welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : إرشاد العقول / ج 2*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

إرشاد العقول / ج 2

إرشاد العقول
إلى
مباحث الأصول

يبحث عن الحجج الشرعيّة والأصول العملية

تقريراً لمحاضرات

العلاّمة المحقّق

آية الله جعفر السبحاني

تأليف

محمد حسين الحاج العاملي

المجلد الثاني


(2)

بسم الله الرحمن الرحيم

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى

1421 هـ ـ 2001 م

دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع


(3)


(4)

مقدمة المحاضر:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي أوضح لعباده سبل معرفته، وسهّل عليهم طاعته ببعث أنبيائه وسفرائه، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وسيد أصفيائه محمد وعترته الطاهرة، والنجوم الزاهرة والحجج اللاّمعة.

أمّابعد:

فقد سرحت النظر في الجزء الثاني من كتاب «إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول» لولدنا الروحي العلاّمة الحجة الفاضل الشيخ محمد حسين الحاج العاملي (حفظه الله) فوجدته كالجزء الأوّل حاوياً لما ألقيناه، وجامعاً لما أوضحناه، كيف وقد حضر بحوثنا الأُصولية والفقهيّة مدة لايستهان بها، فأشكره لما بذل من جهود مضنية في جمع شتات البحث، وترصيف أطرافه، ببيان رائق من غير إيجاز مخلّ ولا إطناب مملّ، فأسأله سبحانه أن يسدّد خطاه، ويوفِّقَه لما يحبُّه ويرضاه، ويجعله ذخراً للإسلام والمسلمين بفضله ومنّه.

جعفر السبحاني

8 ذي الحجة الحرام / 1420 هـ


(5)

مقدمة المؤلّف:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله كلّما وقب ليل ووسق، والحمدلله كلّما لاح نجم وخفق، والحمد لله غير مفقود الانعام ولا مكافأ الافضال.

والصلاة والسلام على أفضل سفرائه وأشرف بريتّه محمّد، الّذي بعثه لإنجاز عدته، وإتمام نبوّته وآله الذين هم موضع سرّه، وملجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، صلاة تامّة، مادامت السماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد ; فلا شكّ في حاجة الفقه إلى الأُصول، لأنّ استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة رهن قواعد كلّية يستند إليها الفقيه، وهذه القواعد لايبحث عنها إلاّ في علم الأُصول، ولأجل ذلك بادر علماء الأمصار وفضلاء الأعصار في كلّ دور من الأدوار، إلى تمهيد قواعده وتقييد شوارده، وتبيين ضوابطه، وترتيب فصوله، ليستسهل الأمر على المستنبط في مختلف المجالات.

وممّن خاض غمار هذا العلم، وسبر أغواره شيخنا الأُستاذ العلاّمة الحجّة آية الله الشيخ جعفر السبحاني (مدّ ظله) فقد جدّ وأجاد، وصنّف وأفاد، حتى تخرّج على يديه جيل كبير من روّاد العلم.

وكنت ممّن يتردّد على أندية دروسه للانتهال من نمير علمه، حتى حالفني


(6)

التوفيق بتحرير ما أفاده في الدورة الأُصولية الرابعة، فجاء ماأفاده فيما يُسمّى بالأُصول العقليّة متمثّلاً في هذين الجزءين، وقد سمّيته «إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول».

وهذا هو الجزء الثاني يزفّه الطبع إلى الطلاّب الكرام من بغاة الفضيلة والاجتهاد، وقد أشرف شيخنا الأُستاذ «مدّ ظلّه» على ما حررته وكتبته، فجاء الجزءان كصحيفة كاملة في المباحث العقلية.

وفي الختام أتقدّم إليه بالشكر الجزيل وابتهل إلى الله سبحانه أن يطيل عمره، ويسدّد خطاه في سبيل نشر العلم والهدى، فانّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

محمد حسين الحاج العاملي

26 / رمضان المبارك من شهور عام 1420 هـ


(7)

الأصل الرابع من الأُصول العملية

الاستصحاب

قد تقدّم أنّ حصر الأصول العملية الكلية في الأربعة حصر استقرائي; وقد تقدّم الكلام في الأُصول الثلاثة: البراءة، والاشتغال، والتخيير; وبقي الكلام في الاستصحاب، ومجراه هو وجود الحالة السابقة ولحاظها واعتبارها.(1)

ونذكر أُموراً تمهيدية:

الأمر الأوّل: في تعريف الاستصحاب

عرّف الاستصحاب بوجوه مختلفة، نذكر منها ما يلي:

أ: ما ذكره الشيخ بهاء الدين العاملي:إثبات الحكم في الزمان الثاني تأويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل.(2)

وقد أشار في تعريفه إلى ركني الاستصحاب، أعني: اليقين والشك، بقوله: «تأويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل» حيث إنّ ثبوته في الزمان الأوّل، لأجل قيام


1. قيد اللحاظ أو الاعتبار لأجل انّه ربّما تكون هناك حالة سابقة ولا تكون ملحوظة ومعتبرة كما في الشكّ في المقتضي عند الشيخ، أو الحكم الشرعي الكلي عند المحقّق النراقي ومن تبعه كالسيد المحقّق الخوئي.
2. زبدة الأُصول: 87 .


(8)

الحجّة عليه أي «اليقين»، وإثباته في الزمان الثاني تأويلاً عليه، يدل على عدم الدليل عليه فيه سوى ثبوته في الزمان الأوّل وهو يلازم الشك. فما أورد على هذا التعريف بأنّه لم يُشر إلى ركني الاستصحاب كما ترى.

ب: ما ذكره المحقّق القمي: كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء في الآن اللاحق.(1)

ج: ما أفاده الشيخ الأعظم: إبقاء ما كان .وقال: بأنّه أسدّ التعاريف وأخصرها.(2)

وأورد عليه المحقّق النائيني، بأنّ لليقين والشك دخلاً في حقيقة الاستصحاب، ولو باعتبار كون اليقين طريقاً إلى المتيقن، كما أنّ للشكّ في البقاء دخلاً فيه.

د:ذكره المحقّق النائيني: عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر والجري العملي بالشك في بقاء متعلّق اليقين.(3)

يلاحظ عليه: أنّه تعريف للشيء بنتيجته، فانّ عدم الانتقاض نتيجة الاستصحاب لا نفسه، فحكم الشارع بحرمة نقضه يُنتج عدمَ الانتقاض.

هـ : ما ذكره به المحقّق الخراساني: الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه.(4)

والحقّ انّ تعريف الاستصحاب يختلف حسب اختلاف المباني في حجية الاستصحاب، فانّ في كيفية حجيته آراء ثلاثة:


1. قوانين الاصول :2/53.
2. الفرائد: 318، ط رحمة اللّه.
3. فوائد الأُصول: 4/307.
4. كفاية الأُصول: 2 / 273 .


(9)

1. انّه أمارة عقلائية لكشف حال الشيء في الآن اللاحق، واليقين السابق أمارة ظنية لبقائه في ظرف الشك. وليس المراد من الشكّ هو تساوي الطرفين حتى ينافي الظن بالبقاء، بل المراد احتمال الخلاف الجامع مع الظن، وبعبارة أُخرى المراد الشك الأُصولي لا الشكّ المنطقي.

2. انّه أصل عملي اعتبر لصيانة الواقع وحفظه، فكما أنّ المولى يحتفظ بمطلوبه بإيجاب الاحتياط في أطراف الشبهة المحصورة تحريمية كانت أو إيجابية، فهكذا يحتفظ به في إيجاب العمل على وفق الحالة السابقة، لأنّ الغالب على ما كان، هو البقاء.

3. انّه أصل عملي تعبدي محض كأصالتي الطهارة والحلية وليس ناظراً إلى صيانة الواقع.

فعلى الرأي الأوّل، يدخل الاستصحاب في عِداد الأمارات العقلائية التي تفيد الاطمئنان بمفاده، وليست الأمارة إلاّ كون حكم أووصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق، فعندئذ يصبح تعريفُ المحقّق القمي أحسنَ التعاريف، وإن وصفه الشيخ بأنّه من أزيفها. ويكون تعريفه بالإبقاء تعريفاً بعيداً عن حقيقة الاستصحاب. وتسمية كون الشيء «يقيني الحصول» بالاستصحاب من باب تسمية الشيء بنتيجته فانّه إذا عمل بالأمارة فكأنّه استصحب شيئاً من الماضي إلى الآن اللاحق.

وأمّا على الرأيين الأخيرين ـ أعني: كونه أصلاً شرعياً صيانة للواقع، أو تعبدياً محضاً ـ فأحسن التعاريف ما ذكره المحقّق الخراساني، ولكن أقربها إلى النص هو«النهي عن نقض اليقين السابق المتعلّق بالحكم الشرعي أو بموضوع ذي أثر، بالشك اللاحق نقضاً تشريعياً لا تكوينياً».


(10)

الأمر الثاني: الاستصحاب مسألة أُصولية لا قاعدة فقهية

ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية، والجاري في الموضوعية ـ كعدالة زيد ونجاسة ثوبه ـ قاعدة فقهية كأصالة الطهارة وقاعدة الفراغ.

وجهه: هو اختصاص تطبيق المسألة الأُصولية على صغرياتها بالمجتهد دون القاعدة الفقهية، فانّ تطبيقها يعمّ المجتهد والمقلّد. والاستصحاب في الشبهات الحكمية رهن شروط كالفحص عن الدليل الاجتهادي وغيره، ولا يقوم به إلاّ المجتهد، دون الشبهات الموضوعية، واختاره المحقّق النائيني وقال: إنّ نتيجة المسألة الأُصولية إنّما تنفع المجتهد ولا حظّ للمقلِّد فيها، وإنّ النتيجة في القاعدة الفقهية تنفع المقلِّد.(1)

وما ذكره من التفصيل وإن كان صحيحاً، ولكن الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية أمر آخر، لانتقاض ما ذكراه بكثير من القواعد الفقهية التي لا يقوم بتطبيقها إلاّ المجتهد، نظير: قاعدة ما يُضمن وما لا يُضمن،وقاعدة الإلزام،وقاعدة الخراج بالضمان، إلى غير ذلك من القواعد التي لا يستفيد منها إلاّ المجتهد.

ويمكن التفريق بين المسألة الأُصولية والقاعدة بوجهين:

1. ما قدمناه في صدر الجزء الأوّل وهو أنّ المحمول في المسألة الأُصولية ليس حكماً شرعياً عملياً كقولنا: خبر الواحد حجّة، والظواهر حجّة، والأمر يدل على المرة أو التكرار. وهذا بخلاف القواعد الفقهية فالمحمول فيها حكم شرعي


1. فوائد الأُصول: 4/309.


(11)

مأخوذ من نفس الشرع كقوله ـ عليه السلام ـ : «إذا شككت ودخلت في غيره فشكّك ليس بشيء»، أو حكم شرعي منتزع من الأحكام الشرعية الكلية كما في قولنا: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، فإنّه حكم شرعي كلّي منتنزع من الحكم بالضمان في أبواب البيع والإجارة والمزارعة والمساقاة، والدليل على الضمان في هذه الموارد هو قاعدة الإقدام، أو قاعدة على اليد، فهذه القاعدة الكلية منتزعة من حكم الشرع في كلّ من هذه الموارد بالضمان.

ومن هنا يعلم أنّ نتيجة المسألة الأُصولية ـ بعد التطبيق ـ لا تكون حكماً شرعياً بل تكون حكماًجزئياً من سنخ المسألة الأُصولية كقولنا: هذا قول الثقة، وقول الثقة حجّة، فينتج هذا حجّة.

بخلاف القاعدة الفقهية فانّ نتيجتها تكون حكماً شرعياً، كقولنا: هذا مشكوك الطهارة، وكلّ مشكوك الطهارة طاهر، فينتج هذا طاهر.

2. انّ إعمال المسألة الأُصولية من قبيل الاستنباط ، بخلاف القاعدة الفقهية فانّ إعمالها من قبيل التطبيق، والفرق بين الاستنباط والتطبيق واضح، وهو أنّ الأوّل يكشف عن حكم شرعي مجهول لم يكن معلوماً له قبل الإعمال، لا إجمالاً ولا تفصيلاً، بخلاف الثاني فليس فيه كشف عن حكم شرعي مجهول غير معلوم، بل تبديل للعلم الإجمالي إلى التفصيلي، ولنذكر مثالاً:

قول الثقة حجّة مطلقاً، مسألة أُصولية، فإذا طبّق على مورده، يقف الإنسان على حكم شرعي لم يكن معلوماً لا إجمالاً ولا تفصيلاً وهو وجوب السورة في الصلاة، أو حرمة ذبيحة الكافر الكتابي، إذ ليس الحكمان مندرجين في الكبرى الأُصولية«قول الثقة حجّة » لا إجمالاً ولا تفصيلاً بخلاف القاعدة الفقهية، أعني : كلّ شيء طاهر، فقد كان العلم بطهارة الثوب المشكوك مندرجاً فيه إجمالاً


(12)

لاتفصيلاً، وليس للتطبيق دور سوى انّه ينحل به العلم الإجمالي إلى التفصيلي.

والحاصل: انّ الحكم الشرعي المستنبط لم يكن موجوداً في الكبرى الكلية الأُصولية لا إجمالاً ولا تفصيلاً، بخلاف الحكم الشرعي في القاعدة الفقهية، فانّه كان موجوداً إجمالاً في الكبرى الكلية الفقهية غير انّه يبدل بالتطبيق إلى العلم التفصيلي.

وبذلك يعلم أنّ قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» مسألة أُصولية، لأنّ النتيجة بعد التطبيق على المورد ـ أعني: وجوب صلاة الجمعة، أو نجاسة الماء المتغيّر الذي زال تغيّره بنفسه ـ لم تكن مندرجة في الكبرى.

وهذا هو الفرق بين المسألة الأُصولية والقاعدة الفقهية.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الاستصحاب من المسائل الأُصولية، أمّا إذا قلنا بأنّه من الأمارات العقلائية، فلأنّ مآل البحث إلى حجّية الظن وعدمها. ومن الواضح أنّ المحمول حكم غير شرعي ويحصل من تطبيقه على مورده علم جديد بالنسبة إلى الحكم الشرعي.

وأمّا إذا قلنا بأنّه من الأُصول الشرعية لحفظ الواقع، أو للتعبّد، فهو أيضاً من المسائل الأُصولية، لأنّ المحمول ـ أعني: حرمة نقض اليقين بالشك ـ ليس حكماً شرعياً نظير الأحكام الخمسة، وآية ذلك أنّ الإنسان إذا خالف الاستصحاب ولم يعمل بمقتضى الوجوب في الزمان السابق لا يعاقب مرّتين، وهذا يكشف عن أنّ حرمة النقض أشبه بإعطاء الحجية لليقين السابق حتى في زمان الشك، كما أنّه لا يلازم العلم به العلم بالنتيجة لا تفصيلاً ولا إجمالاً.

هذا كلّه إذا كان المورد حكماً شرعياً كلياً، وأمّا إذا كان المورد موضوعاً جزئياً


(13)

كطهارة ثوب زيد أو عدالته، فعلى ما ذكره الشيخ من اشتراط كون النتيجة حكماً كلياً يصبح قاعدة فقهية، لأنّ النتيجة حكم جزئي.

وأمّا على ما ذكرنا فالشرطان ـ كون المحمول حكماً غير شرعي، والنتيجة غير مندرجة في الكبرى ـ و إن كانا موجودين، لكن شأن المسألة الأُصولية وقوعها مقدمة لاستنباط الحكم الشرعي الكلي، وبما انّ النتيجة حكم جزئي، فلا يقع في عداد المسائل الأُصولية بل في عداد القواعد الفقهية التي ربما تكون نتيجتها أمراً جزئياً.

الأمر الثالث: أركان الاستصحاب

يشترط في الاستصحاب من حيث اليقين و الشكّ أُمور ثلاثة:

1. اجتماع اليقين والشكّ سواء اجتمعا في النفس معاً، أو كان اليقين متقدماً والشكّ متأخراً، أو بالعكس.

فإن قلت: كيف يجتمع اليقين والشكّ في زمان واحد، مع أنّ الشكّ ينقض اليقين تكويناً، فلا يقين مع الشكّ؟

قلت: هذا إذا كان متعلّق اليقين والشكّ واحداً بالذات، والزمان، وأمّا إذا كان متعلّقهما واحداً بالذات، مختلفاً زماناً فلا مانع من اجتماعهما ، كما إذا أذعن بعدالة زيد يوم الجمعة، وشكّ في عدالته يوم السبت، فالمسوغ لاجتماعهما هو اختلاف المتعلّقين زماناً، وإن كانا متحدين ذاتاً.

2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك، وهو مورد الروايات لا العكس، كما يأتي في الاستصحاب القهقري.


(14)

3. وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة ذاتاً، كأن تكون العدالة بما هي هي متعلّقاً لليقين والشكّ معاً، وإلاّ فلو كان المتعلّق مختلفاً لكان خارجاً عن الاستصحاب وداخلاً تحت قاعدة المقتضي والمانع كما ستوافيك،وبذلك علم أنّه يشترط في الاستصحاب أُمور ثلاثة:

1. اجتماع اليقين والشكّ أو فعليتهما.(1)

2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك.(2)

3. وحدة متعلّق الشك واليقين.(3)

وكلّ واحد من هذه القيود الثلاثة يميز الاستصحاب عن القواعد الثلاث التي سنبيّنها.

الأمر الرابع: في القواعد الثلاث

قد عرفت حقيقة الاستصحاب وتعريفه، وهناك قواعد أُخرى يجب التعرّف عليها، وبيان الفرق بينها و بين الاستصحاب.

أ: قاعدة اليقين أو الشكّ الساري

إنّ قاعدة اليقين أو الشكّ الساري تقارب قاعدة الاستصحاب، وإنّما يختلفان في أمرين:

الأمر الأوّل: انّ متعلّق اليقين والشكّ يتّحدان ذاتاً ويختلفان زماناً في


1. خرجت قاعدة اليقين.
2. خرج الاستصحاب القهقري.
3. خرجت قاعدة المقتضي والمانع، كما سيوافيك تفصيله.


(15)

الاستصحاب، بخلاف قاعدة اليقين فيتحدان ذاتاً وزماناً. مثلاً إذا كان متيقّناً بعدالة زيد يوم الجمعة وشكّ في بقائها يوم السبت، فهذا ينطبق على الاستصحاب; وأمّا إذا شكّ في نفس عدالته يوم الجمعة على وجه سرى الشك إلى اليقين فتنطبق عليه قاعدة اليقين.

الأمر الثاني: لمّا كان الحدوث في الاستصحاب أمراً متيقّناً، والبقاء مشكوكاً، يكون الشكّ واليقين فعليّين لعدم التزاحم بينهما، وهذا بخلاف قاعدة اليقين حيث إنّ المتعلّقين كانا متّحدين ذاتاً وزماناً يزول اليقين بعد عروض الشك. ويقع الكلام في صحّة الأعمال التي أُتي بها في ظرف اليقين بعد طروء الشك. وإلى هذا يرجع كلامهم: الشكّ في الاستصحاب شكّ في البقاء بعد الفراغ من ثبوته حدوثاً، وفي قاعدة اليقين شكّ في الحدوث دون نظر إلى البقاء على فرض الحدوث.

وبذلك يعلم أنّ اليقين والشكّ من الحالات النفسية التي لا تجتمع في النفس أبداً ولكن المسوِّغ اجتماعهما في المقام هو اختلاف متعلّقي اليقين والشكّ من حيث الزمان في الاستصحاب، واختلاف ظرفي اليقين والشكّ في قاعدة اليقين، فالذي يزيل المشكلة هو وجود المغايرة إمّا في المتعلّق أو في ظرف حدوث اليقين والشكّ.

ويترتب على ذلك أنّ اللازم في الاستصحاب تقدم متعلّق اليقين على متعلّق الشك، وأمّا اليقين والشكّ فيمكن أن يحصلا معاً، أو لا يحصلا إلاّ بالترتب سواء قُدِّم اليقين أو قُدّم الشك، فالمعيار التغاير بين المتيقّن والمشكوك من حيث الزمان، وتقدّم الأوّل على الثاني، وأمّا قاعدة اليقين فبما أنّ حلّ المشكلة كان رهن اختلاف اليقين والشكّ زماناً فلا مناص من تقدّم زمان اليقين على زمان الشكّ وحصولها مترتبين.


(16)

ب: قاعدة المقتضي والمانع

إذا تعلّق اليقين بشيء والشكّ بشيء آخر يغايره ذاتاً وزماناً، كما إذا أيقن بصب الماء على اليد، وشكّ في وجود المانع عن وصول الماء إلى البشرة، فهذا هو مورد القاعدة المعروفة بقاعدة المقتضي والمانع، فالمقتضي هو صبّ الماء الذي يقتضي غسلَ البشرة، والمانع هو احتمال وجود عائق عن وصول الماء إلى البشرة، كاللون، ففي المقام اختلف متعلقا اليقين والشكّ لا زماناً بل جوهراً.

وعلى ضوء ذلك تقف على الفرق الواضح بين الاستصحاب والقاعدتين المذكورتين في ناحية المتعلّق.

ما يتّحد متعلّقا اليقين والشكّ ذاتاً وزماناً، فهو مجرى لقاعدة اليقين.

ما يتّحد متعلّقا اليقين والشكّ ذاتاً لا زماناً، فهو مجرى لقاعدة الاستصحاب.

ما يختلف متعلّقا اليقين والشكّ ذاتاً، فهو مجرى لقاعدة المقتضي والمانع.

فعلى حجّية قاعدة المقتضي والمانع إذا شككنا في وجود العائق عن وصول الماء، نقول: المقتضي موجود والمانع مرفوع بالأصل.

ج: الاستصحاب القهقري

الاستصحاب القهقري نفس الاستصحاب الرائج، غير أنّ الفرق بينهما تقدّم زمان المتيقن على زمان المشكوك في الاستصحاب المتعارف، وأمّا إذا انعكس فصار زمان المتيقن متأخراً زماناً، والمشكوك متقدماً زماناً، فهذا مورد للاستصحاب القهقهري، كما إذا علمنا أنّ الصلاة والصوم كانا حقيقة في لسان الصادقين في الماهيات العبادية، وشككنا في كونهما كذلك في عصر الوصي أو


(17)

النبي، فهل يصحّ لنا إطالة عمر اليقين وجره تعبّداً إلى الزمان السابق حتى يثبت بذلك كونهما حقيقتين في الماهيات العبادية في عصرهما أيضاً، على وجه لو وردا في كلامهما يحمل على هذه المعاني الشرعية لكونهما حقيقة في لسانهما في المعنى الذي صار حقيقته فيه في عصر الصادقين عليمها السَّلام ؟

وبما أنّ أدلّة الاستصحاب ظاهرةً فيما إذا كان المقتضي متقدماً زماناً والمشكوك متأخراً زماناً على عكس الاستصحاب القهقري فلا تشمله أدلّته.

نعم ربّما يتمسك في إثبات وحدة المعنى في العصرين بوجه آخر غير الاستصحاب القهقهري وهو أصالة عدم النقل وهو من سنخ الاستصحابات الدارجة، فتثبت بها وحدة المعنى في العصرين، وإلاّ يلزم النقل وهو منفيّ بالأصل.

وسيوافيك الكلام في حجّية الأُصول اللفظية ولوازمها عند البحث في الأصل المثبت.

وأمّا شمول أدلّتها القاعدة المقتضي والمانع، فالمتبادر من الأدلّة وحدة المتعلّقين ذاتاً، على خلاف مورد قاعدة المقتضي والمانع.

الأمر الخامس: في تقسيمات الاستصحاب

ينقسم الاستصحاب، حسب المستصحب تارة، والدليل الدال على حكمه أُخرى، ومنشأ الشك ثالثة، وإليك بيان الجميع على وجه الإيجاز.

أمّا التقسيم باعتبار المستصحب: فإنّه تارة يكون أمراً وجودياً، وأُخرى أمراً عدمياً.


(18)

وعلى التقدير الأوّل قد يكون حكماً شرعياً، وأُخرى موضوعاً لحكم شرعي.

ثمّ الحكم الشرعي قد يكون كلياً، وقد يكون جزئياً، وعلى كلا التقديرين قد يكون من الأحكام التكليفية، وأُخرى من الوضعية، وأمثلة الكل واضحة.

وأمّا التقسيم باعتبار الدليل الدال عليه: فتارة يكون دليله نقلياً كالكتاب والسنّة، وأُخرى لبيّاً كالإجماع والعقل.

وأمّا التقسيم من جهة الشكّ المأخوذ فيه: فالشكّ تارة يكون في مقدار استعداد المستصحب للبقاء، ويسمى بالشكّ في المقتضي كالحيوان المردّد بين طويل العمر وقصيره، وكنجاسة الماء المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه، فمرجع الشكّ إلى استعداد المستصحب للبقاء، ونظيره استصحاب الليل والنهار، فالشكّ في بقاء النهار يرجع إلى الشكّ في قابلية بقائهما في الفترة المشكوكة.

وأُخرى يكون استعداده للبقاء أمراً محرزاً لكن يحتمل طروء رافع يرفع المقتضي، كالطهارة فهي قابلة للبقاء ما لم يعرض هناك عارض ورافع كالنوم والبول. أو كعقد النكاح فالعلقة المنشأة قابلة للبقاء ما لم يطرأ رافع. فإذا شككنا في أنّ قولنا: «أنت خلية» رافع لحكم المقتضي أو لا، يكون الشكّ من قبيل الشكّ في الرافع.

ثمّ إنّ الشكّ في الرافع على أقسام، لأنّ الشكّ تارة يتعلّق بأصل وجود الرافع كالحدث بعد الوضوء، وأُخرى برافعية الأمر الموجود، وهو على أقسام لأنّ منشأ الشكّ في رافعية الأمر الموجود أحد الأُمور التالية:

1. تردّد المستصحب بين ما يكون الموجود رافعاً له، وما لا يكون رافعاً له، كشغل الذمّة المستصحب يوم الجمعة بعد الإتيان بصلاة الظهر، فانّ الشكّ في


(19)

رافعية الأمر الموجود(صلاة الظهر) لأجل عدم تعيّن المستصحب وتردّده بين كون الواجب هوالظهر أو الجمعة، فعلى الأوّل ارتفع الاشتغال بالذمّة دون الثاني.

2. الجهل بحكم الموجود، كالمذي الخارج عن الإنسان، فهل هو رافع شرعاً للطهارة مثل البول، أو لا؟

3. الجهل بمصداقيته لرافع معلوم المفهوم كالبول، كالبلل المردّد بين البول والوذي.

4. أو الجهل بمصداقيته لرافع مجهول المفهوم كالتيمّم على الحجر، المجهول كونه مصداقاً للصعيد المجهول المفهوم.

وقد وقع الخلاف في حجّية الاستصحاب في هذه الموارد.

هذه التقسيمات الرئيسيّة ذكرناها تمهيداً.


(20)

حجّية الاستصحاب

استدلّ على حجّية الاستصحاب بوجوه:

الأوّل: بناء العقلاء

استقرّ بناء العقلاء على العمل على وفق الحالة السابقة، وحيث لم يردع عنه الشارع كان ماضياً، والاستدلال مبني على ثبوت أمرين:

1. استكشاف بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة تعبّداً، أولأجل الدواعي الأُخر، كما سيوافيك.

2. عدم الردع من جانب الشارع.

أمّا الأوّل: فغير ثابت، إذ لا يبعد أن يكون عملهم عليه لأجل وجود الاطمئنان، أو الظن ببقاء الحالة السابقة، أو لغفلتهم عن الشك إن كان موجوداً في خزانة النفس.

فعلى الأوّل والثاني: يختص جواز العمل بحصول الاطمئنان أو الظن ببقاء الحالة السابقة، لا مطلقاً، كما هو المطلوب.

وعلى الثالث: لا يجوز العمل به عند الشكّ مع الالتفات، لأنّ بناء العقلاء على الجري على الحالة السابقة، إنّما هو في صورة الغفلة عن الشكّ، والمجتهد


(21)

المستصحِب ملتفت إلى شكّه.

نعم لو ثبت كونه أصلاً تعبدياً عندهم وانّهم يعملون به لحفظ النظام، كان دليلاً على حجّية الاستصحاب، ولكنّه غير ثابت.

وهناك مشكلة أُخرى وهي أنّهم إنّما يعملون به في الأُمور الحقيرة لا الخطيرة بل يتوقّفون حتى يحصل لهم الاطمئنان.

وأمّا الثاني: فقد أورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه يكفي في الردع ما دلّ في الكتاب والسنّة على النهي عن اتّباع غير العلم، أو ما دلّ على البراءة والاحتياط في مورد الشبهات.

وأورد عليه المحقّق النائيني: بأنّ ما ذكره هنا ينافي ما تقدّم منه في باب حجّية الخبر الواحد حيث قال هناك: بأنّ ما دلّ من الكتاب والسنّة على النهي عن اتباع غير العلم لا يكون رادعاً لبناء العقلاء على العمل بخبر الواحد لاستلزامه الدور، ولكنّه سلّم في المقام بأنّها صالحة لردع بناء العقلاء على العمل بالاستصحاب مع أنّ بناء العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة لو لم يكن أقوى من بنائهم على العمل بالخبر الواحد فلا أقلّ من التساوي بين المقامين.

يلاحظ على هذا الإشكال: بوجود الفارق بين قول الثقة والأخذ بالحالة السابقة، فإنّ الأوّل عند العرف مساوق للعلم بمعنى الاطمئنان، وهذا بخلاف الأخذ بالحالة السابقة، إذ لا يفيد إلاّ الظن دون الاطمئنان.

وعلى ضوء ذلك فلا ينتقل العرف من قوله سبحانه:(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (1) إلى قول الثقة المفيد للعلم العرفي، بخلاف الاستصحاب فبما أنّه مفيد


1. الإسراء:36.


(22)

للظن الضعيف ينتقل إليه من هذه الآية ونظائرها إلى أنّها بصدد الرد على العمل بهذا الظن.

والأولى أن يجاب بأنّ الآيات الناهية عن العمل بالظن أو العمل بغير العلم ناظرة إلى ما كان عليه العرب في العصر الجاهلي ، حيث كان ديدنهم العمل، وفق الخرص والتخيّل، ولذلك يقول سبحانه: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظّنَّ وَما تَهْوَى الأَنْفُسُ)(1)، وقوله سبحانه: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّيَخْرُصُون) (2). ففي الآية الأُولى عطف (وما تهوى الأنفس)، على الظن، كما أنّه في الآية الثانية فسّر (الظن) بالخرص، كلّ ذلك شاهد على أنّ الآيات الناهية بصدد نفي ما كان عليه العرب في العصر الجاهلي من العمل بموازين موهومة، فكانوا يقولون: بأنّ الملائكة بنات اللّه، أو انّ عيسى ابن اللّه، إلى غير ذلك وأين هذا من بناء العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة الذي يدور عليه نظام الحياة في غالب الأُمور؟ فبناء العقلاء خارج عن مدلول الآيات تخصصاً وموضوعاً.

الثاني: الاستقراء

قال الشيخ: إنّا تتبّعنا موارد الشكّ في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع فلم نجد مورداً إلاّ وقد حكم فيه الشارع بالبقاء، إلاّ مع أمارة توجب الظن بالخلاف. وهي لا تتجاوز عن موارد ثلاثة:

أ: الحكم بنجاسة البلل الخارج قبل الاستبراء، فانّ الحكم بها ليس لعدم اعتبار الحالة السابقة، وإلاّ لوجب الحكم بالطهارة لقاعدة الطهارة، بل لغلبة بقاء


1. النجم:23.
2. يونس:66.


(23)

جزء حتى البول أو المني في المخرج فرجّح الظاهر على الأصل، وهو أصالة الطهارة.

ب: غسالة الحمام عند بعض، فانّ مقتضى الاستصحاب أو قاعدة الطهارة، طهارة الماء، إلاّ أنّ الظاهر هو انفعال هذه المياه القليلة بالنجاسة، فقدّم الظاهر على الأصل.

ج: ظهور فعل المسلم في الصحّة، حيث يقدّم على أصالة الفساد التي هي مفاد الاستصحاب.

يلاحظ عليه: أنّ الاحتجاج بالاستقراء على حجّية قاعدة يتوقف على تتبع الأحكام الشرعية من الطهارة إلى الديات حتى يعلم بعلم قطعي أنّه يحكم بالأخذ وفق الحالة السابقة في مورد الشك، وتحصيل هذا العلم أمر مشكل.

والاستدلال على الاستقراء بما ورد في الحديث:«يستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة»، وقوله ـ عليه السلام ـ :«صم للرؤية وأفطر للرؤية» لا يكون استقراء ناقصاً، فكيف استقراء كاملاً؟

نعم حَكَم الشارع في مسألة استظهار الحائض قبل تجاوز العشرة، أو يوم الشكّ على وفق الاستصحاب وهما موردان لا يفيان بالمقصود.

الثالث: الاستصحاب مفيد للظن

إنّ الثبوت السابق مفيد للظن به في اللاحق، وإليه استند شارح المختصر الحاجبي، فقال: معنى استصحاب الحال: انّ الحكم الفلاني قدكان ولم يظن عدمه، وكلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء.


(24)

يلاحظ عليه: بعدم ثبوت الكبرى أوّلاً، لمنع إفادته للظن في كلّ مورد، وبعدم الدليل على حجّية هذا الظن ثانياً.

الرابع: الإجماع المنقول

استدل صاحب المبادئ على حجية الاستصحاب بالإجماع، فقال: الاستصحاب حجّة لإجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم وقع الشكّ في أنّه طرأ ما يزيله أو لا وجب الحكم ببقائه على ما كان أوّلاً، ولولا القول بأنّ الاستصحاب حجّة لكان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لم يثبت إجماع العلماء على الحجية، وعلى فرض ثبوته لعلهم اعتمدوا على أحد هذه الوجوه المذكورة من سيرة العقلاء، أو الاستقراء، أو كونه مفيداً للظن، ومعه لا يبقى اعتمادعليه، لأنّ مدارك حكمهم عندنا ضعيفة.

الخامس: الأخبار المستفيضة

تضافرت الأخبار على عدم جواز نقض اليقين بالشك، وهي أوضح الوجوه في المقام، وقد استمرّ الاستدلال بها من عصر الشيخ الجليل حسين بن عبد الصمد (918ـ 984هـ) والد الشيخ بهاء الدين العاملي ـ قدّس سرّهما ـ إلى يومنا هذا، واستدل بها في كتاب «العِقْد الطهماسبي» ، وإليك الروايات:

1. مضمرة زرارة الأُولى

روى الشيخ في التهذيب باسناده عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن


1. مبادئ الوصول في علم الأُصول: 56، ط طهران.


(25)

حريز، عن زرارة قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة قد تنام العينُ ولا ينام القلب والأُذن، فإذا نامت العين والأُذن والقلبُ وجب الوضوء».

قلت: فإن حُرِّك الى جنبه شيء و لم يعلم به؟ قال: «لا، حتى يستيقن أنّه قد نام، حتى يجيء من ذلك أمر بيّن، وإلاّ فانّه على يقين من وضوئه، ولا تنقض اليقين أبداً بالشك وإنّما تنقضه بيقين آخر».(1)

والاستدلال يتوقف على صحّة السند، والدلالة.

أمّا السند، فقد أخذ الشيخ الطوسي الحديث عن كتاب الحسين بن سعيد الأهوازي الثقة، وهو يروي عن حمّاد، أي حمّاد بن عيسى (المتوفّى عام 209، أو 208هـ) المعروف بغريق الجحفة، صاحب الرواية التعليميّة في الصلاة لا عن حمّاد بن عثمان (المتوفّى عام 190هـ) لعدم رواية الحسين بن سعيد عنه،وهويروي عن حريز بن عبد اللّه السجستاني الثقة، عن زرارة، عن أحدهما.

وأمّا سند الشيخ إلى سعيد، فهوصحيح في المشيخة والفهرست، فقد ذكر في الأُولى إلى كتبه أسانيد مختلفة منها: انّه يرويها عن مشايخه الثلاثة: المفيد، الغضائري، وابن عبدون، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد،عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد.(2) وكلّهم ثقات على الأظهر، والطريق صحيح.

وأمّا الإضمار فلا يضر بالاستدلال لجلالة زرارة، فهو لا يصدر إلاّ عن


1. الوسائل: الجزء 1، الباب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1، والخطاب في قوله: «ولا تنقض» من قبيل الالتفات، حيث عدل من الغيبة إلى الخطاب.
2. التهذيب: 10/386.


(26)

أحاديث الأئمّة المعصومين، ومشاركة هذه الرواية مع سائر الروايات في التعبير، ومع ذلك فقد رواه المحدّث الاسترآبادي وصاحب الحدائق والفصول عن الإمام الباقر(عليه السلام)، ولعلّهما وقفاً على مالم نقف عليه.(1)

وأمّا الدلالة فيتوقف البحث فيها على عدّة أُمور:

أ: ما هو محور السؤال؟

لا شكّ انّ قوله: «فإن حرّك في جنبه شيء، ولم يعلم به» ، سؤال عن شبهة موضوعية، والشكّ في تحقّق النوم وعدمه بعد الوقوف على الحدّ الناقض منه.

إنّما الكلام في السؤال الأوّل، أعني قوله: «أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟» ففيه احتمالات ثلاثة:

1. أن يكون السؤال عن مفهوم النوم، لا عن مفهومه الإجمالي بل عن مفهومه الدقيق، فحاول التعرّف عليه حتى يطبقه على مورد الشبهة، فتكون الشبهة عندئذ، شبهة مفهوميّة.

2. أن يكون عارفاً بمفهوم النوم، إجمالاً وتفصيلاً، وكان السؤال عمّا هو الموضوع للناقضية، فهل هو مطلق تعطيل حاسّة من الحواس كالعين؟ أو المرتبة الوسطى منه، لتحصيل العين والسمع أو المرتبة العليا منه؟ فأجاب الإمام بأنّ الموضوع هو المرتبة العليا، أعني: إذا تعطّلت الحواس الثلاث.

3. أن يكون السؤال عن ناقضية الخفقة، مع العلم بعدم دخولها في النوم، ولكن يحتمل أن تكون ناقضة برأسها.


1. الفوائد المدنية: 142، مبحث التمسّك بالاستصحاب; الحدائق:1/143، المقدمة الحادية عشرة; و حكي عن رسال المحقّق البهبهاني انّه أيضاً أسندها إلى الإمام الباقر عليه السَّلام .


(27)

والثالث غير مراد قطعاً، لأنّ النواقض محدودة و من البعيد أن لا يعرف زرارة نواقض الوضوء، مع أنّ جواب الإمام لا يوافق هذا الاحتمال، فدار الأمر بين الأوّل حيث تكون الشبهة عندئذ مفهومية تستعقب شبهة حكمية، والثاني فتكون الشبهة شبهة حكمية محضة، ولعلّه المتعيّن حيث إنّ الإمام بشرحه مفهوم النوم، عيّن الناقض، وانّه عبارة فيما إذا نامت فيه الحواس الثلاثة.

ب: ما هو الجزاء لقوله: وإلاّ فإنّه على يقين؟

إنّ قوله«وإلاّ» قضية شرطية، أي «وإن لم يجئ من ذلك بأمر بيّن» فيحتاج إلى الجزاء. فما هو الجزاء؟ هنا احتمالات ثلاثة:

1. أن يكون الجزاء محذوفاً: أي فلا يجب الوضوء.

2. أن يكون الجزاء قوله: «فإنّه على يقين من وضوئه».

3. أن يكون الجزاء قوله: «ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ».

أمّا الاحتمال الأوّل، فهو أوضح الوجوه حيث حذف الجزاء وأُقيمت العلّة المركبة من صغرى وكبرى مكانه، أعني قوله ـ عليه السلام ـ : «فإنّه على يقين من وضوئه و لا تنقض اليقين أبداً بالشك» وله نظائر في التنزيل مثل قوله سبحانه : (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)(1) ، وغير ذلك.

وأورد عليه المحقّق النائيني: إنّ فرض الجزاء مقدّراً كقوله: «فلا يجب الوضوء» يستلزم التكرار لسبق نظيره في قوله: «لا حتى يستيقن»، أي لا يجب الوضوء حتى يستيقن.


1. يوسف:77.


(28)

يلاحظ عليه: أنّ نكتة التكرار هو التركيز على عدم الوجوب، مضافاً إلى أنّه إنّما يستهجن لو كان الجزاء مذكوراً لا محذوفاً مقدّراً.

وأمّا الاحتمال الثاني أي كون الجزاء، قوله:«فإنّه على يقين»، فهولا يخلو إمّا أن يكون باقياً على ظاهره من الإخبار عن كونه على يقين من وضوئه، أو غير باق بل يكون مؤوّلاً إلى الإنشاء، أي «وليكن على يقين من وضوئه»، فالأوّل لا يصلح أن يقع جزاء، لعدم الصلة عندئذ بين الشرط والجزاء، وعدم ترتّبه على الشرط; والثاني بعيد عن ظاهر الكلام حيث أطلق الجملة الخبرية وأُريد بها الإنشاء بلا قرينة.

وأمّا الاحتمال الثالث بأن يكون الجزاء قوله: «ولا تنقض اليقين أبداً بالشك»، ويكون قوله: «فهو على يقين» توطئة للجزاء فهو أبعد، إذ لا يدخل حرف العطف على الجزاء.

نعم الجزاء عند الأُدباء هو قوله: «فانّه على يقين» لكنّهم يدرسون الظاهر وإلاّ فالجزاء محذوف.

ج: دلالة الرواية على حرمة النقض في جميع الأبواب

إذا قلنا بكون الجزاء محذوفاً تكون الجملة الواقعة بعده تعليلاً مركباً من صغرى وكبرى، أعني:

1. انّه على يقين من وضوئه، 2. ولا تنقض اليقين أبداً بالشك.

فدلالة التعليل على حرمة نقض اليقين في باب الوضوء لا غبار عليه، إنّما الكلام في دلالته على حرمته مطلقاً في جميع الأبواب.


(29)

فربما يحتمل اختصاص التعليل بباب الوضوء حيث إنّ اليقين في الصغرى تعلّق بالوضوء حيث قال: «وإلاّ فانّه على يقين من وضوئه»،وعندئذ يكون الحدّ الوسط في الكبرى هو أيضاً اليقين بالوضوء، أي ولا تنقض اليقين بالوضوء أبداً بالشكّ، فلا يعمّ الحديث عامة الأبواب.

وبعبارة أُخرى: تكون «اللام» في الكبرى للعهد لا للجنس.

وأجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ قوله:«من وضوئه»، في الصغرى ليس من متعلّقات اليقين حتى يكون اليقين مقيداً به، بل هو ظرف مستقر متعلّق بلفظ مقدّر، أي هو من طرف وضوئه على يقين فيكون الحدّ الأوسط في الصغرى كالكبرى هو نفس اليقين.

ولكنّه بعيد عن الذوق العربي إذ المتبادر من العبارة تعلّق الظرف باليقين، والأولى أن يجاب بأنّ العرف يساعد على إلغاء التقيّد به، وذلك للوجوه التالية:

أ: انّ التعليل بأمر ارتكازي غير مختص بباب دون باب،ومفاده: انّ اليقين أمر مبرم مستحكم لا ينقض بالأمر الرخو.

ب: قوله: «أبداً» يناسب عدم اختصاصه بباب.

ج: ورود الكبرى في غير باب الوضوء أيضاً، كما سيوافيك.

وبذلك يعلم أنّه لو قلنا: إنّ الجزاءمحذوف تكون الجملتان أظهر في العموم والشمول، بخلاف ما لو قلنا: إنّ الجزاء هو الصغرى، أو الجزاء هو الكبرى، فإنّ استفادة الشمول يكون أمراً مشكلاً كما لا يخفى.

2. الصحيحة الثانية لزرارة

روى في «علل الشرائع» في الباب الثمانين تحت عنوان «علّة غَسْلِ المنيّ إذا


(30)

أصاب الثوب» عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السلام ـ :...

ورواه الشيخ في «التهذيب» مضمرة عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت له...

وعلى ذلك فلا غبار على الرواية سنداً، أضف إليه ما ذكرناه في المضمرة السابقة في حقّ زرارة، والرواية مشتملة على ستة أسئلة، وسبعة أجوبة، فإنّ للسؤال السادس شقين في كلام الإمام بهما صارت الأجوبة سبعة، وإليك الأسئلة والأجوبة واللفظ للتهذيب.

1. أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره، أو شيء من مني، فعلّمتُ أثره إلى أن أصيب له من الماء، فأصبتُ وحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً وصلّيتُ، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك.

قال: «تعيدُ الصلاة وتغسله».

2. قلت: فإنّي لم أكن رأيتُ موضِعَه، وعلمتُ أنّه قد أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلما صلّيت وجدته؟ قال: «تغسله وتعيد»

3. قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك فنظرتُ فلم أر شيئاً ثمّ صليتُ فرأيت فيه؟

قال: «تغسله ولا تعيد الصلاة».

قلت: لم ذلك؟

قال: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً».

4. قلت: فإنّي قد علمتُ أنّه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله؟


(31)

قال:«تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك».

5. قلت: فهل عليّ إن شككتُ في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟

قال: «لا، ولكنّك إنّما تريد أن تُذْهِبَ الشكَ الذي وقع في نفسك».

6. قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟

فأجاب الإمام بأنّ له صورتين.

أ: قال: «لاتنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته».

ب: «وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعلّه شيء أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك».(1)

إنّ الكلام في مقامات:

الأوّل : في سند الحديث

إنّ سند الرواية صحيح، فقد رواه الشيخ بسنده الماضي، عن الحسين بن سعيد الأهوازي، عن حمّاد ، عن حريز، عن زرارة، قال قلت له:... وهي أيضاً كسابقتها مضمرة، ولكن لا يضر الإضمار كما مر .أضف إليه انّ الصدوق نقله مسنداً.

الثاني: في توضيح الأسئلة الواردة فيها

إنّ الرواية مشتملة على أسئلة وأجوبة ستة غير انّ للسؤال السادس شقّين ـ


1. التهذيب: 1/ 446 ح 1335، باب تطهير البدن والثياب من النجاسات; الوسائل: 2/1053 و 1061 و1605 ، ح1 و2، الباب 41 و44 و37 من أبواب النجاسات.


(32)

كما يظهر من جواب الإمام ـ و الفرق بين الأسئلة واضح.

فالأوّل من الأسئلة يركز على وجود العلم التفصيلي بإصابة النجس الثوبَ مع العلم بمحله مشخصاً، لكنّه صلّى فيه نسياناً.

والثاني منها يركز على العلم الإجمالي بإصابة النجس الثوبَ مع عدم العلم بمحله مشخصاً، فقد حكم الإمام بالإعادة في كلتا الصورتين، وانّ النسيان ليس بعذر مع سبق العلم تفصيلاً أو إجمالاً.

والثالث منها ناظر إلى الظن بوجود النجاسة دون العلم حيث ظن ونظر ولم ير شيئاً، ثمّ صلّى فرأى فيه النجاسة. وفي السؤال احتمالان كما سيوافيك.

والرابع منها ناظر إلى كيفية تحصيل البراءة اليقينية إذا علم بإصابة النجس الثوب ولم يعرف مكانه مشخصاً، فأجاب الإمام بأنّه تغسل الناحية التي قد أصابها.

والخامس ناظر إلى وجوب الفحص عن إصابة النجاسة وعدمه، فأجاب الإمام بعدمه، مع أنّ مقتضى القاعدة هو وجوب الفحص لسهولة تحصيل العلم بالواقع، لكن الجواب حاك عن وجود السهولة في باب النجاسات.

وأمّا السؤال السادس بكلا شقيه فسيوافيك الكلام فيه.

الثالث: في إيضاح السؤال الثالث

جاء في السؤال الثالث قول الراوي: «فإن ظننت انّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أرَشيئاً، ثمّ صلّيت فرأيت فيه» فقد فسر بوجهين:

1. انّه ظن الإصابة دون أن يتيقّن، وبعد الفراغ عن الصلاة رأى فيه


(33)

النجاسة التي ظن بها قبل الصلاة، وهذا هو أحد الاحتمالين عند الشيخ حيث قال: أن يكون مورد السؤال إن رأى بعد الصلاة نجاسة يعلم أنّها هي التي خفيت عليه قبل الصلاة، فالمراد من اليقين هو اليقين قبل ظن الإصابة، ومن الشك هو الشكّ حين إرادة الدخول في الصلاة،فيكون ظرف الاستصحاب هو قبل الدخول في الصلاة.

2. أن يكون مورد السؤال رؤيةَ النجاسة بعد الصلاة مع احتمال وقوعها بعدها(لا مع العلم بوجودها قبل الصلاة كما في الاحتمال الأوّل) فالمراد أنّه ليس ينبغي ـ بعد الفراغ عن الصلاة ـ أن تنقض اليقين بالطهارة بمجرّد احتمال وجود النجاسة حال الصلاة، فالعلم بطهارة الثوب قبل الصلاة، لا يُنقض بالشك إلى الفراغ منها. نعم لا يثبت بالأصل، تأخّرها عن الصلاة، فيكون ظرف الاستصحاب هو بعد الصلاة، بخلافه على الاحتمال الأوّل فانّ ظرفه هو قبلها.

يلاحظ عليه: انّه مخالف لقول السائل: «فصلّيت فيه فرأيت فيه»أي رأيت النجاسة التي ظننت إصابتها للثوب قبل الدخول في الصلاة.

الرابع: في كيفية الاستدلال بالفقرة الثالثة

إذا كان المراد هو ما اخترناه، فالمراد انّه كان قبل ظن الإصابة على يقين من طهارة ثوبه، فإذا شكّ حين الدخول في الصلاة فليس له أن ينقض اليقين بالطهارة، بالشك في الإصابة حين الدخول.

وهنا إشكال واضح: انّ عدم جواز نقض اليقين بالشكّ حين الدخول، صالح لتجويز الدخول في الصلاة المشروطة بالطهارة، حيث إنّ الامتناع عن الدخول فيها نقض لآثار تلك الطهارة المحرزة قبل الدخول، ولا يصلح علة


(34)

لعدم الإعادة إذ ظرف الإعادة إنّما هو بعد الصلاة، ولو حكم بها يكون من قبيل نقض اليقين بالطهارة، باليقين بالنجاسة حيث إنّ المفروض أنّه رأى بعد الصلاة نفس النجاسة التي خفيت عليه حين الدخول.

وحاصل الإشكال: انّ كلام الإمام ـ أعني : «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً» ـ راجع إلى إحدى الحالتين:

أ: حالة ما قبل الدخول في الصلاة، وهناك يقين بالطهارة وشكّ في طروء النجاسة، فأركان الاستصحاب موجودة، لكنّه يصلح أن يكون علّة لجوازالدخول في الصلاة. وليس هناك موضوع للإعادة.

ب: حالة الفراغ من الصلاة، فهناك تبدّل اليقين بالطهارة إلى اليقين بالنجاسة، فلا يصحّ تعليل عدم الإعادة باستلزامه نقض اليقين بالشكّ، لأنّ المفروض تبدّل يقينه إلى يقين آخر فأركان الاستصحاب مختلّة.

وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه:

1. ما نقله الشيخ الأعظم عن بعضهم: أنّ عدم الإعادة بملاحظة اقتضاء الأمر الظاهري للاجزاء، فتكون الصحيحة من حيث تعليلها دليلاً على القاعدة وكاشفة عنها.

يلاحظ عليه: أنّ الرواية لا تعلّل الصحة بالقاعدة وهو انّ ثوب المصلّي حين الدخول كان محكوماً بالطهارة وكان المصلي مأموراً بالصلاة معها، وامتثال الأمر الظاهري مجز عن امتثال الأمر الواقعي، بل تعلل بأنّه لو أعاد الصلاة لكان هذا نقضاً لليقين بالشكّ مع أنّه لو حكم بالإعادة لزم نقض اليقين بالطهارة باليقين بالنجاسة.


(35)

2. انّ ظاهر قوله:«صلّ في الثوب الطاهر» هو لزوم إيقاع الصلاة في الطاهر الواقعي ، فلو تبيّن الخلاف وانّ الثوب كان نجساً، تبيّن فقدُ الصلاة، الشرط اللازم.

لكن بعد ضمِّ قاعدة الطهارة أو الاستصحاب إلى الدليل المذكور، تتسِّع دائرةُ الشرطِ ويكون المأخوذ في صحّة الصلاة، هو إحراز الطهارة من حين الدخول إلى الفراغ عنها، كان الثوب طاهراً في الواقع أم لا.

وعلى ضوء هذا فلو صلّى الرجل في ثوب كان محكوماً بالطهارة بحكم الأصل أو القاعدة، فقد صلّى في ثوب جامع لشرط الصحة، وبذلك يعلم أنّ ظرف الاستصحاب إنّما هو حالة الدخول في الصلاة لا الفراغ عنها.

إذا علمت هذا فنرجع إلى فقه الرواية فنقول:

إنّ الإمام ـ عليه السلام ـ فرّق بين الصورتين الأُوليين والصورة الثالثة، فحكم بالبطلان في صورة نسيان النجاسة والصحة في صورة الجهل بها، مع اشتراك الصور في شيء واحد، وهو إيقاع الصلاة في ثوب نجس، ولذلك تعجب زرارة عن التفريق، فصار الإمام بصدد الجواب بوجود الفرق بين الأُوليين والثالثة، وذلك بعدم الاستصحاب المحرز فيهما، لسبق العلم بالنجاسة وإن عرض له النسيان، ومعه لا موضوع للاستصحاب، بخلاف الصورة الثالثة فانّ الأصل المحرِز كاف في إحراز الشرط(الطهارة المحرِزة) ولا يلزم الطهارة الواقعية،فلو وجبت الإعادة يلزم عدم حجّية الاستصحاب وجواز نقض اليقين بالطهارة بالشكّ فيها والمفروض عدم جوازه.

وبعبارة أُخرى: انّ لازم الأخذ باليقين السابق هو كون الصلاة مشتملة على الشرط اللازم، ومعه لا وجه للإعادة، والحكم بها يعد دليلاً على عدم الاعتبار.


(36)

ثمّ إنّ صاحب الكفاية بعد الإشارة إلى هذا الجواب بوجه موجز أعقبه بذكر إشكالين وجوابين بما لا حاجة إليهما.

3. انّ صحة الصلاة وعدم وجوب الإعادة رهن أمرين حاصلين:

أ: كون الثوب محكوماً بالطهارة شرعاً، بفضل الاستصحاب الجاري حين الدخول فيها.

ب: امتثال الأمر الظاهري المتعلّق بإقامة الصلاة فيه مقتضياً للإجزاء وسقوط الأمر الواقعي به.

وعلى هذا، يصحّ تعليل صحّة الصلاة بالأمر الأوّل، وحده، وبالثاني كذلك، وبهما مجموعاً كما في تعليل حدوث العالم، فتارة يعلّل بأنّه متغيّر، وأُخرى بأنّ كلّ متغيّر حادث، وأُخرى يؤتى بكليها. والإمام ـ عليه السلام ـ اقتصر في المقام بالأمر الأوّل وانّ المصلي كان حين الدخول محرزاً لها، والصلاة جامعة للشرط، وكان مأموراً بإقامة الصلاة معه، ولو ضُمَّ إليه الأمر الثاني وهو أنّ امتثال الأمر الظاهري موجب للإجزاء، يكون التعليل كاملاً مركباً من صغرى وكبرى.

ولعلّ هذا مراد من قال بدلالة الرواية على إجراء الأمر الظاهري.

الخامس: دراسة الفقرة السادسة بكلا شقيها

إنّ زرارة تابع الأسئلة الخمسة المتقدمة بسؤال سادس، وهو:

قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟

فأجاب الإمام بأنّ له صورتين:

أ: «تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته».


(37)

ب: «وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعلّه شيء أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك». يقع الكلام في موضعين:

الأوّل: ما هو المقصود من الشقّ الأوّل؟

هل المراد منه السؤال عمّا سبق العلم الإجمالي بالنجاسة، بأن علم طروء النجاسة على ثوبه إجمالاً، ثمّ عرض النسيان؟ أو السؤال عن الشكّ البدوي، وانّه شكّ قبل الدخول في الصلاة ولم ير شيئاً، ثمّ رآه في أثناء الصلاة؟ الظاهر هو الأوّل، بالقرائن التالية:

أ: تعبيره في الشقّ الثاني بقوله: «وإن لم تشك» الظاهر في أنّ الفرق بين الشقين هو وجود الشكّ في الأوّل دون الثاني، لا سبق العلم الإجمالي في أحدهما دون الآخر.

ب: ظاهر الرواية أنّ الحكم بالإعادة لأجل رؤية النجاسة في أثناء الصلاة دون العلم الإجمالي المتقدّم، ولو كان هناك علم إجمالي متقدّم لكان البطلان مستنداً إليه كما في السؤال الثاني حيث قال: قلت: فإنِّي لم أكن رأيت موضعه، وعلمت أنّه أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلمّا صلّيت وجدته؟

ج: انّ السؤال السادس ترتب على السؤال الخامس، وكان السؤال في الخامس عن الشبهة البدوية حيث قال: قلت: فهل عليّ إن شككتُ في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟ فقال: «لا».

فعندئذ خطر بباله أنّه لو كان الوضع كذلك فلو شكّ قبل الدخول، ولم يجد شيئاً ودخل في الصلاة فرآه في أثنائها فما هو واجبه؟ فأجاب الإمام: لو علم


(38)

بأنّ المرئي، هو المشكوك الذي احتمله قبل الدخول فيها ولا يحتمل أنّه شيء أُوقع عليه في الأثناء، فيعيد وإلاّ فلا.

وهذا الوجه يقتضي حمل الفقرة الأُولى من الجواب على الشكّ البدئي حين الدخول في الصلاة ثمّ تبدّله إلى العلم في أثنائها.

الثاني: ما هو الفرق بين هذا الشق ومورد السؤال الثالث؟

إنّ الشقّ الأوّل من السؤال السادس يشارك مورد السؤال الثالث في أمر ويفارقه في آخر.

يشاركه في الدخول في الصلاة مع الشكّ في كون الثوب نجساً أو لا.

ويفارقه في أنّ الشكّ تبدّل إلى اليقين بعد الفراغ في مورد السؤال الثالث، وفي الأثناء في هذا الشق.

وعندئذ يتوجّه إشكال على الجواب بوجوب الإعادة في هذا الشقّ وعدمه في مورد السؤال الثالث مع اشتراكهما في وقوع الصلاة في النجس إمّا كلاً أو بعضاً مع أنّ الثاني أولى بالصحة.

الجواب عن الإشكال

إنّ بين الصورتين وراء اختلافهما في وقوع جميع الصلاة أو بعضها في النجس، فرقاً آخر، وهو أنّ من المحتمل أن يكون المانع عن صحة الصلاة هو النجاسة المعلوم حالها، وهو موجود في الصورة الأُولى دون هذا الشقّ.

وبعبارة أُخرى: ادّعاء الأولوية ممنوعة، إذ من الممكن أن تكون النجاسة المكشوفة حال الصلاة، المقترنة معها من أوّلها إلى زمان الوقوف عليها، مانعة، دون


(39)

ما إذا لم تنكشف إلاّ بعد الصلاة.

بقي الكلام في الشقّ الثاني من السؤال السادس، أعني: ما إذا دخل في الصلاة، متيقناً بطهارة ثوبه فإذا رأى الدم الرطب في ثوبه، فقال الإمام: «قطعت الصلاة وغسلته، ثمّ بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعلّه شيء أُوقع عليك، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك».

فظرف الاستصحاب في هذا الشق إنّما هو حالة عروض الشك، لا قبله فتستصحب طهارة ثوبه إلى زمان الرؤية فلم يثبت كون الصلاة مقرونة بالمانع، فلا وجه للبطلان والإعادة، فله أن يقطع الصلاة ويغسل الثوب على وجه لا يكون العمل ماحياً لصورتها ويبني على ما مضى.

ويبقى اقتران جزء صغير من الصلاة بها ولعلّه لصغرها معفو عنه، واللّه العالم.

السادس: الرواية تهدف إلى الاستصحاب

قد عرفت الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين، وأنّ اليقين محفوظ في ظرفه حين الشكّ في الاستصحاب دونه في قاعدة اليقين، فانّ الشكّ يسري إليه في ظرفه.

وبعبارة أُخرى: انّ في الاستصحاب في ظرف الشكّ يقيناً فعلياً وشكاً كذلك، بخلاف قاعدة اليقين إذ ليس في ظرف الشكّ أي يقين.

فعلى هذا فلابدّ لنا من دراسة قوله: «لا تنقض» في السؤال الثالث والشقّ الثاني من السؤال السادس، فهل ينطبق على الاستصحاب أو على قاعدة اليقين؟


(40)

واعلم أنّ الكبرى الكلية وردت في الصحيحة في موردين: أحدهما: جواب السؤال الثالث، والأُخرى: جواب الشقّ الثاني من السؤال السادس، فنقول:

أمّا الوارد في جواب السؤال الثالث من قوله:«لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت» فهنا احتمالان:

1. اليقين الحاصل قبل ظن الإصابة.

2. اليقين الحاصل بعده، وبعد الفحص وعدم الرؤية شيء.

فقال المحقّق الخراساني: لو كان المراد من اليقين هو الوجه الأوّل لانطبق على الاستصحاب، وأمّا لو كان المراد اليقين الحاصل بعد الفحص، فينطبق على قاعدة اليقين لزواله بعد الرؤية.

الظاهر هو الوجه الأوّل، لما قلنا من أنّ ظرف الاستصحاب إنّما هو قبل الدخول في الصلاة، لما مرّ عند بيان كون الاستصحاب سبباً لعدم الإعادة، من أنّ المصلّي في تلك الحالة مخاطب بعدم نقض اليقين بالشك، وليس هذا اليقين، إلاّ اليقين قبل ظن الإصابة.

أضف إلى ذلك، عدم حدوث اليقين بعد الفحص غاية الأمر عدم رؤية شيء بعد الفحص، لا الإذعان بالعدم كما هو واضح.

وأمّا الوارد في الشقّ الثاني من السؤال السادس، أعني: قوله: «وإن لم تشك ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته، ثمّ بنيت على الصلاة لأنّك لا تدري لعلّه شيء أُوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك أبداً»، فلا شكّ أنّه ليس فيه إلاّ يقين واحد، لافتراض أنّه لم يشكّ إلى زمان رؤية الدم في ثوبه أثناء الصلاة، لكنّه يحتمل طروءه قُبَيل الصلاة، أو أثناءها، فيستصحب اليقين السابق، لأنّه كان


(41)

متيقِّناً بطهارة ثوبه في زمان، لكنّه يشكّ انتقاضه قبيل الدخول في الصلاة، والأصل بقاؤه فينطبق على الاستصحاب.

3.الصحيحة الثالثة لزرارة

روى الكليني ، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن حمّاد ابن عيسى، عن حريز، عن زرارة قلتُ له: مَنْ لم يدرِ في أربع هو أم في ثنتين، وقد أحرز الثنتين؟ قال: «يركع بركعتين، وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شيء عليه; وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع، وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها أُخرى ولا شيء عليه، ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يُدخل الشكَّ على اليقين، ولا يُخْلِطْ أحدهما بالآخر، ولكنّه يَنقُض الشكّ باليقين ويُتمُّ على اليقين، فيَبني عليه،ولا يَعتدُّ بالشكّ في حال من الحالات».(1)

وتحقيق المقام يتوقف على البحث في أُمور:

1. صحّة السند

رواها الكليني تارة بالسند المذكور، عن حمّاد بن عيسى; وأُخرى بسند آخر، أعني: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى. وقد ذكرنا في محله أنّ المراد من محمد بن إسماعيل الذي يروي عنه الكليني ويروي هو عن الفضل، هو محمد بن إسماعيل النيسابوري الثقة، فالرواية على كلا السندين صحيحة.


1. الوسائل: الجزء 5، الباب 13 من أبواب الخلل الحديث 4; والباب 10 منها، الحديث 3.


(42)

2. كيفية الاستدلال

الاستدلال مركّز على بيان متعلّق اليقين في قوله:«ولا ينقض اليقين بالشك» في الفقرة الثانية، فقد استظهر غير واحد أنّ المتعلّق عبارة عن عدم الإتيان بالأكثر، أو اليقين بالأقلّ، الملازم لليقين بعدم إتيان الأكثر، فعندئذ ينطبق على الاستصحاب، وتكون الكبرى المذكورة دليلاً لقوله المتقدّم عليه، أعني: «قام وأضاف إليها أُخرى ولا شيء عليه» وكأنّ قائلاً يقول لماذا؟ فقال: لأنّه لا ينقضُ اليقين بعدم الإتيان بالشكّ فيه.

وقد أُشكل على الاستدلال بوجوه أربعة:

الأوّل: الحمل على الاستصحاب لا يوافق المذهب

إنّ مقتضى الاستصحاب عندئذ الإتيان بالمشكوك موصولاً، مع أنّ المذهب المتفق عليه هو الإتيان به مفصولاً، فتكون الرواية معرضاً عنها، ويؤيد الاتصال لفظا: «الإضافة» و«النقض» فانّ مقتضاهما هو الاتصال، فانّ الأوّل يدل على أنّ المضاف من جزء المضاف إليه، ومقتضى الجزئية الإتيان به موصولاً كما أنّ كلمة النقض حاك عن الاتصال، قال تعالى: (وَلاتَكُونُوا كَالّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنكاثاً)(1) ، فلو قلنا :إنّ معناه لا تنقض المتيقّن بالمشكوك، تكون النتيجة ضمه إلى المتيقّن.

وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه:

1. ما أجاب به المحقّق الخراساني: انّ أصل الإتيان بالمشكوك هو مقتضى


1. النحل:92.


(43)

الاستصحاب، غاية الأمر إتيانه موصولاً، لا ينافي الاستصحاب بل ينافي إطلاق النقض، وقد قام الدليل على أنّ المشكوك لأنّه أن يؤتى بها مفصولاً.

2. ما أجاب به المحقّق النائيني، حاصله: انّ الاتصال مقتضى إطلاق الاستصحاب وليس مقتضى مدلوله قال: إنّ الموجب لتوهّم عدم انطباق الرواية على الاستصحاب ليس إلاّ تخيّل أنّ الاستصحاب في مورد الرواية يقتضي الإتيان بالركعة الموصولة، وذلك ينافي ما عليه المذهب، ولكن هذا خطأ، فانّ اتصال الركعة المشكوكة ببقية الركعات إنّما يقتضيه إطلاق الاستصحاب، لا انّ مدلول الاستصحاب ذلك، بل مدلول الاستصحاب إنّما هو البناء العملي على عدم الإتيان بالركعة المشكوكة، وأمّا الوظيفة بعد ذلك هو الإتيان بها موصولة فهو ممّا لا يقتضيه عدم نقض اليقين بالشك.(1)

والفرق بين الجوابين واضح: فانّ الاستصحاب على الأوّل لا يمس كرامة المذهب، وإنّما ينافيه لفظ النقض، بخلاف الثاني فانّه يمس كرامته، لكن المنافي إطلاقه، لا أصل مدلوله.

يلاحظ على كلا الجوابين: أنّ الاستصحاب من الأُصول التنزيلية، أي تنزيل الشاك في الإتيان، بمنزل المتيقّن بعدمه، والتنزيل التشريعي رهن ترتّب أثر عليه وإلاّ يكون لغواً، وليس الأثر إلاّ ما يقوم به المتيقّن وهو الإتيان به موصولاً، فيكون الحكم بالإتيان مفصولاً مخالفاً لمدلوله.

نعم يمكن توجيهه بالنحو الثاني.

إنّ لتنزيل الشاك منزلة المتيقن أثرين:


1. فوائد الأُصول: 4/362.


(44)

1. الحكم بعدم الإتيان بالمشكوك أصلاً.

2. الحكم بالإتيان به موصولاً.

فنأخذ بالأثر الأوّل ونرفع اليد عن الأثر الثاني بحكم ضرورة المذهب، وعلى كلّ تقدير فالإتيان موصولاً كنفس الإتيان من آثار الاستصحاب.

3. ما أجاب به الشيخ الأنصاري، وحاصله: انّه ربما يتوهم ورود الرواية تقيّة، لأنّ مقتضى الاستصحاب هو الإتيان بالمشكوك موصولاً، ولكن التقية في تطبيق الكبرى على المورد لا في نفس الكبرى، وكم لها من نظير في الفقه.

منها قوله ـ عليه السلام ـ لمنصور الدوانيقي:«ذلك إلى الإمام إن صمتَ صُمنا وإن أفطرتَ أفطرنا»(1) فالحكم بوصفه الكلي صحيح، وليس فيه التقية، وإنّما التقية في تطبيقه على الحاكم السائد آنذاك.

ومنها: قوله ـ عليه السلام ـ في صحيحة البزنطي، في الرجل يُستَكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة مايملك، أيلزمه ذلك؟ فقال: «لا، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: وُضِعَ عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه، وما لم يُطيقوا، وما أخطأوا».(2)

فانّ الحلف بالطلاق، وماعطف عليه باطل في كلتا الحالتين اختياراً واضطراراً، والإمام استدل على البطلان بحديث الرفع، إذ لم يكن في وسعه، القول ببطلان الحِلْف مطلقاً فتطرق إلى بيان الحكم عن طريق قاعدة مسلمة، وتطبيقها على المورد تقية.

إلى هنا تمّ الإشكال الأوّل مع أجوبته الثلاثة، وإليك الكلام في سائر الإشكالات المتوجهة إلى تطبيق الحديث على الاستصحاب.


1. الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.
2. الوسائل: الجزء16، الباب 12 من أبواب الايمان، الحديث 12.


(45)

الثاني: الحمل على الاستصحاب يستلزم التفكيك

إنّ لازم حمل قوله: «لا تنقض» على الاستصحاب لزوم التفكيك في الفقرات الست أو السبع حيث انّه يحمل اليقين والشك في قوله ـ عليه السلام ـ «لا ينقض اليقين بالشك» وقوله:«ولكن ينقض الشكّ باليقين»على نفس معانيهما، أعني: الحالة النفسانية،و لكنّهما في سائر الفقرات تُحمل على الركعات المتيقّنة والمشكوكة، أعني:

«ولا يدخل الشكّ في اليقين، ولا يُخلِطُ أحدهما بالآخر، ويُتمّ على اليقين، فيبني عليه ـ أي الركعة المتيقّنة ـ ولا يعتد بالشك ـ بالركعة المشكوكة ـ » وهذا النوع من التفكيك، يوجب القدح في ظهور الرواية.

ويمكن الجواب عنه: بأنّه لمّا كان الإمام بصدد بيان أمرين:

1. البناء على عدم الإتيان بالركعة المشكوكة.

2. الإتيان بها مفصولة لا موصولة.

أوجب ذلك استعمال اللفظين (اليقين والشك) تارة في الحالة النفسانية، وأُخرى في الركعات المتيقّنة والمشكوكة.

الثالث: الصحيحة مختصة بباب المشكوك

إنّ الصحيحة لو تمّت دلالتها على حجّية الاستصحاب، تختص بباب شكوك الصلاة وأين مفادها من إثبات قاعدة كلية في عامّة الأبواب؟

وربما يقال بتوجّه الإشكال إذا قرئت الأفعال بصيغة المعلوم الظاهرة في


(46)

كون الموضوع هو اليقين المتعلّق بالركعة، لا فيما إذا قرئت بصيغة المجهول الظاهرة في أنّ الموضوع هو ذات تعلّق اليقين والشكّوأنّ ذكر المتعلّق لأجل بيان حكم المورد.

والأولى أن يجاب بأنّ المتبادر من الرواية أنّ الحكم ثابت لنفس اليقين، لا للمتيقّن، وذلك لأنّ اليقين لاستحكامه وإبرامه، لا ينقض بمثل الشكّ الذي هو شيء رخو غير صلب.

ويؤيد ذلك قوله: «ولا يعتد بالشكّ في حال من الحالات» مضافاً إلى ورود الكبرى المذكورة في غير واحد من الروايات التي هي صريحة في بيان الاستصحاب.

الرابع: الاستصحاب مثبت

وهذا آخر الإشكالات على هذا التفسير وحاصله: أنّ استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة لا يُثبت كون ما يأتي به ركعة رابعة حتى يترتب عليها أثرها الشرعي، أعني: وجوبَ التشهد والتسليم، إذ يشترط في وجوب الإتيان بهما إحراز وقوعهما في تلك الركعة.

والحاصل: انّ بين المستصحب، وهو عدم الإتيان بالرابعة، وأثرها الشرعي، أعني لزوم الإتيان بالتشهد والتسليم، واسطة، وهي كون ما يأتيه بحكم الاستصحاب هو الركعة الرابعة.

يلاحظ عليه: ــ مضافاً إلى خفاء الواسطة عند العرف وإنّما تتوجّه إليه الأذهان الدقيقة ـ أنّ الموضوع لوجوب الإتيان بالتشهد والتسليم ليس هو الركعة الرابعة، بل الموضوع الإتيان بهما بعد الفراغ عن الركعات، والمفروض أنّه محرز بالوجدان.


(47)

التفسير الثاني للرواية

قدعرفت أنّ استفادة دلالة الرواية على حجّية الاستصحاب مبنيّة على كون متعلّق اليقين والشك هوعدم الإتيان بالركعة الرابعة، وهناك احتمال آخر لها ـ ذكره الشيخ الأنصاري ـ و هو أنّ المراد من اليقين هو «اليقين بالبراءة» الذي هو رهن العمل في باب الشكوك بالطريقة المروية عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، لا على الطريقة التي عليها أهل السنّة، والذي يشهد بذلك أمران:

1. موثقة إسحاق بن عمّار : قال: قال لي أبو الحسن الأوّل ـ عليه السلام ـ : «إذا شككت فابن على اليقين» قال: قلت: هذا أصل؟ قال: «نعم».(1)

2. ما رواه عمّار بن موسى الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال :«ألا أُعلّمك شيئاً إذا فعلتَه ثمّ ذكرتَ أنّك أتممت أو انقضت لم يكن عليك شيء؟» قلت: بلى: قال: «إذا سهوتَ فابن على الأكثر، فإذا فرغتَ وسلّمت، فقم فصلّ ما ظننت أنّك نقصت، فإن كنتَ قد أتممتَ لم يكن عليك في هذه شيء، وإن ذكرتَ أنّك كنتَ نقضتَ كان ما صلّيتَ تمام ما نقصت».(2)

إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على أنّ البناء على الأكثر والإتيان بالمشكوك مفصولاً هو المحصِّل لليقين بالبراءة، وعلى ذلك فالمراد من عدم نقض اليقين، والبناء على اليقين، هو الأخذ باليقين والاحتياط بالبناء على الأكثر، دون الأقل.

يلاحظ عليه: أولاً: أنّه لا دليل لحمل الأولى على باب الشكوك في الركعات، بل هو قاعدة تعمّ جميع أبواب الفقه، ومفاده: كلّما شكّ المكلّف في شيء فعليه


1. الوسائل: الجزء 5، الباب 8 من أبواب الخلل، الحديث 2.
2. الوسائل: الجزء 5، الباب 8 من أبواب الخلل، الحديث 3.


(48)

البناء على اليقين، غاية الأمر خرج عنه باب الشكوك حيث يبنى فيها على الأكثر، نعم ذكره صاحب الوسائل في باب الشكوك، وذكره في ذلك الباب لا يُضفي عليها الظهورَ فيها.

وأمّاالموثقة الثانية فلا وجه للاستشهاد بها في تفسير الصحيحة لعدم الصلة بينهما.

وثانياً: وجود تلك الكبرى في غير واحد من الروايات الظاهرة في الاستصحاب يمنع عن حملها على غيرها أي على اليقين بالبراءة.

وثالثاً: لا يقين بالبراءة في كلا المذهبين، فانّ في طريقة أهل السنّة مظنّة زيادة الركوع، وفي طريقنا، مظنّة زيادة التشهد والسلام والتكبيرة، وغيرها، كقيام الركعتين جالساً مكان الركعة الواحدة، حيث لا يجوز في حال الاختيار إبدالها بهما، نعم المحذور في طريقتنا أقلّ من طريقتهم، إذ أين زيادة التشهد والسلام والتكبيرة، من زيادة الركعة التامة؟! فالطريقة المألوفة عندنا أقلّ محذوراً.

4. موثّقة إسحاق بن عمّار

روى إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن الأوّل ـ عليه السلام ـ قال: «إذا شككت فابن على اليقين» قال: قلت هذا أصل؟ قال: «نعم». وسند الصدوق إلى إسحاق بن عمّار صحيح في المشيخة، لكنّه نقل الرواية بصورة الإرسال حيث قال: روي عن إسحاق بن عمار، وهو ظاهر في الإرسال لا أنّه أخذه من كتابه وذكر سنده إليه في آخر الكتاب.

وعلى كلّ تقدير ففي الرواية احتمالات:

1. الرواية ناظرة إلى ما عليه العامّة من البناء على الأقل، والإتيان بالركعة


(49)

المشكوكة موصولة، وعلى هذا وردت تقيّة.

يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على أنّ الرواية واردة في باب شكوك الصلاة، وذكرها في الوسائل في باب الشكوك لا يضفي عليها الظهور في هذا المورد، بل هي رواية عامة سارية في جميع الأبواب غير أنّه خرج عنها باب الشكوك.

2. الرواية ناظرة إلى لزوم تحصيل اليقين بالبراءة بالبناء على الأكثر، والإتيان بالركعة المشكوكة مفصولة بناء على أنّه أكثر تحصيلاً لليقين بها،وهوخيرة الشيخ الأنصاري.

ويرد عليه ـ مضافاً إلى ما أوردناه على الوجه الأوّل ـ : أنّ ظاهر الرواية البناء على اليقين الموجود بالفعل، وعلى ما ذكره فليس اليقين موجوداً بالفعل بل يجب عليه أن يكتسبه.

3. الرواية ناظرة إلى الاستصحاب كما قوّيناه .

4. الرواية ناظرة إلى قاعدة اليقين.

والظاهر هو الثالث لظهورها في فعلية اليقين والشك، وهذا متحقّق في الاستصحاب دون قاعدة اليقين، لعدم فعلية اليقين هناك، وما هذا لأنّ متعلّقهما في الأوّل متعدّد فيبقيان بحالهما، بخلاف الثانية فانّ الشكّ يتعلّق بنفس ما تعلّق به اليقين فيزول.

5. حديث الأربعمائة

حديث الأربعمائة من الأحاديث المعروفة الذي علّم به أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه ودنياه، وقد نقله


(50)

الصدوق في «الخصال» في أبواب المائة فما فوقه، وقال:

حدّثني أبي ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال: حدّثني محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ ، وجاء في هذا الحديث قوله:

«احسبوا كلامَكم مِنْ أعمالكم، ليقلَّ كلامكم إلاّ في خير. أنفقوا ممّا رزقكُم اللّه عزّوجل فانّ المنفِق بمنزلة المجاهد في سبيل اللّه، فمن أيقن بالخلف جادّ، وسخت(1) نفسه بالنفقة. من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه فانّ الشكّ لا ينقض اليقين».(2)

أمّا رجال السند فكلّهم ثقات على الأقوى.

نعم تكلّم ابن الوليد أُستاذ الصدوق في محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني فاستثناه من رجال نوادر الحكمة، لمحمد بن أحمد بن يحيى الأشعري، ولكن ردّ عليه من جاء بعده، نقل النجاشي عن شيخه أبي العباس بن نوح أنّه قال: ولقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه وتبعه أبو جعفر بن بابويه رحمه اللّه في ذلك إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما را به فيه، لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة.(3)

كما تكلّم ابن الغضائري في القاسم بن يحيى، حيث قال: القاسم بن يحيى بن الحسن بن راشد مولى المنصور، روى عن جدّه وهو ضعيف. وتبعه في ذلك العلاّمة فذكره في الخلاصة، وابن داود في رجاله.


1. من السخاء بمعنى الجود.
2. الخصال: 619.
3. رجال النجاشي:2/242 برقم 940 ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى .


(51)

نعم سعى الوحيد البهبهاني في إصلاح حاله، وقال: ما في الخلاصة مأخوذ من الغضائري ولا وثوق به، ورواية الأجلة مثل أحمد بن محمد بن عيسى عنه تشير إلى الاعتماد عليه.(1)

وعلى كلّ حال فالحديث تعلو هامته آثار الصدق، فمن لغير علي ـ عليه السلام ـ مثل هذا الحديث.

هذا كلّه حول السند، وأمّا الدلالة فقد فسرت الرواية بوجهين:

الأوّل: أنها ناظرة إلى قاعدة اليقين

إنّ الرواية ناظرة إلى قاعدة اليقين، ويدّل عليه بوجوه ثلاثة:

أ: تقدّم اليقين على الشكّ

إنّ الرواية ظاهرة في تقدّم اليقين على الشكّ، بشهادة لفظ «كان»، وهويناسب قاعدة اليقين، إذ فيها يتقدّم اليقين على الشكّ زماناً، بخلاف الاستصحاب فلا يشترط فيه التقدّم، بل يصحّ العكس، وربما يحصلان معاً.

ب: وحدة متعلّق اليقين والشكّ

إنّ الرواية ظاهرة في وحدة متعلّق اليقين والشكّ من جميع الجهات ذاتاً وزماناً، وهذا ينطبق على القاعدة دون الاستصحاب لاختلافها زماناً.


1. تنقيح المقال: 2/26 برقم 9618.


(52)

ج: زوال اليقين

إنّ قوله: «ثمّ شكّ» ظاهر في زوال اليقين و هو ينطبق على قاعدة اليقين لزوال اليقين فيه دون الاستصحاب، ولا يخفى ضعف الوجوه:

أمّا الأوّل: فلأنّ اليقين يتقدّم على الشكّ غالباً في الاستصحاب، ودائماً في قاعدة اليقين، فلعلّ القيد في الرواية قيد غالبي لا احترازي، إذ قلّما يتقدّم الشكّ على اليقين أو يحصلان معاً.

فإن قلت: الأصل في القيد أن يكون احترازياً فيخرج الاستصحاب عن الرواية.

قلت: ما ذكر صحيح، لولا وجود المشابهة بين هذه الرواية والروايات السابقة الصريحة في الاستصحاب.

وأمّا الثاني: فلأنّ الرواية ظاهرة في وحدة متعلّق اليقين والشكّ، وهو متحقّق في الاستصحاب والقاعدة معاً، لأنّ متعلّقهما واحد ذاتاً وجوهراً.

نعم إنّما يختلفان زماناً، وليس في الرواية ما يدل على وحدتهما زماناً أيضاً.

وأمّا الثالث: فهو مجرّد ادّعاء لا يدعمه الدليل، إذ ليس معنى قوله: «ثمّ شك»: هو زوال اليقين من رأس بل يحتمل أن يكون زواله بقاءً لا حدوثاً.

والحاصل: انّ اليقين زائل في قاعدة اليقين حدوثاً، وفي الاستصحاب بقاءً، وليس قوله: «ثمّ شكّ» ناظر إلى الزوال حدوثاً،بل يحتمل زواله بقاء.

هذا هو الوجه الأوّل وقد عرفت ضعف ما أيّد به.


(53)

الثاني: ناظرة إلى الاستصحاب

ربما يقال بأنّ الرواية ناظرة إلى الاستصحاب من خلال التمسّك بذيل الرواية «فليمض على يقينه» حيث إنّه ظاهر في فعلية اليقين وتحقّقه في ظرف الشكّ، وهذا ينطبق على الاستصحاب دون قاعدة اليقين.

يلاحظ عليه: أنّ المضيّ على اليقين كما يقال أن يكون بملاك وجوده بعد الشك، كذلك يمكن أن يكون المضي بملاك وجوده قبل الشك.

والحاصل: أنّ المضي على اليقين يشير إلى وجود يقين إمّا بعد الشك، كما في الاستصحاب; أو قبل الشك، كما في قاعدة اليقين.

فهذه الوجوه الاستحسانية لا تُثبت للرواية ظهوراً، والأولى أن يقال: إنّها ظاهرة في الاستصحاب، بقرينة الصحاح السابقة فانّ التشابه في اللفظ و التعبير كاشف عن وحدة المعنى.

ويؤيده أنّ الهدف في قاعدة اليقين هو إضفاء الصحة على الأعمال السابقة، كما أنّ الهدف من الاستصحاب إضفاؤها على الأعمال اللاحقة، والرواية ظاهرة في الثاني.

وربما يقال: بأنّ الرواية بصدد بيان حجّية كلتا القاعدتين، بمعنى إذا شكّ فليمض على يقينه سواء شكّ في الحدوث فيرتب عليه أثر الحدوث، أو شكّ في البقاء فيرتب عليه أثر البقاء.

ولكنّه بعيد عن الأذهان العرفية، ولعلّ ظهورها في إحدى القاعدتين، أعني: الاستصحاب، أظهر.


(54)

6. مكاتبة القاساني

روى الشيخ في «التهذيب» باسناده إلى محمد بن الحسن الصفّار، عن علي بن محمد القاساني، قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة أسأله عن اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان هل يصام أم لا؟فكتب: «اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية وأفطر للرؤية».(1)

الاستدلال يتوقف على صحّة السند ووضوح الدلالة.

أمّا الأوّل: فسند الشيخ إلى الصفّار، صحيح، وأمّا الصفّار فهو من مشايخ الحديث والرواية، فهو ثقة بلا كلام، إنّما الكلام في علي بن محمد القاساني: فعرّفه النجاشي بقوله: علي بن محمد بن شيرة القاساني كان فقيهاً، مكثراً في الحديث، فاضلاً، غمز عليه أحمد بن محمد بن عيسى وذكر أنّه سمع منه مذاهب منكرة. وليس في كتبه ما يدل على ذلك، له كتاب التأديب وهو كتاب الصلاة وهو يوافق كتاب ابن خانبه و فيه زيادات في الحجّ، وكتاب الجامع في الفقه كبير.

يروي عنه: محمد بن علي بن محبوب، و سعد بن عبد اللّه القمي، وإبراهيم بن هاشم.

وفي نقل هؤلاء المشايخ عنه، وإعراض النجاشي(2) عن غمز أحمد بن محمد بن عيسى، دليل على وثاقته; نعم ضعّفه الشيخ في رجاله حيث عدّه من أصحاب الهادي ـ عليه السلام ـ ، وقال: علي بن محمد القاساني ضعيف، اصبهاني. ولعلّ السبب في


1. الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13.
2. رجال النجاشي:2/79 برقم 667.


(55)

تضعيفه غمز ابن عيسى، ولعلّ هذا المقدار يكفي في الاعتماد.

أمّا الدلالة: فللرواية تفسيران:

أحدهما: ما اختاره الشيخ قال: إنّ الرواية أوضح ما في الباب، فانّ تحديد كلّ من الصوم والإفطار على رؤية هلال رمضان وشوال لا يستقيم إلاّ بإرادة عدم جعل اليقين السابق مدخولاً بالشكّ أي مزاحماً به.(1) وعلى ما ذكره يكون المراد من اليقين هو اليقين بشهر شعبان، أو اليقين بشهر رمضان، فهذان اليقينان لا ينقضان بالشكّ في شهر رمضان في الأوّل أو شهر شوال في الثاني.

ولعلّ تفسير «الدخول» بالنقض لأجل أنّ دخول شيء من شيء يوجب انتقاض وحدته وتفرّق أجزائه فيكني به عنه.

ثانيهما: ما اختاره المحقّق الخراساني من أنّ المراد من اليقين، هو: اليقين بدخول شهر رمضان وخروجه، لا اليقين بشهر شعبان، وأين هذا من الاستصحاب؟

وحاصله: انّه يستفاد من الروايات أنّ لشهر رمضان خصوصية بها يمتاز عن سائر العبادات، فانّ الصلاة تقبل الظن والشك، ولكن صوم رمضان لا يقبلهما،بل يبتدئ باليقين ويختتم به.

وبعبارة أُخرى: انّ الشارع اعتبر أن يكون الدخول في شهر رمضان والخروج منه عن يقين.

وهذا التفسير يعتمد على ما ورد في شهر رمضان من الروايات المؤيدة:

1. روى محمد بن مسلم،عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: «إذا رأيتم الهلال


1. الفرائد: 334.


(56)

فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالرأي ولا بالتظنّي ولكن بالرؤية».(1)

2. روى سماعة: «صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظن».(2)

3. روى إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ عن كتاب علي ـ عليه السلام ـ : «صم لرؤيته وأفطر لرؤيته،وإيّاك والشكّ والظن... فإن خفي عليكم فأتموا الشهر الأوّل بثلاثين».(3)

وعلى ذلك، قوله: «اليقين لا يدخله الشك» ناظر إلى اليقين بشهر رمضان لا اليقين بشهر شعبان حتى ينطبق على الاستصحاب.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا وجه لجعل هذه الروايات قرينة على تفسير هذه الرواية، إذ ليست مجملة حتى نستعين بها في رفع إجمالها، وذِكر صاحب الوسائل الجميعَ في باب واحد لا يضفي عليه الظهور، ولو أراد الإمام من قوله: «اليقين لا يدخل فيه الشك» ما استظهره المحقّق الخراساني: من لزوم تحصيل اليقين حتى يصام، وانّ الشكّ لا يكفي، يلزم أن تكون العبارة غير وافية بمقصدها، بخلاف ما لو حمل على الاستصحاب فيكون مفاده: اليقين (السابق) لا يدخله الشك، فعليك البقاء عليه.

وثانياً: لا منافاة بين القاعدتين، أي قاعدة استصحاب الشهر السابق،وقاعدة لزوم تحصيل اليقين، بكون اليوم من شهر رمضان، أو من شوال، لأنّ الأوّل ، دليل الثاني، فلا غرو في أن تتكفّل هذه الرواية ليبيان سبب مفاد القاعدة الثانية.

وربما يورد على الاستصحاب في المقام بأنّه مثبت، لأنّ وجوب الإمساك، أو


1. الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث2.
2. الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6.
3. الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.


(57)

الإفطار مترتبان على كون ذلك اليوم من شهر رمضان أو كونه من شوال، على مفاد كان الناقصة، فيترتب على نفي ذاك الموضوع بالنفي الناقص ، عدم ذينك الأثرين.

لكن النفي الناقص ليس له حالةً سابقة، إذ لم يكن اليوم متحقّقاً في طرف وموصوفاً بأنّه من غير رمضان حتى يستصحب، والنفي التام وإن كانت له حالة سابقة، لكنّه لا يجدي في وصف اليوم بأنّه ليس من رمضان، أو من شوال.

أقول: المثبت هو الاستصحاب العدمي، وأمّا الوجودي فليس بمثبت أي استصحاب بقاء شعبان، فيترتب عليه الإفطار به أو استصحاب بقاء رمضان فيترتب عليه الإمساك. وأمّا جريان الاستصحاب في الزمان والزمانيات مع أنّها متدرجات ومقتضيات غير قارة الذات، فسيأتيك بيانه في التنبيهات.

7. صحيحة عبد اللّه بن سنان

روى الشيخ باسناده، عن سعد ، عن أحمد بن محمد،عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، قال: سأل أبي أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ وأنا حاضر: إنّي أُعيرُ الذمّيّ ثوبي، وأنا أعلم أنّه يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير، فيردّه عليّ فأغسلَه قبل أن أُصلّي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : «صلّ فيه ولا تَغسله من أجل ذلك، فانّك أعرته إيّاه وهو طاهر، ولم تستيقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصل فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه».(1)

إنّ سند الشيخ إلى سعد بن عبد اللّه القمي صحيح في التهذيب، والرواة كلّهم ثقات، والرواية صحيحة سنداً.


1. الوسائل: الجزء 2، الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث 1.


(58)

وأمّا الدلالة حيث إنّ الإمام لم يعلّل طهارته بعدم العلم بالنجاسة حتى تنطبق على قاعدة الطهارة الّتي يكفي فيه الشك في النجاسة، بل علّلها بأنّك دفعته إيّاه، وهو طاهر ولم تستيقن الخلاف فعليك الأخذ باليقين السابق حتى تستيقن أنّه نجّسه.

نعم الرواية خاصة بباب الطهارة، وإلغاء الخصوصية يحتاج إلى دليل، وهذه هي مهمات روايات الباب، وهناك روايات ثلاث قد حاول بعض المتأخرين أن يفسرها بالاستصحاب،وإليك الروايات.

8. موثّقة عمّار

روى الشيخ في «التهذيب» باسناده، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمّار قال: «كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنّه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك».(1)

وسند الشيخ إلى محمّد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة صحيح، والرواة كلّهم ثقات، وإن كان غير واحد منهم من الفطحية، والمراد من أحمد بن الحسن، هو أحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن فضال، بقرينة روايته عن عمرو بن سعيد، قال النجاشي: يقال: إنّه كان فطحياً وكان ثقة في الحديث.

9. معتبرة حمّاد بن عثمان

روى الشيخ في «التهذيب» باسناده، عن سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أبي داود المنشد، عن جعفر بن محمد، عن يونس،


1. الوسائل: الجزء 2، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.


(59)

عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: «الماء كلّه طاهر حتى تعلم أنّه قذر».(1)

وأبو داود المُنْشِد هو سليمان بن سفيان المسترق الذي توفّي عام 431هـ ـ كما أرَّخه النجاشي ـ وثّقه الكشي. وأمّاجعفر بن محمد، فلعل المراد منه جعفر بن محمد الأشعري كما في حاشية التهذيب (2) والسند لا غبار عليه، غير جعفر بن محمد، وهو من رجال نوادر الحكمة ولم يُستثن، ولعلّه آية الوثاقة.

واحتُمل أن يكون حماد بن عثمان مصحّف حمّاد بن عيسى، لقلّة رواية الأوّل عن الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ بخلاف الثاني.

10. موثّقة مسعدة بن صدقة

روى الكليني،عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ ، قال: سمعته يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك».(3)

وهارون بن مسلم بن سعدان ثقة. وأمّا مسعدة بن صدقة العبدي، وهو عامي أو زيدي بتري، لم يوثّق، والقرائن تدل ّعلى وثاقته.

هذه هي الروايات التي ربّما حاول بعضهم أن يستدلّ بها على الاستصحاب، وقد فسّرت بوجوه تالية:

1. انّها بصدد إفادة قاعدتي الطهارة والحلية الظاهرتين،وهذا هو المشهور.


1. الوسائل: الجزء 7 ، الباب 1من أبواب الماء المطلق، الحديث 5.
2. تهذيب الأحكام: 1/228.
3. الوسائل: الجزء 12 ، الباب 4من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.


(60)

2. انّ الصدر بصدد إفادتهما،والذيل بصدد إفادة الاستصحاب، اختاره صاحب الفصول.

3. انّ الصدر ورد لبيان الحكم الواقعي للأشياء، أعني: الطهارة والحلّية بما هي هي، والذيل لبيان استصحاب الحكم الواقعي،وهو خيرة المحقّق الخراساني في «الكفاية».

4. الحديث بصدد بيان القواعد الثلاث: الحكم بالطهارة والحلية الواقعيتين، والظاهريتين واستصحابهما، وهو خيرة المحقّق الخراساني في تعليقته على «الفرائد» .وإليك دراسة المعاني الثلاثة واحداً تلو الآخر.

النظرية الأُولى: جعل الطهارة الظاهرية و...

إنّ الحديثين بصدد جعل الطهارة والحلية الظاهريتين.

وبعبارة أُخرى: جعل الطهارة والحلية على المشكوكة طهارته أو حليته،وعلى هذا يكون المراد من الشيء في الحديثين: الشيء المشكوك، ولا مناص لاستفادة ذلك إلاّ بجعل الغاية قيداً للموضوع فقط، وكأنّه قال:

كلّ شيء حتى تعلم أنّه قذر، نظيف; أو كلّ شيء حتى تعلم أنّه حرام، حلال، و هذا هو المعنى المتبادر من الحديثين، ويؤيده ذيل الحديث حيث أكّد على الاجتناب عند العلم دون غيره، وقال: «فإذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم ليس عليك» فيكون مفادهما جعل الطهارة أو الحلية الظاهريتين اللّتان يعبّر عنهما بقاعدتي الطهارة والحلّية.

النظرية الثانية: جعل الطهارة الظاهرية واستصحابها

اختارها صاحب الفصول، ونسبت إلى المحقّق النراقي أيضاً، وحاصلها:


(61)

إنّ الصدر بصدد بيان قاعدتي الطهارة والحلية، والذيل بصدد بيان استصحابها، قال: إنّ الرواية تدل على أصلين:

أحدهما: انّ الحكم الأوّلي للأشياء ظاهراً هي الطهارة إلاّ مع العلم بالنجاسة، وهذا لا تعلّق له بالاستصحاب.

الثاني: انّ هذا الحكم مستمر إلى زمن العلم بالنجاسة، وهذا من موارد الاستصحاب وجزئياته.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاستصحاب عبارة عن جرّ الحكم الواقعي الثابت للموضوع بما هوهو، إلى ظرف الشكّ حتى يحصل اليقين بخلافه، لا جرّ الحكم الظاهري الثابت للموضوع بما هو مشكوك الحكم، كما في المقام، مثلاً إذا توضّأ الإنسان لصلاة الفجر يكون متوضئ واقعاً، ثمّ شكّ بعد فترة في بقاء الطهارة، يُحكم عليه بجرّ الطهارة الواقعية إلى ظرف الشك. فلو قلنا: بأنّ الصدر لبيان حكم مشكوك الطهارة والحلية، تكون الطهارة أو الحلية المجعولتان طهارة أو حلّية ظاهريّة، فلا يكون استمرارها استصحاباً وكأنّه زعم أنّ كلّ استمرار استصحاب وغفل عن أنّ الاستصحاب عبارة عن إطالة الحكم الواقعي الذي تعلّق به اليقين، إلى ظرف الشك.

وثانياً: أنّ قاعدتي الطهارة والحلية كافيتان لإثبات الحكم الظاهري في الآنات المتلاحقة إلى أن يعلم خلافه ولا يحتاج إلى الاستصحاب أبداً، وذلك لأنّ كلّ شيء يكفي صرف الشك في الحكم عليه بالطهارة والحلية لغنيّ عن لحاظ السابقة وجرّها إلى الحالة اللاحقة، وهذه ضابطة كلية في الفقه، لأنّ قاعدتي الطهارة والحلية أقل مؤونة، والاستصحاب أكثر مؤونة لاحتياجه وراء الشك، إلى لحاظ الحالة السابقة وجرّها.


(62)

ومنه يعلم تقدّم قاعدة الاشتغال على استصحاب الاشتغال، فإذا شكّ قُبيلَ الغروب أنّه صلّى الظهر أو لا، فصِرْفُ الشكّ كاف في حكم العقل بالاشتغال، لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني،ولا حاجة إلى استصحاب الاشتغال.

وثالثاً: أنّ قوله: «طاهر» إذا كان من متمّمات القاعدة يكون معناه محكوماً بالطهارة، وإذا كان راجعاً إلى الاستصحاب يكون معناه انّه مستمرّ في طهارته، وإطلاق اللفظ وإرادة المعنيين منه يحتاج إلى قرينة، وهي مفقودة في المقام.

اللّهمّ إلاّ أن يقدّر هناك كلام بأن يقال:

كلّ شيء طاهر(وهذه الطهارة مستمرة) حتى تعلم أنّه قذر. وهو كما ترى.

ورابعاً: أنّ الحديث لو كان بصدد بيان قاعدتي الطهارة والحلية تكون الغاية قيداً للموضوع، ويكون معناه، كلّ شيء (حتى تعلم أنّه قذر) طاهر.

ولو كان بصدد بيان الاستصحاب يكون قيداً للمحمول (أي طاهر حتى تعلم أنّه قذر) وكيف يمكن أن تكون كلمة واحدة قيداً للموضوع، وقيداً للمحمول فانّ مقتضى الأوّل تقدّم الغاية على الحكم(طاهر) ومقتضى الثاني (تأخّرها عنه).

وبعبارة أُخرى: انّ الحكم باستمرار الطهارة أو الحلية المستفادتين من القاعدتين يتوقف على تماميتهما من حيث المغيّى والغاية، فلو جعلت الغاية متمّمة للقاعدة لما صحّ جعلها غاية للاستصحاب، ولو جعلت غاية للاستصحاب تكون القاعدة بلا غاية، وبالتالي يكون الاستصحاب أيضاً بلا موضوع.


(63)

النظرية الثالثة

هذه النظرية هي التي أكّد عليها المحقّق الخراساني في «الكفاية» ، فانّه لمّا وقف على الإشكالات الواردة على نظرية صاحب الفصول، عدل عنها إلى نظرية ثالثة وحاصلها:

إنّ الصدر لبيان جعل الطهارة والحلية الواقعيتين لذات الأشياء، والذيل لبيان الاستصحاب، وبما انّ ما ذكره في «الكفاية» غير خال عن التعقيد نشرح مراده في ضمن أُمور أربعة:

1. انّ الموضوع في قوله: «كلّ شيء طاهر» أو «كلّ شيء حلال» هو العناوين الأوّلية التي يصدق عليه عنوان الشيء، و كأنّ القائل يقول: إنّ كلّ ما صدق عليه عنوان الشيء كالجماد والنبات والحيوان، فهو بهذا العنوان الأوّلي طاهر أو حلال.

وليس الموضوع، الشيء المشكوك الحكم من حيث الطهارة والحلية، وعلى هذا ليست الغاية مأخوذة في ناحية الموضوع أصلاً، ولو قال القائل: «كلّ شيء طاهر» وسكت أو قال : «كلّ شيء حلال»، ولم ينطق بشيء كان الكلام تامّاً، وكان ظاهراً في جعلهما على ذوات الأشياء.

2. إذا كان الصدر ظاهراً في جعل الطهارة الواقعية للشيء بما هوهو فغايتها هو ملاقاة الشيء بالنجس، أو طروء عنوان يوجب كونه حراماً، كانقلاب الخل، خمراً أو غليان العصير العنبي كما هو كذلك في صحيح محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا ـ عليه السلام ـ قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب ريحه ويطيب طعمه».حيث جعلت الغاية نفس


(64)

التغيّر(1) لا العلم، ولو أراد الإمام أن يصرّح بالغاية في الحديثين كان عليه أن يقول: كلّ شيء طاهر إلى أن يلاقي نجساً، أو كلّ شيء حلال إلى أن ينطبق عليه أحد العناوين المحرّمة، ولو قال كذلك، لا يعد مثل هذا الاستمرار استصحاباً، إذ ليس كلّ استمرار استصحاباً، بل الاستمرار في ظرف الشكّ، والمفروض كون الموضوع الشيء بما هوهو.

3. انّ الغاية الواردة في الحديث، لا تصلح أن تكون غاية للطهارة الواقعية لما عرفت من أنّ غايتها الملاقاة بالنجس، لا العلم به، فيجب أن تكون الغاية الواردة فيه ناظرة إلى تأسيس حكم ظاهري مبني على أنّه لو شكّ في حصول غاية الطهارة الواقعية وعدمها كالملاقاة وعدمها، فالأصل هو بقاء الطهارة الواقعية، وعندئذ يكون الذيل ناظراً لبيان استمرار حكم الطهارة الواقعية في ظرف الشكّ في حصول غايتها.(2) ويكون الذيل ناظراً لبيان الاستصحاب.

4. لا يتوجه إلى هذه النظرية ما سبق من الإشكالات الأربعة وذلك:

أ: لما عرفت من أنّ الذيل لبيان جرّ الحكم الواقعي لا الظاهري.

ب: انّ ثبوت الحكم في جميع آنات الشكّ رهن الاستصحاب فقط، لا رهن القاعدة إذ المجعول هو الاستصحاب لا قاعدة الطهارة.

ج: انّ قوله: «طاهر» جزء من القضية الأُولى، ولا صلة له بالقضية الثانية ليلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين.


1. الوسائل: الجزء 1، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6، 7.
2. وإلى هذا أشار في «الكفاية» بقوله: ظاهره في استمرار الحكم الواقعي ظاهراً ما لم يعلم بطروء ضده(إذاكانت الطهارة والنجاسة من قبيل الضدين) أو نقيضه (إذاكانتا من قبيل النقيضين).


(65)

د: انّ الغاية ليست من قيود الموضوع وحدوده،بل غاية لاستمرار الحكم الواقعي في ظرف الشكّ في طروء الملاقاة أو عروض ما يحرّم، فلا يلزم كون الشيء متقدماً ومتأخراً.

يلاحظ عليه بأُمور:

الأوّل: انّ ظهور الحديثين في جعل الطهارة أو الحلية الواقعيتين، إنّما يتم فيما إذا كان العنوان الأوّلي موضوعاً للحكم كما إذا قال:«الماء كلّه طاهر حتى يعلم أنّه قذر»(1) فالموضوع طبيعة الماء، ويناسبها جعل الطهارة الواقعية، لا فيما إذا أخذ العنوان المبهم كلفظ الشيء الفاقد لذلك الظهور. بل يمكن أن يقال انّ الموضوع هو الشيء بما هو مشكوك الطهارة والنجاسة، أو مشكوك الحلية والحرمة بشهادة أنّ الغاية الواردة فيها هو العلم بالنجاسة لا نفسها، وهو مناسب لحمل الصدر، على جعل الحكم الظاهري للشيء المشكوك لا للشيء بما هوهو.

الثاني: انّ تفكيك القضية الثانية عن الأُولى، وانّها ليست غاية لها بل بصدد إفادة جعل حكم ظاهري في ظرف الشك في طروء ما يوجب النجاسة أو الحرمة، مخالف للظاهر، فانّ المتبادر انّها غاية للصدر، وبما انّ الغاية هو العلم بالنجاسة نستكشف أنّ الصدر بصدد بيان أصل الحكم الظاهري لمشكوك الطهارة أو مشكوك الحلية، فانّ حمل الصدر على أنّه بصدد بيان الطهارة الواقعية، مبنيّ على التفكيك، وأمّا مع ملاحظته مع الذيل يكون الصدر، ظاهراً في غيرها.

الثالث: سلمنا كلّ ما أفاده، لكن استفادة الحكم الظاهري أي استمرار الطهارة الواقعية في ظرف الشكّ في طروء ما ينجس أو يحرم يتوقف على تقدير جملة : بأن يقول: «وهذه الطهارة مستمرة حتى تعلم أنّه قذر، أو هذه الحلية


1. الوسائل: الجزء 1، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2و5.


(66)

مستمرة إلى أن تعلم أنّه حرام»، إذ المفروض في كلامه أنّ قوله: «طاهر» من متمّمات القضية الأُولى ولا صلة له بالجملة الثانية ومن المعلوم أنّ الجملة الثانية بوحدتها لا تقيد استمرار الطهارة إلاّ بتقدير جملة، نظير ما ذكرناه وهو خلاف الظاهر.

النظرية الرابعة

وحاصل هذه النظرية: إمكان استفادة القواعد الثلاث من الحديثين، بيانه:

أنّ الصدر بصدد بيان أمرين:

1. الطهارة الواقعية للأشياء بعناوينها الأوّلية.

2. الطهارة الظاهرية لها عند طروء ما ينجسه أو يحرّمه.

أمّا الذيل فهو بصدد بيان استمرار الطهارة الواقعية إلى العلم بطروء ما ينجسه.

وقد اختاره صاحب الكفاية في تعليقته على الفرائد.(1)

أمّا استفادة جعل الطهارة الواقعية واستمرارها دون الطهارة الظاهرية فقد تقدّم برهانه في كلامه المنقول عن الكفاية، إنّما تختص هذه باستفادة الطهارة الظاهرية وراء الطهارة الواقعية، فاللازم بيان كيفية استفادتها فنقول:

إنّ قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء طاهر» ـ مع قطع النظر عن الغاية ـ يدل بعمومه على طهارة الأشياء بعناوينها الواقعية كالماء والتراب وغيرهما ليكون دليلاً


1. تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد: 191ـ 192.


(67)

اجتهادياً على طهارة الأشياء، ويدل بإطلاقه بحسب حالات الشيء التي منها حالة كونه مشتبه الطهارة والنجاسة بالشبهة الحكمية أو الموضوعية على قاعدة الطهارة فيما اشتبهت طهارته كذلك.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ استفادة الطهارة الواقعية والظاهرية من قوله: «طاهر» متعسر، لأنّ الموضوع في الأوّل، هو الشيء بما هوهو، وفي الثاني هو الموضوع بما هو مشكوك الحكم، فيلزم أن يكون الشيء عارياً من القيد، وجامعاً معه موضوعاً للحكم في آن واحد.

ثانياً: أنّ جعل الطهارتين: الواقعية على الأشياء بما هي هي، والطهارة الظاهرية في ظرف الشك في طروء ما ينجّسه، يغني عن جعل الاستصحاب، أي استصحاب الطهارة الواقعية، لما عرفت من أنّ نفس الشكّ كاف في الحكم بالطهارة من دون حاجة إلى جرّ الحكم الواقعي في ظرف الشكّ.

ثالثاً: انّ معنى الإطلاق، كون ما وقع تحت دائرة الطلب، تمام الموضوع للحكم،وانّ الشيء بما هوهو من دون مدخلية أي قيد، محكوم بالطهارة، وأمّاتفسير الإطلاق بأنّ الشيء بما هوهو موضوع للطهارة الواقعية و انّها بعنوان مشتبه الحكم والموضوع، موضوع للطهارة الظاهرية، غير تام لما ذكرنا غير مرّة: أنّ الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود، وثبوت الحكم في تلك الأحوال، ليس دليلاً على أنّه محكوم بالطهارة بهذا العنوان، وإلاّ لزم تكثّر الأحكام حسب تكثر الأحوال، وهي كثيرة لا تحصى.

تمّ الكلام في أدلّة الاستصحاب، بقي الكلام في مفادها من حيث دلالتها على حجّية الاستصحاب مطلقاً، أو في بعض الصور. ولذلك مسّت الحاجة إلى التعرّض لبعض التفاصيل في حجية الاستصحاب.


(68)

تفاصيل في حجّية الاستصحاب

قد ذكر الشيخ أحد عشر قولاً في حجّية الاستصحاب،وأطنب الكلام في بيان أدلّة الأقوال، ونحن نذكر ما هو المهم من التفاصيل:

الأوّل: التفصيل بين الشكّ في الرافع والشكّ في المقتضي والقول بحجّية الاستصحاب في الأوّل دون الثاني، وهو خيرة الشيخ الأعظم.

الثاني: ذلك التفصيل، لكنّه حجّة في قسم خاص من الشكّ في الرافع،وهو الشكّ في وجود الرافع لا في رافعية الأمر الموجود،فلو شكّ المتطهر في أصل النوم أو البول يجري الاستصحاب، دون ما إذا شكّ في رافعيّة الأمر الموجود، كالبلل المردّد بين البول والمذي.

الثالث: الاستصحاب حجّة، إلاّ إذا كان منشأ الشك هو إجمال الغاية، فليس الاستصحاب حجّة، كما إذا دار مفهوم المغرب أو الليل في قوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيل) (1) بين استتار القرص أو مع ذهاب الحمرة المشرقية، فلا يجوز استصحاب النهار عند الشكّ في رافعية الاستتار.

الرابع: التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية، وكونه حجّة في إحداهما دون الأُخرى.


1. البقرة:187.


(69)

الخامس: التفصيل بين الحكم الشرعي المستنبط من دليل شرعي فيستصحب دون المستنبط من حكم عقلي.

السادس: التفصيل بين الأحكام الشرعية الكلية فلا يجري الاستصحاب فيها و بين الحكم الجزئي، والموضوع الخارجي كوجوب النفقة على زيد، أو بقاء حياة زيد فيجري الاستصحاب.

وهذا هو خيرة المحقّق النراقي وتبعه المحقّق الخوئي ـ قدّس سرّهما ـ، و بذلك صار الاستصحاب عندهما قاعدة فقهية تعالج الشبهات الموضوعية نظير قاعدة الطهارة والفراغ.

ونحن نذكر منها في المقام التفاصيل الأربعة الأُولى ونحيل البحث في التفصيل الخامس والسادس إلى التنبيهات.


(70)

التفصيل الأوّل

التفصيل بين الشكّ في المقتضي والرافع

ذهب الشيخ إلى حجّية الاستصحاب عند الشكّ في الرافع دون الشكّ في المقتضي، وأمّا ما هو مراده من الشكّ فيهما فيظهر ممّا ذكره الشيخ عند تقسيم الاستصحاب باعتبار الشكّ المأخوذ فيه قال: إنّ الشكّ في بقاء المستصحب قد يكون من جهة المقتضي، و المراد به الشكّ من حيث استعداده وقابليته في ذاته للبقاء، كالشكّ في بقاء الليل والنهار، وخيار الغبن بعد الزمان الأوّل وقد يكون من جهة طروء الرافع مع القطع باستعداده للبقاء.(1)

أ: انّ الشيخ أخذ هذا التقسيم عن طريق النظر إلى الكون، فإنّ عالم الكون مليء بالموجودات وهي على قسمين، فتارة يُحرز اقتضاء بقاء الموجود ويُشكّ في حدوث الرافع، كالمصباح المشتعل المليء بالزيت فنشكّ في إصباحه لأجل هبوب الرياح عليه، فالمقتضي موجود والشكّ في رافع أثر المقتضي، بخلاف ما إذا شككنا في إصباحه لأجل وجود الزيت فيه، أو لا.

ونظير ذلك ما إذا شككنا في بقاء حياة الفيل في حديقة الحيوانات أو الغابات والأحراش لأجل طروء مرض عليه، فالمقتضي موجود والشكّ في الرافع، بخلاف ما إذا تردّد الحيوان بين كونه فيلاً أو بقّاً بعد مضي زمن لا يعيش فيه البقُّ،


1. الفرائد:327، طبعة رحمة اللّه.


(71)

فالشكّ في قابلية الموجود للبقاء،لتردّده بين الفيل والبق، إلى غير ذلك من الأمثلة التكوينيّة، وعلى غرار ذلك الأحكام التشريعية، فتارة يحرز اقتضاء بقائها إلى أن يرفعها رافع كالملكيّة والطهارة والزوجية في الأُمور الجزئية فهي باقية إلى أن ترفَع بالرافع كالبيع في الملكية، والحدث في الطهارة أو الطلاق في الزوجية.

وأُخرى يكون اقتضاء البقاء مشكوكاً غير محرز كالخيار المجعول للمغبون بعد علمه بالغبن، وتمكّنه من إعمال خياره، والمسامحة فيه فنشكّ في بقائه لا لأجل وجود رافع بل للشكّ في قابلية بقائه، لأنّ ملاك الخيار هو الضرر، والضرر مدفوع لجعل الخيار له في الزمان الأوّل. ولا ملاك لبقائه في الزمان الثاني والثالث.

إلى غير ذلك من الأمثلة الشرعية، ولو أردنا أن نذكر ضابطة لكلا القسمين، فنقول: كلّ حكم أو موضوع لو ترك لبقي إلى أن يرفعه الرافع، فلو شكّ في وجود الرافع فهو من قبيل الشكّ في الرافع، وكلّ حكم أو موضوع لو ترك لانتهى بنفسه، وإن لم يكن هناك رافع، فلو شكّ فيه فهو من قبيل الشكّ في المقتضي، إذا عرفت ذلك فقد ذهب الشيخ إلى عدم الحجّية بوجهين:

الوجه الأوّل: الاستدلال بمادة النقض في قوله: «لا تنقض» فإنّ النقض حقيقة في رفع الهيئة الاتصالية، فيقال نقضت الحبل، قال سبحانه: (وَلا تَكُونُوا كَالّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنكاثاً) .(1)

فإذا كان هذا هو المعنى الحقيقي فهو غير متوفر في مورد اليقين والشكّ، ويكون ممّا يتعذر فيه المعنى الحقيقي، فلابدّ أن يقوم مقامه المعنى المجازي، وله معنيان مجازيّان أحدهما أقرب إلى الحقيقة (رفع الهيئة الاتصالية) والآخر أبعد عنها أي مطلق رفع اليد عن الشيء.


1. النحل:92.


(72)

أمّا الأقرب فهو حمله على ما أحرز فيه المقتضي للبقاء وشكّ في تحقّق الرافع كالوضوء إذا شكّ في حدوث النوم.

وأمّا الأبعد فهو رفع اليد عن مطلق الشيء وإن شكّ في أصل اقتضائه للبقاءه مع غض النظر عن الرافع.

وبما أنّ المعنى الأوّل أقرب إلى الحقيقة فيتعيـّن هو دون المعنى الثاني الذي هو أبعد، وقد قيل: «إذا تعذّرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى».

الوجه الثاني: الاستدلال من جانب الهيئة، وهو أنّ النهي عن نقض اليقين بالشك تكليف بالمحال لانتقاض اليقين بحدوث الشكّ فلا تصل النوبة إلى النقض، لانتقاضه قبلاً، وإن لم يرده المكلف، فعلى ذلك لابدّ أن نقول بأنّ اليقين في الروايات بمعنى المتيقّن أي لا تنقض المتيقّن بالشك، سواء كان المتيقّن هو الحكم الشرعي، كما إذا كان المستصحب حكماً كذلك، أو موضوعاً ذا حكم شرعي كما إذا كان المستصحب من الموضوعات الخارجية ذات الآثار.

فإذا كان المنهي عنه هو نقض المتيقن بما أنه أثر شرعي أو له أثر شرعي فالأقرب إلى المعنى الحقيقي هو المتيقّن الذي أحرز وجود المقتضي فيه وشكّ في الرافع، لا ما إذا كان أصل الاقتضاء مشكوكاً مع غض النظر عن الرافع، وبذلك يكون النقض بمادته وهيئته قرينة على تحريم نقض ما يكون ذا اقتضاء، كالطهارة وحياة زيد.(1)

يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّه لا دليل على أنّ النقض حقيقة في رفع الهيئة الاتصالية الحسية، بل هوحقيقة في رفع الأمر المبرم والمستحكم، سواء أكان أمراً


1. فرائد الأُصول: 336 ، بتقرير منّا.


(73)

حسيّاً كالغزل، أم قلبيّاً كاليمين والميثاق و العهد، بشهادة أنّه سبحانه نسب النقض إلى هذه الأُمور الثلاثة التي تفقِد الهيئة الاتصالية ولكن فيها الإبرام والاستحكام قال سبحانه: (وَلاتَنْقُضُوا الأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها) .(1) وقال سبحانه: (وَالّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) (2) وقال سبحانه: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بآياتِ اللّه...) (3) إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ اليقين أمر فيه إبرام واستحكام ـ كالأُمور الثلاثة السالفة الذكرـ تصح نسبة النقض إليه بلا تجوّز،ولا حاجة إلى تفسير اليقين بالمتيقن،ويكون المقصود، حرمة نقض مطلق اليقين سواء تعلّق بما أحرز فيه المقتضي أم لا.

وأمّا الوجه الثاني: فاليقين والمتيقن في امتناع التكليف بعدم نقضها سواء، أمّا اليقين فكما مرّ، وأمّا المتيقن فهو لا يخلو إمّا أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً خارجياً; أمّا الحكم الشرعي فرفعه بيد اللّه سبحانه، وأمّا الموضوع الخارجي كحياة زيد فهو على عاتق العلل التكوينية، ولا صلة لها بالمكلف.

نعم إذا أُريد من حرمة نقض المتيقّن حرمة نقض آثار المتيقّن كالصلاة مع الوضوء المستصحب فهو أمر داخل تحت الاختيار ولكنّه لا يختص بآثار المتيقّن، بل يعمّ حرمة آثار اليقين أيضاً، فهي أيضاً أمر اختياري.

فإن قلت: إذا كان الهدف إبقاء اليقين بما له من الآثار فتنحصر حجّية الاستصحاب باليقين الموضوعي، دون الطريقي، إذ ليس لليقين أثر شرعي إلاّ في اليقين الموضوعي، فإذا قال: للّه عليّ أن أُصدِّق إذا علمتُ بحياة زيد، فالأثر


1. النحل:91.
2. الرعد:25.
3. النساء: 155.


(74)

مترتب على اليقين بالحياة، لا على نفس الحياة، فليس لليقين الطريقي أثر حتى يكون حرمة النقض بلحاظ إبقاء أثر اليقين؟

قلت: المراد من اليقين في الروايات هو اليقين الطريقي بمعنى أنّ اليقين غير ملتفت إليه، وإنّما الملتفت هو المتيقّن بماله من الآثار، فيكون المراد من إبقاء اليقين إبقاء المتيقّن بما له من الآثار، ولكن حرمة النقض متعلّق باليقين وإن كان اليقين طريقاً إلى المتيقّن. وبعبارة أُخرى المراد الجدي غير المراد الاستعمالي.

هذه هي الإشكالات التي وجّهها المحقّق الخراساني إلى الشيخ الأنصاري، وهناك إشكالات أُخرى نذكرها تباعاً.

الأوّل: انّ هذا التفصيل مبني على أنّ التعبير المنحصر في حجّية الاستصحاب هو نقض اليقين، ولكنّه غير تام، وقد عبّر عنها بجمل خالية عن لفظ «النقض».

أ: ففي ذيل الصحيحة الثالثة لزرارة: «ويتمّ على اليقين، فيبني على اليقين، ولا يعتدّ بالشكّ من الحالات».

ب: وفي حديث الأربعمائة: «من كان على يقين ثمّ شكّ، فليمض على يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» والموضوع هو المضيّ على اليقين، لا نقض اليقين.

ج: وفي رواية القاساني: «اليقين لا يدخل في الشكّ، صم للرؤية وأفطر للرؤية» ومورد الاستصحاب في هذا الحديث من قبيل الشكّ في المقتضي للشكّ في اقتضاء شهر شعبان في بقائه إلى يوم الشكّ.

د: وفي رواية عبد اللّه بن سنان:«أنت أعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه


(75)

نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن».

نعم قد قورنت هذه التعابير في أكثر هذه الروايات بقوله: «لا تنقض» إمّا في صدر الروايات، أو في ذيلها، لكنّه لا يكون دليلاً على تقييد المطلق، لأنّه ليست قرينة واضحة لصرف المطلقات عن إطلاقها وإرجاعها إلى المقيدات.

وبذلك ظهر أنّه ليس لاختصاص حجّية الاستصحاب بالشكّ في الرافع دليل.

نعم قد أيّد مقالة الشيخ، المحقّق الهمداني في تعليقته على فرائد الشيخ، وقال ما هذا نصّه:

إنّ إضافة النقض إلى اليقين في الاستصحاب ليس باعتبار وجوده السابق، بل باعتبار تحقّقه في زمان الشكّ بنحو من المسامحة والاعتبار، إذ لا ترفع اليد عن اليقين السابق وإن قلنا بعدم حجّية الاستصحاب، بل غاية الأمر ترفع اليد عن حكمه في زمان الشكّ (إذا قلنا بعدم حجّيته) فلابدّ في تصحيح إضافة النقض إليه بالنسبة إلى زمان الشكّ من اعتبار وجود تقديري لليقين بحيث يصدق عليه بهذه الملاحظة : أنّ الأخذ بالحالة السابقة عمل باليقين، ورفع اليد عنه، نقض له. و من المعلوم أنّ تقدير اليقين مع قيام مقتضيه هيّن عرفاً، بل لوجوده التقديري حينئذ وجود حقيقي يطلق عليه لفظ اليقين، ألا ترى أنّ العرف يقولون: ما عملت بيقيني، أمّا تقدير اليقين في موارد الشكّ في المقتضي فبعيد لا يساعد عليه استعمال العرف أصلاً.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من أنّ التعبد بلحاظ اليقين الفعلي الاعتباري،


1. الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية:151.


(76)

ينافي ما في صحيحة زرارة الأُولى، فانّ التعبد فيها بملاك اليقين السابق الحقيقي، قال:«فانّه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشكّ أبداً» ، واللام في قوله : اليقين في الكبرى إشارة إلى اليقين الماضي في الصغرى.

وثانياً: أنّ التأكيد على تعدّد اليقين: (حقيقي باق في ظرفه، واعتباريّ أُمر بحفظه) ينافي ما عليه المشايخ من لزوم وحدة القضية المتيقّنة مع المشكوكة بإلغاء قيد الزمان والنظر إلى المتيقّن بما هوهو من غير تقسيمه إلى السابق واللاحق، والإصرار على تعدّد اليقين بجعل القضيتين متباينتين، وهو يمنع عن جريان الاستصحاب وصدق مفهوم النقض.


(77)

التفصيل الثاني

التفصيل بين الشكّ في الرافع والرافعية

ذهب المحقّق السبزواري إلى أنّ الاستصحاب حجّة فيما إذا تعلّق الشكّ بأصل الوافع كما إذا شكّ في أنّه نام أو لا، لا فيما إذا تعلّق بوصف الأمر الموجود، كالشكّ في أنّ البلل الموجود بول حتى يكون رافعاً له، أو مذي حتى لا يكون كذلك، ومثله إذا شكّ في أنّ الرعاف ناقض للوضوء أو لا.

حاصل دليله: انّ النهي عن نقض اليقين بالشكّ إنّما يعقل في الشكّ في الرافع دون غيره، لأنّه لو نقض الحكم في الثاني ـ بوجود الأمر الذي شكّ في كونه رافعاً ـ لم يكن النقض بالشكّ، بل إنّما يحصل باليقين بوجود ما شكّ من كونه رافعاً، أو باليقين بوجود ما يشكّ في استمرار الحكم معه لا بالشك.(1)

يلاحظ عليه: ليس الاستصحاب محدَّداً، بحدِّ مطلق اليقين بوجود الشيء، بل اليقين الذي يزيل الشكّ في البقاء، ويبدّله إلى اليقين بعدم البقاء، وهذا الشرط غير موجود، ولم يتبدّل اليقين السابق، المتعلِّق بالطهارة إلى اليقين بالحدث، بل صار حدوث اليقين الثاني مبدأ الشكّ في بقاء الحالة السابقة.

ومنشأ الاشتباه: الخلط بين كون الغاية مطلق حدوث اليقين، أو اليقين المزيل للشكّ في البقاء، وما هو الحادث هو الأوّل، وما هو الغاية لعدم جريان


1. الفرائد:362 عند بيان القول العاشر.


(78)

الاستصحاب هو الثاني.

وإن شئت قلت: إنّ الغاية هي اليقين الآخر المتعلّق بضدّ ما تعلّق به اليقين الأوّل كما إذا تعلّق اليقين بالرافع القطعي، دون الرافع المشكوك كالبلل في الشبهة الموضوعية أو دم الرعاف في الشبهة الحكمية، فقد تعلّق اليقين الأوّل بالطهارة، والثاني بوجود البلل أو دم الرعاف، ولم يثبت كون البلل أو دم الرعاف ضدّاً للطهارة،بل يحتمل الضدية.


(79)

التفصيل الثالث

عدم الحجّية إذا كان منشأ الشكّ إجمال الغاية

ذهب المحقّق الخوانساري إلى كون الاستصحاب حجّة مطلقاً إلاّ في قسم واحد، وهو: ما إذا كان منشأ الشكّ إجمال مفهوم لفظ جُعل غاية للحكم.

وعلى هذا هويفصل في الشكّ في الرافعية بين كون منشأ الشكّ، خلط الأُمور الخارجية كما إذا دار أمر البلل بين البول والمذي، فالاستصحاب حجّة، و ما إذا كان منشؤه إجمال مفهوم لفظ جعل غاية للحكم، كما إذا وجبت الصلاة إلى المغرب أداءً ولكن تردّد مفهومه بين كونه هو استتار القرص أو ذهاب الحمرة الشرقية ففي مثله لا يجوز استصحاب بقاء النهار ولا يترتب عليه الأثر الشرعي و هو كون إقامة الصلاة فيه أداءً، أو وجوب الإمساك. وقد نقل الشيخ الأنصاري عبارة المحقّق الخوانساري، فلاحظ. وعلى أيّ تقدير فالتفصيل عندي وجيه وذلك:

لأنّ الاستصحاب عند العقلاء والذي أمضاه الشارع بنفس المعنى الموجود عندهم عبارة عن جرّ الحالة السابقة وامتداد عمر اليقين، عند الشكّ إذا كان منشؤه الإبهام السائد على الخارج، كما إذا شكّ في بقاء حياة زيد، أو طهارة زيد، فمنشؤه في الجميع، هو كون الخارج مستوراً على المستصحِب، والغاية من الاستصحاب رفع الإبهام عن الخارج.


(80)

وأمّا إذا كان الخارج أمراً معلوماً له، كما في مثال النهار، فإنّ الإنسان يرى بعينه استتار القرص و بقاء الحمرة المشرقية، وليس هنا أي شك يرتبط بالخارج وإنّما طرأ الشك عليه في بقاء النهار لأجل الجهل بما وضع له لفظ المغرب، فهل الموضوع له استتار القرص، أو هو مع زوال الحمرة؟ فالإبهام في ناحية الموضوع له صار سبباً للشكّ في بقاء النهار لا الإبهام السائد على الخارج، ففي مثله لا يكون الاستصحاب حجّة، عند العقلاء وتكون الروايات منصرفة عنها.

نظير ذلك إذا علمنا بأنّ زيداً كان عالماً ولكن طرأ عليه النسيان فشكّ في كونه مصداقاً له أو لا، والشكّ في كونه عالماً أو ليس بعالم ليس نابعاً من إبهام الخارج، بل نابع من الجهل بالموضوع له، وأنّ المشتق موضوع للمتلبس، أو للأعم منه و من انقضى عنه المبدأ، ومثل هذا النوع من الشكّ غير الناجم من الإبهام السائد على الخارج، خارج عن مدلول أدلّة الاستصحاب.


(81)

التفصيل الرابع

بين الأحكام التكليفية والوضعية

وقبل الخوض في المقصود، نقدّم أُموراً:

1. الحكم لغة واصطلاحاً

الحكم في اللغة بمعنى المنع، قال الشاعر:

أبني حنيفة حكِّموا سفهاءَكم * إنّي أخاف عليكم أن أُغْضِبـا

أي امنعوا سفهاءَكم من التعرّض لعشيرتي، وبهذه المناسبة استعملت في المعاني التالية:

1. حَكَمَة الفرس، لأنّها تمنعه من مخالفة راكبه.

2. الحكمة لأنّها تمنع الإنسان عن الضلال.

3. الحكيم لأنّه بإعمال القواعد يمنع عن تطرّق الفساد إلى فعله.

وأمّا إطلاقه على الحكم الشرعي، فلأنّه يمنع المكلّف من التجاوز عن الحدّ المقرر له.

وربّما يطلق الحكم في اللغة ويراد منه الفصل، وبهذه المناسبة يطلق على القاضي الحاكم، لأنّه يفصل الخصومات والمنازعات، ويطلق على التشريع،


(82)

الحكم، لأنّه يفصل بين الحقّ و الباطل.

وأمّا اصطلاحاً، فهو ينقسم إلى تكليفي ووضعي.

أمّا الأوّل: فهو ما يشتمل على إنشاء البعث أو الزجر أو الترخيص. ثمّ البعث تارة يكون مع المنع من الترك، وأُخرى لا معه، كما أنّ الزجر أيضاً كذلك، وبذلك تنحصر الأحكام التكليفية في الخمسة: الوجوب، الاستحباب، الحرمة، الكراهة، والإباحة.

وإن شئت قلت: الحكم التكليفي عبارة عمّا يحدِّد فعل المكلّف من حيث الاقتضاء فإمّا فيه اقتضاء الفعل بقسميه، أو اقتضاء الترك بقسميه أيضاً، أو اقتضاء التساوي.

وبذلك يعلم أنّ الإباحة الشرعية عبارة عن الفعل الذي فيه اقتضاء المساواة، وأمّا إذاكان الفعل متجلّياً بصورة اللا اقتضاء، فالإباحة فيه عقلية لا شرعية.

وأمّا الثاني: فهو ما لا يشتمل على بعث ولا زجر ولا اقتضاء المساواة، بل جعل حكم ، له صلة بفعل المكلّف بلا و اسطة كالملكية والزوجية أو مع الواسطة مثل طهارة الماء ونجاسة الدم.

2. تقسيم المفاهيم إلى مراتب أربع

تنقسم الماهيات إلى أربعة أقسام:

1. الجوهر: وهو ماهية إذا وجد في الخارج وجد لا في موضوع، كالإنسان.

2. العرض: وهو ماهية إذا وجد في الخارج وجد في موضوع، كالبياض


(83)

والسواد.

3. الانتزاعيات: وهي ماهية ليس لها مصداق في الخارج، ولكن الخارج مشتمل على خصوصية وجودية تؤهّل الذهن لانتزاع ذلك المفهوم من تلك الخصوصية، وهذا كالفوقية والتحتية، إذ ليس لهما مصداق في الخارج، كالجوهر والعرض،ولكن الخصوصية الوجودية للفوق والتحت تصحّح انتقال الذهن من مشاهدتها إلى انتزاع ذينك المفهومين، وهذا ما يقال في لغة الفلسفة بأنّ الانتزاعيات لها حظ من الوجود.

والحقّ انّ الحظ لمنشأ الانتزاع لا للمفهوم الانتزاعي وإنّما هو مفهوم يصنعه الذهن بعد الإحاطة بما في الخارج والاطّلاع على الخصوصية.

4. الاعتباريات: وهي المفاهيم التي يصنعها الذهن لأغراض وهمية أو عقلائية، ولا يقوم الذهن بصنعها إلاّ بعد التشبيه والمحاكاة.

أمّا الوهمي كتصوير إنسان له مائة رأس، أو غول له ناب; وأمّا العقلائي كالرئيس، وهي مأخوذة من الرأس، وله مصداق تكويني وهو رأس الإنسان الذي يدير البدن، ومصداق اعتباري وهو تنزيل من يدير دفة المؤسسة منزلة الرأس من البدن.

والزوجية فلها مصداق تكويني كالغصنين النابتين على أساس واحد، ومصداق اعتباري، وهو تنزيل الزوجين منزلة ذينك الغصنين. وهكذا سائر المفاهيم الاعتبارية.

وبذلك يعلم أنّ كلّ مفهوم اعتباري، ذو منشأ واقعي، بمعنى أنّ الواقع يكون سبباً لانتقال الذهن إلى صنع مفاهيم لأجل غايات اجتماعية.


(84)

ومن ذلك يعلم أنّ الشرطية والجزئية والمانعية والقاطعية للصلاة أُمور اعتبارية تنزل ما هو الجزء أو الشرط أو المانع أو القاطع للصلاة منزلة الجزء والشرط والمانع والقاطع التكوينيين. فكأنّ الخارج نموذج لصنع الذهن مثله لغايات اجتماعية وسياسية.

3. ذكر الأقوال في مجعولية الأحكام الوضعية

هل الحكم الوضعي يناله الجعل؟

لا شكّ انّ الحكم التكليفي ممّا تناله يد الجعل، كالأمر بالصلاة والزكاة والنهي عن الكذب والغيبة، ففي الأوّلين إنشاء البعث إلى الفعل وفي الأخيرين إنشاء الزجر عنه. إنّما الكلام في الأحكام الوضعية، فهل هي منتزعة من الأحكام التكليفية فلا تنالها يد الجعل إلاّ تبعاً، أو انّها أيضاً مجعولة مستقلة مثل التكليفية، أو انّ قسماً منها لا تناله يد الجعل التشريعي لا تبعاً ولا أصالة وقسماً منها منتزعة تنالها يد الجعل تبعاً وقسماً منها مجعولة بالأصالة؟

والأوّل مختار الشيخ،والثاني لشارح الوافية، والثالث للمحقّق الخراساني، وإليك دراسة الأقوال واحداً تلو الآخر.

أمّا الأوّل: فقد أفاد الشيخ في توضيحه: أنّ الخطاب الوضعي مرجعه إلى الخطاب الشرعي وانّ كون الشيء سبباً لواجب، هو الحكم بوجوب ذلك الواجب عند حصول ذلك الشيء، فمعنى قولنا: إتلاف الصبي سبب لضمانه: أنّه يجب عليه غرامة المثل أو القيمة إذا اجتمع فيه شرائط التكليف من البلوغ والعقل واليسار وغيرها.


(85)

وإذا خاطب الشارع البالغ العاقل الموسر بقوله: «اغرم ما أتلفته في حال صغرك»، انتزع من هذا الخطاب معنى يعبـّر عنه بسببية الإتلاف للضمان، ويقال انّه ضامن بمعنى انّه يجب عليه الغرامة عند اجتماع شرائط التكليف.

وكذا الكلام في غير السبب فانّ شرطية الطهارة للصلاة، ليست مجعولة بجعل مغائر لإنشاء وجوب الصلاة الواقعية حال الطهارة، وكذا مانعية النجاسة ليست إلاّ منتزعة من المنع عن الصلاة في النجس، وكذا الجزئية منتزعة من الأمر بالمركب.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في هذه الموارد، أعني: السببية والشرطية والمانعية، كلام تام، ولكنّه استقراء ناقص، ولا يكون دليلاً على أنّ الحكم الوضعي في عامّة الموارد منتزع من التكليفي، كيف؟ وربما يكون الحكم الوضعي مجعولاً بالأصالة في قولك: «زوّجت موكّلتي»، أوقوله:«أنت حرّ» فالأوّل ناظر إلى إنشاء الزوجية، والثاني لإنشاء الحرية.

أمّا القول الثاني: فإن أراد انّهما متلازمان معاً وانّ انشاء أحدهما يلازم إنشاء الآخر، كما هوالظاهر من كلامه المنقول في «الفرائد».(2)

ففيه: انّ القول بتعدد الجعل مع أنّ جعل أحدهما يغني عن الآخر، أمر لغو، فهنا جعل واحد هو الأصيل والآخر أمر منتزع، فالمجعول إمّا سببية الدلوك لوجوب الصلاة، فوجوب الصلاة أمر منتزع، أو وجوب الصلاة لدى الدلوك، فالسببية أمر منتزع.

وإن أراد انّ هنا جعلاً واحداً، وهو متعلّق بالحكم الوضعي مطلقاً،


1. الفرائد: 351 .
2. الفرائد: 349 ـ 350 .


(86)

والتكليفي منتزع، فهو ليس بصحيح على إطلاقه، إذ ربّما يكون الكلام ظاهراً في جعل الحكم التكليفي دون الوضعي، كما في قوله:(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل) ، فالآية ظاهرة في جعل الوجوب للصلاة لدى دلوك الشمس.

وإن أراد انّ الجعل ربما يتعلّق بالوضع ويكون التكليف تابعاً له، فهو صحيح كما مثلنا في إنشاء الزوجية والحريّة.

وأمّا القول الثالث: فقد قسّم الوضعي إلى أقسام ثلاثة:

القسم الأول: مالا تناله يد الجعل التشريعي لا تبعاًالتكليفي) ولا استقلالاً:

وحاصل كلامه في هذا القسم: انّ الحكم الوضعي، لا منتزع من الحكم التكليفي ولا مجعول بالاستقلال، وهكذا كالسببية والشرطية والمانعية والرافعية لما هو سبب التكليف وشرطه أو مانعه ورافعه، حيث إنّه لا يكاد يعقل انتزاع هذه العناوين لها من التكليف المتأخر عنها ذاتاً، حدوثاً وارتفاعاً.

كما أنّ اتصافها بها ليس إلاّ لأجل ما عليها من الخصوصية المستدعية لذلك تكويناً، للزوم أن يكون في العلة بأجزائها ربط خاص، به كان مؤثراً في معلولها لا في غيره ولا غيرها فيه، وإلاّ لزم أن يكون كل شيء مؤثراً في كلّ شيء وتلك الخصوصية لا تكاد توجد فيها بمجرد إنشاء مفاهيم العناوين مثل قول: «دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة إنشاءً لا اخباراً» ضرورة بقاء الدلوك على ما هو عليه قبل إنشاء السببية له، من كونه واجداً لخصوصية مقتضية لوجوبها أو فاقداً لها، وانّ الصلاة لا تكاد تكون واجبة عند الدلوك مالم يكن هناك ما يدعو إلى وجوبها ومعه تكون واجبة لا محالة وإن لم ينشأ السببية للدلوك أصلاً.


(87)

ومنه انقدح عدم صحّة انتزاع السببية له حقيقة من إيجاب الصلاة عنده لعدم اتصافه بها بذلك ضرورة.(1)

أقول: إنّ ما ذكره من أنّ السببية وما عطف إليها، غير مجعولة لاتبعاً ولا أصالة مبني على مقدمتين:

المقدمة الأُولى: أنّ السبب، والشرط والمانع، والرافع، كالدلوك، والطهارة، والحيض،والإغماء في أثناء الصلاة، متقدمة على التكليف ـ أي وجوب الصلاة ـ أمّا الثلاث الأُول فلأنّها من أجزاء العلة متقدّمة على المعلول(وجوب الصلاة).

وأمّا الرافع فلأنّه علّة لعدم وجوب الصلاة، ومتقدّم عليه بحكم العلية، وعدم وجوب الصلاة في رتبة وجوب الصلاة، لأنّ المتناقضين في رتبة واحدة، فينتج أنّ الرافع متقدّم على وجوب الصلاة.

وبذلك علم أنّ الأُمور الأربعة متقدمة على التكليف، بمعنى وجوب الصلاة غير أنّ الثلاثة الأُولى مؤثرة في حدوث التكليف، والرابع مؤثر في ارتفاع التكليف، وإلى ذلك يشير بقوله حدوثاً وارتفاعاً.

المقدمة الثانية: انّوصف الأُمور الأربعة المذكورة سالفاً بالسببية والشرطية والمانعية والرافعية، لأجل خصوصية كامنة في جوهر هذه الأُمور الأربعة التي بها تكون مؤثرة في وجوب الصلاة حدوثاً، أو ارتفاعاً، ولولا تلك الخصوصية لما أثّرت في التكليف ورفعه، لما ثبت في محله من أنّه يجب أن يكون بين العلة والمعلول ربط وخصوصية لا توجد في غيرها، وإلاّ يلزم أن يكون كلّ شيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو رافعاً لكلّ شيء.


1. الكفاية:2/303 ـ 304.


(88)

والدليل على أنّ تأثير هذه الأُمور رهن خصوصية كامنة فيها هو أنّك لو قلت: دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة بصورة الإنشاء لا يكون الدلوك سبباً، بل لو كانت الخصوصية موجودة لاستغنت عن الإنشاء، وإلاّ فهذا النوع من الإنشاء غير مؤثر في حدوث الخصوصية.

إذا تضح ذلك فنقول: إنّ للمحقّق الخراساني دعويين:

الأُولى: انّ هذا النوع من الأحكام الوضعية غير منتزع من الأحكام التكليفية، أي ليست مجعولة تبعاً.

الثانية: انّ هذا النوع من الأحكام الوضعية غير مجعول على نحو الاستقلال.

أمّا الدعوى الأُولى فتستنتج من كون السبب والسببية ، أو الشرط والشرطية وغيرهما من الأُمور المتقدمة على الحكم التكليفي، فكيف ينتزع المتقدّم (السبب والسببية) من المتأخّر(أي وجوب الصلاة)؟

أمّا الدعوى الثانية: فقد استنتجها من القول بأنّ السببية أمر تكويني لا تناله يد الجعل التشريعي، فلو كانت الخصوصية موجودة فإنشاء السببية مستقلاً أمر لغو لا يؤثِّر فيه شيء، وإن كانت فاقدة لتلك الخصوصية لا يضفي إنشاء السببية عليه وصف السببية.

وبذلك علم أنّ المحقّق الخراساني أثبت كلا الدعويين، وأنّ الحكم الوضعي فيه غير منتزع، بحكم تقدّم السبب والسببية على الحكم التكليفي، ولا مجعول مستقل، لأنّه أمر تكويني لا يقبل إلاّ الجعل التكويني لا التشريع.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من البيانين صحيح، لكن في العلل والأسباب التكوينيّة، والسبب وسببيته متقدّمان على المعلول كالنار بالنسبة إلى الإحراق، كما


(89)

أنّ السببية رهن خصوصية كامنة في صلب العلّة وجوهرها.

فعند ذلك يأتي كلا البيانين:

أ: لا يصحّ انتزاع وصف السببية التي في جوهر العلة عن المعلول المتأخّر.

ب: لا يصحّ جعل السببية جعلاً تشريعياً بعد تحقّقها تكويناً.

فيترتب على ذينك البيانين أنّ السببية والشرطية والمانعية والرافعية في العلل التكوينية ليست منتزعة من المسببات والمعاليل، ولا مجعولة بالجعل التشريعي بعد تحقّقها تكويناً.

وأمّا إذا كانت الأسباب والشرائط للتكليف أُموراً اعتبارية من دون توفّر رابطة تكوينية بين السبب والمسبب سوى لحاظ الشارع أو المقنِّن أحدهما بعد الآخر في عالم الاعتبار واللحاظ، فمثل ذلك قابل للجعل استقلالاً، كما هو قابل للجعل تبعاً وانتزاعاً.

أمّا استقلالاً: كما إذا قال: جعلتُ الدلوك سبباً لوجوب الصلاة، أو جعلتُ الإيجاب والقبول سبباً للملكية، أو قول القائل: «أنت طالق» سبباً لحل عقدة النكاح.

كما أنّه يجوز انتزاعُ تلك الأُمور من الحكم التكليفي بالصلاة عند الدلوك، فإذا قال:(أَقم الصلاة لدلوك الشمس) ينتزع منه سببيّة الدلوك بوجوب الصلاة، فتكون مجعولة جعلاً تبعياً.

ويرشدك إلى ذلك أمران:

الأمر الأوّل: انّ النطق بهذه الأسباب ليس مؤثراً في إيجاد المسببات قبل جعل الشارع أو العقلاء، وهذا خير شاهد على فقدان الرابطة التكوينية بين ما


(90)

جعل سبباً وما جعل مسبباً.

الأمر الثاني: انّ سنخ الأثر يكشف عن سنخ المؤثر، فإذا كان المعلول في قوله: (أقم الصلاة)وجوب الصلاة أو كان المعلول اعتبار الملكية فلابدّ أن يكون السبب من سنخ ذلك الأثر لا سبباً تكوينياً.

وخلاصة القول: إنّ الذي حدا بالمحقّق الخراساني إلى القول بامتناع الجعل في هذه الأقسام هو قياس العلل الاعتبارية بالعلل التكوينية مع البون الشاسع بين العلّتين.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني برهن على عدم مجعولية السببية بوجهين.

وحاصل الوجه الأوّل: أنّ المجعول بالوجدان هو الحكم التكليفي لا الوضعي قال:

لو قلنا بجعل السببية في التكليف، كجعل السببية للدلوك، أو في الوضع، كجعلها للعقد المركب من الإيجاب والقبول، يلزم أن لا يكون الوجوبُ في الأوّل، والملكية في الثاني، فعلاً اختيارياً للشارع، بل كانا من الأُمور الحاصلة قهراً بلا إنشاء من الشارع، فانّ ترتب المسبب على سببية أمر قهري لا يعقل فيه التخلّف ولا يمكن أن يدخله الاختيار.

يلاحظ عليه: المدّعى هو امتناع تعلّق الجعل بالسببية ولكن الدليل لا يثبت أزيد من عدم الوقوع، حيث نعلم وجداناً أنّ الوجوب بعد الدلوك، والملكية بعد الإيجاب والقبول، فعل للشارع، ولو قلنا بجعل السببية يلزم الغنى عن جعل المسببات والأحكام.

أضف إلى ذلك أنّه لا مانع من نسبة الوجوب والملكية إلى الشارع حتى على


(91)

القول بجعل السببية، فانّهما من أفعال الشارع، غاية الأمر فعلاً تسبيبيّاً لا مباشرياً.

وحاصل الوجه الثاني: انّ السببية غير مجعولة لا تشريعاً (خلافاً للمشهور) ولا تكويناً(خلافاً للمحقّق الخراساني) على وجه الاستقلال، بل جعلها، بجعل ذات السبب قال:

انّ المجعول إنّما هو ذات السبب، أمّا السببية فهي من لوازم ذاته كزوجية الأربعة، فانّ السببية عبارة عن الرشح والإفاضة القائمة بذات السبب التي تقتضي وجود المسبب، وهذا الرشح والإفاضة من لوازم الذات لا يمكن أن تنالها يد الجعل التكويني، فضلاً عن الجعل التشريعي، بل هي كسائر لوازم الماهية تكوينها إنّما يكون بتكوين الماهية، وإفاضة الوجود إلى الذات، فعلّية العلّة وسببيّة السبب كوجوب الواجب وإمكان الممكن وامتناع الممتنع، إنّما تكون من خارج المحمول تنتزع عن مقام الذات ليس لها ما بحذاء، لا في وعاء العين ولا في وعاء الاعتبار، فالعلية لا تقبل الإيجاد التكويني فضلاً عن الإنشاء التشريعي.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره صحيح في السببية التكوينية حيث إنّ السببية بالنسبة إلى المسبب من قبيل ذاتي باب البرهان والخارج المحمول، و ما هو مثله لا تتعلّق به يد الجعل، لأنّ مناط الجعل الفقر والحاجة، والسببية بعد جعل السبب متحقّقة ضرورة فلا حاجة إلى جعل آخر، وهذا من خواص ذاتي باب البرهان حيث إنّ جعل الموضوع يلازم جعل المحمول الذاتي، كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة.

وأمّا المقام فليست السببية أمراً ذاتياً بالنسبة إلى السبب أي الدلوك حتى لا


1. فوائد الأُصول: 4/394ـ 395.


(92)

تتعلّق بها يد الجعل، لإمكان التفكيك بين الدلوك والسببية، وعلى ذلك فلا مانع من تعلّق الجعل التشريعي بالسببية، بعد إيجاد الدلوك تكويناً.

القسم الثاني: ما تناله يد الجعل تبعاً لا استقلالاً

إنّ القسم الثاني عبارة عن الجزئية والشرطية و المانعية والقاطعية، لما هو جزء المكلّف به وشرطه ومانعه وقاطعه، فقد اختار أنّه لا يتطرق إليها الجعل التشريعي بالأصالة ، فلا يصحّ جعلها ابتداء وإنّما يجعل تبعاً للأحكام التكليفية ـ قال: وجه ذلك انّ اتصاف شيء بجزئية المأمور به أو شرطيته أو غيرهما لا يكاد يكون إلاّ بالأمر بجملة أُمور مقيدة بأمر وجودي أو عدمي، ولا يتصف شيء بذلك أي كونه جزءاً أو شرطاً للمأمور به إلاّ بتبع ملاحظة الأمر بما يشتمل عليه مقيداً بأمر آخر، وما لم يتعلّق به الأمر كذلك لما صحّ وصفه بالجزئية أو الشرطية وإن أنشأ الشارع له الجزئية أو الشرطية ابتداءً.

وجعل الماهية وأجزائها ليس إلاّ تصوير ما فيه المصلحة المهمة الموجبة للأمر بها، فتصورها بأجزائها وقيودها لا يوجب اتصاف شيء منها بجزئية المأمور به أو شرطيته قبل الأمر بها، فالجزئية للمأمور به أو الشرطية له إنّما ينتزع لجزئه أو شرطه بملاحظة الأمر به بلا حاجة إلى جعلها له، وبدون الأمر به لا اتصاف بها أصلاً وإن اتصف بالجزئية أو الشرطية للمتصوّر أو لذي المصلحة.(1)

وحاصل ما أفاده: أنّ أمر هذه الأُمور دائر بين كون الجعل فيها محالاً، أو تحصيلاً للحاصل، فلو استقل بالجعل قبل الأمر بالمأمور به، فهو محال، لعدم اتصاف الأجزاء بالمأمور به قبل الأمر ولو قام بالجعل بعد الأمر بالكل، فهو أمر


1. الكفاية:3/305.


(93)

لغو وتحصيل للحاصل لاتصافها بها بعد الأمر بالكل.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ جعل الجزئية الفعلية لجزء من أجزاء المأمور، فرع تعلّق الأمر بالمركّب المأمور به، وبعد تعلّق الأمر بالكلّ الذي يدخل فيه هذا الجزء، يكون جعل الجزئية له أمراً لغواً وتحصيلاً للحاصل، وأمّا جعل الجزئية الشأنية للمركب المأمور به شأناً لا فعلاً بمكان من الإمكان كأن يقول الحمد جزء للصلاة التي سوف أمر بها.

وثانياً: يكفي في جعل الجزئية الفعلية تعلّق أمر بعنوان، وضع لاجزاء لا يشمل الجزء الذي نحن بصدد جعلها له، كما إذا كانت الصلاة أسماء للأركان، غير شامل للحمد، أو للمنع عن بعض الموانع كإقامتها مع ما لا يؤكل لحمه، إلى غير ذلك، فيقول: جعلت الحمد جزءاً للصلاة المأمور بها، وهكذا المانع.

بل يمكن أن يقول إنّ قوله سبحانه: (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)(1) وقوله :«لا تصل في وبر مالا يؤكل لحمه» إرشاداً إلى جعل الشرطية للاستقبال، والمانعية لما لا يؤكل لحمه، فعندئذ يتعلّق الجعل الاستقلالي بالجزئية والشرطية والمانعية للمكلّف به.

القسم الثالث: ما تناله الجعل استقلالاً

فقد مثّل المحقّق الخراساني لهذا القسم بالحجّية والقضاوة، والولاية والنيابة والحريّة والرقيّة والزوجيّة والملكيّة، وقال: إنّ من الممكن انتزاع هذه الأُمور من الأحكام التكليفية التي تكون في مواردها كما يمكن جعلها بإنشاء أنفسها، إلاّ أنّه لا شكّ في صحّة انتزاعها من مجرّد جعله تعالى أو مَنْ بيده الأمر من قبله ـ جل


1. البقرة:144.


(94)

وعلا ـ بإنشائها بحيث يترتب عليها آثارها، وذلك بوجوه ثلاثة:

1. صحّة انتزاع الملكية والزوجيّة والطلاق والحرّية بمجرد العقد والإيقاع ممّن بيده الاختيار من دون ملاحظة التكاليف والآثار، ولو كانت منتزعة عنها لما كاد يصح اعتبارها إلاّ بملاحظتها.

2. لو كانت هذه العناوين منتزعة من الأحكام التكليفية في موردها لزم أن لا يقع ما قُصِد ووقع ما لم يقصد، فانّ العاقد لا يقصد إلاّ جعل الزوجية، لا شيئاً آخر.

3. لا ينبغي أن يشكّ في عدم حجية انتزاعها من مجرّد التكليف في موردها فلا ينتزع الملكية عن إباحة التصرفات، والزوجية من جواز الوطء لأنّ النسبة بين إباحة التصرّف والملكية، وهكذا بين جواز المس والزوجيّة عموم من وجه، وهكذا سائر الاعتبارات من أبواب العقود والإيقاعات.

تحقيق فيه تفصيل

أقول: إنّ المحقّق الخراساني ذكر نماذج من هذا القسم ولم يستقص، وزعم أنّ الجميع مجعول بجعل استقلالي، ولكن الظاهر أنّ الأحكام الوضعية الباقية غير الداخلة في القسمين الأوّلين على أصناف أربعة:

1. ما لا يقبل الجعل أصلاً، لا استقلالاً ولا تبعاً للأحكام التكليفية، وذلك كالتنجّز والتعذّر، والطريقية والكاشفية، والنظافة والقذارة العرفيتين.

أمّاالأوّلان فلأنّهما يدوران حول إصابة القطع ـ مثلاً ـ الواقع، فلو أصاب يكون منجزاً الواقع وإلاّ معذِّراً، وهذا حكم عقلي، ومعه لا حاجة إلى جعلهما استقلالاً أو بتبع الأحكام التكليفية.


(95)

وأمّا المتوسطان: أعني: الكاشفية والطريقية، فهما من الأُمور التكوينية لا تنالهما يد الجعل التشريعي فلو كان الشيء طريقاً بالذات، سواء كان طريقاً كاملاً أو ناقصاً، لاستغنى عن إفاضتهما عليه، وإلاّ فلا يكون إفاضتهما عليه، طريقاً ولا كاشفاً.

نعم كان بعض مشايخنا السادة(1) يقول بأنّ المجعول في باب الأمارة هو تتميم الكشف أو إكمال طريقيته، فلو أراد تتميمها تكويناً فهو غير ممكن بالجعل الاعتباري، وإن أراد تتميمها بالاعتبار فهو و إن كان أمراً ممكناً، لأنّ الاعتبار خفيف المؤنة، لكنّه بعيد عن الأذهان، أعني: تتميم الأمر الحقيقي بالأمر الاعتباري.

أمّا الأخيرتان: أي النظافة والقذارة العرفيتين، فهما بهذا المعنى من الأُمور التكوينية الخارجة عن حدود الجعل والاعتبار قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِماءً طَهُوراً) (2)(كُلُوا مِنْ طَيِّبات ما رَزَقْناكُمْ)(3) .

2. ما تناله يد الجعل استقلالاً، وليس منتزعاً من الأحكام التكليفية الموجودة في مورده، وهذا كالزوجية والملكية، وقد برهن المحقّق الخراساني على كونهما مجعولين مستقلاً لا تبعاً للأحكام الشرعية بوجوه ثلاثة كما عرفت.

3. ما يكون منتزعاً من الأحكام التكليفية، غير مجعول استقلالاً، وهذا كالرخصة والعزيمة فانّهما أمران انتزاعيان من حكم الشارع بجواز الترك أو لزومه، والأوّل كسقوط الأذان والإقامة لمن دخل وقد أُقيمت صلاة الجماعة، والثاني


1. السيد الحجّة الكوهكمري ـ قدَّس سرُّهـفي درسه الشريف.
2. الفرقان: 48.
3. البقرة:57.


(96)

كسقوط الركعتين في حال السفر.

4. ما يصحّ فيه كلا الأمرين: جعله مستقلاً، وانتزاعه من الأحكام التكليفية لكن الأظهر انّه مجعول مستقلاً وهو المتبادر من الروايات، وإليك بيان أفراد هذا الصنف، أعني:

1. الخلافة، 2. الحكومة، 3. القضاء، 4. الولاية، 5. الحجية، 6. الضمان، 7. الكفالة، 8. الصحة، 9و10. الطهارة، والنجاسة الشرعيتين، وإليك بيانها:

أمّا الخلافة: فيكفي في تعلّق الجعل الاستقلالي بها قوله سبحانه: (يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَليفَةً في الأَرضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ وَلا تَتَّبعِ الهَوَى فَيضلَّكَ عَنْ سَبيلِ اللّه) .(1)

أمّا الحكومة: فقد ورد في مقبولة عمر بن حنظلة: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».(2)

وأمّا القضاء: فقد ورد في رواية سالم بن مُكْرَم المعروف بأبي خديجة عن الصادق ـ عليه السلام ـ : «ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم فانّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».(3)

وأمّا الولاية: فيكفي قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّ علي يوم الغدير: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «يا علي أنت وليُّ كلّ مؤمن ومؤمنة».

أمّاالحجّية: بمعنى إفاضة الحجية للشيء بعدما لم يكن حجّة بالفعل، فهذا


1. ص:26.
2. الكافي: 1/68، ط دار الكتب الإسلامية.
3. الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.


(97)

يقبل الجعل الاستقلالي كما إذا قال: خبر الثقة حجّة، كما يمكن انتزاعها من الأحكام التكليفية في مورده، كما إذا أوجب العمل على وفق خبره في مقام الطاعة.

أمّا الضمان والكفالة: فيتقبلان الجعل الاستقلالي كما في قوله سبحانه: (وَأَنَا بِهِ زَعيم) (1)يمكن انتزاعهما من الأحكام التكليفية في موردهما، أعني: إلزام الشخص برد مثل ما اشتغلت به ذمّة المضمون عنه، أو إلزام الشخص بتسليم المكفول عنه.

أمّا الصحّة: فالعقلية منها غير قابلة للجعل، أعني: مطابقة المأمور به للمأتي به، وأمّا الشرعية منها أعني : قبول الناقص مكان الكامل كما في مورد قاعدتي الفراغ والتجاوز، فيصح جعلها استقلالاً، كما في قوله:«كلّما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً فامضه ولا إعادة عليك»(2) فالمتبادر جعل الصحة الشرعية على العمل الناقص كما يمكن انتزاعها من الحكم التكليفي الوارد في موردها كالحكم بعدم الإعادة.

أمّا الطهارة والنجاسة الشرعيتان: فهما أعم من العرفية، إذ قد يعدّ الشرعُ القِذر طاهراً، كما في عرق الإنسان، والديدان والوذي والمذي والدم المتخلّف في عروق الحيوان، أو يحكم بنجاسة ما لا يعدّه العرف قذِراً كنجاسة الكفّار وأولادهم، ونجاسة الخمر، فهما قابلتان للجعل استقلالاً، مثل قوله: (إِنَّما المُشْرِكُون نَجس) (3) بناء على أن الآية بصدد جعل النجاسة عليهم ، كما هما قابلتان للجعل تبعاً للآثار والأحكام التكليفية، كوجوب الاجتناب عن الخمر


1. يوسف:72.
2. الوسائل: الجزء 1، الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث 6 .
3. التوبة: 28.


(98)

والكافر.

ومن هنا تبيّن أنّما عدّه من القسم الثالث ليس على نمط واحد بل هو على أقسام أربعة:

1. مالا يقبل الجعل أصلاً لا استقلالاً ولا تبعاً.

2. ما يقبل الجعل التبعي، لا الاستقلالي.

3. ما يقبل الاستقلالي دون التبعي.

4. ما يقبل كلا الأمرين.

فلاحظ

وأمّا ثمرة البحث: فتظهر في جريان الاستصحاب في كلا الحكمين إذا كان مجعولاً مستقلاً أو تبعاً للحكم التكليفي، إذ يلزم أن يكون المستصحب إمّا حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، والحكم الشرعي عبارة عمّا يكون مستنداً إليه ومجعولاً بنحو من أقسام الجعل.

تمّ الكلام حول التفاصيل في حجّية الاستصحاب وبقي هناك تفصيلان:

1. التفصيل بين استصحاب الحكم الشرعيّ المستنبط من الكتاب والسنّة والمستنبط من حكم العقل، فيجري في الأوّل دون الثاني، اختاره الشيخ الأنصاري ـ قدَّس سرُّه ـ.

2. التفصيل بين الحكم الشرعي الكلي، والحكم الجزئي، والموضوعات الخارجية ، فلا يجري في الأوّل دون الأخيرين وهو خيرة المحقّق النراقي والمحقّق الخوئي ـ قدّس سرّهماـ وسيأتي الكلام فيهما في ضمن التنبيهات.


(99)

التنبيهات

1

جريان الاستصحاب في الأُمور الاستقبالية(1)

لا شكّ في جريان الاستصحاب إذا تعلّق الشكّ بالأمر الحالي ـ كما إذا شكّ المتطهّر في بقاء طهارته ـ إنّما الكلام في جريانه إذا كان متعلّقه أمراً استقبالياً ، كما إذا كان أوّل الوقت فاقداً للساتر أو واجداً له وكان نجساً وشكّ في بقاء العذر إلى آخر الوقت فيستصحب بقاءه إلى آخره ويترتّب عليه جواز البدار كما إذا علم بقاءه على نفس الحالة.

يظهر من السيد المحقّق الخوئي ـ قدَّس سرُّه ـ جريان الاستصحاب في الأمر الاستقبالي كجريانه في الأمر الحالي.

وقد أفتى على وفق الاستصحاب في الأُمور الاستقبالية، نذكر منها ما يلي:

1. إذا كان جنباً في شهر رمضان في الليل لا يجوز له أن ينام قبل الاغتسال إذا علم أنّه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال، فلو شكّ في الاستيقاظ فقال: الصحيح حرمته، لأنّ النوم المحتمل فيه عدم الاستيقاظ، محكوم بالاستمرار إلى الفجر، بمقتضى الاستصحاب، فهذا نوم مستمر إلى الصباح متعمّداً وقد صدر باختياره فهو عامداً إليه.(2)


1. هذا التنبيه من إضافات شيخنا الأُستاذ ـ مدّظلّه ـ.
2. مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 207.


(100)

ومثله إذا عجز عن خصال الكفّارة، ولكن يحتمل تجدّد القدرة. فهل يجوز أن ينتقل إلى البدل ، أعني: صيام ثمانية عشر يوماً، أو التصدّق بما يطيق؟ فقيل نعم استناداً إلى استصحاب العجز بناءً على جريانه في الأُمور الاستقبالية كما هو الصحيح.

فالمحكّم في الأُمور الاستقبالية هو الحكم باستمرار ما سبق إلى المستقبل فيترتب عليه البدار إلاّ إذا دلّ الدليل على عدم الجواز، كما هو الحال في المعذور في الطهارة الحدثية كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ ، قال: سمعته يقول: «إذا لم تجد ماء وأردتَ التيمّم فأخّر التيمّم إلى آخر الوقت فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض».(1) فمقتضى الاستصحاب هو بقاء العذر والبدار إلى البدل لكن منع عنه النص.(2)

يلاحظ عليه: أنّ أدلّة الاستصحاب إمضاء لما عليه العقلاء في حياتهم ومعاشهم وهو عندهم الحكم ببقاء ما مضى إلى زمان الحال، وأمّا الحكم بالبقاء من زمان الحكم إلى الوقت المستقبل فليس بمعهود عندهم.

ولو صحّ ما ذكر يلزم أن يحكم على الدم في أيّام الاستظهار، بالحيض تارة والاستحاضة أُخرى، فلو قذفت الدم في غير أيام العادة ولكن تحتمل انقطاعها قبل الثلاثة، فمقتضى الاستصحاب استمرارها فلابدّ أن تكون محكومة بالحيض.

وإذا تجاوز الدم عن أيّام العادة ولم يتجاوز العشرة، فمقتضى الاستصحاب الحكم باستمرارها بعد العشر ولابدّمن الحكم عليها بالاستحاضة، لأنّ دم الحيض لا يتجاوز أيّام العادة إلاّ إذا انقطعت قبل العشرة.


1. الوسائل: الجزء 2، الباب 22 من أبواب التيمم، الحديث 1.
2. مستند العروة: كتاب الصوم:355.


(101)

نعم لو كان الموضوع مجرّد اليقين والشكّ سواء كان اليقين متعلّقاً بالماضي والشك بالحال، أو كان اليقين متعلّقاً بالحال ـ كما في المثالين ـ والشكّ بالاستقبال كان لما ذكره وجه، لكن الموضوع عندهم هو القسم الأوّل لا غير.

فالمرجع في المثالين إطلاق دليل البدل، لو كان، وإلاّ فالأصل العملي، أعني: الاشتغال إذا ارتفع العذر.


(102)

التنبيهات

2

في اشتراط فعلية اليقين والشكّ

يشترط في جريان الاستصحاب أُمور أربعة:

1. اليقين بالحدوث.

2. الشكّ في البقاء.

3. وحدة القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة بإلغاء الزمان.

4. ترتب الأثر على بقاء المتيقّن.

والمهم في المقام هو الأمران الأوّلان، أعني:

1. لزوم اليقين بالحدوث، ولا يكفي نفس الحدوث واقعاً وإن لم يتعلّق به اليقين لظهور قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» في لزوم فعلية اليقين في ذهن المستصحب.

مضافاً إلى أنّ العبد يحتج بالاستصحاب على المولى ومن أركان الاحتجاج هو اليقين بالحدوث، ولا معنى للاحتجاج بثبوت الشيء، مع عدم اليقين به، وعدم الاطّلاع عليه.

وبعبارة أُخرى: ما يصلح للاحتجاج هو العلم واليقين بوجود الشيء سابقاً، لا ثبوته وإن لم يعلم.


(103)

فإن قلت: إنّ اليقين في مورد الاستصحاب مأخوذ بنحو الطريقية، والمراد منه المتيقّن أي لا تنقض المتيقّن، فإن كان المتيقّن حكماً شرعياً، يجب إبقاؤه، وإن كان موضوعاً ذا حكم شرعي، يجب ترتيب آثاره عليه في ظرف الشكّ، وإلاّ فاليقين بمجرد طروء الشكّ يكون منقوضاً، ومعنى كونه طريقاً، العناية بالمتيقّن لا اليقين.

قلت: لا مانع من أخذ اليقين في مقام ترتيب الأثر طريقياً إلى التعلّق، وأخذه موضوعياً في مقام الاحتجاج.

ففي مقام ترتيب الأثر يكون اليقين مغفولاً عنه، وفي مقام الاحتجاج على المولى يكون ملحوظاً استقلالاً، وأمّا قوله في صحيحة ابن سنان:«فانّك أعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن انّه نجسه»، فليس دليلاً على عدم شرطية فعلية اليقين بتوهم أنّه قال: «وهو طاهر» ولم يقل «انّك متيقّن أنّه طاهر» وذلك لأنّ الذيل، أعني: «ولم تستيقن» دليل على تقدير اليقين في الصدر أي انّك كنت متيقّناً بطهارته ولم تستيقن أنّه نجّسه.

2. لزوم الشكّ، وذلك لنفس الدليل المذكور في اعتبار فعلية اليقين، وانّ ملاك الاحتجاج على المولى هو عدم نقض اليقين بالشك.

أضف إلى ذلك أنّ مفاد الاستصحاب حكم ظاهري وهو يتقوّم بالشك، ولذلك قالوا: تعتبر في الاستصحاب فعلية اليقين والشكّ، فلا استصحاب مع الغفلة عن اليقين أو الشكّ، ولو فرض انّه لو التفت لأيقن، أو لشك، لا يكون مصحّحاً لجريان الاستصحاب.

ثمّ إنّه يترتب على ما ذكرنا فروع فقهيّة.


(104)

الفرع الأوّل

إذا أحدث ثمّ غفل وصلّى، ثمّ شكّ في أنّه تطهّر قبل الصلاة أو لا؟

قالوا بصحّة الصلاة، لأنّ الشكّ بعد الصلاة مجرى لقاعدة الفراغ، ولا يجري استصحاب الحدث حين الصلاة، لغفلته وعدم شكّه فيه حين الصلاة.

ولكن الحقّ بطلان الصلاة، لجريان الاستصحاب وعدم جريان قاعدة الفراغ.

أمّاالثاني أي عدم جريان قاعدة الفراغ فلاختصاصها بما إذا كانت الغفلة محتملة فترتفع احتمالها بأذكريّة المصلّي حينَها، وأمّا إذا كانت الغفلةُ معلومَة كما في المقام واحتمل وقوع العمل صحيحاً (باحتمال التوضّؤ) من باب الصدفة، فالأدلّة منصرفة عنه.

ولأجل ذلك قالوا: ببطلان الوضوء في الصورتين التاليتين:

1. لو توضّأ والخاتم على اصبعه ولم يُحرّكه،وشكّ بعد العمل في أنّه هل جرى الماء تحته أو لا؟ فلا تجري قاعدة الفراغ للعلم بالغفلة حين العمل، وانّه لو جرى عليه الماء لكان من باب الصدفة.

2. لو علم بأنّ أحد الماءين مضاف، ثمّ توضّأ غفلة وشكّ بعد العمل في أنّه هل توضأ بالماء المطلق أو بالماء المضاف، فلا تجري القاعدة بنفس البيان السابق.

وأمّا جريان الاستصحاب فلكفاية الشكّ بعد الصلاة في أنّه هل تطهر بعد الحدث وقبل الصلاة أو لا؟ فيحكم ـ بعد الصلاة ـ ببقاء الحدث السابق من لدن حدوثه إلى الحالة التي توجّه فيها إلى كيفية وقوع العمل، وليس هذا من قبيل


(105)

الاستصحاب القهقريّ، لأنّه عبارة عن جر المتيقّن بالفعل إلى الأزمنة الماضية ككون الأمر حقيقة في الوجوب فعلاً فيحكم بكونه كذلك إلى عصر الرسالة، ولكن المقام على عكسه أي من قبيل جرّ الحالة السابقة(الحدث المتيقّن قبل الصلاة إلى الحالة اللاحقة) أي من قبلِ الصلاة إلى حالها، وبعدها، والشكّ وإن كان حادثاً بعد الصلاة لكن المشكوك هو الحدث المتقدّم على الصلاة المشكوك بقاؤه فيحكم ببقائه إلى ما بعد الصلاة.

الفرع الثاني

إذا أحدث ثمّ شكّ في ارتفاعه ثمّ غفل وصلّى ثمّ شكّ في أنّه توضّأ أم لا؟

قال الشيخ والمحقّق الخراساني ببطلان الصلاة لحدوث الشكّ قبل الصلاة، وإن غفل عنه لكنّه كان موجوداً في صقع ذهنه، وعدم جريان قاعدة الفراغ لاختصاصها بما إذا كان الشكّ حادثاً بعد العمل والمفروض حدوثه قبله ولكنّه غفل عنه.

أقول: الصلاة باطلة كما صرّحا به، لجريان الاستصحاب إمّا لكفاية الشكّ المذهول عنه الموجود في صقع النفس، أو لكفاية التوجّه إلى الشكّ المذهول عنه بعد الصلاة، فيحكم ببقاء الحدث من لدن وجوده إلى زمان الفراغ من الصلاة كما تقدّم في الفرع الأوّل.

وأمّا عدم جريان قاعدة الفراغ فلوجهين:

أحدهما: ما أفاده من أنّ مجراها هوالشكّ الحادث بعد العمل لا المتقدّم عليه، الموجود في صُقع النفس.

ثانيهما: أنّ مجراها إنّما هو احتمال ترك الجزء أو الشرط مستنداً إلى احتمال


(106)

الغفلة فيدفع بالأذكريّة حين العمل لا في مثل مقامنا الذي تكون الغفلة فيه محرزة، واحتمال الصحّة مستنداً إلى الصدفة.

فظهر ممّا سبق أنّ الصلاة في كلتا الصورتين باطلة.

الفرع الثالث

إذا كان المكلّف عالماً بالطهارة، ثمّ شكّ في بقائها، ثمّ غفل وصلّى، ثمّ شكّ في بقاء الطهارة حال الصلاة.

إنّ هذاالفرع كسابقه بيد انّ المتيقّن هنا الطهارة وهناك المتيقّن هو الحدث.

فيجري فيها استصحاب الطهارة بأحد الوجهين كما عرفت في الفرع الثاني إمّا لكون الشكّ فعلياً موجوداً في صقع النفس ـ و إن لم يكن ملتفتاً إليه ـ و إمّا لكفاية التوجّه إلى الشكّ المذهول عنه بعد الصلاة.

وعلى كلّ حال فاستصحاب الطهارة يلازم صحّة الصلاة.

نعم لا تجري قاعدة الفراغ وإن كانت تتحد في النتيجة مع قاعدة الاستصحاب للوجهين السابقين في الفرع الثاني، أعني:

1. انّ ملاكها هو الشكّ الحادث بعد العمل لا الشكّ الموجود قبل العمل.

2. انّ مجراها هوا حتمال ترك الجزء أو الشرط مستنداً إلى احتمال الغفلة لا في مثل المقام الذي كانت الغفلة محرزة فيه.

الفرع الرابع

إذا كان عالماً بالطهارة ثمّ شك في بقائها، ثمّ غفل، وصلّى، وحصل له بعد الصلاة العلم بتوارد الحالتين عليه من الطهور والحدث قبل الصلاة مع عدم معرفة المتقدم منهما عن المتأخّر. فربما يقال بجريان استصحاب الطهارة إمّا لكون


(107)

الشكّ فعلياً ـ على ما عرفت ـ أو لكفاية التوجّه إليه بعد الصلاة، وعدم جريان القاعدة لأنّ الشكّ ليس حادثاً بعد الصلاة، بل هو نفس الشكّ السابق.

ولكن الظاهر عدم جريان الاستصحاب أيضاً لانقطاع اليقين بالطهارة وعلم المكلّف بارتفاعها قطعاً، وذلك بسبب العلم الإجمالي بتوارد الحالتين عليه بعد الشكّ، فالطهارة السابقة المتيقّنة منتفية قطعاً، إمّا لتوسط الحدث بين الطهارتين، وإمّا لوقوعه بعدهما وعلى كلّ حال فالطهارة المتيقّنة الأُولى قطعية الارتفاع فكيف تستصحب.

فإن قلت: فما هو المرجع عندئذ بعد عدم إمكان استصحاب الطهارة المتيقّنة الارتفاع؟

قلت: سيوافيك انّه يجب الأخذ بضد الحالة السابقة، أعني: الحدث و الحكم بكون الإنسان محدِثاً والصلاة باطلة، لأنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي تعلّقه بأمر يكون على كلّ تقدير مؤثراً ومحدثاً للتكليف كالعلم بوقوع الدم في أحد الإناءين الطاهرين، لا ما إذا علم بوقوعه في أحد الإناءين نعلم بنجاسة أحدهما معيناً، فانّه لا يحدث التكليف إلاّ إذا وقع في الإناء الطاهر دون النجس.

ومثله المقام حيث علم بتوارد إحدى الحالتين بعد الطهارة الأُولى، فلو كان الوارد عليها هو الحدث لأثّر قطعاً، ولو كان الوارد هو الطهارة لما أثّر بل كان مؤكداً، فتعلّق العلم بتوارد إحدى الحالتين ليس من قبيل تعلّقه بشيء مؤثر على كلّ تقدير، وعلى هذا فالعلم الإجمالي بحدوث أحد الأمرين بعد الطهارة: إمّا الوضوء أو الحدث أشبه بما إذا علم إجمالاً بحدوث أحد الأمرين بعدها: إمّا العطسة أو الحدث، فلو كان الحادث هو العطسة لما أثّر، ولو كان الحادث هو الحدث لأثّر، فيؤخذ بما هوالمؤثر على كلّ تقدير حتى ارتفاعه وهو الحدث وسيوافيك بيانه في تنبيه خاص.


(108)

التنبيهات

3

إذا كان المتيقّن محرزاً بالأمارة

قد عرفت أنّ اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء من أركان الاستصحاب ففيما إذا كان المتيقّن محرزاً بالوجدان، فالركن الأوّل موجود بالوجدان، وأمّا إذا كان محرزاً بدليل غير قطعي كالأمارة والبيّنة فشكّ في بقاء حكم أو موضوع، قاما عليه، فهل يجري فيه الاستصحاب؟ قيل: لا، لعدم إحراز الثبوت فلا يقين ولا بدّ منه بل ولا شكّ فانّه على تقدير لم يثبت.

وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه:

الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني وهو أنّ اعتبار اليقين إنّما هو لأجل إمكان التعبد والتنزيل شرعاً في البقاء لا في الحدوث، فيكفي فيه الشكّ على تقدير الثبوت فيتعبد به على هذاالتقدير، فيترتب عليه الأثر فيما كان هناك أثر ـ و أضاف ـ وبذلك يُذبُّ عمّا في استصحاب الأحكام التي قامت الأمارة المعتبرة على مجرد ثبوتها وقد شكّ في بقائها على تقدير ثبوتها حيث أشكل عليه بأنّه لا يقين بالحكم الواقعي ولا يكون هناك حكم آخر فعلي ـ وجه الذب ـ انّ الحكم الواقعي الذي هو مؤدّى الطريق، حينئذ محكوم بالبقاء فيكون الحجّة على ثبوته، حجّة على بقائه تعبّداً للملازمة بينه و بين ثبوته.

ثمّ أورد على نفسه: أخذ اليقين بالشيء في التعبّد ببقائه في الأخبار، ولا يقين


(109)

في فرض تقدير الثبوت.

وأجاب بأنّ الظاهر انّه أخذ كشفاً عنه ومرآتاً لثبوته ليكون (ليتمكن) التعبّد في بقائه،والتعبّد في فرض ثبوته إنّما يكون في بقائه.

يلاحظ عليه: إذا كان اليقين بالثبوت من أركان الاستصحاب وكان المراد منه، هو اليقين المنطقي فمعنى ذلك، هو جريان الاستصحاب، مع عدم بعض أركانه.

وما ذكره من أنّ اعتبار اليقين بالحدوث، لأجل إمكان التعبد في البقاء فيكفي الشكّ على تقدير الثبوت، بمعنى نفي ركنية اليقين في جريان الاستصحاب.

فإن قلت: إذا كان اليقين مأخوذاً على نحو الطريقية إلى المتعلّق ليتمكن من الحكم بالبقاء وعليه يكفي فرض ثبوته مع الشكّ في البقاء.

قلت: إنّ اليقين وإن كان مأخوذاً على نحو الطريقية إلى المتعلّق، لكنّه في مقام الاحتجاج أخذ على نحو الموضوعية فيحتجّ على المولى باليقين السابق، وانّه أمر صلب لا ينقصه الشك. ومثله يتوقف على اليقين الفعلي، لا التقديري.

الثاني: انّ اليقين بالحكم الواقعي وإن لم يكن موجوداً لكن اليقين بالحكم الظاهري متحقّق بما على القول بأنّ مآل حجّية الأمارات إلى جعل الحكم الشرعي المماثل لمؤدّى الأمارة.

يلاحظ عليه: أنّ المجعول في الأمارة ليس إلاّ إمضاء ما بيد العرف والعقلاء، وحجّية الأمارة عندهم ليس إلاّ لكونه منجِّزاً عند الإصابة، ومعذِّراً عند المخالفة، فلو صادفت الواقع، فالحكم المجعول هو الواقع الذي تنجّز بالأمارة وإن خالف


(110)

يبقى الحكم الواقعي على شأنيته من دون جعل حكم ثانوي بل يكون المكلّف معذوراً.

الثالث: ما أجاب به المحقّق النائيني وقال: إنّ منشأ الإشكال توهم كون المجعول فيها المنجّزيّة والمعذِّرية، لا الإحراز والوسطية في الإثبات فإذا كان المجعول فيها هو الثاني، تكون حال الأمارات، حال العلم في صورة المطابقة والمخالفة، ويكون المؤدّى محرزاً، ويجري فيه الاستصحاب عند الشكّ كما لو كان محرزاً بالعلم الوجداني بلا إشكال أصلاً.(1)

وحاصله: انّ الشارع جعل الأمارة منزلة العلم، فكما أنّ العلم محرز للواقع فكذا الأمارة محرزة للواقع، تعبّداً، فصار للعلم فردان: وجداني وتعبدي، فيكون المكلّف بعد قيام الأمارة محرِزاً للواقع وعالماً به، وبما أنّ اليقين في أدلّة الاستصحاب لم يؤخذ بما هو وصف قائم في النفس بل أخذ طريقاً صحّ قيام الأمارة مقام اليقين.(2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّما ذكره من أنّ المجعول في باب الأمارات هوالوسطية في الإثبات والطريقية والإحراز، مبني على وجود الجعل فيها، وأمّا على القول ، بأنّ حجّية الأمارات إمضائي لا تأسيسيّ، أي إمضاء ماعليه العقلاء بما انّها مفيدة للإطمئنان، أو مصيب للواقع غالباً فيكون الجواب أشبه بالسالبة بانتفاءالموضوع.

وثانياً: نفترض انّ حجّية الأمارة مجعولة لكن الطريقية أو الوسطية في الإثبات وما يشابهما غير صالحين للجعل، لأنّهما بالمعنى التكويني غير قابلين للجعل، لأنّ الشيء في التكوين إمّا طريق أو غير طريق، فالقطع و الظن


1. فوائد الأُصول:4/404 بتصرف.
2. مصباح الأُصول:3/99.


(111)

طريقان، والشكّ والوهم ليسا بطريقين، وبالمعنى الاعتباري وإن كانا قابلين للجعل، لكن لا حاجة إليه بعد كون الأمارة واجدة له ناقصاً نسبيّاً تكويناً وبمعنى تتميم الكشف غير معقول، لأنّ التتميم إنّما يتصوّر إذا كان المتمم والمتمم من سنخ واحد لا من سنخين كما في المقام.

الرابع : أن يقال: إنّ اليقين يستعمل في موردين:

1. اليقين المنطقي، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، كما في قوله:(وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّين * حَتّى أَتانا اليَقِينِ) .(1)

2 . الحجّة أي ما يحتج به العبد على المولى، والمولى على العبد، سواء كان اعتقاداً جازماً، أو ما جعله الشارع حجة في دائرة إطاعة أوامره ونواهيه.

وقد استعمل العلم واليقين بهذا المعنى في الأبواب التالية:

1. باب النهي عن القول بغير علم.

2. باب النهي عن الاستيكال بالعلم.

3. باب النهي عن الإفتاء بغير علم.(2)

ومن المعلوم جواز القول والإفتاء بالحجج الشرعية، واليقين الوارد في أخبار الاستصحاب هو اليقين بمعنى الحجّة، لا اليقين المنطقي.

والذي يدل على أنّ اليقين الوارد في صحاح زرارة ليس هو اليقين بالمعنى المنطقي، بل بمعنى الحجّة الشرعية، هو أنّ المستند ، لطهارة بدن زرارة وثوبه، والماء الذي توضأ به، هو أصالة الطهارة، أو إخبار زوجته، أو غير ذلك من


1. المدثر:46 ـ 47.
2. الكافي: 1/43ـ 46.


(112)

الأمارات الجارية في الموضوعات فلم يكن له يقين بالمعنى المنطقي، وعلى ذلك فمعنى لا تنقض اليقين بالشك، أي لا تنقض الحجّة باللا حجة.

هذا كلّه حول الأمارات، وأمّا مفاد الأُصول فلا حاجة في إحراز حكمها إلى الحالة اللاحقة بالاستصحاب، بل دليل الأصل كاف لإثبات حكمه في ثواني الحالات وثوالثها، لأنّ الموضوع هو الشكّ وهو كاف في الحكم بالطهارة والحلية في الآن الثاني والثالث، ولذلك تكون أصالة الطهارة والحلية متقدمتين على استصحابهما، لما مرّ من أنّهما أقل مؤنة حيث يكفي في جريانهما الشكّ من دون حاجة إلى لحاظ الحالة السابقة، بخلاف الاستصحاب، فالموضوع فيه هو الشكّ الملحوظ فيه الحالة السابقة.


(113)

التنبيهات

4

في استصحاب الكلّي

ولنقدّم أُموراً:

1. ما هو المراد من الكلّي في المقام؟

المراد من الكلّي في المقام، هو ذات الطبيعي، والذي يعبّر عنه بالكلّي الطبيعي الذي تعرضه الكلية ويسمّى العارض والمعروض كلياً عقلياً، وعليه يكون المراد من استصحابه هو استصحاب الجامع بين الفردين من الحكم إذا كان الاستصحاب حكمياً، أو الجامع بين الموضوعين إذا كان الاستصحاب موضوعياً.

2. في بيان أقسام استصحاب الكلي

ذكر الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني له أقساماً ثلاثة، وزاد المحقّق الخوئي عليها قسماً رابعاً، وإليك البيان:

الأوّل: إذا علم بتحقّق الكلّي(الإنسان) في ضمن فرد، كزيد وشكّ في بقائه، فكما يجوز استصحاب الفرد، كذلك يجوز استصحاب الجامع بينه و بين فرد آخر وهو الإنسانية، لأنّ العلم بوجود زيد في البيت، يستعقب علمين. علماً بوجود فرد من الإنسان فيه، وعلماً بوجود الإنسان بلا لحاظ الخصوصية، فعند الشكّ يجوز استصحاب الفرد كما يجوز استصحاب الكلّي.


(114)

الثاني: إذا علم بتحقّق الكلّي في ضمن فرد مردّد بين متيقّن الزوال و متيقّن البقاء، كما إذا علم بوجود إنسان في الدار مردّد بين زيد الذي هو قطعي الزوال وعمرو الذي هو متيقّن البقاء.

وأمّا المثال الفقهي، فكما إذا علم بخروج رطوبة مردّدة بين البول والمني فتوضأ ولم يغتسل، فلو كان الفرد الحادث، الحدثَ الأصغر فقد ارتفع قطعاً، ولو كان الحدث الأكثر فهو باق قطعاً فيُستصحَب بقاءُ الحدث.

ومثله ما إذا عكس، أي اغتسل ولم يتوضأ، فلو كان الحدث هو الأكبر، فقد ارتفع، ولو كان هو الأصغر فهو باق، لأنّ الغسل إنّما يُزيلَ الحدثَ الأصغر إذا كان الحدثُ الأكبر أمراً قطعياً، لا ما إذا كان مشكوكاً.

وربّما يكون المستصحب مردّداً بين متيقّن الارتفاع، ومحتمل البقاء، ففي المثال المزبور إذا توضأ ومع ذلك احتمل الاغتسال أيضاً، فالحدث الأصغر قطعي الارتفاع، ولكن الأكبر محتمله، فيستصحب الكلي والجامع بين الحدثين.

الثالث: إذا علم بتحقّق الكلّي في ضمن فرد معين قطعي الزوال ولكن يحتمل أن يكون في البيت، فرد آخر أيضاً مقارناً، مع وجود الأوّل، أو مقارناً مع زواله.

وأمّا مثاله الفقهي، فكما إذا نام و احتمل احتلامه في النوم فتوضّأ بالفرد المتحقّق في ضمنه الكلّي قطعي الارتفاع لكن نحتمل بقاء الكلي في ضمن فرد آخر مقارن معه وهو الجنابة فيستصحب مطلق الحدث.

الرابع: إذا علم بوجود فرد معين وعلمنا بارتفاع هذا الفرد، ولكن علمنا بوجود معنون بعنوان يحتمل انطباقه على هذا الفرد المرتفع، وعلى الفرد الآخر الباقي، كما لو علم بوجود زيد في الدار وعلم بوجود قرشي فيها، يحتمل أن يكون


(115)

هذا القرشي هو نفسَ زيد، ويحتمل أن يكون غيره.

والفرق بين القسم الثالث والرابع هو وحدة العلم في الثالث حيث يعلم بوجود زيد في الدار ولكن يحتمل أن يكون معه فرد آخر; بخلاف المقام، فإنّ هنا علمين مستقلين: علم بوجود زيد في الدار، وعلم بوجود القرشي فيها، لكن يحتمل اتحادهما مصداقاً، فلو خرج زيد منها، شك في بقاء الإنسان فيستصحب الكلّي. أضف إليه أنّ البقاء في القسم الثاني رهن تعدّد الفردين قطعاً، لكن البقاء في القسم الرابع رهن احتمال تعدّد الفردين.

ومثاله الفقهي: إذا علم بالجنابة ليلة الخميس واغتسل منه، ثمّ رأى المني في ثوبه يوم الجمعة يحتمل أن يكون أثراً للجنابة المرتفعة، كما يحتمل أن يكون أثراً للجنابة الجديدة، فيستصحب الحدث الجامع حيث يعلم بحدوث الجنابة حين خروج المني المرئي.

3. ترتب الأثر على الجامع

انّ الأثر تارة يترتب على الفرد بما له من الخصوصية، كحرمة المكث في المسجد والعبور عن المسجدين، فانّه مترتب على عنواني الجنابة والحيض.

وأُخرى على مطلق الحدث، كحرمة مس القرآن والدخول في الصلاة، فاستصحاب الكلّي إنّما ينفع إذا كان الأثر مترتباً على الجامع دون الفرد.

إذا عرفت هذه الأُمور، فلنأخذ كلّ واحد من الأقسام بالبحث.

القسم الأوّل من أقسام استصحاب الكلّي

إذا علم بتحقّق الكلّي في ضمن فرد، كالحدث في ضمن الجنابة، ثمّ شكّ في بقائه وارتفاعه فكما يجوز استصحاب الفرد فيترتب عليه أثره، كالمكث في


(116)

المساجد، والعبور من المسجدين، يجوز استصحاب الجامع بين الأحداث ويترتب عليه حرمة مسِّ كتابة القرآن.

فإن قلت: إذا تحقّق الكلّي في ضمن فرد كالإنسان في ضمن زيد، والحدث في مثل الجنابة، فقد تحقّق في مصداق خاص، وخرج عن كونه كليّاً، وعلى ضوء هذا يرجع استصحاب الكلي إلى استصحاب الفرد.

قلت: ما ذكر وإن كان صحيحاً، لأنّ الطبيعي يتكثر بتكثر أفراده ويكون عين الفرد ونفسه، و ـ مع ذلك ـ لا مانع من النظر إلى الطبيعي بمنظارين: النظر إليه بما هو متحقّق في الخارج مع المشخّصات الفرديّة التي تُمثِّل زيداً، و النظر إليه بما هوهو مع قطع النظر عن الخصوصيات الشخصية، والعناوين المفرِّدة، وهذا هو المراد من استصحاب الكلي، من غير فرق بين كون الجامع جامعاً للموضوعات كالإنسانية، أو جامعاً للأحكام، فإذا دلّ الدليل على وجوب الشيء، فكما يصحّ استصحاب الفرد، أعني: الوجوب، يصحّ استصحاب الطلب الجامع بين الوجوب والندب.

وتصوّر أنّ المجعول هو الفرد، أعني: الوجوب دون الجامع، مدفوع، لانّ جعل الفرد، هو عين جعل الطبيعي، فإيجاد زيد في الخارج عين إيجاد الإنسان، وإنشاء الوجوب في عالم الاعتبار عين إنشاء الطلب.

استصحاب الكلي لا يُغني عن استصحاب الفرد

لا شك في أنّ استصحاب الكلي لا يُغني عن استصحاب الفرد، فلو قال«للّه عليّ التصدق بدرهم إذا كان إنسان في البيت» وقال أيضاً:«للّه عليّ التصدق بدينار إذا كان فيه زيد» فاستصحاب بقاء الإنسان لا يثبت شرعاً،


(117)

وجود زيد فيه، فلا يجب عليه إلاّ الدرهم، وأمّا الدينار فإنّما يجب إذا كان بقاء زيد، مجرى للاستصحاب.

إنّما الكلام في العكس وهو إغناء استصحاب الفرد عن استصحاب الكلي، وترتيب أثر الكلّي عند استصحاب الفرد، كإيجاب التصدّق بالدرهم والدينار باستصحاب بقاء زيد في الدار، وعند ذاك يكون استصحاب الكلي أمراً لغواً لقيام استصحاب الفرد مكانه هذا فقد اختلفت كلمتهم في ذلك.

فيظهر من المحقّق الخراساني كونه مغنياً، حيث قال: فإن كان الشكّ في بقاء ذات العام من جهة الشك ـ في بقاء الخاص الذي كان في ضمنه وارتفاعه ـ كان استصحابُه، استصحابَه.

واختار في تعليقته خلافه، وقال: إنّ الفرد وإن كان عين الكلّي بالدقة، إلاّ أنّه غيره عرفاً، إلاّ أن يقال انّ العرف ربّما يتسامح ويرى أثر الكلي، أثر الفرد.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الفرد عينُ الطبيعي عرفاً وعقلاً، فليس الإنسان عنده شيئاً، والمصداق شيئاً آخر، بل الفرد الخارجي، مصداق العنوانين عند العرف أيضاً.

ومع ذلك فيمكن أن يقال انّ استصحاب الفرد لا يغني عن استصحاب الكلّي إذا كان الأثر مترتباً على عنوان الإنسان، كما إذا قال: للّه علي التصدّق بدرهم إذا كان في البيت إنسان، وذلك لما أفاده سيدنا الأُستاذ قائلاً بأنّ حيثية الكلي غير حيثية الخصوصيات الفردية في عالم الاعتبار ومقام تعلّق الأحكام بالموضوعات، فإيجاب إكرام كلّ إنسان، غير إكرام زيد وعمرو، فالحكم تعلّق في الأوّل بحيثية إنسانية كلّ فرد و هو غير الخصوصيات الفرديّة، فإسراء الحكم من


1. درر الفوائد في شرح الفرائد بتلخيص منّا .


(118)

أحد المتحدين في الوجود والمختلفين في الحيثية إلى الآخر، بالاستصحاب لا يمكن إلاّ بالأصل المثبت.(1)

وحاصل ما أفاده انّ عنوان الإنسانية، غير عنوان الفردية، ففي مقام جعل الحكم، ترتب التصدّق بالدرهم بالعنوان الأوّل، والتصدّق بدينار بعنوان الفرد كزيد، فلا يصحّ إثبات أحد العنوانين الملازمين باستصحاب الآخر.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتم إذا كان الأثر مترتباً على عنوان الإنسان، فلا يثبت باستصحاب الفرد، وأمّا إذا كان الأثر مترتباً على مصداقه وواقعه فيثبت باستصحاب الفرد،لأنّ العلم بوجود زيد في البيت علم بأمرين: الإنسانية، والخصوصية الفردية، فاستصحاب الكلّ وإثبات أحد جزئيه، ليس من الأُصول المثبتة، لأنّ العلم بالفرد منحل إلى العلم بشيئين، والعلم بذات الطبيعي مندرج في العلم بالفرد فلا يكون مثل هذا من قبيل استصحاب أحد المتحدين وإثبات المتحد الآخر، بل من قبيل استصحاب الكلّ وإثبات أحد الأجزاء.

القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلّي

إذا علمنا بوجود الكلّي في ضمن فرد مردّد بين متيقّن الارتفاع، ومتيقّن البقاء، أو مردّد بين متيقّن الارتفاع ومحتمل البقاء، وقد تقدّم مثالهما، فهل يجوز استصحاب الجامع أي الحدث، ليترتب عليه لزوم الغُسْل للدخول في الصلاة؟

ثمّ أثر أحد الفردين بالنسبة إلى الآخر قد يكون من قبيل الأقل والأكثر، كما إذا علمنا بإصابة ثوبه نجس، مردّد بين الدم والبول، فغسله مرّة، فلو كان المصيب هو الدم فقد طهر الثوب، وإن كان البول فلا يطهر إلاّ بغسل ثان، وقد


1. رسائل الإمام الخميني: 1 / 126 .


(119)

يكون من قبيل المتباينين، كما إذا تردّدت الرطوبة بين البول والمني، حيث إنّ أثر البول لا يرتفع إلاّ بالوضوء، بخلاف أثر المنيّ فلا يرتفع إلاّ بالغسل.

ومثله ما إذا شرب حيوان نجس من الإناء، وتردّد بين الكلب و الخنزير، فعلى الأوّل يجب غسله مرّتين مع التعفير، وعلى الثاني يجب الغسل سبع مرّات، فلو غسله مرتين مع التعفير، يستصحب بقاء نجاسة الإناء.

نعم استصحاب الجامع لا يثبت أثر الفرد بل يثبت الاشتغال فقط لكن العقل يحكم بأنّ البراءة اليقينية رهن ترتيب أثر كلا الفردين. فاستصحاب الجامع يثبت الاشتغال، والعقل يتّخذه موضوعاً لحكمه وهو وجوب تحصيل البراءة، ولا تحصل إلاّ بالقيام بعملين : الوضوء والغسل، هذا وقد أشكل على هذا القسم من استصحاب الكلّي، بوجوه:

الأوّل: اختلال أركان الاستصحاب

إنّ من أركان الاستصحاب هو القطع بالحدوث، والشكّ في البقاء، ولكنّ الأمر في هذا المورد على العكس، لأنّ الفرد القصير ـ على فرض كونه الموجود في الدار ـ قطعيّ الارتفاع، والفرد الطويل مشكوك الحدوث، والأصل عدم حدوثه، ومع نفي الفردين فلا يبقى مورد لاستصحاب الكلي، لأنّه متحقّق بين ذا وذا، وقد تبيّن أنّ الأوّل على فرض حدوثه قطعيّ الزوال، والثاني مشكوك الحدوث.

والجواب: انّ ما ذكر صحيح لكنّه يحول دون استصحاب الفرد لابتلاء استصحاب كلّ من الفرد الطويل والقصير بالإشكال كما عرفت، لكنّه لا يمنع من استصحاب الكلي، ويكفي فيه أنّ حدوث الجامع قطعيّ وارتفاعه


(120)

مشكوك.

الثاني: حكومة الأصل السببي على المسببي

إنّ الأصل السببيّ حاكم على الأصل المسببيّ دون ريب، فلو شككنا في طهارة ماء قليل مسبوق بالطهارة وغَسَلْنا به الثوبَ النجس يُحكم بطهارة الثوب، ولا يجري استصحاب نجاسته، لأنّ الشكّ في طهارة الثوب ونجاسته مسبّب عن طهارة الماء، فإذا حكم الشارع بطهارته فكأنّه نفى الريب والشكّ عن ناحية الثوب لقوله مثلاً: «كلّ نجس غسل بماء طاهر فهو طاهر».

والمقام مثله لأنّ الشكّ في بقاء الجامع وارتفاعه مسبب عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل وعدمه، فبقاء الجامع معلول لحدوث الفرد الطويل، وعدمه معلول لعدم حدوث الفرد الطويل، فإذا جرى الأصل في ناحية الفرد الطويل وأنّ الأصل عدم حدوثه، يرتفع الشكّ في ناحية الجامع يحكم بعدمه.

لا يقال: إنّ جريان الأصل في ناحية الفرد الطويل، معارض بجريانه في ناحية الفرد القصير، فأصالة عدم حدوث الفرد الطويل، يعارض أصالة عدم حدوث الفرد القصير.

لأنّا نقول: إنّ الأصل في جانب الفرد القصير فاقد للأثر الشرعي، لأنّه على فرض وجوده قد زال فلا يترتب عليه أثر بعد مضيّ مدّة لا يعيش فيها، بخلاف الفرد الطويل إذ يترتب على وجوده الأثر فيصحّ نفيه لنفي أثره.

الأجوبة الثلاثة عن الإشكال الثاني

وقد أجاب صاحب الكفاية عن هذا الإشكال بوجوه ثلاثة:


(121)

1. انّ بقاء الكلّي وإن كان مسبباً عن كون الحادث هو الفرد الطويل، لكن ارتفاعه ليس من لوازم عدم حدوث الفرد الطويل، لأنّ عدم حدوثه لا يلازم ارتفاع الحيوان لوضوح أنّ نفي الخاص لا يكون دليلاً على نفي العام، بل ارتفاع الحيوان مسبب عن كون الحادث هو الفرد القصير ولكن ليس له حالة سابقة حتى يُستصحب كون الحادث هو الفرد القصير ويترتب عليه ارتفاع بقاء الحيوان.

2. انّ الأصل السببي إنّما يكون حاكماً على الأصل المسببي إذا كان هناك تعدد واثنينية كطهارة الماء الحاكمة على نجاسة الثوب، وأمّا المقام فنفي الفرد الطويل عين نفي الجامع، لأنّ الجامع نفس الفرد وجوداً وعدماً، فليس بين الجامع والفرد ـ وجوداً وعدماً ـ سببيّة ومسببيّة.

3. انّ الأصل السببي إنّما يكون حاكماً على المسببي إذا كانت الملازمة بينهما شرعية كالمثال المذكور، فانّ طهارة الماء المغسول به الثوب النجس، يلازم طهارة الثوب، لقولهم: «كلّ نجس غسل بماء طاهر فهو طاهر» وأمّا المقام فوجود الجامع، وعدمه يترتب على وجود الفرد وعدمه، عقلاً لا شرعاً، لأنّ العقل يحكم بأنّ الطبيعي يُوجد وينعدم بوجود الفرد وعدمه.

تطبيقات

ثمّ إنّه يلزم طرح فروض لترويض الذهن وإيجاد ملكة الاجتهاد بغية وقوف الطالب على كيفية ردّ الفروع إلى الأُصول:

الأوّل: لو كان متطهراً وخرج منه بلل مردّد بين البول والمني، ثمّ توضأ، فلو كان الحدث هو الأصغر فهو قطعيّ الارتفاع بالوضوء، ولو كان الحدث هو الأكبر فهو قطعي البقاء، فما هو المرجع في هذا الفرض؟


(122)

الجواب: انّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدِثاً للتكليف على كلّ تقدير، وهذا الشرط موجود في المقام، لأنّه لمّا كان متطهراً فلو كان البلل بولاً لأثّر في إيجاب الوضوء، ولو كان منيّاً لأثّر في إيجاب الغسل، ولأجل ترتب الأثر على كلّ واحد من طرفي العلم صار الأصلان في كلا الجانبين، متعارضين فأصالة عدم حدوث الحدث الأصغر معارض بأصالة عدم حدوث الحدث الأكبر، فيتساقطان، ويكون المرجع بعد سقوطهما هو استصحاب الحدث المؤثِّر الذي تعلّق به العلم، وعندئذ يستقل العقل بالجمع بين الطهورين: الوضوء و الغسل، لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية، ولا يحصل إلاّ بالجمع.

الثاني : لو كان محدثاً بالحدث الأصغر وخرج منه بلل مردّد بين البول و المني فما هو المرجع عندئذ؟

أقول: إنّ العلم الإجمالي بخروج أحد البللين في المقام غير مؤثِّر على كلّ تقدير، لأنّه لو كان البلل هو البول لم يؤثّر قطعاً لافتراض كونه محدِثاً بالحدث الأصغر، فلا يجري فيه الأصل لعدم ترتب الأثر على وجوده، حتى ينفى بالأصل ولو كان الحادث هو المنيّ لأثر، فيجري الأصل في ناحية الحدث الأكبر بلا معارض لترتب الأثر على وجوده فينفى بالأصل.

هذا كلّه حول الأصل وعدم جريانه.

وأمّا عدم جريان استصحاب الجامع بين الحدثين فلأنّ العلم لم يتعلّق بالحدث المؤثِّر حتى يصحّ استصحابه لما عرفت من أنّ الحدث لو كان صغيراً فلا يؤثِّر لكونه محدِثاً به من ذي قبل.

نعم لو كان حدثاً كبيراً لأثّر، ولكنّه مشكوك مرفوع بالأصل، ففي هذا المورد يقتصر على الوضوء ولا يجب الجمع.


(123)

الثالث: إذا علم أنّه محدث بالحدث الأكبر ثمّ خرجت منه رطوبة مردّدة بين البول والمني فليس هذا العلم الإجمالي منجّزاً بل هو أسوأ حالاً من الصورة الثانية. لكون العلم فيها مؤثراً على تقدير دون تقدير، بخلاف المقام فإنّه ليس مؤثراً على كلا التقديرين لعدم ترتّب الأثر على خروج البول ولا على خروج المني بعد كونه جُنباً.

الرابع : لو كانت الحالة السابقة مجهولة وخرج منه بلل مردّد بين البول والمني فتوضأ، فهذه الصورة من قبيل الشبهة المصداقية للعلم الإجمالي، لأنّه لو كان متطهراً كان العلم الإجمالي منجِّزاً فيجب عليه الجمع بين الوضوء والغسل.

ولو كان محدِثاً بالحدث الأصغر، كان منجِّزاً على تقدير، دون تقدير، واستصحاب الجامع استصحاب لحدث غير مؤثر فيكفي الوضوء.

ولو كان محدثاً بالحدث الأكبر، لم يكن العلم الإجمالي منجِّزاً أصلاً لتعلّقه بحدث غير مؤثر مطلقاً، سواء أكان بولاً أم منيّاً .

وبما أنّه مردّد بين إحدى الصور السابقة فلا محيص من الاحتياط بالجمع بين الطهارتين، إذ لا تحصل البراءة اليقينية إلاّ بها.

الخامس: إذا تردّدت نجاسة شيء بين الذاتية والعرضيّة، كالصوف المردّد بين كونه صوف خنزير، أو صوف غنم متنجس، فلو غسله يتردّد الأمر بين كونه قطعيّ الارتفاع وقطعي البقاء، فيرجع إلى استصحاب الجامع بين النجاستين للعلم بالجامع في زمان واحد.

السادس: لو شكّ في نجاسة صابون لاحتمال اتخاذه من دهن حيوان غير مذكّى، فبما انّ الشبهة موضوعية يحكم بطهارته، ثمّ إذاعرضت عليه النجاسة، وأُزيلت، فهل يجري استصحاب النجاسة بوجه كلّي، لأنّه من قبيل تردّد الجامع


(124)

بين تحقّقه بين فرد مقطوع الارتفاع (النجاسة العرضية) ومقطوع البقاء(النجاسة الذاتية) أو لا يجري؟ والتحقيق هو الثاني، لأنّه إنّما يجري إذا كان علم بالجامع في زمان واحد، كما في مسألة الصوف وإن كان مردّداً بين كونه نجساً ذاتياً أو عرضياً، بخلاف المقام ففي طرف احتمال النجاسة الذاتية لم يكن أيّ احتمال للنجاسة العرضية فضلاً عن العلم بها، وعند عروض النجاسة العرضية القطعية، كان الصابون محكوماً بالطهارة من ناحية النجاسة الذاتية، وإن كان محكوماً بالنجاسة العرضية، فإذا زيلت، أُزيل الفرد والجامع المتحقّق فيه.

فإن قلت: العلم بالنجاسة العرضية، يلازم العلم بالجامع، فما المانع من استصحاب الجامع.

قلت: نعم ولكن تعلّق العلم بالجامع من خلال العلم بالنجاسة العرضية فإذا زالت زال الجامع.

السابع: إذا علم بنجاسة أحد طرفي العباءة ثمّ غسل طرفه الأعلى، ومسح بيده كلا الطرفين فيلزم على القول بجريان استصحاب النجاسة على الوجه الكلي، الحكم بنجاسة الملاقي قطعاً، مع أنّه لاقى مشكوك النجاسة ومقطوع الطهارة.

وأيضاً يلزم زيادة الفرع على الأصل، حيث إنّ ملاقي أحد الطرفين في الشبهة المحصورة، طاهر كما مرّ، ولكن مقتضى استصحاب الجامع نجاسة الملاقي، وهو كما ترى.

فهذه هي الشبهة العبائية التي طرحها السيد إسماعيل الصدر والد آية اللّه السيد صدر الدين أحد زعماء الحوزة العلمية بعد رحيل مؤسسها الحائري ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ وهو بظاهره أحد الإشكالات على استصحاب الجامع في القسم الثاني.


(125)

وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه نذكر اثنين منها:

الأوّل: نلتزم بنجاسة الملاقي، لأنّ القول بطهارته فيما إذا لم يمكن هناك أصل حاكم على نجاسته كما في المقام حيث إنّ استصحاب الجامع يقتضي نجاسة ملاقيه.

نعم يلزم منه التفكيك بين الحكم بنجاسة الملاقي ونجاسة الملاقى وهو ليس بمحذور لإمكان التفكيك بين المتلازمين في مؤدّيات الأُصول فيحكم بنجاسة الملاقي دون الملاقى.(1)

يلاحظ عليه : أنّ جريان الاستصحاب في مثل هذا المورد الذي لا يخضع له الوجدان، قيد نصّ يفرض على الفقيه التعبّد به بالخصوص ولا يمكن الاقتصار فيه بإطلاق «لا تنقض» الذي هو منصرف عن مثل هذا المورد الذي يزيد فيه الفرع على الأصل، لأنّ نجاسة الملاقى إنّما هو من الملاقي فكيف يحكم بنجاسة الفرع دون الأصل؟

جواب السيد الصدر

قد أجاب السيد الشهيد الصدر انّ استصحاب الجامع وإن كانت أركانه تامّة لكن لا يترتب على مؤدّاه نجاسة اليد الملاقية مع الطرفين إلاّ بالملازمة العقلية، لأنّ نجاسة الجامع لو فرض محالاً وقوعها على الجامع وعدم سريانها إلى هذا الطرف أو ذاك، لا تسري إلى الملاقي، لأنّ نجاسة الملاقي موضوعها نجاسة هذا الطرف أو ذاك الطرف لا الجامع بما هو جامع(فما هو محكوم بالنجاسة، أعني الجامع ليس موضوعاً لنجاسة الملاقي، وأمّا ما هو موضوع لنجاسة


1. مصباح الأُصول: 3/112.


(126)

الملاقي فليس محكوماً بالنجاسة إلاّ بالملازمة العقلية) فإثبات نجاسة أحد الطرفين بخصوصه بنجاسة الجامع يكون بالملازمة العقلية.

حاصله: انّ استصحاب الجامع وبقاءه يلازم عقلاً نجاسة الملاقى، لأنّ المفروض تطهير الطرف الأسفل، فلو كان الجامع باقياً فلابدّ أن يكون باقياً في الجانب الأعلى(الملاقى) وبعد ثبوت نجاسته بالملازمة، يصحّ الحكم بنجاسة الملاقي (أي اليد) لما عرفت من أنّ نجاسة الملاقي من آثار نجاسة الملاقى.

يلاحظ عليه: أنّه ما الفرق بين استصحاب الجامع والمنع من الدخول في الصلاة به وبين نجاسة الملاقى، فلماذا يترتب الأوّل دون الثاني؟

اللّهمّ إلاّ أن يقال: انّ منع الدخول من آثار استصحاب الجامع، وأمّا نجاسة الملاقي فمن آثار نجاسة هذا الطرف وذاك فلم يثبت.

ما هوالمختار في الجواب؟

استصحاب الجامع غير جار هنا، وذلك لأنّ من شرائط جريانه وحدة القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة، وليس المقام كذلك، لأنّ العلم بالجامع في الطرف السابق كان مقروناً بالعلم لوجود النجس في البين، وانّه إمّا في هذا الطرف أو ذاك الطرف على نحو كان يصحّ لنا القول بأنّ هذا الثوب نجس إمّا أعلاه وإمّا أسفله، وأمّا بعد غَسل الطرف الأسفل لا يصحّ ترديد النجاسة بين الطرفين بل يكون الطرف الأسفل طاهراً قطعاً، والطرف الآخر مشكوك النجاسة فأين الحالة الثانية من الحالة المتيقّنة؟ فكيف يستصحب حكم الحالة السابقة ويجرّ إلى الحالة الثانية مع اختلافهما؟


(127)

وهذا نظير العلم بنجاسة أحد الإناءين في زمان واحد مع إراقة واحد منهما فلا يصحّ لنا استصحاب النجاسة، لأنّ العلم بالجامع في السابق كان على نحو يصحّ لنا القول بأنّ النجس إمّا في هذا الإناء أو في ذاك وبعد الإراقة لا يصحّ لنا هذا التعبير.

نعم يجب الاجتناب عن الإناء الآخر، وذلك لا لاستصحاب الجامع، بل لأجل أنّ الاجتناب أثر العلم الإجمالي السابق.

القسم الثالث من أقسام الاستصحاب الكلي

ومورد هذا القسم هو الشكّ في بقاء الكلّي لأجل احتمال قيام فرد آخر مقام الفرد المعلوم الارتفاع، وقد ذكروا انّ لهذا القسم صوراً ثلاث:

الأُولى: إذا كان الشكّ في بقاء الكلي لأجل احتمال معية فرد مع الفرد المعلوم الارتفاع، كما إذا علمنا بوجود زيد في الدار، ولكن احتملنا مصاحبة عمرو معه في ذلك الوقت، ثمّ علمنا بخروج زيد فيستصحب بقاء الإنسان بعد الشكّ.

الثانية: تلك الصورة، ولكن احتملنا قيام فرد مقامه عند خروجه، كما إذا علمنا بخروج زيد واحتملنا دخوله إلى البيت عند خروجه.

الثالثة: إذا كان الشكّ في بقاء الكلّي لأجل احتمال حدوث مرتبة من مراتب وجودها بعد العلم بارتفاع مرتبة أُخرى، كما إذا علمنا بارتفاع السواد الشديد واحتملنا حدوث مرتبة ضعيفة، أو ارتفاع السواد بعامّة مراتبه، وإليك دراسة الأقسام:


(128)

الصورة الأُولى

ربّما يقال بجريان الاستصحاب بأنّ العلم بوجود الفرد الخاص في الخارج يلازم العلم بحدوث الكلّي فيه، وبارتفاع الفرد الخاص يشكّ في ارتفاع الكلّي، وذلك لاحتمال قيام فرد آخر مكانه لأجل مصاحبته معه، فلم تختل أركان الاستصحاب من اليقين السابق والشكّ اللاحق.

وقد ذهب الشيخ إلى التفصيل بين هذه الصورة والصورة التالية فقال بحجية الاستصحاب في الأُولى دون الثانية، قال: أو التفصيل بين القسمين فيجري في الأوّل (دون الثاني) لاحتمال كون الثابت في الآن اللاحق هو عين الموجود سابقاً فيتردّد الكلي المعلوم سابقاً، بين أن يكون وجوده الخارجي على نحو لا يرتفع بارتفاع الفرد المعلوم ارتفاعه، وأن يكون على نحو يرتفع بارتفاع ذلك الفرد، فالشكّ حقيقة إنّما هو في مقدار استعداد ذلك الكلي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المراد من الكلّي كما عرفت هو ذات الطبيعي، والمفروض أنّه يتكثّر مع تكثّر الأفراد، فليس الطبيعي موجوداً شخصيّاً قائماً بجميع الأفراد، بل هو أمر واحد نوعي يتكثّر مع تكثّر الأفراد، فنسبة الطبيعي إلى الأفراد كنسبة الآباء إلى الأولاد فعند ذلك فالمتيقّن هو الطبيعي الموجود في ضمن الفرد الأوّل، والمحكوم بالبقاء هو الطبيعي الموجود في ضمن الفرد الثاني فكانت القضية المشكوكة غير القضية المتيقّنة.

ومنشأ الخلط هو خلط الوحدة المفهومية النوعية، مع الوحدة المصداقية فالإنسان واحد بالنوع أي مفهوماً وليس هو المستصحب، ومتعدد مصداقاً


1. الفرائد:372.


(129)

وخارجاً وهذا هو المستصحب.

وما أفاده من الفرق بين الصورتين، غير فارق، لأنّ احتمال كون الفرد مع الفرد الأوّل أو نائباً عنه لا يوجب وحدة القضيتين ولا تغائرهما،بعد كون الطبيعي الموجود في ضمن زيد، غيره في ضمن عمرو.

الصورة الثانية

إذا كان احتمال بقاء الكلي مستنداً إلى قيام فرد آخر مقامه، عند زواله وبما أنّك عرفت عدم جريانه في الصورة الأُولى، فعدم جريانه في هذه الصورة أوضح لما عرفت: أنّ بين زيد الخارج عن البيت وعمرو المحتمل دخوله وحدة مفهومية ولكنّها ليست موضوعاً للاستصحاب، وإنّما الموضوع له هو الوحدة الخارجية. وهي غير متحقّقة، لأنّ هناك إنسانين، وإنسانية كلّ تغاير إنسانية الآخر ومعه كيف يصحّ استصحابه؟

نعم لو قلنا برأي الرجل الهمداني في الكلّي الطبيعي من أنّه واحد شخصي قائم بجميع الأفراد لكان لما ذكروه مجال، لأنّ الإنسانية عندئذ واحد بالعدد، لا بالنوع، أضف إليه أنّ جريان الاستصحاب في أمثال المورد ربّما ينتهي إلى أُمور لا يلتزم بها الفقيه، وإليك المثال:

1. لو قام من النوم واحتمل جنابته فيه وتوضّأ، فعلى القول باستصحاب الحدث يلزم الاغتسال، مع أنّه لا يلتزم به فقيه.

2. لو علم أنّه مدين لزيد، بعشرة دنانير، ولكن يحتمل أن يكون الدين هو، لكن مع إضافة حُقَّة من الحنطة، فلو أدّى العشرة فلازم بقاء الدين باستصحابه، لزوم أداء حُقّة من الحنطة، مع أنّه لا يلتزم به فقيه.


(130)

الصورة الثالثة

إذا احتمل تبدّل الفرد المتيقّن ـ حدوثاً وارتفاعاً ـ إلى مرتبة أُخرى وعدم تبدّله كما مثلنا في السواد، ومثله استصحاب كون الرجل كثير الشك حيث احتملنا زوال هذا العنوان أو تبدّله إلى مرتبة خفية، فهل يجوز استصحابه أو لا؟ ذهب الشيخ الأعظم والمحقّق النائيني إلى الجريان، والمحقّق الخراساني إلى خلافه.

والحقّ أن يقال إنّه إذا عُدّت المرتبة المشكوكة غير مغايرة عرفاً للمرتبة السابقة بحيث تُعد استمراراً لوجود المرتبة السابقة يجري الاستصحاب وإلاّ فلا لاختلال أركانه.

مثال الأوّل كالسواد الضعيف بالنسبة إلى السواد الشديد، فإنّ الضعيف من مراتب الشديد وليس فرداً مغايراً، بخلاف ما إذا عُدَّت المرتبة اللاحقة مغايرة للمرتبة السابقة، كما إذا علمنا بوجوب الشيء ثمّ نسخ ولكن نحتمل تبدّله إلى الندب فلا يجوز لنا استصحاب الطلب، وذلك لأنّ العرف لا يعد الندب مرتبة حقيقية من الوجوب بل يتلقّاها أمرين متباينين وإن كان العقل يعدّهما أمراً واحداً ذا مراتب.

الصورة الرابعة

وإذا علم بوجود إنسان في الدار وعلم أيضاً بوجود القرشي فيها أيضاً ولكن احتمل قيام العنوانين بوجود واحد أو بوجودين.

والفرق بين هذا القسم والقسم الثاني هو انّ الفرد الذي قام به الجامع فيه


(131)

مردّد بين نوعين كالبق والفيل، بخلاف المقام فانّ الفرد معيّن من حيث النوع وهو انّه إنسان.

كما يمتاز، عن الصورة الثالثة أنّه ليس في الصورة الثالثة علمان، بل علم واحد متعلّق بوجود فرد معيّن، نهاية الأمر يحتمل معيّة أو تقارن فرد آخر، بخلاف هذا القسم فانّ فيه علمين: علم بوجود فرد معين، وعلم بوجود ما يحتمل انطباقه على هذا الفرد; ومثاله: إذا علمنا بالجنابة يوم الخميس وقد اغتسلنا منها ثمّ رأينا يوم الجمعة منيّاً في الثوب فعلم بكوننا جنباً لخروج هذا المني، ولكن نحتمل أن يكون هذا المني من الجنابة التي اغتلسنا منها، أو يكون من غيرها، فيستصحب كلّي الجنابة مع إلغاء الخصوصية.

نعم هو معارض باستصحاب الطهارة الشخصية، فانّ المغتسل يوم الخميس على يقين بالطهارة حينما اغتسل من الجنابة ولا علم بارتفاعها لاحتمال كون المني المرئي من تلك الجنابة فيقع التعارض فيتساقطان ولابدّ من الرجوع إلى أصل آخر.

هذا كلّه فيما له معارض وأمّا ما لا معارض له، كما إذا علمنا بوجود زيد وعلمنا بوجود قارئ يحتمل انطباقه عليه وعلى غيره فلا مانع من استصحاب الإنسان الكلي مع القطع بخروج زيد عنها إذا كان له أثر شرعي.(1)

يلاحظ عليه: موضوعاً وحكماً، ومثالاً واستدلالاً.

أمّا الأوّل: فالظاهر انّه ليس قسماً مستقلاً، بل هو داخل في القسم الثالث، والتفاوت المذكور من وحدة العلم في القسم الثالث، وتعدّده في المقام غير مؤثر،


1. مصباح الأُصول: 3/118.


(132)

لأنّ هنا علماً بالجنابة القائمة بفرد متيقّن الارتفاع والشكّ في بقائه، لأجل احتمال بقائها بفرد آخر فلا يرتفع الكلّي بارتفاع الفرد الأوّل. والعلم بوجود عنوان آخر وإن كان متحقّقاً في هذا القسم، لكنّه غير مؤثر في الاستصحاب، لأنّ المستصحب ليس عنوان القرشي بل ما ينطبق عليه، أعني الإنسان الخارجي، فعندئذ يشاركان في العلم بتحقّق الكلّي في ضمن فرد مرتفع والشكّ في بقائه في ضمن فرد آخر.

وأمّاالثاني: أعني: حكماً، فلأنّ ما أوردناه على القسم الثالث من عدم وحدة القضيتين موجود في المقام، لأنّ الطبيعي الموجود في النوم غير الطبيعي الباقي بالجنابة فإبقاؤه باحتمال نيابة هذا الفرد لا يعد إبقاء للمتيقّن.

أمّا الثالث: فلأنّ الفارق بينه و بين القسم الثالث، هو وجود علم بعنوان ثان غير العنوان الأوّل وإن كان يحتمل وحدة مصداقهما كما في الإنسان، والمثال الفقهي الذي ذكره فاقد لهذا الميزة، فليس فيه علم بعنوان مغائر لما علم به أوّلاً، مثلاً إذا علم بالجنابة يوم الخميس فهنا علم بعنوان وهو العلم بالجنابة ولمّا اغتسل ورأى يوم الجمعة المني في ثوبه فهو و إن علم بالجنابة أثر خروجه لكن هذا ليس علماً بعنوان ثان بل تعلّق العلم بنفس العنوان الذي تعلّق به العلم الأوّل غاية الأمر يحتمل اتحادهما في المعنون كما يحتمل تغايرهما، وهذا بخلاف العلم بوجود الإنسان والقرشي أو الإنسان والقارئ في البيت، فهناك علمان مختلفان غير أنّه يحتمل وحدة مصداقهما.

أمّا الرابع: أي الإشكال على أساس الاستدلال، فلأنّ التمسّك بعموم «لا تنقض» في هذا المقام من قبيل التمسّك بالدليل في الشبهة المصداقية، لأنّه كما يحرم نقض اليقين بالشك يجب نقض اليقين باليقين، وعلى ضوء هذا فالجنابة


(133)

المرئية يوم الجمعة لا تخلو من حالتين.

الأُولى: أن تكون أثراً للجنابة الحاصلة ليلة الخميس، فعندئذ يدخل في القضية الثانية لافتراض انّه اغتسل.

الثانية: أن تكون أثراً لجنابة جديدة تحقّقت ليلة الجمعة، فعندئذ يدخل في القضية الأُولى، ومع تردّده بين الأمرين يكون التمّسك بالقضية الأُولى للمورد، من قبيل التمسّك بالشبهة المصداقية للدليل «لا تنقض»، فتلخص انّ استصحاب الكلّي عقيم إلاّ في القسم الأوّل، والصورة الثالثة من القسم الثاني.


(134)

التنبيهات

5

استصحاب الزمان والزمانيات
والأُمور القارة المقيّدة بالزمان

هذا التنبيه منعقد لبيان الاستصحاب في الأُمور التدريجية، ولها أقسام ثلاثة:

1. استصحاب نفس الزمان إذا كان معنوناً بعنوان وجوديّ ككونه ليلاً أو نهاراً.

2. استصحاب الأمر غير القار بالذات كالحركة وجريان الماء وسيلان الدم، وبقاء التكلّم والمشي، فإنّ ذات الأفعال في هذه الأمثلة أُمور متدرجة بالذات، متقضية بالطبع.

3. استصحاب الأمر القار بالذات، المقيّد بالزمان كالجلوس في المسجد إلى الظهر، فيقع الكلام في مواضع ثلاثة:

الأوّل: استصحاب نفس الزمان المعنون بعنوان وجودي

إذا كان الزمان المعنون بعنوان وجودي، موضوعاً للحكم كالنهار والليل فشككنا في بقائه، فهل يصحّ استصحاب نفس الزمان من خلال استصحاب عنوانه كبقاء النهار، و تترتب عليه إقامة الصلاة أداءً وحرمة الإفطار، وهكذا من


(135)

جانب الليل؟

فقد أورد عليه بوجوه، وقبل أن نشير إليها نذكر كلمة في حقيقة الزمان.

اختلف المتكلّمون في حقيقة الزمان ، فمن قائل: إنّه بعد موهوم ليست له واقعية خارجيّة; إلى قائل آخر بأنّه بعد حقيقي كالمكان، وهو مخلوق مستقل، وظرف لفعله سبحانه، كان اللّه ولم يكن معه شيء فخلق العالم في زمان لم يكن فيه شيء.

ولكن البحوث الفلسفية أثبتت بطلان كلتا النظريتين، وانّه مقدار الحركة، وانّ كلّ حركة فهي بسيلانها وجريانها تُولّد زماناً، فكلّ سيلان وجريان، بما انّه يتضمن خروج ما بالقوة إلى الفعل كحركة اليد، وانتقال القطار من نقطة إلى نقطة، وغيرهما يسمّى حركة، وبما انّه يستغرق مقداراً حتى ينتقل من المبدأ إلى المنتهى فهو زمان، وعليه فليس الزمان إلاّ مقدار الحركة الذي ينتزع من نفسها، لا من أمر آخر.

وبما انّ لكلّ حركة زماناً، وكانت حركة الشمس أو الأرض من أعم الحركات وأوسعها اتّخذت العامة مقدار حركتهما مقياساً وزماناً لسائر الأفعال وإلاّ فالزمان وليد عامة الحركة من غير فرق بين متحرك ومتحرك، ولكلّ حركة زمان خاص بها، يتولّد منها ويتدرج مع تدرّجها.

إذا عرفت ذلك، فلنذكر الإشكالات في استصحاب الزمان.

الأوّل: عدم تصوّر البقاء فيه

إنّ الزمان شيء غير قار الذات ولا يتصوّر له البقاء، لأنّ سنخ تحقّقه هو


(136)

الوجود بعد العدم، وما هذا شأنه لا يتصوّر فيه البقاء، والليل والنهار من الأُمور ذات الأجزاء كلّ جزء، يعد جزء من الكل والأجزاء سنخها الوجود بعد عدم الجز ءالمتقدم، ومثل هذا لا يتصور له البقاء.

وقد أجاب عنه شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ـ قدَّس سرَّه ـ : بأنّه يكفي في الاستصحاب، اليقين بالشيء، والشكّ فيه، ولم يرد في الأدلة عنوان البقاء فعدم صدقه غير مخلّ بجريانه.

يلاحظ عليه: أنّه وإن لم يرد عنوان الشكّ في البقاء في لسان الأدلّة لكنّه لازم إمكان اجتماع اليقين والشكّ في زمان واحد، وذلك بتعلّق اليقين بالحدوث، والشكّ بالبقاء، ولولا هذا القيد لامتنع اجتماعهما فيه ضرورة انتقاض اليقين بالشكّ، فهو مدلول التزامي لاجتماعهما وعدم انتقاض الأوّل بالثاني.

والتحقيق أن يقال: المراد من البقاء هو البقاء لدى العرف الذي هو المخاطب بهذه الخطابات لا البقاء العقلي، ولو كان الميزان هو الثاني، لما صدق إلاّ في مورد نادر، وعلى ذلك، فالليل والنهار موجود شخصي، لهما حالات كأوّله ووسطه ونهايته، كالإنسان الذي تطرأ عليه حالات مثل الصبا والشباب و الكبر، فكما أنّ لكلّ فرد من أفراد الإنسان بقاءً وإن كبر وشابَ أو شاخ، فهكذا للنهار والليل بقاء، وإن وصلا إلى القمة.

والذي يصحّح صدق البقاء، هو اتصال الأجزاء وتلاصقها الذي يجعل الأجزاء المتلاحقة، كشيء واحد، ويشك الإنسان في طوله وقصره، والقائل بعدم البقاء يصب النظر إلى كلّ جزء من الزمان مستقلاً عن الجزء الآخر، ويغفل عن أنّ ملاك صدق البقاء هو تلاصق الأجزاء وتلاحمها على وجه يعد جميع البعد الزماني كالبعد المكاني شيئاً واحداً.


(137)

الثاني: عدم بقاء الموضوع

من شرائط جريان الاستصحاب بقاء الموضوع، إذ لولاه لعاد الاستصحاب قياساً ويكون من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر، وبما انّ الزمان أمر غير قارّالذات، متصرّم الحقيقة، فالجزء الموصوف بالنهار المتيقّن غير الجزء المشكوك كونه نهاراً.

يلاحظ عليه: أنّه ليس إشكالاً جديداً بل تعبيراً ثانياً عن الإشكال الأوّل، ويعلم جوابه ممّا ذكرناه حول الإشكال الأوّل.

وحاصله: انّ الموصوف بالنهارية، ليس الجزء المنفك عن الجزء الأول بل الوجود الشخصي الذي يتحقّق بطلوع الفجر وأخذ يتحرّك فنشكّ في بقاء ذلك الموجود الشخصي، وعلى ضوء ذلك يكون الموضوع باقياً.

3. الاستصحاب مثبت

إنّ استصحاب بقاء الليل والنهار يتصوّر على وجهين:

الأوّل: استصحابه على نحو القضية التامة بأن يقال: كان الليل موجوداً، والأصل بقاء الليل.

الثاني: استصحابه على نحو القضية الناقصة، بأن يقال: هذا الجزء كان ليلاً، والأصل بقاؤه.

فالأوّل منهما وإن كان له حالة سابقة، لكنّه يلازم عقلاً كون الجزء المشكوك نهاراً، ويترتب عليه أثره الشرعي وهو حرمة الأكل في اليوم وجواز إقامة الصلاة أداء.


(138)

وعلى ذلك فهناك أُمور ثلاثة:

أ: المستصحب: بقاء النهار أو الليل.

ب: الأثر العقلي: هذا الجزء من النهار أو من الليل.

ج: الأثر الشرعي: حرمة الأكل أو إقامة الصلاة أداء المترتب على كون هذا الجزء نهاراً أو ليلاً، والهدف من الاستصحاب هو ترتّب الأثر الشرعي، ولكنّه لا يترتب على المستصحب إلاّ بواسطة عقلية، وهذا هو الأصل المثبت.

وأمّا الثاني فهو وإن كان غيرَ مثبِت ولكنّه فاقد للحالة السابقة، إذ لم يكن هذا الجزء موجوداً في السابق وموصوفاً بكونه من اللّيل أو من النهار حتى يُستصحب.

يلاحظ عليه: انّا نختار الشق الأوّل، ولكنّ الأصلَ هنا حجّة وإن كان مثبتاً، وذلك لخفاء الواسطة على وجه يرى العرفُ الأثرَ الشرعي مترتِّباً على المستصحب لا على الواسطة.

وإن شئت قلتَ: يرى العرفُ بقاء الليل على النحو الكليّ، عين وصف الجزء المعيّن بالنهارية فيترتب عليه أثره.

ونختار الشقّ الثاني، ونقول: إنّ الإشكال مبني على فصل الجزء المشكوك عن الجزء السابق ولحاظه مستقلاً، وأمّا إذا قلنا انّ الجزء المشكوك بقاء للجزء السابق المحكوم بالنهارية أو الليلية فيصحّ لنا أن نقول: كان هذا الزمان موصوفاً بالنهارية، والأصل بقاؤه، لأنّ المفروض انّ الزمان أمر واحد متلاصق، متلاحم. فالجزء الذي نشكّ في وصفه هو امتداد لنفس اليوم الطالع عند الفجر الصادق إلى الآن الذي نشكّ فيه.


(139)

وربما يتمسك باستصحابات أُخرى غير السابق:

1. ما ذكره المحقّق الخراساني، وهو استصحاب المقيّد (الإمساك) فيقال: كان إمساكي قبل هذا الآن في النهار، والآن كما كان، ثمّ أمر بالتأمّل.

ولعلّ وجه التأمّل انّ التعلّق عقلي نظير قولك في الصلاة بأن يقال: لو كنت أُصلّي قبل هذا كانت صلاتي واقعة في النهار والآن كما كان، والاستصحاب التعليقي حجّة فيما إذا كان التعليق شرعياً، كما في قولنا: «العصير العنبي إذا غلييحرم» لا في المقام، فإنّه عقلي فانّ ترتّب قوله: «كانت صلاتي واقعة في النهار» على المقدّم عقلي.

2. استصحاب عدم الغروب أو عدم الطلوع.

يلاحظ عليه: أنّه مثبت، فلا يُثبت كون الجزء المشكوك نهاراً أو ليلاً إلاّ بالملازمة العقلية، ولو قيل بخفاء الواسطة فلا حاجة إليه بعد تصحيح استصحاب النهار أو الليل به. لو كان لهما أثر شرعي يترتب عليهما.

3. استصحاب وجوب الإمساك أو جواز الأكل الذي هو استصحاب حكمي، وهذا لا بأس به.

الموضع الثاني: جريان الاستصحاب في الأُمور التدريجية غير الزمان

إنّ التدريج تارة يكون أمراً ثابتاً بالبرهان وأُخرى بالحس، والأوّل كمجموع عالم المادة فانّه بناء على القول بالحركة الجوهرية أمر غير ثابت متجدّد في كلّ آن، والجوهر والعرض في الآن الأوّل غيرهما في الآن الثاني، ومثله النور المتلألأ من المصابيح الكهربائيّة أو الدهنيّة، وأُخرى يكون أمراً حسياً، كنبع الماء وقذف الرحم


(140)

الدمَ ، والمشي والتكلم إلى غير ذلك، والكلام إنّما هو في القسم الثاني، وأمّا الأوّل فالبقاء فيه واضح وعدم تصوّر البقاء فيه عند العقل الخاضع لبرهان الحركة الجوهرية لا ينافي صدق البقاء في نظر العرف الدقيق، من غير فرق بين أن لا يتخلّل العدم بين أجزائها المتلاحقة كسيلان الماء وقذف الدم، أو يتخلّل بصورة لا تخل بوحدة الفعل كالقراءة والتكلّم.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ هنا صوراً:

الصورة الأُولى: إذا أحرز المتيقّن وشكّ في الرافع

إذا أُحرز انّه كان قاصداً للسفر إلى أربعة فراسخ ولكن يحتمل عروضَ مانع من برد أو حرّ، ومثله ما إذا أحرز كون القناة قابلة لنبع الماء سنين ولكن يُشكّ في سيلانها ونبعها، لأجل احتمال حدوث مانع يمنع عن جريانه، كسقوط الصخرة على المجرى، أو امتلاء الطريق بالطين، أو غير ذلك من الموانع، ومثله ما إذا علمنا وجود واع في نفس المتكلّم يدفعه إلى أن يتكلّم ساعة لكن يحتمل انصرافه عنه لأجل طروء رادع يصرفه عن الاستمرار في الكلام ففي هذه الصورة يجري الاستصحاب لما عرفت من وجود الوحدة العرفية وصدق الشكّ في البقاء.

وإن شئت قلت: إنّ لكلّ شيء بقاء واستمراراً، فلو كان الشيء أمراً قارّاً فبقاؤه باجتماع جميع أجزاء وجوده في زمان واحد أو مكان واحد، وأمّا إذا كان أمراً غير قار فبقاؤه استمراره وامتداده فهو باق بامتداده ووجوده التصرمي وثابت بوجوده التجدّدي، ولولا ذلك بطلت هويّته وزالت شخصيته.

وبذلك يعلم النظر فيما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ الشكّ ليس في بقاء جريان شخص ما كان، بل في حدوث جريان جزء آخر شكّ في جريانه من جهة


(141)

الشكّ في حدوثه.(1)

وجه النظر واضح انّ المستشكل نظر إلى الموجود التدريجي من منظار العقل فهو عنده شكّ في الحدوث، لا من منظار العرف الدقيق فهو أمر واحد شخصي شكّ في طول وجوده وقصره.

الصورة الثانية: إذا شكّ في استمراره لأجل الشكّ في بقاء المقتضي

كأن لم يعلم مقدار ما نواه من السفر، فهل نوى السفر فرسخين أو أربع فراسخ، وجريان الاستصحاب يتوقف على وجود الإطلاق في أدلّة الاستصحاب حتى يعم الشكّ في النقض، وقد مرّ.

الصورة الثالثة: في احتمال نيابة داع آخر مكانه

إذا شكّ في الاستمرار بعد العلم بانتفاء الداعي الأوّل واحتمال نيابة داع آخر مكانه، كما إذا علمنا أنّه نوى السفر إلى فرسخين ولكن يحتمل عروض داع آخر، لأنّ يستمر في سفره إلى أربعة فراسخ، وربّما يقال بعدم الجريان، لأنّ وحدة السير بوحدة الداعي فلو تعدّد، يتعدّد السير، فإذا شك في حدوث داع ثان يوجب استمراره في السير، فهو في الحقيقة شكّ في حدوث سير آخر والأصل عدمه.

يلاحظ عليه: أنّه في نظر العرف استمرار لوجود واحد وإن اختلف الداعي، والمقام أشبه بحفظ خيمة واحدة بدعامتين، فتعويض الدعامة الأُولى بنصب الثانية لا يوجب تعدّداً في جانب البقاء، فهكذا المقام.

والحاصل: أنّ وحدة العمل تابع لتلاصق أجزائه، وتعدّد الداعي بعد


1. الكفاية:2/316.


(142)

تلاحقها لا يؤثّر في كيفية العمل الخارجي.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أشار إلى تصوير استصحاب الكلّي بأقسامه الثلاثة في المقام وقال: إنّ استصحاب بقاء الأمر التدريجي إمّا يكون من قبيل استصحاب الشخصي أو من قبيل استصحاب الكلّي بأقسامه، فإذا شكّ في أنّ السورة المعلومة ـ التي شرعت فيها ـ تمّت قراءتُها أو بقي شيء منها صحّ استصحاب الجزئي والكلّي وإذا شكّ فيه من جهة تردّدها بين القصيرة والطويلة كان من القسم الثاني، وإذا شكّ من أنّه شرع من أُخرى مع القطع بأنّه قد تمّت الأُولى كان من القسم الثالث.

الموضع الثالث: الفعل (القارّ ) المقيّد بالزمان

إذا أمر المولى بالإمساك إلى الغروب، أو الجلوس في المسجد إلى الظهر، فتارة تكون الشبهة موضوعية، وأُخرى حكميّة.

أمّاالأوّل: فكما إذا شكّ في تحقّق المغرب والظهر، وهذا ما فرغنا منه في الموضع الأوّل فانّه كان مخصَّصاً لاستصحاب الزمان كالليل والنهار فيما إذا كان قيداً للواجب.

وأمّا الثاني: وهو كما إذا قطع بتحقّق الظهر لكن يشكّ في بقاء الحكم لاحتمال أن يكون التعبّد به إنّما هو بلحاظ كمال المطلوب، لا أصله.

وبذلك يعلم أنّ الموضع الأوّل والثالث من مقولة واحدة وهو كون الزمان قيداً للفعل غير أنّ الشبهة تارة تكون موضوعية ويكون الشكّ متعلّقاً ببقاء الزمان و عدمه، وأُخرى حكميّة، ويكون الشكّ متعلّقاً ببقاء الحكم لأجل احتمال بقائه، حتى بعد القطع بانتفاء الزمان، والمتكفل لبيان حكم الشبهة الموضوعية هو


(143)

الموضع الأوّل، والمتكّفل لبيان حكم الشبهة الحكمية هوالموضع الثالث، ولقد قدّم المحقّق الخراساني البحث في الزمانيات(الموضع الثاني) ثمّ طرح البحث في الموضع الأوّل والثالث معاً.

وبذلك يعلم أنّ ذكره استصحابَ الليل والنهار عند البحث في الموضع الثاني في غير محله، لأنّه من قبيل استصحاب الزمان لا الزمانيات.

وإلى ما ذكرنا (استصحاب الزمان والفعل المقيد به) ينظر قول المحقّق الخراساني: «وأمّا الفعل المقيد بالزمان فتارة يكون الشكّ في حكمه من جهة الشكّ في بقاء قيده(1) وطوراً مع القطع بانتفائه، من جهة أُخرى كما إذا احتمل أن يكون التعبد، إنّما هو بلحاظ تمام المطلوب لا أصله ومع احتماله يصحّ استصحاب الحكم بشرط آخر إذ انّ القيد ـ أي الزمان ـ ظرف لا قيد، وذلك لأنّ الأمر الوجودي المجعول إن لوحظ الزمان قيداً له (للوجوب) أو لمتعلّقه (الجلوس) بأن لوحظ وجوب الجلوس المقيد بكونه إلى الزوال شيئاً، والمقيد بكونه بعد الزوال شيئاً آخر متعلّقاً للوجوب فلا مجال لاستصحاب الوجوب للقطع بارتفاع ما علم وجوده والشكّ في حدوث ما عداه، ولذا لا يجوز الاستصحاب في صم يوم الخميس إذا شكّ في وجوب صوم يوم الجمعة، وإن لوحظ الزمان ظرفاً لوجوب الجلوس فيجري استصحاب وجوب الجلوس.

فإن قلت: إنّ الزمان لا محالة يكون من قيود الموضوع وإن أُخذ ظرفاً لثبوت الحكم في دليله ضرورة دخل مثل الزمان فيما هو المناط لثبوته فلا مجال للاستصحاب لتبدّل الموضوع.

قلت: العبرة في تعيين الموضوع هو العرف لا العقل، والفعل في كلا الزمانين


1. أي تكون الشبهة موضوعية، وهذا هوالموضع الأوّل حسب تقسيمنا.


(144)

واحد، قطع بثبوت الحكم له في الزمان الأوّل وشكّ في بقائه في الزمان الثاني.

هذا ما يرجع إلى المقام.

ثمّ الشيخ الأنصاري نقل عن المحقّق النراقي شبهة في جريان استصحاب الحكم الشرعي المجعول، بأنّه معارض باستصحاب عدم جعله في الزمان المشكوك وأطال الكلام، كما أنّ المحقّق الخراساني نقل نفس الشبهة في ضمن إشكال أورده على نفسه وقال: لا يقال كلّواحد من الثبوت والعدم يجري لثبوت كلا النظرين، ثمّ أجاب:

ولكنّ الحقّ أنّ البحث حول تعارض الاستصحابين لا صلة له باستصحاب الفعل المقيّد بالزمان، بل هو شبهة كلية له صلة بمبحث آخر وهو منع جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية من رأس، وذلك لتعارض استصحاب بقاء الحكم في زمان الشكّ مع أصالة عدم جعله فيما عد المتيقّن، وكان اللازم على الشيخ وتلميذه عقد تنبيه خاص لهذا الموضوع ونقد إشكال المحقّق النراقي بعده، ولأجل ذلك خصصنا تنبيهاً مستقلاً له كالآتي.


(145)

التنبيهات

6

في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية
أو
جريانه في الفعل المقيّد بالزمان

كان التنبيه السابق معقوداً لبيان جواز استصحاب الزمان والزمانيّات، و قد عرفت حقيقة الحال فيهما، و بقي البحث في استصحاب القسم الثالث، أي الفعل المقيّد بالزمان، كالإمساك في النهار إذا شكّ في بقاء وجوبه بعد غروب الشمس، وقد جعله الشيخ ذيلاً للتنبيه السابق، وتبعه المحقّق الخراساني.

وبما انّ الأعلام خصُّوا الكلام بما إذا كان القيد زماناً كالنهار بالنسبة إلى الإمساك جعلوه ذيلاً للتنبيه السابق، وبما أنّه لا خصوصية لكون القيد زماناً ، يأتي البحث في سائر القيود أيضاً عند ارتفاعها والشك في بقاء الحكم الكلّي كما في المثالين التاليين:

أ: إذا دلّ الدليل على أنّ الماء المتغيّر نجس، فلو زال تغيّره بنفسه، يقع الكلام في بقاء النجاسة بعد ارتفاع القيد.

ب: إذا ورد الدليل على أنّه يحرم مسُّ الحائض، فلو حصل النقاء ولم تغتسل، يقع الكلام في بقاء حرمة المس.


(146)

وبذلك يظهر أنّ ملاك البحث هو استصحاب الحكم الشرعي الكلّي بعد ارتفاع بعض قيوده سواء أكان القيد زماناً أم غيره.

وعلى ضوء ذلك: كان اللازم على الشيخ عقدَ تنبيه خاص لجواز جريانه فيه وعدمه، لكنّه اكتفى بما في ذيل التنبيه السابق، ولأجل الحفاظ على النظام السائد في كتاب «الفرائد» و«الكفاية» نقتفي أثر الشيخ والمحقّق الخراساني أوّلاً ، ثُمّ نوسِّع البحث في استصحاب كل حكم كلّي شرعي عند انتفاء بعض قيوده ثانياً.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ منشأ الشك في بقاء الحكم الشرعي، تارة يكون خلط الأُمور الخارجية، وهو المعبَّر عنه بالشبهة الموضوعية، وأُخرى فقدان النص أو إجماله أو تعارضه، وهذا ما يعبَّر عنه بالشبهة الحكمية.

أمّا الأوّل: فلا شكّ في جريانه عند قاطبة الأخباريّين والأُصوليّين، فمثلاً إذا شُك في بقاء النهار يُستصحب بقاؤه، ومثله إذا شُكّ في بقاء الليل.

إنّما الكلام إذا كان الشكّ في الشبهة الحكمية، فهناك أقوال خمسة:

الأوّل: التعارض بين الاستصحابين، أي استصحاب العدم واستصحاب الوجود. وهذا هو خيرة المحقّق النراقي والمحقّق الخوئي.

الثاني: التفصيل بين كون القيد المرتفع ظرفاً فيجري استصحاب الوجود. أو قيداً فيجري استصحاب العدم. وهذا هو خيرة الشيخ الأنصاري و المحقّق الخراساني.

الثالث: عدم جريان الاستصحاب العدمي، وجريان خصوص الاستصحاب الوجودي. وهو خيرة المحقّق النائيني.وقد قوّيناه لكن بطريق آخر.


(147)

الرابع: جريان الاستصحاب الوجودي والعدمي بلا منافاة بينهما. و هو خيرة شيخ مشايخنا الحائريّ والسيّد الأُستاذ ـ قدّس سرّهما ـ.

الخامس:عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية الكلّية أصلاً، واختصاصه بالحكم الجزئي والشبهة الموضوعية. وهو خيرة الأخباريين.(1)وإنّما أخّرنا هذا القول عن الأقوال الأربعة، لأجل انطباق البحث على «الفرائد» و«الكفاية»، وإلاّ فطبع الحال كان يقتضي تقديمه على الأقوال كلّها.

القول الأوّل: جريان الاستصحابين وتعارضهما

ذهب المحقّق النراقي إلى جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلّي، لكن تكون النتيجة هي تعارض الاستصحابين، وقال: إذا علم أنّ الشارع أمر بالجلوس يوم الجمعة، وعلم انّه واجب إلى الزوال، ولم يعلم وجوبه فيما بعده، فاستصحاب وجوبه بعده، معارض بعدم وجوبه مطلقاً قبل التكليف، فخرج الجلوس قبل الزوال وبقي ما بعده تحت عدم الوجوب الأزلي.(2)

وحاصل الاستدلال: وجود التعارض بين جرّ وجوب الجلوس إلى ما بعد الزوال، و استصحاب عدم جعل الوجوب بتاتاً، لا قبل الزوال و لا بعده، خرج عنه، الجلوسُ إلى الزوال بالدليل الشرعي، فيُستصحب عدم الوجوب المطلق من بعد الزوال إلى الغروب.


1. هذا هو القول الخامس من بين الأقوال البالغة أحد عشر قولاً في حجية الاستصحاب في الفرائد، لاحظ ص 347 .
2. الفرائد: 376 ط رحمة الله .


(148)

القول الثاني: التفصيل بين كون الزمان ظرفاً و قيداً

ذهب الشيخ و المحقّق الخراساني إلى جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلّي من دون أن يكون هنا تعارض، وذلك لأنّ الزمان في دليل المستصحب لا يخلو إمّا أن يكون قيداً للموضوع ومفرِّداً له، و بين كونه ظرفاً للفعل(1) فإن كان قيداً للموضوع، بمعنى أنّ الجلوس المقيد إلى الزوال واجب، فلا يجري استصحاب الحكم الوجودي، لتبدّل الموضوع، وعدم صدق النقض لو لم نقل بجريانه، بل يكون أشبه بالقياس، بل يجري استصحاب عدم الوجوب لأنّ انتقاض عدم الوجود المقيّد لا يستلزم انتقاض المطلق، والأصل عدم الانتقاض كما إذا ثبت وجوب صوم يوم الجمعة ولم يثبت غيره.

وإن أُخذ الزمان ظرفاً للفعل، بتصوّر أنّ الجلوس فعل لا يتحقّق إلاّ في الزمان، فلا يجري إلاّ الاستصحاب الوجودي، لأنّ العدم المطلق انتقض بالوجود المطلق و قد حكم عليه بالاستمرار بمقتضى أدلة الاستصحاب.(2)

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني بعد ما ذكر ـ في مقام الإجابة عن التعارض ـ خلاصة كلام الشيخ أورد على نفسه إشكالاً ليس في كلام الشيخ، وهو: انّه لما كان كل من النظرين(كون الزمان قيداً أو ظرفاً) أمراًمحتملاً، يجري كلا الاستصحابين، لأنّ كلاً منهما محتمل البقاء.

فأجاب عن الإشكال بأنّه إنّما يصحّ إذا كان في أخبار الباب ما بمفهومه يعمّ كلا الاستصحابين، وإلاّ فلا يكون هنا إلاّ استصحاب واحد لما عرفت من أنّ


1. وما في الكفاية: ظرفاً للحكم لا يخلو من تسامح .
2. الفرائد: 377، ط رحمة الله .


(149)

استصحاب الأمر الوجودي فرع لحاظ الزمان ظرفاً، واستصحاب الأمر العدمي فرع لحاظه قيداً ولا يمكن الجمع بين اللحاظين في دليل واحد.

نقد تفصيل الشيخ

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أنكر احتمال أن يكون الزمان المأخوذ في لسان الدليل ظرفاً، وقال: بأنّه قيد دائماً، وعلى هذا يكون المورد صالحاً للاستصحاب العدمي دون الوجودي، و قال ماهذا حاصله:

إنّ الإهمال في مقام الثبوت غير معقول، فالأمر بالشيء إمّا أن يكون مطلقاً، أو يكون مقيداً بزمان خاص، ولا نتصور الواسطة، ومعنى كونه مقيَّداً بزمان خاص عدم وجوبه بعده، فأخذ الزمان ظرفاً للمأمور به ـ بحيث لا ينتفي المأمور به بانتفائه في مقابل أخذه قيداً للمأمور به ـ مما لا يرجع إلى معنى معقول، فانّ الزمان بنفسه ظرف لا يحتاج إلى الجعل التشريعي، فإذا أخذ زمان خاص في المأمور به فلا محالة يكون قيداً له، فلا معنى للفرق بين كون الزمان قيداً أو ظرفاً، فانّ أخذه ظرفاً ليس إلاّ عبارة أُخرى عن كونه قيداً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ معنى كون الزمان أو مطلق القيود ظرفاً ليس بمعنى عدم مدخليته حدوثاً و بقاءً، وإلاّ يكون أخذه في لسان الدليل لغواً، بل المراد مدخليته حدوثاً لا بقاءً مقابلَ مدخليته حدوثاً وبقاءً.

فعلى الأوّل يكون الزمان ظرفاً وعلى الثاني قيداً.

وبذلك صحّحنا استصحاب نجاسة الماء المتغيّر الذي زال تغيّره بنفسه، فانّ النجاسة ليست محمولة على مطلق الماء، ولا على الماء مادام متغيّراً حتى تلزم


1. مصباح الأُصول: 3 / 131 .


(150)

طهارته إذا زال تغيره بنفسه، بل على الماء الذي صار متغيّراً في آن من الآنات فهو محكوم بالنجاسة إلى أن تثبت طهارته.

وإن شئت قلت: إنّ القيود بعامتها سواء أكانت زماناً أم غيره من قبيل الواسطة في الثبوت، التي تكفي في استمرار الحكم وجود القيد آناً ما(كالتغيّر) لا الواسطة في العروض التي يدور استمرار الحكم على وجود الواسطة حدوثاً وبقاءً كجريان الماء على الميزاب المصحّح لنسبة جريانه إلى الميزاب مادام الجريان حاصلاً بالفعل.

إلى هنا تمت النظريتان: نظرية التعارض، ونظرية التفصيل، وإليك النظرية الثالثة، وهي تعني جريان خصوص الاستصحاب الوجودي دون العدمي.

القول الثالث: جريان خصوص الاستصحاب الوجودي

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ المورد صالح للاستصحاب الوجودي دون العدمي، حتى ولو كان الزمان قيداً، وحاصل ما أفاد هو مايلي:

إنّ العدم الأزلي هو العدم المطلق الذي يكون كلّ حادث مسبوقاً به، وانتقاض هذا العدم بالنسبة إلى كلّ حادث إنّما يكون بحدوث الحادث وشاغليّته لصفحة الوجود، فلو ارتفع الحادث بعد وجوده، فهذا العدم غير العدم الأزلي، بل هو عدم آخر حادث بعد وجود الشيء.

وذلك لأنّ العدم المقيّد بقيد خاص من الزمان أو الزماني إنّما يكون متقوّماً بوجود القيد، كما أنّ الوجود المقيّد بقيد خاص إنّما يكون متقوّماً بوجود ذلك القيد، ولا يعقل أن يتقدّم العدم أو الوجود المضاف إلى زمان خاص عليه(1)، بل يكون


1. في النسخة المطبوعة أخيراً «عنه» والظاهر «عليه» أي على الزمان .


(151)

العدم بعد الزوال كالوجود المقيّد به، ويكون قوامه و تحقّقه بعد الزوال، ولا يكون له تحقّق قبل الزوال فلا يمكن استصحاب العدم بعد الزوال إلاّ إذا آن وقت الزوال، و من المعلوم ليست لهذا العدم المقيد حالة سابقة آن وقت الزوال.

فتكون النتيجة، أنّ العدم المطلق و إن كان ذا حالة سابقة، لكنّه انتقض بوجوب الجلوس إلى الزوال، وأمّا العدم المضاف إلى الزوال الذي لا يتحقّق إلاّ بتحقّق الزوال فليس له حالة سابقة إلاّ بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.(1)

يلاحظ عليه: أنّ حدوث كلّ فرد مسبوق بعدم نفسه، فكما أنّ وجوب الجلوس إلى الزوال كان مسبوقاً بعدم نفسه، فهكذا وجوب الجلوس بعد الزوال مسبوق بعدم نفسه، بشهادة أنّه حادث، و كلّ حادث مسبوق بالعدم، وعلى ذلك يكون عدمه نفس العدم الأزلي.

وما ذكره من أنّ هذا العدم إنّما يتحقّق عند الزوال، فهو خلط بين العدم المضاف إلى «الزوال» والعدم المقيّد بالزوال، فالأوّل مضاف إلى المعدوم و هو عدم أزلي سابق، والثاني أي ما يكون العدم مقيّداً بالزوال فهو عدم مقارن مع الزوال وليس أزلياً.

فالأوّل منه متحقّق قبل الزوال مع إضافة العدم إليه، بخلاف الثاني فانّه يتوقف على حلول الزوال.

نظرية النراقي بثوبها الجديد

ثمّ إنّ المحقق الخوئي أحيا نظرية المحقّق النراقي ببيان آخر، وحاصله: أنّ للأحكام مرحلتين:


1. فوائد الأُصول: 4 / 445 ـ 446 .


(152)

1. مرحلة الإنشاء والجعل.

2. مرحلة الفعلية والتحقّق.

أمّا الأُولى: هو عبارة عن إنشاء الحكم على العنوان إذا لم يكن هناك مصداق له، كإنشاء وجوب الحج على المستطيع مع عدم مصداق له.

وأمّا الثانية: فهي عبارة عن تحقّق الموضوع، أي وجود المستطيع مع عامة شرائطه. هذا و بإمكاننا أن نعبّر عن الأُولى بمرحلة الجعل، وعن الثانية، بمرحلة المجعول.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ الشكّ في المجعول في الشبهات الحكمية على قسمين:

أ: ما كان الزمان مفرِّداً للموضوع، و كان الحكم انحلاليّاً، كحرمة وطأ المرأة الحائض حسب أفرادها، وكوطئها قبل النقاء أو بعده قبل الاغتسال، ففي مثله لا يجري استصحاب الحرمة، لأنّ الفرد المحقّق بعد النقاء وقبل الاغتسال لم تعلم حرمته من أوّل الأمر، فيكون الاستصحاب في المقام من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر.

ب: ما إذا لم يكن الزمان مفرِّداً للموضوع، أو لم يكن الحكم انحلالياً، كنجاسة الماء القليل المتمَّم كرّاً، فانّ الماء شيء غير متعدد حسب امتداد الزمان في نظر العرف، ونجاسته حكم مستمر لكنّه مبتلى بالمعارض، فلنا يقين متعلّق بالمجعول، و يقين متعلّق بالجعل، فبالنظر إلى المجعول يجري استصحاب النجاسة، وبالنظر إلى الجعل يجري استصحاب عدمها، إذ المتيقن جعلها للماء النجس غير المتمَّم كراً، وأمّا جعلها مطلقاًحتى للقليل المتمَّم فهو مشكوك فيه،


(153)

فيستصحب عدمه، فتقع المعارضة بين بقاء المجعول وعدم الجعل، ومثله استصحاب الملكية والزوجية إذا رجع البائع وشككنا في بقاء الملكية به، أو طلَّق الزوج بلفظ نشك في كونه صيغة طلاق، مثل قوله: أنتِ خلية. فباعتبار المجعول يجري استصحاب الملكية والزوجية، وباعتبار الجعل يجري استصحاب عدمهما، ويكون المقام من قبيل الأقل والأكثر ويجري الأصل في الأكثر.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تفسير الحكم الإنشائي والفعلي بما ذكر خلاف ما هو المصطلح الدارج من عصر الشيخ إلى يومنا هذا، فالحكم الإنشائي هو الحكم المجعول الذي لم يصل إلى حد الإعلام للناس والفعلي هو الحكم المجعول الذي بلّغه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على نحو لو تفحَّص المكلف مظان الحكم لوصل إليه.

فالحكم الشرعي الذي بلّغه الرسول ولم يعثر عليه المكلّف، فعلي غير منجز، فإذا وقف عليه أو على طريقه صار الحكم منجزاً.

وثانياً: أنّ لازم ما ذكره القول بعدم جريان استصحاب عدم النسخ، مثلاً اتّفق الفريقان على مشروعية المتعة قبل عام الفتح، أو عام خيبر، فادّعت السنّة منسوخيتها، والشيعة على استمرارها أخذاً بأصالة عدم النسخ، مع أنّ لازم ما ذكره عدم جريانه لأنّ الأصل عدم جعل الجواز عليها بعد عام الفتح، مع أنّ استصحاب عدم النسخ مما اتّفق عليه الأخباري والأُصولي كما نقله الشيخ الأعظم في فرائده من الأمين الاسترابادي .(2)

وثالثاً: أنّ الجمع بين استصحابي الجعل والمجعول جمع بين المتنافيين، فانّ استصحاب المجعول مبنيّ على أخذ الجلوس بما هو هو موضوعاً للحكم حتى


1. مصباح الأُصول: 3 / 37 ـ 39 .
2. الفرائد: 347 .


(154)

يصح استصحابه إلى ما بعد الزوال. ولكن استصحاب عدم الجعل مبني على تقسيم الجلوس إلى قبل الزوال ومابعده حتى يقال بأنّ القدر المتيقّن هو الأوّل دون الثاني، وهو نفس أخذ الزمان قيداً وجعله موضوعاً مستقلاً. فلم يكن الأصلان جاريين في ظرف واحد.

وأظن انّه ـ قدَّس سرُّه ـ لما لم يتصوّر معنى واضحاً لظرفية الزمان، لم يكن له بدّ إلاّ من جعل الزمان قيداً ومعه لا يجري إلاّ الاستصحاب العدمي فقط.

إلى هنا تمّ بيان الأقوال الثلاثة، وإليك بيان القول الرابع.

القول الرابع: لا تعارض بين الاستصحابين

وحاصله: انّه لا تعارض بين الاستصحابين، إذ لا مانع من أن يكون الجلوس بما هوهو«كما هومقتضى الاستصحاب الوجودي» واجباً و بما هو جلوس مقيدٌ بالزوال إلى المغرب غير واجب، ولأجل اختلاف الموضوعين يختلف الحكمان، لأنّ لازم الاستصحاب الوجودي أخذ الجلوس بما هوهو موضوعاً للحكم، و جعل الجلوس من الزوال استمراراً للجلوس السابق من دون نظر استقلاليّ إليه حتى يتسنَّى استصحاب الحكم السابق، واسراؤه من الزمان السابق إلى الزمان اللاحق. فيحكم على مطلق الجلوس بالوجوب.

ولكن لازم الاستصحاب العدمي هو أخذ الجلوس منقطعاً عن السابق ومحدّداً بالزوال إلى المغرب، موضوعاً للوجوب، ومن المعلوم انّ الحكم بعدم الوجوب للمقيّد لا ينافي الحكم بالوجوب على المطلق.

وهذا ـ كما عرفت ـ خيرة شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري، قال ـ قدَّس سرَّه ـ: لا مانع من جريان الاستصحابين، وكون الجلوس بعد الزوال محكوماً بحكمين مختلفين،


(155)

فهو بما انّه جلوس وأنّه من مصاديق مطلق الجلوس وأفراده، محكوم بالوجوب، وبما انّ جلوسه مقيّد، محكوم بعدمه، وهذا بمكان من الإمكان، بل لا مانع من حصول القطع بذينك الحكمين فلا غرو في أن نقطع بوجوب الجلوس بعد الزوال بما هو جلوس، وبعدمه بما انّه جلوس مقيد.(1)وقد اختاره السيد الأُستاذ.

وحاصل كلامهما يرجع إلى اختلاف الحيثيتين، فمن حيثية يحمل عليه بالوجوب، ومن حيثية أُخرى يحمل عليه بعدمه، فلا تعارض في مقام الجعل، لكن يبقي الكلام في مقام الامتثال.

فهل يصح للعبد أن يترك الجلوس بعد الزوال محتجّاً باستصحاب عدم الوجوب؟

الظاهر: لا، وذلك لعدم التزاحم في مقام الامتثال، فانّ عدم الوجوب لحيثية لا ينافي الوجوب من حيثية أُخرى، فليس هناك أيّ تزاحم بين الحكمين في مقام الامتثال، فللمولى أن يحتج على العبد بالاستصحاب الوجودي.

نظرية المحقّق النائيني بثوبها الجديد

و هذا القول يُشاطر القول الثالث، أعني: قول المحقّق النائيني، في اختصاص المقام بالاستصحاب الوجودي دون العدمي، ولكن يختلف معه في الدليل.

وحاصل دليل هذا القول، هو: انّ أدلّة الاستصحاب لا تشمل استصحاب العدم الأزلي، ولا يعدُّ عدمُ الاعتداد بهذا النوع من اليقين نقضاً له، وذلك لأنّ الظاهر من الأدلّة هو الأمر بحفظ اليقين في الأُمور التي لها مساس بالحياة العملية


1. درر الفوائد: 2 / 159 .


(156)

سواء أكانت أمراً تكوينياً أم تشريعياً، فلو تعلّق اليقين بواحد من هذه الأُمور فلا يصح نقضها.

وأمّا الأمر الخارج عن هذا الإطار والذي يرجع إلى ما قبل الخلقة، فلا يشمله قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» و لا يعدّ عدم العمل به نقضاً لليقين، لأنّ المفروض أنّ المتيقن هو الأُمور الخارجة عن إطار الحياة العملية.

وبالجملة :انّ استصحاب العدم الأزلي وإن كان فرداً عَقلانياً لليقين ولكنّه ليس فرداً عُقلائياً عرفياً له، و لذلك لا يتبادر من أدلة الاستصحاب هذا الفرد من اليقين و المتيقن.

وبذلك تبين انّه لا يجري في المورد إلاّ الاستصحاب الوجودي.

إيقاظ

عقد المحقّق الخراساني في المقام عنواناً أسماه «إزاحة وهم» فحاول به دفع نظرية النراقي في تعارض الاستصحابين، وقد أخذ ما ذكره من الشيخ الأنصاري في ذيل التنبيه الثاني، حيث قال الشيخ في جواب ما أورد على نفسه:

قلت: لابدّأن يلاحظ انّ منشأ الشك في ثبوت الطهارة بعد المذي[ هل هو ]الشكّ في مقدار تأثير الوضوء؟ أو في رافعية ما أحدثه الوضوء من الأمر المستمر....(1)

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني تناول الشقَّ الثاني بالبحث وقال ما حاصله: من انّه إذا كان المقام من قبيل الشكّ في الرافع فلا مجال لاستصحاب العدم الأزلي، وذلك لأنّه بعد ما وقفنا على أنّ الوضوء سبب للطهارة المستمرة التي لا ترتفع إلاّ


1. لاحظ الفرائد: 377، طبعة رحمة الله .


(157)

بما جعله الشارع سبباً، أو جعل ملاقاة النجس مع الماء القليل سبباً للنجاسة المستمرة، لا يكون هنا أيّ شكّ في المقتضي، و لو كان هنا شك فإنّما هو في الرافع، وهو هل المذي رافع للأمر المستمر أو انّ إتمام الماء كراً رافع للنجاسة أو لا؟

فإذا كان كذلك، فليس هناك مجال إلاّ لاستصحاب الأمر المستمر المتيقن سابقاً والمشكوك لاحقاً، ولا يصحّ التمسّك بعدم جعل الوضوء سبباً للطهارة بعد المذي، أو عدم جعل الملاقاة سبباً للنجاسة بعد الغسل مرة. إذ لا نشكّ في إنشاء الأمر المستمر من دون تحديد بحدّ. وعلى ضوء ذلك فليس هناك شكّ في تأثير مقدار المقتضي، بل العلم حاصل في أنّه أثر بلا تحديد وتقييد، وإنّما الشكّ في القاطع والرافع فليس المرجع إلاّ أصالة عدم الرافع.

القول الخامس: عدم الحجية في الحكم الشرعي الكلّي

إلى هنا تمّت التفاصيل في جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلّي بعد البناء على حجيته في ذلك المجال. وهناك من يمنع حجيته في الشبهة الحكمية بتاتاً، ومعه لا تصل النوبة إلى التعارض، واستدلّ على ذلك بوجهين:

الأوّل: اختصاص مورد روايات الاستصحاب بالشبهات الموضوعية كما هو الحال في صحاح زرارة الثلاث وغيرها. فانّ السؤال والجواب منصبَّان على الشبهة الموضوعية، ومعه كيف يمكن التمسّك بها لتصحيح استصحاب الحكم الكلّي؟

والجواب: انّ المورد غير مخصّص كما هو واضح، والمسوّّغ للاستصحاب هو اليقين الذي هو أمر مبرم لا ينقضه الشك الذي هو أمر موهون من غير فرق بين تعلّقه بالموضوع أو بالحكم، والمجوِّز للاستصحاب هو استحكام اليقين و وهن الشك وهو موجود في كلا المقامين.


(158)

الثاني: انّ استصحاب الحكم الكلّي أشبه بالقياس، لأنّ الموضوع في المتيقّن غير الموضوع في المشكوك، فالموضوع في الأوّل:

المرأة الحائضة التي لم تزل ترى الدم.

أوالماء القليل قبل الإتمام بكرّ.

ولكن الموضوع في الثاني هو:

المرأة التي حصل لها النقاء من الحيض.

أو الماء القليل المتمم كرّاً.

فكيف يصح إسراء العنوان الأوّل إلى العنوان الثاني مع أنّ الماهيات والعناوين مثار الكثرة والوجود مثار الوحدة؟

قال الأمين الاسترابادي: إنّ صور الاستصحاب المختلف فيها راجعة إلى أنّه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته، نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة وحدوث نقيضها فيه فما سمُّوه استصحاباً راجع في الحقيقة إلى إجراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر.(1)

وسوف نرجع إلى حلّ هذا الإشكال في التنبيه القادم.


1. الفرائد: 347، نقلاً عن الفوائد المدنية .


(159)

التنبيهات

7

في الاستصحاب التعليقي

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

1.إذا كان الحكم الشرعي محمولاً على الموضوع بلا قيد ولا شرط، فالحكم تنجيزيّ وإلاّ فتعليقي، سواء عُبِّر عنه بالجملة الخبرية التي قصد منها الإنشاء في نحو قولك: العصير العنبيّ حرام إذا غلى، أو بالجملة الإنشائية نحو قولك: اجتنب عن العصير العنبي إذا غلى، و قد مرّ الكلام في إمكان تقييد الهيئة في الأوامر.

وإن شئت قلت: محل الكلام إنّما هو في استصحاب الوجوب المشروط بالمعنى الذي اختاره المحقّق الخراساني خلافاً للشيخ الأعظم الذي ارجع القيد إلى الواجب على ما مرّ.

2. انّ الشكّ في بقاء الحكم الشرعي تارة ينشأ من الشكّ في بقاء موضوعه كحياة زيد، أو بقاء المائع على الخمرية وعدم تبدّله إلى الخلّية، وأُخرى من الشكّ في بقاء نفس الحكم الشرعي.

أمّا الأوّل: فلا شكّ في جريان الاستصحاب فيه، إنّما الكلام في جريانه في الثاني وهو على قسمين:

تارة يكون الشك متعلِّقا بسعة الجعل، كما إذا احتملنا استمرار مشروعية


(160)

حلّية المتعة إلى عام الفتح فقط.

وأُخرى نعلم سعة الجعل وشموله لعامّة الأزمان و الأجيال، لكن حصل التغيير في جانب الموضوع بارتفاع بعض القيود كصيرورة العنب زبيباً، والماء المضاف مطلقاً، فجريانه في القسم الأوّل منهما مورد اتفاق، إنّما الكلام في جريانه في القسم الثاني .

وإن شئت فسمِّه الشك في سعة المجعول ـ حسب اصطلاح السيد الخوئي ـ حيث صار الحكم فعلياً بتحقّق موضوعه وفعليته في برهة من الزمان، لكن طرأ التغيّر على بعض القيود فتعلّق الشك بسعة المجعول.

3. انّ العنوان المأخوذ في الموضوع على أقسام: فتارة يدور الحكم مداره، كما في قولنا : الكلب نجس، والخمر حرام، فلو انقلبا ملحاً أو خلاّ، ارتفع الحكمان.

وأُخرى يدور مدار ذات الشيء لا عنوانه، كالحنطة، فهو حلال ومملوك وإن انقلب دقيقاً و خبزاً.

وثالثة يُشك في أنّه من أي من القسمين، كما هو الحال في الماء المتغيّر بالنجاسة. والحاجة إلى الاستصحاب إنّما هو في القسم الأخير دون الأوّلين، لوضوح ارتفاع الحكم في الأوّل وبقائه في الثاني قطعاً، وطروء الشك في الثالث فلو كان الموضوع هو الماء، والتغيّر دخيلاً ثبوتاً لا بقاءً، يبقى الحكم و إن زال تغيّره، وإن كان الموضوع هو الماء المتغيّر مادام متغيراً يرتفع الحكم بارتفاع القيد.

4. المثال المعروف للاستصحاب التعليقي هو قولهم: «العنب حرام إذا غلى » ،فلو طرأ التغيّر في جانب الموضوع وصار زبيباً، فهل تستصحب الحرمة التعليقية بحجة أنّ الرطوبة و الجفاف من حالات الموضوع كالخبز الناعم و اليابس أو لا؟


(161)

لكن التمثيل به في غير محله، إذ لم يقع العنب موضوعاً للحكم في لسان النص، على ما مثّلنا، بل الوارد هو العصير العنبي إذا غلى، بأن يكون المغليّ ماء العنب، لا الماء الخارجي، و إذا صار زبيباً وجفّ ماؤه، فالمغلي هو الماء الخارجي الذي يختلط مع أجزاء الزبيب ومثله خارج عن محط النص.

ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : «كلّ عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه».(1)

وفي صحيحة حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: «لا يحرم العصير حتى يغلي».(2) فلم يقع العنب موضوعاً للحكم حتى يستصحب حكمه وإن صار زبيباً.

ومع ذلك فالمثال غير عزيز: فلو هدم المسجد وصار شارعاً يقع الكلام في حرمة تنجيسه ووجوب ازالة نجاسته. فإن قلنا: إنّ أحكام المسجد مترتبة على ما يقال انّه مسجد بالفعل، فإذا أُزيل عنوانه، لا يترتب عليه شيء من أحكامه فيجوز تنجيسه ولا تجب إزالة نجاسته، كما يجوز جلوس الجنب والحائض فيه.

وإن قلنا: إنّها مترتبة على ما كان مسجداً وإن لم يكن بالفعل كذلك، فتترتّب عليه عامة الأحكام. إنّما الكلام إذا شككنا فيما هو الموضوع فيرجع فيه إلى الأصل ومقتضاه هو حرمة التنجيس تنجيزاً، ووجوب الإزالة تعليقاً، فيقال في الأوّل كان تنجيس هذا المكان حراماً و الأصل بقاؤه، و في الثاني، كان هذا المكان ـ إذا تنجس ـ وجب تطهيره و الأصل بقاؤه، و لأجل كون الاستصحاب في الأوّل تنجيزياً وفي الثاني تعليقيّاً، ذهب المحقّق النائيني في تعليقته إلى حرمة التنجيس،


1. الوسائل: الجزء 17، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 1 .
2. الوسائل: الجزء 17، الباب 3 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 1 .


(162)

وعدم وجوب الإزالة.(1) لعدم حجية الاستصحاب التعليقي عنده.

5. انّ جريان الاستصحاب مبني على جريانه في الأحكام الشرعية الكلّية وعدم اختصاصه بالشبهات الموضوعية، و أمّا جريانه في الموضوعات فربّما يعطف عليه أيضاً، فيقال في الصلاة في اللباس المشكوك: لو صلّى المصلي قبل لبس هذا اللباس لكانت صلاته صحيحة، فالأصل بقاء الموضوع على ما كان عليه.

والظاهر عدم صحة العطف، إذ التعليق ليس في كلام الشارع وإنّما هو بتعمل وتدقيق من المستصحِب.

6. العصير العنبي إذا غلى بنفسه أو بالشمس فهو مسكر لا يطهر ولا يحل بالتثليث، إلاّ إذا انقلب خلاّ و هذا النوع من الغليان خارج عن مصب البحث،وأمّا إذا غلى بالنار ونحوه فهو طاهر وشربه حرام إلى أن يذهب ثلثاه و يقلّ ماؤه، لئلاّ يتبدل على مرّ الزمان مسكراً.

7. انّ أوّل من تمسّك بالاستصحاب التعليقي في حرمة العصير العنبي هو السيد الطباطبائي المعروف بـ «بحر العلوم»، و ردّعليه تلميذه السيد علي صاحب الرياض في درسه كما نقله ولده السيد محمد المجاهد في «المناهل»، وبما انّ الموافق والمخالف اتخذ العصير العنبي مثالاً للبحث، فنحن نقتفيه، و قد عرفت خروجه عن كونه مثالاً للمقام.

إذا عرفت هذه الأُمور، فاعلم أنّ الشيخ الأعظم ذهب إلى جريانه و تبعه المحقّق الخراساني و خالفهما المحقّق النائيني. واستدل القائل بجريانه بتمامية أركانه من اليقين السابق، والشكّ اللاحق، وبقاء الموضوع فانّ عنوان العنبية من الحالات لا من المقومات.

احتج المخالف بوجوه نذكرها على الترتيب الذي ذكره صاحب الكفاية.


1. العروة الوثقى: أحكام النجاسات، فصل «لا يشترط في صحة الصلاة إزالة النجاسة عن البدن» المسألة 13، تعليقة النائيني وتلميذه جمال الدين الگلپايگاني .


(163)

1. لا وجود للمعلَّق قبل وجود ما عُلِّق عليه

نقل الشيخ عن صاحب المناهل أنّه ردّ الاستصحاب التعليقي بأنّه يشترط في حجّية الاستصحاب ثبوتُ أمر أو حكم وضعيّ أو تكليفيّ في زمان من الأزمنة قطعاً ثمّ حصول الشك في ارتفاعه بسبب من الأسباب، ولا يكفي مجرد قابلية الثبوت باعتبار من الاعتبارات، فالاستصحاب التقديري باطل.(1)

وقد أجاب عنه الأعاظم بما هذا حاصله:

ما ذا يريد من عدم وجوب المستصحب (الحرمة المعلّقة)؟ فإن أراد انّه ليس بموجود فعلاً فهو حق، ولا يشترط في الاستصحاب أن يكون موجوداً بالفعل، بل يكفي أن يكون له نوع ثبوت و تحقّق حتّى يصح معه التعبد بالبقاء، و إن أراد انّه ليس بموجود أصلاً لا فعلاً ولا تعليقاً، فهو غير صحيح، إذ المفروض انّ الحرمة المعلَّقة وقعت تحت الإنشاء وتعلّق بها اليقين، ثمّ الشكّ ببقائها. وقد قلنا في محله انّ واقع الأحكام المشروطة هو إنشاء حكم على فرض وجود الشرط، فالشارع ينظر إلى صفحة الوجود و يرى أنّ العصير العنبي على قسمين: قسم غير مغليّ، و قسم منه مغليّ فيُنشأ الحرمة عليه على ذلك الفرض، و معه كيف يمكن أن يقال: انّه لا و جود للمعلّق. وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخراساني بقوله: إنّ المعلّق قبل الغليان إنّما لا يكون موجوداً فعلاً لا انّه لا يكون موجوداً أصلاً ولو بنحو التعليق....

نظرية صاحب المناهل بثوبها الجديد

إنّ المحقّق النائيني ممن وافق صاحب المناهل وأنكر الاستصحاب


1. الفرائد: 380 .


(164)

التعليقي وقال بعدم الوجود للحرمة التعليقية حتى يُستصحب في زمان الشك، و الأساس لإنكاره هو إرجاع عامّة الشروط إلى الموضوع، فالاستطاعة والغليان وإن أخذا في لسان الدليل شرطين للوجوب والحرمة، لكن القيدين يرجعان إلى الموضوع ، فكأنّه قال: المستطيع يجب عليه الحج، والعصير المغليّ يحرم، وقد كان من شعاره ـ قدَّس سرُّه ـ: «كل شرط موضوع».

وعلى هذا الأساس أنكر الاستصحاب التعليقي وقال ـ بعد تسليم أنّ الشرط يرجع إلى الموضوع ـ، انّ نسبة الموضوع إلى الحكم، نسبة العلّة إلى المعلول، ولا يعقل أن يتقدّم الحكم على موضوعه، و الموضوع للنجاسة والحرمة في مثال العنب إنّما يكون مركباً من جزءين: العنب والغليان، فقبل فرض الغليان لا يمكن فرض وجود الحكم، و مع عدم فرض وجود الحكم لا معنى لاستصحاب بقائه، لأنّه يعتبر في المستصحب نوع تقرر له، فوجود أحد جزئي الموضوع المركب كعدمه لا يترتب عليه الحكم الشرعي مالم ينضمّ إليه الجزء الآخر.

ثمّ إنّه ـ قدَّس سرَّه ـ ردّ على المحقّق الخراساني بقوله: وما ربما يقال: انّ العنب قبل غليانه و إن لم يكن معروضاً للحرمة والنجاسة الفعلية ـ لعدم تحقّق الموضوع ـ إلاّ أنّه معروض للحرمة والنجاسة التقديرية، لأنّه يصدق على العنب عند وجوده قبل غليانه، انّه حرام ونجس على تقدير الغليان، فالحرمة والنجاسة التقديرية ثابتتان للعنب قبل غليانه، فيشك في بقاء النجاسة والحرمة التقديرية عند صيرورة العنب زبيباً.

مدفوع: بأنّ الحرمة والنجاسة التقديرية من العنب غير المغلي عبارة أُخرى عن أنّ العنب لو انضمّ إليه الغليان لترتبت عليه الحرمة والنجاسة، و هو ـ مضافاً إلى أنّها أمر عقلي ـ مقطوعة البقاء لا معنى لاستصحابه.(1)


1. فوائد الأُصول: 4 / 467 ـ 469 .


(165)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره مبني على إرجاع القيود كلّها إلى الموضوع، وإرجاع القضايا الشرطية إلى القضايا الحملية، فلا يكون الحكم الشرعي (الحرمة) فعلياً إلاّ بعد تحقق عامة أجزاء الموضوع ومنه الغليان، والمفروض عدمه.

لكن التحقيق أنّ الشروط على أقسام ثلاثة حسب كيفية دخالتها في المصالح والمفاسد:

1. ما هو قيد للحكم كدلوك الشمس في وجوب الظهرين.

2. ما هو قيد للمتعلَّق ، كما في قولك: في سائمة الغنم زكاة.

3. ما هو قيد المكلَّف كما في الشرائط العامة من العقل و البلوغ والقدرة.

ومع ذلك فلا وجه لإرجاع عامة القيود إلى الموضوع سواء فُسر بالمكلّف، أو بالمتعلّق، حيث إنّه ـ قدَّس سرُّه ـ ارجعه في المقام إلى المتعلَّق و قال: العنب المغلي، و في غير هذا المورد ارجعه إلى المكلف، وقال: العاقل البالغ المستطيع، يجب عليه الحج.

و على كلّ تقدير فبما انّ مدخلية الشروط مختلفة، فتارة تكون مؤثراً في فعليّة الحكم، و أُخرى في كون المتعلّق ذا مصلحة أو مفسدة، أو كون المكلّف صالحاً للخطاب، تكون الشروط من حيث المرجع مختلفة ولا تكون على وزان واحد ـ كما زعم ـ .

وثانياً: أنّ المستفاد من كلامه: انّه لو كان الشرط في لسان الشارع جزءاً للموضوع كما إذا قال: العنب المغليّ حرام، لا يكون للمعلَّق أيّ تحقّق قبل تحقّق الشرط.

وإن كان قيداً للمعلّق وشرطاً له في لسان القائل كما إذا قال: العنب حرام إذا غلى، يكون له تحقق وواقعية


(166)

ولكنّه دقة فلسفية والعرف لا يفرّق بين القضيتين، فقول القائل : العنب المغلي حرام، كقوله: العنب حرام إذا غلى، فهو يتخذ العنب موضوعاً والغليان شرطاً من دون فرق بين التعبيرين المصرَّح والمؤول.

وبذلك يعلم ضعف ما أفاده الشيخ في كتاب الخيارات فيما إذا باع فرساً عربياً فبان فرساً غير عربي، فتارة حكم ببطلان المعاملة، وهذا فيما إذا قال البائع بعتك الفرس العربي، و أُخرى بجواز المعاملة ووجود الخيار وذاك فيما إذا قال: بعتك الفرس بشرط كونه عربياً، و تصور انّ التخلّف في المثال الأوّل من قبيل تخلّف الموضوع، كما إذا باع قطناً فبان حديداً، و في الثاني من قبيل تخلّف الشرط فيكون المشتري ذا خيار.

وقد ذكرنا في محله أنّ هذا التفسير ليس عرفياً وانّ العرف يتلقى القضيتين بمعنى واحد، وانّ ما ذكره دقة عقلية لا يلتفت إليها العرف الذي هو المدار في فهم الأدلّة.

وثالثاً: أنّ محط البحث هو بقاء القضية التعليقية بحالها، و انّه هل يجوز استصحابها أو لا؟ و أمّا منع الاستصحاب لأجل إرجاع القضايا التعليقية إلى التنجيزية، وجعل الشرط جزء الموضوع وبالتالي عدم فعلية الحكم لعدم تمامية الموضوع فهو خروج عن طور البحث، لأنّ المستصحَب حسب الفرض هو الحكم الشرعي التعليقي لا الحكم التنجزي حتى يعتذر بعدم الفعلية لأجل فقدان بعض أجزاء الموضوع.

ورابعاً: أنّ ما ذكره ردَّاً للمحقّق الخراساني بأنّه لا معنى لكلامه «إلاّ أنّ العنب لو انضم إليه الغليان لترتب عليه الحرمة وهو أمر عقلي أوّلاً، ومقطوع البقاء ثانياً» غير تام.


(167)

أمّا الأوّل: فلأنّه خلط بين المُنشأ والمنتزع، والمنشأ هو الحكم الشرعي الشرطي، أي حرمة العنب عند الغليان، وهو أمر حقيقي، وأمّا ما ذكره من أنّ معناه أنّ العنب لو انضم إليه الغليان لترتب عليه الحرمة فهو أمر انتزاعي من الحكم الشرعي.

وأمّا الثاني: فلأنّ مقطوع البقاء هو الحكم الكلّي (العنب إذا غلى يحرم)، و أمّا عند التطبيق على الخارج و طروء بعض الحالات على القضية فتصبح مشكوكة، كما إذا جفّ العنب المعين و صار زبيباً، فحينئذ يشك في بقاء الحكم الشرعي، فيستصحب.

إجابة أُخرى عن إشكال صاحب المناهل

ثمّ إنّ المشايخ أجابوا عن إشكال المناهل بجواب آخر، و هو: أنّ المستصحب ليس هو الحكم التكليفي، أعني: الحرمة، حتى يقال بأنّه لا وجود للمعلّق، وإنّما المستصحب هو الحكم الوضعيّ، أي الملازمة بين الغليان والحرمة، فنقول كانت الملازمة بين العنب والغليان موجودة فنشك في بقائها عند تبدّل العنب بالزبيب وهي محقّقة وليست بمعدومة.

وأورد عليه المحقّق النائيني: بأنّ الملازمة والسببية لا تنالها يد الجعل الشرعي فلا يجري الاستصحاب فيها، لأنّه يشترط في المستصحب أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي و ليست الملازمة منهما.

يلاحظ عليه : بأنّه يشترط في المستصحب أن يكون أمره بيد الشارع وضعاً و رفعاً، والمقام كذلك، لأنّ الملازمة منتزعة من حكم الشارع بالحرمة عند الغليان، وهذا المقدار كاف في كون المستصحب من الأُمور الشرعية كاستصحاب الجزئية


(168)

والشرطية والمانعية من الأحكام المتعلّقة بالشرط والجزء والمانع.

2. الاستصحاب التعليقي معارض للتنجيزي

هذا هو الإشكال الثالث في كلام الشيخ الأعظم، والإشكال الثاني في «الكفاية» وحاصله: انّ استصحاب الحرمة المعلّقة بعد صيرورة العنب زبيباً، يعارضه استصحاب الطهارة والحلّية الثابتتين للعنب قبل الغليان حيث كان العنب قبله حلالاً، فصار زبيباً وغلى، فنشك في بقاء الحلية السابقة و الأصل بقاؤه.

وقد أُجيب عنه بوجهين:

الأوّل: ما أجاب به الشيخ وحاصله:

انّ استصحاب الحرمة على تقدير الغليان حاكم على استصحاب الإباحة قبل الغليان.(1) لكون الأصل الأوّل سببياً والثاني مسببياً.

توضيحه: أنّ الشكّ في بقاء الحلّية السابقة وعدمها نابع عن الشكّ في كيفية جعل الحرمة للعنب المغليّ وانّ الشارع هل رتبها على العنب المغلي بجميع مراتبه التي منها صيرورته زبيباً، أو رتبها على بعض مراتبه وهو كونه عنباً غير جافّ؟ فإذا ثبت بالاستصحاب التعليقي بقاء الحرمة وانّها مترتبة على العنب بعامة مراتب وجوده، لا يبقى شكّ في ارتفاع الحلية السابقة.

وأورد عليه: بأنّ الأصل السببي إنّما يكون حاكماً على المسببي إذا كان الترتب بينهما شرعياً ويكون التعبّد بالسببيّ تعبّداً بنقض الأصل المسببي، مثلاً إذا غسل ثوب نجس بماء مستصحب الطهارة فالتعبد بطهارة الماء، يلازم شرعاً، بطهارة الثوب ونقض النجاسة المستصحبة، لما دلّ الدليل على أنّ كلّ نجس


1. الفرائد: 380 .


(169)

غُسل بماء طاهر فهو طاهر، بخلاف المقام إذ لم يدل دليل شرعي على أنّ كلّ ما حكم عليه بالحرمة فهو غير محكوم بالحلية، وإن كانت الملازمة ثابتة عقلاً.

ويمكن أن يقال: انّ التعبد بوجود أحد الضدين وإن كان لا يلازم التعبد بعدم الضد الآخر، لكن يستثنى منه ما إذا كان التعبّد بوجود الضد، عين التعبد بعدم الآخر عرفاً كما في المقام، فانّ التعبّد ببقاء الحرمة المعلّقة عين التعبّد بإلغاء احتمال الحلية إذ لا معنى لكون الشيء حراماً، مع احتمال كونه حلالاً. ففي مثله يكون الأصل المثبت حجّة.

الثاني: ما أجاب به المحقّق الخراساني و حاصله: أنّه لا تعارض بين الاستصحابين .

توضيحه انّ الزبيب عندما كان عنباً كان محكوماً بحكمين غير متعارضين.

1. الحلية قبل الغليان، 2. الحرمة بعده ، فكما أنّ الغليان شرط للحرمة، هكذا هو غاية للحلية، فإذا صار زبيباً يكون محكوماً أيضاً بنفس الحكمين فالزبيب حلال إلى أن يغلى، و حرام إذا غلى، فإذا حصلت الغاية لا يبقى مجال لاستصحاب الحلية وتكون الساحة خاصة لاستصحاب الحرمة.

و إن شئت قلت: إنّ الحلية مغيّاة بعدم الغليان، والحرمة مشروطة به أيضاً، فما كان كذلك لا يضر ثبوت الأمرين بالقطع فضلاً عن الاستصحاب لعدم التضاد بينهما فيكونان بعد صيرورته زبيباً، كما كانا معاً بالقطع بلا منافاة غير انّ المتكفل لإثبات الحلية المغياة، والحرمة المعلقة مادام كونه عنباً هو الدليل الاجتهادي، و المتكفل لإثباتهما كذلك عندما صار زبيباً هو الاستصحاب.

وبالجملة: حكم الزبيب ـ حلية وحرمة ـ نفس حكم العنب، فكما لا تعارض بينهما مادام عنباً فهكذا لا تعارض بينهما إذا صار زبيباً.


(170)

فإن قلت: إنّ حلية العنب كانت مغياة بالغليان لا حلية الزبيب ولم يثبت كونها مغيّاة به حتى يحكم بارتفاعها بحصول الغاية.

قلت: لا شكّ انّ حلية الزبيب ليست أمراًجديداً طرأ عليه بل هي استمرار للحلية السابقة العارضة على العنب وعليه تكون الحلية في كلتا المرحلتين مغيّاة، واحتمال كونها مغياة حدوثاً (مادام عنباً) لا بقاء (إذا صار زبيباً) يدفعه الاستصحاب إذ الأصل بقاؤه على ما كان عليه من الحكم المغيّى.

3. تبدل الموضوع

هذا هو الإشكال الثالث الذي تعرض به الشيخ الأعظم دون المحقّق الخراساني، وهو أُمّ الإشكالات المتوجهة إلى استصحاب الحكم الشرعي الكلّي، مطلقاً .

قال الشيخ: و ربّما يناقش الاستصحاب التعليقي بانتفاء الموضوع وهو العنب.

ثمّ أجاب عنه بوجه موجز و قال: إنّه لا دخل له في الفرق بين الآثار الثابتة للعنب بالفعل و الثابتة له على تقدير دون آخر.(1)

والحقّ انّ المشايخ استسهلوا هذا الإشكال مع أنّه من أهم الإشكالات، وعليه بنى الأمين الاسترابادي، إنكار الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلي و قال: إنّه من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر و هو أشبه بالقياس، وذلك لأنّ العنب والزبيب مفهومان متغايران وكيف يمكن أن يقال إنّ الثاني عين الأوّل مفهوماً؟


1. الفرائد: 2 / 654، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين .


(171)

وما ربّما يقال انّه يشترط في جريان الاستصحاب وحدة الموضوع عرفاً لا عقلاً، و الزبيب نفس العنب حقيقة وماهية غير أنّه جفّ ، فإنّما يصحّ في استصحاب الحكم الجزئي، للعنب المشخص، فيقال: هذا كان كذا و الأصل بقاؤه فيكون الموضوع هو «هذا»، وأمّا إذا كان المستصحب الحكم الشرعي، فالموضوع في القضية المتيقّنة هو مفهوم العنب، وفي القضية المشكوكة هو مفهوم الزبيب فكيف يصحّ لأحد أن يدّعي وحدة المفهومين عرفاً مع أنّ المفاهيم والماهيات مثار الكثرة؟ ومن هنا يظهر الإشكال في سائر الموارد من استصحاب الحكم الشرعي الكلّي كالماء المتغيّر وجرّ حكمه إلى الماء غير المتغيّر ، و الماء النجس غير الكرّ وجر حكمه إلى المتمم كراً، والحائض، و جرّ حكمها إلى ما إذا نقت من الدم و هكذا.

والجواب : انّ لاستصحاب الحكم الشرعي الكلّي صورتين لا تشذ إحداهما عن القياس قيد شعرة، والأُخرى موافقة لضوابط الاستصحاب.

الصورة الأُولى: اتخاذ المفاهيم و العناوين مصبّاً للاستصحاب وإسراء حكم عنوان إلى عنوان آخر، وهذا نظير إسراء حكم العنب والماء المتغيّر والحائض، إلى الزبيب، والماء غير المتغير، والنقية من الدم إذا لم تغتسل، والاستصحاب بهذا المعنى نفس القياس ولذلك تلقّاه الأمين الاسترابادي قياساً.

وما ربّما يقال من أنّ المرجع في تشخيص وحدة القضيتين المتيقنة والمشكوكة هو العرف لا العقل، لا يفيد في المقام لأنّ العرف مهما تسامح أو تساهل لا يرى المفهومين مفهوماً واحداً، والعنوانين عنواناً فارداً، فلذلك لو باع سلفاً العنبَ ودفع الزبيب عند حلول الأجل، لم يف بواجبه وللمشتري الرد، قائلاً بأنّ المبيع غير المقبوض.


(172)

الصورة الثانية: اتخاذ المصاديق الخارجية مصبّاً للاستصحاب، وهذا النوع يتوقف على تحقّق أمرين:

أ: الدليل الاجتهادي.

ب: الأصل العملي.

والحاجة إلى الأوّل إنّما هو في فترة خاصّة وهو مادام الموضوع موصوفاً بالعنبية، كما أنّ الحاجة إلى الأصل العملي بعد صيرورته زبيباً.

إذا عرفت ذلك، فللمستنبط أن يستفيد من كلا الدليلين واحداً تلو الآخر، فيقول: هذا عنب، و كلّ عنب إذا غلى يحرم، فهذا إذا غلى يحرم.

فتكون النتيجة انقلاب الموضوع من كونه عنباً إلى كونه هذا، ولذلك قلنا في النتيجة: «هذا إذا غلى يحرم».

وبعبارة أُخرى: انّ الموضوع في لسان الدليل ـ أي الكبرى ـ و إن كان هو العنب لكن بعد تطبيقه على الخارج، يكون الموضوع للحرمة الجزئية هو هذا الموجود الخارجي الذي هو أمامنا ونشير إليه بهذا، ونقول: «هذا إذا غلى يحرم».

إلى هنا تمّت رسالة الدليل الأوّل، وبعد تمامية الاستنتاج لا نرجع إلى ذلك الدليل أبداً.

ثمّ إذا كان الموضوع الخارجي موصوفاً بأنّه إذا غلى يحرم، فإذا مضت أيّام وجفّ ماؤه و صار زبيباً، فالقول باستمرار الحكم و جر الحكم السابق إلى اللاحق فرع حفظ الهوية الخارجية( لا العنوان)، و كون المشار إليه بهذا في الفترة الأخيرة نفس المشار إليه بهذا في الفترة المتقدمة.

فان وافقه العرف على هذه الوحدة كما هو الموافق للتحقيق يجري


(173)

الاستصحاب من دون رائحة قياس، فيقال: هذا كان في السابق إذاغلى يحرم، والأصل بقاؤه على ما عليه، فيكون المرجع هو الأصل العملي في الفترة الأخيرة مادام كونه زبيباً.

وبهذا يظهر كيفية جريان الاستصحاب في الماء المتغيّر الذي زال تغيره بنفسه، أو المرأة الحائض إذا نقت من الدم ولم تغتسل، إلى غير ذلك من الأمثلة، فلو اتخذنا العناوين والمفاهيم مصبّاً للاستصحاب فهو أشبه بالقياس، ولا صلة له بالاستصحاب. وأمّا لو اتخذنا الموضوع الخارجي مصبّاً له بعد تطبيق الدليل الاجتهادي عليه، يكون من مقولة الاستصحاب، فيشار إلى الماء المحكوم بالنجاسة والمرأة المحكومة بحرمة المسّ، فيقال: هذا كان نجساً أو هذه كانت محرّمة المس فالأصل بقاؤه، و الموضوع في كلتا الحالتين هو المشار إليه بـ«هذا »الباقي في كلتا الحالتين.

هذه عصارة ما نقله سيدنا الأُستاذ عن شيخه العلاّمة الحائري في درسه الشريف، فاعلم قدره واغتنمه.


(174)

التنبهات

8

استصحاب أحكام الشرائع السابقة

إذا ثبت حكم شرعي في إحدى الشرائع السابقة فهل يصحّ استصحابه، في الشريعة اللاحقة أو لا؟ وقبل الخوض في المقصود نقدّم بحثاً حول الشكّ في بقاء الأحكام في الشريعة الإسلامية.

إنّ الشكّ في بقاء الحكم تارة يرجع إلى الشكّ في سعة الجعل وضيقه، و أُخرى إلى الشكّ في مدخلية بعض القيود في بعض الآثار و إن كان الحكم مجعولاً إلى يوم القيامة.

أمّا الصورة الأُولى: أي الشك في سعة الجعل وضيقه فالمرجع هو إطلاق الدليل اللفظي، وإلاّ فاستصحاب عدم النسخ، فلو شككنا في سعة جعل الحلية للمتعة بعد عام الفتح، فإن كان هناك إطلاق لفظي كقوله: (فَما استَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهُنَّ فَريضَة) (1)، فيحكم بفضل الإطلاق على بقاء الحكم، وإن لم يكن هناك إطلاق لفظي بل إجماع على الحكم لم تُعلم سعة جعله وضيقه، فيستصحب عدم النسخ.

وأمّا الصورة الثانية :أي الشكّ في مدخلية بعض القيود في فعلية الحكم و إن كان التشريع عاماً إلى يوم القيامة، فهذا ما يعبّر عنه بالشكّ في سعة المجعول في


1. النساء: 24.


(175)

بعض الفترات. هذا كما إذا شككنا في فعلية وجوب صلاة الجمعة عند الغيبة لأجل الشكّ في أنّ الحضور شرط لفعلية الحكم، فلو كان كذلك يصير الحكم إنشائياً إلاّ عندما يظهر الإمام وأخذ بزمام الأمر، ففي هذا المقام ربما يستصحب وجوب الجمعة إلى زمان الغيبة. إذا لم يكن للدليل اللفظي إطلاق ينفي شرطية الحضور، كما إذا كان مهملاً من هذه الجهة فيرجع إلى الأصل العملي وهو الاستصحاب.

ثمّ إنّ هنا إشكالاً ذكره صاحب الفصول في استصحاب أحكام الشرائع السابقة، وهو مشترك بينه و بين المقام فنذكره هنا ويُعلم حاله هناك أيضاً.

قال: إنّ الحكم الثابت في حقّ جماعة لا يمكن إثباته في حقّ آخرين لتغاير الموضوع، فانّ ما ثبت في حقّهم مثلُه لا نفسُه، ولذا يتمسّك في تسرية الأحكام الثابتة للحاضرين أو الموجودين إلى الغائبين والمعدومين بالإجماع والأخبار الدالّة على الشركة لا بالاستصحاب.(1)

وأجاب عنه الشيخ الأعظم بوجهين:

الأوّل: انّا نفرض الشخص الواحد مدركاً للشريعتين(2)، فإذاحرم في حقّه شيء سابقاً وشكّ في بقاء الحرمة في الشريعة اللاحقة ، فلا مانع من الاستصحاب أصلاً[ إذ الموضوع واحد ويتم الحكم في الباقي بقيام الضرورة على اشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة].

يلاحظ عليه: أنّ الأحكام الواقعيّة مشتركة بين عامة المكلّفين، وأمّا الحكم الظاهري الثابت في حقّ شخص فإنّما يحكم بالاشتراك في حقّ من يكون مثل الفرد


1. الفرائد: 381 .
2. أو للعصرين لينطبق على المقام .


(176)

السابق في الصفات والخصوصيات(أي يكون على يقين بالحكم فيشك)، فمن أدرك عصري الحضور والغيبة يحكم عليه بالوجوب، ويشاركه كلّ من حاز على هذا الوصف دون غيره كالمدرك لعصر الغيبة فقط.و ما هذا إلاّ لأنّ الأوّل ذو يقين و شك، بخلاف الثاني فهو شاك فقط.

وإلى هذا الإشكال أشار المحقّق الخراساني بقوله: إنّ قضية الاشتراك ليست إلاّ أنّ الاستصحاب حكم كلّ من كان على يقين فشكّ لا انّه حكم الكلّ و لو لم يكن كذلك.

الثاني: ما ذكره هو ـ قدَّس سرَّه ـ أيضاً انّ المستصحب هو الحكم الكلّي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لأشخاصهم فيه، إذ لو فرض وجود اللاحقين في السابق عمّهم الحكم قطعاً غاية الأمر احتمال مدخلية بعض أوصافهم المعتبرة في موضوع الحكم، ومثل هذا لو أثّر في الاستصحاب، لقدح في أكثر الاستصحابات، فتسرية الحكم من الموجودين إلى المعدومين تصحُّ بالاستصحاب باعتبار انّ المستصحب هو الحكم الكلي الثابت للجماعة على وجه لا مدخل لأشخاصهم فيه.

وأورد عليه المحقّق الخوئي ما هذا حاصله: انّ كون الأحكام موضوعاً على نحو القضايا الحقيقية، معناه عدم مدخلية خصوصية الأفراد في ثبوت الحكم، لا عدم اختصاص الحكم بحصّة دون حصة، فانّا نشك في أنّ التكليف مجعول لجميع المكلّفين أو مختص بمدركي زمان الحضور، فيكون احتمال التكليف بالنسبة إلى غير المدركين شكاً في ثبوت التكليف لا في بقائه، فإن كان لدليل الحكم عموم أو إطلاق فهو المّتبع، أو كان هناك دليل من الخارج يدل على


(177)

استمرار الأحكام فيؤخذ به، و إلاّ فلا يمكن إثبات الاستمرار باستصحاب عدم النسخ.

يلاحظ عليه: أنّ الاشكال مبني على تفسير القضايا الخارجية والحقيقية بجعل الحكم على الأفراد المحقَّقة كما في الأُولى، أو الأعم منها و من المقدَّرة كما في الثانية، فعندئذ يصحّ ما ذكره من أنّ جعل الحكم على بعض الحصص يكون شكاً في ثبوت التكليف لا في بقائه، ولكنّه خلاف التحقيق، بل الحكم في كلتا القضيتين موضوع على العنوان، غير أنّه في الأُولى لا يصدق إلاّ على المحققة، وفي الثانية على الأعم من المحقّقة والمقدرة.

فإن قلت: إنّ العنوان بما هو عنوان، أمر ذهني، لا يتَحمَّل الحكم كما في القضايا الخارجية، مثل قولك: قتل كلّ من في العسكر; ولا في القضايا الحقيقية، كما في قولك: أكرم كلّ عالم، أو يحرم كلّ خمر، وإنّما المتحمل له هو الأفراد فيعود الإشكال.

قلت: فكم فرق بين الموضوع و ما هو المقصود من جعل الحكم على الموضوع، فالموضوع في الدليل هو الأوّل و إن كان المقصود منه هو ما ينطبق عليه الأفراد به، نظير تعلّق الأحكام بالطبائع دون الأفراد، فالموضوع هو ذات الطبيعة و إن كانت الغاية من تعلّقه بها، هو إيجادها و تكوينها.

وعلى هذا فالحكم الموضوع على عنوان «كلّ مكلّف» شامل لمن أدرك عصر الحضور، و من أدرك عصر الغيبة، فنستصحب. نعم لو قلنا بأنّ الموضوع هو الافراد الخارجية المحقّقة أو المقدرة ينقسم الموضوع إلى متيقّن الحكم ومشكوكه، ولكنّه كما ترى، بل الموضوع العنوان الكلّي، مثلاً «الذين آمنوا» في قوله سبحانه:(يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَومِ الجُمُعَة فَاسعَوا إِلى


(178)

ذِكْرِ اللّه) .(1)

ثمّ إنّ المحّقق الخراساني لمّا ذهب في مبحث اجتماع الأمر والنهي إلى الامتناع بحجة أنّ الأحكام تتعلّق بالمصاديق الخارجية ومعه يمتنع أن يكون الفرد الخارجي متعلّقاً للأمر والنهي، حاول تفسير القضية الحقيقية في المقام بما اتخذه المحقّق الخوئي ذريعة للإشكال وقال: إنّ الحكم الثابت في الشريعة السابقة كان ثابتاً لأفراد المكلّف، كانت محقّقة وجوداً أو مقدرة كما هو قضية القضايا المتعارفة المتداولة، وهي قضايا حقيقية لا خصوص الأفراد الخارجية كما هو قضية القضايا الخارجية، وإلاّ لما صحّ الاستصحاب في الأحكام الثابتة في هذه الشريعة ولا النسخ بالنسبة إلى غير الموجود في زمان ثبوتها، كان (2) الحكم في الشريعة السابقة ثابتاً لعامة أفراد المكلّف مما وجد أو يوجد.(3)

ثمّ إنّه حاول أن يطبق ما ذكره الشيخ في مقام الجواب على ما ذكره.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الحكم في كلتا القضيتين: الحقيقية والخارجية، على العنوان لا على الأفراد، وعدم صدق الخارجية إلاّ على الأفراد المحقّقة لا يكون دليلاً على تعلّق الحكم بالأفراد، بل الحكم متعلّق بالعنوان، غير انّ العنوان على قسمين: قسم له سعة، وقسم له ضيق.

وثانياً: لو صحّ ما ذكره لتوجه إليه الإشكال الماضي في كلام المحقّق الخوئي من انحلال القضية إلى أفراد محكومة بالحكم قطعاً، وأفراد مشكوكة. فتجري البراءة في الثاني مكان الاستصحاب لعدم سبق اليقين السابق.


1. الجمعة: 9 .
2. جواب لقوله «حيث كان» .
3. الكفاية: 2 / 234 ـ 235 .


(179)

وثالثاً: أنّ كلام الشيخ أكثر انطباقاً على ما ذكرنا دون ما ذكره.

إلى هنا تمّ بيان الإشكال المشترك بين استصحاب أحكام شريعتنا وأحكام الشرائع السابقة، وحاصل هذا الاشكال هو :عدم القضية المتيقّنة بالنسبة إلى المستصحب في كلا المقامين، وقد عرفت كيفية تصحيح وجودها.

استصحاب أحكام الشرائع السابقة

إنّ استصحاب أحكام الشرائع السابقة يشارك استصحاب أحكام شريعتنافيما تقدّم إشكالاً وجواباً، فها نحن نذكر جميع ما أورد عليه من الإشكالات من غير فرق بين المشترك بين المقامين والمختص بهذا المقام.

الأوّل: عدم اليقين بالحكم السابق

هذا الاشكال هو الذي قدّمنا ذكره عند البحث في استصحاب أحكام شريعتنا، وقد قلنا: إنّه إشكال مشترك بين البابين، وقد عرفت مفاد الإشكال والجواب فلا نعيد.

الثاني: عدم الشكّ في البقاء

إنّ الشريعة الإسلامية لمّا كانت ناسخة لجميع الشرائع السابقة فلا يجوز الحكم بالبقاء بعد العلم بالنسخ.

يلاحظ عليه: إن أُريد من النسخ، نسخ كلّ حكم إلهي في الشريعة السابقة، فهو ممنوع، لبقاء قسم من تلك الأحكام في شريعتنا.

وإن أُريد نسخ بعض الأحكام، فهذا لا يمنع إلاّ استصحاب ما علم كونه


(180)

منسوخاً لا ما كان مشكوك النسخ، فيبقى غير المعلوم على حاله.

الثالث: العلم الإجمالي مانع من جريان الاستصحاب

كان الجواب عن الاشكال الثاني مبنياً على أنّ الأحكام بين متيقّن النسخ ومشكوكه، فيجري الاستصحاب في الثاني دون الأوّل.

فأورد عليه المستشكل بأنّ في القسم الثاني ما علم كونه منسوخاً بالإجمال، ومعه كيف يجري استصحاب النسخ في كلّواحد واحد منه مع ذلك العلم الإجمالي؟

والجواب ما ذكرناه في باب الاشتغال من أنّ العلم الإجمالي إنّما يمنع عن جريان الأصل إذا كانت جميع الأطراف مورداً للابتلاء، وأمّا إذا خرجت بعض الأطراف قبل العلم الإجمالي عن محل الابتلاء فلا يمنع عن جريان الأصل في مورد الابتلاء وذلك لعدم تعارض الأصلين حين ما لا يجري في الفرد الخارج عن الابتلاء لعدم ترتب الأثر عليه ويجري في الداخل بلا معارض.

والمقام أيضاً من هذا القبيل حيث نفترض أنّ عدد الأحكام قرابة ألف حكم وقد علمنا بطروء النسخ على 100 حكم تفصيلاً، فناهز مالم يعلم تفصيلاً إلى 900.

ثمّ إنّ 850 حكماً من هذه الأحكام معلوم لنا بالتفصيل من طريق القرآن والسنة سواء أوافق الشريعة السابقة أم خالف، ولأجل ذلك لا نحتاج إلى أصالة عدم النسخ فيها فيبقى في المقام 50 حكماً ولا نعلم بوجود النسخ فيها لا إجمالاً ولا تفصيلاً، فيكون مجرى لأصالة عدم النسخ، وذلك لأنّ العدد الكبير غني عن أصالة عدم النسخ للعلم بالتفصيل بحكم اللّه فيها وإن لم نعلم كونها موافقة أو


(181)

مخالفة للشريعة الإسلامية.

الرابع: النسخ إبطال للشريعة السابقة

ذكره بعض المحقّقين من المعاصرين أنّ معنى نسخ الشريعة هو نسخ جميع أحكامها سواء أكانت مخالفة لما في الشريعة الناسخة أو موافقة، وعلى هذا لا يبقى مجال لاستصحاب أحكام الشرائع السابقة، فانّه فرع احتمال بقاء بعض الأحكام السابقة، وقد عرفت أنّ معنى النسخ هدم الشريعة وبناء شريعة جديدة، وافقت الأولى أم خالفتها، فالنسخ أشبه بتغيير نظام إلى نظام آخر، لا إحلال دولة محل أُخرى.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره هو نفس الإشكال الثاني لكن بثوب جديد، غير أنّ اللائح من الذكر الحكيم أنّ دور الشريعة اللاحقة تتجلّى تارة في بيان موارد الاختلاف وأُخرى في نسخ بعض دون بعض.

أمّا الأوّل: فكقول المسيح عندما بعث رسولاً إلى بني إسرائيل : (وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْجِئْتُكُمْ بِالحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الّذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ) .(1)

فأين بيان موارد الاختلاف من محق الشريعةوبناء شريعة أُخرى؟ ولذلك لا تجد في الأناجيل حكماً شرعياً ويذكر وما ذلك إلاّ لأنّ المسيح لم يبعث إلاّ لبيان مواضع الاختلاف بين بني إسرائيل.

وأمّا الثاني: أي نسخ بعض وإبقاء بعض آخر، فهو الظاهر من كون النبي مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ


1. الزخرف: 63 .


(182)

مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِوَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) .(1)

فمعنى التصديق هو إبقاء ما ثبت في الشريعة السابقة غاية الأمر لا كلّها بل بعضها، ويؤيد ذلك وجود المشتركات في المحرمات والواجبات في عامّة الشرائع.

وما ربّما يقال من أنّ تشريع هذه المشتركات في الشريعة الإسلامية دليل على محق الشريعة السابقة وهدمها، غير تام، لأنّ الهدف من التشريع هو بيان الأحكام وإغناء المسلمين عن الرجوع في المشتركات إلى العهدين وغيرهما، وليس هذا دليلاً لهدم الشريعة السابقة.

الخامس: بناء الاستصحاب على الحسن الذاتي

هذا الإشكال طرحه المحقّق القمّي وقال: إنّ جريان الاستصحاب مبني على القول بالحسن والقبح الذاتي، وهو ممنوع، بل الحسن والقبح بالوجوه والاعتبار.

يلاحظ عليه: أنّ الاستصحاب مبني على وجود الملاك السابق في الآن اللاحق سواء أكان الملاك هو الحسن الذاتي أم الوجوه والاعتبار.

السادس: عدم سعة الشرائع السابقة

هذا الإشكال نفس الإشكال الأوّل لكن بصيغة أُخرى، وحاصله: انّ الظاهر من بعض الآيات انّ الشرائع السابقة كانت مختصة بأقوام خاصة.


1. المائدة: 48 .


(183)

أمّا شريعة موسى ـ عليه السلام ـ فكانت لقومه لقوله تعالى: (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ يا قَومِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقد تَعْلَمُونَ أَنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ) (1)، وأمّا شريعة عيسى ـ عليه السلام ـ فكانت مختصة لبني إسرائيل لقوله: (وَإِذْ قالَ عِيسى ابنُ مَرْيَم يا بَنِي إِسْرائيلَ إنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ...) .(2)

ويؤيده قوله سبحانه: (وَعَلى الّذينَ هادُوا حَرّمنا كُلَّ ذِي ظُفُر ومِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّمَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الحَوَايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْم ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُون).(3)

يلاحظ عليه: أنّ ما ورد في هذه الآيات لا يخلو من إشعار بالاختصاص ولا يعد مثل ذلك دليلاً عليه بعد اتّفاق المسلمين على عموم شريعتهما وشمولها لعامة البشر.

هذا ما ذكر في المقام من الإشكال حول استصحاب أحكام الشرائع السابقة وقد عرفت انتفاءها.

بقي الكلام في التطبيقات التي ذكرها الشيخ الأنصاري في فرائده، وإليك البيان:

تطبيقات

ذكر الشيخ الأعظم في المقام تطبيقات ستة، ولكن ثمرات البحث أكثر ممّا ذكر، ولنأت بما هو المهم من الثمرات:


1. الصف: 5 .
2. الصف: 6 .
3. الأنعام: 146 .


(184)

1. زواج غير المعينة بمهر غير معين

ذهب المشهور إلى لزوم تعيين المرأة عند التزويج أوّلاً، وتحديد مهرها بما يخرجه عن الجهالة ثانياً، وانّ المهر ملك للبنت لا للأب ثالثاً، ولكن المستفاد مما دار بين شعيب و موسى ـ بعد ما ورد ماء مدين ـ غيرها، قال سبحانه حاكياً عن لسان شعيب:(قالَ إِنِّي أُريدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَني ثَمانِيَ حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُريد أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُني إِنْ شاءَ اللّه مِنَ الصالِحين* قالَ ذلِكَ بَيْني وَبَيْنَكَ أَيَّما الأَجلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدوانَ عليَّ وَاللّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيل).(1)

فقد زوّج إحدى بنتيه بلا تعيين أوّلاً، وجعل المهر غير محدَّد بل مردّداً بين ثماني أو عشر حجج، وانتفع شعيب بمهر بنته وهو عمل موسى ورعيه غنمَ شعيب، بل يستفاد من ذلك أمر رابع وهو جواز كون العمل مهراً.

يلاحظ عليه: أنّ في دلالة الآية على الحكم الأوّل والثالث خفاء دون الثاني والرابع، وذلك لاحتمال أن يكون الترديد في مراسم الخطوبة والتعيين في مراسم عقد الزواج، فلا يكون الترديد دليلاً على جوازه في العقد.

نعم الظاهر بقاء الترديد في مقدار المهر إلى آخر الأجل بشهادة قول موسى: (أَيَّما الأَجلَين قضيتُ فَلا عُدوانَ عليَّ ) ،فانّ الظاهر انّ الترديد إنّما يزول عند اختتام العمل.

وأمّا انتفاع الأب بمهر البنت فلأجل انّه لم يكن انتفاعه منفكاً عن انتفاع البنت باعتبارهما من أعضاء أُسرة واحدة.ولعلّ ما كان يصرف الأب على البنت لم


1. القصص: 27 ـ 28 .


(185)

يكن أقلّ ممّا ينتفع بمهرها، مضافاً إلى إذن الفحوى، وأمّا الحكم الرابع فلا بأس به فقد ورد فيه النصّ في رواياتنا.

2. الجهل بالعوض في الجعالة وضمان مالم يجب

ذهب المشهور إلى لزوم تعيين العوض في الجعالة كذهابهم إلى بطلان ضمان ما لم يجب، و مع ذلك فربما يستفاد من بعض الآيات جواز كلا الأمرين في الشرائع السابقة . قال سبحانه حاكياً عن لسان أحد عمال يوسف ـ عليه السلام ـ حيث اتّهم العيرَ الذي جاء من كنعان بالسرقة، و قال: (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤذِّنٌ أَيَّتُهَا العِيُر إِنَّكُمْ لَسارِقُون) فعند ذلك ضجت العير، فسألوهم عما يفقدون فأجيبوا بقولهم: (نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِملُ بَعِير وأنا بِهِ زَعِيم) (1) . فالآية الأخيرة مركبة من فقرات ثلاث:

أ: (نفقد صواع الملك) و تتعرض هذه الفقرة إلى المال المفقود.

ب: (ولمن جاء به حمل بعير ) وهو كعقد جعالة يشير إلى أنّ العوض حمل بعير و هو مجهول المقدار.

ج: (وَأنا به زعيم) فهذه الفقرة تشير إلى ضمان شخص ثالث عن هذا الحمل، ولذلك تغيّرت صيغة الكلام الوارد في قوله: (نفقد) إلى قوله: (أنا به زعيم) ، وهذا دليل على أنّ عاقد الجعالة غير ضامن العوض.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على أنّ قوله : (وَلِمن جاء به حمل بعير )من باب الجعالة ولعلّه من باب الوعد، فلا محذور في ما وعد به.

وعلى فرض جعالته، فالظاهر تعيّن حمل بعير يومذاك خصوصاً في عام


1. يوسف: 70 و 72 .


(186)

المجاعة فقد كانوا يقتسمون البرَّ باحمال البعير والأكيسة المعينة.

هذا كلّه حول مجهولية العوض، وأمّا جواز الضمان بما لم يجب، فقد فصل المشهور بين ما إذا لم يكن هناك مقتض للضمان فلا يجوز، وما يكون هناك مقتض وسبب وإن لم يكن هناك علّة تامة، ولذلك جوّزوا ضمان الدرك و هو تضمين المشتري المتاع الذي يشتريه من البائع حيث يضمنه شخص ثالث لاحتمال كونه مالاً للغير، فالمقتضي موجود، و هو العقد و شراء المال، و هذا المقدار يكفي في صحة التضمين، والمقام أيضاً من هذا القبيل، لأنّ عقد الجعالة صار مقتضياً لاشتغال ذمة الجاعل بالأُجرة فيصح أن يضمنه شخص ثالث.

3. جواز الضرب بالضغث مكان الضرب بالسوط

روى المفسرون أنّ أيّوب ـ عليه السلام ـ حلف على امرأته لأجل إبطائها «لئن عوفي ليضربنّها مائة جلدة» فلما عوفي ـ عليه السلام ـ ، خوطب بقوله: (خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضرِب بِهِ وَلا تَحْنَثْ إنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوّاب).(1)

والضغث ملء الكف من الحشيش و الشماريخ و ما أشبه ذلك، فاستدل بالآية على أنّه يجوز لمن حلف أن يضرب مائة سوط، أن يبدلها إلى ضغث من الحشيش والشماريخ.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على سدّ باب بعض الاحتمالات، وهو انّ إجراء الحد مشروط بقابلية المحدود عليه، فلو انتهى إجراء الحد إلى موته أو إلحاق الضرّ الكثير به سقط الحد، ولعلّ زوجة أيّوب كانت من هذا الصنف، إذ عند ما حلف أيّوب لم يكن بأس من إجراء الحدّعليها، وبما انّ مرضه قد طال فصارت


1. ص: 44 .


(187)

الزوجة طاعنة في السنّ فلربما أدى إجراء الحد إلى موتها. فلذلك بدله سبحانه بالضغث، و أمّا عدم سقوط الحدّفلأجل صيانة حرمة الحلف باللّه سبحانه.

ويدل على ذلك ما رواه العياشي باسناده: انّ عبّاد المكي قال: قال لي سفيان الثوري: إنّي أرى لك من أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ منزلة فأسأله عن رجل زنا وهو مريض، فان أُقيم عليه الحد خافوا أن يموت، ما تقول فيه؟ فقال لي:« هذه المسألة من تلقاء نفسك، أو أمرك بها إنسان؟» فقلت : إنّ سفيان الثوري أمرني أن أسألك عنها، فقال: «إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أوتي برجل أحبن(1) قد استسقى بطنه و بدت عرق فخذيه وقد زنا بامرأة مريضة، فأمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأوتي بعرجون فيه مائة شمراخ فضربه به ضربة، و ضربها به ضربة، و خلّى سبيلهما، وذلك قوله: (خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِهِ وَلا تَحْنَث)» .(2)

وهناك احتمال آخر وهو أن يكون ذلك من خصائص أيوب و بما أنّ زوجته قد تحملت مشقة كبيرة في طول مرضه عفا اللّه سبحانه عنها فبدّل الحدّ إلى ضغث، ومع هذه الاحتمالات لا يصح الاحتجاج بالآية.

4. جواز إجراء القصاص على من له عين واحدة

اختلف الفقهاء في أنّ الجاني إذا كان ذا عين واحدة وقد جنى على من له عينان، وفقأ إحدى عينيه، فهل يجوز القصاص أو لا؟ فمن قائل بجوازه، إلى قائل آخر بالانتقال إلى الدية، إلى ثالث قائل بجواز القصاص مع دفع نصف الدية.

فيمكن الاحتجاج على القول الأوّل بقوله سبحانه: (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنّ


1. الأحبن الّذي عظم بطنه وورم .
2. مجمع البيان: 4 / 448 .


(188)

النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُروحَ قِصاص)(1)، فإطلاق الآية يدل على جواز القصاص وإن انتهى إلى فقد بصر المجني عليه من رأسها.

يلاحظ عليه:بأنّ الآية في مقام أصل التشريع و ليس في مقام بيان الخصوصيات حتى يتمسك بإطلاقها، ولو غض النظر عن ذلك فيمكن الاستدلال عليه بقوله: (فََمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين) .(2)

على أنّه لو تمّت دلالة الآيات فلا حاجة إلى الاستصحاب ، فانّ نقل هذه التشريعات بلا رد عليها يتضمن إمضاءً وتصويباً لها، إذ ليس القرآن بصدد سرد القصص والحكايات وإنّما هو كتاب هداية للبشر وحكمة، فكلّ ما ينقل ويذكر فهو حجّة عينا إلاّ إذا ما ردّ عليه.

مشروعية القرعة

تدل بعض الآيات على انّ بني إسرائيل ونبيهم زكريا كانوا يعملون بالقرعة حيث شارك زكريا معهم في تعيين كافل مريم فخرجت القرعة باسمه، يقول سبحانه: (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذ يُلْقُونَ أَقلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون) .(3)

وبالتالي خرجت القرعة باسم زكريا فتكفل مريم قال سبحانه: (وَكَفَّلَها


1. المائدة: 45 .
2. البقرة: 194 .
3. آل عمران: 44 .


(189)

زَكَريا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْراب وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً) .(1)

يلاحظ عليه: انّ دلالة الآية على كونها أمراً مشروعاً عندهم لا خفاء فيها، بل يظهر من بعض الآيات أنّ القرعة كانت أمراً شائعاً بين البشر حيث ينقل في قصة يونس عندما استقل بسفينة وكادت تغرق بهم إلاّ بتفريغ السفينة من أحد الركاب، فاقترعوا وخرجت القرعة باسم يونس، قال سبحانه: (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ المَشْحُون* فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِين).(2)

وبما انّ الروايات الدالة على مشروعية القرعة في الشريعة الإسلامية تغنينا عن استصحاب هذه الأحكام، على أنّك قد عرفت انّا في غنى عن الاستصحاب في عامّة هذه الموارد، بل يكفي ورودها في القرآن الكريم.

بقيت هناك تطبيقات أُخرى تعرض إليها الشيخ الأعظم في الفرائد فراجع.


1. آل عمران: 37 .
2. الصافات: 140 ـ 141 .


(190)

تنبيهات

9

في الأُصول المثبتة

قد اشتهر على لسان المتأخرين عدم حجية الأصل المثبت، وحجية مثبات الأمارة، والمسألة من المسائل المعنونة في عصر المحقّق البهبهاني (1118ـ 1206هـ) أو بعده بقليل، و نجد في ثنايا أجزاء الجواهر(1) إشارات إلى تلك المسألة، و ما ربما يتوهم كونها من مبتكرات الشيخ الأعظم ليس بصحيح.

مضافاً إلى أنّ الشيخ ينقل أنّه اشتهر على ألسنة أهل العصر نفي الأُصول المثبتة.(2)

وتحقيق هذه المسألة يستدعي الكلام في مقامات خمسة:

المقام الأوّل: تعريف الأصل المثبت.

المقام الثاني: الدليل على عدم حجّية الأُصول المثبتة.

المقام الثالث: موارد الاستثناء في كلمات الفقهاء.

المقام الرابع: في حجّية مثبتات الأمارات دون الأُصول.

المقام الخامس: التطبيقات.


1. لاحظ الجواهر: 30 / 354 ; 31 / 134 و 264 ; 32 / 156 و 270 .
2. الفرائد: 383 .


(191)

المقام الأوّل: تعريف الأصل المثبت

عرّف الشيخ الأعظم الأصل المثبت: بأنّه إثبات أمر في الخارج حتى يترتّب عليه حكمه الشرعي.

توضيحه: انّ الأمر الخارج عن صميم المستصحب، إمّا أن يكون من لوازمه، أومن ملازماته، أو ملزوماً له، كاستصحاب الحياة وإثبات نبات لحية زيد الذي هو لازمه، أو إثبات ضربان القلب الذي هو ملازم للحياة.واستصحاب بقاء الدخان لإثبات ملزومه وهو النار.

وباختصار ما يعد مترتباً على المستصحب بحكم العقل والعادة دون حكم الشرع.

نعم لو كان نفس اللازم أو الملازم مصبّاً للاستصحاب كما إذا كان ملتحياً وشككنا في بقائه في هذه الحالة، يصحّ استصحاب كونه كذلك، لترتيب الأثر الشرعي كالتصدق على الفقير إذا نذر.

المقام الثاني: الدليل على عدم حجّية الأُصول المثبتة

إنّ القول بحجّية الأصل المثبت وعدمها متفرّع على تحديد مفاد أخبار الاستصحاب.

وبعبارة أُخرى: البحث في المقام إثباتي مبنيّ على تحديد دلالة الروايات بعد الفراغ عن إمكانه ثبوتاً، إذ لا مانع للشارع أن يعبِّدنا باستصحاب الحياة على كلا الأمرين، نبات اللحية ووجوب الصدقة، غير انّ الظاهر من الشيخ انّ البحث ثبوتي وانّ التعبّد على النحو الذي ذكرناه أمر غير معقول.


(192)

وعلى كلّ تقدير فقد استدل على عدم الحجيّة بوجوه:

الوجه الأوّل: ما استدل به الشيخ و قال: إنّ معنى عدم نقض اليقين والمضيّ عليه هو ترتيب آثار اليقين السابق الثابتة بواسطته للمتيقن. ووجوب ترتيب تلك الآثار من جانب الشارع لا يُعقل إلاّ في الآثار الشرعية المجعولة من الشارع لذلك الشيء لأنّها القابلة للجعل، دون غيرها من الآثار العقلية والعادية، فالمعقول من حكم الشارع بحياة زيد، ترتيب آثار الحياة في زمان الشك، هو حكمه بحرمة تزويج زوجته والتصرّف في ماله، لا حكمه بنموّه ونبات لحيته، لأنّ هذه غير قابلة لجعل الشارع.

نعم لو وقع نفس النمو و نبات اللحية مورداً للاستصحاب أو غيره من التنزيلات الشرعية أفاد ذلك جعلَ آثارهما الشرعية دون العقلية والعادية، لكن المفروض ورود الحياة مورداً له.(1)

حاصله: انّ الغاية من إبقاء المتيقن في حالة الشكّ جعل الأثر له في تلك الحالة وهناك آثار ثلاثة:

أ: الأثر الشرعي المترتب عليها بلا واسطة كحرمة التصرّف في مال المستصحب .

ب: الأثر العقلي أو العادي المترتب عليه بلا واسطة كنموِّه ونبات لحيته.

ج: الأثر الشرعي المترتب على الأثرين: العقلي والعادي كالتصدّق إذا نذر دفع شيء للفقير، في صورة نبات اللحية.

فالأوّل يترتّب بلا إشكال.


1. الفرائد: 383، طبعة رحمة الله .


(193)

والثاني لا يترتب، لأنّه أمر تكويني غير قابل للجعل الاعتباري.

والثالث وإن كان قابلاً للجعل لكنّه ليس أثراً للمتيقن بل أثر الواسطة، والمفروض أنّ الواسطة غير قابلة للجعل ولم تقع مورداً للتنزيل.

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر كلامه وجود الاستحالة في عالم الثبوت بالتقرير الذي عرفت، ولكن الظاهر بل المتيقّن إمكان التعبّد بالأصل المثبت ثبوتاً، وإنّما الكلام في دلالة الأخبار عليها، وذلك لأنّ تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن يتصوّر على قسمين:

أ: تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن بما له من أثر شرعي مترتب عليه بلا واسطة.

ب: تنزيله منزلة المتيقّن في مطلق الأثر وطبيعته، سواء ترتب عليه بلا واسطة أو مع واسطة الأثر العادي أو العقلي، وهذا من الإمكان بمكان، وعلى ذلك فنجب الدقة في كلام الشيخ وتعيين وجه المغالطة فيه، وبذلك يعلم أنّ البحث إثباتي لا ثبوتي، ولعلّه إلى ما ذكرنا يشير المحقّق الخراساني ويقول: إنّ مفاد الاستصحاب هل هو تنزيل المستصحب بلحاظ خصوص ما له من الأثر بلا واسطة، أو بلحاظ مطلق الأثر ولو بالواسطة؟

الوجه الثاني: ما استدل به المحقّق الخراساني(1) من أنّ القدر المتيقن هو التعبّد بما كان على يقين منه فشك بلحاظ ما لنفسه بلا واسطة من الآثار الشرعية ، قال ـ قدَّس سرَّه ـ:

إنّ الأخبار إنّما تدل على التعبد بما كان على يقين منه فشكّ بلحاظ ما لنفسه من آثاره وأحكامه، ولا دلالة لها بوجه على تنزيله بلوازمه التي لا تكون كذلك، ولا


1. أعرضنا عمّا ذكره في ذيله فانّه غير مقبول عندنا كما سيوافيك.


(194)

على تنزيله بلحاظ ما له من الأثر الشرعي مطلقاً ولو بالواسطة، فانّ المتيقّن هو لحاظ آثار نفسه، وأمّا آثار لوازمه، فلا دلالة هناك على لحاظها أصلاً.

وأمّا حجّية مثبتات الأمارة فلأنّها تحكي عن الواقع وتشير إليه، وعليه فهي تحكي عن أطرافه من ملزومه ولوازمه وملازماته، ولذلك كان مقتضى إطلاق دليل اعتبارها، لزوم تصديقها في حكايتها وحجّية مثبتاتها، وهذا بخلاف الاستصحاب إذ لا دلالة له إلاّ على التعبّد بثبوت المشكوك بلحاظ أثره.(1)

أقول: انّ ظاهر كلامه ربّما يشير إلى ما سنذكره من الوجه الرابع، غير أنّ ذيل كلامه صريح في أنّه اعتمد في عدم حجّية الأُصول المثبتة على عدم الإطلاق في أحاديث الباب، وذلك لوجود المتيقّن في المقام، و هو ترتيب آثار نفس المستصحب لا آثار لوازمه العادية والعقلية ولا آثارهما الشرعية.

يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقّن إنّما يزاحم الإطلاق إذا كان موجوداً في مقام التخاطب، فيكون كالقرينة المتصلة مانعة عن انعقاد الإطلاق ويصحّ للمتكلّم أن يعتمد عليه في عدم سعة موضوع الحكم، لا القدر المتيقن الخارج عن مقام التخاطب، إذ لو كان ذلك لبطل التمسك بالإطلاق إذ ما من مطلق إلاّ و فيه قدر متيقن. ولكن إثبات وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب مشكل جداً، لأنّ تقسيم الأثر إلى المترتب على المستصحب والمترتب على لازمه العقلي تقسيم حادث ظهر عصر المحقّق البهبهانى أو بعده بقليل، وأين هذا من عصر صدور الروايات التي لم يكن فيه أثر لهذا التقسيم؟ إلاّ أن يقال انّه يكفي في كونه قدراً متيقناً عدم انتقال زرارة إلاّ إلى المترتب على نفس المستصحب .

الوجه الثالث: ما أفاده شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري وحاصله انصراف


1. كفاية الأُصول: 2 / 326، 327، 329 .


(195)

أخبار الباب إلى الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بلا واسطة، لأنّ الإبقاء العملي ينصرف إلى ترتيب ما يقتضي ذلك بلا واسطة.

يلاحظ عليه: أنّه قريب ممّا ذكره المحقّق الخراساني، وإثبات الانصراف مشكل كإثبات القدر المتيقّن، لأنّ سبب الانصراف إمّا كثرة الوجود، أوكثرة الاستعمال، والثاني منتف إذ لم يستعمل قوله: «لا تنقض اليقين...» في لسان الإمام كثيراً في الأثر المترتب على نفس المستصحب، كما أنّ الأوّل غير ثابت.

الوجه الرابع: ما يمكن استفادته من صدر كلام المحقّق الخراساني.

وحاصله: انّ الظاهر من الأخبار هو إبقاء ما تعلّق به اليقين بماله من الأثر الشرعي لا ما لم يتعلّق به اليقين وإن كان ربما يترتب عليه الأثر الشرعي.

توضيحه: انّ هنا موضوعين تعلّق بأحدهما اليقين دون الموضوع الآخر.

أمّا الأوّل: فهو الحياة تعلّق به اليقين فيجب إبقاؤه لأجل أثره الشرعي.

وأمّا الثاني: وهو نبات اللحية، فلم يتعلّق به اليقين حتى يبقى لأجل أثره الشرعي وهو الصدقة.

فإن قلت: التعبد ببقاء الحياة تعبّد ببقاء أثره الشرعي وهو حرمة تقسيم أمواله، وتعبد بنبات لحيته بلحاظ أثره الشرعي، أعني: الصدقة، فإذا كان كذلك يترتب عليه وجوب الصدقة.

قلت: إنّ الشارع إنّما يحكم ببقاء الحياة بما هو شارع أو مبيّن للشرع، و من المعلوم أنّ مناسبة الموضوع و الحكم هو إبقاء الحياة لغاية أثره الشرعي لا التكويني، فلا يكون التعبّد بالحياة دليلاً بالتعبد بنبات اللحية الذي هو خارج عن إطار تعبد الشارع.


(196)

و من جانب آخر انّه موضوع لم يتعلّق به اليقين فلا يكون الاستصحاب دليلاً على إبقائه.

وإن شئت قلت: إنّ التعبد بنبات اللحية يتحقّق من خلال أحد أمرين:

أ: أن يتعلّق به اليقين وراء تعلّقه بالحياة، و هو مفروض الانتفاء.

ب: أن يكون التعبد ببقاء الحياة ملازماً للتعبد بنبات اللحية، وقد عرفت انّ الملازمة غير ثابتة، لأنّ الشارع يأمرنا بإبقاء اليقين بالحياة بما هو شارع، و في إطار الشرع، وهذا يقتضي أن يترتب على التعبد بالحياة أثره الشرعي لا أثره التكويني.

يلاحظ عليه: نحن نختار الشق الثاني، وهو انّ التعبد بنبات اللحية إنّما يتحقّق من خلال التعبد ببقاء الحياة وكونه أمراً تكوينياً لا شرعياً انّما يمنع عن الالتزام به إذا لم يترتب على التعبد به أثر شرعي حتى يكون الالتزام به أمراً لغواً، وأمّا إذا ترتب عليه أثر شرعي كالتصدق فلا مانع من التعبد بالحياة والالتزام بنبات اللحية لغاية أثره الشرعي، إذ يكون التعبد عندئذ أمراً غير لغو لغاية ترتّب الأثر ولو بالواسطة.

الوجه الخامس

انّ دور الاستصحاب في مورد الأحكام غير دوره في الموضوعات، إذ يكفي في استصحاب الأُولى كون المستصحب نفسَ الحكم الشرعي، وأمّا الثانية، فلا يصحّ التعبد ببقاء الموضوع إلاّ إذا ترتب عليه أثر شرعي مستفاد من دليل اجتهادي، على وجه يكون المستصحب صغرى له ويكون دور الاستصحاب بالنسبة إليه، دور إحراز الصغرى للكبرى الكلية، وعلى ضوء هذا، لا يصحّ التعبد ببقاء موضوع إلاّ أن يكون معه دليل شرعي يتخذ المستصحب موضوعاً لنفسه


(197)

ويترتب عليه الأثر، ولو فقد هذا الشرط لكان استصحاب الموضوع لغواً.

فلو صحّ استصحاب طهارة الماء الموجود في الإناء فإنّما هو لأجل وجود كبريات شرعية تتخذ طهارة الماءالمحرزة صغرى لنفسها ويُستنتج منها حكم شرعي فيقال:

هذا ماء طاهر; و كلّ ماء طاهر يجوز شربه، بيعه، شراؤه، وبه يطهر النجس، إلى غير ذلك فتستنتج من ضمّ الكبريات إلى الصغرى المحرزة بالاستصحاب، الأحكام التالية.

فهذا يجوز شربه، بيعه، وشراؤه، ويطهَّر النجس به .

وفي مورد المثال (الحياة) تترتب الآثار الشرعية دون العقلية والعادية، وذلك لوجود الكبرى الشرعية في الأُولى، دون الثانية والثالثة، فلو أحرزت حياة زيد بالاستصحاب وحكم عليه بكونه حيّاً تترتب عليه، حرمة تقسيم أمواله، وتزويج زوجته، ويرث أباه لو مات، وذلك للضابطة الكلية الواردة في الشريعة في ذلك المجال من:

انّ الإنسان الحيّ، يملك ماله، ولا تقسم أمواله بين ذريته ولا تزوج زوجته ويرث أباه أو أُمّه.

وهذا بخلاف الآثار العقلية والعادية إذ ليس هناك ضابطة شرعية حتى يكون المستصحب المحرز موضوعاً لها، إذ لم يدل دليل على أنّه إذا كان الإنسان ابن عشرين سنة، فقلبه ينبض أو لحيته نابتة.

وبذلك يتضح عدم حجّية الأُصول المثبتة، وذلك لفقدان الشرط اللازم في جريان الاستصحاب في الموضوعات.


(198)

ولعلّ القوم زعموا انّ الاستصحاب بنفسه كاف في ترتب الأثر الشرعي، فحاولوا إبداء الفرق بينه و بين غيره بالوجوه التي عرفت ضعفها، و أمّا على ما قلنا من أنّ دور الاستصحاب إحراز الموضوع فقط، وأمّا ترتّب الأثر فهو رهن الدليل الاجتهادي الذي يكون المستصحب المحرز موضوعاً، فيظهر الفرق بين الأثر الشرعي وغيره

وبذلك يظهر أنّه إذا كان الأثر الأوّل موضوعاً لدليل اجتهادي ثان يترتب عليه أثر ذلك الدليل أيضاً وهكذا.

مثلاً: إذا كانت عدالة زيد مستصحبة، وشهد ـ مع شاهد آخر ـ برؤية هلال رمضان قبل ثلاثين يوماً يكون المستصحب صغرى لكبرى شرعية، وهي«إذا شهد عند الإمام شاهدان [عادلان] انّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين، أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم».(1) فتكون النتيجة كون اليوم يوم الفطر، فيترتب عليه شرعية صلاة العيدين لقوله ـ عليه السلام ـ : «صلاة العيدين فريضة»(2)، أو لزوم دفع الفطرة لقوله : «إعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل».(3)

المقام الثالث: الفرق بين الأُصول و الأمارات

ذهب المشهور إلى أنّ مثبتات الأمارات حجّة دون الأُصول، ووقع الكلام في وجه الفرق، نشير إليه:

الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني: انّ الأمارة كما تحكي عن المؤدى


1. الوسائل: 7، الباب 6، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1 .
2. الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة العيدين، الحديث 1 .
3. الوسائل: الجزء 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .


(199)

و تشير إليه كذلك تحكي عن ملزومها ولازمها وملازمها، وعلى ذلك كان مقتضى إطلاق أدلّة اعتبار الأمارة تصديقها في جميع حكاياتها وقضيته حجّية الأصل المثبت.(1)

توضيحه: أنّ الأمارة لها حكاية باعتبار الدلالة المطابقية، كما أنّ لها حكاية حسب الدلالة التضمنية و الالتزامية، ولازم حجّية الأمارة الأخذ بجميع الدلالات.

يلاحظ عليه: أنّ حكاية الأمارة عبارة عن حكاية المخبر، ولكنّه ربما يكون غافلاً عن الدلالة التضمنية والالتزامية، وقد عرفت في الجزء الأوّل أنّ الدلالة التصديقية (أي نسبة الحكاية إلى المتكلم) فرع إرادته و التفاته،والمفروض انّه ربما يكون غافلاً عن الدلالتين.

نعم هناك كلام آخر وهو انّه إذا قامت البينة على موضوع كان شرب زيد سمّاً، ربما يحصل للمخاطب الاطمئنان بألوازم المؤدّى ككونه مقتولاً بالسم، ولكنّه لا صلة له بحجّية مثبتات الأمارة وإنّما هو لأجل حجّية الاطمئنان الذي هو علم عرفي يؤخذ به من أي مصدر حصل.

الوجه الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني وأساسه ما اختاره في معنى حجّية الخبر الواحد من أنّها بمعنى جعل وصف المحرزية والكاشفية له، قال: إنّ الأمارة إنّما تكون محرزة للمؤدّى وكاشفة عنه كشفاً ناقصاً، والشارع بأدلّة اعتبارها قد أكمل جهة نقصها فصارت الأمارة ببركة اعتبارها كاشفة و محرزة كالعلم، وبعد انكشاف المؤدّى يترتب عليه جميع ما للمؤدّى من الخواص والآثار على قواعد سلسلة العلل و المعلولات و اللوازم و الملزومات كما هو الحال إذا أحرز


1. كفاية الأُصول: 2 / 329 .


(200)

الملازم بالعلم الوجداني.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المحرزية والكاشفية والطريقية من الأُمور التكوينية التي لا تقبل الإنشاء والجعل وإنّما القابل له هو الأُمور الاعتبارية كالملكية والزوجية والسببية، وعلى ذلك فما أُدُعي انّه المجعول أمر غير قابل للجعل، كجعل المعدنية والحجرية لما ليس معدن وحجر.

وثانياً: أنّ ما ذكره مبني على وجود لسان في مقام الحجية وليس في باب الأمارات دليل يتكفّل على جعل الحجّية، وإنّما الموجود هو إمضاء ما بيد العقلاء إمضاءً عملياً أو قولياً، وأين هو من جعل المحرزية والطريقية؟! فانّ جعلهما ـ بعد تسليم قبولهما الجعل ـ إنّما يتصوّر فيما إذا كان الجاعل مؤسساً في الجعل لا تابعاً ممضياً لما في يد العقلاء.

نعم، أورد المحقّق الخوئي إشكالين على أُستاذه، ذكرناهما في المحصول مع الدفاع عنهما، فلاحظ.(2)

الوجه الثالث: ما يستفاد من كلام سيدنا الأُستاذ ـ قدَّس سرَّه ـ، وحاصله: انّ ما بأيدينا من الأمارات كلّها أمارات عقلائية أمضاها الشارع لمصالح في العمل بها، ومن المعلوم أنّ عملهم بها ليس أمراً تعبدياً لأجل رفع التحيّر، بل لأجل كونها طرقاً إلى الواقع، فإذا كان كذلك فكما يثبت بالأمارة نفس الشيء، يثبت لازمه وملزومه وملازمه، ولا معنى للتبعيض في الطريقية.

وإن شئت قلت: كما أنّ العلم بالشيء يلازم العلم بالأُمور الثلاثة، فهكذا الوثوق به يوجب الوثوق بها.(3)


1. فوائد الأُصول: 4 / 487 ـ 488 .
2. المحصول: 4 / 159 ـ 160 .
3. الرسائل: 178 .


(201)

والفرق بين هذا البيان و البيانين المتقدمين، هو انّ المحقّق الخراساني اعتمد على حكاية الأمارة عن الموضوع ولوازمه، كما أنّ المحقق النائيني اعتمد على لسان حجية الأمارة وانّه عبارة عن إفاضة الطريقية وجعل الكاشفية، وقد عرفت إشكال كلّ واحد منهما.

وأمّا هذا البيان فهويعتمد على أنّ الأمارة مفيدة للوثوق والاطمئنان، والمراد من الوثوق هو النوعي لا الشخصي، والوثوق بالشيء موجب للوثوق بلوازمه وانّ عمل العقلاء لأجل هذا الملاك و انّ الشارع أمضى العمل بالأمارة لأجله أيضاً.

وهذا البيان لا غبار عليه، وبذلك يتبيّن الفرق بين الأمارة و العمل بالأصل، فانّ الاولى طريق إلى الواقع في ظرف الشك رافع له، بخلاف الأصل فانّه حجّة في ظرف الشك مع التحفظ عليه كما هو ظاهر قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ»، فيأمر بعدم نقض اليقين مع حفظ الشكّ.

المقام الرابع: مستثنيات الأُصول المثبتة

قد استثني من عدم حجّية الأُصول المثبتة موردان:

الأوّل: خفاء الواسطة

قد استثنى الشيخُ الأعظم من عدم حجّية الأُصول المثبتة خفاءَ الواسطة و قال: إنّ بعض الموضوعات الخارجية المتوسطة بين المستصحب والحكم الشرعي، من الوسائط الخفية بحيث تعدُّ الأحكامُ الشرعية المترتبة عليها، أحكاماً لنفس المستصحب عرفاً، وهذا المعنى يختلف وضوحاً وخفاءً باختلاف مراتب خفاء الواسطة عن أنظار العرف، ثمّ ضرب المثال التالي:


(202)

إذا استصحب رطوبة النجس من المتلاقيين مع جفاف الآخر فيُحكم بنجاسته مع أنّ نجاسته ليس من أحكام رطوبة الملاقى المستصحبة، بل من أحكام سراية النجاسة إليه وتأثره بها، واستصحاب رطوبة النجس في الملاقى لا يثبت تأثر الثوب وتنجسه بها، وبالجملة فالمحرز بالاستصحاب هو الملاقاة بالنجس الرطب، والموضوع للتنجيس سراية النجس، والملازمة بين الملاقاة والسراية تكويناً،صار سبباً لخفاء الواسطة و الانتقال من الملاقاة إلى التنجيس.

يلاحظ عليه: بما مرّمن أنّ دور الاستصحاب، دور إحراز الموضوع وإثبات الصغرى للكبرى الشرعية، فلولا الكبرى الكلية لما ترتب على إحراز الصغرى أثر شرعي، وعلى ذلك فلو كان الموضوع في الكبرى مجرد الملاقاة مع النجس الرطب فقد أُحرز الموضوع وترتب عليه الأثر وهو نجاسة الملاقي الجاف، و أمّا ما لو كان الموضوع هو السراية والتأثر بها، فلا يحكم عليه لعدم إحراز الموضوع.

وبالجملة: ليس لخفاء الواسطة دور في المقام، ولعلّ إلى ما ذكر يرجع ما أفاده المحقّق النائيني حيث يقول: إنّ استصحاب رطوبة النجس من أحد المتلاقيين مع جفاف الآخر لإثبات نجاسة الطاهر منها لا يخلو إلاّ من صورتين :

1. إمّا أن يدل الدليل على كفاية مجرّد مماسّته للنجس الرطب في ثبوت النجاسة أو يدل على أنّه لابدّ من انتقال النجاسة إلى الطاهر.

فعلى الأوّل: يدخل المثال في باب الموضوعات المركبة المحرز بعض أجزائها بالوجدان كالملاقاة، و الآخر (النجس الرطب)بالأصل، وعلى الثاني: لا يكفي الاستصحاب، لأنّ ذلك من اللوازم العقلية لبقاء الرطوبة في أحد المتلاقيين فالواسطة جليّة ويكون من أردأ أنحاء الأصل المثبت.(1)


1. فوائد الأُصول: 4 / 494 ـ 495 .


(203)

اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ الموضوع هو الثاني و لكن يرى العرف ما ليس مصداقاً للدليل مصداقاً له لأجل وجود الملازمة العرفية بين الملاقاة والسراية والعرف كما هو مرجع في تحديد المفاهيم فهكذا مرجع في تحديد المصاديق.

الثاني: وجود الملازمة العرفية

قداستثنى المحقّق الخراساني ـ وراء خفاء الواسطة ـ مورداً آخر أيضاً و قال: كما ما لا يبعد ترتيب ما كان بوساطة ما لا يمكن التفكيك عرفاً بينه وبين المستصحب كما لا تفكيك بينهما واقعاً لأجل وضوح لزومه أو ملازمته معه بمثابة عدّ أثره أثراً لهما فانّ عدم ترتيب مثل هذا الأثر عليه يكون نقضاً ليقينه بالشك أيضاً حسب ما يفهم من النهي عن نقضه عرفاً.(1)

والأوّل كاستصحاب عدم الإتيان بالفريضة الملازم عرفاً لعنوان الفوت الذي هو الموضوع في لسان الدليل، ولكن كما كان التفكيك بينهما غير ممكن يغني استصحاب العدم، من إثبات عنوان الفوت.

والثاني كالأُبوة والبنوة المعلولين لعلة ثالثة، و هي تخلّق أحدهما من ماء الآخر، فانّ تنزيل أُبوة زيد لعمرو مثلاً يلازم تنزيل بنوة عمرو له، فيدلّ تنزيل أحدهما على تنزيل الآخر كما هو كذلك في المتضائفين.

يلاحظ على القسم الثاني: بأنّه إذا كان أبوة زيد متيقنة في فترة من الزمان، تكون بنوة عمرو أيضاً كذلك، فكلّ منهما صالح للاستصحاب من دون حاجة لاستصحاب أحدهما لاثبات ملازمه وترتيب أثره، على أنّ هذا المثال لا يقبل الشك الاستصحابي وإن كان يقبل الشك الساري فلابدّ من تمثيل آخر.


1. كفاية الأُصول: 2 / 327 .


(204)

المقام الخامس في التطبيقات

أفتى الفقهاء في موارد بأحكام لا تصحّ إلاّ على القول بالأصل المثبت، ولعلّ منشأ الإفتاء كون الاستصحاب عندهم حجّة ظنية كسائر الأمارات، والظن بالشيء ظنّ بآثاره فرتبوا عليه كلّ الآثار الشرعية وغيرها،، وإليك بعضها:

الأوّل: إذا شكّ في وجود المانع عن وصول الماء إلى البشرة حين الاغتسال، صحّ غسله، لأنّ الأصل عدم المانع والحاجب من وصوله إليها .

أقول: إنّ هنا أُموراً ثلاثة:

1. المستصحب: وهو عدم الحاجب، 2. ولازمه العقلي: غسل البشرة 3. أثره الشرعي: أي رفع الحدث، والثالث متفرع على لازم المستصحب لا على نفسه فرتبوا أثر اللازم على المستصحب ولذلك قلنا في محله يجب على الشاك حين الاغتسال، الفحصُ عن المانع، فهذا الأصل أي استصحاب عدم المانع عقيم على مذهب المشهور لأنّه مثبت، كما هو كذلك على المختار في باب الأصل الموضوعي فقد مرّ انّه لا دور له إلاّ إحراز الصغرى ولا ينتج إلاّ بضم الكبرى وهي مفقودة، إذ لم يدل دليل على أنّه إذا لم يكن الحاجب موجوداً، فالحدث مرتفع بل الموجود إذا غسلت البشرة بعامتها فهو مرتفع.

الثاني: لو اتّفق الوارثان على إسلام أحدهما المعين في أوّل شعبان والآخر في غرة رمضان، ولكن اختلفا في موت المورِّث، فادّعى الأوّل انّه توفّي في منتصف شعبان حتى لا يرثه الوارث الثاني لأنّ الكافر لا يرث المسلم، وادّعى الآخر انّه توفّي في منتصف رمضان حتى يرثه، فذهب المحقّق وجماعة قبله وبعده إلى أنّهما يرثان لأصالة حياة المورث إلى غرّة رمضان.


(205)

يلاحظ عليه: أنّه لا يتم إلاّ على القول بالأصل المثبت، لأنّ موضوع الوراثة أحد الأمرين التاليين:

أ: موت المورّث عن وارث مسلم.

ب: إسلام الوارث في حياة مورثه.

أمّا الأوّل: فهو موضوع مركب لا يثبته مجرد حياة المورث إلى غرّة رمضان، وإنّما هو حصيلة علوم ثلاثة:

1. إسلام الوارث في الغرّة، وهو ثابت بالوجدان.

2. حياة المورث إلى الغرّة، وهو ثابت بالأصل.

3. موت المورث بعدها وهو لازم الأمرين الأوّلين.

فباجتماع هذه الأُمور يحصل الموضوع أي موت المورث عن وارث مسلم فلا يكفي الاستصحاب أي ثاني الأُمور في تحقّق ذلك الموضوع المركب.

وأمّا الموضوع الثاني، فقد قال الشيخ والمحقّق النائيني بأنّ الأصل غير مثبت، وأوضحه المحقّق النائيني بقوله: إنّ الموضوع هو التوارث الناشئ من اجتماع حياة المورث وإسلام الوارث فيندرج في الموضوعات المركبة المحرز أحد جزئيهما بالوجدان، وهو إسلام الوارث في غرّة رمضان، والآخر بالأصل وهو حياة المورث إلى غرّة رمضان، فيجتمعان في الزمان، وهذا يكفي في التوارث ويلزم تنصيف المال بين الوارثين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ اجتماع الجزءين في الزمان غير كاف في تحقّق موضوع الدليل، إذ ليس الدليل كلّ من الجزئين ولو كانا متفرقين، بل الموضوع هو المركب


1. فوائد الأُصول: 4 / 501 .


(206)

منهما: أعني: إسلام الوارث مقروناً بحياة المورث، وهو مركب من أُمور ثلاثة وهذا ليس له حالة سابقة، والاقتران لازم الاستصحاب، وهو استصحاب حياة المورث إلى غرّة رمضان.

وبعبارة أُخرى: لو كان لنا علم تكويني بالاقتران لكفى مجرد الاجتماع في الزمان في الحكم بالوراثة ولكنه لازم عقلي لبقاء حياة المورث إلى غرّة رمضان.

اللّهمّ إلاّ أن يقال بخفاء الواسطة أو ظهور اللزوم مما يخرجه من عدم الحجّية إلى الحجّية.

الثالث: لو ادّعى الجاني انّ المجني عليه مات بمرض السِّل، وادّعى الولي انّه مات بسراية الجناية إلى اعضائه الرئيسيّة، فهناك احتمالان:

1. الضمان.

2. عدم الضمان لأصالة عدم سبب آخر.

يلاحظ عليه: أنّ المرجع هو عدم الضمان، وأمّا الضمان فهو فرع ثبوت الموضوع في لسان الدليل، والموضوع هو القتل في الدية والقصاص، قال سبحانه: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَّةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا) (1)، وقال عزّ من قائل: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً )(2) ومن المعلوم انّ ذلك الموضوع البسيط، أي القتل لا يثبت باستصحاب عدم سبب آخر، لأنّه لازم عقلي لهذا الاستصحاب كما لا يخفى.

الرابع: إذا تلف شيء تحت يد شخص آخر فادّعى المالك الضمان وانّه


1. النساء: 92 .
2. الإسراء: 33 .


(207)

استولى عليه بلا إذن، وادعى الآخر انّه كان أمانة تحت يده فلا ضمان، وقد استدل على الضمان بوجوه ثلاثة:

الأوّل: التمسك بعموم قوله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».

يلاحظ عليه: أنّه مخصص باليد غير العادية، والتمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص غير صحيح.

الثاني: التمسّك بقاعدة المقتضي والمانع، لأنّ اليد مقتض للضمان، والاذن مانع والأصل عدمه.

يلاحظ عليه: عدم الدليل على حجّية تلك القاعدة كما قرر في محله.

الثالث: ما ذكره المحقّق النائيني من أنّ الموضوع للضمان مركب من اليد وعدم إذن صاحب المال، و هما عرضان لمحلين: أحدهما: صاحب اليد، وثانيهما: صاحب المال، ولا جامع بينهما إلاّ الاجتماع في الزمان فيكفي إحراز أحدهما بالأصل والآخر بالوجدان، فاليد محرزة بالوجدان، وعدم الإذن محرز بالأصل، فيتحقق موضوع الضمان.(1)

يلاحظ عليه: ما ذكرناه في مسألة الوارث حيث إنّ الموضوع للضمان ليس ذات الأمرين بما هما هما ـ و إن لم يكن بينهما صلة ولا ربط ـ بل الموضوع هو الاستيلاء على الشيء المقترن بعدم رضاه، وهذا الأمر المركب ليست له حالة سابقة، وإنّما هو لازم إحراز عدم الرضا بالأصل والاستيلاء بالوجدان في زمان واحد، ولو كان كلّ من الجزءين محرزاً بالعلم فيكون الاقتران محرزاً كذلك، وأمّا إذا كان أحد الجزءين ـ أي عدم الاذن ـ محرزاً بالأصل، فالاقتران يكون لازماً


1. فوائد الأُصول: 4 / 503 .


(208)

عقليّاً له فلا يكون حجّة، وقد ذكرنا في مورده انّ الحكم الواحد يحتاج إلى موضوع واحد ولا يكون المتكثران واحداً إلاّ إذاكان بينهما صلة وربط.

والذي يمكن أن يقال في أنّ صاحب اليد ضامن، هو أن الحكم الطبيعي في الأموال هو الضمان، والقول بعدم الضمان رهن الدليل وله نظائر في الفقه.

أ: الأصل في بيع الوقف هو البطلان، ولا يجري فيه أصالة الصحة، والقائل بالصحة رهن إثبات مجوز له.

ب: الأصل في النظر إلى المرأة هو الحرمة، فالمرأة المرددة بين الأجنبية وغيرها يحرم النظر إليها لهذا الأصل، وإنّما الجواز رهن الدليل.

ج: إذا اتفقا على إذن المالك، فقال صاحب المال: بعتك مالي بكذا، وقال الآخر: وهبتني إياه، فهو محكوم بالضمان لأنّ الأصل في الأموال الضمان.

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده صاحب المصباح حتى أنّه بعد ما قال: فيتعارض عدم البيع مع عدم الهبة، قال: بأنّ الأصل الجاري هو عدم الضمان، فانّه غفلة عما ذكرناه من القاعدة في باب الأموال.

بقيت هناك أمثلة ذكرها الشيخ وغيره فلاحظ.


(209)

تنبيهات

10

فيما خرج عن الأصل المثبت موضوعاً

قد عرفت ما استثناه الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني من عدم حجّية الأُصول المثبتة وهو عبارة عن:

أ: خفاء الواسطة.

ب: وضوح اللزوم أو الملازمة. وقد وقفت على شرحهما.

وهذان الموردان استثناء من حكم الأُصول المثبتة دون الموضوع.

وهناك موارد أُخرى ربّما يتوهم أنّها من الأُصول المثبتة وليست منها موضوعاً، وقد أوضح حالها المحقّق الخراساني في التنبيه الثامن والتاسع، ولذلك كان عليه أن لا يفصلهما عن البحوث السابقة لصلتهما بها، وإليك ما أشار إليه في التنبيهين ونذكرها في مقاطع أربعة تبعاً لعبارات الكفاية، وبذلك يدغم التاسع في الثامن، ويكون الجميع تنبيهاً واحداً.

أ: استصحاب الفرد وترتيب الأثر الكلي عليه

إنّ الأثر تارة يترتب على نفس الفرد كإكرام زيد، فإذا شك في بقائه يُستصحب ويترتب عليه حكمه، وأُخرى يترتب عليه باعتبار انطباق عنوان كلي عليه على وجه يكون الموضوع للأثر هو الكلي، لكن يُستصحب الفرد لغاية ترتيب


(210)

أثر الكلي على الفرد، وقد اختلفت فيه أنظارهم، فمن قائل بعدم الصحة مطلقاً، إلى آخر قائل بالصحة كذلك، إلى ثالث مفصِّل حسب ما يأتي، وهو خيرة المحقّق الخراساني.

وحاصل نظريته : أنّ الكلي إذاكان منتزعاً من حاق الذات، أو كان حمله على الفرد من قبيل المحمول بالصميمة(الخارج المحمول) يصح استصحاب الفرد و ترتيب أثر الكلي عليه، دون ما إذا كان من قبيل المحمول بالضميمة فلا يصحّ استصحاب الفرد وترتيب أثره عليه، هذا إجمال مرامه في المقطع الأوّل وإليك توضيحه:

إنّ الكلي بالنسبة إلى الفرد أو ما ينتزع منه على أقسام ثلاثة:

1. ما ينتزع من مقام الذات بما هي هي، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده.

2. ما ينتزع من الشيء لا من حاق ذاته، بل باعتبار طروء حالات عليه على نحو لا يكون بحذائها شيء في الخارج، و ذلك كنسبة الممكن إلى زيد، فهو ينتزع لا من مقام الجنس والفصل بل باعتبار انّ نسبة الماهية إلى الوجود والعدم سواسية، ومع ذلك ليس في مقابل هذه الحيثية مصداق في الخارج. ولكن المحقّق الخراساني مثّل بالملكية والغصبية، والمحقّق الخوئي بالزوجية والولاية وسيوافيك عدم صحّة تلك الأمثلة.

3. ما ينتزع من الفرد باعتبار طروء حالات عليه يكون بحذائها شيء في الخارج وذلك كالأسود والأبيض اللّذين ينتزعان من الجسم باعتبار عروض البياض والسواد عليه اللّذين لهما حيثية عينية وحقيقة في الخارج وإن كان لا يمكن الإشارة إلى الحيثية منفكة عن الإشارة إلى الجسم بل يكونان موجودين في ضمن شيء واحد.


(211)

إذا عرفت ذلك، فقد قال المحقّق الخراساني بجريان الاستصحاب في الأوّلين دون الثالث.

أمّا الأوّل فلأنّ الطبيعي في الخارج عين الفرد فلا اثنينية بينهما في الخارج فاستصحاب بقاء زيد عين استصحاب بقاء الإنسان.

وأمّا الثاني فلأنّه لا وجود للكلي إلاّ بمنشأ انتزاعه، فالفرد ـ و إن شئت قلت: منشأ الانتزاع ـ في الخارج نفس العنوان المنتزع الذي هو الموضوع للحكم فاستصحاب العين (الذي ملكه أو غصبه عمرو) كاف في استصحاب آثار الملكية والغصبية عليه، ونظير ذلك استصحاب بقاء الولي والزوج فيترتب عليه بقاءً آثار الولاية والزوجية.

هذا كلّه بالنسبة إلى الأوّلين.

وأمّا الثالث فلا يصحّ استصحاب الفرد أي الجسم وإثبات عنوان الأسود وترتيب أثر الكلي على الفرد، وذلك لأنّ نسبة الفرد إلى العنوان الكلي كنسبة المباين إلى المباين، فهو أشبه باستصحاب الحياة وإثبات نبات اللحية.

هذا توضيح كلامه في المقطع الأوّل.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في المقطع الثالث صحيح، إنّما الكلام في جريان الاستصحاب في القسمين الأوّلين وترتيب الأثر الكلي على الفرد المستصحب، وذلك أمّا لا حاجة إلى هذا الاستصحاب أو انّه مثبت.

أمّا الأوّل: فهو جارفي القسم الأوّل، وذلك لأنّه إذا كان كل من الفرد والكلي مسبوقاً باليقين فيجري الاستصحاب في كل منهما مباشرة ولا حاجة إلى استصحاب الفرد لغاية إثبات أثر الكلي على الفرد إذ هو أمر لغو.


(212)

وأمّا الثاني: فالضابطة صحيحة، ولكن الإشكال في الأمثلة فانّ ما مثل به لهذا القسم من قبيل المحمول بالضميمة وليس من المحمول بالصميمة، لما تبيّن في محله من أنّ الميزان في الخارج المحمول هو ما يكون وضع الموضوع كافياً في وضع المحمول كالإنسان بالنسبة إلى الممكن، وليس المقام كذلك، إذ ليس فرض الموضوع في الخارج كالفرس كافياً في انتزاع الملكية أو الغصبية مالم تنضم إليه حيثية عقلائية، وهي دخول الشيء في حيازته أو خروجه منها مع استيلاء الغير عليه.

ومن هنا يعلم أنّ الزوجية والولاية من قبيل المحمول بالضميمة، لأنّ فرض الإنسان لا يلازم فرض الزوجية والولاية. ومنشأ الخلط انّ المحقق الخراساني جعل الضابطة في الفرق بين القسمين الأخيرين وجودَ ما يحاذيه في الخارج وعدمه، فجعل ما لا يحاذيه من المحمول بالصميمة، وما يحاذيه من المحمول بالضميمة، مع أنّ المقياس ليس ذلك، بل المقياس كفاية فرض الموضوع في وضع المحمول وعدمها.

هذا كلّه حول المقطع الأوّل، وإليك الكلام في المقطع الثاني.

ب: لا فرق بين المجعول بنفسه أو بمنشأ انتزاعه

لا يشترط في الأثر أو المستصحب ـ إذا كان المستصحب حكماً شرعياً ـ أن يكون مجعولاً بنفسه، بل يكفي كونه مجعولاً بمنشأ انتزاعه، وعلى ذلك فالجزئية والشرطية والمانعية وإن كانت أُموراً انتزاعية عقلية لكنّها تنتزع من الحكم التكليفي بالشرط أو الجزء أو المانع، فإذا قال سبحانه: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرافِقِ )(1) ينتزع منه الشرطية ، فإذا قال


1. المائدة: 6 .


(213)

النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» ، أو قال: «يا علي لا تصلِّ في جلد ما لا يشرب لبنه، وما لا يؤكل لحمه»(1) تنتزع منه الجزئيّة والمانعية.

وعلى ذلك فنفس هذه الأحكام يصحّ أن تقع مصبّاً للاستصحاب، لأنّها أحكام شرعية بمعنى انّ وضعها ورفعها بيد الشارع ولو باعتبار منشأ انتزاعها، كما يصحّ أن تقع أثراً للمستصحب كاستصحاب الجزء والشرط والمانع لغاية ترتب هذه الآثار: الجزئية ، الشرطية، المانعية.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ استصحاب هذه العناوين كاستصحاب جزئية السورة وشرطية الشرط أو مانعية المانع في حال التعذر لا غبار عليه، فتكون النتيجة كونها شرطاً أو جزءاً أو مانعاً مطلقاً في عامة الأحوال حتى حال التعذر فيسقط الأمر بالباقي، إنّما الكلام في جريان استصحاب الفرد و ترتيب أحد هذه الآثار عليه حيث قال: «فليس استصحاب الشرط أو المانع لترتيب الشرطية والمانعية بمثبت»، لأنّ ما ذكره لا يعود إلى معنى صحيح، لأنّ استصحابهما بما هما شرط أو مانع عبارة أُخرى عن استصحاب نفس الشرطية و المانعية، فلا حاجة إلى ذلك الاستصحاب مع جريانه مباشرة في الأثر المترتب عليه أي الشرطية والمانعية.

وثانياً: لا حاجة حتى إلى استصحاب هذه الأُمور(الجزئية والشرطية والمانعية) بعد إمكان جريان الاستصحاب في الأحكام التكليفية كاستصحاب وجوب الوضوء ووجوب السورة وحرمة لُبْس غير المأكول في الصلاة.

ج: عدم الفرق بين وجود الأثر وعدمه مستصحباً وأثراً

لا فرق بين كون المستصحب أو الأثر المترتب عليه بين أن يكون وجود


1. الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 6 .


(214)

الحكم الشرعي أو عدمه فكلّ من وجود الحكم الشرعي وعدمه يصلح لأن يكون مستصحباً، كما يصلح أن يكون أثراً مترتباً على الموضوع، فكما أنّ نفس التكليف يقع مستصحباً أو أثراً مترتباً على المستصحب هكذا يكون عدم التكليف وعدم المنع من الفعل، يقع مستصحباً وأثراً مترتباً على المستصحب و ذلك لأنّ الحكم وجوداً وعدماً بيد الشارع.

ثمّ أشار إلى إشكال الشيخ على استصحاب البراءة عن التكليف، وحاصل إشكاله عبارة عن: أنّ استصحابها إمّا أن يكون بلحاظ نفسه، فالعدم ليس مما تقع عليه يد الجعل التشريعي، وإمّا بلحاظ آثاره من الثواب والعقاب فهي من الآثار العقلية.(1)

وأجاب بوجهين:

الأوّل: انّا نختار الشقّ الأوّل، وهو أنّ الاستصحاب بلحاظ نفسه، وقد عرفت أنّ عدم المنع أيضاًحكم شرعي ولا حاجة في استصحاب الحكم الشرعي إلى ترتيب أثر آخر عليه حتى يقال انّ الثواب والعقاب من الأُمور التكوينية.

الثاني: انّا نختار الشق الثاني لكنّ الأثر العقلي أو العادي إنّما لا يترتب إذا كان أثراً لوجود الشيء واقعاً أو لعدمه كذلك، وأمّا الأثر المترتب على مطلق وجود الشيء أو عدمه ولو في الظاهر فيترتب عليه لكون الأثر لازم أعم وذلك كعدم العقاب فهو ليس من آثار عدم الحكم واقعاً، بل يكفي في عدمه عدم الحكم ظاهراً لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، لأنّ وجود الحكم واقعاً ـ مع عدم وصوله ـ لا يكفي في ترتب الأثر أي العقاب، بل عدم وصوله كاف في عدم صحة العقاب سواء أكان الحكم موجوداً في الواقع أو لا، وسيوافيك توضيحه في


1. الفرائد: 204 طبعة رحمة الله بعد الفراغ من دليل العقل على البراءة .


(215)

الاستثناء الآتي.

د: فيما يعد أثراً للوجود الأعم من الواقعي و الظاهري(1)

ما ذكرنا من أنّه لا يثبت بالاستصحاب الأثر العقلي والعادي، فإنّما هو فيما إذا كان كلّ منهما من آثار وجود المستصحب واقعاً، وأمّا إذا كان أحد ذينك الأثرين من آثار مطلق وجود المستصحب من غير فرق بين وجوده الواقعي أو التعبدي الظاهري، فلا شك أنّه يترتب عليه وإن كان عقلياً أو عادياً وذلك في الأمثلة الآتية :

1. نظير ترتب الأجزاء على استصحاب طهارة الثوب في الصلاة و إن تبين بعد عدمها، وذلك لما ثبت من محله من أنّ الشرط في حال الصلاة أعم من الطهارة الواقعية أو الظاهرية، وعليه تكون الصلاة واجدة لشرطها واقعاً، لأنّ الشرط أعم منهما، فيترتب عليه الإجزاء، لأنّه من الآثار العقلية التي ترتب على مطلق وجود الشيء ولو ظاهراً.

2. وجوب الموافقة وحرمة المخالفة واستحقاق العقوبة من أنّه يترتب على مطلق الحكم المحرز بدليل شرعي بإحراز الوجوب ولو بالاستصحاب فهو كاف في ترتب هذه الآثار.

3. ما عرفت في الاستثناء الثالث من أنّ قبح العقوبة من الأحكام العقلية اللازمة لمطلق عدم المنع ولو ظاهراً.

إلى هنا تم ما رآه المحقّق الخراساني من التنبيه على الموارد التي توهم أنّها من الأصل المثبت وليس منها .


1. هذا العنوان ناظر إلى التنبيه التاسع .


(216)

التنبيهات

11

في كفاية ترتب الأثر بقاءً

يشترط في الاستصحاب أن يكون المستصحب حكماً شرعياً أو موضوعاً ذا أثر شرعيّ، وهل يشترط أن يكون كذلك حدوثاً وبقاءً، أو يكفي بقاءً؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ الاستصحاب نوع إعمال تعبّد من الشارع وهو رهن ترتب الأثر عليه وكونه مصوناً عن اللغو، وفي مثل هذا يكفي كون المستصحب حكماً شرعياً بقاءً لا حدوثاً، أو ذا أثر شرعي كذلك.

فالأوّل: نظير استصحاب عدم التكليف، فانّه ليس مجعولاً شرعياً من الأزل إلاّ انّه حكم مجعول فيما لا يزال، لما عرفت من أنّ عدم التكليف بقاء مجعول شرعاً.

والثاني: نظير استصحاب حياة الولد الصغير، فانّه ربّما لا يترتب عليه الأثر المخصوص، أعني: وراثته من أبيه في حياة أبيه إلاّ شأناً، فإذا تُوفي الأب تستصحب حياة الولد، ليرثه فعلاً.

والوجه في الجميع واضح، لأنّ صحة الاستصحاب رهن ترتب الأثر ليصون فعل العاقل عن اللغو، ويكفي في ذلك مطلق الأثر ولو بقاءً فقط، وقد أوضحنا حال المثال الأوّل وقلنا إنّه لا يخلو من إشكال من وجهين:

1. عدم وحدة القضية المتيقّنة مع المشكوكة كما في مثال عدم القرشية، فانّ المتيقّن منه هو القضية بصورة السالبة بانتفاء الموضوع، والمشكوك هو السالبة


(217)

بانتفاء المحمول.

2. عدم كونه مصداقاً لنقض اليقين بالشك عرفاً، فلو لم يُحكم على المرأة المردّدة بين القرشية وغيرها، بعدم القرشية ، لا يقال انّه نقض يقينه بالشك.


(218)

التنبيهات

12

في تأخّر الحادث

إذا حصل اليقين بوجود الشيء ثمّ طرأ الشك في بقائه فالمحكَّم هو استصحاب بقائه، كما أنّه إذا حصل اليقين بعدم الشيء ثمّ طرأ الشكّ في انقلابه إلى الوجود فالمحكّم هو استصحاب عدمه، و أمّا إذا كان وجود الشيء محققاً وكان الكلام في تقدّمه وتأخّره فهنا مقامان :

الأوّل: فيما إذا قيس تقدّم الشيء الموجود أو تأخّره إلى أجزاء الزمان، كما إذا مات زيد قطعاً وشك في تحقّقه يوم الخميس أو يوم الجمعة.(1)

الثاني: إذا قيس وجود الحادث بالنسبة إلى حادث آخر، كما إذا علم بموت المتوارثين و شك في المتقدّم والمتأخر منهما، وله أقسام ستوافيك. وإليك الكلام في المقام الأوّل:

المقام الأوّل: في القياس إلى أجزاء الزمان

إذا علمنا بموت زيد يوم الخميس، أو يوم الجمعة، فهنا موضوعات ثلاثة:

1. عدم موته إلى يوم الجمعة.


1. أو إذا علم بحدوث الكرّية إمّا يوم الخميس أويوم الجمعة، وافترضنا غسل ثوب نجس فيه يوم الخميس، فعلى الأوّل يحكم عليه بالطهارة، دون الثاني.


(219)

2. تأخّر موته عن الخميس.

3. حدوث موته يوم الجمعة.

فبما أنّ المستصحب هو بقاء حياته، أو عدم موته إلى يوم الجمعة، فتترتب عليه آثار عدم موته أو حياته إلى ذاك الزمان، ولا يثبت به الموضوعان الآخران، لأنّهما لازمان عقليان للمستصحب، لأنّه إذا كان حيّاً إلى فجر يوم الجمعة بحكم الاستصحاب، وعلمنا بموته قطعاً في أحد اليومين يحكم عليه عقلاً بـ :

تأخر موته عن الخميس.

حدوث موته في الجمعة.

وبما انّهما من الآثار العقلية للمستصحب فلا يثبتان به، وبالتالي لا تترتب عليه الآثار المترتبة على ذينك الموضوعين، كما إذا نذر إعطاء درهم إذا تأخر موته عن الخميس أوحدوثه يوم الجمعة.

نعم يمكن تصحيح الأوّل ( إثبات تأخّر موته عن الخميس وترتيب أثره عليه) بالوجهين التاليين:

1. خفاء الواسطة وانّ الأثر المترتب عليها في نظر العرف يترتب على نفس المستصحب.

2. دعوى الملازمة بين التنزيلين، وأنّ التعبّد بعدم موته إلى يوم الجمعة يلازم عرفاً بالتعبد بتأخر موته عن الخميس أو حدوثه في الجمعة. فلا يصحّ التعبّد بأحد التنزيلين دون التعبّد بالآخر.

وأمّا الثاني (حدوث موته) فيمكن تصحيحه بالوجه التالي:

3. انّ الحدوث ليس أمراً منتزعاً من الوجود المسبوق بالعدم حتّى يكون


(220)

لازماً عقلياً للأمرين، بل هو أمر مركب من أمرين:أحدهما محرز بالأصل، و هو عدم موته إلى يوم الخميس، والآخر بالوجدان .

ولكن المساعدة مع هذه الوجوه أمر مشكل كما لا يخفى.

المقام الثاني: في القياس إلى حادث آخر

إذا علمنا بحدوث حادث لكن شككنا في سبقه أو لحوقه أو تقارنه بحادث آخر، فهو على قسمين:

فتارة يكون كلّ واحد من الحادثين مجهول التاريخ، وأُخرى أن يكون أحدهما مجهولاً والآخر معلوماً، فهاهنا موضعان من البحث.

الموضع الأوّل: فيما جهل تاريخهما

إذا كان كلّ من الحادثين مجهول التاريخ، فهو على أقسام أربعة، لأنّ الأثر إمّا يترتب على نوع وجود الحادث عند وجود الحادث الآخر، أو على نوع عدمه عند وجود الحادث الآخر.

وعلى كلّ تقدير فإمّا أن يترتب على نوع وجود الحادث أو عدمه بالمعنى التام، أو بالمعنى الناقص، فتكون الأقسام أربعة، وإليك التفصيل:

1. أن يترتب الأثر على نوع وجود الحادث عند وجود الحادث الآخر على نحو مفاد كان التامة.

2. أن يترتب الأثر على نوع وجود الحادث عند وجود الحادث الآخر على نحو مفاد كان الناقصة.


(221)

3. أن يترتب الأثر على نوع عدم الحادث عند وجود حادث آخر على نحو مفاد النفي الناقص.

4. أن يترتب الأثر على نوع عدم الحادث عند وجود حادث آخر على نحو مفاد النفي التام. فهذه هي الأقسام الأربعة للموضع الأوّل.

وها نحن نتناول كلّ واحد من هذه الأقسام بالبحث.

القسم الأوّل: ما إذا ترتّب الأثر على نوع وجود الحادث عند وجود الحادث الآخر على نحو مفاد كان التامة، وله صور ثلاث:

الصورة الأُولى: أن يترتب الأثر على الحالة الخاصة من وجود أحد الحادثين دون الحادث الآخر، وأن يترتب الأثر على حالة واحدة منه كالسبق مثلاً، دون الحالات الأُخر من التقارن والتأخر.

الصورة الثانية: أن يترتب الأثر على الحالة الخاصة لوجود كلّ واحد من الحادثين.

الصورة الثالثة: أن يترتب الأثر على الحالتين من أحد الحادثين دون الحادث الآخر، دون أن يقتصر ترتب الأثر على حالة واحدة، بل يترتب على حالتين منه كالسبق والتأخّر.

إذا عرفت هذه الصور من القسم الأوّل، فلنذكر حكم كلّ صورة على حدة.

الصورة الأُولى : إذا علمنا بموت أخوين أحدهما غير عقيم وله أولاد والآخر عقيم .

أمّا غير العقيم منهما فيرثه أولاده سواء أكان متقدّماً موته على موت الأخ


(222)

العقيم أو مقارناً أو متأخراً، فهذا لا يترتب أثر على أية حالة من حالاته .

وإنّما يترتب الأثر على سبق موت الأخ العقيم على ذاك الأخ الذي له ولد، حيث لو سبق موت العقيم على غيره لورثه الأخ ثمّ أولاده، فالأثر يترتب على حالة واحدة من وجود أحد الحادثين دون الآخر فتجري ـ إذا كان الأثر مترتباً على مفاد كان التامة كموت الأخ المتقدّم على موت الأخ الآخر ـ أصالة عدم سبق موت الأخ العقيم على غيره، فتكون النتيجة انّه لا يرثه غير العقيم لاحتمال تقارنهما أو تأخر موت العقيم عن غيره.

الصورة الثانية: أن يترتب الأثر على نوع وجود كلّ من الحادثين، كما إذا علمنا بموت الولد والوالد، والمفروض انّ سبق موت كلّ واحد على الآخر موضوع للأثر، فلو سبق موت الولد يرثه الوالد، ولو كان العكس يرثه الولد، فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى جريان الأصلين، والتساقط لأجل التعارض، فيقال عدم سبق موت الأب على موت الابن وبالعكس.

والحقّ أن يقال: انّه إمّا أن يكون هناك علم بسبق أحد الموتين على الآخر أو لا.

فعلى الأوّل يتساقط الأصلان للعلم بكذب أحدهما.

وعلى الثاني لا مانع من جريانهما لعدم العلم بكذبهما لاحتمال تقارن موتهما ويترتب على كلّ أصل أثره.

الصورة الثالثة: ما إذا كان الأثر يترتب على أحد الحادثين لكن دون أن يقتصر على حالة واحدة، بل يترتب على كلتا الحالتين منه. مثلاً إذا نذر أحد انّه لو سبق زيد على عمرو فعليه أن يعطيه ديناراً إلى الفقير وان تأخر عن عمرو فعليه أن يعطي درهماً إليه .


(223)

فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى تعارض الأصلين وتساقطهما، فأصالة عدم سبق زيد على عمرو معارضة بأصالة عدم تأخره عنه فيتساقطان، لكن بناء على ما ذكرنا يجري فيه التفصيل السابق في الصورة الثانية، وهو انّه لو علمنا بالسبق والتأخر وانّ زيداً إمّا كان سابقاً على عمرو أو متأخراً عنه ففي ذلك يجري الأصلان فيتعارضان فيسقطان للعلم بكذب أحد الأصلين.

وأمّا لو لم نعلم بوجود أحد الوصفين بل احتملنا التعارض فيجري الأصلان بلا تعارض لاحتمال تقارنهما فلا يجب عليه دفع شيء.

هذا كلّه حول القسم الأوّل بصوره الثلاثة، وإليك الكلام في غيره.

القسم الثاني: أن يترتب الأثر على نوع وجود الحادث عند وجود حادث آخر على مفاد كان الناقصة.

فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم جريانه وقال: «فلا مورد هاهنا للاستصحاب، لعدم اليقين السابق فيه بلا ارتياب» ولأجل ذلك لم يذكر فيه الصور الثلاث التي ذكرها في القسم الأوّل، وذلك كما إذا قال:« إذا كان موت الوالد متقدّماً على موت الابن يرثه الابن»، فلا يجوز فيه الاستصحاب لعدم اليقين السابق فيه، كما ذكره في الكفاية.

أقول: إنّ هناك موضوعاً للأثر في لسان الدليل، ومستصحباً.

فالأوّل: عبارة عن موت الوالد السابق على موت الولد الذي يستلزم إرث الولد، فلا شكّ انّه فاقد للحالة السابقة لأنّ القضية موجبة، وصدق الموجبة فرع وجود الموضوع، ولم يكن لنا علم بموت الأب، بل كان العلم متعلّقاً بحياتهما.

والثاني: عبارة عن سلب هذه الموجبة المحصلة، بأن يقال: لم يكن موت


(224)

الوالد سابقاً على موت الولد، ومن الواضح أنّ نقيض الموجبة المحصلة هو السالبة المحصلة، وهي لا تحتاج في صدقها إلى الموضوع بل تصدق مع عدمه.

فإذاً للمستصحب حالة سابقة ، وهي السالبة المحصلة، وما ليس له حالة سابقة هو الموضوع للأثر، والغاية سلب الموضوع الموصوف لغاية سلب أثره.

القسم الثالث: إذا ترتب الأثر على عدم أحدهما في ظرف حصول الآخر على نحو النفي الناقص كأن يكون موضوع الأثر «الماء غير الكر في زمان حدوث الملاقاة».وعلمنا بحدوث الكرية والملاقاة، ولم نعلم المتقدّم و المتأخر فلا يجري فيه الأصل(أصالة عدم كرية الماء إلى زمان الملاقاة) لإثبات كون الماء موصوفاً بالعدم المذكور، لأنّه يتوقف على اليقين بكونه موصوفاً بالعدم في وقت ثمّ يُشك في بقائه على ما كان من الوصف المذكور، إذ الماء من الأوّل غير معلوم الاتصاف، لأنّ الوصف (الكريّة) إن كان وجد متأخراً عن زمان حدوث الآخر (الملاقاة)كان الماء موصوفاً بالعدم المذكور وإن كان متقدّماً أو مقارناً له فهو غير موصوف، وحيث لم يعلم أنّه متأخر أو متقدّم فقد شكّ في اتصافه بذلك في جميع الأزمنة .

وأمّا استصحاب عدم الماء بصورة السالبة بانتفاء الموضوع، بأن يقال: لم يكن ماء ولا كرّية، فقد انقلب العدم في الماء إلى الوجود ونشك في انقلابه في جانب الكرّية فنستصحب عدم الماء الكرّ، فهو لا يثبت موضوع الأثر، أي الماء غير الكرّ.

القسم الرابع: إذا كان الأثر مترتباً على عدم وجود حادث عند وجود حادث آخر لكن على مفاد النفي التام كالنجاسة المترتبة على عدم كرّية الماء عند الملاقاة، فقد منع المحقّق الخراساني من جريان الأصل وعلله بعدم اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين.


(225)

وقد اختلفت كلمة الشرّاح والمحقّقين في بيان مراده، فقد أوضحه المحقّق النائيني بالبيان التالي بتصرّف منّا:

وحاصله: انّ هنا ساعات ثلاث:

الساعة الأُولى: وهو ظرف اليقين بعدم الكرّية والملاقاة.

الساعة الثانية: و هو ظرف اليقين بتحقّق إحداهما وليس هناك أيُّ شك .

الساعة الثالثة: العلم بوجود الكرية والملاقاة، وهذه الساعة هي ظرف الشك، وذلك لأنّ الشكّ في بقاء عدم الكرية إلى زمان الملاقاة لا يحصل إلاّ بعد العلم بالملاقاة، ولا يحصل العلم بها إلاّ في الساعة الثالثة، ويكون الشكّ حاصلاً حين العلم بالملاقاة، وليس إلاّ الساعة الثالثة، فتكون الساعة الثانية خالية عن اليقين التفصيلي والشكّ.

أمّا اليقين التفصيلي أي اليقين بأحدهما المعين فواضح.

وأمّا الشكّ فلأنّه فرع حصول المتعلّق، أعني: الملاقاة.

وباختصار

1. انّ الشكّ في المتقدّم والمتأخر لا يحصل إلاّ بعد العلم بحدوث الحادثين.

2. العلم بحدوث الحادثين حاصل في الساعة الثالثة، فيكون موطن الشك هو الساعة الثالثة.

3. فالاستصحاب يتبع الشك ولا يتقدّم عليه، فاستصحاب عدم تقدّم كلّ إنّما يجري في الساعة الثالثة.

4. وعلى ذلك لا يكون زمان الشكّ متصلاً بزمان اليقين، لأنّ موطن اليقين هو الساعة الأُولى و موطن الشكّ هو الساعة الثالثة، فالساعة الثانية تكون فاصلة


(226)

بين اليقين والشكّ.

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ مفاد استصحاب «عدم الكرّية إلى زمان وجود الملاقاة» ليس بمعنى استصحابه إلى زمان العلم بالملاقاة حتى لا يتحقق الشكّ بهذا النحو إلاّ في الساعة الثالثة فتكون الساعة الثانية خالية عنه. بل المراد استصحابه في كلّ زمان احتمل فيه تحقّق الملاقاة، ومن المعلوم أنّه كما يحتمل تحقّق وجودها في الساعة الثالثة كذلك يحتمل تحقّقها في الساعة الثانية.

وبعبارة أُخرى: نحن نحتمل فرض وجود كلّ منهما في الساعة الثانية، فيكون الشكّ في كلّ من الحادثين متصلاً بيقينه،ويجري استصحاب عدم كلّ منهما في زمان الشكّ في كلّ من الحادثين.

ثانياً: انّه لا دليل على اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين، فلو أيقن إنسان بطهارة ثوبه ثمّ أغشي عليه، فلما أفاق شك في بقاء طهارة ثوبه، واحتمل أنّه صار نجساً عندما أغشي عليه، فظرف الشكّ غير متصل بظرف اليقين مع أنّه لا شكّ في استصحابه.

ولذلك نقول بجريان الاستصحاب في الأمثلة التالية إذا كان الأثر متعلّقاً بالعدم التام.

أ: إذا أذن المرتهن لبيع العين المرهونة ثمّ رجع عن إذنه، وشكّ في تاريخ كلّ من البيع والرجوع عن الاذن، فيجري استصحاب العدم في كلّ منهما فيقال أصالة عدم البيع إلى زمان الإذن أو أصالة عدم صدور الرجوع إلى زمان البيع.

ب: نفس المثال السابق، أي استصحاب عدم الكرّية إلى زمان الملاقاة، أو استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرّية.


(227)

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قد أضاف شيئاً إلى بيان أُستاذه، وقال: إنّه لما كان المستصحب في ظرف الشك وهو يوم السبت متيقناً بحدوث الكرّية، ومعه كيف يمكن استصحاب عدمها إلى الزمان الذي يعلم بحدوثها؟ وعليه لا يجري الاستصحاب، لوجهين: انفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين أوّلاً، وتبدّل الحالة السابقة إلى أمر مقطوع به ثانياً ،ومعه لا يكون رفع اليد نقضاً لليقين بالشكّ، بل نقضاً بيقين مثله.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الساعة الثالثة ظرف اليقين بنقض الحالة السابقة، ولكنّه لا يضر بالاستصحاب، إذ لا يعني الاستصحاب الحكمَ بعدم الكرّية في الساعة الثالثة، بل الهدف هو إسراؤه إلى الساعة الثانية، وهو يجتمع مع العلم في الكرية في الثالثة.

وبعبارة أُخرى: أنّ الغاية من الاستصحاب هو زمان الملاقاة حسب ظرفه الواقعي لا العلم بالملاقاة، فالخلط حصل بين كون استصحاب عدم الكرّيّة إلى حصول العلم بوجود الملاقاة، وبين استصحابه إلى زمان تحقّق الملاقاة، وغاية الاستصحاب هو الثاني دون الأوّل، وليس فيه علم بحصول الكرّيّة.

وعلى كلّ تقدير: هذا التقرير الذي جنح إليه المحقّق النائيني يطابق عبارات الكفاية الواردة بصيغة الإشكال والجواب، ولكنّه لا ينطبق على العبارات الواردة قبل الإشكال والجواب فالذي ينطبق عليه هو تقرير المحقّق المشكيني، حيث قال ما هذا إيضاحه:

تقرير المحقّق المشكيني لعدم الاتصال

انّ الظاهر من قوله: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت»، هو


1. مصباح الأُصول: 3 / 200 .


(228)

اعتبار اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين في حرمة نقضه بالشك، فلا يصحّ التمسّك به في الموارد التي لم يحرز فيها اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين، سواء أحرز عدم الاتصال بأن توسط يقين ثان بين اليقين الأوّل والشكّ الطارئ، أم شكّ في توسطه.

أمّا الصورة الأُولى: فواضح، لأنّه يكون من قبيل نقض اليقين بمثله، ولأجل ذلك لو أذعن بوجوب الجلوس إلى الزوال، ثمّ شك في بقائه بعده فلا يصحّ عند القوم استصحاب عدم الوجوب المعلوم أزلاً، لفصل اليقين الثاني بين اليقين الأوّل والشكّ الطارئ.

وأمّا الصورة الثانية: فلأنّ احتمال توسّط يقين ثان بين الأوّل والثاني، يجعله من قبيل الشبهة المصداقية، لقوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» ويكون مآله إلى الشكّ في أنّه هل هو نقض اليقين باليقين أو بالشكّ ومع هذا لا يصحّ التمسك بالعام، ومورد المثال من قبيل الصورة الثانية، وذلك لأنّ زمان الملاقاة لو كان هو الساعة الثانية لكان زمان الشك في بقاء عدم الكرّيّة متصلاً بزمان اليقين به، وأمّا لو كان هي الساعة الثالثة فلا اتصال في البين، لتخلّل وجود الكرّية حينئذ بين المتيقّن والمشكوك.

وعلى هذا الوجه ينطبق قول المحقّق الخراساني حيث يقول: لعدم إحراز اتصال زمان شكه وهو زمان حدوث الآخر (أي الملاقاة) بزمان يقينه أي اليقين بعدم كلّ من الحادثين، لاحتمال انفصال زمان المشكوك عن زمان المتيقّن باتصال حدوثه أي وجود الكرّيّة.

يلاحظ عليه: انّه لو تم ذلك يلزم سدّ باب الاستصحاب بتاتاً، إذ ما من استصحاب إلاّ ويحتمل معه انقلاب المتيقّن فيه إلى ضده في زمان الشكّ، ولولا


(229)

هذا الاحتمال لما حصل الشكّ، فاحتمال حدوث الكرّيّة في الساعة الثانية وانقلاب عدمها إلى نقيضه، لا يضرّ به إذ ليس أزيد من احتمال عدم بقاء المتيقّن وانقلابه إلى ضدّه أو نقيضه الذي هو الحاكم في جميع الموارد.

وبالجملة: المعتبر في الاستصحاب وجود يقين وشكّ فعلي، وأنّه لو رجع المستصحب القهقرى لا يقف على متيقّن متضادّ مع المتيقّن السابق، لا أن لا يحتمله، وهذا الشرط حاصل، واحتمال تقدّم الكرّيّة وإن كان حاصلاً لكنّه ليس بأمر متيقّن، بل محتمل، فلا يعتنى به، إذ الاعتناء يستلزم رفع اليد عن الأمر اليقيني بأمر مشكوك.

ولعلّ منشأ هذا الاشتباه، شدّة اتصال اليقين بالمتيقّن فيكون احتمال انفصال المتيقّن بين زمان اليقين والشكّ، موجباً لزعم احتمال انفصال اليقين.

على أنّ ما ذكره لا ينطبق على أكثر عبارات الكفاية خصوصاً ما ذكره من الإشكال والجواب.

وعلى كلّ تقدير فقد رفض المحقّق الخراساني الاستصحاب في مجهولي التاريخ في عامّة الأقسام إلاّ الصورة الأُولى من القسم الأوّل، وقد عرفت جريانه في عامة صور القسم الأوّل إذا لم يعلم السبق، وجريانه في القسم الثاني والرابع .

الموضع الثاني: فيما إذا علم تاريخ أحدهما

إذا كان أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهوله، فقد قسّمه المحقّق الخراساني إلى أقسام أربعة على غرار مجهولي التاريخ، وإليك البيان:

القسم الأوّل: أن يكون الأثر مترتباً على حالة من وجود الشيء على نحو مفاد كان التامة، كإرث الولد المترتب على سبق موت الوالد، فإذا كان موت الولد


(230)

معلوم التاريخ، كما إذا تُوفِّي يوم الجمعة، وموت الوالد مجهوله، فذهب المحقّق الخراساني إلى جريان الاستصحاب فيما إذا كان لأحد الوجودين أثر دون الوجود الآخر ولحالة واحدة منه على النحو الذي سبق في مجهولي التاريخ.

وبعبارة أُخرى: إذا كان الأثر لواحد من الوجودين، ولحالة واحدة منه يجري الاستصحاب فيه فقط، وفي غيره يتعارضان فيتساقطان.

إلاّ أنّ في جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ إشكالاً، وهو: انّه إذا كان موت الولد معلوماً من حيث الزمان فلا إبهام في الخارج، و ليس للاستصحاب دور إلاّ في رفع الإبهام، و مع عدمه لا مورد للاستصحاب.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: انّ موت الولد وإن كان معلوماً من حيث الزمان ولكنّه بالإضافة إلى زمان الآخر ـ أعني: موت الوالد ـ مجهول، فيكفي في صحّة التعبّد ترتب الأثر عليه. ولكن الاعتماد على هذا أمام الارتكاز العرفي مشكل، فانّ العرف يستخدم الاستصحاب لكشف الواقع وهو في المقام واضح لا سترة فيه وكونه مجهولاً بالنسبة إلى حادث آخر، لا يجعله مجهولاً .

القسم الثاني: إذا ترتّب الأثر على حالة لأحد الحادثين بالنسبة إلى الحادث الآخر على نحو كان الناقصة، كترتب الإرث على موت الوالد السابق على موت الولد، فقد تقدّم أنّ المحقّق الخراساني قال بعدم جريان الاستصحاب لعدم الحالة السابقة.

وقد قلنا هناك: إنّ في كلامه خلطاً بين موضوع الأثر والمستصحب، فالأوّل عبارة عن الموجبة المحصلة كقولنا: موت الوالد السابق على موت الولد، ومن المعلوم أنّه فاقد للحالة السابقة.


(231)

وأمّا المستصحب، فهو عبارة عن نقيض الموجبة المحصلة، أعني: السالبة المحصلة، بأن يقال: لم يكن موت الوالد السابق على موت الولد، ومن الواضح أنّ السالبة المحصلة تصدق مع عدم الموضوع، مثلاًعندما كان كلّ من الوالد والولد حيّين، يصدق لم يكن موت الوالد سابقاً على موت الولد. غير انّه انتقضت الحالة السابقة في الموت و بقي الشك في انتقاضها في السبق. فيصحّ الاستصحاب.

القسم الثالث: ما إذا ترتب الأثر على عدم الشيء بصورة النفي الناقص، كالماء غير الكرّ إلى زمان الملاقاة ، فإذا كان هناك ماء قليل تعاقب عليه حالتان: الكرّيّة والملاقاة بالنجس، وكان زمن الملاقاة يوم الجمعة، فلا يجري الاستصحاب في جانب الكرّيّة، وذلك لعدم الحالة السابقة أي الماء غير الكر إلى وقت الملاقاة، والفرق بين هذا القسم وما سبق واضح، لأنّ الموضوع هناك أمر إيجابي يتوجه إليه السبق فيكون المستصحب السالبة المحصّلة، وهذا بخلاف المقام فانّ السلب جزء للموضوع وهو نفس المستصحب، أعني : الماء غير الكر.

وبعبارة أُخرى: ما يترتب عليه الأثر شيء والمستصحب شيء آخر بخلاف المقام فكلاهما واحد.

والعجب انّ المحقّق الخراساني لم يذكر هذا القسم اقتصاراً بما ذكره في القسم الثاني، وقد عرفت الفرق بينهما.

القسم الرابع: إذا ترتب الأثر على الحالة الخاصة من عدم الحادث على وجه النفي التام، كعدم سبق الكرّيّة على الملاقاة التي علم تاريخها، فقد فصل المحقّق الخراساني بين معلوم التاريخ ومجهوله. فقال: بعدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ لعدم اتصال الشك بزمان اليقين، وجريانه في مجهول التاريخ لاتصال


(232)

الشكّ به.

أمّا الأوّل أي عدم اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين إذا كان أجري الاستصحاب في معلوم التاريخ.

وذلك لأنّ هناك ساعات وفترات من الزمان.

الساعة الأُولى: لم يكن هناك كرّيّة ولا ملاقاة.

الساعة الثانية: مبهمة غير معلومة يحتمل فيه حدوث الكرّية.

الساعة الثالثة: نعلم بملاقاة النجس بالماء.

أمّا الساعة الرابعة: فيحتمل حدوث الكرّيّة فيها أو الساعة الثانية.

فاستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرّيّة إنّما ينفع في صورة واحدة، وهو إذا حدثت الكرّيّة في الساعة الثانية، فيقال: بأصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرّيّة، وأمّا إذا حدثت في الساعة الرابعة، فكيف يمكن أن يقال بعدم حدوث الملاقاة إلى زمان الكرّيّة، أعني: الساعة الرابعة، مع حدوثها قطعاً في الساعة الثالثة؟

فعلى الاحتمال الأوّل لم تنتقض الحالة السابقة في الملاقاة، بخلاف الفرض الثاني حيث نعلم بانتقاضها في الساعة الثالثة، ومع ذلك نستصحبه إلى الساعة الرابعة.

أقول: لو صحّ هذا البيان مع قطع النظر عمّا ذكرنا من الإشكال يجري نفس هذا البيان في مجهول التاريخ أيضاً، سواء اعتمدنا في تفسير مراد الكفاية على ما ذكره المحقّق النائيني، أو ما ذكره المحقّق المشكيني.

أمّا الأوّل: فيقال: انّ الشكّ فرع حصول العلم بكلا الحادثين: الكرّيّة والملاقاة، ولا يحصل العلم بهما إلاّ في الساعة الرابعة، فيكون الشكّ في تلك الفترة


(233)

مع كون اليقين في الساعة الأُولى، فيلزم الفصل بين زماني اليقين والشك.

وأمّا الثاني: فلأنّ الكرّية لو حدثت في الساعة الرابعة صحّ أن يقال: أصالة عدم الكرّيّة إلى زمان الملاقاة الذي هو الساعة الثالثة، وأمّا لو حدثت في الساعة الثانية، كيف يمكن أن يقال الأصل عدم الكرّيّة إلى زمان الملاقاة مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في الساعة الثانية؟

وعلى كلّ تقدير: انّ المحقّق الخراساني يعود ويخلّص كلامه، بأنّه لا فرق في الصور بين المعلوم والمجهول، وإنّما الفرق بين التام والناقص سواء أكان وجودياً أو عدمياً.

إلى هنا تم ما أردنا من استعراض الأقسام الثمانية التي تعرض إليها المحقّق الخراساني، بقيت هنا تطبيقات:


(234)

تطبيقات

يترتب على مسألة تأخّر الحادث فروع مختلفة نذكر قسماً منها، و قبل الإشارة إليها نشير إلى ما أوضحنا حاله في مبحث الاشتغال، وهو:

إنّ من شرائط تنجيز العلم الإجمالي كونه مؤثراً على كلّ تقدير، وموجباً للأثر على كلّ فرض، وإلاّ فلو كان مؤثراً على فرض دون فرض آخر، فلا يكون مثل ذلك العلم منجِّزاً للتكليف، لعدم العلم به على كلّ تقدير بل العلم به على تقدير دون تقدير، وهو يساوق الشك دون العلم.

وعلى ضوء ذلك فلندرس الفروع التالية:

الفرع الأوّل: إذا كان ثوبه نجساً بالدم، وعلم بطروء دم آخر عليه مع غسل الثوب بالماء الطاهر، وتردّد الدم بين كونه بعد الدم الأوّل، أو بعد الغَسْل، فالثوب يكون محكوماً بالطهارة المستصحبة، لأنّ العلم بطروء الدم على الثوب ليس علماً بالسبب المؤثِّر وإنّما هو علم بالسبب المردّد بين الفعلي والشأني، وذلك لأنّه لو طرأ قبل الغسل لا يكون سبباً مؤثراً، لأنّ طروء الدم بعد الدم لا يحدث تكليفاً وإن كان متأخراً عن الغسل فهو مؤثر، فيدور أمره بين المؤثر وغير المؤثر، فلا يكون منجزاً للتكليف.

وأمّا الطهارة فقد علمنا بطروئها على الثوب بعد الدم مؤثرة سواء كانت


(235)

بين الدمين أو بعد الدم الثاني فنشكُّ في انتفائها فيحكم بالبقاء ويكون الثوب محكوماً بالطهارة.

الفرع الثاني: إذا كان ثوبه نجساً بالدم، ثمّ علم بطروء نجاسة شديدة كالبول الذي يحتاج إلى الغَسْل مرّتين،وافترضنا غَسْل الثوب مرّة واحدة، وهذا الفرع يختلف عما سبق، لأنّ كلاً من شقِّي العلم الإجمالي مؤثر، وذلك امّا في جانب البول فلأنّه لو كان طرأ على الثوب بعد عروض الدم فقد شدّد حكم الغسْل، لأنّ ملاقي الدم لو غسل مرّة واحدة يطهر، بخلاف ملاقي البول فيحتاج إلى غسلتين، فكذلك لو طرأ البول بعد غسل الثوب مرة واحدة يؤثر أيضاً فيجب غسل الثوب مرتين.

هذا هوحكم البول، وأمّا الغسل فلو توسط بين الدم والبول فقد ارتفع أثره بطروء البول، ولو تأخّر بعد طروء البول يجب غسل الثوب مرة أُخرى.

فالأصلان ـ أي أصالة عدم تقدّم البول على الغسل و أصالة عدم تقدم الغسل على البول ـ لأجل ترتب الأثر عليهما يتعارضان فيتساقطان، ولكن لما كان العلم بوجود النجاسة المشدّدة حاصلاً فلا يرتفع اليقين بالنجاسة بالغسل مرّة واحدة، بل يجب الغسل مرتين.

الفرع الثالث: لو كان هناك ماء طاهر قليل، ثمّ علم بعروض كلّ من الكرّيّة والنجاسة عليه، وشكّ في تقدّم عروض الكرّية على عروض النجاسة حتى يكون طاهراً، أو تقدّم عروض النجاسة على الكرية حتى يحكم بنجاسته، لأنّ تتميم الماء النجس كرّاً لا يوجب طهارته.

فالظاهر جريان الاستصحابين وتساقطهما، لأنّ لكلّ من العلمين أثراً شرعياً، فلو كان عروض الكرّيّة متقدّماً على الملاقاة تثبتت له العاصمية، ولو


(236)

تأخرت تكون الملاقاة مؤثرة، وكذلك لو كانت الملاقاة متقدمة أثَّرت في النجاسة،ولو كانت متأخرة كان الماء معتصماً لا ينجسه شيء، وهو حكم شرعي لقوله:«الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجسه شيء»، فيتعارضان ويتساقطان، ويرجع في مورد الماء إلى قاعدة الطهارة، في جميع الصور سواء أكانا مجهولي التاريخ أو كان أحدهما معلوماً والآخر مجهولاً.

والمقام من أمثلة ما يكون الأثر مترتباً على وجود الشيء حسب مفاد كان التامة.

غير أنّ المحقّق النائيني ذهب إلى نجاسة الماء في جميع الصور، وحاصل ماأفاده:

إنّ الظاهر من قوله ـ عليه السلام ـ : «الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجسّه شيء» هو انّه يعتبر في العاصمية وعدم تأثير الملاقاة، سبقُ الكرّيّة ولو آناً ما، لأنّ الظاهر منه كون الكرّيّة موضوعاً للحكم بعدم تنجيس الملاقاة، وكلّ موضوع لابدّ وأن يكون مقدَّماً على الحكم، فيعتبر في الحكم بعدم تأثير الملاقاة، إحرازُ سبق الكرية.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ هنا أصلين:

أ: أصالة عدم الكرّيّة إلى زمان الملاقاة.

ب: أصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرّيّة.

أمّا الأصل الأوّل فيكفي في الحكم بالانفعال، لأنّ مدلوله عدم إحراز الكرّيّة إلى زمان الملاقاة، فتكون النتيجة عدم الموضوع للعاصمية إلى زمانها ويكون مقتضاه نجاسة الماء.

وأمّا الأصل الثاني فهو عقيم لا يثبت عاصمية الماء من التأثر، لأنّها من آثار


(237)

سبق الكرّيّة على الماء كما هو اللائح من الحديث، ولا يثبت بهذا الأصل، سبقُ الكرّيّة عليها ولا تأخر الملاقاة عن الكرّيّة.

وبعبارة أُخرى: الأثر مترتب على مفاد كان الناقصة«الماء الموصوف بالكرّيّة لا ينجس بالملاقاة» وأصالة عدم الملاقاة إلى حين الكرّيّة لا يثبت وصف الماء بها حين الملاقاة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الحديث بصدد بيان انّ الكرّيّة تعصم الماء عن الانفعال، وأمّا لزوم سبقها على النجاسة فلا يستفاد من أمثال هذا التركيب. مثلاً يقال: الرطوبة تمنع من اشتعال الحطب، أو انّ الريح تمنع عن اشتعال المصباح ، فالمقصود هو بيان التضاد بينهما، لا شرطية سبق الرطوبة والريح.

وعلى هذا فكما أنّ أصالة عدم الكرّيّة إلى زمان الملاقاة تستلزم الحكم بنجاسة الماء، هكذا أصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرّيّة تستلزم عاصمية الماء من التأثر بالملاقاة، فيتعارضان ويتساقطان، ويكون المرجع جريان قاعدة الطهارة في الماء.

الفرع الرابع: إذا تطهّر عن حدث وأحدث ولم يعلم حال كلّ منهما من التقدّم والتأخّر، فيقع البحث في مقامين:

أ: أن تكون الحالة السابقة على عروض الحالتين مجهولة.

ب: أن تكون الحالة السابقة على عروضهما معلومة.

وعلى كلّ تقدير فإمّا أن يكونا مجهولي التاريخ، أو يكون أحدهما معلوماً والآخر مجهولاً،فيقع الكلام في مقامين:


1. فوائد الأُصول: 4 / 528 ـ 530، بتصرف يسير .


(238)

المقام الأوّل: فيما إذا كانت الحالة السابقة مجهولة

إذا كانت الحالة السابقة مجهولة وعلم بالطهارة والحدث، فالظاهر جريان الاستصحاب في كلتا الحالتين، سواء أكانتا مجهولتي التاريخ، أو كانت إحداهما معلومة والأُخرى مجهولة، وقد عرفت جريانه في جانب معلوم التاريخ على قول، ويكون المرجع بعد التعارض لزوم إحراز الطهارة الحدثية للصلاة.

المقام الثاني: فيما إذا كانت الحالة السابقة معلومة

إذا كانت الحالة السابقة على عروض الحالتين معلومة، فهناك صور:

الصورة الأُولى: إذا كانت الحالة السابقة معلومة وكانت الحالتان مجهولتي التاريخ.

الصورة الثانية: فيما إذا كانت الحالة السابقة معلومة، وكان تاريخ إحدى الحالتين معلوماً.

فلنأخذ الصورة الأُولى بالبحث، فنقول:

اختلفت كلمتهم في حكمها إلى قولين:

1. لزوم إحراز الطهارة الحدثية للدخول في الصلاة لتعارض الاستصحابين فلا مناص عن لزوم إحراز الطهارة للدخول فيها. وهذا هو المشهور.

2. يؤخذ بضد الحالة السابقة. وهو خيرة المحقّق في المعتبر، وحكي عن المحقّق الثاني وجماعة المختار عندنا.

وذلك لأنّه إذا كان في أوّل النهار متطهّراً ثمّ علم بطروء الحالتين من الطهارة والنوم يحكم عليه بكونه محدثاً، وذلك للعلم التفصيلي بالحدث وانتقاض


(239)

الطهارة قطعاً بلا إشكال، إمّا بتوسط النوم بين الطهارتين، أو بوقوعه بعد الطهارة الثانية، وعلى كلّ تقدير يعلم بعروض الحدث،ويشك في ارتفاعه، فيستصحب.

وأمّا استصحاب الطهارة فلا علم بها لا تفصيلاً ولا إجمالاً، فانّ الطهارة المعلومة أوّل النهار قد زالت يقيناً فهو قطعي الارتفاع، وأمّا عروضها مجدّداً بعد النوم فهو مشكوك بالشكّ البدوي، لأنّه يحتمل أن تكون الطهارة الثانية بعد الطهارة الأُولى بلا فاصل زماني، فارتفاع الطهارة قطعي وعروضه مجدداً مشكوك وهو فرع أن تكون الطهارة بعد النوم.

وتختلف النتيجة عمّا سبق إذا عكسنا المثال السابق بأن كان أوّل النهار محدثاً ثمّ علم بطروء الحالتين من الطهارة والنوم، فيحكم بطهارته للعلم بالطهارة تفصيلاً، وذلك للعلم بأنّ الحالة الأُولى قد زالت وانقلبت إلى الحالة الأُخرى أي الطهارة، فهي محقّقة الحدوث، وإنّما الشكّ في ارتفاعها.

وأمّا الحالة الحدثية فلا علم تفصيلي بها ولا إجمالي للعلم بانّها زالت بالعلم بطروء الطهارة، وعروضها بعد الطهارة مشكوك بدوي، لأنّه رهن أن يكون النوم بعد الطهارة، وهو غير ثابت لاحتمال أن يكون النوم بعد النوم بلا فاصل زماني، وقدعرفت في مقدمة البحث انّ العلم الإجمالي إنّما ينجِّز إذا كان منجزاً على كلّ تقدير، فالنوم في المثال الأوّل منجز على كلّ تقدير سواء وقع بين الطهارتين أو بعد الطهارة الثانية، ولذلك نأخذ به، وقلنا إنّه فيها محدث.

كما أنّ الطهارة في المثال الثاني محدثة للأثر على كلّ تقدير سواء وقع بين النومين أو بعد النوم الثاني.

فعلى غرار هذه القاعدة يجب أن نأخذ بالشق المؤثر على كلّ تقدير للعلم الإجمالي، وليس هو إلاّ ضدّ الحالة السابقة.


(240)

فإن قلت: إنّ هناك استصحاباً آخر لا يمكن إنكاره، مثلاً في المثال الثاني يعلم إجمالاً بوجود الحدث بعد السبب، وإن لم يعلم أنّه من السبب الأوّل أو الثاني، فيستصحب، ومثله في الصورة الأُولى حرفاً بحرف.

قلت أولاً: إنّ هنا علماً بالسبب، لا علماً بالسبب المؤثر، إذ لو كان السببان متعاقبين لما كان للسبب الثاني تأثير.

وثانياً: إنّ العلم الإجمالي (العلم الإجمالي بالحدث بعد السبب الثاني) ينحل إلى: علم تفصيلي وشك بدوي، إذ الحدث الذي دلّ السبب على وجوده لو كان هو الحدث السابق فقد ارتفع قطعاً وحدوثه بعد الوضوء مشكوك فيه.

والقول بأنّه يعلم بوجود الحدث بعد السبب الثاني مرجعه إلى القول بأنّه يعلم بطروء الحدث إمّا قبل الوضوء أو بعده، فلو طرأ قبله فقد ارتفع قطعاً، ولو طرأ بعده يكون مؤثراً ولكنّه مشكوك جداً.

ونظير ذلك انّه لو رأى الجنب المغتسل عن جنابته، أثرَ الجنابة في ثوبه، فلا يجب عليه الاغتسال وإن كان يعلم بحدوث الجنابة بعد هذا الأثر، وذلك لأنّ الأثر الحاصل في ثوبه إن كان من الجنابة السابقة فقد ارتفع، وإن كان من الجنابة الجديدة، فهو و إن كان مؤثراً لكنّه مشكوك الحدوث، فليس هناك علم بالجنابة الحادثة بعد ذلك الأثر.

الصورة الثانية: فيما إذا كانت الحالة السابقة معلومة، و كان تاريخ أحدهما معلوماً، فالأقوى أنّ حكمها حكم الصورة الأُولى على غرار ما ذكرنا من انحلال العلم الإجمالي، مثلاً: إذا كان في أوّل النهار محدثاً وعلم بالطهارة في أوّل الظهر وعلم بالنوم امّا قبل الطهارة أو بعدها، فبما أنّ العلم بالنوم ليس علماً بالسبب الفعلي بل اقصاه العلم بوجود الحدث بعده إمّا من السبب السابق أو منه نفسه،


(241)

والمسبّب الأوّل مقطوع الارتفاع، وحدوثه من السبب الثاني مشكوك، فلا يكون مؤثراً، وهذا بخلاف الطهارة الحاصلة في أوّل الظهر، فالعلم بها علم بالسبب الفعلي، وانّها أزالت الحالة السابقة إمّا بتوسطها بين النوعين أو تعقبها بعد النوم الثاني.

ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ ذهب في هذه الصورة «إذا كان أحدهما معلومي التاريخ» إلى التفصيل، وهو أنّه إذا كان المعلوم تاريخه ضداً للحالة السابقة المعلومة كما في المثال السابق، فيؤخذ بالضد حيث كانت الحالة السابقة هي الحدث والمعلوم تاريخه هو الطهارة.

وأمّا إذا كان المعلوم تاريخه مماثلاً للحالة السابقة، كما إذا كان المعلوم تاريخه هو الحدث وكانت الحالة السابقة أيضاً هي الحدث يؤخذ بقول المشهور من لزوم إحراز الطهارة، وذلك بحجّة انّ استصحاب الكلي لا مانع عنه، لأنّ الكلي في أوّل الزوال معلوم التحقّق ومحتمل البقاء، لأنّه يعلم في أوّل الظهر انّه محدث فيستصحب كلّي الحدث.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه لا مجال لاستصحاب الكلّي، لأنّه مردّد بين فرد قطعي الارتفاع (الحدث الأوّل) و مشكوك الحدوث (أي النوم بعد الطهارة).

فإن قلت: ما الفرق بين المقام و بين استصحاب الكلّي من القسم الثالث إذا علمنا بوجود إنسان في الدار ثمّ علمنا خروجه واحتملنا دخول فرد في الدار حين خروجه و مثله المقام، فانّ الحدث الأوّل مقطوع الارتفاع ولكنّه نحتمل ببقائه في ظل الفرد الثاني؟


1. الرسائل: 203 .


(242)

قلت: الفرق بين الموردين واضح، فانّ تقارن الفرد في استصحاب الكلّي محقّق للاستصحاب ولا يضرّ به، ولكن التقارن هنا (أي تقارن الحدثين) موجب للعلم بارتفاع الحالة السابقة، واحتمال الانفصال أي تحقّق الحدث بعد الطهارة يوجب الفصل بين زوال الفرد الأوّل وتحقّق الفرد الثاني المحتمل وعندئذ لا يكون المورد شكّ في البقاء.

فالحقّ انّه يؤخذ بضدّ الحالة السابقة مثل الصور السابقة، إذ لا علم في أوّل الزوال بالسبب المؤثّر، غايته كونه أمارة على وجود الحدث في هذا الزمان، لكنّه لو كان مستنداً إلى السبب الأوّل، فهو مقطوع الارتفاع. وحدوثه بالسبب الثاني مشكوك فينحلّ العلم الإجمالي.

وفي الجملة: فكلّ سبب نعلم بكونه محدثاً للأثر على كلّ تقدير يؤخذ بأثره وهو الطهارة في هذا الفرض.وأمّا السبب الذي يؤثّر على تقدير دون تقدير كالنوم، فبما انّه ليس بمنجّز،فلا يصحّ الأخذ بأثره إذ لا علم به.

وهناك فروع أُخرى نذكر عناوينها بلا تفصيل:

1. إذا ادّعى الزوج الرجوع في عدّة المطلقة الرجعية وادّعت الزوجة تأخّره عنها.

2. إذا ادّعى أحد المتعاملين في بيع الحيوان كون الفسخ في الثلاثة، والآخر كونه بعد انتهاء الثلاثة.

3. إذا أذن المرتهن في البيع ثمّ رجع عن إذنه، وباع الراهن، فاختلفا في كون البيع قبل الرجوع أو بعده.

4. إذا تطهّر وصلّى وعلم بصدور حدث منه وشكّ في تقدّم الحدث على


(243)

الصلاة أو بعدها إذا لم يمكن إجراء قاعدة الفراغ ، لأجل اشتراط الأذكرية المفقودة في المقام.

إلى غير ذلك من الفروع التي يمكن استخراج أحكامها ممّا ذكرنا.


(244)

التنبيهات

12

في جريان الاستصحاب في العقائد والمعارف

وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً:

الأوّل: يشترط في صحّة التعبد بشيء، ترتّب الأثر عليه حتى لا يكون لغواً، والتعبد ببقاء اليقين أو المتيقّن رهن ترتّب الأثر عليه.

فعلى ذلك فالمستصحب إمّا حكم شرعي أو موضوع ذو أثر شرعي من دون فرق بين أن يكون الموضوع خارجياً أو لغويّاً أو اعتقادياً.

فالأوّل كاستصحاب حياة زيد، والثاني كاستصحاب ظهور لفظ في معنى ثمّ شك في بقائه، وأمّا الثالث فهذا هو الأمر الباعث لعقد هذا التنبيه وسيتضح لك جريان الاستصحاب فيه.

الثاني: ذهب المحقّقون إلى أنّ النسبة بين الإيمان واليقين عموم و خصوص من وجه، فربما يكون يقين ولا إيمان بمعنى التسليم القلبي، كما في آل فرعون حيث إنّهم رأوا آيات ربّهم التي جاء بها موسى واستيقنوا بأنّ موسى مرسل من ربّهم ومع ذلك أصرّوا على طغيانهم، قال سبحانه: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدين) .(1)

وكان سيدنا الأُستاذ يمثل بالإنسان الخائف من الميت، فانّه على يقين بأنّه


1. النمل: 14 .


(245)

لا يضر ومع ذلك يخاف منه، بخلاف الغسّال فانّه على يقين وإيمان.

وأُخرى يكون إيمان ولا يقين، كما يقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَإِلَى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُوا هؤلاءِ أَهْدى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) .(1)

نزلت الآية في حقّ أهل الكتاب الذين يدّعون انّهم على دين إبراهيم ومع ذلك قالوا إنّ الوثنيين أهدى سبيلاً من المؤمنين، تفوّهوا بتلك الكلمة في جواب سؤال قريش إيّاهم: نحن أميّون لا نعلم، فأيّنا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحقّ، أنحن أم محمد؟

فقالوا: أنتم واللّه أهدى سبيلاً ممّا عليه محمّد، فنزلت الآية.(2)

فقد عقدوا قلوبهم بما تفوّهوا به وقد عبّر عنه سبحانه بالإيمان وكانوا على يقين ببطلان كلامهم.

وثالثة: يجتمعان كما هو واضح.

الثالث: قد مضى عند البحث في حجيّة الظن، كفاية الظنّ في الاعتقادات وعدمها، وقد أشبعنا الكلام فيه، فلم يكن هنا حاجة إلى التكرار، لكن الباعث لعقد هذا التنبيه في المناظرة الواقعة بين بعض الفضلاء من السادات و بعض أهل الكتاب في منطقة بين النجف وكربلاء تسمى بذي الكفل حيث تمسّك الكتابي في بقاء شريعته بالاستصحاب، فدار الجدل بينهما بنحو مذكور في الكتب، فصار ذلك سبباً لطرح ذلك في مبحث الاستصحاب، فطرحه القمّي في قوانينه، و الشيخ في فرائده، ومن جاء بعده .


1. النساء: 51 .
2. مجمع البيان: 2 / 59 .


(246)

إذا عرفت ذلك، فيقع الكلام في مقامات ثلاثة:

الأوّل: جريان الاستصحاب في ا لأُمور الاعتقادية.

الثاني: جريان الاستصحاب في بقاء النبوة.

الثالث: في انتفاع الكتابي بالتمسّك بالاستصحاب وعدمه.

وإليك البحث في كلّ واحد من هذه المقامات:

المقام الأوّل: جريان الاستصحاب في الأُمور الاعتقادية

إنّ جريان الاستصحاب في الأُمور الاعتقادية مبني على جواز الفصل بين اليقين والعقيدة، وإلاّ فلا معنى للاستصحاب في الأُمور التي ينوط وجودها باليقين، وبما انّك عرفت جواز الفصل فنذكر ما ذكره المحقّق الخراساني على وجه الإيجاز.

وحاصل كلامه:انّ الأُمور الاعتقادية على قسمين:

قسم يكون المطلوب فيها هو الانقياد والتسليم وعقد القلب فقط وإن لم يكن معه يقين، فهذا ما يجوز فيه الاستصحاب موضوعاً وحكماً.

أمّا الأوّل: كما إذا كان سؤال القبر من دين اللّه فشككنا في بقائه على ما كان عليه، فيستصحب انّه من دين اللّه.

وأمّا الثاني: إذا قلنا بوجوب الالتزام بحكم اللّه سبحانه و شككنا في بقاء حكم المتعة من الجواز وعدمه حتى نلتزم به، فيستصحب الجواز استصحاباً حكمياً ويقع موضوعاً لوجوب الالتزام.

وقسم آخر يكون المطلوب فيه هو القطع بها ومعرفتها معرفة علمية، فلا


(247)

يجوز الاستصحاب فيها موضوعاً، وإن جاز حكماً.

أمّا الأوّل: كمعرفة الإمام إذا شككنا في بقاء حياته، فلا يثبت بقاء حياته بالاستصحاب وجوب معرفته، لأنّ المطلوب المعرفة اليقينية كما في قوله: «من مات و لم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية».

وأمّا الثاني: كما إذا كان الإنسان على يقين بوجوب تحصيل العلم بتفاصيل القيامة وشك في بقاء وجوبه، فيستصحب وجوبه.

الفرق بين الأمرين هو أنّ الاكتفاء بالاستصحاب في الأوّل موجب للخلف، إذ اللازم هو معرفة الإمام معرفة يقينيّة والاستصحاب لا يفيد إلاّ الظن، بخلاف الثاني، فانّ الاستصحاب يؤيد لزوم المعرفة اليقينية حيث إنّ المستصحب هو لزوم تحصيل اليقين بتفاصيل القيامة فاستصحابه يدعم تحصيل العلم.

هذا هو خلاصة التفصيل في المقام الأوّل.

المقام الثاني: استصحاب النبوة

فقد ذكر المحقّق الخراساني لهذا الاستصحاب وجوهاً ثلاثة:

الأوّل: النبوّة بمعنى بلوغ النفس مرتبة من الكمال يوحى إليها، والنبوّة بهذا المعنى غير قابلة للاستصحاب، لعدم الشك في زوالها بعد بلوغ النفس إليها.

مضافاً إلى كونها أمراً تكوينياً غير قابل للجعل.

الثاني:النبوة بمعنى المنصب المجعول للنبيّ كالوكالة للوكيل، والنبوة بهذا المعنى إذا شك في بقائها قابلة للاستصحاب، ولكن يحتاج إلى دليل غير منوط بتلك النبوة، وغير مأخوذ من ذلك الشرع، كما إذا كان الاستصحاب حجّة من


(248)

باب العقل، وإلاّ فالشكّ في بقاء النبوة المنصبيّة يلازم الشك في بقاء حجّية الاستصحاب الذي ورد في شريعته، فالتمسّك في بقاء النبوة بالاستصحاب الوارد في دينه مستلزم للدور.

الثالث: استصحاب النبوة بمعنى استصحاب بعض أحكام شريعة من وصف بالنبوة، وقد عرفت جوازها.

الرابع: وهناك معنى رابع وهو استصحاب مجموع الأحكام الواردة في الشريعة السابقة، وهذا المعنى قابل للاستصحاب، ولكن يحتاج إلى الدليل في غير نفس الشريعة السابقة فإنّه لا يمكن التمسك به لإثبات بقاء أحكام تلك الشريعة، لأنّ حجّية الاستصحاب من جملة تلك الأحكام، فيلزم التمسّك بالاستصحاب لاستصحاب بقاء نفسه وهو دور واضح.

المقام الثالث: هل ينتفع الكتابي بالاستصحاب أو لا ؟

إن تمسّك الكتابي بالاستصحاب لا يخلو من حالتين:

إمّا أن يكون لإلزام المسلم، أو لإقناع نفسه.

أمّا الحالة الأُولى فلا ينفع الاستصحاب فيها إلاّ إذا ثبتت الأُمور الثلاثة التالية:

1. إذا كان الخصم شاكاً في منسوخية نبوة النبي السابق.

2. إذا كان معترفاً بحجّية الاستصحاب في الأُصول.

3. إذا كانت هناك حالة سابقة.

والكل غير موجود، لأنّ المسلم ليس شاكاً في منسوخية النبي السابق، ولا


(249)

معترفاً بحجّيته في الأُصول، ولا معترفاً بنبوة النبي السابق إلاّ عن طريق القرآن الكريم وأخبار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، وأمّا التواتر فإنّما ثبت به وجود الكليم والمسيح وادّعائهما النبوة لا صحة نبوتهما.

وعلى ذلك فليس عند المسلم دليل على صحة نبوتهما إلاّ أخبار القرآن بأنّهما نبيّان مضت هذه رسالتها ونسخت شريعتهما، ومع ذلك كيف يمكن لليهود استصحاب نبوة الكليم أو المسيح؟

وإلى ما ذكرنا ينظر كلام الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ في مناظرته مع الجاثليق، حيث سأله الجاثليق بقوله: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه، وهل يلتزم منها شيئاً؟

فأجاب: «إنّا نقرّ بنبوة عيسى وكتابه وما بشّر به أُمته وأقرّت به الحواريون، و كافر بنبوة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوة محمّد وكتابه ولم يبشر به أُمّته».(1)

هذا كلّه إلزاماً، وأمّا إقناعاً. فلأنّ تمسّكه بالاستصحاب لإقناع نفسه يعرب عن كونه شاكاً والواجب عليه هو الفحص عن نبوة النبي اللاحق، والنظر إلى حالاته ومعجزاته.

ثمّ التمسّك بالاستصحاب رهن وجود الدليل، ثمّ الدليل على حجّيته إمّا نفس الشريعة السابقة أو اللاحقة، فلو كان الأوّل يلزم الدور، لأنّ التمسّك به فرع بقاء الشريعة السابقة، فلو ثبت بقاؤها به لزم الدور، ولو كان الثاني يلزم الخلف، لأنّ التمسّك بحكم شريعته فرع الاعتراف بكونه حقّاً، والاعتراف بها يستلزم منسوخية الشريعة السابقة، وهوخلاف ما يدّعيه المتمسك.


1. الاحتجاج: 2 / 202، ط النجف .


(250)

التنبيهات

14

في استصحاب حكم المخصص

إذا ورد التخصيص على عموم وعلم خروج فرد من تحته في فترة من الزمان، ولكن شكّ في أنّ خروجه يختص بها أو يعمُّ ما بعدها، كما في قوله سبحانه:(يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَوفُوا بِالْعُقُود) (1)وقد خرج منه العقد الغبني، فالمغبون ذو خيار بين الإمضاء والفسخ، فشككنا في أنّ الخيار فوري أو ثابت إلى زمان لا يتضرر البائع من تزلزل العقد.

هذا هو عنوان البحث، وهو مركَّز على ما إذا كان التخصيص زمانياً لا فرديّاً بمعنى عدم إخراج الفرد من تحت العام بتاتاً، بل كان باقياً تحته في فترة وخرج عنه في فترة خاصة كزمان الغبن وشكّ في استمرار حكم المخصص أو عموم حكم العام، كما أنّ محلّ الكلام عبارة عمّا إذا لم يكن للمخصص إطلاق، أو عموم أزماني، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب.

وهناك أقوال بين المحقّقين سنشير إليها:

1. الفرق بين كون الزمان قيداً أو ظرفاً

ذهب الشيخ إلى ثنائيّة التقسيم وانّ الزمان في جانب العام تارة يُؤخذ قيداً


1. المائدة: 1 .


(251)

للموضوع وأُخرى ظرفاً، والمراد من الأوّل ما إذا كان الفرد في كلّ زمان فرداً خاصاً مغايراً له في الزمان الآخر، فيكون عندئذ للفرد الواحد اطاعات وعصيانات حسب اختلاف زمانه.

كما أنّ المراد من الثاني ما إذا كان الزمان غير دخيل في موضوعية الموضوع، وإنّما ذكر لأجل انّ الفعل المادي لا ينفصل عن الزمان، وإلاّ فالفرد في الزمان الأوّل نفس الفرد في الزمان الثاني، وكلاهما موضوع واحد، فلا يكون لكلّ فرد إلاّ طاعة أو عصيان واحد.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه إذا كان الزمان في دليل العام قيداً للموضوع يُتمسك بالعام ولا يتمسّك بالاستصحاب، وذلك لأنّ خروجه عن تحت العام في الفترة الثانية تخصيص ثان والأصل عدم التخصيص، حتى لو لم يكن المرجع هو العام لا يصلح الاستصحاب للدليلية لعدم وحدة القضية المتيقّنة مع القضية المشكوكة، لكون الزمان مفرداً للموضوع.

وأمّا إذا كان الزمان في جانب العام ظرفاً على نحو يكون خروج الفرد في قطعة أو قطعات من الزمان تخصيصاً واحداً فيتمسك باستصحاب حكم المخصص لوحدة القضية المتيقّنة و المشكوكة، ولا يتمسك بالعام لعدم استلزام الاعراض عنه تخصيصاً زائداً.

2. رباعية التقسيم

ذهب المحقّق الخراساني إلى رباعيّة التقسيم، وذلك لأنّ المخصص أيضاً كالعام ربما يكون الزمان فيه قيداً وأُخرى ظرفاً مثل دليل العام فتكون الصور أربع:


(252)

الصورة الأُولى: أخذ الزمان ظرفاً في العام والخاص

إذا كان الزمان مأخوذاً في كلا الجانبين لبيان استمرار الحكم فشك في بقاء حكم المخصِّص بعد مضيِّ الزمان القطعي، فلا يرجع إلى العام لخروجه عنه وعدم استلزام الإعراض عنه تخصيصاً زائداً، ويرجع إلى استصحاب حكم المخصص لوحدة القضيتين حتى لو لم يكن المرجع هو ذاك لا يرجع إلى عموم العام، لخروجه عنه وعوده إليه يتوقف على الدليل.

الصورة الثانية: أخذ الزمان قيداً في العام والخاص

إذا كان الزمان قيداً في كلّ من العام والخاص، مكثِّراً للحكم، ومفرِّداً للموضوع حسب تعدّد الآنات، فالمرجع هو عموم العام، وذلك لأنّ الفرد في الآن الثاني فرد مستقل كان العام شاملاً له ولم يعلم خروجه فيتمسك بعموم العام، ولا يرجع إلى استصحاب حكم المخصص، لعدم وحدة القضيتين.

الصورة الثالثة: أخذ الزمان ظرفاً في العام دون الخاص

إذا كان الزمان مأخوذاً لبيان استمرار الحكم في ناحية العام، ولكن قيداً في جانب المخصص حيث يكثِّر الحكم ويفرّد الموضوع فيه، فلا يصحّ التمسّك لا بالعام ولا بالخاص.

أمّا العام: فلخروجه عنه وعدم استلزام الاعراض عن العام ،تخصيصاً جديداً.

وأمّا الخاص: فلتعدّد القضيتين، المتيقّنة والمشكوكة، لافتراض انّ الزمان قيد يميِّز الفرد في الآن الأوّل عن الفرد في الآن الثاني.


(253)

الصورة الرابعة: أخذ الزمان قيداً في العام دون الخاص

إذا أخذ الزمان في جانب العام قيداً للموضوع ومفرِّداً له ومكثِّراً له على نحو يكون لكل فرد حسب الآنات طاعة وعصيان ولكن يكون الزمان في جانب المخصِّص لبيان استمرار الحكم، فيرجع إلى العام، لأنّ الاعراض عنه يستلزم تخصيصاً زائداً على التخصيص المتيقّن ولا يرجع إلى استصحاب حكم المخصص، لعدم اجتماع شرائط العمل بالأصل، فانّه حجّة إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي، والخاص دليل اجتهادي رافع لموضوع حجّية الأصل.

وعلى هذا فالمحقّق الخراساني خالف الشيخ الأعظم في موردين:

المورد الأوّل: انّ الشيخ اكتفى في تجويز استصحاب المخصص بكون الزمان مأخوذاً على نحو الظرفية في جانب العام، مع أنّه غيركاف إلاّ إذا كان الزمان مأخوذاً في جانب الخاص أيضاً كذلك، ففي مثله يترك الدليل العام، ويُستصحب حكم المخصص.

وأمّا إذا كان الزمان ظرفاً في جانب العام وقيداً في جانب الخاص فلا يتمسّك بهما.

أمّا العام فلخروج الخاص منه، والاعراض عنه لا يستلزم تخصيصاً زائداً، وأمّا الخاص فلعدم وحدة القضيتين.

وفي الحقيقة خالف المحقّق الخراساني في الصورة الثالثة من الصور الأربع حيث إنّ مقتضى إطلاق كلام الشيخ هو التمسّك بعموم العام، وصريح المحقّق الخراساني عدم التمسك بواحد منهما.

المورد الثاني: انّ استصحاب حكم المخصص فيما إذا كان الزمان في ناحية


(254)

العام، لبيان الاستمرار إنّما يصحّ إذا كان التخصيص زمانياً، كما إذا ورد التخصيص لا من الأوّل بل بعد فترة، يكون العام منطبقاً على ذلك الفرد ثمّ يعرضه التخصيص في فترة أُخرى كخروج عقد المغبون عند ظهور الغبن.

وأمّا إذا كان التخصيص ابتدائيّاً كما هو الحال في خيار المجلس، فانّ البيّعان بالخيار من زمان عقد البيع، فلو شكّ في بقائه بعد الافتراق الإكراهي، يصحّ التمسك بعموم العام وإن كان الزمان ظرفاً، وإلاّ يلزم أن يكون الفرد خارجاً بتاتاً، قبل الإكراه لأجل خيار المجلس المتصل بزمان العقد، و بعده لأجل الاستصحاب، ويكون التخصيص افرادياً لا أزمانياً، وهو خلف.

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ المحقّق الخراساني وافق الشيخ في جميع الصور إلاّ في صورتين:

أحدهما: إذا كان الزمان ظرفاً في جانب العام وقيداً في جانب الخاص فلا يرجع إليهما.

ثانيهما :فيما إذا كان التخصيص ابتدائياً، كخروج مجلس الخيار عن تحت الآية، ففي مثله لا يرجع إلى المخصص، بل إلى العام وإن كان الزمان ظرفاً، لأنّ الاعراض عنه يستلزم خروج الفرد عن تحت العام بتاتاً، وهو خلاف الفرض.

3.التفريق بين كون الزمان قيداً للمتعلّق أو للحكم

ذهب المحقّق النائيني كالشيخ الأعظم إلى أنّ صور المسألة ثنائيّة وفرّق بين كون الزمان قيداً للمتعلّق فالمرجع هو عموم العام، وكونه قيد للحكم فالمرجع هو استصحاب حكم المخصص.

وبعبارة أُخرى: الفرق بين كون مصبِّ العموم الزماني متعلّق الحكم وكان


(255)

الحكم وارداً على العموم الزماني، فيكون العموم تحت دائرة الحكم،وبين كون مصبِّه نفس الحكم بحيث كان العموم الزماني محمولاً على الحكم وواقعاً فوق دائرة الحكم، فالأوّل مجرى التمسّك بالعام، والثاني مجرى التمسّك بالاستصحاب.

أمّا الأوّل: فكما إذا قال: لا تشرب الخمر أبداً، وصم إلى الليل، فإذا خرج حال الضرورة والمرض وشكّ بعد ارتفاعهما في جواز الشرب، فيتمسك بعموم الدليل، ولا تصل النوبة إلى استصحاب حكم المخصِّص.

ومثله قوله سبحانه: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ) (1) خرجت عنه أيام العادة، فإذا شكّ في خروج غير تلك الفترة فالمحكم هو عموم العام.

وذلك هو أنّ الدليل الاجتهادي قد تكفّل لبيان حكم كلّ زمان من أزمنة ظرف وجود متعلّق الحكم فقوله:«أكرم العلماء في كلّ يوم» دليل على وجوب إكرام كلّ فرد من أفراد العلماء في كلّ يوم من أيّام السنة أو الشهر، فكان لكلّ يوم حكمٌ يخصّه لا ربط له باليوم السابق أو اللاحق.

وأمّا الثاني: أي إذا كان مصبُّ العموم الزماني نفسَ الحكم، فلا مجال للتمسّك فيه بالعموم إذا شكّ في مقدار التخصيص، بل لابدّ من الرجوع إلى الاستصحاب، كما إذا قال : شرب الخمر حرام والحرمة مستمرّة في كل آن آن، و شككنا في بقاء التحريم بعد ارتفاع زمان المرض، والسر في ذلك لأنّ الشكّ في مقدار التخصيص يرجع إلى الشكّ في الحكم، وقد تقدّم أنّ الحكم يكون بمنزلة الموضوع للعموم الزماني ولا يمكن أن يتكفّل العموم الزماني وجود الحكم(الحرمة) مع الشك فيه، لأنّه يكون من قبيل إثبات الموضوع بالحكم، فانّ العموم الزماني


1. البقرة: 223 .


(256)

يكون دائماً مشروطاً بوجود الحكم ولا يمكن أن يدل قوله«الحكم مستمر كلّ زمان» على وجود الحكم مع الشكّ فيه.

وهذا نظير قوله تعالى:(أَوفوا بالعقود) (1) إذا كان معناه «يجب الوفاء بالعقود والوجوب مستمر في كلّ زمان» فإذا خرج زمان العلم بالغبن وشكّ في حكم العام، فلا يصح التمسك، لأنّ الحكم بالاستمرار فرع إحراز الموضوع وهو الحكم مع أنّه مشكوك فلا يستدل بالمحمول « مستمر في كلّ زمان» على وجود الموضوع أي «وجوب الوفاء».(2)

يلاحظ عليه بوجهين:

أوّلاً: انّ ما ذكره من التفريق بين الصورتين تقسيم عقلي، لا يلتفت إليه العرف، فهو يتلقّى الزمان قيداً، للمتعلّق وواقعاً تحت دائرة الحكم، لا محمولاً على الحكم و واقعاً فوق دائرة الحكم، فلو كان قوله سبحانه(أَوفُوا بِالعُقُود) متضمناً لعموم زماني فهو من قيود المتعلّق أي الوفاء، لا انّه محمول على الوجوب حتى يكون معنى الآية: الوفاء بالعقد واجب وحكمي بالوجوب ثابت في كلّ زمان.

وثانياً: سلمنا انّ مصب العموم الزماني هو الحكم والعموم الزماني محمول عليه، لكن قوله: انّ الشك يرجع إلى وجود الموضوع (الحكم)، و مع الشكّ فيه لا يثمر العموم الزماني، لأنّه لا يثبت موضوعه ،منظور فيه، لأنّ الموضوع(الحكم) إمّا أن يكون الطبيعة السارية، أي الحكم في كلّ الأحوال، أو الطبيعة المهملة (الحكم في الجملة)، والأوّل يستلزم أخذ الاستمرار في جانب الموضوع فيكون حمل مستمر عليه، مستلزماً للتكرار ويرجع إلى كون القضية من قبيل الضرورة بشرط المحمول.


1. المائدة: 1 .
2. فوائد الأُصول: 4 / 531 ـ 540 بتلخيص .


(257)

فيبقى الأوّل وهو أمر محرز، لأنّ الحكم بنحو الموجبة الجزئية التي تلازم المهملة محرز قطعاً وإلاّ يلزم عدم صدق الآية بتاتاً.

4.المرجع هو العام مطلقاً

الحقّ انّ المرجع في ظرف الشكّ هو العام مطلقاً إذا كان الدليل ظاهراً في استمرار الحكم الواحد، وعمومه لجميع الأزمنة فيجب التمسك به في غير ما علم خروجه قطعاً، ويعلم ذلك بتوضيح الأقسام التالية:

إنّ العام يتصوّر على أقسام:

1. أن يكون الزمان قيداً للموضوع بحيث يكون الفرد في كلّ زمان مصداقاً مستقلاً.

2. أن لا يكون الزمان مأخوذاً في العام لا بنحو الظرفية ولا بنحو القيدية.

3. أن يكون الزمان قيداً للفرد على نحو العام المجموعي بحيث يكون الفرد في مجموع الأزمنة فرداً واحداً على نحو يكون خروج الفرد في قطعة من الزمان سبباً لانهدام أصل الحكم المتعلّق بذلك الفرد، لأنّ ذلك مقتضى كون الزمان مأخوذاً في جانب الفرد على نحو العام المجموعي.

4. أن يكون الزمان مأخوذاً في جانب العام على نحو الظرفية.

أقول: محلّ النزاع هو القسم الرابع فقط.

أمّا الأوّل: فلا شكّ انّ المرجع هو العام، لاستلزام الاعراض عن العام، التخصيصَ الزائد.

كما انّ القسم الثاني: وهو خلو الدليل عن أخذ الزمان فيه لا ظرفاً ولا قيداً


(258)

خارج عن محط البحث، إذ عندئذ لا يتصوّر التخصيص الزماني الذي هو محط البحث، ويكون التخصيص أفرادياً لا أزمانياً.

وأمّا القسم الثالث: فحكمه معلوم، لانّه إذا كان مجموع الأزمنة مأخوذاً بنحو العام المجموعي في مورد فرد من الافراد يكون خروجه في فترة خاصة موجباً لانتفاء الحكم عن الفرد بتاتاً في بقية الأزمنة، وهو خلف الفرض.

فتعين الباقي وهو أن يكون الزمان ظرفاً.

وحاصله: انّه إذا كان الشيء مطلوباً في زمان كالوفاء بالعقد على نحو يكون له طاعة واحدة وعصيان واحد، كما هو مقتضى كون الزمان ظرفاً ولكنّه على نحو يكون مطلوباً أيضاً لو خالف وعصى، أو خرج بدليل في فترة من الفترات لكن لا مطلوباً بدليل ثان بل بنفس الدليل الأوّل.

مثلاً انّ الإفطار محرّم في شهر رمضان، فلو أفطر عصياناً يكون الإمساك أيضاً مطلوباً إلى الغروب بنفس الأمر بالصوم لا بأمر آخر، ومثله الوفاء بالعقد فهو مطلوب في تمام الأوقات بحكم كون الزمان ظرفاً، ولكن بما انّ الوفاء بالعقد أساس الحياة فهو مع عدم وجوبه في فترة من الزمان، يكون مطلوباً أيضاً بنفس الكلام السابق لأجل الملاك الذي ذكرناه، فعندئذ لو لم يجب الوفاء بالعقد في فترة خاصة أعني: زمن ظهور الغبن، ولكنّه مطلوب حتى بعد ذلك الزمان، وإن لم يكن واجباً بوجوب مستقل مغاير للوجوب الخاص.

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ المرجع هو العام سواء كان الزمان قيداً أو ظرفاً، وكفى كون الفرد داخلاً فيه من أوّل الأمر وخارجاً عنه في ظرف خاص.

فإن قلت: إنّ الفرد قد خرج في فترة من الزمان، فعوده إلى تحت العام يحتاج


(259)

إلى دليل، فما هو جوابكم أمام هذا الدليل؟

قلت: إنّ هذه مغالطة، وذلك لأنّ التخصيص أزماني لا أفرادي، والفرد لم يخرج من تحت العام بل هو باق تحت العام وإنّما رُفع عنه حكمه في فترة يسيرة من الزمان، فيتمسك بعموم العام في غير تلك الفترة ولا يجوز التمسك بالأصل مع وجود الدليل الاجتهادي.


(260)

التنبيهات

15

ما هو المراد من الشكّ في الاستصحاب؟

قد يطلق الشك ويراد به اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وهذا هو الشكّ في مصطلح المنطقيّين، وعليه الراغب في مفرداته وعلى هذا تقسم الحالات الطارئة على الإنسان بأربعة أقسام، أعني: اليقين،والظن،والشكّ، والوهم.

وقد يطلق ويراد به، خلاف اليقين وعليه الجوهري في صحاحه، وعندئذ يعم الأقسام الثلاثة الأخيرة غير اليقين، وقد استعمل الشكّ في الكتاب العزيز بالمعنى الثاني، أي مطلق التردد، في موارد قال سبحانه: (فَإِنْ كُنْتَ في شَكّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْألِ الَّذينَ يَقْرءُونَ الكِتاب مِنْ قَبْلِكَ) .(1) وقال تعالى: (قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْض) (2)، إلى غير ذلك من الآيات التي أُريد من الشك مطلق التردد الجامع مع الظن والوهم وتساوي الطرفين.

إذا عرفت ذلك انّ الشكّ الوارد في أخبار الاستصحاب إن أُريد به: اعتدال النقيضين في النفس، تختص حجية الاستصحاب بما إذا كان النقيضان على حدّ سواء، ولا يعم ما إذا كان هناك ظن على خلاف الحالة السابقة على وجه تكون


1. يونس: 94.
2. إبراهيم: 10 .


(261)

الحالة السابقة موهومة وخلافها مظنونة، وأمّا إذا أُريد به مطلق التردد و خلاف اليقين فيعمّ جميع الأحوال إلاّ إذا كان هناك يقين على الخلاف.

وقد استدل الشيخ في الفرائد (1) على انّ المراد هو الوجه الثاني، لوجوه ثلاثة أوضحها هو الوجه الثاني، أعني: الرجوع إلى روايات الباب واستظهار المراد بها، حيث إنّ فقرات الصحاح الدالّة على المقصود وهي كالتالي:

1. قوله ـ عليه السلام ـ : قال : «حرك في جنبه شيء و هو لا يعلم...»، فانّ ظاهره فرض السؤال بما كان معه أمارة النوم.

2. قوله ـ عليه السلام ـ : «لا حتى يستيقن» حيث جعل غاية وجوب الوضوء، الاستيقان بالنوم و مجيء أمر بيّن منه.

3. قوله ـ عليه السلام ـ : «ولكن تنقضه بيقين آخر» فانّ الظاهر سوقه في مقام بيان حصر ناقض اليقين في اليقين.

4. قوله ـ عليه السلام ـ : في الصحيحة الثانية لزرارة: «فلعلّه شيء أوقع عليك وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ» فانّ كلمة «لعل» ظاهرة في مجرد الاحتمال مع وروده في مقام إبداء ذلك، كما في المقام فيكون الحكم متفرعاً عليه.

5. قوله ـ عليه السلام ـ في مكاتبة القاساني حيث فرّع قوله: «صم للرؤية وأفطر للرؤية» على قوله «اليقين لا يدخل فيه الشك» والمراد عدم كفاية الظن بدخول رمضان أو شوال.

وهناك وجه آخر قد سبق منّا عند البحث في روايات الباب وهو أنّ المراد من اليقين، ليس هو اليقين المنطقي، أعني: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بل


1. الفرائد: 398 .


(262)

المراد هو الحجّة الشرعية، وبذلك يعلم معنى الشكّ لأجل التقابل فيكون معنى قوله: «لا تنقض اليقين بالشك»،لا تنقض الحجّة باللاحجة، ويكون الملاك عدم وجود الحجّة ، من دون نظر إلى كون بقاء المتيقّن ، راجحاً أو مرجوحاً أو متساوياً.

والظن على خلاف المسألة السابقة إذا لم يقم دليل على حجّيته، يدخل تحت قوله «باللاحجة» سواء قام الدليل على عدم حجّيته كالقياس والاستحسان، أو شك في حجّيته، فإنّ الشكّ في الحجّية كاف في الحكم بعدم الحجّية على ما مرّفيكون الجميع داخلاً في قوله: «بالشك» أي اللاحجة، فلا ينقض بها اليقين.

ثمّ إنّ الشيخ استدل بوجهين آخرين:

الأوّل: الإجماع القطعي على تقدير اعتبار الاستصحاب من باب الاخبار.

يلاحظ عليه: انّ هذا النوع من الإجماع المحصَّل، ليس بحجة، لاحتمال اعتماد المجمعين على الدليل الماضي.

الثاني: انّ الظنّ المخالف للحالة السابقة إمّا أن يكون من الظنون المنهية كالقياس فمعناه انّ وجوده كعدمه، أو يكون من المشكوكة حجّيتها، فرفع اليد عن الحالة السابقة بهذا النوع من الظن، من مقولة نقض اليقين بالشكّ.(1)

وأورد عليه في الكفاية: بأنّ مرجع عدم اعتباره لأجل الغاية، أو لعدم الدليل على اعتباره إلى عدم إثبات مظنونه به تعبّداً، لا ترتيب آثار الشكّ عليه مع عدمه.(2)


1. الفرائد: 398 .
2. كفاية الأُصول: 2 / 345 .


(263)

توضيحه: انّه لو غُضّ النظر عمّا أقمنا من الدليل على أنّ المراد من الشكّ، هو خلاف اليقين، وصرنا إلى انّ المراد به هو حالة تساوي النقيضين، بكون الظنون غير المعتبرة هادماً لهذه الحالة فهي وإن لم تكن حجّة مثبتة لمظنونه، لكنّها تصلح تكويناً لرفع موضوع الاستصحاب، أعني حالة التساوي بين الأمرين، فكونها هادمة لا يلازم حجّيتها واستعدادها لاثبات متعلّقه.

والحقّ أن الباحث لغني بما ذكر من تفسير اليقين والشكّ عن ذينك الدليلين، فتدبّر.


(264)

خاتمة
في شرائط جريان الاستصحاب
أو العمل به

ذُكر للاستصحاب شروط وصفها بعضهم بشروط العمل به،وجعلها الشيخ شروطاً لجريانه، والفرق بينهما واضح، حيث إنّها على القول الثاني شرائط تحقّقه ولولاها لا يكون هناك موضوع للاستصحاب، بخلافه على الأوّل فالاستصحاب بدونها متحقق غير انّه لا يعمل به.

ولكن الحقّ انّ أكثرها من شروط جريانه كوحدة الموضوع، واتحاد متعلّقي اليقين والشكّ، وبقاء اليقين في طرف الشكّ، وبعضها كعدم أصل معارض من قبيل شروط العمل، وسيتضح حال الجميع في البحوث التالية:

الشرط الأوّل: بقاء الموضوع أووحدة القضيّتين

وقد عُبِّر عن هذا الشرط تارة ببقاء الموضوع، وأُريد به معروض المستصحب، وأُخرى باتحاد القضية المشكوكة مع المتيقّنة.

نقول إنّ هنا مقامات ثلاثة:

1. هل الشرط بقاء الموضوع أووحدة القضيتين؟

2. ما هو الدليل على هذا الشرط؟


(265)

3. ما هو الملاك لوجود هذا الشرط وعدمه؟

وإليك الكلام فيها:

المقام الأوّل: هل الشرط بقاء الموضوع أووحدة القضّيتين؟

ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ الشرط هو بقاء الموضوع، والمراد به موضوع المستصحب، فاستصحاب وجود زيد، أو قيامه رهن تحقّق الموضوع (زيد) في الزمن اللاحق على النحو الذي كان معروضاً في السابق سواء أكان تحقّقه في السابق بتقرره ذهناً أو لوجوده خارجاً، فزيد بوصف تقرره ذهناً معروض للوجود، وبوجوده خارجاً معروض للقيام.(1)

وبعبارة أُخرى: المستصحب لو كان مفاد كان التامة (أي وجود زيد) فالموضوع هو ماهيته التي عرضها الوجود، والتي يصلح لأن يحكم عليها بالوجود والعدم، ولو كان هو مفاد كان الناقصة كحياته فالموضوع هو وجوده الخارجي التي يصلح لأن يحكم عليه بالحياة تارة والموت أُخرى.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ اللائح من عبارته انّ المستصحب هو المحمول دون مجموع القضية وهو غير تام، لأنّ المفروض انّ المستصحب هو الذي يتعلّق به اليقين في السابق، وهو لا يتعلّق بالمفرد، أعني: نفس المحمول أو النسبة التصوّرية، وإنّما يتعلّق بمفاد القضية ومفهومها، سواء أكانت مصاغة على نحو مفاد كان التامة نحو كان زيد موجود أو مفاد كان الناقصة نحو كان زيد قائماً، فلابدّ أن يكون المستصحب نفس القضية، لا محمولها ولا النسبة التصوّرية فيها.

وثانياً: انّ اشتراط بقاء الموضوع إنّما يصحّ في الوجود الرابط أي مفاد كان


1. الفرائد: 399 .


(266)

الناقصة كاستصحاب حياة زيد وعدالته القائمتين بوجوده الخارجي، لا في الوجود المحمولي ومفاد كان التامة كوجود زيد، فإذاكان المستصحب هو وجود زيد، فما هو الموضوع وراءه وليس هنا وراء المستصحب شيء؟! ولذلك التجأ الشيخ إلى تصوير موضوع لوجوده باسم الماهية والتقرر الذهني، ومن المعلوم انّه فكر فلسفي غير مطروح في الخطابات العرفية.

وبذلك يعلم أنّ اشتراط وحدة الموضوع إمّا هو غير جامع كما في الوجود المحمولي، أو أمر مستدرك كما في الوجود الرابط حيث يغني عنه اشتراط وحدة القضيتين، بخلاف الثانية فانّها تعمّ كلا النحوين من الوجود، فالاولى التعبير عن هذا الشرط بوحدة القضيتين.

المقام الثاني: ما هو الدليل على هذا الشرط؟

استدل الشيخ على اعتبار هذا الشرط بأنّ نسبة المستصحب إلى الموضوع نسبة العرض إلى موضوعه، فإذا لم يكن الموضوع باقياً وأُريد إبقاء المستصحب فله حالتان:

الأُولى: أن يبقى العرض بلا موضوع ومحل، وهو محال.

الثانية: أن يبقى في موضوع غير الموضوع السابق، فيرد عليه أمران:

1. انّ هذا ليس إبقاء لنفس العارض، وانّما هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع جديد، و الحكم بعدم ثبوته لهذا الموضوع الجديد، ليس نقضاً للمتيقّن السابق.

2. انّه يستلزم انتقال العرض الذي هو محال لاستلزامه كون العرض بلا


(267)

موضوع في حالة الانتقال.

يرد عليه أوّلاً: إنّما ذكره من قبيل إسراء حكم الحقائق إلى الأُمور الاعتبارية، فلو أُريد إثبات وجود العرض تكويناً فهو لا محالة رهن تحقّق الموضوع وإلاّ يلزم أحد الأمرين: إمّا بقاء العرض بلا موضوع، أو بقاءه في موضوع آخر، و كلاهما باطلان، و أمّا إذا أُريد به التعبّد ببقاء العرض حتى يترتب عليه الأثر الشرعي فهو رهن عدم العلم بارتفاع الموضوع إذ العلم به يلازم حدوث اليقين بارتفاع المتيقّن ولا يتوقف على إحراز وجود الموضوع.

ثانياً: إذا كان المستصحب أمراً وجودياً فهو رهن وجود الموضوع، دون ما إذا كان عدمياً كما في السلب التحصيلي: إذا قلت: ليس زيد قائماً، فانّ عدم القيام يصدق تارة مع وجود الموضوع، وأُخرى مع عدمه فاستصحاب مثله لا يتوقّف على الموضوع، نعم يتوقّف على وحدة القضيتين.

فالأولى الاستدلال عليه بما يلي:

إنّ صدق الشك في البقاء، و كون رفع اليد نقضاً لليقين السابق فرع وحدة القضيتن، فلو كان هناك تغاير في الموضوع كما إذا تعلّق اليقين بعدالة زيد وشك في عدالة عمرو، أو في المحمول كما إذا تعلّق اليقين بعدالة زيد و الشكّ باجتهاده فلا يعد مثل هذا الشكّ، شكاً في البقاء، ولا رفع اليد، نقضاً لليقين السابق، فانّ صدق الأمرين اللّذين يعدان ركنين للاستصحاب رهن وحدة القضيتين موضوعاً و محمولاً ونسبة، كما لا يخفى.

المقام الثالث: ما هو الملاك لوحدة القضيتين؟

إذا كان الشرط لجريان الاستصحاب هو وحدة القضيتين موضوعاً ومحمولاً


(268)

ونسبة، أو كان الشرط بقاء الموضوع ،فما هو الملاك لتميّز وحدتهما عن كثرتهما؟ هاهنا احتمالات:

أ: الملاك قضاء العقل بأحد الأمرين

ربما يحتمل أنّ الملاك هو قضاء العقل بوحدة القضيتين أو كثرتهما، ومن المعلوم أنّ قيود القضايا وشروطها ترجع عند العقل إلى الموضوع وتشكِّل برمتها موضوعاً واحداً، فلو قال: إذا جاء زيد وسلَّم عليك وأكرمك ، فاطعمه، فالموضوع في لسان الدليل وإن كان هو زيد ولكنّه عند العقل هو المركب منه ومن سائر القيود، كأنّه قال: زيد الجائي غداً المُسلِم المُكرم، يُطعَم. ولذلك يقول الحكماء: «الجهات التعليلية عند العقل جهات تقييدية»، فلو كان أكرم زيداً لعلمه، فالموضوع زيد العالم لا زيد فقط.

فلو صحّ ذلك الاحتمال وكان المرجع هو العقل فهو قاض دقيق الملاحظة يجعل كلّ القيود جزء الموضوع، وعندئذ يمتنع جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية، لأنّ الشكّ في بقاء الحكم الكلي نابع عن اختلال قيد من قيود الحكم، فلو كانت القيود محفوظة لما تسرّب الشك.

مثلاً: الشك في بقاء نجاسة الماء المتغيّر إذا زال تغيّره نابع عن زوال التغيّر بنفسه، فهو عند العقل قيد لموضوع الحكم، و مع زواله يكون الموضوع في الآن اللاحق مختلفاً كما تكون القضيتان متعدّدتين فلا يصدق الشك في البقاء، ولا يعد رفع اليد نقضاً لليقين السابق، فيختصّ جريانه بالشبهات الموضوعية كاستصحاب حياته.

فإن قلت: على هذا الاحتمال يختص عدم الجريان بالشبهات الحكمية إذا


(269)

كان الشك فيها، شكاً في المقتضي كالمثال السابق، وأمّا إذا كان الشك في الرافع ذاتاً أو وصفاً فلا يمنع عن جريانه كما أفاده الشيخ الأعظم في فرائده.(1)

قلت: بل لا يجري في الشكّ في الرافع بكلا قسميه أيضاً، لأنّ الموضوع في قوله «المتوضئ متطهر» عند العقل هو المتوضئ الذي لم يصدر منه الحدث يقيناً، وهذا النوع من العلم الذي هو قيد للموضوع مرتفع في الآن اللاحق لكونه شاكاً في صدور الحدث وجوداً أو وصفاً، كما إذا تردّد البلل بين كونه بولاً أو مذيّاً.

فتبين انّه لو كان الملاك هو قضاء العقل بالوحدة والكثرة فلا يجري في الشبهات الحكمية وإنّما تجري في الشبهات الموضوعية فقط، كما مثّلناه.

هذا هو عصارة الوجه الأوّل، ولكنّه غير صحيح بالمرة. لأنّ العقل هو المرجع الوحيد في أحكامه، فهو الحاكم الذي يعيِّن موضوع حكمه وحدوده وسائر خصوصياته، كقولنا العدل حسن والظلم قبيح.

وأمّا الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة فالمخاطب فيها هو العقل الحاكم في العرف لا الحاكم في الفلسفة : النظرية والعملية.

وهذا ليس بمعنى الازدراء بالعقل الفلسفي، بل مع ما نكنّ له من التبجيل والتكريم فله مجال واسع في باب المعارف والعقائد، لا الخطابات العرفية التي صدرت لإفهام عامة الناس.

ب: الملاك هو لسان الدليل

إنّ الملاك لإحراز الوحدة أو الكثرة هو ملاحظة لسان الدليل، مثلاً إذا قال: الماء المتغيّر نجس، فإذا زال تغيّره يرتفع موضوع الدليل، بخلاف ما إذا قال


1. الفرائد: 401، ط رحمة الله .


(270)

: الماء نجس إذا تغيّر، فزوال التغيّر لا يثبت زوال الموضوع ،لأنّه في لسان الدليل هو الماء والمفروض بقاؤه.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاعتماد على لسان الدليل الوارد في مجال الأحكام والأخلاق أمر من الصعوبة بمكان، وذلك لأنّ الرواة لم يلتزموا بنقل ما سمعوه من الإمام بحذافيره وكيفيته، بل كان اهتمامهم منصباً على أداء المفاهيم التي تلقّوها من الإمام سواء أوافقت لفظ الإمام كماً وكيفاً أو لا، ولذلك لما سأل محمد بن مسلم أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن نقل الحديث بالمعنى، فقال: «إن كنت تريد معانيه فلا بأس».(1)

نعم كان الرواة ملتزمين بنقل الخطب والأدعية بنصوصها، لأنّ روعتها تكمن في ألفاظها الناصعة وتراكيبها الخلاّبة، وهذا بخلاف ماله صلة بالأحكام والأخلاق، ولأجل ذلك لا يمكن الاعتماد كلياً على لسان الدليل.

وثانياً: أنّ هذا الاحتمال إنّما يتميّز عن الاحتمال الثالث إذا كان المراد الجمود على ظاهر اللفظ من دون ملاحظة المناسبات بين الموضوع والحكم الموجودة في أذهان العرف، وأمّا مع هذه الملاحظة فهو يرجع إلى الاحتمال الثالث الذي سنذكره.

ج: المرجع فهم العرف من الدليل

المرجع هو الدليل الاجتهادي المتكفّل للحكم الأوّلي الكلّي، لكن حسب ما يفهم العرف منه، فسواء أورد ، قوله: الماء المتغيّر نجس، أم ورد قوله: الماء ينجس إذا تغيّر.


1. بحار الأنوار: 2 / 164 .


(271)

فإن استظهر العرف حسب المناسبات المغروسة في ذهنه انّ الموضوع هو الماء، والتغيّر علة لعروض النجاسة عليه، ويكفي في السببية وجوده آناً ما، يكون المورد صالحاً للاستصحاب، أخذاً بوحدة القضيتين.

وإن استظهر كون الموضوع هو الماء المقيّد بالتغيّر، فلا يكون صالحاً له، وعلى ضوء ذلك فليس ظاهر الدليل مقياساً للوحدة وخلافها، بل ما يفهمه العرف منه حسب ارتكازه.

وعلى ذلك تستطيع أن تميّز بقاء الموضوع وعدم بقائه في الأمثلة التالية:

1. إذا صار الخشب النجس رماداً.

2. إذا صار الخمر خلاً.

3. إذا باع الفرس فبان بغلاً.

4. إذا باع الفرس الأصيل فبان غير أصيل.

فالعرف يتلقّى الأمثلة الثلاثة الأوّلية انّه من قبيل انتفاء الموضوع واختلاف القضيتين، لأنّ الصورة الجسمية وإن كانت مشتركة لكن المهم هو الصورة النوعية، وأين هي في الرماد والخل والبغل؟ ولكن العقل يقضي في المثال الرابع بخلاف ذلك فيرى الصورة النوعية محفوظة وإنّما الاختلاف في الشرط، وهو كونه أصيلاً.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني صحّح استصحاب الأحكام الكلية، من عنوان إلى عنوان آخر، وقال: إذا ورد: العنب إذا غلى يحرم، كان الموضوع هو خصوص العنب، لكن العرف حسب مرتكزاته وما يتخيل من المناسبات بين الحكم والموضوع يتلقّى الموضوع للحرمة ما يعم الزبيب، ويرى العنبية والزبيبية من حالات الموضوع المتبادلة، بحيث لو لم يكن الزبيب محكوماً بحكم العنب كان من قبيل ارتفاع الحكم بموضوعه.


(272)

أقول: ما ذكره من المناسبات والارتكازات صحيح، لكن ظرف اعمالها إنّما هوبعد عروض الحكم على العنب الخارجي وحكم عليه بأنّه إذا غلى يحرم، فعندئذ يشير إليه ويقول:

هذا ما إذا غلى يحرم ،والأصل بقاؤه على ما كانت على النحو الذي أوضحناه عند البحث في استصحاب الأحكام التعليقية.

وأمّااعمال المناسبات قبل تطبيق الحكم على الخارج فممّا لا يقبله فهم العرف، إذ كيف يتحد مفهوم العنب مع مفهوم الزبيب. فانّهما مفهومان متغايران لا يكون واحد منهما نفس الآخر؟

والحاصل: انّه لا شكّ أنّ العرف يتلقّى الموضوع أعمّ من العنب والزبيب، لكن لا في مجال الأحكام الكلية، فانّ العناوين الكلية مثار الكثرة، بل يتلقّى بعد تطبيقه على الخارج على وجه تدعوه المناسبات إلى الغاء الخصوصيات، ومن تلك المناسبات هي أنّ الحامل للحكم هو الصورة النوعية المحفوظة في العنب والزبيب، وإنّما اختلفا في الرطوبة والجفاف، نظير ما قلناه في الماء المتغيّر.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أسقط الشرط الثاني والثالث لجريان الاستصحاب واكتفى بذكر الشرط الرابع، كما أنّ الشيخ الأعظم أسقط الشرط الثاني فقط، ونحن نذكرمجموع الشروط الثلاثة الباقية لجريان الاستصحاب.

الشرط الثاني: وحدة متعلّق الشك واليقين

يفترق الاستصحاب عن قاعدة المقتضي والمانع بوحدة متعلّق اليقين والشكّ في الاستصحاب، فالرجل يكون على يقين من وضوئه فيشكّ في نفس الوضوء بقاءً كما هو المتبادر من قوله ـ عليه السلام ـ في صحيحة زرارة: «فانّه على يقين من


(273)

وضوئه ولا تنقض اليقين أبداً بالشك» أي بالشك فيما تعلّق به اليقين.

بخلاف قاعدة المقتضي والمانع التي ابتكرها المحقّق الشيخ محمد هادي الطهراني ـ قدَّس سرَّه ـ ، فانّ متعلّق اليقين فيها، غير متعلّق الشكّ، فالأوّل يتعلّق بالسبب الذي يُعبِّر عنه بالمقتضي، والثاني بالمانع عن تأثيره، كما إذا صبّ الماء على البشرة و يعد صبّ الماء سبباً لغسلها، لولا المانع، وتعلّق الشك بوجود المانع فيها، فالقائل بحجية هذه القاعدة يقول المقتضي محرز بالوجدان وعدم المانع بالأصل فيثبت غَسْل البشرة.

ونظيره إذا رمى إنساناً بالسهم، على وجه لولا المانع لقتله، فاليقين تعلّق بالسبب وهو الرمي، والشكّ بالمانع، فيقال المقتضي محرز بالوجدان وعدم المانع بالأصل فيثبت كونه مقتولاً.

وعلى كلّ تقدير سواء أقلنا بحجية تلك القاعدة أم لا، فلا صلة لها بالاستصحاب لوحدة المتعلّقين فيه وتغايرهما في القاعدة، وقد اهمل الشيخ الأعظم هذا الشرط، ووجهه واضح، لأنّ القاعدة من إبداعات تلميذه الطهراني و لم يكن منها أي أثر في عصره. وأمّا المحقّق الخراساني فقد أهمله في المقام، لكنّه طرحه في تعليقته على الفرائد وأدّى حقّ المقال.(1)


1. درر الفوائد في شرح الفرائد: 195، ط عام 1318 هـ. وأقصى ما عنده من الدليل على تطبيق روايات الاستصحاب على قاعدة المقتضي والمانع، جعل غاية عدم الوضوء في الصحيحة الأُولى، الاستيقان بالنوم الّذي يكون رافعاً له .
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه من خصوصيات المورد، وهو لا يلازم كونها بصدد جعل القاعدة.
وثانياً: أنّ نفي إيجاب الوضوء مع الشكّ في النوم إنّما هو لتحقيق الشكّ في الوضوء وارتفاعه الّذي يكون صغرى لقوله: «لا تنقض».
وثالثاً: أنّ الظاهر وحدة متعلّق اليقين والشكّ: لا تنقض اليقين بشيء بالشك فيه لا بالشك في رافعه. لاحظ درر الفوائد .


(274)

الشرط الثالث: بقاء اليقين في ظرف الشك

وهذا الشرط أهمله المحقّق الخراساني و ذكره الشيخ بتفصيل، وخلاصة القول فيه: إنّ الاستصحاب يعتبر فيه أمران:

الأوّل: أن يكون الشكّ في البقاء دون الحدوث، كما إذا تعلّق اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة، وتعلّق الشك بعدالته يوم السبت، فالشك في جميع الأحوال متعلّق بالبقاء دون الحدوث.

الثاني: أن يكون اليقين بالحدوث محفوظاً في ظرف الشك في البقاء فهو في وقت واحد يكون مذعناً بعدالة زيد يوم الجمعة، شاكاً في عدالته يوم السبت.

وبذلك يظهر الفرق بينه و بين القاعدة، حيث إنّ اليقين فيه يتعلّق بالبقاء، وفي القاعدة بنفس الحدوث، كما أنّ اليقين يكون محفوظاً فيه حالة الشك، بخلافه فيها فانّه يكون زائلاً في ذلك الظرف مثاله: إذا أذعن بعدالة زيد يوم الجمعة، ثمّ سرى الشكّ إلى نفس اليقين فتردد في عدالته في نفس ذلك اليوم، وانّه هل كان علمه مطابقاً للواقع أو كان جهلاً مركباً، فشكّ في أصل العدالة، وبالتالي، زال اليقين بها في ظرف الشك لامتناع اجتماعها مع وحدة متعلّقهماعقلاً.

هذا هو حال الاستصحاب والقاعدة والفارق بينهما، إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يقع الكلام في مقامين:

1. إمكان الجمع بينهما ثبوتاً في اللحاظ

لا شكّ انّ عامّة ما ورد من الروايات ناظر إلى الاستصحاب بشهادة موردهما، غير ما ورد في حديث الأربعمائة المروي عن علي ـ عليه السلام ـ أعني قوله: «من


(275)

كان على يقين ثمّ شكّ فليمض على يقينه» فهل هو ناظر إلى الاستصحاب أو قاعدة اليقين أو إلى كليهما؟ فاستفادة حجّية كلا الأمرين فرع إمكان الجمع بينهما ثبوتاً، ولذلك عقدنا بحثاً خاصاً لذلك تبعاً للشيخ الأعظم فقد ذهب الشيخ وغيره إلى امتناع الجمع بينهما لحاظاً ، وذكروا هناك وجوهاً نشير إلى بعضها:

الأوّل: انّ المضيّ في الاستصحاب عبارة عن الحكم ببقاء المتيقّن سابقاً من غير تعرّض لحال حدوثه، والمضي في القاعدة هو الحكم بحدوث ما تيقّن من غير تعرّض للبقاء، فلا تصح إرادة المعنيين من قوله:«من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه» لتغاير معنى المضيّ فيهما.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يلزم ذلك لو استعمل لفظ المضيّ في كلا المعنيين أي المضي حدوثاً والمضي بقاء، دونما إذا استعمل في الجامع وهو عدم التوقف لأجل الشكّ وفرضه كالعدم، غير انّه يختلف باختلاف متعلّقه، فلو تعلّق الشكّ بالبقاء يكون معناه الحكم بالبقاء، ولو تعلّق بالحدوث يكون معناه الحكم به.

الثاني: ما ذكره أيضاً وحاصله: انّ شمول الحديث للاستصحاب والقاعدة متفرّع على تعدّد اليقين حتى يشمله شمولَ القضية الحقيقية لافرادها المختلفة، ولكن اليقين واحد، لوحدة متعلّقه وهو العدالة، وليس هنا يقينان مختلفان حتى يعمّ الحديثُ عموم القضية، لافرادها.

نعم يختلف اليقين في الاستصحاب عن اليقين في القاعدة بالعوارض المتأخرة عنه وهو أخذ الزمان قيداً في القاعدة وظرفاً في الاستصحاب، وليس اليقين بتحقق مطلق العدالة يوم الجمعة واليقين بعدالته المقيّدة بيوم الجمعة فردين من اليقين، داخلين تحت عموم الخبر، ضرورة انّ الطوارئ المتأخرة عن اليقين لا توجب تعدّد اليقين مع وحدة المتعلّق.


(276)

يلاحظ عليه: انّ تعدّد اليقين كما يمكن بتعدّد المتعلّق، كما إذا أيقن بعدالة زيد، وفسق عمرو، كذلك يمكن تعدّده فيه باختلاف المحلِّ القائم به وإن كان المتعلّق واحداً كما إذا تعلّق يقين زيد على عدالة شخص مقيّدة بيوم الجمعة، ثمّ شكّ في حدوثها، وتعلّق يقين عمرو على عدالته المطلقة يوم الجمعة وشكّ في بقائها، فلا شكّ انّ هنا فردين من اليقين فيعمّهما قوله«من كان على يقين» عمومَ القضايا الحقيقية لافرادها.

الثالث: ما ذكره شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ـ قدَّس سرَّه ـ و نقله المحقّق الخوئي عن أُستاذه النائيني ـ قدّس سرّهما ـ، ولعلّ العلمين تلقياه عن شيخهما السيد الفشاركي ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ وحاصله: انّ الزمان إمّا يلاحظ قيداً للمتيقّن، أو يلاحظ ظرفاً له، و إمّا أن يُهمل رأساً، فعلى الأوّل ينطبق على القاعدة، لأنّ الشكّ في الحدوث، والبقاء لا يكون ملحوظاً، وعلى الأخيرين ينطبق على الاستصحاب، لأنّ الزمان ملغى فيه وإلاّ لم يصدق النقض ولا اتحدت القضيتان.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على أمرين:

الأوّل: انّ اليقين بمعنى المتيقّن، فيدور كون الزمان قيداً أو ظرفاً ولا يمكن الجمع بينهما.

الثاني: انّ التفاوت بين القاعدة والاستصحاب بكون الزمان في الأُولى قيداً وفي الآخر ظرفاً أو مهملاً، وكلا الأمرين غير تامين.

أمّاالأوّل: فلأنّ اليقين بمعنى نفسه والنقض منسوب إليه وبذلك صحّحنا عموم الروايات للشك في المقتضي، وعند ذلك يصح الزمان ظرفاً مطلقاً، لعدم المعنى لكونه قيداً لليقين .


(277)

وأمّا الثاني: فهو مبني على كون الزمان قيداً في القاعدة، وظرفاً أو غير ملحوظ في الاستصحاب، لكنّه غير صحيح، لأنّ الفرق بينهما يرجع إلى تعلّق الشك في القاعدة بالحدوث ـ مع قطع النظر عن البقاءـ وفي الاستصحاب على البقاء، مع تسليم الحدوث، وتعلّقه بالحدوث ليس بمعنى تقيّده به، بل بمعنى كونه الملحوظ دون غيره، وعدم لحاظ الغير غير كون الملحوظ مقيّداً بعدم لحاظ الغير، فانّك إذا رأيت زيداً اليوم فقد رأيته اليوم لا أمس، لأنّ الرؤية مقيّدة بعدم الرؤية في الأمس.

وقد تسرّب كون الزمان قيداً في القاعدة من كلام الشيخ الأنصاري كما سبق.(1)

الرابع: ما ذكره المحقّق النائيني وهو انّ المتيقّن في مورد الاستصحاب مفروض الوجود وإنّما الشكّ في بقائه، وهذا بخلاف مورد القاعدة فانّ المتيقّن فيه ليس بمفروض الوجود، إذ المفروض انّ أصل حدوثه فيه مشكوك، وعليه فلا يمكن التعبد بالمتيقّن في مورد كلّ من الاستصحاب والقاعدة في دليل ضرورة عدم إمكان الجمع بين تصوّر الشيء مفروض الوجود، وتصوّره مشكوكاً فيه في لحاظ واحد لرجوعه إلى الجمع بين المتناقضين.(2)

يلاحظ عليه :انّه مبني على تفسير اليقين بمعنى المتيقّن فعند ذاك يأتي ما ذكره من عدم صحة تصوّر الشيء بصورتين متضادتين، وأمّا إذا كان اليقين بمعنى نفسه والنهي متوجهاً إلى نقضه، من دون نظر إلى المتيقّن، فلا مورد للإشكال، إذ ليس لليقين إلاّ صورة واحدة، وعند ذاك يشمل الحديث القاعدة و الاستصحاب


1. الفرائد: 405 .
2. مباني الاستنباط: 279 .


(278)

بملاك «من كان على يقين فشك» من دون نظر إلى انّ المتيقّن كان مفروض الوجود أو لا.

ثمّ إنّ المحقّق النائيني ذكر وجهاً آخر، لعدم إمكان الجمع بين القاعدتين، نقلناه في الدورة السابقة.(1)

والحقّ انّ هذه الوجوه، غير صالحة لإثبات امتناع الجمع بين القاعدة والاستصحاب في لحاظ واحد وانما المهم هو المقام الثاني.

المقام الثاني: في تحديد دلالة الرواية

قد عرفت إمكان الجمع بين الأمرين ثبوتاً إنّما الكلام في تحديد دلالة الروايات الواردة في المقام.

قد عرفت سابقاً انّ أكثر الروايات الواردة في المقام ظاهر في الاستصحاب لأجل أمرين:

1. كون المورد من مقولة الاستصحاب، كالوضوء وغيره.

2. ظهور الروايات في فعلية اليقين ووجوده، وهو كذلك في الاستصحاب دون القاعدة.

نعم يقع الكلام في حديث الخصال، أعني قوله:

«من كان على يقين فشكّ، فليمض على يقينه، فانّ الشكّ لا ينقض اليقين».

وفي رواية أُخرى: «من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه».


1. لاحظ المحصول: 4 / 232 .


(279)

وربما يتوهم ظهوره في القاعدة دون الاستصحاب، لأنّ تخلّل «الفاء» يعرب عن تأخر الشك عن اليقين، وهو كذلك في القاعدة دون الاستصحاب، إذ من الممكن أن يحصل اليقين والشك فيه معاً، بل يتقدم الشكّ على اليقين كما لا يخفى.

يلاحظ عليه: بأنّه لا شكّ في أنّ الغالب في الاستصحاب هو تأخر الشكّ عن اليقين، وانّ حصولهما معاً، أو تقدّم الشكّ على اليقين نادر جداً، وعلى ذلك فيُحمل القيد على الغالب، فيكون القيد غالبياً لا احترازياً، فتتحد الروايات مضموناً وغاية.

قد سبق انّ لجريان الاستصحاب شروطاً قدّمنا ذكر ثلاثة منها، وهي:

1. وحدة القضيتين.

2. وحدة متعلّق اليقين و الشكّ.

3. فعلية اليقين في ظرف الشك.

وبقي الرابع، وهذا هوالذي ندرسه.

الشرط الرابع: عدم أمارة في مورده

اتّفقت كلمة الأُصوليّين المتأخرين على تقدّم الأمارة على الاستصحاب ـ خلافاً للمتقدّمين منهم ـ من غير فرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية، ولكنّهم اختلفوا في وجه التقدّم، فهناك أقوال أو وجوه:

1. أن يكون تقدّمها عليه من باب الورود. وعليه المحقّق الخراساني ـ قدَّس سرَّه ـ، وهو المختار.


(280)

2. أن يكون تقدّمها عليه من باب الحكومة، وهو خيرة الشيخ الأنصاري والمحقّق الخوئي ـ قدَّس سرَّه ـ .

3. أن يكون من باب التخصيص، أي تخصيص دليل حجّية الاستصحاب بدليل حجّية الأمارة.

4. أن يكون من باب التوفيق العرفي.

وإليك دراسة الوجوه واحداً بعد الآخر:

1.دليل الأمارة وارد على دليل الاستصحاب

إنّ دليل حجّية الأمارة وارد على دليل حجّية الاستصحاب ويتضح ذلك بذكر أُمور:

أ: انّ النسبة بين دليلي حجّيتهما ـ مع قطع النظر عن كون أحدهما أظهر ـ هو العموم والخصوص من وجه، فما دلّ على حجّية الأمارة ظاهر في وجوب العمل بها، سواء أوافق مدلُولها مقتضى الاستصحاب أم خالفه، كما أنّ ما دلّ على حجّية الاستصحاب ظاهر في لزوم العمل على وفق الحالة السابقة، سواء أكانت موافقة لمفاد الأمارة أم لا، فلابدّ من العلاج بتقديم أحد الدليلين على الآخر.

ب: انّ نسبة كلّ من الأمارة والاستصحاب بالنسبة إلى المورد، متساوية ،فلو كانت المرأة غير ذات بعل وشكّ ثمّ قامت الأمارة على كونها ذات بعل، فلا يمكن استظهار تقدّم أحدهما على الآخر إلاّ عن طريق لحاظ دليل حجّيتهما وملاحظة لسانهما، وإلاّ فليس في مضمون الأمارة، ومفاد الاستصحاب ما يقتضي تقدّمَ أحدهما على الآخر إذا قلنا بحجّية الاستصحاب من باب الأخبار.


(281)

ج: انّ الورود والحكومة من المصطلحات الحديثة، وسيوافيك توضيحهما في مبحث التعادل والترجيح، وموجز القول فيهما هو: إنّ «الورود» عبارة عن كون أحد الدليلين ناظراً إلى عقد الوضع وكان رافعاً لموضوع الدليل الآخر حقيقة لكن بعناية الشرع، كما هو الحال إذا قيس دليلُ حجّية الأمارة إلى دليل الأُصول العقلية، فانّ موضوع دليل البراءة العقلية مثلاً هو عدم ورود البيان من الشرع، والأمارة التي هي حجّة شرعية رافع لموضوعها حقيقة لكونها بياناً من الشارع في موردها، فهي بيان بعناية الشرع، إذ لولا إضفاء الشارع الحجّيةَ عليها لما كان بياناً واقعاً، بل كان مظنون البيان.

إذا عرفت هذه الأُمور الثلاثة، فاعلم: أنّه ذهب المحقّق الخراساني إلى كون تقديم دليل الأمارة على دليل الاستصحاب من باب الورود، وأفاد في وجهه: انّ رفع اليد عن اليقين السابق بسبب أمارة معتبرة على خلافه، ليس من نقض اليقين بالشك بل باليقين.

توضيحه: انّ المأخوذ في دليل الاستصحاب ليس صرف الشكّ كما في سائر الأُصول، بل هو مع اليقين السابق، منضماً إلى كون رفع اليد عنه نقضاً لليقين بالشكّ، وإذا دلّ الدليل على حجّية الأمارة، فلا يكون رفع اليد عنه نقضاً له بالشكّ، بل نقضاً باليقين، حيث إنّ الأمارة حجّة يقيناً ـ و إن كان مفادها أمراً ظنيّاً ـ فيكون دليلها وارداً على دليله.

ولما كانت هنا مظنة سؤال، و هو انّ هذا البيان لا يتم فيما إذا اتحد مضمونه مع مضمون الأمارة، حيث يعمل على وفق الحالة السابقة.

فأجاب عنه: بأنّ العمل على وفق الحالة السابقة في هذا المورد ليس لأجل أن لا يلزم نقضه بالشك، بل من باب لزوم العمل باليقين الثاني.


(282)

ثمّ أورد على نفسه بأنّه لم لا يجوز العكس وتقديم دليل الاستصحاب على دليل حجّية الأمارة عن طريق التخصيص، بأن يكون دليل حجّية الاستصحاب مخصِّصاً لدليل حجّية الأمارة؟

وأجاب عنه: بأنّه لا يصحّ احتماله إلاّ بوجه دائر، فانّ كونه مخصِّصاً يتوقف على اعتباره معها، وكونه حجة في مقابل الأمارة، واعتباره في هذه الحالة، يتوقف على تخصيص دليل حجّية الأمارة، بدليل حجّية الاستصحاب، هذا هو الدور الصريح.

والحاصل: انّه إذا دار الأمر بين تقديم الأمارة على الاستصحاب من باب الورود، وتقديمه على الأمارة من باب التخصيص يلزم الدور، لكون حجّية الأمارة متوقفة على كونها واردة عليه والشرط حاصل، بخلاف حجّية الاستصحاب في مقابلها، فهي متوقفة على كونه مخصصاً، وهو يتوقّف على حجّيته في مقابلها فيدور.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أورد على مقالة صاحب الكفاية وقال:

1. إنّ الغاية عبارة عن نقض اليقين باليقين، لا بالشك، والأمارة غير مفيدة له، بل الشك موجود في مورد الأمارة، والقول بتعلّق اليقين بحجّية الأمارة دون مضمونها، لا يكفي في تحقّق الغاية، لأنّ الظاهر وحدة متعلّق اليقين ، كما إذا تعلّق اليقين السابق بطهارة الثوب والآخر بنجاسته، وأمّا المقام فأحدهما تعلّق بنجاسته والآخر بحجّية البينة، وهما مختلفان متعلّقاً.(1)

يلاحظ عليه : انّه إذا تعلّق اليقين بحجّية البيّنة، يتولّد منه يقين آخر، بكون


1. مباني الاستنباط: 288 ـ 289 .


(283)

الثوب نجساً شرعاً، فيكون المورد من باب نقض اليقين باليقين، ويكون متعلّقهما أمراً واحداً، إلاّ أنّهما يختلفان إيجاباً (الطهارة) وسلباً(النجاسة).

ويؤيد القول بالورود عمل العقلاء، حيث لا يعتدّون به مع الأمارة وإنّما يعملون به في مورد الحيرة، وعدم الحيلة بتحصيل الواقع، فإذا كان هناك طريق إليه، يكون الاستصحاب مرتفعاً بارتفاع موضوعه.

2. دليل الأمارة حاكم على دليل الاستصحاب

ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ تقدّم الأمارة على الاستصحاب من باب الحكومة، وفسّرها في المقام بالعبارة التالية:أن يحكم الشارع في ضمن دليل بوجوب رفع اليد عمّا يقتضيه الدليل الآخر لولا الدليل الحاكم، أو بوجوب العمل في مورد بحكم(المحكوم) لا يقتضيه دليله لولا الدليل الحاكم.

ثمّ إنّه جعل نسبة دليل حجية البيّنة إلى دليل حجّية الاستصحاب من قبيل القسم الأوّل، وقال: إذا قال الشارع: اعمل بالبيّنة في نجاسة ثوبك، والمفروض انّ الشكّ موجود مع البيّنة على نجاسة الثوب، فانّ الشارع حكم في دليل وجوب العمل بالبيّنة، برفع اليد عن آثار الاحتمال المخالف للبيّنة التي منها استصحاب الطهارة.

يلاحظ عليه: أنّ الحكومة عبارة عن تصرّف أحد الدليلين في موضوع الدليل الآخر بالتضييق أو التوسعة، ويتحقّق ذلك تارة بنفي الحكم بلسان نفي الموضوع كما في قوله: «لا ربا بين الولد والوالد» والغاية هي رفع الحرمة لكن بادّعاء عدم الموضوع.

وأُخرى بإثبات الموضوع على وجه لولا الحاكم لما يعمّه المحكوم، كما في


(284)

قوله:«الطواف على البيت صلاة»، فهو ناظر إلى سعة ما يدل على اشتراط الصلاة بالطهارة، للطواف، أعني قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْديَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) .(1)

هذا إذا كان الدليل الحاكم متصرفاً في جانب الموضوع، وربما يكون متصرفاً في عقد الحمل، وهو أيضاً على صورتين: التضييق، والتوسعة. والتفصيل سيوافيك في أوّل مباحث التعادل والترجيح.

وعلى جميع التقادير فحقيقة الحكومة قائمة بلسانه، وهو أن يكون ناظراً إلى دليل المحكوم على وجه لولا الدليل المحكوم لكان جعل الحاكم أمراً لغواً.

ومن المعلوم أنّ هذا الشرط غير موجود في دليل البيّنة بالنسبة إلى الاستصحاب، فلا دليل، حجّيتها ناظر إلى دليل حجّية الاستصحاب، ولا هو من قبيل نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وليس جعل الحجّية لها لغواً ، لولا دليل الاستصحاب.

فتبين أنّ تقدّم البيّنة على الاستصحاب من باب الورود.

ولكن الأولى تقرير الورود بشكل آخر، وهو: انّ المراد من اليقين هو الحجة الشرعية لا اليقين المنطقي، وقد عرفت أنّ الاستصحاب متقوّم بالشك أوّلاً، ووجود الحالة السابقة ثانياً، وتحديد نقض اليقين بيقين آخر، و من المعلوم أنّ رفع اليد عن الاستصحاب ليس من قبيل نقض اليقين بالشكّ، بل من قبيل نقض اليقين باليقين، أي نقض الحجّة بالحجّة، فالاستصحاب حجّة حيث لا حجة، فإذا ثبت حجّية الأمارة ، فقد حصلت الغاية، وبذلك ارتفع موضوعه، ولو كان المحقّق الخراساني سلك هذا الطريق لكان أحسن.


1. المائدة: 6 .


(285)

3. تقديم دليل الأمارة على الاستصحاب من باب التوفيق العرفي

ربما يحتمل أن يكون التقديم من باب التوفيق العرفي، فانّ العرف يوفِّق بينهما بتقديم دليل الأمارة على دليل الاستصحاب. وقد سلك هذا الطريق المحقّق الخراساني في تقديم «لا ضرر» على أدلّة الأحكام الأوّلية.

أقول: إنّ التوفيق العرفي فرع وجود ملاك لهذا الوفق، فإن كان الملاك وجود الاطمئنان في مورد البيّنة دون الاستصحاب، فهذا إنّما يتمُّ لو قلنا بحجّية الاستصحاب من باب الظن، فالظن الحاصل في الأمارة أقوى بكثير من الظن الحاصل بالاستصحاب، ولكنّا لا نقول به، لأنّ حجّيته عندنا من باب الاخبار.

وإن كان الملاك قائماً باللسان، فالملاك القائم باللسان إمّا التخصيص، أو الحكومة، أو الورود، أو الأظهرية، فكان عليه ـ قدَّس سرَّه ـ أن يصرّح بملاك التوفيق العرفي، وانّه أي واحد منها.

4. تقديم دليل الأمارة على دليل الاستصحاب من باب التخصيص

ربما يحتمل أن يكون تقديم الأمارة على دليل الاستصحاب من باب التخصيص، أي يكون دليلها مخصصاً لدليله، بأن يقال: لا تنقض اليقين بالشك إلاّ إذا قامت الأمارة فيجوز نقضه به، لكنّه غير صحيح لاستهجان التخصيص، لأنّ عدم نقض اليقين بالشك أمر فطري لا يقبل التخصيص، فدليل الاستصحاب آب عنه .

***


(286)

إلى هنا تم الكلام في الشرط الرابع لجريان الاستصحاب.

بقيت هناك بحوث استطرادية وهي أُمور أربعة:

1. ما هي نسبة الاستصحاب مع الأُصول العقلية؟

2. ماهي نسبة الاستصحاب مع الأُصول الشرعية؟

3. ما هو المرجع في تعارض الاستصحابين؟

4. ما هي النسبة بين الاستصحاب والقواعد الأربع؟

وقد اختصر المحقّق الخراساني مقالة في البحثَ الأخير، ولكن بسط الشيخ الكلام فيها. ومسلك الشيخ أفضل من مسلك المحقّق الخراساني، إذ الأُصول يجب أن يكون مزيجاً بالفقه حتى يُورث ملكة الاجتهاد في نفس الإنسان، وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر.

الأوّل: النسبة بين الاستصحاب والأصل العقلي

إنّ النسبة بين دليل الاستصحاب، ودليل الأُصول العقلية هي الورود، لأنّ موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان، وموضوع الاشتغال هو احتمال العقاب في ارتكاب أو ترك أحد الطرفين، وموضوع التخيير هو تساوي الطرفين من حيث الاحتمال. فالاستصحاب بما هو حجّة يكون بياناً للمورد، ومؤمِّناً من العقاب المحتمل، ومرجّحاً لأحد طرفي الاحتمال.

وليس المراد من البيان في قوله: «العقاب بلا بيان» هو البيان الواقعي حتى يقال: انّ مؤدّى الاستصحاب، ليس بياناً للحكم الواقعي، بل المراد الحجّة، والاستصحاب حجّة من جانب الشارع.


(287)

الثاني: النسبة بين الاستصحاب والأصل الشرعي

المراد من الأصل الشرعي، البراءة النقلية كحديث الرفع، وأصالة الطهارة مثل قوله: «كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» ، وأصالة الحليّة مثل قوله: «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» فهل الاستصحاب وارد عليها أو لا؟

تقدّمه عليها من باب الورود

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ النسبة هي الورود، وهو وإن لم يصرّح بذلك، لكن قال ما يستفاد منه ذلك، حيث قال: النسبة بينه و بينها هي بعينها النسبة بين الأمارة وبينه، فيقدّم عليها.

ثمّ قال: ولا مورد معه لها [وإلاّ] يلزم محذور التخصيص، إلاّ بوجه دائر في العكس، وعدم محذور فيه[أي تقدم الاستصحاب على الأُصول] أصلاً.

ثمّ إنّ كلامه في الفقرة الثانية واضح، وسيوافيك نقده عند البحث في الأصل السببي و المسببيّ، ولكنّه في الفقرة الأُولى غير واضح، إذ لم يعلم وجه ورود الاستصحاب على هذه الأُصول، لكنّه ـ قدَّس سرَّه ـ أشار إلى وجهه في تعليقته على الفرائد و قال: إنّ الموضوع في الأُصول الثلاثة هو المشكوك من جميع الجهات الأوّلية والثانوية، فالمشكوك من كلّ جهة، حكمه البراءة والطهارة والحلية، ومع جريان الاستصحاب يرتفع الموضوع حيث يكون معلوم الحكم من حيث العنوان الثاني، أعني: نقض اليقين بالشك، بخلاف الاستصحاب فانّ الموضوع فيه الشكّ من حيث العنوان الأوّلي، وهو باق بعد جريان الأُصول الثلاثة.(1)

يلاحظ عليه : أنّه لا دليل على أنّ الشكّ في دليل الاستصحاب هو الشكّ


1. درر الفوائد على الفرائد: 241، بتلخيص منّا .


(288)

بالعنوان الأوّلي الواقعي، وفي الأُصول هو الشكّ من جهة كلّ عنوان. كيف و ربما يحصل اليقين بالطهارة النفسانية من خلال الأُصول الشرعية، كجريان أصل الطهارة في الماء و اللباس، فيتوضأ بمثل هذا الماء ويحصل له اليقين بالطهارة الحدثية الظاهريّة، فكيف يمكن أن يقال: انّ الشكّ في موضوع الاستصحاب، الشكّ من جهة العنوان الواقعي، في الحالة اللاحقة مع تبيّنه في الحالة السابقة، مع أنّ الواقع لم يكن مبيّناً سابقاً حتى يُتطلب لاحقاً.

تقدّمه عليها من باب الحكومة

ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ تقدمه عليها من باب الحكومة، وأفاد في وجه ذلك ما هذا نصه:

إنّ دليل الاستصحاب بمنزلة معمِّم للنهي السابق بالنسبة إلى الزمان اللاحق[كما لو كان المانع خمراً وشكّ في بقائه] فقوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» يدل على أنّ النهي الوارد لابدّ من إبقائه وفرض عمومه للزمان اللاحق ـ إلى أن قال : ـ فمجموع الرواية المذكورة ودليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول: «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي، وكلّ نهي ورد في شيء فلابدّ من تعميمه لأزمنة احتماله» فيكون الرخصة في الشيء وإطلاقه مغَيّى بورود النهي المحكوم عليه بالدوام وعموم الأزمان، فكانَ مفادُ الاستصحاب نفيَ ما يقتضيه الأصل الآخر(البراءة) في مورد الشكّ لولا النهي[المسوق بالاستصحاب] وهذا معنى الحكومة.(1)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ الظاهر من قوله:«حتى يرد فيه نهي» بحكم رجوع الضمير إلى الشيء نفسه هو ورود النهي عليه بما هو هو، لا بما هو مشكوك الحلية


1. فرائد الأُصول: 423، بعد الفراغ عن بيان النسبة بينه وبين القرعة .


(289)

والحرمة فلا تشمل الغاية للنهي الوارد عليه بما هو مشكوك، المستفاد من إبقائه عند الشك.

وثانياً: لو صحّ ما ذكره، يكون الاستصحاب وارداً عليه، لارتفاع الغاية بجريانه وأين هو من حكومة أحد الدليلين على الآخر ونظارته له، برفع حكمه برفع موضوعه، أو بقاء حكمه، بتوسيع موضوعه.

والحقّ أن يقال: انّ كون الأمارة واردة على الأُصول لا يلازم ورود الاستصحاب على الأُصول الشرعية الثلاثة، بل لابدّ من تقديمه عليها من التمسّك بأظهرية دليله من أدلّتها، وذلك للتأكيد الوارد في دليل الاستصحاب، ففي الصحيحة الأُولى لزرارة: «لا حتى يستيقن انّه قد نام، حتى يجيء من ذلك من أمر بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ، وإنّما تنقضه بيقين آخر».(1)ولو قلنا بأنّ التقديم للتوفيق العرفي لكان أولى، وقد عرفت أنّ من ملاكات التوفيق العرفي هو الأظهرية كما مرّ. و أمّا ما ذكره من أنّ تقديم الأُصول على الاستصحاب من باب التخصيص يستلزم الدور، فسيوافيك نقده في البحث التالي.

الاستصحاب أمارة حيث لا أمارة

يظهر من المحقّق الخوئي انّ الاستصحاب أمارة، حيث لا أمارة، وقال: الوجه فيه انّه كاشف عن الواقع، ومثبت له في ظرف الشكّ وانّ المجعول فيه هو الطريقية وتتميم الكشف، لأنّ الظاهر من قوله ـ عليه السلام ـ : «ولا ينقض اليقين أبداً بالشك» و قوله ـ عليه السلام ـ : ولا يعتدّ بالشك في حال من الحالات، هو إلغاء احتمال


1. الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1 .


(290)

الخلاف وفرض المؤدّى ثابتاً واقعاً كما هو كذلك في الأمارات، وهذا بخلاف الأُصول، فانّها ليست كاشفة عن الواقع أصلاً، فانّ المجعول فيها إمّا تنزيل أحد طرفي الشك منزلة الواقع، والبناء والعمل على ثبوته كما في الأُصول المحرزة، وإمّا مجرّد تطبيق العمل على مؤدّى الأصل والجري على طبقه ظاهراً عند الشك.(1)

يلاحظ عليه: أنّ مؤدّى الأمارة ـ كما أفاده ـ هو إلغاء احتمال الخلاف وانّ المخاطب ليس بشاك تعبّداً وفرض المؤدّى ثابتاً، ولكن الظاهر من لسان دليل الاستصحاب، حفظ الشكّ وانّه شاكّ، لكنّه لا يعتدّ به، فكم فرق بين إلغاء الشكّ وفرض المؤدّى واقعاً وادّعاء انّك لست بشاك، وبين عدم الاعتداد بالشك مع حفظه، نظير الشكوك التي لا يعتد بها، كالشكّ بعد تجاوز المحلّ مع حفظ كونه شاكاً، وعلى ذلك فلسانه لسان الأصل لا الأمارة.

المقام الثالث:في تعارض الاستصحابين

الترتيب المنطقي أو حفظ المناسبة بين المسائل يقتضي تقديم البحث عن تعارض الاستصحابين على بيان نسبة الاستصحاب مع القواعد الأربع كما صنعه المحقّق الخراساني خلافاً للشيخ، حيث أخّر الأوّل و قدّم الثاني، وبما انّا نمشي على ضوء الكفاية قدّمنا هذا البحث، ثمّ نركز على القواعد الأربع، وبيان النسبة، بعد الفراغ من أحكام الأُصول العملية.

وقبل الخوض في المقصود نقدم أُموراً:

الأوّل: الفرق بين التعارض والتزاحم اللّذين يجمعهما عنوان التنافي، هو انّ التنافي تارة يكون راجعاً إلى مقام الجعل والإنشاء بحيث يلزم من صدق أحدهما


1. مباني الاستنباط: 293 .


(291)

كذب الآخر، ومن تعلّق الإرادة بأحدهما، عدم تعلّقها بالآخر، كما إذا قال: ثمن العذرة سحت، ثم قال: لا بأس بثمن العذرة، وهذا النوع من التعارض في الأمارات يبحث عنه في باب التعارض والترجيح، وأُخرى يكون راجعاً إلى مقام الامتثال من دون تناف في مقام الإنشاء، كإيجاب إنقاذ الغريقين مع أنّه لا يستطيع إلاّ إنقاذ أحدهما، فالتنافي هنا يرجع إلى مقام الامتثال من دون تكاذب في مقام الجعل، ولذلك لو ابتلى بهما في وقتين مختلفين لم يكن بينهما أيّ تناف.وهذا ما يبحث عنه في باب الترتّب .

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ موضوع البحث في المقام هو تنافي الاستصحابين في مقام الإنشاء والجعل، كما إذا علمنا بإصابة قطرة من الدم في أحد الإناءين ، فاستصحاب طهارة كلّ من الاناءين، يتنافى مع العلم الإجمالي بنجاسة واحد منهما، فيعلم بكذب أحد الجعلين: طهارة هذا الإناء، أو ذاك.

وأمّا إذا كان التنافي بين الأصلين راجعاً إلى مقام الامتثال دون الجعل و الإنشاء، كما إذا ابتلى بإنقاذ النبي والوصي، أو المسلم و الذمّي أو وجوب الصلاة وإزالة النجاسة من المسجد، ولم تسع قدرته أو وقته إلاّ لأمتثال أحد الأمرين فهو خارج عن محط البحث بعلاج استصحاب وجوبهما مع عدم سعة القدرة لهما، بتقديم ما هو الأهم على المهم.

الثاني: انّ الأصلين المتعارضين على قسمين: تارة يقع أحد الأصلين في طول الآخر، ويسمّى الأصلان الطوليان، فيكون الشك في بقاء أحدهما ناشئاً من الشكّ في بقاء الآخر.

وأُخرى يقع كلّ في عرض الآخر، ويسمّى الأصلان العرضيان، ويكون الشكّ في بقاء كلّ ناشئاً من أمر ثالث خارج عنهما.


(292)

أمّا الأوّل، كما إذا غُسل الثوب النجس، بماء مستصحب الطهارة، فكلّ من استصحاب طهارة الماء و نجاسة الثوب و إن كانا متناقضين، لكن الشكّ في نجاسة الثوب نابع من الشكّ في طهارة الماء بحيث لو علم شرعاً طهارة الماء، لزال الشكّ من ناحية الثوب.

والثاني، كما إذا علمنا بوقوع قطرة دم في الإناءين الطاهرين، فانّ الشك في طهارة كلّ منهما، نابع من أمر ثالث وهو العلم الإجمالي بوقوع قطرة دم فيهما ولولاه لم يكن هنا أي شك.

الثالث: انّ الميزان في الأصل السببي، هو ما ذكرنا وهو أن يكون الشكّ في أحدهما مسبّباً من الشكّ في الآخر، بحيث لو أُزيل الشك في ناحية السبب لزال الشكّ في ناحية المسبب شرعاً. ومقتضى ذلك أن يكون الترتب بينهما شرعياً، كما إذا رتّب الشارع إزالة الشك في ناحية الثوب، على طهارة الماء، و قال:«كلّ ثوب غُسل بماء طاهر فهو طاهر» فخرج ما إذا كان الترتب عقلياً، كاستصحاب الإنسان الكلّي، فهو يلازم وجود الفرد، لأنّ بقاء الكلّي في ضمن بقاء الفرد،لكنّ الترتّب عقلي لا شرعي حيث يحكم العقل بأنّ الكلّ لا يتحقق إلاّ في ضمن أفراد.

إذا عرفت ذلك فلنركِّز البحث على الأصلين الطوليين، فنقول: استدل الشيخ الأنصاري على تقديم الأصل السببي بوجوه أربعة، والمحقّق الخراساني بوجه واحد وهو:

تقدّم الأصل السببي على المسببي

إنّ الاستصحاب في طرف المسبب موجب لتخصيص الخطاب وجواز نقض اليقين بالشكّ في طرف السبب بعدم ترتيب أثره الشرعي، فانّ من آثار


(293)

طهارة الماء، طهارةُ الثوب المغسول به ورفع نجاسته، فاستصحاب نجاسة الثوب نقض لليقين بطهارته، بخلاف استصحاب طهارته، إذ لا يلزم منه نقض اليقين بنجاسة الثوب بالشك، بل باليقين بما هو رافع للنجاسة هو غسله بالماء المحكوم شرعاً بطهارته وبالجملة فكلّ من السبب والمسبب وإن كان مورداً للاستصحاب إلاّ أنّ الاستصحاب في الأوّل بلا محذور بخلافه في الثاني ففيه محذور التخصيص بلا وجه، إلاّ بنحو محال فلازمه الأخذ بالاستصحاب السببي.

نعم لو لم يجر هذا الاستصحاب بوجه، لكان الاستصحاب المسببي جارياً، فانّه لا محذور فيه مع وجود أركانه.

أقول: إنّ الدليل ينحلّ إلى دليلين أو تقريرين لدليل واحد:

1. انّ استصحاب نجاسة الثوب أي المسبّب، موجب لتخصيص الخطاب وجواز نقض اليقين بالشكّ في جانب السبب[ ويتحقّق ذلك النقض] بعدم ترتيب أثره الشرعي، أعني: طهارة الثوب، فانّها من آثار طهارة الماء بخلاف استصحاب طهارة الماء، فانّه لا يلزم منه نقض اليقين بنجاسة الثوب بالشكّ، بل باليقين بما هو رافعها وهو غسله بالماء المحكوم بطهارته.

2. انّ تقديم الأصل السببي بلا محذور، و أمّا تقديم الأصل المسببي ففيه التخصيص على وجه دائر، لأنّه يتوقف على اعتبار الأصل المسببي، وهو متوقف على اعتباره.

أقول: كلا التقريرين لا يخلو من إشكال.

أمّا الأوّل، فانّه مبني على أنّ الأصل السببي حجّة بلا كلام وإنّما الشكّ في حجّية الأصل المسببي في مقابل الآخر، فعندئذ يصحّ ما أفاد من استصحاب


(294)

نجاسة الثوب مستلزم لنقض آثاره طهارة الماء التي منها، طهارة الثوب المغسول به بالشكّ، بخلاف استصحاب طهارة الماء فانّه غير مستلزم لنقضه بالشكّ بل باليقين ولكن الكلام في المبنى فانّ الأصلين فردان للعام، لا وجه لتقديم أحدهما على الآخر، فنقض كلّ بالآخر، نقض الشكّ باليقين ولا يختصّ ذلك بالأصل السببيّ بل يعمّ المسبّبي، فانّ القول بطهارة الثوب نقض لليقين بالنجاسة بالشكّ حيث إنّ طهارة الماء مشكوكة.

فإن قلت: إذا كان الشكّ في أحدهما نابعاً عن الآخر يكون شمول العام له مانعاً عن شموله للفرد الآخر الذي دونه في الرتبة، لامتناع شمول حكم العام لفردين متضادين على وجه يكون كلّ مطارداً الآخر. وبذلك يصبح الأصل السببي حجّة بلا منازع في الرتبة المتقدمة ويكون تقديمه على المسببي نقضاً لليقين بالنجاسة باليقين بالطهارة، بخلاف العكس فانّه بعد لم تثبت فرديته وشمول العام له في رتبته.

قلت: هذا ما ذكره الشيخ الأعظم في الفرائد بتقريرين مختلفين نقلناهما في الدورة السابقة وأجبنا عنهما .وحاصل الجواب عن تقريره، و ما قررناه هنا هو انّ الرتب العقلية ليست موضوعاً للأحكام الشرعية، حتى يكون شمول العام للمتقدّم رتبة أقدم من شموله للآخر، بل المقياس تحقّقهما في زمان واحد والمفروض انّهما كذلك.

وأمّا الدليل الثاني للمحقّق الخراساني من حديث التخصيص بلا وجه، فقد اعتمد عليه هو في مقامات ثلاثة، في وجه تقديم الأمارة على الأُصول، وتقديم الاستصحاب على الأُصول الشرعية، وتقديم الأصل السببي على المسببي، ولكنّه صحيح في المورد الأوّل، فانّ تقدم الأمارة على الأُصول مسلم فتقديمها على


(295)

الأصل من باب الورود ، بخلاف العكس فانّه من باب التخصيص الدائر بخلاف الموردين الأخيرين، إذ لم يُثبت بعد، تقدم الاستصحاب على الأُصول النقلية، ولا الأصل السببي على المسببي، فالتخصيص في كلّ جانب مستلزم للدور.

ما هو وجه تقديم السببي على المسببي؟

إنّ تقديم الأصل السببي على المسببي ليس لأجل مزية في الأوّل على الثاني من حيث هوهو، بل لأجل انّ الأوّل ينقِّح موضوع الدليل الاجتهادي ويكون الحاكم هو عليه، لا الأصل السببي وقد أشار إليه الشيخ الأعظم في ثنايا كلماته، ولكنّه لم يأكد عليه حيث قال: «وثانياً انّ نقض يقين النجاسة، بالدليل الدال على انّ كلّ نجس غسل بماء طاهر فقد طهر، وفائدة استصحاب الطهارة إثبات كون الماء طاهراً به....(1)

توضيحه: انّه لا دور للاستصحاب إلاّ إحراز نفس المشكوك شرعاً، فلو كان المحرز حكماً شرعياً يستقل العقل بامتثاله وإطاعته مثل الأحكام المحرزة بالعلم، وإن كان موضوعاً فلابدّ أن يكون موضوعاً لحكم شرعي وإلاّ يكون التعبد به أمراً لغواً.

مثلاً انّ استصحاب الحياة، أصل موضوعي يصحّ التعبد بها إذا كان موضوعاً لحكم شرعي، حيث يترتب عليه بقاء زوجته في حبالته، وبقاء أمواله في ملكه، حيث إنّ التسريح لا يتحقّق إلاّ بأسباب كلّها قطعي الانتفاء إلاّ الموت والمفروض ورود التعبد بعدمه، كما أنّ الأموال لا تُقسَّم إلاّ إذا صدق له


1. الفرائد: 425، ضمن تقرير الدليل الثاني.


(296)

سبحانه (إِنْ تَرَكَ خَيراً) ولكنّه ورد التعبد على خلافه.

ومثله استصحاب العدالة، فانّه يقع موضوعاً لقوله: «صلّ خلف كلّ عادل، أو من تثق بدينه» (1)، أو لقوله تعالى في مورد الطلاق: (وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدل مِنْكُمْ)(2)وإذا ثبت ببركة الأصل والبينة انّها طلقت عند شهود عدل، تقع المرأة المطلقة عند شهود عدل موضوعاً لقوله سبحانه (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء) (3) وإذا تربصت ثلاثة قروء تقع المرأة المتربصة ثلاثة قروء موضوعاً لسائر الحجج الشرعية من جواز تزويجها بعد خروج عدتها، وهكذا فلا دور للاستصحاب الموضوعي إلاّ أنّه ينقح موضوع الكبريات الشرعية.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ تقدّم الأصل السببي على المسببي إنّما هو لأجل انّه يُنقِّح موضوعاً لكبرى شرعية وهي الحاكمة على الأصل المسببي، فاستصحاب طهارة الماء أو الحياة والعدالة كلّها من هذا القبيل، فالأوّل يُنقِّح موضوعاً لمثل قوله «كلّ نجس غسل بماء طاهر فهو طاهر» وأمّا استصحاب نجاسة الثوب فلا يترتب عليه أثر سوى نجاسة الملاقي للدليل الاجتهادي ان ملاقي النجس الرطب، نجس، وأمّا نجاسة الماء الذي غُسل به فليس هناك دليل اجتهادي على نجاسته إلاّ انّه غسالة النجس، فهو يطهِّر و إن كان يصير غسالة له.

المقام الثاني: إذا كان الشكّ مسبباً من أمر ثالث

إذا كان الشكّ في كلّ من الموضوعين ناشئاً من أمر ثالث كما هو الحال في


1. الوسائل: الجزء 5، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 .
2. الطلاق: 2 .
3. البقرة: 228 .


(297)

الإناءين المشتبهين فانّ الشكّ في طهارة كلّ، مسبب عن العلم الإجمالي بورود النجاسة على واحد منهما، فهناك آراء مختلفة:

1. عدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي مطلقاً. و هو خيرة الشيخ الأنصاري.

2. التفصيل بين استلزامه المخالفة العملية القطعية أو الاحتمالية فلا يجري، دونما إذا استلزم مخالفة التزاميّة فيجري. وهو خيرة المحقّق الخراساني.

3. التفصيل بين الأصل المحرز وغيره، فلا يجري الأوّل بخلاف الثاني. وهو مختار المحقّق النائيني.

4. التفصيل بين العلم الوجداني، والعلم المولَّد من إطلاق الدليل. وهذا هو المختار.

وإليك دراسة الأقوال واحداً بعد الآخر.

أمّا التفصيل الأوّل فقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى عدم جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي قائلاً بأنّه يستلزم تعارض الصدر مع الذيل، لأنّ قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ ولكن تنقضه بيقين آخر» يدل على حكمين:

1. حرمة نقض اليقين بالشكّ.

2. وجوب نقض اليقين بيقين مثله.

فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلا يجوز ابقاء كلّ منهما تحت عموم حرمة النقض بالشك، لأنّه مستلزم لطرح ذيل الحديث، و هو الحكم بنقض اليقين بمثله.(1)


1. الفرائد: 429 .


(298)

وقد أورد على استدلال الشيخ بوجهين:

الأوّل: انّ الذيل ورد في الصحيحة الأُولى لزرارة دون الثانية والثالثة، و المحذور إنّما هو في الأُولى دون الأخيرتين.

يلاحظ عليه: أنّ المطلق يُقيّد، و المجموع كسبيكة واحدة، تشير إلى مفهوم واحد.وهو القضيتان المذكورتان.

الثاني : انّ ظاهر قوله: «بيقين آخر» هو وحدة متعلّقها، حتى يكون اليقين الآخر مثل اليقين الأول، فاليقين الأوّل تعلّق بواحد معين دون الثاني حيث تعلّق بأحدهما فلا يكونان مماثلين من جميع الجهات.

يلاحظ عليه: بأنّه ليس في الصحيحة أثر من لفظ «المثل» وإنّما الوارد «بيقين آخر» ويكفي في صدقه اشتراكُهما في الإذعان والجزم وان تعلّق أحدهما بمعين والآخر بأحدهما لا بعينه، فكلام الشيخ لا يخلو من جودة وإتقان.

أمّا التفصيل الثاني فهو للمحقّق الخراساني قائلاً بعدم جريانه فيما إذا استلزم المخالفة القطعية، كما إذا كان الاناءان محكومين بالطهارة فعلم بنجاسة أحدهما، فلا يجري فيه لمحذور المخالفة القطعية كما في ارتكاب كلا الطرفين، أو الاحتمالية كما في ارتكاب واحد منها.

وأمّا إذا لم يستلزم، كما إذا كان الاناءان نجسين وعلم بوقوع نجاسة في واحد منهما، فالمقتضي موجود، و هو إطلاق الخطاب وشموله لأطراف المعلوم بالإجمال; والمانع مفقود، لأجل انّ جريان الاستصحاب في الأطراف لا يوجب إلاّ المخالفة الالتزامية، وهو ليس بمحذور لا شرعاً ولا عقلاً.(1)


1. كفاية الأُصول: 2 / 357 ـ 358 .


(299)

وبذلك ظهر روح الفرق بين الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني فقد اختار الأوّل عدم جريان الأُصول بتاتاً، وانّ العام لا يشمل المتعارضين، ولكن الثاني قال بالشمول ودخولهما تحت العموم، لكنّهما يتساقطان ـ عند استلزام المخالفة العملية ـ بالتعارض.

يلاحظ عليه: أنّ العلم بالتكليف على قسمين تارة يكون في المورد علم وجداني، ومن المعلوم انّ مثل هذا العلم لا يقبل الترخيص في طرف واحد فضلاً عن الطرفين، كما إذا علم بإسلام أحد الأخوين الكافرين، فقد علم عندئذ بوجوب صيانة دم المسلم منهما، على نحو لا يقبل النقاش ومعه لا يجوز استصحاب جواز قتلهما، وأُخرى يكون في المورد إطلاق الدليل يعم المعلوم تفصيلاً وإجمالاً، كإطلاق «اجتنب عن الخمر» الشامل للخمر المعلوم تفصيلاً وإجمالاً، فمثل هذا التكليف المستفاد من الإطلاق قابل للتقييد بأن يخص الدليل بالخمر المعلوم تفصيلاً دون المعلوم إجمالاً ولا يعد مثل ذلك ترخيصاً في المعصية بل تقييداً للموضوع.

وأمّا التفصيل الثالث، أعني: التفصيل بين الأصل المحرز، فلا يجري في أطراف العلم دون سائر الأُصول والمراد من الأصل، المحرز هو ما يكون المجعول فيها هو البناء العملي على ثبوت الواقع في أحد طرفي الشك كالاستصحاب، وقاعدة الفراغ والتجاوز وأصالة الصحة، والمراد من غيرها ما يكون المجعول فيها هو مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ من دون أن يكون البناء متكفّلاً لثبوت الواقع في أحد الطرفين كالبراءة والاحتياط وأصالة الحل والطهارة.

وجه التفصيل انّ التعبد ببقاء الواقع في كلّ واحد من أطراف العلم ينافي العلم الوجداني بعدم بقاء الواقع في أحدهما، وهذا بخلاف الآخر، فانّ المجعول


(300)

هو مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ بلا مانع من التعبد بها في أطراف العلم الإجمالي إذا لم تلزم مخالفة عملية.

يلاحظ عليه: أنّه لم يثبت عندنا كون الأصل محرزاً أو غير محرز، وليس في أدلّة الاستصحاب ما يشير إلى أنّ العمل من باب البناء العملي على أنّه الواقع، بل الثابت والمفهوم من دليل الاستصحاب عدم جواز نقض اليقين بالشك، وتقدّم الاستصحاب على سائر الأُصول ليس دليلاً على أنّه أصل محرز، بل ملاك التقدّم هو الذي عرفت من قوّة الدلالة في ناحية الاستصحاب دون سائر الأُصول.

وبعبارة أُخرى: إذا كان مفاد الدليل تنزيل المشكوك منزلة الواقع فيكون أمارة، لا أصلاً، والحال انّه يعامل مع الاستصحاب معاملة الأصل، وإلاّ فلا وجه لتسميته أصلاً محرزاً.

ثمّ كيف يصحّ لنا إجراء الأصل غير المحرز في أطراف العلم الإجمالي إذا لم تلزم مخالفة عملية مع حصول الغاية في قوله: «كلّ شيء طاهر حتى تعلم انّه قذر» أو قوله : «كلّ شيء حلال حتى تعلم انّه حرام» اللّهمّ إلاّ أن يقال انّ الغاية هو العلم بنجاسته وحرمته بعينه بقرينة ضمير «انّه » في كليهما الظاهر في التعيين.

وأمّا التفصيل الرابع، وهو الذي اختاره سيّدنا الأُستاذ ـ قدس سره ـ في المقام وفي مبحث القطع والاشتغال، وحاصله: انّ العلم الإجمالي بالتكليف على قسمين:

1. ما يكون العلم بالتكليف محصول العلم الوجداني على وجه لا يرضى المولى بتركه على فرض وجوده بدئياً، كما هو الحال في مورد الدماء والأعراض والأموال، أو مقروناً بالعلم الإجمالي، كما إذا اشتبه المسلم بالكافر الحربي ففي


(301)

مثله، لا يجري الأصل للتنافي بين طلب الشيء مطلقاً والترخيص في تركه في بعض الأحايين.

2. ما يكون العلم بالتكليف حصيلة إطلاق الدليل، مثل قوله: «اجتنب عن النجس» ، حيث إنّه يشمل المعلوم بالتفصيل والمعلوم بالإجمال، ففيه يقع الكلام في إمكان الترخيص في مقامين ثبوتاً وإثباتاً.

أمّا الثبوت فهل يمكن تقييد الدليل الاجتهادي، بدليل اجتهادي مثله، وتخصيصه بصورة تعلّق العلم التفصيلي بالمكلّف به أو لا؟ والظاهر هو الإمكان بل الوقوع، وورد في غير واحد من أبواب دوران الحكم الشرعي على وجود العلم التفصيلي، وقد قدّمنا بيانها عند البحث عن أدلة البراءة كما هو الحال في الربا والمظالم حيث إنّ المنجز هو العلم التفصيلي لا الإجمالي.

وأمّاالإثبات، فهل هناك دليل على ذلك التقييد، أو لا؟ الظاهر لا، بل الدليل على خلافه، لما ورد في الإناءين المشتبهين من أنّه «يهريقهما ويتيمّم».(1) وما ورد في الصحيحة الثانية لزرارة انّي قد علمت انّه قد أصابه الدم و لم أدر أين هو فاغسله؟ قال:« تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك».(2)

وما ورد في الثوبين المشتبهين من تكرار الصلاة في كلّ منهما على الانفراد.(3)

وهذا ونظائره يدل على عدم ورود الترخيص في أطراف العلم الإجمالي إلاّ


1. الوسائل: الجزء 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 82 .
2. التهذيب: 1 / 421، الحديث 135 .
3. الوسائل: الجزء 2، الباب 64 من أبواب النجاسات، الحديث 1 .


(302)

القليل النادر. وبذلك يمكن أن يقال بعدم جريان الأُصول أيضاً في أطراف العلم الإجمالي لوجهين:

1. انصرافه عن أطراف العلم الإجمالي.

2. وعلى فرض عدم انصرافه حصول الغايات المحددة وتخصيص الغاية بالعلم التفصيلي خلاف إطلاق الدليل، وقد عرفت عدم تمامية ما يستظهر من لزوم وحدة متعلّقها التي لا تتحقّق إلاّ بالعلم التفصيلي.


(303)

المقصد الثامن

في تعارض الأدلة الشرعيّة

وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: تعارض الأدلّة من المسائل الأُصولية

إنّ البحث عن تعارض الأدلّة وكيفية علاجها عند التعارض، من المسائل الأُصولية المهمَّة، أمّا كونها من المسائل الأُصولية فلما عرفت في مبحث حجية خبر الواحد أنّ روح البحث في أبواب الحجج، يرجع إلى البحث عن تعيين ما هو الحجّة في الفقه بعد تسليم أصل وجود الحجّة.

توضيح ذلك: انّ الفقيه يعلم أنّ بينه و بين ربّه حججاً قطعية في الأحكام الشرعية، تُنجّز الواقع وتَقطع العذر، ولكن لا يعرف خصوصيّاتها وتعيّناتها فيقع البحث في علم الأُصول عن خصوصياتها وتعيّناتها.

وعلى ضوء ذلك، فوجود الموضوع أي الحجّة بين العبد و المولى أمر محقّق معلوم لدى الفقيه، ولذلك لا يعود البحث في أبواب الحجية إلى البحث عن وجود الموضوع لما عرفت من أنّ وجود الحجّة أمر قطعي، وإنّما يرجع إلى البحث عن عوارض تلك الحجّة، أعني: تعيُّنها بالخبر الواحد أو الشهرة الفتوائية أو غيرهما، فالبحث عن تعيّن الحجة وخصوصياتها بحث عن عوارض الموضوع.


(304)

ومن هذا الباب مسألة تعارض الأدلّة حيث يبحث فيها عن ما هو الحجّة عند تعارض الأدلّة، فهل الحجّة هو التخيير بين الدليلين مطلقاً؟ أو التخيير لدى التعادل، والترجيح لدى المزيّة؟ أو شيء غير التخيير والترجيح؟ فالبحث على كلّ تقدير بحث عن عوارض الحجّة في الفقه، المسلَّم وجودها.

إلى هنا تبيّن انّ مسألة التعارض وكيفية العلاج من المسائل الأُصولية، وأمّا كونها مهمَّة فلأجل أنّه قلّما يتفق باب لا توجد فيه أخبار متعارضة، ولذلك قام الشيخ الطوسي بتأليف كتاب أسماه «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار» لعلاج تلك الطائفة الكبيرة من الروايات، فما قام به المحقّق الخراساني من جعله ثامن المقاصد أولى ممّا قام به الشيخ الأعظم حيث جعل باب التعارض خاتمة الكتاب مشعراً بكونه ليس من العلم كمقدمة الكتاب، اللّهمّ إلاّ أن يريد منها، خاتمة المسائل، لا خاتمة الكتاب.

ثمّ إنّ عنوان المسألة وإن كان يعمّ تعارض كلّ الأدلّة الشرعية كتعارض قول اللغويِّين أو مدعيي الإجماع، لكن البحث مُخصَّص بتعارض الخبرين فقط مقتصراً في غيرهما بما ذكروه في المقامات المختصّة للغير.

الثاني: التعارض لغة واصطلاحاً

التعارض لغةً من العرض و هو الإراءة، يقال: «عرضت الناقة على الحوض» وهو من الأمثلة المعروفة لوجود القلب في الكلام، والأصل هو: عرضت الحوض على الناقة وقال سبحانه: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماء كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلى المَلائِكَة)(1). وقال تعالى: (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَومَ تَقُومُ السّاعَةُ


1. البقرة:31.


(305)

أَدخِلُوا آل فِرْعَونَ أَشدَّ العَذاب). (1)

فما في المقاييس لابن فارس من أنّ أصل العرض هو ضدّ الطول، فكأنّه في غير محلّه، فانّ استعمال العرض في مقابل الطول وإن كان رائجاً، لكنّه ليس أصل المعنى وإنّما اشتق هذا المعنى من الإراءة، لمناسبة من المناسبات، فانّ العرض في مقابل الطول معنى طارئ على المعنى الأصلي.

وأمّا تفسير العرض بالمبارزة والمعارضة فهو أيضاً تفسير في غير محلّه، وهو أيضاً من المعاني الطارئة على العرض، لأنّ كلّ مبارز يُري شجاعتَه لخصمه.

وأمّا اصطلاحاً: فقد عرّفه القوم: بتنافي مدلولي الدليلين على وجه التناقض والتضاد. وهو خيرة الشيخ في الفرائد.(2) وعلى هذا فالمراد من التنافي هو التنافي في المدلول مع قطع النظر عن مقام الإثبات والدلالة، وهذا بظاهره غير تام، إذ ربّما يكون بين الدليلين تناف في المدلول ولا يكون بينهما تناف في الدلالة والإثبات، كما في العام والخاص، والحاكم والمحكوم، والوارد والمورود، والعناوين الثانوية والعناوين الأوّلية، فانّ التنافي بين مدلولي الدليلين فيها أمر واضح لا مرية فيه ولكنّه لا يُعدّ من التعارض في شيء، لعدم التنافي في مقام الدلالة حيث يقدّم الخاص على العام، والحاكم على المحكوم،والوارد على المورود، والعنوان الثانوي على العنوان الأوّلي على وجه لا يتردّد العرف الدقيق في رفع التعارض بعد الإمعان، ولا يعدّ مثل هذه من مسائل هذا المقصد إلاّ استطراداً.

ولذلك عدل المحقّق الخراساني إلى تعريفه بنحو آخر بحيث تخرج عن تعريفه هذه الموارد التي قد عرفت إمكان الجمع فيها من دون أن تصل النوبة إلى


1. غافر:46.
2. الفرائد:431.


(306)

التعارض، وقال:

هو تنافي الدليلين أو الأدلّة حسب الدلالة ومقام الإثبات على وجه التناقض أو التضاد.

وخروج هذه الموارد عن تعريفه واضح.

ثمّ إنّ المراد من تنافي الدليلين على نحو التناقض، كون أحد الحكمين وجودياً والآخر عدمياً، كما إذا ورد في أحد الخبرين انّه يحرم الشيء الفلاني و في الآخر لا يحرم، كما أنّ المراد من تنافيهما بنحو التضاد هو كون الحكمين وجوديين، كما إذا ورد في أحد الخبرين «يجب» وفي الآخر «يحرم» فيكون التنافي بالتضاد، و مع ذلك يمكن إرجاع التنافي بنحو التضاد إلى التنافي بنحو التناقض، فإنّ قوله «يحرم» وإن كان بالنسبة إلى قوله «يجب» متضادين ولكن لازم قوله: «يحرم» هو عدم الوجوب و من الواضح بمكان انّ نسبته إلى قوله «يجب» نسبة المتناقضين.

ثمّ إنّ التنافي بين الدليلين تارة يكون بالذات كما إذا قال: «ثمن العذرة سحت» و ورد في رواية أُخرى: «لا بأس بثمن العذرة». وأُخرى بالعرض كما إذا ورد «صلّ صلاة الجمعة في يومها» و ورد «صلّ صلاة الظهر في الجمعة» ولا تنافي بين إيجاب صلاتين في يوم واحد بالذات، إذ لا مانع من أن تجب صلاتان في يوم واحد، لكن لمّا قام الإجماع على عدم وجوب أزيد من صلاة واحدة في ظهر يوم الجمعة وجد التعارض بين الحكمين.

الأمر الثالث: الفرق بين التعارض والتزاحم

الفرق بين التعارض والتزاحم بعد كون التنافي قدراً مشتركاً بينهما هو انّ مصبَّه في التعارض يختلف مع مصبِّه في التزاحم، فلو كان التنافي في مقام


(307)

الجعل والإنشاء على وجه لا يمكن للحكيم إنشاء حكمين عن جدّ لمتعلّق واحد، ويمتنع أن تتعلّق إرادته الجديّة بجعل حكم لمتعلّق وفي الوقت نفسه بجعل حكم آخر لنفس ذلك المتعلّق كما إذا أنشأ ثمن العذرة سحت، ولا بأس ببيع العذرة، فهذا هو التعارض المصطلح في باب التعادل والترجيح .

وإن شئت قلت: التعارض عبارة عن تكاذب الدليلين في مقام الإنشاء بحيث يُكذِّب، ويطارد كلّ الآخرَ في ذلك المقام من دون أن تصل النوبة إلى مقام الدلالة والفعلية والتنجّز، سواء امتنع الامتثال بهما كما في المثال المتقدّم أو أمكن، مثل ما إذا قال: الدعاء عند رؤية الهلال واجب، و قال أيضاً: الدعاء عند رؤيته مستحب، فانّ الامتثال لكلا الدليلين أمر ممكن، بالدعاء عند رؤيته، فانّه امتثال للوجوب والندب معاً، لكن التكاذب موجود في مقام الإنشاء ولا يصحّ لحكيم أن يُنشئ ذينك الحكمين، ولا تتعلّق إرادته الجدية بإنشاء كلّ منهما، لأنّ لازم أحد الحكمين جواز الترك دون الحكم الآخر.

وأمّا لو كان التنافي في مقام الامتثال مع كمال الملائمة في مقام الجعل والدلالة والمدلول فهذا هو التزاحم، مثلاً إذا قال المولى: أنقذ الأب، وأنقذ العم، ففوجئ بغرق كليهما ولم تكن له قدرة إلاّ على إنقاذ أحدهما، فالدليلان متلائمان في مقام الجعل، إذ لا مانع من أن يكون إنقاذ كلّ بل وغيرهما واجباً، وإنّما جاء التنافي عن طريق المصادفة حيث فوجئ بغرق كليهما معاً، فلم يجد بدّاً من إنقاذ واحد وترك الآخر.فالتنافي ليس في مقام الجعل ولا في مقام المدلول ولا الدلالة وإنّما هو في رتبة رابعة وهي مقام الامتثال.

وعلى هذا فعلاج المتزاحمين بالتصرّف في موضوع الحكم الفعلي بتعلّقه بالأهم دون المهمّ من دون تصرّف في مقام الجعل والمدلول والدلالة، ولذلك لو


(308)

استطاع انقاذ كليهما بقدرة غيبيّة لوجب عليه ذلك، وهذا بخلاف العلاج في التعارض فلو أخذ بأحد الدليلين تخييراً أو ترجيحاً فإنّما يُتصرّف في مقام الجعل ويقال هذا هو الحكم الشرعيّ دون الآخر .

إلى هنا تبيّن الفرق بين التعارض والتزاحم.

بقي هنا نكتة وهي انّ للتزاحم مصطلحين، فتارة يراد منه التزاحم المصطلح في باب الترتب وباب التعادل والترجيح، وقد علمت مفاده والفرق بينه و بين التعارض.

وأُخرى يراد منه ما هو المصطلح في باب اجتماع الأمر والنهي، أي ما يكون التزاحم بين الملاكين بحيث لا يمكن حيازة ملاك أحد الحكمين في ظرف ملاك الحكم الآخر، فالملاك الموجود في الصلاة لا يمكن نيله مع المفسدة الموجودة في الغصب، فلو صلّى في الدار المغصوبة، فأحد الملاكين مغلوب للملاك الآخر، ولذلك يكون المجمع على القول بالامتناع من باب التزاحم فلا بدّ من تقديم أحد الملاكين المصلحة أو المفسدة على الأُخرى.

نعم على القول بالاجتماع لا تزاحم بين الملاكين كما لا تزاحم في مقام الدلالة والامتثال والتفصيل في محله، وليكن هذا على ذكر منك، لأنّ كثيراً ما يشتبه التزاحم في هذا الباب مع التزاحم في ذلك المقام. نعم حاول المحقّق النراقي أن يثبت وحدة الاصطلاحين.(1)

الأمر الرابع: أقسام التزاحم

إذا كان مرجع التزاحم إلى تنافي كلّ منهما مع الآخر في مقام الامتثال بلا


1. فوائد الأُصول:4/750، قسم التعليقة.


(309)

تكاذب وتدافع في مقام التشريع فربما يكون امتثال أحدهما سبباً لترك الآخر بتاتاً، كمسألة إنقاذ الغريقين، وربما يكون سبباً لتأخير امتثال أحد الحكمين عن وقت الفضيلة إلى غيره كما هو الحال في الأمر بالإزالة والصلاة أوّل الوقت، فوجوب الإزالة يزاحم وجوب الصلاة في وقت الفضيلة، ولا يزاحمه في سائر الأوقات فعليه الإزالة وتأخير الصلاة إلى الوقت الثاني.

بل ربّما يكون التزاحم بين الواجب التعييني وأحد الأعدال من الواجب التخييري كما إذا كان عليه دين معجّل وفي الوقت نفسه كفارة رمضان، فلو أدّى دينه المطالَب لا يتمكن من إطعام ستين مسكيناً، بل يجب عليه العدول إلى فرد آخر و هو صوم ستين يوماً، كلّ ذلك من أقسام التزاحم.

وربّما يظهر من المحقّق الخوئي انحصار التزاحم في الأوّل حيث قال: إنّ ملاك التزاحم أن لا يكون المكلّف متمكّناً من امتثال الحكمين معاً بحيث يكون امتثال أحدهما متوقفاً على مخالفة الآخر، كمسألة إنقاذ الغريقين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ التزاحم في القسم الأوّل بين الحكمين، وفي الثاني بين واجب ومصداق من الواجب الموسّع، أو عِدْل من الواجب المخيّر، و ليس التزاحم اصطلاحاً شرعياً حتى نتبع تفسيره، بل الجامع عدم إمكان امتثال الأمرين إمّا مطلقاً أو في وقت خاص فيدخل الجميع تحت التزاحم.

الخامس: أسباب التزاحم

إنّ للتزاحم في مقام الامتثال أقساماً نشير إليها:

1. أن يكون التزاحم لأجل كون مخالفة أحد الحكمين مقدّمة لامتثال الآخر،


1. مصباح الأُصول: 3/357.


(310)

كما إذا توقّف إنقاذ الغريق على التصرّف في أرض الغير.

2. أن يكون منشأ التزاحم وقوع التضاد بين المتعلّقين من باب المصادفة لا دائماً وإلاّ لانتهى إلى التعارض، كمزاحمة إزالة النجاسة عن المسجد، ودخول الوقت.

3. ما يكون أحد المتعلّقين مترتباً في الوجوب على الآخر كالقيام في الركعة الأُولى والثانية، مع عدم قدرته إلاّ عليه في ركعة واحدة، أو كالقيام في الصلاتين، الظهر والعصر مع عدم استطاعته إلاّ على القيام في واحد منهما.

ومثله إذا دار أمره بين الصلاة قائماً في مخبأ بلا ركوع وسجود أو الصلاة معهما من دون قيام في مخبأ آخر إلى غير ذلك من الموارد.

السادس: في مرجّحات التزاحم

قد عرفت الفرق بين التعارض والتزاحم ، وأنّ الأوّل عبارة عن تطارد الدليلين في مقام الجعل والإنشاء من دون أن تصل النوبة إلى المراتب الأُخرى. والثاني عبارة عن تطاردهما في مقام الامتثال حيث إنّ كلّ دليل يدعو إلى امتثال متعلّقه مع قصور القدرة، من دون تطارد في مقام الجعل والإنشاء، بل هناك كمال الملائمة.

وعلى ضوء ذلك تختلف الغاية من إعمال المرجِّحات في كلّ واحد منهما، فالمطلوب من إعمالها في المتعارضين هو تمييز الحجّة عن اللا حجّة، والحقيقة عن المجاز، والصادق عن الكاذب، والوارد عن جدّ عن الوارد عن تقيّة.

وأمّا المطلوب من إعمالها في المتزاحمين هو تمييز الحجّة الفعلية عن الحجّة الشأنية وما هو الواجب فعلاً عن الواجب شأناً، مع كون الدليلين حجتين شرعيتين صادقتين واردتين لبيان الحكم الشرعي عن جدّ بلا تقيّة في واحد منهما.


(311)

وبذلك يعلم انّ المرجح في التعارض يجب أن يكون شيئاً يؤمِّن تلك الغاية أي تمييز الحجّة عن اللاحجة، وهو عبارة عن موافقة الكتاب و مخالفته، ومخالفة العامّة وموافقتها، فمخالف الكتاب وموافق العامة ليس بحجّة، كما أنّ المرجِّحات في باب التزاحم يجب أن تكون على وضع تُميّز بها الحجّة الفعلية عن الحجّة الشأنية من دون أن يكذّب أحد الدليلين الآخر، وإليك بيان تلك المرجّحات وهي خمسة، وروح الجميع واحد وهو تقديم الأهم المطلق أو النسبيّ على المهمّ.

1. تقديم مالا بدل له على ما له بدل

إذا كان واجبان لأحدهما بدل شرعاً دون الآخر، كالصلاة عند ضيق الوقت وهو جنب، والصلاة مع الطهارة المائية، فلو صلّى مع الطهارة المائية لخرج الوقت بخلاف ما إذا صلّى بالطهارة الترابية، فتُقدم الصلاة بالطهارة الترابية على الصلاة بالطهارة المائية، وذلك لأنّ الصلاة بالطهارة المائية تستلزم خروج الوقت وليس للوقت بدل، بخلاف الصلاة بالطهارة المائية فلو تركها فانّ له بدلاً وهو التيمّم على الصعيد.

مثال آخر: لو كان عليه دين معجّل مطلوب وكفّارة رمضان، فلو صرف ما حصّله من الثمن في أداء الدين لا يتمكن من إطعام ستين مسكيناً وهكذا العكس، ولكن يُقدَّم الأوّل لأنّ أداء الدين ليس له بدل، فلو تركه فيُترك بتاتاً، بخلاف إطعام ستين مسكيناً فلو تركه ينتقل إلى بدله وهو الصوم ستين يوماً.

2. تقديم المضيّق على الموسع

إذا كان هناك تزاحم بين المضيّق الذي لا يرضى المولى بتأخيره كإزالة


(312)

النجاسة عن المسجد، والموسَّع الذي لا يفوت بالاشتغال بالمضيّق إلاّ فضيلة الوقت، يحكم العقل بتقديم الأوّل ـ أي إزالة النجاسة ـ على الثاني و هو الصلاة . وربما يقال بخروج المورد عن التزاحم، لأنّه عبارة عمّا لا يمكن الجمع بينهما، ولا إشكال في إمكان الجمع بين الموسّع والمضيّق.

يلاحظ عليه: أنّ المراد هو عدم التمكّن إمّا مطلقاً، أو نسبيّاً كما في المقام حيث لا يتمكن من درك فضيلة الوقت الأوّل مع الابتلاء بإزالة النجاسة.

نعم يمكن إرجاع هذا المرجِّح إلى المرجِّح السابق بالقول بأنّ المضيّق ليس له بدل اختياري ولكن الصلاة في الوقت الأوّل له بدل اختياري.

3. تقديم الأهم من المتزاحمين على المهم

إذا كان هناك واجبان أحدهما أهم من الآخر، كما إذا دار الأمر بين نجاة المسلم والكافر الذميّ، أو المسلم والمؤمن فالعقل يحكم بتقديم الأهم.

4. سبق امتثال أحد الحكمين زماناً

إذا كان امتثال أحد الواجبين سابقاً على الآخر زماناً كما إذا وجب عليه صوم الخميس والجمعة، ولم يتمكن إلاّ من صوم يوم واحد فعليه أن يقدِّم صوم الخميس على صوم الجمعة، لأنّه لو صام الخميس وأفطر في الجمعة فقد صام وأفطر عن حجة، بخلاف ما إذا عكس فقد أفطر يوم الخميس بلا مجوِّز في ظرف الإفطار، و قس على ذلك ما إذا قدر على القيام في ركعة واحدة فتقدَّم الركعة الأُولى على الثانية إذ لو عكس فقد ترك القيام في الركعة الأُولى بلا عذر، والمراد من التزاحم هو عدم التمكّن من القيام بكلا الواجبين.


(313)

5. تقديم الواجب المطلق على المشروط

إذا كان هناك واجب مطلق وآخر مشروط لم يحصل شرطه يقدّم المطلق على المشروط وهو واضح، كما إذا أجنب المعتكف حيث إنّ مكْثُ الجنب في المسجد حرام، وخروج المعتكف في اليوم الثالث حرام مشروط بعدم الحاجة، ولكن الشرط العدمي غير حاصل، فيقدّم الخروج على البقاء، إنّما الكلام في تطبيق الضابطة على مورد خاص ذكره السيد الطباطبائي في العروة الوثقى، وقال:

إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور الحسين ـ عليه السلام ـ في كلّ عرفة ثمّ حصلت لم يجب عليه الحجّ، بل وكذا لو نذر إن جاء مسافره ان يعطي للفقير كذا مقداراً، فحصل له ما يكفيه لأحدهما (الأمرين) بعد حصول المعلّق عليه، بل وكذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يصرف مقدار مائة ليرة مثلاً في الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك، فانّ هذا كلّه مانع عن تعلّق وجوب الحجّ به، وكذا إذا كان عليه واجب مطلق فوري.(1)

أقول: كان على السيّد أن يقدّم الحجّ على الزيارة أخذاً بالضابطة التي أشار إليها في ذيل كلامه وهو تقديم الواجب المطلق على الواجب المشروط، لأنّ وجوب الحجّ مطلق لكن وجوب النذر مشروط بوجود الرجحان في متعلّقه حين العمل، وهو غير موجود، توضيحه:

انّه لو صحّ النذر لكان تعجيزاً شرعياً للمستطيع، والعجز الشرعي كالعجز العقلي فيكون مأموراً بالوفاء بالنذر ومعذوراً في ترك الحجّ لعجزه شرعاً عن امتثال أمر الحجّ والمفروض انّ المتعلّق راجح في حدِّ نفسه.


1. العروة الوثقى، كتاب الحج، فصل الاستطاعة، المسألة 31.


(314)

هذا غاية ما يمكن أن يوجّه به كلام السيد، ولكنّه غير تام، وذلك لأنّ مصبَّ الإطلاق هو متعلّق النذر، أعني: زيارة الحسين ـ عليه السلام ـ يوم عرفة، فعندئذ يسأل عمّا هو المتعلّق للنذر فهل المتعلّق ـ قبل تعلّق النذر ـ هي الزيارة المطلقة سواء أصار مستطيعاً أم لا؟ أو الزيارة في غير حالة الاستطاعة للحج؟ فعلى الثاني يكون الأمر منحصراً بالحجّ ولا يكون هناك أمر بالزيارة، و على الأوّل فالمتعلق بسعته على نحو يشمل حالة الاستطاعة غير راجح لاستلزامه ترك الواجب، نظير ما إذا نذر إنسان أن يقرأ القرآن من الفجر إلى طلوع الشمس، حيث إنّه لا ينعقد النذر، لأنّ المتعلّق مستلزم لترك الواجب فالنذر غير منعقد.

وبعبارة أوضح: انّ متعلّق النذر يجب أن يكون ذا رجحان عند الامتثال والمفروض انّ المورد ليس كذلك، لأنّ المستحب بما هو مفوِّت للواجب لا يكون راجحاً.

وربما يقاس المقام بالدين إذااستطاع وهو مديون، فكما أنّ خطابه بأداء الدين المعجَّل يوجب عجزه شرعاً ، فهكذا المقام فإنّ انعقاد النذر يجعله عاجزاً شرعاً عن الحجّ وإن لم يكن عاجزاً تكويناً.

يلاحظ عليه: بأنّه قياس مع الفارق، لأنّ أداء الدين من الواجبات الأصلية التي أوجبها اللّه سبحانه، فإذا انشغلت ذمّة الإنسان به وخوطب بالأداء من جانبه سبحانه يصير فاقداً للاستطاعة، ويكون عجزاً تشريعياً، وأمّا زيارة الحسين ـ عليه السلام ـ فهي مستحبة في نفسها، وإنّما يجب بالعرض أي بتعلّق النذر به وليس له إيجابه على نفسه إلاّ إذا كان راجحاً عند الإتيان به و المفروض عدمه.

وبعبارة أُخرى: فرق بين أن يكون التعجيز من جانبه سبحانه كأداء الدين غير المشروط بشيء، و بين أن يكون التعجيز بفعل الإنسان كأن ينذر على وجه


(315)

يصير عاجزاً عن الحجّ في أوانه، فانّ تنجّزه مشروط بوجود الرجحان في العمل.

الأمر السابع: في تفسير المصطلحات الأربعة

إنّ التعارض بين الدليلين في مقام الدلالة تارة يكون غير مستقر بحيث يقوم العرف الدقيق بإرجاع بعضه إلى بعض ورفع المعارضة، وأُخرى يكون مستقراً لا يرتفع ولو بإمعان النظر فالأوّل هو مصب الجمع الدلالي الذي هو خارج عن تعارض الأدلّة اصطلاحاً.

ثمّ إنّ بعض(1) الأُمور التي توجب رفع التعارض عرفاً عبارة عن الأُمور التالية:

1. التخصص،2. الورود، 3. الحكومة، 4. التخصيص.5. التوفيق العرفي الذي اصطلحه المحقّق الخراساني بتقديم العناوين الثانوية على الأوّلية، وإليك شرح هذه المصطلحات:

فنقول: إنّ الورود قريب من التخصّص، وكما أنّ الحكومة قريبة من التخصيص، فاللازم هو التعرّف على الفرق الحاكم على كلّ من القسمين، وتطبيقهما على مواردهما، وإليك البيان:

1. التخصّص

هو خروج موضوع أحد الدليلين عن موضوع الدليل الآخر حقيقة بعناية التكوين، بمعنى انّه لم يكن داخلاً حتى يحتاج إلى الإخراج ، أو لم يكن موضوعاً حتى يحتاج إلى الرفع، بخلاف الأقسام الآتية، ففيه الإخراج والرفع، و هذا نظير


1. سيوافيك البعض الآخر في المقام الأوّل.


(316)

قولك: «أكرم العالم» بالنسبة إلى قولك: «لاتكرم الجاهل» فالحكمان وإن كانا متناقضين، لكنّه صوريّ، لعدم وحدة موضوعهما نظير قولك: الخلّ حلال، و الخمر حرام، فالحكمان متضادان، لكنّ التضاد صوري لعدم وحدة الموضوع.

2. الورود

هو رفع أحد الدليلين ، موضوع الدليل الآخر حقيقة لكن بعناية التشريع على نحو لولا عنايته لما كان للوارد هذا الشأن، وذلك مثل الأمارات بالنسبة إلى الأُصول العقلية والشرعية.

أمّا الأُولى فلأنّ موضوع أصالة البراءة العقلية، هو عدم البيان، وموضوع أصالة الاشتغال، هو احتمال العقاب مع العلم بالتكليف والشكّ في المكلّف به، وموضوع أصالة التخيير هو التحيّر وعدم المرجح، لكن الأمارة الشرعية لثبوت حجّيتها بالدليل القطعي، تكون بياناً في مورد الأُولى، ومؤمِّنةً عن العقاب في مورد الثانية، ومرجّحةً ورافعةً للتحيّر في مورد الثالثة، وعند ذاك لا موضوع لهذه الأُصول الثلاثة العقلية.

وبالجملة: انّ الأمارة و إن كانت حجّة ظنيّة غير مفيدة للعلم الوجداني كما في مورد التخصّص، لكن لمّا قام الدليل القطعي على حجيتها وصار مصداقاً لقوله ـ عليه السلام ـ : «ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدِّيان» صارت بياناً في مورد عدم البيان، و مؤمِّنةً عن العقاب، ومرجحةً لأحد الطرفين، فتكون رافعة لموضوع الأُصول الثلاثة العقلية حقيقة ،لكن بعناية التشريع وإضفاء الحجّية عليها، بحيث لولا الإضفاء و العناية لكانت في عرض الأُصول العقلية.

ومنه يظهر حالها بالنسبة إلى الأُصول الشرعية سواء كانت غير محرزة كأصل البراءة الشرعية، ومثلها أصالتا الحلّية والطهارة، أم محرزة كالاستصحاب وأصالة


(317)

الصحة في فعل النفس أو الغير.

أمّا غير المحرز منها، فلأنّ المراد من العلم في قوله «رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون»، أو قوله: «كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام » ، أو قوله: «كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر»، هو الحجّة سواء كانت وجدانية، أم شرعية اعتبرها الشارع حجّة، فإذا قامت الأمارة على حرمته أو نجاسته فقد انقلب عدم الحجة إلى وجودها، بقيام الحجّة الشرعية على الحكم.

ومنه يظهر حال الأُصول المحرزة، لما مرّ في الاستصحاب من أنّ المراد من اليقين في أدلّته ليس هو اليقين الوجداني، ضرورة انّ زرارة لم يقف على طهارة ثوبه أو طهارته من الحدث بواسطة الأدلة القطعية، بل وقف عليها من طريق الحجج الشرعيّة كإخبار ذي اليد، أو من إجراء أصالة الطهارة في الماء الذي توضأ به، بل المراد هو الحجّة الشرعية، فإذاً يكون المراد من اليقين الثاني، هو الحجّة فإذا قامت الأمارة، فقد حصلت الغاية الواردة في أدلّة الاستصحاب.

وأمّا غير الاستصحاب، فاليد أمارة الملكية لو لم تكن هناك بيّنة أقوى كما في رواية العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: سألته عن مملوك ادّعى انّه حرّ ولم يأت ببيّنة على ذلك، أشتريه؟ قال:« نعم» و مثلها رواية حمزة بن حمران.(1)

أمّا أصالة الصحّة في مثل النفس فالموضوع لها هو الشكّ كما في صحيح زرارة: رجل شك في الأذان و قد دخل في الإقامة ؟(2) و صحيح إسماعيل بن جابر عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ :«إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض»(3) والأمارة رافعة للشكّ بعد إضفاء الشارع الحجيّة لها ـ مضافاً إلى ما عليه العقلاء، من كون


1. الوسائل: الجزء12، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1ـ2.
2. الوسائل: الجزء 5، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 1.
3. الوسائل: الجزء 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.


(318)

الاطمئنان الحاصل من قول الثقة بحكم العلم، بحيث لا يقيمون معه لاحتمال الخلاف قدراً ولا قيمة.

فاتّضح ممّا ذكرنا كون الأمارات بفضل الأدلّة القائمة على حجّيتها، واردة على الأُصول مطلقاً عقلية أو شرعية محرزة وغير محرزة.والفرق بين المحرز وغيره ـ بعد اشتراكهما ـ في أنّ الغاية رفع التحيّر وجود نوع من الطريقية في المحرز دون غيره.

3. الحكومة

الحكومة من المصطلحات الجديدة التي لم يكن منها أثر بين المتأخرين من عصر العلاّمة الحلّي (648ـ726هـ) إلى عهد المحقّق البهبهاني (1118ـ1206هـ)، فضلاً عن القدماء وعرّفها الشيخ بقوله: أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرّضاً لحال الدليل الآخر ورافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه فيكون مبيّناً لمقدار مدلوله، مسوقاً لبيان حاله، متعرضاً عليه، نظير الدليل على أنّه لا حكم للشكّ في النافلة، أو مع كثرة الشكّ أو مع حفظ الإمام أو المأموم، أو بعد الفراغ من العمل فانّه حاكم على الأدلّة المتكفّلة لأحكام الشكوك، فلو فرض انّه لم يرد من الشارع حكم المشكوك لا عموماً ولا خصوصاً لم يكن مورد للأدلّة النافية لحكم الشكّ في هذه الصور...ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ بيّن الفرق بينه و بين التخصيص بأنّ التقديم في التخصيص بحكم العقل الحاكم بعدم جواز إرادة العموم مع العمل بالخاص، ولكن الحاكم بيان بلفظه للمراد ومفسر للمراد من العام فهو تخصيص في المعنى بعبارة التفسير.(1)


1. الفرائد: 432 طبعة رحمة اللّه.


(319)

أقول: الحكومة عند الشيخ تتقوم بأمرين:

أ: أن يكون الحاكم متصرّفاً في موضوع الدليل المحكوم بإخراج بعض المصاديق بدعوى انّه ليس مصداقاً له.

ب: أن يكون الموضوع محكوماً بحكم قبل ورود الحاكم، على نحو لولا كونه كذلك كان تشريع الدليل الحاكم لغواً.

لكن كلاً من الشرطين غير لازم، أمّا الأوّل فلأنّ الحكومة لا تنحصر بالتصرّف في عقد الوضع، بل ربما يكون متصرفاً في عقد الحمل كأحكام العناوين الثانوية بالنسبة إلى الأحكام المتعلّقة على الموضوعات على نحو الإطلاق الذي يعم حالتي الضرر والحرج لوجوب الغسل في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلى المَرافِقِ )(1) فقوله يعم حالتي الضرر والحرج غير انّ أدلّتهما ، حاكمان على الإطلاق الموجود فيها فيختص وجوب الغسل بغير تينك الحالتين.

كما أنّ التصرف في عقد الوضع لا ينحصر بالتضييق، بل ربما يتصرّف بالتوسعة، كما هو الحال في قوله: الطواف بالبيت صلاة، فهو يُدخل الطواف تحت الصلاة، فيكون محكوماً بحكمها مثل قوله: ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ )وقوله:«التراب أحد الطهورين» بالنسبة إلى قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور»لو كان الطهور فيه ظاهراً في الطهارة المائية.

وأمّا الثاني فهو منقوض بحكومة أصالة الطهارة بالنسبة إلى أدلّة الشروط في الصلاة، فلو قال: «صلّ في ثوب طاهر» فهو ظاهر في الطهارة الواقعية، لكن بعد


1. المائدة:6.


(320)

انضمام قوله: «كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» يكون الموضوع أعمّ منها و من الظاهريّة، ولكن ليس على وجه لولا أدلة الشروط لكان ورود الحاكم لغواً إلاّ على وجه ذكرناه في الدورة السابقة.(1)

ولأجل بعض ما ذكر، عدل المحقّق الخراساني إلى تعريفه بقوله: أن يكون أحدهما قد سيق ناظراً إلى بيان كميّة ما أُريد من الآخر مقدماً كان أو مؤخراً.

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ عطف على الحكومة التوفيقَ العرفي وقال: أو كانا على نحو إذا عرضا على العرف وُفِّقَ بينهما بالتصرّف في خصوص أحدهما، كما هو الحال في الأدلّة المتكفّلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الأوّلية مع مثل الأدلة النافية للعسر والحرج والضرر والإكراه والاضطرار ممّا يتكفّل لأحكامها بعناوينها الثانوية حيث يقدّم في مثلهما الأدلة النافية ولا تُلاحظ النسبة بينهما أصلاً.

يلاحظ عليه :أنّه لا وجه لجعله أمراً مغايراً للحكومة بل هو من أقسام الحكومة، غير انّه ـ قدس سره ـ لمّـا خصَّ الحكومة ببيان الكميَّة في ناحية الموضوع أخرج هذا من تحتها، ولو قلنا بعمومها لما ورد لبيان الكمية في ناحية المحمول أيضاً ، لما كان هنا وجه لإخراجها عن تحت الحكومة، لأنّ العناوين الثانوية تحدد شمول المحمول سعة وضيقاً.

ولقد أحسن بعض الأعلام حيث لم يخصها ببيان الكمية في ناحية عقد الوضع، بل جعلها الأعم منه و من بيانها في عقد الحمل، حيث قال: أن يكون أحدهما بمدلوله المطابقي ناظراً إلى التصرّف في الآخر أمّا في عقد وضعه إثباتاً أو نفياً، أو عقد حمله.


1. لاحظ المحصول:4/423.


(321)

وبكلمة قصيرة فالمقوم للحكومة، هو تبادر الرقابة والنظارة من أحد الدليلين بالنسبة إلى الدليل الآخر، على وجه تكون تلك سبباً للتقدم، سواء أتحققت بالمدلول المطابقي أو الالتزامي وسواء أكانت بنحو التفسير، أو تكون النتيجة عند الاجتماع هي التفسير، وذلك لأنّ التفسير ربما يكون واضحاً كما في صحيحة الحلبي فيمن عليه شهران متتابعان، فانّ المتبادر منها صيام ستين يوماً متتابعاً لكنّه يفسرها بصيام شهر ويوم قال: «إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين، والتتابع أن يصوم شهراً ويصوم من الآخر شيئاً أو أياّماً منه...».(1)

وربما يكون التفسير خفيّاً لكن يعلم بقياس أحدهما إلى الآخر كما في أصالة الطهارة بالنسبة إلى أدلة الشروط على ما مرّ. ولأجل انّ الحاكم له الرقابة والنظارة، يقدّم على المحكوم حتى في مورد يكون بين الدليلين عموم و خصوص من وجه، ولا يتوقف على وجود رجحان لأحد الدليلين في مورد الاجتماع.

4.التخصيص

التخصيص عبارة عن إخراج بعض أفراد العام عن الحكم المحمول عليه مع حفظ الموضوع، كما إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، فهو يشارك الحكومة في قسم التضييق، أي في مورد إخراج موضوع الخاص عن حكم العام، غير انّه يفترق عنها بأنّ التخصيص يخرجه عن حكم العام مع الاعتراف بأنّه من أفراده ومن مصاديقه، ولذلك يقول: لا تكرم زيداً العالم.

ولكن الحكومة في الموارد التي تشارك التخصيص في النتيجة يخرج المورد عن حكم العام لكن بلسان نفي الموضوع وانّه ليس من مصاديق العام إدعاءً، كما


1. الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 9.


(322)

في مثل قوله: «لا شكّ لكثير الشكّ»، والغاية إنّما هي إخراج كثير الشكّ عن تحت العمومات الواردة حول الشاك، ولكن الإخراج بصورة نفي كونه من مصاديق الشاك فلا يكون محكوماً بحكمه.

إلى هنا تمّ تفسير المصطلحات الأربعة بل الخمسة إذا أُضيفت إليها حكومة العناوين الثانوية على الأوّلية، وقد عرفت أنّها ليست قسماً مغايراً للحكومة.

وجه تقدّم الخاص على العام

ثمّ إنّ تقدّم الأقسام الثلاثة على غيرها واضح لا يحتاج إلى البيان لعدم وجود الصلة بين الدليلين في التخصّص حتى يقدم أو يؤخر، وإعدام الموضوع في الورود، وللحكومة دور التفسير فيقدّم الدليل المفسِّر على المحكوم المفسَّر.

إنّما الكلام في وجه تقدّم الخاص على العام مع حفظ الموضوع، وهذا هو الذي نحن بصدد بيانه، ولأجل التوضيح نقدم أمراً، و هو انّ الاحتجاج بالعام أو الخاص رهن ثبوت أُمور ثلاثة:

الأوّل: كون الدليل صادراً عن الحجة.

الثاني: كون المتكلّم مريداً للمعنى ولو ارادة استعمالية.

الثالث: كون الإرادة الاستعمالية موافقة للإرادة الجدية.

أمّا الأمر الأوّل فإثباته يقع على عاتق أدلّة حجّية الخبر الواحد، كما أنّ المتكفّل لإثبات الأمرين الأخيرين هو الأصل العقلائي الجاري في المقام. فانّ الأصل عند العقلاء كون المتكلّم مريداً للمعنى ولو إرادة استعمالية كما هو الحال في التورية والمزاح، فخرج ما يفقد أصل إرادة المعنى كما هو الحال في تعلم


(323)

اللغات الأجنبية، أوحفظ الجمل حيث إنّ الغاية هو اكتساب المهارة في الكلام.

كما أنّ الضابطة عند العقلاء أيضاً هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية إلاّ ما خرج بالدليل، فخرج الكلام الملقى على وجه التورية والمزاح وما يشبههما حيث لا تتطابق الإرادة الاستعمالية مع الجدية.

إذا علمت هذه الأُمور، فاعلم أنّ كلاً من العام والخاص حائز للأُمور الثلاثة، فكما يجوز تقدّم الخاص على العام بالقول بانّ الإرادة الاستعمالية في مورد الخاص لم تكن مطابقة للإرادة الجدية و إنّما ألقاه المولى على وجه الضابطة ليرجع إلى العام المخاطب في مقام الشك، دون مقام اليقين بالخلاف. فهكذا يجوز تقديم العام على الخاص و إنّما التفاوت والاختلاف بأنّ في تقديم الخاص على العام نقضاً للتطابق في بعض أفراده، وفي تقديم العام على الخاص نقضاً للتطابق في الخاص من رأسه وأصله.

وعلى كلّ تقدير فما هو الوجه لتقديم الخاص على العام مع كونهما على حد سواء؟ هذا هو السؤال و أمّا الجواب فبوجهين:

أ: انّ في تقديم الخاص على العام عمل بكلا الدليلين، بخلاف العكس ففيه عمل بدليل واحد وهو العام وإلغاء الدليل الآخر من رأسه.

ب: انّ النظام السائد على التقنين و التشريع هو فصل الخاص عن العام وذلك لمصالح أهمها عدم احاطة المقنِّنين العاديين بالمصالح والمفاسد، فربما يشرِّعون حكماً عامّاً بزعم وجود المصلحة فيه ثمّ يتبين لهم عدم المصلحة في بعض الموارد فيخرجونه عن حكم العام بصورة ملحق قانوني، وصار هذا هو السبب في تقديم الخاص على العام في التشريعات البشرية.


(324)

وأمّا التشريع الإلهي فهو منزّه عن هذه الوصمة، فهو سبحانه عالم بالمصالح والمفاسد قال سبحانه: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير) .(1)

غير انّ هناك نكتة جديرة بالإشارة وهي انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ دعا الناس في مكة المكرمة إلى التوحيد ونبذ الشرك ما يربو على ثلاثة عشر عاماً و لم تسنح له الفرصة لبيان الأحكام والتشريعات الهائلة في شريعته، ولما هاجر إلى المدينة شغلته الحروب والغزوات ومجادلة أهل الكتاب ومكافحة المنافقين إلى غير ذلك من الشواغل التي حالت دون بيان أحكام الشريعة بتفاصيلها. فبيّن ما بيّن وترك التفاصيل والجزئيات على عاتق العترة الذين هم أعدال الكتاب بتنصيص منه حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي» فقامت العترة واحداً بعد واحد ببيان التفاصيل والمقيّدات والمخصّصات للتشريعات السابقة. فصار هذا سبباً لتقديم الخاص على العام والمقيّد على المطلق، و على ذلك جرت سيرة العلماء وديدنهم في أبواب الفقه.

***

الأمر الثامن: ما هو السبب لوجود الروايات المتعارضة؟

إنّ السابر في أبواب الروايات الفقهية يقف على وجود الروايات المتعارضة في أكثر الأبواب وهذا يثير سؤالاً، وهو كيف تطرق التعارض إلى روايات أئمّة أهل البيت؟ وهناك احتمالان:

الأوّل: انّ أئمّة أهل البيت كانوا يفتون الناس عن طريق استنباط الأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيلية كسائر أئمّة المذاهب، فلذلك طرأ عليهم الاختلاف


1. الملك: 14.


(325)

في الآراء كما طرأ على غيرهم، فانّ الإمام الشافعي له آراء قديمة قبل أن يحطّ الرحل في مصر، وآراء جديدة بعد نزوله بها وهكذا عند غيره.

وهذا الاحتمال في حقّ أئمّة أهل البيت من الوهن بمكان، فإنّهم ـ عليهم السلام ـ عيبة علم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخزنة معارفه فلا يصدرون إلاّ عن علم ورثوه عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو يلقى في روعهم بما انّهم محدَّثون، وكون الإنسان محدَّثاً لا يلازم كونه نبيّاً طرفاً للوحي، فإنّ مريم البتول كانت محدّثةولم تكن نبية وقد أوضحنا ذلك في بحوثنا العقائدية.

الثاني: انّ العامل الخارجي أوجد هذا القلق والاضطراب في الأحاديث، ولأجل ذلك قام الشيخ الطوسي بتأليف كتاب مستقل في جمع ما اختلف من الأخبار، أسماه «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار»، وهانحن نشير إلى تلك العوامل الخارجية التي أوجدت التعارض، وهي:

1. حدوث التقطيع في الروايات

روى أهل السنّة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال:« إنّ اللّه خلق آدم على صورته»، فصار ذلك مستمسكاً للمشبِّهة قائلين بأنّ الضمير في «صورته» يرجع إلى اللّه سبحانه مع أنّ الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ كشف النقاب عن وجه الرواية وقال: «قاتلهم اللّه حذفوا أوّل الحديث ، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رأى رجلين يتسابّان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه:

قبّح اللّه وجهَك ووجهَ من يُشْبِهُك، فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: يا عبد اللّه لا تقُل هذا لأخيك فانّ اللّه عزّو جلّ خلق آدم على صورته».(1) وقد تطرّق هذا الأمر إلى


1. توحيد الصدوق: الباب 12، الحديث 10 و11.


(326)

الأحاديث الفقهية.

روت العامة عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّه قال: لرجل أتاه فقدّم أباه، فقال له ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «أنت و مالك لأبيك».

وقد استدلّ بهذه الرواية على ولاية الأب على مال الولد ونفسه، وإنّما يصحّ الاستدلال لو صدرت الرواية بهذا النحو، ولكن الوارد من طرقنا يشرح مقصود الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من هذا الكلام ويعرب عن كونه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بصدد بيان حكم أخلاقي لا شرعي حتى يستفاد منه الولاية على الأموال بل النفوس، يقول الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ بعد نقله:

«إنّما جاء بأبيه إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هذا أبي وقد ظلمني ميراثي من أُمّي، فأخبره الأب، أنّه قد أنفقه عليه وعلى نفسه، وقال: أنت و مالك لأبيك، ولم يكن عند الرجل شيء أوَ كان رسول اللّه يحبس الأب للابن؟!».(1)

والدقة في ألفاظ الرواية وقوله: «أوَ كان رسول اللّه يحبس الأب للابن؟!» تعرب عن كون الكلام وارداً لبيان أصل أخلاقي يجدر على الابن رعايته. وتكشف عن عدم ولايته على مال الابن وإنّما لم يحبسه لعدم الفائدة فيه لكونه معدِماً أوّلاً وترفّع مقام الأب عن الحبس بصرف مال الولد ثانياً.

2. أخذ عرف الراوي بنظر الاعتبار

انّ أكثر المتلقّين عن أئمّة أهل البيت كانوا عرباً ولكن كان لهم أعراف مختلفة، مثلاً الرطل ـ الذي هو عند الجميع حاك عن الوزن و المقدارـ يختلف مقداره عند المكي والعراقي، فالرطل المكي ضِعْف الرطل العراقي، وبذلك


1. الوسائل: 12/196ـ 197، الباب 78 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8.


(327)

اختلفت الأخبار في بيان الكرّففي بعض منها الكرّ ستمائة رطل، و في بعض آخر الكرّ من الماء الذي لا ينجسه شيء ألف ومائتا رطل، وهما في بادئ النظر مختلفان لكن بالنظر إلى العرف الذي تكلّم به الإمام ينحلّ به الاختلاف فانّ المخاطب في الخبر الأوّل هو محمد بن مسلم الثقفي الطائفي، والطائف قريب من مكة، ولكن المخاطب في الثاني هو محمد بن أبي عمير البغدادي وبذلك يتحد مضمون الروايات فانّ الكرّ حسب العرف الأوّل هو 600 رطل وحسب العرف الثاني 1200 رطل وفي الوقت نفسه هما أمر واحد قد عُبّر عنه بتعبيرين.(1)

3. ملاحظة مصلحة الراوي حين الإفتاء

إنّ الأخذ بمصلحة الراوي ممّا أوجب اختلاف الروايات، ففي الفقه الإمامي المتواتر عن الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ هو انّ الرجل إذا مات و ترك ابنة واحدة فقط فالتركة جميعاً لها: نصفها بالفرض والنصف الآخر بالرد، على خلاف ما عليه الفقه السنّي فانّ النصف عندهم للبنت والنصف الآخر للعَصَبَة. فترى أنّ الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في الرواية التالية يُفتي بفتوى أهل السنّة رعاية لمصلحة الراوي، روى سلمة بن محرز، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : إنّ رجلاً مات و أوصى إليَّ بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: «أعطها النصف»، قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتّقاك إنّما المال لها، قال: فدخلت عليه بعدُ، فقلت: أصلحك اللّه إنّ أصحابنا زعموا أنّك اتّقيتني؟ فقال: «لا واللّه ما اتّقيتك ولكنّي اتقيت عليك أن تَضْمَنَ» فهل علم بذلك أحد؟ قلت: لا، فقال: فأعطها ما بقي».(2)


1. الوسائل: الجزء 1، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث3، 1.
2. الوسائل: 17/442، الباب4 من أبواب ميراث الأبوين، الحديث 3.


(328)

4. الدسّ والتزوير في الروايات

كان بين أصحاب الأئمّة رجال غالوا في مقامات الأنبياء والأئمة ـ عليهم السلام ـ وبذلك وُصِفُوا بـ«الغلاة» وهم عند الأئمّة شرّ الناس، فمنهم:

المغيرة بن سعيد، وأبو زينب الأسدي المعروف بأبي الخطاب تارة و أبي الذبيان أُخرى، وإليه تُنسب الفرقة الخطّابية، فقد دسَّ هؤلاء روايات منكرة في كتب أصحاب أبي جعفر الباقر ـ عليه السلام ـ وأبي عبد اللّه الصادق ـ عليه السلام ـ .

روى هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ انّه كان يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي، يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة ويُسندها إلى أبي ثمّ يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثُّوها في الشيعة، فكلّما كان في كتب أصحاب أبي من الغلوّ فذاك ممّا دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم».(1)

ويؤيده ما رواه الكشي عن يونس بن عبدالرحمن، قال: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر ـ عليه السلام ـ ووجدت أصحاب أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم فعرضتها من بعدُ على أبي الحسن الرضا ـ عليه السلام ـ فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ وقال لي: «إنّ أبا الخطاب كذّب على أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ ، لعن اللّه أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ ، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فانّا إن تحدثنا، حدَّثنا بموافقة


1. رجال الكشي: 196 برقم 103.


(329)

القرآن وموافقة السنّة.(1)

ثمّ إنّ الدس والتزوير لم ينحصر بهذين الرجلين، بل جاء بعدهما جماعة لهم دور في التزوير كفارس بن حاتم القزويني، والحسن بن محمد بن بابا، و محمد بن نُصَير النميري، و أبي طاهر محمد بن علي بن بلال، وأحمد بن هلال، والحسين بن منصور الحلاّج، و ابن أبي عذافر، و أبي دلف، و جمع كثير ممّن يتسمّى بالشيعة فإليهم تُسند المقالات الشنيعة من الغلو و الإباحات والتناسخ، وقد خرجت في لعنهم التوقيعات عنهم ـ عليهم السلام ـ.وأورد الكشي أخبارهم.

5. النقل بالمعنى

إنّ من أسباب الاختلاف عدم عناية الراوي بنقل كلام الإمام بنصِّه والاكتفاء بمعناه، فعند ذلك تطرق الاختلاف بين الأحاديث، إذ ربما كان نصّ الإمام ـ عليه السلام ـ مشتملاً على قرينة على المراد، حذفها الراوي باعتقاد انّها غير دخيلة في المعنى، وها هو منصور بن حازم يقول: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ رجل تزوج امرأة وسمَّى لها صداقاً، ثمّ مات عنها ولم يدخل بها؟ قال:«لها المهر كاملاً، ولها الميراث».

قلت: فإنّهم رووا عنك انّ لها نصف المهر؟ قال: «لا يحفظون عنّي، إنّما ذلك للمطلّقة».(2)

نعم، كان لفيف من الأصحاب ملتزمين بنقل التعبير بنصّه حيث كانوا يكتبون الحديث في مجلس السماع كما جاء في بعض روايات زرارة.(3)


1. رجال الكشي: 195 برقم 103.
2. الوسائل: 15/77، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 24.
3. الوسائل: 3/110، الباب 8 من أبواب المواقيت، الحديث 33.


(330)

6.عدم إتقان اللغة العربية

إنّ من أسباب الاختلاف عدم إتقان اللغة العربية من قبل بعض الرواة غير العرب كعمّار بن موسى الساباطي، فهو فطحي ثقة، لكنّه من الموالي غير العرب، ولذلك نجد اضطراباً ملحوظاً في أغلب ما رواه، ولذلك قال الشيخ في الاستبصار: انّه لا يعمل بمتفردات عمّار.(1)

على أنّ عدة من الرواة لم يكن همّهم نقلَ الحديث ودراستَه ومذاكرتَه، وإنّما سألوا عن أشياء وأُجيبوا فنقلوه إلى الآخرين، وهذا كصفوان الجمّال الذي يرجع أكثر رواياته إلى السؤال عن أحكام السفر ولم يكن له همّ سوى ذلك.

وهذا الصنف من الرواة يختلف أحوالهم مع من كان مولعاً بتعلّم الحديث ونقله وضبطه، كزرارة ومحمد بن مسلم.

قال زرارة : قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ :جعلني اللّه فداك أسألك في الحج منذ أربعين عاماً فتُفتيني؟ فأجابه الإمام بما يزيل عنه هذه الحيرة.

فقال ـ عليه السلام ـ : «يا زرارة ، بيت حُجَّ إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تُفنى مسائله في أربعين عاماً».(2)

وكم فرق بين راو اناخ مطيّته عند عتبة أئمّة أهل البيت أربعين سنة لأخذ الحديث، وراو يسأل الأئمّة طول عمره مرّّة أو مرتين. ومن الواضح بمكان انّ روايات الراوي الأوّل أتقن بكثير من الراوي الثاني.


1. الاستبصار:1/372. قال: لا يعمل على ما يختص بروايته وقد جمع ما تفرّد به المحقّق التستري في قاموس الرجال:8/19ـ 30 وقال: وأكثر ألفاظ أخباره معقّدة، مختلة النظام، ومنها في مكان الإمام والمأموم.
2. الوسائل: الجزء8، الباب 1من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 12.


(331)

7. التقية

إنّ من أحد الأسباب لطروء الاختلاف في الأخبار المروية عنهم هو إفتاء أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ على خلاف مذهبهم تقيّة من السلطان أوّلاً، والقضاة الذين كان بيدهم الأُمور ثانياً، وحفظ نفوس شيعتهم ثالثاً.

أمّا الأوّل والثاني فواضحان، إنّما الكلام في الثالث وهو انّ الإفتاء على خلاف مذهبهم كان سبباً لحفظ الشيعة، فبيانه:

إنّهم ـ عليهم السلام ـ لو كانوا مفتين على وفق مذهبهم دائماً كان ذلك سبباً لانتشار مذهبهم بين الشيعة وعملهم على فُتياهم، ولأضحى ذلك سمة مميّزة لهم وبالتالي مُثيراً لحفيظة الآخرين عليهم، تعقبها مضاعفات أُخرى خطيرة.

روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن سالم بن أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: سأله إنسان وأنا حاضر، فقال: ربما دخلت المسجد وبعض أصحابنا يصلُّون العصر، وبعضهم يصلُّون الظهر؟ فقال: «أنا أمرتهم بهذا لو صلُّوا على وقت واحد عُرفوا فأُخذوا برقابهم».(1)

ولأجل هذه الدواعي المختلفة كان أئمّة الشيعة تتقي بين الحين والآخر، وبذلك اختلفت الأخبار المأثورة عنهم، بما انّ بعضها إفتاء وفق الواقع، والآخر إفتاء وفق مذهب الآخرين.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ إفتاء الأئمّة ـ عليهم السلام ـ على وفق التقية كان أمراً ذائعاً، ويدلّ على ذلك أُمور نذكر منها ما يلي:

الأوّل: انّ بعض الشيعة كانوا يكاتبون أئمتهم ويطلبون منهم الإفتاء وفق


1. الوسائل: 3، الباب 7 من أبواب المواقيت، الحديث 3.


(332)

الواقع لا وفق التقية.

روى الصدوق عن يحيى بن أبي عمران أنّه قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني ـ عليه السلام ـ في السنجاب والفنك والخز، وقلت: جعلت فداك، أحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك؟ فكتب بخطه إليَّ: «صلّ فيها».(1)

الثاني: انّ أصحاب الأئمّة الذين كانوا بطانة لعلومهم ومذاهبهم، كانوا يميّزون الحكم الصادر عن تقيّة والصادر لا عن تقيّة، فإذا روى شخص عن الأئمة حديثاًوكان على وجه التقية، يخاطبونه بقولهم أعطاك من جراب النورة. وأمّا إذا كان لا على نحو التقيّة يقولون: أعطاك من عين صافية.(2)

ثمّ إنّ الإفتاء على وفق التقية كان يتناسب مع حجم الأخطار المحدقة، فإذا كان الخطر دائماً بالنسبة إلى شخص، يفتيه الإمام على وفق التقية من دون أن يحدّد ظرف العمل به، وإذاكان الخطر مؤقتاً ومقطعيّاً يفتيه على وجه مؤقت ثمّ يرشده إلى من يهديه إلى الحكم الواقعي.

روى علي بن سعد البصري، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : إنّي نازل في قوم بني عديّ ومؤذِّنهم وإمامهم وجميع أهل المسجد عثمانيّة يبرأون منكم و من شيعتكم، وأنا نازل فيهم فما ترى في الصلاة خلف الإمام؟ فقال ـ عليه السلام ـ : «صلِّ خلفه واحتسب بما تسمع، ولو قدمت البصرة لقد سألك الفضيل بن يسار وأخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل وتدع قولي»، قال عليّ:فقدمت البصرة فأخبرت فضيلاً بما قال: فقال: هو أعلم بما قال، ولكنّي قد سمعته وسمعت أباه


1. الوسائل: 3، الباب 3 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 6.
2. الوسائل: 17/508، الباب 5 من أبواب ميراث الأعمام والأخوال، الحديث 2.


(333)

يقولان: «لاتعتدّ بالصلاة خلف الناصبيّ واقرأ لنفسك كأنّك وحدك».(1)

فمن أراد أن يقف على الدور الذي لعبته التقية في طروء الاختلاف على الأخبار المروية عنهم فليرجع إلى كتاب الحدائق الناضرة ، قسم المقدمة، فانّه قد بلغ الغاية في ذلك.(2)

هذه هي الأسباب الموجبة لطروء الاختلاف في الأخبار المروية عن الأئمّة ـ عليهم السلام ـ ، ولعل هناك أسباباً أُخرى لم نقف عليها.

إذا عرفت هذه الأُمور الثمانية فاعلم انّ الكلام في مبحث تعارض الأدلة يدور حول أمرين:

الأوّل: التعارض البدوي غير المستقر.

الثاني: التعارض المستقر.

والمراد من الأمر الأوّل هو التعارض الذي يتبادر إلى الذهن قبل الإمعان في القرائن الحافَّة بالخبرين ولكنّه بعد الإمعان يظهر عدم وجود الاختلاف بينها وذلك بتحكيم الأظهر على الظاهر.

كما أنّ المراد من الثاني هو التنافي المستمر الذي لا يزول مع الإمعان في الخبرين أو الأُمور الخارجة عنهما بل يبقى التنافي بحاله.

فمن القسم الأوّل تقديم الخاص على العام، والمقيد على المطلق، والوارد على المورود، والحاكم على المحكوم والعناوين الثانوية على العناوين الأوّلية، ولذلك لا نعد هذه الأُمور من المتعارضين اللذين يرجع فيهما إلى المرجحات.


1. الوسائل: 5/389، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث4.
2. الحدائق: 1/5ـ8.ولاحظ الوسائل:الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.


(334)

نعم ربما يقع البحث في الصغرى بأنّ أيّاً من الدليلين أظهر من الآخر، وسيوافيك الكلام فيه.

وأمّا القسم الثاني فهو ما يكون التنافي سائداً دائماً من دون أن تكون بينها الأظهرية.

فعلينا أن نبحث في المقام الأوّل ثمّ نعرج إلى المقام الثاني.

هذه هي المقدمات التي ينبغي الوقوف عليها قبل الدخول في صلب الموضوع.

إذا عرفت هذه المقدمات فاعلم أنّ الكلام يقع في فصلين:

1. التعارض البدويّ غير المستقرّ.

2. التعارض المستمرّ.

وإليك الكلام فيهما واحداً بعد الآخر.


(335)

الفصل الأوّل

في التعارض البدوي غير المستقر

وفيه مباحث:

الأوّل: في قاعدة «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح»

قد اشتهرعلى الألسن قولهم: «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح» والأساس لهذه القاعدة هو ابن أبي جمهور الأحسائي ـ حسب ما نقله الشيخ الأعظم عنه في فرائده، و استدل عليها بأنّ المتعارضين يجب الجمع بينهما مهما أمكن، وإلاّ يلزم طرح كليهما أو طرح أحدهما والأوّل خلاف الأصل، والآخر يستلزم الترجيح بلا مرجح.

وإن شئت صياغة الدليل في قالب القياس فقل:

المتعارضان دليلان: والدليلان يجب إعمالهما، لا طرحهما ولا طرح أحدهما فينتج: المتعارضان يجب إعمالهما لا طرحهما ولا طرح أحدهما.

يلاحظ عليه: بمنع كلية الكبرى، وهو انّه يجب إعمال كلا الدليلين، وذلك لخروج الخبرين المختلفين عن تحت القاعدة حسب الروايات المتضافرة، حيث إنّهم ـ عليهم السلام ـ حكموا في الخبرين المختلفين على خلاف الإعمال بل الأخذ بأحدهما دون الآخر، ولو تمَّت تلك الضابطة بصورتها الكلية، يلزم طرح الروايات العلاجية


(336)

المتضافرة التي ستمرّعليك في المقام الثاني أعني التعارض المستمرّ.

وعلى ضوء ذلك، فتكون الضابطة مختصّة بغير موارد الخبرين المختلفين اللّذين يكون المخاطب متحيّراً في صدورهما من متكلّم واحد، وراجعة إلى ما إذا كان لرفع الاختلاف بين الخبرين شاهد في نفس الخبرين أو الخارج عنهما، ففي ذلك المقام يكون المورد من مصاديق قاعدة الجمع دون الطرح، كما إذا كان دور أحد الخبرين إلى الآخر، هو التخصيص والتقييد، أو الحكومة أو الورود، فيكون في نفس الخبرين قرينة عرفية في التصرّف في العام والمطلق، والمحكوم والمورود، على نحو لا يتحيّر العرف الدقيق في الجمع بينهما وتعيين المراد منهما.

نعم ربما يتحيّر العرف الساذج بين العام والخاص أو المطلق والمقيّد، ويراهما مختلفين، لكن العرف الدقيق الذي هو المخاطب في تلك المقامات، يراهما غير مختلفين لأنّه جرت السيرة على القاء العام والمطلق وإرادة الخاص والمقيّد منهما في بيئة التقنين والتشريع، ولذلك عبرنا عن هذا القسم من التعارض، بالتعارض البدئي أو غير المستقرّ، فالعرف الساذج يتلقّاهما متعارضين والعرف الدقيق العارف بشؤون التقنين، يتلقّاهماغير مختلفين.

والحاصل انّ الضابطة الماضية تامة في غير الموارد التي أمر أئمّة أهل البيت بالرجوع إلى المرجحات وطرح أحد الدليلين، ولو قلنا بها حتى في تلك الموارد يلزم طرح تلك الروايات التي تقطع بصدور بعضها عنهم ـ عليهم السلام ـ .

فخرجنا بالنتيجة التالية :

إنّ هنا ضابطتين:

1. ضابطة الجمع العرفي بين الدليلين.


(337)

2. ضابطة الترجيح بين الدليلين.

وقد أُشير في الروايات إلى كلتا الضابطتين، أمّا الأُولى ففي روايات، نذكر منها ما يلي:

1. عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، انّ الكلمة لتنصرف على وجوه فلو شاء انسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب».(1)

2. روى الميثمي في حديث طويل عن الرضا ـ عليه السلام ـ :«وما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة، ثمّ كان في الخبر الآخر خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكرهه و لم يحرّمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً وبأيّهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم».(2)إلى غير ذلك من الروايات التي تصرّح بأنّ في الأخبار عاماً وخاصاً وناسخاً ومنسوخاً.

وأمّا الثاني فسيوافيك بيانه في المقام الثاني.


1. الوسائل: الجزء 2، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27 .
2. الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21.


(338)

المبحث الثاني

في شرائط الجمع الدلالي

يشترط في الجمع الدلالي المقدّم على الطرح بالترجيح عدة أُمور:

1. إحراز أصل الصدور، فلو كان هناك علم إجمالي بكذب أحد الخبرين، فلا تصل النوبة إلى الجمع، لأنّ المراد من الجمع، هو الجمع بين الحجّتين، فإذا عُلم كذب أحدهما وعدم صدوره عن الحجّة فلا يكون هناك جمع بين الحجّتين، بل يعدّ جمعاً بين الحجة واللاحجّة وهو أمر باطل، ولذلك يجب أن لا يكون هناك علم بعدم الصدور. نعم لا يضرّ احتمال عدمه إذا دلّ الدليل على حجّيته كما في قول الثقة.

2. إحراز جهة الصدور وانّ المتكلّم ألقى خطابه بدافع بيان الحقيقة لا لدفع الشرّ والضرر ويكفي في إحرازه، كون الأصل عند العقلاء هو هذا، بخلاف ما إذا علم أنّواحداً منهما صدر تقيّة فلا تصل النوبة إلى الجمع، لما عرفت من أنّ الغاية هو الجمع بين الحجّتين، وما صدر تقيّة ليس بحجّة بعد العلم بصدوره كذلك.

3. كون الكلامين لمتكلم واحد امّا حقيقة أو اعتباراً، كما هو الحال في كلمات أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ حيث إنّهم لا يصدرون إلاّ عن مَشْرَع واحد، فكلام الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ نفس كلام الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ ، لأنّ الجميع ينقلون عن آبائهم


(339)

عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن جبرئيل عن اللّه سبحانه.

4. صحة التعبّد بكلّ واحد من الدليلين بعد الجمع، وإلاّ فلو اقتضى الجمع لغوية أحد الدليلين كما إذا انجرّ التخصيص إلى الخروج المستوعب لما عدّ محلاً للجمع.

5. وجود قرينة بين الدليلين أو في الخارج عنهما على التصرّف في أحدهما دون الآخر، وإلاّ لا يكون الجمع مقبولاً، بل جمعاً تبرعياً لا قيمة له في سوق الاعتبار.

ثمّ إنّ ما قام به الشيخ الطوسي في كتاب الاستبصار من الجمع بين ما اختلف من الأخبار، بين مقبول و غير مقبول، فالجمع القائم على وجود القرينة في البين على التصرّف في أحدهما المعين جمعُ مقبول في مقابل التصرّف في أحدهما بلا قرينة، فهو جمع مطرود، وقد خلط الشيخ الطوسي في كتابه بين الجمعين، كما يظهر ممّا ينقله صاحب الوسائل عنه.


(400)

الجهة الثانية

في لزوم الأخذ بالمرجِّح وعدمه

المشهور هو لزوم الأخذ بذات المزية من الخبرين. وعليه الشيخ الأنصاري، غير انّ المحقّق الخراساني حمل الروايات على الاستحباب.

وقد استدلّ على القول المشهور بوجوه نشير إلى بعضها بوجه موجز:

أ: دعوى الإجماع على الأخذ بأقوى الدليلين.

ب: لو لم يجب ترجيح ذي المزية لزم ترجيح المرجوح على الراجح، وهو قبيح عقلاً بل ممتنع قطعاً.

إلى غيرها من الوجوه التي ربما ترتقي إلى خمسة، كما أشار إليها المحقّق المشكيني، وقد ناقش المحقّق الخراساني في هذه الوجوه بما لا ملزم لذكرها وما في مناقشاته، والأولى أن يُستدلّ على وجوب الأخذ بالوجه التالي:

إنّ لسان الروايات هو لزوم الأخذ لا استحبابه، أمّا على القول بأنّ الجميع يرجع إلى مميّز الحجة عن اللاحجة فواضح، وأمّا على القول بأنّها من مقولة المرجحات بعد وصف الخبرين بالحجية، فلأنّ المتبادر من الجمل التالية هو اللزوم لا الفضل والاستحباب.

أ: انّ المجمع عليه لا ريب فيه.

ب: ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة فيؤخذ به ويترك ما خالف.


(401)

ج: ما خالف العامّة ففيه الرشاد.

د: ما وافق القوم فاجتنبه.

إلى غير ذلك من العناوين الصريحة في لزوم الأخذ بالمرجّح وترك الآخر.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني لمّا لم يدرس الروايات واحدة تلو الأُخرى وإنّما نظر إليها نظرة عابرة ذهب إلى عدم لزوم الأخذ بذي المزية، واستدل على ذلك بوجوه أربعة، وإليك تحليل تلك الوجوه:

الأوّل: إنّ أجمع خبر للمزايا المنصوصة هو المقبولة والمرفوعة ـ مع اختلافهما ـ و ضعف سند المرفوعة جداً، والاحتجاج بالمقبولة مشكل، لقوة احتمال اختصاص الترجيح بها في مورد الحكومة لرفع المنازعة وفصل الخصومة كما هو موردها ولا وجه معه للتعدي منه إلى غيره.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح بالنسبة إلى الترجيح بالصفات وأمّا بالنسبة إلى غيرها فلا، وذلك لأنّه قد انتهى كلام الإمام أخيراً إلى بيان مرجِّحات الرواية التي بها أيضاً يقدّم أحد الحكمين على الآخر، وذلك بأن يكون مستند حكمه مجمعاً عليه أو موافقاً للكتاب والسنّة أو مخالفاً للعامة، فتكون النتيجة هو انّ ما أشار إليه من المرجِّحات مرجِّحاً للخبر بما هوهو سواء استخدمه القاضي أو المفتي.

الثاني: لا مجال لتقييد إطلاقات أخبار التخيير في مثل زماننا ممّا لا يتمكن من لقاء الإمام ـ عليه السلام ـ بهما، وذلك بوجهين:

أ: قصور المرفوعة سنداً وقصور المقبولة دلالة لاختصاصها بزمان التمكّن


1. الكفاية:2/392.


(402)

من لقائه ـ عليه السلام ـ ، والشاهد عليه عدم حكم الإمام بالتخيير بعد فقدان المرجّح، بل أمره بالإرجاء حتى يلقى إمامه.

ب: لو قلنا بلزوم التقييد يلزم حمل أخبار التخيير على مورد نادر إذ قلّما يتفق أن لا يكون هناك مرجِّح.(1)

يلاحظ على الأوّل: أنّ مقتضى قاعدة الاشتراك في التكليف عدم الفرق في الحكم بين الزمانين، مضافاً إلى أنّه إذا كان الترجيح واجباً في زمن الحضور مع إمكان لقاء الإمام يكون الترجيح في زمان الغيبة وعدم التمكّن من الإمام أمراً أولى.

ويلاحظ على الثاني: أنّه إنّما يلزم إذا قلنا بالتعدّي من المنصوص، إلى غير المنصوص وبما انّ غير المنصوص من المرجحات متوفِّر بكثرة، فلو كان العمل بذات المزية واجباً يلزم حمل أخبار التخيير على الفرد النادر، وأمّا إذا قلنا باختصاص الترجيح بمورد النص وهو لا يتجاوز عن أربعة مرجِّحات فلا يلزم حملها على الفرد النادر.

الثالث: انّ الأخذ بموافق الكتاب أو مخالف القوم يحتمل أن يكون من باب تمييز الحجة عن اللاحجة.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره وإن كان صحيحاً ولكنّه يكون دليلاً على لزوم الأخذ بذي المزية، سواء أكان مرجّحاً لأحد الخبرين أو مميّزاً للحجة منهما.

نعم هناك ثمرة بين القولين قد بيّناها فيما مضى.

الرابع: ما أشار إليه بقوله: إنّه لولا الحمل على الاستحباب للزم التقييد في


1. كفاية الأُصول: 2/393.


(403)

أخبار المرجِّحات، وهي آبية عنه، إذ كيف يمكن تقييد مثل: ما خالف قول ربنا لم أقله، أو زخرف، أو باطل.(1)

ولا يخفى انّ كلامه مجمل، والمراد انّ الترجيح بالشهرة العملية ورد في المقبولة قبل الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة، ولو قلنا بلزوم العمل بالمرجّحات يلزم تقييد الترجيح بموافقة الكتاب، بما إذا لم يكن في الجانب المخالف شهرة، وإلاّ فيقدّم المخالف، وذلك لأنّ المقبولة قدّمت الترجيح بالشهرة على الترجيح بموافقة الكتاب، فيكون الترجيح بالشهرة مقدّماً على الترجيح بموافقة الكتاب، وتكون النتيجة أنّ مخالف الكتاب الموافق للشهرة يكون مقدَّماً على موافق الكتاب وتختص مرجحيته بما إذا لم يكن المخالف موافقاً للشهرة، فيلزم تخصيص مرجّحية الكتاب بغير صورة وجود الشهرة مع أنّ لسان الأخبار في طرد مخالف المخالف آب عن التقييد، إذ معناه انّ مخالف الكتاب زخرف إلاّ إذا كان موافقاً للمشهور.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من لسان الروايات، أعني قوله: «زخرف»، أو «ما خالف قول ربّنا لم نَقُلْه» لم يردا في الخبرين المتعارضين و إنّما وردا في الخبر المخالف للقرآن، المجرّد عن التعارض وقد خلط المحقّق الخراساني بين هذين الصنفين، كما نبهنا به سابقاً.

وثانياً: أنّ التقييد إنّما يلزم إذا قلنا بكونها مرجِّحات للرواية، و أمّا لو قلنا بكونها مميزات للحجة فالتقييد غير لازم ولا معقول، لأنّ الجميع على هذا الفرض على صعيد واحد ليس لواحد منها مزية على الآخر، بل الكل يجعل الخبر الآخر في مدحرة البطلان.


1. كفاية الأُصول: 2/395.


(404)

وثالثاً: أنّ ما ذكره من الفرض أمر ذهني ليس له مصداق في الخارج، إذ كيف يتصور أن يكون المخالف المبائن للقرآن، مُجْمعاً عليه، و الموافق شاذاً؟؟!

ورابعاً: أنّ أقصى ما يلزم هو إلغاء الترتيب الوارد في رواية ابن حنظلة وبما انّ الترتيب ورد في كلام الراوي بمعنى انّه هيّأ الأرضية بسؤالاته لأن يذكر الإمام كلاً بعد الآخر فلا يعبأ بذلك الترتيب. وبالتالي يكون كلّ من الأُمور الأربعة أو الثلاثة أمارة لتشخيص الحقّ عن الباطل، في مستوى واحد كما لا يخفى.

الجهة الثالثة

في التعدّي من المنصوص إلى غيره

لو افترضنا انّ ما ذكر من المزايا مرجِّحات للرواية، فهل يقتصر عليها في مقام الترجيح أو يتعدى عنه إلى غيره كموافقه الأصل أو موافقة الإجماع المنقول وغيرهما ؟ ذهب الشيخ الأعظم إلى لزوم التعدّي خلافاً للمحقّق الخراساني، واستدلّ الشيخ الأنصاري على التعدّي بوجوه أربعة:

الوجه الأوّل: انّ الترجيح بالأصدقية في المقبولة والأوثقية في المرفوعة ليس إلاّ لأجل كونهما موجبتين للأقربية ويجب الأخذ بكلّ ما يوجب أقربية أحدهما من الآخر، وعلى ضوء هذا ينتقل إلى الترجيح بكلّ صفة في الراوي والرواية توجب أقربية أحد الخبرين، ككون الراوي مُجيداً للغة العربية دون الآخر، أو كون إحدى الروايتين منقولة بالمعنى دون الأُخرى.


(405)

يلاحظ عليه: أنّ الترجيح بهذين الوصفين لا يوجد إلاّ في المرفوعة والمقبولة، فالمرفوعة لا سند لها ،وأمّا المقبولة فموردها ترجيح رأي أحد القاضيين على الآخر، فلو قيل بالتعدّي فإنّما يصحّ التعدّي في مورد القضاء أي يتعدّى من الأوصاف المنصوصة في القاضي إلى غير المنصوصة فيه لا إلى مورد الإفتاء الذي هو خارج عن موضوع البحث.

أضف إلى ذلك انّ إيجاب الترجيح في القضاء لأجل انّ فصل الخصومة لا يتم إلاّ بصدور الرأي القاطع من القاضي ولا يصح تخيير المتحاكمين بين مضموني الروايتين، إذ عندئذ لا يحسم النزاع وأمّا باب الإفتاء فلا يجب فيه الترجيح لجواز الإفتاء بالتخيير بين الخبرين ولا يترتب عليه الفساد المترتب عليه في باب القضاء.

الوجه الثاني: ليس المراد من المجمع عليه ـ الذي وصفه الإمام بأنّه لا ريب فيه ـ الروايةَ المتواترة بل المراد الخبر الواحد المعروف بين الرواة، وعليه يكون المراد من قوله:«لا ريب فيه» هو عدم الريب بالإضافة إلى الرواية الشاذة التي لم تكن معروفة عند الأصحاب، فتكون المشهورة أقرب من الشاذة إلى الصدور، إذ يحتمل فيه مالا يحتمل في المجمع عليه، ولازم ذلك هو التعدّي إلى كلّ مزية توجب نفي الريب في واحدة دون الأُخرى، ويؤيد انّ المراد من الريب هو الريب النسبي لا الريب المطلق أمران:

1. فرض الراوي خبرين مشهورين، إذ لا يصحّ فرض خبرين مشهورين ممّا لا ريب فيهما على وجه الإطلاق.

2. إنّه لو كان المراد هو نفي الريب على وجه الإطلاق لم يكن وجه لتقديم الترجيح بصفات الراوي على الشهرة، فانّ الإرجاع إلى الأمارة الظنية إنّما يصحّ إذا فقدت الأمارة القطعية.


(406)

يلاحظ عليه: بأنّ الاستدلال مبني على أنّ المراد من الريب المنفي هو الريب النسبي لا الريب على وجه الإطلاق، بمعنى انّ الريب الموجود في الشاذ ليس بموجود في المشهور وإن كان المشهور محتمل الريب من جهات أُخرى، فعلى هذا يصحّ التعدي لكن الظاهر انّ المنفي هو الريب على وجه الإطلاق كما هو مقتضى «لا النافية للجنس».

يقول ابن مالك في نكته على مقدمة ابن الحاجب بأنّ «لا» قد تكون نافية للجنس ويُفرَّق بين إرادة الجنس وغيره بالقرائن وإنّما أعملت «اعمال ما و لا» لأنّها لما قصد بها نفي الجنس على سبيل الاستغراق اختصت بالجنس.(1)

وعلى هذا فاحتمال انّ الريب المنفي هو الريب النسبي على خلاف الظاهر. غير انّ «لما لا ريب فيه» مصداقين :

أحدهما: الخبر المتواتر، وليس هو المراد في المقام، لأنّ الراوي افترض بعد هذا السؤال خبرين مشهورين، ومن المعلوم عدم إمكان فرض خبرين متواترين متعارضين ولا وجه للسؤال عن غير الممكن.

وثانيهما: الخبر الواحد الذي تطمئن به النفس وتسكن إليه، لنقل الأصحاب وعملهم به دون الآخر الذي أعرض عنه الأصحاب نقلاً وعملاً أو عملاً فقط، فالأوّل لا ريب فيه عرفاً، والثاني فيه كلّ الريب ولا يدخل مثل ذلك في عنوان الخبر المتواتر، إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لو قلنا بالتعدي فانّما يصحّ لو كان المتعدَّى إليه مثل الشهرة العملية للرواية التي تجعل الخبر مسكوناً إليه لا مطلق المرجِّح الذي لا يجعل الخبر بلا ريب.

إلى هنا تبيّن ما هو المراد من الحديث، وإليك تحليل ما استشهد به من


1. البهجة المرضية: 67، طبعة المكتبة الإسلامية.


(407)

الوجهين:

أمّا الوجه الأوّل فحاصله: انّ فرض خبرين مشهورين دليل على أنّ المنفي هو الريب النسبي لا المطلق، وإلاّ لما أمكن فرض خبرين متعارضين ممّا لا ريب في كلّ واحد على الإطلاق، لاستلزامه العلم بالمتناقضين. ولكن الاستشهاد مبنيّ على كون المراد من خبرين مشهورين هو اشتمالهما على تلك المزية، وأمّا لو كان الفرض رمزاً لخلوهما من تلك المزية فلا يصحّ الاستشهاد، كما إذا عملت طائفة بخبر وطائفة أُخرى بخبر آخر.

وأمّا الوجه الثاني فلأنّ تقديم صفات الراوي على صفات الرواية كالشهرة ـ مع أنّ القاعدة تقتضي العكس لكون صفات الرواية ظنّية بخلاف الشهرة فانّها قطعية ـ هو انّ مورد السؤال هو اختلاف الحكمين، وطبع القضية يقتضي تقديم صفات الحاكم على غيره، وإلاّ فلو كان مورده السؤال عن الفتوى لكان اللازم تقديم الشهرة على صفات الراوي.

وبالجملة تقديم الترجيح بصفات الراوي لا يكون دليلاً على أنّ الريب المنفي هو الريب النسبي، بل المنفي هو الريب المطلق المفيد لليقين، وأمّا تقديم المرجح الظني عليه فلخصوصية في المورد.

الوجه الثالث: التعليل الوارد في الأخذ بما يخالف العامة بأنّ الرشد في خلافهما، ومن الواضح انّه ليس المراد انّ كلّ ما يكون مخالفاً للعامة فهو الحقّ القراح، وكلّ ما يكون موافقاً لهم فهو الباطل المحض ضرورة بطلان ذلك، لوجود الاشتراك في كثير من الأحكام، بل المراد وجود احتمال التقية في الموافق دون المخالف، ففي المخالف أمارة الحقّ والرشد بخلاف الموافق، ولازم ذلك الأخذ بكلّ مزية فيه أمارة الحقّ والرشد وترك ما فيه مظنة الحقّوالصواب.


(408)

يلاحظ عليه : أنّ الرواية المزبورة وردت عن طريق أحمد بن محمد السياري(1) و هو ضعيف الحديث فاسد المذهب.(2)

نعم ورد في المقبولة ما خالف العامة ففيه الرشاد، وأقصى ما يمكن أن يقال: انّه إذا بلغت المزية غير المنصوصة هذا الحد يجب الأخذ به، وهو غير الأخذ بكلّ مرحِّج ظني.

الوجه الرابع: قوله: «دع ما يريبك إلى مالا يريبك» دلّ على أنّه إذا دار الأمر بين أمرين في أحدهما ريب ليس في الآخر ذلك الريب يجب الأخذ به، وليس المراد نفي الريب المطلق.

يلاحظ عليه: أنّ الرواية ضعيفة مرسلة رواها الشهيد في «الذكرى» عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، وقال ـ عليه السلام ـ :«دع ما يريبك إلى مالا يريبك». كما رواه الكراجكي في «كنزه»، قال: «دع ما يريبك إلى مالا يريبك، فانّك لن تجد فقد شيء تركته للّه عزّ وجلّ».(3)

لكن المراد من الريب هو احتمال الحرمة، كما هو الظاهر من قوله «تركته للّه».

هذا كلّه حول دليل القائل بالتعدّي، وأمّا دليل القائل بعدمه فهو مقتضى إطلاقات التخيير إلاّما خرج بالدليل، ويؤيد ذلك أمران:

الأوّل: انّه لو لزم العمل بكلّ مزية توجب أقربية ذيها إلى الواقع، لكان على


1. الوسائل: 18/82، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 23.
2. رجال النجاشي: 1/211، برقم 190.
3. الوسائل: 18/124، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 47.


(409)

الإمام بيان الضابطة الكلية من دون حاجة إلى بيان الخصوصيات.

الثاني: انّ الإمام بعد فرض الراوي في المقبولة تساوي الخبرين في جميع المرجحات المنصوصة أمر بالإرجاء حتى يلقى إمامه، فلو كان الواجب هو تقديم ذي المزية على غيرها كان عليه أن يقول: اعمل بالخبر الذي فيه مزية توجب الأقربية.

تمّ الكلام في الجهة الثالثة ، بقي هنا شيء، وهو ما هو الواجب في المتعارضين بنحو العموم والخصوص من وجه؟ ونجعله خاتمة المطاف.


(410)

خاتمة المطاف

في التعارض على نحو العموم والخصوص من وجه

قد وقفت بفضل البحث الضافي في الفصلين على أمرين:

أ: الجمع المقبول بين الروايتين، مقدّم على الأخبار العلاجية من التخيير والترجيح.

ب: إذا كانت النسبة بين الخبرين هو التباين، فيجب العمل بالرواية ذات المزية، وإلاّ فالتخيير .

بقي الكلام فيما إذا كان التعارض بين الخبرين على نحو العموم من وجه، كما إذا دلّ الدليل على نجاسة عذرة ما لا يؤكل لحمه، و دلّ دليل آخر على طهارة عذرة كلّ طائر، فيفترق الدليلان في موردين أحدهما: عذرة الوحوش، فإنّها داخلة تحت إطلاق الدليل الأوّل، وثانيهما:عذرة الطائر الذي يؤكل لحمه، فإنّها داخلة تحت إطلاق الدليل الثاني، وإنّما يتعارضان في الطائر غير المأكول لحمه كما فيما إذا كان له مخالب، فهل المرجع هو التساقط والرجوع إلى دليل آخر من اجتهادي كالعموم والإطلاق، وأصل عمليّ إذا لم يكن دليل اجتهادي; أو المرجع هو الأخبار العلاجية من الترجيح أوّلاً والتخيير ثانياً؟

استدل للقول الأوّل بأنّ المتبادر من الأخبار العلاجية هو دوران الأمر بين الأخذ بالشيء بتمامه، وترك الآخر كذلك، أو بالعكس كما هو الظاهر من قوله:


(411)

«أحدهما يأمر والآخر ينهى» والأمر في العامّين من وجه ليس كذلك، إذ لا يدور الأمر بين الأخذ بواحد منهما وترك الآخر أو بالعكس، بل يؤخذ بكلّ في موردي الافتراق، وإنّما الاختلاف في مورد الاجتماع، فالعُقاب بما انّه حيوان غير مأكول يحكم عليه بالنجاسة. وبما انّه طائر يحكم عليه بالطهارة.

ومنه يعلم حكم أخبار العرض على الكتاب والسنّة وفتاوى العامّة، فانّ الظاهر هو الأخذ بتمام ما وافق كتاب اللّه وترك تمام ما خالفه، ومثله ما وافق العامّة أو خالفها، فإنّ المتبادر هو أخذ تمام ما خالف العامة و ترك كلّ ما وافقهم، والأمر في العموم من وجه ليس كذلك، لأنّه يؤخذ بكلا الدليلين، ولا يترك الآخر بتاتاً.

ثمّ إنّ الشيخ ذهب إلى القول الثاني قائلاً: إنّ التعارض يصدق عرفاً وانّ العامين من وجه داخل في الأخبار العلاجية، إذ تخصيصهما بخصوص المتعارضين اللّذَين لا يمكن الجمع بينهما إلاّ بإخراج كليهما عن ظاهريهما خلاف الظاهر.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر خلاف ما ادّعاه ،لما عرفت من أنّ قوله: «أحدهما يأمر و الآخر ينهى»ظاهر في دوران الأمر بين الأخذ بأحدهما تماماً وترك الآخر كذلك، وهذا الشرط مفقود في العامّين من وجه، ومثله قوله: خذ ما وافق الكتاب أو خذ ماخالف العامة، فانّه ظاهر في الأخذ بتمام الخبر الموافق للكتاب أو الخبر المخالف للعامة وترك الآخر من رأس لا تركه في مورد الاجتماع والعمل به في مورد الافتراق.

نعم يمكن تقريب ما أفاده الشيخ من وجه آخر وهو التمسّك بالملاك بأن يقال انّ الأخبار العلاجية بصدد إعطاء الضابطة، فلو لم تكن شاملة للعامين من وجه بلفظها، فإنّها شاملة لهما بمناطها إذ أيّ فرق بين المخالفة بتمام المضمون أو


1. فرائد الأُصول:453.


(412)

ببعضه، فانّ أحد الحكمين في مورد التصادق مخالف للكتاب أو موافق للعامة فيؤخذ بغيره.

أقول: هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه نظرية الشيخ، ولكنّ العلم بالملاك أمر صعب، إذ فرق واضح بين المخالفة بنحو التباين، والمخالفة بنحو العموم من وجه. فالمخالفة في الأوّل قوّية بخلاف المخالفة في الثانية فإنّها أضعف ولا يمكن إسراء حكم القوي إلى الضعيف إلاّ إذا كان هناك دليل قاطع، والقول بأنّ الملاك صرف المخالفة، وهي موجودة في العامين من وجه يحتاج إلى الدليل.

والذي يؤيد القول المختار هو ما عرفت أنّ تقديم الخبر المجمع عليه أو كونه موافقاً للكتاب والسنّة من قبيل تقديم الحجة على اللاحجة لا من باب الترجيح، وهذا إنّما ينطبق على المخالفة بنحو التباين لا على نحو العامين من وجه، إذ ليس كلّ من الدليلين في موردي الاختلاف أمراً باطلاً، والتفكيك بين مورد الاتفاق بوصفه حجّة ومورد الاختلاف بوصفه لا حجة أمر لا يقبله الذوق.

سؤال وإجابة

بقيت هنا كلمة وهي انّه ربّما يبحث عن العامّين من وجه في مبحث اجتماع الأمر والنهي، وأُخرى في المقام:

وعندئذ يطرح هذا السؤال وهو: انّه كيف يعدُّ شيء واحد تارة من باب التزاحم، كما هو الحال في طرحه في باب اجتماع الأمر والنهي; وأُخرى في باب التعارض، كما هو الحال في طرحه في المقام؟

والحاصل انّ قولنا: «صلّ ولا تغصب» نظير قولنا: «أكرم العلماء ولا تكرم الفسّاق»، حيث يعد الأوّل من باب التزاحم بخلاف الآخر حيث يعدّ من باب


(413)

التعارض، ولم نجد أحداً يعالج المثال الأوّل من باب التعارض، كما أنّه لم نجد من يعالج المثال الثاني من باب التزاحم مع أنّ المثالين من باب واحد.

قلت: إنّ هذه المسألة وصفها الشيخ المظفر بأنّها من المسائل العويصة، مشكلة التفرقة بين باب التعارض و بين باب التزاحم ثمّ بينهما وبين مسألة الاجتماع .

وقد أجاب بالنحو التالي:

إنّ العنوان المأخوذ في متعلّق الخطاب من جهة عمومه على وجهين:

1. أن يكون ملحوظاً في الخطاب، فانياً في مصاديقه على وجه يسع جميع الأفراد بما لها من الكثرات والمميّزات فيكون شاملاً في سعته لموضع الالتقاء مع العنوان المحكوم الآخر ولا نضايقك أن تسمّي مثل هذا العموم، العموم الاستغراقي، فيكون كلّ دليل متعرضاً لحكم كلّ فرد من أفراده، فلو قال: أكرم العلماء، فهو بمنزلة أن يقول: أكرم العلماء حتى الفسّاق منهم; ولو قال: لا تكرم الفسّاق، فهو بمنزلة أن يقول: لا تكرم الفسّاق حتى العلماء منهم، فيكون كلّ، نافياً بالدلالة الالتزامية لكلّ حكم مناف لحكمه.

2. أن يكون العنوان ملحوظاً في الخطاب فانياً في مطلق الوجود، المضاف إلى طبيعة العنوان من دون ملاحظة كونه على وجه يسع جميع الأفراد، أي لم تلحظ فيه الكثرات والمميزات في مقام الأمر بوجود الطبيعة ولا في مقام النهي عن وجود الطبيعة الأُخرى، فيكون المطلوب من كلّ، هو صرف الوجود ولنسمِّ هذا العموم العمومُ البدلي كما صنع بعضهم.

فلو كان العنوان مأخوذاً على النحو الأوّل، فهو من مصاديق المتعارضين،


(414)

لأنّهما يتكاذبان بالنسبة إلى موضع الالتقاء من جهة الدلالة الالتزامية في مقام الجعل و الإنشاء.

وإن كان العنوان مأخوذاً على النحو الثاني، فهو مورد التزاحم أو مسألة اجتماع الأمر والنهي، وبما انّ الأمر بالصلاة لم يكن ظاهراً في طلبها حتى في مورد الغصب، وهكذا النهي عن الغصب حيث لم يكن ظاهراً في النهي عنه حتى في مورد الصلاة.فلا معارضة بين الدليلين في مقام الجعل والإنشاء، بل المنافاة لأجل عدم قدرة المكلّف بين الامتثالين، فيدور الأمر بين امتثال الأمر و امتثال النهي، إذ لا يمكنه امتثالهما معاً من جهة عدم المندوحة.(1)

يلاحظ عليه :أنّ تفسير المتعارضين في العامين من وجه بالعام الاستغراقي، وتفسير المتزاحمين بالعام البدلي غير تام لا في جانب الأوّل ولا في ناحية الثاني.

أمّا المتعارضان منهما فربما يكون المأمور به والمنهي عنه في كلا الدليلين صرف الطبيعة من دون دلالة على الكثرات والمميزات حتى يعمّ كلّ فرد فرد حتى المقارن، بالعنوان الآخر، كما في قولك: «أكرم العالم، ولا تكرم الفاسق» فانّهما بمنزلة قولنا: صلِّ،ولا تغصب، وإنّما يصحّ ما ذكره إذا كان الدليل مقروناً بما يدل على الكثرات، كالجمع المحلّى باللاّم، مثل العلماءُ الفسّاق، دون المفرد المحلّى بها، الدال على الطبيعة.

وأمّا المتزاحمان، فقولنا: «صل» وإن كان بحكم العام البدلي، فانّ المطلوب فرد من أفراد الصلاة، إلاّ أنّ قولنا:«لا تغصب» ليس كذلك، إذ المطلوب ترك جميع أفرادها وقد ارتكز في أذهان العرف انّ نفي الطبيعة إنّما هو بنفي جميع


1. أُصول الفقه: 1/285ـ 290.


(415)

أفرادها.

والحق ما أفاده المحقّق الخراساني في الفرق بين البابين من أنّه لا يكون المورد من باب الاجتماع إلاّ إذا أحرز في كلّواحد من متعلّقي الإيجاب والتحريم، مناط حكمه مطلقاً حتى في مورد التصادق والاجتماع، وأمّا إذا لم يحرز مناط كلّ من الحكمين في مورد التصادق مع العلم بمناط أحد الحكمين بلا تعيين بالمورد، فهو من باب التعارض للعلم الإجمالي حينئذ بكذب أحد الدليلين الموجب للتنافي بينهما عرضاً.(1)

أقول: إنّ إحراز المناط في كلّ من المتعلّقين فرع إحراز صدورهما شرعاً من الشارع بالتواتر وبالخبر الواحد المحفوف بالقرائن، وإلاّ لا يكون هناك علم باشتمالهما على المناط، لاحتمال كذب واحد منهما أو كليهما. فيختصّ التزاحم بما إذا علم صدور الحكمين.

بخلاف باب التعارض، إذ ليس هناك علم بصدور واحد منهما فضلاً عن كليهما، وإنّما قام الدليل القطعي على كون الدليلين حجة شرعية مع احتمال كذب أحدهما أو كليهما، ولذلك لم يحرز وجود المناط حتى في واحد منهما.

وممّا ذكرنا يظهر النظر في قول المحقّق الخراساني حيث قال مع العلم بمناط أحد الحكمين بلا تعيين. فإنّ محط البحث في المتعارضين في الأعمّ منه وممّا إذا لم يحرز وجوده في واحد منهما وإن قام الدليل على كونهما حجة، وقد أوضحنا ما ذكرناه عند البحث عن اجتماع الأمر والنهي فلاحظ.(2)


1. كفاية الأُصول: 1/241 بتصرف يسير.
2. المحصول:2/191.


(416)

بلغ الكلام إلى هنا ليلة الأحد ثاني شهر صفر المظفّر من شهور

عام 1421 من الهجرة النبوية .

وتمّ الكتاب بيد مؤلِّفه محمد حسين الحاج العاملي،

عامله اللّه بلطفه الخفيّ أحمده سبحانه وأشكره على نشر

ما أفاده شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ

في المباحث العقلية وأرجو منه

سبحانه أن يوفقني لنشر ما كتبته

في حقل الفقه انّه بذلك قدير

وبالإجابة جدير.


(417)

القواعد الأربع


(418)


(419)

بسم الله الراحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين الهداة المهديّين.

أمّا بعد; فقد ذيّلنا مبحث الاستصحاب بالبحث عن نسبته إلى الأُصول العقلية والشرعية وكيفية علاج تعارض الاستصحابين، لكن بقي هناك بحث يبيّن نسبة الاستصحاب مع القواعد الأربع، أعني:

1. قاعدة اليد.

2. قاعدة التجاوز والفراغ.

3. قاعدة أصالة الصحّة في فعل الغير.

4. قاعدة القرعة.

فقد أفاض شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ القول في حقيقة هذه القواعد، ودلائل حجّيتها، و ما يترتّب عليها من الفروع، وناقش جملة من الآراء، ولمّا كان ما أفاده طويل الذيل، مترامي الأطراف، أفردناه بالتأليف على أمل أن يكون نافعاً للفضلاء الكرام و لم آلُ جهداً في تحرير ما أفاده، وتبيين ما قرّره، والمرجو من اللّه تعالى أن يجعله ذخراً في الدارين، انّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

محمد حسين الحاج العاملي

قم ـ عشّ آل محمّد

رجب المرجب 1420هـ


(420)

القواعد الأربع

1
قاعدة اليد

إنّ الحافز لطرح هذه القاعدة وما يليها من القواعد إنّما هو لبيان النسبة بينها و بين الاستصحاب، وانّه في مورد التعارض هل تقدّم تلك القواعد عليه أو يقدّم الاستصحاب عليها؟ فصار ذلك سبباً لطرح هذه القواعد الأربع في ذيل

الاستصحاب في الكتب الأُصولية استطراداً.

والقواعد الأربع عبارة عن:

1. قاعدة اليد،2. قاعدة أصالة الصحة في فعل الغير، 3. قاعدة أصالة الصحة في فعل النفس، 4. قاعدة القرعة.

وهذه القواعد أدوات بيد الفقيه في أبواب مختلفة، فلنشرح القاعدة الأُولى، أعني: «قاعدة اليد»، وهي غير قاعدة «على اليد»; فالأُولى آية الملكية، والثانية سبب الضمان. فقاعدة اليد تشير إلى أنّ الاستيلاء سبب أو دليل الملكية، وعليه سيرة العقلاء; كما أنّ القاعدة الثانية تشير إلى أنّ الاستيلاء على مال الغير موجب للضمان، ويدلّ عليه قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي». وكلتا القاعدتين من أدوات القضاء.

فبالأُولى يُعرف المدّعي عن المنكر، وبالثانية يحكم على ضمان من أتلف العين أو المنافع المستوفاة بل غيرها أيضاً.


(421)

ثمّ إنّ قاعدة اليد قاعدة فقهية وليست مسألة أُصولية، وتتميّز المسألة الأُصولية عن القاعدة الفقهية بأمرين:

أ: انّ محمول المسألة الأُصولية لا يكون حكماً شرعياً عمليّاً ولا منتزعاً عن أحكام شرعية، مثل قولنا : الأمر يدلّ على الوجوب، أو النهي يدلّ على التحريم، أو وجود الملازمة بين المقدّمة وذيها في الحكم، فالمحمول في هذه المسائل الثلاث ليس حكماً شرعياً، بخلاف القاعدة الفقهية فالمحمول فيها إمّا حكم شرعي مثل الصلح جائز بين المسلمين; أو منتزع من أحكام شرعية عملية، مثل قولنا: كلّ ما يضمن بصحيحه ـ كالبيع والإجارة ـ يضمن بفاسده.

«وأمّا المقام» فالمحمول في قولنا:«اليد سبب الملكية» أو آيتها، حكم شرعي إمضائي. والأوّل كما في الحيازة فإنّه سبب الملكية فتحدث رابطة اعتبارية عقلائية بين المحيز والمحاز ولا تنتفي إلاّ بالإعراض أو بالنقل بأحد الوجوه الناقلة أو الانتقال القهري كالإرث، والثاني كما في مورد الاستيلاء الحاصل عن سبب شرعي كالإرث والنقل فهو عند الشكّ آية الملكية ودليل عقلائي عليها.

ب: انّ المجتهد والمقلّد أمام القاعدة الفقهية سواء، بخلاف المسألة الأُصولية فانّ إجراءها بيد المجتهد دون المقلّد، لأنّ الفحص عن المعارض وتشخيص موارد الأمارات والأُصول من وظائف المجتهد، بخلاف القاعدة الفقهية فانّ العمل بها يعمّ كلا الفريقين .

وهذا الميزان أمر غالبي لا دائمي، إذ ليس كلّ قاعدة فقهية رمية لكلّ رام، وربّما يتوقف العمل بها على مؤهّلات لا تتوفر إلاّ في المجتهد كما هو غير خفيّ على أهله.

إذا عرفت هذه المقدّمة، فلندخل في صلب الموضوع ضمنَ مقامات:


(422)

المقام الأوّل

ما هو المقصود من اليد في القاعدة؟

اليد في اللغة هي الجارحة، ولكنّها استعيرت في المقام للاستيلاء، وما ذلك إلاّ لأنّ الاستيلاء يتحقّق غالباً باليد دون سائر الأعضاء، ولذلك نرى أنّه سبحانه ينسب المعاصي إلى اليد مع أنّها تتحقّق بغيرها أيضاً، يقول سبحانه: (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيديكُمْ وَانَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبيد) .(1)

ويوضح ذلك انّ اليد كانت هي الوسيلة الوحيدة لحيازة الأشياء للإنسان البدائي، فكان يصيد باليد ويحوز بها، وبها يجتني الثمرة من الشجرة ويعدّ نفسه أولى، ولذلك نرى أنّ الإمام عليّاً ـ عليه السلام ـ يعبر عن استيلاء المجاهدين على الغنائم بالاجتناء باليد ويقول لعبد اللّه بن زمعة: «إنّ هذا المال ليس لي ولا لك، فإن شركتَهم في حربهم كان لك مثل حظهم، وإلاّ فجَناةُ أيديهم لا يكون لغير أفواههم».(2)

وعلى ذلك صار العقلاء وجعلوا اليد آية الملكية، ويراد منها مطلق الاستيلاء سواء تحقّق باليد الجارحة أو غيرها، مع العلم بأنّ استيلاء كلّ شيء بحسبه، فالاستيلاء على الفرس بالركوب عليه لا بوضع اليد، والاستيلاء على البيت بالإسكان فيه، والاستيلاء على الحديقة والمعدن والسيارة بحسبها، وكلّ ما


1. آل عمران:182. ولاحظ الروم:41; البقرة:195 وغيرها.
2. نهج البلاغة، الخطبة 232.


(423)

تطورت الحضارة اختلفت أساليب الاستيلاء، و ربما لا يُصدَّق قول المستولي إلاّ بتسجيل العقار في دائرة ثبت الأملاك.

وعلى كلّ تقدير فالملاك هو صدق الاستيلاء العرفي حتى يكون مصداقاً لليد المتسلّطة.

المقام الثاني

في اعتبار اليد

اتّفق العقلاء على حجّية اليد وعليها دعامة الحياة ونظام المعاملات ولو أُلغيت لانهار نظام حياتهم التجاريّ، إذ من المتعذّر أن يقيم كلّ إنسان شاهداً على ملكية ما تحت يده أو أن يسجِّل كل ما يستولي عليه في دائرة رسمية.

ثمّ من المحتمل أن تكون الفلسفة الاجتماعية لاعتبار اليد دليلاً على الملكية وأمارة بها، هي انّ الطابع الغالب للاستيلاء في القرون الغابرة كان هو الاستيلاء بأساليب قانونية معترفاً بها عرفياً، وأمّا الاستيلاء ظلماً وعدواناً فلم يكن بتلك الدرجة من الكثرة، فصار ذلك سبباً لإمضاء العقلاء مطلق الاستيلاء وجعله كاشفاً عن الملكية طيلة قرون كما أمضاه الشارع قولاً و تقريراً. وتبعه المتشرّعة والفقهاء عبْر القرون، فالدليل المهم لكونه كاشفاً عن الملكية هو السيرة.

نعم ليس للسيرة لسان، فاستصحاب كونه أمارة أو أصلاً محرزاً أو أصلاً تعبّدياً يتوقف على لحاظ الروايات الممضية لها.


(424)

المقام الثالث

في أنّ اليد أمارة

قد عرفت أنّ الطابَع الغالب للاستيلاء هو الاستيلاء المشروع، فصار ذلك سبباً لكاشفيته عن الملكية، إلاّ إذا كان الغالب عليه عدم الملكية، كما في يد السارقين واللصوص والغاصبين والسماسرة فلا يتعامل معهم معاملة اليد المالكة.

هذا هو حال السيرة، وأمّا الأخبار فهي على طوائف:

1. ما يدلّ على اعتبارهامن دون دلالة على كونها أمارة أو أصلاً.

2. ما يدلّ على أنّها أمارة للملكية.

3. ما يستظهر منها انّها أصل.

وإليك دراسة هذه الطوائف:

الطائفة الأُولى: ما هي ظاهرة في اعتبارها فقط

وهي ثلاث روايات:

1. ما رواه العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: سألته عن مملوك ادّعى أنّه حر ولم يأت ببيّنة على ذلك أشتريه؟ قال: «نعم».(1) وما ذلك إلاّ لأنّ استيلاء المالك عليه، آية كونه مالكاً له، ولا يُسمع قول مدّعي الحرّية إلاّ ببيّنة.

2. ما رواه حمزة بن حمران ، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : أدخل السوق


1. الوسائل: 13/30، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.


(425)

وأُريد اشتري جارية، فتقول: إنّي حرّة؟ فقال:« اشترها إلاّ أن يكون لها بيّنة».(1) والاستدلال بها مثله في الرواية السابقة.

3. مكاتبة محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمّد ـ عليه السلام ـ : رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطِّل هذه الرحى، أله ذلك أم لا؟ فوقّع ـ عليه السلام ـ : «يتّقي اللّه، ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضرّ أخاه المؤمن».(2) فإنّ وجود الرحى دليل على استيلائه على أنّ له حقّ الانتفاع بالماء.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على كونها أمارة للملكية

4. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ ، قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق؟ فقال:« إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به».(3)

5. وفي رواية أُخرى له عن أحدهما عليمها السَّلام في حديث قال: وسألته عن الورق يوجد في دار؟ فقال: «إن كانت الدار معمورة فهي لأهلها، وإن كانت خربة فأنت أحقّ بما وجدت».(4) ولعلّها نفس الرواية السابقة غير انّ المسؤول في الأُولى مشخص وهو أبو جعفرـ عليه السلام ـ دون الأُخرى.

6. صحيحة جميل، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ رجل وجد في منزله ديناراً؟قال: «يَدْخل منزلَه غيرُه؟» قلت: نعم، كثير، قال: «هذا لقطة».


1. الوسائل: 13/31، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث2.
2. الوسائل: 17/343، الباب 15 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1.
3. الوسائل: 17/354، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 1.
4. الوسائل: 17/355، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 2.


(426)

قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً» قال: «يُدخِل أحد يدَه في صندوقه غيره، أو يضع فيه شيئاً؟»

قلت: لا، قال:« فهو له».(1)

ترى أنّ الإمام فرّق بين الدار غير المختصة لأهلها، فجعل الورق الذي يوجد فيها لقطة، لعدم دلالة اليد في ذلك المكان على المالكية، لكثرة تردّد الأفراد واختلافهم إليها، كالديوانية للعلماء، وبين الصندوق الذي لا يُدْخل غيرُ المالك يدَه فيه فجعله له، فقوله : «فهو له» ظاهر في الملكية.

7. عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ في امرأة تموت قبل الرجل، أو رجل قبل المرأة؟ قال: «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، و ما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شيء منه فهو له».(2)

ترى أنّ الإمام جعل الاستيلاء دليلاً على الملكية، فالضمير المجرور، أعني: «منه»، في قوله : «فمن استولى على شيء منه فهو له» يرجع إلى مطلق المتاع حتى و إن كان من مختصّات النساء، واللام في قوله: «له» للملكية، فالاستيلاء دليل


1. الوسائل: 17/353، الباب 3 من أبواب اللقطة، الحديث 1. ولاحظ مستدرك الوسائل: 17/128، الباب 4 من أبواب اللقطة، الحديث 1، رواية القاضي نعمان المصري عن أمير المؤمنين; ولاحظ المقنع: 127، حيث أفتى بنص الحديث الخامس.
2. الوسائل: 17/525، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3. ولم يرد فيه الصنف المختص بالرجال كالسيف والقلنسوة والميزان وكأنّه مفهوم من قرينة التقابل، ولكن وردت في الرواية الناقلة لفتوى إبراهيم النخعي لاحظ الحديث 1 من ذلك الباب.
ولاحظ أيضاً الوسائل: 17/523، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.فقد اعتمد الإمام فيه على أنّ متاع البيت للمرأة على الشهود الذين رأوا انّ المتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت الزوج لا على اليد.


(427)

الملكية مطلقاً حتى في مختصّات النساء.

وإنّما يستدل بالخصوصية إذا لم يكن لأحدهما استيلاء، وعليه فما يختصّ بالرجل فهو له و ما يختصّ بالمرأة فهو لها إلاّ إذا استولى أحدهما عليه.

ويحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى خصوص متاع البيت المشترك الذي حكم فيه الإمام بالتقسيم بالمناصفة وأنّ الاشتراك دليل على ملكيتهما لولا استيلاء واحد منهما على شيء منه و إلاّ فهو للمستولي، وعلى ذلك فيستدل بالاستيلاء بعد إخراج ما يختصّ بأحدهما على نفي الاشتراك.

والعجب ممّن يفسر قوله« فهو له» على ترتيب آثار الملكية على ما استولى عليه وانّ هذا المعنى يجتمع مع الأمارية والأصلية.

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر منه انّه ملك له واقعاً لأجل الطريق لا انّه يُبنى على كونه مالكاً ويؤخذ بأحد طرفي الشكّ على أنّه الواقع كما هو حال الأصل المحرز.

هذا بعض ما وقفنا عليه من الروايات الدالة على الملكية، وفي الحوار الذي دار بين الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وأبي بكر عندما سأل الإمام عن بيّنته على ملكية «فدك » الّتي كانت تحت يد الإمام، ما يدلّ على أنّ اليد أمارة الملكية.(1)

الطائفة الثالثة: ما يستشم منه كونها أصلاً

8. ما رواه حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: قال له رجل: إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال: «نعم».

قال الرجل: أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره؟


1. الوسائل: 18/215، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3وسيوافيك الكلام فيه.


(428)

فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : «أفيحلّ الشراء منه؟» قال: نعم، فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : «فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك، ثمّ تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه. ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟».

ثمّ قال أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».(1)

وجه الاستدلال: انّ الإمام ـ عليه السلام ـ علّل تنفيذ اليد بأنّه لولاه يلزم العسر والحرج فأنفذها الشارع لرفع الحرج وهذا يناسب كونها أصلاً.

ولكن الإمعان في صدر الرواية يعرب عن كونها أمارة عند الإمام، لأنّ شبهة السائل كانت ناشئة عن كون الشهادة مأخوذة من الشهود وهو المعاينة، والذي يعاينه الإنسان كونه في يده لا أنّه ملْكُه. فأجاب الإمام بأنّه إذا اشتريت منه هل يصحّ لك أن تقول ملكتُ وهل يصحّ أن تحلف على أنّك مالك؟! فإذا جازت الشهادة على ملكية المشتري وجاز الحلف عليها فلِمَ لا تجوز الشهادة على الأصل وهو ملكية البائع مع أنّ ملكية المشتري فرع ثبوتها للبائع، فهل يصح أن يشهد على الفرع دون الأصل؟

ولما كان شبهة الراوي في جواز الشهادة على الملكية، لأجل تصوّر انّ الشهادة لا تجوز إلاّ على الأمر الواقعي وهو بعد لم يثبت أوضح الإمام بأنّ الشهادة تجوز بأحد أمرين:

أ: العلم الجزمي وهو منتف في المقام.

ب: باليد والاستيلاء بشهادة انّ الرجل بعد الشراء يعرف نفسه مالكاً ويحلف عليه، وليس هذا إلاّ كون اليد أمارة عليها في كلا الموردين.


1. الوسائل: 18/215، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.


(429)

وأمّا تعليل الشهادة على الملكية باختلال أمر الحياة عند عدم التنفيذ، فهو من قبيل الحِكَم لا العلّة، لأنّ الحكمة في اعتبار أكثر الأمارات هو انّ عدم تنفيذها موجب لاختلال النظام، كحجية الظواهر وحجّية قول الثقة وحجّية قول أهل الخبرة و التخصّص.

9. ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: سمعته يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك، قد اشتريته وهو سرَقة، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خُدِعَ فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة».(1)

إنّ الصدر، أعني قوله: «هو لك»، يمكن أن يكون ناظراً إلى قاعدة اليد كما يمكن أن يكون ناظراً إلى أصل البراءة، فلو جعلنا قوله: «هو لك» وصفاً لقوله «كلّ شيء»، وقولَه «حلال» خبراً للمبتدأ يكون دليلاً على قاعدة اليد فيكون المعنى :كلّ شيء مفروض انّه لك ( مفروض انّه باختيارك كالثوب والعبد والزوجة) حلال حتى تعلم أنّه حرام، وعلى هذا جعل الاستيلاء في ظرف الشك حجة على الملكية وهذا يناسب كونه أصلاً.

نعم لو جعلنا قوله:«هو» ضميرَ فصل و مبتدأً ثانياً، وجعلنا قوله:«حلال» خبراً له، والجار والمجرور، أعني قوله:«لك» من متعلّقات الخبر، ينطبق على قاعدة البراءة، فيكون المعنى: «كلّ شيء ـ هو ـ حلال لك حتى تعلم أنّه حرام بعينه» فعندئذ ينطبق على أصل البراءة لا على قاعدة اليد.


1. الوسائل: 12/60، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة، الحديث 4. و في السند هارون بن مسلم بن سعدان، وهو ثقة. ولم يوثق مسعدة بن صدقة بالخصوص.


(430)

فلو قلنا بالتفسير الأوّل يكون الاستيلاء في ظرف الشكّ موضوعاً للحكم بحلّية التصرّف فيكون أصلاً لا أمارة، إذ لو كان أمارة لكان طارداً للشكّ لا حافظاً له.

إنّما الكلام في تعيّن التفسير الأوّل فإنّه على خلاف الظاهر، والظاهر هو التفسير الثاني، كما عليه المشهور في تفسير الرواية.

المقام الرابع

في الاستيلاء على الحقوق

قد عرفت أنّ الاستيلاء على العين أمارة الملكية وربّما لا تكون العين ملكاً للمستولي ولكن يكون له حقّ فيها، كحقّ الاختصاص بالخلّ المتبدَّل إلى الخمر، ومثله الميتة، فيقال: إنّ مالك الخل والحيوان الذي مات حتف أنفه ذو حقّ بالنسبة إلى الخمر وميتة الحيوان، فيكون الاستيلاء على العين دليلاً على الاستيلاء على الحقوق، نظير ذلك، ما رواه محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمّدـ عليه السلام ـ : رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويُعَطّل هذه الرحى، أله ذلك أم لا؟ فوقّع ـ عليه السلام ـ : «يتّقي اللّه ،ويعمل في ذلك بالمعروف، ولا يضرّ أخاه المؤمن».(1)

فإنّ استيلاء صاحب الرحى على الانتفاع بالماء عرفاً حيث إنّه كان يمرّ عن طريق رحاه يعدّ دليلاً على كونه ذا حق.

وبذلك يتبيّن جريان الاستيلاء وقاعدة اليد في النسب والأعراض، فلو


1. الوسائل: 17/343، الباب 15 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.


(431)

تنازع شخص مع آخر في زوجة تحت يدهما، أو ولد في بيته، فيحكم على الزوجة والولد بأنّها زوجة من هي تحت يده، ومثله الولد.

وقد عرفت أنّ فلسفة اعتبار اليد هو أنّ مناشئ الاستيلاء في العصور السابقة كانت مناشئ صحيحة، خصوصاً بالنسبة إلى الأعراض و الأولاد، فإنّ الاستيلاء على عرض الغير وولده أمر نادر، فاعتبر الاستيلاء على الحقوق وصار دليلاً عليها كما هو الحال في الأعيان.

المقام الخامس

الاستيلاء على المنافع

إنّ العين رمز المنافع ووجود إجمالي لها ولولا اشتمالها على المنافع لم يرغب أحد في الاستيلاء عليها.

إنّما الكلام في صحّة الاستيلاء على المنافع، فهل الاستيلاء على المنافع في طول الاستيلاء على العين أو في عرضها أو لا استيلاء عليها؟

فالحقّ هو الأوّل بمعنى أنّ الاستيلاء على العين عند التحليل يُعد استيلاء للمنافع، فمالك العين في ضمن الاستيلاء عليها، مستول عند التحليل على منافعها.

وبعبارة أُخرى: انّ العين لمّا كانت رمزاً للمنافع يعدُّ التسلّط عليها تسلّطاً على المنافع في ضمنها، وهذا هو المراد من أنّ الاستيلاء على المنافع في طول الاستيلاء على العين، لا بمعنى أنّ هنا استيلاءين مستقلّين أحدهما بعد الآخر، بل


(432)

استيلاء واحد على العين ظاهراً وعلى المنافع عند التحليل، فالاستيلاء الثاني هو الوجود التفصيلي للاستيلاء الأوّل.

وربما يقال بعدم إمكان الاستيلاء على المنافع وذلك لأنّ المنفعة من الأُمور التدريجية غير قارّة الذات لا يوجد جزء منها إلاّ بعد انعدام جزء آخر،ومثل ذلك لا يمكن أن يقع طرفاً للإضافة بينها و بين الإنسان، لامتناع تحقّق الإضافة بين الموجود والمعدوم.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتمّ لو قلنا بأنّ المنافع تقع تحت الاستيلاء في عرض الاستيلاء على العين، وأمّا إذا كان الاستيلاء عليها من خلال الاستيلاء على العين فلا يرد الإشكال، لأنّ مصحّح الاستيلاء على المنافع هو وجود الاستيلاء على العين وكونها رمزاً لوجود المنافع وتحقّقها، وكأنّ العين في نظر العقلاء هو المنافع المتجسّدة في الخارج.

وبما ذكرنا يعلم أنّ الإجارة عبارة عن تسليط الغير على العين لغاية الانتفاع وليس تسليطاً على المنافع مجرّدة عن تسليطه على العين، فصاحب العين يسلّط المستأجر على العين بما هي رمز للمنافع، و بما انّها وجود جمعي لها حتى فيما لو كانت المنفعة من الأعيان كالثمرة على الشجرة والزرع على الأرض فالاستيلاء عليها في ضمن الاستيلاء على العين.

ثمّ إنّ الاستيلاء على المنافع إنّما ينفع في مقابل الأجنبي الذي يدّعي ملكية المنافع فيكون المستولي على المنافع منكراً والآخر مدّعياً لا في مقابل المالك فانّ اعتراف المستولي على المنافع بكونه مالكاً يوجب انقلاب الدعوى فيكون المستولي مدّعياً والمالك منكراً.


(340)

المبحث الثالث

في تقديم الأظهر على الظاهر

قد عرفت أنّ من الجمع المقبول هو تقديم الأظهر على الظاهر.

ثمّ إنّ الأظهرية ربما تكون واضحة لدى الكل، وذلك كما هو الحال في الموارد الخمسة من تقديم الخاص على العام، والمقيّد على المطلق، والحاكم على المحكوم، والوارد على المورود، و العناوين الثانوية على العناوين الأوّلية، وربما تكون الأظهرية خفيّة ومورداً للنقاش، وذلك كالموارد الستة التالية:

1. إذا دار الأمر بين تخصيص العام وتقييد المطلق.

2. إذا دار الأمر بين التصرّف في الإطلاق البدلي أو الشمولي.

3. إذا دار الأمر بين التخصيص والنسخ.

4. إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن دون الآخر.

5. إذا كان التخصيص في أحد الدليلين مستهجناً.

6. إذا دار الأمر بين التقييد و حمل الأمر على الاستحباب.

فالبحث في هذه الموارد صغروي، أي لتمييز الأظهر عن الظاهر، وإلاّ فالكبرى أمر مسلّم وهو لزوم تقديم الأظهر على الظاهر، فإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر:


(341)

أ. إذا دار الأمر بين تخصيص العام وتقييد المطلق

إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم الفاسق، فدار أمر العالم الفاسق بين دخوله تحت الحكم الأوّل أو الثاني، فعلى تقديم العام على المطلق يلزم التقييد في جانب الثاني، فيكون المراد لا تكرم الفاسق غير العالم، وعلى العكس يلزم التخصيص في العموم، فهل يقدّم تقييد المطلق على تخصيص العام أو لا؟

فقد اختار الشيخ الأعظم تقديم العام على المطلق ولزوم التصرّف في الثاني دون الأوّل، وقال ما هذا توضيحه ببيانين:

الأوّل: انّ المختار في باب المطلق انّه موضوع للماهية المهملة، لا الماهية المنتشرة، فلو قدّمنا العام على المطلق لا يلزم التصرّف في جانب المطلق، لأنّ الماهية المهملة تتحقّق في ضمن فرد ما، وهو الفاسق الجاهل، وهذا بخلاف ما لو قدمنا المطلق على العام، فالعام بما انّه يدل على الانتشار فإخراج صنف منه وهو العالم الفاسق يستلزم التصرّف في جانب العام ويجعله مجازاً.

يلاحظ عليه: أنّ التصرف في أيّ واحد من العام والخاص لا يستلزم المجازيّة، أمّا المطلق فلما بيّن من أنّه موضوع للماهية المهملة، فتقييده لا يخرجه عن معناه. وأمّا العام فلما مرّ في مبحث العام و الخاص من أنّ العام يستعمل بالإرادة الاستعمالية في معناه العام. والتخصيص إنّما يوجب التضييق في الإرادة الجدّية.

وبكلمة موجزة، انّ كلاً من العام والمطلق مستعمل في معناه اللغوي، وإنّما يشار إلى التخصيص والتقييد بدليل آخر لا انّ العام أو المطلق مستعملان من أوّل الأمر في المخصَّص والمقيَّد، وعلى ذلك فلا فرق بين تقديم العام على المطلق،


(342)

أو بالعكس في عدم استلزام أي واحد منهما، المجازيّة.

الثاني: انّ دلالة العام على الشيوع والانتشار تامة لقوامها باللفظ، والمخصِّص مانع عنها، فعلى ذلك فالمقتضي تام والشكّ في التخصيص شكّ في المانع والأصل عدمه، وهذا بخلاف المطلق فانّ عدم البيان جزء لتحقّق المطلق، فإذا شكّ في كون العام بياناً للمطلق فهو شكّ في وجود المقتضي وانّه هل هنا مطلق أو لا؟

فتكون النتيجة انّ المقتضي في جانب العام محرز وإنّما الشكّ في جانب المانع، وأمّا المطلق فالشكّ فيه في وجود المقتضي قبل أن يصل الشك إلى وجود المانع فيكون تقييد المطلق مقدّماً على تخصيص العام، فيحفظ العام و يُقيَّد المطلق.

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ عدم البيان الذي هو جزء المقتضي في مقدمات الحكمة إنّما هو عدم البيان في مقام التخاطب لا إلى الأبد، والمقتضي بهذا المعنى محرز فيكون مرجع الشكّ في كلّ منهما ـ بعد إحراز المقتضي ـ إلى وجود المانع أي مانعيّة كلّ للآخر ولا مرجّح.(1)

وبعبارة أُخرى: انّ الدلالة الإطلاقية تتوقّف على عدم البيان المتصل لا على عدم البيان مطلقاً متصلاً كان أم منفصلاً، وإلاّ يلزم عدم انعقاد الإطلاق إذا عثرنا على المقيّد في دليل منفصل، ولازم ذلك عدم جواز التمسّك في سائر الموارد بحجة انّ العثور على المقيّد المنفصل، أبطل الإطلاق.

وبذلك اتضح أنّ عدم العثور على المقيد المتصل كاف في انعقاد الإطلاق


1. كفاية الأُصول: 2/404.


(343)

وتحقّق المقتضي ،فإذا شككنا في تقييد المطلق بالعام فهو شكّ في وجود المانع والمزاحم، وليس شكّاً في انعقاد الإطلاق، كما هو الحال أيضاً في العام إذا شككنا في وجود المخصص.

وبما ذكرنا يعلم انّ العام و المطلق يسيران جنباً إلى جنب، فالمقتضي في كلا الطرفين محرز وإنّما الشكّ في وجود المانع عن حجّية العام أو حجّية المطلق، وليس الشكّ راجعاً إلى تحقّق العام أو تحقّق المطلق. فعند ذلك لا ترجيح لتقديم العام على المطلق ومثله العكس، إلاّ أن يكون هناك ظهور عرفي في أحدهما أكثر من الظهور العرفي في الآخر.

وقد اخترنا في بعض الدورات السابقة تقديم ظهور العام على ظهور المطلق ولكن عدلنا عنه في الدورة الثالثة بحجّة انّ الظهور لا يثبت بالبرهان والدليل وإنّما هو أمر وجداني، فلوكانت هناك قوّة الدلالة في أحدهما يقدّم دون الآخر، وإلاّ فالأمران متساويان.

ب.دوران الأمر بين التصرّف في الإطلاق الشمولي أو البدلي

هذا هو المورد الثاني الذي يرجع البحث فيه إلى البحث عن الصغرى، أي وجود قوّة الدلالة في أحدهما دون الآخر، فإذا قال المولى:

لا تكرم الفاسق، فهو بإطلاقه الشمولي ينفي إكرام كلّ فرد من أفراد الفاسق من غير فرق بين الجاهل والعالم.

وإذا قال: أكرم عالماً، فهو بإطلاقه البدلي يُلزم إكرام واحد من أفراد العلماء على البدل، من دون فرق بين كون ذلك الفرد عادلاً أو فاسقاً. فيتعارضان في الفاسق العالم.


(344)

وقد ذهب المحقّق النائيني إلى تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي وحفظ الأوّل، والتصرّف في الثاني فتكون النتيجة حرمة إكرام الفاسق العالم. وقد نقل كلّ من المقررين: الكاظمي و الخوئي ـ قدّس اللّه أسرارهما ـ عن أُستاذهما وجهاً خاصّاً، فلنقدم ما نقله المحقّق الخوئي عنه، حيث قال:

الحكم في الإطلاق الشمولي يتعدد بتعدّد الأفراد، لثبوت الحكم لجميع الأفراد على الفرض، المعبّر عنه بتعلّق الحكم بالطبيعة السارية، فينحلّ الحكم إلى الأحكام المتعدّدة على حسب تعدّد الأفراد، بخلاف الإطلاق البدلي فانّ الحكم فيه واحد متعلّق بالطبيعة المعبّر عنه بتعلّق الحكم بصرف الوجود، غاية الأمر أنّه يصحّ للمكلّف في مقام الامتثال، تطبيق الطبيعة في ضمن أيِّ فرد شاء وهو معنى الإطلاق البدلي، فتقديم الإطلاق البدلي يوجب رفع اليد عن الحكم في الإطلاق الشمولي بالنسبة إلى بعض الأفراد، بخلاف تقديم الإطلاق الشمولي، فانّه لا يوجب رفع اليد عن الحكم في الإطلاق البدلي إذ لا تعدّد فيه بل يوجب تضييق دائرته، فتقديم قوله: «أكرم عالماً» على الآخر في مورد الاجتماع ـ و هو العالم الفاسق ـ يوجب رفع اليد عن الحكم في الإطلاق الشمولي بالنسبة إلى هذا الفرد، بخلاف العكس فانّه لا يوجب رفع اليد عن الحكم المذكور في الإطلاق البدلي بالنسبة إلى المجمع، لأنّه ليس فيه إلاّ حكم واحد، غاية الأمر أنّه يوجب تضييق دائرته، فيجب على المكلّف في مقام الامتثال تطبيق الطبيعة بالعالم غير الفاسق.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ المستدل خلط الإطلاق الشمولي بالعام، فإنّ العام يدلّ بالدلالة اللفظية على الشمول فيسري الحكم إلى جميع الأفراد، كما إذا قال: أكرم العلماء، حيث يتّخذ عنوان العام مرآة إلى المصاديق فيسري إلى المعنون


1. مصباح الأُصول:3/378.


(345)

بحجّة انّ العنوان مرآة إلى الخارج، فيكون كلّواحد من أفراد العام ذا حكم خاص، فلو ورد عليه قيد يستلزم رفع اليد عن الحكم عن بعض الأفراد.

وأمّا الإطلاق الشمولي، فالشمول ليس مدلول اللفظ، لما قلنا في محلّه انّ الإطلاق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع، فمعنى الإطلاق في قولنا: «لا تكرم الفاسق»هو انّ تمام الموضوع للتحريم هو عنوان الفاسق، وأمّا انّ الحكم سار إلى كلّ واحد من أفراده فليس اللفظ دالاً عليه، وإنّما يدل عليه العقل حيث إنّ رفع الطبيعة إنّما هي برفع جميع أفرادها، فيكون رفع جميع الأفراد مدلولاً عقلياً للجملة لا مدلولاً لفظياً، كما هو الحال أيضاً في العام البدلي، فإذا قال: أكرم عالماً فمعنى الإطلاق كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع، وأمّا الاقتصار بفرد ما الذي نعبّر عنه بالإطلاق البدلي فإنّما هو بحكم العقل الحاكم بأنّ الطبيعة توجد بإيجاد فرد ما، وعلى ذلك فالشمول والبدل خارجان عن المضمون، ومدلولان للعقل.فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر، إذ ليس أحدهما مستنداً إلى اللفظ والآخر مستنداً إلى العقل.

وثانياً: أنّ سلب الحكم عن بعض الأفراد موجود في كلا التصرّفين، غير انّ الحكم في الإطلاق الشمولي على نحو الجمع كأنّه يقول: لا تكرم هذا الفاسق وذاك الفاسق و...، ولكن الحكم في الإطلاق البدلي على نحو الترديد فكأنّه يقول: أكرم هذا العالم أو ذاك العالم أو ذلك العالم.

فكما أنّ في تقديم الثاني على الإطلاق الشمولي رفع الحكم عن صنف من أفراد العام، فهكذا في تقديم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي سحب الحكم عن بعض الأفراد المحكومة بالحكم على وجه التخيير، فالمدلول قبل التقييد هو أكرم ذلك العالم الفاسق أو ذلك العالم العادل، وبعد التقييد بالإطلاق الشمولي


(346)

ينتفي الحكم الموضوع على العالم الفاسق.

هذا ما نقله المحقّق الخوئي عن أُستاذه، وإليك الكلام فيما نقله المحقّق الكاظمي عنه، قال: انّ الحكم في الإطلاق الشمولي ينحل عقلاً حسب تعدّد الأفراد، ولا يتوقف شموله على كون جميع الأفراد متساوية، فإذا قال: لا تقتل أحداً، يكون كلّ من صدق عليه لفظ «الأحد» محكوماً بحرمة القتل، وهذا بخلاف الإطلاق البدلي، فانّ الشمول فيه بمعنى الاجتزاء بكلّ فرد من الطبيعة، يتوقف على كون جميع الأفراد متساوية الأقدام، والإطلاق الشمولي الذي يدل على حرمة إكرام الفاسق مانع عن إحراز التساوي وانّ العالم الفاسق، كالعالم العادل في جواز الاجتزاء به في مقام الامتثال.(1)

يلاحظ عليه: أنّ التساوي كما هو محرز في الإطلاق الشمولي، فهكذا محرز في الإطلاق البدلي بفضل مقدمات الحكمة، وذلك إذ لو لم يكن الأفراد متساوية لزم عليه التقييد بأن يقول: أكرم العالم غير الفاسق، وفي سكوته عن القيد دلالة على كون جميع الأفراد فاسقاً كان أو عادلاً متساوية الاقدام أمام الحكم،وتصور انّ الإطلاق الشمولي بيان لعدم التساوي أوّل الكلام. إذ هو أشبه بتكرار المدّعى فلو كان الإطلاق الشمولي بياناً على الإطلاق البدلي فليكن العكس أيضاً مثله.

ج. في دوران الأمر بين التخصيص والنسخ

إنّ لدوران الأمر بين التخصيص والنسخ صورتين نتناولهما واحدة تلو الأُخرى:

الصورة الأُولى: إذا دار دليل واحد بين كونه ناسخاً وتخصيصاً، كما إذا ورد العام في القرآن الكريم والخاص في لسان الباقرين عليمها السَّلام ، قال سبحانه: (وَلهُنَّ


1. فوائد الأُصول: 4/732، مصباح الأُصول: 2/380.


(347)

الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فإِنْ كان لَكُمْ وَلَدٌ فلهنَّ الثُّمُنُ مِمّا تركتُمْ).(1)

فالآية بعمومها تدل على أنّ الزوجة ترث ربع أو ثمن ما ترك الزوج، لكن ورد الخاص في لسان الإمامين من اختصاص الحبوة بالولد الأكبر أو حرمان الزوجة من الأراضي السكنيّة، فيحتمل أن يكون الخاص مخصِّصاً كما يحتمل أن يكون ناسخاً للعام بعد رحيل الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، فهناك احتمالات ذكرها الشيخ نذكرهما واحداً بعد الآخر:

الأوّل: كون الخاص ناسخاً للعام لوجود شرط النسخ، لأنّ المفروض وروده بعد العمل بالعام مدة مديدة.

الثاني: أن يكون مخصصاً وانّه كان مقترناً بالعام ولكنّه خفي علينا.

الثالث: انّ المخاطبين كانوا محكومين بالعام ظاهراً، وقد أُريد منه الخصوص واقعاً، وبما انّ السنّة الإلهية جرت على بيان الأحكام تدريجاً فأُودعت المخصصات عند الأئمة ليبيّنوها عبر الزمان.(2)

أقول: الوجه الأوّل بعيد جداً، لأنّه مبنيّ على إمكان نسخ الحكم بعد موت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وانقطاع الوحي مع أنّ خبر السماء إلى الأرض انقطع بموت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما قال الإمام علي ـ عليه السلام ـ عند تجهيز النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «بأبي أنت و أُمّي يا رسول اللّه لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والإنباء وأخبار السماء». (3) ومعه كيف يُشرّع حكم بعد رحيله ويكون ناسخاً للعام.

وأمّا الثاني فهو أيضاً بعيد، لأنّ احتمال الاختفاء إنّما يتم في واحد أو اثنين


1. النساء:12.
2. فرائد الأُصول: 456.
3. نهج البلاغة، الخطبة 235.


(348)

من المخصصات لا في المخصصات الكثيرة الهائلة الواردة على لسان أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، فكيف يمكن القول بصدورها عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وسماع الناس وغفلتهم عن النقل؟!

وأمّا الثالث فهو الأقرب إلى الذهن، والفرق بينه و بين الأوّل، هو انّ العمل بالعام على الوجه الأوّل بين فترة رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبيان الإمام ـ عليه السلام ـ يكون عملاً بالحكم الواقعي، بخلافه على الوجه الثالث فانّ العمل بالعام كان عملاً بالحكم الظاهري الخاطئ.

ولكن لا فائدة في البحث فسواء أكانت هذه الروايات مخصصات أو ناسخات فيجب العمل بها في هذه الفترات، وتصور انّ القول بالتخصيص يستلزم تأخير البيان إلى عصر الصادقين عليمها السَّلام مردود بأنّ قبحه ليس أمراً ذاتياً لا يتغيّر بل بالوجوه والاعتبارات بل ربما تكمن المصلحة في تأخير البيان، إذ لم يكن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ متمكناً من بيان المخصص، وإنّما المهم هو الصورة الثانية التي طرحها المحقّق الخراساني.

الصورة الثانية: أن يدور الاحتمال المذكور بين دليلين بأن نعلم بأنّ أحدهما إمّا مخصص، أو الآخر ناسخ، كما إذا ورد الخاص قبل العام، وعمل به مدة مديدة ثمّ ورد العام، كما إذا قال مثلاً: أكرم زيداً فأكرمه المكلّف ثلاثة أشهر ثمّ ورد لا تكرموا الفسّاق وافترضنا أنّ زيداً فاسق، فدار الأمر بين كون الخاص المتقدم مخصِّصاً للعام المتأخر أو كون العام ناسخاً له، والمفروض تحقّق شرط النسخ، وهو ورود العام بعد العمل بالخاص وتصويره فيما بأيدينا من الأدلّة هو ما إذا ورد الخاص في السنة الأُولى من الهجرة وورد العام في السنة العاشرة، أو ورد الخاص في لسان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، و ورد العام في لسان العسكريين، فهل يجعل الخاص مخصصاً للعام أو يجعل العام ناسخاً للخاص؟


(349)

وعلى كلّ حال فالمعروف هو تقديم احتمال التخصيص على احتمال النسخ، للوجه التالي:

التخصيص شائع حتى قيل ما من عام إلاّ وقد خصّ، والنسخ نادر حتى أنّ بعض الأعلام كاد أن يُنكر وجود النسخ في القرآن الكريم فضلاً عن السنّة.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أورد على الاستدلال بوجهين:

الأوّل: لو تمّ ما ذكره الشيخ سابقاً في تقديم التخصيص على التقييد، من أنّ الشكّ في الأوّل شكّ في وجود المانع وفي الثاني في وجود المقتضي، يجب أن يقدّم النسخ في المقام على التخصيص، وذلك لأنّ دلالة الخاص على الاستمرار والدوام إنّما هي بالإطلاق ودلالة العام على الاستيعاب بالوضع، فاللازم حفظ الشمول في جانب العام وتقديمه على استمرار حكم الخاص.

الثاني: انّ غلبة التخصيص إنّما توجب أقوائية ظهور الكلام في الاستمرار والدوام من ظهور العام في العموم، إذا كانت مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعدّ من القرائن المكتنفة بالكلام وإلاّ فهي و إن كانت مفيدة للظن بالتخصيص إلاّ أنّها غير موجبة لها.

يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّه يتم على مسلك الشيخ الأنصاري، و أمّا على مسلك المحقّق الخراساني الذي هو مسلك الآخرين أيضاً من تمامية الإطلاق، في هذه الموارد والشكّ إنّما هو في المانع لا يكون هناك مرجح لتقديم عموم العام على استمرار حكم الخاص لإحراز المقتضي في كليهما ووقوع الشكّ في المانع، فكما أنّ عموم العام يمكن أن يكون مانعاً لاستمرار حكم الخاص، كذلك استمرار حكم الخاص يمكن أن يكون مانعاً لشمول العام و عمومه.

ويلاحظ على الوجه الثاني: أنّ تقديم الخاص على النسخ ليس لملاك


(350)

الأقوائية بل لملاك خارجي وهو انّ شيوع التخصيص وندرة النسخ يورث اطمئناناً بأنّ المقام من قبيل التخصيص لا النسخ. والقول بأنّ هذا الشيوع غير موجب للظن كما ترى.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أيّد مقالة المشهور بوجهين آخرين:

الأوّل: انّ احتمال كون العام المتأخر ناسخاً للخاص المتقدم إنّما يتصوّر إذا انعقد للعام ظهور في استغراق جميع الأفراد، ومع وجود الخاص المتقدم لا ينعقد له هذا الظهور، لأنّ الخاص المتقدّم يكون قرينة عرفية على عدم إرادة الاستغراق في العام.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مخالف لما اتفقت عليه كلمة الأُصوليّين من عصر المحقّق الخراساني إلى يومنا هذا، وهو انّ الخاص المنفصل لا يزاحم انعقاد الظهور له في العموم وإنّما يزاحم حجّيته فيه.

نعم انّ ما ذكره صحيح فيما إذا كان المخصص متصلاً، و على ذلك فالعام قد انعقد له الظهور والشكّ إنّما هو في كون الخاص مانعاً له أو لا فلم يثبت كون الخاص قرينة على عدم إرادة الاستغراق من العام.

الثاني: انّ كون العام ناسخاً مبني على القول بثبوت حكم العام من حين وروده في لسان الإمام العسكريـ عليه السلام ـ ، إذ لو دلّ على ثبوته في صدر الإسلام لا يكون ناسخاً لحكم الخاص ألبتة، و على ضوء ذلك فلا يحتمل النسخ في الاخبار التي بأيدينا الواردة عن الأئمّة، لأنّ ظاهرها بيان الأحكام التي كانت مجعولة في زمان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، لأنّهم ـ عليهم السلام ـ مبيّنون لتلك الأحكام لا مشرّعون إلاّ أن تنصب قرينة على أنّ هذا الحكم مجعول من الآن. فإذا ورد عن الباقر ـ عليه السلام ـ انّ الطحال مثلاً


1. مصباح الأُصول: 3/384.


(351)

حرام، وورد عن الصادق ـ عليه السلام ـ ، أنّ جميع أجزاء الذبيحة حلال، لا يحتمل كونه ناسخاً للخاص المتقدّم، لأنّ ظاهره أنّ أجزاء الذبيحة حلال في دين الإسلام من زمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا أنّها حلال الآن فلا يكون العام المتأخر ناسخاً للحكم الصادر عن الباقر ـ عليه السلام ـ .(1)

أقول: إنّ ما ذكره مبني على امتناع النسخ بعد رحيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو أمر لا يخلو من قوة كما سبق. وهو خيرة أُستاذه المحقّق النائيني في فوائد الأُصول.(2)

ولكنّه ليس أمراً قطعياً، إذ كما يجوز للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يودع المخصصات عند الوصي، كذلك يجوز أن يودع النواسخ ـ التي سيأتي وقت نسخها في عصر الصادقين ـ عنده، وعلى ذلك يدور أمر العام بين كونه مجعولاً في زمان النبي، فالنسبة هي التخصيص; أو مجعولاً في زمان صدوره من الإمام، فالنسبة هي النسخ، أي ناسخية العام للخاص.

والحقّ انّ ندرة النسخ قرينة خارجية على كون المقام من قبيل التخصيص والنسخ.والتقديم بملاك خارجيّ لا بملاك الأقوائية كما عرفت.

د. إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن

إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن دون الآخر، كما إذا قال : أكرم العلماء ثمّ قال: لا تكرم الفسّاق وعلمنا من حال المتكلم أنّه يبغض العالم الفاسق، فهل يكون هذا قرينة على تقديم عموم النهي على عموم الآخر؟لكن الحقّ أنّه لو بلغ القدر المتيقّن مرحلة أوجب الانصراف فهو و إلاّ فلا يوجب أقوائية أحد الظهورين على الآخر.


1. مصباح الأُصول: 3/385.
2. فوائد الأُصول: 4/734.


(352)

هـ. إذا كان التخصيص في أحد المتعارضين مستهجناً

إذا كان بين الدليلين من النسب الأربع، عموم من وجه، ولكن لو أخرجنا المجمع من تحت أحدهما لا ينطبق إلاّ على عدد قليل على نحو يكون التعبير عنه بلفظ العموم مستهجناً، مثلاً إذا قال : أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم الفسّاق، فالمجمع بين العنوانين مورد التعارض، لكن لو أخرجناه من تحت الدليل الأوّل يلزم أن ينتهي التخصيص فيه إلى أقل العدد كالاثنين والثلاثة، وعند ذلك يعكس الأمر لا بملاك الأقوائية في الظهور بل لصيانة كلام المتكلّم عن اللغو.

و. دوران الأمر بين التقييد وحمل الأمر على الاستحباب

إذا ورد خطاب «إذا أفطرت فأعتق رقبة» ثمّ ورد أيضاً خطاب «إن أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة» فالأمر دائر بين حمل المطلق على المقيد أو حمل المقيد على الاستحباب، والترجيح مع الأمر الأوّل، لأنّ كثيراً من المخصِّصات والمقيِّدات صدر في عصر الصادقين عليمها السَّلام مع تقدّم العمومات والمطلقات في الكتاب والسنّة النبوية،وقد سبق منّا القول: إنّ قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس أمراً ذاتياً بل بالوجوه والاعتبار فربما يكون التأخير لأجل انطباق بعض العناوين، حسناً وعلى فرض كونه كذلك تُتدارك المصلحة الفائتة أو المفسدة الموجودة بالمصلحة الموجودة في تأخير البيان.

وأمّا حمل المقيد على الاستحباب لأجل شيوع استعماله فيه في الروايات فغير مفيد، لأنّ استعمال الأمر في الاستحباب في الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ كانت مقترنة بالقرينة الحالية أو المقالية لا مطلقاً ـ و ان ادّعاه صاحب المعالم ـ وعلى ذلك لا يصحّ لنا حمل المقيد على الاستحباب بلا دليل ولا قرينة.


(353)

المبحث الرابع

التعارض في أكثر من دليلين

كان الكلام في المبحث الثالث في التعارض بين اثنين وربما يكون التعارض ثلاثيّ الأطراف، كما إذا فرضنا عامّاً وخاصّين.

إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، ثمّ قال: لا تكرم العالم النحوي، فنسبة كلّ من الخاصين إلى العام نسبة الخصوص إلى العموم.

فقد وقع الخلاف في كيفية الجمع فيها.

فذهب المحقّق النراقي إلى أنّ العام يخصّص بأحدهما أوّلاً، ثمّ بالخاص ثانياً.(1) غير انّ الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني ذهبا إلى أنّ العام يخصص بهما معاً.

ففي المثال المذكور لو خصصنا العام بالخاصين معاً لا يكون هناك أيُّ انقلاب في النسبة، فيخرج العالم الفاسق والعالم النحوي عن تحت العام معاً ويختص العام بعدول العلماء غير النحاة.

وأمّا بناء على نظرية المحقّق النراقي، فلو خصصنا العام بإخراج العالم الفاسق، تكون نتيجة الدليلين بعد التخصيص كالتالي: أكرم العالم غير الفاسق، فتكون النسبة بينه و بين قوله: لا تكرم العالم النحوي عموماً من وجه، فالفقيه


1. العوائد:119.


(354)

العادل داخل تحت الأمر، والنحوي الفاسق باق تحت النهي، فيقع النزاع في النحوي العادل.

فعلى الأوّل يجب إكرامه وعلى الثاني يحرم إكرامه، فيدخل في باب «العامين من وجه» الذي هو من أقسام المتعارضين وليس بداخل في غير المستقر من التعارض.

وتحقيق المقام يقتضي البحث في مواضع ثلاثة:

الموضع الأوّل: إذا كانت نسبتهما إلى العام متماثلة

إذا كانت نسبة الخاصين إلى العام على نسق واحد، بأن يكون كلّ بالنسبة إلى العام خاصاً، غير انّ النسبة بين الخاصين على صور ثلاث: 1. التباين، 2. العموم والخصوص المطلق، 3. العموم والخصوص من وجه. وإليك بيان أحكام الصور واحدة تلو الأُخرى.

الصورة الأُولى: إذا كان هناك عام و خاصان، وكانت النسبة بين الخاصين هو التباين، كما إذا ورد أكرم العلماء، ثمّ ورد لا تكرم زيداً العالم، وورد ثالثاً لا تكرم عمرو العالم.

ونظيره في الشريعة قوله سبحانه: (وَحَرَّمَ الرِّبا) (1) فإذا تعقبه قوله: «لا ربا بين الوالد والولد» وقوله: «لا ربا بين الزوج والزوجة»، فيخصّص العام بالخاصين معاً، لعدم الترجيح بتقديم التخصيص بأحدهما دون الآخر مع وحدة النسبة.

نعم، لا فرق بين مسلك الشيخ ومسلك المحقّق النراقي في المقام.

هذا كلّه إذا لم يلزم من تخصيص العام التخصيص المستهجن، مثلاً: إذا ورد قوله: يستحب إكرام العلماء، ثمّ دلّ دليل على وجوب إكرام العادل ودلّ دليل


1. البقرة:275.


(355)

ثالث على حرمة الفاسق، فالتخصيص بهما يوجب أن لا يبقى للعام فرد، لانّ العادل منهم يجب إكرامه، والفاسق يحرم وليس بين العادل والفاسق واسطة، فعندئذ يدخل المورد في المتعارضين، أحدهما العام و الآخرهما الخاصان، وحينئذ فإذا كان الترجيح معهما يطرح العام، وإن كان الترجيح مع العام يتخير في التخصيص بأيِّ واحد من الخاصين ولا يجوز طرحهما لعدم العلم بكذبهما معاً.

الصورة الثانية: إذا كان هناك عام وخاصان، وكانت النسبة بين الخاصين هو العموم والخصوص المطلق، كما إذا ورد: صلّ خلف كلّ مسلم، ثمّ ورد لا تصلّ خلف شارب الخمر، ثمّ ورد: لا تصلّ خلف الفاسق.

وبما انّ نسبة الخاصين إلى العام نسبة واحدة حيث إنّ كلاً منهما أخص من العام ـ و إن كانت النسبة بينهما مختلفة حيث إنّ أحد الخاصين عام بالنسبة إلى الآخر. يخصّص العام بهما معاً، وتكون النتيجة :صلّ خلف كلّ مسلم غير الفاسق، وأمّا ذكر شارب الخمر فلأجل كون الحكم فيه آكد.

هذا على مسلك الشيخ، وأمّا على مسلك النراقي فلو خصّص العام بالخاص الأوّل تكون النتيجة صلّ خلف كلّ مسلم غير شارب الخمر، فلو نسب هذا الموضوع إلى موضوع الخاص الثاني، أي قوله: «لا تصلّ خلف الفاسق» تنقلب النسبة من الخصوص المطلق إلى العموم و الخصوص من وجه، وذلك لأنّ المسلم العادل داخل تحت الأمر ولا يشمله النهي، كما أنّ المسلم شارب الخمر داخل تحت النهي ( الخاص الأوّل)، فيبقى الفاسق لأجل الغيبة والكذب فيتعارض فيه كلّ من الأمر والنهي.

فعلى الأوّل يجوز الصلاة خلفه، لأنّه يكفي فيه كون الإمام مسلماً غير شارب الخمر، وعلى الثاني يحرم الاقتداء لكون الموضوع هو الفسق.


(356)

ولكن الحقّ مع الشيخ الأنصاري لما عرفت من عدم المرجح لتقديم أحد الخاصين على الآخر. ثمّ ملاحظة النسبة بين الباقي بعد التخصيص، والخاص الآخر، لأنّ المفروض انفصالهما عن العام، لا اتصال واحد وانفصال الآخر.

الصورة الثالثة: إذا كان هناك عام وخاصان، وكانت النسبة بين الخاصين هو العموم والخصوص من وجه، كما إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، ثمّ قال: ولا تكرم العالم الشاعر. لأنّ نسبة موضوعي كلّ من الخاصين إلى موضوع العام هو العموم والخصوص المطلق كما هو واضح، ولكن النسبة بين موضوعي الخاصين (العالم الفاسق، والعالم الشاعر) هي العموم والخصوص من وجه.

وطريقة الجمع في هذه الصورة نفس الطريقة في الصورة الثانية لوحدة البرهان، و ذلك لعدم الترجيح لتقديم التخصيص بأحد الخاصين على التخصيص بالآخر فانّ نسبتهما إلى العام على حدّ سواء، ولأجل ذلك يخصص العام بهما فيعمل بما بقي تحت العام بعد التخصيص بهما، إلاّ إذا استهجن التخصيص بهما كما مرّنظيره في الصورة الأُولى.

إلى هنا تمّ الكلام في الموضع الأوّل، وعلم أنّه إذا كان الخاصان أخصّ من العام يخصّص بهما مرّة، ويعمل بالعام في الباقي إلاّ إذا كان هناك محذور.

الموضع الثاني: إذا كانت نسبتهما إلى العام مختلفة

إذا كان هنا عام و خاصان، و كانت نسبة أحد الخاصّين إلى العام، نسبة الخصوص إلى العام المطلق، ونسبة الخاص الآخر إليه نسبة العموم والخصوص من وجه كما إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: ولا تكرم فسّاقهم ثمّ قال: ويستحب إكرام العدول، فالخاص الأوّل أخص من العام، والخاص الثاني أعمّ من وجه من


(357)

العام، فالمختار عندنا في هذا المقام هو نظرية المحقّق النراقي، فيخصص العام بالخاص الأوّل ثمّ يلاحظ الباقي مع الخاص الثاني، وذلك لما عرفت من أنّ التعارض ليس إلاّ بين الحجّتين، والمفروض انّ العام ليس حجّة في مطلق العلماء بملاحظة الخاص الأوّل بل حجّة في العلماء غير الفسّاق منهم.

ثمّ تلاحظ النسبة بين الباقي والخاص الثاني، وعندئذ تنقلب النسبة وتكون نسبة الخاص الثاني (استحباب إكرام العدول) إلى العام المخصص (العلماء العدول) نسبة العام إلى الخاص بعد ما كانت النسبة عموماً وخصوصاً من وجه، وقد علّل الشيخ وجه هذا التقديم بقوله: ولولا الترتيب في العلاج لزم إلغاء النص(الخاص) أو طرح الظاهر المنافي له وكلاهما باطل.(1)

ولكن الأولى التعليل بما ذكرنا من أنّه لا تعارض بين الخاص الأوّل والعام، وليس العام بعد ورود الخاص حجّة في العام فيقدم الخاص عليه ثمّ تؤخذ النسبة بين الباقي بعد العلاج والخاص الثاني .

الموضع الثالث: إذا كانت النسبة بين الجميع هي العموم والخصوص من وجه

إذا كانت النسبة بين كلّ من الخاصين إلى العام هي العموم من وجه، فيخرج هذا عن مورد الجمع ويدخل مورد التعارض، كما إذا ورد: أكرم العلماء ولا تكرم الفسّاق، ويستحب إكرام الشعراء، فيقع التعارض بين مجمع العناوين كالعالم الفاسق الشاعر. فعلى الأوّل يجب إكرامه وعلى الثاني يحرم، وعلى الثالث يُستحب. والحق عندنا انّ الدليلين أو الأدلّة التي تكون النسبة فيها هي العموم والخصوص من وجه داخل في المتعارضين وسوف نبحث عنه في الفصل التالي ، بإذن اللّه سبحانه.


1. الفرائد:461.


(358)

الفصل الثاني

في التعارض المستقر

قد عرفت أنّ التعارض على قسمين: تعارض بدويّ غير مستقر، وتعارض مستقر. فالمراد من الأوّل ما يزول التعارض بالتدبّر فيهما بنحو من الأنحاء التي مرّت في الفصل الأوّل، كما أنّ المراد من الثاني مالا يزول التعارض مهما أمعنّا النظر فيهما.

فالمرجع في الأوّل هو الجمع بين الدليلين على وفق القواعد التي تعرّفت عليها، وأمّا المرجع في الثاني فهذا ما نتناوله بالبحث في ضمن مباحث:

المبحث الأوّل

ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية في المتعارضين؟

إذا قلنا بأنّ الخبر حجة لكونه طريقاً إلى كشف الواقع من دون أن يكون في العمل بالخبر هناك أي مصلحة سوى مصلحة درك الواقع، فما هو مقتضى حكم العقل؟

أقول: إنّ هنا صورتين:

الأُولى: فيما إذا لم يكن لدليل الحجّية إطلاق شامل لصورة التعارض، كما


(359)

إذا كان دليل الحجية أمراً لبياً كالسيرة العقلائية أو الإجماع، فعندئذ يكون دليل الحجية قاصراً عن الشمول للمتعارضين، لأنّ الدليل اللبّي لا يتصوّر فيه الإطلاق فيؤخذ بالقدر المتيقّن وهو اختصاص الحجّية بما إذا كان الخبر غير معارض، فتكون النتيجة عدم الدليل على حجّية الخبرين المتعارضين وهو مساو لسقوطهما.

الثانية:إذا كان هناك إطلاق شامل لصورة التعارض، كما إذا كان دليل الحجّية أمراً لفظياً كآية النبأ والنفر، وقلنا بوجود الإطلاق فيهما الشامل لصورة المتعارضين، فيقع الكلام في مقتضى القاعدة الأوّلية.

إنّ مقتضى القاعدة الأوّلية هو التساقط، وإلاّ فالأمر دائر بين الأُمور الثلاثة:

1. الأخذ بكليهما، وهو يستلزم التعدّد في المتناقضين.

2. الأخذ بأحدهما المعين، وهو ترجيح بلا مرجّح.

3. الأخذ بأحدهما المخير، وهو لا دليل عليه.

لأنّ الأدلّة دلّت على حجّية كلّ واحد معيّناً لا مخيّراً، فإذا بطلت الاحتمالات الثلاثة تعيّن التساقط.

ثمّ إنّ المحقّق الاصفهاني ذكر الاحتمالات المتصوّرة بنحو آخر:

1. أن تكون الحجّة أحدهما لا بعينه. وهو باطل، إذ ليس له مصداق إلاّ في الذهن وكلّ ما بالخارج فهو أمر معيّن لمساوقة الوجود مع التشخّص.

2. أن تكون الحجّة في الخبرين ما يكون مطابقاً للواقع. وهو أيضاً باطل لعدم العلم بمطابقة واحد منهما لاحتمال كذب كليهما.

3. أن يكون كلّ منهما حجّة، وهو يستلزم التعبّد بالمتناقضين.


(360)

4. عدم حجّية كليهما، وهو ملازم للتساقط وهو المتعيّن.(1)

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي حاول أن يثبت وجود الدليل على التخيير بين الخبرين، وذلك باستكشاف التخيير بتقييد أحد الإطلاقين بترك الآخر بأن يقال انّ الأخذ بكلا الخبرين لمّا كان مستلزماً للتعبّد بالمتناقضين، يكفي في رفعه تقييد الإطلاق بقيد عدمي، وهو حجّية كلّ، بشرط عدم الأخذ بالآخر، ومثله الحكم في الخبر الآخر، فتكون النتيجة هو التخيير، ولا نحتاج في استكشاف التخيير إلى دليل آخر سوى وجود الإطلاق لصورة التعارض والاكتفاء في تقييد الإطلاق بقيد عدمي.(2)

يلاحظ عليه: أنّ استكشاف التخيير إنّما يصحّ في المتزاحمين المشتملين على المصلحة القطعية كالغريقين،وبما انّ عجز المكلّف صار سبباً لسقوط التكليف، فعند ذلك يصحّ أن يقال: انّ رفع التزاحم يتحقّق بتقييد امتثال كلّ من الحكمين بترك الآخر، ولا يتوقف على طرح كلا الدليلين.

وأمّا المقام فالمفروض انّ الخبر حجّة من باب الطريقية لا من باب السببية، وعندئذفأحد الخبرين كاذب قطعاً والخبر الآخر محتمل الكذب، فليس هناك علم بالملاك فيهما حتى لا يجوز طرحهما ويزول الإشكال بتقييد إطلاقهما.

فإن قلت: المفروض انّ كلّواحد من الخبرين حجّة ظاهرية شملهما دليل الحجّية، فالمحذور يرتفع بتقييد إطلاق الحجّية لا برفع اليد عنها.

قلت: فرّق بين العلم بوجود حكمين واقعيين كاشفين عن وجود الملاك في كلّواحد منهما، و بين العلم بحكمين ظاهريين غير


1. نهاية الدراية:5/285.
2. مصباح الأُصول: 3/363.


(361)

كاشفين عنه فأحدهما غير كاشف قطعاً، والآخر محتمل الكشف، وفي مثله، لا يستقل العقل بحفظ الخبرين مهما أمكن بخلاف الغريقين. ولو سلّمنا لكن ادّعاء وجود الإطلاق في أدلّة حجّية خبر الواحد، افتراض محض حيث إنّها قاصرة عن الشمول لصورة التعارض.

المبحث الثاني

في حجّية المتعارضين في نفي الثالث

قد عرفت أنّ الأصل في المتعارضين على القول بحجّيتهما من باب الطريقية، هو التساقط، لكن يقع الكلام في اختصاص التساقط بالمدلول المطابقي أو يعمَّ المدلول الالتزامي أيضاً.

فعلى الوجه الأوّل يحتج بهما في نفي الثالث دون الوجه الثاني، فلو كان هناك خبران متعارضان أحدهما يدل على أنّ نصاب الغوص دينار، و الآخر على أنّ نصابه عشرون ديناراً، فعلى الاختصاص يحتج بهما في نفي الثالث، أي نفي عدم اعتبار النصاب في الغوص أو كون نصابه عشرة دنانير.

ذهب المحقّق الخراساني، و المحقّق النائيني وشيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ على الاختصاص وانّهما حجّتان في نفي الثالث، لكن المختار عندنا هو الثاني.

ثمّ إنّ محل الكلام فيما إذا لم يعلم صدق أحدهما، وإلاّ فيكون العلم بصدق أحدهما دليلاً على نفي الثالث قطعاً.

1. احتجّ المحقّق الخراساني على مختاره بقوله:


(362)

التعارض وإن كان لا يوجب إلاّ سقوط أحد المتعارضين عن الحجّية رأساً حيث لا يوجب إلاّ العلم بكذب أحدهما، فلا يكون هناك مانع عن حجّية الآخر، إلاّ أنّه حيث كان بلا تعيين ولا عنوان واقعاً(فإنّه لم يعلم كذبه إلاّ كذلك وإن احتمل كذب كلّ واحد منهما في نفسه)، لم يكن واحد منهما بحجّة في خصوص مؤدّاه لعدم التعيين في الحجة أصلاً .نعم يتحقّق نفي الثالث بأحدهما لبقائه على الحجّية، وصلاحيته على ما هو عليه من عدم التعيين لذلك لا بهما.(1)

حاصله: أنّ الساقط عند التعارض واحد منهما وهو ما كان كاذباً، وأمّا الآخر، أعني: محتمل الصدق، فهو باق على حجّيته، لكن لمّا لم يكن متعيّناً، لا يحتجّ به على المدلول المطابقي، لتوقف الاحتجاج به على التعيّن، ولكن يحتج به ـ على إبهامه ـ على المدلول الالتزامي، لعدم توقّف الاحتجاج به على التعيين.

يلاحظ عليه:أنّ الحجّية في الأمارات من الأُمور الاعتبارية العقلائية التي يتوقف اعتبارها لأحد الخبرين غير المعيّن على ترتب الأثر، فعندئذ نسأل القائل، عما هو الحجّة عند التعارض؟

فهل الحجّة هو الواحد غير المعيّن ذهناً؟ فهو غير صالح لجعل الحجّية عليه أو الواحد غير المعيّن خارجاً، فهو غير متحقق خارجاً، أو الواحد المعيّن عند اللّه فليس ما عنده محتملاً لأحد الأمرين، فما عنده إمّا صادق قطعاً و إمّا كاذب كذلك.

أضف إلى ذلك انّ الحجّية من الأُمور العقلائية، و الغاية من جعلها هو الاحتجاج ولا معنى لجعلها لواحد لا يُلمس ولا يُرى ولا يُتعيّن عند المخاطب.

فإن قلت: كيف يحتج بالحجّة الإجمالية في باب العلم الإجمالي كما في الإناءين


1. كفاية الأُصول: 2/382ـ 385.


(363)

المشتبهين؟

قلت: إنّ الحجّة في المقيس عليه، متعيّنة بصورة كلية وهو قوله: اجتنب عن الدم وإنّما الإجمال في مصداق المتعلّق، و أين هو ممّا نحن فيه حيث إنّ الحجّة بأصلها غير متعيّنة؟

2. احتجّ المحقّق النائيني بأنّ المتعارضين يشاركان في نفي الثالث بالدلالة الالتزامية والتعارض إنّما هو في الدلالة المطابقية، فلا وجه لسقوط الأُولى منهما عن الحجّية، وتوهّم انّ الدلالة الالتزامية تابعة للمطابقية فاسد، لأنّ الأُولى فرع الثانية في الوجود لا في الحجّية.(1)

يلاحظ عليه: ما ذكره مبني على الخلط بين الدلالة التصوّرية التي لا يتوقف حصولها على إرادة المتكلم والدلالة التصديقية التي تتوقف على إرادة المتكلم. ففي الأُولى تتوقف الدلالة الالتزامية على وجود الدلالة المطابقية، لا على حجّيتها، فلو سمع الإنسان لفظ الحاتم من طائر كالببغاء، ينتقل إلى الجود والسخاء بخلاف الثانية فانّها متوقفة على ثبوت الإرادة في ناحية المعنى المطابقي، فانّ مفاد الدلالة الالتزامية فيها عبارة عن إرادة المتكلم المعنى اللازم لأجل وجود الملازمة بين الإرادتين، فإذا سقط المعنى المطابقي عن الحجّية ولم تثبت إرادة المتكلم الملزوم، فكيف تنسب إليه، إرادة المعنى اللازم؟

فبذلك تبيّن وجه ما هو المختار من عدم نهوض الخبرين ولا واحد منهما على نفي الثالث .

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قد أورد على أُستاذه بنقوض غير واردة قد أوردناها في الدورة الثالثة وأجبنا عنها فلاحظ.(2)


1. فوائد الأُصول: 4/755.
2. المحصول:4/470.


(364)

المبحث الثالث

في بيان مقتضى الأصل على القول بالسببية

الحقّ ـ كما تدل عليه السيرة العقلائية ـ حجّية قول الثقة من باب الطريقية، ويحتمل أن يكون حجّة من باب السببيّة بمعنى انّ قيام الأمارة يحدث مصلحة إمّا في المؤدّى أو في سلوكها والعمل بها. وبذلك ظهرت مذاهب في السببية نشير إليها:

الأوّل: ما نسب إلى الأشاعرة، وهو انّ الموضوعات التي لم يرد فيها نصّ، ليس فيها واقع محفوظ.(1) وإنّما خُوِّّل الحكم الشرعي فيه على رأي المجتهد حسب ضوء القواعد الشرعية، وعلى ذلك يكون المجتهد في فتواه مصيباً على كلّ تقدير لا مخطئاً، لأنّ الخطأ إنّما يتصوّر فيما إذا كان هناك واقع محفوظ والمفروض خلافه، ومعنى ذلك انّ قيام الأمارة كالخبر الواحد والقياس والاستحسان وسدّ الذرائع وغيرها تحدث مصلحة في المؤدّى ويترتب عليه جعل الحكم الشرعي على وفق المؤدّى.

والسببية بهذا المعنى باطلة لاستلزامها الدور، وذلك لأنّ الجهد والاستنباط يتوقف على وجود الحكم الواقعي في مظانّه ليكون بذل الجهد طريقاً للوصول إليه،


1. الغزالي: المستصفى:2/363. وما ينسب إلى الأشاعرة من أنّهم ينكرون الحكم المشترك بين الجاهل والعالم على إطلاقه ليس بتام، بل انّهم ينكرون ذلك فيما إذا لم يتوفر نص من الكتاب والسنّة، كما هو الظاهر من الغزالي في مستصفاه.


(365)

والمفروض انّ الحكم الواقعي من نتاج الاستنباط أو قيام الأمارة.

الثاني: انّ للّه تبارك و تعالى حكماً مشتركاً بين العالم والجاهل مطلقاً ولا يختص الحكم المشترك بما ورد فيه الكتاب والسنّة غير انّه إذا قامت الأمارة على خلاف الواقع تحدث مصلحة في المؤدّى وينقلب الواقع عمّا هو عليه إلى مؤدّى الأمارة فيكون مفادها حكماً واقعياً قائماً مقام الحكم الواقعي.

وهذا هو التصويب المنسوب إلى المعتزلة، وهو أيضاً باطل، لأنّ المفروض انّ التشريع مختص باللّه سبحانه دون أن يشاركه المجتهد في هذه المهمة. مضافاً إلى تضافر الأخبار على وجود الحكم المشترك بين العالم والجاهل مطلقاً سواء أقامت الأمارة على خلافه أو لا.

الثالث: انّ للّه تبارك و تعالى حكماً واقعياً مشتركاً بين العالم والجاهل محفوظاً مطلقاً سواء أقامت الأمارة عليه أو لا، وسواء كان مؤدّى الأمارة موافقاً له أم مخالفاً. لكن لمّا كان الأمر بالعمل بالأمارة فيما إذا أخطأت سبباً لتفويت المصلحة أو الوقوع في المفسدة وهو أمر قبيح حاول الشيخ الأنصاري لدفع الإشكال المذكور بإحداث القول بالسببيّة السلوكيّة، وهي انّ في سلوك الأمارة والعمل وفقها جبراً للمصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة، وليس لهذه المصلحة دور سوى الجبر والتدارك من دون جعل حكم على وفقها، والسببية بهذا المعنى نسبها الشيخ إلى الإمامية، وقد فصّل الكلام فيها في حجّية الظن، وتبعه المحقّق النائيني في تقريراته، فلاحظ.

الرابع: ما يظهر من الشيخ الأنصاري في هذا الباب وهو انّ السببية السلوكية تكون سبباً لجعل حكم ظاهري(لا واقعي حتى يلزم التصويب)، قالقدَّس سرَّه : إذا قلنا بأنّ العمل بالخبرين من باب السببية بأن يكون قيام الخبر على


(366)

وجوب شيء واقعاً سبباً شرعياً لوجوبه، ظاهراً على المكلّف، يصير المتعارضان من باب السببين المتزاحمين إلى آخر ما ذكره، فعلى ما ذكره تكون ملازمة بين حجّية الأخبار من باب السببية وكون المتعارضين من باب المتزاحمين مطلقاً فيتبعه كون الأصل في الخبرين المتعارضين هو التخيير.(1)

وهذا النوع من السببية أمر جديد من الشيخ، ولذلك اشتهر بعدها القول بالحكم الظاهري، وكأنّ لنا حكمين أحدهما واقعي والآخر ظاهري، ولكن الحقّ انّه ليس للأمارة دور سوى الإيصال إلى الواقع، فإن وافقت فيكون المؤدّى نفس الواقع، وإلاّ تكون معذّرة من دون أن تستعقب جعل حكم ظاهري.

إذا اتضح ذلك فلنذكر حكم مقتضى القاعدة على القول بالسببية، فهناك أقوال ثلاثة:

الأوّل: دخولهما تحت المتزاحمين، كما عليه الشيخ الأعظم قدَّس سرُّه .

الثاني : التفصيل بين صور التعارض، كما عليه المحقّق الخراسانيـ قدس سره ـ .

الثالث: عدم دخولهما تحت المتزاحمين مطلقاً، وهو المختار وإليك البيان:

1. ذهب الشيخ إلى أنّ مقتضى القاعدة على القول بالسببية هو التخيير، فقال: إنّ الحكم بالتخيير ثابت على تقدير كون العمل بالخبرين من باب السببية بأن يكون قيام الخبر على وجوب شيء واقعاً سبباً شرعياً لوجوبه ظاهراً على المكلّف، فيصير المتعارضان من قبيل السببين المتزاحمين فيلغى أحدهما مع وجود السببية فيه لاعمال الآخر كما في كلّ واجبين متزاحمين.

وكان الأولى أن يقول بالتخيير عند مساواة الملاك والأخذ بالأهم إذا كان


1. فرائد الأُصول: 439.


(367)

الملاك في أحدهما أقوى من الآخر.

2. ذهب المحقّق الخراساني إلى التفصيل بين الصور:

الأُولى: إذا كانت السببية المقتضية للحجّية مختصة بما إذا لم يعلم كذب الخبر لا تفصيلاً ولا إجمالاً، يكون مقتضى القاعدة هو التساقط لفقدان الشرط، وهو عدم العلم بكذب أحد الخبرين، فتخرج هذه الصورة من أقسام السببية وتدخل في الطريقية. وإلى هذه الصورة أشار المحقّق الخراساني بقوله: «لو كان الحجّة خصوص مالم يعلم كذبه...».

الثانية: لو قلنا بأنّ المقتضي للحجّية هو مطلق الخبر وإن علم كذب أحدهما إجمالاً، فيكون المتعارضان من باب تزاحم الواجبين، سواء أدّيا إلى وجوب الضدين كما إذا دلّ أحدهما على وجوب الحركة والآخر على وجوب السكون، أو إلى لزوم المتناقضين كما إذا دلّ أحدهما على وجوب الشيء والآخر على عدمه.

الثالثة : لو دلّ أحدهما على الوجوب والآخر على حكم غير إلزامي كالإباحة، فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم التزاحم ضرورة عدم صلاحية مالا اقتضاء فيه (الإباحة) أن يزاحم ما فيه الاقتضاء (كالوجوب)، وإلى هذه الصورة أشار بقوله: «لا فيما إذا كان مؤدّى أحدهما حكماً غير إلزامي».(1)

الرابعة: هذا إذا كانت الإباحة بمعنى عدم الاقتضاء لحكم من الأحكام، وأمّا لو كانت الإباحة عن اقتضاء بأن كانت المصلحة مقتضية للتساوي بحيث تكون الإباحة عن اقتضاء التساوي لا عن عدم الاقتضاء فيزاحم حينئذ ما يقتضي الإلزام، فيتعامل معهما معاملة المتزاحمين.


1. والفرق بين هذه الصورة و ما في الصورة الثانية من لزوم المتناقضين، هو انّ عدم الوجوب فيها ليس حكماً شرعياً بخلاف الإباحة فانّه حكم شرعي.


(368)

الخامسة