welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : مصدر الوجود بين العلم والفلسفة*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصدر الوجود بين العلم والفلسفة

صفحه 1
   
    مصدر الوجود بين العلم والفلسفة
مصدر الوجود
بين
العلم والفلسفة

صفحه 2

صفحه 3
مصدر الوجود
بين
العلم والفلسفة
تأليف
العلاّمة المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
نقله إلى العربية
الأُستاذ جعفر بهاء الدين
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
   مصدر الوجود بين العلم والفلسفة / تأليف جعفر السبحاني; مترجم جعفر بهاء الدين . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1392 .
   104 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 527 - 4
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
اين كتاب در سالهاى مختلف توسط ناشرين متفاوت منتشر شده است.
كتابنامه بصورت زيرنويس.
   1 . خدا ـ ـ اثبات. الف. بهاء الدين، جعفر، ـ ، مترجم. ب. موسسه امام صادق(عليه السلام). ج. عنوان.
6م 2س2/ 217 BP    42 / 297
1392
اسم الكتاب:   … مصدر الوجود بين العلم والفلسفة
المؤلف:   … العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
نقله إلى العربية:   … الأُستاذ جعفر بهاء الدين
الطبعة وتاريخ الطبع:    …الأُولى 1392 هـ ش / 1434 هـ . ق / 2013 م
المطبعة والناشر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   … 104 صفحة
القطع:    …رقعي
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:794   تسلسل الطبعة الأُولى: 409
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

المقدّمة

في الوقت الذي تسعى المدارس الإلحادية بشتّى صورها إلى بثّ أفكارها وفلسفتها السقيمة، وينحصر تحقيق غرضها بإبعاد شبابنا عن الدين، وجعلهم بعيدين عن كلّ قيد والتزام، وذلك بأقوالهم التي لا تبتني على أساس رصين; نشاهد فئةً من كبار المفكّرين والعلماء في مختلف العلوم الطبيعية يقدّمون أدلّتهم الكافية لإثبات وجود الخالق أوّلاً، ومن ثم ضرورة الدين لكافة البشر. فلولاهما لم تتحقّق للبشرية سعادتها واطمئنانها. فهم يذهبون في ذلك مذهب العقل باستدلالاتهم المنطقيّة، أضف إليهم علماء الدين الذين ينهجون في طريقهم هذا، النهج الفلسفي، وقوامه العقل أيضاً .
والكتاب الذي بين أيدينا ـ الذي يقع في أربعة عشر فصلاً ـ هو محاولة جادة لإثبات وجود الله جَلَّ وعلا على النهج الذي ذُكر آنفاً. وذلك بسرد مجموعة من الحقائق العلميّة الثابتة، ومن ثم

صفحه 8
تقديم الدلائل اللازمة، ليذعن الطرف الآخر إذعاناً صادقاً بأنّ الكون ليس حصيلة الصدفة العمياء كما يزعمه بعض المفكّرين، ويحاول المؤلّف أنّ يلم إلماماً كافياً بكلّ، فصل حتى يخلص إلى نتيجة قطعية.
آمل أن يقع الكتاب هذا موضع القبول والرضا لمن يروم الوصول إلى الحقيقة دون شبهة أو ترديد.
ونسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يثّبت أقدامنا، والحمد لله أوّلاً وآخراً.
المترجم
جعفر بهاء الدين

صفحه 9

1

الفطرة خير دليل إلى التوحيد

منذ أن دوّن البشر أفكاره وخواطره، استطاع أن يسجّل ويحتفظ بأحاسيسه وأفكاره، وعواطفه تبعاً للوسائل المتوفرة في كلّ عصر، ومن خلال تلك الآثار، يلاحظ أنّه كان يعتقد بوجود خالق للكون، في جميع تلك الفترات والأدوار.
ولكنّه مع هذا كلّه، قد اشتبه عليه أحياناً تشخيص ضالّته. فكان يلتجئ تارة إلى الأجرام السماوية بما فيها من شموس ونجوم ويعتبرها هي الخالقة والمدبّرة، وأُخرى كان يستسلم ويخضع أمام الأصنام الخشبيّة أو المعدنّية. إلاّ أنّ هذا البحث والتنقيب المتلاحق طوال التأريخ البشري يهدينا إلى حقيقة معيّنة، هي: إنّ الإنسان مجبول بطبيعته وغريزته على العبودية لإله.
إنّ الإنسان ومن دون أن ينتمي إلى مدرسة، أو يتأثر بتعاليم

صفحه 10
الفلاسفة والمفكّرين ورسل السماء، نراه ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ يتابع فكرة «العالم لابُدَّ له من خالق». فأحياناً كان يصل إلى الخالق الحقيقي، وتارةً وعلى إثر تفكيره الضيّق كان يستسلم إلى الوهم بدلاً من الحقيقة. ويعتقد بإلهه المصطنع عوضاً عن خالقه الواقعي. وكان يجاهد ويكافح في سبيل عقيدته، وكان يبدي ثباته على هذا الطريق، ويبذل المزيد من الأموال لغرض تكريم تلك العقيدة وتعظيمها. فتراه مستسلماً لعبادتها بمظهر من الخضوع والخشوع ملازماً لها في كل صباح ومساء.
ومن دون أن يتوجه إلى الأُسس الفلسفّية (والتي تقتضي بأن يكون لكلّ معلول علّة، أو أنّ كلّ ظاهرة تابعة لعوامل معيّنة هي سبب لوجودها)، ويعتقد بها، نجده ومن دون اختيار يشعر في نفسه بخالق يستحق العبادة ويعتقد بذلك. وكان يبحث عن هذا الموضوع في دائرة الفطرة والغريزة.
إنّ موضوع العلّة والمعلول هو موضوع نظري وفكري. فالعلماء بعد الخوض فيه يهتدون إلى وضع فرضيّة علميّة أو فلسفيّة لذلك. في حين أنّ التاريخ يرشدنا إلى أنّ معرفة الله وعبادته أقدم بكثير من ظهور العلم والفلسفة. وأنّ الاعتقاد بوجود خالق وعبادة غيره بشتّى الأشكال والصور تتصل بزمن بعيد جداً.
وقد شُوهد في الحفريات والتنقيبات التي أُجريت في بقاع

صفحه 11
مختلفة، أنّ أقواماً عاشت قبل ظهور العلم والمسائل الفلسفيّة، كانت تعتقد بوجود خالق للكون ومصدر للحوادث، وذلك من خلال الخطوط والنقوش والأصنام، التي كانت تعتبر مظهراً للعلاقة بين الله والبشر. والتي عثروا عليها في تلك الآثار.
كلّ هذه الشواهد تشير إلى أنّ الاعتقاد بوجود الله، خالق العالم وموجد الكون موضوع فطري في جميع الأدوار التي عاشها الإنسان. وهو لم يستعن في نهجه وسيره هذا بمعلم أو مرب. ويلاحظ أنّ البشر من دون أن يجلب انتباهه قانون العلّة والمعلول نجده يتّجه بحكم الفطرة والغريزة إلى هذا الاعتقاد.

ما هو المقصود من أنّ التوحيد أمر فطري؟

كي يتّضح الموضوع أكثر للقرّاء الأعزّاء، نبيّن بإيجاز ما هو المراد بفطرية بعض الأُمور. إنّ القصد من فطرية أي كائن حي، هو أنّ الدافع والمحرّك له لا يكون إلاّ من ذاته، لا من عامل خارجي يدفعه إلى إنجاز ذلك العمل. وعلى سبيل المثال، نشاهد الفتيات في صغرهنّ يبدين علاقتهن ورغبتهنّ الخاصة لحضانة الطفل وتربيته، ويلاحظ أنّ كلّ فتاة تصنع «دُميّة» لها وتعتقد وتتظاهر أنّها بنتها، وتصنع لها الملابس وتتظاهر بإرضاعها إلى غير ذلك.. وتبدي عنايتها بها وكأنّها الأُم حقيقةً. إنّ عملها هذا لم يكن سوى ما تقتضيه فطرتها.

صفحه 12

أمثلة أُخرى:

وممّا يلاحظ أنّ كلاًّ من الرجل والمرأة وفي سنين معيّنة يشعرون بتمايل أحدهم إلى الآخر فطرياً.
إنّ هذا التجاذب لا يتحقّق لولا الدافع الذاتي.
وكذلك الغرور والنخوة وحب الجاه والمقام مع اختلاف مراتبه يظهر في الإنسان وفي شروط خاصة.
إنّ صنع زنبور العسل خلية سداسية الشكل لا يتعدّى موضوع الفطرة.
وقس على ذلك النمل والعث وكثيراً من الحشرات عند سعيها لبناء بيوتها ومستقراتها بشكل يثير الغرابة.
إنّ هذه الظواهر وعشرات مثلها تعتبر من الأعمال الفطرية، ويمكنكم أن تلمسوا هذا الأمر في مسألة التوحيد (سواء أكان الشخص موحّداً أو ملحداً).
وخير دليل على ذلك عندما تنقطع السبل وتبطل جميع العلل والأسباب عن الحركة وتكون عاجزة عن العمل. في هذا الموقف المحرج نجد الإنسان ومن دون اختيار يطلب يد العون والمساعدة من نقطة مجهولة الكنه (غير معروفة) وهو على يقين من أنّ تلك القدرة وتلك الحقيقة المجهولة إذا أرادت أنّ تستنقذه

صفحه 13
من المأساة المترقّبة لاستطاعت.
وأحياناً يقع الإنسان في خطر بحيث تقترب المسافة بين الموت والحياة، ففي هذه اللحظة بالذّات ينبثق توجهٌ خاصٌ من ذات نفسه إلى قدرة غير متناهية يطلب منها العون والمساعدة. ولا فرق في ذلك بين الموحّد والملحد.
لنفترض أنّ جماعةً من قوميات وعقائد شتّى، استقرت في طائرة، وقد حَلَّقت على اليابسة والمحيطات، وبعد برهة ينفتح باب القيادة (قيادة الطائرة) بصورة مفاجئة، وتعلن المضيّفة وبوجهها الشاحب وأعصابها المتشنّجة وصوتها المختنق، تعلن عن الخطر المداهم للطائرة بسبب توّقف أحد الأجهزة الحساسة للطائرة عن العمل، ومتى لم يُبذل السعي اللازم والمساعدات الكافية من الخارج والداخل، فإنّ سقوط الطائرة وتحطمها أمر قطعي دون تردّد; ففي هذا الوقت يلاحظ أنّ حجب الغرور والنخوة قد زالت وحجب الأوهام والجهل قد انجلت عن الفطرة. وترى القلب مضطرب في ضرباته، ومن أوساط تلك الأوهام والحسرات تتجه النفس نحو مستقر لها لتطمئن إليه. وتعتقد أنّه يستطيع أن ينقذها من هذه المهلكة والخطر المحدق. وتستغيث بأن يخلّصها من الموت المحتَّم. وما هذا المستقر إلاّ الله جلّ وعلا.
إنّ ذلك الملجأ وتلك القدرة اللامحدودة التي يستعين بها

صفحه 14
الإنسان في هذه اللحظات هو ذلك الخالق للكون وللإنسان والذي تعرّف عليه بالفطرة معرفة كاملة. ومتى ما زالت هذه الحجب، كحجاب حب الذّات وغيره عن بصيرته تجلّت له تلك الحقيقة وتنّور بها القلب. ويبقى هكذا حتى يغفل ثانية بطغيانه، وبذلك تُسدَل الحجب ويُعاد الظلام ثانية إلى القلب.
إنّ التوحيد أمر فطري ويظهر ذلك جلياً من خلال أقوال أئمة المسلمين والعلماء العظام عند تعرضهم لهذا الموضوع.(1)
إنّ المفكّرين ومؤسّسي العلوم والمعارف، يعترفون صراحة بذلك.
يقول جان جاك روسو: إنّ معرفة الله سبحانه لم تكن لتقتصر على العقل والتشكيك والأوهام، فإنّ الشعور والإحساس الفطري خير سبيل لإثبات ذلك.
ويقول ماكس مولر: إنّ الإحساس اللامتناهي لإدراك قوة غير محدودة يهدينا إلى الاعتقاد بالدين (التوحيد الاستدلالي).

1 . إنّ القرآن الكريم يشير إلى مَن يركب السفينة حين تواجههم الأمواج المتلاطمة والتي أخذت تقذف بباخرتهم يمنة ويسرة تلاعبها كالورقة. قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت: 65) أي كلّما ركبوا البحر لم يطلبوا العون إلاّ من الله، وما أن يصلوا إلى الساحل يعودون إلى كفرهم.

صفحه 15
ويقول أنشتاين: إنّ عقيدتي وعبادتي عبارة عن ثناء غير لائق بالنسبة إلى روح لائقة غير متناهية.
وممّا تقدّم يتّضح لنا أنّ موضوع عبادة الله أمر فطري، لم يكن الإنسان ليستمد إيمانه من أُسس فلسفية أو قوانين علمية مدوّنة، بخلاف التوحيد الاستدلالي الذي يدور على البراهين العقليّة والعلميّة، ولابد من التمييز بين هذين الموضوعين.

صفحه 16

2

الماديّة والنَّهج الفلسفي

إنّ البحوث العلميّة والفلسفيّة في كلّ الأدوار تشير إلى هذه الحقيقة: وهي أنّ المدرسة الماديّة لم تكن لتعتمد يوماً على نهج علمي فلسفي. وأنّ جميع المؤسّسين للمدارس الفلسفيّة، سواء في القرون الوسطى عند اليونان أم في العصر الإسلامي موحّدون على الإطلاق. ويمكن القول بأنّ في تلك الفترات لم تكن لتوجد فيها جمعية أو منظمة تتصف بالماديّة أو الإلحاد.
وهذا لا يعني عدم ظهور بعض المشكّكين الذين أعربوا عن عدم اقتناعهم بأدلّة الموحّدين والمؤمنين بالغيب، بل لا نتخطى الصواب لو قلنا عن هؤلاء بأنّهم كانوا في حالة تردّد لا إنكار، وما أقلّ ما يذكر لنا التأريخ عن وجود منكرين.
نعم، في ذلك اليوم الذي تحرّك فيه الغرب، بدأ التحقيق العلمي في جميع نقاط أُوربا، وتخلّص المفكّرون من نير استعمار

صفحه 17
الكنيسة، واستطاعوا أن يحطّموا القيود التي أوجدها «البابا» أمام المفكّرين والتي تمثّلت في دائرة تفتيش العقائد، ومن هنا وبمساعدة من علماء الطبيعة المدافعين عن هذه الفكرة ظهرت المدرسة المادية كرد فعل لهذه الأحاسيس التافهة.
ومن ثم اتّخذت صبغة فلسفية، فأصبح له دويّ وصدى في جميع أنحاء العالم. ووصل في القرن التاسع عشر الميلادي إلى أوج عظمته، ولم يمض زمن على بنائه الشامخ حتى هُدّمت أركانه وزلزلت أُسسه على يد المفكّرين وعلماء اليوم. وبذلك بطلت فكرة «عدم توافق العلم وعبادة الله» وقد ظهرت هذه الفكرة منذ القرن الثامن عشر واستمرت حتى أوائل القرن التاسع عشر، وانتهت إلى حيث لا رجعة لها، وبذلك اتضح جليّاً مدى توافق وتجاوب العلم مع الدين، والاعتقاد بالقوى الغيبيّة.
وإليكم أقوالاً لهؤلاء العلماء والمفكّرين:

1. رسالة من دارون

الكلّ يعرف العالم الشهير «دارون» وكان من أحد علماء الطبيعة في القرن التاسع عشر. وقد دَوّى صدى فرضيته حول تطوّر الأنواع في العالم. ومن المؤسف أنّ شبابنا اليوم يعتقدون بأنّ دارون من دعاة المادّية عندما أبدى نظريته هذه. في الوقت الذي

صفحه 18
نراه ـ كبقية العلماء والمفكّرين العظام ـ يقف خاضعاً أمام تلك القدرة اللامتناهية، وينقطع خاشعاً أمام خالق الأجرام السماوية، وأمام صانع هذا النظام البديع، الذي حيّر العقول بما أودعها من أسرار مكنونة.
إنّ تقدّم العلوم الطبيعية لم تقلّل من إيمانه واعتقاده الراسخ بإله الكون، بل أصبح إيمانه أكثر رسوخاً ورصانةً. وأُصول الإعتقاد عنده تشمل مجموعة من المقدّمات المتّفق عليها عقلاً.
فنراه حينما يحرّر رسالة إلى أحد زملائه من علماء الألمان في سنة 1873م، يشرح فيها اعتقاده وإيمانه بالله سبحانه بالشكل التالي:
لا توجد أية شبهة لدى العقل الرشيد والفكر السليم لينكر الخالق لهذا الكون الرحب، بما فيه من آيات وشواهد متقنة، وما يحتويه من نفوس ناطقة وأنّها وُجدت على إثر الصدفة العمياء. لأنّ الصدفة لم تكن بقادرة على إيجاد هذا النظام، وإنّما يدلّ دلالة واضحة على حكمة صانعه.

2. رسالة من باستور

يعتبر باستور من أبرز الروّاد لعلم الطب الحديث، وقد أسدى خدمة كبرى إلى الطب والمجتمع الإنساني باكتشافه أعدى

صفحه 19
أعداء الإنسان وهو الميكروب. وبعد أن رفع الستار عن أسرار العدوى في الأمراض، وعرض اكتشافه القيّم على ميدان العلم، نجده يشير إلى عقيدته الدينيّة بعبارة موجزة:
إنّ عقيدتي بالدين وعبادة الله قد ازدادت عمّا كنت عليه سابقاً.

3. ماذا يقول كبار علماء عصر الذرّة؟

الكلّ يعرف اسم العالم والمفكّر الشهير في عصر الذرّة، «أنشتاين» وقد استطاع بنظريته النسبيّة أن يحدث بعض التغييرات في علم الفيزياء، ويمكن التعرّف على مدى إيمانه بالله تعالى من خلال أقواله: منها:
من النادر أن نجد شخصاً ذا أفكار علميّة عميقة لم يكن لديه إحساسٌ دينيٌ خاصٌ، لكن اعتقاده هذا يختلف عمّا عليه عامّة الناس. إن إحساسه وشعوره الديني غالباً ما يكون بشكل ما نراه متحيّراً مستغرقاً في التفكير أمام وحدة القوانين الطبيعية، والوحدة هذه تدلّ على عقل مدبّر عظيم، وتعتبر جميع تأمّلات الإنسان وتفكيره وأعماله بالنسبة إلى عالم الوجود شيئاً تافهاً; ويضيف قائلاً: توجد في عالم الغيب قوّة عاقلة قادرة. والعالم دليل على وجودها.

صفحه 20

4. الدكتور الكسيس كارل

الحائز على جائزة «نوبل» يقول: إنّ العالم المادي على الرغم من سعته الفائقة يعتبر ضيّقاً جداً بالنسبة للإنسان، إذ أنّ محيطه الاجتماعي والاقتصادي لا يناسبه، علماً بأنّه قد تعرّف على كنه وحقيقة الإلكترونات من جانب، ورمى بطرفه نحو الأفلاك وعرف ما كان يجهله باكتشاف الكواكب والسيارات، وذلك بدقة عمله العلمي. فالإنسان وإن كان قد خلق متناسباً مع الجبال والمحيطات والأنهار التي على الأرض، إلاّ انّه مرتبط بعالم آخر خارج عن دائرة الزمان والمكان اللّذين يعيش فيهما.

5. سيرجيمز جينز

يقول جينز: إنّني أُشير إلى موضوع الخلقة بعنوان نظرية علميّة، إنّ عالمنا هذا من صنع ذكاء عظيم وقدرة ذكية في غاية من الذكاء ومنتهاه. ويظن أنّ الأفكار العلمية تسير نحو الرقي في هذا العالم.

6. لورد كلوين

ويعتبر من المبرّزين في علم الفيزياء، يقول: لو فكرتم مليّاً في علومكم، فسوف يقودكم هذا التفكير إلى الإيمان بالله.

صفحه 21
إكتشاف العلل الطبيعية للكائنات لا يتعارض ومعرفة الله   

3

إكتشاف العلل الطبيعية للكائنات

لا يتعارض ومعرفة الله

يعتقد الماديّون أنّ يد العلم والمعرفة قد أزالت جميع الحجب عن عالم المجهولات للبشرية، ولم تدع هناك بقعة ظلماء في عالم الكون إلاّ أضاءتها بنور العلم.
ومن هذه المقدّمة الخاطئة يستنتجون مقدّمة أُخرى، وهي: بعد أن اكتُشفت الخفايا المكنونة في الطبيعة لم تعد هناك حاجة إلى الله وإلى عالم ديني، وما وراء الطبيعة. إنّنا في وقت ما كنّا بحاجة إلى الإعتقاد بالله عندما كنّا نجهل العلل والحوادث في الطبيعة، أمّا اليوم وبفضل العلم وتقدّمه قد اكتشفنا تلك العلل واطلعنا عليها سواء الجوّية منها أو الأرضيّة.
واطّلعنا أيضاً على العامل الذي كان يسبّب الأمراض «الميكروب»، وعرفنا كذلك العوامل المسببة للزلزال والمطر وغيره.

صفحه 22
وبعد سياق هذه المقدّمات استنتجوا أنّ الإنسان بعد اكتسابه العلم والمعرفة لهذه العلل والأسباب تنتفي حاجته إلى الله تعالى.
إنّ الله كان يقوم مقام هذه العلل والأسباب في الأدوار السالفة وكان يُدعى بـ «العلل المجهولة»، هذه هي مقولتهم!

سلّم العلم قصير

وقبل أن نشرع بتفنيد النتيجة التي حصلوا عليها من هذه المقدّمات، ننقل، إليكم أقوال بعض المفكّرين والعلماء في عصرنا الحديث، كي يتّضح جليّاً أنّ علم الإنسان وإدراكه ضئيلٌ جداً بالنسبة إلى أسرار الطبيعة وخفاياها.
إنّ هذه المحيطات اللامتناهية من الأنظمة الطبيعية لا تزال في ظلمات أمام جهل الإنسان، ولم يستطع الإنسان بكل ما أُوتي من علم وقوة أن يغور فيها سوى بضع خطوات.
أ. سُئل العالم المعروف المعاصر «أنشتاين» ـ بعد كشفه عن أسرار الذرّة ـ ما هي نسبة معلوماتك إلى مجهولاتك؟ فأجاب وهو واقف بجانب سُلّم قصير في مكتبته، قائلاً:
إنّ النسبة تشابه نسبة هذا السُّلّم إلى فضاء العالم اللامتناهي، ويريد بذلك أنّه لم يرتق من سُلّم العلم عدا الشيء اليسير. ولم يخط في مضمار العلم سوى النزر اليسير.

صفحه 23
ب. يقول والتر اوسكار لندربرج: إنّ العلوم البشرية لا زالت في مراحلها الإبتدائية، إذ في الوقت الذي يقيس الإنسان حجمه مع حجم الأجرام السماويّة، والمسافات بين النجوم، يجد نفسه جرماً صغيراً، ونسبته هذه تافهةً للغاية كما هو واضح.
ج. وممّا حرّره يول كلارنس ابرسولد (المتخصّص في الفيزياء الذريّة والفيزياء الحياتية وخاصية الإشعاعات النيوترونية والإيزوتوبية) في مذكّراته:
كنت أعتقد في السابق أنّ العلم يوماً ما سوف يكتشف كلّ شيء. ولكن كلّما تقدّمت في دراستي، وأخذت استعرض الكائنات من الذرة إلى الأجرام ومن الميكروب إلى الإنسان، أيقنت أنّ هناك الكثير الذي لا يزال في عالم المجهولات.
إنّ العلماء باستطاعتهم دراسة كيفية وكمّية الأجسام، ولكن يستحيل عليهم أن يبيّنوا علّة وجودها وعلّة خاصيتها.
د. يقول العالم الطبيعي ايروينج ويليام نبلوج: إنّ العلم يسعى لإتمام فرضياته كي يقترب من الحقائق، ولكنّه يبدو كلّما حاول الإقتراب من الحقائق إزداد عنها بعداً. إنّ إدراكنا من هذا العالم يتمّ بواسطة حواسّنا الناقصة، وأدواتنا غير الدقيقة وغير الحسّاسة.
لا يستطيع العلم أن يحدّثنا عن جسم صغير جداً «الذرة»

صفحه 24
والتي يصعب رؤيتها حتى بالمجهر، من أين أتت، ولا يستطيع أيضاً أن يعيّن على أي قانون أو صدفة ترغم الذرات على أن تجتمع مع بعضها البعض كي ينشأ منها جسم حي.
نقتصر بما قلناه، ونعود بكلامنا إلى النتيجة التي حصلوا عليها من المقدّمات (على فرض صحّتها).

وجه الإشتراك بين الموحّد والملحد

على الرغم ممّا ينسبه الماديون إلى الموحّدين من أقوال سقيمة، فإنّ الموحّدين يحترمون آراء علماء الطبيعة، وإنّ معظم مؤسّسي العلوم الطبيعية موحّدون، وهم معتقدون بأنّ جميع التفاعلات والحوادث وغيرها من الظواهر الطبيعية تسير وفق مجموعة من القوانين الطبيعية، واستطاع الإنسان أن يحقّق آماله باكتشافاته وسيستمر في طريقه هذا بإزالة الحواجز والاطّلاع على أسرار الطبيعة.
وكلّ من المادّي والموحّد يعترف بأنّ كلّ جزء من عالمنا، بل وكلّ جزيئة تنطوي على نظام خاص، ولا تقل من حيث التعقيد في أجزائها عن المكائن الضخمة التي تنصب في المعامل، بل أكثر منها تعقيداً ودقة، وتعتبر كلّ ظاهرة في الحياة منشأ لظاهرة تليها، تحل محل الأُولى.

صفحه 25
ويستنتج ممّا تقدّم مدى توافق الطرفين. وأمّا اعتقاد الموحّد بقوى ما وراء الطبيعة لم يكن ناتجاً عن إنكاره وعدم توجّهه إلى العلوم الطبيعية والعلل المادّية، بل إنّه يعترف بكلّ ذلك أضف إليه اعتقاده وإيمانه بالله سبحانه.
ومن هنا ينشأ الاختلاف في الإجابة عن سؤال واحد، وتظهر بذلك مدرستان فلسفيتان ذات آراء متضادّة.

وجه الاختلاف بين الموحّد والملحد

بعد طرح السؤال التالي:
مَن هو المسبّب لهذه الظواهر الطبيعية؟ وما هي القدرة الخلاّقة لملايين الماكنات بمختلف أحجامها وأشكالها في عالم الأحياء؟ في حين أنّنا إذا شاهدنا ماكنة بسيطة من صنع البشر حكمنا بوجود صانع لها. إذن من هو الصانع لهذه المجاميع من الكائنات والتي تعتبر أكثر تعقيداً من تلك بآلاف المرات؟ ومن هو خالق الخليّة الحيوانيّة ذات الأجزاء والتراكيب المعقدة؟ مَن هو الموجد لعشرات الملايين من الأجرام السماوية والتغييرات الأرضيّة وفق محاسبة دقيقة ونظم خاصة؟
إنّ هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها عند تصوّرنا لأيّة ظاهرة من الظواهر الكونيّة.

صفحه 26
وعند الإجابة عن السؤال المتقدّم، يتّضح مدى اختلاف كلّ منهما والنتائج التي يحصلون عليه.

جواب المادّيين عن السؤال المتقدّم

إنّ العالم حادث عن التقاء الذرات الأُولى مع بعضها البعض، والكون بأسره لم يكن سوى مظهر لالتقاء الجزئيات المختلفة بالصدفة. ولم يستعن بعقل مدبّر في أية ظاهرة منها، والصدفة هي وحدها التي أوجدت جميع ما في هذا الكون.
والمادّيون الذي عاشوا قبل باستور، وقبل أن توجد القاعدة العلميّة :«كلّ جسم حي لا يوجد من تلقاء نفسه ولا من جماد» كانوا يظهرون عقيدتهم هكذا:
«إنّ أوّل مادة جامدة في العالم خُلقت بعد تفاعل الغازات الحارّة بالشكل التالي: انبسطت الغازات المذكورة وبأحجام متزايدة في بداية الأمر، وبعدها ظهرت بصورة مبعثرة وحصلت من جراء ذلك صفوف منتظمة من الأجرام السماويّة، ومنذ ذلك الوقت وجدت الحياة على هذه الشاكلة.
فهذا برتراندرسل والذي يعتبر من زعماء المذهب المادي في العصر الحاضر، يلخّص اعتقاده بشأن الخلقة قائلاً:
إنّ البشر مولود وحاصل عن عوامل متعدّدة، ولم يُستخدم

صفحه 27
في تكوينه أي تدبير أو أية غاية. إنّ أصل الإنسان يشابه عواطفه، كالأمل والخوف والحب والعقيدة، وما هذه الأُمور إلاّ مظهراً من مظاهر التقاء الذرات المختلفة بالصدفة.
وخلاصة ما يذهب المادّيون إليه: أنّهم يلتجئون إلى الصدفة أو ظاهرة التصادف في حلّ هذه المشكلة، ويعتقدون أنّ العالم بأسره وليد الصدفة العمياء، كما أنّ النظم القائمة في عالم الطبيعة ناتجة عن خواص المادة وطاقتها، والحقائق بشكلها المبسّط ما هي إلاّ نتاج للعمل والطاقة والزمان والمكان.
ولكي تتّضح نظريتهم وعقيدتهم أكثر، إليكم المثالين التاليين:
1. إن حاسّة اللمس لدى الإنسان ما هي إلاّ اتّصال كهربائي حادث بين محلّ اللمس والمحرك الخارجي، وينتقل إلى المخ بواسطة الأعصاب، والمخ بذاته يعتبر شبكة كهربائية ومركزاً للجهاز العصبي.
2. حدوث «قوس قزح» في السماء ما هو إلاّ نتيجة لاحتراق أشعة الشمس وانكسارها من خلال قطرات المطر. وللمادّيين بعض التأويلات والتفسيرات للأُمور الأخلاقية والنفسيّة.

صفحه 28

جواب الموحّدين عن السؤال المتقدّم

إنّ البحوث العلميّة إلى وقتنا هذا والمتعلّقة بنظام الكون تدفعنا وبدون اختيار إلى عقيدة معيّنة، وهي أنّ النظم هذه لابدّ لها من موجد وخالق، ويستحيل على عامل الصدفة أن يُنشئ مثل هذا النظام البديع، والصدفة عاجزة عن أن تخلق خلية واحدة بما فيها من أجزاء معقّدة فكيف تستطيع أن تخلق الملايين من هذه الخلايا؟!
وإن كلّ جزء من عالمنا يشابه لوحة لرسام، استطاع بقدرته و مهارته أن يظهر لوحته بمظهر لائق ومتميّز.
إنّ في كلّ صفحة من صفحات كتاب الطبيعة، بل في كلّ سطر من أسطره الذهبيّة دلالة بارزة على وجود خالق قادر ماهر حيث استطاع بمنتهى الدقة أن يحرّر هذا الكتاب الكبير.
فهل الصدفة ياترى قادرة على أن تخلق مثل هذا الكتاب الحاوي على ملايين الأسرار والرموز؟!
وأمّا فرضية انفجار المادة الأُولى والتي يعتمد عليها المادّيون في أقوالهم، فيردّه أحد العلماء الموحّدين وهو البروفسور: «أدوين كونكلين» بقوله: إنّ هذا الافتراض لا يختلف عن قولنا: إنّ قاموساً لغوياً ضخماً أنتجته المطبعة إثر انفجار فيها.

صفحه 29
إنّ نظام الكون الدقيق يجعل العلماء يتنبّأون بحركة السيارات والأقمار الصناعية، ويعبّرون عن الظواهر الطبيعية بمعادلات رياضيّة.
إنّ وجود هذا النظم في الكون بدلاً من الفوضى، لدليل واضح على أنّ هذه الحوادث تجري وفق قواعد وأُسس معيّنة، وهناك قوّة عاقلة مهيمنة عليه.
ولا يستطيع كلّ من أُوتي حظاً من العقل أن يعتقد بأنّ هناك مادة جامدة فاقدة للحس والشعور، وعلى أثر الصدفة العمياء منحت نفسها النظام، وبقيت ولا تزال تحافظ عليه!!

أقوالٌ لبعض العلماء حول الإيمان بالله

قال العالم «كلودم هزاوي» مصمّم العقل الإلكتروني:
«طُلب منّي قبل عدّة سنوات بتصميم آلة حاسبة كهربائية، تستطيع أن تحل الفرضيّات والمعادلات المعقّدة ذات البعدين، واستفدت لهذا الغرض من مئات الأدوات واللوازم الالكتروميكانيكيّة، وكان نتاج عملي وسعيي هذا هو «العقل الالكتروني» وشرع بالعمل بعد أن وضع في غرفة صغيرة تابعة إلى اللجنة المشاورة للخطوط الجويّة الوطنية لمدينة «لنجى فيلد».
وبعد سنوات متمادية لإنجاز هذا العمل وتحمل شتّى

صفحه 30
المصاعب وأنا أسعى لصنع جهاز صغير، يصعب عليَّ أن أتقبّل هذه الفكرة وهو أنّ الجهاز هذا يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى مصمّم.
إنّ عالمنا مملوء بأجهزة متعدّدة، مستقلة لذاتها ومتعلّقة بغيرها في الوقت ذاته، وتعتبر كلّ واحدة منها أعقد بكثير من العقل الالكتروني الذي صنعته. وإذا استلزم أن يكون مصممٌ للعقل الالكتروني هذا، فكيف يمكننا إذن أن ننفي هذا القول بالنسبة إلى أجسامنا بما فيها من خواص حياتية وأعمال فيزياوية وتفاعلات كيماوية. فلابد من وجود مصمّم حكيم خالق لهذا الكون والذي أنا جزء حقير منه.
كلمة لأدموند كارل كورنفلد:
كلّما يزداد عملي وتزداد تجاربي في المختبر، يزداد إيماني رسوخاً وشدةً، في حين أُفكّر حائراً في بعض زملائي الذين ينكرون وجود الله، فإنّ اعتقادهم لا يزال لغزاً عندي، إذ كيف لا يعتقدون بالله مع ما يشاهدونه من الدلائل الجليّة، وعلى سبيل المثال، أفعال الخليّة الحيوانية، فهي في غاية من التعقيد ومثارة للإعجاب، فإذا ما طرأ عليها أدنى اختلال، أدّى ذلك إلى مرض الحيوان، والحقيقة يستحيل على خليّة حيوانية بما فيها من تعقيد أن تسيّر حياتها معتمدة في ذلك على نفسها.

صفحه 31
وفيما تقدّم اتّضح لنا فكرة كلّ من المدرستين المتضادتين، ويستلزم قبل التعرّض إلى موضوع النظام في الكون، الإشارة إلى ملاحظتين أساسيّتين:
الأُولى: هل أنّ أصل قانون العليّة والمعلوليّة أصل علمي دقيق؟
الثانية: ما هو الفرق بين الأعمال التي تحصل عن طريق العقل والتفكير، والأعمال التي تحدث عن طريق الصدفة؟

صفحه 32
هل لقانون العليّة أُسس علميّة وما هو الفرق بين الصدفة والتدبير؟   

4

هل لقانون العليّة أُسس علميّة
وما هو الفرق بين الصدفة والتدبير؟
نتطرّق إلى هذا الموضوع بعد أن أيقنّا بالأدلّة في موضوع التوحيد، بأن كلّ ظاهرة أو حادثة لابد لها من مسبّب، ويستحيل أن تنشأ دون موجد لها. وحتى الأطفال لا يكادون يهملون هذا الأمر. فمثلاً نلاحظ بعض الصغار يسألون آباءهم عن العلل الرئيسية للظواهر الطبيعية، وعلى سبيل المثال، عندما يشاهد الطفل غصناً مقطوعاً، يسأل عن سبب ذلك، أو أنّ الرعد والبرق لماذا يحدث وما هي مسبباتهما؟
وكذلك الحال في القبائل البدائية، عندما تسير في صحراء قد كساها الثلج، وتشاهد آثاراً لأقدام، تستطيع أن تميّز من الآثار الباقية بين أن يكون المار إنساناً أو غير إنسان.
ومن البديهي أّن وجود نظام وأقيسة دقيقة ـ بغض النظر عن

صفحه 33
المادة ذاتها ـ لابد وأن يكون له من علّة مسبّبة.
والعلّة قد تكون حادثة عن انفجار، والتقاء الذرات مع بعضها البعض عن طريق الصدفة، كما يدّعيه الماديون. أو أن تكون ناتجة بسبب قوة غير مرئية (غيبية) فهو العقل والقدرة المطلقة. والذي استطاع أن يوجد هذا النظام الدقيق، ولا يزال يراقبها.
وخلاصة ما تقدّم: أنّ قانون العليّة والمعلوليّة (لكلّ ظاهرة لابد من وجود علّة) لها مقامها ومنزلتها لدى كلّ من الموحّد والملحد، فهما متّفقان عليه، ولكنّهما يفترقان في إسناده إلى علّة خاصّة.

الفرق بين الصدفة والتدبير

إنّ الأعمال التي تمتاز بالنظام والمحاسبة الدقيقة لا بد وأن تكون حصيلة صانع عاقل، حيث استطاع بدّقته أن يوجد عمله هذا. والعكس صحيح، فالأعمال التي لم يراع فيها النظام والدّقة اللازمة تكون ناشئة عن طريق الصدفة، ووليدة عامل غير عاقل بلا شعور ولا تفكير. وإليكم بعض الأمثلة .
لو افترضنا أنّ مخزناً حاوياً على أطنان من مواد البناء بما فيه الحجر والحديد والاسمنت والجص والخشب والزجاج والأسلاك والأنابيب وغيرها من لوازم البناء، وضع نصفه تحت

صفحه 34
تصرّف أحد المهندسين لبناء عمارة ذات طوابق متعدّدة على أرض منبسطة.
وبعد فترة من الزمن يأتي سيل جارف، يجرف ما تبقى من المخزن من مواد الإنشاء ويتركها على شكل تل على وجه الأرض.
إنّ العمل الأوّل بناء «العمارة» قد نتج عن عمل وإرادة مهندس متعلّم، أمّا الثاني «التل» فقد حدث بالعمل الطبيعي للسيل دون إرادة.
فالعقلاء بمختلف مراتبهم وقومياتهم وعصورهم، يحكمون بتعقّل مَن بنى العمارة ومدى قوة إبداعه في البناء من وضع الأعمدة، وإكساء الجدار بالمرمر، والمحافظة على السقف من السقوط بوضع قطع حديدية لإسناده، ونصب الأبواب في مواضعها الخاصة، وربط الأسلاك، واتصال أنابيب المياه الحارة والباردة في الحمام والمغاسل، فكلّ هذه تابعة لهندسة خاصة دقيقة.
وعلى العكس من ذلك عندما نشاهد ما صنعه السيل، فالذي يكون شاهداً للعيان هو عدم النظام والدقة. فالحجر والمرمر قد اندثر تحت الطين والتراب، والقضبان الحديدية قد طُرحت إلى جانب، والأسلاك تراها مقطعة بين قطعات الآجر، والأبواب مرمية بين صحيحة ومحطّمة بأوضاع مختلفة. فخلاصة الكلام: أنّ

صفحه 35
المعدوم من هذا الحشد هو النظام والمحاسبة، إذ لا هندسة ولا تدبّر، فالذي يُستنتج أنّ المؤسس للبناء ذو عقل وحكمة، والمحدث للتل فاقد لهما، فالمهندس ذو إرادة والسيل فاقد لها، فالأوّل أنجز عمله وفق عقله وعلمه، والثاني عمل ناشئ عن تدّفق الماء وقوة حركته.
مثال آخر:
لو دخلنا غرفة، وشاهدنا شخصين جالسين أمام آلة الطابعة، يريدان طباعة قصيدة لأحد الشعراء. وكان الأوّل يحسن القراءة والكتابة ويعلم مواضع الحروف من آلة الطابعة، والآخر أُمّي بصير، يستطيع فقط أن يضغط بأصابعه على مواضع الحروف. فإذا شرعا بعملهما في لحظة واحدة. نشاهد أنّ الأوّل دقيق في عمله يضرب بأصابعه حسب الحروف الواردة في القصيدة دون أن يترك حرفاً أو كلمة منها إلاّ أتى بها على الوجه الصحيح.
أمّا الآخر ـ الأُمّي البصير ـ فيضرب على الآلة دون علم أو هدى ولا يستطيع أن يميّز العين من الغين، ولا السين من الشين. وكانت النتيجة هي تلف الأوراق وكان ناتج عمله هباءً، لا علاقة له بما أردناه.
فعمل الأوّل نتاج كاتب متعلّم، والثاني عمل جاهل لا علم له ولا خبرة. ولو أُعطي المجال للأُلوف ممّن كُفّ بصرهم وحُرموا

صفحه 36
لذة العلم والتعلّم أن يحرّروا نسخة صحيحة من ملايين النسخ التي يحرّرونها لاستحال ذلك، لأنّهم يفتقدون إلى ما هو العمدة والأساس.
ولعلّنا نشاهد في كلّ جزء من هذا الكون مثل تلك الصفحة والتي حرّرت فيها قصيدة الشاعر. وترانا ملزمين بالاعتراف بعلم ومعرفة وحسن أُسلوب كاتبها. ونجزم بأنّه بصير لم يكن فاقداً للعلم، ولم يكن مشابهاً بعمل صبي رأى نفسه في غرفة خالية، فشاء له أن يلهو ويلعب على آلة الطابعة كي ينتج تلك الصفحة من قصيدة الشاعر.
وبعد ذكر الأمثلة المتقدّمة يتّضح لنا الفرق بين الأعمال التي تصدر عن إرادة وتدبّر، والتي تحدث عن طريق الصدفة، إذ لا إرادة ولا تدبّر.
والآن وبعد هذه المقدّمة الموجزة يجدر بنا أن نتفحّص عالمنا بكلّ دقة، وسوف نستنتج في خاتمة المطاف بأنّ هذا القصر الشامخ وهذه الكائنات الأرضية والسماوية هل تماثل في صنعها صنع ذلك المهندس المعماري، أم تشابه ما صنعه السيل عند منحدره، وطرحه للمواد خارجاً بصورة عشوائية؟ وهل أنّ العالم قد وجد وفق نظام ومقاييس دقيقة، أم أنّه حادث عن انفجار المادة الأُولى، دون أن يخضع لنظام؟

صفحه 37
   

5

النظام البديع في الكون

لا يسعنا المجال للبحث عن محتويات الخليّة الحيوانيّة أو مركّبات الذرّة، وما تحويه كلّ منهما من نظام ودقّة. وإنّما نكتفي بتلخيص بعض المعلومات المذكورة في كتب الهيئة وعلم الحياة وعلم الحيوان وعلم التشريح مع حذف المصطلحات العلميّة المعقدّة.

معرفة النفس وسيلة إلى معرفة الله

ما أجمل هذه العبارة وما أبلغها، فهي من أقوال أئمة الدين. ولمّا كنّا نروم مشاهدة النظم في كوننا فلنبدأ أوّلاً وقبل كلّ شيء بالإنسان.

صفحه 38

المخ أو مركز القيادة العليا للجسم

إنّ لهذا العضو من الأفعال والإمكانيات ما يُدهش ويحيّر العقول. لقد توصّل العلماء إلى بعض مايقوم به هذا العضو من أعمال فيزياوية وكيمياوية من قبيل إرسال الشحنات المغناطيسية، ولكن هناك الكثير من أعماله لا تزال مجهولة. ويعتبر المسؤول الوحيد لكافّة الحركات في العضلات، وجميع الأفعال الرئيسية في الجسم والتي لها علاقة وثيقة بالحياة، مثل التنفس وضربات القلب فهما تابعان لإرادة المخ وعمله.
ويعتبر مركزاً للذاكرة، والحاوية على آلاف الصور الفكرية يستعيدها الشخص عند الضرورة واللزوم.
فهو من أهم الأعضاء إذ يعتبر القائد الأعلى للجسم.
أمّا مراكز الأعصاب في البدن فتتألف من الأجزاء الأربعة التالية:
1. المخ: وهو مركز الإرادة والإدراك، وعند حدوث خلل فيه، أو إزالة جزء منه، تختل بذلك إرادة الإنسان وإدراكه.
2. المخيخ: يبلغ وزنه في الإنسان العادي 150 غراماً. وهناك حاجز بين المخ والمخيخ يُدعى بـ «غشاء المخيخ»، وظيفة هذا العضو الاحتفاظ بتعادل حركات الجسم.

صفحه 39
3. بصل النخاع: وظيفته تنظيم ضربات القلب، ويعتبر أيضاً مركزاً لأعمال أُخرى.
4. النخاع الشوكي: يتصل من الأعلى ببصل النخاع، عمله القيام بالأفعال اللا إرادية، أي الأعمال التي يقوم بها الإنسان دون إرادته واختياره.
مثلاً: رجوع اليد فجأة عندما تلامس جسماً حاراً، فإنّ سببه انتقال الحرارة بواسطة الأعصاب إلى النخاع، فيصدر أوامره للعضلات بالانسحاب، ونتيجة لذلك ترتفع اليد عن مصدر الحرارة.
إنّ الخالق الحكيم لهذا الجهاز، وما أُودع فيه من
أعمال خطيرة قد وضعه في مستقر لائق صيانة من الأخطار الواردة، ومحاطاً بأغلفة مختلفة، فهناك عوامل تساهم في المحافظة عليه.
ولكي نكون على حذر من الموضوعات الغامضة في علم «الفيزيولوجية» نكتفي بهذا المقدار، ونختتم كلامنا في هذا
الباب بما قاله العالم الشهير، الحائز على جائزة نوبل «الكسيس كارل»:
بقدر ما تكون معلوماتنا وإمكانياتنا عاجزة عن درك الحقائق وفهمها بالنسبة إلى الكواكب والنجوم، فهي أعجز من أن تفهم ما

صفحه 40
لدى المخ من قدرة وقابلية، والذي حصل عليه عالم الطب هو الشيء اليسير. وليست لدينا أيّة وسيلة لمعرفة كيفية ارتباطه بإلارادة الناجمة عن الإنسان أو كيفية تأثره بالأعصاب، ومدى تأثّره بالحالات النفسيّة.
إنّنا لا زلنا نجهل علم الخلايا في المخ وكيفية تأثرها بالحوادث والوقائع، وكيف يستطيع أن يحتفظ بآثارها، كما نجهل التفاعلات التي تحدث فيه لكي تنبثق عن فكرة معينة أو اتّخاذ قرار معين.
إنّ معلوماتنا عنه تنحصر في كيفية تأثره بالأعمال الفكرية والانقباضات العضليّة.
والآن يحسن بنا أن نلقي هذا السؤال: لمّا كان مركز القيادة العليا للجسم هو «المخ» بما فيه من تعقيد وما له من عظمة، والذي يعتبر أشد تعقيداً من ذلك البناء، والنظام الذي يمتاز به، ألم تكن معبرة عن قدرة وعظمة صانعها؟ وهل تستطيع الصدفة أن تخلق الملايين من خلايا المخ، بحيث يحتوي كلّ منها على ما لا نهاية من الأسرار.
واليك مثال آخر:
عندما تنظر إلى ساعة جداريّة، تشاهد أنّ حركة عقاربها في أوقات مختلفة تشير إلى زمان معين، تحكم بأنّ هناك عقل مدبّر

صفحه 41
استطاع أن يصنع عتلاتها وأدواتها بصورة دقيقة وفق قوانين خاصة.
وبعد هذا كلّه نعود إلى أنفسنا لنعترف حقاً بإله قادر حكيم خالق مبدع قد صوّرنا وركّبنا بحيث يستطيع كلّ فرد أن يمارس الحياة بما أودعه الخالق في أبداننا من أجهزة مختلفة، وأعضاء شتى.
ويصف «بالي» و هو أحد العلماء الموحّدين، بداية معرفته بالله تعالى:
وفي ذات يوم وأنا في طريقي إلى البيت، شاهدت ساعة يدوية مطروحة على الأرض، فأخذت أقلّبها يمنة ويسرة وأتفحّص الأجهزة المستخدمة فيها. حيث توصّلت إلى الاستدلال بها على صانع وخالق لهذا الكون، وقلت في نفسي: إنّ الأجهزة المعقّدة المستخدمة في هذه الساعة هي أبسط بكثير ممّا في المراكز العصبيّة في بدني، وعلى هذا لو قدّر لهذه الساعة أن تتناسل لكان عملها هذا أبسط من تناسل الإنسان أو الحيوان.

القلب ونظام الطبيعة

يمتاز القلب بضرباته المنتظمة طوال الحياة، ويساعد بقية الأعضاء بإيصال الغذاء «الدم» إليها، وإذا ما تقطعت أعصابه،

صفحه 42
يستطيع أن يستمر في ضرباته لبرهة من الزمن.
ويتألف جهاز الدوران في جسم الإنسان من الأقسام التالية:
1. القلب. 2. الشرايين. 3. الأوردة. 4. الشعيرات الدمويّة.
إنّ القلب في عمله يشابه آلة لا تقف عن الحركة في اليقظة والمنام. ويقدر عدد ضربات القلب في الدقيقة الواحدة بـ «60 ـ 70» مرة، وبها يصل الدم النقي الحامل للأُوكسجين والمواد الغذائية إلى أقصى نقطة في الجسم، وتنقل الأوردة الدم المثقّل بثاني أُوكسيد الكاربون من الأنسجة إلى الرئتين لغرض التنقية، وبعد أن يصفّى الدم تماماً يعود إلى الأنسجة عن طريق الشرايين.
إنّ مجموع كميّة الدمّ الموجودة في جهاز الدّوران ما يقارب الخمسة ألتار. والقلب يأخذ هذه الكمية في ثلاثين ضربة ـ أي في نصف دقيقة ـ وتعتبر دورة كاملة للدم. وبعبارة أُخرى: أنّ كلّ خلية من خلايا الجسم تحصل على المواد الغذائية والأُوكسجين خلال دقيقة أو أقل من ذلك.
وبالنظر إلى الدور الخطير الذي يقوم به القلب في جسم الإنسان فقد استقر في قلعة محكمة (القفص الصدري) وتحت الثدي الأيسر، للحفاظ عليه ممّا يصيب الجسم من طوارئ وحوادث خارجية.

صفحه 43
إنّ الطبيعة العمياء إن كانت عاجزة عن صنع بيت من الطين، كيف تستطيع أن تخلق مثل هذا الجهاز، والذي حارت عقول العلماء المتخصّصين في عجائبه وغرائبه، وظلّوا حيارى أمام صنعه وصانعه؟!

النظم في سائر أقسام الجسم

يعتبر منشأ الإنسان من تلك الخليّة الصغيرة التي تنمو في رحم الأُم، وبعد أن تمر بمراحل معينة يتكوّن الجنين ومن ثم يصير طفلاً ويأخذ طريقه في النمو ليصبح إنساناً عاقلاً. وبعد تكامله نجده يحتوي على الأُلوف من الأجهزة المعقّدة، ومن ثم تصبح له القدرة على أن يخترق طريقه إلى الأفلاك، ويشق الجبال والأنهار.
لو نتأمل جيداً وننظر بإتقان إلى أجهزة الجسم ونظمه بما فيها من أسرار خفية، مثل الرئتين، الأعصاب، جهاز الهضم، كريات الدم، مقلتي العين، السمع، البصر، حاسة اللمس، حاسة الشم، الذائقة وغيرها ـ بغض النظر عن سائر الكائنات الحيّة ـ ترانا نعترف صدقاً بأنّها لم تكن حصيلة الصدفة ولا وليدة من اجتماع ذرّات من تلقاء نفسها.

صفحه 44

النظم في جهاز الباصرة «العين» و غيرها

كيف يمكننا القول بأنّ الصدفة قد لعبت دورها في إيجاد مثل هذا الجهاز، فهو يستطيع وفي أوقات متفاوتة أن يعمل عمل الميكروسكوب تارة، وعمل التلسكوب تارة أُخرى.
أو أن نستسلم بأنّ الصدفة استطاعت أن تحدث المفاصل وتمنحها السهولة والراحة في الانبساط والانقباض.
وهل تستطيع الصدفة أن تنشئ عمل التناسل وتوليد المثل بما فيها من أسرار، والّتي لا تزال معظمها مجهولة لدى المتخصّصين؟!

مختبر الجسم الكيمياوي

يجدر بنا أن نشير إلى كلمة «كرسي موريسن» بالنسبة إلى أضخم مختبر كيمياوي عالمي (جهاز الهضم) فهو يقول: ... إذا أردنا أن نعتبر جهاز الهضم لدى الإنسان يماثل مختبراً كيمياوياً، والمواد الغذائية الّتي تنقل إليه بمثابة المواد الخام لذلك المختبر. عندئذ تجدنا حيارى أمام عملية الهضم الّتي تتمّ بأدق صورة، والّتي تستطيع أن تهضم المواد الغذائية بشتى أنواعها.
إنّ الإنسان يدّخر في معدته ما شاء له أن يدّخر من مواد غذائية، دون التفاتة منه إلى عملها ومراحل الهضم فيها، وكيفية

صفحه 45
حركتها، وكيف تتم عمليات الهضم بتفاعلاتها الكيمياوية. فهو يتناول اللحم والخضروات والفواكه والخبز ويختمها بالماء، وأحياناً يتناول بعض العقاقير المعقّدة والحاوية على مواد كبريتية وعصير النباتات، وغيرها. وبعد أن تبدأ المعدة بعملها وبعد الإفرازات الهضميّة المتكررة، تجعل من الجميع عجينة، ومن ثم تدفع الفضلات وتتبدّل الخميرة إلى مواد بروتينية أبسط تركيباً كي يتسنّى لخلايا الجسم الاستفادة منها بعد أن تنقل بواسطة الدم.
إنّ جهاز الهضم له القدرة والقابلية اللازمة على تشخيص المواد النافعة والمفيدة للجسم، حيث يقوم بامتصاصها، كالكالسيوم والكبريت، والحديد و... وبذلك يبدي عنايته الكافية للاستفادة منها إلى أبعد الحدود، دون أن تهمل أو تعدم. وتجعلها تحت تصرف الهورمونات المسيطرة على الأعمال الحياتية في الجسم. ويدّخر الجسم المواد الغذائية، للاستفادة منها عند الحاجة.
يقدّر عدد خلايا جسم الإنسان بعدّة مليارات، أي أنّها تضاهي أكثر من مجموع سكان الكرة الأرضيّة، فكلّها بحاجة إلى مواد غذائية، ولكلّ خلية غذاؤها الخاص، كخلايا العظام والعضلات، والأظافر، والشعر والعين، فإنّها تمتصّ من المواد الغذائية ما يناسب عملها.
وممّا يبدو أنّ المواد المنتجة من هذا الجهاز أكثر من المواد

صفحه 46
المستحضرة في المختبرات الكيمياوية لدى البشر.
إنّ شبكة الارتباطات والطريقة المستفادة لنقل المواد الغذائية إلى خلايا الجسم دقيقة للغاية، ولم يستطع البشر أن ينشئ ما يشابهها في عالمه.
إنّ هذا المختبر «جهاز الهضم» لا يكاد أن يخطأ منذ حداثة السن وحتى الكبر، وفي الوقت ذاته تقدّر أنواع المواد المنتجة فيها بأكثر من مليون نوع، ومعظمها من المواد السامّة المهلكة. وعلى مر السنين تتلف الأجهزة الناقلة للمواد الغذائية ويقل نشاطها على أثر الاستعمال، وبذلك تقل قدرة الإنسان وحيويته، فتؤدّي به إلى الانهيار والعدم.
وكلّ خلية من خلايا الجسم عندما تمتص المواد الغذائية تحاول أن تبدّل هذه المواد إلى طاقة وحرارة، وذلك بالاحتراق الداخلي الذي يتم في داخل الخلية. فتحتاج في عملها إلى الأُوكسجين ويكون الناتج من هذه العملية هو ثاني أُوكسيد الكاربون الذي ينقل إلى الرئتين بواسطة الأوردة تخلّصاً منه. ويقدّر غاز ثاني أُوكسيد الكاربون الذي يدفعه الجسم خارجاً بـ «كيلو غراماً واحداً» لكلّ فرد يومياً.
فكلّ كائن حي يحتاج في عملية الهضم إلى مواد كيمياوية خاصة، تجدها مخزونة في جسمه. ويلاحظ أنّ تركيب الدم لكلّ

صفحه 47
نوع من الحيوانات يختلف عن النوع الآخر، اختلافاً كبيراً.
وعند مواجهة الجسم لعدوه «الميكروب» يستعد هذا الجهاز للدفاع بكريات الدم البيض، والقضاء عليه. ويخلّص الجسم من الموت والهلاك.
وبعد كلّ ما تقدّم:
هل تستطيع الصدفة أن تخلق مثل هذا الجهاز المدهش للعقول بما فيه من نظام ودقة عمل؟!
أو هل هي قادرة على حَلّ هذه الرموز؟!

صفحه 48

6

النظام في عالم النبات

يعتبر شكل خلايا النباتات المختلفة (الكروية، البيضوية، السداسية، والاسطوانية) من المسائل المهمة في حياة النبات، أضف إلى ذلك تركيب الأوراد والأوراق. فهذه الأُمور ممّا تتعلّق بعلم النبات ولسنا بحاجة إلى المزيد من التوضيح، وممّا هو جدير بالذكر، أنّ تعقيد التركيب في كلّ خليّة نباتيّة، والاختلاف القائم بين الملايين منها، لدليل واضح وبرهان قاطع على أنّ خالقها قد استخدم نظاماً كاملاً ومحاسبة دقيقة.
ولمزيد من الاطّلاع نحيلكم إلى كتب النبات الموسّعة للوقوف على هذا النظام والدقّة في الأعمال الحيوية التي تتم في خلايا النبات مثل: النمو، توليد المثل، انقسامات الخلايا، وغيرها، ممّا تقودنا إلى الاعتراف بقدرة وعظمة صانعها وعلمه.

صفحه 49
إنّ جمال السيقان والأوراق والأوراد، والذي يعجز عن الإتيان به أي رسام مهما أُوتي من الموهبة وقدرة الإبداع، لحجة دامغة على علم وقدرة صانعها. والتعقيد الذي تمتاز به كلّ خليّة، يستحيل أن ينشأ عن طريق الصدفة العمياء.
وأمّا عملية التكاثر والتوليد فإنّها تابعة لمحاسبات دقيقة للغاية.
وتختلف من نبات لآخر، إذ يمتاز كلّ صنف منها بطريقة خاصة تناسبه.

التلقيح في النباتات

يعتبر التلقيح في معظم النباتات من آيات الله الباهرات، فتارةً يتم التلقيح بواسطة الذباب، وتارة بالزنبور، وإليكم بحثاً مجملاً عن بعض النباتات.

نبات اليوكا «Yucca»

يظهر هذا النبات في أمريكا الجنوبيّة، وتكون زهرته متدلية إلى الأسفل بحيث تقع المدقّة تحت الأسدية، كما أنّ وضع المدقّة يختلف عمّا عليه باقي النباتات، إذ لا يمكن أن ينفذ اللقاح تلقائياً، ويتم انتقال اللقاح بواسطة الذباب بعد غروب الشمس إلى المدقّة،

صفحه 50
وذلك بأن يحمل الذباب بعض اللقاح بفمه ومن ثم ينتقل إلى وردة أُخرى ويشق مبيضها، ويضع عدداً من حبوب اللقاح المحمّلة فيها، وبعدها يغطي المنطقة تغطية تامة.
وكلّ وردة من أوراد هذا النبات تنتج بذوراً كثيرةً، فمعظمها تصبح طعمة لما يتولد حديثاً من الذباب ويقتات عليها. أمّا القسم الآخر فيستمر في عمله الطبيعي لانتاج أوراد جديدة.
ويُستنتج ممّا ذكرناه، مدى العلاقة الفطرية بين الذباب وهذا النبات، وتوجد علاقة أُخرى مماثلة بين التين الأمريكي التجاري، وعدد من أنواع النحل. فإنّ أغصان هذا التين على قسمين:
القسم الأوّل: يحتوي على أوراد تحمل أعضاء الذكر والأُنثى.
والقسم الثاني: يحتوي على أوراد تحمل أعضاء الأُنثى فقط.
وممّا يجلب الانتباه أنّ جميع هذه الأوراد يتم تلقيحها بواسطة أُنثى النحل، ولم تكن هذه العملية بسيطة وسهلة، بل أنّ أُنثى النحل تعاني في عملها هذا بعض المصاعب، مثلاً:
عندما تقتحم الأُنثى مدخل الورد، تفقد أجنحتها بتمزّقها بواسطة الأغشية الموجودة في المدخل.
فإذا كانت الوردة هذه تحتوي على أعضاء الذكر والأُنثى معاً،

صفحه 51
تضع الحشرة بيوضها فتموت. وبعد أن تنمو هذه البيوض وتتكامل يموت ما كان ذكراً منها، ويخرجن الإناث، وهنَّ مكسوّات بغبار قد حملنه من الوردة التي كُنَّ فيها، كي ينقلن ذلك إلى أوراد أُخرى.
فإن كانت الوردة المقصودة والتي قد استقرت عليها الحشرة كسابقتها فتتم العملية ذاتها، أمّا إذا كانت الوردة أُنثى فتتركها الحشرة دون أن تضع من بيوضها شيئاً بسبب عمقها، ولكنّها تلقّحها بما تحمله من غبار بلقاح الورد الذكر ونتيجة لذلك تنمو الوردة وتتحول إلى تين ناضج.
وممّا شوهد في الولايات المتحدة الأمريكية أنّ الأشجار الأُولى من هذا التين التي نقلت إليها لم تكن لتثمر لولا جلب النحل الخاص بها.
نموذج آخر:
إنّ التلقيح الذي يتم في بعض النباتات عن طريق الحشرات يثير الدهشة حقّاً، وعلى سبيل المثال ما يتم من عملية التلقيح في وردة تُدعى «وردة السجن» ولها نوعان من الأوراد أُنثى وذكر.
وتقوم بهذه العملية (التلقيح) ذبابة صغيرة إذ تخترق المدخل لتصل إلى المبيض، وبعد وصولها إلى المبيض ينغلق المدخل، وتبقى الذبابة مسجونةً فيه، ويمتاز الجدار الداخلي للمدخل بصيقلته، إذ لا تستطيع الحشرة أن تثبت أقدامها عليه ممّا

صفحه 52
يؤدي إلى اضطرابها وقلقها المتزايد، وتحركها السريع دون جدوى. وبعد أن يُكسى جسمها باللقاح، يأخذ المدخل بالانفتاح رويداً رويداً. وعندئذ تهرب الحشرة من مأزقها. وإن صادف أن تدخل في وردة أُخرى ولم تكن أُنثى، فيتكرر العمل السابق. أمّا إذا دخلت في زهرة أُنثى، فغالباً ما يصعب عليها الخروج والتخلص منها. وبحركاتها اللاشعوريّة تتلقح الزهرة. ولما كانت الزهرة تمنع من خروج الحشرة (الذبابة)، فتضطر إلى أن تبقى هناك حتى تفارق الحياة، وممّا يُشاهد أن الزهرة (الذكر) ترغب في خروج الحشرة منها.
فهل يمكن اعتبار هذه الروابط والعلاقات خاضعة للصدفة؟
ألم تكن هذه معبرةً عن نظام دقيق تمتاز بها حياة هذا النوع من النبات؟ وكلّها خاضعة لنظام خالقها.

نظرة على زهرة «شبدر»

تعتبر هذه الزهرة ماكنة بتمام معنى الكلمة، بما لديها من قابلية خاصة في النمو، إذ يبقى العقل متحيّراً إزاءها. والإنسان بما أُوتي من عقل وتفكّر، وبما أحرزه من تقدّم في الصناعة، وما قام به من صناعة للآلات والماكنات الضخمة والتي تستوجب الإعجاب، لم يستطع أن يضاهي هذا النبات. فإنّه يقوم بآلاف من التفاعلات

صفحه 53
الكيمياوية والفيزياويّة، والمادة المشرفة على جميعها هي مادة الـ «بروتوبلازم» والتي تعتبر الأساس في حياتها وبقائها.
إذن، وبعد هذا الموجز، نتساءل، ما هي القدرة التي استطاعت أن تخلق مثل هذه الماكنة الغريبة الصنع في هذه الزهرة؟
ويعتبر هذا النبات ـ باعتراف أحد العلماء ـ من أعجب النباتات في عالم الطبيعة، وأدهشها للعقل والفكر. وهي مظهر من مظاهر القدرة والإبداع لخالقها.
ومن الغريب أنّ النواة الأصلية لهذا النبات، والتي تقوم بدور التكاثر والتوليد، أصغر بكثير من حجم الخليّة العادّية. ونستطيع بالمجهر بعدسات متعدّدة فقط رؤية جميع أجزائها المتناهية في الصغر. وما نشوء الأغصان والسيقان والسويقات والأوراق والوريقات والجذور والجذريات، إلاّ من خليّة صغيرة متناهية في الصغر. ويعتمد النبات في بقائه واستمراره في الحياة على هذه الخليّة الصغيرة.

صفحه 54

7

النظام في الكرة الأرضيّة و الأجرام السماويّة

إنّ التقدّم الذي أحرزته الاكتشافات العلميّة في السنوات الأخيرة، وخاصة في علم الهيئة والأفلاك، إذ استطاع العلماء باكتشافهم المزيد من النظم الكونية بواسطة أجهزتهم «التلسكوبات» أن يبهروا العقول، وهم لازالوا في بداية الطريق.

ماهيّة الأرض وكيفيّة حدوثها

هناك نظريات وآراء مختلفة ومتضاربة لأغلب العلماء في كيفية حدوث الأرض، فمنها النظرية القائلة بأنّ المنشأ هو تقارب سيارتين واصطدام إحداهما بالأُخرى وتلاشيهما، وقد تكوّنت الأرض نتيجة ذلك وهذه لم تكن سوى فرضية محضة، ويعدّ

صفحه 55
احتمالاً نادراً خارجاً عن نطاق المحاسبة.
وهناك رأي آخر لبعض العلماء، فهم يعتقدون أنّ جرماً سماوياً كبيراً قد مَرَّ بالقرب من كرة الشمس فأحدث انفجاراً فيها بسبب الجاذبيّة لهذا الجرم الكبير. ويقدّر تاريخ وقوعه قبل ملياري سنة. والذي نتج عن ذلك أن انفصلت قطعات من الشمس وكوَّنت مجموعتنا الشمسيّة، وتعتبر الأرض إحدى هذه المجموعة، فهي كبيرة جداً في نظر العوام من الناس، وغاية في الصغر من وحهة نظر العلماء لهذا الكون الرَّحب.
تمتاز كرتنا الأرضيّة بحركتين:
الأُولى: حركة وضعيّة حول نفسها، وينتج عن ذلك الليل والنهار.
الثانية: حركة انتقالية، ويتم ذلك بصورة منتظمة وبشكل بيضوي حول الشمس، ويتحقّق بهاتين الحركتين تعادلها الثابت في الفضاء.
وما وضعها المائل في الفضاء (الذي يبلغ 23 دَرجة) وحركتها الانتقالية إلاّ لِتُحدث الفصول الأربعة بشكلها المنظم.
ويبلغ وزن الكرة الأرضية (1) 6600 بليون × بليون طن، فإنّ

1 . يبلغ حجم الكرة الأرضية بالنسبة إلى الشمس 1 / 000 ,330، في حين أنّ أصغر جرم أو سيارة يبلغ حجمها 1 / 100 من الشمس.

صفحه 56
الرقم هذا يسهل حفظه، ولكن يصعب تصوّره على معظم الناس.
ويحيط بكرتنا الأرضية غلاف جوّي وهو عبارة عن مجموعة من الغازات المتنوعة يبلغ سمكها نحو «800» كيلو متر، ويعتبر درعاً حصيناً لها من شر ملايين الأحجار والصخور التي تصطدم به يومياً. وتقدر سرعة هذه الأحجار نحو «50» كيلو متراً في الثانية الواحدة. والتي تحاول أن تصل إلى الأرض لولا وجود هذا الغلاف الجوي. ومن أهم خصائص هذه الغازات، هو الاحتفاظ بدرجة الحرارة بشكل مناسب، وانتقال بخار الماء من المحيطات إلى اليابسة، ولولاها لانعدمت الحياة على سطح الكرة الأرضيّة.

الشمس

وكما أشرنا سابقاً يعادل وزنها (000 ,330) من الكرة الأرضيّة .
ويوجد في المجَرَّة ـ والتي تعتبر مجموعتنا الشمسيّة جزءاً منها ـ ما يقارب البليون شمساً، وتمتاز أكثرها بزيادة وزنها عن شمسنا. ويضيف العلماء، بأنّ هناك ما لا يقل عن 000,100 مجرّة في عالمنا هذا. ولا أحد يعلم ما هو وزن تلك الأجرام إلاّ الله سبحانه وتعالى.

صفحه 57

القمر

والقمر من السيارات التي تدور حول الأرض، ويقدر مداره بـ (31 18 سنة).
وممّا يجدر ذكره أنّ سرعة الأرض بغاية من الدقّة، فاختلاف لحظة في سيرها طوال قرن قد يؤدّي إلى الاختلاف في جميع المحاسبات الفلكيّة.
وتقدر المسافة فيما بين الأرض والقمر بـ (000 ,240 ميل) ويعتبر القمر العامل الرئيسي في ظاهرة الجزر والمد. والتي تحدث مرتين في كلّ 24 ساعة. ويبلغ اختلاف الجزر والمد في بعض النقاط إلى (60 قدم)، وما ارتفاع قشرة الأرض بضع إنجات باتجاه القمر في تلك الفترات إلاّ ما يكنّه القمر من قوة جاذبة مودعة فيه، فهي التي تستطيع أن ترفع مياه البحار عن مستواها الطبيعي.

عطارد

وهي من السيارات التي تدور حول الشمس، ولكن سيرها يختلف عن الأرض، إذ تنعدم فيها الحركة الوضعية كما في الأرض، فينتج من ذلك أنّ جانباً منها وبصورة دائمة متجه نحو الشمس، وحرارته لا تطاق. أمّا الجانب الآخر، فتشابه القطب الشمالي لشدة برودته، ويلاحظ أنّ الجاذبيّة معدومة في هذه

صفحه 58
السيارة، والهواء لم يكن ليوجد في أطرافها، وقد يحدث أن تهب عاصفة هوائية ولكن سرعان ما تزول.

الزُّهرة

لم تكن لدينا معلومات كافية عن هذه السيّارة بسبب تراكم الأبخرة الكثيفة حولها، إذ تمنع من استجلاء الحقائق.

المريخ

يعتقد العلماء أنّ هذه السيارة كانت تمتاز يوماً ما بآثار حياتيّة، ويحتمل وجود بقايا لها، ولكنّها على شرف الزوال والانقراض. وكرتنا الأرضية في الوقت الحاضر وحدها تساعد على الحياة للكائنات الحيّة. أمّا القمر فيعتبر من السيارات التي كانت تمتاز بتوفر شروط الحياة فيها لسنوات عدّة.
إنّ السيارات التي ذكرت وغيرها تسير على خطوط معيّنة في الفضاء. وباستطاعة العلماء أن يتنبّأوا بالكسوف أو الخسوف قبل حدوثه بأعوام بل بقرون. وما ذلك إلاّ لما تمتاز به هذه الأجرام من دقة ونظام.
وحركة هذه السيارات كانت ولا تزال الدليل على معرفة الطرق في البحار واليابسة.

صفحه 59
إنّ الفرضيات التي تدّعي أنّ هذه الأجرام ناتجة عن انفجار وعن صدفة، لا يمكن التقوّل بها أمام هذه العظمة اللامتناهية، ولا تخلو من مهزلة.
إنّ الأنظمة القائمة في كلّ جانب من جوانب هذا الكون لدليل قاطع وبرهان قانع على إثبات وجود الله (جَلَّ وعلا) العالم القدير، لكلّ من أُوتي قليلاً من العقل وقدرة التفكير.
يقول «جورج إيرل دافيس(1)»: باعتقادي أنّ حركة «الذرة» مهما بلغت من الصغر لا تقل إعجاباً عن حركة السيارات الكبيرة في هذا الكون الرحب.
ويقول «سسيل بويس هامان»: عند متابعتي لتقدّم العلوم بمختلف اتجاهاتها، أُشاهد علامات الإرادة والقدرة ظاهرة، والنظام الدقيق هو المسيطر على الجميع.
إنّ مشاهدة قطرة الماء تحت المجهر، والنظر إلى الأجرام السماوية من وراء التلسكوب، يدفعني إلى الحيرة والإعجاب، وأنّ الكون بما يمتاز من دقة في نظامه، بعد هذا كلّه نستطيع أن نضع قوانين ثابتة ومعينة، ونستطيع أيضاً التنبّؤ بما سيحدث في الوقت القريب أو البعيد من الأزمان.

1 . عالم في الفيزياء، رئيس دائرة الانفجارات النووية في أمريكا. Georgle -Earl Davis

صفحه 60
وإنّ اهتمام الإنسان في الوقت الحاضر واستمراره في التحقيق والكشف عن قوانين طبيعية جديدة ما هي إلاّ لصحّة اعتماده للقوانين وإلاّ لكانت جهوده تذهب هباءً.
وعلى فرض أنّ هذه الظواهر ناتجة عن صدفة، ولم تكن تابعة لأُسس معيّنة، لكانت الجهود المبذولة في هذا المضمار عقيمة.
وبعد سياق هذه المقدّمات، يلزمنا الاعتقاد بوجود خالق قدير. فلولاه لما حدث حادث وما وجد موجود.

صفحه 61

8

التوازن في الطبيعة

استطعنا أن نوجز فيما سبق النظام العام في الكون، ولغرض إكمال دراستنا هذه، يلزمنا أن نبحث عن التوازن في الطبيعة، والذي يعتبر من نتائج هذا النظام.
ويقصد من التوازن تلك الخصائص التي تمتاز بها الحيوانات أو النباتات في مناطقها المختلفة، وربما يسبب انتقالها من محلها الأصيل إلى غيره مضاراً قد يفتك بتلك الأحياء.
ونستطيع أن نلمس وندرك هذا النظام من خلال بعض الحوادث، والتي تدل دلالة قاطعة على أنّ الكون بما فيه، قوامه الحكمة البالغة.
ولأجل إثبات هذا التوازن، وخصائص كلّ منطقة من مناطق العالم، وكلّ ذي حياة فيها، نشير إلى أقوال بعض علماء الغرب.

صفحه 62
عندما رحلت أوّل مجموعة من المهاجرين من أُوربا إلى أُستراليا، لم يجدوا من الحيوانات الراقية سوى الـ «دينكو» وهو كلب وحشي.
وبسبب رغبة الأُستراليّين الشديدة في اصطياد الأرانب استطاع أحدهم أن يجلب 24 أرنباً من أُوربا، وتركها تتناسل وتتوالد، وكانت النتيجة التي حصلوا عليها هي الضرر المحدق بالجزيرة كلّها. ويعود السبب في ذلك إلى عدم وجود العدو الطبيعي لهذا الحيوان الفتّاك. فأخذ يسرح ويمرح في هذه البقعة دون خوف أو تحذير.
وفي فترة غير طويلة ازداد عددها أضعافاً مضاعفة. فزاحمت الأغنام في مراتعها، وألحقت خسائر فادحةً بالمزارع وأصحابها.
فأوّل اقتراح للأُستراليين هو إيجاد سياج حول هذه المراتع، وقد بلغ طولها ألف ميل تقريباً. ولكن ممّا يؤسف له أنّ عملهم هذا لم يعد عليهم براحة أبداً، إذ توغلت الأرانب في المراتع من خلال السياج الحصين، واستمرت في عملها التخريبي.
وأرادت الحكومة أن تضع الجوائز لصيد هذه الحيوانات، ولكنّها أعرضت عن هذه الفكرة والتجأت في السنوات الأخيرة إلى نشر «الفايروس» للقضاء عليها. ممّا أدّى إلى انتشار الأمراض

صفحه 63
والأوبئة، والقضاء على معظمها.
وممّا حدث في أمريكا يماثل ما حدث في أُستراليا، فإنّ الأرانب في أمريكا تختلف عن الأرانب التي تعيش في أُوربا وتمتاز الأخيرة بسرعة تناسلها وتوالدها. وإلى سنة 1900م كان ينحصر وجودها في جزيرة «سان جوان» والتي تقع على الساحل من مدينة «واشنطن» فاستطاعت بعض المعارض في الآونة الأخيرة أن تستورد الأرانب الأُوربية، وحدث ما حدث من تزايد عددها بشكل غريب، ممّا أدّى إلى انتشارها في جميع نقاط أمريكا. وبعد انعقاد مؤتمر الصيد هناك، قرروا أن يجيزوا صيدها في جميع الفصول تخلّصاً منها، علماً بأنّ النوع الأوّل تنحصر رخصة اصطياده في فصول معينة.

مثال آخر لهذا التوازن الطبيعي

كان في أُستراليا ـ قبل عدّة سنوات ـ نبات يعرف بـ «الكاكتوس» إذ كان يزرع غالباً بجانب الأسيجة في المزارع. وبما أنّ النبات المذكور لم يكن له عدو يعرف في تلك الفترة أخذ يزداد بصورة مدهشة حتى طغى على معظم أراضي أُستراليا، وبلغت المساحة التي يغطيها مساحة انجلترا تقريباً. وأرغم الناس على الخروج من مساكنهم سواء في القرى أو الأرياف. وقضى على

صفحه 64
الزراعة فيها. فلجأ الساكنون في هذه المناطق إلى بذل المزيد من الجهود لمكافحته ولكن النتائج كانت فاشلة، فاضطرت الحكومة إلى القضاء عليه وذلك باستدعاء العلماء المتخصّصين والتحقيق في هذا المضمار. حتى توصلوا في أبحاثهم إلى حشرة طفيلية تعيش على سيقان وأوراق النبات المذكور فقط دون أن تتغذى على نبات آخر.
وممّا تمتاز به هذه الحشرة هو ازديادها وتكاثرها السريع، ولم يكن ليوجد في المنطقة الجديدة عدو يقضي عليها. فاستطاعوا أن يقضوا على النبات بالحشرة المكتشفة، وبانقضاء النبات، قُضي على الحشرة أيضاً .
ولم يوجد في الوقت الحاضر من الحشرة المذكورة سوى القليل، وهذه القلّة أصبحت مسيطرة على عدم انتشار وتكاثر ذلك النبات.
إنّ هذا التوازن في الطبيعة لم يكن ليظهر من تلقاء نفسه، ولا وليد الصدفة العمياء.

مثال ثالث:

تختلف الحشرات في كيفية تنفّسها عن الإنسان. فالإنسان يمتاز بالرئتين، والحشرات تمتلك قصبات هوائية وعندما تنمو

صفحه 65
الحشرة ويزداد حجمها، تبقى هذه القصبات ثابتة القطر. ونتيجة لذلك لا تستطيع الحشرة أن تنمو أكثر من بضع سانتيمترات، فالنسبة الثابتة بين حجم الحشرة وقطر قصباتها الهوائية يمنعها من الاستمرار في النمو، ممّا يؤدي إلى موتها. فهذه الموازنة هي التي تمنع من انتشار الحشرات على وجه البسيطة. ولولاها لأصبحت الحياة للإنسان لا تطاق. وخاصة لو قدر أن يزداد حجم البعوضة حتى تبلغ حجم السبع، والعنكبوت حتى يبلغ حجم النمر.

مثال آخر:

كان الملاّحون يصابون ـ في القديم ـ بجروح وقروح جلديّة شديدة، وذلك بسبب تناولهم الأغذية غير الصحيّة خلال سفراتهم الطويلة. ومن ثم عُرف أنّ علاجه يتم باستعمال عصير الليمون والنارنج. وقبل هذا الاكتشاف لم يكن المسافرون ليعلموا السبب والدواعي لظهوره.
وبعد اكتشاف هذا الدواء بواسطة أحد سكان مقاطعة «مَدَغشقَر» ـ بعد أن كان يفتك بالملاّحين ـ استطاع أن ينقذ الملايين من البشر، وقد استغرق هذا الاكتشاف ما يقارب قرناً من الزمن.
وممّا لا شك فيه أنّ معظم الأمراض ناشئة عن نقص

صفحه 66
الفيتامينات في الجسم، والإنسان خلال حياته ولفترة طويلة لم يكن ليعرف هذا الفيتامين الحيوي والذي يعتبر من أهم مقوّيات الجسم. وأحد العوامل الرئيسية التي تساعد على موازنة الأعمال في البدن.
لقد عاش الإنسان قروناً متمادية، وكان جاهلاً بالغدد وعملها، ولكن العلم استطاع أن يكتشف ما تكنّه هذه الغدد، واطلع على أنّها بمثابة المختبرات الصغيرة المسببة لأهم التراكيب الكيمياوية في جسم الإنسان. فهي المنشأ لكلّ نشاط أو حيوية، وهي بنفسها تسيطر على أعمالها. فمتى ما فقدت هذه الغدد نشاطها عَرَّضت الإنسان للإصابة بمختلف الأمراض العقلية والجسميّة الشديدة.
إنّ عمل هذه الغدد وسيطرتها على الأفعال الحيويّة في الجسم دليل آخر على وجود عقل مدبّر وعالم قدير والذي يعتبر المحافظ على الكون وما يدور فيه من نظم وقوانين.
ولو أردنا المزيد من الشرح والتوضيح في هذا المورد، وهو كيفية التوازن في النباتات والحيوانات، لربّما نبتعد عن هدفنا الرئيسي في البحث، ونكتفي بما أشرنا إليه من أقوال العلماء والمفكّرين بما يتعلّق والتوازن في الخلق، وننتقل إلى البحث عن الجمادات.

صفحه 67
من المشاهد في الطبيعة، أنّ الأجسام قاطبةً يزداد حجمها عند انجمادها عدا الماء، فهو في حالة الانجماد يقل وزنه ويطفو على الماء.
ولو قدر أنّ القاعدة الفيزياوية كانت تشمل المياه، لكانت الثلوج تتراكم في قعر المحيطات وبذلك كان القضاء على الكائنات الحيّة في الماء أمراً لابد منه. وتظهر المحيطات بشكل قطعات جامدة. ولكن الخاصيّة هذه جعلت الثلج طافياً على الماء وحاجزاً لانجماد الطبقات السفلى. ويُسهّل على الحيوانات المائية من أن تعيش في مختلف الطبقات. وعند حلول فصل الربيع تذوب هذه الثلوج.
ويمتاز الماء بخواص مدهشة، منها زيادة الضغط في السطح، ممّا يساعد النبات على امتصاص المياه من الجذر وإيصالها إلى السيقان والأوراق، وخاصية أُخرى هي قدرة امتزاجه مع بقية المواد بنسب مختلفة، وممّا يلاحظ أنّه يكوّن القسم الأعظم من أبداننا.
ولا بأس بأن نستعرض خاصية الماء الكيمياوية بالمقارنة مع المواد الأُخرى.
فمادة الأمونياك مثلاً تبلغ من الوزن الذرّي (17). وتشاهد في الحالات الاعتيادية على شكل بخار في درجة (33) تحت

صفحه 68
الصفر. ويبلغ الوزن الذري لمادة (H3S) 34 وهي على شكل بخار في درجة (59) تحت الصفر.
أمّا الماء فيبلغ وزنه الذري (18)، لم يتبدّل إلى غاز أو بخار في درجات الحرارة المتعارفة والضغط المتعارف فهو مائع، ويتبدّل إلى بخار في درجات حراريّة عالية.
فلو لم تكن له هذه الخاصيّة من المقاومة أمام التغييرات في درجات الحرارة المختلفة، لتعذر على الإنسان الاستمرار في حياته ولتوقّفت جميعُ الأفعال الحيويّة، ولأصبح الهلاك والفناء هو المسيطر على الوجود كلّه.

صفحه 69

9

العوامل المساعدة لظهور الحياة على الكرة الأرضيّة

يقوم بحثنا ـ في هذا الفصل ـ على معادلة رياضية تعتمد على حساب الاحتمالات لإثبات التوحيد.
إنّ ظهورالحياة على سطح الكرة الأرضية يعود لعلل وأسباب متعدّدة. وإذا ما فُقدت إحدى هذه العلل أو الأسباب، انعدمت الحياة وجميع مظاهرها.
ولنأخذ مثالاً لذلك: لو أردنا الحصول على ظاهرة مادّية معيّنة، ترانا بحاجة إلى عشرات بل إلى المئات من العوامل والأسباب لإيجاد تلك الظاهرة. ولغرض تحقّقها يكون كلّ عامل من هذه العوامل بمثابة جزء من العلّة الموجدة لها. وإذا ما انعدم عاملٌ واحد، فإنّ الحصول على تلك الظاهرة أمر مستحيل.
ولا يسعنا أن نحصي الظروف التي لازمت الحياة ولا تزال تلازمها، فإنّها خارجة عن نطاق العقل البشري.

صفحه 70
وعلى فرض تصوّر أنّ هذه الظروف التي مرّت بها كرتنا الأرضية كانت نتيجة صدفة، ولم تكن خاضعة لمدبر، فهو احتمال 1 إلى مليار. وهذا ما يُسمّى بحساب الإحتمالات. والذي نريد إثباته بعد أن نعرض جانباً من جوانب الحياة التي تخضع لتلك القاعدة.
وسنستعرض بعض تلك العوامل التي ساعدت على ظهور الحياة بصورة موجزة، وإذا ما تعسّر ظهور إحداها انعدمت الحياة.
فلو قدر أن يكون حجم الكرة الأرضية مساوياً لحجم القمر، وقطرها يبلغ 1 / 4 قطرها الحالي، لأصبحت قوة جاذبية الأرض لا تستطيع أن تحتفظ بالمياه في المحيطات، وكذا الهواء الذي يحيط بها. ولارتفعت درجة الحرارة على سطحها بحيث يتعذّر على أي كائن حي أن يستمر في حياته.
وكذا لو افترضنا أن يصبح قطرها ضعف ما عليها الآن، لكان سطحها أربعة أضعاف سطحها الحالي. ولأصبحت الجاذبية الأرضيّة ضعف ما عليها الآن. ونتيجة لذلك كان يقل ارتفاع الغلاف الجوي، ويتبعه الخطر المحدق بالكائنات الحيّة، ولازداد الضغط الجوي من 1 كيلو غرام / السنتيمتر المربع إلى 2 كيلو غرام / السنتيمتر المربع. وكان لكلّ هذه العوامل أثره السيئ على الحياة وكائناتها.

صفحه 71
وتبعاً لهذه الظواهر كانت ترتفع درجة الحرارة في المناطق القطبيّة، ويندر أن نجد منطقة تتوفر فيها شروط الحياة. ولتباعدت المناطق الآهلة بالسكان، تتبعها مشكلة توفر الوسائط النقلية أو عدمها.
ولو احتملنا أن تكون سعة الأرض وحجمها كالشمس، لارتفعت قوة جاذبيتها إلى (150) مرة أكثر ممّا عليها في الوقت الحاضر، ولتضاءل سمك الغلاف الجوي إلى ما يقرب الـ (10) كيلو مترات، ولانعدمت ظاهرة تبخر المياه من سطح الأرض، ولبلغ الضغط الجوي 150 كيلو غراماً / السنتيمتر المربع الواحد، ولكان وزن الموجودات على سطحها (150) مرة أكثر ممّا عليه الآن، ولتضاءل حجم الإنسان حتى يبلغ حجم السنجاب.
ولو قدر أن تصبح المسافة بين الكرة الأرضية والشمس ضعف ما عليها الآن، لانخفضت الحرارة التي تصل إلى الأرض إلى 1 / 4، ولقلّت سرعتها في مدارها إلى 1 / 2، ولاستغرق فصل الشتاء ضعف ما عليه في وقتنا الحاضر، ولسرى الهلاك والفناء إلى الأحياء بانجمادها.
ولو كانت المسافة بين الأرض والشمس نصف ما هي الآن، لكانت درجة الحرارة على سطح الأرض أربعة أضعاف، ولازدادت سرعتها إلى الضعف، ولانتقصت فترة فصول السنة إلى

صفحه 72
النصف، ولارتفعت درجة حرارة الأرض بشكل لا يطاق، ولاستحال على أيّ كائن حي أن يستمر في حياته.
تدور الأرض حول نفسها مرة واحدة في كلّ 24 ساعة. وتقدّر سرعتها بـ (ألف ميل في الساعة الواحدة). ولو قدر أن تنخفض سرعتها إلى مائة ميل في الساعة الواحدة، لبلغ طول الليل والنهار عشرة أضعاف ما عليه الآن. ولقضت الشمس بحرارتها الجهنميّة في النهار على النباتات قاطبة، كما كان البرد الشديد يقضي على البراعم في النبات.
تقدّر سرعة الأرض حول الشمس بـ (18) ميلا في الساعة الواحدة. فلو قَلّت هذه السرعة إلى (6) أميال في الساعة، أو ازدادت إلى (40) ميلا في الساعة، لتعذّرت الحياة على الأرض أو انعدمت بسبب قربها أو بعدها عنها.
ولو تضاءلت الأشعة المسلّطة على الأرض من الشمس إلى النصف، لانعدمت الحياة عليها لما تلاقيه من شدة البرد. وكذا الحال لو ازدادت إلى الضعف.
ولو لم يكن محور الأرض مائلاً، لاستمر ضياء الشفق غير التام يسطع على القطبين، ولجرت حركة الأبخرة المتصاعدة من المحيطات من الشمال إلى الجنوب. وبذلك كانت تُحدث مساحات واسعة من الجليد. ولعلها كانّت سبباً في أن تجعل معظم

صفحه 73
الأراضي الواقعة بين القطب وخط الإستواء صحراء قاحلة لا تصلح للسكن، ونتيجة لهذه الظاهرة كانت تتبخّر مياه المحيطات وتنفذ، وكان لمسير الأنهار القطبيّة أوديةً عميقةً بما تجرفه في سيرها من أتربة وأملاح وغيرها. ونتيجة لذلك كانت تحدث المبازل المؤقتة من هذه المياه الحاوية على الأملاح المذابة.
وبانجماد المياه في المنطقتين القطبيتين كانت تنشأ سلسلة جبال من الجليد، وعلى أثر ضغطها الشديد على سطح القطبين كان لابد من حدوث انفجار في منطقة الاستواء. وإيجاد مناطق جديدة.
وتبعاً لتلك التغييرات كانت تجف مياه المحيطات، وتنشأ بذلك أراض جديدة واسعة أُخرى، وتقل نسبة هطول الأمطار والرطوبة أيضاً في جميع أنحاء العالم.
ولو قدر أن تصبح المسافة بين الأرض والقمر 000 ,50 ميلاً. لغمرت مياه الجزر والمد جميع الهضبات مرتين في اليوم الواحد. ولازداد ضغط المياه بحيث تستطيع أن تزيل الجبال الشاهقة، ولظلت القارات مغمورة فيها، ونتيجة لهذه الظواهر، كان يحدث تشقّق في قشرتها.
ولو قدرنا أنّ المياه استطاعت أن تكسو جميع القارات لأصبح معدل ارتفاعها (5 ,1) ميلاً. وفي مثل هذه الحالة تنعدم الحياة، عدا المناطق العميقة في البحار، لحيوانات بحريّة فقط.

صفحه 74
وهذه الحيوانات سوف تنقرض تدريجياً بمرور الزمن وذلك لعدم توفر الشروط المساعدة.

الهواء

تقدّر سرعة الشهب المتطايرة في الفضاء بـ (6 ـ 40) ميلاً في الثانية، والغلاف الجوي بضخامته وصلابته هو الرادع الوحيد لهذه الشهب، ويمنعها من أن تصل إلى الأرض، فلو قدّر أن يَقلّ سمك قشرة هذا الغلاف، لاستطاعت الشهب والأحجار أن تأخذ طريقها إلى الأرض.
ولو كانت سرعة هذه الأحجار والشهب كسرعة الرصاص، لتساقطت جميعها على الأرض، ولأحدثت خسائر فادحة. ولو صادفت في طريقها شخصاً لقضت عليه حالاً.
إنّ كثافة الهواء المحيط بالكرة الأرضيّة معيّنة وثابتة، وبهذه الخاصيّة تسمح لعبور الأشعة من خلالها بالقدر الذي تحتاج إليه النباتات في عملية النمو والتكاثر. وتستطيع أن تقضي على بعض الجراثيم في الفضاء. والأشعة هذه تعتبر عاملاً مهماً لإيجاد الفيتامينات الضروريّة.
وعلى الرغم من تصاعد الأبخرة المختلفة من أعماق الأرض طوال قرون متمادية، كان ولا يزال الهواء المحيط بها

صفحه 75
محافظاً على كثافته الثابتة، والذي يساعد على بقاء الحياة عليها.
فهل يستطيع متفكّر ـ وهو أمام هذا النظام الدقيق والمحاسبات المتقنة والتي تعتبر جزءاً ضئيلاً من عالم رحب ـ أن يتقوّل بأنّها وليدة الصدفة العمياء؟! كلا، لأنّه يخالف البرهان الرياضي ـ وسنشير إليه ـ والاستدلال المنطقي، أضف إلى ذلك الوجدان والفطرة.
إنّ الهواء الذي نستنشقه مزيج من غازات شتى منها النيتروجين 78 %، والأُوكسجين 21 %، ولو قدر أن تصبح نسبة الأُوكسجين في الهواء 50 %، لتبدّلت جميع المواد القابلة للاشتعال إلى مواد محترقة. وعلى سبيل المثال، لو أصابت شرارةٌ غابةً لأحرقت جميع ما فيها دون أن تترك غصناً يابساً.
ولو تضاءلت نسبة الأُوكسجين في الهواء وبلغت 10%،
لكُنّا فاقدين لأكثر العناصر التي تقوم عليها حضارتنا اليوم
(كالنار).
فالهواء يحتوي على الأُوكسجين والذي يعتبر عاملاً مهماً لإدامة الحياة.
فعندما نستنشق الهواء، يدخل مقدار من الأُوكسجين إلى الرئتين، ومنها ينتقل إلى خلايا الجسم المختلفة بواسطة الدم، كي يساعد على عملية الإحتراق بحرارته الخفيفة، ويكون الناتج من

صفحه 76
هذه العملية ثاني أُوكسيد الكاربون وبخار الماء، اللّذين يخرجان عن طريق الرئتين.
بالإضافة إلى الغازين المذكورين يوجد غاز الهيدروجين وأُوكسيد الكاربون أيضاً، وتعتبر جميعها من مقوّمات الحياة، وأنّ وجودها في الطبيعة يكون بنسب معينة وثابتة وتدخل في عملية التنفس.
هنا نتساءل: كيف وجدت هذه الغازات بنسبها المعينة الثابتة؟ وممّا يلاحظ أنّ أي تغيير في نسبها يؤدّي بالحياة إلى العدم والفناء.
إنّنا في بداية هذا الفصل أشرنا إلى مسائل عامّة تتعلّق بالأحياء. وفي الحقيقة أنّ بروز وظهور الحياة، والكائنات الحيّة كالنباتات والحيوانات، يتبع سلسلة من النظم والعوامل المعقّدة ومعظمها لم يتّضح لعلماء الطبيعة.
وهنا نقتصر في كلامنا على النظام في الكون والطبيعة والتي ساعدت على توفّر الحياة فيها، ولم نتطرق إلى موضوع النظام والدقة المستخدمة في الكائنات الحيّة. وقد استطاع الإنسان أن يحصي جانباً منها، خاصة زنبور العسل. ونحيل القارئ الكريم إلى الكتب المفّصلة في علم الأحياء.
والذي ذكرناه إلى الآن ما هو إلاّ مقدّمة موجزة لبيان البرهان

صفحه 77
الرياضي، الذي لا يقبل الشك والترديد مطلقاً. وبإجراء عملية بسيطة، تصل درجة احتمال نشوء الحياة عن طريق الصدفة إلى الصفر، ويُؤكد بطلان ذلك .
وبعبارة أوضح: لا يمكن الاعتماد على أنّ منشأ الحياة ناتج عن احتمال واحد من احتمالات لا متناهية.
وإليكم بعض الأمثلة والأدلّة التي تُذكر في هذا المضمار ومن ثم يمكننا مقارنة ذلك ببحثنا.

صفحه 78

10

التوحيد والبرهان الرياضي

لنفترض أنّ لدينا عشر قطع من إحدى الفلزات، ذات أوزان وأحجام متساوية. وقد نحتت الأرقام من 1 ـ 10 عليها. ثم نضع هذه القطع جميعها في كيس صغير، ولتكن فكرتنا بأن نخرج هذه القطع بترتيب الأرقام التي تحملها (أي نبدأ بالرقم الأوّل وننتهي بالعاشر بالتتالي) ولغرض الاحتفاظ بنظرية الاحتمالات، يجب أن نعيد القطعة المخرجة إلى الكيس ثانية قبل سحب القطعة التالية وهكذا (فمثلاً عندما نخرج القطعة الأُولى وقد سجل عليها رقم (1)، يجب أن نعيدها إلى الكيس، ومن ثم نسحب القطعة المطلوبة رقم (2) وهكذا يجب أن نستمر في العملية حتى النهاية).
وقبل أن نبدأ عملنا هذا، لنرى وعن طريق حساب الاحتمالات، ما هي نسبة هذا الاحتمال الذي بموجبه يتعيّن

صفحه 79
استخراج القطع بصورة متتالية. ومن ثم نشرع بالعمل لنرى نصيبنا من هذه القرعة.
إنّ احتمال استخراج القطعة الأُولى مباشرة بالسحبة الأُولى هو احتمال 1 / 10، واحتمال استخراج القطعتين الأُولى والثانية بالتتالي احتمال 1 / 100، (100 = 10 × 10 ولغرض الحصول على الاحتمال في كلّ سحبة، يكفي أن نضرب العدد السابق في أعداد القطع) وأمّا احتمال استخراج القطع الثلاث الأُولى بالتتالي فهو احتمال 1 / 1000 (1000 = 10 × 100).
وسوف يصبح احتمال استخراج الأربع الأُولى بالتتالي 1 / 10000 (10000 = 10 × 1000) .
وإنّ احتمال استخراج القطع الخمس الأُولى بالتتالي سيكون 1 / 100000 (100000 = 10 × 10000).
وهلّم جرّا، حتى يصل احتمال استخراج القطع العشر بالتتالي العدد 1 / 10 مليارات.
ولو قدّر أن تكون لدينا مائة أو ألف قطعة من هذه الفلزات المرقّمة وقد وضعت في كيس وأردنا أن نستخرجها بحسب الأرقام المدرجة عليها، ونبدأ بالأوّل ثم الثاني والثالث... (أي نحتمل أنّ القطعة الأُولى المستخرجة هي التي تحمل الرقم (1)، وهكذا. فإنّ احتمال استخراج القطعة الأولى بالرقم (1) سيصبح 1/

صفحه 80
1000، و احتمال استخراج القطعة الثانية بعد الأُولى متتالياً سيكون 1 / 1000000.
وأمّا احتمال استخراج القطع الثلاث بصورة متتالية سيصبح 1 / مليار. (1000000000 = 1000 × 1000000).
فعليه، كلّما ازدادت الأرقام أو الأعداد كلّما تصاعدت وازدادت نسبة الاحتمالات بشكل غريب، يعجز الفكر عن تصوّره إلى أن يقرب الاحتمال من الصفر. وعندئذ يتعذّر تعيين الأعداد المطلوبة إلاّ بالأعداد النجوميّة.

مثال آخر

لو افترضنا أنّ هناك كيساً حاوياً على مائة قطعة حديدية سوداء سوى واحدة منها بيضاء. وأردنا أن نستخرج القطعة البيضاء لمائة مرة بالتتالي، أي أننا نتوقع استخراجها في كلّ سحبة وبصورة متتالية. فاحتمال خروجها للمرة الأُولى 1 / 100، واحتمال أن تخرج للمرة الثانية بعد الأُولى هو 1 / 10000، ويحتمل أن يتحقّق استخراجها للمرة الثالثة بعد الأُولتين بلا فاصلة بـ 1 / 1000000، وهكذا...

صفحه 81

مثال ثالث

لنفترض شخصاً بصيراً جالساً وراء آلة الطابعة ويحاول بالضغط على الأزرار (وعددها مائة بما فيها الحروف الصغيرة والكبيرة) أن يحرّر قصيدة لشاعر.
فلو احتملنا أنّ الضربة الأُولى قد تأتي على الحرف الأوّل من حروف القصيدة، والضربة الثانية قد تأتي على الحرف الثاني، والضربة الثالثة قد تأتي على الحرف الثالث وهلم جرّا. فإنّ الاحتمالات هذه قد تقودنا إلى عدد كبير يقارب الصفر في ما لا نهاية. ويمكنكم معرفة العدد وذلك بضرب عدد حروف آلة الطابعة في نفسها بقدر عدد حروف القصيدة المراد تحريرها.
فلو كانت حروف آلة الطابعة مائة، وعدد حروف البيت من القصيدة (53)، فسوف يكون العدد الحاصل من هذا الاحتمال هو العدد واحد أمامه (106) من الأصفار.
ولو أضفنا إلى البيت الأوّل بيتاً آخراً. فإنّ احتمال تحرير هذين البيتين على يد صاحبنا الأعمى صدفة ستصل إلى أعداد تقرب من الصفر.
ويستحيل على المفكّر أنّ يتقبّل تلك الاحتمالات والفرضيات لتحقّق المراد. وكلّ من يرى البيتين وقد حُررتا بآلة الطابعة بصورة صحيحة يقطع بحكمة وعلم صانعها، ولم تكن

صفحه 82
لتحدث عن طريق الصدفة العمياء.
ولنرجع إلى صلب الموضوع، فإنّ لظهور الحياة على وجه البسيطة عوامل ضرورية لابد منها، فإذا ما افتقدت عاملاً من عواملها اللامتناهية انعدمت الحياة، واستحال على الكائنات الحيّة الاستمرار وإدامة حياتها.
والآن بعد عرض هذه المقدّمات لنتصوّر المادة الأوّلية للكون وكيفية انفجارها بشكلها المنتظم الدقيق.
وعلى فرض توفّر الشروط اللازمة فيه، فإنّه يعتبر احتمالاً من عدّة مليارات من الاحتمالات. وذلك أنّ المادة الأُولى عند انفجارها كانت تستطيع أن تظهر بمظهر إحدى تلك الاحتمالات. ومن بينها يمكن تصوّر حالة واحدة أو احتمال واحد يستطيع أن تتوفّر فيه الشروط المساعدة للحياة، واستمرار البقاء فيها. وهو الاحتمال المطلوب. وأمّا البقية الباقية، فلا تصلح لذلك، وكما أشرنا إلي أنّ هذا الاحتمال ضعيف جداً فهي لم تكن لتقع موضع القبول والرضا لدى أي عاقل.
ولنترك موضوع الأجرام السماوية، وكيفية حدوثها، ونعود إلى حياة الكائنات. فلنأخذ حشرة صغيرة، بما تحتويه من ملايين العناصر المختلفة، وقد رُكّبت بنسبها المعيّنة الخاصّة. ولو أردنا أن نُخضع هذه الظاهرة إلى حساب الاحتمالات أيضاً، لكان العدد

صفحه 83
الذي نواجهه لا يقل عن سابقه (الصفر) .
فإنّ احتمال نشوء الكائنات الحيّة بما فيها من خلايا شتّى عن طريق الصدفة يشابه قولنا باحتمال تحرير بيت من قصيدة بآلة الطابعة على يد بصير لا يعلم.
والحقيقة يستحيل على العقل أن يتقبّل تلك الحقائق بعظمتها بأنّها قد حدثت عن طريق الصدفة.
ولو قدّر أن نطبق فرضية الاحتمالات لكلّ كائن حي وكلّ ظاهرة طبيعية وكيفية حدوثها، لكنّا امام أعداد هائلة يستحيل تصوّرها. علماً بأنّ هذه الكائنات تمتاز بصفات يعجز العقل عن إدراك كنهها ومعرفة أحوالها.
فعليه لا يمكن التسليم بأنّ هذه الظواهر والموجودات نشأت عن طريق إحدى الاحتمالات والافتراضات اللامتناهية.
وبعد هذا يقف العقل البشري مقرّاً ومعترفاً بأنّ هذه النظم والظواهر وما تتبعها من حوادث لابد أن تكون من عمل حكيم مقتدر وحقيقة لا متناهية ألا وهو الله المهيمن العزيز الجبار، وذلك عن طريق الاستدلال العقلي ومعرفته الفطرية.

صفحه 84

11

الله الذي يَرى ولا يُرى
إنّ بعض المثقّفين والجامعيّين يشكّون في وجود الحقيقة المطلقة، مع ما يشاهدونه من أدلّة وبراهين. ويكرّرون مقولتهم: «لماذا لم نر الله جهرةً، وهل يمكن تصوّر موجود لا يرى بالعين المجردة؟! لماذا لم نر أثراً من الخالق في المختبرات، إنّنا لم نشاهد في عالمنا هذا سوى المادة». فهم بعباراتهم هذه وغيرها يؤيدون إنكارهم للخالق.
فإنّ هؤلاء لكثرة ممارستهم القضايا الماديّة والعلوم الطبيعية، يذهبون بتصوّرهم الخاطئ أن الكون بما فيه من كائنات لا يتجاوز المادة، وكلّ الموجودات لابد لها من لون وشكل، ولابد أن تحدّد بزمان أو مكان.
ولو فرض أن يكون هناك موجودٌ ولم يتصف بالصفات المذكورة فهو إلى العدم أقرب منه إلى الوجود، حسب نظرتهم المادّية للأُمور.

صفحه 85
نحن نسأل هؤلاء السادة المحترمين:
هل استطعتم بعقولكم الجبّارة أن تسيروا في كلّ أرجاء
هذا الكون الوسيع، وبعده يتمّ تحقيقكم بأنّ كلّ ما في هذا
الكون أساسه مادي؟ وهل انتهى علمكم إلى أنّ كلّ موجود لا بد
له من بعد زماني أو مكاني، أو أنّه لابد أن يتّصف بلون أو
شكل؟ وهل أن جوابكم للسؤال الملقى قطعي بالعدم، أم أنّه ملازم لقولكم لست أدري ولست أعلم. أم أنّ الذي حقّقتموه كان ينحصر في عالم المادّيات فقط، ولن تستطيعوا أن تشاهدوا سواه أو تلمسوا غيره، وبذلك يستقر رأيكم بعدم الاطّلاع سواء في إثباته أو عدمه.
في الحقيقة لا يستطيع أحد من هؤلاء المادّيين أن يقطع بالقول الثابت بأنّه لم يشاهد سوى المادة، لأنّه يفتقر في ذلك إلى تقديم الأدلّة الكافية.
فالإنسان بما أحرزه من تقدّم في العلوم الطبيعيّة لا يزال عاجزاً عن فهم وإدراك أبسط المواضيع في علم الأحياء، وهي الخلايا وما تشتمل عليه من صفات وعناصر (كالكروموسومات والجينات) فكيف يستطيع أن ينفي كلّ موجود عدا المادة والطاقة. وكلّ ما يمكن الاستماع إليه من هؤلاء هو عدم علمهم واطّلاعهم عن الموجودات غير المادّية. ولكن هذا الشك والترديد سرعان ما

صفحه 86
يتبدّل إلى يقين وذلك بعد دراسة آيات التوحيد والدلائل المؤيّدة له.
وعند البحث عن صفات الله سبحانه وتعالى، استطعنا أن ننفي كلّ الصفات العامّة للمادة منه، كاللون وبعدي الزمان والمكان. فليس معنى ذلك أنّه غير موجود، ولا نستطيع أن نتصوّر وجوده، وإن تتبعنا الحقائق لم تكن لتقتصر على المادّيات فقط، بل أن الوجود أوسع دائرة من العدم، فباستطاعتنا درك الألوان والأوزان بحواسنا هذه، أو بمساعدة المجهر للكشف عن حقائق لم يتيسر لنا ذلك بحواسنا المجردة.
وهناك من المسائل التي لا نستطيع أن نشاهدها أو نلمسها أو أن نحسّ بها بحواسّنا هذه، سواء أكانت مجردة أو مجهزة، بل أنّ العقل يعترف بوجودها قطعاً دون تردّد. وعن طريق الأدلّة والبراهين العقلية يُؤمن بوجودها في عالم الغيب.
وكلّما تقدّم البشر في علومه وارتقى سلمه، يلمس جلياً أنّ هناك حكمة بالغة تسيطر وتتحكّم على الكائنات أجمع.

الاعتقاد بالمغيّبات

إنّنا في محيطنا المادّي نعتقد بأُمور لا تخضع لحاسّة السمع أو البصر، ولا تستطيع المختبرات الكيمياوية من تجربتها وفهم

صفحه 87
كنهها وماهيّتها، ولسنا بقادرين على أن نضع لها قواعد معيّنة، أو معادلات رياضية خاصة كالعواطف والإحساسات الفردّية، فهل يمكننا أن نزن العواطف الداخلية من حب ومودة وفرح وغضب إلى غيرها من الحالات النفسيّة التي لا نستطيع رؤيتها حتى لو استخدمنا لهذا الغرض أقوى مجهر في العالم، وأنّ الذي نشاهده في الخارج ما هو إلاّ آثار لتلك الحالات النفسيّة وليس هي بالذات.
فالوجه المبتسم دليل على انشراح وابتهاج صاحبه وما يلازمه من حالات نفسيّة أُخرى، وكذلك العكس عندما يكون الشخص كئيباً. فهما أثران من حالتي الفرح والحزن. ولا يمكننا التعرّف على هذه الحالات وغيرها بالمقاييس المادّية.
وهل باستطاعتنا أن نعبّر عن «التفكير» بمعادلة كيمياوية، أو أن نقدّر طوله وعرضه ومن ثم وزنه وحجمه.
وهل نستطيع أن نعيّن لونه وشكله وما هو مقدار تأثيره، وجهة سرعته بالمقاييس المتعارفة.
فعليه يستحيل أن نعبّر عن التفكير البشري ـ والذي يُعتبر من مقوّمات البشر ـ بإحدى الوسائل الفيزياوية أو المعادلات الرياضيّة ويمكننا القول بأنّ هذا العالم ـ غير المادّة ـ يمتاز بلغة غير التي يختصّ بها العالم المادي، والوسائل الموضوعة لمعرفة خصائص المادّة عاجزة عن استكشاف ماهيّة العالم غير المادّي.

صفحه 88
وعلماؤنا اليوم يؤمنون بمجموعة من المعتقدات التي لا تخضع للرؤية أو اللمس.
وممّا هو ثابت في علم الفيزياء أنّ أصل الألوان وأساسها في عالمنا هذا لا يتجاوز السبعة ألوان، تبدأ باللون الأحمر وتنتهي باللون البنفسجي، وهناك مجموعة من الألوان لا نستطيع رؤيتها والتي تُسمّى بالأشعة ما وراء الحمراء مثلاً أو ما وراء البنفسجي، فهي ثابتة ومتّفق عليها لدى العلماء، ولا يستطيع أحدٌ انكارها لعدم رؤيته لها.
وهناك قاعدة أُخرى في علم الفيزياء والتي تُدعى شدة الأمواج الصوتية، فالذي نستطيع إدراكه تتراوح ذبذباته بين 32 ذبذبة في الثانية إلى 36 ألف ذبذبة في الثانية، وإذا كانت الذبذبات المنبثقة من مصدر الصوت خارجة عن هذين الحدّين فهو ممّا يستحيل على الأُذن المجرّدة أن تميّزها.
وكذلك الحال في الضوء، فإنّنا ندرك أمواجاً ضوئية معيّنة (بين 458 مليار ذبذبة في الثانية إلى 727 ألف مليار ذبذبة في الثانية) فالضوء الذي عدد ذبذباته خارجة عن هذين العددين لا يمكن رؤيته بالعين المجرّدة.
ومادة «الأثير» الحاملة للضوء في أرجاء العالم، لم يكن لها طعم أو لون أو وزن، وليس هناك مَن ينكر وجودها.

صفحه 89
إنّ الغرض من استعراض هذه المسائل، هو تقريب الذهن إلى الحقيقة وإبطال النظرية الموهومة «بأنّ كلّ شيء في العالم لا بد أن يدرك بالحواس» وليس معنى ذلك أنّ الله جَلَّ شأنه يشابه في وجوده هذه الكائنات الغيبيّة، فإنّ حقيقته وكنهه كانت ولا تزال خفيّة على البشر، لا يعلمها إلاّ هو.

خلاصة البحث:

والخلاصة التي نحصل عليها ممّا تقدم، أن كلّ إنسان وبقدر ما أُوتي من علم، يستطيع أن يثبت أو ينفي موضوعاً خاصّاً حسب الوسائل المتوفرة لديه. فعلى سبيل المثال أنّ التحاليل المختبرية خاضعة لما يقرّه المختبر من صحّة أو سقم.
أمّا الكائن الذي لا يخضع لهذه الضوابط، بافتقاده اللون أو الطعم وكذا البعد أو الشكل، والذي يعتبر الموجد الوحيد للمادة والقوّة والحركة، وهو خالق الأبعاد والألوان فلابد أن يكون فوق هذه الأُمور المادّية والوسائل التي تحيط بها، وأمّا الاعتقاد بأنّه يجب أن يكون كمخلوقاته خاضعاً للضوابط المادّية والأُمور الحسيّة، فهو اعتقاد سخيف بعيد عن العقل والمنطق السليم.
فأدوات التشريح والمختبرات مصنوعة لتعمل في محيط مادي ليس إلاّ، ولو قدر لها أن تجتاز حدودها وأرادت التعرّف على

صفحه 90
غير الأُمور المادّية، فهو محال وليس بإمكانها ذلك.
وينقل عن أحد الأطباء الذين كانوا منكرين للرُّوح هذا القول:
«إنّني لم أُشاهد الروح طوال عملياتي الجراحيّة على طاولة التشريح ولم ألمس شيئاً تحت الأدوات ما يُسمّى روحاً» ولكنّه نسي أو تناسى موضوعاً هامّاً جداً، وهو أنّ مدّعو وجود الروح يعتقدون بأنّ الروح فوق المادة، ولم يكن ليماثل الظواهر الطبيعية، ولا يمكن رؤيته تحت أدوات التشريح، فلو قدر وشوهد في هذا الحيّز فهو ليس بروح بل هو مادة.
وبناء على ما تقدّم فإنّ الطريق لمعرفة الله وإثبات وجوده أو عدمه لم يكن ليُستحصل عن طريق المختبر أو التجارب المختبريّة، ولم يكن ليخضع للضوابط المادّية من بعد أو شكل، بل أنّ إثباته يتمّ عن طريق مجموعة من البراهين العقليّة والتي قوامها النظم في الكون وما تتبعها من مظاهر تحيّر العقول.
وإنّ تتبّعنا لتلك الظواهر الطبيعية وآيات الخلقة والوجود يقودنا إلى الانصياع والاعتراف به جَلَّ وعلا، على الرغم من اختفاء حقيقته.

صفحه 91

12

هل من خالق لله تعالى ؟

قد نواجه هذا السؤال ـ أحياناً ـ من بعض الطلاب والجامعيين، ويحاول المادّيون منهم أن يغيّروا السؤال بصياغة علميّة عند قولهم: إذا كان هناك خالق لهذا الكون وهو الله، فلابد لله من خالق حسب قانون العليّة والذي ينص على أنّ كلّ موجود في العالم لابد له من صانع، فلو قدّر أن نعترف بوجود الله، فلابد أن نخضع لهذا القانون».
وعلماء الفلسفة والكلام وهم في طريق إثباتهم بأنّ كلّ موجود في الكون ـ عدا الله سبحانه ـ لابد له من خالق، وأنّ الله تعالى غني بالذات وليس له خالق. وبعبارة أُخرى: يعتبر واجب الوجود فوجوده نابع من نفسه وذاته، ولإثبات هذا الموضوع يلجأون إلى إبطال نظرية التسلسل، وبعد إبطالها يتّضح الأمر جليّاً.

صفحه 92

نظريّة التسلسل وبطلانها

يستدلّ علماء الدين بالبراهين العقلية لإبطال نظرية التسلسل، وذلك بقولهم: إنّ عالمنا المادّي غني بمجموعة من الظواهر الطبيعية، فكلّ ظاهرة إمّا أن تكون علّة أو معلولة، فهي علّة للظاهرة التي تليها ومعلولةً لظاهرة قبلها. فلولا وجود العلّة لم يحدث المعلول، وبانعدام العلّة ينعدم المعلول. ويتحقّق وجوده بوجودها. والإنسان لا يتخلّف عن هذه القاعدة الكليّة، إذ يعتبر علّة لمن دونه، ومعلولاً لمن قبله. والحالة هذه لا تخلو من احتمالين:
الأوّل: أن يصل في تسلسله إلى العلّة الموجدة حتى يصل إلى الله تعالى، وهو الغني بالذات، ويعتبر هو الخالق لهذه السلسلة.
الثاني: أن يستمر في التسلسل إلى ما لا نهاية من علّة ومعلول، ولم يصل إلى نهايته، كي تنحصر فيها العلّة والمعلول، وهنا لابد لنا من سؤال، وهو كيف يمكننا أن نتصوّر مجموعة من الكائنات الحيّة، والتي كانت فاقدة للحياة يوماً ما، ثم أصبحت قادرة عليها وأوجدت نفسها من العدم؟
كلّ كائن في هذا العالم يشهد بصدق بأنّه لم يكن صانع نفسه، بل يعترف بوجود خالق له. وجميعهم يشهدون بأنّ وجودهم وحقيقتهم لم تكن من ذات أنفسهم. إذن من أين أتى وجودهم وخلقهم وكيف؟ ليس أمامنا إلاّ طريق واحد، وهو

صفحه 93
الاعتراف بأن كلّ موجود حادث وناتج عن موجود غني بالذّات، وعنده يتوقّف التسلسل، إذ يعتبر هو العلّة الرئيسية لجميع المعلولات، وهو الخالق القدير.
ويُستنتج من كلّ ما تقدّم بأنّه يستحيل التسلسل للكائنات في الطبيعة، بعد أن ثبت بأنّها كانت فاقدة للحياة سابقاً واكتسبتها لاحقاً، فلابد من وجود مدبّر وخالق لها، وهو الذي منحها تلك الحيويّة والنشاط.
فالذي يدّعي بأنّ الكائنات قد أوجدت نفسها من العدم دون استعانة بكائن آخر، يشابه قولنا: بأنّنا نستطيع أن نحصل على عدد صحيح عند اجتماع ما لا نهاية من الأصفار، أو يمكننا الحصول على الوجود أو الحياة عندما تتراكم ما لا نهاية من العدوم.
وبعد هذا لابد لكلّ متفكّر عاقل أن يعترف بأنّ وجود هذه المخلوقات قد انحصر تحقّقها بكائن حي غني على الإطلاق، ألا وهو الله سبحانه، إذ يعتبر نهاية هذا التسلسل، ومنبعاً للكائنات جميعاً. فهو العلّة المطلقة، وليس بمعلول، ووجوده ينبع من نفسه، غير محتاج إلى سواه.
ولو قدر أن نرفض عقيدة الموحّدين، فسوف يوجه إلينا نفس السؤال، لأنّ المادّيين لا يعترفون بقانون العلّية، ويدّعون بأن كلّ شيء فى الطبيعة لابد أن يكون معلولاً لعلّة. لذا يوجّه إليهم

صفحه 94
السؤال ذاته، وهو أنّه إذا كان كلّ موجود معلول لعلّة، والعلّة له هي المادّة، فما هي إذن العلّة الموجدة للمادة؟
فعليه (ويمكن أن يأخذ التسلسل للعلّة والمعلول طريقه إلى ما لا نهاية) فإنّ فلاسفة العالم ـ بما فيهم الموحّد والملحد ـ يعتقدون بكائن أزلي ـ والذي كان ولا يزال ـ أمّا المادّيون فيدّعون أنّ ذلك الكائن الأزلي هو المادّة لا غير، أو أنّه يتألف من المادّة والحركة. علماً بأنّ الموحّدين تنحصر أدلّتهم في الله سبحانه.
وبهذا يتّضح أنّ المادّيين يعتقدون بكائن أزلي وإن كان مادة، ولكن بعد هذا الإيجاز هل نستطيع أن نعتقد بوجود علّة له؟
فالجواب. كلا. لأنّ الكائن الأزلي لا يحتاج إلى علّة; أمّا الكائن الذي كان يتمتع بحياة تارة ويفتقد إليها تارة أُخرى، فهو الذي يحتاج إلى علّة.
والنتيجة: أنّ منشأ العالم من كائن أزلي ممّا هو متّفق عليه لدى الجميع، أساسها الأدلّة العقلية والتي تفنّد نظرية التسلسل (ما لا نهاية من علّة ومعلول).
ويشير علماء الفلسفة إلى أدلّة وبراهين عقليّة أكثر ممّا ذكرنا ولكنّنا اكتفينا بالموجز والواضح منها.

صفحه 95
هل يزول الإعتقاد بالله، عند استطاعة الإنسان على خلق كائن حيّ؟!   

13

هل يزول الإعتقاد بالله، عند استطاعة

الإنسان على خلق كائن حيّ؟!

والسؤال المتقدّم قد يُطرح من قبل بعض الشكّاكين والمردّدين، وهو هل أنّ دلائل التوحيد ستبقى على ما كانت عليها من قوة وثبات بعد استطاعة الإنسان من أن يخلق كائناً حيّاً؟!
لابد لنا ونحن نحاول الإجابة عن السؤال المتقدّم أن نشير إلى مقدّمة كي يتّضح لنا الموضوع.
في الوقت الذي انفصلت كرتنا الأرضية عن الشمس ـ حسب إحدى النظريات ـ كانت درجة حرارتها حينئذ تعادل درجة حرارة الشمس (12 ألف درجة فهرنهايت). وكانت فاقدة للكائنات الحيّة. وعلى أساس النظريات العلميّة، بأن كلّ موجود حي لابد وأن يوجد ويولد من كائن آخر، ولا تزال هذه المشكلة

صفحه 96
معروضة للبحث، ولم يصل الإنسان إلى نتيجة قطعية مقنعة عن كيفية حدوث ووجود الكائنات الحيّة على سطح الكرة الأرضية.
وممّا ينقل عن العالم «هيجل» أنّه قال: «إنّني أستطيع أن أخلق لكم إنساناً من الماء والهواء وبعض المواد الكيمياوية» وتغافل أنّ مصنوعه هذا لا يختلف عن أي تمثال غير ذي روح، فهو يعتقد بأنّه يكفي لخلق الإنسان أن تجتمع بعض العناصر وتخلط مع بعضها البعض.
ويحاول العلماء في الوقت الحاضر أن يوجدوا خليّة في المختبر، ولا زالت هذه الفكرة في مراحلها الأوّلية، وفي تحقّقها وعدم تحقّقها، آراءٌ متضاربة.
لنرجع إلى القرآن الحكيم، لنرى هل هناك آية تشير إلى ما يحاوله العلماء، وهل يمكن أن تتحقّق أُمنيتهم هذه؟
نعم عندما نتصفّح المصحف الكريم، نصل إلى الآية (73) من سورة الحج فهي تدلّ دلالة قاطعة على عدم استطاعة البشر من أن يتوصّل إلى خلق كائن حي و هي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).
ويستفيد علماء التفسير من الآية المتقدّمة من أنّ البشر عاجز

صفحه 97
عن خلق كائن حي مهما أُوتي من قوة وقدرة.
ولو افترضنا أنّ الإنسان ساعده الحظ يوماً ما على أن يخلق خليّة حيّة في أُنبوبة الاختبار، يجب إلاّ يفوتنا بأنّ المواد الأوليّة المستعملة لهذا الغرض لم تكن من صنعه وخلقه، وإنّما وجدها في الطبيعة، فهو استطاع أن يجمعها فقط، وقد وفّر الشروط اللازمة لنشوء تلك الخليّة الحيّة، أمّا المواد الأوليّة وحقيقتها وكيفية نشوئها فهي خارجة عن علمه، مجهولة عليه، ولعلّ أسرار الحياة كامنة فيها. وليس ببعيد أن تكون هي منبعاً للحركة، وما عَملُ الإنسان إلاّ توفير الظروف المناسبة لنموّها وحيويّتها.
وعلى سبيل المثال، لو قدر أن يستخدم الإنسان الكهرباء وبعضاً من المواد الكيمياوية لإنشاء موجود حي، فإنّ حقيقة الكهرباء لا تزال بعيدة عن إدراك العقل البشري، وبعد افتراض وجود الكائن الحي، يبقى أن نعلم كيف تستطيع أن تكون هي المولدة للحركة والإحساس في الكائن الجديد؟ كما أنّ هناك بعض القوى في جسم الإنسان لا تزال معقّدة وغير مفهومة في معظم الأقسام.
وبعد هذه المقدّمة لا نستطيع القول بأنّ الإنسان قادر على خلق خليّة حيّة، وإعطاء الروح إلى الجماد. بل نقول إنّ الإنسان قد وفّر المقدّمات والشروط اللازمة لها، دون معرفة بالمقوّمات،

صفحه 98
وأُعطيت الحياة من قبل قوى غيبية وعوامل مجهولة.
وأعجب من ذلك، هو أنّ صنع الإنسان لهذا الكائن الحي لدليل على أنّه لولا نبوغ الإنسان وعقله وذكائه لما تحقّق وجود ذلك الكائن. ولم يكن ليحدث من تلقاء نفسه، وعلى سبيل الصدفة.
وبعد اعترافنا بأنّ الخلية الواحدة لا تستطيع أن توجد من العدم، ولابد لها من خالق، فكيف بنا مع هذا العالم الرحب والكون الواسع، وهل نستطيع أن ننفي وجود الخالق له ؟

صفحه 99
   

14

هل ستخمد مجموعتنا الشمسيّة؟!

والسؤال المتقدّم يتبعه سؤال آخر، وهو: عندما ثبت أنّ العالم لا بد له من خالق، هل نستطيع وعلى الأُسس العلميّة، أن نعينّ بداية له. ونتيجة لذلك، يثبت أنّ العالم لم يكن أزلياً ولا أبدياً، بل له بداية ونهاية؟
إنّ فلاسفة المسلمين باستدلالاتهم العقليّة الدقيقة أثبتوا بأنّ العالم حادث غير أزلي، وبعد اكتشاف القانون الثاني لـ «الترموديناميك» ـ الحرارة والحركة ـ اتّضح الأمر أكثر، وسهل عليهم إثبات ذلك. والغرض من إحداث هذا الفصل هو التعرّض إلى فكرة (أنّ العالم أزلي، وإبطالها) والفكرة هذه لها مؤيدون، إذ يعتقد بعض المفكّرين أنّ المادة الأُولى للكون كانت تلازمها الحركة والقوة في جميع الأدوار.

صفحه 100
وإليكم ملخّص ما قيل في هذا المضمار.
إنّ أوّل عالم استطاع أن يدرك وجود المادة والقوة عن طريق العلوم الطبيعية هو «إسحاق نيوتن» وأثبت أنّ الكون لابد له من بداية. وقد توصّل من خلال مطالعته إلى نتيجة معينة وهي أنّ الكون بنظامه الدقيق يسير إلى مرحلة ينعدم فيها هذا النظام، وسوف يأتي يوم على العالم، حيث تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام.
ومن هذه المقدّمة حصل على نتيجة أُخرى، وهي أنّ العالم لابد له من بداية، وذلك بعد دراسته لموضوع الحرارة. وأصبح اعتقاده بأنّ جميع التغييرات التي تساعد على إيجاد الحرارة، لابد أن تكون صادرة من عناصر مفيدة إلى عناصر غير مفيدة، ويستحيل عكس ذلك، بأن تتبدّل عناصر غير مفيدة إلى أُخرى مفيدة (وهذا هو القانون الثاني للحرارة والحركة).
ويعتقد بولتزمن العالم الرياضي الشهير، بأنّ القانون الثاني للحرارة والحركة، يعتبر حالة خاصّة من قاعدة كليّة عامّة. ويضيف قائلاً: إنّ في جميع حالات الإنتقال والحركة لابد أن يذهب جزءٌ من النظام السائد فيها، وكذلك الحال بالنسبة إلى الحرارة. فالعناصر المفيدة عندما تتبدّل إلى أُخرى غير مفيدة، يزول النظام المسيطر والقائم بين جزئياتها وذراتها تدريجياً، حتى تنتهي إلى العدم.

صفحه 101
والقانون الثاني للحرارة والحركة «الانتروبي» يوضّح لنا أنّ الحرارة دائماً تنتقل من الأجسام ذات الحرارة العالية، إلى الأجسام ذات الحرارة المنخفضة، ويستحيل أن يكون الأمر على العكس من ذلك.
وفي الحقيقة أنّ «الأنتروبي» عبارة عن نسبة العناصر غير المفيدة إلى العناصر المفيدة. وواضح أنّ «الأنتروبي» في عالمنا يسير سيراً تصاعدياً، وتزداد نسبته بمرور الزمن.
ولو قدر للكون أن يكون أزلياً من دون بداية له، لأصبحت جميع الأجسام متساوية في درجة حرارتها. ولم تكن لتبقى إلى يومنا هذا عناصر مفيدة. ولتوقّفت جميع التفاعلات الكيمياوية . ولتعذّرت الحياة على وجه البسيطة ولكنّنا نشاهد أنّ الحياة لا تزال مستمرة، وسوف تستمر إلى ما شاء الله.
والخلاصة: أنّ العالم يسير نحو مستقبل تتضاءل فيه درجات الحرارة، بل تنعدم، بحيث تتوقّف التفاعلات وتنعدم فيها القوى المولّدة للحركة، ويتعذّر وجود الحياة على الأرض. ويعتريها الهلاك، وتنعدم جميع العناصر المشعّة.
إنّ القانون الذي تقدّم ذكره، لم يكن ليبطل الأزليّة للكون، بل نجده خير دليل على التوحيد ومعرفة الله سبحانه، وهو الخالق والموجد لهذا الكون.

صفحه 102
ولو قيل بأنّ العالم يمتاز بنظام أزلي دون ضرورة لوجود مدبّر له، يستلزم من ذلك الادّعاء بأنّ المادّة الأُولى أوجدت نفسها من العدم، ومن ثم منحت نفسها النظام الدقيق الثابت، وهذا ما لا يستسيغه العقل ويرفضه رفضاً باتاً.
إذن لابد من الاعتقاد الراسخ بالله جَلَّ وعلا.
نسأله أن يهدينا إلى سبيل الرشاد.
والحمد لله أوّلاً وآخراً
Website Security Test