welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج4*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج4

(1)
المبسوط في أُصول الفقه / ج 4

(2)

(3)
الجزء الرابع

(4)
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق . ـ
      المبسوط في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1432 ق . = 1390 .
      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 313 - 3 (دوره)
ISBN 978 - 964 - 357 - 314 - 0 (ج. 1)
ISBN 978 - 964 - 357 - 440 - 6 (ج. 2)
ISBN 978 - 964 - 357 - 467 - 3 (ج. 3)
ISBN 978 - 964 - 357 - 483 - 3 (ج. 4)
      أُنجـزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 . أُصول فقه الشيعة ـ ـ القرن 15. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. العنوان.
2م 2س/ 8/159 BP    312 / 297
اسم الكتاب:   … المبسوط في أُصول الفقه
الجزء:    …الرابع
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1432 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد الصفحات:   …728 صفحة
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
         تسلسل النشر:658                  تسلسل الطبعة الأُولى:379
مركز التوزيع
قم المقدسة / ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.tohid.ir

(5)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الّذي بعث رسله وأكمل دينه; والصلاة والسلام على من بلّغ رسالته، وعلى آله الطاهرين، موضع سرّه وعيبة علمه، وموئل حكمه، ما كرّ الجديدان وما افترق الفرقدان.
أمّا بعد:
فهذا هو الجزء الرابع والأخير من موسوعتنا الأُصولية «المبسوط في أُصول الفقه»، والّتي تتضمن آراء أكابر المحقّقين من الأُصوليين فيما يمّت لهذا العلم بصلّة.
ولا يخفى على من له إلمام بالشريعة المطّهرة أنّ استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها رهن دراسة وتطبيق أُصول وقواعد تُعدّ مبادئ لها، ومن أنكر ذلك فقد أنكره بلسانه، وقلبه مطمئن بخلافه.
كيف يمكن إنكار توقّف الاستنباط على أُصول موضوعية مع أنّ حجّية الظواهر من تلك الأُصول، فلو لم تثبت حجّيتها قبل الاستنباط فكيف يمكن للفقيه الاستدلال بآية أو رواية على حكم شرعي؟!
إنّ كثيراً من عمومات القرآن والسنّة قد خصّصت بأدلّة منفصلة، فالتمسّك بعموم العام وإطلاق المطلق فرع بقاء حجيّتهما بعد التخصيص والتقييد، إلى غير ذلك من الأُصول والقواعد الّتي لا غنى للفقيه عن دراستها قبل الاستنباط.

(6)
ثم إنّ القوم ـ قدس الله أسرارهم ـ بين مَن يبحث عن تلك القواعد في مقدّمة كتبه الفقهية كالمحدِّث البحراني في «الحدائق الناضرة» فقد اشتمل الجزء الأوّل منها على مقدّمات أكثرها من مسائل أُصول الفقه، لكنّه صاغها بشكل يبدو أنّه استقاها من الأخبار والروايات.
ومنهم مَن أفردها بالتأليف، وهذا هو المنهج السائد عند أصحابنا منذ عصر الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ) إلى يومنا هذا .
فلو جُمع ما ألّفه أصحابنا في هذا العلم لشكّل مكتبة عظيمة وثروة علمية وافرة.
هذا وقد قمت في سالف الزمان بتأليف كتابين هما: «الموجز» و«الوسيط»، فاقتضى ذلك تأليف كتاب ثالث يبحث عن المسائل الأُصولية بشكل مبسوط، عسى أن يقع موضع الدراسة والنقد بين أساتذة هذا العلم وطلابه.
والله من وراء القصد
والحمد لله رب العالمين
جعفرالسبحاني
قم المقدسة/ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الخامس عشر من شهر
رمضان المبارك مولد السبط الأكبر
الحسن المجتبى (عليه السلام) 1432 هـ

(7)

الأصل العمليّ الرابع

الاستصحاب

تقدّم الكلام في الأُصول الثلاثة: البراءة، والاحتياط، والتخيير، وبقي الكلام في الأصل الرابع وهو الاستصحاب. وقد تقدّم أنّ انحصار الأُصول العملية الجارية في عامّة أبواب الفقه في هذه الأربعة، حصرٌ استقرائيٌّ، وإن كان حصر مجاريها في الموارد الأربعة عقليّاً. وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: في تعريف الاستصحاب

وقد عُرّف بتعاريف خمسة، ابتداءً من الشيخ بهاء الدين العاملي وانتهاءً بالمحقّق النائيني، وإليك بيانها:
1. إثبات الحكم في الزمن الثاني تعويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل.(1)
هذا ما ذكره شيخنا بهاء الدين العاملي، وقد أُورد عليه بعدم اشتماله

1. زبدة الأُصول:78.

(8)
على ركني الاستصحاب، أعني: اليقين والشكّ.
يلاحظ عليه: بأنّه وإن لم يصرّح بهما لكنّه أشار إلى اليقين بقوله: «تعويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل»، وإلى الشكّ بقوله: «إثبات الحكم في الزمن الثاني». فلو لم يكن بين ظرفي الحكمين اختلاف من حيث اليقين والشكّ لما كان لثبوته في الزمن الثاني تعويلاً على ثبوته في الزمن الأوّل، وجه.
2. كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق.(1)
وهو تعريف المحقّق القمي(رحمه الله)، وقد أورد عليه الشيخ بأنّه أزيف التعاريف; وذلك لأنّ ما عرّف به هو محلّ الاستصحاب وموضوعه لا تعريفه، وسيوافيك توجيه هذا التعريف عند الفراغ من ذكر التعاريف الخمسة.
3. إبقاء ما كان. (2)
وهو تعريف الشيخ الأنصاري، ووصفه بأنّه أسدّ التعاريف وأقصرها.
ويرد عليه ما أُورد على التعريف الأوّل من عدم الإشارة إلى ركني الاستصحاب ـ أعني: اليقين والشكّ ـ اللّهم إلاّ إذا قيل بأنّ قوله: «ما كان» إشارة إلى اليقين، كما أنّ قوله: «إبقاء» إشارة إلى الشكّ، حسب ما ذكرناه في توجيه التعريف الأوّل.

1 . قوانين الأُصول:2/53.
2. فرائد الأُصول: 3 / 9، طبعة المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري، قم ـ 1419 هـ .

(9)
4. الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شُكَّ في بقائه.(1)
وهو تعريف المحقّق الخراساني، والظاهر أنّه ليس شيئاً جديداً، بل شرح لتعريف الشيخ .
فقوله: «ببقاء حكم» إشارة إلى الاستصحابات الحكمية، وقوله: «أو موضوع ذي حكم» إشارة إلى الاستصحاب في الموضوعات الخارجية. مثال الأوّل كما إذا شككنا في بقاء نجاسة ماء زال تغيّره بنفسه، ومثال الثاني كاستصحاب بقاء حياة الزوج أو الزوجة عند الشكّ فيها.
5. عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم أو الموضوع من حيث الأثر والجري العملي بالشكّ في بقاء متعلّق اليقين.(2)
وهو تعريف المحقّق النائيني، ويلاحظ عليه بأنّه تعريف بالنتيجة، فإنّ عدم انتقاض اليقين نتيجة إبقاء اليقين السابق وعدم نقضه بالشكّ اللاحق.
إلى هنا تبيّن حال التعاريف الخمسة، والحق أن يقال: إنّه يختلف تعريف الاستصحاب حسب اختلاف المباني.
فلو قلنا: إنّه أمارة عقلائية لكشف حال الشيء في الآن اللاحق وأنّ اليقين السابق أمارة ظنيّة لبقائه في ظرف الشكّ الذي أُريد به احتمال الخلاف الجامع مع الظن(3)، فتعريف المحقّق القمي من أوضح التعاريف;

1. كفاية الأصول: 2/273.   2 . فوائد الأُصول:4/307.
3. أي المراد من الشكّ، هو الشكّ الأُصولي ـ أعني: خلاف اليقين الذي يجتمع مع وجود الظن ـ لا الشكّ المنطقي، أعني: تساوي الطرفين.

(10)
لأنّ ما هو الأمارة وما هو المفيد للظن، عبارة عن كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن اللاحق...
فهذا النوع من اليقين يفيد الظن بالبقاء في الآن اللاحق.
نعم يرد على تعريف المحقّق القمي أنّ تسمية كون الشيء يقينيّ الحصول استصحاباً، ليس بصحيح ; لأنّ الاستصحاب عبارة عن صحبة شيء لشيء آخر، وليس في كون الشيء يقينيّ الحصول، أي صحبة. نعم نتيجة حجّية اليقين السابق هو استصحاب شيء لشيء آخر.
وأمّا على القول بأنّ الاستصحاب أصل محرز لصيانة الواقع، نظير الاحتياط في أطراف الشبهة المذكورة حيث يحفظ بهما الحكم الشرعي، أمّا الاحتياط فواضح، وأمّا الاستصحاب فلأنّ الغالب هو البقاء.
أو على القول بأنّه أصل تعبدّي محض كأصالتي الطهارة والحلّية، فما ذكره المحقّق الخراساني أوضح التعاريف، وما ذكره الشيخ أخلصها.
ثم يمكن تعريف الاستصحاب بتعريف سادس أقرب إلى لسان الروايات وهو: عدم نقض اليقين السابق المتعلق بالحكم الشرعي أو بموضوع ذي أثر بالشكّ اللاحق نقضاً تشريعياً لا تكوينياً.

الأمر الثاني: هل الاستصحاب مسألة أُصولية أو فقهية؟

هل الاستصحاب مسألة أُصولية مطلقاً، أو أنّه قاعدة فقهية كذلك، أو فيه التفصيل بين الاستصحاب الجاري في الأحكام الكلّية والجاري في الموضوعات؟

(11)
ذهب الشيخ الأنصاري إلى القول الثالث وهو أنّ الاستصحاب مسألة أُصولية إذا كان المستصحب حكماً كليّاً مشكوكاً. وقاعدة فقهية إذا كان المستصحب من الموضوعات الخارجية كاستصحاب عدالة زيد وطهارة ثوبه، نظير أصالة الطهارة وقاعدة الفراغ.
واستدلّ على ذلك بالأمر التالي: إنّ الميزان في كون المسألة أُصولية اختصاص تطبيقها على صغرياتها بالمجتهد، بخلاف القاعدة الفقهية فإنّ تطبيقها يعم المجتهد والمقلّد.
والاستصحاب في الأحكام الكلّية رهن الفحص عن الدليل الاجتهادي ولا يقوم بذلك إلاّ المجتهد، بخلاف الاستصحاب في الموضوعات فليس رهناً لشيء.
وقد قرّر المحقّق النائيني هذا الدليل بتعبير آخر، قال: إنّ نتيجة المسألة الأُصولية إنّما تنفع المجتهد ولاحظّ للمقلّد فيها، وأنّ النتيجة في القاعدة الفقهية تنفع المقلّد.(1) وكأنّه يريد أنّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية ينفع المجتهد دون المقلّد، بخلافه في الموضوعات كطهارة الثوب فإنّه ينفعهما.
أقول: ما استدلاّ به غير تام ; لأنّ تطبيق كثير من القواعد الفقهية بيد المجتهد دون المقلّد، ولا ينتفع به المقلّد نظير قاعدة: «كلّما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، وقاعدة:«ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»، إلى غيرهما من القواعد.

1. فوائد الأُصول:4/309.

(12)
فالظاهر أنّ المسألة أُصولية في كلا الموردين ; لأنّ المائز بين الأمرين أحد أمرين على وجه مانعة الخلو:

1. الاختلاف في المحمولات

فإنّ المحمولات في المسائل الأُصولية ليست أحكاماً شرعية عملية، كقولنا: خبر الواحد حجّة، والظواهر حجّة، وجواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه; بخلاف القواعد الفقهية فإنّ المحمول فيها حكم شرعي مأخوذ من نفس الشرع، كقوله(عليه السلام): «إذا شككت فابن على الأكثر»، أو حكم وضعي منتزع من الحكم التكليفي، كما في قولنا: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فإنّ الحكم الكلّي منتزع من الأحكام الشرعية الصادقة في أبواب مختلفة المستندة إلى قوله(عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».

2. كشف الحكم في الأُصولية استنباط وفي غيرها تطبيق

إنّ إعمال المسألة الأُصولية في المورد من قبيل الاستنباط بخلاف القاعدة الفقهية فإنّ إعمالها من قبيل التطبيق.
والفرق بينهما واضح، وهو أنّ الأوّل يكشف عن حكم شرعي مجهول لم يكن معلوماً للمجتهد قبل الإعمال لا إجمالاً ولا تفصيلاً، بخلاف الثاني فليس في الإعمال كشف عن حكم شرعي مجهول غير معلوم، بل تبديل للعلم الإجمالي بالعلم التفصيلي، وإن شئت فلاحظ القاعدتين التاليتين:
تارة نقول: خبر الثقة حجّة، فلا يندرج فيه أي حكم من الأحكام لا

(13)
إجمالاً ولا تفصيلاً، ولا يستنبط منه حكم إلاّ بضم صغرى إليه وهي خبر الثقة عن وجوب صلاة الجمعة في حال الغيبة.
وأُخرى نقول: كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر، فقد دخل في «الشيء» الثوب والإناء وكل شيء مشكوك إجمالاً. فلا يحتاج إلى صغرى إلاّ للتفصيل والتبيين، وحكم الصغرى يكمن في الكبرى إجمالاً.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة كون الاستصحاب مسألة أُصولية أو فقهيّة على ضوء هذين المعيارين.
فالظاهر وجود المعيارين في كلا الموردين، وذلك أنّ الكبرى ـ أعني: «لا تنقض» ـ حكم غير شرعي، بل هي حكم إرشادي أو تمهيدي لصيانة الواقع أو لرفع التحيّر من دون فرق بين كون المورد شبهة حكمية أو شبهة موضوعية.
كما أنّ العلم بالنتيجة في كلا الموردين غير موجود في العلم بالكبرى، فكما أنّ: «لا تنقض» لا يهدي إلى وجوب الجمعة في الغيبة، كذلك لا يهدي إلى طهارة الثوب إذا كان متيقّن الطهارة في السابق. ومقتضى ذلك عدّ الاستصحاب في كلا الموردين من المسائل الأُصولية.
نعم يمكن توجيه التفصيل المذكور بطريق آخر، وهو: أنّ النتيجة في استصحاب الشبهات الحكمية كليّة لا جزئية بخلافها في الموضوعات الخارجية، كطهارة الثوب ونجاسة الإناء، فالنتيجة فيها جزئية لا تتجاوز عن الثوب والإناء، فبما أنّ نتيجة المسألة الأُصولية تكون كلّية لا جزئية، صحّ عدّها قاعدة فقهية في مورد الموضوعات الخارجية.

(14)

الأمر الثالث: أركان الاستصحاب

أركان الاستصحاب أُمورٌ ثلاثة:
1. فعلية اليقين والشكّ واجتماعهما في زمان واحد.
فإن قلت: إنّ اليقين والشكّ من الأُمور المتضادة فكيف يجتمعان؟
قلت: سيوافيك عند الكلام عن الركن الثالث أنّ المسوّغ هو اختلاف متعلّقي اليقين والشكّ زماناً، فعدالة زيد يوم الجمعة متعلّق لليقين، وعدالته يوم السبت متعلّق للشكّ.
2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك، كما هو الحال في المثال السابق. فزمان العدالة المتيقّنة سابق على زمان العدالة المشكوكة، كسبق الجمعة على السبت.
3. وحدة متعلّقي اليقين والشكّ ذاتاً واختلافهما زماناً، فقد تعلّق اليقين والشكّ بالعدالة، غير أنّ متعلّق اليقين هو عدالته يوم الجمعة ومتعلّق الشكّ عدالته يوم السبت. وعلى هذا فأركان الاستصحاب هي بالنحو التالي:
1. فعلية اليقين والشكّ وعدم إزالة اليقين بالشكّ.
2. سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك.
3. وحدة متعلّق الشكّ واليقين ذاتاً والاختلاف زماناً.
وسيوافيك أنّ كلاً من هذه الأركان احترازيٌّ تخرج بسببها القواعد الثلاث، كما سيوافيك.

(15)

الأمر الرابع: في القواعد الثلاث

يدور على ألسن الأُصوليين قواعدُ ثلاث وربما يُشكل على المبتدئ الفرق بينها وبين الاستصحاب، ولأجل توضيحها وتوضيح فرقها مع الاستصحاب نذكر كلّ واحدة على وجه الإيجاز:

1. قاعدة اليقين أو الشكّ الساري

إذا أيقن بعدالة زيد يوم الجمعة وطلّق عنده ثم شكّ في يوم السبت في عدالته في نفس ذلك اليوم (الجمعة) مع قطع النظر عن عدالته يوم السبت، إذ يمكن أن يكون فيه مقطوع العدالة أو مقطوع الفسق أو مشكوكه، فعلى كلّ تقدير فالمطلوب ترتّب أثر العدالة في نفس يوم الجمعة فقط . فلو قلنا بحجّية القاعدة يترتّب أثر العدالة في نفس ذلك اليوم ، فلو حكم بصحّة القاعدة تكون حجّة أُخرى غير الاستصحاب.
ولكنّها تفترق عن الاستصحاب بأمرين:
1. وحدة متعلّقي الشكّ واليقين هنا ذاتاً وزماناً، على خلاف الاستصحاب فإنّ متعلّقيهما فيه واحد ذاتاً لكن مختلف زماناً ; ففي الاستصحاب يترتّب أثر العدالة في يوم السبت، وفي القاعدة يترتّب أثر العدالة في يوم الجمعة.
2. عدم فعلية اليقين والشكّ بل ينتهي الأمر إلى زوال اليقين وبقاء الشكّ وحده، على خلاف الاستصحاب فإنّهما فيه فعليان; ففي نفس المثال قد زال اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة ولم يبق إلاّ الشكّ يوم السبت، بخلاف الاستصحاب كما عرفت.

(16)
وإلى ما ذكرنا يرجع ما اشتهر في الألسن من أنّ الشكّ في الاستصحاب يرجع إلى البقاء، وأمّا في قاعدة اليقين فالشكّ يرجع إلى الحدوث. فالبقاء مشكوك في الاستصحاب مع كون الحدوث متيقناً، والحدوث مشكوك في القاعدة مع قطع النظر عن البقاء. وبذلك يُعلم أنّ مشكلة اجتماع اليقين والشكّ في القاعدتين تنحل بطريقين مختلفين:
أمّا الاستصحاب فلأجل اختلاف متعلّقي اليقين والشكّ زماناً، فهذا هو المصحّح لصدقه.
وأمّا في القاعدة فالمبرر لاجتماعهما فيها هو سبق زمان اليقين على زمان الشكّ فقط، ولا يتصوّر فيه سبق زمان الشكّ على اليقين أو اجتماعهما، بخلاف الاستصحاب حيث يتصوّر فيه الحالات الثلاث:
1. سبق اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة ثم الشكّ في عدالته يوم السبت.
2. سبق الشكّ في عدالته يوم السبت ثم اليقين بعدالته يوم الجمعة.
3. طروء اليقين والشكّ بالنسبة إلى كلّ من الجمعة والسبت في زمان واحد.

2. قاعدة المقتضي والمانع

«قاعدة المقتضي وأصالة عدم المانع» من القواعد الّتي أسّسها العلاّمة الشيخ محمد هادي الطهراني (المتوفّى 1321هـ) وطبّق عليها روايات الاستصحاب.

(17)
وحاصلها: أنّه إذا تعلّق اليقين بشيء له تأثير تامّ في وجود المقتضي، لكن شكّ في وجود المانع، كصبّ الماء على اليد، المقتضي لغسل البشرة لولا المانع من القير والجصّ، فيقال: المقتضي موجود والأصل عدم المانع فيثبت غسل البشرة.
فعلى هذا فهي تخالف القاعدتين جوهراً وذاتاً; لأنّ متعلّقي اليقين والشكّ في قاعدة اليقين واحد ذاتاً وزماناً، وفي الاستصحاب واحد ذاتاً مختلفان زماناً، ولكنّهما هنا مختلفان ذاتاً وزماناً. ومن المعلوم أنّ روايات الاستصحاب منصرفة عن مثلها، حيث إنّ موردها تعلّق الشكّ بنفس ما تعلّق به اليقين وإن كان لهذا الشكّ منشأ آخر، وهو وجود المانع، كما في استصحاب الطهارة عند الشكّ في النوم، فاليقين والشكّ تعلّقا ببقاء الطهارة وإن كان الشكّ في بقاء الطهارة معلولاً لشك آخر وهو صدور النوم وعدمه، وهذا بخلاف المقام فإنّ اليقين تعلّق بالصبّ على اليد، والشكّ تعلّق بغسل البشرة، فهما متمايزان.

3. الاستصحاب القهقري

الاستصحاب القهقري نفس الاستصحاب الجاري في الموارد المعروفة، والتفاوت إنّما هو في تقدّم المتيقّن زماناً على المشكوك في الاستصحاب، وتقدّم المشكوك زماناً وتأخّر المتيقّن في المقام.
وذلك نظير ما إذا شككنا في أنّ الصوم والصلاة اللّتين هما حقيقتان ـ في أعصارنا هذه ـ في العبادات المعروفة وشككنا في كونهما كذلك في

(18)
الأعصار السابقة حتى تنتهي إلى عصر الرسالة، فيستصحب من عصرنا إلى الأعصار المتقدّمة، فتكون النتيجة: أنّ ما هو المتبادر اليوم هو المتبادر في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ إنّ روايات الاستصحاب لا تشمل مثل هذا النوع، لما سيوافيك من أنّ مواردها هي تقدّم المتيقّن على المشكوك لا العكس، كما في المقام.
نعم ربّما يحتجّ في إثبات وحدة المعنى في جميع الأعصار بأصالة عدم النقل، إذ لو كان المعنى المتبادر فعلاً غير المتبادر في عصر الرسالة للزم النقل، والأصل عدمه.
وهذا الأصل أصل لفظي عقلائي، ومن المعروف أنّ مثبتات هذه الأُصول حجّة.

الأمر الخامس: في تقسيمات الاستصحاب

ينقسم الاستصحاب حسب المستصحب تارة، والدليل الدال على حكمه أُخرى، وحسب الشكّ ومنشئه ثالثة. وإليك بيان الجميع، بوجه الإيجاز.
أمّا التقسيم الأوّل: فالمستصحب تارة يكون حكماً شرعياً كاستصحاب الوجوب التعييني لصلاة الجمعة في زمان الغيبة، وأُخرى يكون موضوعاً لحكم شرعي كاستصحاب حياة الزوج لوجوب الإنفاق على الزوجة، وثالثة يكون كلّياً كما مرّ، ورابعة جزئياً كاستصحاب وجوب أداء الدين إذا شكّ المديون في الأداء، وخامسة يكون المستصحب حكماً

(19)
تكليفيّاً كما مرّ، وسادسة وضعيّاً كاستصحاب نجاسة الماء الذي زال تغيّره بنفسه.
وعلى جميع التقادير فالمستصحب إمّا أمر وجودي كما مرّ، أو أمر عدمي كاستصحاب عدم جزئية القنوت، إلى غير ذلك من الأمثلة.
وأمّا التقسيم الثاني ـ أي الاستصحاب باعتبار الدليل الدال على المستصحب ـ فإنّ دليله إمّا أن يكون كتاباً، أو سنّة، أو إجماعاً، أو عقلاً.
وأمّا التقسيم الثالث ـ أي الاستصحاب من جهة الشكّ ـ فتارة يتعلّق بالمقتضي، أي الشكّ في استعداد المستصحب للبقاء، كاستصحاب بقاء زيد بعدما عمّر مائة وعشرين سنة; وأُخرى في وجود الرافع لأثر المقتضي، كما إذا شكّ في الطلاق بعد النكاح، فشكّ أنّه طلّق أو لا؟
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الشكّ في الرافع ينقسم إلى الأقسام الخمسة التالية:
1. الشكّ في وجود الرافع وعدمه، كالشكّ في أنّه طلّق أو لا؟
2. الشكّ في رافعية الموجود، وهو على أقسام أربعة لاختلاف منشأ الشكّ:
أ. ما إذا كان منشأ الشكّ تردّد الواجب بين ما امتثل وما لم يمتثل، كما إذا صلّى صلاة الظهر في يوم الجمعة، فإن كان الواجب هو الظهر فقد برئت الذمّة، وإن كان الواجب صلاة الجمعة فالذمّة مشغولة، فالشكّ في رافعية صلاة الظهر نابع عن تردّد الواجب بين الأمرين.

(20)
ب. الجهل بحكم الموجود، كما إذا خرج المذي من الإنسان لعدم الاستبراء، فيشكّ في كونه رافعاً أو لا، لأجل جهله بالحكم.
ج. الجهل بمصداقية الموجود لرافع معلوم المفهوم، كالبلل المردّد بين البول والمذي بعد العلم بحكم المذي.
د. الجهل بمصداقية الموجود لرافع مجهول المفهوم، كما إذا أحدث ثم تيمّم على الآجر، حيث إنّ الجهل بحكم المصداق نابع عن الجهل بمفهوم الصعيد الذي يرتفع الحدث بالتيمّم به.
إلى هنا تمّت التقسيمات الرئيسية وقد ذكرناها تمهيداً.

(21)
 

حجّية الاستصحاب وأدلّته

استدلّوا على حجّية الاستصحاب بوجوه خمسة نذكرها تباعاً:

الأوّل: بناء العقلاء

وهو مبني على مقدّمتين:
1. استكشاف بناء العقلاء على العمل طبقاً للحالة السابقة تعبّداً، سواء أفاد الاطمئنان أم لا، أو أفاد الظن أم لا.
2. عدم صدور الردع من الشارع.
أمّا المقدّمة الأُولى: فالظاهر أنّها غير ثابتة; لأنّ القدر المتيقّن من بناء العقلاء هو العمل على وفق الحالة السابقة عند أحد أمرين: الاطمئنان أو الظن، وهو غير مطلوب في المقام ; لأنّه عبارة عن العمل به تعبّداً مطلقاً، وهو غير ثابت.
أضف إلى ذلك: أنّهم يعملون على وفق الحالة السابقة في الأُمور الحقيرة لا الخطيرة، بل يتوقّفون حتى يحصل لهم الاطمئنان.
وأمّا المقدّمة الثانية ـ أي عدم الردع ـ : فقد وقع فيها النقاش بين المحقّق الخراساني والمحقّق النائيني، فقال الأوّل: بأنّه يكفي في الردع ما ورد في الكتاب والسنّة من النهي عن اتّباع غير العلم، نظير قوله سبحانه: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)،(1) ونظير ذلك.

1.الإسراء:36.

(22)
وناقش في هذا الكلام المحقّق النائيني بأنّ ما ذكره في المقام مناقض تماماً لما ذكره في باب حجّية خبر الواحد من باب بناء العقلاء، حيث قال هناك بأنّ ما دلّ على عدم حجّية الظن لا يصلح لأن يكون رادعاً لبناء العقلاء إلاّ بالدور، مع أنّه سلّم برادعية ما في الكتاب لبناء العقلاء في الاستصحاب بلا دور، فما الفرق بين المقامين؟
وقد أجاب بعض أساتيذنا عن مناقشة المحقّق النائيني فقال: بوجود الفرق بين المقامين بأنّ قول الثقة مفيد للاطمئنان الذي هو علم عند العرف، فلا ينتقل العرف من النهي عن العمل بالظن إلى النهي عن العمل بقول الثقة ; لأنّه لا يراه ظنّاً، بخلاف الاستصحاب فهو ليس مفيداً للاطمئنان حتى يكون علماً عرفياً، بل مفيد للظن فيكفي في ردّه الآيات الناهية عن العمل بالظن.
ويمكن أن يجاب عن مناقشة المحقّق الخراساني بوجه آخر وهو: أنّ الآيات الناهية عن العمل بالظن لا تشمل كلا الموردين، لا مورد خبر الثقة ولا الاستصحاب; لأنّ المراد بالظن في هذه الآيات هو الوهم والتخيّل غير المستند إلى شيء، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى)(1)، ثم يردّ عليهم بقوله: (وَ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ).(2)
ترى أنّ الظنّ في الآية أُريد به التخيّل ; لأنّ المصوّرين يقومون بتصوير الملائكة بصورة الأُنثى فيكون هذا مبدأً لتخيّلهم بأنّهم أُناث.

1.النجم:27.
2. النجم:28.

(23)
ونظيره قوله سبحانه: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ).(1) فالخرص في اللغة هو الكذب والوهم.
وعلى ذلك فالآيات الناهية غير صالحة لردّ بناء العقلاء في كلا البابين.
والأولى نقد الصغرى، وأنّ بناء العقلاء منحصر في موردين: الاطمئنان والظن، والمطلوب غير ذلك.

الثاني: الاستقراء

قال الشيخ: إنّا تتبعنا موارد الشكّ في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع، فلم نجد مورداً إلاّ وقد حكم فيه الشارع بالبقاء، إلاّ مع أمارة توجب الظن بالخلاف، وهي لا تتجاوز عن موارد ثلاثة:
1. إذا بال ولم يستبرئ ثم توضّأ فخرج منه البلل المردّد بين البول والمذي، فمقتضى الاستصحاب بقاء الطهارة النفسانية وطهارة الموضع، إلاّ أنّه يحكم عليه بكونه بولاً ناقضاً للطهارتين، وذلك لغلبة بقاء جزء من البول في المجرى، فرجّح الظاهر على استصحاب الطهارة نفساً وموضعاً.
2. غسالة الحمام عند بعض، والمراد غسالة الماء القليل الذي يغسل به البدن، فمقتضى الاستصحاب طهارة الماء، إلاّ أنّ الظاهر انفعاله بالنجاسة الموجودة غالباً على الأبدان.

1.يونس:66.

(24)
3. موارد قاعدة التجاوز وأصالة الصحّة، فإنّ مقتضى الاستصحاب هو الفساد واشتغال الذمة، إلاّ أنّ مقتضى القاعدة وأصالة الصحّة هو العكس.
والذي يدلّ على صحّة الاستقراء الحديثان التاليان:
أ. «تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام»، وذلك فيمن تجاوز دمها أيام العادة ولم تتجاوز العشرة، فتحكم على الدم بأنّه حيض استصحاباً.
ب. «صمّ للرؤية وأفطر للرؤية»، فلو شكّ في دخول شهر رمضان يستصحب كونه من شعبان، ومثله إذا شكّ في انقضاء شهر رمضان فيستصحب أنّه من رمضان.
يلاحظ عليه: بأنّه لا يثبت الاستقراء بالموردين، بل يجب على الفقيه التتبع من أوّل كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات حتى يقف على صحّته.

الثالث: الاستصحاب مفيد للظن

إنّ الثبوت السابق مفيد للظن به في اللاحق.
يلاحظ عليه: بأنّه لا دليل على حجّية هذا الظن أوّلاً، وعدم إفادته الظن في عامّة الموارد ثانياً.

الرابع: الإجماع المنقول

ادّعى غير واحد من الأُصوليّين كالعلاّمة الحلّي في كتابه:«مبادئ الوصول إلى علم الأُصول» على إجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم وقع الشكّ في أنّه طرأ عليه ما يزيله أو لا، وجب الحكم ببقائه على ما كان أوّلاً.

(25)
ولولا القول بأنّ الاستصحاب حجّة، لكان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح.(1)
يلاحظ عليه ـ بعد فرض ثبوت الإجماع على حجّية الاستصحاب ـ : أنّه يمكن أن يستند المجمعين في فتواهم على حجّية الاستصحاب إلى الأدلّة المتقدّمة، وقد عرفت ضعف هذه الدلائل، فإذا تبيّن ضعف مدرك المجمعين، فلا يكون مثل هذا الإجماع حجّة.

الخامس: الأخبار المستفيضة

تضافرت الأخبار على أصل خاصّ وهو عدم نقض اليقين بالشكّ، وقد ورد هذا الأصل في غير مورد كالوضوء والصلاة وغيرهما.
وأوّل مَن استدلّ به الشيخ حسين بن عبد الصمد والد شيخنا بهاء الدين العاملي(918ـ984هـ)، وقد نقل الروايات في كتابه «العِقد الطهماسبي»، وإليك دراستها واحدة بعد أُخرى:

الأُولى: مضمرة زرارة الأُولى

روى الشيخ في «التهذيب» باسناده عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة قد تنام العينُ ولا ينام القلب والأُذن، فإذا نامت العين والأُذن والقلب وجب الوضوء».

1.مبادئ الوصول إلى علم الأُصول:56، طبعة طهران.

(26)
قلت: فإن حُرِّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به؟ قال: «لا، حتى يستيقن أنّه قد نام، حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ وإنّما تنقضه بيقين آخر».(1)
والاستدلال بالرواية يتوقّف على دراسة مواضع:
الأوّل: أنّ السند صحيح حيث أخذ الشيخ الرواية عن كتاب الحسين بن سعيد الأهوازي وهو يروي عن حمّاد بن عيسى غريق الجحفة (المتوفّى: 208 أو 209هـ)، وهو يروي عن حريز بن عبد الله السجستاني الثقة، وهو يروي عن زرارة مضمراً، حيث لا يُعلم المشار إليه، ولا يعدو إلاّ أن يكون المرجع هو أحد الصادقين(عليهما السلام) لجلالته من أن يروي عن غير المعصومين، وقد صاحب زرارةُ الإمام الصادق(عليه السلام) قرابة أربعين سنة كما صاحب الإمام الباقر(عليه السلام) عدّة سنين. وأمّا سند الشيخ في «التهذيب» إلى الحسين بن سعيد فهو سند صحيح وهو كالتالي: يروي عن المفيد، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد.(2)
وربّما تسند الرواية إلى الإمام الباقر(عليه السلام).(3)
الثاني: ما هو مورد السؤال في الفقرتين؟

1. الوسائل: 1، الباب1 من أبواب الوضوء، الحديث 1. والخطاب في قوله: «لا تنقض» عدول من الغيبة إلى الخطاب من باب الالتفات.
2. تهذيب الأحكام: 10/386.
3. الفوائد المدنية:142; الحدائق:1/143 ضمن المقدّمة الحادية عشرة، ولعلّهما وقفا على اسناد الرواية إلى أبي جعفر(عليه السلام).

(27)
اشتملت الرواية على فقرتين وكلٌّ يتضمّن سؤالاً:
أ. أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟
ب. فإن حُرّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به؟
فيقع الكلام في مورد السؤالين:
أمّا السؤال الثاني فواضح فانّ الشبهة فيه مصداقية يريد أن يستكشف المصداق بعملية خاصّة وهو تحريك شيء إلى جنبه وهو لا يعلم، فأبطل الإمام كاشفيته، وقال: «لا، حتى يستيقن أنّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيّن».
إنّما الكلام في السؤال الأوّل وهنا احتمالات:
1. أن تكون الشبهة مفهومية، فحاول السائل أن يقف على معنى النوم.
2. أن تكون الشبهة حكمية، بمعنى أنّه يعرف معنى النوم، لكنّه لا يدري أي درجة من درجاته تكون ناقضة للوضوء، فيسأل عمّا هو الناقض من هذه الدرجات.
3. أنّه يحتمل أن يكون السؤال عن الخفقة هل هي من النواقض المستقلة غير النوم أم لا؟
أمّا الاحتمال الأوّل فبعيد فإنّ زرارة عربي أصيل، ومن البعيد أنّه لا يعرف معنى النوم حتى يسأل الإمام(عليه السلام) عن معناه وعمّا وضع له.
والثالث بعيد أيضاً، إذ لم يقل أحد باستقلال الخفقة والخفقتين بالناقضية حتى يسأل عنها.

(28)
فإذن يتعيّن الثاني، بمعنى أنّه عالم بالفطرة بأنّ للنوم درجات، فتارة تنام العين فقط، وأُخرى تنام العين والأُذن فقط، وثالثة تنام الثلاثة أي العين والأُذن والقلب أيضاً، فسأل عمّا يكون ناقضاً من هذه الدرجات، فأُجيب بما إذا عطلت عامّة الحواس.
الثالث: ما هو الجزاء لقوله: «وإلاّ، فإنّه على يقين من وضوئه»؟
إنّ قوله: «وإلاّ» أصله: وإن لم يجئ من ذلك أمر بيّن، فهناك احتمالات ثلاثة:
1. أن يكون الجزاء محذوفاً: أي فلا يجب الوضوء.
2. أن يكون الجزاء قوله: «فإنّه على يقين من وضوئه».
3. أن يكون الجزاء قوله: «ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ».
أمّا الاحتمال الأوّل فهو أوضح الوجوه; لأنّه كثيراً ما يُحذف الجزاء وتقام العلّة مقامه، والعلّة هي قوله المركب من صغرى وكبرى; أمّا الصغرى فقوله: «فإنّه على يقين من وضوئه»، وأمّا الكبرى فقوله: «لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ»، ولهذا نظائر في القرآن الكريم، مثل:
1. قوله سبحانه: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ).(1)
أي: إن يسرق فلا عجب ولا غرو، بشهادة أنّه قد سرق أخ له من قبل.
2. قوله سبحانه: (وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ).(2)

1. يوسف: 77.   2 . فاطر:4.

(29)
أي: إن يكذبوك فليس بأمر جديد ; لأنّه قد كذّبت رسل من قبلك.
فإن قيل: لو كان الجزاء المقدّر قوله: «فلا يجب الوضوء» لزم التكرار لسبق ذكره في قوله: «لا، حتى يستيقن»، أي لا يجب الوضوء حتى يستيقن.
فنقول: لا ضير في التكرار إذا أُريد به التأكيد، أضف إلى ذلك: أنّه لو كان الجزاء مذكوراً، للزم التكرار دونما يكون مقدّراً.
وأمّا الاحتمال الثاني فبعيد ; لأنّه جملة خبرية لا تصلح للجزاء إلاّ إذا أُريد بها الإنشاء بأن يكون معناها: «وليكن على يقين من وضوئه»، وهو رهن قرينة.
وأمّا الاحتمال الثالث، فأبعد لاستلزامه توسط الجملة المعترضة بين الشرط والجزاء، مضافاً إلى اشتمالها على حرف العطف المانع من وقوعها جزاءً.
نعم الجزاء عند الأُدباء هو قوله: «فإنّه على يقين من وضوئه». بجعل الجملة الإخبارية إنشائية.
الرابع: حجّية الروايات في عامّة الأبواب.
قد مرّ أنّ الجزاء عبارة: «فلا يجب الوضوء» وقد عُلّل عدم الوجوب بجملتين: إحداهما صغرى، أعني: «إنّه على يقين من وضوئه».
والأُخرى كبرى: «ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ».
فدلالة الرواية على حرمة نقض اليقين بالوضوء في مورده لا غبار

(30)
عليها، إنّما الكلام في دلالة الجملتين على حرمة نقضه في سائر الأبواب.
أقول: المسألة مبنيّة على أمرين:
1. كون اللام في قوله: «ولا تنقض اليقين» للجنس لا للعهد، أي مطلق اليقين، لا اليقين بالوضوء.
2. قوله: «من وضوئه» من متمّمات: «فإنّه» أي: من طرف وضوئه على يقين، فيكون الحدّ الوسط في الصغرى والكبرى نفس اليقين لا اليقين بالوضوء.
ويؤيد ذلك أُمور:
الأوّل: أنّ التعليل بالصغرى والكبرى للجزاء المحذوف، تعليل بأمر ارتكازي، ومثله لا يختصّ بباب دون باب، وكأنّه(عليه السلام) يقول: إنّه على يقين من وضوئه، وإنّ اليقين بمنزلة الجسم الصلب، والشكّ بمنزلة القطن، وليس للقطن هذا الشأن أي نقض الجسم الصلب، فالموضوع للنقض وعدم النقض هو اليقين، لا اليقين بالوضوء.
الثاني: ورود الكبرى في غير باب الوضوء ـ كما سيوافيك ـ .
الثالث: قوله: «أبداً» حيث يناسب عدم اختصاصه بباب دون باب.
وبذلك يعلم أنّه لو قلنا: الجزاء محذوف والجملتان بمنزلة التعليل له المركب من صغرى وكبرى، يكون أظهر في شمول الرواية لعامّة الأبواب.
***

(31)

الرواية الثانية: صحيحة زرارة الثانية

هذه الرواية رواها من المشايخ:
1. الصدوق في علل الشرائع في الباب80 تحت عنوان علّة غسل المنىّ إذا أصاب الثوب، بالسند التالي:
أبي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام).
2. الشيخ الطوسي في «التهذيب» مضمِراً عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت له:
والرواية على كلا السندين صحيحة.
ثمّ إنّها تشتمل على ستة أسئلة وسبعة أجوبة، وما هذا إلاّ لأنّ السؤال السادس له شقّان ولكلّ شق جواب فترتقي الأجوبة إلى سبعة، وها نحن ننقل الرواية عن «التهذيب» بجعل كلّ جواب تحت رقم.
1. أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره، أو شيء من مني، فعلّمتُ أثره إلى أن أصيب له من الماء، فأصبتُ وحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً وصلّيتُ، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك.
قال: «تعيدُ الصلاة وتغسله».
2. قلت: فإنّي لم أكن رأيتُ موضِعَه، وعلمتُ أنّه قد أصابه، فطلبته فلم أقدر عليه، فلمّا صلّيت وجدته؟ قال: «تغسله وتعيد».
3. قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك، فنظرتُ فلم أر شيئاً، ثمّ صلّيتُ فرأيت فيه؟

(32)
قال: «تغسله ولا تعيد الصلاة».
قلت: لِمَ ذلك؟
قال:«لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً».
4. قلت: فإنّي قد علمتُ أنّه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله؟
قال: «تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك».
5. قلت: فهل علىّ إن شككتُ في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟
قال: «لا، ولكنّك إنّما تريد أن تُذْهِبَ الشكَ الذي وقع في نفسك».
6. قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟
فأجاب الإمام بأنّ له صورتين:
أ. قال: «تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته».
ب. «وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعلّه شيء أُوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ».(1)
توضيح الاستدلال يتوقّف على الكلام في مقامين:

1. التهذيب:1/446، ح 1335، باب تطهير البدن والثياب من النجاسات; الوسائل:2، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 2 (السؤال 1 و 2) ; والباب 37 منه، الحديث 1 (السؤال 3 و 5) ; والباب 7 منه، الحديث 2 (السؤال 4); والباب 44 منه، الحديث 1 .

(33)

الأوّل: في فقه الحديث

إنّ فهم الحديث يتوقّف على تبيين الأسئلة وبيان فرق بعضها عن بعض، وها نحن نقدّم دراسة الأسئلة الخمسة وأجوبتها ، ثم ننتقل إلى دراسة السؤال الثالث وجوابه،(1) وما هذا إلاّ لحفظ الأذهان من التشويش، وبعد الانتهاء منه ننتقل إلى دراسة السؤال السادس .(2)
أقول: إنّ السؤال الأوّل يركّز على العلم التفصيلي بالإصابة والعلم التفصيلي بمحلّها، لكنّه صلّى ناسياً.
والسؤال الثاني يركّز على العلم التفصيلي بالإصابة والعلم الإجمالي بمحلّها، ثم يصلّي نسياناً.
والسؤال الثالث يركّز على الظن بالإصابة وبالتالي عدم العلم بمحلّها ثمّ يصلّي والحال هذه.
ثم إنّ الإمام يفتي بالإعادة في الصورتين الأُوليين دون الثالثة، معلّلاً عدم الإعادة بالاستصحاب، كما سيوافيك شرحه .
أمّا السؤال الرابع فهو متوجّه إلى كيفية تحصيل البراءة اليقينية إذا علم بإصابة النجس ولم يعرف مكانه، فأجاب الإمام بأنّه تغسل الناحية التي يحتمل أصابتها.
والسؤال الخامس ناظر إلى أنّه إذا ظن الإصابة فهل عليه الفحص أو لا؟

1 . في ص 34 .
2 . في ص 39.

(34)
فالجواب عدم وجوبه، اللّهم إلاّ إذا أراد أن يذهب الشكّ عن قلبه.
إذا علمت ما ذكرنا فلنرجع إلى دراسة السؤال الثالث.
السؤال: قلت: قد ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك، فنظرت فلم أر شيئاً، ثم صلّيت فرأيت فيه؟
الجواب: قال(عليه السلام): «تغسله ولا تعيد الصلاة».
قلت: لِمَ ذلك؟
قال: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً».
إنّ مورد السؤال يحتمل أحد وجهين:
1. العلم بأنّ النجاسة المرئية بعد الصلاة هي نفس النجاسة المظنونة قبل الصلاة التي خفيت عليه قبلها وانكشفت بعد الصلاة.
فلو كان هذا مورد السؤال فيكون المراد من اليقين هو اليقين قبل ظن الإصابة ومن الشكّ هو الشكّ بعد ظن الإصابة، فيكون ظرف الاستصحاب هو قبل الدخول في الصلاة حيث كان متيقّناً قبل ظن الإصابة وشاكّاً بعده (الظن) فيستصحب.
2. أن يكون مورد السؤال رؤية النجاسة بعد الصلاة مع احتمال وقوعها بعدها، فالمراد أنّه ليس ينبغي أن ينقض يقين الطهارة بمجرد احتمال وجود النجاسة حال الصلاة.(1)

1. الفرائد: 3 / 61 .

(35)
وبعبارة أُخرى: يتردّد أمر النجاسة بين كونها نفس النجاسة المظنونة قبل الصلاة، أو هي شيء طرأ عليه بعد الصلاة.
وعندئذ يكون مصبّ الاستصحاب هو بعد الصلاة بمعنى أنّه ليس ينبغي ـ بعد الفراغ عن الصلاة ـ أن ينقض اليقين بالطهارة بمجرد احتمال وجود النجاسة حال الصلاة، فالعلم بطهارة الثوب قبل الصلاة لا ينقض بالشكّ بوجود النجاسة حال الصلاة.
ولكن هذا الاحتمال ضعيف مخالف لقوله:فرأيت فيه; لأنّ معنى ذلك أنّه رأى بعد الصلاة ما لم يره قبلها.
إذا عرفت وجود الاحتمالين في مورد السؤال، وعرفت أنّ الأظهر هو الاحتمال الأوّل، فعندئذ يقع الإشكال في كيفية الاستدلال.
وذلك لأنّ هنا أمرين:
أحدهما: جواز الدخول في الصلاة مع الشكّ.
ثانيهما: صحّة الصلاة بعد وقوعها في النجاسة تماماً.
إنّ الاستصحاب عند الدخول في الصلاة يترتّب عليه جواز الدخول بمعنى أنّه لا ينبغي له الشكّ في الدخول في الصلاة ; لأنّه في تلك الحالة ذو يقين بالطهارة ولا ينبغي له أن ينقض اليقين بالشكّ. ولكن الكلام في الأمر الثاني وهو صحّة الصلاة بعد الفراغ منها ووقوعها تماماً في النجاسة، فعندئذ لا موضوع للاستصحاب، بل يكون من قبيل نقض اليقين باليقين.
وبعبارة أُخرى: أنّ الصلاة في جميع الصور الثلاث كانت مع النجاسة،

(36)
والإمام أمر بالإعادة في الصورتين الأُوليين وعدمها في الثالثة مع اشتراك الجميع في كون الصلاة بالنجاسة، والتفريق بين الصورتين الأُوليين وبين الثالثة إنّما يصلح لتصحيح جواز الدخول في الثالثة دون الأُوليين لا لعدم الإعادة في الثالثة، إذ لا معنى بعد رؤية النجاسة للقول بحرمة نقض اليقين بالشكّ; لأنّه من قبيل نقض اليقين باليقين.

الإجابة عن الإشكال بوجهين:

1. ما نقله الشيخ الأعظم عن بعضهم: أنّ عدم الإعادة بملاحظة اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء، فتكون الصحيحة ـ من حيث تعليلها ـ دليلاً على القاعدة وكاشفة عنها.
يلاحظ عليه: أنّ الإمام(عليه السلام) يعلّل الصحّة بالاستصحاب لا بقاعدة الإجزاء، حيث يقول بأنّه لو أعاد لكان نقضاً لليقين بالشكّ مع أنّه لو أعاد يكون من قبيل نقض اليقين بالطهارة، باليقين بالنجاسة.
2. أنّ الحكم بعدم الإعادة لا يصحّ بدون التصرف في مانعية النجاسة أو شرطية طهارة الثوب، إذ لو كان الشرط، الطهارةَ الواقعية لا يصحّ الحكم بالصحّة لفقدان الشرط، كما أنّه لو كان المانع، النجاسةَ الواقعية لا يصحّ الحكم بها لوجودها، فالأمر بعدم الإعادة كاشف في أنّ الشارع تصرف إمّا في دليل الشرطية ـ أعني قوله: صلّ في ثوب طاهر ـ أو في دليل المانعية كقوله: لا تصل في الثوب النجس، بجعل الشرط إحرازها بالأصل، أو جعل المانع إحراز النجاسة كذلك، فالأمر بالإعادة كاشف عن أنّ الشارع تصرف في

(37)
الدليل فجعل الشرط مثلاً أعمّ من الواقعية والظاهرية.
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ الاستصحاب قبل الصلاة محرِز لما هو الشرط في الصلاة ـ أعني: الطهارة ـ فتكون الصلاة واجدة للشرط واقعاً، لأنّ الشرط أعم من الواقعي أو الظاهري .
إذا علمت هذين الأمرين ـ أعني: أنّ الأمر بعدم الإعادة كاشف عن التصرّف في الشرط وأنّ الاستصحاب قبل الصلاة محرز لما هو الشرط ـ فلو أمر الشارع بالإعادة يكون معنى ذلك أنّه لم يعتبر الاستصحاب حجّة، والمفروض خلافه.
وبذلك يظهر أنّ أساس هذا الجواب هو كفاية استصحاب الطهارة قبل الدخول في الصلاة، ومن المعلوم أنّ النقض حينئذ من قبيل نقض اليقين بالشكّ، لا استصحاب الطهارة بعد الفراغ حتى يقال بأنّه من قبيل نقض اليقين بمثله.
وحصيلة الكلام: أنّ الأمر بالإعادة كاشف عن التصرف في الشرط أوّلاً، وأنّ الاستصحاب قبل الدخول في الصلاة محرز لهذا الشرط ثانياً، فلو أوجب الإعادة كشف عن عدم حجّية الاستصحاب قبل الدخول في الصلاة، والمفروض أنّه حجّة. وبذلك تقف على أنّه لا حاجة في الإجابة إلى ضمّ شيء آخر من أنّ امتثال الأمر الظاهري موجب للإجزاء، فهو وإن كان صحيحاً لكنّه لا حاجة إليه في المقام في تصحيح صحّة الصلاة.
فإن قلت: إنّ عدم الإعادة وإن كشف عن كون الشرط أعمّ

(38)
والاستصحاب أحرز وجود الشرط، ولكنّه يكفي في الإجزاء مادام جاهلاً، فإذا تبيّن فلا وجه للإجزاء .
قلت: إنّ تعميم الشرط يوجب انطباق عنوان الصلاة على المأتيّ به، ومعه يسقط الأمر الوارد في قوله: أقم الصلاة، لإجماع المسلمين على عدم وجوب أزيد من صلاة واحدة على المسلم.
وهناك أجوبة أُخرى عن الإشكال تركنا التعرض لها.
***
الثاني: تقدم أنّ للسؤال الثالث احتمالين: الأوّل ما عرفت من كون المرئي هو المظنون قبل الدخول في الصلاة.
وهنا احتمال آخر وهو ما نقله الشيخ بقوله: أن يكون مورد السؤال رؤية النجاسة بعد الصلاة مع احتمال وقوعها بعدها، فالمراد أنّه ليس ينبغي أن ينقض يقين الطهارة بمجرد احتمال وجود النجاسة حال الصلاة.(1)
وعلى هذا الوجه يكون مصبّ الاستصحاب بعد الصلاة ولا يتوجّه عليه الإشكال المذكور، إذ مع احتمال وقوعها بعد الصلاة يكون من قبيل نقض اليقين بالشكّ، لكن هذا الاحتمال بعيد; لأنّ ظاهر السؤال هو أنّ الذي رآه بعد الصلاة هو الذي شكّ فيه قبل الصلاة.
فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ الاحتمال الأوّل وإن كان ظاهر الكلام، لكن يتوجّه عليه الإشكال بأنّه إن أُريد من الاستصحاب ما هو الجاري قبل

1. فرائد الأُصول: 3 / 61 .

(39)
الدخول في الصلاة، فهو يبرر جواز الدخول في الصلاة، لا صحّتها.
وإن أُريد الاستصحاب الجاري بعد الصلاة فهو من قبيل نقض اليقين باليقين، ولذلك أجبنا عنه بما عرفت.
وأمّا على الاحتمال الثاني من احتمال وقوع النجاسة بعد الصلاة يكون مصبّ الاستصحاب بعد الصلاة، ولا يتوجّه عليه الإشكال إلاّ أنّه خلاف الظاهر.
إلى هنا تمّت دراسة الأسئلة الخمسة، وحان الوقت لدراسة السؤال السادس، وإليك نصّه.
***
قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟
(فأجاب الإمام (عليه السلام) بأنّ له صورتين):
أ. قال: «تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته».
ب. «وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعلّه شيء أُوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ».والمهم هو تعيين محلّ السؤال في الشقّ الأوّل.
الظاهر أنّ محلّ السؤال هو ما إذا شكّ في وقوع النجاسة في موضع من ثوبه قبل الصلاة ولكنّه وقف عليه في الأثناء وعلم أنّها هي التي شكّ في وجودها في ابتداء الصلاة، وحينئذ يكون السؤال في هذا الشقّ نفس السؤال

(40)
في الصورة الثالثة، لكن بتفاوت أنّ رؤية النجاسة في الثالثة كانت بعد الصلاة، وهنا أثناء الصلاة.
وتدلّ على أنّ هذا هو مصبّ السؤال، القرائنُ التالية:
1. تعبيره عن الشقّ الثاني بقوله: «وإن لم تشكّ...» الظاهر في أنّ الميزان هو الشكّ وعدمه.
2. أنّ السؤال السادس مترتّب على السؤال الخامس، ولمّا كان السؤال الخامس عن الشبهة البدوية فيكون هذا أيضاً كذلك، وإن شئت فلاحظ السؤال الخامس: قلت: فهل علىّ إن شككت في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟
وعند ذلك خطر بباله أنّه لو كان في هذه الحالة ولكن رأى النجاسة في الأثناء فماذا يفعل؟
فأجاب الإمام بأنّه لو كان المراد هو المشكوك الذي لم يقف عليه إلاّ في الأثناء ولا يحتمل أنّه شيء أُوقع عليه في الأثناء فيعيد .
ثمّ إنّ هنا إشكالاً يتوجّه على المختار وهو أنّه: ما الفرق بين هذا الشق والسؤال الثالث مع اشتراكهما في وقوع الصلاة في النجاسة مع أنّه حكم على الأوّل بالصحّة وعلى الثاني بالإعادة مع جريان الاستصحاب فيهما معاً قبل الصلاة؟
ويمكن الإجابة بأنّ شرط الصحّة في الصلاة هو إحراز الطهارة إلى الفراغ منها، وهو موجود في الصورة الثالثة دون هذا الشق.
وربّما يظهر من صاحب الوافية وجه آخر للشقّ الأوّل وهو حمله على

(41)
ما إذا علم الإصابة إجمالاً وشكّ في موضعها ولم يغسلها نسياناً، بمعنى أنّه كان الشكّ مقروناً بالعلم الإجمالي.
ولكن هذا الاحتمال مخالف للظاهر حسب القرائن التي عرفتها.
نعم لو صحّ ذلك الاحتمال لارتفع الإشكال لعدم وجود العلم الإجمالي في الصورة الثالثة ووجوده في هذا الشق، ولعلّ صاحب الوافية التجأ إلى هذا الوجه لأجل إيجاد الفرق بينه وبين الصورة الثالثة، وهو عدم وجود العلم الإجمالي في الثالثة، ووجوده في المقام.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ صاحب الوافية ارتكب في تبيين معنى الرواية خلافين للظاهر ـ لأجل دفع الإشكال ـ حيث حمل الصورة الثالثة على ما لو احتمل إصابة النجاسة بعد الصلاة، وبذلك وجّه عدم الإعادة.
كما احتمل في هذا الوجه كون الشكّ مقروناً بالعلم الإجمالي وبذلك وجّه لزوم الإعادة.
والوجهان خلاف الظاهر وإن كان لهما أثر في دفع الإشكال.
إلى هنا تمّ فقه الحديث الذي هو المقام الأوّل في الاستدلال بالرواية، وإليك الكلام في المقام الثاني.

المقام الثاني: في كيفية الاستدلال على الاستصحاب

الاستدلال بالرواية مبني على تعيين متعلّق اليقين في جواب السؤال الثالث وفي الشق الأوّل من جواب السؤال السادس.

(42)
أمّا الأوّل: فإليك ـ مرّة أُخرى ـ نص السؤال والجواب: فإن ظننتُ أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئاً، ثم صلّيت فرأيت فيه؟
قال(عليه السلام): «تغسله ولا تعيد الصلاة».
قلت: لِمَ ذلك؟
قال: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت، فليس ينبغي لك... الخ: فما هو متعلّق اليقين؟
الجواب: في المقام احتمالان:
1. اليقين بالطهارة قبل ظنّ الإصابة.
2. اليقين بالطهارة بعد ظنّ الإصابة، وعدم رؤية شيء.
فإن أُريد الأوّل ينطبق على الاستصحاب الذي يشترط فيه فعلية كلّ من اليقين والشكّ، حيث إنّ اليقين بالطهارة لم يزل ثابتاً حتى بعد الظن بالإصابة إلى وقت رؤية النجاسة في ثوبه.
ولو أُريد اليقين بالطهارة بعد ظن الإصابة، فهو غير باق، إذ برؤية النجاسة المظنونة بعد الصلاة يكشف بطلان اليقين بعدمها عند ظنّ الإصابة.
والظاهر هو الاحتمال الأوّل، وأنّ المراد باليقين اليقين بالطهارة قبل ظنّ الإصابة، بل يمكن أن يقال: إنّه لا يقين عند ظن الإصابة عند عدم رؤية شيء ; لأنّ عدم الرؤية أعمّ من وجود اليقين بالطهارة.
وأمّا الثاني: أعني الشق الأوّل من جواب السؤال السادس.

(43)
قال(عليه السلام): «وإن لم تشك ثم رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لأنّك لا تدري لعله أُوقع عليك فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ».
فيقع الكلام في متعلّق اليقين، فهنا احتمالان:
1. اليقين قبل العزم على الصلاة.
2. اليقين بالطهارة عند بدء الصلاة.
فلو أُريد الأوّل فهو ينطبق على الاستصحاب ; لأنّه بعد باق حتى بعد رؤية النجاسة في ثوبه، وإن أُريد الثاني فهو زائل ; لأنّه يحتمل حدوث النجاسة في الآن الذي رآها فيه ، كما يحتمل أن يكون معه منذ بدء الصلاة، ومع هذا الاحتمال لا يبقى اليقين بالطهارة فيه.ولو تعبدنا الشرع بإبقاء اليقين يكون من باب قاعدة اليقين. ولكن الظاهر هو الأوّل.

الرواية الثالثة: صحيحة زرارة الثالثة

روى الكليني ـ تارة ـ عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أحدهما(عليهما السلام):
وأُخرى عن محمد بن إسماعيل النيشابوري، عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن حمّاد بن عيسى... إلى آخر السند، في حديث عن أحدهما(عليهما السلام)قال: قلت له:
مَنْ لم يدر في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين؟

(44)
قال(عليه السلام): «يركع بركعتين وأربع سجدات، وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهّد ولا شيء عليه».
وقال:«إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها أُخرى ولا شيء عليه، ولا ينقض اليقين بالشكّ، ولا يُدخل الشكّ في اليقين، ولا يُخلط أحدهما بالآخر، ولكنّه ينقض الشكّ باليقين، ويُتمّ على اليقين فيبني عليه، ولا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات».(1)
ثمّ إنّ قوله: «لا ينقض اليقين بالشكّ» يحتمل وجهين: الأوّل: أنّ المراد من اليقين هو اليقين بعدم الإتيان بالأكثر فلازم اليقين بعدم الإتيان بالأكثر هو القيام به إمّا بركعة كما في المقطع الأوّل، أو بركعتين كما في الثاني. وهذا الوجه هو خيرة المحقّق الخراساني خلافاً للشيخ الأنصاري.
نعم إنّ في الاستدلال بالرواية إشكالاً أثاره الشيخ وغيره، وحاصل الإشكال ـ بتحرير منّا ـ : أنّه قد تقرّر في المذهب إتيان صلاة الاحتياط مفصولة لا موصولة على خلاف الآخرين، فقد روى عمّار بن موسى الساباطي قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن شيء من السهو في الصلاة؟ فقال: «ألا أُعلّمك شيئاً إذا فعلته ثم ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء؟» قلت: بلى، قال: «إذا سهوت فابن على الأكثر، فإذا فرغت وسلّمت فقم فصل ما ظننت أنّك نقصت، فإن كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء، وإن ذكرت أنّك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت».(2)

1. والصحيحة رواية واحدة حصل التقطيع فيها من قبل صاحب الوسائل، فرواها في بابين كماترى.الوسائل:5، الباب11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2; والباب10، الحديث3.
2. الوسائل: 5، الباب8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث3.

(45)
وعلى هذا ففي الاستدلال بالحديث على الاستصحاب نواجه إشكالات جميعها يصبّ في مصب واحد وهو إتيان صلاة الاحتياط موصولة لا مفصولة. وإليك هذه الإشكالات.

الإشكال الأوّل: هل يؤتى بصلاة الاحتياط موصولة أم مفصولة ؟

إنّ المتبادر من قوله: «أضاف» هو اتصال صلاة الاحتياط بالصلاة، كما أنّ المتبادر من عدم النقض، ذلك.
وأشكل من ذينك مقتضى الاستصحاب فإنّ مقتضى عدم الإتيان بالأكثر هو إتيانها متّصلة لا مفصولة مع أنّ المذهب استقرّ على الانفصال.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن الإشكال بقوله: ويمكن الذب عنه بأنّ الاحتياط كذلك لا يأبى عن إرادة اليقين بعدم الركعة المشكوكة، بل كان أصل الإتيان بها باقتضائه، غاية الأمر إتيانها مفصولة ينافي إطلاق النقض، وقد قام الدليل على التقييد في الشكّ في الرابعة وغيره، وأنّ المشكوكة لابد أن يأتي بها مفصولة.(1)
توضيح الجواب أنّ هنا أمرين:
1. مقتضى الاستصحاب.
2. مقتضى إطلاق الاستصحاب.
أمّا الأوّل فهو لا يثبت سوى لزوم الإتيان بالأكثر من غير تعرض لكيفية الإتيان.

1. كفاية الأُصول:2/295.

(46)
وأمّا الثاني فإطلاقه يقتضي الاتصال لأنّه لا يحتاج إلى التقييد بخلاف الانفصال فهو رهن التقييد، غاية الأمر يقيّد إطلاق الاستصحاب من دون ردّ نفسه.
وهذا الجواب هو الذي ركّز عليه المحقّق النائيني في تقريراته، ولكنَّ في الجواب تأملاً.
وذلك لو كان الاستصحاب من الأُصول التعبدية لم يكن في تقييد إطلاق الاستصحاب أي إشكال.
وأمّا إذا كان من الأُصول المحرزة فالشاك في الإتيان بالأكثر ينزّل منزلة المتيقّن بعدم الإتيان. ومن المعلوم أنّ المتيقّن بعدم الإتيان يأتي بالركعة متصلة، فهكذا المنزّل منزلة المتيقّن.
وبعبارة أُخرى: ليس هنا شيئان: الاستصحاب ومقتضى إطلاقه، بل شيء واحد ينزل الشاك منزلة المتيقّن فيكون حكم الجميع واحداً، وهو الإتيان بالمشكوك متّصلاً بالمتيقّن، وعندئذ يكون مقتضى الاستصحاب في المقام مناقضاً للمذهب .
نعم يمكن توجيهه بالنحو التالي:
إنّ لتنزيل الشاك منزلة المتيقّن أثرين:
1. الحكم بعدم الإتيان بالمشكوك أصلاً.
2. الحكم بالإتيان به موصولاً.
فنأخذ بالأثر الأوّل ونرفع اليد عن الأثر الثاني بحكم ضرورة المذهب،

(47)
وعلى كلّ تقدير فالإتيان به موصولاً كنفس الإتيان، من آثار الاستصحاب ولا مانع من التفكيك بين الأثرين.
الجواب الثاني: ما نقله الشيخ وحاصله: أنّ مقتضى الاستصحاب وإن كان هو الإتيان بالمشكوك موصولاً، ولكن تطبيق الكبرى على المورد من باب التقية، وأمّا القاعدة فليس فيها تقية. وله نظائر في الروايات:
منها قول الإمام الصادق(عليه السلام) للمنصور الدوانيقي: «ذلك إلى الإمام إن صمتَ صُمنا، وإن أفطرت أفطرنا».(1) فالحكم بوصفه الكلّي صحيح، وليس فيه تقية، وإنّما التقيّة في تطبيقه على الحاكم المتسلّط آنذاك.
ومنها قوله(عليه السلام) في صحيحة البزنطي، في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال: «لا، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): وُضِعَ عن أُمّتي: ما أُكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطأوا».(2) فإنّ الحلف بالطلاق وما عطف عليه باطل في كلتا الحالتين اختياراً واضطراراً، والإمام استدلّ على البطلان بحديث الرفع، إذ لم يكن في وسعه، القول ببطلان الحلف مطلقاً فتطرّق إلى بيان الحكم عن طريق قاعدة مسلّمة، وتطبيقها على المورد تقية.
إلى هنا تمّ توضيح الإشكال الأوّل مع ما عرفت من الجوابين عنه، وإليك الكلام في بقية الإشكالات المتوجّهة على الاستدلال بالحديث على الاستصحاب.

1. الوسائل: 7، الباب57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث5.
2. الوسائل: 16، الباب12 من أبواب الأيمان، الحديث 2.

(48)

الإشكال الثاني: الحمل على الاستصحاب يستلزم التفكيك

لو قلنا بأنّ قوله(عليه السلام): «لا يُنقض اليقين بالشكّ» ظاهر في الاستصحاب، للزم استعمال اليقين والشكّ تارة في المعنى الوصفي القائم بالنفس، وأُخرى في الركعة المتيقّنة والمشكوكة.
أمّا الأوّل ففي قوله: «لا يُنقض اليقين بالشكّ» وقوله:«ولكن ينقض الشكّ باليقين» فيحملان على معانيهما، أي الحالة النفسانية للإنسان .
وأمّا الثاني ففي الفقرات التالية: «لا يُدخل الشكّ في اليقين»، و «ولا يُخلط أحدهما بالآخر»، و «ويُتم على اليقين فيبني عليه ـ الركعة المتيقّنة ـ ولا يعتدّ بالشكّ ـ أي الحالة النفسانية ـ ».
يلاحظ عليه: أنّ الإمام لمّا كان بصدد بيان أمرين:
1. الاستصحاب.
2. فصل الركعة المشكوكة عن المتيقّنة.
أوجب ذلك التفكيك المذكور، بمعنى استعمالهما تارة في الحالة النفسانية، وأُخرى في الركعات المتيقّنة والمشكوكة.

الإشكال الثالث: الصحيحة مختصّة بباب الشكوك

إنّ المدّعى حجّية الاستصحاب بصورة مسألة أُصولية تجري في كلّ الأبواب، والرواية لا تدلّ على أزيد من حجّيته في باب الصلاة في مورد الشكّ.

(49)
يلاحظ عليه: أنّ المورد غير مخصّص، وذلك لأنّ المتبادر من الرواية أنّ العبرة بحفظ اليقين وعدم الاعتداد بالشكّ في مورد الصلاة هو صلابة اليقين، ورخاوة الشكّ، لا موردهما، فإذا كان هذا هو الميزان فلا وجه لاحتمال الاختصاص بباب الشكوك.

الإشكال الرابع: الاستصحاب مثبت

إذا كان الأثر الشرعي غير مترتّب على المستصحب، بل على لازمه العقلي فلا يكون الاستصحاب مثبتاً لهذا الأثر الشرعي،كما إذا نذر التصدّق بدرهم إذا صار زيد ملتحياً، ثم طرأ الشكّ في حياته بعد مضي عشرين سنة من ولادته، فاستصحاب حياته لا يثبت كونه ملتحياً حتى يترتّب عليه الأثر الشرعي ـ أعني: وجوب الصدقة ـ وهكذا المقام فإنّ الأثر الشرعي ـ أعني: وجوب التشهد والسلام ـ مترتّب على كون ما بيده ركعة رابعة، فاستصحاب عدم الإتيان بالأكثر يلازم كون ما بيده ركعة رابعة وهو لازم عقلي، أثره الشرعي وجوب التشهد والسلام.
يلاحظ عليه: أوّلاً: خفاء الواسطة عند العرف، بين عدم الإتيان بالركعة الرابعة ووجوب التشهد والتسليم، من دون التفات إلى الواسطة، أعني: كون ما بيده رابعة.
ثانياً: أنّ الموضوع لوجوب الإتيان بالتشهد ليس هو الركعة الرابعة، بل الموضوع هو الفراغ من الركعات، وهو أمر محرز بالوجدان فيترتّب عليه الأثر.

(50)
إلى هنا تمّ بيان الوجه الأوّل للرواية والإشكالات الأربعة عليه وأجوبتها.
وهناك وجه آخر للرواية نأتي به تالياً.

التفسير الثاني للرواية

إنّ المراد باليقين هو اليقين بالبراءة، وتحصيل عدم الزيادة والنقيصة; والتعبير الأوّل للشيخ الأنصاري، والثاني للشيخ الحرّ العاملي، والمقصود واحد.
وذكر الشيخ في توضيح هذا الوجه ما هذا لفظه: أنّ المراد وجوب الاحتياط وتحصيل اليقين بالبراءة بالبناء على الأكثر وفعل صلاة مستقلة قابلة لتدارك ما يحتمل نقصه.
ثم استشهد على ما رامه بموثّقة إسحاق بن عمّار الآتية، ثم قال: ولهذا ذكر في غير واحد من الأخبار ما يدلّ على أنّ العمل ـ بفعل الاحتياط بعد التسليم ـ محرز للواقع، مثل قوله: «ألا أُعلّمك شيئاً إذا صنعته ثم ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء».
قلت: بلى. قال: «إذا سهوت فابن على الأكثر، فإذا فرغت وسلّمت فقم، فصل ما ظننت أنّك نقصت، فإن كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيء، وإن ذكرت أنّك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت».(1)

1. الوسائل: ج5، الباب8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3; الفرائد: 3 / 63 ـ 64.

(51)
يلاحظ عليه بوجهين:
الأوّل: أنّ ظاهر قوله: «ولا ينقض اليقين» هو اليقين الموجود في ظرف الشكّ، ومن المعلوم أنّ المعنى الذي اختاره الشيخ خال عن اليقين عند الشكّ، بل إنّما يقوم بتحصيله في المستقبل بالطريقة التي وردت في رواية عمّار بن موسى الساباطي.
الثاني: أنّ اليقين بالامتثال دون أن يكون في الصلاة، أي خلل من
زيادة ونقيصة ليس موجوداً في كلتا الطريقين، أمّا طريقة أهل السنّة
فواضحة، إذ يحتمل أن تتوسّط ركعة مستقلة مع التكبيرة في أثناء الصلاة، أي قبل تشهد الركعة الرابعة. نعم لو كان ما بيده ثالثة الركعات لم يتوجّه عليه شيء.
وأمّا على طريقتنا فلو كان ما بيده هو رابعة الركعات لم يتوجّه عليه شيء. وأمّا لو كان ما بيده ثالثة الركعات تلزم زيادة تشهد وتسليم في الركعة الثالثة وتكبيرة الإحرام في أثناء الصلاة، وهو وإن كان هيّناً بالنسبة لما يتوجّه على مذهب أهل السنّة لكنّها نحو زيادة في أثناء الصلاة.
والحق أنّ الرواية ناظرة لبيان الاستصحاب وهو اليقين بعدم إتيان الأكثر غاية الأمر يمتثل ويعالج على ما ورد في الروايات.

الرواية الرابعة: موثّقة إسحاق بن عمّار

روى الحرّ العاملي عن الصدوق قوله: وبإسناده عن إسحاق بن عمّار

(52)
قال: قال لي أبو الحسن الأوّل(عليه السلام): «إذا شككت فابن على اليقين»، قال: قلت: هذا أصل؟ قال: «نعم».(1)
وسند الصدوق إلى إسحاق بن عمّار صحيح فهو فطحي ثقة، لكن الموجود في الفقيه قوله: «وروي عن إسحاق بن عمّار» المشعر بأنّ الرواية مرسلة، وعليه فما ذكر في المشيخة من السند لا يشمل هذه الرواية ; لأنّه راجع إلى المنقول عن كتابه لا ما روي عنه مرسلاً. ولكن إتقان المتن يعرب عن كونها من روايات المعصومين(عليهم السلام)، وعلى فرض صحّة السند ففي الرواية احتمالات:
1. المراد من اليقين هو الأقل المتيقّن عند الشكّ، وعلى ذلك يكون موافقاً لفتوى أهل السنّة وتحتمل فيه التقية، فيحمل عليها.
2. ما اختاره الشيخ من أنّ المراد وجوب الاحتياط وتحصيل اليقين بالبراءة بالبناء على الأكثر والإتيان بصلاة مستقلة قابلة لتدارك ما يحتمل نقصه.
يلاحظ على الاحتمالين: أنّه لا دليل على ورود الرواية في باب الصلاة أوّلاً، وفي خصوص شكوك الركعات ثانياً، حتى يدور حملها على أحد الوجهين من التقية أو تحصيل اليقين بالبراءة وإن ذكرها الشيخ الحر العاملي في كتاب الصلاة في أبواب الشكّ في الركعات، لكن ذكرها في هذا الباب لا يضفي عليها ظهوراً فيما قصده، بل الرواية ظاهرة في البناء على

1. الوسائل:5، الباب8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث2.

(53)
اليقين في كلّ ما شكّ فيه من الأعمال، فيجب البناء على اليقين وهو عدم الإتيان، غاية الأمر خرج منه باب الشكوك.
فيتعيّن حمل الرواية على أحد المعنيين التاليين:
1. الرواية ناظرة إلى ضرب القاعدة في كلّ مورد يشك الإنسان في الإتيان به فتنطبق على الاستصحاب.
2. حمل الرواية على قاعدة اليقين بأن يكون متعلّق اليقين والشكّ واحداً بالذات والزمان، بخلاف الاحتمال السابق فالمتعلّق فيهما واحد ذاتاً مختلف زماناً، والظاهر حمله على الاستصحاب، ويدلّ عليه الأمران التاليان:
الأوّل: ظهور اليقين في الفعلية حيث يقول: «إذا شككت فابن على اليقين» أي أحدث بناءً على اليقين الموجود، والمفروض أنّ اليقين غير موجود في القاعدة، فإنّ اليقين زائل فيه حيث أيقن بعدالة زيد يوم الجمعة وطلّق عنده، ثم شكّ في عدالته في نفس ذلك اليوم، فاليقين ليس موجوداً في ظرف الشكّ، بخلاف الاستصحاب.
نعم ظهور الرواية في وحدة المتعلّق مشترك بين القاعدة والاستصحاب، فإنّ المتعلّق فيهما هو العدالة، غاية الأمر الوحدة محفوظة في القاعدة ذاتاً وزماناً، ومحفوظة في الاستصحاب ذاتاً لا زماناً.
الثاني: إنّ الرواية بقرينة وحدة لسانها مع سائر الروايات ظاهرة في الاستصحاب، أضف إليه أن الاستصحاب أمر ارتكازي بين العقلاء دون قاعدة اليقين.

(54)

الرواية الخامسة: حديث الأربعمائة

حديث الأربعمائة من الأحاديث المعروفة الذي علم به أمير المؤمنين(عليه السلام) أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في أُمور دينه ودنياه، وقد نقله الصدوق في «الخصال» في باب المائة فما فوقها، وقال:
حدّثني أبي رضي الله عنه قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثني محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، وجاء في هذا الحديث قوله:
«احسبوا كلامَكم مِن أعمالكم، ليقلَّ كلامكم إلاّ في خير. أنفقوا ممّا رزقكُم الله عزّ وجلّ فإنّ المنفِق بمنزلة المجاهد في سبيل الله، فمن أيقن بالخلف جادّ، وسخت(1) نفسه بالنفقة. من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين للوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهروا وإيّاكم والكسل».(2)
أمّا رجال السند فكلّهم ثقات على الأقوى.
نعم تكلّم ابن الوليد ـ أُستاذ الصدوق ـ في محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني فاستثناه من رجال نوادر الحكمة، لمحمد بن أحمد بن يحيى

1. من السخاء بمعنى الجود.
2. الخصال: 619; الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 6 .

(55)
الأشعري، ولكن ردّ عليه من جاء بعده، وقد نقل النجاشي عن شيخه أبي العباس بن نوح أنّه قال: ولقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه وتبعه أبو جعفر ابن بابويه(رحمه الله)في ذلك إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما رابه فيه، لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة.(1)
كما تكلّم ابن الغضائري في القاسم بن يحيى، حيث قال: القاسم بن يحيى بن الحسن بن راشد مولى المنصور، روى عن جدّه، وهو ضعيف. وتبعه في ذلك العلاّمة فذكره في الخلاصة، وابن داود في رجاله.
نعم سعى الوحيد البهبهاني في إصلاح حاله، وقال: ما في الخلاصة مأخوذ من الغضائري ولا وثوق به، ورواية الأجلة مثل أحمد بن محمد بن عيسى عنه تشير إلى الاعتماد عليه.(2)
وعلى كلّ حال فالحديث تعلو هامته آثار الصدق، فمن لغير علي(عليه السلام)مثل هذا الحديث.
هذا كلُّ ما ورد حول السند، وأمّا الدلالة فقد فسرت الرواية بوجهين:

الأوّل: أنّها ناظرة إلى قاعدة اليقين

ذهب الشيخ إلى أنّ الرواية ترمي إلى قاعدة اليقين، وتدلّ عليه الأُمور التالية:

1. رجال النجاشي:2/242، برقم 940، ترجمة: محمد بن أحمد بن يحيى.
2. تنقيح المقال:2/26، برقم 9618.

(56)

1. تقدّم اليقين على الشكّ

إنّ الرواية ظاهرة في تقدّم اليقين على الشكّ بشهادة لفظ «كان» وهو يناسب قاعدة اليقين، إذ اليقين يتقدّم دائماً فيها على الشكّ زماناً، بخلاف الاستصحاب فلا يشترط فيه التقدّم، فربما يتقدّم الشكّ على اليقين، وربما يحصلان معّاً كما مرّ.

2. وحدة متعلّقي اليقين والشكّ

إنّ الرواية ظاهرة في وحدة متعلّقي اليقين والشكّ من جميع الجهات ذاتاً وزماناً، وهذا ينطبق على القاعدة دون الاستصحاب، لاختلاف متعلّقيهما في الزمان.

3. زوال اليقين

إنّ قوله: «ثم شكّ» ظاهر في زوال اليقين وهو ينطبق على قاعدة اليقين لزواله فيه، دون الاستصحاب.
ولا يخفى ضعف هذه الوجوه:
أمّا الأوّل: فيمكن أن يقال:إنّ الرواية ناظرة إلى الاستصحاب، وواردة مورد الغالب ; لأنّ اليقين يتقدّم على الشكّ في أغلب موارده فلا يكون تقدّم اليقين دليلاً على تعيّن إحدى القاعدتين لاشتراكهما في التقدّم دائماً أو غالباً.
وأمّا الثاني: فلأنّ الرواية ظاهرة في وحدة متعلّقي اليقين والشكّ، وهو موجود في كلتا القاعدتين، إذ المتعلّق هو العدالة.

(57)
نعم يفترقان زماناً حيث إنّ المتعلّق في القاعدة واحد ذاتاً وزماناً وفي الاستصحاب ذاتاً لا زماناً، ولكن الزمان في الاستصحاب ظرف وليس بقيد، فليست العدالة يوم الجمعة مباينة للعدالة يوم السبت وإلاّ يبطل الاستصحاب. فتكون النتيجة وحدة المتعلّق فيه أيضاً.
وأمّا الثالث: فإنّ زوال اليقين مشترك بين القاعدتين غير أنّه يزول في القاعدة حدوثاً وفي الاستصحاب بقاءً، إذ لو لم يكن زوال ما لليقين لما طرأ الشكّ.
إلى هنا تبيّن أنّ الوجوه الثلاثة أُمور مشتركة بين القاعدة والاستصحاب، فلا تكون دليلاً على تعيّن الرواية في قاعدة اليقين.

الثاني: أنّها ناظرة إلى الاستصحاب

ربما يقال: إنّ الرواية ناظرة إلى الاستصحاب من خلال التمسّك بذيل الرواية وهو قوله: «فليمض على يقينه» حيث إنّه ظاهر في فعلية اليقين حتى يبني عليه أعماله، وهذا ينطبق على الاستصحاب دون القاعدة.
يلاحظ عليه: أنّ اليقين موجود فيها لكن باعتبارين:
أمّا الاستصحاب فهو بملاك وجوده بعد الشكّ.
وأمّا القاعدة فهي بملاك وجوده قبل الشكّ.
وقد مرّ في مبحث المشتق بأنّ قولنا: «زيد ضارب أمس» حقيقة وليس مجازاً، إذا كانت النسبة بلحاظ التلبّس، فعلى هذا فيصحّ أن يقال: من كان على

(58)
يقين فليمض على يقينه الموجود قبل الشكّ، كما يصحّ أن يقال: فليمض على يقينه بملاك وجوده بعد الشكّ.
وبذلك يظهر أنّ هذه الوجوه استحسانية لا تضفي على الرواية ظهوراً، ومع ذلك فيمكن أن يقال: إنّها ظاهرة في الاستصحاب باعتبار اتحاد لفظها مع الصحاح السابقة، فقد ورد فيها ما ورد في هذه الرواية، أعني قوله: «فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين». أضف إلى ذلك ما في ذيل الرواية، حيث قال: «فإن الشكّ لا ينقض اليقين، للوضوء بعد الطهور عشر حسنات، فتطهّروا وإيّاكم والكسل»، فإنّ قوله: «الوضوء بعد الطهور» قرينة على أنّ الرواية على غرار ما سبق من الروايات في الوضوء.
وربما يظهر من بعضهم صحّة حمل الرواية على إفادة كلتا القاعدتين، بمعنى إذا شكّ فليمض على يقينه، سواء أشكّ في الحدوث أم في البقاء فيترتّب على كلّ أثره، وسيوافيك تحقيق ذلك عند البحث في شرائط جريان الاستصحاب، الشرط الثالث: بقاء اليقين في ظرف الشكّ.(1)

الرواية السادسة: مكاتبة القاساني

روى الشيخ في «التهذيب» باسناده إلى محمد بن الحسن الصفّار، عن علي بن محمد القاساني، قال: كتبت إليه ـ وأنا بالمدينة ـ أسأله عن اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان هل يصام أم لا؟ فكتب: «اليقين لا يدخل فيه الشكّ، صم للرؤية وأفطر للرؤية».(2)

1 . لاحظ الصفحة: 275.   2. الوسائل: 7، الباب3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13.

(59)
والاستدلال يتوقّف على صحّة السند ووضوح الدلالة.
أمّا السند : فسند الشيخ إلى الصفّار، صحيح، وأمّا الصفّار فهو من مشايخ الحديث والرواية، فهو ثقة بلا كلام، إنّما الكلام في علي بن محمد القاساني: فقد عرّفه النجاشي بقوله: علي بن محمد بن شيرة القاساني كان فقيهاً، مكثراً في الحديث، فاضلاً، غمز عليه أحمد بن محمد بن عيسى، وذكر أنّه سمع منه مذاهب منكرة. وليس في كتبه ما يدلّ على ذلك، له كتاب: «التأديب» وهو كتاب الصلاة وهو يوافق كتاب ابن خانبه، وفيه زيادات في الحجّ، وكتاب الجامع في الفقه كبير.
يروي عنه: محمد بن علي بن محبوب، وسعد بن عبد الله القمي، وإبراهيم بن هاشم.
وفي نقل هؤلاء المشايخ عنه، وإعراض النجاشي(1) عن غمز أحمد بن محمد بن عيسى، دليل على وثاقته; نعم ضعّفه الشيخ في رجاله حيث عدّه من أصحاب الهادي(عليه السلام)، وقال: علي بن محمد القاساني ضعيف، اصبهاني. ولعلّ السبب في تضعيفه غمز ابن عيسى، ولعلّ هذا المقدار يكفي في الاعتماد.
أمّا الدلالة: فللرواية تفسيران:
أحدهما: ما اختاره الشيخ وقال: إنّ الرواية أوضح ما في الباب، فإنّ تحديد كلّ من الصوم والإفطار على رؤية هلال شهر رمضان وشوال لا

1. رجال النجاشي:2/79، برقم 667.

(60)
يستقيم إلاّ بإرادة عدم جعل اليقين السابق مدخولاً بالشكّ أي مزاحماً به.(1)وعلى ما ذكره يكون المراد من اليقين هو اليقين بشهر شعبان، أو اليقين بشهر رمضان، فهذان اليقينان لا ينقضان بالشكّ في شهر رمضان في الأوّل أو شهر شوال في الثاني.
ولعلّ تفسير «الدخول» بالنقض لأجل أنّ دخول شيء في شيء يوجب انتقاض وحدته وتفرّق أجزائه فيكنَّى به عنه.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني استشكل على الرواية بقوله: إنّ مراجعة الأخبار الواردة في يوم الشكّ يشرف القطع بأنّ المراد باليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان وأنّه لابدّ في وجوب الصوم ووجوب الإفطار من اليقين بدخول شهر رمضان وخروجه، وأين هذا من الاستصحاب؟!(2)
وحاصل كلامه: أنّ المراد باليقين ليس هو اليقين بشهر شعبان، بل اليقين بشهر رمضان.
وإن شئت قلت: اليقين بفريضة الصوم التي لابدّ من كون الدخول فيها والخروج عنها بنحو اليقين.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أيّد مقالته بروايات ثلاث نقلها الشيخ الحرّ العاملي في وسائله:
1. عن سماعة قال: «صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظن». الحديث.(3)

1. فرائد الأُصول: 3 / 71 .   2 . كفاية الأُصول:2/298.
3. الوسائل: 7، الباب3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث6.

(61)
2. عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «في كتاب علي(عليه السلام)صم لرؤيته وأفطر لرؤيته، وإيّاك والشكّ والظن، فإن خفي عليكم فأتمّوا الشهر الأوّل ثلاثين».(1)
3. عن أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزّاز، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث قال: «إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدّوا بالتظنّي».(2)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لا منافاة في أن يكون لحكم واحد (عدم وجوب الصوم يوم الشكّ) سببان:
أحدهما: ما جاء في هذا الخبر وهو اليقين بشهر شعبان لا ينقض بالشكّ في شهر رمضان.
وثانيهما: ما ورد في تلك الأخبار الثلاثة وأنّه لا يصام بعنوان شهر رمضان إلاّ بالقطع واليقين لا بالتظنّي والحدس.
وثانياً: لو كان الغرض بيان قاعدة تخصّ شهر رمضان يجب أن يقتصر على قوله: « اليقين لا يدخل فيه الشكّ » من دون أن يفرّع عليه: «صم
للرؤية وأفطر للرؤية» فإنّ التفريع دليل على أنّ عدم الصيام لأجل الاستصحاب.
وثالثاً: أنّ نقل الرواية تحت عنوان موجود في الوسائل لا يضفي عليها ظهوراً في كونها من مصاديق عنوان الباب، وكم لهذا النوع من الوهم نظائر

1. الوسائل: 4، الباب3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.
2. الوسائل: 4، الباب3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث16.

(62)
حيث يشتبه الأمر على بعض الناس ويتوهّم ظهور الرواية فيما ذكره صاحب الوسائل من عنوان الباب.

الرواية السابعة: صحيحة عبد الله بن سنان

روى الشيخ باسناده عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، قال: سأل أبي أبا عبد الله(عليه السلام) وأنا حاضر: إنّي أُعير الذمّيّ ثوبي، وأنا أعلم أنّه يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير، فيردّه عليّ فأغسله قبل أن أُصلّي فيه؟ فقال أبو عبد الله(عليه السلام): «صلّ فيه ولا تَغسله من أجل ذلك، فإنّك أعرته إيّاه وهو طاهر، ولم تستيقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه».(1)
قال الشيخ: وفي الرواية دلالة واضحة على أنّ وجه البناء على الطهارة وعدم وجوب غسله هو سبق طهارته وعدم العلم بارتفاعها، ولو كان المستند قاعدة الطهارة لم يكن معنىً لتعليل الحكم بسبق الطهارة، إذ الحكم في القاعدة مستند إلى نفس عدم العلم بالطهارة والنجاسة.(2)
فإن قلت: إنّ قاعدة الطهارة حاكمة على استصحاب الطهارة وإن كانا متوافقي المضمون، لكون الموضوع في الأُولى بسيطاً وهو الشكّ، وفي الثاني مركباً من شيئين; الشكّ ولحاظ الحالة السابقة، فلماذا تمسّك الإمام بالاستصحاب دون القاعدة؟

1. الوسائل:2، الباب74 من أبواب النجاسات، الحديث 1.
2. فوائد الأُصول :3 / 72 .

(63)
قلت:إن قاعدة الطهارة حاكمة على استصحاب قاعدة الطهارة لا على استصحاب الطهارة الواقعية، مثلاً لو اشترينا ثوباً من السوق وقلنا بطهارته صباحاً حسب القاعدة، وفي العصر تجوز الصلاة فيه بنفس قاعدة الطهارة لا باستصحابها ; لأنّ صرف الشكّ كاف في الحكم بالطهارة، ولذلك يقال: الشكّ في الاشتغال حاكم على استصحاب الشكّ في الاشتغال.
وأمّا إذا حكم على الشيء بالطهارة الواقعية ثم شكّ بعد ذلك، فالمحكّم هو الاستصحاب لا قاعدة الطهارة، لحكومته عليها ; لأنّه مزيل للشك تعبّداً فلا يبقى موضوع لقاعدة الطهارة.
نعم الرواية مختصّة باستصحاب الطهارة دون غيرها، لكن العرف يلغي الخصوصية قائلاً بأنّ الميزان هو اليقين والشكّ، لا الطهارة والشكّ فيها.

الروايات الثلاث

ثمّ إنّه قد استدل بروايات ثلاث واختلفت كلمات الأصحاب في مفاهيمها، وقد أوضحنا حال أسانيدها في الدورات السابقة، ونقتصر في المقام بنقل نصوص الروايات فقط.
1. موثّقة عمّار، قال(عليه السلام): «كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنّه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك».(1)
2. معتبرة حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «الماء كلّه طاهر حتى تعلم أنّه قذر».(2)

1. الوسائل:2، الباب27 من أبواب النجاسات، الحديث4.
2. الوسائل: 1، الباب1 من أبواب الماء المطلق، الحديث5.

(64)
3. موثقة مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك».(1)
فالموضوع في الرواية الأُولى مطلق الشيء، وفي الثانية الماء، وأمّا الثالثة فالموضوع فيها محتمل الحلّية والحرمة.
وقد اختلفت كلمة الأصحاب في تفسير الروايات إلى نظريات أربعة:
1. أنّها بصدد إفادة قاعدتي الطهارة والحلّية في مشكوك الطهارة والحلّية، وهذا هو المشهور.
2. أنّ صدر هذه الروايات بصدد إفادة قاعدتي الطهارة والحلّية في مشكوكهما، والذيل بصدد إفادة الاستصحاب، وهذا هو مختار صاحب الفصول.
3. أنّ صدر هذه الروايات ورد لبيان الحكم الواقعي للأشياء ـ أعني: الطهارة والحلية بما هي هي ـ والذيل لبيان استصحاب الحكم الواقعي، وهو خيرة المحقّق الخراساني في الكفاية.
4. أنّ الروايات بصدد بيان القواعد الثلاث: الحكم بالطهارة والحلية الواقعيتين، والظاهريتين، واستصحابهما، وهو خيرة المحقّق الخراساني في تعليقته على «الفرائد».
وإليك دراسة النظريات الأربع واحداً تلو الآخر:

1.الوسائل:12 ، الباب4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.

(65)

النظرية الأُولى: جعل الطهارة الظاهرية عند الشكّ

المشهور أنّ الرواية الأُولى بصدد جعل الطهارة الظاهرية للأشياء عند الشكّ، فإنّ الطهارة على قسمين، فإذا قيل: الجمل طاهر والخنزير نجس، فالمجعول هو الطهارة الواقعية.
فإذا شكّ في ملاقاة الغنم للشيء النجس فيحكم عليها بالطهارة، لكن بالطهارة الظاهرية. فالرواية بصدد بيان الطهارة الثابتة للأشياء عند الشكّ في ملاقاة النجس، فمعنى قوله: «كلّ شيء طاهر»، أي كلّ شيء مشكوك الطهارة والنجاسة طاهر في الظاهر إلى أن يُعلم أنّه قذر وصار نجساً.

النظرية الثانية: جعل الطهارة الظاهرية عند الشكّ واستصحابها

ذهب صاحب الفصول إلى أنّ الصدر بصدد بيان قاعدة الطهارة والذيل بصدد بيان استصحابها، فقال: إنّ الرواية تدلّ على أصلين:
أحدهما: أنّ الحكم الأوّلي للأشياء ظاهراً هو الطهارة مع عدم العلم بالنجاسة، وهذا لا تعلّق له بمسألة الاستصحاب.
الثاني: أنّ هذا الحكم مستمر إلى زمن العلم بالنجاسة، وهذا من مورد الاستصحاب وجزئياته.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاستصحاب عبارة عن جرّ الحكم الواقعي عند الشكّ وإطالة عمره إلى الظاهر، مثلاً: إذا كان الإنسان متوضئاً قبل الطلوع

1. فرائد الأُصول: 3 / 75، عن الفصول: 373، تلاحظ الطبعة الجديدة.

(66)
وشكّ بعده يستصحب الطهارة من الحدث الثابت واقعاً. وأمّا استصحاب الطهارة الظاهرية فليس استصحاباً، إذ ليس كل استمرار استصحاباً، بل استمرار الحكم الواقعي المجعول على الشيء بما هوهو، لا المجعول على الشيء بما هو مشكوك، فكأنّه(قدس سره) زعم أنّ كلّ استمرار استصحاب.
وثانياً: أنّ قاعدة الطهارة كافية لإثبات الحكم في الآنات المتلاحقة
من دون حاجة إلى استصحاب الحكم المتقدّم ; لأنّ الشكّ في الطهارة
في كلّ مورد شكٌّ كاف في الحكم بالطهارة من دون لحاظ الحالة السابقة،
وقد مرّ أنّ قاعدة الطهارة متقدّمة على استصحاب حكم قاعدة الطهارة، ولذلك إذا صلّى الإنسان إلى جهات ثلاث فالعقل يحكم بالصلاة إلى الجهة الرابعة، لا لاستصحاب الاشتغال السابق بل بحكم العقل في كلّ آن من الآنات بتحصيل البراءة العقلية عند الشكّ فيها من دون حاجة إلى استصحاب الاشتغال.
وثالثاً: أنّ في الرواية لفظاً واحداً وهو (طاهر) فهو من متمّمات قاعدة الطهارة وليس هناك لفظ آخر حتى يقع مبتدأ بالنسبة للاستصحاب، حتى يقال: وهذه الطهارة مستمرة إلى أن يعلم أنّه قذر، فلا محيص من أن يقال: أُطلق اللفظ وأُريد منه معنيان:
1. طاهر أي محكوم بالطهارة.
2. استمرار الطهارة إلى أن يُعلم الخلاف.
ورابعاً: أنّ الحديث لو كان بصدد بيان القاعدة فالغاية قيد لكلّ شيء

(67)
فيكون المعنى كلّ شيء ـ حتى يُعلم أنّه قذر ـ طاهر، ولو كان بصدد بيان الاستصحاب فالغاية قيد للحكم، بأن يقال: هذه الطهارة مستمرة حتى يُعلم الخلاف.
إلى هنا تبيّن أنّ الرواية لا تتحمّل إلاّ معنى واحداً، إمّا القاعدة أو الاستصحاب، والمتبادر هو الأوّل.
والمهم من الإشكالات الأربعة هو الثالث والرابع اللّذين يؤكّدان أنّ لفظة (طاهر) إمّا جزء للقاعدة أو جزء من الاستصحاب.وأنّ الغاية إمّا قيد للموضوع أو قيد للحكم، ولا يمكن الجمع بينهما.

النظرية الثالثة

هذه النظرية هي خيرة المحقّق الخراساني في «الكفاية» فإنّه لمّا وقف على الإشكالات الواردة على نظرية صاحب الفصول عدل عنها إلى نظرية أُخرى وحاصلها: أنّ الصدر لبيان جعل الطهارة والحلية الواقعيتين لذات الأشياء، وأمّا الذيل فهو بصدد بيان استصحابهما عند الشكّ، في عروض النجاسة، وإليك نص عبارته: إنّ الغاية فيها إنّما هي لبيان استمرار ما حكم ـ على الموضوع واقعاً من الحلّية والطهارة ـ ظاهراً، ما لم يعلم بطروء ضده أو نقيضه، لا لتحديد الموضوع كي يكون الحكم بهما قاعدة مضروبة لما شُكّ في طهارته أو حلّيته، وذلك لظهور المغيّى فيها في بيان الحكم للأشياء بعناوينها لا بما هي مشكوكة الحكم، فهو (المغيّى) بنفسه وإن لم يكن له بنفسه مساس، بذيل القاعدة ولا الاستصحاب إلاّ أنّه بغايته يدلّ على

(68)
الاستصحاب حيث إنّها ظاهرة في استمرار ذلك الحكم الواقعي ظاهراً ما لم يُعلم طروء ضده أو نقيضه .
كما أنّه لو صار مغيّى بغاية مثل الملاقاة للنجاسة أو ما يوجب الحرمة، لدلّ على استمرار ذلك الحكم واقعاً ولم يكن له حينئذ بنفسه ولا بغايته دلالة على الاستصحاب.(1)
ولا يخفى من وجود التعقيد في عبارته، وإليك توضيحها:
1. أنّ الصدر ـ أعني: كلّ شيء طاهر أو كلّ شيء حلال ـ بصدد بيان أحكام العناوين الأوّلية كأنّه يقول: كلّ شيء من الشجر والجماد والحيوان بما هو هو طاهر، فالحكم بالطهارة موضوع على الشيء بما هوهو كالشجر بما هو شجر، والغنم بما هو غنم، وهكذا.
وبذلك افترق كلامه عن نظرية صاحب الفصول حيث زعم أنّ الطهارة المجعولة رتّبت على الشيء بما هو مشكوك الطهارة أو مشكوك الحلّية.
وعلى هذا فلا حاجة لجعل الغاية قيداً للموضوع حتى يقال: كلّ شيء ـ حتى يُعلم أنّه نجس ـ طاهر. بل: كلّ شيء بما هوهو طاهر.
2. أنّ الطهارة الواقعية يمكن أن تكون مغيّاة بأحد وجهين:
أ. جعل الغاية لها بما هي هي، بأن يقول: كلّ شيء طاهر حتى يلاقي نجساً، أو كلّ شيء حلال إلى أن ينقلب إلى الحرام، كما إذا صار الخل، خمراً.
والغاية بهذا المعنى ليست استصحاباً، إذ ليس كلّ استمرار استصحاباً،

1. كفاية الأُصول:2/298.

(69)
بل الاستمرار في ظرف الشكّ، والمفروض كون الموضوع هو الشيء بما هوهو.
ب. جعل الغاية لها عند الشكّ في حدوث الغاية وطروئها، كالشكّ في ملاقاة الطاهر للنجس فالأصل هو بقاء الطهارة الواقعية إلى أن يحصل اليقين بها، وعندئذ يكون الذيل ناظراً لبيان استمرار حكم الطهارة الواقعية في ظرف الشكّ عند حصول غايتها، وليس هذا شيئاً إلاّ الاستصحاب.
وإن شئت قلت: تارة تكون الغاية لنفس الطهارة الواقعية ومن المعلوم أنّ غايتها، هو مجرد الملاقاة مع النجس، أو صيرورته نجساً كانقلاب الخل خمراً، وأُخرى تكون الغاية للشك في بقاء الطهارة الواقعية لاحتمال طروء الملاقاة أو الانقلاب، فالغاية على الوجه الأوّل هو نفس الملاقاة بأن يقال: كلّ شيء طاهر حتّى يلاقي نجساً أو ينقلب خمراً، وأمّا على الثاني فالغاية هو العلم بعروض النجاسة وطروئها، فالاستمرار على الوجه الأوّل ليس استصحاباً، بخلاف الوجه الثاني، وبما أنّ الغاية في الحديث هو العلم بكونه قذراً تكون الغاية من قبيل القسم الثاني وتكون مفيدة للاستصحاب. هذا خلاصة ما رامه صاحب الكفاية وإن كانت عبارته معقّدة.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ظهور الحديثين في جعل الطهارة أو الحلّية الواقعيتين، إنّما يتمّ فيما إذا كان الشيء بعنوانه الأوّلي موضوعاً للحكم، كما إذا قال: «الماء كلّه طاهر حتى يعلم أنّه قذر»(1)، فالموضوع طبيعة الماء،

1. الوسائل: 1، الباب1 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2و 5. ولو صحّ كلام المحقّق الخراساني فإنّما يصحّ في مثل هذا الحديث، لا في الحديثين الآخرين.

(70)
ويناسبها جعل الطهارة الواقعية له، لا فيما إذا أخذ العنوان المبهم موضوعاً كلفظ الشيء الفاقد لذلك الظهور، بل يمكن أن يقال: إنّ الموضوع في الحديثين هو الشيء بما هو مشكوك الطهارة والنجاسة، أو مشكوك الحليّة والحرمة، بشهادة أنّ الغاية الواردة فيها هو العلم بالنجاسة أو الحلية لا نفسهما، وهو مناسب لحمل الصدر على جعل الحكم الظاهري للشيء المشكوك لا للشيء بما هو هو .
وثانياً: أنّ لازم ما ذكره تفكيك الغاية عن الصدر، وأنّ غاية الصدر غير مذكورة، وما ذُكر غاية لاستصحاب الطهارة الواقعية.
توضيح ذلك: أنّك قد عرفت أنّ غاية الطهارة الواقعية ملاقاة الشيء الطاهر إلى النجس أو انقلابه إلى النجس، وغاية استصحاب الطهارة الواقعية هو العلم بالملاقاة، والمذكور في الرواية هو الثاني، فعلى ما ذكره يلزم فصل الذيل عن الصدر. فغاية الصدر غير مذكورة، وما هو المذكور هو غاية لاستصحاب الطهارة الواقعية، وهو خلاف الظاهر.
وكان على المحقّق الخراساني أن يستكشف حال الصدر من الذيل، فإذا كان الذيل هو العلم بالنجاسة فليكن هذا قرينة على أنّ الصدر بصدد بيان قاعدة الطهارة التي موضوعها هو الشكّ فيها لا الطهارة الواقعية.
وثالثاً: أنّ هنا كلمة واحدة وهي قوله: «طاهر» فلو كانت خبراً لقوله: «كلّ شيء» فيكون معناها أنّ كلّ شيء بالذات طاهر، وعندئذ لا يبقى موضوع للاستصحاب، فلا محيص من تقدير قولنا: «وهذه الطهارة مستمرة إلى أن

(71)
يعلم بأنّه قذر» أو: «هذه الحلية مستمرة إلى أن يعلم أنّه حرام».
وبعبارة أُخرى: لو كان «طاهر» من متمّمات الصدر فلا صلة له بالاستصحاب، ولو كان موضوعاً للاستصحاب تبقى الجملة الأُولى بلا خبر.

النظرية الرابعة

هذه النظرية هي نفس النظرية السابقة مضافاً إلى إمكان استفادة قاعدة الطهارة الظاهرية، وقد ذكرها المحقّق الخراساني في تعليقته على الفرائد.(1)
وحاصلها: أنّ الصدر بصدد بيان أمرين:
1. الطهارة الواقعية للأشياء بعناوينها.
2. الطهارة الظاهرية لها عند طروء ما ينجسها أو يحرمها، فيدلّ الصدر على جعل كلتا الطهارتين: الواقعية للأشياء بما هي هي، والظاهرية للأشياء عند الشكّ في طروء ما ينجسها، وأمّا الذيل فهو بصدد بيان استمرار الطهارة الواقعية إلى العلم بطروء ما ينجسها.
أمّا الأمر الأوّل والثالث فقد ظهر ممّا ذكره في «الكفاية»، والمهم هو الأمر الثاني وهو استفادة قاعدة الطهارة الظاهرية من الصدر، وقد استفادها من الإطلاق الأحوالي لكلّ شيء; وذلك لأنّ لقوله: «كلّ شيء» إطلاقاً أفرادياً وهو شموله لكلّ من التراب والماء والحجر والنبات و...، وإطلاقاً أحوالياً وهو ما إذا وقع ذلك الشيء كالتراب في قالب الشكّ وأنّه هل لاقى نجساً أو

1. تعليقة الخراساني على الفرائد:191ـ 192.

(72)
لا؟ فالصدر يدلّ على الطهارة الواقعية للأشياء بلفظه، وعلى الظاهرية ـ إذا وقع كلّ فرد منها في قالب الشكّ ودائرته ـ بإطلاقه، ويكون: كلّ شيء بما هو هو طاهراً بالذات بالدلالة اللفظية، وكلّ شيء مشتبه النجاسة، أيضاً طاهر بالإطلاق الأحوالي.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ لازم إفادة الطهارة الواقعية لحاظ الموضوع بما هو هو مجرداً عن الشكّ، ولازم إفادة الطهارة الظاهرية لحاظ الموضوع مقروناً بالشكّ، فيلزم لحاظ الشيء الواحد في زمان واحد، مجرداً ومقروناً.
وثانياً: أنّ استصحاب الطهارة الواقعية عند الشكّ بملاقاة النجاسة حاكم على قاعدة الطهارة ـ كما مرّ ـ فهو يغني عن الثانية.
وبعبارة أُخرى: إذا كان الشيء مسبوقاً بالطهارة وشكّ في طروء النجاسة يحكم عليه بالطهارة استصحاباً لا بالقاعدة.
وثالثاً: أنّ الإطلاق في الأحوالي غير تام جدّاً، لأنّ معنى الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود، فلو قلنا: إعتق رقبة، فالموضوع ذات الرقبة بما هي هي، وأنّها تمام الموضوع للطلب. وأمّا لحاظ الرقبة مع حالات مختلفة ككونه عالماً أو جاهلاً، فاسقاً أو عادلاً، التي هي معنى الإطلاق الأحوالي فليس بلازم ولا واقع.
وعلى هذا فالطهارة ثابتة لذات الشيء لا للشيء مع حالاته المختلفة، وإلاّ يلزم تكثّر الأحكام بتكثّر الموضوعات، وهذا خلاف الوجدان.
***

(73)
تمّ الكلام في أدلّة الاستصحاب، وبقي الكلام في بعض التفاصيل المتعلّقة بحجّية الاستصحاب.

تفاصيل في حجّية الاستصحاب

ذكر الشيخ الأنصاري أحد عشر قولاً في حجّية الاستصحاب، وأفاض الكلام فيها، ونحن نذكر ما هو المهم منها:
الأوّل: التفصيل بين الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع، وهو حجّة في الثاني دون الأوّل. وهو خيرة الشيخ الأنصاري.
الثاني: ذلك القول لكن حجّة في قسم خاصّ من الشكّ في الرافع، وهو الشكّ في وجود الرافع لا الشكّ في رافعية الأمر الموجود، فلو شكَّ في وجود الحدث يجري فيه الاستصحاب، وأمّا لو شكّ في رافعية الأمر الموجود كالبلل المردّد بين البول والمذي فلا .
الثالث: حجّية الاستصحاب مطلقاً، إلاّ إذا كان منشأ الشكّ هو إجمال الغاية فلا يجري الاستصحاب، كما إذا دار مفهوم الليل في قوله سبحانه: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(1) بين استتار القرص، أو هو ذهاب الحمرة المشرقية، فلا يجوز استصحاب النهار عند الشكّ في رافعية الاستتار.
الرابع: التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية وكونه حجّة في إحداهما دون الأُخرى.

1 . البقرة: 187 .

(74)
الخامس: التفصيل بين الحكم الشرعي المستنبط من دليل شرعي فيستصحب دون الحكم الشرعي المستنبط من حكم عقلي، فلا يستصحب.
السادس: التفصيل بين الحكم الشرعي الكلّي والحكم الجزئي، فيجري في الثاني مضافاً إلى استصحاب الموضوع الخارجي دون الأوّل.
ونحن نحيل التفصيل الخامس والسادس إلى التنبيهات، ونفصّل الكلام في الأربعة الأُولى ، فنقول:

(75)
 

التفصيل الأوّل:

الفرق بين الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع

ذهب الشيخ الأعظم(رحمه الله) إلى حجّية الاستصحاب عند الشكّ في الرافع دون الشكّ في المقتضي. وأمّا ما هو المراد من ذينك المصطلحين فقد أوضحه بما يلي: إنّ الشكّ في بقاء المستصحب قد يكون من جهة المقتضي، والمراد به الشكّ من حيث استعداده وقابليته في ذاته للبقاء كالشكّ في بقاء الليل والنهار، وخيار الغبن بعد الزمان الأوّل، وقد يكون من جهة طروء الرافع مع القطع باستعداده للبقاء.(1)
ما ذكره الشيخ من التقسيم مأخوذ من التكوين، فإنّ الموجودات في عالم الكون على قسمين: قسم نعلم استعداد بقائه إلى مدّة ولكن نشك في حدوث الرافع أثناء المدّة كالإنسان القابل للحياة إلى سنين خاصّة ولكن نشك في طروء المرض المهلك أثناء شبابه، وقسم نشك في استعداد بقائه إلى مدّة معيّنة كبعض الحشرات غير المعلوم بقاؤها إلى سنة، وعلى ضوء ذلك فلو شككنا في بقاء علقة الزوجية لأجل احتمال الطلاق، يصح استصحاب بقاء العلقة .
ونظيره إذا شُك في زوال الملكية بعد ثبوتها بالبيع، فيستصحب حتى

1 . فرائد الأُصول: 3 / 46 ـ 47 .

(76)
يحصل اليقين بالفسخ أو النقل بأحد النواقل. وهذا بخلاف ما إذا علم بالغبن فلو بادر بالفسخ يحكم بانفساخ العقد، وأمّا لو تساهل يوماً فنشك في بقاء الغبن من حيث الاستعداد ; لأنّ الدليل هو قاعدة لا ضرر، والضرر يدفع في الآن الأوّل العرفي، ومع التساهل لا دليل على بقاء الغبن إلاّ الاستصحاب.
وقد ذكرنا ضابطة لكلا القسمين في بعض دوراتنا فنقول: كلّ حكم أو موضوع لو ترك لبقي إلى أن يرفعه الرافع، فلو شكّ في وجود الرافع فهو من قبيل الشكّ في الرافع، وكلّ حكم أو موضوع لو ترك لانتهى بنفسه، وإن لم يكن هناك رافع، فلو شكّ فيه فهو من قبيل الشكّ في المقتضي.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان أدلّة الشيخ على هذا التفصيل. فنقول: إنّ الشيخ استدلّ بوجهين: تارة بمادة النقض، وأُخرى بهيئة الفعل ـ أعني: لا تنقض ـ وإليك بيان الوجهين:
أمّا الأوّل: فإنّ النقض حقيقة في رفع الهيئة الاتصالية، فيقال: نقضت الحبل، وقال سبحانه: (وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا)(1)، وبما أنّ هذا المعنى غير متوفر في مورد اليقين والشكّ فيتعذر فيه المعنى الحقيقي، فلابد أن يقوم مقامه المعنى المجازي، فالأقرب إلى المعنى الحقيقي ما أُحرز فيه المقتضي للبقاء وشُكّ في تحقّق الرافع كالوضوء إذا شُكّ في حدوث النوم، وأمّا الأبعد فهو رفع اليد عن مطلق الشيء وإن شُكّ في أصل اقتضائه للبقاء مع غضّ النظر عن الرافع. والمعنى الأوّل أقرب،

1 . النحل:92.

(77)
فيحمل عليه أخذاً بالقاعدة المعروفة: إذا تعذّرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى.
يلاحظ على هذا الوجه بأنّه لا دليل على أنّ النقض حقيقة في رفع الهيئة الاتصالية الحسّية، بل هو حقيقة في رفع الأمر المبرم والمستحكم، سواء أكان أمراً حسّياً كالغزل، أم قلبياً كاليمين والميثاق والعهد، والميزان كون المتعلّق أمراً محكماً، سواء أكان فيه هيئة اتصالية أم لا، ويشهد على ذلك الآيات التالية:
أ. قال سبحانه: (وَ لاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا).(1)
ب. قال سبحانه:(وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ).(2)
ج. قال سبحانه: (فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ).(3)
فعلى هذا فاليقين كالأُمور الثلاثة بما أنّه أمر مبرم وليس رخواً بخلاف الظن، فيصحّ نسبة النقض إليه بلا حاجة إلى تصوير المجاز.
وأمّا الوجه الثاني ـ أعني: الاستدلال بهيئة النقض ـ فإنّ النهي عن نقض اليقين بالشكّ تكليف بالمحال، فإنّه إذا طرأ الشكّ على الذهن ينتقض اليقين فوراً فيكون النهي عن النقض تكليفاً بالمحال، فلابد أن يتعلّق النهي بنقض المتيقّن بما أنّ له أثراً شرعياً أو هو نفسه أثر شرعي، فالأقرب إلى

1 . النحل:91.
2 . الرعد:25.
3 . النساء: 155.

(78)
المعنى الحقيقي هو المتيقّن الذي أُحرز وجود المقتضي فيه وشكّ في الرافع، لا ما إذا كان أصل الاقتضاء مشكوكاً مع غض النظر عن الرافع، فيكون النقض بمادته (الوجه الأوّل) وهيئته (هذا الوجه) قرينة على تحريم نقض ما يكون ذا اقتضاء كالطهارة وحياة زيد.
يلاحظ عليه: أنّ اليقين والمتيقّن في امتناع التكليف بحرمة نقضهما سواء.
أمّا اليقين فقد مرّ. وأمّا المتيقّن فهو لا يخلو إمّا أن يكون حكماً شرعياً، أو موضوعاً لحكم شرعي. أمّا الأوّل فرفع الحكم الشرعي بيد الله سبحانه وليس بيد المكلّف حتى يحكم عليه بعدم الرفع، وأمّا الموضوع الخارجي كحياة زيد فرفعه على عاتق العلل التكوينية، فعندئذ فلا مناص في تصحيح النهي عن النقض أن يقال: المراد هو النهي عن نقض اليقين لكن حسب البناء والعمل لا الحقيقة، فكما إذا كان الإنسان متيقّناً بالوضوء يدخل في الصلاة، فهكذا فيما إذا شكّ مع اليقين السابق، وعندئذ لا فرق فيما إذا كان متعلّق اليقين ذا اقتضاء أولا.
وحاصل الكلام: أنّ المراد من حرمة نقض اليقين هو نقض آثار اليقين بحسب البناء والعمل وهو أمر اختياري، مثلاً : إذا كان على يقين من وضوئه يدخل في الصلاة بلا تأخير، وهكذا إذا كان على يقين وشكّ فيدخل في الصلاة مباشرةً.
ثم المراد من ترتيب آثار اليقين حسب البناء والعمل هو اليقين الطريقي لا الموضوعي، فيراد ترتيب آثار المتيقّن عند الشكّ كترتيبه عند

(79)
اليقين، وليس المراد من ترتيب آثار اليقين أثر نفس اليقين حتى يتّخذ اليقين موضوعاً، كما إذا نذر أن يتصدّق إذا أيقن بحياة ولده، فالأثر فيه مترتّب على نفس الوصف، وأمّا المقام فالأثر كالدخول في الصلاة عند الشكّ مترتّب على بقاء المتيقّن .

تقييم نظرية الشيخ بوجه آخر

إنّ ما ذكره الشيخ من التفصيل مبني على كون الوارد في مجال الاستصحاب هو لفظ النقض هيئة ومادة، فربما يأتي ما ذكره ولكن التعبير ليس منحصراً فيه، وقد جاءت تعبيرات أُخرى تدلّ بإطلاقها على حجّية الاستصحاب مطلقاً، وذلك في الروايات التالية:
1. ففي ذيل الصحيحة الثالثة لزرارة: «ويتمّ على اليقين، فيبني على اليقين، ولا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات».
2. وفي حديث الأربعمائة: «من كان على يقين ثم شكّ، فليمض على يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين».
والموضوع هو المضيّ على اليقين، لا نقض اليقين.
3. وفي رواية القاساني: «اليقين لا يدخل في الشكّ، صم للرؤية وافطر للرؤية».
ومورد الاستصحاب في هذا الحديث من قبيل الشكّ في المقتضي للشكّ في اقتضاء شهر شعبان في بقائه إلى يوم الشكّ.
4. وفي رواية عبد الله بن سنان: «أنت أعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن

(80)
أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن».
نعم ربما ورد في ذيل هذه الروايات أو صدرها قوله: «لا تنقض»، ولكنّه لا يكون دليلاً على تقييد إطلاقات الروايات الماضية ; لأنّ ما ذكره الشيخ من المعنى تحليل عقلي غير مطروح عند العرف، فلا يصلح للقرينية وصرف الإطلاقات إلى غيرها.

تأييد المحقّق الهمداني لهذه النظرية

ثمّ إنّ المحقّق الهمداني أيّد مقالة الشيخ في تعليقته على الفرائد، بما هذا نصّه:
1. أنّ إضافة النقض إلى اليقين في الاستصحاب ليس باعتبار وجوده السابق، بل باعتبار تحقّقه في زمان الشكّ بنحو من المسامحة والاعتبار، إذ لا ترفع اليد عن اليقين السابق حتّى وإن قلنا بعدم حجّية الاستصحاب، بل غاية الأمر ترفع اليد عن حكمه في زمان الشكّ (إذا قلنا بعدم حجّيته)، فلابدّ في تصحيح إضافة النقض إليه بالنسبة إلى زمان الشكّ من اعتبار وجود تقديري لليقين بحيث يصدق عليه بهذه الملاحظة.
2. أنّ الأخذ بالحالة السابقة عمل باليقين، ورفع اليد عنه، نقض له. ومن المعلوم أنّ تقدير اليقين مع قيام مقتضيه هيّن عرفاً، بل لوجوده التقديري حينئذ وجود حقيقي يطلق عليه لفظ اليقين، ألا ترى أنّ العرف يقولون: ما عملت بيقيني، أمّا تقدير اليقين في موارد الشكّ في المقتضي فبعيد لا يساعد عليه استعمال العرف أصلاً.(1)

1 . الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية:151.

(81)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من وجود يقينين: حقيقي في ظرفه السابق، واعتباري في ظرف الشكّ، ينافيه ما في صحيحة زرارة (الأُولى) من أنّ هنا يقيناً واحداً يُتعبد في ظرف الشكّ بملاك اليقين السابق الحقيقي حيث قال: «فإنّه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين بالشكّ أبداً» فإنّ اللام في قوله: «اليقين» إشارة إلى اليقين الماضي في الصغرى ولا ينافيه كون اللام للجنس; لأنّ اليقين في الصغرى أيضاً غير مقيّد بالوضوء، لما مرّ من أنّ التقدير: لأنّه من طرف وضوئه على يقين.
وثانياً: أنّ فرض تعدّد اليقين يستدعي فرض قضيتين مختلفتين إحداهما متعلّقة بالحقيقي منهما، والأُخرى بالاعتباري.
ومن المعلوم أنّ تعدّد القضيتين يُخرج الموضوع من الاستصحاب ويدخله في باب القياس، فإنّ الحد الفاصل بينهما هو وحدة القضية المتيقّنة مع القضية المشكوكة في الاستصحاب واختلافهما في القياس.
فما ذكر من فرض اليقينين يستلزم اختلاف القضيتين، وهو على خلاف مقتضى الاستصحاب، فإنّ أساسه وحدتهما لكن بإلغاء الزمان.

(82)
 

التفصيل الثاني:

التفصيل بين الشكّ في الرافع والشكّ

في رافعية الشيء الموجود...
ذهب المحقّق السبزواري إلى أنّ الاستصحاب حجّة فيما إذا تعلّق الشكّ بأصل الرافع، كما إذا شكّ في أنّه نام أو لا، لا فيما إذا تعلّق بوصف الأمر الموجود، كالشكّ في أنّ البلل الموجود بول حتى يكون رافعاً له، أو مذي حتى لا يكون كذلك، ومثله إذا شكّ في أنّ الرعاف ناقض للوضوء أو لا.
وحاصل دليله: أنّ النهي عن نقض اليقين بالشكّ إنّما يعقل في الشكّ في الرافع دون غيره، لأنّه لو نقض الحكم في الثاني ـ بوجود الأمر الذي شكّ في كونه رافعاً ـ لم يكن النقض بالشكّ، بل إنّما يحصل باليقين بوجود ما شكّ من كونه رافعاً أو باليقين بوجود ما يشكّ في استمرار الحكم معه لا بالشكّ.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الاستصحاب ليس محدّداً بمطلق اليقين بوجود الشيء، بل باليقين المضاد لليقين السابق، ومن المعلوم أنّ اليقين السابق

1 . فرائد الأُصول: 3 / 165 ـ 166 ، عند بيان القول العاشر.

(83)
تعلّق بالطهارة، واليقين اللاحق الذي هو الغاية لانتهاء الاستصحاب يجب أن يتعلّق بالحدث الناقض للطهارة لا بوجود شيء مردّد بين كونه حدثاً إذا كان بولاً، أو غير حدث إذا كان مذياً.
وبعبارة أُخرى: إنّ نهاية الاستصحاب هو حدوث يقين مزيل للشك الطارئ لا مطلق اليقين بوجود الشيء الذي لا يزيل الشكّ، والمفروض أنّ اليقين اللاحق بما أنّه تعلّق بأمر مردّد بين الحدث وغيره لا يزيل الشكّ، فما ذكره من التفصيل لا يساعده الدليل.

(84)
 

التفصيل الثالث:

عدم الحجّية إذا كان منشأ الشكّ إجمال الغاية

ذهب المحقّق الخوانساري إلى كون الاستصحاب حجّة مطلقاً إلاّ في قسم واحد، وهو: ما إذا كان منشأ الشكّ إجمال مفهوم لفظ جُعل غاية للحكم.
وعلى هذا فهو يفصل في الشكّ في الرافعية بين كون منشأ الشكّ، خلط الأُمور الخارجية كما إذا دار أمر البلل بين البول والمذي، فالاستصحاب حجّة، وما إذا كان منشؤه إجمال مفهوم لفظ جعل غاية للحكم، كما إذا وجبت الصلاة أو الإمساك إلى المغرب أداءً ولكن تردّد مفهومه بين كونه هو استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية، ففي مثله لا يجوز استصحاب بقاء النهار ولا يترتّب عليه الأثر الشرعي وهو كون إقامة الصلاة فيه أداءً، أو وجوب الإمساك فيه. وقد نقل الشيخ الأنصاري عبارة المحقّق الخوانساري، فلاحظ. (1)
وعلى أيّ تقدير فالتفصيل عندي وجيه; وذلك لأنّ الاستصحاب عند العقلاء الذي أمضاه الشارع عبارة عن معالجة الأمر الخارج ورفع الإبهام عنه، كما إذا شكّ في حياة زيد فتستصحب لأجل رفع الشكّ عن الأمر الخارجي حتى يترتّب عليه أثره من وجوب الإنفاق وحرمة تزويج زوجته، وأمّا إذا كان

1 . فرائد الأُصول: 3 / 169 .

(85)
الخارج أمراً واضحاً كما في المقام حيث نرى استتار القرص وعدم غروب الشمس فليس هنا شيء مبهم ومستور عنّا في الخارج حتى يعالج بالاستصحاب وإنّما الإبهام في مفهوم الليل فاستصحاب بقاء النهار عند غروب الشمس ولم تذهب الحمرة لا يعالج الأمر الخارجي ولا يرفع الإبهام عنه، إذ لا إبهام فيه بل إلغائه رفع الإجمال عن الغاية، وهو أنّ الليل عبارة عن غروب الشمس مضافاً إلى ذهاب الحمرة.
نظير ذلك إذا علمنا بأنّ زيداً كان عالماً ولكن طرأ عليه النسيان فشكّ في كونه مصداقاً له أو لا، والشكّ في كونه عالماً أو ليس بعالم ليس نابعاً من إبهام الخارج، بل نابع من الجهل بالموضوع له، وأنّ المشتق موضوع للمتلبس، أو للأعم منه ومن انقضى عنه المبدأ، ومثل هذا النوع من الشكّ غير الناجم من الإبهام السائد على الخارج، خارج عن مدلول أدلّة الاستصحاب، ولا تثبت به اللغة، وأنّ العالم وضع للأعّم.

(86)
 

التفصيل الرابع:

التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: تقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي

تُقسّم الأحكام إلى تكليفية ووضعية، فالأولى ما تشتمل على إنشاء البعث أو الزجر، أو الترخيص، وكلّ من القسمين الأوّلين ينقسم إلى البعث مع المنع من الترك أو لا معه، وهكذا الزجر إمّا مع المنع من الفعل أو لا معه، وهذا التقسيم يشكّل أحكاماً أربعة: الوجوب، الاستحباب، الحرمة، والكراهة. وإذا أُضيف إليه ما فيه اقتضاء المساواة، الذي يساوي الإباحة الشرعية تكون الأحكام التكليفية خمسة.
وأمّا الفرق بين الإباحة الشرعية والعقلية هو أنّ الشرعية فيها اقتضاء للتساوي وأنّه لا يرجّح الفعل على الترك، بخلاف الإباحة العقلية فإنّها لا اقتضاء فيها. ولعلّه المقسم للوجوب والاستحباب، كما هو مقتضى اللابشرط المقسمي.
وأمّا الأحكام الوضعية فلم تُعرّف في كتب الأُصول إلاّ نادراً، ويمكن تعريفها بأنّها ما لا تشتمل على بعث ولا زجر ولا اقتضاء المساواة، نعم لها

(87)
صلة بفعل المكلّف بلا واسطة كالملكية والزوجية أو مع الواسطة كجعل الطهارة للماء والنجاسة للدم.

الأمر الثاني: أقسام المفاهيم

تقسّم المفاهيم إلى أقسام أربعة: الجوهر، العرض، الانتزاعي، والاعتباري، وإليك تبيينها:
أمّا الجوهر: وهو ماهية إذا وجدت في الخارج وجد لا في موضوع، كالإنسان. ولكن حاجته إلى المكان غير حاجته إلى الموضوع، فالإنسان غني عن الموضوع ; لأنّه مستقل مفهوماً ووجوداً، وحاجته إلى المكان غير داخلة في ذاته، وإنّما هو اقتضاء ذات الجوهر المادي الذي إذا وجد لا يوجد إلاّ في مكان.
وأمّا العرض: فهو ماهية إذا وجدت في الخارج وجدت في موضوع، كالبياض، فالعرض يشارك الجوهر في أنّ كلّ واحد منهما ذو مفهوم مستقل، غير أنّ الثاني لا يوجد في الخارج إلاّ مع الموضوع، فالبياض وسائر الألوان من الحمرة والسواد كلّها من عوارض الجسم إذا وقع تحت الضوء فلولا الجسم لما كان لهذه الألوان من أثر.
وأمّا الانتزاعي: فهو يشارك الجوهر والعرض في كونه مستقلاًّ مفهوماً، أي يتصوّر بلا حاجة إلى شيء آخر ولكنّه ليس له مصداق في الخارج، غير أنّ اشتمال الخارج على خصوصية أعطى للذهن صلاحية لأن ينتزع المفهوم من تلك الخصوصية الخارجية التي هي ليست مصداقاً للمفهوم لكنّها

(88)
مصحّحة للانتزاع، فكون الطبقة الثانية فوق الأُولى يعطي للذهن صلاحية لأن ينتزع من تلك الخصوصية مفهوما الفوقية والتحتية.
وأمّا الاعتباري: وهو المفهوم الذي يصنعه الذهن لأغراض اجتماعية، فهو أيضاً يشارك الجميع في استقلال المفهوم، لكن يفارقه أنّه ليس له مصداق في الخارج فيفارق الجوهر والعرض وليس منتزعاً من خصوصية خارجية فيفارق الانتزاعي، بل الذهن يريد تشبيه شيء بشيء فيعطي للمشبه حكم المشبه به، مثلاً أنّ الرأس هو المدير للبدن فلولاه لما كان له فعل، هذا من جانب ومن جانب آخر فإنّ أي مؤسسة بما فيها من الموظفين الذين لا يستغنون عمّن يدبرهم ويديرهم، فيستعار لفظ الرأس من التكوين، ويعطى لهذا المدير فيقال: هذا رئيس وهؤلاء مرؤوسون.
ولهذا يعلم أنّ الاعتبارات العقلائية التي تدور عليها رحى المجتمع أشبه باعطاء حكم الخارج للمعتبر; مثلاً: نرى أنّ ثمرتين متلاصقتين ومعلّقتين على الشجرة وبينهما تلاحم كامل، فنعطي هذا الحكم لزوجين بينهما كمال التلاحم حتى يخرجا عن الانفراد ويعيشا مجتمعين ونعتبرهما زوجين، وبذلك يُعلم أنّ كلّ مفهوم اعتباري ذو منشأ واقعي، بمعنى أنّ الواقع يكون شيئاً لانتقال الذهن إلى صنع مفاهيم لأجل غايات اجتماعية.
وبذلك يفترق الانتزاعي عن الاعتباري; فالأوّل يؤخذ من نفس الخارج، وأمّا الثاني فيكون الخارج ذريعة لإنشاء مصداق اعتباري له في عالم الاعتبار بقوله: زوجت هذه بهذا.

(89)

الأمر الثالث: الأقوال في مجعولية الأحكام الوضعية وعدمها

اختلفت كلمة الأُصوليّين في كون الأحكام الوضعية هل هي مجعولة أو لا؟ إلى أقوال ثلاثة:
1. أنّها منتزعة من الأحكام التكليفية فلا تنالها يد الجعل إلاّ تبعاً لها.
2. أنّها مجعولة مستقلة مثل التكليفية.
3. أنّ قسماً منها لا تناله يد الجعل أصلاً لا تبعاً ولا أصالة، وقسماً منها تناله يد الجعل تبعاً، وقسماً ثالثاً تناله يد الجعل أصالة.
أمّا الأوّل فهو مختار الشيخ، والثاني خيرة صاحب الوافية، والثالث للمحقّق الخراساني.
وإليك دراسة الأقوال الثلاثة بالتفصيل.
أمّا القول الأوّل: فتوضيحه: أنّ مرجع الخطاب الوضعي إلى الخطاب الشرعي، فإذا قلنا: إتلاف الصبي سبب لضمانه، فمرجعه إلى خطاب الشارع: اغرم ما أتلفته في حال صغرك; أو إذا قلنا: الطهارة شرط لصحّة الصلاة، فمرجعه إلى قوله: صلّ مع الطهور; أو قولنا: النجاسة مانعة، فمرجعه إلى قوله: لا تصل في النجس، فالسببية والشرطية والمانعية وكذا الجزئية منتزعة من خطابات الشارع في مجال التكليف.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره صحيح في الموارد المذكورة، ولكنّه استقراء ناقص، وربما يكون الأمر على العكس فيكون التكليف الشرعي تابعاً للوضعي المجعول بالأصالة، كما في قولنا: زوّجت موكّلتي، أو قوله: أنت

(90)
حرّ، فالأوّل ناظر إلى إنشاء الزوجية والثاني إلى إنشاء الحرية، وتتبعها الأحكام الشرعية التكليفية كوجوب التمكين على الزوجة أو النفقة على الزوج، أو جواز تصرف العبد في ماله، وغير ذلك.
أمّا القول الثاني: فلا يخلو مراده عن أحد أُمور ثلاثة:
1. أنّ كلّ موضع فيه حكم تكليفي فبإزائه حكم وضعي مجعول.
2. أنّ هنا جعلاً واحداً وهو متعلّق بالحكم الوضعي مطلقاً، والتكليفي منتزع منه في عامّة الموارد.
3. أنّ الجعل تارة يتعلّق بالوضع وتارة بالتكليف.
فإن أراد الأوّل فلازم ذلك لغوية أحد الجعلين ; لأنّ أحدهما يغني عن الآخر، سواء قلنا: الدلوك سبب لوجوب الصلاة، أو قلنا: أقم الصلاة لدلوك الشمس، فأحد الجعلين مغن عن الآخر.
وإن أراد الثاني فالكلّية ممنوعة حيث ربما يكون التكليف مجعولاً والوضع تابعاً، كقوله:(أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)(1)، فالوجوب مجعول مستقلاًّ والسببية منتزعة و مجعولة بالتبع.
وإن أراد الثالث فهو صحيح، فقد مرّ أنّ المجعول تارة هو التكليف كما في آية إقامة الصلاة عند دلوك الشمس، وأُخرى هو الوضع كما في المثالين التاليين: زوجت موكّلتي، أو أنت حرّ.
***

1 . الإسراء: 78 .

(91)

دراسة القول الثالث

إنّ المحقّق الخراساني قسّم الأحكام الوضعية إلى أقسام ثلاثة، ونحن ندرس كلّ قسم منها على حدة.

القسم الأوّل: ما لا تناله يد الجعل لا تبعاً ولا استقلالاً

يقول: إنّ السببية والشرطية والمانعية والرافعية لما هو سبب التكليف وشرطه أو مانعه أو رافعه، لا تقبل الجعل أصالة ولا تبعاً، وقد استدلّ على مرامه بدليلين:
الأوّل: إنّ هذه المفاهيم ] السببية والشرطية والمانعية والرافعية[ لا يكاد يعقل انتزاعها لذات السبب والشرط والمانع والرافع، من التكليف المتأخّر عنها ذاتاً، حدوثاً وارتفاعاً.(1)
توضيحه: أنّ النار سبب للإحراق والسبب بما أنّه علّة متقدّم على المعلول، وبما أنّ السببية داخلة في ذات السبب غير منفكّة عنه، فيمتنع انتزاعها عن الأمر المتأخّر ـ أعني: الإحراق (المعلول) ـ ونظيره المقام، فالسببية داخلة في حقيقة الدلوك، فتكون متقدّمة على المعلول ـ أعني: وجوب الصلاة ـ فيمتنع انتزاعها عن التكليف المتأخّر.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ هذا الدليل يفي لإثبات امتناع وضعها تبعاً لا استقلالاً، إذ في الجعل الاستقلالي لا حاجة للحاظ التكليف المتأخّر.

1 . كفاية الأُصول:2/303.

(92)
وثانياً: أنّ دخول واقع السببية في واقع السبب لا يمنع عن انتزاعها عن المعلول المتأخّر; لأنّ المتقدّم هو واقع السببية التكوينية لا مفهومها القائم بالذهن، فقد خلط في كلامه بين حقيقة السببية ومفهومها.
وثالثاً: أنّ مبدأ الإشكال في كلامه هذا هو خلط الأُمور الاعتبارية بالأُمور التكوينية، فلو سلمنا ما ذكره في سببية النار وأنّها لا تنتزع من المعلول المتأخّر، فلا نسلّم امتناعه في مجال التشريع الذي هو أمر اعتباري، فالسببية ليست داخلة في واقع الدلوك غير منفكّة عنه، وإنّما يوصف بها بعد ربط الشارع بينه وبين وجوب الصلاة، فعندئذ يصحّ انتزاع السببية من التكليف المتأخّر.
الدليل الثاني: أنّ اتّصافه (السبب) بها (السببية) ليس إلاّ لأجل ما عليها من الخصوصية المستدعية لذلك تكويناً، للزوم أن يكون في العلّة بأجزائها، ربط خاصّ، به كانت مؤثرة في معلولها لا في غيره، ولا غيرها فيه، وإلاّ لزم أن يكون كلّ شيء مؤثراً في كلّ شيء، وتلك الخصوصية لا تكاد توجد فيها بمجرد إنشاء مفاهيم العناوين، مثل قولك: دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة، إنشاء لا إخباراً، ضرورة بقاء الدلوك على ما هو عليه قبل إنشاء السببية له من كونه واجداً لخصوصية مقتضية لوجوبها أو فاقداً لها، وأنّ الصلاة لا تكاد تكون واجبة عند الدلوك ما لم يكن هناك ما يدعو إلى وجوبها، ومعه تكون واجبة لا محالة، وإن لم تُنشأ السببية للدلوك أصلاً.(1)

1 . كفاية الأُصول:2/303.

(93)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره يتمّ في الأسباب التكوينية، حيث إنّ السببية ذاتية للسبب غنية عن الجعل، فإنّ ملاك الجعل هو الفقر، وإيجاد النار كاف في إيجاد السببية لها، فلا حاجة بعد الإيجاد إلى إيجاد آخر باسم السببية لا تكويناً ولا تشريعاً، وهذا بخلاف سببية الدلوك فإنّها اعتبارية، فخلق الدلوك بصنع الله سبحانه لا يغني عن جعل السببية له مستقلاً أو تبعاً.
وجاء كلّ ذلك من خلط الأُمور الاعتبارية بالتكوينية.
ثمّ إنّ المحقّق النائيني(رحمه الله) برهن على عدم مجعولية السببية بوجهين:
1. أنّ المجعول بالوجدان هو الحكم التكليفي لا الوضعي; لأنّه لو قلنا بجعل السببية في التكليف كجعل السببية للدلوك، أو في الوضع كجعلها للعقد المركب من الإيجاب والقبول، يلزم ألاّ يكون الوجوب في الأوّل والملكية في الثاني فعلاً اختيارياً للجاعل، بل كانا من الأُمور الحاصلة قهراً بلا إنشاء من الشارع، فإنّ ترتب المسبّب على سببه أمر قهري لا يعقل فيه التخلّف، ولا يمكن أن يدخله الاختيار.
يلاحظ عليه: أنّ الأفعال الاختيارية تقسم إلى فعل مباشري وفعل تسبيبي، وكلّ منهما فعل اختياري، ألاترى أنّ الإحراق فعل تسبيبي لمن ألقى الورق في النار، فيقال: إنّه أحرقه، فعلى ذلك فلا مانع من عدّ الوجوب والملكية فعلين للجاعل اختياراً.
2. أنّ السببية غير مجعولة لا تشريعاً ـ خلافاً للمشهور ـ ولا تكويناً ـ خلافاً للمحقّق الخراساني ـ على وجه الاستقلال بل جعلها بجعل ذات

(94)
السبب; وذلك لأنّ السببية من لوازم وجود السبب، كالزوجية التي هي من لوازم وجود الأربعة; وذلك لأنّ السببية عبارة عن إفاضة السبب وهي قائمة بذات السبب، فالجاعل للسبب جاعل للسببية بنفس الجعل الأوّل، كما أنّ جاعل الأربعة جاعل للزوجية بنفس الجعل الأوّل.
وإن شئت قلت: إنّ السببية من قبيل ذاتي باب البرهان، الذي ربما يسمّى بالخارج المحمول، أي الخارج عن ذات الشيء والمحمول على الشيء بلا ضم ضميمة كالإمكان بالنسبة إلى الممكن، وفي مثله وضع الموضوع (السبب) وضع للمحمول، وجعل هذا جعل ذاك.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح في السبب التكويني حيث إنّ جعل السبب جعل للسببية بلا حاجة لجعل ثان، لأنّ مناط الجعل هو الفقر والحاجة، ولا حاجة للسببية إلى الجعل بعد جعل السبب، فإنّ السببية متحقّقة في ذات السبب وجوهره، وأمّا السبب الاعتباري فليس جعله جعلاً للسببية ما لم يكن هناك اعتبار ثان بالنسبة إلى المسبب. ويشهد على ذلك أنّ الله سبحانه خلق الدلوك قبل ملايين السنين، ومع ذلك لم تكن له سببية بالنسبة إلى وجوب الصلاة، وإنّما اتّصف بها بعد أمر الشارع بقوله: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)، وهذا دليل على مفارقة السبب عن السببية في مقام الجعل.

(95)

القسم الثاني: ما تناله يد الجعل تبعاً لا استقلالاً

قد مثل المحقّق الخراساني لهذا القسم بالجزئية والشرطية والمانعية والقاطعية، لما هو جزء المكلّف به وشرطه ومانعه وقاطعه، وبرهن على ذلك بالوجه التالي:
إنّ اتصاف شيء بجزئية المأمور به أو شرطيته أو غيرهما لا يكاد يكون إلاّ بالأمر بجملة أُمور مقيّدة بأمر وجودي أو عدمي، ولا يكاد يوصف شيء بذلك ـ أي بعد كونه جزءاً أو شرطاً للمأمور به ـ إلاّ بتبع ملاحظة الأمر بما يشتمل عليه مقيّداً بأمر آخر، وما لم يتعلّق بها الأمر كذلك لما وصف بالجزئية والشرطية، وإن أنشأ الشارع له الجزئية أو الشرطية.
وجعل الماهية وأجزائها سبب إلى تصوير ما فيه المصلحة المهمة الموجبة للأمر بها، فتصوّرها بأجزائها وقيودها لا يوجب وصف شيء منها بجزئية المأمور به أو شرطه قبل الأمر بها فالجزئية (1) للمأمور به أو الشرطية له، إنّما تنتزع لجزئه أو شرطه بملاحظة الأمر به، بلا حاجة إلى جعلها له، وبدون الأمر به لا اتّصاف بها أصلاً، وإن اتّصف بالجزئية أو الشرطية للمتصوّر أو لذي المصلحة .(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه خلط بين الجزئية للمأمور به والجزئية للصلاة المتصوّرة الحاملة للمصلحة قبل الأمر بها، فعلى الأوّل يصحّ ما ذُكر، إذ لولا

1 . في المصدر:(بالجزئية) وهو تصحيف.
2 . كفاية الأُصول :2/304ـ305.

(96)
الأمر لا توصف الأجزاء عند الآمر بالمأمور به بالجزئية، حتى يوصف الجزء بكونه جزءاً للمأمور به وينتزع من الأمر به الجزئية.
وأمّا على الثاني فلا مانع من انتزاع الجزئية عن المتصوّر القائمة به المصلحة، فيقال: هذا جزء للمركب، فتنتزع الجزئية.
وثانياً: أنّه يمكن تصوير الجزئية بعد الأمر، كما إذا أمر بمركب له أجزاء تسعة ثم بدا له أن يأمر بشيء آخر فيقول: هذا جزء للمركب الذي أمرت به من ذي قبل، بل يمكن أن يقال: إنّ قوله سبحانه: (وَ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)(1)، من هذا القبيل، كما أنّ قوله: «لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه» منه أيضاً، فقد سبق الأمر بعدة أشياء لم يؤمر فيها بالاتجاه إلى القبلة أو الاجتناب عن أجزاء ما لا يؤكل لحمه، فتداركه بجعل الجزئية والمانعية لهما بعد الأمر بالأجزاء الباقية.

القسم الثالث: ما تناله يد الجعل استقلالاً

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ هنا قسماً ثالثاً يقبل كلا الجعلين:
1. الجعل الاستقلالي.
2. الجعل التبعي، بمعنى انتزاع هذه العناوين من الأحكام التكليفية، ومع ذلك فالواقع هو الجعل الاستقلالي وإن كان كلا الجعلين أمراً ممكناً، وهذا نظير: الحجّية والولاية والنيابة والحرّية والرقيّة والزوجية والملكية.
قال: إنّ الممكن انتزاع هذه الأُمور من الأحكام التكليفية التي في

1 . البقرة:144.

(97)
مواردها، كما يمكن جعلها بإنشاء أنفسها، لكنّ الواقع هو الثاني وذلك بوجوه ثلاثة:
1. صحّة انتزاع الملكية والزوجية والطلاق والحرية بمجرد العقد والإيقاع ممّن بيده الاختيار من دون ملاحظة التكاليف والآثار، ولو كانت منتزعة عنها لما كاد يصح اعتبارها إلاّ بملاحظتها.
2. لو كانت هذه العناوين منتزعة من الأحكام التكليفية في موردها، لزم أن لا يقع ما قصد ووقع ما لم يقصد، فإنّ العاقد لا يقصد إلاّ جعل الزوجية، لا شيئاً آخر.
3. لا ينبغي أن يشكّ في عدم حجّية انتزاعها من مجرّد التكليف في موردها فلا ينتزع الملكية عن إباحة التصرّفات، والزوجية من جواز الوطء; لأنّ النسبة بين إباحة التصرّف والملكية، وهكذا بين جواز المس والزوجيّة عموم من وجه، وهكذا سائر الاعتبارات من أبواب العقود والإيقاعات.

رأينا في الموضوع

إنّ الأحكام الوضعية على أصناف أربعة:
الأوّل: ما لا يقبل الجعل أصلاً، لا استقلالاً ولا تبعاً للأحكام التكليفية، وذلك كالتنجّز والتعذّر والطريقية والكاشفية والنظافة والقذارة العرفيتين.
أمّا الأوّلان فلأنّهما يدوران حول إصابة الدليل الواقع، وعدمها،فلو أصابه نجّز ولو أخطأه عذّر.

(98)
وأمّا الثالث والرابع ـ أي الكاشفية والطريقية ـ فهي من الأُمور التكوينية لا تنالهما يد الجعل أصلاً، فالمرآة طريق بالذات، والحجر على خلافها، فالأُولى غنية عن جعل الكاشفية لها، والثاني يمتنع جعلها له، وبذلك يُعلم أنّ ما عليه المحقّق النائيني من أنّ المجعول في الأمارات الظنية هو الطريقية والكاشفية ليس بتامّ، لأنّها من الأُمور الواقعية التي لا تخضع للجعل والاعتبار، فلو كانت طريقاً لاستغنت عن الجعل، ولو لم تكن طريقاً بالذات فلا تكون طريقاً بالجعل. ومن هنا يُعلم أنّ ما كان عليه السيد الحجة الكوهكمري في درسه الشريف بأنّ المجعول في باب الأمارات تتميم الكشف، أمرٌ غير تام.
لأنّ التتميم إن كان تكوينياً فلا يحصل بالإنشاء، وإن كان تشريعياً فلا يضم إلى الطريق التكويني، والتفصيل في محلّه.
وأمّا الخامس والسادس ـ أعني: النظافة والقذارة ـ فهما أيضاً من الأُمور التكوينية فالماء نظيف بالذات، كما أنّ البول قذر كذلك، فهما غنيان عن الجعل.
الثاني: ما تناله يد الجعل استقلالاً، ولا يكون منتزعاً من الأحكام التكليفية، وذلك كالزوجية والملكية في قول القائل: زوّجت موكّلتي لزيد، أوقوله: بعت هذا بهذا، فالمنشأ ابتداءً هو الزوجية في المثال الأوّل والملكية في المثال الثاني، وليستا منتزعتين من الأحكام الشرعية كوجوب النفقة على الزوج ولزوم التمكين على الزوجة، وقد برهن عليه المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة.

(99)
الثالث: ما يكون منتزعاً من الأحكام التكليفية غير مجعول استقلالاً، وهذا كالرخصة والعزيمة، فالأُولى تنتزع من قوله: يسقط الأذان والإقامة لمن دخل المسجد ووجد أن صفوف الجماعة لم تنتقض.
والثانية تنتزع من سقوط الركعتين الأخيرتين في السفر.
الرابع: ما يصحّ فيه كلا الأمرين، لكن الموجود في الكتاب والسنّة هو الجعل الاستقلالي، وربما يناهز عدد مصاديقه العشرة، وهي:
1. الخلافة، 2. الحكومة، 3. القضاء، 4. الولاية، 5. الحجّية، 6. الضمان، 7. الكفالة، 8. الصحّة، 9. الطهارة الشرعية، 10. النجاسة الشرعية، وإليك توضيحها:
أمّا الخلافة: فيكفي فيها قوله سبحانه: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ).(1)
فالآية صريحة في جعل الخلافة للنبي داود(عليه السلام).
وأمّا الحكومة: فقد ورد في مقبولة عمر بن حنظلة، قوله(عليه السلام): «ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».(2)
وأمّا القضاء: فقد ورد في رواية أبي خديجة ـ أعني: سالم بن مَكرم ـ

1 . ص:26.
2 . الوسائل: 18 ، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(100)
قال الصادق(عليه السلام):«انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».(1)
وأمّا الولاية: فيكفي فيها قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ الإمام علي(عليه السلام): «يا علي أنت ولي كلّ مؤمن ومؤمنة».(2)
وأمّا الحجّية: فيكفي في ذلك قول الإمام العسكري(عليه السلام) في حق العمري وابنه:«العمري وابنه ثقتان، ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان».(3)
وأمّا الضمان والكفالة: فيكفي في ذلك، قوله سبحانه: (وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ).(4)
أو فيما لو قال إنسان كفالة عن آخر: «أفرجوا عنه فإنّي كفيله».
نعم يمكن انتزاعهما من الأحكام التكليفية ـ أعني: رد ما اشتغلت به ذمّة المضمون عنه ـ أو إلزام الشخص بتسليم المكفول.
وأمّا الصحّة: فالعقلية: منها غير قابلة للجعل ; لأنّها بمعنى مطابقة المأتي به للمأمور به، فلو كان مطابقاً صحّ بلا حاجة إلى إنشائها، وإلاّ فتبطل.
نعم الصحّة الشرعية قابلة للجعل بمعنى تقبل الشارع العمل الناقص مكان الكامل، كما هو الحال في قاعدة التجاوز حيث إنّ الشرع يأمر بالإمضاء وعدم الالتفات إلى ما سبق، سواء أكان مطابقاً للمأمور به، يقول: «كلّ ما مضى

1 . الوسائل:18، الباب1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5.
2 . مستدرك الحاكم: 3 / 134 ; مسند أبي داود الطيالسي: 360 ; خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 64.
3 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.
4 . يوسف: 72.

(101)
من طهورك وصلاتك فذكرته تذكّراً، فامضه فلا إعادة عليك».(1)
أمّا الطهارة والنجاسة الشرعيّتان، فهما يخضعان للجعل ; لأنّ بينهما وبين ما يعدّه العرف نظافة وقذارة عموم وخصوص من وجه، فعرق الإنسان والديدان والمذي والوذي والدم المتخلّف في عروق الذبيحة طاهرة شرعاً، ولكنّها قذرة عرفاً... .
كما أنّ الكفّار وأولادهم نظيفون عند العرف، ولكنّهم محكومون بالنجاسة شرعاً لمصالح في ذلك.
نعم ربما يجتمعان كما هو المعلوم، فيما إذا كان قذراً عند العرف دون الشرع، طاهراً عند العرف نجساً عند الشرع، فهو خاضع لجعل الطهارة والنجاسة.
إلى هنا تمّ الكلام في الأحكام الوضعية وأقسامها وخضوعها للجعل وعدمه.
وتظهر الثمرة لهذا البحث في جريان الاستصحاب وعدمه ; لأنّه يشترط في الاستصحاب أن يكون المستصحب إمّا حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، فالخاضع للجعل منها استقلالاً أو تبعاً قابل للاستصحاب، أمّا المستقل فباعتبار كونه مجعولاً بالمباشرة.
وأمّا المنتزع فباعتبار كون منشئه قابلاً للجعل، ويكفي في ترتّب الأثر انتهاء الأمر إلى الشارع ابتداءً أو نهاية.

1 . الوسائل:1، الباب41 من أبواب الوضوء، الحديث6.

(102)
إلى هنا تمّت دراسة الأقوال الأربعة وبقي الكلام في قولين هما:
1. التفصيل بين استصحاب الحكم الشرعي المستنبط من الكتاب والسنّة، والحكم الشرعي المستنبط من العقل.
2. التفصيل بين الحكم الشرعي الكلّي والحكم الجزئي، فربما يقال بعدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستنبط من الحكم العقلي وأيضاً في الحكم الشرعي الكلّي. وسيوافيك الكلام في ذينك التفصيلين في التنبيهات، فتربّص حتى حين.

(103)
 

تنبيهات

1

جريان الاستصحاب في الأُمور الاستقبالية

لا شكّ في جريان الاستصحاب عند تعلّق الشكّ ببقاء الشيء حاليّاً، كما إذا توضّأ قبل طلوع الفجر وشكّ في بقائه بعده، إنّما الكلام في جريانه عند تعلّق الشكّ باستمرار وجود الشيء في المستقبل، إذا كان أوّل الوقت فاقداً للساتر أو واجداً له وكان نجساً وشكّ في بقاء العذر إلى آخر الوقت، فيستصحب بقاء العذر إلى آخره.
ولو قلنا بالجريان يجوز له البدار، إلاّ إذا دلّ الدليل على عدمه، نظير ما إذا علم بقاءه على تلك الحالة. والاستصحاب يكون أصلاً تنزيلياً قائماً مقام العلم، وإلاّ فيجب الانتظار إلى آخر الوقت.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أفتى بجريان الاستصحاب في الأمر الاستقبالي كجريانه في الأمر الحالي في المسائل التالية:
1. إذا كان جنباً في شهر رمضان في الليل لا يجوز له أن ينام قبل الاغتسال إذا علم أنّه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال.
فلو شكّ في الاستيقاظ فقال: الصحيح حرمته، لأنّ النوم المحتمل فيه

(104)
عدم الاستيقاظ محكوم بالاستمرار إلى الفجر بمقتضى الاستصحاب، فيقال هذا نوم مستمر إلى الصباح متعمّداً بحكم الاستصحاب وقد صدر باختياره فيترتّب عليه القضاء والكفارة .(1)
2. إذا عجز عن خصال الكفّارة ولكن يحتمل تجدّد القدرة فيستصحب العجز إلى آخر السنة، فيترتّب عليه الانتقال إلى البدل ـ أعني: ثمانية عشر يوماً ـ أو التصدّق بما يطيق.
وهذه هي الضابطة الأُولى فيترتّب عليها البدار إلاّ إذا قام دليل على خلافه; كما في صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إذا لم تجد ماء وأردت التيمّم فأخّر التيمّم إلى آخر الوقت، فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض».(2)
يلاحظ عليه بأمرين: أوّلاً: أنّ أدلّة الاستصحاب ناظرة لما عليه العقلاء في حياتهم ومعاشهم وهم يستخدمونه عند الشكّ في البقاء حالياً، فإذا شكّ في حياة زوجته يحكم بوجوب النفقة عليه وحرمة تزويج الزوجة.
وأمّا إذا كان الحكم قطعياً حالياً وشكّ في بقائه في المستقبل ـ كما في الأمثلة الماضية ـ فالأدلّة منصرفة عنه.
وثانياً: أنّ المشهور الإفتاء بوجوب الاستظهار في أيام الشكّ في كون الدم دم استحاضة أو دم حيض، فأوجبوا على المرأة الجمع بين تروك

1 . مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم: 207.
2 . الوسائل: 2، الباب22 من أبواب التيمم، الحديث1.

(105)
الحائض وأفعال وأغسال المستحاضة; مثلاً: إذا رأت الدم في غير أيام العادة وكان بين الدمين عشرة أيام أو أزيد، يجب عليها الاستظهار في الأيام الثلاثة الأُولى، وعلى ما قاله (قدس سره) تحكم عليه بالحيض لا الاستظهار، لأصالة جريان الدم إلى ثلاثة أو أكثر.
ونظير هذه ما إذا تجاوز الدم عن العادة ولم يتجاوز العشرة، فالمشهور على الاستظهار، أي الجمع بين الوظيفتين، وعلى ما ذكره المحقّق الخوئي فتعتبره دم استحاضة لاستصحاب استمرارها بعد العشرة.
فعلى ما ذكرنا فالاستصحاب ساقط فالمرجع أحد الأمرين:
الأوّل: الأخذ بإطلاق دليل البدل لو كان له إطلاق.
الثاني: الأصل العملي وهو الاشتغال إذا تبيّن الخلاف.
ويجدر القول: إنّ هذا التنبيه هو من إضافاتنا.

(106)
 

تنبيهات

2

اشتراط فعلية اليقين والشكّ

يشترط في جريان الاستصحاب أُمور أربعة:
1. اليقين الفعلي بالحدوث.
2. الشكّ الفعلي في البقاء.
3. وحدة القضية المتيقّنة مع المشكوكة بإلغاء الزمان .
4. ترتّب الأثر على بقاء المتيقّن.
والمهم في هذا التنبيه هو دراسة الأمرين الأوّلين وأمّا الأمران الأخيران فسوف يوافيك بحثهما ضمن التنبيهات التالية.
إذا عرفت ذلك فنقول:
يشترط في جريان الاستصحاب ثبوتاً وإثباتاً وجود اليقين والشكّ في خزانة النفس وجوداً فعليّاً، بمعنى كونهما مورد التفات لها تفصيلاً أو إجمالاً، ولا يكفي الوجود التقديري لهما بمعنى أنّه: لو التفت لاستيقن، أو لو التفت لشكّ، بل يجب أن يكون متيقّناً وشاكّاً بالفعل. ويدلّ على ذلك أمران:
الأوّل: تبادر الفعلية من قوله: «ولا تنقض اليقين بالشكّ» أي اليقين

(107)
الموجود بالشكّ الموجود، كما هي الحال من نظائره.
الثاني: ما يصلح للاحتجاج هو العلم واليقين بوجود الشيء سابقاً لا ثبوته وإن لم يعلم، فإذا صلّى في ثوب نجس فإنّما يصلح لأن يحتجّ به على المولى هو قوله: صلّيت في هذا الثوب وأنا متيقّن بطهارته وأنت قلت لا تنقض اليقين بالشكّ.
وأمّا لو لم يكن اليقين موجوداً في نفسه، بل لو التفت لاستيقن، فلا يصلح للاحتجاج ; لأنّه أمر فرضي، وهو مرفوض في مقام الاحتجاج.
فإن قلت: إنّ اليقين في مورد الاستصحاب مأخوذ بنحو الطريقية، والمراد منه المتيقّن أي لا تنقض المتيقّن بالشكّ، فلو كان حكماً شرعياً يجب إبقاؤه وإن كان موضوعاً لحكم شرعي يجب عليه ترتب آثاره، وعندئذ فلا دور إلاّ للمتيقّن لا لليقين، وعند ذلك يكفي وجود المتيقّن في الواقع، سواء أتعلّق به اليقين فعلاً، أو لو التفت لتعلّق به.
قلت: ما ذكرته صحيح في مقام ترتّب الأثر، فإنّ الأثر مترتّب على ذات المتيقّن فلا دور لليقين، وأمّا في مقام الاحتجاج فيما إذا صلّى في الثوب النجس فالأثر مترتّب على علم المكلّف بالطهارة والشكّ في بقائها، والمفروض عدمهما.
فإن قلت: قد ورد في صحيحة بن سنان قوله: «فإنّك أعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه نجّسه» فالموضوع للاستصحاب هو «كون الشيء طاهراً» لا العلم بالطهارة، فيكفي وجود الطهارة في الواقع وإن لم يتعلّق به العلم.

(108)
قلت: إنّ قوله: «ولم تستيقن أنّه نجّسه» دليل على أنّ المراد أنّك أستيقنت أنّه طاهر ولم تستيقن أنّه نجّسه.
وعلى ما ذكرنا يظهر النظر في الفروع الفقهية التالية:

الفرع الأوّل: إذا أحدث ثم غفل ثم شكّ في أنّه تطهّر قبل الصلاة أو لا؟

لا شكّ أنّ أركان الاستصحاب موجودة في الفرع حيث إنّه أيقن بالحدث وشكّ في بقائه بعد الصلاة، فمقتضى قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» الحكم ببقاء الحدث إلى نهاية الشكّ.
فإن قلت:إنّ استصحاب الحدث لا يثبت وقوع الصلاة معه.
قلت: لو عُدّ هذا أصلاً مثبتاً لزم بطلان أكثر الاستصحابات، حيث إنّ استصحاب الطهارة لا يثبت وقوع الصلاة معها، مع اتّفاق النص والفتوى على صحّته.
ومع ذلك فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الاستصحاب في المقام محكوم بقاعدة الفراغ ; لأنّ الشكّ بعد العمل يقتضي حمل العمل على الصحّة، ولولا قاعدة الفراغ لجرى الاستصحاب.
يلاحظ عليه: أنّ الحق عدم جريان القاعدة في المقام ; لأنّ مجراها مشروط بكون الإنسان أذكر بكيفية العمل من حال الشكّ، وليس المقام كذلك، بل هما سيّان.
ولذلك أفتى بعض الفقهاء ببطلان الوضوء في الصورتين التاليتين،

(109)
وذلك لعدم جريان قاعدة الفراغ:
1. لو توضّأ والخاتم في اصبعه ولم يحرّكه، وشكّ بعد العمل في أنّه هل جرى الماء تحت الخاتم أو لا؟ فلا تجري قاعدة الفراغ للعلم بالغفلة حين العمل، وأنّه لو جرى عليه الماء لكان من باب الصدفة.
2. لو علم بأنّ أحد الماءين مضاف، ثم توضّأ غفلة وشكّ بعد العمل في أنّه هل توضّأ بالماء المطلق أو بالماء المضاف؟ فلا تجري القاعدة بنفس البيان السابق.
فعلى ذلك فالحاكم في المسألة هو الاستصحاب، فيحكم بعد الصلاة ببقاء الحدث من لدن حدوثه إلى اللحظة التي شكّ فيها.
فإن قلت: إن الاستصحاب في المقام أشبه بالاستصحاب القهقري، حيث إنّ المصلّي يلتفت إلى ما قبل زمان الشكّ فيستصحب إلى ما بعد الفراغ من الصلاة حتى ينتهي إلى زمان الشكّ.
قلت: الفرق بينهما واضح، لأنّ الاستصحاب القهقري عبارة عن إرجاع المتيقّن إلى الزمان المتقدّم حتى يصل إلى عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، كاستصحاب كون الأمر حقيقة في الوجوب في زماننا على النحو القهقري، بإرجاعه إلى القرون المتقدّمة، وهذا بخلاف المقام فإنّ المستصحب هو الحدث المتيقّن قبل الصلاة المستمر إلى زمان الشكّ بعد الصلاة.

(110)

الفرع الثاني: لو أحدث ثمّ شكّ ثمّ غفل وصلّى ثمّ شكّ في الوضوء قبل الصلاة

إذا أحدث ثم شكّ في ارتفاعه، ثم غفل وصلّى ثم شكّ في أنّه توضأ قبل الصلاة أو لا؟
الفرق بين هذا الفرع وسابقه واضح، لوحدة الشكّ في الفرع الأوّل وهو بعد العمل، وتعدّده في الثاني بوجوده قبل العمل وإن غفل، وبعد العمل، ولأجل ذلك ذهب المحقّق الخراساني إلى بطلان الصلاة في هذا الفرع على خلاف ما ذهب إليه في الفرع الأوّل، وذلك لعدم جريان قاعدة الفراغ عنده لأجل تقدّم الشكّ على العمل، مع أنّ مجراها هو تأخّر الشكّ بعد العمل، فيكون الفرع ممحضاً لجريان الاستصحاب.
أقول: إنّ قاعدة الفراغ لا تجري لأمرين:
الأوّل: ما ذكره من تقدّم الشكّ على العمل في هذا الفرع لا تأخّره حيث إنّ التأخّر شرط في جريان القاعدة. والشكّ بعد العمل في الفرع ليس شكّاً جديداً بل عوداً إلى الشكّ الأوّل، فكأنّ هنا شكّاً واحداً التفت إليه قبل العمل ثم غفل والتفت إليه بعد العمل ثانياً.
الثاني: ما ذكرنا من أنّ مجرى القاعدة مشروط بالأذكرية حين العمل، وأمّا المقام فحاله بالنسبة إلى حين العمل وحين الشكّ سيّان.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الصلاة باطلة في كلا الفرعين، لتمحّض المقام بالاستصحاب وعدم جريان قاعدة الفراغ.

(111)

الفرع الثالث: لو شكّ في بقاء الطهارة ثمّ غفل وصلّى ثمّ شكّ في بقاء الطهارة

إذا كان المكلّف عالماً بالطهارة، ثمّ شكّ في بقائها، ثمّ غفل وصلّى، ثم شكّ في بقاء الطهارة حال الصلاة.
وهذا الفرع هو نفس الفرع الثاني غير أنّ المتيقّن في الثاني هو الحدث وهنا الطهارة، والفرع ممحض في الاستصحاب بنفس الدليل المذكور في الفرع الثاني، لأجل تقدّم الشكّ على العمل وإن ذهل عنه والتفت إليه بعد العمل أيضاً فيستصحب بقاءها إلى حالة الشكّ فيكون محكوماً بكونه متطهّراً، وأمّا قاعدة الفراغ فهي وإن كانت متوافقة النتيجة مع الاستصحاب، لكنّها لا تجري هنا لما عرفت من الوجهين:
1. تساوي حالتي الشكّ وحال العمل في الأذكرية.
2. تقدّم الشكّ على العمل مع أنّه يشترط فيها تأخّر الشكّ.

الفرع الرابع: لو حصل له بعد الصلاة العلم بتوارد الطهور والحدث قبل الصلاة

إذا كان عالماً بالطهارة ثم شكّ في بقائها، ثم غفل، وصلّى وحصل له بعد الصلاة العلم بتوارد الحالتين عليه من الطهور والحدث قبل الصلاة مع عدم معرفة المتقدّم منهما عن المتأخر.
وهذا الفرع هو نفس الفرع الثالث ويختلف عنه في أنّ الشكّ في الثالث

(112)
شكٌّ بعد الصلاة، وأمّا المقام فقد علم إجمالاً بتوارد الحالتين ولم يعرف المتقدّمة منها عن المتأخّرة.
ربما يقال بجريان استصحاب الطهارة الأُولى، إمّا لكون الشكّ فعلياً كما هو المفروض، أو لكفاية التوجّه إليه بعد الصلاة، وعدم جريان القاعدة، وإن كانت النتيجة واحدة، لأنّ الشكّ ليس حادثاً بعد الصلاة، بل الشكّ كان موجوداً قبله، والشكّ بعد الصلاة التفات إلى الشكّ الأوّل.
يلاحظ عليه: أنّ الطهارة الأُولى قطعية الارتفاع ; وذلك لأنّ ناقض الوضوء إمّا أن يكون حصل بين الطهارتين فالطهارة الأُولى قطعية الارتفاع، وإن كان بعد الطهارتين فكلتا الطهارتين مرتفعتان، فتكون النتيجة ارتفاع الطهارة الأُولى على وجه القطع واليقين.
فإن قلت: يمكن أن نستصحب الطهارة الكلّية الحاصلة بعد الوضوء الثاني، فهي بوصف الكلّية مشكوكة البقاء فتستصحب.
قلت:أوّلاً: أنّها معارضة باستصحاب الحدث المتيقّن وجوده عند تحقّقه، المؤثر على كلّ حال، سواء توسّط بين الطهارتين أو تحقّق بعد الثانية.
وثانياً: الطهارة الكلية لا تخلو إمّا أن ترجع إلى الطهارة الأُولى فهي قطعية الارتفاع، وإمّا أن ترجع إلى الطهارة الثانية فهي ليست محدثة للتكليف، فلا تكون منجّزة للتكليف.
توضيح ذلك: أنّ المكلّف يعلم بتوارد الحالتين: النوم والوضوء، ولكن لا يعرف المتقدّم والمتأخّر، فأحد طرفي العلم الإجمالي ـ أعني: النوم

(113)
محدث للتكليف على كلّ تقدير ; لأنّه لو كان بعد الطهارة الأُولى فيكون ناقضاً ولو كان بعد الطهارة الثانية فكذلك، دون الطرف الثاني ـ أعني: الوضوء الثاني ـ إذ لو كان بعد الوضوء الأوّل فلا يؤثر شيئاً، وإن كان بعد النوم فيؤثر، فأمره دائر بين غير المؤثر والمؤثر، ومثل هذا العلم (وقوع الطهارة مردّدة بين الأُولى أو بعد النوم) لا ينجّز أصلاً.
مثلاً لو علم بوقوع قطرة دم إمّا في الماء النجس أو في الماء الطاهر، فمثل هذا العلم لا يؤثر، لأنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون محدثاً للتكليف على كلّ تقدير، كما إذا علم بوقوع قطرة دم في أحد الماءين الطاهرين، وعلى ذلك فلا مجال لاستصحاب الطهارة الكلّية المردّدة بين المرتفعة قطعاً وبين مؤثرة على فرض (إذا كانت بعد النوم) وغير مؤثرة(إذا وقعت بعد الطهارة الأُولى) .
وبعبارة أُخرى: أنّ العلم بالطهارة الكلّية لا يترتّب عليها الأثر وإنّما يترتّب الأثر على الطهارة الرافعة للحدث قطعاً، والمتيقّن بهذا المعنى غير حاصل ; لأنّ الوضوء الثاني لو كان بعد الوضوء الأوّل غير مؤثّر قطعاً، ولو كان بعد النوم فمؤثّر قطعاً، فإذا كان الحال كذلك فلا علم لنا بالطهارة الرافعة للحدث بعد العلم بوجوده قطعاً.

(114)
 

تنبيهات

3

إذا كان المتيقّن محرزاً بالأمارة

قد عرفت أنّ اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء من أركان الاستصحاب، ففيما إذا كان المتيقّن محرزاً بالوجدان، فالركن الأوّل موجود بالوجدان، وأمّا إذا كان محرزاً بدليل غير قطعي كالأمارة والبيّنة نشكّ في بقاء حكم أو موضوع، قاما عليه، فهل يجري فيه الاستصحاب؟ قيل: لا، لعدم إحراز الثبوت فلا يقين، ولابدّ منه بل ولا شكّ، فإنّه على تقدير لم يثبت.
وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه نقتصر بذكر وجهين منها:
الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني(قدس سره) وهو أنّه يكفي في صحّة الاستصحاب الشكّ في بقاء شيء على تقدير ثبوته وإن لم يحرز ثبوته. مثلاً: «إذا نذر درهماً عند بقاء الشيء على تقدير ثبوته»، فحينئذ إن احتمل ثبوته وشكّ في بقاء هذا التقدير، يجري الاستصحاب ويترتّب عليه الأثر الشرعي، أعني: وجوب الدرهم.
فإن قلت: إنّ الموضوع للإبقاء هو اليقين بالمستصحب فعلاً، لا تقديراً، فلا يجب الإبقاء إلاّ إذا أيقن بثبوته لا على فرض ثبوته.

(115)
قلت: إنّ الظاهر كون أخذ اليقين من باب المرآة إلى الثبوت والحدوث حتى يصحّ التعبّد بالبقاء، لا أنّ له مدخلية في الحدوث. والتعبد بالبقاء كما يصحّ مع العلم بالحدوث، يصحّ مع افتراضه.
وبذلك ينحلّ الإشكال في استصحاب الأحكام التي قامت الأمارات المعتبرة عليها، كما إذا قام الدليل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال فشككنا في بقائه. فيكفي أن يقال: إنّ وجوب الدعاء عند رؤية الهلال قد شُك في بقائه على تقدير ثبوته، فيحكم عليه بالبقاء.
ثمّ إنّه(قدس سره) ذكر سؤالاً وجواباً ليس فيهما شيء جديد، بل هما تكرار لما ذكره من قبل.
هذا إيضاح ما في «الكفاية».
يلاحظ عليه: بأنّ اليقين السابق من أركان الاستصحاب الأربعة، وهو عند المجيب بمعنى اليقين المنطقي، وهو: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع غير الجامع مع احتمال الخلاف.
فإذا كان هذا من أركان الاستصحاب، فكيف يكفي الشكّ في بقاء شيء على تقدير ثبوته وإن لم يحرز ثبوته؟ وما ذكره من المثال لا صلة له بالمقام، فإنّ متعلّق النذر عبارة عن التصدّق بدرهم عند بقاء الشيء على فرض ثبوته، بخلاف المقام فإنّ الأثر مترتّب على بقاء الشيء عند اليقين بالشيء.
وما ذكره من أنّ اليقين مأخوذ على نحو الطريقية إلى المتعلّق ليتمكّن

(116)
من الحكم بالبقاء، وعليه لا مدخلية لليقين لخصوص اليقين، بل يكفي وراء اليقين فرض ثبوته مع الشكّ في البقاء، غير تام. إذ لا دليل على ما ذكر فإنّ اليقين وإن كان طريقاً إلى الثبوت ولكن الاستصحاب مشروط بوجوده في ظرفه، ولا منافاة بين كونه طريقاً إلى المستصحب، وكونه ركناً في جريان الاستصحاب بمعنى أنّه لولاه لما تمّت أركانه .
وذلك لأنّ الأثر مترتّب على وجود الشيء في ظرف اليقين حدوثاً وجداناً، وبقاءً تعبّداً، والمفروض فقدان الحدوث عن اليقين. وقد عرفت وجود الفرق بين المثال والمقام.
الوجه الثاني: أنّ اليقين تارة يطلق ويراد منه اليقين المنطقي، كما في قوله سبحانه: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ)(1).
وأُخرى يراد به الحجّة، أي ما يحتجّ به العبد على المولى، والمولى على العبد، وهذا هو الرائج في الروايات الواردة في الأبواب التالية، فلاحظ ما يلي:
1. باب النهي عن القول بغير علم.
2. باب النهي عن الاستيكال بالعلم.
3. باب النهي عن الإفتاء بغير علم.(2)
ومن المعلوم أنّ العلم في هذه الأبواب بمعنى القول والإفتاء بالحجج

1 . المدثر:46 ـ47.
2 . الكافي:1/43ـ46.

(117)
الشرعية، واليقين الوارد في أحاديث الاستصحاب بمعنى الحجّة، والشاهد على ذلك أنّ طهارة ثوب زرارة كانت مستندة إلى أصالة الطهارة أو إخبار ذا اليد، فلم يكن له يقين بالطهارة بالمعنى المنطقي.
فإن قلت: فعلى هذا يصحّ استصحاب مفاد الأمارات لكون الأمارة حجّة، وأمّا الأُصول العملية فليست حججاً شرعية، بل هي أعذار كذلك، فلا يمكن استصحاب مفادها.
قلت: مفاد الأُصول في غنى عن الاستصحاب، مثلاً: أنّ أصل الطهارة أو الحليّة كما تترتّب عليها الطهارة في الآن الأوّل فكذلك في الآنات المتلاحقة بلا حاجة إلى الاستصحاب، وقد مرّ أنّ قاعدة الاستصحاب حاكمة على استصحاب القاعدة.

(118)
 

تنبيهات

4

في استصحاب الكلّي

ولنقدّم أُموراً:

1. ما هو المراد من الكلّي في المقام؟

يطلق الكلّي ويراد به تارة: المنطقي، وأُخرى: الطبيعي، وثالثة: العقلي.
أمّا الأوّل: فالمقصود هو معنى لفظ الكلّي في مقابل لفظ الجزئي وهذا ما أشار إليه سعد الدين التفتازاني في «التهذيب» وقال: المفهوم إن امتنع فرض صدقه على كثيرين فجزئي(كزيد) وإلاّ فكلّي (كالإنسان). فالغرض هنا تحديد الموضوع له للّفظين المذكورين.
وأمّا الثاني: فيراد به مصداق مفهوم الكلّي، أي الذي لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، كأسماء الأجناس.
وأمّا الثالث: فيراد به الجمع بين الكلّي بالمعنى المنطقي والكلّي بالمعنى الطبيعي، ومن المعلوم أنّه ليس له مصداق إلاّ في العقل، فإنّ الإنسان بقيد الكلية موطنه العقل لا الخارج.

(119)
 

2. في بيان أقسام استصحاب الكلّي

ذكر الشيخ له أقساماً ثلاثة وزاد المحقّق الخوئي قسماً رابعاً، وربما يوجد في كلمات الفقيه المحقّق الهمداني ـ كما سيوافيك ـ ونحن نذكر الأقسام الأربعة ثم نعود لدراسة كلٍّ مستقلاً.
القسم الأوّل: إذا علم بتحقّق كلّي في ضمن فرد، كالإنسان في ضمن زيد وشكّ في بقائه، فكما يجوز استصحاب الفرد، كذلك يجوز استصحاب بقاء الإنسانية المشتركة بينه وبين غيره.
والفرق بين المستصحبين تقيّد المستصحب بالخصوصيات في الأوّل وتجرّده عنها في الثاني.
القسم الثاني: إذا علم بتحقّق كلّي في ضمن فرد مردّد بين متيقّن الزوال ومتيقّن البقاء، كما لو علم بوجود إنسان مردّد بين كونه زيداً قد توفّي قطعاً، وعمراً هو حيّ قطعاً.
والمثال الفقهي أن يقال: إذا خرج منه بلل مردّد بين البول والمني، فتوضّأ، وعندئذ فالحدث الأصغر قطعي الزوال والحدث الأكبر مشكوك الحدوث، غير أنّ الحدث الجامع بينهما قطعي الحدوث مشكوك البقاء فيستصحب ـ بعد الوضوء ـ بقاء الحدث إلى أن يغتسل.
ومثله ما إذا عُكس، أي اغتسل في نفس الفرض ولم يتوضّأ، فلو كان البلل منيّاً موجباً للحدث الأكبر فقد ارتفع، وإن كان بولاً موجباً للحدث

(120)
الأصغر فهو باق، لماذا؟ لأنّ الغسل يزيل الحدث الأصغر بشرط كون الحدث الأكبر قطعياً لا مشكوكاً.
وهنا صورة أُخرى أيضاً لهذا القسم، وهي ما إذا كان المستصحب مردّداً بين قطعي الارتفاع ومحتمل البقاء، كما إذا اغتسل في نفس الفرض ولم يتوضّأ، فالحدث الأصغر قطعي الارتفاع ولكن الأكبر محتمله، فيستصحب الجامع بين الحدثين.
وبذلك اتّضح وجود الفرق بين الصور الثلاث، ففي الأُولى توضّأ ولم يغتسل، وفي الثانية اغتسل ولم يتوضّأ، وفي الثالثة توضّأ واحتمل الاغتسال.
القسم الثالث: إذا علم بتحقّق الكلّي في ضمن فرد معيّن قطعي الزوال ولكن يحتمل أن يكون معه فرد آخر مقارناً لوجود الأوّل أو مقارناً لزواله.
مثلاً إذا نام واحتمل احتلامه في النوم أيضاً فتوضّأ ولم يغتسل، فلو كان الصادر منه، هو الأصغر فقد ارتفع ولكن يحتمل مقارنة فرد آخر وهو الجنابة فيستصحب مطلق الحدث، لا الحدث الأصغر لأنّه ارتفع قطعاً، ولا الحدث الأكبر لأنّه مشكوك الحدوث، ولكن الجامع أمر متيقّن سابقاً ومشكوك البقاء لاحقاً، فيستصحب.
الرابع: إذا علم بوجود فرد معيّن وعلمنا بارتفاع هذا الفرد، ولكن علمنا بوجود معنون بعنوان يحتمل انطباقه على هذا الفرد المرتفع، وعلى الفرد الآخر الباقي، كما لو علم بوجود زيد في الدار وعلم بوجود قرشي فيها، يحتمل أن يكون هذا القرشي هو نفس زيد، ويحتمل أن يكون غيره.

(121)
والفرق بين هذا القسم والقسم الثالث واضح وهو وحدة العلم في الثالث وتعدّده في الرابع، وذلك لأنّ هنا علماً واحداً بوجود زيد واحتمال وجود عمر في البيت، بخلاف المقام فإنّ هنا علمين مستقلين علم بوجود زيد وعلم بوجود القرشي، غاية الأمر يحتمل وحدة القرشي مع زيد.
ومثاله الفقهي إذا علم بالجنابة ليلة الخميس واغتسل منها ثم رأى أثر الجنابة في ثوبه في يوم الجمعة، يحتمل أن يكون أثراً للجنابة المرتفعة، كما يحتمل أن يكون أثراً للجنابة الجديدة; فهنا علمان: علم بالجنابة ليلة الخميس، وعلم بالجنابة بعد خروج المني الذي رأى أثره على الثوب.
فالجنابة الأُولى مرتفعة قطعاً، والجنابة الثانية مشكوكة الحدوث، ولكن الجامع قطعيّ الحدوث ومشكوك البقاء.

3. ترتّب الأثر على الجامع

إنّ الأثر تارة يترتّب على الفرد بماله من الخصوصية، كحرمة المكث في المسجد والعبور على المسجدين فإنّه مترتّب على عنواني الجنابة والحيض، وأُخرى على مطلق الحدث، كحرمة مسّ القرآن والدخول في الصلاة، فاستصحاب الكلّي إنّما ينفع إذا كان الأمر مترتّباً على الجامع دون الفرد.
***
إذا عرفت هذا فلندرس أقسام استصحاب الكلّي واحداً بعد الآخر.

(122)
 

القسم الأوّل من أقسام استصحاب الكلّي

إذا علم بتحقّق الكلّي في ضمن فرد، كالحدث في ضمن الجنابة، ثم شكّ ببقائه وارتفاعه، فله أن يستصحب الفرد ـ أي بقاء الجنابة ـ فيرتّب عليه أثره، كحرمة المكث في المسجد والعبور من المسجدين، كما أنّ له أن يستصحب الحدث ويرتّب عليه حرمة مسّ كتابة القرآن، هذا إذا كان الجامع موضوعاً لأثر شرعي، وإلاّ فيأتي الكلام فيه عند دراسة القسم الثاني.
وهنا إشكالان: الأوّل: إذا تحقّق الكلّي في ضمن فرد، كالإنسان في ضمن زيد والحدث في ضمن الجنابة فقد خرج عن كونه كلّيّاً، فاستصحاب الكلّي يرجع إلى استصحاب الفرد.(1)
ويمكن الجواب بأنّ ما ذكره صحيح تكويناً، لا اعتباراً، فللعقل أن ينظر إلى الكلّي بمنظارين: أحدهما: بما أنّه متّصف ومتشخّص بخصوصيات فردية، والثاني، بتجريده عنها، فإذا تعدّد الموضوع يتعدّد الاستصحاب.
وعلى كلّ تقدير فالمستصحب ليس مفهوم الإنسان، بل الإنسان الخارجي غير الملحوظ معه الخصوصية، وتسميته كلّياً لأجل كونه منشأ لانتزاع مفهوم كلّي منه، وسيوافيك أنّ الاستصحاب ناظر إلى رفع المشاكل الخارجية دون المفاهيم المجرّدة عن الوجود، وتسمية المستصحب كلّياً في المقام بهذا المعنى، فتدبّر.
الثاني: أنّ استصحاب الجامع صحيح في مثل الجنابة، فإنّ الجامع ـ

1 . هذا ما سمعناه من السيد البروجردي (قدس سره)في درسه الشريف في كتاب الصلاة.

(123)
أعني: الحدث ـ موضوع للحكم الشرعي ـ أعني: حرمة مسّ المصحف ـ دون الأحكام ـ أعني: الوجوب ـ فلا يصحّ وراء استصحاب الوجوب استصحاب الطلب الجامع بين الوجوب والاستحباب، لعدم كونه مجعولاً.
يلاحظ عليه: بأنّ جعل الفرد نفس جعل الجامع، فإنشاء الوجوب في عالم الاعتبار عين إنشاء الطلب.

هل أنّ أحد الاستصحابين يغني عن الآخر؟

إذا كان الكلّي موضوعاً لحكم والفرد موضوعاً لحكم آخر، مثلاً: إذا نذر التصدّق بدرهم إن كان في البيت إنسان، وبدينار إذا كان في البيت زيد. فلا شكّ أنّ استصحاب الكلّي لا يغني عن استصحاب الفرد، أي لا يترتّب عليه أثر الفرد كدفع الدرهم دون الدينار، وإلاّ يصير أصلاً مثبتاً لوجود الملازمة بين وجود الجامع ووجود الفرد عقلاً، فلا يترتب الأثر ـ التصدّق بدينار ـ على المستصحب ـ أعني: بقاء الإنسان ـ لتوسط الأمر العقلي بينه وبين الأثر الشرعي، وهو أنّ الكلي لا يتحقّق إلاّ في ضمن الفرد.
إنّما الكلام في العكس فهل يغني استصحاب الفرد عن استصحاب الكلّي بمعنى ترتّب كلا الأثرين على استصحاب الفرد؟ فيه خلاف.
يظهر من المحقّق الخراساني كفاية استصحاب الفرد عن استصحاب الكلّي، قال: فإن كان الشكّ في بقاء ذاك العامّ من جهة الشكّ في بقاء الخاصّ الذي كان في ضمنه وارتفاعه، كان استصحابه كاستصحابه، بلا كلام.(1)

1 . كفاية الأُصول: 2/311.

(124)
هذا ما في «الكفاية» إلاّ أنّه خالف رأيه في تعليقته على فرائد الشيخ فلم ير كفاية استصحاب الفرد عن استصحاب الكلّي، قائلاً: بأنّ الفرد وإن كان عين الكلّي بالدقة إلاّ أنّه غيره.(1)
واختاره سيدنا الأُستاذ(رحمه الله) قائلاً: بأنّ حيثية الكلّي غير حيثية الخصوصيات الفردية في عالم الاعتبار ومقام تعلّق الأحكام بالموضوعات، فإيجاب إكرام كلّ إنسان غير إيجاب إكرام زيد وعمرو، فالحكم تعلّق في الأوّل بحيثية إنسانية كلّ فرد وهو غير الخصوصيات الفردية، فإسراء الحكم من أحد المتّحدين ـ في الوجود والمختلفين في الحيثية ـ إلى الآخر، بالاستصحاب، لا يمكن إلاّ بالأصل المثبت.(2)
ويظهر هذا أيضاً من المحقّق الاصفهاني حيث قال: إنّ مقتضى الدقّة أنّ التعبّد بالشيء لا معنى له إلاّ التعبّد بأثره، ولا يعقل التعبّد بشيء والتعبّد بأثر غيره.(3)
يلاحظ على كلام العلمين: إنّ ما ذكراه يتمّ إذا كان الأثر مترتّباً على عنوان الإنسان، فلا يثبت باستصحاب الفرد، وأمّا إذا كان مترتّباً على مصداقه وواقعه فيثبت باستصحاب الفرد، لأنّ العلم بوجود زيد في البيت علم بأمرين: الإنسانية، والخصوصية الفردية، فاستصحاب الكلّ وإثبات أحد

1 . درر الفوائد في شرح الفرائد: 207، الطبعة الحجرية طبع عام 1318 هـ . وفيه شيء قريب ممّا نقلناه في المتن.
2 . رسائل الإمام الخميني:1/126.
3 . نهاية الدراية:5/136، طبع مؤسسة آل البيت(عليهم السلام).

(125)
جزئيه، ليس من الأُصول المثبتة، لأنّ العلم بالفرد، منحلّ إلى العلم بشيئين، والعلم بذات الطبيعي مندرج في العلم بالفرد، فلا يكون مثل هذا من قبيل استصحاب أحد المتّحدين وإثبات المتّحد الآخر، بل من قبيل استصحاب الكلّ وإثبات أحد الأجزاء.

القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلّي

إذا علمنا بوجود الكلّي في ضمن فرد مردّد بين متيقّن الارتفاع ومتيقّن البقاء، فلا يجوز استصحاب متيقّن الارتفاع ـ كما هو واضح ـ ولا متيقّن البقاء على فرض حدوثه، للشكّ في أصل وجوده ، فلم يبق إلاّ استصحاب الجامع بين متيقّن الارتفاع ومشكوك البقاء.
ثمّ إنّ أثر أحد الفردين بالنسبة للآخر تارة يكون من قبيل الأقل والأكثر، كما إذا أصاب ثوبه نجس مردّد بين الدم والبول، وغسله بالماء القليل مرّة، فلو كان المصيب دماً ارتفع أثره قطعاً، وإن كان بولاً بقي أثره، فيستصحب بقاء النجاسة الجامعة بين الدم والبول.
وقد يكون أثرهما متباينين، كما إذا شرب حيوان نجس من إناء وتردّد بين الكلب والخنزير، فعلى الأوّل يجب غسله مرتين مع التعفير، وعلى الثاني يجب غسله بالماء سبع مرات فقط بلا تعفير، فلو غسله بالماء القليل مرتين مع التعفير يستصحب بقاء نجاسة الإناء.
ومثله ما إذا اخرج بلل مردّد بين البول والمني فتوضّأ، فيستصحب بقاء الحدث.

(126)
ثمّ إنّ استصحاب الجامع إنّما يصحّ إذا كان موضوعاً للأثر كالنجاسة في المثالين المذكورين، وأمّا إذا كان الجامع غير موضوع للأثر المطلوب(1) في المقام كما في موضوع البلل المردّد بين البول والمني، فاستصحاب الجامع ـ أعني: الحدث ـ ليس موضوعاً لوجوب الاغتسال، وعندئذ تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال حيث إنّ الاشتغال اليقيني قبل الوضوء يقتضي البراءة اليقينية بدون الحاجة إلى الاستصحاب، فاغتنم.
وقد أثيرت على هذا القسم إشكالات نذكرها تالياً:

الإشكال الأوّل: اختلال أركان الاستصحاب

الاستصحاب عبارة عن جرّ الحالة السابقة المتيقّنة حدوثاً، المشكوكة بقاءً، ولكن الأمر في المقام على العكس حيث إنّ الفرد القصير متيقّن الارتفاع، والطويل مشكوك الحدوث والأصل عدمه، ومع نفي الفردين وجداناً أو بالأصل لا يبقى مجال لاستصحاب الكلّي; لأنّه متحقّق إمّا بين قطعي الارتفاع أو مشكوك الحدوث، المحكوم بالعدم.
وإلى هذا الإشكال أشار في «الكفاية» بقوله: «وتردّد ذاك الخاص الذي يكون الكلّي موجوداً في ضمنه بين متيقّن الارتفاع ومشكوك الحدوث المحكوم بعدم حدوثه»
والجواب: أنّ ما ذكر صحيح لكنّه يضرّ باستصحاب كلٍّ من الفرد الطويل والقصير، لكنّه لا يضرّ باستصحاب الكلّي مع قطع النظر عن الفردين،

1 . خرج كون الحدث موضوعاً لحرمة مسّ المصحف، وهو غير مطلوب في المقام.

(127)
لاجتماع شروطه فيه حيث إنّ حدوث الجامع قطعي وارتفاعه مشكوك.
وإلى الجواب أشار بقوله: «غير ضار باستصحاب الكلّي المتحقّق في ضمنه مع عدم إخلاله باليقين والشكّ في حدوثه وبقائه، وإنّما التردّد بين الفردين يضرّ باستصحاب أحد الخاصّين اللّذين كان أمره مردّداً بينهما لإخلاله باليقين الذي هو أحد ركني الاستصحاب».(1)

الإشكال الثاني: حكومة الأصل السببي على الأصل المسبّبي

إنّ الشكّ في بقاء الجامع وارتفاعه مسبّب عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل وعدمه، فبقاء الجامع معلول لحدوث الفرد الطويل، وعدمه معلول لعدم حدوثه، فبجريان الأصل العدمي في ناحية الفرد الطويل، يرتفع الشكّ في ناحية الجامع فيحكم عليه بالارتفاع والنفي بعد نفي الفرد.
وإلى هذا الإشكال أشار المحقّق الخراساني بقوله: وتوهّم كون الشكّ في بقاء الكلّي الذي في ضمن ذاك المردّد مسبباً عن الشكّ في حدوث الخاصّ، المشكوك حدوثه، المحكوم بعدم الحدوث، بأصالة عدمه فاسد قطعاً.(2) وسيأتي وجه الفساد في كلامه.
فإن قلت: إنّ الأصل في جانب الفرد الطويل مُعارَضٌ بالأصل الآخر في ناحية الفرد القصير، فتكون أصالة عدم حدوث الفرد الطويل معارضة بأصالة عدم حدوث الفرد القصير.

1 . كفاية الأُصول: 2/311.
2 . كفاية الأُصول: 2/311.

(128)
قلت: الأصل في جانب الفرد القصير فاقد للأثر الشرعي للعلم بزواله، فلا حاجة في نفيه بالأصل بعد العلم الوجداني، فانحصرت الساحة بجريان الأصل في ناحية الفرد الطويل.
وأمّا الجواب عن الإشكال الثاني فقد أجاب عنه صاحب الكفاية وغيره بثلاثة أجوبة نذكرها مع التوضيح:
1. أنّ بقاء الكلّي وإن كان مسبباً عن كون الحادث هو الفرد الطويل، ولكنّ ارتفاعه ليس من لوازم عدم حدوثه، لأنّ عدم حدوثه لا يلازم ارتفاع الحيوان، بل ارتفاع الحيوان مسبب عن كون الحادث هو الفرد القصير وليس له حالة سابقة حتى يستصحب كون الحادث هو الفرد القصير ويترتّب عليه ارتفاع بقاء الحيوان.
وبالجملة فالمستشكل خلط بين بقاء الكلّي وارتفاعه، فبقاء الكلّي مترتّب على كون الحادث هو الفرد الطويل، ولكن ارتفاعه من آثار شيء آخر، وهو كون الحادث الفرد القصير. ووجه ذلك: أنّ الكلّي أعمّ والفرد الطويل أخصّ، ونفي الأخصّ لا يدلّ على نفي الأعمّ، ولعلّ هنا حيواناً آخر يتحقّق الكلّي في ضمنه.
وإلى هذا الجواب أشار المحقّق الخراساني بقوله: لعدم كون بقاء الكلّي وارتفاعه من لوازم حدوث الفرد الطويل وعدم حدوثه، بل من لوازم كون الحادث المتيقّن، ذاك المتيقّن الارتفاع (أو البقاء)(1).

1 . كفاية الأُصول:2/312. (والظاهر أنّ كلمة «أو البقاء» بعد «الارتفاع» لا حاجة لها لولا أنّها مخلّة، ولذلك التجأ المحقّق المشكيني إلى توضيح العبارة).

(129)
2. أنّ الأصل السببي إنّما يكون حاكماً على المسبّبي إذا كان بينهما تعدّد واثنينية، كاستصحاب طهارة الماء المسبوق بالطهارة، الحاكم على نجاسة العباءة بعد غسلها بالماء المذكور، فإنّ استصحاب الطهارة يكون حاكماً على استصحاب نجاسة العباءة بعد الغسل، وأمّا المقام فالجامع (الحيوان) نفس الفرد وجوداً وعدماً، فليس بين الجامع والفرد ـ وجوداً وعدماً ـ سببية ومسببية، لأنّ الطبيعي عين فرده، وإلى هذا الجواب أشار صاحب الكفاية بقوله: مع أنّ بقاء القدر المشترك إنّما هو بعين بقاء الخاصّ الذي في ضمنه لا أنّه من لوازمه.(1)
3. أنّ الأصل السببي إنّما يكون حاكماً على المسببي إذا كانت بينهما ملازمة شرعية، كما في المثال المذكور، فإنّ استصحاب طهارة الماء المغسول به الثوب النجس، يلازم شرعاً طهارة الثوب المتنجس سابقاً، وذلك لقوله(عليه السلام)المقتنص من الأدلّة: «كلّ نجس غسل بماء طاهر فهو طاهر» ; وأمّا المقام فترتّب وجود الجامع على وجود الفرد، وعدمه على عدمه، ترتّب عقلي لا شرعي.
وإلى هذا الجواب أشار في «الكفاية» بقوله: على أنّه لو سلم أنّه من لوازم حدوث المشكوك(الطويل) فلا شبهة في كون اللزوم عقلياً.(2)
بقي هنا أمران:
الأوّل: يمكن أن يقال: لا حاجة في موارد العلم الإجمالي إلى

1 . كفاية الأُصول :2/312.
2 . نفس المصدر.

(130)
الاستصحاب، بل قاعدة الاشتغال تكفي في بعث الإنسان إلى تحصيل اليقين، ففي البلل المردّد بين البول والمني ثبت اشتغال الذمّة بكسب الطهارة قطعاً، فإذا توضّأ يشكّ في حصول ما في ذمّته من تحصيله، فيبعثه العقل إلى تحصيل اليقين بالاغتسال.
ومنه تظهر الحال في الإناء الذي شرب منه حيوان مردّد بين الكلب والخنزير، فقد علم بنجاسة الماء على وجه الإجمال فيشكّ في ارتفاعها بغسلها مرتين مع التعفير، وصرف الشكّ في الرفع ـ مع العلم الإجمالي ـ كاف في لزوم تحصيل العلم التفصيلي بغسله سبع مرّات.
وبالجملة فالحاجة إلى الاستصحاب في مورد علم تفصيلاً ثم زال علمه بالشكّ فيستصحب إلى زمان تحصيل العلم بالخلاف، بخلاف المورد المحفوف بالعلم الإجمالي فإنّه كاف في البعث إلى تحصيل اليقين، فلا حاجة إلى الاستصحاب، فتدبّر.
الثاني: أنّه يمكن أن يقال: لا حاجة إلى استصحاب الكلّي، بل يكفي استصحاب بقاء الفرد المبهم، كبقاء الطائر المردّد بين العصفور والغراب، فتشير إلى ذاك الفرد المبهم، وتحكم ببقائه، فتدبّر.

تطبيقات

إنّ دراسة القواعد دون تطبيق لا يفيد الطالب إلاّ بشيء طفيف، ولذلك يجب أن تطبق القواعد على الموارد الفقهية حتى يمارس الدارس كيفية ردّ الفرع على الأصل واستنباطه منه، ولذلك نذكر كما في غسل العباءة النجسة

(131)
بالماء المحكوم بالطهارة لأجل الاستصحاب ; لأنّ من آثار طهارة الماء طهارة المغسول به، وأمّا المقام فنفي الجامع بنفي الفرد الطويل أثر عقليّ له لا شرعي ; لأنّ العقل حاكم بانتفاء الجامع بانتفاء الفرد.
إنّ ملكة الاجتهاد ليست أمراً دفعياً يحصل دفعة واحدة، وهي كسائر الملكات العلمية والسلوكية، إنّما تحصل بالممارسة التدريجية حتى يصل إلى القمة منها، ولذلك يجب على مدرسي الأُصول بعد دراسة كلّ مسألة طرح مسائل فرعية حتى يقوم الطالب بحلها على ضوء القاعدة التي درسها،ولذلك نطرح هنا مسائل سبع لها صلة بالقسم الثاني من استصحاب الكلّي، وهي:
1. لو كان متطهّراً وخرج منه بلل مردّد بين البول والمني، فلا شكّ أنّ العلم الإجمالي منجّز ; لأنّه محدث للتكليف على كلّ تقدير، فلو كان الحدث هو الأصغر يجب عليه الوضوء، ولو كان هو الأكبر يجب عليه الغسل، فالعقل يحكم بالجمع بينهما خروجاً عن الاشتغال العقلي، وإنّما يكون المورد مثالاً لاستصحاب القسم الثاني فيما إذا توضّأ دون أن يغتسل، فيكون أمر الحدث دائراً بين قطعي الارتفاع (الحدث الأصغر) و قطعي البقاء (الحدث الأكبر).
فعلى ما ذكرنا فقاعدة الاشتغال كافية في البعث إلى الاغتسال من دون حاجة إلى استصحاب الحدث، ولكنّ القوم (على خلاف القاعدة) يعتمدون على استصحاب الحدث ويرتبّون عليه وجوب الاشتغال.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قاعدة الاشتغال حاكمة على استصحاب الاشتغال.

(132)
وثانياً: أنّ الاغتسال لازم عقلي لاستصحاب الحدث وليس لازماً شرعيّاً، نعم أثره الشرعي هو حرمة مسّ الكتاب، والمكث في المساجد، وغير ذلك.
2. لو كان محدثاً بالحدث الأصغر وخرج منه بلل مردّد بين البول والمني، فالعلم الإجمالي هنا غير منجّز ; لأنّه غير محدث للتكليف على فرض كون البلل بولاً، ومحدثاً له على فرض كونه منيّاً، فالأصلان غير متعارضين ; لأنّه لا تجري أصالة عدم حدوث الأصغر للقطع به، فتبقى أصالة عدم حدوث الأكبر سائدة بلا معارض فيكتفي بالوضوء، لأنّ سببه متيقّن وسبب الغسل مشكوك الحدوث.
3. إذا علم أنّه محدث بالحدث الأكبر ثم خرجت منه رطوبة مردّدة بين البول والمني، فهذا العلم الإجمالي غير منجز أيضاً لعدم كونه محدثاً للتكليف على كلتا الصورتين، أمّا بالنسبة للحدث الأصغر فالمفروض أنّه محدث بالحدث الأكبر فهو كامن فيه، فلا معنى لأن يقال أصالة عدم الحدث الأصغر بعد كونه محدثاً بالأكبر.
وأمّا بالنسبة للحدث الأكبر فالأصل ساقط للعلم بوجوبه، فتكون النتيجة هي وجوب الغسل.
4. لو كانت الحالة السابقة مجهولة وخرج منه بلل مردّد بين البول والمني فهذه الصورة شبهة مصداقية للصور الثلاث السابقة ; لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون متطهّراً فيجب الجمع، أو محدثاً بالحدث الأصغر فيجب الوضوء،

(133)
أو بالأكبر فيجب الغسل، والاشتغال اليقيني يقتضي الجمع بينهما وأنّ التوضّؤ غير كاف.
5. إذا تردّدت نجاسة شيء بين الذاتية والعرضيّة، كالصوف المردّد بين كونه صوف خنزير، أو صوف غنم متنجّس، فلو غسله يتردّد الأمر بين كونه قطعيّ الارتفاع وقطعي البقاء، فيرجع إلى استصحاب الجامع بين النجاستين للعلم بالجامع في زمان واحد.
6. لو شكّ في نجاسة صابون لاحتمال اتّخاذه من دهن حيوان غير مذكّى، فبما أنّ الشبهة موضوعية يحكم بطهارته، ثمّ إذا عرضت عليه النجاسة وأُزيلت، فهل يجري استصحاب النجاسة بوجه كلّي، لأنّه من قبيل تردّد الجامع بين تحقّقه بين فرد مقطوع الارتفاع (النجاسة الوضعية) ومقطوع البقاء(النجاسة الذاتية)، أو لا يجري؟
والتحقيق هو الثاني; لأنّه إنّما يجري إذا كان علم بالجامع في زمان واحد، كما في مسألة الصوف وإن كان مردّداً بين كونه نجساً ذاتياً أو عرضياً، بخلاف المقام ففي طرف احتمال النجاسة الذاتية لم يكن أيّ احتمال للنجاسة العرضية فضلاً عن العلم بها، وعند عروض النجاسة العرضية القطعية، كان الصابون محكوماً بالطهارة من ناحية النجاسة الذاتية، وإن كان محكوماً بالنجاسة العرضية، فإذا أُزيلت أُزيل الفرد والجامع المتحقّق فيه.

(134)

7. الشبهة العبائية

إذا علم بنجاسة أحد طرفي العباءة ثم غسل طرفها الأعلى ومسح بيده المبللة كلا الطرفين، فلو قلنا بجريان استصحاب النجاسة على الوجه الكلّي، يلزم الحكم بنجاسة اليد مع أنّها لاقت مشكوك النجاسة ومقطوع الطهارة، ففساد النتيجة دليل على فساد الأصل، ومن البيّن أنّ زيادة الفرع على الأصل غير معقول.
وقد أُجيب عن الشبهة بوجوه مختلفة أوضحها ما يلي:
1. أنّ القول بنجاسة اليد الملاقية مبني على حجّية الأصل المثبت; لأنّ المستصحب لا يخلو إمّا أن يكون النجاسة الكلّية المفهومية دون أن تتصف بالوجود وتتحقّق في الخارج، أو يكون المستصحب هو النجاسة المتحقّقة الموجودة في الخارج.
أمّا الأوّل فأدلّة الاستصحاب منصرفة عنه ; لأنّها وردت لمعالجة الشبهات الخارجية المتحقّقة، وأمّا المفاهيم المتجرّدة عن الوجود لا صلة لها بعمل المستنبط والمقلّد.
وأمّا الثاني فلازم بقاء النجاسة المتيقّنة بعد غسل الأعلى عقلاً، هو نجاسة الطرف الأسفل حتى تترتّب عليه نجاسة اليد، ومن المعلوم أنّ استصحاب النجاسة الخارجية لا يثبت شرعاً كون النجاسة في طرف الأسفل، فبين المستصحب (أي وجود النجاسة في العباءة) والأثر الشرعي (أي نجاسة الملاقي) يتوسط أمر عقلي وهو كون النجاسة في الطرف الأسفل لا الأعلى، لأنّه طاهر وجداناً.

(135)
2. تعدّد القضية المشكوكة والقضية المتيقّنة ; لأنّ العلم بالنجاسة كان قائماً بتردّدها بين الطرفين، فإذا غسل الطرف الأعلى يتعيّن الاحتمال في الطرف الأسفل، فعندئذ يمكن أن يقال: إنّ القضية المشكوكة غير المتيقّنة فلا يجري الاستصحاب، ومع ذلك كلّه يجب الاجتناب عن الطرف الأسفل بحكم العقل، فإنّ العلم الإجمالي السابق كاف لإيجاب الاجتناب عن الطرف الأسفل أيضاً، نظير ذلك ما إذا أراق أحد الإناءَين المشتبهين، فاستصحاب النجاسة غير تامّ لتغاير القضيتين، ومع ذلك يجب الاجتناب عن الآخر (المملوء) بحكم العلم الإجمالي الأوّل.
وقد أوعزنا فيما سبق أنّ أكثر موارد القسم الثاني مشمول لقاعدة الاشتغال دون حاجة إلى الاستصحاب.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ استصحاب الكلّي في القسم الأوّل لا غبار عليه، والثاني أيضاً مثله بشرط عدم إغناء قاعدة الاشتغال عن الاستصحاب، وقد تكرر بيان ذلك منّا في هذا القسم.

القسم الثالث من استصحاب الكلّي

ومورد هذا القسم هو الشكّ في بقاء الكلّي لأجل احتمال قيام فرد آخر مقام الفرد المعلوم الارتفاع، وله صور:
الأُولى: إذا كان الشكّ في بقاء الكلّي لأجل احتمال معيّة فرد مع الفرد المعلوم الارتفاع، كما إذا علمنا بوجود زيد في الدار، ولكن احتملنا مصاحبة عمرو معه في ذلك الوقت، ثمّ علمنا بخروج زيد فيستصحب بقاء الإنسان بعد الشكّ.

(136)
الثانية: تلك الصورة ولكن احتملنا قيام فرد مقامه عند خروجه، كما إذا علمنا بخروج زيد واحتملنا دخول الآخر إلى البيت عند خروجه.
الثالثة: إذا كان الشكّ في بقاء الكلّي لأجل احتمال حدوث مرتبة من مراتب وجودها بعد العلم بارتفاع مرتبة أُخرى، كما إذا علمنا بارتفاع السواد الشديد واحتملنا حدوث مرتبة ضعيفة، أو ارتفاع السواد بعامّة مراتبه.
وقبل دراسة حكم هذه الصور نذكر الأقوال في جريان الاستصحاب في هذا القسم وهي أربعة:

الأوّل: جريانه مطلقاً

وهو خيرة شيخنا العلاّمة الحائري في «الدرر» قائلاً بأنّ الميزان وجود اليقين بالشيء والشكّ فيه عرفاً، وهو حاصل.

الثاني: عدم الجريان مطلقاً

وهو خيرة المحقّق الخراساني لما سيوافيك من الدليل.

الثالث: جريانه في الصورة الأُولى دون الثانية

وهو خيرة الشيخ الأنصاري حيث فصّل بين الصورتين.

الرابع: عدم الجريان في الصورتين الأُوليين وجريانه في الثالثة

إذا عرفت الأقوال فلندرس أحكام الصور واحدة بعد الأُخرى.

(137)

الصورة الأُولى

ربما يقال بجريان الاستصحاب ببيان أنّ العلم بوجود الفرد الخاصّ في الخارج يلازم العلم بحدوث الكلّي فيه، وبارتفاع الفرد الخاصّ يشكّ في ارتفاع الكلّي، وذلك لاحتمال قيام فرد آخر مكانه لأجل مصاحبته معه، فلم تختل أركان الاستصحاب من اليقين السابق والشكّ اللاحق.
يلاحظ عليه: بأنّ المستصحب لا يخلو إمّا أن يكون هو الإنسان المجرّد عن الوجود، أو الإنسان المتحلّي بالوجود.
أمّا الأوّل فأخبار الاستصحاب منصرفة عنه لأنّها بصدد معالجة الشبهات الخارجية التي يواجهها المجتهد، فتعيّن الثاني، ومن المعلوم أنّ الكلّي الموجود في ضمن زيد غير الموجود في ضمن عمرو، فكيف يمكن القول بوحدة القضية المشكوكة مع المتيقّنة؟
وتسميته كلّياً أو جامعاً أو قدراً مشتركاً، بمعنى صلاحيته لانتزاع مفهوم كلّي أو جامع أو قدر مشترك، وإلاّ فالمستصحب حسب الفرض شيء متحقّق في الخارج، غاية الأمر لا تلاحظ خصوصياته، ومثله لا يسمّى كلّياً وإن صحّ عدّه منشأ لانتزاعه.
وقد تقرّر في محلّه أنّ الإنسان الطبيعي يتكثّر بتكثّر الأفراد، وأنّ نسبته إليها نسبة الآباء إلى الأبناء لا نسبة الأب الواحد إلى الأولاد، فعلى هذا فإنسانية زيد في الخارج غير إنسانية عمرو، فكيف يمكن أن يحكم باستمرار بقاء الإنسان ووجوده في ضمن الفرد الآخر المحتمل.

(138)
والظاهر أنّ القائل بجريان الاستصحاب خلط بين الوحدة المفهومية والوحدة المصداقية، فالإنسان واحد بالنوع، كثير بالمصداق، والمستصحب هو الثاني لا الأوّل.

الصورة الثانية

إذا كان احتمال بقاء الكلّي مستنداً إلى قيام فرد آخر عند زواله فقد ذهب الشيخ إلى عدم جريانه في هذه الصورة مع أنّه لا فرق بين الصورتين، لما عرفت من أنّ أدلّة الاستصحاب ناظرة إلى المصاديق دون المفاهيم والمصاديق متكثّرة، سواء أكان الفرد المشكوك مع زيد في البيت أو ناب عنه، لأنّ إنسانية كلٍّ تغاير إنسانية الآخر.
نعم لو قلنا بمقالة الرجل الهمداني في الكلّي الطبيعي من أنّه واحد شخصي قائم بجميع الأفراد،لكان لما ذكره وجه، لأنّ الإنسان عندئذ واحد بالعدد قائم بعامّة المصاديق.
وبذلك عُلم الفرق بين القسم الثاني والثالث من أقسام استصحاب الكلّي، فإنّ الباقي في الأوّل نفس الحادث المتيقّن لتردّد الفردين القصير والطويل، فلو كان الحيوان هو الفرد الطويل يكون الموضوع في القضية المشكوكة نفس الموضوع في القضية المتيقّنة، بخلاف المقام فإنّ المتيقّن فرد والمشكوك فرد آخر.
ثمّ إنّ بطلان الأصل يُعرف من بطلان بعض الفروع المترتّبة عليه، وإليك بعض الأمثلة:

(139)
1. لو قام من النوم واحتمل جنابته فيه فتوضّأ، فعلى القول باستصحاب الحدث يلزم الاغتسال، مع أنّه لا يلتزم به فقيه.
2. لو علم أنّه مدين لزيد بعشرة دنانير، ولكن يحتمل أن يكون الدين هو لكن مع إضافة حُقّة من الحنطة، فلو أدّى العشرة فلازم بقاء الدين باستصحابه، لزوم أداء حُقّة من الحنطة، مع أنّه لا يلتزم به فقيه.

الصورة الثالثة

إذا احتمل تبدّل الفرد المتيقّن ـ حدوثاً وارتفاعاً ـ إلى مرتبة من مراتبه وعدم تبدّله، فهل يجري استصحاب الكلّي أو لا؟ كما إذا كان هناك سواد شديد فعلمنا بارتفاعه، ولكن نحتمل تبدّله إلى السواد الخفيف أو إلى البياض. ومثاله في الأحكام الشرعية ما إذا علمنا بكون الشخص كثير الشكّ، ووقفنا بارتفاعه ولكن احتملنا انقلابه إلى المرتبة الخفيفة منه، فهل يصحّ استصحاب كونه كثير الشكّ بلا تقيّد بالمرتبة أو لا؟ ذهب الشيخ الأعظم والمحقّق النائيني إلى الجريان، والمحقّق الخراساني إلى خلافه.
والظاهر، التفصيل بين عدّ المرتبة المشكوكة غير مغايرة عرفاً مع السابقة بحيث تعدّ استمراراً لوجود المرتبة السابقة، وبين خلافه. وعلى ذلك يصحّ الاستصحاب في مجالي السواد وكثرة الشكّ; لأنّ السواد الضعيف عند العرف ليس فرداً مغايراً في الوجود مع السواد الشديد وإن كان يختلف عنه في الحدّ، بل يعدّان شيئاً واحداً مختلفاً من حيث الحدّ، فليس الشديد والضعيف فردان منه، بل شيء واحد تختلف حالاته، ومثله كثرة الشكّ،

(140)
فالشكّ موضوع والكثرة والقلّة من حالاته، وليس منه إذا علمنا بوجوب شيء ثمّ علمنا بارتفاعه واحتملنا كونه محكوماً بالاستحباب، فليس لنا استصحاب الطلب; لأنّ الوجوب والندب فردان مغايران للطلب.
وبما ذكرنا تبيّن جريان استصحاب الكلّي في القسم الأوّل بلا إشكال، وعدم جريانه في القسم الثاني لإغناء قاعدة الاشتغال عنه فلا حاجة إليه، كما تبيّن في ضمن الأمثلة المذكورة، وعدم جريانه في الصورتين الأُوليين من القسم الثالث وجريانه في الصورة الثالثة فقط.

القسم الرابع من استصحاب الكلّي

إذا علم بوجود إنسان في الدار وفي الوقت نفسه علم بوجود قارئ فيها حيث سمع قراءته ولكن احتمل قيام العنوانين بوجود واحد أو بوجودين.
إن قلت: ما الفرق بين هذا القسم والقسمين المتقدّمين؟
قلت:أمّا الفرق بين هذا القسم والقسم الثاني فهو أنّ الفرد الذي قام به الجامع فيه، مردّد بين نوعين كالعصفور والغراب، بخلاف المقام فإنّ الفرد معيّن من حيث النوع وهو أنّه إنسان.
وأمّا الفرق بينه وبين القسم الثالث فهو وحدة العلم في الثالث وتعدّده هنا، حيث تعلّق علم بوجود فرد معيّن وتعلّق علم آخر بوجود القارئ فيه لكن يحتمل انطباقه على هذا الفرد.
وأمّا مثاله الشرعي فلو علمنا بالجنابة يوم الخميس وقد اغتسلنا منها ثم

(141)
رأينا يوم الجمعة منيّاً في الثوب فعلم بكوننا جنباً لخروج هذا المني، ولكن نحتمل أن يكون هذا المني من الجنابة التي اغتسل منها، أو يكون من غيرها كالاحتلام ليلة الجمعة، فيستصحب مطلق الجنابة مع إلغاء الخصوصية.(1)
أقول: إنّ هذا القسم غير صحيح موضوعاً وحكماً ومثالاً واستدلالاً.
أمّا الأوّل ـ أي عدم تماميته موضوعاً ـ : فلأنّه ليس قسماً مستقلاًّ بل هو نفس القسم الثالث ; وذلك لأنّه هناك وإن كان يوجد علم ثان وهو وجود القارئ في البيت، لكنّه ليس دخيلاً في تعدّد الموضوع، بل هو سبب للعلم بوجود الإنسان أيضاً في البيت يحتمل وحدة العنوانين أو تعدّدهما.
وبعبارة أُخرى: المستصحب في كلا القسمين هو الإنسان لاحتمال بقائه فيه وإن خرج الفرد الأوّل، لكنّ منشأ الاحتمال مختلف، ففي القسم الثاني منشؤه احتمال وجود فرد معه من أوّل الأمر، وفي القسم الرابع سماع قراءة القارئ يحتمل تغايره مع الفرد الأوّل أو وحدته، والاختلاف في سبب الاحتمال لا يكون سبباً لتكثير الأقسام.
وأمّا الثاني ـ أعني: عدم تماميته حكماً ـ : فهو لأنّ أخبار الاستصحاب ناظرة إلى الأُمور الخارجية والمصاديق الواقعية، فيقضى ويبرم فيها، وأمّا المفاهيم المعرّاة عن الوجود كمفهوم الإنسان فهو خارج عن مصبها، وعلى ضوء ذلك فالمتيقّن هو الإنسان الموجود لا مفهوم الإنسان.
ومن المعلوم أنّ الإنسان الموجود قد خرج من البيت، وصيانة هذا

1 . أشار إلى هذا القسم المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه (قسم الطهارة): 1 / 205، الطبعة الأُولى.

(142)
المتيقّن باحتمال وجود فرد آخر أشبه بالقياس، أي إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر.
وأمّا الثالث ـ أي عدم تمامية المثال في هذا القسم ـ : فهو لاختلافه مع الممثل، ففي الممثل تعلّق العلم الأوّل بوجود الإنسان والعلم الثاني تعلّق بوجود القارئ، أو القرشي في عبارة السيد الخوئي، وأمّا المقام فمتعلّق العلمين هو الجنابة حيث علم بجنابة يوم الخميس واغتسل منها ثم لمّا رأى المني في ثوبه علم بالجنابة بعد خروج هذا المني، لكن احتمل وحدة السببين أو تعدّدهما، وعلى كلّ تقدير فمتعلّق العلمين شيء واحد.
وأمّا الرابع ـ أي الإشكال على الاستدلال ـ : فلأنّ المورد من قبيل الشبهة المصداقية لحديث: «لا تنقض اليقين بالشكّ» وذلك لأنّ الجنابة المشاهدة يوم الجمعة لا تخلو من حالتين:
الأُولى: أن تكون أثراً للجنابة الحاصلة يوم الخميس، فبما أنّه اغتسل منها يكون الموضوع من قبيل نقض اليقين باليقين.
الثانية: أن تكون أثراً لجنابة جديدة تحقّقت ليلة الجمعة عند النوم، فبما أنّه لم يغتسل منها يكون من قبيل نقض اليقين بالشكّ فيكون المورد شبهة مصداقية لإحدى القضيتين، إمّا نقض اليقين باليقين أو نقض اليقين بالشكّ، ومعه كيف يمكن أن يتمسّك بالقضية الثانية.
***

(143)

تنبيهات

5

استصحاب الزمان والزمانيات

والأُمور القارّة المقيّدة بالزمان
هذا التنبيه منعقد لبيان الاستصحاب في الأُمور التدريجية، ولها أقسام ثلاثة:
1. استصحاب نفس الزمان إذا كان معنوناً بعنوان وجودىّ ككونه ليلاً أو نهاراً.
2. استصحاب الأمر غير القارّ بالذات كالحركة وجريان الماء وسيلان الدم، وبقاء التكلّم والمشي، فإنّ ذات الأفعال في هذه الأمثلة أُمور متدرجة بالذات، منقضية بالطبع.
3. استصحاب الأمر القارّ بالذات، المقيّد بالزمان، كالجلوس في المسجد إلى الظهر إذا شكّ في بقاء الوجوب بعد الظهر أيضاً، فيقع الكلام في هذه المواضع:

(144)

الموضع الأوّل: جريان الاستصحاب في نفس الزمان

إذا كان الزمان معنوناً بعنوان وجودي كالنهار والليل، ووقع موضوعاً لحكم شرعي، كوجوب الإمساك في النهار وجواز الإفطار في الليل. فإذا شككنا في بقائهما فهل يصحّ استصحابهما لترتّب الحكم الشرعي أو لا؟
مثلاً إذا كان النهار غائماً والليل مضيئاً كما هو الحال في الليالي المقمرة، وشككنا في بقاء النهار والليل فهل يجوز استصحابهما لترتّب الأحكام الشرعية أو لا؟
الظاهر جواز الاستصحاب لتحقّق أركانه فيه، من وجود اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء، وعلى ذلك تترتّب عليهما الآثار المترتّبة على النهار أو الليل.
وقد استشكل على هذا الاستصحاب بأُمور:

الإشكال الأوّل: عدم تصوّر البقاء فيه

إنّ الزمان شيء غير قارّ الذات، فلا يتصوّر فيه البقاء ; لأنّ سنخ وجوده هو التدرّج والوجود بعد العدم، وما هذا شأنه لا يتصوّر فيه البقاء وليس الليل والنهار إلاّ عنوانين طارئين على الزمان يكون حكمهما حكم الزمان.
وإن أردت توضيح الإشكال فلندرس حقيقة الزمان، فإنّ فيه أقوالاً:
1. أنّه أمر موهوم وليس له حقيقة ولا واقعية.
2. أنّه ظرف لفعل الله سبحانه حيث خلق الزمان ثم خلق الأشياء فيه.

(145)
والقولان ضعيفان لا يدعمان بالبرهان بل الدليل على خلافهما.
3. إنّ الحركة عبارة عن خروج الشيء من القوة إلى الفعل، كخروج الحبة التي هي قوة الشجرة إلى صيرورتها شجرة، أو خروج القطار من المبدأ إلى المنتهى ; والأوّل مثال للحركة الجوهرية، والثاني للحركة الانتقالية أي الحركة الأينية.
ولمثل هذه الظاهرة حيثيتان ينتزع من إحداهما الحركة ومن الآخر البعد الزماني، فبما أنّ أجزاء وجود الشيء متشتّتة متفرقة غير مجتمعة، بل متفرقة بين المبدأ والمنتهى تسمّى حركة.
وبما أنّ هذا الخروج ليس أمراً دفعياً، بل رهن صبر وأناة ينتزع منه المدة والزمان.
فليست الحركة والزمان أمرين مختلفين بل ظاهرة واحدة بوجودها يرسم كلا الأمرين: الحركة والزمان.
وبذلك يعلم أنّ كلّ حركة تولّد زماناً من غير فرق بين حركة قصيرة أو حركة طويلة.
فتحريك اليد من نقطة إلى نقطة يولد زماناً، كما أنّ حركة الأرض والشمس تولدان الزمان كذلك.
غير أنّ الإنسان يحسب أعماله مع الحركات العامّة كحركة الشمس أو الأرض حيث يجعلها مقياساً و زماناً لسائر أفعاله، وإلاّ فالزمان لا ينفك عن الحركة في أي مورد من الموارد.

(146)
إذا علمت ذلك فلنعود إلى الإجابة عن الإشكال، وقد أُجيب عنه بوجهين:
1. ما أجاب به شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري(رحمه الله) بأنّه لو كان الشكّ في البقاء معتبراً في الاستصحاب، أمكن أن يقال: إنّ مثل الزمان والزمانيات المتصرّمة خارجة عن العنوان المذكور، لعدم تصوّر البقاء لها إلاّ بالمسامحة العرفية، لكن هذا العنوان لم يرد في الأدلّة، بل يكفي اليقين بالشيء والشكّ فيه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ لفظ البقاء وإن لم يرد في الأدلّة لكنّه مستفاد منها، إذ لولا تصوّر البقاء في جانب الشكّ يلزم توارد اليقين والشكّ على شيء واحد وهو غير معقول، فلابدّ من رفع المحذور بجعل متعلّق اليقين هو الحدوث ومتعلّق الشكّ هو البقاء.
أضف إلى ذلك: أنّه يلزم أن تكون قاعدة اليقين والاستصحاب قاعدة واحدة مع أنّهما قاعدتان.
2. أنّ الزمان يلاحظ على صورتين:
الأُولى: ملاحظته بصورة أجزاء متفرقة ومتصرّمة يأتي جزء بعد انعدام جزء، ففي هذا النظر لا يتصوّر له بقاء.
الثانية: ملاحظته كأمر واحد متّصلة أجزاؤه، أشبه بوجود إنسان تمر حياته بمراحل من الصبا إلى الشباب إلى الكهولة، ومع ذلك فهو موجود

1 . درر الأُصول:2/176.

(147)
واحد ولذلك لو شككنا في بقاء حياته لاستصحبنا استمرار وجوده، ولا يضرّنا تعدّد المراحل التي مرّ بها، وهكذا الزمان (كالنهار) فيلاحظ بأنّه ظاهرة تتحقّق بطلوع الشمس وتنتهي بغروبها، فإذا شككنا في بقائه يحكم ببقائه.
فالمستشكل خلط بين حكم العقل وحكم العرف، فالعقل الفلسفي لا يحكم بالبقاء ولكن النظر العرفي يثبت به البقاء.
وبعبارة أُخرى: إنّ لكلّ شيء بقاءً خاصّاً يناسب كيفية وجوده.

الإشكال الثاني: عدم بقاء الموضوع

إنّ من شرائط جريان الاستصحاب بقاء الموضوع، إذ لولاه لعاد الاستصحاب قياساً، ويكون من قبيل إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر، وبما أنّ الزمان أمر غير قارّ الذات متصرّم الحقيقة، فالجزء الموصوف بالنهار المتيقّن غير الجزء المشكوك كونه نهاراً.
يلاحظ عليه: أنّه ليس إشكالاً جديد، بل تكرار للإشكال السابق وهو عدم تصوّر البقاء; أضف إلى ذلك ما سيوافيك أنّ الشرط وحدة القضيتين عرفاً لا بقاء الموضوع .

الإشكال الثالث: الاستصحاب مثبت

إنّ استصحاب بقاء الليل والنهار يتصوّر على وجهين:
الأوّل: استصحابه على نحو القضية التامّة بأن يقال: كان الليل موجوداً والأصل بقاء الليل.

(148)
الثاني: استصحابه على نحو القضية الناقصة، بأن يقال: هذا الجزء كان نهاراً والأصل بقاؤه.
أمّا الأوّل: فهو وإن كان له حالة سابقة لكن لا يثبت كون الجزء المشكوك نهاراً حتى يترتب عليه أثره الشرعي وهو حرمة الإفطار، أو جواز إقامة الصلاة أداءً.
وبعبارة أوضح أنّ هنا أُموراً ثلاثة:
أ. المستصحب: بقاء النهار.
ب. اللازم العقلي للمستصحب: هذا الجزء من النهار.
ج. الأثر الشرعي للاّزم العقلي: حرمة الافطار أو جواز إقامة الصلاة أداءً.
فاستصحاب النهار لا يثبت الأثر الشرعي للاّزم العقلي.
يلاحظ عليه: خفاء الواسطة، حيث إنّ العرف يرى أنّ حرمة الإفطار مترتّبة على بقاء النهار، من دون حاجة إلى إثبات كون هذا الجزء نهاراً، وإن كان الأثر الشرعي في الواقع من آثار الواسطة.
وأمّا الثاني: أي استصحابه على نحو القضية الناقصة بأن يقال: إنّ هذا الجزء كان موصوفاً بالنهارية والأصل بقاؤه، ومن المعلوم أنّه فاقد للحالة السابقة إذ لم يكن هذا الجزء موجوداً في زمان سابق موصوفاً بالنهارية حتى يُشكّ في بقائه على هذا الوصف.

(149)
يلاحظ عليه: أنّ الإشكال مبني على فصل أجزاء النهار بعضها عن بعض، فعندئذ يأتي الإشكال، وأمّا على فرض أنّ النهار عند العرف موجود واحد متّصل من طلوع الشمس إلى غروبها فيصح لنا الاستصحاب على نحو القضية الناقصة، بأن يقال: إن هذا الجزء كان موصوفاً بالنهارية قبل ساعة، والآن نشكّ في بقاء الوصف، فالأصل بقاؤه. لأنّ الجزء المشكوك بقاء للجزء السابق عند العرف.
إلى هنا ظهر جواز استصحاب الزمان إذا كان معنوناً بعنوان وجودي و موضوعاً للحكم، ومعه لا حاجة إلى بعض الاستصحابات التي أُشير إلى بعضها في الكفاية، نظير:
1. استصحاب عدم الغروب أو عدم الطلوع.
يلاحظ عليه: أنّه مثبت، حيث لا يثبت كون الجزء المشكوك نهاراً أو ليلاً، ولو أُجيب بخفاء الواسطة فلا حاجة إليه بعد جواز استصحاب النهار أو الليل.
2. استصحاب وجوب الإمساك أو جواز الأكل.
يلاحظ عليه: أنّه استصحاب حكميّ لا تصل النوبة إليه مع وجود الاستصحاب الموضوعي.
3. ما ذكره بعضهم وهو استصحاب المقيّد، فيقال: كان إمساكي قبل هذا الآن في النهار، والآن كما كان، ثم أمر بالتأمّل.
وجه التأمّل: أنّه يترتّب عليه قولنا: كانت صلاتي هذه واقعة في النهار،

(150)
ومن المعلوم أنّ ترتّب هذه الجملة على ما ذكره، عقلي لوجود الملازمة العقلية بين قولنا: كانت صلاتي واقعة في النهار والآن كما كان، وبين قولنا: فصلاتي واقعة في النهار، والاستصحاب التعليقي إنّما يصح إذا كانت الملازمة شرعية.

الموضع الثاني: جريان الاستصحاب في الزمانيات

المراد من الزمانيات هو الأفعال التدريجية التي لا تجتمع أجزاؤها في زمان واحد، وهذا كنبع الماء وقذف الرحم الدم، ومشي الإنسان وتكلّمه، فهذه الأُمور يطلق عليها الزمانيات تارة، والتدريجيات أُخرى.
وقد علمت أنّ تحقّق تمام الفعل إذا كان رهن صبر وأناة هو منشأ لانتزاع الزمان، وبما أنّ هذه الأفعال لا تنتهي إلاّ بالصبر والإناة، فكأنّ الزمان داخل في جوهرها ولذلك يطلق عليها الزمانيات.
فإذا شكّكنا في استمرار أمر تدريجي متيقّن الحدوث فيجوز استصحابه كما ذكرنا في السابق من أنّ الوحدة الشخصية حاكمة على الأُمور التدريجية إمّا حقيقة ـ كما في نبع الماء ـ أو عرفاً ـ كما في التكلّم ـ فإذا تمّت الوحدة العرفية يصدق عليها اليقين في الحدوث والشكّ في البقاء، من غير فرق بين كون الشكّ في الرافع أو الشكّ في المقتضي.
أمّا الأوّل: كما إذا حصل اليقين بنبع الماء وشككنا في استمراره لأجل احتمال وقوع هزّة في الجبل سبّبت امتلاء الطريق بالطين، أو كان من قبيل الشكّ في المتيقّن، كما إذا شككنا في مقدار الماء في الخزّان، فهل كان

(151)
مقداره عشرة أكرار أو أقل، فيستصحب جريان الماء لو قلنا بجريانه في الشكّ في المقتضي.
ومن هذا القبيل ـ أي الشكّ في المقتضي ـ فيما إذا أحرزنا وجود الداعي لقراءة سورة قصيرة ثم شككنا في حدوث داع آخر لاستمرار القراءة فيستصحب بقاء القراءة، والاختلاف في الدواعي لا يحدث اختلافاً في القراءة، فالقراءة لو استمرت فهي قراءة واحدة من غير فرق بين تحقّقها بداع أوّل أو بداع آخر.
نعم هذا ليس قسماً مستقلاً، بل هو من مقولة الشكّ في المقتضي.
ثمّ إنّ المحقّق الثاني اختار عدم جواز الاستصحاب، فيما إذا احتمل طروء داع آخر ـ بعد إنهاء مقتضى الداعي الأوّل ـ والاستمرار في السير. قائلاً: بأنّ وحدة السير عرفاً بوحدة الداعي فيتعدد السير بتعدده، فيُشكّ في حدوث فرد آخر للسير مقارن لارتفاع الفرد الأوّل عند احتمال قيام داع آخر في النفس بعد القطع بارتفاع ما كان مقدّماً في النفس.
يلاحظ عليه: أنّ بقاء كلّ شيء بحسب نفسه، فالسير، سواء أكان على فرسخين أو على أربع، سير واحد، واختلاف الدواعي لا يورث تعدد السير، والمقام أشبه بخيمة تقوم بدعامتين واحدة بعد الأُخرى، فقيام الدعامة الثانية مكان الأُولى لا يجعلها متعدّدة.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أشار إلى تصوير استصحاب الكلّي بأقسامه الثلاثة في المقام وقال: إنّ استصحاب بقاء الأمر التدريجي إمّا أن يكون من

(152)
قبيل استصحاب الشخصي، أو من قبيل استصحاب الكلّي بأقسامه; فإذا شكّ في أنّ السورة المعلومة ـ التي شرعت فيها ـ تمّت قراءتُها أو بقي شيء منها، صحّ استصحاب الجزئي والكلّي وإذا شكّ فيه من جهة تردّدها بين القصيرة والطويلة كان من القسم الثاني، وإذا شكّ في أنّه شرع من (سورة) أُخرى مع القطع بأنّه قد تمّت الأُولى، كان من القسم الثالث.

الموضع الثالث: استصحاب الأمر القارّ المقيّد بالزمان

إذا كان الفعل قارّاً بالذات غير تدريجي الوجود، كالجلوس في المسجد، فتعلّق الوجوب به إلى الظهر، وقال: اجلس في المسجد إلى الظهر، ثم شككنا في بقاء الوجوب بعد حصول الغاية.
ثمّ إنّ الفرق بين هذا الموضع والموضع الأوّل واضح، فإنّ الكلام فيما سبق إنّما هو في الشكّ في تحقّق الغاية، أي انقضاء النهار أو الليل وعدمهما، ولذلك طرحنا البحث عنه في الموضع الأوّل، وأمّا المقام فالشكّ فيه في ثبوت الحكم بعد العلم بتحقّق الغاية، كما لو علمنا بدلوك الشمس ومع ذلك نشكّ في بقاء الحكم بسبب من الأسباب.
وبذلك تعرف الخلط الموجود في كلام الخراساني حيث أدخل البحث عن الموضع الأوّل في الموضع الثالث، فلاحظ.
ثمّ إنّ قولنا: اجلس في المسجد إلى الظهر يحتمل أُموراً ثلاثة:
1. أن تكون الغاية قيداً للموضوع بأن يكون معنى الجملة: الجلوس المقيّد بـ(إلى الظهر) واجب.

(153)
2. أن يكون قيداً للحكم بأن يكون معنى الجملة: الجلوس يجب إلى الظهر.
3. أن تكون الغاية ظرفاً للحكم دون أن تكون قيداً لأحدهما.
أمّا الأوّل: فلا يجري فيه الاستصحاب لاستلزامه إسراء حكم موضوع(الجلوس إلى الظهر) إلى موضوع آخر (الجلوس بعد الظهر).
وأمّا الثاني: فهو أيضاً مثل الأوّل ولكن بدليل آخر وهو: أنّ مفهوم الغاية دليل اجتهادي يدلّ على ارتفاع الحكم بالدلالة المفهومية، فلا موضوع للاستصحاب.
فانحصر الكلام في الثالث: أي إذا كان ظرفاً للحكم، فيحتمل بقاء الحكم بعد حصول الغاية أيضاً، وهذا هو محط النزاع; فالظاهر جريان الاستصحاب فيه لاحتمال تعدّد المطلوب، فالمولى ذكر المطلوب الأوّل في الدليل اللفظي وترك بيان المطلوب الثاني، لمصلحة رآها، فيحكم عليه بالبقاء.
ثمّ إنّ المحقّق النراقي ابتكر في المقام شبهة، حاصلها: أنّ استصحاب الحكم الشرعي المجعول معارض باستصحاب عدم جعله في الزمان المشكوك.
وأجاب عنه الشيخ الأنصاري وتبعه المحقّق الخراساني فصار هذا ذريعة لإنكار استصحاب الحكم الشرعي الكلّي من غير فرق بين كون القيد زماناً أو غيره، كالماء المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه.

(154)
فيلزم عقد تنبيه خاص لهذا الغرض، سواء أكان القيد الزائل هو الزمان أو غيره، وبذلك ظهر أنّ ما صنعه الشيخ وتبعه المحقّق الخراساني من جعل هذا التشبيه ذيلاً للتنبيه السابق، غير وجيه، بل اللائق لهذا البحث الوسيع وعدم اختصاصه بقيد الزمان، فتح فصل مستقل.

(155)
 

تنبيهات

6

في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية

إنّ المستصحب تارة يكون موضوعاً خارجياً، وأُخرى حكماً شرعيّاً جزئيّاً، وثالثة حكماً شرعيّاً كليّاً.
لا شكّ في جريان الاستصحاب في القسم الأوّل، حتّى عدّ المحدّث الاسترآبادي استصحاب الليل والنهار ممّا اتّفق عليه الفقهاء، كما لا شكّ في استصحاب القسم الثاني أيضاً، كما إذا علم بوجوب دفع درهم إلى زيد فشكّ في الامتثال فيستصحب الوجوب الجزئي، إنّما الكلام في استصحاب الحكم الشرعيّ الكلّي، نظير الأمثلة التالية:
1. إذا دلّ الدليل على أنّ الماء المتغيّر نجس، فلوزال تغيّره بنفسه يقع الكلام في بقاء النجاسة بعد ارتفاع القيد.
2. إذا ورد دليل على أنّه يحرم مس الحائض، فلو حصل النقاء ولم تغتسل يقع الكلام في بقاء حرمة المس.
3. المثال الذي ذكره الشيخ ; إذا قال: اجلس في المسجد إلى الزوال، فهل يجوز استصحاب وجوب الجلوس بعد الزوال أو لا؟

(156)
والفرق بين الأمثلة واضح لكون القيد في الأوّل هو التغيّر، وفي الثاني هو قذف الرحم،وفي الثالث هو الزمان، فيقع الكلام في استصحاب الحكم الشرعي الكلّي، فالأقوال هنا خمسة:
1. جريان الاستصحابين وتعارضهما. وهو خيرة المحقّق النراقي.
2. التفصيل بين كون القيد ظرفاً فيجري استصحاب الوجود، أو قيداً فيجري استصحاب العدم. وهو خيرة الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني.
3. عدم جريان الاستصحاب العدمي وجريان خصوص الاستصحاب الوجودي. وهو خيرة المحقّق النائيني.
4. جريان الاستصحابين العدمي والوجودي بلا منافاة بينهما. وهو خيرة شيخ مشايخنا العلامة الحائري، والسيد الأُستاذ (قدّس الله سرهما).
5. عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية أصلاً. وهو خيرة الأخباريين.
فلندرس الأقوال واحداً بعد الآخر.

القول الأوّل: جريان الاستصحابين وتعارضهما

ذهب المحقّق النراقي إلى جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلّي، لكن تكون النتيجة تعارض الاستصحابين، وقال: إذا علم أنّ الشارع أمر بالجلوس يوم الجمعة، وعلم أنّه واجب إلى الزوال، ولم يعلم وجوبه فيما بعده، فاستصحاب وجوبه بعده، معارض بعدم وجوبه مطلقاً قبل التكليف،

(157)
فخرج الجلوس قبل الزوال وبقي مابعده تحت عدم الوجوب الأزلي.(1)
وحاصل الاستدلال هو وجود التعارض بين جرّ وجوب الجلوس إلى ما بعد الزوال، واستصحاب عدم جعل الوجوب بتاتاً، لا قبل الزوال ولا بعده، خرج عنه، الجلوس إلى الزوال بالدليل الشرعي، فيُستصحب عدم الوجوب المطلق من بعد الزوال إلى الغروب.
وأجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان الشكّ في مقدار الاقتضاء دونما إذا كان الشكّ في الرافع. وإليك توضيح ما قال: إذا كان المقام من قبيل الشكّ في الرافع فلا مجال لاستصحاب العدم الأزلي; وذلك لأنّه بعد ما وقفنا على أنّ الوضوء سبب للطهارة المستمرة التي لا ترتفع إلاّ بما جعله الشارع سبباً، أو جعل ملاقاة النجس مع الماء القليل سبباً للنجاسة المستمرة، لا يكون هنا أيّ شكّ في المقتضي، ولو كان هنا شك فإنّما هو في الرافع، وهو هل المذي رافع للأمر المستمر أو أنّ إتمام الماء كرّاً رافع للنجاسة أو لا؟
فإذا كان كذلك، فليس هناك مجال إلاّ لاستصحاب الأمر المستمر المتيقّن سابقاً والمشكوك لاحقاً، ولا يصحّ التمسّك بعدم جعل الوضوء سبباً للطهارة بعد المذي، أو عدم جعل الملاقاة سبباً للنجاسة بعد الغسل مرة، إذ لا نشكّ في إنشاء الأمر المستمر من دون تحديده بحدّ.
وعلى ضوء ذلك فليس هناك شكّ في تأثير مقدار المقتضي، بل العلم

1 . فرائد الأُصول: 3 / 208 ـ 209 .

(158)
حاصل في أنّه أثر بلا تحديد وتقييد، وإنّما الشكّ في القاطع والرافع، فليس المرجع إلاّ أصالة عدم الرافع.(1)

القول الثاني: التفصيل بين كون الزمان ظرفاً أو قيداً

ذهب العلمان إلى أنّ المجرى هو لأحد الاستصحابين: إمّا الوجودي، وإمّا العدمي; وذلك لأنّ الزمان (الزوال) في مثال المحقّق النراقي، إمّا أن يكون ظرفاً فيجري فيه استصحاب وجوب الجلوس إلى مابعد الزوال ولا يجري استصحاب العدم الأزلي، لأنّه انتقض بالوجوب المطلق لا بالوجوب المقيّد إلى الزوال; وإمّا أن يكون قيداً مفرّداً للموضوع بحيث يكون الجلوس قبل الزوال موضوعاً والجلوس بعده موضوعاً آخر، فعند ذلك لا يجري استصحاب وجوب الجلوس لأنّه من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر، ويجري استصحاب العدم الأزلي لأنّ المنتقض موضوع خاصّ وهو الجلوس المقيّد بـ (إلى الزوال فقط)، فيجري الاستصحاب فيما وراءه.

نقد تفصيل الشيخ بعدم جريان الأمر الوجودي

ثم إنّ المحقّق الخوئي أنكر احتمال أن يكون الزمان المأخوذ في لسان الدليل ظرفاً، وقال بأنّه قيد دائماً. وعلى هذا يكون المورد صالحاً للاستصحاب العدمي دون الوجودي، وقال ما هذا حاصله: إنّ الإهمال في مقام الثبوت غير معقول، فالأمر بالشيء إمّا أن يكون مطلقاً، أو يكون مقيّداً

1 . كفاية الأُصول: 2 / 319، تحت عنوان: إزاحة وهم، بتوضيح منّا.

(159)
بزمان خاصّ، ولا نتصور الواسطة، ومعنى كونه مقيّداً بزمان خاصّ عدم وجوبه بعده، فأخذ الزمان ظرفاً للمأمور به ـ بحيث لا ينتفي المأمور به بانتفائه في مقابل أخذه قيداً للمأمور به ـ ممّا لا يرجع إلى معنى معقول، فإنّ الزمان بنفسه ظرف لا يحتاج إلى الجعل التشريعي، فإذا أُخذ زمان خاص في المأمور به فلا محالة يكون قيداً له، فلا معنى للفرق بين كون الزمان قيداً أو ظرفاً، فإنّ أخذه ظرفاً ليس إلاّ عبارة أُخرى عن كونه قيداً.(1)
يلاحظ عليه: أنّ معنى كون الزمان بل مطلق القيود ظرفاً ليس بمعنى عدم مدخليته حدوثاً وبقاءً وإلاّ يكون أخذه في لسان الدليل لغواً، بل المراد مدخليته حدوثاً لا بقاءً، مقابل مدخليته حدوثاً وبقاءً، ويظهر ذلك في سببية تغيّر الماء فإنّها تتصوّر على وجهين:
1. أن يكون مؤثراً مادام موجوداً فيكون دخيلاً حدوثاً وبقاءً.
2. أن يكون مؤثراً حيناً ما، سواء بقي أم لم يبق.
فعلى الأوّل لا يجوز استصحاب النجاسة، لفقدان الموضوع (الماء المتغيّر) ; وعلى الثاني يصحّ استصحابه، لأنّ الموضوع الماء إذا حدث فيه التغيّر.
وإن شئت قلت: إنّ القيود على قسمين: تقيدية، وتعليلية. فعلى الأوّل يكون الحكم دائراً مدار وجودها، وعلى الثاني يسري الحكم وإن لم تكن موجودة.

1 . مصباح الأُصول:3/131.

(160)
وبذلك تظهر كيفية الاستصحاب في الحائض إذا حصل النقاء ولم تغتسل، فلو كان الموضوع هو الحائض بمعنى من تقذف الدم فلا يمكن استصحاب الأحكام المترتبة عليه إذا حصل النقاء وإن لم تغتسل.
وأمّا لو كان الموضوع مَن حاضت ولو في فترة قصيرة كثلاثة أيام، فهو محكوم بأحكام خاصّة إلى أن تغتسل.
***

إحياء نظرية المحقّق النراقي

كان كلام المحقّق الخوئي مركّزاً على عدم جريان الاستصحاب الوجودي واختصاص المورد باستصحاب العدم الأزلي، لكنّه حاول تصحيح جريان كلا الاستصحابين ببيان جديد غير بيان النراقي وقال: إنّ لحكم الشرعي مرحلتين:
1. مرحلة الإنشاء والجعل.
2. مرحلة الفعلية والتحقّق.
أمّا الأُولى: فهي عبارة عن إنشاء الحكم على العنوان إذا لم يكن هناك مصداق له، كإنشاء وجوب الحج على المستطيع مع عدم مصداق له.
وأمّا الثانية: فهي عبارة عن تحقّق الموضوع، أي وجود المستطيع مع عامة شرائطه. هذا وبإمكاننا أن نعبّر عن الأُولى بمرحلة الجعل، وعن الثانية، بمرحلة المجعول.

(161)
إذا عرفت هذا فنقول: إنّ الشكّ في المجعول في الشبهات الحكمية على قسمين:
أ. ما كان الزمان مفرِّداً للموضوع، وكان الحكم انحلاليّاً، كحرمة وطء المرأة الحائض حسب أفرادها، وكوطئها قبل النقاء أو بعده قبل الاغتسال، ففي مثله لا يجري استصحاب الحرمة، لأنّ الفرد المحقّق بعد النقاء وقبل الاغتسال لم تعلم حرمته من أوّل الأمر، فيكون الاستصحاب في المقام من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر.
ب. ما إذا لم يكن الزمان مفرِّداً للموضوع، أو لم يكن الحكم انحلاليّاً، كنجاسة الماء القليل المتمَّم كرّاً، فإنّ الماء شيء غير متعدّد حسب امتداد الزمان في نظر العرف، ونجاسته حكم مستمر لكنّه مبتلى بالمعارض، فلنا يقين متعلّق بالمجعول، ويقين متعلّق بالجعل، فبالنظر إلى المجعول يجري استصحاب النجاسة، وبالنظر إلى الجعل يجري استصحاب عدمها، إذ المتيقّن جعلها للماء النجس غير المتمَّم كرّاً، وأمّا جعلها مطلقاً حتى للقليل المتمَّم فهو مشكوك فيه، فيستصحب عدمه، فتقع المعارضة بين بقاء المجعول وعدم الجعل، ومثله استصحاب الملكية والزوجية إذا رجع البائع وشككنا في بقاء الملكية به، أو طلَّق الزوج بلفظ نشكّ في كونه صيغة طلاق، مثل قوله: أنتِ خلية. فباعتبار المجعول يجري استصحاب الملكية والزوجية، وباعتبار الجعل يجري استصحاب عدمهما، ويكون المقام من قبيل الأقلّ والأكثر ويجري الأصل في الأكثر.(1)

1 . مصباح الأُصول:3/37ـ39.

(162)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تفسير الحكم الإنشائي والفعلي بما ذكر خلاف ما هو المصطلح الدارج من عصر الشيخ إلى يومنا هذا، فالحكم الإنشائي هو الحكم المجعول الذي لم يصل إلى حد الإعلام للناس، والفعلي هو الحكم المجعول الذي بلّغه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على نحو لو تفحَّص المكلّف مظانّ الحكم لوصل إليه.
فالحكم الشرعي الذي بلّغه الرسول ولم يعثر عليه المكلّف، فعلي غير منجّز، فإذا وقف عليه أو على طريقه صار الحكم منجّزاً.
وثانياً: أنّ لازم ما ذكره القول بعدم جريان استصحاب عدم النسخ، مثلاً اتّفق الفريقان على مشروعية المتعة قبل عام الفتح، أو عام خيبر، فادّعت السنّة منسوخيتها، والشيعة على استمرارها أخذاً بأصالة عدم النسخ، مع أنّ لازم ما ذكره عدم جريانه لأنّ الأصل عدم جعل الجواز عليها بعد عام الفتح، مع أنّ استصحاب عدم النسخ مما اتّفق عليه الأخباري والأُصولي كما نقله الشيخ الأعظم في فرائده عن الأمين الاسترابادي.(1)
وثالثاً: أنّ الجمع بين استصحابيّ الجعل والمجعول خروج عن محط البحث، حيث جعل مركز النزاع فيما إذا لم يكن الزمان مفرّداً للموضوع أو لم يكن الحكم انحلاليّاً، ومثل نجاسة الماء القليل المتمَّم كرّاً. وعلى ذلك فاستصحاب المجعول مبني على أخذ الجلوس بما هو موضوعاً للحكم حتى يصحّ استصحابه إلى ما بعد الزوال، ولكن استصحاب عدم الجعل مبني على جعل الزماني مفرّداً للموضوع، ويقسم الجلوس إلى ما قبل الزوال

1 . فرائد الأُصول: 3 / 116 ـ 117 .

(163)
موضوعاً ومابعده موضوعاً آخر، ويقال: إنّ القدر المتيقّن هو الأوّل دون الثاني، وهو نفس أخذ الزمان قيداً وجعله فرداً مستقلاً. وعلى ما ذكر فلا تصل النوبة إلى الأصلين في ظرف واحد.

القول الثالث: جريان خصوص الاستصحاب الوجودي

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ المورد صالح للاستصحاب الوجودي دون العدمي، حتى ولو كان الزمان قيداً، وحاصل ما أفاد هو ما يلي:
إنّ العدم الأزلي هو العدم المطلق الذي يكون كلّ حادث مسبوقاً به، وانتقاض هذا العدم بالنسبة إلى كلّ حادث إنّما يكون بحدوث الحادث وشاغليّته لصفحة الوجود، فلو ارتفع الحادث بعد وجوده، فهذا العدم غير العدم الأزلي، بل هو عدم آخر حادث بعد وجود الشيء.
وذلك لأنّ العدم المقيّد بقيد خاص من الزمان أو الزماني إنّما يكون متقوّماً بوجود القيد، كما أنّ الوجود المقيّد بقيد خاص إنّما يكون متقوّماً بوجود ذلك القيد، ولا يعقل أن يتقدّم العدم أو الوجود المضاف إلى زمان خاصّ عليه، بل يكون العدم بعد الزوال كالوجود المقيّد به، ويكون قوامه وتحقّقه بعد الزوال، ولا يكون له تحقّق قبل الزوال فلا يمكن استصحاب العدم بعد الزوال إلاّ إذا آن وقت الزوال، ومن المعلوم ليست لهذا العدم المقيّد حالة سابقة آن وقت الزوال.
فتكون النتيجة: أنّ العدم المطلق وإن كان ذا حالة سابقة، لكنّه انتقض بوجوب الجلوس إلى الزوال، وأمّا العدم المضاف إلى الزوال الذي لا يتحقّق

(164)
إلاّ بتحقّق الزوال فليس له حالة سابقة إلاّ بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.(1)
يلاحظ عليه: أنّ حدوث كلّ فرد مسبوق بعدم نفسه مقتضى كونه أمراً ممكناً، فكما أنّ وجوب الجلوس إلى الزوال مسبوق بالعدم، فهكذا وجوب الجلوس بعد الزوال مسبوق بعدم نفسه، وما ذكره من أنّ هذا العدم إنّما يتحقّق عند الزوال فهو خلط بين العدم المضاف إلى الزوال والعدم المقيّد بالزوال، فالأوّل أزلي سابق والثاني عدم مقارن مع الزوال وليس أزلياً، والمستصحب هو الأوّل دون الثاني.
ومع ذلك فما اختاره المحقّق النائيني هو الموافق للتحقيق لكن بدليل آخر وهو: أنّ أدلّة الاستصحاب لا تشمل استصحاب العدم الأزلي، ولا يُعدُّ عدمُ الاعتداد بهذا النوع من اليقين نقضاً له، وذلك لأنّ الظاهر من الأدلّة هو الأمر بحفظ اليقين في الأُمور التي لها مساس بالحياة العملية سواء أكانت أمراً تكوينياً أم تشريعياً، فلو تعلّق اليقين بواحد من هذه الأُمور فلا يصحّ نقضها.
وأمّا الأمر الخارج عن هذا الإطار والذي يرجع إلى ما قبل الخلقة، فلا يشمله قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» ولا يعدّ عدم العمل به نقضاً لليقين، لأنّ المفروض أنّ المتيقّن هو الأُمور الخارجة عن إطار الحياة العملية.
وبالجملة: إنّ استصحاب العدم الأزلي وإن كان فرداً عقلانياً لليقين ولكنّه ليس فرداً عقلائياً عرفياً له، ولذلك لا يتبادر من أدلّة الاستصحاب هذا الفرد من اليقين والمتيقّن.

1 . فوائد الأُصول:4/445ـ446.

(165)
وبذلك تبيّن أنّه لا يجري في المورد إلاّ الاستصحاب الوجودي.

القول الرابع: جريان الاستصحابين بلا تعارض

ذهب شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري والسيد الأُستاذ ـ قدس سرهما ـ إلى جريان الاستصحابين من دون تعارض بينهما، إذ لا مانع من أن يكون الجلوس بما هوهو واجباً، كما هو مقتضى الاستصحاب الوجودي، وبما هو جلوس مقيّد بالزوال إلى المغرب غير واجب، وباختلاف الموضوعين، يختلف الحكمان، فالجلوس في الاستصحاب الوجودي مأخوذ بما هوهو وبما أنّه استمرار للجلوس السابق من دون نظر استقلالي إليه حتى يصحّ استصحاب الحكم السابق، ولكنّه في استصحاب العدم الأزلي أُخذ منقطعاً عن السابق ومحدّداً بالزوال إلى المغرب وجُعِل موضوعاً للوجوب، ومن المعلوم أنّ الحكم بعدم وجوب المقيّد لا ينافي الحكم بوجوب المطلق. نعم لو حكم على المقيّد بالحرمة لا يصحّ الحكم على المطلق بالوجوب; لأنّ المقيّد من أقسام المطلق.
ومع ذلك كلّه ليس للعبد ترك الجلوس بعد الزوال محتجّاً بعدم وجوب المقيّد; وذلك لأنّه لا تزاحم بين الحكمين، فللمولى أن يحتجّ على العبد بالاستصحاب الوجودي.

القول الخامس: عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلّي

ذهب الأخباريون وعلى رأسهم الأمين الاسترآبادي إلى عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلّي مطلقاً محتجّاً بوجهين:

(166)
الأوّل: أنّ مصبّ روايات الاستصحاب هو الشبهات الموضوعية، كما هو الحال في الصحاح الثلاثة لزرارة، ومعه كيف يمكن التمسّك بالاستصحاب في غير موردها؟
يلاحظ عليه: أنّ المورد غير مخصّص وأنّ الملاك في جريان الاستصحاب إتقان اليقين وإبرامه، وموهونية الشكّ ووهنه من دون فرق بين مورد ومورد.
الثاني: أنّ استصحاب الحكم الكلّي أشبه بالقياس ; لأنّ الموضوع لو كان باقياً لا حاجة إلى الاستصحاب، بل الدليل الاجتهادي كاف لإثبات الحكم، وإن لم يكن موجوداً فإثبات الحكم عليه أشبه بإسراء الحكم من موضوع إلى موضوع مثل القياس، وإذا قام الدليل على أنّ الماء المتغيّر نجس، فلو كان التغيّر باقياً لا حاجة إلى الاستصحاب، وإن زال التغير اختلف الموضوع، فكيف يمكن الحكم عليه بالنجاسة ببركة الاستصحاب مع أنّه أشبه بالقياس؟!
أقول: إنّ ما ذكره من الدليل شبهة قوية سنرجع إليها في التنبيه القادم.

(167)
 

تنبيهات

7

جريان الاستصحاب في الحكم التعليقي

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:
الأوّل: أنّ الحكم الشرعي إمّا تنجيزي كقوله: الماء طاهر أو الغنم حلال، أو تعليقي: كتعليق حرمة العصير العنبي بالغليان، سواء أكان التعليق في ضمن الجملة الخبرية، كما إذا قال: العصير العنبي حرام إذا غلى ; أو في الجملة الإنشائية، كما إذا قال: اجتنب عن العصير العنبي إذا غلى، وقد مرّ في الجزء الأوّل بأنّ القيود راجعة إلى الهيئة، وعلى ذلك فالحرمة المنشأة، مقيّدة بالغليان.
الثاني: أنّ الشكّ في الحكم الشرعي يتصوّر على قسمين: تارة يكون الشكّ متعلّقاً بسعة الجعل، كما إذا احتملنا اختصاص مشروعية حلّية المتعة إلى عام الفتح فقط فيستصحب فيه استمرارها إلى ما بعد عام الفتح، ويؤيده استصحاب عدم النسخ، وهذا ما لا خلاف فيه ; وأُخرى تعلم سعة الجعل وشموله لعامة الأزمان ولكن ربما يحصل التغيّر في موضوع الحكم فيشكّ في بقاء الحكم، كزوال التغيّر عن الماء المتغيّر أو صيرورة العنب زبيباً.
الثالث: العناوين المأخوذة في دليل الحكم على أقسام ثلاثة:

(168)
أ. ما يكون الحكم دائراً مداره، كما إذا قال: الكلب نجس والخمر حرام، فلو انقلبا إلى الملح والخل ارتفع الحكمان.
ب. ما يدور الحكم مادام ذات الشيء موجوداً وإن ذهب عنوانه، كالحنطة فهو حلال ومملوك وإن صار دقيقاً أو خبزاً.
ج. ما يشك في أنّه من أي القسمين كالماء المتغيّر حيث نشك أنّ الموضوع هو الماء المتغيّر مادام متغيّراً أو الموضوع ذات الماء إذا تغيّر ولو لحظة واحدة، فهذا القسم هو مصبّ الاستصحاب لإثبات استمرار الحكم على القول بالاستصحاب فيه ـ كما مرّ ـ .
الرابع: المثال المعروف لاستصحاب الحكم المعلّق قولهم: العنب حرام إذا غلى، فلو طرأ التغيّر في جانب الموضوع وصار زبيباً، فيقع الكلام في استصحاب الحرمة التعليقية بحجّة أنّ الرطوبة والجفاف من حالات الموضوع، كالخبز الناعم واليابس.
ولكن المثال في غير محلّه، إذ لم يقع العنب في لسان الدليل موضوعاً للحكم حتى يقع الكلام في استمرار الحكم إذا صار زبيباً، بل الوارد: العصير العنبي إذا غلى، وعلى ذلك فيختصّ بغليان ماء العنب بحيث يكون المغليّ هو العصير ولا يشمل الزبيب إذا غلى ; لأنّ المغليّ فيه هو الماء الخارجي لا العصير لافتراض كونه جافاً. ولا التمر إذا غلى بالماء ولذلك أفتى في «العروة» بالحلّية وتبعه أصحاب التعاليق إلاّ نادراً فاحتاط بالحرمة حتى يذهب ثلثاه.
روى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «كلّ عصير أصابته

(169)
النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه».(1)
وروى حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لا يحرم العصير حتى يغلي».(2)
وعلى هذا فلم يقع العنب موضوعاً للحكم حتى يبحث في بقاء حكمه إذا صار زبيباً وجف ماؤه.
إنّ العصير العنبي إذا غلى بنفسه أو بالشمس فهو مسكر لا يطهر ولا يحلّ بالتثليث إلاّ إذا صار خلاً، وأمّا إذا غلى بالنار ونحوها فهو طاهر لكن يحرم شربه إلاّ إذا ذهب ثلثاه وقلّ ماؤه لئلاّ يتبدّل على مرّ الزمان مسكراً.
الخامس: أنّ أوّل مَن تمسّك بالاستصحاب التعليقي في حرمة العصير العنبي إذا صار زبيباً، السيد الطباطبائي المعروف ببحر العلوم، وردّ عليه تلميذه السيد علي صاحب «الرياض» في درسه، وذهب الشيخ الأعظم وتبعه المحقّق الخراساني إلى جريانه فيه، وخالفهما المحقّق النائيني. والمثال الصحيح هو ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قوله: «جنّبوا مساجدكم النجاسة»(3).
فالمستفاد من الحديث حكمان: أحدهما تنجيزي وهو حرمة تنجيسه، والآخر تعليقي وهو إزالة النجاسة إذا تنجّس.
فلو افترضنا أنّ مسجداً هدم وصار جزءاً من الشارع فهل يجوز

1 . الوسائل:17، الباب2 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1.
2 . الوسائل:17، الباب3 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث1.
3 . الوسائل:2، الباب24 من أبواب أحكام المساجد، الحديث2.

(170)
استصحاب الحكم التعليقي وهو إزالة النجاسة إذا تنجس، أو لا؟
ذهب المحقّق النائيني إلى التفصيل فحرّم تنجسيه ولم يوجب إزالة النجاسة; لأنّ الحكم الأوّل تنجيزي والثاني تعليقي حيث لا يصحّ استصحاب الحكم التعليقي.(1)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القائل بجريان الاستصحاب التعليقي استدلّ بأنّ أركان الاستصحاب تامّة. قال المحقّق الخراساني: لا ينبغي الإشكال فيما إذا كان مشروطاً معلّقاً، فلو شكّ في مورد لأجل طروء بعض الحالات عليه في بقاء أحكامه، ففيما صحّ استصحاب أحكامه المطلقة (كحرمة التنجيس) صحّ استصحاب أحكامه المعلّقة (إزالة النجاسة إذا تنجّس) لعدم الاختلال بذلك فيما اعتبر في قوام الاستصحاب من اليقين حدوثاً والشكّ بقاءً.

استصحاب الحكم التعليقي ومناقشات الأعلام

قد وقع استصحاب الحكم التعليقي في حلبة المناقشة بين الأُصوليّين، وقد أشكل عليه بوجوه ثلاثة نذكرها تباعاً، تبعاً للشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني، وهي:

الإشكال الأوّل:

لا واقعية للحكم التعليقي حتى يستصحب.
ذكر السيد محمد الطباطبائي المجاهد في مناهله في رد تمسّك السيد

1 . لاحظ تعليقته وتعليقة تلميذه السيد جمال الدين الكلپايكاني على «العروة الوثقى»، أحكام النجاسات، فصل لا يشترط في صحّة الصلاة إزالة النجاسة عن البدن، المسألة13.

(171)
العلاّمة الطباطبائي المعروف ببحر العلوم بالاستصحاب على حرمة العصير من الزبيب إذا غلى، ما هذا لفظه: يشترط في حجّية الاستصحاب ثبوت أمر أو حكم وضعي أو تكليفي في زمان من الأزمنة قطعاً، ثم يحصل الشكّ في ارتفاعه بسبب من الأسباب، ولا يكفي مجرد قابلية الثبوت باعتبار من الاعتبارات، فالاستصحاب التقديري باطل. وقد صرّح بذلك الوالد العلامة(قدس سره)في أثناء الدرس، فلا وجه للتمسّك باستصحاب التحريم (الحرمة) في المسألة.(1)
وقد أُجيب عنه بوجهين:
الأوّل: أنّ تحقّق كلّ شيء بحسبه، فالحكم التنجيزي موجود بالفعل، والحكم التعليقي له نوع ثبوت وتحقّق وهو أنّه لو غلى يحرم.
فالقضايا الصادقة سواء أكانت تنجيزية أم تعليقية، لا تخلو من ثبوت غير أنّ التنجيزي ثابت بالفعل من دون تربّص وجود شرط، بخلاف التعليقي فهو منجّز فيما لو تحقّق شرطه. والشاهد على ذلك أنّ المولى تارة يرى الضيف موجوداً فيأمر غلامه بإكرامه بلا قيد، وأُخرى يعلم بمجيئه غداً فيخاطب الغلام قبل وروده بقوله: أكرم زيداً إذا جاء، وبذلك يُتم الحجّة على غلامه، فلو لم يكرم الضيف عند مجيئه لعاقبه بنفس التكليف المعلّق، فلو كان المعلّق غير متحقّق بنحو من التحقّق لما كان وجه لمعاقبة الغلام.
يقول المحقّق الخراساني: إنّ المعلّق قبل الغليان لا يكون موجوداً فعلاً

1 . المناهل:652، كتاب الأطعمة والأشربة.

(172)
لا أنّه لا يكون موجوداً أصلاً، ولو بنحو التعليق.(1)
الثاني: أنّ المستصحب ليس هو الحكم التكليفي، أعني: الحرمة، حتى يُقال بأنّه لا وجود للمعلّق، وإنّما المستصحب هو الحكم الوضعيّ، أي الملازمة بين الغليان والحرمة، فنقول: كانت الملازمة بين العنب والغليان موجودة، فنشك في بقائها عند تبدّل العنب بالزبيب، وهي محقّقة وليست بمعدومة.
وأورد عليه المحقّق النائيني: بأنّ الملازمة والسببية لا تنالها يد الجعل الشرعي فلا يجري الاستصحاب فيها، لأنّه يشترط في المستصحب أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، وليست الملازمة منهما.
يلاحظ عليه: بأنّ الشرط اللازم في المستصحب أن يكون أمره بيد الشارع وضعاً ورفعاً، والملازمة أمرها بيد الشارع لأنّها منتزعة من حكمه بالحرمة عند الغليان، وهذا المقدار كاف لأن يحكم ببقائها بالاستصحاب، ولذلك ذهب المشهور إلى تعلّق الرفع الشرعي بالجزئية والشرطية مع أنّها أحكام منتزعة من تعلّق الوجوب بالشرط والجزء.
اللّهم إلاّ أن يقال: وجود الفرق بين تعلّق الرفع بشيء وكونه قابلاً للاستصحاب، فالشرط اللازم في الأوّل كونه أمراً شرعياً ولو باعتبار منشأ انتزاعه، كما هو الحال في الملازمة، وأمّا الشرط في جريان الاستصحاب فالشرط كونه موضوعاً لحكم شرعي والملازمة ليست كذلك، إذ الحرمة متعلّقه بالعنب، لا بالملازمة فتدبر.

1 . كفاية الأُصول:2/320.

(173)

تأييد المحقّق النائيني لدليل صاحب المناهل

إنّ الأعلام المتأخّرين كلّهم رفضوا استدلال صاحب «المناهل»، ولكن المحقّق النائيني حاول إحياء نظريته في كلام طويل هذه خلاصته:
الحرمة التعليقية غير موجودة حتى تستصحب في زمان الشكّ، وذلك لرجوع عامة الشروط إلى الموضوع فالاستطاعة والغليان وإن أُخذا في لسان الدليل شرطين للوجوب والحرمة لكن القيدين يرجعان إلى الموضوع وكأنّه قال: المستطيع يجب عليه الحج، والعصير المغليّ يحرم. ومن المعلوم أنّ نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلّة إلى المعلول، ولا يعقل أن يتقدّم الحكم على موضوعه، والموضوع للنجاسة والحرمة في مثال العنب إنّما يكون مركباً من جزأين: العنب والغليان، فقبل فرض الغليان لا يمكن فرض وجود الحكم، ومع عدم فرض وجود الحكم لا معنى لاستصحاب بقائه، لأنّه يعتبر في المستصحب نوع تقرر وثبوت له، فوجود أحد جزئي الموضوع المركّب كعدمه لا يترتّب عليه الحكم الشرعي ما لم ينضمّ إليه الجزء الآخر.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ ما اشتهر منه بأنّ كلّ شرط موضوع، وكلّ موضوع شرط، وبالتالي إرجاع القضايا الشرطية إلى القضايا الحملية، لا يمكن المساعدة عليه; وذلك لأنّ الشروط في عالم الثبوت على أقسام ثلاثة:
1. ما يكون قيداً للحكم، أي الوجوب، كدلوك الشمس لوجوب الظهر.

1 . فوائد الأُصول:4/467ـ 469.

(174)
2. ما يكون قيداً للمتعلّق، كما في قولك: في سائمة الغنم زكاة.
3. ما يكون قيداً للمكلّف، أي الموضوع كما هو الحال في الشرائط العامّة من العقل والبلوغ والقدرة.
ومع ذلك ـ أي كون الشرط على أقسام ثلاثة ـ كيف نجعل الأقسام الثلاثة قسماً واحداً؟
وإن شئت قلت: إنّ مدخلية الشروط مختلفة فتارة تكون مؤثرة في فعلية الحكم كدلوك الشمس، وأُخرى في كون المتعلّق ذا مفسدة أو مصلحة كسوم الغنم، أو كون المكلّف صالحاً للخطاب ككونه بالغاً عاقلاً، وعند ذلك كيف تكون على وزان واحد.
وثانياً: أنّ محطّ البحث هو بقاء القضية التعليقية بحالها، وأنّه هل يجوز استصحابها أو لا؟ وأمّا منع الاستصحاب لأجل إرجاع القضايا التعليقية إلى التنجيزية، وجعل الشرط جزء الموضوع، وبالتالي عدم فعلية الحكم لعدم تمامية الموضوع فهو خروج عن موضوع البحث، لأنّ المستصحب حسب الفرض هو الحكم الشرعي التعليقي لا الحكم التنجيزي حتى يعتذر بعدم الفعلية لأجل فقدان بعض أجزاء الموضوع.
إلى هنا تمّ الكلام في الإشكال الأوّل، وإليك دراسة الاشكالين الآخرين في المقام.

(175)

الإشكال الثاني: الاستصحاب التعليقي معارض للتنجيزي

إنّ استصحاب الحرمة المعلّقة بعد صيرورة العنب زبيباً، يعارضه استصحاب الطهارة والحلّية الثابتتين للعنب قبل الغليان حيث كان العنب قبله حلالاً، فصار زبيباً وغلى، فنشكّ في بقاء الحلّية السابقة، والأصل بقاؤه.
وقد أُجيب عنه بوجهين:
الأوّل: ما أفاده الشيخ من حكومة استصحاب الحرمة ـ على تقدير الغليان ـ على استصحاب الإباحة قبل الغليان .(1)
توضيحه: أنّ الشكّ في بقاء الحلّية السابقة وعدمها نابع عن الشكّ في كيفية جعل الحرمة للعنب المغليّ وأنّ الشارع هل رتّبها على العنب المغليّ بجميع مراتبه التي منها صيرورته زبيباً أو رتّبها على بعض مراتبه وهو كونه عنباً غير جاف، فإذا ثبت بالاستصحاب التعليقي بقاء الحرمة وأنّها مترتّبة على العنب بعامّة مراتب وجوده، لزال الشكّ في بقاء الحلّية.
وأورد عليه بأنّ الأصل السببي إنّما يكون حاكماً على المسببي إذا كان الترتّب بينهما شرعياً، بمعنى أن يكون التعبّد بالأصل السببي، تعبّداً بنقض الأصل المسببي كما هو الحال في غسل ثوب نجس قطعاً بماء مستصحب الطهارة، فإنّ التعبّد ببقاء الطهارة في الماء نقض لبقاء النجاسة في الثوب لقولهم: كلّ نجس غسل بماء طاهر فهو طاهر.
وأمّا المقام فيفقد هذا الشرط، فإنّ التعبّد ببقاء الحرمة شرعاً ليس تعبّداً

1 . فرائد الأُصول :3/223 .

(176)
بنقض الحلّية إلاّ عقلاً، حيث إنّ العقل يحكم بعدم اجتماع الضدّين، وأنّ التعبّد بأحدهما يلازم التعبّد بعدم الآخر.
يلاحظ عليه: أنّ التعبّد بوجود أحد الضدّين وإن كان لا يلازم التعبّد بعدم الضدّ الآخر، لكن يستثنى منه ما إذا كان التعبّد بوجود الضدّ، عين التعبّد بعدم الآخر عرفاً ـ كما في المقام ـ فإنّ التعبّد ببقاء الحرمة المعلّقة عين التعبّد بإلغاء احتمال الحلّية، إذ لا معنى لكون الشيء حراماً، مع احتمال كونه حلالاً، ففي مثله يكون الأصل المثبت حجّة.
ثمّ إنّه يمكن تقرير الحكومة بوجه آخر، وهو أنّه لا شكّ أنّ الدليل الاجتهادي الدالّ على الحرمة عند الغليان مقدّم على الدليل الدالّ على الحلّية قبل الغليان، فإذا كان هذا حال الدليلين فليكن كذلك حال الاستصحابين، بمعنى أنّ الدليل الأوّل ـ بضميمة الاستصحاب ـ يكون مقدّماً على الدليل الثاني مع الاستصحاب ; لأنّ وزانه في الجميع واحد.
وبعبارة أُخرى: الاستصحاب بالنسبة إلى كلّ دليل متمّم لحكمه، وعندئذ يكون الدليل الأوّل مع تابعه مقدّماً على الدليل الثاني مع ضميمة.
الوجه الثاني: ما أجاب به المحقّق الخراساني(رحمه الله) وحاصله: أنّه لا تعارض بين الاستصحابين.
توضيحه: أنّ الزبيب عندما كان عنباً كان محكوماً بحكمين غير متعارضين:
1. الحلّية قبل الغليان.

(177)
2. الحرمة بعده، فكما أنّ الغليان شرط للحرمة، فهكذا هو غاية للحلّية، فإذا صار زبيباً يكون محكوماً بنفس الحكمين: فالزبيب حلال إلى أن يغلي، وحرام إذا غلى، فإذا حصلت الغاية لا يبقى مجال لاستصحاب الحلّية، وتكون الساحة خاصّة لاستصحاب الحرمة.
وإن شئت قلت: إنّ الحلّية مغيّاة بعدم الغليان، والحرمة مشروطة به أيضاً، فما كان كذلك لا يضرّ ثبوت الأمرين بالقطع فضلاً عن الاستصحاب لعدم التضادّ بينهما فيكونان بعد صيرورته زبيباً، كما كانا معاً بالقطع بلا منافاة أصلاً، غير أنّ المتكفّل لإثبات الحلّية المغيّاة، والحرمة المعلّقة مادام كونه عنباً هو الدليل الاجتهادي، والمتكفّل لإثباتهما كذلك عندما صار زبيباً هو الاستصحاب.
وبالجملة: حكم الزبيب ـ حلّية وحرمة ـ نفس حكم العنب، فكما لا تعارض بينهما مادام عنباً، فهكذا لا تعارض بينهما إذا صار زبيباً.
فإن قلت: إنّ حلّية العنب كانت مغيّاة بالغليان لا حلّية الزبيب ولم يثبت كونها مغيّاة به، حتى يحكم بارتفاعها بحصول الغاية.
قلت: لا شكّ أنّ حلّية الزبيب ليست أمراً جديداً طرأت عليه، بل هي استمرار للحلّية السابقة العارضة على العنب، وعليه تكون الحلّية في كلتا المرحلتين مغيّاة بالغليان.
واحتمال كونها مغيّاةً حدوثاً ـ أي مادام عنباً ـ لا بقاءً ـ إذا صار زبيباً ـ يدفعه الاستصحاب، إذ الأصل بقاؤه على ما كان عليه من الحكم المغيّى.

(178)

الإشكال الثالث: تبدّل الموضوع

هذا هو الإشكال الثالث الذي تعرّض له الشيخ الأعظم دون المحقّق الخراساني، ولعلّ عدم تعرّضه له لأجل عدم اختصاص الإشكال بالتعليقي، بل هو يعمّ التنجيزي أيضاً، لاشتراط جريان الاستصحاب ببقاء الموضوع، وإن شئت قلت: وحدة القضية المشكوكة مع المتيقّنة.
ثمّ إنّ القوم استسهلوا هذا الإشكال ولم يهتموا به مع أنّه المهم في باب الاستصحاب، وقد أجاب عنه الشيخ بكلام مجمل، والحق أن يقال في الجواب، وهو ما استفدناه من السيد الأُستاذ نقلاً عن شيخه العلامة الحائري(قدّس سرهما) بتوضيح منّا:
إنّ الأحكام الكلّية المترتّبة على العناوين لا يمكن استصحابها إذا تبدلّ العنوان إلى آخر، كما إذا تبدل الكلب إلى الملح، والميتة إلى التراب، وفي المقام العنب إلى الزبيب فإنّ العناوين ـ كالماهيات ـ مثار الكثرة، لا يصحّ إسراء حكم عنوان إلى عنوان آخر، ولذلك يقول الأمين الاسترابادي بأنّ الاستصحاب أشبه بالقياس، فإنّ إسراء حكم الماء المتغيّر إلى ما زال تغيّره، أو استصحاب الماء النجس غير الكرّ إلى ما إذا تمّم وصار كرّاً، أشبه بإسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر، وهكذا إسراء حكم المرأة الحائض الّتي ترى الدم إلى المرأة غير الحائض التي انقطع دمها، فالموضوع في الدليل الاجتهادي هو الحائض، وفي الاستصحاب هو غيرالحائض فكيف يمكن إسراء حكم أحدهما إلى الآخر.

(179)
وعلى ذلك فالاستصحاب في الأحكام الكلّية أمر غير ممكن ; وذلك لأنّ العنوان لو كان باقياً فلا حاجة للاستصحاب وإن كان زائلاً وناب عنه عنوان آخر يكون أشبه بالقياس.
نعم هناك مرحلة أُخرى للأحكام والتي هي مصبّ الاستصحاب، وهي ما إذا انطبقت الكبرى الكلّية على مورد، وشكل عند المجتهد القياس كالتالي:
هذا عنب، وكلّ عنب يحرم عند الغليان. فهذا يحرم عند الغليان.
فعند ذلك يكون الموضوع ما في النتيجة أعني قولنا: (هذا) لا العنب ولا الزبيب، فمادامت (الهاذوية) باقية عند العرف يجري الاستصحاب، سواء تبدّل العنوان إلى غيره أم لم يتبدّل.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالشرط في جريان الاستصحاب ليس بقاء العنوان في الدليل الاجتهادي، بل الشرط هو صدق ما هو الموضوع في النتيجة (هذا) على المصداق الخارجي، فلو كان الموضوع في نظر العرف محفوظاً وباقياً، يجري الاستصحاب كما في المقام، فإنّ العرف يرى بقاء العنب في ضمن الزبيب وإنّ التغيير حصل في حالات الموضوع لا في واقعه وذاته، وهذا بخلاف ما لو تبدّل الخمر خلاًّ أو الكلب ملحاً.
فإن قلت: فعلى هذا يجري الاستصحاب في الحكم الشرعي الجزئي، دون الكلّي، والمفروض جريان الاستصحاب في الكلّي.
قلت: نعم ما ذكرته صحيح، ولكن إذا جرى الحكم في مورد واحد يسري إلى سائر الموارد، لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد،

(180)
وعندئذ يصحّ للمجتهد أن يفتي بحكم كلّي.
وبهذا يعلم أنّ جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية الكلّية، ليس قياساً.
ثمّ إنّ الشيخ والمحقّق الخراساني عقدا تنبيهاً لاستصحاب أحكام الشرائع السابقة، ولمّا كان الموضوع قليل الجدوى والفروع الستة التي رتّبها الشيخ على جريان الاستصحاب فيها، غنيّة عنه، لوجود الدليل في شرعنا عليها، أعرضنا عن عقد تنبيه لها هنا، وننتقل إلى التنبيه الآخر، وهو عدم حجّية الأصل المثبت، وقد عقد المحقّق الخراساني تنبيهاً لنفس الموضوع وجعل التنبيه الثامن والتاسع كالذيل له، ونحن نتبعه لحفظ نظام البحث.

(181)
 

تنبيهات

8

في الأُصول المثبتة

اشتهر على لسان المتأخّرين عدم حجّية الأُصول المثبتة، وقد نوّه عليه صاحب الجواهر في غير مورد من كتابه.(1)
ولعلّه من مبتكرات المحقّق البهبهاني الذي طوّر الأُصول بشكل يختلف مع ما عمله من تقدّمه، وعلى كلّ فتحقيق المسألة يتوقّف على البحث في الجهات التالية:
1. تعريف الأصل المثبت.
2. ما هو الدليل على عدم حجّية الأُصول المثبتة؟
3. ما هو الدليل على حجّية مثبتات الأمارات؟
4. موارد الاستثناء من عدم الحجّية.
5. التطبيقات.

1 . لاحظ: جواهر الكلام :3/354، وج 31/134 و 264، وج 32/156 و 270.

(182)

الجهة الأُولى: تعريف الأصل المثبت؟

عُرّف الأصل المثبت بأنّه إثبات أمر خارجيّ حتى يترتّب عليه حكم شرعي.
أقول: إنّ الأمر الخارجي تارة يكون لازم المستصحب، كنمو اللحية بالنسبة إلى الحياة، أو ملازماً له كخفقان القلب بالنسبة إلى الحياة، أو ملزوماً للمستصحب كالنار بالنسبة إلى استصحاب الدخان.
ومحط البحث فيما إذا كان المستصحب غير الأمر الخارجي، وأمّا لو كان نفس الأمر الخارجي مصبّاً للاستصحاب فهو حجّة بلا إشكال يترتّب عليه أثره، كما إذا كان نفس النمو مورداً للاستصحاب، والتصدّق أثراً له، فيستصحب ويترتّب عليه أثره الشرعي.

الجهة الثانية: ما هو الدليل على عدم حجّية الأُصول المثبتة

الظاهر أنّ مصب الاستدلال هو قصور دلالة أحاديث: «لا تنقض» على حجّيتها، وإلاّ فلو لم يكن هناك قصور فليس هناك مانع ثبوتاً.
ولكن الظاهر من الشيخ أنّ البحث ثبوتي، والبحث في إمكان التعبّد بالمستصحب وإثبات الأمر الخارجي، أو امتناعه كما سيظهر.
وعلى كلّ تقدير فقد استدلّوا بوجوه:
الأوّل: ما ذكره الشيخ في «الفرائد»، قال: إنّ معنى عدم نقض اليقين والمضىّ عليه، هو ترتيب آثار اليقين السابق الثابتة بواسطته للمتيقّن،

(183)
ووجوب ترتيب تلك الآثار من جانب الشارع لا يعقل إلاّ في الآثار الشرعية المجعولة من الشارع لذلك الشيء، لأنّها القابلة للجعل دون غيرها من الآثار العقلية والعادية. فالمعقول من حكم الشارع بحياة زيد وإيجابه ترتيب آثار الحياة في زمان الشكّ، هو حكمه بحرمة تزويج زوجته والتصرّف في ماله، لا حكمه بنموّه ونبات لحيته، لأنّ هذه غير قابلة لجعل الشارع. نعم لو وقع نفس النموّ ونبات اللحية مورداً للاستصحاب أو غيره من التنزيلات الشرعية أفاد ذلك جعل آثارهما الشرعية دون العقلية والعادية، لكن المفروض ورود الحياة مورداً للاستصحاب.(1)
يلاحظ عليه: أنّ كلامه مبني على أنّ ترتيب أثر النمو ونبات اللحية مبني على جعل النمو، جعلاً شرعياً حتى يترتّب عليه أثره، وبما أنّه أمر تكويني لا يقبل الجعل، فلا يمكن ترتيب أثره ـ أعني: الصدقة ـ على المستصحب.
ثمّ إنّ ترتيب أثر النمو غير متوقّف على جعل الواسطة حتى يقال: إنّه تكويني، بل للشارع أن يقول:
رتّب على المستصحب ما هو أثره بلا واسطة.
أو يقول: رتّب على المستصحب ما هو أثره، سواء أترتّب عليه بلا واسطة أم بواسطة أمر عاديّ وعقلي.
وهذا بمكان من الإمكان.

1 . الفرائد:3/233 .

(184)
وبعبارة أُخرى: لا نحتاج في ترتيب أثر الواسطة على المستصحب على جعلها، حتى يقال: إنّ الواسطة لا تنالها يد الجعل، بل نحتاج إلى وجود عموم أو إطلاق في أدلّة الاستصحاب يدلّ على ترتيب مطلق الأثر من غير فرق بين ما يترتّب بلا واسطة وما يترتّب معها، وليس ترتيب الأثر الثاني رهن تعدّد الجعل للواسطة، بل رهن عموم أو إطلاق يعمّ كلا الأثرين، ولعلّ المحقّق الخراساني يشير إلى هذا الإشكال بقوله: إنّ مفاد الاستصحاب هل هو تنزيل المستصحب بلحاظ خصوص ما له من الأثر بلا واسطة أو بلحاظ مطلق الأثر ولو مع الواسطة.
الوجه الثاني: ما يستفاد من ذيل كلام المحقّق الخراساني، حيث قال: إنّ المتيقن ما هو لحاظ آثار نفسه، وأمّا آثار لوازمه، فلا دلالة هناك على لحاظها أصلاً، ولم يثبت لحاظها بوجه أيضاً.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الأمر المتيقّن إنّما يكون مانعاً عن انعقاد الإطلاق، إذا كان موجوداً في مقام التخاطب، كما إذا قال: جئني بالماء، فالقدر المتيقّن المُعدّ للشرب لا مطلق الماء.
وأمّا القدر المتيقّن في خارج ظرف التخاطب فلا يكون مانعاً، وإلاّ يلزم إبطال الإطلاقات الواردة في الكتاب والسنّة، إذ ما من مطلق إلاّ وله قدر متيقّن من المصاديق، وعلى ما ذكرنا لم يثبت وجود ذلك القدر المتيقّن بين الإمام الصادق(عليه السلام)ومخاطبه، أعني: زرارة.

1 . كفاية الأُصول:2/327.

(185)
فإن قلت: يكفي في ذلك عدم انتقال زرارة إلاّ إلى المترتّب على نفس المستصحب.
قلت: صرف عدم انتقاله إلى غيره لا يشكل للمطلق ظهوراً وصارفاً عن غيره.
الوجه الثالث:ما أفاده شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري وحاصله: انصراف أخبار الباب إلى الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بلا واسطة، لأنّ الإبقاء العملي ينصرف إلى ترتيب ما يقتضي ذلك بلا واسطة.
يلاحظ عليه: أنّه تعبير آخر عن القدر المتيقّن في كلام المحقّق الخراساني. وعلى كلّ تقدير فسبب الانصراف هو كثرة الاستعمال لا كثرة الوجود، ومن المعلوم أنّ «لا تنقض» لم يستعمل في لسان الإمام كثيراً في الأثر المترتّب على نفس المستصحب.
الوجه الرابع: ما يدلّ عليه صدر كلام المحقّق الخراساني حيث قال: التحقيق أنّ الأخبار إنّما تدلّ على التعبّد بما كان على يقين منه، فشُكّ بلحاظ ما لنفسه من الآثار والأحكام، ولا دلالة لها على تنزيله بلوازمه التي لا تكون كذلك،(1) كما هي ثمرة الخلاف.
وحاصل كلامه: أنّ هنا أُموراً أربعة:
1. ما تعلّق به اليقين وهو الحياة.
2. أثرها الشرعي، أعني: بقاء علقة الزوجية وحرمة ماله.

1 . أي لم يكن على يقين منه.

(186)
3. لازم الحياة هو نمو اللحية.
4. الأثر المترتّب على نمو اللحية، أعني: وجوب الصدقة.
فالمتبادر من الإطلاق إبقاء ما تعلّق به اليقين بما له من الأثر، والمفروض أنّ اليقين تعلّق بالحياة دون نمو اللحية حتى يترتّب أثره وهووجوب الصدقة. نعم لو وقع نمو اللحية مورداً للاستصحاب مباشرة يترتّب عليه أثره.
يلاحظ عليه نقضاً: أنّ لازم ذلك عدم ترتّب أثر الأثر إذا كان كلاهما شرعيين، كما في مسألة استصحاب طهارة الماء، فإنّ أثرها الشرعي صحّة وضوئه، ويترتّب عليها جواز الدخول في الصلاة، ويترتّب عليه حرمة قطعها، وهكذا; وذلك لأنّ المتيقّن هو نفي طهارة الماء بما له من الأثر ـ أعني: صحّة الوضوء ـ وأمّا الآثار المتعاقبة فلم يتعلّق بها اليقين، فكيف جاز الاستصحاب؟
وحلاًّ: فلأنّ الأثر العقلي أو العادي إذا كان أثراً واضحاً للمستصحب بحيث يكون إبقاء اليقين به ملازماً عند العرف بإبقاء لازمه العادي أو العقلي، فلا مانع من إثبات الواسطة وبالتالي إثبات أثره; وذلك لأنّ العرف بحسب شدّة الملازمة، يتصوّر كون اللازم أيضاً متعلّقاً لليقين بالمسامحة العرفية وإن لم يكن ذلك بالدقة العقلية.
وبذلك تبيّن أنّ هذه الوجوه غير كافية لإثبات المدّعى، وإليك الوجه الخامس وهو ما اعتمدنا عليه.

(187)
الوجه الخامس: أنّ دور الاستصحاب في الأحكام غير دوره في الموضوعات.
أمّا الأوّل: فبما أنّ المستصحب أمر شرعي فيكفي الاستصحاب في لزوم العمل بالمستصحب بقاءً، كاستصحاب بقاء وجوب صلاة الجمعة ولا نحتاج وراء الاستصحاب إلى شيء آخر.
وأمّا الثاني ـ أعني: إذا كان المستصحب موضوعاً خارجياً ـ فدور الاستصحاب ينحصر بإحراز الصغرى، فلو كان هناك كبرى لها، يتمّ الاستدلال، وإلاّ فلا. مثلاً: إذا كان الماء مسبوق الطهارة وشككنا في بقائها، فاستصحاب الطهارة يحرز الموضوع، وأمّا الحكم فهو رهن وجود الكبرى، نظير جواز شربه، وبيعه، والتوضّؤ به، وهكذا. فيقال: هذا ماء طاهر، وكلّ ماء طاهر يجوزه شربه وبيعه، فهذا يجوز شربه وبيعه.
ومثله استصحاب الحياة فدور الاستصحاب إحراز الموضوع وهو أنّ الرجل حيّ، فعندئذ يصحّ للمجتهد تشكيل القياس بأن يقول: زيد إنسان حيّ، وكلّ إنسان حيّ يحرم تقسيم ماله بين ورثته، أو تجب عليه نفقة زوجته وأولاده.
وأمّا إذا لم يكن هناك كبرى تنطبق على المستصحب كما في المقام، فلا تأثير للاستصحاب، إذ لا يصحّ أن يقال: هذا إنسان حيّ، وكلّ إنسان حيّ فلحيته نابتة أو قلبه خافق شرعاً، وإن كان عقلاً أو عادة كذلك. والمهم ثبوت الكبرى شرعاً، وإذا لم تثبت الواسطة فلا يثبت أثرها، أعني: وجوب الصدقة.

(188)
وحصيلة الكلام: أنّ الاستصحاب يحرز الصغرى، وأنّ زيداً حيّ، وأمّا الكبرى المترتبة عليه فيجب وجودها في الكتاب والسنّة لا في العقل والعرف، فكون زيد حيّاً بحكم الاستصحاب وإن كان يترتب عليه خفقان قلبه ونبات لحيته عقلاً وعرفاً، ولكن ليس كذلك شرعاً، إذ لم يرد في الكتاب والسنّة. فبذلك لا يثبت استصحاب الحياة ذلك الأثر العقلي والعادي، لعدم وقوع الحياة صغرى لهذين الكبريين في المصادر الشرعية.

الجهة الثالثة: الفرق بين الأُصول والأمارات

المشهور بين المتأخّرين أنّ مثبتات الأمارات حجّة، دون الأُصول العملية، وقد اختلفوا في تقريب ذلك، وإليك الإشارة إلى ما استدلّوا به.
الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني(رحمه الله) أنّ الأمارة كما تحكي عن المؤدّى وتشير إليه، كذلك تحكي عن ملزومها ولازمها وملازمها، وعلى ذلك كان مقتضى إطلاق أدلّة اعتبار الأمارة تصديقها في حكاياتها وقضيته حجّية الأصل المثبت منها. بخلاف مثل دليل الاستصحاب فإنّه لابد من الاقتصار ممّا فيه من الدلالة على التعبّد بثبوته ولا دلالة له إلاّ على التعبّد بثبوت المشكوك بلحاظ أثره حسب ما عرفت، فلا دلالة له على اعتبار المثبت منه كسائر الأُصول التعبدّية.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه ماذا يريد من حكاية الأمارة؟ فإن أراد نفس الخبر واللفظ، فهو لا يحكي إلاّ عن المؤدّى، دون ملزومه ولازمه وملازمه، وإن أراد

1 . كفاية الأُصول:2/327ـ329.

(189)
المخبر، فهو ربّما يكون غافلاً عن الدلالة التضمّنية والالتزامية، وقد مرّ أنّ الدلالة التصديقية، أي نسبة الحكاية إلى المتكلّم فرع إرادته والتفاته، والمفروض أنّه ربما يكون غافلاً عن الدلالتين.
فإن قلت: إذا قامت الأمارة على موضوع يحصل لنا الوثوق بثبوت الموضوع بثبوت لوازمه، فلا مانع من أن يقال: إنّ الأمارة تحكي عن الواقع ولوازمه.
قلت: إنّ انتقال المخاطب من مؤدّى الأمارة إلى لازمه وملزومه وملازمه شيء لا صلة له بدلالة الأمارة وحكايتها وإنّما هو شيء استحصله المخاطب، والوثوق حجّة شرعية ـ كما سيوافيك ـ .
الوجه الثاني: ما اعتمد عليه المحقّق النائيني(رحمه الله) حيث اعتمد في إثبات حجّية لوازم الأمارات على لسان أدلّة حجّيتها، وإليك معنى كلامه: أنّ الأمارة إنّما تكون محرزة للمؤدّى وكاشفة عنه كشفاً ناقصاً، والشارع بأدلّة اعتبارها قد أكمل جهة نقصها فصارت الأمارة ببركة اعتبارها كاشفة ومحرزة كالعلم، وبعد انكشاف المؤدّى يترتّب عليه جميع ما للمؤدّى من الخواص والآثار على قواعد سلسلة العلل والمعلولات واللوازم والملزومات، كما هو الحال إذا أحرز الملازم بالعلم الوجداني.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: ما أوعزنا إليه سابقاً، من أنّ المحرزية والكاشفية والطريقية من الأُمور التكوينية لا تنالها يد الإنشاء، وإنّما القابل له الأُمور

1 . لاحظ : فوائد الأُصول:4/487ـ488.

(190)
الاعتبارية كالملكية والزوجية والسببية، فما ادّعي أنّه مجعول غير قابل للجعل، نظير: جعل ما ليس بمعدن معدناً.
وثانياً: أنّ ما ذكره مبني على وجود دليل لفظي على حجّية الخبر الواحد، حتى يستظهر من لسانه جعل المحرزية، ولكنّ الموجود هو بناء العقلاء على قبول قول الثقة وإمضاء الشارع ذلك البناء، وهو دليل لبّي فاقد للسان، وأين هذا من جعل المحرزية؟
الوجه الثالث: ما اعتمد عليه سيدنا الأُستاذ وحاصله: أنّ ما بأيدينا من الأمارات كلّها أمارات عقلائية أمضاها الشارع لمصالح في العمل بها، ومن المعلوم أنّ عملهم بها ليس أمراً تعبّدياً لأجل رفع التحيّر، بل لأجل كونها طرقاً إلى الواقع، فإذا كان كذلك فكما يثبت بالأمارة نفس الشيء، يثبت لازمه وملزومه وملازمه، ولا معنى للتبعيض في الطريقية.
وإن شئت قلت: كما أنّ العلم بالشيء يلازم العلم بالأُمور الثلاثة، فهكذا الوثوق به يوجب الوثوق بها.(1)
ومراده أنّ المخاطب ينتقل من ثبوت المؤدّى إلى ثبوت لوازمه وملازماته وملزوماته.
وعلى هذا فالمعتمد هو حصول الوثوق والاطمئنان النوعي، فإنّ الوثوق بالشيء وثوق بلوازمه، وعلى ذلك فالعمل بلوازم الأمارة من باب الوثوق الذي هو علم عرفي وإن لم يكن علماً منطقيّاً، وأنّ الأُصول من إفاضة الوثوق بالمؤدّى واللوازم.

1 . الرسائل:178.

(191)

الجهة الرابعة: مستثنيات الأُصول المثبتة

قد استثني من عدم حجّية الأُصول المثبتة موردان:

الأوّل: خفاء الواسطة

ذهب الشيخ الأعظم(رحمه الله) إلى أنّ الواسطة بين المستصحب والأثر الشرعي له، إذا كانت خفيّة بحيث يرى العرف أثر الواسطة أثراً للمستصحب، فيجوز استصحابه وترتيب أثر الواسطة عليه، حيث قال: إنّ بعض الموضوعات الخارجية المتوسطة بين المستصحب وبين الحكم الشرعي من الوسائط الخفيّة بحيث يُعدّ في العرف الأحكامَ الشرعية المترتبة على الواسطة، أحكاماً لنفس المستصحب وهذا المعنى يختلف وضوحاً وخفاءً باختلاف مراتب خفاء الوسائط عن أنظار العرف.
ثم مثل بالمثال التالي وقال: إذا استصحب رطوبة النجس من المتلاقيين مع جفاف الآخر، فإنّه لا يبعد الحكم بنجاسته، مع أنّ تنجسه ليس من أحكام ملاقاته للنجس رطباً، بل من أحكام سراية رطوبة النجاسة إليه، وتأثّره بها، بحيث يوجد في الثوب رطوبة متنجسة.
ومن المعلوم أنّ استصحاب رطوبة النجس الراجع إلى بقاء جزء مائي قابل للتأثير، لا يثبت تأثّر الثوب وتنجّسه بها.(1)
توضيحه: أنّ هنا أُموراً ثلاثة:
1. المستصحب بقاء رطوبة النجس في الملاقي.

1 . فرائد الأُصول :3/244.

(192)
2. سراية رطوبة النجاسة من الملاقى إلى الملاقي.
3. نجاسة الثوب الملاقي بالملاقاة.
فإنّ الأثر الشرعي ـ أعني: الثالث ـ من آثار سراية رطوبة النجس، لا من آثار بقاء الرطوبة فيه، أعني: المستصحب. ولكن لمّا كانت الواسطة خفيّة يرى العرف أثر الواسطة أثراً للمستصحب، فيرتّب أثرها عليه.
هذا توضيح ما في «الفرائد».
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ على مسلكه، ولكنّه لا يصحّ على مسلكنا، وذلك لما قلنا من أنّه لا دور لاستصحاب الموضوع إلاّ استصحاب الموضوع للكبرى الشرعية، فعندئذ فالواقع لا يخلو من أحد أمرين:
1. أن يكون الأثر الشرعي ـ أي نجاسة الثوب الطاهر ـ مترتّباً على ملاقاة الشيء الرطب النجس، فعندئذ يحكم بنجاسة الملاقي.
وذلك بحكم الصغرى والكبرى الموجودة في المقام، حيث يقال:
هذا الثوب لاقى جسماً رطباً نجساً.
وكلّ شيء لاقى جسماً رطباً نجساً، فهو نجس.
فينتج: هذا الثوب نجس.
وعلى هذا فلا موضوع للواسطة، إذ لا دخل لها في الحكم الشرعي.
وأمّا إذا كان الموضوع سراية النجس وانتقاله إلى الملاقي فلا يحكم بنجاسته، إذ ليس لنا كبرى كلّية في المقام; وذلك لأنّ الصغرى عبارة عن:

(193)
هذا الثوب لاقى جسماً رطباً نجساً.
وليس هنا كبرى شرعية، أعني: كلّ ما لاقى جسماً رطباً نجساً فهو نجس، بل الكبرى عبارة عن: كلّما انتقلت الأجزاء المائية من الملاقى إلى الملاقي فهو نجس. ومعلوم أنّ استصحاب بقاء الرطوبة في الجسم لا يثبت الانتقال والسريان، وعندئذ فالواسطة وإن كانت موجودة لكن لا تأثير لخفائها ووضوحها، لأنّ الأثر مترتّب على وجود الواسطة، والمفروض أنّ المستصحب غير قادر على إثباتها.

الثاني: وجود الملازمة العرفية بين التنزيلين

استثنى المحقّق الخراساني ـ وراء خفاء الواسطة ـ مورداً آخر أيضاً فقال: كما لا يبعد ترتيب ما كان بوساطة ما لا يمكن التفكيك عرفاً بينه وبين المستصحب تنزيلاً، كما لا يمكن التفكيك بينهما واقعاً أو لأجل (1) وضوح لزومه له أو ملازمته معه بحيث عُدّ أثره أثراً لهما، فإنّ عدم ترتيب مثل هذا الأثر عليه يكون نقضاً ليقينه بالشكّ، وحسب ما يفهم من النهي عن نقضه عرفاً.(2)
وحاصل كلامه: أنّ الملازمة لها سببان:
1. وجود الملازمة بين الشيئين واقعاً، فتكون عرفاً كذلك بين وجودهما تنزيلاً. فعندئذ يترتّب أثر الواسطة على المستصحب لاعتقاد العرف بعدم جواز التفكيك بينهما.

1 . في المصدر: «أو بواسطة ما لأجل». والصحيح هو ما أثبتناه.
2 . كفاية الأُصول:2/327.

(194)
مثلاً: إنّ عدم الإتيان يلازم الفوت واقعاً، فلو ترك إنسان صلاة الفجر واقعاً ولم يأت بها يصدق عليه أنّه فاتته صلاة الفجر، فيكون كذلك عند التنزيل أيضاً.
فلو شكّ في إتيان واجب فيستصحب عدم الإتيان ويلازمه الفوت أيضاً، وما هذا إلاّ لأجل أنّ العرف لا يفرّق بين الوجود الواقعي والوجود التنزيلي، فكما أنّ الوجود الواقعي لعدم الإتيان يلازم الفوت فهكذا وجوده التنزيلي فيثبت بعدم الإتيان التنزيلي عنوان الفوت ويشمله الدليل الشرعي، أعني: من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته.
وعندئذ لا يصحّ أن يقال: إنّ الفوت أمر وجودي لا يثبت بالاستصحاب العدمي، وذلك إنّه صحيح إذا لم يكن بين الأمرين ملازمة عرفية، فكأنّه يكون الفوت مدلولاً التزامياً لقوله: لا تنقض اليقين بالشكّ.
2. ما أشار إليه بقوله: أو لأجل وضوح لزومه أو ملازمته معه، بحيث عُدّ أثره أثراً لهما.
مثلاً: إذا ترتّب الأثر على بنوّة عمرو، وكان المستصحب هو أُبوة زيد لعمرو، فبما أنّ الملازمة بين أُبوة زيد و بنوة عمرو، واضحة لا يمكن التفكيك، فيمكن استصحاب أُبوة زيد وترتيب أثر بنوة عمرو.
لكن المثال غير صالح للاستصحاب، بل صالح للشكّ الساري ; وذلك لأنّه إذا كان متيقّناً بأُبوة زيد في الزمان السابق يكون متيقّناً أيضاً في الزمان اللاحق، لعدم التفكيك بين السابق واللاحق.

(195)
نعم يمكن تطرّق الشكّ بنحو الشكّ الساري.

الجهة الخامسة: التطبيقات

أفتى الفقهاء في مواضع بأحكام لا تصحّ إلاّ على القول بحجّية الأصل المثبت، ويمكن أن يقال إنّ منشأ الإفتاء كون الاستصحاب عندهم أمارة ظنيّة كسائر الأمارات، والظن بالشيء ظن بأثره العقلي أو العرفي، ويثبت بالاستصحاب أثر الموضوع كما يثبت أثر الأمر العقلي أو العادي المتوسطين بين الموضوع وأثرهما، وإليك بعض الأمثلة:
1. لو شكّ حين الاغتسال بوجود المانع عن وصول الماء إلى البشرة، فقد أفتوا بعدم وجوب الفحص، وكفاية أصالة عدم المانع من وصول الماء إلى البشرة.
أقول: إنّ هنا أُموراً ثلاثة:
أ. المستصحب، وهو أصالة عدم المانع.
ب. لازمه العقلي، وهو غسل البشرة.
ج. ما يترتّب على اللازم العقلي من الأثر الشرعي وهو رفع الحدث أو صحّة الغسل.
ومن المعلوم أنّ عدم المانع شرعاً، لا يثبت غسل البشرة، فلا يعتدّ بهذا الغسل. ويمكن أن يقال أيضاً بعدم صحّة الغسل من دون نظر إلى الأصل المثبت، لأجل ما سبق منّا من أنّ الأصل الموضوعي ليس له دور إلاّ إحراز

(196)
الموضوع للكبرى الشرعية، ولكن استصحاب الموضوع في المقام يفتقد الكبرى الشرعية، إذ لم يرد في الشريعة أنّه إذا لم يكن حاجب في البدن فالبشرة مغسولة.
***
2. لو اتّفق الوارثان على أنّ إسلام أحدهما في غرّة شعبان وإسلام الآخر في غرّة رمضان، واختلفا في موت المورّث، فقال الأوّل: إنّه تُوفّي في منتصف شعبان، وقال الآخر: إنّه توفّي في منتصف رمضان.
ومن المعلوم أنّه لو صحّ القول الأوّل لَحُرِمَ الثاني من الإرث، إذ لا يرث الكافر مع وجود الوارث المسلم، ولو صحّ الثاني لكانت التركة بينهما.
وقد ذهب المحقّق وجماعة من قبله وبعده إلى أنّهما يرثان لأصالة حياة المورّث إلى غرّة رمضان.
أقول: إنّ موضوع الوراثة أحد الأمرين التاليين:
أ. لو مات المورث متأخّراً عن وارث مسلم.
ب. إسلام الوارث في حياة مورّثه.
أمّا الأوّل: فهو حصيلة علوم ثلاثة:
1. إسلام الوارث في غرّة رمضان وهو ثابت بالوجدان.
2. حياة المورّث إلى الغرّة وهو ثابت بالأصل.
3. وبما أنّا نعلم أنّ المورث قد توفّي، فلازم هذين الأمرين (أي الثاني والثالث) أنّه توفّي بعد الغرّة. وذلك لأنّ الأمر الثاني ـ أي حياة المورّث إلى

(197)
الغرّة ـ إذا انضمّ إلى العلم الوجداني بأنّ المورّث قد توفّي، يلزمه تأخّر موت المورّث بعد الغرّة، وهو لازم عقلي.
فظهر أنّ تأخّر موت المورّث عن إسلام الوارث، نتيجة الاستصحاب والعلم الوجداني بموت المورّث.
وأمّا الثاني ـ أي كون الموضوع إسلام الوارث في حياة مورّثه ـ : فقد ذهب الشيخ والمحقّق النائيني إلى أنّ الأصل غير مثبت. وأوضحه المحقّق النائيني بقوله: إنّ الموضوع هو التوارث الناشئ من اجتماع حياة المورّث وإسلام الوارث فيندرج في الموضوعات المركّبة المحرز أحد جزئيها بالوجدان، وهو إسلام الوارث في غرّة رمضان، والآخر بالأصل وهو حياة المورّث إلى غرّة رمضان، فيجتمعان في الزمان، وهذا يكفي في التوارث ويلزم تنصيف المال بين الوارثين.(1)
يلاحظ عليه: بما سبق منّا التنبيه عليه من أنّ وحدة الحكم تكشف عن وحدة الموضوع، فلا يكفي تواجد جزئيّ الموضوع في الزمان الواحد دون أن يكون بينهما ربط يضم أحدهما إلى الآخر، فعلى ما ذكرنا فالموضوع ليس إسلام الوارث منفكّاً عن حياة مورّثه، بل الموضوع إسلام الوارث مقروناً بحياة المورّث، ومن المعلوم أنّه فاقد للحالة السابقة.
وبعبارة أُخرى: كان الإشكال في الموضوع الأوّل هو أنّ الأصل لا يثبت التأخّر; لأنّ التأخّر لازم لحياة المورّث إلى زمان إسلام الوارث، والإشكال في

1 . فوائد الأُصول:4/501.

(198)
المقام هو لزوم وجود التقارن بين الجزأين، وهذا لا تثبته أصالة بقاء حياة المورّث إلى زمان إسلام الوارث.
نعم لو كان عندنا علم تكويني بالاقتران لكفى مجرد الاجتماع في الزمان في الحكم بالوراثة لثبوت الاقتران وجداناً. وأمّا الأصل فلا يثبت به الاقتران تعبّداً، حتّى يترتّب عليه الأثر.
اللّهمّ إلاّ أن يقال بدخول المورد في خفاء الواسطة، فالأثر المترتّب على الاقتران ـ أعني: الوراثة ـ مترتّب على نفس بقاء حياة المورّث إلى زمان إسلام الوارث.
***
3. لو ادّعى الجاني أنّ المجنيّ عليه مات بمرض السل، وادّعى الولي أنّه مات بسراية الجناية إلى الأعضاء الرئيسية، فهناك احتمالان:
1. الضمان، لأصالة عدم سبب آخر.
2. عدم الضمان.
يلاحظ على الاحتمال الأوّل بأنّ الأصل مثبت، وذلك لأنّ الموضوع في لسان الدليل للدية والقتل هو القتل، قال سبحانه:(وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا)(1)، وقال عزّ من قائل:(وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا).(2)

1 . النساء:92.
2 . الإسراء: 33.

(199)
ومن المعلوم أنّ استصحاب عدم سبب آخر يلزمه عقلاً القتل ; وذلك لأنّ المفروض أنّ المجنيّ عليه مات وللموت سبب، والمفروض عدم سبب آخر غير الجناية، فلازمه كونه مقتولاً.
فإذا ثبت عدم جريان الأصل، فالمرجع عدم الضمان إلاّ بمقدارالجناية الثابتة، لأنّ الشكّ عندئذ في التكليف الزائد.
***
4. إذا تلف شيء تحت يد شخص آخر، فادّعى المالك أنّه استولى عليه بلا إذن فعليه الضمان.، وقال الآخر: إنّه كان أمانة عندي فلا ضمان علىّ.
ثمّ إنّ الفقهاء استدلّوا على الضمان بوجوه غير ناهضة:
الأوّل: التمسّك بعموم قوله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي».
يلاحظ عليه: أنّه خرجت عنه اليد غير العادية، والمورد مردّد بين كونه باقياً تحت العام أو خارجاً، داخلاً تحت المخصّص.
الثاني: التمسّك بقاعدة المقتضي وعدم المانع.
أمّا المقتضي فلأنّ اليد مقتضية للضمان والإذن في التصرف مانع عن تأثير المقتضي والأصل عدمه.
وقد سبق منّا عدم حجّية تلك القاعدة، وأنّ كون مورد الروايات من مصاديق تلك القاعدة، لا يكون دليلاً على حجّيتها .(1)

1 . لاحظ: درر الفوائد في شرح الفرائد للمحقّق الخراساني: 195، الطبعة الحجرية.

(200)
الثالث: ما ذكره المحقّق النائيني(رحمه الله) من أنّ الموضوع للضمان مركب من اليد وعدم إذن صاحب المال، وهما عرضان لمحلّين: أحدهما: صاحب اليد، وثانيهما: صاحب المال، ولا جامع بينهما إلاّ الاجتماع في الزمان فيكفي إحراز أحدهما بالأصل والآخر بالوجدان، فاليد محرزة بالوجدان،وعدم الإذن محرز بالأصل، فيتحقّق موضوع الضمان .(1)
يلاحظ عليه: بما قد سبق منّا كراراً، من أنّ وحدة الحكم رهن وحدة الموضوع، فمجرد اجتماع الجزأين في زمان واحد، لا يصلح لأن يقعا موضوعاً للحكم الواحد إلاّ أن يرتبط أحدهما بالآخر، وعليه يكون الموضوع «الاستيلاء مقارناً مع عدم الإذن» فلو حصل العلم بالجزأين بالعلم الوجداني، يكون التقارن بين الجزأين ثابتاً بالوجدان.
أمّا إذا ثبت أحدهما بالوجدان والآخر بالأصل، يكون التقارن لازم الأصل، وهو غير حجّة.
هذا كلّه حول أدلّة المشهور، ولكن الحق هو الضمان لوجه آخر، وهو أنّ لبعض الموضوعات أحكاماً أوّلية تابعة لطبيعة الموضوع لا يعدل عنها عند العقلاء إلاّ بدليل، مثلاً:
1. الأصل في الوقف هو التأبيد فلا يباع ولا يرهن ـ إلاّ في موارد نادرة ـ فلو قام أحد ببيع الوقف وشككنا في صحّته وفساده لا يحكم بالصحّة تمسّكاً بأصالة الصحّة، بل يحكم بالبطلان; لأنّ الأصل في بيع الوقف هو البطلان إلاّ إذا ثبت المجوّز.

1 . فوائد الأُصول:4/503.

(201)
2. إذا دار أمر المرأة بين كونها أجنبية أو غير ذلك، فلا يجوز النظر إليها ; وذلك لأنّ الأصل في النظر إليها هو الحرمة، إلاّ إذا ثبت أنّها من المحارم.
3. إذا دار أمر اللحم المطروح في الطريق بين كونه مذكّى أو غيره، أو كونه ممّا يؤكل لحمه أو غيره، يحكم عليه بالاجتناب ; لأنّ الأصل في اللحوم هو الحرمة، إلاّ إذا ثبتت الحلّية.
4. إذا اتّفقا على إذن المالك وقال صاحب المال: بعتك مالي بكذا، وقال الآخر: وهبتني إيّاه، فهو محكوم بالضمان ; لأنّ الأصل في الأموال الاحترام إلاّ إذا ثبت خلافه.
وفي المقام يحكم بالضمان ; لأنّ الأصل في الأموال هوالحرمة، فما لم يثبت أنّه أعاره يحكم عليه بالضمان.
بقيت هنا أمثلة أُخرى ذكرها الشيخ، فلاحظ.(1)

1 . فرائد الأُصول :3/240ـ 245.

(202)
 

تنبيهات

9

ما ليس من الأُصول المثبتة

قد عرفت أنّ الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني وغيرهما استثنوا من عدم حجّية الأُصول المثبتة موردين:
1. خفاء الواسطة .
2. وضوح اللزوم أو الملازمة.
وقد وقفت على توضيحهما.
ثم إنّ هناك موارد توهم أنّها من الأُصول المثبتة، ولكنّها عند المحقّق الخراساني ليست منها، وهذا ما حاول بيانه في التنبيه الثامن والتاسع وما جاء فيهما، له صلة بالتنبيه السابع، ونحن نلخّص ما ورد فيهما في المقام، في مقاطع أربعة تبعاً لعبارات الكفاية، وغير خفيّ على القارئ أنّ عبارات «الكفاية» في المقام معقّدة تحتاج إلى توضيح .(1)

1 . كفاية الأُصول :2/329ـ331.

(203)

المقطع الأوّل: استصحاب الفرد وترتيب الأثر الكلّي عليه

إذا كان الأثر مترتّباً على الكلّي، فكما يصحّ استصحابه وترتيب أثره عليه، هكذا يجوز استصحاب الفرد وترتّب أثر الكلّي عليه، فيما إذا كان الكلّي منتزعاً من حاقّ الذات، أو كان من قبيل الخارج المحمول; وأمّا إذا كان الكلّي من قبيل المحمول بالضميمة، فلا يجوز استصحاب الفرد واستصحاب أثر الكلّي عليه، وإليك توضيح الأقسام.
الأوّل: ما ينتزع عن مقام الذات بما هي هي، كانتزاع الإنسان عن الفرد بما هو إنسان مع غضّ النظر عن المصنّفات والمشخّصات.
الثاني: ما ينتزع من الفرد لكن لا من حاقّ ذاته، بل باعتبار طروء حالات عليه لكن لا يكون بإزائها شيء، وهذا كالممكن المنتزع من ماهية الإنسان بما أنّ نسبتها إلى الوجود والعدم سواء. وفي الوقت نفسه ليس بإزاء الممكن في الخارج شيء.
وقد مثّل له المحقّق الخراساني بالملكية والغصبية والمحقّق
الخوئي بالزوجية والولاية، إذ ليس لهذه الأُمور وجود إلاّ بمعنى وجود منشأ انتزاعها.
الثالث: ما ينتزع من الفرد باعتبار طروء حالات عليه لكن يكون بإزائها شيء في الخارج، كالأسود والأبيض المنتزعين من الجسم باعتبار عروض البياض والسواد عليه، اللّذين لهما حيثية عينية وحقيقة في الخارج.
إذا عرفت هذه الأقسام فاعلم أنّ المحقّق الخراساني قال

(204)
بصحّة استصحاب الفرد وترتيب أثر الكلّي عليه في القسمين الأوّلين دون الثالث.
أمّا الأوّل: فلأنّ الطبيعي في الخارج عين الفرد، فلا اثنينية فيهما في الخارج، فاستصحاب بقاء زيد عين استصحاب بقاء الإنسان.
وأمّا الثاني: فلأنّ العرضي كالملكية والغصبية ونحوهما لا وجود له إلاّ بوجود منشأ انتزاعه، فالفرد أو منشأ الانتزاع في الخارج هو عين ما(الكلّي) رتّب عليه الأثر لا شيء آخر، فاستصحاب الفرد لترتيب أثر الكلّي، ليس بمثبت.
وأمّا الثالث: فلا يصحّ استصحاب الفرد ـ أي الجسم ـ وترتيب آثار العناوين كالأسود والأبيض; لأنّ نسبة الفرد إلى عنوان الأسود كنسبة المباين إلى المباين.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في القسم الثالث صحيح، لأنّ استصحاب الفرد لا يثبت العنوان المباين وإن اتّحد معه في الخارج إنّما الكلام في القسمين الأوّلين.
أمّا القسم الأوّل فالظاهر استغناء المجتهد عن استصحاب الفرد وترتيب أثر الكلي، مع إمكان استصحاب نفس الكلي وترتيب أثره عليه، فإنّ استصحاب الفرد لغاية ترتيب أثر الكلي ـ مع إمكان استصحاب الكلي ـ أشبه بالأكل من القفا.
وأمّا القسم الثاني فالضابطة صحيحة، لكن الأمثلة المذكورة غير

(205)
صحيحة، إذ ليست الملكية والغصبية أو الزوجية والولاية من الخارج المحمول، أو ما يسمّى بالمحمول بالصميمة أيضاً، وذلك لأنّ
الخارج المحمول عبارة عن ذاتي باب البرهان، وهو ما يكون فرض الموضوع ووضعه فرضاً للمحمول ووضعه، كالزوجية بالنسبة للأربعة، فإذا فرضت الأربعة فقد فرضت الزوجية، ومن المعلوم أنّ المفاهيم المذكورة ليست من هذه المقولة، إذ ليس فرض الموضوع كالفرس كافياً في انتزاع الملكية أو الغصبية، بل لابد من ضم ضميمة إليها، كدخوله في حيازته، أو خروجه منها بالقهر والغلبة، ونظيرهما الزوجية والولاية ففرض زيد لا يلازم كونه زوجاً أو ولياً ما لم يكن هناك عقد أو تشريع ولاية للأب مثلاً من الشارع.
لكنّ المحقّق الخراساني زعم أنّ الميزان عدم وجود ما يحاذيه في الخارج، وعليه فالأمثلة المذكورة بما أنّها لا يحاذيها في الخارج شيء، فهي عنده من الخارج المحمول.
إلى هنا تم الكلام في المقطع الأوّل من كلام صاحب الكفاية، وإليك المقطع الثاني.

المقطع الثاني: لا فرق بين المجعول بنفسه أو بمنشأ انتزاعه

تكرّر منّا أنّه يشترط في الاستصحاب إمّا أن يكون المستصحب أثراً شرعياً، أو موضوعاً لأثر شرعي، فالأثر الشرعي عند المحقّق الخراساني عبارة عمّا يكون مجعولاً بنفسه أو بمنشأ انتزاعه. وبعبارة أُخرى: كلّ ما يكون

(206)
أمره بيد الشارع وضعاً ورفعاً ولو كان ذلك بوضع منشأ انتزاعه، ولا يلزم أن يكون الأثر الشرعي مجعولاً مستقلاًّ، وعلى هذا فليس استصحاب الشرط أو المانع لترتيب الشرطية أو المانعية بمثبت.
وأمّا ما توهّم من أنّ الشرطية أو المانعية ليست من الآثار الشرعية، بل من الأُمور الانتزاعية، ليس بصحيح.(1)
توضيحه: أنّه إذا قال الشارع:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (2)، فالمجعول هو الوجوب التكليفي الشرطي، ولكن ينتزع منه الشرطية، نظيره ما إذا ورد: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» فالمجعول ابتداءً الوجوب الغيري لقراءة فاتحة الكتاب، وينتزع منه الجزئية.
أو إذا ورد : «يا علي لا تصلّ في وبر ما لا يشرب لبنه، وما لا يؤكل لحمه» فالمجعول هو الحرمة الغيرية الذي تنتزع منه المانعية، فعلى هذا فالشرطية والجزئية والمانعية وإن لم تكن مجعولة مستقلة لكنّها مجعولة تبعاً كمنشأ انتزاعها.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح و يجوز استصحاب هذه العناوين عند الشكّ في بقائها كما إذا فقد المصلّي الماء والتراب، فيشكّ في وجوب سائر الأجزاء الباقية فيستصحب شرطية الطهارة ومطلوبيتها في حال التعذّر أيضاً، فتكون النتيجة سقوط وجوب الصلاة عنه.

1 . كفاية الأُصول:2/330.
2 . المائدة: 6 .

(207)
ولكنّه ليس صحيحاً في المورد الذي أشار إليه حيث قال: فليس استصحاب الشرط أو المانع لترتيب الشرطية أو المانعية، بمثبت.(1)
فإن أراد من استصحاب ذات الشرط والمانع مع غضّ النظر عن وصف كونه شرطاً أو مانعاً، فليس له معنى صحيح ; وإن أراد استصحابهما بما هما شرط أو مانع، فهو يرجع إلى استصحاب نفس الشرطية والمانعية، وليس شيئاً آخر حتى يستصحب ويترتّب عليه الجزئية والشرطية، وعلى هذا فلا يكون المقام من استصحاب الفرد وترتيب أثر الكلّي عليه.
على أنّه لا حاجة إلى استصحاب الشرط والمانع، أو الشرطية أو المانعية، بعد إمكان جريان الاستصحاب في الأحكام التكليفية، كاستصحاب وجوب الوضوء وحرمة لبس غير المأكول في الصلاة.

المقطع الثالث: لا فرق بين وجود الحكم وعدمه

لا فرق بين كون المستصحب أو الأثر المترتّب عليه وجود الحكم الشرعي أو عدمه، فكلّ منهما يصلح لأن يكون مستصحباً كما يصلح أن يكون أثراً مترتّباً عليه.
وعدم إطلاق الحكم على عدمه غير ضائر، إذ ليس هناك ما دلّ على اعتباره بعد صدق نقض اليقين بالشكّ، برفع اليد عنه كصدقه برفعها من طرف ثبوته.
ثم إنّه أشار إلى إشكال الشيخ في استصحاب البراءة وحاصل إشكاله

1 . كفاية الأُصول:2/330.

(208)
عبارة عن أنّ استصحابها إمّا أن يكون بلحاظ نفسه فالعدم ليس ممّا تقع عليه يد الجعل التشريعي، وإمّا بلحاظ آثاره من الثواب والعقاب فهي من الآثار العقلية، وأجاب عنه بوجهين:
الأوّل: إنّا نختار الشقّ الأوّل وهو استصحاب البراءة بلحاظ نفسها، وقد عرفت أنّه يكفي في صحّة الاستصحاب كون أمر نفيه بيد الشارع، كثبوته، فعندئذ يصدق عليه ـ عند رفع اليد عنه ـ نقض اليقين بالشكّ.
الثاني: إنّا نختار الشق الثاني وكون عدم استحقاق العقوبة أمراً غير مجعول، غير ضائر، وذلك لأنّ الأُمور العقلية على قسمين:
1. تارة تترتّب على وجود الموضوع واقعاً كخفقان القلب المترتّب على وجود الحي الواقعي، فلا يثبت باستصحاب الحىّ.
2. وأُخرى تترتّب على وجود الموضوع واقعاً أو ظاهراً، كما في المقام، فإنّ قبح العقاب بلا بيان لا يختصّ بعدم البيان واقعاً، بل يعمّه وما إذا لم يكن ظاهراً، ضرورة أنّ وجود الحكم وعدم وصوله إلى المكلّف لا يكفي في صحّة العقوبة.
وعلى هذا فلا مانع من استصحاب البراءة لغاية ترتّب قبح العقاب عليه، وسيوافيك توضيحه في المقطع التالي.

المقطع الرابع: ما يُعدّ أثراً للموضوع أعمّ من الواقعي والظاهري

هذا هو الذي عنونه في التنبيه التاسع، ويريد بذلك ما ألمعنا إليه في

(209)
ذيل المقطع الثالث، من أنّ الأثر الشرعي إنّما لا يترتّب على المستصحب عندما كانت الواسطة أمراً عقلياً أو عادّياً إذا كان الأثر من آثار وجود الموضوع واقعاً، كما مثلنا من ترتّب خفقان القلب، دونما إذا كان الأثر من آثار الموضوع أعمّ من أن يكون متحقّقاً في الواقع أو في الظاهر، فعندئذ يترتّب عليه حتى الأثر العقلي والعادي وبالتالي أثرهما أيضاً. ويمكن توضيحه بالأمثلة التالية:
1. من آثار وجوب الشيء عقلاً وجوب الموافقة وحرمة المخالفة، ومن المعلوم أنّ الموضوع لهذا الحكم العقلي هو مطلق الوجوب أعمّ من أن يكون واقعياً أو ظاهرياً.
فإذا ثبتت حرمة الشيء ولو ظاهراً بالاستصحاب أو وجوبه كذلك، يترتّب عليه حرمة المخالفة، أو وجوب الموافقة عقلاً. كما أنّه لو كان لوجوب الموافقة أو لحرمة المخالفة أثر شرعي يترتّب على المستصحب أيضاً، لما عرفت من أنّ الأثر العقلي ليس أثراً للحكم الواقعي فقط، بل للأعمّ منه ومن الظاهري.
2. ترتّب الأجزاء الذي هو حكم عقلي على صلاة مَن صلّى بثوب مستصحب الطهارة.
توضيحه: إذا قال المولى: صلّ في ثوب طاهر، ثم شككنا في طهارة ثوب مسبوق بالطهارة، فبحكم: لا تنقض اليقين بالشكّ، يكون الثوب محكوماً بالطهارة، فيقال: إنّه طاهر، فيكون حاكماً على دليل الشرطية بالتوسعة، وتكون النتيجة: أنّ الشرط الواقعي للصلاة هو الطهارة أعمّ من أن

(210)
تكون طهارة واقعية أو ظاهرية.
فإذا صلّى بذلك الثوب يحكم على صلاته بالصحّة ; لأنّها عبارة عن مطابقة المأتيّ به للمأمور به، فليس المأمور به إلاّ ما كان طاهراً. كما يحكم عليه بالإجزاء لأنّه أثر كلّ فعل صحيح ولو ظاهراً، ولا يوصف هذا بكونه مثبتاً.
3. ما مرّ في المقطع الثالث من أنّ قبح العقاب بلا بيان، من الأحكام العقلية المترتّبة لمطلق عدم المنع ولو ظاهراً.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الوارد في المقاطع الأربعة ليس من الأُصول المثبتة.

(211)
 

تنبيهات

10

في كفاية ترتّب الأثر الشرعي بقاءً

قد عرفت أنّه يشترط في المستصحب إمّا أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لأثر شرعي، وهل يشترط في الأثر في كلا الموردين كونه كذلك حدوثاً و بقاءً؟
أو يكفي كونه كذلك بقاءً؟
الجواب: الحق هو الثاني ; لأنّ الاستصحاب تعبّد من الشارع، وصحّة التعبّد رهن ترتّب الأثر عليه، ويكفي في ذلك وجود الأثر بقاءً وإن لم يكن حدوثاً كذلك، لكفاية ذلك في صون فعل الحكيم عن اللغو، وإليك المثالين التاليين: أحدهما في مجال الاستصحاب الحكمي، والآخر في مورد الاستصحاب الموضوعي.
1. استصحاب البراءة الأزلية، فإنّ عدم الوجوب أو التحريم حدوثاً ـ أي قبل البعثة مثلاً ـ ليس أثراً شرعياً ولكنّه بقاءً أثر شرعي، لما عرفت من أنّ الملاك كون رفعه ووضعه بيد الشارع.
2. استصحاب حياة الولد بعد موت الوالد، فإنّ حياته في زمان حياة

(212)
الوالد لم يكن موضوعاً لأثر شرعي، لكنّها بقاءً موضوع للأثر الشرعي، وهو لزوم حفظ سهمه من التركة.
نعم، لنا حول استصحاب العدم الأزلي بحث واف، فرغنا منه في الجزء الثاني عند بحث استصحاب عدم القرشية...

(213)
 

تنبيهات

11

في تأخّر الحادث أو تقدّمه أو تقارنه

إذا حصل اليقين بوجود شيء ثم طرأ الشكّ في بقائه فلا شكّ أنّ الحكم هو استصحاب بقائه، ومثله ما إذا حصل اليقين بعدم وجود شيء، ثم طرأ الشكّ في انقلابه إلى الوجود، فالمحكم هو استصحاب عدمه.
وأمّا إذا كان وجود الشيء محقّقاً وكان الكلام في تقدّمه وتأخّره، فهاهنا مقامان:
الأوّل: إذا قيس وجود الشيء إلى أجزاء الزمان، كما إذا مات زيد قطعاً، وشكّ في تحقّقه يوم الخميس أو يوم الجمعة.
الثاني: إذا قيس المستصحب بالنسبة إلى حادث آخر، كما إذا عُلم موت المتوارثين كالأب والولد، وشكّ في المتقدّم والمتأخّر منهما.
وإليك الكلام في الأوّل فنقول:

المقام الأوّل: في قياس الحادث إلى أجزاء الزمان

إذا علمنا بموت زيد وتردّد كونه يوم الخميس أو يوم الجمعة، فهنا موضوعات ثلاثة:

(214)
1. استصحاب حياته إلى يوم الجمعة، أو عدم موته إلى يوم الجمعة.
2. تأخّر موته عن الخميس.
3. حدوث موته يوم الجمعة.
فبما أنّ المستصحب هو بقاء حياته أو عدم موته إلى يوم الجمعة فيترتّب ـ بفضل الاستصحاب ـ أثر هذين الأمرين على المستصحب، ولا يثبت به الموضوعان الآخران لأنّهما من لوازم المستصحب، لأنّه إذا كان حيّاً إلى فجر يوم الجمعة والمفروض أنّه ميت يوم الجمعة، فلازمه العقلي تأخّر موته عن الخميس أو حدوث موته يوم الجمعة.
نعم يمكن ترتيب الأثر الشرعي لهذين الموضوعين بأحد الوجهين:
1. ادّعاء خفاء الواسطة، وأنّ الأثر المترتّب على تأخّر موته عن الخميس أو حدوث موته يوم الجمعة، مترتّب عند العرف على نفس عدم موته إلى يوم الجمعة أو استمرار حياته إلى يوم الجمعة.
وبعبارة أُخرى: الأثر المترتّب على الواسطة في نظر العرف مترتّب على نفس المستصحب.
2. دعوى الملازمة بين التنزيلين وأنّ التعبّد بعدم موته إلى يوم الجمعة يلازم عرفاً التعبّد بكلا الأمرين، أعني: تأخّر موته عن يوم الخميس، أو حدوثه يوم الجمعة. فيترتّب أثرهما أيضاً على المستصحب.
والكلام في هذا المقام قصير، إنّما الكلام في المقام الثاني، أعني: قياس وجود الشيء أو عدمه إلى حادث آخر.

(215)

المقام الثاني: قياس المستصحب إلى حادث آخر

والكلام هنا يقع في موضعين:
1. ما إذا كانا مجهولي التاريخ.
2. ما إذا كان أحدهما مجهول التاريخ والآخر معلومه.

الموضع الأوّل: فيما جهل تاريخهما

لو علمنا بوجود حادثين وشككنا في تقدّم أحدهما على الآخر، كما إذا علمنا بأنّ الماء القليل صار كرّاً بواسطة ماء قليل آخر، وعلمنا أيضاً بملاقاة النجس لهذا الماء ولكن شكّ في التقدّم والتأخّر، فلو كانت الكرّية متقدّمة فالماء والثوب النجس الواقع فيه طاهران بخلاف العكس.
أمّا الشيخ الأنصاري فقد لخّص الكلام هنا ـ ونعم ما فعل ـ حيث قال: فإن جُهل تاريخهما فلا يحكم بتأخر أحدهما المعيّن عن الآخر ; لأنّ التأخّر في نفسه ليس مجرى الاستصحاب لعدم مسبوقيته باليقين، وأمّا أصالة عدم أحدهما في زمان حدوث الآخر فهي معارضة بالمثل، وحكمه التساقط مع ترتّب الأثر على كلّ واحد من الأصلين، ثم قال: فهل يحكم بتقارنهما في مقام يتصوّر التقارن لأصالة عدم كلّ منهما قبل وجود الآخر وجهان، من كون التقارن أمراً وجودياً لازماً لعدم كون كلاًّ منهما قبل الآخر، ومن كونه من اللوازم الخفية حتى كاد يتوهم أنّه عبارة عن عدم تقدّم أحدهما على الآخر في الوجود.

(216)
وأمّا المحقّق الخراساني فقد أطال الكلام فيه مع التعقيد في كلامه من دون أن يذكر مثالاً لتقسيماته.
وحاصل كلامه: أنّ الأثر الشرعي في مجهولي التاريخ على أقسام:
إنّ الأثر تارة يترتّب على وجود أحد الحادثين في زمان وجود الآخر، وأُخرى يترتّب على عدم أحد الحادثين في زمان وجود الآخر. فالمقيس عليه مطلقاً وجود الشيء، لكن المقيس يختلف، تارة يكون وجود الشيء وأُخرى عدمه.
واعلم أنّ الموضوع في الأوّل لمّا كان أمراً وجودياً فالغاية نفيه بالأصل، ولكنّه في الثاني أمر عدمي فالغاية إثباته بالأصل. فلنقدّم الكلام في الأوّل:

المقام الأوّل: ترتّب الأثر على وجود أحد الحادثين

فنقول: إنّ ترتب الأثر على وجود أحد الحادثين في زمان وجود الآخر، على قسمين:
تارة يترتّب الأثر على أحد العناوين التالية:
التقدّم، التأخّر، التقارن، بنحو مفاد كان التامّة، وإلى هذا القسم أشار في «الكفاية» بقوله: فتارة كان الأثر الشرعي لوجود أحدهما بنحو خاص من التقدّم أو التأخّر أو التقارن.
وأُخرى يترتّب على الحادث الموصوف بالتقدّم أو التأخّر أو التقارن بنحو مفاد كان الناقصة، وإليه أشار بقوله: وإن كان مترتّباً على ما إذا كان متّصفاً بالتقدّم أو بأحد ضدّيه.

(217)
ولتوضيح المفادين نقول: تارة يكون موضوع الأثر للاستصحاب تقدّم الكرّية على الملاقاة، وأُخرى يكون موضوع الأثر الكرّ الموصوف بالتقدّم أو الكرّ المتقدّم.
فالأوّل من قبيل وجود الشيء (تقدّم الكرّ).
والثاني من قبيل ثبوت شيء لشيء (ككون الكرّ متقدّماً).
وإليك الكلام في كلا القسمين: ولنحترز عن تكرار المثال الواحد في الأقسام التالية لصيانة الأذهان عن التشويش.

القسم الأوّل: إذا ترتّب الأثر على وجود الحادث على مفاد كان التامّة

إذا ترتّب الأثر على أحد الحادثين عند وجود الحادث الآخر فقد ذكر المحقّق الخراساني صوراً أربع:
1. أن يترتّب الأثر على حالة واحدة من أحد الحادثين، كالتقدّم أو التأخّر أو التقارن.
2. أن يترتّب الأثر لأكثر من حالة واحدة لأحد الحادثين فقط.
3. أن يترتّب الأثر ـ أيضاً ـ لحالة واحدة من الحادث الآخر.
4. أن يترتّب الأثر ـ أيضاً ـ للحادث الآخر، لكن لأكثر من حالة واحدة.
وإليك دراسة أحكام الصور، فنقول:
إذا كان الأثر مترتّباً لحادث واحد فقط دون الآخر، ولحالة خاصّة للحادث، فيجري الاستصحاب بلا شكّ.

(218)
وأمّا لو كان الأثر مترتّباً على كلتا الحالتين من أحد الحادثين أو لحالة واحدة من الحادث الآخر أيضاً أو كلتا الحالتين منه، فالأصلان يتعارضان ويتساقطان. فلنذكر للجميع مثالاً:
إذا ترتّب الأثر على حالة واحدة من أحد الحادثين:
1. إذا علمنا بموت أخوين أحدهما له أولاد والآخر عقيم، وشكّ في تقدّم موت أحدهما على الآخر، فالأثر يترتّب على سبق موت الأخ العقيم على ذلك الأخ (1) الذي له أولاد، إذ عندئذ يرثه الأخ ثم أولاده. وأمّا سبق موت غير العقيم فلا يترتّب على واحد من الحالات ، سواء تقدّم أو تأخّرأو تقارن، فتركته لأولاده .
2. إذا ترتّب الأثر على أحد الحادثين لكن على حالتين منه، فالأصلان يتعارضان، كما إذا نذر أنّه لو تقدّم زيد في المباراة على عمرو، فعليه أن يدفع ديناراً إلى الفقير، وإن تأخّر عن عمرو فعليه أن يعطي دِرهماً، فأصالة عدم تقدّمه على عمرو يتعارض مع أصالة عدم تأخّره عليه، فيتساقطان للعلم بكذب أحد الأصلين.
فهل مقتضى العلم الإجمالي دفع الأكثر أو الاكتفاء بالأقل؟وجهان.
3. إذا ترتّب الأثر على الحالة الخاصّة لوجود كلّ من الحادثين، كما إذا

1 . لا على موت الأخ العقيم الموصوف بالسبق على موت الأخ الآخر، إذ عندئذ يدخل في القسم الثاني، إذ ليس له عندئذ حالة سابقة، كما إذا قلنا: «موت الأخ العقيم الموصوف بعدم السبق»، وإثباته بالسلب التام يكون مثبتاً .

(219)
نذر أن يُعطي ديناراً إذا سبق زيد، ودرهماً إذا سبق عمرو، فالأثر يترتّب على الحالتين من الحادثين.
4. أن يترتّب الأثر على الحالتين من كلّ واحد من الحادثين، كما إذا نذر فيما لو سبق زيد ديناراً ولو تأخّر دينارين، وهكذا في جانب عمرو.
فتلخّص: أنّ الاستصحاب يجري في صورة واحدة وهي أن يكون الأثر مترتّباً على حالة واحدة لأحد الحادثين فقط.

القسم الثاني: ترتّب الأثر على وجود الحادث على مفاد كان الناقصة

إذا ترتّب الأثر على نوع وجود الحادث عند وجود الحادث الآخر على مفاد كان الناقصة، قال المحقّق الخراساني: فلا مورد هاهنا للاستصحاب لعدم اليقين السابق فيه بلا ارتياب.(1)
توضيحه: أنّه إذا حدث حادثان موت الوالد وموت الولد، فاشتبه السابق منهما، فلو قلنا بأنّ الموضوع سبق موت الوالد على موت الابن، فهنا يصح استصحاب عدمه بما أنّه كان يوم لم يكن فيه والد ولا ولد، ولا موتهما يصدق عدم سبق موت الوالد على موت الابن.
وأمّا لو قلنا بأنّ الموضوع موت الوالد السابق على موت الولد، فليس لنفس القضية حالة سابقة وأمّا السالبة منها فالناقصة ليست لها حالة سابقة كما إذا قلنا: بأنّ الموضوع موت الوالد الموصوف بعدم السبق على موت الولد،

1. كفاية الأُصول:2/335.

(220)
وإثباتها بأصالة عدم سبق موت الوالد على موت الولد على نحو مفاد كان التامة يكون مثبتاً .
إلى هنا تمّ الكلام في القسمين الأُوّلين، أعني: ترتّب الأثر على وجود الحادث عند وجود حادث آخر، بقي الكلام في القسمين الأخيرين.

المقام الثاني: ترتّب الأثر على عدم أحد الحادثين

إذا ترتّب الأثر على عدم الحادث عند الحادث الآخر، فهذا على قسمين:
تارة يكون الأثر مترتّباً على النفي الناقص، وأُخرى على النفي التامّ.
فقد قدّم المحقّق الخراساني النفي الناقص على النفي التام خلافاً للقسمين الأوّلين حيث قدّم البحث في مفاد كان التامة على مفاد كان الناقصة. وإليك الكلام في هاتين الصورتين.

القسم الأوّل: ترتّب الأثر على عدم الحادث على النفي الناقص (1)

إذا ترتّب الأثر على عدم الحادث عند وجود الحادث الآخر على وجه النفي الناقص، فقد نفى المحقّق الخراساني جريان الاستصحاب فيه، فقال: فالتحقيق أنّه ليس بمورد للاستصحاب فيما كان الأثر المهم مترتّباً على

1 . اخترنا لفظ«النفي التام» مكان «ليس الناقصة» الرائج في كلمات المتأخّرين ; وذلك لأنّ فعل «ليس» لا يستعمل إلاّ ناقصاً، قال ابن مالك:
            وما سواه ناقص والنقص في      فتى وليس، زال، دائماً قُفي

(221)
الحادث المتّصف بالعدم في زمان حدوث الآخر لعدم اليقين بحدوثه كذلك في زمان.(1)
توضيحه: أنّ الفرق بين القسمين الأوّلين وهذين القسمين هو أنّ الهدف من الاستصحاب في الأوّلين هو نفي الموضوع، وفي الأخيرين إثبات الموضوع. مثاله ما إذا توارد حالتان على الماء صيرورته كرّاً بماء قليل، وملاقاة الثوب النجس معه .وجه عدم وجود الحالة السابقة إذا قلنا بأنّ الموضوع للأثر يعني نجاسة الماء والثوب هو القضية المعدولة، في قولنا: «الماء المتّصف بعدم الكرية عند ملاقاة النجس، ينجس»، فإنّه لا يصدق إلاّ بوجود الموضوع، ومن المعلوم أنّ الماء بهذا القيد ليس له حالة سابقة حتى يستصحب.
وحصيلة الكلام: أنّ صدق القضية يتوقّف على صدق الموضوع، أي وجود الماء المتّصف بعدم الكرية حين الملاقاة، وهذا ليس متعلّقاً لليقين حتى يستصحب في ظرف الشكّ. وهذا القسم من المقام الثاني، كالقسم الثاني من المقام الأوّل في عدم وجود حالة سابقة.
هذا إذا قلنا بأنّ الموضوع للنجاسة هو الموجبة المعدولة، وإذا قلنا بأنّ الموضوع هو السالبة المحصّلة أعني: لم يكن الماء كرّاً لدى الملاقاة، فهذا هو الّذي يأتي حكمه في القسم التالي.

1 . كفاية الأُصول:2/335.

(222)

القسم الثاني: ترتّب الأثر على عدم الحادث على نحو النفي التام

إذا كان الأثر مترتّباً على عدم وجود حادث عند وجود حادث آخر لكن على مفاد النفي التام كالنجاسة المترتّبة على عدم كرّية الماء عند الملاقاة، على نحو السالبة المحصلة: إذا لم يكن الماء كرّاً لدى الملاقاة فهو والملاقي نجس. ومقتضى القاعدة ـ لولا التعارض ـ جريان الاستصحاب لوجود الحالة السابقة على النفي التام وهو عدم كرية الماء عند الملاقاة. ومع ذلك منع المحقّق الخراساني من جريان الأصل وعلّله بعدم اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين.
وقد اختلفت كلمة الشرّاح والمحقّقين في بيان مراده، فقد أوضحه المحقّق النائيني بالبيان التالي، بتصرّف منّا:
وحاصله: أنّ هنا ساعات ثلاث:
الساعة الأُولى: وهو ظرف اليقين بعدم الكرّية والملاقاة.
الساعة الثانية: وهو ظرف اليقين بتحقّق إحداهما وليس هناك أيُّ شكّ.
الساعة الثالثة: العلم بوجود الكرّية والملاقاة، وهذه الساعة هي ظرف الشكّ، وذلك لأنّ الشكّ في بقاء عدم الكرّية إلى زمان الملاقاة لا يحصل إلاّ بعد العلم بالملاقاة، ولا يحصل العلم بها إلاّ في الساعة الثالثة، ويكون الشكّ حاصلاً حين العلم بالملاقاة، وليس إلاّ الساعة الثالثة، فتكون الساعة الثانية خالية عن اليقين التفصيلي والشكّ.
أمّا اليقين التفصيلي ـ أي اليقين بأحدهما المعيّن ـ فواضح.

(223)
وأمّا الشكّ فلأنّه فرع حصول المتعلّق، أعني: الملاقاة.
وباختصار:
1. أنّ الشكّ في المتقدّم والمتأخّر لا يحصل إلاّ بعد العلم بحدوث الحادثين.
2. العلم بحدوث الحادثين حاصل في الساعة الثالثة، فيكون موطن الشكّ هو الساعة الثالثة.
3. فالاستصحاب يتبع الشكّ ولا يتقدّم عليه، فاستصحاب عدم وجود حادث (الكرّية) عند وجود حادث آخر(الملاقاة) إنّما يجري في الساعة الثالثة.
4. وعلى ذلك لا يكون زمان الشكّ متّصلاً بزمان اليقين، لأنّ موطن اليقين هو الساعة الأُولى وموطن الشكّ هو الساعة الثالثة، فالساعة الثانية تكون فاصلة بين اليقين والشكّ.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ مفاد استصحاب «عدم الكرّية إلى زمان وجود الملاقاة» ليس بمعنى استصحابه إلى زمان العلم بالملاقاة حتى لا يتحقّق الشكّ بهذا النحو إلاّ في الساعة الثالثة فتكون الساعة الثانية خالية عنه. بل المراد استصحابه في كلّ زمان يحتمل فيه تحقّق الملاقاة، ومن المعلوم أنّه كما يحتمل تحقّق وجودها في الساعة الثالثة كذلك يحتمل تحقّقها في الساعة الثانية.
وبعبارة أُخرى: نحن نحتمل فرض وجود كلّ منهما في الساعة الثانية،

(224)
فيكون الشكّ في كلّ من الحادثين متصلاً بيقينه، ويجري استصحاب عدم كلّ منهما في زمان الشكّ في كلّ من الحادثين.
ثانياً: أنّه لا دليل على اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين، فلو أيقن إنسان بطهارة ثوبه ثم أُغشي عليه، فلمّا أفاق شكّ في بقاء طهارة ثوبه، واحتمل أنّه صار نجساً عندما أُغشي عليه، فظرف الشكّ غير متّصل بظرف اليقين مع أنّه لا شكّ في استصحابه.
ولذلك نقول بجريان الاستصحاب في المثال التالي إذا كان الأثر متعلّقاً بالعدم التام.
إذا أذن المرتهن ببيع العين المرهونة ثمّ رجع عن إذنه وباع الراهن العين المرهونة، وشكّ في تاريخ كلّ من البيع والرجوع عن الإذن، فيجري استصحاب عدم صدور الرجوع إلى زمان البيع ولا يعارضه استصحاب عدم البيع إلى زمان الرجوع لعدم ترتّب الأثر عليه.
وعلى كلّ تقدير: هذا التقرير الذي جنح إليه المحقّق النائيني يطابق عبارات الكفاية الواردة بصيغة الإشكال والجواب، ولكنّه لا ينطبق على العبارات الواردة قبل الإشكال والجواب فالذي ينطبق عليها هو تقرير المحقّق المشكيني، حيث قال ما هذا إيضاحه:

تقرير المحقّق المشكيني لعدم الاتّصال

إنّ الظاهر من قوله: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت»، هو اعتبار اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين في حرمة نقضه بالشكّ، فلا يصحّ

(225)
التمسّك به في الموارد التي لم يحرز فيها اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين، سواء أحرز عدم الاتصال بأن توسط يقين ثان بين اليقين الأوّل والشكّ الطارئ، أم شكّ في توسطه.
أمّا الصورة الأُولى: فواضح، لأنّه يكون من قبيل نقض اليقين بمثله، ولأجل ذلك لو أذعن بوجوب الجلوس إلى الزوال، ثمّ شكّ في بقائه بعده فلا يصحّ عند القوم استصحاب عدم الوجوب المعلوم أزلاً، لفصل اليقين الثاني بين اليقين الأوّل والشكّ الطارئ.
وأمّا الصورة الثانية: فلأنّ احتمال توسّط يقين ثان بين الأوّل والثاني، يجعله من قبيل الشبهة المصداقية، لقوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» ويكون مآله إلى الشكّ في أنّه هل هو نقض اليقين باليقين أو بالشكّ، ومع هذا لا يصحّ التمسّك بالعام لكونه من قبيل الشبهة المصداقية له، ومورد المثال من قبيل الصورة الثانية; وذلك لأنّ زمان الملاقاة لو كان هو الساعة الثانية لكان زمان الشكّ في بقاء عدم الكرّيّة متصلاً بزمان اليقين به، وأمّا لو كان هو الساعة الثالثة وزمان الكرّيّة هو الساعة الثانية فلا اتصال في البين، لتخلّل وجود الكرّية حينئذ بين المتيقّن والمشكوك.
وعلى هذا الوجه ينطبق قول المحقّق الخراساني حيث يقول: لعدم إحراز اتّصال زمان شكّه وهو زمان حدوث الآخر (أي الملاقاة) بزمان يقينه (أي اليقين بعدم كلّ من الحادثين) لاحتمال انفصال زمان المشكوك عن زمان المتيقّن باتصال حدوثه أي وجود الكرّيّة.

(226)
يلاحظ عليه: أنّه لو تمّ ذلك يلزم سدّ باب الاستصحاب بتاتاً، إذ ما من استصحاب إلاّ ويحتمل معه انقلاب المتيقّن فيه إلى ضده في زمان الشكّ، ولولا هذا الاحتمال لما حصل الشكّ، فاحتمال حدوث الكرّيّة في الساعة الثانية وانقلاب عدمها إلى نقيضه، لا يضرّ به إذ ليس أزيد من احتمال عدم بقاء المتيقّن وانقلابه إلى ضدّه أو نقيضه الذي هو الحاكم في جميع الموارد.
وبالجملة: المعتبر في الاستصحاب وجود يقين وشكّ فعلي، وأنّه لو رجع المستصحب القهقرى لا يقف على متيقّن متضادّ مع المتيقّن السابق، لا أن لا يحتمله، وهذا الشرط حاصل، واحتمال تقدّم الكرّيّة وإن كان حاصلاً لكنّه ليس بأمر متيقّن، بل محتمل، فلا يعتنى به، إذ الاعتناء يستلزم رفع اليد عن الأمر اليقيني بأمر مشكوك.
فتلخّص: أنّ المحقّق الخراساني، قال بجريان الاستصحاب في القسم الأوّل من الأقسام الأربعة، والحق جريانه في الأوّل والرابع إذا كان الأثر مترتّباً على وجود الحادث أو عدمه على الوجه التام، وعدم جريانه على الوجه الناقص.
***

(227)

الموضع الثاني: إذا جهل تاريخ أحدهما

إذا كان أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهوله فينقسم عند المحقّق الخراساني إلى أقسام أربعة على غرار معلوم التاريخ; لأنّ الأثر تارة يترتّب على وجود الحادث لدى وجود الحادث الآخر، وأُخرى على عدمه. وعلى كلّ تقدير فتارة يترتّب الأثر على وجود الحادث بنحو مفاد كان التامة، وأُخرى على مفاد كان الناقصة فصارت الأقسام أربعة:
القسم الأوّل: أن يترتّب الأثر على وجود أحد الحادثين لدى الحادث الآخر، على نحو مفاد كان التامّة، فقد ذكر المحقّق الخراساني له صوراً ثلاثة:
1. أن يترتّب الأثر على حالة واحدة من التقدّم والتقارن، والتأخّر، لأحد الحادثين دون سائر الحالات وفي الوقت نفسه لم يكن للحادث الآخر، أي أثر في واحد من الحالات. وهذا كالمثال التالي:
إذا أسلم الوارث مردّداً بين يوم الخميس والجمعة ومات المورّث المسلم في يوم الجمعة، فالأثر يترتّب على إسلام الوارث قبل موت المورّث بنحو مفاد كان التامّة لا على إسلام الوارث الموصوف بالسبق على موت المورّث بنحو كان الناقصة فيجري الأصل في جانب إسلام الولد، ويقال بأصالة عدم إسلام الوارث إلى زمان موت المورّث فيحكم بالحرمان، إذ ليس لسائر حالات المقيس أثر، ولا للجانب الآخر أثر مطلقاً في عامّة الحالات.
2. نفس الصورة ولكن كان للحادث الآخر أثر مثل المقيس، فالأصلان يتعارضان ; وهذا نظير العلم بإسلام الوارث إجمالاً مردّداً بين الخميس

(228)
والجمعة، والعلم بالقسمة في يوم الخميس، فإنّ الأثر يترتّب على حالة واحدة لكلا الحادثين، فلو أسلم قبل القسمة ورث، ولو أسلم بعدها حرم، فأصالة عدم إسلامه إلى زمان القسمة يتعارض مع أصالة عدم القسمة إلى زمان إسلام الوارث.
3. أن يترتّب الأثر على وجود أحد الحادثين دون الآخر لكن على حالتين له من التقدّم والتأخّر فالأصلان يتعارضان. وقد أشار المحقّق الخراساني إلى الصور الثلاث بعبارة مجملة فلاحظ.
أقول: وما ذكر من التعارض بين الأصل الجاري في معلوم التاريخ ومجهوله مبني على جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ وهو موضع تأمّل; لأنّ الغاية في الاستصحاب هي رفع الإجمال في ناحية المستصحب، والمفروض أنّه معلوم التاريخ لا سترة عليه، وكونه مجهول الحال بالنسبة إلى مجهول التاريخ، لا يضفي عليه إجمالاً.
وبعبارة أُخرى: إذا كان الخارج معلوم الحال وأنّ التركة قسمت يوم الخميس وكان الجهل في نقطة أُخرى، فلا يوجب الجهل الموجود فيه، الجهل في ناحية المعلوم. ولأجله فلا يندرج معلوم التاريخ تحت دليل الاستصحاب.
القسم الثاني: ترتّب الأثر على وجود الحادث على مفاد كان الناقصة، مثاله: إذا علم موت الأب وجهل موت الابن، والمفروض أنّ الموضوع للأثر، ليس موت الأب قبل موت الابن، بل الموضوع موت الأب الموصوف

(229)
بالسبق على موت الابن، وهكذا في الجانب الآخر فالموضوع ليس موت الابن قبل موت الأب، بل الموضوع موت الابن الموصوف بالسبق على موت الأب، ومن المعلوم أنّ كلاًّ من القضيتين فاقد للحالة السابقة فلا يجري الأصل لا في نفس القضية، ولا في نقيضه بصورة السالبة المحصلة لغاية إثبات السلب على نحو المعدولة، أي موت الأب غير السابق على موت الابن، أو موت الابن غير السابق على موت الأب حتى يحرم من الإرث; وذلك لأنّه يصبح عندئذ مثبتاً.
تمّ الكلام فيما إذا ترتّب الأثر على وجود أحد الحادثين بقسميه، وبقي الكلام فيما إذا ترتّب الأثر على عدم أحد الحادثين بقسميه: التامّ والناقص. وإليك البيان.
القسم الثالث: إذا ترتّب الأثر على عدم الحادث في زمان وجود الحادث الآخر على وجه النفي التامّ، كما إذا ترتب الأثر على عدم قسمة التركة إلى زمان إسلام الوارث، وكان تاريخ القسمة مجهولاً مردّداً بين كونه يوم الخميس أو يوم الجمعة، ولكن كان تاريخ الإسلام غير مجهول حيث أسلم يوم الجمعة صباحاً، فقال المحقّق الخراساني: يجري الاستصحاب في مجهوله دون معلومه.
أمّا الأول، فلاجتماع شرائط الاستصحاب فيه، التي منها كون الشكّ في البقاء، وهذا الشرط موجود في مجهول التاريخ حيث نشك في بقاء عدم القسمة في يوم الخميس وعدمه، فيحكم بالبقاء إلى يوم الجمعة وتكون نتيجته إرث الوارث من التركة.

(230)
نعم لو كان الأثر مترتّباً على النفي الناقص، كما إذا فرضنا أنّ الموضوع للإرث، المال غير المنقسم في زمان إسلام الوارث، فلا مجرى للاستصحاب لعدم الحالة السابقة.
وأمّا الثاني فلعدم الشكّ فيه ; لأنّ الإسلام قبل يوم الجمعة معلوم العدم، وفي يوم الجمعة معلوم الحدوث، ومع العلم بكلٍّ من زماني العدم والوجود لا يتصوّر فيه الشكّ حتى يجري الاستصحاب.
أقول: كان على المحقّق الخراساني إجراء هذا التفصيل في القسم الأوّل من الموضع الثاني، وقد نبّهنا على ذلك فيما سبق، وقلنا: إنّ مجرى الاستصحاب عبارة عن كون المستصحب مغموراً مجهولاً في حدّ نفسه كما في مجهول التاريخ، وأمّا المعلوم تاريخه فليس مجهولاً أو مغموراً في حدّ نفسه، وكونه مجهولاً بالعرض بالإضافة إلى مجهول التاريخ لا يكون مبرراً لوصفه بالجهالة.
القسم الرابع: إذا ترتّب الأثر على عدم الحادث عند وجود الحادث الآخر، لكن على وجه النفي الناقص، كالماء غير الكرّ في زمان الملاقاة، فيما إذا كانت الكرّية مجهولة التاريخ والملاقاة معلومته، فلا يصحّ الاستصحاب لا في المعلوم كما عرفت لعدم الشكّ في البقاء، ولا في المجهول لعدم الحالة السابقة.
وحصيلة الكلام: أنّ لمجهولي التاريخ أقساماً أربعة أصلية، كما أنّ للقسم الآخر ـ أعني: إذا كان أحدهما معلوم التاريخ والآخر مجهول ـ أيضاً أقساماً أربعة.

(231)
أمّا القسم الأوّل ـ أعني: مجهولي التاريخ ـ فالمانع عندنا كون المستصحب فاقداً للحالة السابقة، كما إذا كان الموضوع بصورة مفاد كان الناقصة أو النفي الناقص. وأمّا إذا كان الموضوع بصورة مفاد كان التامّة أو النفي التامّ، فيجري فيه.
وأمّا القسم الثاني فالمعلوم لا يجري فيه الأصل لعدم الشكّ في البقاء من غير فرق بين النفي التامّ والنفي الناقص، وأمّا المجهول فيجري في التامّ مطلقاً ولا يجري في الناقص كذلك، فتدبّر.

تطبيقات

إنّ قراءة الأُصول مجرّدة عن التطبيق لا يبلغ بالطالب درجة الاجتهاد، فإنّ الأُصول كالمسائل الرياضية تحتاج إلى تمرينات حتى توجد في الرجل ملكة الاجتهاد العليا، ولذلك أردفنا هذا التنبيه بمسائل تمرينية وتطبيقات فقهية، والجميع متفرّع على ما مضى في هذا التنبيه:
الفرع الأوّل: إذا كان ثوبه نجساً بالدم ثم طرأ عليه حادثان: أ. وقوع الدم عليه.   ب. غسل الثوب مرّة.
ولكن تردّد في تقدّم أحدهما على الآخر، لكن العلم بالغسل محدث للتكليف فلو توسّط بين الدمين يطهر الثوب وإن تأخّر فكذلك ; بخلاف الدم فلو توسّط لا يؤثر، ولو تأخّر يحدث تكليفاً. وعندئذ ينحل الإجمالي إلى علم تفصيلي وهو صيرورة الثوب بالغسل طاهراً، وشكّ بدوي وهو هل

(232)
صار الثوب بالدم الثاني نجساً إذا وقع في نفس الموضع الذي وقع فيه الدم الأوّل؟ فلو تقدّم الدم الثاني على الغسل يحكم على الثوب بالطهارة، لأنّه غسل مرة واحدة وهي كافية في تطهير الثوب المتنجس بالدم، ولو تأخّر يجب غسله مرّة أُخرى.
وبعبارة أُخرى: أنّ العلم الإجمالي قائم بالترديد بأن يقول: إنّ الثوب إمّا طاهر أو نجس، والمفروض ارتفاع الترديد ; لأنّه صار طاهراً قطعاً ولكن شكّ في صيرورته نجساً بالدم الثاني.
الفرع الثاني: نفس الصورة ولكن حدث حادثان وهما: أ. طروء البول، ب. الغسل، لكن تردّد في طروء البول بين كونه بعد الدم أو بعد الغسل. وهذا الفرع يختلف عمّا سبقه، لأنّ كلاًّ من شقّي العلم الإجمالي مؤثر، أمّا البول فلو وقع بعد الدم فهو يحتاج إلى غسلتين، ولو وقع بعد الغسل يجب أيضاً غسل الثوب مرتين.
وأمّا الغسل، فلو توسّط يكون مطهّراً للثوب وإن تنجس فيما بعد بالبول.
وإن تأخر فيكون مطهراً نسبياً حيث يحتاج إلى غسل آخر.
وبما أنّ الأصلان متعارضان ـ حيث إنّ أصالة عدم تقدّم البول على الغسل يعارض أصالة عدم تقدّم الغسل على البول ـ فيسقطان، ويكون المرجع هو استصحاب أثر البول المقطوع سواء توسّط أم تأخّر، فيحتاج إلى الغسل مرّتين.

(233)
الفرع الثالث: لو كان هناك ماء طاهر قليل ثم توارد عليه حادثان:
أ. صيرورته كرّاً بماء قليل.
ب. ملاقاته للنجس.
ولا شكّ أنّ كلاًّ من العلمين مؤثران، ولا مجال لانحلال العلم الإجمالي فيتعارض كلّ أصل مع مقابله، أي أصالة عدم تقدّم الكرّية على الملاقاة، وأصالة عدم تقدّم الملاقاة على الكرّية، فيتساقطان ويرجع في مورد الماء إلى قاعدة الطهارة.
والمورد من مصاديق ترتّب الأثر على وجود الحادث عند وجود الحادث الآخر حسب مفاد كان التامّة.
ثمّ إنّ المحقّق النائيني ذهب إلى نجاسة الماء، قائلاً بأنّ الظاهر من قوله(عليه السلام): «الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجّسه شيء» هو أنّه يعتبر في العاصمية وعدم تأثير الملاقاة، سبق الكرّية ولو آناً ما، لأنّ الظاهر منه كون الكرّية موضوعاً للحكم بعدم التنجيس بالملاقاة، وكلّ موضوع لابدّ وأن يكون مقدَّماً على الحكم، فيعتبر في الحكم بعدم تأثير الملاقاة، إحراز سبق الكرّية.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ هنا أصلين:
أ. أصالة عدم الكرّية إلى زمان الملاقاة.
ب. أصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرّية.
أمّا الأصل الأوّل فيكفي فيه الحكم بالانفعال; لأنّ مدلوله عدم إحراز

(234)
الكرّية إلى زمان الملاقاة، فتكون النتيجة عدم الموضوع للعاصمية إلى زمانها، ويكون مقتضاه نجاسة الماء.
وأمّا الأصل الثاني فهو عقيم لا يثبت عاصمية الماء من التأثر، لأنّها من آثار سبق الكرّية على الماء كما هو اللائح من الحديث، ولا يثبت بهذا الأصل، سبقُ الكرّية عليها ولا تأخّر الملاقاة على الكرّية.
وبعبارة أُخرى: الأثر مترتّب على مفاد كان الناقصة «الماء الموصوف بالكرّية لا ينجس بالملاقاة»، وأصالة عدم الملاقاة إلى حين الكرّية لا يثبت وصف الماء بها حين الملاقاة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الحديث بصدد بيان أنّ الكرية تعصم الماء عن الانفعال، وأمّا لزوم سبقها على النجاسة فلا يستفاد منها كما لا يستفاد من التراكيب المماثلة، حيث يقال: إنّ الرطوبة تمنع عن اشتعال الحطب أو الريح تمنع عن اشتعال السراج، والمفروض بيان التضادّ بينهما، لا شرطية سبق الرطوبة والريح، فيكفي في الحكم بالطهارة استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرّية، كما يكفي في الحكم بالنجاسة استصحاب عدم الكرّية إلى زمان الملاقاة، فالأصلان يتعارضان ويتساقطان فيكون المرجع قاعدة الطهارة.
الفرع الرابع: إذا تطهّر عن حدث وأحدث أيضاً ولم يعلم تقدّم أحدهما على الآخر، وله صور:

1 . فوائد الأُصول:4/528ـ 530، بتصرف.

(235)
الأُولى: أن تكون الحالة السابقة عليها مجهولة، وكان الأصلان أيضاً مجهولي التاريخ، كما إذا أحدث وتوضّأ وجهل التقدّم والتأخّر وكانت الحالة السابقة مجهولة غير معلومة، فلا شكّ أنّ المرجع هو إحراز الطهارة عند الصلاة، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بطهور».
الثانية: أن تكون الحالة السابقة معلومة، وطرأ عليه الحادثان من الحدث والطهارة، فهنا قولان:
قول بلزوم إحراز الطهارة الحدثية للدخول في الصلاة، لتعارض الأصلين، فلا مناص من إحراز الطهارة لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صلاة إلاّ بطهور»، وقول آخر ـ و هو قول المحقّق وجماعة ـ بأنّه يؤخذ بضد الحالة السابقة، هو الأقوى حسب ما مرّ من القاعدة في تنجيز العلم الإجمالي، وهو أنّه يجب أن يكون محدثاً للتكليف على كل تقدير، وإلاّ فلو أحدث على تقدير دون تقدير ينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي.
توضيحه: أنّه إذا كان أوّل النهار متطهّراً ثم علم بطروء الحالتين، من الطهارة والنوم، فيحكم عليه بكونه محدثاً، وذلك للعلم التفصيلي بالحدث، إمّا بتوسط النوم بين الطهارتين، أو بوقوعه بعد الطهارة الثانية. وعلى كلّ تقدير يعلم بعروض الحدث ويشك في ارتفاعه، فيستصحب.
وأمّا استصحاب الطهارة فلا علم ببقائها لا تفصيلاً ولا إجمالاً فإنّ الطهارة المعلومة أوّل النهار قد زالت قطعاً وهو قطعي الارتفاع إمّا بتوسط النوم، أو بتأخّره عن الطهارة، وعروضها مجدّداً مشكوك بالشكّ البدوي، لأنّه

(236)
يحتمل أن تكون الطهارة الثانية بعد الطهارة الأُولى بلا فاصل زماني، فارتفاع الطهارة قطعي، وعروضها مجدّداً مشكوك، إذ هو فرع أن تكون الطهارة بعد النوم.
وتختلف النتيجة إذا عكسنا المثال السابق، بأن كان أوّل النهار محدثاً ثم علم بطروء الحالتين من الطهارة والنوم، فيحكم بطهارته للعلم بالطهارة تفصيلاً، وذلك لأنّ الحالة الأُولى قد زالت وانقلبت إلى الحالة الأُخرى أي الطهارة، فهي متحقّقة الحدوث وإنّما الشكّ في ارتفاعها.
وأمّا الحالة الثانية فلا علم تفصيلي بها ولا إجمالي، للعلم بأنّها زالت بطروء الطهارة، ولكن عروضها بعد الطهارة مشكوك بدوي، لأنّه رهن أن يكون النوم بعد الطهارة وهو غير ثابت لاحتمال أن يكون النوم بعد النوم بدون أن تتوسّط الطهارة بينهما.
وإن شئت قلت: العلم الإجمالي منحلّ إلى علم تفصيلي وهو العلم بالطهارة، وشكّ بدوي وهو عروض الحدث بعد الطهارة القطعية.
وهذه هي القاعدة الكلّية في كلّ حادثين وقعا على موضوع ولم يعلم تقدّم أحدهما على الآخر، فيؤخذ بضدّ الحالة السابقة; لأنّ تأثير الضدّ قطعي على كلّ حال وتأثير المماثل مشكوك، مردّد بين التأثير وغيره.
فإن قلت: نحن نعلم بوجود الحدث بعد النوم الثاني فيستصحب بقاؤه، وإن لم نعلم بأنّه مستند إلى السبب الأوّل أو الثاني، فيستصحب الأثر الجامع بين الحدثين.

(237)
قلت: إنّ المتحقّق بعد النوم الثاني هو العلم بذات السبب، لا العلم بالسبب المحدث للمسبب، وهو غير كاف في الاستصحاب ; وذلك لأنّ الحدث المتيقّن بعد السبب الثاني إمّا أن يكون مستنداً إلى السبب الأوّل، فقد ارتفع، وإن كان مستنداً إلى السبب الثاني فهو أمر مشكوك فيه.
وبعبارة أُخرى: القول بأنّه يعلم بوجود الحدث بعد السبب الثاني، مرجعه إلى القول بأنّه يعلم بطروء الحدث إمّا قبل الوضوء أو بعده، فلو كان قبله فقد ارتفع، وأمّا لو طرأ بعده وإن كان مؤثراً لكنّه مشكوك جدّاً.
الصورة الثالثة: إذا كانت الحالة السابقة معلومة وكان أحدهما معلوم التاريخ، كما إذا كان أوّل النهار محدثاً، وعلم بالطهارة في أوّل الظهر، وعلم بالنوم إمّا قبل الطهارة أو بعدها.
فبما أنّ العلم بالنوم ليس علماً بالسبب المؤثر بل أقصاه العلم بوجود الحدث بعده، إمّا من العلم السابق أو منه نفسه، والمسبب الأوّل مقطوع الارتفاع وحدوثه من السبب الثاني مشكوك الوجود فلا يكون العلم بالسبب مؤثراً، بخلاف الطهارة الحاصلة في أوّل الظهر، فالعلم بها علم بالسبب الفعلي، وأنّها أزالت الحالة السابقة، إمّا بتوسطها بين النومين أو تعقبها للنوم الثاني.
والذي يوضح الحال أنّه لو توضّأ وشكّ بعد الوضوء أنّه حدث منه أحد الفعلين إمّا نام أو عطس، فكما لا يكون مثل هذا العلم الإجمالي مؤثراً، فهكذا المقام، فلو فرضنا أنّه كان محدثاً في أوّل النهار ثم توضّأ، ونام ولم

(238)
يعلم المتقدّم منها، فالعلم بالطهارة قطعي، وأمّا النوم الثاني فلو تقدّم على الطهارة فيكون حكمه حكم العطاس، ولو تأخّر يكون مؤثراً، فمثل هذا العلم لا يؤثر أبداً.
نعم فصّل سيدنا الأُستاذ في هذه الصورة وهو أنّه إذا كان المعلوم تاريخه ضدّاً للحالة السابقة المعلومة كما في المثال السابق، فيؤخذ بالضدّ حيث كانت الحالة السابقة هي الحدث والمعلوم تاريخه هو الطهارة.
وأمّا إذا كان المعلوم تاريخه مماثلاً للحالة السابقة، كما إذا كان المعلوم تاريخه هو الحدث وكانت الحالة السابقة أيضاً هي الحدث يؤخذ بقول المشهور من لزوم إحراز الطهارة، وذلك بحجّة أنّ استصحاب الكلّي لا مانع عنه، لأنّ الكلّي في أوّل الزوال معلوم التحقّق ومحتمل البقاء، لأنّه يعلم في أوّل الظهر أنّه محدث فيستصحب كلّي الحدث.(1)
يلاحظ عليه: أنّ معنى قوله: بأنّه يعلم في أوّل الظهر أنّه محدث، فمعناه العلم بوجود الحدث بعده، إمّا من السبب السابق، فهو مرتفع أو منه نفسه فهو مشكوك الحدوث بعد العلم بالطهارة واحتمال كون الحدث متوسطاً بينهما.
ثمّ إنّ قياس المقام باستصحاب القسم الثالث قياس مع الفارق، حيث إنّ تقارن الفردين في استصحاب الكلّي محقّق للاستصحاب، ولا يضرّ به بل لولاه لما صح الاستصحاب.

1 . رسائل الإمام الخميني:203.

(239)
ولكن التقارن هنا ـ أي تقارن الحدثين ـ موجب للعلم بارتفاع الحالة السابقة، إذ عندئذ تتأخّر الطهارة عن الحدثين وتكون النتيجة هي ارتفاع الطهارة.
كما أنّ الانفصال في المقام، أي تحقّق الحدث بعد الطهارة يوجب الفصل بين الحدثين، أي بين زوال الفرد الأوّل وتحقّق الفرد الثاني، ومع الفصل لا يصح استصحاب الطهارة لوجود الفصل بين الحدثين.
إلى هنا تمّت الفروع المترتّبة على ما ذكر في هذا التنبيه، وهناك فروع أُخرى نطرحها ونحيل حلّها إلى الطالب النبيه:
1. إذا ادّعى الزوج الرجوع في عدّة المطلقة الرجعية، وادّعت الزوجة تأخّره عنها.
2. إذا ادّعى أحد المتعاملين في بيع الحيوان كون الفسخ في الثلاثة، والآخر كونه بعد انتهاء الثلاثة.
3. إذا أذن المرتهن في البيع ثم رجع عن إذنه، وباع الراهن، فاختلفا في كون البيع قبل الرجوع أو بعده.
4. إذا تطهّر وصلّى وعلم بصدور حدث منه وشكّ في تقدّم الحدث على الصلاة أو بعدها إذ لم يمكن إجراء قاعدة الفراغ، لأجل اشتراط الأذكرية المفقودة في المقام.
إلى غير ذلك من الفروع التي يمكن استخراج أحكامها ممّا ذكرنا.

(240)
 

تنبيهات

12

جريان الاستصحاب في العقائد والمعارف

ولأجل تبيين المقصود نقدّم أُموراً:
1. إنّ التعبّد ببقاء شيء رهن ترتّب أثر على التعبّد، حتى يخرج عن كونه لغواً، ولذلك يجب أن يكون المستصحب إمّا حكماً شرعياً، أو موضوعاً خارجياً أو لُغَوّياً يترتّب عليهما أثر شرعي.
هذا كلّه واضح مقالاً وحكماً، إنّما الكلام فيما إذا كان المستصحب أمراً اعتقادياً، فهل يجوز استصحابه أو لا؟ وسيتّضح حكمه بعد بيان هذه الأُمور.
2. هل النسبة بين الإيمان واليقين هي العموم والخصوص المطلق، بمعنى أنّ كلّ مؤمن ذو يقين وليس كلّ ذي يقين بمؤمن، أو النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه؟
والذي يظهر من غير واحد من المحقّقين، الثاني.
أمّا افتراق اليقين عن الإيمان والتسليم فيدلّ عليه قوله سبحانه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)(1)، ترى أنّه سبحانه يعدّ آل فرعون من أصحاب اليقين وفي

1 . النمل:14.

(241)
الوقت نفسه من الجاحدين برسالة موسى(عليه السلام) وغير مسلمين له، جوارحاً وجوانحاً، بل كلّ مَن يعاند الحق مع علمه به فهو ذو يقين وفاقد للإيمان بمعنى التسليم قلباً ولساناً.
وكان سيدنا الأُستاذ يمثّل مثالاً آخر ويقول: كلّ إنسان بالطبع يخاف من الميّت، مع أنّه على يقين بأنّه لا يضرّ، فهو ذو يقين ولكنّه فاقد للإيمان، بخلاف غسّال الموتى فهو يجمع كلا الأمرين.
وأمّا افتراق الإيمان عن اليقين فهو ما أشار إليه سبحانه في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً).(1)
قال الطبرسي: نزلت الآية في حق أهل الكتاب الذين يدّعون أنّهم على دين إبراهيم (عليه السلام)ومع ذلك قالوا: إنّ الوثنيين أهدى سبيلاً من المؤمنين، تفوّهوا بتلك الكلمة في جواب سؤال قريش إيّاهم:نحن أُميّون لا نعلم، فأيّنا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد؟
فقالوا: أنتم والله أهدى سبيلاً ممّا عليه محمّد، فنزلت الآية.(2)
فقد عقدوا قلوبهم بما تفوّهوا به، وقد عبّر عنه سبحانه بالإيمان وقال:(يؤمنون بالجبت والطاغوت)، وفي الوقت نفسه كانوا على يقين بالبطلان.

1 . النساء:51.
2 . مجمع البيان:2/59.

(242)
وأمّا اجتماع الإيمان واليقين فواضح.
3. معنى الكلام في كفاية الظن في العقائد عند البحث عن حجّية الظن، غير أنّ الباعث لعقد هذا التنبيه هو المناظرة التي حصلت بين بعض الفضلاء من السادات وبعض أهل الكتاب في منطقة بين النجف وكربلاء المسمّاة بذي الكفل، فتمسّك الكتابي ببقاء شريعته بالاستصحاب، فدار البحث بينهما بنحو مذكور في الكتب، وقد طرحه القمّي في قوانينه والشيخ في فرائده وكلّ من جاء بعدهما.
إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في محاور ثلاثة:
1. جريان الاستصحاب في الأُمور الاعتقادية.
2. جريان الاستصحاب في خصوص النبوة.
3. انتفاع الكتابي في التمسّك بالاستصحاب إلزاماً واقتناعاً.
وإليك البحث فيها، واحداً بعد الآخر.

المحور الأوّل: جريان الاستصحاب في الأُمور الاعتقادية

إنّ جريان الاستصحاب في الأُمور الاعتقادية مبني على جواز الفصل بين الإيمان واليقين، وجواز فصل الأوّل عن الثاني، وإلاّ فلا معنى للاستصحاب في الأُمور التي تنوط باليقين، إذ كلّما يكون المطلق فيه هو اليقين، لامكان له في ظرف اليقين، وإلاّ فيكون أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

(243)
وأمّا على القول بفصل الإيمان وتسليم القلب عن اليقين فقد فصّل المحقّق الخراساني بين القسمين، فقال ما خلاصته:
1. كلّ ما يكون المطلوب فيها هو الانقياد والتسليم وعقد القلب وإن لم يكن معه يقين، فهذا ما يجري فيه الاستصحاب حكماً وموضوعاً.
2. ما كان المطلوب فيه هو القطع والمعرفة العلمية، فيجوز فيها الاستصحاب حكماً ولا يجوز موضوعاً.
أمّا القسم الأوّل فالموضوعي فيه ما إذا شكّ في أنّ الشيء الذي يجب الاعتقاد به هل هو باق أم زائل، والحكمي منه ما إذا كان شيء سابقاً واجب الاعتقاد ثم شكّ في رفع وجوب الاعتقاد؟
ولا يخفى أنّ المثالين مجرد فرض، وليس في الشريعة المقدّسة لهما مثال، إلاّ فرضاً، وهو لا يغير شيئاً.
نعم يبقى الكلام في القسم الثاني فالحكمي منه كما إذا أيقن بوجوب تحصيل العلم في جزئيات الحياة الأُخروية ثم شكّ في بقائه فيجري فيه الاستصحاب، فتكون النتيجة: لزوم تحصيل اليقين بتفاصيل القيامة، فهذا النوع من الاستصحاب غير ضائر، بل يدعم تحصيل العلم.
وأمّا الموضوعي الذي لا يجري فيه الاستصحاب، كما لو شكّ في حياة إمام زمانه، فلا يستصحب لأجل ترتيب لزوم معرفة إمام زمانه، بل يجب تحصيل اليقين بموته أو حياته مع إمكانه.
يلاحظ على المثال: بأنّ الشكّ في حياة الإمام كالشكّ في حياة

(244)
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يكفي فيه استصحاب حياتهما إلى أن يدل دليل على موتهما...
والأولى أن يمثل بما إذا كان على يقين بإمامة الإمام ثم شكّ فيها، ولكنّه لا يخلو من إشكال; لأنّ الشكّ فيها إن رجع إلى بقاء إمامته فهو عبارة أُخرى عن حياته، وإن رجع إلى ثبوت إمامته من رأس، فهو من قبيل الشكّ الساري.
وبذلك ظهر أنّ البحث في المحور الأوّل على فرض فصل الإيمان عن اليقين، ليس بمفيد.
إلى هنا تمّ الكلام في المحور الأوّل.

المحور الثاني: استصحاب النبوّة

فسّر المحقّق الخراساني النبوّة المستصحبة بوجوه:
1. النبوّة عبارة عن كمال النفس بمثابة يوحى إليها، وكانت لازمة لبعض مراتب كمالها.
والنبوّة بهذا المعنى غير قابلة للاستصحاب إمّا لعدم الشكّ فيها بعد اتّصاف النفس بها.
وإمّا لعدم كونها مجعولة بل من الصفات الخارجية التكوينية.
يلاحظ على التعليل الثاني بأنّ كون المستصحب أمراً تكوينياً لا يمنع من الاستصحاب كما هو الحال في استصحاب الأُمور الخارجية، فلابد أن يكون المانع عدم وجود أثر شرعي مترتّب عليه، وسيوافيك وجود الأثر في الوجه التالي.

(245)
2. ذلك المعنى ولكن شُكّ في بقائها باعتبار احتمال انحطاط النفس عن تلك المرتبة وعدم بقائها بتلك المثابة، كما هو الشأن في سائر الصفات والملكات الحسنة الحاصلة بالرياضات والمجاهدات. و ـ قال ـ لا يجوز استصحابها أيضاً عند الشكّ لأجل عدم ترتّب أثر شرعي عليها باستصحابها.
يلاحظ عليه بما واعدناك به من وجود الأثر العقلي، وهو وجوب عقد القلب، ووجوب الموافقة القطعية، وحرمة المخالفة القطعية لأحكامها، كذلك.
فإن قلت: إنّ هذه الآثار آثار عقلية وليست شرعية فكيف تثبت باستصحاب النبوّة؟
قلت: قد تقدّم في التنبيه العاشر أنّ الأثر إذا كان غير مختصّ بالوجود الواقعي للمستصحب، بل يعمّ الواقعي والظاهري فهو يترتّب بالاستصحاب، ومن المعلوم أنّ هذه الأحكام لا تختصّ بالوجود الواقعي للمستصحب، بل تعمّ التنزيلي منه، وهذا ما يسمّى باللازم المطلق.
3. النبوّة منصب مجعول كالولاية وإن كان لابد في إعطائها من أهلية وخصوصية بها يستحقها ، فقال: النبوّة بهذا المعنى قابلة للاستصحاب، ولكن تحتاج إلى الدليل، فما هو الدليل على الاستصحاب؟
فإن كان الاستصحاب من المستقلاّت العقلية لكفى البناء عليه ولكنّه ليس كذلك، بل هو أصل عملي فإن كان السند وجود «لا تنقض» في شريعة النبي السابق، فالاستصحاب عليه يستلزم الدور ; لأنّ بقاء النبوّة يتوقّف على

(246)
ثبوت «لا تنقض» في شريعته في زمان الشكّ، وثبوت «لا تنقض» في زمان الشكّ متوقّف على بقاء النبوّة، وهذا هو الدور.
وإن كان السند وجود «لا تنقض» في الشريعة المحمّدية فهو يستلزم الخلف، كما هو واضح.
4. استصحاب النبوّة بمعنى استصحاب مجموع الأحكام الواردة في الشريعة السابقة، وهي صالحة للاستصحاب.
ويرد عليه ما أوردناه على التفسير الثالث من عدم الدليل، إذ ليس الاستصحاب من المستقلاّت العقلية وإنّما هو أصل عملي، فلو استند عليه بوجوده في الشريعة السابقة، لدار، وإن استند عليه بوجوده في الشريعة المحمّدية، لزم الخلف.

المحور الثالث: تمسّك الكتابي بالاستصحاب إلزاماً وإقناعاً

هذا هو بيت القصيد في هذا التنبيه فإن تمسّك الكتابي إمّا أن يكون لأجل إلزام الخصم، أو إقناع نفسه.
أمّا الأوّل: فلعدم شكّ المسلم في بقاء النبوّة قائمة بنفس المسيح المقدّسة، واليقين بنسخ شريعته، وإلاّ لم يكن بمسلم، مضافاً إلى أنّه لا يصحّ الاستصحاب ما لم يعترف بأنّه على يقين وشكّ، وهو غير معترف بذلك أبداً.
وأمّا الثاني ـ أعني: الاستصحاب إقناعاً ـ : فهو مردود لوجوه:
1. يجب عليه الفحص قبل الاستصحاب عن بقاء النبوّة، والنظر إلى دلائل النبي اللاحق ومعجزاته.

(247)
2. يجب عليه أن يتّكل في الاستصحاب على دليل، وهو إمّا موجود في الشريعة السابقة، أو في اللاحقة. والاستناد على الأوّل يلزم الدور ; لأنّ التمسّك به فرع بقاء الشريعة السابقة، فلو ثبت بقاؤها به، لزم الدور .
وعلى الثاني يوجب الخلف; لانّ التمسّك بحكم شريعته فرع الاعتراف بكونها حقاً، والاعتراف بها يستلزم منسوخية الشريعة السابقة، وهو خلاف المقصود .
3. إذا شكّ في نبوّة النبي السابق مع احتمال صحّة نبوّة النبي اللاحق يجب عليه الاحتياط بالجمع بين أحكام الشريعتين إذا لم يلزم منه الاختلال، للعلم بثبوت إحداهما على الإجمال.

(248)
 

تنبيهات

13

ما هو المراد من الشكّ في الاستصحاب؟

لا شكّ أنّ الاستصحاب قائم على يقين سابق وشكّ لاحق، فما هو المراد من الشكّ الوارد في المقام؟
أقول: يطلق الشكّ ويراد به تساوي الطرفين في مقابل الظن الذي هو بمعنى ترجيح أحد الطرفين، ومقابل الوهم الذي هو الطرف المرجوح، وهذا هو مصطلح المنطقيين حيث يقسّمون الحالات الطارئة على الإنسان إلى أقسام أربعة: اليقين، والظن، والشكّ، والوهم. وهذا ما عليه الراغب في مفرداته.
وقد يطلق الشكّ ويراد به خلاف اليقين فيعمّ تساوي الطرفين والظن بخلاف الحالة السابقة، ووفاقها، وهذا ما عليه الجوهري في صحاحه.
وأمّا الشكّ في القرآن فهو بمعنى خلاف اليقين، فيعمّ تساوي الطرفين، والظن، يقول سبحانه: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ)(1)، والخطاب وإن كان للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن المراد

1 . يونس:94.

(249)
الجدّي هو غيره، وكأنّه من قبيل: إياك أعني واسمعي يا جارة، وقال تعالى:(قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ)(1) أي مطلق التردّد الجامع للظن بالوجود والظن بالخلاف (الوهم) بعدم الوجود وتساوي الطرفين.
وقد استدلّ الشيخ في «الفرائد» على أنّ المراد هو مطلق التردّد وأوضحه بوجوه أفضلها استظهار المراد من فقرات الصحاح الواردة في مورد الاستصحاب، وهي كالتالي:
1. قوله(عليه السلام): «حرّك في جنبه شيء وهو لايعلم...»، فإنّ ظاهره فرض السؤال بما كان معه أمارة النوم.
2. قوله(عليه السلام): «لا، حتى يستيقن»، حيث جعل غاية وجوب الوضوء، الاستيقان بالنوم ومجيء أمر بيّن منه.
3. قوله(عليه السلام): «ولكن تنقضه بيقين آخر» فإنّ الظاهر سوقه في مقام بيان حصر ناقض اليقين في اليقين.
4. قوله(عليه السلام): «فلعلّه شيء أُوقع عليك وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ». فإنّ لفظ «لعل» ظاهر في مجرد الاحتمال مع وروده في مقام إبداء ذلك، كما في المقام، فيكون الحكم متفرعاً عليه.
5. قوله(عليه السلام): «صمّ للرؤية وأفطر للرؤية» الذي فرّعه على قوله(عليه السلام): «اليقين لا يدخل فيه الشكّ»، والمراد عدم كفاية الظن بدخول شهر رمضان أو شوال.

1 . إبراهيم:10.

(250)

بيان آخر لتوضيح المراد من الشكّ

كان البيان السابق مبنياً على التصرّف في الشكّ وتبيين معناه وأنّ المراد منه خلاف اليقين، وأمّا هذا البيان فهو مبني على التصرّف في اليقين وهو أنّ له مصطلحين:
1. الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وهو مصطلح المنطقيين.
2. الحجّة الشرعية في مقابل فقدانها.
فلو كان معناه هو الحجّة فمقتضى المقابلة كون المراد من الشكّ اللاحجّة، فيكون الملاك في جريان الاستصحاب الحجّة الشرعية في السابق وعدم الحجّة على الخلاف، من دون نظر إلى كون بقاء المتيقن راجحاً أو مرجوحاً أو متساوياً.
ثم إنّ الظن بالخلاف على قسمين:
تارة ورود النهي عنه، وأُخرى شُكّ في حجيته.
أمّا الأوّل فلا يزاحم الاستصحاب قطعاً، وأمّا الثاني فإنّ الشكّ في الحجّية كاف في الحكم بعدمها، لما مرّ من أنّ باب الحجج يكفي فيه الشكّ في الحجّية في ثبوت عدم الحجّية.
إلى هنا تمّ البيانان ; أحدهما يتبنّى التصرّف في الشكّ، والآخر في اليقين.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري استدلّ بوجهين آخرين:

(251)
الأوّل: الإجماع القطعي على تقدير اعتبار الاستصحاب من باب الاخبار.
يلاحظ عليه: أنّ هذا النوع من الإجماع المحصَّل، ليس بحجّة، لاحتمال اعتماد المجمعين على الدليل الماضي.
الثاني: أنّ الظنّ غير المعتبر إن علم بعدم اعتباره بالدليل، فمعناه أنّ وجوده كعدمه عند الشارع، وأنّ كلّ ما يترتّب شرعاً على تقدير عدمه فهو المترتّب على تقدير وجوده. وإن كان ممّا شكّ في اعتباره، فمرجع رفع اليد عن اليقين بالحكم الفعلي السابق بسببه، إلى نقض اليقين بالشكّ، فتأمّل جيّداً.(1)
يلاحظ عليه: أنّ رفع اليد عن اليقين السابق بواسطة الظن بالخلاف الذي لم تثبت حجّيته، إنّما يكون من مقولة نقض اليقين بالشكّ إذا أُريد به خلاف اليقين، فيكون الأخذ بالظن مع عدم اليقين بالخلاف من مقولة نقض اليقين بالشكّ، ولكن المبنى أوّل الكلام.
وأمّا إذا قلنا بأنّ الشكّ بمعنى تساوي الطرفين ـ كما هو المفروض ـ فلا يكون الأخذ بالظن من مقولة نقض اليقين بالشكّ، ولا يكون من مصاديقه لعدم تساوي الطرفين، والغرض من الاستدلال إبطال كون الشكّ بمعنى التساوي.
نعم أورد عليه المحقّق الخراساني إشكالاً آخر وهو أنّ قضية عدم

1 . فرائد الأُصول:3/285ـ286.

(252)
اعتباره ـ إمّا لإلغائه أو لعدم الدليل على اعتباره ـ لا تكاد تكون إلاّ عدم إثبات مظنونه به تعبّداً، لتترتّب عليه آثاره شرعاً، لا ترتيب آثار الشكّ مع عدمه، بل لابدّ حينئذ في تعيين أنّ الوظيفة أي أصل من الأُصول العملية من الدليل، فلو فرض عدم دلالة الأخبار معه على اعتبار الاستصحاب فلابدّ من الانتهاء إلى سائر الأُصول.(1)
توضيحه: أنّ عدم اعتبار الظن سواء دلّ الدليل على إلغائه ـ كما هو الحال في القياس ـ أو لم يدلّ دليل على حجّيته، لا يدلّ إلاّ على عدم ثبوت مدلول الظن، ولا كلام فيه.
ولكن لا يثبت كون الظن بالخلاف من مصاديق الشكّ المأخوذ في قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» حتى تترتّب آثاره، أعني: جريان الاستصحاب.
وبعبارة أُخرى: أنّ الدليل على عدم الحجّية أوعدم الدليل عليها لا ينتج إلاّ عدم اعتباره في ثبوت مدلوله، وأمّا ترتّب أثر الشكّ على هذا الظن فلا يثبت، لاحتمال كون الشكّ في الروايات بمعنى تساوي الطرفين.

1 . كفاية الأُصول:2/345.

(253)
 

تنبيهات

14

إذا دار الأمر بين استصحاب حكم المخصّص

والتمسّك بالعام

إذا دار الأمر بين استصحاب حكم المخصّص والتمسّك بالعام، فهل المرجع هو الاستصحاب، أو التمسّك بعموم العام؟ أو يفصّل بين كون الزمان قيداً للمتعلّق في العام، أو ظرفاً له؟ وجوه، ثالثها للشيخ الأنصاري، مثلاً: إذا ورد عام نظير قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1)، ثم قام الدليل على خروج فرد من تحت العام في فترة من الزمان، كظهور الغبن يوم الجمعة، فإن فسخ المشتري فهو، وإن بقي على حالة التردّد، فهل يبقى الخيار يوم السبت أو يكون المرجع لزوم الوفاء بالعقد؟
وقبل دراسة الأقوال نذكر مقدّمة، وهي: أنّ التمسّك باستصحاب حكم المخصّص مشروط بشرطين:
1. أن يوجد دليل اجتهادي على خلافه، كما هو الحال في كلّ الأُصول العملية.

1 . المائدة:1.

(254)
2. وحدة القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة.
فمع وجود هذين الشرطين يكون المورد ممحضاً لاستصحاب حكم المخصّص.
وأمّا شرط لزوم العمل بالعام فهو أن يستلزم ترك العمل به تخصيصاً زائداً على التخصيص المتيقّن، فعند ذلك يعمل بالعام دون الاستصحاب، أمّا العمل بالعام فلما عرفت من أنّ ترك العمل يستلزم تخصيصاً زائداً، وأمّا عدم العمل بالاستصحاب فلوجود الدليل الاجتهادي، أعني: العام.
ثمّ إنّ محلّ النزاع ما إذا كان التخصيص زمانياً لا فردياً، بمعنى أن يشمل العام للفرد زماناً خاصّاً، ثم خرج الفرد في فترة من الزمان، فعند ذلك يقع النزاع في تحديد المرجع.
وأمّا لو خرج الفرد عن العام من أوّل الأمر بحيث لا يعمّه في زمان خاص، فهذا النوع من الخروج يسمّى بالخروج الفردي، وهو خارج عن محط البحث.
إذا علمت ذلك فلنعد إلى تفصيل الشيخ الأنصاري.

التفصيل الثنائي للشيخ الأنصاري

ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ الزمان تارة يكون ظرفاً للمتعلّق، وأُخرى يكون قيداً له. فعلى الأوّل يكون المرجع هو استصحاب حكم المخصّص، وعلى الثاني يكون المرجع عموم العام.
ثمّ إنّ المراد من كون الزمان ظرفاً هو كونه مبيّناً لاستمرار الحكم

(255)
كقوله: أكرم العلماء دائماً، فإذا خرج فرد في زمان وشُك في حكم ذلك الفرد بعد ذلك الزمان، فالظاهر جريان الاستصحاب، إذ لا يلزم من ثبوت ذلك الحكم للفرد بعد ذلك الزمان تخصيص زائد على التخصيص المعلوم، مضافاً إلى وجود شرط العمل بالاستصحاب وهو وحدة القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة.
هذا من غير فرق بين استفادة الاستمرار من اللفظ كما في المثال المتقدّم أو من الإطلاق كقوله: تواضع للناس، بناءً على استفادة الاستمرار منه، فإنّه إذا خرج منه التواضع في بعض الأزمنة على وجه لا يفهم من التخصيص ملاحظة المتكلّم كلّ زمان فرداً مستقلاًّ لمتعلّق الحكم، يستصحب حكمه بعد الخروج.
كما أنّ المراد من كون الزمان قيداً، أخذ كلّ زمان موضوعاً مستقلاًّ لحكم مستقل لينحلّ العموم إلى أحكام متعدّدة بتعدّد الأزمان، كما إذا قال: أكرم العلماء كلّ يوم (مكان دائماً في المثال السابق) فقام الإجماع على حرمة إكرام زيد العالم يوم الجمعة، فحينئذ يعمل عند الشكّ، بالعموم (لأنّه يلزم من ترك العمل به التخصيص الزائد) ولا يجري الاستصحاب (لتعدّد القضيتين المشكوكة والمتيقّنة) حتى لو لم يكن عموم وجب الرجوع إلى سائر الأُصول.(1)
إلى هنا تمّ ما ذكره الشيخ الأنصاري من التفصيل الثنائي.

1 . فرائد الأُصول:3/274ـ275.

(256)

التفصيل الرباعي للمحقّق الخراساني

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ التقسيم رباعي وليس ثنائياً، وذلك لأنّ المخصّص ـ أيضاً ـ كالعام، ربما يكون الزمان فيه قيداً أو ظرفاً، فتكون الصور أربعة، وربما تكون النتيجة بين التقسيمين واحدة وأُخرى متناوبة، وإليك بيان الصور:

الصورة الأُولى: أخذ الزمان ظرفاً في العامّ والخاصّ

إذا كان الزمان في كلا الطرفين لبيان استمرار الحكم دون أن يكون المتعلّق كالإكرام في كلّ يوم موضوعاً مستقلاً، فالمرجع هو استصحاب حكم المخصّص لوحدة القضيتين، لا العامّ لعدم لزوم التخصيص الزائد على العامّ.

الصورة الثانية: أخذ الزمان قيداً في العامّ والخاصّ

إذا كان الزمان قيداً في كلّ من العامّ والخاصّ، ومكثّراً للحكم ـ على ما عرفت ـ فالمرجع هو عموم العام، لاستلزام ترك العمل به التخصيص الزائد دون العمل بالاستصحاب، لتعدّد القضيتين.

الصورة الثالثة: أخذ الزمان ظرفاً في العامّ وقيداً في الخاصّ

إذا كان الزمان مأخوذاً لبيان استمرار الحكم في ناحية العام دون أن يكون الإكرام في كلّ يوم موضوعاً مستقلاً، بخلاف المخصّص فالإكرام في كلّ يوم أخذ موضوعاً مستقلاً، كما إذا استعمل كلمة (دائماً) في ناحية العام،

(257)
ودلّت القرائن على أخذ الزمان قيداً في المخصّص.
ففي هذا المقام لا يرجع إلى العام ; لأنّ عدم الرجوع لا يستلزم التخصيص الزائد، كما أنّه لا يرجع إلى استصحاب حكم المخصّص لتعدّد القضيتين موضوعاً.
ثمّ لمّا كان الميزان عند الشيخ في العمل بالاستصحاب أخذ الزمان في متعلّق العام ظرفاً، فعلى هذه الضابطة يظهر الاختلاف بين النظريتين في الصورتين التاليتين:
إحـداهمـا: تلك الصـورة، أعني: إذا كـان الـزمان في جانب العامّ مأخوذاً على نحو الظرفية، وفي جانب الخاصّ مأخوذاً بنحو القيدية. فالشيخ اكتفى في العمل بالاستصحاب بأخذ الزمان ظرفاً في ناحية العامّ، ولكنّ المحقّق الخراساني لم يكتف بذلك فيما إذا كان الزمان قيداً في متعلّق المخصّص.
ثانيهما: ما إذا كان الزمان ظرفاً في متعلّق العامّ لكن الخاصّ غير قاطع لحكم العام، بمعنى أنّه خرج من تحت العام من دون أن يشمله في زمان من الأزمنة، كما هو الحال في خيار المجلس، فالبيع جائز ما لم يفترقا من أوّل الأمر، ثم لو افترضنا أنّهما أُكرها على الافتراق، فلو شكّ في بقاء الخيار فيصحّ التمسّك بعموم العام وإن كان الزمان ظرفاً، وإلاّ فيلزم خروج الفرد عن تحت العام بتاتاً، أمّا قبل الإكراه فلأجل خيار المجلس المتصل بزمان العقد. وأمّا بعده فلأجل الاستصحاب، فينقلب التخصيص من الأزماني إلى الأفرادي.

(258)

الصورة الرابعة: أخذ الزمان قيداً في العامّ وظرفاً في الخاصّ

إذا أُخذ الزمان في جانب العام قيداً للمتعلّق ومكثّراً له، لكن يكون الزمان في جانب المخصّص لبيان استمرار الحكم، فيرجع إلى العام دون الاستصحاب، أمّا الأوّل فلأنّ ترك العمل بالعام يستلزم التخصيص الزائد، وأمّا عدم العمل بالاستصحاب فإنّ أحد الشرطين وإن كان موجوداً ـ وهو وحدة القضيتين ـ لكن الشرط الثاني غير موجود ـ أعني: عدم وجود الدليل الاجتهادي ـ إذ المفروض دلالة العام على أنّ كلّ فرد موضوع مستقل.
إلى هنا تمّ بيان النظريتين وقد مرّ أنّ النتيجة تختلف في الصورة الثالثة في موردين. وإليك بيان نظرية المحقّق النائيني(قدس سره).

عرض نظرية الشيخ بوجه آخر

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ صور المسألة ثنائية، وأنّ ما ذكره في المقام نفس نظرية الشيخ الأعظم في المتاجر في باب خيار الغبن.
أقول: إنّ تبيين كلامه يتوقّف على بيان أمرين:
الأوّل: أنّ مصبّ العموم الزماني تارة يكون متعلّق الحكم، وأُخرى نفس الحكم، مثلاً: إذا قلنا بأنّ معنى قوله: لا تشرب الخمر أبداً، هو: شرب الخمر دائماً حرام، يكون العموم الزماني قيداً للمتعلّق، والحكم ـ أعني: الحرمة ـ متوجّهاً إلى المتعلّق مع قيده، ويكون الجميع تحت دائرة الحكم.
وأمّا إذا قلنا بأنّ معناه: شرب الخمر حرام وهذا الحكم، مستمر في كلّ زمان، يكون المتعلّق مطلقاً مجرّداً عن القيد، ويكون القيد متوجّهاً إلى

(259)
الحكم ـ أعني: الحرمة ـ الذي عبّر عنه بقوله: «وهذا الحكم مستمر في كلّ زمان».
وعندئذ فالحرمة تكون موضوعاً وقوله: «مستمرٌ» خبراً له، ويكون العموم الزماني فوق دائرة الحكم.
ونظيره قولنا: أوفوا بالعقود، وفرضنا استفادة العموم الزماني من الإطلاق، فلو قلنا بأنّ معناه: الوفاء بالعقد دائماً واجب، يكون العموم الزماني قيداً للمتعلّق، ويصير تحت دائرة الحكم.
ولو قلنا بأنّ معناه الوفاء بالعقود واجب، وهذا الوجوب مستمر في كلّ زمان، يكون العموم الزماني قيداً للحكم ويشكل الجميع قضية، كأنّه يقول: وحكمي هذا مستمر في كلّ زمان.
الثاني: أنّ الحكم لا يثبت موضوعه، فلو قلنا: أكرم العلماء، وشككنا كون رجل عالماً أو غير عالم، فلا يمكن التمسّك بعموم الحكم لإثبات أنّ الرجل المجهول الحال عالم.
إذا علمت هذين الأمرين فلنشرح نظرية المحقّق النائيني.
فقد ذهب في الصورة الأُولى ـ أعني: إذا كان العموم الزماني قيداً للمتعلّق ـ إلى كون المرجع عموم العام، مثلاً إذا شككنا في جواز شرب الخمر بعد البرء، يحكم عليه بالحرمة ; لأنّ الموضوع محرز لافتراض أنّه عبارة عن شرب الخمر دائماً، وما بعد البرء من مصاديق هذا الموضوع فتحمل عليه الحرمة.

(260)
وبعبارة أُخرى: إذا كان قيداً للمتعلّق فالمتعلّق بنفسه يشمل تمام الآنات والأزمنة قبل المرض وحين المرض وبعد البُرء، خرج عنه حال المرض فيبقى الباقي تحت العموم الزماني ويعمّه الحكم، فالمرجع هو عموم العام.
وذهب في الصورة الثانية ـ أعني: ما إذا كان قيداً لنفس الحكم ـ إلى أنّ المرجع هو الاستصحاب، وذلك لما مرّ في المقدّمة الثانية من أنّ الحكم لا يثبت موضوعه، والمفروض في الصورة الثانية أنّ الحرمة موضوع وقوله: «مستمر» خبر له، والمفروض وجود الشكّ في نفس الحرمة بعد البُرء، فكيف يمكن أن يتمسّك بعموم العام ويحكم بالحرمة بعد البُرء.
هذا ملخّص بيانه بقلمنا، وإليك نصّ كلام مقرّره، يقول: إنّ الدليل الاجتهادي في الصورة الأُولى قد تكفّل لبيان حكم كلّ زمان من أزمنة ظرف وجود متعلّق الحكم، فقوله: «أكرم العلماء في كلّ يوم» دليل على وجوب إكرام كلّ فرد من أفراد العلماء في كلّ يوم من أيام السنة أو الشهر، فكان لكلّ يوم حكم يخصّه لا ربط له باليوم السابق أو اللاحق.
وأمّا إذا كان مصبّ العموم الزماني نفس الحكم فلا مجال للتمسّك فيه بالعموم إذا شكّ في مقدار التخصيص، بل لابدّ من الرجوع إلى الاستصحاب، كما إذا قال: «شرب الخمر حرام والحرمة مستمرة في كلّ آن آن»، وشككنا في بقاء التحريم بعد ارتفاع زمان المرض، والسر في ذلك لأنّ الشكّ في مقدار التخصيص يرجع إلى الشكّ في الحكم، وقد تقدّم أنّ الحكم يكون بمنزلة الموضوع للعموم الزماني، ولا يمكن أن يتكفّل العموم

(261)
الزماني وجود الحكم(الحرمة) مع الشكّ فيه، لأنّه يكون من قبيل إثبات الموضوع بالحكم، فإنّ العموم الزماني يكون دائماً مشروطاً بوجود الحكم ولا يمكن أن يدلّ قوله: «الحكم مستمر كلّ زمان» على وجود الحكم مع الشكّ فيه.
وهذا نظير قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1) إذا كان معناه: «يجب الوفاء بالعقود والوجوب مستمر في كلّ زمان» فإذا خرج زمان العلم بالغبن وشكّ في حكم العام، فلا يصحّ التمسّك، لأنّ الحكم بالاستمرار فرع إحراز الموضوع وهو الحكم مع أنّه مشكوك، فلا يستدلّ بالمحمول: «مستمر في كلّ زمان» على وجود الموضوع أي: «وجوب الوفاء»(2).

يلاحظ على ما ذكره بأُمور:

أوّلاً: أنّ ما ذكره من التفريق بين الصورتين تقسيم عقلي لا يلتفت إليه العرف الذي هو المخاطب في الآيات والأحاديث، فلا يفرّق بين كون مصبّ العموم الزماني هو المتعلّق أو الحكم، فكيف يمكن أن نتّكل على ظهور مغفول عنه عند العرف؟
ثانياً: لو فرضنا وجوده في عالم الثبوت ولكن الطريق إلى إثبات أحد الطرفين مسدود، لأنّ كلّ قضية يمكن أن تصوّر بأحد الوجهين المذكورين.
وأمّا استظهار كون العموم الزماني قيداً للمتعلّق في قوله: لا تشرب

1 . المائدة:1.
2 . فوائد الأُصول:4/531ـ 540، بتلخيص.

(262)
الخمر، حتى تصير النتيجة حرمة الشرب بعد البُرء، فليس الاستظهار مبنيّاً على الظهور اللفظي، بل على العلم الخارجي بأنّ شرب الخمر فعل الشيطان فلا يسمح إلاّ لضرورة، وهي حال المرض دون البُرء.
ثالثاً: لو فرضنا أنّ العموم الزماني قيد للحكم ولكن قوله: إنّ الحكم غير محرز فلا يمكن الحكم عليه بالاستمرار، منظور فيه; وذلك لأنّه إن أُريد من وجود الحكم أي الحرمة بعد البُرء، فهو خارج عن مصبّ البحث، إذ لو كان محرزاً لما كان هناك موضوع للبحث والنقاش .
وإن أُريد أصل الحكم ولو قبل الابتلاء بالمرض فهو موجود، غاية الأمر استثنيت منه حالة المرض، دون حالة البرء فيجرّ هذا الحكم ـ بفضل قوله: مستمر ـ إلى حالة البرء.
وبعبارة أُخرى: أنّ قوله: إنّ الموضوع غير ثابت، فإن أُريد عدم ثبوته حال البرء فهو واضح، إذ لو كان ثابتاً لم يكن هناك أي شكّ في المقام، وإن أُريد أصل الحكم المنشأ قبل الابتلاء بالمرض فهو موجود، غاية الأمر لا يعلم استمراره فيحكم عليه بالاستمرار بفضل قوله: مستمر، أعني: مفاد العموم الزماني.
وبعبارة ثالثة: ماذا يريد من الحكم؟ فإن أراد الحكم بصورة الموجبة الكلّية أو العام الاستغراقي، فهو صحيح لكن وجود العلم بالحكم بهذه الصورة يخرج المسألة عن النقاش، إذ مع العلم بالحكم على نحو العام الاستغراقي لا شكّ أنّ المرجع هو العلم.
وإن أراد الحكم بصورة الموجبة الجزئية أو المهملة، فالحكم موجود

(263)
بشهادة صحة الإنشاء قبل طروء المرض.

نظريتنا في هذه المسألة

والحق أنّ المرجع هو العام مطلقاً، إذا كان الدليل ظاهراً في استمرار الحكم الواحد، وعمومه لجميع الأزمنة، وذلك بالبيان التالي:
إذا قال: أكرم العلماء في كلّ زمان.
فلهذا القول عموم أفرادي يستفاد من الجمع المحلّى باللام، فلو شكّكنا في خروج فرد عن تحت العام وراء ما عُلم خروجه، فالمرجع هو أصالة العموم.
وله عموم أزماني يستفاد من قوله: «في كلّ زمان» فالعموم الأزماني كالأفرادي في المثال المذكور من مداليل الدلالة اللفظية.
وربما يستفاد العموم الأفرادي من اللفظ والأزماني من مقدّمات الحكمة كما في قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وبما أنّ المتكلّم في مقام البيان ولم يقيّد وجوب الوفاء بزمان دون زمان، يستفاد منه عمومه لكلّ زمان، وكأنّه قال: أوفوا بكلّ عقد في كلّ زمان.
وعندئذ فكما لو شككنا في خروج فرد عن تحت العام خروجاً فردياً ـ لا خروجاً زمانياً ـ يتمسّك بالعموم الأفرادي الذي يدلّ عليه الجمع المحلّى باللام (العقود) بالدلالة اللفظية.
وهكذا إذا خرج فرد عن تحت العام في فترة من الزمان كظهور الغبن

(264)
ثم شككنا في خروجه بعد تلك الفترة، يتمسّك بالعموم الأزماني، لأنّ الأمر دائر بين الخروج الأقلّ والخروج الأكثر، ومعه لا مجال لاستصحاب حكم المخصّص.
وبعبارة أُخرى: لا فرق بين العموم الأفرادي والعموم الأزماني، فالكلّ دليل اجتهادي لا تصل النوبة معه إلى الأصل.
فإن قلت: إنّ مرجع هذا الكلام إلى أنّ الزمان مأخوذ في ناحية العام قيداً للموضوع ومفرّداً له، وهذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام فيما إذا كان ظرفاً له لا قيداً مفرّداً.
قلت: إنّ النتيجة وإن كانت واحدة حيث يكون المرجع في كلتا الصورتين وإن كان عموم العام الزماني، لكنّ بينهما فرقاً جوهرياً وهو أنّ لازم أخذ الزمان قيداً، تعدّد الأمر على القيد ووحدته على الظرف. أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فلأنّ الفرد الثاني يكون مأموراً به بنفس الأمر الأوّل غاية الأمر ينبسط على عامة الزمان، خرج عنه الفترة الخاصة (ظهور الغبن)، وأمّا الباقي فيقع تحت الأمر المنبسط الشامل لعامّة الأزمان.
وهذا نظير القول بأنّ القضاء بنفس الأمر الأوّل لا بأمر جديد، فتأمل جيّداً.

(265)
 

خاتمة

في شرائط جريان الاستصحاب أو العمل به

ذكر الأُصوليّون للاستصحاب شروطاً وصفها الشيخ الأنصاري بأنّها شروط الجريان، وجعلها الآخرون شروط العمل، والظاهر التفصيل بين الشروط، فبقاء الموضوع أو وحدة القضية المشكوكة مع المتيقّنة شرط الجريان، ونظيره بقاء اليقين السابق في ظرف الشكّ، فإنّه أيضاً من شروط الجريان ومحقّق الاستصحاب، إذ لولاه يكون الشكّ سارياً ويوصف بقاعدة اليقين،وأمّا عدم وجود أصل معارض، فجعله من شروط العمل أفضل من شروط الجريان، لأنّ الإطلاق يعمّ كلا الأصلين غير أنّ الفقيه ـ في مقام العمل ـ لا يتمكّن من العمل بهما، وسيتّضح كلّ ذلك في البحوث التالية:

الشرط الأوّل: بقاء الموضوع أو وحدة القضيتين

وهل الشرط بقاء الموضوع أو الشرط وحدة القضيتين المشكوكة مع المتيقّنة؟ وهنا بحوث:
الأوّل: هل الشرط بقاء الموضوع أو وحدة القضيتين؟
الثاني: ما هو الدليل على هذا الشرط؟
الثالث: ما هو الملاك لبقاء الموضوع أو وحدة القضيتين؟
وإليك الكلام في الأُمور الثلاثة:

(266)

الأوّل: هل الشرط بقاء الموضوع، أو وحدة القضيتين؟

ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ الشرط هو بقاء الموضوع، والمراد به موضوع المستصحب، فاستصحاب وجود زيد، أو قيامه رهن تحقّق الموضوع (زيد) في الزمن اللاحق على النحو الذي كان معروفاً في السابق سواء أكان تحقّقه في السابق بتقرره ذهناً أو لوجوده خارجاً، فزيد بوصف تقرّره ذهناً معروض للوجود، وبوجوده خارجاً معروض للقيام.(1)
وحاصل كلامه: أنّه لو كان المحمول وجوداً رابطاً، وبمفاد كان الناقصة فالموضوع هو الأمر الخارجي، كالعدالة بالنسبة إلى زيد، وأمّا لو كان المحمول هو الوجود المحمولي وبمفاد كان التامة كوجود زيد، فالموضوع أمر ذهني وهي الماهية التي تصلح لأن يعرض عليها الوجود كما في قول القائل:
إنّ الوجود عارض الماهية *** تصوّراً واتّحدا هوية
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المستصحب عند المستدلّ هو المحمول، ومن المعلوم أنّ المحمول لا ينفكّ عن الموضوع، ولذلك حاول أن يثبت الموضوع في كلٍّ من القسمين: كان الناقصة أو كان التامّة، وهو صحيح على مبناه.
وأمّا لو قلنا بأنّ المستصحب مجموع القضية من غير فرق بين قولنا: كان زيد موجوداً، أو كان زيد عادلاً. ففي هذه الصورة لا معنى للبحث عن

1 . فرائد الأُصول :3/290 .

(267)
بقاء الموضوع، بل لابدّ من وحدة القضيتين المشكوكة والمتيقّنة، لما عرفت من أنّ المستصحب ليس المحمول المجرد عن النسبة والموضوع.
وثانياً: أنّ اشتراط بقاء الموضوع ـ على فرض صحّته ـ إنّما يصحّ في الوجود الرابط، كعدالة زيد القائمة بوجوده لا في الوجود المحمولي ومفاد كان التامّة، كما في قولنا: كان زيد موجوداً، فالمستصحب هو نفس الموضوع، والموضوع هو نفس المستصحب، وتصوّر أنّ الوجود هو المستصحب، والماهية هي الموضوع خروج عن بحث أُصولي إلى بحث فلسفي، وعلى هذا فاشتراط بقاء الموضوع، إمّا غير متحقّق كما في كان التامّة، أو غير محتاج إليه كما في كان الناقصة، حيث إنّ القضية بتمام أجزائها هي المستصحبة لا المحمول مجرداً عن الموضوع، فبهذا ظهر أنّ الشرط وحدة القضيتين، لا بقاء الموضوع.

الثاني: ما هو الدليل على هذا الشرط ؟

لمّا ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ الشرط بقاء الموضوع استدلّ عليه بقوله: بأنّ نسبة المستصحب إلى الموضوع نسبة العرض إلى موضوعه، فإذا لم يكن الموضوع باقياً وأُريد إبقاء المستصحب فله حالتان:
الأُولى: أن يبقى العرض بلا موضوع ومحل،وهو محال.
الثانية: أن يبقى في موضوع غير الموضوع السابق، فيرد عليه أمران:
1. أنّ هذا ليس إبقاء لنفس العرض، وإنّما هو حكم بحدوث عرض مثله في موضوع جديد، والحكم بعدم ثبوته لهذا الموضوع الجديد، ليس نقضاً للمتيقّن السابق.

(268)
2. أنّه يستلزم انتقال العرض الذي هو محال لاستلزامه كون العرض بلا موضوع في حالة الاشتغال.
وممّا ذكرنا يُعلم: أنّ المعتبر هو العلم ببقاء الموضوع، ولا يكفي احتمال البقاء، إذ لابدّ من العلم بكون الحكم بوجود المستصحب إبقاءً، والحكم بعدمه نقضاً.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الباحث عن العرض إذا كان عالماً طبيعياً، فلا محيص له ممّا ذكره الشيخ من العلم ببقاء الموضوع، وإلاّ يلزم أحد الأمرين: إمّا بقاء العرض بلا موضوع، أو انتقاله إلى موضوع آخر; وكلاهما باطلان، وأمّا إذا كان الباحث فقيهاً يريد التعبّد ببقاء العرض حتى يرتّب عليه الأثر الشرعي فيكفي في ذلك عدم العلم بارتفاع الموضوع ; لأنّ العلم بارتفاعه يلازم اليقين بارتفاع المتيقّن، وعلى هذا يكفي عدم العلم بالارتفاع ولا يتوقّف على إحراز وجود الموضوع.
وثانياً: أنّ القضية إن كانت إيجابية فصدق القضية يتوقّف على صدق الموضوع، وأمّا إذا كانت سالبة محصّلة، فصدقها لا يتوقّف على وجود الموضوع، بل يصدق مع عدمه كما هو الحال في السالبة المحصّلة، إذا قلت: ليس زيداً قائماً، فإنّها تصدق مع عدم وجود الموضوع(زيد).
فاستصحاب مثله لا يتوقّف على وجود الموضوع، بل يتوقّف على وحدة القضيتين.

1 . فرائد الأُصول:3/291.

(269)
فالأولى الاستدلال على هذا الشرط بما يلي:
إنّ المنهي عنه هو نقض اليقين بالشكّ، ورفع اليد عنه به، وهذا لا يصدق إلاّ مع حفظ القضية موضوعاً ومحمولاً ونسبة وكيفاً وجهة.
فلو كان هناك تغاير في الموضوع كما إذا كان الموضوع في المتيقّن زيداً وفي المشكوكة هو عمراً.
أو كان هناك اختلاف في النسبة، كما إذا كانت النسبة في المتيقّنة هي الإيجاب، وفي المشكوكة هي السلب.
أو في المحمول، كما لو كانت في المتيقّنة العدالة، وفي المشكوكة الاجتهاد.
أو في الجهة، كما إذا كانت المتيقّنة ضرورية والمشكوكة ممكنة.
فلو لم نحكم بالبقاء لا يصدق نقض اليقين بالشكّ. وعلى هذا فلو كانت القضية المتيقّنة: كان زيد عادلاً بالإمكان، يجب أن تكون المشكوكة هي نفس القضية، وغاية الأمر يكون الاختلاف في الزمان.
إلى هنا تبيّن أنّ الشرط وحدة القضيتين وأنّه لولا الوحدة لما صدق اليقين بالشكّ إذا لم نعمل بالمتيقّن.

الثالث: ما هو الملاك لوحدة القضيتين؟

إذا قلنا: إنّ الشرط هو بقاء الموضوع أو أنّ الشرط وحدة القضيتين، فما هو الملاك في الحكم ببقاء الموضوع على مبنى الشيخ، أو الوحدة حسب ما ذكرنا؟ فهنا احتمالات:

(270)

الأوّل: قضاء العقل بأحد الأمرين

يمكن أن يقال: إنّ القاضي في المقام ببقاء الموضوع، حسب تعبير الشيخ، أو وحدة القضيتين حسب مختارنا، هو العقل، فالقضايا عند العقل الفلسفي تتركّب من موضوع ومحمول ونسبة، وأمّا القيود فترجع إلى الموضوع، إذ الجهات التعليلية عندهم جهات تقييدية ; مثلاً: إذا قلت: إن جاء زيد وسلّم عليك وأكرمك، فأطعمه.
فالموضوع في لسان الدليل هو زيد، والمحمول هو الأمر بالإكرام،والباقي قيود وشروط إمّا قيد للموضوع أو قيد للمحمول، لكنّها عند العقل من قيود الموضوع ومتمماته، كأنّ القائل يقول: زيد الجائي المسلّم المكرم، أطعمه. فإذا زال أحد القيود فالموضوع منتف.
والقضيتان مختلفتان، فلو كان القاضي في المقام هو العقل لانسدّ باب الاستصحاب، لأنّه لو لم يحصل في القضية نوع تغيّر وتبدّل فيها فلا يحصل الشكّ، وإنّما يحصل عند طروء الزيادة والنقيصة، ومعه لا يصحّ الاستصحاب حسب حكم العقل، لعدم بقاء الموضوع أو اختلاف القضيتين.
فإن قلت: على هذا الاحتمال يختصّ الإشكال بالشبهات الحكمية إذا كان الشكّ فيها شكّاً في المقتضي، كما في نجاسة الماء المتغيّر إذا زال تغيّره بنفسه، فالتغيّر عند العقل قيد لموضوع الحكم، ومع زواله لا يصدق البقاء ولا وحدة القضيتين، وأمّا إذا كان الشكّ في الرافع ذاتاً أو وصفاً، كما إذا توضّأ وشكّ في النوم، أو شكّ في وصف البلل الخارج، فلا يمنع العقل عن

(271)
جريانه، لعدم طروء تغيّر في القضية المتيقّنة.
قلت: الظاهر سريان الإشكال إلى هذا القسم أيضاً ; لأنّ الموضوع في قوله: «المتوضّئ يجوز له الدخول في الصلاة» عبارة عن المتوضّئ الذي لم يصدر عنه الحدث يقيناً، ومن المعلوم أنّ القيد منتف عند الشكّ في صدور النوم أو خروج البلل المشتبه.
نعم العقل هو القاضي الوحيد في الأحكام العقلية الّتي تكون مصدراً للأحكام الشرعية، فهو الذي يحدّد موضوعه وقيوده وشروطه، أمّا الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنّة فالمرجع فيها غير العقل الفلسفي الحاكم في الحكمة النظرية أو العملية.

الثاني: الملاك هو لسان الدليل

إنّ الملاك لإحراز الوحدة والكثرة، ملاحظة لسان الدليل، وهذا يختلف حسب اختلاف لسانه، فلو قال: الماء المتغيّر نجس، فإذا زال تغيّره زال الموضوع بخلاف ما إذا قال: الماء نجس إذا تغيّر، فالموضوع في الدليل هو الماء والمفروض بقاؤه، والتغيّر خارج عن صميم الموضوع.
يلاحظ عليه: أنّ الاعتماد على لسان الدليل الوارد في الروايات إنّما يصحّ إذا علمنا بأنّ الراوي كان ملتزماً بنقل الرواية بعين لفظ الإمام، من دون أن يتصرّف فيها بالنقل بالمعنى، فعندئذ يصحّ الاعتماد عليه. غير أنّ غالب الرواة لم يلتزموا بحفظ ألفاظ الإمام(عليه السلام) وإنّما كانوا ملتزمين بالحفاظ على المعنى دون اللفظ، ولذلك لمّا سأل محمد بن مسلم أبا عبد الله(عليه السلام) عن نقل

(272)
الحديث بالمعنى، فقال له: «إن كنت تريد معانيه، فلا بأس».(1)
نعم كان الرواة ملتزمين بنقل الخطب والأدعية بنصوصها وألفاظها ; لأنّ روعتها تكمن في ألفاظها الناصعة وتراكيبها الخلابة; بخلاف ما له صلة بالأحكام والأخلاق، فإنّ الهدف منها هو العمل بالمضمون والمعنى، واللفظ طريق إليه.

الثالث: الملاك هو فهم العرف

الملاك في بقاء الموضوع أو وحدة القضيتين هو قضاء العرف في المقام، ففي المثال السابق أنّ الموضوع للنجاسة هو الماء، والتغيّر علّة الحكم من غير فرق بين أن يقول: الماء المتغيّر نجس، أو يقول: الماء ينجس إذا تغيّر، والعرف يستهدي بالممارسات المركوزة في ذهنه في تشخيص ما هو الدخيل في الموضوع وما ليس بدخيل، وعلى هذا ليس هنا مقياساً واحداً للوحدة وخلافها، بل يختلف حسب اختلاف فهم العرف، فلاحظ الأمثلة التالية:
1. إذا صار الخشب النجس رماداً.
2. إذا صار الخمر خلاًّ.
3. إذا باع الفرس فبان بغلاً.
4. إذا باع الفرس الأصيل فبان غير أصيل.

1 . بحار الأنوار:2/164.

(273)
فالعرف يتلقّى الأمثلة الثلاثة الأوّل من قبيل انتفاء الموضوع ; لأنّ الملاك هو الصورة النوعية لا الجسمية، كما أنّه يتلقّى بقاء الموضوع في الصورة الرابعة لانحفاظ الصورة النوعية، ولذلك فالمعاملة باطلة في الثلاثة دون الأخيرة، بل هي صحيحة مع الخيار.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني تطرّق في المقام في بقاء الموضوع في الاستصحاب التعليقي، وقد قدّمنا الكلام في ذلك في محلّه، فراجع.
إلى هنا تم ّالكلام في الشرط الأوّل، ويليه الشرط الثاني.

الشرط الثاني: وحدة متعلّق الشكّ واليقين

يشترط في جريان الاستصحاب تعلّق الشكّ بنفس ما تعلّق به المتيقّن، وهذا هو المتبادر من روايات الاستصحاب، فلو تعلّق اليقين بحياة زيد، فيتعلّق الشكّ بها أيضاً، وهكذا سائر الأمثلة.
وهذا الشرط لم يذكره الشيخ في «الفرائد»، ولا الخراساني في «الكفاية»، وإنّما ذكره المحقّق الخراساني في تعليقته على الرسائل، ووجه ذلك أنّ الشيخ محمد هادي الطهراني(رحمه الله)(1250ـ 1321هـ) أسّس قاعدة باسم: قاعدة المقتضي والمانع، وحاول تطبيق روايات الاستصحاب على تلك القاعدة، في غير واحد من الموارد. مثلاً: إذا صبّ الماء على العضو حين الوضوء وشكّ في وجود المانع، فيقال: المقتضي موجود والمانع مرفوع بحكم روايات الاستصحاب، فيحكم بصحّة الوضوء.
وبما أنّ مؤسّس القاعدة كان متأخّراً عن زمان الشيخ ومعاصراً للمحقّق

(274)
الخراساني تعرّض لذكر كلامه في حاشية الفرائد.
وقد استدلّ القائل بحجية قاعدة المقتضي والمانع بروايات الاستصحاب، وأقصى ما عنده من الدليل هو صحيحة زرارة الأُولى في قوله: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: «يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والأُذن، فإذا نامت العين والأُذن والقلبُ وجب الوضوء».
قلت: فإن حُرِّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به؟ قال: «لا، حتى يستيقن أنّه قد نام، حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ وإنّما تنقضه بيقين آخر».(1)
وقد استدلّ بقوله: «لا، حتى يستيقن أنّه قد نام، حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيّن»، فاليقين تعلّق بالوضوء، والشكّ في حدوث النوم ; فالمقتضي موجود، وهو الطهارة السابقة، والشكّ في وجود المانع، والأصل عدمه.

يلاحظ على الاستدلال:

أوّلاً: أنّه من خصوصيات المورد ولا يمكن ادّعاء أنّ الإمام كان بصدد ضرب القاعدة باسم المقتضي وعدم المانع.
ثانياً: أنّ نفي الشكّ في النوم أمر طريقي للشك في الوضوء، حتى يكون الشكّ في الوضوء صغرى لقوله: «لا تنقض».
ثالثاً: أنّ ذيل الرواية دليل على خلاف مقصوده; لأنّ الظاهر من قوله:

1 . الوسائل:1، الباب1 من أبواب الوضوء،الحديث1.

(275)
«فإنّه على يقين من وضوئه، ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ» أي بالشكّ في الوضوء.
وحصيلة الكلام: أنّ روايات الاستصحاب بأجمعها ناظرة لما هو المعروف عند القوم، وأمّا قاعدة المقتضي وعدم المانع فلابدّ من إقامة دليل خاص.

الشرط الثالث: بقاء اليقين في ظرف الشكّ

وهذا الشرط قد أهمله المحقّق الخراساني، ولكن الشيخ ذكره بتفصيل.
وخلاصة القول: إنّ الاستصحاب يعتبر فيه أمران:
1. أن يكون الشكّ في البقاء لا في الحدوث، بأن أيقن أنّ زيداً يوم الجمعة عادل وشكّ في بقاء عدالته يوم السبت. فالشكّ ليس في أصل العدالة، بل في بقائها مع كونها محفوظة حدوثاً.
2. أن يكون اليقين بالحدوث محفوظاً في ظرف الشكّ في البقاء، بأن يكون في وقت واحد مذعناً بشيئين: كونه عادلاً يوم الجمعة، وشاكّاً في عدالته يوم السبت.
والداعي من اعتبار هذا الشرط هو إخراج «قاعدة اليقين» عن مداليل روايات الاستصحاب، وهي على خلاف الاستصحاب، فلو تعلّق اليقين في الاستصحاب على الحدوث والشكّ في البقاء، لتعلّق اليقين والشكّ في القاعدة بنفس الحدوث، فعدالة يوم الجمعة محط لليقين والشكّ، فاليقين في

(276)
ظرف الشكّ محفوظ في الاستصحاب و زائل عند الشكّ في القاعدة.
إذا عرفت فرق القاعدتين فنقول: إنّ الروايات الواردة في الاستصحاب كلّها ناظرة إلى ما هو المعروف بين الأُصوليين إلاّ رواية واحدة استظهر كونها ناظرة إلى قاعدة اليقين، وهي ما ورد في حديث الأربعمائة، المروية عن الإمام علي(عليه السلام)، وهذا ما سيوافيك البحث فيه تالياً:

دراسة حديث الأربعمائة

قد سبق منّا دراسة ما رواه الصدوق(رحمه الله) في «الخصال» في حديث الأربعمائة، قال: «مَن كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين. للوضوء بعد الطهور، عشر حسنات، فتطهّروا وإياكم والكسل،... إلى أن قال: إذا خالط النوم القلب وجب الوضوء، إذا غلبتك عينك وأنت في الصلاة فاقطع الصلاة ونم، فإنّك لا تدري تدعو لك أو على نفسك».(1)
وروى المحدّث النوري في «مستدرك الوسائل» قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَن كان على يقين فأصابه شكّ فليمض على يقينه، فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ».(2)
وعدّها المجلسي في البحار في سلك الأخبار التي تستفاد منها القواعد الكلّية.(3)

1 . الخصال:619.
2 . مستدرك الوسائل:1/228، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث4.
3 . بحار الأنوار:2/272.

(277)
وقد ركّزنا البحث في أوائل الاستصحاب على ظهور الرواية في قاعدة اليقين أو في الاستصحاب؟ ورجّحنا هناك ظهورها في الاستصحاب.
وأمّا الكلام في المقام فهو في دراسة إمكان استفادة كلا القاعدتين من الرواية، ذهب الشيخ الأنصاري وشيخ مشايخنا العلاّمة الحائري والمحقّق النائيني إلى عدم إمكان استفادة الأمرين من الرواية، وعلى هذا فالبحث في بداية الاستصحاب بحث استظهاري، وأمّا المقام فالبحث فيه ثبوتيّ،بمعنى إمكان الجمع بين القاعدتين في التعبير الواحد، وهذا البحث لا يغني عن البحث عن الاستظهار. وإليك الوجوه التي استند إليها المشايخ الثلاثة في امتناع الجمع بين القاعدة والاستصحاب بالتعبير الواحد:

1. اختلاف معنى «المضي» في القاعدتين

ذكر الشيخ بعد كلامه حول توضيح مؤدّى القاعدتين وأنّ الاختلاف في المؤدّى لا يمنع أن يقول الشارع: إذا حصل بعد اليقين بشيء، شكٌّ له تعلّق بذلك الشيء، فلا عبرة به، سواء تعلق ببقائه أو بحدوثه، وأحكم بالبقاء في الأوّل، وبالحدوث في الثاني; إلاّ أنّه مانع عن إرادتهما من قوله(عليه السلام): «فليمض على يقينه»، فإنّ المضيّ على اليقين السابق ـ المفروض تحقّقه في القاعدتين ـ أعني: عدالة زيد يوم الجمعة، بمعنى الحكم بعدالته في ذلك اليوم من غير تعرّض لعدالته فيما بعد ـ كما هو مفاد القاعدة الثانية ـ يغاير المضيّ عليه بمعنى عدالته بعد يوم الجمعة من غير تعرّض لحال يوم الجمعة ـ كما هو مفاد قاعدة الاستصحاب ـ فلا تصحّ إرادة المعنيين منه.(1)

1 . فرائد الأُصول:3/305.

(278)
يلاحظ عليه: بما ذكره نفس الشيخ بصورة السؤال وقال: إنّ معنى المضيّ على اليقين عدم التوقّف من أجل الشكّ العارض، وفرض الشكّ كعدمه، وهذا يختلف باختلاف متعلّق الشكّ فالمضيّ مع الشكّ في الحدوث بمعنى الحكم بالحدوث، ومع الشكّ في البقاء بمعنى الحكم به.(1)
وحاصله وجود الجامع وهو عدم التوقّف من أجل الشكّ، لكنّه(قدس سره) لم يقتنع بهذا الجواب مع أنّه متقن في نفسه، وما ذلك إلاّ لأنّه تولّد من هذا الجواب في ذهنه إشكال آخر وهو عدم تعدّد اليقين الذي نوضّحه تالياً.

2. عدم تعدّد اليقين

إنّ شمول القضايا الحقيقية لعامّة الأفراد، إنّما هو لأجل تغاير كلّ فرد مع الفرد الآخر، مثلاً قوله: أكرم العلماء، وأمّا المقام فالمفروض أنّه ليس في السابق إلاّ يقين واحد وهو اليقين بعدالة زيد، والشكّ فيها، وليس له هنا فردان يتعلّق أحدهما بالحدوث والآخر بالبقاء.
وبعبارة أُخرى: عموم أفراد اليقين باعتبار الأُمور الواقعية، كعدالة زيد وفسق عمرو، لا باعتبار تعدّد ملاحظة اليقين بشيء واحد، حتّى ينحلّ اليقين بعدالة زيد إلى فردين يتعلّق بكلٍّ منهما شكٌّ.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ تعدّد اليقين كما يحصل باختلاف المتعلّق على ما مثّل، كذلك يحصل التعدّد بتعدّد الشخص القائم به اليقين، كما لو فرضنا أنّ

1 . فرائد الأُصول:3/306.
2 . نفس المصدر.

(279)
شخصاً أيقن بعدالة زيد يوم الجمعة وشكّ في بقائها يوم السبت، وأيقن شخص آخر بعدالة زيد يوم الجمعة من غير نظر إلى ما بعد يوم الجمعة، فهنا يقينان قائمان بشخصين، فلو أُلقي على هذين الشخصين قوله:«من كان على يقين فشكّ» لأخذ كلٌّ ما يهمه، فيحكم الأوّل بترتيب أثر العدالة بقاءً، كما يحكم الثاني بصحّة العمل الصادر منه يوم الجمعة.
إلى هنا تم ما ذكره الشيخ الأعظم في امتناع الجمع بين القاعدتين في التعبير.

3. الزمان إمّا قيد للمتيقّن أو مهمل

هذا الوجه ذكره شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري(قدس سره) ونقله المحقّق الخوئي عن أُستاذه النائيني قدّس سرّهما، ولعلّ العلمين تلقّياه عن شيخهما السيد محمد الفشاركي(قدس سره)، وحاصله: أنّ الزمان إمّا يلاحظ قيداً للمتيقّن، أو يلاحظ ظرفاً له، وإمّا أن يُحمل رأساً، فعلى الأوّل ينطبق على القاعدة، لأنّ الشكّ في الحدوث والبقاء لا يكون ملحوظاً، وعلى الأخيرين ينطبق على الاستصحاب، لأنّ الزمان ملغى فيه، وإلاّ لم يصدق النقض ولا اتّحدت القضيتان.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الإشكال مبني على استعمال اليقين في المتيقّن، فيدور الأمر بين كون الزمان قيداً أو مهملاً، وأمّا إذا قلنا إنّ اليقين بمعنى نفسه لا بمعنى المتيقّن، والنقض منسوبٌ إليه ـ وبذلك صحّحنا عموم الروايات

1 . درر الأُصول:2/216.

(280)
للشك في المقتضي ـ فيكون البحث في كون الزمان قيداً أو ظرفاً أو مهملاً فاقداً للموضوع، إذ لا معنى لتقيّده بالزمان: مجرّداً عن المتيقّن.
وثانياً: أنّ الفرق بينهما يرجع إلى تعلّق الشكّ في القاعدة بالحدوث مع قطع النظر عن البقاء، وفي الاستصحاب على البقاء، مع تسليم الحدوث، ولكن تعلّقه بالحدوث في القاعدة ليس بمعنى تقيّده به، بل بمعنى كونه هو الملحوظ دون غيره، وعدم لحاظ الغير غير كون الملحوظ مقيّداً بعدم لحاظ الغير، فتكون النتيجة: أنّ الزمان، غير ملحوظ قيداً، غاية الأمر وجود الضيق الذاتي في اليقين بتعلقه بيوم الجمعة فقط من دون نظر إلى ما بعده. وعلى ذلك لا يكون الزمان ملحوظاً بوجهين، بل بوجه واحد.

4. المغايرة بين مفروض الوجود ومشكوكه

هذا ما ذكره المحقّق النائيني وهو أنّ المتيقّن في مورد الاستصحاب مفروض الوجود، وإنّما الشكّ في بقائه، وهذا بخلاف مورد القاعدة فإنّ المتيقّن فيه ليس بمفروض الوجود، إذ المفروض أنّ أصل حدوثه فيه مشكوك فيه، وعليه فلا يمكن التعبّد بالمتيقّن في مورد كلّ من الاستصحاب والقاعدة في دليل واحد، ضرورة عدم إمكان الجمع بين تصوّر الشيء مفروض الوجود وبين فرضه مشكوكاً فيه في لحاظ واحد، لرجوعه إلى الجمع بين المتناقضين.(1)
يلاحظ عليه: أنّه مبني على تفسير اليقين بمعنى المتيقّن، فعند ذلك

1 . مباني الاستنباط:276.

(281)
يأتي ما ذكره من عدم صحّة تصوّر الشيء بصورتين متضادتين، وأمّا إذا كان اليقين بمعنى نفسه والنهي متوجّه إلى نقضه من دون نظر إلى المتيقّن، فلا موضوع للإشكال، إذ ليس لليقين إلاّ صورة واحدة وهي موجودة في كلا الموردين، فمعنى قوله: «مَن كان على يقين فشكّ» أي من صاحبه اليقين فلا ينقض اليقين بالشكّ، من دون نظر إلى أنّ المتيقّن مفروض الوجود أو مشكوكه، وإنّما الفرض والشكّ من خصوصيات المورد، غير دخيلين في دلالة الحديث.
إلى هنا تمّ الكلام في الشرط الثالث، ويليه الكلام في الشرط الرابع.

الشرط الرابع: عدم أمارة في مورده

هذا الشرط كسائر الشروط الثلاثة السابقة، بمعنى أنّ عدم الأمارة شرط لجريان الاستصحاب فلا موضوع له معها بخلاف اشتراط عدم تعارض الاستصحابين فإنّه شرط للعمل بمعنى أنّ المقتضي موجود غير أنّ وجود الأمارة مانع عن العمل.
إذا علمت هذا فاعلم أنّ المتأخّرين من الأُصوليّين اتّفقوا على تقدّم الأمارة على الاستصحاب من غير فرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية، ولكنّهم اختلفوا في وجه التقدّم، وقبل بيان الأقوال نقدّم أُموراً:
أوّلاً: الفرق بين الأصل والأمارة أنّ الحكم في الأصل مع حفظ الشكّ، بمعنى أنّ الشكّ موضوع لما ورد في الأصل من الحكم بحيث لولا الشكّ لما كان هناك حكم.

(282)
وأمّا الثاني فهو الحكم في ظرف الشكّ ولكن بمعنى رفعه بالأمارة، وإلى هذا يرجع ما يقال من أنّ الغاية من الأُصول هي رفع التحيّر دون أن يكون مضمونها طريقاً إلى الواقع، وأمّا الأمارات فهي لغاية الكشف عن الواقع، سواء أوافقت الواقع أم لا.
ثانياً: أنّ النسبة بين دليل الأمارة (صدّق العادل الذي هو عصارة جميع الأدلّة الدالّة على حجّية الخبر الواحد) ودليل الاستصحاب(أعني: لا تنقض اليقين بالشكّ) عموم من وجه.
فدليل الأمارة يفرض العمل بمفاده سواء أوافق الاستصحاب أم لا، كما أنّ دليل الاستصحاب يفرض العمل على وفق مضمونه سواء أوافق مضمون الأمارة أو لا، فيفترقان في موردين، ويجتمعان في مورد واحد، وهو ما إذا خالف مضمونهما، كما إذا كانت المرأة غير ذات بعل، وقامت الأمارة على كونها ذات بعل، فيقع الكلام في تقديم أيّهما على الآخر.
ثالثاً: اختلفت كلمتهم في وجه التقديم إلى أقوال أربعة:
1. أنّ التقديم من باب الورود.
2. أنّ التقديم من باب الحكومة.
3. أنّ التقديم من باب تخصيص دليل الاستصحاب بدليل الأمارة.
4. أنّ التقديم من باب الجمع العرفي.
إذا علمت ذلك فلنرجع إلى دراسة الأقوال:

(283)

القول الأوّل: إنّ التقديم من باب الورود

الورود: عبارة عن رفع أحد الدليلين موضوع الدليل الآخر حقيقة، لكن بعناية التشريع.
هذا كما هو الحال في مورد خبر العادل بالنسبة إلى أصالة البراءة،
فإنّ موضوعها عدم البيان الشرعي، والخبر الواحد بيان شرعي، وبذلك يتحقّق رفع الموضوع لكن بعناية الشارع حيث إنّه جعل خبر الواحد حجّة، وبذلك صار بياناً شرعيّاً، ولولا عنايته وتشريع الحجّية له، لما كان رافعاً حقيقة.
نعم الخبر المتواتر رافع لموضوع البراءة الشرعية رفعاً حقيقياً لكن لا بعناية التشريع، بل بعناية التكوين، ولذلك يسمّى الثاني تخصصاً.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّه قد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ التقدّم من باب الورود وأفاد في وجهه: أنّ رفع اليد عن اليقين السابق بسبب أمارة معتبرة على خلافه، ليس من نقض اليقين بالشكّ، بل باليقين.(1)
توضيحه: أنّ المأخوذ في دليل الاستصحاب ليس صرف الشكّ كما في سائر الأُصول، بل هو مع اليقين السابق، منضمّاً إلى كون رفع اليد عنه نقضاً لليقين بالشكّ، وإذا دلّ الدليل على حجّية الأمارة، فلا يكون رفع اليد عنه نقضاً له بالشكّ، بل نقضاً باليقين، حيث إنّ الأمارة حجّة يقيناً ـ و إن كان مفادها أمراً ظنيّاً ـ فيكون دليلها وارداً على دليله.

1 . كفاية الأُصول:2/350.

(284)
وأورد عليه المحقّق الخوئي(رحمه الله) بقوله: إنّ الغاية عبارة عن نقض اليقين باليقين، لا بالشكّ، والأمارة غير مفيدة له، بل الشكّ موجود في مورد الأمارة، والقول بتعلّق اليقين بحجّية الأمارة دون مضمونها، لا يكفي في تحقّق الغاية، لأنّ الظاهر وحدة متعلّق اليقين، كما إذا تعلّق اليقين السابق بطهارة الثوب والآخر بنجاسته، وأمّا المقام فأحدهما تعلّق بنجاسته والآخر بحجّية البيّنة، وهما مختلفان متعلّقاً.(1)
يلاحظ عليه: أنّه إذا تعلّق اليقين بحجّية البيّنة يتولّد منه يقين آخر بالمضمون، ففي المثال المذكور إذا قامت الأمارة على نجاسة الثوب، فاليقين بالحجّية، يقين بالنجاسة الظاهرية، فيكون المتعلّق أمراً واحداً، غير أنّ أحدهما تعلّق بالطهارة والآخر بالنجاسة.
أضف إلى ذلك: أنّ اليقين في روايات الاستصحاب بمعنى الحجّة لا اليقين المنطقي، ضرورة أنّ علم زرارة بطهارة الماء الذي توضّأ به أو الثوب الذي صلّى فيه لم يكن علماً قطعياً ويقيناً منطقياً، بل كان العلم حاصلاً من إجراء أصالة الطهارة في الماء الذي توضّأ به أو الثوب الذي صلّى فيه، فلا يكون اليقين بالنجاسة بخبر الواحد أقلّ مرتبة من الحجّة التي اعتمد عليها، بل أنّه أقوى منه لدى العقلاء.
بقي هنا سؤال أورده المحقّق الخراساني على نفسه، وهو:
إن قلت: لِمَ لا يجوز العكس، يعني تقديم دليل الاستصحاب على

1 . مباني الاستنباط:288ـ289.

(285)
دليل حجّية الأمارة عن طريق التخصيص،(1) بأن يكون دليل الاستصحاب مخصِّصاً لدليل حجّية الأمارة؟
قلت: إذا قلنا بتقدّم الأمارة على الأصل من باب الورود، تكون الأمارة في مرتبة متقدّمة لا يتوقّف تقدّمها على الاستصحاب على شيء ما، بخلاف ما لو جعلنا الاستصحاب مخصّصاً للأمارة، فعندئذ يكون الدليلان في مرتبة واحدة، فتقديم الاستصحاب على الأمارة بالتخصيص، يكون فرع اعتباره وحجّيته في نفسه في مقابل الأمارة.
واعتباره وحجّيته كذلك فرع كونه مخصّصاً للأمارة، إذ لولا التخصيص لما ارتفعت المزاحمة ولما صحّ الأخذ بالاستصحاب، وهذا هو الدور.
وبذلك يُعلم وجه عدم الدور على القول بالورود، ووجوده على القول بالتخصيص، إذ على القول الأوّل تكون الأمارة أرفع مقاماً من الأصل، وتتقدّم عليه بلا مانع.
وأمّا على الثاني فيكون الاستصحاب في درجة الأمارة وتقع المزاحمة بينه وبينها، ورفع المزاحمة يورث الدور; لأنّ التخصيص يتوقّف على حجّية الاستصحاب مع وجود الأمارة على خلافه، وحجّية الأصل في حال المزاحمة تتوقّف على التخصيص.
إلى هنا تمّ الكلام في القول الأوّل، فلندرس القول الثاني.

1 . وإنّما قال: «عن طريق التخصيص» لأجل أنّه لا يحتمل فيه سواه.

(286)

القول الثاني: دليل الأمارة حاكم على دليل الاستصحاب

ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ دليل الأمارة حاكم على دليل الاستصحاب، قال: ومعنى الحكومة ـ على ما سيجيء في باب التعادل والتراجيح ـ أن يحكم الشارع في ضمن دليل بوجوب رفع اليد عمّا يقتضيه الدليل الآخر لولا هذا الدليل الحاكم، أو بوجوب العمل في مورد بحكم، لا يقتضيه دليله لولا الدليل الحاكم.(1) وسيجيء توضيحه إن شاء الله تعالى.
ففي ما نحن فيه، إذا قال الشارع: «اعمل بالبيّنة في نجاسة ثوبك» ـ و المفروض أنّ الشكّ موجودٌ مع قيام البيّنة على نجاسة الثوب ـ فإنّ الشارع حَكَمَ في دليل وجوب العمل بالبيّنة، برفع اليد عن آثار الاحتمال المخالف للبيّنة، التي منها استصحاب الطهارة.(2)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التعريف للحكومة تعريف عام يشمل كل دليل مقدّم على دليل آخر، حتى التخصيص، فإنّه بمعنى وجوب رفع اليد عمّا يقتضيه العام لولا المخصّص.
وعلى هذا فيجب تعريفها بشكل يميّزها عمّا سبق، وحاصله عبارة عن تصرّف أحد الدليلين في عقد الوضع للدليل الآخر، أو في عقد الحمل له، ثم التصرّف إمّا بالتوسعة أو بالتضييق، وإليك الأمثلة:
1. التصرّف في عقد الوضع بالتوسعة، قال سبحانه: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ

1 . الفقرة الأُولى ناظرة إلى تضييق دائرة الدليل المحكوم، والثانية ناظرة إلى توسعتها، فلاحظ.
2 . فرائد الأُصول:3/314ـ315.

(287)
الْمَيْسِرُ وَ الأَنْصَابُ وَ الأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)(1)، فالخمر عبارة عن الشراب المأخوذ من العنب; فإذا قال الإمام الصادق(عليه السلام): «الفقّاع خمر استصغره الناس»، يكون الدليل الثاني موسّعاً لموضوع الدليل الأوّل، وبالتالي موسّعاً للحكم.
2. التصرّف في عقد الوضع بالتضييق، كما في قوله: (وَ أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)(2)، فإذا ضم إليه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ربا بين الوالد والولد» يكون الدليل الثاني مضيّقاً لموضوع الدليل الأوّل.
3. التصرّف في عقد الحمل بالتضييق، كما في قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ).(3)
فإطلاق المحمول يعمّ صورتي الحرج والضرر، فأدلّتهما تكون حاكمة على عقد الحمل، بمعنى تضييقه بغير صورتي الحرج والضرر.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الحكومة قائمة باللسان بأن تكون منزلة الدليل الحاكم إلى الدليل المحكوم منزلة الرقابة والنظارة إلى الدليل الآخر، كما عرفت في الأمثلة.
ومن المعلوم أنّ دليل الأمارة ليس ناظراً إلى دليل حجّية الاستصحاب.

1 . المائدة:90.
2 . البقرة:275.
3 . المائدة:6.

(288)
وكون الأمارة حجّة لا يكون دليلاً على تقديمها على الاستصحاب ; لأنّه أيضاً حجّة مثلها، بل لابدّ من وجود أمر آخر يوجب تقديمها عليها ـ كما مرّ ـ في الوجه الأوّل.

القول الثالث: تقديم دليل الأمارة على دليل الاستصحاب من باب التوفيق العرفي

ربما يحتمل أن يكون التقديم من باب التوفيق (الجمع) العرفي، فإنّ العرف يوفِّق بينهما بتقديم دليل الأمارة على دليل الاستصحاب.
وقد سلك هذا الطريق المحقّق الخراساني في تقديم قاعدة «لا ضرر» على أدلّة الأحكام الأوّلية.
يلاحظ عليه: أنّ التوفيق العرفي ليس شيئاً مستقلاً عن أحد المحتملات السابقة، فإنّ الجمع العرفي فرع وجود ملاك للجمع، إمّا لكون دليل الأمارة وارداً أو حاكماً أو مخصّصاً (كما سيأتي في القول الرابع) أو كون دليل الأمارة أظهر من دليل الاستصحاب، فلو كان دليل حجّية الأمارة أظهر من دليل حجّية الاستصحاب لكان القول به صحيحاً، وسيوافيك أنّ تقديم الاستصحاب على الأصل الشرعي من هذا الباب بهذا الوجه.
وبعبارة أُخرى: الجمع العرفي يتحقّق بملاحظة لسان الدليل، وعندئذ يكون الملاك إمّا كون أحد الدليلين رافعاً لموضوع الدليل الآخر، أو شارحاً، أو مخصّصاً، أو يكون أظهر ولا يكون خارجاً عن أحد هذه الأسباب.

(289)

القول الرابع: دليل الأمارة مخصّص لدليل الاستصحاب

قد مرّ احتمال كون دليل الاستصحاب مخصّصاً لدليل الأمارة، وقد تقدّم أنّه مستلزم للدور; لأنّ مقتضى احتمال التخصيص هو كون الدليلين في درجة واحدة، ومعه لا يمكن تخصيص أحدهما بالآخر; لأنّ التخصيص فرع كونه معتبراً في هذه الحالة، والاعتبار في هذه الحالة، فرع تخصيص الأمارة بالاستصحاب.
وعلى هذا فنفس هذا الإشكال يأتي على هذه الصورة وهو جعل دليل الأمارة مخصّصاً لدليل الاستصحاب; وذلك لأنّ افتراض التخصيص يجعل الدليلين على درجة واحدة، وهما متعارضان، فتقديم أي واحد على الآخر لا يخلو من دور، حتى تقديم الأمارة على الاستصحاب، لأنّ التقديم فرع التخصيص، والتخصيص فرع اعتباره في هذه الحالة، وهو رهن التخصيص.
وبذلك يعلم أنّ احتمال التخصيص يستلزم الدور في كلا الطرفين.
ثمّ إنّ هنا إشكالاً آخر يختصّ بتقديم دليل الأمارة على الاستصحاب، وهو أنّ لازم التخصيص تجويز نقض اليقين بالشكّ في مورد الأمارة، كأنّه يقول: لا تنقض اليقين بالشكّ إلاّ في مورد وجود الامارة، فيجوز فيه نقضه بها، لكن هذا النوع من التعبير مستهجن، لأن الضابطة لا تقبل التخصيص عرفاً، إذ يستهجن أن يقال: لا تنقض اليقين بالشكّ إلاّ في هذا المورد، إذ هي من القضايا الآبية عن التخصيص لكونها قضية فطرية.

(290)

أبحاث أربعة

إلى هنا تمّ الكلام في تقديم الأمارة على الاستصحاب، ولكن بقيت هنا بحوث استطرادية وهي أربعة:
1. ما هي نسبة الاستصحاب والأُصول العقلية؟
2. ما هي نسبة الاستصحاب والأُصول الشرعية؟
3. ما هو المرجع في تعارض الاستصحابين؟
4. ماهي النسبة بين الاستصحاب والقواعد الأربع؟
وقد أوجز المحقّق الخراساني الكلام في هذه البحوث، خلافاً للشيخ الذي استقصى البحث فيها، وما سلكه هو الأفضل في إيجاد ملكة الاجتهاد في نفس المتعلم، وسوف نقوم بدراستها تالياً:

البحث الأوّل: ما هي النسبة بين الاستصحاب والأُصول العقلية؟

الأُصول العقلية عبارة عن الأُصول الثلاثة التالية:
أ. البراءة العقلية، وموضوعها قبح العقاب بلا بيان.
ب. الاشتغال العقلي، وموضوعه احتمال العقاب في ترك المحتملات أو في فعلها.
ج. التخيير العقلي، وموضوعه تساوي الطرفين من حيث الاحتمال وعدم الترجيح بينهما.
إنّ دليل الاستصحاب وارد على الأُصول الثلاثة:

(291)
وذلك لأنّه إذا دلّ الدليل على لزوم العمل وفق الحالة السابقة يكون العقاب مع البيان، أو دلّ على لزوم العمل بأحد الطرفين(كصلاة الجمعة) يرتفع معها احتمال العقاب بترك صلاة الظهر، أو إذا دلّ على إلزام العمل على وفق الحالة السابقة يكون رافعاً للتحيّر ومرجّحاً لأحد الطرفين.
وبعبارة جامعة: أنّ الأُصول العقلية وظائف لمن لم تكن بيده حجّة، فإذا صار الاستصحاب حجّة يرتفع موضوع الأُصول العقلية.

البحث الثاني: ما هي النسبة بين الاستصحاب والأُصول الشرعية؟

الأُصول الشرعية هي البراءة الشرعية، مثل قوله: «رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون»، وأصالة الحلّية: «كلّ شيء حلال حتى تعرف الحرام»، أو أصالة الطهارة كما في قوله: «كل شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر»، فيقع الكلام في كيفية التقدّم بعد تسليم أصل التقدّم.

التقدّم من باب الورود

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ تقدّم الاستصحاب على الأُصول الشرعية على وجه الورود، فإنّ النسبة بين الاستصحاب والأُصول الشرعية هي بعينها نفس النسبة بين الأمارة والاستصحاب، فيقدّم عليها، ولا مورد معه لها، للزوم محذور التخصيص إلاّ بوجه دائر في العكس وعدم محذور فيه أصلاً.(1)

1 . كفاية الأُصول:2/301.

(292)
ثمّ إنّه(قدس سره) لم يبيّن وجه الورود، لكنّه أوضحه في تعليقته على الفرائد، وقال: إنّ الموضوع في الأُصول الثلاثة هو المشكوك من جميع الجهات الأوّلية والثانوية، فالمشكوك من كلّ جهة، حكمه بالبراءة والطهارة والحلّية، ومع جريان الاستصحاب يرتفع الموضوع حيث يكون معلوم الحكم من حيث العنوان الثانوي، أعني: نقض اليقين بالشكّ، بخلاف الاستصحاب فإنّ الموضوع فيه الشكّ من حيث العنوان الأوّلي، وهو باق بعد جريان الأُصول الثلاثة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ التفريق بين الأُصول العملية الشرعية والاستصحاب بالنحو المذكور، لم يدلّ عليه دليل، فكما أنّ مورد الأُصول الشرعية هو كون الموضوع مجهول الحكم، واقعياً وثانوياً، فهكذا الاستصحاب، فالعمل باليقين السابق إنّما هو إذا كان الواقع مستوراً علينا لا بالعنوان الأوّلي ولا بالثانوي.
نعم يمكن أن يستأنس لكلام الشيخ بأنّ مفاد الاستصحاب أخصّ من مفاد الأُصول الشرعية، فالموضوع في الأُصول الشرعية صرف الشكّ، ولكنّ الموضوع في الاستصحاب هو الشكّ المسبوق باليقين، وكأنّ الشكّ إذا كان مسبوقاً باليقين يصير سبباً لظهور الوظيفة الثانوية فيكون مقدّماً على الأُصول الشرعيّة.

1 . درر الفوائد على الفرائد:241، بتلخيص.

(293)

تقدّم دليل الاستصحاب عليها من باب الحكومة

ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ تقدّمه على الأُصول الشرعية من باب الحكومة، وأفاد في وجهه، ما نصّه: إنّ دليل الاستصحاب بمنزلة معمِّم للنهي السابق بالنسبة إلى الزمان اللاحق، فقوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» يدلّ على أنّ النهي الوارد لابدّ من إبقائه، وفرض عمومه للزمان اللاحق وفرض الشيء في الزمان اللاحق ممّا ورد فيه النهي أيضاً. فمجموع الرواية المذكورة ودليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول: كلُّ شيء مطلقٌ حتى يرد فيه نهيٌّ، وكلُّ نهي ورد في شيء فلابدّ من تعميمه لجميع أزمنة احتماله، فيكون الرخصة في الشيء وإطلاقه مغيّاً بورود النهي المحكوم عليه بالدوام وعموم الأزمان، فكان مفاد الاستصحاب نفي ما يقتضيه الأصل الآخر في مورد الشكّ لولا النهي، وهذا معنى الحكومة، كما سيجيء في باب التعارض.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أنّ المراد من قوله: «حتى يرد فيه نهيٌّ» هو وروده بصورة أعمّ، أي سواء كان النهي واقعياً متعلّقاً بذات الشيء أو ظاهرياً متعلّقاً بالشيء في حال الشكّ، ولكنّه خلاف الظاهر فإنّ المتبادر من الرواية ورود النهي فيه بما هو هو، لا بما هو مشكوك.
ولك أن تدفع الإشكال بأنّ الظهور بدئي يزول بملاحظة دليل الاستصحاب معه، فيكون المراد أعمّ من الورود الواقعي أو الظاهري.
نعم يرد على الشيخ إشكال آخر وهو: أنّ مقتضى هذا التقرير كون

1 . فرائد الأُصول:3/389.

(294)
الاستصحاب وارداً على الأصل الشرعي، وذلك لارتفاع الغاية معه حيث إنّ الحلّية محدّدة بعدم ورود نهي، والاستصحاب مثبت له.

الاستصحاب أمارة حيث لا أمارة

ذهب المحقّق الخوئي إلى أنّ الاستصحاب بما أنّه أمارة كاشفة عن الواقع فإنّه يقدّم على الأصل غير الكاشف، لكنّه أمارة حيث لا أمارة، وقال في وجه ذلك: إنّه كاشف عن الواقع، ومثبت له في ظرف الشكّ، وإنّ المجعول فيه هو الطريقية وتتميم الكشف، لأنّ الظاهر من قوله(عليه السلام):«ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ» وقوله(عليه السلام):«ولا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات»، هو إلغاء احتمال الخلاف وفرض المؤدّى ثابتاً واقعاً كما هو كذلك في الأمارات، وهذا بخلاف الأُصول، فإنّها ليست كاشفة عن الواقع أصلاً، فإنّ المجعول فيها إمّا تنزيل أحد طرفي الشكّ منزلة الواقع، والبناء والعمل على ثبوته كما في الأُصول المحرزة، وإمّا مجرّد تطبيق العمل على مؤدّى الأصل والجري على طبقه ظاهراً عند الشكّ.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً:ما تكرّر بيانه من أنّ الطريقية والكاشفية والمرآتية، من الأُمور التكوينية التي لا تقبل الجعل الاعتباري، وتتميم الكشف بالمعنى الصحيح لا يحصل بالجعل والاعتبار، فالحجر لا يعكس صورة الإنسان مهما اعتبرته كاشفاً وطريقاً بخلاف المرآة والماء الصافي.
وثانياً: أنّ لسان روايات الاستصحاب هو الحكم بإبقاء اليقين السابق

1 . مباني الاستنباط:293.

(295)
مع حفظ الشكّ لا مع إلغائه، فكم فرق بين أن يقول(عليه السلام): «ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان»، أو يقول(عليه السلام): «فإنّه لا عذر لأحد من موالينا التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا ونحملهم إيّاه إليهم».(1) ، وبين قوله:«ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ». فقد اعتبر وجود اليقين مع الشكّ، ففي هذا الظرف حكم بعدم النقض، وهذا واضح فيما لو أعدت النظر في قوله(عليه السلام): «لا ينقض اليقين أبداً بالشكّ» في الصحيحة الأُولى، وقوله(عليه السلام):«وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً» في الصحيحة الثانية، فالجميع يؤكّد على وجود الشكّ وحفظه لا على إلغائه وطرده.
وأمّا قوله: «فلا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات» في الصحيحة الثالثة، فالمراد منه عدم ترتّب الأثر للشكّ لا طرده عن صحيفة التشريع.

التقديم من باب الأظهرية

يمكن أن يقال: إنّ وجه التقديم أظهرية لسان دليل الاستصحاب على دليل الأصل الشرعي، وذلك لوجود التأكيدات في دليل الاستصحاب، ففي الصحيحة الأُولى لزرارة: «لا، حتى يستيقن أنّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمرٌ بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ، إنّما تنقضه بيقين آخر»، فإذا قيس هذا اللسان إلى قوله: «كلّ شيء حلال حتى يرد فيه نهي»، لا يشكّ العرف في تقدّم الأوّل على الثاني أخذاً بقوة الدلالة.

1 . الوسائل:18، الباب11 من أبواب صفات القاضي، الحديث40.

(296)

البحث الثالث: ما هو المرجع في تعارض الاستصحابين؟

إنّ الأصلين المتعارضين على قسمين:
يقع أحد الأصلين تارة في طول الآخر، فيكون الشكّ في بقاء أحدهما ناشئاً من الشكّ في بقاء الآخر، وأُخرى يقع كلّ في عرض الآخر، ويكون الشكّ في بقاء كلّ ناشئاً من أمر ثالث خارج عنهما.
فيقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل : إذا كان هنا ماء قليل مستصحب الطهارة غسل به الثوب النجس، فمقتضى استصحاب طهارة الماء، طهارة الثوب، ومقتضى استصحاب نجاسة الثوب، نجاسته، فالأصلان متعارضان، لكن الشكّ في بقاء النجاسة في الثوب نابع عن بقاء طهارة الماء بحيث لو علمت طهارة الماء شرعاً زال الشكّ في نجاسة الثوب.
والثاني: إذا علمنا بوقوع قطرة دم في الإناءَين الطاهرين، فاستصحاب طهارة كلّ من الإناءَين متعارضان والشكّ نابع من أمر ثالث، وهو العلم الإجمالي بوقوع قطرة دم فيهما، ولولاه لم يكن هناك أي شكّ.
ثمّ إنّ الكلام في تقدّم الأصل السببي على المسببي فيما إذا كان الترتّب شرعياً، فنقول: يجب كون زوال نجاسة الثوب شرعاً مترتّباً على طهارة الماء، حيث إنّ طهارة الملاقي من آثار طهارة الماء، دونما إذا كان الترتّب عقلياً، فإنّ استصحاب الكلّي لا يثبت به وجود الفرد ; لأنّ وجود الفرد على فرض وجود الكلّي أمر عقلي حيث إنّه لا يتحقّق إلاّ في ضمن الفرد، فلو استصحب الكلّي يقتصر على ترتب آثاره دون آثار الفرد.

(297)

ما هو الدليل على التقدّم ؟

استدلّ الشيخ الأنصاري على تقدّم الأصل السببي على المسببي بوجوه أربعة، واقتصر المحقّق الخراساني على وجه واحد، وهو قريب من الوجه الثاني للشيخ، وقد قرّره المحقّق الخراساني، بتقريرين:
التقرير الأوّل: فإن كان أحدهما أثراً للآخر فلا مورد إلاّ للاستصحاب في طرف المسبب، فإنّ الاستصحاب في طرف المسبب موجب لتخصيص الخطاب، وجواز نقض اليقين بالشكّ في طرف السبب بعدم ترتّب أثره الشرعي، فإنّ من آثار طهارة الماء، طهارة الثوب المغسول به ورفع نجاسته، فاستصحاب نجاسة الثوب نقض لليقين بطهارته(الماء)، بخلاف استصحاب طهارته، إذ لا يلزم منه نقض اليقين بنجاسة الثوب بالشكّ، بل باليقين بما هو رافع لنجاسته وهو غسله بالماء المحكوم شرعاً بطهارته.(1)
وهذا التقرير يوافق ما ذكره الشيخ في الوجه الثاني حيث قال: إنّ مقتضى عدم نقض اليقين رفع اليد عن الأُمور السابقة المضادّة لآثار ذلك المتيقّن، فعدم نقض طهارة الماء لا معنى له إلاّ رفع اليد عن النجاسة السابقة المعلومة في الثوب، إذ الحكم بنجاسته نقض لليقين بالطهارة المذكورة بلا حكم من الشارع بطروء النجاسة، وهو طرح لعموم «لا تنقض» من غير مخصِّص، أمّا الحكم بزوال النجاسة فليس نقضاً لليقين بالنجاسة إلاّ بحكم الشارع بطروء الطهارة على الثوب.

1 . كفاية الأُصول:2/354.

(298)
والحاصل: أنّ مقتضى عموم «لا تنقض» للشكّ السببيّ نقض الحالة السابقة لمورد الشكّ المسببي.(1)
وسيوافيك التقرير الثاني للمحقّق الخراساني، فانتظر.
وحاصل التقريرين: أنّ الحكم بنجاسة الثوب بعد الغسل من مقولة نقض اليقين بالشكّ، ولكن الحكم بطهارة الثوب ليس من باب نقض اليقين بالنجاسة بالشكّ، بل من قبيل نقض اليقين باليقين، أمّا الأوّل فإنّ نجاسة الثوب أمر مشكوك بعد الغسل، ولكن طهارة المغسول بالماء الطاهر أمر يقيني، فالأخذ بالنجاسة نقض لهذا الأمر اليقيني بالشكّ في نجاسة الثوب.
وأمّا الحكم بطهارة الثوب في حال الشكّ فإنّه ليس من قبيل نقض اليقين بالنجاسة بالشكّ، بل من مقولة نقضه باليقين، لأنّ طهارة المغسول بالماء الطاهر أمر قطعي. هذا توضيح لعبارة العلمين.
وبالجملة: في المقام استصحابان: يلزم من أحدهما نقض اليقين بالشكّ، ومن الآخر نقض اليقين باليقين. أمّا الأوّل فلأنّ الحكم بنجاسة الثوب في حال الشكّ لأجل الاستصحاب، نقض لليقين بطهارة الماء وما يغسل شرعاً بالشكّ، وأمّا الثاني فلأنّ الحكم بطهارة الثوب في حال الشكّ، نقض له باليقين بطهارة الماء شرعاً، فهو رافع له.
يلاحظ على البيانين: أنّهما مبنيّان على أنّ الأصل السببي حجّة بلا كلام وإنّما الشكّ في حجّية الأصل المسبّبي في مقابل الآخر، فيصحّ ما ذُكر.

1 . فرائد الأُصول:3/396.

(299)
وأمّا إذا قلنا بأنّ الأصلين فردان للعام، فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر، فنقض كلّ بالآخر، نقض للشكّ باليقين ولا يختصّ ذلك بالأصل السببيّ، بل يعمّ المسببيّ، إذ كما أنّ الحكم بنجاسة الثوب في حال الشكّ نقض لليقين بطهارة الماء بالشكّ، فهكذا القول بطهارة الثوب نقض لليقين بالنجاسة بالشكّ في طهارة الماء حيث إنّ طهارة الماء مشكوكة، والاستصحاب بعد في كلّ معارض .
وبعبارة أُخرى: لو كان الماء القليل قطعي الطهارة، لزم ما ذُكر، وأمّا إذا كان مشكوك الطهارة فلكلّ من الشكّين حكمه، فلا معنى لإلغاء حكم أحد الشكّين وترتيب الأثر على الشكّ الآخر.
نعم لو قدّمنا جريان الأصل في السببي وصار أمراً مسلّماً، يصحّ ما ذكر، من أنّ الحكم بنجاسة الثوب نقض لليقين بطهارة الماء بالشكّ في نجاسة الثوب ولكن المفروض غيره.
فإن قلت: بما أنّ الشكّ في الأصل السببي سبب للشكّ في الأصل المسببي، فتكون رتبة الشكّ في الأوّل متقدّمة على الشكّ في الآخر، ولذلك يشمله العام قبل أن يشمل الآخر، وبذلك يكون مقدّماً عليه، ويثبت ما ذكر من أنّ القول بنجاسة الثوب نقض لآثار الماء المتيقّنة.
قلت: ما ذكر إنّما يصحّ في المسائل العقلية، وأمّا الموضوعات الشرعية فالجميع على درجة سواء، فإنّ الميزان تحقّقها في زمان واحد، وأمّا تقدّم أحدهما على الآخر عند العقل فلا يكون دليلاً على شموله له قبل شموله للآخر.

(300)
إلى هنا تمّ الكلام حول التقرير الأوّل للخراساني.

التقرير الثاني:

قال(رحمه الله): إنّ كلاًّ من السبب والمسبب وإن كان مورداً للاستصحاب إلاّ أنّ الاستصحاب في الأوّل بلا محذور، بخلافه في الثاني ففيه محذور التخصيص بلا وجه إلاّ بنحو محال، فاللازم الأخذ بالاستصحاب السببي.(1)
يلاحظ عليه: أنّ المحقّق الخراساني اعتمد على هذا الدليل في مقامات ثلاثة:
1. تقديم الأمارة على الأُصول.
2. تقديم الاستصحاب على الأُصول الشرعية، كالبراءة.
3. تقديم الأصل السببي على المسببي.
وهو صحيح في المورد الأوّل: لأنّ تقدّم الأمارة على الأُصول أمر مسلّم، لورودها عليها كما مرّ توضيحه، بخلاف الموردين التاليين .
أمّا الثاني: فلأنّ الاستصحاب أصل كسائر الأُصول فتقديم كلٍّ على الآخر يتحقّق من باب التخصيص، فالدور لازم في كلا الطرفين لأنّ تقديم كلٍّ يتوقّف على الحجّية في حالة التعارض، وهي متوقّفة على التخصيص. وقد تقدّم أنّه يقدّم على الأصل الشرعي بوجه آخر، فلاحظ.
وأمّا الثالث: فلأنّ الأصل المسببي أصل كالأصل السببي، وهما

1 . كفاية الأُصول:2/356.

(301)
أصلان في عرض واحد فتقديم كلٍّ على الآخر من باب التخصيص، فلو قلنا بالدور فهو جار في كلا الطرفين.
إلى هنا تبيّن أنّ ما احتجّ به على تقديم الأصل السببي على المسببي غير تام، بقي الكلام في وجه التقديم.

ما هو الدليل على التقديم؟

قد مرّ في مبحث الأصل المثبت أنّه يثبت بالاستصحاب الأثر الأوّل فقط، وأمّا لو ترتّب على الأثر الأوّل، أثر ثان، وعليه أثر ثالث، فالاستصحاب بالنسبة إليهما مثبت، فلابدّ في ترتّب الآثار المتأخّرة من محاولة أُخرى، وهي أنّ الاستصحاب إذا كان حكماً شرعياً فهو موضوع لوجوب الإطاعة، وأمّا لو كان أصلاً موضوعياً فلا ينتج إلاّ إذا كان منقحاً لموضوع دليل اجتهادي، وإلاّ يكون الأصل بلا أثر.
مثلاً: إذا كان الرجلان عدلين، وشككنا في بقاء عدالتهما، فاستصحاب بقاء العدالة يكون موضوعاً لصحّة الطلاق، وتثبت بذلك صحّة طلاق الرجل، وأمّا إذا ترتّب على صحّة الطلاق أثر ثان وهو وجوب الاعتداد، فلا يثبت بالأصل، وإنّما تكون نتيجة الأصل مع الدليل الاجتهادي صغرى لكبرى ثانية، وهي قوله سبحانه: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)(1)، لأنّ المراد من المطلقات المرأة التي طلقت صحيحاً وليس هو إلاّ الطلاق بشهادة عدلين مع سائر الشروط.

1 . البقرة:228.

(302)
ثمّ إنّه إذا ترتّب للأثر الثاني أثر ثالث وهو جواز تزويجها بعد خروج العدّة، فإنّ نتيجة الدليل الاجتهادي الثاني مع الأصل تكون موضوعاً لدليل اجتهادي ثالث، أعني قوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ).(1)
إذا علمت هذا فنقول: إنّ دور الأصل السببي ليس إلاّ إحراز الموضوع للدليل الاجتهادي، فاستصحاب طهارة الماء الذي غُسل به ثوب نجس موضوع لدليل اجتهادي وهو: «كلّ نجس غُسل بماء طاهر فهو طاهر»، فالحاكم على الأصل المسببي هو الدليل الاجتهادي، وأمّا الأصل المسببي ـ أعني: استصحاب نجاسة الثوب ـ فليس معه دليل اجتهادي سوى أنّه كلّ نجس غسل بماء طاهر فغسالته نجسة، ونحن لا ننكرّ بل نحكم أيضاً بنجاسة الغُسالة مع الحكم بطهارة الثوب. وفي الحقيقة أنّ الأصل السببي يخدم الدليل الاجتهادي بإحراز موضوعه فقط، وعندئذ يكون انطباق الكبرى على الصغرى أمراً قهرياً، ومقدّماً على الأصل المسببيّ.

المقام الثاني

إذا كان الشكّ في كلّ من الموردين ناشئاً من أمر ثالث، كما هو الحال في الإناءَين المشتبهين، فإنّ الشكّ في طهارة كلٍّ، مسبب عن العلم الإجمالي بورود النجاسة على واحد منهما، فهناك آراء مختلفة:
1. عدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي مطلقاً. وهو خيرة الشيخ الأنصاري.

1 . البقرة:232.

(303)
2. التفصيل بين استلزامه المخالفة العملية القطعية أو الاحتمالية، فلا يجري، دونما إذا استلزم مخالفة التزامية فيجري. وهو خيرة المحقّق الخراساني.
وهذا كما إذا كان الإناءان طاهرين فعلمنا إجمالاً بوقوع قطرة من الدم في أحدهما، فإنّ جريان استصحاب الطهارة فيهما يستلزم المخالفة العملية، إمّا القطعية كما إذا استعملهما فيما تشترط فيه الطهارة، أو الاحتمالية كما إذا استعمل أحدهما كذلك، وأمّا إذا كانا نجسين فعلمنا بتطهير أحد الإناءين لا بعينه، فإنّ استصحاب النجاسة فيهما لا يضرّ عملاً وإنّما يضرّ بالموافقة الالتزامية، حيث إنّه مأمور أن يلتزم بطهارة أحدهما ولكن نتيجة الاستصحاب هي نجاستهما، والمخالفة الالتزامية غير ضائرة.
3. التفصيل بين الأصل المحرز وغيره، فلا يجري في الأوّل بخلاف الثاني. وهو مختار المحقّق النائيني.
4. التفصيل بين العلم الوجداني، والعلم المتولّد من إطلاق الدليل. وهو المختار.
وها نحن ندرس هذه الآراء بالتفصيل:

نظرية الشيخ الأنصاري(رحمه الله)

ذهب الشيخ الأنصاري إلى عدم شمول أدلّة الاستصحاب أطراف العلم الإجمالي ; وذلك لأنّ القول بالشمول يستلزم تعارض الصدر مع الذيل، إذ جاء في الصدر قوله: «ولا تنقض اليقين بالشكّ»، وجاء في الذيل

(304)
قوله: «ولكن تنقضه بيقين مثله». فالأوّل يدلّ على حرمة نقض اليقين بالشكّ، والثاني يدلّ على وجوب نقض اليقين بيقين آخر، والمفروض وجود اليقين الآخر الحاكم بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلا يجوز إبقاء كلٍّ منهما تحت عموم حرمة النقض بالشكّ، لأنّه مستلزم لطرح ذيل الحديث وهو الحكم بنقض اليقين بآخر.(1)
وقد أورد على الشيخ بوجهين:
الأوّل: أنّ الذيل ورد في الصحيحة الأُولى لزرارة، دون الثانية والثالثة.
يلاحظ عليه: أنّ المطلق يقيّد لأنّ مجموع الروايات كسبيكة واحدة، تشير إلى مفهوم واحد.
الثاني: أنّ ظاهر قوله: «ولكن تنقضه بيقين مثله» كما في تعبير الشيخ، يدلّ على وحدة اليقينين وجوداً ووصفاً، فكما أنّ اليقين الأوّل تعلّق بالطهارة تفصيلاً، فيجب أن يكون اليقين الثاني مثله متعلّقاً بالنجاسة بالتفصيل مع أنّ المفروض تعلّقه بالنجاسة إجمالاً، فالغاية غير حاصلة.
يلاحظ عليه: أنّ لفظة «مثله» وإن وردت في كلام الشيخ لكنّها لم ترد في الرواية، وإنّما الوارد فيها كالتالي:«ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ، وإنّما تنقضه بيقين آخر».(2)
وعلى ذلك فالغاية حصول يقين آخر، سواء أكان مثل اليقين الأوّل في

1 . فرائد الأُصول:3/410.
2 . الوسائل:1، الباب1 من أبواب الوضوء، الحديث1.

(305)
التفصيل أو لا، والاعتبار إنّما هو بالجزم بنقض الحالة السابقة لا العلم بالنقض تفصيلاً.

نظرية المحقّق الخراساني(رحمه الله)

قد تعرفت على نظرية المحقّق الخراساني، والفرق بينه وبين الشيخ الأنصاري(رحمه الله) هو أنّ الشيخ يعتقد بفقد المقتضي وأنّ أدلّة الأُصول لا تشمل أطراف العلم الإجمالي، فلا تصل النوبة إلى وجود المانع مع فقد المقتضي، ولكن المحقّق الخراساني يقول بوجود المقتضي وشمول الأدلّة لأطراف العلم الإجمالي غاية ما في الباب يسقطان بالتعارض، وإلاّ يلزم إمّا المخالفة القطعية أو الاحتمالية، ولا بأس بالجريان إذا لم يلزم إلاّ المخالفة الالتزامية.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاستدلال بوجود المانع فرع وجود المقتضي وقد عرفت في كلام الشيخ عدم الشمول وذلك لحصول الغاية.
وبعبارة أُخرى: الاستدلال بوجود المانع مع فقد المقتضي، غير صحيح.
وثانياً: أنّ القول بجريان الاستصحاب فيما إذا لم يستلزم المخالفة العملية كما في استصحاب النجاسة في الإناءَين المسبوقين بالنجاسة فاقد للأثر، ولا يجري الأصل إلاّ إذا ترتّب عليه الأثر الشرعي، وما يترتّب من الاستصحاب من الأثر، أعني: وجوب الاجتناب عن الإناءين يكفي فيه وجود العلم الإجمالي بطهارة أحدهما ونجاسة الآخر، ومعه لا مورد للاستصحاب.

(306)

نظرية المحقّق النائيني(رحمه الله)

ذهب المحقّق النائيني(رحمه الله) إلى أنّ الأُصول على قسمين: أُصول محرزة، وأُصول غير محرزة; وإن شئت قلت: تنزيلية، وغير تنزيلية. والمراد بالأوّل ما يكون المجعول فيها هو البناء العملي على ثبوت الواقع في مورد الشكّ، كالاستصحاب; وأمّا الثاني ما يكون المجعول فيها هو مجرد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ، من دون أن يكون البناء متكفّلاً بثبوت الواقع في أحد الطرفين كالبراءة وأصالة الحلّ والطهارة.
أمّا عدم جريان الأصل المحرز في أطراف العلم الإجمالي، فلأنّ التعبّد ببقاء الواقع في كلّ واحد من أطراف العلم ينافي العلم الوجداني بعدم بقاء الواقع في أحدهما ; وهذا بخلاف الآخر فإنّ المجعول هو مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ، فلا مانع من التعبّد بها في أطراف العلم الإجمالي إذا لم تلزم مخالفة عملية.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ تقسيم الأُصول إلى محرز وغير محرز بالمعنى المذكور لم يدلّ عليه دليل، والاستصحاب وإن كان مقدّماً على سائر الأُصول لكن لا بملاك كونه محرزاً للواقع، بل بملاك وجود التأكيد في أدلّة الاستصحاب دون غيرها ـ كما عرفت ـ وليس في أدلّة الاستصحاب إلاّ تطبيق العمل وفقاً للحالة السابقة وعدم نقض اليقين بالشكّ، وأين هذا من البناء العملي على أنّ مورد الأصل هو الواقع.
والذي دعا الميرزا النائيني إلى تقسيم الأُصول إلى محرزة وغير

(307)
محرزة، هو إفادة اليقين السابق الظن بالبقاء، فصار ذلك مبدأً لتصوّر الأصل المحرز، وأنّ العمل بالأصل من باب البناء العملي على أنّه الواقع. مع أنّه لا ملازمة بين إفادة الظن وهذا البناء، كما أنّه لا ملازمة بين تقديم الاستصحاب على الأُصول، والعمل بالاستصحاب من باب البناء على أنّه الواقع.
وثانياً: كيف يجري الأصل غير المحرز في أطراف العلم الإجمالي مع حصول الغاية في قوله:«كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر»، وقوله: «كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام» بعد القول بأنّ الغاية وجود العلم بنقض الحالة السابقة، والمفروض أنّه حاصل.

نظرية السيد الأُستاذ(رحمه الله)

ذهب سيدنا الأُستاذ إلى أنّ العلم بالتكليف إجمالاً، تارة يكون علماً وجدانياً لا يحتمل الخلاف، كما إذا اشتبه محقون الدم بمهدوره، ففي هذه الصورة لا مجال لنفوذ الاستصحاب إلى المورد، لأنّ العلم الوجداني القاطع بحفظ نفس المسلم مطلقاً وفي عامّة الصور، لا يجتمع مع الرخصة في قتله إذا صار مشتبهاً.
وأُخرى يكون العلم بالتكليف نتيجة إطلاق الدليل الاجتهادي، فيشمل المعلوم بالتفصيل كما يشمل المعلوم بالإجمال، كما إذا قال:«اجتنب عن النجس في حال الصلاة» فهذا يمكن تقييده بالعلم التفصيلي بالنجاسة والعفو عنها عند الإجمال، فتجري فيه أصالة الطهارة واستصحابها، كما لا يخفى.

(308)
نعم ما ذكره أمر ممكن ولكنّه غير واقع لدلالة الأدلّة على حفظ إطلاق الدليل وعدم تقييده بالتفصيل وذلك للأدلّة التالية:
1. ما ورد في الإناءَين المشتبهين من أنّه يهريقهما جميعاً ويتيمّم.(1)
2. ما ورد في الصحيحة الثانية لزرارة من قوله: إنّي قد علمت أنّه قد أصابه الدم ولم أدر أين هو فاغسله؟ قال: «تغسل من ثوبك الجهة التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارته».(2)
3. ما ورد في الرجل معه ثوبان فأصاب أحدهما بول، ولم يدر أيّهما هو، وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال(عليه السلام):«يصلّي فيهما جميعاً». قال الصدوق: يعني على الانفراد.(3)
نعم ورد الترخيص في أطراف العلم الإجمالي في موردين:
1. المال الحلال المختلط بالربا.
2. المال المختلط بالحرام.
وقد تقدّمت منّا الإشارة إليهما عند البحث في الاشتغال.
إلى هنا تمّ بيان مباني القوم.

1 . الوسائل:1، الباب8 من أبواب الماء المطلق، الحديث2، ولاحظ الوسائل:2،الباب 64 من أبواب النجاسات، الحديث2.
2 . التهذيب:1/421، الحديث 1535، باب تطهير البدن والثياب من النجاسات.
3 . الوسائل:2، الباب64 من أبواب النجاسات، الحديث1.

(309)

ما هو المختار عندنا؟

الحق ما أفاده الشيخ الأنصاري، من أنّ أدلّة الأُصول حتى الاستصحاب ناظرة إلى الشبهة البدوية ولا تعمّ مورد العلم الإجمالي، وذلك لوجهين:
الأوّل: ما أفاده الشيخ من حصول الغاية وهو اليقين الآخر في الاستصحاب، لقوله(عليه السلام): «حتى تعلم أنّه قذر» أو «تعلم أنّه حرام».
الثاني: أنّ شمول دليل الأصل لأطراف العلم الإجمالي يمكن على أحد وجوه ثلاثة، والجميع باطل:
1. شمول الأصل لكلٍّ من طرفي العلم الإجمالي، وهو باطل بالإجماع.
2. شموله لأحدهما المعيّن، لمرجّح، والمفروض عدم وجوده، وتساوي الطرفين بالنسبة إلى العام.
3. شموله أحدهما المخيّر وترك الآخر، وهو خلاف مضمون الدليل، لأنّ ظاهره الأخذ بكلّ واحد معيّناً، فإذا بطل الجميع نستكشف عدم شموله لأطراف العلم الإجمالي.
ثمّ إنّ الشيخ أشار إلى ذلك الوجه بقوله: فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلا يجوز إبقاء كلٍّ منهما تحت عموم حرمة النقض بالشكّ ; لأنّه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثله، ولا إبقاء أحدهما المعيّن لاشتراك الآخر معه في مناط الدخول من غير مرجّح، وأمّا أحدهما المخيّر فليس من أفراد العام، إذ ليس فرداً ثالثاً غير الفردين المتشخّصين في الخارج، فإذا خرجا لم يبق شيء.(1)

1 . فرائد الأُصول:3/410.

(310)
فإن قلت: إنّ عموم الاستصحاب كقول القائل: أنقذ كلّ غريق، فإذا تعذّر العمل بالعام في فردين متنافيين لم يجز طرح كليهما، بل لابدّ من العمل بالممكن وهو أحدهما تخييراً وطرح الآخر لأنّ هذا غاية المقدور.
قلت: ما ذكرته صحيح في المتزاحمين، لوجود الملاك في كلٍّ منهما فيستقل العقل بالتخيير، ويستكشف الحكم الشرعي فيه دون المقام الذي لا يوجد الملاك إلاّ في أحد الموردين.
تمّ الكلام في الاستصحاب

القواعد الأربع ونسبة الاستصحاب إليها

ثمّ إنّ الشيخ طرح القواعد الأربع لبيان نسبة الاستصحاب إليها، فصار ذلك سبباً لدراسة هذه القواعد على وجه التفصيل، وكان الغرض في بدء الأمر بسيط وهو بيان نسبة الاستصحاب إلى كلّ من هذه القواعد، ولكنّه صار ذريعة لدراسة القواعد على وجه التفصيل بحيث صار بيان النسبة أمراً مغفولاً عنه أو أمراً جانبيّاً.

(311)

1القواعد الأربع

قاعدة «اليد»

قاعدة اليد ـ كما ستتّضح ـ قاعدة فقهية ولا علاقة لها بالمسائل الأُصولية، كما لا علاقة لسائر القواعد الثلاث الّتي سندرسها تلو هذه القاعدة بها، ولكن الّذي دفع الشيخ الأنصاري ـ ومن جاء بعده ـ لطرح هذه القواعد هو بيان نسبتها مع الاستصحاب، وهل هي متقدّمة عليه أو أنّ الأمر بالعكس، وعلى فرض التقدّم فما هو وجهه؟
نعم الغاية هي بيان النسبة، ولكن ذلك أصبح ذريعة لتحقيق هذه القواعد وبيان مداركها وما يترتّب عليها من الآثار، ولذلك صار البحث في كلّ قاعدة طويل الذيل مترامي الأطراف، على وجه يليق أن يفرد له رسالة أو كتاب.
ثم إنّ «قاعدة اليد» غير قاعدة «على اليد»(1) فالأُولى أمارة الملكية ـ بل ربّما تكون أمارة على الأعم منها كالتولية إذا كان الموقوف تحت يده، والزوجية إذا كانت المرأة تحت يده، والولدية للطفل إذا كان تحت يده، وسيتضح ذلك في المستقبل ـ والثانية دليل الضمان، تبعاً لقول رسول

1 . والعجب أنّ صاحب العناوين، درس القاعدة الثانية دون الأُولى .

(312)
الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي». نعم كلتا القاعدتين من أدوات القضاء، فبالأولى يميّز المدّعي عن المنكر، وبالثانية يحكم بالضمان على مَن أتلف العين أو المنافع المستوفاة.
إذا علمت ذلك فنقول: تحقيق الحال في القاعدة يتوقّف على البحث في مقامات:

المقام الأوّل:

قاعدة اليد قاعدة فقهية

قد عرفت في الجزء الأوّل ـ عند البحث عن مميزات المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية ـ أنّ القواعد الفقهية تتميّز عن المسائل الأُصولية بالمحمولات، فهي في الأُولى إمّا حكم شرعي أو أمر منتزع من حكم شرعي.
فالأوّل نظير قولنا: الصلح جائز بين المسلمين، أو قوله: كلّ شرط خالف كتاب الله فهو غير جائز.
والثاني مثل قوله: ما يضمن بصحيحه ـ كالبيع والإجارة ـ يضمن بفاسده.
فقوله: «يضمن بصحيحه» منتزع من عدة أحكام في موارد مختلفة حكم فيها بالضمان، واتّخذ الفقيه ذلك ذريعة لانتزاع قاعدة كلّية على النحو السابق. وهذا بخلاف المسائل الأُصولية فإنّ المحمولات فيها بين ما يدور

(313)
حول الحجج ـ كقولنا: خبر الواحد حجّة أو ظواهر الكتاب حجّة ـ أو حول الملازمات ـ كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته أو حرمة ضدّه ـ وربّما يتجاوز عن هذين فتكون المحمولات من سنخ الدلالات، كدلالة الأمر على الوجوب والمرّة والتكرار والفور والتراخي.
ولك أن تُرجع عامّة المحمولات في المسائل الأُصولية إلى البحث عن الحجج الشرعية، فعلى ما ذكرنا فالقواعد الفقهية والمسائل الأُصولية بنفسهما متميّزات.
إذا عرفت ذلك فقاعدة اليد قاعدة فقهية ; لأنّ المحمول فيها حكم شرعي إمضائي، فلو حاز شيئاً واستولى عليه يكشف ذلك عن كونه مالكاً له، وتكون سبباً لرابطة عقلائية بين المحيز والمحاز، ونحوه إذا استولى على شيء بالاشتراء، أو بالإرث أو الانتقال بأحد الأسباب، فاليد آية الملكية أو آية التولية على ما تحت يده من الموقوف أو آية الزوجيّة والولدية فيما تحت يده من الزوجة والولد.
هذا على المختار وأمّا لو قلنا بأنّ الميزان في تمييز القواعد الفقهية عن المسائل الأُصولية هو أنّ المسألة الأُصولية لا حظّ للمقلّد في تطبيقها على مواردها، بخلاف القاعدة الفقهية فإنّ للمقلّد حظّاً في تطبيقها، فتكون قاعدة اليد أيضاً قاعدة فقهية، فإذا أفتى المجتهد بأنّ الاستيلاء على الشيء بطريق مشروع آية الملكية أو التولية، فللمقلّد أن يطبق هذه القاعدة على كلّ مورد رأى فيه استيلاءً. نعم قلنا للمقلّد حظ في التطبيق في بعض الموارد حذراً من بعض الموارد الّتي لا يقدر المقلّد على التطبيق فيها لتوقّفه على إحراز

(314)
الشرائط وعدم الموانع، كما في قاعدة ما يضمن وما لا يضمن.
وهكذا إذا قلنا بأنّ الفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الأُصولية في كيفية العمل، فالأُولى تنطبق على موردها بلا واسطة، فلو ورد كلّ شيء طاهر فيحكم بأنّ الثوب المشكوك طاهر، بخلاف ما إذا قال: خبر الواحد حجّة فلا يفيد في مقام العمل إلاّ مع واسطة، حيث يحتاج إلى صغرى محرزة من ورود الخبر على وجوب صلاة الجمعة، فبضمّ الصغرى المحرزة إلى الكبرى الواردة، تصل النوبة إلى العمل. ولو قلنا بأنّ الميزان ذلك فقاعدة اليد من قبيل القسم الأوّل كما لا يخفى .

المقام الثاني:

المقصود من اليد في القاعدة

لاشكّ أنّ اليد هي إحدى الجوارح عند الإنسان، وإنّ الإنسان يقوم بواسطتها بأكثر الأعمال والأفعال، ولذلك نرى أنّه سبحانه ينسب معاصي الإنسان إلى يده مع أنّه يعصي بغيرها أيضاً، وما هذا إلاّ لأنّ أكثر أفعاله وليدة يديه، قال سبحانه: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ)(1)، ولذلك نرى أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام)يعبر عن استيلاء المجاهدين على الغنائم بالاجتناء باليد ويكتب إلى عبدالله بن زمعة: «إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ

1 . آل عمران: 182 ، ولاحظ : سورة الروم: 41، والبقرة: 195 .

(315)
لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ».(1)
وأمّا المراد بها في المقام فهي كناية عن الاستيلاء ودخول الشيء في حيازة الإنسان واستيلائه عليه، سواء أكان الاستيلاء بطريق اليد كما في حيازة المباحات العامّة، أو بغيرها كالاستيلاء على الفرس بالركوب عليه، وعلى البيت بالسكن فيه، وعلى البستان والمنجم والسيارة كلّ حسب نوعه، وكلّما تطوّرت الحضارة تطوّرت أنواع الاستيلاءات حتّى أنّه يكاد أن لا يصدق قول المستولي حتّى يسجل العقار في دائرة تسجيل الأملاك. نعم يتحقّق الاستيلاء على الأراضي بالزرع، وعلى الفرس، والدواب بربطها في حضائرها.
وربّما يتحقّق الاستيلاء لشخصين كما إذا كان أحد المدّعيين راكباً والآخر آخذاً بزمام الفرس.
فيقع الكلام في تقديم أي منهما على صاحبه، ونظير ذلك أيضاً إذا استولى شخصان أو ثلاثة على البيت بالسكن فيها، فإنّ لكلّ استيلاءً عليه لكن استيلاءً ناقصاً لا تامّاً.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 232 .

(316)

المقام الثالث:

الدليل على حجّية قاعدة اليد

يمكن الاحتجاج على اعتبار اليد بأُمور كلّ منها كاف في الأخذ بها:

الأوّل: السيرة العقلائية المستمرّة إلى عهد صاحب الرسالة ومن بعده

السيرة المستمرّة بين العقلاء الماثلة بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، حيث يعتبرون استيلاء الإنسان على شيء بنحو من الأنحاء دليلاً على مشروعيته، بمعنى أنّ الاستيلاء أمارة كونه مالكاً أو أنّه أولى بالشيء من غيره.
فإن قلت: ربّما ـ يمكن أن ـ يكون الاستيلاء بالظلم والعدوان، فكيف يستدلّ به على الملكية والأولوية؟
قلت: لمّا كانت الطبيعة الغالبة للاستيلاء، هو الاستيلاء بأساليب قانونية معترف بها عند العقلاء فاتّخذوه أمارة على الملكية والأولوية، وهذا نظير حجّية قول الثقة، فإنّ كذبه عمداً أو سهوه أمر نادر لا يعتدّ به، ويحتجّ به على صحّة مضمونه.
نعم ليس للسيرة لسان حتّى يحتجّ بها على كونها أمارة أو أصلاً محرزاً أو أصلاً تعبّدياً. أو يتمسّك بإطلاقها في الموارد المشكوكة لكن لو كانت السيرة مردودة لنبّه صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله وسلم)وأوصياؤه(عليهم السلام)على خطئها، بل نرى أنّهم(عليهم السلام)يحتجّون بها على الملكية كما ستقرأ في الروايات.

(317)

الثاني: لزوم الحرج في إلغاء اعتبارها

لاشكّ أنّ الاحتجاج باليد دعامة الحياة بين العقلاء، فلو أُلغيت لانهار نظام حياتهم التجارية في البر والبحر، إذ من المتعذّر أن يقيم كلّ إنسان بيّنة على كونه مالكاً ومستحقاً لما تحت يده أو يسجّل كلّ ما يستولي عليه في دائرة تسجيل الأملاك. فصار ذلك سبباً لاعتبارها.
وفي الأحاديث الّتي سنتلوها عليك إشارة إلى ما ذكرنا حيث قال الإمام (عليه السلام)في رواية حفص بن غياث: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق». وهذا الدليل أيضاً كالدليل السابق فاقد للسان وبالتالي يكون فاقداً للإطلاق، فلا يمكن الاحتجاج به في موارد الشكّ، كما لا يستفاد منه كونها أمارة أو أصلاً.

الثالث: الروايات في مختلف الموارد

دلّ غير واحد من الروايات على صحّة الاحتجاج باليد، وهي على طوائف:
1. ما يدلّ على اعتبارها من دون دلالة على كونها أمارة أو أصلاً .
2. ما يدلّ على أنّها أمارة للملكية.
3. ما يستشم منه أنّها أصل. وإن كان الاستظهار غير واضح.
وإليك دراسة هذه الطوائف:

(318)

الطائفة الأُولى: ما يدل على اعتبارها فقط

وردت روايات تدلّ على اعتبارها من دون إشارة إلى كونها أمارة أو أصلاً وهي:
1. ما رواه العيص بن القاسم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن مملوك ادّعى أنّه حرّ، ولم يأت ببيّنة على ذلك، أشتريه؟ قال: «نعم» (1).
يدلّ على اعتبار اليد وانّها مسوِّغ للاشتراء، وأمّا كونها أمارة للملكية أو أصل معتبر في مجال التجارة، فمسكوت عنه.
2. ما رواه حمزة بن حمران، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أدخل السوق وأُريد أن اشتري جارية، فتقول: إنّي حرّة؟ فقال: «اشترها إلاّ أن يكون لها بيّنة».(2) والاستدلال بها مثله في الرواية السابقة.
3. مكاتبة محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام): رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطِّل هذه الرحى، أله ذلك أم لا؟ فوقّع (عليه السلام): «يتقي الله، ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضرّ أخاه المؤمن »(3).
فإنّ وجود الرحى على نهر القرية دليل على استيلائه وعلى أنّ له حق الانتفاع بالماء.

1 . الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 2.
3 . الوسائل: 17، الباب 15 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1 .

(319)
4. ما رواه العباس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)ذكر أنّه لو أفضي إليه الحكم لأُقرّ الناس على ما في أيديهم، ولم ينظر في شيء إلاّ بما حدث في سلطانه، وذكر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم ينظر في حدث أحدثوه وهم مشركون، وأنّ من أسلم أقرَّه على ما في يده.(1) والرواية قابلة للاستناد ; لأنّ محمد بن وليد الواقع في السند هو البجلي الثقة، والعباس بن هلال هو مولى الإمام الرضا (عليه السلام)، والاستدلال بها مبني على أنّ إقرار ما في يد المشركين من جهة كونه في يدهم، لا لأجل البناء على تنفيذ ما صدر منهم في حال الكفر من المعاملات، وإلاّ تكون الرواية أجنبية عن المقام.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على كونها أمارة للملكية

5. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق؟ فقال: «إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به» .(2)
6. وفي رواية أُخرى له عن أحدهما (عليهما السلام)في حديث قال: وسألته عن الورق يوجد في دار؟ فقال: «إن كانت الدار معمورة فهي لأهلها، وإن كانت خربة فأنت أحقّ بما وجدت». (3) ولعلّها نفس الرواية السابقة، غير أنّ المسؤول في الأُولى مشخّص وهو أبو جعفر (عليه السلام)دون الأُخرى.

1 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 2 .

(320)
7. صحيحة جميل، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام)رجل وجد في منزله ديناراً؟ قال: «يَدْخل منزلَه غيرُهُ؟» قلت: نعم، كثير. قال: «هذا لقطة» قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً، قال: «يُدخل أحد يدَه في صندوقه غيره، أو يضع فيه شيئاً؟» .
قلت: لا، قال: «فهو له».(1)
ترى أنّ الإمام فرّق بين الدار غير المختصّة لأهلها، فجعل الورق الّذي يوجد فيها لقطة لعدم دلالة اليد في ذلك المكان على الملكية، لكثرة تردّد الأفراد واختلافهم عليها، كالديوانية للعلماء، وبين الصندوق الّذي لا يُدْخل غير المالك يَده فيه فجعله له، فقوله: «فهو له» ظاهر في الملكية.
8. عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في امرأة تموت قبل الرجل، أو رجل قبل المرأة؟ قال: «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرجال والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شيء منه فهو له».(2)
ترى أنّ الإمام (عليه السلام)بعد ما حكم بأنّ ما كان من متاع الرجال والنساء، فهو

1 . الوسائل: 17، الباب: 3 من أبواب اللقطة، الحديث 1. ولاحظ ; مستدرك الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب اللقطة، الحديث 1; والمقنع: 127، حيث أفتى بنص الحديث الخامس.
2 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3. ولم يرد فيه الصنف المختصّ بالرجال كالسيف والقلنسوة والميزان، وكأنّه مفهوم من قرينة التقابل، ولكن وردت في الرواية الناقلة لفتوى إبراهيم النخعي، لاحظ الحديث 1 من ذلك الباب. ولاحظ أيضاً الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1، فقد اعتمد الإمام (عليه السلام) فيه على أنّ متاع البيت للمرأة على الشهود الذين رأوا أنّ المتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت الزوج لا على اليد.

(321)
مشترك بينهما قام بإعطاء الضابطة وهي: فمن استولى على شيء من متاع البيت فهو له، من غير فرق بين كونه من مختصّات الرجال أم النساء، فالاختصاص دليل إذا لم يكن هناك استيلاء، وذلك لأنّ الضمير في قوله: «منه» يرجع إلى متاع البيت، كما أنّ اللام في قوله: «له» يفيد الملكية، وكون المورد متاع البيت، لا يوجب اختصاص الضابطة له .
9. ما رواه الكليني بسند صحيح عن معاوية بن وهب قال: قلت له: إنّ ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار، مات فلان وتركها ميراثاً، وأنّه ليس له وارث غير الّذي شهدنا له، فقال: «اشهد بما هو علمك»، قلت: إنّ ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس؟ فقال: «احلف إنّما هو على علمك» (1).
وجه الدلالة: أنّ المخالف ـ استناداً إلى اليد ـ يحلف على الملكية الواقعية، لا الظاهريّة كما في مورد البيّنة واحتمال التخلّف سائد في كليهما، وستأتي الإشارة إليه في رواية حفص.
هذا وسيوافيك ما رواه صاحب الاحتجاج عن الإمام علي (عليه السلام)في مورد فدك، والظاهر منها أنّ اليد أمارة الملكية، وبما أنّ الرواية تأتي في إحدى المقامات لم نذكرها هنا.

الطائفة الثالثة: ما يستشم منه كونها أصلاً

10. روى الكليني عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال له رجل: إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد

1 . الوسائل: 18، الباب 17 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 1 .

(322)
أنّه له؟ قال: «نعم». قال الرجل: أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره؟
فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «أفيحلّ الشراء منه؟» قال: نعم، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «فلعلّه لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك، ثمّ تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟» ثم قال أبو عبدالله (عليه السلام): «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق»(1).
وجه الاستدلال: أنّ الإمام علّل تنفيذ اليد بأنّه لولاه يلزم العسر والحرج، فأنفذها الشارع لرفعهما، وهذا يناسب كونها أصلاً .
ولكن الإمعان في صدر الرواية يدلّ على أنّها أمارة ; وذلك لأنّ مشكلة الراوي في عدم صحّة الشهادة هو أخذ الشهود والمعاينة في مفهوم الشهادة وهما منتفيان، فأجاب الإمام بأنّه إذا جاز لك أن تشهد على كونك مالكاً وتحلف عليه، فما هو المشهود عليه أو المحلوف عليه أهو الملكية الظاهرية أو الملكية الواقعية؟
لاشكّ أنّه هو الواقعية لا الظاهرية، إذ كلّ إنسان بعد الاشتراء من صاحب اليد يرى نفسه مالكاً واقعياً، فإذا كان كذلك فلتكن شهادتك على البائع وحلفك على كونه مالكاً مثل نفسك، فتكون اليد أمارة للملكية في كلا المقامين.
وإن شئت قلت: إنّ مشكلة الراوي هو أنّ القطع مأخوذ في موضع

1 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 2 .

(323)
الشهادة، فكيف يمكن أن يشهد بما لا قطع له به، لكن الظاهر من جواب الإمام هو أنّ الاستيلاء على العين يقوم مقام القطع المأخوذ في الشهادة ; لأنّ القطع المأخوذ في موضوعها هوالقطع الطريقي، فيقوم مقامه كلّ ما هو طريق إلى شيء.
وأمّا تعليل الشهادة على الملكية باختلال أمر الحياة عند عدم التنفيذ، فهو من قبيل الحكمة لا العلّة، لأنّ الحكمة في اعتبار أكثر الأمارات هو أنّ عدم تنفيذها موجب لاختلال النظام، كحجّية الظواهر وحجّية قول الثقة وحجّية قول أهل الخبرة والتخصّص .
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده بعض الأعاظم من قصور هذه الأخبار عن الدلالة على إثبات أحد الأمرين، ومعلوم أنّه عند الشكّ في الأمارية أو الأصلية، تكون النتيجة مساوية لكونه أصلاً، فلاحظ.
11. ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك، قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خُدِع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة»(1).
والاستدلال مبني على أنّ قوله: «لك» متعلّق بشيء لا بحلال، فيكون

1 . الوسائل: 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 .

(324)
المعنى أنّ كلّ شيء يكون في ملكك وتحت يدك، حلال.
ولكن الظاهر أنّ الحديث بصدد بيان حليّة الأشياء حال الشكّ وقد حكم بحلية الأمثلة المذكورة في الحديث، وإن كانت حليّة كلّ بسبب خاص إما بأصالة البراءة أو استصحاب الحلّية أو قاعدة اليد، فصار هذا سبباً للحكم بالحلّية على الجميع، وإن لم يكن قسم منها مستنداً إلى أصالة الحلّية.
***
وربّما يستدلّ على اعتبار «اليد» بإجماع الفقهاء على اعتبارها في مختلف الموارد فيكشف عن اعتبارها عند صاحب الشريعة، لكن الظاهر أنّ المجمعين اعتمدوا المقام على الوجوه السابقة، خصوصاً السيرة والروايات الواردة فلا يكون مثل هذا النوع من الإجماع كاشفاً عن الدليل .

المقام الرابع:

حجّية اليد إذا كانت مجهولة العنوان

إذا كانت اليد منذ حدوثها مجهولة العنوان بمعنى أنّ الرجل يرى مالاً تحت استيلائه، ولكنّه يجهل بوجه استيلائه عليه، فهل هو أمانة شرعية كاللقطة، أو مالكية كالعارية، أو هو ملك له تملّكه بسبب شرعي؟
الظاهر أنّ اليد حجّة على الشخص والغير، أمّا الثاني فواضح لأنّ أكثر الناس غير عالمين بسبب استيلاء الغير على ما تحت يده، ومع ذلك يتبايعون

(325)
بلا تردّد، إنّما الكلام في المستولي نفسه هل يمكنه أن يستدل باستيلائه على كونه مالكاً ويطرد سائر الاحتمالات أو لا؟
الظاهر هو الأوّل لما مرّ في صحيحة جميل بن صالح، عن الصادق (عليه السلام)في رجل وجد في بيته ديناراً؟ قال (عليه السلام): «يدخل منزله غيره؟» قلت: نعم، كثير، قال: «هذه لقطة». قلت: رجل وجد في صندوقه ديناراً؟ قال (عليه السلام): «فيدخل يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئاً؟» قلت: لا، قال: «فهو له»(1).
ترى أنّ الإمام حكم بأنّ ما في صندوقه ـ بصفته الّتي وصفت ـ هو له مع كونه شاكّاً، في كونه له أو لا.
وربما يقال: بأنّ حكم الإمام بكونه له ليس من باب اليد، بل من باب حصول الاطمئنان بأنّه له، لأنّه افترض أنّه لا يدخل غيره يده في الصندوق.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر أنّ الحكم مستند إلى اليد، لا إلى الاطمئنان، وإن كان موجوداً لكن لم يكن مستنداً لحكمه، وذلك لأنّ الإمام فرّق بين الدار والصندوق، فإنّ الدار بسبب كثرة التردّد من نزول الضيوف فيها يضعف وضع دلالة اليد على الملكية لافتراض كون المتواجدين فيها غير صاحب البيت كثير.
بخلاف الثاني فإنّ المفروض أنّه لا يتردّد إلى البيت ولا يفتح الصندوق

1 . الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب اللقطة، الحديث 1 .
2 . عوائد الأيام: 255 ـ 256 .

(326)
غيره فيحكم ببركة الاستيلاء على أنّه له وإن كان شاكّاً.
والقول بأنّ الحكم بكونه له لوجود الاطمئنان، غير تام، إذ لا ينافي أن يكون الصندوق مختصّاً لصاحبه مع أنّه يضع صاحب الصندوق فيه أمانات الناس، فمن المحتمل أن يكون الموجود فيه للغير حيث أخذه منه وتركه فيه من دون أن يضع علامة عليه .
والحاصل: أنّ كون التصرّف في الصندوق مختصّاً للمالك لا يكون دليلاً على أنّ ما فيه له على نحو يزيل الشكّ، لما عرفت من احتمال كون ما فيه أمانة شرعية أو مالكية، ومع ذلك فاليد حجّة كاشفة عن كونه له .
ويؤيد ذلك ـ كون الاستناد على اليد ـ موثّقة إسحاق بن عمّار عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة فوجد فيها نحواً من سبعين درهماً فلم تزل معه ولم يذكرها حتّى قدم الكوفة، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام): «يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها»، قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال: «يتصدق بها»(1) .
نرى أنّ الإمام (عليه السلام)لم يحكم بأنّ الدراهم لصاحب المنزل أخذاً بالاستيلاء ; وذلك لأنّ استيلاءه عليه ليس استيلاءً كاشفاً عن مالكية المستولي، لأن بيوت مكّة كانت كالفنادق في عصرنا، إذا وجد فيها شيء فلا يحكم بأنّه لصاحب الفندق، بل حكم بعرضها على أهل هذا المنزل لعلهم يعرفونها، فإذا عرفوها فتدفع إليهم وإن كانوا شاكّين لا يحتجّ بالاستيلاء بل يتصدّق بها.

1 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 3 .

(327)

المقام الخامس:

حجّية اليد إذا كانت معلومة العنوان

إذا كانت اليد منذ حدوثها معلومة العنوان بمعنى أنّ المستولي يعلم بأنّ يده كانت يداً عادية أو إباحة مالكية، كالإجارة والعارية أو أمانة شرعية كاللقطة أو غير ذلك.
ولكن يحتمل انتقاله إليه بسبب من الأسباب الشرعية، فهل يمكن أن يحتجّ باليد على كونه مالكاً؟
الظاهر: لا، وذلك لوجهين:
الأوّل: استصحاب عدم الانتقال إليه بسبب شرعي، وبقاء المال على ملك صاحبه السابق. ولكن هذا الوجه غير مرضيّ لحكومة قاعدة اليد على الاستصحاب، كما سيوافيك.
الثاني: انصراف أدلّة حجّية اليد عن مثل هذه الصور، سواء قلنا بأنّ مدرك حجّيتها هو بناء العقلاء أو الأخبار فإنّ القدر المتيقّن ما إذا كان مجهول العنوان لا معلومه المقتضي لفساد الاستيلاء .
ولذلك قلنا في محلّه أنّ يد السمسار وما في متجره أو السارق مطلقاً ليس دليلاً على الملكية لانصراف أدلّة حجية اليد عمّن غلب على أمواله كونها للغير .

(328)
ومن هنا يُعلم أنّه لو كانت العين وقفاً ولكن يحتمل انتقالها إليه بوجه شرعي، فلا اعتبار لليد.
وإن شئت قلت: كلّ عمل كان طبعه الفساد، والصحّة عارضة له، فلا يتمسّك فيه باليد.
وأمّا الاستيلاء على الأراضي المفتوحة عنوة فإن قلنا بما جاء في رواية محمد الحلبي من أنّها محبوسة موقوفة في أيدي المسلمين لا يجوز بيعها ولا شراؤها وإنّما يؤخذ الخراج، قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد»(1)، ولكن احتملنا عروض مجوّز للبيع كالوقف يكون حاله حال الوقف في عدم الاعتبار لليد، ويكون المستولى عليه بالطبع غير قابل له إلاّ في فترات خاصّة، وأمّا إذا قلنا إنّه ملك للمسلمين ويقبل النقل والانتقال غاية الأمر الناقل هو الولي العام حسب ما اقتضته المصلحة النوعية، فهو يفارقه الوقف; لأنّ صلاحية المستولى عليه محرزة ولم يحرز فساد نفس الاستيلاء لكون الحدوث مجهول العنوان حتّى يمنع الاستناد إليه .

1 . الوسائل: 17، الباب 18 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 .

(329)

المقام السادس:

الاستيلاء على المنافع

لاشكّ أن الاستيلاء على المنافع يحتجّ به على كون المستولي أحقّ بها من الغير، بشرط أن يكون الغير أجنبياً لا مالكاً. فإذا اختلف شخصان في منفعة الدار فادّعى أحدهما أنّه استأجرها وكان مفتاح الدار بيده أو سكن فيها، ويقول الآخر: أنا المالك للمنافع دونك. فلا شكّ في تقدم الأوّل على الآخر. وعلى هذا فيكون المستولي منكراً والآخر مدّعياً، فلو أقام البيّنة على الإجارة فهو، وإلاّ فالمنافع للمستولي بيمينه.
وربما يقال: بعدم إمكان الاستيلاء على المنافع ; لأنّ المنفعة من الأُمور التدريجية غير قارّة الذات فلا يوجد جزء منها إلاّ بعد انعدام جزء آخر، ومثل ذلك لا يمكن أن يقع طرفاً للإضافة بينها وبين الإنسان لامتناع تحقّق الإضافة بين الموجود والمعدوم; ولكنّه غير صحيح لأنّ مصحّح الاستيلاء على المنافع هو وجود الاستيلاء على العين، والمفروض أنّ الساكن في البيت مستول على العين ولا ينكره المالك، بل هو ساكت في مقابل اختلاف الرجلين، وعلى هذا فلا مانع من تصوّر الإضافة الاعتبارية بين الإنسان والمنافع.
هذا كلّه إذا اختلف الرجلان وليس أحدهما مالكاً، وأمّا إذا اعترف المستولي على المنافع بأن الملك للمالك وقد استأجره منه فلا يعتدّ بيده ;

(330)
لأنّه باعترافه بأنّ الدار للغير، معترف بأنّ المنافع له فيجب عليه إقامة الدليل على انتقالها إليه، فلا تُعدّ السيطرة الخارجية في المورد دليلاً على كونه مالكاً للمنافع.

المقام السابع:

الاستيلاء على الحقوق

ربّما لا تكون العين ملكاً للمستولي ولكن يكون له حقّ فيها كحقّ الاختصاص بالخلّ المتبدّل إلى الخمر وبالحيوان الحي إذا مات بلا تذكية، فلمالكي الخلِّ والحيوان حقّ اختصاص بالنسبة إلى الخمر والميتة وإن لم يكونا مالكين للأعيان، فيكون الاستيلاء على العين دليلاً على الاستيلاء على الحقوق .
ويؤيّد ذلك ما رواه محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام): رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويُعطّل هذه الرحى، أله ذلك أم لا؟ فوقّع (عليه السلام): «يتّقي الله، ويعمل في ذلك بالمعروف، ولا يضرّ أخاه المؤمن» (1).
فإنّ استيلاء صاحب الرحى على الانتفاع بالماء عرفاً حيث إنّه كان يمرّ عن طريق رحاه، يعدّ دليلاً على كونه ذا حقّ.

1 . الوسائل: 17، الباب 15 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 .

(331)
وبذلك يتبيّن جريان الاستيلاء وقاعدة اليد في النسب والأعراض، فلو تنازع شخص مع آخر في زوجة تحت يد أحدهما، أو ولد في بيته، فيحكم على الزوجة والولد بأنّها زوجة من هي تحت يده، ومثله الولد.
وقد عرفت أنّ فلسفة اعتبار اليد هو أنّ مناشئ الاستيلاء في العصور السابقة كانت مناشئ صحيحة خصوصاً بالنسبة إلى الأعراض والأولاد، فإنّ الاستيلاء على عرض الغير وولده أمر نادر، فاعتبر الاستيلاء على الحقوق وصار دليلاً عليها كما هو الحال في الأعيان.

المقام الثامن:

يد المسلم أمارة التذكية

إنّ سوق المسلمين ويد المسلم أمارة التذكية، ويدلّ بالملازمة أنّ سوق غيرهم ويده أمارة عدمها. ويستفاد كلا الأمرين من الروايتين التاليتين:
الأُولى: روى إسحاق بن عمّار، عن العبد الصالح (عليه السلام): «لا بأس في الصلاة في الفراء اليماني، وفي ما صنع في أرض الإسلام» قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال (عليه السلام): «إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس» (1) .
أمّا الأوّل فيدلّ عليه الفقرتان التاليتان:
1. فيما صنع في أرض الإسلام .

1 . الوسائل: 3، الباب 55 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 3 .

(332)
2. إذا كان الغالب عليها المسلمون.
فإذا كان صنع الشيء في أرض الإسلام أو في أرض يغلب عليها المسلمون، آية التذكية، فيد المسلم أولى بذلك; لأنّ فيما صنع في أرض الإسلام أو فيما غلب عليه المسلمون احتمال كون المبيع جرت عليه يد الكافر، ومع ذلك يكتفى بكونه مصنوعاً في أرض الإسلام أو الغالب عليها الإسلام، وذلك يقتضي جواز الاكتفاء بما في يد المسلم بوجه أولى، ولا أقلّ مثله.
وأمّا الثاني فتدلّ عليه الفقرة الثانية بمفهوم الشرط، وهو أنّه لو لم تكن الغلبة للمسلمين فلا يحل، فإذا كانت غلبة الكفر كافية في الحكم بعدم التذكية، فيد نفس الكافر أولى بأن تكون كذلك. لما مرّ من وجود احتمال جريان يد المسلم على ما في سوق غير المسلمين، ومع ذلك لا يَعتدّ به فأولى به إذا كان بيد الكافر ولا أقل مثله .
وبهذا البيان تستغني عمّا ذكر كثيراً حول الرواية من المناقشات .
الرواية الثانية: ما رواه إسماعيل بن عيسى، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال: «عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه»(1).

1 . الوسائل: 2، الباب 51 من أبواب النجاسات، الحديث 7 .

(333)
وجه الدلالة: أنّ التفصيل بين بيع المشرك وبيع المسلم بالتجويز في الأوّل والنهي عن الثاني آية أنّ يد الكافر أمارة عدم التذكية ويد المصلّي (المسلم) آية التذكية.
ويستفاد من الرواية حجّية اليد ولو كانت من غير العارف بالولاية، لأنّه وإن كان يرى طهارة جلد الميتة بالدباغة، لكنّه قليل بالنسبة إلى جلد المذكّى.

المقام التاسع:

حجّية قول ذي اليد في الحلّية والحرمة

ادّعى صاحب الحدائق قبول قول المالك في طهارة ثوبه وإنائه ونحوهما ونجاستهما، وقال: وناقش فيه المحقّق الخوانساري في شرح الدروس حيث قال: وأمّا قبول قول المالك عدلاً كان أو فاسقاً فلم نظفر له على حجّة .(1)
وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ على حجّية قول ذي اليد بروايات:
1. ما رواه إسماعيل بن عيسى، عن أبي الحسن (عليه السلام)حول الجلود وقد مرّ ـ آنفاً ـ ذكرها وكيفية دلالتها على كون المبيع مذكّى، وبالتالي دلالتها على طهارتها.
2. ما رواه الحميري قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل أعار رجلاً ثوباً

1 . الحدائق الناضرة: 5 / 252 .

(334)
فصلّى فيه وهو لا يصلّي فيه؟ قال: «لا يُعلمه». قلت: فإن أعلمه؟ قال: «يعيد»(1).
فتدلّ الرواية على قبول قول المالك في طهارة ثوبه ونجاسته لحكمه (عليه السلام)بإعادة الصلاة على المستعير لو صلّى بعد الإعلام.
3. ما رواه معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث، وأنا أعلم أنّه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال: «لا تشربه». قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممّن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحلّه على النصف يخبرنا أنّ عنده بختجاً قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه نشرب منه؟ قال: «نعم».(2)
وجه الدلالة: حيث إنّه أمر بقبول قول ذي اليد إلاّ إذا كان مقروناً بما يوهن صحّة خبره، ولذلك قال في صدر الرواية لا تشربه، لأنّ شربه على النصف يريب في صحّة قوله.
4. ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يصلّي إلى القبلة لا يوثق به، أتى بشراب زعم أنّه على الثلث، أيحلّ شربه؟ قال: «لا يصدّق إلاّ أن يكون مسلماً عارفاً» (3).
5. موثّقة عمّار بن موسى عن الصادق (عليه السلام)أنّه سُئل عن الرجل يأتي

1 . الوسائل: 2، الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
2 . الوسائل: 16، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4 .
3 . الوسائل: 16، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 7 .

(335)
بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث؟ فقال: «إن كان مسلماً ورعاً مأموناً فلا بأس أن يُشرب »(1).
فلو قلنا بنجاسة العصير قبل التثليث فتكون الروايات حجّة في قول ذي اليد في الطهارة والنجاسة، وإن قلنا بطهارته يكون قول ذي اليد حجّة في الحلّية والحرمة، وبالتالي حجّة في الطهارة والنجاسة ; لأنّ الأمر فيهما أسهل من غيره .

المقام العاشر:

ذو اليد في مقابل مدّعي الملكية

إذا كان لرجل يدّ على العين فادّعاها آخر، فله صور:
1. إذا كان للمدّعي بيّنة على أنّه انتقل من ذي اليد إليه بإحدى المملِّكات الشرعيّة، فعندئذ تُقدَّم البيّنة على اليد أخذاً بقوله (عليه السلام) : «البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر».(2)
2. إذا كان الحاكم عالماً بأنّه كان للمدّعي سابقاً ولكن يحتمل انتقاله إلى ذي اليد بسبب من الأسباب الشرعية، فيقدّم قول ذي اليد ولا عبرة بعلم القاضي، إذ لا منافاة بين علمه بأنّ العين كانت للمدّعي في سالف الزمان، وكونه ملكاً لذي اليد فعلاً. والاستصحاب محكوم باليد.

1 . الوسائل: 16، الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 6 .
2. الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 3.

(336)
3. إذا قامت البيّنة على أنّ العين كانت للمدّعي في سالف الزمان و مع ذلك يحتمل انتقال العين إلى ذي اليد بسبب من الأسباب المملكة، فالحكم في هذه الصورة هو الحكم في الصورة السابقة، فيؤخذ بقول ذي اليد ولا عبرة ببيّنة المدّعي، إذ أقصى ما تثبته البيّنة أنّه كان مالكاً في سالف الزمان من دون تعرّض للحالة الحاضرة فهي لا تنافي الملكية الفعلية لذي اليد.
واستصحاب بقاء الملكية في كلتا الصورتين مردود، لحكومة قاعدة اليد عليه كما سيوافيك.
4. لو شهدت البيّنة بالملكية الفعلية لكن عُلم أنّ مصدر شهادتها هو الاستصحاب حيث كانت عالمة بملكية المدّعي في سالف الزمان فشكّت واستصحبت بقاء الملكية فشهدت بها بوصف كونها ملكاً فعلاً للمدّعي. وحكم هذه الصورة كالصورتين الثانية والثالثة، إذ لا عبرة بالشهادة لفساد مصدرها، إذ لو تمّ الاستصحاب للبيّنة لتمّ للحاكم أيضاً، و من المعلوم أنّ الشهادة على أساس الاستصحاب شهادة زور وتدليس في مقابل اليد.
نعم لو لم تكن هناك يد لأحد لصحّ للشاهد الاستصحاب والشهادة على أساسه، وبذلك يعلم مفاد ما يقال: «تجوز الشهادة بالاستصحاب» فإنّها ناظرة إلى عين في يد ثالث لا ادّعاء له عليها ويدّعيها شخصان آخران وكان المال ملكاً لأحدهما سابقاً، فتجوز الشهادة بالملكية الفعلية لمن كان مالكاً سابقاً.
5. إذا أقرّ ذو اليد بكون العين ملكاً للمدّعي في السابق من دون أن يقرّ بانتقالها منه إليه أو إلى غيره، فلا عبرة بهذا الإقرار، لأنّه لا يتجاوز عن علم

(337)
القاضي بكونها ملكاً للمدّعي في السابق ولا عن قيام البيّنة كذلك، فإنّ غاية ما يفيده إقرار المقرّ هو أنّه كان ملكاً للمدّعي في سالف الزمان، ولكنّه لا ينافي كونه ملكاً للمقرّ فعلاً، فاليد حاكمة في هذا المقام.
6. إذا أقرّ ذو اليد بأنّ العين كانت ملكاً للمدّعي ومنه انتقلت إليه بإحدى النواقل الشرعيّة، ففي مثل ذلك يكون ذو اليد المقرّ، مدّعياً والمدّعي منكراً، وذلك لأنّ ذا اليد اعترف بكونها ملكاً للمدّعي سابقاً وادّعى انتقالها منه إليه، فصار مدّعياً بادّعاء الانتقال، فعليه أن يثبت ادّعاءه بالبيّنة أو بالحلف إذا ردّ إليه المنكر.
وبما ذكرنا يعلم أنّ الذي صار سبباً للانقلاب هو ادّعاؤه بانتقالها منه إليه، وإلاّ فمجرّد إقراره بأنّها كانت له لا يوجب الانقلاب، لما عرفت من أنّ هذا الإقرار يجتمع مع كونه مالكاً فعلاً.
والحاصل: أنّ دعوى الانتقال بعد الإقرار بكونها للمدّعي على خلاف الأصل، لأنّ الأصل بقاء ما كان على ما كان، فلا يثبت الانتقال عنه إلاّ بدليل.
ثمّ إنّ الظاهر من كلمات المشهور أنّ انقلاب الدعوى عند ادّعاء الانتقال وصيرورة المنكر مدّعياً والمدّعي منكراً تام مطلقاً، وعلى جميع المباني المطروحة في تمييز المدّعي عن المنكر، ولكن الظاهر أنّ الحكم يختلف حسب اختلاف المباني المذكورة في تمييزهما، وإليك بيانها:
أ: لو قلنا بأنّ المدّعي من خالف قوله الأصل و المنكر مَن وافقه، و كان محور الموافقة والمخالفة مآل الدعوى ونتيجتها لا مصب الدعوى وما يطرح

(338)
أوّلاً ، فالحقّ انقلاب الدعوى وصيرورة المنكر مدّعياً والمدّعي منكراً إذا ادّعى المنكر الانتقال; وذلك لأنّ مصبّ الدعوى و إن كان مالكية المدّعي للعين وإنكار ذي اليد لها، لكن هذا ليس هو المعيار لتمييز المدّعي عن المنكر، بل المقياس هو مآل الدعوى ونتيجتها وهي ادّعاء ذي اليد انتقال العين من المدّعي، إليه، و من المعلوم أنّ الأصل عدم الانتقال.
وإن شئت قلت: إنّهما وإن اختلفا في بدء الأمر في مالكية المدّعي وعدمها لكن لما انجرّ النزاع إلى اعتراف المنكر بأنّها كانت له وانّه اشتراها منه، استقرّ النزاع أخيراً على أمر آخر وهو تحقّق الانتقال وعدمه، فذو اليد مدّع للانتقال والطرف المقابل منكر له، وبذلك تنقلب الدعوى.
ب: لو قلنا بأنّ المدّعي مَن خالف قوله الأصل والمنكر مَن وافقه، ولكن محور الموافقة والمخالفة مصب الدعوى لا ما انتهت الدعوى إليه، فعند ذلك تبقى الدعوى على حالها، لأنّ المدّعي يدّعي المالكية ولكنّ صاحبَ اليد ينكرها.
ج: لو قلنا بأنّ المدّعي والمنكر من المفاهيم العرفية، والعرف هو المرجع في تمييز أحدهما عن الآخر، والمعيار عنده هو أنّ المدّعي هو الذي لو ترك، تُركت الدعوى بخلاف المنكر، فعلى هذا تبقى الدعوى على حالها وإن ادّعى الانتقال ولا يلزم الانقلاب، وذلك لأنّ ذا اليد لو ترك لم تُترك الدعوى بخلاف الطرف المقابل إذ لو ترك تركت الدعوى.
د: لو قلنا بأنّ المدّعي هو مَن خالف قوله الظاهر والمنكر من وافقه،

(339)
لبقيت الدعوى على حالها ولا يلزم منها الانقلاب، لأنّ الظاهر هو مالكية المستولي على العين سواء أقرّ بمالكية المدّعي سابقاً أو لا، وعلى فرض الإقرار ادّعى انتقاله منه أو لم يدع.
وبذلك يظهر أنّ القول بالانقلاب إنّما يصحّ على الوجه الأوّل دون سائر الوجوه.

المقام الحادي عشر:

الحوار الدائر بين الإمام (عليه السلام)والخليفة

قد مرّ في المقام السابق أنّ ذا اليد إذا أقرّ بأنّ العين كانت ملكاً للمدّعي وأنا اشتريته منه أو وهبني إيّاه، ففي هذه الصورة تنقلب الدعوى ويكون ذا اليد ـ الّذي كان في السابق منكراً ـ مدّعياً، وعلى هذا ربّما يستظهر الإشكال في الحوار الّذي دار بين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)وأبي بكر، حول فدك، حيث إنّ الإمام (عليه السلام)ادّعى ـ في ذلك الحوار ـ أنّه ملك فدكاً في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعندئذ يسوغ للخليفة أن يدّعي أنّك اعترفت بأنّها كانت ملكاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فعليك أن تثبت أنّها انتقلت منه إليك، وإلاّ فبحكم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» فهو صدقة لا ملكاً.
وإليك نصّ الحوار: روى الطبرسي في « الاحتجاج» الحوار الذي دار بين الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وأبي بكر حيث طلب الثاني من الإمام (عليه السلام)البيّنة على مالكيته لفدك، فأجابه الإمام بما هذا نصّه:

(340)
«أتحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟».
قال: لا.
قال: «فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادّعيتُ أنا فيه، من تسأل البيّنة؟».
قال: إيّاك كنتُ أسأل البيّنة على ما تدّعيه على المسلمين.
قال: «فإذا كان في يدي شيء فادّعى فيه المسلمون، تسألني البيّنة على ما في يدي، وقد ملكته في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، ولم تسأل المؤمنين البيّنة على ما ادّعوا عليّ كما سألتني البيّنة على ما ادّعيتُ عليهم؟».
إلى أن قال: «وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : البيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر».(1)
فربما يقال بأنّ الإمام وإن كان مستولياً على فدك وكانت له يد عليها وبذلك كان منكراً والخليفة مدّعياً، وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكرّ»، و كان طلب الخليفة البيّنة منه على خلاف القاعدة، ولكن لمّا ادّعى الإمام (عليه السلام) بأنّه ملك فدكاً في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، اعترف عندئذ بأنّها كانت ملكاً لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه نحلها له أو لبنته، فصار لازم ذلك الإقرار انقلاب الدعوى وصيرورة الإمام ـ الذي كان منكراً ـ مدّعياً والمدّعي منكراً، لأنّ الإمام يدّعي انتقال الملك إليه.
هذا كلّه مع تسليم ما رووه من أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: نحن معاشر الأنبياء لا

1. الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء، الحديث 3.

(341)
نورِّث، وعندئذ كان لمن تقمّص الخلافة طلب البيّنة من الإمام على الانتقال والتمليك في حال الحياة.
وقد أُجيب عنه بوجوه أوضحها: أنّه إنّما يلزم الانقلاب لو كان الطرف الآخر منكراً لما يدّعيه ذو اليد، لا جاهلاً أو متردّداً، والقوم ـ حسب الظاهر ـ كانوا شاكّين ومتردّدين في النحل و التمليك لا منكرين لما يدّعيه الإمام ، وفي مثل ذلك يكون الاستيلاء حجّة ممضاة عند العقلاء والشرع، وليست قضيته مثل ما إذا كان الآخر منكراً للانتقال وذو اليد مدّعياً له .
وإن شئت قلت: إنّ مورد كلامهم ما لو اعترف ذو اليد بكون العين للمدّعي، وقد انتقلت منه إليه بأحد الأسباب وأنكر المدّعي الانتقال، فعند ذلك تنتزع العين من ذي اليد وتدفع إلى المدّعي أن يأتي ذو اليد بالبيّنة على الانتقال.
وأمّا إذا لم يكن في مقابل المقرّ مدّع أو أُسند الملك إلى غير المدّعي لم تقدح هذه الدعوى في الحكم بملكية ذي اليد.

(342)

المقام الثاني عشر:

اعتراف ذي اليد لشخص بعد آخر

إذا كان في يده دار ظاهرة كونه مالكاً فقال مقرّاً: هذه لفلان، ثم قال: بل لفلان. ففي المسألة أقوال:
الأوّل: ما نقله العلاّمة عن ابن الجنيد أنّه قال: إن كان المقرّ حيّاً سُئل عن مراده، وإن كان ميّتاً كان زيدٌ وعمرو بمنزلة متداعيين لشيء هو في يد غيرهما، فمن أقام البيّنة يستحقّه، فإن لم يكن لهما بيّنة وحلف أحدهما وأبى الآخر كانت للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلت بينهما .(1)
وقال الشهيد: وليس ذلك ببعيد ; لأنّه نسب إقراره إليهما في كلام متّصل ورجوعه عن الأوّل إلى الثاني يحتمل كونه عن تحقيق وتخمين، فالمعلوم انحصار الحق فيهما، أمّا تخصيص أحدهما فلا.(2)
وأورد عليه في الجواهر: أنّ احتمال السهو وغيره لا ينافي التعبّد بظاهر قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إقرار العقلاء». (3)
أقول: ما ذكره صاحب الجواهر بعيد ; لأنّ العمل بإقرار العقلاء ليس من باب التعبّد، بل لكونه صادراً عن فاعل مختار يكشف عن كونه مراداً

1 . مختلف الشيعة: 6 / 54، كتاب الإقرار.
2 . الدروس الشرعية: 3 / 132، الدرس 223 .
3 . جواهر الكلام : 35 / 131 .

(343)
جدّاً، نعم يؤخذ بالإقرار مالم يكن فيه تناقض وتعارض وإلاّ يسقط الإقرار عن كونه إقراراً كاشفاً عن المراد.
وأظن أنّ قول ابن الجنيد ـ مع كثرة شذوذه في غير هذا المورد ـ قريب لما عليه العقلاء في تلك الموارد.
القول الثاني: ما عليه المحقّق حيث قال: إذا كان في يده دار على ظاهر التملّك فقال: هذه لفلان بل لفلان، قضي بها للأوّل وغُرم قيمتها للثاني ; لأنّه حال بينه وبينها فهو كالمتلف.(1) وهذا هو المشهور.
والظاهر أنّه هو المشهور بين المتأخّرين، وهو خيرة فخر المحقّقين في «الإيضاح» قال: إنّ كلّ إقرارين متساويي الدلالة على الإقرار صدرا من شخص واحد أهل للإقرار حكم عليه لا على غيره بموجب كلّ منهما لولا الآخر، ويقدّم الأوّل فيما يتعارضان فيه، يعني العين، ويكون تفويتاً منه على الثاني وظاهره الإجماع على ذلك .(2)
وعليه سيدنا الأُستاذ (قدس سره): لو أقرّ بعين لشخص ثم أقرّ بها لشخص آخر، كما إذا قال: هذه الدار لزيد، ثم قال: لعمرو، حكم بكونها للأوّل وأُعطيت له، وأُغرم للثاني بقيمتها .(3)
أقول: لو أغمضنا عمّا ذكرناه حول كلام صاحب الجواهر، أنّه لو قلنا

1 . شرائع الإسلام : 3 / 154 .
2 . إيضاح الفوائد نقلاً: عن الجواهر: 35 / 130 .
3 . تحرير الوسيلة: 2 / المسألة 16، كتاب الإقرار .

(344)
بصحّة هذا القول فالأولى التفصيل بين الصورتين:
الأُولى: إذا أقرّ بالعين للأوّل، ثم جاء بعد زمن ـ ولو بيوم وليلة ـ في مجلس آخر فأقرّ لشخص آخر بعين ذلك المال، فالصحيح ما ذكره المحقّق، لأنّه مقتضى إقراره الأوّل فالعين للشخص الأوّل.
ثم إنّه لمّا أقرّ بها لشخص ثان فبذلك حال بين العين وصاحبها بالإقرار الأوّل، فلا يكون نافذاً في عين المال بل يبقى نافذاً في ماليته، أي مثله إن كان مثلياً أو قيمته إن كان قيمياً.
الصورة الثانية: إذا أقرّ للثاني بعد الإقرار للأوّل بلا فصل خصوصاً إذا كان بلفظ: بل، الإضرابية، فهذه الصورة خارجة عن منصرف قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، فيجب أن يُسأل المقرّ إن كان حيّاً، ويكون مجملاً لو كان ميّتاً فيتعامل معها معاملة الإمارتين المتعارضتين، فيتساقطان، فيكون المورد من قبيل التداعي إذا صدّق كلّ من المقرّ له بإقرار المقر، فيأتي ما ذكره ابن الجنيد من إقامة البيّنة، فهو، وإلاّ فالتحالف إذا حلفا فتنصف العين بينهما إن كانت قابلة للتنصيف وإلاّ تختص العين بأحدهما حسب القرعة ويؤخذ منه نصف القيمة ويدفع إلى الثاني.
وبذلك يعلم عدم تمامية ما ذكره صاحب الجواهر من الفروع في المقام، حيث قال:
1. لو قال: «لزيد، بل لعمرو بل لخالد»، تدفع العين للأوّل والغرامة لكلّ من الآخرين كمال القيمة.

(345)
2. لو قال: «لزيد بل لعمرو وخالد»، لزمه قيمة واحدة بينهما.
3. لو قال: «لزيد وعمرو، بل لخالد»، لزمه كمال القيمة لخالد.
4. لو قال: «لزيد وعمرو، بل ولخالد» فالثلث ويحتمل النصف، لأنّ بل للإضراب والعطف يقتضي التشريك مع أحدهما، والأوّل أظهر .(1)
أقول: إنّ ما ذكره صاحب الجواهر ـ كأكثر ما يذكر في كتاب الإقرار من الصور ـ إنّما يصح فيما لو كان المقرّ في مستوى صاحب الجواهر من التضلّع والإحاطة باللغة العربية، حتّى يؤخذ بمفهوم كلامه ويحكم عليه، ولكن كثيراً من الناس المقرّين ربّما يصدرون في الإقرار بلا التفات إلى المعاني الدقيقة لكلماتهم، فالحكم بالإجمال في عامّة هذه الصور إرجاع المقر له إلى إقامة البيّنة أو التحالف أفضل من اتّباع هذه الدقائق .

المقام الثالث عشر:

جواز الشهادة والحلف مستنداً إلى اليد

تجوز الشهادة والحلف مستنداً إلى اليد; ويدلّ على ذلك رواية حفص بن غياث وقد مر ذكرها على طولها، حيث قال الرجل للإمام (عليه السلام): أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «أفيحل الشراء منه؟» قال: نعم، فقال (عليه السلام): «لعلّه لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير

1 . جواهر الكلام: 35 / 131 ـ 133 .

(346)
ملكاً لك، ثم تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه... ؟».
وحفص بن غياث وإن كان عاميّاً لكن روى عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، قال الشيخ الطوسي: له كتاب معتمد، وقال في العدّة: عملت طائفة بأخبار حفص بن غياث .(1)
فإن قلت: إنّ الشهود مأخوذ في مفهوم الشهادة فكيف يشهد على ما ليس بمشهود؟
قلت: إنّ الشهود أحد الطرق إلى المشهود له، ومن المعلوم أنّ الاستيلاء على الشيء أمر مشهود، وقد مرّ أنّه يكشف عن الملكية.
وإن شئت قلت: الاستيلاء الخارجي سبب لانتزاع الملكية، فإذا أدرك السبب حسّاً يجوز أن يشهد بالمسبب.

المقام الرابع عشر:

مستثنيات القاعدة

قد مرّ سابقاً أنّ اعتماد العقلاء على الاستيلاء لأجل أنّ الطابع الغالب عليه هو الملكية، فعلى ذلك فلو كان هناك مورد أو موارد كان الطابع الغالب عليه هو عدم الملكية، فلا يحتج بهذا الاستيلاء سواء كان استيلاؤه عليه بلا سبب مشروع أو عن سبب مشروع، فالأوّل كيد السارق والغاصب والمتهم

1 . الموسوعة الرجالية الميسّرة في ترجمة حفص.

(347)
في أمواله، فإنّ الغالب على أموالهم هو عدم الملكية، فلا يعدّ ماتحت أيديهم عند الشكّ ملكاً لهم.
والثاني كالموارد التالية:
1. يد السمسار والدلال الّذي يغلب على الأموال الواقعة تحت يده، كونُها لغيره، فلو مات لا تقسّم تلك الأموال بين الورثة، إلاّ ما كان له طابع خاص للورثة.
2. لو مات الودعي المعروف بين الناس بحفظ الودائع لا تقسم أمواله بين الورثة .
3. جباة الزكاة والخمس ووكلاء المراجع الّذي يجمعون الحقوق والفرائض من الناس، لا يحكم عليها بالأموال الشخصية.
4. الأموال الموجودة في حسابات المراجع في البنوك والصناديق في البيوت. إلى غير ذلك من الأموال الّتي يغلب عليها طابع كونها للغير.

المقام الخامس عشر:

النسبة بين القاعدة والاستصحاب

لاشكّ أنّ البيّنة تقدّم على القاعدة، لأنّ حجّية البيّنة في مقابل ذي اليد لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان» (1).

1 . الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 1 .

(348)
وأمّا بالنسبة إلى الإقرار فلا شكّ أنّ اليد تفقد حجّيتها بالنسبة إلى العين إذا أقرّ بأنّ ما في يده لزيد، فينتزع منه وتدفع إلى زيد.
وأمّا بالنسبة إلى الشياع فلو استولى على دار ولكن شاع بين الناس أنّه وقف فهل يقدّم الشياع أو اليد، وجهان .
وأمّا بالنسبة للاستصحاب فلا شكّ أنّها تتقدّم عليه، وإلاّ تلزم لغوية القاعدة، لأنّ أكثر ما يباع في السوق ما كان ملكاً للغير، فلو كان الحاكم هو الاستصحاب لاختلّ نظام الحياة الاقتصادية.
تمّ الكلام في قاعدة اليد
ولله الحمد أوّلاً وآخراً وظاهراً
وباطناً

(349)

2القواعد الأربع

قاعدة التجاوز والفراغ

من القواعد الفقهية قاعدة التجاوز والفراغ وهي الّتي يستخدمها الفقيه في غير واحد من أبواب الفقه، كالطهارة، والصلاة، والحج وغيرها.
والغرض من عنوانها هنا هو بيان النسبة بينها وبين الاستصحاب، وصار ذلك سبباً لبيان دليلها وتحديد مفادها، كسابقتها، وتحقيق الحال ضمن أُمور:

الأمر الأوّل:

الفرق بين قاعدتي التجاوز وأصالة الصحّة

إنّ القاعدتين تشتركان في إضفاء الصحّة على العمل، لكن الموضوع لو كان فعل النفس، تسمّى بقاعدة التجاوز أو الفراغ، وأمّا إذا كان الموضوع هو فعل الغير تسمّى بأصالة الصحّة.
والأصل في القاعدتين هو أنّ الأصل في فعل الفاعل العاقل المختار هو الصحّة، من غير فرق بين فعل النفس وفعل الغير ; لأنّ الفاعل فيهما فاعل بالغ

(350)
عاقل مختار بصدد عمل صحيح وإفراغ الذمّة، عمّا اشتغلت به، فمثل ذلك يأتي بالعمل على وجه الصحّة، وإلى ما ذكرنا يشير فخر المحقّقين ويقول: إنّ الأصل في فعل العاقل المكلّف الّذي يقصد براءة ذمّته بفعل صحيح وهو يعلم الكميّة والكيفية، والصحّة .(1) وإنّما عُدّتا قاعدتين لأنّ التعدّد مقتضى الأدلّة الواردة في كلا المجالين الظاهرة في التعدّد.

الأمر الثاني:

قاعدة التجاوز قاعدة فقهية

قد تقدّم في البحث عن قاعدة اليد، أنّ القواعد الفقهية تتميّز عن المسائل الأُصولية بالمحمولات، فالمحمول في الأُولى، حكم شرعي تكليفي أو وضعي، ولكنّه في الثانية يدور حول أحد الأُمور التالية.
1. البحث عن الحجّية، 2. أو الملازمة بين الحكمين، 3. أو دلالة اللفظ على أمر من الأُمور الّتي تقع في طريق الاستنباط .
وعلى ضوء هذا فالمحمول في قاعدة التجاوز وجوب ا لمضي تكليفاً أو صحّة العمل وضعاً.
وهكذا الأمر على المعيارين الآخرين فأصالة الصحّة يستخدمها المقلّد والمجتهد، بخلاف المسألة الأُصولية فإنّ إعمالها يختصّ بالمجتهد فقط.

1 . إيضاح الفوائد: 1 / 41، في مسألة الشكّ في أفعال الطهارة.

(351)
وهكذا إذا قلنا بأنّ المعيار هو وقوع المسألة في سبيل التطبيق على موردها بلا واسطة، فقاعدة التجاوز لها ذلك الوصف بخلاف المسألة الأُصولية فلا تقع في طريق التطبيق في مقام العمل إلاّ بضم صغرى من مكان آخر.
وإلى هذا يرجع ما ذكرناه في الدورات السابقة من أنّ استفادة الحكم الشرعي من القاعدة الفقهية من قبيل التطبيق، بخلافها في المسألة الأُصولية فإنّ استفادة الحكم الشرعي منها من قبيل الاستنباط، فإذا قيل: «الصلح جائز بين المسلمين ما لم يُحرّم حلالاً أو يحلّل حراماً» فكلّ من له إلمام بالفقه يتّخذها ضابطة في كلّ مورد يتّفق فيه الصلح، فالقاعدة لا تكشف عن آفاق مجهولة، غاية الأمر ينقلب العلم الإجمالي بالصغرى إلى العلم التفصيلي بها عند التطبيق بخلاف المسألة الأُصولية، إذ يستكشف بها آفاق جديدة لم تكن معلومة من ذي قبل لا إجمالاً ولا تفصيلاً، فإذا حكم العقل بوجود الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته يستنبط منها وجوب الوضوء والغسل والتيمم، ووجوب كلّ مقدّمة خارجية أو داخلية. الّذي لم يكن في خلدنا لا إجمالا ولا تفصيلاً.

(352)

الأمر الثالث:

مدرك القاعدة ومصدرها

قد ورد في المقام روايات في الأبواب التالية، تدلّ على اعتبار القاعدة، وهي:
1. ما ورد في باب الوضوء والغسل.
2. ما ورد في باب الصلاة.
3. ما ورد في باب الطواف.
وها نحن نذكر ما وقفنا عليه ضمن طوائف .

الطائفة الأُولى: ما ورد في المضي بعد الفراغ من العمل

وهي ستة روايات:
1. ما رواه محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك وذكرته تذكّراً فأمضه، ولا إعادة عليك فيه» (1) .
2. ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» (2).
3. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الرجل يشكّ

1 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3 .

(353)
بعدما ينصرف من صلاته؟ قال: فقال: «لا يعيد، ولا شيء عليه»(1).
4. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «كلّ ما شككت فيه بعدما تفرغ من صلاتك فأمض ولا تعد» .(2)
5. موثقة بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضّأ قال: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك».(3)
6. ما رواه محمد بن مسلم، قال: «إذا شكّ الرجل بعدما صلّى، فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أنّه كان قد أتمّ لم يُعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» .(4)
وهذه الروايات هي الّتي بعثت القوم إلى تسمية هذه القاعدة بقاعدة الفراغ حيث إنّ الشكّ وقع بعد الفراغ عن العمل .

الطائفة الثانية: ما ورد في المضي في أثناء العمل

7. روى زرارة بسند صحيح، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الإقامة؟ قال: «يمضي» .
قلت: رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر؟ قال: «يمضي».
قلت: رجل شكّ في التكبير وقد قرأ؟ قال: «يمضي».

1 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2 .
3 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7. وستوافيك موثقة ابن أبي يعفور حول الشكّ في الوضوء، ولأجل وجود الإبهام فيها لم نذكرها في عداد إحدى هاتين الطائفتين.
4 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 6 .

(354)
قلت: شكّ في القراءة وقد ركع؟ قال: «يمضي».
قلت: شكّ في الركوع وقد سجد؟ قال «يمضي على صلاته».
ثمّ قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(1)
والرواية وإن وردت في مورد الصلاة لكن المستفاد من مخاطبة الإمام لزرارة بقوله: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء»، هو كونها ضابطة كلّية في مجالي العبادات والمعاملات.
8 . صحيحة إسماعيل بن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، وإن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه».(2)
والمتبادر من الذيل، الضابطة الكلّية، من غير اختصاص بباب الصلاة فضلاً عن اختصاصها بالركوع والسجود، وليس ظهور قوله (عليه السلام) : «وكلّ شيء شكّ فيه ممّا قد جاوزه» بأقلّ من ظهور قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» في ضرب القاعدة الكلية وإن كان مصدَّراً بالسؤال عن الوضوء.
9. ما رواه حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أشكّ وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا؟ قال: «امض».(3)

1. الوسائل: 5 ، الباب 23من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1.
2. الوسائل: 4 ، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.
3. الوسائل: 4 ، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 1.

(355)
10. ما رواه فضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أستتمّ قائماً فلا أدري ركعت أم لا؟ قال: «بلى قد ركعت، فامض في صلاتك».(1)
11. ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: «قد ركع».(2)
12. دعائم الإسلام: عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنّه قال: «من شكّ في شيء من صلاته بعد أن خرج منه، مضى في صلاته، إذا شكّ في التكبير بعدما ركع مضى، و إن شكّ في الركوع بعدما سجد مضى، و إن شكّ في السجود بعدما قام أو جلس للتشهّد مضى».(3)
13. فقه الرضا (عليه السلام) : «وإن شككت في أذانك وقد أقمت الصلاة فامض، وإن شككت في الإقامة بعد ما كبّرت فامض، (وإن شككت في القراءة بعد ما ركعت فامض)(4) وإن شككت في الركوع بعد ما سجدت فامض، وكلّ شيء تشكّ فيه و قد دخلت في حالة أُخرى فامض، ولا تلتفت إلى الشكّ إلاّ أن تستيقن، فإنّك (إذا استيقنت أنّك)(5) تركت الأذان ـ إلى أن
قال: ـ و إن نسيت الحمد حتّى قرأت السورة، ثمّ ذكرت قبل أن تركع، فاقرأ الحمد وأعد(5) السورة، وإن ركعت فامض على حالتك».(6)

1. الوسائل: 4 ، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث3.
2. الوسائل: 4 ، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث6.
3 . مستدرك الوسائل: 6 ، الباب 20 من أبواب الخلل، الحديث 1 .
4 و 5 . ما بين القوسين ليس في المصدر.
5. في المصدر: عدا.
6. مستدرك الوسائل: 6 ، الباب 20 من أبواب الخلل، الحديث 2.

(356)

الطائفة الثالثة: ما ورد في المضيّ بعد خروج ا لوقت أو دخول الحائل

14. صحيحة زرارة والفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنّك لم تصلّها، أو في وقت فوتها أنّك لم تصلّها، صلّيتها، وإن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شكّ حتى تستيقن، فإن استيقنت فعليك أن تصلّيها في أيّ حالة كنت».(1)
وهذا يعرب عن أنّ عدم الاعتناء بالشكّ بعد الوقت من مصاديق القاعدة، ويشعر بذلك لفظ «الحائل».
15. ما رواه ابن إدريس في «مستطرفات السرائر» نقلاً من كتاب حريز بن عبد اللّه، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا جاء يقين بعد حائل، قضاه ومضى على اليقين ويقضي الحائل والشكّ جميعاً، فإن شكّ في الظهر فيما بينه وبين أن يصلّي العصر قضاها، وإن دخله الشكّ بعد أن يصلّي العصر فقد مضت، إلاّ أن يستيقن، لأنّ العصر حائل فيما بينه و بين الظهر، فلا يدع الحائل لما كان من الشكّ إلاّ بيقين».(2)
والمراد من الحائل في الرواية هو الصلاة المترتبة على الأُخرى كما هو ظاهر، والرواية من أدلّة القول بأنّه لو شكّ في الظهر بعد الإتيان بالعصر لا يجب عليه إتيان الظهر وإن كان الوقت باقياً، لأنّ صلاة العصر صارت حائلاً بينه و بين الظهر فلا يدع الحائل لما كان من الشكّ إلاّ بيقين.

1. الوسائل: 3، الباب 60 من أبواب المواقيت، الحديث 1.
2. الوسائل: 3، الباب 60 من أبواب المواقيت، الحديث 2.

(357)
16. ما رواه عبيد بن زرارة، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إذا شككت في شيء من صلاتك وقد أخذت في مستأنف، فليس بشيء، إمض».(1)
ولك أن تدرج هذه الطائفة، في الطائفة الأُولى، لكن لمّا كان الأمر بعدم الاعتداد بالشكّ، لأجل وجود الحائل، أفردناها في مقام التقسيم .

الطائفة الرابعة: ما ورد في باب الطواف

وهي عبارة عن روايتين هما:
17. ما رواه محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل طاف بالبيت فلم يدر أستّة طاف أو سبعة، طواف فريضة؟ قال: «فليعد طوافه»، قيل: إنّه قد خرج وفاته ذلك؟ قال: «ليس عليه شيء» .(2)
18. ما رواه منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستّة طاف أم سبعة؟
قال: «فليعد طوافه»، قلت: ففاته؟ قال: «ما أرى عليه شيئاً والإعادة أحبّ إليّ وأفضل» (3).
وثبوت الحكم في باب الطواف مضافاً إلى ثبوته في أبواب الوضوء والصلاة، يشرف الفقيه على كون قاعدة التجاوز والفراغ، قاعدة مطّردة في أبواب الفقه، كما لا يخفى، وهذا ما سوف ندرسه تالياً.

1. مستدرك الوسائل: 6، الباب 20 من أبواب الخلل، الحديث 3.
2 . الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 8 .

(358)
 

الأمر الرابع:

في شمول القاعدة لعامّة الموارد

إنّ القاعدة لا تختصّ بباب دون باب، ويدلّ على ذلك أُمور:
الأوّل: أنّ القاعدة وإن كانت قاعدة تأسيسية بالنسبة إلى خصوصياتها لكنّها في الأصل قاعدة عقلائية، وهو أنّ الإنسان المريد المختار الّذي هو بصدد أداء عمل صحيح، سواء أكان الداعي هو امتثال أمر المولى أو غيره يحاول أن يأتي به بعامّة أجزائه وشرائطه ولا يخل بهما ولا يقرنه بموانعه ومخلاته، فهذا أصل عقلائي بنيت عليه قاعدة التجاوز والفراغ وإن تصرف الشارع فيه بجعل حدود لمواردها.
ومن المعلوم أنّ ذلك الأصل غير مختص عند العقلاء بمورد دون مورد، وهذا يكون قرينة على عموم التشريع أيضاً .
الثاني: ورود الروايات في غير واحد من الأبواب حيث وردت في أبواب الوضوء والغسل والصلاة والطواف، وهذا يثبت أنّ القاعدة واسعة المساحة لا ضيقتها.
الثالث: التعاليل الواردة في بعض الروايات، فقد ورد في موثقة بكير بن أعين قوله (عليه السلام): «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك» (1).

1 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7 .

(359)
كما ورد في رواية محمد بن مسلم قوله (عليه السلام): «وكان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك ».(1)
بل يمكن استفادة الشمول من الكبريات الواردة في غير واحدة من الروايات ; كما في موثّقة ابن بكير: «كلّ ما شككت ممّا مضى فامضه كما هو»، وقوله في موثقة ابن أبي يعفور: «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه». فالكبريتان تدلاّن على أنّ الشارع ألغى الشكّ في كلّ ما يمت إليه بصلة عند التجاوز، من غير فرق بين موردهما وغيرهما.
إلى غير ذلك من الكلمات المشعرة بأنّ الميزان هو التجاوز عن الشيء من دون أن يكون الحكم مقيّداً بعمل دون عمل.
وبذلك يظهر عموم الروايات للشك في المانع أيضاً; وذلك لأنّ ظاهر الروايات وإن كان هو المضي عن نفس الشيء ، وجوداً أو محلاً، ومثله لا يعمّ ما يكون مانعاً من الصحّة، إذ لا يصحّ فيه هذا التعبير. إلاّ أنّ كون هذه القاعدة بما أنّها عقلائية، منضمّة إلى التعاليل، يدفع الفقيه إلى العموم من غير فرق بين الأجزاء والشرائط والموانع، حتّى القواطع.

1 . الوسائل: 5، الباب 27 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 3.

(360)

الأمر الخامس:

هل هما قاعدة واحدة أو قاعدتان؟

اختلفت كلمات الأُصوليّين المتأخّرين في وحدة القاعدتين أو تعدّدهما، وأنّ الكبرى المجعولة في إحدى القاعدتين ليس الكبرى المحمولة في القاعدة الأُخرى أو لا؟ والظاهر من الشيخ الأنصاري هو الوحدة، ومن المحقّق النائيني وتلميذه الجليل هو التعدّد. وقبل أن نشير إلى أدلّة القولين نبيّن وجه تصوّر تعدّدهما.
المعروف أنّ الشكّ في قاعدة التجاوز يتعلّق بأصل وجود الشيء، وفي قاعدة الفراغ يتعلّق بصحّة الشيء الموجود.
وإن شئت قلت: إنّ الشكّ في قاعدة التجاوز شكّ على مفاد كان التامّة، كما أنّ الشكّ في قاعدة الفراغ شكّ على مفاد كان الناقصة.
وذلك لأنّ المحمول في كان التامة هو الوجود المطلق كما أنّ المحمول في كان الناقصة هو الوجود المقيّد، والشكّ في أصل وجود الجزء شكّ في الوجود المطلق، كما أنّ الشكّ في وجود الجزء الصحيح بحيث يكون أصل الوجود مسلماً والوصف مشكوكاً، شكّ في الوجود المقيّد .
وما ذكرناه من الفرق هو الظاهر من المحقّق النائيني،(1) وربما يفرق بين القاعدتين بأحد الأُمور التالية:

1 . فوائد الأُصول: 4 / 620 مع تعاليق المحقّق العراقي.

(361)
1. اختصاص قاعدة التجاوز بالشكّ في الأثناء، وقاعدة الفراغ بالشكّ بعد العمل. لأجل ورود طائفتين من الروايات.
2. اختصاص قاعدة التجاوز بالدخول في الغير، دون قاعدة الفراغ فلا يشترط فيها الدخول.
وذلك لأجل عدم صدق التجاوز إلاّ بالدخول في الغير، وصدق الفراغ عنه بلا لزوم دخول في غيره.
3. اختصاص قاعدة التجاوز بالصلاة، وعمومية قاعدة الفراغ لعامّة أبواب الفقه.
أقول: لا يلزم من القول بوحدة الكبريين فيهما أمر محال، بخلاف ما إذا كان التميز بتعلّق الشكّ في قاعدة التجاوز، بوجود الشيء وفي قاعدة الصحّة، بصحّته، إذ ربّما يتصوّر عدم جامع بين الأمرين كما سيوافيك.
وعلى كلّ تقدير، ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ الكبرى المجعولة فيهما واحدة بخلاف المحقّق النائيني . وتظهر أنظارهما ممّا يلي:

أدّلة القائلين بالتعدّد

يظهر من كلام المحقّق النائيني وغيره أنّ هناك موانع راجعة إلى الثبوت والإثبات من اندراج القاعدتين تحت كبرى واحدة، وهذه الموانع عبارة عن :
الأوّل: أنّ متعلق الشكّ في قاعدة التجاوز إنّما هو وجود الشيء بمفاد كان التامّة، ومتعلّقه في قاعدة الفراغ هو وجوده بمفاد كان الناقصة، ولا جامع

(362)
بينهما فلا يمكن اندراجهما تحت كبرى واحدة .(1)
يلاحظ عليه: أنّ المجعول هو الأمر الكلّي العام الشامل لكلا الأمرين، وهو أنّ الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه بوجه عام لا يعتدُّ به، وأمّا كون الشكّ في إحداهما متعلِّقاً بالوجود وفي الأُخرى بالصحّة فهما من خصوصيات الموارد الّتي لا تلاحظ في إعطاء الضابطة، والملاك هو طروء الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه، وأمّا ما هو متعلّق الشكّ، فهل هو الوجود أو الصحّة؟ فغير ملحوظ في ضرب القاعدة كما هو الحال في عامة الضوابط، فلو قلنا: «كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود»، فهي لا تهدف إلاّ إلى كون الموضوع هو الظاهرة الإمكانية وأمّا الخصوصيات من كونه مادّياً أو مجرداً فغير ملحوظة في ضرب القاعدة.
وهذا هو الجواب الحق عن أصل الإشكال .
وقد أجاب الشيخ الأنصاري بوجه آخر وقال: إنّ الشكّ في صحّة الشيء المأتي به حكمه حكم الشكّ في الإتيان، بل هو هو لأنّ مرجعه إلى الشكّ في وجود الشيء الصحيح .(2)
واعترض عليه الميرزا النائيني بقوله: إنّ التعبد بقاعدة الفراغ إنّما هو لإثبات صحّة الموجود لا لإثبات وجود الصحيح، وإثبات صحّة الموجود بالتعبَّد بوجود صحيح يكون من الأصل المثبت.(3)

1 . فوائد الأُصول: 4 / 620 ـ 621 .
2 . فرائد الأُصول: 3 / 342، الموضع السادس .
3 . فوائد الأُصول: 4 / 621 .

(363)
وحاصله: أنّ استصحاب الصحّة بمفاد كان التامّة لا يثبت الصحّة بمفاد كان الناقصة كما في مورد الوضعيات، إذا شكّ في صحّة العقد في باب الأنكحة والبيوع فإنّ المعتبر هو إثبات صحّة العقد الموجود لا إثبات وجود العقد الصحيح على الوجه المطلق. وأنّ الأثر مرتّب على صحّة العقد الموجود، والقول بوجود العقد الصحيح لا يثبت صحّة العقد المشكوك.
ويرد أيضاً على ما أفاده الشيخ أنّ نفس الإرجاع على خلاف الوجدان، فإنّ للإنسان نوعين من الشكّ، تارة يشك في أصل وجود الشيء، وأُخرى يشك في وصفه وصحّته.
الثاني: أنّ التجاوز عن الشيء غير التجاوز عن محلّه، فالشكّ في قاعدة التجاوز متعلّق بوجود الشيء والتجاوز عنه بمعنى التجاوز عن محلّه لا عن نفسه، والشكّ في قاعدة الفراغ متعلّق بوصفه لا بوجوده، والتجاوز فيها عن نفس الشيء لا عن محلّه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر من المانع يرجع إلى مقام الإثبات لا الثبوت، ولكنّه لا مانع من أن يستعمل التجاوز عن الشيء في المعنى الجامع بين التجاوز عن محلّ الشيء وعن الشيء نفسه، فيصحّ جعل قاعدة واحدة لكلا المقامين.
نعم لو استعمل في التجاوز عن المحل لا يشمل الآخر (التجاوز عن الشيء)، وإن استعمل في الثاني لا يشمل الأوّل. ولكن لو استعمل في معنى

1 . فوائد الأُصول: 4 / 623.

(364)
جامع بين المعنى الحقيقي (التجاوز عن وجود الشيء) والمعنى المجازي (التجاوز عن محل الشيء) يصحّ جعل قاعدة واحدة تعمّ كلتا الصورتين.
الثالث: يلزم التناقض في مدلول قوله: «إنّما الشكّ في شيء لم تجزه» لو كان يعمّ الشكّ في الجزء والكلّ، فإنّه لو شكّ المصلّي في الحمد وهو في الركوع فباعتبار الشكّ في الحمد بعدما جاوز محلّه فلا يجب عليه العود، وباعتبار الشكّ في صحّة الصلاة لم يتجاوز عنها، لأنّه بعد في الأثناء فيجب عليه العود ثم أمر بالتأمّل.(1)
يلاحظ عليه: أنّ التعبّد بوجود الجزء في محلّه وأنّه أتى به شرعاً يلازم التعبّد بصحّة ما أتى به من الصلاة وإن لم يخرج عنها وإلاّ يكون التعبّد به لغواً، ومعه لا موضوع للتعبّد الآخر حتّى يجب العود ; ولعلّه لأجل هذا أمر بالتأمّل .
الرابع: أنّ متعلّق الشكّ في قاعدة التجاوز إنّما هو أجزاء المركّب، وفي قاعدة الفراغ هو نفس المركّب بما له من الوحدة الاعتبارية، ولفظ «الشيء» في قوله (عليه السلام): «إنّما الشكّ في شيء لم تجزه»(2)، لا يمكن أن يعمّ الكلّ والجزء في مرتبة واحدة بلحاظ واحد، فإنّ لحاظ الجزء شيئاً بحيال ذاته، إنّما يكون في الرتبة السابقة على تأليف المركب، لأنّه في مرتبة التأليف لا يكون الجزء شيئاً بحيال ذاته في مقابل الكلّ، بل شيئية الجزء تندك في شيئية الكلّ،

1 . فوائد الأُصول: 4 / 622.
2 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(365)
ويكون لحاظه تبعياً فلا يمكن أن يراد من لفظ «الشيء» في الرواية ما يعمّ الجزء والكلّ، بل إمّا أن يراد الجزء فتختص الرواية بقاعدة التجاوز، وإمّا أن يراد الكلّ فتختص بقاعدة الفراغ.
وحاصله: أنّ إرادة الجزء والكلّ بلفظ واحد مستلزم لاجتماع اللحاظين المختلفين فيه .(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه مبني على اختصاص قاعدة الفراغ بالشكّ في صحّة الشيء الموجود، بعد الفراغ عن العمل، وأمّا لو قلنا بأنّه يعمّ الشكّ في صحّة الجزء الموجود في أثناء العمل كالشكّ في صحّة القراءة بعد الدخول في الركوع، فيكون الشكّ في الجزء وصفاً أيضاً، مجرى لقاعدة الفراغ.
وثانياً: أنّ المراد من الشيء هو عنوانه العام. لا الكلّ ولا الجزء، غاية الأمر مقتضى إطلاقه شمول الحكم لعامّة مصاديقه من الجزء والكل ـ أعني: القراءة والصلاة ـ وقد مرّ غير مرة أنّ الإطلاق رفض القيود لا الجمع بين القيود، الجزء والكل .

1 . فوائد الأُصول: 4 / 622 .

(366)

الأمر السادس:

في اشتراط الدخول في الـ «غير» وعدمه

هل الموضوع هو التجاوز عن الشيء، أو الموضوع هو شرط الدخول في الـ «غير»؟ وجهان، بل قولان:
أحدهما: اشتراط الدخول في الـ «غير» وراء التجاوز.
الثاني: أنّ تمام الموضوع للصحّة هو التجاوز، غير أنّه إذا كان الدخول في الـ «غير» محقّقاً للتجاوز يشترط، وإلاّ فلا.
وهذا كما إذا شكّ في السلام بعد ما رأى نفسه فارغاً عن الصلاة من دون أن يشتغل بشيء من التسبيح وغيره، فعلى القول بشرطية الدخول في الـ «غير» يعود إلى ذكر السلام، وعلى القول الثاني لا يعود تمسّكاً بقاعدة التجاوز .
أمّا الروايات فهي على طوائف:
الأُولى: ما هو ظاهر في كفاية المضيّ وإن لم يدخل في الـ «غير»، نحو ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى، فأمضه كما هو» (1).
الطائفة الثانية: ما يدلّ على شرطية الدخول صدراً وذيلاً، نحو روايتي

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2.

(367)
زرارة وإسماعيل بن جابر، أمّا الأُولى فقد جاء في صدرها: رجل شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال: «يمضي». قلت: رجل شكّ في الأذان والإقامة وقد كبّر؟ قال: «يمضي».
هذا حال الصدر وأمّا الذيل :
قال: «يا زرارة: إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».(1)
وأمّا الثانية فقد جاء في الصدر: «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض» وصرح بالدخول بذكر موضع الشكّ وزمانه جاء في ذيلها: «كلّ شيء فيه شُكّ ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه»(2).
الطائفة الثالثة: ما دلّ الصدر على اعتبار الدخول لكن ظاهر الذيل هو عدم اعتباره كما في موثقة ابن أبي يعفور، قال: «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» (3)، من غير فرق بين أن يعود الضمير في «غيره» إلى «شيء» أو إلى «الوضوء»، وسيوافيك الكلام في هذا الحديث مستقلاً.
استدلّ (4) القائل باعتبار الدخول في الـ «غير» بأنّ المطلقات منزلة على الموارد الغالبة، فإنّ التجاوز لا يتحقّق غالباً إلاّ بالدخول في الـ «غير»، فالإطلاقات نازلة منزلته .

1 . الوسائل: 5، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1 .
2 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4 .
3 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.
4 . فرائد الأُصول: 3 / 332 .

(368)
واستدلّ (1) القائل بعدم شرطية الدخول في الـ «غير» وكفاية التجاوز بتنزيل القيود منزلة الغالب وأنّه من قبيل: (وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)(2).
والّذي يمكن أن يقال هو التفصيل بين الشكّ في الوجود، والشكّ في الصحّة.
أمّا الأوّل فلأنّ الدخول في الـ «غير» محقّق للتجاوز عن محلّ الشيء على نحو لولا الدخول في الـ «غير» لوجب أن يعود ويأتي به ثانياً .
وأمّا الثاني فلو كان الشكّ في الصحّة في الأثناء، كما إذا شكّ في صحّة قراءة آية أتمّها ولم يدخل في الآية الأُخرى فالظاهر الرجوع لعدم صدق التجاوز، فإنّ الإتمام غير التجاوز، ففي هذه الصورة فالمصلّي قد أتمّ الآية ولم يتجاوزها، إمّا بقراءة الآية التالية أو بالاشتغال بواجب آخر.
وأمّا إذا كان الشكّ في الصحّة في نهاية الصلاة كما إذا شكّ في صحّة السلام الأخير وقد أتمّه ولم يشتغل بشيء فلو قلنا: بأنّ السكوت الطويل بعد التسليم يحقّق عنوان التجاوز فلا يشترط الدخول في الـ «غير»، اللهم إلاّ أن يقال: إنّ السكوت الطويل نحو دخول في الـ «غير».
وعلى كلّ تقدير فالظاهر أنّ النزاع قليل الثمرة أو عديمها، وقد عرفت أنّ الدخول في الـ «غير» محقّق للتجاوز عند الشكّ في الوجود، وأمّا عند الشكّ في الصحّة في أثناء العمل فقد عرفت أنّ الدخول في الـ «غير» محقّق،

1 . فرائد الأُصول: 3 / 332 .   2 . النساء: 23 .

(369)
فلم يبق إلاّ مورد واحد وهو الشكّ في صحّة التسليم الأخير، فلو قلنا بأنّ السكوت الطويل نوع دخول في الـ «غير» تكون النتيجة شرطية الدخول في عامّة الصور.

الأمر السابع:

ما هو المراد من الـ «غير»؟

قد عرفت أنّ الدخول في الـ «غير» محقّق للتجاوز حتّى في الشكّ في صحّة الشيء، يبقى الكلام فيما هو المراد من هذا الـ «غير»؟ فهناك وجوه:
1. التجاوز عن محلّ تدارك الأجزاء المنسيّة بحيث لو نسي لما كان له العود فيختص بالدخول في الأركان.
2. الأجزاء الواجبة الأصلية دون مقدّماتها.
3. الجزء الّذي عدّ في الشرع مترتّباً على وجود الشيء المشكوك في لسان الأدلّة.
وعلى هذا فلا يكفي الذكر المطلق في الصلاة، كما إذا قال في أثناء الحمد: «الحمد لله رب العالمين»، إذ ليس هو مترتباً على وجود الجزء السابق، ولكن يعمّ كلّ جزء واجب أو مستحب جاء في لسان الأدلّة مترتبين على المشكوك كالقنوت بالنسبة إلى السورة، والتعقيبات بالنسبة إلى الصلاة.
4. ذلك الاحتمال مع تضييق خاص وهو الدخول فيما اعتبر الترتّب بين المشكوك والمدخول فيه بأن يكون سبق الأوّل على الثاني معتبراً في

(370)
صحّة الثاني، وترتّب الثاني على الأوّل معتبراً في صحّة الأوّل كأجزاء الصلاة بعضها إلى بعض، والفرق بين هذا والثالث أنّه لا يتحقق المضيّ للجزء الأخير من الصلاة والوضوء أو الغسل بالدخول في الـ «غير»، سواء أكان المدخول فيه أمراً غير عبادي كالأكل والنوم، أم عباديّاً لكن غير مترتّب كالتعقيبات.
ومنه يظهر أنّ الدخول في الصلاة لا يكفي في الوضوء والغسل، فإنّ صحّة الصلاة وإن كانت مشروطة بصحّتهما لكن صحّة الجزء المشكوك من الوضوء كالمسح على الرِّجْل اليسرى ليس مشروطاً بصحّة الصلاة.
هذه هي الوجوه المذكورة.
يلاحظ على الوجه الأوّل: بأنّه من مقولة قياس الشكّ في الشيء بنسيانه، فكما أنّ الناسي يعود ما دام المحل باقياً، فهكذا الشاكّ، ولكن لا دليل على هذا القياس مع كونه مع الفارق ; لأنّ في صورة النسيان علم بالترك فيعود ما لم يدخل في الركن بخلاف صورة الشكّ، لاحتمال الإتيان في محله فيمكن أن يكون أخف وطئاً من النسيان.
وأمّا الوجه الثاني ـ أي اختصاص الغير بالواجب الأصلي دون المقدّمات ـ : فقد استدلّ عليه الشيخ بقوله: إنّ الظاهر من الـ «غير» في صحيحة إسماعيل بن جابر: «إن شكّ في الركوع بعدما سجد وإن شكّ في السجود بعدما قام فَليمضِ» بملاحظة مقام التحديد ومقام التوطئة للقاعدة المقرّرة بقوله (عليه السلام)بعد ذلك: «كلُّ شيء شكّ فيه... الخ» كونُ السجود والقيام حدّاً للغير الّذي يعتبر الدخول فيه، وأنّه لا غير أقرب من الأوّل بالنسبة إلى

(371)
الركوع، ومن الثاني بالنسبة إلى السجود ; إذ لو كان الهُويُّ للسجود كافياً عند الشكّ في الركوع، والنهوضُ للقيام كافياً عند الشكّ في السجود، قبح في مقام التوطئة للقاعدة الآتية التحديدُ بالسجود والقيام، ولم يكن وجهٌ لجزم المشهور بوجوب الالتفات إذا شكّ قبل الاستواء قائماً .(1)
يلاحظ عليه بأمرين: أوّلاً: أنّ عدم تعرض الإمام للهويّ في الأوّل وللنهوض في الثاني، لأجل عدم حصول الشكّ في هذه الحالات للإنسان، إلاّ إذا كان وسواسياً حتّى يشك في الركوع عند الهوي وفي السجود عند النهوض، وهذا لا يعني عدم كفايتهما إذا طرأ الشكّ على إنسان عادي، أخذاً بالإطلاقات الواردة في الدخول في الـ «غير».
ثانياً: أنّ ما ذكره من عدم كفاية المقدّمات ينافي ما في الروايتين التاليتين:
1. روى عبدالرحمن بن أبي عبدالله، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قلت له: رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: «قد ركع» (2).
والهوي إلى السجود بمعنى الانحدار إليه دون الوصول إليه، وإلاّ لقال: (رجل سجد، فلم يدر...) .
2. ما رواه الفضيل بن يسار قال: أستتمّ قائماً فلا أدري أركعت أم لا؟ قال (عليه السلام): «بلى، ركعت، فأمض في صلاتك، وإنّما ذلك من الشيطان» (3).

1 . فرائد الأُصول: 3 / 332 ـ 333 .
2 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 6 .
3 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 3 .

(372)
والمراد من الاستتمام قائماً هو رفع الرأس من الإنحناء إلى أن يستقيم، ولكنّه شكّ هل ركع في حال الانحناء وقبل الاستتمام أو لا؟
فإن قلت: إنّ الاستدلال بالروايتين على كفاية الدخول في الجزء الواجب أصلياً كان أو تبعياً غير تام، لاحتمال أنّ أمر الإمام (عليه السلام)بعدم الاعتداد بالشكّ لأجل ندرة الشكّ في هاتين الحالتين، ولا يتحقّق الشكّ في هاتين الحالتين إلاّ لإنسان غير عادي، فالأمر بعدم الاعتداد لا لأجل كفاية مثل هذا الدخول بل لأجل كون الشاك وسواسياً، ويشهد على ذلك قول الإمام (عليه السلام)في آخر رواية الفضيل «فإنّما ذلك من الشيطان».
قلت: إنّ الشكّ مطلقاً من الشيطان، عادياً كان أو غير عادي، فأقصى ما يمكن أن يقال: إنّه إشعار لا يقابل كفاية مطلقات الدخول في الـ «غير».
وبذلك ظهرت قوة الوجه الثالث، أي كفاية الدخول في الشيء المترتّب على المشكوك وإن كان مستحباً، فهو أقوى الوجوه أخذاً بالإطلاقات، ولذلك لو شكّ في القراءة، وهو في القنوت فلا يعتدّ بشكّه .
فإن قلت: إنّ لعبد الرحمن بن أبي عبدالله رواية أُخرى جاء فيها عدم كفاية النهوض عن السجود، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل رفع رأسه عن السجود فشكّ قبل أن يستوي جالساً فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال: «يسجد»، قلت: فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائماً، فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال: «يسجد».(1) وهذا يدلّ على أنّ الدخول في الواجب التبعي غير كاف.

1 . الوسائل: 4، الباب 15 من أبواب السجود، الحديث 6 .

(373)
قلت: إنّ هذه الرواية تعارض ما سبق من رواية عبدالرحمن نفسه، من كفاية الهوي إلى السجود عند الشكّ في الركوع، الظاهر في كفاية الدخول في الواجب التبعي، فلابد من إعمال القواعد في الترجيح بينهما، والترجيح مع الأُولى لأنّها توافق الإطلاقات الواردة في كفاية مطلق الـ «غير»، كما تؤيدها رواية الفضيل بن يسار. وإلاّ فلا محيص من تخصيص القاعدة في مورد الشكّ وممّا في الرواية .
وأمّا الوجه الرابع: فلم نعثر له على دليل.

الأمر الثامن:

ما هو المراد من المحلّ؟

قد عرفت أنّ التجاوز ـ عند الشكّ في صحّة الموجود ـ بمعنى التجاوز عنه والدخول في غيره. وأمّا التجاوز ـ عند الشكّ في وجود الشيء ـ بمعنى التجاوز عن محلّه، وعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد من المحل، فهنا وجوه أربعة:
1. المحلّ الشرعي.
2. المحلّ العقلي.
3. المحلّ العرفي.
4. المحلّ العادي.
فالمحلّ الشرعي عبارة عمّا جعله الشارع محلاًّ للجزء، فجعل محلّ

(374)
التكبيرة قبل القراءة، ومحلّ القراءة قبل الركوع.
والمراد من المحلّ العقلي هو المحلّ المقرّر له بحكم العقل، مثاله: الراء الساكنة في التكبيرة بأنّ محلّها بعد الباء بلا فصل، وإلاّ لزم الابتداء بالسكون.
والمراد من المحلّ العرفي هو الطريقة المألوفة عند العرف في إنجاز العمل الخاص، وذلك كالقراءة فإنّ الفصل الطويل بين المفردات أو الجمل، مرغوب عنه عرفاً، بل يوجب خروج الكلام عن كونه كلاماً.
والمراد من المحلّ العادي ما جرت عليه عادة الشخص حيث إنّه لا يفرّق بين غسلات الغسل، بل يأتي بها متواليةً، فإذا شكّ في غسل الجزء الأخير بعدما خرج من الحمام فقد مضى المحلّ العادي دون الشرعي، هذا ما ذكره القوم.
فإن قلت: ليس في الأخبار عنوان التجاوز عن المحلّ حتّى نتكلم أنّ لفظ المحلّ هل يشمل العادي أو لا؟ بل الموجود فيها عنوان المضي عن الشيء والتجاوز عنه.
قلت: إنّ هذا البحث مكمل للبحث السابق لما عرفت من شرطية الدخول في الـ «غير» ومن المعلوم أنّ الدخول في الـ «غير» يلازم التجاوز عن الشيء فلو كان الشيء موجوداً وشُكّ في صحّته يقال: تجاوز عن نفس الشيء، وأمّا إذا شكّ في أصل وجوده، فلا محيص من القول بالتجاوز عن محلّه، فلأجل ذلك يكون البحث عن تعيين المحل أمراً لازماً.
والظاهر من الوجوه الثلاثة هو الوجه الأوّل، حيث إنّ المركب من

(375)
مخترعات الشارع، فهو الّذي يضع كل جزء في محلّه، فلو كان هو المخترع للمركب فإذا قال: إذا تجاوزت عن شيء، فإنّه يعني التجاوز عن المحل الّذي قرره هو.
اللهم إلاّ أن يقال: إنّ الشارع يتبع ـ في الإتيان بالمركبات ـ الضوابط العرفية. فالتجاوز عن المحلّ العرفي نفس التجاوز عن المحلّ الشرعي، فيتّحدان مآلاً.
وأمّا المحلّ العقلي فالظاهر أنّه يرجع إلى أحد المحلّين السابقين.
يبقى الكلام في التجاوز عن المحل العادي، فقد عرفت أنّه أجنبي عن وضع الشارع.
ومع ذلك كلّه يحتمل كفاية التجاوز عن المحلّ العادي أيضاً، نظراً إلى العلل الواردة في الروايات «من كونه أذكر حين العمل»، أو «أقرب إلى الحق حينئذ»، وهذا يقتضي كفاية العمل إذا تجاوز محلّه العادي .
وبعبارة أُخرى: أنّ تركه إمّا يستند إلى الغفلة وهي خلاف الفرض، أو إلى العمد وهو يخالف كونه بصدد إبراء الذمة.
نعم إنّما يكفي إذا أنجز عملاً وشكّ في كماله ونقصانه، وأمّا إذا احتمل بأنّه لم يأت به أصلاً كما لو شكّ في إتيان صلاة الظهر قبيل الغروب مع جريان عادته على الصلاة في أوّل الوقت، فإطلاقات الأدلّة في وجوب الإتيان عند الشكّ في الوقت متقدّمة على إطلاق قاعدة التجاوز. أو الشك في أصل الإتيان بالغُسل إذا دخل الحمام وخرج منه وشكّ، إذ لابد من الاعتداد بالشكّ.

(376)
 

الأمر التاسع:

هل المضي عزيمة أو رخصة؟

قد تضافر في الروايات الأمر بالمضي وعدم الإعادة، وهنا يأتي الكلام في أنّ الأمر بالمضي هل هو على وجه العزيمة أو الرخصة؟
الظاهر هو الأوّل، وهو الّذي أيّده المحقّق العراقي وقال: الظاهر أنّ حكم الشارع في مورد قاعدة التجاوز بالمضي على نحو العزيمة، لأنّه بعد حكم الشارع بوجوب المضي وعدم الاعتناء بالشكّ وإلغائه لا يجوز إتيان الجزء أو الشرط المشكوك فيه ولو رجاءً، لأنّه لا موضوع له مع هذا الحكم بوجوده، فيكون الإتيان به حينئذ من الزيادة العمدية .(1)
توضيحه: أنّ الظاهر من الروايات هو التعبّد بوقوع المشكوك أو صحّته كما في قوله: «بلى قد ركعت» أو «قد ركع». وعلى هذا يكون الرجوع زيادة في الفريضة بحكم الشارع بوجود المشكوك في محلّه فيشمله قوله: «مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة».
أضف إلى ذلك النهي عن الإعادة في صحيحة محمد بن مسلم حيث قال: «لا يعيد ولا شيء عليه»، أو «فامض ولا تعد».
فإن قلت: إنّ معنى حجّية الأمارة أو الأصل، لزوم الإتيان بمؤدّاهما، لا

1 . انظر القواعد الفقهية: 1 / 353 نقلاً عن المحقّق العراقي.

(377)
عدم الإتيان بالمحتمل الآخر.
قلت: ما ذكرته صحيح إذا لم يستلزم الزيادة العمدية كما إذا أتى بالركوع والسجود ثانياً في نفس الصلاة، إذ عندئذ يدخل في قوله (عليه السلام): «مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة».
نعم لا بأس بإعادة العمل منفصلاً، ولذلك ورد جواز الإعادة في الطواف، فقد مرّ ما رواه منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة؟ قال: «فليعد طوافه»، قلت: ففاته؟ قال: «ما أرى عليه شيئاً والإعادة أحبّ إلي وأفضل» .(1)

الأمر العاشر:

في جريان القاعدة في الأجزاء غير المستقلة

لاشكّ في جريان القاعدة في الأجزاء المستقلة كالشكّ في الأذان عندما أقام، والشكّ في الركوع بعدما سجد إنّما الكلام في جريانها في غير المستقلة من الأجزاء كالشكّ في الشهادة الأُولى عندما دخل في الثانية، أو الشكّ في بعض فصول الإقامة وقد دخل في غير المشكوك، أو شكّ في قراءة آية من السورة وقد دخل في غيرها.
ذهب الشيخ إلى عدم الشمول، وقال في الشكّ في أثناء الوضوء الّذي

1 . الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 8 .

(378)
سيأتي البحث عنه في أمر مستقل (1): إن فرض الوضوء فعلاً واحداً لا يلاحظ حكم الشكّ بالنسبة إلى أجزائه، ليس أمراً غريباً، فقد ارتكب المشهور مثله في الأخبار السابقة بالنسبة إلى أفعال الصلاة، حيث لم يُجروا حكم الشكّ بعد التجاوز في كلّ جزء من أجزاء القراءة حتّى الكلمات والحروف، بل الأظهر عندهم كون الفاتحة فعلاً واحداً، بل جعل بعضهم القراءة فعلاً واحداً، وقد عرفت النصّ في الروايات على عدم اعتبار الهُويّ للسجود، والنهوض للقيام.
وممّا يشهد لهذا التوجيه إلحاقُ المشهور الغسل والتيمم بالوضوء في هذا الحكم، إذ لا وجه له ظاهراً إلاّ بملاحظة كون الوضوء أمراً واحداً يُطلب به أمر واحد غير قابل للتبعيض، أعني «الطهارة».(2)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الشيخ استظهر عدم اعتبار الهوي للسجود، والنهوض للقيام من صحيحة إسماعيل بن جابر قائلاً بأنّه لو كان الهوي للسجود كافياً عند الشكّ في الركوع والنهوض للقيام كافياً عند الشكّ في السجود، قبح في مقام التوطئة للقاعدة، التحديد بالسجود والقيام.(3)
وقد عرفت الإجابة عن هذا الاستظهار بأنّ عدم ذكر الهوي والنهوض لأجل ندرة الشكّ في تينك الحالتين لا لعدم كفايتهما.
وثانياً: كيف لا يكون كذلك وقد عرفت في صحيحة عبدالرحمن بن

1 . الأمر الثالث عشر.
2 . فرائد الأُصول: 3 / 338 .
3 . فرائد الأُصول: 3 / 333 .

(379)
أبي عبدالله كفاية الهوي إلى السجود عند الشكّ في الركوع، (1) كما مرّ من كفاية حال الاستتمام للقيام عند الشكّ في الركوع في رواية فضيل بن يسار.(2)
نعم ورد النصّ في عدم اعتبار النهوض للقيام عند الشكّ في السجود في رواية أُخرى لعبدالرحمن بن أبي عبدالله.(3) وقد أجبنا عن ذلك ورجحنا العمل بالروايتين المتقدّمتين.
وثالثاً: لو صحّ ما استظهره في ذيل كلامه ، يستلزم اختصاص جريان القاعدة في الصلاة والحج وسائر الأعمال العبادية بمورد النص ; لأنّ المطلوب في الصلاة أمر واحد وهو كونها معراج المؤمن وفي الحج الوفود إلى الله سبحانه.
ورابعاً: أنّ تقسيم الأجزاء بين المستقلة وغير المستقلة تقسيم أُصولي، ولكن الموضوع في القاعدة كون الإنسان أذكر حين العمل وأقرب إلى الحق من حالة الشكّ فلا فرق بين المستقل وغيره، غاية الأمر بما أنّ الأجزاء المستقلة بما أنّها متقاربة في التحقّق يشترط في جريان القاعدة عدم حضور صورة العمل في الذهن، وإلاّ فلا يصدق أنّه تجاوز عن الشيء أو عن محلّه.

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 3 .
3 . الوسائل: 4، الباب 15 من أبواب السجود، الحديث 6 .

(380)
 

الأمر الحادي عشر:

قاعدة التجاوز والشكّ في الصحّة

قال الشيخ الأنصاري: إنّ الشكّ في صحّة الشيء المأتي به حكمه حكم الشكّ في الإتيان، بل هو هو، لأنّ مرجعه إلى الشكّ في وجود الشيء الصحيح؟
ثم قال: لكن الإنصاف إنّ الإلحاق لا يخلو عن إشكال، لأنّ الظاهر من أخبار الشكّ في الشيء اختصاصها بغير هذه الصورة.(1)
أقول: إنّ الأسئلة الواردة في صحيحة زرارة وموثّقة إسماعيل بن جابر وإن كانت ظاهرة في الشكّ في الوجود، لكن الكبرى الواردة فيهما تعمّ الشكّ في الصحة، أعني قوله في الأُولى: «إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء»، وقوله في الثانية: «كلّ شيء شُك فيه وقد دخل في غيره فليمض».
ومثلهما موثّقة ابن أبي يعفور حيث قال: «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه» حيث فرض الشيء، محقّقاً ثم فرض التجاوز عنه، (فيكون الشكّ من مقولة الشكّ في الصحّة لا الشكّ في الوجود).
ويؤيد ما ذكرنا التعليل بالأذكرية، وبالأقربية إلى الحق حين العمل وهو

1 . فرائد الأُصول: 3 / 343 .

(381)
يعم كلا القسمين: الشكّ في الوجود، والشكّ في صحّة الأمر الموجود، بل يمكن ادّعاء الأولوية لو قلنا بجريانها في الشكّ في الوجود، فيكون جريانها في الشكّ في الصحّة أولى بالقبول.
ويظهر من فخر المحقّقين عدم الفرق بين الصورتين حيث قال: إنّ الأصلَ في فعل العاقل المكلّف الّذي يقصد براءة ذمّته بفعل صحيح يعلم الكيفية والكمية، الصحةُ .(1)
ثم إنّ الشكّ في الصحّة يتصوّر على وجهين:
الأوّل: إذا شكّ في صحّة الجزء المأتي به بعد التجاوز عنه، وعلى هذا يكون مصب القاعدة هو صحّة الجزء، لا المركب من هذا الجزء وأجزاء أُخرى. مثلاً إذا شكّ في أنّه هل نطق بكلمة «الضالين» صحيحة أو غير صحيحة وهو في أثناء القنوت، فإنّه يحمل ما صدر على الصحّة.
الثاني: تلك الصورة لكن حدث الشكّ في صحّة ا لعمل بعد الفراغ عنه، وبما أنّ الشكّ في صحّة العمل مسبب من الشكّ في صحّة الجزء المأتي به، فالأصل الجاري في السبب يغني عن جريان الأصل في المسبّب.
وبذلك يظهر النظر عن بعض ما أفاده بعض السادة حيث استظهر منه أنّ مصب القاعدة هو المركب فيقال: تحقّق المركّب الصحيح مشكوك والأصل الصحّة. وقد أورد عليه بوجهين:
1. أنّ الظاهر من الشكّ في الشيء هو أن يكون الشكّ متعلّقاً به ابتداءً،

1 . إيضاح الفوائد: 1 / 43 .

(382)
لا أن يكون مشكوكاً بالواسطة، والمتحقّق بلا واسطة هو الشكّ في نفس الجزء، ومع الواسطة هو المركّب.
2. أنّ جريان قاعدة التجاوز في المركب أصل مثبت، حيث لا يثبت إلاّ تحقّق المركّب الصحيح لا كون المأتي به صحيحاً .(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما افترضه مصباً للقاعدة ورتّب عليه من الإشكالين المذكورين، خلاف المفروض، بل أنّ مصبها نفس الجزء المأتي به .
فإن قلت: إنّ القاعدة لا تثبت إلاّ صحّة الجزء المأتي به دون صحّة الكلّ، إلاّ بالملازمة العقلية بين الصحّتين.
قلت: إنّ التعبّد بصحّة الجزء المأتي به يلازم التعبّد بصحّة المركّب، وإلاّ يكون التعبّد بصحّة الجزء أمراً لغواً.
ثم إنّ من خصّ قاعدة الفراغ بالشكّ في الصحّة ومع ذلك أنكر جريان القاعدة عند الشكّ في الصحّة كأنّه جمع بين المتناقضين.

1 . المحاضرات في أُصول الفقه: 220 .

(383)

الأمر الثاني عشر:

في جريان القاعدة في الشروط

اختلفت كلمتهم في جريان القاعدة عند الشكّ في الشروط فذهب كاشف الغطاء في كشفه (1) وصاحب الجواهر في جواهره (2) إلى أنّ حكم الشكّ في الشروط بالنسبة إلى الفراغ عن المشروط بل الدخول فيه بل الكون على هيئة الداخل، حكم الأجزاء في عدم الالتفات، فلا اعتبار في الشكّ بالوقت والقبلة واللباس والطهارة بأقسامها والاستقرار ونحوها بعد الدخول في الغاية، ولا فرق بين الوضوء وغيره .
وذهب صاحب المدارك (3) وكشف اللثام (4) إلى اعتبار الشكّ في الشرط حتّى بعد الفراغ عن المشروط، فأوجبا إعادة المشروط. ولا يخفى أنّ بين القولين بعد المشرقين.
وفصّل الشيخ بين الفراغ عن المشروط فيلغو الشكّ في الشرط بالنسبة إليه، لعموم لغويّة الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه، وأمّا بالنسبة إلى مشروط آخر لم يدخل فيه فلا ينبغي الإشكال في اعتبار الشكّ فيه، لأنّ الشرط المذكور من حيث كونه شرطاً لهذا المشروط لم يتجاوز عنه، بل محلّه باق،

1 . كشف الغطاء: 278 .
2 . جواهر الكلام: 2 / 363 .
3 . المدارك: 8 / 141 .
4 . كشف اللثام: 5 / 411 .

(384)
فالشكّ في تحققّ شرط هذا المشروط شكّ في الشيء قبل تجاوز محلّه .(1)
وربما يفصّل بين كون القاعدة أصلاً فلا يكفي لمشروط آخر ، أو كونها أمارة فيكفي حتّى لمشروط آخر لم يدخل به بعد .
هذا مجموع الأقوال الّتي ذكرت في المقام، والحق أن يقال: إنّ الشكّ في الشروط على أقسام:
1. أن يكون الشرط محقّقاً لعنوان المأمور به بصورة أنّه أمر عبادي، وهذا نظير كون الفاعل قاصداً للصلاة وعنوانها، كالظهر والعصر وقربيتها كقصد الأمر، فلو شكّ وهو في أثناء العمل أنّه هل كان قاصداً لهذه العناوين المحقّقة للعنوان، فالظاهر بطلان العمل ; لأنّ المتبادر من الروايات كون الموضوع أمراً مسلماً وهو أنّ المكلّف كان بصدد إقامة الصلاة الفريضة امتثالاً لأمره سبحانه ولكن شكّ في بعض ما يعتبر فيها من الأجزاء والشرائط.
هذا من غير فرق بين كون الشكّ في الأثناء أو بعد الفراغ عن العمل; لأنّ مرجع الشكّ عندئذ في أنّه صلّى أم لم يصل، وعندئذ يجب عليه تحصيل البراءة القطعية.
2. الشروط الشرعية غير المقوّمة للعنوان، وهي على قسمين:
أ. تارة ما يكون معتبر قبل العمل، بمعنى أنّ محلّه الشرعي هو قبل العمل كالأَذان والإقامة، فلو شكّ فيهما وهو في الأثناء لا يعتد بشكّه. ومن هذا القبيل سبق الظهر لصلاة العصر فلو شكّ في الأثناء وهو قد نوى العصر

1 . فرائد الأُصول: 3 / 339 ـ 340 .

(385)
هل صلّى الظهر أو لا؟ تجري القاعدة فيه بمعنى أنّ ما بيده من الصلاة واجد للشرط، فيكون صحيحاً بعنوان كونه صلاة العصر، وأمّا بالنسبة إلى نفس صلاة الظهر مع بقاء الوقت فاللازم الإتيان بها.
وإن شئت قلت: إنّ قاعدة التجاوز وإن كانت أصلاً تنزيلياً، أي ينزل ما بيده من صلاة العصر على منزلة صلاة العصر الّتي تقدّمتها الظهر، وأمّا أنّه هل صلّى الظهر واقعاً أو لا، فالقاعدة غير ناهضة لإثباته.
ب. وأُخرى ما لا يكون لذات القيد مكان خاص، بل يعتبر في المشروط من بدء وجوده إلى نهايته كالستر والاستقبال. فإنّ محل إحرازهما وإن كان أوّل الصلاة لكن التقيد بها، غير مشروط ببدء الصلاة فقط، بل يعمّها من أوّلها إلى آخرها.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ للشكّ هنا صوراً:
1. إذا شكّ في وجود الشرط أي التقيّد وقد فرغ من الصلاة، فهي محكومة بالصحّة بحكم القاعدة.
2. إذا شكّ في الأثناء بالنسبة إلى الركعة السابقة وهو واجد له حين الشكّ، فهي محكومة بالصحّة أيضاً .
3. إذا شكّ في الأثناء بالنسبة إلى الركعة السابقة وهو غير واجد له حين الشكّ، فهي محكومة بالبطلان للعلم بعدم وجود الشرط فعلاً، سواء أصحّت الركعة السابقة أم لا.
4. إذا شكّ في الأثناء بالنسبة إلى الركعة السابقة، مع كونه شاكّاً أيضاً

(386)
حين الالتفات، فعليه الفحص، فإن أحرز فهو، وإلاّ تكون محكومة بالبطلان .

الشكّ في الطهارة الحدثية

لو قلنا بأنّ الشرط هو الغسلات والمسحات مع قصد القربة كما هو المتبادر من قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ )(1)، فعندئذ يكفي إجراؤها في بدء الصلاة، فلو شكّ في أثنائها يمضي إلى آخرها، نعم يتوضّأ بالنسبة إلى الصلوات، الأُخرى.
ولو قلنا بأنّ الشرط هو الحالة النفسانية الحاصلة بالغسلات والمسحات المقرونة بقصد القربة، فهو شرط لمجموع العمل فيكون حالها حال الستر والقبلة، فلو شكّ في إحرازها، فلا تجري القاعدة بالنسبة إلى ما يأتي.
ويؤيد الوجه الثاني صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن رجل يكون على وضوء ويشكّ على وضوء هو أم لا؟ قال: «إذا ذكر ـ وهو في صلاته ـ انصرف فتوضّأ وأعادها، وإن ذكر ـ وقد فرغ من صلاته ـ أجزأه ذلك» .(2)
وظاهر الرواية أنّ الرجل كان على يقين من وضوئه ثم سرى الشكّ إلى يقينه، ولو كان شاكاً في بقائه لما لزمه الانصراف، فالمورد كان من قبيل الشكّ

1 . المائدة: 6 .
2 . الوسائل: 1، الباب 44 من أبواب الوضوء، الحديث 2 .

(387)
الساري، ولذلك صار شاكّاً في كون العمل مقروناً بالشرط أو لا ؟
ثم إنّ الرواية تكون دليلاً على الاحتمال الثاني إذا حُملت على الوجوب، وأمّا لو حملت على الاستحباب كما صرّح به صاحب الوسائل ـ بشهادة ذيل الحديث من إجزاء الصلاة إذا كان الشكّ بعدها ـ فلا تكون دليلاً عليه.
ولكن مقتضى الاحتياط كون الشكّ في الوضوء في الأثناء نظير الشكّ في الستر والقبلة.

الأمر الثالث عشر:

في خروج الطهارات الثلاث عن حريم القاعدة

قد مرّ أنّ القاعدة تجري في أثناء العمل وبعده، لكن خرج عن تحتها الوضوء فلو شكّ في الأثناء لزمه العود، ومصب الروايات هو الوضوء، وقد ألحق الأصحاب الغسل والتيمم به. ويدلّ عليه روايات:
1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: «إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا، فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله وتمسحه، ممّا سمّى الله، ما دُمت في حال الوضوء.
فإذا قمت عن الوضوء، وفرغت منه، وقد صرت في حال أُخرى في

(388)
الصلاة، أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمّى الله ممّا أوجب الله عليك فيه وضوءه، لا شيء عليك فيه»(1).
2. موثقة بكير بن أعين، قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضّأ؟ قال: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك» (2).
فتدلّ الرواية بمفهومها على وجوب الاعتداد بالشكّ في أثناء الوضوء .
نعم التخصيص بما بعد الوضوء جاء في كلام السائل لا في كلام الإمام (عليه السلام)، ولذلك تكون دلالة الرواية ضعيفة.
3. مرسلة أبي يحيى الواسطي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت له: جعلت فداك أغسل وجهي ثمّ أغسل يدي، ويشكّكني الشيطان أنّي لم أغسل ذراعي ويدي؟ قال: «إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد» (3).
وجه الدلالة: أنّه لو كان الشكّ في الأثناء مشمولاً للقاعدة، لما تمسّك الإمام في الحكم بعدم العود بالأمارة الظنيّة.
لكنّ في الرواية ملاحظتان:
أ. أنّها مرسلة لا يصحّ الاحتجاج بها.
ب. يمكن أن يقال: إنّ الشكّ في أثناء الوضوء مشمول لقاعدة التجاوز، وأمّا أنّ الإمام لم يتمسّك بها بل تمسّك بالأمارة الظنية، فإنّما هو

1 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 1، وللرواية تتمة فلاحظها هناك.
2 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7 .
3 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 4 .

(389)
لأجل إزالة شكّ السائل الّذي كان كثير الشكّ بشهادة قوله: «ويشكّكني الشيطان» وعندئذ لا يكون التمسّك بها دليلاً على عدم جريان القاعدة في الأثناء .
4. موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه»(1).
والرواية جديرة بالبحث صدراً وذيلاً.
أمّا الصدر ففيه احتمالات:
1. أنّ «من» في قوله «من الوضوء» بيانية، فيكون المراد من «شيء» هو الوضوء. ويعود الضمير في قوله: «وقد دخلت في غيره» إلى الوضوء، ويكون الحد لعدم الاعتبار بالشكّ هو الخروج عن الوضوء، وعلى هذا فالرواية متفقة المضمون مع ما سبق.
2. أنّ «من» تبعيضية والضمير في «غيره» يعود إلى الأقرب ـ أعني «الوضوء» ـ فتكون الحال كالاحتمال السابق .
3. أنّ الضمير في «غيره» يرجع إلى «شيء» فعندئذ يقع التعارض بين هذه الرواية والروايات السابقة، إذ على هذا يكفي في عدم الاعتناء التجاوز عن غسل عضو إلى عضو آخر، فلا يعود إذا شكّ في الوضوء السابق. فتكون الرواية على خلاف ما سبقها. هذا كلّه حول الصدر .

1 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2 .

(390)
وأمّا الذيل فلو أُريد من «شيء» في قوله «إنّما الشكّ في شيء لم تجزه» الوضوء، يرتفع التعارض بينهما، وإن أُريد به عضو من الوضوء يظهر التنافي على غرار ما سبق.
ثم إنّ للقوم في رفع التعارض وجوهاً نذكرها تالياً.
الأوّل: حمل الصحيحة على الشكّ قبل التجاوز من عضو إلى عضو، وحمل الموثقة على الشكّ بعد التجاوز والدخول في عضو آخر، وذلك لأنّ الأُولى مطلقة من حيث الدخول في الـ «غير» وعدمه، بخلاف الثانية فإنّ موردها ما إذا دخل في الـ «غير»، فيقيّد إطلاق الصحيحة بما إذا لم يدخل في الـ «غير» بقرينة الموثّقة.
ولو صحّ هذا الجواب يكون حكم الوضوء حكم سائر الأعمال العبادية من دون فرق بينه وبينها، فلو شكّ في غسل عضو قبل الدخول في العضو الآخر يرجع، ولو شكّ بعد الدخول فلا يرجع، فإذا كان هذا حال الوضوء فالغسل والتيمّم مثله بطريق أولى لعدم ورود النص فيهما.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ صدر الصحيحة وإن كان مطلقاً من حيث الدخول في الـ «غير» وعدمه، لكن قوله (عليه السلام)في أثناء الحديث: «فإذا قمت عن الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أُخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما قد سمّى الله ممّا أوجب الله عليك فيه الوضوء فلا شيء عليك فيه» ظاهر في أنّ عدم الاعتناء بالشكّ في الوضوء محدّد بالفراغ عنه ولا يكفي الفراغ من جزء والدخول في جزء آخر، فحينئذ يقع التعارض

(391)
بين الصحيحة والموثقة الّتي تدل على كفاية الدخول في العضو عند الشكّ في العضو المتقدّم.
وثانياً: لو صحّ ما ذكر تكون النتيجة على خلاف ما اشتهر بين الأصحاب من عدم جريان قاعدة التجاوز في أثناء الوضوء.
الثاني: ما يظهر من بعض الأعاظم (1) وحاصله: حمل الصحيحة على الشكّ في الأجزاء فيجب العود إذا شكّ في غسل عضو من الأعضاء ما لم يفرغ من الوضوء، وحمل الموثّقة الدالّة على كفاية الدخول في عضو آخر ـ وإن لم يفرغ عن الوضوء ـ على الشكّ في الشرائط، غاية ما يلزم تقييد الشيء في الموثقة بالشرائط أو إخراج الأجزاء عنه.
يلاحظ عليه: أنّ لازم هذا حمل الموثقة على المورد النادر فإنّ الشكّ في الوضوء يتحقّق غالباً في غسل الأجزاء وعدمه، لا في شرائط الوضوء من قصد القربة وكون الماء طاهراً مباحاً أو كون الغسل من الأعلى إلى الأسفل أو غير ذلك.
الثالث: ما أفاده الشيخ الأنصاري قائلاً: إنّ الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعلٌ واحد باعتبار وحدة مسبَّبه ـ وهي الطهارة ـ فلا يلاحظ كلّ فعل منه بحياله حتّى يكون مورداً لتعارض هذا الخبر مع الأخبار السابقة، ولا يلاحظ بعض أجزائه ـ كغسل اليد مثلاً ـ شيئاً مستقلاً يشكّ في بعض أجزائه قبل تجاوزه أو بعده ليوجب ذلك الإشكال في الحصر المستفاد من الذيل.

1 . المحاضرات في أُصول الفقه: 3 / 215.

(392)
وبالجملة: الشكّ في أجزاء الوضوء قبل الفراغ ليس إلاّ شكّاً واقعاً في الشيء قبل التجاوز عنه، والقرينة على هذا الاعتبار جعل القاعدة (يريد ما ورد في صحيحة زرارة) ضابطة لحكم الشكّ في أجزاء الوضوء قبل الفراغ عنه أو بعده .(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التوجيه إنّما يصح لو كان موجوداً في ذهن المخاطب ـ أعني: ابن أبي يعفور ـ وكان واقفاً على أنّ الوضوء أمر واحد غير متكثّر وعندئذ يحمل قوله: «في شيء من الوضوء» في الصدر على نفس الوضوء لا على عضو منه، كما يحمل قوله: «وقد دخل في غيره في الذيل » على الدخول في غير الوضوء، لكن المفروض أنّ ذهن المخاطب خال عن هذا التوجيه البعيد عن الأذهان الساذجة. وعندئذ يتصوّر أنّ الوضوء كالصلاة إذا شكّ في العضو المتقدّم، يكفي الدخول في الوضوء المتأخّر فيبقى التعارض بينها وبين الصحيحة.
الرابع: ما نقله السيّد البجنوردي عن الميرزا النائيني من اختصاص قاعدة التجاوز بالصلاة فقط .(2) ثم قال: فعلى هذا لا إشكال في البين حتّى يحتاج إلى بيان الوجه .(3)
وحاصل الجواب: أنّ قاعدة التجاوز الّتي هي ـ عند الميرزا النائيني ـ عبارة عن الشكّ في الوجود، مختصّة بالصلاة لا تعمّ غيرها.

1 . فرائد الأُصول: 3 / 337 ـ 338 .
2 . لاحظ فرائد الأُصول: 4 / 626 .
3 . القواعد الفقهية: 1 / 350 .

(393)
والشكّ في عضو من أعضاء الوضوء بعد الدخول في العضو الآخر من مقولة الشكّ في الوجود، فلا يكون مجرى لقاعدة التجاوز لاختصاصها بباب الصلاة .
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من اختصاص قاعدة التجاوز بالمعنى الّذي اختاره، بباب الصلاة ينافي ظهور قسم من الروايات في العموم منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه قال: «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك وذكرته تذكّراً فأمضه، ولا إعادة عليك فيه» (1). حيث عطف الطهور على الصلاة من غير فرق بين الشكّ في الوجود أو الصحّة.
ومنها ما ورد في باب الطواف عن رجل طاف بالبيت فلم يدر أستة طاف أو سبعة طواف فريضة؟ قال: «فليعد طوافه» قيل: إنّه قد خرج وفاته ذلك؟ قال: «ليس عليه شيء» (2). والحديث ظاهر في الشكّ في الوجود لا في الصحة .
وأخيراً لم يتحقّق لنا كيفية رفع التعارض بين الصحيحة والموثّقة.
الخامس: ما أجبنا به سابقاً وهو جواب متقن ميسور، فنقول: إنّ الصحيحة تدلّ على أنّ الميزان في الوضوء هو الفراغ، ولكن الموثقة بفضل إطلاق الصدر وإطلاق الذيل تدلّ على كفاية كلا الأمرين، الدخول في عضو آخر والفراغ من العمل، فيقيّد إطلاق الصدر والذيل بما في الصحيحة.

1 . الوسائل: 1، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 9، الباب 33 من أبواب الطواف، الحديث 1 .

(394)
فتكون القاعدة في خصوص الوضوء محدّدة بالخروج عن العمل بخلاف غيره.

الأمر الرابع عشر:

اختصاص القاعدة بالإخلال عن سهو

لاشكّ أنّ القاعدة تشمل ما إذا احتمل الإخلال عن سهو، ولا تشمل ما إذا احتمل الإخلال عن عمد، للوجهين التاليين:
1. ارتكاز العقلاء، فإنّهم يعتدون بالشكّ فيما إذا كان احتمال الإخلال مستنداً إلى العمد، فلو احتمل مهندس البيت أنّه ترك عمداً ـ لغرض من الأغراض ـ بعض ما هو اللازم في بناء البيت يرجع ويفتش عنه ولا يكتفي بأصالة الصحة في فعله، والسيرة بهذا المعنى قرينة على حمل الروايات على خصوص ما إذا احتمل الإخلال عن سهو لا عن عمد.
2. أنّ قوله: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك» فإنّه بمنزلة صغرى لكبرى هي: إذا كان أذكر، فلا يترك ما يعتبر في صحّة عمله الّذي يريد به براءة ذمته، لأنّ الترك سهواً خلاف فرض الذكر، وعمداً خلاف إرادة البراءة. واحتمال الترك عن عمد، لا ينسجم مع احتمال العمد.
وإن شئت قلت: إنّ مفاد الأخبار ليس حكماً تعبدياً في ظرف الشكّ على وجود جزء أو شرط، بل الحكم بالوجود لأجل أنّ المكلّف الذاكر الّذي

(395)
هو بصدد إبراء الذمة لا يترك ما هو الواجب لا سهواً، للأذكرية، ولا عمداً لأنّه على خلاف الفرض.
فإن قلت: فما هو التكليف إذا احتمل الإخلال عن عمد؟
قلت: يجب الرجوع إلى القواعد، فلو احتمل ترك الجزء عمداً فعليه إعادة الواجب إذا كان الوقت باقياً، دون ما إذا خرج الوقت فإنّ المرجع فيه عدم الاعتناء بالشكّ.

الأمر الخامس عشر:

اختصاص القاعدة بما إذا احتمل طروء الغفلة

الظاهر اختصاص القاعدة بمورد اشتغل فيه بالعمل عن ذكر إجمالي ـ لا تفصيلي ـ ولكن احتمل عروض الغفلة عليه، فيترك الجزء والشرط. وأمّا لو علم غفلته حين العمل وعدم ذكره إجمالاً ولكن يحتمل انطباق العمل على الواقع من باب الصدفة والاتّفاق، كما لو توضّأ ولم يُحرِّك خاتمه ولكن يحتمل وصول الماء إلى تحت الخاتم صدفة، فلا تجري القاعدة; وذلك لأنّ مجراه ما إذا كان احتمال انطباق العمل على الواقع معلولاً لكونه مريداً لإبراء ذمّته، والمفروض أنّ الانطباق في المثال رهن الصدفة.
وإن شئت قلت: إنّ مصبّ القاعدة ما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة حتّى يختلف حال المكلّف في حين العمل وحين الشكّ، وأمّا إذا

(396)
كانت صورة العمل محفوظة على وجه يكون شاكّاً في كلتا الحالتين، فلا تكون مجرى للقاعدة، وفي المقام لو التفت حين العمل بأنّه يغتسل من غير تحريك لخاتمه، لشكّ كما يشك بعد العمل.
وبعبارة ثالثة: يجب أن تكون الحالتان (حال العمل وحال الشكّ) مختلفتين من حيث الذكر والقرب إلى الحق، وأمّا إذا صارت الحالتان كما في المقام فلا تجري فيه القاعدة، لأنّ الشكّ لا يختص بوقت الفراغ عن العمل بل يعمّ حينه، فلو ذكّره أحد حين العمل إلى كيفية عمله لشك في ذلك الوقت أيضاً .
وعلى هذا يعلم حكم بعض الفروع:
1. لو صلّى إلى جانب من دون تحقيق وفحص ثم شكّ بعد الفراغ في أنّ الجهة الّتي صلّى إليها هل كانت باتّجاه القبلة أم لا؟ فلا تجري القاعدة لتساوي الحالتين (حالة العمل وحالة الشكّ) في الأذكرية والأقربية.
ولو صحّت صلاته وكانت الجهة قبلة فإنّما صحّت من باب الاتّفاق والمصادفة، لا من باب أنّه أذكر أو أنّه بصدد إبراء الذمة.
2. لو توضّأ بأحد الإناءين المشتبهين غافلاً عن العلم الإجمالي، فيحتمل أنّه توضّأ من ماء طاهر فلا تجري قاعدة الفراغ فإنّه لو صادف كونه ماءً مطلقاً فإنّه من باب الصدفة والاتّفاق.
هذا هو مقتضى القاعدة، نعم ربما يظهر من بعض الروايات عدم وجوب الاعتناء إذا أتى بالعمل غفلة وتساوت الحالتان من حيث الأذكرية،

(397)
وهي رواية الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أباعبدالله (عليه السلام)عن الخاتم إذا اغتسلت؟ قال: «حوّله من مكانه» وقال في الوضوء: «تُديره، فإن نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة»(1).
ورواه الصدوق وقال: إذا كان مع الرجل خاتم فليدوّره في الوضوء ويحوّله عند الغسل، وقال: قال الصادق (عليه السلام): «إن نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد» (2).
وأجاب عنه المحقّق الخوئي بعدم دلالة الجزء على المدّعى، إذ ليس فيه ما يدلّ على أنّ السؤال أيضاً كان من جهة الشكّ في وصول الماء، وإن الحكم بالتحويل والإدارة إنّما كان من هذه الجهة، بل ظاهره كون التحويل ـ في الغسل ـ والإدارة ـ في الوضوء ـ مطلوباً في نفسه لا لرفع الشكّ في وصول الماء، وإلاّ لم يكن لذكر خصوص التحويل ـ في الغسل ـ والإدارة ـ في الوضوء ـ وجه، لكفاية العكس أيضاً في إيصال الماء، بل يكفي كلّ واحد من التحويل والإدارة فيهما، فاعتبار هذه الخصوصية يشهد بكونهما مطلوبين في نفسهما. والحاصل ليس الخبر راجعاً إلى الشكّ في وصول الماء، فإذا شكّ في وصول الماء يجب تحصيل العلم بوصوله بنزع الخاتم أو تحريكه .(3)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره احتمال عقلي غير متبادر من الرواية، فإنّ

1 . الوسائل: 1، الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 1، الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث 3 .
3 . مصباح الأُصول: 3 / 307 ـ 308 .

(398)
المتبادر منها كون التدوير لأجل وصول الماء إلى ما تحت الخاتم لا لأجل كونه أمراً استحبابياً نفسياً. ويدلّ على ما ذكرنا ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن المرأة عليها السوار والدملج في بعض ذراعها، لا تدري يجري الماء تحته أم لا، كيف تصنع إذا توضّأت أو اغتسلت؟ قال: «تحركه حتّى يدخل الماء تحته أو تنزعه».
وعن الخاتم الضيّق، لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضّأ أم لا، كيف يصنع؟ قال: «إن علم أنّ الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضّأ»(1).
وأمّا اختلاف التعبير حيث عبّر في الغسل بالتحويل وفي الوضوء بالتدوير لاحتمال كون الإسباغ في الغسل آكد من الوضوء، ولذلك أمر في الغسل بالتحويل من مكانه، وفي الوضوء بالتدوير.

الأمر السادس عشر:

احتمال الانطباق من باب الاتّفاق

الفرق بين هذا الأمر وما تقدّم ـ مع كونهما مشتركين في كون احتمال الانطباق معلولاً للصدفة والاتّفاق ـ هو أنّ الشكّ في الأمر السابق رهن الجهل بكيفية الموضوع وأنّ الخاتم هل كان ضيقاً على نحو يمنع من نفوذ الماء أو لا؟ والشكّ في المقام نابع من الجهل بالحكم الشرعي ولكن يحتمل انطباق العمل على الواقع صدفة واتّفاقاً.

1 . الوسائل: 1، الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث 1 .

(399)
وإن شئت قلت: إنّ الفرق بي