welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : أحكام صلاة القضاء ويليه خمس رسائل فقهية*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

أحكام صلاة القضاء ويليه خمس رسائل فقهية

صفحه 1

صفحه 2

صفحه 3
أحكام صلاة القضاء

صفحه 4
 

صفحه 5
 
أحكام صلاة القضاء
 
ويليه خمس رسائل فقهية :
في الكر، مواقيت الصلوات، صوم مَن به داء العطش ، اختلاف الزوجين في دوام العقد وانقطاعه، وتغيير الجنس في الشريعة الإسلاميّة
 
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      أحكام صلاة القضاء ويليه خمس رسائل فقهية / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1392.
      424 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 531 - 1
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      كتابنامه بصورت زيرنويس .
      مندرجات: احكام صلاة القضاء ص 8 ـ 267، رساله في الكرّ ص. 271 ـ 306، رسالة في مواقيت الصلوات في الكتاب والسنه ص. 307 ـ 379، رساله في صوم من به داء العطش ومن اصابه العطش ص. 381 ـ 391، رساله في اختلاف الزوجين في دوام العقد وانقطاعه ص. 393 ـ 401، رساله في تغيير الجنس في الشريعة الإسلاميّة ص 403 ـ 417 .
      1. يزدى، محمد كاظم بن عبدالعظيم، 1247 ؟ ـ 1338 ق. العروة الوثقى ـ نقد وتفسير.
      2. فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. 3. نماز قضاء. الف: يزدى، محمد كاظم بن عبدالعظيم، 1247؟ ـ 1338 ق. العروة الوثقى. برگزيده. شرح. ب. موسسه امام صادق(عليه السلام). ج. عنوان. د. عنوان: خمس رسائل فقهية.
      3الف 2س5/ 183 BP    353 / 297
      1392
اسم الكتاب:    أحكام صلاة القضاء
المؤلّف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
القطع:    وزيري
التاريخ:    1392 هـ . ش / 1435هـ . ق / 2013 م
الكمية:    1000نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
      تسلسل النشر: 805                   تسلسل الطبعة الأُولى: 412
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir, http://www.Tohid.ir

صفحه 7
   
    أحكام صلاة القضاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه محمد وعلى عترته الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً وحتّى صاروا أعدال الكتاب وقرناءه ، فمن تمسّك بهما فقد نجا، ومن تخلّف عنهما فقد ضل وغوى.
نحمد الله سبحانه على أن جعلنا من المتمسّكين بكتابه وسنّة نبيّه وخلفائه المعصومين.
أمّا بعد; فلمّا فرغنا من دراسة أحكام الديات في الشريعة الإسلامية الغرّاء، نزلنا على رغبة حضّار بحثنا في إلقاء محاضرات في صلاة القضاء الّتي يكثر الابتلاء بها على ضوء كتاب «العروة الوثقى» لفقيه عصره السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدس سره)، على أن نركّز على المسائل المهمة ونوجز الكلام في غيرها.
قال المصنف (قدس سره):

صفحه 8

فصل في صلاة القضاء

يجب قضاء اليوميّة الفائتة.*
* يقع الكلام في وجوب ما فات من الصلوات اليومية في مقامين:
الأوّل: ما هو مقتضى القواعد الأوّلية؟
الثاني: ما هو مقتضى الدليل الاجتهادي؟ وإليك دراستهما.

الأوّل: مقتضى القواعد الأوليّة

لا شكّ أنّ الأمر تعلّق بأمر موقوت فقال: صل صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، مثلاً، فإذا فاتت الصلاة عمداً أو سهواً أو جهلاً أو بغير ذلك فلا شك أنّ الدليل الاجتهادي قاصر لإفادة استمرار الوجوب بعد مضيّ الوقت ; لأنّ الظاهر أنّ الواجب هو الطبيعة المحدودة بحدّ، فإسراء الحكم إلى ما بعد الحدّ يحتاج إلى دليل، وليس هناك إلاّ الاستصحاب أي استصحاب بقاء الوجوب بعد مضيّ الوقت بناءً على جريان الاستصحاب هو من الشبهات الحكمية كما هو الأقوى .
إنّما الكلام في أنّ هذا الاستصحاب من أي قسم من أقسامه، فهناك احتمالات:
1. أن يكون من قبيل استصحاب الكلّي على نحو القسم الثالث، بأن يقال: أنّ شخص الوجوب الثابت في الوقت قد ارتفع بخروجه ولكن نحتمل   2

صفحه 9
E تعلّق وجوب آخر بنفس الفعل بعد خروجه، فالوجوب الأوّل قطعي الارتفاع والوجوب الثاني مشكوك الثبوت غير أنّ بقاء الكلّي متيقّن الثبوت في ضمن الفرد الأوّل ومشكوك البقاء في ضمن الفرد الثاني.
يلاحظ عليه: أنّ هذا القسم من الاستصحاب ليس بحجّة كما حقّق في محلّه (1).
2. أن يكون من قبيل القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلّي وهو: تردّد الفرد بين قطعيّ الارتفاع وقطعيّ البقاء، كالحيوان المردّد بين قصير العمر وطويله، فيقال في المقام: الوجوب المتعلّق بالشيء الموقت لو كان على نحو وحدة المطلوب فهو قطعيّ الارتفاع، ولو كان على نحو تعدّد المطلوب فهو قطعي البقاء، فيستصحب الوجوب الجامع بين مقطوع الارتفاع ومقطوع البقاء.
وأُورد عليه بأنّ هذا النوع من الاستصحاب محكوم بأصل حاكم وهو أصالة عدم تعلّق الوجوب بالطبيعي الجامع بين المأتي به في الوقت، والمأتي به في خارجه.
وإن شئت قلت: بقاء الوجوب بعد انقضاء الوقت رهن تعلّق الوجوب بالطبيعي المطلق الشامل لما قبل خروج الوقت وما بعده، ومن المعلوم أنّه مشكوك الحدوث من أوّل الأمر فيكون حاكماً على استصحاب وجوبه.
الأَولى أن يقال: إنّه يشترط في جريان الاستصحاب أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، والوجوب الجامع الشامل لداخل الوقت أو خارجه أمر ليس مجعولاً شرعياً، حتّى يقع   2

1 . لاحظ: إرشاد العقول: 4 / 127 ـ 133 .

صفحه 10
E متعلّقاً للاستصحاب، وبذلك يظهر ضعف الاستدلال بالاستصحاب وما أُورد عليه من حديث الحكومة فإنّ المستصحب في الحاكم والمحكوم غير مجعول شرعاً .
في مقتضى الأدلّة الاجتهادية على وجوب قضاء الصلوات الفائتة   
3. الظاهر أنّه لا صلة للاستصحاب في المقام باستصحاب الكلّي، بل المستصحب هو الوجوب الشخصي المجعول المحدّد في لسان الدليل بالوقت لكن العرف يتلقّى الزمان من قبيل الحالات المتبدّلة، لا من قبيل المقوّمات، فيكون المستصحب عندئذ الوجوب المتعلّق بالشيء في الظرف الخاص لكن الحدّ ليس مقوماً للموضوع بل حالة من حالاته.
نعم إنّما الكلام في أنّ العرف هل يتلقّى الزمان من قبيل الحالات أو يتلقّاه من قبيل المقوّمات، وهذا ممّا لا يمكن الجزم به لولا القول بأنّ المتلقّى كونه مقوماً، لا ظرفاً غير مؤثر، فإنّ تحديد الطبيعة بحد خاص بدءاً وختاماً آية أنّ المطلوب أمر واحد وهو إتيان الطبيعة في ذاك الحدّ، لا خارجه.
وبذلك يظهر ما في كلام السيد الحكيم (قدس سره)حيث يقول: إنّ المرجع في بقاء الموضوع وعدمه، لسان الدليل، والمحقّق في محلّه أنّ المرجع العرف، بحيث يكون الشك شكّاً في البقاء عرفاً وهو حاصل في الفرض، إذ ليس التقييد بالزمان إلاّ كالتقييد بسائر الخصوصيات الّتي يكون زوالها سبباً للشك في استمرار ما كان.(1)
يلاحظ عليه: كيف يمكن للعرف الحكم ببقاء الموضوع بعد زوال الزمان بعد قوله سبحانه: (إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)(2)، أو بعد   2

1 . مستمسك العروة الوثقى : 7 / 47 .   2 . النساء: 103.

صفحه 11
عمداً أو سهواً أو جهلاً.*
E قوله سبحانه: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)(1).
فإنّ المتفاهم من الآيات كون الزمان مقوّماً، أو لا أقل من احتمال كونه كذلك.
وبذلك عُلم أنّ الأصل والمرجع، هو أصالة البراءة من وجوب القضاء، ولا موضع لاستصحاب الوجوب.

* المقام الثاني: مقتضى الأدلّة الاجتهادية

استدلّ الشهيد على وجوب قضاء الفائتة بقوله سبحانه: (وأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري) (2) قال: روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «مَن نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها. إن الله تعالى يقول: (وأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري)».(2)
قال: وروى زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «إذا فاتتك صلاة وذكرتها في وقت أُخرى فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت الفائتة كنت من الأُخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك فإنّ الله تعالى يقول: (وأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري)، وإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت الفائتة فاتتك التي بعدها فأبدأ بالتي أتت في وقتها».(3)
ثم قال: وفيه دلالات ثلاث:
1. التوقيت بالذكر.   2

1 . الإسراء: 78 .   2 . طه: 14.
2 . ذكرى الشيعة: 2 / 413 .
3 . الكافي: 3 / 293، الحديث 4.

صفحه 12
E 2. وجوب القضاء.
3. تقديمه على الفائتة مع السعة.(1)
أقول: ـ الظاهر أنّ الآية ـ مع قطع النظر عن ورودها في الرواية ـ لا تدلّ على وجوب قضاء الصلوات الفائتة، لأنّ «اللام» إمّا للغاية أو ما يقارب معنى لفظة «عند». وعلى الوجه الأوّل تكون الآية ناظرة إلى وجوب الإخلاص في العمل وأن يكون العمل خالصاً لله سبحانه لا لغيره من الرياء والسمعة، وأين هذا من الدلالة على وجوب الفائتة؟!
وعلى الثاني تدلّ على وجوب الإتيان بالصلاة عند ذكرها، وأمّا أنّ أيّة صلاة يجب الإتيان بها عند ذكرها فالآية ساكتة عنه، فيحتمل أن تراد الصلوات اليومية إذا ذكرها في وقتها. فتكون ناظرة إلى الفرائض التي أحرزت وجوبها، ومن المعلوم أنّ الحكم لا يثبت الموضوع، فإذا قيل: إئت بها عند ذكر الله، لا يلازم وجوب الإتيان بالصلاة التي لم يحرز وجوب قضائها .
وأمّا بالنظر إلى ورودها في كلامهم ـ صلوات الله عليهم ـ فلابد أن يحمل على الاستئناس لا الاستدلال والله العالم. نعم دلالة الروايات على وجوب القضاء لا غبار عليها وإن كانت الأُولى مرسلة.
نعم دلّ غير واحد من الروايات على وجوب قضاء الصلوات اليومية بعد مضي الوقت، سواء أكان الفوات عمداً أو سهواً أو جهلاً أو لغيرها، وإليك دراسة الروايات:   2

1 . ذكرى الشيعة: 2 / 413.

صفحه 13
E 1. روى الشيخ (رحمه الله) عن الحسين بن سعيد، عن أبن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه سُئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها؟ فقال: «يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة الّتي قد حضرت وهذه أحق بوقتها فليصلّها، فإذا قضاها فليصل ما قد فاته ممّا قد مضى ولا يتطوع بركعة حتّى يقضي الفريضة»(1).
وسند الشيخ إلى الحسين بن سعيد صحيح في التهذيبين، والسائل وإن خصّ سؤاله بالأسباب الثلاثة لكنّه ذكرها بعنوان المثال ; لأنّ السبب الغالب لترك الصلاة هو نسيان الطهور أو نسيان أصل الصلاة أو النوم عنها، وعلى هذا فالجواب عام يشمل عامّة الصور، سواء أكانت عمداً أو سهواً أو جهلاً أو للمرض أو لغيرها .
ويدلّ على العموم ما ورد في ذيل الرواية من قوله: «فإذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة الّتي قد حضرت وهذه أحقّ بوقتها فليصلّها، فإذا قضاها فليصل ما قد فاته ممّا قد مضى» فقوله: «ولم يتم ما قد فاته» وقوله: «فليصل ما قد فاته» يدلّ على أنّ   2

1 . التهذيب: 10 / 266، برقم 1059; ولاحظ الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .
وقد أخذنا الرواية من التهذيب لأنّ صاحب الوسائل قد قطع الرواية وحذف الذيل في كلا المقامين هنا وفي أبواب المواقيت الباب 61، الحديث 3، وأعجب من ذلك أنّ الرواية وردت في طبعة آل البيت(عليهم السلام)عن الحسين دون ذكر اسم الأب !

صفحه 14
E الموضوع هو الفوت من دون مدخلية لسبب خاص.
2. روى الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: «يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته»(1).
الرواية ناظرة إلى لزوم المماثلة بين الفائت والمقضي، لكن في قوله: «يقضي ما فاته كما فاته» أو قوله: «فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته» يُشعر بأنّ الميزان في وجوب القضاء، فوت الفريضة؟
3. روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة والفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها، أو في وقت فوتها أنّك لم تصلّها، صلّيتها; وإن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فإن استيقنت فعليك أن تصليها في أي حالة كنت» (2).
النوم المستوعب على خلاف العادة   
وهذه الرواية نظير الرواية السابقة تركّز على قاعدة الحيلولة لكن تشعر بأنّ الميزان في وجوب القضاء هو الفوت حيث يقول: «في وقت فوتها» أو يقول: «بعدما خرج وقت الفوت».   2

1 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1. ولاحظ الكافي: 3 / 435 برقم 7 ; والتهذيب: 3 / 162 برقم 350، وليس فيه: «كما فاتته» .
2 . الوسائل: 3، الباب 6 من أبواب المواقيت، الحديث 1; ولاحظ الكافي: 3 / 294 برقم 10 .

صفحه 15
أو لأجل النوم المستوعب للوقت *
E 4. ما في «الجواهر» قوله: «مَن فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» .(1)ورواه في «غوالي اللآلي».(2)
5. ما ذكره السيد الحكيم: «مَن فاتته فريضة فليقضها إذا ذكرها فذلك وقتها».(2)
والظاهر أنّها مأخوذة من الروايات السابقة وليست موجودة في جوامعها، ومقتضى هذه الروايات هو قضاء الفائتة سواء فاتت عمداً أو سهواً أو جهلاً .
* قد وقفت على الروايات الدالّة على وجوب القضاء عند فوت الصلاة لأجل النوم، لكن يقع الكلام في النوم المستوعب في مقامين:
أمّا غير المستوعب فلا موضوع للبحث فيه، لأنّه إمّا أن يأتي بالفريضة فيما بقي من الوقت فهو، وإلاّ فيدخل في العمد. أو في النسيان وقد سبق وجوب القضاء فيهما.
وإليك الكلام في المقامين:

المقام الأوّل: النوم المستوعب على خلاف العادة

إنّ النوم المستوعب على قسمين تارة يكون على وفق العادة، كالنوم عن صلاة الفجر طيلة الوقت، وهذا كما سيأتي الكلام فيه ; وأُخرى على   2

1 . جواهر الكلام: 13 / 13 .   2 . غوالي اللآلي: 2 / 54 .
2 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 45 وفي الهامش ولعلّه مأخوذ ممّا ورد في الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .

صفحه 16
E خلاف العادة كما إذا نام أيّاماً، فهل هو ملحق بالإغماء كما عليه الشيخ في «المبسوط» والشهيد في «الذكرى» أو لا؟
النوم المستوعب على وفاق العادة   
قال الشهيد: ولو كان النوم على خلاف العادة فالظاهر إلحاقه بالإغماء، وقد نبّه عليه في «المبسوط».(1)
ولكن الظاهر من المحدّث البحراني شمول الروايات لمطلق النوم المستوعب، سواء أكان على وفاق العادة أم على خلافها، قائلاً بأنّ الأخبار الواردة في وجوب قضاء النائم لما نام عنه، شاملة بإطلاقها لهذا الفرد المذكور فلا أعرف لاستثنائه دليلاً معتمداً .(2)
وتبعه الفقيه الهمداني قائلاً بصدق اسم الفوات على الجميع مضافاً إلى إطلاقه بعض الروايات الخاصّة الدالّة عليه، ولعلّه لذا أطلق الأصحاب ولم يفصّلوا بين الموارد .(3)
فإن قلت: إنّ الندرة موجبة لانصراف الإطلاقات عن مثلها.
قلت: فرق بين ندرة الاستعمال وندرة الوجود. والأوّل يوجب الانصراف بخلاف الثاني فإنّ ندرة الوجود ليست موجباً للانصراف، والّذي يمكن أنّ يقال أنّ النوم المستوعب المستمر على خلاف العادة تارة يحصل للإنسان بسبب شرب بعض المايعات المنوّمة أو التعب الشديد فلا شك في شمول الإطلاقات له، وأُخرى يحصل بسبب خلل في الأعصاب فلا يبعد إلحاقه بالإغماء   2

1 . ذكرى الشيعة: 2 / 429 ; ولاحظ المبسوط: 1 / 126 .
2 . الحدائق الناضرة: 11 / 13 .
3 . مصباح الفقيه: 15 / 400 .

صفحه 17
E ودخوله تحت قوله (عليه السلام): «كلّ ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر» (1) .

المقام الثاني: النوم المستوعب على وفاق العادة

إذا كان النوم المستوعب لتمام الوقت على وفاق العادة، كالنوم عن صلاة الفجر حتى تمامه، وربّما يتصوّر اختصاص أدلّة القضاء بغير الخارج عن حدود الاختيار وعدم شموله للخارج عن الاختيار، يقول السيد الحكيم: نعم يمكن أن يستشكل في عموم الحكم (وجوب القضاء) للنوم الغالب للتعليل الآتي في بعض أخبار المغمى عليه، لكن يأتي الإشكال فيه .(2)
وجه الاستشكال: استفادة الملازمة بين نفي القضاء وترك الأداء المستند إلى غلبة الله الشامل لكلّ من الإغماء والنوم الخارج عن الاختيار بمناط واحد. وأمّا وجه الإشكال فلعلّ وجهه، ضعف سنده ولذا عبّر عنه بخبر موسى بن بكر وسيأتي الكلام فيه في موضعه.
وربّما يورد عليه بأنّ النوم المستوعب للوقت لا سيما بالإضافة إلى صلاة الفجر كثير التحقّق خارجاً، بل هو من الأفراد الشائعة لكثرة ابتلاء المكلّفين به في هذه الفترة القصيرة، والمفروض كون النوم ـ ولو بقاءً ـ بغلبة الله، فإذا كان مثل هذا مشمولاً للنصوص المتقدّمة كان اللازم إخراج هذا الفرد عن الإطلاقات المتقدّمة ـ كصحيحة زرارة(3) وغيرها ـ الدالّة على وجوب القضاء عند الفوت المستند إلى النوم، وهو كماترى، إذ يلزم إخراج الفرد الشائع عن تحت   2

1 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3 .
2 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 46 .
3 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .

صفحه 18
E الإطلاق وحمل المطلق على الفرد النادر .(1)
يلاحظ عليه: أنّ المراد من النوم الخارج عن الاختيار ما يكون كذلك حدوثاً وبقاءً، كما إذا كان الإنسان مرهقاً جدّاً فيأخذه النوم من حيث لا يشعر ويدوم عامّة الوقت وإن كانت المدّة قصيرة، فمثل هذا لا يقصر عن الإغماء في الملاك وهو ممّا غلب الله عليه، فالله أولى بالعذر. وليس هذا فرداً شائعاً حتّى يلزم إخراج الفرد الشائع. نعم لو كان مختاراً حدوثاً لا بقاءً فلا شك أنّه داخل تحت الإطلاقات .
في صلاة المريض وقضائها   
ومع ذلك كلّه يمكن أن يقال: إنّ ما دلّ على أنّ ما غلب الله عليه ناظر إلى الإنسان المبتلى بمرض وشبهه الذي يسلب عنه الاختيار، وأمّا الإنسان الصحيح الّذي أتعب نفسه بالعمل وأخذه النوم من غير اختياره فهذا خارج عن مفاد الروايات بشهادة أن عامّتها وردت في مورد الإغماء. داخل تحت صحيحة زرارة فصارت النتيجة ما أفاده المحقّق الخوئي (قدس سره).

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 20 .

صفحه 19
أو للمرض ونحوه *
وكذا إذا أتى بها باطلة، لفقد شرط أو جزء يوجب تركه البطلان بأن كان على وجه العمد أو كان من الأركان **

* في صلاة المريض وقضائها

الظاهر أنّ المرض ليس سبباً مستقلاًّ لترك الصلاة، فإنّ المريض إمّا أن يصلّي حسب وظيفته فقد أدّى الوظيفة، وإن تركها أصلاً أو أتى بها فاسدة فهو داخل في العمد.

** لو أتى بالصلاة باطلة

هنا أُمور:
1. إذا صلّى وترك أحد الأركان، فلا شك في بطلان صلاته، لحديث: «لا تعاد...».
روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود».(1)
هذا من غير فرق بين العلم والجهل، لفرض كون المتروك ركناً.
2. إذا ترك غير الأركان عمداً، فلا إشكال في وجوب القضاء، لأنّ المفروض أنّه ترك الصلاة الواجبة أو فاتت منه الصلاة، ولا معنى لكون الشيء جزءاً أو شرطاً للواجب ومع ذلك لا يُخلُّ تركه.   2

1 . الوسائل: 4، الباب 10 من أبواب الركوع، الحديث 5 .

صفحه 20
E 3. إذا ترك غير الأركان سهواً، فلاشك في عدم وجوب الإعادة والقضاء لدخولها في المستثنى منه، والقدر المتيقّن هو ترك غير الأركان سهواً .
4. ترك غير الأركان جهلاً، إذا كان معذوراً في جهله كما إذا أدى اجتهاده إلى عدم وجوب شيء كجلسة الاستراحة، ثم تبدّل رأيه بعد ذلك فلا تجب الإعادة أخذاً بعموم المستثنى منه .
لو ثبتت جزئية شيء بدليل عقلي   
إنّما الكلام في موردين آخرين:
1. الجاهل المقصّر.
2. الجاهل المتردّد في الحكم.
أمّا الأوّل فيجب عليه القضاء لانصراف الحديث عن مثله.
وقيل هنا وجه آخر وهو لزوم المحذور في شمول الحديث له وليس هو إلاّ لزوم حمل الروايات الكثيرة الدالّة على الحكم بالإعادة في مورد ترك جزء أو شرط أو إتيان مانع كقوله: سألته عمّن تكلم في صلاته أو ضحك؟ قال: «يعيد» على الفرد النادر وهو العالم العامد، فإنّ إخراج الجاهل المقصّر عن هذه الروايات وإدخاله في حديث «لا تعاد» يلزم حمل تلك المطلقات على الفرد النادر لأنّه قلّما يتّفق أن يعمد العالم بالحكم على ترك الجزء والشرط أو الإتيان بالمانع، وهذا وجه جميل .(1)
وأمّا الثاني: أي الجاهل المتردّد في الحكم فيجب عليه القضاء إذا انكشف الواقع وذلك لانصراف الحديث عنه، لأنّ منصرفه إلى مَن أتى بالفريضة    2

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 22 .

صفحه 21
E معتقداً بصحّتها ثم انكشف له الخلاف والجاهل المتردّد شاك في صحّة العمل من أوّل الأمر، فلا يعمّه قوله: «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة...» .

إذا ثبتت جزئية شيء بدليل عقلي

لاشكّ في وجوب القضاء على مَن ترك أحد الأجزاء أو الشروط أو أتى بالموانع الّتي ثبتت جزئيتها أو شرطيتها أو مانعيتها، بدليل لفظي أو بأصل محرز كالاستصحاب، فإنّ الإخلال بها عمداً محقّق لعنوان الفوت.
إنّما الكلام إذا حكم بجزئية شيء أو شرطيّته أو مانعيته بدليل عقلي، كالعلم الإجمالي أو قاعدة الاشتغال، فقد ذهب صاحب الرياض إلى عدم القضاء بالإخلال في الجزء أو الشرط الثابت بقاعدة الشغل وإن أوجبنا عليه الإعادة في الوقت لأنّه يكفي في وجوبها فيه عدم العلم بالصحّة، بخلاف القضاء المتوقّف على صدق الفوت .(1)
وأوضحه المحقّق الهمداني بقوله: إنّ القضاء بأمر جديد فلا يتنجّز التكليف به إلاّ بعد إحراز الفوت الّذي أُنيط به الحكم، وهو في الأوّل (قاعدة الاشتغال) مشكوك فإنّ ما ثبت اعتباره بقاعدة الشغل إنّما حكم بوجوبه من باب الاحتياط تحصيلاً للجزم بالخروج عن عهدة الفريضة الواقعية فلا يكون الإخلال به موجباً للجزم بحصول الفوت حتّى يتنجّز التكليف بالقضاء. وأصالة عدم الإتيان بالفريضة الواقعية كاستصحاب بقاء التكليف بها ما دام بقاء وقتها إنّما يجري في إيجاب إعادتها في الوقت لا القضاء في خارجه، إذ لا يحرز بمثل   2

1 . جواهر الكلام: 13 / 12، نقلاً عن الرياض .

صفحه 22
E هذه الأُصول عنوان الترك أو الفوت الّذي أُنيط به وجوب القضاء إلاّ على القول بالأصل المثبت، وهو خلاف التحقيق .(1)
في خروج الصبي والمجنون عن أدلّة القضاء خروجاً موضوعياً لا خروجاً حكمياً   
أقول: المسألة مبنيّة على تعيين المراد من الفوت، فهل المراد هو فوت الواقع، أو المراد فوت ما هو الوظيفة عند الوقت؟
أمّا الأوّل فليس ملاكاً للفوت ; لأنّ الواقع بما هو واقع لا سبيل إلى العلم بإتيانه أو فوته، فالروايات المتضمّنة لكلمة الفوت ناظرة إلى ما هو الواجب ظاهراً وما هي الوظيفة عند الوقت.
ومن المعلوم أنّه إذا وجب الجمع بين القصر والإتمام بحكم قاعدة الاشتغال أو وجبت الصلاة في ساترين أحدهما طاهر والآخر نجس، فلو ترك إحدى الوظيفتين وأتى بالآخر فقد أخلّ بما هي الوظيفة وفات عنه ما هو الواجب حسب الأدلّة، فيكون موضوعاً للقاعدة: «مَن فاتته فريضة فليقضها كما فاتته».
ولو قلنا بعدم وجوب القضاء في أمثال الموردين يكون ذلك سبباً لفرار كثير من العمل بالاحتياط في الوقت، بل ربّما يكتفي بإحدى الوظيفتين حتّى إذا خرج الوقت لا يرى نفسه ملزماً بالاحتياط قائلاً بأنّ الملاك في القضاء هو فوت الواقع وهو غير محرز، وهذا كماترى، فلا محيص من القول بأنّ الموضوع فوت الوظيفة أو الواجب ظاهراً، والمفروض فوتها ; لأنّ الوظيفة هي الجمع بين الطرفين وهو لم يجمع.
والّذي يدلّ على ذلك فتوى الأصحاب بعدم الإجزاء في   2

1 . مصباح الفقيه: 15 / 403 .

صفحه 23
ولا يجب على الصبي إذا لم يبلغ في أثناء الوقت، ولا على المجنون في تمامه، مطبقاً كان أو إدوارياً.*
E الموردين التاليين:
1. لو صلّى في ثوب مستصحب النجاسة وفرضنا تمشّي القربة حتّى خرج الوقت، فيجب عليه قضاء الصلاة مع أنّه يمكن أنّ يقال: إن القضاء مترتّب على الفوت والمفروض أنّه لا علم به لاحتمال أن يكون الثوب طاهراً في الواقع وإن كان محكوماً بالنجاسة ظاهراً.
وما هذا ـ أي وجوب القضاء مع عدم العلم بالفوت واقعاً ـ إلاّ لأنّ الملاك هو فوت ما هو الواجب ظاهراً، وهو الصلاة بثوب محكوم بالطهارة لا بالنجاسة.
2. إذا شكّ في الإتيان بالفريضة والوقت باق، لكنّه لم يصلّ نسياناً، فيجب عليه القضاء مع عدم العلم بالفوت واقعاً لاحتمال أنّه صلّى في أوّل الوقت ومع ذلك يجب القضاء ; لأنّ الملاك فوت ماهو الوظيفة وهو الصلاة عند الشك قبل خروج الوقت.

* خروج الصبي والمجنون عن أدلّة القضاء

الظاهر أنّ الصبي وكذا المجنون خارجان عن أدلّة القضاء خروجاً موضوعياً لا خروجاً حكمياً، وإن شئت قلت: خروجاً تخصصياً لا تخصيصياً، لأنّ الموضوع للقضاء هو مَن فاتته الفريضة والمفروض أنّ الصبي والمجنون لم يكلّفا بشيء.
وإن شئت قلت: إنّ أدلّة القضاء ناظرة إلى مَن هو مكلّف فعلاً غاية   2

صفحه 24
ولا على المغمى عليه في تمامه *
E الأمر، منعت أُمور كالنوم والنفاس والحيض عن امتثال التكليف ولذلك ورد المثال بالنوم وأشباهه، وأمّا مَن ليس مكلّفاً بشيء بالذات أو ليس قابلاً للخطاب فلا يتصوّر فيه فوت الفريضة حتّى يصلح لوجوب القضاء ثم يسقط عنه بدليل خارجي.
والدليل على عدم كونه مكلّفاً بشيء هو الحديث المعروف عن
علي (عليه السلام)مخاطباً لعمر: «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يفيق، وعن النائم حتّى يستيقظ» (1).
* يقع الكلام في مقامات ثلاثة:

الأوّل: إذا أفاق عن الإغماء والوقت باق

إذا أفاق المغمى عليه والوقت باق فلاشكّ أنّه يجب عليه الأداء، فلو فاتته الفريضة يقضي، ويدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى كون القضاء موافقاً للقاعدة ـ ما تضافر من الروايات من استثناء الصلاة الّتي أفاق فيها، ففي صحيح الحلبي أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن المريض هل يقضي الصلوات إذا أُغمي عليه ؟
فقال: «لا، إلاّ الصلاة الّتي أفاق فيها» (2).

الثاني: لو كان الإغماء مستوعباً للوقت

في الإغماء المستوعب للوقت   
إذا كان الإغماء مستوعباً للوقت، يسقط القضاء على الأظهر الأشهر   2

1 . الوسائل: 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 11 .
2 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .

صفحه 25
E كما في الروضة، بل هو المشهور نقلاً وتحصيلاً، بل في «السرائر» أنّه المعوّل عليه، بل عن «الغنية» الإجماع عليه، وفي «الرياض»; أنّ عليه عامّة مَن تأخّر.(1)
وفي «الحدائق»: وعن بعض الأصحاب أنّه يقضي آخر أيام إفاقته إن أفاق نهاراً أو آخر ليلته إن أفاق ليلاً، ثم قال: وقال الصدوق في المقنع: اعلم
أنّ المغمى عليه يقضي جميع ما فاته من الصلوات، وروي ليس على المغمى عليه أن يقضي إلاّ صلاة اليوم الّذي أفاق فيه والليلة الّتي أفاق فيها، وروي أنّه يقضي صلاة ثلاثة أيام، وروي أنّه يقضي الصلاة الّتي أفاق في وقتها .
وهو ـ كما ترى ـ ظاهر في اختياره قضاء جميع ما فاته. والعجب منه (قدس سره)أنّه بعد اختيار وجوب القضاء عليه لجميع ما فاته أسند الأقوال الباقية إلى الرواية ولم يتعرّض إلى سقوط القضاء بالكلّية مع أنّه المشهور وهو الّذي تضافرت عليه الأخبار كما سيظهر لك إن شاء الله تعالى .(2)
هذا غير أنّ الصدوق عدل عمّا ذكره في «المقنع»، في «الفقيه» حيث قال: فأمّا الأخبار الّتي رويت في المغمى أنّه يقضي جميع ما فاته، وما روي أنّه يقضي صلاة شهر، وما روي أنّه يقضي ثلاثة أيام فهي صحيحة، ولكنّها على الاستحباب لا على الإيجاب .(3)
وعلى كلّ تقدير فالأقوى هو عدم وجوب القضاء لتضافر الروايات الّتي يناهز عددها اثنتا عشرة رواية منها الصحيح ومنها الموثّق والضعيف،    2

1 . جواهر الكلام: 13 / 4 .
2 . الحدائق الناضرة: 11 / 3 .
3 . الفقيه: 1 / 237، برقم 1042 .

صفحه 26
E والجميع يدلّ بكلمة واحدة: لا يعيد شيئاً من صلاته، وإليك قسماً من الروايات :
1. صحيح أيوب بن نوح، أنّه كتب إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام)يسأله عن المغمى عليه يوماً أو أكثر، هل يقضي ما فاته من الصلوات أو لا؟ فكتب: «لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة» (1).
2. صحيح الحلبي أنّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام)عن المريض، هل يقضي الصلوات إذا أُغمى عليه؟ فقال: «لا، إلاّ الصلاة الّتي أفاق فيها»(2).
3. وفي الصحيح عن حفص، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «يقضي الصلاة الّتي أفاق فيها»(3).
4. صحيح أبي بصير ـ المرادي ـ عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن المريض يغمى عليه ثمّ يفيق، كيف يقضي صلاته؟ قال: «يقضي الصلاة الّتي أدرك وقتها» (4).
في الأغماء المستوعب للوقت   
5. صحيح علي بن مهزيار، قال: سألته عن المغمى عليه يوماً أو أكثر، هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب: «لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة» (5) .
6. صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)في الرجل يغمى عليه الأيام؟ قال: «لا يعيد شيئاً من صلاته» (6) .   2

1 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 20 .
4 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 17.
5 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 18 .
6 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 23.

صفحه 27
E وقد وصفناه بالصحّة لأنّ الشيخ رواه عن حريز عن محمد بن مسلم لكن لم يذكر في المشيخة سنده إلى حريز، غير أنّ المحقّق أنّ هذه الكتب كانت مشهورة متداولة بين الأصحاب، وإنّما ذكر المشايخ أسنادهم إلى أصحاب الكتب من باب التبرّك وإخراج الحديث بصورة المسند.
نعم ما رواه معمر بن عمر، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن المريض يقضي الصلاة إذا أُغمي عليه؟ قال: «لا» (1). فهو غير صحيح وإن وصفه في مستند العروة بالصحّة ; لأنّ معمر بن عمر لم يوثّق.
هذه صحاح ستة اقتصرنا عليها وفي الباب روايات تؤيّد هذا المضمون وهي بين الموثّق والحسن والضعيف فراجع.(2)
وهذه الروايات كافية في الإفتاء .

الروايات المعارضة

وهناك روايات معارضة وهي على أقسام:
1. ما يدلّ على قضاء الجميع، نظير صحيحة رفاعة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن المغمى عليه شهراً، ما يقضي من الصلاة؟ قال: «يقضيها كلّها، إنّ أمر الصلاة شديد» (3).
2. ما يدلّ على قضاء صلاة ثلاثة أيام إذا كان الإغماء منحصراً   2

1 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 15.
2 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الأحاديث 7، 8 ، 13، 14، 16، وقد تركنا ما نقله في الوسائل عن المقنع .
3 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 4 .

صفحه 28
E بالثلاثة، نظير موثّق سماعة قال: سألته عن المريض يغمى عليه؟ قال: «إذا جاز عليه ثلاثة أيام فليس عليه قضاء، وإذا أُغمي عليه ثلاثة أيام فعليه قضاء الصلاة فيهن» (1).
3. ما يدلّ على قضاء الثلاثة من الشهر، نظير صحيح حريز عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل أُغمي عليه شهراً، أيقضي شيئاً من صلاته؟ قال: «يقضي منها ثلاثة أيام»(2).
4. ما يدلّ على قضاء صلاة يوم واحد، نظير صحيح ابن أبي عمير عن حفص، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سألته عن المغمى عليه؟ قال: فقال: «يقضي صلاة يوم» (3) .
في الإغماء الاختياري   
إنّ مقتضى القاعدة تخصيص الطائفة الأُولى بما دلّ على قضاء ثلاثة أيام أو ثلاثة أيام في شهر، أو يوم واحد، غير أنّ الاختلاف أفضل دليل لحملها على الاستحباب وأنّ الاختلاف في عدد الأيام محمول على مراتب الفضل، فالأفضل قضاء الجميع، ودونه قضاء صلوات ثلاثة أيام لو استمر الإغماء شهراً، ودونهما قضاء صلوات اليوم الّذي أُغمي فيه، وفي نفس الروايات دلالة على الاستحباب، مثلاً روى الشيخ في «التهذيب» عن حماد عن أبي كهمس قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)وسُئل عن المغمى عليه أيقضي ما ترك من الصلاة؟ فقال: «أمّا أنا وولدي وأهلي فنفعل ذلك» (4).   2

1 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب ضاء الصلوات، الحديث 5 .
2 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 11 .
3 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 14.
4 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 12.

صفحه 29
ولا على الكافر الأصلي إذا أسلم بعد خروج الوقت بالنسبة إلى ما فات منه حال كفره.*
E وروى الشيخ أيضاً عن منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه ساله عن المغمى عليه شهراً أو أربعين ليلة؟ قال: فقال: «إن شئت أخبرتك بما آمر به نفسي وولدي أن تقضي كلَ ما فاتك ».(1)
وجه الدلالة: أنّ تخصيص الحكم بنفسه وولده يدلّ على كونه أمراً مستحباً مرغوباً فيه، وإلاّ فلو كان الحكم عامّاً يشمل جميع المكلّفين فلا وجه لتخصيصه بنفسه وولده.
***

المقام الثالث: في الإغماء الاختياري

قال في «الجواهر»: لا فرق في سبب الإغماء بين الآفة السماوية وفعل المكلّف لإطلاق النصوص وبعض الفتاوي .(2)
وبما أنّه يأتي من المصنّف في المستقبل (في المسألة الثالثة) فنحن نرجئه إلى محلّه.

* عدم وجوب القضاء على الكافر

لا خلاف ولا إشكال في عدم وجوب القضاء على الكافر إذا أسلم،   2

1 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 13 .
2 . جواهر الكلام: 13 / 5 .

صفحه 30
E وهذا من ضروريات الفقه بل من ضروريات سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)فقد كان الناس يدخلون في دين الله أفواجاً من دون أن يؤمروا بقضاء ما فاتهم من الصلاة والصيام والزكاة، وإلاّ لأعرض الكثير من الناس عن الدخول في الإسلام، كيف وقد قال سبحانه: (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ )(1).
وأي حرج أعظم وأكبر من إيجاب القضاء على مَن عاش سبعين عاماً كافراً ثم أسلم، وبما أنّ المسألة من الوضوح بمكان فلا حاجة للاستدلال عليها، بحديث الجب وغيره.
نعم هناك كلام في تصوير سقوط القضاء عن الكافر إذا أسلم أشار إليه صاحب المدارك بقوله: وأمّا سقوطه عن الكافر الأصلي فموضع وفاق أيضاً وفي الأخبار دلالة عليه، ويستفاد من ذلك أنّه لا يخاطب بالقضاء وإن كان مخاطباً بغيره من التكاليف لامتناع وقوعه منه في حال كفره وسقوطه بإسلامه.(2)
ولو قلنا بتكليف الكفّار بالفروع ـ مثل الأُصول ـ يلزم استثناء الفرع المذكور لأنّه في حال الكفر غير متمكّن من الامتثال ـ لبطلان عمله ـ وفي حال الإسلام غير مأمور بالقضاء فلا يتوجّه عليه: «اقض ما فات كما فات» فالكفّار مكلّفون بالفروع إلاّ هذا الفرع.
عدم وجوب القضاء على الكافر   
توضيح مراده: أنّه إذا قلنا بأنّ الكفّار مكلّفون بالأُصول فقط دون   2

1 . الحج: 78 .
2 . مدارك الأحكام: 4 / 289 .

صفحه 31
E الفروع فلا يصحّ التعبير عن المسألة بسقوط القضاء ; لأنّ القضاء فرع وجوب الأداء والمفروض أنّهم غير مكلّفين بالفروع.
وعلى هذا فالمسألة مبنيّة على كون الكفّار مكلّفين بالفروع كما أنّهم مكلّفون بالأُصول، ولكن سيد المدارك يذهب إلى أنّهم محكومون بسائر الفروع إلاّ هذا الفرع ـ أعني: وجوب القضاء ـ لعدم إمكان امتثاله، وذلك لأنّ الأمر بالقضاء لا يخلو إمّا أن يكون متوجّهاً إليهم في وقت الأداء أو متوجّهاً إليهم في وقت القضاء، أمّا الأوّل فهو غير معقول لأنّ الوقت بعد باق فلا يصدق الفوت حتّى يخاطب بقضاء ما فات، فلابدّ أن يكون محكوماً بقضاء ما فات بعد خروج الوقت، ومن المعلوم أنّه غير قابل للامتثال لأنّ امتثال ذلك الأمر متوقّف على قبوله الإسلام ومعه يسقط وجوب القضاء. فظهر من ذلك أنّ الأمر بالقضاء إمّا فاقد للموضوع إذا كان متوجّهاً قبل انقضاء الوقت أو غير قابل للامتثال ; وذلك لأنّ شرط الامتثال هو التسليم ومعه يسقط وجوب القضاء باتّفاق المسلمين فيكون الخطاب بوجوب القضاء أمراً لغواً .
وكلامه هذا لا يخلو عن متانة. ولكنّه مبنيّ على كون التكاليف بصورة الخطابات الشخصية، وأمّا على القول بالخطابات القانونيّة فيكفي في توجّه الخطاب وجود الشرط في غير مورد الكفّار على ما حرّر في محلّه، فلاحظ.
ثم إنّ غير واحد من الأعاظم حاولوا تصوير وجوب القضاء على الكافر، منهم المحقّق العراقي على ما نقله السيد الخوئي في المستند (1)، وشيخ مشايخنا العلاّمة الحائري في صلاته(2). وقد ناقش السيد البروجردي فيما   2

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 42 .   2 . الصلاة: 557 ـ 558 .

صفحه 32
ولا على الحائض والنفساء مع استيعاب الوقت *
E ذكره العلاّمة الحائري، وبما أنّ البحث فاقد للثمرة، فنتجاوزه وندخل في مسألة أُخرى .

* سقوط القضاء عن الحائض والنفساء

إنّ سقوط القضاء عن الحائض والنفساء من ضروريات الفقه، والظاهر من الروايات أنّ ترك الصلاة في أيام الحيض عزيمة، ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا كانت طامثاً فلا تحلّ لها الصلاة» (1).
وفي صحيح الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام): «إذا حاضت المرأة فلا تصوم ولا تصلّي، لأنّها في حدّ النجاسة، وأحبّ الله أن لا يُعبد إلاّ طاهراً، وأنّه لا صوم لمن لا صلاة له» (2) ونحوه.
إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه   
فإذا كان ترك الصلاة عزيمة فأولى أن لا يجب قضاؤها، لأنّ القضاء فرع الوجوب في الأداء، إلاّ ما خرج بالدليل، كقضاء صوم الحائض.
نعم عدم القضاء مختصّ بما استوعب الحيض والنفاس، وإلاّ فلو حاضت بعد دخول الوقت فعليها القضاء، ففي صحيح عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألته عن المرأة تطمث بعد أن تزول الشمس ولم تصل الظهر، هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: «نعم» (3).
والتفصيل موكول إلى محلّه.   2

1 . الوسائل: 2، الباب 39 من أبواب الحيض، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 2، الباب 39 من أبواب الحيض، الحديث 2 .
3 . الوسائل: 2، الباب 48 من أبواب الحيض، الحديث 5 .

صفحه 33
المسألة 1: إذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون أو المغمى عليه قبل خروج الوقت وجب عليه الأداء، وإن لم يدركوا إلاّ مقدار ركعة من الوقت، ومع الترك يجب عليهم القضاء .
وكذا الحائض والنفساء إذا زال عذرهما قبل خروج الوقت ولو بمقدار ركعة. كما أنّه إذا طرأ الجنون أو الإغماء أو الحيض أو النفاس بعد مضي مقدار صلاة المختار ـ بحسب حالهم من السفر والحضر، والوضوء أو التيمّم ـ ولم يأتوا بالصلاة وجب عليهم القضاء، كما تقدّم في المواقيت. *
E إلى هنا تمّ ما ذكره المصنّف مقدّمة للمسائل التالية، فلندخل في شرح المسائل الّتي ذكرها بعد المقدّمة.
* في المسألة فروع:
1. إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه قبل خروج الوقت .
2. تلك الصورة لكن لم يدركوا من الوقت إلاّ مقدار ركعة واحدة من الوقت.
3. الحائض والنفساء إذا زال عذرهما قبل خروج الوقت ولو بمقدار ركعة.
4. إذا طرأ أحد الأعذار الأربعة بعد مضيّ مقدار صلاة المختار بحسب حالهم .
وإليك دراسة الفروع:   2

صفحه 34

E الفرع الأوّل: لو بلغ الصبي قبل خروج الوقت

إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه قبل خروج الوقت وجبت عليهم الصلاة أداءً; وذلك لعموم دليل التكليف بالصلاة في الوقت، والمفروض أنّ الوقت بعد باق فيشملهم قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ )(1) .
فلو تركوا الصلاة وجب عليهم القضاء لصدق الفوات المستند إلى مسامحتهم أو غير ذلك .
هذا كلّه فيما إذا أدركوا مقدار ركعات الصلاة المفروضة في ذلك الوقت من ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، وأمّا إذا أدركوا مقدار ركعة واحدة من الوقت فقط فهذا هو الفرع التالي.
إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه    

الفرع الثاني: لو أدرك الصبي والمغمى عليه والمجنون ركعة واحدة

إذا أدركوا مقدار ركعة من الوقت فلاشك أنّه تجب عليهم الصلاة أداءً إنّما الكلام إذا تركوا الصلاة والحال هذه فهل يجب عليهم القضاء؟ أمّا وجوب الصلاة أداءً فلموثّقة عمار بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: «فإن صلّى ركعة من الغداة وقد طلعت الشمس فليتم فقد جازت صلاته»(2).
وفي رواية الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَن أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامّة» (2).   2

1 . الإسراء: 78 .   2 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 2 .

صفحه 35
E نعم مورد الروايات هو صلاة الغداة ولكن الفقيه يقطع بعدم الفرق بين صلاة الغداة وبقية الصلاة اليومية، مضافاً إلى المراسيل الّتي نقلها الشهيد في «الذكرى»، قال: روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «مَن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».(1) وفي رواية أُخرى: «مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (2) وفي أبواب الحيض الباب 48 و 49 ما يؤيّد المقام.
إنّما الكلام إذا فاتت الصلاة وقد مضى من الوقت ركعة واحدة، فهل يجب عليه القضاء أو لا ؟
الظاهر ذلك لأنّ هذه الروايات المتضافرة ـ وإن كانت أسانيد البعض غير خالية عن الإشكال ـ بمنزلة الدليل الحاكم على أدلّة الوقت، فإنّ الروايات الواردة في أوقات الصلاة، حدّد وقت العصر بمقدار أربع ركعات في آخر الوقت وهكذا العشاء وصلاة الفجر، لكن هذه الروايات ناظرة لتوسيع الوقت عمّا دلّت عليه الأدلّة المتقدّمة فجعلت إدراك وقت ركعة واحدة بمنزلة درك جميع الوقت، فإذا ترك الصلاة فقد تركها في وقتها وفاتت الصلاة عنه بإهمال ومسامحة فلا قصور في شمول أدلّة القضاء لمثل هذا لصدق الفوت.
فإن قلت: إنّ القدر المتيقّن من الروايات الحاكمة بما إذا كان الوقت ـ في حدّ ذاته ـ واسعاً وصالحاً لإيقاع الصلاة تامّة فيه، غير أنّ المكلّف تسامح في الامتثال ولم يدرك إلاّ مقدار ركعة.
وأمّا إذا كان الوقت في حدّ ذاته ضيّقاً كالمجنون والمغمى عليه إذا   2

1 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 4 .
2 . الوسائل: 3، الباب 30 من أبواب المواقيت، الحديث 5.

صفحه 36
E أفاقا وقد بقي من الوقت مقدار ركعة فالروايات غير شاملة لهما.
قلت: إنّ الموضوع في الروايات هو مَن أدرك ركعة من الوقت وإطلاقه يعمّ كلتا الصورتين، بل شموله لما كان الوقت ضيقاً في حدّ ذاته أولى من شموله لما كان الوقت وسيعاً ثم صار ضيقاً بإهمال المكلّف. ووجه الأولوية أنّ التوسيع في الوقت من باب الامتنان وهو أولى بالنسبة إلى الصورة الأُولى من الثانية.
لو أسلم الكافر قبل خروج الوقت   

الفرع الثالث: لو زال عذر الحائض والنفساء قبل خروج الوقت

الحائض والنفساء إذا زال عذرهما وقد بقي من الوقت مقدار ركعات الصلاة فلإطلاق أدلّة الأداء وهو قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) فإذا تركتا الصلاة يصدق عليه فوت الفريضة، وأمّا إذا لم يبق من الوقت إلاّ ركعة من الصلاة وقد زال عذرهما فلما مرّ من أنّ ما دلّ على أنّ «مَن أدرك ركعة من الوقت كمن أدرك الوقت جميعاً» بمنزلة دليل حاكم على الروايات الّتي تحدد وقت الصلاة بمقدار ركعاتها، فينزل إدراك الركعة بمنزلة إدراك جميع الركعات، فعندئذ تجب الصلاة أداء لأنّها مصداق لدرك الوقت، وقضاءً إذا تركتا الصلاة في ذلك الوقت.

الفرع الرابع: لو طرأ العذر بعد دخول الوقت

كان محور البحث في الفروع الثلاثة السابقة هو زوال العذر قبل خروج الوقت، وأمّا المقام فهو يركّز على طروء العذر بعد دخول الوقت.
وعلى هذا فلو طرأ الجنون أو الإغماء أو الحيض والنفاس بعد مضي مقدار صلاة المختار ـ بحسب حالهم من السفر والحضر والوضوء والتيمّم ـ   2

صفحه 37
المسألة 2: إذا أسلم الكافر قبل خروج الوقت ـ ولو بمقدار ركعة ـ ولم يصل وجب عليه قضاؤها *
E ولم يأتوا بالصلاة وجب عليهم القضاء، لإطلاق ما دلّ على وجوب أداء الصلاة في الوقت، والقضاء عند فوته.
نعم لو طرأ العذر بعد مضي وقت ركعة واحدة لا يجب الأداء كما هو واضح ولا القضاء لأنّ ما دلّ أنّ إدراك ركعة بمنزلة إدراك جميع الركعات مختصّ بآخر الوقت لا بأوّله.

* لو أسلم الكافر قبل خروج الوقت

إذا أسلم الكافر قبل خروج الوقت وجبت عليه الصلاة، لاجتماع شرائط الوجوب، فلو ترك الصلاة وجب عليه القضاء لصدق الفوت، ومثله ما لو أدرك ركعة واحدة من الوقت، فقد سبق منّا أنّ ما دلّ عليه بمنزلة دليل حاكم في توسيع الموضوع وأنّ موضوع الأداء أعمّ من إدراك عامّة الركعات أو ركعة واحدة.

صفحه 38
المسألة 3: لا فرق في سقوط القضاء عن المجنون والحائض والنفساء بين أن يكون العذر قهرياً، أو حاصلاً من فعلهم وباختيارهم، بل وكذا في المغمى عليه. وإن كان الأحوط القضاء عليه إذا كان من فعله، خصوصاً إذا كان على وجه المعصية. بل الأحوط قضاء جميع ما فاته مطلقاً. *

* ما هي الأعذار الّتي تسبّب سقوط القضاء؟

في الأعذار الّتي تسبّب سقوط القضاء   
الأعذار الّتي تسبب سقوط القضاء عبارة عن الإغماء والجنون والحيض والنفاس، فلاشكّ أنّه لو طرأ أحد هذه الأعذار قهرياً من غير اختيار سقط القضاء، للأدلّة السابقة، إنّما الكلام إذا طرأ أحد هذه الأعذار باختيار الفاعل وفعله، كما إذا شرب دواءً فأُغمي عليه أو جُنّ أو حاضت أو نفست، فهل يسقط القضاء عن الفاعل أو لا؟ فلنأخذ كلّ واحد من هذه الأعذار بالبحث والدراسة.
فقد أخذ المحقّق الموضوع أعمّ من الإغماء وفصّل بين علم الفاعل وجهله فذهب إلى القضاء في الأوّل دون الثاني، قال: ولو زال عقل المكلّف بشيء من قِبَلِه كالسُّكر وشرب المرقد، وجب القضاء لأنّه سبب في زوال العقل غالباً، ولو أكل غذاءً مؤذياً فآل إلى الإغماء لم يقض .(1)
وقد حمل الشقّ الثاني في كلامه على جهل الفاعل، قال في المدارك: المراد أنّه إذا أكل غذاءً لم يعلم كونه مفضياً إلى الإغماء فاتّفق أنّه آل إلى ذلك، لم يجب عليه قضاء ما يفوته من الصلاة في حال الإغماء... إلى أن قال: ولو   2

1 . شرائع الإسلام: 1 / 120 .

صفحه 39
E علم بكون الغذاء موجباً للإغماء وجب القضاء.(1)
وبهذا قال الشهيد الثاني في «المسالك».(2)
وهو أيضاً خيرة الفقيه الهمداني، حيث قال: وأمّا الاغماء فقد يتّجه فيه التفصيل بين ما لو حصل بفعله اختياراً وبين ما لم يكن كذلك (3)، وهو أيضاً خيرة سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في درسه الشريف .
أقول: مورد أنظارهم ـ قدس الله أسرارهم ـ إلى ما تضافر عنهم(عليهم السلام)نظير ما رواه حفص بن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سمعته يقول في المغمى عليه قال: «ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر».(4)
وفي صحيح عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «كل ما غلب الله عليه فليس على صاحبه شيء»(5) .
وجه الاستدلال: أنّ المراد من الموصول (ما) هو الصلاة الفائتة أداءً فإنّها هي الّتي غلب الله عليها لا قضاؤها. فإذا سقط الأداء، يسقط القضاء قهراً لعدم صدق الفوت، هذا من جانب ومن جانب آخر يختصّ سقوط القضاء بموارد كان سقوط الأداء فيها ممّا غلب الله عليه دون المكلّف نفسه، وبذلك يقيّد إطلاق سائر الروايات الدالّة على سقوط القضاء عن المغمى عليه ولم يقترن بهذا التعليل.   2

1 . مدارك الاحكام: 4 / 292 .
2 . مسالك الأفهام: 1 / 300 .
3 . مصباح الفقيه: 15 / 405 .
4 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 13 .
5 . الوسائل: 5، الباب 3 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 24.

صفحه 40
E هذا ما يمكن الاستدلال به على اختصاص الحكم بالقضاء بما إذا كان بفعل الله لا بفعل نفس المكلّف .
ثم إنّه أشكل على الاستدلال بما هذا خلاصته:
إنّ غاية ما يستفاد من الروايات أنّ كلّ معذور في الأداء معذور في القضاء وهذا ما لا شبهة فيه، ولكن لا يدلّ على أنّ مَن لم يكن معذوراً في الأداء ـ كما إذا شرب الدواء لغاية الإغماء ـ ليس معذوراً في القضاء، وذلك لإمكان أن يكون لسقوط القضاء سببان :
1. ما ورد في الرواية وهو غلبة الله على عبده في وقت الأداء فيسقط القضاء تبعاً لعدم صدق الفوت. وهذا غير موجود في المقام.
2. مرونة الأحكام الشرعية ـ مثلاً ـ أو ما يمكن أن يكون سبباً لعدم القضاء.
فالقضية الأُولى فاقدة للمفهوم فيمكن أن يكون كلّ من القضيتين صادقاً، فلو قال المتكلّم: «مَن دخل من هذا الباب فأكرمه» فهي لا تدلّ على أنّ مَن لم يدخل من هذا الباب فلا تكرمه، إذ يمكن أن يكون للإكرام سببان: أحدهما الدخول من هذا الباب، والثاني أمر آخر قائماً مقام العلّة في الأُولى، كما هو محقّق في بحث المفاهيم.
وبعبارة أُخرى: أنّ الروايات تدلّ على أنّ كلّ مغلوب من قبل الله معذور، ولكن لا تدلّ على العكس أي من لم يكن مغلوباً من قبل الله فليس بمعذور، بل يمكن أن يكون معذوراً أيضاً لسبب آخر.(1)   2

1 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 54 .

صفحه 41
E أقول: يمكن أن يستدلّ على اختصاص القضاء بالإغماء المسبّب من فعل الله دون المسبّب من نفس المكلّف بطريق آخر لا بالقول بالمفهوم حتّى يقال: إنّ مثل تلك القضايا فاقدة للمفهوم.
بيانه: أنّ الإغماء وضع موضوعاً في عدّة من الروايات لحكم شرعي ـ أعني: سقوط القضاء ـ وهي بين ما كانت مقرونة بالتعليل وأُخرى مجرّدة عنه، غير أنّه إذا قُرن الإغماء بهذا التعليل يكون المتفاهم أنّ الإغماء على وجه الإطلاق ليس موضوعاً للحكم الشرعي، بل الإغماء في إطار خاص وهو المستند إلى فعله سبحانه، وإلاّ فلو كان الإغماء موضوعاً للحكم على وجه الإطلاق، سواء أكان السبب هو غلبة الله أو فعل الإنسان، لكان التعليل به أمراً غير لازم.
وعلى هذا فيكون ورود التعليل في قسم من الروايات محدّداً للموضوع ويكون سبباً لتقييده في سائر الروايات المجرّدة عنه. فيكون ما في المتن من أنّ «الأحوط القضاء عليه إذا كان من فعله» هو الأقوى.
وأمّا الجنون
لو حصل الجنون باختيار المكلّف فهل يسقط القضاء أو لا؟
يمكن أن يقال بالفرق بين الجنون والإغماء، حيث إنّ الثاني قد حُدّ بالتعليل الخاصّ، فصار الموضوع محدّداً بما غلب الله عليه .
وأمّا الجنون فيمكن أن يقال فيه بسقوط القضاء أخذاً بالإطلاقات وهو رفع القلم عن المجنون حتّى يفيق .
وبعبارة أُخرى: وجود التعليل في المغمى عليه وخلو المجنون عنه   2

صفحه 42
E يبعثنا إلى التفصيل بين الإغماء والجنون.
وإن شئت قلت: إنّ القضاء رهن أحد الأمرين:
1. وجود التكليف الفعلي في حال الأداء.
2. الكشف عن وجود الملاك حال الأداء.
أمّا الأوّل: فهو مفقود لقبح تكليف المجنون حتّى ولو كان بفعله .
وأمّا الثاني: فلا علم بالملاك، ولا يكون الحكم كاشفاً عن الملاك.
فإن قلت: ما هو الفرق بين النوم والجنون حيث إنّ خطاب النائم قبيح والعلم بالملاك مفقود؟
قلت: لولا الدليل الخاص من وجوب القضاء على مَن ترك الفريضة بسبب النوم لكان مصير النوم مصير الجنون.
ومع ذلك كلّه يمكن أن يقال: إنّ التعليل وإن ورد في مورد الإغماء لكنّه يُعمّم إلى الموارد الّتي تشارك المورد في العلّة وعلى هذا فالتفصيل في الجنون أقوى من الأخذ بالإطلاق.
وأمّا الحيض والنفاس
الظاهر أنّ حكمهما حكم الجنون لإطلاق الأدلّة، سواء أحصلا بأمر خارج من الاختيار أو بسبب اختياري فيجب عليها ترك الصلاة أداءً، كما لا يجب عليها قضاءً لما عرفت من أنّ وجوب القضاء فرع أحد أمرين:
1. أمّا الأمر الفعلي في حال الأداء.
2. كشف وجود الملاك.   2

صفحه 43
E والأوّل غير موجود، والثاني غير معلوم، وفي النهاية فالفوت غير محقّق.
ومع ذلك كلّه فقد احتاط المصنّف، فيما إذا كان من فعل المكلّف خصوصاً إذا كان على وجه المعصية. ويأتي فيهما ما مرّ في الجنون من الأخذ بإطلاق التعليل.
وعلى ما ذكرنا فإنّ التخدير الطبي لمن تجرى له عملية جراحية أشبه بالإغماء بفعل نفسه، وإن لم يكن معصية، فالأحوط لو لم يكن الأقوى وجوب القضاء عليه. كما عرفت من اختصاص عدم القضاء بما إذا كان بفعله سبحانه.

صفحه 44
المسألة 4: المرتدّ يجب عليه قضاء ما فات منه أيام ردّته بعد عودته إلى الإسلام سواء كان عن ملة أو فطرة، وتصح منه وإن كان عن فطرة على الأصحّ *
في قضاء المرتد ما فاته أيام ردّته بعد عودته إلى الإسلام    

* في قضاء المرتد ما فاته أيام ردّته

عُرّف المرتد بأنّه الّذي يكفر بعد الإسلام (1).
وهو من أفحش أنواع الكفر وأغلظها حكماً، قال الله تعالى: (وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ )(2) .
والمعروف في تعريف المرتد الفطري من انعقدت نطفته حال إسلام أحد أبويه، فلو كان أحد أبويه مسلماً حال الانعقاد فهو محكوم بالإسلام ورجوعه رجوع عن الفطرة .(3)
وأمّا المرتد الملّي فقد عرّفه المحقّق بقوله: مَن أسلم عن كفر ثم ارتدّ فهذا يستتاب فإن امتنع قتل .(4)
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الكلام فيما فات من المرتد من الصلوات أيام ردّته، فيقع الكلام في وجوب قضائه بعد عودته إلى الإسلام أو لا ؟
والمسألة مبنية على أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع كما أنّهم   2

1 . شرائع الإسلام: 4 / 183 .
2 . البقرة: 217 .
3 . مسالك الأفهام: 15 / 22 .
4 . شرائع الإسلام: 4 / 184 .

صفحه 45
E مكلّفون بالأُصول، والدليل الدالّ على سقوط القضاء في الكافر الأصلي غير جار هنا ; وذلك لأنّ السيرة جرت على عدم قضاء ما فات من الصلوات من الكافر الأصلي، غير أنّ هذه السيرة غير موجودة في المقام فتكون الإطلاقات محكمة في حقّه، أعني: قضاء ما فات من الصلوات في أيام الارتداد.
وأوضح منه ما فات من الصلوات بعد عوده إلى الإسلام، لكن الكلام مركّز على الأوّل .
وحاصل الكلام: أنّ ما دلّ على وجوب القضاء يعمّ عامّة المكلّفين، من غير فرق بين المسلم وغيره، خرج منه الكافر الأصلي ـ كما مرّ عليك ـ وبقي الباقي تحته.

دليل القائل بسقوط القضاء

استدلّ القائل بسقوط القضاء بأنّ الإسلام شرط صحّة العمل والمفروض عدم قبول توبته فيحكم عليه بالكفر ولا يصحّ منه العمل كقضاء الصلاة، حتّى بعد التوبة، ويدلّ على عدم قبول توبته صحيح محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن المرتدّ، فقال: «مَن رغب عن الإسلام وكفر بما أُنزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد إسلامه فلا توبة له قد وجب قتله، وبانت منه امرأته، ويُقسّم ما ترك على ولده»(1).
فإنّ إطلاق نفي التوبة يقتضي بطلان عبادته، نظير ما لو بقي على كفره، وعلى هذا فالمرتد بعد الإسلام بمنزلة الكافر لا تقبل منه العبادة .   2

1 . الوسائل: 18، الباب 1 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 2 .

صفحه 46
E يلاحظ عليه: أوّلاً: الظاهر أنّ عدم قبول توبته نسبي وليس بمطلق وإنّما هو بالنسبة إلى ما ورد في الرواية من الأُمور الثلاثة:
1. وجوب قتله. 2. بينونة زوجته. 3. تقسيم ماله.
وأمّا ما عدا ذلك فلا دليل على عدم قبول توبته، فعندئذ تصحّ منه العبادات الّتي فاتته أيام ارتداده (كفره).
ويؤيّد قبول توبته فيما سوى ذلك ما ورد في المرتدّ الملّي وارتداد المرأة مطلقاً .
أمّا الأوّل ففي صحيح علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)في حديث قال: قلت: فنصراني أسلم ثم ارتد؟ قال: «يستتاب فإن رجع وإلاّ قُتل»(1). ولولا قبول توبته فما معنى الاستتابة.
وأمّا الثاني فهو ما في صحيح حمّاد عن أبي عبدالله (عليه السلام)في المرتدّة عن الإسلام قال: «لا تقتل وتستخدم خدمة شديدة وتمنع الطعام والشراب إلاّ ما يمسك نفسها وتلبس خشن الثياب وتضرب على الصلوات» (2).
وجه الدلالة واضحة فإنّ التضييق لأجل التوبة ولولا قبولها فلا وجه للتضييق.
في قضاء المرتد ما فاته أيام ردّته بعد عودته إلى الإسلام    
فإنّ الاستتابة ثلاثة أيام أو الضرب على الصلوات دليل على قبول توبتهما.
وممّا يدلّ على قبول توبة المرتدّ الآيتان التاليتان:   2

1 . الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 1 .

صفحه 47
E 1. قال سبحانه: (وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ وَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(1).
فالآية تدلّ على أنّ مَن لم يمت كذلك لم يحكم عليه بحبط الأعمال في الدنيا والآخرة، كما لا يحكم عليه بورود النار والخلود فيها .
2. قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيًما)(2)، فالآية تدلّ على أنّه سبحانه يقبل توبة جميع العصاة العتاة إلاّ المشرك الذي مات على شركه.
وفي الختام إنّ الكلام في وجوب القضاء وعدمه مختصّ بالمرتد الفطري، وأمّا الملّي إذا تاب أو المرأة مطلقاً، فخارج عن مصب البحث، فلو تاب الملّي أو المرأة مطلقاً فتقبل عبادتهما ومنها قضاء العبادات الّتي فاتت أيام الردّة.

1 . البقرة: 217 .
2 . النساء: 48 .

صفحه 48
المسألة 5: يجب على المخالف قضاء ما فات منه، أو أتى به على وجه يخالف مذهبه، بل وإن كان على وفق مذهبنا أيضاً ـ على الأحوط ـ وأما إذا أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه. نعم إذا كان الوقت باقياً فإنّه يجب عليه الأداء حينئذ. ولو تركه وجب عليه القضاء. ولو استبصر ثم خالف ثمّ استبصر فالأحوط القضاء، وإن أتى به بعد العود إلى الخلاف على وفق مذهبه. *
   

* في حكم صلاة المستبصر وما فاته قبل استبصاره

في المسألة فروع نذكرها على النظم الطبيعي للمسألة خلافاً لما عليه المصنّف :
1. إذا استبصر المخالف وأتى بالصلاة قبل الاستبصار وفق مذهبه.
2. إذا استبصر المخالف وقد فاتت منه صلوات قبل الاستبصار.
3. إذا استبصر المخالف وأتى بالصلاة على وفق مذهبه وقد استبصر والوقت باق.
4. إذا استبصر وقد أتى بالصلاة على خلاف مذهبه. كما إذا كان حنفيّاً وصلى على وفق مذهب الشافعي.
5. إذا أتى بها على وفق مذهبنا.
6. لو استبصر ثم خالف ثم استبصر .
الفرع الأوّل: دلّت الأخبار المستفيضة على أنّ المخالف إذا استبصر   2

صفحه 49
E وكان قد أتى بالعبادات (ومنها الصلاة) على وفق مذهبه، على أنّه لا قضاء عليه ـ سوى الزكاة ـ فقد روى الكليني والشيخ عن زرارة وبكير بن أعين والفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)أنّهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء: الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية ثم يتوب ويعرف هذا الأمر ويُحسن رأيه، أيعيد كلّ صلاة صلاّها أو صوم أو زكاة أو حج، أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال: «لا ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة، لابد أن يؤدّيها لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها وإنّما موضعها أهل الولاية» (1).
وأعلم أنّ القدر المتيقّن هو فعل الصلاة على وفق مذهبه لا سائر الأعمال، مثلاً لو توضّأ على وفق مذهبه ثم استبصر وكان الوقت باقياً فليس له الصلاة بهذا الوضوء والوقت بعد باق فكيف بالصلوات الآتية.
كما أنّ محور الكلام هو وجوب القضاء وعدمه، وأمّا الأُمور الوضعية فلا تتغيّر باستبصاره، فلو كان ثوبه أو بدنه متنجساً بما يراه طاهراً فيجب عليه تطهيرهما بالنسبة إلى الصلوات الآتية.
وأمّا الفرع الثاني: إذا استبصر المخالف وقد فاتت منه صلوات قبل استبصاره، فلا شكّ أنّه يجب عليه قضاء ما فات لأنّ ما دلّ على عدم وجوب القضاء يختصّ بما إذا قام بوظيفته وأتى بالصلاة لا ما إذا تركها من الرأس، كما هو ظاهر الروايات السابقة، فيكون هو ممّن فاتته الفريضة فتشمله الإطلاقات الدالّة على قضاء ما فات.   2

1 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2. ولاحظ الحديث 1 و 3 .

صفحه 50
E فإن قلت: روى شيخنا الشهيد في «الذكرى» عن كتاب «الرحمة» لسعد بن عبدالله مسنداً عن رجال الأصحاب، عن عمّار الساباطي قال: قال سليمان بن خالد لأبي عبدالله (عليه السلام)وأنا جالس: إنّي منذ عرفت هذا الأمر أُصلّي في كلّ يوم صلاتين، أقضي ما فاتني قبل معرفتي، قال: «لا تفعل، فإنّ الحال الّتي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة»(1).
فإنّ ظاهر هذا الخبر عدم وجوب قضاء ما تركه حال خلافه، وهو خلاف ما ذكرنا.
قلت: إنّ الشهيد في «الذكرى» فسّر الرواية بالنحو التالي: يعني ما تركت من شرائطها وأفعالها، وليس المراد تركها بالكلّية.
الفرع الثالث: إذا استبصر المخالف وكان قد أتى بالصلاة وفق مذهبه وقد استبصر والوقت باق، فقد أفتى في المتن بأنّه يجب عليه الأداء حينئذ ولو تركه وجب عليه القضاء، ويدلّ عليه اختصاص نصوص الإجزاء بالقضاء، فيبقى عموم دليل التكليف بالصلاة الصحيحة ـ أداءً ـ على حاله .
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على تفسير القضاء في قوله: «وأمّا الصلاة والصوم فليس عليه قضاؤهما» الوارد في رواية يزيد بن معاوية العجلي(2)
في مقابل الأداء، فيختصّ الامتنان بخارج الوقت مع أنّه من المحتمل أنّ المراد من القضاء هو الفعل المأتي به ثانياً، لا المأتي به خارج الوقت، ويدلّ على ذلك قول الإمام (عليه السلام)في صحيحة الفضلاء: «ليس عليه إعادة شيء من ذلك   2

1 . الوسائل: 1 ، الباب 31 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 4 .
2 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3 .

صفحه 51
E غير الزكاة».(1)
فالقول بعدم وجوب الإعادة فضلاً عن القضاء هو الأقوى، نعم وإن كان ما ذكره في المتن هو الأحوط .
الفرع الرابع: إذا استبصر وقد أتى بالصلاة على خلاف مذهبه، كما إذا كان شافعياً فصلّى على وفق المذهب الحنفي، فيجب عليه القضاء ووجهه: أنّ منصرف النصوص السابقة هو العمل الّذي يعتقد بصحّته، لا ما يعتقد بفساده، فالنصوص غير ناظرة إلى هذه الصورة فيكون باقياً تحت الإطلاقات من قضاء ما فات لأنّه محكوم بالفوت حسب نظره وحسب نظرنا. ولا يبعد عدم وجوب القضاء لأجل تسهيل الأمر والامتنان بقبول ما قام به من العمل، سواء أصحّ عنده أم لا؟
الفرع الخامس: إذا استبصر وكان قد أتى بالصلاة على وفق مذهبنا، فقد احتاط المصنّف وأفتى بوجوب القضاء، ووجهه ما سبق من أنّ منصرف النصوص هو العمل الصحيح عند الفاعل، والمفروض كونه باطلاً عند نظره.
نعم ذكر السيد الحكيم (رحمه الله) أنّ شمول الروايات للصحيح عندنا أقرب من شمولها للصحيح عند العامل .(2)
الفرع السادس: لو استبصر ثم خالف ثم استبصر، وإن أتى به بعد العود إلى الخلاف على وفق مذهبه، فقد احتاط المصنّف بالقضاء، لعلّ وجهه هو انصراف الروايات في المخالف الأصلي لا من استبصر وتشيّع ثم تسنن ثم استبصر.

1 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2 .
2 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 60 .

صفحه 52
المسألة 6: يجب القضاء على شارب المسكر، سواء كان مع العلم أو الجهل، ومع الاختيار على وجه العصيان أو للضرورة أو الإكراه *
* وجه وجوب القضاء صدق الفوت في عامّة الصور المذكورة في المتن.
فإن قلت: إنّ وجوب القضاء فرع كون الحكم فعلياً في حقّ مَن فاتت الصلاة منه، وخطاب السكران قبيح .
قلت ـ مضافاً إلى أنّ ما ذكرته لا يتمّ لو كان غير سكران وقد دخل الوقت ـ : إنّ القول بالخطاب الشخصي ممّا لا دليل عليه فإن الظاهر أنّ في كلّ مقام خطاباً واحداً يتعلّق بعامّة المكلّفين، وهو حجّة على كلّ من وصل إليه الخطاب، غاية الأمر أنّ العجز عُذرٌ لفوات الفريضة، فيكون الحكم فعلياً في حقّه بهذا المعنى.
على أنّ سقوط القضاء لابدّ أن يكون بملاك الامتنان، ولا موضوع للامتنان فيمن شرب المسكر مع الاختيار على وجه العصيان بل يورث التجرّي، نعم يتمّ في صورة الجهل بالموضوع أو للضرورة والإكراه، نعم الدليل على الجميع هو صدق الفوت فيشمله ما دلّ على وجوب قضاء ما فات.
وأمّا التمسّك بعدم وجوب القضاء بالتعليل الوارد في المغمى عليه أي: «ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر» (على فرض صحّة التعدّي من الإغماء) فغير تام ; لأنّه ناظر إلى الفوت المستند إلى الأسباب الداخلية كالإغماء والنوم والجنون، ولا يعمّ الأسباب الخارجية كالسكر ونحوه، فالحديث أجنبي عنها.

صفحه 53
المسألة 7: فاقد الطهورين يجب عليه القضاء ويسقط عنه الأداء، وإن كان الأحوط الجمع بينهما *

* هل يجب القضاء على فاقد الطهورين ؟

يقع الكلام في فاقد الطهورين في مقامين:
1. سقوطها أداءً.
2. وجوب القضاء، وعدمه.
أمّا الأوّل ـ أعني سقوط الأداء ـ : فقد قال المحقّق فيه: ومَن عدم الماء وما يتيمّم به لقيد أو حبس في موضع نجس، قيل: يصلي ويعيد. وقيل: يؤخّر الصلاة حتّى يرتفع العذر، فإن خرج الوقت قضى. وقيل: يسقط الفرض أداءً وقضاءً، وهو الأشبه .(1)
وقال صاحب المدارك: أمّا سقوط الأداء فهو مذهب الأصحاب، لا نعلم فيه مخالفاً صريحاً، لأنّ الطهارة شرط في الصلاة مطلقاً، لقوله (عليه السلام)في صحيحة زرارة: «لا صلاة إلاّ بطهور» (2)، وقد تعذّرت فيسقط التكليف بها، ويلزم من سقوط التكليف بها سقوط التكليف بالمشروط، وإلاّ فإن بقي الاشتراط لزم تكليف ما لا يطاق، وإن انتفى خرج المشروط مطلقاً عن كونه مشروطاً مطلقاً.
ثم قال: ما حكاه المحقّق من القول بالصلاة والإعادة، لا أعلم به قائلاً.(3)2

1 . شرائع الإسلام: 1 / 49 .
2 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1 .
3 . مدارك الأحكام: 2 / 242 .

صفحه 54
E ويؤيّد ما ذكره صاحب المدارك ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الصلاة ثلاث أثلاث: ثلث طهور، وثلث ركوع، وثلث سجود».(1)
والحديث يدلّ على أنّ الصلاة تتقوّم بأُمور ثلاثة منها الطهور، فإذا لم يتمكّن المكلف من واحد من هذه الأُمور تنتفي الصلاة.
ثم إنّ المصنّف ركّز على فاقد الطهورين من الأُمور الثلاثة، ولم يذكر عن الركوع والسجود شيئاً، وذلك لأنّه لا يتصوّر فيهما العجز، لأنّ للركوع مراتب كالركوع جالساً، مومياً، غامزاً للعين وفاتحاً لها، ومثله السجود .
فإن قلت: قوله لا تسقط الصلاة بحال، حاكم على دليل جزئية الطهور، فعلى ذلك تجب عليه الصلاة في هذه الحالة .
قلت: ما ذكره من العموم لم نعثر عليه في الروايات، بل هو من كلمات الفقهاء.
نعم في صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة: «فإنّها لا تدع الصلاة بحال» (2)، وفيها قوله: «فإن انقطع عنها الدم وإلاّ فهي مستحاضة تصنع مثل النفساء سواء ثم تصلّي ولا تدع الصلاة على حال، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «الصلاة عماد دينكم» ومع ذلك كلّه فليس هذا الحديث حاكماً على قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» وذلك لأنّ النهي تعلّق بترك الصلاة الّتي يتمكّن منها المكلّف، والمفروض أنّ الصلاة بلا طهور ليست بصلاة، إذ هي تفقد أحد الأركان الثلاثة .
في وجوب القضاء على فاقد الطهورين   
هذا كلّه حول الأداء، وأمّا القضاء، فقد قال صاحب المدارك:   2

1 . الوسائل: 4، الباب 9 من أبواب الركوع، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 2، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، الحديث 5.

صفحه 55
E ففيه للأصحاب قولان: السقوط . اختاره المصنّف (رحمه الله) هنا، وفي «المعتبر» ونقله عن المفيد في أحد قوليه، واحتج عليه بأنّها صلاة سقطت بحدث لا يمكن إزالته فلا يجب قضاؤها كصلاة الحائض وبأنّ القضاء فرض مستأنف فيتوقّف على الدلالة ولا دلالة(1).
ثم قال: والثاني: الوجوب. اختاره المفيد (رحمه الله) في المقنعة، والشيخ في المبسوط، والسيد المرتضى في المسائل الناصرية، وابن إدريس (رحمهم الله) .(2)
والظاهر هو القول الثاني إمّا لشأنية التكليف كما عليه القوم(3)، أو لفعلية التكليف في حقّه(4)، على المختار، وعلى ذلك يصدق عليه الفوت ويدخل الموضوع تحت الكبرى الكلّية في صحيحة زرارة: «ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها»(5).
وفي صحيحة أُخرى لزرارة: «أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة: صلاة فاتتك فمتى ما ذكرتها أدّيتها»(6).
فإن قلت: إنّ وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء، فإذا لم تجب الصلاة أداءً فكيف تجب قضاءً.
قلت: ما ذكرته من الكبرى غير تام، لوجوب القضاء على النائم،   2

1 . المعتبر: 1 / 380 .
2 . مدارك الأحكام: 2 / 243 .
3 . على القول بالخطاب الشخصي حيث يكون الحكم شأنياً.
4 . على القول بالخطاب القانوني.
5 . الوسائل: 3، الباب 63 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .
6 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .

صفحه 56
E ووجوب قضاء الصوم على الحائض، مع عدم وجوب الأداء فيهما على أنّك وقفت على أنّ التكليف في حقّ فاقد الطهورين فعلي بالقول المختار غير أنّ العجز معذّر، وعلى هذا لا يكون العجز أداءً دليلاً على سقوط القضاء. أضف إلى ذلك: أنّ فقدان التكليف لا يلازم فقدان الملاك كما هو الحال في النائم والحائض، والمقام أيضاً ليس بأقل من النائم، فيكفي في وجوب القضاء وجود الملاك التام.
نعم احتاط المصنّف بالجمع بين الأداء والقضاء، ولعلّ وجهه علمه بوجوب أحد التكليفين القضاء والأداء، ولكنّه استحبابي جدّاً، لما عرفت من عدم وجوب الاداء، وتعيّن القضاء.
   

صفحه 57
المسألة 8: مَن وجب عليه الجمعة إذا تركها حتّى مضى وقتها أتى بالظهر إن بقي الوقت، وإن تركها أيضاً وجب عليه قضاؤها لا قضاء الجمعة. *

* مَن ترك صلاة الجمعة حتّى مضى وقتها

قال المحقّق: وتفوت الجمعة بفوات الوقت ثم لا تقضى جمعة وإنّما تقضى ظهراً (والمقصود تؤدّى ظهراً أداءً مع بقاء وقتها، وقضاء بعد خروج وقتها) وفي «مصباح الفقيه»: بلا خلاف فيه بل إجماعاً صرّح به غير واحد، وفي المدارك أنّه إجماع أهل العلم.(1)
واستدلّ عليه بصحيحة الحلبي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عمّن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة؟ قال: «يصلّي ركعتين، فإن فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعاً...» (2) .
وفي صحيحة عبدالرحمن العرزمي: «إذا أدركت الإمام يوم الجمعة وقد سبقك بركعة فأضف إليها ركعة أُخرى واجهر بها، فإن أدركته وهو يتشهد فصلّ أربعاً» (3).
وقد استشكل المحقّق الهمداني قائلاً بأنّ مورد الخبرين هو مَن لم يدرك الصلاة انعقاد صلاة الجمعة، فهذه مسألة أُخرى وهي أنّه لا جمعة بعد الجمعة والكلام في المقام إنّما هو فيما لو فاتت الجمعة بأصلها بفوات وقتها ففي   2

1 . مصباح الفقيه: 14 / 27 .
2 . الوسائل: 5، الباب 26 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 5، الباب 26 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 5 .

صفحه 58
E هذه المسألة أيضاً لا تقضى جمعة بل ظهراً وعمدة مستنده الإجماع .(1)
وحاصل كلامه: أنّ مصبّ الروايتين صورة انعقاد الجمعة وعدم إدراك الإمام، وكلامنا فيما إذا لم تنعقد الجمعة رأساً حتّى مضى وقتها. ثم إنّه استدلّ على المسألة بوجه آخر مذكور في كلامه.
ولكن الأولى أن يقال: إنّه إذا زالت الشمس وجب على المكلّف الإتيان بصلاة واحدة وهي الجمعة الّتي حُدّد وقتها بزوال الشمس إلى أن تمضي ساعة، روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «أوّل وقت الجمعة ساعة نزول الشمس إلى أن تمضي ساعة فحافظ عليها» (2). وهذه الساعة ليست أزيد من صيرورة ظل كلّ شيء مثله إجماعاً، فإذا انقضى الوقت سقطت مشروعية الجمعة فيتعيّن على المكلّف إيجاد الصلاة ضمن أربع ركعات، والمفروض أنّ وقتها باق إلى غروب الشمس إلاّ مقدار أربع ركعات من آخر الوقت الّتي تختصّ بصلاة العصر، فإذا تسامح أو غفل عن الإتيان بالظهر فيجب عليه قضاؤها ; لأنّ الميزان في تعيين الفائتة ما هو الواجب عليه في آخر الوقت، والمفروض أنّ الواجب هو الظهر، فعلى ذلك وجب عليه قضاء الظهر لا قضاء الجمعة ; لأنّ الميزان في تعيين الفائتة ما هو الواجب في آخر الوقت والمفروض أنّه الظهر.
 

1 . مصباح الفقيه: 14 / 27 ـ 28 .
2 . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث 19 .

صفحه 59
المسألة 9: يجب قضاء غير اليومية ـ سوى العيدين ـ حتّى النافلة المنذورة في وقت معيّن. *

* في قضاء الصلوات غير اليومية

يقع الكلام في موارد ثلاثة:
1. قضاء الصلوات غير اليومية كصلاة الآيات .
2. قضاء صلاة العيدين.
3. قضاء النافلة المنذورة في وقت معيّن.
أمّا الأوّل: فهو ما إذا وجبت عليه صلاة الآيات ولكنّه تركها في وقتها، فيجب عليه القضاء لإطلاق ما دلّ على وجوب قضاء الصلوات، فإنّ المورد من مصاديق قول أبي جعفر (عليه السلام)في صحيح زرارة: «فليصل ما فاته ممّا قد مضى ولا يتطوّع بركعة حتى يقضي الفريضة كلّها»(1).
وكون المورد هو الصلوات اليومية حيث قال: «فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته... الخ» لا يكون دليلاً على تخصيص الكبرى به. مضافاً إلى ما ورد في خصوص الكسوف من التفريق بين انكساف الكلّ فيقضي والبعض فلا يقضي.(2)
ثم إنّ الكلام فيما إذا فاتت بلا عذر، وأمّا إذا فاتت مع العذر ـ كما إذا كانت المرأة حائضاً أو نفساء ـ فهو خارج عن محط البحث، وقد طرحه المصنّف   2

1 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 5، الباب 9 من أبواب صلاة الكسوف 1 و 2 وغيرهما.

صفحه 60
E في فصل أحكام الحائض المسألة رقم 30 فراجع.
وأمّا الثاني: فهو ما إذا فاتت صلاة العيدين، كما إذا أُقيمت الجماعة ولم يشارك بها المكلّف أو لم يدركها، فلا قضاء عليه للنصّ الصريح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «مَن لم يصل مع الإمام جماعة يوم العيد فلا صلاة له ولا قضاء»(1).
ويكون مقيّداً للصحيح الأوّل الّذي يحكم بقضاء كلّ ما فاته .
وأمّا الثالث: فإذا فاتته النافلة المنذورة المعيّنة، فهل يجب قضاؤها كما عن بعضهم لصحيح زرارة من قوله (عليه السلام): «فليصل ما فاته ممّا مضى» ، أو لا؟ ولكن المسألة مبنية على تفسير الفريضة في صحيحة زرارة المتقدّمة وأمثالها، فإنّ الموضوع لوجوب القضاء هو الفريضة (حيث قال حتى يقضي الفريضة كلّها) فإن أُريد بها ما هو الواجب أوّلاً وبالذات كالصلوات اليومية أو غير اليومية كصلاة الآيات فلا يعمّ الواجب بالنذر وغيره، إذ ليس الصلاة المنذورة بما هي هي واجبة، وإن أُريد بها الفرض ولو بطروء عنوان ثان كالنذر فيعمّ المقام، فيجب قضاؤها .
ولكن الظاهر هو الأوّل أي ما وجب بما هو هو إذا عصى أمر الصلاة دون الواجب عليه بعنوان ثان; لأنّ الواجب عندئذ هو الوفاء بالنذر لا الصلاة.
اللّهم إلاّ أنّ يقال: إن الموضوع للقضاء في صحيح زرارة هو الفريضة لكن الموضوع في رواية أُخرى عنه عن أبي جعفر (عليه السلام)هو الصلاة الفائتة روى عنه: أنّه قال: «أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة: صلاة فاتتك فمتى ما   2

1 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب صلاة العيد، الحديث 3 .

صفحه 61
المسألة 10: يجوز قضاء الفرائض في كلّ وقت، من ليل أو نهار أو حضر، ويصلّي في السفر ما فات في الحضر تماماً، كما أنّه يصلّي في الحضر ما فاته في السفر قصراً. *
E ذكرتها أدّيتها، وصلاة ركعتي طواف الفريضة، وصلاة الكسوف، والصلاة على الميت، هذه يصلّيهن الرجل في الساعات كلّها».(1)
لكن الرواية منصرفة عن النذر المعيّن لكن الأحوط هو القضاء.

* في وقت قضاء الفرائض

في المسألة فرعان:
الأوّل: يجوز قضاء ما فات من الصلوات في عامّة الأوقات فيجوز قضاء ما فات من الليل في النهار وبالعكس، وقد تضافرت الروايات على جوازه. نقتصر بذكر روايتين:
1. ما تقدّم من الفقيه الذي رواه عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام): أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة .(2)
2. ما تقدّم من رواية زرارة الّتي جاء فيها: «يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار» .(3)
إلى غير ذلك من الروايات ويمكن ادّعاء تضافرها لو لم نقل   2

1 . الفقيه: 1 / 278 برقم 1263 .
2 . تقدم تخريجه.
3 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3.

صفحه 62
E بتواترها.
نعم ورد ما يخالفها عن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتّى تطلع الشمس وهو في سفر كيف يصنع؟ أيجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال: «لا يقضي صلاة نافلة ولا فريضة بالنهار، ولا يجوز له ولا يثبت له ولكن يؤخّرها فيقضيها في الليل».(1)
ولكن الرواية شاذة لا تقاوم ما تضافر من الروايات الدالّة على عدم المنع، مضافاً إلى أنّ في سندها أربعة فطحيين ، هم: أحمد بن حسن بن علي بن فضّال، وعمرو بن سعيد، ومصدق بن صدقة، وعمار بن موسى.
الفرع الثاني: قضاء مافات في الحضر تماماً في السفر، وبالعكس. ويدلّ عليه صحيح زرارة قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: «يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته» (2).
ويدلّ عليه رواية أُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا نسي الرجل صلاة أو صلاّها بغير طهور وهو مقيم أو مسافر فذكرها فليقض الّذي وجب عليه، لا يزيد على ذلك ولا ينقص، من نسي أربعاً فليقض أربعاً مسافراً كان أو مقيماً، وإن نسي ركعتين صلّى ركعتين إذا ذكر مسافراً كان أو مقيماً».(3) إلى غير ذلك من الروايات .

1 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 6.
2 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 4 .

صفحه 63
المسألة 11: إذا فاتت الصلاة في أماكن التخيير فالأحوط قضاؤها قصراً، مطلقاً، سواء قضاها في السفر أو في الحضر، في تلك الأماكن أو غيرها، وإن كان لا يبعد جواز الإتمام أيضاً إذا قضاها في تلك الأماكن، خصوصاً إذا لم يخرج عنها بعد وأراد القضاء *

* لو فاتت الصلاة في أماكن التخيير

المشهور بين الأصحاب تخيير المسافر بين القصر والإتمام في الأماكن الأربعة المعروفة، ولم ينقل الخلاف هنا إلاّ عن الصدوق والمرتضى وابن الجنيد.
إلاّ أن الكلام فيما إذا فاتته الصلاة في تلك الأماكن الأربعة، ثم أراد أن يقضيها، فهل يقضيها قصراً، أو أنّ التخيير باق.
قد صرّح جملة من متأخّري المتأخّرين منهم المحقّق الأردبيلي والفاضل الخراساني وشيخنا المجلسي بأنّ الظاهر بقاء التخيير في فوائت هذه الأمكنة فيتخير في قضائها بين الإتمام والقصر وإن وقع القضاء في خارج الأماكن الأربعة لعموم: «مَن فاتته صلاة فليقضها كما فاتته».
ثم احتملوا تعيّن القصر احتمالاً وجعله بعضهم أحوط، أمّا لو أراد أن يقضي فيها ما فاته في خارجها فظاهرهم عدم التخيير للخبر المذكور.(1)
وعلى كلّ تقدير فالأقوال ثلاثة:
1. بقاء التخيير وقد عرفت القائلين به، قال في المستند: لو فاتت   2

1 . الحدائق: 11 / 470 .

صفحه 64
E صلاة في هذه المواضع فالظاهر بقاء التخيير في قضائها وإن لم يقض فيها لعموم قوله: «مَن فاتته صلاة فليقضها كما فاتته» ولأصالة عدم التعيين ولا يتخيّر في هذه الأماكن في قضاء ما فاته في غيرها لما مرّ، ولاختصاص التخيير بحكم التبادر بالصلاة الأدائية .(1) أي لو أتى بها أداءً، لكان مخيّراً لا ما أراد قضاءه بعد الفوت.
2. تعيّن القصر، وقد عرفت أنّ بعضهم جعله أحوط.
3. التفصيل وهو جواز الإتمام إذا قضاها في تلك الأماكن، وبين القضاء في بلد آخر فالقصر كما هو الظاهر من المصنّف حيث لم يستبعد التفصيل.
نعم لو قضى ما فاته في غير تلك الأماكن، فيها، فيقضي كما فاته ولا تأثير للأماكن في كيفية القضاء.
فلندرس الأقوال:
أمّا القول الأوّل ـ أي بقاء التخيير ـ واستدلّ عليه بوجوه:
1. التمسّك بعموم: «مَن فاتته صلاة فليقضها كما فاتته»، والقاعدة بهذا اللفظ وإن لم ترد في النصوص لكن مضمونها موجود فقد جاء في صحيح زرارة قوله (عليه السلام): «يقضي ما فاته كما فاته»(2).
وفي «الجواهر»: قد يقوى في النظر ثبوت التخيير في القضاء بين القصر والإتمام إن كان الفوات في أحد أماكنه خصوصاً إذا كان القضاء في أحدها وفاقاً لما عن المحقّق بل وصاحب المعالم في حاشيته على اثني عشريته على   2

1 . مستند الشيعة: 8 / 321.
2 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .

صفحه 65
E ما حكاه في «مفتاح الكرامة» عن تلميذه، بل كأنّه مال إليه في المدارك أيضاً، بعد أن جعل تعيّن القصر فيها وجهاً، وخصوص التخيير فيها (وجهاً) آخر.(1)يلاحظ عليه: أنّ المرجع في المقام هو إطلاق ما دلّ على أنّ المسافر إذا فاتته الصلاة يقضي قصراً، ففي صحيح زرارة: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر وذكرها في الحضر؟ قال (عليه السلام): «يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة سفر أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته» (2).
وأمّا التمسّك بإطلاق قوله: «يقضي ما فاته كما فاته» على التخيير، فبعيد جدّاً، لأنّ القاعدة المزبورة بحكم موردها ناظرة إلى ذات الصلاة الفائتة من القصر والتمام، وأمّا العوارض الّتي سببت الإتمام في موضع القصر فهو خارج عن مظان القاعدة. والمفروض أنَّ الفائتة قصر بالذات وإن جاز إتمامها عرضاً.
وإن شئت قلت: القاعدة ناظرة إلى حكم الصلاة من حيث هي هي، لا من حيث عوارضها الطارئة عليها من وقوعها في مكان أو زمان .
2. الاستصحاب بدعوى أنّ الأمر التخييري كان ثابتاً قبل خروج الوقت، والأصل بقاؤه بعد خروجه .
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المرجع هو الضابطة الواردة في صحيحة زرارة من «قضاء ما فات حسب ما فات» والمفروض أنّ الفائت منه ما كتب عليه بالذات وهو القصر، لا التخيير فإنّما هو حكم طرأ عليه حسب المناسبات.   2

1 . جواهر الكلام: 13 / 114 .
2 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .

صفحه 66
E وثانياً: أنّ الموضوع غير باق، فالقضية المتيقّنة هي التخيير أداءً في داخل الوقت والمشكوكة هي التخيير قضاءً خارج الوقت فأين اتّحاد القضيتين؟
3. ما ذكره المحقّق الهمداني، قال: من أنّه يصدق عليه أنّه فاتته صلاة كان له أن يصلّيها رباعية وثنائية فكذا قضاؤها; أخذاً بعموم قوله (عليه السلام): «مَن فاتته فريضة فليقضها كما فاتته» مع أنّه هو مقتضى تبعية القضاء للأداء في الأحكام الثابتة له، كما يقتضيه الأصل، بناءً على ما حقّقنا في أوائل الكتاب من أنّ القضاء وإن كان بأمر جديد ولكن الأمر الجديد كشف عن أنّ المطلوب بالأمر الأوّل من قبيل تعدّد المطلوب، وأنّ مطلوبيته لا تنتفي بفوات وقته، فالصلاة المقضيّة بعينها هي الماهيّة الّتي وجب الإتيان بها في الوقت، فيجب أن يراعي فيها جميع ما ثبت لها من الشرائط والأجزاء والأحكام، عدا ما نشأ من خصوصية الوقت .(1)
يلاحظ عليه: أنّ الأمر بالقضاء يدلّ على تعدّد المطلوب في نفس الصلاة، وأنّ الصلاة في الوقت مطلوبة، وهي في خارج الوقت مطلوب آخر، وأمّا تعدّد المطلوبية بالنسبة إلى الأحكام العارضة عليها حسب المناسبات المكانية والزمانية فلا دليل على تعدّد المطلوب فيها أيضاً، فكون ذات الصلاة مطلوبة خارج الوقت أمر لا غبار عليه، وأمّا كون التخيير خارج الوقت مطلوب آخر فلا دليل عليه .
ويؤيّد تعيّن القصر أنّه وإن كان مخيّراً في الوقت الوسيع لكنّه لمّا ضاق الوقت ولم يبق منه إلاّ مقدار ركعتين تعيّن عليه القصر، ويصدق عليه عندئذ أنّه فاتت عنه صلاة القصر.(2)   2

1 . مصباح الفقيه: 15 / 489 .   2 . من إفادات بعض حضّار بحثنا.

صفحه 67
E وبذلك يظهر أنّ الأقوى هو انتفاء التخيير وتعيّن القصر الّذي هو القول الثاني.
القول الثالث: وهو التفصيل بين القضاء في تلك الأماكن فالتخيير وبين القضاء خارجها فالقصر، فلا دليل عليه سوى قصر الاستصحاب على الصورة الأُولى دون الثانية.
فإن قلت: إنّ الظاهر من مكاتبة علي بن مهزيار هو بقاء التخيير حتّى خارج الوقت، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام)إنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك(عليهم السلام)في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين، فمنها: أن يأمر: تتم الصلاة، ولو صلاة واحدة، ومنها أن تقصر الصلاة ما لم ينو مقام عشرة أيّام، ولم أزل على الإتمام فيهما إلى أن صدرنا في حجّنا في عامنا هذا، فإنّ فقهاء أصحابنا أشاروا عليّ بالتقصير إذا كنت لا أنوى مقام عشرة وقد ضقت بذلك حتّى أعرف رأيك، فكتب بخطّه (عليه السلام): «قد علمت رحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما، فأنا أُحب لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر وتكثر فيها من الصلاة».
فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة: إنّي كتبت إليك بكذا فأجبت بكذا، فقال: «نعم»، فقلت: أيّ شيء تعني بالحرمين؟ فقال: «مكة والمدينة» (1).
وجه الاستدلال: أنّها تدلّ بإطلاقها على كون التمام أشرف من القصر إذا دخلهما، وعندئذ لا فرق بين الأداء والقضاء .
يلاحظ عليه: أنّ الرواية ناظرة إلى الأداء، بشهادة قول السائل: (إنّ   2

1 . الوسائل: 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4. ولا تخلو طبعة طهران من تشويش في نقل الحديث، فلاحظ .

صفحه 68
المسألة 12: إذا فاتته الصلاة في السفر الّذي يجب فيه الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام، فالقضاء كذلك *
المسألة 13: إذا فاتت الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخر الوقت مسافراً أو بالعكس، لا يبعد التخيير في القضاء بين القصر والتمام، والأحوط اختيار ما كان واجباً في آخر الوقت، وأحوط منه الجمع بين القصر والتمام.**
E الرواية قد اختلفت عن آبائك(عليهم السلام)في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين) فإنّ الاختلاف إنّما هو في الصلاة أداءً، فبعضهم قال بتعيّن القصر والبعض الآخر بالقول بالتخيير، فالأقوال تدور حول حكم الصلاة في الأماكن أداءً لا قضاءً .
* وذلك لأنّ ما هو الدليل على لزوم الجمع بين القصر والإتمام في حال الأداء هو الدليل على الجمع في حال القضاء، وهو أنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية.
لو فاتت الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً   

** لو فاتت الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً

هذه المسألة مبنيّة على مسألة أُخرى معنونة في صلاة المسافر، وقد عنونها المصنّف في أحكام صلاة المسافر، وقال: إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر متمكّن من الصلاة ولم يصل ثم سافر يجب عليه القصر. ولو دخل عليه الوقت وهو مسافر فلم يصل حتّى دخل المنزل من الوطن أو محلّ الإقامة أو حدّ الترخّص منهما أتمّ، فالمدار على حال الأداء لا حال الوجوب والتعلّق، لكن الأحوط في المقامين الجمع.   2

صفحه 69
E إذا علمت هذا يستكشف حكم القضاء من حكم الأداء، ففي المسألة فرعان:
1. فإذا فاتت الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً وفاتته الصلاة.
2. إذا فاتت الصلاة وكان في أوّل الوقت مسافراً وآخر الوقت حاضراً وفاتت الصلاة.
إذا عرفت ذلك فلندرس حكم الفرع الأوّل، وأمّا حكم الفرع الثاني فهو يعلم من بيان حكم الفرع الأوّل.
فنقول: إذا فاتت الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً، قالت الحنابلة والشافعية: مَن أراد قضاء ما عليه من صلاة القصر فإن كان في السفر قضاها قصراً، وإن كان في الحضر قضاها تماماً.(1) فقد ذكر المصنّف وجوهاً ثلاثة:
1. اختيار ما كان واجباً في آخر الوقت، وجعله أحوط.
2. الجمع بين القصر والتمام، وجعله أحوط من السابق.
3. التخيير في القضاء بين القصر والتمام .
وسيوافيك قول رابع وهو تعيّن التمام في كلا الفرعين نقله صاحب الجواهر عن الشهيد في كلا الفرعين .
أقول: أمّا القول الثاني فلا شكّ أنّه أحوط للعلم بالفراغ، بقي الكلام   2

1 . الفقه على المذاهب الخمسة: 131 .

صفحه 70
E في القول الأوّل والثالث.
أمّا القول الأوّل فهو الموافق للقاعدة، وذلك لأنّ الواجب عليه الصلاة بما هي هي غير مقيّدة بالتمام ولا بالقصر، وقد ذكرنا في محلّه أنّ الصلاة تماماً أو قصراً طبيعة واحدة تعلّق بها أمر واحد وإنّما تجب الخصوصيات حسب المواقيت الّتي تُؤتى بها، فبما أنّه كان في أوّل الوقت حاضراً فلو حاول الامتثال يجب عليه التمام ولو لم يصل وصار في آخر الوقت مسافراً وجبت عليه الصلاة قصراً فالذي فات منه عندئذ هو الصلاة قصراً فيجب عليه أن يقضيها حسب ما فاتته.
وحصيلة الكلام: أنّ هنا أمراً واحداً تعلّق بطبيعة واحدة مجردة عن الخصوصيات من التمام والقصر كما هو الظاهر من قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)وإنّما تتشخّص الطبيعة حسب الظروف الّتي يمتثل فيها، ففي أوّل الوقت وجب عليه امتثال الأمر تماماً، وفي آخر الوقت وجب عليه امتثال الصلاة قصراً فإذا فاتت الطبيعة فقد فاتت في ضمن وجوب صلاة القصر فيجب قضاء ما فات كما فات.
نعم جعله المصنّف أحوط ولكنّه ليس بأحوط وإنّما هو موافق للقاعدة .
وأمّا القول الثالث ـ أعني: التخيير ـ فلعلّ وجهه أنّه خوطب بخطابين ففي أوّل الوقت بإتيان الصلاة تماماً، وفي آخر الوقت بإتيانها قصراً، فيستصحب بقاء الخطابين، فتكون النتيجة هي التخيير.
ولا يخفى أنّه موهون جدّاً، لما عرفت من أنّه ليس هناك خطابان أو أمران بل أمر واحد تعلّق بالطبيعة التي تتعيّن خصوصياتها بالظروف الّتي تؤدّى   2

صفحه 71
E بها، والمفروض أنّ الأمر الواحد تعلّق بالطبيعة المتعيّنة في آخر الوقت قصراً، فيكون الفائت هو، لا التخيير بين الصلاتين.
وهناك قول آخر وهو: تعيّن التمام في كلا الفرعين نقله في الجواهر عن الشهيد وغيره، قال: إنّ التمام متى تعيّن في وقت من أوقات الأداء كان هو المراعى في القضاء وإن كان المخاطب به حال الفوات هو القصر، وعليه فمن كان حاضراً وقت الفعل ثم سافر فيه وفاتته الصلاة المخاطب بقصرها حاله حال من وجب عليه التمام في القضاء، كما أنّه يجب عليه ذلك لو كان مسافراً في الوقت ثم حضر.
ثم قال: ولعلّه لأن الأصل في الصلاة، التمام. ولا يضار إلى غيره إلاّ بدليل .
ثم أورد عليه في «الجواهر» بقوله وفيه بحث إن لم يكن منع، بل في المفتاح: إنّ الأكثر على مراعاة حال الفوات بالنسبة للسفر والحضر لا الوجوب ويؤيّده أنّه الفائت حقيقة لا الأوّل الّذي قد ارتفع وجوبه في الوقت عن المكلّف برخصة الشارع له بالتأخير .(1)
هذا كلّه حسب القاعدة، وأمّا حسب الروايات فربما يستفاد من رواية زرارة أنّ الميزان هو وقت تعلّق الوجوب لا وقت الأداء.
روى الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فأخّر الصلاة حتّى قدم فهو يريد يصلّيها إذا قدم إلى   2

1 . جواهر الكلام: 13 / 114 .

صفحه 72
E أهله فنسي حين قدم إلى أهله أن يصلّيها حتّى ذهب وقتها؟ قال: «يصلّيها ركعتين صلاة المسافر، لأنّ الوقت دخل وهو مسافر، كان ينبغي أن يصلّي عند ذلك »(1).
ولا يخفى أنّ الرواية صريحة في أنّ الميزان هو وقت تعلّق الوجوب على خلاف القاعدة لكن يجب العمل بالرواية لو تمّت سنداً كما تمّت دلالة. ففي السند موسى بن بكر، وقد عدّه الشيخ في رجال الصادق والكاظم (عليهما السلام)قائلاً:موسى بن بكر الواسطي أصله كوفي واقفي روى عنه بسند صحيح ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي وبعض أصحاب الإجماع; وهذا ما يدفع الفقيه إلى الإفتاء بالجمع بين القصر والتمام في كلا الفرعين. ووروده فيما إذا كان أوّل الوقت في السفر غير مانع لشموله للصورة الأُخرى نظراً للتعليل الوارد في ذيل الحديث حيث قال: «لأنّ الوقت دخل وهو مسافر» فلاحظ.
وبذلك ظهر الحال في حكم الفرع الثاني فلا نطيل.
   

1 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3 .

صفحه 73
المسألة 14: يستحب قضاء النوافل الرواتب استحباباً مؤكّداً، بل لا يبعد استحباب قضاء غير الرواتب من النوافل المؤقّتة، دون غيرها.
والأولى قضاء غير الرواتب من الموقّتات بعنوان احتمال المطلوبية. ولا يتأكّد قضاء ما فات حال المرض ومَن عجز عن قضاء الرواتب استحبّ له الصدقة عن كلّ ركعتين بمدّ، وإن لم يتمكّن فعن كلّ أربع ركعات بمد وإن لم يتمكّن فمد لصلاة الليل ومد لصلاة النهار، وإن لم يتمكّن فلا يبعد مدّ لكلّ يوم وليلة. ولا فرق في قضاء النوافل ـ أيضاً ـ بين الأوقات.*

* في قضاء النوافل

في المسألة فروع:
1. استحباب قضاء النوافل الرواتب.
2. استحباب قضاء غير الرواتب من النوافل المؤقّتة.
3. قضاء ما فات حال المرض من النوافل.
4. مَن عجز عن قضاء الرواتب.
فلندرس الفروع:
الفرع الأوّل: فقد عقد صاحب الوسائل باباً له نكتفي برواية واحدة منه، روى الشيخ بسند صحيح عن ابن سنان قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «إنّ العبد يقوم فيقضي النافلة فيعجب الربُ ملائكتهُ منه، فيقول: ملائكتي   2

صفحه 74
E عبدي يقضي مالم افترضه عليه»(1).
الفرع الثاني: قضاء غير الرواتب من النوافل المؤقّتة، كصلاة أوّل الشهر والصلوات الواردة في ليالي شهر رمضان، ويمكن استفادته من إطلاق الحديث المذكور في الفرع الأوّل، وبما أنّه من المحتمل انصراف النافلة إلى الرواتب، قال المصنّف: والأولى قضاء غير الرواتب من المؤقّتات بعنوان احتمال المطلوبية، أي رجاءً. نعم خرجت النوافل غير المؤقّتة كصلاة جعفر الطيار ونحوها حيث إنّها لمّا كانت غير مؤقتة لايتصوّر فيها القضاء، بل حيثما أتى بها فهي أداء، وإليه أشار في المتن بقوله: دون غيرها.
الفرع الثالث: قضاء النوافل إذا فاتت عن المريض، فقد أفاد في المتن بأنّه لا يتأكّد، بمعنى أنّه يجوز له القضاء غير مؤكّد. ويدلّ عليه صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: قلت له: رجل مرض فترك النافلة؟ فقال: «يا محمد ليست بفريضة إن قضاها فهو خير يفعله، وإن لم يفعل فلا شيء عليه»(2).
وربّما يستشم من صحيح مرازم بن حكيم الأزدي نفي القضاء (3)، ولكن مقتضى الجمع نفي التأكيد.
الفرع الرابع: مَن عجز عن قضاء الرواتب استحبّ له الأُمور التالية حسب الترتيب:
1. إن تمكّن تصدّق عن كلّ ركعتين بمد.   2

1 . الوسائل: 3، الباب 18 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 1، ولاحظ الحديث 5 .
2 . الوسائل: 3، الباب 20 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، الحديث 1.
3 . الوسائل: 3، الباب 20 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، الحديث 2.

صفحه 75
المسألة 15: لا يعتبر الترتيب في قضاء الفوائت من غير اليومية لا بالنسبة إليها، ولا بعضها مع البعض الآخر. فلو كان عليه قضاء الآيات وقضاء اليومية يجوز تقديم أيّهما شاء تقدّم في الفوات أو تأخّر. وكذا لو كان عليه كسوف وخسوف يجوز تقديم كلّ منهما، وإن تأخّر في الفوات.*
E 2. إن لم يتمكّن تصدّق عن كلّ أربع ركعات بمد.
3. إن لم يتمكّن فليتصدّق بمد لكلّ أربع ركعات من صلاة النهار ومد لكلّ أربع ركعات من صلاة الليل.
وهذه المراتب منصوصة في رواية عبدالله بن سنان.(1)

* في عدم اعتبار الترتيب في قضاء اليومية وصلاة الآيات

في المسألة فرعان:
1. إذا كان عليه قضاء الآيات وقضاء اليومية، هل يجب حفظ الترتيب؟
2. إذا كان عليه صلاة خسوف وكسوف، هل يجب حفظ الترتيب ؟
أمّا الفرع الأوّل: فلو فات منه صلاة الغداة مع صلاة الآيات هل يجب الترتيب بينهما بأن يقدّم قضاء ما فات أوّلاً أو لا يجب؟ الظاهر عدم الوجوب لإطلاق أدلّة القضاء مضافاً إلى أصالة البراءة، خصوصاً مع عدم وجود الصلّة بين الواجبين.
الفرع الثاني: إذا كان عليه صلاة كسوف وخسوف، فهل يجب   2

1 . الوسائل: 3، الباب 18 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، الحديث 2.

صفحه 76
E تقديم قضاء ما تقدّم أم لا؟ الظاهر لانتفاء الدليل، وقوله (عليه السلام)في صحيح زرارة (يقضي ما فاته كما فاته).(1) ليس ناظراً إلى لحاظ الزمان من تقدّم وتأخّر وإنّما هو ناظر إلى الخصوصيات الموجودة في نفس الصلاة من ثنائية أو رباعية أو جهرية أو إخفاتية.
قال في «الذكرى»: قال بعض المتأخّرين بسقوط الترتيب بين اليومية والفوائت الأُخر ـ كما في الفرع الأوّل ـ وكذا بين تلك الفوائت ـ كما في الفرع الثاني ـ اقتصاراً بالوجوب على محلّ الوفاق، وبعض مشايخ الوزير السعيد مؤيد الدين ابن العلقمي (طاب ثراهما) أوجب الترتيب في الموضعين نظراً إلى عموم «فليقضها كما فاتته»، وجعله الفاضل في التذكرة احتمالاً، ولا بأس به .(2)
وقد عرفت ضعف الاستدلال بالعموم المذكور .
 

1 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .
2 . انظر الحدائق الناضرة: 11 / 25 .

صفحه 77
المسألة 16: يجب الترتيب في الفوائت اليومية، بمعنى قضاء السابق في الفوات على اللاحق، وهكذا *.

* الترتيب في الفوائت اليومية

في المسألة فرعان:
1. قضاء الفوائت المترتّبة في نفسها، كالظهرين والعشائين .
2. قضاء الفوائت غير المترتّبة كصلاة الفجر والظهر.
وقد جمع المصنّف كلا الفرعين في عبارة واحدة فقال: (يجب الترتيب في الفوائت اليومية).
أمّا الفرع الأوّل: قال الشيخ في «الخلاف»: مَن فاتته صلاة حتّى خرجت أوقاتها فعليه أن يقضيها على الترتيب الّذي فاتته، الأولى فالأولى، قليلاً كان ما فاته أو أكثر، إلى أن قال: وقال الشافعي: إذا فاتته صلوات كثيرة حتّى خرجت أوقاتها، سقط الترتيب فيها كثيرة كانت أو قليلة، ضيقاً كان أو واسعاً، ذاكراً كان أو ناسياً، ثم ذكر سائر الأقوال.(1)
ولنذكر مقتضى الأصل قبل دراسة الروايات فنقول :

ما هو الأصل في المسألة ؟

الظاهر أنّ الأصل هو البراءة لأنّ الشكّ في شرطية الترتيب في صحّة قضاء الفوائت، فيدخل في الشكّ في الشرطية، والأصل فيه البراءة .   2

1 . الخلاف: 1 / 383، المسألة 139 .

صفحه 78
E والظاهر أنّ الأصل هنا الاستصحاب وهو أنّ الترتيب بين الصلاتين أداءً ثبت بدليل شرعي وهو قوله (عليه السلام): «إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان، إلاّ أنّ هذه قبل هذه»(1)، والمستفاد من هذه الرواية ونظائرها أنّ في المقام مطلوبين:
1. أداء الصلاتين في الوقت.
2. ترتّب الصلاة الثانية على الأُولى.
فإذا انتفى المطلوب الأوّل (أداء الصلاتين في الوقت)، يبقى المطلوب الآخر ـ أعني: الترتّب عند قضاءها ـ ومعه لا موضوع لأصل البراءة لتقدّم الأصل المحرز على غيره. لأنّ موضوع البراءة عدم البيان والاستصحاب بيان له ولو بلسان الحكم الظاهري.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتمّ في الفوائت المترتّبة كالظهرين والعشائين دون غيرهما كتقدّم صلاة العصر على المغرب، فإنّ ترتّب الثانية على الأُولى لأجل تقدّم وقتها لا لخصوصية في ترتّب إحداهما على الأُخرى. والمهم هو إثبات وجوب الترتّب في غير المترتّبتين وأمّا المترتّبتان فلا حاجة للاستصحاب، بل الدليل الاجتهادي قائم عليه .
ويدلّ على لزوم الترتّب :
1. صحيح ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كليتهما فيصلّهما وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، وإن استيقظ   2

1 . الوسائل: 3، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 5 .

صفحه 79
E بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس».(1) والأمر بتقديم المغرب على العشاء إذا استيقظ قبل الفجر وكان الوقت يسع لكليهما مبني على بقاء وقت المغرب بعد انقضاء نصف الليل، كما أنّ الأمر بتقديم العشاء الآخرة على المغرب مبنيّ على بقاء وقتها إلى الفجر فإذا ضاق الوقت قدّم العشاء .
ومثله ما رواه ابن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام).
2. موثّق أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن نام رجل ولم يصلّ صلاة المغرب والعشاء أو نسي، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصل الفجر ثمّ المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس، فإن خاف أن تطلع الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصلّ المغرب ويدع العشاء الآخرة حتّى تطلع الشمس ويذهب شعاعها، ثمّ ليصلّها».(2)
وورود الروايتين في العشائين لا يدلّ على وجود الخصوصية فيهما، ومثلهما الظهران لعدم احتمال الفرق بينهما.
3. ويدلّ على لزوم الترتيب في القضاء ما دلّ على لزوم الترتيب في الأداء، فإذا كان الترتيب واجباً في الأداء فتجب رعايته في القضاء عملاً بقوله: «يقضي ما فاته كما فاته» حيث فاتت منه الصلاتان المترتّبتان، فتقضيان كما فاتتا.
نعم كلّ ما ذكرناه يأتي فيما إذا فاتت المترتّبتان كالظهرين والعشائين   2

1 . الوسائل6 2، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 4.
2 . الوسائل: 2، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 3 .

صفحه 80
حكم الترتيب في قضاء الفوائت غير المرتّبة   
E من يوم واحد فيقدّم الظهر على العصر، والمغرب على العشاء، وأمّا إذا فاتا في غير يوم واحد، كما إذا فاته ظهر من يوم وعصر من يوم آخر، فلا دليل على وجوب تقديم الظهر على العصر بعد كون كلّ منهما متعلّقاً بيوم خاص، بل حكمه، حكم الفوائت غير المترتّبة وإن لم يكن مثلها موضوعاً .
***
الفرع الثاني: حكم الترتيب في قضاء الفوائت غير المترتّبة كما إذا فاتت منه صلاة غداة وصلاة ظهر، أو صلاة العصر والمغرب، فهل يجب تقديم الغداة على الظهر، أو العصر على المغرب؟ المشهور هو رعاية الترتيب لأنّ كثيراً من الفقهاء القائلين بالترتيب لا يفرّقون بين الفرعين بل يأتي فيه كلامهم على نسق واحد.
قال العلاّمة: الحواضر تترتّب بلا خلاف بين العلماء... إلى أن قال: وكذا الفوائت يترتّب بعضها على بعض، فلو فاتته صلاة يوم وجب أن يبدأ في القضاء بصبحه قبل ظهره ثم بظهره قبل عصره، وهكذا.. إلى أن قال: لأنّ القضاء إنّما هو الإتيان بعين الفائت في غير الوقت المضروب له، ولأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فاتته صلوات يوم الخندق فقضاهنّ مرتّباً، فيجب اتّباعه للتأسّي.. إلى أن قال: والاستقلال لا يخرج الحقيقة عن لوازمها .(1)
ولا يخفى أنّ عبارته تشتمل على كلا الفرعين، وكان عليه أن يخصّ كلّ فرع بعنوان خاص.
وقال المحقّق: أمّا الفوائت فقد اتّفق الأصحاب على ترتيبها، ولم   2

1 . التذكرة: 2 / 351 ـ 353 المسألة 58 .

صفحه 81
E يشترط الشافعي بالقياس على قضاء رمضان، ولأنّ وجوب الترتيب على خلاف الأصل فيكون منفياً، وقال أبو حنيفة: تترتّب مالم تدخل في التكرار، وقال أحمد: تترتّب وإن كثرت.. ثم استدلّ على مختاره بقوله: فاتت مترتّبة فتقضى كذلك لقوله (عليه السلام): «مَن فاتته فريضة فليقضها كما فاتته»، وهو يعمّ الفريضة وكيفيتها، ولأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فاتته صلوات يوم الخندق فقضاها مترتّبة، وفعله بيان تجب متابعته .(1)
وعبارته كعبارة ابن أُخته تشمل كلا الفرعين، إنّما الكلام فيما يدلّ على لزوم الترتيب في غير المترتّبة من قضاء الفوائت وقد استدلّ بروايات :
الرواية الأُولى: ما رواه الشيخ في «التهذيب» باسناده عن أحمد بن محمد عن الحسن بن علي الوشاء، عن رجل، عن جميل بن دراج، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت له: تفوت الرجل الأولى والعصر والمغرب وذكرها عند العشاء الآخرة؟ قال: «يبدأ بالوقت الّذي هو فيه فإنّه لا يأمن الموت فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخلت ثم يقضي ما فاته الأولى فالأولى».(2)
ورواه المحقّق في «المعتبر» عن جميل بنفس النص .(3)
وجه الاستدلال: أنّ قوله: «وذكرها عند العشاء الآخرة» دليل على خروج وقت المغرب وبقاء وقت العشاء، فيقدّم صلاة العشاء للعلّة الّتي وردت في الرواية من قوله (عليه السلام): «فإنّه لا يأمن الموت فيكون قد ترك صلاة فريضة في   2

1 . المعتبر: 2 / 406 .
2 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 5 .
3 . المعتبر: 2 / 407 .

صفحه 82
E وقت قد دخلت» ثم يبدأ بما فاته فيقدّم الظهر على العصر والعصر على المغرب.
ثم إنّ تقديم الظهر على العصر من مصاديق الفرع الأوّل، لكن تقديم العصر على المغرب من مصاديق الفرع الثاني حيث إنّهما بالنسبة إلى المغرب من قبيل قضاء الفوائت غير المترتّبة فيكون دليلاً على الفرع الثاني.
يلاحظ عليه: أنّ الرواية حسب ما نقله صاحب الوسائل في أبواب قضاء الصلوات والمحقّق في «المعتبر» وإن كانت تصلح لإثبات حكم الفرع الثاني وهو وجوب رعاية الترتيب في قضاء الفوائت غير المترتّبة، لكن إنّما تتمّ على مذهب أهل السنّة من خروج وقت المغرب بدخول وقت العشاء حيث قال: «يبدأ بالوقت الذي هو فيه» فإنّه يدلّ بالملازمة على خروج وقت المغرب، مع أنّ المشهور عند الإمامية هو بقاء وقت المغرب إلى نصف الليل واختصاص أربع ركعات من آخر الوقت للعشاء. فالحكم بتقديم العصر على المغرب مبني على خروج وقته، مع أنّ المذهب المشهور خلافه وإلاّ فعلى المذهب أن يأتي بالمغرب قبل العشاء لا أن يأتيه بعد الظهرين. نعم ذهب بعض القدماء إلى خروج وقت المغرب بدخول وقت العشاء.
أضف إلى ذلك: أنّ الرواية مرسلة والظاهر أنّ المحقّق أيضاً نقلها بالسند الموجود في الوسائل المأخوذ من «التهذيب» والمجموع يشتمل على كلمة رجل في السند فيكون مرسلاً.
فإن قلت: إنّ صاحب الوسائل نقل الرواية عن كتاب المعتبر بلفظ
آخر وقال: جعفر بن الحسن المحقّق في «المعتبر» عن جميل عن أبي   2

صفحه 83
E عبدالله (عليه السلام)قال: قلت: تفوت الرجل الأُولى والعصر والمغرب ويذكر «بعد العشاء» مكان «عند العشاء» في النقل السابق .(1)
فلو أُريد من قوله: بعد العشاء، أي بعد إقامة صلاة العشاء فيكون المراد بقوله: «يبدأ بالوقت الذي هو فيه» هو المغرب، فيقدّم المغرب لبقاء وقتها بناءً على أنّ التقديم شرط ذكري ثم يقضي ما فاته الأُولى فالأُولى فلا ينطبق على مذهب العامّة.
قلت: أوّلاً: لاشك أنّ النسخة محرّفة لما عرفت من أنّ صاحب الوسائل نقلها عن «التهذيب» في باب قضاء الصلوات بلفظ «وذكرها عند العشاء الآخرة» لا «بعد العشاء» وعليه نسخة «التهذيب»(2) ونسخة «المعتبر» المطبوعة كما مرّ، ولذلك لا يمكن الاعتماد على هذه النسخة.
ثانياً: أنّه إذا كان الوقت الباقي للفريضة هو وقت المغرب، لا يبق ممّا يجب عليه القضاء إلاّ الظهرين، ومن المعلوم أنّ تقديم صلاة الظهر على العصر داخل في الفرع الأوّل ; لأنّه من الفوائت المترتّبة فلا يصلح شاهداً للفرع الثاني.
ثالثاً: أنّ قوله: «الأُولى فالأُولى» إنّما يصحّ إذا كانت هناك أُمور ثلاثة دون الأقل كما في المقام فإنّه إذا أتى بالأُولى لا يبقى في المورد إلاّ الثانية، سواء أراد الترتيب أم لم يرد.
بخلاف ما إذا كانت هناك أُمور ثلاثة، فيصح حينئذ أن يقال: الأُولى فالأُولى أو الأوّل فالأوّل.   2

1 . الوسائل6 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 6 .
2 . التهذيب: 2 / 352، الرقم 1652 .

صفحه 84
E إلى هنا تمّ الكلام في الرواية الأُولى.
الرواية الثانية: ما رواه الكليني بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، والاستدلال بالفقرتين التاليتين:
1. قوله: «إذا نسيت الصلاة، أو صلّيتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات، فابدأ بأوّلهن فأذّن لها وأقم ثم صلّها، ثم صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة...» (1).
والاستدلال مبني على كون المراد من أوّلهن، أوّلهن فواتاً، فيكون دليلاً على رعاية الترتيب حسب الفوت، لكن من المحتمل أن يكون المراد أوّلهن عند البدء بالقضاء فيكون المراد أنّه إذا اختار أيّة صلاة من الصلوات الفائتة يؤذّن ويقيم لها وأمّا البواقي فيكفي فيها الإقامة، وعلى هذا فالحديث بصدد بيان أنّ مَن عليه عدّة صلوات فيجب الأذان والإقامة في أوّلهن وكفاية الإقامة فيما بعدها وليس ناظراً إلى تقديم ما فات أوّلاً حتّى يكون دليلاً على الفرع، وعلى هذا فقوله: «فابدأ بأوّلهنّ» تمهيد لما سيأتي بعد ـ أعني قوله: «فأذنّ لها وأقم» ـ ولذلك أتى بالفاء لا بالواو .
وربّما يُجاب بأنّ الاستدلال مبني على دلالة الأمر على الوجوب، وهو مورد نظر، ولكن الإشكال ليس بسديد لما ذكرنا في أبحاثنا الأُصولية من أنّ متلقّى العرف من الأمر هو الوجوب وأنّ الخلاف يحتاج إلى قرينة.
ثم إنّ الرواية قاصرة عن الشمول لصورة الجهل والمتيقّن منها هو   2

1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 4. والرواية مفصّلة رواها برمّتها في الباب 63 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .

صفحه 85
E صورة العلم.
أمّا قوله: «وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعاً فأبدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة، أبدأ بالمغرب ثم العشاء، وإن خشيت أنْ تفوتك الغداة إن بدأت فابدأ بالمغرب ثم الغداة ثم العشاء»، فهو أجنبي عن ما نحن فيه، فإنّ لزوم تقديم المغربين على الغداة إنّما هو على القول بالمضايقة ولا صلة لها بالمقام، ولذا أمر بتقديم الغداة على العشاء عند خوف الفوت.
الرواية الثالثة: ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل صلّى الصلوات وهو جنب اليوم واليومين والثلاثة، ثم ذكر بعد ذلك؟ قال: «يتطهّر ويؤذّن ويقيم في أوّلهن، ثم يصلّي ويقيم بعد ذلك في كلّ صلاة فيصلّي بغير أذان حتّى يقضي صلاته» (1).
يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرنا في الرواية السابقة أنّ المتبادر من الرواية ـ أي من قوله: «يؤذّن ويقيم في أوّلهن» ـ هو الأوّل في القضاء وجبر ما فات لا الأوّل فواتاً، وهذه الرواية أظهر من الرواية الثانية بشهادة أنّ الذيل يركّز على أنّ الصلاة الأُولى يجب أن تؤدّى بالأذان والإقامة، وأمّا الصلوات الأُخرى فتكفي الإقامة، وليست الرواية ناظرة إلى الأوّل فواتاً.
فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا دليل على وجوب الترتيب في الصلوات الفائتة غير المترتّبة.
أضف إلى ذلك: أنّ المسألة ممّا يكثر الابتلاء بها، فلو كان الترتيب   2

1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3.

صفحه 86
ولو جهل الترتيب وجب التكرار، إلاّ أن يكون مستلزماً للمشقة الّتي لا تتحمّل من جهة كثرتها، فلو فاتته ظهر ومغرب ولم يعرف السابق صلّى ظهراً بين مغربين أو مغرباً بين ظهرين. وكذا لو فاتته صبح وظهرٌ، أو مغرب وعشاء من يومين، أو صبح وعشاء، أو صبح ومغرب ونحوها، ممّا يكونان مختلفين في عدد الركعات. وأمّا إذا فاتته ظهر وعشاء أو عصر وعشاء أو ظهر وعصر من يومين ـ ممّا يكونان متّحدين في عدد الركعات ـ فيكفي الإتيان بصلاتين بنية الأُولى في الفوات والثانية فيه. وكذا لو كانت أكثر من صلاتين، فيأتي بعدد الفائتة بنية الأُولى فالأُولى *
لو جهل الترتيب وجب التكرار   
E أمراً لازماً لوجب التنبيه عليه، وبذلك يظهر حال الفروع الّتي رتّب عليها المصنّف فإنّها مبنيّة على لزوم رعاية الترتيب في الفوائت غير المترتّبة من غير فرق بين العلم بحالها من التقدّم والتأخّر أو لا.

* إذا جهل الترتيب

ثم إنّ المصنّف لمّا ذهب إلى وجوب رعاية الترتيب حتّى في صورة الجهل، وكانت الرعاية مستلزمة للتكرار استثنى صورة واحدة وقال: إلاّ أن يكون مستلزماً للمشقّة الّتي لا تتحمّل من جهة كثرتها، ولازم ما ذكره لزوم التكرار مالم يؤد إلى الحرج، كما هو الحال في سائر الموارد.
ثم إنّ المصنّف ذكر بعض الصور الّتي تتوقّف فيها رعاية الترتيب على التكرار، وما ذكره يتلخّص في الصور التالية:
1. إذا كانت الفائتة مردّدة بين مختلفتي العدد مع الوحدة في وصف2

صفحه 87
E القراءة كالصبح والمغرب.
2. إذا كانت الفائتة مردّدة بين مختلفتي العدد مع الاختلاف في وصف القراءة كالعصر والمغرب .
3. إذا تردّدت الفائتة بين صلاتين متحدتي العدد كالظهر والعشاء، أو العصر والعشاء مع الاختلاف في الجهر والإخفات.
4. إذا تردّدت الفائتة بين متحدتي العدد مع التساوي في الجهر والإخفات كالظهر والعصر أو تردّدتا بين الصبح والعشاء في مورد المسافر.
وإليك دراسة الصور حسب ما ورد في المتن:

1. في مختلفتي عدد الركعات مع الاختلاف في وصف القراءة

أ. لو فاتته ظهر ومغرب، ولم يعرف السابق يكفي أن يأتي بثلاث صلوات: يصلّي مغرباً ثم ظهراً ثم مغرباً.
ب . لو فاتته صبح وظهر صلّى ظهراً وصبحاً وظهراً.

2. في مختلفتي العدد دون الوصف

أ. لو فاتته مغرب وعشاء من يومين، يصلّي عشاءً ومغرباً وعشاءً .
ب. لو فاتته صبح وعشاء، يصلّي عشاءً وصبحاً وعشاء.
ج. لو فاتته صبح ومغرب، يصلّي مغرباً وصبحاً ومغرباً.
إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى مختلفتي العدد دون الوصف.   2

صفحه 88

E 3. في متّحدتي العدد مع الوحدة في الوصف

إذا فاتته ظهر وعصر من يومين ولم يعرف السابق يصلّي ظهراً وعصراً ثم ظهراً، بل يمكن أن يقال بكفاية الإتيان بصلاتين بنية الأُولى في الفوات والثانية فيه .

4. في متّحدتي عدد الركعات مع الاختلاف في الوصف

أ. إذا فاتته ظهر وعشاء فالأحوط بناءً على لزوم رعاية الجهر والإخفات عند الجهل أن يصلّي عشاءً وظهراً وعشاءً.
ب. إذا فاتته عصر وعشاء فالأحوط أن يصلّي عشاءً وعصراً وعشاءً.
هذا على القول بلزوم رعاية الجهر والإخفات عند الجهل بهما، لكن بعض النصوص المعتبرة تدلّ على سقوطهما عند الجهل.
روى علي بن أسباط، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مَن نسي من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي، صلّى ركعتين وثلاثاً وأربعاً»(1).
لو فاتته الصلوات الخمس غير مرتّبة   
فإنّ الاكتفاء بأربع ركعات عن الظهر والعصر والعشاء دليل على سقوط اعتبار الجهر والإخفات في القضاء المردّد بين كونه الصلوات الجهرية أو الإخفاتية، والحديث مرسل ولكن القرائن تدلّ على صحّته.

1 . الوسائل: 5، الباب 11 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .

صفحه 89
المسألة 17: لو فاتته الصلوات الخمس غير مرتّبة ولم يعلم السابق من اللاحق، يحصل العلم بالترتيب بأن يصلي خمسة أيام. ولو زادت فريضة أُخرى يصلي ستة أيام. وهكذا كلما زادت فريضة زاد يوماً. *
المسألة 18: لو فاتته صلوات معلومة سفراً وحضراً ولم يعلم الترتيب، صلّى بعددها من الأيام، لكن يكرّر الرباعيات من كلّ يوم بالقصر والتمام. **

* لو فاتته خمس صلوات غير مرتبة

مَن فاتته خمس صلوات من خمسة أيام، بأن فاتته في كلّ يوم صلاة، ولكن لا يعلم الصلاة السابقة ولا اللاحقة، وقلنا بلزوم الترتيب مطلقاً حتّى في الفرائض غير المترتّبة، فلا محيص له من أن يصلّي خمسة أيام حتّى يحصل الترتيب، ولو زادت الفريضة الفائتة عن الخمس زاد يوماً.
ولكن يمكن القول بكفاية ثلاث صلوات عن كلّ يوم، ثنائية وثلاثية ورباعية (المردّدة بين الظهرين والعشاء) بناءً على عدم رعاية الجهر والإخفات كما مرّ في رواية علي بن أسباط، الّتي جاء فيها قوله (عليه السلام): «من نسي من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي، صلّى ركعتين وثلاثاً وأربعاً»(1).

** لو فاتته صلوات معلومة سفراً وحضراً

الفرق بين هذه المسألة وسابقتها هو أنّ الموضوع في السابقة   2

1 . الوسائل: 5، الباب 11 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .

صفحه 90
E فوات خمس صلوات في كلّ يوم صلاة واحدة، وأمّا الموضوع في المقام هو فوات صلوات ستة أيام مثلاً وكان في النصف الأوّل منها حاضراً والنصف الآخر مسافراً ولكن لا يميّز السابق من اللاحق.
وعلى هذا فمعنى عبارة المتن: لو فاتته صلوات معلومة (أي صلوات ستة أيام مثلاً) سفراً وحضراً (أي كان المصلّي في النصف الأيام الستة حاضراً وفي النصف الآخر مسافراً) ولم يعلم الترتيب (أي: لم يعلم سبق السفر على الحضر أو بالعكس) فقد أفتى المصنّف بأنّه يصلّي بعددها من الأيام ولكن يكتفي في المسألة السابقة في كلّ يوم بالرباعية ولكنّه في هذه المسألة يكرر الرباعية تارة تامّة وأُخرى قصراً .
ووجهه واضح ; لأنّ المفروض في المسألة السابقة كون المصلّي حاضراً في عامّة الأيام بخلافه هنا فهو بين حاضر في قسم من الأيام ومسافر في قسم آخر، فبما أنّ كلّ يوم مردّد بين الحضر والسفر يجب أن يأتي بالرباعية ـ أي الظهر والعصر والعشاء ـ تارة تماماً وأُخرى قصراً حتّى تحصل البراءة اليقينية، فلو كانت الرباعية الواحدة كافية عن الظهر والعصر والعشاء في المسألة السابقة كما قلناه فليست بكافية في المقام; لأنّ كلّ يوم مردّد بين الحضر والسفر، فلازم العلم الإجمالي هو تكرار الظهر والعصر والعشاء بالرباعية والثنائية.
   

صفحه 91
المسألة 19: إذا علم أنّ عليه صلاة واحدة لكن لا يعلم أنّها ظهر أو عصر يكفيه إتيان أربع ركعات بقصد ما في الذمّة.*

* لو علم أنّ عليه صلاة واحدة لكن لا يعلمها بعينها

وجهه واضح، لإحراز الواقع بقصد أداء ما في ذمّته، فلو كان ما في ذمّته الظهر ينطبق عليه ولو كان العصر ينطبق عليه، حتّى إذا دار أمر الفائت بين الظهر والعصر والعشاء، يكفي قضاء صلاة واحدة بنية ما في الذمّة، إذ الفائتة ليست إلاّ صلاة واحدة لا غير، وعدم اعتبار الجهر أو الإخفات في حال الجهل كما مرّ فقوله: «ما في الذمّة» ينطبق عليه قهراً فيسقط، وليس هنا احتمال آخر حتّى لا ينطبق على الصلاة المتيقّنة، وبهذا يفترق عن المسألة التالية فإنّ الفائت المتيقّن فيها وإن كان واحداً مثل هذه المسألة لكن يحتمل انتفاء صلاة أُخرى أيضاً، وسيوافيك أنّه لا يكفي قضاؤها بصلاة واحدة، فانتظر.

صفحه 92
المسألة 20: لو تيقّن فوت إحدى الصلاتين ـ من الظهر أو العصر ـ لا على التعيين، واحتمل فوت كليتهما ـ بمعنى أن يكون المتيقّن إحداهما لا على التعيين، ولكن يحتمل فوتهما معاً ـ فالأحوط الإتيان بالصلاتين، ولا يكفي الاقتصار على واحدة بقصد ما في الذمّة، لأنّ المفروض احتمال تعدّده، إلاّ أن ينوي ما اشتغلت به ذمّته أوّلاً، فإنّه ـ على هذا التقدير ـ يتيقّن إتيان واحدة صحيحة، والمفروض أنّه القدر المعلوم اللازم إتيانه. *

* لو تيقّن فوت إحدى صلاتين واحتمل فوتهما معاً

لو تيقّن فوت إحدى الصلاتين من الظهر أو العصر لا على التعيين ولكن احتمل فوت كلتيهما، وبهذا يفترق عن المسألة السابقة حيث إنّ الفائتة هناك كانت واحدة لا غير بخلاف المقام فالمتيقّن إحداهما لا على التعيين ولكن يحتمل فوتهما معاً، فهنا طريقان للامتثال :
الأوّل: الإتيان بالصلاتين، احتياطاً استحبابياً، قلنا استحبابيّاً لأنّ المتيقّن إحدى الصلاتين والمحتمل الآخر محكوم بالبراءة .
الثاني: الاقتصار على الإتيان بصلاة واحدة، إنّما الكلام في كيفية الاقتصار، فقد قال المصنّف:
لا يكفي الاقتصار على واحدة بقصد ما في الذمّة، لأنّ المفروض احتمال تعدّده، فلا ينطبق على الواحد المتيقّن .
وبعبارة أُخرى: محلّ الكلام: ما إذا أراد الاقتصار بواحدة فهل يصحّ   2

صفحه 93
E الامتثال بما في الذمّة، الظاهر لا ; لأنّ ما في الذمّة مردّد بين الواحدة والاثنين فلا ينطبق على المتيقّن حتى ينحلّ العلم الإجمالي إلى متيقّن أتى به ومشكوك محكوم بعدم الوجوب .
نعم يمكن أن يكتفي بصلاة واحدة لكن ينوي ما اشتغلت به ذمّته قبل كلّ شيء، فهو ينطبق على المتيقّن لا على المحتمل.
وبما ذكرنا يظهر ما هو مقصود المصنّف من عدم كفاية الاقتصار على واحدة بقصد ما في الذمّة وكفاية الاقتصار بنية ما اشتغلت به ذمّته أوّلاً. فإنّ ما في الذمّة محتمل الأمرين، فلا ينطبق على المتيقّن بخلاف قوله: اشتغلت به ذمّته قبل كلّ شيء، بمعنى الوقت الذي لم تكن مشغولة بشيء منهما فهو ينطبق على المتيقّن .

صفحه 94
المسألة 21: لو علم أنّ عليه إحدى الصلوات الخمس، يكفيه صبح ومغرب وأربع ركعات ـ بقصد ما في الذمّة ـ مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء مخيّراً فيها بين الجهر والإخفات. وإذا كان مسافراً يكفيه مغرب وركعتان مردّدة بين الأربع. وإن لم يعلم أنّه كان مسافراً أو حاضراً يأتي بركعتين مردّدتين بين الأربع، وأربع ركعات مردّدة بين الثلاث ومغرب. *

* لو علم أنّ عليه إحدى الصلوات الخمس

كان الموضوع في المسألة 15 فوت صلاة واحدة مردّدة بين صلاتين أو ثلاث صلوات متحدة الركعات ككون الجميع أربعة كما مثلنا له، ولكن الموضوع في هذه المسألة فوات إحدى الصلوات الخمس على نحو تكون الفوائت المحتملة مختلفة العدد كالثنائية والثلاثية والرباعية .
فهناك فروع:
1. إذا كان حاضراً وفاتته إحدى الصلوات الخمس .
2. إذا كان مسافراً وفاتته إحدى الصلوات الخمس.
3. إذا لم يعلم هل كان مسافراً أو حاضراً، وقد فاتته إحدى الصلوات الخمس .
فاعلم أنّ البحث في هذه المسألة وما سيليها من المسائل حتّى المسألة رقم25، ناظر إلى قضاء الفائت مع حفظ الترتيب حتّى بالنسبة إلى الفوائت غير المترتبة كالغداة بالنسبة إلى العشاء، وحيث إنّ المصنّف بنى على وجوب الترتيب في المترتّبة وغير المترتّبة، حاول من خلال طرح هذه المسائل   2

صفحه 95
E بيان كيفية القضاء على نحو يضمن حفظ الترتيب مطلقاً، وإليك بيان الفروع .
الفرع الأوّل: إذا كان حاضراً وعلم أنّ عليه إحدى الصلوات الخمس، فيكفيه صبح ومغرب وأربع ركعات بقصد ما في الذمّة مردّدة بين (الظهر والعصر والعشاء) مخيّراً فيها بين الجهر والإخفات .
وبما أنّ الفائت هو صلاة واحدة يجب عليه أن يقضي الصبح والمغرب كُلاًّ على حدة، والظهر والعصر والعشاء بصلاة واحدة، مخيّراً بين الجهر والإخفات، وبما أنّ الفائت صلاة واحدة يحصل الترتيب بتقديم ما شاء وتأخير ما شاء، فلو قدّم الصبح والمغرب لكان صحيحاً، ولو قدّم الظهرين والعشاء لكان صحيحاً لأنّ الفائت صلاة واحدة.
ويدلّ عليه ما رواه الشيخ بإسناده عن علي بن أسباط، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مَن نسي صلاةً من صلاة يومه واحدة، ولم يدر أي صلاة هي، صلّى ركعتين وثلاثاً وأربعاً ».(1)
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه أحمد بن أبي عبدالله في (المحاسن) عن أبيه، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، يرفع الحديث قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن رجل نسي صلاة من الصلوات الخمس، لا يدري أيّتها هي؟ قال: «يصلّي ثلاثة وأربعة وركعتين، فإن كانت الظهر والعصر والعشاء كان قد صلّى، وإن كانت المغرب والغداة فقد صلّى».(2)
الفرع الثاني: تلك الصورة ولكن كان مسافراً، فالكيفية نفس الكيفية   2

1 . الوسائل: 5، الباب 11 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 11 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 2.

صفحه 96
E إلاّ أنّه يأتي بركعتين مردّدة بين الأربع مكان الإتيان بأربع ركعات.
الفرع الثالث: تلك الصورة ولكن لا يعلم أنّه كان حاضراً أو مسافراً، فيجمع بين وظيفتيه في الصلوات الثلاث أي يأتي بركعتين مردّدة بين الأربع، وأربع ركعات مردّدة بين الثلاث، مضافاً إلى صلاة المغرب.
وحصيلة الكلام: أنّه لو كانت عليه صلاة واحدة، فيبدأ بالصبح ويختم بالعشاء، غير أنّ وراء الصبح والمغرب يكفي فيه أربع ركعات للحاضر وركعتان للمسافر.
لو كان حاضراً وعلم أنّ عليه اثنتين من الخمس    

صفحه 97
المسألة 22:
1. إذا علم أنّ عليه اثنتين من الخمس مردّدتين في الخمس من يوم، وجب عليه الإتيان بأربع صلوات، فيأتي بصبح إن كان أوّل يومه الصبح، ثم أربع ركعات مردّدة بين الظهر والعصر، ثم مغرب، ثم أربع ركعات مردّدة بين العصر والعشاء.
2. وإن كان أوّل يومه الظهر، أتى بأربع ركعات مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء، ثم بالمغرب، ثم بأربع ركعات مردّدة بين العصر والعشاء، ثم بركعتين للصبح .
3. وإن كان مسافراً يكفيه ثلاث صلوات ركعتان مردّدتان بين الصبح والظهر والعصر، ومغرب، ثم ركعتان مردّدتان بين الظهر والعصر والعشاء، إن كان أوّل يومه الصبح.
4. وإن كان أوّل يومه الظهر: تكون الركعتان الأُوليان مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء، والأخيرتان مردّدتان بين العصر والعشاء والصبح.
5. وإن لم يعلم أنّه كان مسافراً أو حاضراً، أتى بخمس صلوات، فيأتي ـ في الفرض الأوّل ـ بركعتين مردّدتين بين الصبح والظهر والعصر، ثم أربع ركعات مردّدة بين الظهر والعصر، ثم المغرب، ثم ركعتين مردّدتين بين الظهر والعصر والعشاء، ثم أربع ركعات مردّدة بين العصر والعشاء.

صفحه 98
6. وإن كان أوّل يومه الظهر، فيأتي بركعتين مردّدتين بين الظهر والعصر، وأربع ركعات مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء، ثم المغرب، ثم ركعتين مردّدتين بين العصر والعشاء والصبح، ثم أربع ركعات مردّدة بين العصر والعشاء.*

* لو علم أنّ عليه صلاتين من الخمس

في المسألة ـ حسب التقطيع في المتن ـ فروع ستة، وجه كونها ستة لأجل أنّه لا يخلو إمّا أن يكون أوّل يومه الصبح أو يكون أوّل يومه الظهر. وعلى كلّ تقدير إمّا يكون حاضراً أو مسافراً، أو لا يعلم كونه حاضراً أو مسافراً فتصير الصور ستاً. والمهم في كلّ فرع إحراز الترتيب حتّى في الفوائت غير المترتّبة، كما أوعزنا إليه .
الفرع الأوّل: إذا كان حاضراً وعلم أنّ عليه اثنتين من الخمس، من صلاة الصبح إلى صلاة العشاء، فيكفي الإتيان بأربع صلوات:
الصبح، ثم رباعية مردّدة بين الظهر والعصر، ثم المغرب، ثم رباعية مردّدة بين العصر والعشاء، وبذلك يحصل الترتيب; وذلك لأنّ الفائت لو كان هو الصبح والظهر، أو الصبح والعصر، أو الصبح والمغرب، أو الصبح والعشاء، أو المغرب والعشاء فقد أتى بالجميع.
بقيت هنا صورة واحدة وهي أن تكون الفائتتان هما الظهرين معاً، فبما أنّه أتى برباعية واحدة فهي تنطبق على الظهر، وتبقى العصر بذمّته، فبما أنّه أتى بالرباعية بعد المغرب مردّدة بين العصر والعشاء فهي تنطبق على العصر، ويكون مابينهما صلاة احتياطية لتحصيل اليقين ببراءة ذمّته.   2

صفحه 99
E الفرع الثاني: لو كان حاضراً ولكن بدأ يومه بالظهر وفاتته اثنتان، فعليه أن يأتي بأربع ركعات مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء، وثلاث للمغرب، ثم بأربع ركعات مردّدة بين العصر والعشاء، ثم بركعتين للصبح .
ولو أتى بهذه الكيفية لحصل العلم بالترتيب.
وذلك لأنّه لو كان الفائت هو الظهر والمغرب فقد أتى بهما، أو العصر والمغرب، فقد أتى بهما، ولو كان هو المغرب والعشاء فقد أتى بهما، وذلك لأنّه بعد المغرب صلّى أربع ركعات مردّدة بين العصر والعشاء. ولو كان الفائت هو الظهرين فقد أتى بهما لأنّه صلى أربع ركعات تحسب على الظهر، وصلى أربعاً بعد المغرب فهي تحسب على العصر، ثم لو كان الفائت إحدى هذه الصلوات الأربع مع الصبح فقد أتى بها مرتباً حيث إنّه أعقب جميعها بركعتين هي الصبح، وبذلك يعلم أنّ كلمة العشاء الأُولى زائدة في كلامه، لأنّه يأتي بعد المغرب برباعية مردّدة بين العصر والعشاء.
الفرع الثالث: هو نفس الفرع الأوّل غير أنّه كان فيه حاضراً وفي هذا الفرع مسافراً.
فيكفي فيه ثلاث صلوات: ركعتان مردّدتان بين الصبح والظهر والعصر، ثم مغرب، ثم ركعتان مردّدتان بين الظهر والعصر والعشاء فلو عمل بهذه الكيفية فقد أحرز الترتيب .
بيانه: المفروض أنّ أوّل يومه الصبح، فإذا صلّى ركعتين وبعدهما ثلاث ركعات وركعتين، فلو كان الفائت هو الصبح والمغرب، فقد أتى بهما، ولو كان الفائت هو الظهر والمغرب، فقد أتى بهما، أو العصر والمغرب فقد أتى   2

صفحه 100
E بهما، ولو كان الفائت هو المغرب والعشاء، فقد أتى بهما لأنّه صلّى ركعتين بعد المغرب مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء، ولو كان الفائت هو الظهرين فالركعتان الأُولى للظهر والركعتان الّتي بعد المغرب هي للعصر .
الفرع الرابع: وهذا الفرع نفس الفرع الثاني غير أنّه كان هناك حاضراً وفي المقام مسافراً، فإذا كان أوّل يومه الظهر، يصلّي ركعتين مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء، ثم يأتي بالمغرب، ثم بركعتين مردّدتين بين العصر والعشاء والصبح. فلو عمل بهذا النحو فقد حافظ على الترتيب، لأنّه يجب عليه أربع صلوات ثنائية وواحدة ثلاثية، وقد فات من الجميع اثنتان مردّدة بينها.
فإذا كان الفائت منه هو ا لظهر والمغرب، أو العصر والمغرب فقد أتى بهما، ولو كان الفائت هو المغرب والعشاء، فقد أتى بهما لأنّه صلّى بعد المغرب ثنائية، ولو كان الفائت هو المغرب والعشاء، فقد أتى بهما لأنّه صلّى بعد المغرب ركعتين مردّدة بين العصر والعشاء والصبح.
ولو كان الفائت هو العشاء والصبح فالثنائية الأُولى هي للعشاء والثنائية الثانية تنطبق على الصبح .
ولو كان الفائت أحد الظهرين والصبح فقد حصل الترتيب، ولو كان الفائت الظهران فالثنائية الأُولى هي الظهر والثنائية الثانية تنطبق على العصر .
لو فاتته اثنتان من الخمس ولم يعلم هل كان مسافراً أو حاضراً   
الفرع الخامس: لو فاتته اثنتان من الصلوات الخمس، ولم يعلم هل أنّه كان مسافراً أم حاضراً، وكان أوّل يومه هو الصبح، فلأجل قضاء ما فاته على الترتيب، عليه أن يأتي بالصلوات التالية:
1. يأتي بثنائية مردّدة بين الصبح والظهر والعصر.   2

صفحه 101
E 2. يأتي برباعية مردّدة بين الظهر والعصر.
3. يأتي بالمغرب.
4. يأتي بثنائية مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء.
5. يأتي برباعية مردّدة بين العصر والعشاء.
وبذلك يكون قد أدى ما فاته، وفرغت ذمّته، محافظاً على الترتيب.
فلو فرضنا أنّه كان حاضراً، وكان الفائت هو الصبح والظهر، أو الصبح والعصر، أو الصبح والمغرب، أو الصبح والعشاء، فقد أتى بهما.
ولو كان الفائت هو الظهر والعصر، فقد أتى بالعصر برباعية مردّدة بين العصر والعشاء، وكانت صلاة المغرب بينهما زائدة .
ولو كان الفائت هو الظهر والمغرب فقد أتى بهما، وكذلك لو كان الفائت هو الظهر والعشاء فقد أتى بهما.
ولو كان الفائت هو العصر والمغرب فقد أتى بهما، وكذلك لو كان الفائت هو العصر والعشاء.
ولو كان الفائت هو المغرب والعشاء فقد أتى بهما.
ولو فرضنا أنّه كان مسافراً، وكان الفائت هو الصبح والظهر، أو الصبح والعصر، أو الصبح والعشاء، وكذلك الصبح والمغرب، فقد أتى بهما على وجه الترتيب.
ولو كان الفائت هو الظهر والعصر، أو الظهر والمغرب، أو الظهر والعشاء فقد أتى بهما على وجه الترتيب.   2

صفحه 102
E ولو كان الفائت هو العصر والمغرب، أو العصر والعشاء أتى بهما.
ولو كان الفائت هو المغرب والعشاء، فقد أتى بهما أيضاً .
الفرع السادس: نفس الفرع الخامس أي أنّه لا يعلم هل كان مسافراً أو حاضراً، ولكن يختلف معه في أنّ أوّل يومه، الظهر فيجب في تحصيل الترتيب أن يأتي بالصلوات التالية:
1. يأتي بثنائية مردّدة بين الظهر والعصر.
2. يأتي برباعية مردّدة بين الظهر والعصر والعشاء.
3. يأتي بصلاة المغرب.
4. يأتي بثنائية مردّدة بين العصر والعشاء والصبح.
5. يأتي برباعية مردّدة بين العصر والعشاء.
فلو فرضنا أنّه كان حاضراً، فلو كان الفائت هو الظهر والعصر، أو الظهر والمغرب، أو الظهر والعشاء، أو الظهر والصبح، فقد أتى بالجميع على وجه الترتيب، لأنّه صلّى رباعية قبل صلاة المغرب ورباعية أُخرى بعد المغرب.
ولو كان الفائت هو العصر والمغرب، أو العصر والعشاء، أو العصر والصبح، فقد أتى بهما لأنّه صلّى رباعية قبل المغرب وأُخرى بعدها.
ولو كان الفائت هو المغرب والعشاء، أو المغرب والصبح فقد أتى بهما.
ولو كان الفائت هو العشاء والصبح فقد أتى بهما.
   
ولو فرضنا أنّه كان مسافراً فلو كان الفائت فيكفيه ثنائية متقدّمة على ثلاثية، وأُخرى متأخّرة عنها، وكلاهما قد أتى بهما.

صفحه 103
المسألة 23: إذا علم أنّ عليه ثلاثاً من الخمس وجب عليه الإتيان بالخمس ـ على الترتيب ـ وإن كان في السفر يكفيه أربع صلوات ركعتان مردّدتان بين الصبح والعصر، وركعتان مردّدتان بين الظهر والعصر، ثم المغرب، ثم ركعتان مردّدتان بين العصر والعشاء.
وإذا لم يعلم أنّه كان حاضراً أو مسافراً يصلّي سبع صلوات، ركعتين مردّدتين بين الصبح والظهر والعصر، ثم الظهر والعصر تامّتين، ثم ركعتين مردّدتين بين الظهر والعصر ثم المغرب، ثم ركعتين مردّدتين بين العصر والعشاء ثم العشاء بتمامه.
ويعلم ـ ممّا ذكرنا ـ حال ما إذا كان أوّل يومه الظهر، بل وغيرها.*

* لو علم أنّ عليه ثلاث صلوات من الخمس

بالنظر للتشابه الموجودة بين هذه المسألة وسابقتها، نترك شرحها، إلى ذكاء الطالب الفهيم، ليتمرّن على حلّ العويصات من هذا الفن.

صفحه 104
المسألة 24: إذا علم أنّ عليه أربعاً من الخمس وجب عليه الإتيان بالخمس ـ على الترتيب ـ وإن كان مسافراً فكذلك ـ قصراً ـ وإن لم يدر أنّه كان مسافراً أو حاضراً أتى بثمان صلوات مثل ما إذا علم أنّ عليه خمساً ولم يدر أنّه كان حاضراً أو مسافراً. *

* لو علم أنّ عليه أربع صلوات من الخمس

إذا علم أنّ عليه أربعاً من الخمس من يوم واحد، وجب عليه الإتيان بالخمس على الترتيب لحصوله عندئذ، غاية الأمر أنّه تكون إحدى الصلوات شيئاً غير واجب.
وإن كان مسافراً وعلم أنّ عليه أربعاً من الخمس من يوم واحد فكذلك قصراً لحصول الترتيب حينئذ.
وإن لم يدر أنّه كان مسافراً أو حاضراً فبما أنّ الظهر والعصر والعشاء مردّدة بين الرباعية والثنائية، يضيف على الخمس ثلاث صلوات أُخرى قصراً، فيحصل الترتيب والبراءة اليقينية. وذلك بتكرير الرباعية بالتمام والقصر ويكون عدد الصلوات ثمانية.
 

صفحه 105
المسألة 25: إذا علم أنّ عليه خمس صلوات مرتّبة ولا يعلم أنّ أوّلها أيّة صلاة من الخمس، أتى بتسع صلوات ـ على الترتيب ـ وإن علم أنّ عليه ستاً ـ كذلك ـ أتى بعشر، وإن علم أنّ عليه سبعاً ـ كذلك ـ أتى بإحدى عشر صلاة، وهكذا.
ولا فرق بين أن يبدأ بأي من الخمس شاء، إلاّ أنّه يجب عليه الترتيب ـ على حسب الصلوات الخمس ـ إلى آخر العدد. والميزان: أن يأتي بخمس ولا يحسب منها إلاّ واحدة فلو كان عليه أيام أو أشهُر أو سنة ولا يدري أوّل ما فات، إذا أتى بخمس ولم يحسب أربعاً منها، يتيقّن أنّه بدأ بأوّل ما فات. *

* لو علم أنّ عليه خمس صلوات مرتّبة ولم يعلم أوّلها

إذا علم أنّ عليه خمس صلوات مرتّبة من يوم واحد، ولا يعلم أنّ أوّلها أيّة صلاة من خمس، أتى بتسع صلوات على الترتيب التالي:
أي يصلّي: صبحاً، وظهراً، وعصراً، ومغرباً، وعشاءً .
ثم يصلّي مرة أُخرى: صبحاً، وظهراً، وعصر، ومغرباً .
فإن كان أوّل الفائت هو الصبح فقد أتى بالفرائض الخمسة مترتبةً، وإن كان الفائت هو الظهر فقد أتى بالخمس مترتّبة من الظهر من الأُولى إلى الصبح من الثانية، وإن كان أوّل الفائت هو العصر فقد صلّى من العصر إلى الظهر من الثانية، وإن كان أوّل الفائت هو المغرب فقد صلّى من المغرب إلى العصر من الثانية، وإن كان الفائت هو العشاء فقد صلى الخمس من العشاء إلى المغرب   2

صفحه 106
E من الثانية.
وبذلك يظهر أنّه لو علم أنّه عليه ستاً، أتى بعشر، وكلّما زاد عدد الفائت زاد عدد القضاء .
وأمّا قوله: (فالميزان أن يأتي بخمس ولا يحسب منها إلاّ واحدة) أي لا يحتسب من الخمسة الأُولى إلاّ واحدة منها وما هذا إلاّ لتحصيل اليقين بالترتيب ثم يأتي بالباقي فيحصل الترتيب به.
ولذلك قال: فلو كان عليه أيام أو أشهر أو سنة ولا يدري أوّل ما فات إذا أتى بخمس ولم يحسب أربعاً منها، يتيقّن أنّه بدأ بأوّل ما فات.

صفحه 107
المسألة 26: إذا علم فوت صلاة معينة ـ كالصبح أو الظهر مثلاً ـ مرات ولم يعلم عددها يجوز الاكتفاء بالقدر المعلوم على الأقوى، ولكن الأحوط التكرار بمقدار يحصل منه العلم بالفراغ، خصوصاً مع سبق العلم بالمقدار وحصول النسيان بعده، وكذا لو علم بفوت صلوات مختلفة ولم يعلم مقدارها، لكن يجب تحصيل الترتيب بالتكرار في القدر المعلوم، بل ـ وكذا ـ في صورة إرادة الاحتياط بتحصيل التفريغ القطعي .

* لو علم فوت صلاة معينة عدّة مرات لا يعلم عددها

في المسألة فرعان:
الأوّل: لو فاتته فريضة معيّنة كالصبح أو الظهر ولم يعلم عدد ما فاته منها، ففي المسألة أقوال أربعة:
1. يكررها حتّى يغلب على ظنّه أنّه وفى بواجبه. وهو خيرة المحقّق في «الشرائع» .(1)
وقال السيد في «المدارك»: هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب ولم نقف فيه على نص بالخصوص (2) واحتجّ عليه في «التهذيب» بصحيحة عبدالله بن سنان الدالّة على استحباب قضاء ما يغلب على الظن فواته من النوافل.(2)
أقول: إنّ الروايات الواردة لا يدلّ على ما استدلّ له بل بين مجمل يدلّ على التوخّي والتحرّي من دون أن يعلم حدهما، وبين ما يدلّ على الإتيان   2

1 . شرائع الإسلام: 1 / 121 .      2 . مدارك الأحكام: 4 / 306 .
2 . التهذيب: 2 / 778، برقم 198 .

صفحه 108
E على حصول العلم .
أمّا الأوّل ففي رواية إسماعيل بن جابر. قلت: لا أُحصيها (النوافل الفائتة) فقال: «توخ».(1)
وفي رواية أُخرى عنه: «تحرّ واقضها».(2)
وأمّا الثاني ففي رواية علي بن جعفر: «يقضي حتى يرى أنّه قد زاد على ما يرى عليه وأتم».(3)
وفي رواية ابن سنان ]عبدالله بن سنان [: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أخبرني عن رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدري ما هو من كثرتها، كيف يصنع؟ قال: «فليصلّ حتى لا يدري كم صلّى من كثرتها فيكون قد قضى بقدر علمه من ذلك» (4). والظاهر منهما هو تحصيل اليقين الذي هو القول الثاني في المسألة.
مضافاً إلى ما في الاستدلال بهذه الرواية فإنّ قضاء النوافل على هذا الوجه إنّما هو على وجه الاستحباب، فلا يلزم منه وجوب قضاء الفريضة كذلك .(2)
2. ما أشار إليه في المتن بقوله: (الأحوط التكرار بمقدار يحصل معه العلم بالفراغ)، وهذا هو خيرة صاحب الحدائق حيث قال: والتحقيق أن يقال أنّه لمّا كانت المسألة غير منصوصة فالواجب فيها العمل بالاحتياط كما أشرنا إليه في غير موضع ممّا تقدم. ووجهه: أنّه لا ريب أنّ الذمّة مشغولة بالفريضة بيقين ولا تبرأ إلاّ بيقين الأداء من جميع ذلك ، وحيث كانت الفريضة في هذه الصورة المفروضة غير معلومة المقدار لكثرتها فيقين البراءة لا يحصل إلاّ بالقضاء   2

1 و 2 و 3 و 4 . الوسائل: 3، الباب 19 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، الحديث 1، 2، 3، 4.
2 . مدارك الأحكام: 4 / 307 .

صفحه 109
E بما يقابل الكثرة الفائتة، فإن كان الفائت قد بلغ في الكثرة إلى حدّ لا يدري ما قدره، فينبغي أن يكون القضاء كذلك. (1)
يلاحظ عليه: أنّ الاحتياط فرع بقاء العلم الإجمالي بحاله، لا ما إذا انحل إلى علم تفصيلي الّذي هو المتيقّن فوته، وشكّ بدوي بمشكوك الفوت، فيكون الثاني مجرى البراءة، مضافاً إلى أنّ الشك في المقام شك بعد خروج الوقت، فالمرجع هنا قاعدة الشك بعد خروج الوقت.
3. الاكتفاء بالقدر المعلوم، وهو خيرة المصنّف، وذلك لأنّ المورد من الشبهات الموضوعية من أقسام الشك بين الأقل والأكثر، والمعلوم فوته موضوع لحكم العقل بالاشتغال والمشكوك فوته موضوع للبراءة العقلية والشرعية.
بقي الكلام في القول الرابع الّذي سنذكره.
4. ما أشار إليه في المتن وهو وجوب الاحتياط إذا سبق العلم بالمقدار المعيّن ثم طرأ عليه النسيان بعده ومالم يسبق، فالاحتياط في الصورة الأُولى والبراءة في الصورة الثانية.
وبعبارة أُخرى: إذا علم مقدار ما فات ثم طرأ عليه النسيان أنّه هل هو يوم أو يومان أو ثلاثة أيام، وبين ما كان غير معلوم من أوّل الأمر، كما إذا انتبه من النوم ونام فترة طويلة لا يدري هل هو يوم أو يومان، فلا يجب الاحتياط فيه .
ووجهه واضح ; لأنّ الواقع قد تنجّز عليه قبل النسيان فيجب الخروج   2

1 . الحدائق الناضرة: 11 / 21 .

صفحه 110
E عن الواقع المنجز بالاحتياط، وعروض النسيان عليه وتردّد الواجب بين الأقل والأكثر لا يرفع التنجز، فالمرجع هو أصالة الاشتغال .
يلاحظ عليه: أنّ النسيان الطارئ وإن كان لا يرفع التكليف المعلوم حين العلم به، إلاّ أنّه يرفع العلم به ويجعله مشكوكاً، فيرتفع تنجّزه لأنّ التنجّز منوط بالعلم حدوثاً وبقاءً، فإذا ارتفع العلم بطروء النسيان فقد ارتفع التنجّز فيكون الشك في المقدار الواجب شكّاً في التكليف الّذي هو مجرى البراءة.(1)
وبعبارة أُخرى: أنّ العلم سواء أكان إجمالياً أو تفصيلياً إذا كان موجوداً حدوثاً لا بقاءً ـ كما في المقام ـ لا يكون منجزاً، نظير ما لو علم بالنجاسة تفصيلاً ثم زال العلم، فيكون المقام من قبيل الشك الساري، أو علم بنجاسة إحد الإنائين ثم علم تفصيلاً بنجاسة أحدهما المعيّن، فلا يجب الاجتناب عن الآخر. أو علم بمقدار الفائت ثم شك في صحّة علمه السابق، فالعلم في جميع الصور لا يكون منجزاً.
 

1 . مستمسك العروة الوثقى: 7 / 84 .

صفحه 111
المسألة 27: لا يجب الفور في القضاء بل هو موسّع ما دام العمر، إذا لم ينجر إلى المسامحة في أداء التكليف والتهاون به. *
] في المواسعة والمضايقة[
* أنّ في مبحث قضاء الفوائت مسائل أربعة:
1. اعتبار الترتيب بين الفوائت وعدمه.
2. المضايقة في الفوائت ولزوم الإتيان بها فوراً، وعدمه، سواء أكانت هناك حاضرة أو لا، كما إذا طلعت الشمس وعليه فوائت فهل يجب عليه الإتيان بها فوراً، أو أنّ الأمر على المواسعة فيجوز له التأخير ما لم ينجر إلى المسامحة في أداء التكليف والتهاون به .
3. لزوم ترتّب الحاضرة على الفائتة، وعدمه، كما إذا زالت الشمس وعليه صلاة الصبح، فهل يجب تقديم الفائتة على الحاضرة أو لا ؟
والمسألتان ; الثانية والثالثة ليستا مسألة واحدة بل هما مستقلتان ولكلّ منهما دليل مستقل، وإن كانتا مشتركتين في بعض الجهات.
وإن شئت قلت: إنّ الكلام في المسألة الثانية بحث عن الوجوب النفسي وأنّه هل تجب المبادرة إلى القضاء أو لا، على نحو لو لم يبادر عصى ولكن صحّت صلاته، بخلاف الكلام في المسألة الثالثة فإنّ البحث فيها عن الوجوب الشرطي بمعنى أنّه هل يعتبر في صحّة الحاضرة تفريغ الذمّة عن القضاء مالم يتضيّق وقتها أو لا؟ وتظهر الثمرة فيما إذا طلعت الشمس وعليه قضاء صلاة الصبح، فيبحث فيه عن المضايقة والمواسعة، فقط، بخلاف ما لو زالت   2

صفحه 112
E الشمس وعليه صلاة الفجر، فالمورد من مصاديق كلتا المسألتين، فتارة يبحث عن المضايقة والمواسعة وهو وجوب تقديم القضاء ولكنّه لو أخّر القضاء وقدّم الأداء، عصى وصحّت صلاته.
وأُخرى عن صحّة الحاضرة مع وجود الفائتة، فلو قلنا بالوجوب الشرطي تبطل صلاته أداءً مع وجود القضاء، ولذلك يظهر أنّ هنا مسألتين وإن كانتا تجتمعان في بعض الموارد.
4. جواز التطوّع في وقت الحاضرة أو جواز التطوّع لمن عليه الفريضة.
وقد مرّ الكلام في المسألة الأُولى فلندرس المسألة الثانية المعنونة في الكتب الفقهية بالمواسعة والمضايقة.
أقول: إنّ صاحب الجواهر وصف هذه المسألة بقوله: بأنّها المعركة العظمى بين الأصحاب، الّتي اختلفت فيها أقوالهم، وتشتتت فيها آراؤهم، حتّى أنّ بعضهم ـ كالسيد ضياء الدين بن الفاخر والشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد ـ أفتى به مدّة ثم رجع عنه إلى عدمه أُخرى على ما حكاه في غاية المرام، وما ذاك إلاّ لكون المسألة من المعضلات .(1)
وأمّا الأقوال فقد ذكر العلاّمة في «مختلف الشيعة» أقوالاً ثلاثة، غير أنّ صاحب الجواهر بسط الكلام في الأقوال، وإليك عصارة ما ذكره من الأقوال:
الأوّل: المواسعة: ووصفه بقوله: هو المشهور بين المتأخّرين نقلاً وتحصيلاً، بل في الذخيرة أنّه مشهور بين المتقدّمين أيضاً ، ونسبه العلاّمة الطباطبائي في مصابيحه إلى أكثر الأصحاب على الإطلاق كنسبته إلى   2

1 . جواهر الكلام: 13 / 33 .

صفحه 113
E المشهور كذلك في شرح العوالي، بل في المصابيح أيضاً أنّ هذا القول مشهور بين أصحابنا ظاهر فاش في كلّ طبقة من طبقات فقهائنا المتقدّمين منهم والمتأخّرين، وهو كذلك يشهد له التتبع لكلمات الأصحاب وجادة وحكاية في الرسائل الموضوعة في هذا الباب ; كرسالة المولى المتبحّر السيد العماد أُستاذي السيد محمد جواد، والفاضل المحقّق المتبحّر ملا أسد الله، وغيرهما من كتب الأساطين المعتمدين كالمختلف وكشف الرموز وغاية المراد والذخيرة ومصابيح العلاّمة الطباطبائي ونحوها.
ثم أتى بأسماء 35 فقيهاً من المتقدّمين والمتأخّرين القائلين بالمواسعة، كما أردفها بأسماء عدّة من المشايخ ممّن عاصره أو قارب عصره الذين قالوا بالمواسعة (1).
الثاني: المضايقة: هناك جماعة من المتقدّمين يقولون بالمضايقة وقد سمّاهم في الجواهر بالقديمين والشيخين والسيدين والقاضي والحلّي والآبي والشيخ ورّام وبعض المحدّثين (2) وبعض علمائنا المعاصرين (3).
الثالث: التفصيل بين المتحدة وعدمها، ففي الأُولى يقدم الفائت وفي الثانية له الخيار (3).
الرابع: ما للعلاّمة في المختلف من وجوب تقديم الفائتة إن ذكرها في يوم الفوات، واستحباب تقديمها إن لم يذكرها فيه، متحدة كانت أو   2

1 . جواهر الكلام: 13 / 33 ـ 37 .
2 . الحدائق الناضرة: 6 / 338 .   3 . الرياض: 4 / 280 .
3 . غاية المراد: 1 / 116 .

صفحه 114
E متعدّدة(1).
فالميزان في القول الثالث وحدة الفائت وتعدُده، وفي القول الرابع التذكر يوم الفوات واحدة كانت أو متعدّدة وتذكره بعد يوم الفوات كذلك .
الخامس: ما عن ابن أبي الجمهور في المسائل الجامعية: من وجوب الترتيب في الفائتة الواحدة يوم الذكر دون غيرها. وقد جمع هذا القول بين الثالث والرابع فأخذ من الأوّل وحدة الفائت، ومن الثاني تذكره يوم الفوت.
السادس: ما يظهر من ابن حمزة من الفرق بين الفائتة نسياناً وعمداً، فتضيق في الأُولى دون الثانية (2).
السابع: ما يظهر من الديلمي من التفصيل بين المعيّن عدده من الفائت ومجهوله، فيتضيّق الأوّل دون الثاني.(3)
إذا وقفت على الأقوال في المسألة فاعلم أنّ مقتضى القاعدة هو البراءة من إيجاب المبادرة إلى الواجب ـ زائداً على أصل الوجوب ـ فإنّه كلفة زائدة مجهولة تقع مجرى البراءة .
وربّما يتمسّك بدليل نفي الحرج فإنّ وجوب المبادرة إلى الواجب بالنحو الّذي نقله صاحب الجواهر عنهم من الاكتفاء على الضروري من الأكل والشرب والنوم والكسب، أمر حرجي.
يلاحظ عليه: أنّ دليل نفي الحرج ناظر إلى الحرج الشخصي، فلو   2

1 . مختلف الشيعة: 3 / 6 .
2 . الوسيلة: 84 .
3 . المراسم: 90 .

صفحه 115
E كان الفائت قليلاً لا يوجب الحرج، ولو كان كثيراً فيوجبه، على أنّه إذا كان الفائت كثيراً فإنّما يرتفع بدليل نفي الحرج إذا استلزم الحرج، وإلاّ فما دام المصلّي نشيطاً في العمل لا يكون مصداقاً للحرج .
وربّما يتصوّر أنّ مقتضى القواعد هو الاحتياط خلافاً للدليلين السابقين وذلك ببيانين:
1. أنّ المقام من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير والمرجع فيه هو الاحتياط والأخذ بمحتمل التعيين لكون البراءة فيه قطعية بخلاف محتمل التخيير فإنّ البراءة فيه مشكوكة ومثله المقام فإنّ المكلّف شاك في أنّ الواجب هل هو الفرد الفوري أو الفرد المخيّر بين ذلك الفرد والفرد الآخر، فيقضي العقل بالأخذ بما فيه البراءة يقيناً.
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقام والمقيس عليه، فلو دار الأمر في مقام التكليف ـ بين كون الواجب هو الصوم ستين يوماً أو التخيير بينه وبين العتق ـ فلو أتى بمحتمل التخيير لما حصلت البراءة من التكليف لاحتمال كون الواجب هو الصوم، وأمّا المقام فلو ترك الفرد الفوري وأتى بالفرد غير الفوري فقد أتى بالواجب، فالفرد المقدّم أو المؤخّر كلاهما من أفراد الواجب غير أنّ في المتأخّر احتمال المعصية، وهذا غيركونه محتمل الوجوب، نظير ما ذكروه في الحجّ، فلو أخّر وأتى به في السنة الثانية أو الثالثة فقد أتى بالواجب وإن ارتكب المعصية.
فتبيّن من ذلك أنّ مقتضى القواعد هو البراءة، وإنّما يكون متّبعاً لو لم يدلّ دليل على خلافها.   2

صفحه 116
E 2. أنّ المورد مجرى الاحتياط، وذلك لأنّه علم بوجوب قضاء الصلاة، وتنجز عليه التكليف، فلو أتى بها المكلّف في الآن الأوّل لخرج عن العهدة، ولو أخّرها وانكشف عدم تمكّنه فيما بعد من القضاء، يصحّ للمولى عقوبته فلأجل هذا الاحتمال (احتمال عدم التمكّن فيما بعد وصحّة العقوبة عندئذ) يحكم العقل بوجوب الإتيان فوراً.
قلت: لو علم أنّه لا يتمكّن من القضاء في الآن المتأخّر فيجب التقديم من غير فرق بين القول بالمواسعة أو المضايقة، وإلاّ فيكفي الاطمئنان بإمكان التمكّن من الفعل في ثاني الأوقات; وإنّ شكّ في سلامته وعدمها فالأصل عند العقلاء هو بقاء السلامة، بل عند الجواهر أنّ المدار، هو إمكان التمكّن من الفعل في ثاني الأوقات .(1)
وحصيلة الكلام: أنّه إذا علم بعدم تمكّنه من القضاء في الآنات التالية، يجب التقديم بحكم العقل، كما أنّه لو علم بتمكينه منه في الآنات التالية أو شكّ في تمكّنه جاز له التأخير ; وذلك لأنّ أصالة السلامة من الأُصول العقلائية وليست أصلاً عملياً حتّى يمنع من إجرائه لأجل عدم ترتّب ثمرة شرعية عليه، وعلى هذا الأصل تدور رحى الحياة في المجتمع البشري.

أدلّة القائلين بالمواسعة

إنّ الروايات الدالّة على المواسعة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة طوائف:
1. ما يدلّ بالدلالة المطابقية على جواز التأخير.   2

1 . جواهر الكلام: 13 / 46 .

صفحه 117
E 2. ما يدلّ على تقديم الحاضرة على الفائتة.
3. ما يدلّ على تقديم النافلة على الفريضة الثنائية .
وسوف نذكر هنا من هذه الطوائف الثلاث شيئاً، ولا نستقصي الجميع، خصوصاً فيما يرجع إلى الطائفتين الأخيرتين لأنّا عقدنا بحثاً خاصّاً لها.

الأُولى: ما ورد حول نوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن صلاة الفجر

وقد وردت هذه الرواية بصور أربع:
1. ما رواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتّى آذاه حرّ الشمس، ثم استيقظ، فعاد ناديه ساعة وركع ركعتين ثمّ صلّى الصبح وقال: يا بلال، مالك؟ فقال بلال: أرقدني الّذي أرقدك يا رسول الله، قال: وكره المقام وقال: نمتم بوادي الشيطان»(1).
والشاهد في هذه الرواية هو أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)استيقظ فلم يقم بقضاء الصلاة حتّى عاد ناديه ساعة وعندئذ تنفل بركعتين ثم صلّى الصبح، فلو كان الواجب هو الفور لما ترك القضاء بعد الاستيقاظ.
2. روى الكليني بسند صحيح عن سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتّى طلعت الشمس؟ قال: «يصلّيها حين يذكرها، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رقد عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثم صلاّها   2

1 . الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 1. والنادي هو المجلس فقوله سبحانه (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ)العلق: 17.

صفحه 118
E حين استيقظ، ولكنّه تنحّى عن مكانه ذلك ثم صلّى»(1) .
والشاهد في هذه الرواية هو أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يصل في ذلك المكان بل ارتحل وصلّى في مكان آخر، فلو كان الواجب هو الفور لما ترك إتيانها إلى الارتحال إلى مكان آخر. وعلى هذا فقوله: «يصلّيها حين يذكرها» بيان لأحد جانبي التخيير .
3. ما رواه الشهيد في «الذكرى» بسنده الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتّى يبدأ بالمكتوبة» يقول زرارة: فقدمت الكوفة فأخبرت الحكم بن عتيبة وأصحابه، فقبلوا ذلك منّي فلمّا كان في القابل لقيت أبا جعفر (عليه السلام)فحدّثني: «أنّ رسول الله عرس (2) في بعض أسفاره، قال: مَن يكلؤنا، فقال بلال: أنا. فنام بلال وناموا حتّى طلعت الشمس، فقال يا بلال: ما أرقدك؟ فقال: يا رسول الله أخذ بنفسي الّذي أخذ بأنفاسكم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا، فتحولوا عن مكانكم الّذي أصابكم فيه الغفلة وقال: يا بلال أذّن، فأذنّ، فصلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ركعتي الفجر، وأمر أصحابه فصلّوا ركعتي الفجر، ثم قام فصلّى بهم الصبح».(3)
والرواية تشهد على أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أخّر القضاء عن المكان الّذي فاتت فيه الصلاة. ثم إنّه قدّم نافلة الصبح على فريضة الصبح، ففي الرواية شاهدان على المواسعة.   2

1 . الوسائل: 5، الباب 5 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .
2 . التعريس نزول المسافر آخر الليل للنوم والإستراحة، من قولهم: عرس القوم إذا نزلوا آخر الليل للاستراحة. مجمع البحرين: 4/ 86 .
3 . الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 6 .

صفحه 119
E 4. ما رواه سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «إنّ الله أنام رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس، ثم قام فبدأ فصلّى الركعتين اللتين قبل الفجر ثم صلّى الفجر»(1).
ومحلّ الشاهد هو كما تقدّم في الصور السابقة حيث قدّم النافلة على الفريضة.
وهذه الرواية بصورها الأربع (مع وجود الاختلاف في محلّ القضاء فيدلّ بعضها على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قضى صلاة الفجر في مكان آخر ويدلّ بعضها على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قضاها في نفس المكان كما في رواية سعيد الأعرج) لا توافق أُصولنا لما ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لا ينام قلبه، ولكن بما أنّها وردت بطريق صحيح ورواها أيضاً غيرنا، فلابدّ أن يقال: إنّ نومه كان من الله لمصلحة غير معلومة لنا. أو أنّ الغاية بيان أحكام الصلاة الفائتة أو غيرها ممّا يعلمه الله. روى الكليني عن أبي عبدالله (عليه السلام): «... فنام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن الصلاة فقال (الله): أنا أُنيمك وأنا أُوقظك، فإذا قمتَ فصلّ ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون ليس كما يقولون إذا نام عنها هلك ; وكذلك الصيام أنا أُمرضك وأنا أُصحّك فإذا شفيتك فاقضيه».(2)

الثانية: صحيحة زرارة الطويلة

روى الكليني بسند صحيح عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)   2

1 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 2.
2 . الكافي: ج 1، كتاب التوحيد، الباب 34 باب حجج الله على خلقه، الحديث 4، وأشار إليه الشهيد في الذكرى: 2 / 423 .

صفحه 120
E قال: «وإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّي الغداة ثم صلّ المغرب والعشاء. ابدأ بأوّلهما لأنّهما جميعاً قضاء أيّهما ذكرت فلا تصلّهما إلاّ بعد شعاع الشمس». قال: قلت: لِمَ ذلك؟ قال: «لأنّك لست تخاف فوتها» (1).
والشاهد في قوله: «فلا تصلّهما إلاّ بعد شعاع الشمس»، حيث جوّز التأخير إلى ذهاب شعاع الشمس.
الثالثة: موثّقة عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: سألته عن الرجل تكون عليه صلاة في الحضر، هل يقضيها وهو مسافر؟ قال: «نعم، يقضيها بالليل على الأرض، فأمّا على الظهر فلا، ويصلّي كما يصلّي في الحضر »(2). وقوله (عليه السلام): «على الظهر فلا» يعني به ظهر الحيوانات الّتي تحمل الأثقال في السفر . (3)
وقد دلّت الرواية على رجحان فعل ما يجب على المسافر من قضاء الحاضرة في الليل وإن أمكن في النهار بعد النزول في أثناء الطريق، ولو كان القضاء فورياً لما كان التأخير جائزاً فضلاً عن الرجحان.
وبعبارة أُخرى: إنّ الحديث ظاهر في جواز التأخير إلى الليل وعدم وجوب المبادرة إليها في النهار بفعلها على الأرض في أثناء الطريق إن أمكن أو عند النزول إن لم يمكن، ولو وجبت المبادرة لوجب التعرّض لذلك فإنّه أولى من التعرّض لوجوب فعلها على الأرض تماماً فإنّه مفهوم من قوله (عليه السلام): «يقضيها» فذكره بالخصوص تأكيد له بخلاف التعرّض لوجوب المبادرة، إذ   2

1 . الوسائل: 3، الباب 63 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 2.   3 . لاحظ لسان العرب: 4 / 522.

صفحه 121
E لم يدلّ عليه شيء.(1)
الرابعة: ما رواه الشيخ عن عمّار بن موسى، عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال: سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتّى تطلع الشمس وهو في سفر، كيف يصنع؟ أيجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال: «لا يقضي صلاة نافلة ولا فريضة بالنهار، ولا يجوز له ولا يثبت له، ولكن يؤخّرها فيقضيها بالليل». (2)
وجه الدلالة: أنّ الغالب للمسافر في النهار هو الركوب لكن لا في جميعه بل في غالبه فهو ينزل في قسم من النهار، وبما أنّه يكون متعباً فحاول الراوي أن يؤخّر الصلاة إلى الليل، مع إمكانه أن يقضيها في النهار، فوافق الإمام (عليه السلام)وقال: «لا يقضي صلاة نافلة ولا فريضة في النهار... ـ إلى أن قال: ـ فيقضيها بالليل».
الخامسة: ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل نام عن الغداة حتّى طلعت الشمس؟ قال: «يصلّي ركعتين ثم يصلّي الغداة»(2).
وجه الدلالة: أنّه أمر بتقديم النافلة على القضاء .
السادسة: ما رواه الشيخ عن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لكلّ صلاة مكتوبة لها نافلة ركعتين إلاّ العصر، فإنّه يقدّم نافلتها فيصيران قبلها، وهي الركعتان اللتان تمّت بهما الثماني بعد الظهر، فإذا أردت أن تقضي شيئاً من الصلاة المكتوبة أو غيرها فلا تصلّ شيئاً حتّى تبدأ فتصلّي قبل الفريضة الّتي حضرت ركعتين نافلة لها، ثمّ أقض ما شئت»(3).   2

1 . مستمسك العروة الوثقى: 7/85 .   2 . الوسائل:5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 6.
2 . الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 2.
3 . الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 5.

صفحه 122
E الرواية موثّقة لكون عمّار فطحيّاً ولا تخلو عن تشويش كما هو شأن غالب رواياته على ما صرّح به المجلسي في «ملاذ الأخيار» في شرح نفس الرواية ومن شذوذها قوله: «لكلّ صلاة مكتوبة لها نافلة ركعتين إلاّ العصر» وليس لصلاة المغرب تلك النافلة.
وعلى كلّ تقدير فقد ذكر المجلسي للرواية وجوهاً نقتصر بذكر الوجه الأوّل بتقرير منّا.
الحديث مؤلّف من فقرتين:
الأُولى: قوله: «لكلّ صلاة مكتوبة لها نافلة ركعتين ـ إلى قوله ـ تمّت بهما الثماني بعد الظهر» فلو صحّت الفقرة تكون مبنيّة على أنّ الثماني ركعات قبل الظهر ليست بنافلة الظهر ولكنّها صلوات لهذا الوقت، والثماني بعدها نافلة للظهر كما يدلّ عليه كثير من الأخبار. وبما أنّ الركعتين الأخيرتين من نافلة الظهر متّصلة بصلاة العصر صار الاتصال سبباً لاستغناء صلاة العصر عن ركعتين قبلها نافلة.
الثانية: قوله: «فإذا أردت أن تقضي شيئاً... إلى آخر الحديث» معناه: إذا أردت قضاء فريضة أو نافلة في وقت صلاة حاضرة، فتصلّي قبل الفريضة ركعتين نافلة (ثم صل الحاضرة المفهوم من الحديث) ثم أقض بعد الفريضة ما شئت .(1)
والشاهد في تقديم نافلة الحاضرة ومعها على الفائتة.
السابعة: ما رواه علي بن موسى بن طاووس في كتابه «غياث   2

1 . ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار: 4 / 351 .

صفحه 123
E سلطان الورى» عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: رجل عليه دين من صلاة، قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح ولم يصلّ صلاة ليلته تلك؟ قال: «يؤخّر القضاء ويصلّي صلاة ليلته تلك» (1).
وجه الدلالة: أنّ الظاهر من قوله: «من صلاة، قام يقضيه»، هو أنّه فاتته صلاة واحدة في وقت من الأوقات، فلمّا أراد أن يقضيها خاف من أمرين:
1. أن يدركه الصبح.
2. لم يصل النوافل الليلية.
فأجاب الإمام (عليه السلام)بأنّه يقدّم صلاة ليلته ثم يقضي ما فات، فلو كان القضاء فورياً لما جاز تقديم النوافل.
الثامنة: رواية جابر بن عبدالله، قال: قال رجل: يارسول الله، وكيف أقضي؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «صل مع كلّ صلاة مثلها»، قيل: يا رسول الله قبل أم بعد؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «قبل»(2).
ودلالته على المواسعة ظاهرة حيث يدلّ على أنّه يصلّي العصر مع العصر ويصبر حتّى يدخل المغرب فيصلي قضاء المغرب معها، فلو كانت المضايقة واجبة لما جاز الصبر. نعم ظاهر الرواية الإرشاد إلى بيان طريق يسهل فيه القضاء.
التاسعة: ما رواه الشيخ في «الاستبصار» عن فضالة، عن ابن مسكان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء   2

1 . الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 9 .
2 . مستدرك الوسائل: 6 / 430، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 9، وقد رواه عن أمالي السيد.

صفحه 124
E الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس» (1). والأمر بتقديم العشاء الآخرة على المغرب مبني على القول بامتداد بقاء وقتهما إلى الفجر ولما ضاق الوقت صار مختصّاً بالعشاء.
وجه الدلالة: أنّه أمره بتقديم الحاضرة على الفائتة مع سعة الوقت.
والظاهر أنّ التقييد بما قبل طلوع الشمس ليس لأجل المضايقة بل لدفع محذور الكراهة من الصلاة حال الطلوع لئلاّ يشبه عمله بعمل عبدة الشمس. ويدلّ على ما ذكرنا أيضاً الحديث التالي:
العاشرة: روى الشيخ في «التهذيب» عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في مَن نام ولم يصل المغرب والعشاء... إلى أن قال: «وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصل الفجر ثم المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس، فإن خاف أن تطلع الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصل المغرب ويدع العشاء الآخرة حتّى تطلع الشمس ويذهب شعاعها، ثم ليصلّها »(2).
وجه الدلالة: نفس ما ذكرناه في الرواية السابقة، من تقديم الحاضرة على الفائتة، بل هذه الرواية أوضح من سابقتها.
الحادية عشرة: روى صاحب المستدرك عن كتاب الصلاة للحسين بن سعيد الأهوازي عن صفوان، عن العيص بن القاسم، قال: سألت أبا   2

1 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 4 .
2 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 3 .

صفحه 125
E عبدالله (عليه السلام)عن رجل نسي أو نام عن الصلاة، حتّى دخل وقت صلاة أُخرى؟ فقال: «إن كانت الصلاة الأُولى فليبدأ بها، وإن كانت صلاة العصر فليصلّ العشاء، ثم يصلّي العصر»(1).
الظاهر أنّ مراده من الأُولى هو صلاة الظهر، أراد من انقضاء وقتها هو خروج وقت الفضيلة ودخول وقت فضيلة العصر، ولذلك ـ بقاء وقت الأجزاء ـ أمر بتقديم الأُولى بخلاف العصر فأمر بتأخيرها لأنّ انقضاء وقتها يساوق غروب الشمس.
والشاهد في قوله: «وإن كانت صلاة العصر فليصل العشاء ثم يصلّي العصر» فإنّ الضمير في قوله: «وإن كانت» يرجع إلى الفائتة وهي العصر، فقدم الأداء ـ مع كون الوقت وسيعاً ـ على القضاء .
الثانية عشرة: روى عبدالله بن جعفر في «قرب الإسناد» عن عبدالله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهم السلام)قال: سألته عن رجل نسي المغرب حتّى دخل وقت العشاء الآخرة؟ قال: «يصلّي العشاء ثم المغرب» (2).
نعم ظاهر الرواية خروج وقت المغرب بدخول وقت العشاء، وهو يوافق مذهب العامّة.
هذه جملة من الروايات الدالّة على المواسعة، والاستقصاء التام يدفعنا إلى ذكر روايات أُخرى تدعم مضمون ما سبق؟ ولكن اكتفينا باثنتي عشرة   2

1 . مستدرك الوسائل: 6 / 429، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 7 .

صفحه 126
E رواية تيمّناً بهذا العدد، وهناك روايات أُخرى تدلّ على المقصود نشير إليها في الهامش أعني:
1. ما رواه محمد بن مسلم. (1)
2. ما رواه ابن أبي يعفور .(2)
3. ما رواه الحسين بن أبي العلاء.(3)
ثم إنّ بعض ما ذكرنا من الروايات وإن كان قابلاً للخدشة والنقاش، ولكن المجموع من حيث المجموع يكفي في إفادة اليقين بعدم وجوب الفورية في القضاء. واللازم بعد ذلك دراسة أدلّة القول الثاني .

أدلّة القائلين بالمضايقة

استدلّ القائلون بالمضايقة بالأُمور التالية:
الأمر الأوّل: الروايات الواردة في تفسير قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري)، والاستدال بها يتمّ في مقامين:
المقام الأوّل: الروايات المشتملة على الآية .
المقام الثاني: تفسير الآية المذكورة.
وإليك الكلام في كلا المقامين.   2

1 . الوسائل: 3، الباب 39 من أبواب المواقيت، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 3، الباب 39 من أبواب المواقيت، الحديث 12 .
3 . الوسائل: 3، الباب 39 من أبواب المواقيت، الحديث 13 .

صفحه 127

E المقام الأوّل: الروايات المشتملة على الآية

1. صحيحة زرارة الواردة في نوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن صلاة الصبح وفيها قوله (عليه السلام): «مَن نسي شيئاً من الصلاة فليصلّها إذا ذكرها، فإنّ الله عزوجل يقول: (وأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري)» (1).
2. روى ابن أبي جمهور الأحسائي في «عوالي اللآلي» عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إنّ الله تعالى نهاكم عن الربا ولا يرضاه لنفسه، فَمَنْ نام عن فريضة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها ولا كفّارة له غير ذلك، إنّ الله تعالى يقول: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري) (2).
3. روى الشيخ أبو الفتوح في تفسيره عن قتادة عن أنس: قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها، إنّ الله تعالى يقول: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري)»(3).
4. ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أُخرى، فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت الّتي فاتتك كنت من الأُخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك، فإنّ الله عزوجل يقول: (وأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري)»(4).
والكلام في هذه الروايات يقع في موردين:
المورد الأوّل: في قوله (عليه السلام): «فليصلّها إذا ذكرها، إلخ» فربما يتبادر   2

1 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 6 .
2 . مستدرك الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 11 .
3 . مستدرك الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 12 .
4 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

صفحه 128
E إلى الذهن أنّ الفقرة بصدد بيان لزوم الإتيان عند ذكر الفائتة. والظاهر أنّ المراد به هو تنبيه السائل على عدم اعتبار المطابقة بين الأداء والقضاء في الزمان، لا لبيان وجوب المبادرة في أوّل الأزمنة، فلو فاتته فريضة ليلية وذكرها في النهار جاز له قضاؤها فيه، ويدلّ على ما ذكرنا من المعنى بعض الروايات منها:
أ. ما رواه نعمان الرازي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل فاته شيءٌ من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها؟ قال: «فليصلّ حين ذكره» (1).
فقوله: «فليصلّ حين ذكره» يفيد أمرين:
1. عدم وجوب المطابقة بين زمان الأداء والقضاء .
2. عدم المانع من القضاء في هذين الوقتين، وإن دلّ بعض الروايات على كراهة الصلاة فيهما للاجتناب عن التشبّه بعبدة الشمس .
وأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سُئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن القضاء قبل طلوع الشمس وبعد العصر؟ فقال: «نعم فإقضه فإنّه من سرّ آل محمد»(2)، فهي ناظرة إلى ردّ ما عليه العامّة من أنّه لا صلاة بعد صلاة الفجر ولا بعد صلاة العصر.
ب ـ ما رواه زرارة عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلاة لم يصلّها أو نام عنها ؟فقال (عليه السلام): «يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار»(3) .
فقوله: «يقضيها إذا ذكرها» إشارة إلى عدم وجوب الموافقة بين   2

1 . الوسائل: 3، الباب 39 من أبواب المواقيت، الحديث 16 .
2 . الوسائل: 3، الباب 39 من أبواب المواقيت، الحديث 17 .
3 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3.

صفحه 129
E زماني القضاء والأداء، لا إلى وجوب الفورية في القضاء، مضافاً إلى ما ذكرنا في الرواية المتقدّمة من أنّه لا مانع من أن يقضي بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر، حيث إنّ العامّة يرون أنّه لا صلاة بعدهما.
فحصيلة الكلام: أنّ قوله: «فليصلّها إذا ذكرها» ليس بمعنى التضييق في القضاء، ولا كون وقت الذكر وقتاً شرعياً للقضاء، بل المراد دفع شبهة لزوم الموافقة بين وقتي القضاء والأداء، أو إلى عدم المانع من قضائها بعد الصلاتين المذكورتين أو بعد طلوع الشمس وغروبها.
هذا هو المقام الأوّل في الروايات، واليك الكلام في المقام الثاني.
***

المقام الثاني: في تفسير قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري)

إنّ هذه الآية وردت في خلال خطابه سبحانه لنبيه موسى (عليه السلام)فقال: (إنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّني أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْني وَ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري )(1) ومن المعلوم أنّ الآية ليست ناظرة إلى الصلاة الفائتة الّتي فاتت موسى (عليه السلام)لجلالة شأن موسى أن تفوته الفريضة، على أنّ هذا الخطاب قد ورد في أوائل بعثة نبي الله موسى. فيكون ذكر الآية في هذه الروايات لمناسبة خاصّة وهو أنّ الباعث لإيجاب الصلاة هو ذكره سبحانه، فعلى هذا فلا فرق بين أدائها وقضائها، فكما يجب الأداء يجب القضاء أيضاً لوحدة الملاك، أي أقم الصلاة لذكرك إياي   2

1 . طه: 12 ـ 14 .

صفحه 130
E ولتكون ذاكراً على كلّ حال، وأين هذا من الدلالة على المضايقة.
تمّ الكلام في الأمر الأوّل الذي استدلّ فيه بروايات ورد فيها قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري) وإليك سائر الأُمور.
***
الأمر الثاني: صحيحة يعقوب بن شعيب، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتّى تبزغ الشمس، أيصلّي حين يستيقظ، أو ينتظر حتّى تنبسط الشمس؟ فقال: «يصلّي حين يستيقظ» قلت: يُوتر أو يصلّي الركعتين؟ قال: «بل يبدأ بالفريضة»(1).
وجه الاستدلال: قوله: «يصلي حين يستيقظ» ولكن الاستدلال غير تام لما عرفت من أنّ الرواية بصدد بيان عدم المنع من الصلاة وقت طلوع الشمس. وأمّا قوله: «بل يبدأ بالفريضة» إشارة إلى مسألة أُخرى وهي تقديم قضاء الفريضة على قضاء النافلة. ولا صلة لها بالمقام.
الثالث: موثّقة سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتّى طلعت الشمس؟ قال: «يصلّيها حين يذكرها، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رقد في صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس ثمّ صلاّها حين استيقظ، ولكنّه تنحّى عن مكانه ذلك ثمّ صلّى »(2) .
وموضع الاستدلال هو قوله: «يصلّيها حين يذكرها».
ويلاحظ عليه: أنّ الرواية على الخلاف أدّل لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يصلّ   2

1 . الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 4 .
2 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 5.

صفحه 131
E في نفس المكان الّذي فاتته فيه الصلاة، بل تنحّى عن مكانه وصلّى في مكان آخر، وأمّا قوله: «يصلّيها حين يذكرها»، فقد عرفت الغاية من هذه الجملة هي إفادة أمرين:
أ. عدم لزوم التطابق بين زماني الأداء والقضاء.
ب . جواز القضاء حين طلوع الشمس.
فبما أنّ السائل تصوّر وجود النهي في هذا الوقت تكون الجملة الخبرية واردة موقع رفع توهّم الحظر فتفيد الجواز لا الوجوب.
الرابع: ما رواه أبو ولاّد في المسافر القاصد المسافة وقد عدل عن قصده ذلك قبل الوصول إلى غايته وقد صلّى قصراً فقد جاء فيه قوله: «وإن كنت لم تسر في يومك الّذي خرجت فيه بريداً فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل] أن [ تؤم من مكانك ذلك، لأنّك لم تبلغ الموضع الّذي يجوز فيه التقصير حتّى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصّرت، وعليك إذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتّى تصير إلى منزلك »(1).
وتوهم أنّه أُمر بأداء الصلاة فوراً لأجل أن لا يخرج الوقت، مدفوع بما في صدر الحديث من أنّه بدا له الرجوع إلى الكوفة في الليل، وقد صلّى الظهرين.
فإنّ قوله بلزوم القضاء قبل أن يخرج من مكانه دليل واضح على المضايقة، ولكن الرواية غير معمول بها لعدم وجوب القضاء فيمن قصد المسافة وصلّى في أثناء الطريق ثم عدل عن سفره، وذلك لصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل   2

1 . الوسائل: 5، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

صفحه 132
E عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة الّتي كان صلاّها ركعتين؟ قال: «تمّت صلاته ولا يعيد»(1).
الخامس: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه سئل عن رجل يصلّي بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها؟ فقال: «يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها في ليل أو نهار، فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتمّ ما قد فاته فليقض مالم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة الّتي قد حضرت، وهذه أحقّ بوقتها، فليصلّها فإذا قضاها فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى، ولا يتطوّع بركعة حتّى يقضي الفريضة كلّها»(2).
الظاهر أنّ هذه الرواية أوضح ما في الباب، فدلالتها على المضايقة بوجوه:
1. قوله: «إذا ذكرها» فلو كان المقصود مجرد بيان القضاء يكفي قوله (يقضيها) من دون حاجة
إليه .
2. قوله: «في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار» فإنّ التأكيد آية الفورية.
3. قوله: «فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة الّتي قد حضرت» فإنّ التأكيد على إتيان الفائتة ما دام الوقت باق، آية المضايقة .
4. قوله: «ولا يتطوع بركعة حتّى يقضي الفريضة كلّها» فإنّ المنع ـ   2

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3 .

صفحه 133
E عن التطوّع حتّى بركعة لغاية قضاء الفريضة الّتي هي أعمّ من الحاضرة والفائتة ـ آية المضايقة.(1)
وحصيلة الكلام: أنّ هذه الروايات تهدف إلى أُمور لا صلة لها بالمضايقة :
1. أمّا الآية فهي تدلّ أن ما هو الداعي لإقامة الصلاة أداءً هو الداعي لإتيانها قضاءً، فيجب القيام بكلا الأمرين امتثالاً لقوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاَةَ).
2. أمّا الروايات الّتي تقيّد وجوب القضاء بقوله: «إذا ذكرها» فإنّ الجملة ناظرة إلى عدم وجوب المطابقة بين وقتي الأداء والقضاء.
3. كما أنّ المراد من الروايات الّتي تتضمّن هذه الجملة هو عدم المحظور في القضاء عند طلوع الشمس وغروبها، أو بعد صلاة الصبح والعصر.
وأمّا صحيحة أبي ولاّد فلا محيص من حملها على الاستحباب لوجود المعارض.
وأمّا الوجوه المذكورة في صحيحة زرارة فالوجهان الأوّلان لا دلالة فيهما على الفورية، لما عرفت من أنّ الغاية من الأمر بالقضاء عند الذكر، أو الأمر بالقضاء في أي ساعة ذكرها، هو لغاية بيان عدم شرطية الوحدة في الوقت، فالفائتة ليلاً تقضى نهاراً وبالعكس.
نعم لا بأس بالوجهين الأخيرين لكن إنّما يتمّ الاستدلال بها على المضايقة إذا لم يوجد دليل واضح على المواسعة، ولذلك تحمل الرواية على الاستحباب.   2

1 . كتاب أحكام الصلاة، تقرير دروس آية الله شيخ الشريعة الأصفهاني، بقلم تلميذه الشيخ محمد حسين السبحاني: 293 .

صفحه 134
E ومنه يظهر حال الاستدلال برواية زرارة الطويلة، حيث أمر فيها (عليه السلام)بالعدول، وقال: «إذا نسيت الظهر حتّى صلّيت العصر وذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأُولى ثم صل العصر، وإنما هي أربع مكان أربع. وإن ذكرت أنّك لم تصل الأُولى وأنت في صلاة العصر وقد صلّيت منها ركعتين فانوها الأُولى، ثم صل العصر الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر.
وإن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر ثم قم فأتمّها ركعتين ثم تسلم ثم تصلّي المغرب...» (1).
يلاحظ عليه: أنّ الفقرتين الأُوليين لا تصلحان للاستدلال، لأنّ المفروض فيها أنّ الحاضرة مترتّبة على الفائتة كالعصر المترتّبة على الظهر.
نعم ما جاء في الفقرة الأخيرة يصلح للاستدلال حيث أمر بالعدول من المغرب إلى العصر فلولا وجوب تقديم الفائتة لما أمر بالعدول.
والجواب: أنّ الاستدلال بها جيّد لو لم يكن هناك دليل واضح على المواسعة فتحمل على الاستحباب.
وإذا تأمّل الفقيه في ما استدلّ به على المضايقة يقف على أنّها وردت في مورد توهم الحظر من عدم جواز الإتيان بالقضاء إلاّ في مثل وقته، فالأمر في مثله لا يستفاد منه إلاّ رفع الحظر وتكون النتيجة الجواز لا الوجوب، والله العالم.
***

1 . الوسائل: 3، الباب 63 من أبواب المواقيت. الحديث 1.

صفحه 135
المسألة 28: لا يجب تقديم الفائتة على الحاضرة، فيجوز الاشتغال بالحاضرة ـ في سعة الوقت ـ لمن عليه قضاء، وإن كان الأحوط تقديمها عليها.*

* تقديم الفائتة على الحاضرة

هذه هي المسألة الثالثة (1) الّتي أوعزنا إليها في صدر المسألة الثانية، ووجه التفكيك هو أنّ مصبّ الثانية هو احتمال الوجوب التكليفي بأن يجب تقديم الفائتة على الحاضرة على نحو لو خالف عصى، ولكنّ مصب المسألة الثالثة هو الوجوب الشرطي بأن تكون صحّة الحاضرة مشروطة بتقديم الفائتة، والبحث عن الوجوب التكليفي وعدمه لا يغني عن الوجوب الشرطي وعدمه .
ومع ذلك كلّه ففي لزوم التفكيك تأمل; وذلك لأنّه إذا ثبت عدم الوجوب تكليفاً ينتقل منه العرف إلى عدم كونه شرطاً، فحمل ما دلّ على المواسعة على خصوص التكليفي خلاف المتلقّى للعرف.
وبعبارة أُخرى: إذا دلّت الروايات السابقة على عدم وجوب تقديم الفائتة ينتقل منها العرف إلى عدم الشرطية، فيكون البحث الأوّل مغنياً عن الثاني.
نعم التفكيك بين الوجوبين أمر معقول فيما إذا كان دليل صريح على التفكيك كطلاق الحائض، أو طلاق الزوجة الطاهرة مع عدم حضور عدلين. فالحرمة فيهما وضعي لا تكليفي.
ومع ذلك فبين المسألتين عموم وخصوص مطلق لصدق المسألة   2

1 . ويأتي الكلام في المسألة الرابعة وهي جواز التطوّع في وقت الفريضة.

صفحه 136
E السابقة فيما إذا كان عليه فرائض ولم يدخل وقت الفريضة فيقع الكلام في تقديم الفائتة، على غير الضروري من الأُمور أو لا، ولا يصدق في تقديم الفائتة على الحاضرة.
إذا علمت ذلك فأعلم أنّ فهم الروايات التالية الّتي استدل بها على شرطية تقدّم الفائتة لصحّة الحاضرة، يتوقّف على أمرين:
1. معرفة وقت الإجزاء ووقت الفضيلة لكلّ من الظهرين والعشائين، فوقت فضيلة الظهر من الزوال إلى بلوغ الظل مثل الشاخص، ووقت فضيلة العصر من المثل إلى المثلين، ووقت فضيلة المغرب إلى ذهاب الشفق، ووقت فضيلة العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل، ووقت فضيلة الصبح من طلوع الفجر إلى حدوث الحمرة في المشرق.
إنّ الفترة الفاصلة بين الزوال وغروب الشمس هي وقت الإجزاء ولكن لكلّ من الصلاتين وقت، فضيلة وهكذا المغرب والعشاء فبين غروب الشمس إلى نصف الليل وقت الإجزاء ولكن لكلّ من الصلاتين وقت فضيلة. نعم يختصّ مقدار أربع ركعات من أوّل الوقت، للظهر ومثلها من آخره للعصر، وهكذا المغرب والعشاء.
2. أنّ السيرة في عصر صدور الروايات كانت على تفكيك الصلاتين وإيقاع كلّ في وقت فضيلته، فلو ورد أنّه نسي صلاة الظهر إلى أن دخل وقت صلاة العصر إنّما يُراد به مضي وقت فضيلة الظهر لا الإجزاء، وهكذا الحال في المغربين.
إذا عرفت ما ذكرنا تقف على أنّ ما استدلّ به على الشرطية غير   2

صفحه 137
E واف لمقصودهم، وإليك الروايات:

ما استدلّ به على وجوب تقديم الفائتة

1. ما رواه القاسم بن عروة عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أُخرى، فإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت الّتي فاتتك كنت من الأُخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك، فإنّ الله عزوجل يقول: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري) وإن كنت تعلم أنّك إذا صلّيت الّتي فاتتك، فاتتك الّتي بعدها فابدأ بالتي أنت في وقتها واقض الأُخرى» (1).
والسند لا بأس به فإنّ قاسم بن عروة وثّقه المفيد في المسائل الصاغانية وقد روى عنه الأجلاّء كابن أبي عمير والبزنطي وابن فضّال والحسين بن سعيد وعلي بن مهزيار وله أكثر من مائة وخمس وعشرين رواية، والشاهد في قوله: «أنّك إذا صلّيت الّتي فاتتك كنت من الأُخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك» حيث أمر بتقديم الفائتة على الحاضرة إذا كان الوقت وسيعاً، وهذا ممّا لا كلام في دلالة الرواية عليه.
إنّما الكلام في تعيين المراد من الوقت في قوله: «في وقت» والاستدلال مبني على كون المراد من الوقت وقت الإجزاء، فتقدّم الفائتة كالغداة وغيرها على الحاضرة ما دام وقت الإجزاء باقياً وإلاّ فتقدّم الحاضرة، لكن الحق أنّ المراد هو وقت الفضيلة لا وقت الإجزاء، ومعنى ذلك أنّه لو كان وقت الفضيلة ضيّقاً، تقدّم الظهر على الغداة، لئلاّ يفوت وقت فضيلة الظهر، وعلى هذا فالرواية   2

1 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 2 .

صفحه 138
E على الخلاف أدّل، فالمراد من الوقت في الرواية هو وقت الفضيلة لا وقت الإجزاء فقد فصّل الإمام بين بقاء وقت الفضيلة فتقدّم الفائتة وعدم بقائه فتقدّم الحاضرة، فقد قدّم الحاضرة على الفائتة مع بقاء وقت الإجزاء للحاضرة، لأنّ المفروض أنّ وقت الإجزاء للحاضرة أوسع من وقت الفضيلة، فإنّ وقت الفضيلة يتم بصيرورة الظل مثله ولكن وقت الإجزاء باق إلى قبيل الغروب، فدلالة الرواية على جواز تقديم الحاضرة أظهر.
2. ما رواه أبو بصير، قال: سألته عن رجل نسي الظهر حتّى دخل وقت العصر؟ قال: «يبدأ بالظهر .
وكذلك الصلوات تبدأ بالتي نسيت إلاّ أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي أنت في وقتها ثمّ تقضي الّتي نسيت »(1).
المراد من الوقت في الرواية في الموضعين وقت الفضيلة، وعلى هذا فندرس كلتي فقرتي الرواية.
فالفقرة الأُولى: مَن نسي الظهر حتّى دخل وقت العصر ،قال: «يبدأ بالظهر» لشرطية الترتّب، وقد تقدّم أنّ تقديم الفائتة هنا أمر مسلّم. فالفائتة قد خرج وقت فضيلتها لا وقت إجزائها.
الفقرة الثانية: «وكذلك الصلوات، تبدأ بالتي نسيت إلاّ أن تخاف أن يخرج وقت الصلاة، فتبدأ بالتي أنت في وقتها ثم تقضي الّتي نسيت» فهي محمولة على مثل صلاة الغداة إذا ذكرها وهو في وقت فضيلة الظهر، فإن كان وقت الفضيلة وسيعاً تُقدّم الفائتة وإن كان ضيّقاً تُقدّم الظهر على الفائتة ثم   2

1 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 8 .

صفحه 139
E يأتي بالصلاة الّتي نسيها، فإنّ تقديم الفائتة على الحاضرة لأجل سعة وقت فضيلة الثانية، كما أنّ تقدّم الثانية على الفائتة لأجل ضيق وقت فضيلة الحاضرة، فالرواية على خلاف مقصود المستدلّ أدلّ حيث إنّ وقت الإجزاء للحاضرة باق إلى قبيل الغروب مع أنّ الإمام أمر بتأخير الفائتة. لأجل درك فضيلة الحاضرة.
ومثل ذلك إذا تذكّر في وقت فضيلة المغرب فواتَ العصر، فتقدّم الفائتة إلاّ إذا لزم من تقديمها خروج وقت الفضيلة فيقدّم المغرب على الفائتة مع بقاء وقت الحاضرة إلى نصف الليل.
3. روى معمر بن يحيى قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل صلّى على غير القبلة، ثمّ تبيّنت القبلة وقد دخل وقت صلاة أُخرى؟ قال: «يعيدها قبل أن يصلّي هذه الّتي قد دخل وقتها»(1).
والرواية محمولة على المترتبتين ومن المعلوم أنّه يجب تقديم الفائتة الّتي تترتّب عليها صحّة الحاضرة، ولذلك أمر بالتقديم على وجه الإطلاق من دون تقييد بسعة وقت فضيلة الحاضرة وضيقه.
4. ما رواه صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل نسي الظهر حتّى غربت الشمس، وقد كان صلّى العصر؟ فقال: «كان أبو جعفر (عليه السلام)أو كان أبي يقول: إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها، وإلاّ صلّى المغرب ثم صلاّها »(2).
دلّت الرواية على تقديم فائتة الظهر على المغرب عند التمكّن منه   2

1 . الوسائل: 3، الباب 9 من أبواب القبلة، الحديث 5.
2 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 7 .

صفحه 140
E ولكن يظهر المقصود من الرواية بمثل ما ذكرنا حول الروايات السابقة، فإنّ المراد من قوله: «قبل أن تفوته المغرب» هو وقت الفضيلة الّذي ينتهي بانتهاء الحمرة المغربية والّتي يعبر عنه بذهاب الشفق، فلو أمكن الجمع بين قضاء الظهر وصلاة المغرب في وقت فضيلتها تُقدّم الظهر وإلاّ تُقدّم المغرب لإدراك وقت فضيلتها، مع بقاء وقت الإجزاء إلى قريب من نصف الليل، وعلى هذا فالرواية على خلاف المقصود أدلّ، إذ مع جواز تأخير المغرب إلى منتصف الليل أمر الإمام بتقديمها وتأخير الظهر.
5. صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبدالله، وبما أنّ الرواية مؤلّفة من فقرات ثلاث لكلّ فقرة مورد خاص، نفصّل كلّ فقرة عمّا تقدّمها:
أ. قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل نسي صلاة حتّى دخل وقت صلاة أُخرى؟ فقال: «إذا نسي الصلاة أونام عنها صلّى حين يذكرها.
ب. فإذا ذكرها وهو في ] وقت [ صلاة بدأ بالتي نسي، وإن ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعة ثم صلّى المغرب ثم صلّى العتمة بعدها.
ج . وإن كان صلّى العتمة وحده ] بدأ بها [ فصلّى منها ركعتين ثم ذكر أنّه نسي المغرب أتمّها بركعة فتكون صلاته للمغرب ثلاث ركعات ثمّ يصلّي العتمة بعد ذلك »(1).
أقول: أمّا الفقرة الأُولى فالمنسيّة والحاضرة بقرينة قوله: «حتّى دخل وقت صلاة أُخرى» من قبيل المترتبتين كالظهرين والعشائين، فعندئذ تقدّم   2

1 . الوسائل: 3، الباب 63 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

صفحه 141
E الفائتة على الحاضرة حتّى مع العدول إليها لأجل ترتّب الثانية على الأُولى.
وأمّا الفقرة الثانية فهي محمولة على غير المترتبتين، كالعصر والمغرب، فظاهر قوله: «فإن ذكرها وهو في صلاة، بدأ بالتي نسي» هو تقديم الفائتة على الحاضرة، على نحو لو كان مع إمام في صلاة المغرب أضاف إليها ركعة ليحسبها عصراً ثم صلّى المغرب ثم صلّى العتمة. والفقرة تدلّ على مقصود المستدلّ حيث يقدّم العصر على المغرب حتّى لو اقتدى بإمام بنيّة المغرب يعدل إلى العصر.
وأمّا الفقرة الثالثة فهي أيضاً مترتّبة على المترتبتين لكون المنسية المغرب والحاضرة هي العتمة.
ثم إنّ السيد البروجردي أجاب عن الاستدلال بالفقرة الثانية بأنّه يدلّ على تقديم الفائتة على الحاضرة في صلاتين متّصلتين ليس بينهما صلاة أُخرى كالعصر والمغرب، ولا تدلّ على العدول إذا لم يكونا متصلتين كالغداة بالنسبة إلى المغرب .(1)
يلاحظ عليه: أنّ الرواية عندئذ تصير دليلاً على تقديم الفائتة إذا لم تكن بين الصلاتين صلاة أُخرى، وهل هو يلتزم بذلك؟
وأجاب عنه السيد الخوئي بأنّها بصدد بيان حكم الفائتة في حدّ ذاتها وأنّ المبادرة إليها حينما يذكرها محبوبة دون أن تكون المبادرة شرطاً لصحّة الحاضرة.   2

1 . تبيان الصلاة: 7 / 202 .

صفحه 142
E يريد أنّ المبادرة كما يمكن أن يكون شرطاً لصحّة الحاضرة، يحتمل أن يكون البداء بالفائتة حال تزاحم وقت الحاضرة أمراً مستحباً.
6. صحيحة زرارة الطويلة الآمرة بإتيان الفائتة قبل الحاضرة، وبالعدول منها إليها لو ذكرها في الأثناء.
روى بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا نسيت صلاة أو صلّيتها بغير وضوء وكان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهن فأذّن لها وأقم ثمّ صلّها، ثمّ صلّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة»، وقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «وإن كنت قد صلّيت الظهر وقد فاتتك الغداة فذكرتها فصلّ الغداة أيّ ساعة ذكرتها ولو بعد العصر، ومتى ما ذكرت صلاة فاتتك صلّيتها، وقال: إذا نسيت الظهر حتّى صلّيت العصر فذكرتها وأنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأُولى ثمّ صلّ العصر، فإنّما هي أربع مكان أربع وإن ذكرت أنّك لم تصلّ الأُولى وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين (فانوها الأُولى) ثمّ صلّ الركعتين الباقيتين وقم فصلّ العصر.
وإن كنت قد ذكرت أنّك لم تصلّ العصر حتّى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصلّ العصر ثمّ صلّ المغرب، فإن كنت قد صلّيت المغرب فقم فصلّ العصر .
وإن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثمّ ذكرت العصر فانوها العصر (ثمّ قم فأتمها ركعتين) ثمّ تسلّم ثمّ تصلّي المغرب، فإن كنت قد صلّيت العشاء الآخرة ونسيت المغرب، فقم فصل المغرب وإن كنت ذكرتها وقد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثمّ سلم ثمّ قم   2

صفحه 143
E فصلّ العشاء الآخرة; فإن كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتّى صلّيت الفجر فصلّ العشاء الآخرة، وإن كنت ذكرتها وأنت في الركعة الأُولى أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثمّ قم فصلّ الغداة وأذّن وأقم.
وإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعاً فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة، ابدأ بالمغرب ثمّ العشاء فإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بهما فابدأ بالمغرب ثم الغداة ثمّ صلّ العشاء، وإن خشيت أن تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصلّ الغداة ثمّ صلّ المغرب والعشاء، ابدأ بأوّلهما، لأنّهما جميعاً قضاء أيّهما ذكرت فلا تصلّهما إلاّ بعد شعاع الشمس».
قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: «لأنّك لست تخاف فوتها».(1)
ومحل الاستدلال هو الفقرات التالية:
1. قوله (عليه السلام): «وإن كنت قد ذكرت أنّك لم تصل العصر حتّى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها فصلّ العصر ثم صل المغرب» حيث دلّت على لزوم تقديم العصر الفائتة مالم يخف فوت صلاة المغرب.
يلاحظ عليه: بما ذكرنا كراراً من أنّ المراد من فوت وقت المغرب هو وقت الفضيلة لا الإجزاء، فتقديم المغرب على العصر عند الخوف من فوت وقت الفضيلة دليل على جواز تقديم الحاضرة على الفائتة مع بقاء وقت الإجزاء; لأنّ وقت المغرب باق إلى نصف الليل، فالأمر بتقديم المغرب عند الخوف من فوت وقت فضيلتها، دليل على الجواز.   2

1 . الوسائل: 3، الباب 63 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .

صفحه 144
E 2. قوله (عليه السلام): «وإن كنت قد صلّيت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فأنوها العصر ثم قم فأتمّها ركعتين ثم تسلّم ثم تصل المغرب».
وجه الدلالة: أنّ الإمام حكم بالعدول من الحاضرة إلى الفائتة فيما إذا كان التذكّر في الأثناء، ولولا اعتبار الترتّب بين الصلاتين، لم يكن وجه للحكم بالعدول.
يلاحظ عليه: أنّ الأمر بالعدول يمكن أن يكون لأحد وجهين:
أ ـ اشتراط صحّة الحاضرة بقضاء الفائتة فيكون دليلاً على قول المستدلّ.
ب ـ الإتيان بالفائتة على وجه البدار أفضل وأحبّ إلى المولى، فلا يكون دليلاً على قول المستدلّ.
وبه يظهر الجواب عن الاستدلال بالفقرة التالية.
3 . قوله (عليه السلام): «فإن كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعاً فابدأ بهما قبل أن تصلّي الغداة» حيث دلّت على لزوم تقديم الفائتتين على الغداة الحاضرة.
يلاحظ عليه: بما ذكرناه في الفقرة المتقدّمة من أنّ الأمر بالتقديم لأجل استحباب البدار، لا شرطية التقديم لصحّة الحاضرة .
ثم إنّ في هذه الرواية أمرين :
أ. ما يدلّ على خلاف المقصود، أعني قوله (عليه السلام): «وإن ذكرت أنّك لم تصل الأُولى وأنت في صلاة العصر وقد صلّيت منها ركعتين فانوها الأُولى ثم صلّ الركعتين الباقيتين وقم فصل العصر، وإن كنت قد ذكرت أنّك لم تصل العصر حتّى دخل وقت المغرب ولم تخف فوتها، فصل العصر ثم صل المغرب».   2

صفحه 145
E وقد مرّ أن المراد من الوقت هو وقت الفضيلة، فقد حكم الإمام بحكم المفهوم بجواز تقديم المغرب على العصر إذا خاف فوت وقت الفضيلة مع بقاء وقت الإجزاء.
ب. إنّ ظاهر قوله (عليه السلام): «أيّهما ] المغرب والعشاء [ ذكرت، فلا تصلّهما إلاّ بعد شعاع الشمس» حيث إنّ تأخير قضائهما بعد شعاع الشمس، دليل على المواسعة في المسألة الثانية، فمن قال بالمواسعة في المسألة السابقة صحّ له القول بعدم الشرطية في هذه المسألة، لما عرفت من الملازمة العرفية بين الجواز التكليفي وعدم الشرطية.

ما يدلّ على جواز تأخير الفائتة

قد عرفت ما يمكن الاستدلال به على لزوم التقديم باعتبار أنّه شرط لصحّة الحاضرة، وقد مرّ عدم تمامية دلالتها، وفي مقابل هذه الروايات يوجد ما يدلّ على الجواز، منها:
1. صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن نام رجل ولم يصلّ صلاة المغرب والعشاء أو نسي، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، وإن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الفجر، ثمّ المغرب، ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس»(1) .
وجه الدلالة: هو أنّه (عليه السلام)حكم بجواز تقديم الحاضرة ـ أعني: الفجر ـ على الفائتتين: المغرب والعشاء الآخرة مع سعة الوقت لتقديمهما وتأخير الفجر.   2

1 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 3.

صفحه 146
E نعم صدر الرواية ظاهر في بقاء وقت العشائين إلى طلوع الفجر وهو مخالف للمشهور، وإن التزم به بعض القدماء.
2. صحيح ابن مسكان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن نام رجل أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلهما، وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، وإن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح، ثم المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس»(1).
وجه الدلالة واضح حيث قال: «وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس»، حيث قدّم الحاضرة على الفائتتين.
3 . ما رواه فضالة بن أيوب، عن ابن سنان ـ يعني: عبدالله ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام)مثله .(2)
4. ما رواه عمّار بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتّى تطلع الشمس وهو في سفر، كيف يصنع؟ أيجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال: «لا يقضي صلاة نافلة ولا فريضة بالنهار، ولا يجوز له ولا يثبت له، ولكن يؤخّرها فيقضيها بالليل».(3)
وجه الدلالة: أنّ الإمام (عليه السلام)أمر بتأخير قضاء صلاة الفجر إلى الليل مع   2

1 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 4.
2 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، ذيل الحديث 4; ولاحظ: التهذيب: 2 / 270، برقم 1076 .
3 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 6 .

صفحه 147
E أنّه يصلّي الظهر والعصر نهاراً، وهما فريضتان، فلو وجب تقديم الفائتة على الحاضرة يجب أن يصلّي الفجر ثم الظهرين، مع أنّ الإمام (عليه السلام)أمر بالعكس. ولعلّ الأمر بتأخير الفائتة إلى الليل لأجل الحرج في النهار حيث إنّ السير كان في اليوم والنزول في الليل .
5. روى الحر العاملي عن «قرب الإسناد» عن عبدالله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن رجل نسي المغرب حتّى دخل وقت العشاء الآخرة؟ قال: «يصلي العشاء ثم المغرب»(1). ودلالته على المقصود واضحة لكن فيها إشكال سيوافيك.
6. وبالاسناد قال: وسألته عن رجل نسي العشاء فذكر بعد طلوع الفجر، كيف يصنع؟ قال: «يصلّي العشاء ثمّ الفجر» (2).
7. وبالاسناد قال: وسألته عن رجل نسي الفجر حتّى حضرت الظهر؟ قال: «يبدأ بالفجر ثم يصلّي الظهر، كذلك كُلُّ صلاة بعدها صلاة»(3).
يلاحظ على الاستدلال بالروايات الثلاث بأنّ الرواية الأُولى فهي وإن كانت تدلّ على المطلوب وهو تأخير الفائتة، حيث قدّم العشاء الحاضرة على المغرب الفائتة، لكنّه لا يتم إلاّ على مذهب أهل السنّة حيث قالوا بخروج وقت المغرب بدخول وقت العشاء وأنكروا الوقت المشترك، فبذهاب   2

1 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 7 .
2 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 8 .
3 . الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 9. هكذا في طبعة طهران وفي طبعة آل البيت: يبدأ بالظهر ثم يصلّي الفجر.

صفحه 148
E الحمرة المغربية يذهب وقت المغرب ويدخل وقت العشاء، فالاستدلال تام لكن مبني على أساس باطل. اللّهم إلاّ أن تحمل الرواية على الوقت المختص بالعشاء وهو بعيد خصوصاً بعد ملاحظة قوله: «حتّى دخل للوقت» الظاهر أوّل الوقت للعشاء .
وأمّا الرواية الثانية فهي تدلّ على العكس حيث قدّم العشاء الفائتة، على الفجر (الحاضرة)، وأمّا الرواية الثالثة فعلى ما ذكرنا في المتن تقدّم الحاضرة على الفائتة فيكون دليلاً على المقصود وأمّا على نسخة آل البيت فعلى العكس .
8 . ما رواه الشهيد في «الذكرى» عن إسماعيل بن جابر، قال: سقطت عن بعيري فانقلبت على أُمّ رأسي فمكثت سبع عشرة ليلة مغمى عليّ، فسألته عن ذلك، فقال (عليه السلام): «اقض مع كلّ صلاة صلاةً»(1).
أقول: إنّ الرواية تدل على أمرين:
الأوّل: جواز المواسعة وعدم لزوم الاشتغال بالفوائت طول اليوم، بل يكفي أن يصلّي مع كلّ صلاة صلاةً.
الثاني: تدلّ على جواز تأخير الفائتة حيث إنّه يصلّي الفريضة ثم الفائتة.
9. ما ورد في الفقه الرضوي، أنّه سُئل العالم عن رجل نام أو نسي فلم يصل المغرب والعشاء؟ قال: «إن استيقظ قبل الفجر بقدر ما يصلّيهما جميعاً يصلّيهما، وإن خاف أن يفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، فإن استيقظ بعد الصبح فليصل الصبح، ثم المغرب، ثم العشاء قبل طلوع الشمس»(2).   2

1 . الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 15 .
2 . الفقه الرضوي: 10، ولاحظ مستدرك الوسائل: 6 / 427، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1 .

صفحه 149
E وجه الدلالة: أنّه إذا استيقظ بعد الصبح يقدّم الحاضرة (أعني: الصبح) ويؤخّر الفائتة (أعني: المغرب والعشاء).
10. ما رواه ابن طاووس في الرسالة عن كتاب الصلاة للحسين بن سعيد ما لفظه: صفوان عن العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل نسي أو نام عن الصلاة حتّى دخل وقت الصلاة الأُخرى؟ فقال (عليه السلام): «إن كانت صلاة الأُولى فيبدأ بها، وإن كانت صلاة العصر فليصل العشاء ثم يصلّي العصر» .(1)
أُريد بالصلاة الأُولى، صلاة الظهر، وأمّا وجه التفصيل بين صلاتي الظهر والعصر هو بقاء وقت الإجزاء بالنسبة إلى الظهر، ولذا أمر بتقديمها على العصر; بخلاف صلاة العصر لانقضاء وقت إجزائها بدخول الليل، ولذا أمر بتقديم العشاء.
والشاهد في تقديم الحاضرة ـ أعني: العشاء ـ وتأخير الفائتة ـ أعني: العصر ـ .
11. ما ذكره ابن طاووس عن كتاب الفاخر للجعفي ـ الّذي ذكر في أوّله أنّه لا يذكر فيه إلاّ المجمع عليه وما صحّ عنده عن قول الأئمة ـ أنّه قال: «والصلوات الفائتة تقضين ما لم يدخل عليه وقت صلاة، فإذا دخل عليه وقت صلاة بدأ بالتي دخل وقتها وقضى الفائتة متى أحبّ»(2).
12. وقد مرّ الكلام فيما رواه الحسن بن الوشا، عن رجل، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، فلاحظ المسألة السادسة عشرة.   2

1 . بحار الأنوار: 88 / 329 .
2 . بحار الأنوار: 88 / 328 .

صفحه 150
E هذا ما يمكن الاستدلال به على جواز تأخير الفائتة على الحاضرة، وقد عرفت ما يدلّ على العكس.

الجمع بين الطائفتين

قد وقفت على طائفتين من الروايات المتعارضتين (على فرض تمامية الاستدلال بروايات الطائفة الأُولى وقد مرّ عدم تماميتها) فإن أمكن الجمع الدلالي بينهما فهو، وإلاّ فيرجع إلى المرجّحات، والظاهر إمكان الجمع الدلالي، وذلك بحمل ما دلّ على تقديم الفائتة على الاستحباب بقرينة ما يدلّ على جواز تقديم الحاضرة على الفائتة. ويشهد على ما ذكرنا من الجمع ما رواه صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن رجل نسي الظهر حتّى غربت الشمس وقد كان صلّى العصر؟ فقال: «كان أبو جعفر (عليه السلام)أو كان أبي يقول: إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوت المغرب بدأ بها، وإلاّ صلّى المغرب ثم صلاّها»(1).
ويدلّ على الاستحباب أمران:
الأوّل: أنّه لو كانت الفائتة غير مزاحمة لدرك وقت فضيلة صلاة المغرب فتقدّم، وإلاّ فتقدّم صلاة المغرب الحاضرة على الفائتة، ولو كان تقديم الفائتة واجباً لوجب تأخير المغرب إلى نهاية وقت إجزائها.
الثاني: لو كان التقديم واجباً لما نسبه إلى أبيه أبي جعفر (عليه السلام).
وهل الاستحباب مشروط بعدم فوت وقت فضيلة الحاضرة أو لا؟   2

1 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 7 .

صفحه 151
E الظاهر هو الأوّل لتأكيد قسم من الروايات عليه .
ويمكن القول بحمل الأخبار على التخيير وأنّ المكلّف مخيّر بين الأمرين وأن كون الوقت للحاضرة لا يمنع من تقديم الفائتة، فعندئذ تكون الأخبار الدالّة على تقديم الفائتة على الحاضرة واردة في مقام توهّم الحظر، حيث إنّ السائل يتوهّم حرمة التقديم لأجل كون الوقت للحاضرة، فيكون الأمر بالتقديم لرفع الحظر .
وبالجملة ما دلّ على أنّ صاحب الوقت أحقّ ربما يورث توهّم لزوم تقديم الحاضرة على الفائتة، عندئذ فالأخبار الدالّة على العكس ـ أي تقديم الفائتة على الحاضرة ـ لرفع هذا التوهّم وأنّه لا مانع من التقديم.
إلى هنا تمّ الكلام في ما يدلّ على المسألة الثالثة.
بقي الكلام في بعض التفاصيل الّتي أشار إليها المصنّف في المتن التالي:

صفحه 152
«خصوصاً في فائتة ذلك اليوم، بل إذا شرع في الحاضرة قبلها، استحبّ له العدول منها إليها إذا لم يتجاوز محلّ العدول» *.
* أشار المصنّف في كلامه هذا إلى فرعين:
الأوّل: وجوب تقديم الفائتة إن ذكرها في نفس يومها.
الثاني: استحباب العدول إلى الفائتة إذا شرع بالحاضرة، ولم يتجاوز محلّ العدول. وإليك دراستهما.

الفرع الأوّل: وجوب تقديم الفائتة إن ذكرها في نفس اليوم

أشار المصنّف إلى وجوب تقديم الفائتة إن ذكرها في يوم الفوات واستحباب تقديمها إن لم يذكرها فيه متحدة كانت أو متعددة وهو خيرة العلاّمة(1)، وقال في «الجواهر» ـ بعد نقل هذا القول ـ : ولم نعرف مَن سبقه إليه، ولا مَن لحقه عليه عدا ما يُحكى عن ابن الصائغ في شرح الإرشاد، ولعلّ مصدره ما رواه صفوان عن أبي جعفر (عليه السلام)في قوله: «إن أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها».(2)
يلاحظ عليه: أنّه محمول على الاستحباب بشهادة الذيل حيث قال: «وإلاّ صلّى المغرب ثم صلاها» حيث قدّم المغرب مع سعة وقتها.
وهناك تفصيل آخر لم يُشر إليه المصنّف وهو التفصيل بين اشتغال الذمّة بفائتة واحدة، سواء أكانت من ذلك اليوم أم من غيره، وبين اشتغالها   2

1 . مختلف الشيعة: 3 / 6 .
2 . الوسائل: 3، الباب 62 من أبواب المواقيت، الحديث 7. وقد مرّ نص الحديث بتمامه في البحث السابق.

صفحه 153
E بفوائت متعدّدة، فيجب التقديم في الأوّل دون الثاني، وهذا القول هو الّذي استجوده الشهيد في «غاية المراد» حيث قال: لا يخلو من قوة.(1) ويمكن أن يكون المستند هو رواية عبدالرحمن بن أبي عبدالله في قوله: عن رجل نسي صلاةً حتّى دخل وقت صلاة أُخرى، فقال (عليه السلام): «إذا نسي الصلاة أو نام عنها، صلّى حين يذكرها» (2).
والشاهد هو قوله: «نسي صلاةً» بالتنوين الدالّ على التنكير الدالّ على الوحدة.
وفيه مضافاً إلى أنّ التعبير ورد في كلام الراوي ومثله لا تستفاد منه الخصوصية، أي الفرق بين الواحدة وغيرها. قد مرّ أنّه لا يدلّ على الوجوب لما عرفت من أنّ معنى قوله: «صلّى حين يذكرها» هو عدم شرطية المماثلة بين وقت الأداء والقضاء، حتّى أنّ السيد البروجردي يفسّر هذه الجملة بأنّ المراد منها ما هو المتعارف في محادثاتنا حيث يقول أحد: إنّي نسيت مثلاً فعلاً كذا، فتجيبه: لا مانع إفعله إذا ذكرت، والغرض رفع توهّم ارتكاب الخطأ في النسيان.(2)

الفرع الثاني: وهو استحباب العدول إلى الفائتة إذا شرع بالحاضرة

ذكر المصنّف أنّه إذا شرع في الحاضرة قبل الفائتة استحبّ له العدول منها إليها إذا لم يتجاوز محل العدول، وقد مرّ ما يدلّ على ذلك في رواية زرارة الطويلة وغيرها.

1 . غاية المراد: 1 / 116 .   2 . الوسائل: 3، الباب 63 من أبواب المواقيت، الحديث 2.
2 . لاحظ: تبيان الصلاة: 7 / 186.

صفحه 154
المسألة 29: إذا كانت عليه فوائت أيام، وفاتت منه صلاة ذلك اليوم ـ أيضاً ـ ولم يتمكّن من إتيان جميعها أو لم يكن بانياً على إتيانها، فالأحوط استحباباً أن يأتي بفائتة اليوم قبل الأدائية، ولكن لا يكتفي بها بل بعد الإتيان بالفوائت، يعيدها ـ أيضاً ـ مرتبة عليها.*

* استحباب تقديم الفائتة على الصلاة الأدائية

إذا كانت عليه فوائت أيام ومع ذلك فاتت منه صلاة ذلك اليوم أيضاً، ولم يتمكّن من جميعها، أو لم يكن بانياً على إتيانها، فأفتى المصنّف بأمرين:
1. استحباب تقديم الفائتة على الصلاة الأدائية، لما مرّ من حمل الأمر بالتقديم على الاستحباب.
2. لو أتى بسائر الفوائت أفتى بوجوب إعادة هذه الفائتة الّتي قدّمها على الحاضرة وأتى بها قبل سائر الفوائت، لما مرّ من أنّه اختار لزوم مراعاة الترتيب في قضاء الفوائت بتقديم السابق على اللاحق، والمفروض أنّ ما قدّمه كان لاحقاً ومتأخّراً عن سائر الفوائت فإذا قضاها قبل سائر الفوائت ثم قضى الفوائت فقد قدّم ما حقّه التأخير، ولذلك يعيدها بعدها ..
هذا كلّه على مبنى المصنّف، ونحن نقول:
أمّا الأوّل فلا بأس بالقول بالاستحباب، وأمّا الثاني فقد مرّ عدم لزوم الترتيب في قضاء الفوائت غير المترتّبة.

صفحه 155
المسألة 30: إذا احتمل اشتغال ذمّته بفائتة أو فوائت، يستحب له تحصيل التفريغ بإتيانها احتياطاً. وكذا لو احتمل خللاً فيها، وإن علم بإتيانها.*

* لو احتمل اشتغال ذمّته بفائتة أو فوائت

لاشكّ أنّه لا تجب الإعادة لعدم الاعتداد بالشك بعد خروج الوقت أو قاعدة الفراغ إلى غير ذلك من الأدلّة القائمة على عدم وجوب الاحتياط، ولكن لا ينافي ذلك استحباب الإعادة، عملاً بأخبار الاحتياط المتضافرة، سواء شكّ في أصل الإتيان بعد الوقت أو شكّ في وجود الخلل، إلاّ أنّ الكلام في إثبات استحباب الإعادة استحباباً مولوياً بعد كون الأوامر الواردة في الاحتياط إرشادية، وعلى ذلك فلو وافق الاحتياط الواقع فيثاب بامتثال الواقع، وإلاّ فيثاب لأجل الانقياد.
 

صفحه 156
المسألة 31: يجوز لمن عليه القضاء الإتيان بالنوافل على الأقوى كما يجوز الإتيان بها ـ بعد دخول الوقت ـ قبل إتيان الفريضة، كما مرّ سابقاً. *
* في المسألة فرعان:
1. التطوّع بالنوافل المطلقة قبل دخول وقت الفريضة. لمن عليه القضاء.
2. التطوّع بالنوافل المطلقة بعد دخول وقت الفريضة. قبل إتيان الفريضة.
أمّا الفرع الأوّل: فله صلة في المقام وحاصله: أنّ من عليه صلاة القضاء هل له أن يتنفّل أو لا؟
وأمّا الفرع الثاني فلا صلة له بالمقام وحاصله: هل يجوز التنفّل بعد دخول الوقت قبل الإتيان بالفريضة أو لا؟ فالموضوع المناسب له هو باب المواقيت، ولذلك نبحث في الفرع الأوّل، دون الثاني فنقول:

جواز التطوّع لمن عليه فائتة

قبل الورود في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:
1. الظاهر من صاحب الجواهر وجود الملازمة بين الجواز في المقام والقول بالمواسعة في قضاء الفوائت، قال: وكما أنّه لا يخفى عليك أولوية جواز التطوّع لمن عليه فائتة بناءً على المواسعة من الحاضرة.(1)
يلاحظ عليه: الظاهر عدم الملازمة ; لأنّ معنى القول بالمواسعة، هو أنّ اشتغال الذمّة بالفائتة ليس مانعاً عن صحّة الحاضرة، ومع ذلك يمكن أن   2

1 . جواهر الكلام: 7 / 252 .

صفحه 157
E يكون مانعاً عن صحّة النافلة.
وبعبارة أُخرى: أنّ عدم مانعيته عن صحّة الحاضرة لا يلازم كونه كذلك بالنسبة إلى النافلة. لأنّ للحاضرة أهمية ليست للنافلة.
2. أنّ المراد من التطوّع إمّا التطوّع بالمبتدأة، كصلاة جعفر الطيار، وصلاة أوّل الشهر، أو قضاء النوافل اليومية بعد خروج وقتها، إذا كانت عليه فائتة، وأمّا النوافل اليومية في وقتها فهي خارجة عن الموضوع، لما مرّ في عنوان المسألة من التطوّع لمن عليه فائتة قبل دخول وقت الفريضة.
3. ذكر المحدّث البحراني أنّه اختلف الأصحاب (رحمهم الله)في جواز النافلة لمن عليه قضاء فريضة، فالأكثر منهم على المنع من ذلك واختيار العلاّمة في «المختلف» وأكثر المتأخّرين، وقيل بالجواز ونقل عن الصدوق وابن الجنيد وإليه ذهب الشهيدان، والأظهر عندي هو القول المشهور .(1)
وفي «الجواهر»: لعلّ الجواز ظاهر المتن «شرائع الإسلام» و «القواعد»، بل صرّح به الصدوق في ركعتي الصبح الفائتة مع (فوت) الفريضة، بل حكاه في الذخيرة عن ابن الجنيد والشهيدين، بل هو ظاهر الكليني أيضاً .(2)
إذا عرفت ذلك فلنذكر أدلّة القولين.

أدلّة القائلين بالجواز

استدلّ القائل بالجواز بروايات:   2

1 . الحدائق الناضرة: 6 / 268 .
2 . جواهر الكلام: 7 / 252 .

صفحه 158
E 1. موثّقة سماعة عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل نام عن الغداة، حتّى طلعت الشمس؟ فقال: «يصلّي ركعتين ثم يصلّي الغداة».(1)
والتعبير عنها بالخبر كما في «الجواهر»، ليس بصحيح، فإنّ المسمّى بأبي بصير ثقة من غير فرق بين الأسدي ـ أعني: يحيى بن القاسم ـ والمرادي ـ أعني: ليث بن البختري ـ كما حقّق في محلّه.
نعم الظاهر من الركعتين نافلة الصبح فيدلّ على جواز تقديم التنفّل بالنافلة الفائتة على قضاء الفريضة، ولا يشمل النوافل المبتدأة، كصلاة جعفر الطيار وصلاة أوّل الشهر.
2. الأخبار المشتملة على رقود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن صلاة الصبح ونافلتها وأنّه قضاها مقدِّماً النافلة على الفريضة.
ونذكر منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتّى يبدأ بالمكتوبة»، قال: فقدمت الكوفة، فأخبرت الحكم بن عتيبة وأصحابه فقبلوا ذلك منّي، فلمّا كان في القابل لقيت أبا جعفر (عليه السلام)فحدّثني: «أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عرس في بعض أسفاره وقال: مَن يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا، فنام بلال وناموا حتّى طلع الشمس، فقال: يا بلال، ما أرقدك؟ فقال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بأنفاسكم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا فتحوّلوا عن مكانكم الذي أصابكم فيه الغفلة، وقال: يا بلال، أذّن فأذّن، فصلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ركعتي الفجر، وأمر   2

1 . الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

صفحه 159
E أصحابه فصلّوا ركعتي الفجر، ثمّ قام فصلّى بهم الصبح، ثمّ قال: مَن نسي شيئاً من الصلاة فليصلّيها إذا ذكرها، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْري)»(1)، قال زرارة: فحملت الحديث إلى الحكم وأصحابه فقال: نقضت حديثك الأوّل، فقدمت على أبي جعفر (عليه السلام)فأخبرته بما قال القوم، فقال: «يا زرارة، ألا أخبرتهم أنّه قد فات الوقتان جميعاً، وأنّ ذلك كان قضاء من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)».(2)
ومراده من أنّه نقض الحديث الأوّل ما رواه زرارة لهم عن أبي جعفر (عليه السلام): إذا دخل وقت مكتوبة فلا صلاة نافلة حتّى تبدأ بالمكتوبة، فلمّا حكى ذلك لأبي جعفر (عليه السلام)فأجاب بأنّه لا صلة للحديث الأوّل بالمورد ; لأن المورد ممّا فات الوقتان وأين هذا من قولنا: «لا صلاة نافلة حتّى تبدأ بالمكتوبة».
وأمّا كيفية الدلالة فواضحة لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قدّم النافلة على صلاة الفريضة. وبهذا المضمون صحيحة ابن سنان (3)، وصحيحة سعيد الأعرج (4).
ويرد عليه بمثل ما قدّمنا في السابق؟ فعلى هذا يجوز التطوّع بالنوافل اليومية الّتي فاتته ولا يشمل التطوّع بالمبتدأ.
اللّهم إلاّ أن يقال بعدم القول بالفصل بين النوافل، وهذا الوجه هو الذي وصفه المحدّث البحراني بقوله: كلام ظاهري لا يعول عليه.(5) ولا يخفى ما   2

1 . طه: 14.
2 . الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 1.
4 . جامع أحاديث الشيعة: 4، الباب 47 من أبواب المواقيت، الحديث 2.
5 . الحدائق الناضرة: 6 / 271 .

صفحه 160
E فيه.
إلى هنا تمّ ذكر أدلّة القائلين بالجواز، ولننتقل إلى ذكر أدلّة المانعين، فقد استدلّ على القول بالمنع بروايات:

أدلّة القائلين بالمنع

استدلّ القائل بالمنع بروايات إمّا لم تصحّ سنداً أو لم تخل عن معارض وإليك بيانها:
1. المرسل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة لمن عليه صلاة» .(1)
يلاحظ عليه: أنّه مرسل لا يحتجّ به مع عدم القائل بعمومه لانتفاضه بالنوافل اليومية حيث يستحب إتيانها قبل الفريضة على أنّ الحديث لم يرد من طرقنا حيث أورده الشيخ في «المبسوط» و «الخلاف».
2. صحيحة يعقوب بن شعيب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتّى تبزغ الشمس أيصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتّى تنسبط الشمس؟ فقال: «يصلّي حين يستيقظ» قلت: يوتر أو يصلّي الركعتين؟ قال: «يبدأ بالفريضة».(2)
يلاحظ عليه: بأنّها معارضة في نفس المورد بموثّقة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن رجل نام عن الغداة حتّى طلعت الشمس؟   2

1 . مستدرك الوسائل: 3، الباب 46 من أبواب المواقيت، الحديث 2. نقله عن الرسالة السهوية للشيخ المفيد.
2 . الوسائل: 6، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 4.

صفحه 161
E قال: «يصلّي ركعتين ثم يصلّي الغداة» (1) مضافاً إلى ما ورد في نوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث إنّه قدّم قضاء النافلة على قضاء صلاة الفجر.(2)
3. ما رواه الشهيد في «الذكرى» قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام)أُصلّي نافلة وعليّ فريضة أو في وقت فريضة؟ قال: «لا إنّه لا يصلّي نافلة في وقت فريضة، أرأيت لو كان عليك من شهر رمضان أكان لك أن تتطوّع حتّى تقضيه؟» قال: قلت: لا، قال: «فكذلك الصلاة».(3)
مورد الاستدلال أمران:
1. قوله: «أُصلّي نافلة وعليّ فريضة» والمراد بفريضة هو الفائتة والدليل قوله: «أو في وقت فريضة». نعم الجواب خاص بالثاني حيث قال: «لا أنّه لا يصلّي نافلة في وقت فريضة».
2. تشبيه المقال بالصيام حيث لا يجوز الصوم وعليه صوم واجب فهكذا المقام.
ومع ذلك فالرواية مرسلة وإن وصفها الشهيد بالصحّة وهو اجتهاد منه.
4. صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّيها أو نام عنها؟ فقال: «يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها في ليل أو نهار، فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة الّتي قد حضرت، وهذه أحقّ   2

1 . الوسائل: 3، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 2.
2 . مرّ في حديث زرارة وعبدالله بن سنان.
3 . الروض: 184. بخلاف ما يأتي من زرارة فانّه مسند.

صفحه 162
E بوقتها، فليصلّها فإذا قضاها فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى، ولا يتطوّع بركعة حتّى يقضي الفريضة كلّها». والرواية من أحسن ما استدلّ به في المقام.(1)
فإن قلت: يحتمل أن يراد من الفريضة، هو الحاضرة، ويراد من القضاء هو الفعل، فيكون شاهداً على المسألة الآتية من عدم التطوّع في وقت الفريضة، والشاهد على ما ذكرنا قوله في صدر الحديث، فإذا دخل وقت الصلاة، ولم يتمّ ما قد فاته.
قلت: يرد بهذا الاحتمال قوله: «حتّى يقضي الفريضة كلّها» فإنّ لفظ الكلّ يناسب الفوائت الّتي على ذمّة المصلّي.
ويمكن أن يقال: إنّ الرواية تدلّ على عدم الجواز تكليفاً، وأمّا عدم مشروعية التطوّع ممّن عليه الفائتة فليس عليها دلالة.
وأمّا كيفية الجمع فبوجهين:
الأوّل: وجود الجمع الدلالي بين الطائفتين، بحمل ما دلّ على المنع، على الكراهة لاحتمال أنّ الاشتغال بالنوافل ربّما يوجب فوت قضاء الفوائت.
الثاني: القول بالتخيير في العمل بالطائفتين إذا قلنا بأنّ الحمل على الكراهة جمع تبرعي لاعرفي، وقد ورد الأمر بالتخيير عند فقدان المرجّحات بين المتعارضين لقوله (عليه السلام): «إذاً فتخيّر»، وقد ذكر الشيخ الأنصاري في رسالة «التعادل والترجيح» تضافر الروايات على الأمر بالتخيير.
ثم إنّه ربّما يحتمل أنّ المقام من باب التزاحم، بمعنى أنّه لو كان   2

1 . الوسائل: 5، الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 3.

صفحه 163
E الإتيان بالنافلة موجباً لفوات قضاء الفائتة فتقدّم الفائتة على النافلة; وأمّا لو انعكس الأمر واحتمل فوات النافلة دون فوات قضاء الفائتة، فتقدّم الفائتة .
يقول السيد الخوئي: إنّ النافلة والفائتة متزاحمان وبما أنّ الفائتة أولى وأهم، كانت متقدّمة على النافلة مطلقاً، وكذلك تتقدّم على الحاضرة ما لم يتخوّف فوتها، ولا يكاد يستفاد منها أنّ النافلة مترتّبة على القضاء، وأنّ شرط صحّتها ألاّ تكون الذمّة مشتغلة بالفائتة، فلا تكون مشروعة قبلها حتّى في المواضع الّتي لا يكون الأمر فيها فعلياً بالفائتة، كما إذا كان المكلّف معذوراً عن القيام .(1)
يلاحظ عليه: أنّه لو أراد ما ذكرنا سابقاً في الحمل على الكراهة، فهو، وإلاّ فلو أراد كون الطائفتين من باب المتزاحمين فهو غير صحيح حسب ما قُرّر في محلّه، فإنّهما عبارة عمّا إذا كان التكاذب في مرحلة الامتثال لا في مرحلة الجعل والتشريع، ولكن التنافي هنا في مرحلة الجعل حيث إنّ الجواز والمنع لا يصدران من حكيم.
وفي نهاية المطاف نذكر ما استدلّ به المحدّث البحراني على المنع حيث قال: دلّت الروايات على وجوب ترتّب الحاضرة على الفائتة (مسألة المواسعة والمضايقة) وأنّه يجب تأخير الحاضرة إلى أن يتضيّق وقتها، وإذا وجب ذلك في الفريضة الّتي هي صاحبة الوقت ففي نافلتها بطريق أولى وأولى منه في غير نافلتها.(2)   2

1 . التنقيح (كتاب الصلاة): 1 / 505 .
2 . الحدائق الناضرة: 6 / 268 .

صفحه 164
E ولا يخفى عدم الملازمة فإنّ تقديم الفائتة عند القائل بالمضايقة لأجل اشتراط صحّة الحاضرة بتقديم الفائتة.
وبعبارة أُخرى: لزوم الترتّب بين الحاضرة والفائتة وأنّ مثلهما مثل الظهرين حيث يجب تقديم الظهر إلاّ أن يتضيّق وقت العصر وأمّا تقديم الفائتة على النافلة المبتدئة أو النافلة الّتي يريد قضاؤها فليس كذلك بأن يكون النافلة مترتّبة على إتيان الفائتة وما ذكره «ففي نافلتها بطريق أولى وأولى منه في غير نافلتها» كأنّه أشبه بالقياس فلو دلّ الدليل على ترتّب الحاضرة على الفائتة لا يكون دليلاً على ترتّب نافلة الحاضرة على الفائتة.
هذا كلّه حول الفرع الأوّل، وأمّا الفرع الثاني فنتركه إلى محلّه إذ لا صلة له بقضاء الفوائت.

صفحه 165
المسألة 32: لا يجوز الاستنابة في قضاء الفوائت ما دام حيّاً، وإن كان عاجزاً عن إتيانها أصلاً.*

* عدم جواز الاستنابة في قضاء الفوائت ما دام حيّاً

لأنّ المتبادر من التكاليف الّتي اعتبر فيها قصد القربة هو القيام بها مباشرة ; لأنّ الاثر المطلوب من العبادة يترتّب على المباشرة دون النيابة، إلاّ ما خرج بالدليل كالنيابة عن الحج إذا عُلم عجزه إلى آخر عمره، وهكذا النيابة بالإطافة بالحي، ولكن الحي أيضاً ينوي كالنائب، وهذا أمر مسلّم في الحج، وقيل بجواز النيابة في الصوم المنذور عند عدم التمكّن.
روى إسحاق بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل يجعل عليه صياماً في نذر فلا يقوى؟ قال: «يعطي من يصوم عنه في كل يوم مدّين»(1) والتفصيل في محلّه.

1 . الوسائل: 17، الباب 12 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث 1 .

صفحه 166
المسألة 33: يجوز إتيان القضاء جماعة، سواء كان الإمام قاضياً أيضاً أو مؤدّياً، بل يستحب ذلك. ولا يجب اتّحاد صلاة الإمام والمأموم، بل يجوز الاقتداء من كلّ من الخمس بكلّ منها. *

* في إتيان القضاء جماعة

للمسألة صور ثلاث:
1. إذا كان المأموم والإمام قاضيين.
2. إذا كان الإمام مؤدّياً والمأموم قاضياً.
3. العكس، فالإمام قاضياً والمأموم مؤدّياً.
أمّا الصورة الأُولى: فيدلّ عليها ما ورد في نوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن صلاة الغداة، حيث إنّه قضى وصلّى معه مَن كان معه .
وأمّا الصورة الثانية: فيدلّ عليها موثّقة إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): تُقام الصلاة وقد صلّيتُ؟ فقال: «صلّ، واجعلها لما فات»(1).
وأمّا الصورة الثالثة: فيدلّ عليها صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): إنّي أحضر المساجد مع جيرتي وغيرهم فيأمرونني بالصلاة بهم وقد صلّيت قبل أن آتيهم، وربّما صلّى خلفي مَن يقتدي بصلاتي والمستضعف والجاهل، فأكره أن أتقدّم وقد صلّيت، لحال مَن يصلّي بصلاتي ممّن سمّيت لك، فمرني في ذلك بأمرك أنتهي إليه وأعمل به، إن   2

1 . الوسائل: 5، الباب 55 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.

صفحه 167
E شاء الله؟ فكتب (عليه السلام): «صلّ بهم» (1) .
والظاهر أنّ الصلاة الثانية في هذه الصورة أيضاً بنيّة القضاء بشهادة ما في موثّقة إسحاق بن عمّار حيث قال: «واجعلها لما فات» ومع ذلك يحتمل أنّ المراد اجعلها إعادة لما صلّيت فرادى بالجماعة، وعندئذ لا مناص من القول بإلغاء الخصوصية من الموارد المنصوصة، ولاحظ في تفصيل الفروع كتابنا «أحكام صلاة الجماعة»(2).
ثم إنّ المصنّف أفاد في آخر المسألة بأنّه لا يجب اتّحاد صلاة الإمام والمأموم، وقد أوضحنا الكلام في هذا الموضوع في كتابنا «أحكام صلاة الجماعة»(3) .

1 . الوسائل: 5، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 5 .
2 . لاحظ : أحكام صلاة الجماعة: 46 .
3 . لاحظ: أحكام صلاة الجماعة: 49 .

صفحه 168
المسألة 34: الأحوط لذوي الأعذار تأخير القضاء إلى زمان رفع العذر، إلاّ إذا علم بعدم ارتفاعه إلى آخر العمر، أو خاف مفاجأة الموت*.

* تأخير القضاء لذوي الأعذار

يراد بذوي الأعذار; فاقد الماء بالنسبة إلى الطهارة الخبثية والحدثية، ومن به أذىً لا يقدر على الركوع والسجود مثل المتمكّن، ولاشك أنّه ينتقل عندئذ إلى البدل كالطهارة الترابية والصلاة جالساً أو مضطجعاً أو مومياً، ولاشكّ أنّه يجوز البدار لمن علم عدم ارتفاع عذره إلى آخر وقت الصلاة، أو خاف مفاجأة الموت، ففي هاتين الصورتين يجوز البدار اتّفاقاً، لثبوت البدلية بدليلها واحتمال لزوم التأخير تعبَّداً إلى آخر الوقت بعيد جداً. نعم لو انكشف الخلاف وإمكان القضاء على الوجه التام فالقول بالإجزاء تابع لإطلاق الدليل على الإتيان وشموله بصورة ظهور الخلف والظاهر عدمه، لأنّ الموضوع للبدل هو المعذور واقعاً إلى آخر الوقت والمفروض عدمه ولا مجال لتصوّر إجزاء العمل ; لأنّه فيما إذا أتى بأمر الشارع من غير فرق بين الأمر الواقعي أو الظاهري ثم بان الخلاف دون المقام لأنّه أتى به بحكم العقل حيث قطع ببقاء العذر فأتى بالمأمور به بحكمه.
إنّما الكلام فيما إذا كان محتملاً لارتفاع العذر، فهل يجوز البدار أو لا ؟
ذهب السيد الخوئي إلى جواز البدار مستنداً إلى استصحاب بقاء العذر إلى آخر الوقت، بناء على جريانه في الأُمور الاستقبالية .(1)
يلاحظ عليه: أنّ الاستصحاب وإن ورد في الشرع لكنّه بظاهره إمضاء   2

1 . مستند العروة الوثقى: 5 / 126 .

صفحه 169
E لما بيد العرف من إبقاء ما كان على ما كان، مالم يُعلم ارتفاعه، ومن المعلوم أنّ واقع الاستصحاب لدى العرف هو جرّ الحالة السابقة إلى الوقت الحاضر، لاجرّه من الوقت الحاضر إلى الوقت المستقبل. وعلى هذا فلو لم يكن لدليل البدل إطلاق يشمل صورة احتمال ارتفاع العذر أو العلم به، فالأقوى هو عدم جواز البدار، وأمّا قوله: الميسور لا يسقط بالمعسور، فهو بصدد بيان البدلية، لا لبيان ثبوت البدلية على الإطلاق حتّى فيما احتمل ارتفاع العذر، أو علم به .

صفحه 170
المسألة 35: يستحب تمرين المميّز من الأطفال على قضاء ما فات منه من الصلاة، كما يستحب تمرينه على أدائها سواء الفرائض والنوافل، بل يستحب تمرينه على كلّ عبادة. والأقوى مشروعية عباداته.*

* استحباب تمرين الطفل المميز على الصلاة أداءً وقضاء

في المسألة فروع:
1. تمرين المميّز من الأطفال على قضاء ما فات منه من الصلاة.
2. تمرينه على أدائها، سواء كانت الفرائض أو النوافل .
3. تمرينه على كلّ عبادة.
4. مشروعية عبادة الصبي.
أما الفرع الأوّل: فلا دليل عليه إلاّ الإطلاقات الواردة في استحباب أمر الصبيان بالصلاة لست سنين أو سبع، مثلاً ما رواه معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام): في كم يؤخذ الصبي في الصلاة؟ فقال: «فيما بين سبع سنين وست سنين»(1). لكن القدر المتيقّن هو الفرع ا لثاني ـ أعني: قرينة على أداء الفرائض ونوافلها ـ ولا إطلاق لها على قضاء ما فات منه من الفرائض والنوافل.
وأمّا الفرع الثاني: فتدلّ عليه هذه الرواية وما في مضمونها فإنّ القدر المتيقّن هو الفرائض والنوافل اليومية.
وأمّا الفرع الثالث: فيدلّ عليه صحيح الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام)   2

1 . الوسائل: 3، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1، ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 171
E قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بين سبع سنين بما أطاقوه من صيام اليوم، فإن كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقل، فإذا غلبهم العطش والغرث(1) أفطروا حتّى يتعوّدوا الصوم ويطيقوه، فمُروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين ما أطاقوا من صيام، فإذا غلبهم العطش أفطروا»(2).
وأمّا الفرع الرابع: اتّفقت كلمتهم على أنّ عبارة الصبّي ملغاة في العثور والإيقاعات كافّة، وأنّ البلوغ شرط مطلقاً، سواء أكان العقد والإيقاع لنفسه أو لغيره، وإنّما اختلفوا في شرطية البلوغ لشرعية عباداته وصحّتها بعد اتّفاقهم على شرطية التمييز على أقوال:
الأوّل: أنّ عبادات الصبي تمرينية صرفة، بمعنى عدم ترتّب أجر على عمل الصبي وإن كان لوليه ثواب التمرين لذلك.
الثاني: أنّ عباداته شرعية كالبالغين، ومعناه كونها مندوبة للصبي مطلوبة من قبل الشارع بحيث يستحق عليها الأجر.
وبعبارة أُخرى: الواجب في حقّه في حكم المندوب والحرام في حكم المكروه.
الثالث: أنّ عبادات الصبي شرعية تمرينية لا أنّها شرعية أصلية، والمراد أنّ إتيان الصبي لهذه الأفعال وتركه لهذه التروك مطلوب من قبل الشارع لا لأنّها مطلوبة بالذات، بل لأجل تحصيل التعوّد والتمرّن على العمل بعد البلوغ، فصلاة الصبي فيها جهتان:   2

1 . أي الجوع.
2 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

صفحه 172
E الأُولى: كونها صلاة، وهي ملغاة.
الثانية: كونها تعوّداً على شيء، وهي مطلوبة للشارع يثاب عليها. وبعبارة أُخرى: التمرّن مستحب دون نفس الصلاة والصوم. ولا يخفى أنّ القول الأوّل تفريط والثاني إفراط، أمّا الأوّل فلا ينسجم مع قوله سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(1)، وقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ)(2).
وقول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا أبناء سبع سنين»(3) فإنّ الأمر بالأمر أمر بالثالث على العمل عرفاً، فإذا قال زيد لعمر: قل لبكر أن يفعل كذا، فإنّه أمر لبكر حتّى لو اطّلع بكر من دون أمر عمر لزمه الامتثال.
وأمّا الثاني فهو إفراط لأنّ جعل البلوغ حدّاً للتكليف بمعنى أنّه لا تكليف قبله، وهذا هو المتبادر من القوانين الوضعية في ا لمحافل القانونية.
فربّما يستدلّ لمشروعية عبادات الصبي بإطلاق أدلّة التشريع الشامل للبائع والصغير، وحديث رفع القلم إنّما يرفع الإلزام لا المشروعية لأنّه خلاف الامتنان (4) .
يلاحظ عليه: بأنّ ادّعاء الإطلاق في أدلّة تشريع العبادات، خلاف ما   2

1 . النحل: 97 .
2 . الزلزلة: 7 .
3 . بحار الأنوار: 104 / 50، الحديث 14.
4 . المستمسك: 7 / 101 .

صفحه 173
E هو المرتكز في الأذهان فإنّ الغاية من التحديد بالبلوغ، هو جعل الحدّ للمكلّف وغيره والقول بعموم التشريع لا ينسجم مع ذلك، مضافاً إلى أنّ المتبادر من حديث رفع القلم، وهو قلم التشريع والجعل.
فإذن تعيّن المعنى الثالث وهو كونها شرعية لكن لا لنفسها، بل لأنّها توجد ملكة العمل في الصبي قبل البلوغ، حتّى يسهل عليه القيام بهذه التكاليف بعد البلوغ، والله العالم.
نعم ما ذكر من أنّ عباداته شرعية تمرينية إنّما هو في غير احرامه للحج فإنّ الغاية فيها هو المثوبة، للطفل الحاج والمحجّ بشهادة انّه ربّما يحرم ولا يُحسن التلبية وإليك بعض ما روى في المقام:
1. روى عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: قلت له: إنّ معنا صبيّاً مولوداً فكيف نصنع به؟ فقال: «مر أُمّه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها؟ فأتتها فسألتها كيف تصنع فقالت: «إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه وجرّدوه وغسّلوه كما يجرّد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه واحلقوا رأسه، ثمّ زوروا به البيت، ومري الجارية أن تطوف به بالبيت وبين الصفا والمروة» (1) .
2. وروى زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير فإنّه يأمره أن يُلبّي ويفرض الحج، فإن لم يُحسن أن يُلبّي، لبّوا عنه وطاف به ويصلّى عنه، قلت: ليس لهم ما يذبحون، قال: يذبح عن الصغار، ويصوم الكبار، ويتّقى عليهم ما يتّقى على المحرم من الثياب والطيب،وإن قتل صيداً   2

1 . الوسائل: 8 ، الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1 .

صفحه 174
المسألة 36: يجب على الولي منع الأطفال عن كلّ ما فيه ضرر عليهم أو على غيرهم من الناس، وعن كلّ ما علم من الشرع إرادة عدم وجوده في الخارج لما فيه من الفساد، كالزنا واللواط والغيبة، بل والغناء على الظاهر.
وكذا عن أكل الأعيان النجسة وشربها ممّا فيه ضرر عليهم، وأمّا المتنجّسة فلا يجب منعهم عنها، بل حرمة مناولتها لهم غير معلومة.
وأمّا لبس الحرير والذهب ونحوهما ـ ممّا يحرم على البالغين ـ فالأقوى عدم وجوب منع المميزين منها، فضلاً عن غيرهم. بل لا بأس بإلباسهم إيّاها، وإن كان الأَولى تركه، بل منعهم عن لبسها.*
E فعلى أبيه»(1) .
كلّ ذلك يعرب عن أنّه لو أحسن، يكتب له الثواب ، وإن لم يكن مسقطاً عن حجّة الإسلام .
***

* وجوب منع الأطفال عن كلّ ما فيه ضرر عليهم أو على غيرهم

في المسألة فروع:
1. منع الأطفال عن كلّ ما فيه ضرر عليهم أو على غيرهم.
2. ما عُلم من الشرع إرادة عدم وجوده في الخارج.   2

1 . الوسائل: 8 ، الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 5 .

صفحه 175
E 3. المنع عن أكلهم الأعيان النجسة وشربها.
4. حكم أكل الاطفال للمتنجّسات، ومناولتها لهم.
5. لبس الحرير والذهب وما يحرم على البالغين.
أمّا الفرع الأوّل: فلأنّه مقتضى الولاية حيث إنّه سبحانه جعله ولياً على تربيتهم تربية سالمة كما يشير إليه سبحانه في قوله: (وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا )(1) .
هذا كلّه إذا كان فيه ضرر عليهم، وأمّا إذا كان فيه ضرر على غير الأطفال من الناس فيجب أيضاً، وتدلّ السيرة على مسؤولية الولي. فلو قام الطفل بعمل يضرّ بجدار الغير بمرأى ومنظر من الولي، فيجب على الولي منعه من ذلك، وعليه جرت السيرة .
وأمّا الفرع الثاني: أي المنع عن كلّ ما أراد الشرع عدم وجوده في الخارج، فوجوب المنع من الأُمور الّتي قياساتها معها، لأنّ الشرع طلب من الجميع سدّ باب وجود هذه الأشياء.
وأمّا الفرع الثالث: المنع عن أكل الاعيان النجسة وشربها ممّا فيه ضرر عليهم، فالدليل عليه هو الدليل على الفرع الأوّل، لأنّ المنع مقتضى كونه وليّاً ومربّياً، والمراد من الضرر هو الضرر النوعي لا الشخصي، وإلاّ فلو كان الميزان هو الضرر الشخصي، فلا يتمكّن الولي من تشخيص المورد، فينجر الأمر إلى ترك التكليف الشرعي المعلوم إجمالاً.   2

1 . الإسراء: 24.

صفحه 176
E وأمّا الفرع الرابع: أعني المتنجّسات فيقول الماتن: «لا يجب منعهم عنها» وفي المستمسك: قد تساعده السيرة، ويجب أن يفرق بين المتنجّس المضرّ وغيره، أمّا المضرّ فهو داخل في الفرع الأوّل، وأمّا الثاني فلأنّ المنع موجب للحرج خصوصاً إذا كان الطفل قادراً على التصرّف في المتنجّسات، فإنّ المنع عنه يستلزم وجود المراقبة التامّة على حياة الطفل كحي لا يتناول المتنجسات، وهذا يوجب الحرج.
وأمّا الفرع الخامس: أي لبس الحرير والذهب ـ أو إلباسهما ـ فإنّ القدر المتيقّن حرمته على البالغين لا غيرهم.
تمّ الكلام في أحكام قضاء الصلوات صبيحة الأحد
الثالث عشر من شهر ربيع الثاني
من شهور عام 1433 هـ
بيد مؤلّفه جعفر ابن الفقيه محمد حسين التبريزي
السبحاني (رحمه الله) حامداً الله ومصلياً ومسلماً
على النبي وآله الطاهرين
جعفر السبحاني
رسالة المواسعة والمضايقة للسيد ابن طاووس   

صفحه 177
قد تقدّم أنّ مسألة المواسعة والمضايقة من المسائل الشائكة وأنّ أكثر القدماء ذهبوا إلى المضايقة، كما أنّ كثيراً من المتأخّرين على المواسعة، ولقد وقفنا على رسالة للسيد الأجل علي بن موسى ابن طاووس حول المسألة فأحببت أنّ أضمّها إلى كتابي هذا بعد تحقيقها واستخراج أحاديثها.
***

رسالة المواسعة والمضايقة (1) للسيد الجليل ابن طاووس (قدس سره)

 
 
وصلواته على سيّد المرسلين محمد النبيّ وآله الطاهرين.
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد بن الطاووس: إنّني ذاكر في هذه الأوراق، بعض ما رويته أو رأيته من الأحاديث، في تحقيق المضايقة في فوائت الصلوات، وما أتقلّد الحكم بأحد القولين، بل يعيّن ذلك من كلّف به من أهل النظر والأمانات.

1 . طبعت هذه الرسالة في مجلة تراثنا: 8 / 337 ـ 354 تحت عنوان رسالة عدم مضايقة الفوائت تحقيق السيد محمد علي الطباطبائي المراغي. كما طبعت في آخر كتاب: أجوبة مسائل ورسائل في مختلف فنون المعرفة (موسوعة ابن إدريس الحلّي): 489 ـ 520، تحقيق محمد مهدي الموسوي الخرسان; وفي الفوائد المدنية للأمين الإسترآبادي: 79 ـ 91، تحقيق الشيخ رحمة الله الرحمتي الأراكي، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1424 هـ ; والطبعة الحجرية (للفوائد المدنية): 30 ـ 40 ; بحار الأنوار: 88 / 322 و 327 ـ 332. وقد قابلنا المتن هنا على هذه النسخ وثبتنا ما هو الصحيح كما قابلنا الأحاديث والروايات مع مصادرها الأصلية وذكرنا الاختلافات الضرورية فقط وأعرضنا عن الباقي خوف الإطالة.

صفحه 178
فمن ذلك ما أرويه بإسنادي إلى محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري(1)، رضوان الله عليه، وكان له مكاتبة إلى ]الإمام [ المهديّ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وأجوبة تبرز بين السطور إليه.
فذكر هذا محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري في كتاب «قرب الإسناد» وكان تاريخ النسخة الّتي نقلت منها شهر ربيع الأوّل سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وذكر ناسخها أنّه نقلها من نسخة عليها خطّ مؤلّفها تاريخه في صفر سنة أربع وثلاثمائة ـ بإسناده عن علي بن جعفر، قال: وسألته ـ يعني الكاظم (عليه السلام)ـ عن رجل نسي المغرب حتّى دخل وقت العشاء الآخرة؟ قال: «يصلّي العشاء، ثمّ المغرب»(2).
وسألته عن رجل نسي العشاء فذكر قبل (3) طلوع الفجر، كيف يصنع؟ قال: «يصلّي العشاء، ثمّ الفجر» (4) .
وسألته عن رجل نسي الفجر حتّى حضرت الظهر؟ قال: «يبدأ بالظهر، ثمّ يصلّي الفجر (كذلك، صلاة بعد)(5) صلاة»(6).

1 . هو أبو جعفر محمد بن عبدالله بن جعفر بن الحسين بن جامع بن مالك الحميري القمّيّ، كان ثقة وجهاً، كاتب صاحب الأمر وسأله مسائل في أبواب الشريعة. رجال النجاشي: 354 برقم 949 .
2 . قرب الإسناد: 197 برقم 752 ; مسائل علي بن جعفر: 253 برقم 603 .
3 . في قرب الإسناد ومسائل علي بن جعفر والبحار والوسائل وبقية المصادر: «بعد طلوع الفجر» وهو الصحيح وما في المتن تصحيف ولا يستقيم المعنى به.
4 . قرب الإسناد: 197 برقم 753، مسائل علي بن جعفر: 253 برقم 602.
5 . في قرب الإسناد والبحار والوسائل: كذلك كلّ صلاة بعدها.
6 . قرب الإسناد: 198 برقم 754 ; مسائل علي بن جعفر: 253 ح 604. وروى هذه الأحاديث الثلاثة المجلسي في بحاره: 88 / 322 ح 1 ; والحر العاملي في وسائله: 8 / 255، الأحاديث 7 و 8 و 9، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات، نشر مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم .

صفحه 179
ومن ذلك ما رويته من كتاب (الفاخر المختصر من كتاب تخيير الأحكام)(1) تأليف أبي الفضل محمد بن أحمد بن سليم، رواية محمد بن عمر، الذي ذكر في خطبته أنّه ما روى فيه إلاّ ما أُجْمِعَ عليه، وصَحّ ـ من قول الأئمة(عليهم السلام) ـ عنده، فقال فيه ما هذا لفظه:
والصلوات الفائتات يُقْضَيْنَ ما لم يدخل عليه وقت صلاة، فإذا دخل عليه وقت صلاة بدأ بالتي دخل وقتها، وقضى الفائتة متى أحبّ.(2)
ومن ذلك ما رويته عن عبيد الله بن علي الحلبي (3)، فيما ذكره في كتاب «أصله» رضوان الله عليه.
وقال جدّي أبو جعفر الطوسي في الثناء عليه: عبيدالله بن علي الحلبي، له كتاب مصنَّف، معوَّل عليه، وقيل: إنّه عُرض على الصادق(عليه السلام) فـ (لمّا رآه) استحسنه، وقال: «ليس لهؤلاء ـ يعني المخالفين ـ مثله»(4).
أقول أنا: فقال فيه ما هذا لفظه: «ومن نام، أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر بمقدار ما يصلّيهما جميعاً فليصلّهما،

1 . في بعض النسخ: «المقاصد المختصر من كتاب تحرير الأحكام». وما في المتن هو الصحيح، وقد ذكره ابن طاووس في كتابه «فرج المهموم» الباب الخامس وفيه صرّح بأن كتاب الفاخر مختصر من كتاب تخيير الأحكام .
2 . بحار الأنوار: 88 / 328 .
3 . قال النجاشي: عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي، مولى بني تيم اللاّت بن ثعلبة، أبو علي، كوفيّ، كان يتّجر هو وأبوه وإخوته إلى حلب فغلب عليهم النسبة إلى حلب، وآل أبي شعبة بالكوفة بيت مذكور من أصحابنا، وروى جدّهم عن الحسن والحسين (عليهما السلام)، وكانوا جميعهم ثقات مرجوعاً إلى ما يقولون، وكان عبيدالله كبيرهم ووجههم، وصنّف الكتاب المنسوب إليه وعرضه على أبي عبدالله (عليه السلام)وصحّحه، قال عند قراءته: «أترى لهؤلاء مثل هذا...». رجال النجاشي: 230 برقم 612 .
4 . الفهرست: 174 برقم 466، مؤسسة نشر الفقاهة، قم ـ 1417 هـ . وما بين القوسين من المصدر.

صفحه 180
وإن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الفجر ثمّ يصلّي المغرب ثمّ العشاء »(1) .
وقال ـ أيضاً ـ عبيدالله بن علي الحلبي في الكتاب المذكور ما هذا
لفظه: «وخمس صلوات يصلّين على كلّ حال متى ذكر ومتى أحبّ: صلاة فريضة نسيها يقضيها مع غروب الشمس وطلوعها، وصلاة ركعتي الإحرام، وركعتي الطواف، والفريضة (2)، وكسوف الشمس عند طلوعها، وعند غروبها»(3) .
ومن ذلك ما أرويه بإسنادي إلى محمد بن علي بن محبوب، وهو حديث غريب، من أصل بخط جدّي أبي جعفر الطوسي رضوان الله عليه، ورأيت في بعض تصانيف أصحابنا (4) في الثناء عليه ما هذا لفظه: محمد بن علي بن محبوب الأشعري القمّي، أبو جعفر، شيخ القمّيّين في زمانه، ثقة، عين، فقيه، صحيح المذهب.
قال في كتابه «نوادر المصنّف»: عن علي بن خالد، عن أحمد بن الحسن ابن علي، عن عمرو بن سعيد المدائني، عن مصدّق بن صدقة، عن عمّار بن موسى الساباطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتّى تطلع الشمس، وهو في سفر، كيف يصنع، أيجوز له أن يقضي بالنهار؟ قال:

1 . بحار الأنوار: 88 / 328 ; مستدرك الوسائل: 6 / 428 برقم 7149، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات.
2 . في بعض النسخ: الفريضة. ومع الواو يكون لفظ الفريضة مكرّراً في الحديث وبدونه يكون العدد ناقصاً، وربّما سقط إحدى الصلوات الخمسة كما في رواية معاوية بن عمار قال: سمعت ابا عبدالله (عليه السلام)يقول: «خمس صلاة لا تترك على حال: إذا طفت بالبيت، وإذا أردت أن تحرم، وصلاة الكسوف، وإذا نسيت فصل إذا ذكرت، وصلاة الجنازة». الوسائل: 3، الباب 39 من أبواب المواقيت، الحديث 4.
3 . بحار الأنوار: 88 / 299 ح 6; مستدرك الوسائل: 3 / 148 ح 3231، الباب 31 من أبواب المواقيت.
4 . رجال النجاشي: 349 برقم 940 .

صفحه 181
«لا يقضي صلاة نافلة، ولا فريضة بالنهار، ولا يجوز له، ولا يثبت له، ولكن يؤخّرها فيقضيها بالليل»(1).
ومن ذلك ما أرويه عن الحسين بن سعيد الأهوازي رضوان الله عليه، ممّا رواه في كتاب «الصلاة» وهذا الحسين بن سعيد ممّن أثنى جدّي أبو جعفر الطوسي عليه .(2)
فقال في كتاب «الصلاة» ما هذا لفظه: محمد بن سنان، عن ابن
مسكان، عن الحسن بن زياد الصيقل، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل
نسي الأُولى حتّى صلّى ركعتين من العصر؟ قال: «فليجعلها الأُولى، وليستأنف العصر».
قلت: فإنّه نسي المغرب حتّى صلّى ركعتين من العشاء ثمّ ذكر، قال: «فليتمّ صلاته، ثمّ ليقض بعد المغرب».
قال، قلت له: جعلت فداك متى نسي الظهر، ثمّ ذكر وهو في
العصر، يجعلها الأُولى، ثمّ يستأنف، وقلت لهذا: يقضي صلاته بعد
المغرب؟! فقال: «ليس هذا مثل هذا، إنّ العصر ليس بعدها صلاة، والعشاء بعدها صلاة»(3).

1 . تهذيب الأحكام: 2 / 272 ح 1081 ; الاستبصار: 1 / 289 ح 1057. وقال الشيخ في ذيل الرواية فهذا خبر شاذ لا يعارض به الأخبار الّتي قدّمناها مع مطابقتها لظاهر الكتاب وإجماع الأُمّة.
2 . قال الشيخ الطوسي: الحسن بن سعيد بن حمّاد بن سعيد بن مهران الأهوازي، من موالي علي بن الحسين (عليه السلام)، أخو الحسين بن سعيد، ثقة. الفهرست: 104 برقم 197 .
3 . تهذيب الأحكام: 2 / 270 ح 1075 ; الوسائل: ج 4، الباب 63 من ابوال المواقيت، الحديث 5.
وقال الحر العاملي بعد نقل الرواية عن التهذيب: أقول هذا محمول على تضييق وقت العشاء دون العصر، لما تقدّم ـ كما في الحديث 1 و 2 من هذا الباب ـ لأنّ ذلك أوضح دلالة وأوثق وأكثر وهو الموافق لعمل الأصحاب.

صفحه 182
ومن ذلك ما أرويه أيضاً عن الحسين بن سعيد، المشار إليه رضوان الله عليه، في كتاب «الصلاة» ما هذا لفظه: صفوان، عن عيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل نسي، أو نام عن الصلاة، حتّى دخل وقت صلاة أُخرى؟ فقال: «إن كانت صلاة الأُولى فليبدأ بها، وإن كانت صلاة العصر فليصلّ العشاء ثمّ يصلي العصر»(1) .
ومن ذلك ما أرويه أيضاً عن الحسين بن سعيد، من كتاب «الصلاة» ما هذا لفظه: حدّثنا فضالة والنضر بن سويد، عن ابن (2) سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إن نام رجل، أو نسي أن يصلّي المغرب والعشاء الآخرة، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّهما، وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصلّ الصبح ثمّ المغرب ثمّ العشاء قبل طلوع الشمس »(3).
ومن ذلك ما أرويه عن الحسين بن سعيد من كتاب «الصلاة» ما هذا لفظه: حمّاد، عن شعيب، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إن نام رجل ولم يصلّ صلاة المغرب والعشاء الآخرة، أو نسي، فإن استيقظ قبل الفرج قدر ما يصلّيهما كلتيهما، فليصلِّهما، وإن خشي أن تفوته إحداهما، فليبدأ بالعشاء الآخرة; وإن استيقظ بعد الفجر، فليبدأ فليصلّ الفجر، ثمّ المغرب، ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس; وإن خاف أن تطلع الشمس، فتفوته إحدى الصلاتين، فليصلّ المغرب، ويدع العشاء الآخرة حتّى تطلع الشمس، ويذهب

1 . بحار الأنوار: 88 / 299 ; مستدرك الوسائل: 6 / 428 ح 7150، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات.
2 . في بعض النسخ: أبي سنان، وهو خطأ واضح.
3 . التهذيب: 2 / 270 ح 1076 ; والإستبصار: 1 / 288 ح 1053 .

صفحه 183
شعاعها، ثمّ ليصلّها»(1).
ومن ذلك ما أرويه من كتاب «النقض على من أظهر الخلاف لأهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)» إملاء أبي عبدالله الحسين بن عبيدالله بن علي المعروف بالواسطي (2)، فقال ما هذا لفظه:
مسألة: مَن ذكر صلاة وهو في أُخرى؟
قال أهل البيت(عليهم السلام): يتمّ التي هو فيها، ويقضي ما فاته.
وبه قال الشافعي.
ثمّ ذكر خلاف الفقهاء المخالفين لأهل البيت(عليهم السلام).
ثمّ ذكر في أواخر مجلّده مسألة أُخرى، فقال ما هذا لفظه:
مسألة أُخرى: مَن ذكر صلاةً وهو في أُخرى، إن سأل سائل فقال: أخبرونا عمّن ذكر صلاة وهو في أُخرى ما الذي يجب عليه؟ قيل له: يتمّم الّتي هو فيها، ويقضي ما فاته.
وبه قال الشافعي.
ثمّ ذكر خلاف المخالفين وقال:
دليلنا على ذلك: ما روي عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)انّه قال: «من كان في صلاة ثمّ ذكر صلاة أُخرى فاتته، أتمّ الّتي هو فيها، ثمّ يقضي ما فاته»(3) .

1 . التهذيب: 2 / 270 ح 1077 ; والإستبصار: 1 / 288 ح 1054 .
2 . هو الحسين بن عبيدالله بن علي الواسطي، أُستاذ القاضي أبي الفتح الكراجكي، وكان عالماً فقيهاً فاضلاً. قال فيه ابن حجر: من رؤوس الشيعة، يشارك المفيد في شيوخه، ومات قبل 420 هـ . موسوعة طبقات الفقهاء: 5 / 109 برقم 1791 .
3 . بحار الأنوار: 88 / 330. وراجع جواهر الكلام: 13 / 50 .

صفحه 184
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن الطاووس: هذا آخر ما أردنا ذكره من الروايات، أو ما رأينا، ممّا لم يكن مشهوراً بين أهل الدرايات، وصلّى الله على سيد المرسلين محمد النبيّ وآله الطاهرين وسلّم.
***
ووجدت في أمالي السيد أبي طالب علي بن الحسين الحسني (1) في المواسعة ما هذا لفظه:
حدّثنا منصور بن رامش (2)، حدّثنا علي بن عمر الحافظ الدارقطني، حدّثنا أحمد بن نصر بن طالب الحافظ، حدّثنا أبو ذهل عبيد بن عبدالغفّار العسقلاني، حدّثنا أبو محمد سليمان الزاهد، حدّثنا القاسم بن معن، حدّثنا العلاء بن المسيّب بن رافع، حدّثنا عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رجل: يا رسول الله، وكيف أقضي؟ قال: «صلّ مع كلّ صلاة مثلها» قال: يا رسول الله، قبل أم بعد؟ قال: «قبل».(3)
أقول: وهذا حديث صريح، وهذه الأمالي عندنا الآن في أواخر مجلّده

1 . هو علي بن الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن عبدالله الأشتر بن محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو طالب الحسني، رحل إلى نيسابور في طلب الحديث، وكان مقيماً في همذان، وله مجلس إملاء وهو ثقة مأمون. إكمال الكمال لابن ماكولا: 1 / 81 ; عمدة الطالب: 107 في عقب عبدالله المحض بن الحسن المثنى.
2 . في النسخ الّتي بأيدينا «رامس» والصحيح ما أثبتناه من المصادر الرجالية. وهو منصور بن عبدالله بن زيد، أبو نصر النيسابوري. راجع ترجمته في: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: 13 / 86 برقم 7069 ; تاريخ نيسابور لعبدالغافر بن إسماعيل الفارسي: 671 برقم 1485 ; تاريخ الإسلام للذهبي: 29 / 202 برقم 4 ; وغيرها .
3 . بحار الأنوار: 88 / 331 ; مستدرك الوسائل: 6 / 429 ح 7153، الباب 1 من أبواب قضاء الصلوات.

صفحه 185
قال الطالبي(1): أوّلها الجزء الأوّل من المنتخب من كتاب زاد المسافر ووصاية المسافر، تأليف أبي العلاء الحسن بن أحمد العطّار الهمداني، وقد كتب في حياته، وكان عظيم الشأن.
فصل: ورأيت في كفّارة قضاء الصلوات حديثاً غريباً، رواه حسين بن أبي الحسن بن خلف الكاشغري، الملقّب بالفضل، في كتاب «زاد العابدين» فقال ما هذا لفظه:
في كفّارة الصلوات:
قال: حدّثنا منصور بن بهرام، بغزنة، أخبرنا أبو سهل محمد بن محمد بن الأشعث الأنصاري، حدّثنا أبو طلحة شريح بن عبدالكريم، وغيره، قالوا: حدّثنا أبو الفضل جعفر بن محمد ـ صاحب كتاب «العروس» ـ ، حدثنا غندر، عن ابن أبي عروبة (2)، عن قتادة، عن خلاس، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: «سمعت ] رسول الله [ (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: من ترك الصلاة في جهالته، ثمّ ندم، لا يدري كم ترك، فليصلّ ليلة الاثنين خمسين ركعة بفاتحة الكتاب مرّة، وقل هو الله أحد مرّة، فإذا فرغ من الصلاة استغفر مائة مرّة، جعل الله ذلك كفّارة صلاته ولو ترك صلاة مائة سنة، لا يحاسب الله العبد الذي صلّى هذه الصلاة، ثمّ إنّ له عند الله بكلّ ركعة مدينة، وله بكلّ آية قرأها عبادة سنة، وبكلّ حرف نور على الصراط، وأيم الله إنّه لا يقدر على هذا إلاّ مؤمن من أهل الجنّة، فمن فعل استغفرت له

1 . في بعض النسخ: قالب الطابين.
2 . في النسخ الّتي بأيدينا: «عن أبي عروية»، والصحيح ما أثبتناه نقلاً عن المصادر الرجالية. وهو سعيد بن أبي عروبة ـ واسمه مهران ـ العدوي، أبو النضر البصري، مولى بني عدي بن يشكر. راجع ترجمته في: تهذيب الكمال للمزّي: 11 / 5 برقم 2327 ; تذكرة الحفّاظ للذهبي: 1 / 177 برقم 176 ; وميزان الاعتدال: 2 / 151 برقم 3242 .

صفحه 186
الملائكة، وسمّي في السماوات صديق الله في الأرض، وكان موته موت الشهداء، وكان في الجنّة رفيق خضر (عليه السلام)».(1)
***
ومن المنامات عن الصادقين ـ الذين لا يتشبّه بهم شيء من الشياطين ـ في المواسعة، وإن لم يكن ذلك ممّا يحتجّ به، لكنّه مستطرف، ما وجدته بخطّ الخازن أبي الحسن (رضي الله عنه)، وكان رجلاً عدلاً، متّفقاً عليه، وبلغني أنّ جدّي ورّاماً (2) (رضي الله عنه)صلّى خلفه مؤتمّاً به، ما هذا لفظه:
خط الخازن أبي الحسن المذكور.
رأيت في منامي، ليلة الأحد، سادس عشر جمادى الآخرة، أمير المؤمنين والحُجّة (عليهما السلام)، وكان على أمير المؤمنين (عليه السلام)ثوب خشن، وعلى الحُجّة ثوب ألين منه، فقلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا مولاي، ما تقول في المضايقة؟ فقال لي: «سل صاحب الأمر»، ومضى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبقيت أنا والحُجّة، فجلسنا في

1 . بحار الأنوار: 91 / 384 ح 15 ; مستدرك الوسائل: 6 / 441 برقم 7181، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، قال في البحار: هذا الخبر مع ضعف سنده، ظاهره مخالف لسائر الأخبار، وأقوال الأصحاب، بل الإجماع، ويمكن حمله على القضاء المظنون، أو على ما إذا أتى بالقدر المتيقّن، أو على ما إذا أتى بما غلب على ظنّه الوفاء، فتكون هذه الصلاة لتلافي الإحتمال القويّ، أو الضعيف على حسب ما مرّ من الوجوه. وأمّا القضاء المعلوم فلابدّ من الإتيان بها والخروج منها على ما مرّ، ولا يمكن التعويل على مثل هذا الخبر وترك القضاء.
وقال في المستدرك: ويحتمل أن يكون هذا العمل كفّارة لمعصيته، فإنّ قضاء الصلاة المتروكة لا يستلزم حط ذنب تركها، فالغرض منه جبر أصل المخالفة وأنّه لا يعاقب بعده عليه، من غير نظر إلى تكليفه في جبر المتروك بالقضاء حتّى يتيقّن أو قضاء المتيقّن أو المظنون، والله العالم.
2 . هو أبو الحسين ورّام بن أبي فراس بن ورّام الحلّي، الأمير الشيعي الزاهد من ذرية مالك الأشتر النخعي صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام)، عالم فقيه صالح. توفّي بالحلّة سنة 605 هـ . موسوعة طبقات الفقهاء: 7 / 289 برقم 2630 .

صفحه 187
موضع، فقلت له: ما تقول في المضايقة؟ فقال قولاً مجملاً: «تصلّي» فقلت له قولاً هذا معناه وإن اختلفت ألفاظه: في الناس من يعمل نهاره ويتعب، ولايتهيّأ له المضايقة، فقال: «يصلّي قبل آخر الوقت» فقلت له: ابن إدريس يمنع الناس من الصلاة قبل آخر الوقت ثمّ التفتُّ فإذا ابن إدريس، ناحية عنّا، فناداه الحُجّة (عليه السلام): «يا ابن إدريس، يا ابن إدريس» فجاءه... فقال له: «لِمَ تمنع الناس من الصلاة قبل آخر الوقت، أسمعت هذا من الشارع؟!» فسكت ولم يعد جواباً، وانتبهت في أثر ذلك، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله.(1)
ورأيت أيضاً بخط الخازن أبي الحسن، ما هذا لفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم، رأيت الحُجّة (عليه السلام)، ليلة السبت، سادس شوّال، سنة تسعين وخمسمائة، كأنّه في بعض دورنا بالمشهد على ساكنه السلام، قاعداً على دكّة، والدكّة لها هيئة حسنة، لم أعهدها، وإلى جانبه صبيٌّ وفي قدّامه ]عرجون[ يابس، فيه شماريخ يابسة، وتحته قسب، ثمّ إنّه التقط منه، فدخلت عليه، فلمّا رآني قام، وأخذ العرجون فصار فيه رطب مختلف اللون، فاعتقدته معجزاً له، وقلت له: أنت إمامي وأقبلت عليه، وأقبل عليَّ، وقعدت بين يديه وأكلت من الرطب، وشكوت إليه صعوبة الوقت علينا، فأجابني بشيء غاب عنّي بعد الإنتباه حقيقته.
ثمّ قمنا من ذلك الموضع إلى غيره، فقلت له: يا مولاي، إنّ ورّاماً، وابن إدريس ، يمنعون الناس من الصلاة قبل آخر الوقت، فقال: «يصلّون قبل آخر الوقت» ثمّ قال: «هم يفرّطون في الصلاة» فقلت له: يقولون لهم لا تصلّوا قبل آخر الوقت، فيقولون ما نقدر على ذلك، فأعاد القول: «يصلّون قبل آخر الوقت».

1 . بحار الأنوار: 88 / 332 .

صفحه 188
ثمّ ذَكَرَ الفقهاء بكلام دلّ على أنّه مُعتب عليهم، ثمّ أذّن (عليه السلام)، فمضيت ألتمس ما أتوضّأ به وأُصلّي معه، فانتبهت في إثر ذلك، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.
ورأيت بخطّ أبي الحسن الخازن، ما هذا لفظه: وكنت أستعمل ماء الكرّ في الحمّام مدّة طويلة، فعنّ لي في بعض الأوقات أن أترك استعماله، فتركته أوقاتاً فرأيت الحُجّة (عليه السلام)في منامي، وهو على موضع عال له شرفات، وعلى رأسه شبه الإكليل والتاج، فجرى حديث في معنى الكرّ ـ غاب عنّي بعد الإنتباه حقيقته ـ فالتفت إليّ وقال: «جبرئيل قال لك إنّ الكرّ نجس، أو قال لك جبرئيل لا تستعمله، إرجع إلى الكّر» فانتبهت في إثر ذلك وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله الطاهرين.
ومن المنامات عن مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، في المواسعة من بعض الوجوه، ما حدّثني به صديقي الوزير محمد بن أحمد العلقمي، ضاعف الله سعادته، وشرّف خاتمته، أيام كان أُستاد الدار، فالتمست أن يكتبه بخطّه فكتب ما يأتي بلفظه:
رأيت في المنام كأنّ مولانا زين العابدين (عليه السلام)نائم، وكأنّه ميّت، ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه جالس عند رأسه الشريف فعطس واستوى جالساً فقلت له: يا مولاي، إيش حديث صلاة المضايقة؟ فأومى بوجهه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، من غير أن يتكلّم. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام)من غير أن أسأله: «إذا كان على الإنسان ـ أو قال: الشخص ـ صلاةً قضاها في مدّة، ثمّ صلّى تلك المدّة في مدّة، والمدّة في مدّة، تكون المدّة الأخيرة مضايقة».
وانفهم من ذلك أنّه إذا كان على الشخص سنتان، ثمّ صلاّها في سنة،

صفحه 189
وصلّى تلك السنة في شهر، يكون قضاء ذلك الشهر مضايقة.
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن الطاووس: هذا آخر لفظ صديقي الوزير محمد بن أحمد العلقمي، ضاعف الله سعادته، وشرّف خاتمته.(1)
***

1 . للرسالة تكملة فيها كرامات وفضائل للسيد ابن طاووس تركناها لعدم علاقتها بموضوع الكتاب، ومن أراد الاطّلاع عليها فليراجع المصادر المذكورة في الهامش: 1، ص 177 .

صفحه 190
   

الفصل44

في قضاء الولي

يجب على وليّ الميّت ـ رجلاً كان الميّت أو امرأة ـ على الأصحّ.*
* إذا فاتت الصلاة عن الوالد أو عن الوالدين يقع الكلام في قضاء الولي عنه أو عنهما، واستيفاء البحث يقتضي الكلام تارة في القاضي، وأُخرى في المقضيّ، وثالثة في المقضيّ عنه. وقدّم المصنّف المقضيّ عنه على المقضيّ، ثمّ بحث عن القاضي.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري بحث عن أمرين آخرين:(1)
1. ما هو المراد من القضاء عن الميت؟
2. أحكام القضاء.
وأمّا المصنّف فقد بحث عن الأوّل في المكاسب المحرّمة واكتفى بما حقّقه هناك.
وأمّا الثاني، فقد بيّن أحكام القضاء ضمن مسائل.   2

1 . الرسائل الفقهية:205.

صفحه 191

E الكلام في المقضيّ عنه

عمّم المصنّف المقضيّ عنه إلى مطلق الميّت رجلاً كان أو امرأة ونسبه إلى الأصحّ، وإليك كلمات الأصحاب في المقام .
فقد اختلفت كلماتهم في الموضوع، فمنهم مَن جعل الموضوع العليل، ومنهم مَن عبّر عنه بمَن مات وعليه صلاة، ومنهم مَن عبّر عنه بالأب، ومنهم مَن صرّح بالعموم.
أمّا مَن قال بالأوّل ـ أعني: العليل ـ فمنهم:
1. السيد المرتضى، قال: والعليل إذا وجبت عليه صلاة وأخّرها حتى مات قضاها عنه وليّه، كما يقضي حجّة الإسلام والصيام ببدنه.(1)
2. ابن إدريس، قال: والعليل إذا وجبت عليه صلاة فأخّرها عن أوقاتها حتى مات قضاها عنه ولده الأكبر من الذكران.(2)
وأمّا مَن قال بأنّ المقضيّ عنه هو من مات وعليه صلاة، فمنهم:
3. ابن زهرة، قال: ومَن مات وعليه صلاة وجب على وليّه قضاؤها.(3)وعليه ـ أيضاً ـ الشهيد في الدروس.(4)
وأمّا مَن قال بأنّ المقضيّ عنه هو الأب، فمنهم:   2

1 . رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الثالثة:39.
2 . السرائر:1/277.
3 . غنية النزوع:100.
4 . الدروس الشرعية:1/146

صفحه 192
E 4. يحيى بن سعيد، قال: ويقضي الابن ما فات أباه من صلاة مرضه.(1)
أمّا مَن صرّح بالعموم، فمنهم:
5. الشيخ الطوسي، قال: والمرأة حكمها حكم ما ذكرناه في أنّ ما يفوتها من الصيام لمرض أو طمث لا يجب على أحد القضاء عنها إلاّ أن تكون قد تمكّنت من القضاء فلم تقضه.(2)
6. ابن البراج، قال: والمريض إذا مات وقد كان وجب عليه صوم شهرين متتابعين صام عنه وليّه شهراً وتصدّق عن شهر، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون المريض رجلاً أو امرأة.(2)
وقد حكي العموم أيضاً عن «المنتهى» و «التذكرة».(4)
نعم ذكر ابن إدريس بعد نقل فتوى الشيخ في «النهاية»، ما هذا لفظه: والصحيح من المذهب والأقوال، أنّ إلحاق المرأة في هذا الحكم بالرجال يحتاج إلى دليل، وإنّما إجماعنا منعقد على الوالد يتحمّل ولده الأكبر ما فرّط فيه... إلخ.(3)
وعلى هذا فالمشهور هو الأعمّ. اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ الإطلاقات في كلمات الأصحاب منصرفة إلى الوالد، وحُكي الاختصاص عن المحقّق والشهيد الثانيان في حاشية الشرائع، ولو تمّت هذه النقول فالمسألة ذات قولين دون أن تكون هنا شهرة بين الأصحاب.   2

1 . الجامع للشرائع:289.   2 . النهاية:158.
2 . المهذب البارع:1/196.   4 . لاحظ رسائل فقهية للشيخ الأنصاري:227.
3 . السرائر:1/399.

صفحه 193
E هذه كلمات الأصحاب، فلندرس دليل المسألة.
استدلّ للخصوص بالبيان التالي:
ورود عنوان الرجل في أكثر الروايات، وإن كان وارداً في سؤال الراوي دون جواب الإمام(عليه السلام)في أغلب الروايات، لكنّ الصدوق ذكر رواية يظهر منها وروده في لسان الإمام؟ قال: قد روي عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال:«إذا مات الرجل وعليه صوم شهر رمضان فليقض عنه مَن شاء من أهله».(1) بناءً على اتحاد حكم الصوم والصلاة.
والعجب أنّ أكثر الروايات وردت حول الصوم فقد نقل صاحب الوسائل ستة عشر رواية في المقام وقلّت الرواية في باب الصلاة، ولذلك لم يعنون المحقّق المسألة في كتاب الصلاة وإنّما عنونها في كتاب الصوم، وتبعه شُرّاح الشرائع كالجواهر ومصباح الفقيه.
ثمّ إنّ شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري استدلّ على الاختصاص بصحيحة حفص (2) ومرسلة حمّاد(3)، قائلاً: إنّ مورد السؤال فيهما هو الرجل، ولا وجه لإسراء الجواب إلى غير موضع السؤال إلاّ بعد القطع بأنّ ذكر الخاص ليس من جهة الخصوصية، بل على سبيل المثال، وإنّي لا أجد القطع بذلك في
المقام.(4)   2

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.
2 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث5.
3 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث6.
4 . الصلاة للعلاّمة الحائري:585، ط2.

صفحه 194
E يلاحظ عليه: أنّه لا اختصاص بذكر الرجل في السؤال في الروايتين، بل أكثر ما ورد في ذلك الباب ورود الرجل في سؤال الراوي، فلمّا كان وجوب القضاء على الولي أمراً على خلاف الأصل فيقتصر بالمورد المتيقّن وهو الرجل. وعلى هذا فليس للقائل بالخصوص دليل سوى عدم الدليل على التعميم.

دليل القائل بالعموم

وقد استدلّ على القول بعموم المقضيّ عنه سواء كان رجلاً أو امرأة، بالروايتين التاليتين:
الأُولى: ما رواه صاحب الوسائل عن كتاب «غياث سلطان الورى» للسيد ابن طاووس عن عبد الله بن سنان عن الصادق(عليه السلام) قال:«الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضي عنه أولى الناس به».(1) والميّت يعمّ كلا الصنفين.
وفي الحقيقة المستند هو الذكرى، وأمّا «غياث سلطان الورى» فهو مخطوط لم يطبع ، وقد جعل الموضوع في الرواية هو الميّت.
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال به ضعيف ; لأنّه مروي في «الذكرى» نقلاً عن كتاب «غياث سلطان الورى» بلا سند إلى عبد الله بن سنان، فهي رواية مرسلة.
الرواية الثانية: وهي صحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت، فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يُقضى عنها؟ قال:«أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا   2

1 . الوسائل:5، الباب12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث18; ورواه في البحار:88/313، وفي الذكرى:74.

صفحه 195
E السفر فنعم».(1)
وقد استدلّ بها شيخنا الأنصاري وقال: بناء على عدم القول بالفصل بين الصوم والصلاة كما يظهر من بعض، وعلى أنّ المسؤول عنه وجوب القضاء(دون المشروعية) لما ذكره في «المنتهى» من الاتّفاق على الاستحباب في هذه الصور.(2)
وحاصل الاستدلال: أنّ السؤال مركّز على وجوب القضاء وعدمه، لا على المشروعية للاتّفاق على الاستحباب والمشروعية في هذه الصور الثلاث:(المرض، الطمث، السفر).
ثمّ إنّ شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري أجاب عن الاستدلال بقوله:ويمكن الجواب عن ذلك بأنّه محمول على أصل المشروعية بمعنى أنّ السؤال عن مشروعية القضاء عن المرأة المفروضة، والجواب أنّه في الطمث والمرض لا يشرع القضاء عنها، وفي السفر مشروع ولا يدلّ على لزوم القضاء على وليها، ومجرّد الاتّفاق المحكّي لا ينفع مع عدم ثبوت الإجماع المحقّق المصطلح عند الإمامية.(3)
وحاصل الإشكال: وجود قرينة على أنّ السؤال عن المشروعية لا الوجوب، وذلك لأنّ المفروض أنّ المرأة المريضة أو الطامث أو المسافر، ماتت قبل خروج شهر رمضان، أي قبل أن يتمكّن فيه الميّت من قضاء الصوم   2

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث4.
2 . رسائل فقهية:227.
3 . الصلاة للعلاّمة الحائرى:586، الطبعة الثانية.

صفحه 196
E ولذلك صار مظنّة سؤال عن مشروعية القضاء من الولي أو غيره عنها، إذ كيف يقضي النائب ما لم يكلّف المنوب عنه به، لا أداءً لأجل الأعذار الثلاثة، ولا قضاء ; لأنّ المفروض أنّها ماتت قبل خروج شهر رمضان، فصار هذا مظنة لاحتمال عدم مشروعية القضاء وسؤال الراوي عنها وقد أجاب الإمام بعدمها في الطمث والمرض ومشروعيتها في السفر، ولا يدلّ على وجوب القضاء، بل غاية ما يدلّ عليه هو أصل المشروعية في السفر.
ويدلّ على وجود الشك في المشروعية روايات صريحة في عدم المشروعية في مورد المريضة التي ماتت قبل أن تتمكّن من القضاء:
ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان وماتت في شوّال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: «هل برئت من مرضها»؟ قلت: لا، ماتت فيه، قال:«لا تقضي عنها، فإنّ الله لم يجعله عليها، قلت: فإنّي أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك؟ قال:«كيف تقضي شيئاً لم يجعله الله عليها، فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم».(1)
وبذلك يظهر الجواب عن الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ فقال: «فأمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(2)
والرواية نفس رواية أبي حمزة لفظاً ومعنى، غير أنّها رويت عن   2

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث12.
2 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث16.

صفحه 197
E أبي جعفر(عليه السلام) وأمّا هنا فقد رويت عن الإمام الصادق(عليه السلام).
إلى هنا تمّت دراسة دليل القولين، ومع ذلك فإنّ القول بالعموم مضافاً إلى كونه موافقاً للاحتياط، فهو قوي لوجوه:
1. إنّ الفقهاء (قدّس الله أسرارهم) يحملون لفظ الرجل في عامّة الموارد على أنّه من باب المثال، مثل قوله:«رجل شكّ بين الثلاث والأربع» فما هو وجه التوقّف في المقام؟
ولذلك تردّد المحقّق في الشرائع في كتاب الصوم وقال: وهل يقضى عن المرأة ما فاتها؟ فيه تردّد.(1)
2. الظاهر وجود الملازمة بين المشروعية والوجوب خصوصاً مع عدم القائل بالفصل، كما أنّه متى ثبتت أو ثبت الوجوب، ثبت بالنسبة إلى الولي، ضرورة معلومية عدم الوجوب على جميع الناس فليس حينئذ إلاّ الولي.
3. إنّ الشيخ أفتى بذلك في «النهاية» و «المبسوط».(2)
وقد أنكر العلاّمة في «المختلف» على ابن إدريس القائل بأنّ الوجوب ليس مذهباً لأحد من أصحابنا، وقال: وأي أحد أعظم من الشيخ مع أنّ جماعةً قالوا بذلك كابن البرّاج.(3)
كلّ ذلك يبعث الفقيه إلى الإفتاء بالوجوب احتياطاً في جانب الأُم أيضاً.
ثمّ إنّ المصنّف لم يفرّق بين كون المقضيّ عنه حرّاً أو عبداً، ونحن   2

1 . شرائع الإسلام:1/204.
2 . النهاية:158، المبسوط:1/286.
3 . مختلف الشيعة:3/538، ولاحظ: المهذب:1/196.

صفحه 198
أن يقضي عنه ما فاته من الصلاة لعذر، من مرض أو سفر أو حيض، فيما يجب فيه القضاء ولم يتمكّن من قضائه، وإن كان الأحوط قضاء جميع ما عليه. وكذا في الصوم لمرض تمكّن من قضائه وأهمل، بل وكذا لو فاته من غير المرض ـ من سفر ونحوه ـ وإن لم يتمكّن من قضائه.*
E في غنى عن إفاضة الكلام فيه لعدم وجود الموضوع.
هذا كلّه حول المقضيّ عنه، وإليك الكلام في المقضيّ.

* الكلام في المقضيّ

يقع الكلام في المقضيّ في مقامين:
1. هل يختصّ القضاء بالفائتة لعذر، أو يعمّ الترك العمدي؟
2. هل يختصّ القضاء بما إذا لم يتمكّن المقضيّ عنه القضاء، أو يعمّ من تمكّن من قضائه وأهمل؟
والبحثان متداخلان في كلام المصنّف، وإليك الكلام في المقام الأوّل:

المقام الأوّل: في اختصاص الحكم بالترك العذري وعدمه

قد ذكر المصنّف المرض والسفر والحيض فيما يجب فيه القضاء، كما في الحيض غير المستوعب، مثالاً للعذر، ومن المعلوم أنّ السفر والمرض ليسا عذراً شرعياً في الصلاة بل كلّ يعمل حسب وظيفته، والحيض عذر في الصلاة لكن تركها فيه لا يوجب القضاء، فمراده من العذر، العذر العرفي الذي ربما يسبب ترك الصلاة على نحو لولاه لما ترك، فإنّ قسماً من الناس لا   2

صفحه 199
E يعتدون بالصلاة في السفر والمرض، كما أنّ الحائض غير المستوعب ربما تترك الصلاة في الوقت الباقي وتؤخّر الغُسل إلى ما بعد خروج الوقت. وكان الأَولى أن يقال: «من نوم أو نسيان أو عجز أو تقية» إذ قلّما يتّفق لمسلم أن يترك الصلاة في غير الموارد والأعذار العرفية، وعلى هذا فلابدّ أن يعدّ المصنّف ممّن يقول بعدم اختصاص الوجوب بصورة الأعذار العقلية، بل يجب مطلقاً حتّى في الأعذار العرفية إلاّ إذا ترك عن إهمال وبطالة فقد احتاط فيه حيث قال: وإن كان الأحوط قضاء جميع ما فيه، وأفتى بالوجوب في غيره.
وعلى كلّ تقدير فيقع الكلام في حكم الصلاة التي تُركت لأحد هذه الأعذار أعمّ من العقلية أو الشرعيّة أو تركت عن عمد، إهمالاً وبطالة، وأمّا لو تركه عن عناد وطغيان فلا يجب القضاء أصلاً، فهل يجب القضاء في خصوص الأوّل أو يعمّ الثاني؟
أمّا الأصحاب فلهم أقوال ثلاثة:
الأوّل: مَن خصّ وجوب القضاء بما إذا فاتت في مرض الموت، منهم:
1. ابن إدريس، حيث قال: والعليل إذا وجبت عليه صلاة فأخّرها عن أوقاتها حتى مات قضاها عنه ولده الأكبر من الذكران، إلى أن قال: ولا يقضي عنه إلاّ الصلاة الفائتة في حال مرض موته فحسب، دون ما فاته من الصلوات، في حال غير مرض الموت.(1) وقد ضيّق ابن إدريس الموضوع وخصّه بالفائتة بسبب مرض الموت فقط.
2. يحيى بن سعيد، قال: ويقضي الابن ما فات أباه من صلاة مرضه.(2)2

1 . السرائر:1/277.   2 . الجامع للشرائع:89 .

صفحه 200
في اختصاص الحكم بالترك العذري وعدمه   
E 3. الشهيد الثاني: جعل مقتضى الأصل وجوب قضاء ما فاته في مرض الموت.(1)
الثاني: من خصّ وجوب القضاء بما فات لعذر، لا من تركه عمداً مع قدرته عليه، منهم المحقّق حيث قال: يقضي ما فاته لعذر كالمرض والسفر والحيض بالنسبة إلى الصوم.(2) وهو خيرة الشهيد في «الذكرى».(3)
الثالث: قضاء ما فات عن الميّت مطلقاً وظاهر الغنية ادّعاء الإجماع عليه، قال: ومَن مات وعليه صلاة وجب على وليّه قضاؤها، ثمّ قال: وذلك بدليل الإجماع الماضي ذكره.(4)
وعن الشهيد الثاني نسبته إلى ظاهر النص وإطلاق الفتوى.(5) وقد اختار المصنّف القول الثاني كما مرّ، وإليك دراسة الأقوال.
أمّا القول باختصاص المقضي بما فات أيام مرضه فليس له دليل ظاهر، إلاّ ادّعاء انصراف النصوص إلى ذلك، مع أنّه لا وجه له وهذه رواية حفص بن البختري صريحة في الإطلاق، وفيها: في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام، قال:«يقضي عنه أولى الناس بميراثه» قال: فإن كان أولى الناس امرأة؟ فقال:«لا، إلاّ الرجال».(6)   2

1 . الروضة البهية:1/352ـ353، ط دار العلم للملايين.
2 . الرسائل التسع:258، المسألة32 من المسائل البغداديّة.
3 . الذكرى:138.
4 . غنية النزوع:100.
5 . رسائل فقهية للشيخ الأنصاري:223 نقلاً عنه.
6 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث5.

صفحه 201
E ويؤيّد ذلك ما رواه السيد بن طاووس باسناده إلى محمد بن أبي عمير، عن رجاله، عن الصادق (عليه السلام)، في الرجل يموت وعليه صلاة أو صوم، قال: «يقضيه أولى الناس به» (1).
بقي الكلام في القول الآخر واختصاص المقضي بما فات لعذر وهو ـ أيضاً ـ مرفوض بنفس الإطلاق في الرواية، ودعوى الانصراف إلى الفائتة لعذر مبنية على أحد الوجهين:
1. إمّا كثرة استعمال الفائتة في خصوص العذر.
2. كثرة وجوده.
وكلاهما غير ثابتين، لو لم يكن الفوت لغير عذر أكثر، خصوصاً ما مرّ من أنّ المرض أو السفر ليسا بعذر.
ولذلك يقول صاحب الجواهر بعد قول المحقّق: «سواء فات بمرض أو غيره»، بلا خلاف أجده فيه في أصل الحكم.(2)
إلى هنا تبيّن صحّة لزوم القضاء عن الميّت مطلقاً، سواء فات منه لعذر أو بتفريط.
وبذلك يظهر النظر فيما نقل الشهيد عن المحقّق في مسائله البغدادية المنسوبة إلى جمال الدين بن حاتم المشعري، قال: الذي ظهر لي أنّ الولد   2

1 . الوسائل: 5، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 6. ولاحظ ما رواه صاحب الوسائل في ذلك الباب عن كتاب «غياث سلطان الورى» ما ورد تحت الأرقام التالية 19، 20، 21، 23، 27، فإطلاقها يعمّ مطلق الفائتة.
2 . جواهر الكلام:17/3.

صفحه 202
E يلزمه قضاء ما فات من الميّت من صيام وصلاة لعذر كالمرض والسفر والحيض لا ما تركه عمداً مع قدرته عليه. ثمّ قال الشهيد: وكان شيخنا عميد الدين ينصر هذا المذهب، ولا بأس به فإنّ الروايات تحمل على الغالب من الترك، وهو إنّما يكون على هذا الوجه وهو اعتبار حسن.(1)
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ الترك لغير عذر ليس بأقلّ من الترك العذري خصوصاً إذا وجب القضاء لأجل المسامحة في رعاية الأركان في الصلاة، فإنّها ليست بقليلة فالجميع من مقولة الترك بلا عذر.
   

نظرية عدم انتفاع الميت بعمل غيره

وربّما يحتجّ على عدم انتفاع الميت بصلاة الغير وصومه بقوله سبحانه: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى)(2) حيث دلّ على أنّه ليس لكلّ إنسان يوم القيامة إلاّ ما سعى بنفسه فلا يكون سعي غيره له.
لكنّه مردود بوجوه:
أمّا أوّلاً: فقد تضافرت الروايات عن الفريقين في صحّة صيام الولي وحجّه عن الميّت، ونكتفي بإيراد ثلاث روايات منها:
1. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):«مَن مات وعليه صيام، صام عنه وليّه».(3)
2. روى ابن عباس: أنّ امرأة أتت رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقالت: إنّ أُمّي   2

1 . الذكرى:138.
2 . النجم:39
3 . صحيح مسلم:3/155، باب قضاء الصيام عن الميّت.

صفحه 203
E ماتت وعليها صوم شهر؟ فقال(صلى الله عليه وآله):«أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه»؟ قالت: نعم. قال(صلى الله عليه وآله):«فدين الله أحقّ بالقضاء».(1)
3. عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريد، عن أبيه، قال: بين أنا جالس عند رسول الله(صلى الله عليه وآله)إذ أتته امرأة فقالت: إنّي تصدّقت على أُمّي بجارية وإنّها ماتت، قال: فقال(صلى الله عليه وآله): «وجب أجرك»، ثمّ قالت: يا رسول الله إنّه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها» قالت: إنّها لم تحجّ قط أفأحجّ عنها؟ قال(صلى الله عليه وآله): «حجّي عنها».(2)
وروي أنّ جارية من خثعم أتت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: يا رسول الله إنّ أبي أدركته فريضة الحجّ شيخاً زمناً لا يستطيع أن يحجّ، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال(صلى الله عليه وآله) لها:«أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحقّ بالقضاء».(3)
وثانياً: إنّ المتبادر من الآية الكريمة أنّه لا يتحمّل أي شخص إلاّ وزر عمله لا وزر الآخرين بشهادة قوله سبحانه قبل هذه الآية:(أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ).(4) وبما أنّه أُريد من السعي، الوزر فيكون الحصر إضافيّ في مقابل تحمّل وزر الغير وليس حقيقياً حتى يدلّ على أنّه لا ينتفع بعمل غيره.   2

1 . صحيح مسلم:3/155، باب قضاء الصيام عن الميّت.
2 . صحيح مسلم:3/155، باب قضاء الصيام عن الميّت.
3 . مستدرك الوسائل:8/26، الباب18 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث1، عن دعائم الإسلام.
4. النجم:38 و 39.

صفحه 204
E وثالثاً: أنّ قيام الولي ـ أي الولد ـ المسلم بعملية القضاء يعدّ نوع سعيّ للميّت، إذ هو الذي أولده وربّاه وزكّاه حتى استعد لقضاء الصلاة عن أبيه.
وربما يستدلّ على عدم صحّة النيابة عن الميّت بما روي عنه(صلى الله عليه وآله) قوله:«إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».(1) فالحديث يشير إلى أُمور ثلاثة وليست صلاة الغير منها.
يلاحظ عليه: أنّ الحديث ناظر إلى الأعمال التي تصدر من الإنسان بصورة مباشرة، وليس بالخفيّ أنّ الإنسان إذا مات انقطعت الأعمال التي يقوم بها بنفسه وبصورة مباشرة، لأنها تنقطع بموته إلاّ الثلاثة التي يبقى أثرها حتى بعد موته، وليس الحديث بصدد بيان الانقطاع بالعمل الذي يقوم به غيره ويهدي ثوابه إليه.
وإن شئت قلت: الحديث ناظر إلى الأفعال التي تصدر عن الإنسان بالمباشرة، فهو يحوم حول هذا الموضوع، وأمّا الأعمال التي تصدر عن الغير فالحديث غير ناظر إليها.
تمّ الكلام في المقام الأوّل، أعني: وجوب القضاء لمطلق الفائتة، عن عذر أو عن عمد، وإليك الكلام في المقام الثاني.

المقام الثاني: اختصاص القضاء بتمكّن الميّت من قضائه وعدمه

والكلام في هذا المقام مركّز على الصلاة وخصّ المصنّف وجوب القضاء بما إذا لم يتمكّن من قضائه، ثمّ احتاط وقال: «وإن كان الأحوط   2

1 . صحيح مسلم:5/73، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميّت، من كتاب الإلهيات.

صفحه 205
E قضاء جميع ما عليه» وليس للتخصيص دليل ظاهر إلاّ الانصراف، وهو خلاف إطلاق صحيحة حفص بن البختري حيث يقول: في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام؟ فلو لم نقل بانصرافه إلى المتمكّن فليس منصرفاً إلى غيره بل يمكن أن يقال بانصرافه إلى المتمكّن وفاقاً لبعض المعلّقين على الكتاب وذلك بوجهين:
1. إنّ قوله: «وعليه صلاة وصيام»، بمعنى أنّه استقرّت عليه هاتان الفريضتان، والاستقرار آية التمكّن، ولذلك لو نام عن صلاة الفجر واستيقظ ثم فاجأه الموت فلا يصدق عليه صلاة، لأنّه حين النوم غير مكلّف وأمّا حال اليقظة ففاجأه الموت.
2. التعليل الوارد في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان وماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال:«هل برئت من مرضها»؟ قلت:لا، ماتت فيه؟
قال: «لاتقضي عنها فإنّ الله لم يجعله عليها».(1) فهي تدلّ على أنّ وجوب القضاء أو مشروعيته فرع تمكّن المقضيّ عنه عن القضاء. و كون التعليل وارداً في مورد الصوم لا يضرّ بالتمسّك ; لأنّ العبرة بعموم التعليل.
فإن قلت: اتّفقت كلمتهم على وجوب القضاء في الصوم إذا فات بالسفر وإن لم يتمكّن من القضاء. ولكن اشترطوا في القضاء في الطمث والمرض لزوم التمكّن من القضاء إذا أهمل، والدليل على ذلك صحيحة أبي حمزة الثمالي فقد جاء فيها: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت   2

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث2.

صفحه 206
والمراد به الولد الأكبر، فلا يجب على البنت، وإن لم يكن هناك ولد ذكر، ولا على غير الأكبر من الذكور، ولا على غير الولد من الأب والأخ والعم والخال ونحوهم من الأقارب، وإن كان الأحوط ـ مع فقد الولد الأكبر ـ قضاء المذكورين على ترتيب الطبقات، وأحوط منه قضاء الأكبر فالأكبر من الذكور، ثم الإناث في كلّ طبقة، حتى الزوجين والمعتق وضامن الجريرة.*
E فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: «أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(1)
وعندئذ يقع السؤال: ما هو الفرق بين الطمث والمرض، فلا يقضى إلاّ عند التمكّن، وأمّا السفر فيقضى حتى مع عدم التمكّن؟
قلت: لعلّ الوجه هو أنّ الطهارة من الحيض والبرء من المرض من شرائط الوجوب فعند عدمه ينتفي الوجوب عن المكلّف فلا يبقى موضوع للقضاء. وأمّا عدم السفر فهو من شرائط الواجب ولا صلة له بالوجوب. مضافاً إلى أنّ السفر فعل اختياريّ بخلاف الآخرين فهما خارجان عن اختيار الإنسان .

* الكلام في القاضي

اختلفت كلمات الفقهاء فيما هو المراد من الولي، إلى أقوال:
الأوّل: المراد الولد الذكر الأكبر واختاره جماعة، منهم:
1. الشيخ في النهاية والمبسوط، قال: فإن لم يصح المريض ومات   2

1 . الوسائل:27، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث4.

صفحه 207
E من مرضه الذي أفطر فيه يستحب لولده الأكبر أن يقضي عنه ما فاته من الصيام .(1)
2. المحقّق في «الشرائع» قال: الولي هو أكبر أولاده الذكور.(2)
وفسّره في «المسالك» بقوله: مَن ليس هناك ذكر أكبر منه فلو لم يخلف الميّت إلاّ ذكراً واحداً تعلّق به الوجوب.
وقال في «المسالك» في توضيح عبارة المحقّق: ولو لم يكن هناك
ولي بالوصف المذكور لم يجب القضاء على باقي الورّاث وإن كانوا أولاداً اقتصاراً في وجوب ما خالف الأصل على موضع الوفاق، ولأنّه في مقابل الحبوة.(3)
3. الشهيد في «الدروس» قال: والولي هو الولد الأكبر، وظاهر الروايات أنّه الأقرب مطلقاً وهو الأحوط.(4)
الثاني: ما نقله الشهيد عن المفيد، قال: ثم الولي عند الشيخ أكبر أولاده الذكور لا غير، وعند المفيد: لو فقد أكبر الولد، فأكبر أهله من الذكور فإن فقدوا فالنساء، وهو ظاهر القدماء والأخبار والمختار.(5)
الثالث: قضاء المذكور على ترتيب طبقات الإرث.
إلى هنا ظهرت أقوال ثلاثة:   2

1 . النهاية:157، ولاحظ المبسوط:1/276.
2 . الشرائع:1/203.
3 . المسالك:2/36.
4 . الدروس:1/146، كتاب الصلاة.
5 . الدروس:1/289.

صفحه 208
E 1. الولد الذكر الأكبر.
2. لو لم يكن الولد الأكبر فأكبر أهله من الذكور، وهو يعمّ الأب والأخ.
3. قضاء المذكور على ترتيب الطبقات حتى الزوجين والمعتق وضامن الجريرة.
إذا عرفت الأقوال فلنذكر ما ورد من الروايات حتى يتبيّن ما هو اللازم بالأخذ.
1. مرسل الفقيه، قال: روي عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إذا مات الرجل وعليه صوم شهر رمضان فليقض عنه من شاء من أهله».(1)
2. صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام؟ قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» قلت: فإن كان أولى الناس بميراثه امرأة؟ فقال(عليه السلام):«لا، إلاّ الرجال».(2)
2. مرسلة حمّاد بن عثمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يموت وعليه دين من شهر رمضان، من يقضي عنه؟ قال:«أولى الناس به» قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ قال:«لا إلاّ الرجال».(3)
3. صحيحة الصفّار، قال: كتبت إلى الأخير(عليه السلام)، رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام وله وليّان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعاً، خمسة أيام أحد الوليين وخمسة أيام الآخر؟ فوقّع(عليه السلام):«يقضي عنه أكبر   2

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.
2 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث5.
3 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث6.

صفحه 209
E وليّيه عشرة أيّام ولاءً إن شاء الله».(1)
5. موثّقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال:«يقضيه أفضل أهل بيته».(2)
6. مرسلة ابن بكير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في رجل يموت في شهر رمضان، قال: «فإن مرض فلم يصم شهر رمضان ثم صحّ بعد ذلك ولم يقضه ثم مرض فمات فعلى وليّه أن يقضي عنه ; لأنّه قد صحّ فلم يقض فوجب عليه».(3)
هذا مجموع ما ورد في كتابي الصلاة والصوم، وإليك دراسة الروايات.
أقول: إنّ قسماً من هذه الروايات مجمل لا يستفاد منه ما هو المراد من الولي وذلك:
1. مرسلة الفقيه حيث قال:«فليقض عنه مَن شاء من أهله».
2. موثّقة أبي بصير حيث قال:«أفضل أهل بيته».
3. مرسلة ابن بكير حيث قال:«فعلى وليه أن يقضي عنه».
فهذه الروايات الثلاث مجملة لا يستفاد منها مصداق الولي.
وتبقى في المقام الروايات الثلاث فهل المراد الولد الأكبر بمناط كونه أكثر نصيباً من سائر الورّاث، أو المراد الطبقة المعينة للإرث بالفعل حسب نظام الطبقات فيعمّ الأب والولد، في الطبقة الأُولى والأجداد والأُخوة في الطبقة الثانية وهكذا، والمهم بينها هو صحيحة حفص بن البختري ومرسلة حمّاد بن   2

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث3.
2 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث11.
3 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث13.

صفحه 210
E عثمان، وأهمها هو الأُولى، فقد استدل بها على أنّ المراد من قوله: «أولى الناس بميراثه» هو الولد الأكبر من الذكور، وكيفية الاستدلال تتمّ بالبيان التالي:
المتبادر من قوله:«أولى الناس بميراثه» هو الأولى من جميع الموجودين والمعدومين، وإن شئت قلت: الأولى من كلّ أحد بفرض وجوده، وعندئذ يختصّ بالولد الأكبر، وهذا هو الذي أيّده السيد الخوئي(رحمه الله) قائلاً: بأنّ المنسبق من كلمة «الأولى» في الصحيحة إنّ الولي دائماً شخص واحد لا يتعدّد، كما أنّ ظاهر العموم في الناس هو إرادة جميع الناس ممّن خلقهم الله عزّ وجل أعمّ من الموجودين منهم وغيرهم الأحياء منهم والأموات.
وعليه فينحصر الولي في الولد الأكبر فإنّه الأولى بالميراث بقول مطلق حتى الأب المتّحد معه في الطبقة، لكون نصيبه من التركة أكثر من الأب غالباً، حيث إنّ للأب الثلث والباقي للولد.(1) وأكثر نصيباً من الأُخوة لاختصاص الحبوة له.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ادّعاه من أنّ الولي دائماً شخص واحد لا يتعدّد أمر غير مقبول ; وذلك لورود لفظة «الأولى» في الصلاة على الميّت مع أنّ الولي فيها ليس شخصاً دائماً. ففي مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«يصلّي على الجنازة أولى الناس بها».(2) ونظيرها مرسلة البزنطي عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«يصلّي على الجنازة أولى الناس بها، أو يأمر من يحب».(3)   2

1 . المستند للخوئي:16/274ـ275.
2 . الوسائل:2، الباب23 من أبواب صلاة الجنازة، الحديث1.
3 . الوسائل:2، الباب23 من أبواب صلاة الجنازة، الحديث2.

صفحه 211
E ومن المعلوم أنّ المراد من أولى الناس بها أي أقربهم وشيجة، والوالد والولد سيّان في ذلك كما أنّ الأجداد والإخوان كذلك.
فإن قلت: فرق بين أن يقال: أولى الناس بالميراث ـ كما في المقام ـ وأولى الناس بالجنازة ـ كما في الروايتين المذكورتين ـ فلا يدلّ التعدّد في باب صلاة الميّت على وجوده في المقام.
قلت: الظاهر عدم الفرق فإنّ المراد من أولى الناس بالجنازة أقربهم وشيجة وبالتالي يكون أولاهم بميراثه، فالأولى بالميراث مذكور في المقام ومفهوم في باب الصلاة على الميّت.
وثانياً: فرق بين قول: أولى الناس بميراثه وبين أكثر الناس نصيباً بميراثه، والثاني لا يتعدّد بخلاف الأوّل، فإنّ الطبقة الأُولى كلّهم أولى الناس بميراثه من غيرهم سواء كانت واحدة أو متعدّدة. وبعبارة أُخرى: الرواية تركّز على أولى الناس بالميراث لا أكثرهم نصيباً، وعليه تكون العبارة شاملة للطبقة الفعلية للإرث من غير فرق بين الأكثر نصيباً وغيره.
وثالثاً: لو كانت الرواية ظاهرة في وحدة الولي فلماذا سأل حفص مرّة أُخرى عن النساء، فقال: فإن كان أولى الناس بميراثه امرأة؟ فقال(عليه السلام):«لا، إلاّ الرجال». وهذا يدلّ على أنّ الراوي لم يفهم من كلام الإمام وحدة الولي.
ثمّ إنّ السيد الخوئي لمّا وقف على هذا الإشكال صار بصدد دفعه، وقال: لكن حفصاً نفسه لم يستظهر هذا المعنى كما يشهد به سؤاله الثاني، إلاّ أنّ عدم فهمه لا يضر بالاستدلال، فإنّنا إنّما نتعبّد بنقله لا بفهمه ونصدقه في روايته لا درايته.   2

صفحه 212
E يلاحظ عليه: أنّ إجابة الإمام ظاهرة في أنّ فهمه (حفص بن البختري) لم يكن غلطاً بل كان مظنّة للسؤال، ولذلك نرى أنّ الإمام لم ينكر على فهمه، ولذا خصّه بالرجال دون النساء.
ورابعاً: لو كان المراد من قوله:«أولى الناس بميراثه» الولد الأكبر، لكان على الإمام أن يصرّح بهذا اللفظ، لا بلفظ مبهم أو بلفظ عام.
فعلى ما ذكرنا فالموضوع لقضاء صلوات الميت هو الطبقة المتعيّنة للإرث، غاية الأمر من الذكور لا الإناث من غير فرق بين قليل الميراث أو كثيره، فيتجاوز من الولد والوالد إلى الإخوان والأجداد.
ثمّ لو قلنا بأنّ الميزان هو الأكثر ميراثاً من دون تخصيصه وتفسيره بالولد الأكبر يختلف الحكم فيما يلي:
1. لو مات عن أخ من الأب والأُم وأخ من الأُم، فمقتضى الرواية كون قضائه على الأخ من الأب والأُم فإنّه أكثر نصيباً من الأخ للأُم.
2. لو مات عن أخوين من الأبوين أو من الأب فلا يجب القضاء عليهما ; لأنّهما متساويان في الميراث.
نعم مَن فسّر الأولوية بالولد الأكبر تكون هذه الفروض غير مطروحة عليه.
إذا عرفت ما ذكرنا فالذي يمكن تأييد القول بأنّ المراد هو الولد الأكبر أمران:
1. إنّ اتّفاق المشهور على تفسير الروايات بالولد الأكبر وعدم   2

صفحه 213
E ظهورها فيه يكشف عن وجود قرينة منفصلة تفسّر هذه الروايات.
2. صحيحة الصفّار حيث فرضت أنّ للميت وليّين فسأل عن جواز اقتسامهما قضاء صلواته؟ فوقّع الإمام: «يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيام ولاءً». فلو حمل الأكبر من الأولاد يكون مؤيّداً لقول المشهور. نعم الرواية مشتملة على أمر شاذ وهو اعتبار الموالاة، في القضاء ; وعدم مشروعية القضاء لغير الأكبر وكلاهما شاذ لم يقل به أحد. فالقول بالوجوب على الولد الأكبر هو المتيقّن ولو شك فالمرجع هو البراءة .

استئجار شخص من ماله للنيابة عنه

لو مات ولم يكن له ولد أكبر يقضي عنه فهل يجب استئجار شخص ينوب عنه في الصلاة والصوم، ولو توقّف على الأُجرة فهل تخرج من أصل المال أولا؟ قولان الظاهر عدمه إلاّ برضى الورثة لعدم الدليل عليه.
فإن قلت: إنّ مقتضى بعض الأخبار أنّ الصلاة دين وفي رواية الخثعمية الماضية «أنّ دين الله أحق بالقضاء» والمفروض أنّ الديون المالية تقضى من تركة الميّت، فيجب إخراج شيء من ماله ليقضى به عن الميّت.
قلت: الظاهر أنّ المراد من الديون هو الديون المالية والصلاة ليست من الديون الماليّة، وأمّا ما ورد في استئجار الحجّ عن الميّت من صلب ماله معلّلاً بأنّه بمنزلة الدين فلا صلة له بباب الصلاة ; لأنّ الحجّ عبادة مالية فقوامها بالمال، وهذا بخلاف الصلاة.
ومع ذلك كلّه فعلى الورثة ـ أداءً لحقّ مورثهم ـ إفراغ ذمّته بالاستيجار من أطيب أموالهم.

صفحه 214
المسألة1. إنّما يجب على الولي قضاء ما فات من الأبوين من صلاة نفسهما، فلا يجب عليه ما وجب عليهما بالاستيجار، أو على الأب من صلاة أبويه من جهة كونه وليّاً.*

* في وجوب قضاء ما فات من الأبوين من صلاة نفسهما فقط

إنّ المصنّف لمّا اختار أنّ الموضوع هو الولد الأكبر ساق المسائل التالية على هذا المبنى، وأمّا من قال بأنّ الموضوع هو الأولى بالميراث من الذكور فيعمّ الطبقات المتأخّرة للإرث، فيكون حكم بعض المسائل غير ما ذكره المصنّف. ونحن نقتفي إثر المصنّف وقد مرّ أنّه المختار.
ويقع الكلام هنا في موضعين:
1. قضاء ما وجب عليهما بالاستئجار.
2. قضاء ما وجب على الأب من صلاة أبويه من جهة كونه وليّاً.
أمّا الأوّل فعدم شمول الروايات له من باب فقد المقتضي، إذ لم يعهد في عصر أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)الاستئجار للصلاة والصوم وإنّما الموجود الاستئجار للحج، وقد علمت أنّه عمل عبادي مالي، وليس عبادياً محضاً، فكيف تكون الروايات شاملة لها.
في وجوب قضاء ما فات من الأبوين من صلاة نفسهما فقط لا ما وجب عليهما بالاستئجار   
وأمّا الثاني فالمهم هو رواية حفص بن البختري ومرسلة حمّاد بن عثمان، ففي الأُولى: «يموت وعليه صلاة أو صيام».(1) والمتبادر من «عليه» كونه لنفسه، لا كونه لوالديه.   2

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5 .

صفحه 215
E وفي الثانية: «سألته عن الرجل وعليه دين من شهر رمضان»(1) فهو ظاهر في أنّ عليه الصوم لنفسه لا لوالديه بقرينة قوله:«من شهر رمضان».
ومثله أيضاً رواية أبي بصير فهي صريحة في الموضوع حيث قال:«سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه».(2)
مضافاً إلى أنّه لو وجب على الإنسان ما وجب على والديه للزم التصريح بذلك، ولا يصحّ الاقتصار بالعمومات الماضية. فالأصل القاطع ـ أعني: البراءة عن الوجوب ـ هو المرجع بعد عدم الدليل.

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6 .
2 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.

صفحه 216
المسألة2. لا يجب على ولد الولد القضاء عن الميّت إذا كان هو الأكبر حال الموت وإن كان أحوط، خصوصاً إذا لم يكن للميّت ولد.*

* عدم وجوب القضاء على ولد الولد

إذا كان للميّت ولد صلبي مات في حياة الرجل وترك ولداً أكبر من ولد الميت، فهل يجب القضاء على ولد الولد (الحفيد) أو يجب على الولد الصلبي؟ الظاهر هو الثاني لأنّ الموضوع ـ لوجوب القضاء ـ هو الأولى بالميراث، والولد الصلبي أولى من الحفيد. والضمير في قول المصنّف «هو الأكبر» يرجع إلى ولد الولد.
نعم لو فرضنا أنّه لم يكن للميّت ولد صلبي أصلاً، بل انحصر ولده على ولد الولد، فلا بأس بالاحتياط ; لأنّه أولى بميراثه.
وفي «الجواهر»: وولد الولد ولد، فيتعلّق به القضاء مع كونه أكبر، أو ليس(وارث) غيره، إلاّ أنّه لا يخلو من إشكال، بل لعلّ الأقوى خلافه للأصل بعد انسياق غيره.(1)
   
فقوله:«مع كونه أكبر» إشارة إلى نفس المسألة، وقوله:«أو ليس غيره» إشارة إلى الصورة التي احتاط فيها المصنّف، أعني: ما إذا لم يكن للميت ولد أصلاً، لأنّه أولى بميراثه من غيره.

1 . جواهر الكلام:17/47.

صفحه 217
المسألة3. إذا مات أكبر الذكور بعد أحد أبويه لا يجب على غيره من إخوته الأكبر فالأكبر.*
المسألة4. لا يعتبر في الولي أن يكون بالغاً عاقلاً عند الموت، فيجب على الطفل إذا بلغ، وعلى المجنون إذا عقل. وإذا مات غير البالغ قبل البلوغ أو المجنون قبل الإفاقة لا يجب على الأكبر بعدهما.**

* لو مات أكبر الذكور

وجهه أنّ الموضوع هو الأولى بالميراث والمفروض أنّه توفّي بعد موت أحد أبويه والباقي لم يكن داخلاً تحت هذا العنوان حين موت الأب فلا يجب عليه.

** في عدم اعتبار البلوغ والعقل في الولي

في المسألة فرعان:
الأوّل: إذا كان الولي غير بالغ أو مجنوناً حين موت الأب، ثمّ بلغ أو أفاق فهل يجب عليه قضاء صلواته أو لا؟ المسألة مبنيّة على أنّ الموضوع هل هو تعلّق القضاء بذمّة الولي حين الموت أو أنّ الموضوع أعمّ من ذلك وإن لم تكن ذمّة الولي لأجل فقد المقتضي كالبلوغ، أو لوجود المانع كالجنون، مشغولة حين الموت؟ وبما أنّه لا دليل على الأوّل فيشمله عموم قوله:«يقضي عنه أولى الناس بميراثه».
وإن شئت قلت: إنّ في المقام نوع مبادلة بين الميراث الزائد وقضاء   2

صفحه 218
E صلاة الميت وحيث إنّ الرجلين استوليا عليه بعد البلوغ أو الإفاقة، فيجب عليهما قضاء الميت.
والذي يوضح ذلك: أنّه لو أتلف الصبي مال الغير فإنّه يضمنه بعد البلوغ لشمول قوله:«من أتلف مال الغير فهو له ضامن».
ولو قلنا بكون الموضوع هو تعلّق الضمان حين الإتلاف يلزم عدم ضمان الصبي بعد البلوغ.
فلا فرق بين هذه القاعدة وقوله:«يقضي عنه أولى الناس بميراثه».
وأمّا القول بعدم الوجوب ـ كما حكاه في الجواهر ـ(1) عن حاشية الإرشاد والذكرى والإيضاح فهو مبني على كون المرجع هو استصحاب عدم الوجوب في حال الصبا والجنون حتى بعد ما بلغ وأفاق، وهو مردود لعدم بقاء الموضوع وعدم المقتضي للاستصحاب بعد وجود العموم.
***
الفرع الثاني: إذا مات غير البالغ قبل البلوغ أو المجنون قبل الإفاقة لا يجب على الأكبر بعدهما; وذلك لأنّ الموضوع هو الأكبر حين موت الوالد، والمفروض أنّ الأكبر حين الموت توفّي بعد موت الوالد، وأمّا مَن بقي فلم ينطبق عليه الأكبر حين موت الوالد.

1 . لاحظ الجواهر:17/42.

صفحه 219
المسألة5. إذا كان أحد الأولاد أكبر بالسن والآخر بالبلوغ، فالولي هو الأوّل.*

* لو كان أحد الأولاد أكبر بالسن والآخر بالبلوغ

لا شكّ أنّه إذا استووا في السنّ فالبالغ مقدّم على غيره ; إمّا لأنّه أكبر عرفاً والأقرب إلى حدّ الرجال، وإمّا لأنّ التكليف يتعلّق به عند بلوغه لصدق أولى الناس به عليه بحسب النوع، إنّما الكلام فيما ذكره المصنّف من أنّهم لو اختلفوا في البلوغ وكبر السن.
قال الشيخ الأنصاري: ففي اعتبار البلوغ وكبر السن وجهان:
1. تقديم البالغ لما مرّ في الصورة الأُولى من تقديمه مع المساواة.
2. الأخذ بإطلاق تقديم الأكبر في النص والفتاوى، ثمّ قال: والأول لا يخلو من قوّة.(1)
وقد عكس المصنّف فقدم الأكبر بالسنّ على الآخر المتقدّم في البلوغ ـ وفاقاً لصاحب الجواهر ـ أخذاً بإطلاق النصّ والفتوى.(2)
يلاحظ عليه: أنّ التمسّك بإطلاق النصّ مبني على وجود الأكبر في الروايات، ويشهد على ذلك قول صاحب الجواهر:«بأنّ تقديم البلوغ في المقام مناف لإطلاق النص» فزعم وجود الأكبر في الروايات فأخذ بإطلاقه. وقد عرفت أنّ الوارد:«أولى الناس بميراثه». نعم ورد في مكاتبة الصفّار   2

1 . رسائل فقهية:220.
2 . جواهر الكلام:17/42.

صفحه 220
المسألة6. لا يعتبر في الولي كونه وارثاً، فيجب على الممنوع من الإرث بالقتل أو الرق أو الكفر.*
E قوله(عليه السلام): «يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيام ولاءً إن شاءالله».(1) لكن الكبر هنا مقرون بالبلوغ ومورد النزاع هو تجرّد الكبر عنه فلا يحتجّ بها هنا.
والحاصل: أنّ مَن قال بأنّ أولى الناس بالميّت أو أولاهم بالميراث، ينطبق على الأكبر من حيث السن لأجل الحبوة فيكون المدار على الأكبرية بحسب السن دون البلوغ،(2) وإلاّ فالظاهر هو تقديم البالغ على الأكبر لإمكان فعلية الخطاب فيه دون الأكبر، وكونه ولياً عرفاً.

* لا يعتبر في الولي كونه وارثاً

المسألة مبنيّة على أنّ المـراد مـن قوله: الأولى بميراثه، فهل هي الأولوية الفعلية أو الأولوية حسب الطبع الأوّلي، مع قطع النظر عن الموانع والعوارض الخارجية; فلو قلنا بالأُولى لا يجب القضاء على الأصناف الثلاثة، إذ هم ليسوا وارثين بالفعل; ولو قلنا بالثاني فإنّه يعمهم. والظاهر الأوّل.

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث3.
2 . مستند العروة للخوئي:16/281.

صفحه 221
المسألة7. إذا كان الأكبر خنثى مشكلاً فالولي غيره من الذكور، وإن كان أصغر. ولو انحصر في الخنثى لم يجب عليه.*
* في المسألة فرعان:

الأوّل: لو كان الأكبر خنثى مشكلاً

لو كان الولد الأكبر خنثى مشكلاً ومعه ذكر أصغر منه فذهب صاحب الجواهر(قدس سره) إلى نفي الوجوب عنهما، أمّا الخنثى فلما عرفت من الشكّ في الرجولية، وأمّا الآخر فلعدم ثبوت كونه الأكبر لاحتمال كون الخنثى ذكراً والفرض أنّها الأكبر، فالأصل براءة الذمّة. ثم احتمل ثبوته(للأصغر) لصدق الولدية التي هي المرادة من الولاية واعتبار الأكبرية إنّما هو مع التعدّد، ولم يُعلم ولعلّه الأقوى.(1) وما احتمله أخيراً هو الذي اختاره المصنّف وقال: فالولي غيره من الذكور وإن كان أصغر.
يلاحظ على الاستدلال بوجهين:
الأوّل: بأنّ ما ذكره من أنّ اعتبار الأكبرية عند التعدّد غير كاف في إيجاب القضاء لأنّ الموضوع له مركّب من أمرين: 1. الولدية وهو محرز، 2. ليس معه ولد أكثر، وهذا غير محرر إلاّ بالاستصحاب وهو مثبت; لأنّ استصحاب عدم وجود الولد الذكر الأكبر لا يثبت كون غير الخنثى ولداً ذكراً ليس معه ولد أكبر، ولعلّه إلى هذا الإشكال أشار بقوله: فتأمّل.
الثاني: أنّ الموضوع ليس الولد الذكر الأكبر، بل هو الأولى   2

1 . جواهر الكلام:17/46.

صفحه 222
E بميراثه، والمفروض أنّه مشكوك في أنّه أولى بميراثه.
فإن قلت: إنّ كلاًّ من الخنثى والولد الآخر يعلم إجمالاً بوجوب قضاء صلاة الأب على واحد منهما، فلماذا لا يكون هذا العلم الإجمالي منجزاً؟
قلت: قد تبيّن في محلّه أنّ تنجيز العلم الإجمالي فرع توجّه خطاب خاص بالنسبة إلى شخص والمفروض أنّه لم يحرز وجود خطاب خاص بالنسبة إلى أحدهما المعين، وهذا نظير واجدي المنيّ في ثوب مشترك حيث قالوا لا يجب الاغتسال على كلٍّ منهما.
ثمّ إنّ السيد الخوئي فصّل بين كون بلوغ الخنثى قبل موت الأب فلا يجب عليه القضاء، وبعد موته فيجب عليه القضاء.
أمّا الأوّل فلو كان البلوغ قبل موت الأب صار مكلّفاً بين الجمع بين تكاليف الرجال والنساء، للعلم الإجمالي بأنّه إمّا مكلف بتكليف الرجال أو النساء، فإذا بلغ وصار العلم الإجمالي منجّزاً، كان الموت اللاحق موجباً للشك في حدوث التكليف جديداً زائد على ما تنجّز سابقاً.
بخلاف ما إذا كان بلوغ الخنثى بعد موت الأب، والمفروض عدم اختصاص وجوب القضاء بالبالغين وإنّما يعمّ الصبي، فلا محالة يعلم إجمالاً ـ حين بلوغه بكونه مكلّفاً بتكاليف الرجال ومن جملتها وجوب القضاء أو بتكاليف النساء، فيجب عليه بمقتضى العلم الذكر.(1)
نعم يجب القضاء عليه إلى حدّ لا يورث الحرج، والميزان في رفع   2

1 . مستند العروة:208.

صفحه 223
E الحكم في الحرج شخصي وفي الضرر نوعي كما حقّق في محلّه.

الفرع الثاني: لو انحصر الوارث في الخنثى

لو انحصر الوارث في الخنثى لم يجب عليه للشك في الموضوع، ولكن يمكن أن يقال بوجوب القضاء عليه من باب الاحتياط ; لأنّه يعلم بوجوب أحكام الرجال أو أحكام النساء، ومقتضى العلم الإجمالي الاحتياط حينئذ بالقضاء عن الوالد ; لأنّ الميزان في الحرج شخصي وفي الضرر نوعي كما مرّ.
 

صفحه 224
المسألة 8 . لو اشتبه الأكبر بين الاثنين أو الأزيد، لم يجب على واحد منهم، وإن كان الأحوط التوزيع أو القرعة.*

* لو اشتبه الأكبر بين الاثنين أو الأزيد

لو علم بوجود الأكبر بين الاثنين أو الثلاث ولكن لم يعلم شخصه، فقد أفتى المصنّف بعدم الوجوب على واحد منهما أو منهم ثم احتاط بالتوزيع أو القرعة. أمّا الأوّل أي عدم الوجوب على كلٍّ منهما أو منهم، فلما مرّ من أنّ العلم الإجمالي إنّما ينجز إذا كان معه خطاب شخصي معيّن. وأمّا الخطاب المردّد بين الاثنين فهو غير منجز; لأنّ كلاًّ منهما شاك في الموضوع فالأصل البراءة.
فإن قلت: يمكن القول بالوجوب على كلّ واحد منهم ; لأنّ كلّ واحد منهم يشك في وجود الأكبر منه والأصل عدم وجود الذكر الأكبر، فيثبت أنّه الولد الذكر الأكبر.
قلت: إنّ أصالة عدم وجود الولد الأكبر بصورة السلب التام لا يثبت كونه ولداً ذكراً أكبر، وأمّا بصورة السلب الناقص فهو مثبت ; وذلك لأنّ كون كلّ واحد موصوفاً بالولد الذكر الأكبر مشكوك من أوّل الأمر فليس له حالة سابقة.
فبذلك ظهر عدم الوجوب عليهما.
وحصيلة الكلام: عدم تنجيز العلم الإجمالى: المردّد بين شخصين، والشك في وجود كلٍّ منهما موصوفاً بالولد الذكر الأكبر من أوّل الأمر، والتمسّك بالعدم الأزلي فيتصوّر على وجهين:
1. التمسّك به على نحو السالبة المحصّلة، فهي وإن كانت ذات حالة   2

صفحه 225
المسألة9. لو تساوى الولدان في السنّ، قسّط القضاء عليها، ويكلّف بالكسر ـ أي ما لا يكون قابلاً للقسمة والتقسيط، كصلاة واحدة وصوم يوم واحد ـ كلّ منهما على الكفاية، فلهما أن يوقعاه دفعة واحدة ويحكم بصحة كلِّ منهما، وإن كان متّحداً في ذمّة الميّت. ولو كان صوماً من قضاء شهر رمضان لا يجوز لهما الإفطار بعد الزوال والأحوط الكفّارة على كلّ منهمـا مع الإفطار بعـده بناء على وجوبها في القضاء عن الغير أيضاً كما في قضاء نفسه.*
E سابقة لكنّها مثبتة.
2. التمسّك به على نحو الموجبة معدولة المحمول، نظير: كنت ولم يكن ولد أكبر، فهو مشكوك من أوّل الأمر.
وأمّا الثاني، فلا بأس به.

* لو تساوى الولدان في السن

المسألة معنونة بين القدماء والمتأخّرين، وفيها أقوال:
1. التقسيط بينهما أو بينهم. وهو خيرة الشيخ في «المبسوط» قال: فإن كانوا جماعة في سنّ واحد كان عليهم القضاء بالحصص أو يقوم به بعضهم فيسقط عن الباقي.(1) وتردّد المحقّق في التقسيط وقال: ولو كان له وليان أو أولياء متساوون في السنّ، تساووا في القضاء بالتقسط عليهم...، ثم قال:   2

1 . المبسوط:1/286. وقوله:«أو ما يقوم به بعضهم إلخ» إشارة إلى الوجه الآتي.

صفحه 226
E وفيه تردّد.(1)
2. ثبوته عليهم على طريق الكفاية وتخييرهم، فإن اختلفوا فالقرعة. وهو خيرة القاضي ابن برّاج قال: وإن مات ولم يكن له من الأولاد إلاّ توأمان كانا مخيرين أيّهما شاء قضى عنه فإن تشابها في ذلك أُقرع بينهما.(2)
3. سقوط القضاء لعدم وجود الأكبر، وهو خيرة ابن إدريس، قال: والذى تقتضيه الأدلّة ويجب تحصيله في هذه الفتيا أنّه لا يجب على واحد منهم قضاء، ذلك لأنّ الأصل براءة الذمة.(3)
4. التقسيط فيما لا يكون كسر، والوجوب على الكفاية فيما كان فيه كسر. وهو خيرة المصنّف حيث قال: يقسّط القضاء عليها فيما لا يكون هناك كسر كما إذا فاتت منه عشرة أيام فتقسط بالخمس، وأمّا إذا اشتمل على ما لا يكون قابلاً للقسمة والتقسيط كصلاة واحدة، وصوم يوم واحد، فيكلّف كلّ منهما على الكفاية، فلهما أن يوقعاه دفعة واحدة ويحكم بصحّة كلٍّ منهما وإن كان متّحداً في ذمّة الميت، ولو كان صوماً من قضاء شهر رمضان لا يجوز لهما الإفطار بعد الزوال.
بل الأحوط الكفّارة على كلّ منهما مع الإفطار بعده، بناءً على وجوب الكفّارة في القضاء عن الغير أيضاً كما في قضاء نفسه.
هذه جملة الأقوال على وجه التفصيل، فلندرس الأقوال:   2

1 . شرائع الإسلام:1/204.
2 . المهذب:1/196. ولاحظ الجواهر:17/43.
3 . السرائر:1/399.

صفحه 227
E أمّا القول الأوّل ـ أي التقسيط ـ فهو خيرة الشيخ الأنصاري وفاقاً للشيخ الطوسي فقد استدلّ له بأنّ الحكم معلّق بجنس أولى الناس الصادق على الواحد والاثنين، لما عرفت من أنّ المراد بأولى الناس الأولى بالنوع وهو جنس الأولاد، فكأنّه قال: يقضي عنه ولده.(1)
ما ذكره(قدس سره) صحيح لو كانت الأولوية بين الأصناف والطبقات فعندئذ الأولاد من بينهم أولى من سائر الطبقات فيعمّ الواحد والاثنين، نظير قوله سبحانه: (إنّ أولى الناسِ بإبراهيم للّذين اتَّبعوه وهذا النبي والّذين آمنوا).(2)
لكن يرد عليه: أنّه لا يثبت القول بالتقسيط، بل يجمع مع القول بالوجوب الكفائي كما هو القول الثاني
وأمّا القول الثاني ـ أي ثبوت القضاء عليها على طريق الكفاية ـ واستدلّ عليه السيد الخوئي بقوله: بأنّ المستفاد من قوله(عليه السلام) في صحيحة حفص المتقدّمة: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» أنّ وجوب القضاء ثابت في حقّ طبيعي الولي، الصادق تارة على الواحد، كالولد الأكبر، وهو الغالب، وعلى المتعدّد في الأُخرى كما في المقام، ونتيجة ذلك الالتزام بالوجوب العينيّ في فرض وحدة الولي والوجوب الكفائي عند تعدّده، إذ لا تحتمل العينية في هذا الفرض و أنّ الفائتة الواحدة لا توجب إلاّ قضاءً واحداً لا قضاءَين.(3)
يلاحظ عليه: بأنّه كونه ينافي ما اختاره في أوّل الفصل حيث قال: إنّ   2

1 . رسائل فقهية للشيخ الأنصاري:220.
2 . آل عمران:68.
3 . المستند في شرح العروة الوثقى:212، الطبعة الأُولى.

صفحه 228
Eالمنسبق من كلمة «أولى» في الصحيحة أنّ الولي دائماً شخص واحد لا يتعدّد، كما أنّ ظاهر العموم في «الناس» هو إرادة جميع الناس ممّن خلقهم الله عزّ وجلّ، أعمّ من الموجودين منهم وغيرهم، الأحياء منهم والأموات وعليه ينحصر الولي في الولد الأكبر.(1)
والأولى أن يقال: إنّ التفاضل إنّما يعتبر في ظرف اجتماعه مع الأصغر لا مطلقاً، وكان الموضوع عدم وجود أولى منه، وهو ينطبق على المتساويين.
وعلى هذا فالقول بالوجوب الكفائي على الولدين لا يخلو من قوّة، وأمّا إذا تشاحّوا واختلفوا فيدخل في باب المنازعات، فالقاضي يجبرهم على القرعة، إذ ليس هناك طريق على إتيان الواجب إلاّ بهذه الطريقة، وإلاّ فتبقى ذمّة الميّت على ما كانت عليه.
وأمّا القول الثالث ـ أعني: القول بالسقوط ـ فمرفوض لإطلاق الدليل، وقد عرفت أنّ أولى الناس بميراثه يشمل ما لو كان الوارث واحداً أو متساويين في السن بمعنى أنّه لا أولى منهما.
بقي القول الرابع ـ وهو نتيجة الجمع بين القول بالتقسيط والقول بالوجود الكفائي فلو لم يكن في البين كسر، فالأوّل وإلاّ فالثاني ـ وما ذكره حسن لكونه مقتضى قاعدة العدل والإنصاف لما قلنا من الأكبرية إنّما تشترط إذا كان هناك تعدّد، وإلاّ فالجميع سواء وطريق الامتثال ما ذكره(رحمه الله).
يبقى الكلام فيما رتّب عليه المصنّف على القول بالكفاية وهو عبارة   2

1 . المستند في شرح العروة الوثقى:201، الطبعة الأُولى.

صفحه 229
E عن الأُمور التالية:
1. إذا أوقعاه دفعة واحدة يحكم بصحّة كلٍّ منهما وإن كان واحداً في ذمّة الميّت، نظير ما لو قام شخصان بالواجب الكفائي ضرورة عدم توقّف البراءة على التعيين.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان في ذمّة الميت صلاة واحدة فكيف يعقل التعدّد في القضاء عنه والقول بصحّة واحدة منهما لا بعينه غير تام إذ لا وجود لها في الخارج وإنّما هو أمر ذهني، والقول بالبطلان هو الأوفق بالقاعدة.
2. لو صاما عن قبل الميّت من قضاء شهر رمضان، فقال المصنّف: لا يجوز لهما الإفطار بعدالزوال، أخذاً بإطلاق الأدلّة. نظير ما رواه بريد العجلي عن أبي جعفر(عليه السلام) في رجل أتى أهله في يوم يقضيه في شهر رمضان قال: «إن أتى أهله قبل زوال الشمس فلا شيء عليه الاّ يوم مكان يوم، وإن كان أتى أهله بعد زوال الشمس فإنّ عليه أن يتصدّق على عشرة مساكين، فإن لم يقدر عليه صام يوماً مكان يوم، وصام ثلاثة أيام كفّارة لما صنع».(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: احتمال بطلان عملهما لما مر.
وثانياً: انصراف ما دلّ على وجوب الكفّارة فيما إذا كان عن نفسه دون غيره، ولم يدلّ دليل على تزيل الصوم عن الغير، وإن وجب على الصائم منزلة الصوم عن نفسه .
وثالثاً: لو قلنا بالصحّة فلا يبعد جواز الإفطار لأحدهما إذا أطمأنّ بإتمام الآخر.   2

1 . الوسائل:7، الباب29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.

صفحه 230
المسألة10. إذا أوصى الميّت بالاستيجار عنه سقط عن الولي بشرط الإتيان من الأجير صحيحاً.*
E هذا كلّه في حكم جواز الإفطار وعدمه، وأمّا الكفّارة فسيأتي تالياً.
3. الأحوط الكفّارة على كلّ منهما إذا أفطرا بناء على وجوبها في القضاء عن الغير كما في القضاء عن نفسه ويحتمل وجوبها عليهما إذا أفطرا معاً، وإلاّ فيحتمل وجوب الكفّارة على المتأخّر لصيرورة الصوم عليه حينئذ أشبه بالواجب العيني. والله العالم.

* لو أوصى الميت بالاستيجار عنه

هذه المسألة وما يليها هي مسائل ثلاث بينها صلة وثيقة وهي عبارة عن:
1. إذا أوصى الميّت بالاستئجار عنه سقط الوجوب عن الولي.
2. يجوز للولي أن يستأجر ما عليه من القضاء عن الميّت ويسقط عن الولي.
3. إذا تبرّع بالقضاء عن الميّت متبرع سقط عن الولي.
وكان على المصنّف أن يقدّم المسألة الثالثة على الأُوليين، لأنّ كفاية قضاء الغير إمّا بإيصاء من الميّت على الاستئجار أو استئجار الولي، فرع كفاية فعل الغير عن قضاء الولي، فما لم يثبت ذلك الحكم الكلّي، لا يمكن القول بكفاية الإيصاء بالاستئجار، أو استئجار الولي، الغير للقضاء، وبما أنّ الخروج عمّا رسمه المصنّف يورث التشويش نقتفي اثره:
إذا صار القضاء واجباً على الولي فيقع الكلام هل الإيصاء بالاستئجار   2

صفحه 231
E يوجب سقوط القضاء عن الوليّ أو لا؟
إنّ شيخنا الأنصاري ممّن بسط الكلام في هذه المسألة فنقل عن صريح الشهيدين وصاحب الموجز وشارحه وصاحب الذخيرة، أنّ الوصية نافذة تسقط الوجوب عن الولي مطلقاً وإن لم يأت الأجير. واستدلّ عليه بالبيان التالي:
إذا فرض وجوب العمل بوصيته لا يجب الفعل الواحد عيناً على مكلّفين، وإرجاعه إلى الوجوب الكفائي مخالفة لظاهر التكليفين والحكم بالوجوب على الولي مناف لفرض نفوذ الوصية فإنّ التحقيق: أنّ دليل وجوب العمل بالوصية حاكم على أدلّة مثل هذا الحكم ـ أعني: الوجوب على الولي ـ وإلاّ فكلّ واقعة قبل تعلّق الوصية بها، لها حكم غير ما تقتضيه الوصية، ولذا لم يستدلّ الشهيد ومن تبعه على السقوط بأزيد من أنّ العمل بما رسمه الموصي واجب.(1)
وحاصل الاستدلال: أنّه لا شكّ في شمول أدلّة الوصيّة لهذا النوع من الإيصاء من ثلث ماله بالاستئجار عن ما فاته من الصلاة وعندئذ تتصوّر صور:
1. أن يجب الفعل الواحد عيناً على الأجير والولي.
2. أن يجب عليهما على نحو الوجوب الكفائي.
3. أن يجب على الأجير ويسقط عن الولي.
والأُولى كماترى، إذ لا معنى لوجوب شيء واحد على شخصين متعيّناً.
وأمّا الثانية فهي أيضاً مثل الأُولى، لأنّ كلاًّ من الخطابين للولي والأجير تكليف عيني، ولا معنى لانقلابهما إلى الكفائي.   2

1 . رسائل فقهية:239.

صفحه 232
E فتتعيّن الثالثة وهي نفوذ أدلّة الوصية، وحكومتها على وجوب القضاء على الولي، فيسقط عنه، سواء أتى به الأجير أم لم يأت.
واحتمال عكس الثالث منتف قطعاً لافتراض صحّة الاستئجار.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لو كان الإيصاء بالاستئجار منافياً لوجوبه على الولي فليكن كذلك استحباب تبرّع غير الولي بالقضاء، فإنّ التضاد لا يختصّ بالوجوبين بل يعمّ الوجوب والاستحباب معهما باقيان بحالهما من دون أن يؤثر أحدهما في الآخر.
وبعبارة أُخرى: لو كان دليل وجوب العمل بالوصية حاكماً على أدلّة وجوب القضاء على الولي فليكن حاكماً على استحباب تبرّع غير الولي (المسألة الثالثة).
وثانياً: نلزم بالشق الأوّل وهو كونه واجباً عينيّاً للأجير والولي ويرفع التنافي باختلاف الوجوبين بالإطلاق والاشتراط فإنّ الإتيان بالمستأجر عليه واجب مطلق على الأجير، فالخطاب المتوجّه إليه خطاب مطلق ; بخلاف وجوب القضاء على الولي، فبما أنّه مأمور بتفريغ ذمّة الميّت فهو مشروط بصورة عدم إفراغ ذمّة الميّت بفعل الأجير، وعلى هذا لا منافاة بين الوجوب المطلق في جانب الأجير ووجوبه على الولي مشروطاً بعدم فراغ ذمّة الميّت.
وعلى هذا فلا ملزم لإرجاع الوجوبين إلى الكفائي حتى يقال أنّه مخالف لظاهر التكليفين، بل يكفي بقاؤهما على الوجوب العيني بشرط إطلاق أحدهما وشرطية الآخر، كأنّه يقول مخاطباً للولي: اقض إذا لم تفرغ ذمّة الميّت بفعل الأجير.   2

صفحه 233
المسألة11. يجوز للولي أن يستأجر ما عليه من القضاء عن الميّت.*
E وعلى هذا فيصحّ ما في المتن من أنّ عمل الأجير مسقط عن الولي بشرط الإتيان من الأجير صحيحاً.
وإن شئت قلت: إنّ المقام أشبه بالترتّب كأنّه يخاطب الولي مشروطاً والأجير مطلقاً. غير أنّ المطلق في الترتّب مقدّم على المشروط عكس المقام.

* جواز استئجار الولي لقضاء ما عليه

هذه المسألة ـ كما تقدّم ـ مبنيّة أيضاً على جواز النيابة عن الميّت ومشروعيتها في حدّ نفسها(المسألة الثالثة) بحيث يترتّب عليها تفريغ ذمّة المنوب عنه بفعل النائب، وإن لم يكن هناك استئجار، فلو ثبتت مشروعية النيابة في حدّ نفسها، يقع الكلام في جواز استئجار الولي ما عليه من القضاء عن الميّت، ولكن المصنّف أخّر المسألة التي هي الأساس وقدّم الكلام عن الفرع، ونحن نقتفيه لحفظ نظام البحث.
أقول: إذا ثبت جواز النيابة عن الميّت في الأعمال العبادية وانتفاعه بها وبراءة ذمّته، يقع الكلام في جواز الاستئجار لهذه النيابة.
والمخالف في المقام من القدماء هو ابن إدريس، ومن المتأخّرين صاحب الذخيرة والمحدّث الكاشاني، والمسألة معنونة بين الفريقين:
أمّا أهل السنّة فيظهر من بعضهم أنّهم اتّفقوا على أنّ العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم لا تقبل النيابة عن الحيّ والميّت لقوله(صلى الله عليه وآله): «لا   2

صفحه 234
E يصوم أحدٌ عن أحد ولا يصلّي أحد عن أحد» واستثنوا من ذلك البدنية المالية كالحجّ فتجوز عندهم النيابة فيه عن الحي العاجز أو الميّت مستدلّين بما روي عنه(صلى الله عليه وآله):«حق الله أحقّ أن يقضى».
وأمّا العبادة المالية المحضة كالزكاة والصدقات فتجوز فيها النيابة ; لأنّ الغاية إخراج المال.(1)
فإذا كانت النيابة عن الحيّ والميّت غير مشروعة عندهم، فلا تصل النوبة إلى البحث عن الاستئجار، ومع ذلك فقد ذكر النووي في شرح مسلم ما يدلّ على جواز النيابة، قال: وذهب جماعة من العلماء إلى أنّه يصل إلى الميّت ثواب جميع العبادات من الصلاة والصوم والقراءة وغير ذلك.
وحكى صاحب الحاوي الكبير عن عطاء بن أبي رباح وإسحاق بن راهويه أنّهما قالا بجواز الصلاة عن الميّت، ومال الشيخ أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون من أصحابنا المتأخّرين في كتابه الانتصار إلى اختيار هذا... إلى آخر ما ذكره.(2)
وأوّلَ من طرحه(الاستئجار عن الميت) من أصحابنا هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسين الشوهاني شيخ ابن حمزة، فقد نقل صاحب الروضات عن السيد رضي الدين بن طاووس الحسيني(رحمه الله) في كتابه (غياث سلطان الورى) في مسألة قضاء الصلاة عن الأموات: وقد حكى ابن حمزة في كتابه في قضاء الصلاة عن الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسين الشوهاني أنّه كان يجوّز   2

1 . لاحظ: المغني:3/234; بدائع الصنائع:2/712.
2 . صحيح مسلم، شرح النووي:1/188; الحاوي الكبير:15/313.

صفحه 235
E الاستئجار عن الميت.(1)، ولم ينقله ابن حمزة في كتابه «الوسيلة» و لو صحّ فقد نقله في كتاب خاص له باسم قضاء الصلاة.
وأوّل من بسط الكلام في هذا شيخنا الشهيد في «الذكرى» قال:الاستئجار على فعل الصلاة الواجبة بعد الوفاة مبني على مقدّمتين:
إحداهما: جواز النيابة في الصلاة عن الميّت(المسألة التي تأتي بعد هذه المسألة) وهذه إجماعية والأخبار الصحيحة ناطقة بها كما تلوناه.
والثانية: أنّه كلّما جازت الصلاة عن الميّت جاز الاستئجار عنه، وهذه المقدّمة داخلة في عموم الاستئجار على الأعمال المباحة التي يمكن أن تقع للمستأجر، ولا يخالف فيها أحد من الإمامية ولا من غيرهم ; لأنّ المخالف من العامّة إنّما منع لزعمه أنّه لا يمكن وقوعها للمستأجر عنه (المقدّمة الأُولى) أمّا من يقول بإمكان وقوعها له وهم جميع الإمامية فلا يمكنه القول بمنع الاستئجار إلاّ أن يخرق الإجماع في إحدى المقدّمتين على أنّ هذا النوع قد انعقد عليه الإجماع من الإمامية الخلف والسلف من عهد المصنّف وما قبله إلى زماننا هذا، وقد تقرّر أنّ إجماعهم حجّة قطعية... ثم قال:
فإن قلت: فهلا اشتهر الاستئجار على ذلك والعمل به عن النبي(صلى الله عليه وآله)والأئمّة(عليهم السلام) كما اشتهر الاستئجار على الحجّ حتى علم من المذهب ضرورة.
قلت: ليس كلّ واقع يجب اشتهاره ولا كلّ مشهور يجب الجزم بصحّته، فربّ مشهور لا أصل له وربّ متأصّل لم يشتهر، إمّا لعدم الحاجة إليه في   2

1 . روضات الجنات:6/266.

صفحه 236
E بعض الأحيان أو لندور وقوعه، والأمر في الصلاة كذلك فإنّ سلف الشيعة كانوا على ملازمة الفريضة والنافلة على حدّ لا يقع من أحد منهم إخلال بها إلاّ لعذر يعتد به كمرض الموت أو غيره، وإذا اتّفق فوات فريضة بادروا إلى فعلها لأنّ أكثر قدمائهم على المضايقة المحضة فلم يفتقروا إلى هذه المسألة، واكتفوا بذكر قضاء الولي لما فات الميّت من ذلك على طريق الندور.(1)

دليل المجوّزين والمانعين

إذا عرفت ذلك فلنذكر دليل المجوّزين ثم ننتقل إلى دليل المانعين.
أمّا دليل المجوّزين فيكفي في ذلك ما مرّ من أنّه إذا قلنا بجواز النيابة(المسألة الثالثة) يكون عمل النائب عملاً محترماً فله تمليك الغير إيّاه بإجارة ونحوه، فكما يصحّ الاستئجار لسائر الأعمال بلا إشكال يصحّ الاستئجار للنيابة في العبادة أيضاً بمناط واحد، وهو الاندراج تحت عموم دليل الوفاء بالعهد.
وبعبارة أُخرى: إذا كانت النيابة عن الميّت أمراً قابلاً للانتفاع كما هو المفروض فتصبح في حدّ نفسها عملاً مقصوداً للعقلاء يبذل بإزائها المال فتشملها العمومات.
نعم المهم في المقام دفع أدلّة المانعين، وقد استدلّوا بوجوه:
الأوّل: إنّ الأمر متوجّه إلى المنوب عنه دون النائب فكيف يكون فعله مفرّغاً لذمّة المنوب عنه؟   2

1 . الذكرى:2/78.

صفحه 237
E يلاحظ عليه أوّلاً: النقض بالحج فإنّ النيابة فيه أمر متّفق عليه فيقال: الأمر متوجّه إلى المنوب عنه، دون النائب، فلا يكون عمله مفرّغاً لذمّة المنوب عنه.
وثانياً بالحل: أنّ النائب ينزّل نفسه منزلة المنوب عنه فيكون الأمر المتوجه إلى المنوب عنه متوجّهاً إليه، ويكون فعله فعلاً للمنوب عنه تنزيلاً، فكما أنّ فعل المنوب عنه مفرّغ لذمّته كذلك فعل النائب.(1)
وإن شئت قلت: إنّ فعل المنوب عنه تارة يكون مباشرياً كما في حال حياته وأُخرى يكون تسبيبياً كما هو الحال بعد وفاته فيعد كلا الفعلين فعلاً له، غاية الأمر أحدهما مباشري والآخر تسبيبي.
فإن قلت: من أين نعلم بجواز هذا التنزيل فلو نزّل أحد نفسه منزلة عمرو فهل تقتضي التصرّف في أمواله.
قلت: يُعلم ذلك من جواز النيابة التي اتّفقنا على صحّتها، إذ ليس معنى النيابة إلاّ فرض نفسه منزلة المنوب عنه، وأمّا النقض بتنزيل نفسه منزلة عمرو فهو باطل بضرورة الفقه.
الثاني: ما اعتمد عليه صاحب الذخيرة، قال بعد كلام الشهيد: إنّ الحكم بجواز الاستئجار للميّت مبني على الإجماع على أنّ كلّ أمر مباح يمكن أن يقع للمستأجر، يجوز الاستئجار فيه، وقد نبهت مراراً بأنّ إثبات الإجماع في زمن الغيبة في غاية الإشكال خصوصاً في مثل هذه المسألة التي لم تشتهر في   2

1 . المستمسك للسيد الحكيم:7/105ـ106.

صفحه 238
E سائر الأعصار وقد خلت منها مصنّفات القدماء والعظماء.(1)
أقول: إنّ الشهيد ـ كما مرّ كلامه ـ لم يستدلّ بالإجماع وإنّما استدلّ بالقاعدة الكلّية وهي عموم الاستئجار على الأعمال المباحة التي يمكن أن ينتفع بها المستأجر، وهذه القاعدة ثابتة فقد اتّفق الفقهاء على أنّ كلّ عمل مباح يملكه الشخص يمكن أن يستأجره غيره إذا انتفع به.
الثالث: ما استدلّ به المحدّث الكاشاني وقال: أمّا العبادات الواجبة عليه(يعني الميّت) التي فاتته فما شاب منها المال كالحج، يجوز الاستئجار، وأمّا البدني المحض كالصلاة والصيام ففي النصوص يقضيها عنه أولى الناس به وظاهرها التعيين عليه، والأظهر جواز التبرّع بها عنه من غيره، وهل يجوز الاستئجار لهما؟ المشهور: نعم، وفيه تردّد لفقد النص فيه وعدم حجّية القياس حتى يقاس على الحجّ أو على التبرع، وعدم ثبوت الإجماع ـ بسيطاً ولا مركّباً ـ إذ لم يثبت أنّ كلّ من قال بجواز (إتيان) العبادة للغير، قال بجواز الاستئجار لها، وكيف كان فلا يجب القيام بالعبادات البدنية المحضة له بتبرع ولا استئجار إلاّ مع الوصية.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: وجود المنافاة بين الصدر والذيل، فقد قال في الصدر: الأظهر جواز التبرع بالصلاة والصوم عن الميّت من غيره، ولكنّه في الذيل لم يجوّز التبرع إلاّ بالوصية.
   
وثانياً: أنّه يكفي دخول المقام تحت العموم ولا يجب أن يكون في   2

1 . الحدائق الناضرة:11/46، نقلاً عن الذخيرة.
2 . كتاب المفاتيح، الخاتمة في الجنائز: 176 .

صفحه 239
E كلّ مسألة نصٌّ خاص.
إلى هنا تبيّن عدم وجود دليل معتد به، نعم توجد شبهة قوية أثارها الشيخ الأنصاري في مكاسبه وهي دعوى المنافاة بين العبادة والاستئجار لها، فإنّ العبادة تقتضي الإتيان بالعمل بداعي التقرّب منه تعالى، وأين ذلك من الإتيان بالعمل بداعي أخذ الأُجرة الذي اقتضاه عقد الإجارة.(1)
وقد قام الأعلام بالدفاع عن الإشكال كما هو قام بذلك وذكرنا مجموع الأجوبة التي ذكرها المتأخّرون وذكرنا نحن أيضاً طريقاً خاصّاً لحلّ المشكلة، وها نحن نذكر ما هو المتقن من الأجوبة.

الدواعي في طول التقرّب بالعمل

إنّ الدواعي لقصد القربة وإتيان العمل لله تختلف حسب اختلاف حالات المكلّف فالدواعي تتلخّص غالباً في الأُمور التالية:
1. طمعاً في الجنة.
2. خوفاً من النار.
3. وفاء بالنذر خوفاً من ترتّب الكفّارة.
4. وفاء بالحلف والقسم خوفاً من ترتّب الكفّارة.
5. حبّاً للمنوب عنه.
فقد نرى أنّ العبادات بأحد هذه الدواعي لا تكون خالصة لوجه الله   2

1 . المكاسب:2/128.

صفحه 240
E تعالى بل إمّا طمعاً بالجنة أو خوفاً من النار أو خوفاً من ترتّب الكفّارة عليه كما في صورتي النذر والحلف، ومع ذلك فقد اتّفقوا على صحّة العبادة، فليكن كذلك أخذ الأُجرة لتمرير معاشه وسدّ خلته فيكون داعياً إلى أن يصلي عن المنوب عنه لله سبحانه، وبذلك يفرغ ذمّة نفسه بعد إفراغ ذمّة المنوب عنه.
وبعبارة أُخرى: إنّ الدواعي كلّها في طول العمل، فكما أنّ سائر الدواعي لا يزاحم نيّة القربة فهكذا الأُجرة فالموجر يتسبب بذلك لفرض الصلاة على ذمّته بعقد الإجارة، والأجير بما أنّه ملتزم بالشريعة يقف على أنّ حلية الأُجرة رهن الصلاة الصحيحة عن الميّت فيقوم بها لهاتيك الغاية، كما أنّه ربما يقوم بالصلاة المنذورة للفرار عن الكفّارة.
هذا هو الذي يمكن أن يكون جواباً لحلّ الإشكال، وهناك طريق آخر ذكرناه في بحوثنا في أحكام المكاسب وحاصله:
إنّهم اتّفقوا على أنّ أخذ الأُجرة حرام على القاضي والمؤذّن وأشباههما، ومن المعلوم أنّهما إذا تفرّغا إلى القضاء ورفع مشاكل الناس لم يجدوا شيئاً تسدّ به خلّتهم ويديروا به حياتهم وحياة عوائلهم، ولذلك رفع الإشكال بالنحو التالي:
إنّ إمام المسلمين يعيّن مبلغاً من المال لسدّ حاجات القاضي والمؤذّن والمعلم وغيرهم، لكي يتفرّغوا للقيام بوظائفهم الشرعية والدينية بإخلاص وراحة بال.
فكما أنّ دفع هذا المال إلى هؤلاء لا ينافي حرمة أخذ الأُجرة للقاضي والمؤذّن بل لا ينافي إخلاصهما وإن لم يجب عليه الإخلاص، فهكذا المقام، فمن يريد إفراغ ذمّة المنوب عنه (الميت) فعليه أن يدفع مبلغاً للأجير حتى   2

صفحه 241
E يسدّ به حاجته وحاجة عياله ثم يتفرّغ للصلاة عن المنوب عنه بإخلاص وتقرّب، ويكفي في مثل هذه العبادة هذا المقدار من الإخلاص، بقي الكلام في أمر آخر وهو أنّ ما ذكرنا جار في غير مَن وجب عليه القضاء، وأمّا من وجب عليه القضاء كالولي فكيف يجوز له أن يستأجر عن الميت؟
والجواب عنه واضح فإنّ الولي وإن كان مخاطباً بالقضاء لكن يجوز له التسبيب بأُمور توجب فراغ ذمّة الولي كما في الأُمور التالية:
1. يلتمس من المتبرّع أن يصلّي عن أبيه حتى تفرغ ذمّته.
2. أن يعده بالدعاء في صلاة الليل حتى يقوم المتبرّع إلى الصلاة عن أبيه.
فإذا كان هذا النوع من التسبيب كافياً في إفراغ ذمّة الولي، فليكن التسبيب بالإجارة موجباً للتفريغ.
وبعبارة أُخرى: إذا كان عمل المتبرّع موجباً لتفريغ ذمّة الولي فهذا يدلّ على أنّه لا تشترط فيه المباشرة، فعندئذ فللولي أن يتسبّب إلى الغاية المتوخّاة بأنواع الأسباب.
تمّ الكلام في المسألة الحادية عشرة وقد طال الكلام فيها.

صفحه 242
المسألة12. إذا تبرّع بالقضاء عن الميّت متبرّع سقط القضاء عن الولي.*
   

* لو تبرّع متبرّع بالقضاء عن الميت

قلنا إنّ هذه المسألة هي الأساس لما تقدّم في المسألتين السابقتين، والكلام فيها مركّز في أصل جواز النيابة عن الميّت ومشروعيتها بحيث يترتّب عليها تفريغ ذمّة الميّت.
أمّا مقتضى القاعدة فهو عدم الجواز لأنّ الأمر بالفرائض لأجل أن تترتّب عليها الغايات، وهذا إنّما يتحقّق فيما إذا قام بها نفس الشخص، دون من ناب عنه شخص آخر.وبعبارة أُخرى: المقاصد التي فرضت لأجلها الصلاة ـ أعني: كونها عمود الدين، وقربان كلّ تقي، أو ممّا ينهى عن الفحشاء والمنكر ـ كلّ ذلك من آثار العمل المباشري.
نعم لو كان الواجب توصّلياً الذي يكون المطلوب فيه وجود الواجب مع قطع النظر عن الفاعل تكون النيابة فيه أمراً مطابقاً للقاعدة بشرط أن لا يدلّ دليل على وجود الخصوصية، وأمّا الأُمور العبادية فلأنّها فرضت لترويض النفس، والخضوع أمام الله سبحانه، فكلّ ذلك يوجب صدور أن يكون الفعل على صورة المباشرة.
نعم لو دلّ دليل في ظروف خاصّة على براءة ذمّة المنوب عنه بفعل النائب تكون الروايات حاكمة على مقتضى القاعدة، وقد قام الدليل على ذلك في أبواب الصلاة والصوم والحجّ وغيرها من سائر العبادات، وقد عقد   2

صفحه 243
E صاحب الوسائل في كتاب الصلاة باباً باسم:(استحباب التطوّع بالصلاة والصوم والحجّ وجميع العبادات عن الميّت) وأورد فيه ما يناهز سبعاً وعشرين رواية ثم قال: وتقدّم ما يدلّ على ذلك في الاحتضار وغيره ويأتي ما يدلّ عليه في الوقف والوصية والحجّ وغير ذلك(1)، ولو أنّه(رحمه الله) جمع عامّة الروايات في مكان واحد ـ مكان الإحالة إلى سائر الأبواب ـ لكان أفضل، مع أنّ أكثر ما نقله في هذا الباب يرجع إلى كتاب واحد وهو كتاب «غياث سلطان الورى لسكان الثرى» وهو كتاب مخطوط لم ير النور وإنّما نقل عنه الشهيد في «الذكرى» وحكاه عنه المجلسي في البحار وعامّة هذه الروايات مراسيل، ومع ذلك فهذه المراسيل إذا أُضيفت إلى ما سنذكره من المسانيد تشرف الفقيه على القطع بجواز النيابة، وإليك بعض المسانيد الواردة في أبواب الاحتضار وغيره، وهي:
1. ما رواه البرقي بسند صحيح عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أي شيء يلحق الرجل بعد موته؟ قال: «يلحقه الحجّ والصدقة عنه والصوم عنه»(2).
2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام) ما يلحق الرجل بعد موته؟ فقال: «سنّة سنّها يعمل بها بعد موته، فيكون له مثل أجر من يعمل بها من غير أن ينتقص من أُجورهم شيء، والصدقة الجارية تجري من بعده، والولد الطيّب يدعو لوالديه بعد موتهما، ويحجّ ويتصدّق ويعتق عنهما ويصلّي ويصوم عنهما»، فقلت: اشركهما في حجّي؟   2

1 . الوسائل:5، الباب2من أبواب قضاء الصلوات.
2 . الوسائل:2، الباب28 من أبواب الاحتضار، الحديث 8 .

صفحه 244
E قال: «نعم».(1)
والرواية ناظرة إلى المندوبات من الصلاة والصوم والحجّ، وإلاّ فلو كانت ذمّة الوالد مشغولة بالواجب لوجب الإتيان به حسب ما مرّ.
3. ما رواه الصدوق بسند صحيح عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): نصلّي عن الميّت؟ فقال:«نعم حتى أنّه ليكون في ضيق فيوسّع الله عليه ذلك الضيق، ثمّ يؤتى فيقال له: خُفِّفَ عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك» قال: فقلت: فأُشرك بين رجلين في ركعتين؟ قال:«نعم».(2)
والإشراك في صلاة واحدة في الفريضة مرفوض، فالذيل إمّا متروك أو محمول على الصلاة المستحبة.
4. ما رواه صاحب الوسائل بطريق معتبر عن علي بن جعفر في كتاب مسائله عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال: سألت أبي جعفر بن محمد(عليهما السلام) عن الرجل هل يصلح له أن يصلّي أو يصوم عن بعض موتاه؟قال: «نعم، فليصل على ما أحبّ ويجعل تلك للميّت فهو للميّت إذا جعل ذلك له».(3)
نعم نقله أيضاً علي بن موسى بن طاووس في كتابه «غياث سلطان الورى لسكان الثرى بصورة مرسلة، ولكن صاحب الوسائل رواه عن علي بن جعفر بسند معتبر.
5. ما رواه الصدوق بسند مرسل قال:قد روي عن الصادق(عليه السلام) أنّه   2

1 . الوسائل:2، الباب28 من أبواب الاحتضار، الحديث6.
2 . الوسائل:2، الباب28 من أبواب الاحتضار، الحديث1.
3 . الوسائل:2، الباب12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث2.

صفحه 245
E قال: «إذا مات الرجل وعليه صوم شهر رمضان فليقض عنه مَن شاء من أهله».(1)
6. وروى الشهيد محمد بن مكي في «الذكرى» قال: وروى يونس عن العلاء بن رزين عن عبد الله بن أبي يعفور عن الصادق(عليه السلام)قال:«يُقضى عن الميّت الحجّ والصوم والعتق، والفعل الحسن».(2)
والشهيد وإن لم يذكر سنده إلى يونس، ولكن قوله:«وروى يونس»، بصورة الجزم دليل على جزمه بصحّة الرواية.
فإذا أُضيف إلى ما ذكرنا ما ورد في أبواب النيابة في الحجّ والطواف وما روي عن نيابة الولد عن الأب وضم إليها ما رواه السيد بن طاووس لما بقي هناك شكّ في جواز النيابة في الفرائض والمستحبات.
فإذا تبيّن جواز النيابة عن الميّت على وجه الإطلاق، ثبت فراغ ذمّة الميّت بقضاء المتبرّع عنه.
 

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث1.
2 . الوسائل:5، الباب12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث27، ولاحظ الذكرى:2/74.

صفحه 246
المسألة13. يجب على الولي مراعاة الترتيب في قضاء الصلاة، وإن جهله وجب عليه الاحتياط والتكرار.*

* في وجوب مراعاة الترتيب على الولي في القضاء

قد مضى في الفصل السابق ـ أعني: قضاء الصلوات(1) ـ حكم الفوائت اليومية، وقلنا بأنّه يعتبر الترتيب فيما إذا كانت الثانية مترتّبة على الأُولى في لسان الدليل كالعصر بالنسبة إلى الظهر، والعشاء بالنسبة إلى المغرب وفيما سوى ذلك كصلاة الصبح فلا يعتبر فيها الترتيب، فمن كان عليه العشاءان يمكن أن يقضي الصبح ثم العشائين.
وعلى هذا فلا يجب الاحتياط بالتكرار فيما إذا جهل كما إذا لم يعلم بتقدّم فوت العشائين على صلاة الفجر أو العكس، لأنّه إذا لم يجب الترتيب مع العلم، فمع الجهل أولى.

1 . العروة الوثقى: الفصل 42، فصل في قضاء الصلاة، المسألة 16، ويلاحظ: الفصل 43 في الاستئجار، المسألة 18.

صفحه 247
المسألة 14. المناط في الجهر والإخفات على حال الولي المباشر لا الميّت، فيجهر في الجهرية وإن كان القضاء عن الأُمّ.*

* المناط في الجهر والإخفات على حال الولي المباشر

ذكر المصنّف في الفصل 43 من العروة ـ أعني: (فصل في الاستئجار، المسألة16) ـ أنّه يجوز استئجار كلّ من الرجل والمرأة للآخر، وفي الجهر والإخفات يراعى حال المباشر فالرجل يجهر في الجهرية وإن كان نائباً عن المرأة، والمرأة مخيّرة وإن كانت نائبة عن الرجل.
وجه ذلك: أنّ هذه الشرائط شرائط للمصلّي لا للصلاة وإلاّ لما اختلفت باختلاف المصلّي، وعلى ذلك فلو كان النائب رجلاً وجب عليه الجهر في الجهرية وحرم عليه لبس الذهب والفضة والحرير ولم يجب عليه ستر ماعدا العورتين، وإن كان المنوب عنه امرأة، وإذا عُكس عُكس.

صفحه 248
المسألة15. في أحكام الشك والسهو، يراعي الوليّ تكليف نفسه اجتهاداً أو تقليداً لا تكليف الميّت، بخلاف أجزاء الصلاة وشرائطها، فإنّه يراعى تكليف الميّت، وكذا في أصل وجوب القضاء، فلو كان مقتضى تقليد الميّت أو اجتهاده وجوب القضاء عليه يجب على الولي الإتيان به، وإن كان مقتضى مذهبه عدم الوجوب، وإن كان مقتضى مذهب الميّت عدم الوجوب لا يجب عليه وإن كان واجباً بمقتضى مذهبه، إلاّ إذا علم علماً وجدانيّاً قطعيّاً ببطلان مذهب الميّت، فيراعي حينئذ تكليف نفسه.*

* في أحكام الشك والسهو في القضاء

هل يجب على النائب إمّا يأتي بالصلاة على مقتضى تكليف الميّت تقليداً أو اجتهاداً أو يأتي بها على مقتضى تكليف نفسه؟
أقول: للمسألة صور، فإنّ النائب إمّا يكون متبرّعاً أو وصياً عن الميّت أو أجيراً أو وليّاً، وإليك تفصيل هذه الصور:
1. هل على المتبرّع أن يأتي بالصلاة على مقتضى تكليف الميّت أو على مقتضى تكليف نفسه؟
2. هل على الوصي عن الميّت أن يأتي بالصلاة على مقتضى تكليف الميّت أو على مقتضى تكليف نفسه؟
3. هل على الأجير عن الوصي أن يأتي بالصلاة على مقتضى مذهب نفسه أو الوصي أو الميّت؟
4. هل على الأجير عن الولي أن يأتي بالصلاة على مقتضى مذهب   2

صفحه 249
Eنفسه أو الولي أو الميّت؟
5. هل على الولي أن يأتي بالصلاة على مقتضى مذهب نفسه أو مذهب الميّت؟
وبسط الكلام في هذه الصور، موكول إلى الفصل المتقدّم المسألة الخامسة منه.
وقد بسط المصنّف الكلام فيه وشرّاح العروة، ولكن الكلام هنا مركّز على تكليف الولي فقط، فنقول: ذكر المصنّف في هذه المسألة فروعاً ثلاثة:
الأوّل: إذا شكّ أو سها الولي عند قضاء صلاة عن الميّت، فهل يراعي في مقام العلاج تكليف نفسه أو تكليف الميّت؟ فإنّ آراء المجتهدين في أحكام الشكوك مختلفة.
2. إذا اختلف مذهب الولي تقليداً أو اجتهاداً في الشرائط والأجزاء مع مذهب الميّت كذلك، كأن يعتقد أحدها بكفاية التسبيحة الواحدة والآخر على وجوب ثلاث تسبيحات؟ فهل يراعى الميّت; لأنّ كلماتهم في صحّة بعض الشكوك وبطلانه مختلفة فيقع الكلام في مقام العلاج صحّة وبطلاناً هل هو تكليف نفسه تقليداً أو اجتهاداً أو تكليف الميت؟
الثاني: إذا اختلف تكليف الولي مع تكليف الميّت في كيفية القضاء كالاكتفاء بتسبيحة واحدة وعدمه فالمصنّف: يراعى تكليف الميت.
الثالث: إذا شكّ الولي في أصل وجوب القضاء على الميت وأنّه هل فاتت منه صلاة خاصة أو لا، واختلف مقتضى تقليد الميّت أو اجتهاده   2

صفحه 250
E مع مقتضى تقليد الولي أو اجتهاده، فهنا صورتان:
1. إذا أتى الميت بصلاة باطلة حسب اجتهاده أو تقليده، وكان صحيحاً حسب اجتهاد الولي أو تقليده.
2. ولو أتى الميت بصلاة، صحيحة حسب اجتهاده أو تقليده، لكنّها كانت باطلة حسب اجتهاد الولي أو تقليده، باطلة حسب تكليف الوليّ. فالمصنّف على أنّ المتّبع تكليف الميت.
وإليك دراسة الفروع الثلاثة:
الفرع الأوّل: لا شبهة أنّ الولي يعمل بتكليف نفسه، وذلك لأنّ الخطاب للشاك والساهي، وليس إلاّ هو نفسه لا الميّت الراقد في القبر، إذ ليس هو شاكاً ولا ساهياً، فلو اختلف تكليف الشخصين في أحكام الشكوك يعمل الولي وفق تكليف نفسه، وهذا أيضاً ممّا اعترف المصنّف به في المتن.
الفرع الثاني: إذا اختلف في مقام القضاء مقتضى تكليف الشخصين في أجزاء الصلاة وشرائطها، فقد أفتى المصنّف بأنّه يراعى تكليف الميّت، ولكنّ الظاهر أنّ الولي يراعي تكليف نفسه لأنّه أُمر من قبل الله سبحانه بقضاء ما على الميّت حسب ما يعتقده صحيحاً، وعندئذ لا عبرة بنظر الميّت فقد جاء في صحيحة حفص بن البختري ما هذا لفظه:في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام؟ قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه»(1)، فإنّ المتبادر أنّه يقوم بالعمل الصحيح حسب نظره، فإنّه إذا كان الخطاب متوجّهاً إليه فهو يلازم إحراز صحّة الموضوع وفساده طبقاً لنظره وتكليفه.   2

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث5.

صفحه 251
E وبعبارة أُخرى: إذا قيل للولد: قم صلّ عن والدك ركعتين، يتبادر منه الإتيان بصلاة صحيحة عنده، فلو فرضنا وجوب تسبيحات ثلاثة عند الميت تقليداً أو اجتهاداً وكان اللازم عند الولي تسبيحة واحدة، اقتصر عليها عند القضاء، ولو عكس، عُكس فالولي في مقام القضاء يتبع تكليفه اجتهاداً أو تقليداً لا تكليف الميّت.
الفرع الثالث: إذا شكّ الولي في أصل وجوب القضاء على الميّت وأنّه هل فاتت منه صلاة خاصّة أو لا؟(1) ، فقد ذهب المصنّف إلى أنّ العبرة هي تكليف الميّت في كلتا الصورتين، فلو كان مقتضى تقليد الميّت أو اجتهاده فساد صلاته يجب على الولي الإتيان به. وإن كان مقتضى مذهبه الصحّة، لصدق الفوت عن الميّت ; ولو كان مقتضى تكليف الميت صحّة الصلاة ولكن كان مقتضى تكليف الولي بصحّة صلاته، لا يجب على الولي القضاء منه لعدم صدق الفوت. والملاك صدق الفوت عن الميّت وعدمه، ففي الأوّل يصدق دون الثاني.
ولكن الأقوى خلافه فمن خوطب بشيء فمعنى ذلك أنّ تشخيص الموضوع راجع إليه، فإذا قيل: يا ولد قم صلّ ما فات أباك من الصلوات، فمعناه القيام بما ثبت عنده الفوت.
فلو افترضنا أنّ منشأ الشك في وجوب القضاء وعدمه هو اختلاف تكليف الطرفين، فمقتضى تكليف الميّت هو البطلان، كما إذا اعتقد بوجوب تسبيحات ثلاث أو سورة تامّة فتركها تساهلاً، فعلى مذهبه يجب القضاء،   2

1 . الفرق بين الفرع الثاني والثالث، هو انّ الثاني راجع إلى الاختلاف في كيفية القضاء والثالث راجع إلى تشخيص ما صدر عن الميت من الصحيح أو الفاسد.

صفحه 252
E ولكن كان مقتضى تكليف الولي صحّة هذه الصلاة خصوصاً إذا تمشّى قصد القربة من الميّت عند ترك بعض الأجزاء والشرائط، فلا يجب القضاء. ووجهه: أنّه المخاطب بمثل قولهم: «واقض ما فات عن والدك» أي أقض ما ثبت عندك فيه الفوت دون ما لا يثبت. ومنه يظهر حكم العكس فيجب القضاء على الولي إذا كان باطلاً في مذهبه وإن كان صحيحاً في مذهب الميّت ; وذلك لأنّ الولي صار مأموراً بقضاء ما فات من الميّت حسب نظره والمفروض أنّه كذلك ولذلك استثنى المصنّف صورة العلم ببطلان صلاة الوليّ.
ومع ذلك يمكن التفصيل بين الصورتين بالقول بعدم الإجزاء في الأُولى دون الثانية ; لأنّ الميّت لم يصدر في عمله الأوّل عن حكم شرعي لا واقعاً ولا ظاهراً ففات عنه وحكم عليه بالإعادة في الوقت والقضاء بعده فتلزم على الولي ما لزم الميّت، بخلاف الصورة الثانية فقد صدر عن حكم ظاهري مثبت للإجزاء فلم يحكم عليه بالإعادة أو القضاء وبالتالي لا يلزم على الولي شيء لأنّه يتحمّل ما تحمّله الميّت والمفروض عدم تحمّله شيئاً، وقد ذكرنا في محلّه إجزاء العمل بالأحكام الظاهرية من غير فرق بين الأُصول والأمارات.

صفحه 253
المسألة16. إذا علم الولي أنّ على الميّت فوائت ولكن لا يدري أنّها فاتت لعذر من مرض أو نحوه أو لا لعذر، لا يجب عليه القضاء، وكذا إذا شكّ في أصل الفوت وعدمه.*

* لو جهل الولي بوصف الفائتة

في المسألة فرعان:
1. إذا جهل الولي بوصف الفائتة، وأنّها هل فاتت لعذر أو لا.
2. إذا شكّ في أصل الفوت وعدمه.
أمّا الفرع الأوّل: فلا أثر لهذا الشك لما قلنا من أنّه يجب على الولي قضاء الفائتة مطلقاً، سواء فاتته عن عذر أو لا، وكفى في ذلك إطلاق صحيحة حفص بن البختري، قال: في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام؟ قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه».(1)
وأمّا الفرع الثاني ـ أعني: الشك في أصل الفوات وعدمه ـ : فالمرجع فيه أصالة البراءة للشك في الموضوع ـ أعني: في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ـ ونظيرها رواية حمّاد بن عثمان.(2)
فإن قلت: إنّ موضوع القضاء هو فوت الصلاة عن الولي، فيحرز بأصالة عدم الإتيان بالعمل في وقته.
قلت: تكرّر غير مرّة أنّ الأصل الأزلي ليس بحجّة، وعلى فرض   2

1 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث5.
2 . الوسائل:7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث6.

صفحه 254
E حجّيته فهو مثبت في المقام، لأنّ المستصحب أمر عدمي وموضوع وجوب القضاء أمر وجودي وهو الفوت فلا يمكن إثبات الأمر الوجودي ـ أعني: الفوت ـ بأمر عدميّ ـ أعني: عدم الإتيان ـ .
وبهذا يظهر النظر فيما ذكره السيد الحكيم حيث قال بوجوب القضاء لأصالة عدم الفعل في الوقت و هو كماترى.
نعم احتمل حكومة قاعدة الشك بعد خروج الوقت في حقّ الميّت، فلا يبقى موضوع للأصل.(1)

1 . مستمسك العروة الوثقى:7/154.

صفحه 255
المسألة17. المدار في الأكبريّة على التولّد لا على انعقاد النطفة، فلو كان أحد الولدين أسبق انعقاداً والآخر أسبق تولّداً فالولي هو الثاني، ففي التوأمين الأكبر أوّلهما تولداً.*

* ما هو المدار في الأكبرية؟

المدار في الأكبرية على التولّد لا على انعقاد النطفة فلو جامع إحدى زوجتيه ثم جامع زوجته الأُخرى بعد شهر، فحملتا لكن الثانية وضعت حملها على ستة أشهر والأُولى على تسعة أشهر فلا شكّ أنّ الأكبر عند العرف هو مَن تقدّمت ولادته وإن تأخّر انعقاد نطفته، ومنه يظهر الحال في التوأمين فالأكبر منهما هو مَن تولّد قبل الآخر، وإن انعقدت نطفتهما في زمن واحد.
نعم يظهر من خبر مرسل خلافه، وأنّ الملاك مَن انعقدت نطفته قبل الآخر.
روى الكليني بسند صحيح عن علي بن أحمد بن أشيم، عن بعض أصحابه، قال:أصاب رجل غلامين في بطن فهّنأه أبو عبد الله(عليه السلام) ثمّ قال:أيّهما الأكبر؟ فقال: الذي خرج أوّلاً، فقال أبو عبد الله(عليه السلام):«الذي خرج أخيراً هو الأكبر، أمّا تعلم أنّها حملت بذاك أوّلاً، وأنّ هذا دخل على ذاك فلم يمكنه أن يخرج حتّى خرج هذا، فالذي يخرج أخيراً هو أكبرهما».(1) ويظهر منه أنّ الأكبر هو الخارج أخيراً معلّلاً بأنّها حملت به أوّلاً.
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّه لو تمّ فإنّما يتمّ في التوأمين لا في المتولّدين   2

1 . الوسائل:14، الباب99 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث1.

صفحه 256
E من زوجتين حيث إنّ الأكبر هو مَن تولّد قبل الآخر.
وثانياً: في الرواية إرسال، ولأنّ علي بن أحمد بن أشيم مجهول، ووروده في إسناد كامل الزيارات لا يفيد شيئاً.وفي مضمونه شذوذ لانعقاد نطفة التوأمين في الرحم دفعة واحدة، فلا يدخل أحدهما على الآخر إلاّ في مواضع نادرة حسب ما يقوله الأطباء.

صفحه 257
المسألة18. الظاهر عدم اختصاص ما يجب على الولي بالفوائت اليومية، فلو وجب عليه صلاة بالنذر الموقت وفاتت منه لعذر، وجب على الولي قضاؤها.*

* القضاء على الولي لا يختص بالفوائت اليومية

المتبادر من قوله في صحيحة حفص، في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ما وجب على الميّت بالأصالة، وعندئذ لا فرق بين الصلوات اليومية وصلاة النذر الموقت التي فاتت منه لعذر أو لغير عذر، وأمّا ما وجب عليه بعنوان آخر كالاستئجار ثم لم يوفق للعمل فالدليل منصرف عنه.
ومثله ما وجب عليه بالولاية كما لو مات والد الرجل وعليه صلاة وصيام فلم يأت بهما حتى توفّي هو، فلا يجب على الحفيد قضاء ما وجب على والده من صلاة وصيام جدّه، ولاية.
 

صفحه 258
المسألة19. الظاهر أنّه يكفي في الوجوب على الولي إخبار الميت بأنّ عليه قضاء ما فات بعذر.*

* إخبار الميت بما عليه كاف في الوجوب على الولي

قد ذكرنا في محلّه أنّ قول الثقة حجّة في الموضوعات إلاّ ما خرج بالدليل، وبما أنّ المورد داخل تحت عموم حجّية قول الثقة، فلو أخبر الميّت قبل موته بأنّ عليه صلاة أو صوم وكان ثقة، يجب على الولي القيام بهما.
نعم لو لم يكن ثقة على نحو تطمأنّ به النفس فإقراره لا يكون نافذاً في حقّ الغير، كالولي.
ومن الواضح أنّ إقرار العقلاء على أنفسهم جائز لا على غيره، فلو اعترف بالدين وأنّه مديون يؤخذ من تركته وإن لم يكن ثقة، بخلاف الغير.
وعلى هذا كان على المصنّف أن يقيد المخبر بكونه ثقة.

صفحه 259
المسألة20. إذا مات في أثناء الوقت بعد مضي مقدار الصلاة ـ بحسب حاله ـ قبل أن يصلّي وجب على الولي قضاؤها.*

* لو مات إنسان في أثناء الوقت

إذا كان الموضوع لوجوب القضاء على الولي فوت الصلاة عن الميّت في عامّة الوقت فلا يجب القضاء، إذ لا يصدق الفوت في عامّة الوقت إلاّ إذا كان حيّاً فيه، والمفروض أنّه توفّي أثناء الوقت، وأمّا إذا كان الموضوع أنّه مات وعليه صلاة أو صيام، فيجب القضاء لصدق العنوان على المورد، هذا هو مقتضى القاعدة.
نعم ورد في رواية عبد الله بن سنان عن الصادق(عليه السلام) قال:«الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميّت يقضي عنه أولى الناس به».(1)
فتدلّ الرواية على وجوب الإتيان بمجرد استقرار الصلاة عليه. نعم المراد من القضاء هو الإتيان لا القضاء المصطلح .
ثمّ إنّه يقع الكلام هل يجب على الولي المبادرة إلى إيقاع هذه الصلاة في وقتها أو أنّ له التأخير إلى خروج الوقت؟
والظاهر هو الثاني للشك في وجوب المبادرة، نعم يظهر من بعض المعلّقين أنّ الأحوط ترك تأخيرها عن الوقت.
ولعلّ وجهه أنّ الولي مخاطب بمثل ما خوطب به الولي، غير خصوصية المباشرة، فلو كان الميّت باقياً على قيد الحياة، كان عليه إيقاع الصلاة في   2

1 . الوسائل:7، الباب12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث18.

صفحه 260
E وقتها، وهكذا الولي المنزل منزلة الميّت في عامّة الجهات، غير المباشرة.
يلاحظ عليه: أنّ مسألة المنزلة أمر لم يدلّ عليه دليل نقلي، وإنّما دلّ الدليل على إيجاب الصلاة على الولي بالنسبة إلى ما فات عن أبيه، فهذا المقدار هو المتيقّن، وأمّا ما زاد عليه بإيقاع الصلاة في وقتها فهو أمر مشكوك يقع مجرى البراءة.

صفحه 261
المسألة21. لو لم يكن ولي، أو كان ومات قبل أن يقضي عن الميّت وجب الاستئجار من تركته. وكذا لو تبيّن بطلان ما أتى به.*

* لو انعدم الولي أو مات قبل القضاء

في المسألة فرعان:
1. إذا مات وعليه صلاة وصيام وليس له ولي.
2. لو كان له ولي وقد تبيّن بطلان ما أتى به الولي، فيقع الكلام في وجوب الاستئجار من تركة الميّت أو تركة الولي على احتمال ضعيف.
فنقول: لا شكّ أنّ مؤونة حجّة الإسلام تخرج من أصل التركة، واختلفت كلمتهم في حجّ النذر فهل يخرج من الأصل كما عليه المصنّف في كتاب الحجّ، أو من الثلث، كما هو الأقوى.(1)
إنّما الكلام في سائر الفرائض البدنية، كالصوم والصلاة، فالمصنّف على أنّه تخرج مؤونة الاستئجار من أصل تركة الميّت، وبهذا أفتى أيضاً في الفصل الخاص بالاستئجار، وقال: بل وجوب إخراج الصوم والصلاة من الواجبات البدنية أيضاً من الأصل لا يخلو عن قوّة لأنّها دين الله.
وأقصى ما عند القائلين بالوجوب هو إطلاق الدين على الصلاة، ومن المعلوم وجوب إخراج الدين من التركة.
وبعبارة أُخرى: تحرز الصغرى (كون الصلاة ديناً على المكلّف) من الروايات، وتؤخذ الكبرى من كتاب الله العزيز حيث قال:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة   2

1 . لاحظ: الحجّ في الشريعة الإسلامية الغراء: 1 / 444 ـ 448.

صفحه 262
E يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن).(1)   
أمّا الصغرى فيدلّ عليها الروايات التالية:
1. ما رواه السيد ابن طاووس في كتابه (غياث سلطان الورى) عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له: رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح ولم يصل صلاة ليلته تلك؟ قال: «يؤخّر القضاء ويصلّي صلاة ليلته تلك».(2)
يلاحظ عليه: أنّ كلمة«دين» وردت في سؤال السائل والمراد به ما يجب إتيانه تشبيهاًبالدين المالي حيث يجب دفعه.
وبعبارة أُخرى: لم يظهر أنّ المراد من الدين في الرواية نفس الدين الوارد في الآية الكريمة، فإنّ كثيراً من الناس يطلقون كلمة «الدين» على ما يجب عليهم أخلاقاً أو شرعاً. وليس مثل هذا داخلاً في الكبرى الكلّية.
2. ما رواه الصدوق باسناده عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في جملة وصايا لقمان لابنه، قال: «يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخّرها لشيء، صلها واسترح منها فإنّها دين».(3)
يلاحظ عليه: بمثل ما تقدّم، فإنّ الدين في هذه الروايات كناية عن لزوم الإتيان فهو مصداق ادّعائي للدين المالي الذي وجب إخراجه من أصل المال، والذي ثبت هو إخراج الدين الحقيقي لا الدين الادّعائي. وبعبارة أُخرى:   2

1 . النساء:11.
2 . الوسائل:3، الباب61 من أبواب المواقيت الصلاة، الحديث9.
3 . الوسائل: 8 ، الباب 52 من أبواب آداب السفر إلى الحجّ، الحديث1.

صفحه 263
E استعارة الدين للفريضة البدنية رهن وجود التشبيه، وهو ممّا لا كلام فيه، وإنّما المهم ما هو وجه الشبه؟ وليس هو إلاّ لزوم الخروج عن عهدته حيّاً وهو مورد الروايتين وأمّا إذا مات وتوقّف الخروج على صرف مال، فيجب إخراجه من تركته، فهذا ممّا لا يستفاد من التشبيه.
3. ما رواه الصدوق في «معاني الأخبار» باسناده عن محمد بن الحنفية في حديث الأذان لمّا أُسري بالنبي(صلى الله عليه وآله) إلى السماء:«ثم قال: حي على الصلاة، قال الله جلّ جلاله: فرضتها على عبادي وجعلتها لي ديناً».(1)
يلاحظ عليه بمثل ما تقدّم من أنّ الدين له مصداقان:
دين مالي وهو وارد في الآية الشريفة.
ودين ادّعائي في حدّ الرواية.
والقدر المتيقّن من الآية المباركة هو الدين المالي، أعني: المصداق الحقيقي لا المصداق الادّعائي، وأقصى ما يستفاد هو التأكيد على القضاء عند التمكّن.
4. ما اعتمد عليه المصنّف في المتن لأنّها دين الله ودين الله أحقّ أن يقضى، وقد أشار بذلك إلى قصة المرأة الخثعمية الّتي مرّت في أوائل الفصل وقد جاء فيها قول الخثعمية:إنّ أبي أدركته فريضة الحج شيخاً زَمِناً لا يستطيع أن يحجّ، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال(صلى الله عليه وآله):«أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه، أكان ينفعه ذلك؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحقّ بالقضاء».(2)   2

1 . مستدرك الوسائل:4/70، الباب37 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 2.
2 . مستدرك الوسائل:8/28، الباب18 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث1، عن دعائم الإسلام.

صفحه 264
المسألة22. لا يمنع من الوجوب على الولي اشتغال ذمّته بفوائت نفسه، ويتخيّر في تقديم أيّهما شاء.*
E فالظاهر أنّ المراد بقرينة سؤال الخثعمية بقولها:«أينفعه»، انتفاع الميت وعدمه، وعليه يكون المراد من قوله: «أحقّ بالقضاء» أي أحقّ وأولى بصحّة قضائه.
أضف إلى ذلك: ضعف عامّة الروايات سنداً. وهنا نكتة، وهي أنّه يجب أن تكون بين المُخرَج والمُخرج منه صلة وثيقة بأن يكونا من نوع واحد، والصلة بهذا المعنى موجودة بين التركة والدين المالي. وأمّا الصلاة والصوم فهما من الفرائض البدنية لا مشابهة بينهما وبين التركة حتى يقال: يخرجان من أصل التركة، وتفسير الروايات بهذا النحو، وجعلها مفسّرةً للآية بعيد عن البلاغة، وأمّا الحجّ فيفارقهما في كونه واجباً مالياً وبدنيّاً، فناسب أن يقال: يخرج من التركة.
ثمّ إنّ الميت لو أوصى بالقضاء فيخرج من الثلث، وأمّا إذا لم يوص، فالأولى ـ أداءً لحق الوالد ـ الإخراج من التركة، إذا لم يوص فهو أولى وأحوط قضاءً لحقّ الوالد، فهو وإن قصر ولم يوص لكن له حق الحياة على أولاده، وهو الذي ترك الأموال التي تنتفع بها الورثة، فأولى أن يقوموا بصرف مقدار منها لإفراع ذمّته ممّا عليه من الواجب.

* لو اشتغلت ذمّة الولي بفوائت هل يسقط وجوب القضاء عليه ؟

وجه عنوان هذه المسألة هو أنّه دلّ الدليل على أنّه لا يجوز أن يتطوّع الرجل بالصيام وعليه شيءٌ من الفرض كما في رواية أبي الصباح   2

صفحه 265
المسألة23: لا يجب عليه الفور في القضاء عن الميّت وإن كان أولى وأحوط.*
E الكناني، وغيرها.(1)
وصار هذا مظنّة بحث: هل يكون مثل هذا«عليه شيء من الفرض» مانعاً من صحّة صوم الولي لأجل الولاية.
الجواب: لا، وذلك لأنّ الممنوع هو الصوم التطوّعي وليس هذا من هذه المقولة، ومنه يظهر حكم الصلاة، فلو قلنا بعدم التطوّع فيها إذا كانت عليه فريضة فلا يمنع مثل هذا عن صحّة صلاة الولي لأجل الولاية.
وحصيلة الكلام: أنّ الممنوع هو التطوّع وأين هذا من التطوّع؟
ثمّ إنّ المصنف ذكر في أنّه يتخيّر في تقديم أيّهما شاء، أي تقديم الواجب بالذات على الواجب بالولاية أو بالعكس، لعدم الدليل على رعاية الترتيب بأن يقدّم ما فاته متقدّماً من الولي، على ما فات الأب لعدم الدليل عليه.
نعم قد مرّ أنّه يقدّم المترتبتين من الفرائض، في حقّه وفي حقّ الغير.

* عدم وجوب الفورية في القضاء عن الميت

لعدم الدليل على المضايقة في القضاء فيما إذا فات عن نفسه فكيف ما إذا فات عن الغير، وحتى لو قلنا بالمضايقة في المسألة الأُولى لا يكون دليلاً على ما نحن فيه.

1 . الوسائل:7، الباب28 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث2.

صفحه 266
المسألة 24. إذا مات الولي بعد الميّت قبل أن يتمكّن من القضاء ففي الانتقال إلى الأكبر بعد إشكال.*

* لو مات الولي بعد الميت قبل التمكّن من القضاء

قد مرّ عن المصنّف في المسألة الثالثة من هذا الفصل أنّه إذا مات أكبر الذكور بعد أحد أبويه وهو لم يقض ما فات عنه، لا يجب على غيره من أخوته الأكبر فالأكبر، وقلنا هناك بأنّ المتبادر من النص الأكبر حال الموت، فلا ينطبق على الأصغر حين الموت وإن صار أكبر أولاده بعد فوت أكبرهم.
وعلى ذلك فكان على المصنّف أن يفتي بضرس قاطع، ولكنّه تردد في المسألة وقال:«إشكال».
نعم يمكن أن يقال: إنّ المسألة السابقة ناظرة إلى ما لو توفّي الولد الأكبر بعد وفاة أحد أبويه متمكّناً من القضاء ولكنّه لم يقض، وأمّا مسألتنا هذه فناظرة إلى ما إذا توفّى الولي قبل أن يتمكّن من القضاء كما هو صريح عبارته، فيقع الكلام في توجّه الوجوب على الأكبر الباقي. ولكن هذا الفرق غير فارق لأنّ الموضوع هو الأكبر حين الموت والولد الثاني خارج عن الموضوع.
وعلى كلّ تقدير فلا يجب على الأكبر فالأكبر القضاء كما ذكرنا.

صفحه 267
المسألة25. إذا استأجر الولي غيره لما عليه من صلاة الميّت، فالظاهر أنّ الأجير يقصد النيابة عن الميّت لا عنه.*

* لو استأجر الولي غيره فالأجير يقصد النيابة عن الميت

لا شكّ أنّ قصد النيابة عن الميّت بمعنى أداء ما في ذمّته، أمر لازم وإلاّ لما فرغت ذمّته، إنّما الكلام في نيّة ما في ذمّة الولي، فهل يجب أو لا؟
الظاهر لا، لأنّ إفراغ ذمّة الميّت كاف في إبراء ذمّة الولي، وتفرغ ذمّته فلا حاجة لنيّة ما في ذمّته، والشاهد على ذلك أنّ صلاة المتبرّع عن الميّت تكفي في براءة ذمّة الولي، وإن لم ينو ذمّته.
***
تمّ الكلام في صلاة قضاء الولي صبيحة الثامن والعشرين
من شهر رمضان المبارك عام ألف وأربعمائة وثلاث وثلاثين
للهجرة الشريفة، وبقي الكلام في صلاة الاستئجار
التي جعلها المصنّف في فصل خاص، ولعلّ الله
يوفقنا لشرح هذا الفصل
بإذنه وتوفيقه
والحمد لله ربّ العالمين
الذي بنعمته تتم الصالحات
جعفر السبحاني
قم المقدّسة ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
28 رمضان المبارك 1433هـ

صفحه 268

صفحه 269
خمس رسائل فقهية
1. رسالة في الكُرّ
2. رسالة في مواقيت الصلوات في الكتاب والسنّة
3. رسالة في صوم مَن به داء العطش ومَن أصابه العطش
4. رسالة في اختلاف الزوجين في دوام العقد وانقطاعه
5. رسالة في تغيير الجنس في الشريعة الإسلاميّة

صفحه 270

صفحه 271
    رسالة في الكُرّ
في معنى الكُرّ لغةً واصطلاحاً   
رسـالـة
فـي الكُـرّ
مساحةً ووزناً

صفحه 272

صفحه 273
الحمد لله الذي أنزل من السماء ماءً طهوراً، والصلاة والسلام على خاتم رسله وأشرف بريّته محمّد وآله الذين طهرّهم الله من الرجس تطهيراً.
أمّا بعد; فهذه رسالة موجزة في بيان حدّ الكرّ الذي اختلفت فيه كلمات علمائنا ; في المساحة أوّلاً، والوزن ثانياً بعد اتّفاقهم على أنّ الماء إذا كان قدر كرّ لم ينجسه شيء.(1)

الكُرّ لغةً واصطلاحاً

لاشكّ أنّ الكرّ كان مقياساً من أحد المقاييس، قال الطريحي: الكرُّ ـ بالضم ـ أحد أكرار الطعام وهو ستون قفيزاً، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، فانتهى ضبطه إلى اثني عشر وَسَقاً، والوسق ستون صاعاً .(2)
وعلى هذا فالكرّ في الطعام عبارة عن 720 صاعاً، وإليك صورته الرياضيّة:
12 × 60 = 720 صاعاً.
وهذا أكثر ممّا اعتبره الشارع في عاصمية الماء. ولنذكر ما هو الكرّ شرعاً.
ولنذكر أقوال أهل السنّة فنقول:
إنّ الحد الفاصل عند الشافعية والحنابلة بين القليل والكثير هو القُلّتان

1 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1 و 2 و 6 .
2 . مجمع البحرين: مادة «كرر».

صفحه 274
(القلّة هي الجرّة سمّيت قلّة لأنها تقل بالأيدي أو تُحمل) من قلال هجر، وهو خمس قِرَب، في كلّ قربة مائة رطل عراقي، فتكون القلّتان خمسمائة رطل بالعراقي.
وأمّا عند المالكية فلا حدّ للكثرة فلم يحدّوا لها حدّاً مقدّراً، فإذا حلّت فيه نجاسة قليلة كالقطرة، ولم تغيّره فإنّه يكره استعماله في رفع حدث أو إزالة خبث، ولا كراهة في العادات.
وأمّا عند الحنفية فهو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حرّكه آدمي من أحد طرفيه لم تصل الحركة إلى الطرف الثاني منه.
والقلّة ما كان دون عَشْر في عَشْر من أذرعة العامّة، فينجس وإن لم يظهر أثر النجاسة فيه .(1)
وفي «المنتهى»: وقال بعضهم: ما كان كلّ من طوله وعرضه عشرة أذرع في عمق شبر لم ينجس.(2) فعلى هذا فكل من الطول والعرض 20 شبراً يضرب أحدهما في الآخر وتكون النتيجة أربعمائة شبر.
هذه هي أقوال أهل السُّنّة وأمّا أقوال أصحابنا فربما ناهز عددها الخمسة أو الستة إذا أُضيف إليها قول ابن طاووس، القائل بالتخيير بين الأقوال، وسيوافيك بيانه.
دراسة أقوال أصحابنا حول الكُرّ   
إذا عرفت هذا فلنذكر ما عليه أصحابنا في تحديد الكرّ مساحة ووزناً، ويقع الكلام في مقامين:

1 . الفقه الإسلامي وأدلّته للزحيلي: 1 / 126 ـ 128. ولاحظ الفقه على المذاهب الخمسة: 19; الفقه على المذاهب الأربعة: 1 / 39 .
2 . منتهى المطلب: 1 / 33 .

صفحه 275
الأوّل: دراسة الأقوال .
الثاني: دراسة الروايات والأدلّة.

المقام الأوّل: في دراسة أقوال أصحابنا

القول الأوّل

ذهب الشيخ وابن البرّاج وابن إدريس وابن حمزة والمحقّق إلى أنّها عبارة عن ثلاثة أشبار ونصف طولاً، في عرض، في عمق .(1) ويصفه في «المدارك» بأنّه أشهر الأقوال في المسألة.(2) وعلى هذا فيكون الكرّ عبارة عمّا يبلغ مكسره (حجمه) إلى اثنين وأربعين شبراً وسبعة أثمان شبر .

القول الثاني

ذهب ابن بابويه وجماعة القميّين إلى أنّها عبارة عن ثلاثة أشبار طولاً، في عرض، في عمق بإسقاط الأَنصاف في الأبعاد الثلاثة، وعلى هذا فيكون الكرّ عبارة عمّا يبلغ مكسّره (حجمه) إلى سبعة وعشرين شبراً. وهو أيضاً خيرة الشهيد الثاني في «الروضة»، والمحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد(3) وهو خيرة العلاّمة في المختلف (4)، ومن المتأخّرين شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيّد الخوئي ـ قدس الله أسرارهم ـ . (5)

1 . المبسوط: 1 / 6 ; المهذب: 1 / 21 ; السرائر: 1 / 60 ; الوسيلة: 73 ; الشرائع: 1 / 10 .
2 . المدارك: 1 / 49، ولاحظ نخبة الأزهار للوالد، رسالة في تحديد الكر: 200. وهو تقرير دروس شيخه شيخ الشريعة الاصفهاني. والتنقيح في شرح العروة الوثقى للغروي (تقرير دروس السيد الخوئي): 2 / 151 ـ 209 .
3 . الروضة البهية: 1 / 257 ; مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: 1 / 260 .
4 . المختلف: 13 / 184.   5 . كتاب الطهارة للخوئي: 1 / 197 .

صفحه 276

القول الثالث

ذهب صاحب المدارك إلى أنّ الكرّ عبارة عمّا إذا بلغ مكسّره إلى ستة وثلاثين شبراً، وحكى في المدارك أنّه يظهر من المحقّق في «المعتبر» الميل إلى هذه الرواية (1). وهو خيرة السيّد الاصفهاني وبعض المعاصرين ـ قدس الله أسرارهم ـ .
فمن اعتبر الأنصاف استند إلى رواية أبي بصير، ومن أسقطها اعتمد على رواية إسماعيل بن جابر، كما يأتي .

القول الرابع

إنّ الكرّ عبارة عن مائة شبر، وهو خيرة ابن الجنيد.(2)

القول الخامس

الكرّ عبارة عن ما بلغت أبعاده إلى عشرة ونصف ولم يعتبر التكسير، وهو خيرة القطب الراوندي.(3)
وقال العلاّمة: وما أشدّ التنافي بين كلامه وكلام ابن الجنيد .

القول السادس

التخيير بين الجمع والعمل بكل ما روى .(4)
دراسة الروايات الواردة حول الكُرّ   
***

1 . مدارك الأحكام: 1 / 49; ولاحظ : المعتبر: 1 / 46 .
2 . حكاه عنه العلاّمة في المختلف: 1 / 21.
3 . حكاه العلاّمة في المختلف: 1 / 22. ولاحظ : جواهر الكلام: 1 / 173 .
4 . جواهر الكلام: 1 / 174 .

صفحه 277

المقام الثاني: دراسة ما ورد في الروايات

وردت في المقام روايات وهي بين ثلاثي الأبعاد وثنائيّها، وإليك نقل الجميع مرّة واحدة ثم دراسة الكلّ واحدة تلو الأُخرى:
1. أبو بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟ قال: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف، في مثله، ثلاثة أشبار ونصف، في عمقه في الأرض، فذلك الكرّ من الماء».(1)
2. الحسن بن صالح الثوري، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا كان الماء في الركيّ كرّاً لم ينجسه شيء»، قلت: وكم الكرّ؟
قال: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها»(2).
3. إسماعيل بن جابر ، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الماء الذي لا ينجسه شيء؟ قال (عليه السلام): «ذراعان عمقه، في ذراع وشبر سعته».(3)
4. إسماعيل بن جابر ـ أيضاً ـ ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: وما الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».(4)

دليل القول الأوّل

قد عرفت أنّ المشهور بين الأصحاب أن الكرّ عبارة عمّا كان كلّ واحد من طوله وعرضه وعمقه ثلاثة أشبار ونصفاً، واستدلّ عليه بروايتين:

1 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6 وسيوافيك توضيح الرواية.
2 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8 . والباب 10، الحديث 5 .
3 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.
4 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 7 .

صفحه 278

الأُولى: رواية أبي بصير

روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟ قال: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف،(1) في مثله ثلاثة أشبار ونصف، في عمقه في الأرض فذلك الكرّ من الماء».

دراسة السند

1. محمد بن يحيى العطار القميّ، شيخ الكليني: ثقة جليل.
2. أحمد بن محمد في الكافي بهذا النحو، نعم نقل عن التهذيب وفي المدارك: أحمد بن محمد بن يحيى، ثم قال: فإنّه مجهول.(2)
وقال في «الجواهر»: أحمد بن محمد بن عيسى، وأنّ يحيى تصحيف «عيسى» (3). وهذا هو الصحيح.
3. عثمان بن عيسى. قال النجاشي: شيخ الواقفة ووجهها وأحد الوكلاء المستبدّين بمال موسى بن جعفر (عليه السلام). ورغم ذلك عدّه الكشّي من أصحاب الإجماع الثالث، وحكى عن نصر بن صباح توبته ورجوعه عن الوقف، وقال

1 . في بعض النسخ «نصفاً» عطفاً على ثلاثة أشبار المنصوبة لكونها خبراً لـ «كان»، وفي بعضها الآخر كالوسائل «نصف» فيكون مجروراً على حذف المضاف وإبقاء أثره أي «قدر نصف»، على حدّ قول القائل:
أكل امرئ تحسبين امرءاً *** ونار توقد بالليل ناراً
فقوله: «نار» مجرور بحذف المضاف، أي: كلّ نار توقد بالليل تحسبينها ناراً. وبعبارة أُخرى: إنّ المعطوف عليه أيضاً مجرور على حذف المضاف، أي «قدر ثلاثة أشبار ونصف» .
2 . مدارك الأحكام: 1 / 49 .
3 . جواهر الكلام: 1 / 173 .

صفحه 279
الطوسي في «العدّة»: عملت الطائفة برواياته لأجل كونه موثوقاً ومتحرّزاً عن الكذب، وعدّه ابن شهرآشوب من ثقات أبي الحسن، له 746 رواية في الكتب الأربعة .(1) ويدلّ على رجوعه روايته عن الرضا (عليه السلام).
روى الكليني بسنده عن عثمان بن عيسى قال : قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): ما تقول في الرجل يعطى الحَجّة فيدفعها إلى غيره؟ قال:
«لا بأس به»(2). ووجود الروايات الكثيرة في الكتب الأربعة عنه دليل
على اعتماد الأصحاب بنقله وروايته. وإلاّ لما أصرّوا بنقل أحاديثه الكثيرة وضبطها.
وعلى هذا لا يمكن ردّ الرواية بسهولة، ومفادها هو المشهور بين القدماء.
4. عبدالله بن مسكان: ثقة بلا كلام.
5. أبو بصير وهو ثقة بلا كلام وقد أثبتنا في محلّه أن كلّ من كُنّي بأبي بصير كلّهم ثقات، لا فرق بين المرادي والاسدي وغيرهما، لو كان له مصداق غيرهما.(3)
وبهذا عرفت حال السند إنّما الكلام في دلالة الرواية على المطلوب.
أقول: الاستدلال على القول المشهور مبني على تضمّن الرواية بياناً للأبعاد الثلاثة.
وقد اختلفت كلمتهم في دلالة الرواية على الأبعاد الثلاثة وأنّها كيف تتضمّن بيانها، وأوضح الوجوه أن يقال:

1 . الموسوعة الرجالية الميسرة، برقم 3726.
2 . الكافي: 4 / 309، كتاب الحج، الحديث 3.
3 . لاحظ مقدّمة كتاب «مسند أبي بصير» بقلم المؤلّف.

صفحه 280
1. أنّ قوله: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف» بيان لأحد الطرفين: الطول والعرض.
وقوله: «في مثله» بيان للطرف الآخر.
وقوله: «ثلاثة أشبار ونصف في عمقه» بيان لمقدار العمق وهو خبر ثان لـ «كان».
وهذا هو الذي يظهر من شيخنا بهاء الدين العاملي حيث قال: الضمير في قوله «مثله» يعود إلى ما دلّ عليه قوله: «ثلاثة أشبار ونصفاً» أي في مثل ذلك المقدار لا مثل الماء، إذ لا محصّل له .(1)
ثم إنّ لعلمائنا الأبرار كلمات أُخرى في توجيه الرواية، أكثرها يرجع إلى بيان الأبعاد الثلاثة، وأخيرها يرجع إلى أنّ مورد الرواية هو المستدير الغني عن الأبعاد الثلاثة وإليك تلك الوجوه:
الأوّل: أنّ سوق الكلام يدلّ على البعد الآخر والاكتفاء في المحاورات ببيان البعض استغناءً به عن الآخر، أمر ذائع، قال الشاعر:
كانت حنيفة أثلاثاً فُثلثهم *** من العبيد وثلث من مواليها
حيث فُهم الثلث الآخر وهو من لم يكن عبيداً ولا موالياً من سياق الكلام، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «أُحب من دنياكم ثلاثاً: الطيب والنساء» ولم يذكر القسم الثالث الذي هو الصلاة في هذا الباب.(2)
الثاني: قوله «إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف» بيان لأحد البعدين من العرض أو الطول .

1 . الحبل المتين: 1 / 471، الطبعة المحقّقة.   2 . مجمع البحرين: مادة «كرّ».

صفحه 281
قوله: «في مثله ثلاثة أشبار ونصف» البعد الآخر. لأنّ : «ثلاثة أشبار ونصف» بدل من «مثله» .
قوله: «في عمقه في الأرض» بيان للعمق.
يلاحظ عليه: أنّ قوله: «في عمقه في الأرض» عندئذ، يصير كلاماً منقطعاً لا يصلح أن يكون مبيّناً لمقدار العمق، إلاّ أن تقدّر لفظة «كذلك» بأن يقال: «في عمقه في الأرض كذلك» وهي ليست موجودة.
الثالث: أن يكون قوله: «ثلاثة أشبار ونصف» بياناً لأحد جانبي الطول والعرض، وترك ذكر الجانب الآخر للاكتفاء بذكر أحد البعدين الشائع في الكلام ويكون قوله: «في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه» راجعاً إلى بعد العمق.(1)
الرابع: يكون قوله: «ثلاثة أشبار ونصف» ناظراً إلى قطر المستدير، وقوله: «في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه» ناظراً إلى العمق، فيضرب نصف القطر في نصف المحيط والنتيجة في العمق ويكون الحاصل 33 شبراً وخمسة أثمان الشبر ونصف ثمن شبر.(2)
صورته هكذا:
المحيط = القطر × 71 3 = 21 3 × 71 3 = 11
مساحة الدائرة = نصف القطر × نصف المحيط = 43 1 × 21 5 = 85 9
الحجم = المساحة × العمق = 85 9 × 21 3 = 1611 33 = 33 + 85 + 161
وردّ عليه في الجواهر بوجهين:

1 . لاحظ مرآة العقول: 13 / 13 .
2 . المصدر السابق.

صفحه 282
1. أنّ الحمل على المدوّر حمل على مالا يعرفه إلاّ الخواص.
2. المكسّر ليس كما ذكره، إذ لو ضرب نصف القطر ـ وهو واحد وثلاثة أرباع ـ في نصف الدائرة ـ وهو خمسة وربع ـ ثم يضرب الحاصل من ذلك في ثلاثة ونصف العمق، يبلغ حينئذ ما ذكره تقريباً لا تحقيقاً، إذ التحقيق أنّها تبلغ 32 وثمناً وربع ثمن.(1)
وأجاب عن الأوّل في «المستمسك»: بأنّ المراد ذكر علامة على الكُرّ وهي أن يكون قطره، ثلاثة ونصف وعمقه كذلك، وهذا ما يعرفه أغلب الأشخاص، ولو كان المراد تحصيل الحجم فهو يتوقّف على العلم بالرياضيات.(2)
يلاحظ على الإشكال والجواب: بأنّ المخاطب في هذه الروايات لا يمكن أن يكون إنساناً أُميّاً لا يعرف من الرياضيات شيئاً، لأنّ المطلوب في الجميع هو مكسّره لا خصوص ما ورد فيها من الأبعاد، فلو كان مكسر الأبعاد، هو ثلاثاً وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر فهو، وإن اختلفت الأبعاد زيادة ونقصاً. نعم لو كان هناك تعبّد بما ورد في الرواية من الأبعاد، كان لما ذكر في المستمسك وجه، لكنّه مقطوع العدم إذ الميزان هو كثرة الماء ووفرته بحيث تعصمه من الانفعال بالنجس، وعلى هذا فالمخاطب يجب أن يكون على استعداد لتحصل المساحة بالأبعاد الواردة في الرواية وغيرها.
نعم حمل الرواية على المستدير بعيد، لندرة وجود الغدران والحياض على هذا الشكل، ولا يخفى أنّ ما ذكرناه من الوجه الأوّل هو أوضح الوجوه،

1 . جواهر الكلام: 1 / 175 .
2 . المستمسك: 1 / 153 .

صفحه 283
وغيره لا يخلو عن تكلّف.
وعن الثاني: أنّ صاحب الجواهر لمّا ضرب القطر في الثلاثة صارت النتيجة ما ذكره، غير أنّ المجلسي ضرب القطر في الثلاثة مضافاً إلى سُبع القطر فصارت النتيجة ما ذكره.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ السند لا بأس به والدلالة أيضاً تامّة، فيؤخذ بها لو لم يكن في المقام دليل أقوى وأوضح، كما سيوافيك.(1)

الثانية: رواية الحسن بن صالح الثوريّ

قد ذكرنا أنّه استدلّ على القول المشهور بروايتين: إحداهما ما مرّ من حديث أبي بصير، والثانية ما رواه الكليني بالسند التالي:
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الحسن بن صالح الثوريّ، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال :
«إذا كان الماء في الركيّ كرّاً لم ينجسّه شيء»، قلت: وكم الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار ونصف طولها، في ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها».(2)

1 . وأمّا دلالة الرواية على أنّ الكرّ ما يبلغ مكسّره ثلاث وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر، فصورته الرياضية هي بالنحو التالي:
5,3 × 5,3 = 25, 12
25,12 × 5,3 = 875,42
000, 43 ـ 875,42 = 125,.. وهذا هو ثمن الشبر المذكور في كلمات الفقهاء.
2 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8 . ولاحظ الباب 10، الحديث 5 ترى وجود الاختلاف فيها في المتن.

صفحه 284

دراسة السند

1. محمد بن يحيى، شيخ الكليني: ثقة.
2. أحمد بن محمد، وقد مرّ انّه ابن عيسى .
3. ابن محبوب، أعني الحسن المولود عام 150 هـ والمتوفّى عام 224 هـ من أصحاب الإجماع.
4. الحسن بن صالح الثوري. قال الشيخ: زيديّ إليه تنسب الصالحية منهم.
وقال في «التهذيب»: زيديّ بتريّ متروك العمل بما يختصّ بروايته.(1)
وقال ابن النديم في الفهرست: ولد سنة 168 هـ ، وكان من كبار الشيعة الزيدية وعظمائهم، وكان فقيهاً متكلّماً وله من الكتب كتاب التوحيد (2).
والرواية صالحة للاحتجاج، لرواية ابن محبوب عن الحسن بن صالح، وما في «التهذيب» من كونه متروك العمل ناظر إلى ما انفرد من الرواية وليس المورد منه. إنّما الكلام في المتن .

دراسة المتن

لو صحّ كون الرواية متضمّنةً للأبعاد الثلاثة، كان دليلاً على المشهور، ولكن لم يصحّ كونها ثلاثية الأبعاد.
أمّا أوّلاً: فإنّ الوارد في «الكافي» كما في «مرآة العقول» هو الثنائي لا الثلاثي، وإليك نصّها: قلت: كم الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها». وليس من البعد الثالث أثر فيها، ثم قال: نعم رواه الشيخ

1 . التهذيب: 1 / 408، باب المياه وأحكامها، الحديث 1 .
2 . الفهرست: الفن الثاني من المقالة الخامسة: 267 .

صفحه 285
في «الاستبصار» هكذا: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة أشبار ونصف طولها، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها»،(1) لكنّ رواه في «التهذيب» كما في المتن، ليس فيه ذكر الطول.(2)
وثانياً: فإنّ صاحب الوسائل (في الطبعة المحقّقة بقلم الشيخ الرباني) مع أنّه نقل في الباب التاسع برقم 8 ما مر ولكّنه نقله في الباب العاشر برقم 5 هكذا: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها، في ثلاثة ونصف عرضها»، ولم يذكر من الطول شيئاً.(3)
والظاهر أنّه إمّا تبع نسخة الاستبصار، أو تبع نسخة مصحّحة عنده ـ كما صرّح به في آخر الجزء الثالث ـ وكأنّه في الجزء الثالث اعتذر عن غفلته وانّه تبع لتلك النسخة، وقد صحّح في الطبعات الأخيرة، وعلى أيّ حال لا يعتد بنسخة الإستبصار ولا تلك النسخة، بعد كون الكافي والتهذيب على الثنائي.
نعم حاول المجلسي أن يفسّر الحديث بنحو يطابق فتوى المشهور وقال: المراد بالعرض السعة يشمل الطول أيضاً، إذ الطول إنّما يطلق فيما إذا كان أحد الجانبين أزيد من الآخر ومع التساوي يصح إطلاق العرض عليهما .(4)
وما يقال من أنّ الطول ربما لا يكون مساوياً كما في المستمسك صحيح، لكن لو كان غير مساو لنبّه عليه، وسكوته دال على التساوي، وإطلاق العرض وارادة السّعة أمر ذائع، كقوله سبحانه: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة

1 . الاستبصار: 1 / 33 و 88 .
2 . مرآة العقول: 13 / 12 .
3 . لاحظ : الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 8 ; والباب 10، الحديث 5. دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ 1403 هـ .
4 . مرآة العقول: 13 / 12.

صفحه 286
عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)(1).

الركيّ: بئر مستدير ليس له عرض وطول

وربّما استشكل بأنّ الموضوع في رواية الحسن بن صالح الثوري هو الركيّ، ومن المعلوم أنّه بئر مستدير، ليس فيه طول وعرض، وإنّما فيه قطر ومحيط، ولذلك ذهب العلاّمة المجلسي في تفسير رواية الحسن الثوري إلى أنّ المراد بالعرض القطر بقرينة كون السؤال عن البئر وهو مستدير غالباً فيبلغ مكسّره ثلاثة وثلاثين شبراً وخمسة أثمان شبر ونصف ثمن.(2)
والظاهر أنّ الاشكال غير وارد ولا حاجة في دفعه لحمل العرض على القطر ; لأنّ الركيّ ليس مساوياً للبئر المستدير، بل ربّما يكون غير مستدير، خصوصاً إذا كان الماء قريباً من الأرض، جاء في «مجمع البحرين»: الركيّ أيضاً الحوض الكبير والركيّة ـ بالفتح وتشديد الياء ـ : البئر، ومنه الحديث: «إذا كان الماء في الركيّ قدر كرّ لم ينجّسه شيء». والذي يدلّ على ذلك أنّ البئر بما له من مادّة لا يحكم فيه بالنجاسة وإن قلّ، فالذي يحتاج إلى كونه كرّاً هو الحوض المبني حول البئر حيث يستخرج الماء من البئر ويجمع فيه، وهو لا يكون مستديراً غالباً.
إلى هنا تمّ الاستدلال على القول الأوّل ـ أعني: كونه اثنين وأربعين شبراً وسبعة أثمان شبر ـ وقد عرفت أنّ الروايتين: رواية أبي بصير والحسن الثوري لا بأس بالاحتجاج بهما، فإنّ السند معتبر والدلالة لا بأس بها بشرط أن لا يكون هناك دليل مثله أو أقوى .
***

1 . آل عمران: 133 .   2 . مرآة العقول: 13 / 12 .

صفحه 287

دليل القول الثاني:

قد عرفت أنّ ابن بابويه وجماعة القميّين وغيرهم ـ كما مرّت الإشارة إليهم ـ ذهبوا إلى أنّه عبارة عن ثلاثة أشبار طولاً في عرض في عمق ولم يعتبروا النصف، وعلى هذا فيكون الكرّ عبارة عمّا يكون مكسّره سبعة وعشرين شبراً. وقد عرفت من اختاره من المتأخّرين.
واستدلّ عليه بما رواه الكليني بالسند التالي:
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقيّ، عن ابن سنان، عن إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ فقال: «كرّ». قلت: وما الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار».(1)

دراسة السند

1. محمد بن يحيى العطار القميّ، شيخ الكليني: ثقة.
2. أحمد بن محمد بن خالد: الثقة.
3. البرقي المراد به: هو محمد بن خالد البرقي والد أحمد بن محمد ، قال الشيخ: محمد بن خالد البرقي من أصحاب موسى بن جعفر والرضا (عليهم السلام)، وعدّه البرقي من أصحاب الكاظم والرضا والجواد، والعجب أنّه لم يُعثَر بروايته عن المعصوم إلاّ بروايتين .
4. ابن سنان مردّد بين الثقة والضعيف.
5. إسماعيل بن جابر ثقة.

1 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 7 .

صفحه 288
الظاهر أنّ المراد من ابن سنان هو محمد بن سنان الضعيف لا «عبدالله بن سنان» الثقة، إذ تبعد رواية البرقي (محمد بن خالد) عن عبدالله بن سنان. ثم إنّ السيد الخوئي أصرّ على أنّ المراد بابن سنان هو عبدالله بن سنان، لكنّه غفل عن أنّ هذا الإصرار يورث الضعف في الرواية بما عرفت من وجود الاختلاف في الطبقة بين البرقيّ وعبدالله بن سنان .

السند الثاني

روى الشيخ :
1. عن محمد بن محمد بن النعمان: شيخه المفيد.
2. عن أحمد بن محمد بن الحسن (بن الوليد): ثقة جليل.
3. عن أبيه (محمد بن الحسن بن الوليد): الثقة، شيخ الصدوق.
4. عن محمد بن يحيى، شيخ الكليني: ثقة.
5. عن محمد بن أحمد بن يحيى: صاحب نوادر الحكمة.
6. عن أحمد بن محمد (بن خالد): ثقة.
7. عن البرقيّ (محمد بن خالد): ثقة.
8 . عن عبدالله بن سنان: ثقة.
9. عن إسماعيل بن جابر: ثقة.
والفرق بين هذا السند وما قبله هو ورود ابن سنان في السند السابق مجرّداً عن اسمه، وهنا تصريح باسمه.
ويرد عليه نفس ما أوردناه على السند السابق من أنّ نقل البرقيّ (محمد

صفحه 289
بن خالد) عن عبدالله بن سنان الذي أدرك الإمام الباقر (عليه السلام)وأكثر الروايات عن الصادق (عليه السلام)وقلّت روايته عن أبي الحسن الكاظم(عليهما السلام)، بعيد جدّاً.
قال الكشّي: كان من ثقات رجال أبي عبدالله (عليه السلام). قال النجاشي: روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وقيل: روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)ولم تثبت .
أقول: روى قليلاً عنه(1).
وقال السيد الخوئي: أدرك الإمام الباقر .(2)

السند الثالث

نفس السند السابق باختلاف كالتالي قال:
عن سعد بن عبدالله عن محمد بن خالد (مكان البرقي في السند السابق).
عن محمد بن سنان: ضعيف جداً.
عن إسماعيل بن جابر: ثقة.
وهذا هو السند الصحيح، وقد عرفت اشتماله على الضعيف (محمد بن سنان).
قال النجاشي: هو رجل ضعيف جدّاً لا يعوّل عليه ولا يلتفت إلى ما تفرّد به، مات سنة 220 هـ .
وبهذا يظهر أنّ السند الصحيح هو الثالث دون الثاني، ويحتمل انطباق السند الأوّل على الثالث في غير أوّل السند.

1 . لاحظ : الكافي: 5، باب حدّ الرضاع الذي يحرّم، الحديث 5 .
2 . معجم رجال الحديث: 17 / 224، 227 .

صفحه 290
نعم رواه الشيخ في التهذيب عن عبدالله بن سنان مكان محمد بن سنان(1).
وأمّا وجه الاستدلال فبان يقال: إنّ المراد بأحد البعدين العمق، وبالآخر كلّ من الطول والعرض، وذلك لأنّ الناس في بيان حجم المربع يستغنون بذكر أحد البعدين عن الآخر; ويؤيّد ذلك ما رواه الصدوق في المجالس قال: روى أن الكرّ هو ما يكون ثلاثة أشبار طولاً في ثلاثة أشبار عرضاً في ثلاثة أشبار عمقاً(2).
ولكنّ الرواية غير صالحة للاحتجاج وقد عرفت أنّ محمد بن سنان ضعيف، مضافاً إلى وجود المعارض لها. مضافاً إلى أنّها معارضة لروايته الأُخرى التي تدلّ على أنّ الكرّ عبارة عمّا بلغ مكسّرهُ إلى ستة وثلاثين شبراً. كما سيوافيك.
وقد تقدّم أنّ المحقّق الخوئي ذهب إلى أنّ مقدار الكرّ بالأشبار عبارة عن سبعة وعشرين شبراً واستدلّ بروايتين إحداهما هذه الرواية، وحاصل ما أفاده:
والوجه في صراحتها أنّها وإن لم تشتمل على ذكر شيء من الطول والعرض والعمق، إلاّ أنّ السائل كغيره يعلم أنّ الماء من الأجسام، وكلّ جسم مكعّب يشتمل على أبعاد ثلاثة لا محالة ولا معنى لكونه ذا بعدين من غير أن يشتمل على البعد الثالث، فإذا قيل ثلاثة في ثلاثة مع عدم ذكر البعد الثالث، عُلم أنّه أيضاً ثلاثة كما يظهر هذا بمراجعة أمثال هذه الاستعمالات عند العرف فإنّهم يكتفون بذكر مقدار بعدين من أبعاد الجسم إذا كانت أبعاده الثلاثة متساوية، فتراهم يقولون: خمسة في خمسة أو أربعة في أربعة إذا كان ثالثها أيضاً بهذا

1 . التهذيب: 1 / 37، رقم 101، والظاهر أنّه سهو من قلمه الشريف.
2 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

صفحه 291
المقدار. وعليه إذا ضربنا الثلاثة في الثلاثة فتبلغ تسعة فإذا ضربناها في ثلاثة فتبلغ سبعة وعشرين شبراً.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لو تمّت الدلالة فالسند غير تام فلا يحتج بالرواية، لما عرفت من وجود محمد بن سنان في السند .
ثم إنّ السيد الخوئي استدلّ على مختاره، برواية أُخرى لإسماعيل بن جابر التي نذكرها دليلاً على القول الثالث، أعني ما إذا بلغ مكسّرهُ ستة وثلاثين شبراً، وقد وجّه الرواية على نحو يكون مقدار الكرّ، سبعة وعشرين شبراً وبذلك رفع التعارض بين خبري إسماعيل بن جابر.
***

دليل القول الثالث أعني: ما مكسّره 36 شبراً

قد عرفت أنّ صاحب المدارك وجماعة ذهبوا إلى أنّ الكرّ عبارة عمّا إذا بلغ مكسّره ستة وثلاثين شبراً، ويدلّ عليه صحيحة إسماعيل بن جابر:
روى الشيخ باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن إسماعيل بن جابر، قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الماء الذي لا ينجّسه شيء؟ قال: «ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته (وسعه خ ل)(2).

دراسة السند

1. محمّد بن أحمد بن يحيى: ثقة صاحب نوادر الحكمة، وطريق الشيخ في التهذيب إليه صحيح.

1 . التنقيح: 1 / 202 .
2 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1 .

صفحه 292
2. أيوب بن نوح: ثقة.
3. صفوان بن يحيى: ثقة.
4. إسماعيل بن جابر: ثقة.
وأمّا دلالته فلا غبار عليها، حيث إنّه فرض أنّ عمقه ذراعان، وكلّ ذراع قدمان (1)، والقدم شبر وعليه فكلّ ذراع شبران، فيكون عمقه أربعة أشبار، كما فرضت سعته أو وسعه الذي كُنّي بها عن الطول والعرض، ثلاثة أشبار، فيكون المكسّر كالتالي:
3 × 3 = 9          9 × 4 = 36
وقد استدلّ بها صاحب المدارك وغيره على كون الكرّ ستة وثلاثين شبراً.
وعلى هذا فقد روي عن إسماعيل بن جابر، حديثان مختلفان: أحدهما ما مرّ في الاستدلال على القول الثاني من كفاية مكسّره 27 شبراً، والآخر ما ورد في المقام وقد استدلّ به على لزوم كون مكسّره 36 شبراً .
ثم إنّ السيد الخوئي استدلّ بها على كون الكرّ سبعة وعشرين شبراً بحمل المورد على المستدير وقال ما هذا نصه:
إنّ ظاهر قوله: «ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته» هو أنّ مفروض كلامه (عليه السلام)هو المدوّر، حيث فرض أنّ سعته ذراع وشبر مطلقاً أي من جميع الجوانب والأطراف. وكون السعة بمقدار معين من جميع النواحي والأطراف لا يتصوّر إلاّ في الدائرة لأنّها هي التي تكون نسبة أحد أطرافها إلى الآخر بمقدار معيّن مطلقاً لا تزيد عنه ولا تنقص.

1 . الوسائل: 3، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 2 و 3 .

صفحه 293
وهذا بخلاف سائر الأشكال من المربع والمستطيل وغيرهما حتى في متساوي الأضلاع، فإنّ نسبة أحد أطرافها إلى الآخر لا تكون بمقدار معيّن في جميعها، إذ البعد المفروض بين زاويتين من المربع وأمثاله، أزيد من البعد الكائن بين نفس الضلعين من أضلاعه، وعلى الجملة إنّ ما تكون نسبة أحد جوانبه إلى الآخر بمقدار معيّن في جميع أطرافه ليس إلاّ الدائرة .(1)
فإذا عرفت هذه الأُمور وعرفت أنّ مفروض كلامه (عليه السلام)هو المدوّر، وقد فرضنا أنّ عمقه أربعة أشبار وسعته ثلاثة أشبار، فلابدّ في تحصيل مساحته من مراجعة ما هو الطريق المتعارف عند أوساط الناس في كشف مساحة الدائرة.
وقد جرت طريقتهم خلفاً عن سلف ـ كما في البنائين وغيرهم ـ على تحصيل مساحة الدائرة بضرب نصف القطر في نصف المحيط، وقطر الدائرة في المقام ثلاثة أشبار فنصفه واحد ونصف، وأمّا المحيط فقد ذكروا أنّ نسبة قطر الدائرة إلى محيطها ممّا لم يظهر على وجه دقيق. ونسب إلى بعض الدراويش أنّه قال: يا من لا يعلم نسبة القطر إلى المحيط إلاّ هو. إلاّ أنّهم على وجه التقريب والتسامح ذكروا أنّ نسبة القطر إلى المحيط نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين. ثم إنّهم لمّا رأوا صعوبة فهم هذا البيان على أوساط الناس فعبّروا عنه ببيان آخر، وقالوا إنّ المحيط ثلاثة أضعاف القطر. وهذا وإن كان ينقص عن نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين بقليل إلاّ أنّ المساحة بهذا المقدار لابدّ منها كما نشير إليه عن قريب.
فعلى هذه القاعدة يبلغ محيط الدائرة في المقام تسعة أشبار، لأن قطرها ثلاثة أشبار، ونصف المحيط أربعة أشبار ونصف، ونصف القطر شبر ونصف،

1 . التنقيح: 1 / 200 .

صفحه 294
فيضرب أحدهما في الآخر فيكون الحاصل سبعة أشبار إلاّ ربع شبر، وإذا ضرب الحاصل من ذلك في العمق وهو أربعة أشبار يبلغ الحاصل سبعة وعشرين شبراً بلا زيادة ولا نقصان إلاّ في مقدار يسير كما عرفت.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الاستظهار من الرواية بأنّ سعته ذراع وشبر من جميع الأطراف والجوانب، أمر مغفول عنه للعرف، فإنّ المتبادر من هذه التعابير هو كون السعة أي المساحة حسب اصطلاح المهندسين ذراع وشبر وهذا يكفي أن يكون مربعاً متساوي الأضلاع، ولا يتوقّف على كونه مدوّراً.
وبالجملة قوله: ما تكون نسبة أحد جوانبه إلى الآخر بمقدار معيّن في جميع جوانبه، أمر فُرض على الرواية، وإنّما الظاهر وجود التساوي في الطول والعرض، ولو في نفس الضلعين.
ثم إنّه أيّد كلامه بأنّه (قدس سره)وزن ماء الكُرّ ثلاثة مرات، حيث قال: إنّا وزنا الكرّ ثلاث مرّات ووجدناه موافقاً لسبعة وعشرين، وهذا يخالف ما ذكره شيخ الشريعة «حيث قال: إنّ العلماء قدس الله أرواحهم قد وزنوا ألفاً ومائتي رطل من الماء بأوزان عديدة بمياه مختلفة ثقيلاً وخفيفاً في أمصار متعدّدة وفي أمكنة متكثّرة ووجدوها بمعيار ست وثلاثين شبراً من دون زيادة ونقيصة .(2)
ولعلّ الاختلاف يرجع إلى كبر الأشبار وصغرها .
بقي الكلام في دراسة بقية الأقوال.
   

1 . التنقيح في شرح العروة الوثقى: 1 / 201 .
2 . نخبة الأزهار: 197 .

صفحه 295

دراسة بقية الأقوال

1. ما روى عن ابن الجنيد: ما بلغ مكسّره مائة شبر، قال في «المدارك»: ولم نقف على مأخذه.(1)
ويمكن الاستدلال عليه: بما رواه الصدوق في المقنع (2) مرسلاً من قوله (عليه السلام): «إنّ الكرّ ذراعان وشبر في ذراعين وشبر»، بناء على أنّ المراد بيان الأبعاد الثلاثة، فبما أنّ الذراعين أربعة أشبار وهي مع شبر يكون خمسة أشبار، فيكون كلّ من الأبعاد خمسة فيحصل من ضرب الطول في العرض والحاصل في العمق 125 شبراً وصورته كالتالي:
5 × 5 = 25. 25 × 5 = 125 وهو غير ما عليه ابن الجنيد. نعم لو حملت الرواية على المستدير يكون مكَسره ثماني وتسعين شبراً وثمن شبر.(3)
2. عن القطب الراوندي: بلوغ مجموع أبعاده الثلاثة، عشرة أشبار ونصف، ومستنده هو رواية أبي بصير بحمل «في» بمعنى «مع» قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف، في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه من الأرض (4) أي مع عمقه، وقد حمل الرواية إلى الجمع بين ثلاثة أشبار ونصف فيكون الحاصل: عشرة أشبار ونصف .

1 . المدارك: 1 / 52 .
2 . المقنع: 10; وسائل الشيعة: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.
3 . وصورته هكذا :
محيط الدائرة = القطر × 14 ,3       5 × 14 ,3 = 7, 15
مساحة الدائرة = نصف المحيط × نصف القطر       85,7 × 5,2 = 625 ,19
الحجم = مساحة الدائرة × العمق        625 ,19 × 5 = 125 ,98
4 . الوسائل: 1، الباب 10 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6 .

صفحه 296
ويرد عليه: أنّ هذا القول متروك، وخلاف المتبادر من رواية أبي بصير.
ثم ان ما ذكره من كون مجموع أبعاده، عشرة أشبار ونصف، قد تكون مساحته مساوية لمساحة الكرّ على القول المشهور كما إذا كان كلّ بعد، ثلاثة أشبار ونصفاً.
في تقدير الكُرّ بالوزن   
وقد تكون ناقصة عنها كما لو فرض طوله ثلاثة أشبار وعرضه ثلاثة وعمقه أربعة ونصف، فمجموع الأبعاد وإن كان عشرة أشبار ونصف لكن مساحته يكون أربعون شبراً ونصف كالتالي:
3 × 3 = 9       9 × 5 ,4 = 5 ,40
وقد تكون بعيدة جداً عن المشهور كما لو فرض طوله ستة وعرضه أربعة وعمقه نصف شبر فالمجموع عشرة أشبار ونصف لكن المساحة اثنا عشر شبراً كالتالي:
6 × 4 = 24        24 × 5,0 = 12
إلى هنا تمّت دراسة الروايات الدالّة على مساحة الكرّ بالأشبار، وأنّ ما يمكن الاستناد إليه هو ما جاء في روايتي أبي بصير والحسن الثوري التي جاء فيهما أنّ الكرّ ثلاث وأربعون شبراً إلاّ ثمن شبر، وقد عرفت تمامية السند والدلالة، وفي مقابل ذلك رواية إسماعيل بن جابر الّتي دلّت على أنّ مساحته ستة وثلاثون شبراً، فالروايات متعارضة، ولا ترجيح بين الروايات لو لم نقل أنّ الأحوط هو الأخذ بالقول الأوّل. ولذا اخترنا القول المشهور أخذاً بالاحتياط.

تقدير الكرّ بالوزن

قد عرفت اختلاف الأخبار في تقدير الكرّ بالحجم ـ أو المساحة حسب

صفحه 297
اصطلاح الفقهاء ـ وأنّ القول الواضح هو خيرة صاحب المدارك أعني: ما بلغ مُكسّره ستة وثلاثين شبراً.
وأمّا تقديره بالوزن فندرس ما ورد حوله سنداً ومتناً .
رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا
روى الكليني عن:
1. أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الكرّ من الماء ألف ومائتا رطل».(1)

دراسة السند

1. أحمد بن إدريس المكنّى بأبي عليّ الأشعري القمّي: ثقة، مات سنة 306 هـ .
2. محمّد بن أحمد بن يحيى، مؤلف نوادر الحكمة: ثقة.
3. يعقوب بن يزيد بن حمّاد: ثقة صدوق من أصحاب الرضا والهادي (عليهما السلام).
4. ابن أبي عمير محمّد بن زياد: ثقة توفّي سنة 217 هـ .
5. بعض أصحابنا: الرواية مرسلة.
فلو قلنا بأنّ مراسيل ابن أبي عمير في حكم المسانيد وأنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة، فالرواية صحيحة وربما تُردّ كلّية القاعدة بأنّه ربما يروي عن غير الثقة أيضاً،

1 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1 .

صفحه 298
وقد ذكر السيد الخوئي بعض المواضع التي روى فيها ابن أبي عمير عن غير الثقة، ومعه كيف يمكن أن يقال: لا يروي إلاّ عن ثقة، فلا يرسل إلاّ عنه، وقد أجبنا عن هذه الموارد في كتابنا «كليات في علم الرجال».(1)
وأمّا ما هو المراد من الرطل فهل أُريد العراقي أو المدني أو المكي؟ فسيوافيك بيانه.
ورواه الشيخ باسناده إلى محمد بن أحمد بن يحيى الخ إلاّ أنّه قال: «الكرّ من الماء الذي لا ينجّسه شيء».
ورواها الصدوق في «المقنع» مرسلاً، قال المحقّق في «المعتبر»: وعلى هذه عمل الأصحاب، ولا أعرف منهم رادّاً لها .(2)

2. رواية أُخرى لابن أبي عمير

روى الشيخ في «التهذيب» باسناده عن ابن أبي عمير قال: رُوي لي عن عبدالله بن المغيرة يرفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام): «إنّ الكر ستمائة رطل ».(3)
والرواية مرسلة من جانب ومرفوعة من جانب آخر، حكمها حكم الرواية الأُولى، والعجب ان ابن أبي عمير ينقل كلا الوزنين، ولعله أصدق شاهد على إرجاعهما إلى أمر واحد.

1 . كليات في علم الرجال: 235 ـ 250 .
2 . لاحظ الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق في ذيل الحديث 1.
3 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

صفحه 299

3. صحيحة محمّد بن مسلم

روى الشيخ باسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن العباس ـ يعني ابن معروف ـ عن عبدالله بن المغيرة، عن أبي أيوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في حديث قال: «والكرّ ستمائة رطل»(1).

دراسة السند

سند الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب صحيح في التهذيبين.
1. محمد بن علي بن محبوب، فقد قال عنه النجاشي: شيخ القميين في زمانه، ثقة، عين، فقيه صحيح المذهب.
2. العباس بن معروف: أبو الفضل: قمي، ثقة، له كتاب الآداب من أصحاب الرضا (عليه السلام).
3. عبدالله بن المغيرة: قال النجاشي: أبو محمد البجلي: كوفي ثقة ثقة.
4. أبو أيوب الخزاز إبراهيم بن عثمان، أو إبراهيم بن عيسى، قال النجاشي: روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن(عليهما السلام): ثقة كبير المنزلة.
5. محمّد بن مسلم الثقفي: ثقة فوق الثقة، مات سنة 150 هـ .
فالسند صحيح لا غبار عليه. إنّما الكلام في تبيين ما هو المراد من الرطل .

دراسة المتن

يظهر من غير واحدة من الروايات أنّ الرطل يطلق تارة ويراد به الرطل

1 . الوسائل: 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.

صفحه 300
العراقي أو البغدادي، وأُخرى الرطل المدني، وثالثة الرطل المكّي. والفرق بين الأوّلين أنّ الرطل المدني يزيد على العراقي بثلث.
ويدل على ذلك ما رواه الكليني عن جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام)على يدي أبي: جعلت فداك أنّ أصحابنا اختلفوا في الصاع بعضهم يقول الفطرة بصاع المدني، وبعضهم يقول بصاع العراقي. قال فكتب إليّ: «الصاع بستة أرطال بالمدني وتسعة أرطال بالعراقي»، قال: وأخبرني انّه يكون بالوزن ألف ومائة وسبعين وزنة .(1)
يقول العلاّمة المجلسي: اعلم أنّ الرطل يطلق بالاشتراك على المكّي والمدني والعراقي، ; والعراقي نصف المكي وثلثا المدني .(2)
إذا علمت هذا فلنرجع إلى تبيين حديث ابن مسلم الذي اتّفقوا على صحّته .
أقول: إنّ شيخ الشريعة ذهب إلى أنّ المراد من الصحيحة هو الأرطال المدنية قال بأنّ المتكلّم يخاطب بلسان نفسه لا بلسان مخاطبه، وبما أنّ الإمام مدني، فتحمل الستمائة على الرطل المدني الذي يعادل تسعمائة عراقي وهو يعادل سبعة وعشرين شبراً (3) .
يلاحظ عليه: بأنّه لا يمكن حمل الصحيحة «ستمائة» على الرطل المدني، لأنّ صحيحة علي بن جعفر تدلّ على عدم عاصمية ألف رطل مدني والسائل والمجيب مدنيّان. وإليك نصها.

1 . الوسائل: 9، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1. يريد بالوزنة «الدرهم».
2 . مرآة العقول: 13 / 15 .
3 . نخبة الأزهار: رسالة في الكرّ: 204 ـ 205 .

صفحه 301
روى علي بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام)قال: سألته عن جرّة ماء فيها ألف رطل وقع فيه أُوقية بول هل يصلح شربه أو الوضوء منه؟ قال: «لا يصلح».(1) وحملها على الكراهة بلا دليل .
نعم أورد عليه شيخ الشريعة وقال بأنّ نجاسة ذلك المقدار من الماء يسبب التغيّر لوقوع أُوقية بول، ومن المعلوم أنّ هذا المقدار يغير أحد أوصاف الماء، فعدم صحّة الوضوء لأجل هذا لا لقلته عن الكرّ.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ الرطل المدني عبارة عن مائة وخمسة وتسعون درهماً، كما في رواية إبراهيم بن محمد الهمداني،(3) والأُوقيّة عبارة عن أربعين درهماً فتكون نسبة الأوقية إلى الرطل قريباً من الخُمس، ومن المعلوم أنّ خمس رطل من الدم أو البول لا يغيّر لون الماء ولا طعمه، إذا كان ألف رطل، وهذا دليل على أنّ المراد من ستمائة غير الرطل المدني .
وممّا ذكرنا يظهر عدم صحّة حمله على الرطل العراقي بطريق أولى، لأنّه إذا كان ألف رطل مدني من الماء غير عاصم من النجاسة، فالعراقي أولى بأن يكون كذلك.
إذا علمت هذا فاعلم أنّه يتحقّق بذلك الجمع بين الروايتين فيحمل ما دلّ على ألف ومائتي رطل على العراقي والصحيحة على الرطل المكّي الذي هو ضعف العراقي. وهذا النوع من الجمع لا يتوقّف على بعض الأُمور التي ذكرها الأصحاب.

1 . الوسائل: 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 16 .
2 . نخبة الأزهار: تقرير بحوث شيخ الشريعة بقلم الوالد: 199 .
3 . الوسائل: 7، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4 .

صفحه 302
مثلاً ربما يقال في إثبات أنّ الرطل في رواية ابن عمير عراقي بأنّ ابن أبي عمير أو المرسَل عنه كانا عراقيين والإمام تكلّم بلغة السائل، وذلك لأنّه رجم بالغيب، إذ لم يعلم أنّ المرسل عنه كان عراقياً ولعلّه كان مدنياً أو مكياً.
ونظيره ما يقال: إنّ صحيحة ابن مسلم تحمل على الرطل المكّي، لأنّ محمّد بن مسلم ثقفي مكّي، والإمام تكلّم بلسان السائل، وهو ضعيف بوجهين:
أوّلاً: أنّه لم يثبت أنّ محمّد بن مسلم كان يقطن مكّة، فهو وإن كان مكّياً ولادة أو عشيرة، ولكّنه يسكن العراق فهو وزرارة وأمثالهما كلّهم كوفيون عراقيون.
وثانياً: أنّ المتكلّم إنّما يتكلّم بلسان قومه لا بلسان سائله إلاّ إذا دلّت القرينة على ذلك، بل وجه الجمع هو ما ذكرنا وهو أنّه إذا ارتفع احتمال كون الرطل مدنياً يتردّد الأمر بين العراقي والمكي وبما أنّ العراقي ضعف المكي وقد ورد حكم الوزنين في الرواية فيحمل أحدهما على المكّي والآخر على العراقي. ولا يعدّ مثل المورد من المتعارضين.
يقول صاحب الوسائل: المراد بالحديث الأوّل الرطل العراقي لأنّه يقارب اعتبار الأشبار، لأنّهم أفتوا السائل على عادة بلده، ولذلك اعتبر في الصاع رطل العراقي; ولأنّه يوافق حديث الستمائة، فإنّ المراد به الرطل المكّي وهو رطلان بالعراقي، ولا يجوز أن يراد بستمائة الرطل العراقي ولا المدني لأنّه متروك بالإجماع ويأتي في أحاديث الماء المضاف ما يدلّ على إطلاقهم الرطل على العراقي.(1)
فإن قلت: أثبت البحث الماضي أنّ الرطل في صحيحة محمد بن مسلم

1 . الوسائل: 1، ص 124 .

صفحه 303
مكّي لا مدني، ولكن يبقى هنا إشكال وهو وجود التعارض بين تلك الصحيحة وما رواه ابن أبي عمير من كون الكر ألفاً ومائتي رطل، فإنّ حمله على العراقي لغاية الجمع بينهما جمع تبرعي، بل هما من قبيل المتعارضين، إذ يبقى في رواية ابن أبي عمير احتمالان :
1. أن يكون المراد من ألف ومائتي رطل الرطل المدني الذي يكون مكسّره ألفاً وثمانمائة رطل عراقي.
2. أن يكون المراد الرطل المكِّي فيكون مكسّره ألفين وأربعمائة بالعراقي، فيقع التعارض عندئذ بين صحيحة محمد بن مسلم التي حملت على ألف ومائتي رطل عراقي وبين المرسلة التي يتردّد مفهوم الرطل فيها بين المدني فيكون مكسّره ألف وثمانمائة وبين المكِّي الذي يكون مكسّره ألفين وأربعمائة.
قلت: أحد الاحتمالين منتف قطعاً وهو حمل المرسلة على الرطل المكّي لا لأجل أنّ المُرسِل عراقي، ولا لأنّ المرسل عنه مثله، إذ المرسِل وإن كان عراقياً ولكن لا نعلم أنّ المرسل عنه كذلك، بل لأجل أنّ رواة الشيعة المتواجدين في العراق الذين أخذ ابن أبي عمير عنهم الحديث، بين عراقي ومدني، فالمكِّي منهم ولادة ومسكناً، قليل نادر. حتى يحمل الحديث على لسان الراوي لسان الإمام. لأنّه أيضاً ليس مكياً حتّى يحمل لسانه.
نعم يبقى احتمال كون المراد من الرطل في المرسلة هو المدني، فيرتقي مكسر الكر إلى ألف وثمانمائة رطل عراقي، والذي يمكن الذبُ به عن الإشكال هو أنّ هذا المقدار من الرطل لم يقل به أحد من الأصحاب ولا روي عن أحد، وهذا أوضح دليل على أنّهم فهموا من الحديث الأرطال العراقية، فيتحقّق الجمع بين الصحيحة والمرسلة بنحو واضح.

صفحه 304
فإن قلت: مقتضى الأصل عند إجمال المخصّص هو الأخذ بالقدر المتيقّن; وذلك لأنّ هنا عاماً يدلّ على انفعال الماء بمجرد ملاقاة النجاسة خرج منه ما إذا كان الماء كراً فبما أنّ المخصّص منفصل لا يضر بظهور العام ولا حجّيته فيؤخذ بالقدر المتيقّن، وهو خروج ألف ومائتي رطل عراقي وبقي ما دونه تحته.(1)
قلت: ما ذكرته مبني على وجود الإجمال في المخصّص وقد مر عدم الإجمال فيه ولو بفضل الإجماع والإجماع وإن لم يرفع الإجمال عن دلالة اللفظ ولكن يرفع الإجمال في المقصود.

تنبيه

إذا كان مقدار الكرّ 1200 رطل عراقي، فما هو مقداره بالكيلوغرامات، فنقول: يمكن أن يقال: إنّ 1200 رطل عراقي يساوي 133 صاعاً وثلث الصاع، أي (33 ,133)، لأن كلّ صاع يساوي 9 أرطال عراقي .
وبما أنّ وزن كلّ صاع هو ثلاثة كيلوغرامات تقريباً، فيضرب 33 ,133 × 3 فتكون النتيجة: 99 ,399 كيلوغراماً.
   
هذا إذا كان المصدر للتقدير ما روي عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، كما مرّ.
وربّما يحاسب بشكل آخر فتكون النتيجة تارة أقل ممّا ذكر وأُخرى أكثر.
قال المجلسي (رحمه الله): الرطل العراقي عبارة عن مائة وثلاثين درهماً على المشهور فيكون واحداً وتسعين مثقالاً شرعياً وبالصيرفي ثمانية وستين مثقالاً وربع مثقال.

1 . التنقيح: 1 / 175.

صفحه 305
وصورة المسألة هي بالنحو التالي:
91 مثقال شرعي = 25 ,68 مثقالاً صيرفياً
فاذا ضربنا 25 ,68 في ألف ومائتي رطل تكون النتيجة كالتالي:
1200 × 25 ,68 = 81900
وكل مثقال صيرفي يعادل 60829 ,4 غراماً فتكون النتيجة كالتالي:
81900 × 60829 ,4 = 951 ,377418 غراماً = 419 ,377 كيلوغراماً .
ولو قلنا بأن كلّ مثقال صيرفي يعادل 6875 ,4 غراماً فتكون النتيجة كالتالي:
81900 × 6875 ,4 = 25 ,383906 غرام = 90625 ,383 كيلوغراماً
(وقد راجعنا المواقع في الانترنت فوجدناهم على قسمين في تبديل المثقال بالغرام، ولذا توصلنا إلى النتيجتين المذكورتين).

مشكلة الاختلاف بين التقديرين

ربّما يقال بعدم التطابق بين التحديد بالوزن والتحديد بالحجم (المساحة) يعني الأشبار، وهو أنّ مختار المشهور في التقدير بالمساحة كون مكسّره ثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر وهو لا ينطبق على ألف ومائتي رطل عراقي، لأنّ غير واحد من الأصحاب وزنوا ألفا ومائتي رطل عراقي فبعضهم يدّعي انطباقه على ستة وثلاثين كما عليه شيخ الشريعة في دروسه، وبعض آخر يدّعي انطباقه على سبعة وعشرين فكيف يمكن الجمع بين التقدير بالوزن والتقدير بالأشبار.
فلو قلنا: إنّ الكرّ ما يكون مكسّره ستة وثلاثين فقد ادّعي أنّ الوزن منطبق عليه .

صفحه 306
وأمّا لو قلنا بمقالة المشهور وقلنا إنّه الأحوط، فالتفاوت بين الوزن والمساحة كثير، فأين نسبة الماء الموجود في ثلاثة وأربعين شبراً إلاّ ثمن شبر، وبين الماء الموجود في سبعة وعشرين شبراً.
والذي يمكن أن يقال أحد أمرين:
1. أنّ الروايات ناظرة إلى الغدران الموجودة في الصحاري، والحياض المختلفة في البيوت ممّا لا يكون مربعاً أو مستطيلاً حتى يسهل تقديره بالأشبار دقيقاً، ولذلك احتاطوا بالتقدير الأكبر ـ أعني: ثلاثة وأربعين شبراً ـ حتى يكون طريقاً إلى التقدير الواقعي بالأشبار، أعني: ستة وثلاثين شبراً أو سبعة وعشرين.
2. أنّ الكرّ إذا بلغ ألفا ومائتي رطل عراقي لا ينفعل بورود الدم أو البول عليه، ولكن إذا غسلت فيه الأواني أو الثياب ينقص منه شيءٌ كثير، وبالتالي لا يكون عاصماً، فلذلك اتّخذوا تقديراً أكثر بالأشبار حتى لا ينتهي الأمر إلى بعض الصور التي يسبب التطهير فيها نقصان الماء عن مقدار الكرّ.
***
تمّت الرسالة بيد المؤلّف جعفر السبحاني
يوم الأحد، ثامن عشر من جمادى الأُولى
من شهور عام 1434 هـ

صفحه 307
رسالة
 
مواقيت الصلوات
في
الكتاب والسنّة

صفحه 308

صفحه 309
التقريب بين المذاهب   
    مواقيت الصلوات في الكتاب والسنّة
إنّ فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية من الأماني العزيزة الّتي يتمنّاها كلّ مسلم واع بصير، خصوصاً في الأوضاع الراهنة الّتي تحالفت فيها قوى الكفر والشرك على محاربة الإسلام والمسلمين ونهب ثرواتهم وسلب حرياتهم إلى غير ذلك من الأعمال الإجراميّة الّتي تحول مشيئتهُ سبحانه بينهم وبين تحقيق مآربهم الخبيثة، حيث وعد في كتابه إعلاء كلمته وقال: (هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(1) .
نعم، قضت مشيئتهُ سبحانه بإعلاء كلمته وغلبة دينهِ على غيره، ولكنّ قضاءه هذا ليس مطلقاً بل مشروطاً، ومن أهم شروطه صنع أجواء مناسبة له بين المسلمين، وذلك بنبذ التفرّق والتشرذم، والتمسّك بحبل الله المتين ليصبحوا أخواناً يدعم بعضهم بعضاً، كما وصفهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادّهم، وتعاطفهم كَمثَل الجسد إذا اشتكى عضواً، تداعى له سائر جسده بالسَّهَر والحُمّى »(2). وعندئذ يتحقّق ما وعده سبحانه في الذكر الحكيم.

1 . الصف: 9 .
2 . صحيح البخاري: 4 / 89 (6011)، دار الكتب العلمية، طبع عام 1419 هـ .

صفحه 310
لقد قام رجال الإصلاح وزعماء التقريب في القرن الماضي بتأسيس دار ومركز باسم «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية» ليحقّقوا عملياً فكرة التقريب بين الطوائف، ويقرّبوا الخُطى بينهم، وقد نجحوا في مسعاهم هذا نجاحاً باهراً، لولا أنّ السياسة الوقتية حالت بين الدار واستمرار حياتها .
إنّ هؤلاء المخلصين ساهموا في رسم خطوط عريضة مشتركة
بين المذاهب في مجالي العقيدة والشريعة لغاية التمسّك بها ونشرها
من على منابر الجمعة والجماعات، والصحف والمجلات، ووسائل الإعلام، حتّى يُصبح المسلمون ـ في ظل التمسّك بالمشتركات ـ إخواناً متحابّين متعاونين، وأمّا المسائل الخلافية، فَدَعَوْا إلى بحثها ومناقشتها على ضوء الكتاب والسنّة، في المؤسسات والمحافل العلمية. والخلاف والجدال مهما طال
بين العلماء المنصفين، فإنّه لا يُفسد لهم في الودّ أمراً، وهم كما يصفهم شاعر الإهرام :
وكذلك العلماء في أخلاقهم *** يتباعدون ويلتقون سراعا
وهذا هو المراد من فكرة التقريب .
التعريف بالمبرّة   
والعجب من قوم ـ وما عشت أراك الدهر عجباً ـ يتظاهرون بأنّهم من أنصار فكرة التقريب ومن رجال الإصلاح، ولكن ليس لهم غاية سوى الانتصار لمذهب، وإلغاء مذهب آخر، وتذويب طائفة في طائفة أُخرى، وهم يحسبون أنّهم يستطيعون ـ بهذه المصيدة ـ أن يقنصوا السُّذّج من الشيعة لغاية فصلهم عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، أحد الثقلين اللّذين أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالتمسّك بهما، وقال «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتابَ الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» وهو حديث متواتر رواه الفريقان.

صفحه 311
لقد أمضى هؤلاء سنوات متمادية في مواجهة المذهب الشيعي، والتصدّي له، تارة بأدلّة واهية، وحجج سقيمة، وأُخرى بغير أدلّة ولا براهين، وإنّما بمحاولات التشويه والطعن والنبز، ولمّا بان عجزهم وخسرانهم في كلا الأُسلوبين، وتجلّت لرواد الحقيقة أصالة هذا الفكر السامي وعظمته، لجأوا إلى هذه المسرحية المفضوحة، الّتي يتقمّصون فيها ثوب الإنسان الخيّر المصلح، الّذي يهمّه أمر الأُمّة الإسلامية ووحدتها وعزّتها، غافلين عن أنّ:
ثوب الرياء يشفّ عمّا تحته *** فإذا التحفْتَ به فإنّك عارِ
ويأتي ضمن أدوار هذه المسرحية، النشاط الّذي يمارسه القائمون على (مبرّة الآل والأصحاب) في دولة الكويت، إذ اتخذّوا من شعارهم الخلاّب (طرح تراث الآل والأصحاب، وإظهار العلاقة الحميمة بينهم) غطاءً لتمرير مشروعهم الطائفي المقيت، من خلال تجنيد بعض أنصاف المثقفين، للكتابة في موضوعات، لا يحسنون الكتابة فيها، ولا يمتلكون الأدوات العلمية لبحثها وتناولها، وهذا أمر طبيعي، لأنّ غرض (المبرّة) هو التشويش والتلبيس والخداع، وليس تحرّي الحقّ، والكشف عن الحقائق.
ومن هنا جاءت منشوراتهم وإصدراتهم على النقيض من مغزى الشعار الّذي يرفعونه، والدليل هو اقتصارها على الدفاع عن عقائد ومتبنّيات فئة متطرّفة، شذّت عن مذاهب السنّة (أعني: فئة الوهابيين)، والطعن على الشيعة في أفكارهم وأحكامهم، والقدح في رواتهم ورواياتهم.
ولو كانت نيّات أصحاب (المبرّة) سليمة وصادقة، لصانوا أنفسهم من (معرّة) الذمّ والتقبيح والاتّهام، ولعكفوا على البحث عن المشتركات بين مذاهب المسلمين وإذاعتها، واهتمّوا بالأولويّات الّتي تخدم مصالح الأُمّة وقضاياها

صفحه 312
المصيرية، بدلاً من إثارة المسائل الجزئية وبأُسلوب غير علمي وغير موضوعي، كما فعل الدكتور طه حامد الدليميّ، الّذي تناول مسألة مواقيت الصلاة في كتيّب، سمّاه «نحو وحدة إسلامية حقيقية: مواقيت الصلاة نموذجاً» وحاول فيه أن يثبت أنّ مواقيت الصلاة عند الآل والأصحاب واحدة وهي خمسة أوقات متفرّقة، ومن صلّى في غيرها ـ كما إذا جمع بين الصلاتين ـ فقد صلّى في غير وقتها .
وما قاله المؤلّف : «مواقيت الصلاة عن الآل والأصحاب واحدة» كلام تام لا ريب فيه، ولكن ما رتّب عليه من أنّها خمسة أوقات متفرّقة عندهما لا يصحّ بتاتاً ، ويشهد على عدم صحّته روايات متضافرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والآل على أنّ الجمع بين الصلاتين كالتفريق في إفراغ الذمّة، وأنّ الجمع بين الصلاتين كالتفريق بينهما سيّان في الإجزاء وامتثال أمر الله سبحانه، وأنّ من فرّق فقد أخذ بالأفضل، وأنّ من جمع فقد أخذ بالرخصة، وأنّ الله سبحانه يحب أن يُؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه(1)، فليس للمفرّق التنديد بمن جمع، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد جمع بين الصلاتين في أوقات كثيرة من غير عذر، ليوسّع الأمر على أُمّته ويخرجهم من الحرج، كما ليس للجامع التعرّض للمفرِّق، لأنّه أخذ بالأفضل: (وَ كُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى)(2).
ثم إنّ مؤلّف الرسالة ـ سامحه الله ـ نقل عن أهل البيت ما يدلّ على التفريق بين الصلاتين ولكنّه أغفل نقل أكثر ما روي عنهم من جواز الجمع في حال السعة وعدم العذر متضافراً بل متواتراً، وانّ المسلمين على الخيار بين التفريق

1 . مجمع الزوائد للهيتمي: 3 / 163 ; كنز العمال: 3 / 34 برقم 5341 وص 669 برقم 8412 ; وسائل الشيعة: ج 1، الباب 25 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 1، إلى غير ذلك من المصادر.
2 . النساء: 95 .

صفحه 313
والجمع، كما هو الحال في كل واجب تخييري .
وكما هو أغفل نقل أكثر ما روي عن الآل في الجمع، فقد أغفل أيضاً ذكر ما استفاض من الأصحاب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في جمعه بين الصلاتين من غير سفر ولا مطر ولا مرض ولا وحل، وإنّما ليوسع الأمر على أُمّته. تشهد لذلك صحاحهم وسننهم ومسانيدهم كما سيوافيك .
وقد نشأ صاحب الكتيّب على مذهب تقام فيه الصلاة في مواقيت خمسة وتربّى على ذلك، ولمّا رأى أنّ الجمع بين الصلاتين يخالف سلوكه وسلوك قومه زعم أنّ الصلاة في مواقيت ثلاثة، إتيان بها في غير أوقاتها، فرائدُه في موقفه هذا هو الرأي المسبق الّذي استقاه من أهل مذهبه، ثم أخذ يتطلّب له الأدلّة، فهو بدل أن يستعرض الأدلّة ثم يسترشد بها في تعيين الرأي الصائب، عكس الأمر، وإلاّ فلو درس الروايات من غير رأي مسبق، طالباً الحقيقة، متجرّداً عن الهوى، لوقف على أنّ الصادع بالحق خيّر الأُمّة بين الطريقين، ولكلّ فضل ومزيّة لا توجد في غيره.
***
يُشار إلى أنّني ألّفت في سالف الزمان رسالة حول الجمع بين الصلاتين، وبحثت الموضوع على ضوء الكتاب والسنّة، ولمّا وقف عليها بعض المحقّقين من إخواننا السنّة، كتب إليّ أنّ الرسالة مكتوبة بحبر الإنصاف، وبذلك سعيت في تقريب الخطى بين المسلمين وأثبتّ أنّ عمل الجمع مقبول عنده سبحانه، وفي هذه الرسالة كفاية لمن أراد الحق وترك العصبية .
غير أنّي نزلت عند رغبة بعض الفضلاء الشيعة في الكويت حيث طلبوا مني نقد الكتيّب المذكور نقداً موضوعياً، حتّى تتبين مواضع زلاّت الكاتب

صفحه 314
وأخطائه فيه، فقمت بتأليف هذه الرسالة راجياً منه سبحانه أن يهدي الجميع إلى الحق، ويحفظهم من العثرة في القول والعمل، إنّه خير مجيب .
ويأتي تحقيق الموضوع وكشف الحقيقة ضمن فصول :
   

صفحه 315
 
1

مكانة الصلاة في الكتاب والسنّة

إنّ الصلاة من أفضل الأعمال وأحبّها إلى الله سبحانه وتعالى، وقد أوصى بها أنبياؤه وأولياؤه، فهذا هو إبراهيم الخليل (عليه السلام)يذكرها في دعائه ويقول (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوةَ)(1)، ويقول في دعاء آخر: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ )(2) والمتبادر من الآية الأُولى أنّ الإسكان عند بيت الله في ذلك المكان المُقفِر المُمْحِل كان لغاية إقامة الصلاة .
وهذا هو إسماعيل النبي (عليه السلام)يصفه سبحانه بقوله: (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَ الزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا )(3)والآية تدلّ على أنّ إقامة الصلاة كانت من وصايا الأنبياء الذين استجابوا لوصية ربّهم بها، وامتثلوا أمره. وفي هذا الإطار يأتي خطاب المسيح بن مريم (عليه السلام)لقومه: (إنِّي عَبْدُ اللهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَني نَبِيًّا * وَجَعَلَني مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَاني بِالصَّلَوةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)(4) .

1 . إبراهيم: 37 .
2 . إبراهيم: 40 .
3 . مريم: 54 ـ 55 .
4 . مريم: 30 ـ 31 .

صفحه 316
وقد استجاب سبحانه دعاء نبيّه زكريا حينما كان (عليه السلام)يصلّي في المحراب، يقول سبحانه: (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الِْمحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَة مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ )(1).
ثم إنّه سبحانه كتب الفلاح والنجاة للمصلين المحافظين عليها، بقوله عزّ من قائل : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ)(2)، وقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلَوةِ الْوُسْطىَ وَ قُومُوا للهِ قَانِتِينَ)(3) كما كتب الخسران على من استخفّ بها أوصلّى على وجه الرياء والسمعة، قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ)(4) إلى غير ذلك من الآيات الّتي تبيّن مكانة الصلاة وعظمتها في الشرائع السماوية عامّة والشريعة الإسلامية خاصة، وكفى في ذلك أنّ كلمة الصلاة بمفردها ـ مع قطع النظر عن باقي المشتقات ـ جاءت في القرآن الكريم (67) مرة، وهذا يكشف عن اهتمام الذكر الحكيم بهذه الفريضة الإلهية وعنايته البالغة بها.
وأمّا مكانة الصلاة في السنّة، فحدِّث عنها ولا حرج، ولا يسعنا هنا نقل معشار ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته الطاهرة (عليهم السلام)حول تلك الفريضة الكبيرة، فلنشر إلى نزر يسير منها:
1. أخرج البخاري عن ابن عباس، قال: قدم وفد عبدالقيس على رسول الله، فقالوا : إنّ بيننا وبينك المشركين من مُضَر، وإنّا لا نصلُ إليك إلاَّ في أشهر

1 . آل عمران: 38 ـ 39 .
2 . المؤمنون: 1 ـ 2 .
3 . البقرة: 238 .
4 . الماعون: 4 ـ 5 .

صفحه 317
حُرُم، فمُرْنا بجُمَل من الأمر، إن عملنا به دخلنا الجنة وندعوا إليها مَن وراءنا. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلاّ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا من المغنم الخمس» (1).
إنّ مجيء الأمر بإقامة الصلاة في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد توحيده سبحانه يُشعر أنّها أفضل عمل جارحي بعد التوحيد، وقد تضافر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت أنّ الصلاة أحب الأعمال وأفضلها، وأنّها عمود الدين .
2. روى الصدوق بسنده عن عبدالله بن مسعود قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أي الأعمال أحب إلى الله عزوجل؟ قال: «الصلاة لوقتها» .(2)
3. روى الشيخ الطوسي بسنده عن علي (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ عمود الدين الصلاة، وهي أوّل ما يُنظَر فيه من عمل ابن آدم فإنْ صحّت نُظِر في عمله، وإن لم تصحّ لم يُنظَر في بقية عمله» .(3)
4. من كلام لأمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يوصي به أصحابه: «تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلاَةِ، وَحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا، وَتَقَرَّبُوا بِهَا. فَإِنَّهَا ( كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً).(4) أَلاَ تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)(5). وَإِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ

1 . صحيح البخاري: 4 / 492 ـ 493 (7556); وصحيح مسلم: 1 / 35 و 36، باب الأمر بالإيمان; وسنن النسائي: 2 / 333 ; مسند أحمد: 3 / 318 .
2 . الخصال: 163 .
3 . التهذيب: 2 / 267 .
4 . النساء: 103.
5 . المدّثر: 42.

صفحه 318
الْوَرَقِ، وَتُطْلِقُهَا إِطْلاَقَ الرِّبَقِ، وَشَبَّهَهَا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ، فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّات، فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ».(1)
5. روى البرقي في المحاسن عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: «الصلاة عمود الدين ».(2)
6. روى الشيخ الطوسي عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لو كان على باب دار أحدكم نهر فاغتسل في كلّ يوم منه خمس مرات، أكان يبقى في جسده من الدرن شيء؟ قلنا: لا، قال: فإنّ مثل الصلاة كمثل النهر الجاري، كلّما صلّى صلاة كفّرت ما بينهما من الذنوب ».(3)
الصلاة فريضة موقوتة تجب المحافظة على أوقاتها   

1 . نهج البلاغة: 316، الخطبة 199 (ضبط الدكتور صبحي الصالح). و (الرِّبَق): حَبل فيه عدة عُرى كلِّ منها رِبْقة. و (الحَمّة): كل عين ينبع منها الماء الحار، ويُستشفى بها من العلل.
2 . المحاسن: 1 / 44.
3 . الوسائل: ج 4، باب 2 من أبواب وجوب الصلوات الخمس، الحديث 3 .

صفحه 319
 
2

الصلاة فريضة موقوتة

تجب المحافظة على أوقاتها

الصلاة فريضة موقوتة بيّن الذكر الحكيم وقتها، وتعرّضت السنّة لشرحها، قال سبحانه: (إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)(1) أي فرضاً موقوتاً منجَّماً يُؤدّونها في أنجمها، وبمعنى آخر: هي عليهم فرض في وقت وجوب أدائها(2) .
وأمّا ما ورد في السنّة في هذا المجال فكثير، منه:
1. روى الصدوق بسنده عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)، عن آبائه(عليهم السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ينال شفاعتي غداً من أخّر الصلاة المفروضة بعد وقتها».(3)
2. روى الصدوق عن الإمام الرضا، عن آبائه(عليهم السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزال الشيطان ذعراً من المؤمن ما حافظ على مواقيت الصلوات

1 . النساء: 103 .
2 . التبيان في تفسير القرآن: 3 / 312 ـ 313.
3 . أمالي الصدوق: 326، الحديث 15 .

صفحه 320
الخمس، فإذا ضيّعهن اجترأ عليه فأدخله في العظائم».(1)
3. روى أبان بن تغلب، قال: صلّيت خلف أبي عبدالله (عليه السلام)بالمزدلفة، فلمّا انصرف التفتَ إليّ، فقال: «يا أبان، الصلوات الخمس المفروضات، مَن أقام حدودهنّ، وحافظ على مواقيتهنّ لقي الله يوم القيامة وله عنده عهد يدخله به الجنّة، ومن لم يقم حدودهن، ولم يحافظ على مواقيتهنّ، لقي الله ولا عهد له، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له ».(2)
4. روى الصدوق عن جعفر بن محمد (عليه السلام)قال: «امتحنوا شيعتنا عند ثلاث: عند مواقيت الصلاة، كيف محافظتهم عليها؟ وعند أسرارهم، كيف حفظهم لها عن عدونا؟ وإلى أموالهم: كيف مواساتهم لإخوانهم فيها ».(3)
إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على المحافظة على الصلاة في أوقاتها، وأنّ من صلّى صلاة الفريضة لوقتها فليس هو من الغافلين، وأمّا من استهان بأوقاتها، فهو من الذين ذمّهم سبحانه بقوله: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ)(4).
فيجب على المسلم التعرّف على أوقات الصلاة: أوقات الفضيلة، وأوقات الإجزاء حتّى يكون من الذاكرين. وهذا ما نتناوله في الفصل التالي:
   

1 . الوسائل: ج 4، الباب 1 من أبواب وجوب المحافظة على الصلوات، الحديث 13 .
2 . الوسائل: ج 2، الباب1 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .
3 . الوسائل: ج 4، الباب 1 من أبواب وجوب المحافظة على الصلوات في أوقاتها، الحديث 16 .
4 . الوسائل: ج 4، الباب 1 من أبواب وجوب المحافظة على الصلوات، الحديث 29 .

صفحه 321
 
3

مواقيت الصلوات في الذكر الحكيم

قد تضمّن الذكر الحكيم مواقيت الصلاة في غير واحدة من الآيات، وفسّرتها السنّة النبوية وأحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فلندرس الآيات، ثم نأتي بما في السنّة بإذن الله سبحانه.

الآية الأُولى:

(أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)(1).
إنّ الآية تضمّنت بيان أوقات الصلوات الخمس، وإليك تفسيرها على ضوء توضيح مفرداتها .
1. اللام في «دلوك الشمس» إما :
«لام تعليل» أي بسبب «زوال الشمس» أو بمعنى «عند» نظير قول القائل: كتبتهُ لخمس خلون من شهر كذا أي عند الخمس، والثاني هو الأظهر .
2. الدلوك: بمعنى زوال الشمس عن كبد السماء، وهو قول الأكثر، وشذّ من فسّره بغروب الشمس. حكى القرطبي عن ابن عطية: الدلوك هو الميل ـ في

1 . الإسراء: 78 .

صفحه 322
اللغة ـ فأوّل الدلوك هو الزوال، وآخره هو الغروب، ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمّى دلوكاً لأنّها في حالة ميل (1).
وقال الشيخ ابن عاشور: الدلوك بمعنى زوال الشمس عن وسط قوس فرضي في طريق مسيرها اليومي، وبمعنى ميل الشمس عن مقدار ثلاثة أرباع القوس .(2)
وعلى ما ذكره العلمان يصدق الدلوك ما دامت الشمس مائلةً عن وسط السماء إلى جانب الغرب، فالجميع دلوك، ولا يختص الميل بأوّل الزوال.
3. الغسق: اختلفت كلمة اللغويين والمفسّرين في تفسير الغَسَق على أقوال:
أ. ظلمة أوّل الليل، قاله في القاموس، وهو أحد القولين في اللسان، ونقل الشيخ الطوسي في «التبيان» عن ابن عباس وقتادة أنّهما قالا: هو بدءُ الليل.(3)
ب. الظلمة، ذكره قولاً واحداً في مقاييس اللغة (مادة غسق)، وفي اللسان جعله أحد القولين، وحكى الشيخ الطوسي في «التبيان» عن الجُبّائي أنّ غسق الليل ظلمته، وهو خيرة صاحب التفسير الكاشف.(4)
والفرق بين المعنين واضح، فإنّ بدء الليل لايلازم الظلمة الكاملة الّتي يشير إليها المعنى الثاني.
ج. الظلمة الشديدة الّتي تمتد إلى نصف الليل وهو خيرة الأزهري، قال:

1 . الجامع لأحكام القرآن: 10 / 304، دار الفكر.
2 . التحرير والتنوير: 14 / 144، نشر مؤسسة التاريخ .
3 . التبيان: 6 / 509 .
4 . التفسير الكاشف: 5 / 73 .

صفحه 323
غسق الليل تراكم الظلمة واشتدادها (1). وفي «المفردات» غسق الليل: شدّة ظلمته (2) وهو المروي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وهو خيرة بعض المفسّرين .
روى ابن إدريس عن كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن المفضّل عن محمد الحلبي عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)في قوله: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) قال: دلوك الشمس زوالها، وغسق الليل: انتصافه، وقرآن الفجر: ركعتا الفجر» (3) .
روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: سألته عمّا فرض الله من الصلاة فقال: خمس صلوات في الليل والنهار، فقلت هل سماهنّ الله وبيّنهنّ في كتابه؟ فقال: نعم، قال الله عزوجل لنبيّه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)ودلوكها زوالها، ففي ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربعة صلوات سمّاهن وبيّنهنّ ووقّتهنّ، وغسق الليل انتصافه، وقال: (وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)(4).
4. قُرْآنَ الْفَجْرِ: أُريد به صلاة الفجر فإنّها تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. هذا ما يرجع إلى بيان مفردات الآية وتوضيحها .
إذا عرفت مفاد المفردات فاعلم أنّ في الآية دلالة على امتداد وقت الصلوات الأربع من الزوال إلى الغسق، فتكون أوقاتها موسّعة لأن اللام في قوله «لِدُلُوكِ» بمعنى «عند» و «إلى» في قوله: إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ «للانتهاء» فيكون معنى الآية أنّ وقت الصلوات ممتدٌ من الزوال إلى ذهاب الشفق أو إلى نصف الليل

1 . مفاتيح الغيب: 21 / 27 .
2 . المفردات في غريب القرآن: 360 .
3 . الوسائل: ج 4، الباب 10 من أبواب اوقات الصلاة الخمسة، الحديث 10 .
4 . تهـذيـب الأحكام: 2 / 24، الباب 12، الحديث 23 .

صفحه 324
على الخلاف في معنى الغسق، وقد عرفت ما عليه أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في معناه، فتكون النتيجة أن إتيان الصلوات الأربع أداءٌ بين الحدّين، وأنّ كلّ جزء منه صالح له .
وبعبارة أُخرى : إنّ الزمان المحدّد بين زوال الشمس إلى غسق الليل وقت للصلوات الأربع، فله أن يصلّي الظهر في أيّة ساعة من ساعات الحد المذكور، كما له أن يأتي بالعصر كذلك هذا هو ظاهر الآية، وهو حجّة للفقيه ما لم يدلّ دليل على التضييق، فعندئذ تُرفع اليد بمقدار الدليل، وفي غيره يكون الظاهر حجّة ومرجعاً.

الآية الثانية:

(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ)(1).
الزلف: جمع زُلفى كالظُلَم جمع ظلمة (والزلفة) من أزلفه: إذا قرّبه، و (طَرَفَيِ النَّهَارِ)عبارة عن الغدوة والعشية، والمراد من الطرف الأوّل الصبح، ومن الطرف الثاني دلوك الشمس إلى آخر النهار، وهو إشارة إلى وقتي الظهر والعصر.
والزلف من الليل الساعات الأُولى منه، سمِّيت بذلك لقربها من النهار، والمراد بها هنا المغرب والعشاء.
وهذه الآية ـ كالآية السابقة ـ تتضمّن بيان أوقات الصلوات الخمس:
أمّا الفجر والظهر والعصر، فلقوله «طرفي النهار» وأمّا المغرب والعشاء

1 . هود: 114 .

صفحه 325
فلقوله (زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) .
فعلى ما ذكرنا يكون قوله: (وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) عطفاً على قوله: (طَرَفَيِ النَّهَارِ) أي أقم الصلاة «طرفي النهار،وأقم الصلاة زلفاً من الليل» .
والآية ـ كسابقتها ـ تدلّ على سعة الوقت، وأنّ طرفي النهار وقت للصلوات الثلاث، فالطرف الأوّل لصلاة الصبح، والطرف الثاني لصلاتي الظهر والعصر، وأمّا الساعات الأُولى من الليل، فهي وقت العشاءين. وهذا الظهور حجّة ما لم يدلّ دليل على التحديد.
***

الآية الثالثة:

(فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ)(1).
والمعنى: تنزيهاً لله تعالى عمّا لا يليق به ولا يجوز عليه من صفات
نقص أو ما ينافي عظمته، في الإصباح والإمساء والإظهار وفي العشيّ، وأنّ
ما في السماوات والأرض من خلق وأمر، يستدعي بحسنه حمداً وثناءً لله سبحانه.
وقد ذهب جملة من المفسّرين إلى أنّه سبحانه أشار في هاتين الآيتين إلى الصلوات الخمس، وفي الوقت نفسه ذهب آخرون إلى أنّها راجعة إلى مطلق التحميد والتسبيح .
قال أُستاذنا السيد محمد حسين الطباطبائي: يظهر أنّ المراد بالتسبيح

1 . الروم: 17 ـ 18 .

صفحه 326
والتحميد معناهما المطلق دون الصلوات اليومية المفروضة، كما يقول به أكثر القائلين بكون القول مقدّراً، والمعنى: (قولوا: سبحان الله، وقولوا: الحمد لله)، فالتسبيح والتحميد في الآيتين إنشاء تنزيه وثناء منه تعالى لا من غيره، حتّى يكون المعنى: (قولوا: سبحان الله، وقولوا: الحمد لله)، فقد تكرّر في كلامه تعالى تسبيحه وتحميده لنفسه، كقوله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)(1)، وقوله: (تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ)(2). (3)
وعلى فرض صحّة ما ذهب إليه جملة من المفسّرين من أنّ الآيتين تشيران إلى الصلوات الخمس، فنقول: إنّ لهم في تفسير مفرداتها أقوالاً، نذكر منها أوضحها:
1. (حِينَ تُمْسُونَ) أي حين تدخلون في وقت المساء، وهو ما بعد الظهر إلى المغرب.(4) فيكون إشارة إلى صلاة العصر.
2. (حِينَ تُصْبِحُونَ) إشارة إلى صلاة الفجر.
3. (حِينَ تُظْهِرُونَ) في حين تدخلون في وقت الظهيرة، وقد يكون إشارة إلى صلاة الظهر.
4. (عَشِيًّا) أي وفي العشيّ، وإنّما عدل من الفعل إلى الاسم لأنّه لم يُبنَ منه فعل من باب الإفعال بخلاف المساء والصباح والظهيرة حيث بني منها الإمساء والإصباح والإظهار بمعنى الدخول في المساء والصباح والظهيرة.

1 . الصافات: 180 .
2 . الفرقان: 1 .
3 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 16 / 160 ـ 161 .
4 . لسان العرب: 15 / 281 «مادة مسا» .

صفحه 327
والعشيّ: آخر النهار، وقيل: من صلاة المغرب إلى العتمة، وأنشد ابن الأعرابي:
هيفاء عجزاء خريد بالعشيّ *** تضحك عن ذي أُشُر عذب نقيّ
والمراد بالعشيّ هنا الليل. قال ابن منظور: فإمّا أن يكون سمّى الليل عشيّاً لمكان العشاء الّذي هو الظلمة، وإمّا أن يكون وضع العشيّ موضع الليل لقُربه منه، من حيث كان العشيّ آخر النهار، وآخر النهار متّصل بالليل .(1)
ومن هنا نقول: إنّ الآية تشير إلى صلاتي المغرب والعشاء، لا إلى صلاة العصر، كما ذهب بعضهم، لأنّها لا تناسب وقت العشيّ الّذي مرّ بيانه.
وظاهر الآية حجةٌ لمن يجعل الوجوب بأوّل الوقت لتقييد الوجوب بالحينية المختصة بحال الدخول في المساء والصباح والظهيرة.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ الآية إشارة إلى أوّل الوقت ودخوله لا لتقييده بأوّل الوقت. وسيوافيك التوضيح عند الفراغ من دراسة الآيات.
يُشار إلى أنّ ظاهر الآية، هو تفريق الصلوات في الأوقات الثلاثة، كما أنّ ظاهر آية الدلوك، وآية طرفي النهار، الإتيان بها في تمام أجزاء الوقت، والتوفيق بينهما بحمل الأوليين على أوقات الإجزاء، والأخيرة على وقت الفضيلة، كلّ ذلك بفضل الروايات المتواترة كما ستوافيك .

الآية الرابعة:

(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى )(2).

1 . لسان العرب: 15 / 60 ـ 61 .
2 . طه: 130 .

صفحه 328
ومعنى الآية: فاصبر على ما يقولون من أنّك ساحر أو شاعر فإنّه لا يضرّك، وأقبِلْ على ما ينفعك فعله وهو ذكر الله، و «الباء» في بـ «بحمد ربّك» للملابسة، أي سبِّح حامداً ربّك، في فترات من الليل والنهار.
وما ذُكر في الآية من التسبيح مطلق لا دلالة فيها من جهة اللفظ على أن المراد به الصلوات الخمس (1)، ولكنّ بعض المفسّرين ذهب إليه، وعلى فرض صحّة ذلك، نقول: إنّ هذه الآية على خلاف الآيات السابقة تتضمن آخر أوقات بعض الصلوات الخمس، وإليك البيان:
1. قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: إشارة إلى نهاية وقت صلاة الفجر.
2. وَقَبْلَ غُرُوبِهَا: إشارة إلى نهاية وقت صلاتي الظهر والعصر، لكونهما في النصف الأخير من النهار، كما أنّ الفجر في النصف الأوّل.(2)
3. وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ: إشارة إلى العشاءين، وآناء الليل: ساعاته، «ومن» في قوله «مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ» للابتداء، وفيه تنبيه على أنّ ابتداء وقت العشاءين من أوّل الليل، وقدّم الظرف (آناء الليل) على الفعل (فسبح) للاهتمام بفعلها ليلاً، لعدم شغل النفس حينئذ، بخلاف ما سبق حيث قدّم الفعل فيه على الزمان.
4. وَأَطْرَافَ النَّهَارِ فسّره بعضهم بصلاتي المغرب والفجر، والتكرار لأجل الاختصاص مثل قوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلَوةِ الْوُسْطىَ) (3)وهو غير جيد ; لأنّ طرفي الشيء من نفس الشيء لا خارج عنه، وصلاة المغرب

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 14 / 235 .
2 . قال ابن عاشور التونسيّ: إنّ الأوقات المذكورة في هذه الآية، هي أوقات الصلوات، ثم قال وهو يعدّدها: ووقتان قبل غروبها وهما الظهر والعصر، وقيل: المراد صلاة العصر. التحرير والتنوير: 16 / 204 .
3 . البقرة: 238 .

صفحه 329
تقع في الليل، فكيف تكون في النهار؟
وعن قتادة أنّه إشارة إلى صلاة الظهر (1)، وقد ذكروا في معنى كونها في أطراف النهار مع أنّها في منتصفه (بعد الزوال) توجيهاً، وصفه السيد الطباطبائي بأنّه متعسف وبعيد عن الفهم، وأنّ الذوق السليم يأبى أن يُسمّي وسط النهار أطراف النهار بفروض واعتبارات وهمية، فراجع تفسيره.(2)
والظاهر أنّ أطراف النهار كناية عن ذكر الله في كل آن وحال، كقوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَ قُعُودًا وَ عَلَى جُنُوبِهِمْ)(3). ويمكن أن يُقال: إنّ المراد بأطراف النهار أوّله وآخره بالنظر إلى كونهما وقتين ذوَي سعة، لكلّ منهما أجزاء، كلّ جزء منها طرف بالنسبة إلى وسط النهار.(4)
وفي الآية نص صريح على سعة وقت الصبح إلى طلوع الشمس، والظهرين إلى غروبها، لأنّه سبحانه ذكر أواخر أوقاتها، وعلى هذا فوقت صلاة الصبح يمتد إلى طلوع الشمس، ووقت الظهرين يمتد إلى غروبها، كما أنّ وقت العشاءين باق مادام يصدق آناء الليل وساعاته .
فظاهر الآية يدلّ على سعة الوقت في هذه الصلوات وهو حجّة للفقيه ما لم يدلّ دليل على التضييق والتحديد في السنّة المطهرة وأحاديث العترة(عليهم السلام).

الآية الخامسة:

(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ

1 . التبيان في تفسير القرآن: 7 / 222 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 14 / 235 ـ 236 .
3 . آل عمران: 191 .
4 . انظر: الميزان في تفسير القرآن: 14 / 236 .

صفحه 330
وَأَدْبَارَ السُّجُودِ )(1).
ومعنى الآية : سبّح حامداً ربّك قبل الطلوع وقبل الغروب ولو حُمل التسبيح على ظاهره تُحمل الآية على استحبابه في هذه الفترات، ولو حُمل على الصلاة فالصلاة قبل طلوع الشمس: الفجر، وقبل الغروب: الظهر والعصر، والمراد بقوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ)العشاءان. وفي الآية دلالة واضحة على سعة أوقات الصلوات.
أمّا قوله تعالى: (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)فيُراد به الركعتان بعد المغرب، وقد روي ذلك عن عليّ (عليه السلام)، والحسن (عليه السلام)، وابن عباس، ومجاهد، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم.(2)

حصيلة البحث حول الآيات

النظر الصائب في استنباط الحكم الشرعي عن الأدلة الشرعية هو النظرة الفاحصة إلى القرآن الكريم والإمعان في مفاد الآيات الّتي نزلت حول الموضوع، وهذا لا يعني الاقتصار على الكتاب والاستغناء عن السنّة المبيِّنة لمجمَلات الكتاب، المقيِّدة لإطلاقاته، والمخصِّصة لعموماته، فإنّ هذا هو مسلك من قال: «حسبنا كتاب الله» كيف؟ والله سبحانه يقول: (وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(3) .
وقال عز من قائل: (وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ

1 . ق: 39 ـ 40 .
2 . انظر: تفسير الطبري: 13 / 219 ـ 222 ; والتبيان في تفسير القرآن: 9 / 374 ـ 375 .
3 . الحشر: 7 .

صفحه 331
يَتَفَكَّرُونَ)(1)، فالسنّة المطهّرة مبيّنة لما ورد في الذكر الحكيم على النحو المذكور، ومع ذلك كلّه فظاهر القرآن من إطلاق أو عموم حجّة على الفقيه، ما لم يكن في السنّة شيء يحدّده ويضيقه.
وعلى أساس ذلك، فقد عرفت أنّ قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)(2) يدلّ بظاهره على أنّ الوقت المحدد بالدلوك إلى الغسق، هو وقت للصلوات الواجبة فيه، فكلّ جزء منه صالح لصلاتي الظهر والعصر، فللمصلّي أن يفرّق بينهما، كما أن له أن يجمع بينهما، لصدق إقامة الصلاة بين الدلوك والغسق على الجمع والتفريق، فلا ترفع اليد عن هذا الظهور إلاّ بمقدار ما دلّ على التحديد والتضييق، كما سيوافيك.
كما أنّ الآية الثانية ـ أعني قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ )(3) ـ تدلّ على أنّ طرفي النهار وقت لكلّ من صلوات الفجر والظهر والعصر، وعلى هذا فكلّ جزء من الطرف الثاني للنهار وقت للظهرين، فمن فرق أو جمع في النهار (بعد الزوال) تقع صلاته صحيحة، وهذا الظهور حجّة ما لم يدلّ دليل على الخلاف.
والآية الثالثة هو قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ)(4).
وقد مر أنّ المراد بقوله: (حِينَ تُمْسُونَ) هو الدخول في المساء أي وقت صلاة العصر وقوله: (حِينَ تُظْهِرُونَ) هو الدخول في الظهر، فعلى هذا فالآية

1 . النحل: 44.
2 . الإسراء: 78 .
3 . هود: 114 .
4 . الروم: 17 ـ 18 .

صفحه 332
تدلّ على التفريق أي الإتيان بالصلاة الأُولى في الظهر، والأُخرى في العصر، ودلالة الآية على التفريق حجّة ما لم يكن هناك دليل على الترخيص .
وأمّا الآية الرابعة والخامسة فقد مرّ أنّ الآيتين في مقام بيان آخر الوقت .
ويتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ في الآيتين الأُوليين دلالة على الجمع بين الصلاتين أو الصلوات، وفي الآية الثالثة ـ بناءً على تفسيرها بالصلوات ـ دلالة على التفريق، وقد مرّ التوفيق بين الآيات، بقي الكلام فيما ورد في السنّة النبوية أو ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

صفحه 333
 
4

أوقات الفضيلة للصلوات الخمس

قد ورد في السنّة المطهرة وأحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)مواقيت خاصة لكلّ من الصلوات الخمس، وهذا ممّا لا ريب فيه، وإنّما الكلام في كونها أوقات للفضيلة، بحيث يجوز العدول عن وقت إلى وقت آخر، أو تحديد للجواز، بمعنى عدم جواز إقامتها في غير ذلك الوقت، فلنذكر هنا ما ورد من هذه الروايات. ثم نقوم بإيضاحها في الفصل التالي:
أخرج مسلم ، عن بريدة، عن أبيه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنّ رجلاً سأله عن وقت الصلاة؟ فقال له: «صلّ معنا هذين» يعني اليومين، فلمّا زالت الشمس أمر بلالاً فأذّن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر.(1)
وأخرج أيضاً عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنّه قال: سُئل رسول الله عن وقت الصلوات؟ فقال: وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأوّل، ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفرّ الشمس، ويسقط قرنها الأوّل، ووقت صلاة المغرب إذا غابت

1 . صحيح مسلم: باب أوقات الخمس، الحديث 1277 .

صفحه 334
الشمس ما لم يسقط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل.(1)
ما جاء في هذه الروايات ونظائرها حقّ لا ريب فيه، ولا ينكره فقيه إمامي، وقد تضافر عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ما يقرب من مضامين هاتين الروايتين، فقد حدّدوا أوّل وقت فريضة الظهر وأوّل وقت فريضة العصر، تارة بصيرورة الظل قامة وقامتين، وأُخرى بصيرورته ذراعاً وذراعين، وثالثة بصيرورته قدماً وقدمين، ومرجع الجميع واحد كما سيوافيك عن قريب، ونذكر لكلّ عنوان من العناوين الثلاثة روايتين، فإنّ نقل الكل لا يناسب وضع الرسالة.

القامة والقامتان:

1. روى الشيخ في التهذيب عن محمد بن حكيم قال: سمعت العبد الصالح (موسى بن جعفر (عليه السلام)) أنّ أوّل وقت الظهر زوال الشمس، وآخر وقتها قامة من الزوال، وأوّل وقت العصر قامة، وآخر وقتها قامتان. قلت: في الشتاء والصيف سواء؟ قال: نعم .(2)
2. روى الشيخ الطوسي عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألت عن وقت الظهر والعصر؟ فقال: «وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى أن يذهب الظل قامة، ووقت العصر قامة ونصف إلى قامتين».(3)

1 . نفس المصدر: الحديث 1275 .
2 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 29. وسيوافيك معنى القامة عن قريب.
3 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 9 .

صفحه 335

الذراع والذراعان

1. روى الكليني بسنده عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: «كان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل أن يظلل قامة، وكان إذا كان الفيء ذراعاً وهو قدر مربض عنز صلّى الظهر، فإذا كان ضعف ذلك صلّى العصر».(1)
2. روى الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا كان فيء الجدار ذراعاً صلّى الظهر، وإذا كان ذراعين صلى العصر».(2)
***

القدم والقدمان

1. روى ذريح المحاربي عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)قال: سأل أبا عبدالله أُناس وأنا حاضر ـ إلى أن قال: ـ فقال بعض القوم ـ إنّا نصلّي الأُولى إذا كانت على قدمين، والعصر على أربع أقدام فقال: أبو عبدالله (عليه السلام): النصف من ذلك أَحبّ إليّ.(3)
2. روى الشيخ الطوسي عن محمد بن الفرج قال: كتبت أسأل عن أوقات الصلاة؟ فأجاب: «إذا زالت الشمس فصلّ سُبحتك، وأُحبّ أن يكون فراغك من الفريضة والشمس على قدمين، ثم صلّ سُبحتك، وأُحبّ أن يكون فراغك من العصر والشمس على أربعة أقدام، فإنْ عجّل بك أمر فابدأ بالفريضتين، واقضِ

1 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 7 .
2 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 10 .
3 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 22 .

صفحه 336
بعدهما النوافل، فإذا طلع الفجر فصلّ الفريضة، ثم اقضِ بعد ما شئت».(1)
ومعنى قوله: «أُحبّ أن يكون فراغك من الفريضة، والشمس على قدمين» أن لا يؤخّر عنهما لفوات وقت الفضيلة عندئذ.
هذه عناوين ثلاثة لدخول وقت الظهر والعصر، وربّما يتبادر إلى الذهن وجود التنافي بينها، إذ كيف يمكن أن يكون الظل على قامة وفي الوقت نفسه على قدم وذراع؟
ويرتفع التوهّم بالقول: إنّ تحديدها بالقامة لا يُراد منه قامة الشخص، وإنّما المراد ظلّ القامة عند الزوال، وهو يختلف بحسب الزمان والمكان فيزيد وينقص، وإنّما تطلق عليه القامة في زمان يكون مقداره ذراعاً، فإذا زاد الفيء بعد الزوال ذراعاً حتّى صار مساوياً للظل فهو أوّل وقت فضيلة الظهر، وإذا زاد ذراعين فهو أوّل وقت فضيلة العصر .
فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ ما ورد في السنّة المطهّرة المروية عن طريق أهل السنة، قريب ممّا روي عن أهل البيت(عليهم السلام)في أوقات الظهرين، والاختلاف الجزئي في الزيادة والنقصان لا يضرّ.
ولو كان المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والعترة نفس ما تقدّم كان التفريق أمراً إلزامياً، والجمع بدعة غير مجزئ، لاستلزامه وقوع إحدى الصلاتين في غير وقتها.
غير أنّ هناك روايات متواترة تدلّ على أنّ التحديد المذكور في الظهرين والعشاءين، تحديد لوقت الفضيلة دون وقت الإجزاء، وأنّ بين الزوال والعصر

1 . الوسائل: ج 4، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 31 .

صفحه 337
وقت مشترك للظهرين يجزئ الصلاة فيه مطلقاً مختاراً كان أو مضطراً، سوى أربع ركعات من الزوال وأربع ركعات قبل الغروب، إذ هما وقت اختصاصي لكلّ من الظهر والعصر.
وهذا هو الّذي أغفله الكاتب، مقتصراً على ذكر الروايات الّتي تؤيد مدّعاه من أنّ لكلِّ صلاة وقتاً، وأنّ الصلاة في غير ذلك الوقت لا تُجزئ، فوقت صلاة الظهر كون الظل مثلاً، والعصر مثلين، وهذا تعتيم على الحقيقة وكتمان لها، وهو مصداق واضح لقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ)(1) .
إنّ تحقيق الحق وإماطة اللثام عن وجه الحقيقة يقتضي الإشارة إلى صور الجمع بين الصلاتين، فإنّ للجمع صوراً مختلفة اتّفقت كلمة الجمهور في قسم منها، واختلفت في قسم آخر، ولكن الضالّة المنشودة في المقام، هي دراسة الجمع بين الصلاتين في الحضر جمعاً حقيقياً بلاعذر ولا حرج شخصي، وقد شرّعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بفعله وعمله، كتعبير عن سماحة الشريعة ومرونتها وتجاوبها مع متطلّبات العصور واختلاف الظروف، وهذا هو رمز الخاتمية وشارتها، فلندرس أقسام الجمع في الفصل التالي:

1 . البقرة: 159 .

صفحه 338
الجمع بين الصلاتين في عرفة والمزدلفة والسفر   
 
5

الجمع بين الصلاتين

في عرفة والمزدلفة والسفر

اعلم أنّ للجمع صوراً مختلفة اتّفقت كلمة الفقهاء في بعضها، واختلفت في البعض الآخر، وإليك صورها:
1. جمع الحاج بين الصلاتين في عرفة، والمزدلفة، فيصلّي العصر في وقت الظهر في عرفة، ويصلّي المغرب في وقت العشاء بالمزدلفة.
2. الجمع بين الصلاتين في السفر، تارة يقدم العصر أو العشاء، وأُخرى يؤخّرهما.
3. الجمع بين الصلاتين لأجل الأعذار كالمطر والبرد والوحل وغير ذلك.
والجمع في هذه الصور جمع حقيقي لا صوري، ولا يتفوّه به من له إلمام بالفقه وتاريخه.
4. الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً بلا عذر وهذا هو بيت القصيد في رسالة الكاتب ورسالتنا هذه، فالإمامية تبعاً للذكر الحكيم والسنّة النبوية المتضافرة بل المتواترة وتبعاً لما ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، على الجواز، ووافقهم لفيف من فقهاء أهل السنّة، وإن كان المشهور عندهم عدم الجواز،

صفحه 339
وإليك دراسة الصور.

1. الجمع بين الصلاتين في عرفة والمزدلفة

اتّفق الفقهاء على جواز الجمع بين الصلاتين في المزدلفة وعرفة، بل اتّفقوا على رجحان الجمع من غير اختلاف بينهم، قال القرطبي: أجمعوا على الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضاً في وقت العشاء سنّة أيضاً، وإنّما اختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين.(1)
ولم يكن الجمع فيه جمعاً صورياً بل جمعاً حقيقياً أي يصلّي العصر في وقت الظهر بعرفة، كما يصلّي المغرب في وقت العشاء بالمزدلفة، ولم يقل أحدٌ إنّ الجمع صوري، بل ربّما لا يتمكّن من الجمع الصوري، كما في الصلاة بالمزدلفة ، فإنّ الخروج من عرفة والنزول بالمزدلفة يستغرق وقت المغرب، فيزول الشفق، ويدخل وقت العشاء، كما هو المجرب لكلّ مَن حجّ البيت. وبما أنّ المسألة مورد اتّفاق نقتصر على ما ذكرنا .

2. الجمع بين الصلاتين في السفر

ذهب معظم الفقهاء (غير الحسن البصريّ وإبراهيم النخعي، وأبي حنيفة، وصاحبيه) إلى جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، فيجوز عند الجمهور ـ غير هؤلاء ـ الجمع بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الأُولى، وتأخيراً في وقت الثانية، وبين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً أيضاً، ويُسمّى الجمع في وقت الصلاة الأُولى جمع التقديم، والجمع في وقت الصلاة الثانية جمع التأخير، ولا

1 . بداية المجتهد: 1 / 170 .

صفحه 340
يكون الجمع صورياً بل حقيقياً، إمّا بإقامة العصر بوقت الظهر أو بالعكس.
ويشهد على الجمع الحقيقي روايات عديدة نقتصر على نقل روايتين منها :
أخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس (رضي الله عنه)حديثه عن صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في السفر، قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، فإذا لم تزغ له في منزله، سار حتّى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تَحِن في منزله ركب حتّى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما .(1)
قال الشوكاني بعد نقل هذه الرواية عن مسند أحمد: رواه الشافعي في مسنده بنحوه وقال فيه: وإذا سار قبل أن تزول الشمس أخّر الظهر، حتّى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر.(2)
وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي بإسنادهم عن مُعاذ بن جبل: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمَعَها إلى العصر فيصلّيهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلّى الظهر والعصر جميعاً ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتّى يصلّيها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاّها مع المغرب .(3)
والروايتان واضحتا الدلالة على أنّ الجمع بين الصلاتين تقديماً أو تأخيراً كان جمعاً حقيقياً، لا صورياً كما يُزعم بأن يؤخّر الظهر إلى آخر وقت فيصلّيها،

1 . مسند أحمد: 1 / 367 ـ 368 .
2 . نيل الأوطار: 3 / 213 .
3 . مسند أحمد: 5 / 241 ; وسنن أبي داود (1220) ; وسنن الترمذي (553).

صفحه 341
ثم يقدّم العصر إلى أوّل وقتها فيصلّيها، أو يؤخّر المغرب إلى آخر وقتها، ويعجّل العشاء في أوّل وقتها، والمتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع، هو الجمع في وقت إحدى الصلاتين، ويدلّ عليه صراحة القول الآنف الذكر: (أخّر الظهر حتّى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر).
والحقيقة أنّ القول بأنّ الجمع كان صورياً، قول متعسّف، بل هو محاولة بائسة لليّ النصوص الواضحة في هذا الباب، وإخضاعها للرأي المذهبي.
وبما أنّ المسألة خارجة عن موضوع الرسالة، ففيما ذكرناه كفاية لمن ينشد الحقّ.

3. الجمع بين الصلاتين في الحضر لأجل العذر

المشهور عند الجمهور هو جواز الجمع بين المغرب والعشاء لعذر، خلافاً للحنفية حيث لم يجوزوا الجمع مطلقاً إلاّ في الحج، وأصل الحكم مورد اتّفاق، وإنّما الاختلاف في الأُمور الجانبية، وبما أنّ المسألة خارجة عن موضوع البحث، فلا نطيل الكلام فيها.

صفحه 342
   
 
6

الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً

قد عرفت حكم الجمع في الصور الثلاث المتقدّمة، وإن كان الجميع خارجاً عن هدف الرسالة، إنّما المهم دراسة حكم الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً بلا عذر ولا علّة، والغاية من تشريع الجمع ـ بعد الثبوت ـ هو تسهيل الأمر على الأُمّة، بمعنى أنّ المصلحة النوعية سبّبت تشريع الجمع بين الصلاتين لعامّة الأفراد، وإن لم يكن حرجيّاً بالنسبة إلى بعضهم.
ونحن نورد ما روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا الفصل، وما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في فصل آخر. وإليك ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذا المجال ضمن أصناف:

1. ما دلّ على الجمع معلّلاً بعدم إحراج الأُمة، أو للتوسعة عليها

1. روى مسلم عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر. فقال أبو الزبير: فسألت سعيداً: لِمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يُحرج أحداً من أُمّته.(1)

1 . صحيح مسلم: 2 / 151، باب الجمع بين الصلاتين.

صفحه 343
2. روى مسلم عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، قال: قلت: لابن عباس لِمَ فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحرج أُمّته.
وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أُمّته .(1)
3. أخرج الترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أُمّته.(2)
قال الترمذي بعد نقل الحديث: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعبدالله بن شقيق العقيلي.
4. أخرج النسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يصلّي بالمدينة يجمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر. قيل له: لِمَ؟ قال: لئلاّ يكون على أُمته حَرَج .(3)
5. أخرج أحمد عن قتادة قال: سمعت جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولامطر. قيل لابن عباس: وما أراد إلى ذلك قال: أراد أن لا يحرج أُمته .(4)
6. أخرج عبدالرزاق في مصنّفه، عن ابن عباس قال: جمع رسول

1 . صحيح مسلم: 2 / 152 .
2 . سنن الترمذي: 1 / 354 برقم 187 باب ما جاء في الجمع في الحضر .
3 . سنن النسائي: 1 / 290، الباب الجمع بين الصلاتين في الحضر .
4 . مسند أحمد: 1 / 223 .

صفحه 344
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر بالمدينة، في غير سفر ولا خوف. قال: قلت لابن عباس: ولِمَ تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لايحرج أحداً من أُمّته .(1)
7. أخرج عبد الرزاق عن عمرو بن شعيب، عن عبدالله بن عمر قال: جمع لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مقيماً غير مسافر بين الظهر والعصر. فقال رجل لابن عمر: لِمَ ترى النبي فعل ذلك؟ قال: لأنْ لا يحرج أُمّته إن جمع رجلٌ .(2)
8. أخرج عبدالرزاق عن صالح مولى التوأمة أنّه سمع ابن عباس يقول: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير سفر ولا مطر. قال: قلت لابن عباس: لِمَ تراه فعل ذلك؟ قال: أراه للتوسعة على أُمّته .(3)
9. أخرج الطبراني في الأوسط والكبير بسنده عن عبدالله بن مسعود قال: جمع رسول الله ـ يعني بالمدينة ـ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعتُ ذلك لئلاّ تُحرجَ أُمتي.(4)
10. أخرج الطحاوي بسنده عن جابر بن عبدالله قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر العصر، والمغرب والعشاء في المدينة للرخص، من غير خوف ولا علّة.(5)
11. أخرج أحمد عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في غير مطر ولا سفر.

1 . مصنف عبدالرزاق: 2 / 555 ـ 556 ح 4434 .
2 . مصنّف عبدالرزاق : 2 / 556، ح 4437 .
3 . مصنّف عبدالرزاق: 2 / 555، ح 4434 .
4 . المعجم الكبير: 10 / 269 ح 10525 .
5 . معاني الآثار: 2 / 161 .

صفحه 345
قالوا: يا ابن عباس، ما أراد بذلك؟ قال: التوسّع على أُمّته.(1)
وهذه الروايات تتضمّن بيان فلسفة تشريع الجمع، ذلك أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)جسد بعمله هذا إحدى الخصائص العامّة الّتي اتّسمت بها الشريعة الإسلامية، وهي المرونة والسعة، الّتي تتجلّى في قوله سبحانه في كتابه المجيد: (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(2)، وقوله سبحانه: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(3) فحياة الإنسان لا تجري على نمط واحد، وليست هي ثابتة، بل تتغيّر وتتطوّر، وظروف الحياة وملابساتها تختلف زماناً ومكاناً، والشريعة تواكب ذلك التغيّر والتطوّر، وتنسجم مع واقع الحياة وظروفها، من خلال شمولية تعاليمها وأحكامها، ومرونتها، ويأتي قيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالجمع بين الصلوات من غير عذر، كتعبير عملي عن يُسر الشريعة ومرونتها، واستجابتها لمختلف الظروف، حيث شرِّع التفريق لئلاّ يُحرم المصلّي من فضل الصلاة وثوابها، والجمع لئلاّ يلحقه إثم ومغبة تركها.
إنّ إلقاء نظرة على واقع الحياة اليوم وتعقيداتها، وما يعانيه العمال والموظفون من مصاعب في أماكن عملهم، وضيق الوقت الّذي يُمنح
لهم للاستراحة، وقصر أوقات الصلوات (في بعض البلدان أو في بعض
أيام السنة) إذا أُدّيت متفرّقة، كلّ ذلك وغيره يكشف لنا عن عظمة تشريع
الجمع بين الصلاتين، أو التفريق بينهما، وإعطاء الرخصة للمصلّي في اختيار أحدهما.

1 . مسند أحمد: 1 / 346 .
2 . الحج: 78 .
3 . البقرة: 185 .

صفحه 346

2. ما دلّ على الجمع، من غير ذكر السّبب

1. أخرج مسلم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر .(1)
2. أخرج مسلم عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر، والمغرب والعشاء . (2)
وقوله: الظهر والعصر لفٌّ ونشرٌ غير مرتّب، والمرتّب منه ثمانياً وسبعاً، فالثمانية للظهرين، والسبع للعشاءين، والمقصود أنّه جمع بين الصلاتين، وإلاّ فيكون الكلام من قبيل توضيح الواضحات، إذ يعلم كلّ مسلم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي سبعاً وثمانياً وركعتين، ويفسّره الحديث التالي:
3. أخرج البخاري عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً.(2)
4. قال البخاري: قال ابن عمر وأبو أيوب وابن عباس رضي الله عنهم ، صلّى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)المغرب والعشاء .(3)
5. أخرج مالك، عن سعيد بن جبير، عن عبدالله بن عباس أنّه قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً معاً، في غير خوف ولا سفر .(4)

1 . صحيح مسلم: 2 / 152، باب الجمع بين الصلاتين.   2 . صحيح مسلم: 2 / 152 .
2 . صحيح البخاري: 1 / 113 باب وقت المغرب من كتاب الصلاة.
3 . صحيح البخاري: 1 / 118 باب ذكر العشاء والعتمة.
4 . موطأ مالك: 1 / 144، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، الحديث 4 .

صفحه 347
6. أخرج أبو داود، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة ثمانياً وسبعاً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال أبو داود: رواه صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال: في غير مطر .(1)
7. أخرج النسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، من غير خوف ولا سفر.(2)
8. أخرج النسائي عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: صلّيت وراء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً.(3)
9. أخرج النسائي عن جابر بن زيد، عن ابن عباس أنّه صلّى بالبصرة الأُولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل، وزعم ابن عباس أنّه صلّى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة، الأُولى والعصر ثمان سجدات ليس بينهما شيء .(4)
ثم إنّ قوله من شغل يدلّ على أنّ الشغل كان لابن عباس دون المصلّين الحاضرين في المسجد، ومن المعلوم أنّ وجود الشغل يسمح للإمام أن يجمع لا للمصلّين، فلولا أنّ الجمع كان أمراً شرعياً لجمع ابن عباس وحده، وعيّن إماماً للمصلّين للتفريق .
ثم إنّ الجمع لأجل الشغل يدلّ أنّه لم يكن التفريق عزيمة، وإلاّ لما سقط

1 . سنن أبي داود: 2 / 6، الحديث 1214 .
2 . سنن النسائي: 1 / 290، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر .
3 . سنن النسائي: 1 / 290، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
4 . سنن النسائي: 1 / 286، باب الوقت الّذي يجمع فيه المقيم والمراد من ثمان سجدات ثمان ركعات.

صفحه 348
وجوبه بوجود الشغل، اللّهم إلاّ أن يكون الشغل أمراً مهماً كصيانة الدماء والأعراض .
10. أخرج الحافظ أبو نعيم الأصفهاني عن جابر بن زيد أنّ ابن عباس جمع بين الظهر والعصر، وزعم أنّه صلّى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة الظهر والعصر .(1)
11. أخرج أبو نعيم عن عمرو بن دينار قال: سمعت أبا الشعثاء يقول: قال ابن عباس (رضي الله عنه): صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثماني ركعات جميعاً وسبع ركعات جميعاً، من غير مرض ولا علّة.(2)
12. أخرج البزار في مسنده عن أبي هريرة قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الصلاتين في المدينة من غير خوف .(3)
13. أخرج أحمد عن طاووس، عن ابن عباس: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في السَّفَر والحَضَر .(4)
14. أخرج أحمد عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في المدينة مقيماً غير مسافر سبعاً وثمانياً.(5)

3. ابن عباس يجمع بين الصلاتين، اقتداءً بسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

قد تعرّفت على الروايات الّتي تحدثت عن قيام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالجمع

1 . حليلة الأولياء: 3 / 90، باب جابر بن زيد.
2 . حلية الأولياء: 3 / 90، باب جابر بن زيد.
3 . مسند البزاز: 283، الحديث 421.
4 . مسند أحمد: 1 / 360 .
5 . مسند أحمد: 1 / 221 .

صفحه 349
بين الصلوات، وهناك روايات تحكي أنّ ابن عباس كان يلقي ذات مساء محاضرة حتّى مضى شيء من وقت المغرب فاعترض عليه بعض الحاضرين، فقال مندّداً به: أتعلّمني بالسنّة لا أُمّ لك؟ رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وإليك ما روي في هذا المقام.
أ. أخرج مسلم عن عبدالله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنّة لا أُمّ لك؟ ثم قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبدالله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدّق مقالته.(1)
ب. وأخرج أيضاً بسند آخر عن عبدالله بن شقيق العقيلي، قال : قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أُمّ لك أتعلّمنا بالصلاة وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).(2)
جـ . أخرج أحمد عن عبدالله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً
بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم وعلّق الناس ينادونه الصلاة
وفي القوم رجل من بني تميم فجعل يقول: الصلاة الصلاة، قال: فغضب،
قال: أتعلّمني بالسنّة شهدت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الظهر والعصر
والمغرب والعشاء. قال عبدالله: فوجدت في نفسي من ذلك شيئاً فلقيت

1 . صحيح مسلم: 2 / 152، باب الجمع بين الصلاتين.
2 . صحيح مسلم: 2 / 153 .

صفحه 350
أبا هريرة فسألته، فوافقه .(1)
هذه الروايات الّتي نقلناها من الصحاح والسنن والمسانيد أحاديث اعتنى بنقلها حفّاظ المحدّثين وأكابرهم، ولا يمكن لأحد أن ينكرها أو يرفضها. وقد ناهز عددها، ثمانياً وعشرين رواية.
***

1 . مسند أحمد: 1 / 251 .

صفحه 351
 
7

تأويل النصوص لنصرة المذهب

إنّ الروايات المتقدّمة تدلّ بوضوح على أنّ الجمع أحد الخيارين الواجبين، وأنّ صاحب الشريعة رخّص في الجمع، ولم يوجب التفريق .
ولمّا كانت الروايات مخالفة للمذهب المشهور بين فقهاء الجمهور حاول بعضهم أن يؤوّل الروايات بما لا ينسجم مع النصوص، وكان الأَولى بهم أن يأخذوا بها ويتركوا ما ورثوه من لزوم التفريق. وها نحن نأتي بتأويلاتهم ، حتّى يقف القارئ على مدى تعصّب القوم بالنسبة إلى المذهب والتساهل بما ورد في السنّة .

التأويل الأوّل: الجمع لأجل وجود المطر

1. أخرج البخاري عن ابن عباس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. فقال أيوب: لعلّه في ليلة مطيرة قال: عسى .(1)
2. أخرج أبو داود عن عبدالله بن عباس قال: صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر.

1 . صحيح البخاري: 1 / 110، باب تأخير الظهر إلى العصر من كتاب الصلاة، الحديث 543 .

صفحه 352
قال مالك: أرى ذلك كان في مطر.(1)
أقول: إنّ السبب لحمل الروايات على صورة وجود المطر، هو وجود الرأي المسبق في المسألة، وإلاّ فروايات الباب صريحة في أنّ هذا الجمع كان بلا عذر، ولو رجعت إلى الروايات الّتي نقلناها في الأصناف الثلاثة، لأذعنت أنّ الجمع لم يكن لعذر، بل كان لغاية رفع الحرج عن الأُمّة، والتوسعة عليها.
وقد جاء في روايات الصنّف الأوّل أنّ الجمع كان في غير خوف ولا مطر، وعُلِّل ذلك بأنّه كان لأجل رفع الحرج عن الأُمّة، (2) فكيف يمكن أن يؤوَّل في هاتين الروايتين بوجود المطر؟
ولذلك قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: منهم من تأوله على أنّه جمع، بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من كبار المتقدّمين. ثم رد عليه بأنّه ضعيف بالرواية الأُخرى من غير خوف ولا مطر .(3)
أقول: جاء قوله: «ولا مطر» في موضعين (4) ومعه كيف يُحمل على الليلة المطيرة؟
وممّا يثير العجب، ويدعو إلى الاستهجان، أنّ ذيل الرواية الأُولى (رواية البخاري عن ابن عباس) قد حُرِّف في كتيّب الدكتور طه الدليمي إلى الشكل التالي: (فقيل: لعلّه في ليلة مطيرة؟ قال ابن عباس: عسى)(5)!!
وأنت ترى أنّ الوارد فيها (فقال أيوب: لعلّه في ليلة مطيرة؟ قال: عسى).

1 . موطأ مالك: 1 / 44، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، الحديث 4 .
2 . لاحظ ما ورد في الصنف الأوّل .
3 . شرح صحيح مسلم للنووي: 5 / 225 .
4 . لاحظ الصنف الأوّل: 343 برقم 4 و 5 .
5 . نحو وحدة إسلامية حقيقية «مواقيت الصلاة» نموذجاً: 88 .

صفحه 353
وليس في الذيل «قال ابن عباس» خبر ولا أثر.
والقائل هو أيوب السَّختياني، والمقول له ـ كما يقول ابن حجر (1) ـ هو أبو الشعثاء، ويؤكّده أنّ أيوب لم يدرك ابن عباس، لأنّ مولده كان في سنة وفاة ابن عباس، أي في سنة (68 هـ)، فكيف يطرح عليه هذا التساؤل: (لعلّه في ليلة مطيرة؟).
وهكذا يتبيّن أنّ تأويل حديث ابن عباس (الصريح في الجمع من غير علّة) بسقوط المطر، إنّما صدر عن أيوب احتمالاً، وأيّده فيه أبو الشعثاء .
وسيوافيك في التأويل الثاني أنّ أبا الشعثاء وافق عمرو بن دينار في ظنّه أنّ الجمع كان بمعنى تأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب وتعجيل العشاء، فلا علاقة لابن عباس إذاً بهذه الاحتمالات والظنون، وهو بعلمه وفقهه أجلّ من أنْ تدور هذه الأوهام في خلَده، ولكنّ مقلّدة المذاهب لا تهمّهم الحقائق مهما بدت ساطعة، بقدر ما يهمّهم نصرة مذاهبهم، وإنْ سلكوا أوعر الطرق.
وأمّا الرواية الثانية: فالمؤوِّل هو مالك الّذي توفّي سنة (179 هـ) فكيف يمكن له أن يفسّر كلام ابن عباس مع وجود البون الشاسع بينه وبين الراوي.
ولعمر القارئ إنّ هذا التأويل أبرد من الثلج، فإنّ الوارد في الصنف الأوّل من الروايات الّتي ذكرناها ينادي بصوت عال: إنّ السبب الوحيد للجمع هو عدم إحراج الأُمّة، وقد جاوز عدد الروايات فيه العشر، ومعه كيف يمكن حمل الروايات على وجود العذر وهو المطر؟!

1 . فتح الباري: 2 / 23 .

صفحه 354

التأويل الثاني: الجمع كان صورياً

ربّما تُحمَل الروايات على أنّ الجمع كان صورياً، ولم يكن حقيقياً بمعنى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أخّر الظهر إلى حد بقي من وقتها مقدار أربع ركعات فصلّى الظهر ودخل وقت العصر فصلّى العصر فكان جمعاً بين الصلاتين، ويستدلّون على ذلك بالروايات التالية.
1. أخرج مسلم عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّيت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت: يا أبا الشعثاء، أظنّه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذاك .(1)
2. أخرج أحمد عن سفيان، قال عمرو: وأخبرني جابر بن زيد أنّه سمع ابن عباس يقول: صلّيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت له: ياأبا الشعثاء أظنّه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك.(2)
3. أخرج عبدالرزاق عن عمرو بن دينار أنّ أبا الشعثاء أخبره أنّ ابن عباس أخبره، قال: صلّيت وراء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً بالمدينة. قال ابن جريج، فقلت لأبي الشعثاء: إنّي لأظن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أخّر من الظهر قليلاً وقدّم من العصر قليلاً. قال أبو الشعثاء: وأنا أظن ذلك .(3)
إنّ المؤوِّل في الروايتين الأُوليين هو عمرو بن دينار وجابر بن زيد المكنّى بأبي الشعثاء، وفي الثالثة ابن جريج وأبو الشعثاء، ولا يُعتدّ بظنّهم إذ لم

1 . صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر (1519) .
2 . مسند أحمد: 1 / 221 .
3 . مصنّف عبدالرزاق: 2 / 556، ح 4436 .

صفحه 355
يستندوا إلى دليل يُركن إليه، وإنّما ظنّوا أنّ الجمع كذلك، ومثل هذا الظن لا يُغني من الحق شيئاً.
قال محيي الدين النووي الشافعي: ومنهم من تأوّله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاّها فيه، فلمّا فرغ منها دخلت الثانية، فصلاّها فصارت صلاته صورة جمع.
ثم ردّه وقال: وهذا أيضاً ضعيف أو باطل، لأنّه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، وفعل ابن عباس الّذي ذكرناه حين خطب واستدلاله بالحديث لتصويب فعله، وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره، صريح في ردّ هذا التأويل.(1)
وكان على النووي أن يردّ عليه بما ذكرناه، وهو أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الصلاتين بغية رفع الحرج عن الأُمّة، والجمع بالنحو المذكور أكثر حرجاً من التفريق.
قال ابن قدامة: إنّ الجمع رخصة، فلوكان على ما ذكروه لكان أشدّ ضيقاً وأعظم حرجاً من الإتيان بكلّ صلاة في وقتها، لأنّ الإتيان بكل صلاة في وقتها أوسع من مراعاة طرفي الوقتين، بحيث لا يبقى من وقت الأُولى إلاّ قدر فعلها.(2)

مفهوم الجمع في عامّة الموارد واحد

وممّا يدل على أنّ الجمع حقيقي هو أنّ المتبادر من الجمع في عامّة

1 . شرح صحيح مسلم: 5 / 225 .
2 . المغني: 2 / 114 .

صفحه 356
المواضع (الجمع في عرفة والمزدلفة، والجمع في السفر، والجمع في الحضر لعذر) واحد فإنّه في هذه المواضع عبارة عن الإتيان بالصلاتين في وقت واحد. فالجمع في عرفة بمعنى الإتيان بهما بعد الزوال، وفي المزدلفة الإتيان بالمغرب والعشاء بعد ذهاب الشفق، وهكذا الجمع في السفر، فكيف يُحمل الجمع في هذه الموارد على الجمع الحقيقي دون ما نحن بصدده؟
قال الحافظ أبو سليمان الخطّابي : ظاهر اسم «الجمع» عرفاً لا يقع على من أخّر الظهر حتّى صلاّها في آخر وقتها وعجّل العصر فصلاّها في أوّل وقتها، لأنّ هذا قد صلّى كلّ صلاة منهما في وقتها الخاص بها.
قال: وإنّما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معاً في وقت أحدهما، ألا ترى أنّ الجمع بعرفة بينهما، ومزدلفة كذلك.(1)
***

مع الشوكاني في قوله: إنّ الجمع كان صورياً

تبنّى الشوكاني ما قيل من أنّ الجمع حصل بطريقة الجمع الصوري، وأيّده بوجوه ثلاثة:
1. ما أخرجه مالك في الموطّأ والبخاري وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود، قال: ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)صلّى صلاة لغير ميقاتها إلاّ صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وصلّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها.
قال الشوكاني: نفى ابن مسعود مطلق الجمع وحصره في جمع المزدلفة، وصلاة الفجر قبل ميقاتها مع أنّه ممّن روى حديث الجمع بالمدينة كما تقدّم،

1 . معالم السنن: 2 / 52، ح 1163; عون المعبود: 1 / 468 .

صفحه 357
فهو يدلّ على أنّ الجمع الواقع بالمدينة جمع صوري، ولو كان جمعاً حقيقياً لتعارضت روايتاه، والجمع ما أمكن المسير إليه هو الواجب.(1)
يلاحظ عليه :
أوّلاً: أنّ ما ذكره من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)«جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وصلّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها» دليل على وحدة مفهوم الجمع في المزدلفة وغيرها الّذي ورد في هذه الروايات، فكيف يصح لابن مسعود ومن تبعه أن يفسّر الجمع في المزدلفة بالمعنى الحقيقي وفي غيره بالصوري؟
وثانياً: أنّه لا يمكن الركون إلى هذه الرواية لأنّها حصرت جمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمزدلفة وصلاة الصبح، مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بعرفة باتّفاق الفقهاء والرواة.
وثالثاً: أنّ ابن مسعود نفسه روى جمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الصلاتين في المدينة وقال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعت ذلك لئلاّ تحرج أُمّتي.(2)
وقد عرفت أنّ الجمع الصوري أشدّ حرجاً من الجمع الحقيقي، فإنّ معرفة أواخر الأوقات وأوائلها على وجه الضبط كان مشكلاً في الأعصار السابقة، فلا محيص من تفسير الجمع بالجمع الحقيقي، وهذا دليل على أنّ رواية الحصر في المزدلفة لا يصحّ الاحتجاج بها.
2. ما أخرحه ابن جرير عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فكان يؤخّر الظهر ويعجِّل العصر فيجمع بينهما، ويؤخّر المغرب ويعجِّل العشاء

1 . نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار: 3 / 217 .
2 . لاحظ رقم 9 من الصنف الأوّل ص 344.

صفحه 358
فيجمع بينهما. وهذا هو الجمع الصوري.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أورد المتقي الهندي هذه الرواية في كتابه «كنز العمال»، وفيها: (خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)...) (2)، وليس (خرج علينا...)، وهذا يعني أنّه كان في سفر، والجمع في السفر كان جمعاً حقيقياً بشهادة ما رواه النسائي في سننه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلّى الظهر ثم ركب .(3)
ثانياً: أنّ ما قام به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الجمع بين الصلاتين، يمكن أن يكون جمعاً حقيقياً، كما يمكن أن يكون جمعاً صورياً، والراوي (ابن عمر) لم يذكر لفظ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّما أوّل فعله، وهذا يعني أنّه قاله انطلاقاً من فهمه، والشاهد على ذلك أنّ هذا التأويل صدر ظناً عن عمرو بن دينار، ووافقه عليه أبو الشعثاء، كما في الرواية التالية:
أخرج مسلم في صحيحه ،عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّيت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت: يا أبا الشعثاء أظنّه أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل العشاء. قال: وأنا أظن ذاك.(4)

1 . نيل الأوطار: 3 / 217 .
2 . كنز العمال: 8 / 250 برقم 22786 .
3 . سنن النسائي: 1 / 284، باب الوقت الّذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر. ولاحظ أيضاً صحيح مسلم: 2 / 151، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة ; وسنن ابن داود: 2 / 8 ، كتاب الصلاة الباب الجمع بين الصلاتين ; ومسند أحمد: 5 / 241 إلى غير ذلك من الروايات الدالة على أنّ الجمع في السفر كان جمعاً حقيقياً.
4 . صحيح مسلم: 2 / 152. ولاحظ أيضاً مسند أحمد: 1 / 223 .

صفحه 359
ومن هنا قال الشيخ الألباني عن الحديث الّذي أخرجه النسائي عن ابن عباس، قال: (صلّيت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، أخّر الظهر وعجّلَ العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء)، قال عنه: صحيح دون قوله (أخّر الظهر... الخ) فإنّه مُدْرَج.(1)
ثالثاً: في سند الرواية (رواية ابن جرير)، أبو قيس (2)، وهو (عبد الرحمن بن ثَرْوان الأوديّ)، وقد تكلّم فيه غير واحد، وإنْ وثّقه ابن مَعين وغيره.
قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه، فقال: هو كذا وكذا ـ وحرّك يده، وهو يخالف في أحاديث.
وعن أحمد: لا يُحتجّ به.
وقال أبو حاتم: ليّن الحديث.(3)
3. ما أخرجه النسائي عن ابن عباس قال صلّيت مع النبي الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، «أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل العشاء».
يلاحظ عليه: أنّ التفسير ـ أعني قوله: «أخّر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء» ـ ليس من حديث ابن عباس، بل هو من كلام عمرو بن دينار، ولذا وصفه الألباني بأنّه مُدَرج، كما تقدّم.
وحاصل الكلام: أنّ القوم لمّا اعتادوا على التوقيت والتفريق بين الصلوات زعموا أنّ التوقيت فرض لا يترك، ولمّا وقفوا على هذه الروايات

1 . نحو وحدة إسلامية حقيقية «مواقيت الصلاة» نموذجاً: 89 .
2. كنز العمال:8/250 برقم 22786.
3 . ميزان الاعتدال:2/553 برقم 4832.

صفحه 360
الهائلة أخذ كلّ مهرباً، فتارة حملوا الروايات على وجود المطر كما مرّ، وأُخرى على أنّ الجمع كان صورياً كما عليه عمرو بن دينار، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وابن جريج، ولمّا صار التفريق عادة راسخة، صار الخلاف عندهم أمراً غريباً، ولذلك وقع في نفس عبدالله بن شقيق نوع شك واستبعاد من قول ابن عباس بالبصرة (رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء)، ولم تسكن نفسه إلاّ بعد ما سأل أبا هريرة عن ذلك فصدّق ابن عباس .(1)

التأويل الثالث: الجمع لأجل الغيم

أوّل بعضهم روايات الجمع بأنّه كان في غيم، فصلّى الظهر ثم انكشف الغيم وبان أنّ وقت العصر دخل فصلاّها.
وهذا الاحتمال من الوهن بمكان، وكفى في وهنه ما ذكره النووي حيث قال: إنّه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر ولكن لا احتمال فيه في المغرب والعشاء، مع أنّ الجمع لم يكن مختصّاً بالظهرين، بل جمع بين المغرب والعشاء حتّى أنّ ابن عباس أخّر المغرب إلى وقت العشاء .(2)
أضف إلى ذلك: أنّه لو كان الجمع لأجل ذلك، لصرّح به، أفيُحتمل أنّ حبر الأُمة غفل عن هذا القيد، أو ذكره ولم ينقل عنه؟ وهكذا غيره نظراء أبي هريرة، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن مسعود.

1 . مسند أحمد: 1 / 251 .
2 . شرح صحيح مسلم: 5 / 225 .

صفحه 361

التأويل الرابع: الجمع كان لمرض

وقد أوّل الروايات المذكورة بعض من لا يروقه الجمع بين الصلاتين، وقال بأنّ الروايات محمولة على الجمع بعذر المرض أو نحوه، نقله النووي عن أحمد بن حنبل والقاضي حسين من الشافعية واختاره الخطّابي والمتولّي والروياني من الشافعية. واختاره النووي، وقال: وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة، ولأنّ المشقة فيه أشدّ من المطر.(1)
أقول: هذا التأويل كسائر التأويلات في الوهن والسقوط، ويردّه فعل ابن عباس، حيث جمع بين المغرب والعشاء ولم يكن هناك مرض ولا مريض، بل كان يخطب الناس وطال كلامه حتى مضى وقت فضيلة المغرب، فصلّى المغرب مع العشاء في وقت واحد.
على أنّه لو كان التأخير للمرض، لجاز لخصوص المريض لا لمن لم يكن مريضاً مع أنّ النبي جمع بين الصلاتين مع عامّة أصحابه، واحتمال أنّ المرض عمّ الجميع بعيد غاية البعد.(2)
وإلى هذا المعنى ذهب الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقال: لو
كان جمعه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصلاتين لعارض المرض لما صلّى معه إلاّ من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنّه صلّى بأصحابه، وقد صرّح بذلك ابن عباس في روايته.(3)

1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/226.
2 . لاحظ نيل الأوطار للشوكاني:3/216.
3 . فتح الباري:2/24.

صفحه 362
وهذا هو الخطّابي يحكي في معالمه عن ابن المنذر (1) أنّه قال: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار، لأنّ ابن عباس قد أخبر بالعلّة فيه وهو قوله: «أراد أن لا تحرج أُمّتُه» وحكي عن ابن سيرين أنّه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتّخذه عادة.(2)
وقال محقّق كتاب سنن الترمذي، تعليقاً على كلام الخطابي : وهذا هو الصحيح الذي يؤخذ من الحديث، وأمّا التأوّل بالمرض أو العذر أو غيره فإنّه تكلّف لا دليل عليه، وفي الأخذ بهذا رفع كثير من الحرج عن أُناس قد تضطرهم أعمالهم أو ظروف قاهرة إلى الجمع بين الصلاتين ويتأثّمون من ذلك ويتحرّجون، وفي هذا ترفيه لهم وإعانة على الطاعة ما لم يتّخذه عادة، كما قال ابن سيرين.(3)
وما ذكره وان كان حقّاً ولكن في كلامه تضييق أيضاً لما وسّعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فحصر الجمع بمن له حاجة ليس له ما يبرّره مع ورود الأخبار بأنّ النبي (بإذن من اللّه تعالى) وسّع على وجه الإطلاق سواء أكانت هناك علّة أم لا.
نعم لا شكّ أنّ التوقيت أفضل، ومَن أتى بكلّ صلاة في وقتها (وقت الفضيلة) أفضل من إتيانها في الوقت المشترك، ومع ذلك فمجال الإتيان بها في الشريعة أوسع.

1 . محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، نزيل مكة (المتوفّى 318 هـ): فقيه مجتهد، حافظ. له كتب، منها: المبسوط في الفقه، والإشراف على مذاهب أهل العلم، واختلاف العلماء. طبقات الفقهاء للشيرازي: 108 ; وسير أعلام النبلاء: 14 / 490 برقم 275 .
2 . معالم السنن: 1/265.
3 . سنن الترمذي:1/358، قسم التعليقة بقلم أحمد محمد شاكر.

صفحه 363
 
التأويل الخامس: كان الجمع لأحد الأعذار المبهمة
لمّا كان تعيين العذر المسوِّغ للجمع، أمراً مشكلاً سلك بعضهم مسلك الإبهام والإجمال، وذهب إلى أنّ الجمع كان لأحد الأعذار المسوِّغة، من دون تعيين.
وممّن عرّج على هذا الاحتمال مفتي السعودية السابق عبد العزيز بن باز في تعليقة مختصرة له على «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» فهو لمّا ضعّف مختار ابن حجر في تفسير الجمع (الجمع الصوري) بقوله هذا الجمع ضعيف، قال:
الصواب حمل الحديث المذكور على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الصلوات المذكورة لمشقّة عارضة ذلك اليوم من مرض غالب أو برد شديد أو وحل ونحو ذلك، ويدلّ على ذلك قول ابن عباس، لمّا سئل عن علّة هذا الجمع، قال: لئلاّ يحرج أُمّته ثمّ استحسن هذا الجمع وقال: وهو جواب عظيم سديد شاف.(1)
يلاحظ عليه: أنّ هذا الجمع كالجمع الذي ضعّفه في الضعف والوهن سواء، وذلك لأنّه يخالف رواية ابن عباس وعمله، فإنّه جمع بين الصلاتين في البصرة من دون أن يكون هناك مرض غالب أو برد شديد أو وحل.
أضف إلى ذلك: إطلاق التعليل، أعني: رفع الحرج عن الأُمّة، فإنّ الحرج لا يختصّ بصور الأعذار، بل يعمّ إلزام الناس بالتفريق بين الصلوات على وجه

1 . فتح الباري بشرح صحيح البخاري:2/24، بتعاليق عبد العزيز بن باز.

صفحه 364
الإيجاب عبر الحياة.
ولابن الصدّيق في تأليفه المنيف المسمّى بـ «إزالة الحظر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر» كلام قيّم، لابأس بإيراده هنا:
قال: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صرّح بأنّه فعل ذلك ليرفع الحرج عن أُمّته وبيّن لهم جواز الجمع إذا احتاجوا إليه، فحمله على المطر بعد هذا التصريح من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة الذين رووه، تعسّف ظاهر، بل تكذيب للرواة ومعارضة للّه والرسول، لأنّه لو فعل ذلك للمطر لما صرّح النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلافه، ولما عدل الرواة عن التعليل به، إلى التعليل بنفي الحرج، كما رووا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه كان يأمر المنادي أن ينادي في الليلة المطيرة: «ألا صلّوا في الرحال» ولم يذكروا ذلك في الجمع فكيف وقد صرّحوا بنفي المطر؟!
وأضاف أيضاً وقال: إنّ ابن عباس الراوي لهذا الحديث أخّر الصلاة وجمع لأجل انشغاله بالخطبة، ثمّ احتجّ بجمع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ولا يجوز أن يحتجّ بجمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للمطر ـ و هو عذر بيّن ظاهر ـ على الجمع لمجرّد الخطبة أو الدرس الذي في إمكانه أن يقطعه للصلاة ثمّ يعود إليه أو ينتهي منه عند وقت الصلاة، ولا يلحقه فيه ضرر ولا مشقّة، كما يلحق الإنسان في الخروج في حالة المطر والوحل.(1)
حصيلة الكلام: أنّ هذا التشريع من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من اللّه سبحانه أضفى على الشريعة مرونة قابلة للتطبيق على مرّ العصور وفي كافّة صُعُد الحياة مهما تطوّرت.
إنّ من يحسّ بواقع الحياة المتطوّرة العصر الحاضر وتعقيداتها، يقف على

1 . إزالة الحظر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر:116ـ 120.

صفحه 365
أنّ التفريق بين الصلاتين ـ خصوصاً الظهر والعصر ـ أمر شاق على العمال والموظفين بنحو قد ينتهي بهم، إمّا إلى تحمّل المشقّة الكبيرة، أو إلى ترك الصلاة من رأس، وربما ينجرّ الأمر إلى الإعراض عن الفريضة.
ومن هنا ينبغي لفقهاء السنّة الواعين أن يأخذوا بنظر الاعتبار السماحة التي نادى بها الإسلام، في اجتهاداتهم، والسعة التي جاءت بها الأخبار في حساباتهم، وأن يعلنوا للملأ بصراحة أنّ الجمع بين الظهرين والعشاءين أمر مرخّص فيه موافق للشريعة، وإن كان التوقيت أفضل، فمن فرّق فله فضل التوقيت، ومن جمع فقد أدّى الفريضة.
إنّ هذه الروايات الّتي قارب عددها الثلاثين، تدلّ على أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قام بأمر من صاحب الشريعة بالجمع بين الصلاتين لأجل رفع الحرج عن المسلمين والتوسعة عليهم، وأنّهم على خيار بين التفريق والجمع، وليس الثاني أداءً للصلاة في غير وقتها بل في غير وقت الفضيلة، وقد عرفت أنّ هذا المذهب يؤيّده الذكر الحكيم، كما في قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ). وقوله: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ)(1).
فاللازم العمل بالكتاب والسنّة المطهرة، مكان الجمود والتعصّب للمذاهب الفقهية.

1 . هود: 114 .

صفحه 366
الجمع بين الصلاتين في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)   
 
8

الجمع بين الصلاتين في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)

إنّ كاتب الرسالة زعم أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)قالوا بعزيمة التفريق وحرمة الجمع إلاّ في موارد خاصّة، واستشهد بالروايات المروية عنهم لبيان وقت الفضيلة، وأغفل ما دلّ على الترخيص اختياراً وبلا عذر، ولأجل ذلك نأتي بما عليه الإمامية في وقت الصلوات، مع ذكر روايات أئمة أهل البيت (صلى الله عليه وآله وسلم)في مجال الجمع.
أقول: اتّفقت الإمامية على الجواز، وإنْ كان التفريق أفضل.
وليس معنى الجمع بين الصلاتين في مذهب الإمامية الإتيان بإحدى الصلاتين في غير وقتها الشرعي، بل المراد الإتيان بها في وقت الإجزاء، ولكن في غير وقت الفضيلة، وإليك التفصيل:
قالت الإمامية: إنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان ـ أي وقت الظهر والعصر ـ إلاّ أنّ صلاة الظهر يُؤتى بها قبل العصر، وعلى ذلك فالوقت بين الظهر والغروب وقت مشترك بين الصلاتين، غير أنّه يختص مقدار أربع ركعات من الزوال بالظهر، ومقدار أربع ركعات قبل الغروب بالعصر، وما بينهما وقت مشترك، فلو صلّى الظهر والعصر في أي وقت (من الزوال إلى الغروب) فقد أتى بهما في وقتهما، وذلك لأنّ الوقت مشترك بينهما، غير أنّه يختص بالظهر مقدار أربع ركعات من أوّل الوقت ولا تصحّ فيه صلاة العصر، ويختص بالعصر مقدار

صفحه 367
أربع ركعات من آخر الوقت ولا يصحّ الإتيان بصلاة الظهر فيه.
هذا هو واقع المذهب، فالجامع بين الصلاتين في غير الوقت المختصّ به آت بالفريضة في وقتها فصلاته أداء لا قضاءً.
ومع ذلك فلكلّ من الصلاتين ـ وراء وقت الإجزاء ـ وقت فضيلة.
فوقت فضيلة الظهر يبدأ من أوّل الزوال إلى أن يبلغ ظل الشاخص الحادث بعد الانعدام أو بعد الانتهاء مثله، ووقت فضيلة العصر من المثل إلى المثلين عند المشهور.
وبذلك يعلم وقت صلاتي المغرب والعشاء، فإذا غربت الشمس دخل الوقتان إلى نصف الليل، وتختصّ صلاة المغرب بأوّله بمقدار أدائها، وصلاة العشاء بآخره كذلك، وما بينهما وقت مشترك، ومع ذلك فلكلّ من الصلاتين وقتَ فضيلة، فوقت فضيلة صلاة المغرب من المغرب إلى ذهاب الشفق وهي الحمرة المغربية، ووقت فضيلة العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل.(1)
وأكثر مَن يستغرب جمع الشيعة الإمامية بين الصلاتين لأجل أنّه يتصوّر أنّ الجامع يصلّي إحدى الصلاتين في غير وقتها، ولكنّه عزب عن باله أنّه يأتي بالصلاة في غير وقت الفضيلة، ولكنّه يأتي بها في وقت الإجزاء، ولا غرو أنّ يكون للصلاة أوقاتاً ثلاثة.
أ. وقت الاختصاص كما في أربع ركعات من أوّل الوقت وآخره، أو ثلاث ركعات بعد المغرب وأربع ركعات قبل نصف الليل.
ب. وقت الفضيلة، وقد عرفت تفصيله في الظهرين والعشاءين.

1 . لاحظ العروة الوثقى:171، فصل في أوقات اليومية.

صفحه 368
ج. وقت الإجزاء، وهو مطلق ما بين الحدّين إلاّ ما يختصّ بإحدى الصلاتين، فيكون وقت الإجزاء أعمّ من وقت الفضيلة وخارجه.
وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)أنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلاّ أنّ هذه قبل هذه.
وبما أنّ كاتب الرسالة أغفل أكثر ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً، كما أغفل بيان نظرية المذهب في الجمع بين الصلاتين، وأنّه ليس بمعنى إقامة إحدى الصلاتين في وقت الأُخرى، بل جمع بينهما في وقت الإجزاء، وأنّ دلوك الشمس إلى غروبها وقت للصلاتين كما هو الظاهر من آية الدلوك (أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)فلذلك نذكر ما هو مذهب أئمة البيت(عليهم السلام)في ذلك عبر الروايات ، حتّى يتبيّن أنّ
الكاتب ينتقي من الأحاديث ما ينفعه بظاهره، ويترك ما يضرّه بصريحه.
1. محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال : «إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر، فإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة».(1)
2. عن القاسم بن عروة، عن عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن وقت الظهر والعصر؟ فقال: «إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر جميعاً، إلاّ أنّ هذه قبل هذه، ثم أنت في وقت منهما جميعاً حتّى تغيب الشمس».(2)
3. عن معاوية بن عمّار، عن الصباح بن سيّابة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين».(3)

1 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 1 .
2 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 5 .
3 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 8 .

صفحه 369
4. عن منصور بن يونس، عن العبد الصالح (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين».(1)
5. عن إسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام): ذكر أصحابنا أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة، إلاّ أن هذه قبل هذه في السفر والحضر، وإنّ وقت المغرب إلى ربع الليل. فكتب: «كذلك الوقت، غير أن وقت المغرب ضيّق».(2)
6. عن مالك الجهني قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن وقت الظهر؟ فقال: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين».(3)
7. عن عبدالله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علّة».(4)
8. عن عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل، إلاّ أنّ هذه قبل هذه، وإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلاّ أنّ هذه قبل هذه».(5)
9. عن سفيان بن السمط، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين».(6)
10. عن داود بن فرقد عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إذا

1 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 10 .
2 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 20 .
3 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 11 .
4 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 5 .
5 . جامع أحاديث الشيعة: ج 4، الباب 3 من مواقيت الصلاة، الحديث 11 .
6 . الوسائل: ج 4، الباب 4 من أبواب المواقيت، الحديث 9 .

صفحه 370
زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتّى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك، فقد دخل وقت الظّهر والعصر حتّى يبقى من الشّمس مقدار ما يصلّي (المصلي) أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظّهر وبقي وقت العصر حتّى تغيب الشّمس».(1)
هذه عشرة كاملة تدلّ بوضوح على أنّ بين الحدّين ـ الدلوك والغروب ـ وقت للصلاتين إلاّ ما استثني مقدار أربع ركعات من أوّل الوقت وآخره، كما أنّ بين الغروب وانتصاف الليل (الغسق) وقت للصلاتين إلاّ ما استثني، كما في الظهرين، فبأي دليل ترك أصحاب (المبرّة) أحاديث آل البيت وراءهم ظهريّاً، واقتصروا على ما دلّ على أفضلية التفريق مستنتجين منها، العزيمة، والتعّين؟ أليس عملهم هذا يجسد قول القائلين: (نُؤْمِنُ بِبَعْض وَ نَكْفُرُ بِبَعْض)(2)؟
إنّ من الأسباب الدافعة إلى صلاحية الإسلام للبقاء والخلود، مرونة أحكامه الّتي تمكّنه من أن يواكب جميع الأزمنة والحضارات.
ومن العوامل الموجبة لمرونة هذا الدين وانطباقه على جميع الحضارات الإنسانية ،وجود القوانين الخاصة الّتي لها دور التحديد والرقابة بالنسبة إلى عامّة تشريعاته، وقد تمثّلت تلك القوانين بنفي الحرج والضرر، قال سبحانه: (وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج )(3)، وقال سبحانه: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(4).

1 . جامع أحاديث الشيعة: ج 4، الباب 3 من مواقيت الصلاة، الحديث 19 .
2 . النساء: 150 .
3 . الحج: 78 .
4 . البقرة: 185 .

صفحه 371
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا ضرر ولا ضرار» .(1)
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله...».(2)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث لعثمان بن مظعون: «يا عثمان لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة...».(3)
فهذه الآيات والروايات تعرب عن أنّ الإسلام دين الوسط بين التحجّر والجمود، والانحلال ورفض القيود ، ولذلك نرى أنّ كثيراً من الأحكام إنّما تجري على المكلّفين بشرط أن لا يكون ضررياً أو حرجياً أو غير ذلك.
هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّه سبحانه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه يحب أن يؤخذ برخصه، وقد عرفت أنّ الصادع بالحق جمع بين الصلاتين في الحضر من دون سفر ولا علّة بل لتسهيل الأمر على الأُمّة، وقد تضافر ذلك بل تواتر عنه ضمن ما يقارب ثلاثين رواية كما مرّ، فالإعراض عن الشريعة السهلة السمحاء وعدم الاعتداد بما ورد من الترخيص ينافي روح التسليم لما قضى الله ورسوله به، يقول سبحانه: (وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن وَ لاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً
مُبِينًا
)(4)، وقال عز من قائل: (فَلاَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ

1 . مسند أحمد: 5 / 327 .
2 . الكافي: 2 / 86 ، باب الاقتصاد في العبادة; مسند أحمد: 3 / 199 ; سنن البيهقي: 3 / 18 و 19 ; كنز العمال: 3 / 40 برقم 5378 .
3 . الكافي6 5 / 494 ح 1، باب كراهية الرهانية; ; تفسير الرازي: 32 / 47 ; شرح نهج البلاغة: 15 / 144.
4 . الأحزاب: 36 .

صفحه 372
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيًما)(1) .
كلّ ذلك ينبغي أن يبعث فقهاء الجمهور على أن يدرسوا مسألة الجمع بين الصلاتين من دون رأي مسبق ومن دون تقليد لأئمة الفقه، بل في جو هادئ مجرد عن التعصّب والتقليد. لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً. خصوصاً أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي قام بتحديد مواقيت الصلوات الخمس، هو نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي جمع بين الصلاتين لرفع الحرج عن أُمّته ، ولم يترك ذلك للأجيال الآتية حتّى يقوم الفقهاء بتحديدها في ضوء ما دلّ على عدم الحرج في الدين.
وهناك أمر مهم نعطف نظر الفقهاء إليه، وهو أنّ إيقاع الصلاة في المواقيت الخمسة وإن كان مقروناً بالفضيلة إلاّ أنّ الإصرار عليها في عامّة الظروف صار سبباً لترك الصلاة من قبل كثير من العمال والموظفين والشباب الجامعيين خصوصاً في أوربا وأمريكا وغيرها من بلاد الغرب، لأنّ ظروف الحياة وكيفية العمل والاشتغال لا تسمح لهم بأداء الصلاة في أوقات مختلفة، كلّ ذلك من نتائج الإصرار على حفظ مواقيت الصلوات الخمس وعدم المبالاة بالرخص الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته في غير واحد من الموارد. وعلى ذلك فإنّ مغبَّة ترك الصلاة من قبل هؤلاء ستقع على عاتق هؤلاء المصرّين على أنّ لكلّ صلاة وقتاً خاصاً لا غير.
***
   

1 . النساء: 65 .

صفحه 373
 
خاتمة

تساؤلات وأجوبتها

إنّ في الكتيّب أُموراً تحتاج إلى إيضاح:
1. يقول مؤلّف الكتيّب: نشأت في بيئة يرفع الأذان من بعض مآذنها ثلاث مرات، ومن البعض الآخر خمس، وتولّدت في نفسي تساؤلات ـ إلى أنّ قال: إنّ الاقتصار على ثلاثة أوقات أقلّ ما فيه أنْ يَدع المسلم في شك من صحّة أداء أعظم أعمال الدين مهما كانت درجة هذا الشك، أمّا تفريق الصلوات على أوقاتها فإنّه يقطع هذا الشك، ويبعث في النفس الطمأنينة والارتياح .(1)
الجواب: إنّ من أقفل باب الاجتهاد على نفسه ولم يدرس ما ورد في الكتاب والسنّة حول أوقات الصلاة، ربّما يعرض له الشك فعليه أنّ يحتاط بالتفريق، لأنّ وظيفة الجاهل عند الشك في المكلَّف به هو الاحتياط، والاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة .
وأمّا من فتح باب الاجتهاد على مصراعيه، وأمعن النظر في الكتاب والسنّة وامتثل قول الله سبحانه: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(2) وضمّ ما فهمه من الكتاب، إلى ما ورد في السنّة المطهرة، وما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، أعدال الكتاب وقرنائه في حديث الثقلين، فيلزم عليه العمل بما

1 . نحو وحدة إسلامية حقيقية «مواقيت الصلاة» نموذجاً : 12.
2 . محمد: 24 .

صفحه 374
صدع به الحق في الكتاب والسنّة، وقد عرفت دلالتهما على سعة الوقت وعدم ضيقه، وأنّ بين الدلوك والمغرب وقت للصلاتين، كما أنّ طرفي النهار أوقات للصلاة، ودلّت السنّة المحمدية على أنّه جمع بين الصلاتين بلا عذر ولا علّة لئلاّ يحرج أُمّته، فالجامع إذاً بين الصلاتين على بينة من ربه بفضل كتابه وسنّة نبيه.
ثم إنّ التفريق إذا كان موافقاً للاحتياط، فإنّه مخالف له من جانب آخر، وذلك أنّ إلزام الناس بالتفريق صار سبباً ـ كما قلنا ـ لترك الصلاة في كثير من البلدان بين الشباب والعمال الموظفين حيث لا تسمح لهم الظروف بالتفريق، ووِزر هؤلاء في ترك عمود الدين على ذمة هؤلاء المفتين المنغلقين على أنفسهم.
***
2. لو سألت أي عالم عن جمع الصلوات وتفريقها: أيّهما أفضل: الجمع، أم الإفراد، لأجاب: إنّ الإفراد أفضل فلماذا نترك الأفضل؟
الجواب: لاشك أنّ الإفراد أفضل، وليس ثمّة ما يمنع من الإفراد، ولكن الإصرار على التفريق، والقول بأنّ مَن جمع بين الصلاتين كمن ترك الصلاتين، بدعة وضلالة، لأنّه إفتاء على خلاف الكتاب وعلى خلاف ما تضافر عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)بأنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلاّ أنّ هذه قبل هذه.
فأي العملين أقرب إلى الضلال: عملُ من جمع بين الصلاتين ركوناً إلى الكتاب والسنّة، أم مَن ترك هداية الكتاب والسنّة في مورد الجمع، وأفتى ببطلان الصلاة عند الجمع؟ فما لكم كيف تحكمون؟!
3. لا بأس بالجمع بين الصلاتين في السفر والمطر والبرد الشديد أو في القتال ففي مثل هذه الحالات الاستثنائية ومنها الحرج وأسبابه كثيرة، فإذا زالت

صفحه 375
هذه الأسباب، وانتهت الحالة الاستثنائية نرجع إلى ما كان عليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحالات الاعتيادية .(1)
الجواب: إنّ الكاتب لم يُمعن في الروايات الواردة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)في سبب الجمع حيث يدّعي أنّ الجمع كان أمراً استثنائياً وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع عند وجود الحرج، فعلينا أيضاً أن نجمع عنده ونفرق عند عدمه، وغفل عن أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جمع عندما لم يكن شيء من أسباب الحرج لا المطر ولا الوحل ولا الخوف ولا القتال ولا السفر وإنّما جمع عند الراحة، وما هذا إلاّ ليُفهم الأُمّة أنّ التفريق ليس عزيمة بل هو رخصة، فلذلك ترك التفريق مع عدم الحرج لإفهام هذا التشريع .
فعلى ضوء ما ذكرنا لم يكن الجمع حالة استثنائية في الشريعة الإسلامية، بل كان تشريعاً إلى جنب تشريع آخر (أي التفريق) فمن أراد الأفضل فليفرّق ومن أراد غيره فليجمع .
هذه جملة من التساؤلات الّتي طرحها المؤلف وغيره.
ثم إنّ الكاتب ضمّ إلى الكتيّب فصلاً نسبه إلى أحد الشيعة المقيمين في حي الوحدة بمحافظة القادسية، ووصف ذلك الفصل بأنّه قيم يزيد القارئ نوراً على نور، وها نحن نذكر شيئاً ممّا ورد في الفصل حتّى نقف على قيمته:
1. إنّ الرجل ذكر الروايات الواردة في الجمع بين الصلاتين لعذر وترك كثيراً ممّا ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)حول الجمع بين الصلاتين لا لعذر، وليس هذا طريق التحقيق وتحرّي الحقيقة .
2. إنّه تصوّر أنّ الدليل الوحيد على الجمع بين الصلاتين، هو حديث ابن

1 . نحو وحدة إسلامية حقيقية «مواقيت الصلاة» نموذجاً: 67 .

صفحه 376
عباس ولذا حاول الإجابة عنه، ثم خرج بالنتيجة التالية: إنّ الجمع في حديث ابن عباس حصل بطريقة تسمّى في الفقه بـ (الجمع الصوري). وهو أن يؤخّر الظهر إلى آخر وقتها فيصلّيها، ثم يقدّم العصر إلى أوّل وقتها فيصلّيها بعد أن صلّى الظهر مباشرة .(1)
ثم قال: إنّ هذا الجمع الصوري قد فعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كي لا يُحرج أُمّته أي أراد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يعلِّم الأُمّة أنّه عند وجود حرج ما من أي نوع كان هذا الحرج ]سفر، مطر أو أي حرج آخر قد يحدث بتطوّر الحياة وتغيّر الزمان والمكان[ فيجوز الجمع في مثل هذا الظرف .(2)
يلاحظ عليه بوجهين:
1. إنّ الجمع الصوري بين الصلاتين لم يكن رهن دليل خاص من قول النبي أو فعله، حتّى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لو لم يفعل لكفت أدلّة التوقيت في جواز هذا الجمع، وذلك لأنّها حدّدت وقت الظهر إلى صيرورة الظل مثله، ووقت العصر إلى صيرورته مثليه، فللمصلّي أن يتمسّك بإطلاق الدليل، ويصلّي الظهر في آخر وقت الظهر، والعصر في أوّله، فإذا كانت أدلّة التوقيت ترخّص لنا هذا النوع من الجمع، فما هي الحاجة إلى جمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بين الصلوات، وعناية الحفاظ الأثبات بنقل ذلك.
إنّ عمل الرسول يشهد أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان بصدد بيان حكم جديد غير مفهوم من أدلّة التوقيت، وليس هو إلاّ الجمع الحقيقي لا الصوري أي الجمع في الوقت لا الجمع عملاً.

1 . نفس المصدر: 89 .
2 . نفس المصدر : 91 .

صفحه 377
2. ماذا يريد بقوله «إذا مرّ فرد من الأُمّة بظرف يُحرجه فيجوز له أن يجمع الصلاة جمعاً صورياً» أليس هو إحراجاً فوق إحراج التفريق، لما مرّ من أنّ معرفة آخر الوقت وأوّله، أمر أصعب من التفريق.
وختاماً نقول: إنّ القارئ النابه يجد أنّ الاتجاه العام لكتيّب الدكتور طه الدليمي، يغلب عليه جانب الانتقاء والاحتمال، والتعسّف في فهم معاني الأخبار، الّذي أدّى في بعض الأحيان إلى تحريف بعض ألفاظها، كما في حديث ابن عباس، المارّ الذكر، الّذي أخرجه البخاري.(1)
كما يجد فيه القارئ محاولات للتمويه على القرّاء، منها: إيراد الأخبار السقيمة، وغضّ الطرف عمّا قاله نقّاد السنّة في أسانيدها.
وممّا يوجب الاستغراب أنّه يورد مثل هذه الأخبار الّتي تؤيد أنّ الجمع الّذي فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان جمعاً صورياً، من أجل أن يصل إلى ختام يقيني في المسألة، حسب تعبيره (2)!!!
وهاك الأخبار الثلاثة الّتي جعلها ختاماً يقينياً في المسألة، مع بيان قيمتها عند نقّاد الحديث:
ـ أخرج النسائي في الكبرى عن عبدالله بن عباس (رضي الله عنه)قال: (صلّيت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، أخّر الظهر وعجل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء).
ـ عن ابن عباس (رضي الله عنه)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من جمع بين صلاتين من غير عذر، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الكبائر).

1 . لاحظ ص 346 .
2 . نحو وحدة إسلامية حقيقية «مواقيت الصلاة» نموذجاً: 89 .

صفحه 378
ـ عن عائشة رضي الله عنها قال: ما صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الصلاة لوقتها الآخر مرتين حتّى قبضه الله عزّوجل .(1)
أقول: أمّا الخبر الأوّل، فقد مضى قول الشيخ الألباني فيه: صحيح دون قوله (أخّر الظهر... الخ) فإنّه مُدرَج.(2)
وأنت تعلم أنّ الغاية من إيراد هذا الخبر، هو القول المذكور، فإذا تبيّن أنّه مُدرَج وأنّه من كلام بعض الرواة، ولم يصدر عن ابن عباس، انتقضت الغاية من إيراده.
وإذا نظرنا إلى الخبر الثاني، فسنجد في إسناده (حنش)، فما هو حال هذا الراوي عند نقّاد الحديث ؟
قال الترمذي الّذي أخرج هذا الخبر: وحنش هذا هو: (أبو علي الرحبي)، وهو: (حسين بن قيس)، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعّفه أحمد وغيره.(3)
وعن أحمد بن حنبل: ليس حديثه بشيء، لا أروي عنه شيئاً.
وعن يحيى بن مَعين: ضعيف. وفي رواية أُخرى عنه: ليس بشيء .
وقال أبو زرعة: ضعيف.
وقال البخاري: أحاديثه منكرة جداً، ولا يكتب حديثه.
وقال النّسائي: متروك الحديث .(4)

1 . المصدر نفسه: 92 .
2 . لاحظ ص 359 .
3 . سنن الترمذي: 73 برقم 188، تخريج وترقيم وضبط صدقي جميل العطّار.
4 . انظر: تهذيب الكمال: 6 / 465 برقم 1330 .

صفحه 379
وأمّا الخبر الثالث، فقال عنه الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل.(1)
وفي سنده إسحاق بن عمر. قال ابن أبي حاتم: مجهول(2).
وقال الذهبي: تركه الدارقطني (3) .
وإذا كان طريق الوصول إلى الختام اليقينيّ، هو هذه الأخبار السقيمة، الّتي يهدف الكاتب من ورائها إقناع القارئ بموضوعه، فما ظنّك بما جاء قبل الختام من كلام مزخرف، واحتمالات بعيدة، وتحريفات مقصودة أو غير مقصودة؟!
( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي وَ سُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(4).
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ظهيرة يوم الحادي عشر من شهر
ذي الحجة الحرام 1430 هـ . ق

1 . سنن الترمذي: 68 برقم 174 .
2 . تهذيب الكمال: 2 / 461 برقم 373 .
3 . ميزان الاعتدال: 1 / 195 برقم 775 .
4 . يوسف: 108 .

صفحه 380

صفحه 381
في صوم مَن به داء العطش   
    رسالة في صوم مَن به داء العطش ومَن أصابه العطش
رسالة
في
صوم مَن به داء العطش
ومَن أصابه العطش
وفيها مسألتان:

صفحه 382

صفحه 383

المسألة الأُولى: مَن به داء العطش

قال السيد الطباطبائي اليزدي: مَن به داء العطش فإنّه يفطر ; سواء كان بحيث لا يقدر على الصبر، أو كان فيه مشقّة، ويجب عليه التصدّق بمدّ والأحوط مدّان، من غير فرق بين ما إذا كان مرجوّ الزوال أو لا .
والأحوط بل الأقوى وجوب القضاء عليه: إذا تمكّن من بعد ذلك، كما أنّ الأحوط أن يقتصر على مقدار الضرورة .(1)
ولكن السيد الحكيم: يقول: الأقوى عدم وجوب القضاء، والسيد الخوئي يقول: في القوة إشكال، وإن كان القضاء أحوط(2).
ويدلّ عليه صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدّق كلّ منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام، ولا قضاء عليهما، فإن لم يقدرا فلا شيء عليهما».(3)
ورواية داود بن فرقد، عن أبيه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)فيمن ترك الصيام، قال: «إن كان من مرض فإذا برئ فليقضه، وإن كان من كبر أو عطش فبدل كلّ يوم مدّ»(4).

1 . العروة الوثقى: 3 / 626، كتاب الصوم، الفصل الحادي عشر: موارد الرخصة في الإفطار، الثالث. تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1420 هـ .
2 . لاحظ تعليقتهما على العروة الوثقى: 3 / 626. وقال السيد الخوئي أيضاً في كتاب الصوم: 1 / 52: بل الأقوى عدمه.
3 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 .
4 . الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 1 .

صفحه 384
والروايتان المعتبرتان صريحتان في عدم وجوب القضاء وبذلك يُخصّص ما دلّ على وجوب القضاء للمريض، أعني قوله سبحانه: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ )(1)، بل يمكن أن يقال انصراف المريض عن مثله، بل أُريد به مَن كان مريضاً يوماً أو أياماً، ثم تعود صحّته إليه، لا مثل من به داء العطش الذي لا يرجى برؤه إلاّ باحتمال ضعيف.
والأولى أن يستدلّ على عدم القضاء بقوله سبحانه: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين )(2) كما استدلّ به الإمام أبو جعفر (عليه السلام)على ما رواه محمّد بن مسلم في قول الله عزّوجلّ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين)قال: «الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش».(3) والإطاقة عبارة عمّن يقوم بالعمل بجهد كبير وبذل نهاية طاقته، لا العاجز المطلق، ومَن به داء العطاش من مصاديقها الواضحة.
***
في صوم مَن أصابه العطش    

1 . البقرة: 184 .
2 . البقرة: 184 .
3 . الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

صفحه 385

المسألة الثانية: مَن أصابه العطش

قال السيد الطباطبائي اليزدي: إذا غلب على الصائم العطش بحيث خاف من الهلاك يجوز له أن يشرب الماء مقتصراً على مقدار الضرورة، ولكن يفسد صومه بذلك، ويجب عليه الإمساك بقية النهار، إذا كان في شهر رمضان، وأمّا في غيره من الواجب الموسّع والمعيّن فلا يجب الإمساك، وإن كان الأحوط في الواجب المعيّن.(1)
فقد خصّ السيد الطباطبائي جواز الإفطار بمَن خاف من الهلاك، وكان عليه أن يعطف عليه مَن غلبه العطش على نحو صار الصوم حرجياً كثيراً فوق الحرج الذي هو لازم ذات الصوم، بل صار على حدٍّ لا يتحمّل مثله عادة، كما عليه السيد الأُستاذ البروجردي في رسالته العملية .
وهذه المسألة غير المسألة الأُولى فإنّ الملاك في الأُولى هو مَن به داء العطش، وأمّا المقام فهو إنسان سالم غلبه العطش لعوامل خارجية، كوقوعه في المفازة، أو في مصنع حار، وأمّا الدليل على جواز الشرب فروايتان:
الأُولى: موثّقة عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يصيبه العطاش حتّى يخاف على نفسه؟ قال: «يشرب بقدر ما يمسك رمقه، ولا يشرب حتّى يروى»(2).

1 . العروة الوثقى: 3 / 585 ، الفصل الثالث: في المفطرات، كتاب الصوم، المسألة 5.
2 . الوسائل: 7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 .

صفحه 386
أمّا السند فرواه الكليني عن أحمد بن إدريس شيخ الكليني، عن محمد بن أحمد ـ أي: محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة ـ إلى هنا كلّ الرواة ثقات إماميّون، عن أحمد بن الحسن ـ أي: أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال فهو فطحيّ، وقيل بعدوله عن الفطحيّة ـ ، عن عمرو بن سعيد الفطحيّ، عن مصدق بن صدقة ـ الفطحيّ ـ عن عمّار بن موسى، وهؤلاء الثلاثة فطحيّون لكن يعمل برواياتهم.
وأمّا المتن فربّما يورد عليه بأنّ الوارد في الرواية العطاش، وأُريد به من به داء العطش، فتكون الرواية من أخبار المسألة الأُولى .
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ العطاش يطلق على شدّة العطش أيضاً، هذا ابن الأثير يقول: العطاش ـ بالضم ـ : شدّة العطش وقد يكون داءً يصيب الإنسان يشرب الماء فلا يروي (1).
وثانياً: أنّ قوله: «يصيبه» ظاهر في كون العطش أمراً طارئاً لا أمراً مستمرّاً.
وثالثاً: أنّ الحرّ العاملي وإن رواها عن الكليني بلفظ العطاش، ولكن الصدوق ذكرها بلفظ العطش، قال: روى عمّار بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يصيبه العطش.(2)
كما أنّ الشيخ في «التهذيب»(3) رواها عن الكليني بلفظ: يصيبه العطش، وهذا يدلّ على أنّ نسخة الكافي الّتي كانت عند الشيخ، وكذا الّتي عند الصدوق ـ إذا أخذه من الكليني ـ قد ورد فيهما لفظ «العطش».

1 . النهاية لابن الأثير: مادة «عطش» ومثله الطريحي.
2 . الفقيه: 2 / 84 برقم 376 .
3 . تهذيب الأحكام: 4 / 240 برقم 702، باب العاجز عن الصيام.

صفحه 387
رابعاً: لو كان المراد من به داء العطش، فما معنى نهيه عن الارتواء، حيث إنّه لا يرتوي.
خامساً: أنّ الإمام (عليه السلام)أمره بالإمساك مع أنّ ذي العطاش داخل في من: «يطيقونه» فهو مأمور بالكفّارة لا الصوم.
سادساً: أنّ ظاهر الرواية أنّ من أصابه العطش صائم، وذو العطاش لا يصوم أبداً.
سابعاً: أنّ صاحب الوسائل مع أنّه نقل كلمة العطاش، لكن لم يذكر الرواية في باب من به داء العطاش الذي عقد له الباب الخامس عشر، بل ذكرها في باب آخر برقم 16، وهذا يدلّ على أنّه فهم من الرواية ما ذكرناه، ويعرب عنه عنوان الباب حيث قال: إنّ الصائم إذا خاف التلف من العطش جاز له الشرب بقدر ما يمسك الرمق ولم يجز له أن يشرب حتّى يروى.
***
الرواية الثانية: ما رواه الكليني بسند صحيح عن المفضّل بن عمر، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إن لنا فتيات وشباباً لا يقدرون على الصيام من شدّة ما يصيبهم من العطش؟ قال: «فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم، وما يحذرون»(1).
نعم الاستدلال بالرواية مبني على كون المفضّل بن عمر ثقة، واختلفت فيه كلمات الرجاليين:
عدّه المفيد في «الإرشاد» من خاصّة أبي عبدالله (عليه السلام)وبطانته وثقاته، وعدّه

1 . الوسائل: 7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصيام، الحديث 2.

صفحه 388
الشيخ الطوسي في «الغيبة» من الممدوحين.
وقد تضاربت الروايات في حقّه ولكن الظاهر أنّه جليل ثقة ويدلّ على جلالته كتابه المعروف بـ «توحيد المفضّل» الذي يرويه عن الإمام الصادق (عليه السلام).
وعلى كلّ تقدير فجواز الشرب بمقدار الضرورة لا إشكال فيه .
إنّما الكلام في القضاء.
وأمّا القضاء فهذا هو الظاهر من السيد الطباطبائي ولم يعلّق عليه أحد ، وهذا يدلّ على أنّ المشهور هو وجوب القضاء، ولا شكّ أنّه أحوط، وأستدلّ عليه بأنّه تناول المفطّر إختياراً، ودليل الاضطرار لا يدلّ على صحّة الصوم لأنّه إنّما يرفع الحكم التكليفي فغايته جواز الشرب الذي كان محرّماً في نفسه، وأمّا صحّة الصوم بالإمساك إلى آخر النهار فلا دليل عليه .
يلاحظ عليه بوجهين:
الأوّل: الملازمة العرفية بين تجويز الإفطار بمقدار الضرورة بحيث يمسك رمقه، ولا يشرب حتّى يروى وبين صحّة صومه، إذ لو فسد صومه فلا وجه لهذا التحديد، بل يرخّص له الإفطار والشرب حتّى يروى. ولا دليل على وجوب الإمساك تأدّباً في المقام بعد فساد صومه.
الثاني: أنّ الصحّة مقتضى إطلاق لسان الروايتين لكون الإمام (عليه السلام)لم يذكر عن القضاء شيئاً، واحتمال أنّ سكوته لأجل كون المخاطب عارفاً به، كماترى، لأنّ الإمام (عليه السلام)يلقي كلامه على السائل وغيره، فكيف يعتمد على العلم الشخصي؟!
وهناك أسئلة أو إشكالات أُثيرت حول الموضوع نذكرها تباعاً:

صفحه 389
الإشكال الأوّل: أنّ المشهور قد أعرض عن الروايتين حيث أفتوا بفساد صومه ووجوب قضائه، ولم يقل أحد بصحّة صومه.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الفقهاء عملوا بكلتا الروايتين بشهادة أنّهم أفتوا بجواز الشرب غير أنّ كثيراً منهم لم يعتبروا ترك البيان دليلاً على سقوط القضاء، وعلى هذا فالروايتان معتبرتان عندهم .
وثانياً: أنّ قسماً من الفقهاء أفتوا بعدم القضاء إمّا بالسكوت، أو بالتصريح. أمّا السكوت فهذا هو الصدوق قال في «المقنع»: إذا لم يتهيّأ للشيخ أو الشاب أو المرأة الحامل أن تصوم من العطش والجوع أو تخاف المرأة أن يضرّ بولدها فعليهم جميعاً الإفطار، ويتصدّق كلّ واحد عن كلّ يوم بمدٍّ من طعام .(1)
قال العلاّمة بعد نقل هذا الكلام عن الصدوق: وهذا الكلام يشعر بسقوط القضاء، والمشهور بين علمائنا وجوب القضاء عليها .(2)
وأمّا التصريح فإليك مَن وقفت على كلماتهم:
1. قال العلاّمة: روى الشيخ عن عمّار الساباطي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الصائم يصيبه عطش.. إلى آخر الرواية، ثم يقول: والرواية مناسبة للمذهب لأنّه في محل الضرورة. إذا ثبت هذا، فهل يجب عليه القضاء أو لا؟ الوجه:
عدم الوجوب لأنّه شرب بقدر ما يمسك رمقه مخافة التلف، كان بمنزلة المكره.(3)
وقال في «تحرير الأحكام» بعد نقل رواية عمّار: وهي جيّدة، والأقرب

1 . المقنع: 194 .
2 . مختلف الشيعة: 3 / 349 .
3 . منتهى المطلب: 9 / 139 .

صفحه 390
عدم وجوب القضاء .(1)
2. قال الأردبيلي بعد نقل رواية المفضّل بن عمر: وأنّ الظاهر عدم القضاء لعدم الدليل، ولعدم ظهور بطلان الصوم، بل الظاهر أنّ الصوم في حقّهم ذلك.(2)
هذا ما وقفت عليه على عجالة.
الإشكال الثاني: ما الفرق بين مَن أصيب بداء العطاش فيبطل صومه بشرب الماء وعليه الكفّارة، وبين مَن أصابه العطش فيشرب الماء فيصحّ صومه؟ ولو كانت الغاية التسهيل على المكلّف، فمَن أُصيب بداء العطاش أولى بذلك بأن يأمر بالإمساك إلى المغرب ويصحّ صومه كما هو الحال فيمَن أصابه العطش.
يلاحظ عليه: الفرق بين الشخصين واضح، لوجود الفرق بين الضعيف والقويّ، فذو العطاش ضعيف مريض لا يستطيع الصوم لأجل مرضه، فأُمر بالأفطار دون الإمساك فلا يصلح التسهيل في مورده، وأمّا من أصابه العطش فهو إنسان سالم مستطيع ليس مريضاً غير أنّه ألجأته الضرورة لشرب جرعة أو جرعتين لحفظ نفسه أو رفع حرجه، ولذلك أُمر بالإمساك وصحّ صومه دون الأوّل.
وإن شئت قلت: إنّ ذا العطاش استحقّ بالامتنان الأكثر فأُمر بالإفطار والكفّارة وعدم القضاء على قول (كما مرّ من السيد الحكيم والسيد الخوئي)، أو القضاء إذا أمكن على قول الآخرين.
وهذا بخلاف مَن أصابه العطش، إذ هو ليس مستحقّاً لهذا النوع من الامتنان فلا يجوز له الإفطار بل يجب عليه الإمساك إلى المغرب .

1 . تحرير الأحكام: 1 / 480 .
2 . مجمع الفائدة والبرهان: 5 / 326 .

صفحه 391
هذا ما حقّقناه في سالف الزمان في شرحنا على العروة الوثقى .(1)
الإشكال الثالث: لو فرضنا أنّ الخبّاز الذي يعمل أمام التنور يعطش ساعة بعد ساعة، فهل يجوز له أن يشرب من الماء ساعة بعد ساعة إلى الغروب، عشر مرات، ويصحّ صومه عند ذلك؟
يلاحظ عليه: أنّ مورد الرواية وفرض الفقهاء مَن أصابه العطش صدفة من دون اختيار، وأمّا مَن عرض نفسه على عمل يسبب العطش ساعة بعد ساعة فهو خارج عن فرض الروايات وفتوى المشهور.
وقد أُثيرت في شهر رمضان هذه السنة حول هذه الفتوى تساؤلات ولعلّ هذه الرسالة تكفي في الإجابة عنها.
ومع ذلك كلّه فلا شك ّ أنّ القضاء هو الأحوط، والله العالم.

1 . لاحظ كتابنا: الصوم في الشريعة الإسلاميّة الغر