَر بن المُثَنّى، و بعدهما أبو عُبَيْد القاسم بن سلام، ثم ابن قتيبة، ثم الخَطّابي، فهذه اُمّهاته.
ثُمّ تبعهم غيرهم بزوائد وفوائد كابن الأثير، فانّه قد بلغ «بنهايته» النهاية، ثم الزمخشري، ففاق في «الفائق» كلّ غاية، ثم الهروي، فزاد في «غريبه» غريب

1 . الحر العاملي: الوسائل: 1/35، الباب5 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 10.
2 . الأنسب ذكر قسم «الغريب لفظاً» في المقام ذيلاً لمطلق الغريب كما فعلناه، ولكن الشهيد عنونه مستقلاّ ً وفصل بينهما بذكر بعض الأقسام.

صفحه 76
القرآن مع الحديث. هذا ما لدى السنّة الذي ذكره الشهيد، و أمّا عند الشيعة فمن ألّف فيه:
1. هو الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه(المتوفّى سنة 381)، ألّف ما أسماه بـ «معاني الأخبار».
2. الشيخ الجليل فخر الدين محمد النجفي الطريحي(المتوفّى عام 1085) فألّف ما أسماه بـ«غريب الحديث» وهو مطبوع منتشر.
3. ثمّ أردفه بكتاب آخر اسماه مجمع البحرين لغريب القرآن والحديث.
4. العلاّمة الحجّة نادرة عصره السيد محمود الطباطبائي(المتوفّى عام 1310).(1)

11 ـ المتّفق عليه :

إذا اتّفق المحدّثان أو أزيد على نقل خبر يطلق عليه «المتّفق عليه» كما إذا اتّفق البخاري ومسلم على نقل رواية أو اتّفق الثلاثة كماإذا اتّفق معهما النسائي أو الترمذي على نقله، فيطلق عليه «المتّفق عليه».
قال النووي: وإذا قالوا صحيح متّفق عليه، أو على صحّته فمرادهم اتفاق الشيخين(2).
ومثله ما إذا نقل فضلاء أصحاب الإمام رواية واحدة عن الإمام الصادق أو أبي جعفر الباقر ـ(عليهما السلام)، كزرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية وأمثالهم، فيطلق عليها رواية الفضلاء أو المتّفق عليها بين أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام).

1 . وقد رأيت جزئين كبيرين من هذا الكتاب عند بعض أحفاده عندما جاء بهما إلى قم المشرّفة ليقوم المحقّق البروجردي بطبعهما،وكانت الظروف قاسية فلم يتحقق أمله. عسى أن يبعث اللّه أهل الخير إلى نشرهما. وكانت النسخة بيد حجّة الإسلام السيّد علي أصغر المعروف بشيخ الإسلامرحمه اللّه .
2 . التقريب والتيسير:1/104.

صفحه 77
ومثله ما إذا اتّفق الكليني والصدوق على نقل رواية بسند و احد أو بسندين ، وأعلى منها ما إذا اتّفق المشايخ الثلاثة على نقلها كالكليني والصدوق والشيخ الطوسي، فإنّ للاتّفاق مزيّة واضحة لا تنكر.

12 ـ المُصحَّف:

التصحيف: هو التغيير، يقال: تصحّفت عليه الصحيفة أي غيّرت عليه فيها الكلمة، ومنه: تصحّف القارئ أي أخطأ في القراءة، فإنّ الخطأ رهن التغيير.
ثم التصحيف يقع تارة في السند، واُخرى في المتن، و ثالثة فيهما، فمن الأوّل تصحيف بريد بـ«يزيد» وتصحيف «حريز» بـ «جرير» وتصحيف «مراجم» بـ «مزاحم»، والتصحيف في الإسناد غير قليل. قال الشهيد: قد صحّف العلاّمة في كتب الرجال كثيراً من الأسماء، ومن أراد الوقوف عليها فليطالع «الخلاصة» له،و«إيضاح الاشتباه في أسماء الرواة» له أيضاً، وينظر ما بينهما من الاختلاف، وقد نبّه الشيخ تقي الدين بن داود على كثير من ذلك(1).
ومن التغيير في المتن قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من صام رمضان وأتبعه ستّاً من شوال» فقد صحّف فقرئ «وأتبعه شيئاً».
ثمّ إنّ منشأ التصحيف إمّا البصر، أو السمع.
أمّا الأوّل: فيحصل فيما إذا تقاربت الحروف، كما عرفت من الأمثلة.

1 . زين الدين (الشهيد الثاني): الرعاية في علم الدراية: ص109ـ110.

صفحه 78
وأمّا الثاني: فإنّما يحصل إذا كانت الكلمتان متشابهتين عند السمع كما في تصحيف عاصم الأحول، بواصل الأحدب فإنّ ذلك لا يشتبه في الكتابة على البصر.
ثم إنّ بعضهم خصَّ اسم المصحّف بما غُيّرت فيه النقط مع الحفاظ على الشكل، كما تقدم.
وأمّا ما لوغيِّر فيه الشكل ـ هيئة الكلمة ـ مع بقاء الحروف، فسمّاه بالمُحرَّف، كما في قولهم جبّة البُرد، جُنّة البَرْد، فلو قرئت كلتا الكلمتين (البُرْد ـ البَرْد) على نسق واحد إمّا بضم الباء أو بفتحها فهو محرّف، ومثله«الجاهل إمّا مفرِط أو مفرّط» فلو قرئ «المفرط» على نسق واحد إمّا بالتخفيف أو بالتشديد فهو محرّف(1).

13 ـ العالي سنداً:

وعرّف بقليل الواسطة مع اتّصاله إلى المعصوم، قال النووي: الإسناد خصيصة لهذه الاُمّة وسنَّة بالغة مؤكّدة، وطلب العلو فيها سنّة، ولهذا استحبّت الرحلة، ثم ذكر أقسامه حسب منهجه(2) .
لا شكّ أنّه كلّما قلّت الوسائط في نقل الخبر، قلّ الخطأ والاشتباه، وعلى العكس كلّما كثرت الوسائط زاد احتمال الخطأ، ولأجل ذلك يعدّ علوّ الاسناد وقلّة الوسائط من مرجّحات الخبر ومزاياه، وقد كان طلب علوّ

1 . الخطيب القزويني: تلخيص المفتاح:2/194،مع شرح سعد الدين ـطبع المكتبة المحمودية الأزهرـ، وعبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص43.
2 . النووي: التقريب والتيسير: 2/145 ـ 147.

صفحه 79
الاسناد سنّة عند أكثر السلف، وكانوا يرحلون إلى المشايخ في أقصى البلاد لأجل ذلك، حتى أنّ جماعة من أصحابنا الإماميّة دوّنوا الأحاديث العالية باسم «قرب الإسناد» ، منهم الثقة الجليل عبد اللّه بن جعفر الحميري(1).
وفي الوقت نفسه ربّما ينعكس الحال فيما إذا كان قلّة الوسائط على خلاف المتعارف كما إذا روى المتأخّر عن شيخ متقدّم يبعد أنّه أدركه ولاقاه وأخذ منه الحديث، وفيما إذا وجدت مزيّة في الجانب المقابل كأن يكون الرواة أوثق وأحفظ وأضبط من عالي الإسناد.
وبما أنّ الخبر العالي الإسناد اكتسب في أوساط المحدّثين مكانة،صار مطمحاً للمدلّسين، فربّما يروون الحديث بوسائط قليلة حتى يكتسب قيمة بين المحدّثين مع أنّ الراوي لم يدرك المرويّ عنه.

1 . وقد ذكر شيخنا الجليل في موسوعته الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ما سمّي باسم «قرب الإسناد» وإليك نصّه بتلخيص منّا:
1 ـ قرب الإسناد لأبي الحسين الكرخي ابن معمّر، حكاه الشيخ في الفهرست عن ابن النديم.
2 ـ قر ب الإسناد، لشيخ القمّيين أبي العبّاس عبد اللّه بن جعفر الحميري، سمع منه أهل الكوفة في سنة نيف وتسعين ومائتين، وقد جمع الأسانيد العالية إلى كلّ إمام في جزء، والموجود بعضمنها.
3ـ قرب الإسناد للشيخ الجليل، والد الصدوق، الشيخ أبي الحسن علي بن حسين بن موسى بن بابويه القمّي يروي عنه النجاشي بواسطة شيخه عبّاس بن عمر الكلوذاني، وهذا سند عال لأنّ النجاشي توفّي سنة 450هـ وروى عن والد الصدوق المتوفى سنة 329هـ بواسطة واحدة.
4 ـ قرب الإسناد لمحمّد بن جعفر بن بطّة، أبي جعفر المؤدّب القمّي كثير الأدب والعلم والفضل.
5 ـ قرب الإسناد لأبي جعفر محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، صاحب بعد الاسناد.
6 ـ قرب الإسناد لأبي جعفر محمّد بن أبي عمران الكاتب القزويني، رآه النجاشي ولم يتّفق له السماع منه (الذريعة:17/67ـ 70).
والمظنون أنّ الأوّل والأخير في غير الحديث.

صفحه 80
فهذه الوجوه تدفعنا إلى التثبّت والتبيّن، حتى لا نغترّ بقلّة الوسائط.
وأمّا أقسامه:
1 ـ أعلاها وأشرفها هو قرب الإسناد من المعصوم بالنسبة إلى سند آخر يُروى به ذلك الحديث بعينه بوسائط كثيرة وهو العلوّ المطلق، فإن اتّفق مع ذلك أن يكون سنده صحيحاً ولم يرجّح غيره عليه بما تقدّم، فهو الغاية القصوى.
2 ـ ثمّ بعد هذه المرتبة في العلوّ، قرب الإسناد لا بالنسبة إلى المعصوم بل إلى أحد أئمّة الحديث، كـ«حسين بن سعيد الأهوازي»(1)، مؤلّف كتاب الثلاثين، ومحمد بن أحمد بن يحيى الأشعري(2)، مؤلّف نوادر الحكمة، والكليني والصدوق والشيخ وأضرابهم.
3 ـ ما يتقدّم زمان سماع أحد الراويين في الإسنادين على زمان سماع الآخر، وإن اتّفقا في العدد الواقع في الإسناد، أو في عدم الواسطة بأن كانا قد رويا عن واحد في زمانين مختلفين. فأوّلهما سماعاً أعلى من الآخر لقرب زمانه من المعصوم بالنسبة إلى الآخر، والعلوّ بهذين المعنيين، يعبّر عنه بـ: العلوّ النسبي.
4 ـ وزاد بعضهم للعلوّ معنى رابعاً وهو تقدّم وفاة راوي أحد السندين

1 . من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي ـ عليهم السلام ـ ، كوفي انتقل إلى الأهواز ثم إلى قم فتوفّي فيها يروي عن عدّة مثل صفوان بن يحيى (ت 210هـ) وحمّاد بن عيسى (ت 209هـ).
2 . وهو ممّن لم يرو عنهم ـ عليهم السلام ـ توفّي حوالي 293هـ، فلو روى أحد الراويين عن الحسين بن سعيد، والآخر عن الأشعري، فللأوّل مزيّة علوّ السند.

صفحه 81
المتساويين في العدد على من في طبقته من راوي السند الآخر، فإنّ المتقدّم عال بالنسبة إلى المتأخّر(1).
هذه هي الصور الأربعة التي وردت في كتب الدراية، ولكن الاهتمام بعلوّ الاسناد لأجل كونها أقرب إلى الواقع، وليس هذا الملاك موجوداً في جميع الصور، وإنّما الموجود في بعضها يظهر بالتأمّل(2)، و هذا ما يعبّر عنه بـ: العلو المعنوي، و ليس هو مراداً في هذا المقام.
و يقابل هذا العالي سنداً ـ تعريفاً وتحديداً ، و شروطاً و أقساماًـ النازل سنداً، و قدعدّوه قسماً برأسه.
وكان الأنسب في المقام ذكر بعض الأقسام مثل رواية الأقران أو المُدَبَّج أو رواية الأكابر عن الأصاغر، وسيجيئ في محلّها تبعاً للشهيد.

14ـ الشاذّ:

وهو ما رواه الثقة مخالفاً لما رواه المشهور، ويقال للطرف الراجح: المحفوظ أيضاً، هذا فيما إذا كان الراوي ثقة، ولو كان غير ثقة فهو منكر.
واختلفت الأقوال في قبول الشاذّ، فمنهم من قبله نظراً إلى كون راويه ثقة، فيرجع في مقام العلاج إلى قواعد التعارض.

1 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص115، عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص44.
2 . ثم إنّهم ذكروا لعلوّ الإسناد صوراً مختلفة من «الموافقة» و «الإبدال» و «المساواة» و «المصافحة» لا طائل تحتها، ولعلّها غير موجودة في رواياتنا، توجد أمثلتها ذكرناها في محلّها، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى «مقباس الهداية 44، من مؤلّفات أصحابنا، وشرح النخبة لابن حجر العسقلاني (ت852): ص51، وتدريب الراوي لجلال الدين السيوطي (ت 911):2/150».

صفحه 82
ومنهم من ردّه نظراً إلى شذوذه، وقوة الظنّ بصحة جانب المشهور.
والمختار ، أنّ الشاذّ المخالف للمشهور المفتى به عند القدماء ليس بحجّة، وإن كان صحيحاً، وقد أقمنا برهانه عند البحث عن حجيّة خبر الواحد، واستظهرناها من مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها، فلاحظ. فالشذوذ لا ينافي الصحة و إن كان ينافي الحجّية.

15ـ المسلسل:

وهو عبارة عمّا تتابع رجال أسناده على صفة أو حالة، فتارة يتّصف بهما الرواة واُخرى الرواية ،وإليك بيان كلا القسمين:
أمّا في الراوي، فكقيام كل منهم حين الرواية، أو الاتّكاء أو المشي أو الجلوس أو نحو ذلك ممّا يُعدّ من اتّحاد الرواة في فعل حال نقل الرواية. وربّما يجتمع القول والفعل فيهم، كما إذا قال: صافحني فلان وروى لي، قال: صافحني فلان وروى لي، فاجتمع فيه قولٌ، أعني: «صافحني» مع فعل، أعني: نفس المصافحة، ونظير ذلك ما إذا قال كلّ واحد: لقّمني فلان بيده لقمة وروى لي، قال: لقّمني فلان بيده وروى لي... إلى آخر الأسناد.
ومن التسلسل بصفات الراوي، اتّفاق أسماء الرواة كالمسلسل بالمحمدين أو الأحمدين أو أسماء آبائهم أو كناهم أو أنسابهم أو ألقابهم أو صناعاتهم أو حرفهم.
وأمّا التسلسل في الرواية كما إذا اتّحدت صيغ الأداء في جميع السند، كما إذا قال الجميع: سمعت فلاناً أو أخبر فلان، أوأخبر فلان واللّه، أو أشهد باللّه لسمعت فلاناً.

صفحه 83
ومن التسلسل ما يتعلّق بالزمان، كسماع جميع آحاد السند في يوم الخميس أو يوم العيد.
و منه ما يتعلّق بالمكان كسماع كلّ عن صاحبه في المسجد أو المدرسة أو البلد الفلاني.
وقد يقع التسلسل في معظم السند دون جميعه، ويقال للأوّل: المسلسل التّام، مقابل الثّاني الذي هو ناقص أو في بعض السند.
ومن نماذج المسلسل في روايات أصحابنا الإماميّة: ما نقله الصدوق في الخصال عن الإمام الرضا (عليه السلام)بالنحو التالي: حدّثني أبي: موسى بن جعفر، قال: حدّثني أبي: جعفر بن محمّد، قال: حدّثني أبي: محمّد بن علي، قال: حدّثني أبي: علي بن الحسين، قال: حدّثني أبي: الحسين، قال : حدّثني أخي: الحسن بن عليّ، قال: حدثني أبي: عليّ بن أبي طالب، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «خلقت أنا وعليّ من نور واحد»(1).
وقد يكون التسلسل في الحديث من جهات شتّى لا تخفى على القارئ الكريم.
قال الشهيد:
والتسلسل ليس له مدخل في قبول الحديث وعدمه وإنّما هو فنّ من فنون الرواية ، وضروب المحافظة عليها والاهتمام بها. وفضيلته اشتماله على مزيد الضبط، والحرص على أداء الحديث بالحالة التي اتّفقت بها من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأفضله ما دلّ على اتّصال السماع لأنّه أعلى مراتب الرواية. وقلّما

1 . الصدوق: الخصال:ص31.

صفحه 84
تسلم المسلسلات عن ضعف في الوصف بالتسلسل، فقد طعن في وصف كثير منها في أصـلالمتن(1).
وقال والد بهاء الدين العاملي: وقد اعتنى العامّة بهذا القسم وقلّ أن يسلم لهم منه شيء إلاّ بتدليس أو تجوّز أو كذب يزيّنون به مجالسهم وأحوالهم، وهو مع ندرة اتّفاقه عديم الجدوى(2).

16 ـ المزيد:

وهو المشتمل على زيادة في المتن أو السند، ليست في غيره، أمّا المتن، فبأن يروي فيه كلمة زائدة تتضمّن معنى لا يستفاد من غيره، وأمّا السند; فبأن يرويه بعضهم بإسناد مشتمل على ثلاثة رجال معيّنين مثلاً، فيرويهم المزيد بأربعة يتخلّل الرابع بين الثلاثة، فالأوّل هو المزيد في المتن، والثاني هو المزيد في الإسناد.
أمّا الزيادة في المتن فهي مقبولة إذا وقعت الزيادة من الثقة، لأنّ ذلك لا يزيد على نقل حديث مستقلّ حيث لا يقع المزيد منافياً لما رواه غيره من الثقات(3).
نعم لو أوجبت الزيادة صيرورة الروايتين متضادّتين تعاملان معاملة المتعارضتين أوالمختلفتين.
وأمّا الزيادة في السند، فهي كما إذا أسنده المزيد وأرسله الآخرون، أو

1 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص120.
2 . الشيخ حسين العاملي: وصول الأخيار إلى اُصول الأخبار: ص101، ولاحظ مقباس الهداية:ص47.
3 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص121.

صفحه 85
وصله وقطعه الآخرون، أو رفعه إلى المعصوم ولكن الآخرين وقفوه على من دونه، و هي مقبولة إذا كان الراوي ثقة لعدم المنافاة إ ذ يجوز اطّلاع المسنِد والموصِل والرافع على ما لم يطّلع عليه غيره أو تحريره لما لم يحرّره الآخرون، فهو كالزيادة غير المنافية فتقبل، ولو احتمل كون النقص من باب السهو، فيقدّم المزيد أيضاً وذلك لأنّه إذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة، فالنقيصة أولى، لأنّ النقيصة السهويّة ليست ببعيدة عن الإنسان الذي خلق ضعيفاً، بخلاف الزيادة السهويّة التي هي أقلّ بالنسبة إليها.
قال والد شيخنا بهاء الدين العاملي: «وأمّا النقص فبأن يروي الرجل عن آخر وعلم أنّه لم يلحقه أو لحقه ولم يرو عنه، فيكون الحديث مرسلاً أو منقطعاً، وإنّما يتفطّن له المتضلّع بمعرفة الرجال ومراتبهم و نسبة بعضهم إلى بعض، وممّا يعين على ذلك معرفة أصحاب الأئمّة واحداً واحداً ومن لحق من رواة الأئمّة ومن لم يلحقهم(1).

17ـ المختلف:

إنمّا يوصف الحديث بالمختلف إذا قيس إلى غيره فعندئذ، تتجلّى إحدى النسب الأربعة، فتارة تكون النسبة بينهما التساوي، واُخرى التباين، وثالثة العموم و الخصوص مطلقاً ، ورابعة العموم والخصوص من وجه(2).

1 . الشيخ حسين العاملي: وصول الأخيار: ص117.
2 . ومن أمثلته ما روي: إذا بلغ الماء قُلّتين لم يحمل خَبَثاً. و ما روي: خلق اللّه الماء طهوراً لاينجّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه، فإنّ الأوّل ظاهر في طهارة القلّتين تغيّرا أم لا، والثاني ظاهر في طهارة غير المتغيّر سواء كان قلّتين أو أقل.

صفحه 86
والمراد من المختلف هو غير القسم الأوّل. وعرّفه الشهيد بقوله: أنيوجد حديثان متضادّان في المعنى ظاهراً سواء تضادّا واقعاً، كأن لايمكنالتوفيق بينهما بوجه، أو ظاهراً فقط كأن يمكن الجمع بينهما، فالمختلفان في اصطلاح الدراية هما المتعارضان في اصطلاح الأُصوليّين، والمتوافقانخلافه. وقد ورد التعبير بالاختلاف عن التعارض في أكثر رواياتالباب(1).
وأمّا ما هي الوظيفة تجاه الخبرين المختلفين، فقد قرّر في علم الأُصول في مبحث التعادل والترجيح فلا نطيل الكلام فيه. وأوّل من جمع من أصحابنا الأخبار المختلفة هو الشيخ الطوسي ( 385 ـ 460هـ) فقد ألّف كتاب الإستبصار في ذلك المضمار، وقد ذكر النجاشي والشيخ الطوسي رسائل للأصحاب في اختلاف الحديث(2).
قال النووي: «معرفة مختلف الحديث وحكمه، فن من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وهو أن يأتي حديثان متضادّان في المعنى، فيوفّق بينهما أو يرجّح أحدهما، وصنّف فيه الإمام الشافعيّ ولم يقصد استيفاءه، بل ذكر جملة ينبّه بها على طريقه.
ثم صنّف فيه ابن قتيبة، فأتى بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة وترك

1 . الحر العاملي: الوسائل :18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 5، 11، 21، 29، 30، 34، 36، 40، 48، ولم يرد لفظ التعارض إلاّ في مرفوعة زرارة الّتي رواها ابن أبي جمهور مرسلاً عن العلاّمة، وهو رفعها إلى زرارة، ونقلها الأنصاري بطولها في رسالة التعادل والترجيح.
2 . النجاشي: الرجال: ص207 برقم 888 في ترجمة ابن أبي عمير، الطوسي: الفهرست:211 برقم 810 في ترجمة يونس بن عبد الرحمن، وكتاب اختلاف الحديث ومسائله عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) .

صفحه 87
معظم الاختلاف»(1).

18 ـ الناسخ والمنسوخ:

ورد النسخ في اللغة لمعان منها: الإزالة والنقل، وفي الإصطلاح: رفع الحكم السابق بدليل مثله على وجه لولاه لكان ثابتاً.
والنسخ وإن كان رافعاً للحكم السابق ظاهراً إلاّ أنّه في الشرع بيان لانتهاء أمده، و إلاّ استلزم البداء وهو ممتنع في حقّه سبحانه.
ثمّ إنّ اليهود منعوا إمكانه والبعض الآخر منع وقوعه، والنظر الموضوعي إلى تاريخ الشرائع السالفة والشريعة المقدّسة الإسلامية يدلّ بوضوح على وقوعه فضلاً عن إمكانه.
اتّفقوا على نسخ القرآن بالقرآن وبالسنّة القطعيّة، وإنّما اختلفوا في جوازه بخبر الواحد إلاّ أنّهم لم يختلفوا في نسخ السنّة بمثلها. إنّما الكلام في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ، فذكر الشهيد الطرق التالية:
1 ـ النصّ من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها».
2 ـ نقل الصحابي مثل: «كان آخر الأمرين من رسول اللّه ترك الوضوء ممّا مسّت النار».
3 ـ التاريخ، فإنّ المتأخّر منهما يكون ناسخاً للمتقدّم.
4 ـ الإجماع، كحديث قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة، نسخه الإجماع

1 . النووي: التقريب والتيسير: 2/175 ـ 176.

صفحه 88
على خلافه، حيث لا يتخلّل الحدّ(1).
نعم لا يثبت النسخ بقول مطلق الصحابي و إنّما يشترط فيه كل ما يشترط في حجيّة خبرالواحد، وأمّا ثبوته بالتأريخ فيشترط ثبوت تأخّر الثاني عن الأوّل بالدليل، وقد ورد في أحاديث أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ما يؤيّد ذلك:
روى محمد بن مسلم، عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: قلت له ما بال أقوام يروون عن فلان، عن فلان، عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)لايتّهمون بالكذب،فيجيء منكم خلافه؟ قال (عليه السلام): «إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن»(2).
و روى منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام)اخبرني عن أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال (عليه السلام): بل صدقوا، قلت: فما بالهم اختلفوا؟ قال (عليه السلام): «أما تعلم أنّ الرجل كان يأتي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك ماينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً»(3).
وعلى كل تقدير ، فالحديث المتأخّر الصادر عن الأئمّة ليس ناسخاً، بل كاشف عن الناسخ الوارد على لسان النبي، لانقطاع الوحي بعد رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)(4).

1 . النووي: التقريب و التيسير: 2/170و172، الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص128، والقسم الرابع من أقسام تقييد إطلاق الخبر بالإجماع وليس نسخاً.
2 . الكليني: الكافي:1/65.
3 . الكليني: الكافي:1/65.
4 . قال أمير المؤمنين (عليه السلام) عند تغسيل رسول اللّه وتجهيزه: بأبي أنت واُمّي يا رسول اللّه، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والأنباء وأخبار السماء. نهج البلاغة: الخطبة235.

صفحه 89

19ـ المقبول :

هو الحديث الذي تلقّاه الأصحاب بالقبول والعمل بمضمونه، وهل هو من الأقسام المشتركة بين الصحيح و غيره، أو لا ؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ الصحيح لاينقسم إلى المقبول و غير المقبول، بل هو مقبول مطلقاً عند الأكثر، أو إذا لم يكن شاذّاً على ما هو التحقيق، أو لم تكن فيه علّة ـ كما عليه جمهور أهل السنّة ـ وأمّا الضعيف فينقسم إلى المقبول ومقابله.
نعم يمكن جعله من الأقسام المشتركة بين الصحيح و غيره، و من الطوارئ عليهما جميعاً إذا خصّصنا جواز العمل بالصحيح ولم يعمّ الموثّق والحسن، فعندئذ تنقسم الأقسام الثلاثة إلى المقبول و عدمه.
والمثال الواضح للمقبول هو حديث عمر بن حنظلة الوارد في حال المتخاصمين من أصحابنا الذي رواه المشايخ الثلاثة في جوامعهم(1) وإليك سنده:
«محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، قال: سألتُ أبا عبداللّه (عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحا كما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟..»(2).
قد تلقّاه الأصحاب بالقبول في باب القضاء وعليه المدار في ذلك

1 . الكليني: الكافي:1/67 الحديث10، الصدوق: الفقيه:2/5، الشيخ الطوسي: التهذيب :6/301 الحديث 52.
2 . الحرّ العاملي: و سائل الشيعة:18/98 ـ الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.

صفحه 90
الباب، وقد ورد في طريقه ثلاثة أشخاص :
1 ـ محمد بن عيسى اليقطيني، ضعّفه ابن الوليد عند استثنائه 27 شخصاً من رجال نوادر الحكمة، و قد ثبت وثاقته و إنّ تضعيفه موهون.
2 ـ د(1)اود بن الحصين، و هو كوفي ثقة، و إن ضعّفه الشهيد الثاني في درايته.
3 ـ عمر بن حنظلة، لم ينصّ الأصحاب فيه بجرح و لا تعديل، قال الشهيد: لكن أمره عندي سهل لأنّي حقّقت توثيقه من محلّ آخر و إن كانوا قد أهملوه(2).
قال صاحب المعالم: ومن عجيب ما اتفق لوالدي ـ رحمه اللّه ـ في هذا الباب أنّه قال في شرح بداية الدراية: إنّ عمر بن حنظلة لم ينصّ الأصحاب عليه بتعديل و لاجرح، ولكنّه حقّق توثيقه من محل آخر، وجدت بخطه ـ رحمه اللّهـ في بعض مفردات فوائده ماصورته:
عمر بن حنظلة غير مذكـور بجرح و لا تعـديل، ولكنّ الأقوى عندي أنّه ثقة لقول الصادق (عليه السلام)في حديث الوقت :«إذا ً لايكذب علينا».
والحال أنّ الحديث الذي أشار إليه ضعيف الطريق، فتعلّقه به في هذا

1 . النجاشي:الرجال:2 برقم 939 ونقل عن أبي العبّاس بن نوح أنّه صدّق ابن الوليد في جميع من استثناه إلاّ في محمد بن عيسى فقال: فلا أدري ما رابه فيه لأنّه كان على ظاهر العدالة و الثقة.
2 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص131.

صفحه 91
الحكم مع ما علم من انفراد به غريب، ولولا الوقوف على الكلام الأخير لم يختلج في الخاطر أنّ الاعتماد في ذلك على هذه الحجّة.(1)
أقـول : رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس عن يزيد بن خليفة، قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام):إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبداللّه (عليه السلام): «إذاً لا يكذب علينا»(2).
فالسند لابأس به إلاّ يزيد بن خليفة فإنّه واقفي لم يوثّق، قال النجاشي: روى عن أبي عبداللّه (عليه السلام)له كتاب، وذكره الشيخ تارة من أصحاب الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ واُخرى من أصحاب الإمام الكاظم ـ عليه السلام ـ ، و عنونه الكشّي برقم(160)، ولم يظهر منه توثيق ولكنّه يروي عنه صفوان بن يحيى، وقد ادّعى الشيخ أنّ صفوان لايروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة مثل ابن أبي عمير و البزنطي، وقد أثبتنا في أبحاثنا الرجالية أنّ الضابطة غير منتقضة(3).
إلى هنا تمّ ما ذكره الشهيد حول الصفات المشتركة بين الأقسام الأربعة، و هناك صفات اُخرى لم يذكرها الشهيد، فلا بأسَ بالإشارة إليها.

20 ـ المعتبر:

وهو ما عمل الجميع أو الأكثر به أو اُقيم الدليل على اعتباره لصحّة اجتهادية أو وثاقة أو حسن ، هو بهذا التفسيرأعمّ من المقبول.

1 . حسن بن زين الدين، منتقى الجمان:1/19.
2 . الكليني: الكافي:3، الباب الخامس من أبواب وقت صلاة الظهر و العصر، الحديث 1.
3 . لاحظ في الوقوف على آراء الرجاليين في حقّه: معجم رجال الحديث:20، برقم 13653 و13654.

صفحه 92

21 ـ المكاتب:

وهو الحديث الحاكي عن كتابة المعصوم (عليه السلام)سواء كتبه ابتداء لبيان حكم أو غيره أو في مقام الجواب، وعمّمه بعضهم إلى ما إذا كان بغير خطّه مع كون الإملاء منه.

22 و23 ـ المحكم و المتشابه:

فالمحكم ما علم المراد به من ظاهره من غير قرينة تقترن به ولا دلالة تدل على المراد به لوضوحه، وأمّا المتشابه فقد يكون في المتن، وقد يكون في السند، فالمتشابه متناً هو ماكان للفظه معنى غير راجح، وإن شئت قلت: ما علم المراد به لقرينة ودلالة، والمتشابه سنداً ما اتفقت أسماء سنده خطّاً ونطقاً، و اختلفت أسماء آبائهم نطقاً مع الإئتلاف خطّاً كمحمد بن عقيل، فإنّ عقيلاً يقرأ بفتح العين تارة و بضمّها أُخرى، فبفتح العين اسم للنيسابوري و بضمّها اسم للفريابي، وقد يتّفقان في الاسم واسم الأب ويختلفان في اسم الجد أو في اللقب، فالأوّل كأحمد بن محمّد بن خالد وأحمد ابن محمد بن عيسى، فالأوّل هو البرقي المتوفّى عام 274هـ، و الثاني أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري رئيس القمّيّين، وأمّا الإختلاف في اللقب مثل أحمد ابن محمد بن عيسى الأسدي وأحمد بن محمد بن عيسى القسري، وربّما يطلق على هذا القسم المتّفق و المفترق أو المؤتلف والمختلف(1).

1 . والذي يوافيك برقم 26 غير ذلك، فلاحظ.

صفحه 93

24 ـ المشتبه المقلوب:

وهو اسم للسند الذي يقع الإشتباه فيه في الذهن لا في الخطّ، ويتّفق ذلك في الرواة المتشابهين في الاسم بأن يكون اسم أحد الراويين كاسم أب الآخر خطّاً و لفظاً، و اسم الآخر كاسم أب الأوّل كذلك، و ذلك مثل أحمد ابن محمد بن يحيى، المشتبه بـ محمد بن أحمد بن يحيى، فإنّ الأوّل هو أحمد بن محمد بن يحيى العطّار القمّي والثاني هو محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة، وأمثلته كثيرة.

25 ـ المشـترك:

وهو ماكان أحد رجاله أو أكثرها مشتركاً بين الثقة وغيره، و لابد من الرجوع الى تمييز المشتركات، والتمييز يحصل بقرائن الزمان، وأُخرى بالراوي، وثالثة بالمروي عنه، وأحسن ما اُلِّف في هذا الباب هو كتاب تمييز المشتركات للكاظمي، و هناك طريق آخر لتمييز المشتركات و هوممارسة الأسانيد حتى يتعرّف المحدّث على الطبقات و عندئذ يتعرف على الراوي المشترك وتحصل عنده ملكة التمييز بسهولة.
والطريق الأوّل تقليدي، والثاني اجتهادي وهو الذي سلكه سيد المحققين البروجردي ـقدس سره ـ .

26 ـ المؤتلف والمختلف:

ومجموعهما اسم لسند اتفق فيه اسمان فما زاد خطّاً واختلفا نطقاً سواء

صفحه 94
أكان مرجع الاختلاف إلى النقط أم الشكل، وذكروا لذلك أمثلة فمنها جرير وحريز، فالأوّل اسم لجرير بن عبداللّه البجلي الصحابي والثاني اسم لحريز بن عبداللّه السجستاني ـالذي يروي عن الصادق (عليه السلام)ـ ومنها الهَمْداني والهَمَذاني، الأوّل بسكون الميم والدال المهملة، والثاني بفتح الميم والذال المعجمة، فالأوّل نسبة إلى هَمْدان قبيلة في اليمن والثاني اسم لمدينة في إيران، فمن الأوّل محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، ومحمّد بن الأصبغ، وسندي بن عيسى ، ومحفوظ بن نصر و خلق كثير. بل كثير من الرواة منسوبون إلى هذا الاسم، لإنّها قبيلة صالحة موالية لأميرالمؤمنين (عليه السلام)، ومن الثاني محمد بن يحيى، ومحمد بن الوليد، وعلي بن الفضيل، و إبراهيم بن سليمان، وأحمد بن النضر، وعمرو بن عثمان، و عبدالكريم بن هلال الجعفي.

27 ـ المدبّج ورواية الأقران:

إنّ الراوي والمروي عنه إن تقارنا في السن أو في الإسناد و اللقاء ـ وهو الأخذ من المشايخ ـ فهو النوع الذي يقال: له رواية الأقران، لأنّه حينئذ يكون راوياً عن قرينه و ذلك كالشيخ أبي جعفر الطوسي(385هـ ـ 460هـ) والسيد المرتضى (355 هـ ـ 436هـ)، فإنهما أقران في طلب العلم والقراءة على الشيخ المفيد، وإن كان السيد متقدّماً عليه ميلاداً.

28 ـ رواية الأكابر عن الأصاغر:

هذا إذا كان المروي عنه دون الراوي في السن أو في اللقاء، فروى عمّن دونه فهو النوع المسمّى برواية الأكابر عن الأصاغر، كرواية الصحابي عن

صفحه 95
التابعي، والتابعي عن تابعي التابعي.

29 ـ السابق واللاحق:

وهو ما اشترك اثنان في الأخذ عن شيخ و تقدّم موت أحدهما على الآخر . قال الشهيد: وأكثر ما وقفنا عليه في عصرنا من ذلك ستّ وثمانون سنة، فإنّ شيخنا المبرور نور الدين علي بن عبدالعالي الميسي والشيخ الفاضل ناصر بن إبراهيم البويهي الإحسائي، كلاهما يرويان عن الشيخ ظهير الدين ابن محمد بن الحسام، وبين وفاتيهما ماذكرناه، لأنّ الشيخ ناصر البويهي توفّي سنة اثنتين و خمسين وثمانمائة وشيخنا الميسي توفّي سنة ثمان و ثلاثين وتسعمائة(1).

30 ـ المطـروح:

وهو ما كان مخالفاً للدليل القطعي ولم يقبل التأويل، وربّما يتّحد مع الشاذّ في النتيجة و إن لم يتّحدا في الإسم.

31 ـ المتـروك:

مايرويه من يتّهم بالكذب ولا يعرف ذلك الحديث إلاّ من جهته، ويكون مخالفاً للقواعد المعلومة .

1 . الشهيد الثاني ـ زين الدينـ: الرعاية في علم الدراية: ص366.

صفحه 96

32 ـ المشكل:

وهو المشتمل على مطالب غامضة لا يفهمها إلاّ العارفون(1)، وأمّا إذا اشتمل على ألفاظ غريبة لا يعرف معناها إلاّ الماهر فهو داخل في الغريب لفظاً.

33 ـ النَـصّ:

وهو ماكان صريحاً في الدلالة لايحتمل إلاّ معنىً واحداً.

34 ـ الظاهـر:

وعرّف بما دلّ على معنى دلالة ظنيّة راجحة مع احتمال غيره كالألفاظ التي لها معان حقيقية إذا استعملت بلا قرينة تجوّزاً سواء كانت لغوية أو شرعية أو غيرها(2) والظاهر أنّ التعريف ينطبق على المجمل، فإنّ المشترك إذا استعمل بلا قرينة يكون مجملاً، بل الأولى أن يقال : إنّ الظاهر هو ما دون الصريح في الدلالة على المراد، وقد أثبتنا في الأبحاث الاُصولية أنّ الظواهر كالنصوص من أقسام الدلالات القطعية الكاشفة عن المقاصد الاستعمالية، وأمّا الكشف عن المقاصد الجدّية فليس هو على عاتق اللفظ حتى يتّصف الظاهر بالنسبة إليه بالظنّ، فلاحظ.

1 . وقد ألّف السيّد المحقّق عبد اللّه شبّر (ت 1241)، كتاباً اسماه «مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الاخبار» طبع في جزئين.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص57.

صفحه 97

35 ـ المـؤوّل:

و هو اللفظ المحمول على معناه المرجوح بقرينة حالية أو مقالية.

36 ـ المُجْمَـل:

وهو ماكان غير ظاهر الدلالة على المقصود، وإن شئت قلت: اللفظ الموضوع الذي لم يتّضح معناه.هذا إذا جعلنا الإجمال صفة للمفرد، فربّما يقع وصفاً للجملة، فيكون المراد مالم يتّضح المقصود من الكلام فيه.

37 ـ المُبيّن:

وهو خلاف المجمل، وقد أشبع الاُصوليون الكلام في المجمل والمبيّن بل النصّ والظاهر وهي من صفات مطلق اللفظ سواء أكان في الحديث أم في غيره، واتّصاف الحديث بهما لأجل اشتماله عليه.
هذه هي أسماء الحديث المشتركة بين الصحيح و غيره، فلابدّ من الكلام في الأقسام المختصّة بالضعيف ممّا يدور في ألسنة المحدّثين .
(1)

1 . أخذنا هذه التعاريف الأخيرة غير المذكورة في الرعاية للشهيد من كتاب مقباس الهداية في علم الدراية: ص51 ـ 58.

صفحه 98

صفحه 99

الفصل الرابع

فيما يختصّ من الأوصاف بالضعيف:

1. الموقوف
2. المقطوع
3. المنقطع
4. المعضل
5. المعلّق
6. المضمر
7. المرسل، حجّية المرسل، مراسيل الفقيه،
8. المعلّل
9. المدلّس
10. المضطرب
11. المقلوب
12. المهمل
13. المجهول
14. الموضوع، ما هو السبب لشيوع الأحاديث الموضوعة، في تعريف الصحابي، عدد الصحابة، المولى.

صفحه 100

صفحه 101

الفصل الرابع:

في ما يختصُّ من الأوصاف بالقسم الضعيف

1 ـ الموقوف :

وهو على قسمين: مطلق ومقيّد، فإن جاء مطلقاً فالمراد ما روي عن مصاحب المعصوم من نبي أو إمام، من قول أو فعل، أو غيرهما، سواء أكان السند متصلاً إلى المصاحب أم منقطعاً، وأما إذا أُخِذَ من غير المصاحب للمعصوم فلا يستعمل إلاّ مقيّداً، فيقال وقفه فلان على فلان إذا كان الموقوف عليه غيرمصاحب، وقد تقدّم أنّه ربّما يطلق الأثر على المروي عن الصحابي كما يطلق الخبر على المرفوع إلى المعصوم، ولكنّه اصطلاح ليس بشائع.
قال النووي: الموقوف هو المروي عن الصحابة قولاً لهم أو فعلاً أو نحوه، متصلاً كان أو منقطعاً، ويستعمل في غيرهم مقيّداً، فيقال: وقفه فلان على الزهري ونحوه، وعند فقهاء خراسان تسمية الموقوف بالأثر والمرفوع بالخبر(1).
وأكثر ما رواه المحدّثون في تفسير الآيات عن الصحابة موقوف

1 . التقريب والتيسير:2/149.

صفحه 102
غيرمرفوع إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)اللّهُمّ إلاّ إذا كان مبيّناً لشأن نزول الآية، فربّما يكون مرفوعاً لبّاً وإن لم يكن مرفوعاً لفظاً، كقول جابر: كانت اليهود تقول : من أتى امرأته من دبرها في قبلها، جاء الولد أحول، فأنزل اللّه تعالى:(نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ)(البقرة/223) .
فإنّ مثل هذا يعدّ مرفوعاً، ومثله ما إذا حكى عن اُمور غيبيّة ترجع إلى الحياة الأخرويّة التي ليس للعقل إليها طريق، فطبع الحال يقتضي أخذه لها عن المعصوم فهو مرفوع لاموقوف، ونظيره ما إذا حكى المصاحب للمعصوم فعله بمرأى ومنظر منه، و يعد مرفوعاً، بخلاف ما إذا لم يكن بمرأى و منظر منه، و على كل تقدير فالموقوف ليس بحجّة وإن صحّ سند الحديث إلى الموقوف، لأنّ الحجّة هو قول المعصوم، والمصاحب ليس بمعصوم، وبذلك تعلم قيمة ما روي عن الصحابة حول تفسير الآيات، وقد حشّد الطبري تفسيره بالموقوفات، ومثله السيوطي فقد جمع في تفسيره أقوال الصحابة حول الآيات .

2 ـ المقطـوع:

المقطوع يستعمل على ثلاثة أوجه:
أ ـ إذا روي عن التابعي، أي مصاحب مصاحب النبي.
قال النووي: هو الموقوف على التابعي قولاً له أو فعلاً(1).
وبما أنّ المعصوم غير منحصر عندنا في النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيعمّ ما إذا روي عن مصاحب مصاحب الإمام (عليه السلام).

1 . التقريب والتيسير:1/159.

صفحه 103
والنسبة بين المقطوع بهذا المعنى والموقوف هو التباين، لاختصاص الثاني بما إذا روي عن مصاحب المعصوم بلا رفع إلى النبي، والأوّل بما إذا روي عن التابع لمصاحب النبي.
هذا إذا قيس المقطوع إلى الموقوف بالمعنى الأخصّ ، وأمّا إذا قيس إلى الموقوف بالمعنى الأعم أي الموقوف على غير الصحابي تابعيّاً كان أو غيره، فالنسبة أخصّ مطلقاً لاختصاصه بالتابعي و شمول الموقوف له و لغيره.
ب ـ وقد يطلق ويراد منه الموقوف بالمعنى الأعمّ، أي الموقوف على غير الصحابي، سواء أكان تابعيّاً أم لا(1).
ج ـ وقد يطلق على ما سقط واحد من أسناده(2).

3 ـ المنقطـع:

وقد اضطرب كلامهم في تفسيره.
فعرّفه النووي بقوله:الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب وابن عبدالبرّ و غيرهم من المحدّثين هو: أنّ المنقطع ما لم يتصل إسناده على أيّ وجه كان.
وأكثر ما يستعمل في رواية مَنْ دون التابعي عن الصحابي كمالك بن أنس الفقيه، عن عبداللّه بن عمر.
وقيل : هو ما اختلّ منه راو قبل التابعي محذوفاً كان أو مبهماً كرجل .

1 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص135 و137.
2 . نفس المصدر، وهذا يعرب عن وجود الفوضى في اصطلاح الموقوف ونظير ذلك لفظ «المنقطع».

صفحه 104
وقيل: هو ماروي عن تابعي أو من دونه قولاً له أو فعلاً (1).
عرّفه الشهيد الثاني بإسقاط شخص واحد من أسناده، وفي موضع آخر: بأنّه يطلق على ماجاء عن التابعين ـ وعلى حسب تعبيرنا ـ تابع مصاحب المعصوم، وعند ذلك يتّحد مع المقطوع بالمعنى الأوّل(2) .
وقسّمه والد شيخنا بهاء الدين العاملي إلى المنقطع بالمعنى الأعمّ (يدخل فيه المعلّق والمرسل أيضاً) وإلى المنقطع بالمعنى الأخصّ . قـال :
«وهو ما لم يتّصل إسناده إلى معصوم على أيّ وجه كان، و هو ستّة أقسام، لأنّ الحذف إمّا من الأوّل أو من الوسط أو من الآخر ،( والمحذوف) إمّا واحد أو أكثر».
1 ـ 2 : ما حذف من أوّل إسناده واحد أو أكثر، وهو المعلّق، كما تقدّم عند البحث عن الصفات المشتركة.
3 ـ 4 : المنقطع بالمعنى الأخصّ: وهو ما حذف من وسط إسناده واحد أو أكثر.
5 ـ 6 : المرسل(3)( وسنبحث عنه مستقلاّ ً).
وعلى ذلك فالمنقطع ما حذف من وسط إسناده واحد أو أكثر، و قال بهاء الدين العاملي: أو سقط من وسطه واحد فمنقطع(4).
فالمنقطع بالمعنى الأخصّ أعمّ من أن يكون المحذوف واحداً أو أكثر

1 . النووي: التقريب و التيسير: 1/171.
2 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية:ص135.
3 . حسين بن عبد الصمد: وصول الأخيار إلى اُصول الأخبار: ص105 و 106.
4 . بهاء الدين العاملي: الوجيزة: ص3.

صفحه 105
عند والد بهاء الدين العاملي، ولكنه عند ولده يختصّ بما إذا كان المحذوف واحداً، ولعلّه الأولى حتى يتميّز عن المعضل الذي يليه.

4 ـ المعضل:

عرّفه الشهيد بأنّه : ماسقط من سنده أكثر من واحد، قيل: إنّه مأخوذ من قولهم أمر معضل، أي مستغلق شديد(1) ، وقال والد بهاء الدين العاملي: ما سقط من إسناده اثنان أو أكثر من الوسط أو الأوّل أو الآخر فهو عبارة عن الأقسام الثلاثة من الستّة المذكورة في المنقطع(2).
والأولى ما ذكره بهاء الدين العاملي حيث خصّه بسقوط أكثر من واحد من وسط السند فقال:أو في وسطها واحد فمنقطع أو أكثر فمعضل.
هذا ا(3)لاختلاف في تفسير هذه المصطلحات تعرب عن وجود الفوضى في وضعها، و إنّ الاختلاف في الاصطلاح يشوّش ذهن القارئ، ولو اكتفى في كل واحد بالقدر المتيقّن كان أولى.

5 ـ المُعَلّق:

وهو ما حذف من أوّل إسناده واحد فأكثر(4) على التوالي، ونسب الحديث إلى من فوق المحذوف من رواته، فإن علم المحذوف كما هو الحال

1 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص 137.
2 . حسين بن عبد الصمد: وصول الأخيار إلى اُصول الأخبار: ص108.
3 . بهاء الدين العاملي: الوجيزة: ص3.
4 . النووي: التقريب والتيسير: 1/181.

صفحه 106
في أغلب روايات الفقيه و التهذيبين فهو من الصفات المشتركة بين الأقسام الأربعة للخبر، والمعلّق بهذا المعنى هو الذي ذكرناه في الفصل الماضي، وأمّا إذا لم يعلم المحذوف فهو من صفات الخبر الضعيف وهو المقصود في المقام.
فعلى ذلك فالمصطلحـات التالية:1 ـ الموقــوف، 2 ـ المقطـوع، 3ـالمنقطع، 4 ـ المعضل، 5 ـ المعلّق اصطلاحات متقاربة المعنى، متميّزات باُمور جزئية، فيجب على القارئ ممارسة المتميّزات حتى لا يشتبه أحدهما على الآخر، ونكمل تلك الاصطلاحات بسادسها وسابعها، و هما المضمر والمرسل، وإليك بيانهما:

6 ـ المُضْمَر:

وهو ما يقول فيه الصحابي أو أحد أصحاب الأئمة (عليهم السلام): سألته عن كذا، فقال: كذا، أو أمرني بكذا، أو ما أشبه ذلك، ولم يسمّ المعصوم، ولا ذكر ما يدل على أنّه المراد ، وهذا القسم غير معروف بين العامّة، وكثيراً ما كان يفعله أصحابنا للتقية، لعلم المخاطب بالإمام في ذلك الخطاب(1).
وقال المامقاني: وهو ما يطوى فيه ذكر المعصوم في ذلك المقام بالضمير الغائب إمّا لتقيّة أو سبق ذكره في اللفظة أو الكتابة، ثم عرض القطع لداع، كما لو قال: سألته، أوسمعته يقول، أو عنه، أو نحو ذلك(2).
والمعروف من المضمرات هي مضمرة سماعة، وربّما يرى الإضمار في أخبار زرارة ومحمّد بن مسلم، وسبب الإضمار هو التقيّة، ولذلك يعبّرون عن

1 . الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي، وصول الاخيار، ص 101.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص47.

صفحه 107
الإمام: بالعبد الصالح، والفقيه، والشيخ، وأمّا عروض الإضمار لأجل تقطيع الأخبار بمعنى أنّ سماعة كتب في صدر سؤالاته اسم الإمام المسؤول، ثمّ عطف عليه بقيّة الأسئلة ، قوله: سألته عن كذا، ولمّا قام المحمّدون الثلاثة بجمع الروايات، نقلوها بنفس النصّ الموجود في أصل سماعة من دون أن يصرّحوا بالحقيقة، فهذا أمر بعيد عن المشايخ العارفين بوظيفة التحديث، وأنّ هذا الإضمار بدون التعريف به يوجب سقوط الرواية عن الحجّية، ولو كان الأمر كذلك كان عليهم التصريح بذلك في ديباجة كتبهم، أو قلب الإضمار إلى التصريح كما هو الحال في نظائرها كمضمرات عبداللّه بن جعفر الحميري في قرب الإسناد، فقد روها المشايخ في كتبهم مصرّحة.

7 ـ المُرْسَل:

وهو مأخوذ من إرسال الدابّة، بمعنى رفع القيد والربط عنها، فكأنّ المحدّث بإسقاط الراوي رفع الربط الذي بين رجال السند بعضهم ببعض، وفسّره الشهيد بقوله: مارواه عن المعصوم من لم يدركه سواء أكان الراوي تابعيّاً أم غيره، صغيراً أم كبيراً، وسواء أكان الساقط واحداً أم أكثر، وسواء رواه بغير واسطة بأن قال التابعي: قال رسولاللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم مثلاً، أو بواسطة نسيها بأن صرّح بذلك أو تركها مع علمه بها، أو أبهمها كقوله عن رجل أو بعض أصحابنا أو نحو ذلك، و هذا هو المعنى العامّ للمرسل المتعارف بين أصحابنا (1).
و لايخفى أنّ المرسل بهذا الاعتبار يشمل المرفوع بالمعنى الأوّل من

1 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص136.

صفحه 108
إطلاقيه المتقدمين(1) والموقوف والمعلّق والمقطوع والمنقطع والمعضل.
ولأجل ذلك خصّه بعضهم بمعنى آخر حتى يتميّز عن غيره، و هو كلّ حديث أسنده التابعي إلى النبي من غير ذكر الواسطة، كما إذا قال سعيد ابن جبير: قال رسولاللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، وقدأكثر سعيد بن المسيّب من قوله قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وقد عامل محدّثوا العامّة مراسيله معاملة المسند، فقال إمام الحرمين: والمرسل ما لم يتّصل إسناده، فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس بحجّة، إلاّ مراسيل ابن المسيّب، فإنّها فتّشت فوجدت مسانيد(2).

الآراء في حجيّة المرسل:

1 ـ القبول مطلقاً; نسب إلى محمّد بن خالد البرقي والد أحمد مؤلّف المحاسن وربّما ينسب إلى الثاني، والأوّل أدرك الرضا والجواد ـ عليهما السّلامـ وتوفّي الثاني عام 274 هـ أو 280هـ .
2 ـ عدم القبول، وهو خيرة العلاّمة في تهذيب الأُصول(3).
3 ـ القبول إن كان الراوي ممّن عرف أنّه لا يرسل إلاّ مع عدالة الواسطة كمراسيل ابن أبي عمير، وهو قول ثان للعلاّمة، وخيرة القمي في قوانينه.
4 ـ إن كان الراوي ممّن عرف أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة فهو مقبول

1 . المراد بالإطلاق الأوّل من إطلاقيه هو ما سقط من وسط سنده أو آخره واحد أو أكثر مع التصريح بلفظ الرفع كأن يقال:روى الكليني عن علي بن إبراهيم،عن أبيه،رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام).
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص60، وتعليق الرعاية: ص137.
3 . العلاّمة: التهذيب: ص82 طبعة طهران عام 1308 هـ ق.

صفحه 109
مطلقاً، وإلاّ فيشترط أن لايكون له معارض من المسانيد الصحيحة، وهو خيرة الشيخ الطوسي.
5 ـ التوقف; وهو الظاهر من المحقّق(1).
6 ـ التفريق بين حذف الواسطة وإسقاطه مع العلم به، وبين ذكره مبهماً،فيقبل في الاُولى دون الثانية.
7 ـ تلك الصورة ولكن مع اسنادها إلى المعصوم جزماً; كما عليه الصدوق في الفقيه حيث يقول : قال الصادق (عليه السلام)(2).
استدلّ القائل بالقبول مطلقاً بأنّ رواية العدل عن الأصل المسكوت عنه تعديل له، لأنّه لو روى عن غير العدل ولم يبيّن حاله لكان ذلك غشّاً وهو مناف للعدالة، ولكن ضعفه ظاهر، لأنّه إنّما يتمّ لو انحصر أمر العدل في روايته عن العدل أو عن الموثوق بصدقه و هو ممنوع، وبذلك ظهر دليل المانع مطلقاً. وأمّا دليل الثالث فهو ما ذكر القمّي وقال: «إنّ الإرسال ممّن عرف بأنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة»، كاشف عن اعتماده على صدق الواسطة والوثوق بخبره، ولاريب أنّ ذلك يفيد ظنّاً بصدق خبره وهو لا يقصر عن الظنّ الحاصل بصدق خبر الفاسق بعد التثبّت.
يلاحظ عليه : أنّه مبني على مبناه من حجّية مطلق الظنّ، وهو خلاف التحقيق . ثم الظنّ في المقيس عليه، أي الظنّ بصدق الفاسق بعد التثبّت ليس بحجّة ما لم يبلغ درجة التبيّن والإطمئنان العرفي.
وأمّا الرابع; فضعفه ظاهر بالإمعان في الرد على دليل الثاني.

1 . المحقّق: المعارج : ص92 طبعة طهران عام 1310 هـ ق.
2 . القمّي: القوانين: 1/478، والنوري: المستدرك: 3/718.

صفحه 110
وأمّا الخامس; فهو كاشف عن تكافؤ الأدلّة في نظر القائل وعدم ترجيح أحد الطرفين على الآخر، والمهم هو السادس والسابع و موردهما مراسيل الفقيه، فقد ذهب غير واحد من المحققين إلى حجّيتها فلا بأس بإفاضة الكلام فيه فنقول:

مراسيل الفقيه:

إنّ كتاب «من لا يحضره الفقيه» : يشتمل على ثلاثة آلاف وتسعمائة وثلاثة عشر حديثاً مسنداً، وعلى اَلْفَين وخمسين حديثاً مرسلاً، والمراد من المرسل أعمّ ممّا لم يذكر فيه اسم الراوي بأن قال: روي، أو قال: قال عليه السلام، أو ذكر الراوي، أو صاحب الكتاب، و نسي أن يذكر طريقه إليه في المشيخة، وقد أحصى المجلسي الأوّل ـ قدس سره ـ هذا القسم الأخير في شرحه على الفقيه فبلغ أزيد من مائة وعشرين رجلاً، وأنّ أخبارهم تزيد على ثلاثمائة حديث، فربّما يقال : بحجّية القسم الثاني أعني مانسبه إلى المعصوم بصورة الجزم وقال: قال الصادق ـ عليهالسلام ـ .
قال الفاضل التفريشي: إنّ قول العدل: قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يشعر باذعانه بمضمون الخبر بخلاف ما لو قال حدّثني فلان.
وقال السيد بحرالعلوم، قيل: إنّ مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل ابن أبي عمير في الحجّية و الإعتبار، وإنّ هذه المزيّة من خواصّ هذا الكتاب لاتوجد في غيره من كتب الأصحاب.
وقال بهاء الدين العاملي في شرح الفقيه ـ عند قول المصنّف: وقال الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): كل ماء طاهر حتى تعلم أنّه قذر : هذا

صفحه 111
الحديث كتاليه من مراسيل المؤلّف ـ رحمه اللّه ـ وهي كثيرة في هذا الكتاب، زيد على ثلث الأحاديث الموردة فيه، وينبغي أن لا يقصر الإعتماد عليها من الإعتماد على مسانيده من حيث تشريكه على النوعين في كونه ممّا يفتي به ويحكم بصحّته، ويعتقد أنّه حجة بينه وبين ربّه سبحانه، بل ذهب جماعة من الاُصوليّين إلى ترجيح مرسل العدل على مسانيده محتجّين بأنّ قول العدل: قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كذا، يشعر بإذعانه بمضمون الخبر، بخلاف ما لو قال حدّثني فلان عن فلان، أنّه قالصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كذا .
وقال المحقّق الداماد في الرواشح ـ في ردّ من استدل على حجّية المرسل مطلقاًـ: بأنّه لو لم يكن الوسط الساقط عدلاً عند المرسل لما ساغ له إسناد الحديث إلى المعصوم ... قال : إنّما يتمّ ذلك إذا كان الإرسال بالإسقاط رأساً والإسناد جزماً، كما لو قال المرسل: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو قال الإمام (عليه السلام)ذلك، وذلك مثل قول الصدوق في الفقيه، قال (عليه السلام): الماء يطهّر ولايطهر، إذ مفاده الجزم أو الظنّ بصدور الحديث عن المعصوم فيجب أن تكون الوسائط عدولاً في ظنّه، وإلاّ كان الحكم الجازم بالإسناد هادماً لجلالته وعدالته.
وقال المحقّق سليمان البحراني في البلغة ـ في جملة كلام له في اعتبار روايات الفقيهـ: بل رأيت جمعاً من الأصحاب يصفون مراسيله بالصحة، ويقولون: إنّها لا تقصر عن مراسيل ابن أبي عمير، منهم العلاّمة في المختلف والشهيد في شرح الإرشاد والسيّد المحقّق الداماد .
ولعلّ ا(1)لتفصيل الأخير أقـرب .

1 . المحدّث النوري: مستدرك الوسائل: 3/718.

صفحه 112
هذا هو المرسل لدى الشيعة وعليه أهل السنّة أيضاً، فعرّفوه بأنّه ما سقط منه الصحابي، كقول نافع: قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كذا، أو «فعل كذا»، أو«فعل بحضرته كذا»، ونحو ذلك(1) وفي الحقيقة إنّ مرفوع التابعي هو المرسل عندهم، وقد عدّوه من أقسام الضعيف، واتّفقوا على أنّه ليس حجّة في الدين، قالوا:
« هذا هو الرأي الذي استقرّ عليه حفّاظ الحديث، ونُقّاد الأثر، وتداولوه في تصانيفهم».
ومع ذلك نرى أنّهم يحتجّون بمراسيل الصحابة، فلا يرونها ضعيفة بحجّة أنّ الصحابي الذي يروي حديثاً لم يتيسّر له سماعه بنفسه من رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم غالباً ما تكون روايته له عن صحابي آخر قد تحقّق أخذه عن الرسول، فسقوط الصحابي الآخر من السند لا يضرّ، كما أنّ جهل حاله لا يضعّف الحديث، فثبوت شرف الصحبة له كاف في تعديله.
وفي الصحيحين من مراسيل الصحابة ما لا يحصى، لأنّ أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلّهم عدول(2).
يلاحظ عليه: أنّ القول بأنّ الصحابة كلّهم عدول مخالف للذكر الحكيم، والسنّة المتواترة عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)حول أصحابه، فقد كان في الصحابة منافقون، ومرضى القلوب ، والسمّاعون لكلّ ناعق و إلى غير ذلك ممّا يجده الإنسان في الذكر الحكيم. وقد أخبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك حسب ما رواه البخاري في صحيحه: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال : « بينما أنا قائم على

1 . القاسمي جمال الدين الشامي: قواعد الحديث:ص 114.
2 . السيوطي:تدريب الراوي: 1/171، صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه: ص168.

صفحه 113
الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني و بينهم، فقال: هَلُمّ! فقلت: أينَ؟ فقال : إلى النار واللّه، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدّوا على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة اُخْرى، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني و بينهم، فقال: هَلُمّ ! فقلت: إلى أين؟ قال:إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدّوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلاّ همل النعم»(1).
إنّ أهل السنّة بنوا مذهبهم في الاُصول والفروع على أقوال الصحابة والتابعين، فأدّاهم القول بذلك الى تنزيه الصحابة كلّهم، وسيوافيك أنّ عددهم يزيد على مائة ألف، فمعنى ذلك أنّ رؤية النبي كانت إكسيراً محوّلاً لكل إنسان وإن كان في الدرجة السافلة من الدين والخلق و سائر المثل، إلى إنسان عادل مثالي، وهو شيء عجيب، وليس لهم مناص عن ذلك، لأنّ القول بخلافه يستلزم انهيار المذهب السنّي، فأسّسوا ذلك الأصل ، لصيانة مذهبهم !(2).

8 ـ المُعَلّل :

وله إطلاقان :
أحدهما : ما يختصّ بالفقهاء وهو ما ذكر فيه علّة الحكم، كتعليل حرمة الخمر بالإسكار، و غسل الجمعة برفع روائح الاباط، وهو خارج عن المقصود

1 . الجزري ـ ابن الأثير ـ: جامع الأُصول:11 ص121، و «همل النعم» كناية عن أنّ الناجي عدد قليل، وقد اكتفينا من الكثير بالقليل، ومن أراد الوقوف على ما لم نذكره فليرجع إلى «جامع الاُصول».
2 . والحقّ تصنيف الصحابة إلى أصناف مختلفة بين صالح وطالح، و عادل وغيره.

صفحه 114
في المقام.
وثانيهما: ما عليه اصطلاح المحدّثين، فإنّهم يطلقونه على حديث اشتمل على أمر خفي غامض في متنه أو سنده، و هو في نفس الأمر قادح في اعتباره، مع كون ظاهره السلامة(1) فعندئذ فهو مأخوذ من العلّة بمعنى المرض، كما أنّ الإطلاق الأوّل مأخوذ من العلّة بمعنى السبب.
و معرفة المعلّل وتمييزه من أجلّ أنواع علوم الحديث وأشرفها و أوثقها. قال الشهيد : وإنّما يتمكّن من معرفة ذلك أهل الخبرة بطريق الحديث ومتونه، ومراتب الرواة الضابطة لذلك، و أهل الفهم الثاقب في ذلك، ويستعان على إدراكها بتفرّد الراوي بذلك الطريق، أو المتن الذي تظهر عليه قرائن العلّة، وبمخالفة غيره له في ذلك مع انضمام قرائن تنبّه العارف على تلك العلّة من إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم أو غير ذلك من الأسباب المعلّة للحديث، بحيث يغلب على الظنّ ذلك و لا يبلغ اليقين، و إلاّ لحقه حكم ما تيقّن من إرسال أو غيره.. إلى أن قال: إنّ هذه العلّة توجد في كتاب التهذيب متناً و إسناداً بكثرة(2).

9 ـ المُدَلّس:

المدلّس ـ بفتح اللام ـ إذا وقع صفة للحديث ، وبكسره إذا وقع وصفاً للمحدّث، وحاصله إخفاء العيب الموجود في السند، و هو قسمان:

1 . النووي: التقريب والتيسير: 1/211.
2 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص141 ـ 142، ولو صحّ ما ذكره في التهذيب لزم عدم جواز العمل برواياته إلاّ بعد الفحص عن سنده ومتنه.

صفحه 115
أ ـ أن يروي عمّن لقيه أو عاصره ما لم يسمع منه، على وجه يوهم أنّه سمعه منه، كأن يقول: قال فلان أو عن فلان، و التقييد باللقاء والمعاصرة لإخراج مالو لم يلقه ولم يعاصره، فإنّ الرواية عنه ليس تدليساً لوجود القرينة وهو عدم التعاصر إذا كان واضحاً.
ب ـ أن لايسقط شيخه الذي أخبره و لا يوقع التدليس في أوّل السند، ولكن يسقط من بعده رجلاً ضعيفاً أو صغير السن ليحسن الحديث باسقاطه(1) ، هذا إذا لم يذكر ما هو صريح في السماع بلا واسطة، كما إذا قال حدّثنا أو أخبرنا . فإنّه يكون كذباً والمحدّث كذّاباً.
ثم إنّ للتدليس قسماً آخر يسمّى التدليس في الشيوخ، لا في نفس الإسناد، بأن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه، ولكن لايحبّ معرفة ذلك الشيخ لغرض من الأغراض، فيسمّيه أو يكنّيه باسم أو كنية غيرمعروف بهما، و هذا أخفُّ ضرراً من الأوّل و ربّما يكون معذوراً في ترك التسمية.
وقد عرف سفيان بن عيينة بالتدليس، قال علي بن حشرم: كنّا عند سفيان بن عيينة فقال: قال الزهري كذا، فقيل له: أسمعت منه هذا؟ قال: حدّثني به عبدالرزاق عن معمّر عنه، فسفيان قد عاصر الزهري و لقيه، ولكنه لم يأخذ عنه فيصحّ سماعه منه، وإنّما أخذ عن عبد الرزاق وعبدالرزاق أخذ عن معمّر ومعمّر أخذ عن الزهري، فالتدليس هنا إسقاط سفيان شيخيه بإيراده الحديث بصيغة تُوهم سماعه من الزهري مباشرة(2).

1 . النووي: التقريب و التيسير: 1/186 مع شرحه: تدريب الراوي، وفي الأوّل «وفي الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير كقتادة و السفيانين وغيرهم».
2 . صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه:ص174.

صفحه 116
وعلى كل تقدير; فهل يقبل حديث المدلّس أم لا ؟ فيه تفصيل(1).
إذ لاشكّ أنّ القسم الأوّل من التدليس مذموم جداً لما فيه من إيهام اتصال السند مع كونه مقطوعاً حتى قال بعضهم: التدليس أخو الكذب، إنّما الكلام في جرح فاعله بذلك، بمعنى أنّه إذا عرف بالتدليس ثم روى: حدّثنا (في غير مادلس به) ففي قبوله قولان:
1 ـ لايقبل مطلقاً، وقيل لايجرح بذلك بل ما علم فيه التدليس يردّ وما لم يعلم فلا، لأنّ المفروض كونه ثقة بدونه، والتدليس ليس كذباً بل تمويهاً.
2 ـ التفصيل، وهو قبول حديثه إن صرّح بما يقتضي الإتصال كحدّثنا أو أخبرنا، دون المحتمل للأمرين ، كما إذا قال: عن فلان، أو قال فلان، بل حكمه حكم المرسل.
ومرجع هذا التفصيل إلى أنّ التدليس غير قادح في العدالة ولكن تحصل الريبة في إسناده لأجل الوصف، فلا يحكم باتصال سنده إلاّ مع إتيانه بلفظ لايحتمل التدليس بخلاف غيره، فإنّه يحكم على سنده بالاتصال عملاً بالظاهر حيث لامعارض له.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كثر التدليس من راو واحد في مظانّ مختلفة،فهذا ربّما يسلب ثقة الإنسان بالراوي، فلأجل ذلك ربّما تكون أدلّة حجّية الخبر منصرفة عن ذلك، وهذا بخلاف ما إذا قلّ التدليس، فالتفصيل هو المتّبع، لكن بهذا المعنى.
وأمّا القسم الثاني، فقال الشهيد: إنّ فيه تضييعاً لحقّ المروي عنه

1 . لاحظ الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص145، والمامقاني: مقباس الهداية:ص66.

صفحه 117
وتوعيراً لطريق معرفة حاله فلا ينبغي للمحدّث فعل ذلك، ونقل: إنّ الحامل لبعضهم على ذلك كان منافرة بينهما اقتضته ولم يسع له ترك حديثه صوناً للدين ـ وقال الشهيد ـ: وهو عذر غير واضح.
ولعلّ الوجه في عدم وضوحه أنّ الخبر لوكان متضمّناً لحكم اللّه، وكانت التعمية بالمروي عنه سبباً لردّ الخبر، فإنّ ذلك ينجرّ إلى إخفاء حكم اللّه، خصوصاً فيما إذا كان الشيخ ثقة عند الناس(1) ومن حسن الحظّ ندرته وندرة القسم الأوّل في أخبارنا معاشر الإمامية.

10 ـ المُضطرب:

وهو كلّ حديث اختلف في متنه أو سنده فروي مرة على وجه، واُخرى على وجه آخر مخالف له، سواء أ وقع الاختلاف من راو واحد أم من رواة متعددين أم من المؤلّفين أم من ناسخي الكتب بحيث يشتبه الواقع.
قال النووي : هو الذي يروى على أوجه مختلفه متقاربة، ويقع في الإسناد تارة و في المتن اُخرى، وفيهما من راو واحد أو جماعة(2).
ثم إنّ الإضطراب يقع تارة في السند و اُخْرى في المتن، أمّا الأوّل: فبأن يرويه الراوي تارة عن أبيه عن جده، و اُخرى عن جدّه بلا واسطة ،وثالثة عن ثالث غيرهما.
وأمّا الثاني: فبأن يروى حديث بمتنين مختلفين، و مثاله في رواياتنا خبر اختبار الدم عند اشتباهه بالقرحة، بخروجه من الجانب الأيمن فيكون

1 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص66.
2 . النووي: التقريب والتيسير: 1/220.

صفحه 118
حيضاً، أو بالعكس، فرواه في الكافي بالأوّل(1) ورواه الشيخ ـ على ما في بعض نسخ التهذيب ـ بالثاني(2).
والعجب أنّ السيد أحمد ابن طاووس مؤلّف « البشرى» سمّاه تدليساً، وهو ليس منه قطعاً. ومن المضطرب قسم لم يذكره علماء الدراية، وهو أن تكون الرواية غير منسجمة من حيث التعبير عن المرام، بمعنى أنّه قدّم ما حقّه التأخير وأخّر ما حقّه التقديم، ولعلّ هذا يرجع إلى عدم ضابطية الراوي. نجد نظير ذلك الاضطراب في الرواة البعداء عن العربية وعن الثقافة المعروفة في ذلك الزمان.

11 ـ المقلوب:

وهو يتحقّق فيما ورد حديث بطريق معلوم، ولكن ربّما يرويه راو بغير ذلك الطريق، إمّا بمجموع الطريق أو ببعض رجاله بأن يقلب بعض رجاله خاصّة حتّى يكون أجود منه ليرغب فيه(3).

12 ـ المهمل:

وهو الحديث المروي بسند فيه راو معنْوَن في كتب الرجال ولكن لم يحكم عليه بشيء من المدح والذم.

1 . الكليني: الكافي: 3/94. قال: فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض، وإن خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة.
2 . الطوسي: التهذيب: 1/385. قال: فإن خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض، وإن خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة.
3 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص150.

صفحه 119
وفسّره المامقاني بقوله: «وهو ما لم يذكر بعض رواته في كتب الرجال ذاتاً أو وصفاً»، والظاهر أنّ القسم الأوّل داخل في المجهول الذي نشير إليه.

13 ـ المجهول:

وهو ما لم يعنْون في كتب الرجال، أو عنْون ولكن لم يعرف ذاته وحكم عليه بالجهالة، وعرّفه المامقاني بقوله: «وهو ما ذكر رجاله في كتاب الرجال، ولكن لم يعلم حال البعض أو الكلّ من حيث العقيدة».
ولأجل كون المقصود ما ذكرناه لا ما ذكره انتقد على الشيخ المامقاني اكثاره في كتابه تنقيح المقال في علم الرجال من قوله: «مجهول» لا سيّما في فهرس تنقيح المقال، فإنّ الناظر فيه لا يرى إلاّ المجاهيل، مع أنّ المحقّق الداماد عقد الراشحة الثالثة عشرة من رواشحه في معنى المجهول وأثبت أنّه لا يجوز إطلاق المجهول الاصطلاحي إلاّ من حكم بجهالته أئمّة علم الرجال، فمع عدم الظفر بشيء من ترجمة أحواله، لا يجوز التسارع على الراوي بالحكم بالجهالة(1) وعليه فالمجهول مختصّ بمن حكم عليه بالجهالة بالحمل الشائع بأنه لم يعرف رأساً.
إلاّ أن يكون للمحقق المامقاني اصطلاح خاصّ في المجهول كما ربّما يدّعى.

14 ـ الموضوع:

وهو المكذوب المختلق المصنوع وهو شرّ الضيعف(2)، بمعنى أنّ

1 . الطهراني، الذريعة:4/466 برقم 2070.
2 . النووي: التقريب والتيسير: 1/231.

صفحه 120
الراوي اختلقه، لا مطلق حديث الكذوب، فإنّ الكذوب قد يصدق، ولا تحلّ روايته للعالم بوضعه، من غير فرق بين الأحكام والمواعظ، إلاّ بالتصريح بكونه مختلقاً بخلاف غيره من الضعيف، فإنّه تجوز روايته مع التصريح بالمصدر إجمالاً أو تفصيلاً.
ثمّ إنّ السبب لوضع الحديث لا ينحصر في أمر أو أمرين، فربّما يكون السبب كسب الشهرة والمكانة بين الناس، واُخرى نصرة المذهب، وثالثة التقرّب إلى الملوك وأبناء الدنيا، فقد روي أنّ غياث بن إبراهيم دخل على المهديّ بن المنصور، وكان يعجبه الحمام، فروى حديثاً عن النبي أنّه قال: «لا سبق إلاّ في خفّ أو حافر أو نصل أو جناح»(1) إلى غير ذلك من الدوافع إلى الكذب والجعل. بقيت هنا كلمة هي:

ما هو السبب في شيوع الأحاديث الموضوعة؟

إنّ أصحاب الصحاح والسنن صرّحوا بأنّهم أخرجوا أحاديثهم من بين أحاديث كثيرة هائلة، فقد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث، وقال: انتخبتها من خمسمائة ألف حديث، ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألف حديث وسبعمائة وواحد وستين حديثاً، اختاره من زهاء ستمائة ألف حديث، وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث اُصول دون المكرّرات، صنّفها من ثلاثمائة ألف حديث، وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من

1 . عبد اللّه المامقاني: تنقيح المقال في علم الرجال، حاكياً عن «ربيع الابرار» للزمخشري، و «جامع الأُصول» لابن الأثير.

صفحه 81
المتساويين في العدد على من في طبقته من راوي السند الآخر، فإنّ المتقدّم عال بالنسبة إلى المتأخّر(1).
هذه هي الصور الأربعة التي وردت في كتب الدراية، ولكن الاهتمام بعلوّ الاسناد لأجل كونها أقرب إلى الواقع، وليس هذا الملاك موجوداً في جميع الصور، وإنّما الموجود في بعضها يظهر بالتأمّل(2)، و هذا ما يعبّر عنه بـ: العلو المعنوي، و ليس هو مراداً في هذا المقام.
و يقابل هذا العالي سنداً ـ تعريفاً وتحديداً ، و شروطاً و أقساماًـ النازل سنداً، و قدعدّوه قسماً برأسه.
وكان الأنسب في المقام ذكر بعض الأقسام مثل رواية الأقران أو المُدَبَّج أو رواية الأكابر عن الأصاغر، وسيجيئ في محلّها تبعاً للشهيد.

14ـ الشاذّ:

وهو ما رواه الثقة مخالفاً لما رواه المشهور، ويقال للطرف الراجح: المحفوظ أيضاً، هذا فيما إذا كان الراوي ثقة، ولو كان غير ثقة فهو منكر.
واختلفت الأقوال في قبول الشاذّ، فمنهم من قبله نظراً إلى كون راويه ثقة، فيرجع في مقام العلاج إلى قواعد التعارض.

1 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص115، عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص44.
2 . ثم إنّهم ذكروا لعلوّ الإسناد صوراً مختلفة من «الموافقة» و «الإبدال» و «المساواة» و «المصافحة» لا طائل تحتها، ولعلّها غير موجودة في رواياتنا، توجد أمثلتها ذكرناها في محلّها، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى «مقباس الهداية 44، من مؤلّفات أصحابنا، وشرح النخبة لابن حجر العسقلاني (ت852): ص51، وتدريب الراوي لجلال الدين السيوطي (ت 911):2/150».

صفحه 82
ومنهم من ردّه نظراً إلى شذوذه، وقوة الظنّ بصحة جانب المشهور.
والمختار ، أنّ الشاذّ المخالف للمشهور المفتى به عند القدماء ليس بحجّة، وإن كان صحيحاً، وقد أقمنا برهانه عند البحث عن حجيّة خبر الواحد، واستظهرناها من مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها، فلاحظ. فالشذوذ لا ينافي الصحة و إن كان ينافي الحجّية.

15ـ المسلسل:

وهو عبارة عمّا تتابع رجال أسناده على صفة أو حالة، فتارة يتّصف بهما الرواة واُخرى الرواية ،وإليك بيان كلا القسمين:
أمّا في الراوي، فكقيام كل منهم حين الرواية، أو الاتّكاء أو المشي أو الجلوس أو نحو ذلك ممّا يُعدّ من اتّحاد الرواة في فعل حال نقل الرواية. وربّما يجتمع القول والفعل فيهم، كما إذا قال: صافحني فلان وروى لي، قال: صافحني فلان وروى لي، فاجتمع فيه قولٌ، أعني: «صافحني» مع فعل، أعني: نفس المصافحة، ونظير ذلك ما إذا قال كلّ واحد: لقّمني فلان بيده لقمة وروى لي، قال: لقّمني فلان بيده وروى لي... إلى آخر الأسناد.
ومن التسلسل بصفات الراوي، اتّفاق أسماء الرواة كالمسلسل بالمحمدين أو الأحمدين أو أسماء آبائهم أو كناهم أو أنسابهم أو ألقابهم أو صناعاتهم أو حرفهم.
وأمّا التسلسل في الرواية كما إذا اتّحدت صيغ الأداء في جميع السند، كما إذا قال الجميع: سمعت فلاناً أو أخبر فلان، أوأخبر فلان واللّه، أو أشهد باللّه لسمعت فلاناً.

صفحه 83
ومن التسلسل ما يتعلّق بالزمان، كسماع جميع آحاد السند في يوم الخميس أو يوم العيد.
و منه ما يتعلّق بالمكان كسماع كلّ عن صاحبه في المسجد أو المدرسة أو البلد الفلاني.
وقد يقع التسلسل في معظم السند دون جميعه، ويقال للأوّل: المسلسل التّام، مقابل الثّاني الذي هو ناقص أو في بعض السند.
ومن نماذج المسلسل في روايات أصحابنا الإماميّة: ما نقله الصدوق في الخصال عن الإمام الرضا (عليه السلام)بالنحو التالي: حدّثني أبي: موسى بن جعفر، قال: حدّثني أبي: جعفر بن محمّد، قال: حدّثني أبي: محمّد بن علي، قال: حدّثني أبي: علي بن الحسين، قال: حدّثني أبي: الحسين، قال : حدّثني أخي: الحسن بن عليّ، قال: حدثني أبي: عليّ بن أبي طالب، قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «خلقت أنا وعليّ من نور واحد»(1).
وقد يكون التسلسل في الحديث من جهات شتّى لا تخفى على القارئ الكريم.
قال الشهيد:
والتسلسل ليس له مدخل في قبول الحديث وعدمه وإنّما هو فنّ من فنون الرواية ، وضروب المحافظة عليها والاهتمام بها. وفضيلته اشتماله على مزيد الضبط، والحرص على أداء الحديث بالحالة التي اتّفقت بها من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأفضله ما دلّ على اتّصال السماع لأنّه أعلى مراتب الرواية. وقلّما

1 . الصدوق: الخصال:ص31.

صفحه 84
تسلم المسلسلات عن ضعف في الوصف بالتسلسل، فقد طعن في وصف كثير منها في أصـلالمتن(1).
وقال والد بهاء الدين العاملي: وقد اعتنى العامّة بهذا القسم وقلّ أن يسلم لهم منه شيء إلاّ بتدليس أو تجوّز أو كذب يزيّنون به مجالسهم وأحوالهم، وهو مع ندرة اتّفاقه عديم الجدوى(2).

16 ـ المزيد:

وهو المشتمل على زيادة في المتن أو السند، ليست في غيره، أمّا المتن، فبأن يروي فيه كلمة زائدة تتضمّن معنى لا يستفاد من غيره، وأمّا السند; فبأن يرويه بعضهم بإسناد مشتمل على ثلاثة رجال معيّنين مثلاً، فيرويهم المزيد بأربعة يتخلّل الرابع بين الثلاثة، فالأوّل هو المزيد في المتن، والثاني هو المزيد في الإسناد.
أمّا الزيادة في المتن فهي مقبولة إذا وقعت الزيادة من الثقة، لأنّ ذلك لا يزيد على نقل حديث مستقلّ حيث لا يقع المزيد منافياً لما رواه غيره من الثقات(3).
نعم لو أوجبت الزيادة صيرورة الروايتين متضادّتين تعاملان معاملة المتعارضتين أوالمختلفتين.
وأمّا الزيادة في السند، فهي كما إذا أسنده المزيد وأرسله الآخرون، أو

1 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص120.
2 . الشيخ حسين العاملي: وصول الأخيار إلى اُصول الأخبار: ص101، ولاحظ مقباس الهداية:ص47.
3 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص121.

صفحه 85
وصله وقطعه الآخرون، أو رفعه إلى المعصوم ولكن الآخرين وقفوه على من دونه، و هي مقبولة إذا كان الراوي ثقة لعدم المنافاة إ ذ يجوز اطّلاع المسنِد والموصِل والرافع على ما لم يطّلع عليه غيره أو تحريره لما لم يحرّره الآخرون، فهو كالزيادة غير المنافية فتقبل، ولو احتمل كون النقص من باب السهو، فيقدّم المزيد أيضاً وذلك لأنّه إذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة، فالنقيصة أولى، لأنّ النقيصة السهويّة ليست ببعيدة عن الإنسان الذي خلق ضعيفاً، بخلاف الزيادة السهويّة التي هي أقلّ بالنسبة إليها.
قال والد شيخنا بهاء الدين العاملي: «وأمّا النقص فبأن يروي الرجل عن آخر وعلم أنّه لم يلحقه أو لحقه ولم يرو عنه، فيكون الحديث مرسلاً أو منقطعاً، وإنّما يتفطّن له المتضلّع بمعرفة الرجال ومراتبهم و نسبة بعضهم إلى بعض، وممّا يعين على ذلك معرفة أصحاب الأئمّة واحداً واحداً ومن لحق من رواة الأئمّة ومن لم يلحقهم(1).

17ـ المختلف:

إنمّا يوصف الحديث بالمختلف إذا قيس إلى غيره فعندئذ، تتجلّى إحدى النسب الأربعة، فتارة تكون النسبة بينهما التساوي، واُخرى التباين، وثالثة العموم و الخصوص مطلقاً ، ورابعة العموم والخصوص من وجه(2).

1 . الشيخ حسين العاملي: وصول الأخيار: ص117.
2 . ومن أمثلته ما روي: إذا بلغ الماء قُلّتين لم يحمل خَبَثاً. و ما روي: خلق اللّه الماء طهوراً لاينجّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه، فإنّ الأوّل ظاهر في طهارة القلّتين تغيّرا أم لا، والثاني ظاهر في طهارة غير المتغيّر سواء كان قلّتين أو أقل.

صفحه 86
والمراد من المختلف هو غير القسم الأوّل. وعرّفه الشهيد بقوله: أنيوجد حديثان متضادّان في المعنى ظاهراً سواء تضادّا واقعاً، كأن لايمكنالتوفيق بينهما بوجه، أو ظاهراً فقط كأن يمكن الجمع بينهما، فالمختلفان في اصطلاح الدراية هما المتعارضان في اصطلاح الأُصوليّين، والمتوافقانخلافه. وقد ورد التعبير بالاختلاف عن التعارض في أكثر رواياتالباب(1).
وأمّا ما هي الوظيفة تجاه الخبرين المختلفين، فقد قرّر في علم الأُصول في مبحث التعادل والترجيح فلا نطيل الكلام فيه. وأوّل من جمع من أصحابنا الأخبار المختلفة هو الشيخ الطوسي ( 385 ـ 460هـ) فقد ألّف كتاب الإستبصار في ذلك المضمار، وقد ذكر النجاشي والشيخ الطوسي رسائل للأصحاب في اختلاف الحديث(2).
قال النووي: «معرفة مختلف الحديث وحكمه، فن من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وهو أن يأتي حديثان متضادّان في المعنى، فيوفّق بينهما أو يرجّح أحدهما، وصنّف فيه الإمام الشافعيّ ولم يقصد استيفاءه، بل ذكر جملة ينبّه بها على طريقه.
ثم صنّف فيه ابن قتيبة، فأتى بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة وترك

1 . الحر العاملي: الوسائل :18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 5، 11، 21، 29، 30، 34، 36، 40، 48، ولم يرد لفظ التعارض إلاّ في مرفوعة زرارة الّتي رواها ابن أبي جمهور مرسلاً عن العلاّمة، وهو رفعها إلى زرارة، ونقلها الأنصاري بطولها في رسالة التعادل والترجيح.
2 . النجاشي: الرجال: ص207 برقم 888 في ترجمة ابن أبي عمير، الطوسي: الفهرست:211 برقم 810 في ترجمة يونس بن عبد الرحمن، وكتاب اختلاف الحديث ومسائله عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) .

صفحه 87
معظم الاختلاف»(1).

18 ـ الناسخ والمنسوخ:

ورد النسخ في اللغة لمعان منها: الإزالة والنقل، وفي الإصطلاح: رفع الحكم السابق بدليل مثله على وجه لولاه لكان ثابتاً.
والنسخ وإن كان رافعاً للحكم السابق ظاهراً إلاّ أنّه في الشرع بيان لانتهاء أمده، و إلاّ استلزم البداء وهو ممتنع في حقّه سبحانه.
ثمّ إنّ اليهود منعوا إمكانه والبعض الآخر منع وقوعه، والنظر الموضوعي إلى تاريخ الشرائع السالفة والشريعة المقدّسة الإسلامية يدلّ بوضوح على وقوعه فضلاً عن إمكانه.
اتّفقوا على نسخ القرآن بالقرآن وبالسنّة القطعيّة، وإنّما اختلفوا في جوازه بخبر الواحد إلاّ أنّهم لم يختلفوا في نسخ السنّة بمثلها. إنّما الكلام في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ، فذكر الشهيد الطرق التالية:
1 ـ النصّ من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها».
2 ـ نقل الصحابي مثل: «كان آخر الأمرين من رسول اللّه ترك الوضوء ممّا مسّت النار».
3 ـ التاريخ، فإنّ المتأخّر منهما يكون ناسخاً للمتقدّم.
4 ـ الإجماع، كحديث قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة، نسخه الإجماع

1 . النووي: التقريب والتيسير: 2/175 ـ 176.

صفحه 88
على خلافه، حيث لا يتخلّل الحدّ(1).
نعم لا يثبت النسخ بقول مطلق الصحابي و إنّما يشترط فيه كل ما يشترط في حجيّة خبرالواحد، وأمّا ثبوته بالتأريخ فيشترط ثبوت تأخّر الثاني عن الأوّل بالدليل، وقد ورد في أحاديث أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ما يؤيّد ذلك:
روى محمد بن مسلم، عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: قلت له ما بال أقوام يروون عن فلان، عن فلان، عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)لايتّهمون بالكذب،فيجيء منكم خلافه؟ قال (عليه السلام): «إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن»(2).
و روى منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام)اخبرني عن أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال (عليه السلام): بل صدقوا، قلت: فما بالهم اختلفوا؟ قال (عليه السلام): «أما تعلم أنّ الرجل كان يأتي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك ماينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً»(3).
وعلى كل تقدير ، فالحديث المتأخّر الصادر عن الأئمّة ليس ناسخاً، بل كاشف عن الناسخ الوارد على لسان النبي، لانقطاع الوحي بعد رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)(4).

1 . النووي: التقريب و التيسير: 2/170و172، الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص128، والقسم الرابع من أقسام تقييد إطلاق الخبر بالإجماع وليس نسخاً.
2 . الكليني: الكافي:1/65.
3 . الكليني: الكافي:1/65.
4 . قال أمير المؤمنين (عليه السلام) عند تغسيل رسول اللّه وتجهيزه: بأبي أنت واُمّي يا رسول اللّه، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والأنباء وأخبار السماء. نهج البلاغة: الخطبة235.

صفحه 89

19ـ المقبول :

هو الحديث الذي تلقّاه الأصحاب بالقبول والعمل بمضمونه، وهل هو من الأقسام المشتركة بين الصحيح و غيره، أو لا ؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ الصحيح لاينقسم إلى المقبول و غير المقبول، بل هو مقبول مطلقاً عند الأكثر، أو إذا لم يكن شاذّاً على ما هو التحقيق، أو لم تكن فيه علّة ـ كما عليه جمهور أهل السنّة ـ وأمّا الضعيف فينقسم إلى المقبول ومقابله.
نعم يمكن جعله من الأقسام المشتركة بين الصحيح و غيره، و من الطوارئ عليهما جميعاً إذا خصّصنا جواز العمل بالصحيح ولم يعمّ الموثّق والحسن، فعندئذ تنقسم الأقسام الثلاثة إلى المقبول و عدمه.
والمثال الواضح للمقبول هو حديث عمر بن حنظلة الوارد في حال المتخاصمين من أصحابنا الذي رواه المشايخ الثلاثة في جوامعهم(1) وإليك سنده:
«محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، قال: سألتُ أبا عبداللّه (عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحا كما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟..»(2).
قد تلقّاه الأصحاب بالقبول في باب القضاء وعليه المدار في ذلك

1 . الكليني: الكافي:1/67 الحديث10، الصدوق: الفقيه:2/5، الشيخ الطوسي: التهذيب :6/301 الحديث 52.
2 . الحرّ العاملي: و سائل الشيعة:18/98 ـ الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.

صفحه 90
الباب، وقد ورد في طريقه ثلاثة أشخاص :
1 ـ محمد بن عيسى اليقطيني، ضعّفه ابن الوليد عند استثنائه 27 شخصاً من رجال نوادر الحكمة، و قد ثبت وثاقته و إنّ تضعيفه موهون.
2 ـ د(1)اود بن الحصين، و هو كوفي ثقة، و إن ضعّفه الشهيد الثاني في درايته.
3 ـ عمر بن حنظلة، لم ينصّ الأصحاب فيه بجرح و لا تعديل، قال الشهيد: لكن أمره عندي سهل لأنّي حقّقت توثيقه من محلّ آخر و إن كانوا قد أهملوه(2).
قال صاحب المعالم: ومن عجيب ما اتفق لوالدي ـ رحمه اللّه ـ في هذا الباب أنّه قال في شرح بداية الدراية: إنّ عمر بن حنظلة لم ينصّ الأصحاب عليه بتعديل و لاجرح، ولكنّه حقّق توثيقه من محل آخر، وجدت بخطه ـ رحمه اللّهـ في بعض مفردات فوائده ماصورته:
عمر بن حنظلة غير مذكـور بجرح و لا تعـديل، ولكنّ الأقوى عندي أنّه ثقة لقول الصادق (عليه السلام)في حديث الوقت :«إذا ً لايكذب علينا».
والحال أنّ الحديث الذي أشار إليه ضعيف الطريق، فتعلّقه به في هذا

1 . النجاشي:الرجال:2 برقم 939 ونقل عن أبي العبّاس بن نوح أنّه صدّق ابن الوليد في جميع من استثناه إلاّ في محمد بن عيسى فقال: فلا أدري ما رابه فيه لأنّه كان على ظاهر العدالة و الثقة.
2 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص131.

صفحه 91
الحكم مع ما علم من انفراد به غريب، ولولا الوقوف على الكلام الأخير لم يختلج في الخاطر أنّ الاعتماد في ذلك على هذه الحجّة.(1)
أقـول : رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس عن يزيد بن خليفة، قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام):إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبداللّه (عليه السلام): «إذاً لا يكذب علينا»(2).
فالسند لابأس به إلاّ يزيد بن خليفة فإنّه واقفي لم يوثّق، قال النجاشي: روى عن أبي عبداللّه (عليه السلام)له كتاب، وذكره الشيخ تارة من أصحاب الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ واُخرى من أصحاب الإمام الكاظم ـ عليه السلام ـ ، و عنونه الكشّي برقم(160)، ولم يظهر منه توثيق ولكنّه يروي عنه صفوان بن يحيى، وقد ادّعى الشيخ أنّ صفوان لايروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة مثل ابن أبي عمير و البزنطي، وقد أثبتنا في أبحاثنا الرجالية أنّ الضابطة غير منتقضة(3).
إلى هنا تمّ ما ذكره الشهيد حول الصفات المشتركة بين الأقسام الأربعة، و هناك صفات اُخرى لم يذكرها الشهيد، فلا بأسَ بالإشارة إليها.

20 ـ المعتبر:

وهو ما عمل الجميع أو الأكثر به أو اُقيم الدليل على اعتباره لصحّة اجتهادية أو وثاقة أو حسن ، هو بهذا التفسيرأعمّ من المقبول.

1 . حسن بن زين الدين، منتقى الجمان:1/19.
2 . الكليني: الكافي:3، الباب الخامس من أبواب وقت صلاة الظهر و العصر، الحديث 1.
3 . لاحظ في الوقوف على آراء الرجاليين في حقّه: معجم رجال الحديث:20، برقم 13653 و13654.

صفحه 92

21 ـ المكاتب:

وهو الحديث الحاكي عن كتابة المعصوم (عليه السلام)سواء كتبه ابتداء لبيان حكم أو غيره أو في مقام الجواب، وعمّمه بعضهم إلى ما إذا كان بغير خطّه مع كون الإملاء منه.

22 و23 ـ المحكم و المتشابه:

فالمحكم ما علم المراد به من ظاهره من غير قرينة تقترن به ولا دلالة تدل على المراد به لوضوحه، وأمّا المتشابه فقد يكون في المتن، وقد يكون في السند، فالمتشابه متناً هو ماكان للفظه معنى غير راجح، وإن شئت قلت: ما علم المراد به لقرينة ودلالة، والمتشابه سنداً ما اتفقت أسماء سنده خطّاً ونطقاً، و اختلفت أسماء آبائهم نطقاً مع الإئتلاف خطّاً كمحمد بن عقيل، فإنّ عقيلاً يقرأ بفتح العين تارة و بضمّها أُخرى، فبفتح العين اسم للنيسابوري و بضمّها اسم للفريابي، وقد يتّفقان في الاسم واسم الأب ويختلفان في اسم الجد أو في اللقب، فالأوّل كأحمد بن محمّد بن خالد وأحمد ابن محمد بن عيسى، فالأوّل هو البرقي المتوفّى عام 274هـ، و الثاني أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري رئيس القمّيّين، وأمّا الإختلاف في اللقب مثل أحمد ابن محمد بن عيسى الأسدي وأحمد بن محمد بن عيسى القسري، وربّما يطلق على هذا القسم المتّفق و المفترق أو المؤتلف والمختلف(1).

1 . والذي يوافيك برقم 26 غير ذلك، فلاحظ.

صفحه 93

24 ـ المشتبه المقلوب:

وهو اسم للسند الذي يقع الإشتباه فيه في الذهن لا في الخطّ، ويتّفق ذلك في الرواة المتشابهين في الاسم بأن يكون اسم أحد الراويين كاسم أب الآخر خطّاً و لفظاً، و اسم الآخر كاسم أب الأوّل كذلك، و ذلك مثل أحمد ابن محمد بن يحيى، المشتبه بـ محمد بن أحمد بن يحيى، فإنّ الأوّل هو أحمد بن محمد بن يحيى العطّار القمّي والثاني هو محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة، وأمثلته كثيرة.

25 ـ المشـترك:

وهو ماكان أحد رجاله أو أكثرها مشتركاً بين الثقة وغيره، و لابد من الرجوع الى تمييز المشتركات، والتمييز يحصل بقرائن الزمان، وأُخرى بالراوي، وثالثة بالمروي عنه، وأحسن ما اُلِّف في هذا الباب هو كتاب تمييز المشتركات للكاظمي، و هناك طريق آخر لتمييز المشتركات و هوممارسة الأسانيد حتى يتعرّف المحدّث على الطبقات و عندئذ يتعرف على الراوي المشترك وتحصل عنده ملكة التمييز بسهولة.
والطريق الأوّل تقليدي، والثاني اجتهادي وهو الذي سلكه سيد المحققين البروجردي ـقدس سره ـ .

26 ـ المؤتلف والمختلف:

ومجموعهما اسم لسند اتفق فيه اسمان فما زاد خطّاً واختلفا نطقاً سواء

صفحه 94
أكان مرجع الاختلاف إلى النقط أم الشكل، وذكروا لذلك أمثلة فمنها جرير وحريز، فالأوّل اسم لجرير بن عبداللّه البجلي الصحابي والثاني اسم لحريز بن عبداللّه السجستاني ـالذي يروي عن الصادق (عليه السلام)ـ ومنها الهَمْداني والهَمَذاني، الأوّل بسكون الميم والدال المهملة، والثاني بفتح الميم والذال المعجمة، فالأوّل نسبة إلى هَمْدان قبيلة في اليمن والثاني اسم لمدينة في إيران، فمن الأوّل محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، ومحمّد بن الأصبغ، وسندي بن عيسى ، ومحفوظ بن نصر و خلق كثير. بل كثير من الرواة منسوبون إلى هذا الاسم، لإنّها قبيلة صالحة موالية لأميرالمؤمنين (عليه السلام)، ومن الثاني محمد بن يحيى، ومحمد بن الوليد، وعلي بن الفضيل، و إبراهيم بن سليمان، وأحمد بن النضر، وعمرو بن عثمان، و عبدالكريم بن هلال الجعفي.

27 ـ المدبّج ورواية الأقران:

إنّ الراوي والمروي عنه إن تقارنا في السن أو في الإسناد و اللقاء ـ وهو الأخذ من المشايخ ـ فهو النوع الذي يقال: له رواية الأقران، لأنّه حينئذ يكون راوياً عن قرينه و ذلك كالشيخ أبي جعفر الطوسي(385هـ ـ 460هـ) والسيد المرتضى (355 هـ ـ 436هـ)، فإنهما أقران في طلب العلم والقراءة على الشيخ المفيد، وإن كان السيد متقدّماً عليه ميلاداً.

28 ـ رواية الأكابر عن الأصاغر:

هذا إذا كان المروي عنه دون الراوي في السن أو في اللقاء، فروى عمّن دونه فهو النوع المسمّى برواية الأكابر عن الأصاغر، كرواية الصحابي عن

صفحه 95
التابعي، والتابعي عن تابعي التابعي.

29 ـ السابق واللاحق:

وهو ما اشترك اثنان في الأخذ عن شيخ و تقدّم موت أحدهما على الآخر . قال الشهيد: وأكثر ما وقفنا عليه في عصرنا من ذلك ستّ وثمانون سنة، فإنّ شيخنا المبرور نور الدين علي بن عبدالعالي الميسي والشيخ الفاضل ناصر بن إبراهيم البويهي الإحسائي، كلاهما يرويان عن الشيخ ظهير الدين ابن محمد بن الحسام، وبين وفاتيهما ماذكرناه، لأنّ الشيخ ناصر البويهي توفّي سنة اثنتين و خمسين وثمانمائة وشيخنا الميسي توفّي سنة ثمان و ثلاثين وتسعمائة(1).

30 ـ المطـروح:

وهو ما كان مخالفاً للدليل القطعي ولم يقبل التأويل، وربّما يتّحد مع الشاذّ في النتيجة و إن لم يتّحدا في الإسم.

31 ـ المتـروك:

مايرويه من يتّهم بالكذب ولا يعرف ذلك الحديث إلاّ من جهته، ويكون مخالفاً للقواعد المعلومة .

1 . الشهيد الثاني ـ زين الدينـ: الرعاية في علم الدراية: ص366.

صفحه 96

32 ـ المشكل:

وهو المشتمل على مطالب غامضة لا يفهمها إلاّ العارفون(1)، وأمّا إذا اشتمل على ألفاظ غريبة لا يعرف معناها إلاّ الماهر فهو داخل في الغريب لفظاً.

33 ـ النَـصّ:

وهو ماكان صريحاً في الدلالة لايحتمل إلاّ معنىً واحداً.

34 ـ الظاهـر:

وعرّف بما دلّ على معنى دلالة ظنيّة راجحة مع احتمال غيره كالألفاظ التي لها معان حقيقية إذا استعملت بلا قرينة تجوّزاً سواء كانت لغوية أو شرعية أو غيرها(2) والظاهر أنّ التعريف ينطبق على المجمل، فإنّ المشترك إذا استعمل بلا قرينة يكون مجملاً، بل الأولى أن يقال : إنّ الظاهر هو ما دون الصريح في الدلالة على المراد، وقد أثبتنا في الأبحاث الاُصولية أنّ الظواهر كالنصوص من أقسام الدلالات القطعية الكاشفة عن المقاصد الاستعمالية، وأمّا الكشف عن المقاصد الجدّية فليس هو على عاتق اللفظ حتى يتّصف الظاهر بالنسبة إليه بالظنّ، فلاحظ.

1 . وقد ألّف السيّد المحقّق عبد اللّه شبّر (ت 1241)، كتاباً اسماه «مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الاخبار» طبع في جزئين.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص57.

صفحه 97

35 ـ المـؤوّل:

و هو اللفظ المحمول على معناه المرجوح بقرينة حالية أو مقالية.

36 ـ المُجْمَـل:

وهو ماكان غير ظاهر الدلالة على المقصود، وإن شئت قلت: اللفظ الموضوع الذي لم يتّضح معناه.هذا إذا جعلنا الإجمال صفة للمفرد، فربّما يقع وصفاً للجملة، فيكون المراد مالم يتّضح المقصود من الكلام فيه.

37 ـ المُبيّن:

وهو خلاف المجمل، وقد أشبع الاُصوليون الكلام في المجمل والمبيّن بل النصّ والظاهر وهي من صفات مطلق اللفظ سواء أكان في الحديث أم في غيره، واتّصاف الحديث بهما لأجل اشتماله عليه.
هذه هي أسماء الحديث المشتركة بين الصحيح و غيره، فلابدّ من الكلام في الأقسام المختصّة بالضعيف ممّا يدور في ألسنة المحدّثين .
(1)

1 . أخذنا هذه التعاريف الأخيرة غير المذكورة في الرعاية للشهيد من كتاب مقباس الهداية في علم الدراية: ص51 ـ 58.

صفحه 98

صفحه 99

الفصل الرابع

فيما يختصّ من الأوصاف بالضعيف:

1. الموقوف
2. المقطوع
3. المنقطع
4. المعضل
5. المعلّق
6. المضمر
7. المرسل، حجّية المرسل، مراسيل الفقيه،
8. المعلّل
9. المدلّس
10. المضطرب
11. المقلوب
12. المهمل
13. المجهول
14. الموضوع، ما هو السبب لشيوع الأحاديث الموضوعة، في تعريف الصحابي، عدد الصحابة، المولى.

صفحه 100

صفحه 101

الفصل الرابع:

في ما يختصُّ من الأوصاف بالقسم الضعيف

1 ـ الموقوف :

وهو على قسمين: مطلق ومقيّد، فإن جاء مطلقاً فالمراد ما روي عن مصاحب المعصوم من نبي أو إمام، من قول أو فعل، أو غيرهما، سواء أكان السند متصلاً إلى المصاحب أم منقطعاً، وأما إذا أُخِذَ من غير المصاحب للمعصوم فلا يستعمل إلاّ مقيّداً، فيقال وقفه فلان على فلان إذا كان الموقوف عليه غيرمصاحب، وقد تقدّم أنّه ربّما يطلق الأثر على المروي عن الصحابي كما يطلق الخبر على المرفوع إلى المعصوم، ولكنّه اصطلاح ليس بشائع.
قال النووي: الموقوف هو المروي عن الصحابة قولاً لهم أو فعلاً أو نحوه، متصلاً كان أو منقطعاً، ويستعمل في غيرهم مقيّداً، فيقال: وقفه فلان على الزهري ونحوه، وعند فقهاء خراسان تسمية الموقوف بالأثر والمرفوع بالخبر(1).
وأكثر ما رواه المحدّثون في تفسير الآيات عن الصحابة موقوف

1 . التقريب والتيسير:2/149.

صفحه 102
غيرمرفوع إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)اللّهُمّ إلاّ إذا كان مبيّناً لشأن نزول الآية، فربّما يكون مرفوعاً لبّاً وإن لم يكن مرفوعاً لفظاً، كقول جابر: كانت اليهود تقول : من أتى امرأته من دبرها في قبلها، جاء الولد أحول، فأنزل اللّه تعالى:(نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ)(البقرة/223) .
فإنّ مثل هذا يعدّ مرفوعاً، ومثله ما إذا حكى عن اُمور غيبيّة ترجع إلى الحياة الأخرويّة التي ليس للعقل إليها طريق، فطبع الحال يقتضي أخذه لها عن المعصوم فهو مرفوع لاموقوف، ونظيره ما إذا حكى المصاحب للمعصوم فعله بمرأى ومنظر منه، و يعد مرفوعاً، بخلاف ما إذا لم يكن بمرأى و منظر منه، و على كل تقدير فالموقوف ليس بحجّة وإن صحّ سند الحديث إلى الموقوف، لأنّ الحجّة هو قول المعصوم، والمصاحب ليس بمعصوم، وبذلك تعلم قيمة ما روي عن الصحابة حول تفسير الآيات، وقد حشّد الطبري تفسيره بالموقوفات، ومثله السيوطي فقد جمع في تفسيره أقوال الصحابة حول الآيات .

2 ـ المقطـوع:

المقطوع يستعمل على ثلاثة أوجه:
أ ـ إذا روي عن التابعي، أي مصاحب مصاحب النبي.
قال النووي: هو الموقوف على التابعي قولاً له أو فعلاً(1).
وبما أنّ المعصوم غير منحصر عندنا في النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيعمّ ما إذا روي عن مصاحب مصاحب الإمام (عليه السلام).

1 . التقريب والتيسير:1/159.

صفحه 103
والنسبة بين المقطوع بهذا المعنى والموقوف هو التباين، لاختصاص الثاني بما إذا روي عن مصاحب المعصوم بلا رفع إلى النبي، والأوّل بما إذا روي عن التابع لمصاحب النبي.
هذا إذا قيس المقطوع إلى الموقوف بالمعنى الأخصّ ، وأمّا إذا قيس إلى الموقوف بالمعنى الأعم أي الموقوف على غير الصحابي تابعيّاً كان أو غيره، فالنسبة أخصّ مطلقاً لاختصاصه بالتابعي و شمول الموقوف له و لغيره.
ب ـ وقد يطلق ويراد منه الموقوف بالمعنى الأعمّ، أي الموقوف على غير الصحابي، سواء أكان تابعيّاً أم لا(1).
ج ـ وقد يطلق على ما سقط واحد من أسناده(2).

3 ـ المنقطـع:

وقد اضطرب كلامهم في تفسيره.
فعرّفه النووي بقوله:الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب وابن عبدالبرّ و غيرهم من المحدّثين هو: أنّ المنقطع ما لم يتصل إسناده على أيّ وجه كان.
وأكثر ما يستعمل في رواية مَنْ دون التابعي عن الصحابي كمالك بن أنس الفقيه، عن عبداللّه بن عمر.
وقيل : هو ما اختلّ منه راو قبل التابعي محذوفاً كان أو مبهماً كرجل .

1 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص135 و137.
2 . نفس المصدر، وهذا يعرب عن وجود الفوضى في اصطلاح الموقوف ونظير ذلك لفظ «المنقطع».

صفحه 104
وقيل: هو ماروي عن تابعي أو من دونه قولاً له أو فعلاً (1).
عرّفه الشهيد الثاني بإسقاط شخص واحد من أسناده، وفي موضع آخر: بأنّه يطلق على ماجاء عن التابعين ـ وعلى حسب تعبيرنا ـ تابع مصاحب المعصوم، وعند ذلك يتّحد مع المقطوع بالمعنى الأوّل(2) .
وقسّمه والد شيخنا بهاء الدين العاملي إلى المنقطع بالمعنى الأعمّ (يدخل فيه المعلّق والمرسل أيضاً) وإلى المنقطع بالمعنى الأخصّ . قـال :
«وهو ما لم يتّصل إسناده إلى معصوم على أيّ وجه كان، و هو ستّة أقسام، لأنّ الحذف إمّا من الأوّل أو من الوسط أو من الآخر ،( والمحذوف) إمّا واحد أو أكثر».
1 ـ 2 : ما حذف من أوّل إسناده واحد أو أكثر، وهو المعلّق، كما تقدّم عند البحث عن الصفات المشتركة.
3 ـ 4 : المنقطع بالمعنى الأخصّ: وهو ما حذف من وسط إسناده واحد أو أكثر.
5 ـ 6 : المرسل(3)( وسنبحث عنه مستقلاّ ً).
وعلى ذلك فالمنقطع ما حذف من وسط إسناده واحد أو أكثر، و قال بهاء الدين العاملي: أو سقط من وسطه واحد فمنقطع(4).
فالمنقطع بالمعنى الأخصّ أعمّ من أن يكون المحذوف واحداً أو أكثر

1 . النووي: التقريب و التيسير: 1/171.
2 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية:ص135.
3 . حسين بن عبد الصمد: وصول الأخيار إلى اُصول الأخبار: ص105 و 106.
4 . بهاء الدين العاملي: الوجيزة: ص3.

صفحه 105
عند والد بهاء الدين العاملي، ولكنه عند ولده يختصّ بما إذا كان المحذوف واحداً، ولعلّه الأولى حتى يتميّز عن المعضل الذي يليه.

4 ـ المعضل:

عرّفه الشهيد بأنّه : ماسقط من سنده أكثر من واحد، قيل: إنّه مأخوذ من قولهم أمر معضل، أي مستغلق شديد(1) ، وقال والد بهاء الدين العاملي: ما سقط من إسناده اثنان أو أكثر من الوسط أو الأوّل أو الآخر فهو عبارة عن الأقسام الثلاثة من الستّة المذكورة في المنقطع(2).
والأولى ما ذكره بهاء الدين العاملي حيث خصّه بسقوط أكثر من واحد من وسط السند فقال:أو في وسطها واحد فمنقطع أو أكثر فمعضل.
هذا ا(3)لاختلاف في تفسير هذه المصطلحات تعرب عن وجود الفوضى في وضعها، و إنّ الاختلاف في الاصطلاح يشوّش ذهن القارئ، ولو اكتفى في كل واحد بالقدر المتيقّن كان أولى.

5 ـ المُعَلّق:

وهو ما حذف من أوّل إسناده واحد فأكثر(4) على التوالي، ونسب الحديث إلى من فوق المحذوف من رواته، فإن علم المحذوف كما هو الحال

1 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص 137.
2 . حسين بن عبد الصمد: وصول الأخيار إلى اُصول الأخبار: ص108.
3 . بهاء الدين العاملي: الوجيزة: ص3.
4 . النووي: التقريب والتيسير: 1/181.

صفحه 106
في أغلب روايات الفقيه و التهذيبين فهو من الصفات المشتركة بين الأقسام الأربعة للخبر، والمعلّق بهذا المعنى هو الذي ذكرناه في الفصل الماضي، وأمّا إذا لم يعلم المحذوف فهو من صفات الخبر الضعيف وهو المقصود في المقام.
فعلى ذلك فالمصطلحـات التالية:1 ـ الموقــوف، 2 ـ المقطـوع، 3ـالمنقطع، 4 ـ المعضل، 5 ـ المعلّق اصطلاحات متقاربة المعنى، متميّزات باُمور جزئية، فيجب على القارئ ممارسة المتميّزات حتى لا يشتبه أحدهما على الآخر، ونكمل تلك الاصطلاحات بسادسها وسابعها، و هما المضمر والمرسل، وإليك بيانهما:

6 ـ المُضْمَر:

وهو ما يقول فيه الصحابي أو أحد أصحاب الأئمة (عليهم السلام): سألته عن كذا، فقال: كذا، أو أمرني بكذا، أو ما أشبه ذلك، ولم يسمّ المعصوم، ولا ذكر ما يدل على أنّه المراد ، وهذا القسم غير معروف بين العامّة، وكثيراً ما كان يفعله أصحابنا للتقية، لعلم المخاطب بالإمام في ذلك الخطاب(1).
وقال المامقاني: وهو ما يطوى فيه ذكر المعصوم في ذلك المقام بالضمير الغائب إمّا لتقيّة أو سبق ذكره في اللفظة أو الكتابة، ثم عرض القطع لداع، كما لو قال: سألته، أوسمعته يقول، أو عنه، أو نحو ذلك(2).
والمعروف من المضمرات هي مضمرة سماعة، وربّما يرى الإضمار في أخبار زرارة ومحمّد بن مسلم، وسبب الإضمار هو التقيّة، ولذلك يعبّرون عن

1 . الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي، وصول الاخيار، ص 101.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص47.

صفحه 107
الإمام: بالعبد الصالح، والفقيه، والشيخ، وأمّا عروض الإضمار لأجل تقطيع الأخبار بمعنى أنّ سماعة كتب في صدر سؤالاته اسم الإمام المسؤول، ثمّ عطف عليه بقيّة الأسئلة ، قوله: سألته عن كذا، ولمّا قام المحمّدون الثلاثة بجمع الروايات، نقلوها بنفس النصّ الموجود في أصل سماعة من دون أن يصرّحوا بالحقيقة، فهذا أمر بعيد عن المشايخ العارفين بوظيفة التحديث، وأنّ هذا الإضمار بدون التعريف به يوجب سقوط الرواية عن الحجّية، ولو كان الأمر كذلك كان عليهم التصريح بذلك في ديباجة كتبهم، أو قلب الإضمار إلى التصريح كما هو الحال في نظائرها كمضمرات عبداللّه بن جعفر الحميري في قرب الإسناد، فقد روها المشايخ في كتبهم مصرّحة.

7 ـ المُرْسَل:

وهو مأخوذ من إرسال الدابّة، بمعنى رفع القيد والربط عنها، فكأنّ المحدّث بإسقاط الراوي رفع الربط الذي بين رجال السند بعضهم ببعض، وفسّره الشهيد بقوله: مارواه عن المعصوم من لم يدركه سواء أكان الراوي تابعيّاً أم غيره، صغيراً أم كبيراً، وسواء أكان الساقط واحداً أم أكثر، وسواء رواه بغير واسطة بأن قال التابعي: قال رسولاللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم مثلاً، أو بواسطة نسيها بأن صرّح بذلك أو تركها مع علمه بها، أو أبهمها كقوله عن رجل أو بعض أصحابنا أو نحو ذلك، و هذا هو المعنى العامّ للمرسل المتعارف بين أصحابنا (1).
و لايخفى أنّ المرسل بهذا الاعتبار يشمل المرفوع بالمعنى الأوّل من

1 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص136.

صفحه 108
إطلاقيه المتقدمين(1) والموقوف والمعلّق والمقطوع والمنقطع والمعضل.
ولأجل ذلك خصّه بعضهم بمعنى آخر حتى يتميّز عن غيره، و هو كلّ حديث أسنده التابعي إلى النبي من غير ذكر الواسطة، كما إذا قال سعيد ابن جبير: قال رسولاللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، وقدأكثر سعيد بن المسيّب من قوله قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وقد عامل محدّثوا العامّة مراسيله معاملة المسند، فقال إمام الحرمين: والمرسل ما لم يتّصل إسناده، فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس بحجّة، إلاّ مراسيل ابن المسيّب، فإنّها فتّشت فوجدت مسانيد(2).

الآراء في حجيّة المرسل:

1 ـ القبول مطلقاً; نسب إلى محمّد بن خالد البرقي والد أحمد مؤلّف المحاسن وربّما ينسب إلى الثاني، والأوّل أدرك الرضا والجواد ـ عليهما السّلامـ وتوفّي الثاني عام 274 هـ أو 280هـ .
2 ـ عدم القبول، وهو خيرة العلاّمة في تهذيب الأُصول(3).
3 ـ القبول إن كان الراوي ممّن عرف أنّه لا يرسل إلاّ مع عدالة الواسطة كمراسيل ابن أبي عمير، وهو قول ثان للعلاّمة، وخيرة القمي في قوانينه.
4 ـ إن كان الراوي ممّن عرف أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة فهو مقبول

1 . المراد بالإطلاق الأوّل من إطلاقيه هو ما سقط من وسط سنده أو آخره واحد أو أكثر مع التصريح بلفظ الرفع كأن يقال:روى الكليني عن علي بن إبراهيم،عن أبيه،رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام).
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص60، وتعليق الرعاية: ص137.
3 . العلاّمة: التهذيب: ص82 طبعة طهران عام 1308 هـ ق.

صفحه 109
مطلقاً، وإلاّ فيشترط أن لايكون له معارض من المسانيد الصحيحة، وهو خيرة الشيخ الطوسي.
5 ـ التوقف; وهو الظاهر من المحقّق(1).
6 ـ التفريق بين حذف الواسطة وإسقاطه مع العلم به، وبين ذكره مبهماً،فيقبل في الاُولى دون الثانية.
7 ـ تلك الصورة ولكن مع اسنادها إلى المعصوم جزماً; كما عليه الصدوق في الفقيه حيث يقول : قال الصادق (عليه السلام)(2).
استدلّ القائل بالقبول مطلقاً بأنّ رواية العدل عن الأصل المسكوت عنه تعديل له، لأنّه لو روى عن غير العدل ولم يبيّن حاله لكان ذلك غشّاً وهو مناف للعدالة، ولكن ضعفه ظاهر، لأنّه إنّما يتمّ لو انحصر أمر العدل في روايته عن العدل أو عن الموثوق بصدقه و هو ممنوع، وبذلك ظهر دليل المانع مطلقاً. وأمّا دليل الثالث فهو ما ذكر القمّي وقال: «إنّ الإرسال ممّن عرف بأنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة»، كاشف عن اعتماده على صدق الواسطة والوثوق بخبره، ولاريب أنّ ذلك يفيد ظنّاً بصدق خبره وهو لا يقصر عن الظنّ الحاصل بصدق خبر الفاسق بعد التثبّت.
يلاحظ عليه : أنّه مبني على مبناه من حجّية مطلق الظنّ، وهو خلاف التحقيق . ثم الظنّ في المقيس عليه، أي الظنّ بصدق الفاسق بعد التثبّت ليس بحجّة ما لم يبلغ درجة التبيّن والإطمئنان العرفي.
وأمّا الرابع; فضعفه ظاهر بالإمعان في الرد على دليل الثاني.

1 . المحقّق: المعارج : ص92 طبعة طهران عام 1310 هـ ق.
2 . القمّي: القوانين: 1/478، والنوري: المستدرك: 3/718.

صفحه 110
وأمّا الخامس; فهو كاشف عن تكافؤ الأدلّة في نظر القائل وعدم ترجيح أحد الطرفين على الآخر، والمهم هو السادس والسابع و موردهما مراسيل الفقيه، فقد ذهب غير واحد من المحققين إلى حجّيتها فلا بأس بإفاضة الكلام فيه فنقول:

مراسيل الفقيه:

إنّ كتاب «من لا يحضره الفقيه» : يشتمل على ثلاثة آلاف وتسعمائة وثلاثة عشر حديثاً مسنداً، وعلى اَلْفَين وخمسين حديثاً مرسلاً، والمراد من المرسل أعمّ ممّا لم يذكر فيه اسم الراوي بأن قال: روي، أو قال: قال عليه السلام، أو ذكر الراوي، أو صاحب الكتاب، و نسي أن يذكر طريقه إليه في المشيخة، وقد أحصى المجلسي الأوّل ـ قدس سره ـ هذا القسم الأخير في شرحه على الفقيه فبلغ أزيد من مائة وعشرين رجلاً، وأنّ أخبارهم تزيد على ثلاثمائة حديث، فربّما يقال : بحجّية القسم الثاني أعني مانسبه إلى المعصوم بصورة الجزم وقال: قال الصادق ـ عليهالسلام ـ .
قال الفاضل التفريشي: إنّ قول العدل: قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يشعر باذعانه بمضمون الخبر بخلاف ما لو قال حدّثني فلان.
وقال السيد بحرالعلوم، قيل: إنّ مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل ابن أبي عمير في الحجّية و الإعتبار، وإنّ هذه المزيّة من خواصّ هذا الكتاب لاتوجد في غيره من كتب الأصحاب.
وقال بهاء الدين العاملي في شرح الفقيه ـ عند قول المصنّف: وقال الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): كل ماء طاهر حتى تعلم أنّه قذر : هذا

صفحه 111
الحديث كتاليه من مراسيل المؤلّف ـ رحمه اللّه ـ وهي كثيرة في هذا الكتاب، زيد على ثلث الأحاديث الموردة فيه، وينبغي أن لا يقصر الإعتماد عليها من الإعتماد على مسانيده من حيث تشريكه على النوعين في كونه ممّا يفتي به ويحكم بصحّته، ويعتقد أنّه حجة بينه وبين ربّه سبحانه، بل ذهب جماعة من الاُصوليّين إلى ترجيح مرسل العدل على مسانيده محتجّين بأنّ قول العدل: قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كذا، يشعر بإذعانه بمضمون الخبر، بخلاف ما لو قال حدّثني فلان عن فلان، أنّه قالصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كذا .
وقال المحقّق الداماد في الرواشح ـ في ردّ من استدل على حجّية المرسل مطلقاًـ: بأنّه لو لم يكن الوسط الساقط عدلاً عند المرسل لما ساغ له إسناد الحديث إلى المعصوم ... قال : إنّما يتمّ ذلك إذا كان الإرسال بالإسقاط رأساً والإسناد جزماً، كما لو قال المرسل: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو قال الإمام (عليه السلام)ذلك، وذلك مثل قول الصدوق في الفقيه، قال (عليه السلام): الماء يطهّر ولايطهر، إذ مفاده الجزم أو الظنّ بصدور الحديث عن المعصوم فيجب أن تكون الوسائط عدولاً في ظنّه، وإلاّ كان الحكم الجازم بالإسناد هادماً لجلالته وعدالته.
وقال المحقّق سليمان البحراني في البلغة ـ في جملة كلام له في اعتبار روايات الفقيهـ: بل رأيت جمعاً من الأصحاب يصفون مراسيله بالصحة، ويقولون: إنّها لا تقصر عن مراسيل ابن أبي عمير، منهم العلاّمة في المختلف والشهيد في شرح الإرشاد والسيّد المحقّق الداماد .
ولعلّ ا(1)لتفصيل الأخير أقـرب .

1 . المحدّث النوري: مستدرك الوسائل: 3/718.

صفحه 112
هذا هو المرسل لدى الشيعة وعليه أهل السنّة أيضاً، فعرّفوه بأنّه ما سقط منه الصحابي، كقول نافع: قال رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كذا، أو «فعل كذا»، أو«فعل بحضرته كذا»، ونحو ذلك(1) وفي الحقيقة إنّ مرفوع التابعي هو المرسل عندهم، وقد عدّوه من أقسام الضعيف، واتّفقوا على أنّه ليس حجّة في الدين، قالوا:
« هذا هو الرأي الذي استقرّ عليه حفّاظ الحديث، ونُقّاد الأثر، وتداولوه في تصانيفهم».
ومع ذلك نرى أنّهم يحتجّون بمراسيل الصحابة، فلا يرونها ضعيفة بحجّة أنّ الصحابي الذي يروي حديثاً لم يتيسّر له سماعه بنفسه من رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم غالباً ما تكون روايته له عن صحابي آخر قد تحقّق أخذه عن الرسول، فسقوط الصحابي الآخر من السند لا يضرّ، كما أنّ جهل حاله لا يضعّف الحديث، فثبوت شرف الصحبة له كاف في تعديله.
وفي الصحيحين من مراسيل الصحابة ما لا يحصى، لأنّ أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلّهم عدول(2).
يلاحظ عليه: أنّ القول بأنّ الصحابة كلّهم عدول مخالف للذكر الحكيم، والسنّة المتواترة عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)حول أصحابه، فقد كان في الصحابة منافقون، ومرضى القلوب ، والسمّاعون لكلّ ناعق و إلى غير ذلك ممّا يجده الإنسان في الذكر الحكيم. وقد أخبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك حسب ما رواه البخاري في صحيحه: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال : « بينما أنا قائم على

1 . القاسمي جمال الدين الشامي: قواعد الحديث:ص 114.
2 . السيوطي:تدريب الراوي: 1/171، صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه: ص168.

صفحه 113
الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني و بينهم، فقال: هَلُمّ! فقلت: أينَ؟ فقال : إلى النار واللّه، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدّوا على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة اُخْرى، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني و بينهم، فقال: هَلُمّ ! فقلت: إلى أين؟ قال:إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدّوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلاّ همل النعم»(1).
إنّ أهل السنّة بنوا مذهبهم في الاُصول والفروع على أقوال الصحابة والتابعين، فأدّاهم القول بذلك الى تنزيه الصحابة كلّهم، وسيوافيك أنّ عددهم يزيد على مائة ألف، فمعنى ذلك أنّ رؤية النبي كانت إكسيراً محوّلاً لكل إنسان وإن كان في الدرجة السافلة من الدين والخلق و سائر المثل، إلى إنسان عادل مثالي، وهو شيء عجيب، وليس لهم مناص عن ذلك، لأنّ القول بخلافه يستلزم انهيار المذهب السنّي، فأسّسوا ذلك الأصل ، لصيانة مذهبهم !(2).

8 ـ المُعَلّل :

وله إطلاقان :
أحدهما : ما يختصّ بالفقهاء وهو ما ذكر فيه علّة الحكم، كتعليل حرمة الخمر بالإسكار، و غسل الجمعة برفع روائح الاباط، وهو خارج عن المقصود

1 . الجزري ـ ابن الأثير ـ: جامع الأُصول:11 ص121، و «همل النعم» كناية عن أنّ الناجي عدد قليل، وقد اكتفينا من الكثير بالقليل، ومن أراد الوقوف على ما لم نذكره فليرجع إلى «جامع الاُصول».
2 . والحقّ تصنيف الصحابة إلى أصناف مختلفة بين صالح وطالح، و عادل وغيره.

صفحه 114
في المقام.
وثانيهما: ما عليه اصطلاح المحدّثين، فإنّهم يطلقونه على حديث اشتمل على أمر خفي غامض في متنه أو سنده، و هو في نفس الأمر قادح في اعتباره، مع كون ظاهره السلامة(1) فعندئذ فهو مأخوذ من العلّة بمعنى المرض، كما أنّ الإطلاق الأوّل مأخوذ من العلّة بمعنى السبب.
و معرفة المعلّل وتمييزه من أجلّ أنواع علوم الحديث وأشرفها و أوثقها. قال الشهيد : وإنّما يتمكّن من معرفة ذلك أهل الخبرة بطريق الحديث ومتونه، ومراتب الرواة الضابطة لذلك، و أهل الفهم الثاقب في ذلك، ويستعان على إدراكها بتفرّد الراوي بذلك الطريق، أو المتن الذي تظهر عليه قرائن العلّة، وبمخالفة غيره له في ذلك مع انضمام قرائن تنبّه العارف على تلك العلّة من إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم أو غير ذلك من الأسباب المعلّة للحديث، بحيث يغلب على الظنّ ذلك و لا يبلغ اليقين، و إلاّ لحقه حكم ما تيقّن من إرسال أو غيره.. إلى أن قال: إنّ هذه العلّة توجد في كتاب التهذيب متناً و إسناداً بكثرة(2).

9 ـ المُدَلّس:

المدلّس ـ بفتح اللام ـ إذا وقع صفة للحديث ، وبكسره إذا وقع وصفاً للمحدّث، وحاصله إخفاء العيب الموجود في السند، و هو قسمان:

1 . النووي: التقريب والتيسير: 1/211.
2 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص141 ـ 142، ولو صحّ ما ذكره في التهذيب لزم عدم جواز العمل برواياته إلاّ بعد الفحص عن سنده ومتنه.

صفحه 115
أ ـ أن يروي عمّن لقيه أو عاصره ما لم يسمع منه، على وجه يوهم أنّه سمعه منه، كأن يقول: قال فلان أو عن فلان، و التقييد باللقاء والمعاصرة لإخراج مالو لم يلقه ولم يعاصره، فإنّ الرواية عنه ليس تدليساً لوجود القرينة وهو عدم التعاصر إذا كان واضحاً.
ب ـ أن لايسقط شيخه الذي أخبره و لا يوقع التدليس في أوّل السند، ولكن يسقط من بعده رجلاً ضعيفاً أو صغير السن ليحسن الحديث باسقاطه(1) ، هذا إذا لم يذكر ما هو صريح في السماع بلا واسطة، كما إذا قال حدّثنا أو أخبرنا . فإنّه يكون كذباً والمحدّث كذّاباً.
ثم إنّ للتدليس قسماً آخر يسمّى التدليس في الشيوخ، لا في نفس الإسناد، بأن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه، ولكن لايحبّ معرفة ذلك الشيخ لغرض من الأغراض، فيسمّيه أو يكنّيه باسم أو كنية غيرمعروف بهما، و هذا أخفُّ ضرراً من الأوّل و ربّما يكون معذوراً في ترك التسمية.
وقد عرف سفيان بن عيينة بالتدليس، قال علي بن حشرم: كنّا عند سفيان بن عيينة فقال: قال الزهري كذا، فقيل له: أسمعت منه هذا؟ قال: حدّثني به عبدالرزاق عن معمّر عنه، فسفيان قد عاصر الزهري و لقيه، ولكنه لم يأخذ عنه فيصحّ سماعه منه، وإنّما أخذ عن عبد الرزاق وعبدالرزاق أخذ عن معمّر ومعمّر أخذ عن الزهري، فالتدليس هنا إسقاط سفيان شيخيه بإيراده الحديث بصيغة تُوهم سماعه من الزهري مباشرة(2).

1 . النووي: التقريب و التيسير: 1/186 مع شرحه: تدريب الراوي، وفي الأوّل «وفي الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير كقتادة و السفيانين وغيرهم».
2 . صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه:ص174.

صفحه 116
وعلى كل تقدير; فهل يقبل حديث المدلّس أم لا ؟ فيه تفصيل(1).
إذ لاشكّ أنّ القسم الأوّل من التدليس مذموم جداً لما فيه من إيهام اتصال السند مع كونه مقطوعاً حتى قال بعضهم: التدليس أخو الكذب، إنّما الكلام في جرح فاعله بذلك، بمعنى أنّه إذا عرف بالتدليس ثم روى: حدّثنا (في غير مادلس به) ففي قبوله قولان:
1 ـ لايقبل مطلقاً، وقيل لايجرح بذلك بل ما علم فيه التدليس يردّ وما لم يعلم فلا، لأنّ المفروض كونه ثقة بدونه، والتدليس ليس كذباً بل تمويهاً.
2 ـ التفصيل، وهو قبول حديثه إن صرّح بما يقتضي الإتصال كحدّثنا أو أخبرنا، دون المحتمل للأمرين ، كما إذا قال: عن فلان، أو قال فلان، بل حكمه حكم المرسل.
ومرجع هذا التفصيل إلى أنّ التدليس غير قادح في العدالة ولكن تحصل الريبة في إسناده لأجل الوصف، فلا يحكم باتصال سنده إلاّ مع إتيانه بلفظ لايحتمل التدليس بخلاف غيره، فإنّه يحكم على سنده بالاتصال عملاً بالظاهر حيث لامعارض له.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كثر التدليس من راو واحد في مظانّ مختلفة،فهذا ربّما يسلب ثقة الإنسان بالراوي، فلأجل ذلك ربّما تكون أدلّة حجّية الخبر منصرفة عن ذلك، وهذا بخلاف ما إذا قلّ التدليس، فالتفصيل هو المتّبع، لكن بهذا المعنى.
وأمّا القسم الثاني، فقال الشهيد: إنّ فيه تضييعاً لحقّ المروي عنه

1 . لاحظ الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص145، والمامقاني: مقباس الهداية:ص66.

صفحه 117
وتوعيراً لطريق معرفة حاله فلا ينبغي للمحدّث فعل ذلك، ونقل: إنّ الحامل لبعضهم على ذلك كان منافرة بينهما اقتضته ولم يسع له ترك حديثه صوناً للدين ـ وقال الشهيد ـ: وهو عذر غير واضح.
ولعلّ الوجه في عدم وضوحه أنّ الخبر لوكان متضمّناً لحكم اللّه، وكانت التعمية بالمروي عنه سبباً لردّ الخبر، فإنّ ذلك ينجرّ إلى إخفاء حكم اللّه، خصوصاً فيما إذا كان الشيخ ثقة عند الناس(1) ومن حسن الحظّ ندرته وندرة القسم الأوّل في أخبارنا معاشر الإمامية.

10 ـ المُضطرب:

وهو كلّ حديث اختلف في متنه أو سنده فروي مرة على وجه، واُخرى على وجه آخر مخالف له، سواء أ وقع الاختلاف من راو واحد أم من رواة متعددين أم من المؤلّفين أم من ناسخي الكتب بحيث يشتبه الواقع.
قال النووي : هو الذي يروى على أوجه مختلفه متقاربة، ويقع في الإسناد تارة و في المتن اُخرى، وفيهما من راو واحد أو جماعة(2).
ثم إنّ الإضطراب يقع تارة في السند و اُخْرى في المتن، أمّا الأوّل: فبأن يرويه الراوي تارة عن أبيه عن جده، و اُخرى عن جدّه بلا واسطة ،وثالثة عن ثالث غيرهما.
وأمّا الثاني: فبأن يروى حديث بمتنين مختلفين، و مثاله في رواياتنا خبر اختبار الدم عند اشتباهه بالقرحة، بخروجه من الجانب الأيمن فيكون

1 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص66.
2 . النووي: التقريب والتيسير: 1/220.

صفحه 118
حيضاً، أو بالعكس، فرواه في الكافي بالأوّل(1) ورواه الشيخ ـ على ما في بعض نسخ التهذيب ـ بالثاني(2).
والعجب أنّ السيد أحمد ابن طاووس مؤلّف « البشرى» سمّاه تدليساً، وهو ليس منه قطعاً. ومن المضطرب قسم لم يذكره علماء الدراية، وهو أن تكون الرواية غير منسجمة من حيث التعبير عن المرام، بمعنى أنّه قدّم ما حقّه التأخير وأخّر ما حقّه التقديم، ولعلّ هذا يرجع إلى عدم ضابطية الراوي. نجد نظير ذلك الاضطراب في الرواة البعداء عن العربية وعن الثقافة المعروفة في ذلك الزمان.

11 ـ المقلوب:

وهو يتحقّق فيما ورد حديث بطريق معلوم، ولكن ربّما يرويه راو بغير ذلك الطريق، إمّا بمجموع الطريق أو ببعض رجاله بأن يقلب بعض رجاله خاصّة حتّى يكون أجود منه ليرغب فيه(3).

12 ـ المهمل:

وهو الحديث المروي بسند فيه راو معنْوَن في كتب الرجال ولكن لم يحكم عليه بشيء من المدح والذم.

1 . الكليني: الكافي: 3/94. قال: فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض، وإن خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة.
2 . الطوسي: التهذيب: 1/385. قال: فإن خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض، وإن خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة.
3 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص150.

صفحه 119
وفسّره المامقاني بقوله: «وهو ما لم يذكر بعض رواته في كتب الرجال ذاتاً أو وصفاً»، والظاهر أنّ القسم الأوّل داخل في المجهول الذي نشير إليه.

13 ـ المجهول:

وهو ما لم يعنْون في كتب الرجال، أو عنْون ولكن لم يعرف ذاته وحكم عليه بالجهالة، وعرّفه المامقاني بقوله: «وهو ما ذكر رجاله في كتاب الرجال، ولكن لم يعلم حال البعض أو الكلّ من حيث العقيدة».
ولأجل كون المقصود ما ذكرناه لا ما ذكره انتقد على الشيخ المامقاني اكثاره في كتابه تنقيح المقال في علم الرجال من قوله: «مجهول» لا سيّما في فهرس تنقيح المقال، فإنّ الناظر فيه لا يرى إلاّ المجاهيل، مع أنّ المحقّق الداماد عقد الراشحة الثالثة عشرة من رواشحه في معنى المجهول وأثبت أنّه لا يجوز إطلاق المجهول الاصطلاحي إلاّ من حكم بجهالته أئمّة علم الرجال، فمع عدم الظفر بشيء من ترجمة أحواله، لا يجوز التسارع على الراوي بالحكم بالجهالة(1) وعليه فالمجهول مختصّ بمن حكم عليه بالجهالة بالحمل الشائع بأنه لم يعرف رأساً.
إلاّ أن يكون للمحقق المامقاني اصطلاح خاصّ في المجهول كما ربّما يدّعى.

14 ـ الموضوع:

وهو المكذوب المختلق المصنوع وهو شرّ الضيعف(2)، بمعنى أنّ

1 . الطهراني، الذريعة:4/466 برقم 2070.
2 . النووي: التقريب والتيسير: 1/231.

صفحه 120
الراوي اختلقه، لا مطلق حديث الكذوب، فإنّ الكذوب قد يصدق، ولا تحلّ روايته للعالم بوضعه، من غير فرق بين الأحكام والمواعظ، إلاّ بالتصريح بكونه مختلقاً بخلاف غيره من الضعيف، فإنّه تجوز روايته مع التصريح بالمصدر إجمالاً أو تفصيلاً.
ثمّ إنّ السبب لوضع الحديث لا ينحصر في أمر أو أمرين، فربّما يكون السبب كسب الشهرة والمكانة بين الناس، واُخرى نصرة المذهب، وثالثة التقرّب إلى الملوك وأبناء الدنيا، فقد روي أنّ غياث بن إبراهيم دخل على المهديّ بن المنصور، وكان يعجبه الحمام، فروى حديثاً عن النبي أنّه قال: «لا سبق إلاّ في خفّ أو حافر أو نصل أو جناح»(1) إلى غير ذلك من الدوافع إلى الكذب والجعل. بقيت هنا كلمة هي:

ما هو السبب في شيوع الأحاديث الموضوعة؟

إنّ أصحاب الصحاح والسنن صرّحوا بأنّهم أخرجوا أحاديثهم من بين أحاديث كثيرة هائلة، فقد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث، وقال: انتخبتها من خمسمائة ألف حديث، ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألف حديث وسبعمائة وواحد وستين حديثاً، اختاره من زهاء ستمائة ألف حديث، وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث اُصول دون المكرّرات، صنّفها من ثلاثمائة ألف حديث، وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من

1 . عبد اللّه المامقاني: تنقيح المقال في علم الرجال، حاكياً عن «ربيع الابرار» للزمخشري، و «جامع الأُصول» لابن الأثير.

صفحه 121
سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث! وكتب أحمد ابن الفرات المتوفّى عام 258هـ، ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيرها(1).
هذه الكميّات الهائلة تعرب عن كثرة الدسّ والوضع والكذب والتقوّل على رسول اللّه بعد رحلته، وأنّ أعداء الدين ـ خصوصاً اليهود والنصارى والمستسلمة منهم ـ أدخلوا في الشريعة الإسلامية ما ليس منها، وكان لليهود المتظاهرين بالإسلام دور كبير في بثّ هذه الروايات، كما كان للمتزلّفين إلى أصحاب السلطة دور عظيم.
إنّ المنع عن كتابة الحديث قرابة قرن و نصف، ثمّ اندفاع العالم الإسلامي فجأة إلى كتابتها أوجد أرضيّة صالحة للكذب والوضع، وفسح للأحبار والرهبان التحدّث ببدع يهوديّة وسخافات مسيحيّة وأساطير مجوسيّة إلى أن اغترّ السُذَّج من المسلمين، فزعم أحمد بن حنبل أنّ الكرامة هو حفظ ألف ألف حديث، و تخيّل البخاري أنّ الفضيلة في حفظ خمسمائة ألف حديث. ومن أمعن في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في مكّة المعظّمة والمدينة المنوّرة وما كان يقوم به من أعباء الرسالة ، والجهاد ضد المشركين والمنافقين، وعقد المواثيق مع القبائل ورؤساء البلدان، يقف على أنّ الزمان الذي كان للنبي التحدّث فيه، أقلّ بكثير من أن يسعه التحدث بهذه الأباطيل، بل لا يبلغ لبيان معشارها.
«وقد كانت الكتب قبل تدوين الصحاح مجموعة ممزوجاً فيها الصحيح بغيره، وكانت الآثار في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مدوّنة

1 . عبد الحسين الأميني: الغدير: 5/292 ـ 293 ، وقد ذكر مصادر هذه النقول في كتابه.

صفحه 122
ولا مرتّبة، ولأنّهم كانوا نهوا أوّلاً عن كتابتها ـ كما ثبت في صحيح مسلم ـ خشية اختلاطها بالقرآن، ولأنّ أكثرهم كان لا يحسن الكتابة، فلمّا انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع دوّنت ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين وغيرهم، فأوّل من جمع ذلك ابن جريج بمكّة، و ابن اسحاق أو مالك بالمدينة...»(1).
وقد أشار في كلامه إلى بعض أسباب الجعل، ولم يشر إلى وجود الأحبار والرهبان بين المسلمين الذين أشاعوا الأكاذيب والأباطيل، وصرّح بأنّ التدوين كان في عصر ابن جريج ومن بعده، وهو من محدّثي القرن الثاني في العصر العباسي توفّي عام 150هـ.
وليس الموضوع مختصّاً بأحاديث أهل السنّة وإن كان الوضع فيها أكثر، فقد وضع الغلاة من فرق الشيعة أحاديث باطلة ذكرها أصحاب الرجال في معاجمهم كمحمد بن أبي زينب المعروف بأبي الخطاب، حتّى قال أبو عمرو الكشّي: قال الفضل بن شاذان في بعض كتبه: الكذّابون المشهورون: أبو الخطاب ويونس بن ظبيان، ويزيد الصائغ وأبو سميّة(2).
ولأجل تمحيص السنّة النبويّة عن الموضوعات، قام غير واحد من المحقّقين بتأليف كتب حول الموضوعات، فقام الحسن بن محمد المعروف بالصاغاني (577 ـ 650هـ) بتأليف كتاب أسماه «الدرّ الملتقط في تبيين الغلط» كما قام أبو الفرج ابن الجوزي (508 ـ 597هـ) بذكر أحاديث موضوعة أثبت وضعها، أسماه بـ «كتاب الموضوعات» ، كما قام بعدهما

1 . السيوطي: تدريب الراوي:1 /66.
2 . الشهيد الثاني: الرعاية في علم الدراية: ص160 مع التعليق.

صفحه 123
جلال الدين السيوطي (849 ـ 911هـ) فألّف كتابه المعروف بـ «اللئالي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» وقد طبع في جزئين.
والعجب أنّ السيوطي يصف الموضوع المختلق على لسان رسول اللّه باللؤلؤ، و هذا يدل على حرص الرجل على جمع الخبر والأثر، و إن ثبت كذبه ووضعه.
وقام شيخنا المجيز الشيخ محمد تقي التستري ـ دام ظله ـ بتأليف كتاب حول الروايات الدخيلة في كتب أصحاب الإماميّة أسماه بـ «الأحاديث الدخيلة».
قال النووي: و الواضعون أقسام أعظمهم ضرراً قوم ينسبون إلى الزهد وضعوه حسبة ـ في زعمهم ـ فقبلت موضوعاتهم ثقة بهم، وجوّزت الكرامية الوضع في الترغيب والترهيب، ووضعت الزنادقة جملاً، ومن الموضوع الحديث المروي عن أبي بن كعب في فضل القرآن سورة سورة، وقد أخطأ من ذكره من المفسّرين وقال السيوطي: قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين ذلك؟ عن عكرمة؟ عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ وليس عندأصحاب عكرمة هذا، فقال: إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة و مغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة(1).
***
«ومن أصحاب الأهواء، الفقهاء الذين يتصدّون للدفاع عن مذاهبهم

1 . السيوطي ـ جلال الدين ـ: تدريب الراوي وهو شرح للتقريب والتيسير للنواوي: 1/ 238ـ241.

صفحه 124
زوراً وبهتانًا فيشحنون كتبهم بالموضوعات سواء اختلقوها بأنفسهم أم اختلقها الوضّاعون خدمة لهم وتأييداً لهواهم، وقد تبلغ بهم الجرأة حد الخلط بين أقيستهم وأحاديث الرسول، فيضعون فيها عبارات أقيستهم التي وصلوا إليها باجتهادهم، فغالباً ما يكون هؤلاء الفقهاء من مدرسة الرأي التي تعتني بالقياس عناية خاصة. قال القرطبي: استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دلّ عليه القياس الجليّ إلى رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنّها موضوعة، لأنّها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنّهم لا يقيمون لها سنداً»(1).
***

اكمال :

إذا وجدت حديثاً بإسناد ضعيف فلك أن تقول : هذا الحديث ضعيف سنداً أو متناً، وليس لك أن تصفه بأنّه موضوع، أو مختلق، للفرق الواضح بين المكذوب ومطلق الضعيف،فالمختلق لا يجوز نقله بخلاف الضعيف، وإنّ الأخبار الضعيفة ربّما تكون قرينة لفهم الصحاح كما ربّما يحصل من تراكمهااطمئنان بالمضمون... إلى غير ذلك من الفوائد المحرّرة في محلها.
خاتمة المطاف في تفسير الصحابة و الموالى:
تكرّر لفظ «الصحابة» في التقسيمات الرائجة، فالأولى تعريفه وتحديده.

1 . صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه: ص287.

صفحه 125

1 ـ من هو «الصحابي»؟

اختلف في حد الصحابي فالمعروف عند المحدّثين: إنّه كل مسلم رأى رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، وقال بعضهم: إنّه من طالت مجالسته على طريق التبع.
وعن سعيد بن المسيب: إنّه لا يعدّ صحابياً إلاّ من أقام مع رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم سنة أو سنتين أو غزا معه غزوة أو غزوتين، فان صحّ عنه فضعيف، ومقتضى ذلك أن لا يعد جرير البجلي وشبهه صحابياً و لا خلاف أنّهم أصحابه.
ثم تعرف صحبته بالتواتر و الاستفاضة، أو قول صحابي أو قوله إذا كان عدلاً.
وأكثر الصحابة حديثاً: أبو هريرة ثم ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر بن عبداللّه، وأنس بن مالك، وعائشة(1).
قال السيوطي: روى أبو هريرة 5374 حديثاً و هو أحفظ الصحابة، وروى عبداللّه بن عمر2630 حديثاً، و روى ابن عباس 2660 حديثاً، وروى جابر بن عبداللّه 2540 حديثاً، وروى مالك 2286 حديثاً، وروت عائشة 2210 حديثاً.
وقال : وليس في الصحابة من يزيد حديثه على ألف غير هؤلاء إلاّ أبا سعيد الخدري فإنّه روى 2170 حديثاً.
ثم قال النووي: و أكثرهم فتيا تروى: ابن عباس.

1 . النووي: التقريب والتيسير:2/186 ـ 192.

صفحه 126
وعن مسروق قال: انتهى علم الصحابة إلى ستة: عمر، و علي، وأُبيّ، وزيد، وأبي الدرداء، و ابن مسعود، ثم انتهى علم الستة إلى علي و عبداللّه .
ومن الصحابه العبادلة وهم: ابن عمر، و ابن عباس، و ابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، و ليس ابن مسعود منهم، و كذا سائر من يسمّى عبداللّه، و هم نحو مائتين و عشرين(1).

2 ـ عدد الصحابة:

قال أبو زرعة الرازي: قبض رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم عن (114000) ممّن روى عنه و سمع منه، واختلف في عدد طبقاتهم باعتبار السبق إلى الإسلام أوالهجرة، فجعلهم ابن سعد خمس طبقات، و جعلهم الحاكم اثنتي عشرة طبقة(2).
ولاشك أنّ عليّاً صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)منذ نعومة أظفاره إلى أن فارق الحياة وهو في حجر علي (عليه السلام)وهو أحفظ الصحابة وأعلمهم باتفاق من الصحابة و غيرهم، و مع ذلك لا يتجاوز عدد رواياته في كتب أهل السنّة عن 500 حديث تقريباً(3). فما هو السبب في قلّة رواياته و كثرة روايات أبي هريرة الدوسي الذي لم يصاحب النبي إلاّ ثلاث سنوات و بضعة أشهر؟ نحن لا ندري ولكن القارئ أدرى!!

1 . السيوطي: تدريب الراوي:2/192.
2 . النووي: التقريب والتيسير مع شرحه:2/194 ـ 195. ومن أراد الوقوف على تلك الطبقات فليرجع إلى شرحه تدريب الراوي.
3 . شرف الدين: أبو هريرة.

صفحه 127

3 ـ المولـى:

قد استعملت كلمة «المولى» في الكتب الرجالية فنقول:
إنّ كلمة المولى تستعمل ويراد منها من له ولاء مع غيره لواحد من أقسام الولاء:
1 ـ ولاء العتق، يقال مولى فلان ويراد مولى عتاقه و هو الغالب.
2 ـ ولاء الاسلام، كالبخاري مولى الجعفيّين لأنّ جدّه كان مجوسيّاً فأسلم على يد اليمان الجعفي، وكذلك الحسن الماسرجسي مولى عبداللّه بن المبارك، كان نصرانيّاً فأسلم على يديه.
3 ـ ولاء الحلف، كمالك بن أنس وهو وعدّة معه( الاصبحيون) موالي لتيم قريش بالحلف.
4 ـ ولاء القبيلة، كأبي البختري الطائي التابعي مولى طي، وأبو العالية الرياحي التابعي مولى امرأة من بني رياح(1).
5 ـ وقد يطلق ويراد منه غير العرب، و هو أيضاً كثير الاستعمال في لسان الرجاليّين فيقولون :« العرب والموالي».

1 . النووي: التقريب والتيسير:2 /333 ـ 334.

صفحه 128

صفحه 129

الفصل الخامس:

من تقبل روايته ومن تردّ

شرائد قبول الرواية:
1. الإسلام
2. العقل
3. البلوغ
4. الإيمان
5. العدالة
6. الضبط

الدلائل الثلاثة على حجيّة خبر الواحد:

بناء العقلاء، آية النبأ، الأخبار الّتي تدلّ على حجّية قول الثقة، إرجاع الناس إلى أشخاص ثقات، ما دلّ على وجوب الرجوع إلى الثقات والصادقين، ما يتضمّن عرض كتب الأصحاب على الإمام وهو يترحّم على الكاتب ويمضي العمل به .

صفحه 130

صفحه 131

الفصل الخامس:

من تُقْبَل روايته و من تُرَدّ

إنّ معرفة من تقبل روايته و من تردّ من أهمّ مباحث علم الحديث و أتمّها نفعاً، لأنّ بها يحصل التمييز بين الحجّة واللاحجّة، والكافل لها أمران:
1 ـ تبيين الضابطة الكليّة في المقام.
2 ـ تطبيق تلك الضابطة على مواردها.
والمتكفّل لبيان الأمر الأوّل هو علم الدراية، و للثاني علم الرجال، ولأجل ذلك نبحث هنا عن الضابطة الكلّية للحجّية.
أقول: إنّهم شرطوا لقبول خبر الواحد في الراوي شروطاً نأتي بها إجمالاً:

1 ـ الإسلام:

المشهور اعتباره، وقال الشهيد: اتّفق أئمّة الحديث والاُصول الفقهية عليه، فلا تقبل رواية الكافر مطلقاً سواء أكان من غير أهل القبلة كاليهود والنصارى، أم من أهل القبلة كالمجسّمة والخوارج والغلاة، وقبول شهادة

صفحه 132
الذمّي(1) في باب الوصيّة في حقّ المسلم خرج بالدليل(2).
واستدلّوا على ذلك بأنّه يجب التثبّت عند خبر الفاسق، وهو من خرج عن طاعة اللّه فيعمّ الكافر.

2 ـ العقل:

فلا يقبل خبر المجنون، خصوصاً المطبق دون الإدواري حال إفاقته التامّة، وهو ممّا اتّفق عليه عقلاء العالم إذ لا عبرة بقوله.

3 ـ البلوغ:

فلا يعتبر خبر الصبي غير المميّز، و أمّا المميّز ففي قبول خبره قولان، والمشهور عدم القبول.

4 ـ الإيمان:

والمراد به كونه إماميّاً اثني عشريّاً، واشتراطه هو المشهور(3)وقد اعتبر هذا الشرط جمع منهم الفاضلان والشهيدان، وصاحبي المعالم(4) والمدارك، وغيرهم، ومقتضاه عدم جواز العمل بخبر المخالفين ولا سائر فرق الشيعة،

1 . لقوله سبحانه: (يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنَكُم إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُم في الأَرْضِ)(المائدة/106)، فقد فسّرت الروايات قوله (أوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) بالذمّي.
2 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص181 ـ 182.
3 . حسن بن زين الدين: المعالم: ص200.
4 . ) المصدر نفسه.

صفحه 133
خلافاً للشيخ الطوسي (قدس سره) حيث جوّز العمل بخبر المخالفين إذا رووا عن أئمّتنا (عليهم السلام)إذا لم يكن في روايات الأصحاب ما يخالفه، ولا يعرف لهم قول فيه، لما روي عن الصادق (عليه السلام)أنّه قال: إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنّا، فانظروا إلى ما رووه عن عليّ (عليه السلام)، أنّه قال: ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن دراج، والسكوني، وغيرهم من العامّة عن أئمّتنا (عليهم السلام)فيما لم ينكروه، ولم يكن عندهم خلافه.
وأمّا إذا كان الراوي من فرق الشيعة مثل الفطحيّة، والواقفيّة، والناووسية وغيرهم، نظر فيما يرويه، فإن كان هناك قرينة تعضده أو خبر آخر من جهة الموثوقين بهم، وجب العمل به، وإن كان هناك خبر آخر يخالفه من طريق الموثوقين، وجب طرح ما اختصّوا بروايته، والعمل بما رواه الثقة. وإن كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه، وجب أيضاً العمل به، إذا كان متحرّجاً في روايته، موثوقاً في أمانته، وإن كان مخطئاً في أصل الاعتقاد، فلأجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحيّة، مثل عبد اللّه بن بكير وغيره، وأخبار الواقفة مثل سماعة بن مهران، وعلي بن أبي حمزة، وعثمان بن عيسى، ومن بعد هؤلاء، وبما رواه بنو فضال وبنو سماعة والطاطريّون وغيرهم فيما لم يكن عندهم فيه خلافه(1).
أمّا عند أهل السنّة فقال النووي: أجمعت الجماهير من أئمّة الحديث والفقه أنّه يشترط فيه أن يكون عدلاً ضابطاً، بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، سليماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، يقظاً حافظاً إن حدّث من حفظه،

1 . الطوسي ـ محمّد بن الحسن ـ: عدّة الاُصول:1/379 ـ 381، طبع مؤسسة آلالبيت1403هـ.

صفحه 134
ضابطاً لكتابه إن حدّث منه، عالماً بما يحيل المعنى إن روى به(1).

5 ـ العدالة:

اختلفت الأقوال في مفهومها واشتراطها، فالمشهور أنّها عبارة عن ملكة نفسانيّة راسخة باعثة على ملازمة التقوى، وترك ارتكاب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، وترك ارتكاب منافيات المروءة(2)التي يكشف ارتكابها عن قلّة المبالاة بالدين، بحيث لا يوثق منه التحرّز عن الذنوب.
ويستظهر هذا المعنى من رواية عبد اللّه بن يعفور.
وأمّا اشتراطها بمعنى عدم قبول رواية غير العدل، فهو المشهور(3) وخيرة المعارج والنهاية والتهذيب وغيرها، وقال الشهيدان: «عليه جمهور أئمّة الحديث، واُصول الفقه»، وخالفهم الشيخ في عدّته، و إنّ قول من يوصف بتحرّزه عن الكذب هو الحجّة. قال: فأمّا من كان مخطئاً في بعض الأفعال أو فاسقاً بأفعال الجوارح وكان ثقة في روايته، متحرّزاً فيها، فإنّ ذلك لا يوجب ردّ خبره، ويجوز العمل به، لأنّ العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه، وإنّما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته، وليس بمانع من قبول خبره، ولأجل ذلك قبلت الطائفة أخبار جماعة هذه صفتهم(4).

1 . التقريب والتيسير:1/253ـ 254.
2 . حسن بن زين الدين: المعالم: ص 201.
3 . الطوسي: العدة: ص382.
4 . نفس المصدر: ص382، وقد ناقشه المحقّق في المعارج ص91، بأنّا لم نعلم إلى الآن أنّ الطائفة عملت بأخبار هؤلاء، وتبعه صاحب المعالم في معالمه فلاحظ، والمناقشة في غير محلّها، فإنّ إنكار عمل الطائفة بأخبار غير العدول لا ينطبق على الواقع، و يتّضح ذلك لمن مارس الفقه، وإنكاره من المحقّق عجيب جداً.

صفحه 135

6 ـ الضبط:

والمراد منه أن يكون حافظاً للحديث إن حدَّث من حفظه، ضابطاً لكتابه، حافظاً له من الغلط والتصحيف والتحريف إن حدَّث منه، عارفاً بما يختل به المعنى حيث يجوز له ذلك، وقد صرّح باشتراطه جمع لأنّه لا اعتماد ولا وثوق إلاّ مع الضبط.
هذه الشروط التي اعتبرها القائلون بحجيّة خبر الواحد، وأمّا المنكرون لها، فهم في فسحة من البحث عنها.
نعم لا تشترط أُمور مثل الذكورة فتقبل رواية الأُنثى، ولا الحريّة فتقبل رواية العبد، ولا البصر فتقبل رواية الأعمى، ولا عدم القرابة فتقبل رواية الولد عن والده و بالعكس، ولا القدرة على الكتابة فتقبل رواية الاُمّيّ إذا كان ضابطاً، ولا العلم بالفقه والعربية إذا كان ضابطاً (1).
ما تعرّفت عليه هو خلاصة آراء القوم في من تقبل روايته ومن لا تقبل، ولكنّي أرى أنّ البحث عن كلّ واحد من هذه الشروط ليس بحثاً موضوعيّاً ولا الأدلّة القائمة على اشتراطها أو على نفي اشتراطها مقنعة، وإنّما يتعرّف حالها إذا درسنا أدلّة حجّية خبر الواحد، و درسنا سعة نطاقها أو ضيقها من حيث النتيجة، فبذلك يعلم مدى صحّة اشتراط هذه الشروط، وأنّه هل يشترط الجميع أو لا يشترط واحد منها أو يفصّل؟
فنقول: إنّ أوثق ما استدلّ به على حجّيّة خبر الواحد اُمور ثلاثة:
أ ـ بناء العقلاء.
ب ـ آية النبأ من حيث المنطوق والمفهوم والتعليل الوارد فيها.

1 . للاطّلاع في هذا المجال لاحظ الرعاية: ص2186ـ 187، و مقباس الهداية: ص74 ـ 78.

صفحه 136
ج ـ الأخبار التي يستفاد منها حجّية أخبار الثقات.
فبدراسة هذه الأدلّة والوقوف على نتائجها سعةً وضيقاً نتعرف حال هذه الشروط إثباتاً ونفياً.

أ ـ بناء العقلاء:

لا يشكّ أنّ من له إلمام بالأُمور الاجتماعية يرى في أنّ العقلاء قديماً وحديثاً قبل الإسلام وبعده يعملون بخبر الواحد، وإنّ عليه تدور رحى الحياة إذا كان الراوي ثقة ـبل بكلّ خبر يحصل الوثوق بصدقه وإن لم يكن الراوي ثقة ـ من دون التزام على أن يكون الراوي صاحب نحلة وعقيدة أو من طائفة دون طائفة، وإنّما الملاك الوثوق بقوله والوقوف على تحرّزه عن الكذب، والتقوّل بلا دليل، وبما أنّ إحراز الوثوق طريق إلى الوثوق بصدور الخبر يعملون بكل خبر حصل الوثوق بصدقه، وانطباقه على الواقع. هذه هي سيرة العقلاء لا يشكّ فيها من خالطهم، وعلى ذلك بنوا الحضارات والعلاقات الاجتماعية، ولم يلتزموا بحصول العلم بصدق الراوي كما لم يلتزموا بقيام الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة، نعم ربّما يحتاطون في عظائم الأُمور فيتوقّفون عند خبر الثقة إلى أن يحصلوا العلم بالحقيقة، فإنّ لكلّ أمر شأناً، و ليست جميع الاُمور على نسق واحد، فلا تسكن النفس في كبار الاُمور على قول أحد الناس وإن كان ثقة ولا على مطلق حصول الوثوق، بل تتطلّب في بعض الموضوعات شيئاً أزيد من الوثوق بالراوي أو الرواية.
وهذه السيرة قد كانت بمرأى ومسمع من النبي الأكرم والأئمّة ـ سلام اللّه عليهمـ فلم يردعوا عنها، وهذا أقوى حجّة على حجّية قول الثقة أو الخبر

صفحه 137
الموثوق بصدوره.
وقد كانت حياة النبي و الوصي، وحياة سائر الأئمّة مشحونة بالعمل بقول الثقة، وبعث الثقات إلى الأكناف، وكان رسول اللّه قد بعث سفراء إلى الملوك والسلاطين، وقد حمّل كل واحد رسالة من ساحته، وبعث دعاة إلى الأطراف لتعليم القرآن، كما بعث عيوناً وجواسيس للتطلّع على حركات العدو العسكرية... إلى غير ذلك من الموارد التي كان النبي فيها يعمل بأقوالهم إذا كانوا ثقات، ولم يكن عمله بذلك إلاّ لأجل سيرة جارية بين العقلاء وهو منهم، وقد جرى على تلك السيرة وأمضاها، وإن قيّد بعض الموضوعات بقيام عدلين، أو قيّدها بكون الراوي رجلاً لا امرأة... إلى غير ذلك من ألوان التقييد للسيرة.
نعم هناك روايات وآيات ربّما يتوهّم أنّها رادعة عن السيرة ، والتوهّم في غير محلّه، وكفانا في إفاضة القول فيها ما حققّه الأصحاب في كتبهم الأُصولية حول حجّيّة خبر الواحد، فلا نطيل.

ب ـ آية النبأ وسعة دلالتها:

إنّ أهم ما استدلّ به على حجّية خبر الواحد هو قوله سبحانه:( اِنْ جاءكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمَاً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) (الحجرات/6) . سواء أقلنا إنّ لصدر الآية مفهوم الوصف أم الشرط ، أم قلنا بعدمه لعدم حجّية مفهوم الوصف، خصوصاً إذا كان غير معتمد على موصوف، وسواء قلنا بأنّ القضية الشرطية سيقت لتحقّق الموضوع، أو قلنا إنّ القضية الشرطية إنّما تتضمّن مفهوماً إذا تقدّم الجزاء

صفحه 138
وتأخّر الشرط لا في غيره كما في المقام.
أقول : سواء أقلنا بهذا أم ذاك فإنّ ذيل الآية يحدّد الموضوع ويشخّص التكليف في مجال العمل بأخبار الآحاد ويبيّن أنّ الممنوع هو العمل بالخبر الذي يصدق عليه أنّه عمل جاهلي لا عقلائي، ويترتب عليه قوله: (أن تُصِيبُوا قَوْمَاً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) .
فيجب علينا التركيز على تحديد الجهالة في الآية:
إنّ الجهل قد يطلق ويراد منه ضد العلم كما هو الشائع، وقد يطلق ويراد منه ضد العقل، قال سبحانه: ( اِنَّما التّوْبَةُ عَلى اللّهِ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَة ثُمّ يَتُوبُونَ مِنْ قَريب فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللّهُ عَلِيمَاً حَكِيماً) (النساء /17).
وقال سبحانه: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدهِ وَأَصْلَحَ فإنّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الانعام/ 54).
وقال سبحانه: ( ثُمَّ إنّ رَبَّكَ لِلّذِينَ عَمِلُوا الْسُوءَ بِجَهالَة ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَاَصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل / 119). فإنّ الجهالة في هذه الآيات ليست بمعنى ضدّ العلم، بل المراد هو العمل الجاري على غيرالنظام الصحيح وكلّ ما كان كذلك فهو عمل جاهلي. قال سبحانه:( قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوَاً قالَ أعُوذُ بِاللّه أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ) (البقرة/ 67). فجعل فعل الهزو جهلاً، وعلى ذلك جاء حديث جنود العقل و جنود الجهل في الكافي(1)، فما في اللسان(2) من تفسير الجهالة بقوله «أن

1 . الكليني: الكافي: 1/20 برقم 14.
2 . ابن منظور: لسان العرب: 11/129، مادة «جهل» .

صفحه 139
تفعل فعلاً بغير العلم» ليس تفسيراً كاملاً، والصحيح أن يقال: كلّ عمل صدر عن خفّة و طيش، كما هو المراد في الآيات المتقدمة، ومنه الحديث: «من استجهل مؤمناً فعليه إثمه» أي من حمله على شيء ليس من خلقه فيغضبه فإنّما إثمه على من أحوجه إلى ذلك(1)، ومنه تسمية الفترة بين المسيح و النبي الأكرم بالجاهليّة لبعد أهلها عن الأخلاق المحمودة والسيرة الحسنة، و لأجل المبالغة في ذلك يقولون: الجاهليّة الجهلاء مثل قولهم: ليلة ليلاء، وورد في الحديث: «إنَّك امرؤ فيك جاهليّة» أي فيك طيش و خفة.
كلّ ذلك يصدّنا عن تفسير الآية بمطلق عدم العلم، وإنّما المراد هو العمل الجاري على غير النظام الذي يستحسنه الطبع، وتدعو إليه الفطرة، ويشجّع عليه العقلاء.
وعلى ضوء ذلك فالعمل بالخبر الذي يتّسم بأنّه عمل عقلائي وأنّه جار على النظام المطلوب، فالآية غير ناهية عنه بل داعية إلى العمل به.
ومن المعلوم أنّ العمل بالخبر الذي يورث الإطمئنان و سكون النفس يعدّ عملاً عقلائيّاً، خصوصاً إذا لم يكن الموضوع من جلائل الاُمور التي تحتاج إلى تثبّت و تفحّص أكثر، كالنفوس و الأعراض العامّة، فالعمل بخبر الثقة، أي المتحرّز عن الكذب، أو العمل بخبر تسكن النفس إليه، و يحصل الوثوق بصدقه، عمل عقلائي لا عمل جاهلي .
ولو سلّمنا ـ تبعاً للسان العرب ـ: أنّ الجهالة هي مطلق غير العلم، والتعليل بصدد النهي عن كل عمل بغيره، فنقول: إنّ الإطمئنان العرفي وإن كان ظنّاً حسب التحديد المنطقي، ولكنّه علم في نظر العرف، فهو على طرف

1 . ابن الاثير: النهاية:1/322 مادة «جهل».

صفحه 140
النقيض ممّا جاء في الآية:(ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الاسراء/36).
وقد أوضحنا في مبحث الاستصحاب: أنّ اليقين الوارد في رواياته، ليس هو اليقين المنطقي أي الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ـ بل المراد هو الحجّة الشرعيّة وإن لم تصل إلى هذا الحدّ، فعلى ذلك فكلّما يورث الاطمئنان عند العقلاء بصدق الخبر بحيث تسكن النفس إليه فهو عمل بالعلم فلايشمله التعليل سواء أكان مسلماً أم كافراً، مؤمناً أم فاسقاً، إمامياً أم غيرإمامي، اللّهمّ إلاّ أن يدلّ دليل قطعي على عدم حجّية قول الكافر سواءأكان من غير أهل القبلة كاليهود والنصارى أم منهم ولكن كان محكوماًبالكفر كالمجسّمة والغلاة، نعم خروج الكافر عن السيرة الموجودة بين العقلاء بدليل شرعي ليس بأمر بعيد، إذ لم يعهد من الفقهاء والمحدّثين العمل بقول الكافر إلاّ في باب الإيصاء وشهادة الذمّي على الذمّي ونظائره.

ج ـ الأخبار الّتي يستفاد منها حجّية أخبار الثقات:

لقد تضافرت الروايات من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)بل تواترت على جواز العمل بقول الثقة أو الصادق، وهي على حدّ لا يمكن إنكار استفاضتها بل تواترها، وهذا واضح لمن رجع إلى مظانّها، و قد جمعها سيد الطائفة المحقّق البروجردي في «جامع أحاديث الشيعة» و لايسعنا نقل أكثرها فكيف جميعها، فقد أورد في ذلك المقام 116 حديثاً، ولكنا نقتطف بعضها ومن أراد التوسّع فليرجع إليه، وهي على أقسام:

صفحه 141

أ ـ إرجاع الناس إلى أشخاص ثقات:

1 ـ روى عبداللّه بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبداللّه ـ عليه السلام ـ: إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك ويمكن القدوم، يجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنه. قال ـ عليه السلام ـ : فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي؟ فانّه قد سمع من أبي وكان عنده مرضيّاً وجيهاً (1).
2 ـ روى المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبداللّه ـ عليه السلام ـ يوماً وقد دخل عليه الفيض بن المختار فذكر له آية من كتاب اللّه عزوجل ـ إلى أن قال له ـ: فإذا أردت حديثاً فعليك بهذا الجالس ـ وأومأ إلى رجل من أصحابه ـ فسألت أصحابنا عنه، فقالوا : زرارة بن أعين(2).
3 ـ و روى يونس بن يعقوب، قال: كنّا عند أبي عبداللّه، فقال: أما لكم من مفزع؟ أمالكم من مستراح تستريحون إليه؟ ما يمنعكم من الحارث ابن مغيرة البصري؟(3).
4 ـ و روى علي بن المسيب قال: قلت للرضا (عليه السلام): شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت، فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال: من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا(4).
5 ـ روى عبدالعزيز بن المهتدي: قال: سألت الرضا (عليه السلام)فقلت: إنّي لا ألقاك في كل وقت فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: خذ عن يونس بن

1 . الكشّي: الرجال /145 برقم 67، طبع الأعلمي.
2 . الكشّي: الرجال /123 برقم 62.
3 . المصدر نفسه : ص287 برقم 168.
4 . المصدر نفسه : ص496 برقم487.

صفحه 142
عبدالرحمن(1).
6 ـ روى محمّد بن عيسى قال: وجدت الحسن بن علي بن يقطين (يحدّث) بذلك أيضاً، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك إنّي لا أكاد أصل إليك أسألُك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال : نعم(2).
7 ـ روى الكليني، عن عبداللّه بن جعفر الحميري، قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو ـ رحمه اللّه ـ عند أحمد بن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف ـ إلى أن قال ـ: وقد أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن ـ عليه السلام ـ ، قال: سألته وقلت: من أعامل أو عمّن آخذ، و قول من أقبل؟ فقال له: العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنّه الثقة المأمون.
وأخبرني أبو علي أنّه سأل أبا محمد (عليه السلام)عن مثل ذلك، فقال له: العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي و فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فانّهما الثقتان المأمونان، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك(3).
8 ـ روى الكليني، عن إسحاق بن يعقوب، قال سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ :

1 . الكشّي: الرجال، ص409 برقم 351.
2 . المصدر نفسه : ص414 برقم 351.
3 . الكليني: الكافي: 1/330.

صفحه 143
وأمّا محمّد بن عثمان العمري فرضي اللّه عنه و عن أبيه من قبل، فإنّه ثقتي و كتابه كتابي(1).
9ـ روى أبو حمّاد الرازي، يقول : دخلت على علي بن محمّد (عليه السلام)بـ«سرّ من رأى » فسألته عن أشياء من الحلال و الحرام، فأجابني فيها، فلمّا ودّعته قال لي: يا حماد! إذا أشكل عليك شيء من أمر دينك بناحيتك فسل عنه عبد العظيم بن عبداللّه الحسني واقرأه منّي السلام(2). والاستدلال به لأجل اشتهاره بالوثاقة، وما أمر الإمام بالرجوع إليه إلاّ لأجلها.

ب ـ ما دلّ على وجوب الرجوع إلى الثقات والصادقين:

10 ـ روى الكشي، عن القاسم بن علاء، عن صاحب الزمان ـ عجّل اللّه فرجه ـ أنّه قال: لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنّنا نفاوضهم بسرّنا ونحمله إياه إليهم، وعرّفنا ما يكون من ذلك إن شاء اللّه تعالى (3).
11 ـ و روى البرقي، عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: حديث في حلال و حرام تأخذه من صادق خير من الدنيا، من ذهب أو فضة(4).
12 ـ و روى المفيد، عن ميسر بن عبدالعزيز قال: قال أبو عبداللّه ـ عليه السلام ـ: حديث يأخذه صادق عن صادق خير من الدنيا وما فيها.(5)

1 . الصدوق: كمال الدين: ص485 باب ذكر التوقيعات.
2 . السيّد البروجردي: جامع أحاديث الشيعة: 1/224 برقم 322.
3 . الكشي: الرجال : ص450 برقم 413 طبع الأعلمي.
4 . البرقي: المحاسن: 1/229 برقم 166.
5 . المفيد: الاختصاص: ص61.

صفحه 144
13 ـ و روى البرقي، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: قال لي: يا جابر! واللّه لحديث تصيبه من صادق في حلال أو حرام خير لك ممّا طلعت عليه الشمس حتى تغرب(1).
ج ـ ما يتضمّن عرض كتب الأصحاب على الإمام وهو يسترحم على الكاتب ويمضي العمل به:
14 ـ روى أحمد بن أبي خلف، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال : كنت مريضاً ، فدخل عليّ أبو جعفر (عليه السلام)يعودني عند مرضي، فإذا عند رأسي كتاب «يوم وليلة» فجعل يتصفّح ورقه حتى أتى عليه من أوّله إلى آخره وجعل يقول : رحم اللّه يونس، رحم اللّه يونس، رحم اللّه يونس(2).
15 ـ روى أبو هاشم الجعفري، قال: عرضت على أبي محمد صاحب العسكر (عليه السلام)، كتاب «يوم وليلة» ليونس، فقال لي : تصنيف من هذا؟ فقلت: تصنيف يونس آل يقطين، فقال:أعطاه اللّه بكل حرف نوراً يوم القيامة(3).
16 ـ روى محمد بن إبراهيم الوراق السمرقندي في حديث:.. خرجت إلى سرّ من رأى ومعي كتاب «يوم وليلة»(4) فدخلت على أبي محمد(عليه السلام)وأريته ذلك الكتاب، فقلت له: جعلت فداك إنّي رأيت أن تنظر فيه، فلمّا نظر فيه و تصفّحه ورقة بعد ورقة، فقال: هذا صحيح ينبغي أن

1 . البرقي: المحاسن: 1/227.
2 . الكشّي: الرجال : ص409 برقم 351.
3 . النجاشي: الرجال : ص422 برقم 309.
4 . ليونس بن عبد الرحمن.

صفحه 145
يعملبه(1).
17 ـ روى حامد بن محمّد الأزدي عن الملقّب بـ «فوراء»: إنّه دخل على أبي محمّد، فلمّا أراد أن يخرج سقط منه كتاب في حضنه، ملفوف في ردائه، فتناوله أبو محمد و نظر فيه، وكان الكتاب من تصنيف الفضل بن شاذان، فترحّم عليه وذكر أنّه (عليه السلام)قال: اُغْبِط أهْلَ خراسان بمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم(2).
18 ـ روى سعد بن عبداللّه الأشعري، قال: عرض أحمد بن عبداللّه كتابه على مولانا أبي محمد الحسن بن علي بن محمد صاحب العسكر (عليهم السلام)، فقرأهُ وقال: صحيح فاعملوا به(3).
19 ـ روى عبداللّه الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح ـ رضي اللّه عنهـ قال: سئل الشيخ يعني أبا القاسم ـرضي اللّه عنه ـ عن كتب ابن أبي العزاقر(4) بعد ما ذُمّ وخرجت فيه اللّعنة، فقال له: فكيف نعمل بكتبه و بيوتنا منها ملاء؟ فقال : أقول فيها ما قال أبو محمد الحسن بن علي ـ صلوات اللّه عليه ـ وقد سئل عن كتب بني فضّال فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء؟ فقال صلوات اللّه عليه : خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا(5).
20 ـ روى ابن اُذينة ، عن أبان بن أبي عياش، قال: هذه نسخة

1 . الكشي: الرجال : ص451 في ترجمة الفضل بن شاذان برقم 416.
2 . المصدر نفسه : ص454.
3 . البروجردي: جامع أحاديث الشيعة: 1/229 برقم 343.
4 . المراد: محمّد بن علي الشلمغاني، وكان يدّعي أنّ اللاهوت حلّ فيه، صلب ببغداد عام322هـ، لاحظ تنقيح المقال: 3/156 برقم 11114.
5 . الطوسي: الغيبة /239 طبعة النجف.

صفحه 146
سليم بن قيس العامري ثم الهلالي وأنّه قرأ على علي بن الحسين (عليهما السلام)قال: صدق سليم ـرحمة اللّه عليهـ هذا حديث نعرفه.(1)
هذه عشرون حديثاً اقتطفتها من المأثورات الكثيرة في هذا المجال، وجميعها أو أكثرها تدور حول أحد الاُمور الثلاثة المذكورة وتعرب عن:
أوّلاً: أنّ العمل بخبر الثقة كان أمراً مفروغاً منه، وكانت الغاية من السؤال الاهتداء إلى الصغرى للكبرى المسلّمة سواء أكان الثقة محدّثاً بلفظه ولسانه، أم بكتابه و تحريره.
و ثانياً: أنّ تمام الموضوع لجواز الأخذ والعمل كون الراوي ثقة لا كونه عدلاً إماميّاً، أو عدلاً شيعيّاً، وذلك لأنّ مورد الروايات وإن كان هو العدل الإمامي أو الشيعي كما هو الحال في كتب بني فضال إلاّ أنّ ذلك لأجل أنّ روايات أهل البيت كانت مخزونة عندهم، و هؤلاء كانوا هم البطانة لعلومهم ومعارفهم، ولأجل ذلك أُمروا بالرجوع إليهم، ولو فرض في نفس الحال أنّ غيرهم كالنوفلي والسكوني وأضرابهما، وعوا علومهم و معارفهم وكانوا أمثالهم، لعمّهم الإرجاع بحجّة وثاقتهم وضبطهم إذ ليست الغاية من الإرجاع إلى الراوي إلاّ الوصول إلى أحاديثهم ومعارفهم، وهي موجودة في كلا الصنفين.
وتحقيق الحال يقتضي الإسهاب في الكلام ودفع ما ربّما يكون ذريعة لاختصاص الحجية بخبر العدل الإمامي فإليك المحتملات:
1 ـ إنّ الثقة في مصطلح الأئمّة وأصحابهم حقيقة في الإمامي العادل، وعلى ذلك فيختصّ الاحتجاج بهذه الروايات بقسم خاصّ وهو الإمامي

1 . الكشي: الرجال : ص90 برقم 44.

صفحه 147
العادل، لا كلّ شيعي فكيف بغيرهم.
ولكنّه مندفع بأنّ الثقة في اللغة مصدر، وربّما يستعمل وصفاً. قال ابن منظور في لسان العرب: «الثقة مصدر قولك، وثِق به يثِق، بالكسر فيهما، وثاقة وثقة : ائتمنه، وأنا واثق به، وهو موثوق به، وهي موثوق بها، وهم موثوق بهم»(1).
وقال الزبيدي: وثق به يثق: ائتمنه، يقال : به ثقتي، والوثيق: المحكم(2).
نعم كون الثقة في لسان أهل الرجال حقيقة في الإمامي العادل ممّا ذهب إليه الشهيد الثاني(وسيوافيك الكلام فيه فانتظر) لا في لسان أصحاب الصادق والكاظم ـ عليهما السّلامـ ، فإن الظاهر أنّ الثقة بمعنى المؤتمن .
2 ـ إنّ هذه الروايات، وإن كانت تعرب عن كون الكبرى عند السائل أمراً مسلّماً وإنّما تصدّى لإحراز الصغرى، ولكن من أين نعلم أنّ الكبرى ـالمفروضة الحجّية ـ عندهم هي حجّية قول

1 . ابن منظور الافريقي المصري: لسان العرب مادة «وثق».
2 . الزبيدي، تاج العروس: 7/73.

صفحه 148
الثقة، بل من المحتمل أن تكون الكبرى عندهم هي حجّية الإمامي العادل الضابط، والسؤال عن وثاقة الراوي لا يدل على عدم مدخلية سائر القيود، كما لا يدل على عدم مدخلية الذكورة .
يلاحظ عليه: بأنّ موقف السائل من هذه الروايات موقف أحد العقلاء إذا سأل عن موضوع لا بما أنّه أهل ملّة أو نحلة، ومن المعلوم أنّ الكبرى المسلّمة عند العقلاء في باب العمل بخبر الواحد هي حجّية قول الثقة من دون خصوصية لكون الراوي أهل ملّة أو نحلة، فاحتمال أنّ الكبرى المسلّمة عند الراوي شيء وراء هذا يتوقّف على دعوى فرض الراوي صاحب منهج ومسلك في العمل بخبر الواحد.
3 ـ إنّ آية النبأ التي تحكم بردّ خبر الفاسق إلى أن يتبيّن، مقيّدة لهذه الروايات الإرجاعيّة وذلك بأمرين:
أ ـ المراد من الفاسق من خرج عن طاعة اللّه و حدوده فيعمّ المخالف مطلقاً شيعياً كان أو غيره، فيختصّ مفاد الروايات بالإمامي العادل.
ب ـ إنّ المراد من التبيّن هو التبيّن القطعي، (خرج العدل الإمامي بالدليل) وهو غير موجود في مطلق خبر الواحدإذا كان الراوي خارجاً عن طاعة اللّه كجميع الفرق المخالفة للإمامية.
والجواب : إنّ التبيّن الوارد في الآية لا يراد منه العلم القطعي الذي يبحث عنه في علم المنطق، بل المراد من التبيّن هو الظهور والوضوح عند العقلاء، ويكفي في ذلك كون الدليل مفيداً للإطمئنان عندهم، و يدل على ذلك قوله سبحانه:
( وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)(البقرة/ 187) .
وقال سبحانه:
( وَمَنْ يُشَاقِق الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمؤمِنِينَ نُوَلَّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنّم وساءَتْ مَصِيراً) (النساء / 115).
والمراد بعد ما تمّت الحجّة عليه، كما هو المراد في قوله سبحانه: ( اَمْ

صفحه 149
آتَيْناهُمْ كِتابَاً فَهُمْ علَى بَيِّنت مِنهُ) (فاطر / 40).أي على حجّة منه.
فالحجّة عبارة عمّا يحتجّ به العقلاء بعضهم على بعض، و هي الأدوات التي تفيد الاطمئنان لنوع العقلاء، ويسكن إليه كل إنسان في حياته، ومن المعلوم أنّ هذه الغاية موجودة في خبر الثقة والخبر الموثوق بصدوره .
نعم العمل بخبر الفاسق المتّهم بالكذب والوضع والدسّ يتوقّف على التبيّن والغاية فيه غير حاصلة عند الإخبار، ويحتاج في حصولهاإلى الفحص بعد الاخبار.
أضف إلى ذلك : أنّ صدق الفاسق على أصحاب الآراء الباطلة إذا ورثوا العقائد والنحل من آبائهم من غير تقصير بل عن قصور ـ كما هو الحال في أكثر الفرق المخالفة للإمامية ـ موضع تأمّل.
4 ـ إنّ هناك روايات ربّما يمكن أن تقع ذريعة لردّ الإطلاق المستفاد من هذه الروايات أو للسيرة العقلائية، وهو مارواه الكشي عن علي بن سويد السائي، قال كتب إليّ أبو الحسن الأوّل ـ وهو في السجن ـ: وأمّا ما ذكرت ـ يا علي ـ ممّن تأخذ معالم دينك، لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا، فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين الذي خانوا اللّه ورسوله وخانوا أمانتهم. إنّهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه وبدّلوه ،فعليهم لعنة اللّه ولعنة ملائكته و لعنة آبائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة(1).
وروى أيضاً عن أحمد بن حاتم بن ماهويه، قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث أسأله عمّن آخذ معالم ديني؟ وكتب أخوه أيضاً بذلك، فكتب إليهما : فهمت ما ذكرتما، فاعتمدا في دينكما على من كبر في حبّنا وكان كثير التقدّم

1 . الكشي: الرجال :باب فضل الرواية: ص10، طبع الأعلمي.

صفحه 150
في أمرنا، فانّهم كافوكما إن شاء اللّه تعالى (1).
ولا يتوهّم أنّ الرواية الاُولى تنهى عن العمل بقول المخالف على وجه الإطلاق، وذلك لأنّها ناظرة إلى المخالف الذي يروي غير ما عليه أئمّة أهل البيت من المعارف والأحكام بقرينة قوله : ائتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه وبدّلوه، وإلاّ فلوكان أخذ من مستقى الوحي وبيت العصمة والطهارة كانت الرواية منصرفة عنه.
وأما الرواية الثانية فهي قضيّة في واقعة ولم يذكر أحد ماجاء منها في الشرط في حجّية خبر الثقة، ولعلّ في زمن الراوي وبيئته كان الثقات منحصرين في واجدي هذا الوصف إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يكون وجهاً للاشتراط.
إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة: إنّ تمام الموضوع للحجّية حصول الوثوق من قول الراوي بصدور الخبر عن الإمام، و لو شرط الأصحاب أو بعضهم كونه إماميّاً أو شيعيّاً أو ضابطاً فلأجل أنّ توفّر هذه الشرائط يستلزم توفّر الوثوق .
نعم لا يشترط الوثوق الشخصي بل يكفي الوثوق النوعي كما عليه عمل العقلاء في حياتهم ومعاشهم .
أضف إلى ذلك: أنّ من البعيد أن يحصل لكلّ أحد الوثوق الشخصي من خبر الثقة، خصوصاً في الخبرين المتعارضين، وبالأخصّ فيما إذا وقف الإنسان على مافي الأحاديث من التشويش والاختلال في السند والمتن، فلو علّق جواز العمل على الوثوق الشخصي لزم الفوضى في العمل بالروايات كما هو واضح لمن تتبّع، ولما استقر حجر على حجر.

1 . الكشي : الرجال: باب فضل الرواية: ص11.

صفحه 151

الفصل السادس:

الألفاظ المستعملة

في التعديل والجرح

المقام الأوّل: في ألفاظ التزكية والمدح:

1. هو عدل أو ثقة،
2. قوله حجّة،
3. هو صحيح الحديث، في تحديد دلالة لفظ «ثقة» وفي دلالتها على كون الراوي إماميّاً عادلاً ضابطاً،
4. وجه، عين، وكيل الإمام...، سائر ألفاظ المدح.

المقام الثاني: في ألفاظ الجرح والذم:

* تحقيق للمحدّث النوري في استفادة العدالة من المدائح الواردة في حقّ بعض الرواة، رواية الأجلاّء عن الضعفاء.
* بعض ألفاظ المدح الّتي يستفاد منها الوثاقة.

صفحه 152

صفحه 153

الفصل السادس:

الألفاظ المستعملة

في التعديل و الجرح

قد استعمل المحدّثون وعلماء الرجال ألفاظاً في التزكية والمدح وألفاظاً في الجرح والذّمّ لا بدّ من البحث عنها لتبيين مفادها، ويقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل في ألفاظ التزكية والمدح:

قسّم الشهيد الثاني ما يدلّ على كون الراوي عادلاً إلى: صريح وغير صريح، فمن الصريح الألفاظ التالية:

1 ـ قول المعدل: «هو عدل أو ثقة»

قال: هذه اللفظة ]ثقة[ وإن كانت مستعملة في أبواب الفقه أعمّ من العدالة لكنّها هنا لم تستعمل إلاّ في معنى العدل، بل الأغلب استعمالها خاصّة، وقد يتّفق في بعض الرواة أن يكرّر في تزكيتهم لفظة «الثقة» وهي تدل على زيادة المدح.

صفحه 154

2 ـ قوله «حجّة»:

أي من يحتجّ بحديثه، وفي إطلاق اسم المصدر مبالغة ظاهرة في الثناء عليه بالثقة، والاحتجاج بالحديث و إن كان أعمّ من الصحيح كما يتّفق بالحسن والموثّق، بل بالضعيف...، لكن الاستعمال العرفي لأهل هذا الشأن لهذه اللفظة يدلّ على ما هو أخصّ من ذلك وهو التعديل وزيادة، نعم لو قيل يحتجّ بحديثه ونحوه لم يدلّ على التعديل، لما ذكرناه بخلاف إطلاق هذه اللفظة على نفس الراوي بدلالة العرف الخاصّ.

3 ـ قوله «هو صحيح الحديث»:

فإنّه يقتضي كونه ثقة ضابطاً، ففيه زيادة تزكية.
وأمّا غير الصريح، فهو عبارة عن قوله: متقن، ثبت، حافظ، ضابط، يحتجّ بحديثه، صدوق يكتب حديثه، ينظر في حديثه ـ بمعنى انّه لا يطرح، بل ينظر فيه ويختبر حتّى يعرف فلعلّه يقبل ـ لا بأس به بمعنى أنّه ليس بظاهر الضعف.
ومنه: شيخ جليل، صالح الحديث، مشكور، خير، فاضل، صالح، مسكون إلى روايته(1).
وقال بهاء الدين العاملي: ألفاظ التعديل... ثقة، حجّة، عين وما أدّى مؤدّاها، أمّا متقن، حافظ، ضابط، صدوق، مشكور، مستقيم، زاهد، قريب

1 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص203 ـ 204.

صفحه 155
الأمر ونحو ذلك، فيفيد المدح المطلق(1).
أقول: إنّ اتّخاذ الموقف في مقدار ما تدلّ عليه هذه الألفاظ يحتاج إلى دراسة معمّقة، فلنبحث عن مفاد بعض هذه الألفاظ، ونحيل البعض الآخر إلى جهد القارئ.

1 ـ «عدل إمامي ضابط»، أو«عدل من أصحابنا الإماميّة ضابط»:

وهذه أحسن العبارات و أصرحها في جعل رواية الرجل من الصحاح، وهي تفيد التزكية التي يترتّب عليها كون الرواية صحيحة باصطلاح المتأخّرين، فلا يراد من العدل إلاّ ما وقع عليه الاتّفاق في معناه، لا الإسلام ولا الإيمان فقط، كما أنّه لا يراد من الإمامي إلاّ من يعتقد بإمامة إمام عصره وهو يلازم كونه اثني عشرياً إذا كان الراوي في عصر الغيبة(2) وأمّا الـضابط فقد مرّ تفسيره فلا نعيد.

2 ـ ثقة:

وهذه اللفظة كثيرة الدوران في الكتب الرجاليّة لا سيّما في رجالي النجاشي و فهرس الشيخ ومن بعدهما، فقد عرفت تنصيص الشهيد على كونها صريحة في العدل، وقال المامقاني: إنّ هذه اللفظة حينما تستعمل في كتب الرجال مطلقاً من غير تعقيبها بما يكشف عن فساد المذهب، يكفي في

1 . بهاء الدين العاملي: الوجيزة: ص4.
2 . ولاعبرة بتقسيم أبي منصور البغدادي: الإماميّة خمس عشرة فرقة وعدّ منهم: الناووسية والفطحية والواقفية، لاحظ: الفَرق بين الفِرق: ص53، لأنّ الرجل في بيان فرق الشيعة خلط بين الغث والسمين، و أهل البيت أدرى بما فيه.

صفحه 156
إفادتها التزكية المترتّب عليها التصحيح باصطلاح المتأخّرين، لشهادة جمع باستقرار اصطلاحهم على إرادة العدل الإمامي الضابط من قولهم «ثقة».
وأمّا السرّ في عدولهم عن قولهم عدل إلى قولهم ثقة، فقد أشار إليه بهاء الدين العاملي في مشرق الشمسين، وقال: فإن قلت: كيف يتمّ لنا الحكم بصحّة الحديث بمجرّد توثيق علماء الرجال رجال سنده، من غير نصّ عليضبطهم؟ فأجاب بقوله: إنّهم يريدون بقولهم: فلان ثقة، أنّه عدلضابط، لأنّ لفظة الثقة من الوثوق ولا وثوق بما يتساوى سهوه مع ذكره،أو يغلب سهوه على ذكره، وهذا هو السرّ في عدولهم عن قولهم «عدل»إلى قولهم «ثقة».
وقال الشيخ محمد ابن صاحب المعالم: إذا قال النجاشي ثقة، ولم يتعرّض لفساد المذهب، فظاهره أنّه عدل إمامي لأنّ ديدنه التعرّض للفساد فعدمه ظاهر في عدم ظفره، لشدّة بذل جهده وزيادة معرفته.
و قال المحقّق البهبهاني: إنّ الرواية المتعارفة المسلّمة المقبولة أنّه إذا قال الرجالي: «عدل إمامي» أو فلان «ثقة»، يحكمون بمجرّد هذا القول أنّه عدل إمامي، لأنّ الظاهر من الرواة التشيّع والظاهر من الشيعة حسن العقيدة، أو لأنّهم وجدوا منهم أنّهم اصطلحوا ذلك في الإماميّة، و إن كانوا يطلقون على غيرهم مع القرينة(1).
يقع الكلام في دلالة لفظ «ثقة» على اُمور ثلاثة:
1 ـ كونه ضابطاً.
2 ـ كونه إماميّاً.

1 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص108.

صفحه 157
3 ـ كونه عادلاً بالمعنى المتّفق عليه:
أمّا الأوّل: فلا شكّ في دلالتها عليه، لأنّ الوثوق لا يجتمع مع كثرة النسيان وغلبته على الذكر، وليس الغرض من توصيف الرجل بكونه ثقة مجرّد مدحه، بل الهدف إيقاف القارئ على أنّه ممّا يمكن أن يسكن إليه في الحديث، ومعلوم أنّ السكون إنّما يحصل إذا انضمّ إلى صدق اللهجة الضبط، وغلبة الذكر على النسيان.
أمّا الثاني: كونه دالاّ ً على أنّ الرجل إماميّ فمشكل من جهات:
أ ـ إنّ هذه اللفظة من الألفاظ المتداولة بين الرجاليّين من الخاصّة والعامّة، فالظاهر كون اللفظ مشتركاً بينهم في المعنى من دون أن يكون للخاصّة اصطلاح خاصّ فيه، وهذا الاصطلاح كسائر الاصطلاحات الدارجة بينهم في علمي الرجال والدراية، والموثّق في مصطلحنا هو الصحيح في مصطلحهم، ولو كان المذهب داخلاً في مفهوم الثقة عندنا يلزم أن يكون مشتركاً لفظيّاً بين الفريقين، و هو كما ترى.
ب ـ إنّ الشيخ المفيد اُستاذ النجاشي، و الشيخ يصف أصحاب الصادق (عليه السلام)بقوله: فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه(عليه السلام)من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل(1).
ترى أنّه جمع بين قوله من«الثقات» وقوله «على اختلافهم في الآراء والمقالات» ونقله بهذا النصّ ابن شهر آشوب في مناقبه(2) وشيخنا الفتّال في

1 . المفيد: الإرشاد: ص282.
2 . ابن شهر آشوب:ا لمناقب:4/274.

صفحه 158
روضة الواعظين(1) .
ج ـ إنّ النجاشي وصف عدّة من فاسدي المذهب بالوثاقة وإليك مواردها:
1 ـ يقول في حق أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن ميثم التمار: قال أبو عمرو الكشي: كان واقفاً وذكر هذا عن حمدويه، عن الحسن بن موسى الخشاب، قال: أحمد بن الحسن واقف، وقد روى عن الرضا ـ عليه السلام ـ وهو على كلّ حال ثقة صحيح الحديث معتمد عليه له كتاب النوادر(2) .
2 ـ يقول في حقّ علي بن أسباط بن سالم: أبو الحسن المقرئ كوفي ثقة، وكان فطحياً جرى بينه وبين علي بن مهزيار رسائل في ذاك، رجعوا فيها إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام)فرجع علي بن أسباط عن ذلك القول وتركه، وقد روى عن الرضا ـ عليه السلام ـ من قبل ذلك، وكان أوثق الناس وأصدقهم لهجة(3).
فالظاهر أنّ النجاشي يصفه بالوثاقة في كلتا الحالتين ـ قبل رجوعه وبعده ـ ولا يرى فساد المذهب منافياً للصحّة.
3 ـ ويقول في حقّ الحسين بن أحمد بن المغيرة: كان عراقيّاً مضطرب المذهب، وكان ثقة في ما يرويه(4).
4 ـ ويقول في حقّ علي بن محمد بن عمر بن رياح: كان ثقة في

1 . محمّد بن علي الفتّال: روضة الواعظين: ص177.
2 . النجاشي: الرجال:1/201 برقم 177.
3 . النجاشي: الرجال:2/73 برقم 661.
4 . النجاشي: الرجال:1/190 برقم 3 16.

صفحه 159
الحديث، واقفاً في المذهب، صحيح الرواية، ثبتاً، معتمداً على ما يروي(1).
5 ـ وهذا سماعة بن مهران المعروف بالوقف يعرّفه النجاشي بقوله: روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن (عليهما السلام)، مات بالمدينة، ثقة ثقة(2).
6 ـ وهذا الحسن بن محمّد بن سماعة يقول في حقّه النجاشي: أبو محمّد الكندي الصيرفي من شيوخ الواقفة، كثير الحديث، فقيه ثقة، وكان يعاند في الوقف ويتعصّب(3).
7 ـ ويقول في حقّ عليّ بن الحسن بن محمّد المعروف بالطاطري، كان فقيهاً ثقة في حديثه، وكان من وجوه الواقفة وشيوخهم، وهو اُستاذ الحسن بن محمّد بن سماعة الصيرفي الحضرمي، ومنه تعلّم(4).
8 ـ وأمّا الشيخ فقد وثّق عبداللّه بن بكير بن أعين في فهرسته فقال: فطحي المذهب إلاّ أنّه ثقة(5).
ومن سبر الأُصول الرجاليّة الخمسة وما أُلّف بعدها ككتاب معالم العلماء لابن شهر آشوب ورجال ابن داود و غيرها يقف على أنّ صحة المذهب غير مأخوذ في مفهوم الثقة، وإلاّ لزم الالتزام بالمجاز في الموارد التي ذكرنا وغيرها و هو كما ترى، إذ لا يشكّ الإنسان أنّه استعمل فيها و في غيرها بمناط واحد.

1 . النجاشي: الرجال:2/86 برقم 677.
2 . النجاشي: الرجال:1/431 برقم 515.
3 . النجاشي: الرجال: 1/140 برقم 83.
4 . النجاشي: الرجال: 2/77 برقم 665.
5 . الطوسي: الفهرست: ص132 برقم464.

صفحه 160

الطريق إلى التعرّف على كون الراوي إمامياً :

ثم إنّ هناك سؤالاً يطرح نفسه، وهو أنّه إذا كان لفظ الثقة غير حاك عن كون الراوي إماميّاً فمن أين يحرز كون الراوي كذلك، حتى يدخل الحديث في قسم الصحيح أو الحسن؟
الجواب : إنّ الظاهر من النجاشي، هو أنّه ألّف رجاله لتبيين سلف الشيعة ومصنّفيهم حتى يردّ بذلك سهام الأعداء الموجّهة إليهم، حيث قالوا بأنّه لا سلف لكم ولامصنّف، فالظاهر من مقدّمة كتابه أنّه كتبه لهذه الغاية، ويلمس السابر في هذا الكتاب انّه كلّما كان الرجل غير إمامي يصرّح بأنّه فطحي أو واقفي أو زيدي أو ناووسي أو غير ذلك إلاّ ما شذ، فكلّ من ورد فيه على وجه الإطلاق يستدلّ على أنّه إمامي.
ويمكن ا(1)ستظهار مثل ذلك عن فهرست الشيخ كما هو ظاهر لمن راجع ديباجته.
نعم هذا الإطلاق حجّة إذا لم يدلّ دليل على خلافه، وليس الطريق منحصراً فيه، بل يمكن للمستنبط أن يستكشف مذهب الراوي من أساتذته و تلامذته وخواصّه وبطانته، ومن نفس الروايات التي قام بنقلها،

1 . لاحظ الفوائد الرجاليّة للمحقّق البهبهاني المطبوعة مع رجال الخاقاني، ونقل فيها عن الشيخ محمّد صاحب الرجال الكبير: إنّ النجاشي إذا قال ثقة، ولم يتعرض لمذهبه فظاهره أنّه عدل إماميّ لأنّ ديدنه التعرض لفساد العقيدة.. ولا يخفى وجود الفرق بينه وبين ما ذكرناه في المتن فلاحظ.
ثمّ إنّ المحقّق التستري قال: إنّ النجاشي سكت في موارد عن بيان فساد المذهب فلم ينصّ على فطحيّة عمّار الساباطي،وعبد اللّه بن بكير، ولم يذمّ فارس بن حاتم القزويني مع أنّ الإمام الهادي أهدر دمه. لاحظ مقدّمة قاموس الرجال:ص28 الطبعة الحديثة. ولعلّ السكوت في الأوّلين لاشتهارهما. وعلى أيّ تقدير فموارد الاستثناء قليل ولا ينافي كون السكوت أمارة.

صفحه 161
و هذا طريق اجتهادي لا تفي به الكتب الرجاليّة الرائجة، بل يحتاج إلى ممارسة الاسناد والروايات، كما كان عليه سيّد المحقّقين البروجردي ـ قدس اللّه ســره ـ .
وأمّا الثالث: أي أخذ العدالة بالمعنى الأخصّ في مفهوم الثقة فقد تبيّن حاله، لأنّه بالمعنى الأخصّ فرع أخذ صحّة المذهب في مفهومها، وقد عرفت عدم دخوله فيها.
وأمّا العدالة بالمعنى الأعمّ، فيمكن استظهارها بأنّ الرجاليّين تارة يصفون الراوي بأنّه ثقة، واُخرى بأنّه ثقة في الحديث، فيمكن أن نقول : إنّه إذا وصف بالوثاقة على وجه الإطلاق ، يقصد منه التحرّز عن الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر، على ما يوحي إليه مذهبه، بخلاف ما إذا وصف بأنّه ثقة في الحديث، فهو يعرب عن أنّه متحرّز عن الكذب دون سائر المعاصي.
ولقائل أن يقول: إنّ الظاهر من الشيخ في العدة أنّ العدالة المعتبرة في باب العمل بخبر الواحد عند الأصحاب غير ما هو المعتبر في باب الشهادة، فإنّ المعتبر في الثاني هو كون الإنسان ذاملكة تصدّه عن عدم المبالاة بالدين، وهذا بخلاف ما هو المعتبر في باب العمل بخبر الواحد، إذ يكفي فيه كون الراوي متحرّزاً عن الكذب، وإليك نصّ عبارة الشيخ في العدة المبيّنة لنظر الأصحاب في باب حجّية خبر الواحد:
«فأمّا من كان مخطئاً في بعض الأفعال أو فاسقاً بأفعال الجوارح، وكان ثقة في روايته متحرّزاً فيها فإنّ ذلك لايجوّز ردّ خبره و يجوز العمل به،لأنّ العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه، وإنّما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته، و ليس بمانع من قبول خبره، ولأجل ذلك قبلت الطائفة

صفحه 162
أخبار عدّة هذه صفتهم»(1).
فإذا كان ما نسبه الشيخ إلى الأصحاب صحيحاً، كان ذلك قرينة على أنّ المراد من الثقة في توصيف الراوي هو وجود ما هو اللازم في حجّية خبر الواحد، أعني: التحرّز عن الكذب.
ومع ذلك كلّه يمكن أن يقال: إنّ التفريق الواضح في توصيف الراوي بين كونه ثقة، وكونه ثقة في الحديث أو في الرواية، يعرب عن أنّ الأوّل يعطي ويفيد أزيد ممّا يفيده الثاني، خصوصاً إنّ أحد التعبيرات الواضحة لتبيين مكانة المشايخ إنّما هو كلمة ثقة،أعني الذين لا يشكّ الإنسان في عدالتهم.
غاية الأمر، إنّه إذا وصف بها الإمامي تكون العدالة الواصفة عدالة مطلقة، وإذا كان غيره تكون العدالة عدالة نسبية، أعني ما يقتضيه مذهب الرجل من التجنّب عن المعاصي.
***

3 و4 ـ وجه ، عيـن:

قال المحقّق القمّي، قيل : إنّهما يفيدان التوثيق، وأقوى منهما : «وجه من وجوه أصحابنا» وأوجه منه : « أوجه من فلان» إذا كان المفضّل عليه ثقة(2).
والسابر في الكتب الرجالية يقف على أنّ اللفظين يدلان على جلالة الرجل أزيد من كونه إماميّاً عادلاً، و أنّهم يستعملون هذين الوصفين في موارد يعدّ الرجل من الطبقة المثلى في الفضل والفضيلة معربين عن أنّ مكانة

1 . الطوسي ـ محمّد بن الحسن ـ: عدّة الأُصول:1/382، طبع مؤسسة آل البيت.
2 . القمي ـ أبو القاسمـ: قوانين ا لأُصول:1/485.

صفحه 163
الرجل بين الطائفة مكانه الوجه والعين في كونهما محور الجمال والبهاء.

5 ـ وكيـل:

قال المحقّق القمي: كون الراوي وكيلاً لأحد من الأئمّة (عليهم السلام)أمارة الوثاقة لما قيل: إنّهم لا يجعلون الفاسق وكيلاً (1).
وقال المامقاني: كونه وكيلاً لأحد الأئمّة (عليهم السلام)من أقوى أمارات المدح بل الوثاقة والعدالة، لأنّ من الممتنع عادة جعلهم (عليهم السلام)غير العدل وكيلاً، سيّما إذا كان وكيلاً على الزكوات و غيرها من حقوق اللّه تعالى. وقال المحقّق البهبهاني في ترجمة إبراهيم بن سلام: بأنّ قولهم وكيل من دون اضافة إلى أحد الأئمة أيضاً، يفيد ذلك،لأنّ من الاصطلاح المقرّر بين علماء الرجال أنّهم إذا قالوا: فلان وكيل، يريدون أنّه وكيل أحدهم (عليهم السلام)فلا يحتمل كونه وكيل بني اُميّة(2).
نعم ذهب شيخنا المحقّق التستري إلى أنّ الوكالة عن الإمام لا تفيد شيئاً، واستدلّ على ذلك بوجهين:
1ـ إنّ صالح بن محمد بن سهل الهمداني كان يتولّى للجواد (عليه السلام)وإنّه دخل عليه وقال له : اجعلني من عشرة آلاف درهم في حِلّ، فقال (عليه السلام) له : أنت في حلّ، فلمّا خرج، قال (عليه السلام): يثب أحدهم على مال آل محمد و فقرائهم و مساكينهم وأبناء سبيلهم، فيأخذه ثم يقول: اجعلني في حلّ، أترى أنّه ظن بي أنّي أقول له: لا أفعل؟ واللّه يسألنّهم عن ذلك يوم

1 . القمي ـ أبو القاسمـ: قوانين ا لأُصول:1/485.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص130.

صفحه 164
القيامة سؤالاً حثيثاً (1).
2 ـ إنّ الشيخ الطوسي في الغيبة عدّ علي بن أبي حمزة البطائني، وزياد ابن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي من وكلاء الإمام الكاظم (عليه السلام)وكانت عندهم أموال جزيلة، فلمّا مضى (عليه السلام)وقفوا طمعاً في الأموال ودفعوا إمامة الرضا (عليه السلام)وجهلوه(2).
يلاحظ على الدليلين:
أمّا الأوّل: فإنّ إجازة الإمام صريحاً دلّت على أنّ العمل الصادر من وكيله كان عملاً مكروهاً لاحراماً، وإلاّ فلا يتصوّر أن يجيز الإمام مالاً حراماً للسائل، وعلى ضوء ذلك فالسؤال يوم القيامة لا يتجاوز عن هذا الحدّ.
و يؤ يّد ذلك: أنّ الإمام لم يعزله بعد هذا بل أبقاه على ولايته.
وأما الثاني: فلأنّ وقفهم وأكلهم مال الإمام بعد رحلته لا يدلّ على كونهم كذلك حين الوكالة، فربّ صالح يغترّ بالدنيا فيعود طالحاً، وعلى ذلك فالوكالة في عظائم الاُمور كتبليغ الأحكام وأخذ الأموال و ما يشابهها دليل الوثاقة، نعم الوكالة في أمر جزئي كبيع الضيعة أو دفع الثمن أو ما أشبههما لايكون دليلاً على شيء.

6 ـ حجّـة:

والمراد منه من يحتجّ بحديثه، فلا يدلّ على كونه إماميّاً عدلاً بل ظاهراً

1 . الطوسي: الغيبة: ص213. و الحثيث بمعنى السريع. قال سبحانه: (يُغْشِى اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) ( الأعراف/54).
2 . المصدر نفسه.

صفحه 165
في الثناء عليه بالثقة، وقد عرفت معناه، ولعلّ الثاني هو المتبادر.
نعم هذه الألفاظ قد انسلخت عن معانيها الحقيقية في أعصارنا هذه، ولكن مشايخ علم الرجال الورّعين لا يستعملونها إلاّ في مواضعها.
وهذه هي الألفاظ التي يستدلّ بها على كون الرجل عدلاً إماميّاً أو عدلاً فقط، وليس للفقيه أن يقتصر على هذه الألفاظ بل عليه السعي الحثيث و التدبّر في القرائن الواردة في كلام الرجاليّين، فربّما يستفاد منه كون الرجل عدلاً إمامياً ضابطاً.

7 ـ شيخ الإجازة:

وممّا يستدلّ به على وثاقة الرجل كونه شيخ الإجازة، فلا بأس بإفاضة البحث فيه و نظائره، فيكون البحث مشتملاً على هذه الاُمور الثلاثة :
1 ـ شيخ الإجازة.
2 ـ رواية الثقة عن شخص.
3 ـ كثرة تخريج الثقة عنه.
أمّا الأوّل: فقد قال الشهيد فيه : إنّ مشايخ الإجازة لا يحتاجون إلى التنصيص على تزكيتهم ـ إلى أن قال ـ: إنّ مشايخنا من الكليني إلى زماننا لا يحتاجون إلى التنصيص لما اشتهر في كلّ عصر من ثقتهم و ورعهم.
وقال الاسترابادي في رجاله الكبير: في ترجمة الحسن بن علي بن زياد: ربّما يستفاد توثيقه من استجازة أحمد بن محمّد بن عيسى.
وقال البهبهاني: إذا كان المستجيز ممّن يطعن على الرجال في روايتهم

صفحه 166
عن المجاهيل والضعفاء و غيرالموثّقين (كأحمد بن محمّد بن عيسى) فدلالة استجازته على الوثاقة في غاية الظهور، لا سيّما إذا كان المجيز من المشاهير(1).
أقول : أمّا مشايخ الإجازة من زمان الكليني أو بعده بزمن إلى عصرنا هذا، فكلّهم علماء معروفون بالجلالة والعظمة، وليس للبحث ثمرة في حقّ هؤلاء، وإنّما تظهر الثمرة في مشايخ الإجازة بالنسبة إلى مؤلّفي الكتب الأربعة.
توضيحه: إنّ لأصحاب الأئمّة وأصحاب أصحابهم اُصولاً ومصنّفات اُلّفت في أعصارهم و يعبّر عنها تارة بالاُصول واُخرى بالمصنّفات وثالثة بالكتب(2)، فإذا أراد المحدّث مثل الكليني نقل حديث من هذه الاُصول يحتاج إلى تحقيق ثبوت الكتاب للمؤلّف، وصحّته عنده، و لأجل ذلك احتاج في النقل عنها إلى سند يوصله إلى هذه الكتب حتى يكون النقل جامعاً للشرائط، و هذا السند هو المعروف بشيخ الإجازة ومشايخها، مثلاً يروي الكليني كتب ابن أبي عمير بواسطة علي بن إبراهيم، و هو عن أبيه إبراهيم بن هاشم، و هو عن ابن أبي عمير، وهو عن ابن أُذينة، عن الإمام الصادق (عليه السلام)وعندئذ يقع الكلام في أنّ الاستجازة في النقل عن المشايخ هل تعدّ دليلاً على وثاقتهم أو لا؟ الحق هو التفصيل الآتي :
1ـ إنّ شيخ الإجازة تارة يجيز كتاب نفسه، فهذا لا يدلّ على وثاقته،

1 . عبداللّه المامقاني: مقباس الهداية: 124.
2 . قد أوضحنا الفرق بين هذه المصطلحات في خاتمة كتاب «كلّيات في علم الرجال» فلاحظ ص474 ـ486.

صفحه 167
بل لايتجاوز مثل ذلك عن رواية الثقة عن شخص آخر، فكما أنّه لا يدلّ الثاني على الوثاقة فكذا الأوّل. وهذا النوع من شيخوخة الإجازة خارج عن موضوع البحث.
2 ـ أن يجيز رواية كتاب غيره فهذا على قسمين:
أ ـ أن يجيز ما ثبتت نسبته إلى مصنّفه كالكتب الأربعة بالنسبة إلى مؤلّفيها، وهذه هي «الإجازة» المعروفة في أعصارنا وما قبلها، فالمحصّلون يستجيزون المشايخ، وهم يستجيزون مشايخهم لأجل أن يتّصل إسنادهم إلى مؤلّفي الكتب الأربعة، والهدف من ذلك خروج الرواية عن الإرسال إلى الإسناد أوّلاً، والتبرّك بالاُستاذ المجيز ثانياً، وعلى كلا التقديرين فإحراز الاتصال والتبرّك فرعا الوثوق بقول المجيز، فكيف يمكن إحراز الاتّصال مع عدم إحراز الوثوق؟ فهذا لو لم يدلّ على كونه عادلاً فعلى الأقل يدلّ على أنّه ثقة في الحديث، وقد عرفت أنّ البحث فيه عديم الثمرة .
ب ـ أن يجيز ما لا تكون نسبته متيقّنة إلى مؤلّفها فيحتاج في جواز العمل بالكتاب إلى الإجازة، فلا شكّ أنّ مثل هذه تدلّ على أنّ المستجيز أحرز وثاقة المجيز، ولولا الإحراز لماحصلت الغاية المنشودة من الإستجازة .
وأمّا الثاني: و هي رواية الثقة عن شخص فلا تدلّ على وثاقة المروي عنه، لانّ الثقات كما يروون عن أمثالهم كذلك يروون عن الضعاف، غير أنّ الإكثار في النقل عن الضعاف كان يعدّ قدحاً في الشيخ بين القدماء، نعم لو ثبت أنّ ذلك الثقة ( الشيخ ) لا يروي إلاّ عن ثقة نظير أحمد بن محمّد بن عيسى ، وجعفر بن بشير البجلي، ومحمّد بن إسماعيل الميمون الزعفراني، وعلي بن حسن الطاطري و غيرهم دلّت رواية كل واحد عن شخص على

صفحه 168
كونه موصوفاً بالوثاقة، كما نبّه على ذلك المحقّق البهبهاني وغيره .
وأمّا الثالث: و هو كثرة تخريج الثقة عن شخص; ظاهر في وثاقة المروي عنه، لأنّ الغاية المطلوبة من الرواية هي الأخذ والعمل على أساسها و دعوة الناس اليها، فلو لم يكن المروي عنه ثقة لعدّ هذا التخريج الهائل شيئاً قليل الفائدة، الّلهمّ إلاّ إذا ثبت من الخارج أنّ المُخَرّج يروي عن الضعفاء، فلا تكون كثرة تخريجه عن شخص دليلاً على وثاقة ذلك الشخص،لأنّ اشتهاره بالرواية عن الضعفاء حاكم على هذا الظهور.
هذا، وإنّ صاحب المستدرك ـ أعني المحدّث النوري ـ قد أفرط في تكثير أسباب التوثيق حتى جعل نقل الثقة عن شخص مطلقاً آية كون المروي عنه ثقة، وتمسّك بوجوه غير نافعة .
ثم إنّ لإثبات الوثاقة طرق اُخرى:
منها: الاستفاضة والشهرة في حقّ الراوي كعلمنا بعدالة المحمّدين الثلاثة والسيّدين والشهيدين و الشيخ الأنصاري.
ومنها: شهادة القرائن الكثيرة و المتعاضدة الموجبة للإطمئنان بعدالته.
ومنها: تنصيص عدلين أو تزكية العدل الواحد على ما هو الحقّ في كفايته.
هذا كلّه حول ما يدلّ على وثاقة الراوي وعدالته، و هناك ألفاظ يستفاد منها المدح نشير إلى بعضها:

صفحه 169

ألفاظ المدح:

1 ـ «من أصحابنا»ولعلّه صريح في كون الراوي إماميّاً مقبولاً عند الأصحاب.
2 ـ «ممدوح» ولاريب في إفادته المدح دون الوثاقة فضلاً عن كونه إماميّاً.
3 ـ « صالح خيّرّ» وهو كالسابق.
4 ـ «مضطلع بالرواية» ومعناه: أنّه قوي فيها، فهو يفيد المدح والتوثيق لا كونه إماميّاً.
إلى غير ذلك من الألفاظ الواردة في حقّ الرواة نظير«مسكون إلى روايته» و«بصير بالحديث»، «ديّن»(1)، «جليل»(2)، «يكتب حديثه»، «ينظر في حديثه» إلى غير ذلك .

المقام الثاني: في ألفاظ الجرح والذم:

قال الشهيد: وألفاظ الجرح مثل «ضعيف»،«كذّاب»، «وضّاع للحديث من قِبَلِ نفسه» ، «غال»، «مضطرب الحديث»، «منكر»، «ليّن الحديث» ـ أي يتساهل في روايته عن غير الثقة ـ «متروك في نفسه»، أو «متروك الحديث»، «مرتفع القول»ـ أي لايعتبر قوله ولا يعتمد عليـهـ ، «متّهم بالكذب أو الغلوّ»... أو نحوهما من الأوصاف القادحة، «ساقط في

1 . ولعلّه أظهر في الوثاقة لا في خصوص المدح.
2 . ولعلّه أيضاً كسابقه فلاحظ.

صفحه 170
نفسه أو حديثه»، «واه»، «لاشيء» أو «لا شيء معتدّ به»(1).
هذا ما ذكره الشهيد، ثمّ إنّه ـ قدّس سرّه ـ عقد بحثاً فيمن اختلط وخلط، ففسّره بمن عرضه الحمق و ضعف العقل تارة، و من عرض له الفسق بعد الاستقامة تارةً أُخرى، كالواقفة بعد استقامتهم في زمن الكاظم (عليه السلام)، والفطحيّة كذلك في زمن الصادق (عليه السلام).
ولكن الظاهر أنّ هذا المصطلح ـ أعني مخلط أو فيه تخليط ـ ليس ظاهراً في فساد العقيدة، بل المراد من لايبالي عمّن يروي وعمّن يأخذ، فيجمع بين الغثّ والسمين، و هذا ما استظهره المحقّق المامقاني واستشهد عليه بوجوه:
1 ـ إنّ الشيخ سديد الدين محمود الحمصي يعدّ ابن إدريس مخلطاً.
2 ـ إنّ الشيخ الطوسي يعدّ علي بن أحمد العقيقي مخلطا مع كونه إماميّاً.
3 ـ إنّ النجاشي يعرّف محمّد بن وهبان بقوله : ثقة من أصحابنا واضح الرواية، قليل التخليط(2).
ونكمل المقال بذكر أمرين:
1 ـ إنّ كثرة الرواية عن الضعفاء والمجاهيل كان ذمّاً عند القمّيين وابن الغضائري، ولم يكن كذلك عند غيرهم، ولأجل ذلك أخرج أحمد بن محمّد ابن عيسى زميله، أعني أحمد بن محمّد بن خالد عن قم، بكثرة روايته عن

1 . زين الدين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص209.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ج2، ص302 ، ولاحظ النجاشي:2/323 برقم 1060.

صفحه 171
الضعفاء(1). ولم يروِ عن سهل بن زياد كذلك(2)، ولكن الحقّ أن كثّرة الرواية عن الضعفاء مع التصريح بالأسماء ليس بقادح.
2 ـ إنّ ابن أبي حاتم رتّب ألفاظ التعديل و الجرح وإليك مراتب التعديل حسب ما رتب :
أوّلها: ثقة، أو متقن، أو ثبت، أو حجّة، أو عدل حافظ، أو ضابط .
ثانيها: صدوق، أو محلّه الصدق، أو لا بأس به، هو ممّن يكتب حديثه وينظر فيه، لابأس به فهو ثقة.
ثالثها: شيخ، فيكتب، وينظر.
رابعها: صالح الحديث، يكتب للاعتبار.
وأما ألفاظ الجرح فإليك :
1 ـ ليّن الحديث يكتب حديثه و ينظر اعتباراً.
2 ـ ليس بقوي يكتب حديثه، وهو دون ليّن.
3 ـ ضعيف الحديث، و هو دون « ليس بقوي» وعندئذ لا يطرح بل يعتبر به.
4 ـ متروك الحديث، أو واهيه، أو كذّاب، وعندئذ فهو ساقط لا يكتب حديثه.
ومن ألفاظهم: فلان روى عنه الناس، وسط، مقارب الحديث، مضطرب، لايحتجّ به، مجهول، لا شيء، ليس بذلك، ليس بذاك القوي، فيه

1 . العلاّمة الحلّي، خلاصة الأقوال في علم الرجال: القسم الأوّل/14 برقم7.
2 . المصدر نفسه: القسم الثاني /228 برقم2.

صفحه 172
أو في حديثه ضعف، ما أعلم به بأساً (1).
هذا إجمال البحث في المقامين و تبيين لمدى دلالة ألفاظ التعديل والجرح على مكانة الرجل من الوثاقة والضعف.

خاتمة المطاف:

إنّ للمحدّث النوري في الفائدة التاسعة من خاتمة مستدركه تحقيقاً ربّما يخرج به كثير من الأخبار الحسان إلى عداد الأخبار الصحاح، فاستظهر من أكثر المدائح التي وردت في حقّ الرواة، دلالتها على العدالة، فبما أنّ فيما ذكره فائدة للقارئ نأتي بها برمتها، وإن كانت الموافقة معه في جميع ما ذكره يحتاج إلى الإمعان والتدبّر.

المدائح التي يستدلّ بها على العدالة:

العدالة : ملكة الاجتناب عن الكبائر، و عدم الإصرار على الصغائر، غير أنّه جُعِلَ حسنُ الظاهر من طرق معرفتها تعبّداً أو عقلاً كسائر الملكات النفسانيّة التي لها آثار خارجيّة، و علائم ظاهريّة تعرف بها غالباً، كالشجاعة والسخاء والجبن والبخل و غيرها، فمن ثبت عنده حسن الظاهر وجداناً أو بالشهادة عليه، تثبت عنده العدالة، وأمّا إذا ثبت حسن الظاهر بالوجدان فظاهر، وأمّا إذا ثبت حسن الظاهر من طريق الشهادة فيكون من قبيل الشهادة على الطريق (حسن الظاهر)، فيثبت ذو الطريق لما قرّر من حجّية

1 . النووي: التقريب والتيسير: 1/291 ـ 295.

صفحه 173
الشهادة مطلقاً سواء قامت على الشيء نفسه، أو على طريقه.
فعلى ذلك لو نقل العدول من الرجاليّين جملاً وكلمات تدلّ بوضوح على كون الرجل ذا حسن ظاهر بين المجتمع، بحيث يكشف ذلك الحسن نوعاً عن عدالة الشخص،نأخذ بهذه الكلمات ونحكم بعدالة الرجل.
وعلى ذلك لافرق بين أن يقول النجاشي أو الشيخ بأنّ فلاناً ثقة، أو عدل ضابط، أو ينقل في حقّ الرجل ألفاظاً تكشف عن حسن ظاهره في المجتمع، الذي يلازم العدالة.
وبذلك يظهر : أنّ استكشاف عدالة الراوي لا يختصّ بقولهم: ثقة، أو عدل مطلقاً، أو مع انضمام: ضابط، بل كثير من الألفاظ التي عدّوها ممّا تدلّ على المدح يمكن أن تستكشف بها العدالة، وبذلك يدخل كثير من الحسان في عداد الصحاح.
لأجل الإقتصار في استكشاف العدالة على لفظي «ثقة» أو « عدل»، آل أمر الرجاليّين إلى عدّ أحاديث إبراهيم بن هاشم، و نظرائه من الأعاظم في عداد الحسان، معتذرين بعدم التنصيص عليهم بالوثاقة من أئمّة التعديل والجرح، مع أنّ كثيراً من ألفاظ المدح تدلّ على حسن الظاهر، أو تلازمه بدلالة واضحة، فلا مجال لإنكار عدالة كثير ممّن مدحوه بما يلازمها.
ونحن نذكر كثيراً من هذه الألفاظ التي جعلوها ممّا يمدح به الراوي، مع أنّه مما تثبت به عدالته على الطريق الذي أوضحناه:
1 ـ هذا إبراهيم بن هاشم، قالوا في حقّه :«إنّه أوّل من نشر حديث الكوفيّين بقم» وهذه الجملة يستكشف منها حسن ظاهره في مجتمع القميين، إذ النشر متوقّف على علمه أوّلاً، وتلقّي القمّيين عنه ثانياً، ورواية عدّة من

صفحه 174
أجلاّء القمّيين عنه ثالثاً، فقد روى عنه محمّد بن الحسن الصفّار المتوفّى عام 290هـ و سعد بن عبداللّه بن أبي الخلف الأشعري المتوفّى عام 301 أو 299هـ و عبداللّه بن جعفر الحميري الذي قدم الكوفة سنة تسع و تسعين ومائتين، و(محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد المتوفّى عام 345هـ) ومحمّد بن علي ابن محبوب ومحمد بن يحيى العطار وأحمد بن إسحاق القمي وعلي بن بابويه وغيرهم من الذين رووا عنه و قبلوا منه و حفظوا وكتبوا وحدّثوا بكلّ ما أخذوا عنه.
أو ليس كلّ هذا يلازم كون ظاهر إبراهيم ظاهراً مأموناً، وكونه معروفاً عندهم باجتناب الكبائر وأداء الفرائض، إ ذ لو كان فيه خلاف بعض ذللك لاستبان، لأنّ نشر الحديث لاينفكّ عن المخالطة المظهرة لكلّ خير و سوء، ولو كان فيه بعضّ ذلك لم يجتمع هؤلاء الأعاظم على التلقّي منه، والتحدّث عنه، فهذه العبارة مع هذه القرائن تفيد العدالة على الطريق الذي أوضحناه.
أضف إلى ذلك : أنّه كان يعيش في عهد أحمد بن محمّد بن عيسى رئيس القمّيين في وقته، وهو الذي أخرج أحمد بن محمّد بن خالد من قم لروايته عن الضعفاء، أوليست هذه القرائن بمنزلة قول النجاشي « ثقة» أو «عدل» أو « ضابط»، وبذلك يظهر أنّ قولهم حسنة إبراهيم بن هاشم أو صحيحته، لا وجه له بل المتعيّن هو الثاني.
2 ـ نرى أنّ الرجاليّين يعدّون الألفاظ التالية من المدائح مع أنّها تدلّ بوضوح على حسن الظاهر الكاشف عن الملكة فلاحظ قولهم: صالح، زاهد، خيّر، ديّن، فقيه أصحابنا، شيخ جليل، أو مقدّم أصحابنا ، أو مايقرب من ذلك، فهل تجد من نفسك إطلاق هذه الألفاظ على غير من

صفحه 175
اتّصف بحسن الظاهر؟ كلاّ، وكيف يكون الرجل صالحاً و يعدّ من الصلحاء إذا تجاهر ببعض المعاصي مع أنّه سبحانه يستعمل الصالح في الطبقة العليا من الناس، قال سبحانه:
(فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الّلهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيّينَ وَالصِّدِّيْقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ اُولئِكَ رَفِيقاً ) ( النساء / 69).
وقال سبحانه:
(وَسَيِّداً وَحَصُوراً ونبيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران/ 39). ولأجل ذلك قال الشهيد في شرح الدراية بعد عدّ الوصف بالزهد و العلم والصلاح من أسباب المدح مالفظه: «مع احتمال دلالة الصلاح على العدالة وزيادة».
وكيف يجتمع الزهد الحقيقي مع الفسق في الظاهر، هل يصحّ لعالم رجالي توصيف الرجل بأنّه شيخ جليل أو فقيه أصحابنا، أو وجههم، أو عينهم، مع أنّه لم يكن عند الواصف متّصفاً بحسن الظاهر؟وإذا ضمّ إلى حسن الظاهر الذي تكشف عنه هذه العبارات عدم طعن أحد فيه بشيء أو وصف بأنّه صاحب «أصل» أو «كتاب» ثمّ ذكروا طرقهم إليه، يكون الرجل حسب هذه القرائن آخذاً بمجاميع الحسن في الظاهر، الكاشف عن حسن السرائر.
3 ـ إنّا لا نجد القدماء فرّقوا في مقام العمل وفي موارد الترجيح عند التعارض بين من قيل في حقّه بعض تلك المدائح وبين من وثّقوه صريحاً، ولم نر مورداً قدّموا الصحيح باصطلاح المتأخّرين على حسَنهم عند التعارض، مع تقديمهم إيّاه على الموثّق والضعيف، فهذا الشيخ يطعن في التهذيب والإستبصار عند التعارض بأنّ فيه فلاناً وهو عامّي أو فطحي أو واقفي أو

صفحه 176
ضعيف، ولم نجده طعن فيه بأنّ فيه فلاناً الممدوح، وهذا يثبت أنّ الممدوح عند القدماء يقرب من العادل، وأنّهما من صنف واحد، وأنّ توصيف بعضهم بالوثاقة وآخر بالصلاح والزهد أو الديانة أو غيرها تفنّن في العبارة.
4 ـ إنّا نرى كثيراً من الأصحاب مشهورين بالعدالة والوثاقة مع أنّه لم يرد في حقّهم إلاّ المدائح الواضحة الملازمة لحسن الظاهر، الكاشف عن ملكة الاجتناب، وإليك نزراً يسيراً منهم:
أ ـ هذا هو النجاشي يعرّف زرارة بن أعين بقوله : شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدّمهم وكان قارئاً، فقيهاً، متكلّماً، شاعراً، أديباً، قداجتمعت فيه خصال الفضل والدين، صادقاً في ما يرويه.(1)
ب ـ وقال في ترجمة أبان بن تغلب : عظيم المنزلة في أصحابنا، لقي علي ابن الحسين وأبا جعفر وأبا عبداللّه (عليهم السلام)روى عنهم وكانت له عندهم منزلة وقدم(2).
ج ـ وقال في ترجمة بريد بن معاوية ما هذا لفظه : وجه من وجوه أصحابنا وفقيه أيضاً، له محلّ عند الأئمّة(3).
د ـ وقال في ترجمة البزنطي: لقي الرضا وأبا جعفر ـ عليهما السّلامـ ، وكان عظيم المنزلة عندهما(4).
هـ ـ وعرّف ثعلبة أبا إسحاق النحوي بقوله : كان وجهاً في أصحابنا،

1 . النجاشي: الرجال: 1/397 برقم 461.
2 . النجاشي: الرجال: 1/73 برقم6.
3 . النجاشي: الرجال: 1/281 برقم285.
4 . النجاشي: الرجال: 1/202 برقم178.

صفحه 177
قارئاً، فقيهاً، نحويّاً، لغويّاً، راويةً، وكان حسن العمل، كثير العبادة والزهد(1).
و ـ عرّف أحمد بن محمّد بن عيسى بقوله: شيخ القمّيين ووجههم وفقيههم(2).
ز ـ وعرّف شيخه الحسين بن عبيداللّه بن الغضائري بقوله : شيخنا رحمه اللّه(3).
ح ـ كما عرّف أبو يعلى الجعفري خليفة الشيخ المفيد بقوله : متكلّم فقيه(4).
ط ـ كما اكتفى في ترجمة الحسين بن سعيد بذكر كتبه(5).
ى ـ كما عرّف الرجاليّون موسى بن الحسن بن محمّد المعروف بابن كبرياء،بقولهم: كان مفوّهاً، عالماً، متديّناً، حسن الإعتقاد و مع حسن معرفته بعلم النجوم، حسن العبادة والدين(6) فهذه الألفاظ الدالّة على المدائح إن لم تدلّ على حسن ظاهر الشخص، فهو كإنكار البديهي ومع الدلالة تثبت العدالة.
ثمّ إنّ بعض المحققين من الرجاليين قد نبّه على هذه النكتة قبل صاحب المستدرك فمنهم: السيّد الأجلّ بحر العلوم، قال في ترجمة إبراهيم

1 . النجاشي: الرجال: 1/294 برقم300.
2 . النجاشي: الرجال: 1/216 برقم196.
3 . النجاشي: الرجال: 1/190 برقم164.
4 . النجاشي: الرجال: 2/333 برقم1071.
5 . النجاشي: الرجال: 1/171 برقم135.
6 . النجاشي: الرجال: 2/338 برقم1081.

صفحه 178
ابن هاشم: «فلأنّ التحقيق أنّ (الحسن) يشارك (الصحيح) في أصل العدالة، و إنّمايخالفه في الكاشف عنها، فإنّه في الصحيح هو التوثيق أو ما يستلزمه بخلاف الحسن فإنّ الكاشف فيه هو حسن الظاهر المكتفى به في ثبوت العدالة على أصحّ الأقوال، وبهذا يزول الإشكال في القول بحجّية الحسن مع القول باشتراط عدالة الراوي كما هو المعروف بين الأصحاب»(1).
وممّن نبّه على هذه النكتة السيّد المحقّق الكاظمي في شرح العدّة فقال ـ بعد ذكر تلك الألفاظ ـ: وكذلك قولهم من «خواصّ الشيعة» كما قال أبو جعفر (عليه السلام)لحمدان الحضيني ـ أخي محمّد بن إبراهيم الحضيني ـ: رحم اللّه أخاك ـ يعني محمـّـد ـ فإنّه من خصّيصي شيعتي. ومن اكتفى في العدالة بحسن الظاهر ـ ولو في تعريفهاـ هان عليه الخطب(2).
وقال أيضاً:
« وعلى ما ذكر ( دلالة كثير من المدائح على حسن الظاهر الكاشف عن العدالة) يمكن دعوى اتّحاد اصطلاح القدماء مع المتأخّرين في الصحيح، أو أعمّيّة الأوّل من جهة دخول الموثّق فيه».
ومن جميع ذلك ظهر أنّه لا يجوز للمستنبط الإتّكال على تصحيح الغير وتحسينه و تضعيفه، بل الواجب عليه النظر والتأمّل في ألفاظ المدح المذكورة في التراجم، والنظر في مداليلها، وما تكتنفها من القرائن حتى

1 . بحر العلوم: الرجال:1/460.
2 . النوري: المستدرك: 3/775، روى الكشي عن حمدان الحضيني قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السلامـ: إنّ أخي مات. فقال: رحم اللّه أخاك فإنّه كان من خصّيصي شيعتي. الكشي: الرجال/471 برقم446.

صفحه 179
يُستكشف منها حسن الظاهر الكاشف عن الملكة فيصير الممدوح المصطلح ثقة، والخبر الحسن صحيحاً، وكيف يجوز الإعتماد على الغير في هذا المقام مع هذا الإختلاف العظيم الذي فيهم من جهة فهم المداليل حتى آل أمرهم في بعضها إلى الحكم بطرفي الضدّ، كقول بعضهم في قولهم «لابأس به»: إنّه توثيق، وآخر: إنّه لا يفيد المدح أيضاً، وقال بعضهم : إنّ في نفي البأس بأساً... وغير ذلك.

رواية الأجلاّء عن الراوي المجهول:

هذا كلّه في الشهادة القوليّة والألفاظ المعهودة المذكورة في التراجم، وأمّا الشهادة الفعليّة واستظهار حسن الظاهر، بل الوثاقة ابتداء منها نظير الوثوق بعدالة الراوي الإمام من جهة صلاة العدول معه، فأحسنها وأتقنها وأجلّها فائدة في المقام رواية الأجلاّء عن أحد، فإنّ التتبّع والاستقراء في حال المشايخ يشهد بأنّ روايتهم عن أحد، واجتماعهم في الأخذ عنه، قرينة على وثاقته، وما كانوا يجتمعون على الرواية إلاّ عمّن كان مثلهم، وإن روى أحدهم عن ضعيف في مقام شهّروا به وصرّحوا باسمه، ورموه بنبال الضعف، وربّما وثّقوه، ثم يقولون: إنّه يروي عن الضعفاء، بحيث يستفاد منه أنّ الطريقة على خلافه، فيحتاج النادر إلى التنبيه، فإذا كثرت الرواية من الأجلّة الثقات عن أحد، فدلالتها على الوثاقة واضحة، ولنذكر بعض الشواهد من كلماتهم:
هذا هو النجاشي يذكر في ترجمة عبد اللّه بن سنان بعد ذكر كتبه: إنّه روى هذه الكتب عنه جماعات من أصحابنا لعظمه في الطائفة وثقته

صفحه 180
وجلالته(1).
وهذه العبارة تشير إلى إكثار الرواية، وكثرة النقل عن شخص ممّا يدلّ على الوثاقة.
وقال الكشّي في ترجمة محمد بن سنان: قد روى عنه الفضل بن شاذان، وأبوه، ويونس، ومحمد بن عيسى العبيدي، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والحسن والحسين ابنا سعيد الأهوازيّان، وأيّوب بن نوح وغيرهم من العدول والثقات من أهل العلم(2).
وهذا نصّ في أن ّ رواية الأجلاّء عن أحد تنافي القدح فيه. إذ الكشّي إنّما ذكر هذه العبارة في مقام الدفاع عن محمد بن سنان حيث طعنوا فيه وقدحوه،فدافع عنه برواية العدول من أهل العلم عنه، وهذا يعرب عن أنّ رواية العدول لاتجتمع إلاّ مع كون الرجل ثقة.
ولأجل أنّ رواية الثقاة لا تجتمع مع القدح في الراوي، ذكر النجاشي في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى، قال: أحمد بن الحسين ]ابن الغضائري[، كان يضع الحديث وضعاً، ويروي عن المجاهيل، وسمعت من قال: كان أيضاً فاسد المذهب والرواية، ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة: أبو علي بن همام، وشيخنا الجليل الثقة: أبو غالب الزراري، وليس هذا موضع ذكره(3).
قال صاحب المعالم في منتقى الجمان: ولولا وقوع الرواية من بعض

1 . النجاشي: الرجال: 2/8 برقم 556.
2 . الكشّي: الرجال: ص428.
3 . النجاشي: الرجال: 1/302 برقم 311.

صفحه 181
الأجلاّء عمّن هو مشهور بالضعف، لكان الاعتبار يقضي عدّ رواية من هو مشهور ومعروف بالثقة والفضل وجلالة القدر عمّن هو مجهول الحال ظاهراً، من جملة القرائن القويّة على انتفاء الفسق عنه(1).
وقد اعتذر المحدّث النوري عمّا ذكره صاحب المنتقى بقوله: «إنّ رواية الجليل عن المشهور بالضعف المقدوح بالكذب والوضع والتدليس ممّا ينافي الوثاقة، نادرة جداً، وهي لا توجب الوهن في الأمارة المستخرجة من سيرتهم وعملهم»(2).
ولعلّه لأجل ذلك يكثر البرقي في رجاله في حقّ المجاهيل بقوله: روى عنه فلان ـ يعني أحد الأجلاّء ـ ولا داعي له إلاّ بيان اعتباره والإعتماد عليه برواية الجليل عنه.
ثمّ إنّه من المعلوم أنّ أحمد بن محمّد بن عيسى رئيس القمّيين أخرج الشيخ الجليل أحمد بن محمد بن خالد البرقي من قم لروايته عن الضعفاء(3).
وترك الرواية عن سهل بن زياد لاتّهامه بالغلو(4) ولم يرو عن الحسن بن محبوب لأجل اتّهامه بالرواية عن أبي حمزة الثمالي أو ابن أبي حمزة(5).
أترى أنّ مثل هذا الشيخ وأضرابه يروون عن غير الثقة؟ وهذه سيرتهم مع الأجلاّء الذين رموا بالنقل عن الضعيف فكيف غيرهم.

1 . الحسن بن زين الدين: منتقى الجمان: 1/36 في الفائدة التاسعة.
2 . النوري المستدرك : 3 الفائدة التاسعة: ص776.
3 . الخلاصة: ص14، وفي النجاشي: 1/417 برقم488 إنّه أخرج سهل بن زياد من قم.
4 . النجاشي: الرجال: 1/417 برقم 488.
5 . النجاشي: الرجال: 1/217 برقم 196، و في الأخير «ابن أبي حمزة» ولذلك أثبتنا في المتن كلا الاحتمالين. نقله عن الكشي.

صفحه 182
وقال النجاشي ـ في ترجمة جعفر بن بشير البجلي الوشّاء ـ:إنّه من زهّاد أصحابنا وعبّادهم ونسّاكهم، وكان ثقة وله مسجد بالكوفةـ إلى أن قال ـ: كان أبو العباس بن نوح يقول: كان يلقّب بـ «فقحة العلم»(1) روى عن الثقات ورووا عنه، فإنّ هذه العبارة مشعرة بما نتبنّاه(2).
ولأجل أنّ الرواية عن الضعفاء من أعظم المطاعن عندهم نرى أنّ النجاشي يذكر في حقّ عبد اللّه بن سنان قوله: ثقة من أصحابنا جليل لا يطعن عليه في شيء(3).
ويقول في حقّ أحمد بن محمد (أبي علي الجرجاني): كان ثقة في حديثه ورعاً لا يطعن عليه(4).
ويقول في حقّ علي بن سليمان بن الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين: كان ورعاً ثقة فقيهاً لا يطعن عليه في شيء(5).
وهذه العبارات تفيد أنّ أصحاب هذه التراجم كانوا بُراء من الرواية عن الضعفاء لأنّ الرواية عنهم من أعظم المطاعن، ودليل قولهم في حقّ المترجم: صحيح الحديث، إشارة إلى أنّهُ لا يروي عن الضعفاء.
وقد استظهر المحدّث النوري أنّ سيرة الرجاليّين التعرّض إلى المذهب: كالعامّيّة والفطحيّة والواقفيّة... كما أنّ سيرتهم التعرّض للرواية عن

1 . فقحة العلم: أي زهرة العلم.
2 . النجاشي: الرجال: 1/297 برقم 302.
3 . النجاشي: الرجال: 2/80 برقم556، وفي الخلاصة:ص32 بعد هذه الكلمة لأنّه كان كثير العلم.
4 . النجاشي: الرجال: 1/226 برقم206.
5 . النجاشي: الرجال: 2/86 برقم678.

صفحه 183
الضعفاء، فعدم التعرّض لحال الراوي بشيء من الأمرين يفيد براءة الرجل من هذا الطعن.
ثمّ استشهد بما ذكره الشهيد في الذكرى في بيان تصحيح الخبر من جهة وجود الحكم بن مسكين في طريقه وقال: إنّ «الحكم» ذكره الكشّي ولم يتعرّض له بذمّ، وظاهره أنّ بنائهم على ذكر الطعن لو كان فيه، فعدمه يدلّ على عدمه(1).
وقال العلاّمة في الخلاصة في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة بن عبد اللّه (أبو علي البجلي): عربي من أهل قم، كان من أهل الفضل والأدب والعلم ـ إلى أن قال: ـ ولم ينصّ علماؤنا عليه بتعديل ولم يرو فيه جرح، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها عن المعارض.
وهذه العبارة ترشد إلى أنّ الأصل ـ إذا لم نجد في ترجمة الرجل ما يدلّ على الذمّ ـ كونه ثقة.
وهذه إحدى الطرق لتشخيص وثاقة الراوي.
***

بعض المدائح الاُخر التي يستفاد منها الوثاقة:

ثمّ إنّ هناك مدائح في حقّ كثير من الرواة لم يعتن بها الرجاليون ولم يتلقّوها إلاّ كونها مدائح للراوي، مع أنّ دقّة النظر يرشدنا إلى أنّ كثيراً من هذه العبارات يستفاد منها العدالة والوثاقة، فإليك نماذج منها:

1 . النوري: المستدرك:3، الفائدة التاسعة ص776.

صفحه 184

1 ـ إسماعيل بن عبد الرحمان الجعفي:

إنّ الأصحاب لم يذكروه من الثقات مع أنّ المدائح الواردة في حقّه تفيد كونه منهم، وإليك ما ذكروه فيه:
قال العلاّمة في الخلاصة: وكان فقيهاً، وروى عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، ونقل ابن عقدة أنّ الصادق (عليه السلام)ترحّم عليه، وحكي عن أبي نمير أنّه قال: إنّه ثقة، وبالجملة فإنّ حديثه أُعتمد عليه (1).
وقال النجاشي في حقّ بسطام بن الحصين بن عبد الرحمان الجعفي: كان وجهاً في أصحابنا وأبوه وعمومته، وكان أوجههم إسماعيل، وهم بيت بالكوفة من جعفي يقال لهم: بنو أبي سبرة(2).
فإنّ هذه العبارات تفيد الطمأنينة بوثاقة الرجل، فلو لم يحصل من فقاهته و وجاهته وترحّمه ـ عليه السلام ـ عليه وتوثيق ابن نمير إيّاه وإن كان عامّياً: الوثوق بحسن ظاهره، فما الطريق إلى تحصيله؟ولأجل ذلك عدّ في الوجيزة(3) حديثه كالصحيح.

2 ـ إسحاق بن إبراهيم الحضيني:

قال الكشي في ترجمة الحسن بن سعيد: هو الذي أدخل إسحاق بن إبراهيم الحضيني وعلي بن ريّان بعد إسحاق إلى الرضا (عليه السلام)وكان سبب

1 . العلاّمة الحلّي: الخلاصة: ص8.
2 . النجاشي: الرجال: 1/276 برقم 279.
3 . المجلسي: الوجيزة كما في المستدرك: 3/777.

صفحه 185
معرفتهم لهذا الأمر، ومنه سمعوا الحديث و به عرفوا، وكذلك فعل بعبد اللّه بن محمد الحضيني وغيرهم حتّى جرت الخدمة على أيديهم وصنّفوا الكتب الكثيرة(1).
روى الشيخ في التهذيب بإسناده عن أحمد بن محمد، عن علي بن مهزيار، قال: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام)اُعلمه أنّإسحاق بن إبراهيم وقف ضيعة على الحجّ وأمر ولده وما فضل منها للفقراء...، فكتب ـ عليه السلامـ : فهمت يرحمك اللّه ما ذكرت من وصيّة إسحاق بن إبراهيم ـ رضي اللّه عنهـ(2)، فإنّ ترضية الإمام عنه وحسن عمله ـ كوقف الضيعة ـ كاشف عن حسن ظاهره المفيد لوثاقته.

3 ـ أحمد بن علي البلخي:

قال العلاّمة: «الرجل الصالح أجاز التلعكبري»(3) فلو لم يدلّ الصلاح على حسن ظاهره ولم تُكشف سجيّته بالإجازة لمثل الشيخ الجليل (التلعكبري) فبماذا يستدل عليه؟!

4 ـ أحمد بن علي بن حسن بن شاذان القمّي:

قال النجاشي: شيخنا الفقيه حسن المعرفة، صنّف كتابين لم يصنّف غيرهما: كتاب «زاد المسافر» وكتاب «الأمالي»، أخبرنا بهما ابنه أبو الحسن ـ رحمهما اللّه تعالى ـ (4).

1 . الكشّي: الرجال:ص461 برقم 423.
2 . الطوسي: التهذيب: 9/238 برقم925 باب في الزيارات.
3 . العلاّمة الحلّي: الخلاصة:ص 19 برقم 35.
4 . النجاشي: الرجال: 1/222 برقم 202.

صفحه 186

5 ـ أحمد بن موسى المعروف بـ «شاه جراغ» المدفون في شيراز يعرّفه الشيخ المفيد في إرشاده بقوله:

كان كريماً جليلاً ورعاً، وكان أبو الحسن موسى (عليه السلام)يحبّه ويقدّمه، ووهب له ضيعته المعروفة باليسيرة، يقال أنّه ـ رضي اللّه عنه ـ أعتق ألف مملوك(1).
وهذه الأوصاف والمناقب لاتنفكّ عن الوثاقة فكيف تنفك عن حسن الظاهر!
وأنت إذا سبرت الكتب الرجاليّة تجد عشرات من هذه الأوصاف والمناقب في حقّ الرواة الذين لم يعدّوهم من الثقات العدول، بل حملوا على المدح وجعلوا رواياتهم من القسم الحسن، مع أنّ الدقّة بل الإنصاف يحكم بكونهم من العدول والثقات، وبذلك تدخل كثير من الروايات الحسان في عداد الصحاح(2).
اكمال للمحقّق التستري: ولإكمال البحث نأتي بما ذكره المحقّق التستري في المقام، قال: إنّ قولهم فلان صاحب الإمام الفلاني مدح ظاهراً، بل هو فوق الوثاقة، فإنّ المرء على دين خليله وصاحبه، فمن الضروري أنّ الأئمّة (عليهم السلام)لا يتّخذون صاحباً لهم إلاّ من كان ذا نفس قدسيّة، ويشهد بذلك أنّ غالب من وصف بذلك من الأجلّة كمحمد بن مسلم

1 . المفيد: الارشاد:ص 303 باب ذكر عدد أولاده.
2 . قد اقتطفنا هذه النكات من الفائدة التاسعة للمحقّق النوري، وطلباً للإطمئنان راجعنا المصادر التي أشار إليها مع ضبط رقم صفحاتها وأرقام أحاديثها.

صفحه 187
وأبان بن تغلب صاحبي الباقر و الصادق ـ عليهما السّلامـ ، وزكريا بن إدريس صاحب الكاظم (عليه السلام)، والبزنطي وزكريا بن آدم صاحبي الرضا (عليه السلام)،و أحمد بن محمد بن مطهر صاحب أبي محمد العسكري (عليه السلام).
وكذلك قولهم فلان خاصّي، فإنّ الظاهر أنّ المراد من خواصّ الشيعة لا أنّه إمامي في قبال قولهم عامّي، فالشيخ وصف به محمد بن أحمد الصفواني الثقة الفقيه الجليل الذي باهل قاضي الموصل بين يدي ابن حمدان، فانتفخت يد القاضي لمّا قام ومات من غده.
وكذلك قول الشيخ في رجاله في كثير من عناوين (من لم يرو) : فلان من أصحاب العياشي، أو من غلمان العياشي، ومنها في ترجمة الكشي، وأحمد ابن يحيى بن أبي نصر الذي وثّقه في الكنى، دالّ على أنّه من العلماء الذين تخرّجوا على يديه، فكان أبو عمرو الزاهد معروفاً بغلام ثعلب لأنّه كان ملازمه ومرباه، وكان عضد الدولة يقول أنا غلام أبي علي الفارسي في النحو، و غلام أبي الحسين الرازي في النجوم، و قال النجاشي في أحمد بن إسماعيل ابن عبداللّه: «وكان إسماعيل بن عبداللّه من غلمان أحمد بن أبي عبداللّه وممّن تأدّب عليه» (1).

1 . محمد تقي التستري: قاموس الرجال :ص68 ـ 69، الطبعة الحديثة.

صفحه 188

صفحه 189

الفصل السابع:

في فرق المسلمين

رؤوس فرق أهل السنّة:

1. أهل الحديث
2. الخوارج
3. المرجئة
4. المعتزلة، الأُصول الخمسة للمعتزلة
5. الأشعريّة

فرق الشيعة:

1. الكيسانيّة
2. الزيديّة (طوائف الزيديّة)
3. المغيريّة
4. المحمّدية
5. الناووسيّة
6. الإسماعيليّة
7. السميطيّة
8. الفطحيّة
9. الواقفيّة
10. الخطّابيّة
11. النصيريّة
12. الغلاة
13. الفرقة الحقّة الإثنا عشريّة

صفحه 190

صفحه 191

الفصل السابع:

في

فرق المسلمين

لقد تعرّفت على أنّ الفرق بين الموثّق و الصحيح ـ بعد اشتراكهما في الوثاقة ـ إنّما هو بالمذهب، فإذا كان الراوي معتقداً بالمذهب الصحيح، فالرواية صحيحة، وإلاّ فلو كان ثقة معتنقاً لمذهب غير صحيح فالرواية موثقة، وهذا يلزمنا على أن نورد الفرق الإسلامية في إطار ما جاء عنهم في الكتب الرجالية(1) حتى يقف المحدّث على أصحاب هذه المذاهب وعقائدها على وجه الإجمال، وإلاّ فالتفصيل في أصل الفرق وعقائدها و كتبها وأصحابها موكول إليكتب الملل والنحل(2).

1 . البحث عن الفرق والمذاهب علم مستقلّ يتكفّله علم الملل والنحل، ومن أراد التوسّع في معرفتها فعليه الرجوع إلى مصادرها، غير أنّه لمّا وصف الرواة في غير واحد من الكتب الرجالية بما ينبئ عن نحلته ومذهبه، فلم نجد محيصاً عن الإشارة إلى تلك المذاهب التي ورد ذكرها في ترجمة الرواة، ولأجل ذلك طوينا الصفح عن المذاهب التي لا صلة لها برواة الأحاديث.
2 . وكفى القارئ في هذا المجال موسوعتنا المنتشرة باسم «بحوث في الملل والنحل».

صفحه 192

رُؤوس فرق أهل السنة(1):

إنّ النوبختي ـ و هو من أعلام القرن الثالث ـ ذكر أنّ جميع اُصول الفرق الإسلامية أربع:
1 ـ الشيعة.
2 ـ المعتزلة.
3 ـ المرجئة.
4 ـ الخوارج(2).
وعلى ضوء هذا التقسيم : فأهل السنّة عبارة عن الفرق الثلاث الأخيرة، مع أنّ أهل السنّة في الأجيال المتأخّرة عن عصر النوبختي لا يعترفون بذلك، بل يعدّون أنفسهم وراء الفرق الثلاث، وعلى كل تقدير فنحن نأتي بفرقهم على وجه يلائم كلمات المتأخّرين المؤلّفين في الفرق الإسلامية كأبي الحسن الأشعري(260ـ324هـ) مؤلّف «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين»، أبي منصور البغدادي(ت 429هـ) مؤلّف «الفَرْق بين الفِرَق»، وابن حزم الظاهري الأندلسي(ت456هـ) مؤلّف «الفصل»، والشهرستاني(ت 548هـ) مؤلّف «الملل والنحل» وإليك كلماتهم إجمالاً.

1 . إنّ أهل الحديث والسلفيين يتضايقون عن تسمية المعتزلة والخوراج والمرجئة بل و الأشاعرة بأهل السنّة ويخصّونها بأهل الحديث فقط، ولسنا في هذا التقسيم ملتزمين باصطلاحاتهم، بل نطلقها في مقابل الشيعة الذين يرون الإمامة بعد رسول اللّه مقاماً تنصيبيّاً، مقابل من يراها مقاماً انتخابيّاً، فأصحاب هذا القول كلّهم أهل السنّة ولا مشاحّة في الاصطلاح.
2 . النوبختي ـ أبو محمّد الحسنـ: فرق الشيعة: ص36، وظاهره:«إنّ اُصول الفرق الإسلامية ـناجية كانت أم لا ـ هي الأربعة» ولكن البغدادي خصَّها بـ«فرق أهل الأهواء» لاحظ الفَرق بين الفِرَق: ص28.

صفحه 193

1 ـ أهل الحديث:

أهل الحديث هم الذين يعملون في الاُصول و الفروع بظواهرها، ويرفضون العقل ويعدمونه في مجال العقائد والمعارف، فالأصل عندهم هو السنّة، وافق العقل أم خالف، ولأجل ذلك اغترّوا ببعض الظواهر حتى أثبتوا للّه وجهاً، وعيناً، و كفّاً، وأصابع، وقدماً، ونفساً، وساقاً ...! لورودها في السنّة من دون أن يمحّصوا سند الحديث ودلالته.
وقد كان أهل الحديث على فرق مختلفة ـ ذكرها السيوطي في «تدريب الراوي»(1) فكانوا: بين مرجئ يرى أنّ العمل ليس جزء من الإيمان، وإنّه لا تضرّ معه معصية كما لاتنفع مع الكفر طاعة.
وإلى ناصبي يتجاهر بعداء علي (عليه السلام)وأهل بيته.
و إلى متشيّع يحب علياً وأولاده، و يرى الولاء فريضة نزل بها الكتاب، أو يرى الفضيلة لعلي في الإمامة والخلافة.
و إلى قدري ينسب محاسن العباد و مساوئهم و معاصيهم إلى أنفسهم ولا يسند أفعالهم إلى اللّه سبحانه.
و إلى جهمي ينفي كل صفة عن اللّه سبحانه، ويعتقد بخلق القرآن وحدوثه.
و إلى خارجي ينكر على علي أميرالمؤمنين (عليه السلام)مسألة التحكيم ويتبرّأ منه ومن عثمان و طلحة و الزبير و عائشة و معاوية .
و إلى واقفي لايقول في التحكيم أو في حدوث القرآن وقدمه بشيء.

1 . السيوطي: تدريب الراوي:1 /278 بتلخيص، وقد ذكرنا تفصيل أسمائهم في الجزء الأوّل من كتابنا (بحوث في الملل و النحل).

صفحه 194
وإلى متقاعد يرى لزوم الخروج على أئمّة الجور و لا يباشره بنفسه.
إلى غير ذلك من ذوي الأهواء والآراء الذين قضى عليهم الدهر وقضى على آرائهم ومذاهبهم، وعندما وصل أحمد بن حنبل إلى قمّة الإمامة في العقائد صار أهل الحديث فرقة واحدة مجتمعين تحت لوائه، وتحت الاُصول التي طرحها، واستخرجها من الكتاب والسنّة.
لقد نجم بين أهل الحديث القول بالتجسيم والتشبيه، كما نجم بينهم القول بالجبر وسلب الاختيار عن الإنسان، ومن أراد أن يقف على آراء أهل الحديث فعليه الرجوع إلى المصادر التالية:
1 ـ رسالة أحمد بن حنبل في عقائد أهل الحديث، طبع باسم« السنّة».
2 ـ رسالة الأشعري في عقيدة أهل الحديث، وقد جاءت الرسالة في الباب الثاني من كتاب الإبانة، وهي تشتمل على 51 أصلاً، وقد أدرجها في كتابه الآخر أعني «مقالات الإسلاميين» ص 320 ـ 325 أيضاً .
3 ـ ما ذكره أبو الحسين الملطي (ت 377هـ) مـن الاُصول في كتابه المعروف «التنبيه والردّ».
4 ـ «العقيدة الطحاويّة» التي ألّفها أبو جعفر المعروف بالطحاوي المصري، وهي تشتمل على 105 أصلاً.

2 ـ الخـوارج:

كل من خرج على الإمام الحقّ يسمّى خارجيّاً، سواء أكان الخروج في أيّام الصحابة أم كان بعدهم، وقد غلبت هذه التسمية على الذين خرجوا على أميرالمؤمنين (عليه السلام)أثناء حرب صفّين بعد مسألة التحكيم، و أشدّهم

صفحه 195
خروجاً عليه و مروقاً من الدين: الأشعث بن قيس الكندي، ومسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي، حينما رأوا أنّ جيش معاوية رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح، ودعوا عليّاً (عليه السلام)وأنصاره إلى حكومة القرآن، وقالوا لعلي (عليه السلام): «القوم يدعوننا إلى كتاب اللّه، وأنت تدعونا إلى السيف!، لترجعنّ الأشتر عن قتالهم وإلاّ فعلنا بك مثل ما فعلنا بعثمان!» فاضطرّ إلى ردّ الأشتر عن ساحة القتال بعد أن شارف جيش معاوية على الهزيمة ولم يبق منهم إلاّ شرذمة قليلة فيهم حشاشة، فامتثل الأشتر أمره.
إنّ الخوارج حملوا الإمام على قبول التحكيم بأن يبعث رجلاً من أصحابه ويبعث معاوية مثله من أصحابه حتى يتحاكما إلى القرآن ويعملا بحكمه وأمره، وعندما أراد الإمام أن يبعث عبداللّه بن عباس منعوه عن اختياره، وقالوا: هو منك، وحملوه على بعث أبي موسى الأشعري ، فجرى الأمر على خلاف ما رضي به.
ثمّ إنّ هؤلاء الذين أصرّوا على التحكيم، خرجوا عليه ثانياً بحجّة أنّ الإمام حكّم الرجـال ولا حكـم إلاّ للّه، وهم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان ويقال لهم «الحروريّة».
وكبار الفرق من الخوارج عبارة عن: المحكّمة، الأزارقة، النجدات، البيهسية، العجاردة، الثعالبة، الصفريّة، الإباضيّة، وقد أكل عليهم الدهر وشرب وأفناهم، ولم يبق منهم إلاّ الفرقة الأخيرة، وهم المعتدلة من بين فرق الخوارج، وهم ـ في هذه الأعوام الأخيرة ـ يتبرأون من تسميتهم بالخوارج، ويدّعون أنّهم ليسوا منهم وأنّهم من أتباع عبداللّه بن اباض.
ويجمع الفرق القول بالتبرّي من عثمان وعلي و يقدّمون ذلك على كل

صفحه 196
طاعة، ولا يصحّحون المناكحات إلاّ على ذلك، ويكفّرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنّة حقّاً واجباً (1).

3 ـ المرجئة:

الإرجاء بمعنى التأخير والإمهال، قال سبحانه: (اَرْجِهْ وَاَخاهُ وَاَرْسِلْ فِي المَدَائِنِ حاشِرِينَ)(الأعراف / 111). ثم غلبت هذه اللفظة على الّذين يهتمّون بالنيّة والإيمان القلبي ولا يهتمّون بالعمل، ويفسّرون الإيمان بأنّه قول بلا عمل، فكأنّهم يقدّمون القول ويؤخّرون العمل، فالإنسان يكون ناجياً بإيمانه ولو لم يصلّ ولميصم، وقد اشتهرت منهم هذه الكلمة:
«لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة».
فقد كانت المرجئة من أخطر الطوائف على الاُمّة الإسلاميّة، و قد نشأت بين السنّة والشيعة فكانوا يستهدفون الإباحيّة المطلقة في الأخلاق والأعمال.
هذا مجمل القول في المرجئة، والتفصيل موكول إلى محلّه.

4 ـ المعتزلة :

اتّفقت أصحاب الملل والنحل على أنّ أساس الاعتزال يرجع إلى واصل بن عطاء، وكان يحضر مجلس الحسن البصري، وإليك التعرّف على الاُستاذ والتلميذ.

1 . الشهرستاني ـ محمد بن عبد الكريم ـ: الملل والنحل: ص114 ـ 115.

صفحه 197
أمّا الاُستاذ فهو الحسن بن يسار المكنّى أبوه بأبي الحسن من سبي ميسان(1) وانتقل هو وزوجته إلى المدينة وولد الحسن لهما بسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقد طعن عمر بن الخطاب يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة «23هـ» و دفن يوم الأحد صباح هلال محرّم سنة «24هـ» (2).
وعلى ذلك فالحسن من مواليد أوائل عـام «22هـ » أو مـن مواليد أواخر سنة«21هـ» و توفّي في البصرة مستهلّ رجب سنة«110هـ»(3)وعلى ذلك فقد توفّي عن عمر يتجاوز عن ثمانية وثمانين بعدّة أشهر.
ومن المظنون جدّاً أنّ الشبهات التي نبتت في قلوب المسلمين من الصحابة والتابعين قد نقلها هؤلاء السبايا من مواليدهم إلى دار هجرتهم، فقد كان العراق والشام ملتقى الحضارتين : الرومانيّة والفارسيّة، و كان العراقيّون متأثّرين بالفلسفة الفارسيّة الزرادشتيّة، كما كان الشاميّون متأثّرين بأفكار الرومانيّين وأصحاب الكنائس، فصارت العشرة والإختلاط بين المسلمين سبباً لطرح كثير من المسائل والشبهات التي لم يكن المسلمون الأوائل واقفين عليها، و ليس من البعيد تأثّر الحسن البصري بأبيه أبي الحسن ـ أسير ميسان ـ في بعض المجالات(4).

1 . قال الياقوت في مراصد الاطّلاع: ميسان كورة واسعة كثيرة القرى والنخل بين البصرة وواسط، قصبتها ميسان، ففي هذه القرية قبر عزير مشهور معروف يقوم بخدمته اليهود.
2 . ابن سعد: الطبقات الكبرى:2/365.
3 . محمّد باقر الخونساري: روضات الجنات: 2/36.
4 . لاحظ في ترجمة الرجل على وجه البسط والتفصيل كتاب حلية الأولياء:2/131 ـ 169 لأبي نعيم الاصفهاني.

صفحه 198
وأمّا التلميذ، فقد تضافرت النصوص على أنّه دخل رجل على الحسن البصري، فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملّة (وهم وعيديّة الخوارج)، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضرّ الإيمان،بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ويقولون: لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة(وهم المرجئة)، فكيف تحكم لنا في ذلك؟
فتفكّر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب بجواب، قال واصل بن عطاء: أنا لاأقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، و لاكافر مطلق، بل منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن و لا كافر، ثم اعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرّر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّاواصل، فسمّي هو وأصحابه «معتزلة»(1).
هذا ما يقوله الشهرستاني مؤلّف (الملل والنحل)، ويمكن أن يكون صحيحاً، لكنّ آراء المعتزلة فيما يرجع إلى التوحيد و العدل و نفي الصفات الزائدة مأخوذة من خطب الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام)وقد أثبتنا ذلك في كتابنا «بحوث في الملل والنحل» وإجمال ذلك: إنّ واصل بن عطاء كان تلميذاً لأبي هاشم بن محمد ابن الحنفيّة، وحكي عن بعض السلف أنّه قيل: كيف كان علم محمّد بن علي؟ فقال: إذا أردت أن تعلم ذلك، فانظر إلى أثره واصل(2).

1 . عبد الكريم الشهرستاني: الملل والنحل:1 /48.
2 . القاضي عبد الجبار: فضل الإعتزال: ص234.

صفحه 199
وأبو هاشم أخذ من أبيه المدعو محمّد بن الحنفيّة وهو عن علي (عليه السلام)و هؤلاء ينتمون كلّهم إلى علي (عليه السلام)ويصدرون عن رأيه وخطبه وكلمه(1).

الاُصول الخمسة للمعتزلة:

1 ـ التوحيد: و يراد منه إمّا نفي الصفات الزائدة عن اللّه تبارك و تعالى بمعنى عينيّتها لها، أو نيابة الذات عن الصفات، على الفرق المعهود بينهما.
2 ـ العدل و نفي الجبر عنه سبحانه.
3 ـ المنزلة بين المنزلتين: بمعنى أنّ مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً ولا كافراً بل منزلة بينهما.
4 ـ الوعد والوعيد: بمعنى لزوم العمل بالوعد والوعيد، فلا يصحّ له سبحانه وتعالى أن يعد العباد و لا يفي، ويوعد ولا يعاقب.
5 ـ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
ثم إنّ المعتزلة تشعّبت إلى فرق مختلفة، منها: الواصليّة، الهذليّة، الخابطيّة، البشريّة، المعمّريّة، المرداريّة، الثماميّة، الهشاميّة، الجاحظيّة، الخياطيّة، الجبائيّة، والبهشميّة(2).
إنّ هذه الطوائف التي جاء بها الشهرستاني و أضرابه إنّما هي مسالك منسوبة إلى مشايخ المعتزلة، ولا يصحّ أن تعدّ كل واحدة فرقة و طائفة، لأنّ الاختلاف بين المشايخ طفيف، والحقّ تقسيم المعتزلة إلى مدرستين:

1 . لاحظ مفاهيم القرآن:4 / 378 ـ 381.
2 . محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: الملل والنحل: 1/46 ـ 85.

صفحه 200
1 ـ البغداديّة
2 ـ البصريّة
والاختلاف بين المدرستين بعد الاشتراك في الاُصول الخمسة ليس بقليل.

5 ـ الأشعرية:

والأشاعرة أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وهو من ذرّية أبي موسى الأشعري ولد عام 260هـ و توفّي عام 324هـ وقيل ثلاث و ثلاثون.
كان معتزليّاً تلميذاً للجبائي، ولكنّه رجع عن الإعتزال وأعلن اقتفاءه لمذهب أهل الحديث و في مقدّمتهم مذهب أحمد بن حنبل.
روى أنّه رقى يوم الجمعة كرسيّاً في جامع البصرة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا اُعرّفه بنفسي أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن، و أنّ اللّه لا تراه الأبصار، وأنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للردّ على المعتزلة. فخرج بفضائحهم ومعايبهم(1).
وقد أعلن أبوالحسن الأشعري عقيدته في كتاب الإبانة وقال: «قولنا الذي نقول به، و ديانتنا التي نتديّن بها: التمسّك بكتاب اللّه وسنّة نبيّه، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمّة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل ـ نضّر اللّه وجهه و رفع درجته وأجزل مثوبته ـ قائلون، ولمن خالف قوله، قوله مجانبون، لأنّه الإمام الفاضل الرئيس الكامل

1 . ابن خلّكان: وفيات الأعيان:2/447.

صفحه 201
الذي أبان اللّه به الحق عند ظهور الضلال»(1).
والشيخ الأشعري وإن أبان الالتحاق بمذهب أهل الحديث ولكنّه لم يقف آثارهم في كل ما يقولون ويرون، بل أسّس منهجاً بين مذهب أهل الحديث والمعتزلة، وتصرّف في الآراء التي تضادّ العقل السليم من عقائد أهل الحديث. مثلاً كان أهل الحديث يقولون بقدم القرآن المتلو، وهو قال بقدم الكلام النفس، فاشترك معهم في قدم كلام اللّه ولكن فسّره بالنفس دون المقروء والمتلوّ.
وأهل الحديث كانوا يثبتون للّه الصفات الخبرية بنفس معانيها، والمراد بذلك: ما أخبر عنه الوحي من أنّ للّه وجهاً وعيناً و يداً فصارت النتيجة حسب عقيدتهم هي التجسيم، والشيخ الأشعري أثبتها للّه سبحانه لكن متقيّداً بقوله «بلا كيف»، فاشترك معهم في حمل الصفات الخبريّة على اللّه سبحانه بمعانيها، ولكن افترق عنهم بأنّ وجه اللّه تعالى أو يد اللّه أو عين اللّه مجرّدة عن الكيف، فليس له وجه كوجه الانسان، أو عين كعين الإنسان، وبذلك أضفى على مذهب أهل الحديث صبغة التنزيه، ولوّنه حسب الظاهر وإن كان حسب الحقيقة ليست كذلك بل مذهبه بين الإبهام والتشبيه.
ومع ذاك فقد أثبت الرؤية للّه يوم القيامة، وأقرّ به في «مقالات الإسلاميّين» حيث قال: « إنّ اللّه سبحانه يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون!»(2).

1 . الأشعري: الإبانة:ص18ـ و في نسخة «ولما خالف قوله مخالفون».
2 . الأشعري: الإبانة:ص12 (طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة)، ومقالات الإسلاميّين: ص322.

صفحه 202
هذه هي رؤوس فرق أهل السنّة وإن كان أهل الحديث لا يعدّون المعتزلة ولا المرجئة بل حتى الأشاعرة من فرق أهل السنّة، وقد تقدّم منّا أنّ احتكار هذا الاسم لجماعة خاصّة بخس بحقوق جميع المسلمين ولا أقلّ بالنسبة إلى الفرق التي تقول في مسألة الإمامة بالانتخاب، والرجوع إلى أهل الحلّ والعقد، في مقابل الشيعة الذين يقولون بالتنصيب من اللّه سبحانه وتعالى، فالطائفة الاُولى بجميع مسالكهم ـ حسب تعبيرنا ـ يعدّون من أهل السنّة وإن كان ذلك مرّاً في ذائقة طائفة منهم.
***

فرق الشيعة:

ونذكر في المقام الفرق التي وردت أسماؤها في الكتب الرجالية، وأمّا الإحاطة بجميع الفرق وعقائدهم فهي موكولة إلى كتب الملل والنحل . فنقول:
شيعة الرجل : أتباعه وأنصاره، ويقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكّر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليّاً وأهل بيته ـ عليهم السلامـ حتى صار لهم اسماً خاصّاً، والجمع أشياع وشيع(1).
ثمّ إنّ الشيعة قد تطلق ويراد منها هذا المعنى الذي ذكره ذلك اللغوي، وقد تطلق على من يشايع عليّاً في دينه و مذهبه، و يأخذ عنه و عن أولاده رخصهم و عزائمهم، ويرى أنّه الإمام المنصوص من جانب النبي

1 . الفيروز آبادي: قاموس اللّغة: مادة «شيع».

صفحه 203
الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)على الاُمّة في يوم غدير خمّ و في مواطن اُخرى حفظها التاريخ وذكرها المحدّثون و غيرهم(1).
والتشيّع بالمعنى الأوّل يعمّ المسلمين قاطبة ما عدا الخوارج والنواصب فإنّ المسلمين جميعاً ـ إلاّ من اُشير إليه ـ يحبّ عليّاً وأولاده، وكيف لايكون كذلك فإنّ مودّته ومودّة أهل بيت النبي من فروض الكتاب وواجباته.
قال سبحانه: (قُلْ لا اَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ اَجْرَاً إلاّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (الشورى/23). نعم تختلف درجات حبّهم وولائهم لأهل البيت حسب اختلاف معرفتهم بكمالاتهم و مقاماتهم . فمن بلغ إلى ما بلغ إليه الإمام الشافعي من المعرفة بمقاماتهم. يتهالك ويتفانى في حبّهم و يقول الشافعي:
يا أهل بيت رسول اللّه حبّكم *** كفاكم من عظيم القدر أنّكم
فرض مـن اللّه فـي القرآن أنزلـه *** من لم يصلّ عليكم لا صلاة له
المقصود من الشيعة في المقام ليس كل من يحبّ علياً وأهل بيته بل المراد من يبايع علياً بالإمامة ويرى أنّه الوصي المختار للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)لاغير، وأنّ من تقدّم عليه في الحكم إنّما تقدّم بوجه غير مشروع، فهؤلاء هم الشيعة في اصطلاح أصحاب المقالات والفرق.
وقد افترق المسلمون بعد رسول اللّه ثلاث فرق، و ذابت إحدى الفرق وبقيت فرقتان، يقول النوبختي ـ من أعلام القرن الثالث ـ (ذلك البحّاثة

1 . نعم شذّت الجاروديّة عن الزيديّة حيث قالوا: إنّ النبي نصّ على عليّ ـ عليه السلام ـ بالوصف لا بالاسم.

صفحه 204
الكبير العارف بالفرق والمقالات) قبض رسول اللّه وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكانت نبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم)ثلاثاً وعشرين سنة، فافترقت الاُمّة ثلاث فرق:
1 ـ فرقة منها سمّيت الشيعة، وهم شيعة علي بن أبي طالب، فاتّبعوه ولم يرجعوا إلى غيره، ومنهم افترقت صنوف الشيعة كلّها.
2 ـ وفرقة ادّعت الإمرة وهم الأنصار، دعوا إلى عقد الأمر لسعد بن عبادة الخزرجي.
3 ـ وفرقة مالت إلى أبي بكر بن أبي قحافة وتأوّلت فيه: أنّ النبي لم ينصّ على خليفة بعينه وأنّه جعل الأمر إلى الاُمّة تختار لنفسها من رضيت ـ إلى أن قال ـ فأوّل الفرق: الشيعة، وهم فرقة علي بن أبي طالب المسمّون بشيعة علي في زمان النبي وبعده، معرّفون بانقطاعهم إليه و القول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، وأبوذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، و من وافق مودّته مودّة علي (عليه السلام)وهم أوّل من سمّي باسم التشيّع من هذه الاُُمّة، لأنّ اسم التشيّع قديم مثل شيعة إبراهيم وموسى و عيسى والأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين(1).
و كانت الشيعة ترى عليّاً إماماً مفترض الطاعة بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه يجب على الناس القبول منه، والأخذ عنه، ولايجوز الأخذ عن غيره، وهو الذي وضع عنده النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من العلم ما يحتاج إليه الناس من الدين والحلال والحرام وجميع منافع دينهم و دنياهم و مضارّها، وجميع العلوم جليلها ودقيقها، واستودعه ذلك كله، واستحفظه إيّاها، ولذا استحق الإمامة و]الجلوس[ مقام النبي، لعصمته و طهارة مولده و سابقته و علمه و سخائه

1 . نسب هذين البيتين إلى الإمام الشافعي غير واحد من الأعلام منهم: الإمام الحافظ ابن حجر في صواعقه، والنبهاني في شرفه، لاحظ الفصول المهمّة لشرف الدين العاملي ص229.

صفحه 205
و زهده و عدالته في رعيّته، و أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ عليه وأشار إليه باسمه، ونسبه، و عيّنه، وقلّد الاُمّة إمامته ونصّبه لهم علماً، وعقد له عليهم إمرة المؤمنين ، وجعله أولى الناس منهم بأنفسهم في مواطن كثيرة مثل غدير خمّ و غيره، و أعلمهم أنّ منزلته منزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لانبي بعده، فهذا دليل إمامته .. .(1).
كانت الشيعة كتلة واحدة ـ بعد رحلة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ يشايعون عليّاً وأهل بيته إلى أن وقعت رزيّة الطف فاستشهد الإمام الطاهر الحسين بن علي ـعليهما السّلامـ بيد الطغمة الغاشمة من بني اُميّة، فقال جمهور الشيعة: بأنّ الإمام المنصوص بعد الحسين هو ولده زين العابدين و سيّد الساجدين علي بن الحسين ـ عليهما السّلامـ (36 ـ 95هـ).
وقال قليل منهم: إنّ الإمام بعده هو محمد ابن الحنفية ابن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). وهم المعروفون بالكيسانيّة، وإليك التعريف بهم:

1 ـ الكيسانيّة:

وهم القائلون بإمامة محمّد بن الحنفيّة(2)، ولكنّ أصحاب المقالات يذكرون أنّ الكيسانيّة اختلفت في سبب إمامة محمد ابن الحنفيّة، فزعم بعضهم: أنّه كان إماماً بعد أبيه علي بن أبي طالب (عليه السلام)واستدلّ على ذلك بأنّ عليّاً (عليه السلام)دفع إليه الراية يوم الجمل، وقال له:

1 . أبو محمد حسن بن موسى ـ النوبختي ـ: فرقالشيعة:ص22.
2 . النوبختي: فرق الشيعة: ص37 لاحظ ذيل كلامه.

صفحه 206
إطعنهم طعنَ أبيك تحمد *** لاخير في الحرب إذا لم تزبد(1).
وقال آخرون منهم: إنّ الإمامة بعد علي (عليه السلام)كانت لابنه الحسن، ثم للحسين بعدالحسن، ثم صارت إلى محمد ابن الحنفية بعد أخيه الحسين بوصيّة أخيه الحسين إليه، حين خرج من المدينه إلى مكة حينما طولب بالبيعة ليزيد بن معاوية.
ثمّ إنّ الكيسانيّة اختلفوا في إمامة محمّد ابن الحنفية بوجه آخر، فقال أصحاب أبي الكرد الضرير: إنّ محمد ابن الحنفية حي لم يمت، وإنّه في جبل رضوى وعنده عين من الماء، و عين من العسل، يأخذ منها رزقه، وعن يمينه أسد، وعن يساره نمر يحفظانه من أعدائه إلى وقت خروجه، وهو المهدي المنتظر، ومن القائلين بهذا القول كُثير الشاعر وفي ذلك يقول :
ألا إنّ الأئمّــة مــن قريــش *** ولاة الحــقّ أربعــة ســواء
علـي و الثـلاثــة مــن بنيـــه *** هم الأسباط ليس بهم خفاء
فـسبـط سبـط إيمــان وبـــرّ *** و سبــط غيّبتــه كــربـــلاء
وسبط لايـذوق المـوت حتـى *** يقود الخيـل يقدمـهم لــواء
تغيّب لايـرى فيــهم زمـانــاً *** برضـوى عنـده عسـل ومـاء
و ذهب الباقون من الكيسانية إلى الإقرار بموت محمّد ابن الحنفية، واختلفوا في الإمام بعده، فمنهم من زعم: أنّ الإمامة بعده رجعت الى ابن

1 . هو أبو عبد اللّه محمّد بن علي بن أبي طالب، واُمّه خولة بنت جعفر بن قيس من بني حنيفة،وقد كان محمّد عالماً فاضلاً شجاعاً، وتوفّي سنة 81 هـ (تهذيب التهذيب: 9/354).

صفحه 207
أخيه علي بن الحسين زين العابدين، ومنهم من قال: برجوعها بعده إلى أبي هاشم عبداللّه بن محمّد ابن الحنفية.
هذه هي الكيسانيّة وعقائدها، و قد ذكر الشيخ الأشعري فرقاً كثيرة لهم أنهاهم إلى إحدى عشرة فرقة(1). ولا يهمّنا في المقام التفصيل.

2 ـ الزيدية:

وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين (79ـ 121) الذي اتفق علماء الإسلام على جلالته و وثاقته و ورعه و علمه و فضله، قال شيخنا المفيد:«كان زيد بن علي بن الحسين عين إخوته بعد أبي جعفر (عليه السلام)وأفضلهم، وكان ورعاً عابداً فقيهاً سخيّاً شجاعاً ظهر بالسيف، يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر ، و يطلب ثارات الحسين».
وقد عدّه الشيخ في رجاله تارة من أصحاب أبيه السجّاد، واُخرى من أصحاب الإمام الباقر، وثالثة من أصحاب الإمام الصادق، وقال: مدني تابعي قتل سنة 121هـ وله 42 سنة(2)، ولمّا بلغه قتل عمّه بكى، وقال: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، عنداللّه أحتسب عمّي، إنّه كان نعم العمّ، إنّ عمّي كان لدنيانا و آخرتنا،مضى عمّي شهيداً كالشهداء الذين ا ستشهدوا مع النبي وعلي والحسن والحسين.
هذا موقف أئمّتنا وعلمائنا مع زيد المجاهد الثائر، ولا يعتدّ بإغراء

1 . لا يدلّ هذا البيت على مبدأ اعتقادي، ومن البعيد أن تتشبّث فرقة به وتعتقد بخلافته بعد علي، مع رجوع جماهير المسلمين إلى الحسن بن علي ثمّ إلى الحسين، وقد كان محمّد ابن الحنفيّة أطوع الناس لأخيه الحسين من طاعة الظلّ لذي الظلّ، وهذه الفرقة لم تكن لها وجود إلاّ في مخيّلة كتّاب الفرق والمقالات.
2 . أبو الحسن الأشعري : مقالات الإسلاميّين: ص18 ـ23 (الطبعة الثالثة)، وأبو منصور عبد القاهر البغدادي (ت 429):الفَرق بين الفِرق : 38 ـ 39، النوبختي: فرق الشيعة: ص41ـ59.

صفحه 208
المفسدين وإرجاف المرجفين الذين يتّهمون الشيعة الإماميّة بعدم الولاء والودّ لزيد الثائر، مع أنّه لم يشكّ أحد من علمائنا في زهده وورعه وخلوصه وجهاده ونضاله في سبيل اللّه، وأنّه لم تكن الغاية لديه إلاّ أخذ الحقّ من المتغلّبين عليه وتسليمه إلى أهله، ولأجل ذلك خرج باسم الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فظنّ الجهّال أنّه يريد نفسه.
وهذا ابنه يحيى بن زيد يصف أباه ويقول: إنّ أبي لم يكن بإمام ولكن كان من السادة الكرام وزهّادهم، وكان من المجاهدين في سبيل اللّه. قال الراوي: قلت ليحيى: إنّ أباك قد ا دّعى الإمامة، وخرج مجاهداً وجاء عن رسول اللّه في من ادّعى الإمامة كاذباً، فقال: مه! إنّ أبي كان أعقل من أن يدّعي ما ليس بحقّ له، وإنّما قال: أدعوا إلى الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)عنّى بذلك عمّي جعفراً (عليه السلام). قال الراوي: فهو اليوم صاحب الأمر(1).
وأمّا شهادته فقد خرج زيد أيام هشام بن عبد الملك، وبايعه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خرج بهم على والي العراق، وهو يوسف بن عمر الثقفي، عامل هشام بن عبد الملك، وخذله المبايعون في الحرب، ولم يبق معه إلاّ نفر قليل، وقاتلوا جند يوسف بن عمر حتى قُتِلوا عن آخرهم، وقُتِل زيد، ودفن ليلاً ثمّ نبش قبره وصلب ثمَّ اُحرق(2).
وقال يحيى بن زيد في رثاء أبيه زيد لمّا قتل بالكوفة:
خليلي عنّي بالمدينة بلّغا *** بني هاشم أهل النهى والتجارب

1 . (1 لاحظ في الوقوف على مصادر هذه النصوص وغيرها ممّا تعرب عن موقف أئمّة ا لشيعة تجاه قيام زيد الشهيد، تنقيح المقال: 1/467 ـ 469.
2 . الأشعري: مقالات الإسلاميّين: ص65.

صفحه 209
فحتّى متى مروان يقتل منكم *** خياركم والدهر جمّ العجائب
وحتّى متى ترضون بالخسف منهم *** وكنتم اُباة الخسف عند التحارب
لكلّ قتيل معشر يطلبونه *** وليس لزيد بالعراقين طالب
ثمّ خرج ابنه يحيى بن زيد بعده في أيّام الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فوجّه إليه نصر بن سيّار صاحب خراسان برئيس شرطته سلَم بن اَحْوز المازني فقتله.
وهذا دعبل الخزاعي يرثي يحيى بن زيد بقوله:
قبـور بكوفــان و اُخـرى بطيبـة *** واُخـرى بفــخّ نـالهـا صلواتــي
واُخرى بأرض الجوزجان محلّها *** واُخرى بباخمرى لدى الغربات
ويريد بالقبور التي بأرض الجوزجان يحيى بن زيد ومن قتل معه.
ثمّ توالى الخروج بعدهما، ذكر أسماءهم الشيخ الأشعري في «مقالاته» كما ذكر للزيديّة ستّ فرق، هي:
الجاروديّة ، والسليمانيّة، والبتريّة، والنعيميّة، واليعقوبيّة، وفرقة سادسة ذكر عقيدتهم من دون أن يسمّيهم باسم(1).
ولمّا كان الفارق أو الفوارق بين أكثر هذه الفرق الستّ طفيفاً لا يصحّ أن يعدّ كل فارق مسلكاً، وأصحابه فرقة، ولأجل ذلك اكتفى البغدادي بذكر فرق ثلاث، ونحن نقتفي أثره:

1 . الأشعري: مقالات الإسلاميّين: ص66 ـ 69.

صفحه 210

أ ـ الجاروديّة:

أتباع أبي الجارود، وهو زياد بن المنذر، وقال النجاشي: الهمداني الخارفي الأعمى، كوفي من أصحاب أبي جعفر، وتغيّر لمّا خرج زيد(1).
وقال النوبختي: زياد بن المنذر هو الذي يسمّى أبا الجارود، ولقّبه محمّد بن علي الباقر (عليهما السلام): سرحوباً، و ذكر أنّ سرحوباً شيطان أعمى يسكن البحر، وكان أبو الجارود أعمى البصر، أعمى القلب(2).
وافترقت الجاروديّة فرقتين، فرقة قالت: إنّ عليّاً نصّ على إمامة ابنه الحسن ثمّ نصّ الحسن على إمامة أخيه الحسين بعده، ثمّ صارت الإمامة بعد الحسن والحسين شورى في أولاد الحسن والحسين، فمن خرج منهم شاهراً سيفه، داعياً إلى دينه وكان عالماً وعارفاً فهو الإمام.
وزعمت الفرقة الثانية: أنّ النبي نصّ على إمامة الحسن بعد علي، وإمامة الحسين بعد الحسن.
قال أبو الحسن الأشعري: إنّ الجارودية يزعمون أنّ النبي نصّ على علي بن أبي طالب بالوصف لا بالتسمية، فكان هو الإمام من بعده، وإنّ الناس ضلّوا وكفروا بتركهم الإقتداء به بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (3).

ب ـ السليمانيّة أو الجريريّة:

هؤلاء أتباع سليمان بن جرير الزيديّ الذي قال: إنّ الإمامة شورى

1 . النجاشي: الرجال: 1/388 برقم 446.
2 . النوبختي: فرق الشيعة: ص55.
3 . الأشعري: مقالات ا لإسلاميّين :ص67.

صفحه 211
وأنّها تنعقد بعقد رجلين من خيار الاُمّة، وأجاز إمامة المفضول، وأثبت إمامة أبي بكر وعمر، وزعم أنّ الأُمّة تركت الأصلح في البيعة لهما، لأنّ عليّاً كان أولى بالإمامة منهما إلاّ أنّ الخطأ في بيعتهما لم يوجب كفراً ولا فسقاً، وكان سليمان ابن جرير يقدم على عثمان ويكفّره عند الأحداث التي نقمت عليه.

ج ـ البتريّة:

هؤلاء أتباع رجلين أحدهما الحسن بن صالح بن حيّ (100 ـ 168هـ) والآخر كثير النوّاء الملقّب بالأبتر، وقولهم كقول سليمان بن جرير في هذا الباب غير أنّهم توقّفوا في عثمان ولم يقدموا على مدحه ولا على ذمّه.
و بالجملة، أنّ البتريّة والسليمانيّة من الزيديّة على طرفي النقيض من الجاروديّة، لأنّ الأخيرة تكفّر الخليفتين دونهما.
وقد اجتمعت الفرق الثلاث في أنّ أصحاب الكبائر من الأُمّة يكونون مخلّدين في النار(1) ، وهذه رؤوس فرق الزيديّة، وهم المنتشرون في الحجاز واليمن وعمان اليوم.

3 ـ المغيريّة:

اتّفقت جماهير الشيعة على أنّ الإمام بعد السجّاد هو ابنه أبو جعفر الباقر، وبعده ولده جعفر الصادق ـ عليهم السلام ـ ، وفي هذه المرحلة نشأت فرقة

1 . عبد القاهر البغدادي: الفَرق بين الفِرق: ص30 ـ 33، وما ذكره في حقّ الفرق تلخيص لما ذكره أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميّين :ص66 ـ 69، والبغدادي وضع كتابه على أساس مقالات الإسلاميّين لكن بتلخيص و تغيير في ا لتعبير.

صفحه 212
باسم المغيريّة.
وهم أصحاب المغيرة بن سعيد من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام)يقولون: إنّ أبا جعفر ـ عليه السلام ـ أوصى إليه فهم يأتمّون به إلى أن يخرج المهدي، والمهدي عندهم هو محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ـ رضوان اللّه عليهم ـ وزعموا أنّه حيّ مقيم بجبال ناحية حاجر، وأنّه لا يزال مقيماً هناك إلى أوان خروجه، وقد تضافرت الروايات من طرقنا في ذمّ المغيرة بن سعيد.
روى الكشّي عن أبي يحيى الواسطي، قال: قال لي أبو الحسن الرضا ـعليه السلام ـ: كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر فأذاقه اللّه حرّ الحديد، وتنصّ الروايات على أنّه كان من الغلاة، فروى عبد اللّه بن مسكان مرسلاً عن الصادق ـ عليه السلام ـ أنّه قال: لعن اللّه المغيرة بن سعيد إنّه كان يكذب على أبي فأذاقه اللّه حرّ الحديد، ولعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن اللّه من أزالنا عن العبوديّة للّه الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا.
روى هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة، فإنّ المغيرة بن سعيد دسَّ في كتب أصحاب أبي، فاتّقوا اللّه ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا وسنّة نبيّنا، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال اللّه ـ عزّ وجلّ ـ وقال رسول اللّه.
وروى هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه ـ المستترون بأصحاب أبي ـ يأخذون الكتب من أصحاب أبي

صفحه 213
فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي ـعليه السلامـ ثمّ يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثّوها في الشيعة، فكلّما كان في كتب أصحاب أبي من الغلوّ فذاك ممّا دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم(1).
وذكره الطبري في تاريخه تحت عنوان «خروج المغيرة بن سعيد في نفر» أنّه خرج بظاهر الكوفة في إمارة خالد بن عبد اللّه القسري، فظفر به فأحرقه وأحرق أصحابه سنة 119هـ(2).
ومن ذلك يعلم أنّ الأخبار المدسوسة في كتب أصحاب الأئمّّة كانت راجعة إلى العقائد والمعارف لا الأحكام، وهذا يفيدنا في حجّية خبر الواحد في مجال الفروع، وأنّ الطرف للعلم الإجمالي بالدسّ والكذب هو ما يرجع إلى مقامات الأنبياء والأئمّة لا الأحكام العمليّة.

4 ـ المحمّدية:

قال أبو المنصور: هؤلاء ينتظرون محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ولا يصدّقون بقتله ولا بموته، ويزعمون أنّه في جبل حاجر من ناحية نجد، وكان المغيرة مع ضلالاته في التشبيه يقول لأصحابه: إنّ المهدي المنتظر محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن.
ثمّ إنّ إبراهيم بن عبد اللّه ـ أخو محمّد ـ استولى على البصرة واستولى أخوهما الثالث ـ وهو إدريس بن عبد اللّه ـ على بعض بلاد المغرب، وكان

1 . الكشّي: الرجال: 196 برقم 103، و قد جمع المامقاني مجموع ما ورد من الذمّ في حقّ الرجل في رجاله، لاحظ: تنقيح المقال: 3/235 ـ 237.
2 . أبو جعفر الطبري: التاريخ: 5/456.

صفحه 214
ذلك في زمان الخليفة أبي جعفر المنصور، فبعث المنصور إلى حرب محمّد بن عبد اللّه بعيسى بن موسى في جيش كثيف، وقاتلوا محمّداً بالمدينة وقتلوه في المعركة، ثمّ أنفذ بعيسى بن موسى إلى حرب إبراهيم بن عبد اللّه فقتلوه بباخمرى على ستّة عشر فرسخاً من الكوفة، ومات إدريس بن عبد اللّه بأرض المغرب، ومات عبد اللّه بن الحسن والد أُولئك الإخوة الثلاثة في سجن المنصور، وقبره بالقادسيّة، وهو مشهد معروف يزار.
فهذه الطائفة يقال لهم: المحمّدية لانتظارهم محمّد بن عبد اللّه بن الحسن(1).
وفيهم يقول أبو الحسن الأشعري: إنّ من الرافضة من يقول: إنّ الإمام بعد أبي جعفر، محمّد بن عبد اللّه بن الحسن الخارج بالمدينة، وزعموا أنّه المهدي (2) ويظهر من العلاّمة في الخلاصة: أنّ المغيرة بن سعيد كان يدعو إلى محمّد بن عبد اللّه بن الحسن في أوّل أمره(3).
أقول:عدّ الشيخ ـ في رجاله ـ محمّد بن عبد اللّه من أصحاب الصادق ـعليه السلام ـ ، قتل سنة 145هـ بالمدينة وهو الملقّب بـ :النفس الزكيّة،وأمّا عبد اللّه بن الحسن فعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وعدّه ابن داود من أصحاب الباقر والصادق ـعليهما السّلامـ.وفي عمدة الطالب: إنّ عبد اللّه هذا هو المحض(4)، وهؤلاء من أهل بيت النبوّة ثاروا على المتغلّبين على الحقّ وقد كثرت القالة في حقّهم، وأنّهم ادّعوا الإمامة والقيادة، لكنّ

1 . البغدادي: الفرق بين الفرق: ص57 ـ 58.
2 . الأشعري: مقالات الإسلاميّين:ص30.
3 . العلاّمة الحلّي: الخلاصة:ص 261 القسم الثاني الباب الثامن عشر برقم 9.
4 . جمال الدين بن مهنّا: عمدة الطالب: ص101.

صفحه 215
القضاء القطعي يحتاج إلى استقصاء واف وهو خارج عن موضوع البحث.

5 ـ الناووسيّة:

وهم أتباع رجل من أهل البصرة يقال له فلان بن فلان الناووس، وهم يعتقدون بإمامة جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ غير أنّهم زعموا أنّه لم يمت وأنّه المهدي، ورووا عنه (عليه السلام)أنّه قال: إن جاءكم من يخبركم عنّي أنّه غسّلني وكفّنني فلا تصدّقوه فإنّي صاحبكم صاحب السيف(1).
وقال الأشعري: إنّ هؤلاء يعتقدون أنّ جعفر بن محمّد حيّ لم يمت ولا يموت حتى يظهر أمره، وهو القائم المهدي، وهذه الفرقة تسمّى الناووسيّة، لقّبوا برئيس لهم يقال له عجلان بن ناووس من أهل البصرة(2).
ويظهر من مؤلّف «الحور العين»: أنّهم نسبوا إلى قرية ناووس(3).
إنّ جماهير الشيعة قالوا بأنّ الإمام بعد جعفر الصادق هو ابنه موسى الكاظم (عليه السلام)غير أنّه في تلك المرحلة تكوّنت عدّة فرق في موضوع الإمامة بعد الإمام الصادق، و إليك الإشارة إليها:

6 ـ الإسماعيليّة:

قالت الإسماعيليّة بأنّ الإمام بعد جعفر الصادق (عليه السلام)هو ابنه إسماعيل، وافترق هؤلاء فرقتين: فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر مع اتّفاق

1 . النوبختي: فرق الشيعة :ص67.
2 . البغدادي: الفرق بين الفرق: ص61، والأشعري: مقالات الإسلاميّين: ص25.
3 . سعيد بن نشوان الحميري: الحور العين ص162، ولاحظ المامقاني: مقباسالهداية: ص141.

صفحه 216
أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه.
قال النوبختي: «الإسماعيليّة»: فرقة زعمت أنّ الإمام بعد جعفر بن محمّد، ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس لأنّه خاف ]عليه[ فغيّبه عنهم، وزعموا أنّ إسماعيل لا يموت حتّى يملك الأرض ويقوم بأمر الناس، وأنّه هو القائم، لأنّ أباه أشار إليه بالإمامة بعده وقلّد ذلك له، وأخبرهم أنّه صاحبه، والإمام لا يقول إلاّ الحقّ، فلمّا ظهر موته علمنا أنّه قد صدق، وأنّه القائم، وأنّه لم يمت، وهذه الفرقة هي: الإسماعيليّة الخالصة(1).
وفرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر حفيده محمّد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إنّ جعفراً نصّب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلمّا مات إسماعيل في حياة أبيه علمنا أنّه إنّما نصّب ابنه إسماعيل للدّلالة على إمامة ابنه محمّد بن إسماعيل، وإلى هذا القول مالت الباطنيّة من الإسماعيليّة(2) وهم القرامطة.

7 ـ السميطيّة:

وهم القائلون: إنّ الإمام بعد جعفر، محمّد بن جعفر ثمّ هي في ولده من بعده، وهم السميطيّة، نسبوا إلى رئيس لهم يقال له: يحيى بن أبي سميط(3).

1 . النوبختي: فرق الشيعة :ص68.
2 . البغدادي : الفَرق بين الفِرق: ص62 ـ 63، والأشعري: مقالات الإسلاميّين: ص26 ـ 27 وأضاف أنّ هذا الصنف يدعون المباركيّة.
3 . الأشعري: مقالات الاسلامّيين: ص 27، والبغدادي: الفرق بين الفرق:ص61، والمامقاني: مقباس الهداية :ص141.

صفحه 217

8 ـ الفطحيّة:

وهم القائلون بإمامة الأئمّة الإثنى عشر مع عبد اللّه بن الأفطح بن الصادق (عليه السلام)يدخلونه بين أبيه وأخيه (الإمام الكاظم)، وعن الشهيد ـرحمه اللّهـ : إنّهم يدخلونه بين الكاظم والرضا (عليهما السلام)، وقد كان أفطح الرأس، وقيل أفطح الرجلين، وإنّما دخلت عليهم الشبهة لما رووا عن الأئمّة: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام، ثمّ منهم من رجع عن القول بإمامته لمّا امتحنوه بمسائل من الحلال والحرام ولم يكن عنده جواب، ولمّا ظهرت منه الأشياء التي لا تنبغي أن تظهر من الإمام، ثم إنّ عبد اللّه مات بعد أبيه بسبعين يوماً، فرجع الباقون ـ الشذّاذ منهم ـ عن القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن موسى (عليه السلام)وبقي شذّاذ منهم على القول بإمامته، وبعد أن مات قالوا بإمامة أبي الحسن موسى (عليه السلام)(1).
وقد أسماهم أبو الحسن الأشعري بـ:العمّاريّة وقال: وأصحاب هذه المقالة منسوبون إلى زعيم منهم يسمّى: عمّاراً (2)، ولعلّ المراد منه هو: عمّار بن موسى الساباطي من رؤساء الفطحيّة. قال الشيخ الطوسي: عمّار بن موسى الساباطي وكان فطحيّاً له كتاب كبير جيّد معتمد(3).

9 ـ الواقفيّة:

وهم الذين وقفوا على الإمام الكاظم (عليه السلام)،وربّما يطلق عليهم

1 . النوبختي: فرق الشيعة :ص88 ـ 89.
2 . عبد اللّه المامقاني: مقباس الهداية: ص141.
3 . الأشعري: مقالات الإسلاميّين: ص28، عبد اللّه المامقاني: تنقيح المقال: 2/319.

صفحه 218
«الممطورة»، وإنّما وقفوا على الكاظم بزعم أنّه القائم المنتظر.
قال النوبختي: إنّ وجوه أصحاب أبي عبد اللّه ثبتوا على إمامة موسى ابن جعفر ـ عليهما السّلامـ، حتّى رجع إلى مقالتهم عامّة من كان يقول بإمامة عبد اللّهبن جعفر (الفطحيّة)، فاجتمعوا جميعاً على إمامة موسى بن جعفر، ثمّ إنّ جماعة من المؤمنين بموسى بن جعفر بعد ما مات في حبس الرشيد صاروا خمس فرق، فمن قال مات ورفعه اللّه إليه وأنّه يردّه عند قيامه، فسمّوا هؤلاء: الواقفيّة(1).
وقد كان بدء الواقفة انّه اجتمع عند بعض الشيعة ثلاثون ألف دينار زكاة أموالهم وما كان يجب عليهم فيها، فحمّلوها إلى وكيلين لموسى الكاظم (عليه السلام)أحدهما: حيّان السراج و آخر كان معه، وكان موسى الكاظم (عليه السلام)في الحبس، فاتّخذوا بذلك دوراً وعقاراً واشتروا الغلاّت، فلمّا مات موسى وانتهى الخبر إليهما أنكرا موته، وأذاعا في الشيعة أنّه لايموت لأنّه القائم، فاعتمدت عليهما طائفة من الشيعة، وانتشر قولهما في الناس، حتّى كان عند موتهما أوصيا بدفع المال إلى ورثة موسى الكاظم(عليه السلام)، واستبان للشيعة أنّهما قالا ذلك حرصاً على المال(2).
وقال الأشعري: هذا الصنف يدعون الواقفة لأنّهم وقفوا على موسى ابن جعفر ولم يجاوزوه إلى غيره، وبعض مخالفي هذه الفرقة يدعوهم بالممطورة، وذلك أنّ رجلاً منهم ناظر يونس بن عبد الرحمان فقال له يونس: أنتم أهون عليّ من الكلاب الممطورة، فلزمهم هذا النبز. ورّبما يطلق عليهم:

1 . النوبختي: فرق الشيعة :ص89 ـ 91.
2 . الكشّي: الرجال :390 برقم 329.

صفحه 219
الموسويّة(1).

10 ـ الخطّابيّة:

وهم أتباع محمّد بن مقلاص، أبو زينب الأسدي الكوفي يكنّى أبا إسماعيل، وأبا ظبيان، وأبا الخطّاب، كان من أصحاب الصادق (عليه السلام)مستقيماً في أمره، ثمّ ادّعى القبائح وما يستوجب الطرد واللعن من دعوى النبوّة وغيرها، واجتمع معه بعض الأشقياء، فاطّلع الناس على مقالاتهم فقتلوه مع تابعيه، والخطّابيّة منسوبون إليه، وقد ورد الذمّ في حقّه كثيراً .
روى الكشّي عن إبراهيم بن أبي أُسامة، قال: قال رجل لأبي عبد اللّه ـعليه السلامـ اُؤخّر المغرب حتّى تستبين النجوم؟ فقال: خطّابيّة؟! إنّ جبرئيل أنزلها على رسول اللّه حين سقط القرص(2).
قال الشهرستاني: إنّ أبا الخطّاب عزى نفسه إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق ـ عليه السلام ـ ، ولمّا وقف الصادق على غلوّه الباطل في حقّه تبرّأ منه ولعنه وأمر أصحابه بالبراءة منه، وشدّد القول في ذلك، وبالغ في التبرّي منه واللعن عليه، فلمّا اعتزل عنه ادّعى الإمامة لنفسه.(3) ثمّ ذكر قسماً من آرائه الفاسدة والفرق المنتمية إليه.

1 . الأشعري: مقالات الإسلاميّين:ص 28 ـ 29، والبغدادي: الفَرق بين الفِرق: ص63.
2 . الكشّي: الرجال:ص 246 برقم 135 ، المامقاني: تنقيح المقال:3/189، برقم 11393، وقد جمع الروايات الواردة في ذمّه في كتابه.
3 . الشهرستاني: الملل والنحل: 1/179 ـ 181.

صفحه 220

11 ـ النصيريّة:

وهم أصحاب محمّد بن نصير الفهري ـ لعنه اللّه ـ، كان يعتقد بربوبيّة عليّ بن محمّد العسكري (عليه السلام)وأباح المحارم.
وعن الكشي: إنّهم قالوا بنبوّة محمّد بن نصير الفهري النميري، لكنّ المعروف عند الشيعة إطلاق النصيري على من قال بربوبيّة علي (عليه السلام).

12 ـ الغلاة:

وهم الذين غالوا في حقّ النبيّ وآله و أخرجوهم من حدود الخليقة، والمغيريّة، والخطّابيّة، والنصيريّة من هذا الصنف، ثمّ إنّ لهم أصنافاً أُخرى قد أكل عليهم الدهر وشرب، وقد ذكر الشهرستاني أسماءهم وعقائدهم(1) ومنهم:

المفوّضة:

وهم من أصناف الغلاة، وللتفويض معان، وعليه فللمفوّضة أصناف ذكرنا تفصيلها في كتاب «كلّيّات في علم الرجال»فراجعه(2).
***
هذه فرق الشيعة التي ذكرها أصحاب المقالات والفرق، وقد انقرضت أكثرها وبادت وتشتّت آراؤها وطويت في سجل الزمان، وصارت في خبر

1 . الشهرستاني: الملل والنحل: 1/174 ـ 190.
2 . جعفر السبحاني: كلّيات في علم الرجال: ص419.

صفحه 221
كان، ولم يبق منها إلاّ ثلاث: الإماميّة ، والزيديّة، والإسماعيليّة.
فعلى تقدير وجود شيء من هذه الفرق، فالشيعة الإماميّة الإثنا عشريّة التي تُمثّل الشيعة بتمام معنى الكلمة، تكفّر كثيراً من هذه الفرق وتردّآراء الباقين، فلا يصحّ أخذ الشيعة الإماميّة ب آراء غيرهم، فمن الجناية على العلم والدين شنّ الغارة على الشيعة الإماميّة ب آراء سائر الفرق خصوصاً الهالكة والبائدة التي لم يبق منها أثر ولا تبع، فكأنّ الشيعة تترنّم بقول الشاعر:
غيري جنى و أنا المعاقبُ فيكم *** فكــأنّنــي سبّــابــةُ المتنــدّمِ
على أنّ السابر في تاريخ الملل والنحل ربّما يتردّد في وجود أتباع لبعض هذه الأسماء، ولعلّ أتباع بعض هذه الفرق لم يتجاوز عدد الأصابع، ولم تكن لبعضهم دولة إلاّ بضع ليال وأيّام، فغاب نجمهم المنحوس، ولكنّ أصحاب المقالات كبّروها وأضفوا عليهما صبغة فرق مستقلّة كان لهم دعاة وأتباع في الأجيال والأزمان.

صفحه 222

صفحه 223

الفصل الثامن :

في كيفيّة تحمّل الحديث وطرق نقله

1 ـ السماع من الشيخ.
2 ـ القراءة على الشيخ.
3 ـ الإجازة مشافهة وكتابة.
4 ـ المناولة.
5 ـ الكتابة.
6 ـ الإعلام.
7 ـ الإيصاء.
8 ـ الوجادة.

أقسام الكتب الروائيّة:

1 ـ الجامع،
2. المسند،
3. المعجم،
4. المستدرك،
5. المستخرج،
6. والجزء.
الكتب الحديثيّة لدى أهل السنّة والشيعة،
ألقاب المحدّثين كالمسنِد، والمحدِّث، والحافظ، والحاكم.
استجازة المؤلف من مشايخه ونقل إجازة شيخه العلاّمة الطهراني.

صفحه 224

صفحه 225

الفصل الثامن :

في كيفيّة تحمّل الحديث وطرق نقله

لابدّ لراوي الحديث من مستند يصحّ من جهته رواية الحديث، فهو إمّا أن يروي عن المعصوم ـ مباشرة ـ قوله أو فعله أو تقريره، فلا كلام فيه، وإمّا أن يروي عن الراوي، فله وجوه ثمانية ندرج أسماءها إجمالاً ثمّ نفسّرها:
1 ـ السماع من الشيخ.
2 ـ القراءة على الشيخ.
3 ـ الإجازة مشافهة وكتابة.
4 ـ المناولة.
5 ـ الكتابة.
6 ـ الإعلام.
7 ـ الإيصاء.
8 ـ الوجادة (1).
وإليك تبيين مفاهيمها:
الأوّل:سماع لفظ الشيخ من حفظه أو كتابه، ويطلق عليه الإملاء، وهو

1 . النووي: التقريب والتيسير :2/8. قال: ومجامعها ثمانية أقسام...

صفحه 226
أرفع الأقسام، لأنّ الشيخ أعرف بوجوه تأدية الحديث، والسامع أوعى قلباً وأربط جأشاً، وشغل القلب وتوزّع الفكر إلى القارئ أسرع. روي عن عبد اللّه ابن سنان بسند صحيح، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ: يجيئني القوم فيسمعون عنّي حديثكم فأضجر ولا أقوى.
قال: فاقرأ عليهم من أوّله حديثاً ومن وسطه حديثاً ومن آخره حديثاً(1).
ولعلّ مراد الإمام: فاقرأ من أوّل كتاب الحديث حديثاً، ومن وسطه حديثاً ومن آخره حديثاً، حتّى يصحّ لهم النقل منك، فعدوله (عليه السلام)إلى هذا النحو من القراءة يدلّ على أولويّته على قراءة الراوي، وإلاّ لأمر بها(2).

ثمّ إنّ هذا القسم على وجوه:

1 ـ أن يقرأه الشيخ من كتاب مصحّح على خصوص الراوي عنه، بأن يكون هو المخاطب الملقى إليه الكلام.
2 ـ قراءته منه مع كون الراوي أحد المخاطبين.
3 ـ قراءته منه مع كون الخطاب إلى غير الراوي عنه، فيكون الراوي عنه مستمعاً.
4، 5، 6 ـ ما ذكر آنفاً مع كون قراءته من حفظه.
الثاني: القراءة على الشيخ، ويسمّيها أكثر المحدّثين: عرضاً، لأنّ

1 . الكليني: الكافي: 1/52: كتاب العلم، الباب 17 الحديث 5.
2 . ذكر المحقّق ا لقمّي في قوانينه :1/488 أنّ في دلالة الرواية على المدّعى تأمّل ظاهر، وتبعه المامقاني في مقباس الهداية: ص161 فلاحظ.

صفحه 227
القارئ يعرض الرواية على الشيخ،ويشترط في كفايته أن يكون السكوت سائداً على المجلس مع توجّه الشيخ إلى القراءة، على وجه تشهد القرائن الحاليّة برضاه بالحديث، ويعبّر عنه في مقام النقل: «قرأت على فلان فأقرّ به واعترف»، وربّما يقال: «حدّثنا أو أخبرنا فلان قراءة عليه»، ولا يصحّ التعبير بـ «حدّثنا» بلا ضمّ قراءة عليه، وأمّا فائدة القراءة على الشيخ فمعلومة، إذ بها يعرف الصحيح من المصحّف وهكذا....
الثالث: الإجازة: وهي مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية أو الحرث، تقول استجزته فأجازني: إذا سقاك ماء لماشيتك أو أرضك، وهكذا طالب العلم يستجيز الحديث فيجيزه نقله، فعلى هذا يجوز أن يقول: أخبرتُ فلاناً مسموعاتي، أو أجزت له رواية مسموعاتي، أو أجزت الكتاب الفلاني.

وهي على أقسام:

1 ـ أن يجيز معيّناً لمعيّن، كما إذا قال: أجزتك كتاب الكافي.
2 ـ أن يجيز معيّناً غير معيّن، كما إذا قال: أجزتك مسموعاتي.
3 ـ أن يجيز معيّناً لغير معيّن، كما إذا قال: أجزت رواية هذا الحديث لأهل زماني.
4 ـ إجـازة غيـر معيّن لغير معيّن، كما إذا قال: أجزت كلّ أحد مسموعاتي.
وله أقسام اُخرى لا يهمّنا ذكرها.
قال المحقّق القمّي: وإنّما تظهر فائدة الإجازة في ]إثبات[ صحّة الأصل الخاصّ المعيّن، وحصول الاعتماد عليه، أو ما لم يثبت تواترها من

صفحه 228
المروي عنه، وإلاّ فلا فائدة فيها في المتواترات كمطلق الكتب الأربعة عن مؤلّفيها. نعم يحصل بها اتّصال سلسلة الإسناد إلى المعصوم، وذلك أمر مطلوب للتيمّن والتبرّك(1).
الرابع: المناولة، وهي ضربان: مقرونة بالإجازة، ومجرّدة عنها.
فالأوّل: كما إذا دفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو مقابلاته ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان، فاروه عنّي، أو أجزت لك روايته عنّي، ثمّ يملكه أو يجيز نسخه، وهذه هي المناولة مقرونة بالإجازة.
وأمّا الثاني: فكما إذا ناوله الكتاب مقتصراً على قوله: هذا سماعي من فلان. وهل يجوز حينئذ رواية هذا القسم عنه أو لا ؟ فيه خلاف، والظاهر جواز الرواية لحصول العلم بكونها مرويّةً عنه مع إشعارها بالإذن له في الرواية، ويؤيّده ما رواه محمّد بن يعقوب بإسناده عن أحمد بن عمر الخلاّل، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول: إروه عنّي، يجوز لي أن أرويه؟ قال: فقال ـ عليه السلامـ: إذا علمت أنّ الكتاب له، فاروه عنه(2).
الخامس: المكاتبة: وهي أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطّه أو يأمر ثقة بكتابته، وهي ضربان: مجرّدة عن الإجازة، ومقرونة بها، كما إذا كتب للراوي: أجزتك ما كتبت إليك، والظاهر جواز الرواية بشرط معرفة الخطّ والأمن من التزوير حتّى وإن خلا عن ذكر الإجازة.
السادس: الإعلام،وهو أن يعلم الشيخ الطالب أنّ هذا الحديث أو

1 . القمّي: القوانين: 1/489.
2 . الكليني: الكافي: 1/52.

صفحه 229
الكتاب سماعه مقتصراً عليه، والظاهر جواز الرواية عنه تنزيلاً له منزلة القراءة على الشيخ، و ما سبق من الرواية يؤيّد جواز الرواية به، وهو أشبه بالقسم الرابع غير أنّه لا مناولة فيه.
السابع: أن يوصي عند سفره أو موته بكتاب يروي عنه فلان بعد موته، وقد جوّز بعض السلف للموصى له روايته عنه، لأنّ فيه نوعاً من الإذن وشبهاً إلى العرض والمناولة.
الثامن: الوجادة، وهي مصدر «وَجَدَ» وهو أن يقف الانسان على أحاديث بخطّ راويها معاصراً كان له أو لا، فلا يجوز له أن يروي عنه إلاّ أن يقول: وجدت أو قرأت بخطّ فلان، أو في كتابه، ويجوز العمل به عند حصول الوثوق بأنّ الكتاب بخطّه أو أنّ الكتاب المطبوع من تأليفه، وقد قلّت العناية بالطرق السابقة، واكتفى القوم بالطريق الثامن، و لعلّ لهذا التساهل علّة طبيعيّة.
قال الدكتور صبحي الصالح: «أخذت الرحلة في طلب الحديث تضعف شيئاً فشيئاً، وبات الرحّالون أنفسهم لا يستطيعون أن يعوّلوا على المشافهة والتلقّي المباشر، فقد يضربون أكباد المطيّ إلى إمام عظيم حتّى إذا أصبحوا تلقاء وجهه قنعوا منه بكتاب يعرضونه عليه أو بإجازة يخصّهم بها، أو بأجزاء حديثيّة يناولهم إيّاها، مع إذنه لهم بروايتها، وقد يتطوّع هذا الإمام نفسه بإعلامهم بمرويّاته أو الوصيّة لهم ببعض مكتوباته، فيتلقّفونها تلقّفاً، ويروونها مطمئنّين، كما لو كان صاحبها قد أجازهم بها بعبارة صريحة لا لبس فيها ولا إبهام.
بل لقد أمسى المتأخّرون لا يجدون حاجة للرحلة ولا لتحمّل مشاقّها

صفحه 230
مذ أصبح حقّاً لهم ولغيرهم أن يرووا كل ما يجدون من الكتب والمخطوطات سواء ألقوا أصحابها أم لم يلقوهم»(1).
روى محمّد بن الحسن بن أبي خالد قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه ـ عليهما السّلامـ وكانت التقيّة شديدة، فكتبوا كتبهم، فلم نرو عنهم، فلمّا ماتوا صارت الكتب إلينا. فقال: حدّثوا بها فإنّها حقّ (2).
***
وقد استدلّ العماد بن الكثير للعمل بالوجادة بقولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ في الحديث الصحيح ـ: «أيّ الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربّهم؟ قالوا: فالأنبياء، فقال: كيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن، قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول اللّه؟ قال: قوم يأتون بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بها».
فاستدلّ بهذا الحديث على مدح من عمل بالكتب المتقدّمة بمجرّد الوجادة(3).
ولا يخفى ضعف الاستدلال، فإنّ الاستدلال بها يتوقّف على صحّة العمل بالرواية بمجرّد الوجادة، مع أنّ الكبرى لا تثبت بهذه الرواية إلاّ أن تصل إلينا هذه الرواية بطريق الإسناد، وهو غير ثابت، أضف إلى ذلك أنّ الميزان في جواز العمل هو ثقة المكلّف بالحديث، فلو وجد ذلك الملاك في

1 . صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه: ص84.
2 . الكليني: الكافي: 1/53.
3 . ابن كثير: التفسير: 1/74 ـ 75، السيوطي: تدريب الراوي:2/60.

صفحه 231
الوجادة لكفى في العمل، ولا يحتاج في إثبات الجواز إلى تجشّم الاستدلال بهذا الحديث.
ثم إنّ القوم ذكروا لتحمّل الحديث آداباً وشرائط، وأطنبوا الكلام فيها، كما ذكروا آداب كتابة الحديث، وقد استغنى المحدّث عن الثاني في هذا الزمان بظهور صناعة الطباعة، فمن أراد التفصيل في المجالين فليرجع إلى الكتب المبسوطة(1).

خاتمة المطاف:

نذكر فيها أُموراً:
1 ـ الجامع، المسند، المعجم، المستدرك، المستخرج، والجزء.
ربّما يقف الإنسان في التعريف بالكتب الروائيّة على التوصيفات المذكورة، فنقول:
1 ـ الجامع من كتب الحديث: هو ما يشتمل على جميع أبواب الحديث التي اصطلحوا على أنّها ثمانية وهي: باب العقائد، باب الأحكام، باب الرقاق،باب آداب الطعام والشراب، باب التفسير والتاريخ والسير، باب السفر والقيام والعقود (ويسمّى باب الشمائل أيضاً)، باب الفتن، وأخيراً باب المناقب والمثالب، فالكتاب المشتمل على هذه الأبواب الثمانية يسمّى جامعاً، كجامع البخاري وجامع الترمذي.

1 . زين الدّين العاملي: الرعاية في علم الدراية: ص261، العاملي ـ بهاء الدّين ـ: الوجيزة: ص6، حسين بن عبد الصمد: وصول الأخيار إلى أُصول ا لأخبار: ص126.

صفحه 232
2 ـ المسند: وهو ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة على حروف التهجّي، وأحياناً حسب السوابق الإسلامية، أو تبعاً للأنساب، منها مسند أبي داود الطيالسي المتوفّى سنة 204هـ، وهو أوّل من ألّف في المسانيد(1)، وأوفى تلك المسانيد وأوثقها مسند أحمد بن حنبل، وفيه أحاديث صحيحة كثيرة لم تخرج في الكتب الستّة، وقد جمعه من أكثر من 000,750 حديث.
3 ـ المعجم: وهو ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة حسب السوابق الإسلامية أو الشيوخ أو البلدان، وأشهر المعاجم: معجم الطبراني الكبير والمتوسط والصغير.
4 ـ والمستدرك: وهو ما استدرك فيه ما فات المؤلّف في كتابه على شرطه، وأشهـرهـا مستـدرك الحـاكـم النيسابـوري علـى الصحيـحيـن، علـى شرطـي البخاري(المعاصرة والسماع).
5 ـ المستخرج: وهو أن يأتي المصنّف إلى الكتاب فيخرج أحاديثه بأحاديث نفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه، من ذلك مستخرج أبي بكر الإسماعيلي على البخاري، ومستخرج أبي عوانة على مسلم، ومستخرج أبي علي الطوسي على الترمذي، ومستخرج محمّد بن عبد الملك على سنن أبي داود.
قال النووي: الكتب المخرّجة على الصحيحين لم يلتزم فيها موافقتها في الألفاظ، فحصل فيها تفاوت في اللفظ والمعنى(2).

1 . السيوطي: تدريب الراوي: 1/140 نقلاً عن العراقي.
2 . التقريب والتيسير:1/84.

صفحه 233
6 ـ الجزء: وهو عندهم تأليف الأحاديث المرويّة عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم كجزء أبي بكر، أو الأحاديث المتعلّقة بمطلب من المطالب كجزء في قيام الليل للمروزي، وجزء في صلاة الضحى للسيوطي(1).
قال النووي: وللعلماء في تصنيف الحديث طريقان:
أجودهما تصنيفه على الأبواب; فيذكر في كلّ باب ما حضره فيه.
والثانية تصنيفه على المسانيد، فيجمع في ترجمة كلّ صحابي ما عنده من حديثه: صحيحه وضعيفه، على هذا له أن يرتّبه على الحروف، أو على القبائل، فيبدأ ببني هاشم ثمّ بالأقرب فالأقرب نسباً إلى رسول اللّه، أو على السوابق فبالعشرة، ثمّ أهل بدر، ثمّ الحديبيّة،ثمّ المهاجرين، ثمّ بينها وبين الفتح، ثمّ أصاغر الصحابة، ثمّ النساء بدءاً بأُمّهات المؤمنين... ويجمعون أيضاً أحاديث الشيوخ كلّ شيخ على انفراده كمالك وسفيان وغيرهما(2).
***

2 ـ الكتب الحديثيّة لدى أهل السنّة:

قد ذكرنا الكتب المعتمدة لدى الشيعة في كتابنا «كلّيّات في علم الرجال» ولا نعيد، وأمّا ما هو المعتمد لدى السنّة ففي الدرجة الاُولى: الصحاح، وهي تشمل الكتب الستّة: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه إلاّ أنّ العلماء اختلفوا في ابن ماجة، فجعلوا الكتاب السادس موطّأ الإمام مالك، كما قال رزين وابن الأثير، أو مسند

1 . صبحي صالح : علوم الحديث ومصطلحه: ص305 ـ 308.
2 . التقريب والتيسير:2 /104 ـ 142 مع شرح السيوطي له.

صفحه 234
الدارمي كما قال ابن حجر العسقلاني، وعلى ذلك فمن الواضح أنّ عبارة «الكتب الخمسة»: تصدق على كتب الأئمّة الذين ذكروا قبل ابن ماجة، فإذا قرأنا في ذيل بعض الأحاديث مثل هذه العبارة: «رواه الخمسة» فمعنى ذلك أنّ البخاري ومسلماً وأبا داود والترمذي والنسائي قد اتّفقوا جميعاً على رواية هذا الحديث.
وعبارة الصحيح تطلق على كتابي البخاري ومسلم، ويقال في الحديث الذي روياه: «رواه الشيخان» وإنّما سمّيت الكتب الستّة بالصحاح على سبيل التغليب، فإنّ كتب «السنن» الأربعة للترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجة هي دون الصحيحين منزلة، وأقل منهما دقّة وضبطاً.
ثمّ إنّ الصحيح لدى البخاري ومسلم بمعنى واحد، وهو الحديث المسند الذي يتّصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط حتّى ينتهي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)،غير أنّ البخاري اشترط في اخراجه الحديث شرطين:
أحدهما: معاصرة الراوي لشيخه.
والثاني: ثبوت سماعه، بينما اكتفى مسلم بمجرّد شرط المعاصرة(1).

3 ـ ألقاب المحدّثين:

أطلق العلماء على الرحّالين في طلب الحديث ألقاباً مختلفة تبعاً لنشاطهم في الرّحلة والتجوال، وأشهر الألقاب التي نبّهوا على التمييز بينها ثلاثة: المسنِد والمحدِّث والحافظ. وربّما يطلق على من لم تكن له رحلة في الحديث و إنّما أخذ الحديث في موطنه عن المشايخ.

1 . صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه: ص299 ـ 301.

صفحه 235
فالمسنِد: هو من يروي الحديث بإسناده، سواء أكان عنده علم به أم ليس له إلاّ مجرّد روايته.
والمحدِّث: أرفع منه، بحيث عرف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال، والعالي والنازل، و حفظ مع ذلك جملة وافرة من المتون، وسمع الكتب الستّة، ومسند أحمد وسنن البيهقي و معجم الطبراني.
والحافظ: أعلى درجة وأرفعهم مقاماً، فمن صفاته أن يكون عارفاً بسنن رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، بصيراً بطرقها، مميّزاً لأسانيدها، يحفظ منها ما أجمع أهل المعرفة على صحّته، وما اختلفوا فيه للاجتهاد في حال نقله، يعرف فرق ما بين قولهم: فلان حجّة وفلان ثقة، ومقبول، ووسط، ولا بأس به، وصدوق، وصالح، وشيخ، وليّن، وضعيف، ومتروك، وذاهب الحديث، إلى غير ذلك من الأُمور التي توجب بصيرة في معرفة الحديث، ومن العلماء من يقول: العدد المحفوظ من الحديث الذي يستحق جامعه أن يسمّى حافظاً هو أن يحفظ 000,500 حديث، ورأى بعضهم أنّ الحدّ الأدنى ينبغي أن لا يقلّ عن 000,20، إلى غير ذلك من الأقوال، هنا و في تعريف الثلاثة.
وقال فتح الدين بن سيّد ا لناس: يلاحظ أنّ هذه القضيّة نسبيّة، وأنّ لكلّ زمن اصطلاحاً وتحديداً، فيقول: أمّا ما يحكى عن بعض المتقدّمين من قولهم: كنّا لا نعدّ صاحب حديث من لم يكتب 000,20 حديث في الإملاء، فذلك بحسب أزمنته(1).
4 ـ إنّ طروء التصحيف على كتب الأخبار، وحصول الاضطراب في

1 . صبحي الصالح: علوم الحديث ومصطلحه:ص70 ـ 75 بتلخيص، السيوطي: تدريب الراوي:1/26.

صفحه 236
الأسناد والمتون ـ بلا فرق بين الكتب الأربعة وغيرها ـ إنّما هو لأجل اندراس علم الحديث في العصور الأخيرة على الوجه المألوف بين القدماء، فإنّهم كانوا يصرفون أعمارهم في قراءة الحديث اُستاذاً وتلميذاً، وفي ظلّ ذلك كانوا يتقنون سند الكتاب ومتنه، ويجيدون نقل صحيحه و عليله، ولكن ياللأسف، إنّ هذه الطريقة فقدت مكانتها بعد عصر الشهيد الأوّل، واكتفى العلماء في نقل الحديث في عصرنا بالإجازة والوجادة من دون قراءة الكتاب على الشيخ أو قراءته عليهم، فخسر العلم وأهله من هذه الناحية خسارة كبيرة، فلا محيص عن جبر هذه الخسارة إلاّ بإحياء علم الحديث بالطريقة المألوفة، وذلك بتعيين لجان خاصّة بالحديث ودراسته و تربية جيل لمعرفة الحديث وكتبه ورجاله ودرايته معرفة تامّة بحيث لا يكون لهم شأن إلاّ دراسة الحديث سنداً ومتناً، ومقابلة وقراءة، و إعداد النسخ الصحيحة العتيقة التي قوبلت بيد العلماء المحقّقين، وهذه أُمنية كبرى لاتتحقّق إلاّ بإحياء التخصّصات في الجامعات العلميّة الشيعيّة، ومن حسن الحظ أنّ «لجنة إدارة الحوزة العلميّة» شعرت بمسؤوليّتها تجاه هذا الأمر.
5 ـ إنّ لكاتب هذه السطور إجازات من مشايخه، فقد استجزت سيّدي الأُستاذ العلاّمة آية اللّه العظمى السيّد محمّد الحجّة ـ قدّس سرّه ـ (1310 ـ 1372هـ) فأجازني بطرقه المألوفة في إجازاته، منها: روايته بالإجازة عن شيخه السيّد أبي تراب الخوانساري (ت 1346هـ) عن عمّه السيّد حسين الكوه كمرى (ت 1299هـ) عن شيخه شريف العلماء (ت 1245 هـ) عن السيّد صاحب الرياض (ت 1231هـ) بطرقه المعروفة .
واستجزت الإمام الراحل السيّد روح اللّه الخميني ـ قدّس سرّه ـ (1320 ـ

صفحه 237
1409هـ) فأجازني قائلاً بأنّه يروي ـ كتاب المستدرك ـ عن شيخه المحدّث الخبير الشيخ عبّاس القمّي (1294 ـ 1359هـ) وهو يروي عن المحدّث النوري (1254 ـ 1320هـ) مؤلّفه بطرقه المعروفة.
كما استجزت شيخي العلاّمة محمّد محسن المدعو ب آقا بزرگ الطهراني ـقدّس سرّه ـ (1293 ـ 1389هـ) فأجازني، وإليك نصّ كتابه الذي بعثه إليّ من النجف الأشرف عام 1368 هـ ق:
«الحمد للّه الذي وفّقنا لأخذ معالم ديننا عن العترة الطاهرة، بطرق صحيحة متّصلة، وأسانيد قويّة مسلسلة، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد المصطفى وعلى آله الأئمّة المعصومين أهل الصدق والوفاء، صلاة متواصلة من الآن إلى يوم اللقاء.
أمّا بعد; فإنّ الشيخ الفاضل، البارع ، الكامل، المشار إليه بالأنامل من بين الأقران والأماثل، مولانا «الميرزا جعفر بن العالم الجليل الورع التقي الشيخ محمّد حسين التبريزي الخياباني» دامت بركاتهما.
ممّن وفقه اللّه تعالى للأخذ عن العترة الطاهرة، إطاعة لما أمر به أمير المؤمنين (عليه السلام)لصاحب سرّه كميل بن زياد، فقال: «يا كميل! إنّ اللّه تعالى أدّب رسولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، وهو أدّبني و أنا اُؤدّب الناس، يا كميل! ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة، يا كميل! لا تأخذ إلاّ عنّا، تكن منّا»، وطريق الأخذ عنهم بعد ارتحالهم هو الأخذ من القرى الظاهرة الذين جعلهم اللّه تعالى واسطة بيننا وبينهم، وهم القرى المباركة المذكورة في سورة الإسراء من كتابه الكريم كما نطقت بها الأحاديث المستفيضة المرويّة في تفسير البرهان وغيره، وتلك القرى الظاهرة تتّصل بعضها ببعض، إلى أن يظهر الحجّة ـ عليه السلام ـ

صفحه 238
فوفّقه اللّه تعالى للدخول في هذه السلسلة.
فاستجاز من هذا المسيء بحسن ظنّه، ولا أرى نفسي كما ظـنّه، لكن إجابة مسؤولة دعتني إلى أن استخرت اللّه تعالى، وأجزته أن يروي عنّي جميع ما صحّت لي روايته عن جميع مشايخي من الخاصّة والعامّة بجميع طرقهم وأسانيدهم، ولكثرتها وتشتّتها نقتصر بذكر طريق واحد هو من أعالي الأسانيد، وأقواها، وأقومها، و أمتنها ، وهو ما أرويه بحقّ الإجازة العامّة عن شيخي وملاذي وأوّل من ألحقني بالمشايخ ثالث المجلسيّين الشيخ العلاّمة الحاج ميرزا حسين النوري المتوفّى والمدفون في الغري السري في (1320 هـ) فأنا أروي عنه وعن جميع مشايخه المذكورين في خاتمة المستدرك، أوّلهم: الشيخ العلاّمة ا لمرتضى الأنصاري التستري المدفون بباب القبلة من الصحن الغروي في (1281هـ) وهو يروي عن العلاّمة الأوحد المولى أحمد النراقي المدفون في النجف في (1245هـ)، وهو يروي عن أجلّ مشايخه آية اللّه السيّد محمّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي البروجردي النجفي المسكن والمدفن، في مقبرته الخاصّة الشهيرة في (1212هـ)، وهو يروي عن الشيخ الفقيه المحدّث الشيخ يوسف صاحب الحدائق المتوفّى والمدفون بالحائر الشريف الحسيني في (1186هـ)، وهو يروي عن العلاّمة المدرّس المعمّر البالغ إلى ما ئة سنة المجاور للمشهد الرضوي حيّاً وميّتاً توفّي بها (بعد سنة 1150هـ) أعني المولى محمّد رفيع بن فرج الجيلاني، وهو يروي عن شيخه العلاّمة المجلسي مؤلّف بحار الأنوار مولانا محمّد باقر المتوفّى في (1111هـ)،وهو يروي عن والده العلاّمة المولى محمّد تقي المجلسي المتوفّى في (1070هـ)، وهو

صفحه 239
يروي عن شيخه وشيخ الإسلام الشيخ بهاء الدين محمّد العاملي الاصفهاني المدفون بالمشهد الرضوي في (1030هـ)، وهو يروي عن والده الشيخ عزّ الدين الحسين بن عبد الصمد الحارثي الجبعي المتوفّى في البحرين في (984هـ)، وهو يروي عن الشيخ السعيد زين الدين العاملي الشهيد في (966هـ)، وهو يروي عن الشيخ الفقيه علي بن عبد العالي الميسي المجاز من سميّه: الكركي، وهو يروي عن الشيخ محمّد بن محمّد بن محمّد بن داود المؤذّن الجزيني ـ ابن عمّ الشهيد ـ وهويروي عن الشيخ ضياء الدين علي بن الشيخ الشهيد ـ قدّس سرّه ـ، وهو يروي عن والده الشيخ شمس الدين محمّد بن مكي العاملي الجزيني الشهيد ظلماً في (786هـ)، وهو يروي عن فخر المحقّقين الشيخ أبي طالب محمد بن الحسن الحلّي المتوفّى (771هـ)، وهو يروي عن والده آية اللّه العلاّمة الحلّي الشيخ جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي المتوفّى (727هـ)، وهو يروي عن خاله واُستاذه الشيخ أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي المتوفّى (676هـ)، وهو يروي عن الشيخ تاج الدين الحسن بن علي الدربي، وهو يروي عن الشيخ رشيد الدين محمّد بن علي بن شهر آشوب السروي المتوفّى عن ما يقرب مائة سنة (588هـ)، وهو يروي عن السيّد عماد الدين أبي الصمصام ذي الفقار بن محمّد بن معبد الحسيني، وهو يروي عن السيّد الشريف المرتضى علم الهدى المتوفّى (436هـ) وعن شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفّى (460هـ) وعن الشيخ أبي العباس المتوفّى (450هـ)، وكلّهم يروون عن الشيخ السعيد أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد المتوفّى (413هـ)، وهو يروي عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمّي المتوفّى (368هـ)، وهو يروي عن الشيخ ثقة الإسلام الكليني محمّد بن يعقوب المتوفّى (328هـ) أو (329هـ)،وهو يروي كثيراً في كتابه الكافي عن الشيخ الجليل علي بن إبراهيم

صفحه 240
ابن هاشم القمّي المتوفّي بعد سنة (307هـ) كما يظهر من إجازته لجمع ممّن يروون عنه غير الكليني في هذا التاريخ، وأكثر روايات علي بن إبراهيم عن والده إبراهيم بن هاشم القمّي، وبقية الإسناد إلى الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)مذكورة في الكتب الأربعة.
فليرو دامت بركاته عنّي بهذا الإسناد لمن شاء وأحبَّ، والرجاء من مكارمه أن يذكرني بالدعاء في خلواته وأعقاب صلواته، و أن يلازم الإحتياط في سائر الحالات فإنّه طريق النجاة.
وفي الختام نحمد اللّه تعالى على مننه، ونشكره على نعمائه، ونصلّي ونسلّم على خاتم أنبيائه وآله المعصومين الطيّبين الطّاهرين، حرّره فقير عفو ربّه المسيء المسمّى بمحسن، والمدعو ب آقابزرگ الطهراني غفر له ولوالديه، وذلك في العشرين من جمادى الآخرة 1368 هـ. ق.
***
فعلى روّاد العلم وبغاة الفضيلة أن يرووا عنّي ما صحّت لي روايته بهذه الطرق، وعلى المولى سبحانه أجرهم.
بلغ الكلام إلى هنا عشية يوم الأحد، الواحد والعشرين من شهر رمضان المبارك من عام 1411هـ، كتبه مؤلّفه جعفر السبحاني ابن الفقيه الشيخ محمد حسين السبحاني المعروف بالخياباني التبريزي ـ غفر اللّه لهما يوم الحساب ـ.
قم المشرّفة
مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 241

الفهارس

فهرس الآيات القرآنية
فهرس الرواة والأعلام
فهرس المصادر
فهرس المواضيع

صفحه 242

صفحه 243

فهرس الآيات القرآنية

السورة       الآية    الصفحة
البقــرة
قالوا أتتّخذنا هزواً قال أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين. 67    138

صفحه 244
و كلوا واشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيـط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر187    148
نساؤكم حرث لكم فأتواحرثكم أنّى شئتم223   102
آل عمران
وسيّداً وحصوراً ونبيّاً من الصالحين39   175
النساء
انّما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون ...17   138
فأولئك مع الذين أنعم اللّهعليهم من النبيّين ..69   175
ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبـيّن له الهدى115   148
الأنعام
كتب ربّكم على نفسه الرحمة أنّه من عمل منكم سوءً بجهالة54   138
الأعراف
أرجه و أخاه وأرسل في المدائن حاشرين111   196
النحل
ثمّ إنّ ربّك للّذين عملوا السوءبجهالة ثمّ تابوامن بعد ذلك..119   138
الإسراء
ولاتقف ما ليس لك به علمٌ36   140
المؤمنون
ثمّ أرسلنا رسلنا تترا كلّ ما جاء امّة رسولها كذّبوه...44   24
لقمان
وماتدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري...34   14
فاطر
أم آتيناهم كتاباً فهم على بيّنت منه 40   148
الشورى
قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّالمودّة في القربى23   203
ما كنت تدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ 52   14
الحجرات
إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا أن تصيبواقوماً بجهالة...6   137

صفحه 245

فهرس الرواة والأعلام

«حرف الألف»

آقابزرگ الطهراني: 13، 15، 237، 240.
أبان بن أبي عيّاش :145.
أبان بن تغلب:176، 187.
أبان بن عثمان: 46، 53، 54.
إبراهيم بن أبي أسامة: 219.
إبراهيم بن سلام: 163.
إبراهيم بن سليمان: 94.
إبراهيم بن عبداللّه بن الحسن: 213، 214.
إبراهيم بن هاشم: 39، 68، 166، 173، 174، 177، 240.
أُبيّ بن كعب: 123، 126.
أحمد بن أبي خلف: 144.
أحمد بن إسحاق: 142، 174.
أحمد بن إسماعيل بن سمكة(أبوعلي البجلي):183.
أحمد بن إسماعيل بن عبداللّه: 187.
أحمد بن حاتم بن ماهويه: 149.
أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن ميثم التمّار: 158.
أحمد بن الحسن بن علي بن فضال: 71.
أحمد بن الحسين بن الغضائري: 170، 180.
أحمد بن حنبل: 120، 121، 194، 200، 232.
أحمد بن عبداللّه: 145.
أحمد بن علي البلخي: 185.
أحمد بن علي بن شاذان القمي: 185.
أحمد بن عمر الخلاّل: 228.
أحمد بن الفرات: 121.
أحمد بن فهد(أبو العباس): 11.
أحمد بن محمد: 185.
أحمد بن محمد(أبو علي الجرجاني): 182.

صفحه 246
أحمد بن محمد بن أبي نصر: 44 .
أحمد بن محمد بن خالد البرقي: 92، 108 ،143 ،144 ،170، 174، 181.
أحمد بن محمد بن عيسى الأسدي: 92.
أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري: 39، 92، 165، 166، 167، 170، 174، 177، 181.
أحمد بن محمد بن عيسى القسري: 92.
أحمد بن محمد بن مطهر: 187.
أحمد بن محمد بن موسى(شاه چراغ): 186.
أحمد بن محمد بن يحيى العطار القمي: 93.
أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس: 9، 11، 40،47،118.
أحمد بن النضر: 94.
أحمد بن يحيى بن أبي نصر: 187.
أحمد بن هلال(أبو جعفر العبرتائي): 71.
أحمد النراقي: 238.
إدريس بن عبداللّه بن الحسن:213، 214.
الأستر آبادي:165.
إسحاق بن إبراهيم الحضيني: 184، 185.
إسحاق بن يعقوب:142.
إسماعيل بن الأمام جعفر الصادق: 215، 216.
إسماعيل بن عبدالرحمان الجعفي: 184.
أشعث بن قيس الكندي: 195.
إمام الحرمين: 28، 108.
أنس بن مالك: 125.
الشيخ الأنصاري: 168.
أيوب بن نوح: 180.

«حرف الباء»

البخاري: 10، 76، 112، 120، 121، 232، 233، 234.
(المحقق السيد) البروجردي: 68، 93، 140، 161.
بريد بن معاوية:76، 176.
البزنطي: 91، 176، 187.
بسطام بن الحصين بن عبد الرحمن الجعفي: 184.
بهاء الدين العاملي: 13، 14، 25، 43، 104، 105، 110، 154، 156، 238.

صفحه 247
المحقق البهبهاني: 156، 163، 165، 168.

«حرف التاء»

الترمذي: 47، 74، 76، 232، 233، 234.
التلعكبري: 185.

«حرف الثاء»

ثعلبة أبو إسحاق النحوي: 176.

«حرف الجيم»

جابر: 102.
جابر بن عبد اللّه: 125.
جبرئيل: 33، 219.
جرير بن عبد اللّه البجلي:94، 125.
جعفر بن بشير البجلي:167، 182.
جعفر بن الحسين بن يحيى بن سعيد الحلّي: 239.
جعفر بن قولويه: 69، 239.
الأمام(أبو عبداللّه) جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): 44، 68، 76، 83، 88، 89، 90، 91، 94، 109، 110، 133، 141، 143، 147، 157، 159، 166، 170، 176، 184، 187، 207، 208، 211، 212، 214، 215، 216، 217، 218، 219، 226، 230.
جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى: 180.
جعفر السبحاني:237، 240.
جلال الدين السيوطي: 102، 123، 193، 233.
الجويني: 28.

«حرف الحاء»

الحارث بن المغيرة البصري: 141.
حامد بن محمد الأزدي:145.
الحجة بن الحسن (صاحب الزمان) ـعجـ: 142، 143، 206، 212، 213، 214، 215، 218، 237.
حريز بن عبد اللّه السجستاني: 44، 94.
الحسن بن الحسين اللؤلؤي: 71.
الحسن بن زين الدين: 12، 180.
الحسن بن سعيد الأهوازي: 180، 184.
الحسن بن صالح بن حي: 211.
الحسن بن عطية:70.

صفحه 248
الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام): 83، 206، 210.
الحسن بن علي بن زياد:165.
الحسن بن علي الدربي: 239.
الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام): 44، 145، 187.
الحسن بن علي بن يقطين: 142.
الحسن بن محبوب:39، 46، 181.
الحسن بن محمد بن سماعة: 159.
الحسن بن محمد الصاغاني: 122.
الحسن بن موسى الخشاب: 158.
الحسن بن يسار البصري: 196، 197، 198.
السيد حسن الصدر: 10، 11، 13، 55.
السيد حسن صدر الدين: 13.
الحسن الماسرجسي: 127.
الحسين بن أحمد بن المغيرة:158.
الحسين بن روح:145.
الحسين بن سعيد الأهوازي: 80، 177، 180.
الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي(والد بهاء الدين العاملي):12، 57، 67، 84، 85، 104، 105، 239.
حسين بن عبيد اللّه السعدي: 44.
الحسين بن عبيد اللّه الغضائري: 177.
الأمام الحسين بن علي (عليه السلام): 83، 205، 206، 207، 210.
السيد حسين الكوه كمري: 236.
حفص بن غياث القاضي: 44، 133.
الحكم بن مسكين: 183.
العلامة الحلي: 9، 19، 40، 46، 183، 184، 185، 239.
حمدان الحضيني:178.
حمدوية: 158.
حيّان السراج: 218.

«حرف الخاء»

خالد بن عبد اللّه القسري: 213.
خالد بن نجيح:53، 54.
الخطابي: 75.

صفحه 249
الخطيب: 103.

«حرف الدال»

المحقق الداماد: 39، 111، 119.
داود بن الحصين:89، 90.
دعبل الخزاعي: 209.

«حرف الذال»

الذهبي: 11.
ذو الفقار بن محمد بن معبد الحسيني: 239.

«حرف الراء»

رزين: 233.
الامام روح اللّه الخميني: 236.

«حرف الزاي»

الزبير: 193.
زرارة: 44، 73، 76، 106، 141، 176.
زكريا بن إدريس: 187.
زكريا بن آدم: 141، 187.
الزمخشري: 75.
الزهري: 101، 115.
زياد بن مروان القندي: 164.
زياد بن المنذر(أبو الجارود): 210.
زيد: 126.
زيد بن حصين الطائي: 195.
زيد بن علي بن الحسين: 207، 208، 209.
زين الدين العاملي(الشهيد الثاني):12، 46، 49، 50، 51، 52، 57، 59، 68، 72، 74، 77، 90، 104، 105، 107، 131، 147، 153، 165، 169، 170، 175، 239.

«حرف السين»

سعد بن عبادة الخزرجي: 204.
سعد بن عبداللّه الأشعري:145، 174.
سعيد بن المسيّب:108، 125.

صفحه 250
سعيد بن جبير: 108.
سفيان بن عيينة: 115.
السكوني:133، 146.
سلمان الفارسي: 204.
سلم بن أحوز المازني: 209.
المحقق سليمان البحراني: 111.
سليمان بن جرير الزيدي: 210، 211.
سليم بن قيس العامري: 146.
سماعة بن مهران: 107، 133، 159.
سندي بن عيسى: 94.
سهل بن زياد: 171، 181.

«حرف الشين»

الإمام الشافعي:86، 203.
شريف العلماء: 236.
الشريف المرتضى: 239.

«حرف الصاد»

صالح بن محمد بن سهل الهمداني: 163.
الدكتور صبحي الصالح:229.
صفوان بن يحيى: 44، 46 ، 89، 91.

«حرف الطاء»

الطبري: 102، 213.
طلحة: 193.
الطوسي: 40، 44، 47، 77، 86، 94، 108، 109، 111، 118، 133، 134، 155، 159، 160، 161، 162، 164، 170، 173، 185، 214، 217، 239.

«حرف الظاء»

ظهير الدين بن محمد بن الحسام: 95.

«حرف العين»

عائذ الأحسي:52، 54.
عائشة: 125، 193.

صفحه 251
الشيخ عباس القمي: 237.
عبدالأعلى مولى آل سام:53، 54.
عبد الرزاق: 115.
عبد العزيز بن المهتدي: 141.
عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني: 143.
عبد القاهر البغدادي(أبو منصور): 192، 209، 213.
عبد الكريم بن أحمد بن موسى بن طاووس:9.
عبد الكريم بن هلال الجعفي: 94.
عبد اللّه بن أباض: 195.
عبد اللّه بن الأفطح ابن الأمام الصادق: 51، 217، 218.
عبد اللّه بن بكير:46، 133، 159.
عبد اللّه بن جعفر الحميري: 79، 107، 142، 174.
عبد اللّه بن الحسن بن الحسن:214.
عبد اللّه بن الزبير: 126.
عبد اللّه بن سنان:179، 182، 226.
عبداللّهبن عباس:123، 125، 126، 195.
عبد اللّه بن عمر: 103، 125، 126.
عبد اللّه بن عمرو بن العاص: 126.
عبد اللّه بن المبارك: 127.
عبد اللّه بن محمد بن الحنفية(أبوهاشم): 198، 199، 207.
عبد اللّه بن محمد الحضيني:185.
عبد اللّه بن مسعود: 126.
عبد اللّه بن مسكان:212.
عبد اللّه بن يعفور: 134، 141.
عبد اللّه الكوفي(خادم الحسين بن روح): 145.
عبد اللّه المامقاني: 14، 37، 106، 118، 155، 163، 170.
عبيد اللّه الحلبي: 44.
عثمان بن عفان: 193، 195، 211.
عثمان بن عيسى:133، 164.
عجلان بن ناووس: 215.
عكرمة: 123.
علي بن إبراهيم: 68، 69، 70، 91، 166، 239، 240.

صفحه 252
علي بن أبي حمزة: 133، 164.
الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): 10، 33، 34، 35، 37، 83، 94، 126، 133، 193، 194، 195، 198، 199، 202، 203، 204، 205، 206، 207، 210، 220، 237.
علي بن أحمد الحقيقي: 170.
علي بن اسباط بن سالم:158.
علي بن بابويه:174.
علي بن الحسن الطاطري: 44، 159، 167.
الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): 83، 146، 176، 205، 207، 211.
علي بن حشرم: 115.
علي بن ريّان: 184.
علي بن سليمان بن الجهم:182.
علي بن سويد السائي: 149.
علي بن عبد الحميد الحسيني: 11.
علي بن عبد العالي الميسي: 95، 239
علي بن الفضيل: 94.
الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام): 143،149، 220.
علي بن محمدبن عمر بن رياح: 45، 158.
علي بن محمد بن مكي العاملي: 239
علي بن المسيّب: 141.
علي بن مهزيار: 39، 44، 158، 185.
الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): 82، 108، 141، 142، 158، 164، 176، 184، 187، 212، 217، 228.
العماد بن كثير: 230.
عمار بن ياسر: 204.
عمار الساباطي: 44، 71، 217.
عمر: 75، 126.
عمر بن حنظلة: 82، 89، 90، 91.
عمر بن الخطاب:197، 211.
عمر بن زيد: 70.
عمر و بن سعيد:71.
عمر و بن عثمان: 94.
العياشي:54، 187.
عيسى بن موسى:214.

صفحه 253

«حرف الغين»

الغزالي:26، 28، 29، 32.
غياث بن إبراهيم:120.
غياث بن كلوب:133.

«حرف الفاء»

الفاضل التفريشي: 110.
فتح الدين بن سيد الناس: 235.
فخر الدين بن محمد النجفي الطريحي: 76.
الفضل بن شاذان: 44، 122، 145، 180.
الفضيل بن يسار: 44.
الفيض بن المختار: 141.

«حرف القاف»

(أبو عبيد) القاسم بن سلام:75.
القاسم بن علاء:143.
القرطبي:124.
المحقق القمي: 27، 28، 32، 35، 108، 109، 162، 163، 227.

«حرف الكاف»

المحقق الكاظمي: 93، 178.
كثير الشاعر: 206.
كثيرالنواء:211.
الكشي(أبو عمرو): 54، 91، 122، 143، 149، 158، 180، 184، 187، 212، 219، 220.
الكعبي: 28.
كميل بن زياد:237.

«حرف الميم»

مالك الأشتر: 195.
مالك بن أنس: 103، 122، 127، 233.
محفوظ بن نصر: 94.
محمد باقر المجلسي:238.
محمد بن إبراهيم الحضيني: 178.
محمد بن أبي زينب(أبوالخطاب):122.

صفحه 254
محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري: 80، 93.
محمد بن أحمد الصفواني:187.
محمد بن إسماعيل بن جعفر:216.
محمد بن إسماعيل الميمون الزعفراني: 167.
محمد بن الأصبغ: 94.
محمد بن بابويه(الصدوق): 40، 44، 46، 47، 69، 76، 77، 80، 83، 109، 110، 111.
محمد بن جعفر:216.
محمد بن الحسن بن أبي خالد المروزي: 230.
محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد: 174.
محمد بن الحسن الحر العاملي: 11.
محمد بن الحسن الحلّي: 239.
محمد بن الحسن الصفار: 174.
محمد بن الحسين:89.
محمد بن الحسين بن أبي الخطاب:94، 180.
محمد بن خالد البرقي: 108.
محمد بن سنان: 180.
محمد بن عبد الكريم الشهرستاني:192، 198، 199، 209، 219، 220.
محمد بن عبداللّه بن الحسن بن الحسن بن علي: 212، 213، 214.
محمد بن عبداللّه(رسول اللّه،النبي)(صلى الله عليه وآله وسلم): 10، 20، 32، 35، 59، 66، 67، 71، 73، 75، 77، 83، 87، 88، 102، 103، 107، 108، 110، 111، 112، 113، 120، 121، 123، 124، 125، 126، 136، 137، 139، 202، 203، 204، 205، 207، 208، 210، 212، 219، 220، 230، 233، 234، 235، 237، 240.
محمد بن عبداللّه الحافط النيسابوري(أبو عبداللّه): 10، 11، 126.
محمد بن عثمان العمري: 142، 143.
محمد بن عقيل الفريابي: 92.
محمد بن عقيل النيسابوري: 92.
الإمام محمد بن علي الباقر(أبو جعفر) عليه السلام: 73،76، 83، 144، 176، 184، 185، 187، 207، 210، 211، 212، 214، 230.
الإمام محمد بن علي الجواد(أبو جعفر الثاني) عليه السلام: 108، 158، 163، 176، 230.
محمد بن علي بن الحنيفة: 198، 199، 205، 206.
محمد بن علي الشلمغاني(ابن أبي العزاقر): 145.
محمد بن علي الفتّال النيسابوري: 157.
محمد بن علي بن محبوب: 174.
محمد بن عيسى:89، 90، 91، 142،180.

صفحه 255
محمد بن محمد بن عبد الكريم الزبيدي: 147.
محمد بن محمد بن محمد بن داود الموذن الجزيني: 239.
محمد بن مسلم: 44، 76، 88، 106، 141، 187.
محمد بن مقلاص(أبو الخطاب):219.
محمد بن مكي العاملي(الشهيد الأول): 11، 48، 50، 51، 52، 56، 236، 239.
محمد بن نصير الفهري: 220.
محمد بن الوليد: 94.
محمد بن وهبان: 170.
محمد بن يحيى: 89، 94.
محمد بن يحيى العطّار: 174.
محمد بن يعقوب الكليني:39، 54، 68، 69، 70، 77، 80، 89، 91، 142، 165، 166، 228، 239، 240.
محمد تقي التستري: 123، 163، 186.
محمد تقي المجلسي: 238.
محمد الحجّة: 236.
محمد حسين التبريزي الخياباني (والد المؤلف): 237
محمد رفيع بن فرج الجيلاني: 238.
محمد مهدي بحر العلوم:110، 177، 238.
محمود الحمصي: 170.
محمود الطباطبائي التبريزي:76.
السيد المرتضى: 28، 40، 47، 61، 94.
العلامة المرتضى الأنصاري التستري: 238.
مسروق: 126.
مسعر بن فدكي التميمي: 195.
مسلم: 10، 20، 76، 120، 232، 233، 234.
مصدق بن صدقة: 71.
معاوية بن أبي سفيان: 193، 195.
معاوية بن ميسرة: 52، 54.
معمّر: 115.
معمرة بن المثنى(أبو عبيدة): 75.
المغيرة بن سعيد: 212، 213، 214.
المفضل بن عمر: 141.
الشيخ المفيد: 69، 94، 143، 157، 177، 186، 207، 239 .

صفحه 256
المقداد بن الأسود: 204.
منصور بن حازم:88.
منصور بن يونس: 71.
المهدي بن المنصور: 120.
موسى(النبي) عليه السلام: 205.
الإمام موسى بن جعفر(أبو الحسن) ـ عليه السلام ـ 51، 91، 147، 149، 159، 164، 170، 186، 215، 217، 218.
موسى بن الحسن بن محمد المعروف بـ (ابن الكبرياء): 177.
ميرداماد، السيد المحقق: 13.
ميسر بن عبد العزيز:143.

«حرف النون»

ناصر بن إبراهيم البويهي الاحساني: 95.
النجاشي: 86، 91، 155، 156، 157، 158، 159، 160، 170، 173، 174، 176، 179، 180، 182، 184، 185، 187، 210.
النسائي: 76، 233، 234.
نصر بن سيّار: 209.
النضر بن شميل: 75.
النوبختي:192، 203، 210، 216، 218.
نوح بن أبي إبراهيم: 123.
نوح بن دراج: 133.
المحدّث النوري: 168، 172، 177، 181، 182، 237، 238.
النوفلي:146.
النووي: 34، 67، 76، 78، 86، 101، 102، 103، 117، 123، 125، 133، 232.

«حرف الهاء»

هارون (عليه السلام): 205.
هارون الرشيد: 218.
الهروي: 75.
هشام بن الحكم:212.
هشام بن عبد الملك: 208.

«حرف الواو»

واصل بن عطاء: 196، 198.
الوليد بن يزيد بن عبد الملك: 209.

صفحه 257

«حرف الياء»

يحيى بن أبي سميط: 216.
يحيى بن زيد: 208، 209.
يزيد بن خليفة: 91.
يزيد الصائغ: 122.
اليمان الجعفي: 127.
يوسف بن عمر الثقفي: 208.
الشيخ يوسف صاحب الحدائق:238.
يونس: 91، 144، 180.
يونس آل يقطين: 144.
يونس بن ظبيان: 122.
يونس بن عبد الرحمن: 44، 141، 142، 218.
يونس بن يعقوب:141

«الكنى»

ابن أبي حاتم: 171.
ابن أبي عمير: 46، 52، 53، 54، 55، 68، 70، 91، 108، 110، 111، 166.
ابن الأثير:75، 233.
ابن جريج: 112.
ابن الجوزي:74، 122.
ابن إدريس: 170.
ابن أُذينة: 68، 145، 166.
ابن إسحاق: 122، 123.
ابن حجر العسقلاني: 234.
ابن حزم الأندلسي:192.
ابن حمدان: 187.
ابن داود الحلي:9، 40، 77، 159، 214،
ابن سعد: 126.
ابن شهر آشوب: 157، 159، 239.
ابن الصلاح:10.

صفحه 258
ابن طاهر: 11.
ابن عبد البر:103.
ابن عقدة: 184.
ابن قتيبة:75، 86.
ابن ماجه: 233، 234.
ابن منظور: 147.
ابن الوليد:90.
أبو البختري الطائي: 127.
أبو بكر: 70، 204، 211.
أبو تراب الخوانساري:236.
أبوجعفر المعروف بالطحاوي المصري:194.
أبو جعفر المنصور:214.
أبو الحسن الأشعري: 192، 194، 200، 201، 207، 209، 210، 214، 215، 217، 218.
أبو الحسن المقرئ:158.
أبو الحسين البصري: 28.
أبو الحسين الرازي: 187.
أبو الحسين الملطي: 174.
أبو حمّاد الرازي:143.
أبو حمزة الثمالي: 181.
أبو حنيفة: 123.
أبو داود:232، 233، 234.
أبو الدرداء: 126.
أبوذر:20، 204.
أبو زرعة الرازي: 126.
أبو سعيد الخدري: 125.
أبو سميّة: 122.
أبو العالية الرياحي: 127.
الشيخ أبو العباس:239.
أبو العباس بن نوح: 182.
أبو علي بن همّام: 180.
أبو علي الفارسي: 187.
أبو غالب الزراري: 180.

صفحه 259
أبو الكرد الضرير: 206.
أبو موسى الأشعري: 195، 200.
أبو نمير: 184.
أبو هاشم الجعفري: 144.
أبو هريرة: 125، 126.
أبو يحيى الواسطي: 212.
أبو يعلى الجعفري: 177.

صفحه 260

فهرس المصادر

ونشير في المقام إلى المصادر التي رجعنا إليها مباشرة بعد القرآن الكريم ونهج البلاغة على ترتيب الحروف الهجائية وأشرنا إلى مؤلّفيها حسب أشهر أسمائهم:

«حرف الألف»

ابن الأثير الجزري (554 ـ 606هـ).
1 ـ جامع الاُصول، بيروت ، 1403 هـ.
2 ـ النهاية في غريب الحديث، القاهرة 1383هـ ـ 1963م.
ابن تيميّة: أحمد بن عبد الحليم (661 ـ 728هـ).
3 ـ علم الحديث، بيروت، 1405 هـ ـ 1985م.
ابن خلّكان: شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن خلّكان (608 ـ 681هـ).
4 ـ وفيات ا لأعيان، دار صادر ، بيروت، 1968م.
ابن سعد: محمّد( م 230هـ).
5 ـ الطبقات الكبرى، بيروت، دار صادر، 1380 هـ.
ابن حجر: شهاب الدين أحمد العسقلاني (م852 هـ).
6 ـ تهذيب التهذيب، بيروت، 1404هـ.
ابن شهرآشوب (488 ـ 588 هـ).
7 ـ معالم العلماء، النجف الأشرف 1380هـ ـ1961م.
8 ـ مناقب آل أبي طالب، بيروت.
ابن كثير: إسماعيل الدمشقي (م774هـ).

صفحه 261
9 ـ التفسير، دار الفكر ، بيروت، 1403 هـ.
ابن مهنا: جمال الدين أحمد بن علي( م 828 هـ).
10 ـ عمدة الطالب، النجف الأشرف، 1380هـ.
ابن منظور: محمّد بن مكرم (630 ـ 711هـ).
11 ـ لسان العرب، بيروت، 1408هـ.
أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (202 ـ 275هـ).
12 ـ السنن (أحد الصحاح الستّة)، دار احياء السنّة النبويّة ، بيروت.
أبو نعيم: أحمد بن عبد اللّه الاصفهاني (م 430هـ).
13 ـ حلية الأولياء، دار الفكر ، بيروت.
الأشعري: أبو الحسن (260 ـ 324 هـ).
14 ـ الابانة عن اُصول الديانة، الجامعة الإسلامية، المدينة المنوّرة، 1970م.
15 ـ مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين، المانيا، 1400 هـ.
الأصفهاني: محمّد حسين صاحب الفصول (م1261 أو 1254هـ).
16 ـ الفصول الغروية في الفصول الفقهية، الطبعة الحجرية، تبريز ، 1305هـ.
آقا بزرگ ـ الطهراني (1293 ـ 1389 هـ).
17 ـ الأنوار الساطعة في المائة السابعة، .......،....
18 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة،دار الأضواء، بيروت.
الافندي: عبد اللّه..
19 ـ رياض العلماء وحياض الفضلاء، قم، 1401 هـ.
الأميني: عبد الحسين (1320 ـ 1390 هـ).
20 ـ الغدير ، بيروت، 1387هـ.

«حرف الباء»

بحر العلوم: ا لسيّد محمّد مهدي النجفي (1157 ـ 1212 هـ).
21 ـ الرجال، النجف الأشرف، 1385هـ.

صفحه 262
البروجردي: السيّد حسين ]المرجع الاكبر[ (1292 ـ 1380هـ).
22 ـ جامع أحاديث الشيعة، قم، 1399 هـ.
البرقي: أحمدبن محمد بن خالد (م 274 هـ).
23 ـ المحاسن، طهران.
البغدادي: أبو منصور، عبد القاهر ( م 429هـ).
24 ـ الفرق بين الفرق، دار المعرفة، بيروت، تحقيق محمّد محيى الدين.
بهاء الدين العاملي (953 ـ 1030 هـ).
25 ـ مشرق الشمسين، طهران، 1321هـ.
26 ـ الوجيزة في الدراية، طهران، 1321هـ.

«حرف التاء»

التستري: محمّد تقي (1320هـ ـ المعاصر).
27 ـ قاموس الرجال،طهران ،1397هـ.

«حرف الحاء»

الحرّ العاملي: محمّد بن الحسن (1033 ـ 1104هـ).
28 ـ وسائل الشيعة، دار احياء التراث العربي، بيروت ، 1403 هـ.
الحسن بن زين الدين (صاحب المعالم) (959 ـ 1011هـ).
29 ـ معالم الدين (مقدّمة الكتاب في الاُصول)، طهران، 1273هـ.
30 ـ منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان، طهران .
الحسين بن عبدالصمد العاملي،والد الشيخ بهاء الدين العاملي(918ـ984هـ)
31 ـ وصول الاخيار إلى اُصول الأخبار،قم، 1401هـ.

«حرف الخاء»

الخطيب القزويني: محمّد بن عبد الرحمن (666 ـ 729هـ).

صفحه 263
32 ـ تلخيص المفتاح، متن كتاب المختصر لسعد الدين التفتازاني، طبعة حجر.
الخوانساري: محمّد باقر (م 1313 هـ).
33 ـ روضات الجنّات، طهران، 1390 هـ.
الخوئي: السيّد أبو القاسم الموسوي، الزعيم الديني الكبير(1317ـ 1413هـ).
34 ـ معجم رجال الحديث، 23 جزء،بيروت، 1403هـ.

«حرف الذال»

الذهبي: أبو عبد اللّه شمس الدين ( م 748 هـ).
35 ـ تذكرة الحفاظ. بيروت، دار احياء التراث العربي، 1374 هـ.

«حرف الزاي»

الزبيدي: محمّد بن محمد عبد الرزّاق (1145 ـ 1205هـ).
36 ـ تاج العروس في شرح القاموس، مصر، 1306 هـ.

«حرف السين»

السبحاني: جعفر بن محمّد حسين (تولد 1347هـ ـ مؤلّف هذا الكتاب).
37 ـ تهذيب الاُصول، قم، 1363هـ.
38 ـ كلّيات في علم الرجال،قم، 1410هـ.
39 ـ مفاهيم القرآن،قم، 1404 هـ.
سعيد بن نشوان الحميري (م 573هـ).
40 ـ الحور العين، طهران، 1394 هـ ]بالأُفسيت[.
السيوطي: جلال الدين (849 ـ 911 هـ).
41 ـ تدريب الراوي، بيروت، 1409هـ.

صفحه 264

«حرف الشين»

شرف الدين العاملي: عبد الحسين (1290 ـ 1377 هـ).
42 ـ أبو هريرة، بيروت، 1397 هـ ـ1977م.
43 ـ الفصول المهمّة في تأليف الأمّة، دار النعمان ، النجف الأشرف.
الشهرستاني: محمّد بن عبد الكريم (479 ـ 548هـ).
44 ـ الملل والنحل، دار المعرفة، بيروت.
الشهيد الأوّل: محمّد بن مكي العاملي (733 ـ 786 هـ).
45 ـ الذكرى، الطبعة الحجرية، إيران، 1272 هـ.
الشهيد الثاني: زين الدين العاملي (911 ـ 966هـ).
46 ـ الرعاية في علم الدراية ، قم، 1408 هـ.
47 ـ شرح البداية (وهو شرح الرعاية)، قم، 1408 هـ.

«حرف الصاد»

صبحي الصالح.
48 ـ علوم الحديث ومصطلحه، جامعة دمشق، 1379 هـ.
الصدر: السيّد حسن (1272 ـ 1354 هـ).
49 ـ تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الإسلام، بغداد.
50 ـ نهاية الدارية، الهند، (لكهنو)، 1324 هـ.
الصدوق: محمّد بن علي بن بابويه (306 ـ 381 هـ).
51 ـ الخصال، قم، 1403هـ.
52 ـ كمال الدين وتمام النعمة ،طهران، 1405 هـ.
53 ـ من لا يحضره الفقيه، دار الكتب الإسلامية، طهران 1390هـ.

«حرف الطاء»

الطبرسي: الفضل بن الحسن (471 ـ 548هـ).

صفحه 265
54 ـ مجمع البيان في علوم القرآن، صيدا ـ لبنان، 1354 هـ.
الطبري: محمّد بن جرير (م 310 هـ).
55 ـ تاريخ الأمم والملوك، الأعلمي ، بيروت.
الطوسي: محمّد بن الحسن (385 ـ 460 هـ).
56 ـ التهذيب، 10 أجزاء، النجف الأشرف، 1378 هـ.
57 ـ عدّة الاُصول ،قم، 1403هـ.
58 ـ الفهرست، جامعة مشهد، إيران، 1351 هـ.

«حرف العين»

عبد الجبار: القاضي المعتزلي (م 415 هـ).
59 ـ فضل الاعتزال،المغرب.
العلاّمة الحلّي: الحسن بن يوسف بن مطهّر(648ـ726هـ).
60 ـ خلاصة الأقوال في علم الرجال، النجف الأشرف.
61 ـ النهاية في الاُصول(مخطوط)

«حرف الغين»

الغزالي: محمد بن محمود(450 ـ 505هـ)
62 ـ المستصفى في علم الاُصول، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1324هـ.

«حرف الفاء»

الفتّال النيسابوري: محمد بن علي(من علماء القرن السادس الهجري).
63 ـ روضة الواعظين، تبريز، 1333هـ

صفحه 266
الفيروز آبادي: محمد بن يعقوب(729ـ816 هـ).
64 ـ قاموس اللغة، القاهرة، 1333هـ.

«حرف القاف»

القاسمي: جمال الدين(1283ـ1332هـ).
65 ـ قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث،...،...
القمي: أبو القاسم( م1332هـ)
66 ـ قوانين الاُصول، الطبعة الحجرية، تبريز، 1316هـ.

«حرف الكاف»

الكشي: أبو عمرو(من علماء القرن الرابع الهجري).
67 ـ الرجال، كربلاء، العراق، مؤسسة الأعلمي.
الكليني: محمد بن يعقوب الرازي(م 329هـ)
68 ـ الكافي، طهران، 8أجزاء، 1388هـ.

«حرف الميم»

المامقاني: عبد اللّه(1290 ـ 1351هـ).
69 ـ تنقيح المقال في علم الرجال، 3 أجزاء، النجف الأشرف، 1350هـ
70 ـ مقياس الهداية في علم الدراية،النجف الأشرف،1345هـ(الطبعة الحجرية).
المحقّق الحلّي: أبو القاسم نجم الدين جعفر(602 ـ 672هـ).
71 ـ معارج الاُصول، الطبعة الحجرية، 1310.
المدرس: محمد علي التبريزي(1296 ـ 1373هـ)

صفحه 267
72 ـ ريحانة الأدب في تراجم من اشتهر بالكنية أو اللقب، تبريز،1387 هـ .
مدير شانه چي : كاظم(المعاصر).
73 ـ دراية الحديث، جامعة مشهد ـ إيران، 1397هـ
المرتضى: محمد بن علي علم الهدى(355 ـ 456هـ)
74 ـ الذريعة في علم الاُصول، طهران، 1386هـ.
مسلم بن حجّاج النيسابوري(م272 هـ)
75 ـ الصحيح، مصر، 1334هـ.
المفيد: محمد بن محمد بن النعمان(336 ـ 413هـ)
76 ـ الاختصاص،مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدّسة.
77 ـ الإرشاد، قم، 1402هـ.
الميرداماد:(1041هـ).
78 ـ الرواشح الإلهية، 1311هـ(الطبعة الحجرية).

«حرف النون»

النجاشي: أبو العباس أحمد بن علي(372 ـ 450هـ)
79 ـ الرجال، بيروت، 1409هـ.
النووي ـ...
80 ـ التقريب و التيسير،...،...
النوبختي: الحسن بن موسى(م310هـ).
81 ـ فرق الشيعة، بيروت، 1404هـ.
النوري ـ ميرزاحسين(1254ـ1320هـ).
82 ـ المستدرك على وسائل الشيعة، طهران، 1319هـ.
Website Security Test