welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الزيارة في الكتاب والسنّة*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الزيارة في الكتاب والسنّة

الزيارة
في
الكتاب والسنّة

تحليلٌ لمفهوم الزيارة وآثارها وأحكامها

تأليف

الفقيه المحقق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)



(3)

تمهيد:

الاِسلام دين الفطرة

عندما نقول إنّ الاِسلام دين الفطرة فهذا لا يعني أنّ كل حكم جزئيّ منه يوافقها، بل يعني أنّ الاَُصول الكلّية في مجالي العقائد والشريعة، تنسجم مع الفطرة وتوحي إليها بشكل واضح، ولذلك كانت تعاليم الاَنبياء، وفي مقدَّمتهم الشريعة الاِسلامية، تثير مكنون الفطرة، لذا فهم قبل أن يكونوا معلِّمين كانوا مذكِّرين بما أودع الله سبحانه في فطرة الاِنسان من ميول نحوَ العبودية لله سبحانه، والانشداد إلى ما وراء الطبيعة، والجنوح إلى العدل ومكارم الاَخلاق، والنفور عن الظلم ومساوىَ العادات. فكأنَّ الفطرة أوّلُ مدرسة يتعلّم فيها الاِنسان أُصولَ المعارف ومكارمَ الاَخلاق وآدابها، من دون معلِّم، وهذا لطف وامتنان منه سبحانه لعباده ويعدّ الحجرَ الاَساسلسائر الهداياتالاِلهية الواصلةإليهم عنطريقأنبيائه ورسله.

وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلك الدين القيّم وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ )(1)فإنّ المراد من الدين في الآية مجموع العقيدة والشريعة، كما فسّره به


(1) الروم: 30.


(4)

مشاهير المفسّرين، وكلمة (فِطْرَتَ اللهِ ) الّتي نصبت على الاختصاص تفسير للدين، فالدين ـ بتمام معنى الكلمة ـ يوافق فطرة الاِنسان، بالمعنى الّذي عرفت، أي أنّ أُصوله وكلّياته تنسجم مع الفطرة وليست الآية وحيدة في بابها، بل لها نظائر في الذكر الحكيم تؤكّد مضمونها، وتثبت بوضوح كون معرفة المحاسن والمساوىَ والفجور والتقوى والميل إلى الفضائل، والانزجار عن الرذائل أمراً فطرياً إلى حدّ يقول سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا )(1)وفي آية أُخرى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ )(2).

فالاِنسان الطبيعي الّذي لم يتأثّر بالمناهج البشرية، يدرك المحاسن والمساوىَ، والفجور والتقوى والخير والشرّ، كرامة من الله سبحانه إليه.

ومن روائع الكلم ما روي عن الاِمام عليّ _ عليه السلام_ حول تحديد دعوة الاَنبياء وأنّ دورهم في مجال التربية تذكيرهم بمقتضيات الفطرة، يقول _ عليه السلام_:

«فبعثَ الله فيهم رُسُلَه، وواتَرَ إليهم أنبياءه؛ لِيستَأدوهم ميثاقَ فطرته، ويُذكِّروهم منسيَّ نعمتِه، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويُثيروا لهم دفائنَ العقول»(3).

فالشرائع السماوية كأنّها تستنطِق الفطرة، وتُذكِّر بالنعمة المنسية بفعل الاَهواء والدعايات الباطلة، وقد أُمر حملتها بإثارة ما دفن في فطرة الاِنسان من جواهر المعقولات في مجالي العقيدة والشريعة.

وعلى ذلك فالشريعة ـ وفقَ الفطرة ـ مصباح ينير الدرب لكلّ ساع في طلب الحقّ. وكلّ فكرة أو ميل، توحي إليهما الفطرة فهو آية كونه حقّاً، وكلّ فكرة أو


(1) الشمس: 7 ـ 8.
(2) البلد: 8 ـ 10.
(3) نهج البلاغة: الخطبة 1.


(5)

جنوح، يناقض الفطرة وترفضهما فهو آية كونه باطلاً. ولاَجل ذلك تخلّينا عن الرهبانية والتعزّب ووأْد البنات؛ لاَنّها تخالف مقتضى الفطرة.

إنّ البحث في كون الشريعة الاِلهية شريعة فطرية، يتطلّب مجالاً واسعاً لما يترتّب على البحث من نتائج مشرقة تعين على حلّ مشاكل أثارها خصوم الاِسلام في مجال خاتمية الشريعة الاِسلامية، حيث إنّهم يرفضون كون الدين ديناً خاتماً، بزعمهم أنّ الحياة الاِنسانية حياة متغيّرة ومتحوّلة فكيف يمكن تدبير المجتمع المتغيّر، بقوانين ثابتة جامدة؟

ولكنّهم لعدم معرفتهم بحقيقة الشريعة الاِسلامية، غفلوا عن أمر هامّ، وهو أنّ المتغيّر في الحياة الاِنسانية هو القشر، لا اللبّ، وإلاّ فالاِنسان بما له من غرائز وميول عُلوية وسفلية لم ولن يتغيّر، وبهذه الميزة والخصوصية هو محكوم بالقوانين الثابتة.

فالاِنسان القديم كان يُحبُّ العدلَ وينفر من الظلم ويميل إلى الزواج والحياة الاجتماعية وهكذا الاِنسان في العصر الحاضر، إذن فالقانون في حقّهما سواء وإن تغيّرت أجواء الحياة وقشورها ولباسها وظواهرها.

الصلة بين الاَحياء والاَموات

إنّ زيارة الاِنسان لقبر حبيبه ومن كانت له به صلة روحية أو مادّية، هي ممّا تشتاق إليه النفوس السليمة؛ فكلّ من يعيش تحت السماء باسم الاِنسان السويّ اذا فارقَ أحبّته وأقرباءه، لا يقطع علاقته بمن شغف قلبه حبّاً، بل هو على حبّه باق، ويريد أن يُجسِّد محبَّته وشوقه بصور مختلفة، فهو تارةً يأوي إلى آثار حبيبه ورسوم داره وأطلاله، فيحتفظ بألبسته وأثاثه وقلمه وخطوطه، ولا


(6)

يكتفي بذلك بل يحاول أن يزور قبره وتربته حيناً بعد حين. كلّ ذلك بباعث ذاتي من صميم خلقته، فلا يصحّ لدين أُسُّه الفطرة أن يخالفه أو يمنعه من وصل أحبّائه وتعاهدهم.

لكن للاِسلام أن يحدّدها ويذكر آدابها ويمنع عن بعض الاَُمور غير الدخيلة في صميمها، لكن ليس في وسعه ـ بما أنّه منادٍ لدين الفطرة ـ أن يقوم بقطع العلائق مع الاَحبّة بتاتاً.

وعلى ضوء ذلك ترى أنّ السنّة حثّت على زيارة القبور وذكرت آثارها البنّاءة، ولو منعت في فترة خاصّة ـ لو صحّ المنع ـ فإنّما هو لمانع عن تطبيق الحكم وتنفيذه كما سيظهر لك.

هذا هو أصل الزيارة، وقضاء الفطرة على وفقه. مضافاً إلى ذلك فلها آثار تربويّة وهي ما يلي:

الآثار التربوية لزيارة القبور

إنّ زيارة القبور تنطوي على آثار تربوية وأخلاقية، وذلك لاَنّ مشاهدة المقابر التي تضمُّ في طياتها مجموعة كبيرة من الذين عاشوا في هذه الحياة الدنيا، وكانوا بمكان عال من القدرة والسلطة، ثمّ انتقلوا إلى الآخرة، تؤدّي إلى الحدّ من روحِ الطمع، والحرص على الدنيا، وربّما تُغيّر سلوك الاِنسان لما يرى أنّ المنزل الاَخير لحياته إنّما هو بيت ضيّق ومظلم باق فيه إلى ما شاء الله، فعند ذلك ربما يترك المظالم والمنكرات ويتوجّه إلى القيم والاَخلاق.

وإلى هذا الجانب من الاَثر التربوي يشير النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويقول:

«كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنّها ترقُّ القلوب، وتدمعُ


(7)

العين وتذكِّر الآخرة، ولا تقولوا هجراً»(1).

وفي لفظ آخر: «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروا القبور؛ فإنّها تزهّد في الدنيا»(2). وفي لفظ ثالث: «وتُذكّر الآخرة»(3).

وعن أبي هريرة أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ زار قبر أُمّه ولم يستغفر لها، قال: «أُمرتُ بالزيارة ونُهيت عن الاستغفار، فزوروا القبور؛ فإنّها تذكّر الموت»(4).

وعنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال: «زوروا القبور؛ فإنّها تذكّركم الآخرة»(5).

ويظهر من بعض الروايات أنّ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نهى يوماً عن زيارة القبور ثمّ رخّصها، وكان النهي والترخيص من الله سبحانه.

ولعلّ النهي كان بملاك أنّ أكثر الاَموات يومذاك كانوا من المشركين، فنهى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن زيارتهم، ولمّا كثر المؤمنون بينهم رخّص بإذن الله.

ولعلّ هناك ملاكاً آخر للنهي وهو أنّ زيارة القبور تُذكّر بالموتى والقتلى، وتورث الجبن عن الجهاد، وإذ قوي الاِسلام رخّص في الزيارة(6).

وعن أُمّ سلمة عنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «نَهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنّ لكم فيها عِبرة»(7).



(1) كنز العمال : ج15، ح42555 و 42998.
(2) كنز العمال 15 : ح42552.
(3) ابن ماجة، السنن 1 : 501| 1571.
(4) مسلم، الصحيح 2 : 671|108؛ أحمد بن حنبل، المسند 1 : 444؛ ابن ماجة، السنن 1 : 676؛ أبو داود، السنن 2 : 72؛ البيهقي، السنن 4 : 76؛ النسائي، السنن 4 : 90؛ الحاكم، المستدرك 1 : 376.
(5) ابن ماجة، السنن 1: 500 | 1569.
(6) منهج الرشاد : ص144.
(7) كنز العمال 15 : 647 | 42558.


(8)

الآثار الاجتماعية لزيارة أكابر الدين

قد تعرّفت على الآثار التربوية لزيارة قبور المسلمين، وهنا آثار تختصّ بزيارة أكابر المسلمين ورؤسائهم، وفي طليعتهم زيارة النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهي: أنّ في زيارتهم نوعاً من الشكر والتقدير على تضحياتهم، وإعلاماً للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الَّذين يسلكون طريقَ الحقّ والهدى والدفاع عن المبدأ والعقيدة.

ولاَجل هذا الاَثر الممتاز لزيارة صُلحاء الاَُمّة، نجد أنّ الاَُمم الحيّة تتسابق على زيارة مدفن رؤسائهم وشخصيّاتهم، الّذين ضحّوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل إحياء الشعب واستقلاله من أيدي المستعمرين والظالمين، ويقيمون الذكريات المئوية لاِحياء معالمهم، ويعدّونه تعظيماً وتكريماً لاَهدافهم.

وهذا هو العالم بغربه وشرقه، فيه قبور وأضرحة لشخصيّاته وعظمائه وصلحائه من غير فرق بين دينيّ ودنيويّ؛ لاَنّ الاِنسان يرى زيارتهم تكريماً لهم، وتأدية لحقوقهم، ووفاءً لعهدهم، فكلّ ما يقوم به فهو بوحي الفطرة ودعوتها إلى ذلك.

إنّ القبور الّتي تحظى باهتمام واحترام المؤمنين بالله في العالم ـ وخاصّة المسلمينـ هي في الغالب قبور حملة الرسالات الاِصلاحيّين الذين أدّوا مهمّتهم على الوجه المطلوب.

وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ الاَنبياء والقادة الدينيّون الّذين حملوا على عاتقهم رسالة السماء وضحَّواـمن أجلها ـ بالنفس والمال والاَحباب، وتحمّلوا أنواع المتاعب والمصاعب من أجل هداية الناس.


(9)

2 ـ العلماء والمفكّرون الّذين كانوا كالشّمعة تُحرقُ نفسها لتضيء للآخرين، وقد عاش هؤلاء حياة الزهد والحرمان، وقدّموا للعالم، البحوثَ القيّمة والتحقيقات الرائعة في مجالات العلم والفكر والطبيعة ومفاهيم السماء وعلوم الكون والمخلوقات وغير ذلك.

3 ـ المجاهدون الثائرون الّذين ضاقوا ذرعاً بما يعيشه المجتمع من الظلم وسحق الحقوق والتمييز العنصري أو القومي، فثاروا ضدّ الظلم والطغيان وطالبوا بحفظ كرامة الاِنسان وأداء حقوقه، وأقاموا صرح العدالة بدمائهم الغالية.

إنّ أيّة ثورة أو تغيير اجتماعي لا يُقدَّر له النجاحُ إلاّ بدفع الثمن، وإنّ ثمن الثورة التي تستهدف تدمير قصور الظالمين، وخنق أنفاسهم هو الدماء الزكية التي يُضحّي بها المقاتلون الاَبطال لاِعادة الحقّ والحرّية إلى الوطن الاِسلامي.

ولذا فإنّ الناس يزورون قبور هؤلاء ويذرفون عندها الدموع، ويتذكّرون بطولاتهم وتضحياتهم، ويُسعدون أرواحهم بتلاوة آيات من القرآن الحكيم هديّة إليهم، وينشدون قصائد في مدحهم وثنائهم وتقدير مواقفهم المشرّفة.

إنّ زيارة مراقد هذه الشخصيات هي نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم، وإعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الّذين يسلكون طريقَ الحقّ والهدى والفضيلة والدفاع عن المبدأ والعقيدة.

إنّ جزاءهم هو خلود الذكر الحسن والثناء الجميل، بالرغم من مرور الزمان على وفاتهم، وتعريفُ الناس بتلك الشخصيات الراقية وبمعتقداتهم الّتي ضحّوا من أجلها، واحترام مراقدهم وتجنّب كلّ ما يمسّ بكرامتها؛ لاَنّ احترام قبورهم احترام لرسالاتهم وعقائدهم، كما أنّ أيّ نوع من الاِهانة والتحقير تجاه مراقدهم هو في الحقيقة إهانة لرسالاتهم وتحقير لشخصيّتهم.

ثمّ إنّ لبعض أهل المعرفة تحليلاً علمياً رائعاً في زيارة النبي الاَكرم نذكره


(10)

بنصّه قال:

اعلم أنّ النفوس القوية القدسية، لا سيّما نفوس الاَنبياء والاَئمة:، إذا نفضوا أبدانهم الشريفة وتجرّدوا عنها، وصعدوا إلى عالم التجرّد، وكانوا في غاية الاِحاطة والاستيلاء على هذا العالم يكون العالم عندهم ظاهراً منكشفاً، فكلّ من يحضر مقابرهم لزيارتهم يطّلعون عليه، لا سيّما ومقابرهم مشاهدُ أرواحهم المقدّسة العليّة، ومحالّ حضور أشباحهم البرزخيّة النورية؛ فإنّهم هناك يشهدون (بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )(1)، وبما آتاهم الله من فضله فرحون، فلهم تمامُ العلم والاطّلاع بزائري قبورهم، وحاضري مراقدهم وما يصدر عنهم من السؤال والتوسّل والاستشفاع والتضرّع، فتهبّ عليهم نسماتُ ألطافهم، وتفيض عليهم من رشحات أنوارهم، ويشفعون إلى الله في قضاء حوائجهم، وإنجاح مقاصدهم، وغفران ذنوبهم وكشف كروبهم.

فهذا هو السرّ في تأكّد استحباب زيارة النبيّ والاَئمة : مع ما فيه من صلة لهم، وبرّهم وإجابتهم، وإدخال السرور عليهم، وتجدّد عهد ولايتهم، وإحياء أمرهم، وإعلاء كلمتهم، وتبكيت أعدائهم. وكلّ واحد من هذه الاَُمور ممّا لا يخفى عظيمُ أجرِهِ وجزيل ثوابه.

وكيف لا تكون زيارتُهم أقربَ القربات، وأشرفَ الطاعات، وأنّ في زيارة المؤمن ـ من جهة كونه مؤمناً فحسب ـ عظيم الاَجر وجزيل الثواب، وقد ورد به الحثّ والتوكيد والترغيب الشديد من الشريعة الطاهرة، ولذلك كثر تردّد الاَحياء إلى قبور أمواتهم للزيارة، وتعارف ذلك بينهم، حتّى صارت لهم سنّة طبيعية.

وأيضاً قد ثبت وتقرّر جلالة قدر المؤمن عند الله، وثوابُ صلته وبرّه وإدخال السرور عليه، وإذا كان الحال في المؤمن من حيث إنّه مؤمن، فما ظنّك بمن


(1) آل عمران: 169.


(11)

عصمه الله من الخطأ، وطهّره من الرجس، وبعثه الله إلى الخلائق أجمعين، وجعله حجّة على العالمين، وارتضاه إماماً للمؤمنين، وقدوة للمسلمين، ولاَجله خلق السماوات والاَرضين، وجعله صراطه وسبيلَه، وعينه ودليله، وبابه الّذي يُؤتى منه، ونورَه الّذي يستضاء به، وأمينَه على بلاده، وحبله المتّصل بينه وبين عباده، من رسل وأنبياء وأئمة وأولياء(1).

وفي الختام نقول: ليس الهدف من هذا التقديم تصويبَ بعض ما يقع عند الزيارة من محرّمات الاَفعال؛ فإنّها أُمور جانبيّة لاتمتّ لاَصل الزيارة بصلة، والّذي ندّعيه ـ وعليه يشهد عمل العقلاء في العالم ديّنهم وغيره ـ أنّ للاِنسان علاقة بمن كان يعشقه ويحبّه، فلا يقطع علاقته به بموته بل يحتفظ بها بشكل خاص بعد الفراق أيضاً، وهذا شيء يلمسه الاِنسان من صميم ذاته، وليس لشريعة سماوية بما أنّها تجاوب الفطرة تمنعه من ذلك، بل لها أن تعدله وتحدّده وتعزل عنه ما ليس منه.

وها نحن نعالج الموضوع بالبحث في الاَُمور التالية:

1 ـ زيارة القبور في الكتاب والسنّة النبوية.

2 ـ أعلام الاَُمّة وزيارة النبي الاَكرم.

3 ـ زيارة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في الكتاب.

4 ـ زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في السنّة.

5 ـ شدّ الرحال إلى زيارة قبر النبيّ الاَعظم.

6 ـ شبهات وتشكيكات حول زيارة النبيّ الاَكرم.

7 ـ خاتمة: تذكرة وإنذار.



(1) جامع السعادات 3 : 398 و 399.


(12)

المبحث الاَوّل

زيارة القبور في الكتاب والسنّة

قد عرفت أنّ زيارة الاِنسان لمن له به صلة روحية أو مادّية، ممّا تشتاق إليه النفوس السليمة، بل هي من وحي الفطرة، ولاَجل ذلك نرى أنّ الكتابَ والسنّة يدعمان أصلَ الزيارة بوجه خاص.

زيارة القبور في القرآن الكريم

أمّا الكتاب فقوله سبحانه: (ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولهِ وماتُوا وَهُم فاسِقُونَ )(1).

إنّ الآية تسعى لهدم شخصية المنافق، ورفع العصا في وجوه حزبه ونظرائه. والنهي عن هذين الاَمرين بالنسبة إلى المنافق، معناه ومفهومه مطلوبية هذين الاَمرين (الصلاة والقيام على القبر) بالنسبة لغيره أي للمؤمن.

والآن يجب أن ننظر في قوله تعالى: (وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ) ما معناه؟



(1) التوبة: 84.


(13)

هل المعنى هو القيام وقت الدفن فقط، حيث لا يجوز ذلك للمنافق، ويستحب للمؤمن، أو المعنى أعمّ من وقت الدفن وغيره؟

إنّ بعض المفسّرين وإن خصّوا القيامَ نفياً وإثباتاً بوقت الدفن، لكن البعض الآخر فسّروه في كلا المجالين بالاَعمّ من وقت الدفن وغيره.

قال السيوطي في تفسيره: ولا تَقم على قبره لدفن أو زيارة(1).

وقال الآلوسي البغدادي: ويفهم من كلام بعضهم أنّ «على» بمعنى «عند» والمراد: لاتقف عند قبره للدفن أو للزيارة(2).

وقال الشيخ إسماعيل حقّي البروسوي: (ولاتَقُم على قبره ) أي ولا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة والدعاء(3).

إلى غير ذلك من المفسّرين، وقد سبقهم البيضاوي في تفسيره(4).

والحقّ مع من أخذ بإطلاق الآية وإليك توضيحه:

إنّ الآية؛ تتألّف من جملتين:

الاَُولى: قوله تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ ).

إنّ لفظة «أحد» بحكم ورودها في سياق النفي تفيد العموم والاستغراق لجميع الاَفراد، ولفظة «أبداً» تفيد الاستغراق الزمني، فيكون معناها: لا تصلّ على أحد من المنافقين في أيّ وقت كان.

فمع الانتباه إلى هذين اللَّفظين نعرف ـ بوضوح ـ أنّ المراد من النهي عن الصلاة على الميّت المنافق ليس خصوص الصلاة على الميت عند الدفن فقط؛ لاَنّها ليست قابلة للتكرار في أزمنة متعدّدة، ولو أُريد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى لفظة


(1) تفسير الجلالين: سورة التوبة في تفسيره الآية.
(2) روح المعاني 10 : 155.
(3) روح البيان 3 : 378.
(4) أنوار التنزيل 1 : 416، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.


(14)

«أبداً»، بل المراد من الصلاة في الآية مطلق الدعاء والترحّم سواء أكان عند الدفن أم غيره.

فإن قال قائل: إنّ لفظة «أبداً» تأكيد للاستغراق الاَفرادي لا الزماني.

فالجواب بوجهين:

1 ـ أنّ لفظة «أحد» أفادت الاستغراق والشمول لجميع المنافقين بوضوح؛ فلا حاجة للتأكيد.

2 ـ أنّ لفظة «أبداً» تستعمل في اللّغة العربية للاستغراق الزماني، كما في قوله تعالى: (وَلا أنْ تَنكِحُوا أزواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَداً )(1).

فالنتيجة أنّ المقصود هو النهي عن الترحّم على المنافق وعن الاستغفار له، سواء أكان بالصلاة عليه عند الدفن أم بغيرها.

الثانية: (ولاَ تقُمْ عَلى قَبْرِهِ ).

إنّ مفهوم هذه الجملة ـ مع الانتباه إلى أنّها معطوفة على الجملة السابقة ـ هو: «لا تَقُم على قبر أحدٍ منهم مات أبداً» لاَنّ كلّ ما ثبت للمعطوف عليه من القيد ـ أعني «أبداً» ـ يثبت للمعطوف أيضاً، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بأنّ المقصود من القيام على القبر هو وقت الدفن فقط؛ لاَنّ المفروض عدم إمكان تكرار القيام على القبر وقت الدفن، كما كان بالنسبة للصلاة، ولفظة «أبداً» المقدّرة في هذه الجملة الثانية تفيد إمكانية تكرار هذا العمل، فهذا يدلّ على أنّ القيام على القبر لايختصّ بوقت الدفن.

وإن قال قائل: إنّ لفظة «أبداً» المقدّرة في الجملة الثانية معناها الاستغراق الاَفرادي.

قلنا: قد سبق الجواب عليه، وأنّ لفظة «أحد» للاستغراق الاَفرادي، لا لفظة


(1) الاَحزاب: 53.


(15)

«أبداً» فهي للاستغراق الزماني.

فيكون معنى الآية الكريمة: أنّ الله تعالى ينهى نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن مطلق الاستغفار والترحّم على المنافق، سواء كان بالصلاة أو مطلق الدعاء، وينهى عن مطلق القيام على القبر، سواء كان عند الدفن أو بعده. ومفهوم ذلك هو أنّ هذين الاَمرين يجوزان للمؤمن.

وبهذا يثبت جواز زيارة قبر المؤمن وجواز قراءة القرآن على روحه، حتّى بعد مئات السنين.

هذا بالنسبة إلى المرحلة الاَُولى وهي أصل الزيارة من وجهة نظر القرآن، وأمّا بالنسبة إليها من ناحية الاَحاديث فإليك بيانها:

زيارة القبور في السنّة النبوية

إنّ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ جسّد بعمله مشروعية زيارة القبور ـ مضافاً إلى أنّه أمر بها كما مرّ ـ وعلّم كيفيتها، وكيف يتكلّم الاِنسان مع الموتى، فقد ورد في غير واحد من المصادر، أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ زار البقيع، وإليك النصوص:

1 ـ روى مسلم عن عائشة أنّها قالت: كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كلّما كان ليلتها من رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجَّلون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لاَهل بقيع الغرقد»(1).

2 ـ وعن عائشة في حديث طويل أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال لها: «أتاني جبرئيل فقال: إنّ ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم» قالت: قلت: كيف أقول لهم يا


(1) مسلم، الصحيح 3: 63 ، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لاَهلها من كتاب الجنائز.


(16)

رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ورحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون»(1).

3 ـ وروى ابن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يُعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: ـ في رواية أبي بكر ـ «السلام على أهل الديار» وفي رواية زهير: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله لَلاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية»(2).

4 ـ عن ابن بريدة، عن أبيه: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»(3).

5 ـ ورويت في كنز العمال الروايات التالية: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون. ووددتُ أنّا قد أُرينا إخواننا قالوا: أولسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد.إلخ»(4).

6 ـ «السلام عليكم يا أهل القبور من المؤمنين والمسلمين، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالاَثر»(5).

7 ـ «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم متواعدون غداً ومتواكلون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللّهم اغفر لاَهل بقيع الغرقد»(6).

8 ـ «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، وإنّا بكم لاحقون،


(1) مسلم، الصحيح 3: 64، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز؛ النسائي، السنن 4 : 91.
(2) مسلم، الصحيح 3: 65، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز.
(3) مسلم، الصحيح 7 : 46، الترمذي، السنن 3 : 370 ح 1054 ؛ النسائي، السنن 4 : 89.
(4) مسلم، الصحيح، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحصيل في الوضوء|ح249.
(5) كنز العمال 15: 247 ـ 248|ح 42561.
(6) كنز العمال 15: 247 ـ 248|ح 42562.


(17)

اللّهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم»(1).

9 ـ «إنّي نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها لتذكِّركم زيارتها خيراً»(2).

10 ـ «نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهنّ؛ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنّ في زيارتها تذكرة»(3). إلى غير ذلك من الآثار النبوية الحاثّة على زيارة القبور، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كنز العمال.



(1) كنز العمال 15: 247 ـ 248|ح 42563.
(2) كنز العمال 15: 247 ـ 248|ح 42564.
(3) كنز العمال 15: 247 ـ 248|ح 42565.


(18)

المبحث الثاني
أعلام الأُمّة وزيارة قبر النبي الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _

إذا كانت زيارة قبور المسلمين من السنن التي دعا إليها النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعمل بها بمرأى ومسمع من نسائه وصحابته، فزيارة قبر سيد ولد آدم ومن أُنيطت إليه سعادة البشر أولى بها، لذا جرت سيرة المسلمين على زيارة قبره، وصرّح بها فقهاء الاَُمّة، وتضافرت السنّة على استحبابها.

ولنقدّم بعض الكلمات من أكابر الاَُمّة الّتي تعرب عن موقف المسلمين طيلة القرون تجاه المسألة، فقد قيّض سبحانه في كلّ عصر رجالاً يجاهرون بالحقّ، وينفون غبار الباطل عن وجهه نذكر منهم شخصيتين كبيرتين من السنّة والشيعة:

1 ـ الاِمام تقي الدين السبكي الشافعي المتوفّى سنة (756 هـ) عليه سحائب الرحمة والرضوان. فقد خصّ في كتابه «شفاء السقام في زيارة خير الاَنام» باباً لنقل نصوص العلماء على استحباب زيارة قبر سيّدنا رسول الله، وقد بيّن أنّ الاستحباب أمر مجمع عليه بين المسلمين(1).


(1) شفاء السقام : 65 ـ 79 ونحن نغترف من هذا العين المعين، ونذكر كلمات المحقّقين من أهل السنة حول زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _.


(19)

2 ـ العلاّمة الكبير الاَميني في الغدير 5: 109 ـ 125، فقد استدرك عليه بما لم يقف عليه الاِمام السبكي، ونقل كلمات أعلام المذاهب الاَربعة بما يتجاوز الاَربعين كلمة. شكر الله مساعيهما.

وقد راجعنا أكثر المصادر الّتي نقلا عنها حسب ماحضرنا منها. واكتفينا بالنقل عنهما في غيره، وأضفنا بعض ما فات عنهما. ولعلّ المعثور عليه من الكلمات أقلّ ممّا لم يُعثر عليه.

كلمات أعلام المذاهب حول الزيارة

1 ـ قال أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي الجرجاني الشافعي(ت403هـ) بعد الحث على تعظيم النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _: فأمّا اليوم فمن تعظيمه زيارته(1).

2 ـ قال أبو الحسن أحمد بن محمد المحاملي الشافعي (ت 425هـ): ويستحب للحاجّ إذا فرغ من مكّة أن يزور قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _(2).

3 ـ قال القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري (ت 450هـ): ويستحب أن يزور النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد أن يحجّ ويعتمر(3).

4 ـ قال أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ): فإذا عاد (وليّ الحاج) سار بهم على طريق المدينة لزيارة قبر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ليجمع لهم بين حج بيت الله عزّ وجلّ وزيارة قبر رسول الله؛ رعاية لحرمته وقياماً بحقوق طاعته، وذلك وإن لم يكن من فروض الحج فهو من مندوبات الشرع المستحبّة وعبادات


(1) المنهاج في شعب الاِيمان، كما في شفاء السقام : ص65.
(2) التجريد، كما في شفاء السقام : ص65.
(3) نقله عنه السبكي في شفاء السقام : ص65.


(20)

الجميع المستحسنة(1).

وقال أيضاً في كتابه الحاوي: أمّا زيارة قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فمأمور بها ومندوب إليها(2).

5 ـ حكى عبد الحقّ بن محمد الصقلي (ت 466 هـ) عن الشيخ أبي عمران المالكي أنّ زيارة قبر النبي واجبة، قال عبد الحقّ: يعني من السنن الواجبة(3).

6 ـ قال ابو إسحاق إبراهيم بن محمد الشيرازي الفقيه الشافعي ( ت 476 هـ): ويستحب زيارة قبر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _(4).

7 ـ وممّن بسط الكلام في زيارة النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الاِمام الغزالي في كتاب الحجّ منإحياء العلوم قال: الجملة العاشرة في زيارة المدينة وآدابها قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي». وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من وجد سعة ولم يَفِد إليَّ فقد جفاني» إلى أن قال: فمن قصد زيارة المدينة فليصلّ على رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في طريقه كثيراً، فإذا وقع بصره على حيطان المدينة وأشجارها قال: اللّهمّ هذا حرم رسولك فاجعله لي وقاية من النار، وأماناً من العذاب وسوء الحساب، ثمّ ذكر آداب الزيارة وصيغتها، كما ذكر زيارة الشيخين وزيارة البقيع بمن فيها، كزيارة قبر عثمان وقبر الحسن بن علي، ثم قال: ويصلّي في مسجد فاطمة رضي الله عنها، ويزور قبر إبراهيم ابن رسول الله وقبر صفيّة عمّة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فذلك كلّه بالبقيع، ويستحبّ له أن يأتي مسجد قباء في كلّ سبت ويصلّي فيه لما روي أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «منخرج منبيته حتّى يأتي مسجد قباء ويصلّي فيه كانله عدل عمرة»(5).


(1) الاَحكام السلطانية : ص109، دار الفكر، بيروت.
(2) الحاوي، كما في شفاء السقام : ص65.
(3) تهذيب الطالب، كما في شفاء السقام : ص68.
(4) المهذّب في فقه الاِمام الشافعي 1 : 233، دار الفكر، بيروت.
(5) إحياء علوم الدين 1 : 305و306.


(21)

8 ـ قال أبوالخطاب محفوظ بن أحمد الكلوداني الفقيه البغدادي الحنبلي (ت510هـ ):وإذا فرغ من الحجّ استحبّ له زيارة قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _وقبر صاحبيه(1).

9 ـ قال القاضي عياض المالكي (ت 544 هـ): وزيارة قبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سنّة مجمع عليها وفضيلة مرغّب فيها، ثم ذكر عدّة من أحاديث الباب فقال: قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: وممّا لم يزل من شأن من حجّ المزور(2)بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والتبرّك برؤية روضته(3)ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطن قدميه والعمود الّذي استند إليه ومنزل جبرئيل بالوحي فيه عليه(4).

10 ـ قال ابن هبيرة (ت 560 هـ): اتّفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل ـ رحمهم الله تعالى ـ على أنّ زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مستحبّة(5).

11 ـ عقد الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (ت 597 هـ) في كتابه باباً في زيارة قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وذكر حديث ابن عمر وحديث أنس اللَّذين سنذكرهما(6).

12 ـ قال أبو محمد عبد الكريم بن عطاء الله المالكي (ت 612 هـ): إذا كمل لك حجّك وعمرتك على الوجه المشروع لم يبق بعد ذلك إلاّ إتيان مسجد رسولالله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ للسلام على النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والدعاء عنده، والسلام على صاحبيه، والوصول إلى البقيع وزيارة ما فيه من قبور الصحابة والتابعين، والصلاة في مسجد الرسول، فلا ينبغي للقادر على ذلك تركه(7).


(1) الهداية، كما في شفاء السقام : 66.
(2) قيل بكسر الميم وسكون الزاء وفتح الواو: مصدر ميمي بمعنى الزيارة (شرح الشفا للخفاجي 3: 515).
(3) ففي الحديث الشريف: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» صحيح البخاري 2: 137 وج9: 188، مسلم 2: 2011.
(4) الشفاء 2 : 194 ـ 197، ط دار الفيحاء، عمان.
(5) المدخل 1 : 256.
(6) مثير العزم الساكن إلى أشرف الاَماكن، كما في شفاء السقام : 67.
(7) المناسك، كما في الغدير 5 : 110.


(22)

13 ـ قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن إدريس السامريّ الحنبليّ (ت 616 هـ): وإذا قدم مدينة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ استحبّ له أن يغتسل لدخولها. ثم ذكر أدب الزيارة وكيفية السلام والدعاء والوداع(1).

14 ـ قال الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي(ت620هـ): يستحب زيارة قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ثم ذكر حديثي ابن عمر وأبي هريرة من طريق الدار قطني وأحمد(2).

15 ـ قال محيي الدين النووي الشافعي (ت 677هـ): ويُسنُّ شرب ماء زمزم وزيارة قبر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد فراغ الحجّ(3).

16 ـ قال نجم الدين بن حمدان الحنبلي (ت 695هـ): ويسنّ لمن فرغ عن نسكه زيارة قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقبر صاحبيه رضي الله عنهما، وله ذلك بعد فراغ حجّه وإن شاء قبل فراغه(4).

17 ـ قال القاضي الحسين: إذا فرغ من الحجّ فالسنّة أن يقف بالملتزم ويدعو، ثم يشرب من ماء زمزم، ثم يأتي المدينة ويزور قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _(5).

18 ـ قال القاضي أبو العباس أحمد السروجي الحنفي (ت 710هـ): إذا انصرف الحاجّ والمعتمرون من مكّة فليتوجّهوا إلى طيبة مدينة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وزيارة قبره؛ فإنّها من أنجح المساعي(6).

19 ـ قال الاِمام القدوة ابن الحاج محمد بن محمد العبدري القيرواني


(1) المستوعب، كما في شفاء السقام : 67.
(2) المغني 3 : 788.
(3) المنهاج، المطبوع بهامش شرحه المغني 1 : 494 كما في الغدير 5 : 111.
(4) الرعاية الكبرى في الفروع الحنبلية، كما في شفاء السقام : ص67.
(5) نقله السبكي في شفاء السقام : ص66.
(6) الغاية، كما في شفاء السقام : ص66.


(23)

المالكي(ت738هـ) بعد أن ذكر لزوم وكيفية زيارة الاَنبياء والرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ والتوسّل بهم إلى الله تعالى وطلب الحوائج منهم قال: وأمّا في زيارة سيد الاَوّلين والآخرين صلوات الله عليه وسلامه فكلّ ما ذكر يزيد عليه أضعافه، أعني في الانكسار والذلّ والمسكنة؛ لاَنّه الشافع المشفّع الّذي لا تُردّ شفاعته، ولايُخيّب من قصده، ولا من نزل بساحته، ولا من استعان أو استغاث به، إذ إنّه عليه الصلاة والسلام قطب دائرة الكمال وعروس المملكة ـ إلى أن قال ـ: فمن توسّل به أو استغاث به أو طلب حوائجه منه، فلا يردّ ولا يخيب لما شهدت به المعاينة والآثار، ويحتاج إلى الاَدب الكلّي في زيارته عليه الصلاة والسلام، وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنّ الزائر يشعر بنفسه بأنّه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته(1).

20 ـ وقال شمس الدين ابن قدامة الاَندلسي: فإذا فرغ من الحجّ استحبّ زيارة قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقبر صاحبيه ـ رضي الله عنهما ـ واستدلّ على ذلك بروايتي ابن عمر، وأبي هريرة(2).

21 ـ قال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي: إنّ ابن تيمية ذكر في مناسكه «باب زيارة قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _: إذا أشرف على مدينة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قبل الحجّ أو بعده، فليقل ما تقدّم، فإذا دخل استحب له أن يغتسل، نصّ عليه الاِمام أحمد، فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى وقال: بسم الله والصلاة على رسول الله، اللّهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلّي بها ويدعو بما شاء، ثم يأتي قبر النبيّ فيستقبل جدار القبر ولا يمسّه ولايقبّله، ويجعل القنديل الّذي في القبلة عند القبر على رأسه؛ ليكون قائماً وجاه


(1) المدخل 1 : 257.
(2) الشرح الكبير على المقنع 3 : 494.


(24)

النبيّ، ويقف متباعداً كما يقف لو ظهر في حياته بخشوع وسكون منتكس الرأس، غاضّ الطرف، متحضّراً بقلبه جلالة موقفه ثمّ يقول:

السلام عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يانبيّ الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيّد المرسلين، وخاتم النبيين، وقائد الغرّ المحجّلين، أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأشهد أنّك رسول الله، أشهد أنّك قد بلّغت رسالات ربك، ونصحت لاَُمتك، ودعوت إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتّى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ماجزى نبياً ورسولاً عن أُمّته اللّهمّ آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً...»(1).

22 ـ ألّف الشيخ تقي الدين السبكي الشافعي (ت 756 هـ) كتاباً حافلاً في زيارة النبيّ الاَعظم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأسماه «شفاء السقام في زيارة خيرالاَنام» ردّاً على ابن تيمية، وممّا قال فيه: لاحاجة إلى تتبّع كلام الاَصحاب في ذلك مع العلم بإجماعهم وإجماع سائر العلماء عليه. والحنفية قالوا: إنّ زيارة قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من أفضل المندوبات والمستحبّات، بل تقرّب من درجة الواجبات، وممّن صرّح بذلك منهم أبومنصور محمد بن مكرم الكرماني في مناسكه، وعبد الله بن محمود بن بَلَدحي في شرح «المختار» وفي فتاوى أبي الليث السمرقندي في باب أداء الحجّ(2).

ثم قال: وكيف يتخيّل في أحد من السلف نهيهم عن زيارة المصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهم مجمعون على زيارة سائر الموتى، فالنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وسائر الاَنبياء الّذين ورد فيهم أنّهم أحياء كيف يقال فيهم هذه المقالة(3)وحكى عن القاضي عياض وأبي زكريا


(1) الصارم المنكي في الردّ على السبكي : ص16 ـ 17، الطبعة الاَُولى 1992 مؤسسة الريان ـ بيروت. ولو صحّ ما نقله يحمل على تبدلّ الاجتهاد والمعروف أنه نهى عن السفر للزيارة لا عن أصلها. وسيوافيك بعض شبهاته.
(2) شفاء السقام : ص66، طبع دار الجيل.
(3) المصدر نفسه : ص79.


(25)

النووي إجماع العلماء والمسلمين على استحباب الزيارة(1).

وقال أيضاً: وإذا استحبّ زيارة قبر غيره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقبره أولى لما له من الحق ووجوب التعظيم(2). ثم إنّه استدلّ في الباب السادس على أنّ السفر إلى الزيارة قربة بالكتاب والسنّة والاِجماع ـ إلى أن قال ـ :

الرابع: الاِجماع إطباق السلف والخلف؛ فإنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحج يتوجّهون إلى زيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _، فمنهم من يفعل ذلك قبل الحج، هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا وحكاه العلماء عن الاَعصار القديمة... ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على الخطأ فهو المخطىَ(3).

23 ـ قال زين الدين أبو بكر بن الحسين بن عمر القريشي العثماني المصري المراغي(ت816هـ): وينبغي لكلّ مسلم اعتقاد كون زيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قربة عظيمة، للاَحاديث الواردة فيذلك، ولقوله تعالى: (ولوْ أنَّهم إذْ ظَلموا أنفسَهُمْ جاءُوكَ فَاستغفَروا اللهَ واستغفَرَ لَهُمُ الرَّسولُ ) الآية، لاَنّ تعظيمه لاينقطع بموته(4).

24 ـ قال السيد نور الدين السمهودي (ت 911هـ) بعد ذكر أحاديث الباب: وأمّا الاِجماع، فأجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال كما حكاه النووي بل قال بعض الظاهرية بوجوبها، وقد اختلفوا في النساء، وقد امتاز القبر الشريف بالاَدلّة الخاصّة به. قال السبكي: ولهذا أقول: إنّه لا فرق في زيارته بين الرجال والنساء. وقال الجمال الريمي في «التفقيه»: يستثنى من محل الخلاف قبر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصاحبيه ثم قال: وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين وهو الدمنهوري الكبير،


(1) شفاء السقام : ص83، طبع دار الجيل.
(2) المصدر نفسه : ص84.
(3) المصدر نفسه : ص100.
(4) المواهب اللدنية للقسطلاني 4 : 570 ـ 574 المكتب الاِسلامي، بيروت. والآية من سورة النساء: 64.


(26)

وأضاف إليه قبور الاَولياء والصالحين والشهداء(1).

25 ـ قال الحافظ أبو العباس القسطلاني المصري (ت 933هـ): اعلم أنّ زيارة قبره الشريف من أعظم القربات وأرجى الطاعات والسبيل إلى أعلىالدرجات، ومن اعتقد غير هذا فقد انخلع من ربقة الاِسلام، وخالف الله ورسوله وجماعة العلماء الاَعلام، وقد أطلق بعض المالكية وهو أبو عمران الفاسي كما ذكره في «المدخل» عن «تهذيب الطالب» لعبد الحقّ: أنّها واجبة، قال: ولعلّه أراد وجوب السنن المؤكدة، وقال القاضي عياض: إنّها من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغّب فيها...

ثم قال: وقد صحّ أنّ عمر بن عبد العزيز كان يبرد البريد للسلام على النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فالسفر إليه قربة لعموم الاَدلّة، ومن نذر الزيارة وجبت عليه كما جزم به ابن كج من أصحابنا، إلى أن قال: وللشيخ تقي الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب يتضمن منع شدّ الرحال للزيارة النبوية، وأنّه ليس من القُرب بل بضدّ ذلك، وردّ عليه الشيخ تقي الدين السبكي في «شفاء السقام» فشفى صدور المؤمنين(2).

26 ـ ذكر شيخ الاِسلام أبو يحيى زكريا الاَنصاري الشافعي (ت 925هـ) في باب مايستحب لمن حج وقال: ثم يزور قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويسلّم عليه وعلى صاحبيه بالمدينة المشرّفة(3).

27 ـ قال ابن حجر الهيثمي المكي الشافعي (ت 973هـ) بعد ما استدلّ على مشروعية زيارة قبر النبي بعدّة أدلة منها: الاِجماع؛ فإن قلت: كيف تحكي الاِجماع على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها وابن تيمية من متأخّري الحنابلة منكر


(1) وفاء الوفا، المجلد الثاني 4 : 1362، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(2) المواهب اللدنية 4 : 570 المكتب الاِسلامي، بيروت.
(3) أسنى المطالب في شرح روض الطالب 1 : 501.


(27)

لمشروعية ذلك كلّه كما رآه السبكي في خطّه؟ وقد أطال ابن تيمية الاستدلال لذلك بما تمجّه الاَسماع، وتنفر عنه الطباع، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً وأنّه لاتقصَّر فيه الصلاة، وأنّ جميع الاَحاديث الواردة فيها موضوعة، وتبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه.

قلت: من هو ابن تيمية؟! حتّى ينظر إليه أو يقول في شيء من مورد الدين عليه؟!! وهل هو إلاّ كما قال جماعة من الاَئمة ـ الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتّى أظهروا عوار سقطاته، وقبائح أوهامه، وغلطاته كالعزّ بن جماعة ـ: عبد أضلّه الله تعالى وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه، وبواه من قوّة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان، وأوجب له الحرمان، ولقد تصدّى شيخ الاِسلام وعالم الاَنام المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وإمامته، التقيّ السبكي ـقدس الله روحه ونوّر ضريحه ـ للردّ عليه في تصنيف مستقل أفاد فيه وأجاد، وأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الصواب ثم قال:

هذا ما وقع من ابن تيمية ممّا ذكر وإن كان عثرة لا تقال أبداً، ومصيبة يستمر شؤمها سرمداً، وليس بعجب؛ فإنّه سوّلت له نفسه وهواه وشيطانه أنّه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب، ومادرى المحروم أنّه أتى بأقبح المعائب؛ إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة، وتدارك على أئمتهم لا سيما الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة، شهيرة حتّى تجاوز إلى الجناب الاَقدس، المنزّه سبحانه عن كلّ نقص، والمستحق لكل كمال أنفس، فنسب إليه الكبائر والعظائم، وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامّة، على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم، وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدّمين والمتأخّرين، حتّى قام عليه علماء عصره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره، فحبسه إلى أن مات، وخمدت تلك البدع، وزالت تلك الضلالات، ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأساً، ولم يظهر لهم جاهاً، ولا بأساً، بل ضربت


(28)

عليهم الذلّة والمسكنة وباءُوا بغضب من الله بما عصوا وكانوا يعتدون(1).

ونقل حسن العدوي الحمزاوي عنه أيضاً ما هذه عبارته:

اعلم ـ وفّقني الله وإياك لطاعته وفهم خصوصيات نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، والمسارعة إلى مرضاته ـ: أنّ زيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مشروعة مطلوبة بالكتاب والسنّة وإجماع الاَُمّة وبالقياس ـ إلى أن قال ـ: وأمّا الاِجماع فقد حكاه الاِمام السبكي قال: ولا عبرة بما تفرّد به ابن تيمية وتبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه(2).

28 ـ قال الشيخ محمد الخطيب الشربيني (ت 977هـ): أمّا زيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فمن أعظم القربات للرجال والنساء، وألْحقَ الدمنهوري به قبور بقية الاَنبياء والصالحين والشهداء وهو ظاهر(3).

وقال في موضع آخر بعد بيان مندوبية زيارة قبره الشريف _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وذكر جملة من أدلّتها: ليس المراد اختصاص أدب الزيارة بالحجّ؛ فإنّها مندوبة مطلقاً بعد حجّ أو عمرة أو قبلهما أو لا مع نسك، بل المراد تأكّد الزيارة فيها(4).

29 ـ قال الشيخ عبد الرحمن شيخ زاده (ت 987هـ): من أحسن المندوبات، بل يقرب من درجة الواجبات زيارة قبر نبينا وسيدنا محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقد حرّض _ عليه السلام_ على زيارته وبالغ في الندب إليها(5).

30 ـ قال الشيخ زين الدين عبد الرؤوف المناوي (ت 1031هـ): وزيارة قبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الشريف من كمالات الحج، بل زيارته عند الصوفية فرض، وعندهم


(1) الجوهر المنظّم في زيارة القبر المكرّم : ص22، طبع سنة 1279 بمصر.
(2) كنز المطالب : ص179 و 181، الطبعة الحجرية.
(3) مغني المحتاج 1 : 36، ط دار الفكر.
(4) المصدر نفسه 1 : 512.
(5) مجمع الاَنهر في شرح ملتقى الاَبحر 1 : 312، ط دار إحياء التراث العربي.


(29)

الهجرة إلى قبره كهي إليه حيّاً(1).

وقال في موضع آخر: إنّ أثر الزيارة إمّا الموت على الاِسلام مطلقاً لكلّ زائر، وإمّا شفاعة تخصّ الزائر أخصّ من العامّة، وقوله: شفاعتي في الاِضافة إليه تشريف لها، إذ الملائكة وخواص البشر يشفعون؛ فللزائر نسبة خاصة فيشفع هو فيه بنفسه، والشفاعة تعظّم بعظم الزائر(2).

31 ـ قال الشيخ حسن بن عمار الشرنبلالي: زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من أفضل القربات وأحسن المستحبّات تقرب من درجة ما لزم من الواجبات، فإنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حرّض عليها وبالغ في الندب إليها. قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من وجد سعة فلم يزرني فقد جفاني» وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني بعد مماتي فكأنّما زارني في حياتي» إلى أن قال: وممّا هو مقرر عند المحقّقين أنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حيّ يُرزق ممتّع بجميع الملاذ والعبادات، غير أنّه حجب عن أبصار القاصرين عن شرف المقامات(3).

32 ـ وقال قاضيالقضاة شهابالدينالخفاجي الحنفي المصري(ت1069هـ): واعلم أنّ هذا الحديث (شدّ الرِّحال إلى المساجد) هو الّذي دعا ابن تيمية ومن معه كابن قيّم إلى مقالته الشنيعة الّتي كفّروه بها، وصنّف فيها السبكي مصنّفاً مستقلاً، وهي منعه من زيارة قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهو كما قيل:

لمهبط الوحي حقّاً ترحل النجُبُ * وعند ذاك المُرَجَّى ينتهي الطلبُ

فتوهم أنّه حمى جانب التوحيد بخرافات لاينبغي ذكرها؛ فإنّها لا تصدر عن


(1) شرح الجامع الصغير 6 : 160.
(2) شرح الجامع الصغير 6 : 93.
(3) مراقي الفلاح في شرح متن نور الاِيضاح : 292 ـ 293، ط مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده، مصر.


(30)

عاقل فضلاً عن فاضل سامحه الله تعالى!(1)

33 ـ قال الشيخ محمد بن علي بن محمد الحصني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي المفتي بدمشق (ت 1088هـ): وزيارة قبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مندوبة بل قيل واجبة لمن له سعة(2).

34 ـ قال أبو عبد الله محمد بن عبد الباقيالزرقاني المالكي المصري(ت1132هـ): قد كانت زيارته مشهورة في زمن كبار الصحابة معروفة بينهم، لمّا صالح عمر بن الخطاب أهل بيت المقدس جاءه كعب الاَحبار فأسلم ففرح به وقال: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وتتمتّع بزيارته؟ قال: نعم(3).

35 ـ قال أبو الحسن السندي محمد بن عبد الهادي الحنفي (ت 1138هـ): قال الدميري: فائدة زيارة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من أفضل الطاعات وأعظم القربات لقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زار قبري وجبت له شفاعتي إلخ»(4).

36 ـ قال محمد بن عبد الوهاب: تسنّ زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلاّ أنّه لايشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد والصلاة فيه(5).

37 ـ قال الشيخ محمد بن علي الشوكاني (ت 1250هـ): قد اختلفت فيها (في زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _، أمّا أقوال أهل العلم، فذهب الجمهور إلى أنّها مندوبة، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى أنّها واجبة، وقالت الحنفية: إنّها قريبة من الواجبات، وذهب ابن تيمية الحنبلي حفيد المصنّف المعروف بشيخ الاِسلام إلى أنّها


(1) شرح الشفاء 3 : 566، طبع المطبعة العثمانية، سنة 1315.
(2) الدر المختار في شرح تنوير الاَبصار، آخر كتاب الحج : 190، مطبعة الفتح الكريم، سنة 1302 هـ.
(3) شرح المواهب 8 : 299، الطبعة الاَُولى بالمطبعة الاَزهرية المصرية، سنة 1302 هـ.
(4) شرح سنن ابن ماجة 2 : 268، كما في الغدير 5 : 120.
(5) الهدية السنية، الرسالة الثانية.


(31)

غير مشروعة. ثم فصل الكلام في الاَقوال، إلى أن قال وفي آخر كلامه: احتجّ أيضاً من قال بالمشروعية بأنّه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحجّ في جميع الاَزمان على تباين الديار واختلاف المذاهب، الوصول إلى المدينة المشرّفة لقصد زيارته، ويعدّون ذلك من أفضل الاَعمال، ولم ينقل أن أحداً أنكر ذلك عليهم فكان إجماعاً(1).

38 ـ قال الشيخ محمد أمين بن عابدين (ت 1253هـ): زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مندوبة بإجماع المسلمين إلى أن قال: وهل تستحب زيارة قبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ للنساء؟ الصحيح نعم بلا كراهة، بشروطها على ما صرّح به بعض العلماء، وأمّا على الاَصح من مذهبنا وهو قول الكرخي وغيره من أنّ الرخصة في زيارة القبور ثابتة للرجال والنساء جميعاً فلا إشكال، وأمّا على غيره فذلك نقول بالاستحباب لاِطلاق الاَصحاب(2).

39 ـ قال الشيخ محمد بن السيد درويش الحوت البيروني (ت 1276هـ): زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مطلوبة؛ لاَنّه واسطة الخلق، وزيارته بعد وفاته كالهجرة إليه في حياته، ومن أنكرها؛ فإن كان ذلك إنكاراً لها من أصلها فخطؤه عظيم، وإن كان لما يعرض من الجهلة ممّا لاينبغي فليبيّن ذلك(3).

40 ـ قال الشيخ إبراهيم الباجوري الشافعي (ت 1277هـ): وتسنّ زيارة قبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولو لغير حاجّ ومعتمر كالّذي قبله، ويسنّ لمن قصد المدينة الشريفة لزيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يكثر من الصلاة والسلام عليه في طريقه، ويزيد في ذلك إذا رأى حرم المدينة وأشجارها، ويسأل الله أن ينفعه بهذه الزيارة ويتقبّلها منه. ثم ذكر


(1) نيل الاَوطار 4 : 324.
(2) رد المحتار على الدر المختار 5 : 278.
(3) التعليق على «حسن الاَثر» : 246 كما في الغدير 5 : 121.


(32)

جملة كثيرة من آداب الزيارة وألفاظها(1).

41 ـ قال الشيخ حسن العدوي الحمزاوي الشافعي (ت 1303هـ)، بعد نقل جملة من الاَحاديث الواردة في أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يسمع سلام زائريه ويردّ عليهم:

إذا علمت ذلك علمت أنّ ردّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سلام الزائر عليه بنفسه الكريمة _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أمر واقع لا شكّ فيه، وإنّما الخلاف في ردّه على المسلِّم عليه من غير الزائرين. فهذه فضيلة عظيمة ينالها الزائرون لقبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيجمع الله لهم بين سماع رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لاَصواتهم من غير واسطة وبين ردّه عليهم سلامهم بنفسه، فأنّى لمن سمع بهذين بل بأحدهما أن يتأخّر عن زيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أو يتوانى عن المبادرة إلى المثول في حضرته _ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ تالله ما يتأخّر عن ذلك مع القدرة عليه إلاّ من حقّ عليه البعد من الخيرات، والطرد عن مواسم أعظم القربات، أعاذنا الله تعالى من ذلك بمنّه وكرمه آمين.

وعلم من تلك الاَحاديث أيضاً أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حيّ على الدوام؛ إذ من المحال العادي أن يخلو الوجود كلّه من واحد يسلّم عليه في ليل أو نهار، فنحن نؤمن ونصدق بأنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حيّ يرزق، وأنّ جسده الشريف لا تأكله الاَرض، وكذا سائر الاَنبياء عليهم الصلاة والسلام، والاِجماع على هذا(2).

42 ـ قال السيد محمد بن عبد الله الجرداني الدمياطي الشافعي (ت 1357هـ): زيارة قبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من أعظم الطاعات وأفضل القربات حتى أنّ بعضهم جرى على أنّها واجبة فينبغي أن يحرّض عليها، وليحذر كلّ الحذر من التخلّف عنها مع القدرة وخصوصاً بعد حجّة الاِسلام؛ لاَنّ حقّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على أُمّته عظيم، ولو أنّ أحدهم يجيء على رأسه أو بصره من أبعد موضع من الاَرض لزيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يقم بالحقّ الّذي عليه لنبيّه جزاه الله عن المسلمين أتمّ الجزاء.


(1) حاشية علىشرح ابن الغزي على متن الشيخ أبيشجاع في الفقه الشافعي 1: 347 كما في الغدير 5: 122.
(2) كنز المطالب : 195، الطبعة الحجرية.


(33)

ويسنّ لمن قصد المدينة الشريفة (إلخ) ثم فصّل القول في آداب الزيارة وذكر التسليم على الشيخين وزيارة السيدة فاطمة وأهل البقيع والمزارات المشهورة؛ وهينحو ثلاثين موضعاً كما قال وما أحسن ما قيل:

هنيئاً لمن زار خير الورى * وحطّ عن النفسِ أوزارها
فإنّ السعادة مضمونةٌ * لمن حلّ طيبة أو زارها(1)

43 ـ قال الشيخ عبد الباسط بن الشيخ علي الفاخوري مفتي بيروت:

الفصل الثاني عشر: في زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _: وهي متأكّدة مطلوبة ومستحبّة محبوبة، وتسنّ زيارته في المدينة كزيارته حيّاً وهو في حجرته حيّ يردّ على من سلّم عليه السلام، وهي من أنجح المساعي وأهمّ القربات وأفضل الاَعمال وأزكى العبادات، وقد قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». ومعنى «وجبت» ثبت بالوعد الصادق الّذي لابدّ من وقوعه وحصوله، وتحصل الزيارة في أيّ وقت وكونها بعد تمام الحج أحبّ، يجب على من أراد الزيارة التوبة من كل شيء يخالف طريقه وسنته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلى أن قال: ويستحب التبرّك بالاسطوانات الّتي لها فضل، وشرف؛ وهي ثمان: أُسطوانة محلّ صلاته _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأُسطوانة عائشة(رض) وتسمى أُسطوانة القرعة، وأُسطوانة التوبة محلّ اعتكافه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأُسطوانة السرير، وأُسطوانة عليّ2 وأُسطوانة الوفود، وأُسطوانة جبرئيل _ عليه السلام_، وأُسطوانة التهجّد(2).

44 ـ قال الشيخ عبد المعطي السقّا في زيارة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

إذا أراد الحاجّ أو المعتمر الانصراف من مكّة ـ أدام الله تشريفها وتعظيمها ـ طلب منه أن يتوجّه إلى المدينة المنوّرة للفوز بزيارته عليه الصلاة والسلام؛ فإنّها


(1) مصباح الظلام 2 : 145، كما في الغدير 5 : 123.
(2) الكفاية لذوي العناية : ص125، كما في الغدير 5 : 123.


(34)

من أعظم القربات وأفضل الطاعات وأنجح المساعي المشكورة، ولايختصّ طلب الزيارة بالحاجّ غير أنّها في حقّه آكد، والاَولى تقديم الزيارة على الحجّ إذا اتّسع الوقت فإنّه ربما يعوقه عنه عائق...(2).

45 ـ قال الشيخ محمد زاهد الكوثري:

والاَحاديث في زيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في الغاية من الكثرة، وقد جمع طرقها الحافظ صلاح الدين العلائي في جزء، وعلى العمل بموجبها استمرت الاَُمة إلى أن شذّ ابن تيمية عن جماعة المسلمين في ذلك، قال علي القاري في شرح «الشفاء»: وقد أفرط ابن تيمية من الحنابلة؛ حيث حرّم السفر لزيارة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كما أفرط غيره حيث قال: كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة، وجاحده محكوم عليه بالكفر، ولعلّ الثاني أقرب إلى الصواب؛ لاَنّ تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفراً؛ لاَنّه فوق تحريم المباح المتّفق عليه(3).

46 ـ قال فقهاء المذاهب الاَربعة المصريّون في (الفقه على المذاهب الاَربعة): زيارة قبر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أفضل المندوبات، وقد ورد فيها أحاديث. ثم ذكروا أحاديث ستّة، وجملة من أدب السرائر وزيارة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأُخرى للشيخين(1).

47 ـ قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز إجابة عن الاَسئلة حول زيارة المسجد النبوي: الزيارة للمسجد النبوي سنّة وليست واجبة ـ إلى أن قال ـ: وإذا زار المسجد النبويّ شرع له أن يصلّي في الروضة ركعتين، ثم يسلّم على النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما)، كما يشرع له زيارة البقيع والشهداء بالسلام على المدفونين هناك من الصحابة وغيرهم، والدعاء لهم


(1) الاِرشادات السنية : ص260، كما في الغدير 5 : 123.
(2) تكملة السيف الصقيل : ص156، ط دمشق.
(3) الفقه على المذاهب الاَربعة 1 : 590.


(35)

والترحّم عليهم، كما كان النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يزورهم وكان يعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية. وفي رواية عنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه كان يقول إذا زار البقيع: «يرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، اللّهم اغفر لاَهل بقيع الغرقد» ويشرع أيضاً لمن زار المسجد النبويّ أن يزور مسجد قباء ويصلّي فيه ركعتين؛ لاَنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان يزوره كلّ سبت، ويصلّي فيه ركعتين إلى آخر ما قال(1).

(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )(2)


(1) جريدة الجزيرة المؤرخة: يوم الجمعة 24 ذو القعدة 1411، العدد 6826.
(2) الاَنعام: 15.



(36)

المبحث الثالث
زيارة النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في الكتاب والسنّة

أمر القرآن الكريم المسلمين بالحضور عند رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ليستغفر لهم الله؛ لاَنّ دعاءه يستجاب فيهم، قال عزّ وجلّ: (ولو أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنفسَهُم جاءُوكَ فَاستغفَرُوا اللهَ واستغفَرَ لهُمُ الرَّسولُ لَوجَدوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً )(1).

قال الاِمام السبكي: «دلّت الآية على الحث على المجيء إلى الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والاستغفار عنده واستغفاره لهم، وذلك وإن كان ورد في حال الحياة؛ فهي رتبة له لاتنقطع بموته تعظيماً له»(2).

ثم إنّه بسط الكلام في دلالة الآية على شمولية المجيء إلى الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد موته، فمن أراد فليرجع إليه، غير أنّا نستدلّ بالآية بوجه آخر ونقول:

لو كانت هذه الآية هي الوحيدة في هذا المجال، لذهبنا إلى القول بأنّها خاصّة


(1) النساء: 64.
(2) شفاء السقام : ص81.


(37)

بحياة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومدة وجوده بين الناس، ولكنّنا نستخلص منها حكماً عامّاً شاملاً لايختص بالحياة الدنيوية وذلك من خلال ما يلي:

أوّلاً: أنّ القرآن الكريم يصرّح بحياة الاَنبياء والاَولياء ـ وجماعات أُخرى ـ في البرزخ، ويعتبرهم مبصرين وسامعين في ذلك العالم.

ثانياً: أنّ الاَحاديث الشريفة تصرّح بأنّ الملائكة تبلّغ خاتمَ الاَنبياء _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سلامَ من يسلّم عليه، فقد جاء في الصحاح: «ما من أحد يسلّم عليَّ إلاّ ردّ الله عليَّ روحي حتّى أردَّ عليه السلام»(1).

وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «صلّوا عليّ؛ فإنّ صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»(2).

ثالثاً: إنّ المسلمين ـ منذ ذلك اليوم ـ فهموا من هذه الآية معنى مطلقاً لاينتهي بموت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حتّى أنّ بعض الاَعراب ـ بوحي من أذهانهم الخالصة من كلّ شائبة ـ كانوا يقصدون قبر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويزورونه ويتلون هذه الآية عند قبره المطهّر ويطلبون منه الاستغفار لهم.

وقد ذكر تقيّ الدين السبكي في كتاب «شفاء السقام» والسمهودي في كتاب «وفاء الوفا» نماذج من زيارة المسلمين لقبر رسول الله، وتلاوة هذه الآية عند قبره الشريف، وفيما يلي نذكر بعض تلك النماذج:

روى سفيان بن عنبر عن العتبي ـ وكلاهما من مشايخ الشافعي وأساتذته ـ أنّه قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فجاء أعرابيّ فقال:

«السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: (ولو أنَّهم إذْ ظَلَموا أنفسَهُم جاءُوكَ فَاستغفَرُوا اللهَ واستغفَرَ لهُمُ الرَّسولُ لَوجَدوا اللهَ تَوّاباً رَحيما )(3)وقد


(1) سنن أبي داود 1 : 470و471، كتاب الحج، باب زيارة القبور.
(2) التاج الجامع للاَُصول في أحاديث الرسول 2 : 189.
(3) النساء: 64.


(38)

جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربّي». ثم بكى وأنشأ يقول:

يا خيرَ من دُفنت بالقاع أعظمُهُ * فطاب من طيبهنّ القاعُ والاَكمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنُهُ * فيه العَفافُ وفيه الجودُ والكرمُ

ثم استغفر وانصرف(1).

ويروي أبو سعيد السمعاني عن الاِمام عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام_ أنّ أعرابياً جاء بعد ثلاثة أيام من دفن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فرمى بنفسه على القبر الشريف وحثا من ترابه على رأسه وقال: يارسول الله قلتَ فسمعنا قولك، ووعيت عن الله ما وعينا عنك، وكان فيما أنزله عليك: (ولو أنَّهم إذْ ظَلموا أنفسَهُم... ) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي إلى ربّي(2).

إنّ كل هذا يدلّ على أنّ المنزلة الرفيعة الّتي منحها الله تعالى لحبيبه المصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كما صرّحت بها هذه الآية ليست خاصّة بحياته، بل تؤكّد على أنّها ثابتة له بعد وفاته أيضاً.

وبصورة عامّة... يَعتبر المسلمون كلّ الآيات النازلة في تعظيم رسول الله واحترامه، عامّة لحياته وبعد مماته، وليس هناك من يُخصِّصها بحياته _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

وقد جاء في التاريخ: لمّا استُشهد الاِمام الحسن بن عليّ 8 وجيء بجثمانه الطاهر إلى مسجد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ظنّ بنو أُمية أنّ بني هاشم يريدون دفن الاِمام بجوار قبر جدّه المصطفى، فأثاروا الفتنة والضجّة للحيلولة دون ذلك، فتلا الاِمام الحسين _ عليه السلام_ قوله تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أصواتَكُمْ فَوقَ صَوتِ النَّبِيِّ )(3).


(1) وفاء الوفا 4 : 1361؛ الدرر السنيّة : ص75 ط. دار جوامع الكلم.
(2) ابن حجر، الجوهر المنظم، وذكره السمهودي فيوفاء الوفا 2: 612، وزينيدحلان فيالدررالسنية: 21.
(3) الحجرات: 2.


(39)

ولم يردَّ عليه أحد ـ حتّى من الاَُمويين ـ بأنّ هذه الآية خاصّة بحياة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

واليوم نصب المسلمون هذه الآية على الجدار المقابل لقبر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وهم يقصدون بذلك المنع من رفع الاَصوات هناك.

ومن هذا المنطلق يمكننا أن نستنتج من الآية معنىً واسعاً عامّاً، وهو أنّ للمسلمين اليوم أن يَقِفوا أمام قبر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويسألوه أن يستغفر اللهَ لهم. وليس لزيارة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ معنى سوى ما تضمّنته هذه الآية وأمثالها؛ فإنّها تدلّ على موضوعين هما:

1 ـ إنّ للاِنسان أن يقف عند قبر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد وفاته ويسأله أن يستغفرالله له.

2 ـ إنّ هذه الآية تشهد على جواز زيارة قبر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لاَنّ حقيقة الزيارة لا تعني سوى «حضور الزائر عند المزور» فإذا كان الوقوف عند قبر النبيّ وسؤاله أن يستغفر الله له جائزاً فقد تحقّق أمران:

أ ـ سألناه أن يستغفر الله لنا.

ب ـ حضرنا عنده وتحدّثنا إليه، والزيارة ليست إلاّ هذا.


(40)

زيارة النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في السنّة النبوية

تضافرت السنّة على استحباب زيارة قبر النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حيث رواها أئمة المذاهب الاَربعة وأصحاب السنن والمسانيد في كتبهم. ولمّا ظهرت بدعة التشكيك في زيارة النبيّ الاَكرم قام الاِمام تقي الدين السبكي (ت 756هـ) بجمع ما رواه الحفّاظ في هذا المجال، فبلغت خمسة عشر حديثاً، وقد صحّح كثيراً من أسانيدها بما كان له من اطّلاع واسع في مجال رجال الحديث(1).

وممّن قام بنفس العمل الحافظ نور الدين علي بن أحمد السمهودي(ت 911هـ) في كتابه «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» حيث أحصى سبعة عشر حديثاً غير ما ورد في ذلك المجال، ولم يشتمل على لفظ «الزيارة»(2).

وقد قام بنفس ما قام به الاِمام السبكي من تصحيحٍ للاسناد وذِكر لمصادر الروايات على وجه بديع.

من جهة أُخرى قام الكاتب الاِسلامي الشيخ محمد الفقي، من علماء الاَزهر الشريف، بجمع ما ورد في زيارة النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من غير تحقيق للاسناد بل مجرد النقل فبلغ اثنين وعشرين حديثاً(3).

وبذل المجاهد الكبير الشيخ الاَميني جهداً كبيراً في العثور على مظانّ الروايات في كتب الحديث والتفسير والتاريخ، وربما نقل بعض الاَحاديث، كالحديث الاَوّل، عن واحد وأربعين مصدراً.

والاَحاديث التي سنسردها على صفحات هذه الرسالة بلغت من الكثرة ما


(1) شفاء السقام في زيارة خير الاَنام، الباب الاَول: ص5 ـ 39 وفي طبعة أُخرى: ص65 ـ 115.
(2) وفاء الوفا 4 : 1336 ـ 1348، الباب الثاني.
(3) التوسل والزيارة في الشريعة الاِسلامية : 48 ـ 50.


(41)

يغنينا عن التحقيق في أسانيدها ورواتها؛ حيث سجّلها الحفّاظ في كتبهم وصحاحهم، وهي بمجموعها كافية للحكم باستحبابها، ولاَجل ذلك سنكتفي بذكر متون الاَحاديث مجرّدة عن الاَسناد وما دار حول رواتها من كلام للرجاليين، تاركين كلّ ذلك إلى كتاب شفاء السقام للاِمام السبكي، وسنذكر بعض المصادر لكلّ حديث دون الاستيعاب لجميعها.

الحديث الاَوّل: روى الدارقطني في سننه بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زار قبري وجبت له شفاعتي»(1).

ورواه البيهقي أيضاً في سننه(2)، وأبو الحسن الماوردي: في الاَحكام السلطانية(3).

إلى غير ذلك من الحفّاظ الّذين نقلوه في كتبهم(4).

الحديث الثاني: روى الطبراني في المعجم الكبير(5)، والغزالي في إحياء العلوم(6)لا، عن عبد الله بن عمر مرفوعاً عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من جاءني زائراً لاتَحمِلُه حاجة إلاّ زيارتي كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».

الحديث الثالث: أخرج الدارقطني عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من حجَّ فزار قبريبعد وفاتي، فكأنّما زارني في حياتي»(7).


(1) الدار قطني، السنن 2 : 278، باب المواقيت، الحديث 194، ط دار المحاسن، القاهرة.
(2) البيهقي، السنن 5 : 245.
(3) الاَحكام السلطانية : ص105.
(4) أخرجه العلاّمة الاَميني عن واحد وأربعين مصدراً حديثياً وفقهياً، انظر: الغدير 5 : 93 ـ 96.
(5) المعجم الكبير.
(6) إحياء العلوم 1 : 306، وفيه «لايهمّه إلاّ زيارتي» مكان قوله: «لاتحمله»؛ وقد نقله الاِمام السبكي، في شفاء السقام : ص16؛ والسمهودي، في وفاء الوفا 4 : 1340؛ ونقله العلاّمة الاَميني عن ستة عشر مصدراً حديثياً وفقهياً في الغدير 5 : 97و98.
(7) الدار قطني، السنن 2: 278، باب المواقيت، الحديث 192.


(42)

وأخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي في سننه(1)ورواه الاِمام السبكي في شفاء السقام(2) والسمهودي في وفاء الوفا(3).

الحديث الرابع: أخرج الدار قطني عن ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني بعد موتي، فكأنّما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بُعث من الآمنين يوم القيامة»(4).

الحديث الخامس: أخرج البيهقي في سننه قال:

روى ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زار قبري (أو من زارني) كنت له شفيعاً (أو شهيداً)»(5).

الحديث السادس: أخرج الحافظ ابن عدي (ت365هـ) في كتابه الكامل عن عبدالله بنعمرأنّه قال:قالرسولالله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «منحجّالبيتولم يزرني فقد جفاني»(6).

الحديث السابع: روي عن أنس بن مالك أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً»(7).


(1) البيهقي، السنن 5 : 246.
(2) شفاء السقام : ص21.
(3) وفاء الوفا 4:1340، ورواه العلاّمة الاَميني عن خمسة وعشرين مصدراً فيالغدير 5: 98ـ100.
(4) الدار قطني، السنن 2 : 278، باب المواقيت، الحديث 193 ـ ورواه الاِمام السبكي في شفاء السقام : ص233، والسمهودي، في وفاء الوفا 4 : 1344، ونقله العلاّمة الاَميني في الغدير 5 : 101، عن ثلاثة عشر مصدراً حديثياً.
(5) البيهقي، السنن الكبرى 5 : 245، ورواه الاِمام السبكي، في شفاء السقام : ص29، والسمهودي في وفاء الوفا 4 : 1342. وقال: أخرجه الدار قطني في السنن.
(6) شفاء السقام : ص27؛ ونقله السمهودي في وفاء الوفا 4 : 1342 وقد ذكر اسناد ابن عدي إلى ابن عمر؛ ونقله العلاّمة الاَميني عن مصادر تسعة في الغدير 5 : 100.
(7) رواه الاِمام السبكي في شفاء السقام بسنده إلى أنس بن مالك : ص35، كما رواه السمهودي في وفاء الوفا عن ابن أبي الدنيا بسنده إلى أنس 4 : 1345، ورواه العلامة الاَميني عن واحد وعشرين مصدراً، الغدير5: 102 و103.


(43)

الحديث الثامن: روى أنس بن مالك أنّه قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني ميتاً فكأنّما زارني حيّاً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أُمّتي له سعة ثم لم يزرني، فليس له عذر»(1).

الحديث التاسع: روى علقمة، عن عبدالله بن عمر2 قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من حجّ حجّة الاِسلام وزار قبري وغزا غزوة وصلّى عليَّ في بيت المقدس لم يسأله الله عزّ وجلّ فيما افترض عليه»(2).

الحديث العاشر: أخرج الفردوس في مسنده عن ابن عبّاس أنّه قال رسولالله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من حجّ إلى مكّة ثمّ قصدني في مسجدي كُتِبَت له حجّتان مبرورتان»(3)ص

واكتفينا بهذا العدد من الروايات ومن أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى المصادر.

* * *

تجريد المتون عن الاَسانيد

وبما أنّ الشيخ محمداً الفقي قد جمع متون الروايات بشكل موجز نذكر ما جمعه وإن مضى ذكر قسم منها، ويستحبّ زيارة قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لما روى الدار قطني باسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي» وفي رواية: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» رواه


(1) شفاء السقام : ص37 ؛ وأخرجه السمهودي عن كتاب ابن النجّار في أخبار المدينة بسنده عن أنس 4 : 1345؛ ونقله العلاّمة الاَميني عن مصادر ستة في الغدير 5 : 104.
(2) شفاء السقام : 303، عن كتاب الفوائد لاَبي الفتح الاَزدي؛ وأخرجه السمهودي، في وفاء الوفا 4: 1344؛ والعلامة الاَميني في غديره 5 : 102 عن مصادر خمسة.
(3) وفاء الوفا 4 : 1347؛ ورواه الشوكاني في نيل الاَوطار 4 : 326.


(44)

باللفظ الاَوّل سعيد، ثنا حفص بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر. وقال أحمد في رواية عبد الله بن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة: إنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «ما من أحد يسلّم عليَّ عند قبري إلاّ ردّ اللهُ عليَّ روحي حتّى أردَّ عليه السلام» رواه أبو داود بدون زيادة «عند قبري».

فإقراره للزيارة وتقريره لها اعتراف بالغ الاَهمية باستحبابها وروعة الترغيب فيها، وانتصار للحقّ ووقوف بجانبه، ولا يمكن أن يوصف ذلك الاِمام بالتحيّز، ولاينبغي أن يرمى بضعف التقدير، إذ إنّ إقراره ذلك يتّفق تماماً مع هدى الدين والرسائل السماوية والاَحاديث النبوية المتعدّدة الطرق المختلفة الاَسانيد، والّتي ندعها وحدها تتكلّم عن مدى تقدير الزيارة وعظم اهتمام الشارع بها، وما تتجلّى عنه من مزايا واسعة الآفاق كبيرة النوال:

1 ـ عن ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» رواه ابن خزيمة في صحيحه.

2 ـ وعن أنس قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني في قبري حلّت له شفاعتي يوم القيامة» رواه ابن أبي الدنيا.

3 ـ وعن ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زار قبري حلّت له شفاعتي يوم القيامة» رواه الدار قطني.

4 ـ وعن ابن عباس قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي» رواه العقيلي.

5 ـ وعن ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني بالمدينة بعد موتي كنت له شفيعاً يوم القيامة» رواه أبو داود الطيالسي.

6 ـ وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني وأنا حيّ» رواه الحافظ سعيد بن محمد.


(45)

7 ـ وعن ابن عباس قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني حتّى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً أو شفيعاً» رواه العقيلي.

8 ـ وعن ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من جاءني زائراً لا تعلم له حاجة إلاّ زيارتي كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً» رواه الدارقطني.

9 ـ وعن بكر بن عبد الله قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من أتى المدينة زائراً إليَّ وجبت له شفاعتي يوم القيامة» رواه يحيى بن حسين.

10 ـ وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» رواه ابن مردويه.

11 ـ وعن أنس قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» رواه أبو عوانة.

12 ـ وعن ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زارني بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي» رواه ابن عدي.

13 ـ وعن أنس قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» رواه ابن النجّار.

14 ـ وعن ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من جاءني زائراً لا تعمده حاجة إلاّ زيارتي كان حقّاً عليَّ أن أكون له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة» رواه الطبراني.

15 ـ وعن ابن عباس عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من حجّ إلى مكّة ثم قصدني في مسجدي كُتِبَت له حجّتان مبرورتان» رواه الديلمي في مسند الفردوس.

16 ـ وعن ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من جاءني زائراً لا يهمّه إلاّ زيارتي كان حقّاً على الله أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» رواه الطبراني وصحّحه ابن السكن.


(46)

17 ـ وعن أنس قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «ما من أحد من أُمّتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر» رواه ابن النجار.

18 ـ وعن ابن عمر قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من وجد سعة ولم يفد إليّ فقد جفاني» رواه ابن حبّان.

19 ـ وعن أنس قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «لا عذر لمن كان له سعة من أُمّتي أن لا يزورني» رواه ابن عساكر.

20 ـ وعن ابن عمر: «من حجّ وزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» رواه سعيد بن منصور.

21 ـ وعن أنس قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من حجّ ولم يزر قبري فقد جفاني» رواه ابن عساكر.

22 ـ وعن ابن عمر: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني» رواه ابن عديّ بسند حسن(1).

زيارة النبيّ الاَكرم في حديث العترة

تضافر الحديث عن العترة الطاهرة حول زيارة قبر النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نقتبس منه ما يلي:

1 ـ روى الحميري (ت 299هـ) عن هارون، عن ابن صدقة عن الصادق عن أبيه الباقر 8 أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «من زارني حيّاً وميّتاً، كنت له شفيعاً يوم القيامة»(2)،.


(1) التوسل والزيارة في الشريعة الاِسلامية : ص48 و 49.
(2) قرب الاسناد : 31، البحار 97 : 139.


(47)

2 ـ روى الصدوق (306 ـ 381هـ) بسنده عن الاِمام عليّ (صلوات الله عليه): «أتمّوا برسول الله حجّكم إذا خرجتم إلى بيت الله؛ فإنّ تركه جفاء وبذلك أُمرتم، وأتمّوا بالقبور الّتي ألزمكم الله زيارتها وحقّها»(1).

3 ـ روى الصدوق بسنده عن الامام الرضا _ عليه السلام_ أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «من زارني في حياتي وبعد موتي فقد زار الله تعالى...»(2).

4 ـ روى الصدوق عن إبراهيم بن أبي حجر الاَسلمي، عن أبي عبدالله _ عليه السلام_ قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من أتى مكّة حاجّاً ولم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة، ومن جاءني زائراً وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنّة»(3).

5 ـ روى ابن قولويه (ت 369هـ) عن أبي حجر الاَسلمي قال: قال رسول الله (وذكر مثل ماسبق وزاد في آخره) «ومن مات في أحد الحرمين ـ مكّة أو المدينة ـ لم يعرض إلى الحساب ومات مهاجراً إلى الله وحشر يوم القيامة مع أصحاب بدر»(4).

6 ـ روى الصدوق بسنده عن المعلى بن شهاب عن الاِمام الصادق _ عليه السلام_ قال: قال الحسن بن عليّ _ عليه السلام_ لرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: يا أبتاه ما جزاء من زارك؟ فقال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: يابني: من زارني حياً أو ميّتاً أو زار أباك أو أخاك أو زارك كان حقّاً عليَّ أن أزوره يوم القيامة فأُخلِّصه من ذنوبه(5).

7 ـ روى ابن قولويه بسنده عن الاِمام الصادق _ عليه السلام_ قال: «قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _:


(1) الخصال 2 : 406؛ البحار 97 : 139.
(2) عيون أخبار الرضا 1 : 115؛ البحار 97 : 140.
(3) علل الشرائع : 460؛ البحار 97 : 140.
(4) كامل الزيارات : ص460؛ البحار 97 : 140.
(5) علل الشرائع : ص460؛ البحار 97 : 140.


(48)

«من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة»(1).

8 ـ روى ابن قولويه عن ابن أبي نجران قال: قلت لاَبي جعفر الثاني (الاِمام الجواد _ عليه السلام_): جعلت فداك، ما لمن زار رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ متعمّداً؟ قال: «له الجنّة»(2).

9 ـ روى ابن قولويه باسناده عن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب قال: «قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: من زارني بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي وكنت له شهيداً أو شافعاً يوم القيامة»(3).

10 ـ روى ابن قولويه بسنده عن علي بن الحسين _ عليه السلام_ قال: «قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: من زار قبري بعد موتي كان كمن هاجر إليَّ في حياتي، فإن لم تستطيعوا فابعثوا إليَّ بالسلام فإنّه يبلغني»(4).

نكتفي بهذا القدر من الروايات، وبهذا يتضح اتفاق الفريقين على استحباب زيارة قبر النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وقد بلغ الاتفاق إلى حدّ نرى وحدة المضمون بل التعبير في رواياتهم، وهناك روايات أُخرى عن العترة الطاهرة لم نذكرها روماً للاختصار.

ومن تجرّد عن الرأي المسبق أو التشكيك الذي أثاره بعض الناس، ونظر إلى كلمات أعلام المذاهب وروايات الفريقين يحصل له القطع واليقين على أنّ استحباب زيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من الاَُمور الواضحة في الشريعة الاِسلامية الغرّاء، وأنّ التشكيك فيها تشكيك في الاَُمور المسلَّمة والمتَّفق عليها.


(1) كامل الزيارات : ص12؛ البحار 97 : 142.
(2) المصدر نفسه؛ البحار 97: 143.
(3) المصدر نفسه : 13؛ البحار 97: 143.
(4) المصدر نفسه: 14؛ البحار 97: 144.


(49)

المبحث الرابع
شدّ الرحال إلى زيارة النبيّ الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _

إذا كانت زيارة النبيّ الاَكرم أمراً مطلوباً وعملاً مستحبّاً كما دلّت عليه الروايات المتضافرة والسيرة القطعية، يكون شدّ الرحال الّذي هو بمنزلة المقدمة أمراً مستحبّاً، بناءً على الملازمة بين استحباب الشيء واستحباب مقدّمته، كما عليه أكثر الاَُصوليين، وهذا له نظائر في الشريعة الاِسلامية تحكي أنّ وسيلة القربة، قربة قال سبحانه: (ومَنْ يَخْرُج مِنْ بَيتِه مُهاجراً إلى اللهِ ورَسُولهِ ثُمَّ يُدرِكْهُ المَوتُ فَقَدْ وَقعَ أجرُهُ عَلى اللهِ )(1)فهذا الاِنسان مأجور بخروجه هذا وإن كان مقدمة لاَمر مطلوب آخر.

يقول سبحانه في حقّ المجاهدين: (ذلكَ بأنَّهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ فِي سَبيلِ اللهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيلاً إلاّ كُتِبَلَهُم بهِعَملٌ صالِحٌ إنَّاللهَ لايُضِيعُ أجرَالُمحْسِنِينَ* ولا يُنفِقُونَ نَفقةً صَغيرةً ولاكَبيرةً ولايَقطعُونَوادِياً إلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجزِيَهُمُ اللهُ أحسنَ ما كانوا يَعملونَ )(2)


(1) النساء: 100.
(2) التوبة: 120 ـ 121.


(50)

وهذه الاَُمور الّتي كتب الله لهم بها أجراً، وسيلة للجهاد، ومقدمة للقتال، وهذا يكشف عن التلازم بين الاستحبابين، أو الثوابين.

نعم، ذهب بعض الاَُصوليين إلى عدم الملازمة، ولكنّهم متّفقون على لزوم كون المقدمة مباحة لا محرّمة؛ لاستلزامه التناقض في التشريع؛ حيث لا يعقل البعث إلى أمر، مع المنع عمّا يوصل المكلّف إليه، وعلى كلّ تقدير لا يصحّ تحريم السفر مع افتراض كون الزيارة أمراً راجحاً، وفعلاً مستحبّاً، فلا محيص عن القول باستحبابه، أو إباحته. ولا تجتمع حرمة المقدمة مع استحباب ذيها.

نعم، هنا فرق بين زيارة قبر النبيّ، وزيارة قبور المسلمين؛ فإنّ الاَوّل مستحبّ بالخصوص، بخلاف الآخرين؛ فإنّها مسنونة على وجه العموم؛ فلو زار إنسان قبر أبيه أو أخيه، فإنّما يزورهما بما أنّ زيارتهما داخلة تحت عموم قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «فزوروا القبور؛ فإنّ زيارتها تذكّركم الآخرة»، وهذا بخلاف زيارة الرسول، فإنّها ـ مضافاً إلى أنّها داخلة تحت العموم ـ مستحبّة في نفسها.

وقد جرت سيرة المسلمين من عصر الصحابة إلى يومنا هذا على شدِّ الرحال إلى زيارة النبيّ الاَكرم وعدّوا زيارتها قربة، والسفر إليها مثلها، ولم ينكر أحد قربيّة الزيارة ولا جواز السفر إلاّ ابن تيمية في أوائل القرن الثامن لشبهة طرأت له، وسنتعرض لها في فصل مستقل.

ولاَجل إيقاف القارىَ على اتصال السيرة إلى عصر الصحابة نذكر بعض مايدلّ عليه:

1 ـ روى ابن عساكر بإسناده عن أبي الدرداء قال: لمّا فرغ عمر بن الخطاب2 عن فتح بيت المقدس فصار إلى الجابية سأله بلال أن يقرَّه بالشام ففعل ذلك ـ إلى أن قال ـ: ثم إنّ بلالاً رأى في منامه رسول الله وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني يا بلال، فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته


(51)

وقصد المدينة فأتى قبر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين (رضي الله عنهما) فجعل يضُمّهما ويقبّلهما فقالا له: نشتهي أذانَك الّذي كنت تؤذِّن به لرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في المسجد ففعل، فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الّذي كان يقف فيه فلمّا أن قال: الله أكبر، الله أكبر، ارتجّت المدينة، فلمّا أن قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، ازدادت رجّتها، فلمّا أن قال: أشهد أنّ محمداً رسولالله، خرجت العواتق من خدورهنّ وقالوا: بُعِثَ رسول الله. فما رئي يوم أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله من ذلك اليوم(1).

2 ـ استفاض أنّ عمر بن عبدالعزيز كان يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرىَ النبيّ السلام ثمّ يرجع. قال ابن الجوزي: وكان عمر بن عبدالعزيز يرد البريد من الشام يقول: سلّم لي على رسول الله«(2).

وربّما كان يجتمع مع قصد الزيارة قصد أمر آخر. فكان يُشَدّ لغايتين.

3 ـ روى يزيد بن أبي سعيد، مولى المهري قال: قدمت على عمر بن عبد العزيز فلمّا ودّعته قال: إليك حاجة إذا أتيت المدينة سترى قبر النبيّ فاقرأه منّي السلام(3).

4 ـ روى أبو الليث السمرقندي الحنفي في الفتاوي في باب الحجّ: قال أبو القاسم: لمّا أردت الخروج إلى مكّة قال القاسم بن غسان: إنّ لي إليك حاجة، إذا أتيت قبر النبي فاقرأه منّي السلام، فلمّا وضعت رحلي في مسجد المدينة ذكرت.

قال الفقيه: فيه دليل إن لم يقدر على الخروج يأمر غيره ليسلّم عنه؛ فإنّه ينال


(1) مختصر تاريخ دمشق 5 : 265؛ تهذيب الكمال 4 : 289.
(2) مثير العَزْم الساكن إلى أشرف الاَماكن 2: 297، تحقيق مرزوق علي إبراهيم ط. دار الراية ـ الرياض 1415هـ.
(3) شفاء السقام : ص56.


(52)

فضيلة السلام(1).

5 ـ روى الواقدي في فتوح الشام: كان أبو عبيدة منازلاً بيت المقدس، فأرسل كتاباً إلى عمر مع ميسرة بن مسروق 2 يستدعيه الحضور، فلمّا قدم ميسرة مدينة رسول الله دخلها ليلاً ودخل المسجد وسلّم على قبر رسول الله وعلى قبر أبي بكر2... ثم إنّ عمر لمّا صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الاَحبار وأسلم وفرح عمر بإسلامه قال عمر 2 له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبيّ وتتمتّع بزيارته، فقال لعمر: يا أمير المؤمنين أنا أفعل ذلك، ولمّا قدم عمر المدينة، أول ما بدأ بالمسجد وسلّم على رسول الله(2).

6 ـ قال ابن بطّة العكبري الحنبلي (ت 387 هـ) في كتاب الاِبانة عن شريعة الفرقة الناجية: إنّ كل عالم من علماء المسلمين وفقيه من فقهائهم ألَّف كتاباً في المناسك ففصّله فصولاً وجعله أبواباً، يذكر في كلّ باب فقهه، ولكلّ فصل عمله وما يحتاج إليه الحاج إلى عمله والعمل به قولاً وفعلاً من الاِحرام والطواف والسعي والوقوف، والنحر، والحلق، والرمي، وجميع ما لا يسع الحاجّ جهله، ولا غنى بهم عن عمله، حتّى زيارة قبر النبي فيصف ذلك فيقول: تأتي القبر فتستقبله وتجعل القبلة وراء ظهرك وتقول: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، حتى تصف السلام والدعاء ثمّ يقول: وتتقدّم على يمينك وتقول: السلام عليك يا أبا بكر وعمر ـ إلى أن قالـ : ولقد أدركنا الناس ورأيناهم وبلغنا عمّن لم نره أنّ الرجل إذا أراد الحجّ فسلّم عليه أهله وصحابته قالوا: وتقرأ على النبيّ وأبي بكر وعمر منّا السلام، فلا ينكر ذلك أحد ولا يخالفه(3).


(1) شفاء السقام : ص56.
(2) فتوح الشام 1 : 244، ط. دار الجيل، بيروت.
(3) الاِبانة عن شريعة الفرق الناجية، كما في شفاء السقام : ص60.


(53)

إطباق السلف والخلف على جواز السفر إليه

جرت سيرة المسلمين على زيارة الرّسول ـ عند الوفود إلى الحجـ بالمرور بالمدينة أو رجوعاً من مكة إليها، و هذا أمر ملموس وظاهر مشهود من الوافدين من كل فجّ عميق، وعلى ذلك جرت السيرة في جميع القرون؛ فلا يمكن لاَحد إنكارها، بل هي كاشفة عن استحبابها عند الشرع، وهذا هو الاِمام السبكي يذكر سيرة المسلمين في أيام الحج ويقول: إنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحجَّ يتوجّهون إلى زيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومنهم من يفعل ذلك قبل الحج، هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الاَعصار القديمة، وذلك أمر لا يرتاب فيه، وكلّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه، وإن لم يكن في طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة، وينفقون فيه الاَموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة. وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الاَرض ومغاربها على ممرّ السنين وفيهم العلماء والصلحاء، وغيرهم يستحيل أن يكون خطأً، وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى الله عزّ وجلّ، ومن تأخّر عنه من المسلمين فإنّما يتأخّر بعجز أو تعويق المقادير، مع تأسّفه وودّه لو تيسّر له، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ فهو المخطىَ.

ومن نازع في ذلك وقال فانّهم يقصدون من سفرهم زيارة المسجد، لا زيارة الرسول الاَكرم، فلم ينصف وكابر في أمر بديهي؛ فإنّ الناس من حين يعرجون إلى طريق المدينة، لا يخطر ببالهم غير الزيارة من القربات إلاّ قليلاً منهم، وغرضهم الاَعظم هو الزيارة، ولو لم يكن ربّما لم يسافروا، ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسّر إتيانه وليس الصلاة فيه بأقل ثواباً من الصلاة في مسجد النبيّ(1).


(1) شفاء السقام : ص100 و101.


(54)

حديث عدم شدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة

لقد تجلّى جواز السفر إلى زيارة النبيّ الاَكرم ولم يبق في المقام سوى ما رواه أبو هريرة عن رسول الله من عدم شدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة، وهو المستمسك الوحيد اليوم لمن يحرّم السفر، وإليك توضيحه:

إنّ الرواية نقلت بصور مختلفة، والمناسب لما يرومه المستدلّ الصورة التالية:

«لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الاَقصى».

فتحليل الحديث يتوقّف على تعيين المستثنى منه وهو لا يخلو من صورتين:

1 ـ لا تُشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد...

2 ـ لا تُشدّ الرحال إلى مكان من الاَمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد...

فلو كانت الاَُولى كما هو الظاهر، كان معنى الحديث النهي عن شدّ الرحال إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، ولا يعني عدم جواز شدِّ الرحال إلى أيّ مكان من الاَمكنة إذا لم يكن المقصود مسجداً، فالحديث يكون غير متعرض لشدّ الرحال لزيارة الاَنبياء والاَئمة الطاهرين والصالحين؛ لاَنّ موضوع الحديث إثباتاً ونفياً هو المساجد، وأمّا غير ذلك فليس داخلاً فيه، فالاستدلال به على تحريم شدّ الرحال إلى غير المساجد، باطل.

وأمّا الصورة الثانية: فلا يمكن الاَخذ بها؛ إذ يلزمها كون جميع السفرات محرّمة سواء كان السفر لاَجل زيارة المسجد أو غيره من الاَمكنة، وهذا لا يلتزم به أحد من الفقهاء.

ثم إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى أيّ مسجد غير المساجد الثلاثة ليس نهياً تحريمياً، وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في سفر كهذا، وذلك لاَنّ المساجد


(55)

الاَُخرى لاتختلف من حيث الفضيلة، فالمساجد الجامعة كلّها متساوية في الفضيلة، فمن العبث ترك الصلاة في جامع هذا البلد والسفر إلى جامع بلد آخر مع أنّهما متماثلان.

وفي هذا الصدد يقول الغزالي: «القسم الثاني، وهو أن يسافر لاَجل العبادة إمّا لحجٍّ أو جهاد... ويدخل في جملته زيارة قبور الاَنبياء: وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والاَولياء، وكلّ من يُتبرَّك بمشاهدته في حياته يُتبّرك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الاَقصى»، لاَنّ ذلك في المساجد؛ فانّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الاَنبياء والاَولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عندالله(1).

يقول الدكتور عبد الملك السعدي: إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى المساجد الاَُخرى لاَجل أنّ فيه إتعاب النفس دون جدوى أو زيادة ثواب؛ لاَنّها في الثواب سواء، بخلاف الثلاثة؛ لاَنّ العبادة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد النبوي بألف، وفي المسجد الاَقصى بخمسمائة فزيادة الثواب تُحبِّب السفر إليها، وهي غير موجودة في بقية المساجد(2).

والدليل على أنّ السفر لغير هذه المساجد ليس أمراً محرّماً، ما رواه أصحاب الصحاح والسنن: «كان رسول الله يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً فيصلّي فيه ركعتين»(3).


(1) إحياء علوم الدين 2 : 247، كتاب آداب السفر، ط دار المعرفة ـ بيروت.
(2) البدعة : 60.
(3) مسلم، الصحيح 4 : 127؛ البخاري، الصحيح 2 : 76؛ النسائي، السنن 2 : 137، المطبوع مع شرح السيوطي.


(56)

ولعلّ استمرار النبيّ على هذا العمل كان مقترناً لمصلحة تدفعه إلى السفر إلى قبا والصلاة فيه مع كون الصلاة فيه أقلّ ثواباً من الثواب في مسجده.

دراسة كلمة ابن تيمية في النهي عن شدّ الرحال

إنّ لابن تيمية في المقام كلمة فيها مغالطة واضحة؛ إذ مع أنّه قدّر المستثنى منه لفظ المساجد، إلاّ أنّه استدلّ على منع شدّ الرحال لزيارة قبور الاَنبياء والصالحين بمدلوله أي القياس الاَولوي، فقال في الفتاوى:

«فإذا كان السفر إلى بيوت الله غير الثلاثة ليس بمشروع باتّفاق الاَئمة الاَربعة، بل قد نهى عنه الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فكيف بالسفر إلى بيوت المخلوقين الّذين تتّخذ قبورهم مساجد وأوثاناً وأعياداً، ويشرك بها، وتدعى من دون الله، حتّى أنّ كثيراً من معظّميها يفضّل الحجّ إليها على الحج إلى بيت الله»(1).

ولو صحّ ذلك النقل عن ابن تيمية ففي كلامه أوهام شتى إليك بيانها:

1 ـ قال: «إذا كان السفر إلى بيوت الله غير الثلاثة ليس بمشروع».

يلاحظ عليه: من أين وقف على أنّ السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرّم؟! وقد عرفت أنّ النهي ليس تحريمياً مولوياً، وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى، ولاَجل ذلك لو ترتّبت على السفر مصلحة لجاز كما عرفت في سفر النبيّ إلى مسجد قبا مراراً.

2 ـ نسب عدم المشروعية إلى الاَئمة الاَربعة، إلاّ أنّنا لم نجد نصّاً منهم على التحريم، ووجود الحديث في الصحاح لا يدلّ على أنّهم فسّروا الحديث بنفس ما فسّر به ابن تيمية.


(1) الفتاوى كما في كتاب البدعة للدكتور عبد الملك السعدي: ص61.


(57)

ولا يخفى على الاَئمة ظهور الحديث في الدلالة على عدم الجدوى، لا كون العمل محرّماً.

3ـ أنّ عدم جواز السفر إلى غير المساجد الثلاثة لا يكون دليلاً على عدم جوازه إلى (بُيوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ )(1)إذ لا ملازمة بينهما؛ لاَنّه لا تترتّب على السفر في غير مورد الثلاثة أية فائدة سوى تحمّل عناء السفر، وقد عرفت أنّ فضيلة أيّ جامع في بلد، نفسها في البلد الآخر، وليس اكتساب الثواب متوقّفاً على السفر، وهذا بخلاف المقام؛ فإنّ درك فضيلة قبر النبيّ يتوقّف على السفر، ولا يدرك بدونه.

4 ـ يقول: «إنّ المسلمين يتّخذون قبور الاَنبياء أوثاناً وأعياداً ويشرك بها» (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أفْواهِهِمْ )(2)أفمن يشهد كلّ يوم بأنّ محمداً عبده ورسوله، ويكرّمه ويعظّمه؛ لاَنّه سفير التوحيد ومبلّغه ـ أفهل ـ يمكن أن يتّخذ قبره وثناً؟!

5 ـ يقول: «تدعى من دون الله» إنّ عبادة الغير حرام لا مطلق دعوته، فعامّة المسلمين حتّى ابن تيمية يقولون في صلاتهم: «السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته». والمراد من قوله سبحانه: (فلا تَدْعوا معَ اللهِ أحداً )(3)لا تعبدوا مع الله أحداً، قال سبحانه: (ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُم إنَّ الَّذينَ يَستَكْبرونَ عَنْ عبادَتي سَيَدْخُلونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ )(4)فسمّى سبحانه دعوته: عبادة. فإذاً الدعوة على قسمين: دعوة عبادية؛ إذا كان معتقداً بإلوهية المدعوّ بنحو من الاَنحاء، ودعوة


(1) النور: 36.
(2) الكهف: 5.
(3) الجن: 18.
(4) غافر: 60.


(58)

غير عبادية؛ إذا دعاه على أنّه عبد من عباده الصالحين، يستجاب دعاؤه عند الله، والدعوة بهذا النوع تؤكّد التوحيد.

6 ـ نَقَل: «إنّ بعض المسلمين يفضّل السفر إلى تلك الاَماكن على الحجّ إلى بيت الله» وهي فرية بلا مرية؛ فليس على وجه البسيطة مسلم واع يعتقد بهذا ويعملبه.

7 ـ لو كان السفر إلى القبور أمراً محرّماً فلماذا شدّ النبيّ الرحال لزيارة قبر أُمّه بالاَبواء وهي منطقة بين مكّة والمدينة، أفصار النبيّ ـوالعياذ بالله ـ مشركاً أو أنّ الرواية الّتي أطبق المحدّثون على نقلها مكذوبة، والله لا هذا ولا ذاك وإنّما...

8 ـ إنّ ما ذكره من أسباب المنع تتحقّق للمجاور للقبر بدون شدّ الرحال، فاللازم منع ارتكاب المحرّمات عند قبره لا منع السفر إليه.

9 ـ احتمال أنّ المراد من زيارة القبور (زوروا القبور) هو زيارة جميع القبور بدون تخصيص لزيارة قبر مشخّص، احتمال ساقط وذلك لاَنّ «ال» الجنسية إذا دخلت على الجمع أبطلت جمعيته وصار المراد بالمدخول أيّ فرد يتحقّق به جنس القبر، ويستوي في ذلك المفرد والجمع.

10 ـ كيف يقال ذلك مع أنّ السيدة عائشة (رض) كانت تزور قبر أخيها عبد الرحمن بخصوصه(1)حتّى أنّ النبيّ يخصّ بعض القبور بالزيارة، وقد وضع حجرات على قبر أخيه من الرضاعة عثمان بن مظعون وقال: «لتعرف بها قبر أخي» ولا تترتّب على التعرّف فائدة سوى زيارته.


(1) المغني 2 : 270.


(59)

المبحث الخامس
شبهات حول زيارة الرسول الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _

استفاضت السنّة النبوية ـ كما مرّ ـ على استحباب زيارة الرسول، ودلّت السيرة القطعية طوال القرون، المنتهية إلى عصر الصحابة والتابعين، على أنّها من السنن المطلوبة، وأنّ شدّ الرحال إليها كشدّ الرحال إلى سائر الاَُمور المسنونة، وأكّد أعلام المذاهب على كونها أمراً قُرْبيّاً، لذا فالتشكيك في جواز زيارة الرسول أشبه بالتشكيك في أمر بديهي، ولا غرو في التشكيك فيها، فقد شكك عدّة من فلاسفة الاغريق في أبده الاَُمور وأوضحها، حتّى شكّوا في كلّ شيء، بما في ذلك ذواتهم وأنفسِهم، وتفكيرهم وتعقّلهم، حتّى في حرارة النار وبرودة الماء، ولولا قيام الحكماء الاِلهيين كسقراط، وبعده أفلاطون وأرسطو، في وجوه هؤلاء المنسلخين عن الاِنسانية لعمّ الداء العياء وجه البسيطة.

وما نذكره في المقام من الشبه والتشكيكات لم يذكرها ابن تيمية في كتبه، وإنّما نقلها الاِمام السبكي عن خطّه، ويجترّها أتباعه من دون وعي، وإليك بيانها وتحليلها.




(60)

الشبهة الاَُلى: في تقسيم الزيارة إلى شرعية وبدعية

إنّ زيارة القبور على قسمين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية؛ فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام على الميّت والدعاء له إن كان مؤمناً، وتذكّر الموت سواء أكان الميت مؤمناً أم كافراً. والزيارة لقبر المؤمن نبياً كان أو غير نبيّ من جنس الصلاة على جنازته، يدعى له، كما يدعى إذا صُلِّي على جنازته.

وأمّا الزيارة البدعية فمن جنس زيارة النصارى مقصودها الاِشراك بالميت، مثل طلب الحوائج منه أو به أو التمسّح بقبره أو تقبيله أو السجود له ونحو ذلك. فهذا كلّه لم يأمر الله به ورسوله ولا استحبّه أحد من المسلمين، ولا كان أحد من السلف يفعله، لا عند قبر النبيّ ولا غيره، ولا يسألون ميتاً ولا غائباً سواء كان نبياً أو غير نبيّ بل كان فضلاؤهم لا يسألون غير الله شيئاً(1).

يلاحظ عليه: بأمرين:

1 ـ حصر الزيارة في قسمين مع أنّها ذات أقسام كما سنذكر.

2 ـ إدخال الاُمور الجانبية، كالاستغاثة والسؤال به أو منه في ماهية الزيارة مع أنّها ليست منها، فصار هذا وذاك ذريعة لتبلور الشبهة لديه ولدى أتباعه. وها نحن نذكر معنى الزيارة وأقسامها؛ ليتبيّن أنّ القسم الاَخير الّذي يقصد فيها الاِشراك لا يمتّ لزيارة المسلمين قبور أكابر الدين بصلة، ولعلّ الغاية من ذكره دعم الشبهة في أذهان البسطاء.

فالزيارة في اللّغة هي العدول عن جانب والميل إلى جانب آخر، قال ابن فارس: «الزور» أصل واحد يدلّ على الميل والعدول، ومن هذا الباب الزائر؛ لاَنّه


(1) شفاء السقام : ص124 ـ 125، نقلاً عن خط ابن تيمية.


(61)

إذا زارك فقد عدل عن غيرك(1).

ويظهر من غيره أنّه «بمعنى القصد» وهو لا يخالف ما سبق؛ لاَنّ الميل إلى جانب لا ينفكّ عن القصد، قال الطريحي: زاره يزوره زيارة: قصده فهو زائر، وفي الحديث من زار أخاه في جانب المصر، أي قصد، وفي الدعاء: اللّهمّ اجعلني من زوّارك أيّ من القاصدين لك، الملتجئين إليك، والزيارة قصد المزور إكراماً له وتعظيماً واستئناساً به(2).

والظاهر كما يظهر من ذيل كلامه أنّ معناها ليس مجرّد القصد بل القصد المنتهي إلى حضور الزائر لدى المزور لاِحدى الغايات المذكورة في كلامه، من التكريم والتعظيم والاستئناس به.

هذا هو معنى الزيارة، وليس فيها شيء من الاَُمور التي ذكرها ابن تيمية، بل هي الحضور عن قصد لدى المزور لاِحدى الغايات، وهي تختلف حسب اختلاف المزور شأناً، ومقاماً، ومهنة.

نعم في إمكان الزائر أن يزور الرسول لاِحدى الغايات التالية:

1 ـ أن يزور الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لمجرّد تذكّر الموت والآخرة، وهذا ثابت في زيارة جميع القبور من غير فرق بين الرسول وغيره، بل المؤمن والكافر، ودلالة القبور على ذلك متساوية، كما أنّ المساجد ـ غير المساجد الثلاثة ـ متساوية لا يتعيّن شيء منها بالتعيين بالنسبة إلى هذا الغرض، ولا معنى لشدّ الرحال إلى المدينة لزيارة الرسول لتلك الغاية المتحققة في زيارة كلّ قبر في بلد الزائر النائي.

2 ـ أن يزور الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ للدعاء له، كما زار الرسول أهل البقيع، وهذا مستحبٌ في حقّ كلّ ميت من المسلمين، ويتحقّق في زيارته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إذا صلّى عليه،


(1) مقاييس اللغة 3 : 36.
(2) مجمع البحرين 2 : 304.


(62)

وطلب الدرجة الرفيعة له، كما ورد فيالحديث: كان عليّ _ عليه السلام_ يقول: «اللّهمّ أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم لديك نُزُلَه، وشرِّف عندك منزله، وآته الوسيلة، وأعطه السناء والفضيلة، واحشرنا في زمرته»(1).

3 ـ أن يزوره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ للتبرّك به، لاَنّه ليس في الخلف أعظم بركة منه وهو حيّ يرزق، والصلة بيننا وبينه غير منقطعة، وقد استفاضت الروايات على أنّه يسمع كلامنا، ويرد سلامنا، بشهادة أنّ عامّة المسلمين يسلّمون عليه في تشهّدهم، ويخاطبونه بقولهم: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته.

4 ـ أن يزوره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لاَداء حقّه؛ فإنّ من كان له حقّ على الشخص فينبغي له برّه في حياته، وبعد موته والزيارة من جملة البرّ؛ لما فيها من الاِكرام وليس إنسان أوجب حقّاً على الاَُمّة من النبيّ. هذه هي الغايات المتصوّرة في زيارة النبيّ الاَكرم.

وأمّا الزيارة البدعية التي تحدّث عنها ابن تيمية وأسماها بدعية تارة وإشراكاً لله تعالى أُخرى، فهو ممّا ابتدعها ابن تيمية، وليس بين المسلمين من يسوِّي بين الله ورسوله، كما هو شعار المشركين، كما قال سبحانه حاكياً عنهم: (إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العالَمين )(2)، والمسلمون بعامّة طوائفهم براء من الشرك وسماته وقد عرف سبحانه أهل الشرك بسمة خاصّة مذكورة في آيتين، قال سبحانه: (ذلِكُمْ بِأنَّه إذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرتُمْ وإنْ يُشرَكْ بِه تُؤْمِنوا فَالحُكْمُ للهِ العليِّ الكَبيرِ )(3).

وقال تعالى: (إنَّهُمْ إذا قِيلَ لَهُمْ لا إلهَ إلاّ اللهُ يَسْتَكْبِرونَ )(4)فلا تجد مسلماً عندما يزور النبيّ تحت قبّته الخضراء وفي مسجده يكون على تلك الحالة أي إذا


(1) نهج البلاغة، الخطبة 106.
(2) الشعراء: 98.
(3) غافر: 12.
(4) الصافات: 35.


(63)

دُعِيَ اللهُ وحدَه كفَر به، وإن يشرك به يؤمن به، أو إذا سمع لا إله إلاّ الله يستكبر عن عبادته.

ولا أدري كيف تجرّأ الرجل وحكم بشرك قاطبة المسلمين بمجرد أنّهم يطلبون منهالدعاء بعدرحيله،وكم منصحابيّ جليل، تكلّممعهوطلبمنهالدعاءبعد وفاته.

1 ـ هذا أبو بكر: أقبل على فرسه من مسكنه بالسنح حتّى نزل فدخل المسجد فلم يكلّم الناس حتّى دخل على عائشة (رض) فتيمّم النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهو مسجّى ببرد حِبرة، فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله ثم بكى، فقال: بأبي أنت يا نبيّ الله لا يجمع الله عليك موتتين، أمّا الموتة التي كتبت عليك فَقَدْ مُتَّها(1).

فلو لم تكن هناك صلة بين الحياتين فما معنى قوله: «بأبي أنت يا نبيّ الله» فإن لم يسمع، فماذا قصد ذلك الصحابي من قوله: «لا يجمع الله عليك موتتين».

2 ـ روى أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي ( 508 ـ 581 هـ) في الروض الاَُنف: «دخل أبو بكر على رسول الله في بيت عائشة ورسول الله مسجّى في ناحية البيت، عليه برد حبرة، فأقبل حتّى كشف عن وجه رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ثم أقبل عليه فقبّله، ثم قال: بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ثمّ لن تصيبك بعدها موتة أبداً»(2).

3 ـ روى الحلبي علي بن برهان الدين (975 ـ 1044 هـ) في سيرته وقال: «جاء أبوبكر من السنح وعيناه تهملان فقبّل النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: بأبي أنت وأُمّي طبت حيّاً وميتاً»(3).

4 ـ روى مفتي مكة المشرّفة زيني دحلان في سيرته فذكر ما ذكراه، وقال: قال أبو بكر: طبت حيّاً وميّتاً، وانقطع بموتك ما لم ينقطع للاَنبياء قبلك، فعظمت


(1) البخاري، الصحيح 2 : 17، كتاب الجنائز.
(2) الروض الاَُنف 4 : 260.
(3) السيرة الحلبية 3 : 74، ط دار المعرفة، بيروت.


(64)

عن الصفة وجُلِّلتَ عن البكاء، ولو أنّ موتك كان اختياراً، لجُدنا لموتك بالنفوس، اذكرنا يا محمد عند ربّك ولنكن على بالك(1).

5 ـ قال أمير المؤمنين عليّ _ عليه السلام_ عندما ولي غسل رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والاَنباء وأخبار السماء ـ إلى أن قال ـ: بأبي أنت وأُمّي اذكرنا عند ربّك واجعلنا من بالك»(2).

إلى هنا تمّت الاِجابة عن الشبهة الاَُولى، وأمّا ما ذكره في ضمنها من أنّه ممّا لم يأمر به الله ولا رسوله فستوافيك الاِجابة عنه في تحليل الشبهة الثانية.

الشبهة الثانية: إنّ زيارة النبيّ بدعة

«إنّ زيارة النبيّ ليس مشروعاً وانّه من البدع التي لم يستحبّها أحد من العلماء لا من الصحابة ولا من التابعين ومن بعدهم».

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره فيها هو نفس ما ذكره في ذيل الشبهة الاَُولى غير أنّه أضاف في المقام كون الزيارة بدعة.

نقول: إنّ البدعة عبارة عن إدخال ما ليس من الدين فيه، والتصرّف في التشريع بإيجاد السعة أو الضيق فيه، وهذا إنّما يتصور فيما إذا لم يكن في المورد دليل، وقد عرفت تضافر السنّة النبوية، والسيرة القطعية المسلّمة بين المسلمين على زيارته، ومع هذا كيف يصحّ لمسلم واع تسمية تلك بدعة؟!

ثم إنّ السلفي يطلق على من يقفو أثر السلف، وقد عرفت أنّ السلف منذ


(1) سيرة زيني دحلان، بهامش السيرة الحلبية 3 : 391، ط مصر.
(2) نهج البلاغة : الخطبة 235.


(65)

رحيل الرسول، دأبوا على زيارة قبره والتبرّك به، حتّى أنّ الخليفتين أوصيا بدفنهما عند النبيّ، لما فيه من التبرّك بتربته، فأين وصف زيارته بالبدعة من عمل صحابته _ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ كما أنّه تضافر عن ابن عمر أنّه كان يأتي قبر النبيّ فيسلّم عليه، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يبرد البريد لزيارة الرسول نيابة عنه، وأنّ بلالاً شدّ الرحال إلى المدينة لزيارة الرسول.

وإضافة ذلك فإنّ الحوار الدائر بين الاِمام مالك وأبي جعفر المنصور، يكشف الغطاء، ويجلّي الحقيقة:

روى القاضي عياض في الشفاء بإسناده عن ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أميرُ المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإنّ الله تعالى أدّب قوماً، فقال: (لا تَرفَعُوا أصواتَكُمْ فَوقَ صَوتِ النَّبيِّ )(1)، ومدح قوماً فقال: (إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ )(2)وذمّ قوماً فقال: صإنَّ الَّذِينَ يُنادُونكَ مِنْ وراءِ الحُجُراتِش(3). وإنّ حرمته ميتاً كحرمته حيّاً، فاستكان لها أبو جعفر، وقال : يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ فقال: ولِمَ تصرفُ وجهَك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم _ عليه السلام_ إلى الله تعالى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به فيشفّعه الله تعالى، قال الله تعالى: (ولو أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاستغْفَروا الله )(4).

فانظر هذا الكلام من مالك رحمه الله وما اشتمل عليه من الزيارة والتوسّل


(1) الحجرات: 2.
(2) الحجرات: 3.
(3) الحجرات: 4.
(4) النساء: 64.


(66)

بالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وحسن الاَدب معه(1).

وأمّا التبرّك بالقبر، أو القَسَم على الله بأحد من خلقه والاستغاثة بالميت، فالكل خارج عن ماهية الزيارة، وإنّما هي أُمور جانبية؛ لا تكون سبباً لتسمية الزيارة بدعة، على أنّ الجميع جائز بدلالة الكتاب والسنّة، وليست تربة النبيّ الاَكرم بأقلّ من قميص يوسف؛ حيث تبرّك به يعقوب فعاد بصره، قال سبحانه: (اذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَألقُوهُ على وَجْهِ أبي يَأتِ بَصيراً وَأْتُوني بِأَهلِكُمْ أجمعينَ... فَلمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألقاهُ على وَجهِهِ فارتَدَّ بَصيراً قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ) إنِّي أعلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعلَمونَ)(2).

وليس ضريح النبيّ ومدفنه بأقل كرامة من تابوت بني إسرائيل وما ترك آل موسى وآل هارون من قميص وعصيّ وغيرهما، وكان بنو إسرائيل يتبرّكون به في الحروب قال تعالى: (وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ آيةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبقِيَّةٌ مِمَّا تَركَ آلُ مُوسى وآلُ هـرونَ تَحمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذلكَ لآيةً لَكُم إنْ كُنتُمْ مُؤْمِنينَ )(3)قال الرازي: إذا حضر (بنو إسرائيل) القتال قدّموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوّهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدوَّ فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصر، فلمّا عصوا وفسدوا سلّطَ اللهُ عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلَمّا سألوا نبيَّهم البيّنة على مُلك طالوت قال ذلك النبي: إنّ آية ملكه أنّكم تجدون التّابوت في داره(4).

إنّ الاستغاثة بالنبيّ والولي أحياءً وأمواتاً ترجع إلى طلب الدعاء منهم؛ فلو لم


(1) شفاء السقام : 70.
(2) يوسف: 93 ـ 96.
(3) البقرة: 248.
(4) مفاتيح الغيب 6 : 177.


(67)

تكن للميت مقدرة على الاِجابة يكون العمل لغواً لا شركاً، وليست الحياة والموت حدّاً للتوحيد والشرك حتّى يكون خطاب الحيّ عين التوحيد، وخطاب الميّت نفس الشرك.

على أنّا قد ذكرنا استفاضة الاَثر على أنّ الصحابة كانوا يستغيثون بنبيّهم؛ نبيّ الرحمة وقد ذكر موارده فلاحظ(1).

الشبهة الثالثة: إنّ الزيارة تؤدّي إلى الشرك

هذه آخر ما في كنانة الرجل من سهام مرشوقة وقد استدلّ عليه بما لا يمتّ إلى مدعاه بصلة، قال: إنّ من أُصول الشرك اتخاذ القبور مساجد كما قال بعض السلف في قوله تعالى: (وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلهتكُمْ ولا تَذرُنَّ وَدّاً ولا سُواعاً ولا يَغُوثَ وَيعُوقَ ونَسْرا )(2)قالوا: كان هؤلاء قوماً صالحين فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا على صورهم تماثيل، ثم طال عليهم الاَمد فعبدوها.

يلاحظ عليه:

أنّ محور البحث هو الزيارة على ماجرت عليه سيرة السلف والخلف، ولم تؤدِّ طوال القرون الاَربعة إلى الشرك، ولم تكن عكوفاً على القبور، ولا بتصوير تماثيلهم وعبادتهم مكان عبادة الله، فأيّ صلَة لهذا الكلام بمدّعاه من تحريم الزيارة.

إنّ زيارة قبر نبيّ التوحيد ورسوله، دعم للمبدأ الّذي جاء به، وتأكيد لصحّة رسالته الّتي كانت في طريق تحطيم الوثنية وعبادة الاَنداد والاَمثال المزعومة، فكيف تقع مثلها ذريعة إلى الشرك ياترى؟!


(1) راجع بحث التوسّل ص 569 من هذا الكتاب.
(2) نوح: 23.


(68)

يقول ابن زهرة:

«فإنّ التقديس الذي يتّصل بالرسل إنّما هو لفكرتهم التي حملوها، فالتقديس لمحمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تقديس للمعاني الّتي دعا إليها، وحثّ عليها فكيف يتصوّر من مؤمن عرف حقيقة الدعوة المحمدية أن يكون مضمراً لاَيّ معنى من معاني الوثنية وهو يستعبر العبر، ويستبصر ببصيرته عند الحضرة الشريفة والروضة المنيفة، فإذا كان خوف ابن تيمية من أن يؤدّي ذلك إلى الوثنية بمضي الاَعصار والدهور فإنّه خوف من غير جهة؛ لاَنّ الناس كانوا يزورون قبر الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلى أوّل القرن الثامن ثم استمرّوا على هذه السيرة في العصور من بعده إلى يومنا هذا، ومع ذلك لم ينظر أحد إلى هذا العمل نظرة عبادة أو وثنية، ولو تفرّط أحد فهو من العوام ولا يمنع تلك الذكريات العطرة، بل يجب إرشادهم لا منعهم من الزيارة وتكفيرهم»(1).

قال الشيخ محمد زاهد الكوثري من علماء الاَزهر الشريف:

«إنّ سعي ابن تيمية في منع الناس من زيارة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يدلّ على ضغينة كامنة فيه نحو النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وكيف يتصوّر الاِشراك بسبب الزيارة، والتوسّل في المسلمين الّذين يعتقدون في حقّه أنّه عبده ورسوله، وينطقون بذلك في صلاتهم نحو عشرين مرة في كل يوم على أقلّ تقدير، إدامة لذكرى ذلك ولم يزل أهل العلم ينهون العوام من البدع في كل شؤونهم، ويرشدونهم إلى السنّة في الزيارة وغيرها إذا حدث منهم بدعة في شيء، ولم يعدّوهم في يوم من الاَيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسل، وأوّل من رماهم بالاِشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية وجرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين ودمائهم لحاجة في النفس(2).

وأمّا ما رواه إمام الحنابلة عن أبي هريرة عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال: «اللّهمّ


(1) كلام ابن زهرة في كتابه حول حياة ابن تيمية.
(2) تكملة السيف الصقيل : 156.


(69)

لاتجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(1). فإنّ الحديث ـ إذا افترضنا صحة الاحتجاج به ـ لا صلة له بالزيارة، وإنّما يهيب بالَّذين يتَّخذون قبور أنبيائهم مساجد، يصلّون إليها ـ إذا اتّخذوها قبلة ـ أو لها، إذا عبدوها، ويدلّ على ما ذكرنا ما روي أيضاً من أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «اللّهم لا تجعل قبري يصلّى إليه فإنّه اشتدّ غضب الله على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(2).

(وكَفى بِرَبِّكَ هادِيا )(3)


(1) الاِمام أحمد، المسند 2 : 246.
(2) كنز العمال 2 | ح 3802.
(3) الفرقان: 21.


(70)

خاتمة
تذكرة وإنذار

إنّ لزيارة العظماء والقدّيسين؛ أصحاب الرسالات آثاراً إيجابيةً تعود تارة إلى الزائر، وأُخرى إلى المزور.

أمّا الاَُولى: فلاَنّ الزيارة صلة بين الكامل ومن يروم الكمال، فالدوام على مواصلته محاولة للتخلّق بأخلاقه، واتّباعِ منهجه وتجديد العهد معه، ولذلك لا تجد إنساناً وَقف أمام قبر النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وزاره إلاّ ويتأثّر بشخصه و شخصيّته، وإن كان التأثّر قليلاً مؤقّتاً، فزيارتهم تقترن غالباً بذرف الدموع، والعطف والحنان على المزور؛ وهي لا تنفكّ عن تحوُّل نفسيّ وأخلاقيّ وحبّ ووُدٍّ لهم، وبالتالي شعوره بقربه منهم، ومشاطرته لاَهدافهم، إلى غير ذلك من الآثار الاِيجابية الّتي تعود على الزائر والّتي أشرنا إليها في تمهيدنا الّذي تصدّرت هذه الرسالة به، ولا نعود إلى تلك الآثار التي تعود إلى الزائر.

أمّا الثانية: أعني الآثار الاِيجابية التي تعود إلى المزور فهذا هو المقصود في بياننا، وهو أنّ زيارة العظماء هي تخليد لذكراهم، وتجسيد لرسالاتهم في الاَذهان، وبالتالي تكون سبباً لبقائهم أحياءً في كلّ عصر وقرن، لا يتسرّب إلى وجودهم ورسالاتهم وبطولاتهم أدنى ريبٍ وشكٍّ، فبذلك يتجلّى المزور في كلّ زمان حيّاً في القلوب وفي المجتمع، كما لو كان موجوداً بشخصه في زمن الزائر، فكأنَّ الزيارةَ استمرار لبقائهم في القلوب تُجلي الصدأ عنها، وتتجلّى صحة وجودهم للخلف كما تجلّت للسلف، وتكون بمنزلة الدليل على وجودهم ورسالاتهم وبطولاتهم.

فلو حذفنا الزيارة من قاموس حياتنا، و تركنا مزارهم، وأقفلنا أبواب بيوتهم، ولم نهتمّ بآثارهم طوالَ قرون، فقد جعلنا آثارهم في مهبِّ الفناء والتدمير،


(71)

وبالنتيجة التشكيك في أصل وجودهم وبعثهم، وبالتالي تصبح تلك الشخصيات بعد قرون أساطيرَ تاريخية للخلق، فيتلقّون النبيّ والاِمام بل الاَنبياء كلّهم قصصاً تاريخية نسجتها يدُ الخيال، كما هو الحال في كثير من القصص التاريخية الّتي أصبحت تُروى على ألسن الاَطفال وفي المنتديات.

إنّ الاِنسان الغربيّ يتمتّع في حياته بكلّ ما هو غربيّ إلاّ الدين والمذهب؛ فإنّ مذهبه شرقيّ؛ لاَنّ المسيح وليد الشرق ومبعوثه سبحانه إلى أرض فلسطين وغيرها، وبما أنّ الغربيّ لا يجد أثراً ملموساً للمسيح في حياته فمثلاً ليس له قبر حتّى يُزار ولا لاَُمّه قبر حتّى يُنسب إليها، ولا لكتابه صورة صحيحة يؤمن به، ولا لتلاميذه وحوارييه آثار ملموسة، فلذلك صارت الديانة المسيحية أُسطورة تاريخية في نظر الغرب وشبابه المثقّفين بعد ألفي عام، وإن كان الشيوخ والعجائز يُؤمنون به إيماناً تقليديّاً لا علمياً، فالجُدد منهم مسيحيّون في هويّاتهم الشخصية لا في هوياتهم العقلية والفكرية، وممّا أثّر في ذلك هو فقدان كلّ أثر ملموس عن سيّدنا المسيح في حياتنا البشريّة، ولولا أنّ القرآن الكريم جاء بذكره ورسالته ومواقفه لكان الشكّ متسرِّباً إلى أذهاننا وأفكارنا.

وهذا بخلاف ما لو كان له أثر ملموس يُزار بين آن وآخر، وتشدُّ الرحال إليه عندئذٍ لكانت الديانة المسيحية حيّة نابضة بلا شكّ وريب.

ومن الاَسباب والوسائل التي أضفت على الاِسلام حيوية، وعلى نبيّه بقاءً في القلوب، وعلى مواقفه وبطولاته خلوداً في الاَذهان والضمائر، هو وفود المسلمين في كلّ شهرٍ وسنة إلى موطنه (مكّة) ومهجَرِه (المدينة) وزيارة قبره وآثاره وقبور أولاده وأصحابه، ومشاهدة مولده ومبعثه وما يمتُّ إليه بصلة طوال حياته؛ حيث أضفت هذه الوفادة المستمرة على وجوده ورسالته نوراً وضياءً، وواقعية تُذهِب كلّ ريب وشكّ وتقرّ في النفوس عظمته وبطولاته.


(72)

وإذا كانت الذكرى ناقوساً يدِقّ في وادي النسيان يذكّرك الحبيبَ ويرِنُّ في أسماعك جماله وكماله، فزيارته والمثول أمام آثاره وعظمته تُؤثّر في خلوده وبقائه في النفوس، وتزيل غبار النسيان عنه. لذا نرى أنّ الفقهاء أفتوا بأنّه يجب على الحاكم الاِسلامي تجهيز المسلمين من بيت المال وإرسالهم إلى الحجّ إذا خلت الكعبة عن الزوّار لئلاّ تُنسى، وحتّى تبقى خالدة في قلوب المسلمين ومهوى أفئدتهم، فكذلك قبور الاَنبياء والمرسلين وفي مقدّمتهم سيّدنا سيد الرسل نبيّنا الاَكرم صلوات الله عليه وعلى آله ومن تبعه بإحسان؛ وذلك لاَنّ هجر قبورهم وعدم الاهتمام بها تمهيد لنسيانهم ورسالاتهم وبالتالي القضاء على الاِسلام.

* * *

أخي القارىَ الكريم؛ لقد عالجتُ مسألة الزيارة معالجة علميّة في ضوء القرآن والحديث الصحيح وقضاء الفطرة الاِنسانية، فلم يبق في رجحان الزيارة واستحبابها شرعاً شكّ ولا ريب، وقد تعرفتَ على آثارها الاِيجابية للزائر والمزور، وقد أزحنا بعضَ الاَشواك النامية في هذا الطريق، فعلى المشرفين على القبور والاَضرحة ونخصّ بالذكر قبرَ سيد البشر ـ عليه صلوات الله وسلامه ـ استقبال الوافدين عليها بوجوه مشرقة مرَحِّبين بضيوف النبي مهيّئين الاَجواء الودّية المناسبة للزيارة، وحشد كلّ الاِمكانات المادّية والمعنوية لاِقامتهم في مدينة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إقامة مقرونة بالارتياح.

ولا تفوتنا الاشارة هنا إلى واجب الخطباء والعلماء في إرشاد المسلمين وتوجيههم إلى الآداب الصحيحة للزيارة، وتذكيرهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة، حتّى يتلقّى الزائر أنّ الحضور في مزاره الشريف وسيلة للتذكرة به؛ وهي لا تنفك عن العمل بشريعته ودينه وسنّته والتخلّق بأخلاقه.


(73)

الاحتفال بمولد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _

لقد طال النزاع في الاَوان الاَخير عن طريق وسائل الاِعلام وغيرها حول الاحتفال بمولد النبيّ الاَكرم، وقد رفع بعضهم شعار البدعة فيه، بينما يرى الاَكثرون أنّه من السنّة. وإليك دراسة الموضوع في ضوء الاَدلّة.

حبّ النبيّ أصل في الكتاب والسنّة

المعلوم أنّ العنصر المقوّم للبدعة هو عدم الدليل على جواز العمل، فلو كان هناك دليل خاص على جواز العمل، أو دليل عام يشمل المصاديق المحدثة فليس ذلك ببدعة، وقد ذكرنا لك أمثلة كثيرة، وفي ضوء ما ذكر نركّز في هذا الفصل على وجود دليل عام على الاحتفال بيوم ميلاده، وإن لم يكن هناك دليل خاصّ، وأمّا الدليل فكما يلي:

الحبّ والبغض خلّتان تتواردان على قلب الاِنسان، تشتدّان وتضعفان، ولنشوئهما واشتدادهما أو ضعفهما عوامل وأسباب. ولا شكّ أنّ حبّ الاِنسان لذاته من أبرز مصاديق الحبّ، وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى بيان، وجبليّ لايخلو منه إنسان.

ومن هذا المنطلق حبّ الاِنسان لما يرتبط به أيضاً؛ فهو كما يحبّ نفسه يحب كذلك كلّ ما يمت إليه بصلة، سواء كان اتّصاله به جسمانياً كالاَولاد والعشيرة، أو معنوياً كالعقائد والاَفكار والآراء والنظريات التي يتبنّاها، وربّما يكون حبّه للعقيدة أشدّ من حبّه لاَبيه وأُمّه، فيذبّ عن حياض العقيدة بنفسه ونفيسه، وتكون العقيدة أغلى عنده من كلّ شيء حتّى نفسه الّتي بين جنبيه.


(74)

فإذا كان للعقيدة هذه المنزلة العظيمة يكون لمؤسّسها ومغذّيها والدعاة إليها منزلة لا تقلّ عنها؛ إذ لولا هم لما قام للعقيدة عمود، ولا اخضرّ لها عود، ولاَجل ذلك كان الاَنبياء والاَولياء، بل جميع الدعاة إلى الاَُمور المعنوية والروحية محترمين لدى جميع الاَجيال، من غير فرق بين نبيّ وآخر، ومصلح وآخر، فالاِنسان يجد من صميم ذاته خضوعاً تجاههم، وإقبالاً عليهم.

ولهذا لم يكن عجيباً أن تحترم، بل تعشق النفوس الطيبة، طبقة الاَنبياء والرسل، منذ أن شرّع الله الشرائع وبعث الرسل، فترى أصحابها يقدّمونهم على أنفسهم بقدر ما أُوتوا من المعرفة والكمال.

حبّ النبي في الكتاب:

ولوجود هذه الاَرضية في النفس الاِنسانية والفطرة البشريّة، تضافرت الآيات والاَحاديث على لزوم حبّ النبيّ وكلّ ما يرتبط به، وليست الآيات إلاّ إرشاداً إلى ما توحي إليه فطرته، قال سبحانه: (قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )(1).

وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ )(2).

ويقول سبحانه: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ اُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(3).


(1) التوبة: 24.
(2) المائدة: 56.
(3) الاَعراف: 157.


(75)

فالآية الكريمة تأمر بأُمور أربعة:

1 ـ الاِيمان به.

2 ـ تعزيره.

3 ـ نصرته.

4 ـ اتّباع كتابه، وهو النور الّذي أُنزل معه.

وليس المراد ـ هنا ـ من تعزيره؛ نصرته؛ لاَنّه قد ذكره بقوله: (وَنَصَرُوهُ ) وإنّما المراد توقيره، وتكريمه، وتعظيمه بما أنّه نبيّ الرحمة والعظمة، ولا يختصّ تعزيره وتوقيره بحال حياته، بل يعمّها وغيرها، تماماً كما أنّ الاِيمان به والتبعيّة لكتابه لا يختصّان بحال حياته الشريفة.

هذه هي العوامل الباعثة إلى حبّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهذه هي الآيات المرشدة إلى ذلك.

ولاَجل دعم المطلب نذكر بعض ما ورد من الروايات في الحثّ على حبّه ومودّته.

حبّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في السنّة

قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

1 ـ «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين».

2 ـ «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ الناس إليه من والده وولده».

3 ـ «ثلاث من كنّ فيه ذاق طعم الاِيمان: من كان لا شيء أحبّ إليه من الله ورسوله، ومن كان لئن يحرق بالنار أحبّ إليه من أن يرتدّ عن دينه، ومن كان


(76)

يحبّ لله ويبغض لله».

4 ـ «والله لا يكون أحدكم مؤمناً حتّى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده».

5 ـ «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه».

6 ـ «من أحبّ الله ورسوله صادقاً غير كاذب، ولقى المؤمنين فأحبّهم، وكان أمر الجاهلية عنده كمنزلة نار أُلقي فيها، فقد طعَم طعْم الاِيمان، أو قال: فقد بلغ ذروة الاِيمان».

إنّ الذي يرى سعادته فيما جاء به رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من شريعة ودين، هو الّذي يذوق طعم الاِيمان، وتذوّق طعم الاِيمان لا يتحقّق إلاّ عندما يستنّ الاِنسان بسنّة رسول الله، ويعمل بشريعته فيحصل على سعادته.

7 ـ عن أبي رزين قال: قلت يا رسول الله ما الاِيمان؟ قال: «أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، ويكون الله ورسوله أحبّ إليك ممّا سواهما، وتكون أن تحرق بالنار أحبّ إليك من أن تشرك بالله شيئاً، وتحبّ غير ذي نسب لا تحبّه إلاّ لله، فإذا فعلت ذلك فقد دخل حبّ الاِيمان في قلبك، كما دخل قلب الظمآن حبُّ الماء في اليوم القائظ».

8 ـ «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الاِيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما».

9 ـ عن أنس أنّ رجلاً سأل النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟» قال: لا شيء، إلاّ أنّي أُحبّ الله ورسوله، فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «أنت مع من أحببت».

10 ـ أبوذر قال: يا رسول الله، الرجل يحبّ القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم؟ قال: «أنت يا أبا ذر مع من أحببت». قال: فإنّي أُحبّ الله ورسوله. قال:


(77)

«فإنّك مع من أحببت»، قال: فأعاد(ها) أبو ذر، فأعادها رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

11 ـ «من أحيا سنّتي فقد أحبّني، ومن أحبّني كان معي في الجنّة».

12 ـ «والّذي نفس محمد بيده ليأتينّ على أحدكم يوم ولا يراني، ثمّ لئن يراني أحبُّ إليه من أهله وماله معهم».

13 ـ «إنّ أحدكم سيوشك أن يحبّ ينظر إليّ نظرة بما له من أهل وعيال».

14 ـ «من أشدِّ أُمّتي لي حُبّاً أُناس يكونون بعدي؛ يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله».

15 ـ «أشدّ أُمّتي لي حبّاً قوم يكونون بعدي يودّ أحدهم أنّه فقد أهله وماله وأنّه رآني».

16 ـ «إنّ أُناساً من أُمّتي يأتون بعدي يودّ أحدهم لو اشترى رؤيتي بأهله وماله».

17 ـ «من دعا بهؤلاء الدعوات في دبر كلّ صلاة مكتوبة حلّت له الشفاعة منّي يوم القيامة: اللّهمّ أعطِ محمداً الوسيلة، واجعل في المصطفين محبّته، وفي العالمين درجته، وفي المقرّبين ذكر داره».

18 ـ «من قال في دبر كلّ صلاة مكتوبة: «اللّهمّ أعطِ محمّداً الدرجة والوسيلة، اللّهمّ اجعل في المصطفين محبّته وفي العالمين درجته، وفي المقرّبين ذكره» من قال تلك في دبر كلّ صلاة فقد استوجب عليّ الشفاعة، ووجبت له الشفاعة».

وقد روي عن أبي بكر قال: الصلاة على النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أمحق للخطايا من الماء للنار، والسلام على النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أفضل من عتق الرقاب، وحبّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أفضل من عتق الاَنفس أو قال: من ضرب السيف في سبيل الله عزّ وجلّ(1).


(1) راجع للوقوف على هذه الاَحاديث ونظائرها جامع الاَُصول ج 1 نقلاً عن صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وكنز العمال ج 2 و 6 و 12.


(78)

اختلاف الأُمة في درجات حبّهم للنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _

وليست الاَُمّة المؤمنة في ذلك شرعاً سواء، بل هم فيه متفاوتون على اختلاف درجات عرفانهم به كاختلافهم في حبّ الله تعالى.

قال القرطبي: «كلّ من آمن بالنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إيماناً صحيحاً لايخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة، غير أنّهم متفاوتون؛ فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظّ الاَوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظّ الاَدنى، كمن كان مستغرقاً في الشهوات، محجوباً في الغفلات في أكثر الاَوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الاَُمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردّد فيه»(1).

مظاهر الحبّ في الحياة

إنّ لهذا الحبّ مظاهر؛ إذ ليس الحبّ شيئاً يستقرّ في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الاِنسان وتصرّفاته، بل إنّ من خصائص الحبّ أن يظهر أثره على جسم الاِنسان وملامحه، وعلى قوله وفعله، بصورة مشهودة وملموسة.

فحبّ الله ورسوله الكريم لا ينفكّ عن اتّباع دينه، والاستنان بسنّته، والاِتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محبّاً لرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أشدَّ الحبّ، ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه ولايرضيه، فمن ادّعى حبّاً في نفسه وخالفه في


(1) فتح الباري 1 : 50 ـ 51.


(79)

عمله، فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادّين.

ولنعم ما قال الاِمام جعفر الصادق _ عليه السلام_ في هذا الصدد موجهاً كلامه إلى مدّعي الحبّ الاِلهي كاذباً:

تعصي الاِله وأنتَ تُظهر حبّهُ * هذا لعمري في الفعال بديعُ
لو كان حبّك صادقاً لاَطعتهُ * إنّ المحبّ لمن يحبُّ مطيعُ(1)

للحبّ مظاهر وراء الاتباع

نعم لا يقتصر أثر الحبّ على هذا، بل له آثار أُخرى في حياة المحبّ؛ فهو يزور محبوبه ويكرمه ويعظّمه ويقضي حاجته، ويذبّ عنه، ويدفع عنه كلّ كارثة ويهيّىَ له ما يريحه، ويسرّه إذا كان حيّاً.

وإذا كان المحبوب ميّتاً أو مفقوداً حزن عليه أشدّ الحزن، وأجرى له الدموع كما فعل النبيّ يعقوب _ عليه السلام_ عندما افتقد ولده الحبيب يوسف _ عليه السلام_ فبكاه حتّى ابيضّت عيناه من الحزن، وبقي كظيماً حتّى إذا هبّ عليه نسيم من جانب ولده الحبيب المفقود، هشَّ له وبشَّ، وهفا إليه شوقاً وحبّاً.

بل يتعدّى أثر الحبّ عند فقد الحبيب وموته هذا الحدّ؛ فنجد المحبّ يحفظ آثار محبوبه، وكلّ ما يتّصل به، من لباسه وأشيائه، كقلمه ودفتره وعصاه ونظّارته، كما ويحترم أبناءه وأولاده، ويحترم جنازته ومثواه، ويحتفل كلّ عام بميلاده وذكرى موته، ويكرمه ويعظّمه حبّاً به ومودّة له.

إلى هنا ثبت أنّ حبّ النبيّ وتكريمه أصل من أُصول الاِسلام لا يصحّ لاَحد إنكاره، ومن المعلوم أنّ المطلوب ليس الحبّ الكامن في القلب من دون أن


(1) سفينة البحار، مادة «حب».


(80)

يرى أثره على الحياة الواقعية، وعلى هذا يجوز للمسلم القيام بكلّ ما يعدّ مظهراً لحبّ النبيّ، شريطة أن يكون عملاً حلالاً بالذات، ولا يكون منكراً في الشريعة، نظير:

1 ـ تنظيم السنّة النبويّة؛ وإعراب أحاديثها، وطبعها، ونشرها بالصور المختلفة، والاَساليب الحديثة، وفعل مثل هذا بالنسبة إلى أقوال أهل البيت وأحاديثهم.

2 ـ نشر المقالات والكلمات؛ وتأليف الكتب المختصرة والمطوّلة حول حياة النبيّ وعترته، ونظم القصائد بشتّى اللغات والاَلسن في حقّهم، كما كان يفعله المسلمون الاَوائل.

فالاَدب العربي بعد ظهور الاِسلام يكشف عن أنّ نظم القصائد في مدح رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان ممّا يعبّر به أصحابها عن حبّهم لرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _. فهذا هو كعب بن زهير ينظم قصيدة مطوّلة في مدح رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ منطلقاً من إعجابه وحبّه له _ صلى الله عليه وآله وسلم _، فيقول في جملة ما يقول:

بانت سعاد فقلبي اليومَ متبولُ * متيّمٌ إثرَها لم يُفْدَ مكبولُ
نُبِّئتُ أنّ رسولَ اللهِ أوعدني * والعفوُ عند رسول اللهِ مأمولُ

ويقول:

مهلاً هداك الّذي أعطاك نافلة الـ * ـقرآنِ فيها مواعيظٌ وتفصيلُ
إنّ الرسولَ لنورٌ يستضاء بِهِ * مهنّدٌ من سيوفِ اللهِ مسلولُ(1)


(1) السيرة النبوية 2 : 513.


(81)

وقد ألقى هذه القصيدة في حضرة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأصحابه، ولم ينكر عليه رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

وهذاهو حسّان بنثابت الاَنصاري يرثي النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ويذكر فيه مدائحه، ويقول:

بطيبةَ رسمٌ للرسول ومَعْهَدٌ * مُنيرٌ وقد تعفو الرسومُ وتحمدُ

إلى أن قال:

يدلّ على الرحمن من يقتدي به * وينقذ من هول الخزايا ويرشدُ
إمام لهم يهديهمُ الحقّ جاهداً * معلمُ صدقٍ إن يطيعوه يَسْعَدوا(1)

وهذا هو عبد الله بن رواحة ينظم أبياتاً في هذا السياق فيقول فيها:

خلّوا بني الكفار عن سبيلِهِ * خلّوا فكلُّ الخيرِ في رسولِهِ
يا ربّ إنّي مؤمنٌ بقيلهِ * أعرف حقّ الله في قبولِهِ(2)

هذه نماذج ممّا نظمه الشعراء المعاصرون لعهد الرسالة في النبيّ الاَكرم ونكتفي بها لدلالتها على ما ذكرنا.

ولو قام باحث بجمع ما قيل من الاَشعار والقصائد حول النبي الاَكرم لاحتاج في تأليفه إلى عشرات المجلّدات؛ فإنّ مدح النبيّ كان الشغلَ الشاغل للمخلصين والمؤمنين منذ أن لبّى الرسول دعوة ربّه، ولا أظنّ أنّ أحداً عاش في هذه البسيطة، ونال من المدح بمقدار ما ناله الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من المدح بمختلف الاَساليب والنظم.

وهناك شعراء مخلصون أفرغوا فضائلَ النبيّ ومناقبه في قصائد رائعة وخالدة، مستلهمين ما جاء في الذكر الحكيم والسنّة المطهّرة في هذا المجال، فشكر الله


(1) السيرة النبويّة: 2 | 666.
(2) السيرة النبوية 2 : 371.


(82)

مساعيهم الحميدة وجهودهم المخلصة.

3 ـ تقبيل كلّ ما يمتّ إلى النبيّ بصلة؛ كباب داره، وضريحه وأستار قبره، انطلاقاً من مبدأ الحبّ الذي عرفت أدلّته. وهذا أمر طبيعي وفطري؛ فبما أنّ الاِنسان المؤمن لا يتمكّن بعد رحلة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من تقبيل الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _(1)فيقبّل ما يتّصل به بنوع من الاتصال، وهو كما أسلفنا أمر طبيعي في حياة البشر؛ حيث يلثمون ما يرتبط بحبيبهم ويقصدون بذلك نفسه. فهذا هو مجنون بني عامر كان يقبّل جدار بيت ليلى ويصرّح بأنّه لا يقبّل الجدار، بل يقصد تقبيل صاحب الجدار، يقول:

أمرّ على الديار ديار ليلى * أُقبّل ذا الجدارَ وذا الجدارا
فما حبُّ الديار شغفْنَ قلبي * ولكن حبُّ من سكن الديارا(2)

4 ـ إقامة الاحتفالات في مواليدهم؛ وإلقاء الخطب والقصائد في مدحهم، وذكر جهودهم ودرجاتهم في الكتاب والسنّة، شريطة أن لا تقترن تلك الاحتفالات بالمنهيّات والمحرّمات.

ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبيّ في أيّ قرن من القرون، فقد انطلق من هذا المبدأ، أي حبّ النبيّ الذي أمر به القرآن والسنّة بهذا العمل.

هذا هو الديار بكري مؤلّف تاريخ الخميس يقول في هذا الصدد: «لا يزال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع


(1) دخل أبو بكر حجرة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد رحيله وهو مسجّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثمّ أكبّ عليه يُقبّله ثمّ بكى فقال: بأبي أنت يا نبيّ الله لا يجمع الله عليك موتتين، أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد متّها. (لاحظ صحيح البخاري 2 : 17 كتاب الجنائز)
(2) أغاني الاَغاني 1: 146 ط. سوريا.


(83)

الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الشريف، ويظهر عليهم من كراماته كلّ فضل عظيم»(1).

وقال أبو شامة المقدسي في كتابه: «ومن أحسن ما ابتدع!! في زماننا ما يفعل في اليوم الموافق ليوم مولده _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من الصدقات والمعروف بإظهار الزينة والسرور؛ فإنّ في ذلك مع ما فيه من الاِحسان للفقراء شعاراً لمحبّته»(2).

أنا لا أوافق الشيخ المقدسي في تسميته للاحتفال بالبدعة إلاّ أن يريد البدعة بالمعنى اللغوي، كما أنّ الاحتجاج على حسن الاحتفالِ بالاَعمال الجانبيّة من صدقات ومعروف وإظهار الزينة...، فإنّ هذه الاَُمور الجانبيّة لا تسوغ الاحتفال، ولا تضفي عليه صبغة شرعية ما لم يكن هناك دليل في الكتاب والسنّة، وقد عرفت وجوده.

وقال القسطلاني: «ولا زال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده _ عليه السلام_، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياله بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عظيم.. فرحم الله امرىءً اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً، ليكون أشدّ علّة على من في قلبه مرض وأعيى داء»(3).

إذا عرفت ما ذكرناه فلا نظنّ أن يشكّ أحد في جواز الاحتفال بمولد النبيّ الاَكرم، احتفالاً دينياً فيه رضا الله ورسوله، ولا تصحّ تسميته بدعة؛ إذ البدعة هي التي ليس لها أصل في الكتاب والسنّة، وليس المراد من الاَصل؛ الدليل الخاص، بل يكفي الدليل العام في ذلك.


(1) تاريخ الخميس 1 : 323.
(2) السيرة الحلبيّة 1 : 83 ـ 84.
(3) المواهب اللدنية 1 : 148.


(84)

ويرشدك إلى أنّ هذه الاحتفالات تجسيد لتكريم النبيّ، وجدانك الحرّ؛ فإنّه يقضي بلا مرية على أنّها إعلاء لمقام النبي وإشادة بكرامته وعظمته، يتلقاها كلّ من شاهدها عن كثب، على أنّ المحتفلين يعزّرون نبيّهم ويكرمونه ويرفعون مقامه اقتداء بقوله سبحانه: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ )(1).

السنّة النبويّة وكرامة يوم مولده

1 ـ أخرج مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أُنزل عليّ»(2).

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ عند الكلام في استحباب صيام الاَيام التي تتجدّد فيها نعم الله على عباده ـ ما هذا لفظه: «إنّ من أعظم نعم الله على هذه الاَُمّة إظهار محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وبعثه وإرساله إليهم، كما قال الله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ )(3)فصيام يوم تجدّدت فيه هذه النعمة من الله سبحانه على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجدّدها بالشكر»(4).

2 ـ روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس 2 قال: قدم رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له، فقال النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «فنحن أحقّ وأولى بموسى منكم» فصامه رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _


(1) الانشراح: 4.
(2) مسلم 2 : 819.
(3) آل عمران: 164.
(4) لطائف المعارف : 98.


(85)

وأمربصومه(1).

وقد استدلّ ابن حجر العسقلاني بهذا الحديث على مشروعيّة الاحتفال بالمولد النبوي على ما نقله الحافظ السيوطي، فقال: «فيستفاد فعل الشكر لله على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة، ويعاد ذلك، في نظير ذلك اليوم من كلّ سنة. والشكر لله يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبيّ الرحمة في ذلك اليوم»(2).

3 ـ وللسيوطي أيضاً كلام آخر نأتي بنصّه، يقول: «وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنّه قد ورد أنّ جدّه عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرّة ثانية، فيحمل ذلك على أنّ الذي فعله النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إظهار للشكر على إيجاد الله إيّاه رحمة للعالمين وتشريع لاَُمّته كما كان يصلّي على نفسه، لذلك فيستحبّ لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات»(3).

4 ـ أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أنّ رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً؟ فقال: أيّ آية؟ قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِِْسْلامَ دِيناً )(4).

فقال عمر: إنّي لاَعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه،


(1) شرح صحيح مسلم مج4، ص7 ـ 8، برقم 1130؛ وأخرجه البخاري 7 : 215.
(2) الحاوي للفتاوي 1 : 196.
(3) المصدر نفسه.
(4) المائدة: 3.


(86)

ورسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قائم بعرفة يوم الجمعة(1).

وأخرج الترمذي عن ابن عباس نحوه وقال: فيه نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة، وقال الترمذي: وهو صحيح(2).

«وفي هذا الاَثر موافقة سيدنا عمر بن الخطاب 2 على اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة عيداً؛ لاَنّ الزمان ظرف للحدث العظيم، فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة كان موسماً لشكر تلك النعمة، وفرصة لاِظهار الفرح والسرور»(3).

نرى أنّ المسيح عندما دعا ربّه أن ينزل مائدة عليه وعلى حواريه قال: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لاََِوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )(4). فقد اتّخذ يوم نزول النعمة المادية التي تشبع البطون عيداً، والرسول الاَكرم نعمة عظيمة منّ بها الله على المسلمين بميلاده، فلم لا نتّخذه يوم فرح وسرور؟

الاستدلال بالاِجماع

ذكروا أنّ أوّل من أقام المولد هو الملك المظفر صاحب إرْبَل، وقد توفي عام 630 هـ، وربما يقال أوّل من أحدثه بالقاهرة الخلفاء الفاطميون، أوّلهم المعز لدينالله، توجه من المغرب إلى مصر في شوال 361 هـ، وقيل في ذلك غيره، وعلى أيّ تقدير فقد احتفل المسلمون حقباً وأعواماً من دون أن يعترض عليهم أحد،


(1 ـ 2) البخاري 8 : 270؛ كما أخرجه الترمذي في 5 : 250. وفي الروايات المتضافرة انّها نزلت في الثامن عشر من ذي الحجة في حجّة الوداع.
(3) بلوغ المأمول : 29 .
(4) المائدة: 114.


(87)

وعلى أيّ حال فقد تحقّق الاِجماع على جوازه وتسويغه واستحبابه قبل أن يولد باذر هذه الشكوك، فلماذا لم يكن هذا الاِجماع حجّة؟ مع أنّ اتّفاق الاَُمّة بنفسه أحد الاَدلّة، وكانت السيرة على تبجيل مولد النبيّ إلى أن جاء ابن تيمية، وعبد العزيز ابن عبد السلام (1)، والشاطبي فناقشوا فيه ووصفوه بالبدعة، مع أنّ الاِجماع انعقد قبل هؤلاء بقرنين أو قرون، أو ليس انعقاد الاِجماع في عصر من العصور حجّة بنفسه؟

أوهام وتشكيكات

إنّ للقائلين بالمنع تشكيكات وشبهاً كلّها سراب، نذكرها بنصوصها:

أ ـ الاحتفال نوع من العبادة

قال محمد حامد الفقي: «والمواليد والذكريات التي ملاَت البلاد باسم الاَولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم»(2).

يلاحظ عليه: أنّ العنصر المقوّم لصدق العبادة على العمل هو الاعتقاد بإلوهية المعظّم له أو ربوبيّته، أو كونه مالكاً لمصير المعظِّم المحتفل، وأنّ بيده عاجله وآجله، ومنافعه ومضارّه، ولا أقل بيده مفاتيح المغفرة والشفاعة.

وأمّا إذا خلا التعظيم عن هذه العناصر، واحتفل بذكرى رجل ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق هداية المحتفلين، فلا يعدّ ذلك عبادة له، وإن أُقيمت له عشرات الاحتفالات، وأُلقيت فيها القصائد والخطب.


(1) هو عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي (577 ـ 660 هـ) فقيه شافعي، له من الكتب «التفسيرالكبير» و «مسائلالطريقة» وغيرها (أعلامالزركلي 4:21 ط دار العلم للملايين، بيروت).
(2) محمد حامد الفقي في تعليقه على فتح المجيد : ص154.


(88)

ومن المعلوم أنّ المحتفلين المسلمين يعتقدون أنّ النبيّ الاَكرم عبد من عباد الله الصالحين، وفي الوقت نفسه هو أفضل الخليقة، ونعمة من الله إليهم، فلاَجل تكريمه يقيمون الاحتفال أداءً لشكر النعمة.

ب ـ لم يحتفل السلف بمولد النبي

قال ابن تيمية: إنّ هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ـ رضي الله عنهم ـ أحقّ به منّا، فانّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وتعظيماً له منّا، وهم على الخير أحرص(1).

يلاحظ عليه: بما تعرّفت عليه في المبحث الرابع من أنّ المقياس في السنّة والبدعة هو الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين أو السيرة العملية المتّصلة بعصر النبيّ، وأمّا غير ذلك فليس له وزن ولا قيمة ما لم يعتمد على هذه الاَُصول الاَربعة، ولم يكن السلف أنبياءَ ولا رسلاً، وليس الخلف بأقلّ منهم، بل الجميع أمام الكتاب وأمام السنّة سواسية، فلو كان هناك دليل من الكتاب والسنّة على جواز الاحتفال؛ فترك السلف لا يكون مانعاً، على أنّ ترك السلف لم يكن مقارناً بتحريم الاحتفال أو كراهيّته فغاية ما هناك أنّهم لم يفعلوا، وقد أمر الله بما في هذه الآية: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(2)ولم يقل في حقّ النبي «وما تركه فانتهوا عنه» فكيف الحال في حقّ السلف؟!

ج ـ إنّها مضاهاة للنصارى في ميلاد المسيح

يقول ابن تيمية: وكذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاة للنصارى في ميلاد المسيح _ عليه السلام_، وإمّا محبّة للنبي وتعظيماً له والله قد يثيبهم على هذه المحبّة والاجتهاد لا


(2) اقتضاء الصراط المستقيم : ص293 ـ 294.
(1) الحشر: 7.


(89)

على البدع(1).

يلاحظ عليه: أنّ ابن تيمية ليس على يقين بأنّ المسلمين يقيمون الاحتفال مضاهاةً للنصارى، أضف إلى ذلك أنّ الاَساس الذي يجب أن يبنى عليه عمل المسلم هو انطباق العمل على الكتاب والسنّة، فلا تكون المضاهاة مانعة عن اتّباع الكتاب والسنّة، وإن افترضنا انّ أوّل من احتفل، احتفل مضاهاةً إلاّ أنّ المحتفلين في هذه القرون براء من هذه التهمة.

د ـ تخصيص المولد بيومٍ للاحتفال به بدعة!!

إنّ عموم الدليل يقتضي أن تكون جميع الاَيام بالنسبة للاحتفال سواسية، فتخصيص يوم واحد في جميع البلاد بالاحتفال بدعة، وإن لم يكن أصل العمل بدعة(2).

هذا هو الدليل الهام للقائلين بالمنع، ولكن الجواب عنه واضح، وذلك لاَنّ جميع الاَيام بالنسبة إلى الاحتفال وإن كانت سواسية إلاّ أنّ تخصيص يوم واحد للاحتفال به، لاَجل خصوصيات في ذلك اليوم، وليست في غيره إلاّ ما شذّ، وهو أنّ ذلك اليوم تشرّف بولادته، فهو من أفضل الاَيام، كما أنّ البقعة التي ضمّت جسده الشريف هي من أفضل البقاع، ومن ثمّ خصّ النبيّ الاَكرم يوم الاثنين بفضيلة الصوم، وبيّن أنّ سبب التخصيص هو أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولد فيه، فصار كلّ ذلك سبباً لاختيار هذا اليوم دون سائر الاَيام، نعم في وسعهم الاحتفال في غير هذا اليوم أيضاً، بل كلّ يوم أرادوا تكريم النبي والاحتفال به.

ثمّ إنّ الذي نلفت نظر القائل بالمنع إليه، هو أنّه لم يقترن ولن يقترن ادّعاء ورود


(1) اقتضاء الصراط المستقيم: ص 293.
(2) البدعة : 17.


(90)

الاَمر الشخصي على هذا التخصيص، وانّما الكلّ يتّفق على جواز الاحتفال في جميع الاَيام، غير أنّ تخصيص ذلك اليوم هو لاَجل خصوصية كامنة فيه.

نعم من احتفل في مولد النبي وادّعى ورود الشرع به، أو حثّه على هذا التخصيص فهو مبتدع، ولا أظن على أديم الاَرض رجلاً يدّعي ذلك.

وبعبارة موجزة؛ فإنّ كون الاحتفال بدعة رهن أمرين؛ وكلاهما منتفيان:

1 ـ عدم الدليل العام على الاحتفال.

2 ـ ادّعاء ورود الشرع بذلك اليوم الخاص وحثّه عليه.

فعندئذٍ فلا معنى لادّعاء البدعة.

هـ ـ الاحتفالات تشتمل على أُمور محرّمة

إنّ هذه الاحتفالات مشتملة على أُمور محرّمة في الغالب، كاختلاط النساء بالرجال، وقراءة المدائح مع الموسيقى والغناء(1).

يلاحظ عليه: أنّ هذا النوع من الاستدلال ينمّ عن قصور باع المستدلّ، وهذا يدلّ على أنّه قد أعوزه الدليل، فأخذ يتمسّك بالطحلب شأن الغريق المتمسّك به.

فإنّ البحث في نفس مشروعية العمل بحد ذاتها، وأمّا الاَُمور الجانبية العارضة عليه فلا تكون مانعاً من الحكم بالجواز، وما ذكره لا يختصّ بالاحتفال، بل كلّ عمل يجب أن يكون بعيداً عن المحرّمات، فعلى المحتفلين أن يلتزموا بذلك، ويجعلوا مجالسهم مهبطاً للنور.

وفي الختام نركز على أمر؛ وهو أنّ الاستدلال على الجواز أو المنع بالاَُمور الجانبية خروج عن الاستدلال الفقهي، فانّ الحكم بالجواز والمنع ذاتاً يتوقّف على كون الشيء بما هو هو جائزاً أو ممنوعاً، وأمّا الاستدلال على أحدهما بالاَُمور


(1) المدخل 2 : 2.


(91)

الطارئة فليس استدلالاً صحيحاً.

وهناك نكتة أُخرى؛ وهي أنّ الاستدلال على الجواز بما جرت عليه سيرة العقلاء من إقامة الاحتفالات على عظمائهم قياس مع الفارق، لاَنّ الاحتفالات الرائجة بين العقلاء من الاَُمور العادية، والاَصل فيها هو الحلّية، وأمّا الاحتفال بمولد النبي فإنّما هو احتفال ديني، وعمل شرعي، فلا يقاس بتلك الاحتفالات، بل لابدّ من طلب دليل شرعي على جوازه، وبذلك تقدر على القضاء بين أدلّة الطرفين.

نعم لا يمكن أن ننكر أنّ ما يقيمه العقلاء من احتفال يؤثّر في نفوسنا ويحفزنا للاِقبال على الاحتفال بمولد النبيّ، وفي هذا الصدد يقول العلاّمة الاَميني:

«لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد والوفيات، والجري على مراسم النهضات الدينية، أو الشعبية العامة، والحوادث العالمية الاجتماعية، وما يقع من الطوارق المهمّة في الطوائف والاَحياء، بعدِّ سنيها، واتّخاذ رأس كلّ سنة بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً، أو مآتمَ وأحزاناً، وإقامة الحفل السارّ، أو التأبين، من الشعائر المطّردة، والعادات الجارية منذ القدم، ودعمتها الطبيعة البشرية، وأسّستها الفكرة الصالحة لدى الاَُمم الغابرة، عند كلّ أُمّة ونحلة، قبل الجاهلية وبعدها، وهلمّ جرّاً حتّى اليوم.

هذه مراسم اليهود، والنصارى، والعرب، في أمسها ويومها، وفي الاِسلام وقبله، سجّلها التاريخ في صفحاته.

وكأنَّ هذه السُنّة نزعة إنسانية، تنبعث من عوامل الحبّ والعاطفة، وتسقى من منابع الحياة، وتتفرع على أُصول التبجيل والتجليل، والتقدير والاِعجاب، لرجال الدين والدنيا، وأفذاذ الملاَ، وعُظماء الاَُمّة إحياءً لذكراهم، وتخليداً لاَسمائهم، وفيها فوائد تاريخية اجتماعية، ودروس أخلاقية ضافية راقية، لمستقبل الاَجيال،


(92)

وعظات وعبر، ودستور عملي ناجح للناشئة الجديدة، وتجارب واختبارات تولد حنكة الشعب، ولا تختص بجيل دون جيل، ولا بفئة دون فئة.

وانّما الاَيام تقتبس نوراً وازدهاراً، وتتوسّم بالكرامة والعظمة، وتكتسب سعداً ونحساً، وتتخد صيغة مما وقع فيها من الحوادث الهامّة وقوارع الدهر ونوازله...»(1).


(1) سيرتنا وسنّتنا : 38 _ 39 ط الثانية.
Website Security Test