welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : إرشاد العقول / ج 3*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

إرشاد العقول / ج 3

إرشاد العقول
إلى
مباحث الأصول

يبحث عن الأدلة اللفظية
مباحث الألفاظ _ القسم الأوّل

تقريراً لمحاضرات

العلاّمة المحقّق
آية الله جعفر السبحاني

تأليف

محمد حسين الحاج العاملي

الجزء الثالث

دار الأضواء
بيروت ـ لبنان


(2)


(3)


(4)


(5)

كلمة المحاضر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته، وردعت عظمتُه العقولَ فلم تجد مساغاً إلى بلوغ غاية ملكوته.

والصلاة والسلام على من بعثه بالنور المضي، والبرهان الجلي، محمّد نبي الرحمة، وعلى آله الذين هم كنوز الرحمن إن نطقوا صدقوا، وإن صَمتوا لم يُسبقوا.

أمّا بعد، فإنّ من مفاخر الشيعة الإمامية هو فتح باب الاجتهاد في الأحكام الشرعية منذ رحيل الصادع بالحق ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى يومنا هذا، والاجتهاد هو الذي يضفي على الشريعة، غضاضة وطراوة ولا يناله إلاّ ذو حظ عظيم.

إنّ الخوض في عباب هذا الفن رهن علوم جمّة، من أهمها: علم الأُصول الذي هو: العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية أو ما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل.

وممّن وفّقه اللّه لدراسة هذا العلم، دراسة معمّقة الشيخ الفاضل المحقّق الثبت محمد حسين الحاج العاملي (حفظه اللّه) فحرّر ما ألقيناه من محاضرات على فضلاء الحوزة العلمية ببيان سهل وأُسلوب جزل بعيداً عن الإطناب والاقتضاب، وها هو الجزء الأوّل من مباحث الألفاظ يقدّمه لطلاب هذا العلم،


(6)

وقد لاحظته فرأيته وافياً بالمطلوب جامعاً لنكات البحث.

فأسأل اللّه سبحانه أن يوفّقه لصالح العلم والعمل، وأن يجعله ذخراً للإسلام والمسلمين.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

1شعبان المعظم 1422هـ

كلمة المؤلف


(7)

كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي خضع له كلّ شيء، وقام به كلّ شيء، والصلاة والسلام على الداعي إلى الحقّوالشاهد على الخلق الذي بلّغ رسالات ربّه محمّد خاتم رسله وأفضل سفرائه، وعلى آله الذين هم أساس الدين وعماد اليقين.

أمّا بعد، فقد أسعفني الحظ في سالف الزمان وقمت بنشر ما استفدته من شيخي العلاّمة الحجّة الفقيه آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني(مد ظلّه) وقد كان لما نشرته من المباحث العقلية لعلم الأُصول صدى واسع في الأوساط العلمية، ولم يخطر ببالي نشر ما استفدته من أُستاذي الكبير في مجال المباحث اللفظية، ولكن لما شجّعني غير واحد من الأعزّاء على نشر ما بقي من المباحث لتكتمل الدورة الأُصولية، شمّرت عن ساعد الجد وقمت بتبييض المباحث المذكورة في قوالب واضحة غير مخلّة بالمراد، ولا مطنبة في البيان، سائلاً المولى عزّ وجلّ أن يطيل عمر شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ الذي كان ولم يزل يربي جيلاً بعد جيل بعلمه وفكره وقلمه وبيانه.

كما أسأله سبحانه أن يجعل ما بذلته من الجهود في إخراج الجزءين الأخيرين


(8)

كتاباً نافعاً ينتفع به روّاد العلم وطلاّب الفضيلة.

محمد حسين الحاج العاملي

جبل عامل ـ جزين

15 شعبان المعظم1422هـ

يوم ميلاد الإمام القائم ـ عجلّ اللّه تعالى فرجه ـ


(9)

مقدمة وفيها أُمور:

1. موضوع العلوم ومسائلها وتمايزها و...

2. الوضع وفيه جهات من البحث

3. الحقيقة والمجاز

4. استعمال اللفظ في اللفظ وأقسامه

5. وضع الألفاظ للمعاني الواقعية

6. وضع المركبات

7. علائم الوضع أو تمييز الحقيقة عن المجاز

8. تعارض الأحوال

9. في الحقيقة الشرعية

10. ألفاظ العبادات والمعاملات أسام للصحيح أو للأعم

11. الاشتراك اللفظي

12. استعمال المشترك في أكثر من معنى

13. المشتق وانّه حقيقة في المتلبس أو الأعم

14. مسائل في المشتق


(10)


(11)

الأمر الأوّل

في موضوع العلوم ومسائلها وتمايزها

بحث المحقّق الخراساني في الأمر الأوّل عن الموضوعات التالية:

1. تعريف موضوع العلم.

2.ما هي النسبة بين موضوع العلم وموضوع المسألة؟

3. لزوم وجود موضوع لكلّ علم.

4. تمايز العلوم.

5. ما هو موضوع علم الأُصول؟

6. ما هوتعريف علم الأُصول؟

7. ما هو الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد والمسائل الفقهية؟

فهنا جهات من البحث:

الجهة الأُولى: تعريف موضوع العلم

قالوا: إنّ موضوع كلّ علم بأنّه «ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية»، المهم هو التعرف على أمرين:

1. العرض في المنطق والفلسفة.


(12)

2. الذاتي وأقسامه.

أمّا الأوّل فانّ العرض في الفلسفة يقابل الجوهر، فالماهية إذا وجدت وجدت لا في موضوع فهو جوهر كالإنسان ، وإذا وجدت في موضوع فهو عرض كالسواد.

هذا هو العرض حسب الاصطلاح الفلسفي.

وأمّا العرض في الاصطلاح المنطقي فهو أوسع من سابقه، وهو يطلق على الخارج عن ذات الشيء، المحمول على الشيء لاتّحاده معه في الخارج، وعلى هذا فالناطق عرض بالنسبة إلى الحيوان لخروجه عن حقيقته وصحّة حمله عليه لوحدتهما في الخارج في مورد الإنسان، والمراد من العرض هنا هو المصطلح المنطقي لا الفلسفي، وربّما صار الخلط بين الاصطلاحين منشأً للاشتباه.

أمّا الثاني أي الذاتي فيطلق و يراد منه أحد المعاني الثلاثة:

1. الذاتي في باب الايساغوجي (الكلّيات الخمس)، والمراد منه ما كان جنساً أو فصلاً أو نوعاً للشيء، وبعبارة أُخرى: ما يكون مقوّماً للموضوع ومن ذاتيّاته، ويقابله العرضيّ، وهو ينقسم بدوره إلى عرض عام وخاص كما هو مفصّل في المنطق.

2. الذاتي في باب البرهان، وهو عبارة عن الخارج عن ذات الشيء، المحمول على الشيء من دون حاجة في الانتزاع أو في الحمل إلى وجود حيثية تقييدية في جانب الموضوع، وهذا كما في قولنا : الإنسان ممكن، فانّ الإمكان ليس مقوّماً للإنسان، إذ ليس هو نوعه أو جنسه أو فصله، ومع ذلك ينتزع منه أو يحمل عليه بلا حاجة إلى حيثية تقييدية على نحو يكون وضع الإنسان ملازماً لوضع الإمكان.


(13)

وربّما يمثّل بحمل الموجود على الوجود، والأبيض على البياض، وربّما يطلق عليه المحمول بالصميمة، ويقابله ما يسمّى المحمول بالضميمة كحمل الأبيض على الاسم، فلا يوصف بكونه أبيض إلاّ بعد ضمّ البياض إليه وعروضه عليه.

3. الذاتي في باب الحمل والعُروض، ويقابله الغريب، وهو المراد من قولهم موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية فمحمولات المسائل أعراض ذاتية لموضوع العلم.

وقد اختلفت كلمتهم في تفسير العرض الذاتي في المقام، فذهب المحقّق الخراساني تبعاً للمحقّق السبزواري في تعاليقه على الأسفار(1) بأنّ المعيار في كون العرض ذاتياً أو غريباً هو أن يكون العرض من قبيل الوصف بحال الشيء لا الوصف بحال متعلّق الشيء.

وبعبارة أُخرى: العرض الذاتي ما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض.

توضيحه: انّ الواسطة تطلق على عدّة معان:

1. الواسطة في الثبوت، وهي ما تكون علّة لعروض المحمول على الموضوع كالنار الموقدة تحت القِدْر التي تكون علّة لعروض الحرارة على الماء في قولنا: الماء حار.

2. الواسطة في الإثبات، وهي ما تكون علّة لحصول اليقين بثبوت المحمول للموضوع، كقولنا: العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث، فالتغيّر سبب لحصول اليقين بحدوث العالم. وبذلك يطلق على الحد الأوسط، الواسطة في الإثبات.

3. الواسطة في العروض، وهي المصحِّحة للنسبة بحيث لولاها لما صحّت


1 - الأسفار: 1/32.


(14)

النسبة، كما في قولنا: جرى الميزاب، فانّ الجاري حقيقة هو الماء لكن علاقة المجاورة أو الحالّية والمحلّية تُصحح نسبة الجريان إلى الميزاب لكـن ادّعاءً ومجـازاً.

إذا وقفت على ذلك فنقول: إنّ الميزان في عدّ العرض ذاتياً أو غريباً هو كون الوصف بحال الموصوف، أو بحال المتعلّق، وهذا هو المقياس لذاتية العرض وغرابته سواء كان عارضاً بلا واسطة، أو بواسطة مساو، أو بواسطة أخصّ أو أعمّ. فوجود الواسطة وعدمها ونسبتها مع ذي الواسطة ليس مطروحاً في المقام، وإنّما المطروح كون النسبة حقيقية أو مجازية، وعلى ذلك تكون الأمثلة التالية من العرض الذاتي.

أ: إذا عرض للموضوع بواسطة مباينة، كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار.

ب: إذا عرض للموضوع بواسطة أعمّ كالمشي العارض للإنسان بواسطة الحيوان الأعمّ من الموضوع.

ج: إذا عرض للموضوع بواسطة أخصّ، كالضحك العارض للحيوان بواسطة الإنسان.

فكلّ ذلك يعدّمن العرض الذاتي دون العرض الغريب. فأخصّية الواسطة أو أعمّيتها أو تباينها لا يضرّ بكون المحمول عرضاً ذاتياً بالنسبة إلى موضوع العلم إذا كان الوصف حقيقياً لا مجازياً.

تفسير الذاتي عند القدماء

إنّ القدماء من علماء المنطق (الذين هم الأساس لتعريف موضوع العلم


(15)

بأنّه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية) ذهبوا إلى أنّه يشترط فـي مقدّمـات البرهان أُمور أربعة:

الأوّل: أن تكون النسبة ضرورية الصدق بما لها من الجهة، وإن كانت ممكنة، بمعنى أنّه إذا صدق أحد النقيضين كالإيجاب، يكون النقيض الآخر أي السلب ممتنعاً، فقولنا: الإنسان كاتب بالإمكان، ضروري الصدق أي ممتنع خلافها، بمعنى انّ قولنا: «ليس الإنسان كاتباً بالإمكان العام» محكوم بالامتناع.

الثاني: أن تكون دائمة الصدق بحسب الأزمان، فقولنا: الإنسان كاتب بالإمكان العام، قضية صادقة في عامّة الأزمان.

الثالث: أن تكون كلّية الصدق بحسب الأحوال، فالإنسان في كلّ أحواله كاتب بالإمكان، سواء أكان قائماً أم قاعداً.

الرابع: أن يكون المحمول ذاتياً للموضوع، وقد عرّفوا المحمول الذاتي بما يكون الموضوع مأخوذاً في حدّ المحمول، مثلاً انّ الفطوسة من العرض الذاتي بالنسبة للأنف، لأنّا إذا أردنا أن نعرف الفطوسة نعرفها بقولنا:«الأنف الأفطس».

ونظير ذلك إذا قلنا: الإنسان متعجّب، و العدد زوج أو فرد، حيث إنّ الإنسان مأخوذ في تعريف المتعجّب، فانّه الإنسان الذي تعرضه الدهشة والاستغراب، كما انّ العدد مأخوذ في تعريف الزوج، إذ هو العدد المنقسم إلى متساويين.

فلو كان هناك معروض وعارض فلا يكون الثاني عرضاً ذاتياً إلاّ إذا كان المعروض مأخوذاً في حدّه وتعريفه.

ومن ذلك يعلم أنّ تقسيم الموجود إلى الواجب والممكن، والممكن إلى


(16)

الجوهر والعرض، والجوهر إلى العقل والنفس والهيولى والصورة والجسم، والعرض إلى الكم والكيف... كلّها أعراض ذاتية بالنسبة إلى الموجود، لأنّه مأخوذ في حدّ كلّ واحد من هذه المحمولات.

هذا هو الغالب ولكن يكفي كون الموضوع أو أحد مقوّماته واقعاً في حدّ المحمول فتعمّ الأقسام التالية:

1. أن يؤخذ موضوع المعروض في حدّ العارض.

2. أن يؤخذ جنس المعروض في حدّ العارض.

3. أن يؤخذ موضوع جنس المعروض في حدّ العارض.

وقد ذكر الشيخ الرئيس لكلّ واحد مثالاً من العلوم الطبيعية، وبما أنّ الأمثلة التي ذكرها لا تخلو من تعقيد نذكر لها مثالاً من العلوم الاعتبارية، مثال الأوّل: «الفاعل مرفوع» فانّ الفاعل لا يؤخذ في تعريف المرفوع، ولكن موضوع الفاعل، أعني: الكلمة مأخوذة في حدّ المرفوع فيقال: المرفوع هو الكلمة المرفوعة.

ومثال الثاني: «الفعل الماضي مبني» فانّ الفعل لا يؤخذ في تعريف المبني، ولكن جنس الفعل، أعني: الكلمة مأخوذة في حدّ المبني، فيقال: الكلمة مبنيّة.

ومثال الثالث: «المفعول المطلق منصوب» فانّ المفعول المطلق لا يؤخذ في حدّ المنصوب ولاجنسه، أي المفعول بما هوهو ولكن معروض المفعولية وهو الكلمة مأخوذة في حدّ المنصوب .

وهناك قسم آخر فاجعله رابع الأقسام وهو أن يؤخذ المحمول في حدّ الموضوع كما في قولنا: «الواجب موجود» فالمحمول مأخوذ في حدّ الواجب الذي هو الموضوع، فانّ الواجب عبارة عن الموجود الذي يمتنع عليه العدم.


(17)

وقد أشار إلى هذا التفسير للعرض الذاتي الشيخ الرئيس بقوله: بأنّ من المحمولات ما لا يكون مأخوذاً في حدّ الموضوع، ولا الموضوع أو ما يقوّمه مأخوذاً في حدّه ، فليس بذاتي، بل هو عرض مطلق غير داخل في صناعة البرهان مثل البياض للققنس(1).(2)

هذا هو العرض الذاتي عند القدماء، وقد رتّبوا على ذلك لزوم مساواة العرض الذاتي لمعروضه، وبالتالي مساواة محمولات المسائل لموضوع العلم وذلك:

إنّ حصول اليقين بالنسبة الموجودة في القضية فرع أن يكون المحمول مساوياً للموضوع بحيث يوضع المحمول بوضع الموضوع، ويرفع برفعه، مع قطع النظر عمّـا عداه، إذ لو رفع مع وضع الموضوع أو وضع مع رفعه لم يحصل اليقين، وهذا هو الموجب لكون المحمول الذاتي مساوياً لموضوعه.

مثلاً إذا كان المحمول أخصّ من الموضوع، كما إذا قلنا: كلّ حيوان متعجب، لم يفد اليقين، إذ لا يلازم وضع الموضوع وضع المحمول لكونه أعمّ.

فإن قلت: هذا إنّما يتمّ إذا كان المحمول أخص من الموضوع، وأمّا إذا كان المحمول أعمّ من الموضوع فوضع الموضوع يكفي في وضع المحمول كقولنا: كلّ إنسان ماش، وهذا المقدار يكفي في حصول اليقين وإن لم يستلزم رفع الموضوع رفع المحمول.

قلت: إنّ ما أخذ موضوعاً ليس بموضوع، فانّ القيد في جانب الموضوع أمر لغو، لأنّ الموضوع للمشي هو الحيوان لا الحيوان الناطق (الإنسان) إذ كونه ناطقاً كالحجر في جنب الإنسان، ولذلك قالوا بأنّه يشترط أن يكون المحمول مساوياً


1 - الققنس: طائر جميل الصوت واللفظ رومي.
2 - الفن الخامس من المنطق في برهان الشفاء:127.


(18)

للموضوع لا أعمّ ولا أخصّ.

فإن قلت: إنّ المحمول في كثير من المسائل في الفلسفة الإلهية غير مساو للموضوع كما إذا قلت: الموجود إمّا واجب أو ممكن، فإنّ كلّواحد من الواجب والممكن ليس مساوياً للوجود.

قلت: إنّ المحمول عبارة عن الجملة المردّدة وهي بأجمعها مساو للموجود.

فإن قلت: إنّ كلّ واحد من الواجب والممكن ذات محمول خاص، فنقول واجب الوجود بالذات بسيط من جميع الجهات.

أو نقول: كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود.

فالمحمول في كلّ واحد غير مساو للموجود.

قلت: إنّ الموضوع للبساطة ليس هو مطلق الوجود حتى لا تساوي البساطةُ مطلقَ الوجود، كما أنّ الموضوع في القضية الثانية ليس مطلق الوجود، بل الموضوع في الأوّل هو الموجود الواجب، وهو يساوي البساطة، وفي الثاني الموجود الممكن، وهو يساوي التركب العقلي، وإلى ما ذكرنا يشير الأُستاذ الطباطبائي بقوله:

«إنّ كلاًّ منهما(الواجب والممكن) ذاتيّ لحصة خاصّة من الأعم المذكور، لأنّ المأخوذ في حدّ كلّ منهما هو الحصة الخاصة به.(1)

توضيحه أنا إذا قلنا: واجب الوجود بسيط، فالموضوع ليس مطلق الوجود الأعم، بل الحصة الخاصة التوأمة للواجب، وتكون البساطة من أعراضه الذاتية لمساواتها له، نعم إذا قلنا (الموجود إمّا واجب أو ممكن)، فالموضوع هو مطلق الوجود الأعم، ليصحّ تقسيمه إلى القسمين.


1 - تعليقة الطباطبائي على الجزء الأوّل لكتاب الأسفار: 30ـ 31.


(19)

وبذلك يتبيّن أنّ مساواة العوارض مع موضوع العلم، شرط في المحمولات الأوّلية، كقولنا: الموجود إمّا واجب أو ممكن، وأمّا المحمولات الثانوية كالبساطة والتركّب فلا تشترط المساواة مع موضوع العلم، بل تكفي مساواتها، مع موضوعها، أي الموجود المتحصص بالوجوب، أو الإمكان، وهكذا سائر الموارد، لكفاية هذا المقدار في حصول اليقين بالنسبة.

هذا إجمال ما ذكره العلاّمة الطباطبائي في تعاليقه على الأسفار، ونهاية الحكمة.

غير أنّ هنا نكتة: وهي أنّ ما ذكره من أنّ شرط كون القضايا يقينية هو أن يجتمع فيها شروط أربعة:

كون النسبة ضرورية أوّلاً، ودائمة الصدق ثانياً، وكلّية الصدق ثالثاً، وكون المحمول من العوارض الذاتية للموضوع رابعاً، إنّما يختص بالعلوم الحقيقية ولا يعم العلوم الاعتبارية، لأنّ الاعتباريات قائمة بلحاظ المعتبر، وتتغير بتغيير الاعتبار، ولا يلزم أن تكون ضرورية الصدق ودائمية وكلية.

وبذلك يتضح انّ الأُمور الاعتبارية لا يقام عليها البرهان العقلي بالشكل الذي يقام في العلوم الحقيقية، فانّ الموضوع فيها ليس من علل وجود المحمول حقيقة إلاّ بالاعتبار والمواضعة، وتدوم العلية مادام الاعتبار قائماً فإذا زال، زالت العلية.

كما أنّه لا يعتبر كون المحمول عرضاً ذاتياً (الشرط الرابع) لأنّ العلوم الاعتبارية تدون لتحقيق غرض اجتماعي كالعلوم الأدبية، فانّ الملاك في كون شيء من مسائل تلك العلوم كونه واقعاً في دائرة الغرض المطلوب من ذلك العلم سواء أكان العروض بلا واسطة أو معها، وسواء أكانت الواسطة مساوية أو أعمّ أو


(20)

أخصّ أو مبائنة، وسواء عدّ عرضاً ذاتياً أو غريباً، فانّ اشتراط واحد من هذه الأُمور من قبيل لزوم ما لا يلزم، بل انّ استعمال الذاتي والغريب في مسائل تلك العلوم من باب التشابه، وإلاّ فلا عرض حقيقة فضلاً عن كونه ذاتياً أو غريباً.

الجهة الثانية: نسبة موضوعات المسائل إلى موضوع العلم

قال المحقّق الخراساني: إنّ موضوع كلّ علم هو نفس موضوعات مسائله وما يتّحد معها خارجاً وإن كان يغايرها مفهوماً تغاير الكلي ومصاديقه، والطبيعي وأفراده.

أقول: كأنّه قدَّس سرَّه بصدد الجواب عن الإشكال المذكور في المقام، وهو أنّ العرض الذاتي عبارة عمّا يعرض موضوع العلم بلا واسطة أو بواسطة مساو، فإذا كان هذا هو معنى العرض الذاتي فهو منقوض بمسائل العلوم قاطبة فانّ موضوعات المسائل أخصّ من موضوع العلم من دون فرق بين العلوم الحقيقية والاعتبارية.

أمّا الأُولى كقولك: كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود، فمحمول المسألة أعني التركيب عارض لموضوعها أعني ( كلّ ممكن)، وهو أخصّ من الموجود المطلق، الذي هو موضوع العلم في الالهيات بالمعنى الأعمّ.

وأمّا الثانية كقولك: كلّ فاعل مرفوع فالرفع من عوارض الفاعل وهو أخصّ من موضوع علم النحو أعني الكلمة والكلام.

هذا وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ نسبة الموضوعين إنّما هي نسبة الافراد إلى الطبيعي، والمصاديق إلى الكلي، والتغاير المفهومي لا يضر بعد اتحادهما في الوجود.


(21)

يلاحظ عليه بأمرين:

الأوّل: انّه إنّما يصحّ إذا لم يكن للخصوصية الموجودة في موضوع المسألة مدخلية في عروض المحمول. فيكون محمول المسألة عارضاً على موضوع العلم، دون ما إذا كان له مدخلية كما في المقام فانّ للإمكان مدخلية في عروض التركب، كما أنّ للفاعلية مثل هذا الشرط، ونظيره قولنا: «زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين» فانّ للمثلّثية مدخلية في التساوي، وعندئذ لا يمكن أن يعد محمول المسألة من عوارض موضوع العلم بحجّة أنّ التغاير مفهومي لا مصداقي.

الثاني: انّ الإشكال إنّما يرد على من فسّر العرض الذاتي بما يعرض لموضوع العلم بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو ، لا على من فسّر العرض الذاتي بما يعرض الموضوع بلا واسطة في العروض كما عليه المحقّق الخراساني تبعاً للحكيم السبزواري، فوجود الواسطة لا تضر ما لم تكن واسطة في العروض، كما هو كذلك في المقام، فانّ الكم المتصل يتصف حقيقة بالمساواة إذا كان متّحداً مع المثلث، كما أنّ الجسم الطبيعي، يتصف بالحرارة والبرودة إذا كان متّحداً مع النار والماء وغير ذلك.

هذا وقد أورد السيّد الأُستاذقدَّس سرَّه على المحقّق الخراساني بانتقاضه بعلمي الهيئة والجغرافية فانّ النسبة بين الموضوعين فيهما إلى موضوعات مسائلهما نسبة الجزء إلى الكل.(1)

يلاحظ عليه: بعدم انتقاض الضابطة فيهما، وذلك لأنّ الموضوع في علم الهيئة ليس هو ذوات الكواكب حتى يكون البحث عن كوكب خاص بحثاً في جزء الموضوع، بل الموضوع هو أوضاع الكواكب وطبائعها، وهو أمر كلي، وأوضاع كوكب خاص يكون فرداً من هذا الكلي، ويؤيّد ذلك انّه عرّف علم الهيئة بقولهم


1 - تهذيب الأُصول:1/7.


(22)

هو علم يعرف منه أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية وأشكالها وأوضاعها ومقاديرها وأبعادها، وموضوعه الأجرام المذكورة من الحيثية المذكورة.(1)

وهكذا الحال في علم الجغرافية فانّ موضوعه أحوال القارّات والبحار المختلفة، فالبحث عن كلّ واحد من هذه القارّات بحثاً عن مصاديق هذا الفرد الكلي لا عن أجزائه.

ويؤيد ذلك أنّه عُرِّف علم الجغرافية بقولهم: علم يتعرّف به على أحوال الأقاليم السبعة الواقعة في الرُبْع المسكون من كرة الأرض وعروض البلدان الواقعة فيها وأطوالها وعدد مدنها وجبالها وبراريها وبحارها وأنهارها، إلى غير ذلك من أحوال الربع المعمور.(2)

هذا كلّه على مبنى المحقّق الخراساني، وأمّا على مذهب القدماء فالتساوي بين محمول المسألة وموضوع العلم متحقّق لما عرفت أنّ العرض الذاتي عبارة عمّا يكون الموضوع مأخوذاً في حدّ العرض، كما في قولنا: الموجود إمّا واجب أو ممكن، فالموجود مأخوذ في حدّ الواجب كما هو مأخوذ في حدّ الممكن، وهكذا إذا أخذنا الواجب أو الممكن موضوعاً وبحثنا عن عوارضها وقلنا الواجب بسيط والممكن مركب، فقد أخذ الموجود في حدّ البسيط كما أخذ في حدّ المركب، لأنّ البسيط من جميع الجهات هو الموجود الواجب، كما أنّ المركّب من ماهية ووجود هو الموجود الممكن، وهكذا.

ومهما تنزلنا وبحثنا عن محمول المحمول فلم يزل موضوع العلم سارياً في حدِّ المحمولات وعند ذلك يتبين معنى التساوي، وهو تساوي المحمول مع


1 - أبجد العلوم:2/576.
2 - أبجد العلوم: 2/212ـ 213 ولفظة جغرافيا كلمة يونانية بمعنى صورة الأرض وربّما يقال جغراويا.


(23)

الموجود المتحصص، كتساوي البسيط مع الموجود الواجب (لا مطلق الوجود) وتساوي التركب من ماهية ووجود مع الموجود المركب لا مطلق الموجود.

وإلى ما ذكرنا يشير العلاّمة الطباطبائي في كلامه السابق، أعني: انّ كلاًّ منهما (الواجب والممكن) ذاتي لحصة خاصّة من الأعم المذكور، لأنّ المأخوذ في حد كلّ منهما هو الحصة الخاصة به.

إجابة المحقق النائيني

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أجاب عن الإشكال بوجه آخر، وقال:إنّ الموضوع لعلم النحو ليس هو الكلمة من حيث لا بشرط، بل الكلمة من حيث لحوق الإعراب والبناء، فيتحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل، لأنّ الموضوع في قولنا: «كلّ فاعل مرفوع» هو الكلمة من حيث لحوق الإعراب والبناء لها، والمفروض أنّها من هذه الحيثية تكون موضوعاً لعلم النحو، فيتحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل، لأنّ كلاًّ من موضوع العلم مع موضوعات المسائل ملحوظ بشرط شيء وهو قيد الحيثية.(1)

يلاحظ عليه: أنّ القيد المأخوذ في ناحية موضوع العلم غير القيد المأخوذ في ناحية موضوع المسائل، فالمأخوذ في الأوّل هو القابلية للحوق الإعراب والبناء، وأين هو من قيد الفاعلية والمفعولية المأخوذة في ناحية موضوع المسألة وادّعاء الوحدة بينها أمر عجيب؟!

نعم ما ذكرناه وحقّقناه إنّما هو جار في العلوم الحقيقية، وأمّا الالتزام به في العلوم الاعتبارية فهو التزام بما لا يجب الالتزام به كما ذكرنا ذلك أيضاً عند البحث في المقام الأوّل.


1 - فوائد الأُصول للكاظمي: 1/23ـ 24، بتلخيص.


(24)

الجهة الثالثة: في لزوم وجود موضوع لكلّ علم

هل يجب أن يكون لكلّ علم موضوع خاص يبحث عن عوارضه الذاتية أو لا؟ فيه أقوال:

1. لزوم وجود الموضوع، وهو الظاهر من القدماء من تعريفهم موضوع العلم.

2. عدم لزوم وجود الموضوع لكلّ علم، وذلك لأنّ كلّ علم عبارة عن عدّة مسائل متشتتة يجمعها اشتراكها في حصول غرض واحد، ولا يحتاج وراء ذلك إلى وجود موضوع يبحث عن أعراضه الذاتية.

قال المحقّق الإصفهاني: إنّ العلم عبارة عن مركب اعتباري من قضايا متعددة يجمعها غرض واحد.(1)

3. القول بالتفصيل بين العلوم الحقيقية والاعتبارية بلزوم وجود الموضوع في الأُولى دون الثانية، وهو خيرة العلاّمة الطباطبائي.(2)

استدلّ للقول الأوّل بقاعدة «الواحد لا يصدر إلاّ من واحد» ببيان أنّ الغرض الواحد المترتب على مجموع المسائل يتوقف على وجود جامع بينها وإلاّ يلزم صدور الواحد عن الكثير.

يلاحظ عليه: أنّ القاعدة على فرض صحّتها مختصة بالواحد البسيط الذي ليس فيه رائحة التركيب، كالعقل الأوّل، بناء على أنّه إنيُّ الوجود، فهو لا يصدر إلاّ عن الواحد، وذلك لأنّه يجب أن يكون بين العلة والمعلول رابطة بها يصدر المعلول عن العلة، وإلاّ فلو صدر من دون وجود صلة بينهما يلزم أن يصدر كلّ


1 - نهاية الدراية: 1/7.
2 - لاحظ الأسفار، قسم التعليقة: 1/30ـ 31.


(25)

شيء عن كلّ شيء، فعلى ذلك فلو صدر المعلول الواحد من اثنين يجب أن يجتمع فيه حيثيتان مختلفتان تصحح كلّ واحدة صدوره عن العلة، فعندئذ ما فرضناه واحداً عاد كثيراً، وهو خلف.

ولذلك قالوا: الواحد مع فرض كونه واحداً من جميع الجهات لا يمكن أن يصدر تارة من علّة وأُخرى من علة أُخرى. وهذا كما ترى يخصص برهان القاعدة وموردها بالبسيط من جميع الجهات وليس له مصداق في جانب العلة إلاّ اللّه سبحانه ولا في جانب المعلول إلاّ العقل.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القاعدة لا تجدي نفعاً في المقام، لأنّ الغرض المترتّب على المسائل ليس غرضاً واحداً شخصيّاً بسيطاً حتى يتوقف صدوره على تصوير جامع بين المسائل الكثيرة، بل هو غرض واحد نوعيّ يتكثّر بتكثّر المسائل، فالغرض المترتب على مسألة حجّية خبر الواحد غير الغرض المترتب على مسألة دلالة الأمر على الوجوب وعدمه، والغرض المترتب على أبواب النواسخ، غير الغرض المترتب على باب الفاعل والمفاعيل،ومثل هذا لا يلزم أن يصدر من الواحد، بل قد يصدر من الكثير لأنّه أيضاً كثير.

هذا كلّه حول القول الأوّل.

وأمّا القول الثاني، فبيانه أنّ المحمول في العلوم عرض ذاتي لموضوع العلم فالموضوع من علل وجوده، فكيف يمكن أن يكون هناك عرض بلا موضوع سواء أكان العرض عرضاً فلسفياً أم منطقياً.

وبعبارة أُخرى: قد عرفت أنّ العرض الذاتي ما يؤخذ موضوعه في حدّه وهو الضابط في تمييزه، فإذا فرض للمحمول محمول، ولمحموله محمول، وجب أن يؤخذ الموضوع الأوّل في حدّ الجميع حتى ينتهي إلى آخر محمول مفروض، فوجود


(26)

الموضوع من صميم كون العرض ذاتياً.(1)

وأمّا القول الثالث، فبرهانه هو أنّ العلوم الاعتبارية تدوّن للحصول على غرض واحد اعتباري، وليس حصول ذلك الغرض رهن وجود موضوع شامل لعامة موضوعات مسائله، فالمقوم للعلم الاعتباري ترتّب غرض واحد على مسائل متسانخة سواء كان الكل داخلاً تحت عنوان واحد أو لا، بل يكفي اشتراك عدّة من المسائل في الحصول على غرض واحد، وهذا القول هو المتعيّن من بين الأقوال.

الجهة الرابعة: في تمايز العلوم

لا شكّ في وجود التمايز بين العلوم إنّما الكلام في تعيين المميز بينها، وهناك أقوال:

1. تمايز العلوم بتمايزالأغراض، وهو خيرة المحقّق الخراساني.

2. تمايز العلوم بتمايز الموضوعات وهو المشهور.

3. تمايز العلوم بالجهة الجامعة بين مسائلها المنتزعة من المحمولات.

4. تمايز العلوم واختلاف بعضها بذاتها وجوهرها، وهو خيرة سيدنا الأُستاذ.

فلنتناول كلّ واحد من هذه الأقوال بالبحث والتحليل.

دليل القول الأوّل

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض وقال: إنّ تمايز العلوم، إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا الموضوعات ولا


1 - الأسفار، قسم التعليقة:1/31.


(27)

المحمولات، وإلاّ كان كلّ باب، بل كلّ مسألة من كلّ علم، علماً على حدة، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدّد، كما لا تكون وحدتهما سبباً لأن يكون من الواحد(1) (إذاكان الغرض متعدّداً).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه إذا كان بين العلمين تمايز في مرتبـة الذات كتمايز علم النفس وعلم النبات، حيث إنّ الموضوع في الأوّل غيره في الثاني، فلا تصل النوبة إلـى التمييز بالغرض الذي هـو أمر متأخّر عن جوهـر المسـألة: موضوعها ومحمولها.

وثانياً: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ ـ ظاهراً لا واقعاً ـ في العلوم التي تتّحد موضوعاً وتختلف في المسائل، كعلمي الصرف والنحو، حيث إنّ الصرف يبحث عن عوارض الكلمة والكلام من حيث الصحّة والاعتلال، والنحو يبحث عن عوارضهما من حيث الإعراب والبناء، فعند ذلك يتصوّر انّ المائز بين العلمين هو تعدّد الغرض وهو معرفة الصحيح والمعتل، والمعرب والمبني، ولكنّ هناك نكتة مغفول عنها وهي أنّ تغاير الغرضين رهن أمر جوهري أضفى للعلمين صبغة التعدّد، وهو عبارة عن اختلاف مسائل العلمين جوهراً، فالعلمان متميّزان في مرتبة متقدّمة على الغرض،والدليل على أنّ الجهة الجامعة لمسائل علم الصرف غير الجهة الجامعة لمسائل علم النحو، فكلّ يجمعها جهة جامعة متغايرة فالأولى اسناد الميز إلى تلك الجهة الجامعة لا إلى الغرض العائد منها.

وثالثاً: أنّ المراد من الغرض إمّا غرض تدويني أو غرض تعليمي، وكلاهما متأخران عن العلم، فلابدّ أن يكون للعلم ميز جوهري قبل هذين الغرضين.


1 - كفاية الأُصول: 1/5.


(28)

دليل القول الثاني

ذهب المشهور إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، وهو صحيح في الجملة، لأنّ موضوع كلّ علم داخل تحت نوع خاص، كعلمي الحساب والهندسة، فانّ الموضوع في الأوّل من مقولة الكم المنفصل، ويبحث فيه عن أحوال الأعداد، والموضوع في الثاني من مقولة الكم المتصل، ويبحث فيه عن أحكام الخطوط والسطوح والأجسام التعليمية، ومع هذا المائز الذاتي لا تصل النوبة إلى المائز بالعرض.

ولكن ليس جميع العلوم كذلك، فانّ العلوم ربّما تتحد موضوعاً وتتعدد وصفاً وتأليفاً حسب الجهات الملحوظة، فانّ البدن الإنساني موضوع لكلّ من علم الطب والتشريح، ووظائف الأعضاء، فبما أنّه يبحث عنه من جهة عروض الصحّة والسقم عليه يكون موضوعاً لعلم الطب، وبما انّه يبحث فيه لغاية التعرّف على أعضائه وأجزائه، فهو موضوع لعلم التشريح، وبما انّه يبحث فيه لغاية التعرّف على وظيفة كلّ عضو، فهو موضوع لعلم وظائف الأعضاء، فالعلوم متعددة والموضوع واحد، فالميز هنا بالمحمولات لا بالموضوعات.

فإن قلت: التمايز في هذا النوع من العلوم أيضاً بالموضوعات، وذلك لأنّ تمايز العلوم بالموضوعات وتمايز الموضوعات بالحيثيات، فإذا انضمت الحيثية إلى موضوع العلم يتميز عن العلم الآخر لاختلاف حيثيته معه.

قلت: إنّ هذه الحيثيات ليست إلاّ أُموراً منتزعة من المحمولات المختلفة في هذه العلوم الثلاثة فما هو المحمول في علم الطب غير المحمول في علم التشريح، والمحمول فيهما غير المحمول في علم وظائف الأعضاء، وإذا لاحظها الخبير، يرى بينها اختلافاً ذاتياً، وينتزع من كلّ واحد حيثية خاصة يوصف بها الموضوع في كلّ علم، ويتخيل انّ تمايز العلوم، بالموضوعات وتمايز الموضوعات بالحيثيات، غافلاً


(29)

عن أنّ هذه الحيثية منتزعة من محمولات العلوم، متأخرة عنها. وعلى ذلك فنسبة الميز إلى المحمولات في أمثال هذه الموارد، أولى من نسبته إلى الحيثيات.

دليل القول الثالث

إنّ لمسائل كلّ علم جهة وخصوصية لا توجد في مسائل سائر العلوم، وتكون هذه الجهة جامعة بين تلك المسائل وبسببها يحصل الميز بين مسائل هذا العلم ومسائل سائر العلوم، مثلاً: الجهة الجامعة لمسائل علم النحو هي البحث عن كيفية آخر الكلمة من المرفوعية والمنصوبية والمجرورية، فهي خصوصية ذاتية ثابتة في جميع مسائله، وبهذه الجهة تمتاز هذه المسائل عن مسائل سائر العلوم.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح في العلوم التي تتحد موضوعاً وتختلف محمولاً، كما في علمي النحو والصرف أو العلوم الثلاثة الطب والتشريح ووظائف الأعضاء، فانّ المائز هو الجهة الجامعة بين مسائل العلمين أو مسائل العلوم الثلاثة، وأمّا إذا كان العلمان مختلفين موضوعاً فالتميز بالموضوع مقدّم رتبة وزماناً على الميز بالجهة الجامعة، فانّ أوّل ما يقع في الذهن في هذه الموارد هو الموضوع ثمّ المحمول ثمّ الجهة الجامعة بين مسائلها.

دليل القول الرابع

ذهب السيّد الأُستاذقدَّس سرَّه إلى أنّ تمايز العلوم بذواتها، و قال: إنّ منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتتة التي يناسب بعضها بعضاً، فهذه السنخية موجودة في جوهر تلك القضايا وحقيقتها، ففي مثله تمايز العلوم واختلاف بعضها يكون بذاتها، فقضايا كلّ علم مختلفة ومتميزة بذاتهاعن قضايا علم آخر.

وأمّا تداخل بعض مسائل العلوم في بعض فلا يضر بما ذكرناه، لأنّ المركب


(30)

بما هو مركب متميز بذاته عن غيره لاختلاف أكثر أجزائه مع أجزاء المركب الآخر، وإن اتّحدا في بعض.(1)

يلاحظ عليه: أنّه ليس قولاً آخر غير القول بأنّ التمايز إمّا بالموضوع أو بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل، فانّ قولنا :«كلّ فاعل مرفوع» وإن كان غير مسانخ لقولنا:«زوايا كلّ مثلث تساوي زاويتين قائمتين» غير انّ عدم التسانخ إمّا لأجل الاختلاف في الموضوع، أو المحمول، أو النسبة بينهما، وليس في المقام وراء هذه الصور الثلاث أمر آخر يكون هو موجباً لعدم التسانخ، فلاحظ.

والحقّ في المقام هو أنّ الميز بالموضوع فيما إذا كان بين الموضوعين تباين نوعي كعلمي الهندسة والحساب، وبالجهة المشتركة بين محمولات المسائل، فيما إذا كان الموضوع واحداً كعلمي الصرف والنحو وعلوم الطب والتشريح ووظائف الأعضاء.

وأمّا التمايز بالأغراض فقد عرفت تأخّره عن الميز الجوهري الموجود بين المسائل، إذ ترتّب غرض واحد على عدّة من المسائل دون الآخر كاشف عن تمايز جوهري بين العلمين فلا تصل النوبة إلى التمايز بالأغراض مع وجود التمايز الجوهري.

الجهة الخامسة: ما هو موضوع علم الأُصول؟

قد اختلفت أنظار علماء الأُصول في تعيين موضوع علم الأُصول، وهناك عدّة أقوال:

1. إنّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة وهو خيرة القدماء.


1 - تهذيب الأُصول: 1/4.


(31)

2. إنّ موضوع علم الأُصول هي الجهة الجامعة بين موضوعات مسائل ذلك العلم، وهو خيرة المحقّق الخراساني.

3. إنّ الموضوع هو الحجّة في الفقه، وهو خيرة المحقّق البروجردي.

4. لا حاجة لوجود موضوع لعلم الأُصول، وهو مختار سيّدنا الأُستاذ، وهو الأقوى.

وإليك دراسة الأقوال واحداً تلو الآخر.

تحليل القول الأوّل ونقده

ذهب القدماء إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة، وربّما يحذف الوصف، ويقال: نفس الأدلّة.

وأورد عليه: بأنّه إذا كان الموضوع هي الأدلة الأربعة بقيد الدليلية تخرج أكثر المباحث الأُصولية عن كونها مسألة أُصولية وتُصبح من مبادئ ذلك العلم، لوجود الفرق الواضح بين مبادئ العلم وعوارضه. فالأوّل يبحث في وجود موضوع العلم، والثاني يبحث عن عوارضه بعد تسليم وجوده، فإذا كان موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة يكون البحث عن حجّية الخبر الواحد وكونه دليلاً أو لا، بحثاً عن وجود مصاديق هذه الأدلّة الأربعة، والبحث عن مصاديق الموضوع بحث عن المبادئ لا عن العوارض.

وقد أجاب عنه الشيخ عند البحث عن حجّية الخبر الواحد، بقوله:«إنّ مرجع هذه المسألة إلى أنّ السنة ـ أعني: قول الحجّة أو فعله أو تقريره ـ هل يثبت بخبر الواحد، أو لا يثبت إلاّبما يفيد القطع من التواتر والقرينة؟ ومن هنا يتّضح


(32)

دخولها في مسائل أُصول الفقه الباحث عن أحوال الأدلّة».(1)

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ المراد من السنة إمّا المحكي ـ أعني: قول المعصوم ـ عليه السَّلام ـ وفعله وتقريره ـ أو ما يعمّ الحاكي، أعني: خبر الواحد الحاكي عنها.

فعلى الأوّل، فالمراد من الثبوت، إمّا الثبوت الواقعي أي وجود السنّة الذي هو مفاد كان التامة، فهو بحث عن وجود الموضوع لا عن عوارضه.

أو الثبوت التعبّدي، أي وجوب العمل على طبق الخبر، فهو وإن كان بحثاً عن العوارض لكنّه بحث عن عوارض الحاكي لا المحكي، ومرجع البحث إلى أنّ الحاكي هل له هذا الشأن أو لا؟

وعلى الثاني، أي كون المراد من السنّة ما يعمّ حاكيها، فالإشكال وإن كان مرتفعاً، وذلك لأنّ البحث في تلك المباحث يكون عن أحوال السنّة بهذا المعنى، إلاّ أنّ البحث في غير واحد من مسائل هذا العلم لا يخصّ الأدلّة، بل يعمّ غيرها كالبحث عن مفاد الأمر والنهي وأنّهما ظاهران في المعنى الكذائي أو لا.(2)

يلاحظ عليه: بأنّا نختار الشق الثاني، ولكن البحث عن ظهور الأمر في الوجوب والفور وإن كان لا يختصّ بالسنّة، بل يعمّ مطلق الأمر في اللغة العربية لكن إذا ثبت ظهوره في الوجوب لمطلق الأمر، يثبت ظهوره في الأمر الوارد في السنّة، وذلك لأنّ الأمر الوارد في السنّة مصداق جزئي من مصاديق مطلق الأمر، والعارض بواسطة أمر أعم يعدّ عرضاً ذاتياً بالنسبة إلى الأخص إذا لم تكن الواسطة ، واسطة في العروض كما في المقام.


1 - الفرائد: 37، طبعة رحمة اللّه.
2 - كفاية الأُصول:1/6ـ9.


(33)

تحليل القول الثاني ونقده

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة من دون أن نعلم ذاك الموضوع بخصوصه.

يلاحظ عليه: أنّه نوع فرار عن بيان الحقيقة، لأنّ المشاكل التي تكتنفها، صدّته عن بيان ما هو الموضوع لذلك العلم.

تحليل القول الثالث ونقده

ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه، ومسائله عبارة عن التعيّنات العارضة لها والمحدّدة إيّاها.

توضيح ذلك: انّ العرض على قسمين: خارجي وتحليلي.

فالبحث عن عوارض الجسم من حيث الحركة والسكون والألوان والطعوم بحث عن عوارض خارجية محسوسة.

ولكن البحث عن تعيّن الوجود المطلق بإحدى التعيّنات التالية ككونه عقلاً و نفساً وصورة وهيولى وجسم بحث عن العوارض التحليلية.

فالموضوع في العلم الإلهي عبارة عن الوجود المطلق بما هوهو وعوارضه عبارة عن حدوده وتعيّناته. فالحكيم الإلهي يبحث عن تعيّنات الوجود بكونه واجباً أو ممكناً، والممكن جوهراً أوعرضاً، والجوهر عقلاً ونفساً وجسماً وهكذا، فروح البحث في جميع الأقسام ليس ثبوت الوجود وتحقّقه، لأنّ الواقعية أمر مسلّم عند الحكيم وإنّما الهدف بيان أقسامه وأنواعه وحدوده وتعيّناته.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الفقيه يعلم أنّ بينه و بين ربّه حججاً قاطعة للعذر ولكن لا يعرف خصوصياتها وحدودها مع العلم بأصل الموضوع، فيطرح


(34)

الحجّة المقطوعة على بساط البحث، ويبحث عن تعيّناتها وحدودها وأشكالها وألوانها، بأنّها هل هي خبر الواحد أو الشهرة الفتوائية أو الإجماع المنقول وهكذا؟فالبحث عندئذ يكون بحثاً عن عوارض الموضوع بعد التسليم بأصل وجوده.

فتلخّص من ذلك أنّ الموضوع هو الحجّة في الفقه، والعوارض العارضة عليها هي العوارض التحليلية كما لا يخفى.

وقد استشكل السيّد الأُستاذقدَّس سرَّه على هذا التقرير في درس المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه وقال: لو كان الموضوع هو الحجّة في الفقه، فالواجب أن يقال: الحجّة خبر الواحد مع أنّ المتعارف هو العكس.

فأجاب المحقّق البروجردي: بأنّ هذا نظير مسائل الفن الأعلى، فإنّ الموضوع فيه بالاتفاق هو الموجود من حيث هو موجود، مع أنّه يقع محمولاً لا موضوعاً، فلا يقال: الموجود عقل، بل يقال العقل موجود، وهكذا، ووجه ذلك ما أشار إليه الحكيم السبزواري في أوّل الطبيعيات حيث قال:

إن قلت: كيف يكون الجسم هناك عرضاً ذاتياً للموضوع،والمسألة الجسم موجود؟

قلت: بل المسألة «الموجود جسم» ولا سيما على أصالة الوجود واعتبارية الماهية.(1)

وقد أورد عليه شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة بأنّ لازم هذا خروج أكثر المسائل عن كونها مسألة أُصولية، كالبحث عن ظهورات الأمر والنهي في الوجوب والتحريم، والفور و التراخي، والوحدة والكثرة، ممّا يتطلب فيه إثبات أصل الظهور لا بحثاً عن تعيّنات الحجّة وتطوراتها، ولكنّه عدل عن


1 - السبزواري: شرح المنظومة:201.


(35)

الإشكال في هذه الدورة قائلاً بأنّ عنوان المسألة شيء وروحها شيء آخر، فليس الأُصولي عالماً لغوياً يتطلب إثبات أصل الظهور، وإنّما هو يتطلّب إثبات أصل الظهور حتى يكون ذريعة لإقامة الحجّة على واحد من الطرفين. ولأجل ذلك يكون مرجع البحث في هذه المسائل إلى طلب الحجّة على الوجوب أو الندب أو الحرمة أو الفورية وعدمها وهكذا.

ما هو المختار؟

فالأولى أن يقال: انّ كلّ قاعدة تكون ممهدة لتشخيص الأحكام والوظائف الكلية للمكلفين، فهي مسألة أُصولية، سواء أكان لهذه القواعد موضوع واحد أم لا، وسواء أكان البحث عن عوارض الأدلّة الأربعة أو تعيّنات الحجّة أم لا، بل يكفي كون القاعدة ممهدة لتشخيص الوظائف الكلية.

الجهة السادسة: ما هو تعريف علم الأُصول؟

عرّف علم الأُصول قديماً وحديثاً بتعاريف لا يخلو أكثرها من مناقشة:

1.تعريف القدماء: هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية.

يلاحظ عليه: أنّ المستنبَط ربّما لا يكون حكماً شرعياً بل وظيفة عملية وعذراً عقلياً بين العبد و المولى كالأُصول العقلية، فحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بمعنى معذورية العبد في مخالفة الواقع، وأمّا ما هو الحكم الشرعي الفرعي فلا يستنبط من حكم العقل.

فإن قلت: على القول بالملازمة بين حكم العقل والشرع يكون المستنبَط حكماً شرعياً.


(36)

قلت: إنّ غاية ما يَثبت بالملازمة هو إمضاء الشارع معذورية العبد في هذه الحالة وهي ليست حكماً شرعياً فرعياً، ولأجل هذا الإشكال عدل المحقّق الخراساني إلى تعريفه بوجه آخر.

2. تعريف المحقّق الخراساني: صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي تنتهي إليها في مقام العمل.

ويردّ عليه أوّلاً: أنّ لازم ما اختاره في تمايز العلوم أن يعد علم الأُصول علمين لغرضين مختلفين، وتصوّر وجود الجامع بين الغرضين لايدفع الإشكال، وإلاّ تلزم وحدة علم الصرف والنحو لوحدة الغرض وهو صيانة اللسان عن الخطأ.

وثانياً: أنّ الظاهر انّ علم الأُصول هو نفس القواعد، وأمّا الصناعة فإنّما هي من المبادئ لا نفس العلم.

3. تعريف المحقّق النائيني: هو العلم بالكبريات التي لو انضمَّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلي.(1)

ويرد عليه: ما أوردناه على تعريف القدماء أنّه ربّما لا يكون المستنتج حكماً فرعياً كليّاً، بل تكون وظيفة عملية.

4. تعريف السيّد الأُستاذ: القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى لاستنباط الأحكام الفرعية الإلهية، أو الوظيفة العملية.

وهذا التعريف يحتوي على نقطتين هامتين:

النقطة الأُولى: توصيف القواعد بالآلية، كالمنطق الذي هو قواعد آلية للتفكير الصحيح. فخرجت القواعد الفقهية حيث إنّها مطلوبة بنفسها وليست مطلوبة لغيرها.


1 - فوائد الأُصول: 1/19.


(37)

وبعبارة أُخرى: انّ القواعد الأُصولية ما ينظر بها إلى الفقه، وأمّا القواعد الفقهية فهي ما ينظر فيها، وكم فرق بين النظر إلى الشيء بعنوان الآلية والوسيلة والنظر فيه بعنوان بما هوهو.

وثمة حديث منقول عن الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ حيث قال في بيان نظر الإسلام إلى الدنيا: «من أبصر بها بصّـرته، ومن أبصر إليها أعمته».(1)

فلو طلب الدنيا لغاية نيل رضا اللّه سبحانه فهو طلب مرغوب، وأمّا لو طلبها لنفسها دون أن تكون ذريعة إلى كسب الآخرة فهو طلب مرغوب عنه، فالمطلوب من القواعد الأُصولية وقوعها في طريق الاستنباط لا أنّها مطلوبة في حدّ ذاتها، وهذا ما يدفعنا إلى القول بتهذيب علم الأُصول والأخذ بما هو مقدمة للاستنباط ورفض ما ليس كذلك.

النقطة الثانية: وصفها بإمكان الوقوع لا حتميته، وذلك ليدخل في التعريف الظنون غير المعتبرة كالقياس والاستحسان والظن الانسدادي عامّة، فالجميع يمكن أن تقع في طريقه، وإن لم يقع، للنهي عن بعضها.

وهناك تعريف خامس ذكره ـ شخينا الأُستاذ ـ مدّ ظله في الدورة السابقة. فمن أراد فليرجع إلى المحصول.

الجهة السابعة: الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية

وقد ذكرتْ بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية فروق عديدة نقتصر على أهمها:

الفرق الأوّل: انّ المسائل الأُصولية لا تتضمن حكماً شرعيّاً، خلافاً للقواعد


1 - نهج البلاغة: الخطبة 82.


(38)

الفقهية التي تتضمن حكماً شرعيّاً، وتوضيح ذلك:

إنّ المسائل الأُصولية تدور حول محاور أربعة:

1. تعيين الظهورات ومداليل الألفاظ التي يعبّر عنها بمباحث الألفاظ، كالبحث عن ظهور الأمر في الوجوب والنهي في الحرمة.

2. المباحث العقلية أو ما يعبّر عنها بالملازمات العقلية، كالبحث عن الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها، أو وجوب الشيء وحرمة ضده.

3. مباحث الحجج والأمارات، كالبحث عن حجّية خبر الواحد.

4. الأُصول العملية التي يراد بها تعيين وظيفة الشاك.

وأنت إذا لاحظت هذه المحاور تقف على أنّ المحمول في جميعها ليس حكماً شرعياً فرعياً، بل هو إمّا حكم عقلي أمضاه الشارع كباب الملازمات، أو حكم وضعي كالحجّية، فهي وإن كانت حكماً شرعياً لكن ليس فرعياً، وهكذا الحال في تعيين الظهورات والوظائف العملية فالجميع بين حكم عقلي أو شرعي غير فرعي.

وهذا بخلاف القواعد الفقهية فانّها تتضمن حكماً شرعيّاً فرعياً كقوله: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس»، وقوله : «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»، وقوله: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده». فانّ القاعدة وإن لم ترد بلفظها في الشرع ولكنّها قاعدة مقتبسة من الأحكام الشرعية الفرعية في موردها. فللفقيه أن يقتبس من هذه الموارد قاعدة كليّة باسم «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

هذا هو الفرق الأوّل بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية.

الفرق الثاني: انّ المسائل الأُصولية تجري في كلّ باب من أبواب الفقه، بخلاف القواعد الفقهية فانّ الغالب فيها هو اختصاصها بباب دون باب


(39)

كالأمثلة المذكورة. نعم ربّما يجري بعضها في جميع الأبواب كقاعدة لا ضرر ولا حرج.

الفرق الثالث: انّ نتائج المسائل الأُصولية أحكام ووظائف كلّية، بخلاف القواعد الفقهية فانّه ربّما تكون نتيجتها حكماً جزئياً كجريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية كاستصحاب طهارة الثوب المعيّن ، ونظيره أصالة البراءة والاحتياط في الموضوعات، فانّ المترتب عليهما هو الوظيفة الشخصية لمن تم عنده أركان البراءة والاحتياط.

و من هنا يعلم أنّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية بخلافه في الشبهات الموضوعية فانّه قاعدة فقهية، ولا بأس أن يختلف حال المسألة باختلاف موارد تطبيقها، ونظيره البراءة والاحتياط فانّها في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية وفي الشبهات الموضوعية قواعد فقهية.

إلى هنا تمّ ما هو المهم عندنا في بيان الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية، غير أنّ للشيخ الأنصاري بياناً آخر في المقام وهو:

انّ إجراء المسألة الأُصولية في موردها يختص بالمجتهد بخلاف الفقهية فانّ إجراءها في مواردها جائز للمقلّد أيضاً.

والظاهر عدم تماميّة هذا الفرق فانّ كثيراً من القواعد الفقهية كالمسائل الأُصولية يختص العمل بها بالمجتهد إذ هو القادر على تشخيص «ما يضمن عمّا لا يضمن»، وتمييز الأصل الحاكم عن الأصل المحكوم في الشبهات الموضوعية، والشرط المخالف للكتاب والسنّة عن موافقهما.

إلى هنا تمّ الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية، بقي الكلام في تمييز المسألة الفقهية من القواعد الفقهية والمسائل الأُصولية، فنقول:


(40)

المسألة الفقهية: ما يبحث فيها عن أحكام الموضوعات الخاصّة، تكليفية كانت ـ كالبحث عن وجوب الصلاة والصوم ـ أم وضعية كالبحث عن طهارة الماء ونجاسة الدم، بل يمكن أن يقال انّ المسائل الفقهية لا تختص بالبحث عن أحكام الموضوعات بل تشمل أيضاً البحث عن ماهية الموضوعات التي تتعلّق بها الأحكام، كالبحث عن ماهية الصلاة والصوم وأجزائها وموانعها وشرائطها إذ لا وجه لكون البحث عنها استطرادياً.

ومن هنا يعلم الفرق بينها و بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية فلا نطيل.

إلى هنا تمّ ما أفاده المحقّق الخراساني في الأمر الأوّل، وإليك الكلام في الأمر الثاني:


(41)

الأمر الثاني

في الوضع

وفيه جهات من البحث:

الجهة الأُولى: في حقيقة الوضع(1)

منها: الوضع، هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما ناشئ من تخصيصه به تارة ، ومن كثرة استعماله فيها أُخرى.(2)

يلاحظ عليه:

1. انّ اختصاص اللفظ بالمعنى والارتباط المذكور من نتائج الوضع، ناشئ منه وليس نفسه.

2. انّ الارتباط المذكور كما يحصل بالأمرين اللّذين أشار إليهما، كذلك يحصل باستعمال اللفظ في المعنى بداعي الوضع، وسيوافيك تفصيله عند البحث في الحقيقة الشرعية على أنّ تصوير الجامع بين القسمين من الوضع مشكل.

3. انّ التعريف لا يخلو من إجمال، حيث قال: نحو ارتباط بين اللفظ و


1 - لقد استأثرت هذه البحوث باهتمام خاص في علم الألسنة الذي يدرس في الجامعات كعلم مستقل، له خصوصياته واستيعاب البحث فيه يخرجنا عن المقصود، إنّما نكتفي بالإشارة إليه على وجه عابر.
2 - كفاية الأُصول: 1/10.


(42)

المعنى، دون أن يُبيّن حقيقة هذا الربط.

ومنها: انّ حقيقة الوضع ليست إلاّ التعهد بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى.(1)

وهذا التعريف هو المعروف بمسلك التعهد في الوضع، وأوّل من فسّر الوضع به هو المحقّق النهاوندي (المتوفّى 1317هـ) وتبعه تلميذه أبو المجد الاصفهاني(1285ـ 1362هـ) والمحقّق الخوئي (1317ـ 1413هـ) في محاضراته وتعليقاته على أجود التقريرات.

قال أبو المجد في شرح مرام أُستاذه: الوضع عبارة عن التعهّد، أعني: تعهد المتكلّم للمخاطب والتزامه بأنّه لا ينطق بلفظ خاص إلاّ عند إرادته معنى خاصاً، أو أنّه إذا أراد إفهامه معنى معيناً، لا يتكلّم إلاّبلفظ معيّن، فمتى تعهد له بذلك وأعلمه به حصلت الدلالة وحصل الإفهام.(2)

يلاحظ عليه بوجوه:

1. انّه من قبيل خلط الغاية من الفعل، بنفس الفعل. فالوضع شيء والغاية المتوخّاة منه شيء آخر، فالتعهد المذكور في كلامه غاية الوضع حتى يخرج فعل المتكلّم عن اللغوية.

وإن شئت قلت: الوضع عمل خاص يستعقب ذلك التعهدَ وليس نفسَه.

2. لو كانت حقيقة الوضع ذاك التعهد، لزم كون كلّ مستعمل واضعاً، لالتزام كلّ مستعمل تفهيم المعنى عند التكلّم باللفظ المخصوص والالتزام به أمر


1 - تشريح الأُصول: للمحقق النهاوندي.
2 - وقاية الأذهان: 62، ط مؤسسة آل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .


(43)

غريب وإن التزم به بعض المحقّقين.(1)

3. انّ الالتزام بالتعهد في الوضع، غير لازم بل يكفي فيه مجرّد جعل اللفظ في مقابل المعنى بداعي الانتقال إليه عند التكلّم كما هو الحال في سائر الدوال كالعلائم الرائجة لإدارة المرور.

وقد تفطن المحقّق الاصفهاني لما ذكرناه من كون كيفية الدلالة والانتقال من اللفظ وسائر الدوال على نهج واحد بلا إشكال.

فقال: فليس من ناصب العلامة على رأس الفرسخ إلاّوضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه، من دون أيّ تعهّد منه.(2)

نظرنا في حقيقة الوضع

والحقّ انّ الوضع(3) عبارة عن تعيين الألفاظ في مقابل المعاني فقط، وأمّا التزام الواضع بأنّه متى أراد تفهيم المعنى، يتكلّم بهذا اللفظ فهو الغرض الداعي إلى ذلك الجعل، والذي يدلّ على أنّ حقيقة الوضع لا تتجاوز عن ذلك، أمران:

الأوّل: انّ وظيفة الأخصّائيين في اللغة العربية هي وضع الألفاظ بازاء المعاني، فإذا كانت هناك اصطلاحات علمية أو اجتماعية غير دارجة في اللغة العربية، فانّ هؤلاء الأخصّائيين يضعون بازائها ألفاظاً من اللغة العربية وبعد أن يتمّ الاتفاق عليها، يذاع أمرها فتستعمل.

فإذا كان عملهم لا يتجاوز إلاّ جعل اللفظ بازاء المعنى فليكن كذلك عمل السائرين عبر الزمان من أهل اللغة.


1 - تعاليق أجود التقريرات:1/12.
2 - نهاية الدراية: 1/14.
3 - المقصود، التعييني، لا التعيّني لما مرّ في ص 41.


(44)

الثاني: انّ مسؤولية إدارة المرور هي عبارة عن «وضع علائم للوظائف» التي ينبغي لسائقي الشاحنات والناقلات الالتزام بها بغية تنظيم المرور، وعملهم هذا أشبه بعمل الواضع فليكن عمل المتقدمين من أهل اللغة كذلك.

الجهة الثانية: وجود العلقة الذاتية بين الألفاظ ومعانيها

قد نقل عن غير واحد من أهل الأدب وجود العلقة الذاتية بين الألفاظ والمعاني وذلك لصيانة عمل الواضع عن الترجيح بلا مرجح، فانّ جعل لفظ في مقابل معنى فعل اختياري صادر من الإنسان الذي لا يرجِّح أحد الطرفين إلاّ بمرجح وليس هو إلاّ وجود العلقة الذاتية.

يلاحظ عليه: لو صحّ ذلك لزمت لغوية الوضع إذ تكون دلالة اللفظ على المعنى أشبه بدلالة الدخان على النار، أو دلالة السعال على وجع الصدر.(1)

نعم يمكن تفسير القول بالعلقة الذاتية بين اللفظ والمعنى بوجه آخر، وهو أنّ التتبع يكشف عن أنّ الإنسان كان يسمِّي الحيوانات بأصواتها كالهدهد، والبوم، والحمام، والعصفور، والهرة، كما يستند في حكاية الأفعال والحركات إلى أصواتها، كالدق، والدك، والشق، الكسر، الصرير، الدوي، النهيق، ولأجل ذلك ربّما يمكن أن يقال: إنّ كلّ إنسان بما هو مفطور على إظهار ما في ضميره، كان ينتخب لإبراز ما في ضميره ألفاظاً يرى بينها و بين معانيها مناسبة خيالية أو وهمية كالمشابهة في الشكل والهيئة وغير ذلك من المناسبات، فها هو لفظ الهيولى فانّه بمعنى «المادة الأُولى» لكن يستعمل العرف الخاص في الموجود المَهيب، لما يراه بين ذلك اللفظ والمعنى من مناسبة وهمية.


1 - الدلالة الأُولى عقلية، والثانية طبعيّة.


(45)

وبذلك يجاب عمّا يقال بأنّه لولا العلقة الذاتية بين اللفظ والمعنى يلزم الترجيح بلا مرجح، و ذلك لما عرفت من أنّه يكفي وجود التناسب الوهمي والخيالي وغيرهما في انتخاب اللفظ ولا يحتاج إلى المناسبة الذاتية.

الجهة الثالثة: في تعيين الواضع

إنّ الإمعان في الحياة البشرية الغابرة، يُثبت بأنّ الحضارة الإنسانية بأبعادها ليست وليدة يوم أو شهر أو سنة، بل الإنسان خرج من البداوة والحياة الفردية إلى الحياة الاجتماعية بالتدريج فهو عبْر تعمير الأرض بأنحائها المختلفة كان بحاجة شديدة إلى المفاهمة والمكالمة، وقد خلق اللّه سبحانه مادتها في فطرته، وقال: (علّمه البيان) فالحاجة دعته إلى إفهام ما في ضميره من الحوائج بإنشاء ألفاظ مقابل معان بالتدريج فلو قلنا إنّ لكلّ لغة واضعاً، فالواضع هو البشر عبر الزمان بإذن اللّه سبحانه بالتدريج ولم يزل الأمر كذلك في مستقبل الحضارة حيث انّ الألفاظ تزداد، وفق زيادة المعاني.

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ الواضع هو اللّه تبارك وتعالى، و هو الواضع الحكيم حيث جعل لكلّ معنى لفظاً مخصوصاً باعتبار مناسبة بينهما مجهولة عندنا، وجعله تبارك و تعالى هذا واسطة بين جعل الأحكام الشرعية المحتاج إيصالها إلى إرسال رسل وإنزال كتب، وجعل الأُمور التكوينية التي جبل الإنسان على إدراكها كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء ونحو ذلك. فالوضع جعل متوسط بينهما لا تكويني محض حتى لا يحتاج إلى أمر آخر، ولا تشريعي صرف حتى يحتاج إلى تبليغ نبيّ أو وصيّ، بل يلهم اللّه تبارك وتعالى عباده على اختلافهم كلّ طائفة بالتكلّم بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص.


(46)

واستدل على ذلك بأمرين:

الأوّل: لو فرضنا جماعة أرادوا إحداث ألفاظ، بقدر ألفاظ أيّ لغة لما قدروا عليه فما ظنك بواحد.

الثاني: كثرة المعاني، فانّه يتعذّر تصوّرها من شخص أو أشخاص.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّه سبحانه وضع الألفاظ لمعانيها ثمّ ألهم بها الإنسان أمر محتمل، وربما يشير إليه سبحانه: (الرّحمن* علّمَ القُرآن* خَلَقَ الإِنْسان* عَلَّمَهُ البَيان) لا يخالف ما اخترناه آنفاً، لكن ما استدلّ عليه بالوجهين غير تام. لأنّه إنّما يتمّ لو كان هناك واضع خاص أو أشخاص معينون، وأمّا على القول بأنّ أصل كلّ لغة وتكاملها يرجع إلى جهد الإنسان عبر سنين طويلة فلا بعد في أن يقوم البشر طيلة هذه السنين بوضع لغات متعددة لمعاني كثيرة.

الجهة الرابعة: في أقسام الوضع

قُسِّم الوضع إلى أقسام أربعة:

1. الوضع الخاص والموضوع له الخاص.

2. الوضع العام والموضوع له العام.

3. الوضع العام والموضوع له الخاص.

4. الوضع الخاص والموضوع له العام.

وقد اتّفق علماء الأُصول على إمكان الأوّلين ووقوعهما، والأكثر على إمكان الثالث ووقوعه و امتناع القسم الرابع.

غير انّ المهم هو الوقوف على ما هو الميزان في كون الوضع خاصّاً أو عامّاً؟


1 - أجود التقريرات:1/11ـ12.


(47)

ثمّ البحث عن القسمين إمكاناً ووقوعاً وإجمال الكلام فيه على انّ الوضع يقوم بأمرين:

الأوّل: اللفظ وهو الموضوع.

الثاني: المفهوم الملحوظ.

والمدار في وصف الوضع بكونه خاصّاً أو عامّاً، هو كون الملحوظ خاصّاً، أو عاماً. فلو كان الملحوظ خاصّاً فالوضع خاص. ولو وضع اللفظ لنفس الملحوظ الخاص يكون الموضوع له خاصاً أيضاً. ولو كان الملحوظ عاماً فالوضع عام ولو وضع اللفظ لنفس الملحوظ العام يكون الموضوع له عامّاً أيضاً.

وأمّا إذا كان المفهوم الملحوظ عامّاً لكن لم يوضع اللفظ بازائه، بل بازاء مصاديقه، فيكون الوضع عامّاً لكون الملحوظ عاماً، والموضوع له خاصاً، لأنّ الوضع للأفراد والمصاديق، وهذا كأسماء الإشارة حيث إنّ الملحوظ طبيعة المفرد المذكر والموضوع له مصاديق ذلك الملحوظ العام.

وأمّا إذا كان المفهوم الملحوظ خاصّاً لكن لم يوضع اللفظ بازاء ذلك الخاص بل بازاء الجامع بين ذلك الفرد وسائر الأفراد، يكون الوضع خاصّاً والموضوع له عاماً.

إلى هنا وقفنا على واقع التقسيم الرباعي في مجال الوضع، فإذا كان الأوّل والثاني ممكنين وواقعين فلا نبحث فيهما وإنّما نركز الكلام على الثالث والرابع.

القسم الثالث: إمكاناً ووقوعاً

فنقول: المشهور بين الأُصوليين إمكان الثالث ووقوعه، وقد قرروا إمكانه بوجوه:


(48)

الأوّل : ما ذكره المحقّق الخراساني في «الكفاية»، قال:

إنّ العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك، فانّه من وجوهها، ومعرفة وجه الشيء معرفته بوجه، بخلاف الخاص فانّه بما هو خاص لا يكون وجهاً للعام ولا لسائر الأفراد، فلا تكون معرفته وتصوّره معرفة له ولا لها أصلاً ولو بوجه.(1)

وحاصل هذا الوجه: انّه لا يشترط في تصوّر الموضوع له تصوّره تفصيلاً، بل يكفي تصوّره إجمالاً، ويكفي في ذلك معرفة الأفراد بوجهها وهو العام.

يلاحظ عليه: أنّ معنى كون الشيء وجهاً، هو كونه مرآة له وحاكياً عنه، والحكاية فرع الوضع، والمفروض أنّ الملحوظ العام كالحيوان الناطق لم يوضع إلاّلنفس الحقيقة المعرّاة عن كلّ قيد وشرط، فكيف يمكن أن يحكي المعنى المطلق، عن القيود والخصوصيات التي بها قوام الفرديّة؟!

والحاصل : انّ القدر المشترك بما هو قدر مشترك والذي نعبّر عنه بالملحوظ لا يحكي إلاّ عن القدر الجامع عن الخصوصيات وفردية الفرد بالثانية دون الأُولى.

الثاني: ما ذكره المحقّق الخوئي، حيث قرر إمكان القسم الثالث بما هذا خلاصته: الفرق بين القضية الخارجية والحقيقية، هو انّ الحكم في الأُولى مقصور على الأفراد الموجودة في ظرف الحكاية، مثل قولك: «قُتل من في العسكر» و«نهب ما في الدار» وأمّا الحقيقية فالحكم فيها مجعول على الأفراد المحقّقة، والمقدّرة في الأزمنة الآتية، مثل قولك: كلّ إنسان كاتب بالقوّة.

فكلّ إنسان موجود في ظرف الحكم والموجود في الأزمنة الآتية المقدرة ظرفه، مشمول لهذا الحكم، وليس هذا إلاّ لأجل أخذ الطبيعة في موضوع الحكم


1 - كفاية الأُصول:1/10.


(49)

على وجه سارية في أفرادها، وجارية في مصاديقها، فيشمل كلّ فرد محقّق في ظرفه، و ما قيل من أنّ العام لا يحكي عن المصاديق والأفراد فإنّما يصحّ إذا كانت القضية طبيعية أو خارجية، وأمّا إذا كانت مأخوذة على نحو القضية الحقيقية التي تكون فيها الطبيعة متحدة مع المصاديق وسارية فيها، فانّها تحكي عن الجميع حسب سريانها.(1)

يلاحظ عليه: انّ معنى سريان الطبيعة في مصاديقها هو ثبوت الحكم عليها متى وجدت، ويكفي في ثبوت الحكم انطباق العنوان عليها، ويكفي في الانطباق كون الفرد بما هو إنسان مصداقاً للجامع بما هوهو، لا بما له من الخصوصيات والقيود. وأمّا حكايتها عن الافراد والخصوصيات فلا، لأنّ مناط الحكاية هو دخول الخصوصيات في مفاد الملحوظ العام، والمفروض انّها حقيقة معرّاة، وتصور انّ الجامع متحد مع الخصوصيات وإن كان صحيحاً لكن الاتحاد ليس مناط الحكاية، وإنّما مناطها دخول الخصوصيات في المعنى الجامع وحكايتها عنها، والمفروض أنّ الملحوظ الجامع لم يوضع إلاّ لنفس الجامع.

الثالث: ما أفاده المحقّق العراقي وحاصله:

إنّ العناوين العامة المنتزعة على أنواع:

1. العنوان المنتزع من الجامع الذاتي بين أفراده، المتحد وجوداً مع خصوصيات الأفراد والمعرّى عنها تصوراً وحقيقة كالحيوان والإنسان.

2. العنوان المنتزع من الأفراد باعتبار اتّصافها بخصوصية خارجة عن ذاتها


1 - حكى شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ انّه سمع ذلك التقرير من السيد الخوئي في درسه الشريف عام 1370هـ.ق وأشار إلى ذلك التقرير في المحاضرات بصورة عابرة حيث قال: وهذا هو الوضع العام والموضوع له الخاص وحاله كحال القضية الحقيقية (المحاضرات:1/53).


(50)

وذاتياتها، سواء كان ما بحذائها شيء كالأبيض، أو لا كالممكن. وهذان القسمان لا يحكيان عن شيء من خصوصيات أفراده بل يحكيان عن الجامع الساري.

3. العنوان العام الذي يحكي إجمالاً عن الخصوصيات التي يكون بها التشخص خارجاً.

والأوّل والثاني يحكيان عن الجامع الموجود في الفرد، دون الخصوصيات، والثالث يحكي عن نفس الخصوصيات التي بها يكون التشخص خارجاً، مثل مفهوم «الشخص» و«الفرد» و «المصداق» فهذه عناوين كلية منتزعة من الأفراد والخصوصيات الخارجية. ونظيرها لفظ «كل» و «بعض» والموصولات مثل «من» و «ما». وعندئذ يصحّ أن يوضع لفظ «الإنسان»، لكلّ من ينطبق عليه لفظ الإنسان فانّ لفظ الكلّ، حاك عن الأفراد إجمالاً، أو يقال لفظ «هذا» موضوع لكلّ مفرد مذكر.(1)

وهذا التقرير لا غبار عليه، وعلى ذلك يمكن أن يمثل له بأسماء الإشارة، فلفظ «هذا» وضع لكلّ مفرد مذكر، فقولنا: مفرد مذكر إشارة إلى الجامع، وإذا أضيف إليه لفظة كلّ يشير إلى المصاديق، وهذا المقدار من الحكاية يكفي لكون الموضوع له خاصاً.

إلى هنا تمّ بيان القسم الثالث، وإليك بيان القسم الرابع:

القسم الرابع: إمكاناً ووقوعاً

ذهب المحقّق الخراساني إلى امتناع القسم الرابع واستدلّ عليه بقوله:

إنّ الخاص لا يكون مرآة للعام، لأنّه إذا لوحظت الخصوصية فيه حين


1 - لاحظ بدائع الأفكار:1/38ـ39.


(51)

الوضع يكون الموضوع له كالوضع خاصاً، وإن جرّد عن الخصوصية يكون الوضع عامّاً ويرجع إلى القسم الثالث.(1)

وحاصل كلامه: انّ الخاص لتقيده بقيود وخصوصيات لا يحكي إلاّ عن الموجود المشخص، فكيف يمكن أن يكون مرآة للمعنى المتعرّي عن الخصوصيات؟! ولو جرّد الملحوظ عن الخصوصية يصبح حينئذ كليّاً ويصير من قبيل القسم الثالث، لأنّ الملحوظ يكون عاماً وإن كان الموضوع له خاصاً، هذا.

لكن لفيفاً من المحقّقين حاولوا تصحيح هذا القسم بالأمثلة التالية:

أ: إذا لاحظ الواضع فرداً خارجياً من نوع كزيد، وهو يعلم أنّ بينه و بين سائر الأفراد جامعاً كليّاً، فيضع اللفظ للجامع بينه و بين سائر الأفراد،فالملحوظ خاص أعني زيداً، لكن الموضوع له الجامع بين هذا الفرد وسائر الأفراد.

ب: ما ذكره شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري: إذا تصور شخصاً جزئياً خارجيّاً من دون أن يعلم تفصيلاً بالقدر المشترك بينه و بين سائر الأفراد، ولكنّه يعلم إجمالاً باشتماله على جامع مشترك بينه و بين باقي الأفراد مثله، كما إذا رأى جسماً من بعيد ولم يعلم أنّه حيوان أو جماد، فوضع لفظاً بازاء ما هو متحد مع هذا الشخص في الواقع (أي على الجامع بينه و بين غيره) فالموضوع له لوحظ إجمالاً وبالوجه، وليس الوجه عند هذا الشخص إلاّ الجزئي، لأنّ المفروض أنّ الجامع ليس متعقلاً عنده إلاّ بعنوان ما هو متّحد مع هذا الشخص.(2)

ج: الكمّ المعروف بالمتر الذي هو وحدة قياس الطول ومقداره 100 سانتيمتر، فالمخترع وضع لفظ المتر على الوحدة القياسية التي اخترعها وعلى كلّ


1 - كفاية الأُصول: 1/10.
2 - درر الفوائد:1/5.


(52)

وحدة تشابهها، فالوضع خاص، لأنّ الموضوع هو الكمية المعيّنة، ولكن الموضوع له هو الجامع بينه و بين غيره.(1)

فالمحقّقون حاولوا تصحيح هذا القسم كما صححوا أيضاً القسم السابق.

نظرية السيد الأُستاذ

إنّ سيدنا الأُستاذ حاول حسم النزاع بالبيان التالي:

وحاصله: القول بالتفصيل بين كون الملحوظ الخاص حاكياً عن العام، وبين كونه سبباً للانتقال إلى العام.

فعلى الأوّل يمتنع هذا القسم، لأنّ الملحوظ بما هو خاص لا يحكي عن العام، ضرورة تقيّده بخصوصيات تعيقه عن حكاية العام.

وأمّا على الثاني فلا مانع من إمكان القسم الرابع، لأنّ الخاص ربّما يكون سبباً للانتقال إلى العام، والانتقال خفيف المؤنة لا يتوقف على أن يكون اللفظ حاكياً عن المنتقل إليه حتى يقال انّ الحكاية فرع الوضع، بل ربّما يكون الضدّ سبباً للانتقال إلى الضدّ، فكلّما يسمع الإنسان اسم موسى الكليم ينتقل إلى طاغوت عصره فرعون، و هكذا.(2)

نعم ذكر سيدنا الأُستاذ نفس هذا التفصيل في القسم الثالث، وانّ العام لا يحكي عن الخصوصيات ولكن يوجب الانتقال إليها، فلو كان الوضع متوقفاً على الحكاية فهذا القسم مثل القسم الرابع في الامتناع ولو كان الانتقال كافياً في الوضع فكلاهما سيان.


1 - حكى شيخنا الأُستاذـ مدّ ظله ـ انّه سمعه من والده عند تدريسه المنطق لجمع من الفضلاء.
2 - تهذيب الأُصول: 1/8، بتلخيص.


(53)

ولكنّك عرفت أنّ الانتقال من العام إلى الخاص يمكن أن يتمّ عن طريق ضميمة لفظ «كلّ» إلى الملحوظ حتى يكون مشيراً وحاكياً عن الخصوصيات، بأن يضع لفظة هذا لكلّ مفرد مذكر، فالوضع عام، لأنّ الملحوظ عام وهو المفرد المذكر، والموضوع له خاص وهو ما أُشير إليه بقولنا كل.

الجهة الخامسة: في المعاني الحرفية

يقع البحث في الحروف في موضعين:

1. ما هي معانيها ومضامينها.

2. ما هي كيفية وضعها.

والنظر في كيفية الوضع وأنّه خاص أو عام يتبع اتخاذ النظر في الموضع الأوّل، والبحثان مختلطان في كلام القوم.

ونحن نركز البحث على الموضع الأوّل ونبحث عن الموضع الثاني في الجهة السادسة.

التعريف المعروف لكلّ من الاسم والحرف، وهو ما ذكره ابن الحاجب(570ـ 640هـ) صاحب الكافية حيث قال:

«الاسم ما دلّ على معنى في نفسه، والحرف ما دلّ على معنى في غيره، والمراد من الموصول هو الكلمة، والضمير في كلّ من «نفسه» و «غيره» يرجع إلى المعنى. وأنّه في حدّ ذاته على قسمين، قسم يكون مفهوماً محصلاً في نفسه، لا يحتاج في تحصيله في الذهن إلى معنى آخر، وقسم يكون مفهوماً متحقّقاً في الذهن يتبع غيره».(1)


1 - شرح الكافية: 5، في معنى الحرف.


(54)

ثمّ إنّه ظهرت بعد ابن الحاجب آراء في معنى الحروف وهي بين الإفراط والتفريط، وإليك دراسة هذه الآراء:

1. نظرية المحقّق الرضي (المتوفّى668هـ)

إنّ الشيخ الرضي اختار في تفسير التعريف المذكور بأنّ الضمير في كلّ من نفسه وغيره يرجع إلى الموصول الذي أُريدت منه الكلمة، وانتهى إلى أنّ معنى الاسم (الابتداء) مضمون نفسه، ولكن معنى الحرف (من) مضمون لفظ آخر، يضاف ذلك المعنى(مضمون من) إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي، وإليك نصّه.

قال الرضي: انّ معنى «من» الابتداء، فمعنى «من» و معنى لفظة «الابتداء» سواء، إلاّ أنّ الفرق بينهما انّ لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر، بل مدلوله معناه الذي في نفسه مطابقة، ومعنى «من» مضمون لفظ آخر يضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي، فلهذا جاز الاخبار عن لفظ الابتداء في قولك «الابتداء خير من الانتهاء» ولم يجز الاخبار عن لفظ «من» لأنّ الابتداء الذي هو مدلولها، في لفظ آخر، فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه، بل في لفظ غيره، وإنّما يخبر عن الشيء باعتبار المعنى الذي في نفسه مطابقة، فالحرف وحده لا معنى له أصلاً، إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدل على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما، فإذا أفرد من ذلك الشيء بقي غير دال على معنى في شيء أصلاً، فظهر بهذا انّ المعنى الافرادي للاسم والفعل في أنفسهما وللحرف في غيره.(1)

يلاحظ عليه : أوّلاً: وجود التناقض بين الصدر والذيل، فانّ صدر كلامه يوحي إلى أنّ لفظة «من» موضوعة لنفس ما وصفت له كلمة الابتداء، حيث يقول:


1 - شرح الرضي لمقدمة ابن الحاجب(الكافية):4.


(55)

فمعنى «من» و معنى «لفظة الابتداء» سواء. فينطبق على نظرية المحقّق الخراساني الآتية.

لكن الذيل يشير إلى نظرية غير معروفة، هي انّ وزان الحروف وزان الأعاريب في أواخر الكلم، فكما أنّ التنوين يشير إلى كون اللفظ فاعلاً، ومفعولاً من دون أن يكون له معنى خاص فهكذا الحروف.

وثانياً: أنّ الميزان في كون اللفظ ذا معنى أو غيره إنّما هو التبادر، ولا شكّ انّه يتبادر من الحروف معاني خاصة مندكة في معاني متعلقاتها لا انّها خالية من المعنى.

والفرق بين الحروف والاعراب واضح فانّ الحروف ممّا ينطق بها مستقلاً فيليق أن يكون لها وضع خاص دون الاعراب.

2. نظرية المحقّق الخراساني

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المعاني الحرفية والاسمية متحدة جوهراً فلا فرق بينهما، وانّ الاستقلال والآلية خارجان عن حريم المعنى وحقيقته وإنّما يعرضان عند الاستعمال. فيكون الوضع عاماً والموضوع له عاماً.(1)

وإنّما ذهب إلى هذا القول تخلصاً من المضاعفات الموجودة في القول بأنّها موضوعة للمعاني الآلية من الابتداء والانتهاء، لأنّ أخذ الآلية جزء للمعنى يوجب كون الموضوع له خاصاً؟ وعندئذ يعود السؤال بأنّه ما هو المراد من كونه خاصاً؟ فإن أُريد منه الجزئي الخارجي، فربما يكون المستعمل فيه عاماً كما إذا قال: سر من البصرة إلى الكوفة، وإن أُريد منه الجزء الذهني بحيث يكون لحاظ الآلية قيداً له فيترتب عليه عدّة أُمور:


1 - كفاية الأُصول: 1/15.


(56)

1. لزوم تعدد اللحاظين عند الاستعمال، لاستلزامه لحاظ المعنى، مضافاً إلى اللحاظ الموجود فيه عن طريق الوضع.

2. عدم انطباقه على الخارج لكون جزء الموضوع أمراً ذهنياً.

3. لزوم كون لحاظ الاستقلالية جزءاً للمعاني الاسمية فيُصبح المعنى الاسمي خاصاً، وهو خلاف ما اتّفقوا عليه.

وحاصل تلك النظرية انّ الأسماء والحروف موضوعة لمعنى واحد معرّى عن كلّ قيد، أعني: الاستقلالية والآلية، لكنّ تعرضهما تلك الخصوصية عند الاستعمال فليستا جزء الموضوع ولا جزء المستعمل فيه، بل من طوارئ الاستعمال وعوارضه .

والفرق بين تلك النظرية وما هو المشهور واضح جدّاً، إذ المعنى على مبنى المحقّق الخراساني خال عن كلا القيدين: لحاظ الاستقلال ولحاظ الآلية، وكلاهما يعرضان على المعنى في درجة متأخرة عن الوضع، وهذا بخلاف ما عليه المشهور من أنّ الاستقلال من صميم المعنى الاسمي وجوهره، كما أنّ الآلية والتدلّي والقيام بالغير مقوم للمعنى الحرفي بحيث لو حذفت التبعية لما يبقى للمعنى الحرفي أثر.

هذا مذهبه فهلم معي لتحليله ونقده.

يلاحظ عليه: أوّلاً: انّ لتبيين معاني الألفاظ وتشخيص الموضوع له عن غيره طرقاً مألوفة عند العقلاء والاخصائيين في ذلك العلم وما سلكه قدَّس سرَّه من إقامة البراهين العقلية في ذلك الموضوع نهج غير مألوف ولا مفيد، فإنّ لكلّ علم مبادئ ومقدمات خاصة يجب التطرق من تلك المبادئ إلى النتائج، فإثبات اللغة بالبرهان الفلسفي أشبه باصطياد المعاني الفلسفية واقتناصها من الاعتبارات العرفية، وممن نبّه على هذه النكتة أساتذتي الكرام لا سيما السيّد الأُستاذ والعلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّهما ـ.


(57)

وثانياً: إذا كانت المعاني في الخارج، مستقلة وغير مستقلة، قائمة بنفسها ومتدلّية بغيرها. فلماذا يترك الواضع هذين المعنيين ولم يُعْرِ لهما أهمية فانّ تعلّق الغرض ببيان هذين المعنيين بنفس خصوصياتهما أكثر من تعلّق غرضه بالجامع بينهما.

وثالثاً: إذا فرضنا انّ الخصوصيتين ـ أعني: الاستقلالية والآلية ـ غير داخلتين في الموضوع له وإنّما تعرضان للمعنى عند الاستعمال فما هو الدليل المفهم لتلك الخصوصية فانّ المفروض انّ الدالّ هو اللفظ، واللفظ دالّ على المعنى الجامع، فكيف تفهم الخصوصية عند الاستعمال مع أنّها غير داخلة لا في الموضوع له ولا في المستعمل فيه؟!

ورابعاً: انّ لازم ما ذكره جواز استعمال كلّ من الاسم والحرف مكان الآخر، مع أنّه غير جائز، وما ذكره من أنّ هذا النوع من الاستعمال على خلاف شرط الواضع، غير تام، لعدم لزوم اتّباع شرطه، حتى وإن شرطه في ضمن الوضع.

وخامساً: ماذا يريد من خروج الاستقلالية والتبعية من صميم المعنى الاسمي والحرفي؟ فإن كان يريد خروجهما عن مفهومهما واقعاً، فهذا نفس القول بارتفاع النقيضين، فانّ المعنى في حدّ الذات إمّا مستقل أو غير مستقل.

وإن أراد خروج لحاظ الاستقلالية والآلية لا نفسهما عن صميم المعنى كما هو ظاهر كلامه، فيرد عليه انّ مقوم المعنى الحرفي ليس لحاظ الآلية حتى يلزم من خروجه عن صميم المعنى، وحدة المعاني الحرفية والاسمية، بل المعيار في كون المعنى حرفياً هو كون جوهره وحقيقته قائماً بالغير متدلّياً به في مقابل خلافه .

ولو كان الملاك للمعنى الاسمي والحرفي هو لحاظ الاستقلال في الأوّل ولحاظه الآلية في الثاني كان لما ذكره وجه حيث يصحّ ردّه بالبراهين الثلاثة على


(58)

خروجها، فنخرج بالنتيجة التالية: وحدة المعاني الاسمية والحرفية حقيقة واختلافاً عند الاستعمال.

وأمّا إذا كان ملاك التمييز بينهما هو جوهر معانيهما على نحو يكون أحدهما مستقلاً بالذات، وإن لم يلاحظ الاستقلال، و يكون ثانيهما متدلّياً بالذات وقائماً بالغير، وإن لم يلاحظ التدلّـي والقيام بالغير، لم يكن لما ذكر وجه ، ولأجل ذلك ذهب المحقّقون إلى أنّ التفاوت بين المعنيين لا يمتّ إلى اللحاظ بصلة، بل يمتّ إلى جوهرهما وواقعهما، وإليك شرح هذه النظرية.

النظرية الثالثة: تمايزهما بنفس الذات

هذه النظرية هي النظرية المعروفة من عصر ابن الحاجب إلى يومنا هذا، فقد تقدّم تعريف المعنى الاسمي والحرفي عنه. وشرحه الشريف الجرجاني في تعليقته على شرح الكافية للشيخ الرضي، ونقله عبد الرحمن الجامي في شرحه على الكافية تارة باسم الحاصل وأُخرى باسم المحصول.

وأوّل من شرحه بأمانة ودقة صدر الدين الشيرازي، وتبعه شيخنا المحقّق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية، والسيد الطباطبائي في تعليقته عليها، والسيد الإمام الخميني في محاضراته ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ ، ونحن نذكر النظرية بأوضح العبارات وأبينها.

إنّ الغاية من وضع الألفاظ سواء أكان بالوضع التعييني أو التعيّني هو رفع الحاجة وإظهار ما يقوم بالنفس من المفاهيم والمعاني التي ينتقل إليها الذهن من طرف الحواس وغيرها من أدوات المعرفة.

هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ الوجود في النشأة الخارجية على أقسام ثلاثة:


(59)

1. ما هو مستقل ذاتاً وماهية كما هو مستقل خارجاً ووجوداً.

وبعبارة أُخرى: مستقل في كلتا النشأتين: الذهنية والخارجية، فله استقلال في صحيفة الذهن كما له استقلال في صحيفة الوجود، كالجواهر بأقسامها، وهذا ما يعبّر عنه الفلاسفة بقولهم: « في نفسه لنفسه» فكلمة «في نفسه» إشارة إلى استقلاله في مفهومه وذاته، كما أنّ لفظة «لنفسه» إشارة إلى استقلاله في الوجود من دون أن يكون قائماً بالغير ناعتاً له.

2. ما هو مستقل ذاتاً وماهية، لكن غير مستقل خارجاً ووجوداً، بل إذا وجد في الخارج وجد في موضوع، ناعتاً لغيره واصفاً له.

وبعبارة أُخرى: مستقل في صحيفة الذهن دون صحيفة الخارج، وذلك كالأعراض بأقسامها التسعة، فالبياض له مفهوم مستقل يُعرف: انّه لون مفرّق لنور البصر. لكنّه إذا وجد في الخارج بحاجة إلى موضوع يقوم به.ومثله سائر الأعراض ويعبّر عنه :« في نفسه مفهوماً لغيره وجوداً».

3. ما هو غير مستقل في كلتا النشأتين لا في الذهن ولا في الخارج وليس له مفهوم تام كما ليس له وجود مستقل، فهو في عالم التصوّر اندكاكيّ المعنى، وفي عالم التحقّق اندكاكيّ الوجود، فمفهومه فان في مفهوم آخر كما أنّ وجوده كذلك.

وهذا كالمعاني الحرفية حيث لا تتصور إلاّتبعاً للمعاني المستقلة وفي ظلها، كما لا تتحقق إلاّمندكة في الغير وفانية فيه، ويعبّر عنه في مصطلحهم بقولهم: «ما وجوده في غيره لغيره».

فالقسم الأوّل هو الوجود النفسي، والثاني هو الوجود الرابطي ويعبّر عنه بالاعراض أيضاً، والثالث هو الوجود الرابط، كما يقول الحكيم السبزواري:

انّ الوجـود رابط ورابطـي * ثمة نفسي فهناك واضبطي


(60)

وإن أردت التوضيح فاستوضح الأمر في المثال التالي:

تقول زيد في الدار، فهاهنا أمران مستقلان مفهوماً ومصداقاً وهو «زيد» و«دار» وهناك مفهوم ثالث وهو «كون زيد في الدار» فهو مفهوم لا يتصوّر إلاّمضافاً إلى زيد ودار كما لا يتحقق إلاّ بهما. والاندكاكية واللااستقلالية في صميم ذاته وجوهر حقيقته على نحو لو انسلخ المعنى عن هذا الوصف، لعدم المعنى وانقلب المعنى الحرفي معنى اسمياً، وبذلك أصبح المعنى الحرفي أخسَّ المعاني تصوراً ووجوداً.

وقس عليه سائر الأمثلة الرائجة كقولك: سرت من البصرة إلى الكوفة، فهاهنا مفهومان مستقلان ماهية وذاتاً، أحدهما السير، والآخر البصرة، وهناك مفهوم ثالث وهو كون ابتداء السير من البصرة هو غير مستقل مفهوماً إلاّ إذا أُضيف إلى سائر المعاني كالسير والبصرة، كما هو غير مستقل وجوداً فلا يتحقّق الابتداء بهذا المعنى إلاّقائماً بالسير من البصرة. إلى غير ذلك من الأمثلة.

وبذلك يعلم انّ الفرق بين المعاني الاسمية والحرفية جوهري، ينبع الفرق من جوهر معانيهما وصميم ذاتهما سواء أكان هناك ملاحظ أم لا.

وبعبارة أُخرى: الاستقلالية والآلية من صميم ذاتهما على نحو لو سلختا عن هذين المعنيين لانعدما.

قال الشريف الجرجاني: كما أنّ في الخارج موجوداً قائماً بذاته، وموجوداً قائماً بغيره، كذلك في الذهن معقول هو مدرك قصداً ملحوظ في ذاته، يصلح أن يحكم عليه وبه، ومعقول هو مدرك تبعاً وآلة، كملاحظة غيره، فلا يصلح لشيء منهما، فالابتداء مثلاً إذا لاحظه العقل قصداً وبالذات كان معنى مستقلاً بالمفهومية، ملحوظاً في ذاته، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء فقط، ولا حاجة في الدلالة


(61)

عليه إلى ضمّ كلمة أُخرى إليه لتدل على متعلّقه، وهذا هو المراد بقولهم إنّ للاسم والفعل معنى كائناً في نفس الكلمة الدالة عليه، وإذا لاحظه العقل من حيث هو حالة بين السير والبصرة مثلاً و جعله آلة لتعرف حالهما كان معنى غير مستقل بالمفهومية ولا يصلح أن يكون محكوماً عليه وبه و لا يمكن أن يتعقّل إلاّ بذكر متعلّقه بخصوصه ولا أن يدلّ عليه إلاّ بضم كلمة دالّة على متعلّقه.(1)

ثمّ إنّه أفاض القول في ذلك، فمن أراد فليرجع إلى الكتاب.

وبذلك يعلم ضعف كلام المحقّق الخراساني حيث جعل المعاني الاسمية والحرفية واحداً بالذات تصوراً وذاتاً لكن الاستقلالية والآلية تعرضان على المعنى الوارد عند الاستعمال، فجعل ما هو جزء الذات أو صميمها أمراً عرضياً للمعنى.

أسئلة وأجوبة

فإن قلت: قد عدّ العرض في البيان السابق من القسم الثاني وهو ما يكون مستقلاً مفهوماً، وغير مستقل وجوداً، مع أنّ هذا التعريف للأعراض لا يصدق إلاّ على الكم والكيف ولا يصدق على الأعراض النسبية كالأين ومتى، فانّ الأوّل عبارة عن كون الشيء في المكان، كما أنّ الثاني عبارة عن كون الشيء في الزمان، وما هذا معناه فهو من المعاني الحرفية القائمة بالغير مفهوماً ووجوداً لا وجوداً فقط.

قلت: إنّ تفسير المقولتين بما ذكر تفسير خاطئ، بل الأين عبارة عن الهيئة الحاصلة للشيء من كونه في المكان أو من كونه في الزمان، والهيئة الحاصلة معنى اسمي مستقل مفهوماً، وإن كان غير مستقل وجوداً، وهذا نظير الجِدَة فانّ الجدة ليست إلاّ الهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء كالهيئة الحاصلة للإنسان بالتعمم


1 - شرح الكافية المشهور بشرح الجامي:15.


(62)

والتقمّص.

فإن قلت: إنّ ما ذكر من التعريف للمعنى الحرفي لا ينطبق على بعض الحروف كالكاف في قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) (1). فانّ معناه «ليس مثلَ مثله شيء» ونظيره «واو» الاستئناف و«تاء» التأنيث في «ضربت»، ولفظة «قد» في الفعل الماضي.

قلت : إنّ الكاف في الآية ليس حرفاً بل اسم بمعنى «مثل» ولذلك تقسم الكافُ إلى حرف واسم، وأمّا الباقي فالأولى المعاملة معها معاملة العلائم كالتنوين في الفاعل، والنصب في المفعول، ولا مانع من كون بعض العلائم مشيرة إلى المعنى الاسمي.

فإن قلت: إنّ المحقّق صاحب الحاشية (المتوفّى1248هـ) قسّم معاني الحروف إلى قسمين: إخطارية وإيجادية، والمراد من الأُولى ما يكون حاكياً عن معنى متحقّق في الخارج مثل قولك: «سرت من البصرة إلى الكوفة»، كما أنّ المراد من الثانية ما لا يكون حاكياً عن معنى متحقّق في الخارج بل المعنى يوجد بنفس الاستعمال، مثل قولك: يا زيد أو «إياك» فالجميع ينشئُ معنى النداء والخطاب، فالقسم الأوّل أشبه بالجمل الخبرية والقسم الثاني أشبه بالجمل الإنشائية، فهل يخالف ذلك المعنى، المختار؟

قلت: إنّ تقسيم معاني الحروف إلى إخطارية وإيجادية تقسيم بديع، ولكن الإخبار والإيجاد يتحقّقان بما للحروف من المعنى، فلابدّ من التركيز على المعنى الحرفي أوّلاً ـ و قد أهمله صاحب الحاشية ـ ثمّ تقسيم ذلك المعنى إلى إخطاري


1 - الشورى:11.


(63)

وإيجادي فقد تكلّم هو عن خصوصيات المعنى الحرفي وأقسامه دون حقيقته وواقعه.

وبذلك يعلم انّ نظرية المحقّق النائيني أيضاً لا تخالف مختارنا حيث قال: إنّ شأن أدوات النسبة ليست إلاّ إيجاد الربط بين جزئي الكلام، فانّ الألفاظ بما لها من المفاهيم متباينة بالهوية والذات، فلفظ «زيد» بما له من المعنى مباين للفظ «قائم» بما له من المعنى،وكذا لفظ «السير» مباين للفظ «الكوفة» و«البصرة» بما لهما من المعنى، لكن أدوات النسبة إنّما وضعت لإيجاد الربط بين جزئي الكلام بما لهما من المفهوم على وجه يفيد فائدة تامة يصحّ السكوت عليها، فكلمة «من» و«إلى» إنّما جيء بهما لإيجاد الربط وإحداث العلقة بين «السير» و«البصرة» و«الكوفة» الواقعة في الكلام بحيث لولا ذلك لما كان بين هذه الألفاظ ربط وعلقة أصلاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من شأن الحروف أمر لا سترة عليه لكن الربط يحصل بواقع المعنى الحرفي فكان عليه أن يحدد المعنى الحرفي ثمّ يتكلّم في أوصافه وقُدُراته.

وبذلك يظهر انّ نظرية المحقّق الخوئي في الحروف أيضاً لا تخالف ما ذكرنا حيث قال: إنّ الحروف وضعت لتضييق المعاني الاسمية وتقييدها بقيود خارجة عن حقائقها، ومع ذلك لا نظر لها إلى النسب الخارجية، بل التضييق إنّما هو في عالم المفهوم، ثمّ مثّل بمثال و قال: الصلاة في المسجد حكمها كذا، فانّ الصلاة لها إطلاق إلى الخصوصيات المسنونة والمصنفة والمشخصة، فغرض المتكلّم قد يتعلّق ببيان المفهوم على إطلاقه وسعته ويقول: الصلاة خير موضوع، وقد يتعلّق بإفادة حصة خاصة منه و يقول: الصلاة في المسجد حكمها كذا، حتى تدلّ على

انّ المراد ليس الطبيعة السارية إلى كلّ فرد بل خصوص حصة منها.(2)

يلاحظ عليه: لو سلمنا انّ دور الحروف دور التضييق فهو يحصل بما للحرف من المعنى فلابدّ أن نتعرف على ذات المعنى ثمّ على وصفه من الضيق.

على أنّ فيما ذكره من وضع المعاني الحرفية للضيق إشكالاً واضحاً ذكره شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة. (2)وبذلك علم أنّ النظريات الثلاث ليست مخالفة للمختار وإنّما ركّز أصحابها على صفات المعاني الحرفية دون ذاتها وواقعها، فهذه النظريات الأربع ترجع إلى أمر واحد.


1 - فوائد الأُصول: 1/42; أجود التقريرات:1/18.

2 - أجود التقريرات:1/18.


(64)

الجهة السادسة: في بيان كيفية وضع الحروف

قد تقدّم البحث في حقيقة المعنى الحرفي وحان البحث عن كيفية وضعها، فهناك نظريات:

أ: الوضع عام كما أنّ الموضوع له كذلك، وهو خيرة المحقّق الخراساني.

ب: الوضع عام لكن الموضوع له خاص، وهو المختار.

أمّا الأُولى: فهي خيرة المحقّق الخراساني، وحاصلها: انّه لا فرق بين المعنى الاسمي والحرفي جوهراً وذاتاً وانّهما وضعا لمعنى واحد غير انّ الاختلاف بالاستقلال والآلية يعرضان على المعنى عند الاستعمال.

فالواضع نظر إلى مفهوم كـ«آغاز» باللغة الفارسية و وضع له لفظ الابتداء ولفظة «من» لكن اشترط على المستعملين باستعمال الأوّل في الابتداء المستقل والثاني في الابتداء غير المستقل، فهما يعرضان على المعنى عند الاستعمال، فالملحوظ «آغاز» بما انّه عام فالوضع عام وبما انّه الموضوع له فكذلك.


1 - أجود التقريرات:1/18.


(65)

ولكنّك عرفت عدم اتقان المبنى وانّ معاني الحروف تتمايز عن الأسماء بجوهرهما لا باللحاظ.

وأمّا الثانية: فهي خيرة السيّد الأُستاذ قدَّس سرَّه ، وتوضيحها يحتاج إلى مقدّمة، وهي انّه لا جامع مقولي للمعاني الحرفية، وذلك لأنّ الجامع المقولي عبارة عن المفهوم العام المنتزع من الأفراد باعتبار اشتراكهما في حقيقة واحدة، وما هو كذلك يكون له مفهوم مستقل يلاحظه الذهن مرة بعد مرة، ومثل ذلك لا يكون جامعاً مقولياً للحروف، لأنّ واقع الحروف هو القيام بالغير والاندكاك فيه، فلو انسلخت هذه الخصوصية عنه لانقلب المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي.

وبذلك يعلم أنّه لا يمكن أن يكون هناك جامع مقولي للحروف، لأنّه بما هو جامع مقولي يلازمه الاستقلال، وبما هو جامع مقولي للحروف يلازمه الاندكاك والتبعية، وهما لا يجتمعان في مفهوم واحد في زمان واحد.

وبعبارة أُخرى: لا جامع مقولي بين المعاني الحرفية، إذ لو كان الجامع من سنخ المعنى الحرفي لوجب أن يكون متدلّياً بالذات وهو بهذا الوصف يمتنع أن يكون مقولة، لأنّ المقولة تحمل على مصاديقها، والحمل يستلزم الاستقلال في التصور، وهو لا يجتمع مع كونه معنى حرفياً غير مستقل في المفهوم.

وإن شئت قلت: إنّه لو كان الجامع من سنخ المعاني الاسمية، فهو لا يكون جامعاً للمعاني الحرفية.

فإن قلت: إذا لم يكن هناك جامع ذاتي للمعاني الحرفية، فكيف توضع الحروف لمصاديق المعنى الكلي حتى يكون الموضوع له عاماً؟

قلت: لا محيص للواضع من التمحل بأن يتوصل عند الوضع بمفاهيم اسمية لا تكون جامعاً ذاتياً لها، كما لا تكون ربطاً حقيقياً وتدلياً واقعيا، كمفاهيم


(66)

الظرفية والابتداء الآلي وغيرهما. فيضع الحروف لما هو مصداق لها بالحمل الشائع، ويشير بهذه العناوين إلى المصاديق، وبهذه المفاهيم إلى الأفراد.

وبذلك يعلم أنّ الموضوع له خاص، لأنّه وضع لما هو المصداق للابتداء أو الانتهاء، والمصداق يلازم الجزئية.

فإن قلت: قد استدلّ المحقّق الخراساني على كون معاني الحروف كلية بقوله: إنّ المستعمل فيه كثيراً ما يكون كلياً كما إذا وقع تحت الأمر كقوله: «سر من البصرة إلى الكوفة» بشهادة انّه إذا بدأ بسيره من أي نقطة من نقاط البصرة يكون ممتثلاً ولو كان المستعمل فيه جزئياً لما صحّ الامتثال إلاّمن نقطة واحدة.

يلاحظ عليه: أنّا لا نجد فرقاً بين هذا المثال المدّعى استعمال الحرف فيه في المعنى الكلي، وبين قولنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة» المدّعى استعمال الحرف فيه في المعنى الجزئي، والظاهر انّ المتكلّم لاحظ البصرة أمراً واحداً شخصياً و استعمل الحرف في ذلك الواحد الشخصي، وإنّما التكثر جاء من جانب العقل، حيث إنّ العقل بعدما لاحظ انّ البصرة واحد ذو أجزاء، يصلح أن يتبدأ بالسير من كلّ جزء ، حكم بأنّ الامتثال يحصل من أي جزء تحقق، وكم فرق بين أن يكون المستعمل فيه أمراً كلياً من أوّل الأمر، و بين أن يكون واحداً حقيقياً منحلاً إلى كثير بحكم العقل، نظير انحلال الحكم الواحد إلى الكثير كما لا يخفى.

ثمرة البحث

وقد ذكرت ثمرات للبحث عن كيفية الوضع والموضوع له نشير إلى بعضها:

أ: لو كان الموضوع له فيها خاصاً لا يتصور تقييده، وذلك لأنّ التقييد فرع الإطلاق وهو فرع السعة، والخاص فاقد لها فلا يمكن تقييده، وعلى ذلك رتبوا انّ


(67)

القيد في الواجب المشروط لا يرجع إلى الهيئة، لأنّ مدلول الهيئة معنى حرفي، والمعنى الحرفي بما انّ الموضوع له فيه خاص لا يقبل التقييد فلا مناص من إرجاعه إلى المادة، نظير قولك: «أكرم زيداً إن سلّم» فقوله: «أكرم» مركب من هيئة ومادة، فلو كان الموضوع له للهيئة هو الوجوب الشخصي فهو لا يقبل التقييد فلا يمكن القول بأنّ الوجوب مشروط بالتسليم، بل يجب القول بأنّ التسليم قيد للمادة، ومعنى الجملة هو ان سلم زيد أكرمه إكراماً مقيداً بكونه بعد التسليم.

يلاحظ عليه: بما ذكرناه في محلّه من أنّ الجزئي غير قابل للتقييد من حيث الأفراد لكنّه قابل له من حيث الأحوال، فزيد بما انّه جزئي لا يقبل التقييد الافرادي، ولكن يقبل التقييد الأحوالي، لأنّ له أحوالاً كثيرة ككونه قائماً قاعداً، متعمماً، وغير متعمّم، فيمكن أن يقيّد بحال من الأحوال، ولذلك لو شككنا انّ الموضوع للوجوب هو زيد أو هو مع قيد التعمم يحكم بالإطلاق على الأوّل. وعلى هذا ، الوجوب أو إنشاء البعث وإن كان أمراً شخصياً لكن له أحوالاً مختلفة، فالوجوب المقيّد بتسليم زيد غير الوجوب المقيّد بعدم تسليمه فيصحّ تقييده بالتسليم.

ب: إنكار المفهوم للقضايا الشرطية، فانّ القول بالمفهوم على أساس انّ المنفي سنخ الحكم لا شخصه، وإلاّفانّ الشخص يرتفع بارتفاع قيده وهو لا يجتمع مع كون مفاد الهيئة أمراً جزئياً بخلاف ما إذا قلنا بأنّ مفادها أمر كلي فمع ارتفاع شخص الحكم، يقع الكلام في ارتفاع سنخه وعدمه.

يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرنا في الثمرة الأُولى فانّ الموجود الشخصي وإن لم يكن قابلاً للتقييد من حيث الافراد، لكنّه قابل له من حيث الأحوال، فانّ وجوب الإكرام المقيّد بتسليم زيد غير وجوب الإكرام في حالة أُخرى، فللوجوب وجود


(68)

سعي حسب الحالات.

وعلى ضوء هذا فللحكم الشخصي الجزئي حالتان:

1. ملاحظته مع التسليم فلا شكّ انّه في هذا اللحاظ مرتفع بعدم التسليم على كلا القولين.

2. ملاحظته مع عدم التسليم فالمثبت للمفهوم يقول بارتفاعه أيضاً دون المنكر.

فالقول بالمفهوم وإنكاره لا يبتني على كون مفاد الهيئة كليّاً بل يجري على القول بجزئية معناها.

وبذلك ظهر انّ المسألة فاقدة الثمرة.

الجهة السابعة: في وضع أسماء الإشارة والضمائر والموصولات

وفي المسألة آراء نشير إليها:

1. نظرية المحقّق الخراساني

لقد اختار المحقّق الخراساني فيها ما اختاره في الحروف من أنّ الوضع عام والموضوع له والمستعمل فيه كذلك، وانّ أسماء الإشارة مثل «هذا» و الضمائر الغائبة والحاضرة كلّها وضعت لنفس المفرد المذكر على النحو الكلي، إمّا ليشار بها إلى معانيها كأسماء الإشارة والضمائر الغائبة، أو يخاطب بها كما في الضمائر الخطابية، ولما كانت الإشارة والتخاطب يستدعيان التشخص، لأنّ الإشارة والتخاطب لا يكاد يكون إلاّ إلى الشخص أو معه، فتعرض الخصوصية من ناحية الاستعمال كما لا يخفى.(1)


1 - كفاية الأُصول:1/16.


(69)

فعلى ما ذكره يكون الموضوع له هو ذات المفرد المذكر ونفس المشار إليه مع قطع النظر عن كونه بوصف المشار إليه، لكن النظرية يحيطها شيء من الغموض لأنّه يقول: «وضعت لنفس المفرد المذكر على النحو الكلّي ليشار بها إلى معانيها».

فماذا يريد من الإشارة؟ فإن أراد الإشارة بنفس اللفظ، فهو غير معقول، لأنّه إذا كان موضوعاً لنفس المفرد المذكر فاستعماله فيه لا يستلزم إلاّ إحضار نفس المعنى لا أمراً زائداً عليه.

و إمّا أن يراد الإشارة الحسية بالاصبع وغيره، فمع أنّه يستلزم عدم صحّة استعماله إلاّ مع الإشارة يلزم عدم صحّة الضمائر الخطابية، فانّ الخطاب لا يتحقّق إلاّ بنفس اللفظ لا بأمر آخر حيث نقول: «خرجت أنت».

2. النظرية الثانية: نظرية المحقّق البروجردي

وهذه النظرية على طرف النقيض من النظرية السابقة، لأنّها تعتمد على أنّ أسماء الإشارة وضعت لنفس الإشارة من دون أن يدخل فيها المشار إليه، أعني: المفرد المذكّر، وقد تبعه السيّد الأُستاذقدَّس سرَّه .

وحاصل النظرية : انّ أسماء الإشارة والضمائر والموضوعات، التي يجمعها «المبهمات»وضعت لنفس الإشارة فيكون لفظ «هذا» بمنزلة الإشارة بالاصبع فيكون آلة للإشارة، والإشارة أمر متوسط بين المشير والمشار إليه. وعلى ذلك يكون عمل المبهمات كلّها عملاً إيجادياً، ولأجل ذلك ينتقل الذهن بعد سماعها إلى المشار إليه.

ولعلّه إلى ذلك يشير ابن مالك في ألفيّته بقوله:

بذا، لمفرد مذكر أشر * بذي وذه ، تي تا على الأُنثى اقتصر

فهو يقول: إنّ لفظ «ذا» موضوع لنفس الإشارة لا للمشار إليه، ومثله


(70)

الضمائر فيشار بلفظ «أنا» إلى المتكلّم، وبلفظ «أنت» إلى المخاطب، وبلفظ «هو» إلى الغائب. ولأجل ذلك يجب أن يكون المشار إليه متعيّناً إمّا تعيّناً خارجياً أو ذكرياً، كما في ضمير الغائب، أو وصفياً كما في الموصولات حيث يشار لها إلى ما يصدق عليه مضمون الصلة.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كانت أسماء الإشارة موضوعة لنفس الإشارة، فالإشارة معنى حرفي قائم بالمشير والمشار إليه، ولازم ذلك أن لا يقع مبتدأً مع أنّ الواقع خلافه، وقد أجاب عن هذا الإشكال السيّد الأُستاذ بقوله: بأنّ المبتدأ هو الشخص الخارجي وقد أُحضر بواسطة اللفظ، والمحمول إنّما يحمل على ذلك الشخص الخارجي.

لكن الإجابة غير مقنعة، إذ لازم ذلك تركيب الكلام من جزء ذهني وهو المحمول، وجزء خارجي وهو الموضوع. والالتزام بصحّة هذا النوع من الكلام كما ترى.

على أنّ بعض المبهمات مثل «من» ، «ما»، «أي» لا يتبادر منها الإشارة كقوله: (يُسَبِّحُ للّهِ ما فِي السَّموات وَما فِي الأَرْض).(2)

وقوله تعالى: (فَأَيُّ الفَريقينِ أَحَقُّ بالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون) .(3)

وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «من كان على يقين وشكّ فليمض على يقينه».(4)

3. النظرية المختارة

إنّ أسماء الإشارة لم توضع لنفس المفرد المذكر كما في النظرية الأُولى، ولا لنفس الإشارة مع قطع النظر عن المشار إليه كما في النظرية الثانية، بل وضعت


1 - نهاية الأُصول: 21ـ 22.
2 - الجمعة:1.
3 - الأنعام:81.
4 - الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 6.


(71)

للمفرد المذكر في حال الإشارة على نحو يكون القيد (أي الإشارة) خارجاً والتقيّد داخلاً، وهذا هو الذي اختاره المحقّق الاصفهاني فقال: إنّ أسماء الإشارة والضمائر و بعض المبهمات موضوعة لنفس المعنى في حال تعلّق الإشارة به خارجاً أو ذهناً على نحو القضية الحينية(1) . فقولك«هذا» لا يصدق على زيد إلاّ إذا صار مشاراً باليد أو بالعين، والفرق بين مفهوم لفظ «المشار إليه» و لفظ «هذا» هو الفرق بين لفظ الربط ومفهوم «في» و «من».(2)

توضيحه: انّه يمكن استظهار حال أسماء الإشارة من الإشارة التكوينية فانّ دورها هو إحضار المشار إليه عن طريق الإشارة بالاصبع والعصا، وكان الإنسان البدائي يحضرها بالاستعانة بالإشارة التكوينية، ولمّا تقدّم في مجال الحضارة قامت الألفاظ مكان الأعمال، ووضع لفظ «هذا» مكان العمل التكويني فكانت النتيجة إحضار المشار إليه عن طريق الإشارة اللفظية فيكون الموضوع له، الذاتَ الواقعة في إطار الإشارة ومجالها أو حين الإشارة.

وبالجملة المتبادر من أسماء الإشارة هو الذات المتقيدة بالإشارة على نحو يكون القيد خارجاً والتقيّد داخلاً. ودخول الإشارة بالمعنى الحرفي لا بالمعنى الاسمي.

وبذلك تظهر كيفية الوضع فهو عام فيكون الملحوظ قبل الوضع عاماً (الذات في مجال الإشارة) لكن الموضوع له خاص، لأنّ الإشارة الخارجية(لا مفهوم الإشارة) معنى حرفي لا جامع مقولي بين أفرادها. فيتوصل بلفظ (المفرد المذكر عند الإشارة) إلى مصاديقها فتوضع عليها، فيكون الموضوع له خاصاً.

ومنه تظهر حال الضمائر: الخطاب والتكلّم والغيبة حرفاً بحرف، فالمتبادر


1 - بل المقيدة بالإشارة كما سيوافيك في التوضيح.
2 - نهاية الدراية:1/21.


(72)

من لفظ «أنت» و «أنا» و «هو» الذات عند الإشارة وإن كانت الإشارة في الضمير الغائب أضعف من الأوّلين.

ثمّ إنّ الإشارة اللفظية تتكفّل وراء إحضار المشار إليه، بيان إفراده وتثنيته وجمعه وتذكيره وتأنيثه، حضوره وغيبته، ولذلك مسّت الحاجة إلى وضع الألفاظ وعدم الاكتفاء بالإشارات التكوينية.

وأمّا الموصول فالظاهر عدم وجود الإشارة فيه فهو بأسماء الأجناس أشبه، ولأجل اشتمالها على الإبهام المطلق دون أسماء الأجناس تلزم الصلة بعدها، فالظاهر انّ الوضع فيها عام كالموضوع له.

الجهة الثامنة: في الإخبار والإنشاء

الجمل الإنشائية على ضربين:

فضرب منها يُستخدم في باب الأمر والنهي، وقسم منها في العقود والإيقاعات، مثل قولك«بعت» أو «أنت طالق» إذا كنت في مقام الإنشاء، وقد اختلف الأُصوليون في تبيين الفرق بين الإخبار والإنشاء على وجوه:

1. نظرية المحقّق الخراساني

اختار المحقّق الخراساني في المقام نفسَ ما اختاره في المعاني الاسمية والحرفية من عدم دخول واقعية الانشاء والاخبار في الموضوع له، وإنّما هما من قيود الوضع وطوارئ الاستعمال. فمفاد «بعت» نسبة مادة البيع إلى المتكلّم إمّا بقصد ثبوت معناه في موطنه فإخبار، أو بقصد تحقّقه وثبوته بنفس الاستعمال فإنشاء.(1)


1 - كفاية الأُصول:1/16.


(73)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف الحكمة فإذا كان المعنى في حدّ ذاته على قسمين ويريد المتكلّم تارة حكاية المعنى وأُخرى إيجاده بنفس الاستعمال، فلا وجه للعدول عن هذا الطريق الطبيعي وجعل اللفظ لمعنى مشترك بين القسمين.

وبالجملة: اخراج مفاد الإخبار والإنشاء عن نطاق الموضوع له وجعلهما من قيود الوضع خلاف الوضع الطبيعي.

2. نظرية المحقّق الخوئي

إنّ للمحقّق الخوئي في باب الفرق بين الإنشاء والإخبار نظرية شاذة خالف فيها المشهور، توجد جذورها في كلام المحقّق الإيرواني.(1) وقد ذكره في تعاليقه في أجود التقريرات.(2) وقرره تلميذه في المحاضرات، ونحن نذكر ما في الأخير حيث قال: إنّ الجملة الإنشائية موضوعة لإبراز أمر نفساني خاص، وكلّ متكلّم متعهد بأنّه متى ما قصد إبراز ذلك، يتكلّم بالجملة الإنشائية. مثلاً: إذا قصد إبراز اعتبار الملكية، يتكلّم بصيغة «بعت» أو «ملكت» وإذا قصد إبراز اعتبار الزوجية، يبرزه بقوله: «زوجت» أو «أنكحت» وإذا قصد إبراز اعتبار كون المادة على عهدة المخاطب، يتكلم بصيغة «إفعل» ونحوها.

فالجمل الإخباريةوالإنشائية تشترك في الدلالة على الإبراز، إلاّ أنّ الأُولى مبرزة لقصد الحكاية والإخبار عن الواقع ونفس الأمر، وتلك مبرزة لاعتبار من الاعتبارات كالملكية والزوجية ونحوهما.

واستدلّ على ذلك بأنّ المراد من كون الإنشاء للإيجاد، إمّا الإيجاد التكويني فهو بيّـن البطلان، وإمّا الإيجاد الاعتباري، كإيجاد الوجوب والحرمة والملكية


1 - نهاية الدراية: 1/13.
2 - أجود التقريرات:1/25ـ 26.


(74)

والزوجية، فيرده أنّه يكفي في ذلك نفس الاعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظ والتكلّم، فإنّ الإيجاد يتحقّق بالاعتبار النفساني سواء أكان هناك لفظ يتلفظ به أم لم يكن، ومن هنا يعلم أنّه لا فرق بينها وبين الجمل الاخبارية.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ لازم ما ذكره هو رجوع الإنشاء إلى الإخبار وقبوله الصدق والكذب مثل الاخبار، فإذا كانت الجملة مطلقاً سواء كانت إنشائية أو إخبارية موضوعة للإبراز غير انّ المبرَز تارة يكون قصد الحكاية والإخبار عن الواقع، وأُخرى الابراز عمّا في الذهن من اعتبار المالكية للمشتري والزوجية لزيد. فعندئذ يكون مفاد الجملة الإنشائية كالجملة الإخبارية، غير أنّ إحداهما تحكي عن الخارج والثانية عن عمل الذهن، ويتوجه عليه انّه يحتمل الصدق والكذب، وهذا هادم لما هو المعروف من أنّ الجملة الإنشائية لا يصحّ وصفها بالصدق أو الكذب.

ثانياً: أنّ لازم ذلك كون «بعت» و«زوجت» مرادفاً لاعتبار الملكية للمشتري أو الزوجية للزوج وهو كما ترى.

ثالثاً: أنّ ما ذكره من أنّ الإيجاد يتحقّق بالاعتبار النفساني سواء أكان هناك لفظ يتلفّظ به أم لم يكن، غير تام ، وذلك لأنّه مبني على أنّوعاء الاعتبار هو الذهن، وقد تم فيه مع أنّ الأُمور الاعتبارية لا خارجية ولا ذهنية، بل لها واقعية في عالم الاعتبار، والأثر مترتب على إيجاد الموضوع في ذلك الوعاء لا في وعاء الذهن.

فقولك: زوجت هذه لهذا إيجاد للزوجية في عالم الاعتبار لا في وعاء الذهن، فما اعتبره في الذهن يكون كالمقدمة والأرضية الصالحة لإنشاء ما اعتبره في الذهن في عالم الاعتبار باللفظ على نحو يعد ذلك العمل في تلك الظروف وعاءً للإنشاء.


1 - المحاضرات:1/94ـ 95.


(75)

وإن شئت قلت: إنّ الأثر غير مترتب على التصورات الذهنية وان ابرزه باللفظ، بل الأثر مترتب على النقل والانتقال الإنشاءيّين بالسبب القولي أو السبب الفعلي. وأنت إذا لاحظت حقيقة المعاطاة تقف على أنّ الغاية هي إيجاد البيع بالسبب الفعلي الذي كان الإنسان البدائي يزاوله.

3. النظرية المختارة

إنّ مشاهير الأُدباء والأُصوليين ذهبوا إلى أنّ دور الصيغ الإنشائية دور الإيجاد لمعانيها لا الكشف عن حقيقة خارجية أو ذهنية، فقولك:«زوّجت» إيجاد للزوجية، و «بعتُ» إيجاد للملكية، و «هل قام زيد» إيجاد للاستفهام بالحمل الشائع، والكلام في المقام في العقود والإيقاعات التي تدور عليها رحى الحياة فنقتصر على توضيحها، وأمّا الكلام عن سائر الإنشائيات كمدلول الأمر والنهي فنرجئ البحث عنها إلى مكانها.

لا شكّ أنّ الزوجية والملكية والرئاسة اعتبارات اجتماعية، إنّما الكلام في كيفية اعتبارها وانتقال الإنسان الاجتماعي إلى تلك الأُمور الاعتبارية، فنقول:

إنّ سبب الانتقال إلى اعتبار هذه الأُمور إنّما هو التكوين، مثلاً:

يرى الإنسان في الخارج أمرين مماثلين، كالعينين والأُذنين والرجلين واليدين على نحو كلّ يدعم الآخر في العمل ومن جانب آخر يلمس الإنسان انّ بين الرجل والمرأة تجاذباً جنسياً وعاطفياً على نحو يُكمل كلّ منهما الآخر في مجالات مختلفة، وهذا ما يدفع الإنسان الاجتماعي إلى اعتبارهما زوجين كالأُذنين، غير انّ زوجية الأُذنين بالتكوين وزوجية الرجل والمرأة بالاعتبار والتنزيل.

ثمّ إنّ الزوجية الاعتبارية كالزوجية التكوينية تحتاج إلى عامل يوجدها


(76)

ويحقّقها، فالعامل المكوّن للزوجية التكوينية هو خالق الكون، والمكوّن للزوجية الاعتبارية هو السبب اللفظي أو السبب الفعلي، فيقول: زوجت هذه بهذا، أو زوجت المرأة المعلومة بالرجل المعلوم، وبذلك يوجد ما اعتبره من الزوجية في عالم الاعتبار وعلى صعيد القانون بحيث يتلقّى العرف كلاً زوجاً للآخر.

ولك أن تجري ذلك البيان في الملكية الاعتبارية، فانّ الإنسان يحسّ من جانب انّه مالك لكلّ عضو من أعضائه ولذلك يضيف الأعضاء إلى نفسه فيقول: يدي و رجلي وعيني وسمعي، وهذه الملكية ملكية تكوينية.

ومن جانب آخر انّه يرى نفسه أولى من غيره لما جناه بيده من السمك من البحار والبلوط من الغابات ، بل يرى كلّ ما حصّله ببدنه وسائر أعضائه أولى بها من غيرها، ولذلك يخاطب أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ جنوده ويقول: «فَجَناةُ أيديهم لا تكونُ لغيرِ أفواهِهِم».(1)

ثمّ إنّه يحسّ في الحياة الاجتماعية إلى ضرورة التبادل بين ما يرى نفسه أولى به و ما يراه الآخر أولى به، كدفع السمك الذي اصطاده من البحر إلى من يملك الحنطة فيقوم بالمبادلة يقول:بعت هذا بهذا، أي ملكتك ما مَلِكتُ، غير انّ الملكية التكوينية تحتاج إلى عامل تكويني ولكنّها في المقام بعامل لفظي.

وبذلك يعلم أنّ عالم الاعتبار عبارة عن تنزيل الفاقد منزلة الواجد، أو تنزيل الموجود الاعتباري منزلة التكويني وأخذ الثاني أُسوة للجعل والإنشاء.

ولك أن تجري ذلك البيان في الرئاسة فانّ الرأس يدير البدن تكويناً فالإدارة بما أنّها أمر تكويني منحها اللّه سبحانه هذه المسؤولية إليه هذا من جانب، ومن جانب آخر إذا كان هناك مجتمع لغاية عقلائية فالضرورة تقضي وجود مدير


1 - نهج البلاغة: الخطبة 232.


(77)

لهم وعند ذلك يعتبره رئيساً، أي يعطي ما للرأس من الحكم التكويني لهذا الإنسان. وينشأ ما اعتبر، بقوله: جعلته حاكماً ورئيساً لكم، وبذلك يتبين انّ عامل الاعتبار كنفس المعتبرات ليس لها في الواقع والخارج مصداق يخصّه ولكن الحياة تدور على هذه المفاهيم الوهمية.

فخرجنا بتلك النتيجة: انّ الأحكام الإنشائية لا توصف بالصدق أو الكذب، لأنّ السبب أعني: اللفظ أو الفعل وضعا للإيجاد، والمفروض تحقّقه ويتلوه المسبب، والصدق والكذب من آثار الحكاية .

الجهة التاسعة: في مفاد هيئة الجملة الاسمية

المعروف بين المنطقيين أنّ القضية تتركب من أُمور ثلاثة: الموضوع، المحمول، والنسبة، وهي إمّا إيجابية أو سلبية، وعلى ذلك فالقضية مشتملة على نسبة كلامية والدالّ عليها هيئة الجملة الاسمية.

ثمّ إن وافقت النسبةُ الموجودة في القضية الملفوظة أو المتصورة،النسبةَ الخارجية، فالقضية صادقة، وإلاّفهي كاذبة.

فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في اشتمال القضية على النسبة التي نعبر عنها بالنسبة الكلامية.

الثاني: في وجود النسبة الخارجية.

والدليل الوحيد في المقام الأوّل هو التبادر، كما أنّ الدليل في المقام الثاني هو البرهان العقلي. فلا يختلط عليك المقامان من حيث التحليل واختلاف البرهان.

أمّا الأوّل: فالظاهر عدم اشتمال القضية الحملية على النسبة الكلامية، وذلك لأنّ هيئة الجملة الاسمية لم توضع لها بل وضعت للهوهوية وانّ هذا ذاك،


(78)

فإذا لم يكن هناك دالّ على النسبة الكلامية، فمن أين نعلم بأنّ القضية الكلامية تشتمل على النسبة؟ هذا، وانّ التبادر ببابك، فلاحظ القضايا الحملية ترى أنّ المتبادر هو الهوهوية وانّ هذا ذاك لا أنّ هنا موضوعاً وهناك محمولاً وهناك نسبة تَربط المحمول بالموضوع، فهذا غير متبادر جدّاً.

وإليك دراسة القضايا:

1. القضايا الحملية الأوّلية مثل: الإنسان إنسان أو حيوان ناطق.

2. القضايا الحملية الشائعة بالذات مثل: البياض أبيض.

3. القضايا الحملية الشائعة بالعرض مثل: الجسم أبيض.

والفرق بين القسمين الأخيرين أنّ الموضوع في الأوّل مصداق حقيقي للمحمول و في الثاني مصداق له بالعرض، فانّ ما هو الأبيض واقعاً هو البياض، وأمّا الجسم فإنّما يكون أبيض ببركة ذلك العارض له.

4. قضايا الهلية البسيطة مثل: زيدموجود.

5. قضايا الهلية المركبة مثل: زيد قائم.

ففي جميع هذه الموارد يتبادر من الهيئة الهُوهويّة، أي كون المحمول عين الموضوع مفهوماً أو مصداقاً. ولا تتبادر الكثرة حتى يُربط أحدهما بالآخر بالنسبة، فإذا سألك سائل بقوله: هل زيد قائم أو موجود؟ فانّه يسأل عن أنّه هل هو ولا يسأل عن ثبوت الوجود أو القيام لزيد، من دون فرق بين كون المشتق مركباً أو بسيطاً، لأنّ الكلام ليس في مفهوم المشتق بل الكلام في مفهوم الجملة التركيبية فبساطة المشتق وتركبه غير مؤثر في ذلك.

هذا كلّه في الحمليات الموجبة بعامة أقسامها.

وأمّا الحمليات السالبة فالهيئة فيها موضوعة لسلب الحمل ونفي الهوهوية،


(79)

فمعنى قول القائل: ليس زيد عالماً هو سلب كونه هوهو، وانّه لا اتحاد بينهما، وليس معناه حمل النسبة السلبية على زيد.

فالسوالب المحصلة من القضايا الحملية لسلب الهوهوية لا حمل النسبة السلبية على زيد.

هذا كلّه في الحمليات الحقيقية، وأمّا الحمليات المؤوّلة، أعني: ما تتخللها الأدوات مثل «في» و «على» فالحقّ انّ موجباتها تشتمل على النسبة الكلامية أوّلاً والخارجية ثانياً دون سالباتها، فالأوّل مثل قولك: «زيد في الدار» أو «زيد على السطح» لأنّ تفسير الجملة عن طريق الهوهوية غير تام، إذ لا يمكن أن يقال انّ زيداً هو نفس في الدار، بل لابدّ من القول باشتمال الجملة على النسبة وهي انّ هنا زيداً، كما أنّ هنا داراً وشيئاً ثالثاً وهو كون زيد فيها.وهو أمر وراء الموضوع والمحمول. وهذا من غير فرق بين مقام الدلالة ومقام الخارج، ففي الخارج أيضاً زيد وسطح واستقرار زيد عليه نظير قولك: «الماء في الكوز»، ففي هذا النوع من الحمليات ترافق النسبةُ الكلامية، النسبةَ الخارجية.

وأمّا السوالب فهي لسلب النسبة، فقولك : ليس زيد في الدار، سلب للنسبة المذكورة الكلامية أو الخارجية.

وبذلك يعلم أنّ متعلّق السلب تابع لما هو مدلول القضية الحملية الموجبة، فلو كان مدلولها هو الهوهوية فالسلب يتعلّق بسلب الهوهوية كما أنّه لو كان موجبها هو النسبة وحصول شيء في شيء أو على شيء فالسلب يتعلّق بسلب تلك النسبة.

إلى هنا تبيّن عدم اشتمال الجمل الاسمية على النسبة الكلامية إلاّفي الحملية المؤوّلة الموجبة، فالقول بالاشتمال فيها هو الصحيح.


(80)

الثاني: في النسبة الخارجية

هذا كلّه حول المقام الأوّل، وأمّا المقام الثاني أي عدم وجود النسبة الخارجية بين الموضوع والمحمول في عالم التطبيق، فالدليل الوحيد هو البرهان لا التبادر.

والبرهان يثبت عدمها في القضايا التالية:

1. الحمل الأوّلي كقولك: الإنسان إنسان أو حيوان ناطق، فلا نسبة خارجية بين الأمرين لامتناع جعل الربط بين الشيء ونفسه، فانّ النسبة فرع التعدد والمفروض هو الوحدة في مقام المفهوم فضلاً عن مقام المصداق.

2. الهلية البسيطة، مثل قولك: زيد موجود، فانّ القول بوجود النسبة الحرفيّة بين الطرفين يستلزم استقلال الماهية وكونها طرفاً للنسبة وهو باطل.

3. الهلية المركبة ولكن المحمول من قبيل الذاتي في باب البرهان كقولك: زيد ممكن ، وإذ يمتنع أن تكون هناك نسبة خارجية بين زيد وإمكانه، لأنّ المفروض انّ المحمول ينتزع من صميم الموضوع وحاقه على نحو يكون وضع الموضوع كافياً لوضع المحمول، فكيف يمكن أن يكون هناك رابط بينهما؟

4. الحمل الشائع بالذات، مثل قولنا: البياض أبيض، لامتناع تصور النسبة بين الشيء ومصداقه الذاتي.

فلم يبق إلاّ الحمل الشائع بالعرض، مثل قولنا: الجسم أبيض أو زيد قائم ففيه التفصيل بين النسبة الكلامية والنسبة الخارجية، فالأُولى منتفية لما عرفت من أنّ الهيئة الكلامية موضوعة للهوهوية لا للنسبة، وأمّا الثانية فهي متحقّقة فانّ زيداً شيء و القيام شيء آخر، وحصول القيام له أمر ثالث.

ومنه تظهر حال الحمليات المؤوّلة نحو زيد في الدار، أو زيد على السطح،


(81)

فالقول بالنسبة الخارجية فيها كالنسبة الكلامية ـ على ما مرّ ـ موافق للتحقيق، فانّ زيداً شيء والسطح شيء آخر واستقراره عليه أمر ثالث الذي هو معنى حرفي.

إذا عرفت ما ذكرنا تقف على أنّ منهجنا في دراسة هذه المقدّمة أقرب إلى التحقيق لما عرفت من تفكيك النسبة الكلامية عن النسبة الخارجية، وبرهنا على الأوّل بالتبادر، وعلى الثانية بالبرهان، خلافاً للسيّد الأُستاذ فانّه جعل برهان الأمرين شيئاً واحداً واستدلّ من عدم النسبة الخارجية على انتفاء النسبة الكلامية مع أنّه لا ملازمة بين الانتفاءين. إذ لم يكن الواضع فيلسوفاً حتى يضع الهيئة وفق مقتضى البرهان.


(82)

الأمر الثالث

في الحقيقة والمجاز

عرّف المجاز بأنّه استعمال اللفظ في غير ما وضع له لمناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فإن كانت المناسبة هي المشابهة فالمجاز استعارة، وإلاّ فالمجاز مرسل، كاستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ وبالعكس، كاستعمال العين في الإنسان مثل ما ورد في قول الإمام أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ :«عيني بالمغرب كتب إليّ يُعلمني».(1)

وعكسه كاستعمال الإنسان في عضو منه، كما في قولك: ضربت إنساناً، إذا ضربت عضواً منه.

وعلى قول هؤلاء يكون استعمال اللفظ في غير ما وضع له بالوضع وحسب تحديد الواضع حيث إنّ الواضع رخص فيما إذا كان هناك علقة مشابهة أو سائر العلائق البالغة إلى 25 علاقة.

هذا هو المعروف ولكن هناك نظرية جديدة أبدعهاالعلاّمة أبو المجد الشيخ محمد رضا الاصفهاني (1285ـ 1362هـ) في كتابه «وقاية الأذهان» وتبعه السيد المحقّق البروجردي(1292ـ 1380هـ) والسيّد الأُستاذ (قدس اللّه أسرارهم) وهذه النظرية من بدائع الأفكار في عالم الأدب، وقد أحدثت هذه


1 - نهج البلاغة، قسم الكتب، برقم 33.


(83)

النظرية انقلاباً في عالم المجاز حيث استطاعت أن تغيّر العديد من المفاهيم السائدة آنذاك، وحاصلها انّ اللفظ في مجال المجاز يستعمل في نفس المعنى الحقيقي بالإرادة الاستعمالية لكن بادّعاء انّ المورد من مصاديق المعنى الحقيقي، يقول العلاّمة أبو المجد: إنّ تلك الألفاظ مستعملة في معانيها الأصلية، ومستعملها لم يحدث معنى جديداً ولم يرجع عن تعهده الأوّل، بل أراد بها معانيها الأوّلية بالإرادة الاستعمالية على نحو سائر استعمالاته من غير فرق بينهما في مرحلتي الوضع والاستعمال.(1)

والدليل على ذلك انّ الغاية المتوخاة من المجاز كالمبالغة في النضارة والصباحة أو الشجاعة أو إثارة التعجب لا يحصل إلاّ باستعمال اللفظ في المعنى الحقيقي لا في المعنى المجازي، ويعلم ذلك بالإمعان في الأمثلة التالية:

1. يحكي سبحانه عن امرأة العزير انّه لما سمعت بمكر نسوة في حاضرة مصر بقوله: (...أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَة مِنْهُنَّ سِكّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ للّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَريمٌ) .(2)

والغاية من وصفه بـ«ملك» هو المبالغة في النضارة والصباحة، وهو لا يتم إلاّ أن يستعمل اللفظ في نفس المعنى الحقيقي «فرشته» لا في الإنسان الجميل، لأنّه لا يؤمّن الغرض المنشود إلاّ به، بشهادة انّك لو قلت هكذا: «ما هذا بشراً إنْ هذا إلاّ إنسان جميل» لسقطت العبارة عن قمة البلاغة.

2. لدى أسد شاكي السلاح مقـذف * له لبد اظفاره لم تقلم

فالشاكي مقلوب «الشائك» وهو حدة السلاح، وقوله: مقذف، أي من له


1 - وقاية الأذهان:103.
2 - يوسف:31.


(84)

صولات في ساحات الوغى، فالغرض هو المبالغة في الشجاعة وانّه أسد حقيقة بشهادة انّه أثبت له لبداً وأظفاراً غير مقلّمة، والغاية المتوخّاة لا تحصل إلاّ باستعمال الأسد في نفس الحيوان المفترس لكن بادّعاء انّ المورد من مصاديقه. وأمّا إذا استعمل في الرجل الشجاع يكون الكلام بعيداً عن البلاغة بشهادة انّك لو قلت:«لدى رجل شجاع ذي سلاح حاد» ترى بوناً شاسعاً بين المعنيين.

3. قامت تظلّلني ومن عجب * شمس تظلّلني مـن الشمس

والغرض هو إثارة العجب من أنّ المحبوبة بما انّها شمس ساطعة صارت تظلّله من الشمس، والتعجب إنّما يحصل إذا استعمل الشمس الأُولى في نفس معناها، وعندئذ يتعجب الإنسان كيف تكون الشمس مظلّلة من الشمس؟! بخلاف ما إذا قلنا بأنّها استعملت في المرأة الجميلة، إذ لا موجب عندئذ للتعجب، لأنّ الأجسام على وجه الإطلاق جميلة وغير جميلة تكون حائلة عن الشمس.

وبذلك تقف على حقيقة أدبية، وهي انّ المجاز ليس من قبيل التلاعب باللفظ بل من قبيل التلاعب بالمعنى على حد تعبير السيّد الأُستاذ، فالإنسان البليغ لا يستعير لفظ الأسد للرجل الشجاع وإنّما يستعير معناه له، وهو لا يتحقّق إلاّ باستعماله في نفس الموضوع له، غاية الأمر بادعاء، فيكون المجاز هو استعمال اللفظ في المعنى ليكون قنطرة للفرد الادّعائي.

فإن قلت: إنّ تلك النظرية إنّما تصحّ في اسم الجنس الذي له فرد حقيقي وفرد ادّعائي لا في الاعلام كحاتم ويوسف اللذين ليس لهما إلاّ فرد واحد.

قلت: إنّ قوام المجازية هو ادّعاء العينية، وهو يدّعي انّه نفس حاتم ونفس يوسف وليس مغايراً.


(85)

ويمكن أن يقال: انّ حاتم ويوسف قد خرجا عن العلمية وصارا عند المتكلم اسماً للسخي غاية السخاء، والجميل غاية الجمال، فعندئذ يستعمله في الجامع المنطبق على ذينك الفردين.

والذي يؤيد كون المجاز من مقولة الاستعمال فيما وضع له هو انّ الكناية عند القوم من قبيل استعمال اللفظ في الملزوم لغاية الانتقال إلى لازمه، فهو أشبه بالمجاز حيث إنّه من قبيل الاستعمال في المعنى الحقيقي لغاية الانتقال إلى الفرد الادّعائي. والفرق بينهما وجود الادعاء في المجاز دون الكناية.

فإن قلت: ما الفرق بين هذه النظرية وما نسب إلى السكاكي في كتابه «مفتاح العلوم» حيث إنّه هو أيضاً يدّعي انّ المعنى المجازي فرد ادّعائي للمعنى الحقيقي؟

قلت: الفرق بينهما واضح، ذلك انّ السكاكي يعتقد كالمشهور بأنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له من أوّل الأمر لكن المجوز لاستعارته لما لم يوضع له هو ادّعاء كونه من مصاديق ما وضع له ادّعاءً على خلاف تلك النظرية التي تقول باستعمال اللفظ فيما وضع له مدّعياً بأنّه من مصاديق ما وضع له من أوّل الأمر، وإليك نصّ عبارة السكاكي في «مفتاح العلوم»، قال في علم البيان:

وأمّا المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق، استعمالاً في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها، مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع، ثمّ أخذ في تفسير قيود التعريف.(1)


1 - مفتاح العلوم:153، ط مصر عام1318هـ.


(86)

وعلى هذا البيان يمكن إرجاع كثير من المجاز في الاسناد إلى المجاز في الكلمة، فقوله سبحانه حاكياً عن إخوة يوسف: (وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ الّتي كُنّا فِيها وَالعِيرَ الّتي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُون)(1) فالمشهور انّه من قبيل المجاز في الاسناد بتقدير أهل القرية، نظير قول الفرزدق في مدح زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ :

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم

فالمعروف انّه من قبيل المجاز في الاسناد أي يعرف أهل البطحاء وطأته، ولكن الحقّ انّ الجميع من قبيل المجاز في الكلمة، لأنّه بصدد المبالغة أنّ الأمر من الوضوح وصل إلى حدّ حتى أنّ جدران القرية مطّلعة على هذا الأمر، وانّ البطحاء تعرف وطأة الإمام فضلاً عن أهلها.

وبذلك يظهر انّ صحّة الاستعمالات المجازية تستند إلى الوضع، لأنّه من قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له، ولكن حسنه يستند إلى الطبع والذوق.

وبعبارة أُخرى: المصحح هو الوضع منضماً إلى حسن الطبع.


1 - يوسف:82.


(87)

الأمر الرابع

في استعمال اللفظ في اللفظ

إنّ استعمال اللفظ في اللفظ يتصوّر على أقسام أربعة:

1.إطلاق اللفظ وإرادة شخصه، مثل زيد ـ في كلامي هذا ـ لفظ.

2. إطلاق اللفظ وإرادة مثله، مثل زيد ـ في كلام القائل زيد قائم ـ لفظ.

3. إطلاق اللفظ وإرادة صنفه، كقول القائل: زيد في ضرب زيد فاعل.

4. إطلاق اللفظ وإرادة نوعه، كقولنا : زيد على وجه الإطلاق لفظ.

فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: صحّة الإطلاق.

الثاني: كون ذلك الإطلاق استعمالاً أم لا؟ وعلى فرض كونه استعمالاً، فهل هو حقيقي أو مجازي؟

لا كلام في صحّة الإطلاق، وأدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، فالأمثلة تعرب عن استحسان الذوق هذا النوع من الإطلاق، ولم يخالف في ذلك أحد من الأُصوليين إلاّ صاحب الفصول في القسم الأوّل، فلنرجع إلى المقام الثاني وانّ هذا الإطلاق هل يوصف بالاستعمال أو لا؟ فلنأخذ كلّ قسم بالبحث.


(88)

1. إطلاق اللفظ وإرادة شخصه

إنّ حقيقة الاستعمال تقوم على أركان ثلاثة:

الأوّل: إطلاق اللفظ.

الثاني: انتقال المخاطب عند سماع اللفظ إلى الصورة الذهنية.

الثالث: انتقاله منها إلى الوجود الخارجي.

مثلاً إذا قلنا: «قام زيد» يتحقّق هناك الركن الأوّل وهو إطلاق اللفظ ثمّ يعقبه انتقال المخاطب إلى الصورة الذهنية من قيام زيد، وبما انّ القضيّة ليست ذهنية ينتقل المخاطب من الصورة الذهنية إلى الوجود الخارجي، ولذلك قلنا بأنّ الاستعمال ثُلاثي الأركان.

وأمّا المقام، أعني: إطلاق اللفظ وإرادة شخصه، فليس هناك إلاّ ركنان:

أ: إطلاق اللفظ.

ب: انتقال المخاطب إلى الصورة الذهنية ثمّ انتقاله إلى نفس اللفظ الصادر(الركن الأوّل) مكان الانتقال إلى الركن الثالث، أعني: الوجود الخارجي المغاير للّفظ.

وبعبارة أُخرى: انّ الاستعمال أمر ثلاثي، وهو الانتقال من اللفظ إلى الصورة الذهنية له، ومنها إلى الخارج، ولكن الأمر هنا ثنائي ينتقل من اللفظ إلى الصورة الذهنية ومنها إلى اللفظ.

وبعبارة ثالثة: انّ هنا وجوداً خارجياً للّفظ وهو أمر تكويني قائم بالمتكلّم، وصورة ذهنية له حاصلة في ذهن المخاطب ثمّ انتقال إلى اللفظ الصادر من المتكلّم من دون أن ينتقل إلى شيء ثالث، فالمنتقل إليه وإن كان لفظاً خارجياً لكنّه ليس شيئاً ثالثاً.


(89)

فالمقام من قبيل إلقاء صورة الموضوع في ذهن المخاطب لينتقل منه إلى نفس الموضوع ثمّ يحكم عليه بأنّه كذا.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية وتبعه سيد مشايخنا البروجردي ذهب إلى أنّ هذا القسم من قبيل إلقاء نفس الموضوع في ذهن المخاطب، ولعلّه من سهو القلم، بل من قبيل إلقاء صورة الموضوع في ذهن المخاطب، لأنّ الهوية الخارجية لا تنالها النفس ولا تقع في لوحها.

ومن ذلك يعلم أنّ المقام ليس من قبيل الاستعمال لما عرفت من أنّ الاستعمال ثلاثي الأركان و المقام من قبيل ثنائي الأركان.

وأمّا وصف القضية بالدال والمدلول فلا مانع منه، فاللفظ بما انّه موجد للصورة في ذهن المخاطب دال، وبما انّه يُنتقل من الصورة الذهنية إلى نفس ذلك اللفظ فهو مدلول، كما أنّ الدلالة ليست من قبيل الدلالة الوضعية، لأنّ الدلالة عبارة عن دلالة اللفظ على معناه الخارجيّ الذي هو غير الصورة الذهنية للّفظ وغير شخص اللفظ ولكن ليس في المقام وراء الأمرين شيء.

ثمّ إنّه لم يخالف في هذا القسم إلاّ صاحب الفصول وقد ذكر دليلاً لمنع صحّة الإطلاق نقله صاحب الكفاية وأجاب عنه، ولكن أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه حيث إنّ الطبع السليم يستحسن هذا النوع من الإطلاق فمن أراد التفصيل فليرجع إلى محاضرات شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة.

2. إطلاق اللفظ وإرادة مثله

كما إذا قال: زيد في قولك: زيد قائم، لفظ وأراد اللفظ الصادر من المخاطب. لا شكّ في إمكانه إنّما الكلام في كون الإطلاق استعمالاً، أو لا، والحقّ


(90)

انّه استعمال حيث يكون زيد وسيلة وآلة للحاظ مماثله وتصوّره، فيكون دالاً والمماثل مدلولاً، فالمماثل هنا بمنزلة المعنى.

وإن شئت قلت: إنّ التلفّظ بلفظ «زيد» يكون سبباً لإيجاد الصورة الذهنية للفظ في ذهن المخاطب، ثمّ هو ينتقل من تلك الصورة إلى الصورة المماثلة وهو أمر ثالث لا إلى نفس ذلك اللفظ حتى يكون من قبيل القسم الأوّل.

نعم هذا النوع من الاستعمال لا حقيقة ولا مجاز، لأنّ زيداً وضع للشخص الخارجي وإطلاقه وإرادة المماثل ليس استعمالاً فيما وضع له ولا في غير ما وضع له بنوع من العلاقة.

3و4. إطلاق اللفظ وإرادة صنفه ونوعه

المراد من الصنف هو النوع المحدود بقيود، فإذا قال: زيد في ضرب زيد فاعل فقد حدّ طبيعة زيد بكونه بعد الفعل، فأطلق لفظ زيد وأُريد منه صنف ذلك اللفظ وهو الواقع بعد فعل ضرب.

نعم الحكم لا يختص بزيد الوارد في الجملة، بل يعمّه وكل ما ورد بعد فعل ضرب في كلام أيّ متكلّم كان.

وأمّا الرابع، أعني: إطلاقه وإرادة النوع كما إذا قال: «زيد لفظ» وأراد منه نوع اللفظ لا خصوص ما تكلم ولا مثله ولا صنفه، فزيد من أي متكلم صدر لفظ ولا شكّ في إمكان هذين الإطلاقين، إنّما الكلام كونه استعمالاً أو لا؟ والظاهر حسب المعيار الذي عرفت أنّه من قبيل الاستعمال، لأنّ المخاطب ينتقل من سماع زيد إلى الصورة الذهنية ومنه إلى أمر ثالث وهو زيد الواقع بعد الفعل أو طبيعة اللّفظ .


(91)

والحاصل: انّ ركن الاستعمال الذي يقوم على أركان ثلاثة موجود، فانّ المخاطب ينتقل من الصورة الذهنية إلى مراد المتكلّم، أعني: الصنف أو النوع وهو أمر ثالث.

وبما انّ هذه المقدّمة لا تمتّ إلى الأُصول بصلة وإنّما هي بحث أدبي، اكتفينا بهذا المقدار.

فتحصّل ممّا ذكرنا: انّ القسم الأوّل ليس استعمالاً كما أنّه ليس من قبيل إلقاء نفس الموضوع، بل إلقاء صورة الموضوع في ذهن المخاطب، وأمّا الأقسام الثلاثة فهي من قبيل الاستعمال، لأنّ المخاطب ينتقل بعد سماع اللفظ إلى الصورة الذهنية ومنها إلى الفرد المماثل أو الصنف أو النوع.


(92)

الأمر الخامس

في وضع الألفاظ لمعانيها الواقعية

وقبل الخوض في المقصود، نذكر أمرين:

الأوّل: ما هو السبب لطرح المسألة ؟

عرّف المحقّق الطوسي في «منطق التجريد»، الدلالةَ المطابقية: أنّها دلالة اللفظ على تمام المسمّى. والتضمنية: انّها دلالة اللفظ على جزئه.

وذكر العلاّمة في شرحه على «منطق التجريد» انّه أورد على المحقّق الطوسي الإشكال التالي وهو: انّ هذا التعريف غير مانع فيما إذا كان اللفظ مشتركاً بين الكلّ والجزء، كما إذا كان لفظ الإنسان موضوعاً للحيوان الناطق تارة ولخصوص الناطق أُخرى فأطلق الإنسان وأراد الناطق، فيصدق عليه انّه مطابقي، لأنّه تمام الموضوع بالنسبة إلى الوضع الثاني، وتضمني، لأنّه جزء الموضوع بالنسبة إلى الوضع الأوّل.

ثمّ نقل العلاّمة عن المحقّق الطوسي أنّه أجاب عن الإشكال و قال: إنّ اللفظ لا يدلّ بذاته على معناه، بل باعتبار الإرادة والقصد واللفظ، فحينما يراد منه المعنى المطابقي لا يراد منه المعنى التضمني فهو يدلّ على معنى واحد لا غير. ثمّ قال العلاّمة: وفيه نظر.(1)


1 - الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد: 4.


(93)

توضيح جواب المحقّق الطوسي هو: انّ المتكلّم إذا أطلق الإنسان و أراد الناطق فإن أراده بما انّه تمام المعنى فلا يصدق انّه معنى تضمني، وإن أراد أنّه جزء المعنى فلا يصدق عليه انّه معنى مطابقي.

و قد أجاب المحقّق الطوسي بنفس هذا الجواب عن إشكال أُورد على تعريف المفرد حيث عُرّف المفرد بأنّه الذي ليس لجزئه دلالة أصلاً، واعترض عليه بعض المتأخرين بلفظ «عبد اللّه» إذا جعل علماً لشخص فانّه مفرد مع أنّ لجزئه دلالة ما.

فأجاب عنه المحقّق الطوسي بأنّ دلالة اللفظ لما كانت وضعية كانت متعلّقة بإرادة المتلفّظ الجارية على قانون الوضع، فما يتلفّظ به ويراد به معنى ما ويفهم عنه ذلك المعنى، يقال له انّه دال على ذلك المعنى; وما سوى ذلك المعنى ممّا لا تتعلّق به إرادة المتلفّظ، لا يقال إنّه دالّ عليه، وإن كان ذلك اللفظ أو جزء منه، بحسب تلك اللغة أو لغة أُخرى أو بإرادة أُخرى، يصلح لأن يدل به عليه.

وإذا ثبت هذا فنقول، اللفظ الذي لا يراد بجزئه الدلالة على جزء معناه، لا يخلو من أن يراد بجزئه، الدلالة على شيء آخر أو لا يراد، وعلى التقدير الأوّل لا تكون دلالة ذلك الجزء متعلّقة بكونه جزءاً من اللفظ الأوّل، بل قد يكون ذلك الجزء بذلك الاعتبار لفظاً برأسه دالاً على معنى آخر بإرادة أُخرى، وليس كلامنا فيه، فإذن لا يكون لجزء اللفظ الدال من حيث هو جزء دلالة أصلاً وذلك هو التقدير الثاني بعينه، فحصل من ذلك انّ اللفظ الذي لا يراد بجزئه دلالة على جزء معناه لا يدل جزؤه على شيء أصلاً.(1)

والحاصل: انّه إذا تلفّظ بلفظ عبد اللّه، فإمّا يتلفّظ به بما انّ جزء لفظه يدل


1 - شرح الإشارات:1/31ـ 32.


(94)

على جزء معناه أو لا يدل; فعلى الأوّل مركب خارج عن التعريف، وعلى الثاني مفرد لا ينتقض به التعريف.

وعلى كلّ تقدير فالمحقّق الطوسي ممّن ذهب إلى أنّ دلالة اللفظ على المعنى موقوفة على إرادة المتلفّظ ذلك المعنى إرادة جارية على قانون الوضع، إذ الغرض من الوضع تعدية ما في الضمير وذلك يتوقّف على إرادة اللافظ فما لم يرد المعنى من اللفظ لم تجد له دلالة عليه.(1)

الثاني: أشكال أخذ الإرادة جزءاً للمعنى

إنّ وضع اللفظ للمعنى المراد يتصوّر على وجوه:

1. أخذ الإرادة بالحمل الأوّلي (مفهوم الإرادة) جزءاً للمعنى.

2. أخذ الإرادة بالحمل الشائع الصناعي (مصداق الإرادة) جزءاً للمعلوم بالذات.

3. أخذ الإرادة بالحمل الشائع جزءاً للمعلوم بالعرض.

4. أخذ الارادة بالحمل الشائع الصناعي بنحو القضية الحينية فـي الموضـوع له.

5. أخذ الإرادة بالحمل الشائع الصناعي قيداً للوضع. هذه هي الوجوه المتصوّرة .

إذا عرفت هذين الأمرين، فلنذكر حكم كلّواحد من هذه الوجوه:

أمّا الوجه الأوّل، فهو بديهي البطلان، ولم يذهب إليه أحد.

وأمّا الثاني أي كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالذات (الصورة الذهنية) التي


1 - المحاكمات لقطب الدين الرازي في ذيل الإشارات: 1/32.


(95)

تعلّقت بها الإرادة بالحمل الشائع، فيلزم أن تكون القضايا إخباراً عن الأُمور الذهنية لا إخباراً عن الخارج، لأنّ المعلوم بالذات الذي هو متعلّق الإرادة قائم بالذهن، فالقيد والمقيد كلّها أُمور ذهنية وبالتالي لا ينطبق على الخارج.

وأمّا الثالث، أي كون اللفظ موضوعاً للمعلوم بالعرض الذي تعلّقت به الإرادة عن طريق الصورة الذهنية (1)، فهذا أيضاً يستلزم عدم إمكان حمل قائم على زيد الخارجي، لأنّ الموضوع في «قائم» مركب من أمر خارجي (المعلوم بالعرض) وأمر ذهني (تعلّق الإرادة به) فلا يصحّ أن يقال: «زيد قائم» إلاّ بالتجريد، فانّ القيام وإن كان موجوداً في الخارج إلاّ أنّ الإرادة التي وصف بها القيام عن طريق الصورة الذهنية أمر ذهني.

وأمّا الرابع، أي كون الموضوع له المعلوم بالعرض حين تعلّقت به الإرادة على نحو لا يصدق اللفظ إلاّ على المعنى المراد و في الوقت نفسه ليس كونه مراداً جزءاً للمعنى، و هذا هو مفاد القضية الحينية.

توضيحه: انّ القضايا على أقسام ثلاثة:

أ: المشروطة، مثل قولك: كلّ كاتب متحرك الأصابع مادام كاتباً، فحركة اليد ثابتة للكاتب بشرط كونه كاتباً.

ب: المطلقة، مثل قولك: كلّ كاتب متحرك الأصابع بالفعل، أي في أحد الأزمنة الثلاثة، فحركة اليد للكاتب على وجه الإطلاق.

ج: والحينية، وهي نحو قولك: كلّ كاتب متحرك الأصابع حين هو كاتب، فحركة اليد ثابتة للكاتب لا على وجه الإطلاق حتى يعم المحمول (الحركة) حالة


1 - وإنّما يوصف الخارج بكونه معلوماً بالعرض، لأنّ الإنسان يصل إليه عن طريق الصورة الذهنية، فتكون الأخيرة معلومة بالذات وما قبلها معلوماً بالعرض.


(96)

عدم الكتابة و لا على وجه التقييد حتى يؤخذ في الموضوع مادام كونه كاتباً، ولكنه في الوقت نفسه لا ينطبق إلاّ على حال الكتابة ،فالمحمول في الحينية وإن كان مطلقاً غير مشروط لكنّه على نحو لا ينطبق إلاّ على المشروطة; وهذا كما إذا رأيت زيداً معمّماً، فالتعمّم ليس قيداً للمرئيّ ولا للرؤية، ولكنّه لا ينطبق إلاّ على المعمّم وأنت ما رأيت إلاّ زيداً المعمّم، و في المقام، اللفظ وضع لذات المعنى لكن حين كونها مراداً للمتكلّم واللافظ. وعلى ضوء ذلك لا يرد عليه ما أوردنا من انقلاب القضية الخارجية إلى الذهنية كما في الثاني، ولا عدم انطباق القضية على الخارج كما في الثالث، والحينية مع كونها نزيهة عما أورد على القسمين ولكنّها لا تنطبق إلاّ على المضيق وهو المعنى المراد.

يلاحظ عليه: بأنّ القضية الحينية وإن كانت رائجة بين المنطقيّين ولكن لم نتصور لها معنى محصلاً، فانّ الكتابة في قوله: «حين هو كاتب» إمّا قيد للمحمول (متحرك الأصابع) فيكون من قبيل المشروط، أو ليس قيداً له و للمحمول إطلاق، فيكون من قبيل المطلقة العامة، فما معنى هذا التذبذب بين المشروطة والمطلقة، وإن نطق به المنطقيون؟

وبعبارة أُخرى: انّ القول بأنّ المحمول هو المتحرك المقترن بالكتابة لا بقيدها لا يخلو من إبهام، لأنّ المحمول إمّا مقيد بالاقتران بالكتابة أو لا، وعلى الأوّل تعود الحينية إلى المشروطة، وعلى الثاني يكون المحمول مطلقاً صادقاً في كلتا الحالتين : حالة وجود الكتابة وعدمها.

وبذلك يظهر انّ قوله إنّ الموضوع له هي المعاني حالة كونها مرادة لا مقيداً بها لا يخلو إمّا أن تكون القضية مطلقة فتعم المرادة و غير المرادة، أو مقيدة فيرجع إلى المشروطة.


(97)

وبعبارة أُخرى: انّ تمييز الحصة التوأمة بالإرادة عن الحصة غير التوأمة يحتاج إلى قيد حتى يوضع لاحدى الحصتين دون الأُخرى.ومعه يرجع إلى المشروطة.

وأمّا الخامس: فهو خيرة المحقّق الإصفهاني فقال: العلقة الوضعية متقيدة بصورة الإرادة الاستعمالية وفي غيرها لا وضع، وما يرى من الانتقال إلى المعنى بمجرّد سماع اللفظ من لافظ غير شاعر فمن جهة أُنس الذهن بالانتقال من سماعه إلى إرادة معناه.(1)

توضيح ما ذكره: هو أنّ الوضع فعل اختياري للواضع، وكلّ فعل اختياري لابدّله من غاية، فالعلّة الغائية تضيق جانب الفعل وتحدده وتخصه بصورة وجوده الغاية وهو الإفادة والاستفادة أو إبراز ما في الضمير.

يلاحظ عليه: أنّ الغرض من الوضع وإيجاد العلقة الاعتبارية بين اللفظ والمعنى، هي بيان الحقائق الواقعية بما هي هي لا ما وقعت في أُفق الإرادة، فإذا قال القائل: «الماء جسم رطب سيال»، فانّه يريد بيان الحقيقة الخارجية وانّ ذلك العنصر بما هو هو لا بما انّه واقع في ذهن القائل، فإذا كانت الغاية محددة للفعل فالغاية هي بيان الحقائق وهو يوجب إطلاق العلقة الوضعية وعدم تقيّدها بإرادة المتكلّم.

بقي هنا أُمور:

الأوّل: انّ الدلالة تنقسم إلى: تصورية،وتفهيمية، وتصديقية.

أمّا الأُولى: فهي عبارة عن دلالة اللفظ على معناه عند سماعه، وربّما يعبّر عنها بالدلالة الوضعية، وهي لا تتوقف على شيء ما عدا العلم بالوضع، ولأجل


1 - نهاية الدراية: 1/23.


(98)

ذلك ينتقل الذهن إلى المعنى بمجرّد السماع ولو من لافظ غير شاعر.

وأمّا الثانية: أعني الدلالة التفهيمية، فهي عبارة عن دلالة اللفظ على أنّ المتكلّم أراد تفهيم المعنى للغير، وهذه الدلالة تتوقّف وراء العلم بالوضع على أنّ المتكلّم في مقام التفهيم، لا في مقام تمرين الخطابة وأمثالها أو تعلم اللغة.

وأمّا الثالثة : أي الدلالة التصديقية، فهي عبارة عن دلالة اللفظ على أنّ الإرادة الاستعمالية مطابقة للإرادة الجديّة، وهي تتوقف وراء الأمرين على أمر ثالث وهو أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية. وهذا الأصل وما قبله أي كونه بصدد التفهيم من الأُصول العقلائية إذا لم يقم دليل على خلافه.

الثاني: انّ المحقّق الخراساني لما قال بوضع الألفاظ للمعاني الواقعية حاول تأويل الكلام المنقول عن العلمين الطوسي والحلي، بأنّ مرادهما من تبعية الدلالة للإرادة، هو الدلالة التصديقية ولذلك لا يصحّ لنا أن نُسند مضمون الكلام إلى شخص ما لم يُحرز أنّه أراد ذلك المعنى، وعليه لو تكلّم مورّياً أو تقيّة أو لغير ذلك لا يصحّ أن يسند مضمونه إليه.

أقول: ما ذكر من تبعية الدلالة التصديقية لإرادة المتكلّم وإن كان صحيحاً لكنّه ليس نظرية خاصّة للعلمين، بل هي ممّا لم يختلف فيه اثنان، فاشتمال كلامهما على التبعية ناظر إلى معنى آخر وهو تبعية الدلالة التصورية أو الوضعية للإرادة. وعذر المحقّق الخراساني في هذه النسبة، عدم مراجعته لكلامهما في محلّه.

الثالث: انّ كلّ من فسّر الوضع بالتعهد والالتزام وقال إنّه عبارة عن التعهد بأنّ كلّما أطلق اللفظ أراد منه المعنى الخاص لا مناص له عن القول باختصاص الدلالة الوضعية بصورة قصد التفهيم وإرادة المعنى من اللفظ.

لأنّ الالتزام أو التعهد الذي هو مقوّم الوضع إنّما يتعلّق بالأمر الاختياري،


(99)

وما هو تحت اختيار الواضع هو ذاك(كلّما أطلق اللفظ أراد منه المعنى)، وأمّا الالتزام بكون اللفظ دالاً على معناه و لو صدر منه عن غير شعور أو اختيار، فلا يعقل أن يكون طرفاً للالتزام والاختيار.

وبالجملة: إنّما يتعلّق الالتزام بفعل الإنسان لا بفعل غيره. وفي أفعال النفس يتعلّق بالاختياري منها لا بالخارج عنه، كالنطق نائماً أو ساهياً.


(100)

الأمر السادس

في وضع المركّبات

ربّما نسب إلى بعض الأُدباء القول بوضع خاص للمركّبات وراء المفردات.

توضيحه: انّ قولنا«زيد إنسان» حاو لأوضاع ثلاثة، فللموضوع وضع، وللمحمول وضع آخر، وللهيئة وضع ثالث، فنسب إلى بعض الأُدباء انّه يقول: إنّ هنا وضعاً رابعاً وهو وضع مجموع المادة والهيئة، وربّما يتجاوز عدد الأوضاع عن الأربعة إلى الخمسة ومن خمسة إلى ستة، مثلاً: قولنا:«زيد قائم» للمحمول وضعان: وضع للمادة، ووضع للهيئة مضافاً إلى وضع المبتدأ والهيئة، فيكون وضع المجموع وضعاً خامساً.

ولو كان لكلّ من الموضوع والمحمول وضع، كقولنا: «الضارب متعجب» ينتهي عدد الوضع إلى ستة وهكذا يزداد عدد الأوضاع.

فسواء أصحت النسبة إلى بعض الأُدباء (كما يظهر من شرح المفصّل لابن مالك انّ لهذا القول قائلاً) أم لم تصح فالقول بوضع المجموع ساقط، وذلك للوجوه التالية:

1. انّوضع المجموع أمر لغو، لأنّ وضع المفردات والهيئة الاسمية كافيتان في إفادة المراد من دون حاجة إلى وضع المجموع من حيث المجموع.

2. ما ذكره ابن مالك في شرحه على المفصل، وقال: إنّه لو كان للمجموع


(101)

وضع لما كان لنا أن نتكلّم بكلام لم يسبق إليه، إذ المركب الذي أحدثناه لم يسبق إليه أحد.

توضيحه: انّه لو كان للمجموع وراء المفردات والهيئة وضع للزم أن تكون صحة الاستعمال متوقفة على الوضع المذكور، وعلى ذلك فلو كانت الجملة مما سبق استعمالها وتعلق بها وضع الواضع يصحّ لنا الاستعمال، وأمّا إذاكانت من الجمل المحدثة التي لم يسبق استعمالها ولم يتعلق بها الوضع لزم عدم صحّة استعمالها، لأنّها ليست على موازين الوضع كقولنا:«ارمسترونغ أوّل رائد فضائي».

وربّما يورد على تلك النظرية بأنّه: لو صحّ لزم الانتقال إلى المعنى مرتين في آن واحد، لفرض وضع المفردات مرّة، والمجموع من حيث المجموع مرّة أُخرى، وهذا يكون نظير ما إذا أتى الإنسان أوّلاً بأسماء كلّ عضو من أعضاء الإنسان، ثمّ أتى بلفظ الإنسان الجامع للأعضاء كلّها مرة ثانية.

يلاحظ عليه: أنّ الانتقال معلول للأُنس الحاصل من الاستعمال المعلول للوضع، وتعدّد الوضع لا يوجب تعدّد الانس فلا يلزم الانتقال.

إكمال

المعروف انّوضع المواد شخصي ووضع الهيئات نوعي، ويراد منه أنّ المصدر بوحدته الشخصية كالضرب والقتل موضوع لمعناه، بخلاف الهيئات فانّها موضوعة بجامعها العنواني فيقال هيئة فاعل وضعت لمن قام بالفعل.

وقد أورد عليه بأنّه إن أُريد من نوعية الوضع في الهيئات عدم اختصاصها بمادة معينة فانّ المادة أيضاً غير مختصة بهيئة معينة، فانّ المصدر له صيغ مختلفة كالضارب والمضروب التي هي كالهيئة بالنسبة إلى المصدر.


(102)

وإن أُريد من شخصية الوضع في المواد امتياز كلّ مادة عن الأُخرى، فكل هيئة أيضاً تتميز عن الأُخرى إذ هيئة الفاعل غير هيئة المفعول.

والظاهر انّ مراد القائل بنوعية الوضع في الهيئات وشخصيته في المواد هو انّ الهيئة غير قابلة للحاظها مستقلّة بل تلاحظ في ضمن مادة لكن وضعها كذلك كالضارب يوجب عدم اطّرادها في مادة أُخرى، فيجب أن توضع بشكل لا يكون للمادة (الضرب) فيها أي مدخلية كأن يقال: هيئة ضارب وما يشبهها، وهذا معنى نوعية الوضع في الهيئة، فليس الوضع متعلّقاً لهيئة شخصية قائمة بمادة معلومة، بل لها ولما يشبهها.

وأمّا المادة فهي قابلة للحاظها استقلالاً فلا تكون مقيدة بالهيئة ولو استخدمنا الهيئة فإنّما هي لإمكان النطق بها لا للحاظها مستقلاً.

فإن قلت: فعلى ذلك يكون المصدر هو مادة المشتقات مع أنّ المادة يجب أن تكون موجودة بعامة خصوصياتها في المشتقات، ومن المعلوم انّ المصدر وإن كان موجوداً بمادته في سائر المشتقات ولكن هيئته غير موجودة، لأنّها تمنع طروء الصيغ المختلفة عليه.

قلت: إنّ هيئة المصدر ليست جزءاً، وإنّما استخدمنا الهيئة لإمكان النطق بها. فالموضوع هو(ض، ر، ب) والهيئة آلة لإمكان النطق بها. وعليه تكون المادة متوفرة في جميع الصيغ.


(103)

الأمر السابع

في علائم الوضع
أو
تمييز الحقيقة عن المجاز

قد ذكروا لتمييز الموضوع له عن غيره أو تمييز الحقيقة عن المجاز علائم أربع، نذكرها واحدةً بعد الأُخرى.

العلامة الأُولى:

التبادر

التبادر عبارة عن سبق المعنى من اللفظ عند الإطلاق بنفسه من غير قرينة.

وبعبارة أُخرى: انسباق المعنى إلى الذهن من حاقِّ اللفظ لا عن القرينة بحيث كان السبق مستنداً إلى اللفظ نفسِه لا إلى القرينة فيكون دليلاً على أنّه موضوع له، إذ ليس لحضور المعنى منشأ إلاّ أحد أمرين: إمّا القرينة أو الوضع فإذا انتفى الأوّل ثبت الثاني.

ثمّ التبادر إنّما يكون كاشفاً عن الوضع إذا كان سبق المعنى من اللفظ أمراً


(104)

مرتكزاً في النفس كما هو الحال في أهل اللغة حيث إنّ الإنسان إذا نشأ وترعرع بين أهل اللغة يرتكز معنى اللفظ في ذهنه فإذا تبادر بلا قرينة يكون دليلاً على الوضع.

فإن قلت: إنّ سبق المعنى إنّما يكون دليلاً على الحقيقة إذا فُسّـر المجاز باستعماله في غير ما وضع له، وأمّا على القول المختار من أنّ المجاز هو اللفظ المستعمل في الموضوع له ـ كالحقيقة ـ لكن بادّعاء انّ المنطبق عليه من مصاديق اللفظ، فلا يكون دليلاً على الحقيقة لاشتراكهما في أنّ المستعمل فيه هو الموضوع له.

قلت: إنّ المستعمل فيه في الحقيقة والمجاز و إن كان واحداً لكن يفترقان بانسباق نفس المعنى الحقيقي من اللفظ مجرداً عن الادّعاء بخلاف المجاز فانّ الانسباق فيه على أساس الادّعاء.

مشكلة الدور في التبادر

وقد أورد على كون التبادر علامة الوضع لاستلزامه الدور، فانّه يُستخدم للعلم بالوضع، وعلى ذلك فالعلم بالوضع متوقّف على التبادر، وهو متوقّف على العلم بالوضع، إذ لولا العلم به لما تبادر.

يلاحظ عليه: بأنّ المستعلِم (بالكسر) إمّا من أهل اللسان أو من غيره، فإن كان من أهل اللسان فالعلم التفصيلي بالوضع، موقوف على تبادره ولكن تبادره موقوف على العلم الارتكازي بالوضع الذي ربّما يعبّر عنه بالعلم الإجمالي، وهذا النوع من العلم الارتكازي يحصل للإنسان الناشئ بين أهل اللغة منذ نعومة أظفاره.

وإن كان المستعلم من غيرهم فعلمه تفصيلاً بالوضع موقوف على تبادر


(105)

المعنى من اللفظ عند أهل اللسان وتبادرهم موقوف على علمهم بالوضع من طرق شتّى.

ثمّ إنّ هناك كلاماً للمحقّق العراقي في رفع الدور حيث قال: إنّ العلم المستفاد بالتبادر غير العلم الذي يتوقف عليه التبادر حتى لو قلنا بتوقفه على العلم التفصيلي، لأنّه يكفي في ارتفاع الدور تغاير الموقوف والموقوف عليه بالشخص لا بالنوع ولا بالصنف، ولا شبهة في مغايرة العلم الشخصي الحاصل بالتبادر للعلم الشخصي الذي يتوقف عليه التبادر.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان العلم التفصيلي الثاني موجوداً في لوح النفس قبل التبادر، فلا معنى لتحصيل مثله كما لا يخفى.

بقيت هنا أُمور:

الأوّل: ربما يقال إذا كان الموضوع للاحتجاج هو ظهور الكلام سواء أكان حقيقة أم مجازاً فلا فائدة في معرفة الموضوع له، وتمييز المعنى المجازي عن المعنى الحقيقي والذي يعتبره العقلاء هو ظـهور الكلام سواء كان الموضوع له أو لا.(2)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الكلام ظاهراً في معنى، كان لما ذكره وجه، وأمّا إذا كان الكلام مجملاً فانعقاد الظهور موقوف على العلم بالوضع،وهو يُعرف بالتبادر فيكون لمعرفة الموضوع له أثر وفائدة.

الثاني: انّ تبادر المعنى من اللفظ في زماننا لا يثبت كونه المعنى الحقيقي في عصر الرسول والأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ حتى يحمل اللفظ الوارد من الكتاب والسنّة عليه إلاّ أن يعضد بأصالة عدم النقل، وقلنا بأنّ مثبتاتها حجّة، ولعلّه على هذا جرت سيرة


1 - المحقّق العراقي: بدائع الأفكار:1/97.
2 - المحقّق العراقي: المقالات:31، والتعبير منّا.


(106)

المفسرين للقرآن حيث يفسرون الأشعار الجاهلية والرسائل القديمة بالمعاني الرائجة في أيامهم.

الثالث: انّ التبادر كما قلنا إنّما يكون حجّة على الموضوع له إذا كان التبادر مستنداً إلى اللفظ لا إلى القرينة، وإلاّفالمعنى المجازي أيضاً يتبادر مع القرينة، وعلى هذا فلو أحرزنا أنّ التبادر مستند إلى حاق اللفظ أو إلى القرينة فهو، وإلاّفهل يُجدي أصالة عدم القرينة لإثبات كون المعنى متبادراً من حاق اللفظ أو لا؟ الظاهر لا، لا لأجل عدم حجّية الأصل المثبت ـ لما علمت أنّ الأصل اللفظي حجّة في مثبتاته ـ بل لأنّ العقلاء إنّما يستخدمون ذلك الأصل عند الشكّ في المراد فيعيّنون به المراد، وأمّا إذا علم المراد وشك في كيفية الإرادة وانّه هل هو على نحو الحقيقة أو المجاز فلا، وما هذا إلاّ لأنّ العقلاء يستخدمون الأُصول فيما يمسّ بحاجاتهم، و أمّا تعيين كيفية الإرادة وانّها هل هي على وجه الحقيقة أو المجاز فخارج عن مقاصدهم.

بحث استطراديّ

قد انتهى البحث عن التبادر وهناك بحث استطرادي، وهو أنّ الدور المتوهم في التبادر، نفس الدور المتوهم في الشكل الأوّل، حيث إنّ العلم بالنتيجة موقوف على العلم بكلّية الكبرى، والعلم بكليتها موقوف على العلم بثبوت الأكبر للأصغر، ففي المثال المعروف : العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث، فلا شكّ أنّ العلم بالنتيجة موقوف على العلم بكلية الكبرى، أي أنّ كلّ متغير (حتى العالم) حادث، والعلم بكليّتها فرع العلم بالنتيجة، إذ لولا العلم بأنّ الأصغر(العالم) من مصاديق الأوسط (المتغير) لما أمكن له الحكم بنحو الكلية.

وقد نقل أنّ العارف أبا سعيد أبا الخير أورد تلك الشبهة على الشيخ الرئيس


(107)

أبي علي ابن سينا قائلاً: بأنّ الاستنتاجات كلها من طرق الأشكال الأربعة والثلاثة الأخيرة تنتهي إلى الشكل الأوّل وهو مستلزم للدور، لأنّ ثبوت النتيجة يتوقف على كلية الكبرى، ولا يعلم صدق الكبرى على النحو الكلي حتى يكون الأكبر (الحادث) صادقاً على الأصغر(العالم).

وكان في وسع الشيخ أبي سعيد تبيين الشبهة بأقوى من ذلك بأن يقول: إنّ الموادّ التي تتألف من الأقيسة لا تتجاوز عن خمسة أقسام.

فالقسم الشعري والمغالطي خارجان عن حيّز الاعتبار، وقسم الجدل لإسكات الخصم وتبكيته، وربما يكون باطلاً عند المجادل، والقياس الخطابي لإقناع الإنسان العاجز عن إدراك البرهان، والقياس البرهاني يصاغ بأحد الأشكال الأربعة، وأفضلها هو الشكل الأوّل وهو لا ينتج لاستلزامه الدور.

وقد نقل انّ الشيخ ملا خليل القزويني الذي تتلمذ على الشيخ بهاء الدين العاملي والمحقّق الداماد كان ممّن يجوّز الترجيح بلا مرجّح ويستشهد برغيفي الجائع وطريق الهارب وانّه يختار أحدهما بلا مرجح، كما يعتقد ببطلان الشكل الأوّل لاستلزامه الدور بالبيان الآتي، ولما وقف على أنّ المحقّق آغا حسين الخوانساري أجاب عن شبهته، غادر قزوين متوجهاً إلى إصفهان ولما نزل بها ودخل المدرسة صادف بها أحد تلاميذ الخوانساري أعني الشيخ ميرزا محمد حسن الشيرواني فسأله عن سبب مجيئه إلى إصفهان، فقال: جئت لأناظر الخوانساري لاعتقاده بصحّة الشكل الأوّل وأنا أعتقد بكونه عقيم.

فقال الشيرواني: لماذا؟

أجاب: لأنّه مستلزم للدور، والدور باطل، فالشكلّ الأوّل باطل.

فقال الشيرواني: يا للعجب ما أتقن برهانَك حيث تستدل بالشكل الأوّل على بطلان الشكل الأوّل، فانّ ما ذكرته نفس الشكل الأوّل.


(108)

فلمّا سمع القزويني الجوابَ ركب راحلتَه وعاد إلى قزوين من دون أن يرى حاجة لمواجهة الخوانساري.

إنّ هذا النوع من التفكير الذي كان عليه القزويني شائع بين أهل العرفان المجرّدين عن البرهان حتى انّ جلال الدين الرومي من تلك الزمرة حيث يبرهن بالعقل على عدم حجّية العقل ويقول:

پاى استدلاليان چوبين بود * پاى چوبين سخت بى تمكين بود

و حاصله: انّ البرهان كالقدم الخشبي، والقدم الخشبي ضعيف المقاومة، فينتج انّ البرهان ضعيف المقاومة، ترى أنّه يستدلّ بالبرهان العقلي على صورة الشكل الأوّل على بطلان البرهان.

هذا وقد أجاب الشيخ الرئيس عن الدور الذي طرحه العارف أبو سعيد أبو الخير وقال: إنّ كلية الكبرى موقوفة على العلم باندراج الأصغر في الأكبر إجمالاً، والمقصود من النتيجة حصوله تفصيلاً; وقد أوضحه المحقّق السبزواري في شرحه على منطق منظومته وقال: إنّ الحكم يختلف باختلاف العنوان، حتى يكون الموضوع بحسب وصف، معلوم الحكم، وبحسب وصف آخر مجهولاً، فيستفاد حكمه باعتبار وصف، من العلم بحكمه باعتبار وصف آخر، فإذا قلنا كلّ إنسان حيوان، وكلّ حيوان حساس، أخذنا أفراد الحيوان الذي هو الحد الأوسط بعنوان الحيوان، لا بعنوان الإنسان و مجانساته، فلا دور ولا مصادرة، وتختلف الأحكام باختلاف العنوانات اختلافاً بيناً.(1)

فالإنسان بما انّه حيوان، نعلم أنّه حساس، ونريد أن نقف على أنّه حساس، بما انّه إنسان فالعلم الثاني موقوف على الأوّل بلا عكس.


1 - الحكيم السبزواري: شرح المنظومة: قسم المنطق، 79.


(109)

وأوضحه المحقّق الآشتياني بقوله: إنّ العلم بالنتيجة، أي أنّ العالَم ـ بالخصوص وبالتفصيل ـ حادث يتوقف على العلم بالمقدمتين، وأمّا العلم بأنّ كلّ متغيّر حادث لا يتوقف على العلم بأنّ العالم بما هو عالم وبعنوان كونه عالَماً بخصوصه وتفصيلاً، حادث، بل على العلم إجمالاً بعنوان انّه شيء متغير، حادث لا بعنوان انّه عالَم بخصوصه، فالعلم به من حيث إنّه متصف بعنوان خاص وهو العالمية محكوم بصفة أُخرى وهي الحدوث، متوقف على العلم به من حيث إنّه متصف بصفة أُخرى بعنوان آخر، وهو كونه شيئاً متغيراً، فلا دور لاختلاف طرفي التوقف.(1)

جواب آخر عن الدور

وهو انّ العلم بالنتيجة موقوف على كلية الكبرى، ولكن العلم بكلية الكبرى موقوف على الدليل العقلي الدال على الملازمة بين التغيّر والحدوث من دون نظر إلى مصداق دون مصداق، فإذا دلّ الدليل العقلي على أنّ التغير عبارة عن التدرّج في الوجود، والتدرج يلازم تحقّق الشيء شيئاً فشيئاً يكون التغير ملازماً للحدوث، فالعقل ينتزع من هذه الملازمة قانوناً كلياً باسم كل متغير حادث.

هذا إذا كان الموضوع في الكبرى دليلاً على الملازمة كالتغير، وربما لا يكون كذلك وإنّما تعلم كلية الكبرى من دليل خارجي، مثلاً نقول: هذا مثلث وكلّ مثلث زواياه تساوي زاويتين قائمتين، فالعلم بالكبرى رهن البرهان الهندسي على انّ مقدار زوايا المثلث، تساوي زاويتين قائمتين.

تمّ الكلام في التبادر وإليك البحث في العلامة الثانية.


1 - الآشتياني: التعليقة على شرح المنظومة.


(110)

العلامة الثانية:

صحّة الحمل وصحّة السلب

إنّ صحّة الحمل تعرب عن كون الموضوع هو المعنى الحقيقي كما أنّ صحّة السلب آية كونه مجازاً.

وتحقيق المقام يحتاج إلى بيان أُمور:

الأوّل: انّ الحمل إمّا أولي ذاتي أو شائع صناعي، فالأوّل عبارة عمّا إذا كان بين المحمول والموضوع وحدة مفهومية، وأمّا الثاني فهو عبارة عن كون الموضوع من مصاديق المحمول، وكان الاتحاد في مقام الوجود والعينية دون المفهوم كما إذا قلنا: زيد إنسان.

ثمّ إنّ صحّة الحمل إنّما تجدي في القسم الأوّل كأن يقال: الحيوان المفترس أسد، والحيوان الناطق إنسان، بخلاف الحمل الشائع الصناعي فانّه لا يثبت كون الموضوع هو الموضوع له للمحمول، وإنّما يثبت كونه من مصاديق المحمول، وهو ليس بمطلوب في المقام، ولذلك نركّز في المقام على الحمل الأوّلي دون الحمل الشائع الصناعي.

الثاني: انّ كيفية الاستعلام تتحقّق بالنحو التالي:

يُتخذ المعنى موضوعاً وينظر إليه لا بما هو لفظ بل بما انّه مفهوم، ويجعل اللفظ الذي نريد استعلام معناه، محمولاً ويقال: الحيوان المفترس أسد أو الحيوان الناطق إنسان، فإذا صحّ الحمل يكون ذلك علامة على أنّ الموضوع، هو الموضوع له، كما أنّ صحّة السلب آية انّه ليس بموضوع له، كما إذا قال: الرجل الشجاع ليس بأسد حقيقة .

الثالث: انّ المحقّق القمي فرّق بين صحّة الحمل وصحّة السلب، فاكتفى


(111)

في الأوّل بصحّة حمل معنى واحد على الموضوع، وقال في الثاني بأنّه لا يكون علامة إلاّإذا صحّ سلب جميع المعاني الحقيقية عن المستعمل فيه لئلا يرد النقض في المشترك فانّه يصحّ سلب بعض المعاني عن مورد، كالعين بمعنى الذهب عن الفضة ولا يصحّ سلب جميعها.(1)

الرابع: قد أورد السيّد الأُستاذ على كون صحّة الحمل علامة الوضع، أو صحّة السلب علامة المجاز، بأنّ الاستعلام حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع، السابق على الحمل وسلبه، فيكون اسناده إلى الحمل وسلبه في غير محله.

فإن قلت: إنّما يصحّ ما ذكر إذا كان المستعلم من أهل اللسان، وأمّا إذا كان من غيرهم فلا تبادر ولا وحدة عنده بين الموضوع والمحمول فحينئذ إذا رأى صحّة الحمل عند العرف أو صحّة السلب يجد ضالّته.

قلت: إنّ صحّة الحمل عند أهل اللغة أو عدم صحّته يرجع إلى تنصيص أهل اللغة واللسان وليست بعلامة مستقلة، لأنّ العلم بصحّة الحمل لا يحصل إلاّ بتصريح الغير.(2)

يلاحظ عليه: انّا نختار الشق الأوّل وانّ المراد هو صحّة الحمل عند المستعلم لكن إنّما تكون صحّة الحمل مسبوقة بالتبادر إذا كان زمان الاستعلام مقارناً بزمان الحمل وسلبه فيسبقه التبادر ويغني عن غيره.

وأمّا إذا كان زمان الحمل مقدّماً على زمان الاستعلام، كما إذا صدر الحمل عن الإنسان في مقام إلقاء الخطابة أو المحاضرات العلمية ولم يكن حينذاك بصدد الاستعلام وإنّما تكلم بما تكلم ارتجالاً، ولما صار بصدد الاستكشاف وقف


1 - قوانين الأُصول: 1/21.
2 - تهذيب الأُصول: 1/58.


(112)

على حمله أو سلبه السابقين، فيستدل به على كون الموضوع حقيقة أو مجازاً.

ونختار الشق الثاني ونقول: إنّ المراد من تنصيص أهل اللغة هو تصريحهم بالموضوع على وجه تفصيلي كقاموس اللغة وأساس البلاغة ولسان العرب، وما أفاده من أنّ العلم بصحّة الحمل لا يحصل إلاّ بتصريح الغير فيرجع إلى تنصيصه، غير تامّ، بل العلم بها يحصل من الوقوف ولو بالقرائن الخارجية على كون الحمل أو السلب صحيحاً عندهم وإن لم يصرّحوا بصحّة الحمل.

الخامس: قد سبق انّ التبادر لا يثبت إلاّ انّ الموضوع هو المعنى الحقيقي في عصر المتعلّم، وامّا انّه هو الموضوع له في عصر النبي والأئمّة فلا يتم إلاّ بأصالة عدم النقل المتفق عليها عند العقلاء، ومثله صحّة الحمل أو عدم صحّة السلب فلا يثبت إلاّ كون الموضوع هو المعنى الحقيقي في عصرنا.

نعم لو قلنا بأنّ المدار في الحجّية هو الظهور الواصل للسامع كفى نفس التبادر وصحة الحمل المثبتين لهذا الظهور.

وأمّا لو كان المدار هو الظهور حين صدوره من المتكلّم فهو يحتاج ـ وراء التبادر أو صحة الحمل ـ إلى أصالة عدم النقل.

السادس: انّ مشكلة الدور وحلها في المقام نفسها في التبادر طابق النعل بالنعل .

***


(113)

العلامة الثالثة:

الاطّراد

إذا اطّرد استعمال لفظ في أفراد كلي بحيثية خاصة، كرجل باعتبار الرجولية في زيد وعمر، مع القطع بكونه غير موضوع لكل واحد على حدة، استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها وبين ذاك الكلي، وعلم أنّه موضوع للجامع بين الأفراد. واحتمال كونه مجازاً لأجل العلاقة، مدفوع بعدم الاطّراد في علائق المجاز، فانّ علامة الجزء والكل ليست مطردة بشهادة انّه يصحّ استعمال العين في المراقب ولا يصحّ استعمال الشعر فيه، ويصحّ استعمال اللسان في الوكيل دون الصدر فيه وغير ذلك.

وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:

1. انّ المجاز وإن لم يطرد في نوع علائقه ومطلق المشابهة إلاّ انّه في خصوص ما يصحّ معه الاستعمال في المجاز مطرد كالحقيقة.(1)

يريد أنّ استعمال الجزء في الكل وإن كان ليس بمطّرد في نوع تلك العلاقة بأنْ يطلق الجزء كالشعر ويراد الكل أي الإنسان، لكنّه مطّرد في خصوص ما كان للجزء دور خاص في مورد الاستعمال كالعين في المراقبة، والتبيين في اللسان، والعمل في اليد.

ثمّ إنّه لما التفت إلى وجود الفرق بين الاطّرادين حيث إنّ الاطّراد في الحقيقة عار عن التأويل، بخلاف الاطّراد في المجاز فانّه لا يصحّ إلاّ مع التأويل، أي تنزيل الجزء منزلة الكل، وكأنّه ليس للإنسان الجاسوس شأن سوى العين والنظر،


1 - كفاية الأُصول: 1/28.


(114)

وللعامل سوى العمل باليد، وهكذا، وعلى ذلك فالاطّراد بلا تأويل علامة الحقيقة، والاطّراد معه آية المجاز.

ولما التفت إلى ذلك الإشكال حاول الإجابة عنه من دون أن يذكر الإشكال وقال:

2.وزيادة قيد من غير تأويل أو على وجه الحقيقة وإن كان موجباً لاختصاص الاطّراد كذلك في الحقيقة إلاّ انّه حينئذ لا يكون علامة لها إلاّعلى وجه دائر.(1)

توضيحه: انّ العلم التفصيلي بالحقيقة موقوف على الاطّراد من غير تأويل أي الاطّراد على وجه الحقيقة تفصيلاً فيلزم اتحاد الموقوف والموقوف عليه.

ثمّ قال: إنّه لا يمكن الإجابة عن الدور بما ذكر في التبادر وصحة الحمل، لأنّ أحد الطرفين فيهما كان تفصيلياً والآخر إجمالياً بخلاف المقام فانّ الطرفين على نحو التفصيل.

3. وإلى الإشكال الثالث يشير المحقّق الخراساني بقوله: ولا يتأتّى التفصّي عن الدور بما ذكر في التبادر هنا ضرورة أنّه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطّراد أو بغيره.(2)

وحاصل كلام المحقّق الخراساني يرجع إلى أُمور ثلاثة:

الأوّل : انّ المجاز مطرد كالحقيقة في صنف العلامة.

الثاني: انّ إضافة قيد «بلا تأويل» في تعريف الاطّراد يوجب الدور.

الثالث: الجواب المذكور عن الدور في العلامتين الماضيتين لا يأتي هنا.

وقبل الإجابة عن هذه الإشكالات نوضح واقع الاطّراد وانّه لو كان هناك


1 - كفاية الأُصول: 1/29.
2 - كفاية الأُصول: 1/29.


(115)

علامة للتعرف على الحقيقة لمن يريد الوقوف على اللغة هو الاطّراد غير انّ المشهور لم يعيروا أهمية لهذه العلامة حتى أنّ البعض ترك البحث فيها، غير أنّ المتتبع لاستعمالات اللغة يجد أنّ الاسلوب الوحيد للتعرّف على معاني الألفاظ هو الاطّراد.

توضيح ذلك: انّ الجاهل باللغة إذا أراد أن يعرف معاني اللغات الأجنبية من أهل اللسان ليس له طريق إلاّ الاستماع لمحاضرات أهل اللغة في مقامات مختلفة، فإذا رأى أنّ لفظاً خاصاً تستعمله طوائف مختلفة مع ثقافات متنوعة بحيثية واحدة في معنى واحد ينتقل إلى أنّه هو الموضوع له وانّ الاستعمال خال عن القرينة، مثلاً: رأى أنّ الفقيه يقول: الماء طاهر ومطهّر، أو قليل أو كثير، ويقول الكيميائي: الماء مركب من عنصرين أوكسيجين وهيدروجين، ويقول الفيزيائي: الماء لا لون له، والكل يستعمل ذلك اللفظ في مورد خاص بحيثية واحدة وهو المايع السيال، وبما انّ المستعملين ذوو ثقافات مختلفة فمن البعيد أن يكون بينهم اتفاق على الاستعمال، فإذاً ينتقل الإنسان إلى أنّ الماء في لغة العرب موضوع للجسم الرطب السيال، فالفقيه العربي كالكيمياوي العربي مثل الفيزياوي كلّ يطلق ذلك اللفظ على هذا المعنى بما هو من أبناء تلك اللغة لا بما هو فقيه أو كيمياوي أو فيزياوي.

وبذلك يعلم أنّ طريق اقتناص معاني اللغة الأجنبية إنّما هو الاطّراد، فلنفترض انّا لا نعلم معنى الغنيمة الواردة في قوله سبحانه: (وَاعْلَمُوا انّما غَنِمْتُم من شَيْء فأَنّ للّهِ خُمُسَه) (1) حيث إنّ معناها مردد بين غنيمة الحرب أو مطلق ما يفوز به الإنسان، فالسنّة على الأوّل، والشيعة على الثاني، ومن الطرق الموضحة


1 - الأنفال:41.


(116)

لمعناها هو التتبع في لغة العرب واستعمالها في كلمات أهل اللسان في خصوص الغنيمة الحربية أو مطلق ما يفوز به الإنسان، فإذا رجعنا إلى القرآن نرى أنّه يستعمله في المعنى الثاني ويقول :(تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغانِمُ كَثيرَة) (1) ، فالمراد من الغنائم عند اللّه هو الثواب الأُخروي، وإذا رجعنا إلى السنّة نرى أنّها تستعمله في ذلك المعنى، يقول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «غنيمة مجالس الذكر الجنة»(2) وفي حديث آخر:«رمضان غنم المؤمن»(3) إلى غير ذلك من الموارد التي تستعمل في ألسنة أهل اللغة في معنى عام، فإذاً يحدس الإنسان بأنّه الموضوع له، وأمّا استعمالها في الغنيمة ا لحربية فلأجل أنّها من مصاديق ذلك المعنى، وإن شاع الاستعمال الثاني في ألسن المفسرين والفقهاء.

إذا وقفت على ما ذكرنا فلنرجع إلى نقد ما ذكره المحقّق الخراساني.

أمّا الإشكال الأوّل: أعني وجود التسوية بين الحقيقة والمجاز حيث إنّ الثاني مطرد في صنف العلائق كالحقيقة.

فالإجابة عنه واضحة، وذلك لأنّ المجاز غير مطّرد حتى في مورد صنف العلاقة، لأنّ المجاز عبارة عن حسن استعمال اللفظ في الموضوع له لكن بادّعاء أنّ المورد من مصاديق المعنى الحقيقي، ولكن حسن هذا الادّعاء رهن أمرين:

أ: أن يستحسنه الذوق، فلو قال أسد وأراد به الحيوان المفترس وطبّقه على الرجل الشجاع يستحسنه الذوق، دون ما إذا قال أسد وأراد الحيوان المفترس لكن طبقه على الرجل الأبخر بادعاء أنّ الحيوان المفترس أيضاً أبخر.

ب: كون المقام مناسباً لإظهار هذا الادّعاء، فلا يستعمل الأسد في المعنى


1 - النساء:94.
2 - انظر الاعتصام بالكتاب والسنّة:292 تجد فيها أحاديث أُخرى مع مصادرها.
3 - انظر الاعتصام بالكتاب والسنّة:292 تجد فيها أحاديث أُخرى مع مصادرها.


(117)

المجازي إلاّ إذا كان المقام مناسباً لإظهار بطولته وشجاعته، كما في قول الشاعر:

لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم

بخلاف ما إذا لم يكن المقام مقتضياً له كما إذا حاول أن يشاركه في الغذاء فلا يصحّ أن يقول يا أسد تفضل إلى الطعام بل يجب أن يقول: يا صديق تفضل إلى الطعام.

فهناك فرق بين يا رجل و يا أسد، فالثاني لا يصحّ إلاّ إذا كان المقام مختصاً ببيان شجاعته، بخلاف الأوّل فانّه يطّرد مطلقاً في عامة المقامات، وبذلك يظهر اختصاص الاطّراد بالحقائق دون المجازات، ولأجل ذلك قلنا لو صحّ استعمال اللفظ في موارد مختلفة مع محمولات مختلفة، لكشف عن كون المجوز هو الوضع دون القرينة.

ومثله إذا قلنا «فلان عين» فليس له اطّراد، كاطّراد لفظ الإنسان إلاّفي مقام خاص وهو كونه مراقباً للأُمور.

وأمّا الإشكال الثاني: أعني إضافة «من غير تأويل» إلى تعريف الاطّراد يستلزم الدور.

فالظاهر أنّ المحقق الخراساني زعم أنّ العلم بالموضوع له على وجه الحقيقة متوقف «على الاطّراد من غير تأويل» على نحو يجب أن يحرز قبل الاستعلام «الاطّراد بلا تأويل» ثمّ يستخدمه المستعلم في التعرف على الموضوع له، فلو كان هذا هو المراد لكان لإشكاله وجه، إذ مع العلم بالمعنى الحقيقي، لا جهل حتى نتوسل إلى رفعه ، مضافاً إلى اتحاد الموقوف والموقوف عليه.

وأمّا إذا كان المراد أنّ العلم بالمعنى الموضوع له على وجه الحقيقة موقوف على إعمال الاطّراد بكثرة حتى يقف المستعلم بأنّ الاستعمال في هذه الموارد الكثيرة


(118)

ليس مقروناً بالتأويل، فهو لا يستلزم الدور، لأنّ قيد «من غير تأويل» ليس قيداً للاطّراد من أوّل الأمر وإنّما هو نتيجة الإطراد.

وعلى ذلك فالعلم بالموضوع له على وجه الحقيقة متوقّف على الاطّراد، لكن إلى حد يحصل العلم بأنّه ليس في المقام أي تأويل وتنزيل، وإلاّ فلو كان لعُلم، فهو (أي من غير تأويل) نتيجة الاطّراد وفي طوله لا في عرضه.

وعلى ذلك فينشأ من الاطّراد أُمور ثلاثة:

أ. انّ الاطّراد نتيجة الوضع.

ب. الاطّراد ليس مقروناً بالتأويل.

ج. انّ المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي.

إلى هنا تمّت الإجابة عن الإشكالين.

وأمّا الإشكال الثالث من انّ الجواب عن الدور على النحو السابق في التبادر وصحّة الحمل لا يأتي في المقام فقد علم جوابه ممّا ذكرنا، وذلك لأنّ العلم بالحقيقة على وجه التفصيل هو الموقوف ولكن الموقوف عليه هو الاطّراد إلى حد ينتهي إلى العلم بعدم التأويل، فعندئذ يحصل العلم بالعلم بالحقيقة.

وقد أورد على الاطّراد السيّد الأُستاذ إشكالاً آخر وحاصله:

أنّ الاطّراد مسبوق بصحّة الحمل فيكون غير محتاج إليه.

ويمكن الإجابة عنه، بأنّ الاطّراد إنّما يكون مسبوقاً بصحّة الحمل لو علم انّ الحمل صحيح بلا قرينة، وأمّا إذا شكّ في أنّ المصحّح للحمل ذات الموضوع، أو بضميمة قرينة فلا يكون مسبوقاً به، فعندئذ يكون اطّراد الاستعمال في موارد مختلفة مع الحمل عليه بمحمولات متنوعة كاشفاً عن الحقيقة، وأنّ المجوز هو الوضع، دون القرينة من دون أن يكون لصحّة الحمل دور في مجال الاستكشاف.


(119)

ثمّ إنّ كون الاطّراد دليلاً على الحقيقة ليس بمعنى أنّ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة كما عليه المرتضى، وذلك للفرق بين القولين فانّ ما ذكره يرجع إلى أنّ الأصل في كلّ استعمال ما لم يعلم كونه مجازياً كون المستعمل فيه معنى حقيقياً، ولأجل ذلك ذهب إلى أنّ اشتراك صيغة الأمر في الوجوب والندب لأجل استعماله فيهما.

وبالجملة: هو يكتفي بمجرّد الاستعمال ويجعله دليلاً على الحقيقة.

وما ذكرنا يرجع إلى أنّ استعمالاً واحداً أو اثنين لا يكشف عن كون المستعمل فيه حقيقة إلاّ إذا انتهى إلى حدّ نطمئنّ بأنّ الانتقال من اللفظ إلى المعنى، مستند إلى الوضع لا إلى القرينة إذ لو كان لبان، ولو خفي في مورد فلا يكاد يخفى في الموارد المختلفة، وكم فرق بين القولين.

العلامة الرابعة:

تنصيص أهل اللغة

قد ذكروا انّ تنصيص أهل اللغة على معنى اللفظ من أسباب التعرّف على المعنى الحقيقي وتمييزه عن المعنى المجازي، والمراد من أهل اللغة هم الذين ألّفوا معاجم اللغة وقواميسها، منهم:

1. الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي سيد أهل الأدب، فهو أوّل من دوّن لغة العرب على وفق حروف المعجم لكنّه رتب الحروف حسب مخارجها من الحلق، فاللسان فالأسنان، فالشفتين، وبدأ بحرف العين وختمها بحروف العلة (واي) وقد طبع أخيراً ، توفّـي عام 170هـ.


(120)

2. محمد بن الحسن بن دريد، صاحب الجمهرة في اللغة (المتوفّى عام 321هـ).

3. إسماعيل بن حمّاد الجوهري، صاحب كتاب صحاح اللغة، (المتوفّـى عام 391هـ).

إلى غير ذلك من أُمّهات كتب اللغة المؤلفة في العصور الأُولى، أو المؤلفة في العصور الوسطى، كلسان العرب لابن منظور المصري (المتوفّـى عام 707هـ)، و «القاموس المحيط» للفيروز آبادي (المتوفّـى عام717هـ).

ثمّ إنّه استشكل على تلك العلامة بأنّ شأن اللغوي هو بيان موارد الاستعمال من غير فرق بين كونه معنى حقيقياً أو مجازياً، مع أنّ المطلوب هو تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي.

يلاحظ عليه بوجهين:

الأوّل: أنّ كتب اللغة على قسمين: قسم منه يتعرّض للمعنى الأصلي الذي اشتقّ منه سائر المعاني وتفرّع منه بمناسبة من المناسبات، ومن أحسن ما ألف في هذا المضمار كتاب «المقاييس» لأحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّـى عام 395هـ)، و «أساس البلاغة» للزمخشري (المتوفّـى عام 538هـ) فقد بذل المؤلفان الجهودَ لتعيين أُصول المعاني وتميزها عن متفرعاتها، فالرجوع إلى هذين المعجمين يوقف المراجع على المعنى الموضوع له، دون خصوص المستعمل فيه .

الثاني: ان همّ أغلب المعاجم وإن كان بيان المستعمل فيه، من دون تركيز على المعنى الأصلي، لكن الممارس لها، ممارسة تامة يكتسب ملكة يستطيع بها تمييز المعنى الحقيقي عن المعاني المشتقة منه، وذلك رهن الممارسة الممتدة بكتب اللغة، على نحو يخالط علمُ اللغة دمَه ولحمَه، مضافاً إلى قريحة أدبية يقتنص على ضوئها


(121)

الحقائقَ، ونمثل لذلك مثالين:

1. انّ أهل اللغة يذكرون للفظ الوحي معان: كالإشارة السريعة، والصوت الخفي، والإلهام القلبي، والتسخير، إلى غير ذلك من المعاني، ولكلّ واحد منها شاهد في القرآن الكريم(1)، لكن الإمعان فيها يقضي أنّ له معنى واحداً وهو الافهام بخفاء و البواقي صور له.

2.يذكر أهل اللغة للقضاء عشرة معاني كالحكم، الصُنع، الحتم، البيان، الموت، الإتمام، بلوغ النهاية، العهد، الإيصاء، والأداء، ولكن الإمعان يثبت أنّ الجميع مصاديق مختلفة لمعنى واحد ـ وهو العمل المتقن، والباقي صور له، ولذلك أرجع صاحب المقاييس الجميع إلى أصل واحد.

وعلى ذلك فالرجوع إلى هذه القواميس على النحو المذكور ربّما يرفع الستار عن وجه الحقيقة.


1 - الإشارة، كقوله سبحانه: (فَأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيّاً) (مريم:11).
الصوت الخفي، كقوله سبحانه (شياطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض) (الأنعام:112).
الإلهام القلبي ، كقوله سبحانه: (وَأوحينا إلى أُمّ موسى أن ارضعيه ) (القصص:7).
التسخير، كقوله سبحانه: (وأوحى في كلّ سماء أمرها) (فصلت:12).


(122)

الأمر الثامن

في تعارض الأحوال

لا شكّ أنّه إذا دار الأمر بين حمل اللفظ على المعنى الحقيقي والمجازي، فالأصل هو الحقيقة حتى يثبت خلافه، أو إذا دار الأمر بين العام والخاص، أو المطلق والمقيّد، فالأصل هو الأخذ بالعموم والمطلق حتى يثبت خلافها.

إنّما الكلام فيما إذا دار الأمر بين أحد الأُمور الخمسة التي كلها على خلاف الأصل كالتجوز والتخصيص والاشتراك، والنقل والإضمار، وغيرها كالاستخدام والتقييد فهل هناك ترجيح لأحدها على الآخر، أو لا؟ قد ذكر الأُصوليون وجوهاً استحسانية لترجيح بعض على البعض الآخر، وقد أطنب المحقّق القمي(1) الكلام في ذلك لكنّها وجوه عقلية ظنية، لا تثبت الظهور.

مثلاً إذا دار الأمر في قوله سبحانه: (وَاسْئَلِ الْقَرْيَةِ الّتي كُنّا فِيها)(2) بين إضمار لفظ «أهل» ، أو استعمال القرية في غير معناها الحقيقي فقد ذكروا لكلّوجهاً غير مقنع، فالبحث عن هذه الوجوه ونقدها إضاعة للعمر والمتّبع لدى أهل المحاورة هو الظهور فإن تحقّق فهو وإلاّ فلا تعتبر، لأنّ هذه الوجوه، علل فكريّة، أشبه بأُمور عقلية بعيدة عن الأذهان العرفية، فلا يلتفت إليها العرف الدقيق حتى يثبت بها الظهور للكلام.


1 - قوانين الأُصول:1/31ـ35.
2 - يوسف:82.


(123)

الأمر التاسع

في الحقيقة الشرعية

الحقيقة الشرعية عبارة عن صيرورة ألفاظ العبادات حقائق في المعاني المخصوصة بوضع الشارع تعييناً أو تعيّناً، أو بنحو آخر ـ كما سيوافيك ـ وهل هي ثابتة أو لا؟

وتحقيق المقام يتوقف على نقل الآراء في المسألة.

إنّ النظريات المطروحة في المقام لا تتجاوز عن أربع:

الأُولى: بقاء ألفاظ العبادات على معانيها اللغوية.

وهذه النظرية هي المنسوبة إلى أبي بكر الباقلاني (المتوفّى403هـ) وهو من أكابر الأشاعرة وقد ادّعى أنّ ألفاظ العبادات استعملها النبي في معانيهااللغوية وطبَّقها على تشريعاته، لأنّها من مصاديقها التي كشف عنها الشارع وإن كان العرف غافلاًعنها ، فالألفاظ باقية على معانيها اللغوية إلى يومنا هذا.

الثانية: انّ ألفاظ العبادات نقلت على لسان النبي من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية بالوضع الجديد.

الثالثة: انّ النبي استعملها في تلك المعاني مجازاً ثمّ صارت حقائق في تلك المعاني في لسان المتشرعة، فهي حقائق متشرعية لا شرعية.

الرابعة: انّها كانت حقائق في تلك المعاني الشرعية قبل بعثة النبي وبعده


(124)

وانّ العرب كانت تستعمل تلك الألفاظ في هذه الماهيّات بلا قرينة مقالية أو حالية، وقد خاطب النبي الأُمّة الإسلامية بلغتهم. وإليك دراسة الأقوال:

أمّا النظرية الأُولى: فهي مردودة، إذ كيف يمكن أن يدّعى أنّ الصلاة من مصاديق الدعاء التي كشف عنها الشارع، إذ بين الدعاء والصلاة بون شاسع، فإذا استعملها النبي في تلك المعاني في حين مغايرتها مع المعنى اللغوي فلابدّ له من مسوّغ، وهو أحد أمرين: إمّا النقل والوضع فيدخل في القول الثاني، أو العلاقة بين المعنيين فيدخل في القول الثالث، فنظرية الباقلاني مردّدة ثبوتاً بين القولين ولا يمكن أن تكون نظرية مستقلة.

واستدلّ للنظرية الثانية بتبادر المعاني الشرعية من هذه الألفاظ في محاورات النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو رهن الوضع، إذ لولا الوضع لم يصح التبادر.

وبالجملة: انّ المثبِت يعتمد على التبادر في لسان النبي ويراه ملازماً للقول بالوضع.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح لو لم يصحّ تفسير التبادر عن طريق القول الرابع، وإلاّ فلو كانت تلك الألفاظ حقائق عرفية في عصر التشريع في لسان العرب لصحّ تفسير التبادر عن ذلك الطريق من دون أن يكون للنبي دور في تحقّق التبادر كما سيوافيك. فهذا القول متين إذا لم يثبت القول الرابع.

واستدل للنظرية الثالثة بأنّ كونها حقائق شرعية في لسانه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتوقف على الوضع وهو إمّا تعييني أو تعيّني، والأوّل بعيد جداً، وإلاّ لنقل، والثاني يتوقف على الاستعمال بكثرة ولا يكفي عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واستعمالاته في تحقّق النقل.

يلاحظ عليه بوجهين:

الأوّل: لماذا لا تكفي فترة الرسالة لتحقق الوضع التعيّني مع أنّ بلالاً


(125)

ينادي كلّ يوم ويقول: «حي على الصلاة» عشر مرات، فيكفي في تحقق الحقيقة الشرعية مضيّ أيام أو شهور؟!

الثاني: الوضع غير منحصر بالتعيينيّ و التعيّني، إذ هناك طريق آخر للوضع وهو الاستعمال بداعي الوضع كما يقول الأب عند تسمية المولود الجديد مخاطباً أُمّه: إئتيني ولدي الحسين يحاول بذلك تسميته به.

ومن الممكن أن يتولّى النبي عملية الوضع من خلال هذا الطريق، فلما صلّى أمام قومه، فقال: صلّوا كما رأيتموني أُصلي، فهو بنفس ذلك الاستعمال نقل الصلاة من معناها اللغوي إلى الحقيقة الجديدة.

نعم ربّما يقال بأنّه يمتنع الاستعمال بداعي الوضع، لأنّه يستلزم الجمع بين اللحاظين المختلفين في آن واحد، فبما انّه بصدد الوضع فيلاحظ لفظ الحسين لحاظاً استقلالياً، و بما انّه بصدد استعماله في المولود الجديد يلاحظ اللفظ استعمالاً آلياً، فليزم الجمع بين اللحاظين في آن واحد.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ وضع اللفظ يستلزم لحاظه على وجه الاستقلال ممّا لا غبار عليه، إنّما الكلام في الشق الثاني وهو أنّ الاستعمال يلازم لحاظ اللفظ آلياً وتبعياً، إذ حينئذ يسأل عن معنى التبعية والآلية فإن أُريد منها مغفوليةُ اللفظ، فهو غير صحيح، فانّ الإنسان في مقام إظهار الفصاحة يتوجه إلى اللفظ مثل توجهه إلى المعنى فينتخب السهلَ العذْب ويترك خلافه لا سيما إذا كان سياسياً يحاسَب على كلّ لفظ يتفوّه به.

وإن أُريد من التبعية كون اللفظ وسيلة لإفادة المعنى والمعنى، هو الأصل، فهذا النوع من التبعية لا ينافي اللحاظ ولا يلازم المغفوليّة.


(126)

دراسة النظرية الرابعة

وحاصل هذه النظرية: أنّ هذه الألفاظ كانت حقيقة في هذه المعاني قبل البعثة ومتزامناً معها وقد استعملها النبي فيها كاستعمال سائر الألفاظ من غير فرق بينها. وتوضيح ذلك يتوقف على ثبوت أمرين وإن ذكر أحدهما القوم وغفلوا عن الثاني، ولذلك استشكلوا على تلك النظرية غفلة عن الأمر الثاني.

1. انّ هذه العبادات كانت موجودة في الشرائع السابقة، ويشهد لها كثير من الآيات القرآنية، ونكتفي بالبعض منها.

قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيام كَما كُتِبَ علَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون).(1)

وقال تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُل ضامر يَأْتينَ من كُلِّ فَجّ عَميق) .(2)

وقال تعالى: (قالَ إِنّي عبدُ اللّه آتاني الكتابَ وَجَعَلني نَبيّاً * وَجَعَلَني مُباركاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوصانِي بالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً).(3)

وقال تعالى:(وَاذْكُرْ فِي الكِتاب إِسماعيل إِنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْد وَكانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكانَ يَأْمُرُ أَهلهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرضِيّاً).(4)

فانّ هذه الآيات وغيرها ممّا يجده المتتبع في القرآن، تدل على وجود تلك الماهيات في الشرائع السابقة وانّها ليست ماهيات مخترعة.

هذا هو الأمر الأوّل وإليك الكلام في الأمر الثاني:


1 - البقرة:183.
2 - الحج:27.
3 - مريم:30ـ31.
4 - مريم:54ـ55.


(127)

2. إذا كانت هذه الحقائق موجودة في الشرائع السماوية، وكانت للعرب صلة وثيقة باليهود والنصارى، فقد كانت «يثرب» معقل اليهود و «نجران» مركزاً للنصارى، وكانت لقريش رحلتان في الشتاء والصيف، فرحلة في فصل الشتاء إلى «اليمن» التي كانت تتواجد فيها اليهود بكثرة، ورحلة في فصل الصيف إلى الشام التي كانت يوم ذاك مركزاً للنصارى، فلم يكن للعرب يوم ذاك بُدّ من وجود لفظ، يعبّر به عن عباداتهم: صلاتهم وصومهم، ولم يكن ذلك اللفظ سوى نفس هذه الألفاظ .

ويؤيّد ذلك انّ القرآن استعملها في نفس تلك المعاني في بدء البعثة فجاءت الآيات التالية في السور المكية النازلة في صدر البعثة:

1.(أَرأيتَ الذي ينهى* عبداً إِذا صلّى) .(1)

2. (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى *وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَولّى).(2)

3. (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكين).(3)

4. (إِنّا أَعْطَيْناكَ الكَوثَر* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر) .(4)

فقد نزلت هذه الآيات في أوائل البعثة، مع أنّ الصلاة فرضت في ليلة المعراج وكان عروجه إلى السماء في العام العاشر من الهجرة، وقد ورد لفظ الصلاة في السور المكية قرابة 35 مرة. كلّ ذلك يدلّ على أنّ العرب المعاصرين لعصر الرسالة كانوا يستعملون تلك الألفاظ في نفس هذه المعاني، بلا قرينة. وانّ الوحي اتبع اللغة الدارجة بين قوم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وبالجملة : المهم في هذا الأمر، هو الوقوف على أنّ العرب كانت لهم صلة


1 - العلق:9ـ10.
2 - القيامة:31ـ 32.
3 - المدثر:43ـ 44.
4 - الكوثر:1ـ2.


(128)

وثيقة، مع أتباع الشرائع السماوية الذين كانوا يصلّون، ويصومون ولم يكن لهم بدّ من التعبير عن هذه الحقائق بلفظ خاص، وليس هذا اللفظ إلاّ ما استخدمه القرآن في بدء البعثة غاية الأمر قد أضاف جزءاً أو شرط شرطاً، وعين موانع وقواطع لها.

ويؤيد ذلك أيضاً أنّ جعفر بن أبي طالب عرّف دين النبي لملك الحبشة بكلام مفصل وكان ذلك في العام الخامس من البعثة، و قد جاء في ثناياه:

أيّها الملك كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ـ إلى أن قال :ـ و أمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه وآمنا...».(1)

كل ذلك يعرب عن شيوع استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني يوم ذاك وقد خاطب رئيس الوفد (جعفر بن أبي طالب) ملكَ الحبشة بلغة قومه، وبالتالي خاطب النبي الناس أيضاً بلغة قومه و قال سبحانه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُول إِلاّ بِلِسانِ قَومِهِ ) .(2)

ثمّ إنّ القوم نظروا إلى القسم الأوّل من الآيات الدالة على ثبوت هذه الحقائق في الشرائع السماوية، وغفلوا عن القسم الثاني منها الدال على التعبير عنها في بدء البعثة بنفس هذه الألفاظ، كما غفلوا عن انتشار هذه المفاهيم بين الجزيرة العربية فقد كانوا يعبّرون عنها بهذه الألفاظ، ولذلك استشكل على هذه النظرية جماعة منهم المحقق النائيني حيث قال:

إنّ المعاني وإن كانت ثابتة في الشرائع السابقة إلاّ أنّها لم تكن يعبّر عنها


1 - السيرة النبوية:1/338; اقناع الاسماع:21; بحار الأنوار:18/414.
2 - إبراهيم:4.


(129)

بهـذه الألفاظ بل بألفاظ أُخر، فلا يكون ثبوتها في الشرائع السابقة مانعاً عن الحقيقة الشرعية.(1)

ومنهم المحقّق المشكيني حيث قال:

إنّ وجود هذه المخترعات عند الأُمم السابقة لا يقدح في الحقيقة الشرعية، لأنّ تلك الألفاظ لم تكن حقيقة في هذه المعاني كما هو كذلك بالنسبة إلى أكثر الشرائع الواردة على غير لسان العرب.(2)

ومنهم المحقّق الخوئي حيث يقول: إنّ مجرّد الثبوت هناك لا يلازم التسمية بهذه الألفاظ، وليس في المقام إلاّالتعبير عنها بهذه الألفاظ في الكتاب العزيز، ومن الواضح أنّه لا يدل على وجود تلك الألفاظ في الشرائع السابقة كما هو الحال بالقياس إلى جميع الحكايات والقصص القرآنية التي كانت بالسريانية كما في لغة عيسى أو العبرانية في لغة موسى، و من المعلوم أنّ تلك المعاني كان يعبر عنها بألفاظ سريانية أو عبرانية.(3)

وأنت ترى: أنّ أساس الاستدلال ليس مجرّد ورودها في الشرائع السابقة حتى يستشكل بما ذكر، بل أساسه هو وجود هذه المفاهيم وانتشارها في الجزيرة العربية بحكم الصلة الوثيقة بينهم و بين اليهود والنصارى، فلم يكن لهم بدّ من ألفاظ يعبّر بها عن هذه الحقائق.

وتوهم أنّ ما هو الموجود من هذه الحقائق، يغاير ما هو الموجود في الشريعة الإسلامية مردود بتصريح القرآن على الوحدة في مورد الصيام والحج كما هو صريح الآيات السابقة.


1 - أجود التقريرات:1/34.
2 - كفاية الأُصول: 1/33 قسم التعليقة.
3 - المحاضرات: 1/138.


(130)

وعلى كلّ تقدير تظهر الثمرة فيما إذا وردت هذه الألفاظ في لسان النبي والأمير، بلا قرينة مفهمة، فعلى القول بالحقيقة الشرعية يحمل على تلك المعاني، و على القول الآخر، تحمل على المعنى اللغوي.

لكن الثمرة افتراضية بحتة إذ ليس لنا مورد نشك في المراد من تلك الألفاظ حتى يُتوقف رفع إجماله، على تلك المسألة.

***

لو افترضنا مورداً دار الأمر فيه بين الحمل على المعنى اللغوي أو الشرعي، فهل هنا أصل يعيّن أحد المعنيين أو لا؟ نقول: إنّ هنا صوراً:

1. إذا كان تاريخ النقل والاستعمال معلومين.

2. إذا كان تاريخ النقل والاستعمال مجهولين.

3. إذا كان تاريخ النقل مجهولاً والاستعمال معلوماً.

4. إذا كان تاريخ النقل معلوماًو الاستعمال مجهولاً.

أمّا الصورة الأُولى فخارجة عن مورد الافتراض، كما أنّ الصورة الثانية لا يجري فيها الأصلان، ولو جرى تساقطا بالتعارض.

أمّا الكلام في الصورتين الأخيرتين:

الف: إذا علم تاريخ الاستعمال و أنّ النبي قال في العام الأوّل من الهجرة: «إذا رأيتم الهلال فصلّوا» وجهل تاريخ النقل وانّه هل كان قبل ذلك العام أو بعده، وجاره أمر الصلاة بين الدعاء والعبادة الخاصة فهل تجري أصالة عدم النقل إلى زمان الاستعمال فتكون النتيجة، هو الحمل على المعنى اللغوي؟ فيه خلاف بين المحقق الخراساني و شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري، فقال الأوّل: بالمنع، لأنّ أصالة عدم النقل أصل عقلائي مجراه هو الشكّ في أصل النقل، لا


(131)

العلم بالنقل والشك في تقدّمه وتأخره كما في المقام.

وقال الثاني: إنّ الوضع السابق لا ترفع عنه اليد إلاّبعد العلم بالوضع وحيث لم يعلم وجوده حين الاستعمال فيحمل على المعنى اللغوي فتكون النتيجة موافقة لأصالة عدم النقل.

يلاحظ عليه: أنّ الحجّة هو ظهور الكلام لا العلم بالوضع الأوّل، ومع هذا العلم الإجمالي بالنقل والشك في تقدمه أو تأخره عن الاستعمال، لا يبقى للكلام ظهور حتى نتبعه.

ب: إذا علم تاريخ النقل وانّه كان في العام الأوّل من الهجرة، ولكن جهل تاريخ الاستعمال وانّه هل كان قبل النقل أو بعده، فهل تجري أصالة عدم الاستعمال إلى زمان النقل فتكون النتيجة هو الحمل على المعنى الشرعي أو لا؟ وجهان:

1. أنّ الأصل المزبور ليس أصلاً عقلائياً إذ ليس عندهم منه عين ولا أثر، بل هو أصل شرعي، وجريانه فرع وجود أثر شرعي مرتب عليه بلا واسطة وهو ليس بموجود .

2. ما عليه شيخ مشايخنا العلامة الحائري بحمل اللفظ على المعنى اللغوي، لأنّ الوضع الأوّل حجّة ولا يرفع عن الحجّة إلاّ بالحجة، فتكون النتيجة موافقة لأصالة عدم الاستعمال إلى زمان النقل، وقد عرفت أنّ الحجّة هو الظهور وهو غير متحقّق مع العلم الإجمالي.


(132)

الأمر العاشر

في أنّ ألفاظ العبادات

وضعت للصحيح أو الأعم

تمهيد

عنون صاحب الكفاية المسألة بالنحو التالي وقال: «ألفاظ العبادات أسام لخصوص الصحيحة أو للأعم منه» فخصّ البحث بالعبادات لأجل أنّه عقد باباً خاصّاً للمعاملات، وعنوان البحث في كتب القوم بالنحو التالي: أسماء العبادات والمعاملات«هل هي موضوعة للصحيح أو للأعم منه؟» أو هل هي أسام للصحيح أو الأعم؟

وعنوان البحث متفرع على ثبوت الحقيقة الشرعية عندهم، وأمّا على القولين الآخرين، أعني: استعمالها في لسان الشارع في معانيها الشرعية مجازاً وصيرورتها حقائق متشرعية كما هو القول الثالث، أو بقائها على معانيها اللغوية إلى يومنا هذا وقد أضاف الشارع أجزاءً وشرائط لها، فالعنوان غير شامل لهما إذ ليس من الوضع والتسمية أثر على القولين.

لكن عدم شمول العنوان شيء، وعدم جريان النزاع على ذينك القولين أمر آخر، بل النزاع يجري على جميع الأقوال الأربعة.


(133)

1ـ2. أمّا جريانه على القول بالحقيقة الشرعية أو الحقيقة العرفية التي كانت هي المختار فواضح، فانّه يبحث عمّا هو الموضوع له عند الشارع على القول بالحقيقة الشرعية ، أو ما هو الموضوع له عند العرب المعاصرين لنزول القرآن عند نقلهم ألفاظ العبادات من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية.

3.وأمّا جريانه على القول بالحقيقة المتشرعية فيقع النزاع في أنّ الشارع هل لاحظ العلاقة بين المعاني اللغوية والمعاني الصحيحة، أو لاحظ العلاقة بينها و بين الأعم من هذه المعاني الجديدة؟ وعلى كلّ تقدير يكون الأصل في استعمالات الشارع هو المعنى الذي لاحظ العلاقة بينه و بين المعنى اللغوي، ويكون إرادة المعنى الآخر محتاجة إلى القرينة، وإلاّ فيحمل على المعنى الذي وقع طرفاً عند ملاحظة العلاقة.

4. وأمّا جريانه على القول ببقاء الألفاظ على معانيها اللغوية وانّ إرادة الخصوصيات من طريق الدوال الأُخر، فيقع النزاع في أنّ القرينة التي نسبها الشارع لإفادة الخصوصيات هل كانت دالة على إرادة المعنى الصحيح أو كانت دالة على المعنى الأعم؟ ويكون الأصل في الاستعمال هو المعنى الذي نصب عليه القرينة في هذا الاستعمال بحيث يكون إرادة المعنى الآخر محتاجة إلى القرينة المعينة.

إذا عرفت هذا فيقع البحث في جهات:

الجهة الأُولى

ما هو معنى الصحّة؟

قد ادّعى المحقّق الخراساني أنّ الصحّة بمعنى التمام، ثمّ ذكر أنّ تفسير


(134)

المتكلّم الصحّة بموافقة الشريعة، أو الفقيه بما يسقط الإعادة والقضاء، تفسير باللازم، وبما يهم كلّواحد منهما، فالمتكلّم يهمّه التعرف على ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله والعقاب والثواب من أفعاله، وهما يترتبان على الموافقة والمخالفة، ولأجل ذلك فسره بموافقة الشريعة، كما أنّ الفقيه يهمه تعيين تكليف المكلّف من الإعادة والقضاء وعدمهما ولذلك فسّره بسقوطهما.

يلاحظ عليه: أنّ بين الصحّة والفساد تقابل التضاد، فالصحّة كيفية وجودية عارضة للشيء باعتبار اتصافه بكيفية ملائمة لنوعه أو باعتبار ترتب أثر يترقب منه، كما أنّ الفساد كيفية منافرة لطبعه أو باعتبار ترتّب أثر لا يترقب منه، و بهذا المعنى توصف الدهون والأدوية والمعاجين بالصحّة والفساد. وعلى هذا فلا وجه لتفسير الصحّة بمعنى التمام، لأنّ الصحّة بمعنى التمام لا يقابلها الفساد بل يقابلها النقص، يقال: تام وناقص، فيطلقان على الشيء باعتبار اجتماع أعضائه أو أجزائه وعدمه، وبذلك ظهر أنّ الصحة في مقابل الفساد والتمام في مقابل النقص وتفسير الصحّة بالتمام ليس تفسيراً تاماً.

ويظهر من أهل اللغة أنّ الصحّة تستعمل تارة في مقابل المرض وأُخرى في مقابل العيب، قال ابن فارس: الصحّة، أصل يدلّ على البراءة من المرض والعيب، وعلى الاستواء من ذلك. الصحّة ذهاب السقم، والبراءة من كلّ عيب، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ».(1)

فقوله: «يدلّ على البراءة من المرض» يعرب عن أنّ الصحّة كيفية وجودية في مقابل المرض الذي هو أيضاً كذلك، وقوله: «على البراءة من العيب» يدل على أنّ الصحّة بمعنى تام الأجزاء في مقابل المعيب الذي هو ناقص الأعضاء.

هذا هو حال اللغة، وأمّا اصطلاحاً فتطلق الصحّة تارة على الجامع للصفة


1 - المقاييس:3/281.


(135)

المعتبرة في العبادة في مقابل الآخر إذا كانت متصفة بصفات مقابلها. ككون القراءة صحيحة أو ملحونة، فيكون بينهما من التقابل، هو تقابل التضاد. وأُخرى على الجامع للأجزاء والشرائط وغير الجامع لهما، فيكون بينهما من التقابل هو تقابل العدم و الملكة. فالأوّل يناسب كون الصحّة في مقابل المرض، والآخر كون الصحّة في مقابل المعيب.

الجهة الثانية

ما هو المقصود من الوضع للصحيح؟

هل المراد من الصحيح هو الصحيح بالحمل الأوّلي، أو المراد هو الصحيح بالحمل الشائع، أو لا هذا ولا ذاك بل ماهية لو وجدت في الخارج لوصفت بالصحّة؟

لا طريق إلى القول الأوّل لاستلزامه كون الصلاة مرادفة لمفهوم الصحّة، كما لا طريق إلى الثاني لاستلزامه أن يكون الموضوع له خاصّاً مع أنّ الجميع متفق على أنّ الموضوع له هو الأمر الكلي المردد بين الصحيح أو الأعم منه وغيره ، فتعيّن الثالث، أي الماهية الاعتبارية التي لو وجدت في الخارج لوصفت بالصحّة، فالصحّة الفعلية من صفات وجودها والتعليقية من أوصاف الماهية.

الجهة الثالثة

ما هو الداخل في المسمّى؟

لا شكّ أنّ الأجزاء داخلة في المسمّى، إنّما الكلام في دخول الشرائط فيه على


(136)

القول بالصحيح سواء أكان شرطاً شرعياً كالطهارة، أو شرطاً عقلياً غير قابل للأخذ في المتعلق كقصد الأمر، أو شرطاً لتحقّق المأمور به كعدم الابتلاء بالضد.

ذهب الشيخ الأنصاري إلى خروج الشرائط عن تحت المسمّى، قائلاً: بأنّ رتبة الأجزاء رتبة المقتضي، ورتبة الشرائط متأخرة عن رتبة المقتضي، فلا يسوغ إدخالها في المسمّى لتستوي مع الأجزاء رتبة.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ تقدّم الأجزاء على الشرائط في عالم العين والكون لا يكون مانعاً من اجتماعهما في مقام التسمية ،كما أنّ الواجب والممكن كذلك ولكنّهما داخلان تحت عنوان الوجود.

أقول: الظاهر دخول الشرائط في المسمّى على القول بالصحيح، بشهادة أنّ المحقّق الخراساني يجعل الموضوع له هو الجامع بين أفراد الصحيح الذي يترتب عليه النهي عن الفحشاء، ومن المعلوم أنّ ذلك الأثر لا يترتب إلاّعلى الجامع للأجزاء والشرائط، ويدلّ على ذلك (دخول الشرائط في المسمّى عند الصحيحي) اعتراض الأعمّي على الصحيحي من أنّ القول بالوضع للصحيح يلزم تكرار معنى الطلب في الأوامر المتعلّقة بها، لأنّ الأمر حينئذ يرجع إلى الأمر بالمطلوب إذ هو معنى الصحيح، فيكون المعنى أطلب المطلوب.(2) ومن المعلوم أنّ المطلوب هو التام جزءاً وشرطاً. ومع ذلك فالرائج بين العقلاء هو الفرق بين شرائط الماهية وشرائط التحقق بإدخال الأوّل في المسمّى كالطهارة، وعدم دخول الثاني«كعدم الابتلاء بالأهم منه» وأمّا قصد الأمر فهو متفرّع على القول بإمكان أخذه في المتعلق أو لا. فعلى الأوّل يكون داخلاً في المسمّى دون الثاني.


1 - مطارح الأنظار:6.
2 - الفصول:48.


(137)

الجهة الرابعة

في لزوم جامع على كلا القولين

إنّ الأثر الفقهي المترتّب على المسألة هو صيرورة المسمّى مجملاً على القول بالصحيح، ومبيّناً على القول بالأعم، فلا يجوز التمسّك بالإطلاق على القول بالصحيح دون القول بالأعم.ومن المعلوم أنّ تصوير ذلك الأثر الفقهي فرع وجود جامع واقع تحت الأمر يكون مبيّناً على أحد القولين ومجملاً على القول الآخر.

أضف إلى ذلك أنّه لولا القول بوجود الجامع يلزم أن يكون لفظ العبادات مشتركاً لفظياً، لأنّ للصحيح مراتب مختلفة كما للأعم كذلك، وجواز الإطلاق على الجميع رهن أحد الأمرين: كونه مشتركاً معنوياً أو مشتركاً لفظياً والثاني باطل، فتعيّن الأوّل، وهو يلازم وجود الجامع في البين.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ تصوير الجامع على القول بالأعم من السهولة بمكان، لأنّه يقسم الأجزاء إلى قسمين: أجزاء المسمّى، وأجزاء المأمور به، فالأركان الأربعة مثلاً، أجزاء للمسمّى ولا تخلو صلاة منها إمّا بعينها أوبأبدالها، وخلوّ صلاة الغرقى غير مضر، لأنّها ليست صلاة، بل دعاء وابتهال، بخلاف الصحيحي فانّ الاجزاء كلّها عنده أجزاء للمسمّى وليس من أجزاء المأمور به لديه عين ولا أثر، وعندئذ يشكل تصوير جامع، يصدق على عامة الصلوات الصحيحة رباعيتها، وثلاثيتها،وثنائيتها وأحاديتها، مع أنّ لكلّ منها مراتب مختلفة حسب اختلاف حالات المكلّف ، لأنّ لازم كونها موضوعة للأجزاء الكثيرة


(138)

هو خروج الصلوات الصحيحة القليلة الأجزاء عن المسمّى. كما أنّ وضعه للأجزاء القليلة من الصلوات الصحيحة يستلزم كون الأجزاء الأُخرى أمراً خارجاً عنها.

والحاصل: أنّ الأعمّي جعل بعض الأجزاء جزء المسمّى، أعني: الأركان الأربعة، والأجزاء الباقية جزء المأمور به وبذلك تخلّص عن الإشكال.

وأمّا الصحيحي فبما أنّه يدّعي الوضع للصحيح يجعل الجميع جزء المسمّى وليس عنده من جزء المأمور به عين ولا أثر، فعند ذلك يتوجه إليه الإشكال المتقدم، حيث إنّ وضعها للأجزاء الكثيرة يوجب خروج الأجزاء القليلة عن المسمّى، كما أنّوضعها للأجزاء القليلة يوجب اشتمال الأجزاء الكثيرة على الصلاة وغير الصلاة.

ثمّ إنّ ذلك صار سبباً لالتجاء المحقّق الخراساني إلى الجامع البسيط حتى يتمكن له ادّعاء وجوده في عامة الصلوات قليلة كانت أو كثيرة.

وبالجملة: انتخابه كون الموضوع له هو الأمر البسيط لأجل الفرار عن الإشكال المتقدم، فإليك تقريبه مع سائر التقريبات الواردة للأعلام.

التقريب الأوّل للمحقّق الخراساني

حاصله: انّ الجامع بين أفراد الصلاة ليس مشخصاً باسمه، ولكنّه يمكن الإشارة إليه بخواصه وآثاره، قال: فانّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثر الكل فيه بذاك الجامع، فيصحّ تصوير المسمى بلفظ الصلاة مثلاً، بالناهية عن الفحشاء وما هو معراج المؤمن ونحوهما.(1)


1 - كفاية الأُصول:1/36.


(139)

يلاحظ عليه أوّلاً: وجود التعارض بين الصدر والذيل، فالصدر ظاهر في أنّ الموضوع له شيء والأثر المترتب عليه معرف له، ولكن الذيل ظاهر في أنّ الموضوع له هو نفس الناهية عن الفحشاء، إلاّ أن يحمل حرف الباء في قوله بالناهية على السببية أي بسبب الناهية عن الفحشاء ومن خلالها .

وثانياً: أنّ الهدف من الوضع تفهيم ما قام في الذهن في المعنى، فلو كان المعنى غير قابل للتفهيم إلاّ بالإشارة إليه بالأثر الخاص كان الوضع له لغواً ويتعين الوضع للأثر، وهذا يجرّنا إلى القول بوجوب كون الجامع أمراً عرفياً مخطوراً إلى أذهان العرف.

وثالثاً: أنّ استخدام قاعدة الواحد ـ أعني: «لا يصدر الواحد إلاّعن الواحد» ـ في المقام حيث استدلّ باشتمال عامة الصلوات الصحيحة في الأثر الواحد، أعني: النهي عن الفحشاء على وجود جامع بينها، غير تام، وذلك لأنّها حسب برهانها مختصة بالواحد الشخصي البسيط من جميع الجهات من دون أن يكون فيه أي شائبة كثرة وإلاّفيخرج عن تحت القاعدة.

وأمّا برهان القاعدة فهو أنّ المعلول الواحد البسيط من جميع الجهات الخالي عن شائبة أيّة كثرة يجب أن يصدر عن علّة معينة فقط، وإلاّفلو صدر عن كثير يلزم طروء الكثرة عليه.

وذلك لأنّه يلزم أن يكون بين المعلول والعلة رابطة ظلية تصحح صدوره عنها، وإلاّ فلو صدر عنها بلا تلك الرابطة يلزم صدور كلّ شيء من كلّ شيء، وعلى ذلك فلو صدر المعلول البسيط عن علة فلابدّ أن يصدر عنها بحيثية خاصّة، ومع ذلك فلو صدر عن علّة أُخرى يلزم أن يصدر عنها بحيثية مغايرة للحيثية الأُولى، وهذا يستلزم انقلاب الواحد إلى الكثير ففرض كون المعلول واحداً


(140)

بسيطاً لا كثرة فيه يساوق حصر صدوره عن علة واحدة.

وعلى ضوء ذلك فالقاعدة مختصة بالواحد البسيط من جميع الجهات، وأين هو من النهي عن الفحشاء الذي هو واحد بالنوع حيث إنّ النهي عن الكذب غير النهي عن الغيبة وكلاهما غير النهي عن النميمة؟!

ورابعاً: انّ الأثر المترتب على الصلاة مختلف، واختلافه يكشف عن وجود الكثرة في الصلاة، فالصلاة كما هي تنهى عن الفحشاء، فهي عمود الدين، وقربان كلّ تقي، ومعراج المؤمن، فيلزم أن يكون في الصلاة جوامع كثيرة كلّ مصدر لأثر خاص.

وخامساً: انّ القول بوضع الصلاة للجامع البسيط الموجود في جميع المراتب وإن كان يرفع الإشكال وهو وجود الجامع في عامة مراتب الصحيح أُحادية كانت الصلاة أو ثُنائية أو ثلاثية أو رباعية، كانت الصلاة صلاة اختيار أو صلاة اضطرار، لكنّه يوجب الإشكال في أمر آخر وهو أنّ مشاهير الأُصوليين في مبحث الشك في الجزئية والشرطية ذهبوا إلى القول بالبراءة بادّعاء انحلال العلم الإجمالي إلى أمر يقيني وشكّ بدوي، وهذا إنّما يصحّ إذا تعلّق الأمر بأمر مركب ذي أبعاض حتى يكون بعضه متيقناً والبعض الآخر مشكوكاً، الذي هو قوام الانحلال، وأمّا إذا كان الأمر متعلّقاً بأمر بسيط وكانت نسبة الأجزاء إليه نسبة المحصِّل إلى المحصَّل يكون المرجع هو الاشتغال لكون المأمور به واضحاً، والشكّ إنّما هو في محقّقه ودورانه بين الأقل والأكثر، ومن المعلوم انّ العقل يحكم عندئذ بالاحتياط للعلم بالاشتغال القطعي والشكّ في سقوطه بالأقل، وهذا ما يعبّر عنه تارة بالشكّ في المحصل أو الشكّ في السقوط.

هذا هو الإشكال الذي تنبّه إليه المحقّق الخراساني وأجاب عنه بقوله:


(141)

إنّ الجامع مفهوم واحد منتزع عن هذه المركّبات المختلفة زيادة ونقيصة، بحسب اختلاف الحالات، متّحد معها نحو اتحاد وفي مثله تجري البراءة، وإنّما لا تجري فيما إذا كان المأمور به أمراً واحداً خارجياً مسبباً عن مركب مردّد بين الأقل والأكثر كالطهارة المسببة عن الغسل والوضوء فيما إذا شكّ في اجزائهما.(1)

توضيح الجواب: وجود الفرق بين المسبب الذي له وجود مستقل منفصل عن السبب، وبين المنتزع عن المركب المتحقّق معه من دون أن يكون له وجود مستقل، فالأُولى كالطهارة إذا فسِّرت بالطهارة النفسانية التي تتحقق بالغسلات والمسحات فظرف المسبب هو النفس كما أنّ ظرف السبب هو الخارج، ففي هذا المورد إذا شكّ في حصول الطهارة النفسانية لأجل الشكّ في اعتبار الاستنشاق في الوضوء وعدمه يجب الاحتياط، لأنّ الاشتغال اليقيني بالمسبب البسيط، أعني: الطهارة النفسانية، يقتضي البراءة اليقينية ولا يحصل إلاّ بضمّ الاستنشاق إليه والثاني كما في المقام، فانّ للعنوان البسيط نحو اتحاد في الخارج مع الأجزاء والشرائط ولا يضر اختلاف المنتزع منه قلة وكثرة في انتزاعه كالإنسان المنتزع من الإنسان التام والناقص، فوجود هذا الجامع البسيط عين وجود المركبات وليس مغايراً لها حتى يكون الشكّ في قلتها أو كثرتها من قبيل الشكّ في المحقّق.

يلاحظ عليه: أنّ الالتزام بالجامع البسيط بأيّ نحو كان، يوجب الاشتغال لا البراءة، وكون المسبب غير السبب كما في الصورة الأُولى أو متّحداً معه كما في المقام ،لا تأثير له في اختلاف الأصل، وذلك لأنّ متعلّق الأمر هو العنوان الكلي المنتزع وهو أمر بسيط، لا المنتزع منه الذي يتّحد فيه الأمران، فمنشأ الخلط تصوّر أنّ الأمر يتعلّق بالوجود الخارجي الذي يتّحد فيه المنتزع والمنتزع منه غافلاً عن


1 - كفاية الأُصول: 1/37.


(142)

أنّ الأمر يتعلّق بالعنوان الكلي الموجود في الذهن لغاية الإيجاد، وهو غير المنتزع منه في مقام تعلّق الأمر.

إلى هنا تمّ الكلام حول الجامع الأوّل، وإليك الكلام في الجامع الثاني.

التقريب الثاني للمحقّق الاصفهاني

ذهب المحقّق الإصفهاني إلى أنّ الماهية إذا كانت من الماهيات الحقيقية تكون واضحة في مقام الذات ومبهمة من حيث الطوارئ والعوارض، وهذا كالإنسان الذي هو معلوم جنساً وفصلاً، وإنّما الإبهام في عوارضه المشخّصة.

وإذا كانت الماهية من الأُمور المؤتلفة من عدّة أُمور بحيث تزيد و تنقص كمّاً وكيفاً، فمقتضى الوضع لها أن تلاحظ على نحو مبهم في غاية الإبهام بمعرّفية بعض العناوين غير المنفكّة عنها، وهذا كالصلاة حيث إنّها مركبة من ماهيات مختلفة: كالوضع، والكيف والفعل، فلا محيص من وضع اللفظ لسنخ عمل مبهم لا يعرف إلاّ من جانب أثره، وهو النهي عن الفحشاء أو غيره من المعرّفات، بل العرف لا ينتقل من سماع لفظ الصلاة إلاّ إلى سنخ عمل خاص مبهم إلاّمن حيث كونه مطلوباً في الأوقات وهذا هو الذي تصوّرناه في ما وصفت له الصلاة بتمام مراتبها، من دون الالتزام بجامع ذاتي مقولي، ومن دون الالتزام بالاشتراك اللفظي.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الصلاة مركّب اختراعي، وكلّ مخترع أعرف بما اخترع من غيره، يقول سبحانه: (أَلا يَعْلَم مَنْ خَلَق وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير)(2) وعندئذ كيف يمكن اختراع مركب لغاية الأمر به وعدم التعرف عليه إلاّمن جانب أثره؟!


1 - نهاية الدراية:1/39.
2 - الملك:14.


(143)

وعلى ضوء هذا لا يصحّ كلامه بأنّ الصلاة مبهمة في ذاتها وفي مقام تجوهرها. كيف! وانّ الآمر هو الذي يتصوّر الموضوع ويأمر به، وعند ذلك لابدّله من تصوّر ما يأمر به.

ثمّ إنّه قدَّس سرَّه قاس المقام بالخمر قائلاً «بأنّه مبهم من حيث اتخاذه من العنب والتمر وغيرهما،ولذا لا يمكن وصفه إلاّ ببعض الآثار كالمسكرية» ولكن الفرق بين المقيس والمقيس عليه واضح، فانّ الخمر من الأُمور التكوينية وليست ذاتها وتجوهرها رهن تصور متصوّر ولحاظ لاحظ، فلا مانع من أن يكون لها واقع مبهم غير معلوم إلاّ من ناحية أثره كالاسكار، وهذا بخلاف المركّبات الاختراعية الاعتبارية فانّ واقعيتها وتجوهرها بيد مخترعها ولاحظها فلابدّأن تكون ذاتها معلومة لمخترعها في مقام الذات لا أن تكون مبهمة إلاّمن حيث الأثر.

ثانياً: انّ ما ذكره قريب ممّا ذكره أُستاذه غير انّه يفارقه في أنّ الأُستاذ صرّح ببساطة الجامع دونه فيرد عليه ما أورد عليه أخيراً.(1)وهو انّ الموضوع له مع إبهامه وإجماله إمّا مركب أو بسيط، والبسيط إمّا جامع مقولي أو جامع عنواني، والمجموع غير تام.

أمّا المركّب فيرد عليه أنّه مردّد بين الأقل والأكثر أجزاءً، فلو وضعت الصلاة على الأكثر أجزاءً لا يصدق على القليل وإن وضعت على العكس يكون الأكثر أجزاءً صلاة مع شيء خارج عن ماهيتها.

وأمّا البسيط، فالمقولي منه غير متصوّر، لأنّ الصلاة مركب من مقولات مختلفة كالوضع، والكيف، والفعل، ومن المعلوم أنّ الجميع من الأجناس العالية التي ليس فوقها جنس فلو كانت للصلاة جامع مقولي يلزم أن يكون الجامع فوق


1 - قد تقدّم عند مناقشة قول المحقّق الخراساني تحت عنوان «وخامساً».


(144)

تلك الأجناس مع أنّها ليس فوقها جنس «ليس وراء عبادان قرية».

وأمّا الجامع العنواني الذي يعبّر عنه بالانتزاعي كالناهي عن الفحشاء والمنكر فهو يستلزم خلاف المطلوب إذ يلزم عليه وجوب الاحتياط عند الشكّ في الأقل والأكثر .

إلى هنا تمّ التقريبان للعلمين :المحقّق الخراساني والمحقّق الإصفهاني قدّس سرّهما ،وهناك تقريب ثالث للمحقّق النائيني.

التقريب الثالث للمحقّق النائيني

قال: إنّ الموضوع له هو خصوص التام الأجزاء والشرائط كصلاة المكلّف المختار، وإطلاقها على الصلوات الناقصة الاضطرارية إنّما يكون بعد التصرّف في الأمر العقلي، وجعل الصلوات العذرية المجزية مشابهة للصلوات التامّة في الإسقاط وعدم وجوب الإعادة والقضاء وتنزيلها منزلتها من جهة المسقطية والإجزاء وبعد هذا التنزيل صارت صلوات ادّعائية ثمّ أطلقت الصلاة عليها.(1)

وحاصله: انّ الموضوع له أوّلاً هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط، والاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحي، أو الأعمّ منها على الأعمّي، من باب الادّعاء والتنزيل، أي تنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة، كما في جملة من الاستعمالات.(2)

يلاحظ عليه: بأنّ صلاة المكلّف المختار ليست على نمط واحد، فالرباعية والثنائية كلاهما من صلاة المكلّف المختار، فما هو الموضوع له؟ فان وضعت


1 - هذا ما نقله شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ من كتاب نتائج الأفكار:1/93 الذي هو تقرير لبحوث المحقّق الشاهرودي، وكان من أبرز تلاميذ النائيني و محيطاً بآراء أُستاذه.
2 - السيد الخوئي: أجود التقريرات:1/36.


(145)

للثنائية تكون الرباعية مشتملة على الصلاة وغيرها، ولو وضعت للرباعية تخرج الثنائية عن اسم الصلائية، وبما انّه لا يتصوّر الجامع بين الواجد والفاقد فيلزم أحد المحذورين.

إلى هنا تمّت التقريبات الثلاثة للصحيحي وكلّها غير ناجعة.

ثمّ إنّ هناك تقريبات أُخرى لتصوير الجامع على القول بالصحيح نذكرها تباعاً، ولكن نود أن نشير إلى نكتة وهي أنّ الجامع المتصور للصحيحي يجب أن يعالج الأُمور التالية وهي:

1. شمول الجامع لعامة الصلوات الصحيحة بوضع واحد لا بأوضاع متعددة.

2. كون الاجزاء مطلقاً في الثنائية والثلاثية نفس الجامع دون أن يكون البعض جزء المسمّى، والبعض الآخر جزء الماهية.

3. كون المرجع عند الشكّ في الجزئية والشرطية هو البراءة، فكلّ تقريب يؤمِّن هذه الأهداف الثلاثة فهو ممّا يرتضيه الصحيحي، وإليك دراسة التقريبات الباقية من هذا المنظار.

التقريب الرابع للمحقّق البروجردي

يقول: إنّ الجامع الذاتي المقولي لا يتصوّر في المقام، فانّ الأشياء المتباينة بالذات لا يعقل فرض الجامع بينها بالوحدة الحقيقية الذاتية في مرتبة واحدة من مراتب الصلاة، فكيف بالجامع بين جميع المراتب من الكامل المختار تام الأجزاء والشرائط إلى أنقص المراتب كمية وكيفية؟ فتصوير الجامع الذاتي ممّا لا سبيل إليه.


(146)

وأمّا الجامع العرضي فالذي يخطر ببالنا أنّ حال المركّبات العبادية كالصلاة والصوم والزكاة وأمثال ذلك حال المركّبات التحليلية كالإنسان ونظائره، فكما أنّ الإنسان محفوظ في جميع أطوار أفراده زادت خصوصية من الخصوصيات أو نقصت، كان في أقصى مراتب الكمال أو حضيض النقص، وذلك لأنّ شيئية الشيء بصورته فكذلك حال المركبات الاعتبارية العبادية، بمعنى انّه يمكن اعتبار صورة واحدة تمتاز بها عن غيرها وتكون تلك الصورة، ما به الاجتماع لتمام الأفراد وجميع المراتب، وتكون محفوظة في جميع المراحل، وهذا الشيء هو الخشوع الخاص في الصلاة، فانّ التخشّع الخاص ـ الذي كون محصل شيئية الصلاة وبه تصير الصلاة صلاة ـ محفوظ في جميع أفراد الصلاة ومراتبها المختلفة، وهذا هو المناسب لمقام عبودية العبد بالنسبة إلى مولاه.(1)

وإن شئت قلت: إنّ جميع مراتب الصلاة بمالها من الاختلاف في الأجزاء والشرائط تشترك في كونها توجّهاً خاصّاً وتخشّعاً مخصوصاً من العبد، ويوجد هذا التوجّه بإيجاد أوّل جزء منها و يبقى إلى أن تتم، فيكون هذا التوجّه بمنزلة الصورة لتلك الأجزاء المتباينة بحسب الذات، المختلفة كمالاً ونقصاً باختلاف المراتب، فالتخشّع بوجوده الخارجي بمنزلة الصورة لهذه الأجزاء، فهو موجود بعين وجودات الأجزاء فيكون الموضوع له لنفس الصلاة هذا المعنى المحفوظ في جميع المراتب.(2)

وحاصله: انّ الصلاة عبارة عن توجّه الإنسان إلى اللّه سبحانه وتخشّعه وخضوعه متقارناً مع الأجزاء والشرائط بحيث يكون للمجموع من الصورة


1 - الحجة في الفقه مهدي الحائري اليزدي، تقريراً لبحث العلاّمة البروجردي:1/58.
2 - نهاية الأُصول: 1/40.


(147)

والأجزاء وجود واحد.

يلاحظ عليه: أنّ التقرير المزبور غير دافع للإشكال، وذلك لأنّه لو كان الموضوع له هو التوجّه والتخشّع القائم بالأجزاء والشرائط، محدَّداً بحدّ خاص يتوجّه عليه الإشكال، وهو انّه يلزم أن تكون الصلاة المشتملة على ذلك الحدّ وغيره من الصلوات الصحيحة، مشتملة على الصلاة وغيرها، كما يلزم أن لا يكون الأقل من المحدد في الهيئة والمادة مصداقاً للصلاة، وذلك لازم التحديد من كلا الجانبين.

اللّهمّ إلاّأن يكون الموضوع له لا بشرط من كلا الجانبين، بمعنى أنّه يكون عين الصلاة عند الوجود وغير مضر عند الفقدان، وكان على السيد البروجردي التصريح بهذا الأمر، وإلاّ فمجرّد القول بكون الموضوع له التوجّه إلى اللّه المتّحد مع الأجزاء، لا يدفع الإشكال.

التقريب الخامس ما ذكره السيّد الأُستاذ

إنّ المركّبات الاعتبارية إذا اشتملت على هيئة و مادة، يمكن أن يؤخذ كلّ منهما في مقام الوضع لا بشرط. و المراد من أخذهما لا بشرط هو أخذ المادة والهيئة بعرضها العريض. و ذلك كالمخترعات من الصنائع المستحدثة، فإنّ مخترعها بعد أن صنعها من موادّمختلفة و ألّفها على هيئة خاصّة، وضع لها اسم الطيّارة أو السيّارة آخذاً كلاً من موادّها و هيئاتها لا بشرط. و لأجل ذلك ترى أنّ تكامل التصنيع كثيراً ما يوجب تغييراً في موادّها و هيئاتها، و مع ذلك يطلق عليها اسمها، كما كان يطلق في السابق و ليس ذلك إلاّ لأخذ الهيئة و المادّة لا بشرط، أي عدم لحاظ مادّة خاصّة و هيئة مقيّدة.


(148)

وأوضح مقالته هذه بقوله: المركّبات الاعتبارية على قسمين:قسم يكون الملحوظ فيه كثرة معيّنة كالعشرة، فإنّها على وجه لو فقد منها جزء، تنعدم العشرة. و قسم يكون فيه الأمر الاعتباري، على نحو لم تلحظ فيه كثرة معيّنة في ناحية الموادّ، بحيث ما دامت هيئتها و صورتها العرضية موجودة، يطلق عليها اللفظ الموضوع و إن قلّت موادّها أو تكثّرت.

والحاصل: أنّ المادّة لم تلحظ فيها كثرة معيّنة، و يكفي فيها ذكر بعدَ (التكبيرة) ركوع و سجود و طهور و تصدق على الميسور من كلّواحد.

وأمّا الهيئة فهي أيضاً مأخوذة بنحو اللابشرط مثل مادّتها، بعرضها العريض، و تكفي صورة اتصالية حافظة لمادّتها أخذت لا بشرط في بعض الجهات.

ونظير ذلك، لفظ الدار والبيت فانّها من حيث المادة لابشرط، سواء أخذت موادّها من الطين، أو الآجر، أو من الحجر والحديد، كما أنّها من حيث الهيئة أيضاً كذلك، سواء بنيت على هيئة المربع أو المثلث، وعلى طبقة واحدة أو طبقتين، فهو موضوع لهيئة مخصوصة غير معيّنة من بعض الجهات مع مواد فانية فيها.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ لفظ الصلاة موضوع لنفس الهيئة اللا بشرط، الموجودة في الفرائض والنوافل قصرها و تمامها، و ما وجب على الصحيح أو المريض بأقسامها، فيكفي في صدقها، وجود هيئة بمراتبها إلاّ بعض المراتب التي لا تكون صلاة كصلاة الغرقى، لعدم وجود مواد من ذكر و قرآن و سجود و ركوع.(1)


1 - تهذيب الأُصول:1/77ـ78، ط مؤسسة النشر الإسلامي.


(149)

التقريب السادس للمحقّق الخوئي

إنّ كلّ مخترع هو أعرف بما اخترعه سواء كان المخترع شارعاً أم غيره، و تدلّ الروايات على أنّ التكبيرة و التسليمة معتبرتان فيها حيث إنّ الصلاة أوّلها التكبير و آخرها التسليم، كما أنّ الركوع والسجود والطهارة معتبرة فيها، حيث إنّ كلاً منها ثُلث الصلاة، وأمّا غير ذلك من الأجزاء والشرائط فهي خارجة عن حقيقتها و دخيلة في المأمور به على اختلاف الأشخاص والحالات، و المراد من دخل الطهارة والركوع والسجود، هو الأعمّ منها و من أبدالها، ولا بأس أن يكون مقوّم الأمر الاعتباري على سبيل البدلية.

كما أنّه لا مانع من دخول شيء في مركّب اعتباري عند وجوده، وخروجه عنه عند عدمه إذا كان المسمّى بالنسبة مأخوذاً على نحو لا بشرط كما هو الحال بالنسبة إلى غير المأخوذ في المسمّى من القراءة و التشهد و غيرهما فلو وجب يكون عينها، ولو لم يجب، لم يضرّبتحقق الصلاة كما هو الحال في لفظ الدار فانّه موضوع بما اشتمل على ساحة وحيطان وغرفة، فإن كان هناك إيوان ونهر و سرداب يكون جزءاً منه و إلاّفلا يضرّ عدمه.(1)

ففي ظل هذين التقريرين يرتفع الإشكال ويتحقق مطلوب الصحيحي.

أمّا أوّلاً: فالجامع إذا أُخذ لا بشرط من حيث الهيئة والمادة يصدق على عامة مراتب الصحيح ومصاديقه.

وثانياً: انّ الاجزاء مطلقاً في الثنائية والثلاثية والرباعية نفس الجامع، إذ هو مقتضى أخذه لا بشرط دون أن يكون البعض جزء الماهية والآخر جزء المأمور به.


1 - تعليقة أجود التقريرات:1/40ـ41.


(150)

بما انّ الموضوع له هو الهيئة والمادة المركبة ففي ظرف الشك في الشرطية والجزئية الزائدة يكون المرجع هو البراءة لانحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي.

التقريب السابع للعلاّمة الطباطبائي

إذا هيّأ الإنسان معجوناً من المعاجين للحصول على أثر خاص، ربّما يوصله التتبع إلى أنّ الأثر لا يقتصر على الأجزاء المعيّنة للمعجون فحسب بل ربما يترتب مع تبديل بعض أجزاء المعجون بأجزاء أُخرى مغايرة مع الأجزاء الأوّلية فيطلق عليه نفس الاسم لاشتراك جميع الأجزاء في الأثر، وكأنّ الاشتراك في الأثر يكون سبباً لانتزاع جامع أعمّ من الجامع الأوّل، وهكذا الحال إذا وجد ذلك الأثر في أجزاء أُخرى مغايرة لأجزاء المعجون الأصلية.

وفي النتيجة يكون الاشتراك في الأثر سبباً لسبك جامع من جامع أوّلي وهكذا، ونظيره صناعة الحلوى إذا عملها من دقيق البر ثمّ وجد انّ دقيق الشعير يفي بالغرض المطلوب فيسمّيه أيضاً بنفس الاسم، ثمّ يقف على أنّ دقيق الارز والذرة يفيان بالغرض يتوسع في الاسم، وما هذا إلاّ لأنّ الوحدة في الأثر تكون سبباً في كلّ مرتبة لانتزاع جامع أوسع من سابقه.

ونظير ذلك المصباح فقد كان يطلق في البداية على الحطب المشتعل، ثمّ وصل الإنسان بنضوج عقله إلى أنّه يمكن أن يصل إلى مُنيته من الدهن المائع إذا وقع فيه فتيلاً ليمس الدهن بسهولة فأسماه أيضاً مصباحاً مع البون الشاسع بين المسمّيين، وبهذا المنوال سمّى المصباح الغازي أو الكهربائي مصباحاً، وما هذا إلاّ لأنّ ترتّب الأثر المطلوب عليها صار سبباً لتبسيط الاسم توسيع الجامع.


(151)

إذا عرفت ذلك فنقول: كانت الصلاة يوم فرضت ركعتين مع مالها من الأجزاء والشرائط فصار له جامع متواطئ يصدق على أفراده على نحو واحد.

ثمّ أُضيف إليهاما فرضه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فسمّيت أيضاً بنفس التسمية مع ما بين المسمّيين من الفرق، و ما هذا إلاّ لأنّ وحدة الأثر صارت سبباً لتبسيط الجامع الأوّل، ثمّ طرأت عليه التصرّفات المختلفة بالعفو بحسب الحالات الطارئة والآثار اللاحقة من السفر والحضر والخوف والمرض والاضطرار، كلّ ذلك صار سبباً لتسمية الفاقد بنفس الاسم لاشتراك الجميع في الأثر، فكأنّ لوحدة الأثر دوراً في تبسيط الجامع الأوّل وتبديله إلى جامع أوسع، وإن شئت قلت: سبباً لسبك جامع من جامع آخر.(1)

وليس هذا بمعنى كثرة الوضع حسب اختلاف المراتب، بل لأجل أنّ الاجزاء لم يؤخذ في المسمّى في المرحلة الأُولى ـ بما هي هي، بل بما أنّ لها دوراً في الأثر المطلوب، فإذا قام متى آخر بذلك الدور يجوز إطلاق الاسم عليه لكونه واجداً لنفس الحيثية التي بررت تسميته بنفس الاسم،وعلى ضوء ذلك فعامّة الأجزاء والشرائط في كلّ مرتبة نفس المسمّى وليس خارجاً عنه، كما انّه عند الشكّ في الجزئية والشرطية يكون المورد مصبّاً للبراءة، وما ذلك إلاّ لأنّ الواجب نفس الأجزاء لا الأمر البسيط.

إلى هنا تم تصوير الجامع على الصحيحي، ومعنى هذا هو إمكان القول بالصحيح ثبوتاً، وأمّا إثباتاً فيحتاج إلى دراسة أدلّته، فنقول:


1 - حاشية الكفاية:1/42، 43، بتوضيح منّا.


(152)

الجهة الخامسة

أدلّة القول بالصحيح

احتجّ القائل بالصحيح بوجوه نذكر بعضها:

الأوّل: التبادر، ودعوى انّ المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح، ولما كان المختار عند المحقّق الخراساني هو إجمال مفهوم الصلاة، توجّه إليه إشكال يختص بمقالته ومقالة تلميذه القائلين بإجمال مفهوم الصلاة، وانّها لا تعرف إلاّ بآثارها.

وحاصل الإشكال انّه: كيف يمكن الجمع بين تبادر الصحيح والقول بإجمال مفهومها وعدم تبيّنها؟ فأجاب عنه بقوله: ولا منافاة بين دعوى ذلك و بين كون الألفاظ على هذا القول مجملات، فانّ المنافاة إنّما تكون إذا لم تكن معانيها على هذا الوجه مبينة بوجه، وقد عرفت كونها مبينة بغير وجه.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تبادر الصحيح بمعرفية بعض الآثار، يلازم عدم تبادر شيء من حاق اللفظ أصلاً، و رجوع هذا الدليل إلى الدليل الثالث المذكور في كلامه وهو التعرّف على معنى الموضوع له من خلال آثاره ويعلم ذلك بملاحظة أمرين:

أ: التبادر عبارة عن فهم المعنى من ذات اللفظ وحاقه بلا استعانة بقرينة خارجية أو من آثاره وخواصّه.

ب: انّ اللفظ في هذه المرحلة حسب فرض المستدلّ مجمل، مغمور في


(153)

الإبهام لا نعرف منه شيئاً، وإن كان الإجمال زائلاً بملاحظة آثاره وخواصّه.

فنقول: إنّ ادّعاء تبادر الصحيح على الافتراض الأوّل غير ممكن، لأنّ المفروض أنّ اللفظ مجمل فيها، ومهما رجع العارف باللسان إلى ارتكازه لا يتبادر منه شيء.

كما أنّ تبادر الصحيح منه على الافتراض الثاني وإن كان أمراً ممكناً لكنّه يرجع إلى الدليل الثالث، وهو التعرف على الموضوع من حيث السعة والضيق من خلال آثاره كمعراج المؤمن.

وبالجملة: لمّا ذهب المحقّق الخراساني وتلميذه المحقّق الاصفهاني إلى إجمال معنى اللفظ وإبهامه وعدم وضوحه إلاّمن خلال آثاره، لم يكن لهم بد من إرجاع الدليل الأوّل إلى الثالث وحذف التبادر بما انّه دليل مستقل، إذ لا معنى للتبادر مع القول بالإجمال، وبعد رفع الإجمال بالآثار لا حاجة إلى التبادر لمعلومية الموضوع من خلال آثاره.

وقد أورد على الاستدلال السيّد الأُستاذقدَّس سرَّه بما هذا حاصله:

إنّ أسماء الأجناس كالصلاة موضوعة للماهية المعرّاة عن كلّ شيء سوى نفسها، وأمّا الصحّة فهي من لوازم وجود الماهية، فانّ الماهية تتقرّر في مقام التسمية، ثمّ توجد بفعل المكلّف، ثمّ يعرضها الصحّة من المرحلة الثالثة ومعه كيف يمكن أخذ لازم الوجود في مرحلة التقرر الماهوي.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع له ليس الماهية الصحيحة بالحمل الأوّلي أو الصحيحة بالحمل الشائع (الصحة الخارجية) لأنّهما ـ كما أفاد قدَّس سرَّه ـ متأخّران، بل الموضوع له واقع الصحيح لا عنوانه ولا وجوده الخارجي نظير ذلك نسبة واقع التقدّم إلى عنوان التقدّم، فانّ اليوم متقدّم على الغد بواقعه لا بعنوانه لأنّه لايوصف به ما لم يتحقّق الغد، لأنّهما متضايفان، هما متكافئان قوة وفعلاً، ومع


(154)

ذلك فلليوم واقع التقدم وحقيقته. وقد صرح بذلك قدَّس سرَّه في الشرط المتأخر.

وثانياً: انّ الدليل لا يثبت إلاّ كون الصحّة متبادراً في هذه الظروف، وأمّا كونها كذلك في عصر النبي وبعده فلا يثبت بهذا النوع من التبادر.

اللّهمّ إلاّأن يدفع الإشكال بأصالة عدم النقل التي من لوازمها كون المتبادر اليوم هو المتبادر في عصر النبي، وعند ذلك لا يكون التبادر دليلاً مستقلاً بل بضميمة أصل عقلائي آخر.

الثاني: صحّة السلب عن الفاسد، بسبب الإخلال ببعض أجزائه وشرائطه بالمداقة وإن صحّ الإطلاق عليه بالعناية، فيقال الصلاة الفاسدة ليست بصلاة.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الصلاة على مسلك المحقّق الخراساني وتلميذه موضوع لمعنى مبهم من جميع الجهات مبيَّن من جانب الآثار، فعندئذ لا يمكن سلب الصلاة على وجه الإطلاق عن الصلاة الفاسدة، وإنّما يكون المسلوب الصلاة المبيّنة من طريق آثارها كالنهي عن الفحشاء والمنكر ومعراج المؤمن، فعندئذ يعود مفاد السلب إلى القول التالي: الصلاة الفاسدة ليست صلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومن المعلوم أنّ السلب المقيّد لا يكون آية المجاز، بل السلب المطلق دليل المجاز، فلو قلنا العبد الكافر ليس رقبة مؤمنة لا يعدّ دليلاً على أنّه ليس برقبة على الإطلاق، فآية المجاز هو ما إذا كان المحمول مسلوباً بنعت الإطلاق.

وثانياً: أنّ صحّة السلب عن الفاسد إنّما هو بحسب عرفنا، وأمّا أنّه كذلك حسب عرف النبيّ فلا يثبت إلاّبأصالة عدم النقل، وقدعرفت حالها.

الثالث: الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار للمسمّيات مثل «الصلاة عمود الدين» أو «معراج المؤمن» و«الصوم جنّة من النار»إلى غير ذلك، أو نفي ماهياتها وطبائعها مثل :«لا صلاة إلاّبفاتحة الكتاب» ونحوه ممّا كان ظاهراً


(155)

في نفي الحقيقة بمجرّد فقد ما يعتبر في الصحّة شرطاً أو شطراً، وإرادة خصوص الصحيح من الطائفة الأُولى، ونفي الصحّة من الثانية، خلاف الظاهر لا يصار إليها مع عدم نصب قرينة عليه، بل واستعمال هذا التركيب في نفي الصفة ممكن المنع حتى في مثل «لا صلاة لجار المسجد إلاّفي المسجد» ممّا يعلم أنّ المراد نفي الكمال بدعوى استعماله في نفي الحقيقة في مثله أيضاً بنحو من العناية لا على الحقيقة وإلاّلما دلّ على المبالغة.(1)

و أورد عليه سيّدنا الأُستاذ بأنّ هذه الآثار إنّما تترتّب على الصلاة إذا انضم إليها قصد القربة وإلاّ فلا تكون معراجاً ولا ناهية، ولم يقل أحد بدخول هذا الجزء في مدلول الصلاة، وعندئذ تكون الصلاة بالنسبة إلى هذه الآثار مقتضية لا علة تامّة، والاقتضاء كما هو موجود في الصحيحة موجود في الفاسدة غاية الأمر أنّها في الأُولى أقرب إلى الآثار.

يلاحظ عليه: أنّ القائل بالصحّة لا يدّعي أزيد من ذلك، وهو أنّه وضع للماهية التامة من حيث الأجزاء والشرائط إذا انضم إليه قصد القربة تكون معراجاً للمؤمن وناهية عن الفحشاء والمنكر.

وهذا بخلاف القول بالأعمّي، فانّ المسمّى عنده إذا انضم إلى قصد الأمر لا تترتب عليه تلك الآثار على وجه القطع.

نعم لو كان المدّعى كون الصلاة علّة تامّة لهذه الآثار بلا حاجة إلى شيء آخر، لكان لما ذكر من الإشكال وجه، لكن المدّعى غير ذلك كما عرفت.

فإن قلت: على هذا تكون الصلاة الصحيحة مقتضية لهذه الآثار لا علّة تامّة، ومع هذا القول لا يبقى فرق بينها و بين الفاسدة منها فانّها أيضاً مقتضية لهذه الآثار إذا انضم إليها، سائر الأجزاء أو الشرائط.


1 - كفاية الأُصول:1/45.


(156)

قلت: هذا ما ذكره شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ في الدورة السابقة ـ لكن عدل عنه في هذه الدورة بما هذا حاصله: انّ ظاهر الروايات، عدم الفصل بين الصلاة وهذه الآثار وانّها مترتبة عليها بلا ترتيب، خرجنا عنه في مورد قصد القربة لأنّها روح العبادة ومقومها، فالصلاة مع هذا الجزء علة تامة لهذه الآثار، بخلاف الأعمّ من الصحيح والفاسد، فهي ليست علة تامة حتى مع هذا الجزء، بل يتوقف على انضمام أجزاء أُخرى إليها، والروايات المبينة للآثار، منصرفة عن هذا النوع من العبادة.

نعم يرد على الاستدلال بالقسم الثاني من الروايات أنّ هذه التراكيب وإن كانت مستعملة في نفي الحقيقة حتى في نوعه «لا صلاة لجار المسجد إلاّفي المسجد»(1) ، وقوله: «يا أشباه الرجال ولا رجال»(2) لكن فرق بين نفي الحقيقة حقيقة و بين نفي الحقيقة مبالغة وعناية، وهذه التراكيب كثيرة الاستعمال في نفي الحقيقة مبالغة وعناية مثل قوله: «لا رضاع بعد فطام»(3)، و«لا رهبانية في الإسلام».(4)

ومع هذه الكثرة فلا تصلح تلك الأخبار للاستدلال، لأنّ كثرة الاستعمال إذا صارت إلى حدّ وافر، تزاحم ظهور اللفظ في نفي الحقيقة حقيقة كما في قوله: «لا صلاة إلاّبفاتحة الكتاب»كما هو أساس الاستدلال. ولم يفرق المستدل بين نفي الحقيقة حقيقة، ونفيها ادّعاءً ومبالغة.


1 - التهذيب للشيخ الطوسي:3/261، باب فضل المساجد والصلاة فيها، الحديث 55; الوسائل: 3،الباب 2 من أبواب أحكام المساجد ، الحديث 1، ورواه الدارقطني في سننه: 1/420.
2 - نهج البلاغة:الخطبة27.
3 - الوسائل: 14، كتاب النكاح، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5.
4 - بحار الأنوار:68/317.


(157)

الدليل الرابع: ويمكن تقريره بالنحو التالي، وهو مركّب من مقدمات أربع:

أ: انّ طريقة العقلاء في وضع الألفاظ هي وضعها للصحيح.

ب: انّ الداعي إليه هو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح.

ج: انّ هذه الحكمة أيضاً موجودة في وضع الشارع.

د: لا يصحّ التخطّي عن هذه الطريقة.(1)

يلاحظ عليه: بمنع المقدمة الثانية وهو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح فانّ الحاجة إلى تفهيم الفاسد ليست بأقل من العكس، والأولى أن يقرر بنحو آخر، وهو أنّ الغاية تحدِّد فعل الفاعل، فلا يتصور أن يكون الفعل أوسع من الغرض والهدف، فالسفر لغاية زيارة الصديق تتحدد بتلك الغاية، و إرادة السفر في إطار أعم من هذا لا يصدر من الفاعل الحكيم.

وعلى ضوء هذا فنقول: إنّ الشارع اخترع الصلاة لغاية خاصة، وهي تهذيب الإنسان وتربيته، ومن المعلوم أنّ تلك الغاية من نتائج الصلاة التامة لا الناقصة، ومن آثار الصلاة الصحيحة لا الفاسدة، فإذا كان الداعي للاعتبار هو تهذيب الإنسان وتربيته فيتحدد فعله (أي اعتباره ماهية الصلاة) بتلك الغاية، فينتج أنّ ما هو المعتبر عند الشارع هو الصلاة الصحيحة لترتب الغرض عليه فقط، وطبيعة الحال أن يكون المسمّى هو نفس المعتبر بأن يكون اللفظ موضوعاً لنفس ما اعتبره لا للأعم منه.

نعم ربّما يتعلق الغرض بتفهيم قسم آخر وهو الفاسد فله أن يطلق عليه عناية. فقد خرجنا بالنتيجة التالية: انّ ألفاظ العبادات موضوعة للصحيح منها.


1 - كفاية الأُصول:1/26.


(158)

الجهة السادسة

في بيان أدلّة القول بالأعم

إنّ دراسة القول بالأعم كدراسة القول بالصحيح فرع تصوير جامع له أوّلاً، ثمّ دراسة أدلّته، ولما كان هذا القول ساقطاً عندنا فندرس أدلّته فقط ونحيل دراسة تصوير الجامع إلى الكفاية وغيرها، فقد بحثوا عنه بحثاً وافياً، فلنركِّز البحث على دراسة أدلّته. استدلّ القائل بالأعم بوجوه:

الأوّل : التبادر

الثاني: عدم صحّة سلب الصلاة عن الفاسدة

يلاحظ عليهما انّهما دليلان وجدانيان لا برهانيان، إذ للخصم أيضاً أن يدّعي خلافها، كما مرّ حيث إنّ الصحيحي كان يدّعي تبادر الصحيح من الصلاة كما يدّعي صحة سلب الصلاة عن الفاسدة، فالأولى الإعراض عنهما و صبّ الجهود على دراسة سائر الأدلّة .

الثالث: صحّة التقسيم إلى الصحيحة والفاسدة

إنّ صحّة تقسيم الصلاة إلى الصحيحة والفاسدة آية كونها اسماً للأعم، وذلك لأنّ المقسم يجب أن يكون موجوداً في جميع الأقسام وإلاّلما صحّ التقسيم، فلا يقال: الصلاة إمّا صحيحة أو سعي بين الصفا والمروة.


(159)

وأجيب عن الاستدلال بأنّ الاستعمال لا يكون دليلاً على الحقيقة بل هو أعمّ من الحقيقة والمجاز.

والجواب لا يخلو من نظر، لأنّ الاستعمال إنّما لا يكون دليلاً على الحقيقة إذا احتمل فيه أنّ الإطلاق من باب الادّعاء، وأمّا إذا اطلق على الشيء من دون شائبة ادّعاء فهو يكون دليلاً على الحقيقة، كما أنّ المقام كذلك.

نعم يرد على الاستدلال بأنّ صحّة التقسيم حسب أعصارنا حيث صار الابتلاء بالعبادات الفاسدة بين الناس أمراً رائجاً واتخذ التقسيم المزبور ذريعة لبيان حكم الفردين فعبروا عنها بالصحيح والفاسد، وأمّا كون الأمر كذلك في عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أعني: عصر التسمية، فلم يثبت ذلك.

اللّهمّ إلاّ بمعونة أصالة عدم النقل حتى يثبت به صحّة التقسيم في عصره، ولكن القدر المتيقن من هذا الأصل هو المورد الذي لم يكن هناك أي مظنة بالنقل، بخلاف المقام فانّ الظن بالنقل موجود لأجل كثرة الحاجة إلى إفهام الفاسد من الموضوع.

الرابع: حديث الولاية

قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ :«بني الإسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والحجّ، والصوم، والولاية، ولم يناد أحد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بالأربع وتركوا هذه، فلو أنّ أحداً صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة».(1)

وجه الاستدلال: أنّه لو كانت أسماء العبادات أسامي للأعم لصحّ وصفهم بالأخذ


1 - الكافي2/19، باب دعائم الإسلام،الحديث 5.


(160)

بالأربع، وأمّا على القول بوصفها للصحيح فلا يتم لهم الأخذ مطلقاً لا الأربع ولا الولاية.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال غيرتام على كلا القولين، سواء أقلنا بصحّة عباداتهم لكن مع عدم ترتب الثواب عليه، أو ببطلان عباداتهم.

أمّا على الأوّل: فالأخذ يحمل على الحقيقة، فقد أخذوا بالأربع حقيقة، لأنّ المفروض صحّة عباداتهم، وأمّا على الثاني فالمراد من أخذهم هو أخذهم بها حسب اعتقادهم لا حسب الواقع، وقد عقد صاحب الوسائل باباً أسماه «بطلان العبادة بدون ولاية الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ »(1) أورد روايات تناهز تسع عشرة رواية، أكثرها دالة على صحّة عباداتهم ولكن لا تقبل ولا يترتب عليها الثواب فلاحظ رقم 2، 4، 5، 7، 8 وغيرها، وعلى ذلك فيكون الأخذ على وجه الحقيقة.

وهناك جواب آخر وهو أنّ المراد من الصحيح هو الصحيح النسبي أي الأجزاء والشرائط التامّة لا الصحيح المطلق كالصّحة لأجل الاعتقاد بالولاية فانّ الصحّة بهذا المعنى خارج عن المسمى قطعاً.

الخامس: الحديث النبوي، روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال لجارية كانت تعرف أيام حيضها : «دعي الصلاة أيام أقرائك».(2)

وجه الاستدلال: انّه لو لم يكن المراد منها الفاسدة لما صحّ النهي عنها لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم إذا كان النهي مولوياً فيشترط فيه أن يكون المتعلّق مقدوراً، والصحيح ليس بمقدور، وأمّا إذا كان إرشادياً إلى المانعية فلا يشترط فيه التمكّن لأنّ النهي لأجل بيان المانعية. والمراد إرشادها إلى أنّ الصلاة لا تجتمع مع الحيض.


1 - الوسائل: 1، الباب 29 من أبواب مقدمة العبادات.
2 - الكافي:3/88، باب جامع في الحائض والمستحاضة، الحديث1.


(161)

السادس: انّه لا شبهة في صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان تكره فيه، وحصول الحنث بفعلها،ولو كانت الصلاة المنذور تركها خصوصَ الصحيحة لزم إشكالان:

الإشكال الأوّل: عدم إمكان حنث الحلف، لأنّ الحنث يتحقّق بالصلاة الصحيحة، وهي غير مقدورة بعد نهي الشارع.

الإشكال الثاني: يلزم المحال، لأنّ المنذور حسب الفرض تعلّق بالصحيحة، ومع النذر لا تقع صحيحة، فيلزم من فرض تعلّق النذر بالصحيحة عدم صحّتها.

أقول: إنّ الإشكال مشترك بين الصحيحي والأعمّي، لأنّ متعلّق النذر على كلا القولين هو الصحيح لا الأعم، لأنّ المنذور ليس ترك الأجزاء الرئيسية، ولا الصورة المعهودة المشتركة بين الصحيح والفاسد، فما هو الجواب عند الأعمّي هو الجواب عند الصحيحي. إذا عرفت ذلك فنقول:

الأوّل: ما أجاب به المحقّق الخراساني، وقال: لو صحّ ذلك لاقتضى عدم صحّة تعلق النذر بالصحيح لا عدم وضع اللفظ له شرعاً.

مع أنّ الفساد من قبل النذر لا ينافي صحّة متعلّقه، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها.(1)

أقول: أمّا الجواب الأوّل فواضح لا سترة عليه.

وأمّا الجواب الثاني: فحاصله أنّ النذر منعقد، والصلاة باطلة، والحنث متحقق، وما ذلك إلاّ لأنّ النذر تعلّق بما هو الصحيح في نفسه لا الصحيح من الجهات الطارئة عليه، والصلاة في الحمام بعد تعلّق النذر بتركها، صحيحة في حدّ نفسها على وجه لو أتى بها في البيت أو المسجد لكانت صحيحة بالفعل، وإن


1 - كفاية الأُصول: 1/48.


(162)

كانت بعد تعلّق النذر باطلة بالفعل.

بعبارة أُخرى: أنّ للصلاة في الحمام بعد تعلّق النذر بتركها نحوين من الصحة.

أ: كونها صحيحة في حدّ نفسها، أي تامّة الأجزاء والشرائط، وهذه هي المنذور تركها.

ب: ما هو الصحيح بالفعل وبالحمل الشائع، وهو لم يتعلّق به النذر.

وعلى ضوء ذلك فالنذر منعقد لرجحان ترك تلك الصلاة، والحنث محقّق لأنّه أتى بالمنذور تركها أعني الصلاة الصحيحة في حدّ ذاتها، وفي الوقت نفسه هي باطلة بالحمل الشائع لتعلّق النهي بها وليست بمبرئة للذمة.

نعم لو تعلّق النذر بترك الصلاة المطلوبة بالفعل نمنع انعقاد النذر كما نمنع حصول الحنث بفعلها، لأنّ ما أتى به ليس بصحيح بالفعل.

الثاني: ما أفاده المحقق البروجردي، وحاصله: منع انعقاد النذر من رأس، بدليل أنّ صرف المرجوحية الإضافية لا يكاد يكون مصححاً لتعلّق النذر بتركه، وإلاّ فمن الجائز شرعاً تعلّق النذر بترك الصلاة في البيت لمرجوحيتها بالإضافة إلى الصلاة في المسجد، ولا أظـن أن يلتزم به أحـد في الفقه، فالصلاة في الحمام أيضـاً كذلك فانّها ليست مرجوحة في حدّنفسها بل هي مرجوحة بالقياس إلى غيرها مـن أطراف التخيير، واللازم في صحّة النذر بالتـرك هو المرجـوحية الذاتية، وأظـن أنّ الجمود على لفظ الكراهة في الصلاة في الحمام ممّا أوجب القول بصحّة النذر بتركها.

وبعبارة أُخرى: المراد من كراهة الصلاة في الحمام هو كونها أقلّ ثواباً لا أنّ فيها حزازة ذاتية حتى يصحّ تعلق النذر بتركها، وأمّا الأقلية فلا تكون مسوغة لتعلّق النذر، وإلاّ لزم صحّة تعلق النذر بترك الصلاة في البيت أو في مسجد


(163)

المحلة لكونهما أقلّ ثواباً بالنسبة إلى المسجد الجامع.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الكراهة في المقام هي من قبيل القسم الثاني، أي كونها ذات حزازة، فانّ الحمام محل الأوساخ والقذارات فإقامة الصلاة فيها أشبه بسقي المولى بماء عذب في وعاء قذر، فقياس الصلاة في الحمام بالصلاة في البيت قياس مع الفارق، ولذلك يتعلّق النذر بتركها في الحمام دون الثاني.

الثالث: ما أفاده المحقّق الحائري وتبعه سيدنا الأُستاذ وحاصل كلامهما بإيضاح منّا : أنّ النذر صحيح والصلاة صحيحة بالفعل والحنث واقع.

أمّا الأوّل: فلما عرفت من وجود الحزازة في الصلاة المأتي بها في الحمام فيصحّ تعلّق النذر بتركها كما يصحّ تعلّق النذر بترك سائر المكروهات.

وأمّا الثاني: أي كون الصلاة صحيحة بالفعل فلتعدد متعلّق الأمر في الصلاة والنهي عن الحنث، فالأمر تعلق بطبيعة الصلاة بما هي هي من دون أن يتعدّى الأمر عن متعلقه إلى شيء آخر، كما أنّ النهي تعلّق بعنوان الحنث، فالصلاة المأتي بها في الحمام مصداق ذاتي للصلاة ومصداق عرضي للحنث، وقد ثبت في محله جواز اجتماع الأمر والنهي بين عنوانين بينهما من النسبة عموم و خصوص من وجه، فالصلاة المأتي بها مصداق للواجب بالذات كما هي مصداق بالعرض للمنهي عنه.

وأما الثالث: أي تحقّق الحنث لأنّ المفروض هو جواز اجتماع الأمر والنهي على شيء وعدم مزاحمة الأمر للنهي، فهو صحيح بالفعل وقد حنث به نذره.

إلى هنا تمّت أدلة القائلين بالأعم، وقد عرفت سقم الجميع وعدم نهوضها على المدّعى، بقي الكلام في ثمرات المسألة وهذه هي التي سنوضحها في الجهة الآتية.


1 - نهاية الأُصول:54، الطبعة الثانية.


(164)

الجهة السابعة

في ثمرات المسألة في مورد العبادات

قد ذكر للمسألة ثمرات أربع نذكر واحدة منها:

جواز التمسّك بالإطلاق

وحاصل الثمرة:صحّة التمسك بالإطلاق على القول بالأعمّ وعدمها على القول بالصحيح.

وذلك لأنّ الشكّ في جزئية شيء أو شرطيته، عند الأعمّي يرجع إلى الشك في كونه داخلاً في المأمور به أو لا، بعد إحراز الموضوع ، أعني: الجامع بين الصحيح والفاسد.

بخلاف الشكّ عند الصحيحي فانّ الشكّ فيهما يرجع إلى الشكّ في صدق الموضوع وعدمه، ومع الشكّ فيه لا يجوز التمسّك بالإطلاق.

وجهه: أنّ الأركان الأربعة ـ مثلاً ـ تشكِّل عند الأعمي تمام المسمّى، فيكون محرزاً باحرازه، فيرجع الشك في جزئية


(165)

الاستعاذة إلى الشك في كونه جزءاً للمأمور به أو لا بعد إحراز الموضوع فتنفى جزئيته بالإطلاق.

وأمّا عند الصحيحي ، فما وجب من جليل ودقيق فهو عنده داخل في المسمّى، وليس عنده من التقسيم المزبور عين ولا أثر . مثلاً الشك في جزئية الاستعاذة، يرجع إلى الشكّ في دخوله في المسمّى وعدمه، و مع هذا الشك يكون الموضوع مشكوك الإحراز، ومعه لا يصحّ التمسّك بالإطلاق، فانّ التمسّك فرع إحرازه وتعلّق الشك بالطوارئ والعوارض كشرطية الإيمان في الرقبة.

وردّت الثمرة بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: أنّ الصحيحي وإن كان لا يتمكن من التمسّك بالإطلاقات اللفظية لكن بإمكانه التمسّك بالإطلاقات البيانية نظير الإطلاق الوارد في صحيحة حمّاد حيث قام الإمام و صلّى ركعتين وبيّن ـ عملاً ـ أجزاء الصلاة وشرائطها(1)، فإذا شكّ في وجوب الاستفادة فيتمسّك بهذا الإطلاق المسمّى بالإطلاق البياني.

يلاحظ عليه: أنّ ذلك خروج عن محط البحث، فانّ الثمرة في المسألة هي جواز التمسّك بالإطلاقات اللفظية وعدمها، وأمّا الإطلاقات البيانية فالصحيحي والأعمي أمامها سواسية.

الوجه الثاني: أنّ الثمرة عديمة الفائدة، لأنّ المطلقات الواردة في الكتاب لا يجوز التمسّك بها لعدم ورودها في مقام البيان، فقوله:«أقيموا الصلاة» نظير قول القائل«الغنم حلال» فكما لا يجوز التمسّك بإطلاق قوله: «الغنم حلال» على حلية المغصوب والجلاّل والموطوء لعدم كونه في مقام البيان، فهكذا الحال في إطلاقات الكتاب، فانّها في مقام بيان أصل الحكم والتشريع لا في مقام بيان الخصوصيات، وعندئذ فالصحيحي والأعمّي أمامها سيّان فلا يجوز التمسّك على كلا القولين، غاية الأمر أنّ الصحيحي ليس له التمسّك لوجهين: إجمال الموضوع، وكون الخطاب في غير مقام البيان، والأعمي لوجه واحد.


1 - الوسائل: الجزء 4، الباب1من أبواب أفعال الصلاة، الحديث1.


(166)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره وإن كان صحيحاً في قسم من إطلاقات الكتاب العزيز غير أنّ بعضها في مقام البيان مثلاً قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُُمُ الصِّيام) (1) في مقام البيان بشهادة انّه سبحانه يأخذ ببيان الجزئيات والتفاصيل ويقول: (أَيّاماً مَعْدُودات فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر) (2) كما أنّه يأخذ ببيان مبدأ الإمساك ونهايته ويقول: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبيضُ مِنَ الخَيطِ الأَسود )(3) فعلى هذا فلو شكّ في مدخلية ترك الارتماس في حقيقة الصيام فعلى القول بالصحيحي يكون مرجع الشكّ إلى صدق المسمّى، وأمّا على القول بالأعمّي يكون مرجع الشكّ إلى جزئية أو شرطية أمر زائد وراء المسمّى فيتمسّك بإطلاق الآية ويثبت عدم مدخليته.

الوجه الثالث: أنّ الأعمّي أيضاً لا يصحّ له التمسّك بالمطلقات، لأنّ المسمّى وإن كان الأعم لكن المأمور به هو القسم الصحيح فكلما شكّ في جزئية شيء أو شرطيته فهو شكّ في تحقّق الصلاة الصحيحة.

يلاحظ عليه: أنّ المستشكل خلط بين كون المأمور به ذات الصحيح أو المقيّد بعنوان الصحيح، فعلى الأوّل إذا كان المسمّى محرزاً ـ كما هو المفروض عند القول بالأعم ـ وشكّ في جزئية شيء أو شرطيته يتمسّك بالإطلاق لإحراز ذات الصحيح لأجل كون الشكّ في شرطية شيء وراء صدق المسمّى.

وأمّا على الثاني فبما أنّ المأمور به مقيد بعنوان الصحّة فيجب على المكلف إحراز ذلك العنوان ويعود الشكّ إلى الشكّ في وجود جزء الموضوع فلا يحرز إلاّبالإتيان بالمشكوك، نظير المقام.

و بعبارة أُخرى: فرق بين أمر المولى بتهيئة معجون وعلمنا أنّ مراده هو


1 - البقرة:183.
2 - البقرة:184.
3 - البقره:187.


(167)

المعجون الصحيح، وبين أمره بتهيئة معجون مقيّد بالصحّة، فلو شكّ في مدخلية السكر فيه يصحّ التمسّك بالإطلاق على القول الأوّل لإحراز كونه معجوناً، وإنّما الشكّ في جزئية شيء زائد على المعجون، وأمّا على الثاني فالشكّ في صدق الموضوع، لأنّ المأمور به هو المعجون المقيّد بعنوان الصحّة، فكما يجب على العبد إحراز كونه معجوناً كذلك يجب إحراز كونه صحيحاً، فالجزء الأوّل وإن كان محرزاً لكن الجزء الثاني بعد ليس محرزاً.

إلى هنا تبيّن أنّ الإشكالات الثلاثة الموجّهة إلى الثمرة الأُولى غير واردة.

نعم يرد على تلك الثمرة إشكالان آخران:

أ: قد عرفنا فيما ذكرنا أنّ ألفاظ العبادات كلّها مستعملة في لسان الشارع فيما هو الموضوع له من أوّل الأمر في العصور السابقة على الإسلام، إذ ليست هذه الماهيات العبادية من مخترعات الشريعة الإسلامية، بل كانت موجودة بين العرب قبل الإسلام، وإنّما تصرّف فيها الشرع المقدس بإضافة بعض الخصوصيات. وعلى ذلك فالموضوع له الذي وضعت بازائه هذه الألفاظ محرز عند الشكّ في وجوب الاستعاذة على كلا القولين، فيرجع الشكّ على كلا المبنيين إلى الشكّ في جزئية شـيء زائـد أو شرطيتـه، فيجوز التمسّك بالإطلاقات على القول بالصحيـح والأعمّ.

ب: انّ ما ذكر ليس ثمرة أُصولية، لأنّ الثمرة الأُصولية ما تقع كبرى في عملية الاستنباط، وأمّا المقام فانّ غايته كشف وجود الإطلاق على القول بالأعم دونه على الصحيح، وهذا أشبه بمبادئ المسائل الفقهية، فالقول بوجود الإطلاق على الأعمّي دون الصحيحي كالقول بوجود الخبر في موضوع دون موضوع فلا يعد ثمرة لمسألة أُصولية.


(168)

وأمّا الثمرات الثلاث الباقية فقد طوى عنها الكلام شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ في هذه الدورة وقد أشبع الكلام فيها في الدورات المتقدّمة.(1)

الجهة الثامنة

في أسماء المعاملات

وتحقيق المقام رهن أُمور:

الأوّل: لمّا كانت العبادات من مخترعات الشارع ومعتبراته يصحّ فيها البحث في أنّ ألفاظها هل هي موضوعة للصحيح أو الأعمّ منها؟ لأنّ الموضوع له من مخترعاته، وهو الذي وضع لفظ العبادة في مقابلها، وهذا بخلاف المعاملات، فانّها ليست من مخترعاته بل من مخترعات العقلاء وهم الذين وضعوا ألفاظ المعاملات في مقابل ما اعتبروه بيعاً أو نكاحاً أو إجارة وليس للشارع دور فيها، سوى تحديدها بحدود وقيود، وعلى ذلك فلا معنى للقول بأنّ ألفاظ المعاملات موضوعة في الشرع للصحيح أو الأعم، بل لو صحّ طرحه فلابدّ أن يقال هل المعاملات موضوعة ـ عند العرف و العقلاء ـ لخصوص الصحيح أو الأعم؟

الثاني: ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ النزاع في أنّ أسماء المعاملات وضعت للصحيح أو للأعم إنّما يتأتى على القول بوضعها للأسباب دون القول بوضعها للمسببات، وذلك لأنّ المسبب أمر بسيط دائر أمره بين الوجود والعدم،


1 - وقد سها قلم زميلنا السيد الجلالي(حفظه اللّه) في تقرير الثمرة الثالثة، والتقرير الصحيح ما يلي: إذا نذر أن يعطى درهماً للمصلّـي فعلى القول بوضعها للصحيح لا يفي بنذره ولا تبرأ ذمّته إلاّإذا دفع إلى من صلّى صلاة صحيحة ، بخلافه على القول الآخر فتبرأ ذمّته بالدفع إلى كلّ من صلّى، صحيحة كانت صلاته أم فاسدة. (المؤلف).


(169)

فالعلقة الحاصلة في البيع والنكاح إمّا متحقّقة أو غير متحقّقة، ولا معنى لأن تكون متحقّقة فاسدة، وهذا شأن الأُمور الاعتبارية البسيطة وهي بين الوجود والعدم ولا واسطة بينهما، فعلى هذا لو عقد بالفارسية أو كان العاقد غير بالغ، فعلقة الزوجية إمّا موجودة فتكون صحيحة، أو غير موجودة.

نعم لو قلنا بوضعها للأسباب فللنزاع فيه مجال، وذلك لأنّ الأسباب مركبة من أجزاء وشرائط كالإيجاب المتعقّب للقبول مع صدورهما من عاقل بالغ إلى غير ذلك من الشروط، فيمكن أن يقال بأنّه هل وضعت للمركّب التام من الأسباب عند العرف للأعم.(1)

الثالث: أنّ اختلاف الشرع والعرف في اعتبار سبب وعدمه ـ في عالم الثبوت ـ كبيع المنابذة هل يرجع إلى الوحدة في المفهوم والاختلاف في المصداق كما عليه المحقّق الخراساني أو يرجع إلى الاختلاف في نفس المعتبر؟(2)، فالمعتبر عند الشرع في عالم الثبوت غير المعتبر عند العرف.

استدلّ المحقّق الخراساني على مختاره بقوله:

لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضاً وانّ الموضوع له هو العقد


1 - ولكن يمكن أن يقال: انّ النزاع لا يجري حتى على القول بأنّ ألفاظ المعاملات موضوعة للأسباب مثل عدم جريانه على القول بوضعها للمسببات، وذلك لأنّ أمر الاعتبار يدور أمره بين الوجود والعدم، فلو كانت العربية معتبرة في العقد ـ عند المعتبر ـ يختصّ اعتبار السببية بها، ولا يكون غيرها سبباً أصلاً، لا انّه يكون سبباً فاسداً لأنّ معناه انّه اعتبره لكن بوصف الفساد، وهو بعيد عن عالم الاعتبار، فانّه لو ترتب الأثر عليه، يكون معتبراً، وإلاّفلا يعتبره ويحذفه عن قاموس حياته.
2 - قلنا في المعتبر لا الموضوع له لما سيوافيك من أنّ ألفاظ المعاملات في الأدلّة الامضائية موضوعة ومستعملة في الصحيح عند العرف، وبذلك يتبين انّ هذا البحث راجع إلى مقام الثبوت. و انّ الأولى التعبير بوحدة المعتَبر وعدمها، لا وحدة الموضوع له، لما عرفت من أنّه ليس للشارع دور في وضع ألفاظ المعاملات.(المؤلّف)


(170)

المؤثر لأثر كذا شرعاً وعرفاً، والاختلاف بين الشرع والعرف فيما يعتبر في تأثير العقد لا يوجب الاختلاف بينهما في المعنى، بل الاختلاف في المحققات والمصاديق وتخطئة الشرع العرف في تخيّل كون العقد بدون ما اعتبره في تأثيره، محقِّقاً لما هو المؤثر كما لا يخفى.(1)

يلاحظ عليه :بأنّه لو كان المعتبر عند العرف والشرع هو العقد المؤثر«لأثر كذا» كان لما ذكره وجه ويلزم وحدة المعتبر ويرجع الاختلاف إلى المصاديق ويصحّ للشرع أن يخطِّئ العرف تخطئة مصداقية.

وأمّا إذا كان المعتبر أمراً تفصيلياً مثل: الإيجاب والقبول اللفظيين المتعاقبين الصادرين من بالغ عاقل، فعندئذ يكون عدم اعتبار جزء من أجزاء هذا المعتبر اختلافاً في نفس المعتبر، لا وحدة في المعتبر واختلافاً في المصداق.

أضف إلى ذلك أنّ التخطئة في المصداق إنّما تصحّ في الأُمور التكوينية التي يكون لها واقع محفوظ فبالقياس إليه يشار إلى أنّ هذا مصداق له وذاك ليس بمصداق كقوله «الفقاع خمر، هي خمرة استصغرها الناس».(2)

وأمّا الأُمور الاعتبارية التي لا واقع محفوظ لها، وانّ محورها نفس الاعتبار، فلا يصحّ لمعتبِـر أن يخطِّئ اعتبار معتبر آخر. لأنّ لكلّ معتبر سلطاناً في عالم الاعتبار حسب معاييره.

الرابع: قد عرفت أنّ النزاع في وضع ألفاظ المعاملات للصحيح أو الأعم إنّما يأتي على القول بوضعها للأسباب دون المسببات إذ الأُولى توصف بالصحّة عند اجتماع جميع أجزائها وبالصحّة عند فقدان بعضها، فعلى ذلك فهي قابلة


1 - كفاية الأُصول: 1/49.
2 - الكافي:6/423، باب الفقاع، الحديث 91.


(171)

للوضع لأحد المعنيين ثبوتاً، وإمّا إثباتاً فهي موضوعة للسبب الصحيح لماعرفت من أنّ الغرض يحدد فعل الإنسان فلا يصدر عنه فعل أوسع من غرضه، وبما أنّ الداعي لاعتبار المعاملات ووضع اللفظ لها، هو المصالح التي تترتب عليها وتدور عليها رحى الحياة، فلابد أن يدور اعتباره ثبوتاً ووضع اللفظ إثباتاً، مدار وجود الاغراض الداعية،وهي منحصرة بالصحيح من الأسباب دون الفاسد منها، فيكون الاعتبار والوضع منحصرين به، فخرجنا بالنتائج التالية:

أوّلاً: اختصاص النزاع في أسماء المعاملات بالعرف دون الشرع.

ثانياً: أسماء المعاملات موضوعة للصحيح العرفي.

ثالثاً: أنّ اختلاف الشارع والعرف في اعتبار سبب وعدمه يرجع إلى الاختلاف في نفس المعتَبر، حيث إنّ الشارع اعتبر في عالم الثبوت وجود اللفظ في الأسباب والقبول ولم يعتبره العرف، وهذا يرجع إلى الاختلاف في المعتبر لا الوحدة في نفس المعتبر والاختلاف في المصداق.

الخامس: في وجه التمسّك بالإطلاقات والأدلّة الإمضائية بعد القول بأنّ أسماء المعاملات وضعت عند العرف للصحيح دون الأعم، وهذا هو بيت القصيد في هذا المبحث فعلى الفقيه الذي يتمسّك بالأدلة الإمضائية في مقام الشك في التخصيص أو اعتبار قيد أو شرط أن يثبت أنّ القول بوضع الألفاظ للصحيح عند العرف لا يمنع من التمسّك بها، فيقع البحث في مقامين:

المقام الأوّل: لو قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات وضعت للأسباب الصحيحة عرفاً فهل يجوز التمسّك بالإطلاق أو لا؟

وبعبارة أُخرى: إذا قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات أسام للأسباب الصحيحة، فهل يكون ذلك مانعاً من التمسك بإطلاقات الأدلة الإمضائية عند الشكّ في


(172)

صحّة سبب وفساده، كتقدم القبول على الإيجاب، أو إجراء الصيغة بلفظ المضارع أو لا؟

التحقيق أنّه لا يكون مانعاً ويترتب عليه صحّة التمسّك بها.

أمّا على مذهب المحقّق الخراساني من اتفاق العرف والشرع فيما هو السبب للملكية أو علقة الزوجية، وإنّماالاختلاف يرجع إلى التخطئة في المصداق، فظاهر، لأنّ إطلاقها لو كان مسوقاً في مقام البيان يُنزَّل على أنّ المؤثر عند الشارع هو المؤثر عند العرف ولم يعتبر في تأثيره عنده غير ما اعتبر فيه عندهم، كما ينزل عليه إطلاق كلام غيره حيث إنّه منهم، ولو اعتبر في تأثيره ما شك في اعتباره كان عليه البيان ونصب القرينة عليه، وحيث لم ينصب بان عدم اعتباره عنده أيضاً، ولذا يتمسّكون بالإطلاق في أبواب المعاملات مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح.(1)

وأمّا على المختار من أنّ اختلاف الشارع والعرف في بعض الأسباب إنّما هو من حيث المعتَبر لا من باب الاختلاف في المصداق، فربما يشكل التمسّك، لأنّ مرجع الشكّ إلى التمسّك بالعام عند الشبهة المصداقية له، وإلى هذا الإشكال يشير الشيخ الأعظم في آخر تعريف البيع حيث قال: ويشكل بأنّ وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسّك بإطلاق نحو «أحل اللّه البيع» وإطلاقات أدلة سائر العقود في مقام الشك في اعتبار شيء منها مع أنّ سيرة علماء الإسلام التمسّك بها في هذه المقامات.(2)

أقول: الحقّ جواز التمسّك على هذا القول أيضاً، ويعلم ذلك بأمرين:


1 - كفاية الأُصول:1/50.
2 - المتاجر:80، آخر تعريف البيع.


(173)

1. انّ المعتبر عند الشارع وإن كان يختلف مع المعتبر عند العرف، لكن الاختلاف ليس بالتباين بل بالأقل والأكثر، والمفهوم الشرعي لأجل زيادة القيود أضيق من المفهوم العرفي.

2. انّك قد عرفت أنّه ليس للشارع في باب المعاملات دور فالأسباب والمسببات ووضع اللفظ في مقابل الأسباب كلّها من العرف والعقلاء، وعندئذ فإذاقال الشارع: «أوفوا بالعقود» فمعنى ذلك أوفوا بالأسباب الصحيحة العرفية، غاية الأمر أنّ الأمر بالوفاء بعامة العقود إنّما هو بالإرادة الاستعمالية، فلو افترضنا مورداً ما لم تتعلق به الإرادة الجدية كبيع المنابذة الذي هو بمعنى تعين المبيع برمي الحجارة على قطيع غنم بإصابة شاة معينة، يشير إليه الشارع بقوله: «لا منابذة في البيع» فإذا سكت فيعلم أنّ السبب الصحيح عند العرف هو السبب الصحيح عند الشرع.

وبعبارة أُخرى: يتخذ السبب الصحيح عرفاً مرآة وطريقاً إلى السبب الصحيح شرعاً، و إلاّتلزم لغوية الخطابات الإمضائية، وهذا هو الذي يشير إليه الشيخ الأعظم في آخر تعريف البيع ويقول: وأمّا وجه تمسّك العلماء بإطلاق أدلة البيع ونحوه فلأنّ الخطابات لما وردت على طبق العرف، حُمِل لفظ البيع وشبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف، أو على المصدر الذي يراد من لفظ (بعت) فيستدل بإطلاق الحكم بحله أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثراً في نظر الشارع أيضاً.(1)

والحاصل :انّ المهم في المقام هو أنّ القول بوضع الألفاظ للصحيح لا يوجب إجمال الأدلة الإمضائية، ولو قلنا بالإجمال في العبادات ـ على وجه الفرض ـ


1 - المتاجر:80، آخر تعريف البيع.


(174)

فلا نقول به في المقام لما عرفت من أنّه ليس للشارع دور في اختراع المعاملات ولا أسبابها ولا في وضع ألفاظها لها، بل كلّها بيد العرف غير أنّ الشارع إذا تكلم إنّما يتكلم بلسان العرف، فإذا أمضى العنوان الذي هو اسم للسبب الصحيح عرفاً يكون معناه أنّه كذلك عند الشرع، فإذا شكّ في سببية شيء كعقد غير البالغ، فلو كان سبباً عرفاً نستكشف انّه أيضاً سبب شرعاً، أخذاً بحديث المرآتيّة، وإلاّ كان عليه التصريح بعدم السببية كما صرح في باب الطلاق وعيّن السبب المعيّن وهو أن يقول المطلّق:«أنت طالق».

المقام الثاني: إذا قلنا بوضعها للمسببات، أعني: الملكية الحاصلة من العقد، وعلقة الزوجية الحاصلة من الإيجاب والقبول، فشككنا في صحّة واحد من المعاملات، فالشك في الصحّة يتجلّى على قسمين، فتارة يكون الشكّ نابعاً من احتمال خروج عنوان عن الإطلاقات، وأُخرى يكون الشكّ نابعاً من جزئية شيء أو شرطيّته في أسبابها.

أمّا الأوّل: فيجوز التمسّك بالإطلاقات والأدلّة الإمضائية، لأنّ الشرع إذا أمضى المسبب العرفي وكان الفرد المشكوك واجداً للمسبب حسب نظر العرف، فبحكم الإطلاق يحكم ببقاء الفرد المشكوك تحته. كما إذا شكّ في خروج البيع الربوي في غير المكيل والموزون كالمعدود والمذروع والمشاهد عن تحت إطلاق قوله تعالى: (أحل اللّه البيع) فيحكم ببركة إطلاق الأدلة الإمضائية بعدم خروجها عن المسبب الممضى على وجه الإطلاق.

وأمّا الثاني: إذا كان الشكّ في صحّة المسبب نابعاً من احتمال مدخلية شيء في السبب كمدخلية البلوغ في العاقد، وتقدّم الإيجاب على القبول في العقد، فالشكّ في صحة النكاح والبيع بالمعنى المسببي، نابع عن شرطية البلوغ أو تقدّم


(175)

الإيجاب على القبول في السبب، فهل يمكن رفع الشكّ عن ناحية السبب بالتمسّك بالإطلاق المنصبّ على إمضاء المسبب العرفي أو لا؟

ذهب المحقّق النائيني إلى القول الثاني، وحاصل كلامه: أنّ إمضاء المسبب كما هو المفروض (لافتراض أنّ أسماء المعاملات اسم للمسبب دون السبب) لا يكون دليلاً على إمضاء السبب، قال قدَّس سرَّه : انّه إذا كان إمضاؤه للمسببات أي للمعاملات التي هي رائجة عند العرف كالزوجية والمبادلة، مع قطع النظر عن الأسباب التي يتوسل بها إليها، كما في قوله تعالى: (وأحلّ اللّه البيع وحرّم الربا)فانّه في مقام بيان أنّ المعاملات الربوية ـ من دون نظر إلى الأسباب ـ غيرممضاة في الشريعة، بخلاف المعاملة البيعية، فالإطلاق لو كان وارداً في هذا المقام فلا يدل على إمضاء الأسباب العرفية، وذلك لعدم الملازمة بين إمضاء المسبب وإمضاء السبب، إلاّفيما إذا كان له سبب واحد فانّ إمضاءه لمسببه يستلزم إمضاءه لا محالة وإلاّ كان إمضاؤه لغواً، وكذا فيما إذا لم يكن في البين قدر متيقّن فإنّ نسبة المسبّب حينئذ إلى الجميع على حدّ سواء فلا يمكن الحكم بإمضاء بعض دون بعض، وفي غير هاتين الصورتين لابدّمن الاقتصار على القدر المتيقّن وفي الزائد يرجع إلى أصالة العدم.(1)

ثمّ إنّه قدَّس سرَّه أجاب عن الإشكال بجواب فلاحظه.(2)

والأولى أن يجاب بوجهين:

أ: وجود الملازمة العرفية بين إمضاء المسببات والأسباب، فهي وإن لم تكن


1 - أجود التقريرات:1/49ـ 50; المحاضرات:1/197.
2 - حاصله: إبداء الفرق بين إمضاء الأسباب وإمضاء الأدوات، فنفى الملازمة في الأُولى وأثبتها في الثانية، قائلاً بأنّ نسبة الإيجاب والقبول بالنسبة إلى المنشأ من قبيل الإيجاد بالآلة لا من باب السبب والمسبب.


(176)

عقلية ولكنّها ملازمة عرفية فإمضاء المسبب العرفي والذي له سبب مثله، يلازم إمضاء الثاني.

ب: التمسّك بالإطلاق المقامي، وحاصله: أنّ كلّ شيء لا يلتفت إليه إلاّ الأوحدي من الناس، فلو كان معتبراً كان على الشارع التنبيه عليه، وإلاّلزم نقض الغرض، فمثلاً: أنّ العرف يرى تحقّق المنشأ في باب الطلاق بأي صيغة اتفقت، مثل قوله: «أنت خلية»، و«أنت برية»، ولكن الشارع لا يرى السبب إلاّقوله: «أنت طالق» فإذا أمضى الشارع المسبب العرفي (الطلاق العرفي) ولكن كان هناك اختلاف بين الشرع والعرف في السبب نبّه عليه كما قال: إنّما الطلاق أن تقول: «أنت طالق».(1)

وحيث لم يرد في باب المعاملات بيان خاص بالنسبة إلى السبب يستكشف من سكوت الشارع عدم اعتبار سبب خاص، و انّ السبب الفعلي كالسبب القولي، وهذا نظير قصد الوجه والتمييز اللّذين يدّعيهما ابن إدريس في امتثال الواجبات، والمشهور لم يقل بوجوبهما وذلك تمسكاً بإطلاقات أدلّة الصلاة، لأنّ قصد الوجه والتمييز من الأُمور العقلية التي لا يلتفت إليهما إلاّالأوحدي من الناس فلو كان واجباً كان على الشارع التنبيه عليها، ومثله المقام.

فإن قلت: فهل يمكن دفع الشكّ عن طريق المرآتية حسب ما قرر في المقام الأوّل؟

قلت: ثمة فرق جوهري بين المقامين فانّ الإمضاء تعلّق في المقام الأوّل بالأسباب، وتعلق الشكّ بسببية شيء كالمعاطاة، فيمكن أن يقال انّ إمضاء السبب العرفي طريق إلى السبب الشرعي، وهذا بخلاف المقام فانّ المفروض


1 - الوسائل:15، الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 3و4.


(177)

أنّ الإمضاء تعلّق بالمسبب، ولكن الشكّ تعلّق بشرطية شيء في السبب كتقدّم الإيجاب على القبول فلا يمكن إمضاء المسبب الصحيح عرفاً طريقاً إلى إمضاء السبب.

وعلى كلّ تقدير فهذا البحث هو بيت القصيد في هذا المقام، فعلى الفقيه الجهد وبذل الجد حتى يرفع المحاذير الواقعة أمام التمسّك بالإطلاقات، سواء أقلنا بوضعها للأسباب أو المسببات.

السادس: في أنّ أسماء المعاملات اسم للأسباب أو للمسببات

هل أسماء المعاملات موضوعة للأسباب أو للمسببات؟ وهذه مسألة صغروية.

والجواب انّ الأدلّة على قسمين:

1. ما يكون العنوان اسماً للسبب كما هو الحال في قوله(يا أيُّها الَّذِينَ آمنُوا أُوفوا بالعُقُود) (1) فالإمضاء يتعلّق بالأسباب.

فانّ العقد عبارة عن شدّالحبلين،و استعير في الآية للإيجاب والقبول، فتكون الآية ظاهرة في إمضاء الأسباب فيؤخذ بإطلاقها في كلّ ما يراه العرف سبباً إلاّ إذا قام الدليل على إلغاء سببيته.

وما ربما يقال من أنّ العقد هو العهد المشدد فلا يصدق إلاّ في الأيمان والأقسام، في غير محله، لقوله سبحانه: (إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاح) (2) فالعقدة في الآية بمعنى الإيجاب والقبول المعبّر عنهما بالعُقْدة.

وربما يقال بأنّ الآية ناظرة إلى إمضاء المسببات، لأنّها تأمر بالوفاء بالعقود والوفاء إنّما يتصوّر في أمر باق وما هو الباقي هو المسبب دون السبب فانّه أمر آني.


1 - المائدة:1.
2 - البقرة:237.


(178)

يلاحظ عليه: أنّ الأسباب لها بقاء في عالم الاعتبار بشهادة أنّه ربّما يتعلّق بها الفسخ.

2. ما يكون العنوان ظاهراً في المسبب مثل قوله: (أحَلَّ اللّهُ البَيْع)(1) وقوله:«الصلح جائز بين المسلمين»(2) و«النكاح سنّتي»(3) و «الطلاق بيد من أخذ بالساق».(4)

السابع: في أقسام الجزئية والشرطية و...

إنّ دخالة شيء في شيء تارة تكون بنحو الجزئية وأُخرى بنحو الشرطية.

ثمّ إنّ الجزئية والشرطية تنقسمان إلى الجزئية والشرطية للماهية، وأُخرى للفرد، وبذلك تصير الأقسام أربعة.

كما أنّ تأثير الشيء تارة يكون وجوده مؤثراً في المطلوب أو في كماله، وأُخرى يكون وجوده مخلاً، ثمّ المخل ينقسم إلى قسمين، فتارة يكون وجوده مخلاً للواجب ومبطلاً للغرض، وأُخرى يكون وجوده مخلاً للهيئة الاتصالية وقاطعاً لها كالضحك والبكاء والفعل الكثير الماحي لصورة الواجب. فيسمى الأوّل بالمانع كالحدث والخبث، والثاني بالقاطع كالبكاء الممتد.

وإليك التفاصيل:

أمّا إذا كان للشيء مدخل في قوام الماهية سواء أكان بنحو الجزئية كالركوع والسجود، أو بنحو الشرطية كالطهارة، فيسميان بجزء الماهية وشرطها، والفرق بين الجزء والشرط واضح، لأنّ الجزء بوجوده حاضر في حدّ الشيء فيكون القيد والتقيد داخلاً فيها، وأمّا الشرط فهو بوجوده وإن لم يكن حاضراً في قوام الشيء


1 - البقرة:275.
2 - من لا يحضره الفقيه:3/21، الحديث2.
3 - لآلي الأخبار:3/221.
4 - الجامع الصغير:2/57.


(179)

ولكنّ لوجوده قبل المأمور به أو معه أو بعده تأثيراً في حصول المطلوب، فيكون القيد خارجاً والتقيّد داخلاً، فالطهارة قبل الصلاة واستقبال الكعبة حين الصلاة والأغسال الليلية للمرأة المستحاضة بعد الصوم من قبيل الشروط للماهية.

وبعبارة أُخرى ما يكون دخيلاً في أصل المطلوب بنحو الجزئية أو الشرطية يسمّى جزء الماهية وشرطها.

وأمّا إذا كان الشيء غير دخيل في قوام الشيء على نحو لو لم يكن محققاً لما يضرّبه ولكن له مدخلية في كمال المطلوب وجماله، فإن كان دخيلاً على نحو الجزئية يسمى جزء الفرد، وإن كان دخيلاً بنحو الشرطية يسمى شرط الفرد، وهذا كالقنوت في الصلاة أو الصلاة في المسجد، فالصلاة بلا قنوت أو في غير المسجد صلاة صحيحة وافية بالغرض المطلوب غير أنّ القنوت في الصلاة، وإقامتها في المسجد يوجب كمال المطلوب وجماله، وهذا ما يعبّر عنه بجزء الفرد وشرطه فالأمران يعدان من محققات الفرد ومشخصاته وإن لم يكونا من قوام الشيء والغرض المطلوب.

وبذلك يعلم أنّ القنوت في الصلاة جزء للصلاة الموجودة فهي بعامة أجزائها مصداق للواجب مثل الصلاة في المسجد لا أنّ أصل الصلاة واجبة والقنوت أمر مستحب في واجب.

وما هذا إلاّ لأنّ الصلاة مع القنوت فرد وحداني له حكم واحد وليس له حكمان، ولا يعد القنوت أمراً زائداً على الصلاة الموجودة كردّ السلام إلى من سلّم على المصلي فانّ التسليم بعنوان الجواب شيء وراء الصلاة، أو الصلاة على النبي إذا سمع اسمه، فهي تعدّ أمراً زائداً على الصلاة، مستحباً فيها بخلاف المشخصات الفردية فانّهما من أجزاء الفرد والفرد بوحدته مصداق للواجب.

وربّما يورد على هذا التصوير ـ أي تقسيم الجزء والشرط إلى كونهما جزءاً أو


(180)

شرطاً للفرد ـ بأنّ المراد من الجزء أو الشرط في المقام، هو العوارض الفردية الخارجية عن ماهية الشيء، وهذا إنّما يتصور في المركبات الخارجية، مثلاً الإنسان له علل القوام ـ أعني الجنس والفصل ـ كما له العوارض الفردية من الأعراض التسعة من الطول والقصر واللون وغيرها، وعندئذيحلّله العقل إلى أُمور مربوطة بجوهره وماهيته، وأُمور مربوطة بعوارضه وخصوصياته الفردية.

وأمّا المركب الاعتباري فبما أنّه فاقد للوحدة الحقيقية فكلّ فرد منه له ماهية خاصّة فللفاقد ماهية، وللواجد ماهية أُخرى، مثلاً الصلاة مع القنوت موجودة، والصلاة لا معه موجودة أُخرى، فلا يعد القنوت من العوارض الفردية والبواقي من علل القوام.

يلاحظ عليه: بأنّ الأُمور الاعتبارية سهلة المؤونة، فيمكن أن تسمّي ماله مدخلية في أصل الغرض بجزء الماهية وشرطها، وماله مدخلية في كمال الغرض فهو جزء الفرد أو شرطه، ويمكن أن يقال بصورة التقريب أنّ ذلك التقسيم بكلا شقيه نظير ما نشاهده في التكوين كالدار فهناك ما هو دخيل في أصل المطلوب على وجه لولاه لما يتحقق الغرض كالغرف، وهناك ما يعد كمالاً للدار كالإيوان والسرداب، فلو وجدا كانا جزءاً من الدار وإلاّ لم يضر.

هذا كلّه حول الجزئية والشرطية، وأمّا المانعية والقاطعية، فمدخلية الأُولى لأجل كون وجود المانع مخلاً للواجب ولملاكه، وهذا ما يعبّر عنه مسامحة بجزئية عدمه أو شرطيته، وإلاّ فحقيقة الأمر هو كون المانع بوجوده مخلاً، و أمّا القاطع فهو أيضاً بوجوده يخل بالهيئة الاتصالية ويقطعها.

إلى هنا تمّت الأقسام الستة، وأمّا القسم السابع فهو أن يكون الواجب ظرفاً للمستحب بدون مدخلية أحدهما في الآخر وذلك، كالأدعية الواردة في أيّام شهر رمضان لخصوص الصائم.


(181)

الأمر الحادي عشر

في الاشتراك اللفظي

الاشتراك اللفظي: عبارة عن كون اللفظ موضوعاً لمعنيين أو أكثر من واضع واحد(1) بأوضاع متعددة بالوضع التعييني أو التعيّني.

ويقع الكلام فيه في جهات:

الجهة الأُولى: في إمكان الاشتراك اللفظي

لا شكّ في إمكان الاشتراك اللفظي والدليل عليه وجوده، فهذه هي العين تستعمل في الباكية والجارية، ولو افترضنا انّها كانت حقيقة في واحدة منهما واستعملت في الأُخرى لعلاقة المشابهة لنبع الماء فيهما، لا يضرّ بالمقصود، إذ ليس المدّعى تقارن المعنيين في الوضع، بل يكفي التعاقب أيضاً.

ثمّ إنّ هناك من أحال الاشتراك اللفظي بدعوى أنّه مخل بتفهيم المقصود من الوضع لخفاء القرائن.

وأجاب عنه في «الكفاية» من إمكان الاتّكال على القرائن الواضحة أوّلاً، ومنع كونه مخلاً بالمقصود لتعلّق الغرض بالإجمال ثانياً.


1 - هذا القيد من قبيل «لزوم ما لا يلزم» ذكره من أحاله كالمحقق الخوئي، وإلاّ فالمشترك اللفظي ليس رهن واضع واحد، بل الغالب هو تعدّد الوضع، لتعدّد الواضع، فتدبّر.


(182)

ويمكن أن يقال انّ ما ذكره إنّما يتم إذا كان الواضع واحداً فيصدّه الاخلال عن الوضع الثاني دونما إذا كان متعدداً.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات استدلّ على امتناع الاشتراك بأنّ الوضع الثاني يستلزم نقض الوضع الأوّل، لأنّ الوضع ليس بمعنى جعل الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له، أو جعله وجوداً تنزيلياً للمعنى، بل بمعنى تعهد الواضع في نفسه بأنّه متى تكلّم بلفظ مخصوص لا يريد منه إلاّتفهيم معنى خاص، و من المعلوم أنّ هذا التعهد لا يجتمع مع تعهده ثانياً بأنّه متى تكلّم بذلك اللفظ لا يقصد إلاّ تفهيم معنى آخر مبايناً للأوّل، ضرورة أنّه بذلك نقض ما تعهده أوّلاً.

وإن شئت قلت: إنّ الوضع عبارة عن التعهد المجرّد عن الإتيان بأيّة قرينة، وهذا غير متحقّق في الاشتراك اللفظي.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ إذا كان الواضع واحداً، وأمّا إذا كان متعدداً فلا، وسيوافيك أنّ الاشتراك اللفظي مستند إلى تباعد القبائل العربية بعضهم عن بعض.

ثمّ إنّ هناك من زعم وجوب الاشتراك قائلاً: بأنّ الألفاظ والتراكيب المؤلّفة منها متناهية، والمعاني غير متناهية والحاجة ماسّة إلى تفهيم المعاني بالألفاظ ولا يتم ذلك إلاّ بالاشتراك.

وأجاب عنه في «الكفاية»: بأنّ المعاني إذا كانت غير متناهية فلا يمكن الوضع لها لا بالاشتراك ولا بغيره، لاستلزامه الأوضاع غير المتناهية من الإنسان المتناهي.


1 - المحاضرات:1/213.


(183)

ولكن الظاهر أنّ مراد القائل هو كثرة المعاني لا كونها غير متناهية حقيقة.

نعم ما ذكره من الأجوبة الثلاثة عقيب هذا الجواب هو الصحيح، قال:

1. إنّ المعاني على فرض تناهيها، لا تمس الحاجة إلاّ بالقدر المتناهي منها، لأنّ الأغراض المتداولة بين العقلاء متناهية.

2. مع أنّه يكفي الوضع للمفاهيم الكلية وإرادة الجزئيات بالقرائن.

3. انّ طريق التفهيم لا ينحصر بطريق الحقيقة، بل يكفي إفهام المعاني بطريق المجاز، وهو باب واسع.(1)

ويمكن أن يجاب أيضاً بأنّ الألفاظ كالمعاني غير متناهية عرفاً، وذلك بسبب تلفيق الحروف الهجائية بعضها مع بعض لا سيما إذا أُضيف إليها الاختلاف في الحركات فلا تكون الألفاظ أقلّ عدداً من المعاني المطروحة للعقلاء.

الجهة الثانية: في منشأ الاشتراك

الظاهر أنّ منشأ الاشتراك هو تشتت الناطقين باللغة العربية، حيث كانت طائفة تعبّر بلفظ خاص عن معنى، وطائفة أُخرى تعبّر به عن معنى آخر من دون أن تطّلع على ما في حوزة الأُخرى من أوضاع، فلما قام علماء اللغة بجمع لغات العرب من أفواه القبائل العربية ظهر الاشتراك اللفظي.

وهناك عامل آخر أقلّ تأثير من العامل الأوّل وهو ظهور الاشتراك في ظل كثرة الاستعمال في معنى مجازي إلى حدّ يصير حقيقة كما في لفظ «الغائط» فانّه موضوع للمكان الذي يضع فيه الإنسان، ثمّ كنّى به القرآن عن فضلته إلى أن صار حقيقة.


1 - كفاية الأُصول:1/53.


(184)

الجهة الثالثة: في وقوع الاشتراك في القرآن

لا شكّ في وجود الاشتراك في لغة العرب، وقد جمع علماء اللغة المشتركات اللفظية فيها.

وأمّا القرآن فقد ورد فيه النجم وهو مشترك بين الكوكب والنبات الذي لا ساق له، قال سبحانه: (والنّجم إِذا هَوى)(1) وقال: (وَالنَّجم وَالشَّجَر يَسْجُدان)(2) ومثل النجم لفظة «النون» فانّه مشترك بين الحوت والدوات.(3)

قال سبحانه: (وَذا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِ رَ علَيْه).(4)

وقال سبحانه: (ن وَالْقَلَم وَما يَسْطُرُون) .(5)

ثمّ إنّ علماء علوم القرآن فتحوا باباً في المشتركات القرآنية أسموه بمعرفة الوجوه والنظائر وألّفوا في هذا المضمار رسائل وكتباً، ولكنّهم خلطوا في كثير بين المصداق والمعنى.(6) مثلاً : ذكروا للقضاء معاني مختلفة كالفراغ، والأمر، والأجل، والفصل، والمضي، والهلاك، والوجوب، والإبرام، والإعلام، والوصية، والموت، والنزول، والخلق، والفعل، والعهد، مع أنّ الجميع من مصاديق المعنى الواحد وهو العمل المتقن والتنفيذ القاطع.

يقول ابن فارس(7): ليس له إلاّأصل واحد والجميع يرجع إلى ذلك وهو ما يدلّ على إحكام أمر، وإتقانه وإنفاذه لجهة، قال اللّه تعالى: (فَقَضاهُنّ سبع


1 - النجم:1.
2 - الرحمن:6.
3 - مجمع البيان:5/330; الإتقان:1/667، أخرجه عن الحسن وقتادة.
4 - الأنبياء:87.
5 - القلم:1.
6 - لاحظ الإتقان في علوم القرآن:1/445.
7 - إنّ ابن فارس بطل في حلبة ردّ المعاني الفرعية إلى الأصلية، وكتابه «المقاييس» من أحسن الكتب، ويليه ما ألّفه الزمخشري باسم «أساس البلاغة».


(185)

سَموات في يومين)(1) أي أحكم خلقهن، والقضاء: الحكم، قال اللّه سبحانه في ذكر من قال:(فاقض ما أَنت قاض) (2) أي اصنع واحكم، ولذلك سمّي القاضي قاضياً، لأنّه يحكم الأحكام وينفذها، وسمّيت المنية قضاء لأنّها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق.

إلى أن قال: وكلّ كلمة في الباب فانّها تجري على القياس الذي ذكرناه، فإذا هُمز تغيّر المعنى، يقولون: القُضاة: العيب، يقال ما عليك منه قضاة، وفي عينه قضاة: أي فساد.(3)


1 - فصّلت:12.
2 - طه:72.
3 - لاحظ في ذلك المقاييس:5/99ـ100،مادة قضى.


(186)

الأمر الثاني عشر

في جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى

كان البحث السابق يدور حول إمكان الاشتراك و عدمه، فإذا ثبت وجود اللفظ المشترك يقع الكلام في جواز استعماله في أكثر من معنى واحد.

ومحلّ النزاع هو أن يكون كلّ من المعنيين ملحوظاً بحياله واستقلاله مثلما استعمل في واحد منهما، فخرجت الصورتان التاليتان عن محط النزاع:

أ. إذا استعمل في مجموع المعنيين، بحيث يكون كلّ منهما جزء المستعمل فيه، نظير العام المجموعي عند الأُصوليين.

ب. إذا استعمل في معنى جامع لكلا المعنيين، كما إذا استعمل في المسمّى بالعين الشاملة للذهب والفضة، والباكية والجارية.

فإنّ هاتين الصورتين ليستا من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بل الأُولى استعمال في معنى مركب من معنيين حقيقتين، كما أنّ الثانية استعمال في جامع المعنيين، والمستعمل فيه ذو أجزاء، وفي الثانية ذو أفراد.

وعلى كلّ تقدير، فالظاهر من القدماء أنّ البحث في الجواز وعدمه بحث لغوي، ولكن الظاهر من المتأخرين أنّ البحث عقلي.

ولذلك استدلّوا للامتناع العقلي بوجوه ، نذكرها مع تحليلها.


(187)

1. جواز الاستعمال رهن لفظ ولحاظ ثان

استدلّ المحقّق الخراساني على الامتناع بأنّ الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة للمعنى حتى يصحّ جعل اللفظ الواحد علامة لشيئين، بل الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى، فإذا كان فانياً في أحد المعنيين، فافناؤه في المعنى الثاني يحتاج إلى لحاظ اللفظ بغير اللحاظ الأوّل، والمفروض انتفاؤه ، قال في «الكفاية»:

حقيقة الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى، بل جعله وجهاً وعنواناً له، بل بوجه نفسه، كأنّه الملقى، ولذا يسري إليه قبحه وحسنه كما لا يخفى، ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك إلاّ لمعنى واحد، ضرورة انّ لحاظه هكذا في إرادة معنى، ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر، حيث إنّ لحاظه كذلك، لا يكاد يكون إلاّ بتبع المعنى فانياً فيه فناء الوجه في ذي الوجه والعنوان في المعنون، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد، مع استلزامه للحاظ آخر، غير لحاظه كذلك في هذا الحال؟!(1)

يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد من الإفناء، المعنى الحقيقي بأن يتبدّل اللفظ إلى المعنى وتذهب فعلية اللفظ، فهو غير صحيح، ولا يلتزم به القائل، وإن أُريد أنّ الغرض الذاتي يتعلّق بالمعنى دون اللفظ، فالتالي غير ممتنع، إذ أي مانع من أن يتعلّق الغرض الذاتي بمعنيين وينظر إليهما بلفظ واحد ملحوظ بلحاظ فارد.

2. اجتماع لحاظين آليّين في شيء واحد

استدلّ المحقّق العراقي بأنّ وضع اللفظ للمعنى ليس جعله علامة عليه


1 - كفاية الأُصول:1/54، المطبوع بحاشية المشكيني رحمه اللّه .


(188)

ولو بنحو التنزيل، بل هو جعل اللفظ مرآة تحكي المعنى وتصوره للسامع، واستعمال اللفظ في المعنى هو فعلية كون اللفظ الموضوع مرآة وحاكياً. وبما أنّ المرآة ملحوظة حين استعمالها باللحاظ الآلي، فيلزم من استعمال اللفظ الواحد في معنيين أو أكثر، أن يلحظ ذاك اللفظ الواحد، في آن واحد، بلحاظين آليينَ وحينئذ يجتمع اللحاظان في واحد شخصي.

نعم لو كانت حقيقة الوضع هو العلامة، فلا مانع من كون شيء واحد علامة لشيئين.(1)

والفرق بين تقريري الأُستاذ(الخراساني) و التلميذ(العراقي)، انّ تقرير الأُستاذ يركز على لزوم وجود لفظ ولحاظ آخر باعتبار انّ الاستعمال إفناء للّفظ، ولابدّ في الاستعمال في المعنى الثاني من لحاظ ولفظ واستعمال آخر.

وهذا التقرير يركز على استلزام الاستعمال اجتماع لحاظين آليين في شيء واحد.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أنّ تعدّد اللحاظ في المعنيين يلازم تعدده في اللفظ المستعمل فيها، ولكن الظاهر أنّه لا ملازمة بين تعدّد اللحاظ في المعنى، وتعدّده في اللفظ، وذلك لأنّ كلاً من المعنيين تعلّق به الغرض الذاتي فيكون كلّ منهما ملحوظاً على وجه الاستقلال، بخلاف اللفظ فانّه متعلّق بالغرض تعلقاً آلياً، فيكفي في مقام استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، تصوّر المعنيين مستقلاً أوّلاً، ثمّ الانتقال منهما إلى اللفظ ثانياً، والانتقال منه إلى المعنيين ثالثاً.

3. اجتماع لحاظين مستقلين في صقع النفس

استدلّ المحقّق النائيني على الامتناع بأنّ لازم استعمال اللفظ في المعنيين


1 - بدائع الأفكار:1/146، وما أفاده تعبير آخر عما في «الكفاية».


(189)

على نحو الاستقلال، تعلّق اللحاظ الاستقلالي بكلّ واحد منهما في آن واحد، كما إذا لم يستعمل اللفظ إلاّفيه، ومن الواضح أنّ النفس لا تستطيع أن تجمع بين اللحاظين المستقلين في آن واحد.(1)

وهذا التقرير يغاير التقريرين السابقين، فانّ الأوّل كان يركّز على أنّ الاستعمال رهن لحاظ ثان وهو غير موجود، كما أنّ الثاني يركز على أنّ لازم الاستعمال اجتماع لحاظين آليين في شيء واحد.

وهذا التقرير يركز على أنّ النفس ليس بمقدورها ملاحظة معنيين بحيالهما واستقلالهما.

يلاحظ عليه: أنّ الممتنع هو اجتماع لحاظين مستقلين في آن واحد في معنى واحد، لأنّه أشبه باجتماع المثلين.

وأمّا تعلّق اللحاظين المستقلين بمعنيين في آن واحد كما في المقام فليس يمتنع، والشاهد على ذلك انّ النفس تستخدم العين والسمع والذائقة والشامة في آن واحد ويكون مدركات كلّ منها ملحوظة بالاستقلال أيضاً.

4. إيجاد ماهيتين مختلفتين بوجود واحد

استدلّ المحقّق الاصفهاني في تعليقته بأنّ حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ، حيث إنّوجود اللفظ في الخارج، وجود لطبيعي اللفظ بالذات، (تكويناً) ووجود لطبيعي المعنى بالجعل والمواضعة والتنزيل، لا بالذات، ولا يعقل أن يكون وجود واحد وجوداً لماهيتين بالذات، وحيث إنّ الموجود الخارجي (اللفظ) بالذات واحد، فلا مجال لأن يقال: انّ وجود اللفظ وجود لهذا المعنى


1 - المحاضرات:1/217 ولاحظ أجود التقريرات:1/51 والمذكور في الثاني لا يخلو من إجمال.


(190)

خارجاً، ووجود آخر لمعنى آخر، حيث لا وجود آخر حتى ينسب إلى الآخر بالتنزيل، وليس الاستعمال إلاّ إيجاد المعنى بنحو وجوده اللفظي خارجاً، وقد عرفت أنّ الإيجاد والوجود متحدان بالذات وحيث إنّ الوجود واحد فكذا الإيجاد.(1)

وحاصل ما أفاده يرجع إلى أمرين:

1. اللفظ وجود تنزيلي للمعنى، فإذا صار وجوداً لأحد المعنيين، فلا وجود آخر له.

2. الوجود والإيجاد واحد بالذات، والاختلاف بالاعتبار، فإذا كان وجود اللفظ واحداً بالذات، فليكن إيجاداً كذلك، لتفرّع الإيجاد على الوجود في الوحدة والكثرة.

يلاحظ عليه: أنّ أساسه خلط الاعتبار بالتكوين، فانّ الإيجاد التكويني لا يتعلّق إلاّ بماهية واحدة دون ماهيتين، وأمّا الإيجاد الاعتباري فلا دليل على أنّه كذلك، إذ أيّ مانع من فرض اللفظ وجوداً لكلّ من المعنيين في وعاء الاعتبار، وهل هذا إلاّاجراء حكم التكوين على الاعتبار؟

أضف إلى ذلك أنّه لا دليل على أنّ اللفظ إيجاد للمعنى، بل وسيلة للالتفات إلى المعنى، فاستعمال اللفظ أشبه بكونه سبباً للانتقال إلى المعنى.

إلى هنا تبيّن أنّه لا دليل على امتناع الاستعمال، لكن يقع الكلام في وجود المانع من جانب الواضع وعدمه، فلو كان هناك مانع فإنّما هو من ناحية الوضع.


1 - نهاية الدراية:1/64.


(191)

المانع من جهة الوضع

ذهب المحقّق القمي إلى أنّ المانع هناك وضعي لا عقلي وهو أنّ الواضع وضع اللفظ للمعنى في حال الوحدة فلا يجوز استعمال المفرد في غير حال الانفراد لا حقيقة ولا مجازاً، أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فلانّه لم تثبت الرخصة في هذا النوع من الاستعمال.(1)

يلاحظ عليه: أنّ اللفظ وإن وضع للمعنى حال الوحدة لكن القيد(حال الوحدة) ليس قيداً للموضوع له ولا قيداً للوضع فلا يكون مانعاً من الاستعمال.

فإن قلت: إنّ الوحدة وإن لم تكن قيداً لواحد منهما لكن الوضع لم يتحقّق إلاّ في هذه الحالة فكيف يستعمل في غيرها؟

قلت: إنّ الضيق الذاتي إنّما يكون مانعاً إذا كان الاستعمال بملاك وضع واحد، وأمّا إذا استعمله بملاك وضعين فلا يكون مثله مانعاً عن الاستعمال.

والحاصل: أنّ كون المعنى موضوعاً له في حال الوحدة لا يكون مانعاً من استعماله في أكثر من معنى واحد وإلاّ يرجع إلى كونه قيداً لأحدهما والمفروض عدمه.

ثمّ أدلّ دليل على إمكانه هو وقوعه، فقد قام أحد المعنيين بالأدب العربي(2) بجمع شواهد على تحقّق استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، ونحن نقتصر على شيء قليل.

يقول الشاعر في مدح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

المرتمي في الدجى، والمبتلى بعمى * والمشتكي ظمأ والمبتغي دينا


1 - قوانين الأُصول:1/63، طبعة تبريز عام 1315هـ.
2 - المحقّق أبو المجد الشيخ محمد رضا الاصفهاني في كتاب «وقاية الأذهان».


(192)

يأتون سدّته في كلّ ناحية * ويستفيدون من نعمائه عيناً

فاستعمل الشاعر لفظ «العين» في الشمس، و البصر، والماء الجاري، والذهب حيث إنّ المرتمي «المرميّ» في الدجى، يطلب الضياء، والمبتلى بالعمى يطلب العين الباصرة، والإنسان الظمآن يريد الماء، والمستدين يطلب الذهب.

بقيت هنا أُمور:

الأوّل: لو قلنا بجواز استعمال اللفظ في الأكثر فالظاهر أنّه حقيقة في المفرد والمثنى والجمع، لماعرفت من أنّ محط النزاع استعمال اللفظ في كلّ واحد من المعنيين مستقلاً، بالنظر إلى الوضعين لا في مجموع المعنيين على نحو التركيب ولا في الجامع بين المعنيين وقد عرفت أنّ الوحدة ليست قيداً للوضع ولا للموضوع له.

نعم ذهب صاحب المعالم إلى أنّ استعمال المفرد في الأكثر مجاز، واستعمال غيره كالتثنية والجمع في الأكثر حقيقة.

أمّا الأوّل، فلاستلزامه سقوط قيد الوحدة المأخوذ في الموضوع له; وأمّا الثاني، فلأنّ التثنية بمنزلة تكرير اللفظ، فكأنّك نطقت بلفظين، واستعملت كلاً في معنى خاص.

وما ذكره غير تام، أمّا في المفرد فلما عرفت من أنّ الوحدة ليست قيداً لا في الوضع ولا في الموضوع له.

وأمّا الثاني أي استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى حقيقة، فلأنّ الظاهر أنّ الهيئة فيهما تدل على تعدد ما أُريد من المفرد، فلو أُريد من المفرد أحد المعاني فيدلّ على الفردين منه، وعندئذ لا يكون من قبيل استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، وإن أريد منه أكثر من معنى واحد فالهيئة تدل على الفردين


(193)

من كلّ من المعنيين، كفردين من العين الجارية وفردين من العين الباكية، ولا يكون الاستعمال حقيقة أيضاً على مبناه، لاستلزامه حذف الوحدة الملحوظة.

وحاصل الكلام: انّ الاستعمال على وجه يكون حقيقة ولا يكون من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى، وعلى فرض آخر يكون من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى، ولكن لا يكون الاستعمال حقيقة على مبناه.

الثاني: إذا ثبت جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فهل يحمل المشترك على جميع المعاني عند عدم قرينة على واحد منها، أو لا؟

ذهب المحقّق البروجردي إلى الأوّل، قائلاً بأنّه حقيقة في الجميع فمقتضى أصالة الحقيقة في الاستعمالات حمله على الجميع.

يلاحظ عليه: أنّ المتَّبَع في الكلام هو الظهور العرفي، حتى أنّ العمل بأصالة الحقيقة، لأجل كون المجاز خلاف الظاهر المتبادر، ولا شكّ أنّ المتبادر هو إرادة واحد من المعاني لا أكثر، لأنّ استعمال اللفظ في أكثر من معنى نادر، فلا يصار إليه إلاّ أن يدلّ عليه دليل.

الثالث: هل يجوز استعمال اللفظ الواحد في المعنى الحقيقي والمجازي معاً؟

الظاهر أنّه لا يوجد مانع عقلي ولا قانوني، نعم ربما يقال بامتناعه، لأنّ استعماله في المعنى الموضوع له يصيّره حقيقة، واستعماله في الوقت نفسه في غير الموضوع له يصيّره مجازاً، والمجاز والحقيقة متضادان لا يجتمعان.

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره إنّما يتم في الأعراض المتأصلة كالسواد والبياض دون الأُمور الاعتبارية كالحقيقة والمجاز. ولا مانع من وصف الاستعمال الواحد حقيقة باعتبار، ومجازاً باعتبار آخر.


(194)

الرابع: قد ورد في الروايات أنّ للقرآن تنزيلاً وتأويلاً، وأنّ لآياته ظهراً وبطناً، فربّما استدلّ القائل بجواز استعمال المشترك في معنيين بهذه الروايات بذريعة أنّ التأويل غير التنزيل، والبطن غير الظهر.

ولكن الظاهر انّه لا صلة لهذه الروايات بمحل النزاع، وإليك التفصيل.

أمّا التأويل فيستعمل في موردين:

الأوّل: تأويل خصوص المتشابه.

الثاني: تأويل الآيات القرآنية.

أمّا الأوّل فقد أشار إليه سبحانه بقوله: (هُوَ الَّذِي أنْزلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتاب وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَالْفِتْنَة وَابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّر إِلاّ أُولُوا الأَلْباب) .(1)

فالتأويل من آل، يؤول: رجع ويرجع في هذه الآية بمعنى إرجاعها إلى ما هو المراد الواقعي، فانّ للآيات المتشابهة ظهوراً غير مستقر، فالذين في قلوبهم زيغ يتبعون الظهور المتزلزل ابتغاء الفتنة، وأمّا غيرهم فيتأمّلون فيها ويرجعون الآية في ظل الآيات المحكمة إلى ما هو المراد واقعاً ويستقر بذلك ظهورها .

مثلاً قد وردت آيات حول صفاته سبحانه التي تسمّى بالصفات الخبرية كاليد والوجه والعين، والاستواء على العرش، إلى غير ذلك من الآيات التي لها ظهور بدوي وهو ظهور غير مستقر، وظهور نهائي وهو ظهور مستقر.

أمّا الظهور البدوي فهو أنّ للّه سبحانه أعضاء كأعضاء الإنسان، واستقراراً على العرش كاستواء الإنسان على السرير.


1 - آل عمران:7.


(195)

وأمّا الظهور المستقر فهو ما يتبادر من الآية بعد الإمعان في القرائن الحافّة بها، بضميمة الرجوع إلى الآيات المحكمة التي هي كالقرائن المنفصلة بالنسبة إلى الآية، وعلى ذلك فالمراد من التأويل الذي هو مصدر باب التفعيل، بمعنى إرجاع الآية إلى ما هو المقصود بالتأمل في القرائن والشواهد المتصلة والمنفصلة.

ومن القول الخطأ تفسير التأويل بمعنى حمل الآية على خلاف ظاهرها، لأجل مخالفتها لحكم العقل أو الحكم القطعي من الشارع فيؤوّل أي يصرف إلى خلاف ظاهرها بغية الجمع بين مفاد الآية وحكم العقل أو الآيات الأُخرى.

وجه الخطأ: انّ التأويل بهذا المعنى مصطلح جديد للمفسرين والأُصوليّين وليس له أثر في كتب اللغة، وحاشا أن توجد في القرآن آية مخالفة لحكم العقل، أو الحكم القطعي في الشرع حتى يصرف إلى خلاف ظاهرها، فما يتبادر من المخالفة كما في مورد الصفات الخبرية فإنّما هي مخالفة بدوية وظهور غير مستقر، وأمّا الظهور المستقر للآية فلا يكون مخالفاً لسائر الأدلة، ولأجل المزيد من الإيضاح نأتي بمثال يرجع إلى استعمال اليد في الآيات:

1. يقول سبحانه (قالَ يا إِبليسُ ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَديّ أَسْتَكْبَرتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العالِين).(1)

فنقول: إنّ اليد في الآية استعملت في العضو المخصوص ولكن كُنِّي بها عن الاهتمام بخلقة آدم حتى يتسنّى بذلك ذم إبليس على ترك السجود لآدم، فقوله سبحانه:(ما منَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بيدي) كناية عن أنّ آدم لم يكن مخلوقاً لغيري حتى يصحّ لك يا شيطان التجنّب عن السجود له، بحجّة أنّه لا صلة له بي، مع أنّه موجود خلقتُه بنفسي، ونفخت فيه من روحي، فهو مخلوقي الذي قمت


1 - ص:75.


(196)

بخلقه، فمع ذلك تمرّدتَ عن السجود له.

فأُطلقت الخلقةُ باليد وكُنّي بها عن قيامه سبحانه بخلقه، وعنايته بإيجاده، وتعليمه إيّاه أسماءه، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد، يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربيّته بيدي، ويراد من الكل هو القيام المباشري بالعمل، وربّما استعان فيه بعينه وسمعه وغيرهما من الأعضاء، لكنّه لا يذكرها ويكتفي باليد. وكأنّه سبحانه يندد بالشيطان بأنّك تركتَ السجود لموجود اهتممت بخلقه وصنعه.

2.(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَت أَيْدِينا أَنعاماً فَهُمْ لَها مالِكُون)(1) فالمجسّمة المتعبّدة بظواهر النصوص البدوية تستدلّ بالآية على أنّ للّه سبحانه أيدي يقوم بها بالأعمال الكبيرة، ولكنّ المساكين اغترّوا بالظهور التصوريّ ولم يتدبّروا في الظهور التصديقي، أخذوا بالظهور الجزئي دون الجُمْلي، فلو كانوا ممعنين في مضمون الآية وما احتفّ بها من القرائن، لميّزوا الظهور التصديقي الذي هو الملاك لتحديد مفاد الآية عن غيره، فإنّ الأيدي في الآية كناية عن تفرّده تعالى بخلق الأنعام وانّه لم يشاركه أحد فيها، فهي مصنوعة للّه تعالى والناس ينتفعون بها، فبدل أن يشكروا، يكفرون بنعمته، وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور التصديقي لا التصوري.

قال الشريف المرتضى(2): قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) جار مجرى قوله: «لماخلقت أنا» وذلك مشهور في لغة العرب. يقول أحدهم: هذا ما كسبتْ يداك،


1 - يس:71.
2 - أمالي المرتضى:1/565.


(197)

وما جرت عليك يداك. وإذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده، وكذلك في الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة، بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل.

3.قال سبحانه: (وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيد وَإنّا لَمُوسِعُون)(1) فاليد وإن كانت ظاهرة في العضو الخاص لكنّها في الآية كناية عن القوة والإحكام بقرينة قوله:(وانّا لموسعون) وكأنّه سبحانه يقول: والسماء بنيناها بقدرة لا يوصف قدرها وإنّا لذو سعة في القدرة لا يعجزها شيء، أو بنيناها بقدرة عظيمة ونوسعها في الخلقة. (2)

إلى هناخرجنا بالنتائج التالية:

1. انّ اللازم في الصفات الخبرية، أعني اليد والرجل والعين والاستواء، هو تحصيل الظهور التصديقي لا التصوّري، والظهور الجملي لا الجزئي، فعندئذ يتعبّد به ولا يعدل عنه.ولا يحتاج إلى حمل الظاهر على خلافه.

2. انّ اليد في الآيات الثلاث، إمّا كناية عن قيام الفاعل بالفعل مباشرة لا باستعانة من الغير كما في الآيتين الأُوليين، أو كناية عن القدرة الخارقة.

3. حمل الآية على خلاف ظهورها البدوي أمر لا مانع منه، لأنّ الظهور البدوي ليس بحجّة ومخالفته لا تعد خلافاً للحجة.

هذا كلّه حول تأويل المتشابه، وأمّا الثاني أي تأويل القرآن فهو في مقابل التنزيل، فللقرآن تنزيل وتأويل، فالمراد من التنزيل ما انطبقت الآية عليه وقت


1 - الذاريات:47.
2 - الكشاف: 3 / 21 .


(198)

نزولها، وأمّا التأويل فالمراد هو المصاديق التي تتجدد للآية عبر الزمان، وهانحن نستعرض المثالين التاليين:

1.يقول سبحانه:(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا أُنْزلَ عَلَيْهِ آيةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوم هاد) .(1)

نص القرآن الكريم بأنّ ّالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بشخصه منذر، كما نصّ بأنّ لكلّ قوم هاد، وقد قام النبي بتعيين مصداق الهادي في حديثه، وقال:«أنا المنذر وعليٌّ الهادي إلى أمري».(2)

ولكن المصداق لا ينحصر بعلي، بل الهداة الذين تواردوا عبر الزمان هم المصاديق للآية المباركة، ولذلك نرى أنّ الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ يقول: «رسول اللّه المنذر، وعليٌّ الهادي، وكلّ إمام هاد للقرن الذي هو فيه».(3)

فالهداة المتواردون كلّهم تأويل للآية في مقابل التنزيل.

2. يقول سبحانه: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمّةَ الكُفرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).(4)

فهذه الآية تعطي ضابطة كلية في حقّ الناكثين للعهد الشرعي، قد احتجّ بها أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في يوم الجمل، روي عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «دخل عليّ أُناس من أهل البصرة، فسألوني عن طلحة والزبير، فقلت لهم: كانا من أئمّة الكفر، انّ عليّاً يوم البصرة لمّا صفَّ الخيول، قال لأصحابه: لا تعجلوا على القوم حتى أعذِّر فيما بيني و بين اللّه عزّ وجلّ وبينهم، فقام إليهم فقال:

يا أهل البصرة هل تجدون عليّ جوراً في حكم اللّه؟


1 - الرعد:7.
2 - نور الثقلين:2/482و 485.
3 - نور الثقلين:2/482و 485.
4 - التوبة:12.


(199)

قالوا: لا.

قال: فحيفاً في قسم (جمع القسمة)؟

قالوا: لا.

قال: فرغبت في دنيا أخذتها لي ولأهل بيتي دونكم، فنقمتم عليّ فنكثتم بيعتي؟

قالوا: لا.

قال: فأقمت فيكم الحدود وعطّلتها عن غيركم؟

قالوا: لا.

قال: فما بال بيعتي تُنكث، وبيعة غيري لا تُنكث؟ إنّي ضربت الأمر أنفَه وعينَه فلم أجد إلاّالكفر أو السيف، ثمّ ثنى إلى أصحابه، فقال:

إنّ اللّه تبارك وتعالى يقول في كتابه: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمّةَ الكُفرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).(1)

فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «والذي فلق الحبة وبرئ النسمة واصطفى محمداً بالنبوة انّهم لأصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ نزلت».(2)

ثمّ إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو الذي سمّى هذا النوع من القتال ـ حسب ما ورد في الرواية ـ تأويلاً في مقابل التنزيل، فقال مخاطباً لعلىّ: «فتقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت معي على تنزيله، ثمّ تقتل شهيداً تخضب لحيتك من دم رأسك».(3)

روى ابن شهر آشوب عن زيد بن أرقم، قال: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أنا أُقاتل على التنزيل، وعليّ يقاتل على التأويل».(4)


1 - التوبة:12.
2 - نور الثقلين:2/189; البرهان في تفسير القرآن:2/106.
3 - بحار الأنوار:40/1، الباب 91.
4 - المناقب:3/218.


(200)

فهذا هو عمار قاتل في صفين مرتجزاً بقوله:

نحن ضربناكم على تنزيله * فاليوم نضربكم على تأويله(1)

فوصف جهاده في صفين مع القاسطين تأويلاً للقرآن الكريم.

وعلى ذلك فالمراد من البطن هو المصاديق المتجددة عبر الزمان، والتعبير بالسبعين كناية عن الكثرة.

منهج القرآن في الهداية

إنّ كثيراً من الآيات القرآنية نزلـت فـي ظـروف خاصـة، غيـر أنّ مفادهـا لا يقتصر على هذه الظروف فحسب بل يعمّها وغيرها، فمثلاً قوله سبحانه:

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحي إِلَيهِمْ فاسئَلُوا أَهل الذِّكر إِنْ كُنْتُم لا تَعْلَمُون).(2)

إنّ كثيراً من المشركين كانوا يرفضون رسالة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بذريعة أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يأكل الطعام كسائر الناس، فأمرهم سبحانه أن يسألوا أهل الذكر عن الأنبياء السابقين، وانّهم هل كانوا على تلك الوتيرة أو على غيرها؟ فمورد السؤال هو ذاك، كما أنّ المراد من أهل الذكر علماء أهل الكتاب، ولكن مفهوم الآية وهو الرجوع إلى أهل الذكر في المشاكل العالقة عام لا يختص بأهل الكتاب ولا بمورد الآية، ولذلك فسّر أهل الذكر في بعض الروايات بأئمّة أهل البيت، وهو أيضاً من قبيل الجري، أعني: تطبيق الكلي على أفضل أفراده، ولذلك يستدل بالآية على لزوم التقليد، لأنّه رجوع إلى أهل الذكر.

فالانتقال بالآية من مفادها الضيّق البدوي إلى هذا المعنى الوسيع تأويل


1 - الاستيعاب:2/472، المطبوع في حاشية الإصابة.
2 - النحل:43 و الأنبياء:7.


(201)

وبطن لها، وبذلك تستفيد الأُمّة من الآية حقائق ومعاني كثيرة.ولا صلة للتأويل بهذا المعنى لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى .

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فسّر التأويل والبطن بوجه آخر لا يخلو من إشكال وقد بين شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ إشكاله في الدورة السابقة فليُرجع إلى المحصول.


(202)

الأمر الثالث عشر

في المشتق

اتّفقت كلمة علماء الأُصول على أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس بالمبدأ، ومجازٌ فيما يتلبس به في المستقبل، واختلفوا فيما انقضى عنه المبدأ، وقبل الدخول في صلب الموضوع، نقدّم أُموراً:

الأوّل: تعريف المشتق

المشتق هو اللفظ المأخوذ من لفظ آخر، ويسمّى الأوّل فرعاً، والثاني أصلاً، ولابدّ بينهما من مناسبة حتى يتحقّق الأخذ وقد قسّموه إلى صغير وكبير وأكبر. لأنّ الفرع إمّا أن يشتمل على حروف الأصل وترتيبه، فهو الأوّل، وإذا أطلق لا ينصرف إلاّإليه. وإمّا أن يشتمل على حروفه دون ترتيبه، وهو الاشتقاق الكبير، كما قيل: إنّ «فسر» مأخوذ من سفر، ويقال: «أسفر النقاب» إذا رفع، والتفسير أيضاً رفع النقاب عن وجه المراد; وإمّا أن لا يشتمل على حروفه فضلاً عن ترتيبه وهو الأكبر كثلم وثلب.(1)


1 - لاحظ في الوقوف على تفصيل الأقسام: الفصول الغروية:58ـ 59.


(203)

الثاني: النزاع لغوي لا عقلي

الظاهر أنّ النزاع في المقام لغوي، والبحث في حدود الموضوع له، وانّ الواضع هل وضعه لخصوص المتلبّس بالمبدأ أو وضعه للأعم منه وممن تلبّس به آناً ما وإن زال عنده؟ والدليل على أنّه لغوي هو استدلال الطرفين بالتبادر وصحّة السلب وعدمه، ولو كان النزاع عقلياً لما كان لهذه الاستدلالات وجه، خلافاً لصاحب المحجة حيث ذهب إلى أنّ النزاع عقلي، وانّه لا خلاف في المفهوم والمعنى، بل الاختلاف في الحمل، فانّ القائل بعدم صحّة الإطلاق على من انقضى عنه المبدأ يرى وحدة سنخ الحمل في المشتقات والجوامد، فكما لا يصحّ إطلاق الماء على البخار بعد ما كان ماءً، كذلك لا يصحّ إطلاق المشتق على ما زال عنه المبدأ بعد تلبّسه به، والقائل بصحّته يدّعي تفاوت الحملين، فانّ الحمل في الجوامد«حمل هو هو»، فلا يصحّ أن يقال للهواء ماء، والحمل في المشتقات «حمل ذي هو» و«حمل انتساب» و يكفي في الانتساب مجرّد الخروج من العدم إلى الوجود فيصحّ الحمل على المتلبّس ومن انقضى عنه المبدأ.

حاصله: انّ المفهوم واحد عند الطرفين، والقائل بالمجازية يدّعي كون الحمل في الجامد والمشتق حمل مواطاة، والقائل بالحقيقة يقول إنّ الحمل في الجامد مواطاة وفي المشتق«حمل ذي هو».

يلاحظ عليه: أنّه لا معنى للنزاع في صحّة الإطلاق وعدمه عقلاً إذا تسالموا على المفهوم، والمعنى بداهة بطلان عدِّ ما كان واجداً للمبدأ ثمّ صار فاقداً، من مصاديقه بحسب نفس الأمر، لأنّ الصدق والجري يدور مدار الواجدية ومعه لا وجه له.


(204)

الثالث: المشتق بين الأُدباء والأُصوليين

قد عرفت معنى المشتق عند الأُدباء، وهو أخذ اللفظ من لفظ آخر، وأمّا المشتق في لسان الأُصوليين فهو عبارة عمّا يجري على الذوات باعتبار كونها واجدة للمبدأ واتحادها معه بنحو من الاتحاد.

وبذلك يعلم أنّ النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه، فالأفعال قاطبة ماضيها ومستقبلها وأمرها، وإن كانت مشتقة عند الأُدباء لكنّها خارجة عن تعريف المشتق عند الأُصوليين، لأنّ الأفعال تدلّ على قيام مبادئها بالذات، قيام صدور أو حلول أو طلب فعل أو طلب ترك، ولا تدل على وصف الذات بها، ونظير الأفعال المصادر المجرّدة والمزيدة لعدم جريها كالأفعال على الذوات بنحو الهوهوية، بل هي تدل على نفس المبادئ.

كما أنّ بعض الجوامد الذي يجري على الذوات، وينتزع منه باعتبار اتحاده بالمبدأ كالزوج والرق والحرّ، داخل في تعريف المشتق عند الأُصوليين وخارج عن تعريف المشتق عند الأُدباء.

وأمّا الاجتماع فيصدقان جميعاً على أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء الزمان والمكان،وأسماء الآلة والصفات المشبهة وصيغ المبالغة، لوجود الملاك في الجميع وهو: انتزاعها من الذات وحملها عليه.

وبالجملة: الميزان وجود ذات ومبدأ قائم بها، من غير فرق بين القيام الصدوري والحلولي، أو كون المبدأ فعلاً، أو حرفة، أو ملكة، كما لا فرق بين النسب، أي النسبة القائمة بين الصفات والذات، سواء أكانت النسبة ثبوتية، أو تجددية، أو وقوعاً عليه، أو وقوعاً فيه، أووقوعاً به، أو غير ذلك ممّا يجده الإنسان في أسماء الفاعل والمفعول والزمان والمكان والآلة والصفة.


(205)

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أيّد كون ملاك البحث أعمّ من المشتق عند الأُدباء وانّه يعمّ بعض الجوامد كالزوج للفرع الذي طرحه صاحب الإيضاح فيمن كان له زوجتان كبيرتان ارضعتا زوجته الصغيرة، قال: تحرم الأُولى والصغيرة، وأمّا الثانية فحرمتها وعدمها مبنيّة على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس، أو كونه حقيقة في الأعمّ منه وممّن انقضى عنه المبدأ، فإن قلنا بالأوّل، لم يصدق على الثانية انّها أُمّ زوجته، بل هي أُمّ البنت، وليست أُمّ البنت محرّمة، وإن قلنا بالأعمّ، يصدق أنّها أُمّ من كانت زوجته سابقاً.(1)

ثمّ إنّ الكلام يقع في تحريم المرتضعة أوّلاً، والكبيرة الأُولى ثانياً، والكبيرة الثانية ثالثاً.

أمّا المرتضعة، فلا شكّ أنّها تحرم على الزوج إذا كان اللبن له، إذ حينئذ تكون الزوجة الصغيرة المرتضعة، بنته الرضاعية، والبنتية والزوجية غير مجتمعتين.

نعم لو كان اللبن لزوجها السابق الذي خرج عن حبالتها وتزوّجت بالثاني، تكون المرتضعة عندئذ ربيبة رضاعية للزوج الثاني، وحرمتها مبنية على حرمة الربيبة النسبية إذا تأخرت ولادتها، كما إذا طلّقها الزوج وتزوّجت بآخر وأنجبت بنتاً فلو قلنا بحرمة المتأخّرة للزوج الأوّل فتعمّ الحرمة البنت الرضاعية المتأخّرة في المقام أخذاً بقوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

وأمّا الكبيرة فقد اتّفقت كلمتهم على بطلان زوجيتها، لأنّها صارت أُمّ الزوجة مع أنّها كالكبيرة الثانية لا تحرم إلاّ على القول بوضع المشتق للأعم لا لخصوص المتلبس فلا خصوصية للأُولى في ذلك .

بيان ذلك بوجهين:


1 - إيضاح الفوائد في شرح القواعد:3/52.


(206)

الأوّل: انّ المتضائفين متكافئان قوّة وفعلاً، ولا يمكن التفكيك بينهما، وعليه فبنتية المرتضعة وأُمومة المرضعة متضائفتان، لأنّه عندما صارت المرضعة أُمّاً صارت المرتضعة بنتاً، فهي أُمّ البنت، لا أُمّ الزوجة، وإلاّلزم تفكيك أحد المتضائفين (الأُمومة) عن الآخر(البنتية).

الثاني: إنّ زوجية المرتضعة وبنتيتها، متضادتان شرعاً، فمرتبة البنتية، مرتبة زوال الزوجية، والمفروض أنّها أيضاً مرتبة حصول الأُمومة، فينتج أنّ مرتبة الأُمومة، مرتبة زوال الزوجية فليس لنا زمان ولا مرتبة تضاف فيه الأُمومة إلى الزوجية.

وحاصل التقرير الأوّل: أنّ صدق الأُمومة على الكبيرة، والزوجية على الصغيرة غير معقول، لعدم صحّة انفكاك أحد المتضائفين(الأُمومة) عن المتضائف الآخر(البنتية).

وحاصل التقرير الثاني: أنّ مرتبة حصول البنتية والأُمومة، مرتبة زوال الزوجية، فكيف تكون أُمّاً للزوجة بل تكون أُمّاً للبنت، وأُمّ البنت ليست من المحرمات.

هذا هو الإشكال، وانّ المرضعتين في الحكم على حد سواء، وحرمة الكل مبنيّة على كون المشتق حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر أجاب عن الإشكال بما هذا لفظه: من أنّ صدق البنتية للمرتضعة وزوال زوجيتها،وأُمومة المرضعة الأُولى، متّحدات في الزمان، فآخر زمان الزوجية متصل بأوّل زمان حدوث الأُمومة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الاكتفاء بهذا المقدار، خلاف منصرف العمومات، فانّ الظاهر من «أُمّهات نسائكم» أن تكون المرأة أُمّاً حقيقة أو تنزيلاً لزوجة فعلية، وأمّا الأُمومة المقارنة لآخر جزء الزوجية الزائلة، فليست داخلة تحتها .


1 - الجواهر:29/329ـ 330.


(207)

والأولى أن يقال انّ التفريق بين المرضعتين لأجل النصّ الخاص، وذلك لمعتبرة علي بن مهزيار عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: قيل له: انّ رجلاً تزوج بجارية صغيرة، فأرضعتها امرأته، ثمّ أرضعتها امرأة له أُخرى.

فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية وامرأتاه، فقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «أخطأ ابن شبرمة، تحرم عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أوّلاً، فأمّا الأخيرة فلم تحرم عليه، كأنّها أرضعت ابنته».(1)

ولعلّ الرواية تؤيد ما ذكره صاحب الجواهر من أنّه يكفي صدق الأُمومة عند زوال الزوجية. وذلك من خلال انّ حكم التفصيل بين المرضعتين، مقتضى القاعدة :دخول الأُولى تحت الآية دون الثانية، ولا وجه لهذا الاستظهار إلاّ إذا قلنا بمقالة صاحب الجواهر.

الأمر الرابع: في دخول أسماء الزمان في محط النزاع

ربّما يتوهم خروج أسماء الزمان عن حريم النزاع كالمضرب إذا أُريد منه زمان الضرب، إذ لا يتصور له إلاّ قسم واحد وهو الذات المتلبّسة بالمبدأ، أي الزمان الذي وقع فيه الضرب، وأمّا القسم الآخر، أعني: ما انقضى عنه المبدأ فلا يتصوّر في الزمان، لأنّ الذات في اسم الزمان كالمضرب والمقتل هو الزمان و هو ليس شيئاً باقياً بل هو أمر منقض جزءاً فجزءاً.

وقد أجاب عنه في «الكفاية» بأنّ انحصار مفهوم في فـرد لا يلازم وضع اللفظ لهذا الفرد كما في لفظي الإله(2) والواجب، فهما كليان مع أنّ المصداق


1 - الوسائل: 14، الباب 14 من أبواب الرضاع، الحديث1.
2 - وفي المصدر لفظ الجلالة، والظاهر انّه علم للذات الجامعة لصفات الجلال والكمال، ولم يقل أحد بكونه كلياً وإنّما قال به من قال في لفظ الإله .


(208)

منحصر في واحد.

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين اسم الزمان وذينك اللفظين، فانّ انحصار اسم الزمان في مصداق واحد، أعني: المتلبس أمر تدركه عامّة الناس، وهذا بخلاف انحصار الإله والواجب في فرد، فهو ليس بهذا الوضوح، ولذلك ذهبت الثنوية إلى تعدد الإله والواجب.

أضف إلى ذلك أنّ عطف «الواجب» على الإله غير تام، لعدم انحصار الثاني بفرد خاص، بل هو يعم الواجب بالذات والواجب بالغير، والواجب بالقياس إلى الغير كالمتضائفين، فانّ وجود الأب واجب بالقياس إلى الابن وبالعكس.

وقد أجاب المحقّق النائيني عن التوهّم بأنّه لو كان الزمان المأخوذ فيها، شخص ذاك اليوم بعينه لا كليه فللتوهم المذكور مجال، لكن كون المأخوذ فيها هو الشخص، في حيّز المنع، بل الظاهر أنّه الكلي.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لو كان الإشكال منصبّاً على صدق عنوان المقتل على اليوم الثاني أو الثالث من السنة الثانية والثالثة كان لما ذكره وجه، وهو أنّ المقتل اسم كلي له مصاديق متعددة عبر الزمان حسب السنوات، غير أنّ الإشكال منصبّ على صدقه في نفس اليوم الأوّل بعد طروء القتل، فانّ المقتل عبارة عن الزمان الذي وقع فيه القتل وهو جزء من اليوم، مع أنّه يطلق على جميع الأجزاء.

وثانياً: انّ المقتل وإن كان كلّياً، لكنّه بعد انطباقه على اليوم المعيّن تشخّص الكلي في ضمن ذلك الفرد، فصار ذلك اليوم (اليوم العاشر من محرم عام 61هـ) مصداقاً لمقتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ فقط فلا يكون له مصداق آخر.


1 - أجود التقريرات:1/56.


(209)

والصحيح أن يقال: انّ لكلّ شيء بقاءً بحسبه، فالأشياء المادية على أقسام ثلاثة، ولكلّ بقاء عند العرف:

1. الجوامد، كالإنسان والفرس.

2. الزمانيات كالتكلم وسيلان الماء.

3. الزمان كاليوم والليل.

ولا شكّ أنّ للقسم الأوّل بقاء ًحسب الحسّ، فزيد اليوم هو نفس زيد في الأمس أو الغد.

وأمّا القسم الثاني ـ فمع أنّ الإنسان يحس زواله وعدم بقائه، ومع ذلك يفترض الإنسان له بقاءً كسيلان الماء ونبعه فانّ له ابتداء وانتهاء، وللتكلم مبدأ و منتهى، فيتلقاها العرف أمراً واحداً ثابتاً، ومثله الزمان كاليوم فانّه له مبدأ بطلوع الشمس وبقاءً إلى غروبها عند العرف مع أنّ أجزاءه غير مجتمعة، فإذا وقع القتل في أوّل اليوم صحّ إطلاق المقتل إلى آخر اليوم لماعرفت من أنّ لليوم في نظر العرف بقاءً، و لذلك يقول: رأيته في أوّل اليوم أو وسطه أو آخره.

وأمّا صحّة إطلاقه بعد مضي سنة أو سنوات فلأجل اعتقاد الناس بعود الزمان بنفسه في ذلك اليوم وهم يرون اليوم في السنة الثانية نفس اليوم الماضي وعينه لا مثله. ولذلك يقولون اليوم مقتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ .

ثمّ إنّه ربّما يتوهم أيضاً بخروج اسم المفعول عن حريم النزاع لا لأجل عدم بقاء ذاته على ما توهم في اسم الزمان ، بل لأجل كونه متلبساً دائماً، فالشخص مادام موجوداً يطلق عليه أنّه مضروب أو مقتول فتكون أسماء المفعولين خارجة عن محط النزاع.

يلاحظ عليه: أنّه يجب أن يُحدّد مفهوم المضروب، فلو أُريد منه المعنى


(210)

الحدوثي التجددي فهو قابل للانقضاء، ففي الآن الذي وقع عليه الضرب هو مضروب دون الآنات المتتالية.

نعم لو أُريد منه المعنى الناعت والمعرّف كما يقال: علي قالع باب خيبر فلا يتصوّر فيه الانقضاء .

وبعبارة أُخرى: فهو بالمعنى الحدوثي يتصوّر له التلبس والانقضاء، وبالمعنى الوصفي فهو متلبّس دائماً لا يتصوّر له الانقضاء.

ثمّ إنّ المحّقق النائيني استثنى من محط البحث، ألفاظ العلة والمعلول والممكن والواجب والممتنع، قائلاً: بأنّ منزلة هذه الألفاظ منزلة العناوين الذاتية كالإنسان، إذ لا يعقل بقاء الذات مع ذهاب الإمكان وإلاّ لزم انقلاب الممكن إلى الواجب والممتنع.

يلاحظ عليه بوجهين: أوّلاً: أنّ ما ذكره إنّما يتم في العلل غير الاختيارية فلا يمكن ذهاب الوصف (العلية) مع بقاء الذات، دون العلل الاختيارية فلا مانع من بقاء الذات وازالة وصف العلية في العلل المختارة.

وثانياً: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ لو كانت هذه الألفاظ موضوعة بوضع خاص، فبما أنّه لا يتصور فيها الأعمية، فلا معنى للوضع بالأعم، وأمّا إذا كان الموضوع له هو الهيئة الكلية في أسماء الفاعلين والمفعولين من دون نظر إلى مادة، فعدم جريان النزاع في بعض الموارد لا يوجب عدم جريانه في الهيئة على الوجه الكلّي من دون نظر إلى مادة خاصّة، كما لا يخفى.

الأمر الخامس: في دلالة الأفعال على الزمان

المعروف بين الأُدباء أنّ الفعل يدلّ على الزمان، فالماضي يدل على تحقّق


(211)

الحدث فيما سبق، والمضارع على تحقّقه فيما يأتي أو الحال، وصيغة الأمر تدلّ على الطلب في زمان الحال حتى أنّ ابن الحاجب عرّف الفعل بقوله: ما دلّ على معنى في نفسه مقترناً بأحد الأزمنة الثلاثة.(1)

ولكن المشهور بين الأُصوليين المتأخّرين عدم دلالته على الزمان، واستدلّوا عليه بوجوه غير تامّة، وإليك سردها:

الأوّل: انّ المادة في الأفعال تدلُّ على نفس الحدث، والهيئة على نسبة الحدث إلى الفاعل، فما هو الدال على الزمان؟

يلاحظ عليه: بأنّ الدالّ عليه ـ عند القائل بدلالة الفعل على الزمان ـ هي الهيئة التي تدلّ على نسبة الحدث إلى الفاعل في زمان خاص كما سيوافيك بيانه.

الثاني: النقض بصيغة الأمر والنهي، فانّ مدلولهما إنشاء طلب الفعل أو الترك، غاية الأمر أنّ نفس الإنشاء بهما متحقّق في الحال وهو غير القول بدلالتهما عليه.

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه، فانّ الأفعال من قبيل الإخبار الملازم للزمان لكونه ينبئُ عن فعل محقّق أو سيتحقق في المستقبل، بخلاف الأمر والنهي فانّهما من مقولة الإنشاء، ولا يلازم مدلولُ الإنشاء الزمانَ.

أضف إلى ذلك انّ القائل بالفورية في كلتا الصيغتين يقول بدلالة الأمر والنهي على الزمان الحاضر.

الثالث: لو دلّ على الزمان لما صحّ اسناده إلى نفس الزمان، كما في قوله «مضى الزمان» وإلاّ لزم أن يكون للزمان زمان.ولما صحّ اسناده إلى المجرّد من دون فرق بين أن يكون المجرّد فاعلاً كما في قولك:«علم اللّه»، فانّ فعله فوق


1 - شرح الكافية:للرضي:1/11.


(212)

الزمان، أو مفعولاً كما في قولك «خلق اللّه الأرواح».

يلاحظ عليه: أنّ ذلك إثبات اللغة بالبرهان، مع أنّ الوضع لا يقتضي أن يكون على وفقه، فالبرهان العقلي شيء والوضع شيء آخر، فانّ الواضع لم يكن فيلسوفاً حتى يلتفت إلى هذه المحاذير ويضع الفعل للحدث المنتسب إلى الفاعل المجرّد عن الزمان حتى يصحّ اسناده إلى المجردات فاعلاً ومفعولاً، والمحذور المتوهم في المثال الأوّل ممّا يلتزم به العرف بشهادة أنّه يعتقد أنّ للزمان زماناً ويقول: «كان يوم، ولم يكن مع اللّه سبحانه شيء، ثمّ خلق السماوات والأرض والأيّام والليالي» حتى أنّ هذا الزعم سرى إلى بعض المتكلّمين الذين أثبتوا لمجموع العالم حدوثاً زمانياً، فقالوا: كان زمان ولم يكن شيء سوى اللّه ثمّ خلق ما خلق.

ومن هنا يعلم الحال في المثال الثاني، فإنّ قولنا «علم اللّه» يدلّ على الزمان و إن كان البرهان يقتضي كون فعله فوق الزمان بمعنى أنّ علمه سابق على الزمان أو أنّ فعله غير مقيّد به.

وأمّا قوله: «خلق اللّه الأرواح» فمعنى تجرّد الأرواح كونها غير متقيدة بالزمان وإن كانت غير خارجة عنه.

والحاصل: انّ إثبات اللغة بالبراهين الفلسفية ليس طريقاً صائباً، فاللازم تحليل مسائل كلّ علم حسب الأُسلوب الخاص به.

الرابع: المضارع عندهم مشترك في الحال والاستقبال وليس بمشترك لفظي، وإلاّ لزم استعماله فيهما استعمالاً في أكثر من معنى واحد كما في قولنا: «يضرب زيد اليوم وغداً»، ولا معنوي لعدم الجامع بين الحال والاستقبال لتباين أجزاء الزمان.

يلاحظ عليه: بأنّ الجامع بين الحال والاستقبال أمر انتزاعي، وهو «ما لم


(213)

يمض من الزمان»، و هو كاف في الوضع إذ يمكن به الإشارة إلى الموضوع له.

الخامس: انّ الماضي عندهم ربّما يستعمل فيما هو مستقبل حقيقة، وبالعكس، مثل قولك: «يجيئني زيد بعد عام، وقد ضرب قبله بأيّام» و قولك: «جاء زيد في شهر كذا، وهو يضرب في ذلك الوقت» أو «فيما بعده» أو«فيما مضى».

يلاحظ عليه: أنّ الملاك في كون الشيء ماضياً أو مضارعاً، إمّا حال التكلّم أو الحدث الذي قورن به الكلام، والمثالان من قبيل الثاني لا الأوّل، فانّ الملاك هو المجيء و«ضرب زيد» ماض بالنسبة إليه، كما أنّ «ضربه» مضارع بالنسبة إليه فلا تعارض.

فهذه الأدلّة التي ذكر أكثرها المحقّق الخراساني في الكفاية لا تسمن ولا تغني من جوع.

والحقّ أن يقال: أنّ الأفعال ماضيها ومستقبلها تدلّ على الزمان الماضي أو المستقبل بالدلالة الالتزامية، لا بالدلالة المطابقية ولا التضمنية.

ويعلم ذلك بملاحظة أمرين:

أ. لا يمكن لأحد أن يُنكر وجود الفرق بين قولنا: ضرب و يضرب، فانّ الأوّل يقارب من قولنا ضرب في الماضي مثلاً، والثاني من قولنا يضرب في المستقبل.

هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ الزمان ماضيه ومستقبله من المفاهيم الاسمية ولا معنى لأخذها في مداليل الهيئة التي هي من المفاهيم الحرفية.

فالأمر الأوّل يجرّنا إلى القول بدلالته على الزمان، والأمر الثاني يصدّنا عن القول به، فالذي يمكن أن يقال: انّ المتبادر من الهيئة معنى ينبئُ عن صدور الحدث من الفاعل كما في الأفعال المتعدية، أو قيامه به كما في الأفعال اللازمة، أو


(214)

ترقّب الصدور عن الفاعل أو ما يقرب من ذلك في الفعل المضارع، ومن الواضح أنّ الإخبار عن التحقّق أو الترقّب يلازم دلالة الفعل على الماضي والحال والمستقبل، فالقول بالدلالة صحيح إذا أُريد منه ما ذكرنا.

وإن شئت قلت: إنّ الهيئة موضوعة لسبق الحدث، أو لترقّب وقوعه، والسبق والترقّب يلازمان الزمان الماضي أو الحال أو الاستقبال.

نعم ليس المراد من وضع الهيئة على مفهوم التحقّق والسبق أو مفهوم الترقّب واللحوق بصورة المعنى الاسمي حتى يقال: انّ الهيئة من الأدوات الحرفية فكيف تدل على المعنى الاسمي؟! بل المراد واقع السبق وحقيقته أو مصداقه، وهذا نظير ما يقال انّ لفظة «من» موضوعة للابتداء و انّ«إلى» موضوعة للانتهاء، فليس المراد انّهما موضوعان لمفهومهما الاسمي بل لواقعهما ومصداقهما وما يعد ابتداءً وانتهاء في الخارج.

وما ذكرناه هو خلاصة ما أفاده المحقّق الاصفهاني في تعليقته والسيّد الأُستاذ في درسه.

قال الأوّل: إنّ هيئة الماضي موضوعة للنسبة المتقيّدة بالسبق الزماني بنحو يكون القيد خارجاً والتقيّد داخلاً، وهيئة المضارع موضوعة للنسبة المتقيّدة بعدم السبق الزماني، لا أنّ الزمان الماضي أو الحال أو الاستقبال أو غير الماضي بهذه العناوين الاسمية، مأخوذة في الهيئة كي يقال انّ الزمان عموماً وخصوصاً من المعاني المستقلة بالمفهومية فلا يعقل أخذها في النسبة التي هي من المفاهيم الأدوية.(1)

والحاصل: انّ هنا دلالة واحدة وهي الدلالة على سبق الحدث أو ترقّب


1 - نهاية الدراية:1/75، ط عبد الرحيم، طهران.


(215)

حصوله، لكن العقل يحلّله إلى دلالات كثيرة، وهو أنّ هنا حدثاً ونسبة وفاعلاً وصدوراً سابقاً أو لاحقاً. كما هو الحال في قولنا باللغة الفارسية «زد» أو «مى3زند».

الأمر السادس: ما هي مادة المشتقات؟

لا شكّ انّ العارف باللغة يُحسّ أنّ هناك معنى سارياً في عامّة المشتقات بحيث إنّ المفاهيم المختلفة تطرأ على ذلك المعنى، ويصوّره بصور مختلفة، وهذا ما يسمّى بمادة المشتقات، فالهيئات تفيد معاني مختلفة لكن الجميع ينصبُّ على معنى واحد، فتارة يلاحظه صادراً عن الفاعل، وأُخرى واقعاً عليه، وثالثة متحقّقاً في زمان ومكان، إلى غير ذلك من المعاني الطارئة، وهذا يدلّنا على أنّ في المشتقات مادة سيّالة متضمّنة معنى سارياً في عامّة الصحيح في جميع الصور.

ويؤيد ذلك أنّه كثيراً ما يعلم الإنسان مفهوم الهيئة ولكن يجهل بمفاد المادة، وهذا آية تعدد الوضع وانّ هناك شيئا موضوعاً لمعنى، و الهيئة موضوعة لمعنى آخر، وقد اختلفت كلمتهم في تعيين ما هي المادة السارية لهذه المشتقات الكثيرة إلى مذاهب:

الأوّل: انّ المصدر أصل، والفعل والوصف مشتقان منه، وهذا خيرة البصريين.

الثاني: انّ الفعل أصل، والمصدر مشتق منه، وهذا مذهب الكوفيين، وإلى المذهبين يشير ابن مالك في ألفيته، يقول:

المصدر اسم ما سوى الزّمان من * مدلولي الفعل كامن من أمن

بمثله أو فعل أو وصف نصب * وكونه أهلاً لهذين انتخب

الثالث: انّ المصدر أصل، والفعل مشتق منه، والصفات مشتقة من الفعل.


(216)

الرابع: انّ كلاً من المصدر والفعل أصل برأسه.(1)

وهناك مذهب خامس سيوافيك بيانه وهو خيرة السيّد الأُستاذ قدَّس سرَّه .

وهم وإزاحة

إنّ بعض المتأخّرين من الأُصوليين نفوا كون المصدر أصلاً ومادة للمشتقات قائلين بأنّ الأصل يجب أن يكون محفوظاً في فروعه بمادته وهيئته مع أنّ هيئة المصدر مانعة من كونه أصلاً لسائر المشتقات، لعدم إمكان حفظ الهيئة فيها.

وبالجملة: انّ نسبة مادة المشتقات إليها كالمقسم بالنسبة إلى سائر الأقسام، فكما أنّه يشترط وجود المقسم في عامة الأقسام، فيجب وجود المصدر بهيئته ومادته في جميع المشتقات، ولكنّه أمر غير ممكن، لأنّ هيئة المصدر آبية عن انضوائها في هيئة أُخرى، فلابد من إزالة الهيئة السابقة وهي لا تجتمع مع مبدئيتها للمشتقات.

يلاحظ عليه: بأنّه نشأ من قياس المبدأ في عالم الألفاظ بما هو المبدأ في عالم التكوين والحقائق العينية، فانّ الهيولى الأُولى مادة الكون وهي عارية عن كلّ الفعليات حتى تصلح لئن تتعاقب عليها صور كثيرة، وأمّا المبدأ في عالم الألفاظ فلا دليل على لزوم كونه عارياً عن كلّ الخصوصيات، بل يكفي وجود سريان حروفه مع ترتيبها في عامة المشتقات.

فالمصدر أشبه بالمبدأ في التراكيب الصناعية، فانّ القطن يُعد مبدأ لكثير من الألبسة حيث إنّه مادة للخيط والثياب، والنفط مادة للصناعات البلاستيكية


1 - لاحظ شرح ابن عقيل:1/473ـ 474.


(217)

مع أنّهما غير مأخوذتين بعامة الخصوصيات في فروعهما .

فإذا كان الحال كذلك في التراكيب الصناعية، فليكن كذلك في عالم الألفاظ فانّ المصدر لما كان أقل وأبسط من حيث المعنى عن سائر المشتقات، أخذ مبدأ لها، وأمّا لزوم حفظ عامّة خصوصيات المبدأ في الفروع فهو أشبه بلزوم ما لا يلزم.

فإن قلت: إنّ المصدر يشتمل على نسبة ناقصة، فهي تمتنع عن كون المصدر مادة المشتقات.

قلت: إنّ اشتما ل المصدر على النسبة الناقصة لا يضرّ بالمقصود، لأنّها نسبة مبهمة قابلة لتوارد النسب المختلفة عليه.

نعم لو اشتمل على نسبة تامّة كالفاعلية أو المفعولية فهي تمنع عن التلوّن بألوان النسب.

فإن قلت: فعلى هذا فاسم المصدر أولى بأن يكون مادة المشتقات، لأنّه فاقد حتى نفس هذه النسبة الناقصة، وإنّما يدل على مجرّد الحدث.

قلت: إنّ اسم المصدر نادر الوجود فلا يكن اتخاذه مبدأ ومصدراً.

فإن قلت: لو كان للمادة وضع مستقل وراء وضع الهيئات، للزم تعدد الدلالة، وهو يستلزم تعدد المداليل، وهو لا يناسب بساطة المشتق الذي اتّفقت عليه كلمتهم في هذه الأعصار، على أنّ تعدد المداليل خلاف المتبادر في عامّة الصيغ.

قلت: إنّ وجود المادة لما كان مندكّاً في الهيئة ومتحصلاً بتحصلها، ومتحداً معها بنحو من الاتحاد، اندكت دلالتها في دلالة الهيئة، فصار اللفظ بهيئته و مادّته مفيداً لمعنى واحد.

ثمّ إنّ هيئة المصدر لما كانت مانعة عن كون المصدر مادة للمشتقات عند


(218)

السيّد الأُستاذ قدَّس سرَّه ذهب إلى أنّ المبدأ عبارة عن الحروف المترتبة مجرّدة عن كلّ هيئة، كحروف «ض، ر، ب» فهي موضوعة لنفس المعنى مجردة عن كلّ خصوصية ونسبة فاعلية أو مفعولية.

فإن قلت: إنّ اللفظ الموضوع لابدّ وأن يكون قابلاً للتنطّق والتلفظ، والمادة العارية عن كلّ صورة غير قابلة له.

قلت: إنّ وضع المادة لما كان وضعاً تهيئياً لأن تتلبس بالهيئات الكثيرة من الماضي والمضارع، فلا يلزم أن تكون قابلة للتنطق.(1)

يلاحظ عليه: أنّ العرف العام لا يضع لفظاً لمعنى ما لم ينطق به فهو بالنطق به يضع اللفظ غالباً، وقد مرّ أنّ وضع غالب الألفاظ وضع تعيني لا تعييني، ووضع المادة بلا هيئة يحتاج إلى قدرة فكرية خارج عن إطار قدرة الواضع الساذج.ولذلك استقرّنظره أخيراً على أنّ المصدر مادة المشتقات، لكن الهيئة غير دخيلة في المبدئيّة بل دخيلة في إمكان النطق به، ولو أمكن النطق به بلا هيئة لوضعها بلا هيئة، و على ذلك يصبح النزاع أشبه باللفظيّ.

الأمر السابع: التفصيل في بعض المشتقات ونقده

ربّما يفصل بين المشتقات فيتوهم أنّ بعضها حقيقة في المتلبّس والبعض الآخر في الأعم، وذلك فيما لو كان المبدأ فيه حرفة أو قوّة أو ملكة فانّ المشتق يصدق مع عدم التلبّس بالمبدأ وذلك كالكاتب والمثمر والمجتهد.

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بما حاصله: أنّ اختلاف المشتقات في المبادئ وكون المبدأ في بعضها حرفة وصناعة، وفي بعضها قوّة وملكة، وفي بعضها


1 - تهذيب الأُصول:1/105ـ 106.


(219)

فعلية، لا يوجب تفصيلاً في المسألة، بل يوجب طول التلبّس وقصره حسب اختلاف المبادئ، فلو كانت المادة فعلية يكون المتلبّس أقل مدّة مما إذا كانت المادة حرفة أو ملكة أو قوّة.

توضيح ذلك: أنّ المبدأ تارة يؤخذ على نحو الفعلية كقولنا قائم، وأُخرى على نحو الحرفة كقولنا تاجر، وثالثة على نحو الصناعة كقولنا: حدّاد ونسّاج، ورابعة على نحو القوّة كالشجر المثمر، وخامسة على نحو الملكة كالطبيب والمجتهد، وسادسة على نحو الانتساب إلى الأعيان الخارجية كقولنا لابن وتامر.

فعند ذلك يختلف واقع التلبّس حسب اختلاف المبادئ، ففي القسم الأوّل: يشترط كونه واجداً للمبدأ فعلاً ولذلك لا يصدق القائم على القاعد.

وفي الثاني والثالث: يكفي اتخاذه حرفة وصنعة مادام لم يعرض عنهما وإن لم يكن يمارس فعلاً.

وفي الرابع: يكفي كونه واجداً لقوة الإثمار في مقابل فقدانها وإن لم يثمر الآن، فالشجرة الواجدة لتلك القوّة شجرة مثمرة حتى في أيام الشتاء.نعم لو زالت قوّة الاثمار لخرجت عن كونها مثمرة. وهكذا الأمر في الخامس والسادس، فمادام الطبيب والمجتهد يملكان ملكة الطبابة والاجتهاد يصدق عليهما أنّهما طبيب ومجتهد إلاّإذا زالت الملكة.

وإلى ذلك يرجع قول بعضهم من أنّ تلبّس كلّ شيء بمادة حسب اختلاف المادة. وعند ذلك يقع النزاع في أنّ هيئة المشتق هل رخصت للمتلبّس الذي تقتضيه مادته أو للأعم منه وممّن انقضى عنه المبدأ؟

وبذلك يعلم أنّ اختلاف كيفية التلبّس لا يوجب اختلافاً فيما هو الملاك غير أنّ الظاهر من المحقّق الخراساني أنّ الاختلاف في كيفية التلبّس ينشأ من


(220)

جانب المادة كما هو الغالب فيما مضى، ولكنّه ربّما ينشأ من الهيئة وذلك كما في المفتاح والمسجد، فانّ المادة فيهما أعني الفتح والسجود من قبيل الفعليات لكن الهيئة وُصفت لما يصلح للفتح أو يكون معداً للسجود وإن لم يفتح به أو لم يسجد فيه.

بل ربّما ينشأ الاختلاف من كيفية الجري، فإذا قلت: هذا المائع سم قاتل، يستفاد منه أنّ المبدأ أخذ بالقوّة، وأمّا إذا قلت، زيد قاتل، فيراد منه أنّه قاتل بالفعل.

الأمر الثامن: ما هو المراد من الحال في عنوان البحث؟

المذكور في عنوان المسألة في الكتب هو أنّ المشتق حقيقة في المتلبّس في الحال أو الأعم منه وممّن انقضى عنه المبدأ، فاختلفت كلمتهم في تفسير الحال إلى أقوال:

الأوّل: أنّ المراد هو زمان النطق بالمشتق.

وهذا الاحتمال مردود بوجوه:

أ. عدم دلالة المشتق على الزمان.

ب. اتّفاقهم على أنّ قولنا: كان زيد ضارباً أمس، أو سيكون ضارباً غداً، حقيقة إذا كان متلبّساً بالمبدأ في ظرف النسبة، وهذا يدل على أنّ المشتق لم يوضع للمتلبّس في زمان النطق.

ج. أنّ هذا الاحتمال يوجب كون المشتق مجازاً في أغلب الموارد، لأنّ التلبّس في زمان النطق أقلّ مصداقاً من غيره.

الثاني: انّ المراد زمان التلبّس.


(221)

وهذا الاحتمال لا ينسجم مع عنوان البحث لاستلزام أن يكون اللفظ «في الحال» أمراً زائداً حيث إنّهم عنونوا البحث بالشكل التالي وقالوا: «هل المشتق حقيقة في خصوص ما تلبّس بالمبدأ في الحال أو فيما يعمّه» ولا معنى لقولنا: «تلبّس بالمبدأ في حال التلبس» لأنّ المتلبّس بالمبدأ يتلبّس في حال التلبّس.

الثالث: انّ المراد زمان الجري والنسبة.

وهذا هو الذي اختاره المحقّق الخراساني وغيره، وحاصله: أنّه موضوع للمتلبّس بالمبدأ في ظرف النسبة، فلو كان ظرف التلبس موافقاً لظرف النسبة فهو حقيقة وإلاّ فهو مجاز، فإذا قلت: زيد ضارب غداً، فلو أردت أنّ المتلبّس بالضرب غداً، ضارب غداً يكون حقيقة، ولو أُريد انّ المتلبّس بالضرب غداً، ضارب فعلاً فهو مجاز.(1)

يلاحظ عليه بأُمور:

الأوّل: انّ مدلول المشتق بسيط ووضعه للمتلبّس في حال الجري وزمان النسبة يستلزم كونه مركّباً ودالاً على الزمان تضمناً، وهو لا يجتمع مع كونه بسيطاً.

الثاني: انّ ما ذكره إنّما يتمشّى في الجمل الإخبارية، وأمّا الجمل الإنشائية مثل قولك:«أكرم العالم» لأنّ الجمل الإنشائية لا تدلّ على الزمان حتى يقال: إذا طابق زمان التلبّس مع زمان النسبة فهو حقيقة وإلاّفهو مجاز.

الثالث: وهو بيت القصيد في المقام أنّ النزاع في مفاهيم المفردات و معاني الكلمات وانّ لفظ المشتق بما هوهو ـ مع قطع النظر عن كونه مبتدأ أو فاعلاً أو مفعولاً ـ هل هو موضوع للمتلبّس أو موضوع للأعم؟

والنسبة والجري وتطابق زمان التلبّس مع زمان الجري يوجب أن يكون


1 - كفاية الأُصول:1/66.


(222)

البحث في الجمل والمركبات، والمفاهيم التصديقية مع أنّ البحث إنّما هو في المفاهيم التصورية، وبذلك يعلم أنّ هذه الاحتمالات كلّها ضعيفة وانّه لابدّ من تفسير الحال بمعنى آخر.

ما هو المختار في تفسير الحال؟

والحقّ أن يقال أنّ المراد من الحال في عنوان البحث هو فعلية اتصاف الذات بالمبدأ، ويرجع النزاع إلى سعة المفاهيم وضيقها.

فعلى القول بالأخصّ يكون الموضوع له هو الذات المتزامنة مع المبدأ، وعلى القول الآخر يكون الموضوع له الأعم من المتلبّس ومن انقضى عنه المبدأ.

وبذلك ظهر أنّ المراد من الحال هو فعلية التلبّس ومقارنة الذات بالمبدأ.

وإن شئت قلت: إنّ العقل يرى جامعاً حقيقياً بين الأفراد المتلبّسة بالمبدأ ولا يرى ذلك الجامع بين المتلبّس وما انقضى عنه المبدأ، ولو كان هناك جامع، فالجامع ـ كما سيوافيك ـ جامع انتزاعي فالنزاع في أنّ الموضوع له هو الجامع الحقيقي أو الجامع الانتزاعي فالنزاع حقيقة في تحديد معاني المفردات لا فيما هو المراد من الجمل، فانّ الثاني يتبع الأوّل. فلو كان المشتق موضوعاً لحكم إنشائي كقولنا : «أكرم العالم»و«صل خلف العادل» فعلى القول بالتلبّس يختص الحكم بالموضوع المتّصف بالمبدأ، فلا يجب إكرام من نسي علمه كما لا يجوز الصلاة خلف من كان عادلاً وأُزيلت عدالته، بخلافه على القول بالأعم.

هذا في القضايا الإنشائية، وأمّا القضايا الخبرية كقولنا: إنّ زيداً ضارب، فعلى القول بكونه موضوعاً للمتلبّس بالفعل فهو ينطبق على التلبّس في زمان الجري والنسبة، بخلافه على القول الآخر، فهو ينطبق على كلا الظرفين، ظرف


(223)

الجري والنسبة وظرف الانقضاء.

وبعبارة أُخرى: على القول بوضعه للمتلبّس، فلو قلنا زيد ضارب، و أردنا منه أنّه ضارب أمس، فهو حقيقة في ذلك الظرف دون الآخر; وأمّا إذا قلنا بالقول الآخر، فهو حقيقة في ذلك الظرف وغيره.

والقول بأنّ الموضوع له هو المتلبّس بالفعل غير القول بأنّه موضوع للمتلبّس في ظرف النسبة والجري، نعم، ينطبق المتلبّس بالفعل عندما ورد في الجملة الخبرية على المتلبّس في ظرف النسبة في الجمل الخبرية، لكن الانطباق غير كونه موضوعاً له، وبذلك ظهر الفرق بين المختار و ما ذهب إليه المحقّق الخراساني.

الأمر التاسع: ما هو الأصل في المسألة؟

المراد من الأصل ما ينتهي إليه المجتهد بعد اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي، فلو ثبت بالدليل الاجتهادي بأنّ المشتق موضوع للمتلبّس أو للأعم فالمستنبط في غنى عن هذا الأصل، وإنّما يحتاج إليه إذا لم يتبين له ما هو الواقع حسب الدليل الاجتهادي، فكون الأصل مرجعاً فرع اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي.

ثمّ إنّ الأصل في المقام إمّا لفظي أو عملي، والعملي إمّا موضوعي أو حكمي.

أمّا الأوّل: فالمراد منه هل الأصل تقديم المجاز على الاشتراك المعنوي، أو الأصل العكس؟ فعلى القول بكونه موضوعاً للمتلبّس يكون استعماله في ما انقضى عنه المبدأ من باب المجاز، وأمّا على القول الآخر يكون اللفظ موضوعاً لمعنى جامع بين المصداقين، ويكون مشتركاً معنوياً، وبما أنّه لا ترجيح عندنا


(224)

لتقديم أحد الأصلين على الآخر ـ كما أوضحنا حاله فيما سبق ـ فليس هنا أصل لفظي، وانحصر البحث في الأصل العملي وهو إمّا موضوعي جار في تنقيح الموضوع وإمّا حكمي.

أمّا الأوّل: فكقولنا: الأصل عدم الوضع للأخص، أو الأصل عدم وضعه للأعم، فهذا الأصل ساقط في المقام لوجوه:

أ. تعارض الأصلين في كلّ من الجانبين.

ب. انّ هذا الأصل مثبت، فانّ عدم الوضع للجامع بين أفراد المتلبّس لا يثبت كونه موضوعاً للجامع الوسيع الشامل للمتلبّس وغير المتلبّس، لأنّه من اللوازم العقلية.

ج. انّ هذا النوع من الأصل غير معتبر عند العقلاء، فانّ الغاية من إجراء الأصل عندهم هو كشف المراد لا تحديد المعنى اللغوي كما هو المفروض في المقام.

وأمّا الأصل الحكمي الشرعي في موارد الشكّ، فهو يختلف حسب اختلاف الموارد.

قال المحقّق الخراساني: فلو كان الانقضاء قبل انشاء الحكم وشككنا في سعة الحكم وضيقه لأجل الشكّ في معنى المشتق، تكون أصالة البراءة محكّمة، كما إذا قال: «أكرم العلماء» وقد انقضى المبدأ قبل إنشاء الحكم عن بعض الأفراد، وأمّا إذا كان الانقضاء بعد إنشاء الحكم فاستصحاب الوجوب محكَّم.(1)

وحاصله: انّه إن كان الشكّ في الحدوث تجري أصالة البراءة، وإذا كان الشكّ في البقاء تجري قاعدة الاشتغال، فلو كان الانقضاء قبل إنشاء الحكم يرجع


1 - كفاية الأُصول:1/68.


(225)

الشكّ إلى سعة الحكم وضيقه فتجري فيه البراءة، وأمّا إذا كان الانقضاء بعد انشاء الحكم يرجع الشكّ إلى بقاء الوجوب والأصل بقاؤه.

هذا فيما إذا كان الواجب عامّاً استغراقياً، وأمّا إذا كان الواجب عامّاً بدلياً كما إذا قال: «أكرم عالماً»، فالثمرة أيضاً مترتبة فلا يسقط التكليف إلاّبإكرام المتلبّس في الصورة الأُولى، ولا يسقط بإكرام المنقضي عنه المبدأ للشكّ في شمول الحكم له حتى يسقط بامتثاله، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالأعم، فيجوز الاقتصار بإكرام من انقضى عنه المبدأ لشمول الحكم له على ذلك الفرض.

فاتضح بذلك ظهور الثمرة في كلا المقامين: إذا كان الواجب استغراقياً، وإذاكان الواجب عامّاً بدلياً.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات اختار أنّ الأصل على كلا القولين هو البراءة فيما إذا كان الواجب عامّاً استغراقياً; أمّا إذا كان إنشاء الحكم بعد الانقضاء، فواضح لكون الشكّ في الحدوث; وأمّا إذا كان الانقضاء بعد الإنشاء، فلا يجري سواء قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية وعدمها، أمّا على الثاني، أعني: عدم جريانه في الأحكام الكلية فواضح، وأمّا على القول بجريانه فوجه عدم الجريان في المقام لأجل نكتة خاصة وهي عدم إحراز بقاء الموضوع، فانّ الشبهة فيه مفهومية، لأنّ الموضوع له مردد بين خصوص المتلبّس أو الأعمّ منه ومن المنقضي، فالاستصحاب لا يجري في الحكم لعدم إحراز وحدة القضية المتيقنة مع المشكوكة، مثلاً: العالم بما له من المعنى موضوع للحكم، فالتمسّك باستصحاب بقاء الحكم غير ممكن للشكّ في بقاء الموضوع.(1)

أقول: وتحقيق المقام يتوقّف على البحث في موضعين:


1 - المحاضرات:1/257ـ 258.


(226)

الأوّل: حكم الاستصحاب في الأحكام الكلية، سواء أكانت الشبهة مفهومية أو لا.

الثاني: حكم الاستصحاب في الأحكام الكلية في خصوص ما إذا كانت الشبهة مفهومية.

أمّا الأوّل: فلأنّ الإشكال الماثل في نظر الأعلام هو ارتفاع الموضوع، فإذا قال الشارع(الماء المتغيّـر نجس) فلو فرضنا زوال تغيّره بنفسه وشككنا بقاء الحكم لا يصحّ استصحاب الحكم الكلي، لأنّ الموضوع هو الماء المتغيّـر، والمفروض زواله، فكيف يستصحب؟ ونظيره استصحاب النجاسة المترتبة على العنب المغلي واسرائه إلى الزبيب المغلي مع أنّهما موضوعان متغايران.

هذا هو حقيقة الإشكال في جريان الأصل في الأحكام الكلية على وجه الإطلاق، وأمّا دفع هذا الإشكال فحاصله: أنّ هنا خلطاً بين استصحاب الحكم الكلي المترتب على عنوان الماء المتغيّر وإسرائه إلى عنوان آخر وهو الماء غير المتغيّـر، وبين استصحاب الجزئي بعد انطباق الحكم الكلي على مصداقه الخارجي، وزوال الموضوع يختص بالأوّل دون الثاني، إذ لا شكّ أنّ إسراء حكم عنوان إلى عنوان آخر أشبه بالقياس ولا يصدق عليه النقض إذا لم يترتب حكم الأوّل على الثاني.

وأمّا إذا افترضنا أنّ هذا الحكم الكلي (الماء المتغيّر نجس) انطبق على الخارج ومصداقه الجزئي، فصار الماء الموجود في الحوض محكوماً بالنجاسة، فعند ذلك يصير الموضوع هو الماء الموجود في الخارج لا عنوان الماء المتغيّـر.

فإذا افترضنا أنّه زال تغيّره بنفسه فبما أنّ الموضوع ـ للحكم الشرعي بعد الانطباق ـ هو ذلك الماء المشخّص لا (العنوان الكلي) فنشير إلى ما بين أيدينا من


(227)

الماء، ونقول: كان هذا نجساً والأصل بقاء نجاسته، ومن الواضح أنّ الوحدة محفوظة في كلتا الحالتين وليس هاهنا ماءان، بل هو ماء واحد في الحوض زال شيء من أوصافه، فالوحدة محفوظة ومرجع الشكّ إلى أنّ التغيّر في الدليل هل هو حيثية تقييدية فتدور النجاسة مدار وجودها، أو حيثية تعليلية فيكفي وجود التغيّر آناً ما؟

والحاصل: أنّ عالم المفاهيم مثار الكثرة، فالموضوع في لسان الدليل هو مفهوم الماء المتغيّر ـ وإن كان يشار به إلى الخارج ـ لكنه في عالم العقل غير الماء الذي زال تغيّـره، وأمّا بعد الانطباق وصيرورة الهوية الخارجية موضوعاً للنجاسة، فجواز الاستصحاب وعدمه يدور مدار حفظ الهوية الخارجية، وقد عرفت أنّ الماء في كلتا الحالتين ماء واحد وموضوع فارد وإنّما تغيّر بعض أوصافه، فعندئذ يحكم ببقاء نجاسة هذا الماء.

وبذلك تعلم صحّة استصحاب الحكم، المترتب على العنب المغلي وإسرائه إلى الزبيب وذلك بالبيان السابق، فانّ العنب والزبيب وإن كانا موضوعين وهما كثيران متعددان، متغايران في عالم المفهوم ولا يصحّ إسراء حكم العنب إلى الزبيب لأنّه أشبه بالقياس، لكن إذا انطبق الحكم الكلّي على العنب الخارجي المغلي فيصير الموضوع بعد ذلك العنب الخارجي لا عنوان العنب، وعندئذ يشار إليه بأنّه كان إذا غلى ينجس، وهكذا إذا صار زبيباً لوحدة الهوية الخارجية وإنّما طرأ التغيّر على حالات الموضوع من حيث اشتماله على الرطوبة وجفافها.

هذا كلّه حول استصحاب الحكم الكلّي على وجه الإطلاق.

وأمّا الثاني: أي استصحاب الحكم الكلي فيما إذا كانت الشبهة موضوعية.

بيانه: أنّه إذا كان الشكّ في البقاء ناشئاً عن إجمال الموضوع كالمغرب لتردده


(228)

بين كونه نفس استتار القرص أو هو مع ذهاب الحمرة المشرقية، فلو افترضنا استتار القرص وعدم ذهاب الحمرة، وشككنا عندئذ في حرمة الإفطار فالموضوع بمفهومه الكلّي مشكوك إذ هو على فرض مرتفع، وعلى فرض آخر باق، لكن موضوع الاستصحاب ـ أي استصحاب الحكم الجزئي ـ، ليس هو مفهوم النهار بل الزمان الموجود فيشار إليه بأنّه كان الإمساك فيه واجباً والأصل بقاؤه. أو كانت إقامة العصر فيه واجبة والأصل بقاؤها، وقد ثبت في محله انّ للزمان بقاءً بحسبه كالزمانيات والجوامد.

وهذا إجمال ما تلقيناه من السيّد الأُستاذ، وقد حكاه عن شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري في درسه الشريف، وسيوافيك مزيد توضيح في مبحث الاستصحاب، وممّا ذكرنا يعرف حا ل المقام فلا نطيل.

الأمر العاشر: نفي الملازمة بين التركّب والوضع للأعم

ذهب المحقّق النائيني إلى الملازمة بين نظرية تركّب المشتق ووضعه للأعم، ونظرية بساطته والقول بوضعه للأخص. قال: إنّ الركن الوطيد على القول بالوضع للمركّب هو الذات وانتساب المبدأ إليها. ومن المعلوم أنّ النسبة الناقصة لم يؤخذ فيها زمان دون زمان، وقد تبيّن عدم دلالة الأفعال على الزمان، فالمشتقات لا تدلّ عليه بالأولوية. ولذا كان المشهور بين القدماء القائلين بالتركيب هو الوضع للأعم، وهذا بخلاف القول بوضعه لمعنى بسيط فانّ الركن في صدق المشتق بناء على البساطة هو نفس المبدأ، غاية الأمر أنّه ملحوظ بنحو يصحّ معه الحمل، ولا يكون مبائناً للذات بحسب الوجود، فيقوم الصدق بالمبدأ فإذا انعدم وانقضى فلا محالة لا يصدق العنوان الاشتقاقي إلاّ بالعناية.(1)


1 - أجود التقريرات:1/75ـ76.


(229)

يلاحظ عليه: أنّه لا ملازمة بين التركّب والوضع للأعم، كما لا ملازمة بين البساطة والوضع للأخص.

أمّا الأوّل: فلو افترضنا أنّ الركن الركين على القول بالتركّب هو الذات لكن يمكن ملاحظتها مع المبدأ(غير الركن) بإحدى الصورتين التاليتين:

أ. الذات المتلبّسة بالمبدأ.

ب. الذات المنتسب إليها المبدأ.

فالأوّل: لا يصدق إلاّعلى المتلبّس بالفعل، وأمّا الثاني فيكفي في الصدق مجرّد الانتساب إلى المبدأ و إن انقضى عنه.

وما أفاده من أنّ المشتق لا يدلّ على الزمان (زمان النطق أو زمان التلبّس) وإن كان صحيحاً لكنّه لا يفيده لما عرفت من أنّ المراد من الحال ليس أحد الزمانين، بل فعلية التلبّس، فيرجع النزاع إلى أنّ الموضوع له هل هو المتلبس بالفعل أو المنتسب إليه المبدأ؟

وأمّا الثاني: فلأنّ ما ذكره مبني على ما اختاره الشريف من أنّ المشتق عين المبدأ، والفرق بينهما هو كون الأوّل لا بشرط والآخر بشرط لا، وعندئذ يكون الركن الركين هو المبدأ، ومع زواله لا معنى لصدقه.

ولكن سيوافيك عدم صحّة مختار الشريف، وأنّ الفرق بين المشتق والمبدأ أوسع ممّا ذكره، بل بينهما مغايرة تامّة وإن كان كلّ بسيطاً، فالمبدأ هو نفس الحدث أو نفس العنوان، والمشتق هو، المعنون، وهو مفهوم وحداني بسيط منحل عند العقل إلى ذات وعنوان ونسبة.

وعندئذ يقع الكلام في أنّ الموضوع له هو المفهوم الوحداني الذي لا ينطبق إلاّ على المعنون بالمبدأ حدوثاً وبقاءً، أو المفهوم الوحداني الذي يكفي في انطباقه عبر الزمان كونه معنوناً حدوثاً وإن زال العنوان بقاءً.


(230)

دعوى أُخرى: للمحقّق النائيني

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ القول بالأعم يحتاج إلى تصوير جامع بين المتلبّس والمنقضي ولا جامع بينهما، فإذا لم يعقل وجود الجامع فلا مجال لدعوى الوضع للأعم.(1)

وقد استحسنه سيّدنا الأُستاذ، وقال: لا محيص للقائل بالأعم من تصوير جامع بينهما، وإلاّيلزم الاشتراك اللفظي ، ولو امتنع تصوير الجامع يسقط دعواه. ولكن الجامع غير موجود إذ الجامع الذاتي بين الواجد والفاقد غير موجود، وأمّا الجامع الانتزاعي فهو إمّا بسيط أو مركّب، والجامع البسيط على قسمين لأنّه إمّا جامع بسيط لا ينحلّ إلى شيئين وإمّا ينحل.

والأوّل غير معقول لعدم وجود جامع بسيط يتكفّل إفهام كلا المعنيين وإخراج المتلبّس فيما بعد، والجامع البسيط المنحل إلى المركب غير متصور إذ هو لابدّ أن ينتزع من الواقع، والانتزاع فرع صلاحية الواقع، إذ كيف يصحّ انتزاع مفهوم بسيط منحل واحد من الواجد والفاقد، أمّا الجامع التركيبي التفصيلي فهو وإن كان ممكناً حتى يدخل المعنيان ويخرج الثالث لكنّه ممّا لا يرضى به القائل بالأعم.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الجامع هو الجامع البسيط المنحل إلى المركب، وهو المعنون بما هو معنون وهو ينحل عقلاً إلى ذات ثبت لها العنوان والمبدأ بنحو من أنحاء الثبوت، وما أفاده «من أنّ الجامع ينتزع من الواقع، والانتزاع فرع صلاحية الواقع، إذ كيف يصحّ انتزاع مفهوم بسيط من الواجد والفاقد»، صحيح لو كان


1 - أجود التقريرات:1/78; المحاضرات:1/249.
2 - تهذيب الأُصول: 1/114ـ 115.


(231)

منشأ الانتزاع هو حيثية الفقدان والوجدان، بل منشأ الانتزاع في كلا الموردين حيثية الوجدان، لأنّ القائل بالأعم يقول بأنّ ثبوت المبدأ للذات آناً ما في التكوين يوجب اتصاف الذات بحيثية (تعنونها بمن ثبت له المبدأ) كافية في انتزاع المفهوم عن الذات في كلتا الحالتين، وذلك لأنّ الحيثية الاعتبارية المصححة للانتزاع موجودة دائماً و إن زال عنه المبدأ، فالعنوان البسيط المنحل إنّما ينتزع من هذه الحيثية الوجودية المتحقّقة في المنقضي والمتلبس، فالمعنى الجامع منتزع من الواجد على كلا القولين لا من الواجد والفاقد.

هذه هي الأُمور العشرة التي تسلط الضوء على البحث، فإذا فرغنا عن بيانها فلندخل في صلب الموضوع، وهو أنّ الحقّ أنّ المشتق موضوع للمتلبّس بالمبدأ.

المشتق موضوع للمتلبّس بالمبدأ

إنّ القوم استدلّوا على كون المشتق موضوعاً للمبدأ بوجوه سيوافيك بيانها: ولكن الأولى أن يستدلّ عليها بطريق أسهل وهو ما يلي:

وهو أنّ الإمعان في الصيغ يثبت أنّ الواضع يريد توارد المعاني المختلفة على المبدأ وتصوير المبدأ بألوان النسب بينه و بين الذات، فتارة يلاحظ المبدأ بما أنّه منتسب إلى الذات بالصدور عنها، وأُخرى بالوقوع على الذات، وثالثة بثبوته فيها كما في الصفة المشبهة، ورابعة بملاحظة الزمان والمكان ظرفاً للمبدأ وهكذا، فالمشتق هو المبدأ الملحوظ مع الذات بنسب وإضافات مختلفة، وما هذا شأنه يكون المحور هو المبدأ لا الذات، فالنسب المختلفة المتداولة تصاغ من المبدأ وتضاف إلى الذات.

وإن شئت قلت: إنّ الواضع يتلاعب بالمبدأ من خلال صياغته في قوالب


(232)

مختلفة، فالمبدأ هو الذي يتجلّى بصور وأشكال مختلفة، وليس هناك تلاعب بالذات ولا صياغتها بأشكال مختلفة، وما هذا شأنه لا يمكن غض النظر عنه عند الاستعمال، فانّ القول بكونه حقيقة فيمن انقضى عنه المبدأ أشبه بغض النظر عنه عند الاستعمال.

وبعبارة أُخرى: انّ النسبة تتوقف على أمرين: الذات، والحدث .والواضع يصبّ اهتمامه على طروء النسب المختلفة على المبدأ عند نسبته إلى الذات، فالمحور هو الذات، لكن وجود الذات ضروري لا لكونه محوراً بل لأجل انّ النسبة قائمة بالطرفين.

أدلّة القائلين بالوضع للمتلبّس

استدلّ القائلون بالوضع للمتلبّس بوجوه:

الأوّل: التبادر، إذ المرتكز عند أهل اللسان عند إطلاق المشتق هو المتلبّس بالمبدأ لا من هو كان متلبّساً، فإذا قيل: صلّ خلف العادل، أو أدّب الفاسق، أو إذا قيل: لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون، أو إذا قيل: الاعرابي لا يؤم المهاجرين.(1) لا يفهم منه إلاّ المتلبّس بالمبدأ، وهذا هو الظاهر في اللغات الأُخرى.

وبما أنّ النزاع في كون المشتق حقيقة في المتلبّس أو الأعم فيما إذا يتصور له الانقضاء ويتصور له الاستمرار، وعلى ذلك فخرج الاستدلال بلفظ «الممكن» على القول بالأخص لعدم تصوّر الانقضاء فيه، كما خرج الاستدلال بالسارق والزاني على القول بالأعم إذ لا يتصوّر فيه الاستمرار.


1 - الوسائل: 5، الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1.


(233)

الثاني: صحّة سلب المشتق عمّن انقضى عنه المبدأ فيقال: زيد الناسي ليس بعالم، وهي آية المجازية.

وأورد عليه : أنّه إن أُريد بصحّة السلب صحّته مطلقاً، فغير سديد; وإن أُريد مقيداً فغير مفيد، لأنّ علامة المجاز هي صحّة السلب المطلق.

توضيحه: انّ علامة المجازية هو سلب اللفظ بما له من المعنى عن المورد حتّى يدلّ على أنّه ليس من مصاديقه مطلقاً، وأمّا سلب معنى خاص للفظ عن المورد فلا يدلّ إلاّ على أنّه ليس من مصاديق ذلك المقيّد، وأمّا أنّه ليس من مصاديق المعنى على وجه الإطلاق فلا، فإذا قلت ـ مشيراً إلى الرقبة الكافرة ـ إنّها ليست برقبة مؤمنة ،لا يدلّ على أنّها ليست برقبة أصلاً، فعلى ذلك إذا قلت: زيد الناسي ليس بعالم بالفعل، يدلّ على أنّه ليس من مصاديق المتلبس بالفعل وأمّا انّه ليس من مصاديقه مطلقاً ولو باعتبار من انقضى عنه المبدأ فلا.

وقد أجاب عنه في «الكفاية» بما هذا توضيحه: انّ قولنا بالفعل تارة يكون قيداً للمسلوب أي العالم، وأُخرى أن يكون قيداً للسلب أي (ليس)، فلو قلنا:زيد ـ الناسي، أو الذي انقضى عنه المبدأ ـ ليس بعالم بالفعل، يصير المسلوب مقيّداً، ويكون معناه أنّ زيداً الناسي ليس من مصاديق العالم بما له علم بالفعل، ومثله لا يكون علامة للمجازية لوضوح انّ عدم كونه مصداقاً للعالم بملاك العلم الفعلي لا يكون دليلاً على عدم كونه مصداقاً له الآن ولو بملاك علمه السابق الزائل.

وأمّا لو قلنا: زيد ـ الناسي ، أو الذي انقضى عنه المبدأ ـ ليس بالفعل بعالم يكون المسلوب مطلقاً، ويرجع مفاده إلى أنّ زيداً الذي نسي علمه ليس ـ بالفعل ـ بعالم، أي ليس مصداقاً بالفعل بأيّ عنوان من العناوين، للعالم، لا بملاك العلم الفعلي، ولا بملاك العلم السابق الزائل، ومثل هذا يكون علامة للمجازية.


(234)

ولعلّ ما ذكرناه في توضيح الكفاية أقرب إلى المتن ممّا ذكره المحقّق المشكيني قدَّس سرَّه في تعليقته.

يلاحظ عليه: أنّ الغاية من التمسّك بصحّة السلب وعدمه هو تبيين كون المورد مصداقاً للّفظ وعدمه وتحديداً لمفهوم اللفظ ـ سعة وضيقاً عرفاً ـ و من المعلوم أنّه لو كان هذا هو الغاية المتوخّاة، فالعرف لا يعير أهمية لهذه الدقة الفلسفية، فلا يفرق بين كون القيد قيداً للمسلوب أو قيداً للسلب، وعند ذلك لا يمكن نسبة النتيجة الحاصلة من التفريق إلى العرف.

والحاصل: أنّ العرف هو المرجع في تحديد المفاهيم وتبيين المصاديق ولكن يجب أن يكون المحكم في هذا الباب هو العقل العرفي الدقيق لا الفعل الفلسفي، فسلب مصداقية المنقضي عنه المبدأ بالنحو المذكور لا يفهمه العرف حتى يحكم بأنّه ليس بمصداق.

والشاهد على ذلك أنّ صاحب الكفاية اتبع في الجواب ما ذكره الحكماء في تعريف الماهية، فقد ذكروا في حدّ الماهية تعبيرين:

1. الماهية ليست من حيث هي هي إلاّهي.

2. الماهية من حيث هي هي ليست إلاّ هي.

ففرقوا بين تقديم السلب على الحيثية وتأخرها عنه، يقول السبزواري:

وقدّ مَنْ سلباً على الحيثية * حتى يعم عارض الماهية

فإثبات المصداقية أو نفيها بهذه الدقائق لا يلتفت إليها العرف ولا يكون مصداقاً له وإن أصرّ عليه العقل لانّ الموضوع له هو المفاهيم المنطبقة على المصاديق العرفية.

الثالث: ربّما يستدل على وضع المشتق للمتلبّس بالدليل التالي: وهو أنّه لا


(235)

ريب في مضادة الصفات المتقابلة المأخوذة من المبادئ المتضادة على ما ارتكز لها من المعاني، فلو كان المشتق حقيقة في الأعم لما كان بينها مضادة بل مخالفة لتصادقها فيما انقضى عنه المبدأ وتلبّس بالآخر.

وأورد عليه المحقّق الرشتي من عدم التضاد على القول بعدم الاشتراط.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني: من أنّ التضاد أمر ارتكازي من غير فرق بين المشتقات كالأبيض والأسود ومباديهما كالبياض و السواد.

يلاحظ عليه بوجهين:

1. انّه يرجع إلى التبادر وليس دليلاً مستقلاً، وذلك انّ الحكم بالتضاد بين المشتقين بأنّهما من الأُمور غير القابلة للجمع فرع إحراز معنى كلّ بالتبادر، وأنّ المتبادر من كلّواحد هو تلبّس الموضوع بالمبدأ، وعندئذ يحكم العقل بعدم صحّة اجتماعهما، فالحكم بالتضاد متأخر عن إحراز المعنى بالتبادر، ومعه لا حاجة إلى دليل آخر.

2. انّ الأعمّي لا يسلم التضاد إلاّ بين المبدأين لا بين العنوانين، فصدق الأبيض والأسود لا يستلزم إلاّاجتماع العنوانين من غير ملازمة بين صدقهما واجتماع المبدأين.

هذه هي الوجوه المهمة وبقيت هنا وجوه أُخرى تطلب من محالها.

أدلّة القول بالأعم

استدلّ القائل بالأعم بوجوه:

الأوّل: التبادر، ولكنّه غير تام، لأنّ المتبادر من قولنا: «لا تصل خلف الفاسق» وأمثاله، هو المتلبّس، وادّعاء وجود القرينة في أمثال هذه الموارد وإن كان محتملاً، لكن ليس كلّ مورد كذلك.


(236)

مضافاً ـ إلى ما عرفت ـ من أنّ الصيغ المشتقة من المبدأ، نوع تلاعب بالمبدأ لا بالذات، فكيف يصدق الفرع دون الأصل.

الثاني: عدم صحّة السلب في المقتول والمضروب إذا انقضى عنه المبدأ.

يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد منها المعنى الحدوثي أي من وقع عليه القتل والضرب، فلا نسلم صدقه عندما انقضى عنه المبدأ، وإن أُريد الأثر الباقي بعد القتل والضرب، فالصدق لأجل كونه متلبساً بالأثر الباقي.

ثمّ إنّ أكثر الإطلاقات في الجمل والتراكيب بلحاظ ثالث وهو الإطلاق بلحاظ حال التلبّس خصوصاً فيما إذا لم تقبل التكرار كالمقتول والمصلوب، أو ما يقبل التكرار ولا يقبل الاستمرار كالسارق والزاني.

الثالث:هو استدلال الإمام بآية الابتلاء على عدم صلاحية الخلفاء الثلاثة لإشغال منصب الإمامة بعد رحلة الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وإليك الآية ونصّ الإمام وكيفية الاستدلال، قال سبحانه:

1. (وَإِذِ ابْتلى إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِكَلمات فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيّتي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمين) .(1)

وفي الآية جهات مهمة للبحث نشير إليها:

1. ما هو الغرض من ابتلاء الأنبياء؟

2. كيف كان ابتلاء إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ؟

3. ما هو المراد من الكلمات؟

4. ما هو المراد من الإتمام؟

5. ما هو المراد من جعله إماماً ـ بعدما كان نبيّاً ورسولاً ـ؟

6.ما هو المقصود من العهد المنسوب إليه سبحانه، وكيف تكون الإمامة


1 - البقرة:124.


(237)

عهد اللّه؟

7. كيف تدل الآية على عصمة الإمام؟

وقد حققت هذه الأُمور في موسوعة مفاهيم القرآن.(1)

2. وأمّا استدلال الإمام بالآية، فقد روى الصدوق عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في تفسير قوله: (لا يَنالُ عَهْدي الظّالِمين) انّه قال: إنّ الإمامة لا تصلح لمن عبد وثناً أو صنماً أو أشرك باللّه طرفة عين، وإن أسلم بعد ذلك، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظم الظلم الشرك باللّه قال اللّه تعالى : (إِنَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظِيم) (2).(3)

3. وأمّا كيفية الاستدلال فلأنّه مبني على صغرى مسلّمة وكبرى قرآنية.

أمّا الصغرى: هؤلاء كانوا ظالمين مشركين.

وأمّا الكبرى: والظالمون لا تنالهم الإمامة.

فينتج: هؤلاء لا تنالهم الإمامة.

وإنّما يصحّ وصفهم بعنوان الظالمين عند التعدي إذا قلنا بوضع المشتق للأعم بحيث يصدق على المتلبّس بالمبدأ والمنقضي عنه حتى يصحّ عدّهم من الظالمين حين تصدّوا للخلافة وقد انقضى المبدأ، ولو قلنا بوضع المشتق على المتلبس تبقى الكبرى بلا صغرى، إذ لا يصحّ أن يقال: هؤلاء كانوا ظالمين عند التصدّي بل يجب أن يقال: كانوا ظالمين قبل التصدي، وأمّا بعده فقد صاروا موحّدين.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال على عدم صلاحيتهم للإمامة يصحّ على كلا


1 - مفاهيم القرآن:5/197ـ 259.
2 - لقمان:13.
3 - البحراني: البرهان:1/149.


(238)

القولين، أمّا على الأعم فلما عرفت.

وأمّا على القول بالأخص فللاستدلال أساس آخر، غير مبني على كونهم ظالمين حين التصدي، بل هم غير لائقين لها وإن لم يكونوا ظالمين حين التصدي.

وذلك لأنّ الإمامة كالنبوّة منصب إلهي يجب أن يتنزه المتصدّي عمّا يوجب نفرة الناس وتباعدهم عنه، ولا تتحقّق تلك الأمنية إلاّبتباعده عن ألوان الشرك والأعمال القبيحة طيلة عمره حيث إنّ الناس يفرون عمّن كان في فترة من عمره مشركاً مقترفاً للمعاصي.

وبما أنّ هؤلاء كانوا كذلك في فترات من أعمارهم فكانوا ظالمين، فصار هذا سبباً لحرمانهم منه.

وهناك بيان آخر للاستدلال بالآية نقله السيد الطباطبائي عن بعض مشايخه وانّه قال: إنّ الناس حسب التقسيم العقلي على أربعة أقسام:

أ. من كان ظالماً في جميع عمره.

ب. من لم يكن ظالماً طيلة عمره.

ج. من كان ظالماً في مقتبل عمره وتائباً في أواخره حين التصدّي.

د. من لم يقترف الشرك في أوان عمره واقترفه في أواخره حين التصدي.

فيجب إمعان النظر في تحديد ما هو المسؤول لإبراهيم الخليل، والعقل يحكم بأنّ إبراهيم أجلّ شأناً من أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل والرابع من ذريّته، فيبقى القسمان الآخران وقد نفى اللّه أحدهما أي من كان ظالماً في مقتبل عمره وغير ظالم حين التصدّي، وبقي الآخر وهو الذي يكون غير ظالم في جميع عمره.

على أنّه يمكن أن يفسر استدلال الإمام بالآية بأنّ الإطلاق باعتبار حال التلبّس.


(239)

خاتمة المطاف

في ثمرات البحث

تظهر الثمرة بين كون المشتق موضوعاً لخصوص المتلبّس أو الأعم في الموارد التالية ـ ويجمع الكل كون المشتق موضوعاً للحكم ـ:

1. قال رجل لعلي بن الحسين عليمها السَّلام : أين يتوضّأ الغرباء؟ قال: «تتّقي شطوط الأنهار، والطرق النافذة وتحت الأشجار المثمرة...»(1) فعلى التلبّس يختص الحكم بما إذا كان مثمراً ولو بالقوّة، بخلاف القول بالأعم، فيشمل حتى الشجرة اليابسة الساقطة عن التوريق والأثمار.

2. قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود، وولد الزنا، والأعرابي لا يؤم المهاجرين».(2)

3. عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في المرأة إذا ماتت وليس معها امرأة تغسلها، قال: «يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسلها إلى المرافق».(3) فلو قلنا بكون المشتق حقيقة في المنقضي فللزوج المطلّق لها، التغسيل عند فقد المماثل.


1 - الوسائل:1، الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث1.
2 - الوسائل: 5، الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث6.
3 - الوسائل: 2، الباب 24 من أبواب غسل الميت، الحديث8.


(240)

وربما يمثل بالماء المشمَّس أو المسخَّن، ولكن الوارد في لسان الأدلّة، التعبير عنه بصيغة الفعل لا بصيغة المشتق، فقد ورد عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «الماء الذي تسخّنه الشمس لا تتوضّأوا به ولا تغسلوا ولا تعجنوا به فانّه يورث البرص».(1)


1 - الوسائل: 1، الباب 6 من أبواب الماء المضاف، الحديث2.


(241)

مسائل في المشتق

المسألة الأُولى: في خروج الذات عن مفهوم المشتق

هل المشتق في مفهومه الابتدائي يدلّ على الذات أو لا؟ فالمحور في المقام هو التركيز على دخول الذات في المشتق وعدمه، وأمّا ما هو الفرق بين هذه المسألة والمسألة الآتية ـ أعني: الفرق بين المبدأ والمشتق ـ فسيوافيك بيانه.

إذا علمت ذلك فاعلم أنّ في المسألة أقوالاً:

الأوّل: انّ الذات خارجة عن المشتق ابتداءً وانتهاءً، فالمشتق لايدلّ عليها لا بمفهومه الابتدائي ولا بمفهومه الانحلالي، وهذا هو قول الشريف على ما في تعليقاته على شرح المطارح، وهذا مبنيّ على أنّ المفهوم من المشتق، نفس المفهوم من المبدأ والاختلاف في أنّ الأوّل لا بشرط والثاني بشرط لا.(1)

الثاني: أنّ المشتق مشتمل على الذات، والمبدأ والنسبة، ابتداء وانتهاء، أي في مفهومه الابتدائي والانحلالي، وهذا القول يقابل القول الأوّل تماماً.

الثالث: أنّ المشتق يدلّ على معنى بسيط، غير أنّه ينحلّ عند التحليل إلى ذات وعنوان ونسبة، فهو بسيط لفظاً ودلالة ومدلولاً في مقابل الجمل المركبة.

والمختار هو الأخير، و ببيان برهانه يظهر عدم تمامية القولين، وإليك البيان:

إنّ المشتق بسيط لفظاً ودلالة ومدلولاً، في مقابل الجمل التي هي مركبة لفظاً


1 - شرح المطارح:11.


(242)

ودلالة ومدلولاً، لكنّه ينحل عند العقل إلى أُمور ثلاثة: ذات وعنوان واتّصاف، في مقابل الجوامد التي هي بسائط في المراتب الثلاثة، وغير منحلّة إليها عند التعمّل، وفي مقابل المركبات التي تتألف ابتداءً من أُمور ثلاثة من ذات وعنوان واتصاف.

وإن شئت قلت: إنّ العقل تارة يدرك الذات بلا عنوان، كزيد، وربّما يدرك العنوان بلا ذات كالعلم، وربّما يدرك الذات مع العنوان، فقد وضع للأوّل الجوامد، وللثاني المبادئ، وأمّا الثالث فله صورتان:

الأُولى: يدرك الذات والعنوان والاتصاف على وجه التفصيل، بحيث يتعلّق بكلّ منها إدراك مستقل، فهذه هي المركبات التفصيلية، ويقال: زيد متصف بالعلم.

الثانية: يكون الذات والعنوان والنسبة مدركة بنحو وحدانيّ وبإدراك واحد فيعبّر عنه بالمشتق، فهو حاك لا عن الذات وحدها، ولا عن العنوان كذلك، ولا عن الذات والعنوان والنسبة تفصيلاً، بل عن المعنون بما هو مفهوم واحد منحل عند التعمّل إلى الثلاثة عند الإطلاق.

والفرق بين الصورتين واضح، ففي الأُولى ألفاظ ودلالات ومدلولات تفصيلية، بخلاف المشتق ففيه لفظ واحد ودلالة واحدة ومدلول واحد، لكن تنحل إلى ألفاظ ودلالات ومداليل عند التعمّل.

والدليل على ذلك هو التبادر، ومعه لا نحتاج إلى إقامة دليل آخر «فالكاتب والضارب» في لغة العرب و«نويسنده و زننده» في لغة الفرس، تدلاّن على معنى وحداني له التحليل في مرحلة ثانية. فمن قال ببساطة المشتق وأراد هذا المعنى فهو صحيح، كما أنّ من قال بالتركيب وأراد التركّب عند التحليل فهو أيضاً صحيح.


(243)

وأمّا من قال بالبساطة في المرحلتين، أو التركيب كذلك فقد نازع وجدانه وإليك تحليلهما:

أمّا الثاني: أعني دلالة المشتق على الذات والمبدأ والنسبة في مفهومه الابتدائي فهو ساقط جدّاً للفرق الواضح بين قولنا «ضاحك» وقولنا«الإنسان له الضحك» أو «كاتب» و «الإنسان له الكتابة» فادعاء التركيب في المفهوم الابتدائي من السخافة بمكان.

أمّا القول الأوّل فظاهره أنّه يريد نفي دخول الذات في مفهوم المشتق مطلقاً، لا ابتداءً ولا تحليلاً، فقد استدلّ عليه بوجوه .

الأوّل ما استدلّ به الشريف وقال:

لو قلنا بدخول الذات في المشتق يلزم أحد محذورين:

أ. دخول العرض العام في الفصل، إذا كان الداخل فيه مفهوم الشيء كما في قولنا «الإنسان ناطق».

ب. انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية، إذا كان المأخوذ مصداق الشيء كما في قولنا «الإنسان كاتب».

فدخول الشيء في مفهوم الناطق يستلزم دخول العرض العام في الفصل، كما أنّ دخول الإنسان في المثال الثاني يوجب انقلاب القضية من الممكنة إلى الضرورية، لأنّ معنى قولنا: «الإنسان كاتب» هو «الإنسان، إنسان كاتب» وثبوت الإنسانية للإنسان بالضرورة.

وقد أُجيب عن الشق الأوّل بوجوه:

1. ما أفاده صاحب الفصول من أنّ أخذ الناطق فصلاً مبني على تجريده عن مفهوم الشيء.(1)


1 - الفصول:62، ط الحجرية.


(244)

وهو غير تام، لأنّ المنطقيين جعلوا الناطق فصلاً للإنسان بما له المعنى من دون تجريد.

2. ما أجاب به المحقّق الخراساني من أنّ الناطق ليس فصلاً حقيقياً بل من أظهر خواص الإنسان، ولذا ربّما يجعلون لازمين وخاصتين مكان فصل واحد، فيعرفون الحيوان، بأنّه حساس متحرك بالإرادة، مع أنّ الشيء الواحد لا يكون له إلاّفصل واحد.

والوجه في عدم كون الناطق فصلاً حقيقياً، هو أنّ المبدأ للناطق لو كان هو النطق بمعنى التكلّم فهو كيف محسوس، وإن كان بمعنى التفكّر ودرك الكليات فهو كيف نفساني على القول بأنّ العلم من مقولة الكيف.

3. انّ الفصل الحقيقي للإنسان هو النفس، غير أنّ الناطق عنوان وصفي لهذا الفصل الحقيقي ومن أظهر خواصه، فلما كانت حقيقة الفصل مجهولة لنا، أُشير إلى توضيحه بالعنوان الوصفي كما لا يخفى.

وأمّا الشقّ الثاني: فقد أجاب عنه صاحب الفصول بأنّ المحمول ليس مصداق الشيء والذات وحده بل المقيّد بالوصف، وليس ثبوته للموضوع حينئذ بالضرورة، لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضرورياً.

والحقّ أنّ ما أجاب به صاحب الفصول جواب كاف، وما أورد عليه صاحب الكفاية ليس بكلام جدير بالدراسة بل يورث الإطالة بلا فائدة.

كما أنّ ما تنظر صاحب الفصول ـ حسب ما نقله في الكفاية لا على النحو الموجود في نفس الفصول ـ فيما أفاده سابقاً ليس كلاماً تامّاً جديراً بالدراسة، فنحن نضرب صفحاً عن كليهما.

والذي أضيف في المقام ردّاً على دليل الشريف هو أنّ ما ذكره إثبات اللغة


(245)

بالدليل الفلسفي وهو بعيد عن جادة الصواب، فانّ لتحليل مسائل كلّ علم أُسلوباً خاصاً به ولم يكن الواضع يحمل ذهنية فلسفية حتى يخرج الذات على المشتق بغية الفرار من دخول العرض العام في الفصل، أو انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية، فهذا الجواب يحسم هذا الدليل كما يحسم سائر الأدلّة التي هي على غرار هذا الدليل.

الثاني: ما ذكره صاحب الفصول استلهاماً من دليل المحقّق الشريف الذي طرح قضية منفصلة وقال: «لو كان المأخوذ مفهوم الشيء يلزم دخول العرض العام في الفصل، ولو كان المأخوذ مصداقه يلزم الانقلاب»، وقد انتقل صاحب الفصول منه إلى أمر آخر، وهو أنّ الانقلاب غير منحصر بأخذ المصداق فيه، بل يلزم من أخذ مفهوم الشيء أيضاً فيه، لأنّ الشيئية أمر ضروري للإنسان.

يلاحظ عليه: بمثل ما أورد هو على كلام الشريف في الشق الثاني، وحاصله: أنّ المحمول ليس الشيئية المطلقة بل المتقيدة بالكتابة وهي ليست بضرورية.

الثالث: لو كان الشيء داخلاً فيه بمفهومه أو مصداقه لزم تكرار الموصوف في قولنا:«زيد الكاتب».

يلاحظ عليه: بأنّ المأخوذ فيه هو المفهوم المعرّى من كلّ قيد، ما عدا قيام المبدأ به ولا تعيّن له لينطبق على ذوات معينة كزيد وعمرو ويلزم التكرار.

وبعبارة أُخرى: إنّما يلزم التكرار لو كانت الذات مأخوذة على نحو التفصيل، ولا أظن أنّ القائل يعتقد به، لأنّها مأخوذة على نحو الإجمال.

الرابع: أنّ المادة في المشتق تدل على نفي الحدث، والهيئة من الدوال الحرفية، فيجب أن يكون مدلولها معنى حرفياً لا اسمياً، وليس هو إلاّ نسبة الحدث إلى


(246)

الذات بحيث تكون نفس الذات خارجة والتقيّد داخلاً. والقول بأنّ المشتق موضوع للذات المتلبّسة، قول بدلالة الدوال الحرفية على المعنى الاسمي، وهو غير تام، فانتزاع المشتق من الذات المتلبسة ودلالته عليها أشبه شيء بدلالة الدوال الحرفية على المعاني الاسمية.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال إنّما يتمّ لو قلنا بدخول الذات على وجه التفصيل في المشتق وأمّا لو قلنا بأنّ المتبادر منه في المفهوم الابتدائي أمر بسيط، لا الذات وحدها ولا العنوان وحده، ولا النسبة وحدها، بل شيء بسيط ينحل لدى التحليل إلى أُمور ثلاثة، وذلك البسيط القابل للانحلال هو المعنون فلا يتوجّه الإشكال.

إلى هنا تمّ ما أُقيم من الوجوه على خروج الذات عن المشتق، وكلّها أدلة غير صالحة لإثبات اللغة ـ حتى وإن خلت من الإشكالات المذكورة ـ لما عرفت من أنّ اللغة لا تثبت بالدليل العقلي.

المسألة الثانية: في الفرق بين المشتق ومبدئه

لمّا ذهب الشريف ومن تبعه إلى أنّ الذات خارجة عن مفاد المشتق ابتداءً وتحليلاً، توجه إليه سؤال وهو انّه ما هو الفرق بين «الضارب» الذي هو ـ على مختاره ـ بمعنى الضرب، فحاول إبداء الفرق بينهما.

والحاصل: انّه لو قلنا بأنّ مفاد المشتق مركّب دالّ على الذات والعنوان والنسبة.

أو قلنا بأنّ مفاد المشتق بسيط وحداني ـ أي المعقول ـ ولكن ينحلّ إلى أُمور ثلاثة.


(247)

لكُنّا في غنى عن عقد مسألة باسم «ما الفرق بين المبدأ والمشتق» لأنّ الفرق جوهري واضح لا حاجة إلى البيان.

نعم لو قلنا بمقالة الشريف أي بخروج الذات عن المشتق، ابتداء وتحليلاً، وانّ مفاد المشتق نفس مفاد المبدأ جوهراً، لزم عقد مسألة باسم الفرق بينهما، ولذلك عمد القائل إلى بيان الفرق.

قال في «الكفاية»: الفرق بين المشتق ومبدئه مفهوماً أنّه بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبّس بالمبدأ، ولا يعصي على الجري عليه لما هما عليه من نحو من الاتحاد.

بخلاف المبدأ فانّه بمعناه يأبى عن ذلك، بل إذا قيس ونسب إليه كان غيره لا هوهو، وملاك الحمل والجري إنّما هو نحو من الاتحاد والهوهوية، وإلى هذا يرجع ما ذكره أهل المعقول في الفرق بينهما من أنّ المشتق يكون لا بشرط والمبدأ يكون بشرط لا. أي لا يكون مفهوم المشتق غير آب عن الحمل ومفهوم المبدأ يكون آبياً عنه.

ثمّ إنّهم شبّهوا الفرق بين المشتق والمبدأ بالفرق بين الجنس والمادة، فهما اسمان لشيء واحد كالحيوان، غير أنّه بما أنّه لا بشرط يسمّى جنساً ويحمل على النوع، ويقال: الإنسان حيوان، وبما أنّه بشرط لا، مادة فلا يحمل على الإنسان.

ومثله الناطق فهو باعتبار كونه لا بشرط فصل، وباعتبار كونه بشرط لا صورة.

هذا خلاصة ما ذكره المحقّق الخراساني وهو من الإجمال بمكان.

وتوضيحه: أنّ اللا بشرط وبشرط لا، يستعمله أهل المعقول في موردين:

الأوّل: أحدهما لحاظ مفهوم واحد تام بالنسبة إلى عوارضها وطوارئها


(248)

كالرقبة حيث يلاحظ بالنسبة إلى الإيمان بأنحاء ثلاثة، فيقال: رقبة بشرط الإيمان، ورقبة بشرط عدمه، ورقبة مطلقة سواء كانت مؤمنة أو كافرة.

وفي هذا الصدد يقول المحقّق السبزواري:

مخلوطة مطلقة مجرّدة عند اعتبارات عليها موردة

من لا بشرط وكذا بشرط شيء ومعنيي بشرط لا استمع إليّ

ففي هذا النوع من اللحاظ، الملحوظ، ماهية واحدة تامّة، تلاحظ بالنسبة إلى ما يعرضها من الطوارئ وتطرأ المفاهيم الثلاثة الاعتبارية، أعني: بشرط شيء، ولا بشرط، وبشرط لا، وهي خارجة عن واقع الملحوظ ومفهومه وإنّما يعرض عليها بنوع من اللحاظ ، فهذا القسم من لحاظ الماهية لا صلة له بالمقام ولا بما ذكره أهل المعقول في باب الفرق بين الجنس والمادة، أو الفصل والصورة.

الثاني: ما ذكروه في التفريق بين كون الحيوان جنساً ومادة، أو كون الناطق فصلاً وصورة، فيفارق الملحوظ في هذا المورد ما هو الملحوظ في المورد الأوّل، بالوجه التالي:

إنّ المفهوم في القسم الأوّل مفهوم واحد تعرض عليه الاعتبارات الثلاثة، ولا تنثلم وحدة الملحوظ بعروضها عليها، ولذلك قلنا تلاحظ الماهية بالنسبة إلى عوارضها وطوارئها، بخلاف القسم الثاني فانّ الملحوظ يخرج عن كونه مفهوماً واحداً باعتبار كون اللا بشرطية داخلاً في صميم الجنس، والبشرط اللائية داخلاً في صميم المادة، فيكون المفهوم من أحدهما غير المفهوم من الآخر، فالجنس هو المفهوم المبهم المغمور الذي هو على عتبة الاكتمال بالفصل ولذلك يكون قابلاً للحمل ولذلك يوصف باللا بشرط بالنسبة إلى الحمل.

وأمّا المادة فهي ماهية محصّلة مبينة غير قابلة للحمل ولذلك توصف بشرط


(249)

لا، فيكون كلّ من القيدين: اللا بشرط وبشرط لا، داخلاً في جوهر المعنى ومكملاً له على خلاف ما مرّ في السابق. فيسمّى الحيوان والناطق عند اعتبارهما جنساً وفصلاً، بالأجزاء الحملية، وعند اعتبارهما مادة وصورة، بالأجزاء الحدّية.

وبهذا يعلم عدم صحّة ما اعترض به صاحب الفصول على هذا النوع من الفرق حيث قال:

إنّ أخذ العرض لا بشرط لا يصحح حمله على موضوعه، فانّا إذا قلنا: زيد عالم، أو متحرك، يمتنع حمل العلم والحركة عليه وإن اعتبر لا بشرط، بل مصحح الحمل أنّ مفاد المشتق باعتبار هيئته مفاد ذو هو فلا فرق بين قولنا ذو بياض وقولنا ذو مال، فكما أنّ المال إن اعتبر لا بشرط لا يصحّ حمله على صاحبه، فكذلك البياض، ومجرّد استقلال أحدهما(المال) بالوجود دون الآخر( البياض) لا يجدي فرقاً في المقام، فالحقّ أنّ الفرق بين المشتق ومبدئه هو الفرق بين الشيء وذي الشيء، فمدلول المشتق أمر اعتباري منتزع من الذات بملاحظة قيام المبدأ بها.(1)

وجه الإشكال: انّه خلط بين المقامين وزعم أنّ لحاظ الماهية لا بشرط في المقام الثاني على غرار لحاظ الماهية لا بشرط في المقام الأوّل، ولذلك أورد انّ العلم والحركة مهما لوحظا لا بشرط، لا يصحّ حملهما على الذات ما لم يقدّر فيهما لفظة «ذو» ولكنّه غفل عن الفرق بين اللحاظين، فاللابشرطية والبشرط لائية في المقام الأوّل غير داخلين في جوهر الملحوظ، ولذلك يبقى الملحوظ على وحدته، بخلاف المقام الثاني، فالمفهومان داخلان في جوهر الملحوظ فيصبح الملحوظ كمفهومين مختلفين يكون لأحدهما قابلية الحمل دون الآخر. ولذلك يقول الشيخ الرئيس في المقام الثاني:


1 - الفصول:62.


(250)

إنّ الماهية قد تؤخذ بشرط لا، بأن يتصور معناها بشرط أن يكون ذلك المعنى وحده بحيث يكون كلّ ما يقارنه زائداً عليه، فيكون جزءاً لذلك المجموع مادة له، فيمتنع حمله على المجموع (الإنسان) لانتفاء شرط الحمل، وقد تؤخذ لا بشرط، بأن يتصوّر معناها مع تجويز كونه وحده، وكونه لا وحده، بأن يقترن مع شيء آخر فيحمل على المجموع، والماهية المأخوذة كذلك قد تكون غير محصلة بنفسها في الواقع، بل يكون أمراً محتملاً للمقولية على الشيء مختلفة الماهيات(كما هو شأن الجنس)، وإنّما يتحصل بما ينضاف إليها فيتخصص به ويصير بعينها أحد تلك الأشياء فيكون جنساً والمنضاف إليه الذي قومه وجعله أحد تلك الأشياء فصلاً.(1)

إلى هنا أوضحنا ما ذكره صاحب الكفاية، كما أوضحنا مقصود صاحب الفصول وعدم تمامية كلامه، غير أنّ الواجب إيضاح ما ذكره أهل المعقول حول كون الحيوان جنساً تارة ومادة أُخرى وكذلك الناطق فصلاً وصورة.

والذي يمكن أن يقال في المقام (والتفصيل موكول إلى محله) هو أنّ الحد كالحيوان الناطق، بالنسبة إلى المحدود كالإنسان يلاحظ على وجهين:

الأوّل: أن يلاحظ كلّ من المفهومين على وجه الإبهام والإجمال من دون أن يكون لها مفهوم تام، فيلاحظ الحيوان بما انّه جسم نام حساس متحرك بالإرادة الذي يصلح لأن يشكّل أحد الأنواع كالإنسان والفرس، فعندئذ إذا نسب إلى الإنسان أو غيره من الأنواع يكون نفس النوع، لا جزءاً من النوع، إذ معنى ذلك أن الحيوان في حركته الجوهرية يصل إلى مقام الإنسانية، وعندئذ يتّحد مع الناطق، وفي هذا اللحاظ لا يعد الحيوان جزءاً(للمحدود) ولا الناطق كذلك، بل تُتناسى الجزئية لما عرفت من أنّ الجنس في هذا اللحاظ يتحصّل بالناطق ويكون نفس


1 - المنظومة: قسم الحكمة:91. نقلاً عن الشيخ الرئيس.


(251)

الإنسان، فلذلك يصحّ أن يقال: الإنسان حيوان أو الحيوان ناطق، أو غيرهما ، ويسمّى«الحيوان الناطق» أجزاء حملية في مقابل ما سيوافيك في المورد الثاني.

الثاني: أن يلاحظ كلّ من الحيوان والناطق بما هما مفهومان متحصلان ويكون كلّ واحد جزءاً من ماهية الإنسان ويتشكل الإنسان من اجتماعهما، ففي هذا اللحاظ أي النظر إليها بعنوان الجزئية للمحدود يسمّى الحيوان مادة ذهنية، والناطق صورة ذهنية، ويمتنع حمل الحيوان على الإنسان لأنّه أصبح عندئذ جزء الإنسان لا نفسه، ولا يصحّ حمل الجزء على الكلّ فلا يقال: زيد يد، ولأجل تلك الحالة يوصفان بكونهما أُخذا بشرط لا، غير قابلين للحمل، كما يسمى بالأجزاء الحدية.

وبذلك يعلم مضمون الجملة المعروفة بين أهل المعقول حيث قالوا: إنّ الجنس والفصل(1) من أجزاء الحد لا من أجزاء المحدود أي الإنسان، ومعنى الجملة أنّ الحيوان والناطق إذا لوحظا جنساً و فصلاً للمحدود، يصبح كلّ منهما نفس الإنسان لا جزئه، ولو وصفا بالجزئية فإنّما هو باعتبار كونهما من أجزاء الحد، لا من أجزاء المحدود ـ أي الإنسان ـ لما عرفت من أنّهما في هذا اللحاظ عين المحدود ونفسه.

نعم لو لوحظا بما انّهما مادة وصورة ففي هذه الحالة يكون كلّ جزء للمحدود فيكون الحيوان جزءاً لماهية الإنسان فيمتنع الحمل، كما يكون الناطق جزءاً له فيمتنع الحمل فيطلق عليهما المادة والصورة (الذهنيتين) مكان الجنس والفصل.

ولعلّ هذا المقدار من الإيضاح كاف في المقام، والتفصيل يطلب من محله.


1 - أي ما ينطبق عليه الجنس والفصل كالحيوان الناطق لا عنوانهما، إذ بهذا العنوان ليسا من أجزاء الحدّ كما مرّ.


(252)

هذا هو الكلام في المشبه به، وأمّا الكلام في المشبه فنقول:

إنّ المشتق والمبدأ كالجنس والمادة، فالأوّل منهما مفهوم مبهم غير متحصّل وإنّما يتحصّل بما يحمل عليه، بخلاف الثاني فانّه مفهوم متحصّل في نفسه آب عن الحمل.

أقول: إنّ قياس المشتق والمبدأ بالجنس والمادة، قياس مع الفارق، فانّ مصحح حمل الجنس على الفصل هو تقوّمه بالفصل في عالم المفهوم، لما عرفت من أنّ الجنس مفهوم مغمور، مبهم، يحتاج إلى ما يخرجه من الإبهام في ذلك الظرف، وهذا بخلاف المشتق بالنسبة إلى موضوعه لعدم تقوّم مفهوم المشتق بالموضوع فهو غير الموضوع مفهوماً، وإن اتحدا وجوداً، وشتّان بين الاتحادين، فالأوّل يتّحد مع الموضوع في المفهوم، والآخر يختلف معه فيه ويتّحد معه في الوجود.

وبعبارة أُخرى: انّ الجنس هو المفهوم المغمور الذي لم تتعين حدوده وخصوصياته إلاّ بالفصل بحيث لو وجد في الخارج يكون عين الفصل عينية اللامتحصل مع المتحصل، وهذا بخلاف المشتق فانّ مسوغ الحمل ليس إبهام مفهومه، فانّه ذو مفهوم متحصّل ومتعيّن إلاّمن جهة الموضوع، وهذا غير الإبهام في المفهوم، بل مسوّغ الحمل قيامه بالموضوع في عالم التكوين، فشتان بين المسوّغين، فوجه الشبه بين الجنس والمشتق غير موجود كما لا يخفى.

إيضاح وإكمال

لما كان ما ذكروه من الفرق بين المشتق والمبدأ من خلال التشبيه بالجنس والفصل، مجرّد دعوى بلا برهان، بل كان صرف التشبيه، حاول غير واحد من أهل المعقول إقامة البرهان عليه بوجوه أربعة، ترجع بعضها إلى المحقّق الدواني، وإليك البيان:


(253)

الأوّل: ما ذكره أهل المعقول في الفرق بين العرض والعرضي، أنّ العرض تارة يلاحظ بما هو هو وانّه موجود في قبال موضوعه فهو بهذا اللحاظ بياض ولا يصحّ حمله على موضوعه مثل الجسم، كيف والمفروض أنّه لوحظ بنحو المبائنة مع الموضوع، والحمل هو الاتحاد في الوجود.

وأُخرى يلاحظ بما أنّه ظهور موضوعه وطور لوجوده وشأن من شؤونه،وظهور الشيء وطوره وشأنه لا يباينه فيصحّ حمله عليه، إذ المفروض انّ هذه المرتبة من مراتب وجود الشيء، والحمل هو الاتحاد في الوجود.

وبعبارة أُخرى: انّ واقع البياض يطرد العدم من جانب ماهيته أوّلاً، فيكون اللا بياض بياضاً، ومن جانب موضوعه فيكون اللا أبيض، أبيض، فبما أنّه يطرد العدم عن جانب ماهيته يقال له البياض، وبما انّه يطرد العدم عن جانب موضوعه، يقال له: الأبيض.

وهكذا الضرب بما أنّه يطرد العدم عن ماهيته، يطلق عليه الضرب، وبما أنّه يطرد العدم عن جانب موضوعه يطلق عليه الضارب.

فتحصل من ذلك أنّ للبياض والأبيض مفهوماً واحداً، يختلفان بالاعتبار، فوزان الضرب وزان البياض، ووزان الضارب كوزان الأبيض.

وهذا التقرير، بيان جديد لكون الفرق بين المبدأ والمشتق بشرط لا ولا بشرط.

يلاحظ على ذلك البيان بوجهين:

أوّلاً: انّه لا يتم في كلّ مشتق كأسماء الأزمنة والأمكنة حيث لا يعدّالمبدأ«الضرب»من شؤون الزمان والمكان، ومع ذلك يصح حمله عليه هنا مقتل الحسين أو هذا اليوم مقتله ـ عليه السَّلام ـ ، وإنّما يجري في بعض المشتقات كالمبدأ بالنسبة إلى الفاعل والمفعول.


(254)

وثانياً: انّ ابتناء الفرق بين المبدأ والمشتق على هذا التقرير الوارد عن الحكماء في دراسة عالم الكون من غير نظر إلى عالم الألفاظ ابتناء غير صحيح، فانّ معاني الألفاظ إنّما تؤخذ من الإمعان فيما يتبادر منها عند أهل اللسان لا ممّا حقّقه الحكماء عند دراسة صحيفة الكون الذي لا صلة له بعالم الألفاظ فإنّ ما ذكروه في الفرق بين العرض والعرضي يرجع إلى دراساتهم صحيفة الكون، يقول الحكيم السبزواري:

وعرضي الشيء غير العرض * ذاك البياض ذاك مثل الأبيض

الثاني: ما نقله الحكيم السبزواري في تعاليقه على الأسفار من انّا إذا رأينا شيئاً أبيض، فالمرئي بالذات هو البياض، ونحن قبل ملاحظة أنّ البياض عرض والعرض لا يوجد قائماً بنفسه، نحكم بأنّه بياض وأبيض، ولولا الاتّحاد بالذات بين البياض والأبيض لما حكم العقل بذلك في هذه المرتبة، ولم يجوِّز قبل ملاحظة هذه المقدمات، كونه أبيض، لكن الأمر بخلاف ذلك.

يلاحظ عليه: بأنّا وإن نحكم عند رؤية البياض ـ قبل ملاحظة أنّه عرض وانّ العرض لا يوجد قائماً بنفسه ـ بأنّه أبيض، و الملاحظة التفصيلية وإن كانت غير موجودة عند الرؤية، لكن الملاحظة الإجمالية موجودة ارتكازاً، لأنّ الإنسان طيلة حياته يشاهد أنّ البياض لا يوجد إلاّ مع موضوعه، فهو مع هذا العلم الموجود في خزانة ذهنه إذا رأى البياض، وحمل عليه الأبيض، فإنّما حمل على البياض الذي لا يفارق الموضوع، فلا يدلّ ذاك الحمل على خروج الذات والنسبة عن مفهومه.

الثالث: أنّ المعلّم الأوّل ومترجمي كلامه عبروا عن المقولات بالمشتقات، ومثلوا لها بها فعبّروا عن الكيف بالمتكيف ومثلوا لها بالحار والبارد، فلولا الاتحاد


(255)

بالذات لم يصحّ ذلك التعبير والتمثيل إلاّ بالتكلّف، بأن يقال: ذكر المشتقات لتضمنها مبادئها.(1)

الرابع: نقل عن بهمنيار تلميذ الشيخ الرئيس قال: إنّ الحرارة لو كانت قائمة بذاتها، لكانت حرارة وحارة.(2)

يلاحظ عليه: بأنّه لا حجّية لكلام أرسطو ومترجمي كلامه.

ومثله ما نقل عن تلميذ الشيخ الرئيس، إذ هو قضية شرطية لا تثبت بها اللغة.

المسألة الثالثة: في ملاك الحمل

قد اشتهر بينهم أنّ ملاك الحمل أمران:

المغايرة من جهة والاتحاد من جهة أُخرى، والمغايرة إمّا تكون بالاعتبار كما في قولنا:«زيد زيد» فالأوّل منهما يغاير الثاني اعتباراً، حيث يحتمل فيه في بادئ النظر، جواز سلب الشيء عن نفسه فيرده بقوله «زيد»، أو بالإجمال والتفصيل كما في قولنا: «الإنسان حيوان ناطق» أو مغايراً بالمفهوم كما في الحمل الشائع الصناعي «زيد قائم».

هذا هو حال التغاير، وأمّا الوحدة فالمثالان الأوّلان يتّحد الموضوع مع المحمول في المفهوم كما أنّ المثال الثالث يتحدان مصداقاً.

هذا هو المعروف بين المنطقيّين واختاره المحقّق الخراساني، وقال: ملاك الحمل هو الهوهوية والاتحاد من وجه والمغايرة من وجه آخر كما يكون بين المشتقات والذوات.(3)


1 - الأسفار:1/42.
2 - نهاية الدراية:1/94.
3 - كفاية الأُصول:1/84.


(256)

وأوضحه المحقّق الاصفهاني بأنّ ملاك المغايرة في الحمل الأوّلي، هو المغايرة بالاعتبار الموافق للواقع، وفي الحمل الشائع هو المغايرة بالمفهوم.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكروه وإن كان صحيحاً لكنّه ليس ملاكاً ومصححاً للحمل وذلك أنّ مناط الحمل هو الوحدة والهوهوية لا التغاير والاثنينية، فاشتراط وجود التغاير بين الموضوع والمحمول في صحّة الحمل أمر غير صحيح.

نعم يشترط في كون الحمل مفيداً وخارجاً عن اللغو والعبث أن يكون بينهما تغاير إمّا اعتباراً أو إجمالاً وتفصيلاً، أو مفهوماً.

والحاصل: انّ ملاك الحمل هو تناسي التغاير حتى يجوز الحمل بأنّه هو والتوجه إلى التغاير يعوق الإنسان عن الحمل.

نعم الحمل المفيد رهن وجود التغاير بينهما، وإلاّيصير أمراً لغواً، فهؤلاء خلطوا بين ملاك الحمل وكونه مفيداً.

ثمّ إنّه يظهر من صاحب الفصول الاكتفاء بهذا الملاك في مورد يكون التغاير اعتبارياً والوحدة حقيقة، كما في قولك:«هذا زيد» أو «الناطق إنسان» وأمّا إذا انعكس بأن كان التغاير حقيقياً والاتحاد اعتبارياً كقولك: الإنسان جسم، فيحتاج وراء ذلك إلى أمرين آخرين:

الأوّل: أخذ الأجزاء لا بشرط كما في المثالين، ولأجل ذلك لا يصحّ حمل البدن والنفس على الإنسان، ولا يصحّ أن يقال: الإنسان بدن(مكان الجسم)، أو نفس، مكان الناطق.

الثاني: تنزيل الأشياء المتغايرة منزلة شيء واحد وملاحظتها من حيث المجموع والجملة، فتلحقه بذلك الاعتبار وحدة اعتبارية، فيصحّ حمل كلّ جزء من


1 - نهاية الدراية:1/97.


(257)

الأجزاء لا بشرط، عليه. وحمل كلّ واحد منها على الآخر بالقياس إليه نظراً إلى اتحادهما فيه.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ملاحظة التركيب يعطي للمحمول وصف الجزء من الكل، وعندئذ يمتنع حمله عليه كامتناع حمل كلّ جزء على الكلّ، مثل زيد يد أو رجل، اللّهمّ إلاّ بالعناية والمجاز، وإلى هذا الإشكال يشير المحقّق الخراساني بقوله:«بل يكون ذلك مخلاً لاستلزام المغايرة بالجزئية والكلية أي كون الموضوع كلاً والمحمول جزءاً.

وثانياً: انّه خلط بين الأجزاء الحدية والأجزاء الحملية، فلو لوحظ كلّ من الجنس والفصل جزءاً للنوع وتركبه منهما فعندئذ يصير كلّ من الحيوان والناطق من الأجزاء الحدية ولا يصحّ حمل واحد منهما على النوع، وهذا بخلاف ما لو لوحظا على نحو الإبهام على نحو يكون كلّ عين الآخر، وعندئذ يصبحان من الأجزاء الحملية، فيصحّ أن يقال«الإنسان حيوان» فما ذكره من حديث الجزئية والكلية من آثار الأجزاء الحدية لا الأجزاء الحملية.

المسألة الرابعة: مغايرة المبدأ للذات

قد مرّ سابقاً أنّه يشترط في صحّة الحمل أو كونه مفيداً ـ على ما عرفت ـ مغايرة المحمول مع الموضوع، فعند ذلك ربّما يشتبه الأمر على بعضهم من أنّه إذا كان ملاك الحمل هو المغايرة، فكيف تحمل صفاته سبحانه مثل «العالم» و«القادر» عليه سبحانه مع أنّه صفاته تعالى عين ذاته لا تغاير بينهما؟

وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني من أنّ المراد من المغايرة هو التغاير


1 - الفصول:62.


(258)

الاعتباري أو الإجمالي والتفصيلي أو التغاير المفهومي، وكلّ منها لا ينافي الاتّحاد العيني والخارجي، فمفهوم العالم والقادر وإن كان غير مفهوم الموضوع ولكنّهما عينه خارجاً، وعلى هذا لا نحتاج في إجراء الصفات إلى التأوّل بالنقل أو التجوز.

أقول: لو كان محور البحث وروح الإشكال هو ما ذكره المحقّق الخراساني في وجود توهّم التضاد بين شرطية التغاير في صحّة الحمل وعينية صفاته مع ذاته لكان لما أجابه مجال، وذلك لأنّه يشترط في التناقض الوحدات الثمانية وهي هنا منتفية، وذلك لأنّ مصب التغاير هو المفاهيم، ومصب الوحدة هو العينية الخارجية، فلا تصادم بين الكلامين.

وأمّا لو كان محور البحث أمراً آخر وهو أنّ المتبادر من المشتق هو زيادة العنوان على الذات، وعندئذ يصبح جواب المحقّق الخراساني أجنبياً عن البحث، وإليك التفصيل:

إنّ مذهب الحقّ أنّ صفاته تعالى قديمة لا حادثة خلافاً للكرامية.

وانّها عين ذاته لا زائدة عليها خلافاً للأشاعرة.

فالإمامية والأشاعرة يتفقان في كون الصفات قديمة لا حادثة، ولكنّها عند الأشاعرة زائدة على الذات تمسّكاً بظواهر بعض الآيات مثل قوله سبحانه: (أنزله بعلمه) (1) الظاهر في أنّ علمه غير ذاته، ولكن الإمامية قائلة بعينية الصفات، وإلاّيلزم القدماء الثمانية عدد الذات والصفات السبعة الجمالية.

هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ المتبادر من المشتق هو المعنون، لا المبدأ فقط كما عليه الشريف، ولا الذات والنسبة والمبدأ على نحو التفصيل، بل المفهوم الوحداني المنحل عند التعمل إلى ذات وعنوان.


1 - النساء: 166.


(259)

فإذا كان المتبادر من الصفات كالعالم والقادر هو المعنون بما هو معنون يلزم عدم صحّة إجراء الصفات الثبوتية عليه تعالى، لأنّ مقتضى المحمول في قولنا: «اللّه عالم» هو زيادة العنوان على المعنون مع أنّ العقيدة على خلافها.

فلو كان محور البحث هو هذا لأصبح كلام المحقّق الخراساني في «أنّ صفاته وإن كانت عين ذاته خارجاً لكنّه غيرها مفهوماً» أمراً لا صلة له بالإشكال.

نعم يكون كلام صاحب الفصول من الالتزام بالنقل والتجوّز في ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى كلاماً مرتبطاً وإن كان غير صحيح، وذلك لانّا نجري تلك الصفات على اللّه سبحانه كجريها على غيره من دون تجوّز ولا نقل. فعلى ذلك يجب حلّ المسألة من طريق آخر.

ويمكن حل الإشكال بوجهين:

الأوّل: ما أجاب به سيدنا الأُستاذ بأنّه لا يفهم من لفظ العالم إلاّالمعنون من حيث هو كذلك، وأمّا زيادة العنوان على المعنون وقيامه به فهو خارج عن مفهومه، فالمشتق يدل على المعنون، والعينية والزيادة من خصوصيات المصاديق.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ دلالة الهيئة على مغايرة المبدأ لما يحمل عليه ليس أمراً خفياً لقضاء التبادر بذلك.

الثاني: أنّ المتبادر من المشتق هو المعنون، والذات المتلبّسة بالمبدأ، وظاهره زيادة العنوان على الذات، ونحن نجري أوصافه سبحانه عليه بهذا المعنى، ونستعملها في المعنى المتبادر عرفاً بالإرادة الاستعمالية غير انّ البرهان قام على


1 - تهذيب الأُصول:1/228.


(260)

عينية صفاته مع ذاته، فترفع اليد عن هذا الظهور بالدليل العقلي، فالمراد الجدي عند من قام الدليل عنده على العينية، غير المراد الاستعمالي الذي يشترك فيه العالم والجاهل والفيلسوف والمتكلّم.

وقيام البرهان على الوحدة لا يكون سبباً لتغيير اللغة والمتبادر العرفي، غاية الأمر أنّ الأكثرية الساحقة من الناس لا يتوجهون إلى هذه الدقائق، فيستعملون اللفظ فيه سبحانه على النحو الذي يستعملونه في غيره ولا يرون الزيادة مخلّة بالتوحيد.

والحاصل أنّ هنا مقامين:

الأوّل: اللغة، الظهور، والتبادر.

الثاني: العقيدة والبرهان والاستدلال.

وليس من شأن العقيدة تفسير اللغة والمتبادر العرفي، كما أنّه ليس للظواهر أنْ تصادم البراهين العقلية، فلكلّ طريقه ومجراه.

المسألة الخامسة: في قيام المبدأ بالذات

هل يشترط في صحّة الحمل قيام المبدأ بالموضوع أولا؟ وجوه وآراء.

الأوّل: يشترط قيام المبدأ بالذات قياماً حلولياً، وهذا ما عليه الشيخ الأشعري حيث فسّر كونه سبحانه متكلّماً بأنّ التكلّم من صفات الذات القائم بها قياماً حلولياً، وكلامه هو الكلام النفسي لا الكلام اللفظي، ولا ما هو المفهوم من اللفظ.

الثاني: عدم اعتبار قيامه بالذات، بشهادة أنّه يصدق على الفاعل أنّه ضارب ومؤلم مع أنّ الضرب غير قائم بهما بل بالمولم والمضروب.


(261)

الثالث: ما اختاره صاحب الفصول من أنّه يعتبر قيام المبدأ بالذات قياماً أعم من الحلول كما في قولنا «زيد عالم» أو بالصدور كما في «زيد ضارب ومولم» أو بغير هذا النحو من القيام بالوقوع عليه كما في المفعول به أو الوقوع فيه كما في أسماء الزمان والمكان كالمضرب.

نعم لا يشترط على مختاره قيام المبدأ بالذات إذا كان المبدأ ذاتاً لا وصفاً كصفاته سبحانه بالنسبة إلى ذاته، أو كان كمثل اللابن والتامر إذ ليس المبدأ ـأعني: التمر واللبن ـ قائماً ببائعهما.

الرابع: ما اختاره صاحب الكفاية من لزوم قيام المبدأ بالذات وتلبّسها به، غير أن تلبّس كلّ شيء بحسبه، ففي صفاته الجارية عليه تعالى، يكون المبدأ مغايراً له تعالى مفهوماً، وقائماً به عيناً بنحو من القيام لا أن يكون هناك اثنينية أو كان ما بحذائه غير ما بحذاء الذات. وعدم اطّلاع العرف على مثل هذا التلبّس من الأُمور الخفية لا يضر بصدقها عليه تعالى على نحو الحقيقة إذا كان لها مفهوم صادق عليه تعالى حقيقة ولو بنحو من التأمل والتعمل من العقل.

فإن قلت: إنّ مثل هذا التلبّس لا يعد عرفاً من مصاديق القيام وتلبّس الذات به.

قلت: إنّ العرف مرجع في تعيين المفاهيم لا في تطبيقها على مصاديقها.

يلاحظ عليه أوّلاً: إنّ المتبادر في القيام والتلبّس، التعدّد والاثنينية، فإذا كان المبدأ عين الذات في عامّة المراحل، كيف يمكن أن نتصوّر قيام شيء بشيء أو تلبّسه به؟ وما ذكره من التعابير المتكررة نوع تلاعب بالألفاظ وليس له من الحقيقة نصيب.

وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ العرف مرجع لتحديد المفاهيم لا لتعيين المصاديق


(262)

أمر غير تام، بل العرف مرجع في كلا الموردين، ولذلك لا يعدّ لون الدم دماً واجب الاجتناب، وذلك لأنّ لون الدم غير الدم عرفاً وإن كان حسب التحليل الطبي أو العقلي مرتبة من اللون.

والحقّ أن يقال: انّ العقيدة لا تمسّ اللغة ولا تغيّـرها، فنحن نجري صفاته تعالى عليه بما له من المعنى من دون أي نقل وتجوّز، وظاهره زيادة العنوان على المعنون، أو تلبّس الذات بشيء ورائها، أو قيامه بها، لكن دلّ البرهان على أنّ هذا الظهور غير معتبر عقيدة، لدلالة العقل على أنّ صفاته سبحانه عين ذاته.

قال الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «شهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه.(1)

وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «لشهادة كل صفة أنّها غير الموصوف» إشارة إلى ما ذكرناه من المتفاهم العرفي من الصفات، ولكن الإمام نفى الاثنينية بالبرهان، لا بالتصرّف في معاني المشتقات، ولا إشكال في أنّه يستعمله العامي والحكيم في معنى واحد في حقّه سبحانه إرادة استعمالية غير أنّ المراد الجدي لدى الحكيم يغاير الاستعمالي.

وأظن أنّ القوم لو فتحوا باباً خاصّاً للألفاظ ومعانيها، وباباً آخر للعقائد، بحيث لا يكون ظهور اللفظ مبدأً للعقيدة، ولا العقيدة صادمة لظهور اللفظ، لكان أحسن.

والحاصل: نحن نشاطر المحقّق الخراساني الرأي في أنّ الصفات الكمالية، تطلق على الممكن والواجب بمعنى واحد من دون أن يكون في الإطلاق الثاني


1 - نهج البلاغة، الخطبة الأُولى.


(263)

تجوّز أو نقل لكن نختلف معه في أنّه يدّعي انّ مفهوم المشتق الذي هو التلبس والقيام صادق على الممكن والواجب ولا يتنافيان مع عينية صفاته لذاته لأن تلبّس كلّ شيء بحسبه ولا يتوقفان على أن يكون ما بحذاء أحدهما عين الآخر.

ولكنا نجري الصفات عليه تعالى بنفس المفهوم العرفي ولكن نعتقد انّ البرهان لا يوافق هذا الظهور فيكون الظهور مراداً استعمالياً ولكنّ المراد الجدي لمن التفت إلى ذلك، غيره.

المسألة السادسة: في عدم اعتبار التلبّس الحقيقي

ربما يقال بأنّ تلبّس الذات بالمبدأ ليس شرطاً في صحّة الحمل فربّما يكون هناك حمل بلا تلبّس كما في «الميزاب جار» والجريان قائم بالماء مع أنّه حمل على الميزاب.

والجواب: انّ الجريان قائم بالماء حقيقة وبالميزاب ادّعاءً وتنزيلاً، فلا يشترط في القيام والتلبّس، القيام والتلبس الحقيقيّان، بل يكفي التنزيليان منهما، وهذا هو الحال في عامّة المجازات في الاسناد، فلفظ الجاري مستعمل في معناه اللغوي غير أنّ اسناده إلى الميزاب اسناد مجازي لا حقيقي ولا يشترط التلبّس الحقيقي وهذا من الوضوح بمكان.

تمّ الكلام في الأُمور الأربعة عشر التي جعلها

المحقّق الخراساني كالمقدمة الواحدة لمقاصد الكتاب.


(264)


(265)

المقصد الأوّل
في الأوامر

وفيها فصول:

الفصل الأوّل: في مادّة الأمر وفيه جهات من البحث

الفصل الثاني: فيما يتعلّق بصيغة الأمر وفيه مباحث

الفصل الثالث: في أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء

الفصل الرابع: في مقدّمة الواجب

الفصل الخامس: في أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه وفيه أُمور

الفصل السادس: في جواز أمر الأمر مع العلم بانتفاء شرطه

الفصل السابع: في تعلّق الأوامر بالطبائع أو الافراد

الفصل الثامن: إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز؟

الفصل التاسع: في الواجب التخييري وحلّ مشاكله

الفصل العاشر: في الواجب الكفائي

الفصل الحادي عشر: في المطلق والمؤقت، والموسع والمضيّق

الفصل الثاني عشر: في الأمر بالأمر بفعل، هل هو أمر بالفعل ؟

الفصل الثالث عشر: الأمر بالشيء بعد الأمر به، ظاهر في التأكيد أو التأسيس


(266)


(267)

الفصل الأوّل

مادة الأمر

وفيه جهات من البحث:

الجهة الأُولى: معنى لفظ الأمر لغة

قد ذكروا للفظ الأمر معان متعددة:

أ. الطلب، كما يقال أمره بكذا.

ب. الشأن، كما يقال شغله أمر كذا.

ج. الفعل كما في قوله:(وَما أَمْرُ فِرعَونَ بِرَشيد).(1)

هـ.الفعل العجيب كما في قوله: (وَلَمّا جاءَأَمْرُنا) .(2)

و . الغرض كما يقال: جاء زيد لأمر كذا.

ز. الحادثة كما يقال: وقع الأمر.

ولا شكّ أنّ ما ذكروه من التفاصيل من باب خلط المصداق بالمفهوم كما هو الحال في أكثر المعاجم اللغوية حيث ذكروا للفظة«القضاء» معاني عشرة مع أنّه ليس له إلاّ معنى واحد وهو إتقان الفعل، وما ذكر من المعاني مصاديق له: كقوله سبحانه: (وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تعبُدُوا إِلاّّ إِيّاه) (3). فانّ التشريع الإلهي بما أنّه يتمتّع


1 - هود:97.
2 - هود:58.
3 - الإسراء:23.


(268)

بالإتقان استعمل في حقّه القضاء أي الحكم المتقن. ومثله المقام فانّ قسماً من هذه المعاني من المصاديق وبعضها من الوضوح بمكان، فانّ الغرض في قوله: «جاء زيد لأمر كذا» مستفاد من اللام فالمدخول مصداق الغرض لا مفهومه، وهكذا في قوله سبحانه: (فَلَمّا جاءَأَمْرنا) فالمدخول مصداق للتعجب لا مستعمل في مفهومه.

بقي الكلام في تحديد معنى الأمر، فهناك آراء نشير إلى بعضها.

انّه موضوع لمعنيين:

الطلب والشأن وهو خيرة صاحب الفصول

الطلب والشيء وهو خيرة المحقّق الخراساني

الطلب والفعل وهو المختار عندنا

أمّا الأوّل: فقد استند صاحب الفصول في كون الشأن من معاني الأمر إلى قول القائل: «شغلني أمر كذا» مع أنّه من المحتمل أن يكون المراد هو الفعل أي شغلنا فعل كذا، كما اعتمد المحقّق الخراساني في استعماله في الشيء على قول القائل: رأيت اليوم أمراً عجيباً، مع أنّه من المحتمل أن يكون الأمر بمعنى الفعل.

أضف إلى ذلك انّه لو كان الأمر بمعنى الشيء يلزم صحّة استعمال أحد المترادفين مكان الآخر، فكما يقال: «اللّه شيء» و«العقل شيء»، يجب أن يصحّ القول بأنّ اللّه أمر، والعقل أمر ، كلّ ذلك يعرب عن عدم كون الأمر بمعنى الشيء.

هذا كلّه حول القولين، وأمّا القول الثالث أي كون المعنى الثاني للأمر هو الفعل، فيكفي في ذلك قولـه سبحانـه: (إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُـونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا


(269)

لا يُبْدُونَ).(1)

أي كلّما يجري في الكون من السنن التي هي من أفعاله سبحانه بيد اللّه، وقوله: (قُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُور) .(2)

وقوله:(وشاوِرْهُمْ فِي الأَمر)(3) أي شاور هؤلاء في أُمورك وأفعالك وما تفعل وما تترك.

ثمّ إنّ الأمر بمعنى الطلب بالقول المخصوص يجمع على أوامر، كما أنّه بمعنى الفعل يجمع على أُمور.

نعم لو قلنا بأنّ الأمر هو نفس الأمر المخصوص فلا يصحّ منه الاشتقاق لكونه معنى جامداً غير قابل للسيلان، بخلاف ما إذا قلنا إنّه حقيقة في الطلب بالقول المخصوص.

ثمّ إنّ الثمرة تظهر فيما لو ورد لفظ الأمر في الكتاب والسنّة ولم يعلم المقصود منه، فعندئذ تصل النوبة إلى الأُصول العملية، فلو كان للحكم حالة سابقة يستصحب، وإلاّ فلو كان الشكّ في التكليف، يقع مجرى للبراءة وإلاّ، يقع مجرى الاشتغال .

الجهة الثانية: في اعتبار العلو والاستعلاء

هل يعتبر العلو والاستعلاء في صدق مفهوم الأمر، أو لا يعتبران أو فيه تفصيل؟ فيه أقوال وآراء:

الأوّل: اعتبار العلو دون الاستعلاء.

الثاني: اعتبار أحدهما.


1 - آل عمران:154.
2 - البقرة:210.
3 - آل عمران:159.


(270)

الثالث: اعتبار كليهما وهذا هو المختار.

الرابع: عدم اعتبار واحد منهما.

وإليك دراسة الكلّ واحداً تلو الآخر.

أمّا القول الأوّل: فهو خيرة المحقّق الخراساني، فذهب إلى اعتبار العلو في معنى الأمر فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمراً، ولو أطلق عليه الأمر، كان بنحو من العناية.

كما أنّ الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء، فيكون الطلب من العالي أمراً ولو كان مستخفضاً بجناحه.

أقول: ما ذكره قدَّس سرَّه من اعتبار العلو لا غبار عليه، والدليل عليه هو التبادر، فانّ في لغة العرب ألفاظاً ثلاثة لكلّ مورده:

1. الأمر، ويرادفه في اللغة الفارسية «فرمان».

2. الالتماس، وهو طلب المساوي من المساوي .

3. السؤال، وهو طلب السافل من العالي.

فالأوّل هو الطلب الصادر من العالي، والثاني هو الطلب الصادر من المساوي، والثالث هو الطلب الصادر من السافل.

وهذا يُثبت دخول العلو في مادة الأمر وأمّا عدم اعتبار الاستعلاء فلم يذكر عليه دليلاً وسيوافيك اعتباره أيضاً.

وأمّا القول الثاني: فقد نقله في «الكفاية» وضعّفه، وحاصل استدلاله أنّه يكفي أحدهما، أمّا العلو فلما مرّ، وأمّا كفاية الاستعلاء فلأجل تقبيح العقلاء، الطالب السافل من العالي المستعلي عليه، وتوبيخه لأجل أنّه يصدق عليه الأمر.

وردّه بقوله: إنّ التوبيخ ليس على الأمر، بل على استعلائه حقيقة، ولو أطلق


(271)

عليه الأمر فإنّما هو بالمشاكلة، أو لكونه بصورة الأمر لأنّه مقتضى استعلائه .

وأمّا القول الثالث: أعني: اعتبار كليهما، فهذا هو المختار أمّا العلو فواضح لما عرفت من التبادر.

وأمّا الاستعلاء فنمنع صدق الأمر على طلب العالي من السافل بلسان الاستدعاء، وذلك لأنّ مورد البحث هو ما إذا صدر الطلب بلسان المولوية والعبودية، وفي مثله يعتبر الاستعلاء، ولو كان الكلام خارجاً عن تلك الدائرة فلا يطلق عليه انّه الأمر بل يطلق عليه الاستدعاء حتى ولو صدر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويشهد لذلك ما رواه ابن عباس حيث إنّ بريرة كانت زوجة للعبد فلما اعتقت كان لها الخيار ـ حسب الحكم الشرعي ـ بين البقاء على حبالة زوجها أو المفارقة، فاختارت هي، المفارقة; فاتّصل زوجها بعمّ النبي العباس بن عبد المطلب ليكلّم النبي حتى يأمرها بالبقاء، فلمّـا كلمها النبي، وقال لها: «إنّه زوجك» فقالت بريرة: أتأمرني يا رسول اللّه ؟ فقال: لا، إنّما أنا شافع، قال: فخيّـرها، فاختارت نفسها.(1)

ترى أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لما يخاطبها، بقوله:«إنّه زوجك»، الظاهر في أنّ الإبقاء مع حبالة الزوج السابق، كان مورد رغبة النبي، فسألته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقالت: أتأمرني بكلامك هذا؟ فنفى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الأمر وأثبت الشفاعة، فلو كان وجود العلو كافياً في صدق الأمر لما كان لبريرة السؤال عن مقصود النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لملازمة العلو وحده مع الأمر.

وهذا ـ أي سؤالها عن مقصود النبي ـ يدلّ على أنّ خطاب العالي على قسمين:

قسم يكون مقروناً بالاستعلاء فيكون أمراً، وقسم آخر يكون بلسان الاستدعاء فيكون شفاعة.


1 - مسند أحمد:1/215.


(272)

وأمّا القول الرابع: فهو خيرة المحقّق البروجردي القائل بعدم أخذ واحد منهما في صدق الأمر مستدلاً، بقوله: إنّ حقيقة الطلب على قسمين: قسم يطلب فيه انبعاث المطلوب منه من نفس الطلب، بحيث يكون داعيه ومحرّكه إلى الامتثال صرف هذا الطلب، وهذا ما يسمّى أمراً.

وقسم يقصد فيه انبعاث المطلوب منه من الطلب منضماً إلى بعض المقارنات التي توجب وجود الداعي في نفسه، كطلب المسكين من الغني، وهذا القسم من الطلب يسمّى التماساً(1) والقسم الأوّل يناسب العالي. ولا يراد منه كون الطالب عالياً، مأخوذاً في مفهوم الأمر، حتى يكون معنى «آمرك بكذا» أطلب منك وأنا عال.

فعلى هذا فحقيقة الطلب على قسمين غاية الأمر أنّ القسم الأوّل منه حقّ من كان عالياً، ومع ذلك لو صدر عن السافل بالنسبة إلى العالي كان أمراً أيضاً ولكن يذمّه العقلاء على طلبه بالطلب الذي ليس شأناً له فيقولون أتأمره؟! كما أنّ القسم الثاني يناسب شأن السافل، ولو صدر عن العالي أيضاً لم يكن أمراً فيقولون لم يأمره بل التمس منه ويرون هذا تواضعاً منه.(2)

يلاحظ عليه: أنّ تقسيم الطلب إلى قسمين، وإن كان تقسيماً صحيحاً، لكن الكلام في كيفية وضع لفظ الأمر للقسم الأوّل فما هو المخصص لعدم شموله للقسم الثاني، فلابدّ أن يضمّ إلى معنى الطلب شيء آخر حتى يصدّه عن الشمول للقسم الآخر، فما هو ذاك القيد؟ فهل هو:

1. ما يكون الانبعاث من نفس الطلب، وهو كما ترى.


1 - طلب السافل من العالي يسمّى سؤالاً ودعاءً لا التماساً.
2 - نهاية الأُصول:1/75ـ76 بتلخيص.


(273)

2. ما يكون الطالب، عالياً بالنسبة إلى المطلوب منه.

ولا ثالث، والثاني هو المتعيّن، ولا يعني هذا القول دخول العلو بالمعنى الاسمي في مدلول الأمر حتى يكون معنى قوله: «آمرك» أي أطلب منك وأنا عال، ولو فسّر بذلك فهو من قبيل زيادة الحدّ على المحدود، بل يراد دخوله على وجه الإجمال وعلى نحو المعنى الحرفي.

الجهة الثالثة: في دلالة مادة الأمر على الوجوب

اختلفت كلمتهم في أنّ لفظة الأمر حقيقة في الوجوب، أو مشترك معنوي بينه و بين الوجوب .

ذهب المحقّق الخراساني إلى الأوّل، واستدلّ عليه بوجوه تالية:

1. انسباق الوجوب منه عند الإطلاق.

2. الأمر بالحذر من مخالفة أمر الرسول، كقوله سبحانه: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أَليم)(1) والضمير في «أمره» يرجع إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لما تقدم من قوله سبحانه: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَينكُمْ كَدُعاءِ بَعْضكُمْ بَعْضاً)(2) و«المخالفة» يتعدى بنفسه يقال خالف أمره ، ولكن جاءت هنا مقروناً بـ«الجارّ» لتضمنها معنى الإعراض، أي يعرضون عن أمر الرسول.(3)

3. وقوله: «لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك»(4) الدالّ على أنّ الأمر


1 - النور:63.
2 - النور:63.
3 - مجمع البيان:4/158 ط صيدا.
4 - وسائل الشيعة: الجزء2، الباب 3 من أبواب السواك، الحديث 4.


(274)

يلازم المشقة وهي آية الوجوب.

4. قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لبريرة بعد قولها :أتأمرني يا رسول اللّه؟ قال: «لا إنّما أنا شافع» أي أتلزمني بالبقاء مع الزوج؟ فأجاب: لا.

5. وصحّة توبيخ العبد الذي خالف أمر المولى، كقوله سبحانه: (ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذ أَمَرْتُك) .(1)

6. والإيعاد بالسجن عند المخالفة، كقوله سبحانه حاكياً عن امرأة العزيز:(وَلئن لَمْ يَفْعَل ما آمره لَيُسْجَنَنّ) .(2)

ثمّ إنّه قدَّس سرَّه أجاب عن أدلة القائلين بالاشتراك المعنوي حيث استدلّوا بالوجوه التالية:

أ: الأمر ينقسم إلى الإيجاب والاستحباب والتقسيم آية أنّه حقيقة في الجامع بينهما.

يلاحظ عليه: أنّ التقسيم بنفسه قرينة على أنّ المراد من المقسم هو الأعم من الوجوب، والكلام فيما لا يكون هناك قرينة.

ب: انّ الأمر يستعمل في الوجوب والندب فلو لم يكن موضوعاً للقدر المشترك بينهما لزم أن يكون إمّا مجازاً في الندب أو مشتركاً لفظياً وكلاهما على خلاف الأصل.

يلاحظ عليه: بأنّه لا دليل على هذه الترجيحات ـ كما تقدّم في تعارض الأحوال ـ فانّ الأُصول اللفظية إنّما يحتجّ بها فيما إذا كان الشكّ في المراد لا في مثل المقام حيث إنّ الهدف تبيّن كيفية الإرادة، وانّها هل على نحو الحقيقة أو الأعمّ منها ومن المجاز؟ إلى غير ذلك.


1 - الأعراف:12.
2 - يوسف:32.


(275)

ج: انّ فعل المندوب طاعة، وكلّ طاعة فهو فعل المأمور به، ففعل المندوب، فعل المأمور به.

يلاحظ عليه: منع الكبرى لو أُريد من المأمور به، المعنى الحقيقي أي فعل الواجب، ولو أُريد الأعم منه ومن غيره لا يثبت المدعى. هذا توضيح ما في الكفاية.

هناك نكتة مهمة كان على صاحب الكفاية التنبيه عليها، وهي:

أنّه لا شكّ في استفادة الوجوب من لفظة الأمر ومن مرادفه في الفارسية(فرمان) إنّما الكلام في مَنْشَئِها، فهل الوجوب مدلول لفظي وضعي، بمعنى أنّ لفظه موضوع للوجوب، أو هو مقتضى الإطلاق وانّ الوجوب لا يحتاج إلى بيان زائد، بخلاف الندب، فإذا لم يكن هناك بيان زائد يحمل على الوجوب، أو لا هذا ولا ذاك، بل هو مقتضى حكم العقل؟ هنا احتمالات ثلاثة ندرسها.

لا سبيل إلى الأوّل، إذ ليس الوجوب والندب من مداليل لفظ الأمر، بل الكل من المفاهيم الانتزاعية، فانّ لفظ الأمر وضع لنفس الطلب وحده، وإنّما ينتزع الوجوب من استعماله مقروناً بشيء يدل على شدّة رغبة المولى بالفعل وعدم رضاه بتركه، كما أنّ الندب ينتزع من استعماله مقروناً بما يدل على خلاف ذاك.(1)

نعم الاحتمال الثاني قريب بناء على إلقاء الأمر(2) بلا قرينة دالة على الندب كاف في بيان الوجوب، بخلاف الندب فهو رهن بيان زائد من تجويز المخالفة وسيوافيك أنّ مقتضى صيغة الأمر هو كونه نفسيّاً، عينياً تعيينياً، لأنّها لا تحتاج إلى


1 - وسيوافيك تفصيله في دلالة صيغة الأمر على الوجوب أو الندب والكلام في المقام في لفظ «الأمر» فلا يختلط عليك البحث.
2 - من فرق بين لفظ الأمر وصيغته.


(276)

بيان زائد سوى الأمر والبعث، بخلاف مقابليها فانّها رهن القيود التي تفيد انّ الأمر غيري لا نفسي، أو كفائي لا عيني، أو تخييري لا تعييني، وسيأتي توضيح ذلك في محله العاجل.

والاحتمال الثالث هو الأقرب وهو حكم العقل بأنّ أمر المولى لا يترك بلا جواب، وانّه يلزم تحصيل المُؤمِّن من العقوبة، ولا يجوز تركه باحتمال انّه يرضى لتركه.

ولذلك، يجب العمل بالأمر إلاّإذا دلّ الدليل على الترخيص، فيكون الوجوب من المداليل العقلية، لا اللفظية الوضعية، ولا الإطلاقية.

الجهة الرابعة: في أنّ الموضوع له هو الطلب الإنشائي

لما اختار المحقّق الخراساني أنّ مفاد الأمر، هو الطلب، حاول بيان واقع هذا الطلب وأنّ المراد منه هو الطلب الإنشائي لا الحقيقي الذي يقال له الطلب بالحمل الشائع الصناعي.

ولا يختص هذا البحث بمادة الأمر، بل يعم صيغته فانّها أيضاً موضوعة ـ حسب مختاره ـ للطلب، وانّ المراد منه هو الإنشائي، لا الحقيقي .

وعلى هذا كان الأنسب إيراده في الفصل الثاني المختص بصيغة الأمر، وأن يبحث عن مفاد الأمر بمادته وصيغته بصفقة واحدة.

وعلى كلّ تقدير، انّ الطلب على قسمين:

1. اعتباري إنشائي.

2. واقعي حقيقي.

والذي يمكن إنشاؤه باللفظ هو المعنى الاعتباري منه، لا الحقيقي كما هو


(277)

الحال في عامّة الإنشائيات، فانّ الزوجية الحقيقية غير قابلة للإنشاء، بل القابل له، هو الاعتباري المنتزع من الحقيقي بنوع من التشبيه.

وكذا الرئاسة، فمنها تكويني وقد منح اللّه سبحانه الرأس تدبير الأعضاء فهو يدير ويدبّر تكويناً، ومنها اعتباري وهو المدير المنصوب لإدارة مجتمع خاصّ، يأمر وينهى.

والتكويني من كلّ هذه الأُمور، رهن علّة تكوينية، فاللّه سبحانه خلق العين والأُذن زوجين، بخلاف الاعتباري منه، فهو رهن ترتّب غرض عقلائي لاعتباره وفرضه، فالرجل الهندي يتزوج امرأة إيرانية، وبينهما من حيث الموطن والثقافة، بعد المشرقين، لكن الاعتبار يفرضهما زوجين يتساهمان في الحياة حلوها ومرّها.

ونظير ذلك، الإرادة، فمنها حقيقيّة تتجلّـى في الذهن بعد مقدّمات، من تصوّر الشيء المراد والتصديق بفائدته، والميل إليه، و... إلى أن تنتهي تلك الأُمور إلى استتباعها حركة العضلات، نحو إنجاز العمل أو نحو الأمر به فالإرادة التكوينية، رهن علّة تكوينية توجب ظهورها على لوح النفس.

كما أنّ منها قسماً إنشائياً، يفرض لأجل ترتب غرض عقلائي عليه فقول المولى:«افعل» أو آمرك بكذا إنشاء للإرادة باللفظ على غرار الإرادة التكوينية، غير انّها تفترق عن الثانية، انّ الإرادة الحقيقية أمر واقعي ظاهر على لوح النفس، بخلاف الأُخرى فهي صرف اعتبار وفرض.

وعلى ضوء ذلك فالطلب والإرادة كفرسي رهان في عامّة المجالات والمظاهر من حيث المفهوم والمصداق والإنشاء.

الف: فالطلب والإرادة يتّحدان مفهوماً وبينهما من الحمل، الحمل الأوّلي.

ب: الطلب والإرادة يتّحدان مصداقاً، فالظاهر في لوح النفس طلب وإرادة بالحمل الشائع.


(278)

ج: الطلب والإرادة يتّحدان إنشاءً، فالمنشأ بلفظ الأمر أو افعل أمر واحد، له اسمان لكن كلّما أُطلق الطلب ينصرف إلى القسم الإنشائي من هذه الأقسام، وكلما أُطلقت الارادة تنصرف إلى القسم الحقيقي منها.

ولعلّ بعض من ذهب إلى تعدّد الطلب والإرادة، وعدم وحدتهما، أراد مغايرة الإنشائي من الطلب، مع الفرد الحقيقي من الإرادة وإلاّ فلا وجه للتعدد.

ويشهد على الوحدة أنّ الإنسان إذا حاول أن يفعل شيئاً مباشراً، أو يقوم به غيره نيابة لم يجد في قرارة ذهنه، سوى شيئاً واحداً يعبّر عنه تارة بالطلب التكويني وأُخرى بالإرادة الحقيقية، ولذلك ذهب الأصحاب إلاّ من شذّ إلى وحدتهما في مجال التكوين والحقيقة، كوحدتهما في عالم المفهوم والإنشاء، ومن ذهب من الأصحاب إلى التعدّد، فإنّما أخذ من الطلب، الجانب الإنشائي ومن الإرادة القسم الحقيقي، ولا شبهة في مغايرتهما، إنّما الكلام مقايسة كلّ إلى الآخر في رتبة واحدة.

وليس هذا من خصائص الطلب والإرادة، بل الأمر كذلك في مورد النهي فلا تجد في لوح النفس إلاّ أمراً واحداً كالكراهة وليس شيء آخر سواها حتى تسمّيه بلفظ آخر، خلافاً لمورد الأمر حيث نجد هناك لفظين مختلفين، لكن يشير إلى معنى واحد.

ومثلهما: الترجّي والتمنّي، بل الجمل الخبرية، فليس في مورد الجميع سوى أمر نفساني، يعبّر عنه في مورد الإنشاء بالترجي والتمنّي، وفي مورد الخبر بالعلم، فليس في عامة الموارد ـ إنشائية أو إخبارية ـ سوى أمر واحد، ويعبّر عنه بلفظ واحد كما هو الغالب أو بلفظين كما في مورد الأمر.

هذا توضيح ما في «الكفاية» مع ما في تعبيره من التعقيد.


(279)

و كان عليه قدَّس سرَّه الإشارة إلى نكتة مهمة وهي ما هو السبب لطرح هذه المسألة؟ أي: وحدة الطلب والإرادة أو تعددهما.

ولأجل إزاحة النقاب عن وجه الحقيقة يلزم البحث في النقاط التالية:

أ. ما هو السبب لطرح هذه المسألة في علم الكلام؟

ب. ما هو المراد من الكلام النفسي الذي أعقب طرحَ تلك المسألة؟

ج. الأدلة الأربعة للأشاعرة على إثبات الكلام النفسي ونقدها.

د. ما معنى كونه سبحانه متكلّماً عند المعتزلة والإمامية؟

هـ. ما هو موقفنا من المسألة المطروحة: وحدة الطلب والإرادة؟

وإليك البحث فيها واحدة تلو الأُخرى.

الأُولى: ما هو السبب لطرح هذه المسألة في علم الكلام؟

ربّما يسأل الإنسان نفسَه عما هو السبب لطرح مسألة وحدة الطلب والإرادة (كما عليه الإمامية والمعتزلة) أو تعددهما(كما عليه الأشاعرة) وما دور تلك المسألة في علم الكلام؟

ويعلم السبب من خلال الوقوف على سيرها التاريخي.

إنّ صفاته سبحانه تنقسم إلى ذاتي وفعلي، والمائز بينهما هو أنّ الأوّل أُحادي التعلّق، بمعنى أنّه لا يقبل النفي والإثبات، وهذا كالعلم والقدرة، فهو سبحانه يعلم ويقدر على الإطلاق ولا يصحّ أن يقال ولو في مورد خاص لا يعلم ولا يقدر عليه، وهذا بخلاف صفات الفعل المنتزعة من إيجاده سبحانه وخلقه، فهي ثُنائية التعلّق، أي تقبل النفي والإثبات ويقال: يُحيي ولا يحيي ، يميت ولا يميت، يخلق ولا يخلق، ولو باعتبار تعلّق أحدهما بموجود والآخر بغيره.


(280)

وقد ذكر شيخنا الكليني ذلك الميزان في كتاب الكافي حيث قال: ألا ترى انّا لا نجد في الوجود مالا يُعلم ولا يُقدر عليه وكذلك صفاته الذاتية الأزلية، فلسنا نصفه بقدرة، وعجز، وعلم، وجهل، وسفه، وحكمة، وعزة، ودولة. ولكن يجوز أن يقال: يُحب من أطاعه، ويُبغض من عصاه، ويُوالي من أطاعه، ويُعادي من عصاه، وانّه يرضى و يسخط، إلى آخر ما أفاد.(1)

هذا وقد اختلفت كلمة أهل العلم في صفة التكلّم، فأهل الحديث أي أتباع أحمد بن حنبل(المتوفّى عام 241هـ) والأشاعرة الذين يقتفون أثر الشيخ أبي الحسن الأشعري (260ـ 324هـ) على أنّها من صفات الذات كالعلم،والقدرة والإرادة،وهي غير هذه الثلاثة.

واختارت الإمامية والمعتزلة أنّها من صفات الفعل وإن اختلفت الطائفتان في كيفيّة تقرير كونها من صفات الفعل بعد الاتفاق على عدم كونها من صفات الذات، وسيوافيك الفرق بين التقريرين.

ولما كان القول بأنّ التكلّم من صفات الذات مستلزماً لكونه قديماً كالذات ذهب أهل الحديث والأشاعرة برُمّتهم إلى أنّ كلامه سبحانه قديم ليس بمخلوق .

قال أحمد بن حنبل: القرآن كلام اللّه ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام اللّه عزّ وجلّ ، ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم بأنّ ألفاظنا وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام اللّه، فهو جهمي،ومن لم يُكفّر هؤلاء القوم فهو مثلهم.(2)

وعلى هذا اتّفقت الحنابلة والأشاعرة على أنّ التكلّم وصف ذاتي قديم، و كلامه مثل ذاته قديم، وبالتالي: القرآن قديم.


1 - الكافي:1/111.
2 - السنة:49.


(281)

وبذلك تشبّهوا في كلامهم هذا من غير وعي بقول النصارى، حيث قالوا: بأنّ المسيح كلمة اللّه وهي قديمة، وهؤلاء أيضاً قالوا بأنّ القرآن كلام اللّه وهو قديم، وقد أثبتنا في بحوثنا الكلامية أنّ القول بأنّ التكلّم من صفات الذات وانّ كلامه قديم والقرآن أمر غير حادث، إنّما تسرّب من قبل علماء النصارى الذين كان لهم صلة وثيقة بعلماء البلاط الأموي والعباسي.(1)

ثمّ بعد الاتّفاق بأنّ التكلّم من صفات الذات اختلفت الأشاعرة والحنابلة في تفسير تلك الصفة، فالحنابلة قالوا بأنّ كلامه وحروفه وجمَله وأصواته قديمة حالّة في الذات(2)، ولما كان هذا القول واضح البطلان، حاول الإمام الأشعري ـ لما تاب عن الاعتزال والتحق بأهل الحديث ـ حاول أن يصحح عقيدة أهل الحديث بكون التكلّم من صفات الذات وانّه قديم بقدم الذات، خالياً عن تلك الوصمة العالقة بعقيدة أهل الحديث، وذلك من خلال تفسير كلامه بالكلام النفسي.

وكان من نتائج القول بالكلام النفسي هو تعدد الطلب والإرادة، وسيوافيك عند دراسة أدلة الأشاعرة انّ القول بالكلام النفسي يلازم تعدد الطلب والإرادة.

الثانية: ما هو المراد من الكلام النفسي؟

إنّ الكلام النفسي الذي طرحه الإمام الأشعري في تفسير كلامه سبحانه قد اكتنفه غموض كثير، حتى أنّ المحقّق الطوسي وصفه بأنّه غير معقول،وقال: والنفساني غير معقول.(3)

وقد نقل الشريف المرتضى عن شيخه المفيد أنّه كان يقول: ثلاثة أشياء لا


1 - انظر كتاب بحوث في الملل والنحل:3/379، لشيخنا الأُستاذ (مد ظله).
2 - شرح المواقف:8/92.
3 - كشف المراد: قسم الإلهيات:32.


(282)

تُعقل، وقد اجتهد المتكلمون في تحصيل معانيها من معتقديها بكلّ حيلة فلم يظفروا منهم إلاّ بعبارات تناقض المعنى فيها مفهوم الكلام، اتحاد النصرانية يعني التثليث مع ادّعاء التوحيد، وكسب النجارية، وأحوال البهشمية.(1)

وكان على الشيخ المفيد أن يعطف عليها الكلام النفسي.

وعلى الرغم من ذلك ففي الأشاعرة من تصدّى لتفسيره، منهم:

1. قال العضدي في «المواقف»: هو المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ ونقول هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته تعالى، وهو غير العبارات، إذ قد تختلف بالأزمنة والأمكنة، ولا يختلف ذلك المعنى النفسي.(2)

2. الفاضل القوشجي في شرحه على تجريد الاعتقاد، فقال: إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك، يجد في نفسه معاني يعبر عنها بالألفاظ التي يسمّيها بالكلام الحسّي، فالمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الذي نسمّيه الكلام النفسي.(3)

3. وقال الفضل بن روزبهان(المتوفّى عام 927هـ) في ردّه على كتاب العلاّمة باسم كتاب نهج الحقّ:

إذا أراد المتكلّم بالكلام، فهل يفهم من ذاته أنّه يزوّر ويرتب المعاني فيعزم على التكلم بها، كما انّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فانّه يرتب معاني وأشياء ويقول في نفسه سأتكلم بهذا؟ فالمنصف يجد في نفسه هذا ألبتة.(4)


1 - الفصول المختارة: 2/128ـ129 ط النجف الأشرف.
2 - شرح المواقف:8/94.
3 - شرح التجريد للقوشجي:420.
4 - محمد حسين المظفر، دلائل الصدق:1/146.


(283)

ما ذكره هؤلاء الأعلام أوضح شيء وقفت عليه في الكتب الكلامية للأشاعرة. ومع ذلك كلّه فما ذكروه لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنّ التكلّم عندهم من صفات الذات وصفة التكلّم عندهم غير صفة الإرادة والعلم، وما ذكروه من المعاني المنتظمة في النفس التي لاتختلف مع اختلاف اللغات ترجع إلى أحد الأمرين:إمّا معاني إخبارية فترجع إلى التصور والتصديق، أو إنشائية فترجع إلى الإرادة والكراهة ونظائرهما من الترجي والتمني والاستفهام، فعندئذ يكون الكلام النفسي من فروع العلم في الإخبار،وفروع الإرادة والكراهة في الإنشائيات.

وبذلك أصبح الكلام النفسي بين الأُحجيّة واللغز وما يرجع إلى العلم والإرادة.

إلى هنا تمّ الكلام في النقطة الثانية.

الثالثة: أدلّة الأشاعرة على الكلام النفسي

استدلّت الأشاعرة على وجود الكلام النفسي بوجوه نذكر منها أربعة:

الأوّل :استدلّ السيد الشريف على الكلام النفسي وتبعه الفضل بن روزبهان في شرحه على كتاب «نهج الحقّ» للعلاّمة الحلي بأنّ الرجل قد يأمر بما لا يريده، كأمره للاختبار فليس فيه الإرادة ولكن يطلق عليه الأمر، وهذا دليل على وجود شيء في النفس المصحح لإطلاق الأمر عليه، وليس هو إلاّالطلب وهو الكلام النفسي.(1)

فهذا الدليل متضمّن لإثبات الكلام النفسي كما يتضمن تعدد الإرادة والطلب.

والجواب: أنّ الأوامر الاختبارية على قسمين:


1 - شرح المواقف:8/94.


(284)

قسم تتعلّق الإرادة فيه بنفس المقدمة، ويكون نفس الفعل غير مراد، كما هو الحال في الأمر بذبح إسماعيل، فانّ المقصود هو ترفيع إبراهيم بهذا العمل حتى يُؤثر رضا ربِّه على عواطفه النفسية، وهذا يتم بالتهيؤ للعمل من خلال الإتيان بالمقدمات ولذلك لما جاء إبراهيم بالمقدمات أُوحي إليه (قَدْ صَدَّقْتَ الرُُّّؤيا).(1)

ففي هذا القسم نمنع عدم وجود الإرادة، بل هي موجودة متعلّقة بالمقدمة، وبذلك ينخرم الاستدلال، لأنّه مبني على عدم وجود الإرادة حتى يثبت بذلك وجود شيء آخر باسم الطلب الذي يصحِّح صدق الأمر.

وقسم آخر تتعلّق الإرادة بنفس الإنشاء دون المقدّمة ولا ذيها، وهذا كما إذا أمر الوالد ولده بالأمر لغاية تدريبه للرئاسة وتدبير الأُمور، ففي هذا المقام أيضاً الإرادة موجودة لتعلّقها بنفس الأمر بالأمر.

وبذلك ظهر أنّه ليس في الأوامر الاختيارية مورد يفقد الإرادة حتى نحتاج في تصحيح الأمر إلى شيءثان باسم الطلب.

الثاني: انّ العصاة والكفّار مكلّفون بما كُلّف به أهل الطاعة والإيمان، وتكليفهم لا يكون ناشئاً من إرادة اللّه سبحانه، وإلاّ لزم تفكيك إرادته عن مراده، فلابدّ أن يكون هناك مبدأ آخر للتكليف وهو الطلب. وهذا يدل على تغاير الإرادة والطلب أوّلاً، ووجود صفة أُخرى في ذاته غير الإرادة.

وحاصل الاستدلال : أنّ الأمر في مورد العصاة والكفّار لا يخلو من حالتين:

1. إمّا أن تكون هناك إرادة من اللّه بالنسبة إليهما.

2. أو لا تكون إرادة منه إليهما.


1 - الصافات:105.


(285)

فعلى الأوّل يكون هؤلاء مكلفين لكن يلزم تفكيك المراد من الإرادة، بشهادة المخالفة.

وعلى الثاني يلزم عدم كونهم مكلفين فلا يصحّ العقاب.(1)

فلا محيص عن القول بأنّهم مكلّفون لا بملاك الإرادة بل بملاك الطلب، وتفكيكه عن المطلوب غير ضائر.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بالتفكيك بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، بأنّ ما لا ينفك عن المراد هي الأُولى من الإرادتين دون الثانية،وإليك نص كلامه حيث قال:

إنّ استحالة التخلّف إنّما تكون في الإرادة التكوينية وهو العلم بالنظام على النحو الكامل التام دون الإرادة التشريعية وهو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف، ومالا محيص عنه في التكليف إنّما هو هذه الإرادة التشريعية لا التكوينية.(2)

ثمّ إنّه قدَّس سرَّه أورد في مسألة أُخرى وهي أنّ سبب الإطاعة والإيمان هو موافقة الإرادة التشريعية من اللّه مع الإرادة التكوينية منه، فعندئذ يختار العبد الإيمان والطاعة، وسبب الكفر والعصيان مخالفة الإرادة التشريعية مع التكوينية منه سبحانه، فالتشريعية تتعلّق بالإيمان والطاعة، والتكوينية منه تتعلق بالخلاف فيصدر منه الكفر والعصيان.

أقول: إنّ ما ذكره ذيلاً خارج عمّا هو المطلوب في المقام ولذلك نرجئه إلى المقام الثاني الذي يأتي بعد الفراغ عن مسألة وحدة الطلب والإرادة وتعدّدهما.

ولو كان قدَّس سرَّه مقتصراً بما قبل الذيل لأغنانا عن الخوض في المسألة الثانية غير أنّ كلامه في الذيل جرّه إلى البحث عن الجبر والاختيار إلى أن وصل إلى مقام


1 - شرح المواقف:8/95.
2 - الكفاية:1/99.


(286)

انكسر رأس يراعه، ونحن نرجع إلى ذلك البحث بعد الفراغ من وحدة الطلب(1) والإرادة وعدمها.

وعلى كلّ حال فما ذكره في الجواب غير صحيح لوجهين:

الأوّل: أنّ تفسير الإرادة في كلا الموردين بالعلم تفسير خاطئ لاستلزامه إنكار الإرادة في ذاته ـ تقدّست أسماؤه ـ والفاعل الفاقد للإرادة أشبه بالفاعل غير المختار، وهو إنكار لذات جامعة لجميع الصفات الجمالية والجلالية.

الثاني: انّ ظاهر كلامه أنّ الإرادة التكوينية تتعلّق بفعل النفس ولذلك لا تنفك عن المراد لكونها تحت اختيار النفس، والإرادة التشريعية تتعلق بفعل الغير، وبما أنّه خارج عن اختيار النفس ربّما تنفك الإرادة عن المراد فيريد المولى شيئاً ويريد العبد شيئاً آخر.

ولكنّه غير تام، لأنّ الإرادة لا تتعلق إلاّ بما يقع تحت اختيار المريد، والذي هو تحت اختيار الفاعل إنّما هو أفعاله، سواء كان مبدأً للتكوين أو مبدأً للتشريع، وأمّا فعل الغير فهو خارج عن اختيار الآمر فكيف تتعلق الإرادة بالخارج عن حيطة اختياره؟

والحاصل: أنّ دراسة ماهية الإرادة يدفعنا إلى القول بأنّها لا تتعلق إلاّ بما يقع تحت اختيار المريد وهو ليس إلاّفعل نفسه، وأمّا فعل الغير فهو خارج عن اختياره، فكيف يطلبه ويريده من دون فرق بين أن يكون الآمر هو اللّه سبحانه أو الموالي العرفية.

نعم انّ اللّه سبحانه قادر على أن يلجئه إلى الطاعة ولكن المفروض غير ذلك وأنّ المطلوب قيامه بالفعل عن اختيار.


1 - لاحظ ص 296.


(287)

وبهذا تبيّن أنّ جواب المحقّق الخراساني غير تام.

والأولى في الجواب أن يقال: انّ الإرادة في كلا المقامين تعلقت بفعله سبحانه وأنّه ليس هنا أي تفكيك بين الإرادة ومتعلقها، ففي القسم التكويني منها تعلقت بإيجاد العالم، فإذا قال له كن فيكون.

وفي القسم التشريعي تعلقت إرادته بإنشاء البعث وانشاء الطلب وقد تحقّق الانشاء ولم يلزم منه تفكيك الإرادة عن المراد.

وعلى ضوء ذلك نحن نختار أنّ الكفار والعصاة مكلّفون، وملاك التكليف إرادته سبحانه لكن ليس متعلقها أفعالهم الجوانحية والجوارحية، بل متعلقها إنشاء البعث والطلب وإقامة الحجة عليهم، وهو متحقّق.ويكفي هذا المقدار كونهم مكلفين.

الثالث: ما ذكره الفضل بن روزبهان، قال: إنّ كلّ عاقل يعلم أنّ المتكلّم من قامت به صفة التكلّم، وخالق الكلام لا يقال انّه متكلّم، كما أنّ خالق الذوق لا يقال انّه ذائق، فيجب أن يكون كلامه قائماً بنفسه وذاته، وليس هو إلاّ الكلام النفسي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما استدلّ به مبني على أنّ الهيئة موضوعة للدلالة على القيام الحلولي، وعليه لا يكون سبحانه متكلماً إلاّبحلول الكلام في ذاته، وبما أنّ حلول الحروف والجمل والأصوات في ذاته أمر محال فالحال في ذاته هو الكلام النفسي أي المعاني المنتظمة .

ولكن المبنى غير تام، إذ قد يكفي في صدق المشتق قيام المبدأ بالذات بنحو من الأنحاء سواء كان القيام حلولياً كالحي والميت أو صدورياً كالضارب، أو لأجل صلتها بالمبدأ كاللابن والتامر، وليس صدق المشتقات بإحدى هذه


1 - دلائل الصدق:1/147.


(288)

الملابسات قياسياً حتى يقاس الذائق والطاعم على المتكلّم ويستدل بصدق الأخير على صدق الأولين.

ويمكن أن يقال: انّ اختلاف المبادئ من حيث التعدية واللزوم يوجب صدق بعض المشتقات عليه سبحانه دون بعض، فما كان منها متعدياً، يكفي فيه الإيجاد والصدور، ويستند إليه سبحانه، كالقابض والباسط والمتكلّم، وما كان من قبيل اللازم يشترط فيه الحلول فلا يطلق عليه سبحانه كالنائم والذائق والقائم.

ثمّ إنّ هذا الدليل يركِّز على إثبات الكلام النفسي ولا صلة له بوحدة الطلب والإرادة أو تعدّدهما.

ومثله الدليل التالي.

الرابع: انّ الكلام كما يصحّ إطلاقه على الكلام اللفظي كذلك يصحّ إطلاقه على الكلام الموجود في النفس، كما في قوله سبحانه: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُور) (1) فأطلق «القول» على الموجود في الذهن.وقوله سبحانه: (إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسبكُمْ بِهِ اللّه).(2)

والجواب عن الآية الأُولى: انّ إطلاق القول فيها على الموجود في الضمير من باب العناية فانّ القول من التقوّل باللسان فلا يطلق على المعاني المنتظمة في النفس إلاّ بالعناية كما يقول الإنسان : إنّ نفسي صحيفة علم، وأمّا الآية الثانية فلا صلة لها بالمقام لأنّـها ترجع إلى أنّ نية السوء يُحاسَب بها العبد.

وحصيلة البحث: انّ الكلام النفسي أمر باطل وما تصوّروه من الكلام النفسي فهو في الإنشائيات من قسم الإرادة والكراهة أو التمنّي والترجّي أو الاستفهام، وفي الإخبار من قبيل التصوّر والتصديق، فإذا كان المبنى باطلاً فما فرّعوا عليه من تغاير الطلب والإرادة مثله.


1 - الملك:13.


(289)

الرابعة: معنى كونه سبحانه متكلّماً عند العدلية

اتّفق المسلمون على أنّ من صفاته سبحانه كونه متكلّماً ولكن اختلفوا في تفسيره إلى مذاهب أربعة:

أ. إنّه سبحانه متكلّم بمعنى حلول الحروف والأصوات والجمل والكلمات في ذاته، وهو مذهب أهل الحديث.

ب. انّه متكلّم بالكلام النفسي، وهو مذهب الشيخ الأشعري الذي قام به بإصلاح عقيدة أهل الحديث، وقد زاد الطين بلّة.

ج. انّه سبحانه متكلّم بمعنى أنّه يوجد ألفاظاً في الشجر والجبل والحجر، وهذا مذهب المعتزلة.

د. كلامه سبحانه فعله وهو نظرية الإمامية.

قد وقفت على التفسيرين الأوّلين وضعفهما، وإليك التفسير الثالث الذي عليه أئمّة المعتزلة.

قالوا: كلامه سبحانه أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرئيل أو النبي، وقد صرح بذلك القاضي عبد الجبار، فقال: حقيقة الكلام الحروف المنظومة والأصوات المقطعة، وهذا كما يكون منعِماً بنعمة تُوجد في غيره، ورازقاً برزق يوجد في غيره، فهكذا يكون متكلّماً بايجاد الكلام في غيره، وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه الفعل.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تفسير التكلّم بهذا المعنى لا يختص بالمعتزلة بل


1 - شرح الأُصول الخمسة: 528; شرح المواقف:495.


(290)

هو شيء تقبله عامة الطوائف الإسلامية، وهذا هو شارح المواقف يقول: هذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره، بل نحن نقوله ونسمّيه كلاماً لفظيّاً ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى ولكن نُثبت أمراً وراء ذلك.

وثانياً: أنّ تفسير التكلّم بهذه الصورة إنّما يصح فيما إذا كلّم سبحانه شخصاً من أنبيائه كما في قوله سبحانه: (وَكَلّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً) (1).وليس تكليمه ـ عندئذ ـ منحصراً بما ذكر، بل له أقسام ثلاثة أشار إليها سبحانه في بعض الآيات، فقال: (وَما كانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّه إِلاّ وَحياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنّهُ عَليٌّ حَكِيم) .(2)

وقد بين تعالى انّ تكليمه الأنبياء لا يعدو عن الأقسام التالية:

1. (إِلاّ وَحياً) .

2. (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب) .

3. (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) .

فقد أشار بقوله (إِلاّ وَحياً) إلى الكلام الملقى في روع الأنبياء بسرعة وخفاء.

كما أشار بقوله (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجاب) إلى الكلام المسموع لموسى ـ عليه السَّلام ـ في البقعة المباركة . قال تعالى: (فَلَمّا أَتاها نُوديَ مِنْ شاطِىِ الوادِ الأَيْمَن فِي البُقْعَةِ المُباركةِ مِنَ الشَّجَرةِ أَنْ يا مُوسى إِنّي أَنَا اللّهُ رَبُّ العالَمِين) .(3)

وأشار بقوله (أَوْ يُرسل رَسُولاً) إلى الإلقاء الذي يتوسط فيه ملك الوحي، قال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمينُ* عَلى قَلْبِك).(4)


1 - النساء:164.
2 - الشورى:51.
3 - القصص:30.
4 - الشعراء:193ـ 194.


(291)

ففي الحقيقة الموحي في الأقسام الثلاثة هو اللّه سبحانه تارة بلا واسطة بالإلقاء في الروع، أو بالتكلّم من وراء حجاب بحيث يسمع الصوت ولا يرى المتكلّم ، وأُخرى بواسطة الرسول(أمين الوحي)، فهذه الأقسام الثلاثة هي الواردة في الآية المباركة.

هذا كلّه حول مذهب المعتزلة; وأمّامذهب الإمامية فحاصله ما يلي:

مذهب الإمامية في كونه متكلّماً

مذهب الإمامية، وهو يتركب من أمرين:

أ. حقيقة كلامه إذا خاطب الأنبياء وهذا هو الذي سبق تفسيره.

ب. وصفه بالتكلّم إذا لم يكن هناك مخاطب خاص، فلابدّ من تفسيره بوجه آخر، وهو أنّ كلامه ليس من قبيل الأصوات والألفاظ، بل عبارة عن الأعيان الخارجيةوالجواهر والأعراض، وقد سمّى سبحانه فعله كلاماً في غير واحد من الآيات، كما سيوافيك، وتسمية الكون بعامّة أجزائه كلاماً لأجل أنّه يفيد ما يفيده الكلام اللفظي.

توضيحه:أنّ الكلام في أنظار الناس هو الحروف والأصوات الصادرة من المتكلّم، القائمة به وهو يحصل من تموج الهواء واهتزازه بحيث إذا زالت الأمواج، زال الكلام معه، ولكن الإنسان الاجتماعي يتوسّع في إطلاقه، فيطلقه على الخطبة المنقولة، والشعر المروي مع أنّ الكلام الواقعي قد زال بزوال الموجات والاهتزازات، وليست الخطب والأشعار المكتوبة منها، ومع ذلك يطلق عليهما الكلام توسّعاً، ووجه التوسّع اشتراك الثاني مع الأوّل في الأثر وهو الكشف عمّا في


(292)

ضمير الإنسان.

كما يتوسّع أكثرمن ذلك فيطلقه على كلّ فعل يكشف عمّا في ضمير الفاعل من العلم والقدرة والعظمة والكمال، غير أنّ دلالة الألفاظ على السرائر والضمائر وضعيّة اعتبارية، ودلالة الأفعال والآثار على ما عليه الفاعل من العظمة، تكوينية.

ولأجله نرى أنّه سبحانه يسمّي عيسى بن مريم كلمة اللّه ويقول:(يا أَهلَ الكتاب لاتَغْلُوا فِي دينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلى اللّه إِلاّ الحَقَّ إِنّما المَسِيحُ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلمتُهُ أَلقاها إِلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه) (1) وجه الإطلاق هو أنّ ولادة المسيح من أُمّه من دون أن يكون هناك لقاح الذكر والأُنثى ، يعد آية من آياته ومعجزة من المعاجز وكاشفاً عن قدرته وعظمته سبحانه.

وفي ضوء هذا الأصل يَعُدّ سبحانه كلّ ما في الكون من كلماته ويقول: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلماتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلهِ مَدَداً).(2)

ويقول سبحانه: (وَلَوْ أَنَّما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّه).(3)

قال أمير المؤمنين وسيد الموحدين ـ عليه السَّلام ـ في «نهج البلاغة»:

«يُخْبِرُ لا بِلسان وَلَهَوات، ويَسْمَعُ لا بخُروق وأدوات، يقولُ ولا يَلفِظُ، وَيَحْفَظُ ولا يَتَحَفَّظُ، وَيُريد ولا يُضْمِر، يُحِبّ ويرضى مِنْ غَيرِ رِقَّة، وَيُبْغِضُ وَيغضب من غير مشقّة، يقول لمن أراد كونه: كن. فيكون، لا بصوت يُقْرَع، ولا


1 - النساء:171.
2 - الكهف:109.
3 - لقمان:27.


(293)

بِنداء يُسمَع، وإنّما كلامه سبحانه فِعْلٌ منه أنشأه وَمَثَّلَهُ، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».(1)

وقد نقل عنه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال مبيّناً عظمة خلقة الإنسان:

أتزعم أنّك جرمٌ صغيرٌ * وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ

وأنت الكتابُ المبينُ الذي * بأحرُفِهِ يَظهَرُ المُضْمَرُ

فكلّ ما في صحيفة الكون من الموجودات الإمكانية كلماته، وتخبر عمّا في المبدأ من كمال وجمال وعلم وقدرة.

وإلى ذلك يشير المحقّق السبزواري في منظومته بقوله:

لسالك نهج البلاغة انَتَهَج * كلامه سبحانه الفعل خَرَج

إنّ تَدْرِ هذا، حمدَ الأشيا تعرِف * إن كلماتُه إليها تُضف(2)

إلى هنا تمّ البحث عن النقطة الرابعة، وحان البحث عن النقطة الخامسة وهي موقفنا من اتحاد الطلب والإرادة.

الخامسة: موقفنا من وحدة الطلب والإرادة

قد عرفت أنّ المحقّق الخراساني ذهب إلى اتّحاد الطلب والإرادة في المـراحـل الثلاث، أي مفهوماً وإنشاءً ومصداقاً، ولكن مقتضى التحقيق خلاف ما أفـاد.

أمّا المرحلة الأُولى أي وحدتهما مفهوماً فهو غير تام للفرق بينهما بوجوه:

1. المفهوم من الطلب، غير المفهوم من الإرادة، بدليل عدم صحّة استعمال الطلب مكان الإرادة وبالعكس يقول سبحانه: (يُريدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ


1 - نهج البلاغة، الخطبة 179، ج2، ص 122، ط عبده.
2 - شرح منظومة السبزواري، لناظمها، ص 190.


(294)

بِكُمُ الْعُسْر)(1) ولكن لا يصحّ أن يقال يطلب اللّه منكم اليسر ولا يطلب منكم العسر.

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم».(2) فلا يقوم مكانه الإرادة، بأن يقال إرادة العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة.

2. تستعمل الإرادة فيما إذا كان المراد قريب الوصول غير محتاج إلى مقدمات كثيرة، بخلاف الطلب فانّه السعي الذي يكون الوصول إلى المطلوب رهن مقدّمات كثيرة.

3. الإرادة أمر قلبي جانحي، والطلب أمر خارجي جارحيّ.

ومع هذه الاختلافات كيف يمكن ادّعاء الترادف بين اللفظين،وانّهما متحدان مفهوماً.

وأمّا المرحلة الثانية: مرحلة الإنشاء والاعتبار فالمشكلة فيها تكمن في أنّ الأُمور الاعتبارية، بما أنّها أُمور عرفية ترجع حقيقتها إلى جعل مثال لأمر خارجي ملموس كالزوجية والمالكية، وأمّا الأُمور البعيدة عن الحسّ القائمة بالنفس كالإرادة، فلا تمس الحاجة إلى جعل فرد اعتباريّ منها حتى يسمّى بالإرادة الإنشائية أو بالترجّي أو التمنّي الإنشائيين، بل غاية ما يطلبه العقلاء في تلك الموارد، إظهارها وإبرازها.

وأمّا الطلب فلا مانع من جعل فرد انشائي يقوم مقام فرد تكويني، فانّ الإنسان ربّما يطلب خروج زيد من البيت، فتارة يقوم بالتكوين، فيأخذه بيده ويُخرجه منه، وأُخرى بإنشاء ذلك الأمر التكويني، بالإشارة باليد أو الحاجب، أو التكلّم بلفظ أخرج.


1 - البقرة:185.
2 - الكافي:1/30.


(295)

وبذلك اتضح انّه ليس لنا إرادة إنشائية، وأمّا الطلب فله وجود تكويني وإنشائي، ومعه كيف يمكن أن يتّحدان في مقام الإنشاء مع أنّه ليس للإرادة فرد إنشائي؟!

وأمّا المرحلة الثالثة: أي عدم اتحادهما مصداقاً، فلأنّ الإرادة التكوينية من الأُمور النفسانية موطنها النفس والطلب من الأُمور الجوارحية، موطنها الخارج عن حيطة النفس، فكيف يمكن الحكم باتحادهما؟!

وبذلك تبيّن تغاير الطلب والإرادة في المراحل الثلاث، لكن لا بالمعنى الذي عليه الشيخ الأشعري، فانّ الكلام النفسي باطل، ومع ذلك فالطلب يغاير الإرادة في عامّة المراحل.

ومن آفات التحقيق قلة التتبع، وأنّ أكثر المفكرين يغترون بإبداعاتهم دون أن يتحملوا عبء التحقيق، وعلى ذلك فلا غرو في رمي المحقّق الخراساني النزاعَ القائم بين الأشاعرة والمعتزلة طِوال قرون على قدم وساق، باللفظي و انّ من قال بالوحدة، فقد رام وحدة كلّ مع الآخر، مع حفظ المرحلة، فقال: إنّ كلاًمنهما متحدان مفهوماًوإنشاء ومصداقاً، و من قال بالتعدد، فقد نسب الفرد الحقيقي من الإرادة مثلاً إلى الفرد الإنشائي منه، ثمّ تبجّح قدَّس سرَّه بتحقيقه وتصليحه فقال «ثمّ إنه يمكن مما حققنا ان يقع الصلح بين الطرفين و لم يكن نزاع في البين بأن يكون المراد من حديث الاتحاد، ما عرفت من العينية مفهوماً ووجوداً حقيقياً وإنشائياً، ويكون المراد من المغايرة والاثنينية، هو اثنينية الإنشائي من الطلب، والحقيقي من الإرادة.

ولكنّك بعد الوقوف على السير التاريخي للمسألة تقف على عدم صحّة هذا النوع من التصالح وأنّ النزاع حقيقي، كيف؟! وكان النزاع بين الطائفتين، عنيفاً، والتاريخ يعبّر عنه بمحنة أحمد وأتباعه.


(296)

إكمال

إنّ المحقّق الخراساني لما ذكر أنّ للّه سبحانه إرادتين: تكوينية وتشريعية، وانّ ما لا ينفك عن المراد إنّما هو القسم الأوّل لا الثاني، عرج على مبحث آخر من دون ملزم، وهو أنّ الإيمان رهن موافقة الإرادة التكوينية للّه سبحانه مع الإرادة التشريعية منه، كما أنّ الكفر والعصيان رهن مخالفتهما، فإذا توافقتا فلابدّ من الإطاعة والإيمان، وإذاتخالفتا فلا مناص من اختيار الكفر والعصيان.

ثمّ إنّه بعد ما ذكر هذا لمع في ذهنه إشكالان ذكرهما بصيغة السؤال والجواب، نذكرهما كالتالي:

الإشكال الأوّل: فإذا كان الكفر والعصيان، والإطاعة والإيمان بإرادته سبحانه التي لا تتخلف عن المراد فلا يصحّ أن تتعلّق بها الإرادة لكونها خارجية عن الاختيار المعتبر في التكليف عقلاً.

هذا هو السؤال أو الإشكال.

فأجاب عنه: بأنّ تعلّق الإرادة التكوينية بفعل الإنسان لا يلازم الجبر لأنّها تعلّقت بصدور الفعل عن العبد بقيد الإرادة والاختيار، فلو صدر عنه جبراً يلزم تخلّف إرادته عن مراده تعالى.

وبالجملة هناك أُمور ثلاثة:

الأوّل: تعلّق الإرادة الإلهيّة بفعل العبد.

الثاني: تعلّقها بصدور الفعل عنه لكن لا مطلقاً، بل عن إرادة واختيار .

الثالث: ما يترتّب على فعل العبد من الكفر والعصيان.

وإنّما يلزم الجبر لو لم يتوسط الثاني بين الأوّل والثالث.

الإشكال الثاني:إنّ الكفر والإيمان وإن صدرا عن العبد بإرادة واختيار إلاّ


(297)

أنّ هنا أمراً آخر يُضفي على الفعل طابَع الجبر، وهو أنّ كلّ ما في الكون قد تعلقت به الإرادة الأزلية والمشيّة الإلهية، وبما أنّ الإرادة جزء من صحيفة الكون، فقد تعلّقت بها الإرادة الأزلية، فيصبح وجودها أمراً حتمياً، ومعه لا يكون الفعل أمراً اختيارياً.

وأجاب عنه قدَّس سرَّه بقوله: إنّ ثمة أُموراً أربعة:

الأوّل: العقاب.

الثاني: الكفر والعصيان.

الثالث: الاختيار والانتخاب.

الرابع: الشقاء الذاتي.

والأوّل مسبب عن الثاني وهكذا، فالعقاب مسبب عن الكفر، وهو بدوره مسبب عن الاختيار الذي ينتهي إلى الشقاء الذاتي. وحيث إنّ الذاتي لا يعلل فلا يصحّ القول لم جعل السعيد سعيداً والشقي شقياً. فانّ السعيد سعيد في بطن أُمّه، والشقي شقي في بطن أُمّه. فلا مناص من دخول الكافر النار كما لا مناص من دخول المؤمن الجنة، لكون الأوّل شقيّاً بالذات والثاني سعيداً كذلك.

وبما انّ المحقّق الخراساني لم يخرج من البحث بنتيجة باهرة بل أثار في نفس الوقت إشكالين لم يخرج من عهدة الاجابة عنهما، وهما:

1. انّ كفر الكافر متعلّق الإرادة الأزلية فلا محيص عن كفره.

2. انّ عقوبة الكافر معلول للشقاء الذاتي ولو بوسائط فلا مناص من كفره.

وكلا الإشكالين لا ينتجان إلاّ الجبر.

اعتذر عن هذه النتيجة السيئة للبحث بقوله: «قلم اينجا رسيد سر


(298)

بشكست» أي وصل اليراع هنا وانكسر رأسه، كناية عن عدم الخروج بنتيجة صحيحة.

وهذا ما دعانا إلى عقد بحث مستقل حول الجبر والتفويض وإن كان البحث فيه استطراداً.(1)

ولولا كلام المحقّق الخراساني في المقام لاقتصرنا على القدر الذي قدّمناه.


1 - بما انّ هذا البحث من بحوث شيخنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ كان بحثاً مسهباً مترامي الأطراف ننشره مستقلاً بفضل من اللّه سبحانه.


(299)

الفصل الثاني

في صيغة الأمر

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل

ما هو معنى صيغة «افعل»؟

قد خصّصنا المبحث الأوّل من مباحث هذا الفصل لبيان الموضوع له لصيغة «افعل» كما خصّصنا المبحث الثاني لبيان كيفية استفادة الوجوب والندب منها. غير أنّ القدماء خلطوا بين المبحثين والأولى ما صنعه صاحب الكفاية فقد فصل المبحث الأوّل عن الثاني، فنقول:

لا شكّ أنّ صيغة افعل تستعمل ويراد منها البعث تارة، والتمنّي ثانياً، كقول امرئ القيس:

ألا أيّها اللّيل الطويل ألا انجلي * بصبح وما الإصباح منك بأمثل

والتعجيز ثالثاً كقوله سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْب مِمّا نَزَّلنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ).(1)


1 - البقرة:23.


(300)

والتحقير رابعاً كقوله سبحانه: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُور) (1) إلى غير ذلك من المعاني التي تراد من صيغة الأمر.

إنّما الكلام فيما هو الموضوع له لهذه الصيغة، فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّه وضعت لإنشاء الطلب وانّه استعمل في عامّة الموارد في هذا المعنى فلو كان هنا اختلاف فإنّما هو في الدواعي والبواعث فربّما يكون الداعي الطلب الحقيقي، وأُخرى التمنّي، وثالثة التعجيز، ورابعة الإهانة، فهي موضوعة لانشاء الطلب بلا قيد وشرط، ومستعملة فيها في عامّة الموارد، فبما أنّ المستعمل فيه واحد في الجميع وإنّما الاختلاف في الدواعي، يوصف الجميع بالحقيقة.

لكنّه احتمل في ذيل كلامه أنّ استعمالها فيما إذا كان الداعي، هو البعث والتحريك، حقيقة وفي غيره كالتمني والتعجيز مجاز، لا لأجل الاختلاف في المستعمل فيه، لأنّه واحد حسب المفروض، بل لأجل كون الوضع لإنشاء الطلب مقيّداً بما إذا كان الداعي هو التحريك لا غيره. فلأجل تخلّف شرط الوضع توصف سائر الاستعمالات بالمجازية.

يلاحظ عليه بأُمور:

1. الظاهر أنّ هيئة افعل موضوعة للبعث الإنشائي مكان البعث التكويني; كما في بعث العبد والغلام إلى العمل، باليد، وكإغراء الكلب المعلَّم للصيد. نعم لازم البعث الإنشائي هو كون المأمور به مطلوباً ومراداً، ويدل على ذلك أنّ مفاد «افعل» مضاد لمفاد «لا تفعل» و مفاد الثاني هو زجر المكلف عن الفعل فيكون مفاد «افعل» هو بعثه نحو الفعل.

2. انّ ما احتمله في آخر كلامه بأنّ استعماله فيما إذا كان الداعي غير التحريك مجاز، غير صحيح على مذهبه، لأنّ المجاز عنده عبارة عن استعمال


1 - آل عمران:119.


(301)

اللفظ في غير ما وضع له، والمفروض أنّ صيغة «افعل» مستعملة في عامّة الموارد فيما وضع له ـ أعني: إنشاء الطلب ـ وإنّما الاختلاف في المبادي والبواعث فلا ينطبق عليه حدّالمجاز، وإنّما ينطبق عليه حدّ الغلط، لأنّ وضع الهيئة للطلب الإنشائي إذا كان مقيّداً بكون الداعي هو التحريك، يكون استعماله في الطلب الإنشائي لكن بداعي التعجيز، خارجاً عما رخّصه الواضع فيكون الاستعمال ـ مع وحدة المستعمل فيه ـ غلطاً نظير استعمال الابتداء الاسمي في المعنى الحرفي وبالعكس، حيث ذهب المحقّق الخراساني إلى وحدة المعنيين وانّ الاختلاف في شرط الوضع حيث شرط الواضع استعمال كلّ في الابتداء الاسمي أو الحرفي، فلو عكس يكون الاستعمال غلطاً.

وأمّا على المذهب المختار في المجاز فقد بنى شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة(1) على أنّه مجاز حيث إنّ المجاز يشارك الحقيقة في أنّه استعمال اللفظ فيما وضع له ويختلف عنه بادّعاء الفردية للمعنى الموضوع من المجاز دون الحقيقة مثل المقام حيث يدّعي المشابهة والفردية، بين الطلب الإنشائي، والتعجيز، والتحقير، والتمنّي.

ولكنّه ـ مدّ ظله ـ عدل عنه في هذه الدورة فبنى على أنّه من قبيل الكنايات بداهة عدم وجود ادّعاء الفردية أو المشابهة بين البعث الإنشائي، والتعجيز وما عطف عليه . نعم ينطبق عليه حدّ الكناية، حيث طلب من الليل، الانجلاء ومن الكافر الإتيان بسورة، وأريد منه لازمه في هذه الموارد، وهو التمنّي، والتعجيز، والإهانة وغير ذلك. وسيوافيك نظيره في الجمل الاخبارية التي أُريد منها إنشاء الحكم، كقوله: «ولدي يصلّي» ونقول إنّه من باب الكناية.

تمّ الكلام في المبحث الأوّل.


1 - لاحظ المحصول:1/332.


(302)

المبحث الثاني

في أنّ الأمر بلا قرينة يدل على الوجوب

هل يتبادر من صيغة الأمر، الوجوب بالوجوه الأربعة التالية أو لا؟

ويقع الكلام في مقامين:

الأوّل: تبيين حقيقة الوجوب والندب ثبوتاً وإثباتاً.

الثاني: في حمل الأمر الفاقد للقرينة على أحد المعنيين، على الوجوب بأحد الوجوه وإليك البيان:

الأوّل: تبيين حقيقة الوجوب والندب ثبوتاً وإثباتاً

انّ الوجوب والندب من أقسام البعث الإنشائي، وإنّما الكلام فيما يميّز أحدهما عن الآخر فهناك وجوه مذكورة في كتب القوم.

1. الوجوب والندب مشتركان في الطلب الإنشائي غير أنّ أحدهما مقيّد بالمنع عن الترك والآخر مقيّد مع عدم المنع من الترك.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره معنى تحليلي لهما والمطلوب تبيين المعنى المطابقي، وهذا كالماء له معنى مطابقي ومعنى تحليلي يذكره علماء الكيمياء حيث يفسرونه


1 - معالم الدين:63، ط منشورات الرضيّ.


(303)

بأنّه سائل مركب من عنصري الأُوكسجين والهيدروجين.

2. الوجوب هو الطلب المترتب عليه العقوبة عند المخالفة بخلاف الندب، فالاستحقاق وعدم الاستحقاق يميّز الوجوب عن الندب.

يلاحظ عليه: أنّ الاستحقاق وعدمه من آثار الوجوب والندب، والكلام في تبيين واقع المؤثر مع قطع النظر عن الأثر.

3. الوجوب والندب يشتركان في البعث المسبوق بالإرادة ويختلفان في شدّة الإرادة في الأوّل وضعفها في الثاني.

وإن شئت قلت: البعث الإنشائي فعل اختياري للنفس ولابدّ من سبق إرادة تكوينية، فالإرادة التكوينية إذا كانت شديدة والأغراض والمصالح لازمة الاستيفاء ينتزع عنه الوجوب، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك فينتزع منه الندب.

وعلى ذلك فالوجوب والندب من المفاهيم البسيطة تنتزعان من طلب نابع من إرادة شديدة أو نابع من إرادة ضعيفة.

هذا كلّه هو الفرق المفهومي من حيث الثبوت، وأمّا من حيث الإثبات وانعقاد الظهور في أحد الأمرين، فيمكن استظهاره بالقرائن التالية:

1. كيفية أداء المطلب بشدّة وصلابة أو رخوة وفتور.

2. علو الصوت وانخفاضه.

3. اشتمال الأمر على نون التوكيد وعدمه.

4. الوعيد على الترك وعدمه.

هذا كلّه فيما إذا علم أحد الأمرين، وأمّا إذا كان الكلام غير مقرون بهذه القرائن، فهل يمكن أن يستفاد منها الوجوب أو الندب أو لا يستفاد واحد منهما؟


(304)

الثاني: حمل الأمر على الوجوب إذا لم يكن قرينة

ذهب الأكثر إلى أنّها ظاهرة في الوجوب واختلفوا في منشأ هذا الظهور إلى وجوه.

الأوّل: دلالة الهيئة على الوجوب بالدلالة اللفظية الوضعية.

يلاحظ عليه: بأنّ الموضوع له لصيغة الأمر كما مرّ هو البعث الإنشائي وليس الوجوب داخلاً في حقيقته ولا الندب، وقد عرفت أنّها من المفاهيم الانتزاعية من الطلب المقرون بالإرادة الشديدة أو الضعيفة. وعندئذ فكيف تدل الصيغة بالدلالة اللفظية على الوجوب؟

الثاني: انصراف الصيغة إلى الوجوب.

يلاحظ عليه: بأنّ الانصراف إمّا لكثرة الوجود، أو كثرة الاستعمال، والوجوب والندب متساويان في هذين الأمرين فقد استعملت صيغة الأمر في الندب كثيراً كما أنّ مصاديقه أيضاً متوفرة.

الثالث: انّ الوجوب مقتضى مقدّمات الحكمة، وهو خيرة المحقّق العراقي في «بدائع الأفكار».(1)

وحاصل مرامه بتوضيح منّا: انّه إذا كان لحقيقة واحدة فردان يتوقّف تفهيم أحدهما على بيان زائد دون الفرد الآخر فيحمل بمقتضى كون المتكلّم حكيماً على الفرد الذي لا يحتاج بيانه إلى أمر زائد، مثلاً: الرقبة لها قسمان:

أ. مطلق الرقبة سواء كانت كافرة أو مؤمنة.

ب. الرقبة المؤمنة.


1 - بدائع الأفكار:1/214.


(305)

فإذا قيل: اعتق رقبة من دون أن يقيّد بالإيمان يحمل على القسم الأوّل، لأنّه لو كان الأوّل هو المراد لكان اللفظ وافياً بالمراد، بخلاف ما إذا كان المراد هوالثاني فاللفظ قاصر عن إفادته، فلا يكون اللفظ وافياً بالمراد، وهو خلاف مقتضى الحكمة.

ومثله المقام فانّ الوجوب هو نفس الإرادة بلا قيد، وأمّا الندب فهي الإرادة المحدودة بحدّ خاص به تكون إرادة ندبية، وعليه يكون إطلاق الكلام كافياً في الدلالة على كونها وجوبية إذ لا حدّ لها ليفتقر المتكلّم في مقام إفادته إلى بيان ذلك الحد، وهذا بخلاف ما لو كانت الإرادة ندبية فانّها محدودة بحدّ خاص ليس من سنخ المحدود، ولهذا يفتقر المتكلّم في مقام بيانه إلى تقييد الكلام بما يدل عليه.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه غير تام ثبوتاً ولا إثباتاً.

أمّا الأوّل: فلما عرفت من أنّ الوجوب والندب ينتزعان من البعث الإنشائي النابع عن إرادة شديدة أو إرادة لينة، فكلّ منهما يشتركان في البعث الإنشائي ويتميزان بقيدين، فالإرادة في الأوّل مقيدة بالشدّة، وفي الثاني بالضعف، فإن قيل انّ الشدّة ليست شيئاً سوى الإرادة قلنا هكذا الضعف ليس شيئاً سوى الإرادة كما حقّق في محلّه.

وأمّا الثاني: فإذا كان كلّ واحد قسمين من مقسم واحد ـ أي البعث الإنشائي ـ فكلّ يتميز في مقام الإثبات بقيد وانّ العرف يتلقّى الأمر بلا قيد مساوياً للوجوب ، فالوجوب هو الأمر المطلق، بخلاف الندب فهو الأمر المقيّد بجواز الترك زائد على المقسم، وإلاّ فلو اشتمل أحدهما على القيد دون الآخر لزم أن يكون القسم عين المقسم.


1 - بدائع الأفكار:1/214.


(306)

نعم يمكن تصحيحه ببيان يأتي عند البحث في أنّ الأمر يحمل على النفسي العيني التعييني لا على مقابلاتها، فانتظر.

الرابع: انّ دلالة الأمر على الوجوب بحكم العقل بمعنى أنّ العقل يرى مطلق الأمر موضوعاً لوجوب الطاعة ولاستحقاق العقوبة عند الترك مالم يحرز كون الأمر ندباً، وهذا معنى كون الأمر ظاهراً في الوجوب.

وإن شئت قلت: إذا صدر عن المولى أمر يحكم العقل بتحصيل المؤمّن لوجوب دفع الضرر المحتمل وهو امّا الطاعة وإمّا تحصيل الحجّة على كون الأمر بالندب.

وإن شئت قلت: وظيفة المولى هي إنشاء البعث وإصدار الأمر، وأمّا بيان أنّه للوجوب أو الندب فهو ليس من وظائفه، بل على العبد السعي، فإن تبيّن له أحدهما عمل على طبق ما تبين، وإلاّعمل على مقتضى حكم العقل وهو أنّ أمر المولى لا يترك بلا جواب.

فعلى هذا يحمل الأمر المجرّد عن القرينة على الوجوب ما لم يدل الدليل على كونه للندب.

إيضاح

قال صاحب المعالم: يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ أنّ استعمال صيغة الأمر في الندب كان شائعاً في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها في اللفظ، لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المـرجِّح الخارجي، فيشكل التعلق في إثبات وجوب أمر، بمجرّد ورود الأمر به


(307)

منهم ـ عليهم السَّلام ـ .(1) وقد أجاب المحقّق الخراساني بالنقض تارة والحل أُخرى.

أمّا النقض: فبالعمومات الواردة في لسان الشرع حيث إنّ أكثرها خُصِّصت حتى قيل: ما من عام إلاّوقد خصّ، مع أنّه لا يمنع من حمل العام على العموم عند عدم المخصص.

وأمّا الحل فلأنّ الاستعمال في الندب وإن كان كثيراً لكن الاستعمال لما كان مصحوباً بالقرينة فلا يوجب صيرورته مجازاً مشهوراً حتى يوجب التوقّف في حمله على الوجوب أو يرجح المجاز، الندب عليه.

يلاحظ عليه: بعدم تمامية كلا الوجهين:

أمّا النقض فلأنّ المدعى استعمال الأمر ابتداءً في المعنى المجازي أي الندب، وهذا لا ينطبق على العام المخصص، لأنّ العام قبل التخصيص وبعده مستعمل في المعنى الموضوع له، والتخصيص إنّما يرد على الإرادة الجدية لا الاستعمالية، والمقياس في المجاز كون اللفظ مستعملاً في غير الموضوع له بالإرادة الاستعمالية، فكيف يقاس الأمر المستعمل في الندب، بالعام المستعمل في العموم قبل التخصيص وبعده، وأمّا الحلّ فلأنّ صاحب المعالم يدّعي استعمال الأمر في الندب بلا قرينة، فأين هذا من الردّ عليه بأنّ الاستعمال كان مصحوباً مع القرينة.

والأولى في الجواب أن يقال: انّ الوجوب والندب ليس من المداليل اللفظية وإنّما هما من المفاهيم المنتزعة من البعث الإنشائي النابع عن إرادة شديدة ثبوتاً، وأمّا إثباتاً فقد عرفت أنّ لكلّ، أمارة وعلامة في مقام الدلالة.

وأمّا إذا كان الكلام مجرّداً عن القرينة فقد عرفت أنّ الأمر على وجه الإطلاق موضوع لوجوب الطاعة عند العقل ما لم يعلم الإذن في الترك فليس للمكلّف ترك المأمور به باحتمال وجود الإذن في الترك، فأئمّة أهل البيت استعملوا الأمر في عامّة


1 - المعالم:48ـ 49، قوله «فائدة» الطبعة الحجرية.


(308)

الموارد في البعث الإنشائي، غير أنّه دلّت القرائن تارة على الوجوب وأُخرى على الندب وإن كان أكثر، وثالثة تجرّدت عن القرينة فيجب بحكم العقل الطاعة ما لم يدل دليل على الإذن في الترك.

وحاصل الردّ: انّ الإشكال إنّما يتوجّه إذا كان الوجوب والندب من مداليل الأمر لا من أحكام العقل، وعلى الثاني لا يترك أمر المولى بلا دليل إلاّإذا كان هناك دليل على الترك .


(309)

المبحث الثالث

دلالة الجملة الخبرية على الوجوب

ربّما تستعمل الجملة الخبرية في مقام الطلب والبعث يقول سبحانه: (والمطلّقاتُ يَتربصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء)(1) وقال سبحانه: (وللْمُطَلّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى المُتَّقِين)(2) وقال سبحانه:(والوالِداتُ يُرضِعنَ أَولادهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْن)(3) وقد تضافرت في الروايات عنهم ـ عليهم السَّلام ـ في أبواب الطهارة والصلاة وغيرهما «يغتسل» ، «يعيد الصلاة»، «يستقبل القبلة»، إلى غير ذلك، فالجمل الخبرية في هذه الموارد استعملت لداعي الطلب أو البعث، والكلام يقع في أُمور أربعة:

أ. هل الاستعمال مجاز أو حقيقة أو كناية؟

ب. هل يلزم الكذب إذا لم يمتثل العبد؟

ج. هل الجملة ظاهرة في الوجوب؟

د. هل الجملة آكد في إفادة الوجوب من الجمل الإنشائية؟

وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر:

أمّا الأوّل: فلا شكّ انّها ليست بمجاز لا على مذهب المشهور ولا على المختار.


1 - البقرة:228.
2 - البقرة:241.
3 - البقرة:233.


(310)

أمّا مذهب المشهور فلأنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ ابتداءً في غير ما وضع له، وأمّا المقام فالجملة الخبرية استعملت في الإخبار لا في الإنشاء فلا يكون مجازاً.

وأمّا على المختار من أنّ المجاز عبارة عن استعمال اللفظ في نفس ما وضع له لكن بادّعاء المشابهة وادّعاء أنّ المورد من مصاديق الموضوع له. فليست الجملة الخبرية موصوفة بالمجاز، إذ ليس هناك مشابهة بين الإخبار والانشاء، كما ليس هناك ادّعاء أنّ الانشاء من مصاديق الاخبار، والنتيجة أنّه لا ينطبق تعريف المجاز على مثل هذه الموارد، كما قلنا نظير ذلك في استعمال الإنشاء بداعي الإخبار بأنّ المستعمل فيه وإن كان البعث الإنشائي، لكنّه ليس بمجاز لا على مذهب المشهور لكون الاستعمال فيما وضع له، ولا على المختار لعدم وجود المشابهة والادّعاء.

وأمّا كونه حقيقة فذهب المحقّق الخراساني إلى كونها حقيقة قائلاً بأنّ الجمل الخبرية في هذا المقام مستعملة في معناها، إلاّ أنّه ليس بداعي الاعلام بل بداعي البعث كما هو الحال في الصيغ الإنشائية على ما عرفت من أنّها أبداً تستعمل في معانيها الإيقاعية لكن بدواع أُخر.

يلاحظ عليه: بأنّ استعمال اللفظ في معناه الحقيقي ليس تعريفاً تامّاً للحقيقة، بل يحتاج إلى قيد آخر وهو أن يكون الموضوع له متعلقاً للإرادة الاستعمالية والجدية معاً، وإلاّ فلو كان المعنى الحقيقي موضوعاً للإرادة الاستعمالية فقط دون الجديّة، بل صار المعنى الحقيقي جسراً وواسطة لتفهيم المعنى الآخر فهذا ليس بحقيقة، بل يسمّى في الاصطلاح كناية، فإذا قال: زيد جبان الكلب، أو كثير الرماد، أو طويل النجاد، فالجمل الثلاثة مستعملة فيما وضعت له ولكن الموضوع له مراد بالإرادة الاستعمالية، وأمّا المراد الجدي فهو


(311)

وصفه بالسخاء والشجاعة، والدليل على ذلك أنّه لو لم يكن في بيته أيُّ كلب ولا رماد ولا طول النجاد لا توصف الجمل بالكذب، لعدم استقرار الذهن على المعنى الموضوع له، بل يستقر على المعنى الثاني اللازم للمعنى الموضوع له.

وقد قلنا(1) نظير ذلك في الجمل الإنشائية المستعملة بداعي التعجيز والتمنّي والإهانة، فهي وإن استعملت في البعث الإنشائي لكن المراد الجدّي شيء آخر وهو التعجيز والتمنّي والإهانة، فيعد اللفظ كناية، أي ذكر الملزوم وإرادة اللازم.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل أي كونه مجازاً أو حقيقة أو كناية.

وأمّا الأمر الثاني: أي عدم لزوم الكذب فلما أفاده المحقّق الخراساني بأنّه إنّما يلزم الكذب إذا أتى بها بداعي الإخبار والإعلام لا لداعي البعث، كيف؟ وإلاّ يلزم الكذب في غالب الكنايات، فمثل زيد كثير الرماد، أو مهزول الفصيل، لا يكون كذباً إذا قيل كناية عن جوده ولو لم يكن له رماد أو فصيل أصلاً، وإنّما يكون كذباً إذا لم يكن بجواد.

وأمّا الثالث: أي دلالته على الوجوب فالأظهر أنّه كذلك بشهادة أنّ الجملة تكشف عن شدة رغبته بالموضوع حتى يراه في الخارج مجسّماً موجوداً، وهذا يكشف عن شدّة الرغبة وكثرة العناية بالموضوع، مثلاً انّ الرجل في مقام دعوة ابنه إلى الصلاة يقول في مجمع: إنّ ولدي هذا يصلِّي، فرغبته إلى إقامة الصلاة كانت على درجة يرى الصلاة بعينها في مستقبل أيّام الولد.

ومنه يظهر الأمر الرابع من أنّه آكد كما هو واضح.

إلى هنا تمّ الكلام في المباحث الثلاثة من الفصل الثاني، وأمّا المبحث الرابع الذي عقده المحقّق الخراساني، فنحن في غنى عنه، لأنّنا أدرجنا مطالب هذا المبحث في المبحث الثالث.


1 - لاحظ ص 301 من هذا الجزء.


(312)

المبحث الرابع

التوصلي والتعبدي

وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً تسلّط أضواءً على المسألة.

الأوّل: ماذا يقصد من التوصلي؟

يستعمل التوصّلي في موارد كلّها مصاديق من مفهوم واحد.

1. ما لا يعتبر فيه المباشرة، بل يكفي تبرّع الغير كأداء الدين، فلو قام متبرّع بأداء دين الغير كفى، ويقابله ما يشترط فيه المباشرة، كما إذا سلَّم شخص على شخص خاص فلا يسقط بجواب شخص آخر.

2. ما لا يعتبر في سقوطه الاختيار والالتفات كتطهير البدن والثوب من الخبث، فلو غمست الأُمّ يد الطفل في الماء لطهرت وإن كان الطفل غير مختار بل غير ملتفت، ويقابله ما يشترط فيه قصد العنوان، كعناوين المعاملات كالبيع وغيره، فلا يتحقّق البيع بلا قصد عنوانه.

3. ما لا يشترط في سقوطه تحقّقه في ضمن فرد سائغ بل يسقط في ضمن فرد محرّم، كما إذا وجب قتل الحية فيسقط الواجب ولو بقتلها بآلة مغصوبة.

وهذا لا يعني أنّ الواجب هو الفرد الأعم من السائغ والمحرّم، بل لما حصل الغرض بقتل الحية بآلة مغصوبة سقط الوجوب لانتفاء الموضوع أو


(313)

لحصول الغرض وإلاّ فالواجب هو الكلي المتحقق في ضمن السائغ.

4. ما يحصل الغرض بمجرّد ايجاد الواجب بأيّ داع كان، ويقابله مالا يسقط بايجاده، بل لابدّ من إتيانه لأمره سبحانه أو لأجله، والأوّل كدفن الميت، والثاني كالواجبات العباديّة.

هذه الموارد الأربع يستعمل فيها كلمة التوصل فله معنى عام يشمل هذه الموارد.

والمقصود من التوصلي في المقام هو المورد الرابع، أي ما لا يشترط في سقوطه الإتيان به لأجل أمره سبحانه.

الثاني: ماذا يقصد من التعبّدي؟

يطلق التعبّدي ويراد منه أحد الأُمور التالية:

أ. الإتيان بالواجب بقصد أمره سبحانه.

ب. الإتيان بالواجب للّه تبارك وتعالى.

ج. الإتيان بداعي التقرّب إليه سبحانه.

د. الإتيان بداعي كونه تعظيماً وتقديساً له.

هـ. الإتيان بداعي المحبوبية للمولى، فيكون الداعي إلى العمل كونه محبوباً ومطلوباً للّه لا سائر الدواعي.

و. الإتيان بقصد المصلحة المعنوية المترتبة على العمل، كالتقوى في الصوم، والانتهاء عن الفحشاء في الصلاة، قال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)(1) وقال: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحشاءِ وَالْمُنْكَر).(2)


1 - البقرة:183.
2 - العنكبوت:45.


(314)

نعم لا يكفي الإتيان بالعمل لأجل المصالح الدنيوية كالصحة في الصوم والتجارة في الحجّ والرياضة في الصلاة، لأنّ الإتيان لأجل هذه الغايات لا يضفي للعمل عنوان العبادة.

وعلى ضوء ذلك فالعبادة عبارة عن إتيان العمل بواحد من هذه الغايات.

الثالث: هل هناك عبادة ذاتية؟

ثمّ إنّه ربّما يتصور أنّ هناك أُموراً تعد من العبادات الذاتية، وهي التي تعدّ من مظاهر التعظيم والتقديس بين عامّة الشعوب.

يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ السجود لو كان عبادة ذاتية، فكيف أمر اللّه سبحانه الملائكة بالسجود لآدم، أو كيف سجد يعقوب وأولاده لولده يوسف، قال سبحانه: (فَإِذا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي فَقَعُوا لَهُ ساجِدين)(1) وقال أيضاً: (وَخَرُّوا لَهُ سُجّداً) .(2)

وثانياً: انّ كونهما من مظاهر التقديس والتعظيم إنّما هو بالجعل والاعتبار بشهادة انّه يمكن أن يجعل الركوع أمام الشخص آية التحقير والإهانة.

الرابع: ما هو حدّ العبادة؟

العبادة عبارة عن الخضوع بالجوارح نابعاً عن الاعتقاد بأُلوهية المخضوع له، أو ربوبيته، والمراد من الأُلوهية هو الاعتقاد بأنّ المخضوع له إله العالم أو يملك شيئاً من أفعاله من الإمطار والغفران و...، وعلى ذلك فالعبادة متقوّمة بعنصرين: عنصر ظاهري وهو الخضوع عملاً، وعنصر باطني وهو الاعتقاد بكون المخضوع له إلهاً أو ربّاً.(3)


1 - الحجر:29.
2 - يوسف:100.
3 - لاحظ للمزيد من التفصيل كتاب مفاهيم القرآن:1، فصل التوحيد في العبادة.


(315)

وبذلك يعلم انّ مجرد الخضوع لا يعدّ عبادة مالم ينبع من الاعتقاد الخاص، وهو كون المخضوع له إله العالم أو ربّه.

والشاهد على ذلك أنّ عبادة المسلمين للّه سبحانه، وعبادة المشركين للأصنام والأوثان واجدة لهذا الشرط، فالمسلمون يعبدون اللّه تعالى بما أنّه إله العالم وربّ العالمين وربّ الإنسان، كما أنّ المشركين يعبدون الأوثان والأصنام بما انّها آلهـة وأرباب، ولذلك يقول سبحانه ردّاً عليهم: (لَوْ كانَ فِيهما آلهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا)(1) وقال سبحانه: (أَجعلَ الآلهةَ إِلهاً واحداً إنّ هذا لشيءٌ عُجاب) (2) وقول يوسف لصاحبيه في السجن: (أ أربابٌ مُتفرِّقُونَ خيرٌ أَمِ اللّهُ الواحدُ القَهّار).(3)

ومن هنا يعلم أنّ كلّ خضوع وخشوع أمام الأنبياء والأولياء لا تعدّ عبادة ما لم يعتبرهم الخاضع أرباباً وآلهة، بل اتّخذهم عباداً مكرمين.

والكلام الحاسم مع من يرى كلّ تعظيم وتقديس للأنبياء والأولياء عبادة أو دعوتهم شركاً هو أن يحدد ذلك القائل العبادة بحد منطقي فما لم تحدد به لا يمكن القضاء الحاسم،وقد علمت الحد المنطقي لها.

الخامس: التقسيم ثنائي لا ثلاثي

المعروف أنّ الواجب إمّا توصلي أو تعبّدي، وذهب السيّد الأُستاذ إلى أنّ التقسيم ثلاثي، وذلك أنّ ما يعتبر في ثبوته قصد القربة ينقسم إلى قسمين تعبّدي وتقرّبي، فانّ ما يؤتى به متقرّباً إلى اللّه، إمّا ينطبق عليه عنوان العبودية للّه، بحيث يعد العمل عبودية للّه سبحانه كالصلاة والاعتكاف والحجّ، أو لا ينطبق عليه ذاك


1 - الأنبياء:22.
2 - ص :5.
3 - يوسف:39.


(316)

العنوان، وإن كان يعد إطاعة، كالزكاة والخمس، ويعتبر في سقوط الواجب الإتيان به للّه سبحانه، لكن لا يعدّ عبادة وعبودية، أعني ما يساوق عنوان: «پرستش» في الفارسية. وعلى ذلك فالأولى تبديل عنوان البحث إلى التوصلي والتقربي، حتّى يعم القسم الأخير.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أن ترادف العبادة للفظ «پرستش» في الفارسية مع أنّه غير ثابت، فانّ للثاني ضيقاً لا ينطبق على الفرائض المالية التي يشترط في صحّتها الإتيان بها متقرّباً إلى اللّه، ولكن العبادة في لغة العرب أعمّ من ذلك اللفظ، لأنّ العبادة لغة هي: الخضوع والخشوع والتذلّل، لكن لا مطلقاً بل الخضوع النابع من اعتقاد خاص وهو الاعتقاد بما انّه إله، أو خالق أو انّه قائم بالأفعال الإلهية، فصلاة الموحّد وصيامه عبادة، لأنّه قام بها لأجل انّ المعبود إله أو ربّ، كما أنّ خضوع المشركين أمام الوثن والصنم كان عبادة لا لأنّ الأصنام خلاّق العالم ، بل لتخيّلهم أنّه سبحانه فوّض أفعاله إليها، من المغفرة، والشفاعة، فإذا شفعت تقبل شفاعتها من دون حاجة إلى إذنه سبحانه في الشفيع، وارتضائه المشفوع له.

فإذا كان هذا معنى العبادة فكلّ عمل يشعر بالخضوع،ويعرب عن تعظيم الغير بما أنّه إله أو ربّ أو مفوّض إليه أفعاله سبحانه، يكون عبادة من غير فرق بين الصلاة وإعطاء الخمس والزكاة. والوقوف في عرفات والمشعر الحرام ومنى، والذبح وحلق الرأس والسعي والطواف، فروح العبادة عبارة عن كون المحرّك، هو استشعار العظمة استشعاراً نابعة من الاعتقاد بكون المعبود خالقاً أو ربّاً أو ما يماثل ذلك من كونه مالكاً لبعض أفعاله سبحانه.


(317)

السادس: ما هو الأصل فيما شكّ أنّه توصلي أو تعبّدي؟

إذا علم أنّ الواجب تعبدي أو توصلي يعمل به حسب ما علم، وأمّا إذا شكّ، فهل هناك أصل لفظي يثبت كونه توصلياً أو لا؟

ثمّ إذا لم يكن هناك أصل لفظي فما هو حكم الأصل العملي في المقام.

لا شكّ أنّه إذا شككنا في قيد المتعلّق يتمسك بالإطلاق كما إذا قال: اعتق رقبة، نتمسّك بإطلاق المتعلق ويحكم بعدم وجوب الإيمان، وأمّا المقام فهناك خصوصية ربّما تكون مانعة عن التمسّك بإطلاق المتعلق، فإذا قال الشارع: أقم الصلاة لدلوك الشمس، فربّما لا يمكن التمسّك، بإطلاق الصلاة لدفع الشك في اعتبار قصد القربة مثلاً، وذلك لأنّ قيود المتعلق على قسمين:

قسم ما ينوع المتعلّق إلى قسمين كرقبة مؤمنة ورقبة كافرة، فهذا ما يسمّى من القيود الواقعة تحت دائرة الطلب، فكأنّ الطلب يقع على المتعلق مطلقة أو مقيدة.

وقسم آخر لا ينوع المتعلّق إلى قسمين، وهو عبارة عن القيود الناشئة من جانب الأمر بالمتعلّق بحيث لولا الأمر لما يكون عن هذا القيد عين ولا أثر، وهذا كقصد الأمر في الصلاة، فالصلاة المقيّدة بقصد الأمر متقيّدة بقيد يأتي من قبل الأمر، فلولا أمر الآمر لما يوصف المتعلق بقصد الأمر، ولأجل هذا التفاوت بين القيدين صار القسم الثاني محطاً للنزاع، وانّ إطلاق المتعلّق هل يدل على كون الواجب توصلياً أو لا؟ فمن قال بإمكان أخذ هذا القسم من القيود في المتعلق قال بأنّ الأصل هو التوصلية إلاّ أن يدلّ الدليل على خلافه، وهذا خيرة الفقهاء من القدامى والمتأخّرين إلى عصر الشيخ الأنصاري.

وأمّا من قال بعدم جواز أخذه في المتعلّق، فذهب إلى أنّ الأصل هو التعبدية إلاّ أن يدل دليل على التوصلية وعليه الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني.


(318)

واستدلّوا على امتناع الأخذ في المتعلّق بوجوه نذكرها تباعاً، ونقدّم ما ذكره صاحب الكفاية أوّلاً ثمّ نعرّج على ما ذكره الآخرون.

الأوّل: استلزامه التكليف بغير المقدور

إنّ أخذ «قصد الأمر» في المتعلّق يستلزم التكليف بغير المقدور، فإذا افترضنا أنّ الموضوع قبل الأمر هو«الصلاة مع قصد الأمر» فهو فعل غير مقدور قبل الأمر، فكيف يأمر بشيء غير مقدور قبله مع أنّه يشترط تعلّقه بالمقدور؟

يلاحظ عليه: أنّه يشترط كون المتعلّق مقدوراً حين الامتثال لا حين الأمر، والمفروض أنّه بعد الأمر يصير امتثاله أمراً ممكناً.

الثاني: استلزامه داعوية الأمر إلى نفسه

إنّ الأمر لا يدعو إلاّإلى متعلقه، والمتعلّق هاهنا هو الشيء المقيّد بقصد الأمر، فنفس الصلاة مثلاً لا تكون مأموراً بها حتى يقصد المأمور امتثال أمرها، والدعوة إلى امتثال المقيّد محال، للزوم كون الأمر داعياً إلى داعوية نفسه ومحرّكاً لمحرّكية نفسه.

وإلى ذلك يشير صاحب الكفاية بقوله: لا يكاد يمكن الإتيان بها بداعي أمرها لعدم الأمر بها، فانّ الأمر حسب الفرض تعلّق بها مقيّداً بداعي الأمر ولا يكاد يدعو الأمر إلاّ إلى ما تعلّق به لا إلى غيره.(1)

وحاصل الاستدلال: أنّ الأمر إمّا يدعو إلى امتثال نفس الصلاة، وهي ليست متعلّق الأمر، وإمّا يدعو إلى امتثال المركب من الصلاة وقصد الأمر، وهو


1 - كفاية الأُصول:1/109.


(319)

يستلزم كون الشيء داعياً إلى نفسه.

وهذا الوجه غير تام بكلا شقّيه، إذ لنا أن نختار كلاً من الشقين ونجيب عنه، فنقول:

أمّا الشقّ الأوّل: فنحن نقول إنّ الصلاة بما هي هي متعلقة بالأمر وواجبة إمّا بالوجوب الغيري على القول بوجوب الأجزاء الداخلية، أو بالوجوب الضمني حسب ما ذهب إليه المحقّق البروجردي حيث يترشح من الوجوب النفسي وجوبات متعددة حسب تعدد الأجزاء، أو بالوجوب النفسي حسب المختار في باب الأجزاء الداخلية حيث إنّ الإنسان يأتي بكلّ جزء داخلي بنيّة امتثال الأمر النفسي، فإذا قال المولى: ابن مسجداً، فالمهندس أو البنّاء إنّما ينوي امتثال الأمر النفسي عند الاشتغال بالتخطيط وتهيئة مواد البناء، وحفر الأرض لنصب الأعمدة، فهذه الأعمال كلها نوع امتثال للأمر النفسي، غير أنّ هذا الامتثال يتم بنحو تدريجي. وعلى جميع الأقوال فالصلاة مأمور بها.

وأمّا الشقّ الثاني: فنلتزم بأنّ الأمر يدعو إلى كلا الجزءين: الصلاة، وقصد الأمر، غير أنّ داعوية الأمر إلى متعلّقه ليست داعوية تكوينية حتّى يلزم محرّكية الأمر لنفسه، بل داعوية تشريعية التي مرجعها إلى بيان موضوع الطاعة، وعلى ذلك فالأمر يبيّـن موضوع الطاعة وهما أمران: الصلاة وقصد الأمر، ولا ضير في ذلك.

نعم لو قلنا بأنّ الأمر محرّك تكويني بالنسبة إلى المتعلّق يلزم ما ذكر، ويدل على ذلك أنّ الأمر لو كان محركاً لما وجد على أديم الأرض كافر أو عاص، بل المحرّك هو الخوف من العذاب أو الطمع في الثواب.

ثمّ إنّ «الأمر بالصلاة مقيّدة بداعي أمرها» ليس بمعنى أنّه يأتي الجزء


(320)

الثاني «داعي أمرها» بقصد أمره، فانّ هذا التفسير غفلة عن معنى أخذ «قصد الأمر» في متعلّق الأمر، فانّ الهدف من أخذه ليس إلاّ لبيان كيفية امتثال الجزء الأوّل فقط، فإذا أتى بالصلاة بقصد أمرها فقد امتثل الأمر بالمركب من الصلاة وقصد الأمر، قهراً، ومعه لا يبقى موضوع لامتثال الجزء الثاني.

وهذا كما إذا أمر المولى بالصلاة مع الطهارة فمن لم يكن متطهراً يكون الأمر داعياً إلى كلا الجزئين، وأمّا من كان واجداً لها فتنحصر داعويته إلى الصلاة وحدها.

والحاصل: انّ المستدل زعم أنّ هناك واجبين يجب امتثالهما:

أ. نفس الصلاة بقصد أمرها.

ب. قصد الأمر بقصد أمره.

فيخيل إليه أنّ الإتيان بالجزء الأوّل غير كاف في صدق الامتثال، بل لابدّ من امتثال الجزء الثاني بقصد أمره، وعندئذ يترتب عليه محذور وهو عدم إمكان إتيان الجزء الثاني بقصد أمره، ولكنّه غفل عن أنّ الواجب بالذات هو الجزء الأوّل وإنّما أخذ الجزء الثاني في الموضوع طريقاً إلى الصلاة وعنواناً لها، فإذا أتى بالصلاة مع قصد الأمر فقد حصل الجزء الثاني قهراً من دون حاجة إلى إتيانه بقصد الأمر.

الثالث: استلزامه التسلسل

وبيانه يحتاج إلى بيان مقدمة وهي:

كان المبنى في الدليل الثاني على أنّ الصلاة فاقدة للأمر، والمجموع وإن كان واجداً للأمر لكن الأمر لا يمكن أن يدعو إلى المركب لاستلزامه داعوية الأمر إلى نفسه كما تقدّم.

ولقائل أن يقول: إنّ الصلاة إنّما تفقد الأمر إذا كان الجزء الثاني شرطاً لا


(321)

شطراً، وإلاّفيوصف كلّ جزء بالوجوب.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أبطل هذا البيان باستلزامه التسلسل، وذلك لما اختاره في باب اختيارية الشيء حيث ذهب إلى أنّ ملاك الاختيارية كون الشيء مسبوقاً بالإرادة، وعلى ضوء هذا فكلّ شيء اختياري إذا صدر عن إرادة، وأمّا الإرادة فليست اختيارية لعدم صدورها عن إرادة.

وعلى ضوء ذلك فالصلاة اختيارية، وقصد الأمر الذي هو عبارة أُخرى عن إرادة الأمر غير اختيارية، ولو قلنا بأنّ الجزء الثاني اختياري أيضاً يجب أن يسبق بإرادة ثالثة وهلم جراً.

وإلى هذا الدليل أشار المحقّق الخراساني بقوله:

«فانّه يوجب تعلّق الوجوب بأمر غير اختياري، فانّ الفعل وإن كان بالارادة اختيارياً، إلاّ أنّ إرادته ـ حيث لا تكون بإرادة أُخرى وإلاّلتسلسلت ـ ليست باختيارية.(1)

يلاحظ عليه: عدم تمامية المبنى، فانّ الملاك في اختيارية الفعل أحد أمرين: إمّا أن يكون مسبوقاً بالإرادة كما هو الملاك في الأفعال الصادرة عن الجوارح.

وإمّا أن يكون صادراً عن فاعل مختار بالذات وإن لم يكن مسبوقاً بالارادة وهذا كالأفعال الصادرة عن الجوانح مثل الإرادة، فانّها فعل اختياري لصدورها عن نفس المختار بالذات.

ثمّ إنّ الإرادة لو كانت غير اختيارية لزم عدم صحّة جعلها قيداً أيضاً مع أنّ المحقّق الخراساني خصّ الإشكال بكون الإرادة شطراً لا شرطاً .

أضف إلى ذلك انّه لو كان قصد الأمر غير اختياري كيف يحكم العقل


1 - كفاية الأُصول:1/110.


(322)

بوجوب تحصيله مع أنّ تعلق التكليف بغير المقدور أمر ممتنع سواء كان الحاكم هو الشرع أو العقل؟

إلى هنا تمّت الأدلة الثلاثة التي أوردها المحقّق الخراساني دليلاً لامتناع أخذ قصد الأمر في المتعلّق وهي :

1. استلزام التكليف بغير المقدور.

2. داعوية الأمر إلى نفسه.

3. استلزامه التسلسل.

وقد عرفت وهن الجميع.

وهناك أدلّة أُخرى ذكرها غير المحقّق الخراساني، وإليك تفصيلها:

الرابع: استلزام الدور

إنّ الأمر يتوقف على موضوعه توقّفَ العرض على موضوعه، فلو كان قصد الأمر مأخوذاً في الموضوع، لزم الدور، لعدم تحقّق جزء الموضوع إلاّ بالأمر.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر الصادر من المولى يتوقف على تصور «الصلاة في الذهن مع قصد الأمر» وهذا لا يتوقف على صدور الأمر من المولى، بل يمكن تصوّر الصلاة مع قصد الأمر وإن لم يكن هناك أمر، وعندئذ فلا دور.

الخامس: تقدّم الشيء على نفسه

ويلوح من هذا الدليل أنّ في القول بالأخذ مفسدة الدور، والفرق بين الرابع والخامس، أنّ الأوّل يصر على نفس «الأمر» وانّه عرض، وهذا الدليل يصر على عنوان «القصد» في قصد الأمر ويقول:

إنّ الأخذ في المتعلّق يستلزم تقدّم الشيء (أي القصد) على نفسه برتبتين،


(323)

وذلك لأنّ قصد الأمر متأخر عن الأمر، والأمر متأخر عن الموضوع، فينتج انّ القصد متأخر عن الموضوع برتبتين. وأخذه في الموضوع يستلزم تقدّم الشيء (القصد) على نفسه.

يلاحظ عليه: أنّه نفس الإشكال السابق، لكن ببيان آخر، وهو بيان مفسدة الدور، والجواب أنّ المتأخر عن الموضوع هو القصد الخارجي المتعلّق بالأمر الواقعي الصادر عن المولى، فهما (الأمر والقصد) متأخران عن الموضوع، إمّا برتبة(كما هو الحال في الأمر)، أو برتبتين (كما هو الحال في قصده).

والمأخوذ في الموضوع هو مفهوم «قصد الأمر»الكلي لا القصد الخارجي المتعلّق بالأمر الواقعي الصادر عن المولى، فما هو المتأخر ليس جزء الموضوع، وما هو جزء الموضوع ليس متأخراً.

وبعبارة أُخرى: ما هو المتأخر عبارة عن قصد الأمر بالحمل الشائع الصناعي، وما هو المتقدّم عبارة عن مفهومه الكلي الذي ينطبق عليه قصد الأمر بالحمل الأوّلي، فالموقوف والموقوف عليه مختلفان.

السادس: لزوم اتحاد الحكم والموضوع

انّ ما لا يوجد إلاّ بنفس انشائه كيف يعقل أخذه مفروض الوجود في موضوع نفسه، فانّ مرجعه إلى اتحاد الحكم والموضوع، والأمر في «قصد الأمر» ممّا لا يوجد إلاّ بالإنشاء، وكيف يصحّ أخذه في المتعلّق.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المأخوذ في الموضوع ليس نفس الحكم الخارجيّ، بل المأخوذ


1 - هذا، هو الوجه الذي يظهر من المحقّق الخوئي في أثناء تقرير برهان أُستاذه، ولكن لا صلة له ببرهانه وإنّما هو وجه مستقل(لاحظ المحاضرات:2/156).


(324)

مفهوم كلي، وما هو الحكم مصداق له، والفرق بينهما هو الفرق بين الحمل الأوّلي والشائع الصناعي.

السابع: لزوم تقدّم الشيء على نفسه في المراحل الثلاث

وحاصله: انّ أخذ قصد الأمر في المتعلّق يستلزم تقدّم الشيء على نفسه في مقام الإنشاء والفعلية والامتثال.

أمّا في مقام الإنشاء فلأنّ الموضوع في القضايا الحقيقية لابدّ وأن يكون مفروض الوجود في الخارج في مقام أخذه موضوعاً، سواء أكان خارجاً عن اختيار المكلّف كالوقت أم داخلاً تحت اختياره كما في قوله (أُوفُوا بالعُقُود) فانّ معناه انّه إذا فرض حصول عقد في الخارج يجب الوفاء به، وحينئذ لو أخذ قصد امتثال الأمر قيداً للمأمور به، يكون الأمر موضوعاً للتكليف ومفروض الوجود في الإنشاء، فيكون وجود التكليف مشروطاً بفرض وجود نفسه فرضاً مطابقاً للواقع، ويستلزم عندئذ كون الأمر مفروض الوجود قبل وجود نفسه، وهو بعينه محذور الدور.

وأمّا في مقام الفعلية فلأنّ فعلية الحكم تتوقّف على فعلية موضوعه، أعني: متعلقات متعلّق التكليف، وحيث إنّ المفروض انّ نفسه هو الموضوع لنفسه ومتعلّق لمتعلّقه فطبيعة الحال تتوقف فعليته على فعلية نفسه.

وبعبارة أُخرى: إذا أمر المولى بواجب مقيد بداعي أمره، ففعلية خطابه تتوقّف على فعلية موضوعه والمفروض انّ الأمر لنفسه، جزء الموضوع وعليه تتوقّف فعلية الأمر على فعلية نفسه.

وأمّا في مقام الامتثال فانّ قصد امتثال الأمر متأخر عن الإتيان بتمام أجزاء المأمور به وقيوده، وحيث إنّ من جملة الأجزاء والقيود حسب الفرض نفس قصد


(325)

الامتثال الذي هو عبارة عن دعوة شخص ذاك الأمر فلابدّ وأن يكون المكلّف في مقام امتثاله قاصداً للامتثال قبل قصد امتثاله، فيلزم تقدّم الشيء على نفسه، لأنّه بما هو جزء المأمور به مقدّم، وبما أنّ ماهية قصد امتثال الأمر عبارة عن الإتيان بالأجزاء بقصد الأمر متأخر عن الاجزاء .(1)

يلاحظ على الأوّل: بأنّ أقصى ما يلزم هو فرض وجود الشيء (قصد الأمر) قبل تحقّقه وهو ليس بمحال، وإنّما المحال وجوده واقعاً قبل تحقّقه، فما عبّر بقوله «يلزم كونه مفروض الوجود قبل وجوده وهو بعينه محذور الدور» غير تام فانّ محذور الدور هو وجوده واقعاً قبل تحقّقه لا فرض وجوده قبل تحقّقه، وشتان بينهما.

وعلى الثاني: فلأنّ فعلية الحكم تتوقّف على فعلية الموضوع لا بمعنى وجوده خارجاً بل بمعنى قدرة المكلّف على الإيجاد والامتثال، والمفروض أنّ المكلّف قادر على الصلاة بقصد أمرها، وأمّا القدرة على إيجاد المتعلّق والصلاة (بقصد الأمر) فهي موقوفة على صدور الأمر الإنشائي قبل فعلية الموضوع لا على الأمر الفعلي .

فينتج: الأمر الفعلي موقوف على القدرة على إيجاد الصلاة بأمرها، والقدرة الكذائية ليست موقوفة على الأمر الفعلي، بل على الأمر الإنشائي السابق.

ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ أجاب عن الإشكال بوجه آخر، وقال: إنّ فعلية الحكم لا تتوقف على فعلية الموضوع توقّف المعلول على علته، بل لابدّ في حال فعلية الحكم من فعلية الموضوع ولو صار فعلياً بنفس فعلية الحكم، لأنّ الممتنع هو التكليف الفعلي بشيء لم يكن متحقّقاً بالفعل، وأمّا التكليف الفعلي بشيء يصير فعلياً بنفس فعلية الحكم فالضرورة قاضية بجوازه.

وعلى الثالث: فلأنّ قصد الامتثال الذي هو متأخر عن إتيان المأمور به


1 - أجود التقريرات:1/107ـ 108 وأوضحه تلميذه المحقّق الخوئي في المحاضرات: 2/157.


(326)

المركب من الصلاة وقصد الأمر إنّما هو قصد بالحمل الشائع الصناعي، فهو بهذا المعنى متأخر عن المتعلّق وجزئه، وأمّا المتقدّم الذي يجب على المكلف قصد امتثاله فإنّما هو قصد الأمر بمفهومه الكلي الذي يقال انّه قصد الأمر بالحمل الأوّلي.

الثامن: استلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي

إنّ التكليف بالصلاة بقصد أمرها مستلزم للجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي، لأنّ الموضوع بقيوده لابدّ وأن يكون ملحوظاً استقلالاً، والأمر بما أنّه آلة البعث ملحوظ باللحاظ الآلي، فكون شيء مأخوذاً في ناحية الأمر والمأمور به يستلزم كونه ملحوظاً بلحاظين مختلفين.(1)

يلاحظ عليه: بما سبق من أنّ الملحوظ استقلالاً هو قصد الأمر المأخوذ في المتعلّق وهو أمر بالحمل الأوّلي، والملحوظ آلياً هو الأمر الجزئي المتعلّق بالمتعلّق الكلي.

والحاصل: انّ الأمر الخارجي الذي هو بعث بالحمل الشائع ملحوظ آلياً والمأخوذ في المتعلّق هو الصورة الكلية للأمر الذي لا يقال انّه حمل بالشائع الصناعي.

التاسع: التهافت في اللحاظ

لو أخذ قصد الأمر في متعلّق متعلقه يلزم منه التهافت في اللحاظ والتناقض في العلم، لأنّ موضوع الحكم متقدّم عليه في اللحاظ، وقصد الأمر متأخر عنه في


1 - راجع نهاية الأُصول:99.


(327)

اللحاظ، كما أنّه متأخر عنه في الوجود فيكون متأخراً عن موضوع الأمر برتبتين، فإذا أخذه جزءاً من موضوع الأمر أو قيداً فيه لزم أن يكون الشيء الواحد في اللحاظ الواحد متقدّماً في اللحاظ ومتأخراً فيه، وهو في نفسه غير معقول وجداناً امّا للخلف أو لغيره.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ الملحوظ متقدّماً غير الملحوظ متأخراً، فالملحوظ متقدّماً هو قصد الأمر بمفهومه الكلي، والملحوظ متأخراً هو الأمر بالحمل الشائع، فهناك لحاظان وملحوظان، لا انّ هناك لحاظاً واحداً لشيء واحد متقدّم ومتأخر.

وثانياً: انّ أقصى ما يترتّب عليه لحاظ الشيئين المترتبين في رتبة واحدة وهو ليس بمحال كلحاظ العلة والمعلول المترتبين في رتبة واحدة واللحاظ خفيف المؤونة، وإنّما المحال كون المترتبين في رتبة واحدة في عالم الوجود.

العاشر: وجود التسلسل في المدعو إليه

هذا الوجه، نقله المحقّق البروجردي عن أُستاذه المحقّق الخراساني، وحاصله: إذا تعلّق الأمر بالصلاة بداعي الأمر، فيسأل عن داعي الأمر وانّه إلى مَ يدعو؟ فإن دعا إلى ذات الصلاة، فهو خلف، إذ ليس له أمر وإن دعا إلى المركب أي (الصلاة بداعي الأمر) ننقل الكلام إلى هذا الداعي الثالث وهلم جراً.

والجواب: نختار الأمر الأوّل، وانّه يدعو إلى نفس الصلاة، والقول بأنّه فاقد للأمر قد مرّ جوابه بأنّ الأجزاء مأمور بها بالأمر النفسي، وانّ من شرع في الصلاة فقد شرع بامتثال الأمر النفسي.

ثمّ نختار الأمر الثاني بأنّه يدعو إلى الصلاة بداعي الأمر، ولكن ليس معناه


1 - بدائع الأفكار:230.


(328)

هو الإتيان بكلّ من الجزءين بداعيه، أي الاتيان بالصلاة بداعي الأمر والإتيان بداعي الأمر بداعي أمره، وذلك لأنّ الجزء الثاني لما لم يكن مقصوداً بالذات، بل كان المقصود هو إتيان الجزء الأوّل بداعي أمره، فإذا أتي بالجزء الأوّل بداعي الأمر، يسقط امتثال الجزء الثاني، لأنّه لم يؤخذ على وجه الموضوعية، بل لأجل الطريقية إلى الجزء الأوّل وبيان كيفية امتثاله.

ولعمر القارئ انّ ما ذكروه من الوجوه العشرة مغالطات ظهر وجهها ممّا ذكرنا، ومقام الشيخ الأنصاري وتلاميذه وتلامذة تلاميذه أرفع من أن يعتمدوا على هذه الوجوه، خصوصاً وانّ المقام من قبيل الاعتباريات والاعتبار سهل المؤونة، فكيف يدعى فيها الاستحالة والامتناع؟!

***

تصحيح الأخذ بأمرين

ثمّ إنّ من قال بامتناع قصد الأمر في المتعلّق بأمر واحد حاول أن يصحح الأخذ في المتعلّق بأمرين:

أحدهما يتعلق بنفس الطبيعة ويقول: أقم الصلاة، والأمر الثاني يتعلّق بالإتيان بها بداعي أمرها كما إذا قال: امتثل أمر الصلاة بقصد أمرها.

وعلى هذا فيكون الأصل في الأوامر التوصلية، فانّ الأخذ في متعلّق الأمر الأوّل وإن كان محالاً ولكن لما كان الأخذ في المتعلق بالأمر الثاني جائزاً فعدم وجود الأمر الثاني يكشف عن عدم مدخليته فيه.(1)

وأورد المحقّق الخراساني على هذا الوجه بأنّ الأمر الأوّل إن كان يسقط


1 - مطارح الأنظار:60.


(329)

بمجرّد موافقته، ولو لم يقصد به الامتثال كما هو قضية الأمر الثاني فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الأوّل بدون قصد امتثاله، فلا يتوصل الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة وإن لم يكد يسقط بذلك فلا يكاد يكون له وجه إلاّعدم حصول غرضه بذلك من أمره لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله وإلاّ لما كان موجباً لحدوثه، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدد الأمر، لاستقلال العقل مع عدم حصول غرض الآمر بمجرّد موافقة الأمر، بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط أمره.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره إنّما يتم إذا كان للمكلّف إحدى الحالتين، إمّا عالماً بالتوصلية، أو شاكّاً فيها وفي التعبدية، فعلى الأوّل يسقط البحث، وعلى الثاني يعمل بقاعدة الاشتغال، وأمّا إذا كان المكلّف قاطعاً بأنّه توصلي قطعاً مخالفاً للواقع، أو غير ملتفت إلى أنّه تعبدي أو توصلي، فعندئذ يحتاج المولى في استيفاء غرضه إلى التوصل بالأمر الثاني فلا يكون لغواً.

ثمّ إنّ المحقّق البروجردي أورد على تصحيح الأخذ بإشكالين:

الأوّل: إذا كانت المصلحة قائمة بالمركّب من الصلاة وقصد الأمر، فكيف يبعث المولى عبده إلى الجزء (الصلاة) الفاقد للمصلحة؟

الثاني: انّ الأمر الأوّل لما تعلّق بالفاقد للمصلحة لا يكون إلاّأمراً صورياً، ولا يكون قصد الأمر الكذائي مصحّحاً لكون الشيء عبادة.(2)

والظاهر عدم تماميتهما أمّا الأوّل، فلأنّ الصلاة بما هي هي، ليست مجرّدة عن المصلحة، بل هي حاملة لبعضها.

وإن شئت قلت: تعدّمقتضياً بالنسبة إليها، ولأجل ذلك يصحّ الأمر بها.


1 - كفاية الأُصول: 1/111.
2 - نهاية الأُصول:115.


(330)

نعم إنّما يمتنع إذا بعث إليها واكتفى بالأمر الأوّل .

ومنه يظهر حال الجواب الثاني، إذ ليس الأمر الأوّل صورياً بل أمر جدّي غاية الأمر على نحو الأمر بالمقتضي كما مرّ.

نعم يمكن أن يؤاخذ على تصحيح الأخذ بالأمرين بأنّ الأخذ لا يتوقف على الأمرين بل يصحّ بأمر واحد ولكن بوجهين:

الأوّل: أخذه في المتعلّق بصورة جملة خبرية بأن يقول: أقم الصلاة ويجب أن تُقيمها بقصد أمرها، فانّ أكثر الإشكالات غير متوجهة على هذه الصورة.

الثاني: أن ينهى عن الضد حتى يتعيّن الضد الآخر بأن يقول:«أقم الصلاة لا بداع نفساني» فإذا كان أحد الضدين اللّذين لا ثالث لهما منهياً عنه يتعيّن الضد الآخر أي بداع إلهي.

الإطلاق المقامي

إذا قلنا بامتناع أخذ قصد الأمر في المتعلّق فالإطلاق اللفظي يكون منتفياً بانتفاء موضوعه، إذ ليس للمولى إمكان الأخذ للمتعلّق حتى يُستدل بعدم الأخذ على عدم الوجوب، ولكن هناك أصلاً آخر باسم الإطلاق المقامي فيتمسّك به ويستدل به على التوصلية .

والفرق بين الإطلاقين هو أنّ الإطلاق اللفظي عبارة عن كون المولى بصدد بيان كلّ ما له دخل في متعلّق الحكم، فإذا سكت نستكشف عن عدم مدخليته، بخلاف الإطلاق المقامي فانّه عبارة عن كون المولى بصدد بيان كلّ ماله دخل في غرضه وإن لم يكن له دخل في المتعلّق فإذا سكت نستكشف عن عدم وجوبه.

وعلى ضوء ذلك فيمكن أن يتمسّك بالإطلاق المقامي على عدم مدخلية


(331)

قصد الأمر، وحتى قصد الوجه والتمييز في الغرض، إذ لو كان له مدخلية لوجب على المولى التنبيه على مدخليته ولو ببيان خارج عن الخطاب كأن يقول بعد الأمر بالصلاة أيّها المكلّف، الواجب الذي أمرت به واجب تعبّدي لا توصّلي، فسكوته في كلّ مورد مشكوك كاشف عن عدم مدخليته في غرض المولى وعدم مدخليته في المتعلّق.

وبهذا ظهر أنّ الأصل في التعبّدية والتوصّلية هو التوصّلية، وذلك من وجوه شتى:

أ. إمكان أخذه في المتعلّق، وقد عرفت عدم تمامية الوجوه التي استدلّوا بها على الامتناع.

ب. إمكان أخذه في المتعلّق بأمر ثان.

ج. إمكان أخذه في المتعلّق مقيّداً بجملة خبرية.

د. إمكان تفهيمه بالنهي عن ضده بعد الأمر بالشيء.

هـ. إمكان التمسّك بالإطلاق المقامي وانّه لو كان له مدخلية لكان على المولى البيان.

بقي الكلام في أدلّة القائلين في أنّ الأصل هو التعبديّة.

أدلّة القائلين بأنّ مقتضى الأصل هو التعبديّة

استدلّ القائلون بانّ الأصل هو التعبّدية بوجوه:

الأوّل: ما نقله المحقّق النائيني عن العلاّمة الكلباسي: أنّ المولى إنّما يأمر عبده بشيء ويطلبه منه ليجعل أمره محرّكاً إيّاه نحو العمل وباعثاً له نحو المراد.

وإن شئت قلت: إنّ الغرض من الأمر، كون الأمر داعياً، فحينئذ إن أتى


(332)

المكلّف به بداعي أمره، فقد حصل الغرض وسقط الأمر، وإلاّ فلا.(1)

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين كون الغرض من الأمر أن يكون داعياً للمكلّف إلى المأمور به، وبين كون الغرض منه هو الإتيان به بذاك القصد. والمسلّم إنّما هو الأوّل، وأمّا الثاني فيفتقر إلى دليل.

وبعبارة أُخرى: انّ الغرض من الأمر هو تعيين موضوع الطاعة حتّى يقف المكلّف على واجبه، وأمّا الإتيان لأجل أمر المولى فلم يعلم أنّه غرض الأمر.

الثاني: قوله سبحانه: (وَما أُمِرُوا إِلاّ ليَعبُدُوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاة وَذلِكَ دينَ القَيّمة).(2)

وهو يدل على حصر الأوامر الصادرة منه سبحانه في التعبّدية، حيث جاءت غاية للأمر، في قوله (وما أُمروا إِلاّ ليعبدوا اللّه)أي ما أُمروا بشيء في مورد من الموارد من الطهارة إلى الديات إلاّ لأجل عبادة اللّه، فكانت الغاية للأمر في جميع الموارد هي عبادة اللّه، وعليه فكلّ أمر ورد في الشريعة، عباديّ، إلاّ ما قام الدليل على كونه غير عبادي،وهذا العموم متّبع إلى أن يدلّ دليل على خلافه.

يلاحظ عليه: بأنّ الآية بصدد بيان حصر العبادة والطاعة في اللّه سبحانه، لا حصر عامة أوامره في التعبّدية، وعلى ذلك فمعنى قوله (وما أُمروا) أي ما أُمروا (في مجال العبادة) إلاّبالعبادة الخالصة. وليس معناه انّهم ما أمروا بشيء مطلقاً إلاّ ليعبدوا اللّه به حتى تكون الغاية من الأمر مطلقاً في تمام الموارد عبادة اللّه سبحانه، ويؤيد ذلك قوله سبحانه: (اتّخذوا أَحبارهُمْ وَرُهبانَهُمْ أَرباباً مِنْ دُونِ اللّهِ وَالمَسيحَ ابنَ مَرْيَمَ وَما أُمِروا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُون)(3) فالآية ظاهرة في أنّهم ما أمروا في مجال العبادة إلاّ عبادة إله واحد لا


1 - أجود التقريرات:1/112ـ113.
2 - البينة:5.
3 - التوبة:31.


(333)

عبادة الآلهة ولا اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دُون اللّه.

الثالث: قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّما الأعمال بالنيّات ، وإنّما لامرئ ما نوى»(1) أي واقعية كلّ عمل بنيّة القربة وإيجاده للّه سبحانه، فيكون المراد من النيّة، نيّة القربة، فكلّ عمل خلا عن نيّة القربة لا يُعدّ عملاً، فلا يحصل الامتثال.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على تفسير النيّة في الحديث بنيّة القربة، مع أنّه لا دليل عليه، بل المراد منه قصد العناوين التي ربّما ينطبق على العمل، كضرب اليتيم للأدب أو للإيذاء، وعليه لا يكون للروايتين مساس بالمقام.

وإن شئت قلت: إنّ اتّصاف العمل بالحسن والقبح، أو بكونه مقرّباً وغير مقرّب منوط بكيفية النيّة.

وأنّ كلّ عمل أتاه المكلّف بنيّة صالحة، يوصف بالحسن والقربة، وإلاّ فلا، وأمّا أنّ سقوط كلّ أمر يتوقّف على نيّة التقرّب إلى اللّه، وأنّه لولاها لفسد العمل فلا يدل عليه.

وفي بعض الروايات: انّ اللّه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم.

إلى هنا تبيّن أنّ مقتضى الأصل اللفظي هو التوصّلية إلاّأن يدلّ دليل على كون الواجب قربياً.

مقتضى الأصل العقلي

لو افترضنا أنّه لم نخرج بنتيجة قطعية حسب الأدلة الاجتهادية فلا محيص من الرجوع إلى الأصل العقلي أوّلاً والشرعي ثانياً، فما هو مقتضى الأصل العقلي؟


1 - الوسائل:1، الباب5 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث7.


(334)

إنّ مقتضاه هو البراءة، سواء أقلنا بإمكان أخذه في المتعلّق أم لا؟ أمّا على الأوّل فواضح، وأمّا على الثاني فلأنّ المولى وإن كان غير متمكّن من الأخذ في المتعلّق لكن يمكن أن ينبه على شرطيته بالأمر الثاني أو بالطرق التي تعرفت عليها.

لكن المحقّق الخراساني ذهب إلى أنّ الأصل الجاري في المقام عند الشكّ هو الاشتغال، قائلاً:

بأنّ الشكّ هاهنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم، مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها، فلا يكون العقاب ـ مع الشكّ وعدم إحراز الخروج ـ عقاباً بلا بيان، ضرورة أنّه بالعلم بالتكليف، تصحّ المؤاخذة على المخالفة، وعدم الخروج عن العهدة، لو اتّفق عدم الخروج عنها بمجرّد الموافقة بلا قصد القربة، وهكذا الحال في كلّ ما شكّ دخله في الطاعة، والخروج به عن العهدة ممّا لا يمكن اعتباره في المأمور به، كالوجه والتمييز.(1)

توضيحه: أنّه قدَّس سرَّه بصدد بيان الفرق بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين، والمقام بأنّ الشكّ في الثاني يرجع إلى الشكّ في السقوط دون الأوّل فانّ الشكّ فيه يرجع إلى سعة المتعلّق وضيقه.

وأساس الفرق هو التمكّن من أخذ القيد في المتعلّق في الارتباطيين، دون المقام حيث إنّ الأخذ فيه مستلزم للمحال، وعلى ضوء ذلك لا ملازمة بين القول بالبراءة فيهما والقول بالبراءة في المقام ـ مضافاً ـ إلى أنّه قدَّس سرَّه يعول بالاشتغال في كلا المقامين كما سيوافيك في مبحث الاشتغال.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ ما ذكره مبني على تقسيم الجزء إلى ما يمكن أن يكون


1 - كفاية الأُصول:1/113ـ 114.


(335)

مأخوذاً في المتعلّق وما لا يمكن، فتجري البراءة في الأوّل دون الثاني.

وأمّا على المختار من أنّ جميع الشروط والأجزاء على سنخ واحد، و انّ الكلّ يرجع إلى المتعلّق، وانّ للمولى أن يأخذ قصد الأمر جزءاً للمأمور به كالقنوت وجلسة الاستراحة، فلا يصحّ الفرق بين المقام والأقل والأكثر الارتباطيين.

وثانياً: أنّ ما ذكره من الدليل على الاشتغال في المقام ليس أمراً جديداً، بل هو دليل القائلين بالاشتغال في الأقل والأكثر الارتباطيين في ذلك المبحث حيث قالوا: بأنّ الأمر بالأقل معلوم ونشك في سقوطه لأجل ارتباطية الأجزاء، وانّ الغرض المستكشف من الأمر معلوم ونشك في سقوطه بإتيان الأقل، فيجب الإتيان بكلّ ما احتمل دخله في الغرض.

فإذا كان روح الدليل في المقامين هو الشكّ في السقوط وحصول الغرض، فنقول:

إنّ تحصيل غرض المولى واجب لكن في المقدار الذي قام الدليل عليه، وأمّا ما لم يقم عليه الدليل فليس بواجب تحصيله، كما في المقام.

وبعبارة أُخرى: فالعبد مسؤول أمام اللّه حسب ما أعطي من الحجة لا ما شك فيه، والشكّ في سقوط الأمر في المقامين لاحتمال عدم حصول الغرض لا يؤثر في الاشتغال، وقد نبّه ببعض ما ذكرنا المحقّق العراقي في تقريراته، فقال:

إنّ التقريب المذكور ليس موجباً للفرق بين المقام والأقل والأكثر الارتباطيين، بل هو أحد الوجوه التي ذكرت للدلالة على لزوم الاحتياط فيهما.(1)


1 - بدائع الأفكار:1/240.


(336)

حكم الأصل الشرعي

قد عرفت أنّ حكم الأصل العقلي هو البراءة، وأمّا حكم الأصل الشرعي فهو أيضاً كالعقلي على ما اخترنا من إمكان أخذه في المتعلّق بطرق مختلفة، فإذا شككنا في جزئيته أو شرطيته فيكون ممّا لا يعلمون، فيرفع بحديث الرفع.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني لما بنى على عدم إمكان أخذه في المتعلّق ذهب في المقام إلى عدم جريان البراءة الشرعية قائلاً:

بأنّه لابدّفي عمومها لشيء من كونه قابلاً للرفع والوضع، وليس المقام كذلك، فانّ دخل قصد القربة ونحوها في الغرض ليس بشرعي، بل واقعي، ودخل الجزء والشرط فيه وإن كان كذلك، إلاّ أنّهما قابلان للوضع والرفع شرعاً. فبدليل الرفع ـ ولو كان أصلاً ـ يكشف أنّه ليس هناك أمر فعلي بما يعتبر فيه الشكوك، يجب الخروج عن عهدته عقلاً، بخلاف المقام، فانّه علم بثبوت الأمر الفعلي وشكّ في كيفية الخروج.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مبني على امتناع أخذه في المتعلّق مطلقاً، فعندئذ يكون دخله في الغرض تكوينياً لا جعلياً، والأمر التكويني غير قابل للوضع والرفع.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أشار في ذيل كلامه إلى وجود الفرق بين المقام والشكّ في الجزئية والشرطية، بعد اشتراكهما في أنّ مدخلية الجزء والشرط أمر عقلي، ولكنّه في غير قصد الوجه قابل للرفع والوضع، فلأجل ذلك يشمله حديث الرفع بخلاف المقام.


1 - كفاية الأُصول:1/114ـ 116.


(337)

نقل كلام عن المحقّق العراقي

إنّ المحقّق العراقي تابع المحقّق الخراساني في عدم جريان البراءة الشرعية، وأيّده بوجهين، لكن مبنى الوجه الأوّل غير مبنى الوجه الثاني.

فالأوّل منهما مبني على عدم جريان البراءة العقلية.

كما أنّ الوجه الثاني مبني على القول بعدم إمكان أخذه فيه بأمر واحد وإمكان أخذه بأمرين، ولولا التوجّه إلى أنّ لكلّ وجه مبنى خاصاً لانقلب كلامه إلى ألغاز.

أمّا الأوّل فقال:

أمّا الوجه الأوّل فمحصّله أنّ ملاك البراءة النقلية هو كون الأمر المشكوك فيه إذا لم يبينه المولى كان ناقضاً لغرضه، ومورد الكلام ليس كذلك، فانّ القيد المزبور على فرض كونه مراداً للمولى لا يكون ناقضاً لغرضه إذا لم يبينه لكفاية حكم العقل بلزوم الإتيان به في مورد الشكّ، فلا يلزم من عدم البيان نقض الغرض، وإذا كان المورد كذلك لا يكون مجرى للبراءة النقلية.(1)

يلاحظ عليه: أنّ حكم العقل بالاشتغال حكم في مقام الشكّ، وليس حكماً واقعياً، فكم فرق بين الحكم بحسن العدل وقبح الظلم فلا يمكن للشارع نقضه وبين حكمه بالاشتغال في المقام في مقام الشكّ، فعندئذ يكون حكم الشارع بالبراءة النقلية بما انّه حكم مولوي رافعاً لحكم العقل.

وأمّا الوجه الثاني: انّ جريان البراءة النقلية عن وجوب قيد الدعوة بنحو الأمر الثاني، لا يثبت أنّ متعلّق الأمر الأوّل هو تمام المطلوب إلاّعلى القول بحجّية


1 - بدائع الأفكار:1/243.


(338)

الأصل المثبت، ضرورة أنّ نفي الوجوب من متمم الجعل، وإثبات انّ الباقي واف بالغرض بالأصل المذكور من أظهر مصاديق الأصل المثبت، بخلاف ما لو قلنا بإمكان أخذ قيد الدعوة ونحوه في متعلّق الأمر الأوّل فانّه عليه يرجع الشكّ إلى انبساط الأمر على الجزء أو القيد المشكوك في دخله، فإذا جرت البراءة في انبساط الأمر عليه وتعلقه به استفدنا أنّ باقي الأجزاء هو تمام المأمور به في نظر العرف وليس ذلك من المثبت لخفاء مثل هذه الواسطة في نظر العرف.(1)

وحاصله: انّه لو قيل بإمكان الأخذ بأمر واحد تثبت أصالة البراءة الشرعية انّ المأتي به تمام الموضوع، وأمّا على القول بعدم إمكان أخذه بأمر واحد وإنّما يمكن بأمر ثان، فنفي الأمر الثاني بالبراءة وبالتالي نفي التعبدية لا يثبت كون المأتي به تمام الواجب.

يلاحظ عليه: بأنّ الالتزام بوجوب العلم بكون المأتي به تمام المأمور به من قبيل الالتزام بما لا يجب الالتزام به، إذ ليس الواجب إلاّ عنوان الصلاة لا عنوان تمام المطلوب حتى يجب إحرازه، بل يجب إحراز ما قامت عليه الحجّة سواء أكان تمام المأمور به أو لا.

إلى هنا خرجنا عن هذا البحث الضافي بالنتائج التالية:

1. انّ مقتضى الأصل اللفظي في التوصلية والتعبدية هو التوصلية.

2. انّ مقتضى الأصل العقلي والشرعي عند عدم الدليل كالإطلاق وغيره على التوصلية، هو التوصلية.

3. انّ المعتبر في صحّة الواجب هو الإتيان به للّه سبحانه، ولا يعتبر الإتيان به لأمره سبحانه.


1 - بدائع الأفكار:1/244.


(339)

إنّ هذا البحث مبنيّ على القول بأنّ ملاك العبادة هو الإتيان لأمره، وأمّا على القول بأنّ ملاك العبادة هو الإتيان للّه سبحانه فالبحث أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.


(340)

المبحث الخامس

في دوران صيغة الأمر
بين كونه
نفسياً، تعيينياً، عينياً، وما يقابلها

إذا دار أمر الصيغة بين كونه نفسياً أو غيرياً، كما إذا قال: اغتسل للجنابة، واحتمل كونه واجباً بنفسه أو غيرياً واجباً للغير كالصلاة والصوم.

أو دار أمرها بين كونه تعيينياً أو تخييرياً، كما إذا قال: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَومِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللّه)(1) ودار بين كونه واجباً تعيينياً لا يسقط بالإتيان بشيء آخر، أو تخييرياً ساقطاً بفعل الظهر أيضاً.

أو دار أمرها بين كونه عينيّاً أو كفائياً ـ كما إذا قال: قاتل في سبيل اللّه، ودار أمره بين كونه واجباً عينياً و واجباً عليه في جميع الحالات قام به الآخر أو لا، أو كفائياً ساقطاً إذا قام به الآخر.

فالمعروف في جميع الصور الثلاث هو الحمل على النفسي التعييني العيني، غير أنّهم اختلفوا في وجه ذلك بعد الاتفاق على أصل الحمل، وقد ذكروا في المقام وجوهاً.


1 - الجمعة:9.


(341)

الوجه الأوّل: الحمل مقتضى الإطلاق

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الحمل مقتضى إطلاق الصيغة قال: مقتضى إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسياً، تعيينيّاً، عينياً، لأنّ الوجوب في مقابلاتها مقيّد بقيد، ومضيقة دائرته به، فإذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة عليه، فالحكمة تقتضي كون الوجوب مطلقاً، وجب هناك شيء آخر أو لا، أتى بشيء آخر أو لا، أتى به آخر أو لا.(1)

وحاصله: انّ الوجوب في الثلاثة الأول، مطلق، وفي مقابلاتها مقيّد، فإذا لم يأت بالقيد مع كونه في مقام البيان، يؤخذ بإطلاقه ويحمل على كونه نفسياً تعيينياً، عينيّاً.

وأورد عليه السيّد الأُستاذ: بأنّ كلاً من القسمين، من أقسام الوجوب، يمتاز عن المقسم بقيد، ولا معنى لأن يكون أحد القسمين مقيّداً دون الآخر، وإلاّ يلزم أن يكون القسم عين المقسم، وإليك بيان قيد كلّ واحد من القسمين:

الواجب النفسي ما وجب لنفسه .

والغيري ما وجب لغيره.

الواجب التعييني ما وجب وإن أتى بشيء آخر .

والتخييري ما وجب إذا لم يأت بشيء آخر.

الواجب العيني، ما وجب وإن أتى به شخص آخر.

والكفائي ما وجب إذا لم يأت به شخص آخر.

وعلى ضوء ذلك يكون كلّ واحد منهما في مقام التحديد مشتملاً على قيد زائد على نفس البعث ولو من باب زيادة الحدّ على المحدود، وعليه تصير النفسية


1 - كفاية الأُصول:1/116.


(342)

مبائنة للغيرية، لا تتعين إلاّ بدال آخر، فلو كان هناك قرينة على أحد الطرفين فهو، وإلاّ يصير الكلام من هذه الجهة مجملاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح إذا لوحظ كلّ من القسمين برؤية عقلية، فلكلّ، قيد يمتاز به عن المقسم والقسم الآخر، وأمّا إذا لوحظ برؤية عرفية فالعرف يرى الوجوب النفسي، نفس الوجوب بلا قيد، وهكذا الآخران، من دون أن يزيد على الوجوب بشيء، وذلك لأنّ القيد في الواجب النفسي، أعني قوله: «ما وجب لذاته أو لنفسه» ليس شيئاً زائداً على أصل الأمر، بل هو تأكيد له، فلا يتلقّاه العرف أمراً زائداً على أصل الوجوب وإن كان في نظر العقل قيداً زائداً.

وبه يتبين حال الأمرين الآخرين، فانّ تفسير التعييني «بما وجب وإن أتى بشيء آخر»، وتفسير العيني «بما وجب وإن أتى به آخر»، ليس قيداً زائداً على الوجوب، بل هو تفسير لإطلاق الوجوب وسعته وانّه غير محدد ولا مقيّد، وواجب في كلتا الحالتين، وعليه يكفي في بيانه السكوت بخلاف القيد في الأقسام الثلاثة، فانّه تحديد للوجوب وتضييق له فلا يكفي في بيانه السكوت، بل لابدّ من التكلّم به، فإذا سكت يحمل على الفرد الذي يكون إطلاق الوجوب كافياً في بيانه وإفادته.

وبعبارة أُخرى: انّ الإطلاق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم، ويكون وافياً بإفادة المقصود، فلو أُريد النفسي ونظيره، فالوجوب المطلق من غير قيد باللفظ واف بإفادة المراد، وإن أُريد المقيّد، فالتعبير غير واف، وقد عرفت انّ النفسي والتعييني والعيني، نفس الوجوب المطلق في منظر العرف لا تزيد عليه بشيء في ذهنه. وكأن العرف يتلقى السكوت وافياً ببيان الثلاثة الأول، دون الثلاثة الأُخر.


1 - تهذيب الأُصول:1/167.


(343)

الوجه الثاني: الحمل مقتضى حكم العقل في مجال العبودية

قد عرفت أنّ أمر المولى، تمام الموضوع لوجوب الطاعة والعلم بالخروج عن العهدة، ولا يصحّ له ترك المأمور به باحتمال كونه مندوباً، فلا يترك أمر المولى بلا جواب، والجواب إمّا العلم بكونه مندوباً وإمّا الإتيان بالمأمور.

وعلى ضوء ذلك يجب أن يحمل على كون الوجوب نفسياً تعيينياً عينياً، إذ على هذا الفرض يقوم بامتثال الأمر في جميع الأحوال ولا يترك أمر المولى بلا جواب بخلاف ما إذا حمل على مقابلاتها فحينئذ يصحّ له ترك المأمور به باحتمال انّه واجب مقدّمي بشيء لم يجب بعد، أو واجب تخييري أتى بعدله، أو كفائي أتى آخر به، ومن المعلوم أنّ ترك المأمور به بهذه الاحتمالات ترك بلا عذر قاطع وجواب حاسم.

الوجه الثالث: المختص بمورد التعييني والعيني

إنّ الوجوب في الواجب التخييري متعلّق بعنوان انتزاعي وهو أحد الفعلين أو الأفعال كما أنّه في الواجب الكفائي متعلّق بأحد المكلّفين، فلو أتى المكلّف بأحد الأعدال أو قام به أحد المكلّفين فقد امتثل الحكم، لكون المأتي به موافقاً للمأمور به، وعلى هذا فمقتضى الإطلاق كون الواجب تعيينياً عينياً، وذلك لأجل أنّ الفرق بين الواجب التعييني والتخييري هو أنّ الواجب في الأوّل هو الجامع الحقيقي والعنوان المتأصّل المنطبق على مصاديقه انطباقاً ذاتياً ويكون لنفس العنوان مدخلية في الحكم، مثل قوله: «صلّ» ويكون المكلّف مخيّراً بين مصاديقه الذاتية في مقام الامتثال، وأمّا الواجب في الثاني، فالواجب فيه هو العنوان الانتزاعي والجامع غير المتأصّل، والمكلّف مخيّر بين مصاديقه كعنوان أحد الفعلين


(344)

أو أحد الأفعال، ولا مدخلية للعنوان في ثبوت الحكم، إلاّ أنّه اتخذ وسيلة لبيان ما هو الواجب، وتعلّق الإرادة والعلم بهذه العناوين، بمكان من الإمكان فضلاً عن تعلّق الحكم الذي ليس إلاّ أمراً اعتبارياً.

فإذا قال المولى: «أطعم» فظاهر البيان مدخلية ذاك العنوان، بما هوهو، في الحكم، لا بما أنّه أحد أفراد العنوان الانتزاعي، ولو كان المتكلّم في مقام البيان، وكان الواجب تعيينياً لكفى البيان المزبور، بخلاف ما إذا كان تخييرياً، فانّه يكون البيان ناقصاً غير واف.

وبذلك يعلم حال التردد بين العيني والكفائي، فانّ مردّ التردد إلى أنّ التكليف توجّه إلى نفسه أو إلى عنوان أحد المكلّفين، فانّ ظاهر الخطاب أنّه متوجّه إلى شخصه أو إلى عنوان ذاتي كالمستطيع الذي هو من مصاديقه، وهذا بخلاف ما إذا كان واجباً كفائياً فالخطاب فيه ليس متوجّهاً إلى شخص المكلّف ولا إلى عنوان ذاتي، بل إلى عنوان انتزاعي كأحد المكلّفين.

يلاحظ عليه: انّ ما ذكره مبني على تفسير الفرق بين التعييني والتخييري أو العيني والكفائي بما ذكر، وسيوافيك عدم صحّته وانّ التعلق في الجميع بنحو واحد. وإنّما الاختلاف في سنخ الوجوب، لا في متعلقه على النحو الذي مرّ.

هذا كلّه حول الأصل اللفظي، وأمّا مقتضى الأصل العملي فقد فرّقه الأُصوليون المتأخرون فبحثوا عن مقتضى الأصل فيما إذا دار بين النفسي والغيري في مبحث وجوب المقدمة، وعن الأمرين الأخيرين في مبحث البراءة والاشتغال.


(345)

المبحث السادس

الأمر عقيب الحظر أو توهمه

لو قلنا بإفادة صيغة الأمر الوجوب وضعاً أو إطلاقاً أو لأجل حكم العقل، فهل الأمر كذلك إذا وقع عقيب الحظر أو توهمه؟ وإليك بعض الأمثلة:

1. قال سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحيض قُلْ هُوَ أَذىً فاعْتَزِلُوا النّساء فِي الْمَحيضِ وَلا تَقْربُوهُنّ) وقال بعد النهي ( فإِذا تَطَهّرْنَ فأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّه) (1) فالحظر والنهي في آية واحدة.

2. قال سبحانه: (أُحِلّت لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعام إِلاّ ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْر مُحِلِّي الصيدِ وأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ ما يُريد)(2) أي غير مستحلّين اصطيادها في حال إحرامها.

وجاءت الآية الثانية بالأمر بالاصطياد بعد الاحلال، وقال: (وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا) .(3)

فما هو مفاد الأمر بعد النهي أو توهمه؟ وهناك أقوال:

أ. فمن قائل بظهورها في الاباحة.

ب. إلى آخر قائل بظهورها في الوجوب.

ج. إلى ثالث بتبعية حكم الموضوع لما قبل النهي إذا علّق الأمر بزوال علّة


1 - البقرة:222.
2 - المائدة:1.
3 - المائدة:2.


(346)

النهي، كما قال: (وَإِذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا) .

د. إلى رابع بإجمال الكلام لاكتنافه بما يصلح للقرينية، فالمرجع بعد الإجمال هو الأُصول العملية كما هو مختار المحقّق الخراساني وهو الأقوى.

وجه ذلك: هو ما عرفت من أنّ دلالة الأمر على الوجوب تدور على أحد محاور ثلاثة:

1. دلالة الصيغة على الوجوب بالدلالة اللفظية.

2. دلالتها على الوجوب من باب الإطلاق، وهو أنّ البعث المطلق يساوق الوجوب، بخلاف الندب، فانّه يحتاج في إفادته ـ وراء البعث ـ إلى قيد زائد، وقد مرّ نظير ذلك في دوران الأمر بين النفسية والغيريّة فلو أراد الوجوب، يكون اللفظ وافياً ببيانه، بخلاف الندب.

3. دلالتها على الوجوب، من باب حكم العقل والعقلاء، بأنّ أمر المولى لا يُترك بلا جواب، وليس للعبد ترك المأمور به باحتمال كون الطلب مندوباً.

وعلى أيّ وجه من هذه الوجوه الثلاثة، اعتمد في استفادة الوجوب، فهو غير جار في المقام.

أمّا على الوجه الأوّل، فانّ استعماله في الوجوب حقيقة وفي غيره مجاز، فإذا دار مفاد الصيغة في قوله (فأْتوهنّ من حيث أمركم) بين الحقيقة والمجاز فلا يمكن التمسّك بأصالة الحقيقة لأنّها إنّما تجري إذا لم يكتنف الكلام بمحتمل القرينية كما في المقام حيث إنّ تقدّم النهي ربّما يصلح أن يكون قرينة على أنّ الأمر لبيان الترخيص ورفع الحظر، لا لزوم الامتثال.

و منه يظهر حال الوجه الثاني، فانّ الأخذ بالإطلاق رهن تمامية مقدّمات الحكمة أعني كون المتكلّم في مقام البيان، وعدم القدر المتيقن في مقام التخاطب،


(347)

وفقد ما يصلح للقرينية، فثبوت الإطلاق، المساوق للوجوب، فرع عدم وجود ما يصلح للقرينية، لكن النهي المتقدّم يصلح لها وانّ المراد من الأمر، هو نقض النهي والحظر لا البعث الجدّي إلى المتعلّق.

أمّا على المذهب المختار فهو أيضاً كذلك، لأنّ الموضوع لوجوب الطاعة، هو الأمر، غير المكتنف بما يصلح لأن يصرفه إلى أنّ المقصود رفع الحظر المحقق، أو المتوهم وليس هذا الاحتمال، نظير احتمال إرادة الندب من الأمر المطلق، غير المكتنف بما يصلح للقرينية، إذ لا إجمال فيه، ولا يكون الاحتمال المجرّد عذراً في ترك المأمور به، بخلاف المقام.

و من ذلك يعلم، أنّ أقوى الأقوال هو القول بالإجمال والرجوع إلى الأُصول العملية إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي فوقهما وإلاّفلا تصل النوبة إلى الأصل العملي وهذا كما في مورد المرأة الحائض.

فقد ورد مفاد النهي في قوله سبحانه(فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحيض) .

وورد الأمر بعده عند زوال ملاك النهي وقال: ( فإذا تَطَهّرْنَ فأتُوهُنَّ مِن حَيثُ أمرَكُمُ اللّه) ولاحتفاف الأمر بما يصلح للقرينة، يصبح الأمر مجملاً غير دال إلاّ على حكم شرعي مردد بين الأحكام الأربعة.

ولكن لما كان في المقام تشريع فوقاني دال بإطلاقه الأحوالي على حكم الزمان الذي ورد فيه الأمر، يكون هو المرجع، أعني قوله سبحانه: (نساؤكُمْ حَرثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حرثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ)(1) فهو بإطلاقه يعم حال المحيض والطهارة، خرج عنه الأوّل، وبقي الباقي تحته، ويكون الحكم الشرعي هو الإباحة الشرعية.


1 - البقرة:223.


(348)

المبحث السابع

دلالة الأمر على المرّة والتكرار

ولنقدّم أمام البحث أُموراً:

الأوّل: فيما إذا كانت هناك قرينة على أحد الأمرين

إنّ البحث في دلالة الأمر على المرّة والتكرار مركّز فيما إذا لم يدل دليل خارجي على أحد الأمرين كالتكرار في قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمس)(1) أو المرّة في الأمر الوارد في الحج في الروايات الذي يعبر عنه قوله سبحانه : (للّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْت) .(2)

الثاني: في تحرير محلّ النزاع

هل النزاع في دلالة المادة، أو الهيئة أو مجموعهما على أحد الأمرين؟ وجوه، ذهب صاحب الفصول إلى أنّ محلّ النزاع في دلالة الهيئة لا في المادة، لإجماع أهل الأدب على أنّ المصدر المجرّد من اللام والتنوين لا يدلّ إلاّعلى صرف الطبيعة.

وأورد عليه المحقّق الخراساني: بأنّه إنّما يتم إذا كان المصدر هو مبدأ المشتقات، وليس كذلك، بل هو أحد المشتقات، فعدم دلالته لا يدل على عدم


1 - الإسراء:78.
2 - آل عمران:97.


(349)

دلالة مبدأ المشتقات عليهما.

يلاحظ عليه: أنّ عدم دلالة المصدر، يكشف عن عدم دلالة مادة المشتقات على أحدهما، لاشتراك المصدر مع سائر المشتقات في مادتها، فإذا كان المصدر مادة وهيئة غير دالّ إلاّ على نفس الطبيعة فينتج أنّ مادة المشتقات مطلقاً ـ في أي واحد منها ـ لا تدل على أحدهما لوجود مادتها في المصدر بلا تغيير.

الثالث: الفرق بين الدفعة والمرة و...

الفرق بين الدفعة والدفعات والمرّة والتكرار، هو أنّ الملاك في الدفعة والدفعات، هو وحدة الحركة وتعددها، ولكن الملاك في الثاني، هو وحدة المصداق للطبيعة وكثرته.

و على ضوء ذلك ربّما يجتمع الدفعة مع التكرار كما إذا أتى العبد بإناءين مملوءين من الماء فقد امتثل دفعة، ولكن بفردين مكررين، و على كلّ تقدير فكلّ من المعنيين قابل لأن يقع محلّ النزاع.

وتظهر الثمرة فيما لو قلنا بدلالته على المرّة بمعنى الدفعة، إذ يكون الإتيان بفردين دفعة، مجزياً وواقعاً، تحت الأمر بخلاف ما لو فُسرت بالفرد، فيضرّ تعدد الفرد وإن كانت الحركة واحدة.

ثمّ إنّ صاحب الفصول أصرّ على أنّ المراد من المرّة والتكرار هو الدفعة والدفعات لا الفرد والأفراد، قائلاً بأنّه لو كان المراد، هو الفرد والأفراد، لكان الأنسب جعله ذيلاً للبحث الآتي في تعلّق الأمر بالطبيعة أو الفرد، فلو قلنا بالثاني، يلزم أن يبحث بأنّ المدلول هل هو الفرد الواحد أو الأكثر أو لا واحد منهما؟

وأمّا لو أُريد بها الدفعة فلا علقة بين المسألتين.


(350)

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه لا علقة بين المسألتين سواء أُريد من المرّة والتكرار، الدفعة والدفعات، أو أُريد منهما، الفرد والافراد.

وذلك لأنّه إنّما يصحّ جعل هذه المسألة ذيلاً لمسألة تعلّق الأمر بالطبائع أو الأفراد، إذا أُريد من الطبيعة في عنوان المسألة الثانية: تعلّق الأمر بالطبائع أو الأفراد، الطبيعة بما هي هي، فبما انّه لا يتصوّر في الطبيعة بهذا المعنى، الفرد والأفراد، فتصبح دلالة الأمر على الفرد والأفراد، ذيلاً للشق الثاني من تلك المسألة ويقال: فعلى القول بتعلّقها بالفرد، فهل يتعلّق بفرد واحد، أو أفراد؟

ولكن تفسير الطبيعة بالمعنى المذكور في عنوان المسألة الثانية، خاطئ جداً، لأنّها بما هي هي ليست محبوبة ولا مبغوضة، فكيف يتعلّق بها الأمر؟بل المراد منها في عنوان المسألة الوجود السعي بلا لحاظ المشخصات، وعندئذ وقع النزاع في أنّ متعلّق الأمر، هل وجود الطبيعة بوجودها السعي من دون أن يكون للمشخصات دور في المطلوب أو انّ متعلقها وجود الطبيعة مع مشخّصاتها الفرديّة، مثلاً إذا قال: اسقني بالماء فجاء بالماء في إناء بلّور، فهل المتعلق إحضار الماء بوجوده السعي، سواء أكان في إناء بلور أو نحاس أو غيره من دون نظر إلى تلك الخصوصيات، أو أنّ المتعلّق هو تلك المشخصات مضافاً إلى وجود الطبيعة.

فإذا كان هذا معنى النزاع في تعلّق الأمر بالطبيعة أو الفرد، يصحّ النزاع في أنّ الأمر يدل على المرّة والتكرار بمعنى الفرد والافراد على كلا القولين، وأمّا على القول الأوّل أي تعلقه بالطبيعة بمعنى الوجود السعي، فيقع النزاع في دلالة الأمر على الوجود الواحد لها أو الوجودات الكثيرة، وأمّا على القول الثاني فواضح لا يحتاج إلى بيان.

فاتضح أنّ البحث عن المرّة والتكرار سواء فسّرنا بالدفعة أو الدفعات أو


(351)

بالفرد والافراد، مسألة مستقلة فيصحّ النزاع في دلالة الأمر على المرّة والتكرار بكلا المعنيين، فليست المسألة، ذيلاً للقول الثاني في مسألة متعلق الأمر، فلاحظ.

***

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الحقّ عدم دلالة الصيغة على واحد من الأمرين، لأنّ الدالّ إمّا الهيئة فهي موضوعة للبعث والاغراء، أو المادة وهي موضوعة للطبيعة بما هي هي من دون تقيّد بالوحدة أو الكرة، فأين الدال؟!

وأمّا الاكتفاء بالمرة فلأجل حصول الامتثال بها عقلاً، لا من باب دلالة الصيغة عليها لفظاً.

نعم يمكن القول بأنّ المرّة مقتضى الإطلاق بالبيان الذي مرّ في كون الوجوب أو النفسية مقتضى إطلاق الأمر، فلاحظ.

بقي هنا شيء وهو انّه ـ على المختار ـ من عدم الدلالة على واحد من المرّة والتكرار، لو امتثل المكلّف بالاتيان بعدة افراد من الطبيعة دفعة واحدة، كما إذا قال المولى: أكرم عالماً فأكرم عدّة منهم دفعة، فهل هو يعد امتثالاً واحداً أو متعدّداًً؟

ذهب سيد مشايخنا المحقّق البروجردي إلى القول الثاني قائلاً بأنّ الطبيعة تتكثر بتكثر أفرادها، وكلّ فرد من الأفراد محقّق للطبيعة، ولما كان المطلوب هو الطبيعة بلا تقيّد بالمرّة والتكرار فحينئذ إذا أتى المكلف بأفراد متعددة فقد أوجد المطلوب ـ أي الطبيعة ـ بايجاد كلّ فرد، ويكون كلّ فرد امتثالاً برأسه ـ كما أنّه موجود برأسه.

ومن هذا القبيل الواجب الكفائي حيث إنّ الأمر فيه متعلّق بنفس الطبيعة ويكون جميع المكلّفين مأمورين بإتيانها فلو أتى واحد منهم بها سقطت عن الباقي


(352)

ولا مجال للامتثال ثانياً، ولو أتى عدّة منهم بها دفعة يكون كلّ واحد منهم ممتثلاً وتتحقق امتثالات لا امتثال واحد من الجميع.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ فيه خلطاً بين تعدد الطبيعة وتعدد الامتثال ، أمّا الأوّل فلا شكّ فيه، لأنّ كلّ واحد من المصاديق والافراد، محقق للطبيعة فزيد إنسان تام، وعمرو إنسان تام آخر كما أفاده الشيخ الرئيس في تحقيق أنّ وجود الطبيعة في الخارج بمعنى وجود أفرادها.

وأمّا الثاني: انّ تعدد الامتثال فهو رهن تعدد الطلب والبعث، حتّى يعدّ امتثال كلّ بعث امتثالاً مستقلاً، لكن المفروض عدمه حيث إنّ هنا بعثاً واحداً متعلقاً بالطبيعة غير المقيّد بالمرة والتكرار، ومعه كيف يتعدد الامتثال؟ وليس الأمر بإكرام العالم، كالأمر بإكرام العلماء، حيث إنّ الأمر في الثاني ينحلّ إلى أوامر حسب عدد المصاديق ولكلّ امتثال، بخلاف الأوّل، فهو أمر واحد، متعلّق بالطبيعة المطلقة غير المقيّدة، ومعها يكون البعث مثلها واحداً، كما يكون الامتثال أيضاً واحداً.

وبما ذكرنا يعلم الفرق بين المقام والواجب الكفائي حيث إنّ البعث هناك متعدد حسب تعدد الأفراد، فالكلّ مأمور بتجهيز الميت ومواراته لكن لو أتى به فرد منهم سقط عن الباقي لارتفاع الموضوع أو غيره و على ضوئه لو أتى به عدّة دفعة واحدة يعد الجميع ممتثلاً، لقيام الكلّ بالخطاب الموجَّه إليه.


1 - لمحات الأُصول:84


(353)

في دلالة الأمر على الفور أو التراخي وعدمها

إنّ الواجب ينقسم إلى قسمين: موسّع ومضيّق. فالأوّل ما لا يكون مقيّداً بالزمان، كأداء الدين غير المؤجّل بأجل، أو يكون الزمان المضروب على الفعل أوسع منه، ويكون المكلّف مخيّراً في امتثاله بين الزمن الأوّل والثاني. كصلاة الظهر بالنسبة إلى وقتها.

وأمّا الثاني، فعلى أقسام:

الأوّل: ما يكون محدوداً من حيث الزمان، لا يجوز تقديمه ولا تأخيره، كالصوم الواجب في شهر رمضان.

الثاني: ما يجب فوراً، ويسقط وجوبه فضلاً عن فوريته لو أخّر. كردّ السلام، فلو لم يردّ، عصى، وسقط الوجوب.

الثالث: ما يجب فوراً، ولو عصى لسقطت فوريته لا أصله، كصلاة الزلزلة: فلو عصى وأخّر، سقطت فوريتها لا أصل وجوبها.

الرابع: مالا يسقط أصل وجوبه ولا فوريته إذا عصى، ولكن يجب عليه الإتيان به فوراً ففوراً، كقضاء الفوائت.

وهذا التقسيم حسبَ الثبوت. وإليك الكلام حسب الإثبات. فهل الأمر يدلّ على كونه مضيّقاً أو موسّعاً أو لا يدلّ على واحد منهما؟

استدلّ القائل بعدم الدلالة على واحد منهما بالدليل الماضي في مبحث المرّة والتكرار، وحاصله: أنّ الأمر مركّب من هيئة ومادة، والثانية دالة على الطبيعة


(354)

المطلقة، والهيئة موضوعة للبعث، فأين الدالّ على الفورية أو التراخي؟!

هذا حسب الدلالة اللفظية وقد عرفت عدم دلالتها على واحد منهما.

إنّما الكلام في مقتضى الإطلاق فقال المحقّق الخراساني بأنّ قضية إطلاق الصيغة جواز التراخي.

ويمكن أن يقال انّ مقتضى الإطلاق هو الفور، وذلك لما مرّ في وجه حمل الأمر على الوجوب دون الندب، أو النفسية دون الغيرية، فيقال في المقام انّ كلا من الفور والتراخي خارج عن مفهوم البعث، وقسمان له، وإرادة كلّ قسم يحتاج إلى بيان زائد وراء بيان البعث، غير أنّ متلقّى العرف أنّ البعث يلازم الانبعاث فكأنّهما متلازمان فلو أراد الآمر ذاك الفرد، فهو غني عن البيان، و إن أراد التراخي فهو رهن بيان زائد.

هذا إذا كان المولى في مقام البيان، وأمّا إذا كان في مقام الإجمال والإهمال فالمرجع هو البراءة عن الكلفة الزائدة على أصل التكليف وهي الفورية.

أدلة القائل بالفورية

استدل على القول بالفورية تارة بأنّها مقتضى صيغة الأمر، وأُخرى بأنّها مقتضى الأدلّة الخارجية.

أمّا الأوّل: فهو خيرة شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري حيث نزّل العلل التشريعية منزلة العلل التكوينية فكما أنّ مقتضى الثانية عدم انفكاك معاليلها عنها، فهكذاالأُولى قال في قضاء الفوائت: إنّ الفورية وإن كانت غير ملحوظة قيداً في المتعلق، إلاّ أنّها من لوازم الأمر المتعلق به فانّ الأمر تحريك إلى العمل وعلة تشريعية، وكما أنّ العلة التكوينية لا تنفك عن معلولها في الخارج، كذلك العلة


(355)

التشريعية تقتضي عدم انفكاكها عن معلولها في الخارج.(1)

وضعفه ظاهر، فانّ عدم الانفكاك في التكوين، لا يكون دليلاً على عدم انفكاكه في التشريع، فانّ نظام العلّة والمعلول، نظام الضرورة فوجود المعلول بعد العلة أمر ضروريّ لا محيص عنه، وهذا بخلاف نظام التشريع فانّه نظام الاعتبار والفرض فيتبع كيفية الاعتبار، فلو اعتبر البعث غير منفك عن الانبعاث التشريعي، فلا محيص عن الفورية، وإن اعتبره منفكاً عنه فلا محيص عن التأخير، وإن اطلق، يحتمل الأمران، فوزان الزمان كوزان المكان وسائر القيود، لا يتكفّل لبيانها نفس البعث بل لابدّ من دليل آخر.

وما ذكرناه لا ينافي ما تقدّم من أنّ الإطلاق يساوق الفورية وانّ التراخي رهن البيان الزائد، وذلك لأنّ ما ذكرناه مبني على أنّ الفورية هو متلقى العرف في دائرة المولوية والعبودية، من دون حاجة إلى قياس علل التشريع ـ كالأمر ـ بالعلل التكوينية كما عليه هذا البيان.

وأمّا الثاني أي الاستدلال بالأدلة الخارجية فقد استدلّوا بآيتين:

الأُولى : آية المسارعة

قال سبحانه:(وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنّة عَرْضُهَا السَّموات وَالأَرضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقين).(2)

والدلالة مبنية على بيان أمرين:

1. انّ الأمر في «سارعوا» للوجوب فتكون المسارعة واجبة.

2. انّ المغفرة من أفعاله سبحانه ولا يمكن التسارع إليها فيكون قرينة على


1 - كتاب الصلاة، باب قضاء الفوائت:392،ط1352هـ.
2 - آل عمران:133.


(356)

انّ المراد بها، هو أسبابها أعني الواجبات فينتج وجوب المسارعة إلى الإتيان بالواجبات.

يلاحظ عليه: أنّ سبب المغفرة بين المتشرعة هو الاستغفار بشرائطه، وعليه كتاب اللّه العزيز يقول سبحانه: (وَالّذينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون* أُولئكَ جَزاؤهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ خالِدينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ العامِلين).(1)

فلو تمت دلالة الآية، لدلّت على المبادرة إلى الاستغفار، لا إلى سائر الواجبات.

الآية الثانية:(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُل جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ في ما آتيكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعاً فَيُنَّبِئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفُونَ).(2)

وجه الاستدلال أنّ ظاهر الآية وجوب الاستباق إلى الخيرات التي من أظهر مصاديقها هو فعل الواجبات فلو عصى، يجب عليه الإتيان في الآن الثاني وهكذا.

يلاحظ عليه: أنّ مفهوم الآية هو وجوب تسابق العباد ـ في ميدان المباراة ـ نحو عمل الخير، على نحو لو بادر أحد لم يبق موضوع للآخر، و أين هذا من وجوب مبادرة كلّ إلى واجبه وإن لم يكن في جانبه أيّ مكلف؟!


1 - آل عمران:135ـ136.
2 - المائدة:48.


(357)

والآية نظير قوله سبحانه (وَاسْتَبَقا الباب)(1) حيث تسابق كل من يوسف وامرأة العزيز نحو الباب فحاول يوسف فتحه والأُخرى غلقه والمنع عن خروجه.

أضف إلى ذلك أنّ الإمعان في الآية يعطي انّ المراد منها هو الحكم بما أنزل اللّه وعدم اتّباع الأهواء، ويدل عليه قوله سبحانه: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَل اللّه وَلا تَتَّبع أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرعَة وَمِنْهاجاً).(2)

إكمال: لو قلنا بدلالة الصيغة على الفور امّا بالدلالة اللفظية أو لكونه مقتضى الإطلاق، فلو عصى المكلّف فهل يجب عليه الإتيان بالمأمور به ثانياً أو لا؟ فيه تفصيل بين كون المقام من قبيل وحدة المطلوب كما في السلام فيسقط عصياناً، أو تعدده، كما في قضاء الفوائت بناء على المضايقة. ولا يمكن استظهار واحد منهما من صيغة الأمر فالمرجع أحد الأمرين:

1. الإطلاق القاضي بعدم الوجوب في الآن الثاني لو تمّت مقدّمات الحكمة.

2. الأصل العملي من الاستصحاب أو البراءة، فلو جرى استصحاب الوجوب لأجل القول بأنّ الفورية ليست قيداً للموضوع، وإلاّ فالمرجع البراءة من الإتيان ثانياً.


1 - يوسف:25.
2 - المائدة:48.


(358)

الفصل الثالث

في الاجزاء

وقبل الخوض في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: في عنوان المسألة

اختلفت كلمة الأُصوليين في عنوان المسألة، فعنونه المرتضى في «الذريعة»(1) بقوله: هل الأمر يقتضي الإجزاء أو لا؟وتبعه صاحب الفصول.(2)

وعنونه الشيخ في «مطارح الأنظار»(3) بقوله: إتيان المأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء أو لا؟

والفرق بين العنوانين واضح، فالنزاع على الأوّل لفظي، منصبٌّ على دلالة لفظ الأمر على الإجزاء، كما أنّه على الثاني، عقلي منصبٌّ على وجود الملازمة بين الإتيان بالشيء على وجهه والإجزاء.

الثاني: ما هو المراد من لفظة «على وجهه» ؟

قد جاء في العنوان الذي طرحه الشيخ في المطارح لفظة «على وجهه» فما هو المراد منه؟ هناك احتمالات:


1 - الذريعة إلى أُصول الشريعة:1/121.
2 - الفصول الغروية:116.
3 - مطارح الأنظار:18.


(359)

1. المراد منه قصد الوجه، أعني: قصد الوجوب أو الندب.

يلاحظ عليه : بعدم اعتبار قصد الوجه عند الأصحاب إلاّ من شذّ منهم كابن إدريس، فلا وجه لأخذه في العنوان.

2. المراد منه الكيفيات الشرعية المعتبرة في المأمور به من الأجزاء والشرائط الشرعية.

يلاحظ عليه: باستلزامه أن يكون القيد زائداً لدخولها في قوله: «المأمور به» فلا وجه للتعبير بلفظ آخر.

3. المراد منه الكيفية التي لا يمكن أخذها في المأمور به، ويعدّ من القيود الواقعة فوق دائرة الطلب دون تحتها، أعني قصد الأمر حيث إنّه من الأُمور التي تتحقّق بعد تعلّق الأمر.

يلاحظ عليه: أنّ تقسيم القيود إلى ما يقع تحت دائرة الطلب وما لا يقع، من التقسيمات التي ظهرت من عصر الشيخ الأنصاري إلى يومنا هذا، وقد عرفت أنّ القيود عند القدماء كانت على وزان واحد، فقصد الأمر كالسورة والقنوت فالجميع يتعلّق بها الأمر، وعند ذلك يدخل قصد الأمر في قولهم «إتيان المأمور به».

نعم على خيرة الشيخ والمحقّق الخراساني يكون قصد الأمر خارجاً عنه ويحتاج إلى التعبير عنه بلفظ آخر، لكن العنوان ليس للشيخ نفسه بل لغيره.

ويمكن أن يقال: أنّ المراد من قوله «على وجهه» التنبيه على بعض صور المسألة ممّا يعد موافقاً للشرع حسب الظاهر دون الواقع، كما إذا صلّى بالطهارة الاستصحابية ثمّ بان كونه محدثاً فقد صلّى وأتى بالمأمور به لا على وجهه الواقعي، لما قرر في محله من أنّ الطهارة شرط واقعي لا ظاهري والقيد على هذا وإن أصبح


(360)

توضيحياً لكن أتي به لغرض التنبيه على هذا النوع من الموارد الذي ربما يغفل عنه بعض الأفراد.

الثالث: ما هو المراد من الاقتضاء؟

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الاقتضاء في العنوان (الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء) بمعنى العلية والتأثير لا بنحو الكشف و الدلالة، بشهادة أنّه نسب إلى الإتيان لا إلى صيغة الأمر.(1)

ثمّ استشكل على نفسه بقوله: هذا إنّما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره، وأمّا بالنسبة إلى أمر آخر كالإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري بالنسبة إلى الأمر الواقعي فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره بنحو يفيد الإجزاء أو بنحو آخر لا يفيده.(2)

وبعبارة أُخرى: أنّ الإتيان إنّما يكون علّة ومؤثراً لسقوط الأمر المتعلّق بالمأتي به، وأمّا بالنسبة إلى الأمر الآخر الذي لم يمتثل بعدُ: أعني الأمر الواقعي فلا معنى لكون الامتثال بالأمر الاضطراري أو الظاهري علّة لسقوط الأمر الواقعي، فلا محيص في تصحيح النزاع من تفسير الاقتضاء بالدلالة والكشف، بأن يكون مصب النزاع في دلالة الدليل على اشتمال المأتي به بالمصلحة الجابرة للمصلحة الفائتة فيجزي وإلاّفلا. مثلاً انّ قوله: «إنّ التيمّم أحد الطهورين»(3) وقوله:«ويكفيك الصعيد عشر سنين»(4) دالّ على اشتمال المورد على المصلحة


1 - بخلاف العنوان الأوّل فقد عرفت أنّ الاقتضاء فيه نسب إلى الأمر.
2 - الكفاية:1/125.
3 - الوسائل: 2، كتاب الطهارة، الباب 23 من أبواب التيمم، الحديث 5.
4 - الوسائل: 2، كتاب الطهارة، الباب 24من أبواب التيمم، الحديث 12.


(361)

التامّة الجابرة للمصلحة الفائتة ومعه لا يبقى مجال للشكّ في السقوط.

ثمّ إنّه قدَّس سرَّه أجاب عن الإشكال بقوله:

نعم لكنّه لا ينافي كون النزاع فيهما كان في الاقتضاء بالمعنى المتقدّم، غايته أنّ العمدة في سبب الاختلاف فيهما إنّما هو الخلاف في دلالة دليلهما، هل أنّه على نحو يستقل العقل بأنّ الإتيان به موجب للإجزاء ويؤثر فيه وعدم دلالته ويكون النزاع فيه صغروياً أيضاً، بخلافه في الإجزاء بالاضافة إلى أمره فانّه لايكون إلاّكبروياً لو كان هناك نزاع كما نقل عن بعض.(1)

وحاصله: انّ ما ذكر ليس مانعاً من تفسير الاقتضاء بالعلية والتأثير في نفس المورد، غاية الأمر يحتاج إلى إحراز الصغرى وهو اشتمال المأتي به على المصلحة الجابرة للمصلحة الفائتة; فعندئذ يقع النزاع في الكبرى وهو عليّة امتثال الأمر الاضطراري أو الظاهري لسقوط الأمر الواقعي، فالنزاع في أنّ إتيان كلّ شيء مسقط لأمره كبروي، وفي غيره صغروي وكبروي.

وأورد عليه السيد الأُستاذ: بأنّه لا يصحّ تفسير «الاقتضاء» بالعليّة، سواء كان المعلول هو الإجزاء بالمعنى اللغوي أي الكفاية، أو سقوط الأمر، أو سقوط إرادة المولى.

أمّا الأوّل: فهو أمر انتزاعي لا يقع مورد التأثر والتأثير، مثلاً أنّ العطشان إذا شرب ماءً وتروّى يقول كفى، فينتزع من التروّي ورفع العطش عنوان «الإجزاء» فليس هو شيئاً وراء التروّي.

وأمّا الثاني: فانّ الإتيان علّة لحصول الغرض، ومع حصوله ينتفي الأمر، بانتفاء مقتضيه، وسببه حصول الغرض لا انّه يسقط.


1 - الكفاية:1/125.


(362)

وأمّا الثالث: فلأنّ الإتيان معلول لإرادة الآمر، فلا يكون المعلول علّة لارتفاع علّته فلا يكون علّة لسقوط الإرادة.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ المعلول أمر آخر وراء هذه الأُمور الثلاثة، ولعلّ لفظ الإجزاء كناية عنه وهو حكم العقل بالإجزاء، والمراد من العلّية كون الإتيان موضوعاً لحكم العقل، كما أنّ العدل موضوع لحكم العقل بالحسن، والظلم موضوع لحكمه بالقبح، فتصبح المسألة عقلية بحتة في مورد، وعقلية وشرعية في مورد آخر، كما أفاده المحقّق الخراساني قدَّس سرَّه.

ثمّ إنّ ما أفاده من أنّ إتيان المأمور به، من معاليل إرادة المولى فكيف يكون المعلول طارداً لعلّته؟ قد مرّ الكلام فيه ، وهو أنّ الإرادة مطلقاً ـ تكوينية كانت أو تشريعية ـ إنّما تتعلق بالفعل الاختياري وليس فعل الغير في اختيار المريد، ولذلك قلنا إنّ الإرادة التشريعية متعلّقة بالبعث والطلب وهو فعل اختياري للمريد، وهو بالنسبة إلى العبد مبيّن لموضوع الطاعة، وأمّا الانبعاث فهو من آثار الخوف من تبعات المخالفة كما لا يخفى.

الرابع: للإجزاء حقيقة متشرعيّة؟

ربّما يتصوّر أنّ للإجزاء حقيقة متشرعيّة، فقد نقل من معناه اللغوي ـ أي الكفاية ـ إلى سقوط الإعادة في الوقت، والقضاء في خارجه.

والظاهر خلافه وأنّه ليس له إلاّ معنى واحداً، وأمّا السقوط فهو من لوازم المورد، فإجزاء المأتي به يلازم عدم التعبّد به في وقته أو خارجه ثانياً، كما في إجزاء المأتي به بالأمر الاضطراري ،فهو يلازم سقوط التعبّد بالأمر الاختياري، أو إجزاء


1 - تهذيب الأُصول:1/178ـ 179، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.


(363)

المأتي به بالأمر الظاهري فهو يلازم سقوط التعبّد بالأمر الواقعي، فكلّ ذلك من لوازم المورد، أو المستعمل فيه من دون أن يكون هناك وراء الفقه مصطلح خاصّ.

الخامس: الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرّة والتكرار

ربّما تتصور وحدة المسألتين وانّ القول بالإجزاء نفس القول بدلالة الأمر على المرّة، كما أنّ القول بعدمه عبارة أُخرى عن عدم الإجزاء.

يلاحظ عليه بأنّ تصادق المرة مع الإجزاء أو تصادق التكرار مع عدمه، لا يكون دليلاً على وحدة المسألتين بعد تعدد الملاك الذي يُصحح عقد مسألتين مختلفتين، فانّ البحث في أُولى المسألتين إنّما هو في تعيين ما هو المأمور به شرعاًحسب دلالة الصيغة بنفسها ـ كما عليه شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري على ما مرّ ـ أو بدلالة أُخرى كما عليه الآخرون.

وأمّا البحث في المقام فإنّما هو بعد الفراغ عن تعيين ما هو المأمور به، سواء أكان المأمور به هو الطبيعة المجرّدة أو المقيدة بالمرّة أو التكرار ، ويقال إذا أتى المكلف بما هو المأمور به بكماله وتمامه، سواء أكان المأمور به، هو الطبيعة أو المقيّدة بالمرة أو التكرار هل هو يجزي أو لا؟

نعم القول بالإجزاء يتصادق مع القول بالمرة، كما أنّ القول بالتكرار، يتصادق مع عدم الإجزاء، ولكن التصادق الموردي لا يكون دليلاً على وحدة المسألتين.

السادس: الفرق بين المقام ومسألة تبعية القضاء للأداء

إنّ هنا مسألة أُخرى باسم تبعية القضاء للأداء وعدم تبعيّتها له ويعبّر


(364)

عنها بأنّ القضاء بالأمر الأوّل أو بالأمر الجديد فإذا فات الأمر الواقعي منه وامتثل مكانه الأمر الاضطراري أو الظاهري يكون القول بالإجزاء مساوقاً للقول بأنّ القضاء بالأمر الجديد، كما يكون القول بعدمه مساوقاً للقول بأنّ القضاء بالأمر الأوّل.

يلاحظ عليه: أنّ المسألتين مختلفتان من حيث الموضوع أوّلاً وأنّ بينهما من حيث المورد عموم و خصوص من وجه ثانياً .

أمّا الأوّل: فلأنّ الموضوع في مسألة تبعية القضاء للأداء هو فوت المأمور به، كما أنّ الموضوع في المقام هو إتيان المأمور به بنحو من الأنحاء، ومع الاختلاف في الموضوع كيف تكونان مسألة واحدة؟!

وأمّا الثاني، ففيما إذا أتى بالمأمور به على وجهه الواقعي يبحث فيه عن الإجزاء وعدمه دون مسألة تبعية القضاء للأداء، إذ لا موضوع لها لعدم الفوت، كما إذا فات منه الواقع ولم يأت بالواجب أصلاً لا واقعياً ولا اضطرارياً ولا ظاهرياً، لا موضوع للإجزاء، بل يتمحض المقام لمسألة التبعية.

نعم يجتمعان فيما إذا أتى بالواجب بأمر اضطراري أو ظاهري فيصح البحث فيه من الجهتين.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فرّق بين المسألتين بأنّ البحث في المقام عقلي وفي مسألة تبعية الأداء للقضاء لفظي حيث يبحث عن دلالة الأمر على تبعية القضاء للأداء وعدمها.(1)

يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك أنّ المسألتين متحدتان في الماهية ومختلفتان في أُسلوب الاستدلال إلاّ انّ هذا لا يصحح عقد مسألتين مختلفتين، بل يُلزم الأُصولي


1 - كفاية الأُصول:1/126.


(365)

على عرض مسألة واحدة، يستدلّ عليها تارة بالعقل وأُخرى بالنقل.

إذا عرفت هذه الأُمور فاعلم أنّه يقع الكلام في مواضع ثلاثة:

1. امتثال كلّ أمر يجزي عن التعبّد بنفس ذلك الأمر سواء أكان واقعياً أم اضطرارياً أو ظاهرياً.

2. إتيان المأمور به بالأمر الاضطراري يجزي عن الإتيان به بالأمر الواقعي.

3. إتيان المأمور به بالأمر الظاهري يجزي عن الإتيان به بالأمر الواقعي.

إذا عرفت عناوين المواضع، فلنأخذ كلّ واحد بالبحث.


(366)

الموضع الأوّل

امتثال كلّ أمر يجزي عن التعبّد به ثانياً

إنّ إجزاء امتثال كلّ أمر عن التعبّد به ثانياً من قبيل القضايا التي قياساتها معها، وذلك لأنّ عدم السقوط رهن أحد أُمور كلّها منتفية.

1. تعدد المطلوب وانّه أتى بمطلوب واحد دون الآخر، وهو باطل، لأنّ الواجب هو نفس الطبيعة وهي تصدق على الإتيان بفرد واحد.

2. عدم حصول الغرض، وهو أيضاً باطل، لأنّ المأتي به سبب تام لحصول الغرض وإلاّ لما أمر به.

3. بقاء الأمر مع حصول الغرض، وهو أيضاً باطل، لاستلزامه الإرادة الجزافية.

فإذا انتفت الأُمور الثلاثة فلا وجه لبقاء الأمر، نعم ربّما يعترض بالحج الفاسد بالجماع محرّماً، فانّه يجب عليه الإعادة.

يلاحظ عليه: بأنّ من جامع وهو محرم، إمّا أن يكون عالماً بالحكم أو جاهلاً، فالحج في الصورة الأُولى فاسد فلم يأت بالمأمور به على وجهه، فيجب عليه القضاء في العام القابل، وهو في الصورة الثانية وإن كان صحيحاً لكن إيجاب الإعادة لأجل العقوبة لا لإيجاب التعبّد بما امتثل ثانياً.

وتدلّ عليه رواية زرارة، قال: «فأي الحجّتين لهما» قال: الأُولى التي أحدثا


(367)

فيها ما أحدثا، والأُخرى عليهما عقوبة».(1)

فما حكي عن أبي هاشم الجبائي(المتوفّـى321هـ) و القاضي عبد الجبار (المتوفّى 415هـ) المعتزليين من عدم اقتضاء الإتيان بالمأمور به للإجزاء مستدلاً بإعادة الحجّ على من أفسد، فكأنّه في غير محلّه، إذ العالم بالحرمة ما أتى بالواجب على وجهه، والجاهل وإن أتى على وجهه، لكن الحجّ الثاني عقوبة وليس امتثالاً للأمر الأوّل.

تبديل امتثال بامتثال آخر

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني قد وافق المشهور في أنّ الإتيان بالمأمور به على ما هو عليه يوجب الإجزاء، ولكنّه ذهب أيضاً إلى أنّ للعبد تبديل امتثال بامتثال آخر، والقولان بظاهرهما متناقضان، فانّ الإجزاء يلازم سقوط الأمر، ومعه لا يبقى موضوع للامتثال الثاني، فانّ مفاده هو الإتيان بالشيء بقصد أمره السابق والمفروض انّه قد سقط، فكيف يمكن القول بالجمع بالإجزاء الذي يلازم سقوط الأمر بتاتاً وتبديل امتثال بامتثال آخر وهو يستلزم بقاء الأمر الأوّل وهو كما ترى؟

هذا هو الإشكال الواضح على الكفاية لكنّه قدَّس سرَّه حاول الجمع بين القولين (الإجزاء وتبديل امتثال بامتثال آخر) وأفاد في وجهه: بأنّه ربّما لا يكون مجرّد امتثاله علّة تامة لحصول الغرض، وإن كان وافياً به لو اكتفى به، كما أنّه إذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعد، فانّ الأمر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعدُ، ولذا لو أُهرق الماء واطلع عليه العبد وجب عليه إتيانه ثانياً كما إذا لم يأت به أوّلاً، ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه وإلاّ لما وجب حدوثه، فحينئذ يكون له


1 - الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب كفارة الاستمتاع، الحديث9.


(368)

الإتيان بماء آخر موافق للأمر كما كان له قبل إتيانه الأوّل بدلاً عنه.(1)

يلاحظ عليه: بماعرفت بأنّ الامتثال الأوّل يوجب سقوط الأمر ولا يعقل صدق امتثال ثان بعد سقوطه.

وأمّا المثالان، فيلاحظ على الأوّل بأنّه من قبيل تبديل مصداق امتثال لمصداق آخر، لا تبديل امتثال بامتثال آخر، فانّ الأمر بظاهره وحقيقته وملاكه قد سقط وإنّما للمكلّف أن يبدّل مصداقاً بمصداق آخر.

وأمّا الأمر الثاني، وهو أنّ الإتيان بالماء ثانياً ليس لأجل بقاء الأمر فانّه قد سقط بتمامه وإنّما الملزم هو العلم بالغرض وإن لم يكن هناك أمر، كما إذا رأى انّ ابن المولى سقط في الماء وكان المولى غافلاً فعلى العبد إذا اطّلع عليه أن ينقذه وإن لم يكن هناك أمر من المولى لكفاية العلم بالغرض.

ثمّ إنّه استدل على جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر بالروايات الواردة في الأبواب الثلاثة التالية:

أ. باب الكسوف إذا صلّى والشمس بعد لم تنجل.

ب. الصلاة جماعة مع المخالف وقد صلّى الفريضة قبله.

ج. إعادة الصلاة إذا وجد جماعة.

ولكن الروايات لا صلة لها بالمدعى كما ستعرف.

فنقول:

1. ما ورد في باب الكسوف

روى معاوية بن عمّار، قال: قال أبو عبد اللّه : «صلاة الكسوف إذا فرغت


1 - كفاية الأُصول:1/127.


(369)

قبل أن ينجلي، فأعد».(1)

يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر من الرواية هو إعادة الصلاة بأمر جديد لا بالأمر الساقط بالامتثال، وكأنّ الإعادة مستحبة شرعاً، وهو ينوي ذلك الأمر الثاني لا الأمر الأوّل، بخلافه على القول بجواز تبديل امتثال بامتثال آخر فانّه ينوي في الإتيان الثاني امتثال الأمر الأوّل الذي وصفه المحقّق الخراساني بأنّه بحقيقته وملاكه لم يسقط.

2. ما ورد في إعادة الصلاة مع المخالف

هناك روايات تدلّ على أنّ من صلّى وحده يجوز له أن يعيد الصلاة خلف المخالف.

روى عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: «ما منكم أحد يصلّي فريضة في وقتها ثمّ يصلّي معهم صلاة تقية وهو متوضّئ إلاّ كتب اللّه له بها خمس وعشرين درجة فارغبوا في ذلك».(2)

يلاحظ عليه: أنّ هذه الرواية لا مساس لها بتبديل امتثال بامتثال آخر، بل هي كروايات الباب السابق تدلّ على استحباب إعادة الفريضة جماعة تقية، فهو من قبيل امتثال أمر بعد امتثال آخر.(3)

3. استحباب الإعادة إذا وجد جماعة

روى هشام بن سالم ،عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: في الرجل يصلّي الصلاة


1 - الوسائل: 5، الباب8 من أبواب صلاة الكسوف، الحديث1.
2 - الوسائل:5، الباب6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1 ولاحظ 2و3.
3 - لاحظ ما لم نذكر من الروايات في ذلك الباب.


(370)

وحده ثمّ يجد جماعة، قال: «يصلّي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء».(1)

وروى زرارة، عن أبي جعفر في حديث، قال: «لا ينبغي للرجل أن يدخل معهم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة، بل ينبغي له أن ينويها و إن كان قد صلّى، فانّ له صلاة أُخرى».(2)

يلاحظ عليه: أنّ روايات هذا الباب تتحد مع نفس ما أوردها صاحب الوسائل في الباب السابق (أي الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة) وإن فرّق بينهما صاحب الوسائل فزعم أنّ روايات الباب السابق راجعة إلى إعادة الصلاة بالمخالف وهذه الروايات مطلقة تعم المخالف وغيره إذا كان إماماً، فيجوز لمنفرد إعادة الصلاة خلف الموافق أيضاً.

ولكن دراسة روايات الباب البالغة إحدى عشرة رواية تعرب ـ إذا كان عارفاً بلحن كلماتهم وكيفية إشاراتهم ـ أنّ الروايات تعود إلى إعادة الصلاة خلف المخالف جماعة، ولا ينافي ما ذكرنا وصف الصلاة الثانية بالفريضة، ويقول: «ويجعلهما الفريضة» كما في رواية هشام بن سالم(3) وحفص بن البختري.(4)

فانّ المراد أنّه ينوي الفريضة التي أقامها، ولكن الإعادة مستحبة.

وحصيلة الكلام: انّا لم نجد رواية تدل على جواز تبديل امتثال بامتثال آخر.

ثمّ إنّ السيد الأُستاذ فسّر القسم الثالث من الروايات بأنّه من قبيل تبديل مصداق المأمور به الذي تحقّق به الامتثال بمصداق آخر غير محقّق للامتثال لكن


1 - الوسائل:5، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1و2.
2 - الوسائل:5، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث1و2.
3 - الوسائل:5، الباب54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.
4 - الوسائل:5، الباب54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 11.


(371)

محصل للغرض اقتضاء مثل المصداق الأوّل، أو بنحو أوفى، فهو لا يتوقف على بقاء الأمر، لأنّه من قبيل تبديل مصداق المأمور به بمصداق آخر لا بوصف كونه مأموراً به.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ في التوصّليات، وأمّا الفرد التعبّدي فيحتاج إلى قصد الأمر، فما هو الأمر الداعي؟ فإن كان الأمر الأوّل، فقد سقط كما اعترف به، وإلاّ يكون من قبيل تبديل امتثال بامتثال آخر وهو بصدد الردّ عليه، وإن كان الأمر الاستحبابي، أو الوجوبي القضائي، فهذا يكفي في الجواب من دون حاجة إلى القول بأنّه من قبيل تبديل مصداق المأمور به بمصداق آخر.

تمّ الكلام في الموضع الأوّل

ويليه الكلام في الموضع الثاني


1 - تهذيب الأُصول:1/183.


(372)

الموضع الثاني

في إجزاء الأمر الاضطراري عن الواقعي

وقد يعبّر عن العنوان باجزاء الأمر الواقعي الثانوي عن الأمر الواقعي الأوّلي، كالصلاة مع الطهارة الترابيّة أو على وفق التقية، وظاهر العنوان يعطي انّ هنا أمرين: أمراً واقعياً ثانوياً، وأمراً واقعياً أوّلياً، ومحط البحث إغناء امتثال الأمر الأوّل، عن امتثال الأمر الثاني، لكن الحقّ أنّ هنا أمراً واحداً متعلقاً بالجامع الواحد، الصادق على جميع أفراده، غير أنّ المختار مكلّف بامتثاله بكيفية، والمضطرّ مكلّف بامتثاله بكيفية أُخرى، والصلاة بكلتا الكيفيتين من مصاديق الجامع المنطبق على عامّة أفراد الصحيح على ما مرّ في مبحث الصحيح والأعمّ.

وإن شئت مزيد توضيح فنقول: إذا زالت الشمس، يخاطب عامّة المكلفين بخطاب وأمر واحد متعلق بالصلاة في قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً)(1)، فالصلاة قائماً أو قاعداً، راكباً أو راجلاً، مع الطهارة المائية أو الترابية من مصاديق الصلاة الواردة في تلك الآية وهي تعمها بوضعها للجامع الشامل لعامة أفراد الصحيح، فالأمر واحد، والمأمور به واحد، ولو كان هنا اختلاف فانّما هو في كيفية امتثال الأمر الواحد.


1 - الاسراء:78.


(373)

فإن قلت: الاختلاف في الكيفية يكشف عن تعدد المأمور به، الملازم لتعدد الأمر.

قلت: إنّ الاختلاف فيها إنّما يكشف عن تعدد المأمور به إذا كانت الكيفيات بصورها المختلفة كالطهارة المائية والترابية مأخوذة في الموضوع، وعندئذ يكون لفظ الصلاة مشتركاً لفظياً لا معنوياً، والمفروض خلافه، لأنّ المأخوذ في الصلاة هي الطهارة بعرضها العريض الشامل لكلتا الطهارتين، ومثلها عدد الركعات، فلم يؤخذ فيه عدد معيّن كالثنائية أو الرباعية، وإلاّلصار اللفظ مشتركاً لفظيّاً، بل الموضوع له هي الهيئة الصلائية الصادقة على الثنائية والرباعية، فالصلاة بما لها من المعنى الواحد، الشامل لصلاة المختار والمضطر(1)، أو الآمن و(2)الخائف، والحاضر والمسافر(3) وقعت موضوعة للأمر الواحد، ودلّ الدليل الخارجي على أنّ الصلاة مع الطهارة المائية للواجد، ومع الترابية للفاقد، وهكذا سائر الأفراد.

في العذر غير المستوعب

إذا عرفت أنّ في المقام أمراً واحداً، يقع الكلام في الاجزاء، وعدمه عندما كان العذر غير مستوعب فنقول هنا صور ثلاث:

1. أن يكون لدليل البدل ـ أعني دليل التيمم ـ إطلاق(4)، بمعنى شمول دليله، لمن فقد الماء في بعض الوقت دون الجميع، فيجب على غير المستوعب كالمستوعب، امتثال الأمر بالطهارة الترابية، وفي مثله يكون القول بالإجزاء من


1 - المائدة:6.
2 - البقرة:238ـ 239.
3 - النساء:101.
4 - المراد من الإطلاق كون العذر غير المستوعب مسوّغاً للتيمّم وإيقاع الصلاة منه.


(374)

قبيل قضايا قياساتها معها، بل يدخل في المبحث السابق، من أنّ امتثال كلّ أمر موجب لإجزاء نفسه، لأنّ المفروض أنّ هنا أمراً واحداً وواجباً فارداً، والامتثال، آية الإجزاء وليس هنا أمر آخر حتى يبحث عن إجزائه عنه.

2. أن يكون لدليل المبدل فقط إطلاق أعني قوله سبحانه: (إِذا قُمْتُمْ إِلى الصلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...)(1) الخ بحيث يفرض على المكلف الواجد للماء في بعض الأوقات دون كلها، الصلاةَ مع الطهارة المائية أيضاً، فلا شكّ في عدم الإجزاء.

3. أن يكون الدليلان مهملين، كأن يكون عدم الوجدان في بعض الأوقات دون بعض غير داخل تحت موضوع المبدل والبدل، فيكون المرجع ـ عندئذ ـ هو الأُصول العملية، والظاهر أنّ المرجع هو الاحتياط، لأنّ مرجع الشك إلى الشك في سقوط الأمر بالصلاة بالطهارة الترابية وعدمها.

وبعبارة أُخرى: انّه يشكّ في سقوطه بالطهارة الترابية إذا كان فاقداً في بعض دون بعض.

هذا على المختار، وأمّا على مختار القوم من تعدد الأمر والشكّ في إغناء امتثال أحد الأمرين عن الآخر، فقد بحث عنه المحقّق الخراساني تارة من حيث الثبوت وأُخرى من حيث الإثبات، وقال ما هذا إيضاحه:(2)

حكم الإجزاء ثبوتاً على القول بالتعدّد

إنّ الفرد الاضطراري من حيث وفائه لمصلحة الفرد الاختياري على أقسام أربعة:


1 - المائدة:6.
2 - كلّما يمرّ عليك بحوث مبنية على تعدد الأمر والمختار غيره.المؤلّف


(375)

الأوّل: أن يكون الفرد الاضطراري في حال الاضطرار كالاختياري في حال الاختيار في كونه وافياً بتمام المصلحةوالملاك.

الثاني: أن لا يكون وافياً به، ولكنّه لو أتى بالفرد الاضطراري يكون مانعاً عن استيفاء المصلحة الفائتة بعد رفع الاضطرار.

الثالث: تلك الصورة ولكن تكون المصلحة الفائتة واجبة الاستيفاء .

الرابع: تلك الصورة، ولكن تكون المصلحة الفائتة مستحبّة الاستيفاء.

إذا عرفت أنّ نسبة الفرد الاضطراري إلى الاختياري من حيث الثبوت على أقسام أربعة، فاعلم أنّه يجب البحث في كلّ قسم عن أمرين:

أ : إجزاء امتثال الأمر الاضطراري عن امتثال الأمر الاختياري.

ب: جواز المبادرة إلى الامتثال بالفرد الاضطراري وعدمه.

فكلّ قسم من هذه الأقسام الأربعة تقع موضوعاً للبحث عن الإجزاء أوّلاً، وجواز المبادرة ثانياً.

فأخذ المحقّق الخراساني بدراسة كلّ قسم من حيث الإجزاء أوّلاً، والمبادرة ثانياً، وقال ما هذا مثاله:

1. أمّا الصورة الأُولى: فلا شكّ في إجزاء الفرد الاضطراري عن الفرد الاختياري، لعدم قصور مصلحته عن مصلحته.

وأمّا تصوير البدار فيدور مدار كون الفرد مشتملاً على المصلحة مطلقاً وإن كان العذر غير مستوعب، أو مشروطاً بالانتظار إلى حدّ يضيق الوقت إلاّعن الصلاة بالطهارة الترابية، أو مشروطاً باليأس وإن حصل في أوّل الوقت.

فعلى الأوّل يجوز البدار دون الثاني، وأمّا الثالث فيدور مدار حصول اليأس.

2. وأمّا الصورة الثانية :فلو أتى بالفرد الاضطراري يجزي قطعاً لعدم تمكّنه من الفرد الاختياري بعد الإتيان بالاضطراريّ لكونه مانعاً عن درك مصلحة الفرد


(376)

الاختياري.

وأمّا البدار فلا، لأنّ الفرد الاضطراري مفوِّت لمصلحة الواقع التي لا يمكن تداركها، فلا يسوغ البدار إلاّ لمصلحة فيه كالإتيان بالصلاة في أوّله.

3. وأمّا الصورة الثالثة: فلا شكّ أنّه لا يجزي، بل لابدّ من الإعادة أو القضاء، لأنّ المفروض عدم وفاء الفرد الاضطراري بمصلحة الفرد الاختياري وكان استيفاء المصلحة الباقية ممكنة وواجبة

وأمّا البدار فيجوز بشرط أن يأتي بالفرد الاختياري أيضاً بعد زوال العذر، وعلى ذلك فهو مخيّر بين البدار بإتيان الفرد الاضطراري أوّلاً والاختياري بعد رفع الاضطرار، أو الصير إلى أن يأتي با