welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج3- مصححه*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج3- مصححه

1
المبسوط في أُصول الفقه / ج 3
3

2

3
الجزء الثالث

4
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق ـ
      المبسوط في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني. ـ ] ويراست 2 [. ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1389 .
      4 ج. ISBN 978 - 964 - 357 - 544 - 1(VOL. 3)
ISBN 978 - 964 - 357 - 313 - 3 (4 VOL. SET)
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بر صورت زيرنويس.
چاپ دوم; 1393 .
      1. اصول فقه شيعه ـ ـ قرن 14. الف. موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
2م 2س/ 8/159 BP 312 / 297
1393
اسم الكتاب: … المبسوط في أُصول الفقه
الجزء: …الثالث
المؤلف: … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة: … الثانية ـ منقحة ومزيدة
تاريخ الطبع: … 1435 هـ . ق
المطبعة: … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر: … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع: …وزيري
عدد الصفحات: …656 صفحة
التنضيد والإخراج الفني: … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
         تسلسل النشر:839                  تسلسل الطبعة الأُولى:420
مركز التوزيع
قم المقدسة / ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?7745457; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

5

6

7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وبريّته وخاتم رسله وأنبيائه أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد: فهذا هو الجزء الثالث ـ ويليه الجزء الرابع بإذن الله تبارك وتعالى ـ من كتابنا الموسوم بـ «المبسوط في أُصول الفقه» ونطرح فيهما الحجج العقلية والشرعية.
والمعروف بين الإمامية أنّ الأدلّة منحصرة في أربعة: الكتاب العزيز، السنّة المطهّرة، إجماع الفقهاء، والعقل. وكان اللازم على الأُصوليّين خصوصاً على الشيخ الأنصاري ـ رائد علم الأُصول في القرن الثالث عشر ـ أن يخصَّ مقصداً بكلّ دليل، أو يفتح لكلٍّ، فصلاً حتّى يكون القارئ على بصيرة تامّة بالنسبة إلى الأدلّة الأربعة.
ولكنّه (قدس سره)ـ وتبعه المتأخّرون ـ لم يفتح لكلّ منها باباً خاصاً، بل أدخل حجّية العقل في مبحث القطع بالحكم الشرعي، كما أدخل البحث في حجّية الكتاب العزيز في فصل «حجّية الظواهر مطلقاً» كتاباً كانت أو سنّة، كما أدرج البحث عن حجّية الإجماع المحصّل الّذي عبّرنا عنه بإجماع الفقهاء في البحث عن الإجماع المنقول، وأقحم البحث عن حجّية السنّة في البحث عن حجّية الخبر الواحد; وهذا النوع من البحث يورث التشويش في ذهن القارئ.

8
وبما أنّ الدارج في الحوزات العلمية هو النظام السابق لم يكن لنا بدّ عن اتّباعه والسير على منهاجه، ومع ذلك لم يفتنا تخصيص فصل لكلّ من الأدلّة الأربعة، وبذلك صارت محاضراتنا مزيجة ممّا أشرنا وما عليه مشاهير الأُصوليّين.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ كتابنا هذا يشتمل على مقاصد، وقد فرغنا من المقاصد الخمسة ضمن الجزأين الأوّل والثاني، وحان البحث في المقصد السادس الّذي خصّه المحقّق الخراساني لبيان الحجج الشرعية وجعل البحث عن أحكام القطع كتمهيد للبحث عنها، غير أنّا نخصّ المقصد السادس لبيان أحكام القطع، وحجّية العقل حفظاً لمكانة العقل في الاستنباط، ونخصّ المقصد السابع لبيان الحجج الشرعية. والثامن لبيان الأُصول العملية، والتاسع لتعارض الأدلّة الشرعية، وبذلك يتجاوز عدد المقاصد من الثمانية إلى التسعة وخصّصنا الخاتمة لبيان الاجتهاد والتقليد فتدبّر.

9
المقصد السادس
في أحكام القطع وأقسامه، وحجّية العقل
في مجالات خاصّة

10

11
ونخصّ هذا المقصد ببيان أمرين:
الأوّل: في أحكام القطع سواء أتعلّق بالموضوع أم بالحكم.
الثاني: حجّية العقل في مجالات خاصّة.

الأمر الأوّل:

في القطع وأحكامه وأقسامه

وقبل الشروع في بيان أحكام القطع سواء أتعلّق بالموضوع أم بالحكم، نأتي بمقدّمات تمهيدية لها تأثير في دراسة أحكام القطع، وقد ذكرها الشيخ وغيره في ديباجة كتبهم.

الأُولى: تقسيم حالات المجتهد عند الالتفات إلى الحكم

قَسّم الشيخ الأعظم حالات المجتهد عند الالتفات إلى الحكم الشرعي إلى أقسام ثلاثة، اشتهرت بالتقسيم الثلاثي.

التقسيم الثلاثي في كلام الشيخ

قال: اعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع، أو الظن، أو الشكّ; فإن حصل له الشك فالمرجع هي القواعد الشرعية الثابتة للشاكّ في مقام العمل، وتسمّى بالأُصول العملية.
وقد وقع التقسيم محلاًّ للنقاش:

12
منها: أنّ الحالات الثلاث من خصائص المجتهد دون المكلّف.
ومنها: أنّه أطلق الحكم ولم يقيده بالفعلي مع أنّ الأحكام المترتّبة على الحالات الثلاث إنّما تترتّب إذا تعلّق القطع وما يليه، بالفعلي دون الإنشائي; أعني: ما تمّ تشريعه ولم يبيّن أو بُيّن ولم يصل إلى يد الأُمّة. ومثل هذا لا يكون موضوعاً لحكم من الأحكام.
ومنها: وجود التداخل في الأقسام، لأنّ الظن إن قام الدليل على حجّيته فيدخل تحت القطع أي القطع بالحكم الظاهري، وإن لم يدلّ دليل على حجّيته يكون نظير الشك في عدم الحجّية. فلا يكون الظن قسماً مستقلاً للقطع والشك.
ومن حاول أن يحتفظ بالتقسيم الثلاثي كان عليه أن يقرّر حالات المجتهد بالنحو التالي:
إنّ المستنبط إذا التفت إلى حكم شرعي فعلي إمّا أن يحصل له القطع بالحكم الواقعي، أو لا. فعلى الثاني إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر،(1) أو لا. فالمرجع على الأوّل هو القطع، وعلى الثاني هو الطريق المعتبر، وعلى الثالث، هو الأُصول العملية.

التقسيم الثنائي في كلام المحقّق الخراساني

عدل المحقّق الخراساني بسبب بعض ما مرّ من المناقشات إلى التقسيم الثنائي فقال:

1 . قيل طريق معتبر دون أن يقال: دليل معتبر لئلاّ يشمل الأُصول العملية لأنّها ليست طرقاً معتبرة وإن كانت أدلّة معتبرة.

13
إنّ البالغ إذا وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلّق به أو بمقلّديه، فإمّا أن يحصل له القطع به، أو لا.
وعلى الثاني لابد من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظن لو حصل له، وقد تمّت مقدّمات الانسداد على تقدير الحكومة، وإلاّ فالرجوع إلى الأُصول العقلية من البراءة والاشتغال والتخيير.(1)
وبما أنّه عمّم متعلّق القطع إلى حكم واقعي وظاهري، فقد أدخل فيه الأُمور التالية:
1. القطع الوجداني بالحكم.
2. القطع بالحكم بقيام الأمارة.
3. القطع بالحكم الظاهري عن طريق الأُصول العملية الشرعية، كالبراءة والتخيير الشرعيّين والاستصحاب.
فدخل الجميع تحت قوله: «يحصل له القطع به» كما دخل في قوله: «أو لا» المعذرات العقلية الّتي ليس في موردها حكم شرعي مجعول. أعني:
ألف: الظن الانسدادي إذا قلنا بحكومة العقل (لا لكشفه عن جعل الشارع الظن حجّة إذ عندئذ يدخل في القطع بالحكم الشرعي) بلزوم الإطاعة الظنّية وتقديمها على الإطاعة الشكّيّة والوهمية من دون أن يكون المظنون حكماً شرعياً مجعولاً.
وأمّا على القول بالكشف، وأنّ العقل يكشف عن أنّ الشارع جعل الظن عند الانسداد حجّة شرعية فيكون المظنون حكماً شرعياً ظاهرياً داخلاً في القسم الأوّل: القطع بالحكم الظاهري، والفرق بين الحكومة والكشف نفس

1 . كفاية الأُصول: 2 / 3.

14
الفرق بين الحلية العقلية، والحلية الشرعية، فهي على الوجه الأوّل ترخيص عقلي ليس بشرعي بخلافها على الوجه الثاني فإنّها حكم شرعي.
ب: الأُصول العملية العقليّة من البراءة والاشتغال والتخيير فإنّ مبنى الأوّل قبح العقاب بلا بيان، والثاني لزوم الخروج عن عهدة التكليف على وجه القطع، والثالث لزوم الخروج عن عهدة التكليف بالمقدار الممكن. والجميع معذّرات دون أن يكون فيها حكم شرعي مجعول.
وحصيلة الكلام: أنّ المحقّق الخراساني أقحم القطع بالحكم الشرعي والحجج الشرعية كالأمارات والأُصول الشرعية تحت الشق الأوّل، كما أدخل الحجّج العقلية كالظن الانسدادي على القول بالحكومة والأُصول العقلية في الشق الثاني.
ولا يخفى أنّ التقسيم الثلاثي أولى من التقسيم الثنائي:
أوّلاً: أنّه تقسيم طبيعي في كلّ موضوع يقع في مجال الفكر من غير اختصاص بالحكم الشرعي.
وثانياً: أنّه كديباجة للمباحث الثلاثة، الّتي كتب الشيخ فيها ثلاث رسائل حيث ألّف رسالة في القطع، وثانية في الظن، وثالثة في الشك، وبذلك اشتهر كتابه بـ «الرسائل».
وثالثاً: أنّ المحقّق الخراساني أدخل الأمارات والأُصول الشرعية تحت القسم الأوّل مع أنّ القول به فرع وجود حكم شرعي في مجال الأمارات والأُصول الشرعية، بمعنى أنّه إذا أخبر العادل بوجوب شيء أو قام الاستصحاب على استمرار الوجوب، فللشارع هنا حكم شرعي مجعول على وفق مضمون الأمارة والأُصول، سواء أوافقت الواقع أم خالفت; لكن هذا أمر

15
غير ثابت بل ثبت خلافه.
إذ ليس للشارع دورٌ فيها إلاّ إمضاء ما بيد العقلاء. بمعنى أنّه إن أصاب يكون منجّزاً (دون أن يكون في مورد الأمارة جعل حكم شيء مماثل)، وإن أخطأ يكون معذّراً دون أن يكون فيه حكم شرعي ظاهري على خلاف الواقع.
نعم يستثنى من ذلك الإباحة الشرعية الّتي دلّت على جعل الحلّية عند الشك نظير قوله: كلّ شيء حلال حتّى تُعلم أنّه حرام. فإنّ المتبادر من دليلها، جعل حلية ظاهريّة.
وبذلك تعلم أفضلية التقسيم الثلاثي على الثنائي بشرط إجراء الإصلاحات على النحو الّذي عرفت.
***

المقدّمة الثانية: انحصار الأُصول العملية بالأربعة استقرائي

اعلم أنّ الأُصول العملية بين ما يخصّ بباب كأصالة الطهارة والحلية، وبين ما يجري في عامّة الأبواب، وهي أربعة حسب الاستقراء أعني: البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب، إذ لم يجد الفقيه أصلاً عاماً غير هذه الأربعة.
نعم إذا قطعنا النظر عن الاستصحاب يمكن أن يكون الحصر فيما عداه عقلياً أيضاً، لأنّه إمّا لا يراعى فيه التكليف المحتمل فهو البراءة، أو يراعى بوجه وهو التخيير، أو يراعى بكلّ وجه وهو الاحتياط.

16

المقدّمة الثالثة: حصر مجاري الأُصول في أربعة حصر عقلي

قد عرفت أنّ حصر الأُصول العملية في الأربعة استقرائي لكن حصر مجاريها في الأربعة حصر عقلي دائر بين النفي والإثبات، وقد اختلفت كلمات الشيخ في بيان المجاري فقرّرها في متن الفرائد على وجه، وفي هامشها على وجه آخر، وقد وقعا مجالاً للنقض والإبرام، ولعلّه لذلك عدل عنهما في أوّل رسالة البراءة والاشتغال إلى بيان ثالث، ونحن نأتي به، لخلوّه عن الإشكال فقال: إنّ حكم الشك إمّا أن يكون ملحوظاً فيه اليقين السابق عليه، أو لا يكون كذلك، سواء لم يكن يقين سابق عليه، أو كان ولم يلحظ; فالأوّل مورد الاستصحاب، والثاني إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً، أو لا; والثاني مورد التخيير، والأوّل إمّا أن يدلّ دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا; والأوّل مورد الاحتياط، والثاني مورد البراءة.(1)
فقد بيّن مجرى كلّ من الأُصول الأربعة بالنحو التالي:
1. مجرى الاستصحاب: وهو ما كانت الحالة السابقة ملحوظة.
2. مجرى التخيير: وهو ما لا تكون الحالة السابقة ملحوظة إمّا لعدمها أو لعدم حجّيتها، وكان الاحتياط غير ممكن، سواء أكان الشك من سنخ الشك في التكليف، كما إذا تردّد حكم شيء معيّن في وقت محدّد بين الوجوب والحرمة، أم كان من قبيل الشك في المكلّف به، كما لو علم بوجوب البيتوتة إمّا في هذا البلد أو في بلد آخر، فأصالة التخيير تجري في كلا الموردين بملاك عدم إمكان الاحتياط.
3. مجرى البراءة بعد إمكان الاحتياط، وهو ما إذا لم ينهض دليل على

1 . الفرائد: 2 / 14 طبعة تحقيق تراث الشيخ الأنصاري. وكلّ ما نقلنا منها، فالمرجع هذه الطبعة.

17
العقاب، بل على عدمه من العقل: كقبح العقاب بلا بيان، أو الشرع كحديث الرفع.
4. مجرى الاشتغال بعد إمكان الاحتياط، وهو ما إذا نهض دليل على العقاب لو خالف الواقع.
أمّا حال التقريرين الموجودين في متن الفرائد وهامشها وما فيهما من الإشكال من حيث تداخل مجاري الأُصول بعضها في بعض فراجع في ذلك الصدد إلى التقريرين: إرشاد العقول أو المحصول في الأُصول.
إذا عرفت هذه المقدّمات الثلاث فلندخل في صلب الموضوع أي القطع بالموضوع أو الحكم، وذلك ضمن البحث في جهات سبع بإذن الله سبحانه.

18

الجهة الأُولى

في أحكام القطع

إنّ للقطع بمعنى اليقين الجازم والعلم الحاسم، أحكاماً ذكرها الأُصوليوّن في كتبهم نشير إليها:

1. وجوب متابعة القطع

قال الشيخ الأعظم: لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل على وفقه ما دام موجوداً لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع.
وقال المحقّق الخراساني: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً ولزوم الحركة على طبقه جزماً.
يلاحظ عليه: أنّه إن أراد بمتابعة القطع هو متابعة نفس القطع ـ أعني: الصورة العلمية الحاصلة عند النفس ـ فهي مغفول عنها وغير ملحوظة، فكيف تجب متابعتها. وإن أراد من القطع، المقطوع كالوجوب والحرمة فهو، وإن كان غير مغفول عنه لكن الموضوع لوجوب الطاعة هو ذات الأحكام بما هي هي لا الوجوب المقطوع أو الحرمة المتيقّنة، نعم لا يمكن امتثال الحكم الواقعي إلاّ إذا تعلّق به العلم أو قامت الحجّة عليه، فالعلم به من شرائط تنجّز الطاعة وليس قيداً لوجوبها مضافاً إلى عدم اختصاص الحكم بالقطع بل يعم الأمارات والحجج.
فالأَولى أن يقال: تجب متابعة الأحكام المنجّزة بالقطع أو بالحجّة الشرعية.

19

2. هل الطريقية للقطع أمر ذاتي؟!

المعروف أنّ طريقية القطع أمرٌ ذاتي له وليس بجعل جاعل فهي غنية عن الجعل.
توضيحه: أنّ الجعل ينقسم إلى جعل بسيط وهو إيجاد الشيء كالجسم، وإلى تأليفي كجعل شيء شيئاً مثل جعل الجسم أبيض.
ثم إنّ الجعل التأليفي ينقسم إلى حقيقي كجعل الجسم أبيض، وإلى مجازي كجعل الأربعة زوجاً، والملاك في وصف الجعل بالحقيقي هو ما إذا كان إيجاد الموضوع غير كاف في جعل المحمول كما في جعل الجسم أبيض حيث لا يكفي إيجاده في كونه أبيض بخلاف الجعل المجازي فهو عبارة عن كون إيجاد الموضوع كافياً في جعل المحمول من دون حاجة إلى جعلين كجعل الأربعة زوجاً. فإنّ جعل الأربعة وإيجادها بنفسها يغني عن جعل الزوجية ثانياً. ومع ذلك تصحّ نسبة الجعل إلى اللازم أيضاً مسامحة.
إذا عرفت ذلك فنقول في تقرير نظرية المشهور: إنّها لا تخلو عن أحد احتمالين:
1. الطريقية من ذاتيات القطع بمعنى أنّها نفس القطع كالحيوان الناطق الّذي هو نفس الإنسان، فالطريقية بهذا المعنى بحاجة إلى الجعل البسيط شأن كلّ ممكن محتاج إلى علّة فيحصل العلم واليقين في لوح النفس بعد إمعان النظر.
2. الطريقية من لوازم وجود القطع فالجعل التأليفي الحقيقي بين الملزوم واللازم غير ممكن، لأنّ مناط الجعل هو الفقر والحاجة وهو منتف، لأنّ جعل الملزوم لا ينفك عن جعل لازمه.

20
نعم لا بأس بالجعل التأليفي المجازي كجعل الأربعة زوجاً بمعنى أنّ الجعل يتعلّق حقيقة بالأربعة، ومجازاً بالزوجية. فتحصّل أنّ الطريقية إذا كانت نفس القطع فهي بحاجة إلى الجعل البسيط. وإذا كانت من لوازمه فلا يعقل فيها الجعل التأليفي الحقيقي، نعم لا بأس به مجازاً.
يلاحظ عليه: بأنّه ليست الطريقية من ذاتيات القطع أي جنساً له أو فصلاً أو نوعاً، كما هو المحتمل الأوّل ولا من لوازمه الذاتية الّتي لا تنفك، وإلاّ لزم كون كل قطع مطابقاً للواقع وكاشفاً عنه.
والقول بأنّ المراد، هو الطريقية عند القاطع فهو كما ترى، لأنّ الأمر الذاتي لا يكون أمراً نسبياً لشخص دون شخص.
ثم إنّ غناء القطع عن جعل الطريقية (على فرض القول بها) ليس ما ذكروه من كونها من ذاتيات القطع أو لوازمه، بل الوجه هو: أنّ المراد من الجعل هنا هو الجعل الاعتباري الّذي هو فعل النفس، والجعل الاعتباري يتعلّق بالأُمور الاعتبارية كالجزئية والشرطية والملكية والمملوكية، وأمّا الطريقية أي إراءة القطع وجه الواقع وكشف الستر عن الحقيقة فهو أمر تكويني غير خاضع للجعل والاعتبار، فتلخّص من ذلك أنّ الطريقية لا تقبل الجعل لا لما ذكروه من كونها من ذاتيات القطع أو لوازمه، بل لأجل كونها فوق الجعل والاعتبار.
ومن ذلك يعلم أنّ ما هو المشهور بين تلامذة المحقّق النائيني من أنّ المجعول في مورد الأمارات هو الطريقية لا محصّل له، كما أنّ ما عليه سيدنا الحجة الكوهكمري من أنّ دور الشارع في الأمارات هو تتميم الكشف ليس بتام فهؤلاء خلطوا بين التكوين والاعتبار، وبين الطريقية والحجّية، فالأُولى لا تقبل الجعل، بخلاف الثانية.

21

3. هل حجّية القطع أمر ذاتي له؟!

هذا كلّه حول الطريقية وأمّا الحجية فربّما يقال: إنّ الحجّية أمر ذاتي للقطع غير قابل للجعل بأن يجعل الشارع مثلاً القطع حجةً.
أقول: تطلق الحجّية ويراد منها أحد المعاني الثلاثة:
1. الحجّة العقلائية أو اللغوية.
2. الحجّة المنطقية.
3. الحجّة الأُصولية.
أمّا الحجّة العقلائية ـ وإن شئت قلت ـ: الحجّة اللغوية فهي عبارة عمّا يحتجّ به المولى على العبد وبالعكس. وبعبارة أُخرى: ما يكون قاطعاً للعذر إذا أصاب الواقع، ومعذراً إذا أخطأ.
إنّ الحجّية بهذا المعنى من المستقلاّت العقلية حيث يستقل العقل عند قطع المكلّف بحكم، بمنجزيته عند الإصابة ومعذريته عند المخالفة، وهذا من أحكام العقل إذا لاحظ حال العبد وهو قاطع، نظير استقلال العقل بحسن العدل وقبح الظلم إذا لاحظ العدل والظلم بنفسهما فيحكم بحسن الأوّل وقبح الثاني.
والحاصل: أنّ الحجّية بهذا المعنى ممّا يستقل به العقل عند دراسة حال العبد، فإذا وجده قاطعاً بأمر المولى ونهيِه يحكم على قطعه بالمنجزية إذا وافق الواقع، والمعذرية إذا خالفه; وليس هذا الحكم عزيزاً في أحكام العقل فإنّه أيضاً يستقل بحسن فعل وقبح فعل آخر إذا لاحظ الفعلين بأنفسهما متجرّدَين عن كلّ شيء سواهما، وهذا كالعدل والظلم فالأوّل محكوم بالحسن لكونه موافقاً للفطرة والوجدان، كما أنّ الثاني محكوم بالقبح لمنافرته معهما.
هذا ما عندنا، وأمّا المحقّق الخراساني ومن تبعه فقد جعلوا الحجّية

22
بمعنى العقلائية من لوازم وجود القطع نظير الإحراق بالنسبة إلى النار، والزوجية بالنسبة إلى الأربعة.
وقالوا: إنّ الجعل التأليفي الحقيقي غير ممكن بين الشيء ولازمه، وذلك لأنّ جعل الملزوم وإيجاده (كالنار والأربعة) كاف في وجود اللازم (الإحراق والزوجية) ومعه يستغني اللازم عن الجعل المستقل.
يلاحظ عليه: بأنّ فيه خلطاً بين حكم العقل ولازم القطع، فإنّ الحجّية ممّا يستقل بها العقل والقطع موضوع لحكم العقل، لا أنّ الحجّية من لوازمه، وأوضح شاهد على ذلك أنّ الإنسان ربّما يلتفت إلى العلم والقطع ولكنّه يغفل عن الحجّية، وما هذا إلاّ لكونها من أحكام العقل لا من لوازم القطع.
فإن قلت: ما الفرق بين الإمكان الّذي هو من لوازم ذات الممكن وبين الحجّية، إذ لقائل أن يقول: ليس الإمكان من لوازم ذات الممكن، بل من الأحكام العقلية الثابتة له عند ملاحظته بنفسه. حيث يرى ذاته بالنسبة إلى الوجود والعدم سواء.
قلت: فرق بينهما، إذ ليس للممكن المتصوّر حيثية سوى الفقر والتدلّي وليس شيئاً عرض له الفقر، وإلاّ يلزم أن يكون غنيّاً بالذات لكن عرضه الفقر وهو أمر محال، فيصحّ أن يعد من لوازم الممكن(1)، وهذا بخلاف القطع، فإنّ حقيقته كشف الستر عن الواقع، لا الحجّية لاختصاصها بدائرة المولوية والعبودية، لا في كلّ مورد.
ثم إنّه ربّما يستدلّ على امتناع جعل الحجّية له باستلزامه التسلسل، لأنّ

1 . بل لو فسّر الإمكان بسلب الضرورتين يقع في مرتبة الذات كما هو المحقّق في محلّه. لاحظ: الأسفار بحث الإمكان.

23
الجاعل إمّا أن يكون القطع أو الظن أو الشك، والأخيران أنزل من أن يكونا مبدأ لحجّية القطع فينحصر بالقطع، فينقل الكلام إليه فعندئذ إمّا يتسلسل أو يتوقّف في مورد، تكون الحجّية له هنا أمراً ذاتياً.
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه تبعيد للمسافة ـ أنّ غناءه عن جعل الحجّية لا يلازم كونها من ذاتياته، لاحتمال أن يكون ذلك من أحكام العقل عند ملاحظة القطع في مجال المولوية والعبودية، وهذا الاحتمال يكفي في إبطال الاستدلال مع أنّك عرفت أنّه ليس احتمالاً، بل أمراً قطعياً.
***
وأمّا الحجّة المنطقية: فهي عبارة عمّا إذا كان الحدّ الوسط في القياس المنطقي علّةً لثبوت الأكبر للأصغر أو معلولاً لثبوته له، والأوّل كالتغير الّذي هو علّةٌ لإثبات الحدوث للعالم، والثاني كالحمى الّذي هو معلولٌ لطروء الاختلال على المزاج، وصورة القياس في كلا الموردين واضحة.
إذا علمت ذلك: فاعلم أنّ القطع الطريقي الّذي لا دور له في ترتّب الحكم على الموضوع إلاّ الكشف عن الواقع لا يوصف بالحجّية بالمعنى المنطقي، مثلاً إذا حرّم الشارع الخمر بما هو هو وقال: الخمر حرام، فالموضوع للحرمة هو الخمر، سواء أقطع به أم لم يقطع، غير أنّه إذا قطع به يكون الحكم منجّزاً، فعلى ذلك لا يصحّ ترتيب القياس كقولنا: هذا مقطوع الخمرية، وكلّ مقطوع الخمرية حرام، فهذا حرام. وذلك لما عرفت من أنّ الحرام هو الخمر نفسه قطع به، أو لا.
فتكون الكبرى حينئذ قضية كاذبة، إذ ليس مقطوع الخمرية حراماً، بل الخمر بما هو هو حرام.

24
نعم إذا كان القطع موضوعاً للحرمة ـ تمام الموضوع أو بعضه ـ يصحّ إطلاق الحجّة المنطقية عليه، إذ عندئذ يكون القطع واسطة لثبوت الأكبر على الأصغر، ويصحّ تأليف قياس منطقي منه فيقال: «هذا مقطوع الخمرية وكلّ مقطوع الخمرية حرام»، فهذا حرام، والكبرى عندئذ صادقة بخلاف ما إذا كان القطع طريقاً لا دخيلاً في الموضوع.
ومن هنا يعلم حكم الظن كالخبر الواحد وسائر الأمارات، فلو كان الظن طريقاً إلى الموضوع أو إلى الحكم فلا يقع وسطاً في القياس، وهذا كالمثال السابق، مثلاً إذا قيل: هذا مظنون الخمرية، وكلّ مظنون الخمرية حرام، لما عرفت من كذب الكبرى.
نعم لو أخذ الظن في موضوع الحكم، سواء أكان تمام الموضوع أو بعضه يصحّ إطلاق الحجّة المنطقية عليه، مثلاً لو رتّب الشارع الحرمة على مظنون الضرر أو حرمة السفر على مظنون الخطر يصح أن يقال: هذا مظنون الضرر، وكلّ مظنون الضرر يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه.
وبذلك يعلم وجود الخلط في كلام الشيخ في «الفرائد» حيث فرّق بين القطع والظن فقال لا يحتج بالقطع على ثبوت الأكبر للأصغر بخلاف الظن أو البينة أو فتوى المفتي فيصح أن يقال: هذا الفعل ما أفتى به المفتي أو قامت البيّنة على كونه محرماً فهو حرام (1).
يلاحظ عليه: بأنّ القطع والظن من باب واحد، والطريقي منهما لا يحتج، أي لا يقع كبرى للصغرى، فلا يقال: هذا مظنون الخمرية وكلّ مظنون الخمرية حرام، لأنّ الحرام ذات الخمر لا المظنون به وهكذا القطع; بخلاف الموضوعي منهما، فإنّه يقع كبرى للصغرى. ولعلّ منشأ الاشتباه هو الخلط بين الحجّة

1 . الفرائد: 1 / 30.

25
المنطقية والحجّة الأُصولية، فإنّ التفكيك بين القطع والظن يصحّ على الثانية دون الأُولى.
***
أمّا الحجّة الأُصولية: فهي عبارة عمّا لا يحكم العقل بالاحتجاج بها، غير أنّ الشارع اكتفى في مقام الاحتجاج بها، وذلك لمصالح كامنة في اعتبار الظن، وعندئذ يصحّ جعل الحجّية بهذا المعنى لكلّ الأمارات والظنون حيث إنّ الشارع ـ طلباً لسهولة الأمر على الأُمّة ـ أضفى لها الحجّية، وبهذا يعلم أنّ القطع بما أنّه كاشف تام عند القاطع ويستقل العقل بصحّة الاحتجاج به يكون غنياً عن جعل الحجّية الأُصولية له بخلاف الأمارات والظنون، فهي لأجل أنّ كشفها غير تام صالح لجعل الحجّية، إذ لولاه لما صحّ لأحد الطرفين الاحتجاج به.

4. القطع والنهي عن العمل به

هل يجوز للشارع التصرّف في القطع بأن يمنع عن العمل به في مورد دون مورد؟ فيه تفصيل، لأنّه لو كان الحكم مترتّباً على واقع الشيء كالحرمة بالنسبة للخمر وقطع المكلّف بمثل هذا الموضوع فليس للشارع منعه عن العمل به، وذلك لاستلزامه التناقض في الجعل، فمن جانب رتّب الحرمة على واقع الخمر، والمفروض أنّ المقطوع خمر في الواقع ومن جانب آخر يمنع عن العمل به، وهذا أشبه بالأمر بالمتناقضين.
نعم لو كان للقطع دور في ترتّب الحكم بحيث لولا القطع لما ترتّب الحكم على الموضوع ففي مثله يجوز للشارع التصرّف في موضوع الحكم بأن يمنع عن بعض أفراد القطع دون البعض الآخر، كما هوالحال في القطع الحاصل من العلوم الغريبة بالنسبة إلى أحكام الموضوعات حيث لا يعتدّ به،

26
وذلك لأنّ الموضوع قلّة وكثرة في يد الشارع فله أن يُطلق ويشمل كلّ القطع، وله أن يُحدِّد ويخرج بعض الأقسام، كما هو الحال في القطع الحاصل بالحكم الشرعي من الرمل والجفر.

5. مراتب الحكم وأحكام القطع

ذكر الأُصوليّون أنّ للحكم مراتب أربع:
1. مرتبة الاقتضاء كالمصالح والمفاسد وتسميتها بالحكم نوع من التوسّع والمجاز، وإلاّ فهما من مبادئه ومقدّماته.
في التجرّي
2. مرتبة الإنشاء والتصويب قَبْل الإعلام للمكلّفين.(1)
3. مرتبة الفعلية، صدور البيان من المولى وجعله في مظان بيان التكليف.
4. مرتبة التنجيز إذا وقف عليه المكلّف، ووصل إليه .
إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ ما ذكر من آثار القطع وأحكامه الّتي من أبرزها التنجيز عند الإصابة، والتعذير عند المخالفة، فهي من آثار الحكم الفعلي الّذي أتمّ المولى الحجّة على العبد وبيّن ماهي وظيفته، غاية الأمر لا يتنجّز إلاّ بالقطع أو بما جعله الشارع حجّةً.
ثم إنّ المحقّق الخراساني أشار في المقام إلى مشكلة الجمع بين الحكم الواقعي الفعلي والظاهري الفعلي مع أنّه طرحها عند البحث في حجّية الظنون والأمارات، ونحن نطرح المسألة في ذلك المحلّ فلا داعي إلى التكرار.

1 . هذا على القول المختار عندنا في تفسير إنشائيّة الحكم وفعليته خلافاً للقوم فإنّهم فسّروها بمن لم يجتمع عنده شرائط التكليف من العلم والقدرة وتقابلها الفعلية. فلاحظ.

27
 
الجهة الثانية

في التجرّي

وقبل الورود في صلب الموضوع نذكر أُموراً:

1. التجرّي لغة واصطلاحاً

التجرّي في اللغة مطلق إظهار الجرأة، فإذا كان المتجرّى عليه هوالمولى فيتحقّق التجرّي بالإقدام على خلاف ما قطع بوجوبه أو بحرمته بترك الأوّل وارتكاب الثاني من دون فرق بين كون قطعه مصيباً للواقع أو مخالفاً له، ولكن ليس هذا هو المقصود في المقام، بل ما هو المصطلح، أعني: الإقدام على خلاف ما قطع به في مجال إطاعة المولى شريطة أن يكون قطعه مخالفاً للواقع. كما إذا أذعن بوجوب شيء أو حرمته، فترك الأوّل وارتكب الثاني فبان خلافهما، وعندئذ تسمّى مخالفة القطع المصيب بالمعصية.
ومنه يظهر حال الانقياد فهو لغة: الإقدام على وفق ما قطع، سواء أكان في قطعه مصيباً أم لا، لكن المراد هنا هو القسم الخاص، أعني: ما إذا عمل على وفق قطعه لكن تبيّن خطئُه.
ومنه يعلم أنّ التجرّي والانقياد بالمعنى المصطلح لا يختصّان بالقطع، بل يعمّان الحجج الشرعية من الأمارات والأُصول، فلو خالف البيّنة أو الأصل العملي ثم ظهر عدم إصابتهما للواقع يسمّى تجرّياً، ومثله الانقياد فهو لا يختصّ بالقطع، بل يعمّ الحجج الشرعية أيضاً.

28

2. هل المسألة فقهية أو أُصولية أو كلامية؟

الظاهر أنّ المسألة فقهية ومصب البحث فيها كون نفس التجرّي حراماً أو لا، فلو ثبتت الحرمة ربّما تصبح قاعدة فقهية يستدلّ بها في عامّة أبواب الفقه.
فإن قلت: إنّ القائل بالحرمة يستدلّ عليها بكون التجرّي أمراً قبيحاً، وهو ملازم للحرمة شرعاً فتكون المسألة كلاميّة.
قلت: إنّ الاستدلال على حرمة التجرّي عن طريق قبحه عند العقل يرجع إلى إقامة الدليل على الحكم الشرعي لا أن يكون البحث عن قبحه مطلوباً بالذات، كما أنّ البحث في ترتّب العقاب على التجرّي بحث عن نتيجة الحكم الشرعي.
وإن شئت قلت: إنّ في المقام أُموراً ثلاثة:
1. ذات المسألة ونفسها وهي حرمة التجرّي وعدمها.
2. ما هو الدليل على أحد الأمرين (قبحه عند العقل)؟
3. ما هو أثر الحرمة على فرض الثبوت (العقاب)؟
نعم ذهب شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري إلى إمكان عقد مسائل ثلاث في المقام:
في حكم نفس التجرّي
كلامية لأجل البحث عن العقوبة وعدمها.
أُصولية لأجل البحث في قبحه وعدمه.
فقهية لأجل البحث في حكم التجرّي شرعاً (1).
يلاحظ عليه: بأنّه خلط بين نفس المسألة وغايتها ودليلها، فلاحظ.

1 . درر الفوائد: 2 / 11.

29

3. أقسام التجرّي

قسّم الشيخ الأنصاري التجرّي إلى أقسام ستة نذكر منها ثلاثة:
أ. إذا نوى ارتكاب المحرّم من دون ارتكاب مقدّماته فضلاً عن ارتكاب ما يراه حراماً ثم ارتدع.
ب. إذا نوى وارتكب بعض المقدّمات ثم ارتدع.
ج. إذا ارتكب ما يراه محرّماً ثم بان كونه مباحاً.
ومحلّ البحث هو القسم الثالث للاتّفاق على عدم حرمة القسمين الأوّلين.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّه يقع الكلام في موضعين:
1. في حكم نفس التجرّي أي العنوان المنتزع من مخالفة المكلّف الحجّة العقلية أو الشرعية.
2. في حكم المتجرّى به، أعني: نفس العمل الخارجي، كشرب الماء الّذي به يتحقّق التجرّي ويقوم به.
والفرق بين البحثين واضح فأنّ مصبّ البحث في الأوّل في حكم نفس التجرّي (الارتكاب) القائم بشرب ما اعتقده خمراً فهل هو حرام أو لا؟ ولكن مصبّه في الثاني هو حكم نفس الشرب في هذه الحالة مع قطع النظر عن تحقّق التجرّي به أو عدمه. وإليك الكلام فيهما واحداً تلو الآخر.

الموضع الأوّل: في حكم نفس التجرّي

إذا ارتكب المكلّف ما يراه معصيةً أو قامت الحجّة على كونه كذلك ثم بان الخلاف فهل مخالفة ما يراه معصية حرامٌ، أو لا؟ ففيه أقوال ثلاثة:

30
1. الحرمة واستحقاق العقاب، وهو خيرة المحقّق الخراساني.
2. عدم الحرمة وبالتالي عدم استحقاق العقاب، وهو خيرة الشيخ الأنصاري، وإنّما يستحقّ اللوم والذم.
3. القول بهما إلاّ إذا اعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة فأتى به فلا يبعد عدم استحقاق العقاب. ومرجعه إلى القول الأوّل غاية الأمر تتدارك الجهة القبيحة، بالجهة المحسِّنة الواقعية، وهو خيرة صاحب الفصول.

أدلّة القائل بالحرمة

استدلّ القائل بالحرمة بوجوه غير ناجعة.
منها: الإجماع على الحرمة بشهادة أنّهم أفتوا بحرمة سلوك طريق مخطور وإن لم يكن مخطوراً واقعاً، كما أفتوا بوجوب الإتمام عليه وإن لم يكن في الواقع كذلك.
يلاحظ عليه: أنّ المسألة ليست معنونة في أكثر الكتب الفقهية، فكيف يمكن ادّعاء الإجماع فيها، وعلى فرض ثبوته فلعلّ المجمعين اعتمدوا على الدليل العقلي الّذي سيوافيك.
وأمّا حرمة سلوك الطريق المخطور فلأجل أنّ الموضوع ليس هو المخطور الواقعي، بل الموضوع هو الخوف وهو موجود، ومعه لا يكون السلوك تجرّياً بل معصية.
ومنها: بناء العقلاء. ولكن الظاهر أنّ بناءهم على ذمّ الفاعل ولومه لاعقابه فيوصف بالقبح الفاعلي لا القبح الفعلي.
فالمهم بين الأدلّة هو الدليل العقلي، وقد قرّره الشيخ على وجه،

31
والمحقّق الخراساني على وجه آخر، وقرّره الآخرون بوجه ثالث، وإليك صور التقرير:

التقرير الأوّل: للشيخ الأنصاري

إذا فرضنا أنّ اثنين قصدا شرب الخمر، فصادف أحدهما الواقع دون الآخر، فإمّا أن نقول بصحّة عقوبتهما معاً، أو عدم عقوبتهما، أو عقوبة المخطئ دون المصيب أو بالعكس; والأوّل هو المطلوب، والثاني والثالث خلاف المتّفق عليه، وأمّا الرابع فيلزم أن يكون العقاب والثواب منوطين بأمر خارج عن الاختيار.
وقد أجاب عنه الشيخ قائلاً: بأنّا نختار عقاب المصيب دون المخطئ، ولكن القبيح هو إناطة العقاب بأمر خارج عن الاختيار، وأمّا إناطة عدم العقاب بأمر خارج عن الاختيار فليس بقبيح.
وحاصله: أنّ سبب العقاب هو المخالفة عن عمد، وهذا متحقّق في المصيب دون المخطئ ولو بلا اختيار.

التقرير الثاني: للمحقّق الخراساني

وحاصل هذا الدليل استنطاق الوجدان وتصديقه بصحّة مؤاخذة المتجرّي على تجرّيه وهتك حرمة مولاه وخروجه عن رسم العبودية وكونه بصدد الطغيان والعزم على العصيان، كما يشهد الوجدان على صحّة مثوبته على قيامه بما هو قضية عبوديته من العزم على موافقة القطع والبناء على إطاعته(1).

1 . كفاية الأُصول: 2 / 11.

32
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ خرج عمّا هو موضوع البحث ومحوره فإنّه منصب على من ارتكب ما رآه معصية لغلبة الهوى على العقل مع استيلاء الخوف على المرتكب من الله سبحانه فهل مثل هذا النوع من التجرّي حرامٌ أو لا؟
وأمّا ضم العناوين الأُخرى إلى ذلك كالهتك والتمرّد ورفع علم الطغيان فالجميع أجنبي عن محط البحث، إذ لا شك أنّه لو ارتكب ما رآه معصيةً بقصد التمرد والهتك والطغيان وإظهار الجرأة فهو يستحقّ العقاب.
وحصيلة الكلام: أنّ المؤمن ربّما يرتكب ما يراه معصيةً لأجل عدم السيطرة على هوى النفس مع الخوف من الله سبحانه في صميم وجوده، ولعلّ في دعاء الإمام السجاد (عليه السلام)في بعض مناجاته إشارة إلى هذا النوع من العمل، قال (عليه السلام): «إلهي لم أعصك حين عصيتُك وأنا بربوبيتك جاحد، ولا بأمرك مستخف، ولا لعقوبتك متعرّض، ولا لوعيدك متهاون، لكن خطيئة عرضت وسوّلت لي نفسي، وغلبني هواي، وأعانني عليها شقوتي، وغرّني سترك المرخى عليّ».

التقرير الثالث: للمحقّق الاصفهاني

إنّ ملاك العقاب في المعصية يحتمل أن يكون أُموراً أربعة:
1. ذات المخالفة لأمر المولى ونهيه.
2. تفويت غرض المولى.
3. ارتكاب مبغوض المولى.
4. كونه هتكاً لحرمة المولى وجرأة عليه. وان شئت قلت: المخالفة

33
الاعتقادية، ولا تصلح الثلاثة الأُولى ملاكاً للعقاب، لوجودها في الجاهل المعذور إذا ارتكب مبغوض المولى، فتعيّن الرابع.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الملاك للعقاب في المعصية أمر خامس غير موجود لا في المخالفة عن جهل، ولا في التجرّي، وهو مخالفة أمر المولى واقعاً عن عمد بلا عذر، وهو مختصّ بالعصيان، وأمّا غيره فالجزء الأوّل أي المخالفة في التجرّي غير موجود، والمخالفة للواقع وإن كانت موجودة في الجاهل المعذور، لكن القيد الثاني (بلا عذر) منتف.

التقرير الرابع: للمحقّق النائيني

إنّ المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب هو جهة البغض الفاعلي وحيثيّة صدور الفعل الّذي يعلم بكونه مبغوضاً للمولى من دون دخل للواقع، فإنّ الإرادة الواقعية ممّا لا أثر لها عند العقل إلاّ بعد الوجود العلمي، وهذا المعنى مشترك بين العاصي والمتجرّي.
وإن شئت قلت: إنّ المناط عند العقل في استحقاق العقاب هو البغض الفاعلي الناشئ عن العلم بالمخالفة والمعصية، وهذا بعد ما كان العلم من باب الطاعة والمعصية موضوعاً عند العقل واضح.(2)
يلاحظ عليه: بعد تسليم كون المناط هو البغض الفاعلي، أنّ الملاك هو البغض الفاعلي المتزامن مع القبح الفعلي، وهذا يختصّ بالمعصية.
وأمّا التجري فالقبح الفاعلي فيه ليس متزامناً مع القبح الفعلي لفرض أنّه شرب الماء دون الخمر، فلا يصحّ قياس الثاني بالأوّل؟

1 . نهاية الدراية: 2 / 8 . 2 . فرائد الأُصول: 2 / 13.

34

نكتة مهمة

إنّ الاستدلال بالحسن والقبح على الحكم الشرعي إنّما يصحّ إذا وقع الحسن والقبح في سلسلة علل الأحكام، كحسن ردّ الأمانة، وقبح الخيانة، أو حسن الوفاء بالعهد وقبح نقضه، أو حسن تكريم المنعم وقبح الإساءة إليه، ففي هذه الموارد يكشف الحسن والقبح عن الحكم الشرعي.
وأمّا إذا وقع الحسن والقبح في سلسلة مداليل الأحكام فلا يكشف كلّ منهما عن الحكم الشرعي، وإلاّ لزم عدم انتهاء جعل الحكم الشرعي إلى حدّ.
مثلاً إنّ العقل يستقلّ بحسن الطاعة وقبح المعصية لكن كلاًّ من عنواني الطاعة والمعصية يتوقّف على وجود أمر أو نهي قبلهما حتّى يقال طاعته حسنة وعصيانه قبيح، وهذا ما يقال: إنّ حسن الطاعة وقبح المعصية أُمور في سلسلة معاليل الأحكام وآثارها، فلولا الحكم الشرعي المتقدّم لما صدق حسن طاعة الأمر ولا قبح مخالفته.
ولكن مثل هذا الحسن أو القبح لا يكشف عن حكم شرعي ثان، ولو كشف عن حكم شرعي آخر، صار هذا الحكم الشرعي موضوعاً لحكم العقل بحسن طاعته وقبح معصيته، ولو كشف هذا الحكم العقلي عن حكم شرعي ثالث يكون موضوعاً أيضاً لحكم العقل بحسن طاعته وقبح معصيته، ولو كشف هذا الحكم الفعلي أيضاً عن حكم شرعي رابع، لتسلسلت الأحكام الشرعية.
ولذلك ذهب المشهور إلى أنّ الأمر في (وأَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ)(1) أمر إرشادي لا مولوي. ولو كان مولوياً، لوجب إطاعته بأمر مولوي آخر، وهكذا.
وبهذا يظهر أنّ الحكم العقلي بقبح التجرّي وحسن الانقياد لا يكشف

1 . الانفال: 1.

35
عن حكم شرعي متعلّق بحرمة الأوّل ووجوب الثاني، ولو كشف لاستقلّ العقل عندئذ أيضاً بحسن طاعة الحكم المكشوف وقبح مخالفته، وعندئذ تتسلسل الأحكام الشرعية المكشوفة كما مرّ بيانه ولا تتوقّف عند حدّ.

تفصيل لصاحب الفصول

قد عرفت أنّ التجرّي بما هو مخالفة الحجّة ليس بقبيح لكنّ صاحب الفصول ذهب إلى قبحه، إلاّ أنّه إذا تحقّق التجرّي في ضمن واجب غير مشروط بالقربة فعندئذ تقع المزاحمة بين قبح التجرّي وحسن المتجرّى به، كما إذا عثر على إنسان قطع أنّه عدو المولى فلم يقتله فبان أنّه ابنه.
وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّه لا وجه لهذه المزاحمة، لأنّ المفروض عدم علمه بأنّه ابن المولى ولا يكاد أن يؤثر شيئاً بدونه حيث لا يكون حينئذ بهذا الوجه اختيارياً، والحسن والقبح من صفات الأفعال الاختيارية.(1)
وحاصله: أنّ الفعل إنّما يوصف بالحسن والقبح إذا التفت الفاعل إلى حسن الفعل وقبحه، ومن المعلوم أنّه ترك قتل الرجل بعنوان أنّه عدو المولى لا أنّه ابنه، فكيف يكون الأخير ـ غير الملتفت إليه ـ مورثاً للحسن ويكون مزاحماً لقبح التجرّي.
وبما ذكرنا اتّضح أنّه لا دليل على حرمة التجرّي بما هو هو إذا لم يقترن بعنوان التمرّد والهتك ورفع علم الطغيان. نعم يذمّ الفاعل لكشفه عن سوء سريرته وضعف إيمانه.

1 . تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد: 16.

36

الموضع الثاني: في حكم المتجرّى به

قد عرفت حكم التجرّي الذي هو أمر منتزع من مخالفة المكلّف الحجّة العقلية والشرعية، بقي الكلام في بيان نفس العمل الّذي به يتحقّق التجرّي، ويقع الكلام فيه في قسمين:
الأوّل: في قبحه وعدمه.
في قبح الفعل المتجرّى به
الثاني: في حرمته وعدمها.

القسم الأوّل: في قبح الفعل المتجرّى به

ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم قبحه، وأنّ الفعل باق على ما هو عليه في الواقع من المحبوبية والمبغوضية، وقرّره بوجوه ثلاثة:
1. أنّ القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات الّتي بها يصير الشيء حسناً وقبيحاً ولا ملاكاً للمحبوبية والمبغوضية، فقتل ابن المولى مبغوض وإن قتله بعنوان أنّه عدوه، وقتل عدوّه حسن وإن قتله بعنوان أنّه ابنه.
2. أنّ الفعل المتجرّى به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختيارياً، فإنّ القاطع لا يقصده إلاّ بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي، لا بعنوانه الطارئ الأوّل، بل يكون غالباً بهذا العنوان ممّا لا يلتفت إليه.
3. أنّ المتجرّي قد لا يصدر عنه فعل اختياري أصلاً، فمن شرب الماء باعتقاد الخمرية لم يصدر منه ما قصده. وما صدر منه لم يقصده بل ولم يخطر بباله.(1)

1 . تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد: 13.

37
يلاحظ على الأوّل: أنّ العنوان المقبِّح في كلامهم ليس هو القطع بالقبح حتّى يقال: إنّه ليس من الوجوه الّتي بها يصير الشيء قبيحاً، بل العنوان المقبِّح هو الجرأة والتمرّد والطغيان والظلم المنطبقة على الفعل.
ويلاحظ على الثاني: بأنّا لو افترضنا أنّ العنوان المقبِّح هو القطع لكنّه ليس بمغفول عنه أصلاً، بل مورد التفات إجمالاً.
ويلاحظ على الثالث: أنّ إنكار صدور فعل اختياري في المقام عجيب جداً، وذلك أنّه يكفي في صدور كون الجامع بين الخمر والماء ـ وهو شرب الماء ـ مورداً للالتفات. وإلاّ يلزم أن لا يبطل صوم المتجرّي إذا شرب الماء بنية أنّه خمر.
هذا ما يرجع إلى مناقشة دليل المحقّق الخراساني، وقد عرفت عدم تماميته، ولكنّ الحق معه نتيجة لا دليلاً، وذلك لأنّ العناوين المقبِّحة في المقام لا تتجاوز عن خمسة، ثلاثة منها قائمة بالجنان كالجرأة والعزم على المعصية والطغيان، ومن المعلوم أنّه لا يسري قبحها إلى الفعل الخارجي، فإنّ الفعل كاشف عن هذه الحالات الروحية دون أن تنطبق على الفعل الخارجي.
واثنان منها ـ أعني: الظلم والهتك ـ وإن كانا قائمين بالفعل لكن موردهما هو المعصية فالظلم على المولى يتحقّق بنقض قانونه والمفروض عدمه، والهتك بمعنى خرق الستر فإنّه من خصائص المعصية.
إلى هنا تم الكلام في القسم الأوّل ـ أعني: قبح الفعل وعدمه ـ وإليك الكلام في القسم الثانية.

38
في حرمة الفعل المتجرّى به

القسم الثاني: في حرمة الفعل المتجرّى به

فهل الفعل المتجرّى به حرام شرعاً لا لاستكشاف حرمته من قبحه، لما عرفت من عدم قبحه، بل من طريق آخر، وربّما يقال بحرمته للوجهين التاليين:

1. حرمته بالعنوان الأوّلي

ربّما يدّعى شمول الخطابات الأوّلية له، بادّعاء أنّ متعلّق الخطابات الأوّلية ليس هو شرب الخمر الواقعي، بل القدر الجامع بين مصادفة القطع للواقع، ومخالفته له، بأن يقال: إنّ الحرام تحريك العضلات نحو شرب ما أحرز أنّه خمر، فيكون المتجرّي عاصياً حقيقة.
والدليل عليه: أنّ متعلّق التكليف يجب أن يكون مقدوراً، والمصادفة والمخالفة ليستا تحت الاختيار، حتى يتعلّق التكليف بالمصادف دون المخالف، فيجب أن يكون متعلقّه إرادة ما أحرز أنّه من مصاديق الموضوع، إذ هو الفعل الاختياري، فتكون نسبته إلى المطابق والمخالف على حدّ سواء.(1)
أقول: إنّ الأحكام الشرعية تتعلّق بموضوع ذي مصلحة والمفسدة، ومن المعلوم أنّ المفسدة قائمة بشرب الخمر لا مطلق الشرب حتّى تكون متعلّقاً للحكم الشرعي، وأمّا قوله: إنّ المصادفة والمخالفة خارجتان عن الاختيار، فمنظور فيه، فإنّ الإصابة داخلة تحت الاختيار، فمن شرب الخمر عن علم بلا أكراه ولا اضطرار فقد شرب عن اختيار.
نعم الخطأ وعدم الإصابة خارجٌ عن الاختيار، وقد مضى الكلام فيه فلاحظ.

1 . فوائد الأُصول: 3 / 38 ـ 39.

39

2. حرمته بالعنوان الثانوي

ربّما يتصوّر حرمته بالعناوين الثانوية كالجرأة والطغيان والتمرّد والظلم والهتك، وقد عرفت أنّ الثلاثة الأُول من أحوال النفس ولا صلة لها بالفعل، وأمّا الآخران فيختصّان بالمعصية، أضف إلى ذلك: أنّ الهتك إنّما يتحقّق إذا تظاهر بالتجرّي لا ما عمله خفاءً.

تكملة

إنّ التجرّي بمعنى مخالفة الحجّة وإن لم يكن قبيحاً ولا حراماً، لكن ممارسته وتكراره يكون كاشفاً عن زوال ملكة العدالة، فلا يُؤتمَّ به ولا يُطلّق عنده. وللمحقّق الخراساني تفصيل، ذكره في تعليقته على الفرائد.(1)
ثم إنّ الشيخ الأنصاري أكمل البحث عن حكم التجرّي بدراسة بعض الآيات والروايات، وقد أشبعنا الكلام فيهما في التقريرين،(2) فلاحظ.

1 . تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد: 17.
2 . أي تقريرات محاضراتنا الأُصولية المطبوعة ضمن دورتين أُصوليتين، وهما: المحصول في علم الأُصول للسيد الجلالي، وإرشاد العقول إلى علم الأُصول للشيخ محمد حسين الحاج العاملي، حفظهما الله تعالى.

40

الجهة الثالثة

في تقسيم القطع إلى طريقي وموضوعي

اشتهر تقسيم القطع من زمان الشيخ الأعظم (قدس سره)إلى أقسام خمسة:
1. القطع الطريقي المحض.
القطع الموضوعي. وينقسم إلى قسمين:
2. الموضوعي الطريقي.
3. الموضوعي الوصفي.
وكلّ منهما ينقسم إلى قسمين:
4. إمّا أن يكون القطع جزء الموضوع.
5. أو يكون القطع تمام الموضوع. فيصير الجميع خمسة. وإليك توضيح الأقسام وحالها من الأحكام ضمن أُمور سبعة:

1. الفرق بين الطريقي والموضوعي

الحكم الشرعيّ تارة يترتّب على ذات الموضوع، سواء أكان معلوماً للمكلّف أم لم يكن، كقولنا: الخمر حرام، ويكون القطع عندئذ طريقاً إلى الموضوع وبالتالي طريقاً إلى الحكم الشرعي المتعلّق به، ويُسمّى هذا النوع من القطع، القطع الطريقي.
وأُخرى يترتّب الحكم على الموضوع بما أنّه مقطوع ومعلوم بحيث يكون للقطع مدخلية في ترتّب الحكم كما هو الحال في الأمثلة التالية:

41
1. وجوب التمام على مَن يسلك طريقاً مخطوراً، فليس المخطور الواقعي هو الموضوع، بل المحرز بالقطع أو الظن.
2. وجوب التيمّم لمن أحرز كون استعمال الماء مضرّاً، أُحرز بالقطع أو بالظن.
3. وجوب التعجيل بالصلاة لمن أحرز ضيق الوقت بكلا الطريقين.
4. صحّة الصلاة الثنائية فإنّها مترتّبة على إحراز الأوليين بالقطع أو الحجّة.
فلو انكشف عدم الخطر في الطريق أو عدم كون الماء مضراً وكان القطع تمام الموضوع ـ لا جزءه ـ، لما أضر بالصلاة أصلاً إذا صلاّها تماماً، أو صلاّها بالتيمّم، ولا يعدّ من كشف الخلاف بالنسبة إلى موضوع الحكم وإن صدق كشف الخلاف بالنسبة إلى متعلّق القطع، وكم فرق بين كشف الخلاف بالنسبة إلى موضوع الحكم وكشفه بالنسبة إلى متعلّق القطع.
وبما ذكرنا من أنّ القطع الموضوعي عبارة عن القطع المأخوذ في الموضوع بما أنّ له مدخلية في ترتّب الحكم، يعلم أنّه ليس مطلق ما أخذ في لسان الدليل وإن لم يكن له مدخلية في ترتّب الحكم، من مقولة القطع الموضوعي. فعلى ذلك فليس التبيّن المأخوذ في الآية التالية من هذا القسم، قال سبحانه: (وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ)(1).
فإنّ التبيّن وإن جاء في لسان الدليل لكنّه طريق محض إلى معرفة الفجر، ولذلك يجب الإمساك إذا علم به وإن لم يتبيّن الفجر، كما إذا كان الهواء غيماً أو

1 . البقرة: 187.

42
كان الإنسان محبوساً، وبذلك يعلم أنّ تعريف القطع الموضوعي بمجرد الأخذ في لسان الدليل تعريف ناقص.
في تقسيم القطع إلى طريقي وموضوعي

2. تقسيم الموضوعي إلى طريقي ووصفي

إذا كان القطع الموضوعي عبارة عن المأخوذ في الموضوع بما له مدخلية في ترتّب الحكم فتارة يؤخذ بما أنّه كاشف عن الموضوع وطريق إليه، وأُخرى بما أنّه وصف نفساني قائم بالنفس فيسمّى الأوّل بالموضوعيَّ الطريقي والثاني بالموضوعيَّ الوصفي.
وإن شئت قلت: إنّ للعلم القائم بالنفس وصفين:
أ. الطريقية إلى الموضوع والكاشفية عنه.
ب. كونه صفة نفسانيّة من أوصاف النفس كالحسد والبخل والشجاعة والجبن.
فلو أخذ في الموضوع بما أنّه طريق، فهذا هو الموضوعي الطريقي; ولو أُخِذَ فيه بما أنّه وصف قائم بالنفس، يسمّى بالقطع الموضوعي الوصفي.
وبالجملة ينظر المولى إلى القطع تارة بما أنّه طريق، وأُخرى بما أنّه وصف، كما أنّ الإنسان ينظر إلى المرآة تارة بما أنّها تُري الخارج، وأُخرى بما أنّها جسم صيقلي شفاف.
فالموضوعي الطريقي أشبه بالأوّل، والموضوعي الوصفي أشبه بالثاني.

3. تقسيم الموضوعي إلى تمام الموضوع وجزئه

ثم إنّ القطع الموضوعي بالمعنى الّذي عرفت تارة يكون تمام الموضوع للحكم من غير مدخلية للواقع، كسلوك الطريق المخطور وغيره حيث إنّ الأوّل

43
بنفسه موضوع للحرمة، أو وجوب التمام، وأُخرى يكون القطع جزء الموضوع والجزء الآخر هو الواقع، وهذا كبطلان الصلاة في الثوب المقطوع بنجاسته، فلا تبطل الصلاة إلاّ إذا كان نجساً في الواقع وتعلّق بها القطع، وإلاّ فلو كان نجساً في الواقع ولم تُعلم أو قُطِعَ بنجاسته وكان طاهراً في الواقع تكون الصلاة صحيحة إذا تمشّى منه قصد القربة.
ثم إنّ المحقّق النائيني أنكر كون القطع الطريقي تمام الموضوع، وتبعه تلميذه في مصباحه. وحاصل كلامهما: أنّ أخذه تمام الموضوع آية أنّه لا مدخلية للواقع في ترتّب الحكم، وأخذه بنحو الطريقية آية أنّ للواقع دخلاً فيه، والجمع بينهما جمع بين المتناقضين.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الإشكال مبني على أنّ معنى القطع الطريقي عبارة عن مدخلية الواقع في ثبوت الحكم، ومع هذا الفرض لا يمكن أن يكون القطع الطريقي تمام الموضوع.
لكن المقصود منه هو أخذه في الموضوع بما أنّه كاشف ومرآة إلى الخارج في مقابل الوصف الآخر، سواء أكان للواقع مدخلية أم لم تكن، وعلى ذلك يصحّ أخذه في الموضوع تماماً.
وقد أحسن شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري (قدس سره)فقد فسّره في درره على نحو ما ذكرناه، وقال: المقصود كونه ملحوظاً على أنّه طريق كسائر الطرق المعتبرة. وبعبارة أُخرى: ملاحظة الجامع بين القطع وسائر الطرق المعتبرة.(2)
ثم إنّ للقطع الموضوعي تقسيماً آخر ذكره المحقّق الخراساني في المقام، ونحن نذكره في الجهة الرابعة الّتي طرح فيها أقسام القطع الموضوعي حذراً من التكرار.

1 . لاحظ فوائد الأُصول: 2 / 11، مصباح الأُصول: 2 / 32. 2 . درر الفوائد: 2 / 331.

44

4. قيام الأمارات مكان القطع الطريقي المحض

إذا كان الحكم مترتّباً على نفس الشيء وواقعه دون أن يكون للقطع دورٌ في ثبوت الحكم، وإن كان له دور في تنجّزه، كما إذا قال الشارع: الخمر حرام. فعندئذ يثبت الموضوع. وبالتالي الحكم الشرعي بطريقين:
1. القطع بالخمرية.
2. قيام البيّنة على الخمرية.
ومثله الملكية فتارة تثبت بقطع الإنسان بها، وأُخرى بقيام البيّنة على أنّ هذا الشيء له.
وبذلك يعلم أنّ القول بقيام الأمارة كالبيّنة مكان القطع لا يخلو من تسامح، فإنّ الطريقين في عرض واحد، لا أنّ الثاني فرع الأوّل، وإن كان للقطع مقام شامخ في محلّه لكنّه غير مؤثر في المقام، إنّما الكلام في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، وهذا ما سنطرحه تالياً.

5. قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي

قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي
إذا رتّب الشارع الحكم على الموضوع المقطوع فهل الأمارة بنفس دليل حجّيتها تقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع أو لا؟
ذهب الشيخ الأنصاري إلى التفصيل بين القطع الموضوعي الطريقي، والقطع الموضوعي الوصفي فقال بقيام الأمارة بنفس دليلها مكان الأوّل دون الثاني. وأنكر المحقّق الخراساني القيام مطلقاً، وإليك دراسة دليل قول الشيخ.
وحاصل كلامه: وجود الجهة المشتركة بين الأمارة والقطع الموضوعي الطريقي، دون الموضوعي الوصفي; وذلك لأنّ القطع في الأوّل وإن أخذ في

45
الموضوع، لكن بملاك كونه طريقاً إلى متعلّقه وكاشفاً عنه، ومن المعلوم أنّ هذه الجهة مشتركة بينه وبين الأمارة، وهذا بخلاف الثاني فإنّه أخذه في الموضوع بملاك آخر، وهو كونه وصفاً من أوصاف النفس كالبخل والحسد، ومن الواضح أنّ هذه الجهة غير موجودة في الأمارة.
فإذا قال: الخمر المقطوع حرام، فإن أخذ القطع في الموضوع بما أنّه طريق إلى متعلّقه ومعنى ذلك أنّه يكفي في ثبوته وجود طريق إليه، سواء أكان هو القطع أم البيّنة فدليلها بنفسها كاف في قيامها مقام القطع. وأمّا إذا أخذ فيه بعنوان أنّه وصف من أوصاف النفس فلاتقوم مقامه، لعدم وجود الجهة الجامعة بينهما.
ثم إنّ المحقّق الخراساني ذهب إلى عدم صحّة القيام حتّى في المورد الّذي قال به الشيخ، ويقع الكلام في مقام الثبوت تارة والإثبات أُخرى.

الأوّل: في إمكان تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي

ذهب المحقّق الخراساني إلى امتناعه، واستدلّ على مختاره بما هذا حاصله:
إنّ للقطع في جميع الأقسام أثرين بارزين:
1. حجّيته وطريقيته إلى الواقع، وهذا في القطع الطريقي المحض.
2. مدخليته في الموضوع وتأثيره في ثبوت الحكم كدخل القدرة والبلوغ، وهذا في القطع الموضوعي بكلا قسميه.
فدليل حجّية الأمارة إنّما يتكفّل التنزيل الأوّل، أي تنزيل الطريق مكان القطع في ترتيب ما للقطع بما هو حجّة، من الآثار لا بما هو دخيل في

46
الموضوع، إلاّ إذا كان هناك تنزيل ثان وهو غير موجود.
فإن قلت: إذا كان لدليل التنزيل إطلاق من كلتا الجهتين فلا مانع من القيام مكانه، كما إذا نزّل الأمارة منزلة القطع في الطريقية والمدخلية في الموضوع.
قلت: إنّ دليل التنزيل مثل قوله: «العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا عني فعنّي يؤدّيان»(1)، لا يكاد يفي إلاّ بأحد التنزيلين، وذلك لأنّه لو كان تنزيل الطريق مكان القطع لأجل الحجّية يكون النظر إلى القطع والأمارة نظراً آليّاً، وإلى الواقع والمؤدّى استقلالياً، ولو كان تنزيل الطريق مكان القطع لأجل المدخلية في الموضوع يكون النظر إلى الواقع والمؤدّى نظراً آلياً، وإلى القطع والأمارة نظراً استقلالياً، ولا يصحّ الجمع بين اللحاظين المتضادين في تنزيل واحد.
نعم لو كان بين التنزيلين جهة جامعة، وكان التنزيل لأجلها، لتحقّق التنزيلان بتنزيل واحد ولكن المفروض عدمها، فلا محيص إلاّ عن تنزيل واحد، إمّا لأجل كونه حجّة، أو لأجل كونه دخيلاً في الموضوع.
ثمّ أورد على نفسه بأنّ لازم ذلك أن يكون دليل التنزيل مجملاً غير دالّ على واحد من التنزيلين.
فأجاب بأنّ ظهوره في أنّه بحسب اللحاظ الآلي ممّا لا ريب فيه، فتقوم مقام القطع الطريقي المحض، هذا لبّ مراده في الكفاية.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مبني على أنّ المنزِّل هو نفس القاطع، ومن المعلوم أنّ نظر القاطع إلى قطعه طريقي محض وليس بموضوعي. ولا يمكن له الجمع بين لحاظ الحجّية الّتي يكون النظر فيه إلى القطع آلياً وإلى المؤدّى

1 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.
2 . كفاية الأُصول: 2 / 23، بتلخيص وتصرف منّا.

47
استقلالياً، ولحاظ المدخلية الّتي يكون النظر فيه إلى القطع استقلالياً وإلى المؤدّى آلياً.
ولكن المنزّل هو الشارع، وهو ينظر إلى قطع القاطع بالنظر الاستقلالي في كلا التنزيلين حيث لا مانع من أن يلاحظ قطع القاطع من جهتين: الطريقية والمدخلية، نظير ملاحظة الإنسان المرآة بكلتا الجهتين، المرآتية، وكونها جسماً صيقلياً.
وحصيلة الكلام: أنّ نظر الشارع إلى قطع المكلّف في كلا اللحاظين استقلالي وليس آلياً، سواء أكان النظر إلى كونه حجةً أم كونه دخيلاً في الموضوع، واللحاظان قابلان للجمع، فلو كان لدليل الحجّية إطلاق، فلا مانع من قيام الأمارة مكان القطع الموضوعي. نعم لا يمكن للقاطع النظر إلى القطع والمؤدّى معاً على وجه الاستقلال لغفلة القاطع عن قطعه.

المقام الثاني: في بيان مفاد دليل التنزيل

هذا كلّه في مقام الثبوت وإمكان القيام وإنّما الكلام في مقام الإثبات ـ أعني: الاستظهار من الدليل ـ فهل هو صالح لكلا التنزيلين أو لا ؟
أقول: إنّ الاستظهار من الدليل فرع أن يكون للشارع دور تأسيسي في باب الأمارات حتّى يبحث في جهة التنزيل، وأنّه هو لأجل الحجّية أو المدخلية في الموضوع، لكن الحق أنّه ليس للشارع في باب الأمارات، جعل ولا تنزيل سوى إمضاء ما بيد العقلاء، وسيوافيك في محلّه أنّ عامّة ما استدلّ به على حجّية الخبر الواحد ناظر إلى بيان الصغرى، وأنّ فلاناً ثقة أو لا، دون الكبرى، وكأنّها كانت عندهم محرزة وثابتة. ولذلك ركّزوا على السؤال عن الصغرى والإجابة عنها، فما هو المشهور بين المتأخّرين من الآراء فيما هو المجعول في

48
مورد الأمارة ليس بشيء، إذ ليس في المقام جعل حتّى يبحث فيما هو المجعول فما يقال:
قيام الأُصول العملية مقام القطع
1. المجعول: هو الطريقية والكاشفية.
2. المجعول: هو تتميم الكشف.
3. المجعول: هو جعل المؤدّى مكان الواقع.
4. المجعول: هو جعل المنجّزية عند الإصابة والمعذرية عند الخطأ.
كلُّ ذلك تخرّص على الغيب على أنّك عرفت أنّ الأوّلين ـ أعني: الطريقية والكاشفية ـ من الأُمور التكوينية الّتي لا تنالها يد الجعل.
وأمّا الثالث ـ أعني: جعل المؤدّى ـ فهو أشبه بالتصويب، نعم لا بأس بالرابع لو كان له دليلٌ.
إذا عرفت ما ذكرنا فالذي يجب أن يقال: إنّ أخذ القطع الطريقي في الموضوع يتصوّر على وجهين:
1. أخذه في الموضوع بما أنّه أحد الكواشف.
2. أخذه في الموضوع بما أنّه كاشف تام.
فعلى الأوّل نعمل بالأمارة عند فقد القطع لا لأجل قيامها مقامه، بل لأجل أنّ الأمارة حينئذ أحد مصاديق الموضوع مصداقاً حقيقياً، وعلى الثاني لا يعمل بالأمارة، لأنّها ليست من مصاديق الموضوع.
ومن هنا يعلم حال ما أخذ في الموضوع بما أنّه وصف نفساني، ومن المعلوم أنّ الأمارة ليست وصفاً نفسانياً حتّى تكون من مصاديق الموضوع.
وحصيلة الكلام: أنّ البحث في قيام الأمارة مقام القطع أمرٌ لا طائل تحته، بل الأمارة والقطع في عرض واحد، فإذا أخذ القطع بما أنّه أحد الكواشف

49
فليس هناك أصل ولا فرع، وأمّا إذا أخذ بما أنّه كاشف تام أو وصف نفساني فليس بينهما أي صلة حتّى يبحث في القيام وعدمه.
***

6. قيام الأُصول العملية مقام القطع

قسَّم المتأخّرون من الأُصوليّين الأصلَ العملي إلى مُحْرز، وغير مُحْرز. والمقصود من الأوّل ما يكون المجعول فيه لزوم الأخذ بأحد طرفي الشك بناء على أنّه الواقع، وإلغاء الطرف الآخر. ومثّلوا لذلك بالقواعد التالية:
1. الاستصحاب.
2. قاعدة التجاوز والفراغ في فعل النفس.
3. أصالة الصحّة في فعل الغير.
4. عدم العبرة بشك الإمام مع حفظ المأموم وبالعكس.
والمراد من الثاني (غير المحرز) ما يكون المجعول فيه وظيفة الجاهل ما دام جاهلاً، ومثّلوا لذلك بأصل البراءة والاحتياط من الأُصول العامّة وأصل الطهارة والحليّة من الأُصول الخاصّة.
أمّا القسم الثاني فلا يقوم مقام القطع لعدم الجهة الجامعة بينهما، وذلك لأنّ القطع المأخوذ في الموضوع طريق إلى الواقع والأصل غير المحرز وظيفة الجاهل عندما انقطعت حيلته.
وببيان آخر: إنّ المراد من قيام الأصل مقام القطع ترتيب ما للقطع من الآثار والأحكام، على الأصل، ومن تلك الآثار تنجيز التكليف ولكن شأن الأصل غير المحرز، رفع التحيّر عن الجاهل في مقام العمل لا تنجيز الواقع.

50
فإن قلت: إنّ شأن أصالة الاحتياط العقلي تنجيز التكليف الموجود في البين، فيجب أن يقوم مقام القطع.
قلت: أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّه يعتبر في التنزيل أُمور ثلاثة:
قيام الأُصول المحرزة مكان القطع
1. المنزَّل.
2. المنزَّل عليه.
3. جهة التنزيل.
ولكن الجهة الأُولى نفس الثالثة لا غيرها، لأنّ المنزَّل عبارة عن حكم العقل بتنجيز الواقع، وجهة التنزيل هو حكم العقل بتنجز الواقع إذا كان التكليف موجوداً.
نعم إنّ الأُمور الثلاثة، موجودة في الاحتياط الشرعي، فالمنزَّل هو حكم الشارع بتنجز الواقع والمنزَّل عليه هو القطع، وجهة التنزيل حكم العقل بتنجّز الواقع، لكن الاحتياط في الشبهات البدويّة غير واجب وفي أطراف العلم الإجمالي واجب بحكم العقل، ومعه لا حاجة إلى حكم الشارع بوجوب الاحتياط، حتّى يتفرع عليه البحث عن قيام الاحتياط مكان القطع، وما ورد في الشرع في الإنائين المشتبهين من أنّه «يهريقهما ويتيمّم».(1) فهو إرشاد إلى حكم العقل.
هذا كلّه حول الأُصول غير المحرزة، وأمّا المحرزة فيوافيك حكمها تالياً:
***

7. قيام الأُصول المحرزة مكان القطع

يقع الكلام تارة في امكان القيام ثبوتاً وأُخرى في وجود الدليل عليه إثباتاً

1 . يلاحظ: الوسائل: 2، الباب 4 من أبواب التيمم، الحديث 4.

51
أمّا الأوّل فقد اختار المحقّق الخراساني اختار التفصيل بين القطع الطريقي المحض وبين القطع الموضوعي الطريقي، بالقيام في الأوّل وعدمه في الثاني.
أمّا الأوّل: فلأن الأثر مترتّب على نفس الواقع، ولإحرازه طرق منها الأُصول المحرزة.
وأمّا الثاني: فقد أعاد فيه نفس الإشكال في قيام الأمارة مكان القطع الموضوعي الطريقي من استلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي واللحاظ الاستقلالي، وحاصله في مورد الاستصحاب: أنّ تنزيل «الشك بعد اليقين» منزلة القطع إن كان بلحاظ الطريقية، يكون النظر إلى المتيقّن والمشكوك في الموردين استقلالياً، وإلى القطع والاستصحاب (الشك بعد اليقين) آلياً، وأمّا إن كان التنزيل بلحاظ المدخلية في الموضوع يكون النظر إليهما استقلالياً وإلى المتيقّن والمشكوك آلياً.
وقد عرفت عدم ورود الإشكال على وجه التفصيل فلا نعود إليه إلاّ إجمالاً، وحاصله: أنّ المنزِّل ليس هو المكلّف القاطع والمستصحِب حتّى يلزمه الجمع بين اللحاظين، بل المنزِّل هو الشارع، وهو ينظر إلى كلا الأمرين (القطع والشك بعد اليقين) باللحاظ الاستقلالي فينزّل الأصل منزلة القطع.
ثم إنّه (قدس سره)ذكر بياناً في تعليقته على الفرائد صحّح به تنزيل الاستصحاب ـ مثلاً ـ منزلة الواقع والقطع بتنزيل واحد لا بتنزيلين حتى يستلزم الجمع بين اللحاظين، ولكنّه (قدس سره)رجع عنه في «الكفاية»، وقد أوضحنا ما ذكره في التعليقة وما أورد عليه في «الكفاية» في التقريرين. فمن أراد التفصيل فليرجع إليهما، إنّما المهم هو استنطاق أدلّة الأُصول المحرزة، فهل يمكن استظهار قيامها مقام القطع أو لا ؟

52

وجود الدليل على القيام إثباتاً

التصديق بقيام الأُصول المحرزة مقام القطع الموضوعي، يتوقّف على دراسة لسان الدليل.
أمّا الاستصحاب فيمكن أن يقال: إنّ لسان دليله هو التعبّد ببقاء اليقين، وإنّ الشاك بعد اليقين هو ذو يقين، فلا بأس بالقول بقيامه مكان القطع الموضوعي الطريقي، فإذا قال: الخمر المقطوع حرامٌ، ثم قال: إذا أيقنت بخمرية شيء ثم شككت فيه فأنت ذو يقين وليس لك أن تنقض اليقين بالشك، فعندئذ يكون الدليل الثاني حاكماً على الدليل الأوّل، بمعنى جعل المصداق لموضوع الدليل الأوّل بأنّه أعم، سواء أكان القطع وجدانياً أم تعبدياً.
ومع ذلك يحتمل أن يكون لسان الدليل هو التعبّد بوجود المتيقّن في السابق لا التعبّد بوجود اليقين فلا يقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي وإنّما يقوم مقام القطع الطريقي المحض.
وأمّا قاعدة التجاوز فيمكن أن يقال: إنّ لسان دليلها هو التعبّد بوجود الشيء دون التعبّد (باليقين) فلا تقوم القاعدة مكان القطع لعدم وجود الدليل على التنزيل بين مفاد القاعدة والقطع. ويشهد على ذلك رواية عثمان بن حمّاد قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أشك وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا؟ فقال (عليه السلام): «مضى».(1)
في أقسام القطع الموضوعي
ترى أنّ الإمام (عليه السلام)يركّز على وجود الركوع لا على اليقين به، فظهر بما ذكرنا الفرق بين الاستصحاب على الاحتمال الأوّل وقاعدة التجاوز; ومنه تعلم حالة أصالة الصحّة، أو عدم العبرة بشك المأموم عند حفظ الإمام وبالعكس.

1 . الوسائل: 4، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 1.

53

الجهة الرابعة:

في أقسام القطع والظن الموضوعيّين

قد عقد المحقّق الخراساني فصلاً لأقسام القطع والظن الموضوعيين، ولا أظن أن يترتّب على دراسة الأقسام أثر شرعي مهم، غير أنّ مخالفة منهج الأعاظم ربّما لا تحمد عقباها، نذكر الأقسام وأحكامها على نحو موجز فيقع الكلام في مقامين:

1. في أقسام القطع الموضوعي

إنّ القطع إمّا أن يتعلّق بالحكم أو يتعلّق بموضوع ذي حكم، وقد اقتصر المحقّق الخراساني بذكر القسم الأوّل فذكر أقساماً:
1. أن يؤخذ القطع بالحكم (1) في موضوع نفس الحكم، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة تجب الصلاة عليك بنفس هذا الوجوب المقطوع به.
2. أن يؤخذ القطع بالحكم في موضوع مثل ذلك الحكم، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة تجب الصلاة عليك بوجوب آخر مثله.
3. أن يؤخذ القطع بالحكم في موضوع ضدّ ذلك الحكم، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة تحرم عليك الصلاة.
4. أن يؤخذ القطع بالحكم في موضوع حكم آخر يخالفه لا يضادّه ولا يماثله، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة يجب عليك التصدّق.
ثم إنّ المحقّق الخراساني حكم بامتناع الأقسام الثلاثة الأُوَل دون الرابع.

1 . أُريد بالحكم في عامّة الأقسام الحكم الفعلي المنجّز، وليكن هذا في ذكرك.

54
أمّا الأوّل فوجه امتناعه استلزامه الدور، لأنّ القطع بالحكم فرع وجوده، والمفروض أنّ الحكم متفرّع على القطع بنفس الحكم.
يلاحظ عليه: بلزوم الدور في صورة واحدة وهي ما إذا كان القطع بالحكم جزء الموضوع والجزء الآخر وجود الحكم الواقعي، وحينئذ يتوقّف المحمول ـ أعني: الوجوب الواقعي ـ على الموضوع المركّب من القطع والحكم الواقعي، والمفروض توقّف الجزء الثاني من الموضوع على المحمول.
وأمّا إذا كان القطع بالوجوب تمام الموضوع، فالمحمول وإن كان متوقّفاً على الموضوع، لكن القطع غير متوقّف على وجود الحكم الواقعي، بل يتوقّف على الصورة الذهنية من الحكم، سواء أكانت مطابقةً للواقع أم لا، لافتراض أنّ القطع بما هو هو تمام الموضوع دون أن يكون للواقع دورٌ.
وأمّا الثاني ـ أعني: إذا كان القطع بالحكم موضوعاً لحكم مماثل ـ فقد أحاله أيضاً لأجل اجتماع المثلين في شيء واحد وهو الصلاة، فتكون واجبة بوجوبين متماثلين.
يلاحظ عليه: بتعدّد موضوع الوجوب، فالوجوب في قوله: إذا قطعت بوجوب الصلاة تجب عليك بوجوب ثان متعلّق بنفس الصلاة، والوجوب الآخر متعلّق بالقطع بوجوب الصلاة.
والأولى أن يقال: إنّ هذين الجعلين أمر لغو إلاّ أن يحمل على التأكيد.
وأمّا الثالث فقد أحاله المحقّق الخراساني أيضاً لاستلزامه اجتماع الضدين. ويظهر ضعف ما قاله ممّا ذكرناه في القسم الثاني. والحق أن يقال ـ كما مرّ في القسم الثاني ـ: إنّ جعل الحكمين المتضادين على فرض إمكانه أمر

55
لغو لعدم إمكان امتثالهما.
وأمّا الرابع فهو في غاية الإمكان.

الاستثناء من عدم جواز الأخذ

لمّا كان متعلّق القطع فيما سبق، هو الحكم الفعلي المنجز وقال المحقّق الخراساني بامتناع الأقسام الثلاثة، استثنى منها ما إذا كان القطع بمرتبة من الحكم موضوعاً لمرتبة أُخرى من نفس ذلك الحكم أو مثله أو ضده، كما إذا قال:
1. إذا قطعت بوجوب الصلاة إنشاءً، تجب الصلاة بنفس ذلك الوجوب فعلاً.
2. إذا قطعت بوجوب الصلاة إنشاءً، تجب بوجوب فعلي آخر.
3. إذا قطعت بوجوب الصلاة إنشاءً، تحرم عليك فعلاً.
وجه الاستثناء في الأوّل هو اختلاف الموقوف والموقوف عليه، فيه، لأنّ الحكم الفعلي الّذي هو المحمول، موقوف على القطع بالحكم الإنشائي ولكن الحكم الإنشائي ليس موقوفاً على شيء.
كما أنّ وجه الاستثناء في الأخيرين إنّ الوجوبين غير متماثلين أو متضادين، لأنّ أحدهما إنشائي والآخر فعلي.
إلى هنا تمّ البحث في أقسام القطع المأخوذ في الموضوع، فإليك البحث في أقسام الظنّ المأخوذ في الموضوع.

56

2. في أقسام الظنّ المأخوذ في الموضوع

في أقسام الظنّ المأخوذ في الموضوع
ينقسم الظن المأخوذ في الموضوع كالقطع إلى أقسام أربعة، فتارة يؤخذ الظن بالحكم الفعلي في موضوع نفس ذلك الحكم، وأُخرى في موضوع مثله، وثالثة في موضوع ضدّه، ورابعة في موضوع حكم آخر يخالفه لا يضاده ولا يماثله. والأمثلة بالقياس إلى ما ذكرنا في القطع واضحة، وقد مر أنّ المحقّق الخراساني أحال في مورد أخذ القطع، الأقسام الثلاثة الأُول وقال بإمكان الرابع.
أمّا المقام فلا شك في امتناع الأوّل حسب نظره (قدس سره) وإمكان الرابع إنّما الكلام في القسمين المتوسطين فقد قال بامتناعهما في القطع دون المقام.
وحاصل ما فرّق بينهما هو انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري في الظن ـ دون القطع ـ لأنّ المفروض أنّ الواقع عند الظان غير منكشف والمكلّف بعدُ جاهل بالحكم الواقعي. فلا مانع من اجتماع الوجوبين: أحدهما يتعلّق بالصلاة بما هي هي والآخر يتعلّق بها بما أنّها مظنونة الوجوب.
ثم أورد على نفسه بأنّ الظن باجتماع المثلين أو الضدين كالقطع بهما، فكما لا يمكن القطع باجتماع المثلين أو الضدين فهكذا الظن.
وأجاب عنه بأنّ الحكم الفعلي الّذي يتعلّق الظن به على قسمين: قسم يسمّى بالفعلي الحتمي، أي ما ليس له حالة انتظارية حيث تحقّق فيه المقتضي ووجدت الشرائط وعدمت الموانع.
وقسم آخر فعلي تعليقي بأن بلغ مرتبة الفعلية ولكن لم يبلغ مرتبة الحتمية والتنجّز لفقدان شرطه وهو القطع، وإنّما يكون منجّزاً إذا تعلّق به القطع.ومع ذلك لا يجب على الحاكم دفع عذر المكلّف برفع جهله ـ لو أمكن ـ أو بجعل لزوم الاحتياط عليه فيما أمكن.

57
وعلى هذا فالفعلي من جميع الجهات ـ أي القسم الحتمي منه ـ إذا تعلّق به الظن، لا يصلح أن يقع موضوعاً لحكم مثله أو ضده لاستلزامه الظن باجتماعهما، وأمّا إذا تعلّق بحكم فعلي غير حتمي ولا منجّز ففي مثله لا مانع من أن يقع الظن به موضوعاً لحكم ظاهري مثله أو ضدّه، لأنّ تضاد الأحكام إنّما هو في مرحلة الفعلية الحتمية لا في مرحلة الفعليّة التعليقية، والمفروض أنّ الحكم الّذي تعلّق به الظن فعلي غير منجّز لاشتراط التنجّز بتعلّق القطع والمفروض عدم تعلّقه. والّذي رتَب عليه، سواء أكان مثله أو ضده، فعلي منجّز ولا تعارض بين حكم غير منجّز وحكم منجّز.
وبذلك ظهر الفرق بين القطع والظن، إذ ليس للقطع إلاّ قسم واحد ففي فرض تعلّق القطع بحكم من الأحكام يصير الحكم فعلياً حتمياً، ولا يصلح القطع به، لأن يكون موضوعاً لحكم آخر مثله أو ضده لاستلزامه القطع باجتماع المثلين أو الضدين، وهذا بخلاف الظن فإنّ له قسمين ففي القسم الثاني لا يلزم انقلاب التعليقي إلى الحتمي، فيبقى الحكم المتعلّق به الظن في حالة التعليق، ويتعلّق الحكم الثاني بالموضوع المظنون على وجه التعليق، ولا تماثل ولا تضاد بين هذين النوعين من الحكمين.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره من الوجهين لجواز الأخذ لا يصبّان على مصب واحد ولا يهدفان إلى معنى فارد.
أمّا الوجه الأوّل فقد اعتمد فيه على انحفاظ الحكم الظاهري في الظن دون القطع، فإنّ الظان بعده جاهل بالحكم دون القاطع.
وأمّا الوجه الثاني فقد اعتمد فيه على أنّ الحكم المتعلّق به الظن لو كان فعلياً حتمياً من جميع الجهات لا يمكن أخذ مثل هذا الظن في موضوع حكم ضده أو مثله. وأمّا لو كان متعلّقاً بحكم فعلي غير حتمي من بعض الجهات

58
بمعنى أنّه لو تعلّق به القطع لتنجّز وإلاّ فلا ففي مثله يجوز أخذ الظن به في موضوع حكم مثله أو ضدّه. لكون الحكم المتعلّق به الظن فعلياً غير منجّز حتى بعد تعلّق الظن.
فظهر أنّ البيان الأوّل غير البيان الثاني، فالأساس في البيان الأوّل هو انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري، فصار ذلك مبرراً لِجعل حكم آخر في مورده مثل الحكم المظنون أو ضدّه. ولكن الأساس في الثاني هو أنّ الحكم الّذي تعلّق به الظن فعلي غير منجز، والحكم المترتّب على الظن بالحكم غير الحتمي، منجز.
يلاحظ عليه: أنّ الظن المأخوذ في الموضوع إذا كان حجّة شرعية، يكون منجّزاً للحكم الواقعي عند الإصابة، ومعه لا يجوز جعل حكم مماثل للواقع أو مضاد وكون الواقع غير مكشوف قطعاً لا يبرّر جعل حكمين عند الإصابة. نعم يصحّ ما ذكره إذا لم يكن الظن حجّة. إلاّ إذا كان القطع شرطاً لفعليّته وهو فرض كالمعدوم.
لا يخفى أنّ أكثر ما ذكر في المقام من الصور تحليلات ذهنية، وليس في الفقه منها عين ولا أثر.

59

الجهة الخامسة

في وجوب الموافقة الالتزامية

الإسلام عقيدة وشريعة.
أمّا الأُولى: فالمراد بها هو الأُصول والمعارف الّتي جاء بها نبيّ الإسلام في القرآن والسنّة حول المبدأ والمعاد، فالاعتقاد بهما وبغيرهما من أفعاله سبحانه وأنبيائه ورسله وما عليه مصير الإنسان بعد ارتحاله من الدنيا، كلّها معارف عليا يجب الاعتقاد والتسليم بها، فالمطلوب فيها هو الاعتقاد والتسليم الّذي يعبّر عنه بالإيمان.
وأمّا الثانية: فهل فيها تكليفان:
أحدهما: الالتزام بأنّه حكم الله قلباً وجناناً.
الثاني: تطبيق العمل عليه.
ولكلّ، امتثال وعصيان؟ فلو التزم قلباً ولكن خالف عملاً فقد عصى ويستحق العقوبة، كما أنّه لو وافق عملاً، وخالف جناناً والتزاماً، فقد ترك الفريضة القلبية، فيؤخذ به.
أو أنّ هنا تكليفاً واحداً، وهو لزوم امتثال الأحكام الفرعية في مقام العمل وإن لم يلتزم بها قلباً وجناناً؟ وجهان.
ذهب المحقّق الخراساني وسيدنا الأُستاذ (قدس سره)إلى الثاني لكن كلّ بمعيار خاص.
أمّا الأوّل: فقد استدلّ على أنّ هنا تكليفاً واحداً بشهادة الوجدان الحاكم

60
في باب الإطاعة والعصيان بذلك. واستقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمره إلاّ المثوبة دون العقوبة، ولو لم يكن مسلّماً وملتزماً به، نعم عدم الالتزام يوجب سقوط درجته.(1)
وأمّا سيدنا الأُستاذ (قدس سره)فقد ذهب إلى وحدة التكليف لكن بملاك آخر، وهو أنّ التسليم القلبي والانقياد الجناني والاعتقاد الجزمي لا يخضع للأمر والإيجاب، لأنّه خارج عن حيطة الاختيار، وذلك لأنّ الأُمور القلبية لا تحصل بالإرادة والاختيار، قبل حصول مقدّماتها ومباديها، ولو فرض حصولها، يمتنع تخلّف الالتزام والانقياد القلبي عند حصول مباديها، بل يمتنع الاعتقاد بأضدادها فتخلّفها عن المبادئ ممتنع، كما أنّ حصولها بدونها أيضاً ممتنع.
فإن قلت: إذا كان الاعتقاد القلبي أمراً قهرياً عند حصول المقدّمات والمبادئ الّتي تفرض الاعتقاد بالشيء، فلازم ذلك امتناع الجحد القلبي لمن استيقن بشيء، مع أنّه سبحانه يحكي عن الكفّار بأنّهم جحدوا مع استيقانهم قلباً وجناناً، يقول سبحانه: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)(2).
قلت: المراد من الجحد هو الجحد لساناً لاجناناً واعتقاداً.(3)
وحاصل ما أفاد: أنّ الأُمور القلبية لا تخضع للإيجاب والإلزام مالم تحصل لدى الإنسان مبادئ العلم والاعتقاد بها، ومع حصولها يكون الاعتقاد قهرياً واختيارياً غير خاضع للوجوب. مثلاً مَن قام عنده الدليل الشرعي على وجوب الصلاة يحصل الاعتقاد به، ولا يمكن له عقد القلب على خلافه، كما

1 . كفاية الأُصول: 1 / 28. 2 . النمل: 13 ـ 14. 3 . تهذيب الأُصول: 2 / 15.

61
أنّ مَن قام عنده البرهان الرياضي على مساواة زوايا المثلث بزوايتين قائمتين يمتنع عقد القلب عنده على عدم التساوي.
وعلى ضوء ما ذكره فالحكم الفرعي، إن ثبت بالدليل أنّه حكم الشارع لا يمكن أن يتخلّف القلب عن الالتزام به، وإن لم يثبت لا يمكن إلزامه بالالتزام القلبي به، ففي كلتا الحالتين يكون الالتزام وعدم الالتزام خارجين عن حدّ الاختيار. هذا هو كلامه. وعلى ما ذكره (قدس سره)فلا موضوع للبحث إذا العلم يلازم عقد القلب بالمعلوم ولا يمكن العقد على الخلاف.
يلاحظ عليه: بعدم الملازمة بين القطع والإيمان، أو العلم والتسليم، فربّ قاطع وعالم بشيء لا يخضع لما قطع وعلم، بشهادة أنّ الإنسان العادي (غير الغسّال) عالم وقاطع بأن الميت لا يضر، ومع ذلك يستوحش منه ويخاف من أن ينام في البيت الّذي فيه الميّت، ما هذا إلاّ لأنّه عالم غير مؤمن بما علم، بخلاف الغسّال فإنّه ربّما يعانقه بلا خوف ولا وجل، لأنّ علمه تبدّل إلى الإيمان بأنّه غير مضر.
وللمحقّق الأصفهاني كلام في المقام ربّما يوضح ما ذكرنا، قال:
الإنسان كثيراً ما يعلم بأهلية المنصوب من قبل من له النصب، لكنّه لا ينقاد له قلبه ولا يقرّ به باطناً، وإن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته خوفاً من سوطه وسطوته، وهكذا كان حال كثير من الكفّار بالنسبة إلى نبيّنا، حيث إنّهم كانوا عالمين بحقيقته كما نطق به القرآن، ومع ذلك لم يكونوا منقادين له قلباً ولا مقرّين باطناً، ولو كان ملاك الإيمان الحقيقي نفس العلم التصديقي لزم أن يكونوا له مؤمنين حقيقة.(1)

1 . نهاية الدراية:2/26.

62
والذي يدلّ على أنّ بين العلم والتسليم مرحلة أو مراحل قوله سبحانه:(فَلا وَربِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرجاً مِمّا قضيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).(1) قيل: نزلت في الزبير ورجل من الأنصار خاصمه إلى النبي في شراج(2) من الحرة كانا يسقيان بها النخل كلاهما، فقال النبي للزبير:« إسق ثمّ أرسل إلى جارك»، فغضب الأنصاري وقال: يا رسول اللّه لئن كان ابن عمّتك....(3)
فإنّ خطاب الأنصاري للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كشف عن عدم تسليمه لقضائه وإن لم يخالف عملاً، وبذلك يعلم أنّ المراد من الجحد هو الجحد القلبي وعدم التسليم لمقتضى البرهان، لا الجحد اللفظي، ففرعون وأتباعه أمام البيّنات التي أتى بها موسى (عليه السلام)كانوا:
1. عالمين بنبوة موسى وهارون.
2. غير مسلِّمين قلباً، مستكبرين جناناً.
***
إذا عرفت أنّ العلم بالتكليف لا يلازم التسليم، بل للمكلّف بعد العلم به، أن يخضع له قلباً ويلتزم بالحكم الشرعي وأن لا يلتزم، وعندئذ يقع الكلام في لزوم الموافقة الالتزامية في موارد:
1. إذا كان مورد التسليم وعقد القلب ما جاء به النبي في مجالي العقيدة والشريعة على وجه الإجمال، فلا شك أنّه يجب الإيمان به والتسليم له، وإلاّ

1 . النساء:65.
2 . مسيل الماء من الحرّة إلى السهل، و«الحرّة»: الأرض ذات الحجارة.
3 . مجمع البيان:2/69.

63
صار مثلهم، مثل الأعراب إذ «قالوا آمنا» فخوطبوا بقوله سبحانه: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)(1).
2. إذا كان مورد التسليم القلبي بالحكم الشرعي القربيات والتعبّديات الّتي لا تصح إلاّ بالإتيان بها لله سبحانه فلابدّ من وجود التسليم والانقياد والالتزام بأنّه حكم الله سبحانه، وإلاّ لا يتمشّى قصد القربة.
3. إذا كان مورد عقد القلب على حكم الشيء في التوصليات فلا دليل ـ وراء وجوب العمل ـ على الالتزام بأنّه حكم الله، بشهادة أنّه يكفي دفن الميّت في الامتثال وإن لم يلتزم به بأنّه حكم الله وإلاّ يلزم تعدّد العقاب، عند العصيان; أحدهما لترك العمل، والآخر لترك عقد القلب على الحكم الشرعي في المورد، نعم يحرم الالتزام بخلافه.

ثمرات المسألة

قد عرفت أنّ المهم في المقام هو الصورة الثالثة، أعني: لزوم عقد القلب على حكم الشيء في التوصليات وراء العمل، فقد عرفت أنّه غير واجب، إذ لو كان واجباً وراء العمل يلزم تعدّد العقاب كما مرّ.
ثم لو افترضنا وجوب عقد القلب على الحكم الواقعي تظهر الثمرة في موردين:
1. عقد القلب في عامّة المسائل التوصلية بالحكم الواقعي، سواء أكانت الموافقة العملية ممكنة أم لا، فيكون البحث مسألة فقهية.
2. امتناع إجراء الأُصول في أطراف العلم الإجمالي، بحجّة أنّه يخالف

1 . الحجرات: 14.

64
الالتزام بالحكم الواقعي.
أمّا المورد الأوّل: فله صور:
1. أن يعلم تفصيلاً بالحكم الواقعي الشرعي، كحرمة العصير العنبي قبل التثليث.
2. أن يعلم إجمالاً بالحكم الواقعي مع إمكان الموافقة العملية، كما إذا علم بوجوب أحد العملين التوصليّين كصرف المال في الجهاد أو المشاركة العملية فيه.
3. أن يعلم إجمالاً بالحكم الواقعي مع عدم إمكان الموافقة العملية، كما إذا علم إجمالاً بوجوب شيء أو حرمته.
فلو قلنا بوجوب الموافقة الالتزامية، أي عقد القلب بالحكم الواقعي الشرعي، فهو أمر ممكن في الصور الثلاث الماضية، غاية الأمر أنّه إذا علم تفصيلاً يلتزم به تفصيلاً كما في الصورة الأُولى، وإن علم إجمالاً يلتزم به إجمالاً.
وربما يحتمل أنّ مقتضى وجوب الموافقة الالتزامية هو الالتزام بشخصه وعنوانه وهو في الموردين الأخيرين لا يحصل إلاّ بالأخذ بأحدهما بعينه مخيّراً.
يلاحظ عليه: بما أورد عليه المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة أفضلها أنّه تشريع باطل، إذ كيف يلتزم بالحكم بشخصه وعنوانه بأن يلتزم بوجوب أحد العملين مثلاً في الصورة الثانية أو بالوجوب دون الحرمة في الثالثة مع أنّه لا يعلم أنّه حكم الله الواقعي، بل يمكن أن يكون ضد الحكم الواقعي، ونِعَم ما قال المحقّق الخراساني من أنّ محذور الالتزام بضد التكليف عقلاً ليس بأقلّ من محذور عدم الالتزام به.

65
وأمّا المورد الثاني: وهو إجراء الأُصول العملية في أطراف العلم الإجمالي حيث يقع البحث في أنّ الالتزام بالحكم الواقعي هل يمنع عن جريان الأُصول الّتي مفادها يخالف الحكم الواقعي أو لا؟
مثلاً إذا كان الإناءان نجسين ثم وقفنا على تطهير أحدهما، فهل يجوز استصحاب نجاسة كلا الإنائين أو لا؟
فمن قائل بعدم الجواز، إذ كيف يمكن الالتزام بالحكم الواقعي
الّذي هو طهارة أحد الإنائين ونجاسة الآخر مع الحكم بالنجاسة عليهما ظاهراً.
ومن قائل بالجواز كالشيخ الأنصاري حيث قال: إنّ الاعتقاد بالحكم الواقعي على ما هو عليه، لا يعارضه جريان الأصل في الظاهر، والحكم بإباحة الشيء المردّد بين الوجوب والحرمة، وذلك لأنّ الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي، فالمرأة المردّدة بين محلوفتي الفعل والترك، محكومة بحكمها الواقعي، وفي الظاهر محكومة بالإباحة، والموضوع للحكم الواقعي هي المرأة بما هي هي، وللحكم الظاهري المرأة المشكوكة الحكم، واختلاف المرتبة يصحح جعل حكمين مختلفين.
وبذلك تظهر صحّة استصحاب النجاسة في كلا الإناءين، فكلّ واحد بما هو هو محكوم بحكمه الواقعي من النجاسة أو الطهارة، ومن حيث كونهما مستصحبي النجاسة محكومين بالنجاسة، فلا معارضة بين جريان الأصل ووجوب الموافقة الالتزامية بالحكم الواقعي.
وإن شئت قلت: إنّه لو فرض ثبوت الدليل عقلاً أو نقلاً على الكبرى التالية، أعني: يجب الالتزام بحكم الله الواقعي، لكن الأُصول في كلِّ مورد تحكم بانتفاء الحكم الواقعي; مثلاً أصالة عدم وجوب صلاة الظهر تخرج المورد عن

66
الكبرى الكلّية، ونظيره عدم أصالة وجوب الجمعة.(1)
ثم إنّ للمحقّق الخراساني مناقشات حول كلام الشيخ أوضحناها في محاضراتنا، ومن أراد التفصيل فليراجع.(2)
إلاّ أنّ المهم هو فقدان الثمرة لبحثنا هذا، لعدم جريان الأُصول العملية في أطراف العلم الإجمالي لوجوه أهمها الوجهان التاليان:
1. أنّه يشترط في جريان الأُصول العملية ترتّب الأثر العملي عليه وهو غير موجود لاتّفاق العلماء على أنّ الاشتغال اليقيني يستلزم البراءة اليقينية فيجب الإتيان بكلتا الصلاتين فأيّ فائدة لجريان أصل البراءة عن وجوب الظهر والجمعة.
2. ما ذكره الشيخ في خاتمة الاستصحاب وهو أنّ القول بجريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي يستلزم وجود التناقض بين صدر الرواية: «لا تنقض اليقين بالشك» وذيلها أعني: لكن تنقضه بيقين آخر فالإناءان المشتبهان حسب الصدر محكومان بحكم واقعي، أعني: طهارة أحدهما ونجاسة الآخر، وحسب الذيل محكومان بحكم ظاهري وهو نجاسة كلتيهما.(3)

1 . إلى هنا تمّ كلام الشيخ نصّاً وتوضيحاً. الفرائد: 1 / 84 ـ 85.
2 . إرشاد العقول: 3 / 77.
3 . الفرائد: 3 / 410 ـ 429.

67

الجهة السادسة

قطع القطّاع وظن الظنّان

حُكِي عن الشيخ الأكبر كاشف الغطاء عدم الاعتناء بقطع القطّاع.
أقول: يطلق القطّاع ويراد به تارة: مَن يحصل له القطع كثيراً من الأسباب الّتي لو أُتيحت لغيره لحصل لهم أيضاً، وأُخرى: مَنْ يحصل له القطع من الأسباب الّتي لا يحصل منها اليقين لغالب الناس، وكثرة القطع بالمعنى الأوّل آية الذكاء، وبالمعنى الثاني آية التدهور للجهاز العقلي.
وعلى ضوء ما ذكره الشيخ الأكبر فالوسواس في مورد النجاسات من قبيل القطّاع حيث يقطع بالنجاسة بأسباب واهية والّتي لا تكون مبدأ للقطع عند الغير، كما أنّه في مورد الخروج عن عهدة التكاليف شكاك، إذ ربما يرتمس في الماء لأجل الغسل الارتماسي ويشك في إحاطة الماء بدنه، أو يكرر القراءة ولا يحصل له اليقين بالصحّة، وعلى ما ذكرنا فمراده من القطّاع هو الوسواس لكنّه قطّاع في مورد النجاسة وشكّاك في مورد الامتثال والطاعة.
ثم إنّ القطع إذا كان طريقياً محضاً فكيف يمكن للشيخ الأكبر أن يفتي بعدم الاعتناء به مع أنّه طريق محض، فلا فرق بين قطع القطّاع وقطع الآخرين.
نعم لو كان القطع مأخوذاً في الموضوع، فللشارع أن يحدّد القطع بغير القطّاع، ويكون جزء الموضوع هوالقطع الحاصل من أسباب على نحو لو أُتيحت لغالب الناس يحصل لهم القطع، فعندئذ يصح ما قاله الشيخ الأكبر بجواز المنع، فظهر بما ذكرنا التفصيل بين القطع الطريقي والقطع الموضوعي بعدم إمكان المنع في الأوّل، وجوازه في الثاني.

68
نعم على من يصاحب القطّاع أو يشاهده، نصحه وإرشاده حتّى يرجع عن قطعه قائلاً بأنّ ما يتخيّله سبباً للعلم والقطع أمر واه، هذا كلّه حول القطّاع.
هذا كلّه إذا لم ينكشف الواقع فلو انكشف وكان القطع مطابقاً للواقع فهو، وإلاّ فلا يجزي لما مرّ من أنّ الحكم الظاهري الناشئ من حكم العقل، غير مجز. نعم لا فرق في ذلك بين القطاع وغيره، وأمّا لو طرأ الشك لا القطع بالخلاف ففي شمول قاعدة التجاوز للأعمال السابقة تأمّل، لاحتمال انصرافه إلى غير الشكاك لكنّه ضعيف. فلاحظ.
وأمّا الظنّان فهو يفارق القطع حيث إنّه يجوز للشارع أن يمنع الظنّان عن العمل بظنه مطلقاً، سواء أكان الظن طريقاً محضاً، أم مأخوذاً في الموضوع.
وجه الفرق: أنّ حجّية الظن إنّما هي بجعل الشارع، فله أن يحدد موضوع الحجّية ويخصّصها بالظن الحاصل عن الأسباب العادية حتّى في الظن الطريقي المحض بخلاف القطع فإنّه غني عن جعل الحجية، إذ ليس وراء القطع شيء كما ليس وراء عبادان قرية.
وعلى ما ذكرنا لو كانت الحجّة هو الظن الحاصل من الأسباب العادية، وافترضنا حصول الظن من أسباب غير عادية يكون حكم الظنان حكم الشك، مثلاً لو ظن بعد الخروج عن المحل أنّه ترك التشهّد، فلو كان ظنه عادياً فعليه أن يرجع، ولو كان غير عادي يترتّب عليه حكم الشك، لأنّ من شك بعد الخروج عن المحل بعد الإتيان بالتشهّد، لا يعتدّ بشكّه.
ولو ظنّ قبل الخروج من المحل بالإتيان، فلو كان ظنّه متعارفاً فلا يعود، ولو كان غير متعارف يكون حكمه حكم الشك، لأنّ من شك قبل الخروج عن المحلّ في الإتيان يعود.

69

الجهة السابعة

العلم الإجمالي تنجيزاً وامتثالاً

هل العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في تنجيز الحكم الواقعي أوّلاً، وكفاية الامتثال الإجمالي ثانياً أو لا؟ ولنذكر قبل الدخول في المقصود أمرين:
الأوّل: أنّ العلم من مقولة الكشف فهو لا يقبل التفصيل والإجمال، بل أمره دائر بين الوجود والعدم، ومع ذلك كيف يوصف بالإجمال؟
والجواب: أنّ وصف العلم بالإجمال والتفصيل من باب وصف الشيء بوصف مصداق متعلّقه، ففي مورد المثال المعروف: العلم بنجاسة أحد الإنائين، لا إجمال في العلم كما لا إجمال في المتعلّق (النجاسة)، إنّما الإجمال في مصداق المتعلّق أي النجاسة.
الثاني: أنّ الأُصوليّين من عصر الشيخ الأنصاري إلى يومنا هذا يطرحون مسألة العلم الإجمالي في هذا المقام، وفي مبحث الاشتغال.
فما هو المبرّر للتكرار؟ وقد ذكر كلّ من الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني وجهاً سيوافيك بيانه والمختار عندنا ما يلي:
إنّ ملاك البحث في المقام هو العلم القاطع بالتكليف، بحيث لا يرضى المولى بتركه، كما إذا علم أنّ أحد الرجلين محقون الدم دون الآخر فالعلم القطعي بصيانة دم الرجل المحقون يصدّنا عن المخالفة مطلقاً، قطعية أو احتمالية ويبعث على الامتثال على نحو الموافقة القطعية.
ولكن ملاك البحث في رسالة الاشتغال هو العلم بالحجّة الّتي إطلاقها يشمل المعلوم بالتفصيل والمعلوم بالإجمال، مثل قولنا: اجتنب عن النجس،

70
فإنّ مقتضى الإطلاق هو لزوم الاجتناب عن النجس المعلوم تفصيلاً وإجمالاً.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يقع الكلام في مقامين:
1. في تنجيز العلم الإجمالي وثبوت التكليف به.
2. كفاية امتثال الإجمالي عن التفصيلي. وإليك دراسة المقامين:

المقام الأوّل: في تنجيز العلم الإجمالي وثبوت التكليف به

قد عرفت أنّ اللائق بالبحث في المقام هو العلم القاطع الحاسم الّذي لا يرضى المولى بتركه، فعندئذ تحرم المخالفة الاحتمالية كقتل أحد الرجلين فضلاً عن المخالفة القطعية، وذلك لأنّ هذين الأمرين لا ينسجمان مع العلم القطعي بالتكليف.
فلو كان ملاك البحث في المقام ما ذكرنا من وجود العلم القطعي بالتكليف، لا مجال للبحث عن جواز المخالفة القطعية أو الاحتمالية، وإنّما يناسب ذلك مبحث الاشتغال على ما عرفت.
ثم إنّ الشيخ بيّن ملاك الفرق في المقامين بالنحو التالي: إنّ لاعتبار العلم الإجمالي مرتبتين:
إحداهما: كونه كالتفصيلي في حرمة المخالفة القطعية.
ثانيتهما: كونه كالتفصيلي في وجوب الموافقة القطعية.
والمتكفّل للبحث في الأوّل هو مبحث القطع، والثاني هو مبحث الاشتغال.
ولذلك طرح في المقام حرمة المخالفة القطعية، وأحال الكلام في الثاني إلى مبحث الاشتغال.

71
لكن المحقّق الخراساني جعل الفرق بين المقامين بتعدّد الغرض، فقال: الغاية للبحث عنه في مبحث القطع هو التعرّف على أنّه علّة تامّة للتنجّز أو مقتض له، فلو قلنا بالأوّل، يترتّب عليه بطلان جعل الترخيص في بعض أطرافه. وحينئذ لا يبقى مجال عنه في باب الاشتغال. وأمّا لو قلنا: إنّه مقتض للتنجّز، أي أنّه قابل لجعل الترخيص، يبقى مجال للبحث عن ورود الترخيص لبعض الأطراف في الشرع وعدمه، وهذا ما يبحث عنه في باب الاشتغال، ويكون البحث صغروياً.
أقول: لو كان ملاك البحث في المقام هو العلم القطعي (لا إطلاق الدليل) تحرم المخالفة القطعية وتجب الموافقة كذلك، ضرورة أنّ الترخيص في بعض الأطراف فضلاً عن كلّها يوجب التناقض بين الإرادتين في نفس المولى، فهل يمكن تعلّق الإرادة القطعية على حرمة قتل المسلم المردّد بين الرجلين، مع الترخيص في قتل كليهما أو واحد منهما، مع احتمال انطباق البعض على المسلم.
نعم يجوز ذلك في المقام الآخر، أعني: قيام الحجة على الحرمة، وإطلاقها يشمل المعلوم تفصيلاً والمعلوم إجمالاً، ويصلح المقام للبحث فيه عن الأُمور الثلاثة: الموافقة القطعية، الموافقة الاحتمالية، المخالفة القطعية، ولا داعي للتكرار.
وبذلك تستغني عن كثير ممّا ذكره الشيخ في رسالته والمحقّق الخراساني في كفايته، وقد أوضحنا كلامهما وما فيه في التقريرين.(1)

1 . لاحظ: المحصول: 2 / 94 ـ 99; إرشاد العقول: 3 / 97 ـ 101.

72

المقام الثاني: كفاية الامتثال الإجمالي عن الامتثال التفصيلي

فاعلم أنّ الكلام يقع في أُمور ثلاثة:
1. كفاية الامتثال الإجمالي في مقابل العلم التفصيلي.
2. كفاية الامتثال الإجمالي في مقابل الحجّة الشرعية.
3. كفاية الامتثال الإجمالي في مقابل الظن الانسدادي.
كفاية الامتثال الإجمالي عن الامتثال التفصيلي

الأمر الأوّل: كفاية الامتثال الإجمالي في مقابل العلم التفصيلي

إذا تمكّن من تعيين جهة القبلة بالجهاز الصناعي المفيد للعلم، فهل يجوز أن يصلّي إلى أربع جهات أو لا؟
أقول: أمّا في التوصليّات فلا شك في جوازه، فلو كان له ماء مطلق، ومع ذلك غسل ثوبه النجس بمائين: أحدهما مطلق، والآخر مضاف، فلا شك في طهارة ثوبه.
ونظير ذلك صيغة النكاح المردّدة بين لفظي النكاح أو الزواج، فيجوز له الإنشاء بكلا اللفظين.
وربّما يورد على الإنشاء بكلا اللفظين مع التمكّن من تحصيل العلم بالإنشاء الواقعي، بأنّه يستلزم تاليين فاسدين:
1. صيرورة العقد معلّقاً.
2. عدم الجزم بالإنشاء.
أمّا الأوّل، فالإنشاء وإن كان في الظاهر مطلقاً، لكنّه في قرارة ذهنه معلّق على أنّه إن صحّ النكاح بهذا اللفظ، فقد أنشأتُ به.

73
وأمّا الثاني فلأنّ الفاقد غير جازم ويشكّ في تحقّق المنشأ عند الإنشاء بكلّ واحد.
يلاحظ عليهما: أوّلاً: بأنّه لا دليل على بطلان العقد المعلّق إلاّ في مورد الطلاق، وإلاّ فالمعلّق والمنجّز في صحّة الإنشاء سواء.
وثانياً: أنّ القدر المتيقّن من الإجماع ما إذا كان التعليق مصرّحاً به في اللفظ لا في الضمير كما هو الحال في المقام.
وأمّا الجزم في الإنشاء، فإن أراد وجود القصد الجدّي لإنشاء النكاح، فهو أمر متحقّق ولولاه لما جمع بين اللفظين، وإن أراد قصد الإنشاء الجدّي بكل واحد من اللفظين فليس عليه دليل.
هذا كلّه في التوصليّات، وأمّا التعبّديات فيقع الكلام تارة فيما لا يستلزم الاحتياط تكرار العمل، وأُخرى فيما يستلزمه.
ثم إنّ الأوّل ينقسم إلى قسمين، لأنّ التكليف المحتمل تارة يكون تكليفاً مستقلاً، وأُخرى تكليفاً ضمنيّاً.
أمّا الأوّل: أي ما لا يستلزم الاحتياط التكرار، وكان التكليف المحتمل تكليفاً مستقلاً، كما في غسل الجمعة المردّد بين كونه واجباً أو مستحباً، فالحق جواز الاحتياط مع التمكّن من تحصيل العلم بكون غسل الجمعة واجباً أو مستحباً، وذلك لأنّ المعتبر في العبادة هو قصد الأمر، أو إتيانه لله سبحانه، كما هو المختار والمفروض أنّ كلاًّ منهما حاصل.
فإن قلت: لو احتاط في مقام العمل، ولم يرجع إلى العلم، يفوت منه قصد الوجه، سواء أكان غاية كما إذا قال: اغتسل لوجوبه، أم وصفاً كما إذا قال: اغتسل غسلاً واجباً.
قلت: ما ذكرته صحيح ولكن قصد الوجه غير واجب، ولو شك في

74
وجوبه غاية أو وصفاً فالإطلاقان ـ أعني: اللفظي والمقامي ـ يكفيان في رفع وجوبه.
أمّا اللفظي فإنّ الأمر بغسل الجمعة خال عن هذا القيد، وأمّا الثاني فلأنّ قصد الوجه من القيود المغفولة عند أكثر الناس، فلو كان واجباً ولم يتمكّن المولى من أخذه في المتعلّق ـ كما هو المفروض من عدم إمكان أخذ ما يأتي من قِبَل الأمر في المتعلّق ـ كان له أن ينبِّه على ذلك بدليل مستقل، ولمّا سكت يكشف عن عدم وجوبه.
هذا كلّه فيما إذا كان غير مستلزم للتكرار وكان التكليف مستقلاً، وأمّا إذا كان التكليف ضمنيّاً كما إذا دار أمر السورة بين كونها مستحبّة أو واجبة وكان متمكّناً من العلم بالحكم، فهل يكفي إتيان الصلاة بها تقرّباً إلى الله ؟
الظاهر جوازه لحصول قصد القربة سواء أُريد به الإتيان لله، أم الإتيان بالأمر الشرعي، هذا من جانب، ومن جانب آخر عدم لزوم قصد الوجه، وعدم لزوم تمييز الجزء المستحبّ عن الجزء الواجب.
نعم لو دار أمر الجزء بين كونه واجباً أو مستحباً أو مباحاً يشكل الاحتياط، ولا يتمشّى قصد القربة، فاللازم عند ذلك تحصيل العلم.
هذا كلّه فيما إذا لم يستلزم الاحتياط التكرار، وأمّا إذا استلزم، سواء أكانت الشبهة موضوعيّة كالصلاة إلى الجهات الأربع، أم حكمية كالجمع بين صلاة الظهر والجمعة، وهذا هو محطّ البحث بين الأعلام.
ذهب جماعة إلى عدم الجواز مستدلّين بالوجوه التالية:
1. ادّعاء الإجماع على عدم الجواز.
2. استلزام الاحتياط عدم قصد الوجه والتمييز.

75
3. أنّ التكرار استخفاف بأمر المولى.
4. عدم صدق الإطاعة التي هي عبارة عن الانبعاث عن بعث المولى، بحيث يكون الداعي والمحرّك له نحو العمل هو تعلّق الأمر به وانطباق المأمور به عليه، وهذا غير متحقّق في الامتثال الإجمالي، فإنّ الداعي إلى الإتيان لكلّ واحد من فردي الترديد، ليس إلاّ احتمال تعلّق الأمر به لا الأمر نفسه، إذ لا يعلم انطباق المأمور به عليه بالخصوص.(1)
يلاحظ عليه: أنّ المهمّ هو الوجه الرابع لما مرّ من الإجابة إلى بعضها، فنقول: إنّه إن أراد من كون الإطاعة هي الانبعاث عن بعث المولى، الانبعاثَ عن البعث الموجود في البين، فالانبعاث عن الأمر بهذا المعنى متحقّق في الامتثال الإجمالي فإنّه لا ينبعث ولا يتحمّل العناء إلاّ لامتثال الأمر الموجود، وإن أراد الانبعاث من تعلّق الأمر بالفرد الذي هو بصدد إتيانه، فليس شرطاً في صدق الإطاعة.
وبعبارة أُخرى: المكلّف تارة ينبعث عن الميول النفسية، وأُخرى عن أمر المولى وبعثه. والمفروض في المقام هو الثاني، لأنّه في جميع الحالات منبعث من العلم بأمره الموجود في البين حتى أنّه إنّما يأتي بكلّ واحد لأمره سبحانه، أي لأجل احتمال تعلّقه به، وهو يكفي في صدق الإطاعة.
فخرجنا بهذه النتيجة: أنّ الامتثال الإجمالي في عرض الامتثال التفصيلي في جميع المراحل، إلاّ إذا كان الفعل في نظر العقلاء أمراً عبثاً.

الأمر الثاني: الامتثال الإجمالي في مقابل الحجّة الشرعية

كان البحث السابق في كفاية الامتثال الإجمالي وحان البحث في كفايته

1 . فوائد الأُصول: 3/73.

76
في مقابل الحجّة الشرعية كالاجتهاد والتقليد. والظاهر من الفقهاء في مبحث الاجتهاد والتقليد التساوي في الأمرين.
قال السيد الطباطبائي في عروته: يجب على كلّ مكلّف في عباداته ومعاملاته أن يكون مجتهداً، أو مقلّداً، أو محتاطاً (1).
ودليله واضح لما عرفت من مساواة الامتثال الإجمالي مع الامتثال بالعلم التفصيلي، فإذا كان الحال كذلك فأولى أن يكون الامتثال الإجمالي في مقابل الامتثال التفصيلي بالحجّة الشرعية.

الأمر الثالث: الامتثال الإجمالي في مقابل الظن الانسدادي

لو قلنا بحجّية الظن الانسدادي، فهل يجوز الامتثال الإجمالي في مقابل الامتثال التفصيلي بالظن الانسدادي؟ فيه التفصيل.
فلو قلنا: إنّ من مقدّمات دليل الانسداد عدم وجوب الاحتياط، فعندئذ يكون الامتثال الإجمالي (الاحتياط) في عرض الامتثال التفصيلي.
وأمّا لو قلنا بأنّ من مقدّماته بطلان الاحتياط لاستلزامه اختلال النظام يكون الامتثال التفصيلي بالظن مقدّماً على الامتثال الإجمالي (الاحتياط).
واعلم أنّ في الفقه مسائل لا يمكن الاحتياط فيها، مثلاً: هل الحبوة للولد الأكبر أو لجميع الورثة، ونظيرها موارد الحدود والقصاص ففي هذه الموارد لا محيص من العمل بالحجّة الشرعية أعني: الاجتهاد والتقليد.
قد سبق منّا أنّ هذا المقصد يختصّ ببيان أمرين: أحكام القطع وأقسامه، وحجّية العقل، فقد فرغنا عن الأوّل، وحان وقت دراسة الأمر الثاني وهو حجّية العقل في مجالات خاصة، وذلك لصيانة مكانة العقل في الاستنباط.

1 . العروة الوثقى: كتاب التقليد، المسألة الأُولى.

77
 
الأمر الثاني(1):

في حجّية العقل في مجالات خاصة

ركّز الشيخ على حكم القطع الحاصل من المقدّمات العقلية، وكان عليه عنوان البحث بشكل آخر، وهو البحث عن حجيّة حكم العقل في استنباط الأحكام الشرعية حتّى يخصّ للعقل من الأدلّة الأربعة باباً خاصاً.
وقبل الشروع في المقصود نذكر أُموراً:
الأوّل: إنّ فقهاء الشيعة حصروا الأدلّة في الأربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل; ولم يعيروا أهمية للقياس، والاستحسان، وسدّ الذرائع وفتحها، والمصالح المرسلة وغيرها، بل ركّزوا على الأدلّة الأربعة.
يقول ابن إدريس الحلّي (543 ـ 598 هـ): إنّ الحق لا يعدو أربع طرق: إمّا كتاب الله سبحانه، أو سنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)المتواترة المتّفق عليها، أو الإجماع، أو دليل العقل، فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مآخذ الشريعة، التمسّكُ بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه وموكولة إليه، فمن هذا الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه، فيجب الاعتماد عليها والتمسّك بها، فمن تنكّب عنها عسف، وخبط خبط عشواء وفارق قولُه من المذهب.(2)
الثاني: قد تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على حجّية

1 . تقدّم الأمر الأوّل، ص 11 بجهاته السبعة.
2 . السرائر: 1 / 46.

78
العقل نذكر منها ما يلي:
1. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «حجّة الله على العباد النبي، والحجّة على ما بين العباد ودين الله العقل ».(1)
2. قال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)وهو يخاطب هشام بن الحكم: «يا هشام إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة. فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأمّا الباطنة فالعقول ».(2)
الثالث: إنّ الأحكام العقلية تنقسم عند الأُصوليّين إلى مستقلّة و غير مستقلّة. ويراد بالأُولى مالايستعين فيه العقل في الوصول إلى النتيجة بحكم شرعي، بل يكون في إدراك الصغرى و الكبرى مستقلا كحسن أداء الأمانة وقبح الخيانة لها وحسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالإساءة.
ويراد بالثانية مايستعان فيه في الوصول إلى النتيجة بحكم شرعي كباب الملازمات فكون الوضوء مقدّمة أمر شرعي و ما يرجع إلى العقل هو وجود الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها عنده وقس على ذلك سائر أبواب الملازمات.
الرابع: أنّ الأُصوليّين ذهبوا إلى وجود الملازمة في كلا الموردين بين حكم العقل وحكم الشرع، مثلا إذا حكم العقل بأنّ الظلم قبيح فهو يلازم حكم الشرع أيضاً بقبحه، أو إذا حكم العقل بأنّ العقاب قبل البيان قبيح فهو يلازم حكمه أيضاً به.
هذا في المستقلاّت العقلية وأمّا غير المستقلّة فأكثر الأُصوليّين يقولون

1 . الكافي: 1 / 25، الحديث 22.
2 . الكافي: 1 / 16، الحديث 12.

79
أيضاً بالملازمة بين حكم العقل (الملازمة بين الوجوبين أو بين الحرمتين) وحكم الشرع بالملازمة بينهما، فيكون حكم العقل في كلا الموردين كاشفاً عن حكم الشرع. هذا هو مسلك الأُصوليّين من العدليّة و المخالف فرقتان:
1. الأشاعرة فقد ذهبوا إلى منع الصغرى في المستقلاّت العقلية، ومنعوا استطاعة العقل على إدراك حسن الأفعال وقبحها، قالوا بأنّهما لايعلمان إلاّ بالشرع، فمع منع الصغرى لاتصل النوبة إلى وجود الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، إذ الاحتجاج بالكبرى فرع وجود الصغرى و هم منعوا الصغرى بتاتاً، وأمّا في باب الملازمات فالظاهر من كتبهم الأُصوليّة القول بالملازمة بين حكمي العقل والشرع حيث يستدلّون على وجوب المقدّمة بالدليل العقلي.
2. أصحابنا الأخباريّين فهم يمنعون الكبرى أي وجود الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع في كلا المجالين، والظاهر منهم قبول الصغرى في المقام الأوّل. وأنّ العقل يدرك حسن الأفعال و قبحها، لكن ينكرون وجود الملازمة بروايات ستمرّ عليك. وقد صرّح بما ذكرنا (قبول الصغرى دون الكبرى) الفاضل التوني في «الوافية».(1)

الخامس: في ملاكات الحسن والقبح

إنّ هذا البحث هو بيت القصيدة في المقام حيث إنّ القوم لم يحرّروا ما هو ملاك التحسين والتقبيح العقليين فذكروا ملاكات مختلفة لاصلة لها بالبحث، وإليك بعض كلماتهم:
هذا هو الفاضل القوشجي يذكر للتحسين والتقبيح العقليين ملاكات

1 . لاحظ: الوافية: 172.

80
ثلاثة ويُسلّم بالأُوليين دون الثالث وقال: إنّه محل النزاع بين الأشاعرة وغيرهم، وإليك كلامه:
إنّ للحسن و القبح معان ثلاثة:
1. صفة الكمال والنقص، والحسن كون الصفة، صفة كمال; والقبح كون الصفة، صفة نقصان، فيقال: العلم حسن لكونه وصف كمال، والجهل قبيح لكونه وصف نقصان، والتحسين والتقبيح بهذا المعنى مقبول عند الأشاعرة.
2. ملاءمة الغرض ومنافرته، فما وافق الغرض كان حسناً و ما خالفه كان قبيحاً، وما ليس كذلك لم يكن حسناً ولا قبيحاً. قال: وذلك أيضاً يدركه العقل كالمعنى الأوّل.
3. ما تعلّق به المدح والثواب أو الذّمّ والعقاب. هذا في أفعال العباد، وأمّا أفعال الله فالحسن فيه تعلّق المدح والذّمّ، فقال هذا هو محلّ النزاع فهو عندنا شرعيّ; وذلك لأنّ الأفعال كلّها سواء، ليس شيء منها في نفسه مايقتضي
مدح فاعله وثوابه ولا ذمّ فاعله و عقابه، وإنّما صارت كذلك بسبب أمر الشارع ونهيه.
يلاحظ عليه: أنّ الملاكين الأوّلين خارجان عن محلّ البحث وأنّه ليس للحسن والقبح إلاّ معنى واحد، وهو الّذي ذكره في المعنى الثالث، لكن إقحام الثواب والعقاب في المعنى الثالث نوع مغالطة تفوّه بها القائل، بل البحث مكرّس على حسن الفعل الموجب لمدح الفاعل وقبحه الموجب لذمّه، فعلى الباحث أن يركّز على ذلك.
السادس: إنّ الحكماء قسّموا العقل إلى نظري وعملي. لا بمعنى أنّ لنا عقلين نظري وعملي، بل المراد تقسيم المدرَكات إلى قسمين: فإن كان المدرك

81
ممّا ينبغي أن يُعلَم كقولنا: الجزء أعظم من الكلّ يُسمّى عقلا نظرياً، إذ لا علاقة له بالعمل وإن كان المدرك ممّا ينبغي أن يُعمل كحسن العدل وقبح الظلم يوصف بكونه عقلا عملياً، فوصف العقل بأحدهما باعتبار مدرَكه، فبما أنّ المدرَك (المعلوم) بين نظري وعمليّ، وصف المدرِك(العقل) بهما أيضاً على وجه التوسّع.
السابع: المدرَك الذي يجب أن يُعلم ينقسم إلى نظري وبديهي فلا يصدق الأوّل إلاّ إذا انتهى إلى البديهي كما عليه البراهين القائمة في العلوم على المسائل النظرية. ومثله أحكام العقل العملي فهو بين بديهي يدركه العقل العملي مجرّداً عن كلّ الشوائب وبين غيره، فيحكم في الأوّل بحسن الأفعال أو قبحها إذا لاحظها بما هي هي. نظير حسن العمل بالميثاق وقبح نقضه، أو حسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزائه بالإساءة ونظائرهما. فهذه أحكام بديهية للعقل العملي.
وهناك أحكام عمليّة غير بديهية له و إنّما يعلم حالها بانطباق أحد عناوين البديهيّة عليها نظير تكريم الوالدين وتحقيرهما، فيعلم حسن الأوّل لأنّه من مصاديق جزاء الإحسان بالإحسان وقبح الآخر لكونه من مصاديق جزاء الإحسان بالإساءة، ونظيره تحقير الإنسان و هو قبيح لكونه ظلماً و قبح الكذب لكونه إيقاعاً للمستمع في الجهل بخلاف الصدق.
ثمّ إنّ الحكماء وإن لم يصرّحوا بتقسيم أحكام العقل العملي إلى بديهي و غيره لكن يعلم حالها من العقل النظري، ولعلّ عذرهم في ترك التصريح بهذا التقسيم هو أنّ أحكام العقل العملي راجعة إلى علم الأخلاق، وهو أمر لايهم الحكماء الغارقين في أحكام العقل النظري.
الثامن: إنّ صدق القضاء على وجه الإطلاق وكذبها فرع كونها مطابقة للواقع أو مخالفة لها ثمّ إنّ الواقع المطابق في القضايا النظرية هي خارج القضية

82
مثل قولنا: الجزء أصغر من الكلِّ، فالخارج مطابق له، بخلاف قولنا: الجزء أكبر من الكلّ فالخارج غير مطابق له.
وأمّا القضايا العمليّة فالمطابق هو الفطرة الطاهرة النقيّة من الشوائب فإذا عرضت عليها أحكام ذلك العقل فهي بينما تجدها ملائمة لها وأُخرى منافرة، فالأُولى توصف بالحسن والأُخرى بالقبح، ومن المعلوم أنّ مصطلح الفطري في المقام غير مصطلح الفطري في العقل النظري، فإنّ الفطري في أحكام العقل النظري عباره عن مثل الأربعة زوج فإنّ الحكم فيه بواسطة لا تغيب عن ذهنك عند ملاحظة أطراف الحكم وهو الانقسام بقسمين، بل الفطري في المقام ما عليه الحديث النبوي في كون التوحيد فطرياً فقد ورد: «مامن مولود إلاّ يولد على الفطرة ثم أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه ثم قال: (فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)(1)».(2) وإن أردت إدخاله تحت أحد العناوين الستة فعليك إدخالها تحت عنوان الأوّليات، وبذلك ظهر أنّ لكلّ من الحكمين مطابَق والحكم إمّا بالموافقة أو بالمخالفة. وكلّ ينقسم إلى بديهي وغير بديهي.

زلّة من الأعاظم

وفي المقام زلّة من الأعاظم يجب التنبيه عليها، وهي أمران:
الأوّل: أنّ الشيخ الرئيس ابن سينا وشارح إشاراته المحقّق الطوسي ومن جاء بعدهما كالمحقّق الاصفهاني صاحب الحاشية على الكفاية و تلميذه الشيخ المظفر ذهبوا إلى أنّ القضايا المشهورة (يريدون بها أحكام العقل العملي) ليس لها واقع وراء تطابق الآراء أي واقعها ذلك.

1 . الروم: 30.
2 . التاج الجامع للأُصول: 4 / 13; تفسير البرهان: 3 / 261 الحديث 5.

83
يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك إنكار التحسين والتقبيح الذاتيين، بل مرجع التحسين والتقبيح عندئذ إلى اتّفاق العقلاء عليهما لمصالح ومفاسد مرتّبة على بعض الأفعال، ولولا ذلك لما اتّفقوا عليه، وهو كما ترى.
وقد قلنا في محلّه: إنّ الموضوع للحسن والقبح هو لحاظ ذات الفعل مع قطع النظر عمّا يلازمه من المصالح والمفاسد، وذلك لأنّ إحدى الغايات من القاعدة التعرّف على أفعاله سبحانه من حيث هي هي، ولا معنى لتصوّر المصالح أو المفاسد في فعله سبحانه; لأنّ فعله فوقهما، فتعذيب الطفل الصغير قبيح مطلقاً حتّى على الله سبحانه لا لكونه ذات مفسدة بل لكونه في حدّ ذاته قبيحاً يحكم به العقل والفطرة الإنسانيّة فتفسير الحسن والقبح بالمصلحة والمفسدة، تفسير خاطئ.
الثاني: أنّ التحسين والتقبيح العقليّين من اليقينيّات ومن الأحكام الصادرة عن العقل العملي بضرس قاطع مع قطع النظر عن سائر العناوين، لكن مع الأسف أنّ هؤلاء جعلوا تلك القضايا من القضايا المشهورة المقبولة عند الناس.
قال الشيخ الرئيس في «النجاة»: «إذا عرضنا قولنا العدل جميل والكذب قبيح على الفطرة تجد الشك متأتّياً فيهما وغير متأتّ في قولنا: إنّ الكلّ أعظم من الجزء».(1)
وقد تبعه المحقّق الطوسي في شرحه على الإشارات.(2)
ومنهم المحقّق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية والشيخ المظفر في

1 . النجاة:63 . في «المنجد»: أتى تأتية الماء: سهل مجراه.
2 . شرح الاشارات:1/220 .

84
«أُصول الفقه» فزعما أنّ الحسن والقبح من القضايا المشهورة الّتي تطابق عليها العقلاء لامن القضايا اليقينية. قال المحقّق الاصفهاني: إنّ المعتبر عند أهل الميزان في الموادّ الأوّليّة للقضايا البرهانية المنحصرة تلك الموادّ في الضروريات الست، مطابقتها للواقع ونفس الأمر والمعتبر في القضايا المشهورة، والآراء المحمودة، مطابقتها لما عليه آراء العقلاء حيث لا واقع لها غير توافق الآراء عليها.(1)
والشيخ المظفر في «أُصول الفقه» فرّق بين الأوّليّات الّتي يدركها العقل النظري والمشهُورات الّتي يدركها العقل العملي بوجوه ثلاثة وقال:
إنّ القضية التأديبية لايجب أن يحكم بها كلّ عاقل لوخُلّي وطبعه ونفسه ولم يتأدّب بقبولها والاعتراف بها، وليس كذلك القضية الأوّليّة التي يكفي تصوّر طرفيها في الحكم، فإنّه لابدّ ألاّ يشذّ عاقل في الحكم بها لأوّل وهلة.(2)
وقال أيضاً: ويكفينا شاهداً على ما نقول ـ من دخول أمثال هذه القضايا في المشهورات الصرفة الّتي لا واقع لها إلاّ الشهرة وأنّها ليست من قسم الضروريات ـ ما قاله الشيخ الرئيس في منطق الإشارات: «ومنها الآراء المسمّاة بالمحمودة. وربّما خصصناها باسم الشهرة، إذ لا عمدة لها إلاّ الشهرة، وهي آراء لو خلّي الإنسان وعقله المجرد ووهمه وحسّه ولم يؤدّب بقبول قضاياها والاعتراف بها... لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسّه، مثل حكمنا بأنّ سلب مال الإنسان قبيح، وأنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه...».(3)

1 . نهاية الدراية:2/125 .
2 . أُصول الفقه: 2/231-232 .
3 . أُصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر:2/225.

85
يلاحظ عليه: أنّ العلم بصدق القضايا وكذبها فرع وجود المطابقة للواقع الخارج وعدمه فلولم يكن للقضايا واقع سوى اتّفاق العقلاء على الحكم، يصبح وصفها بالصدق أمراً نسبياً بمعنى أنّه لا توصف به إذا قطع النظر عن اتّفاقهم أو لوحظت القضية قبل اتّفاقهم على الحكم. ولو قلنا بذلك لانسدّ باب الاستدلال في المعارف والعقائد مثلاً نقول: وجود المعجزة بيد النبي دليل على صدق دعوته، إذ لو كان كاذباً لما صحّ على الحكيم تزويده بالمعجزة الّتي تسبب الإغراء بالجهل. والإغراء بالجهل بالذات قبيح على الحكيم مع قطع نظر العقلاء فيه.
وأمّا على تقرير هؤلاء فمن أين نعلم أنّه سبحانه يتّبع سيرة العقلاء في المقام وهو فوق أن يكون تابعاً لهم، إذ لو لم يكن قبيحاً بالذات لماذا لا يتخلّف عن هذا الحكم؟ وقسّ على ذلك سائر المعارف والأُصول المبتنية على قاعدة الحسن والقبح.
حصيلة الكلام: أنّ القول: بأنّها من المشهورات يوجب سدّ باب الاستدلال على المعارف الإلهيّة، وقد رتّبوا على ذلك المسائل التالية:
1. لزوم معرفة الله سبحانه لأجل لزوم شكر المنعم.
2. لزوم معرفة سبحانه لدفع الضرر المحتمل.
3. وصفه سبحانه بالعدل والحكمة.
4. لزوم اللطف على الله سبحانه.
5. لزوم بعثة الأنبياء.
6. لزوم إيصال كلّ مكلّف إلى الغاية في التكليف.
7. تزويد الأنبياء بالبيّنات والمعاجز.

86
8 . لزوم النظر في برهان مدّعي النبوّة.
9. العلم بصدق دعوى الأنبياء لأنّ إعطاء البيّنة للمدّعي الكذّاب قبيح.
10. ثبات الأخلاق في جميع العصور والحضارات.
كلّ ذلك مبنيّ على أنّ التحسين والتقبيح من الأحكام اليقينية للعقل للعملي.
والّذي يدلّ على كونه أمراً من الأحكام اليقينية أنّ الذكر الحكيم يستدلّ به في غير واحدة من الآيات، يقول سبحانه:
1. (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)(1).
2. (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ).(2)
3. ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ).(3)

التاسع: الأحكام المستنبطة من المستقلاّت العقلية

قبل الخوض في أدلّة الطرفين نذكر ثمرات البحث في علم الأُصول:
لوقلنا باستقلال العقل في الحسن والقبح وأنّه يلازم حكم الشرع يستنبط منه عدّة أحكام بين كونها أُصولية أو فقهيّة:
1. قبح العقاب بلا بيان عقلا يلازم قبحه شرعاً فيحتجّ به على البراءة.
2. حكم العقل بأنّ الاشتغال اليقيني يستلزم براءة عقلية ويترتّب عليه

1 . ص: 28 .
2 . القلم: 35 .
3 . الرحمن: 60 .

87
لزوم الاحتياط عند العلم الإجمالي بالتكليف حيث يصحّ عند العقل عقاب العبد إذا خالف مع العلم الإجمالي بالتكليف فيكون كذلك عند الشرع.
3. حكم العقل بأنّ الإتيان بالمأمور به كما هو عليه مجز، لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال ويترتّب عليه حكم الشرع بعدم لزوم الإعادة والقضاء.
4. وهكذا يستنبط بحكم العقل مرجّحات باب التزاحم المذكورة في محلّها.
هذا كلّه في المستقلاّت العقلية، وأمّا ثمرة البحث في غير المستقلاّت العقلية فإليك بيانها:
ونورد ذلك في الأبواب التالية:
1. الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها.
2. الملازمة بين حرمة الشيء، وحرمة مقدّمته.
3. الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه.
4. الملازمة بين النهي عن العبادة وفسادها.
5. الملازمة بين النهي عن المعاملة وفسادها.
6. الملازمة بين وجود الحكم عند وجود الشرط والوصف و سائر القيود والانتفاء لدى انتفائها.
لو قلنا بأنّ العقل يحكم بهذه الملازمات فيقع الكلام في وجود الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع فيكون حكم العقل سبباً لاستنباط الحكم الشرعي، ولذلك عرّفوا الحكم العقلي بقولهم حكم يتوسّل به بصحيح النظر إلى حكم شرعي.(1)

1 . مطارح الأنظار: 233; القوانين: 2/2 .

88
إذا عرفت هذه المقدّمات فلندخل في صلب الموضوع فنقول: يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في المستقلاّت العقلية

أنّ العقل قادر على إدراك ملاكات التحسين والتقبيح
ويبحث فيه على جهتين:
الأُولى: أنّ الحسن والقبح عقليان وأنّ العقل إذا تجرّد عن سائر الشوائب يدرك حسن الفعل بما هو هو من أيّ فاعل صدر من غير فرق بين كون الفاعل واجباً أو ممكناً; وذلك لأنّ النظر إلى ذات القضية بما هي هي، لا إلى الفاعل، ولذلك يستدلّ بهذه القاعدة في مورد أفعاله سبحانه، كما يدرك قبحه، كذلك قد استدلّوا على ذلك بوجوه كثيرة نذكر منها وجهين:
1. إنّ الإنسان إذا عرض حسن العدل وقبح الظلم على وجدانه وعقله يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل و تنفّراً عن الظلم، وهكذا كلّ فعل يصدق عليه أحد العنوانين، وهذا من الأحكام العقلية النابعة عن صميم العقل من دون أن يكون متأثراً بالجوانب اللاشعورية أو الغرائز الحيوانية أو العواطف الإنسانية.
وبعبارة أُخرى: إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأفعال وقبح بعضها من غير نظر إلى الشرع، فإن كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان و يمدح عليه، و بقبح الإساءة والظلم ويذمّ عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشك وليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة والملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع.(1)
2. لو لم نعلم حسن بعض الأشياء وقبحها عقلا لم نحكم بقبح الكذب

1 . كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 59. المطبوع مع تعاليقنا.

89
فجاز وقوعه من الله ـ تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ـ فإذا أخبرنا عن شيء أنّه قبيح لم نجزم بقبحه، وإذا أخبرنا عن شيء أنّه حسن لم نجزم بحسنه، لتجويز الكذب، ولجوّزنا أن يأمرنا بالقبيح وأن ينهانا عن الحسن، لانتفاء حكمته تعالى على هذا التقرير.(1)
وخلاصة الدليل: أنّه لو لم يعرف حسن الأفعال و قبحها إلاّ عن طريق إخبار الأنبياء لا يعرف حتّى عن طريق أخبارهم أيضاً، فإذا قالوا: الصدق حسن والكذب قبيح، لايحصل لنا العلم بصدق القضية، إذ نحتمل أن يكون المخبر كاذباً.
ولو قيل: إنّه سبحانه شهد على صدق مقالة أنبيائه، فنقول: إنّ شهادته سبحانه لم تصل إلينا الاّ عن طريقهم، فمن أين نعلم صدقها في كلامهم هذا؟
أضف إلى ذلك: مَن أين نعلم أنّه سبحانه ـ والعياذبالله ـ لايكذب؟
فهذه الاحتمالات لاتندفع إلاّ باستقلال العقل ـ قبل كلّ شيء ـ بحسن الصدق وقبح الكذب، وأنّه سبحانه منزّه عن القبيح.

الجهة الثانية: في الملازمة بين التحسينين و التقبيحين

وقد أراح الأشاعرة أنفسهم عن الخوض في الجهة الثانية بإنكار الموضوع فلم يبق بحث في الملازمة بينهما، نعم هنا كلام لأصحابنا الأخباريّين فإنّ منهم من يقول بالتحسين والتقبيح العقليين لكنّه لا يلتزم بالملازمة، منهم صاحب الوافية.(2) ثم إنّ الدليل على الملازمة. يكمن في الوقوف على حدود ما أدركه العقل في مجال الحسن والقبح، فهنا احتمالان:

1 . كشف المراد: 59 . 2 . الوافية: 172 .

90
أ. أن يكون المدرك للعقل هو حسن الفعل أو قبحه إذا صدر من الإنسان.
ب . أن يكون المدرك للعقل هو حسن الفعل أو قبحه من حيث صدوره عن الفاعل المختار سواء أكان ممكناً كالانسان أو واجباً كالله سبحانه.
فلوكان المدرك للعقل هو الأوّل لم يكن لكشف الملازمة هناك طريق; لأنّ المفروض عدم سعة مدركه، واختصاص درك الحسن والقبح لفاعل مختار خاصّ كالإنسان.
وأمّا إذا كان المدرك بنحو ما ذكر في القسم الثاني، فالفاعل المختار يصدق على الممكن والواجب، وعليه فيكون الفعل الموصوف بالحسن والقبح عند الإنسان هو أيضاً كذلك عند الواجب عزّ اسمه.
والدليل على أنّ ما يدركه العقل أمر واسع يعمّ كلا الفاعلين هو ما أقمنا برهانه من أنّ الموضوع للحسن والقبح هو نفس الفعل، بغضّ النظر عن فاعل خاص. بل مع غضّ النظر عمّا يترتّب عليه من المصالح والمفاسد، فإذا كان هذا هو الموضوع فما وقف عليه العقل بفطرته، أمر واقعي يكون الواجب والممكن فيه سواء.
وهذا نظير إدراكات العقل في مجال الحكمة النظرية، فلو أدرك العقل بفضل البرهان بأنّ زوايا المثلث تساوي قائمتين فقد أدرك أمراً واقعياً. من دون مدخليّة للمدرك في حقيقتها، فإذا كانت زوايا المثلث محكومة بهذا الحكم فإنّما هو لأجل طبيعة المثلث. فإذا كان كذلك، فالمعلوم عند الإنسان هو نفس المعلوم عند الله والفرق بين العقل النظري والعملي أنّ مدركاته في الأوّل إخبار عن الواقع، كما أنّ مدركاته في الثاني إخبار عن إدراك فطري ربّما يستتبع إنشاء بعث و زجر.

91

المقام الثاني: في غير المستقلات العقليّة

ويقع الكلام فيه تارة في الصغرى أي إدراك العقل الملازمة، وأُخرى في الكبرى أي كشف الملازمة العقلية عن الملازمة الشرعيّة.
أمّا الصغرى فهو قابل للنقاش في بعض الأبواب كالملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه، فالصغرى في هذه الأبواب ممنوعة كما مرّ بيانها، نعم هي مقبوله في الموارد الأُخرى الّتي مرّت عناوينها.
وأمّا الكبرى أي وجود الملازمة بين إدراك العقل وإدراك الشرع فالبرهان فيه ما مرّ في التحسين والتقبيح العقليّين حيث إنّ العقل مع التجرّد من كلّ الشوائب يدرك بأنّ النهي عن العبادة لايجتمع مع صحّتها، وهكذا النهي عن المعاملة لا يجتمع مع صحّتها، و بذلك يستدلّ بحكم الملازمة على الحكم الشرعي.
إلى هنا تمّ ما عليه الأُصوليّون من حجّية القطع الحاصل من المقدّمات العقلية: وقبل الورود لبيان أدلّة نفاة الملازمة والّذي على رأسهم الأمين الاسترآبادي في «الفوائد المدنية»، نشير إلى بعض الطرق العقليّة الّتي ربّما يستدلّ بها على الحكم الشرعي وهي بين صالحة وغير صالحة نطير:
1. تنقيح المناط.
2. تخريج المناط بالسبر والتقسيم.
3. الإفتاء بالمصالح والمفاسد الّتي يطلق عليهما مقاصد الشريعة.
وإليك الكلام في الجميع على وجه الإيجاز.
***

92

1. تنقيح المناط

إذا اقترن الموضوع في لسان الدليل بأوصاف و خصوصيات لا يراها العرف المخاطب دخيلة في ثبوت الحكم للموضوع، وهذا ما يعبّر عنه بإلغاء الخصوصية أيضاً. كما في قصة الأعرابي حيث جاء الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: هلكت يا رسول الله، قال له: ما صنعت؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان. قال: اعتق.
والعرف يساعد على إلغاء القيدين:
1. كونه أعرابياً.
2. الوقوع على الأهل.
فيشمل الحكم (اعتق) البدوي والقروي، والوقوع على الأهل وغيره، فيكون الموضوع: «مَن أفطر بالوقاع في صيام شهر رمضان».
وعلى هذا فهو من المداليل العرفية، لا صلة له بالقياس.
***

2. تخريج المناط

إنّ تخريج المناط عبارة عن دراسة الأوصاف الّتي يمكن أن تكون مؤثّرة في الحكم، وذلك بالسبر والتقسيم وطرد ما لا دخل له ـ حسب زعم الفقيه ـ وإبقاء ماله دخلٌ ثم الأخذ بالمناط و إسراء الحكم إلى كلّ مورد يوجد فيه كما هو الحال في حرمة الخمر. كلّ ذلك بمحاسبات عقلية، فهذا ممنوع جدّاً، وأنّى للعقل إدراك علّة الحكم و مناطه؟ ولعلّ ما زعمه علّة تامة هو جزء العلّة وهناك جزء آخر غفل عنه الفقيه. ومع هذا الاحتمال كيف يتّخذه قاعدة في سائر الموارد.

93
وأمّا التمثيل بالخمر حيث يحاسب الأوصاف ويصل الإنسان إلى أنّ العلّة ليس هو اللون والحموضة ولا الأخذ من العنب لوجود هذه الأوصاف في الأُمور المحلّلة فليس المناط إلاّ الإسكار.
فهو إن كان صحيحاً لكنّه أمر بديهي لا يحتاج إلى السبر والتقيسم. إنّما الكلام في الموارد المبهمة. و هنا نحن نذكر مثالا لتبيّن حاله:
وقد ورد في الحديث: «لايزوّج البكر الصغيرة إلاّ وليّها» فقد ألحق بها بعض فقهاء السنّة الثيّب الصغيرة، بل المجنونة والمعتوهة (ناقصة العقل) وذلك بتخريج المناط، وأنّه عبارة عن كون المزوّجة صغيرة ناقصة العقل، فيلحق بها الثيّب الصغيرة أو المجنونة أو المعتوهة مطلقاً لاتّحاد المناط.
يلاحظ عليه: أنّه من أين علم أنّ نقصان العقل تمام الموضوع للحكم مع إمكان أن يكون جزء منه كما أنّ البكارة أيضاً جزء في لسان الدليل.
والأمثلة لتخريج المناط متوفّرة.(1)
وإلى هذا ينظر مارواه أبان قوله: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): ما تقول في الرجل قطع إصبعاً من أصابع امرأة كم فيها؟ قال:«عشرة من الإبل». قلت: قطع اثنين. قال: «عشرون». قلت: قطع ثلاثاً. قال: «ثلاثون». قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون».
قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون، إلى أن قال: فقال ((عليه السلام)):«مهلا يا أبان. هذا حكم رسول الله. إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف. يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».(2)

1 . لاحظ كتابنا: رسائل أُصولية:33-36 .
2 . الوسائل: 18، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث1.

94
إنّما تعجّب أبان من حكم الإمام (عليه السلام)لأجل أنّه زعم أنّ المناط قطع الإصبع، ولذلك زعم أنّ الدية تكون عند قطع الأربعة أربعون إبلاً، والإمام استنكر عليه لأجل هذا التخريج.
***

3. تخريج الأحكام حسب المصالح والمفاسد

هذا هو الطريق الثالث المحظور وإن كانت صحيحة في بعض الصور نقول: إنّ الأحكام الشرعية عند الإمامية تابعة للمصالح والمفاسد. فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولاحرام إلاّ لمفسدة في اقترافه، والتشريع الإلهي منزّه عن جعل الحكم بلا ملاك، ونصوص الكتاب في مورد حرمة الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ(1)ووُجُوْبَ الصَّلاةَ(2) تشهد على ذلك، أضف إليه ما جاء في الروايات من علل الأحكام.
1. فعن الرضا(عليه السلام): «إنّ الله تبارك و تعالى لم يبح أكلا ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح. ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد»(3).
2. وقال (عليه السلام) ـ في سبب حرمة الدم ـ : «إنّه يُسيء الخلق، ويورث القسوة للقلب وقلّة الرأفة والرحمة، ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده».(2)
3. قال أبوجعفر الباقر(عليه السلام): «إنّ مدمن الخمر كعابد الوثن، ويورث الارتعاش، ويهدم مروّته، ويحمل على التجسّر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا».(5)
4. وعن الصادق (عليه السلام)على ما في «تحف العقول»: «إنّ كلّ ما هو مأمور به

1 . المائدة: 91 . 2 . العنكبوت: 45 . 3 . مستدرك الوسائل: 3/71 .
2 . بحار الأنوار: 62/165، الحديث 3 . 5 . بحارالأنوار، 62/164، ح 2 .

95
على العباد وقوام لهم في أُمورهم من وجوه الصلاح الّذي لا يقيمهم غيره ممّا يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون، فهذا كلّه حلال بيعه وشراؤه وهبته وعاريته، وكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهى عنه من جهة أكله وشربه ولبسه... فحرام..»(1).
هذا كلّه ممّا لاشك فيه، إنّما الكلام في إمكان وقوف الفقيه على مصالح الأحكام و مفاسدها الّتي تدور عليها الأحكام، فالحق هو التفصيل بينما اتّفق العقلاء على وجود المصلحة الملزمة والمفسدة في الموضوع، وما إذا لم يكن هناك اتّفاق من عامّة العقلاء بل انفرد فيه الفقيه.
أمّا المصلحة المتّفق عليها: فهذا نظير التلقيح الوقائي عند ظهور الأمراض المعدية، كالجدري والحصبة وغيرهما ممّا قد أصبح وجود المصلحة الملزمة فيه من الأُمور الواضحة.
وأمّا المفسدة: كتعاطي المخدّرات الّتي أطبق العقلاء على ضررها وفسادها.
وأمّا غير ذلك فلا يمكن إدراك المصلحة والمفسدة عند انفراد الفقيه حتى مع انضمام فرد آخر إليه دليلا على الحكم الشرعي، فلا يصحّ للفقيه إنشاء حكم وفق ما أدركه، إذ من أين للعقل القطع بأنّ ما تصوّره علّة، هو علّة تامّة يدور الحكم مدارها، إذ يحتمل أن يكون هناك مانع من حكم الشرع على وفق ما أدركه العقل.
يقول المحقّق الاصفهاني: إنّ مصالح الأحكام الشرعية المولوية الّتي هي ملاكات تلك الأحكام و مناطاتها، لا تدخل تحت ضابطة، وعليه لاسبيل للعقل بما هو إليها.(2)

1 . تحف العقول:333. 2 . نهاية الدراية: 2/13، الطبعة الحجرية.

96
وعلى هذا، فاستنباط الأحكام عن طريق إدراك مصالحها ومفاسدها أمرٌ محظور إلاّ إذا كان ممّا اتّفق عليه العقلاء في الفساد والصلاح.
نعم أخيراً استقطبت مسألة مقاصد الشريعة أفكار جمع من فقهاء السنّة فحاولوا بذلك الإجابة عن المسائل المستحدثة، وأوّل مَن طرق هذا الباب أبو إسحاق الشاطبي الغرناطي (المتوفّى سنة 790هـ ) وألّف كتاباً في هذا الموضوع أسماه «الموافقات»، ولكنّ المتأخّرين عنه لم يولوا هذا الأمر عناية خاصّه، إلى أن وصلت النوبة إلى الشيخ محمد بن طاهر بن عاشور (المتوفّى 1393 هـ) مؤلّف كتاب تفسير «التحرير والتنوير» في ثلاثين جزءاً فألّف كتاباً حول مقاصد الشريعة الإسلامية، وتبعه عدّة من الفقهاء المغاربة.

يقول الشيخ ابن عاشور:

«وليعلم مزاول هذا العلم أنّ طريق المصالح هو أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أُمور الأُمّة عند نوائبها ونوازلها إذا التبست عليهم المسالك، وأنّه إن لم يتبع هذا المسلك الواضح والمحجّة البيضاء فقد عطّل الإسلام من أن يكون دينا عامّاً وباقياً»(1).
أقول للشيخ: لورجع هؤلاء إلى ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)من الروايات الفقهية لأمكن لهم علاج أكثر النوازل إن لم نقل عامّتها بلا طرق باب مقاصد الشريعة.
***
أدلّة نفاة حجّية العقل

1 . مقاصد الشريعة الإسلامية: 221-222، مطبعة البصائر، المملكة المغربية، 1418هـ/1998م .

97

أدلّة نفاة حجّية العقل

إنّ الإخباريّين من أصحابنا من نفاة حجّية العقل، قد استدلّوا على مايتبنّون بما يلي:
أ. جواز خلوّ الواقعة عن الحكم.
ب. لزوم توسيط الحجّة في بيان الحكم.
ج. ما دلّ على عدم حجّية العقل.
د. ما دلّ على أنّ المرجع هو الكتاب والسنّة.
وهذه عمدة أدلّتهم الّتي بيّنها وأوضحها مؤسّس المسلك محمد أمين الاسترآبادي (المتوفّى عام 1030 هـ) في كتابه: «الفوائد المدنيّة».
أمّا الأوّل: فبيانه أنّه يجوز أن لا يكون للشارع فيما حكم فيه العقل بالوجوب أو الحرمة حكم أصلاً لا موافقاً ولا مخالفاً، فكيف يمكن كشف حكم عن طريق العقل مع احتمال أن لا يكون له حكم؟
يلاحظ عليه: أنّ القول بخلوّ الواقعة عن حكم شرعي لا ينسجم مع ما قال به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة حجة الوداع: «أيّها الناس ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويبعّدكم من النار، إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه»(1).
فإن قلت: إنّ الحديث يدلّ على بيان المحرّمات والمكروهات والواجبات والمستحبات، ولا يدلّ على بيان جميع المباحات، فعلى هذا يجوز خلوّ الواقعة عن حكم شرعي مباح.
قلت: ظاهر الحديث بيان كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في مجال التشريع

1 . الوسائل: 12، الباب 12 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث 2.

98
وذكر ما يقرّب من الجنّة أو النار عنوان مشير لما يحتاج إليه الإنسان في مقام العمل على أنّ الروايات متضافرة على أنّ ما يحتاج إليه الإنسان موجود في الكتاب والسنّة حتّى أرش الخدش، فالقول بمنطقة الفراغ لا ينسجم مع هذه الأحاديث.
وأمّا الثاني ـ أعني: لزوم توسيط الحجّة في بيان الحكم ـ : فقد استدلّوا عليه بصحيح زرارة: «فلو أنّ رجلاً صام نهاره، وقام ليله، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ جميع عمره، ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله عزّ وجل حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان».(1)
يلاحظ عليه: أنّ الرواية ونظائرها تشير إلى المُعرضين عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ولا تعمّ الفقيه الّذي أناخ مطيته على عتبة أبوابهم في كلّ أمر كبير وصغير ومع ذلك اعتمد على العقل القطعي فيما لم يجد فيه رواية. كيف وقد مرّ أنّ الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)بيّنوا مكانة العقل وسموّ مرتبته.
وأمّا الثالث: فقالوا: إنّ الروايات تدلّ على عدم حجّيّة الرأي فقد روي عن الإمام علي(عليه السلام)أنّه قال: «إنّ المؤمن أخذ دينه عن ربه ولم يأخذه عن رأيه».(2)
وعن أبي جعفر (عليه السلام): «مَن أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم، ومَن دان الله بما لا يعلم فقد ضادّ الله حيث أحلّ وحرّم فيما لا يعلم».(3)

1 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.
2 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21، ولاحظ الحديث 31.
3 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12. ولاحظ ذلك الباب: الحديث 21، 28، 30، 33، 34، 35، 50 ولاحظ الباب 11، الحديث 13 فالجميع يركّز على المنع عن الافتاء بالرأي.

99
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ جعل الرأي مرادفاً للاستدلال بالحكم القطعي للعقل مع أنّ المقصود منه هو التفسير بالظنون الّتي لم يدلّ على حجّيتها. قال أبو جعفر (عليه السلام): «مَن أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم».(1)
ومن راجع المناظرات الّتي جرت بين الصادقين (عليهما السلام)وفقهاء السنّة يقف على أنّ المراد من الإفتاء بالرأي هو الصدور عن مقاييس وقواعد ظنّية لم تثبت حجّيتها.
ومَن قرأ تاريخ أدوار الفقه الإسلامي يقف على أنّ فقهاء السنّة كانوا يصدرون في كثير من القضايا من الضوابط الّتي أوحتها إليهم أنفسهم، وما ذلك إلاّ بسبب قلّة النص وعدم كفاية آيات الأحكام في الذكر الحكيم والروايات الفقهية في السنّة النبويّة للإجابة عن المسائل المستحدثة، إذ لا تتجاوز عندهم عن خمسمائة حديث وفيها تكرار وفيها أخلاق وآداب، فلذلك لجأوا إلى الأقيسة والآراء، والرواية ناظرة إلى تلك الطريقة.
وأمّا الرابع ـ أعني: ما دلّ على أنّ المرجع هو الكتاب والسنّة ـ : فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّه قال: «مَن أخذ دينه عن أفواه الرجال أزالته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنّة زالت الجبال ولم يُزل».(2)
يلاحظ عليه: أنّ الحديث ناظر إلى مَن يعمل بكلّ ما اشتهر على ألسن الناس وإن لم يكن له دليل.
وبعبارة أُخرى: الرواية ناظرة إلى قضاة العامّة الذين ـ في ذلك الزمان ـ

1 . المصدر السابق: الحديث 12.
2 . الوسائل:18، الباب10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22، ولاحظ الحديث 16.

100
كانوا يفتون ويقضون بقول كلّ مَن هب ودبّ مع أنّ المرجع هو الكتاب والسنّة.
وحصيلة الكتاب: أنّ الروايات الواردة في ذمّ الرأي ناظرة إلى مَن ترك أحد الثقلين اللّذين عرّفهما النبي مرجعاً علمياً للمسلمين بعد رحيله.
وأمّا فقهاء الشيعة فحاشا أن تكون هذه الروايات ناظرة إليهم، كيف وإنّ قسماً كبيراً من أصحاب الصادقين وبعدهما كانوا يصدرون عن حكم العقل، كزرارة بن أعين، ويونس بن عبدالرحمن، وغيرهما من الفقهاء العظام.
تمّ الكلام في المقصد السادس

101
المقصد السابع
في الحجج الشرعية
نظير:
1. ظواهر الكتاب
2. قول اللغوي
3. الإجماع المحصّل والمنقول بالخبر الواحد
4. الشهرة الفتوائية
5. خبر الثقة
6. الظن المطلق

102

103
المراد بالحجج الشرعية في المقام هي الحجج غير العلمية، فالاحتجاج بها رهن إمضاء الشارع لها في مجال الطاعة والامتثال، بخلاف القطع بالحكم، أو الموضوع المستنبط من حكم العقل القاطع، فإنّه غني عن الجعل، فلذلك ركّز الأُصوليون في هذا المقام على أمرين:
1. إمكان التعبّد بالحجج غير العلمية، وعدم امتناعه.
2. إمضاء الشارع ووقوع التعبّد بها، فإنّ الظن لا يثبث به التكليف كما لا يسقط به فكلٌّ رهن اعتراف من الشارع على حجيّته في كلا المجالين، وعلى هذا فاللازم البحث في الإمكان أوّلاً ثم في الوقوع ثانياً.

الأمر الأوّل:

في إمكان التعبّد بغير العلم

هل يمكن التعبّد بغير العلم أو لا ؟ وتحقيق المقام رهن تبيين ما هو المقصود من الإمكان؟
يطلق الإمكان ويراد به أحد المعاني الآتية:
الأوّل: الإمكان الذاتي بمعنى كون نسبة المحمول إلى الموضوع وعدمها على وجه سواء، فيقال: الإنسان موجود بالإمكان أي نسبة الوجود والعدم إليه سواء، فليس للإنسان في ذاته اقتضاء لأحد الأمرين، وهكذا المقام فإنّ نسبة الحجّية وعدمها إلى غير العلم على وجه سواء. ووجود الإمكان بهذا المعنى في الحجج الشرعية أمر واضح. إذ ليس التعبّد بغير العلم من المحالات بالذات.

104
الثاني: الإمكان الوقوعي: بمعنى كون الشيء ممكناً بذاته وأنّ وقوعه وتحقّقه في الخارج لا يسبّب محالاً، خرج مثل إدخال المطيع في النار فإنّه أمر ممكن في ذاته، ولكنّه مستحيل وقوعاً لكونه مضاداً لعدله سبحانه وحكمته.
الثالث: الإمكان الاحتمالي: بمعنى أنّ الإنسان إذا سمع قضيةً يلزم أن لا يحكم عليها لا بالإمكان ولا بالامتناع، ويصبر حتّى يظهر له أحد الأمرين، وإلى ذلك يشير الشيخ الرئيس في كلامه ويقول: كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان مالم يذدك عنه واضح البرهان.(1)
وبذلك ظهر أنّ الحكم بالإمكان الذاتي الذي يعبّر عنه بالإمكان الماهوي يحتاج إلى الدليل والبرهان، فالحكم على الإنسان بالإمكان وعلى شريك الباري بالامتناع، رهن البرهان.
كما أنّ الحكم بالإمكان الوقوعي بمعنى أنّه لا تترتّب على وجود الشيء مفسدة، في مقابل ما تترتّب عليه، رهن البرهان أيضاً.
نعم الإمكان بالمعنى الثالث، بما أنّه لا يتضمّن حكماً ولا قضاء، لا يحتاج إلى برهان.
فإذا سمع من عالم فلكي بأنّه يمكن للإنسان الصعود إلى المريخ والنزول عليه والعيش فيه إلى فترة، فاللازم أن لا يصفه بشيء من الإمكان الذاتي والامتناع، بل يقول: إنّه محتملٌ.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المراد من الإمكان في قولهم: (يمكن التعبّد بالحجّة غير العلمية)، هو الإمكان بالمعنى الثاني لا الأوّل ولا الثالث، وذلك لأنّ الإمكان بالمعنى الأوّل أمر بديهي لا ينكره من له إلمام بالمسألة، إذ لا يشك أحد في

1 . الإشارات والتنبيهات: 3 / 418، النمط العاشر في أسرار الآيات.

105
إمكان التعبّد بالخبر الواحد ذاتاً وماهيةً، وأنّ الخبر الواحد لا يقتضي حتمية التعبّد حتّى يكون واجباً كما لا يقتضي حتمية عدمه حتّى يكون ممتنعاً.
كما أنّ المعنى الثالث خارج عن مصبّ البحث، لأنّ الإمكان الاحتمالي لا يتضمّن قضاءً ولا حكماً، بل الإنسان يحتمل كلا الأمرين: الإمكان والامتناع، فلا معنى أن يكون الإمكان بهذا المعنى موضوعاً للبحث، فبقي المعنى الثاني وهو الإمكان الوقوعي بمعنى أنّ وقوعه لا يستلزم مفسدةً.
والدليل على أنّ المعنى الثاني هو محطّ البحث، أنّ المخالف كابن قبة استدلّ على الامتناع بوجهين:
1. استلزامه تحريم الحلال وتحليل الحرام.
2. لو كان الخبر الواحد حجّةً في الفروع يجب أن يكون حجّةً في الأُصول، فلو ادّعى شخص النبوة يجب أن يقبل منه.
كلُّ ذلك يعرب عن أنّ النزاع إنّما هو في الإمكان الوقوعي، لأنّ ما ذكره ابن قبة من التوالي يدلّ على امتناع التعبّد عنده وقوعاً. وبذلك يعلم ضعف ما أفاده الشيخ الأنصاري في المقام من تفسير الإمكان، بالإمكان الاحتمالي، لما عرفت من أنّه لا يسمن ولا يغني من جوع.
ثم إنّ عنوان المسألة في كتب القدماء يخالف عنوانها في كتب المتأخّرين، فإنّ عنوانها فيها هو جواز التعبّد بالخبر الواحد.
قال المرتضى (355 ـ 436 هـ): إنّ شبهة من أحال التعبّد بالعمل بالخبر الواحد في تخصيص أو غيره، الّتي عليها المدار، ومنها تتفرّع جميع الشبه، أنّ العموم طريقه العلم فلا يجوز أن يخصّ بما طريق إثباته غالب الظن. ثم قام بقلع الشبهة.(1)

1 . الذريعة: 216، الفصل 13: التخصيص بأخبار الآحاد، تحقيق مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

106
وقال الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) في فصل خاص بذكر الخبر الواحد: اختلف الناس في الخبر الواحد ـ إلى أن قال: ـ فقال قوم: لا يجوز العمل به عقلاً. (1)
وعلى ذلك جرى المحقّق في معارجه (2)، وصاحب المعالم في معالمه (3).
غير أنّ العنوان تغيّر عند المتأخّرين، فجعلوا العنوان: الجمع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري وما ذلك إلاّ للمحاذير الثلاثة الّتي التفت إليها المتأخّرون دون القدماء، ولذلك غيّروا عنوان المسألة وحاولوا الذب من الإشكالات المتوهّمة في إمكان التعبّد بالحجج غير العلمية، وهذا يدلّ على تطوّر علم الأُصول عند المتأخّرين.
تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة
ففي الحقيقة هنا مسألة واحدة لها صورتان: فالصورة الأُولى ما طرحه ابن قبة من امتناع العمل بالظن لاستلزامه تحليل الحرام أو عكسه.
والصورة الثانية ما ذكره المتأخّرون من أنّ التعبّد بالظن يوجب المحاذير الثلاثة.
فاللازم دراسة الموضوع على نحو يقلع الإشكال عن كلتا الصورتين. وإليك دراسة المحاذير الثلاثة.
ثم إنّ الشيخ ركّز من بين المحاذير الثلاثة على أهم الإشكالات وهو تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، فندرس ما ذكره الشيخ أوّلاً، ثم نرجع

1 . عدّة الأُصول: 1 / 98.
2 . المعارج: 80 .
3 . المعالم: 34.

107
إلى سائر الإشكالات التي أوهمت امتناع التعبّد بغير العلم.

تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة

لو افترضنا أنّ حكم الواقعة هو الوجوب وقامت الأمارة على عدمه، فعندئذ يلزم من العمل بالأمارة تفويت المصلحة الملزمة، ولو افترضنا أنّ الواقع هو الحرمة ودلّت الأمارة على عدمها، يلزم من العمل بها الإلقاء في المفسدة، وهذا المحذور هو الّذي ركّز عليه الشيخ في المقام ونعبّر عنه بالمحذور الملاكي.
ثم إنّه تخلّص عن الشبهة بالقول بالمصلحة السلوكية الجابرة لما فات من المصلحة أو بما ورد في المفسدة.
ولمّا كان القول بها موهماً للتصويب بسط الكلام في المقام، وإليك إيضاح ما أفاده فنقول: إنّ القول بالتصويب يتصوّر على وجوه ثلاثة، ألا وهي:

الأوّل: التصويب الأشعري

وحاصله: أنّه ليس لله سبحانه حكم واقعي لكلّ واقعة، بل حكم الله تعالى تابع لقيام الأمارة بها أو لما أدّى إليه اجتهاد المجتهد، فعلى هذا فالمجتهدون كلّهم مصيبون وليس بينهم مخطئ، لأنّ الخطأ رهن وجود حكم واقعي مشترك بين العالم والجاهل، إذا أصاب المجتهد يكون مصيباً وإذا أخطأ يكون مخطأ، وأمّا إذا كان الحكم الشرعي من أوّل الأمر تابعاً لقيام الأمارة أو اجتهاد المجتهد فلا يتصوّر فيه الخطأ.(1)

1 . الذي يظهر من كتب الأشاعرة: انّهم يقولون بذلك فيما لا نصّ فيه، لا مطلقاً فنسبة التصويب بهذا المعنى إليهم غير صحيح لاحظ المستصفى للغزالي:361، في الاجتهاد.

108
وهذا الوجه مردود بقيام الإجماع على وجود حكم مشترك بين العالم والجاهل، ولولاه لزم الدور، لأنّ سعي المجتهد دليل على وجود ضالّة منشودة يريد إصابتها، ولو كانت الضالّة تابعة للسعي لزم الدور.

الثاني: التصويب المعتزلي

وحاصله: أنّ لله سبحانه في كلّ واقعة حكماً مشتركاً بين العالم والجاهل، لولا قيام الأمارة على خلافه، ولو قامت فهي تحدث مصلحة في متعلّق الأمارة يكون سبباً لانقلاب الحكم الفعلي إلى مؤدّى الأمارة. وبعبارة أُخرى: إنّ الحكم الواقعي فعلي في حقّ العالم به وشأنيّ في حقّ الجاهل، فعلى هذا فقيام الأمارة على خلاف الواقع يمسّ كرامته ويُسبّب انقلاب الحكم الفعلي إلى مؤدّى الأمارة وإن كان مخالفاً للواقع.
وهذا القول أيضاً إنكار للحكم المشترك الفعلي وإن كان إقراراً بالحكم الشأنيّ في حقّ الكلّ.

الثالث: التصويب الإمامي

وحاصله: أن لا يكون للأمارة القائمة على الواقعة تأثير في الفعل الّذي تضمّنت الأمارة حكمه، ولاتحدث فيه مصلحة إلاّ أنّ العمل على طبق تلك الأمارة والالتزام به في مقام العمل على أنّه هو الواقع يشتمل على مصلحة، فأوجب الشارع العمل بها. وتلك المصلحة ممّا يتدارك به ما يفوت من مصلحة الواقع أو ما يتوجّه إليه من المفسدة.(1)
وقرّره المحقّق النائيني بقوله:

1 . فرائد الأُصول: 1 / 114، بتصرّف وتلخيص منّا.

109
إنّ قيام الأمارة يمكن أن تكون سبباً لحدوث مصلحة في السلوك مع بقاء الواقع والمؤدّى على ما هي عليه من المصلحة والمفسدة من دون أن يحدث في المؤدّى مصلحة بسبب قيام الأمارة غيرما كان عليه من المصلحة، بل المصلحة في تطرّق الطريق وسلوك الأمارة وتطبيق العمل على مؤدّاها والبناء على أنّه الواقع وبهذه المصلحة السلوكية يتدارك ما فات من المكلّف.(1)
ثم إنّه قد اختلفت كلمات المحشّين في تبيين المصلحة السلوكية، ونحن نتصوّر أنّ مراد الشيخ هو تيسير العمل بالشريعة لعامّة الناس، لأنّ أمام المجتهد طرقاً ثلاثة:
أ. تحصيل العلم.
ب. الاحتياط التام.
ج. العمل بالأمارة.
والأوّل موجب للعسر مع قلّة الاتّصالات بين الشيعة والأئمة(عليهم السلام)، والثاني موجب لاختلال النظام، فلم يبق إلاّ الثالث ففيه تسهيل للمسلمين وترغيب للآخرين للالتزام والعمل بالشريعة.
هذا هو المحذور الّذي ركّز عليه الشيخ وأجاب عنه، والجواب في غاية المتانة.
إنّ سيدنا الأُستاذ أورد على هذا الوجه إشكالات أربعة نذكر منها ما يلي:
إنّ حجيّة الأمارات في الشرع ليس إلاّ إمضاء ما كان في يد العقلاء في معاشهم ومعادهم، من غير أن يزيد عليه شيئاً أو ينقص منه شيئاً، ومن المعلوم أنّ اعتبار الأمارات لأجل كونها طريقاً للواقع فقط من دون أن يترتّب على

1 . فوائد الأُصول للكاظمي: 3 / 95 ـ 96.

110
العمل بها مصلحة وراء إيصالها إلى الواقع، فليس قيام الأمارة عند العقلاء محدثاً للمصلحة لا في المؤدّى ولا في العمل بها وسلوكها، وعليه فالمصلحة السلوكية لا أساس لها.(1)
يلاحظ عليه: أنّ اعتبار الأمارة عند العقلاء وإن كان طريقاً إلى الواقع من دون أن يكون محدثاً للمصلحة لكن في إمضاء الشارع تلك السيرة مصلحة عامّة يورث دخول الناس في الإسلام لسهولة العمل بأحكامه، فإنّ الاقتصار بالقطع يوجب العسر ويورث إعراض الناس عنه، فالمراد من المصلحة السلوكية هو هذا.
ويؤيّد ذلك ما رواه الحسن بن الجهم. قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام)اعترض السوق فاشتري خفّاً لا أدري أذكيّ هو أم لا؟ قال: «صلّ» قلت: فالنعل؟ قال: «مثل ذلك». قلت: إنّي أضيق من هذا. قال: «أترغب عمّا كان أبو الحسن (عليه السلام)يفعله؟»(2).
وفي مضمرة أحمد بن محمد بن أبي نصر: قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أذكيّة هو أم غير ذكيّة، أيصلي فيها؟ فقال: «نعم ليس عليكم المسألة. إنّ أبا جعفر كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم. إنّ الدين أوسع من ذلك».(3)
كلّ ذلك يعرب عن أنّ إمضاء الأُصول والأمارات، لأجل التسهيل، وأي مصلحة أولى من مصلحة دخول الناس في الإسلام وعدم هروبهم عنه؟

1 . تهذيب الأُصول: 2/372ـ373.
2 . الوسائل: 2، الباب 5 من أبواب النجاسات، الحديث 9.
3 . الوسائل: 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

111
فهذا النوع من المصلحة ربما يكون جابراً للمصلحة الفائتة. أو ارتكاب المفسدة.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ ما ذكره الشيخ من الفرض صحيح دافع للإشكال، وليس بتصويب.
نعم يبقى في المقام إشكال وهو أنّ المصلحة السلوكية، مصلحة عامّة، لا صلة لها بالمكلّف بالخصوص، وعندئذ يبقى إشكال تفويت المصلحة أو الإبقاء في المفسدة بحاله.
والجواب: أنّه إذا دار الأمر بين المصالح العامّة، والمصلحة الشخصية، تقدّم الأُولى على الثانية لكونها أهم من الثانية. ومن المعلوم أنّه إذا دار الأمر بين الخير الكثير والشر القليل يقدّم الأوّل كما سيوافيك توضيحه في المستقبل فانتظر.
نعم هناك محاذير أُخرى أشار إليها المحقّق الخراساني والمحقّق النائيني نشير إليها تالياً:

1. المحذور الخطابي

إنّ المحذور الخطابي يُبيّن بصورتين:

الأُولى: اجتماع المثلين أو الضدين

إذا فرضنا أنّ حكم الواقعة هو الوجوب وكان مؤدّى الأمارة هو الوجوب أيضاً، يلزم اجتماع المثلين، ولو كان مؤدّاه هو الحرمة يلزم اجتماع الضدين.

112

الثانية: طلب الضدين

فإذا كان حكم الواقعة هو الوجوب ومؤدّى الأمارة هو الحرمة، وقد تعلّق البعث والزجر بهما، يلزم طلب الضدين.
ونعبّر عن هاتين الصورتين بالمحذور الخطابي.

2. المحذور المبدئي

لاشكّ أنّ إنشاء الحرمة رهن الكراهة الجدّية وإنشاء الوجوب رهن الإرادة كذلك، فلو كان مؤدّى الأمارة على خلاف الواقع يلزم اجتماع الكراهة والإرادة في نفس الآمر والزاجر.
قد أُجيب عن المحذورين بل المحذور الملاكي أيضاً بأجوبة مختلفة أشار المحقّق الخراساني إلى أجوبة خمسة نأتي بها تالياً، ثم نذكر ما هو المختار عندنا:

الأوّل: أنّ المجعول في باب الأمارات هو الحجّية فقط

وحاصل هذا الجواب: أنّ الإشكالات مبنيّة على وجود حكم ظاهري وراء الحكم الواقعي، وبمعنى أنّ قيام الأمارة يكون سبباً لجعل الحكم على وفقها ومهما تعدّدت الأمارة تعدّدت الأحكام الظاهرية، ولكن المجعول في باب الأمارات هو الحجّية بمعنى أنّه لو أصاب نجّز الواقع، ولو أخطأ عذّر العامل، من دون أن يكون في مورد الأمارة حكم مماثل لمؤدّى الأمارة حتّى تستتبع حجّيةُ الأمارة حكماً مجعولاً على وفقها; وبذلك ترتفع الإشكالات:
أمّا الخطابي فلأنّ اجتماع المثلين أو الضدين أو طلب الضدين فرع وجود المثل والضد والمفروض انحصار الحكم بالواقع.

113
وأمّا المبدئي ـ أعني: اجتماع الارادة والكراهة ـ فهو أيضاً فرع وجود حكم وراء الواقع حتّى تتعلّق بأحدهما الإرادة وبالآخر الكراهة، وبذلك يتبيّن عدم المحذور الملاكي كذلك، إذ ليس لنا إلاّ حكم واحد شُرّع لوجود الملاك، للمصلحة، ولا يوجد حكم ثان حتّى تكون هناك مصلحة أو مفسدة غير ما في الواقع.

الجواب الثاني: استتباع جعل الحجّية للأحكام الطريقية

كان الجواب الأوّل مبنياً على أنّ المجعول هو الحجّية، ولمّا كان هناك إشكال هو أنّ جعل الحجّية لا ينفك عن جعل المؤدّى عرفاً، فعندئذ توجّهت الإشكالات السابقة من اجتماع المثلين أو الضدين أو اجتماع الإرادة والكراهة أو المصلحة والمفسدة، ولذلك بيّن أنّ حقيقة الحكم المجعول على وفق الأمارة غير الحكم الواقعي.
توضيحه: أنّ في مورد الأمارة حكمين:
أحدهما: حكم واقعي حقيقي ناشئ عن مصلحة أو مفسدة في متعلّقه موجبة لإرادته أو كراهته.
ثانيهما: حكم طريقي شرّع لغاية تنجيز الواقع إذا أصاب والتعذير إذا أخطأ من دون أن تكون مصلحة أو مفسدة في المتعلّق أو من دون أن تتعلّق الإرادة أو الكراهة به، فترتفع المحاذير الثلاثة.
أمّا الخطابي فلاختلاف الحكمين جوهراً، فهما ليسا بمثلين عند الإصابة ولا ضدين عند المخالفة.
وأمّا المبدئي فلأنّ الإرادة والكراهة قد تعلّقت بالحكم الواقعي، وأمّا الحكم الطريقي فإنّما أُنشئ للتنجيز والتعذير، من دون إرادة نفسانية أو كراهة

114
كذلك، متعلّقة بمتعلّقه.
وأمّا الملاكي فلأنّ المصلحة والمفسدة موجودة في الحكم الواقعي، لأنّ المفروض أنّ الحكم الطريقي ليس في متعلّقه مصلحة ولا مفسدة.
وحاصل الجواب: أنّه لا تضاد بين الحكمين فيما إذا اختلفا، ولا يكون من اجتماع المثلين فيما اتّفقا، ولا إرادة ولا كراهة أصلاً إلاّ بالنسبة إلى متعلّق الحكم الواقعي.
تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة

الجواب الثالث: الحكم الواقعي فعلي غير منجَّز

لمّا كان الجوابان الأوّل والثاني مبنيّين على إنكار الحكم الظاهري الجدّي في مقابل الواقعي، وكان الجواب غير صحيح في بعض الموارد كالأُصول غير المحرزة; جاء بجواب ثالث، توضيحه: أنّه كيف يمكن إنكار الحكم الظاهري الجدي كالحكم الواقعي في أصالة الإباحة والطهارة، فإنّ ظاهر قوله: كلّ شيء حلال، إنشاء حكم حقيقي في مقابل الواقع، وكذلك قوله: كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر.
فعند ذلك تعود المحاذير الثلاثة: الخطابي والمبدئي والملاكي، وذلك لأنّ الإذن في الإقدام والاقتحام ينافي المنع فعلاً، كما فيما صادف الحرام من غير فرق بين كون الإباحة واقعية كما إذا كانت الإباحة ناشئة عن عدم مصلحة أو مفسدة ملزمتين أو غير ملزمة، أو كانت الإباحة ظاهرية ناشئة عن مصلحة في إنشاء الإباحة.(1)

1 . وقد أشار إلى القسم الثاني من الإباحة بقوله: وإن كان الإذن فيه لأجل مصلحة فيه (والضميران يرجعان إلى إنشاء الإباحة). وأشار إلى القسم الأوّل بقوله: لا لأجل عدم مصلحة أو مفسدة ملزمة في المأذون فيه. انظر: الكفاية: 2 / 50.

115
وأجاب بأنّه يمكن أن يقال بأنّ الحكم الواقعي فعليّ لكنّه لا يتنجّز إلاّ بالعلم به، بخلاف الحكم الظاهري فإنّه حكم منجّز.
وبعبارة أُخرى: إنّ الأحكام الواقعية فعلية معلّقة غير منجّزة، إلاّ إذا علم بها المكلّف أو أدّت إليها الأمارة. فبما أنّ المفروض عدم تحقّق الشرط للحكم الواقعي فهي فعلية معلّقة، بخلاف الأحكام الظاهرية في مورد الأُصول فهي فعلية منجزة، وبذلك حصلت للفعلية مرحلتان:
أ. الفعلية المطلقة أي منجّزة.
ب. الفعلية المعلّقة أي غير منجّزة.
وسيوافيك نظرنا في الجواب الثالث.

الجواب الرابع: الحكم الواقعي شأنيّ

وقد نقل المحقّق الخراساني جواباً رابعاً وهو أنّ الحكم الواقعي شأنيّ إنشائي والحكم الظاهري فعلي، فلامنافاة بين الشأنيّ والفعلي.
وظاهر المحشّين أنّ المحقّق الخراساني ينسبه إلى الشيخ الأنصاري مع أنّ كلامه في «الفرائد» لا يدلّ على أنّه مختار الشيخ، وإنّما ذكر هذا الجواب عن جانب المعتزلة أي في التصويب الثاني حيث قال: الثاني: أن يكون الحكم الفعلي تابعاً لهذه الأمارة... إلى أن قال: فالحكم الواقعي فعلي في حق غير الظان بخلافه، وشأنيّ في حقّه، بمعنى وجود المقتضي لذلك الحكم لولا الظن على خلافه.(1)
فنسبة هذا الجواب إلى الشيخ غير صحيحة جدّاً.

1 . الفرائد: 1 / 114.

116
وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:
اختلاف الرتبة بين الحكمين
الأوّل: أنّه لو كانت الأحكام الواقعية شأنيّة وإنشائية فلا تصير ـ بعد قيام الأمارة ـ أحكاماً فعلية ضرورة عدم لزوم امتثال الأحكام الإنشائية ما لم تصر فعلية ولم تبلغ مرحلة البعث والزجر.
وبعبارة أُخرى: إنّ الحكم الواقعي إذا كان إنشائياً فالأمارة لا تتجاوز العلم، فكما أنّ العلم بالحكم الإنشائيّ غير باعث ولا زاجر، فكذلك قيام الأمارة.
ثم إنّه بعد ذلك أورد على نفسه إشكالاً وأجاب عنه، فلاحظ.
الثاني: كيف يمكن القول بأنّ الأحكام الواقعية شأنيّة في مورد الأمارات والأُصول المخالفة للواقع، مع أنّا نحتمل وجود أحكام فعلية بعثية أو زجرية في موارد الطرق والأُصول العملية المتكفّلة لأحكام فعلية ضرورية. فكما لا يمكن القطع بثبوت المتنافيين كذلك لا يمكن احتماله.(1)

الجواب الخامس: اختلاف الرتبة بين الحكمين

وهذا الجواب منسوب إلى المحقّق السيد محمد الفشاركي، إلاّ أنّ الحق أنّه موجود في فرائد الشيخ في مبحث التعادل والترجيح، حيث قال: إنّ موضوع الحكم في الأُصول، الشيء بما أنّه مجهول الحكم كالحكم بحلّية العصير ـ مثلاً ـ من حيث إنّه مجهول الحكم. وموضوع الحكم الواقعي، الفعل من حيث هو هو، فإذا لم يطّلع عليه المجتهد كان موضوع الحكم في الأُصول باقياً على حاله فيعمل على طبقه... الخ.(2)

1 . كفاية الأُصول: 2 / 53. 2 . فرائد الأُصول: 4 / 11 ـ 12.

117
وقرّره المحقّق الخراساني بقوله: إنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة، بل في مرتبتين، ضرورة تأخّر الحكم الظاهري عن الواقعي بمرتبتين.(1)
وأورد عليه بما ذكره في مبحث الترتّب حيث قال هناك في جواب مَن يصحّح الترتّب: بأنّ الأمر بالمهم متأخّر عن الأمر بالأهم بمرتبتين ـ : إنّ الأمر بالمهم وإن لم يكن في مرتبة الأمر بالأهم، إلاّ أنّ الأمر بالأهم موجود في مرتبة الأمر بالمهم.
ومثله المقام فإنّ الحكم الواقعي له إطلاق ذاتي يشمل كلتا الحالتين، العلم به والجهل به. ففي صورة الجهل بالحكم حكمان: حكم واقعي موجود بمقتضى الإطلاق، وحكم ظاهري بمقتضى الأمارة، فيلزم اجتماع حكمين فتعود المحاذير.
***
هذه أجوبة خمسة أتى بها المحقّق الخراساني على نحو الإجمال وأوضحنا حالها. وعندنا تحليل آخر للإشكالات السابقة، وهومقتبس من الأجوبة السابقة أو من التدبّر فيها.
***

تحليل آخر للجمع بين الحكم الظاهري والواقعي

يقع الكلام تارة في مورد الأمارات، وأُخرى في مورد الأُصول غير المحرزة.
أمّا الأوّل فلا إشكال في التعبّد بالظن ولا يتوجّه شيء من المحاذير

1 . كفاية الأُصول: 2 / 53.

118
المتقدّمة، وذلك لأنّ أمام المكلّف طرقاً ثلاثة:
1. إيجاب تحصيل العلم والعمل به مهما كلّف الثمن.
2. إيجاب العمل بالاحتياط.
3. العمل بالظنون والتبعيض في الاحتياط بترك العمل في المشكوكات والموهومات.
ولاشكّ أنّ الطريقين الأوّلين غير ميّسرين.
أمّا الأوّل: فلأنّ تحصيله لم يكن أمراً ميسوراً خصوصاً في العصور السابقة لقلّة اتصال الناس بأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ويشهد على ذلك ما رواه علي بن المسيّب الهمداني: قال: قلت للرضا (عليه السلام): شقّتي بعيدة ولست أصل إليك في كلّ وقت فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: «من زكريا بن آدم القميّ المأمون على الدين والدنيا»، قال علي بن المسيّب: فلّما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم، فسألته عمّا احتجت إليه.(1)
فالأمر بتحصيل العلم كان أمراً حرجّياً كما هو واضح.
وأمّا الثاني: أي العمل بالاحتياط التام حتّى في المشكوكات والموهومات والمظنونات فهو يوجب الاختلال في النظام وانفصام عُقد الحياة الّذي هو مبغوض لبارئ النسمة الّذي خلقها لتقام الحياة الاجتماعية على وجه الأرض.
فلم يبق أمام الشارع إلاّ الأمر بالأقرب إلى الواقع وهو قول الثقة أو شيء أوسع من ذلك. وهنا إشكال مشترك بين الأمارات والأُصول وهو تفويت المصلحة، أو الإيقاع في المفسدة; والجواب أنّه فلو صار العمل بالأمارة أو

1 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.

119
الأصل مفوتاً للمصلحة أو موجباً للمفسدة فهو شرّ قليل في مقابل الخير الكثير، لأنّ العمل بالظنون المعتبرة يوصل المكلّف إلى الواقع بمساحة أوسع.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى المحاذير الثلاثة، فتارة يبحث فيها في الأمارات وأُخرى في الأُصول، فنقول:
ليس للشارع في باب الأمارات إلاّ إمضاء ما بيد العقلاء والسيرة المستمرّة عندهم، ومن المعلوم أنّ الأمارات عندهم أشبه بوسائل توصل المكلّف إلى الضالة المنشودة، فإن طابقت الواقع فهو المطلوب، وإن خالفت الواقع فلم يكن هناك أيّ حكم مجعول.
وإن شئت قلت: إنّ دور الأمارات عندهم هو تنجيز الواقع إن أصاب والتعذير إن خالف، فليس في موردها حكم وراء الواقع.
وبذلك يظهر الجواب عن المحذور الخطابي، فإنّ اجتماع الضدين أو المثلين أو طلبهما فرع وجود حكم ثان يعدّ ضدّاً أو مثلاً للواقع، فإذا كان الحكم الظاهري منتفياً ولم يكن للأمارة دور سوى الإيصال فلا موضوع للاجتماع ولا لطلب الضدّين.
وما ذكرناه مقتبس من الجواب الأوّل للمحقّق الخراساني حيث قال: إنّ جعل الحجّية لا يستتبع حكماً شرعياً... إلى آخر ما قال. والفرق بين الجوابين هو أنّه تصوّر أنّ للشارع تأسيساً في باب الأمارات وتدخّلاً فيها بجعلها حجّة، ولكن الحق ما عرفت أنّه ليس للشارع تدخّل فيها، وما صدر منه إلاّ إمضاء ما بيد العقلاء، وما ورد في كثير من الروايات من الأمر بالعمل بقول الثقة فهو إمّا إرشاد إلى بيان الصغرى، أو إرشاد إلى السيرة العقلائية.
فكما ظهر بما ذكرنا بطلان المحذور الخطابي ظهر بطلان المحذور

120
المبدئي والملاكي، لما عرفت من أنّه لا يوجد هنا حكم مجعول مطابق لمؤدّى الأمارات حتّى تتعلّق به الإرادة أو الكراهة، أو تكون فيه مصلحة أو مفسدة، فالمحاذير أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
***

الأُصول غير المحرزة والمحاذير

نعم يبقى الكلام في الأُصول غير المحرزة، مثل قوله: «كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام»، أو قوله: «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»، أو قوله لمن شك في الركوع بعد ما دخل في السجود: «قد ركع».(1)
فظاهر هذه الروايات جعل حكم ظاهري في مقابل الواقع، وعندئذ تعود المحاذير الثلاثة، ولكنّها مندفعة بما يلي:
أمّا مشكلة المحذور الخطابي ـ أعني: اجتماع الضدين أو المثلين أو طلب الضدين ـ فالجواب عنه بأنّ التماثل والتضاد من خصائص الأُمور التكوينية، وأمّا الأحكام الشرعية، فهي أُمور اعتبارية، مجعولة بالإنشاء باللفظ، ويشهد على ذلك أنّهم عرّفوا الضدّين بأنّهما: «أمران وجوديان واقعان تحت جنس قريب يتعاقبان على موضوع واحد بينهما غاية الخلاف»، ومن المعلوم أنّ البعث والزجر نتيجة وضع اللفظ لهما، والوضع أمر اعتباري فكيف حال ما هو نتيجة الأمر الاعتباري؟
فإن قلت: فعلى هذا، لماذا لا يجوز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد والمفروض أنّ البعث والزجر من الأُمور الاعتبارية؟

1 . الوسائل: 6، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 2 و 3.

121
قلت: إنّ الامتناع يرجع إلى مبادئ الأُمور الاعتبارية وهي الإرادة في الأمر والكراهة في النهي فلا يجتمعان في لوح النفس الّتي تأمر وتنهى عن شيء واحد.
إلى هنا تبيّن اندفاع المحذور الخطابي، وأمّا المحذور الملاكي ـ أعني: اجتماع المصلحة والمفسدة ـ فلو كان الموضوع في الواقع واجباً فلازمه وجود المصلحة. ولو كان مؤدّى الأصل هو عدم الحرمة، فلازمه عدم المصلحة، وهكذا الحال في جانب الحرام. فالجواب عنه: أنّ الأحكام الشرعية وإن كانت تابعة للمصالح والمفاسد، لكن لا يشترط وجود المفسدة والمصلحة في المتعلّق، بل ربّما يعودان إلى المجتمع البشري، فعلى هذا فلا مانع من أن يكون موطن المصلحة هو المتعلّق وموطن الآخر هو المجتمع.
وأمّا المحذور المبدئي كما إذا كان الشيء واجباً في الواقع وأثبتت الأُصول عدمه فلا محيص عندئذ عن رفع اليد عن الواقع وسحب الإرادة وتراجعها عن استمرار الحكم، ولا محذور فيه، إذ ليس المراد رفع اليد عن الحكم المشترك، وإنّما المراد رفع اليد عن الحكم الفعلي المنجّز، وهذا ليس تصويباً بل يقابل التصويب.
وبهذا البيان الموجز المقتبس من الأجوبة السابقة تقدر على الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ببيان واضح، والله الهادي.

122

الأمر الثاني

في وقوع التعبّد بغير العلم

قد عرفت إمكان التعبّد بغير العلم، وأنّه لا يترتّب على التعبّد به شيء من الفساد، وحان الآن البحث في وقوعه في الشريعة، وقبل استعراض الأدلّة الدالّة على الوقوع، يجب التنبيه على أمر وهو:

ما هو الأصل في المسألة عند الشك ؟

إذا دلّ الدليل على حجّية ظن من الظنون فهو، وأمّا إذا لم يقم دليل عليها، فما هو الأصل والضابطة في هذا المقام، حتّى يكون هو المرجع عند عدم قيام الدليل عليها، وليس المراد من الأصل هو الأصل العملي، بل مقتضى الأدلّة الاجتهادية العامّة.
أقول: اتّفقت كلمة المحقّقين المتأخّرين على أنّ الأصل عند الشك في حجّية ظن هو عدم الحجّية، فهذا هو المرجع، إلاّ أن يدلّ دليل على خلافه قائلين بأنّ مجرد الشك في الحجّية كاف في استنتاج القطع بعدم الحجّية، وهذا من غرائب الأحكام في بادئ النظر حيث يُتولّد من الشك في الحجّية، القطع بعدمها.
وقد قرّره الشيخ ببيان، والمحقّق الخراساني ببيان آخر، وإليك كلا التقريرين.

التقرير الأوّل

قال الشيخ: ما هذا توضيحه: إنّ حقيقة العمل بالظن ليس إلاّ الاستناد إليه في مقام العمل، والالتزام بكون مؤدّاه حكم الله في حقّه، وهذان الأثران لا

123
يترتّبان في ظرف الشك في حجّيته، لأنّ الاستناد إلى مشكوك الحجّية في مقام العمل، وكذلك إسناد مؤدّاه إلى الشارع، تشريع عملي وقولي دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة، فإذا حرم الاستناد والاسناد في حالة الشك، يعلم عدم حجّيته، إذ لا معنى لوجود الموضوع مع عدم أثره.
وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:
الأوّل: أنّ خلاصة هذا البيان، هو أنّ صحّة الاسناد والاستناد مساو للحجّية، كما أنّ عدمهما مساو لعدمها. مع أنّه ليس كذلك.
توضيحه: أنّه لو قلنا: إنّ من مقدّمات الانسداد، هو بطلان العمل بالاحتياط. فبعد انحصار الطريق بالظن يكشف العقل عن أنّ الشارع جعل الظن حجّة فيترتّب عليها الأثران: الاسناد والاستناد. فتكون الحجية ملازمة للإسناد والاستناد.
وأمّا لو قلنا بأنّ من مقدّماته، هو، عدم وجوب الاحتياط وجواز العمل به، فعندئذ لا يكشف العقل عن أنّ الشارع جعل الظن حجّة، لعدم انحصار الطريق بالظن، بل هناك طريق آخر. فله عند ذلك صورتان:
1. العمل بالموهومات والمشكوكات والمظنونات.
2. العمل بخصوص المظنونات.
ولمّا كان الاحتياط بالعمل بالأُمور الثلاثة موجباً للعسر والحرج استقلّ العقل على تخصيص الاحتياط بالمظنونات، فيكون العمل بها وحجّيتها من باب الاحتياط، فلا يصحّ عندئذ إسناد مفاد الظن إلى الشرع،لصيرورته حجّة بحكم العقل لا الشرع، فالظن عندئذ حجّة دون أن يترتّب عليه أثران: الإسناد والاستناد.

124
ويمكن الذبّ عن النقض بأنّ الكلام في الحجج الشرعية الّتي اعتبرها الشارع تأسيساً أو إمضاء لا الحجج العقلية، والحجّية بالمعنى الأوّل يساوق الأثرين وبينهما وبين الحجّية من النسب هو التساوي، فلا يرد النقض بحجّية الظن على الحكومة، إذ ليس هو في هذه الحالة حجّة شرعية. وإنّما هو حجّة عقلية من باب الاحتياط.
الثاني: أنّ الغرض الأقصى من الحجّية هو ترتّب الأُمور الأربعة عليه:
1. التنجيز عند الإصابة.
2. التعذير عند المخالفة.
3. التجرّي إذا خالفه.
4. الانقياد إذا عمل به عند عدم الإصابة في الأخيرين.
فمع ترتّب هذه الآثار الأربعة لا حاجة للأمرين اللّذين ذكرهما الشيخ، ومع عدم ترتّب هذه الآثار لا فائدة في ترتّبهما. هذا توضيح ما في «الكفاية».

التقرير الثاني:

وهناك بيان آخر لتقرير أنّ الشك في الحجّية مساوق للقطع بعدمها، وهذا هو الّذي اعتمد عليه المحقّق الخراساني، وتوضيحه:
إنّ الأثر المترتّب على الشيء قد يترتّب على وجوده الواقعي كالحرمة المترتّبة على واقع الخمر، وقد يترتّب على واقعه ومشكوكه كالطهارة، وثالثة يترتّب على العلم بالشيء فقط فيكون وجوده العلمي موضوعاً للأثر.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ المراد من الحجّة في المقام هو ما يحتجّ به المولى على العبد، والعبد على المولى ولها آثار أربعة: التنجّز، والتعذير،

125
والتجرّي، والانقياد. وكلّها آثار لما علم كونه حجّة بالفعل، وإلاّ فلو كان حجّة في الواقع ولم يقف المكلّف على كونه كذلك لا يترتّب عليه شيء من هذه الآثار، لحكومة العقل بقبح العقاب بلا بيان، وعند ذلك لو شككنا في حجّية شيء فهو ملازم للقطع بعدم الحجّة الفعلية، ومعه لا يترتّب عليه شيء من آثارها الأربعة فيكون الأصل في الشك في الحجّية عدمها قطعاً، أي عدم صحّة الاحتجاج وترتّب الآثار.
***
ثم إنّه يمكن الاستدلال على حرمة العمل بالظن إذا لم يقم عليه دليل ببعض الآيات:
1. قوله سبحانه: (وَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا
وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
)(1).
والملاك فيه هو التقوّل بما لا يعلم كونه من الله، سواء أكان مخالفاً للواقع أم لا.
2. قوله سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَ حَلاَلاً قُلْ ءآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(2).
فلو قلنا بأنّ المراد من قوله: (ءآللهُ أَذِنَ لَكُمْ) هو الإذن الواصل بكون التعبّد بالظن الّذي لم يصل إلينا إذن الشارع به، من مصاديق الافتراء وهذا هو المتبادر من الآية بدليل قوله: (لَكُمْ).
نعم لو قلنا: إنّ المراد هو الإذن الواقعي سواء كان واصلاً أو لا، يكون

1 . الأعراف: 28.
2 . يونس: 59.

126
التعبّد بالظن إذا لم يصل الإذن شبهة مصداقية للافتراء، لاحتمال وجود الإذن الواقعي.
هذا كلّه من الكتاب العزيز وأمّا السنّة فقد عقد الشيخ الحر العاملي في وسائله باباً باسم (عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين(عليهم السلام)) وقد أورد فيه ستة وثلاثين حديثاً، وقد نقل شيئاً منها الشيخ في فرائده، ونحن نذكر منها شيئاً قليلاً:
1. روى الكليني بسند صحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): «إيّاك وخصلتين ففيهما هلك من هلك: إيّاك أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم»(1).
2. وروى الكليني مرفوعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «القضاة أربعة، ثلاثة في النار، وواحد في الجنّة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنّة»(2).
ترى أن الإمام (عليه السلام)يصف من قضى بالحق وهو لا يعلم بأنّه في النار، وما هذا إلاّ لأنّه ابتدع ونسب إلى الله ما لا يعلم.
هذا كلّه من السنّة، ويدلّ على حرمة البدعة العقل الحصيف; لأنّ المبدع تدخّل في سلطان الله حيث إنّ التشريع مختصّ بالله سبحانه وليس لأحد التدخّل فيه، والتوحيد في التشريع من مراتب التوحيد، كالتوحيد في الخالقية والتوحيد في الربوبية والتوحيد في العبادة.

1 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.
2 . الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 16.

127
فإن قلت: إذا كان التشريع مختصّاً بالله سبحانه، فما هو دور مجالس التقنين في البلاد الإسلامية ومنها ما في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
قلت: إنّ دور مجلس التقنين في بلادنا التخطيط بما يحقّق مصالح العباد، على ضوء القوانين الإسلامية، وليس لهم حقّ التشريع.
فإن قلت: إذا كان زمان التشريع بيده سبحانه فكيف يفسّر ما ورد في الأحاديث من أنّ الله حرّم الخمر بعينها وحرّم رسول الله المسكر من كلّ شراب، إلى غير ذلك من الموارد.(1)
قلت: قد أجبنا عن ذلك مفصّلاً في كتابنا «مفاهيم القرآن»(2).
وخلاصة الجواب: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان بتعليم منه سبحانه واقفاً على المصالح والمفاسد على اختلاف درجاتها ومراتبها، وكان له أن ينصّ على أحكامه سبحانه من طريق الوقوف على عللها وملاكاتها، ولا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه من طريق التعرّف على عللها بأقصر من الطرق الأُخر التي يقف بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على حلاله وحرامه، وإلى هذا يُشير الإمام علي (عليه السلام)بقوله: «عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَة وَرِعَايَة، لاَ عَقْلَ سَمَاع وَرِوَايَة، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ».(3)
وربّما يستدلّ على حرمة البدعة بالإجماع، ولكنّه ليس بتام; لأنّ المجمعين اعتمدوا في حكمهم على الكتاب والسنّة والعقل، فيصير إجماعهم إجماعاً مدركياً، وليس مثله بحجّة.

1 . أُصول الكافي: 1 / 266، الحديث 4.
2 . مفاهيم القرآن: 1 / 626 ـ 628.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 234.

128
الفرق بين التشريع والبدعة

الفرق بين التشريع والبدعة

عرّفت البدعة بأنّها عبارة عن إدخال ما علم أنّه ليس من الشرع في الشرع، ثم إنّهم فرّقوا بين التشريع والبدعة بأنّ التشريع عبارة عن الاعتقاد بما علم أنّه ليس من الشرع بأنّه من الشرع، والبدعة ترجع إلى الجوارح والأعضاء بأن يكون للمبدع دعوة وإشاعة لما أبدعه.
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ قال بامتناع التشريع قائلاً بأنّه كيف يمكن أن يعتقد إنسان بما يعلم أنّه ليس من الدين أنّه من الدين، لأنّ الأُمور القلبية لا تخضع للإيجاب والإلزام، مالم يحصل لدى الإنسان مبادئ الاعتقاد ومع حصولها يحصل الاعتقاد قهراً، ومعه كيف يمكن أن يعتقد بالخلاف؟
أقول: إنّه قد مرّ أنّه لا ملازمة بين العلم والإيمان، والقطع والاعتقاد وأنّه ربّما يجرّ حب المنصب والمال، الإنسان العالم بحكم الشرع إلى الاعتقاد بالخلاف، حتّى يتظاهر بالخلاف ويكون التظاهر نابعاً من حبّ الدنيا.
ومن سبر حياة الملاحدة وأحوال المبتدعين يقف على أنّهم كانوا ممّن صرفوا أعمارهم في تعلّم الأُمور الدينيّة وبلغوا من العلم مبلغاً. لكن حبّ الدنيا ربّما أزالهم عمّا يعتقدون وأخذوا يتفكّرون في الخلاف ويحاولون الجمع بين الاعتقاد السابق والاعتقاد الحاضر. أعاذنا الله من دسائسهم.
ولمّا وصل الكلام إلى هنا لا بأس بإفاضة القول حول البدعة حسب ما يقتضيه المقام، وقد عرّفوا البدعة بالتدخل في الدين بما ليس منه. وعلى هذا فقوام البدعة هو التلاعب بالدين، ويتفرّع على ذلك أُمور:
1. إذا كان الأمر الجديد الطارئ على المجمع مقطوع الصلة عن الدين، والمبدع لا ينسبه إلى الدين كالألعاب الرياضية من كرة القدم إلى كرة السلّة إلى

129
غير ذلك، فهذا لا يسمّى بدعة شرعية، إذ ليس من مقولة التدخّل في الدين ومع ذلك يمكن أن يكون حلالاً أو حراماً، نعم يطلق عليه أنّه بدعة لغوية أي شيء جديد في الحياة.
ومن هنا يعلم أنّ كلّ ما ظهر من البدع أي الأُمور الجديدة في أمر البناء واللباس والآداب والمجاملات في ا لضيافة كلّها أُمور بدعية لغة لا شرعاً حتّى أن الاختلاط بين النساء والرجال في الضيافة فهو بدعة لغوية لا بدعة شرعية، إذ القائمون بها لا ينسبون هذه الأُمور إلى الشرع. نعم مع ذلك يجب استنباط حكمها حلالاً أو حراماً من الأدلّة الشرعية فمجرّد عدم كونها بدعة شرعيّة لا يلازم الحلّيّة.
2. لمّا كانت البدعة هي التدخل في الدين، فلو كان للأمر الحادث دليل بالخصوص في الشرع أو دليل أو أصل عام، لما يطلق عليه البدعة وإن نسب إلى الشرع. أمّا إذا كان بالخصوص فواضح، وأمّا إذا كان له أصل في الشرع وإن لم يكن لخصوص المُبْدَع دليل خاص، فهذا نظير التطوّر في اللآلات الحربية كالطائرات المقاتلة والأساطيل البحرية إلى غير ذلك من آلات الحروب الجديدة، فالجميع من مصاديق قوله سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ...)(1).
وعلى ضوء ذلك، فكلّ ما يقوم به المسلمون عبر القرون من عمارة القبور وتقبيل الأبواب والضرائح وجلود القرآن، كلّها أُمور شرعية; لأنّ لها أصل في القرآن الكريم وهو حبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي هو أصل من أُصول الإسلام، وكفى في ذلك قوله سبحانه: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ

1 . الأنفال: 60.

130
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(1).
وعد هذه الأعمال من البدع نابع عن الجهل بمفهوم البدعة ومفهوماتها. وقد أفردنا رسالة في مفهومها. فلاحظ.

1 . التوبة: 24.

131

فصل في الحجج الشرعية

    1

حجّية الظواهر

اتّفق الأُصوليون على أنّ الظواهر من الظنون من غير فرق بين ظواهر الكتاب أو السنّة أو غيرهما لكنّها خرجت عن تحت الأصل المذكور سابقاً، ومرجع ذلك أنّ دلالتها على معانيها ظنّية، لكن المختار عندنا أنّ دلالتها على معانيها ـ المرادةُ بالإرادة الاستعمالية ـ قطعية بل حتّى دلالتها على المراد بالإرادة الجدّية قطعية ببيان سيوافيك آخر البحث.
إنّ بيان موقف المشهور من المسألة، وما هو المختار عندنا، رهن بيان أُمور:
الأوّل: إنّ معرفة مراد المتكلّم تتوقّف على ثبوت أُمور:
1. ثبوت صدور الكلام من المتكلّم، إمّا علماً كالخبر المتواتر، أو المحفوف بالقرائن، أو بالحجّة الشرعية.
2. ثبوت الظهور، بمعنى أنّ اللفظ أو هيئة الجملة ظاهرة في هذا المعنى، والمتكفّل لبيان هذا الأصل هو اللغة والقواعد العربية كالصرف والنحو، وربما يستند في ذلك إلى علائم الوضع، من التبادر وصحّة الحمل والإطّراد، كما مرّ. والبحث هنا صغروي بمعنى استظهار ظهور الكلمة أو الجملة في معنى خاص.
3. جهة الصدور، بمعنى أنّ المتكلّم لم يتكلّم لهواً أو تمريناً أو هازلاً، أو تورية أو تقية، والمتكفّل لإثبات هذا الأصل هو الأُصول العقلائية التي تحكم على أنّ الغاية من التكلّم هي تفهيم المراد دون سائر الأغراض، فالتكلّم لهواً، أو

132
هزلاً أو تمريناً أو لغير ذلك من الدواعي المغفول عنها عند العقلاء غالباً. ولذلك تكون الحاجة إلى تلك الأُصول نادرة جداً.
4. حجّية ظهور الكلام بعد انعقاده وكونه كاشفاً عن مراده، والبحث هنا كبروي، أي بعد ثبوت الصغرى ـ أعني: ظهور الكلام في معنى ـ نبحث عن صحّة الاحتجاج بظواهر الكلام على المتكلّم.
الثاني: أنّ الفرق بين الظاهر والنصّ هو أنّ كلا الأمرين يحملان معنى واحداً، ويتبادر منهما شيء فارد، غير أنّ الظاهر قابل للتأويل فلو أوّل كلامه لعدّ عمله خلافاً للظاهر ولا يُعدّ مناقضاً، فلو قال: أكرم العلماء فهو ظاهر في العموم، ولو أخرج الفُسّاق يُعدّ خلافاً للظاهر.
وما ربّما يقال: الظاهر عبارة عمّا يحتمل الخلاف دون النصّ، فهو غير تام فإن أُريد احتمال الخلاف حين الإلقاء، فيكون الكلام مجملاً لا ظاهراً، وإن أُريد احتماله بعد الإلقاء فهو أمر غير موجود عند العقلاء، وإنّما في أذهان المتعمّقين في الآثار والروايات.
وأمّا النص فلا يقبل التأويل، بل يُعدّ التأويل تناقضاً، فقول الله سبحانه:(يُوصيكُمُ الله في أولادكم للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيين) نص من جهة لا يقبل التأويل، نظير قوله سبحانه:(قُلْ هُوَ اللهُ أحد).
الثالث: لا شك أنّ الظواهر حجّة على المقاصد، وعليها تدور رحى الحياة، فالسائس يحتجّ بظاهر كلامه على المسوس، والأُستاذ على التلميذ، والبائع على المشتري، وهكذا، فلم يشك أحد في حجّية الظواهر، وأنّه لولاه لتعرقلت رحى الحياة، فإنّ تحصيل الحجّية بالنصوص أمر لا يعتد به.
أضف إلى ذلك: أنّه لو لم تكن الظواهر حجّة لزم نقض الغرض، لأنّ

133
الغاية من الوضع هي المفاهمة، فلو اقتصرنا في ذلك المجال على النصوص قلّت فائدة الوضع.
إذا علمت هذه الأُمور الثلاثة، فلنرجع إلى صلب المقصود، وهو: هل أنّ دلالة الظواهر على المقاصد دلالة ظنية، لكنّها حجّة خرجت عن تحت الأصل ـ أعني: أصالة حرمة العمل بالظن ـ أو أنّ دلالتها قطعية، وكان خروجها عن الأصل خروجاً موضوعياً، ولو استثنيت يكون الاستثناء استثناءً منقطعاً، فالمشهور على الأوّل والحق هو الثاني.
ثمّ إنّ سبب عدّ دلالة الظواهر على معانيها دلالة ظنيّة هو وجود احتمالات في مورد المتكلّم والتي تسبب ضعف الدلالة ونزولها إلى درجة الظن، وهذه الأُمور هي:
1. لعلّ المتكلّم لم يستعمل اللفظ في أىّ معنى.
2. أو استعمله في المعنى المجازي ولم ينصب قرينة.
3. أو كان هازلاً في كلامه.
4. أو كان مورّياً في خطابه.
5. أو ممرِّناً كما هو الحال فيمن يريد تعلم اللغة الأجنبية فيما يلقيه.
6. أو أطلق العام وأراد الخاص.
7. أو أطلق المطلق وأراد المقيّد.
8 . أو أنّ المتكلّم اعتمد على قرائن حالية لم يلتفت إليها المخاطب.
إلى غير ذلك من المحتملات التي توجب الاضطراب في كشف المراد الاستعمالي عن المراد الجدّي على وجه القطع.

134
دلالة الظواهر على المراد الاستعمالي قطعية

دلالة الظواهر على المراد الاستعمالي قطعية

هذه الوجوه الثمانية هي السبب في عدّ الأُصوليّين دلالة الظواهر من الظنون، لكن نلفت نظر القارئ إلى أنّ هذه الوجوه لا تسبب شيئاً ولا تخرج دلالة الظواهر عن حدّ القطع. وإليك بيان ذلك ضمن أمرين:
الأوّل: إنّ للمتكلّم إرادتين، إرادة استعمالية وإرادة جدّية. والمراد من الأُولى إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، أو إحضار المعنى اللغوي في ذهن المخاطب.
كما أنّ المراد من الثانية هو كون الحاضر في ذهن المخاطب أو ما استعمل اللفظ فيه، مراداً جدّيّاً.
ثمّ إنّ المراد الاستعمالي ربما لا يتخلّف عن المراد الجدّي، كما إذا قال: أكرم زيداً وأراد به البعث جدّاً إلى إكرامه.
وربما يختلف إمّا تماماً، كما إذا قال: أكرم زيداً، هازلاً; أو بعضاً، كما إذا قال: أكرم العلماء، وأشار بدليل آخر إلى أنّ المراد الجدّي هم العدول.
الثاني: ما هي الوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر؟ فلو وقفنا على دورها فعندئذ تتّضح الحقيقة بأجلى مظاهرها، والذي يمكن أن يقال: إنّ وظيفة الظواهر عبارة عن إحضار المعاني في ذهن المخاطب، سواء أكانت المعاني حقائق أو مجازات، فلو قال: رأيت أسداً وسكت، فقد أحضر في ذهن المخاطب رؤية الحيوان المفترس، وأمّا لو قال بعد هذه الجملة: يرمي، فقد أحضر المعنى المجازي في ذهنه.
هذه هي الوظيفة الملقاة على ظاهر كلام المتكلّم.
إذا علمت هذا فالظواهر كلّها تقوم بتلك الوظيفة بلا شكّ ولا ريب،

135
فتكون دلالتها على المراد الاستعمالي التي أُلقي على عاتقها دلالة قطعية.
واحتمال أنّ المتكلّم لم يستعمل اللفظ في المعنى أو استعمله في المعنى المجازي ولم ينصب قرينة أو غيرها من الاحتمالات الثمانية، فليس الدفاع عنها على عاتق الظواهر حتى تسبب الضعف في دلالتها.
ثمّ إنّ القوم عالجوا نفي هذه الاحتمالات بالأُصول العقلائية، وأنّ الأصل كون المتكلّم مستعملاً اللفظ في معناه أو ناصباً للقرينة إذا كان مستعملاً اللفظ في غير معناه، أو كون المتكلّم بصدد الإفادة والاستفادة إلى غير ذلك من الأُصول، ولكن الظاهر عدم الحاجة إلى هذه الأُصول، بل لا تدور هذه الاحتمالات في أذهانهم حتى ترتفع بتلك الأُصول.
فتسمية دلالة الظواهر بالظن وإخراجها عن حدّ القطع لأجل وجود هذه الاحتمالات، عقاب بلا ذنب، لأنّ دفع هذه الاحتمالات ليست من وظائف الظواهر، حتى توهن دلالتها بوجودها فيها. وإنّما هي على عاتق الأُصول العقلائية. بل يمكن أن يقال بعدم وجود هذه الاحتمالات في أذهان العقلاء حتى يحتاج في دفعها إلى تلك الأُصول.
وعلى ما ذكرنا فدلالة الظواهر على المراد الاستعمالي دلالة قطعية، ولا تصحّ تسميتها بالظنّية لأجل هذه الاحتمالات.
***
ثمّ إنّه يمكن أن يقال: إنّ دلالتها على المراد الجدّي قطعية لا ظنّية، وهذا ادّعاء آخر، فإلى الآن كنّا نركّز على قطعية الدلالة بالنسبة إلى المراد الاستعمالي.
وفي المقام نركّز على شيء أوسع، وهو أنّ دلالتها على المراد الجدّي قطعية أيضاً، وذلك بالبيانات الثلاثة:

136
دلالة الظواهر على المراد الجدي قطعية في نظر العقلاء

دلالة الظواهر على المراد الجدي قطعية في نظر العقلاء

1. إنّا نرى أنّ عامّة الناس يتفاهمون بينهم من غير فرق بين الأُستاذ و التلميذ و البائع والمشتري والسائس والمسوس، ولا يدور في خلد أحد من أنّ ما يفهمه من ظاهر الكلام مراد ظنّي لا جدّي، وهذا هو العرف ببابك، إذ لا يصف دلالة كلام أحد بالظنّية إلاّ إذا كان مجملاً أو متشابهاً.
فبذلك ظهر أنّ دلالة الظواهر على المراد الاستعمالي والجدّي دلالة قطعية ولا يتردّد الإنسان في مقام المشافهة في كشف المقاصد. إلاّ إذا كان الكلام مجملاً، فيكون خارجاً عن مصبِّ البحث.
نعم فيما إذا كان الظاهر عامّاً أو مطلقاً فهناك لا يجزم بالمراد الجدّي إلاّ بعد الفحص عن المخصّص والمقيّد. وهذا من خصائص التشريع حيث يفصل فيه بين العام ومخصّصه والمطلق ومقيّده ولا صلة له بغيره.
2. لو كان السبب في وصف دلالة الظواهر بالظنيّة وجود هذه الاحتمالات، فهو أمر مشترك بين الظواهر والنصوص فهي أيضاً غير خالية عن هذه الاحتمالات، فيحتمل فيها أيضاً أنّ المتكلّم لم يقصد المعنى، أو قصد المعنى المجازي ولم ينصب قرينة، إلى غير ذلك ممّا مرّ.

3. القرآن هو المعجزة الكبرى

إذا تنازلنا عن القول بقطعية دلالة الظواهر فلا يمكن لنا التنازل عنه في ظواهر القرآن الكريم الّذي هو المعجزة الكبرى للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد تحدّى به (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتحدّي والغلبة على جميع الناس يتوقّف على فهم المتحدّى عليه معاني الكتاب أوّلاً، ثم قياسه بالكتب الأُخرى ثانياً، ثم القضاء بأنّه فوق كلام البشر ثالثاً، فكلّ ذلك يتوقّف على العلم بمدلول الآيات لا على الظن به وإن كانا

137
حجّة، لأنّ حجّيته لا تخرجه عن حدّ الظنّ.
وبالجملة: الوقوف على إعجاز القرآن والإذعان بكونه فوق كلام البشر يتوقّف على الوقوف على ألفاظ القرآن ومعانيها وقوفاً قطعياً حتّى يحصل الإذعان بكونه معجزاً، ولو كان الوقوف على مفاده ظنّياً لا يمكن الإذعان القطعي بكونه معجزاً.
كيف وقد فهم الوليد بن المغيرة بصفاء ذهنه وصميم عربيّته أنّ بلاغة القرآن خارجة عن طوق القدرة البشرية، ولمّا سمع آيات من سورة فصّلت من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): قال: لقد سمعت من محمد كلاماً لا يشبه كلام الإنس ولا كلام الجنّ، وأنّ له لحلاوة، وأنّ عليه لطلاوة، وأنّ أسفله لمغدق، وأنّ أعلاه لمثمر، وهو يعلو ولا يعلى عليه.(1)
فإن قلت: إنّما يصحّ ذلك إذا فرض القرآن كلّه ظنّي الدلالة، وأمّا إذا كان بعضه قطعي الدلالة فهو يكفي في ظهور إعجازه وسطوع برهانه.
قلت: إنّما يصحّ ما ذكر إذا لم يتحدّ، القرآن بكلّ سورة كما في قوله: (وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(2).
فتحدّى بكلّ سورة من سوره، ولازم ذلك أن تكون آيات كلّ سورة واضحة الدلالة على المعنى حيث يصح التحدّي بكلّ سورة.
هذا ما وصلنا إليه في محاضراتنا الأُصولية دورة بعد دورة. ولعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمراً.
***

1 . مجمع البيان: 5 / 387، ط. صيدا. 2 . البقرة: 23.

138
حجّية ظواهر القرآن

حجّية ظواهر القرآن

إذا وقفت على أنّ الظواهر قطعية الدلالة فلا فرق عندئذ بين ظواهر الكتاب وغيرها، إلاّ أنّ بعض أصحابنا طرأت عليهم شبهة في حجّيّة ظواهر القرآن، فلذلك نتناولها بالبحث.
إنّ محلّ النزاع هو الاستضاءة بنور القرآن فيما يدلّ عليه بظاهره بعد الفحص عن المخصّصات والمقيّدات المنقولة بخبر الثقة والقرائن المتّصلة أو الحالية. فالإمامية قاطبة على الحجيّة إلاّ الأخباريين الذين قالوا بأنّ الاستدلال بالقرآن يتوقّف على تفسير المعصوم، فعندئذ يصحّ الاحتجاج بتفسيره لا بنصّ القرآن.
ولا شك في ضآلة هذا القول، وذلك بالدلائل التالية:

الأوّل: حديث الثقلين

قد تضافرت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بل تواترت الرواية المعروفة بحديث الثقلين وتفسيرهما بالكتاب والعترة، قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً» حيث جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كلاًّ من الثقلين حجّة وأنّ كلاًّ يعاضد الآخر، وقد سبق منّا أنّ التمسّك بعموم القرآن ومطلقاته إنّما هو بعد الرجوع إلى أحاديث النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)لأجل الوقوف على مقيّداته ومخصّصاته، وتبيين مجملاته كالصلاة والزكاة والحج وغيرها.

139

الثاني: الروايات التعليمية

توجد في غضون الجوامع الحديثية روايات صدرت عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)بصدد تعليم الأصحاب كيفية استنباط الحكم الشرعي من الكتاب العزيز على نحو كان موقف الإمام (عليه السلام)في هذه الروايات موقف المعلِّم المُرشِد إلى كيفية دلالة الآية على المقصود، فكان المعلم والمتعلّم متّفقين على كون الكتاب حجّةً في ذاته غير أنّ المعلم أعرفُ بدلالة الآية من تلميذه ولذلك يرشده إلى وجه الدلالة، ونأتي بنماذج من هذه الروايات:
روى الصدوق بأسناده عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام)ألا تخبرني من أين علمتَ وقلتَ: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين.
فأجاب وقال: «إنّ المسح ببعض الرأس لمكان «الباء» في قوله: (بِرُؤُوسِكُمْ)(1)، ثم وصل الرجلين بالرأس فقال (وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)، فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح ببعضهما» (2).
وروى الشيخ في «التهذيب» بأسناده عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن الحسن بن رباط، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على اصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ فقال: «يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل، قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(3) امسح عليه ».(4)

1 . المائدة: 6.
2 . الوسائل: 1، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 1، بتلخيص.أي كما أنّ مسح الرأس ببعضه كذلك مسح الرجلين ببعضهما.
3 . الحج: 78.
4 . الوسائل: 1، الباب 39 من أبواب المسح على الجبائر، الحديث 4.

140
وأمّا كيفية دلالة الآية على مسح المرارة فقد بيّنها الشيخ في «الفرائد»، فلاحظ.(1)
وروى الصدوق بأسناده عن زرارة ومحمد بن مسلم أنّهما قالا: قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الصلاة في السفر؟ فقال: «إنّ الله عزوجل يقول: (وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ)(2)، فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر»، قالا: قلنا له: إنّما قال الله عزوجل: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) ولم يقل افعلوا، فكيف أوجب ذلك؟
فقال (عليه السلام): «أو ليس قد قال الله عزوجل في الصفا والمروة: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)(2)، ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض، لأنّ الله عزّوجل ذكره في كتابه وصنعه نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وذكره الله في كتابه».(4)
حجية ظواهر القرآن
توضيحه: أنّ الآيتين في مقام دفع توهّم الحظر لا في مقام بيان ما هو الحكم الشرعي فإنّه يطلب من السنّة الشريفة.
أمّا دفع توهّم الحظر في آية الطواف بين الصفا والمروة فيظهر ممّا رواه الطبرسي عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه كان في عمرة القضاء، وذلك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام، فتشاغل رجل من أصحابه حتّى أُعيدت الأصنام، فجاءُوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقيل له: إنّ فلاناً لم يطف وقد أُعيدت الأصنام، فنزلت هذه الآية: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)أي: والأصنام عليهما.(3)

1 . الفرائد: 1 / 147، طبعة تراث الشيخ الأعظم. 2 . النساء: 101.
2 . البقرة: 158. 4 . الوسائل: 8 ، الباب 22 من أبواب القصر في السفر فرض، الحديث 2.
3 . مجمع البيان: 1 / 240.

141
وأمّا نفي الحظر في آية التقصير فلعلّه لدفع توهّم أنّ التقصير يورث نقصان الصلاة، فردّ بقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ).
هذه نماذج من الروايات التعليمية الّتي نرى أنّ الإمام (عليه السلام)يرشد أصحابه إلى كيفية دلالة الآيات على الأحكام الشرعية على نحو لو فهمها الإنسان من غير توسيط الإمام (عليه السلام)كان فهمه حجّةً عليه.
وهناك روايات أُخرى في هذا المضمار، فلاحظ.(1)

الاستدلال على الحكم الشرعي بدلالات خاصة

إنّ بعض الآيات الكريمة دلالات لا يقف عليها إلاّ الأوحدي من الناس، ونأتي بنماذج منها:
1. روى الطبرسي قال: قدّم للمتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانُه شركَه وفعلَه، وقال بعضهم: يُضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا.
فأمر المتوكّل بالكتاب إلى أبي الحسن العسكري (عليه السلام)، وسؤاله عن ذلك.
فلمّا قرأ الكتاب كتب (عليه السلام): «يضرب حتّى يموت»، فأنكر يحيى وأنكر فقهاء العسكر ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين: سله عن ذلك فإنّه شيء لم ينطق به كتاب، ولم يجئ به سنّة.
فكتب إليه: إنّ الفقهاء قد أنكروا هذا، وقالوا: لم يجئ به سنّة ولم ينطق به كتاب، فبيّن لنا لِمَ أوجبت عليه الضرب حتّى يموت؟ فكتب: (بسم الله الرحمن

1 . انظر: الوسائل: 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4; وأيضاً الوسائل: 18، الباب 18 من أبواب حدّ المسكر، الحديث 1.

142
الرحيم: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)(1). قال فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات.(2)
فدلّت الآية على أنّ الإيمان بعد مشاهدة العذاب غير ناجع، وهذا النصراني أسلم لمّا شاهد إقامة الحدّ عليه.
لقد شقّ الإمام (عليه السلام)بكلامه هذا طريقاً خاصّاً للاستضاءة من الذكر الحكيم في طريق استنباط الأحكام الشرعية منه، ولو كان الفقهاء سلكوا هذا الطريق لتجلّت دلالة كثير من الآيات على الأحكام الشرعية قبل أن توصف بعدم النصّ فيها.
2. أنّ الأُصوليين تحمّلوا عبئاً ثقيلاً لإثبات أنّ الأمر يفيد الوجوب لكن ربّما يستغني الباحث عن ذلك، فإنّ لاستفادة الوجوب من الأمر بالآيات الكريمة طريقاً آخر، وهو الإيعاد بالعذاب أو النار، كما في قوله سبحانه: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)(3).
وقال تعالى: (وَ سَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى)(4).
وكلّما وعد الله سبحانه على تركه أو فعله يستفاد منه الوجوب أو الحرمة.
3. اختلف الفقهاء في وجوب الكتابة بالتداين بالدين والاستشهاد بالشاهدين، وهما واردان في قوله سبحانه: (وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اللهَ

1 . غافر: 84 ـ 85.
2 . الاحتجاج: 2 / 497.
3 . المدثر: 42 ـ 43.
4 . الليل: 17 ـ 18.

143
رَبَّهُ وَ لاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)(1) مع أنّ الرجوع إلى نفس الآية وذيلها يكشف عن أنّ الأمر فيها إرشادي لئلاّ يقع الاختلاف بين المتداينين، فيسد باب النزاع، وذلك بقوله سبحانه: (ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ)(2).

الثالث: عرض الشروط على الكتاب

دلّت الروايات على أنّ الكتاب هو المحور لتمييز الشرط الموافق
عن المخالف، فلو لم تكن دلالة الكتاب حجّة فكيف يكون دليلاً على التمييز؟
روى الكليني بسند صحيح عن عبدالله بن سنان الثقة قال: سمعته يقول: «مَن اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله، فلا يجوز له ولا يجوز على الّذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم ما وافق كتاب الله ».
وفي رواية أُخرى: «المسلمون عند شروطهم إلاّ كلّ شرط خالف كتاب الله عزوجل فلا يجوز».(3)

الرابع: عرض الروايات المتعارضة على القرآن

قد تضافرت الروايات على عرض الروايات المتعارضة على الكتاب العزيز كي يتميّز الحقّ عن الباطل، والصحيح عن الزائف، فلولا أنّ الكتاب حجّة

1 . البقرة: 282.
2 . البقرة: 282.
3 . الوسائل: 12، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1، 2; ولاحظ أحاديث الباب.

144
كيف يمكن أن يكون مميّزاً للحقّ عن الباطل؟ كما هو الحقّ أو مرجّحاً كما عليه المشهور.
روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه».(1)

الخامس: القرآن في حديث النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)

يصف الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)القرآن بأنّه هو المرجع لدى التفاف الفتن بالأُمّة، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا التبست عليكم الفتن كقطع اللّيل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل، وبيان تحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل».(2)
وعنه ـ صلوات اللّه عليه وآله ـ في ذلك المضمار روايات نقلها الكليني في كتاب القرآن من «الكافي».

السادس: القرآن في كلام الوصي (عليه السلام)

أدلّة الأخباريين لعدم حجّية ظواهر القرآن
قال الإمام علي (عليه السلام):« كتاب اللّه تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض».(3)
وفي كلام آخر: «واعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10; ولاحظ أيضاً الحديث 11 و 12 و 14.
2 . الكافي: 2/238، والسند معتبر. والماحل: الخصم المجادل. 3 . نهج البلاغة: الخطبة 133.

145
لأحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم».(1)
إلى غير ذلك من الروايات التي تدلّ بوضوح على لزوم الرجوع إليه في فهم العقيدة والشريعة، وأنّه سبحانه ما أنزله للتلاوة فقط، بل للتلاوة التي يستعقبها التدبّر والتفكّر، ثمّ العبرة والاعتبار، ثمّ العمل والتطبيق على صعيد الحياة.
إلى هنا تجلّت الحقيقة بأعلى مظاهرها ولم يبق إلاّ دراسة أدلّة الأخباريّين الذين نسب إليهم عدم حجّية ظواهر الكتاب إلاّ بعد تفسير الإمام، وهي وجوه أشار إليها في الكفاية:

أدلّة الأخباريين لعدم الحجّية

لقد لفّق الأمين الاسترآبادي وجوهاً لغاية تبّني عدم حجّية ظواهر القرآن، في كتابه «الفوائد المدنية» الّذي ألّفه حوالي عام (1030 هـ) واعتمد عليها من جاء بعده من الأخباريّين، وربما زادوا شُبهاً أُخرى، والجميع ليس إلاّ شبهة في مقابل البديهة وها نحن نذكرها تباعاً.

1. اختصاص فهمه بأهله

يظهر من مذاكرة الإمام (عليه السلام)أبا حنيفة وقتادة أنّ القرآن فوق فهمهما، وأنّه لا يفهم القرآن إلاّ من خوطب به:
1. روى شبيب بن أنس عن بعض أصحاب أبي عبدالله (عليه السلام)ـ في حديث ـ أنّ أبا عبدالله (عليه السلام)قال لأبي حنيفة:
«أنت فقيه العراق» قال: نعم. قال: «فبَمَ تفتيهم؟» قال: بكتاب الله وسنّة

1 . نهج البلاغة: الخطبة 167.

146
نبيه. قال: «يا أبا حنيفة: تعرف كتاب الله حقّ معرفته وتعرف الناسخ والمنسوخ؟» قال: نعم، قال: «يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً، ما جعل الله ذلك إلاّ عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك، ولا هو إلاّ عند الخاصّ من ذرية نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما ورثّك الله من كتابه حرفاً».(1)
يلاحظ عليه: أنّ السند ضعيف بوجهين:
أ. حيث إنّ أحمد بن أبي عبد الله في السند (هو أحمد بن محمد بن خالد المكنّى بـ «أبي عبد الله»وقد توفّي سنة 272) روى عن شبيب بن أنس عن بعض أصحاب أبي عبد الله(عليه السلام)، ومعنى ذلك أنّ البرقي روى عن الإمام الصادق(عليه السلام) بواسطتين وهو بعيد.
ب. أنّ شبيب بن أنس لم يوثّق والرواية مرسلة في ذيلها.
ج. أنّ الإمام قصد المستبدّين بالقرآن الذي يفتون به من دون أن يرجعوا إلى مَن نزل القرآن في بيوتهم حتى يعرفوا المخصّصات والمقيّدات، ويشهد على ذلك قوله:«وتعرف الناسخ والمنسوخ» وأمّا مَن رجع إليهم وعرف السنّة المتمّمة لدلالة القرآن ثم استدلّ بظاهره فهو خارج عن مدلول الرواية.
2. رواه الكليني بسنده عن محمد بن سنان، عن زيد الشحّام: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (عليه السلام)فقال: «يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة؟» فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر(عليه السلام): «بلغني إنّك تفسّر القرآن» فقال له قتادة: نعم! فقال له أبو جعفر (عليه السلام)ـ بعد كلام ـ : «إن كنت إنّما فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسّرته عن الرجال فقد هلكت وأهلكت، ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به ».(2)

1 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.
2 . الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25.

147
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ السند ضعيف بمحمد بن سنان.
وثانياً: أنّ الظاهر من ذيل الحديث أنّ المخاطب بالقرآن هو النبيّ وأهل بيته ولكنّه غير تامّ بشهادة أنّ القرآن خاطب الناس والكافرين والمنافقين والمؤمنين. قال سبحانه: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ...)(1)، وقال سبحانه:(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)(2)، وقال: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ
مِثْلِهِ
)(2)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم)(3).
وثالثاً:أنّ المتبادر من قوله:«بلغني أنّك تفسّر القرآن» أنّ المنهيّ عنه هو التفسير بلا رجوع إلى أئمّة أهل البيت والتفسير عبارة عن كشف القناع عن وجه الآية، وأين هو من التمسّك بظاهر الآية التي لا قناع عليه؟!
ورابعاً: أنّ الإمام قصد المستبدّين بالقرآن التاركين لما ورد في السنّة من تبيين المجملات وتقييد المطلقات وتخصيص العمومات، وأين هؤلاء من فقهاء الشيعة الذين أناخوا مطيّتهم على أبواب دورهم؟!

2. احتواء القرآن على مضامين شامخة

القرآن مشتمل على مضامين شامخة ومطالب غامضة عالية لا تكاد تصل إليها أيدي أفكار أُولي الأنوار غير الراسخين العالمين بتأويله، ولا يكاد يصل إلى فهم كلمات الأوائل إلاّ الأوحدي من الأفاضل، فما ظنّك بكلامه تعالى مع

1 . المائدة:68. 2 . الكافرون:1و2.
2 . البقرة:23.
3 . الصف:10.

148
اشتماله على علم ما كان وما يكون وحكم كلِّ شيء.
أقول: الفرق بين هذا الدليل وما سبق واضح، فإنّ الأوّل يعترف بظهور القرآن ولكنّه يخصّ فهمه بمن خوطب به، والثاني يمنع انعقاد الظهور، لدى الناس العاديين، الجاهلين بتلك المعاني الغامضة.
والجواب عنه واضح، فإنّ اشتمال القرآن على تلك المضامين، لا يمنع من الاحتجاج بالظواهر المنعقدة في مورد الأحكام الشرعية، والقول بعدم انعقاد الظهور فيها تحكّم واضح، كيف، وقد استدلّ بالقرآن الكريم منذ عصر نزوله إلى يومنا هذا، بما ورد فيه من الأحكام.
ثمّ اشتمال القرآن على مضامين شامخة كما في الآيات الست في أوائل سورة الحديد التي نزلت للمتعمّقين في آخر الزمان لا يمنع من الاستدلال بالظواهر الواضحة، مثل قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا )(1).
على أنّ احتواءه على المضامين العالية ليس بمعنى كونها طلاسم لا يقف على مغزاها علماء الأُمّة وفقهاؤها، وإلاّ لصار الاحتواء أمراً لغواً.

3. الظواهر من المتشابهات

يقسّم القرآن الكريم الآيات إلى محكم ومتشابه يقول سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَ مَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الأَلْبَابِ)(2).

1 . النساء: 43. 2 . آل عمران: 7.

149
فالآيات المتشابهة ممنوعة الاتّباع، والظواهر إمّا من المتشابهات قطعاً، أو احتمالاً فلا يصحّ التمسّك بها.
يلاحظ عليه: أنّ المتشابه عبارة عمّا تشابه فيه مراد المتكلّم بغيره، وأين هذا من الظواهر الّتي ينتقل المخاطب من سماعها إلى المراد الواقعي من دون أن يشك، مثل قوله سبحانه: (وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)(1). فإنّ ظاهر الآية أنّ صاحبات الحمل لا يخرجن من العدّة إلاّ بعد وضع أولادهن، والآية وإن وردت في سورة الطلاق ولكن إطلاقها يعم المعتدّة بعدّة الوفاة، فلو مضى من موت الزوج أربعة أشهر وعشرة أيام والزوجة ذات حمل فلا تخرج من العدّة إلاّ إذا وضعت حملها، فليست الآية متشابهة غير واضحة المراد، وإنّما الكلام في وجود الإطلاق وعدمه، أي في سعة الآية وضيقها.(2)
وعلى ضوء ما ذكرنا فالظواهر من المحكمات كما أنّ النصوص منها أيضاً فيقابلها المتشابهات، أعني: الآيات غير الواضحة المتزلزلة دلالةً بحيث يقف الإنسان أمام الآية متحيّراً غير جازم بشيء في بدء الأمر، مثل قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(2)، أو قوله سبحانه: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ)(3)، إلاّ بعد التدبّر وإرجاعها إلى الآيات المحكمات.
نعم المتشابه متشابه مالم يرجع إلى المحكمات وما لم تُفسر بها، وإلاّ فتلحق بالمحكمات فالآيات القرآنية في بدء النظر تنقسم إلى محكم ومتشابه وبعد إمعان النظر في المتشابه وإرجاعه إلى المحكم تصبح واضحة الدلالة وتكون محكمة مآلاً.

1 . الطلاق: 4 . 2 . إرشاد العقول: 3 / 148.
2 . طه: 5.
3 . الذاريات: 47.

150

4. العلم الإجمالي بالتخصيص والتقييد

إنّا نعلم أنّ عمومات القرآن ومطلقاته خُصّصت وقيّدت بمخصّصات ومقيّدات، ومع العلم الإجمالي بطروء التصرّف في دلالتها كيف يمكن التمسّك بظواهرها؟
يلاحظ عليه: أنّ العلم الإجمالي بالمقيّدات والمخصّصات محدّد من بدء الأمر بأنّها على حدّ لو فحص عنها المستنبط لوقف عليها، وهذا يبعث المستنبط إلى البحث عنها في الكتب المعتبرة، وإذا بلغ في الفحصُ النهايةَ فللمستنبط حالتان:
الأُولى: أنّ ما حصله من المقيّدات والمخصّصات نفس ما كان معلوماً بالإجمال في بدء الأمر.
الثانية: احتمال وجود مقيد أو مخصّص لم يقف عليها فينحل العلم الإجمالي إلى أمر متيقّن وأمر مشكوك فتجري البراءة عنه.

5. الأخبار الناهية عن تفسير القرآن بالرأي

إنّ حمل الكلام الظاهر في معنى، على أنّ المتكلّم أراد هذا، تفسير له بالرأي.
وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «مَن فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار».(1)
يلاحظ عليه: أنّ الممنوع هو التفسير بالرأي بمعنى أن يقوم الإنسان بعملين مختلفين:
أ. عملية التفسير.

1 . عوالي اللآلي: 4 / 104 برقم 154; التفسير الصافي: 1 / 35.

151
ب. اعتماده في التفسير على رأيه.
أمّا الأوّل: فهو بمعنى كشف القناع، لأنّ التفسير مشتق من السفر بالاشتقاق الكبير يقال: أسفر الصبحُ إذا ظهر، وأسفرتْ المرأةُ عن وجهها إذا كشفتْ وجهها، وأين هذا من حمل الظاهر على ظاهره الّذي ليس فيه قناع ولا ستر، مثل قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ)(1).
وعلى فرض كونه تفسيراً، فالممنوع هو إدخال الرأي في تفسير الكتاب لا جعل الكتاب إمامه والاستضاءة بنوره، والمراد من الرأي ما اتّخذه المفسّر قبل تفسير الآية رأياً حاسماً، فأراد استقواء رأيه بالقرآن.
نظير هذا ما قام به أصحاب عامّة المقالات الكلامية من المجبّرة والأشاعرة والمعتزلة والجهمية، إلى غير ذلك من الطوائف الّتي يناهز عددها الـ 73 طائفة، فكلٌ يحتجون بالقرآن الكريم، وليس احتجاجهم إلاّ بإدخال الرأي في التفسير، وفي ذلك يقول القائل:
وكلّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقرّ لهم بذاكا
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار» ناظر إلى الظنون الّتي يتّخذها أرباب المقالات دليلاً واستناداً إلى عقيدتهم ويفسّرون القرآن على ضوئها، ويوضّحه قول أبي جعفر (عليه السلام): «مَن أفتى الناس برأيه فقد دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضادّ الله حيث أحلّ وحرم فيما لا يعلم»(2).

1 . البقرة: 184.
2 . الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12. ولاحظ الحديث 21، 28، 30، 33، 34، 35، 50.

152
وفي رواية أُخرى عن علي (عليه السلام)في كلام له: «إنّ المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه، ولكن آتاه عن ربه فأخذ به».(1)

6. دعوى العلم الإجمالي بوقوع التحريف في الكتاب

إنّ ادّعاء التحريف في الكتاب العزيز ممّا يندى له الجبين، وهذا آخر ما في كنانة الأخباري الّذي وجّهه إلى أصحابنا الأُصوليين، وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجوه غير لائقة بمقامه، وقال:
أ. التحريف لا يمنع من حجيّة ظواهره، لأنّ الإسقاط لا يلازم حدوث الخلل في آياته.
ب. لو سُلّم فلا نعلم حدوثه في آيات الأحكام الّتي هي مورد الابتلاء.
ج. دعوى العلم الإجمالي بوقوع الخلل، أمّا في آيات الأحكام أو غيرها، غير ضار بحجيّة آيات الأحكام لعدم منجّزية مثل ذلك العلم، لعدم إحداثه التكليف على كلّ تقدير، لأنّ الأثر الشرعي لا يترتّب على سائر الآيات الّتي لا تحمل حكماً شرعيّاً. والعلم الإجمالي بوقوع الخلل في الظواهر إنّما يمنع عن حجّيتها إذا كانت كلّها حجّة.(2)
كان المتوخّى من المحقّق الخراساني دراسة مسألة التحريف قرآنياً وحديثياً وتاريخياً دون أن يذكر هذه الأجوبة الّتي لا تسمن ولا تغني من جوع.
وأضعف هذه الوجوه هو الوجه الثالث حيث قال: إنّ الحجّية بمعنى التنجيز والتعذير من خصائص آيات الأحكام مع أنّ ماورد من الآيات حول

1 . الوسائل: 18 ، الباب6 من أبواب صفات القاضي، الحديث14.
2 . كفاية الأُصول: 2 / 63 ـ 64.

153
المعارف والأُصول حجّة أيضاً في مجال العقائد، فكيف خُصّ الحجّية بباب الأحكام.
وبما أنّ البحث عن صيانة القرآن عن التحريف بحث قرآني وتاريخي لا يمكن أداء حقّه في صحائف معدودة، ولذلك أفردناه بالبحث وطبع مع كتاب مصادر الفقه الإسلامي، مضافاً إلى ما حقّقه علماؤنا، كالشيخ الطبرسي في مقدّمة «مجمع البيان»، والمحقّق البلاغي في مقدّمة «آلاء الرحمن»، والسيد الطباطبائي في تفسير قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1)، والسيد الخوئي في كتابه «البيان في تفسير القرآن»، والمحقّق الشيخ محمد هادي معرفة; في كتابه «صيانة القرآن عن التحريف»، إلى غير ذلك من الكتب والرسائل المؤلّفة في هذا المضمار. ولنا بحث موجز في نفي التحريف في كتابنا: «المناهج التفسيرية» فلاحظ.

1 . الحجر: 9.

154

في الحجج الشرعية

   2

قول اللغوي

كان البحث السابق في حجّية الظواهر بعد ثبوت ظهورها، ولكن البحث في هذا الفصل راجع إلى إثبات أصل الظهور بقول اللغوي. فيقع الكلام في أنّ قوله في معنى «الصعيد»، «المعدن»، «المفازة» وغيرها حجّة أو لا ؟
وقبل دراسة حجّية قوله نذكر أمرين:

الأوّل: إنّ الشك في أصل الظهور يتصوّر على وجوه

1. إذا احتمل وجود قرينة مقالية سقطت من الكلام أو حالية خفيت علينا، أو أنّ المتكلّم استعمل اللفظ في المعنى المجازي ولم يذكر قرينة، فما هو المزيل للشك؟
ذهب القوم إلى أنّ المزيل هو الأُصول العقلائية، أعني:
أ. أصالة عدم القرينة.
ب. أصالة الحقيقة.
إلى غير ذلك من الأُصول الّتي تزيل الشك في المقام.
إنّ علاج الشك، بأصالة عدم القرينة، فيما إذا شك في سقوطها أو بأصالة الحقيقة إذا شكّ في استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي، فرع وجود الشك بين العقلاء والظاهر أنّه لا يدور في خلدهم مثل هذا الشك حتى يعالج بهما، وهذان الأصلان ممّا اخترعهما علماء الأُصول لرفع مثل هذه الشكوك، مع أنّه لا

155
موضوع بين العقلاء لهما.
2. احتمال قرينية الأمر الموجود كورود الأمر بعد الحظر فهل هو للوجوب أو لرفع الحظر؟ وكالجمل المتعقّبة بالاستثناء فهل يرجع إلى الجميع أو إلى الأخير، أو فيه تفصيل؟ فلو قلنا بأنّ المرجع أصالة الحقيقة أو عدم القرينة فيحمل على الوجوب ما لم يدلّ على خلافه دليل، كما يحمل الاستثناء على جميع الجمل، وأمّا على ما قلناه من حجّية الظهور عند العقلاء فيكون الكلام مجملاً، لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة.
3. الشك في ظهور هيئات الجمل كهيئة الجمل الاسميّة والفعلية، أو هيئة الجمل الشرطية أو الوصفية، فالمرجع فيها هو التبادر.
وقد أدخل علماء الأُصول هذا القسم في أُصول الفقه.
4. الشك في ظهور المفردات، فلو كان الشك في هيئتها كاسم الفاعل والمفعول وغيرهما، فالمرجع هو علم الصرف، وإن كان الشك في مادة المفردات فهنا مراجع: 1. التبادر. 2. صحّة الحمل. 3. الإطراد. 4. قول اللغوي.
وبما أنّا أشبعنا البحث في الثلاثة الأُول في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة نخصّ البحث بحجّية قول اللغوي.

الثاني: هل الحجّية من باب الشهادة أو الخبرويّة؟

وقبل أن ندرس حجّية قول اللغوي، ندرس وجه حجّيته ـ إذا ثبتت ـ وهو أنّ قول اللغوي هل هو حجّة من باب الشهادة أو من باب الخبروية؟ فلو قلنا بأنّ تشخيص المعاني الحقيقية من المجازية من الأُمور الحسّية الّتي لا تحتاج إلى إعمال النظر والفكر فتكون حجّيته من باب الشهادة، فيعتبر فيه كلّ ما يعتبر في الشهادة من التعدّد أوّلاً، والعدالة ثانياً وكون المشهود به من الأُمور الحسّية.

156
وأمّا لو قلنا بأنّ التمييز المذكور رهن إعمال النظر والرأي والاجتهاد فتكون حجّيّته من باب حجّية قول أهل الخبرة، فلا يعتبر فيه إلاّ الوثوق والتعدّد.
ذهب المحقّق الخوئي إلى القول الأوّل وقال: بأنّ تعيين معاني الألفاظ من قبيل الأُمور الحسّية الّتي لا دخل للنظر والرأي فيها، لأنّ اللغوي نقلها على ما وجده من الاستعمالات والمحاورات، وليس له إعمال النظر والرأي، فيكون داخلاً في باب الشهادة فتعتبر فيه العدالة والتعدّد على قول المشهور.(1)
يلاحظ عليه: أنّه قصَر نظره على المعاجم المؤلّفة في العصور المتأخّرة الّتي ترتزق من المعاجم الأُم فيذكرون موارد الاستعمال، ولو أنّه عطف النظر إلى كتاب العين للخليل والجمهرة لابن دريد والمقاييس لابن فارس والصحاح للجوهري وأساس اللغة للزمخشري ولسان العرب لابن منظور، لأذعن بأنّ عملهم كان مزيجاً من الحدس وإعمال النظر، ولذلك كانوا يستشهدون بالآيات والأحاديث وأشعار الشعراء والأمثلة السائرة بين العرب.
إنّ أحمد بن فارس ربّما يقول: لهذا اللفظ أصل واحد، ثم يُرجع موارد الأفعال الكثيرة إلى ذلك الأصل، ولا يمكن مثل ذلك إلاّ بالدقّة والإعمال.
وبالجملة: استخراج المعاني بفضل الآيات والروايات وأشعار الشعراء والأمثال السائرة بين العرب يحتاج إلى قريحة خاصّة ودقّة في الكلام، ويشهد على ذلك جواب الأصمعي في سؤال مَن سأله عن معنى الألمعي فأنشد قول القائل:
في الأدلّة على حجّية قول اللغوي
الألمعيّ الّذي يظنّ بك الـ... *** ظنَّ كأن قد رأى وقد سمعا

1 . مصباح الأُصول: 1 / 131.

157
وممّا يؤيد ذلك أنّ قسماً من اللغويين قد قضوا عمرهم في البادية للتعرّف على معاني اللغة عن كثب، وليس الوقوف على معاني الألفاظ الحقيقية، مثل رؤية الهلال الّتي يكفي فيه فتح العين والنظر إلى السماء، حتّى يكفي فيها مجرد السماع المجرّد عن التدقيق لكلام العرب الأقحاح.

ما هو الدليل على حجّية قول اللغوي؟

إنّما الكلام في إقامة الدليل على حجّية قوله، وقد استدلّ بوجوه ثلاثة، المهم منها هو الوجه الثاني:

1. الإجماع على الرجوع إليه

اتّفاق العلماء على الرجوع إلى قبول قول اللغوي في تفسير القرآن والحديث.
يلاحظ عليه: أنّه يحتمل أن يكون اتّفاقهم على الرجوع، لأجل الوجه الثاني.

2. سيرة العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة

سيرة العقلاء على الرجوع إلى قول اللغوي في مطلق ما يشكل عليهم في تفسير الخُطَب والآثار والأشعار والأمثلة.
وكان ابن عباس المرجع الكبير في تفسير لغات القرآن، وكان يقول:
الشعر ديوان العرب، فإذا خفى علينا الحرف من القرآن ـ الّذي أنزله بلغة العرب ـ رجعنا إلى ديوانه فالتمسنا معرفة ذلك منه ثم قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإنّ الشعر ديوان العرب. وكان يُسأل عن

158
القرآن فينشد فيه بالشعر، وقد سأله نافع بن الأزرق عن لغات القرآن ما يربو على مائة وسبعين سؤالاً، فأجابه مستشهداً بشعر العرب، وهو يعرب عن إحاطة ابن عباس بشعر العرب، ومعاني الألفاظ، وقد نقلها السيوطي في «الإتقان».(1)
في الأدلّة على حجّية قول اللغوي
وعلى هذا فلا وجه لما أفاده سيدنا الأُستاذ(قدس سره) بعدم حجّية السيرة على فرض ثبوتها لعدم وجودها في زمن المعصومين(عليهم السلام)، لأنّ الرجوع إلى كتب اللغويين أمر حادث بعدهم.(2)
أقول: كيف يمكن تصديق ذلك مع أنّ تاريخ الأدب العربي يكشف عن وجود السيرة؟ وقد عرفت وجودها في صدر الإسلام.
إلى هنا ظهر أنّ الدليل على الحجّية هو السيرة المستمرّة من العصر الأوّل إلى زماننا هذا. وسيوافيك إكمال ذلك الدليل.

3. انسداد باب العلم بتفاصيل المعاني

استدلّ الشيخ الأنصاري بوجه ثالث وحاصله: انسداد باب العلم بتفاصيل المعاني حتّى يعلم دخول المشكوك أو خروجه، وإن كان المعنى معلوماً في الجملة، وإليك نصّ الشيخ في المقام:
والإنصاف أنّ موارد الحاجة إلى قول اللغويين أكثر من أن تحصى في تفاصيل المعاني بحيث يفهم دخول الأفراد المشكوكة أوخروجها وإن كان المعنى في الجملة معلوماً من دون مراجعة اللغوي كما في مثل ألفاظ الوطن والمغارة والتمر والفاكهة، والكنز، والمعدن والغوص وغير ذلك من متعلّقات

1 . الإتقان: 1 / 382 ـ 416. 2 . تهذيب الأُصول: 2 / 97.

159
الأحكام ممّا لا تحصى، وإن لم يكن الكثرة بحيث يوجب التوقّف فيها محذوراً.(1)
وقد أورد عليه المحقّق الخراساني ما هذا حاصله: من أنّ الانسداد الصغير لا يثبت حجّيّة قول اللغوي، وذلك لأنّ باب العلم والعلمي للأحكام الشرعية ـ الّتي تهم المجتهد ـ إمّا مفتوح أو مسدود، فعلى الأوّل لا وجه لحجّية الظنّ الحاصل من قول اللغوي، وإن حصل منه الظن بالحكم الشرعي، لفرض انفتاح باب العلم بالأحكام، وعلى الثاني يكون الظن على الإطلاق حجّة إذا وقع في طريق الاستنباط، ومنه الظن الحاصل من قول اللغوي، وإن فرض انفتاح باب العلم باللغات بتفاصيلها فيما عدا المورد.
يلاحظ على الشقّ الأوّل: بأنّ فرض انفتاح باب العلم والعلمي في جميع الأحكام يلازم حجّية قول اللغوي في الموارد الّتي يتوقّف استنباط الأحكام على فهم التفاصيل، وإلاّ فيكون فرض الانفتاح في عامّة الأحكام فرضاً غير صحيح. لأنّ قسماً من الأحكام لا يعلم إلاّ من طريق قول اللغوي فكيف يكون باب العلم والعلمي مفتوحاً في عامّة الأحكام مع عدم حجيّة قول اللغوي الذي يتوقّف عليه استنباط بعض الأحكام.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ حجّية قول اللغوي لا تثبت بالإجماع، لأنّه مدركي، ولا بفرض الانسداد الصغير في معاني الألفاظ، لعدم تمامية الدليل في بعض الصور كما مرّ في كلام المحقّق الخراساني، وإنّما المهم هو السيرة الحاكمة على جميع الشعوب والأُمم حيث إنّ الرجوع في التعرف على معاني الألفاظ أمر رائج بينهم بما أنّهم أهل الخبرة.

1 . الفرائد: 177.

160
بقي هنا نكات نشير إليها:
الأُولى: أنّ الفقهاء من سلفهم إلى خلفهم يقتنون كتب اللغة ويتملّكونها لغاية رفع الحاجة إذا أُشكل عليهم معنى اللفظ، فتراهم يرجعون إلى كتب اللغة قديمها وحديثها، هذا من جانب ومن جانب آخر، يتظاهرون في المقام بعدم حجّية قول اللغوي في تفسير الألفاظ، وذلك لأنّ شأنهم تبيين موارد الاستعمال لا بيان الموضوع له، وهذا من العجب لتناقض فعلهم مع قولهم.
الثانية: أنّ ما اشتهر بأنّ شأن اللغوي بيان موارد الاستعمال، لا الموضوع له لو صحّ فإنّما يصحّ في المعاجم المتأخّرة.
وأمّا المعاجم الأصلية فليس هي على هذا النمط خصوصاً كتاب المقاييس لابن فارس، لأنّه يحاول بيان الموضوع له، ولذلك ترى أنّه يقول: إنّ لهذه الكلمة أصلين، يريد بذلك أنّ سائر المعاني ترجع إليهما، وربّما يقول: إنّ له أصلاً واحداً. ويريد إرجاع سائر المعاني إليه.
الثالثة: إنّ مطالعة معاجم اللغة والأُنس بها خصوصاً المؤلّفة بيد أساطين اللغة، كالخليل وابن دريد وغيرهما، يخلق في الإنسان ملكة راسخة ربّما يميّز بها المعنى الموضوع له عمّا استعمل فيه.
نعم تحصيل تلك الملكة رهن المواظبة على مطالعة كتب أهل اللغة ودراستها عدّة سنين، خصوصاً عند رفع مشكلات القرآن والحديث والأدب. فلو لم يكن قول اللغوي حجّة، لكن دراسة ومطالعة كتب اللغة تمنح المستنبط تلك الملكة، على نحو يطمئنّ بالمعنى المقصود من الكلام . وعلى هذا فالمعاجم اللغوية إذا ضمّ إليها، الأُنس بها ربّما تفيد الاطمئنان بمعنى اللفظ.
تمّ الكلام في حجّية قول اللغوي

161

في الحجج الشرعية

   3

الإجماع المحصل المنقول بخبر الواحد

الأصل السائد في تأليف الكتب الدراسية هو نضد المسائل نضداً هندسياً على نحو تكون المسألة الثانية متفرّعة على المسألة الأُولى، ويصير التصديق بالمتأخّرة رهن التصديق بالمتقدّمة، والإنسان يلمس ذلك في الكتب الرياضية بوضوح فإنّ مسائلها متسلسلة. بينها صلة وثيقة تُستنبط الثانية من الأُولى.
ومن المؤسف أنّ هذا الشرط قد أُهمل في الكتب الدراسية الأُصولية الحالية، كفرائد الشيخ الأنصاري، وكفاية المحقّق الخراساني (قدس الله سرهما)، فالمسائل غير مرتّبة ترتيباً منطقياً.
مثلاً: إنّ البحث عن حجّية الإجماع المحصّل المنقول بالخبر الواحد فرع البحث عن أمرين آخرين متقدّمين عليه، أعني:
1. حجّية الخبر الواحد.
2. حجّية الإجماع المحصّل.
فبعد ثبوتهما يمكن البحث عن حجّية الإجماع المحصل، المنقول بالخبر الواحد، ولكن الشيخ أخّر البحث عن حجّية الخبر الواحد، كما أنّه أخّر البحث عن حجّية الإجماع المحصّل عن البحث عن حجّية الإجماع المنقول، أو جعل البحث عنهما في عرض واحد.

162
أضف إلى ذلك: أنّ هنا مشكلة أُخرى وهي أنّ الأدلّة الشرعية عند فقهائنا تنحصر في أربعة والأُصولي يبحث عن عوارضها، ومقتضى ذلك أن يخصّ كلّ واحد منها، بفصل خاص فيطرح الكلّ، ويبحث عن عوارضه، ولكنّ القارئ لا يجد أي فصل خاصّ بالنسبة إلى الأدلّة الأربعة، وذلك لأنّ العلَمين أدغما البحث عن حجّية الكتاب في البحث عن حجّية الظواهر، كما أدغما البحث عن حجّية السنّة في البحث عن حجّية الخبر الواحد، وهكذا حجيّة العقل فقد أدرجا البحث عنها في مبحث القطع، وبحثا عن الإجماع المحصّل في ضمن البحث عن الإجماع المنقول. وهذا يُسبب فوضى في تنظيم المباحث.
ونحن لا يمكننا هدم النظام الموجود، ولكن يمكننا الإصلاح ونقدّم البحث عن الإجماع المحصّل، ثم نبحث عن الإجماع المنقول بخبر الواحد. وكلامنا يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في حجّية الإجماع المحصّل

ملاك حجّية الإجماع المحصَّل عند السنّة
إذا علمت ذلك فاعلم أنّه يقع الكلام في معنى الإجماع لغةً واصطلاحاً.
أمّا اللغة فالإجماع بمعنى العزم، ففي الحديث: «مَن لم يُجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له».(1)
وربّما يستفاد منه الاتّفاق، يقال: أجمع القوم على كذا، أي اتّفقوا على كذا.
وأمّا اصطلاحاً فقد عرف بتعاريف نذكر منها ما يلي:
عرّفه الغزالي بقوله: إنّه اتّفاق أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد وفاته في عصر من

1 . جامع الأُصول: 7 / 186.

163
العصور على حكم شرعي.(1)
وعلى هذا التعريف، لا يكفي اتّفاق أهل الحل والعقد ولا المجتهدين بل يجب اتّفاق جميع المسلمين، وهذا لا ينطبق إلاّ على الضروريات، ولذلك أعرض عنه أكثر أهل السنّة، فعرّفوه بالنحو التالي:
اتّفاق أهل الحلّ والعقد على حكم من الأحكام، أو اتّفاق المجتهدين من أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)في عصر على أمر، إلى غير ذلك من التعاريف.

ملاك حجّية الإجماع المحصَّل عند السنّة

إنّ الإجماع عند أهل السنّة من أدوات التشريع، وهو في عرض الكتاب والسنّة، وذلك فيما إذا لم يكن في الموضوع دليل منهما، وعندئذ إذا اتّفق المجتهدون على حكم الموضوع يصير المتّفق عليه حكماً شرعياً في عرض سائر الأحكام.
وبذلك يعلم أنّ مصب الإجماع هو منطقة الفراغ عندهم، وإلاّ فلو كان هناك دليل قاطع لا يكون للإجماع فيه دور نفياً وإثباتاً.
ثم إنّ إجماع المجتهدين يجب أن يستند إلى دليل ظنّي كالخبر الواحد أو القياس، فما دام لم يحصل الاتّفاق يُعدّ الحكم ظنّياً، فإذا حصل الاتّفاق يرتقي الحكم من مرتبة الظنّ إلى مرتبة القطع واليقين.
يقول الأُستاذ السوري وهبة الزحيلي: ونوع المستند في رأي الأكثر إمّا دليل قطعي من قرآن أو سنّة متواترة، فيكون الإجماع مؤيّداً ومعاضداً له; وإمّا دليل ظنّي وهو الخبر الواحد والقياس، فيرتقي الحكم حينئذ من مرتبة الظنّ إلى

1 . المستصفى: 1 / 110.

164
مرتبة القطع واليقين.(1)
ومعنى ذلك أنّه لابدّ أن يكون للإجماع من دليل ظنّي، فإذا اتّفق المجتهدون على الحكم ولو لأجل ذلك الدليل الظنّي يصبح الحكم قطعيّاً ـ وما ذاك ـ إلاّ لأجل دوران الحكم مدار الاتّفاق وعدمه.
ثم إنّ القوم استدلّوا على صحّة الإجماع بالآيات الثلاث:

الأُولى: آية الشقاق

في استدلال القوم على صحّة الإجماع بآية الشقاق
قال سبحانه: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سَاءَتْ مَصِيرًا)(2).
قوله:(نُوَلِّهِ) بمعنى: «نكله» و أُريد من الموصول «ما» الأوثان والأصنام التي تولاّها وأخذها وليّاً.
وجه الاستدلال: هو أنّ الله سبحانه يعدّ اتّباع غير سبيل المؤمنين نوعاً من مشاقّة الله ورسوله، وجعلَ جزاءهما واحداً وهو الوعيد، حيث قال: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ)، فإذا كانت مشاقّة الله ورسوله حراماً كان اتّباعُ غير سبيل المؤمنين حراماً مثله، ولو لم يكن حراماً لما اتّحدا في الجزاء، فإذا حرم اتّباع غير سبيلهم فاتّباع سبيلهم واجب، إذ لا واسطة بينهما، ويلزم من وجوب اتّباع سبيلهم كونُ الاجماع حجّة، لأنّ سبيل الشخص ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد.(3)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الاستدلال مبني على أنّ المراد من السبيل في كلا

1 . الوجيز في أُصول الفقه: 49.
2 . النساء: 115.
3 . أُصول الفقه الإسلامي: 1 / 540.

165
الجانبين هو القول أو الفعل أو الاعتقاد، ولكنّ المراد من سبيل غير المؤمنين هو محاربة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بما أُوتوا من حول وقوة فيكون سبيل المؤمنين هو نصرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وبذل الأموال والأنفس في سبيله، لا ما ذكره من اتّباع المؤمنين في القول والاعتقاد.
توضيح ذلك أنّ هنا طائفتين:
الأُولى: الكفّار والمنافقون، فهم في مقابل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)يقومون بعملين:
1. يعادونه ويعاندونه قلباً ولساناً.
2. سبيلهم في تحقيق مآربهم هو محاربته بالسيف والسنان وصدّ الناس عن الإيمان به، والسعي في تقويض الإسلام وتفريق المسلمين.
الطائفة الثانية: المؤمنون المخلصون فهم أيضاً يقومون بعملين في مقابل الأعداء:
1. يحبّونه حباً واقعياً أكثر من حبّهم لأولادهم.
2. سبيلهم في تحقيق الحب هو نصرته والجهاد في سبيله ببذل الأنفس والأموال في طريق دعوته.
وعلى هذا فلا صلة للآية بحجّية الإجماع، إذ ليس المراد من السبيل هو اعتقاد المؤمنين وأقوالهم في المسائل الفقهية والاعتقادية. بل المراد الأعمال الّتي يقومون بها إمّا انطلاقاً من حبّهم وهي نصرته ومؤازرته في مقابل محاربته وكسر شوكته، أو قتل أنصاره انطلاقاً من بغضهم وعدائهم له.
وإن شئت قلت: إنّ سبيل الكافرين عبارة عن معاندته ومحاربته، وسبيل المؤمنين على ضد سبيلهم فهم يحبّونه وينصرونه في سبيل أهدافه، والله سبحانه يذمّ الطائفة الأُولى ويمدح الطائفة الثانية، فأي صلة للآية بحجّية اتّفاق

166
المجتهدين في مسألة من المسائل.
ويلاحظ عليه ثانياً: سلّمنا أنّ المراد من سبيل المؤمنين هو قولهم واعتقادهم لكن حجّية ذلك السبيل في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لوجود المعصوم بينهم الّذي به يوزن الحق والباطل، فلا يمكن أن يتّفق المؤمنون على حكم دون أن يكون فيه رضا المعصوم. وأين هذا من حجّية قول المجتهدين دون أن يكون بينهم معصوم يوزن به الحق والباطل؟!
وعلى ما ذكرنا فالعبرة بقول المعصوم لا باتّفاق المجتهدين.
في استدلال القوم على صحّة الإجماع بآية الوسط

الثانية: آية الوسط

قال سبحانه: (وكذلك جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(1).
وجه الاستدلال: أنّ الوسط من كلّ شيء خياره، فيكون تعالى قد أخبر عن خيريّة هذه الأُمّة، فإذا أقدموا على شيء من المحظورات، لما وُصفوا بالخيرية، فيكون قولهم حجّة.(2)
قال الرازي: إنّ الله أخبر عن عدالة الأُمّة وخيريّتها، فلو أقدموا على محظور لما اتّصفوا بالخيرية. وإذا ثبت ذلك وجب كون قولهم حجّة.(3)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ظاهر الآية أنّ الأُمّة كلّهم شهداء، وأمّا المشهود

1 . البقرة: 143. اختلف المفسّرون في تفسير لفظة «وكذلك» وأنّ المراد منها ما هو؟ حيث إنّ لفظة «كذلك» للتشبيه تدلّ على تشبيه شيء بشيء، فوقع الكلام فيما هو المشبّه به؟ فلاحظ التفاسير.
2 . أُصول الفقه الإسلامي: 1 / 540.
3 . تفسير الرازي: 4 / 110.

167
عليهم فهم سائر الأُممّ السالفة وعلى ذلك فلا دليل على تفسيرها بالفقهاء والمجتهدين؟
سلّمنا ذلك لماذا لا يكون المراد من بعض الأُمّة أحد الثقلين الذين هم أعدال الكتاب في الحجّية والعصمة. فهم الذين وصفهم الإمام (عليه السلام)بقوله: «هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمادُ الْيَقِينِ. إلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي، وَبِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي، وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوِرَاثَةُ»(1).
وثانياً: لا يمكن أن يكون المراد كلّ الأُمّة مع أنّ بينهم من لا تقبل شهادته على صاع من تمر. قال الإمام الصادق (عليه السلام)في تفسير الآية: «فإن ظننت أنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر تطلب شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية».(2)
فإن قلت: إذا كان المراد من الأُمّة قسم منهم ـ أعني: أعدال الكتاب ـ فكيف ينسب الحكم إلى الجميع؟
قلنا: هذا النوع من النسبة أمر رائج: قال سبحانه: (وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَ آتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)(2)، حيث وصف بني إسرائيل عامّة بكونهم ملوكاً مع أنّ هذا الوصف لعدّة قليلة منهم كداود وسليمان.
وبذلك يعلم أنّ الشهادة بما أنّها شهادة على الظاهر والباطن فهي رهن وجود العين البرزخية في الإنسان حتّى يطّلع على مكامن الناس وبواطنهم، وهذا لا يكون إلاّ في القليل منهم.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 2. 2 . تفسير البرهان: 1 / 160.
2 . المائدة: 20.

168
في استدلال القوم على صحّة الإجماع بآية أُولي الأمر
وثالثاً: يحتمل أن يكون المراد من الوسط شيء آخر وهو أنّ الأُمّة الإسلامية أُمّة وسط بين اليهودية المفرطة في حقّ الأنبياء حيث كانوا يقتلونهم، والنصرانية حيث كانوا يغالون في حقّهم.
وأيضاً أنّهم أُمّة وسط بين اليهودية المنكبّة على الدنيا ونسيان الآخرة، والنصرانية الّتي تنتشر فيهم الرهبانية وترك اللّذات.

الثالثة: آية أُولي الأمر

قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)(1).
وجه الاستدلال: استدلّ الرازي بهذه الآية على حجّية قول أهل الحلّ والعقد، وقبل أن نذكر كلامه نستوضح مفاد الآية.
أقول: إنّ الآية تدلّ على عصمة أُولي الأمر بوجهين:
الأوّل: أنّه جعل إطاعة أُولي الأمر في عداد طاعة الله والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومقتضى وحدة السياق أن يكون أُولي الأمر كالسابقين في العصمة عن الخطأ.
الثاني: أنّه سبحانه أمر بإطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق دون أن يقيّدها بشرط أن لا يأمروا بالحرام، فيعلم من ذلك أنّهم لا يأمرون إلاّ بالحق دون الباطل.
إنّ الرازي بعد أن سلّم دلالة الآية على عصمة أُولي الأمر، قال: إنّ ذلك المعصوم إمّا مجموع الأُمة، أو بعضها. والثاني غير جائز، لأنّ إيجاب طاعتهم

1 . النساء: 59.

169
قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم، والاستفادة منهم، ونحن في زماننا عاجزون عن معرفة ذلك الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم.
وإذا كان الأمر كذلك علمنا أنّ المعصوم الّذي أمر الله المؤمنين بطاعته، ليس بعضاً من أبعاض هذه الأُمّة ولا طائفة من طوائفهم.
ثم إنّه بعد هذا الكلام قال: ولمّا بطل هذا وجب أن يكون هذا المعصوم هو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة، وذلك يوجب القطع بأنّ إجماع الأُمّة حجّة.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: بوجود التناقض بين صدر كلامه وذيله، حيث إنّه صرّح في كلامه بأنّ المراد بأُولي الأمر نفس الأُمّة لا طائفة منهم، ولكنّه قال في آخركلامه: «ولمّا بطل ذلك وجب أن يكون هذا المعصوم هو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة» فكيف جمع بين القول بأنّ المراد نفس الأُمّة لا طائفة خاصة، والقول بأنّ المراد من ذلك المعصوم هو أهل الحل والعقد، أو ليس هؤلاء طائفة خاصّة من الأُمّة؟!
وثانياً: أنّ الرازي منعه التعصّب عن البحث والتحقيق عن ذلك المعصوم بين الأُمّة، حيث قال: ونحن في زماننا عاجزون عن معرفة ذلك الإمام.
فنقول: إنّه لو تتبع الآثار النبوية عن كثب لوقف على مصداق الآية، أو ليس قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي» بياناً لمعرفة ذلك المعصوم.
وهكذا الروايات الواردة في الصحيحين حول الأئمة الاثنا عشر. وإليك ما ورد في الصحيحين من أوصافهم:

1 . مفاتيح الغيب: 10 / 144.

170
1. لا يزال الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة.
2. لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.
3. لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة.
4. لا يزال الدين ظاهراً على من ناواه حتّى يمضي من أُمّتي اثنا عشر خليفة.
5. لا يزال هذا الأمر صالحاً حتّى يكون اثنا عشر أميراً.
6. لا يزال الناس بخير إلى اثني عشر خليفة (1).
وثالثاً: كيف يفسّر الآية في بدء الأمر بعموم الأُمّة ثم يتنزّل إلى أنّ المراد هم أهل الحل والعقد، مع أنّ تفسير الآية بعموم الأُمّة يلزم وحدة المطيع والمطاع، ولأجل الفرار عن هذا الإشكال يتنزّل إلى تفسيرها بأهل الحل والعقد.
ورابعاً: أنّ تفسير «أُولي الأمر» بأهل الحلّ والعقد تفسير بما هو أشدّ غموضاً، فهل المراد منهم، العساكر والضبّاط، أو العلماء والمحدّثون، أو الحاكم والسياسيون، أو الكلّ؟ وهل اتّفق اجتماعهم على شيء ولم يخالفهم لفيف من المسلمين؟
بل يمكن أن يقال: إنّ الآية تعتمد على أُولي الأمر أي أصحاب الأمر والنهي، لا على أُولي العلم; فالعلماء بما هم علماء من مصاديق أُولي العلم لا من مصاديق أصحاب الأمر والنهي وبينهما بون بعيد، فلا مناص من تطبيق الآية على القادة الذين لهم أمر ونهي، وأين ذلك من المفتي والفقيه المتمحّض في

1 . راجع: صحيح البخاري: 9 / 81، باب الاستخلاف; صحيح مسلم: 6 / 3، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش; مسند أحمد: 5 / 86 ـ 108; مستدرك الحاكم: 3 / 618.

171
استنباط الأحكام؟! اللّهم إلاّ إذا كان قائداً آمراً وناهياً فيكون مطاعاً.
وممّا يدلّ على أنّ المراد من أُولي الأمر غير العلماء والفقهاء بما هم علماء قوله سبحانه: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(1).
فالصدر شاهد على أنّ مورد الرد إليهم ما يورث الأمن أو الخوف وغير ذلك. فعلى هذا فمورد الرد عبارة عن أُمور عسكرية سياسية يجب إخفاؤها، وليس ذلك إلاّ شأن الحكام أو الأُمراء لا العلماء بما هم علماء.
كلّ ذلك يوجب على الرازي أن يتعرّف على أصحاب الأمر والنهي الذين نصبهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)للخلافة والولاية بعده.
فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ الآية لا صلة لها بإجماع الفقهاء بما هم فقهاء.
***

حديث: لا تجتمع أُمّتي على ضلالة

روى أصحاب السنن عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إنّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة».
وقد رواه من أصحاب السنن:
1. ابن ماجة في سننه (2).
2. الترمذي (3).

1 . النساء: 83 .
2 . سنن ابن ماجة: 2 / 1303، الحديث 3950.
3 . سنن الترمذي: 3 / 315 برقم 2255.

172
3. أبو داود (1).
وقد اتّفقت السنن على لفظة «ضلالة» دون لفظ «خطأ».
أمّا سنن ابن ماجة ففي إسناده أبو خلف الأعمى واسمه حازم بن عطاء، وهو ضعيف، كذّبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث.(2)
وأمّا الترمذي ففي إسناده سليمان بن سفيان المدني، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ليس بثقة.(2)
وأمّا أبو داود ففي إسناده محمد بن عوف الطائي وصفه الذهبي بقوله: مجهول الحال.(3)
هذا ما عند أصحاب السنن، ورواه من أصحاب المسانيد أحمد بن حنبل وفي سنده ابن عيّاش الحميري، قال عنه الذهبي: مجهول.(4)
نعم رواه الحاكم في مستدركه بأسانيد ورد فيها المعتمر بن سليمان والسند وإن كان صحيحاً لكن قال خراش: إنّ معتمر يخطأ من حفظه وإذا حدّث من كتابه فهو ثقة، وقال ابن دحية: ليس بحجّة.(5)
وعلى هذا فهي رواية واحدة لا يحتجّ بها في علم الأُصول ولا في العقائد.
وأمّا عند الشيعة فقد رواها الصدوق بإسناده وفيه مجاهيل ولا بأس بنقل كلامه:

1 . سنن أبو داود: 2 / 302 برقم 4253. 2 . ميزان الاعتدال: 4 / 521.
2 . ميزان الاعتدال: 2 / 209.
3 . ميزان الاعتدال: 2 / 676.
4 . ميزان الاعتدال: 4 / 594.
5 . ميزان الاعتدال: 4 / 143.

173
يقول: أتى علي (عليه السلام)أبا بكر في وقت غفلة وطلب منه الخلوة، ثم نقل بعض ما دار بينهما من كلام ـ إلى أن قال ـ: فقال له علي (عليه السلام): «فما حملك عليه إذا لم ترغب فيه، ولا حرصت عليه، ولا وثقت بنفسك في القيام به، وبما يحتاج منك فيه؟».
فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله لا يجمع أُمّتي على ضلال» ولمّا رأيت اجتماعهم اتّبعت حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى وأعطيتهم قود الإجابة، ولو علمت أنّ أحداً يتخلّف لامتنعت.
فقال علي(عليه السلام): «أمّا ما ذكرت من حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله لا يجمع أُمّتي على ضلال» أفكنتُ من الأُمّة أو لم أكن؟» قال: بلى، قال: «وكذلك العصابة الممتنعة عليك من سلمان وعمّار وأبي ذر والمقداد وابن عبادة ومن معه في الأنصار؟» قال: كلّ من الأُمّة. فقال علي(عليه السلام): «فكيف تحتج بحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمثال هؤلاء قد تخلّفوا عنك، وليس للأُمّة فيهم طعن، ولا في صحبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ونصيحته منهم تقصير»(1).
والرواية على فرض الثبوت دليل على عدم تحقّق الإجماع في مسألة الخلافة لتخلّف علي والمتحصّنين في بيته عن الإجماع. وهم الذين كانوا في الذروة والسنام بين الصحابة.
ثم على فرض ثبوت الحديث فالأُمّة لا تجتمع على الضلالة في مقابل الهداية كالوثنية في مقابل التوحيد وإنكار المعاد بعد وروده في القرآن. وأمّا الخطأ في حكم من الأحكام فلا يُعدّ ضلالة بل يوصف بالخطأ، ومورد البحث

1 . الخصال: 2 / 548 ـ 549، أبواب الولاء، الحديث 30.

174
هو اجتماع العلماء على حكم فرعي لو كان مخالفاً للواقع لكان خطأ لا ضلالة.
إلى هنا تمّت أدلّة أهل السنّة على حجّية الإجماع، فلندرس أدلّة الشيعة على حجّيته، بعون الله تعالى.
***

مسلك الشيعة في حجّيّة الإجماع

قد تعرّفت على وجه حجّية الإجماع عند أهل السنّة بقي الكلام في وجه حجّيتها لدى الشيعة الإمامية، فالإجماع عندهم ليس من مصادرالتشريع بل هو كاشف عن قول المعصوم بأحد الوجهين التاليين:
1. استكشاف قوله بقاعدة اللطف، وهذا ما يُسمّى بالملازمة العقلية.
2. استكشاف قوله حدساً، وهذا ما يُسمّى بالملازمة العادية.
وهذان الوجهان هما المعروفان، وإليك تحليلهما:

الأوّل: استكشاف قول المعصوم بقاعدة اللطف

اشتهرت من عصر المرتضى (355 ـ 436 هـ) وتلميذه الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ)، حجّية الإجماع لأجل كشفه عن قول المعصوم بقاعدة اللطف.
يقول الباحث الكبير، الشيخ أسد الله التستري الّذي ألّف كتاباً مستقلاً في الإجماع وأسماه بـ «كشف القناع عن وجه حجّية الإجماع»:
يُستكشف عقلاً رأي الإمام (عليه السلام) من اتّفاق مَن عداه من العلماء على حكم، وعدم ردعهم عنه، نظراً إلى قاعدة اللطف التي لأجلها وجب على اللّه نصب الحجّة المتّصف بالعلم والعصمة، فإنّ من أعظم فوائده، حفظ الحقّ

175
وتمييزه من الباطل كي لا يَضِيعَ بخفائه ويرتفع عن أهله أو يشتبه بغيره، وتلقينهم طريقاً يتمكّن العلماء وغيرهم من الوصول به إليه ومنعهم وتثبيطهم عن الباطل أوّلاً، أو ردعهم عنه إذا أجمعوا عليه.(1)
وممّن ذهب إلى اعتبار الإجماع بقاعدة اللطف، الشيخ الكراجكي قال: كثيراً ما يقول المخالفون: إذا كنتم قد وجدتم السبيل إلى علم تحتاجونه من الفتاوى المحفوظة عن الأئمة المتقدّمين، فقد استغنيتم بذلك عن إمام الزمان.
فأجاب بلزوم الحاجة إلى وجوده، بأنّ الإمام يكون من وراء العلماء وشاهداً لأحوالهم، عالماً بأخبارهم، إن غلطوا هداهم، أو نسوا ذكّرهم.(2)
فلو أردنا استقصاء سائر الكلمات الّتي تؤيد القاعدة وتفسّر حجّية الإجماع من هذه الجهة، لطال بنا المقام فلنقتصر على هذا المقدار، وكفانا في ذلك ما جمعه المحقّق التستري في كتابه الّذي خصّه ببيان وجه حجّية الإجماع.
لكن تطبيق القاعدة على حجّيّة الإجماع رهن إيضاح مفادها وبيان دليلها، فلأجل ذلك نقدّم أُموراً:
1. اللطف مصدر، إمّا من باب نصر فهو بمعنى الدنو والإيصال، يقال: لَطَفَ الله بالعبد، أي رفق به وأوصل إليه ما يجب برفق. وإمّا من باب كَرُمَ فهو بمعنى الدقة، يقال: لطف: دَقّ.
والمقصود في المقام هو المعنى الأوّل.
2. ينقسم اللطف إلى محصِّل ومقرّب، فلو كان اللطف مؤدّياً إلى الطاعة

1 . كشف القناع: 114.
2 . كشف القناع: 145.

176
وموصلاً إليها فهو المحصّل، وإن لم يؤد إلى ذلك، يُسمّى مقرّباً ; لأنّ من شأنه تقريب العبد إلى الطاعة وإبعاده عن المعصية.
يقول الشيخ المفيد: اللطف ما يقرب المكلّف معه إلى الطاعة ويبعد عن المعصية.(1)
ويقول العلاّمة الحلّي: اللطف هو ما يكون المكلّف أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد من فعل المعصية (2).
وهذان التعريفان يرجعان إلى اللطف المقرّب، وأمّا المحصّل فيعرفه العلاّمة بقوله: وهو ما تحصل عنده الطاعة من المكلّف على سبيل الاختيار، ولولاه لم يطع مع تمكّنه في الحالين.(3)
3. إنّ اللطف فرع وجود التكليف، قال المحقّق الطوسي: واللطف واجب بعد وجود التكليف.(4)
وقال في متن التجريد: واللطف واجب لتحصيل الغرض به.(5) والمراد من الغرض هو المصالح المترتّبة على امتثال التكليف.
ثم إنّ التكليف إمّا أن يكون بالعقل، كما في باب المعرفة فإنّ معرفة الله ومعرفة رسله ومعرفة أفعاله واجبة عقلاً، فإرسال الأنبياء لطف في حكم العقل; أو أن يكون بالشرع كما هو الغالب.
4. إنّ مصب القاعدة هو العبد القادر المختار لما عرفت من أنّ اللطف

1 . النكت الاعتقادية: 35.
2 . كشف المراد: 107، طبع مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).
3 . كشف المراد: 106.
4 . تلخيص المحصل: 343.
5 . كشف المراد: 106.

177
فرع التكليف، وهو فرع كون العبد قادراً مختاراً فلا يكون للّطف تأثير في تمكين العبد وقدرته. ولذلك يضيف العلاّمة في تعريف اللطف: ولم يكن له حظ في التمكين ولم يبلغ حدّ الإلجاء.(1)
5. إنّ القول بوجوب اللطف على الله، وإنّه يجب أن يفعل كذا، ولا يفعل كذا، لا يراد به فرض العبد شيئاً على الله سبحانه، إذ هو من أفحش الأغلاط وأنّى للعبد ذلك.
بل يراد به استكشاف تعلّق إرادته سبحانه بشيء من دراسة صفاته، مثلاً إنّ مقتضى كونه عادلاً أن لا يعذّب البريء، وأن لا يسوّي بين المسلم والمجرم، وهكذا فالتعبير بالوجوب كناية عن إرادته القطعية المستكشفة من خلال صفاته. لكونه حكيماً لا يُخلّ بغرضه.
6. ربّما تنسب قاعدة اللطف إلى السيد المرتضى (355 ـ 436 هـ) ثم إلى تلميذه شيخ الطائفة الطوسي (385 ـ 460 هـ) والنسبة صحيحة لكن للقاعدة جذوراً في كلمات المتقدّمين عليهما، هذا هو الفضل بن شاذان (المتوفّى 260 هـ) قد ألّف كتاباً باسم اللطيف، ذكره النجاشي في ترجمته.(2) ولعلّ المراد قاعدة اللطف وأنّ اللطيف مصحف «اللطف». ويحتمل أن يراد «القول اللطيف».(3)
أضف إلى ذلك: أنّ قاعدة اللطف معروفة بين المعتزلة فهم معترفون بها، والأشاعرة منكرون لها.

1 . كشف المراد: 107.
2 . رجال النجاشي: ترجمة الفضل بن شاذان رقم 838.
3 . لاحظ: أوائل المقالات:111، قد أورد فيه مسائل فلسفية.

178
إلى هنا تمّ ما أردنا ذكره من أُمور تمهيدية لفهم معنى القاعدة، وإليك دليلها.
دليل قاعدة اللطف

دليل قاعدة اللطف على وجه الإطلاق

استدلّ المحقّق الطوسي عليها بقوله: واللطف واجب ليحصل الغرض به.(1)
وتوضيح هذا الدليل نجده في كلام المحقّق ميثم البحراني المتأخّر عن الطوسي إذ قال: بيان الملازمة أنّه تعالى أراد من المكلّف الطاعة، فإذا علم أنّه لا يختار الطاعة أو لا يكون أقرب إليها إلاّ عند فعل يفعله به، وجب في الحكمة أن يفعله ولو أخلّ به لكشف ذلك عن عدم إرادة له.(2)
وقد مثّل له السيد المرتضى بقوله: إنّ أحدنا لو دعا غيره إلى طعام وفرضت أنّه يعلم أنّه متى أنفذ إليه ابنه حضر ولم يتأخّر، وجب عليه متى استمر على إرادته منه لحضوره.(3)
على هذا يكون اللطف من فروع الحكمة حيث إنّ مقتضى الحكمة فعل ما يلازم غرضه وترك ما يفوته.
إذا عرفت ما ذكرنا يجب الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: تقييم قاعدة اللطف في غير مورد الإجماع

لا شكّ في أنّه تعلّقت إرادة الباري بهداية الناس إلى ما فيه سعادتهم في

1 . كشف المراد: 106.
2 . قواعد المرام: 117.
3 . الذخيرة: 190.

179
الدارين، ولو افترضنا أنّ المراد موقوف على عناية خاصّة بالعباد على نحو لولا تلك العناية لما تحقّق المراد إلاّ بصورة جزئية، فلازم كونه سبحانه حكيماً، إيجاد تلك العناية، وإليك بعض الأمثلة.
أ. إنّ غالب المكلّفين لا يقومون بالتكاليف بمجرّد سماعها من الرسل ـ وإن كانوا قادرين عليها ـ إلاّ إذا كانت مقرونة بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب، فعندئذ يجب على المكلِّف القيام بذلك صوناً للتكليف عن اللغوية، ولو أهملها ترتّب عليه بطلان غرضه من التكليف، وبالتالي بطلان غرضه من الخلقة.
ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه:(وَ بَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَ السَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(1) والمراد بالحسنات نعماء الدنيا وبالسيئات ضرّاؤها، والهدف من وراء ذلك رجوعهم إلى الحقّ والطاعة.
ب. لا شكّ أنّ المعجزة توجب اجتماع الناس حول صاحبها والإيمان به، حيث يتلقّونها دليلاً على صلة صاحبها بعالم الغيب، ولذلك أرسل سبحانه أنبياءه ورسله بالبيّنات والمعاجز، فهل يجوز تمكين مدّعي النبوة على وجه الكذب من المعجزة؟ كلا ولا، وذلك لأنّ تمكينه منها يوجب ضلالة الناس، ومقتضى اللطف بالعباد عدم تمكين الكاذب من المعجزة.
ولذلك يحتجّ سبحانه على صدق النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) بأنّه مزوّد بالمعجزة ولو كان كاذباً لما بقي حيّاً، قال تعالى:(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)(2).

1 . الأعراف:168.
2 . الحاقة:44ـ 46.

180
ج. لا شكّ أنّ العقل يحكم بمعرفة المنعم وشكره غير أنّه لا يعرف كيف يتحقّق الشكر، وهذا هو ا لداعي لوجوب بعث الأنبياء والرسل لتعليم الناس التكاليف الدينية التي بها يتحقّق الشكر.
إلى غير ذلك من الموارد التي يستدلّ بها على أُمور يجب على الله سبحانه لتحقّق ما هو الهدف الأقصى من الخلقة وكأنَّ قاعدة اللطف من شعب كونه حكيماً. وقد عرفت تمامية القاعدة في الموارد المذكورة وأشباهها.

المقام الثاني:تقييم قاعدة اللطف في مورد الإجماع

وهذا هو الذي جرت حوله مناقشات كثيرة، فذهب جماعة إلى أنّ اتّفاق العلماء في عصر واحد على حكم من الأحكام دليل على صحّته لما مرّ عن المحقّق التستري وغيره من أنّ من أعظم فوائد الإمام حفظ الحق وتمييزه عن الباطل، فلو اجتمعوا على الباطل كان عليه ردعه، ولكن السيد المرتضى ومن تبعه أبطلوا التمسّك بالقاعدة في المقام (نعم لم يبطلوا القاعدة على وجه الإطلاق لما مرّ)، قال السيّد: إنّه يجوز أن يكون الحق فيما عند الإمام والأقوال الأُخر تكون كلّها باطلة، ولا يجب عليه الظهور، لأنّه إذا كنّا نحن السبب في استتاره فكلّ ما يفوتنا من الانتفاع به وبتصرّفه وما معه من الأحكام، نكون قد أتينا من قبل نفوسنا فيه، ولو أزلنا سبب الاستتار لظهر وانتفعنا به وأدّى إلينا الحق الّذي عنده.
وقال الشيخ: وهذا عندي غير صحيح، لأنّه يؤدّي إلى أن لا يصحّ الاحتجاح بإجماع الطائفة أصلاً، لأنّا لا نعلم دخول الإمام فيهم إلاّ بالاعتبار الّذي بيّناه، فمتى جوّزنا انفراده بالقول ولا يجب ظهوره، منع ذلك من الاحتجاج بالإجماع.

181
وقال المرتضى في رسالة الطرابلسيات: والّذي يقوى الآن في نفسي أنّه غير ممتنع أن يكون عند إمام الزمان ـ غائباً كان أو حاضراً ـ من الحق في بعض الأحكام الشرعية ماليس عندنا.(1)
وحصيلة الكلام: أنّ هنا أُموراً نلفت نظر القارئ إليها:
1. نفس وجود الإمام لطف، لأنّه العلّة الغائيّة للكون، فالعالم خُلق للإنسان الكامل، والإمام من أظهر مصاديقه.
2. تصرّفه في حقّ الرعية لطف آخر، لأنّه بتصرّفه يحفظ الشرائع ويصونها عن الزيادة والنقصان.
3. إذا كان حرمان الأُمّة من اللطف الثاني مستنداً إليهم لا إلى الله ولا إلى الإمام، فلا يجب على الله سبحانه رفع الحرمان، لأنّهم إذا لم يقوموا بوظيفتهم وأرادت الأكثرية اغتياله، فلا محيص من اختفائه وبالتالي حرمان الناس من ألطافه، فيكون الحرمان مستنداً إلى شقائهم لا إلى الله ولا إلى الإمام.
يقول المحقّق الطوسي في شأن صاحب العصر والزمان (عج): وجوده لطف، وتصرّفه لطف آخر، وعدمه ـ عدم التصرف ـ منّا.(2)
أضف إلى ذلك الأمرين التاليين:
أوّلاً: أنّ المتمسّكين بقاعدة اللطف يرون كفاية إظهار الخلاف ولو بلسان واحد من علماء العصر، إذ لسائل أن يسأل ويقول: أيّة فائدة تترتّب على هداية واحد من أفراد الأُمّة وترك الجميع في التيه والضلالة، ولو وجب اللطف

1 . رسائل المرتضى: 1 / 311، رسالة المسائل الطرابلسيات الثالثة.
2 . كشف المراد: 182، المقصد الخامس في الإمامة المسألة الأُولى، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

182
لكان عليه هداية الجميع أو الأكثرين، لا الفرد الشاذ النادر.
نعم لا يتلقّى الجيل الآتي ذلك الاتّفاق إجماعاً لوجود المخالف، وهذا ليس إلاّ لطفاً نسبياً، لا مطلقاً؟
وثانياً: أنّ حال الغيبة لا يفترق عن حال الحضور، فكما يجوز كتمان بعض الحقائق لخوف أو تقية أو غير ذلك من المصالح في عصر الظهور، فهكذا يجوز حال الغيبة خصوصاً في المسائل الّتي لا تمسّ الحاجة إليها إلاّ نادراً.
وقد صرّح المرتضى في كتابه «الشافي» وقال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)كان منذ قبض الله نبيه في حال تقية ومداراة،... وأنّه لما أُفضي إليه الأمر لم تفارقه التقية.(1)
الإجماع الحدسي أو الملازمة العادية
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ اللطف قاعدة محكمة لها فوائد وآثار في الكلام الإسلامي يقف عليها من قرأ القاعدة وآثارها في «كشف المراد» للعلاّمة الحلي. وإن كان تطبيقها على حجّية الإجماع غير ناجع.
ثمّ إنّ عدم تمامية قاعدة اللطف في إثبات حجّية الإجماع، لا يلزم عدم ترتّب فائدة على وجوده ـ صلوات الله عليه ـ إذ ليست الغيبة ملازمة لعزله عن الفعل والإصلاح، فإنّ للإمام (عليه السلام)حال غيبته فوائد ترجع إلى المجتمع وإن لم يعرفه، وإذا أردت استيضاح ذلك فانظر إلى مصاحب موسى (عليه السلام)الّذي كان ولياً من أولياء الله سبحانه في زمانه، وكان يخدم المجتمع دون أن يعرفه أحدٌ حتّى النبي موسى (عليه السلام)، فلمّا عرفه موسى قال له: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)(2)، فردّ طلبه ذلك الولي قائلاً: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)(3)،

1 . الشافي في الإمامة: 3 / 269 بتصرّف.         2 . الكهف: 66. 3 . الكهف: 67.

183
فلمّا أصرّ موسى (عليه السلام)على اتّباعه أذن له بشرط أن لا يسأله عن شيء حتّى يحدث له ذكرا.
ثم إنّ القرآن الكريم يذكر أعماله الثلاثة من خرق السفينة وقتل النفس الزكية وإقامة الجدار، وقد شرح لموسى (عليه السلام)وجه هذه الأُمور الغريبة الّتي لم يستطع موسى الصبر عليها دون اعتراض، وأمّا الآثار الّتي ترتّبت على أعماله فقد تكفّل ببيانها الذكر الحكيم.
وهذا أحد أولياء الله المستورين عن العباد غير المعروفين، ومع ذلك يقوم بأعمال عظيمة فيها منفعة للمجتمع في الدنيا والآخرة.
والحجّة المهدي (عليه السلام)أحد أوليائه سبحانه الّذي يعيش بين الناس وظهرانيهم وهو يعرف الناس دون أن يعرفوه، ولكنّه يقوم بأُمور مثلما يقوم بها مصاحب موسى.
إلى هنا تمّ الوجه الأوّل أي كشف الإجماع عن قول المعصوم (عليه السلام)عن طريق الملازمة العقلية، بقي الكلام في الوجه الثاني.
***

الوجه الثاني: الإجماع الحدسي أو الملازمة العادية

والمراد بالإجماع الحدسي أو الملازمة العادية; الانتقال من اتّفاق المجمعين إلى قول المعصوم، وادّعاء الملازمة بين قول المجمعين وحكم الإمام وتقرير ذلك بوجوه:

184

الأوّل: تراكم الظنون يفيد القطع

إنّ فتوى كلّ فقيه ـ وإن كان يفيد الظن ولو بأدنى مرتبته ـ إلاّ أنّه يتقوّى بفتوى فقيه ثان، فثالث، إلى أن يحصل للإنسان من إفتاء جماعة القطعُ بالصحّة، إذ من البعيد أن يتطرّق البطلان إلى فتوى جماعة كثيرين.
وأورد عليه السيد المرتضى بما حاصله: نحن إذا جوّزنا الخطأ على كلّ واحد فقد جوّزنا الخطأ على مجموعهم.
يلاحظ عليه: أنّ حكم المجموع غير حكم الآحاد، وهو أمر واضح، فرجل واحد لا يستطيع أن يرفع الجسم الثقيل، بخلاف المجموع من الرجال.
وقرر المحقّق الاشتياني الإشكال بوجه آخر وقال: إنّ خطأ الانظار في المسائل العلمية النظرية وإن توافقت وتراكمت، لا تحيله عادة، غاية ما هناك حصول الظن أو القوي منه.(1)
توضيحه: وجود الفرق بين الخبر المتواتر والإجماع المحصَّل، فإنّ كلّ مخبر في الأوّل يخبر عن حس، والاشتباه في الحس قليلٌ، واحتمال تعمّد الكذب مردود لأنّ المفروض امتناع توطئتهم على الكذب عادة، وهذا بخلاف المقام فإنّ كلّ واحد من أصحاب الفتوى يخبر عن حدس حيث يستنبط الحكم من الكتاب، والسنّة، والروايات، والقواعد، والاشتباه في المسائل غير الحسّية ليس بقليل.
اتّفاق العلماء يكشف عن وجود دليل معتبر
وهناك فرق آخر بين إفتاء المجمعين وإخبار المخبرين، فإنّ إخبار كلّ مخبر عن رؤية الهلال إخبارٌ بالقطع، غير أنّ قطعه يتنزّل عندنا مكان الظن، وهكذا سائر المخبرين تتنزّل إخباراتهم القطعية مكان الظنون، ومن المعلوم أنّ تراكم الظنون ينتهي إلى القطع بخلاف الإفتاء، فإنّ كلّ فقيه لا يصدر عن القطع،

1 . بحر الفوائد: 126.

185
بل الغالب يصدر عن الدليل الظنّي. ومن المعلوم أنّ اجتماع الظنون لا يفيد إلاّ الظن بالحكم. فتأمّل.(1)

الثاني: كشفه عن الدليل المعتبر

إنّ اتّفاق العلماء يكشف عن وجود دليل معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا، وهذا هو الّذي اعتمد عليه صاحب الفصول وقال: يستكشف قول المعصوم أو دليل معتبر، باتّفاق علمائنا الذين كان ديدنهم الانقطاع إلى الأئمة في الأحكام، وطريقتهم التحرّز عن القول بالرأي والاستحسان.
واعتمد عليه المحقّق النائيني وعدّه من أحسن الوجوه.
وهذا الوجه هو المعتمد، خصوصاً إذا وقفنا على أحوال الفقهاء في العصور الماضية حيث إنّهم صرفوا أعمارهم في حلّ مشكلات الفقه وكشف معضلاته والتزموا بالإفتاء بالسماع عن المعصومين. وبالجملة: ملاحظة احتياطهم في الإفتاء وعدم العمل إلاّ بالنصوص دون المقاييس، تورث القطع بوجود حجّة في البين وصلت إليهم ولم تصل إلينا.
لا أقول: إنّ الإجماع يكشف عن مطابقة رأيهم لنفس الواقع ونظر المعصوم(عليه السلام)، بل أنّ إجماعهم مع تورّعهم في الفتيا، يكشف عن وجود حجّة معتبرة في البين، فإجماعهم كاشف عن الحجّة على الحكم الواقعي لا عنه نفسه.
ومن هنا يعلم ضعف ما أفاده المحقّق الخوئي في رد هذا الوجه قائلاً بأنّه

1 . وجه التأمّل أنّ اجتماع الظنون ربّما يرتقي إلى درجة القطع بالحكم، لأنّ كلّ ظنّ يعضد الظن الآخر، فإذا كثر التعاضد ربّما يحصل القطع، فهذا الوجه لا يخلو من إشكال. والمهمّ هو الوجه الأوّل.

186
يحتمل أن يعتمدوا على قاعدة باطلة أو أصل مردود.
يلاحظ عليه: بأنّ كتب القدماء على قسمين:
اتّفاق العلماء يكشف عن شهرة الحكم عند أصحاب الأئمة

1. الفقه المنصوص:

وهو ما يعتمد على النص ويفتى بلفظه بحذف سنده، وكان يصفه السيد البروجردي بالأُصول المتلقاة عن الأئمة(عليهم السلام)، وهذا كالكتب التالية:
1. كتاب النوادر: لأحمد بن محمد بن عيسى الّذي كان حيّاً عام 272 هـ .
2. الفقه الرضوي: وهو عبارة عن رسالة علي بن بابويه (المتوفّى 329 هـ) إلى ابنه الصدوق (المتوفّى 381 هـ) ويحتمل أن يكون هو كتاب التكليف للشلمغاني.
3. كتابا المقنع والهداية: للصدوق (المتوفّى 381 هـ).
4. المقنعة: للشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ).
5. النهاية: للشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ)، ونظراء هذه الكتب كثير.

2. الفقه المستنبط:

وهو ما يستخرج من مجموع الروايات والنصوص المعتبرة وصياغتها بألفاظ تعبّر عن رأي الفقيه من دون تقيّد بألفاظ النصوص والروايات. نظير:
1. الإيضاح: للفضل بن شاذان (المتوفّى 260 هـ).
2. التهذيب: لابن الجنيد (المتوفّى 385 هـ).
3. الانتصار والناصريات: للسيد المرتضى (المتوفّى 436 هـ).
4. المبسوط: لشيخ الطائفة الطوسي (المتوفّى 460 هـ).

187
فعلى ما ذكرنا فلو اتّفق القدماء على حكم من الأحكام في القسم الأوّل من الكتب يكشف عن وجود خبر معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا، دون ما إذا وجد في القسم الثاني.
نعم أورد سيدنا الأُستاذ بقوله: إنّه من البعيد أن يقف الكليني والصدوق والمفيد والشيخ ومن بعدهما على رواية متقنة دالّة على المقصود وأفتوا بمضمونها، ومع ذلك لا يذكرونها في جوامعهم.(1)

الثالث: كشفه عن شهرة الحكم عند أصحاب الأئمة:

إنّ أصحاب كلّ إمام أعرف بآراء وأفكار إمامهم من غيرهم، فمحمد بن الحسن الشيباني أعرف بآراء إمامه أبي حنيفة من غيره، كما أنّ المُزَني أعرف بآراء إمامه الشافعي من غيره، فهكذا الخلاّل أعرف بآراء إمامه أحمد بن حنبل من غيره، وعلى ضوء ذلك فأصحاب الإمامين الصادقين أو الكاظمين أعرف بأنظار الأئمة من غيرهم، حيث كانوا يعرفون فتاواهم الحقيقية عن الفتاوى الصادرة عنهم تقيةً على حد ربّما يستفتي الرجل الإمامَ فيفتيه بشيء، فلمّا يرجع إلى أصحاب الإمام (عليه السلام)ترى أنّهم يقولون: إنّ الحكم الواقعي لدى الإمام على خلاف ما سمع، فيترك المسموع ويعمل برأي الأصحاب، وما هذا إلاّ لأنّ أصحاب كلّ إمام يُعدّون بطانةً لعلوم أئمتهم وأفكارهم وأقضيتهم، وإن كنت في شك من ذلك فنتلو عليك نموذجَ من هذا الباب.
روى عبدالله بن محرز بياع القلانص قال: أوصى إليّ رجل ترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم وترك ابنة وقال: لي عصبة بالشام، فسألت أبا

1 . تهذيب الأُصول: 2 / 100.

188
عبدالله (عليه السلام)عن ذلك فقال: «أعط الابنة النصف والعصبة النصف الآخر»، فلمّا قدمتُ الكوفة أخبرتُ أصحابنا فقالوا: اتّقاك، فأعطيتُ الابنة النصف الآخر، ثم حججتُ فلقيت أبا عبدالله (عليه السلام)فأخبرته بما قال أصحابنا وأخبرته أنّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة فقال: «أحسنت إنّما أفتيتك مخافة العصبة عليك». ورواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن محمد بن سماعة، مثله.(1)
في حجية الإجماع المنقول
وعلى هذا فالشهرة الفتوائية عند أصحاب الأئمة(عليهم السلام)لها قيمة خاصّة، ربّما تقدّم على النصّ الصادر عن الإمام (عليه السلام).
كما أنّ الشهرة الفتوائية لقدماء الأصحاب في عصر الغيبة تكشف عن كون الحكم مشهوراً بين أصحاب الأئمة(عليهم السلام); لأنّ الفقه الشيعي لم ينقطع في عصر من الأعصار بل استمر من عصر الصادقين بل قبلهما إلى يومنا هذا، فإذا اتّفق قدماء الأصحاب على حكم فيكشف أنّ الحكم وصل إليهم يداً بيد، ومن المعلوم أنّ بطانة الأئمة(عليهم السلام)أعرف بأقوالهم من غيرهم.
وكان السيد المحقّق البروجردي يقول: إنّ في الفقه الشيعي مسائل كثيرة ليس لها دليل في الكتاب والسنّة ولكن الأصحاب تلقّوها بالقبول، وهذا يكشف عن ثبوت الحكم عند أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
إلى هنا تمّ الكلام في حجّية الإجماع المحصّل وحان البحث في المقام الثاني.
***

1 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 4. ولاحظ الحديث 7 من هذا الباب.

189

المقام الثاني: في حجّية الإجماع المنقول

إذا نقل الثقةُ الإجماعَ المحصَّل فهل هو حجّةٌ على المنقول إليه أو لا؟ بعد فرض كونه حجّةً على الناقل فيقع الكلام تارة في مقام الثبوت أي مقدار دلالة لفظ الناقل بالنسبة على السبب والمسبب، وأُخرى في مقام الإثبات أي حجّية نقله، وإليك الكلام فيهما.

الأوّل: في بيان مقدار الدلالة

إنّ تعبيرالناقل يختلف فتارة يدلّ على نقل السبب وحده، وأُخرى يدلّ على نقل المسبب وحده، وثالثة يدلّ على كليهما، ثمّ إنّ ناقل السبب والمسبّب تارة ينقلهما عن حسّ وأُخرى عن حدس، وإليك صوره:
1. أن ينقل السبب والمسبّب كليهما عن حسّ كما إذا قال: أفتى كلُّ من يؤخذ منه الفتيا في المدينة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)وكان حاضراً في المدينة، ومن المعلوم أنّ القضية تشتمل على فتوى الإمام (عليه السلام)وذلك لأنّه في الرعيل الأوّل ممّن يؤخذ منه الفتيا، فإذا أفتى الجميع فقد أفتى الإمام وهذا ما يُسمّى بالإجماع الدخولي.
ولا يتوهّم أنّ معرفة الإمام بعينه مع فتواه تغنينا عن التمسّك بالإجماع. وذلك لأنّه إنّما يلزم ذلك إذا عُرِف الإمام بشخصه وسُمع كلامه، وأمّا إذا علم بإفتاء كلّ عالم بالمدينة ولم يعرف الإمام بشخصه، فالإجماع طريق إلى كشف رأي الإمام.
2. أن ينقل السبب عن حسّ والمسبب عن حدس، كما إذا قال في زمان الغيبة: أجمع جميع الأُمّة من المعصوم وغيره على كذا، ونحن نعلم بأنّه لم ينقل

190
المسبب (قول المعصوم) عن حسّ وإنّما نقله عن حدس بالملازمة العادية بأحد الطرق الثلاثة.
3. أن ينقل السبب فقط عن حسّ ساكتاً عن نقل المسبب، كما إذا قال: أجمع أصحابنا على كذا، ولكن كان الناقل فقيهاً متتبّعاً مطّلعاً على آراء الأصحاب على نحو يُلازم قول الإمام (عليه السلام)بالملازمة العادية بأحد الطرق الثلاثة.
4. إذا نقل السبب عن حسّ ولكن الناقل كان ضعيفاً في التتبع ولا يكون مثل قوله ملازماً لقول الإمام (عليه السلام)لضآلة تتبّعه وقلّة إطّلاعه.
5. إذا كان نقل كلّ من السبب المسبب حدسيّاً، كما إذا استكشف رأي الأصحاب من اتّفاقهم على القاعدة.
وهذه هي الصور المتصوّرة في الثبوت، وأمّا الإثبات فسيأتي تالياً.

الثاني: في بيان ما هو الحجّة من هذه الأقسام الخمسة

وقبل الشروع في بيان حكم الأقسام نذكر أمراً تمهيديّاً، وهو: ليس لحجّية الخبر الواحد دليل سوى بناء العقلاء على اعتبار قول الثقة، والقدر المتيقّن منه هو أن يكون المخبرُ عنه أمراً حسّياً أو قريباً من الحسّ.
أمّا الأوّل: فكما إذا أخبر عن الهلال، وأمّا الثاني فكما إذا أخبر عن الشجاعة والعدالة فالمخبرُ به وإن لم يكن حسّياً، إذ لا يشاهد الإنسان ملكة الشجاعة والعدالة ولكن آثارهما القريبة أُمور حسّية، كمشاهدة قتاله مع الأبطال في ساحة القتال أو توّرعه في الحياة عن المكروه فضلاً عن الحرام، وأمّا إذا كان المخبر به أمراً حدسياً لا يطّلع عليه المخبر عن طريق الحسّ ولم تكن آثاره قريبة منه فقول الثقة فيه ليس بحجّة، ومن المعلوم أنّ استنباط قول الإمام (عليه السلام)من اتّفاق الأصحاب أمر حدسي بحت تختلف فيه الأنظار.

191
إذا عرفت هذه المقدّمة التمهيدية فلنرجع إلى بيان أحكام الصور الخمس.
أمّا الصورة الأُولى: فهي أفضل الصور ولكنّها تختص بعصر الحضور.
وأمّا الصورة الثانية: فبما أنّه نقل السبب عن حسّ والمسبّب عن حدس، فيكون الإجماع حجّة على الناقل لاعلى المنقول إليه، لما قلنا من أنّ دليل حجّية قول الثقة يختصّ بما إذا نقل قول المعصوم عن حدس لا عن حسّ.
وأمّا الصورة الثالثة: أعني: نقل السبب عن حسّ وسكت عن المسبب ولكن السبب على حدّ يتلازم ملازمة عادية أو اتّفاقية مع قول المعصوم (عليه السلام)، وذلك لأنّ الناقل فقيه متبحّر محيط بالأقوال والآراء، فإذا تتبّع لم يَفُتْ منه شيء، فلو كان ما نقل عن السبب يلازم قول المعصوم أيضاً عند المنقول إليه يكون حجّةً، لأنّ خبر الثقة يتكفّل نقل أمر حسّي، وأمّا الأمر الحدسي ـ أعني: قول الإمام (عليه السلام)ـ فإنّما ينتقل إليه نفس المنقول إليه بالملازمة، فالحجّة تكون أمراً مركّباً من شيئين:
1. نقل السبب.
2. حدس المنقول إليه قول الإمام.
وأمّا الصورة الرابعة: أعني: إذا نقل السبب عن حسّ ولم يكن ملازماً لقول المعصوم، كما إذا نقل أقوال عدّة من العلماء لا كلّهم. ومن المعلوم أنّه لا يترتّب عليه الأثر لعدم كشفه عن قول المعصوم.
نعم لو قام المنقول إليه بتتبع واسع مضيفاً ماوقف عليه من الأقوال إلى ما وقف عليه الناقل وكان المجموع ملازماً لقول المعصوم تُصبح هذه الصورة حجّة وتلحق بالصورة الثالثة.

192
وأمّا الصورة الخامسة: أعني إذا كان نقل الأمرين عن حدس فليس بحجّة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ ما هو الحجّة من الصور الخمس هي الصورة الأُولى الّتي تختصّ بزمان الحضور والصورة الثالثة، الّتي هي نادرة الوجود، لأنّ التساهل في نقل الإجماع قد خيّم على أكثر الإجماعات المنقولة في الكتب الفقهية، وقلّما يتّفق للفقيه أن يتتبّع كلمات الأوائل والأواخر حتّى تجتمع عنده أقوال الفقهاء إلى حدّ يلازم عادة قول المعصوم.
ولأجل إثبات التساهل في نوع الإجماعات المنقولة نذكر بعض ما ذكره الشيخ الأنصاري في المقام ـ وإن أهمله المحقّق الخراساني ـ وما يرتبط بتعارض الإجماعات المنقولة وثبوت التواتر بالنقل، وذلك في ضمن أُمور:

الأوّل: تقييم الإجماعات في كتب القدماء

إنّ الأقطاب الخمسة في الفقه الشيعي ـ أعني: الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وابن زهرة الحلبي، وابن إدريس الحلي ـ قد شحنوا كتبهم بادّعاء الإجماع في كثير من المسائل الفرعية، ولكن التتبّع يثبت أنّهم لم يعتمدوا في نقل الإجماع على تتبع الأقوال، وإنّما اعتمدوا في استنباط فتوى الكلّ من اتّفاقهم على العمل بأحد الأُمور التالية:
1. وجود الأصل العملي في المسألة مع افتراض عدم الدليل.
2. عموم الدليل في المسألة مع عدم وجدان المخصّص.
تقييم الإجماعات في كتب القدماء
3. وجود خبر معتبر في المسألة عند عدم وجدان المعارض.
4. اتّفاقهم على مسألة أُصولية، يستلزم القول بها، الحكم في المسألة المفروضة.

193
إلى غير ذلك من الأُمور الّتي صارت سبباً لنسبة الحكم إلى الأصحاب وادّعاء الإجماع .
ثم إنّ الشيخ الأنصاري استشهد على ذلك بشواهد إجمالية وشواهد تفصيلية.
أمّا الأُولى فكالأُمور التالية:
أ. وجود الإجماعات المتعارضة من شخص واحد، أو من معاصرين أو متقاربي العصر، أو الرجوع عن الفتوى المدّعى عليها الإجماع.
ب. دعوى الإجماع في المسائل غير المعنونة في كلام مَن تقدّم على المدّعي.
ج. دعوى الإجماع في المسائل الّتي اشتهر خلافها في زمان المدّعي وبعده.
كلّ ذلك يشهد على أنّ الأساس لدعوى الإجماع هو أحد الأُمور الآنفة الذكر.
وأمّا الثانية ـ أي الشواهد التفصيلية ـ فإليك نموذج من ادّعاءات هؤلاء الأقطاب الخمسة:

الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ)

كان الحكم الرائج بين المسلمين من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى فترة من خلافة الخليفة الثاني هو أنّ الطلقات الثلاث بلا تخلّل رجوع أو عقد بينها أنّها تحتسب طلقة واحدة، غير أنّ الخليفة قدّم المصلحة المزعومة على النصّ فقال: بوقوع الطلقات الثلاث في جلسة واحدة، وبذلك انقلب الحكم الشرعي

194
إلى فتوى الخليفة، وصارت الطلقات الثلاث في مجلس واحد مثلها في فترات مختلفة يتخلّل بين الطلاقين رجوع أو عقد. وقد استدلّ المفيد على بطلان ما اشتهر بينهم بقوله سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ)(1)، أي الطلاق الّذي يجوز للزوج الرجوع فيه مرتان، والمرتان لا تكون مرة واحدة، واستشهد بالسّنة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما وافق كتاب الله فخذوه، ومالم يوافقه فاطرحوه» وأمّا إجماع الأُمة فهم مطبقون على أنّ ما خالف الكتاب والسنّة فهو باطل (2). فمصدر ادّعاء الإجماع اتّفاقهم على القاعدة: ما خالف كتاب الله والسنّة....

السيد المرتضى (355 ـ 436 هـ)

المشهور عدم جواز إزالة النجاسة بالماء المضاف بين المتأخّرين غير أنّ المرتضى ادّعى الإجماع على جواز الإزالة وقال: إنّ من أصلنا العمل بالأصل مالم يثبت الناقل، وليس في الشرع ما يمنع الإزالة بغير الماء من المائعات، فقد تمسّك بأصل البراءة وادّعى الإجماع مع أنّ المورد من موارد التمسّك باستصحاب النجاسة بعد الغسل بالخلّ مثلاً.(3)

الشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ)

ذكر الشيخ الطوسي أنّه إذا بان فسق الشاهدين بما يوجب القتل ـ بعد القتل ـ أنّه يسقط القود، وتكون الدية في بيت المال قال: دليلنا، إجماع الفرقة، فإنّهم رووا أنّ ما أخطأت القضاة ففي بيت مال المسلمين، فعلّل انعقاد الإجماع

1 . البقرة: 229.
2 . العيون والمناظرات: 176، طبع مؤتمر الشيخ المفيد.
3 . المعتبر: 601 ـ 602 بتلخيص.

195
بوجود الرواية عند المسلمين.(1)

ابن زهرة (511 ـ 585 هـ)

قد أكثر ابن زهرة من الاستدلال بالإجماع في المسائل الّتي لا تساعد دعوى الإجماع عليها، وقد ذكر في أُصول الغنية ما يكون مبرِّراً لهذا النوع من دعوى الإجماع.(2)

ابن إدريس الحليّ (543 ـ 598 هـ)

اختلفت كلمة الفقهاء في الصلوات الفائتة فمنهم مَن قال بالمواسعة، ومنهم من قال بالمضايقة وأنّه يجب قضاؤها حال الذكر من غير توان في سائر الأوقات. وهي خيرة ابن إدريس، وقد استدلّ عليها بالإجماع قائلاً: بأنّ الأصحاب ـ إلاّ نفراً يسيراً من الخراسانيّين ـ ذكروا أخبارها في كتبهم كالأشعريّين والقميّين.(3)
ترى أنّه يدّعي الإجماع لمجرّد ذكر الخبر في الكتب مع أنّ نقله أعمّ من الإفتاء به.
وفي موضع آخر ادّعى الاتّفاق على وجوب فطرة الزوجة وإن كانت ناشزة قائلاً: بأنّ الحكم معلّق على الزوجية، غافلاً أنّ الحكم معلّق على العيلولة.(4)

1 . الخلاف: 6 / 289 برقم 36، كتاب الشهادات.
2 . الغنية: 1 / 371، قسم أُصول الفقه.
3 . السرائر: 1 / 272 ـ 273.
4 . المعتبر: 601 ـ 602.

196
هذه شواهد تفصيلية على أنّ نقلة الإجماع لم يعتمدوا في إجماعهم على التتبع دائماً وإنّما اعتمدوا على القواعد المعتبرة عندهم.
تقييم إجماعات المتأخّرين

الثاني: تقييم إجماعات المتأخّرين

هذا حال الإجماعات الّتي نقلها القدماء، وإليك تقييم الإجماعات الّتي نقلها المتأخّرون أو متأخّرو المتأخّرين.
أمّا الطائفة الأُولى فيحسب من عصر المحقّق إلى نهاية القرن العاشر، فأقطاب الفقه فيه عبارة عن الشخصيات التالية:
1. المحقّق الحلّيّ (602 ـ 676 هـ).
2. العلاّمة الحلّيّ (648 ـ 726 هـ).
3. الشهيد الأوّل (733 ـ 786 هـ).
4. ابن فهد الحليّ (757 ـ 842 هـ).
5. المحقّق الثاني (868 ـ 940 هـ).
6. الشهيد الثاني (911 ـ 966 هـ).
7. المحقّق الأردبيلي (المتوفّى 993 هـ).
هؤلاء هم المتأخّرون وأمّا متأخّرو المتأخّرين فأقطابهم عبارة عن الشخصيات التالية:
1. المحدّث البحراني (المتوفّى 1186 هـ).
2. المحقّق البهبهاني (المتوفّى 1206 هـ).
3. السيد جواد العاملي مؤلّف مفتاح الكرامة (المتوفّى 1228 هـ).
4. صاحب الرياض (المتوفّى 1231 هـ).

197
5. المحقّق النراقي مؤلّف المستند (المتوفّى 1245 هـ).
6. النجفي صاحب الجواهر (المتوفّى 1266 هـ).
فإنّ كتب هؤلاء تختلف عن كتب القدماء فإنّهم يستندون في ادّعاء الإجماع على التتبّع والوجدان في الكتب، ومع ذلك ليس الجميع على درجة واحدة في التتبّع والدقّة فلا يمكن الاعتماد على نقولهم إلاّ بعد التبيّن في الأُمور التالية:
أ: ملاحظة كمية المصادر التي رجع إليها في زمان التأليف.
ب: ملاحظة كيفية الكتاب المنقول فيه، الإجماع.
ج: ملاحظة لفظ الناقل.
د: ملاحظة نفس المسألة.
هـ: ملاحظة حال الناقل في زمان التأليف.
أمّا الأوّل: فإنّ نَقَلة الإجماع مختلفة، فربّ ناقل يكتفي بالكتب الموجودة عند التأليف، ومنهم من يتوسّع في المصادر.
أمّا الثاني: فربّ كتاب وضع على التتبع، ككتاب مفتاح الكرامة، وربّ كتاب لم يوضع على ذلك.
وأمّا الثالث: فربّما يدّعي الإجماع والاتّفاق، وأُخرى يدّعي عدم وجدان الخلاف.
وأمّا الرابع: فربّما يدّعي الإجماع في المسائل المعنونة بين القدماء، وأُخرى يدّعي الإجماع في الفروع التفريعية بين المتأخّرين.
وأمّا الخامس: فإنّ حال الناقل في زمان تأليف الكتاب مختلفة، فربّ كتاب ألّفه الفقيه في أوان شبابه أو أواسط اشتغاله بالفقه، وربّ كتاب ألّفه في

198
أُخريات عمره بعد ما غاص في بحار الفقه.
فلو كان المحصّل بعد رعاية هذه الأُمور ملازماً لقول المعصوم ملازمة عاديّة فهو، وإلاّ فعليه تحصيل أمارات أُخرى ليحصل بالمجموع القطع بقول الإمام.
وعلى كلّ تقدير فلم نجد فيما مارسنا من الفقه فائدة مهمة في الإجماعات المنقولة نفسها ما لم يضم إليها جهد الفقيه وتتبّعهِ حتّى يقف على مكانة الإجماع، غاية الأمر يكون الإجماع المنقول داعياً للفقيه إلى دراسة الأقوال في المسألة.
نقل التواتر بالخبر الواحد

خاتمة فيها أُمور:

الأوّل: حكم الإجماعات المنقولة المتعارضة

إذا وقع التعارض بين الإجماعات المنقولة فنقل أحد الفقهاء الإجماع على نجاسة ملاقي المتنجس والآخر على عدمها، فما هو حكمها؟
كان الأنسب طرح هذه المسألة في خاتمة الكتاب عند البحث عن تعارض الخبرين ولكن القوم خالفوا الترتيب، والسبب أنّ تعارض الإجماعين قليل بخلاف تعارض الخبرين فله نطاق واسع، فلذلك خصّوا له باباً باسم التعادل والترجيح بخلاف الإجماعين المنقولين المتعارضين. فإنّ قلّة الوجود صارت سبباً للبحث عنه استطراداً.
وعلى كلّ تقدير يقع الكلام في مصبّ التعارض، وهو يتصوّر في موردين:
1. التعارض في المسبّب، أي قول الإمام(عليه السلام) لا شكّ أنّ كلاًّ من مدّعي

199
الإجماع ينقل قول الإمام بالحدس، فتكون النتيجة هي التعارض في نقل قول الإمام كالخبرين المتعارضين، غاية الأمر أنّ الأوّلين ينقلان قول الإمام عن حدس، والآخرين ينقلانه عن حسٍّ.
2. التعارض في السبب، أي الاتّفاق، فلو كان الناقلان من أهل التتبّع والدقّة في نقل الإجماع يتحقّق التعارض في السبب أيضاً حيث إنّ كلاًّ ينقل اتّفاق العلماء، وأمّا لو كان من أهل التساهل والتسامح فلا يتحقّق التعارض في السبب.

الثاني: نقل التواتر بالخبر الواحد

الخبر المتواتر عبارة عن إخبار جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب، ويؤمن من خطائهم، فإذا افترضنا أنّ الشيخ الطوسي نقل وصف التواتر للخبر وقال: ثبت بالتواتر أنّ المرأة لا ترث من العقار،ولم يذكر السند أصلاً فيقع الكلام في مقامين:
1. قول المعصوم.
2. ثبوت وصف التواتر وترتيب الأثر عليه.
أمّا الأوّل ـ أعني: قول المعصوم ـ : ففيه تفصيل، فلو نقل قول الإمام من دون أن يذكر الأسانيد إلى قوله، فعندئذ لا يثبت قول الإمام وإنّما يثبت وصف الخبر بالتواتر عند المنقول إليه لا الناقل.
وأمّا إذا ذكر الأسانيد فيثبت قول الإمام تعبّداً إذا كانت نقية عن الإشكال سواء كانت الأسانيد في عداد الخبر الواحد أو في عداد الخبر المتواتر.
وأمّا الثاني ـ أعني: ثبوت وصف التواتر وترتيب الأثر عليه ـ : مثلاً لو نذر

200
أنّه لو قضيت حاجته فعليه أن يحفظ كلّ خبر متواتر، فلو كان الموضوع الخبر المتواتر عند الناذر فلا يجب حفظه، وأمّا لو كان المنذور مطلق المتواتر ـ ولو عند الغير ـ فيجب حفظه.
نزول القرآن بالقراءات السبع

الثالث: نزول القرآن بالقراءات السبع

قد استفاض الحديث عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)أنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة.(1)
فعلى هذا فليس للقرآن إلاّ قراءة واحدة نزل بها الروح الأمين على قلب سيد المرسلين يجب اتّباعها.
وقد تضافرت كلمة المحقّقين من الإماميّة على أنّ القرآن نزل بحرف واحد على نبيّ واحد.(2)
وقال صاحب الجواهر نقلاً عن المحقّق البهبهاني: لا يخفى أنّ القراءة عندنا نزلت بحرف واحد والاختلاف جاء من قبل الرواة.(3)
وقال الإمام الصادق (عليه السلام)في صحيح الفضيل لمّا قال له: إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف: «كذب أعداء الله، ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد» (4).
نعم المعروف وجود قراءات سبع لقرّاء سبعة، ولكلّ قارئ راويتان، وإليك أسماؤهم:

1 . الكافي: 2 / 630، كتاب فضل القرآن برقم 12 ـ 13.
2 . التبيان: 1 / 7; مجمع البيان: 1 / 38.
3 . الجواهر: 9 / 294 ـ 295.
4 . أُصول الكافي: 2 / 63، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، الحديث 12 ـ 13.

201
1. عبدالله بن عامر اليحصبي قارئ الشام (المتوفّى 118 هـ).
2. عبدالله بن كثير الداري قارئ مكة (المتوفّى 120 هـ).
3. عاصم بن أبي النجود قارئ الكوفة (المتوفّى 128 هـ).
4. أبو عمرو بن العلاء المازني (المتوفّى 154 هـ).
5. حمزة بن حبيب الزيّات قارئ الكوفة (المتوفّى 156 هـ).
6. نافع بن عبدالرحمن الليثي قارئ المدينة (المتوفّى 169 هـ).
7. علي بن حمزة الكسائي قارئ الكوفة (المتوفّى 189 هـ).
وزاد المتأخّرون ثلاثة تتميماً للعشرة ولا يهمنا ذكر أسماءهم، مضافاً إلى قرّاء شواذ.
***
ثم إنّه يقع الكلام في جواز القراءة بالسبع أو بالعشر، أو عدمه؟ ذهب الشيخ الطوسي إلى أنّهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القرّاء، وإنّ الإنسان مخيّر بأي قراءة قرأ.(1)
وقال العلاّمة: يجب أن يقرأ بالمتواتر من القراءات السبعة وهي السبعة، ولا يجوز أن يقرأ بالشواذ ولا بالعشرة.(2)
وقال الشهيد الأوّل: وتجوز القراءة بالسبع والعشر لا الشواذ، ومنع بعض الأصحاب من العشر.(3)
وقال في «الجواهر»: أقصى ما يمكن تسليمه جواز العمل بها، وأمّا تعيين

1 . التبيان: 1 / 7.
2 . تذكرة الفقهاء: 10 / 115.
3 . الدروس: 1 / 171، القراءة في الصلاة.

202
ذلك وحرمة التعدّي عنه فمحلّ منع.(1)
وقال السيد الطباطبائي: الأحوط القراءة بإحدى القراءات السبع، وإن كان الأقوى عدم وجوبها، بل تكفي القراءة على النهج العربي، وإن كانت مخالفة لهم في حركة بنية أو إعراب.(2)
وقال السيد الأُستاذ في تحريره: إنّ الأحوط عدم التخلّف عن المصاحف الكريمة الموجودة عند المسلمين.(3) ولعلّه الأقوى يعرف وجهه ممّا يلي:
وتوضيح ذلك رهن أُمور:

الأوّل: ما هو المبدأ لاختلاف القراءات ؟

إذا كان القرآن واحداً، فما هو وجه الاختلاف في قراءة القرآن لفظاً أو شكلاً؟ هذا هو السؤال المهم في المقام.
الجواب: إنّ الاختلاف في بدء الأمر يرجع إلى مصاحف أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)الذين نسخوا القرآن في عصره، نظراء:
1. عبدالله بن مسعود.
2. أُبي بن كعب.
3. معاذ بن جبل.
4. المقداد بن الأسود وأضرابهم.

1 . جواهر الكلام: 9 / 298.
2 . العروة الوثقى: الفصل 24 في القراءة، المسألة 50.
3 . تحرير الوسيلة: 167، القول في القراءة والذكر، المسألة 14.

203
حيث اختلفوا في ثبت اللفظ أو كيفية قراءته، ومن هنا نشأ الاختلاف في مصاحف الصحابة الأُوَل.
ولمّا غادر هؤلاء المدينة المنورة، ونزلوا سائر البلدان صار أهل كلِّ بلد يقرأون حسب مصحف الصحابي النازل بلدهم، فأهل الكوفة قرأوا وفق مصحف عبدالله بن مسعود، وأهل البصرة قرأوا وفق مصحف أبي موسى الأشعري، فصار مصحف كلّ صحابي هو القدوة للقراءة، فصار هذا نواةً لاختلاف القراءة لفظاً وشكلاً.
وقد استمر الاختلاف إلى عهد عثمان ولمّا تفاقم أمره فأشار غير واحد من نُبهاء الأُمّة كحذيفة بن اليمان على عثمان ليقوم بتوحيد المصاحف، فعيّن لجنة تتصدّى لكتابة مصاحف موحّدة، لترسل إلى الأمصار حتّى تكون القراءة على وفق هذه المصاحف ويترك غيرها، فنسخت مصاحف على حساب أنّها موحّدة، فبعث مع المصحف المكّي: عبدالله بن السائب، ومع الشامي: المغيرة بن شهاب، ومع الكوفي: أبا عبدالرحمن السلمي، ومع البصري: عامر بن قيس.. وهكذا.
لكن هذه المصاحف لم تكن قالعةً للاختلاف لوجوده في نفس هذه المصاحف، لأنّ اللجنة الّتي أوكل إليها هذا الأمر لم تكن ذات كفاءة علمية، ولذلك بقي الاختلاف على حاله، ولذلك لمّا أكمل نسخ المصاحف ورفعت إلى عثمان، فنظر فيه وقال: قد أحسنتم وأجملتم أرى فيه شيئاً من لحن ستستقيمه العرب بألسنتها أمّا لو كان المملي من هذيل، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا.(1)
إنّ هذه المصاحف وإن لم تكن خالية عن الاختلاف لكن الّذي أوجد

1 . المصاحف لابن داود: 32.

204
الهوة السحيقة بين القراءات، كان أمراً خارجاً عن الاختلاف الموجود في المصاحف الموحّدة ونشير إلى رؤوسها:

1. بداءة الخط

كان الخط عند العرب آنذاك في مرحلة بدائية، ولم تتعرّف العرب على فنونه، وبالتالي على الكتابة الصحيحة، وكانت الكلمة تكتب على غير قياس النطق بها فربّما رسموا التنوين نوناً في الكلمة، مثل قوله (كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيّ)(1)، وربّما عكسوا وجعلوا التنوين مكان النون مثل قوله: (وَ لَيَكُونًا مِنَ
الصَّاغِرِينَ
)(2)، ونظيره قوله: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ)(2).

2. الخلو من النقط

كانت العرب تكتب الحروف المعجمة كالحروف المهملة، وهذا صار سبباً لنشوء الاختلاف، مثل قوله سبحانه: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)(3) فقرأ الكسائي «فتثبتوا».

3. التجريد عن الإعراب

كانت الكلمة تكتب عارية عن الإعراب فربّما يشتبه الماضي بالأمر مثل قوله: (أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(4) فالمشهور قرأ بصيغة المتكلّم، والكسائي وحمزة قرءا بصيغة الأمر.

1 . آل عمران: 146. 2 . يوسف: 32.
2 . العلق: 15.
3 . الحجرات: 6.
4 . البقرة: 259.

205

4. حذف الألفات المتوسطة

كان الرسم حذف الألفات المتوسطة في الكلمة، ونظير ذلك قوله سبحانه: (يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).(1)
فالفعل الأوّل من الثلاثي المزيد فيه من باب المفاعلة (يخادعون) والفعل الثاني من المجرد الثلاثي (يخدعون) ولمّا كان الفعلان مكتوبين على شكل واحد من دون توسيط الألف في الفعل الأوّل قرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير الفعل الثاني أيضاً من باب المفاعلة قياساً لما ورد في صدر الآية.
ونظيره قوله: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْية أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ )(2) فقرأ حمزة والكسائي وشعبة «وحرم». وما هذا إلاّ لحذف الألف.

5. تأثير اللهجة

إنّ لكلّ أُمّة وإن كانت ذات لغة واحدة، ولكن لهجاتها تختلف، ولذلك صار اختلافها مبدأ للاختلاف في التعبير، مثلاً كلمة (نَسْتَعِينُ)فالنون فيها مفتوحة في لغة قيس وأسد، ومكسورة في لغة الآخرين.
هذه مبادئ أُصول الاختلاف في القراءات، وهناك أسباب أُخرى تركنا ذكرها.
وأوضح دليل على أنّ هذه القراءات اختراعات من القرّاء، هو سعي المفسّرين لتطبيقها على القواعد العربية، فلو كانت القراءة واصلة عن صاحب الشريعة لما احتاجت القراءة إلى بيان الحجّة، مع أنّ الذائع في كتب التفسير ذكر

1 . البقرة: 9. 2. الأنبياء: 95.

206
الحجّة بعد الإلماع إلى القراءة.

الثاني: ما هو المراد من تواتر القراءات؟

إنّ لقولهم: «تواتر القراءات السبع» احتمالين:
1. تواترها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بمعنى أنّها وصلت متواترة منه (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى هؤلاء السبعة.
2. تواتر القراءات عن القرّاء السبعة إلى غيرهم. ونحن ندرس كلا الاحتمالين:
أمّا الاحتمال الأوّل فهو مردود من جهات:
الأُولى: أنّ تواتر القراءات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يلازم قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)القرآن بقراءات سبعة، وأنّى للقائل إثبات ذلك إذ لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قائداً فارغاً حتّى يجمع أصحابه حوله، ويقرأ كلّ القرآن أو جُلّه بقراءات سبعة، إذ أنّ المسؤوليات المهمة والكثيرة كانت تعوقه عن القيام بهذا العمل الّذي يأخذ منه الوقت الكثير.
هذه هي كتب السيرة الّتي تتضمّن بين دفتيها حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأُمور الّتي كان يقوم بها، فلا يجد المتتبع في السيرة النبوية الشريفة قيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بهذا العمل الباهظ الّذي لا يرجع بفائدة إليه أو إلى الأُمّة.
نعم ربّما تُعرض قراءة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يصحّحها أو يؤيّدها، وهذا غير ما يدعى تواتر القراءات السبعة، وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قرأ بها أو أمضى صحّتها.
الثانية: أنّ القرآن الموحّد نصّاً وشكلاً وصورةً وإعراباً، أنفع بحال المسلمين من القرآن المختلف فيه من جهات شتّى، ويشهد على ذلك أنّه لو

207
قام أحد بطبع القرآن الكريم بالقراءات السبع يصبح القرآن كأنّه كتاب بشري، اختلف النسّاخ في تعبيره وكلماته وجمله، فكلّ كتب ما وجده صحيحاً وترك غيره، فما هو المبرّر لهذا العمل الّذي يحط من عظمة الكتاب وجلالته ويضفي عليه صورة شوهاء ؟
الثالثة: أنّ الحديث المتواتر عبارة عمّا بلغ رجال إسناده في جميع الطبقات حدّاً في الكثرة والانتشار، بحيث يؤمن ـ قطعياً ـ تواطؤهم على الكذب.
ومن ثم يجب في الحديث المتواتر أن تكون النقلة في كلّ طبقة ممّن يؤمن تواطؤهم على الكذب، وهذا الشرط لم يكن موجوداً في الرواة المتوسطين بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهؤلاء القرّاء الذين يعيشون في القرن الثاني مثلاً.
هذا عبدالله بن كثير (المتوفّى 120 هـ) يتوسّط بينه وبين النبي رجال ثلاثة: عبدالله بن السائب، ومجاهد بن جبير، ودرباس مولى عبدالله بن عباس.
وكذا عاصم بن أبي النجود (المتوفّى 128 هـ) يتوسّط بينه وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رجلان: أبو عبدالرحمن بن السلمي، وزر بن حبيش.
وهذا هو الكسائي (المتوفّى 189 هـ) يتوسط بينه وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رجال ثلاثة: حمزة بن حبيب، وعيسى بن عمر، ومحمد بن أبي ليلى; فكيف يمكن ادّعاء التواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّ الطبقات المتوسطة كلّها أخبار آحاد.(1)
الرابعة: نفترض أنّ الرواة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا على حدّ يمتنع تواطؤهم على الكذب إلى نفس القارئ، ولكن قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)المتعدّدة إنّما وصلت إلينا من قارئ واحد، وهو كلّ واحد من القرّاء السبعة، فإذاً لا توصف القراءة

1 . تفسير البيان: 130، فصل أضواء على القرّاء.

208
بالتواتر إذا كان الراوي في بعض الطبقات شخصاً واحداً، وإلى هذا الأمر يشير السيد الخوئي ويقول: اتّصال أسانيد القراءات بالقرّاء أنفسهم يقطع تواتر الأسانيد، حتّى لو كان رواتها في جميع الطبقات ممّن يمتنع تواطؤهم على الكذب، فإنّ كلّ قارئ إنّما ينقل قراءته بنفسه.(1)
يقول صاحب الجواهر في كلام مبسوط يُنكر فيه تواتر القراءات: وعن السيد نعمة الله أنّ ابن طاووس أنكر التواتر في مواضع من كتابه المسمّى بـ «سعد السعود» واختاره وقال: والزمخشري والرضي وافقانا في ذلك، وأضاف صاحب الجواهر وقال: بل الزمخشري صرّح بما في أخبارنا من أنّ قراءة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)واحدة وأنّ الاختلاف إنّما جاء من الرواية. ثم قال: وبالجملة مَن أنكر التواتر منّا ومن القوم خلق كثير، بل ربّما نسب إلى أكثر قدمائهم، تجويز العمل بها وبغيرها لعدم تواترها، ويؤيده أنّ من لاحظ ما في كتب القراءة المشتملة على ذكر القرّاء السبعة ومن تلمّذ عليهم ومن تلمّذوا عليه، يعلم أنّه عن التواتر بمعزل، إذ أقصى ما يذكر لكلّ واحد منهما واحد أو اثنان، إلى أن قال: مَن مارس كلماتهم علم أن ليس قراءتهم إلاّ باجتهادهم وما يستحسنون بأنظارهم.(2)
وهذا كلّه يدلّ على عدم وصول هذه القراءات بالتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأمّا الاحتمال الثاني ـ أعني: تواتر هذه القراءات من نفس القرّاء إلينا ـ وهذا ما اختاره بعض المحقّقين، ومعنى ذلك أنّه متواتر إلى ذلك الإمام الّذي نسبت القراءة إليه، وهذا ـ على فرض ثبوته ـ لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنّ

1 . تفسير البيان: 151، نظرة في القراءات.
2 . الجواهر: 9 / 295 ـ 296.

209
المهم هو تواتره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا تواتره عن القارئ.
أضف إليه: أنّ قراءتهم أيضاً لم تصل إلينا بالتواتر، لأنّ لكلّ قارئ راويان يتوسطان بينه وبين الآخرين فأين التواتر ؟

الأمر الثالث: القرآن متواتر

ربّما يختلج في ذهن القارئ أنّه إذا لم تكن القراءات السبع متواترة، الّتي منها قراءة عاصم بن أبي النجود برواية حفص فيكون القرآن غير متواتر.
والجواب عنه واضح، لأنّ القرآن الموجود بين المسلمين هو القرآن المتواتر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا، سواء أوافق قراءة عاصم أم لا، فالقرآن الموجود قد حفظه المسلمون بلفظه ونصّه، وشكله وإعرابه، وعليه المدار في كلّ عصر، فأي تواتر أولى من ذلك؟!
وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ المادّة متواترة دون هيئتها وإعرابها، وإحدى الكيفيتين أو الكيفيات من القرآن قطعاً، وإن لم تعلم بخصوصها.
يقول الزرقاني: إنّ القول بعدم تواتر القراءات السبع لا يستلزم القول بعدم تواتر القرآن، كيف وهناك فرق بين القرآن والقراءات السبع بحيث يصح أن يكون القرآن متواتراً في غير القراءات، أو في القدر الّذي اتّفق عليه القرّاء، أو في القدر الّذي اتّفق القرّاء جميعاً، أو في القدر الّذي اتّفق عليه عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب قرّاء كانوا أم غير قرّاء (1).
والظاهر أنّ ما ذكره الزرقاني تكلّف، فإنّ القرآن الموجود بمادّته وصيغته وشكله وإعرابه متواتر، بل فوق التواتر، واختلاف القرّاء لا يمسّ كرامة تواتره.

1 . بيان الفرقان: 248.

210
يقول السيد الخوئي: لاشك أنّ القرآن ـ وهو نصّ الوحي الإلهي الحكيم ـ متواتر بين المسلمين تواتراً قطعياً، في جميع سوره وآياته وكلماته، كلمة كلمة، بحيث لو أبدلنا كلمة من القرآن، أو أبدلنا من مكانها إلى آخر، لاستنكرها المسلمون ووجدوها شيئاً غريباً عن أُسلوب كلام الله العزيز الحميد.
وبعبارة أُخرى: أنّ النص الأصلي محفوظ بين المسلمين وهو القرآن الرائج في كلّ عصر، وأمّا اختلاف القرّاء فإنّه كان عن اجتهاد منهم، وقد عرفت مبدأ الاختلاف وأسبابه.

الأمر الرابع: حصر القراءات في السبع أمر حادث

وربّما يتصوّر أنّ حصر القراءات في السبع له دليل شرعي، وليس كذلك، وإنّما حدث الحصر في القرن الثالث إذ قام أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد وكان على رأس الثلاثمائة ببغداد فجمع قراءة سبعة من مشهوري أئمة الحرمين والعراقين والشام وهم: نافع وعبدالله بن كثير، وأبو عمرو بن العلاء، وعبدالله بن عامر، وعاصم، وحمزة، وعلي الكسائي. وقد لام كثير من العلماء ابن مجاهد على اختياره عدد السبعة لما فيه من الإيهام(1).
وحصر القراءات في السبع كحصر المذاهب الفقهيّة في الأربعة في أنّه ليس لكلا الحصرين أساس صحيح.
فإن قلت: لماذا لا يثبت القرآن، بالخبر الواحد مع أنّ الحكم الشرعي يثبت به، ولو فرضنا أنّ السور القرآنية من الموضوعات، فخبر الواحد حجّة فيها إلاّ ما خرج بالدليل كباب المرافعات.

1 . البيان في تفسير القرآن:161، القراءات والأحرف السبع.

211
قلت: الفرق بين الحكم الشرعي والقرآن واضح، لأنّ الأوّل من الفروع والثاني من الأُصول، كيف وهو المعجزة الكبرى للنبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! وهل يثبت الإعجاز بالخبر الواحد، وهذا ما دفعنا إلى اختيار نظرية سيدنا الأُستاذ من أنّ الأحوط ترك القرآن بغير الموجود بين المسلمين، المتواتر لديهم للشكّ في كونه قرآن وعدمه.

الأمر الخامس: ما هو المراد من سبعة أحرف؟

ما هو المراد من الحديث المعروف: «أُنزل القرآن على سبعة أحرف»؟ وهل المراد هو القراءات السبع، أو أنّ الحديث أجنبي عن هذا ؟
والجواب: أنّه لا صلة للحديث على فرض الصحّة بالقراءات السبع، أمّا المنقول في جوامعنا فهو عبارة عمّا يلي:
1. روى حماد بن عيسى، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)قال: «إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه».(1)
فالذيل شاهد على أنّ المراد هو بطون الآية، وأنّ الإمام يعرف البطن فيفتي به، ولا صلة له بالقراءات السبع.
وروى الصفّار بسنده عن زرارة، عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام)قال: «تفسير القرآن على سبعة أحرف، منه ما كان، ومنه ما لم يكن بعد، وذلك تعرفه الأئمة ».(2)
والحديث ناظر إلى بطون الآية ومصاديقها المتعدّدة الّتي منها ما مضى ومنها ما يأتي.

1 . الخصال: 2 / 358، الحديث 43، أبواب السبعة. 2 . بصائر الدرجات: 196.

212
وروى النعماني مرسلاً عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)قال: «أنزل القرآن على سبعة أقسام، كلّ منها شاف كاف، وهي: أمر وزجر وترغيب وترهيب وحول ومثل وقصص».(1)
والحديث يدلّ على أنّ المراد من السبعة شيء من فنون الكلام وأصنافه.
4. روى أحمد بن هلال، عن عيسى بن عبدالله الهاشمي، عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أتاني آت من الله فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف».(2)
والحديث ضعيف، وأحمد بن هلال غال متّهم، ولو صحّ فيحمل على اللهجات العربية، فقد أوسع سبحانه على هذه الأُمّة أن تقرأ القرآن بلهجاتها المختلفة، والسبع كناية عن التعدّد.
هذه الروايات الّتي نقلها أصحابنا مع وجود الضعف في أسانيد أكثرها ليس فيها ما يشير إلى أنّ المراد هو القراءات المختلفة الّتي قرأ بها أُناس بعد مضي قرن أو أكثر.
وأمّا ما روي من غير طرقنا، فالبحث فيه خارج عن وضع الكتاب.
وقد ذكروا لها احتمالات ذكرها الزركشي في كتابه: «البرهان في علوم القرآن» وقال: إنّه من المشكل الّذي لا يُدرى معناه.(3)
تقسيم الشهرة إلى الروائية والعملية والفتوائية

1 . بحار الأنوار: 93 / 4 و 94، نقلاً عن رسالة النعماني.
2 . الخصال: 2 / 358، الحديث 44، أبواب السبعة.
3 . البرهان: 1 / 213 ـ 227. وقد ذكر للحديث احتمالات تزيد على أربعة عشر احتمالاً، وقد صدرنا في هذا البحث عن كتاب «التمهيد» لشيخنا الراحل محمد هادي معرفة (قدس سره)وجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.

213

الحجج الشرعية

4

تقسيم الشهرة إلى الروائية

والعملية والفتوائية

وقبل الورود في الموضوع نقدّم أُموراً:
الأوّل: تنقسم الشهرة إلى: روائية، وعملية، وفتوائية.
أمّا الأُولى: فهي الرواية الّتي نقلها أصحاب الحديث في مسانيدهم وجوامعهم، سواء أعَمِلَ بها الفقهاء أم لا؟
أمّا الثانية: فهي عبارة عن اشتهار العمل بالرواية بين الفقهاء واستنادهم إليها في مقام الإفتاء، سواء اشتهر نقلها بين المحدّثين أو لا. وذلك نظير قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الناس مسلّطون على أموالهم»، فقد استند إليهما الفقهاء في كتبهم ورسائلهم العملية، والنسبة بين الشهرتين عموم وخصوص من وجه، لاجتماعهما في الرواية المشهورة بين المحدّثين، وقد عمل بها الفقهاء في كتبهم الفقهية وأفتوا بها.
وتفترق الأُولى عن الثانية في الرواية الّتي رواها المحدّثون في كتبهم ولكن الفقهاء لم يعملوا بها ولم يُفتوا بمضمونها، وتفترق الثانية عن الأُولى في الرواية الّتي اشتهر العمل بها بين الفقهاء دون أن يشتهر نقلها بين المحدّثين.

214
أمّا الثالثة: فهي عبارة عن مجرد اشتهار الفتوى في مسألة مع عدم الرواية في موردها، فالحجّة نفس الشهرة الفتوائية بين القدماء، الحاكية عن الشهرة الفتوائية بين أصحاب الأئمة الّتي تلازم فتوى الإمام (عليه السلام).
الثاني: الأقوال في حجّية الشهرة الفتوائية أربعة:
1. حجّة مطلقاً      2. ليست بحجّة كذلك.
3. التفصيل بين الشهرات المتحقّقة قبل زمان الشيخ الطوسي والمتحقّقة بعده، فالحجّة هي الأُولى.
4. التفصيل بين الشهرة المعزّزة برواية وبين ما ليس كذلك، فالحجّة هي الأولى.
الثالث: إنّ الشهرة العملية إنّما تجبر الرواية الموافقة لمضمونها فيما إذا علم استناد المشهور في إفتائهم إليها، كما أنّها إنّما تكون كاسرة لحجيّتها عند المخالفة إذا علم أنّ المشهور أفتوا على خلافها مع الالتفات إليها، وسيوافيك تفصيله. وعلى كلّ تقدير استدلّوا على حجّية الشهرة الفتوائية بوجوه:

الأوّل: الاستدلال بالأولوية القطعية

إنّ المناط في حجّية الخبر الواحد، كونه مفيداً للظن بالحكم، وهو موجود في الشهرة الفتوائية بوجه أقوى. وأجاب عنه المحقّق الخراساني بوجهين:
فيما استدلّ به القائلون بحجية الشهرة الفتوائية
1. القطع بكون المناط هو إفادته الظن، غير حاصل، غاية الأمر الظن بكون المناط هو إفادته الظن، فتكون الأولوية ظنية لا قطعية، فتأمّل (1).

1 . وجهه: أنّ الدليل على حجّية الخبر الواحد هو بناء العقلاء، وليس لعملهم هذا وجه سوى كونه مفيداً للاطمئنان، ولا ملاك غير هذا.

215
2. القطع بأنّه ليس بمناط، لكونه حجّة، سواء أفاد الظن أم لا، والشاهد عليه حجّيته وإن لم يفد الظن الشخصي.
فإن قلت: الخبر الواحد حجّة لإفادته الظنّ النوعي، والملاك هو هذا.
قلت: لو كان هذا هو المناط لهُدم الاستدلال، لأنّ الشهرة الفتوائية لو كانت حجّة، فإنّما هي حجّة من باب الظن الشخصي فيكون المناطان متغايرين.

الثاني: تعليل آية النبأ

علّل سبحانه المنع عن العمل بخبر الفاسق أنّ الاعتماد على قوله يُعد جهالة بمعنى السفاهة، والاعتماد على الشهرة ليست كذلك.
يلاحظ عليه: أنّ منطوق الآية هو عدم جواز العمل بكلّ ما يعدّ سفاهة، لا جواز العمل بكلّ ما لا يعدّ كذلك كما هو واضح، وإلاّ يكون التعليل حجّة لكلّ ظنّ لم يكن العمل به سفاهة.

الثالث: دلالة المقبولة

سأل عمر بن حنظلة أبا عبدالله (عليه السلام)عن اختلاف القضاة؟ فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما، وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».
قال: فقلت فإنّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه، قال: «ينظر إلى ما كانَ (من روايتهما عنّا في ذلك الّذي حكما به) المجمعَ عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ النادر الّذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، إنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن

216
رشده فيتّبع، وأمر بيّن غيّه فيجتنب،وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله».(1)
هذه هي المقبولة الّتي تلقّاها الأصحاب بالقبول، ولكنّ المشايخ لم يعروا لها حقّها وزعموا أنّ الرواية لا صلة لها بالشهرة الفتوائية.
ونحن بفضل الله نستنتج من الرواية الأُمور الأربعة التالية، وإن كان خارجاً عن موضوع البحث، لأنّه مركّز على حجّية الشهرة الفتوائية. وإليك بيان الأُمور:
1. إذا وردت روايتان مختلفتان وعمل المشهور بواحدة منهما دون الأُخرى، فالشهرة العملية عندهم من المرجّحات، مع أنّ الحق أنّها من المميّزات، أي تميّز الحجّة عن اللاحجّة.
2. إذا عمل المشهور بالرواية الضعيفة، فالعمل جابر لضعفها، بشرط أن يُعلم استناد المشهور إليها في الإفتاء.
3. إذا أفتى المشهور على خلاف رواية صحيحة فهو كاسر لحجّيتها إذا عُلم أنّ الإفتاء كان مع الالتفات إليها.
الشهرة العملية
4. الشهرة الفتوائية بين القدماء الوارد في الفقه المنصوص حجّة بنفسها.
وإليك دراسة الكلّ بعد تمهيد أُمور ثلاثة.
الأوّل: المراد من المجمع عليه «هو اتّفاق جلّ الأصحاب لا كلّهم» ويدلّ على ذلك قول الإمام: «ويترك الشاذ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك» فقوله: «ليس بمشهور» قرينة على أنّ المراد من المجمع عليه هو المشهور لا اتّفاق الكلّ.

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1. ثم قال: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال (عليه السلام): «ينظر إلى ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامة فيؤخذ به»، احتفظ بهذه الرواية فإنّها ستفيدك في المستقبل.

217
الثاني: المراد من الموصول من قوله: «ينظر إلى ما كان» هو الرواية لا الشهرة الفتوائية، بقرينة قوله:«من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به» ولكن لا مطلق الرواية كما زعمه صاحب الكفاية، بل الرواية الّتي عمل بها الأصحاب وأفتوا بمضمونها. كما هو الظاهر من قوله: «حكما به».
الثالث: المراد من قوله: «إنّ المجمع عليه لا ريب فيه» هو نفي الريب على وجه الإطلاق، نظير قوله سبحانه: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ)(1)، وقد اتّفقت كلمة النحاة على أنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم، ويترتّب على ذلك أنّ مقابل المشهور ـ أعني: «الشاذ» ـ ممّا لا ريب في بطلانه، وذلك لقضاء العقل بأنّه إذا كان أحد طرفي القضية صحيحاً قطعاً يكون الطرف الآخر قطعي البطلان، وإلاّ يلزم أن تكون النسبة قطعيّة مع الشك في صحّتها; مثلاً إذا كانت عدالة زيد قطعيّة، يكون احتمال الفسق قطعيّ الانتفاء.
وعلى ذلك فالمشهور داخل في الشق الأوّل من التثليث، والخبر الشاذ في القسم الثاني، فالمشهور بيّن الرشد والشاذ بيّن الغيّ. إذا عرفت هذه الأُمور الأربعة فلندرس نتائجها الأربع.

1. الشهرة العملية من المميزات لا من المرجّحات

الشهرة العملية عند الأُصوليّين من المرجّحات عند تعارض الخبرين الجامعين لسائر الشروط، ومعنى ذلك أنّ كلاًّ من الخبرين حجّة، لكن عمل المشهور بأحدهما دون الآخر، فيرجّح بسبب العمل عليه.
وأمّا على ما استظهرنا من المقبولة، من أنّ المشهور ممّا لا ريب في

1 . البقرة: 2.

218
صحّته، والشاذ ممّا لا ريب في بطلانه، فالشهرة من المميزات أي تُعيّن الحجّة وتُميّزها عما ليس كذلك.

2. الشهرة العملية جابرة لضعف الرواية (1)

إنّ عمل المشهور بالرواية، جابر لضعف سندها، سواء أكان له معارض أم لا والمقبولة وإن لم تشمل صورة عدم وجود المعارض للخبر الضعيف الذي عمل به المشهور، لاختصاصها بالمتعارضين الجامعين لشرائط الصحّة غير أنّ أحدهما مشهور دون الآخر، ولكن الدليل على أنّ الشهرة العملية جابرة للضعف أمر خارج عن دلالة المقبولة عليه، وهو أنّ ما هو الحجّة في باب الروايات هو الخبر الموثوق بصدوره، ولو قلنا بحجّية قول الثقة فلأجل أنّ الوثاقة أمارة على صدوره من الإمام (عليه السلام)، ولاشك أنّ عمل الأكابر بالرواية يعطي الوثوق بصدوره، وهذا كاف في دخولها تحت دليل حجّية الخبر الواحد. وسيوافيك أنّ المراد عمل أصحاب الأئمّة بالرواية أو فقهاء عصر الغيبة الصغرى فانتظر.

كلام للسيد الخوئي

إنّ السيد الخوئي ممّن لا يرى عمل المشهور جابراً لضعف الرواية، فخالف في المقام واعترض عليه بأمرين: أحدهما: يرجع إلى الكبرى، وهو كون العمل جابراً; والآخر: إلى الصغرى، وهو استناد المشهور إلى الخبر.

1 . كون الشهرة العملية جابرة لضعف السند، ذكر في المقام استطراداً، وليست لها صلة بالمقبولة، لأنّ موردها صحّة الخبرين، وكونهما جامعين للحجّية، وأين هذا من الخبر الضعيف الّذي عمل به المشهور. كما أُشير إليه في المتن أيضاً .

219
أمّا الأوّل: فقال ما هذا حاصله: إذا كان الخبر الضعيف غير حجّة في نفسه على الفرض، وكذلك فتوى المشهور غير حجّة على الفرض، يكون المقام من قبيل انضمام غير الحجّة إلى غير الحجّة فلا يوجب الحجّة، فإنّ انضمام العدم إلى العدم لا ينتج إلاّ العدم.(1)
يلاحظ عليه: أنّ أساس الإشكال في الكبرى قوله: إنّ الحجّة هو خبرالثقة، وعمل المشهور بالراوية لا يجعل غير الثقة ثقة، وأمّا على ما ذكرنا من أنّ الحجّة حسب سيرة العقلاء هو الخبرالموثوق بصدوره، وأنّ حجّية قول الثقة لأجل كون الوثاقة قرينة على الوثوق بالصدور، فلا يبقى منع للكبرى لدخول الخبرالضعيف المعمول به تحت دليل الحجّية.
وأمّا الثاني: أي إحراز استناد الفقهاء إلى الرواية فقال: إنّه أشكل، وذلك لأنّ القدماء لم يتعرّضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم إلى الخبر الضعيف والمتعرض للاستدلال هو الشيخ الطوسي دون مَن تقدّمه.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ للقدماء لونين من التأليف: أحدهما بصورة الفقه المنصوص، والآخر بصورة الفقه المستنبط.
أمّا الأوّل: فقد جرّدوا فيها المتون عن الأسانيد، وأفتوا بلفظ الرواية أو بمضمون قريب منه.
وأمّا الثاني: فقد سلكوا فيه مسلك المؤلّفين حيث طرحوا المسألة واستدلّوا عليها من هنا وهناك دون أن يلتزموا بالإفتاء بلفظ الرواية.
فمن القسم الأوّل كتاب النوادر لأحمد بن محمد بن عيسى الّذي كان من

1 . مصباح الأُصول: 2 / 202.
2 . مصباح الأُصول: 2 / 202.

220
أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)، وكتاب التكليف للشلمغاني، وكتاب الشرائع لعلي بن بابويه، وكتاب المقنع والهداية للصدوق، وكتاب المقنعة للشيخ المفيد، والنهاية للشيخ الطوسي; فإذا كان نص الخبر الضعيف أو مضمونه موجوداً في هذه الكتب، فربّما نستكشف وجود الخبر بين أيديهم وقد استندوا إليه.
نعم اللون الآخر من التأليف لا يدلّ على شيء، فمنه كتاب الإيضاح للفضل بن شاذان، وكتب ابن الجنيد، والناصريات والانتصار للسيد المرتضى، والمبسوط للشيخ.
هذا كلّه حول الشهرة العملية الّتي تجبر ضعف الرواية.

3. إعراض المشهور عن الرواية كاسر لحجّيتها

كان البحث في القسم السابق مركّزاً على عمل المشهور بالخبر الضعيف، وقد مرّ حكمه، ولكن الكلام في المقام مركّز على أنّ الخبر الصحيح سنداً ودلالة إذا أعرض عنه المشهور، فالإعراض موهن للحجّية وكاسر لها، ويمكن استفادته من المقبولة، وذلك لأنّ موردها وإن كان الخبر الصحيح المبتلى بالمعارض، لكنّ الابتلاء بالمعارض من العوارض لا من المقوّمات. والميزان عمل المشهور بالخبر الصحيح أو إعراض المشهور عن الخبر الصحيح، سواء أكان له معارض أو لا، وقد مرّ أنّ المعرض عنه ممّا لا ريب في بطلانه.
في حجّية الشهرة الفتوائية
ثم إنّ المحقّق الخوئي اعترض عليه كما اعترض على الأمر السابق وقال: إذا كان الخبر الصحيح أو الموثق مورداً لقيام السيرة ومشمولاً لإطلاق الأدلّة اللفظية، فلا وجه لرفع اليد عنه، لإعراض المشهور عنه.(1)

1 . مصباح الأُصول: 2 / 203.

221
يلاحظ عليه: أنّ الدليل الوحيد على حجّية الخبر الواحد هو السيرة العقلائية، وأمّا غيرها فإمّا إرشاد إليها أو بيان للصغرى أي أنّ الراوي ثقة، ففي مثل المقام الذي تسالم الأكابر على الإفتاء به على خلاف الحديث مع كونه بمرأى ومسمع منهم يتوقّف العقلاء عن العمل به.
أضف إلى ذلك: أنّ المستفاد من المقبولة أنّ الخبر الشاذ ممّا لا ريب في بطلانه، ومعه كيف يمكن الاعتماد عليه؟!
فخرجنا بالنتائج التالية:
1. أنّ الشهرة العملية، مميّزة للحجّة عن اللاّحجّة، لا مرجّحة لأحد الخبرين على الآخر.
2. أنّ عمل المشهور بالخبر الضعيف جابر، لأنّ الحجّة هو الخبر الموثوق بصدوره.
3. إعراض المشهور عن الخبر الصحيح كاسر لحجّيته.
بقي الكلام في الأمر الرابع، أعني:

4. حجّية الشهرة الفتوائية المجرّدة عن الدليل

الشهرة الفتوائية، على قسمين:
1. الشهرة الفتوائية بين المتأخّرين، كما في مسألة اللباس المشكوك لاحتمال اشتماله على ما لا تجوز الصلاة به، فقد كان الحكم المشهور عدم الإجزاء من زمان المحقّق الحلّي (602 ـ 676 هـ) إلى زمان السيد المجدّد الشيرازي (1230 ـ 1312 هـ)، وقد انقلبت الفتوى بعده إلى جواز إقامة الصلاة به إلاّ من شذّ، وهذا القسم من الشهرة لا يعتدّ به، لأنّهم صدروا في فتاواهم عن

222
الدليل من غير فرق بين الفترة الأُولى أو الثانية، فاللازم علينا دراسة الدليل، سواء أكانت هناك شهرة أم لا.
2. الشهرة القدمائية الواردة في الكتب المعدّة للإفتاء بتجريد المتون عن الأسانيد، وقد عرفت قسماً منها، فاشتهار الحكم بينهم يكون حجّة لأحد وجهين على سبيل مانعة الخلو:
أ. كون الحكم واصلاً إليهم يداً بيد من عصر الأئمة إلى زمانهم، وكان الحكم المشهور بين أصحاب الأئمة ومن بعدهم هو ما ورد في الكتب المعدّة للفقه المنصوص وإن لم نجد النص، وهو خيرة سيدنا الأُستاذ (قدس سره).
ب. اشتهار الحكم كاشف عن وجود نصّ وصل إليهم ولم يصل إلينا، وعلى هذا الوجه تقع الشهرة الفتوائية في عداد الشهرة العملية لافتراض كشفها عن دليل معمول به عند القدماء.
ويؤيّد حجّة الشهرة الفتوائية الأمران التاليان:
1. ما حكاه السيد المحقّق البروجردي أنّ في الفقه الإمامي تسعين مسألة تسالم عليها الأصحاب وليس لها دليل سوى الشهرة بينهم، غير أنّ الأُستاذ ـ يا للأسف ـ لم يذكر مواضعها، وأظن أنّ أكثرها يرجع إلى الفرائض والمواريث كما هو واضح لمن درسها، فإنّ قسماً من المسائل فيها لا دليل له إلاّ تسالم الأصحاب.
2. الظاهر من بعض الروايات أنّ أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، إذا عرض لهم حادث يقدّمون الشهرة الفتوائية حتّى على النصّ المسموع من الإمام، وإليك نموذجين:
أ: روى سلمة بن محرز قال:قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ رجلاً مات

223
وأوصى إليّ بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: «إعطها النصف»، قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي:اتقاك، إنّما المال لها، قال: فدخلت عليه بعد، فقلت: أصلحك اللّه! إنّ أصحابنا زعموا أنّك اتّقيتني؟ فقال: «لا واللّه ما اتّقيتك، ولكنّي اتّقيت عليك أن تضمن، فهل علم بذلك أحد؟» قلت: لا، قال: «فاعطها ما بقي».(1)
ترى أنّ الشهرة الفتوائية بلغت من حيث القدر والمنزلة عند الراوي إلى درجة منعته عن العمل بنفس الكلام الذي سمعه من الإمام فتوقّف حتى رجع إليه ثانياً.
وربّما كانوا لا يتوقّفون عن العمل ويقدّمون ما هو المشهور على المسموع من نفس الإمام شخصيّاً.
ب: روى عبد اللّه بن محرز بيّاع القلانس قال: أوصى إليّ رجل وترك خمسمائة درهم أو ستمائة درهم، وترك ابنة، وقال: لي عصبة بالشام. فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ذلك، فقال: «اعط الابنة النصف، والعصبة النصف الآخر»، فلمّا قدمت الكوفة أخبرت أصحابنا فقالوا: اتّقاك، فأعطيت الابنة النصف الآخر، ثمّ حججت فلقيت أبا عبد اللّه (عليه السلام)فأخبرته بما قال أصحابنا وأخبرته أنّي دفعت النصف الآخر إلى الابنة، فقال: «أحسنت، إنّما أفتيتك مخافة العصبة عليك».(2)
وعلى ضوء هذه الأحاديث تعرف مكانة الشهرة الفتوائية، عند أصحاب الأئمّة، ومعه لا يصحّ لفقيه الإعراض عن الشهرة للأصل أو الرواية الشاذة.
وللشيخ المفيد، العارف بالفقه وأُصوله كلام قيّم يعرب عن مكانة الشهرة

1 . الوسائل: 17، الباب 4 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 3.
2 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الأبوين والأولاد، الحديث 4.

224
العملية بين القدماء، وأنّ الحديث المنتشر بأسانيد كثيرة، حديث صحيح، والمنتشر بأسانيد قليلة إمّا مكذوب أو مدسوس، وإليك نصّه:
قال: إنّ المكذوب منها لا ينتشر بكثرة الأسانيد، انتشار الصحيح المصدوق على الأئمّة (عليهم السلام) فيه، وما خرج للتقية لا تكثر روايته عنهم، كما تكثر رواية المعمول به،بل لابدّ من الرجحان في أحد الطرفين على الآخر من جهة الرواة حسب ما ذكرته.
ولم تجمع العصابة على شيء كان الحكم فيه تقيّة، ولا]على[ شيء دُلِّس فيه ووُضِع مخروصاً عليهم وكذّب في إضافته إليهم، فإذا وجدنا أحد الحديثين متّفقاً على العمل به دون الآخر، علمنا أنّ الذي اتّفق على العمل به هو الحقّ في ظاهره وباطنه، وأنّ الآخر غير معمول به، إمّا للقول فيه على وجه التقية، أو لوقوع الكذب فيه.
وإذا وجدنا حديثاً يرويه عشرة من أصحاب الأئمّة: يخالفه حديث آخر في لفظه ومعناه، ولا يصحّ الجمع بينهما على حال، رواه اثنان أو ثلاثة، قضينا بما رواه العشرة ونحوهم على الحديث الذي رواه الاثنان أو الثلاثة، وحملنا ما رواه القليل على وجه التقيّة أو توهّم ناقله.(1)
في حجية الخبر الواحد

1 . تصحيح الاعتقاد: 71، ط تبريز.

225

الحجج الشرعية

5

الخبر الواحد

وقبل الشروع في المقصود نقدّم أُموراً تمهيدية:

الأمر الأوّل

«الواحد» وصف للخبر، ويراد به ما ليس متواتراً ولا مستفيضاً وإن رواه غير واحد. نعم لو قلنا «خبر الواحد» يختصّ البحث بما إذا كان الراوي واحداً لا غير، لكنّه غير مطروح في المقام.ثمّ إنّ البحث عن حجّية الخبر الواحد مطلقاً موضوعاً كان أو حكماً أو في خصوص الأحكام من أهم الأبحاث الأُصولية، إذ لولاه لزم العمل بالظنون الانسدادية لقلّة الحديث المتواتر والمستفيض في غير الضروريات، ولذلك وقع مثاراً للنزاع عبْر قرون.
الأمر الثاني: أنّ الاحتجاج بالرواية فرع ثبوت أُمور أربعة:
1. أصل الصدور.
2. أصل الظهور.
3. حجّية الظهور.
4. جهة الصدور.
أمّا الأوّل: فهذا ما يتكفّله هذا الفصل.
أمّا الثاني: فيثبت بما تثبت به الأوضاع اللغوية. كالتبادر وأخويه وقول

226
اللغوي في مورد مادة المفردات، وأمّا الهيئات، مفردة كانت أو جملاً فتعيين معانيها على عاتق علوم اللغة كالصرف والنحو والمعاني. مضافاً إلى القرائن المكتنفة بالكلام فإنّ لها دوراً بارزاً في تعيين الظهور.
وأمّا الثالث: فقد مرّ الكلام فيه وظهر اتّفاق العقلاء على حجّية الظواهر وأنّ كلّ متكلّم يؤخذ بظاهر كلامه إلاّ أن تدلّ قرينة على أنّه لم يرد ظاهر كلامه وقلنا بأنّ دلالة الظاهر على المعنى الاستعمالي قطعية.
وأمّا الرابع: فالأصل العقلائي على حمل كلام كلّ متكلّم على الجد، دون التقية، والتورية أو التمرين أو غير ذلك.
الأمر الثالث: هل البحث عن حجّية الخبر الواحد، مسألة أُصولية، يبحث فيها عن عوارض موضوع العلم المسلّم وجوده، فيقع الكلام في عوارضه وحالاته؟ أو أنّه من المبادئ التصوّرية الّتي يبحث فيها عن وجود موضوع العلم وتعريفه وغايته؟
ذهب المحقّق القمي إلى الثاني والباقون إلى الأوّل.
احتجّ المحقّق القمي، بأنّ موضوع علم الأُصول عبارة عن الأدلّة الأربعة بقيد الدليليّة; بمعنى أنّ الكتاب بوصف كونه دليلاً، موضوع لعلم الأُصول، وهكذا السنّة فالموضوع هو السنّة بوصف كونها حجّة. وعلى هذا فالبحث عن حجّية الخبر الواحد، بحث عن جزء الموضوع لعلم الأُصول، ومثل هذا يعد من المبادئ التصوّرية، ولا يعد مسألة أُصولية لأنّ المسألة ما يبحث فيها عن عوارض الموضوع ـ بعد ثبوت الموضوع ـ لا عن وجود الموضوع ولا عن جزئه.
هذا هو الإشكال، ثم إنّ المتأخّرين أجابوا عن الإشكال بوجوه مختلفة:

227

1. ما أجاب به صاحب الفصول

ليست الأدلّة الأربعة بقيد الدليلية موضوعاً لعلم الأُصول، بل الموضوع ذات الأدلّة الأربعة، والبحث عن دليليّتها وحجيّتها بحث عن عوارض الموضوع، فالموضوع في قولنا: الخبر الواحد، هو ذات الخبر وذات السنّة والبحث مركّز على حجّيتها.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد من السنّة، هي المحكية، أعني: قول المعصوم وفعله وتقريره، فالبحث عن حجّية المحكي، يُعدّ بحثاً كلامياً لا أُصولياً، وإن أُريد بها الحاكي، فهو ليس من الأدلّة الأربعة، حتّى يكون البحث عن حجّيتها، بحثاً عن العوارض.

2. ما أجاب به الشيخ الأنصاري

التزم الشيخ الأنصاري بأنّ الموضوع هو الأدلّة الأربعة بقيد الدليليّة له لكن جهة البحث عبارة عن ثبوت السنّة، أعني: قول المعصوم أو فعله أو تقريره (المسلّم وجودها) بخبر الواحد، وعدمه فيقال هل السنّة المحكية تثبت بخبر الواحد أو لا تثبت إلاّ بما يفيد القطع من التواتر والقرائن؟ (1) وأورد عليه المحقّق الخراساني ـ في مقدّمة كتاب الكفاية وفي المقام ـ بإشكالين:
أ. أنّ البحث عن ثبوت السنّة وعدمه خلاف ما هو عنوان المسألة في الكتب الأُصولية، حيث إنّ البحث يدور مدار حجّية الخبر الواحد، لا عن ثبوت السنّة وعدمه.
ب. المراد من الثبوت في المقام، هو الثبوت التعبّدي، لا الثبوت الحقيقي،

1 . الفرائد: 238، الطبعة المحقّقة.

228
والأوّل من عوارض السنّة الحاكية لا المحكية الّتي هي الموضوع لعلم الأُصول. وبعبارة أُخرى: أنّ مرجع البحث على ما ذكره إلى تقييم الخبر الواحد، وأنّه هل له هذا الشأن، أي تثبت به السنّة المحكية أو لا. وليس هذا النوع من البحث عن عوارض السنّة المحكيّة.

3. ما أجاب به المحقّق النائيني

إنّ مردّ البحث عن حجّية الخبر الواحد إلى أنّ مؤدّى الخبر هل هو من السنّة أو لا؟ وإن شئت قلت: إنّ مرجعه إلى انطباق السنّة على مؤدّى الخبر وعدم الانطباق; وهذا غير البحث عن وجود السنّة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره تعبير آخر عن ثبوت السنّة، وذلك لأنّ قوله: «مؤدّى الخبر هو من السنّة أو لا» أو قوله: «انطباق السنّة على مؤدّى الخبر وعدمه» عبارة أُخرى عن وجود السنّة المحكية في المقام، فيكون البحث مركّزاً على وجود الموضوع.
وإن شئت قلت: هل يرجع إلى وجود السنّة المحكية في المقام أو لا؟

4. ما أجاب به المحقّق الخراساني

وقد تخلّص المحقّق الخراساني عن الإشكال بأنّ الميزان في كون المسألة أُصولية، وعدمها، وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط وإن لم يكن البحث فيها عن عوارض الأدلّة الأربعة، ولا شك أنّ لحجّية الخبر الواحد وعدمها دوراً في الاستنباط.(2)

1 . فوائد الأُصول: 3 / 157.
2 . فوائد الأُصول: 3 / 158.

229

5. ما أجبنا به عن الإشكال

إنّ الغاية القصوى للفقيه هو العثور على الحجة في استنباط الأحكام الشرعية، فيكون المطمح عنده هو الحجّة في الفقه، لأنّه يعلم أنّ بينه وبين ربه حججاً شرعية موصلة إمّا للحكم الشرعي، أو قاطعة للعذر لأنّه سبحانه وتعالى قد أكمل دينه، وأتمّ نعمته، فالعلم بوجود ما هو المطمح للفقيه أمر لاشك فيه ولا شبهة تعتريه، إنّما الكلام في تعيّنات ما هو الحجّة وخصوصياته، والقوالب الّتي يصاغ فيها الحجّة فيكون مآل البحث عن حجّية خبر الواحد إلى البحث عن تعيّنات الحجج وخصوصياتها، وأنّها هل هي متعيّنة بخبر الواحد أو بأصالة البراءة أو أصالة الاستصحاب، إلى غير ذلك من الأدلّة المثبتة للتكليف أو القاطعة للعذر.
وبعبارة أُخرى: أنّ الفقيه يعلم أنّ بينه وبين ربه حججاً، وإنّما يبحث عن خصوصياتها وتعيّناتها فيكون البحث عن عوارض الموضوع لا عن وجوده وبذلك ينسلك البحث عن حجّية خبر الواحد وكثير من المسائل في سلك المسائل الأُصولية.
فإن قلت: لو كان الموضوع هو الحجّة في الفقه، والمحمول هو التعيّنات والخصوصيات كخبر الواحد، والإجماع المنقول وغيرهما يلزم على الأُصولي أن يتّخذ «الحجّة» موضوعاً للمسألة ليطابق موضوعُ المسألة موضوعَ العلم فيكون خبر الواحد هو المحمول، والحجّة هو الموضوع مع أنّا نرى أنّهم عكسوا فجعلوا الحجّة محمولاً والخصوصية موضوعاً، وقالوا «خبر الواحد حجّة» مكان «الحجّة خبر الواحد».
قلت: إنّما فعلوا ذلك لتسهيل الأمر على المتعلّم، لأنّ أخذ الموضوع

230
جزئياً والمحمول كلّياً أقرب إلى الذهن من العكس، ونظير ذلك مسائل الفن الأعلى، أي الإلهيات بالمعنى العام فإنّ الحكيم الإلهي على خلاف السوفسطائيين يعلم أنّ وراء الذهن عالماً خارجاً مشحوناً بأنواع الوجودات، غير أنّه يريد أن يتعرّف على خصوصيات الوجود وتعيّناته، فالعلم بالموضوع أمر وجداني، إنّما البحث يدور حول العوارض والتعيّنات، ولذلك يأخذ الوجود موضوعاً ويقسّمه إلى واجب وممكن، والممكن إلى جوهر وعرض، والجوهر إلى العقل والنفس والهيولى والصورة والجسم، والعرض إلى كم وكيف و....
فالمسألة في الحقيقة كون الوجود واجباً أو ممكناً، ولكن المسائل المطروحة في الفن الأعلى على خلاف هذا، فيقال الواجب موجود والممكن موجودٌ وهكذا، والوجه في العدول نفس ما ذكرنا.
هذه خلاصة ما اخترناه في المقام وأوضحنا حاله في مقدّمة الكتاب.

الرابع: الأقوال في حجّية الخبر الواحد

استدلال النافين لحجّية الخبر الواحد بالقرآن الكريم
اختلفت كلمة الأُصوليين من أصحابنا، واختار المرتضى في الذريعة (1)وابن إدريس في السرائر في كثير من مواضع الكتاب (2) عدّم الحجية، ونسب أيضاً إلى تلميذ المرتضى القاضي ابن البراج (3) والطبرسي صاحب المجمع،(4) وأمّا الشيخ فقد اضطربت كلماته في تحديد الحجّية ودائرتها بعد

1 . الذريعة: 2 / 529.
2 . السرائر: 1 / 51.
3 . نسبه إليه صاحب المعالم: 189.
4 . مجمع البيان: 5 / 133.

231
قبول أصلها إلى أقوال أربعة:
1. حجّية قول الثقة، والمراد منها هو العادل.
2. حجّية غير المطعون من أصحابنا، فيعمّ الثقة والممدوح والمهمل.
3. حجّية قول الفاسق أيضاً إذا كان متحرّزاً عن الكذب، قائلاً بأنّ الفسق بالجوارح يمنع عن قبول الشهادة، وليس بمانع عن قبول خبره.
4. حجّية ما يرويه المتّهمون المضعّفون إذا كان هناك ما يعضد روايتهم ويدلّ على صحّتها وإلاّ وجب التوقّف.(1)
إلاّ أنّ المعروف بين المتأخّرين هو الحجّية، ولعلّ النزاع بين الفريقين نزاع لفظي، لأنّ الجميع يعملون بالأخبار المدوّنة الموجودة بين أيدينا، غاية الأمر أنّ القدماء يعملون بأكثرها، لأنّها أخبار آحاد مقرونة بالقرائن المفيدة للعلم، والمتأخّرون يعملون بها بما أنّها الخبر الواحد والخبر الواحد المجرّد عن القرائن حجّة.
إذا عرفت هذه المقدّمات فلندخل في صلب الموضوع نفياً وإثباتاً.

أدلّة نفاة الحجّية

استدلّ النافي للحجّية بالأدلّة الثلاثة:

الأوّل: الاستدلال بالقرآن الكريم

الآيات الناهية عن اتّباع الظن أوّلاً، وعن اقتفاء غير العلم ثانياً. أمّا النهي عن الظن فقد جاء ضمن ثلاث آيات هي:

1 . لاحظ العدّة: 1 / 336 ـ 367، طبعة مؤسسة آل البيت(عليهم السلام).

232
الآية الأُولى:(إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)(1).
الآية الثانية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)(2).
فالآية الأُولى مركّبة من صغرى وكبرى، فالصغرى قوله: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ)والكبرى قوله: (وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا): أي اتّباع الظن لا يغني من الحق شيئاً.
والآية الثانية وإن كانت تنهى عن اتّباع كثير من الظن لا كلّه، غير أنّ القليل المطابق للواقع إذا كان غير معلوم وغير معروف لا يمكن الأخذ بواحد من الظنون، للعلم الإجمالي بفساد كثير منه.
الآية الثالثة: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)(3).
ومورد الآية الأُولى ما يشبه أن يكون من الأُصول، ومورد الآية الثانية هي ظن السوء بالأخ المؤمن، ولكن مورد الآية الثالثة مطلق يعمّ الأُصول والفروع.

إجابة القائلين بالحجّية عن الاستدلال بالآيات

استدلال النافين لحجّية الخبر الواحد بالآيات
أجاب القائلون بالحجّية عن الاستدلال بالآيات النافية للحجية، كالشيخ والمحقّق الخراساني بوجوه:

1 . النجم: 27 ـ 28.
2 . الحجرات: 12.
3 . الإسراء: 36.

233
1. اختصاصها بالأُصول ولا تعمّ الفروع.
2. على فرض تسليم عمومها، تخصّص بالأدلّة الدالّة على حجّية قول الثقة.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الآية الثالثة، مطلقة تعمّ الأُصول والفروع حتّى أنّ الإمام (عليه السلام)استدلّ بالآية على حرمة استماع الغناء عند التخلّي.
ثانياً: أنّ مساق الآيات الثلاث هو الدعوة إلى قضاء الفطرة حيث إنّها تقضي على عدم جواز الحكم بشيء إلاّ بعد التبيّن، وقد نقل عن الشيخ الرئيس أنّه قال: من اعتقد بشيء بلا دليل ولا برهان فقد خرج عن الفطرة الإنسانية. وعلى ذلك فلا معنى لتخصيص الآيات بالأُصول; لأنّ الأحكام الفطرية كالأحكام العقلية، غير قابلة له.
3. ما أجاب به الرازي في تفسيره وهو أنّه لو دلّت الآيات على عدم جواز التمسّك لدلّت على عدم جواز التمسّك بنفسها، فالقول بحجّيتها يقتضي نفيها وهو غير جائز.(1) وذلك لأنّ الظواهر من قبيل الظنون والتمسّك بالظواهر الظنية على عدم حجّية الظن، يلازم عدم جواز التمسّك، وهذا ما يقال: بأنّه يلزم من وجوده عدمه.
يلاحظ عليه: أنّه مبني على كون الظواهر من الظنون، وقد عرفت خلافه.
4. أنّ نسبة الأدلّة الدالّة على جواز العمل بخبر الواحد ليست نسبة التخصيص بل نسبة الحكومة، فإنّ تلك الأدلّة تقتضي إلغاء احتمال الخلاف وجعل الخبر محرزاً للواقع، فيكون حاله حال العلم في عالم التشريع فلا يمكن أن تعمّه الأدلّة الناهية عن العمل بالظن.(2)

1 . مفاتيح الغيب: 20 / 210 . 2 . فوائد الأُصول:3/161.

234
يلاحظ عليه: أنّ الحكومة قائمة بلسان الدليل، وهي فرع أن يكون في المقام دليل لفظي يدلّ على حجّية خبر الواحد حتّى يكون حاكماً بلسانه على هذه الآيات، ولكنّه غير موجود لما ستعرف من أنّه ليس في المقام دليل على الحجّية سوى السيرة العقلائية على الأخذ بالخبر الموثوق صدوره أو خبر الثقة، والسيرة دليل لبِّي، فكيف يكون حاكماً عليها؟!

ما هو الحق في الجواب؟

الحق أن يقال: إنّ الظن يطلق ويراد منه معان مختلفة:
1. اليقين في قوله سبحانه: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)(1).
والمراد منه ـ بقرينة كونه وصفاً للخاشعين ـ هو اليقين.
استدلال النافين لحجّية الخبر الواحد بالسنّة
2. الاطمئنان في قوله سبحانه: (وَ عَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(2).
والآية نزلت في المتخلّفين عن غزوة تبوك فقد بقوا في المدينة حتّى رجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الغزوة وهم بعدُ مشغولون بالتجارة والزراعة، فصعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)المنبر وخاطب الناس وقال: «لا تبايعوهم ولا تناكحوهم ولا تعاشروهم» فصارت المدينة بسبب هذا الحصار الاقتصادي سجناً عليهم، فشعروا عند ذلك أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه، فغادروا المدينة نازلين الجبال نادمين مستغفرين فتاب الله عليهم، والشاهد في الآية قوله: (وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ

1 . البقرة: 45 ـ 46. 2 . التوبة: 118.

235
مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ)حيث إنّ الظن بمعنى الاطمئنان والشعور الباطني سواءً وصل إلى حد اليقين أم شارفه.
3. ترجيح أحد الدليلين استناداً إلى الأُمور الواهية الّتي هي أشبه بالخرص والتخمين وإظهار النظر من دون دليل مقنع كما كان ذلك حال المشركين حيث كانوا يُسمّون الملائكة تسمية الأُنثى.
والشاهد على استعماله في الترجيح الواهي قوله سبحانه: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)(1).
ترى أنّه سبحانه أتى بعد قوله: (إِلاَّ الظَّنَّ) بقوله: (وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)تفسيراً للظن.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه أُريد من الظن الوارد في الآية الأُولى الخرص والتخمين بشهادة قوله في الآية الأُولى: (لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى)استناداً إلى أوهام وتوهّمات تسبّب تصوير الملائكة إناثاً.
ومثلها الآية الثانية حيث نُهي فيها عن الظن المسبّب للتجسّس المسبّب للغيبة، ومن المعلوم أنّ السبب لهذين الأمرين المحرّمين هو الظن السيِّئ غير المعتمد على دليل سوى توهّم الإنسان وجنوحه إلى تحقير الطرف الآخر، وأين هذا من قول الثقة الّذي قد تأبى عدالته عن الكذب وذكاؤه عن السهو والاشتباه.
وبذلك يعلم الجواب عن الآية الثالثة، أعني قوله: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)معلّلاً بقوله: (إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ

1 . الأنعام: 116.

236
مَسْؤُولاً )(1)، فالمراد من العلم في الآية هو الحجّة لا العلم المنطقي، حتّى أنّ العلم في أكثر الروايات جاء بمعنى الحجّة فقوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك»، أي لا تنقض الحجة بلاّ حجة.
ومن المعلوم أنّ الخبر الواحد حجّة عقلائية يدور عليه رحى الحياة، فتكون خارجة عن مفاد الآية خروجاً موضوعياً.
إلى هنا تمّ الكلام في الدليل الأوّل من أدلّة نفاة الحجّية، وإليك دراسة ما بقي من الأدلّة.

الثاني: الاستدلال بالسنّة

استدلّ القائلون بعدم جواز العمل بالخبر الواحد، بروايات اختلفت مضامينها وانقسمت إلى أصناف، لكنّهم استظهروا من المجموع دلالتها على عدم حجّيته، وإنّها وإن لم تكن متواترة لفظاً ولا معنى إلاّ أنّها متواترة إجمالاً للعلم بصدور بعضها لا محالة.
وأجاب عنه المحقّق الخراساني: انّها وإن كانت متواترة إجمالاً إلاّ أنّها لا تفيد إلاّ فيما توافقت عليه وهو غير مقيد في إثبات السلب الكلّي كما هو محلّ الكلام وإنّما تفيد عدم حجّية الخبر المخالف للكتاب والسنّة والالتزام به غير ضائر، بل لا محيص عنه في مقام المعارضة.(2)
لكن الأولى دراسة الروايات على وجه التفصيل ولكن القدر الجامع بين الجميع متواتر معنى، وإليك رؤوس أصنافها:
الأوّل: ما يدلّ على لزوم الاكتفاء بما يعلم، وتدلّ عليه رواية واحدة.

1 . الإسراء: 36. 2 . كفاية الأُصول:2/80 .

237
الثاني: ما يدلّ على حجّية ما وافق الكتاب والسنّة، وبهذا المضمون روايات خمس.
الثالث: ما يدلّ على عدم حجيّة مخالف الكتاب، وبهذا المضمون رواية واحدة.
الرابع: ما يجمع بين الأمرين، يأمر بأخذ الموافق وطرح المخالف، وبهذا المضمون روايتان.
وقد بثّ الشيخ الحر العاملي هذه الروايات في الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، وإليك دراسة هذه الأصناف.
أمّا الصنف الأوّل: أعني: ما يدلّ على الاقتصار بما يعلم، فقد رواه النضر الخثعمي قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «مَن عرف إنّا لا نقول إلاّ حقّاً فليكتف بما يعلم منّا، فإن سمع منّا خلاف ما يعلم فليعلم أنّ ذلك دفاع منّا عنه».(1)
يلاحظ عليه: بأنّه كما للآيات شأن نزول هكذا للروايات شأن صدور، والرواية ناظرة إلى الذموم الّتي صدرت عن الإمام الصادق (عليه السلام)بالنسبة إلى أخلص أصحابه عملاً وأرسخهم قدماً، مثل زرارة وغيره لكن لا لغاية تنقيصه واقعاً بل لأجل صيانة نفسه عن شر الأعداء، حيث إنّه كان له مكانة عند جمهور الناس فاشتهاره بالإخلاص للإمام (عليه السلام)يسبب له مشكلة أو مشاكل فلذلك قام الإمام ـ لصيانة دمه ـ بذمّه في المجالس الغاصّة بالقضاة والحكّام، حتّى لا يطمع في حقّه طامع.

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3. والرواية ضعيفة بمحمد بن سنان، والنضر الخثعمي إمّا مهمل أو مجهول.

238
وعلى ضوء هذا فالرواية بصدد بيان أنّ وظيفة الشيعة في هذه المجالات ـ لا في كلّ مورد ـ الاكتفاء بما يعلمون جداً من عناية الإمام الصادق (عليه السلام)بالنسبة إلى زرارة فإذا سمعوا شيئاً يخالف علمهم فليكتفوا بما علموا، ويحملوا خلاف ما علم على التقية، وأين هذا من الدلالة على عدم حجّية خبر الواحد؟!
وأمّا الصنف الثاني ـ أعني: ما يدلّ على عدم حجّية الخبر الواحد إلاّ إذا وافق الكتاب والسنّة، ويكون هناك له شاهد أو شاهدان من القرآن ـ : فقد عرفت أنّه ورد بهذا المضمون روايات خمس نأتي بها:
أ. ما رواه أيوب بن راشد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مالم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف».(1)
والرواية صحيحة لولا وجود ابن فضال الفطحي في السند فتكون موثّقة وغيره كلّهم ثقات نظير: أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن عقبة بن خالد، وأيوب بن راشد من مشايخ صفوان الّذي لا يروي إلاّ عن ثقة.
ب. ما رواه أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، كلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» (2).
والرواية صحيحة.
ج. مرسلة ابن أبي بكير، عن رجل، عن أبي جعفر ـ في حديث ـ قال: «إذا جاءكم عنّي حديث فوجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به، وإلاّ فقفوا عنده»(3).
والرواية مرسلة مضافاً إلى أنّ ابن بكير فطحي.

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12.
2 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14.
3 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 18.

239
د. خبر جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)ـ في حديث ـ: «.. فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً فردّوه».(1)
والرواية ضعيفة لوجود عمر بن شمر الضعيف في السند، مضافاً إلى أنّ جابر الجعفي لا يخلو عن كلام.
هـ. ما رواه سدير قال: قال أبو جعفر، وأبو عبدالله (عليهما السلام): «لا يصدق علينا إلاّ ما وافق كتاب الله وسنّة نبيّه».(2)
والرواية مرسلة وسدير ثقة، ومن المأسوف عليه أنّ من نَسَخَ تفسير العياشي فقد أسقط أسانيده، واقتصر بذكر الراوي عن الإمام (عليه السلام).
وعلى كلّ تقدير فالمجموع متضافر لا يمكن ردّه، وبذلك احتجّ به النافي لحجّية خبر الواحد لكون المجموع مستفيضاً.
يلاحظ على الاستدلال بهذه الروايات بوجوه:
أوّلاً: لو كانت هذه الروايات بصدد المنع عن العمل بالخبر الواحد كان على الإمام أن يصرّح بالغاية المتوخّاة دون أن يكنّي عنه بموافقة الكتاب، وهذا دليلٌ على أنّ الهدف غير ما رامه المستدل.
ثانياً: أنّ اشتراط الحجّية بموافقة الكتاب ينتهي إلى لغوية الخبر الواحد، إذ بعد وجود المضمون في الذكر الحكيم لم تبق حاجة إلى الخبر الواحد.
ثالثاً: لا شكّ أنّه صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)روايات كثيرة في مختلف الأبواب في المعارف، والعلوم الكونية، والأخلاق، والأحكام، ولا يوصف بالموافقة حيث إنّ مضامينها غير موجودة في القرآن الكريم حسب

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 37.
2 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 47.

240
فهمنا. فاشتراط الموافقة ينتهي إلى لغوية عامّة الأخبار الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والآل(عليهم السلام) مع أنّه أمر مجمع على بطلانه، كيف وحذف السنّة غير المتواترة والمستفيضة ينتهي إلى إلغاء أكثر الأحاديث والروايات من كتب الصحاح والمسانيد، فلا محيص من إرجاع هذه الروايات إلى شرطية عدم المخالفة، لا شرطية الموافقة، وسيوافيك الكلام في الشرط الثالث.
وأمّا الصنف الثالث ـ أعني: ما يدلّ على عدم حجّية المخالف ـ : فهي مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «مَن خالف كتاب الله وسنّة محمد فقد كفر»(1).
يلاحظ عليه: أنّه لا صلة له بالخبر الواحد، وأنّه يركّز على مَن أفتى بخلاف الكتاب فقد كفر، والبحث في المقام في الرواية لا في الإفتاء. ولعلّ المراد من الكفر هو ستر الحق، أو كفر النعمة، كما يحتمل غيرهما.
إن قلت: إذا ثبت الحكم في الإفتاء يثبت في الأخبار أيضاً فيكون الخبر المخالف للكتاب غير حجّة.
قلت: سيوافيك الجواب عنه فانتظر.
وأمّا الصنف الرابع ـ أعني: ما جمع بين العنوانين ـ : يشترط فيه موافقة الكتاب وعدم مخالفته، فقد ورد بهذا المضمون روايات نذكر منها ما يلي:
أ. ما رواه السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ على كلّ حق حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه» (2).

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 16.
2 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.

241
ب. ما رواه هشام بن الحكم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «خطب النبي بمنى فقال: أيّها الناس ما جاءكم يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله».(1)
فالرواية الأُولى معتبرة لعمل الأصحاب بما يرويه النوفلي عن السكوني، والرواية الثانية صحيحة، وأمّا المضمون فلابد من حمل الموافقة على عدم المخالفة، لما عرفت من أنّه لا يصحّ جعل الموافقة ملاكاً للقبول، وإلاّ يلزم إلغاء عامّة الروايات الّتي لا توافق الكتاب لأجل خلو الكتاب عن مضمونها.
وعلى ضوء ذلك فيصحّ للمخالف أن يستدلّ بهذه الروايات المتضافرة على عدم حجّية خصوص الخبر المخالف للكتاب فقط. وموردها أحد أمرين:

الأوّل: الخبر المباين للكتاب في مجال العقائد

الروايات النافية لحجّية الخبر المخالف للكتاب ناظرة إلى المخالف له تماماً، الّذي يعبر عنه بالتباين الكلّي، وموردها ما ورد في مقامات الأئمة والأنبياء(عليهم السلام)حيث إنّ ظاهرة الغلو بدت في عصر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)فنمت إلى أن بلغت الذروة في عصر الصادق والكاظم والرضا(عليهم السلام)، فكان هناك أُناس يضعون الأحاديث في حق الأئمة إمّا تشويهاً لسمعتهم حتّى ينفضّ الناس من حولهم، بحجّة أنّهم يقولون خلاف القرآن الكريم والسنّة النبويّة، أو لغاية الاستئكال بالأحاديث حيث كانوا يملكون قلوب عوام الشيعة والسُّذج منهم، بالغلو في حقّهم، وقد احتفلت كتب الملل والنحل بهذه الفرق كالخطابية والنُّصيرية.

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15. ويحتمل وحدتها مع الرواية السابقة.

242
روى الكشي، قال يحيى بن عبدالحميد الحمّاني في كتابه المؤلّف في إثبات إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام): قلت لشريك (1): إنّ أقواماً يزعمون أنّ جعفر بن محمد ضعيف الحديث، فقال: أُخبرك القصة، كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعاً، فاكتنفه قوم جهّال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون: حدّثنا جعفر بن محمد، ويحدّثون بأحاديث كلّها منكرات كذب موضوعة على جعفر ليستأكلون الناس بذلك، ويأخذون منهم الدراهم، كانوا يأتون من ذلك بكلّ منكر، فسمعت العوام بذلك منهم، فمنهم من هلك ومنهم من أنكر.(2)
فظاهرة الغلو كانت ظاهرة خبيثة توجب سقوط أئمة أهل البيت(عليهم السلام)عن أعين الناس، ولذلك أمر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الناس بعرض الروايات على الكتاب فما وافق أُصول التوحيد ومراتبها والعدل يؤخذ به، وما خالف فلايؤخذ به.
روى الكشي عن ابن سنان قال أبوعبد الله (عليه السلام): «إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس ».(3)
ولقد بذل العلماء القدامى جهدهم في تهذيب الأخبار عن وصمة الغلو فلا تجد رواية تخالف القرآن الكريم إلاّ النادر فالكتب الأربعة منقحة من هذه الأخبار الموسوسة.
استدلال النافين لحجّية الخبر الواحد بالإجماع

1 . شريك بن عبدالله (95 ـ 177 هـ)، القاضي في خلافة المنصور والمهدي، طبقات الفقهاء: 2 / 265.
2 . بحار الأنوار: 25 / 302، الحديث 67.
3 . بحار الأنوار: 25 / 263، باب نفي الغلو، الحديث 1.

243

الثاني: حمل الروايات على باب التعارض

إنّ ما ورد في هذا الباب يتّحد لسانه مع ما ورد في الخبرين المتعارضين نظير ما رواه عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: قال الصادق (عليه السلام): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فأعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه»(1).
ترى أنّ روايات البابين على مساق واحد فيحمل رفض الخبر الواحد على المبتلى بالمعارض حتّى فيما لو كان أحدهما موافقاً للقرآن والآخر مخالفاً لعمومه فيؤخذ بالموافق.
نعم لو كان المخالف لعموم الكتاب مجرداً عن المعارضة يؤخذ به ويخصص القرآن به، وأمّا إذا ابتلى بالمعارض فلا يؤخذ بالمخالف وإن كانت النسبة بينهما بصورة العموم والخصوص.

الدليل الثالث: الإجماع

ادّعى السيد المرتضى ومن تبعه، الإجماع على عدم حجّية الخبر الواحد، وجعل ذلك من شعار الشيعة، وأنّهم يعرفون بطرد القياس والاستحسان والخبرالواحد; يقول في الفصل العاشر الّذي لخّص فيه ما بسط من الكلام في الفصول السابقة : اعلم إنّا إذا كنّا قد دللنا على أنّ الخبر الواحد غير مقبول في الأحكام الشرعية فلا وجه لكلامنا في فروع هذا الأصل الّذي دللنا على بطلانه، لأنّ الفرع تابع لأصله، فلا حاجة بنا إلى الكلام على أنّ المراسيل مقبولة أو مردودة، ولاعلى وجه ترجيح بعض الأخبار على بعض، وفيما يردُّ له

1 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29، ولاحظ الحديث 48، 49.

244
الخبر أو لا يردّ في تعارض الأخبار، فذلك كلّه شغل قد سقط عنّا بإبطالنا ما هو أصل لهذه الفروع.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ادّعاء السيد الإجماع على عدم العمل به يعارض ادّعاء الشيخ الإجماع على العمل به، يقول في العدّة: والّذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة المحقّة فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار الّتي رووها في تصانيفهم ودوّنوها في أُصولهم، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتّى أنّ واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا.(2)
وثانياً: أنّ كلام المرتضى وإن كان مطلقاً لكن لا يبعد أنّ مراده نفي الحجّية عن أخبار الآحاد الّتي يرويها المخالفون.
وهذا هو الّذي استفاده تلميذه من كلامه حيث قال: فإن قيل: كيف تدّعون الإجماع على الفرقة المحقّة في العمل بالخبر الواحد، والمعلوم من حالها أنّه لاترى العمل بالخبر الواحد، كما أنّ المعلوم من حالها أنّها لاترى العمل بالقياس؟
فأجاب: قيل لهم: المعلوم من حالها الّذي لا ينكر ولا يدفع أنّهم لا يرون العمل بالخبر الواحد، الّذي يرويه مخالفهم في الاعتقاد ويختصّون بطريقه.(3)
استدلال القائلين بحجية الخبر الواحد بالقرآن الكريم
إلى هنا تمّت أدلّة القائلين بعدم الحجّية، وقد عرفت عدم تماميتها

1 . الذريعة: 386.
2 . عدّة الأُصول: 1 / 126. وظاهر العبارة ادّعاء الإجماع على الأخبار المدونة في أُصولهم، ولعلّ لها خصوصية تسبّب جواز العمل بها، وهذا غير العمل بالخبر الواحد مطلقاً. فتدبّر.
3 . لاحظ العدة: 1 / 127 ـ 128.

245
لإثبات المطلوب، وحان الوقت لدراسة أدلّة القائلين بالحجّية.

أدلّة القائلين بالحجّية

استدلّ القائلون بالحجّية بطوائف من الأدلّة، وإليك بيانها:

1. الكتاب العزيز

الآية الأُولى: آية النبأ

قال سبحانه: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(1).
ذكر الطبرسي سبب نزولها وقال: نزلت الآية في الوليد بن عقبة، بعثه رسول الله في جباية صدقات بني المصطلق، فخرجوا يتلقونه فرحاً به ـ وكانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية ـ فظن أنّهم هَمُّوا بقتله، فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: إنّهم مَنعوُا صدقاتِهم، وكان الأمر بخلافه، فغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهمّ أن يغزوهم فنزلت الآية.(2)
إنّ الجزء الأخير من القصة، غير صحيح فليس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من المتسرّعين في القضاء، ولو كان كذلك لتوجّه الخطاب إليه، مع أنّه توجّه إلى المؤمنين.
أسلم بنو المصطلق في العام السادس من الهجرة، وأسلم وليد بن عقبة وعامة الأمويين في العام الثامن المسمّى بعام الفتح، فيجب أن يكون بعثه إلى جباية الزكاة بعد عام الفتح، وقبل رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . الحجرات: 6.
2 . مجمع البيان: 5 / 132.

246
وأمّا بعثه إلى جباية الزكاة مع كونه فاسقاً فلأجل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان مأموراً بالعمل بالظاهر لا الباطن، ولعلّه لم يظهر منه منذ أسلم إلى زمان البعث أي فسق ظاهراً، وإن كان في الواقع فاسقاً.
ثم إنّ الاستدلال بالآية يتمّ بطريقين:
1. مفهوم الوصف.
2. مفهوم الشرط.
وإليك بيانهما:

الأوّل: الاستدلال بمفهوم الوصف

الاستدلال بمفهوم الوصف يقرّر بوجهين:
الأوّل: إنّ قوله: فاسق، وصف لموصوف محذوف، أي مخبر فاسق، فالمخبر الموصوف بالفسق يجب تبيّن خبره، فيكون مفهومه انتفاؤه عند انتفاء الوصف، بمعنى كون المخبر عادلاً. وهذا سار في كلّ وصف لا ثالث له، كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في سائمة الغنم زكاة» فمعناه: الغنم بقيد السائمة فيها زكاة، ويكون مفهومه: الغنم بقيد عدم كونها سائمة ليس فيها زكاة.
يلاحظ عليه: أنّ القيود على أقسام خمسة:
1. القيد الزائد: مثل قوله: الإنسان الضاحك ناطق.
2. القيد التوضيحي: مثل قوله سبحانه: (وَ لاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)(1)، فإنّ إرادة التحصّن مقوّم لصدق الإكراه على البغاء، إذ مع عدم إرادته والجنوح إليه لا يتحقّق الإكراه.

1 . النور: 33.

247
3. القيد الغالبي: مثل قوله سبحانه: (وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ )(1).
فإنّ ربيبة الزوجة المدخولة بها حرام مطلقاً، سواء أكانت في حجر الرجل أم لا؟ ولكن الغالب في الزوجة المطلقة أو المتوفّى عنها زوجها هو عدم مفارقة البنت والإتيان بها إلى بيت الزوج الثاني، إذ قلّما يتّفق تركها في بيت الزوج الأوّل. وعلى ذلك فيصبح قوله: (فِي حُجُورِكُمْ)قيداً غالبياً.
4. القيد الاحترازي: ومعناه دخالة القيد في الحكم الوارد في القضية وأنّه ينتفي بانتفائه، وأمّا الحكم النوعي المعبّر عنه في لسان الأُصوليّين بسنخ الحكم فيكون ساكتاً عنه، إذ يمكن بقاء نوع الحكم بإقامة قيد آخر مكانه، وإليك مثالاً: قال سبحانه: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)(2)، فلو انتفى الشاهدان ينتفي الحكم الشخصي، وأمّا وجوب الاستشهاد على النحو الكلّي فلا يدلّ على انتفائه لإمكان إقامة قيد مكان القيد المفقود، كما يدلّ عليه قوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتَانِ)(3).
5. القيد ذات المفهوم: والمراد به ما يكون سنخ الحكم وجوداً وعدماً دائراً مدار وجود القيد وعدمه، ولا يكون ذلك إلاّ إذا أحرز أنّ القيد علّة منحصرة للحكم.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المستدلّ خلط بين القيد الاحترازي والقيد ذات المفهوم، فإنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان القيد من قبيل القسم الأخير، أي يكون علّة منحصرة لكن من المحتمل أن يكون قيداً احترازياً يلازم انتفاؤه انتفاء شخص

1 . النساء: 23.
2 . البقرة: 282.
3 . البقرة: 282.

248
الحكم لا سنخه، نظير قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في سائمة الغنم زكاة» حيث إنّ شخص الحكم دائر مدار سوم الغنم، أمّا سنخ الحكم فيمكن أن يكون باقياً مع انتفاء السوم وإقامة المعلوفة مكان السائمة، ولا يلزم اللغوية لاحتمال أن تكون القضية جواباً لسؤال السائل عن السائمة فجاء الجواب وفقاً للسؤال وإن كان الحكم عاماً.
الوجه الثاني: ما حقّقه الشيخ، وقال: إنّ لخبر الفاسق حيثيتين: إحداهما ذاتية، وهي ما تكون وصفاً للخبر وهي كونه خبر الواحد; والأُخرى عرضية، أي ما يكون وصفاً للمخبر، ويوصف به الخبر أيضاً بالعناية، وتعليق التبيّن على العنوان العرضي دون الذاتي المشترك بين خبر العادل والفاسق، يعرب عن كونه السبب للتبيّن دون مطلق الخبر، وإلاّ كان العدول عنه إلى العرضي غير بليغ.(1)
يلاحظ عليه: أنّ البيان متين لو لم يكن للعدول عن الذاتي إلى العرضي وجه، وهو التصريح بفسق المخبر والتشهير به، ويترتّب على ذلك أنّ الآية ليست بصدد بيان جواز العمل بخبر العادل وعدمه، بل بصدد المنع عن العمل بخبر الفاسق، وبما ذكرنا يعلم أنّ الوجه الثاني إنّما هو تقرير لمفهوم الوصف لا لمفهوم الشرط، وما ذكره المحقّق النائيني من أنّه ينطبق على مفهوم الشرط غير ظاهر.
***

الثاني: الاستدلال بمفهوم الشرط

وقبل الاستدلال بمفهوم الشرط نذكر نكتة وهي أنّ حمل الجزاء على الموضوع على قسمين:

1 . الفرائد: 1 / 254، الطبعة المحقّقة في لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم.

249
1. يصحّ حمله عليه سواء أكان هناك شرط أم لا؟ كما إذا قال: زيد ـ إن سلّم ـ أكرمه. فإنّ حمل الجزاء صحيح سواء سلّم أم لا؟ غاية الأمر، خصّ الآمرُ الإكرامَ بإحدى الصورتين، وهو ما إذا سلّم.
2. لا يصحّ حمل الجزاء على الموضوع إلاّ مع وجود الشرط، بحيث لولاه لما صحّ حمله، كما إذا قال: الولد ـ إن رزقتَ به ـ فاختنه. أو زيد ـ ان ركب ـ فخذ ركابه، أو قال: الدرس ـ إذا قرأته ـ فاحفظه. ففي هذه الموارد يكون الشرط من محقّقات الموضوع، بحيث ينتفي الموضوع بانتفائه.
والقضية الشرطية ذات المفهوم هو القسم الأوّل الّذي يصحّ حمل الجزاء على الموضوع مطلقاً، سواء أكان هناك شرط أم لا; لا القسم الثاني، إذ فيه يكون سلب الجزاء عنه لأجل عدم الموضوع وهو لا يوصف بالمفهوم.
إذا علمت هذا فاعلم أنّ مفهوم الشرط في الآية يقرر بوجهين نابعين من الاختلاف في موضوع القضية المنطوقية حيث إنّه مردّد بين كونه نبأ الفاسق، أو النبأ المفروض وجوده في الخارج إذا جاء به الفاسق.
فقرّره المشهور على الوجه الأوّل، والمحقّق الخراساني على الوجه الثاني، وإليك بيانهما:

مفهوم الشرط على تقرير المشهور

إنّ الموضوع هو «نبأ الفاسق» والشرط «مجيء الفاسق» والجزاء «التبيّن والتثبّت» فكأنّه قال منطوقاً:
نبأ الفاسق ـ إن جاء به الفاسق ـ يوجب التبيّن.
ويكون المفهوم: نبأ الفاسق ـ إن لم يجئ به ـ فلا يوجب التبيّن.

250
لكنّ للشرط ـ عدم مجيء الفاسق ـ مصداقين:
1. عدم مجيء الفاسق والعادل به معاً، فيكون عدم وجوب التبيّن لأجل عدم الموضوع.
2. مجيء العادل به، فيكون عدم وجوب التبيّن ـ لا لأجل عدم الموضوع لافتراض وجود خبر العادل ـ بل لحكم الشرع بالعدم، فيكون من قبيل السالبة بانتفاء المحمول.
يلاحظ عليه: أنّه يشترط في القضية المنطوقية والمفهومية وحدة الموضوع حتّى يتوارد المحمول إيجاباً وسلباً على موضوع واحد، وأمّا إذا ورد الإيجاب على موضوع والسلب على موضوع آخر فلا يوصف هذا بالمفهوم، وبالتالي لا يدلّ عليه المنطوق.
وتقرير المشهور فاقد لهذا الشرط، لأنّ وجوب التبيّن حمل في المنطوق على خبر الفاسق وعدم وجوبه حمل في المفهوم على خبر العادل، فأين وحدة الموضوع في القضيتين؟! وكون «عدم مجيء الفاسق بنبأ» ذا مصداقين ثانيهما «مجيء العادل بنبأ» لا يكون دليلاً على كونه مفهوم القضية، لافتراض أنّ الموضوع في هذا اللازم غير الموضوع في المنطوق.
وعلى هذا فينحصر مفهوم القضية في المصداق الأوّل، أي عدم مجيء الفاسق فيكون عدم وجوب التبيّن لأجل عدم الموضوع، ويكون الشرط محقّقاً له.

مفهوم الشرط على تقرير المحقّق الخراساني

لمّا وقف المحقّق الخراساني على الإشكال في التقرير الأوّل الّذي وصفه الشيخ الأنصاري بعدم إمكان الذب عنه، عاد إلى تقرير آخر وهو يغاير

251
التقرير الأوّل من حيث الموضوع حيث اتّخذ الموضوع «النبأ المفروض أنّه جيء به» فقال: إنّ تعليق الحكم بإيجاب التبيّن عن النبأ الّذي جيء به ـ على كون الجائي به الفاسق ـ يقتضي انتفاءه عند انتفائه.(1)
توضيحه: أنّ الموضوع «هو النبأ الّذي جيء به» أي النبأ المفروض وجوده مع قطع النظر عن وصف الجائي، فمثل هذا ـ إن جاء به الفاسق يجب التبيّن ـ وأمّا إذا لم يجئ هو بالخبر المحقّق في الخارج فلا يجب التبيّن. فوجوب التبيّن مختص بحالة واحدة، وهي كون الجائي فاسقاً وعند عدمه لا يجب التبيّن، ومن المعلوم أنّ الخبر المفروض وجوده ـ إن لم يجئ به الفاسق ـ يكون الجائي به عادلاً.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم لو كانت الآية بصدد بيان أحكام الخبر على الإطلاق، فإذا حصر وجوب التبيّن لقسم واحد يكون مفهومه انتفاء الوجوب عن القسم الآخر، ولكن الآية ليست بهذا الصدد، وإنّما هي بصدد بيان حكم نبأ الفاسق لا مطلق النبأ. فلا يتم القول بأنّ الموضوع هو النبأ الموجود في الخارج.

التقرير الثالث لمفهوم الشرط في الآية

لقد قرّر السيد الخوئي مفهوم الآية ببيان يقرب ممّا ذكره المحقّق الخراساني وحاصله:
إنّ الشرط تارة يكون بسيطاً ويكون الجزاء في نفسه متوقّفاً على الشرط، كما في قولك: إن رزقت ولداً فأختنه.
وأُخرى يكون مركّباً، ويكون الجزاء متوقّفاً عقلاً على كليهما، كما إذا

1 . كفاية الأُصول: 2 / 38.

252
قال: إن رزقت ولداً وكان ذكراً فأختنه.
وثالثة يكون متوقّفاً على أحدهما دون الآخر، كما إذا قال: إن ركب الأمير ـ وكان يوم الجمعة ـ فخذ ركابه، فإنّ أخذ الركاب متوقّف على الركوب عقلاً، ولا يتوقّف على كون ركوبه يوم الجمعة.
ومثله المقام فإنّ التبيّن يتوقّف على النبأ، ولا يتوقّف عقلاً على الجزء الآخر، أعني: كون الآتي به فاسقاً، ومفاده عدم التبيّن عن النبأ عند انتفاء كون الآتي به فاسقاً.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره تحليل عقلي صحيح في عالم الثبوت إنّما الكلام في دلالة الآية على ما ذكره، وهو مبني على كون الآية بصدد بيان حكم مطلق النبأ المفروض وجوده، فعندئذ يكون الموضوع الّذي لابد منه هو نفس النبأ ـ لا نبأ الفاسق ـ إذ لا يتوقّف النهي عليه.
ولكن المتبادر من الآية هو أنّها بصدد بيان حكم قسم واحد للنبأ من دون نظر إلى قسم آخر.
التقرير الرابع: أنّ الداعي للتبيّن أمر واحد وهو احتمال كذب الراوي. وهذا الاحتمال موجود في خبر الفاسق لفقدان الملكة الرادعة عن الكذب، دون العادل، لأنّه لا يكذب قطعاً، وأمّا احتمال الاشتباه والخطأ فالعادل والفاسق فيهما سيّان، والآية ناظرة إلى الجهة الأُولى لا الثانية.
ولعلّ هذا التقرير أوضح التقارير.لكنّه تحليل عقلي لا صلة له بدلالة الآية.
عموم التعليل مانع عن ثبوت المفهوم
وقد أُورد على الاستدلال بالمفهوم إشكالات نذكر منها ما يلي:

1 . مصباح الأُصول: 2 / 159.

253

الإشكال الأوّل: عموم التعليل مانع عن ثبوت المفهوم

كان البحث السابق يركّز على وجود المفهوم وعدمه، أي على وجود المقتضي للمفهوم وعدمه، ولكن هذا الإشكال يركّز على وجود المعارض إمّا عن انعقاد المفهوم أو كونه معارضاً له. ويقرر الإشكال بوجهين:
الأوّل: ما للشيخ الأنصاري، قال: إنّ مقتضى عموم التعليل وجوب التبيّن في كلّ خبر لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به وإن كان المخبر عادلاً فيعارض المفهوم والترجيح مع ظهور التعليل.(1) لأنَّ الندامة موجودة في خبر العادل والفاسق.
وأُجيب عن الإشكال بوجوه:
الأوّل: ما أجاب به الشيخ بقوله بأنّ هذا الإيراد مبني على أنّ المراد بالتبيّن هو التبيّن العلمي، كما هو مقتضى اشتقاقه. ويمكن أن يقال: إنّ المراد منه ما يعمّ الظهور العرفي الحاصل من الاطمئنان الّذي هو مقابل الجهالة.(2) وهو متحقّق في خبر العادل دون الفاسق .
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه قرر الإشكال على أساس أنّه لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به وأنّه مشترك بين الفاسق والعادل، ولكنّه في مقام الإجابة ركّز على تفسير التبيّن وأنّ المراد منه هو الاطمئنان والجواب لا صلة له بالإشكال ظاهراً.
وثانياً: التبيّن في القرآن الكريم استعمل في التبيّن العلمي، نظير قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(3).

1 . فرائد الأُصول: 1 / 258 ـ 259. 2 . فرائد الأُصول: 1 /260. 3 . النساء: 94.

254
وقوله سبحانه: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)(1).
وقوله سبحانه: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)(2).
ولابدّ له من الدليل على أنّ الاطمئنان من مراتب التبيّن، كما سيوافيك.
الثاني: أنّ المحقّق الخراساني ركّز في مقام الإشكال على الجهالة وأنهّ بمعنى عدم العلم، وهو يعمّ كلا الخبرين.
ثم أجاب بأنّ الجهالة بمعنى السفاهة وفعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل وهو غير موجود في خبر العادل.
يلاحظ عليه: أنّ الجهالة وإن كانت تستعمل في معنى السفاهة مثل قوله: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءً بِجَهَالَة ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(2).
لكنّه لغة خلاف العلم قال الطريحي: الجهل خلاف العلم يقال: جهل فلان جهلاً وجهالة. فظهر أنّ جواب العلمين غير ناجح.
الثالث: ما أجاب به المحقّق النائيني من أنّ المفهوم حاكم على التعليل، لأنّ أقصى ما يدلّ عليه التعليل عدم جواز العمل بما وراء العلم، والمفهوم يقتضي إلغاء احتمال الخلاف وجعل خبر العادل محرزاً للواقع وعلماً في مقابل التشريع، فلايعقل أن يقع التعارض بينهما، لأنّ المحكوم لا يعارض الحاكم ولو كان ظهوره أقوى.(4)
يلاحظ عليه: أنّ الحكومة عبارة عن نظارة أحد الدليلين على الدليل

1 . فصلت: 53. 2 . البقرة: 187.
2 . الأنعام:54. وقريب منه ما في سورة النحل:119 والنساء: 17. 4. فوائد الأُصول:3/172.

255
الآخر، إمّا بالتضييق في جانب الموضوع أو التوسعة فيه.
أمّا الأوّل: فكقوله: «لا ربا بين الزوج والزوجة» بالنسبة إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا )(1).
وأمّا الثاني: فكقوله: «التراب أحد الطهورين» بالنسبة إلى قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور»، فإنّه في الدليل الثاني منصرف إلى الطهارة المائية، لكن الدليل الأوّل وسّعَ الموضوع.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ النظارة فرع انعقاد الظهور لكلّ من الحاكم والمحكوم، ولا يتحقّق ذلك إلاّ إذا كانا دليلين منفصلين دون ما كانا متّصلين، إذ عندئذ لا ينعقد الظهور لواحد منهما، بل ينتهي الأمر إلى الإجمال.
أضف إلى ذلك: أنّه يستلزم الدور، لأنّ ظهور القضية في المفهوم، فرع حاكميته على التعليل المزاحم لانعقاد المفهوم، وكونه حاكماً، فرع وجوده واشتمال القضية على المفهوم.
إلى هنا تم بيان الأجوبة الثلاثة عن الإشكال، وقد عرفت عدم نجاحها، والأولى في الجواب أن يقال:
دفع هذا الإشكال رهن توضيح أُمور ثلاثة:
1. التبيّن في قوله تعالى: (فتبَيّنوا)، قال الطريحي: أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تعجلوا فيه. ومن المعلوم أنّ التبيّن له مراتب: مرتبة منه هو الاعتقاد الجازم الذي يسمّى بالعلم المنطقي، ومرتبة منه الاطمئنان وسكون النفس. والتبيّن بهذا المعنى موجود في خبر الثقة دون الفاسق ولذلك صار غنياً عن التبيّن.

1 . البقرة: 278.

256
2. الجهالة، قد فسّر في اللغة بمعنى خلاف العلم، فلو أُريد من العلم أعم من الاعتقاد الجازم والاطمئنان، فخبر الثقة ليس من مصاديق خلاف العلم، بل هو مصداق العلم، بخلاف خبر الفاسق، فبما أنّه لا رادع له من الكذب فقوله خلاف العلم وبذلك ظهر أنّ الجهالة بمعنى خلاف العلم لا ينطبق على خبر الثقة، فيبطل قول المستشكل من عموم التعليل لما عرفت من أنّ الجهالة لا تشمل خبر الثقة.
3. وأمّا الندامة فإنّ التعليل يمنع عن العمل بالخبر الذي هو معرض الندامة من أوّل الأمر، وخبر الفاسق في معرضها قبل العمل وعند العمل، دون خبر العادل.

الإشكال الثاني: خروج المورد عن المفهوم

وقد أشار الشيخ إلى هذا الإشكال وقال: إنّ مفهوم الآية غير معمول به في الموضوعات الخارجية الّتي منها مورد الآية، وهو إخبار الوليد بارتداد طائفة، ومن المعلوم أنّه لا يكفي فيه خبر العادل فلا أقلّ من اعتبار العدلين، فلابدّ من طرح المفهوم لعدم جواز إخراج المورد.
ثم أجاب عنه الشيخ بأنّه لا يلزم إخراج المورد، غاية الأمر يقيد إطلاق المفهوم في مورد الموضوعات بضمّ عادل آخر إليه، فقول العادل حجّة مطلقاً، غاية الأمر إذا كان المخبر به حكماً شرعياً يؤخذ بقوله، وإذا كان موضوعاً خارجياً فلابدّ من ضمُّ عادل إليه.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر تعبير آخر عن الإشكال، فإنّه مبني على حجّية قول الثقة على وجه الإطلاق سواء أضم إليه عادل آخر أم لا، وليس الجواب إلاّ تقرير الإشكال بنحو آخر، وهو تقييد الإطلاق في الموضوعات بضم عادل آخر.

257
والأَولى أن يقال بعدم وجود الإطلاق في ناحية المفهوم، إذ غاية ما يستفاد من الآية، هو ضرب القاعدة بين الفاسق والعادل وأنّ الأوّل لا عبرة بخبره بخلاف الثاني، وأمّا التفاصيل فموكول بيانها إلى محالّها. فلا إشكال في تقييده في الموضوعات بالتعدّد وهو لا يضرّ بحجّية المفهوم.
على أنّ الإشكال متوجّه إلى من قال بعدم حجّية الخبر الواحد في الموضوعات وأمّا نحن ففي فسحة منه لما قلنا في محلّه حجّيته فيها إلاّ ما خرج بالدليل.(1)

الإشكالات غير المختصّة بآية النبأ

هناك إشكالات لا تختصّ بالآية، بل تعمّ جميع ما استدلّ به على حجيّة الخبر الواحد، وكان على الشيخ التفكيك بين النوعين.

الأوّل: التعارض بين المفهوم والآيات الناهية

إنّ النسبة بين الآيات الناهية عن العمل بغير العلم ومفهوم الآية عموم وخصوص من وجه، فقول العادل إذا أفاد العلم يشمله المفهوم دون الآيات، وخبر الفاسق تشمله الآيات دون المفهوم ويتصادقان في خبر العادل المفيد للظن، فالمرجع هو عموم الآيات لأقوائيتها.
يلاحظ عليه: بأنّ النسبة بينهما، التباين لما عرفت من أنّ المراد من قوله سبحانه:(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ):أي ما ليس بحجة، فلو دلت الآية على حجّية قول الثقة تكون النسبة بينهما هو التباين. كما أنّ المراد من الظن في

1 . لاحظ: كليات في علم الرجال:26.

258
قوله:(إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) هو الخرص والتخمين كالظنون الحاصلة من غير أساس، وأين هي من خبر الثقة الّذي هو حجّة عقلائية فلا تشمله الآيات الناهية، وقد مرّ توضيحه سابقاً.

الثاني: قول السيد من مصاديق المفهوم

لو كان خبر العادل حجّة، فقول السيد أيضاً خبر الواحد، داخل تحت الآية وهو يخبر عن قول المعصوم بطريق الإجماع، فلو كان حجّة لزم عدم حجيّة الخبر الواحد بتاتاً.
وقد أُجيب بوجوه أفضلها أنّ أدّلّة حجّية قول الثقة مختصّة بما إذا أخبر الثقةُ عن قول المعصوم عن حس لا عن حدس، والسيد بادّعاء الإجماع المحصّل عنده، يخبر عن قول المعصوم عن حدس كما مرّ في مبحث الإجماع، وهناك أجوبة أُخرى ذكرناها في البحوث العليا، فلاحظ.(1)

الثالث: عدم شمول دليل الحجّية للإخبار مع الواسطة

الإشكالات غير المختصّة بآية النبأ
وهناك إشكال أو إشكالات تختصّ بالإخبار مع الواسطة ولا يشمل قول الثقة إذا أخبر عن الإمام بلا واسطة. وقد قرر بوجوه ربّما تناهز الخمسة، اقتصر المحقّق الخراساني على بيان إشكالين، وأمّا الشيخ فقد اختلفت نسخ الفرائد فبعضها يشتمل على ثلاثة، وبعضها يشتمل على أربعة، وبعضها على خمسة. وقد قرّر الجميع المحقّق النائيني في دروسه الشريفة، ونحن نذكر عامّة الوجوه مع إيضاح ما في «الكفاية».

1 . إرشاد العقول: 3 / 229.

259

1. انصراف الأدلّة عن الإخبار مع الواسطة

إنّ القدر المتيقّن من أدلّة حجّية الخبر الواحد; هو الإخبار بلا واسطة، لا الإخبار بواسطتين أو بوسائط.

2. انصرافه عن الخبر التعبّدي

الدليل منصرف عن الخبر التعبّدي ولا يعمّ سوى الخبر الوجداني، فمن وقع في مبدأ السند فكلامه خبر وجداني، دون من يحكيه هو عنهم فإنّها أخبار تعبّدية لا دليل على حجّيتها.
يلاحظ عليه: أنّ الانصراف لابدّ له من وجه، فهو إمّا كثرة الاستعمال في الخبر بلا واسطة، أو كثرة وجوده; وكلاهما غير ثابت، مضافاً إلى كثرة وجود الإخبار مع الواسطة وقلّة الآخر. ثم إنّ العقلاء لا يفرّقون بين القسمين، وهذه هي كتب التاريخ والعلوم فهي مشحونة بالأخبار المعنعنة.

3. لزوم كون المخبر به ذا أثر شرعي

إنّ التعبّد بتصديق العادل لابدّ أن يكون لأجل ترتيب أثر شرعي على قوله، وإلاّ فلو كان المخبَر به فاقداً للأثر، فلا يجب تصديقه، فلو أخبر عن مقدار ارتفاع المنارة أو عن عمق البئر، فلايجب تصديقه لعدم ترتّب أثر شرعي عليه.
وعلى هذا فلو أخبر الراوي كمحمد بن الحسن الصفّار عن الإمام العسكري(عليه السلام)فالمخبر به قول الإمام وهو نفس الأثر الشرعي، وأمّا إذا أخبر الصدوق عن الإمام بوسائط فالمخبر به في ابتداء الواسطة ليس قول الإمام بل قول الراوي، وليس له أثر شرعي حتّى يشمله قول «صدق العادل» وهكذا الثالث والرابع.

260
وإن شئت قلت: إنّ قولنا: «صدق العادل» هو عصارة مجموع الأدلّة الدالّة على حجّية قول الثقة كمفهوم آية النبأ ومضمون آية النفر والسؤال والكتمان، هذا من جانب ومن جانب آخر إنّ أمر الشارع بتصديق العادل إنّما هو لأجل وجود أثر شرعي فيما أخبر به، وهو موجود في إخبار الراوي الأخير عن الإمام، وأمّا الرواة المتوسطة بينه وبيننا فليس لإخبارهم أثر شرعي. فلنأت بمثال: فلو أخبر الصدوق (المتوفّى 381 هـ)، عن الكليني (المتوفّى 329 هـ)، وهو عن الصفّار (المتوفّى 290 هـ)، عن الإمام العسكري (عليه السلام)(المتوفّى 260 هـ)، فالمخبر به لقول الصفار هو قول الإمام العسكري (عليه السلام)، وأمّا المخبر به لقول الصدوق هو قول الكليني وخبره، كما أنّ المخبر به لقول الكليني هو قول الصفّار وخبره، والجميع فاقد للأثر الشرعي.
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في صحّة التعبّد أن لا يكون لغواً بل يكون منتهياً للأثر ومقدّمة لثبوته فيصحّ الأمر بتصديق الصدوق والكليني فالغاية إثبات قول الصفّار الّذي يحمل قول الإمام والحكم الشرعي.
وبعبارة أُخرى: يكفي وقوعه في طريق ثبوت موضوع ذي أثر شرعي.

الإشكال الرابع

ويمكن تقريره بوجهين:

1. اتّحاد الحكم مع جزء الموضوع

إنّ قول القائل: «صدّق العادل في كلّ خبر ذي أثر شرعي» مركّب من أُمور ثلاثة:
أ. الحكم وهو: صدّق.

261
ب. الموضوع: كلّ خبر.
ج. القيد: ذو أثر شرعي.
فإذا أخبر الصفّار عن الإمام العسكري (عليه السلام)قولَه بطهارة العصير بعد التثليث فالأُمور الثلاثة محقّقة، فالحكم عبارة عن وجوب التصديق، والموضوع خبره عن العسكري، والأثر هو طهارة العصير بعد التثليث.
وأمّا إذا أخبر الصدوق عن الكليني، وهو عن الصفّار، وهو عن الإمام العسكري(عليه السلام)، فوجوب تصديق الصدوق رهن تحقّق أُمور ثلاثة:
1. الحكم: وهو وجوب التصديق.
2. الموضوع: إخبار الصدوق عن الكليني.
3. الأثر .
وليس لإخبار الصدوق عن الكليني أي أثر شرعي سوى وجوب التصديق، فيلزم اتّحاد الحكم مع جزء الموضوع الذي هو الأثر المترقّب، المترتّب على المخبر به، وهو غير صحيح.

2. استلزامه الدور

إنّ إيجاب التصديق فرع أن يكون للموضوع إخبار الصدوق عن الكليني، أثر شرعي قبل الإيجاب، والمفروض أنّ الأثر جاء من جانب الإيجاب وترتّب عليه من ناحيته، وهذا نفس الدور.
والفرق بين الإشكال الثالث والرابع هو أنّ الثالث مبني على عدم وجود الأثر لإخبار الصدوق عن الكليني ولكن الإشكال الرابع يُسلّم أنّ له أثراً وهو تصديق العادل لكن الأثر نفس الحكم لا شيءٌ غيره أو أنّ الأثر لم يكن موجوداً

262
قبل الحكم وإنّما جاء بعده كما هو حال التقريرين.
والجواب: أنّ تصديق الصدوق لا يتوقّف على كونه ذا أثر شرعي مستقل وراء كونه سبباً لثبوت قول يترتّب عليه الأثر.
وإن شئت قلت: إنّ وجوب التصديق رهن عدم كون التصديق لغواً ويكفي في مصونيته ثبوت قول العسكري(عليه السلام) بالتصديقات المتكرّرة، وهذا هو لب الجواب سواء قُرر الإشكال باتّحاد الحكم مع جزء الموضوع أو قُرر بإثبات جزء الموضوع بالحكم. إذ لا حاجة لأن يكون للمخبر به في صدر السند وأثنائه أثر حتى يتوجّه الإشكال بوجهين.
ثم إنّ المحقّق الخراساني: أجاب عن الإشكال بوجوه ثلاثة:
الأوّل: بأنّه إنّما يلزم إذا لم تكن القضية طبيعية والحكم فيها بلحاظ طبيعة الأثر بل بلحاظ أفراده وإلاّ فالحكم بوجوب التصديق يسري إليه سراية حكم الطبيعة إلى أفراده بلا محذور لزوم اتّحاد الحكم والموضوع.
توضيحه: أنّه لو كان قولنا: «صدّق العادل في كلّ خبر ذي أثر» قضيةً حقيقيةً ناظرةً إلى كلّ فرد من الآثار الّتي تدلّ عليها لفظةُ «ذي أثر» لتوجّه الإشكال، إذ عندئذ يكون ناظراً إلى ذاك الأثر أي وجوب التصديق فيلزم اتّحاد الحكم والأثر مع أنّ الحكم يتوقّف على أن يكون للموضوع أثر قبل الحكم.
وأمّا إذا كانت القضية طبيعية أي مطلق الأثر وطبيعته، إذ عندئذ لا يلزم اتّحاد الحكم والأثر المترتّب على الموضوع لافتراض قولنا ذي أثر غير ناظر إلى مصاديقه الّتي منها وجوب التصديق حتّى يلزم اتّحاد الحكم مع الأثر المترتّب على الموضوع. فالمأخوذ في الموضوع هو طبيعة الأثر، وهي غير الحكم، أعني: وجوب التصديق.

263
وبعبارة أُخرى: لو كان الملحوظ في ناحية الموضوع «خبر ذي أثر» خصوصيات الأثر ومنها «وجوب التصديق» لزم المحذور المتقدّم وإن كان الملحوظ طبيعة الأثر، لسرى الحكم المتعلّق بها إلى كلّ أثر للمخبر به ولو كان نفس وجوب التصديق، ولو فرض في مورد عدم الأثر للمخبر به غير وجوب التصديق (كإخبار الصدوق عن الكليني) لوجب ترتيبه له بحكم الآية.
الثاني: أنّ بعض القضايا لا تشمل نفسها بالدلالة اللفظية لكن تشمله بالمناط، فقولنا: «كلّ كلامي صادق» وإن لم يشمل نفسه لعدم كونه كلاماً عند التكلّم بالمبتدأ، وذلك لأنّه لا يكون كلاماً إلاّ بعد ضم الخبر، أعني: قوله: «صادق» ومع ذلك فهو شامل لنفسه بالمناط، إذ لا فرق بين هذا الكلام وغيره من كلمات المتكلّم. ومثله المقام إذ لا فرق بين سائر الآثار، ووجوب التصديق. فقولنا: «صدق العادل في كلّ خبر ذي أثر» وإن كان لا يشمل نفس تصديق العادل لفظاً ولكنّه يشمله مناطاً لما قلنا من عدم الفرق بينه وبين سائر الآثار أعني: ثبوت قول العسكري.
الثالث: عدم القول بالفصل بينه وبين سائر الآثار في وجوب الترتيب لدى الإخبار بموضوع صار أثره الشرعي وجوب التصديق وهو خبر العادل ولو بنفس الحكم في الآية.
يلاحظ على الجواب الأوّل: بأنّ الإجمال في مقام الإثبات أمر ممكن، ولكنّه في مقام الثبوت غير صحيح، فإذا قال: صدّق العادل في كلّ خبر ذي أثر، فإمّا أن يراد منه أثر غير وجوب التصديق، أو أعم منه ومن غيره.
فعلى الأوّل لا يصحّ التعبّد بإخبار الصدوق لعدم الأثر فيما أخبر به، أعني: إخبار الكليني له، مع أنّ تصديقه فرع وجود الأثر في خبره.

264
وعلى الثاني يعود الإشكال ويلزم أن يكون الحكم مأخوذاً في الموضوع، أو وحدة الحكم والأثر.

الإشكال الخامس: إثبات الحكم لموضوعه

لو شمل قول القائل: «صدّق العادل» للإخبار مع الواسطة لزم إثبات الحكم موضوعه مع أنّه يتوقّف عليه. وهذا هو الإشكال الثاني في الكفاية الّذي أشار إليه بقوله: ولا يخفى أنّه لا مجال بعد اندفاع الإشكال بذلك للإشكال في خصوص الوسائط... إلخ.
توضيحه: أنّ خبر الصدوق عن الكليني خبر محرز بالوجدان فيشمله وجوب التصديق، وأمّا خبر الكليني عن الصفّار فليس بمحرز بالوجدان، وإنّما يثبت بتصديق الصدوق، فيلزم ثبوت الموضوع (خبر الكليني) بالحكم، أي بوجوب تصديق الصدوق.
وقد أجاب عنه بالكفاية بوجوه ثلاثة،(1) نظير الجواب عن الإشكال الرابع.
والأولى أن يقرر الجواب بالنحو التالي: وهو أنّه لو كان هنا وجوب تصديق واحد يلزم إثبات الموضوع (خبر الكليني) بالحكم أي بوجوب التصديق، وأمّا لو قلنا بأنّ قول القائل: «صدّق العادل» ينحل حسب تعدّد الإخبار إلى قضايا كثيرة، فلا يرد الإشكال، لأنّ وجوب تصديق الصدوق ليس علةً لوجود خبر الكليني بل كاشف عنه تعبّداً، فيشمله وجوب تصديق ثان وهكذا.

1 . كفاية الأُصول: 2 / 92، الطبعة المزدانة بحواشي المشكيني.

265
وبالجملة فكم فرق بين كون وجوب تصديق الصدوق علّة لوجود خبر الكليني عن الصفّار، وبين كشفه عنه، ففي الأوّل يلزم إيجاد الحكم بموضوعه، وأمّا الثاني فإنّما يلزم كشف الموضوع الثاني بفضل وجوب تصديق الصدوق، فإذا انكشف الموضوع يتعلّق به حكمه وراء الحكم المتعلّق بإخبار الصدوق، وهذا ما يعطيه قولنا: «صدّق العادل» حيث إنّه ينحل إلى إيجابات تصديق حسب انكشاف الموضوع.
نظير ذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» فإنّه كما يشمل الإقرار الأوّل، فهكذا يشمل الإقرار الثاني المنكشف بالإقرار الأوّل، كما إذا أقرّ بأنّي أقررت لزيد عليّ دين كذا.
ومثله إقامة البيّنة على البيّنة فإحدى البيّنتين وجدانية والأُخرى تعبّدية يشمل قوله: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر».

وحصيلة الكلام في رفع الإشكالات الخمسة

أمّا الإشكال الأوّل والثاني: أعني انصراف الأدلّة عن الإخبار مع الواسطة أو عن الخبر التعبّدي.
فالجواب: هو أنّه لا وجه لانصراف «صدّق العادل» عن الإخبار بالواسطة أوّلاً، وعن الخبر التعبّدي ثانياً، لأنّ الانصراف رهن أحد أمرين: كثرة الاستعمال، وكثرة الوجود; أمّا الأوّل فلا دليل على أنّ وجوب التصديق كثير الاستعمال في الخبر بلا واسطة، كما نمنع كثرة وجود الخبر بلا واسطة.
وأمّا الإشكال الثالث: أعني عدم ترتّب الأثر على صدر السند عن إخبار الصدوق عن الكليني.
فالجواب: أنّه يكفي في جواز التعبّد انتهاؤه إلى أثر شرعي ـ أعني: ثبوت

266
قول العسكري (عليه السلام)ـ وإن لم يكن لإيجاب التصديق بصدر السند أثر شرعي.
وأمّا الإشكال الرابع: أعني: وحدة إيجاب التصديق مع الأثر الّذي لأجله وجب التصديق حيث إنّ الأثر المترتّب على تصديق الصدوق هو وجوب تصديقه، إذ ليس لقول الصدوق أثر وراءه.
والجواب: أنّه لا يلزم أن يكون لكلّ مخبر به في طيّات السند أثر شرعي، بل نفترض خلو الإسناد الأوّل والثاني عن الأثر، إذ يكفي وجود الأثر في آخر السند.
وأمّا الإشكال الخامس: فقد عرفت أنّ إيجاب التصديق لا يولد إخبار الكليني، بل يكشف عن وجوده، فإذا انكشف يعمّه وجوب تصديق آخر.
إلى هنا تمّ الكلام في آية النبأ.
***
من أدلّة القائلين بحجية خبر الواحد: آية النفر

الآية الثانية: آية النفر

قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(1).
والاستدلال بالآية يتوقّف على أُمور:
1. تفسير الآية، 2. كيفية الاستدلال، 3. الإجابة عمّا أُشكل على الاستدلال.

1 . التوبة: 122.

267

الأمر الأوّل: الكلام في تفسير الآية

لاشكّ أنّ الآية وردت في سياق آيات الجهاد، فإنّ الآية المتقدّمة عليها والمتأخّرة عنها راجعتان إلى الجهاد، قال سبحانه: (وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(1).
وقال سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)(2).
ومع هذا الارتباط الوثيق بين الآية وسائر الآيات الحافّة بها فالاستدلال بها على حجّية الخبر الواحد يحتاج إلى فصلها عن سائر الآيات، ولنذكر الوجوه المحتملة في الآية حيث فسّرت بوجوه:
الأوّل: أنّ الخطاب يتوجّه إلى المؤمنين في المدينة ومن حولها الذي لا يخلو من كافر مشرك يخاطبهم بأنّ نفر الجميع إلى الجهاد أمر غير ممكن لاستلزامه تعطيل أمرالحياة، ولكن يجب أن ينفر من كلّ فرقة طائفة ليتفقّهوا في ميادين الحرب ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، فلعلّ القوم يحذرون، فهناك أُمور ثلاثة:
1. التفقّه في الدين.
2. إنذار القوم.
3. حذرهم.
إنّ التفقّه والإنذار يرجعان إلى الفرقة النافرة لا للمتخلّفة، وقد حثّها الله تعالى على التفقّه لترجع إلى المتخلّفة فتحذّرها.

1 . التوبة: 121.
2 . التوبة: 123.

268
ومعنى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ): أي ليتبصّروا وليتيقّنوا بما يُريهم الله من الظهور على المشركين، ونصرة الدين: (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ)من الكفّار إذا رجعوا إليهم من الجهاد، فيخبروهم بنصر الله للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنين.(1)
أقول: إنّ هذا التفسير له ميزتان:
الأُولى: حفظ السياق وصلة الآية بما قبلها وبما بعدها من الآيات.
الثانية: عدم التفكيك في الضمائر المتصلة الثلاثة في (لِيَتَفَقَّهُوا) و (وَلِيُنْذِرُوا) و (إِذَا رَجَعُوا) حيث إنّ الجميع يرجع إلى النافرين، ولكن يبعده أُمور:
1. أنّ التفقّه في الدين هو فهم الدين وفهم معارفه وتعلّم أحكامه، وهذا لا يحصل في جبهات الحرب، وإنّما الحاصل فيها الثقة بالله وزيادة الإيمان به حيث يرى وعد الله سبحانه متحقّقاً في ميادين الحرب.
2. إنّ النصر، وإن شئت قلت: الإمدادات الغيبية لم تكن متوفّرة في عامّة الغزوات، بل كانت النكسة والهزيمة حليف المسلمين في غزوة أُحد وحنين، ومثل ذلك لا يمكن أن يكون غاية النفر الّتي يجب أن لا تنفك عنه.
الآية نزلت في العام التاسع من الهجرة، وقد أسلمت القبائل في الجزيرة العربية ولم يبق إلاّ القليل في شمال الجزيرة، فلم تكن هناك حاجة إلى إنذار الكفّار بنصر الله للنبيّ والمؤمنين.
الوجه الثاني: الخطاب للقاطنين في المدينة والمقيمين فيها والمراد انقسامهم إلى طائفتين، طائفة نافرة وطائفة قاعدة، فغاية النفر هو الجهاد، وغاية

1 . مجمع البيان: 3 / 48.وهذا هو الاحتمال الثاني في تفسير الرازي حيث قال فإذا رجعوا من ذلك النفر إلى قومهم من الكفّار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لعلهم يحذرون فيتركوا الكفر.تفسير الرازي:16/226.

269
القعود هو التفقّه في الدين لغاية إنذار النافرين عند الرجوع عن الجهاد. روى الطبري في تفسيره عن أبي زيد: أنّ معنى الآية (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ): أي ليتفقّه المتخلّفون في الدين، ولينذروا النافرين إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون.(1)
وعلى هذا الوجه فالصلة بين الآيات محفوظة مثل الوجه الأوّل يقول الرازي في بيان هذا الوجه:
كان الواجب انقسام أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى قسمين: أحد القسمين ينفرون إلى الغزو والجهاد، والثاني يكونون مقيمين بحضرة الرسول، فالطائفة النافرة إلى الغزو يكونون نائبين عن المقيمين في الغزو، والطائفة المقيمة يكونون نائبين عن النافرين في التفقّه، وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين.(2)
ويفضل على الوجه الأوّل بخلوّه عن الإشكالات الثلاثة الواردة على الأوّل لكن يرد عليه استلزامه التفكيك في مراجع الضمائر، فإنّ ضمير الجمع ـ على هذا التفسير ـ في (لِيَتَفَقَّهُوا) و (وَلِيُنْذِرُوا) راجع إلى القاعدين وفي (إِذَا رَجَعُوا)إلى النافرين وهو خلاف الظاهر; لأنّ المتبادر هو رجوع الضمائر الثلاثة إلى مرجع واحد وهو النافرون المعبر عنهم في الآية بـ «طائفة». وهذان الوجهان يشتركان في أنّ الخطاب للمؤمنين المتواجدين في المدينة ومن حولها.
الوجه الثالث: إنّ الخطاب لمؤمني سائر البلاد، والمراد من النفر، النفر إلى

1 . تفسير الطبري: 11 / 49.
2 . تفسير الرازي:16/225.

270
المدينة للتعلّم والتفقّه، فإنّ نفر الكلّ أمرٌ غير ممكن، فلينفر من كلِّ قبيلة طائفة ليتفقّهوا في الدين فينذروا قومهم إذا غادروا المدينة ورجعوا إلى الوطن لعلّهم يحذرون.
قال الرازي في تفسير هذا الوجه (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ)...: يعني: من الفرق الساكنين في البلاد، طائفة إلى حضرة الرسول ليتفقّهوا فى الدين، وليعرفوا الحلال والحرام، ويعودوا إلى أوطانهم فينذروا ويحذروا قومهم لكي يرجعوا عن كفرهم.(1)
فعلى هذا الوجه من التفسير فمراجع الضمائر الثلاثة واحدة والجميع يرجع إلى النافرين، وفي الوقت نفسه خال عن الإشكالات المتوجّهة إلى الوجهين.
نعم يرد عليه قطع الصلة بين الآية وسائر الآيات، وفي الوقت نفسه يؤيّده بعض الروايات:
1. روى الصدوق في «عيون الأخبار» عن الرضا (عليه السلام)، عند بيان علل الحجّ، أنّ منها التفقّه ونقل أخبار الأئمة(عليهم السلام)إلى كلّ صقع وناحية، كما قال الله عزوجل: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) (2).
2. وروى عنهم(عليهم السلام)في تفسير قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «اختلاف أُمّتي رحمة» أنّ المراد اختلافهم إلى البلدان، وأنّ الرسول أراد من قوله: «اختلاف أُمّتي رحمة» قول الله عزوجل: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) (3).

1 . تفسير الرازي: 16/226.
2 . عيون أخبار الرضا:2/126، ح1، باب 34(العلل التي ذكر الفضل بن شاذان أنّه سمعها من الإمام الرضا(عليه السلام)).
3 . نور الثقلين:2/283، ح 408.

271
وهذا الوجه أتقن الوجوه وهو يدلّ على لزوم وجود حوزات علمية في مختلف البلدان ليهاجر إليها طائفة ليتفقّهوا في الدين ثم يرجعوا إلى بلدانهم للإنذار.
ولكن يرد عليه أنّ هذا التفسير على خلاف سياق الآيات، وأنّها واردة في الجهاد، فالظاهر أن يكون النفر له لا لتعلّم الدين في البلدان أو في محضر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويمكن الإجابة عنه بنزول الآية مرتين: فمرة واحدة نزلت في ثنايا آيات الجهاد، ومرة أُخرى مستقلة، ولها نظائر في القرآن من قوله: (وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى )(1)، فالسورة مكّية والآية نزلت في أوّل البعثة، ومع ذلك نزلت قبل رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى يسرّ قلبه بما أعطاه الله سبحانه وتعالى من الشفاعة في حقّ الأُمّة.

الوجه الرابع: ما أفاده العلاّمة الطباطبائي

ما أفاده العلاّمة الطباطبائي قائلاً: إنّ الآية تنهى مؤمني سائر البلاد غير مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أن ينفروا إلى الجهاد كافّة، بل يحضّهم على أن تنفر طائفة منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للتفقّه في الدين، وينفر غيرهم إلى الجهاد، ومعنى الآية أنّه لا يجوز لمؤمني البلاد أن يخرجوا إلى الجهاد جميعاً، فهلاّ نفر وخرج إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من كلّ فرقة من فرق المؤمنين ليتعلّموا الفقه ويفهموا الدين فيعملوا به، ولينذروا ـ بنشر معارف الدين ـ قومهم إذا رجعت هذه الطائفة إليهم لعلّهم يحذرون.(2)

1 . الضحى: 5.
2 . الميزان: 9 / 428، بتلخيص.

272
وعلى ذلك فهنا نفران لطائفتين: أُولاهما: النفر للجهاد، وثانيهما: النفر لتعلّم الفقه والدين، فعندما انتهى موعد العملين يرجعان إلى موطنهما فيلتقيان، والنافر لتعلّم الدين ينذر النافر للجهاد.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره على خلاف ظاهر الآية، فالظاهر أنّه هنا نفراً واحداً إمّا للجهاد وإمّا لتعلّم الفقه، وعلى كلّ تقدير تتحمّل طائفة واحدة عبء هذا النفر.
أضف إلى ذلك: أنّ ظاهر كلامه أنّ الضمير في (إِذَا رَجَعُوا) يرجع إلى النافرين إلى الجهاد مع أنّ الضميرين المتقدّمين يرجعان إلى النافرين لتعلّم الدين. فيلزم التفكيك في مراجع الضمائر.
إلى هنا تمّ الكلام في تفسير الآية، وحان حين البحث في كيفية الاستدلال على حجّية خبر الواحد.

الأمر الثاني: الاستدلال بالآية

الاستدلال بها يتمّ على تفسيرها بالوجه الثاني أو الثالث، والمهم في المقام إثبات وجوب الحذر عند الإنذار وهو(وجوب الحذر) وظيفة النافرين إلى الجهاد في التفسير الثاني، أو القاعدين في أوطانهم في التفسير الثالث، وقد قرّر بوجوه:

الأوّل: محبوبيّة الحذر تلازم وجوبه

والدليل على محبوبية الحذر فرع ثبوت أمرين:
1. أنّ أدوات الاستفهام والتمنّي والترجّي تستعمل في كلام الواجب وغيره في معنى واحد، وهو إنشاء هذه المفاهيم، وإنّما يختلفان في المبادئ

273
فالمبدأ للترجّي في كلامه سبحانه إظهار محبوبية الحذر عن العقوبة، وفي غيره، هو الجهل بالوقوع.
2. أنّ حسن حذر المنذَر عن إنذار المنذر، في مورد الآية يدلّ على وجود المقتضي فيه، وهو قيام الحجّة على أمر يستلزم فعله أو تركه العقوبة، وإلاّ فلا يحسن الحذر، لقبح العقاب بلا بيان، وليس الحجة إلاّ قول المنذِر وخبره الّذي تعلّمه ورجع وأدّى رسالته.
فإذا وجب الحذر لقيام المقتضي، فهو يكشف عن حجّية خبر الواحد وإلاّ فليس هناك مقتض للحذر.

التقرير الثاني: وجوب الإنذار يلازم وجوب الحذر

إنّ الإنذار واجب لكونه غاية للنفر الواجب بحكم «لولا» التحذيرية، فإذا وجب الإنذار وجب التحذّر أيضاً، وإلاّ لغى إيجاب الإنذار، نظير قولهم بأنّه يحرم على النساء كتمان ما في أرحامهنّ الملازم لحجّة قولهن وإلاّ للغى التحريم، قال سبحانه: (وَ لاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ)(1).

التقرير الثالث: الحذر غاية للواجبين

إنّ الحذر غاية للإنذار والنفر الواجبين، وغاية الواجب واجب، لأنّ وجوبهما لأجل تلك الغاية، فلا يعقل أن تكون المقدّمة واجبةً دون ذيها، والمراد من الحذر هو الحذر العملي، أي الأخذ بقول المنذِر، وهو عبارة أُخرى عن كونه حجّةً.
ثم إنّه أورد على كلّ من التقارير الثلاثة، إشكالات أوضحنا حالها في

1 . البقرة: 228.

274
محاضراتنا، (1) ولكن الإشكال المهم هو فيما يلي:

عدم الإطلاق في وجوب الإنذار والحذر

إنّ الاستدلال مبني على وجود الإطلاق في جانبي الإنذار والحذر، أي يجب على المنذر أن ينذر، سواء كان وحده أو مع شخص آخر، كما أنّه يجب على المستمع أن يأخذ بقوله، سواء أبلغ حدّ الاستفاضة أو لا، أو بلغ حدّ التواتر أو لا، فلو ثبت للآية مثل هذا الإطلاق يؤخذ بمضمونه ويكون خبر المنذر حجةً على الآخرين مطلقاً، إلاّ أنّ الكلام في وجود مثل هذا الإطلاق.
إنّ الإطلاق فرع أن يكون المتكلّم في مقام البيان، فلو مرّ الطبيب بمريض في الطريق ورأى أنّ وجهه أصفر وفي لسانه بُقَع(2) بيضاء، يخاطبه قائلاً: يجب عليك أن تشرب الدواء، فالطبيب ليس في مقام بيان وصف الدواء وكمه وكيفيته، فلا يؤخذ بإطلاق كلامه في شرب أي دواء، وهذا بخلاف ما إذا فحص فحصاً طبياً وكتب الوصفة وهو في مقام البيان.
والآية تشبه الصورة الأُولى حيث طرحت فيها أُمور ثلاثة، وهي:
أ. تقسيم العمل، ب. وجوب الإنذار، ج. وجوب الحذر.
أمّا الأمر الأوّل: فالآية بالنسبة إليه في مقام البيان وتصرّح بأنّ مسألة التعليم والتعلّم كسائر المسائل الاجتماعية لابدّ فيها من تقسيم العمل وأن يقوم بها طائفة من المؤمنين كما هو الحال في سائر الأُمور الاجتماعية.
وأمّا الأمر الثاني: أي وجوب الإنذار وهكذا الثالث: أي وجوب الحذر،

1 . إرشاد العقول: 3 / 243 ـ 244 .
2 . جمع مفرده بقعةً: مختلف اللون.

275
فهما من الأُمور الجانبية الواردة في الآية، فليست الآية في مقام بيان كيفيتهما وأنّه يجب الإنذار على النافر سواء أكان واحداً أم كثيراً، أو يجب الحذر على المقيم أو المتخلف، سواء أحصل له العلم أم لا.
والاستدلال مبني على وجود الإطلاق في ذينك الجانبين مع أنّ ورودهما في الآية ورود استطرادي.
ويدلّ على ذلك أمران:
1. الإتيان بلفظ كافّة في الآية الأُولى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً)فإنّه يعرب عن أنّ الآية تركّز البحث على تقسيم العمل لا على كيفية الإنذار أو الحذر.
2. لو كانت الآية بصدد بيان كيفية الإنذار كان عليها ذكر الشرط اللازم للحذر، وهو كون المنذر ثقة.
نعم، أتعب السيد المحقّق الخوئي (قدس سره)نفسه الشريفة، فحاول أن يثبت أنّ الآية في مقام البيان وأنّها نظيرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(1).
ولكن هذا قياس مع الفارق فإنّ صدر الآية الثانية يشهد بأنّها في مقام بيان حدود الوضوء وشروطه وجزئياته، فلو شكّ في جزئية شيء أو شرطيته صحّ التمسّك بالإطلاق في نفي المشكوك، وهذا بخلاف المقام فالآية تركّز على الأمر الخاص، وهو تقسيم العمل وقيام عدّة بهذه الوظيفة المهمة، وأمّا سائر الجوانب فقد طرحت جانبياً.

1 . المائدة: 6.

276
هذا هو الإشكال في الاستدلال بآية النفر، وفي المقام إشكالان آخران نذكرهما مع ما يمكن الإجابة عنهما:

الأوّل: وجوب الحذر إذا كان الإنذار بالأمر الواقعي

إنّ التفقّه الواجب ليس إلاّ معرفة الأُمور الواقعية من الدين، فالإنذار الواجب هو الإنذار بهذه الأُمور المتّفقه فيها، فالحذر لا يجب إلاّ عقيب الإنذار بها، فإذا لم يعرف المخاطب أنّ الإنذار هل وقع بالأُمور الدينية الواقعية أو بغيرها خطأ أو تعمّداً لم يجب الحذر، فانحصر وجوب الحذر إذا علم المحذّر صدق المنذر في إنذاره بالأحكام الواقعية.(1)
يلاحظ عليه: أنّه ليس إشكالاً جديداً بل تكرار للإشكال السابق، فلو قلنا بوجود الإطلاق في الآية وأنّه يجب على المقيم الحذر مطلقاً، سواء علم أنّه حذر بالحكم الواقعي أم لا، والمهم إثبات أنّ للآية إطلاقاً بالنسبة إلى علم المخاطب بصحّة ما قال وعدمه.

الإشكال الثاني: الإبلاغ مع التخويف غير نقل القول

إنّ المطلوب في المقام هو إثبات أنّ حكاية الراوي قولَ الإمام، حجّة للمجتهد دون فهمه، والآية لا تفي بذلك لأنّها تُركِّز على الإنذار وهو الإبلاغ مع التخويف بحيث يكون نقله وفهمه حجّة على المنقول إليه، وهذا لا ينطبق على المورد إذ الحجّة على المجتهد إنّما هو نقل الرواية، لا فهم الراوي، فالآية تركّز على أنّ الراوي إذا تفقّه في الدين وفهمه ثم بلّغه مع الإنذار، يجب على السامع، الحذر والقبول، وأين هذا من حجّية مجرد حكاية قول الإمام للطرف، بلا قيمة

1 . فرائد الأُصول: 3 / 282.

277
لفهمه من الدين ودركه من الرواية وإنذاره حسب ما فهم؟!(1)
أقول: على ما ذكره تكون الآية حجّة في موردين:
1. كون المنذر واعظاً ينذر الناس بما يعلمه الناس من الحلال والحرام، فيكون دوره هو التذكير أخذاً بقوله: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)(2).
2. كون المنذر فقيهاً فهيماً للدين مبلّغاً لأحكامه سبحانه مع التخويف، وهذا شأن المجتهد بالنسبة إلى مقلّده.
وأين هذا من حجّية حكاية الراوي قولَ الإمام بما هو حاك ناقل من دون أن يكون له شأن الإنذار وللسامع شأن الحذر، هذا هو الإشكال.
وقد أجاب المحقّق النائيني عن الإشكال بأنّ الإنذار وإن كان هو الإخبار الشامل على التخويف، إلاّ أنّه أعمّ من الصراحة والضمنية فإنّه يصدق الإنذار على الإخبار المتضمّن للتخويف ضمناً وإن لم يصرّح به المنذِر.(3) فناقل الخبر الواحد، يحذر المنقول إليه ضمناً وإن كان مجتهداً.
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الآية هو الإنذار بالمعنى المطابقي ليستعقب الحذر لذلك، لا الحذر الالتزامي الّذي ربّما لا يُلتفتُ إليه، والأولى أن يجاب بأنّ العرف يساعد على إلغاء الخصوصية، فإذا كان نقله عن الإمام حجّة إذا انضم إليه التخويف يكون أيضاً حجّةً ولو فقد التخويف، غاية الأمر أنّ العامّي يأخذ بكلا الأمرين والمجتهد بأمر واحد.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الاستدلال بالآية لا غبار عليه سوى عدم كونها

1 . لتوضيح الإشكال لاحظ الفرائد: 3 / 284.
2 . الذاريات: 55.
3 . فوائد الأُصول: 3 / 188.

278
في مقام البيان فلا يحتجُ بالآية إلاّ إذا ثبت الإطلاق في وجوب الإنذار والحذر، سواء أفاد العلم أم لا.
***
من أدّلة القائلين بحجية خبر الواحد: آية السؤال

الآية الثالثة: آية الكتمان

قال عزّ من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ)(1).
تقرير الاستدلال: أنّه سبحانه يذمّ أهل الكتاب لكتمانهم البشارات الواردة في كتبهم بظهور النبي القرشي الهاشمي العربي مع أنّهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، قال سبحانه: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ)(2).
وقال سبحانه: (وَ كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)(3).
فالآية تدلّ على تحريم كتمان البيّنات، وبالتالي تدلّ على وجوب القبول وإلاّ لغت حرمة الكتمان.
يلاحظ عليه: بما ذكرناه في الاستدلال بآية النفر وهو أنّ الكتمان حرام والقبول أيضاً واجب ولكن لا إطلاق في جانب القبول، إذ يحتمل أن يكون القبول مشروطاً بالتعدّد أو بحصول الاطمئنان أو العلم القطعي، كما قالوا بنظير ذلك في حرمة كتمان الشهادة: (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)(4).

1 . البقرة: 159.         2 . الأنعام: 20.         3 . البقرة: 89. 4 . البقرة: 283.

279
فكتمانها حرام ولكن قبولها مشروط بالتعدّد.
وبعبارة أُخرى: أنّ الآيتين في مقام بيان حرمة كتمان الحق أو الشهادة، وأمّا ما هو الشرط في القبول فليس في مقام بيانه حتّى يتمسّك بالإطلاق.

الآية الرابعة: آية السؤال

قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(1).
وقال عز من قائل: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ)(2).
إنّ دلالة الآية على حجّية الخبر الواحد رهن تفسير الآية أوّلاً، وبيان كيفية الاستدلال عليها ثانياً، وتحليل الإشكالات حول الاستدلال ثالثاً.
أمّا الأوّل: فيرجع إلى شأن نزول الآية:إنّ المشركين كانوا ينكرون نبوة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)بحجّة أنّه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فنزلت الآية، مُحتجّة بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليس فريداً في هذه الخصيصة، بل هوكسائر الأنبياء الماضين كانوا يأكلون ويشربون ويلبسون، وما كتب لهم الخلد، فخاطبهم بأنّكم إن كنتم في شك في ذلك فارجعوا إلى أهل الذكر فسألوهم حتّى يُبيّنوا لكم خصوصيات حياة من مضى من الأنبياء والرسل.
وأمّا الثاني: أي كيفية الاستدلال فبيانها، أنّ وجوب السؤال يستلزم

1 . النحل: 43.
2 . الأنبياء: 7 ـ 8.

280
وجوب قبول الجواب وإلاّ لغى وجوب السؤال، فإذا وجب قبول الجواب وجب قبول ما إذا ابتدأ بالكلام في موضوع قبل أن يُسأل عنه لعدم خصوصية المسبوقية بالسؤال.
وأمّا الثالث: أي تحليل الإشكالات فقد أورد على الاستدلال بأُمور خمسة:

1. المراد من أهل الذكر أهل الكتاب أو الأئمة:

إنّ سياق الآيتين يدلّ على أنّ المراد من أهل الذكر هو علماء أهل الكتاب لكونهم عارفين بأحوال الأُمم السابقة وأنبيائهم ورسلهم حتّى يشهدوا أنّ السلف منهم كان بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ولم يكن مَلَكاً.
وأمّا الروايات فقد عقد ثقة الإسلام الكليني (قدس سره)في أُصول الكافي باباً في أنّ أهل الذكر هم الأئمة(عليهم السلام)وما ورد فيها من الروايات بين صحيح وحسن وضعيف، وعلى كلّ تقدير فالآية لا تشمل غير هاتين الطائفتين. وأين هي من حجّية قول زرارة وأمثاله غير المعصومين.
يلاحظ عليه: أنّ الآية ترشد إلى حكم سائد بين العقلاء وهو رجوع الجاهل إلى العالم، وليس حكماً تعبّدياً، فإذن تختلف مصاديقه حسب اختلاف الموارد، ففي مورد رفع شبهة المشركين، المرجع الصالح المقبول عندهم، هوعلماء أهل الكتاب، وفي مورد فهم معالم الدين ودرك حقائق الكتاب والسنّة، المرجع هم العترة حسب حديث الثقلين، كما أنّ المرجع للعامّي في معرفة الوظيفة هو المفتي وهكذا، فلا السياق آب عن الاستدلال، ولا الروايات، بعد كون الجملة حاملة لسيرة جارية بين العقلاء فلها مصاديق مختلفة حسب اختلاف الموضوعات، عبر الزمان.

281

2. السؤال لغاية تحصيل العلم

إنّ الظاهر من وجوب السؤال عند عدم العلم وجوب تحصيل العلم، لا وجوب السؤال للعمل بالجواب تعبّداً، كما يقال في العرف: سل إن كنت جاهلاً، ويؤيّده أنّ الآية واردة في أُصول الدين وعلامات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الّتي لا يؤخذ فيها بالتعبّد إجماعاً، فتختصّ الآية بالموضوعات الّتي يعتبر فيها العلم كالمعارف.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الغاية تختلف حسب اختلاف واقع السؤال، فإن كان واقع السؤال ممّا يجب أن يعلم ويعتقد به فالسؤال لغاية العلم به، وإن كان ممّا يجب أن يعمل به كالأحكام فالسؤال لتلك الغاية سواء أفاد العلم أم لا، فالآية ناظرة لمطلق الموارد ولا تختصّ بمورد دون مورد.
فإن قلت: رجوع المجتهد إلى قول الثقة فاقدٌ لكلتا الغايتين: العلم، والعمل.
قلت: نمنع عدم وجود الغاية الثانية، لأنّ سماع قول الثقة لأجل التدبّر فيه والعمل به، سواء أكان العامل نفسه أو غيره.

3. المراد من أهل الذكر هو أهل العلم لا نقلة الحديث

إنّ لفظة «أهل الذكر» تشير إلى مَن يحمل الحجّة مع إعمال النظر والفكر والتحليل، وأين هذا من السمّان والعطار والجمّال الذين ينقلون لفظ المعصوم دون أن يفكّروا فيه ويحلّلوه ويستنبطوا منه حكم الله الشرعي؟!
وأجاب عنه المحقّق الخراساني وقبله الشيخ الأنصاري بأنّ أمثال زرارة

1 . الفرائد: 3 / 284.

282
ومحمد بن مسلم وأبان بن تغلب كانوا من أهل الذكر والاطّلاع على رأي الإمام(عليه السلام) ويصدق على سؤالهم، سؤال أهل الذكر والعلم، فإذا وجب قبول روايتهم في مقام الجواب بمقتضى هذه الآية، وجب قبول روايتهم ورواية غيرهم من العدول مطلقاً لعدم الفصل جزماً في وجوب القبول بين المبتدئ والمسبوق بالسؤال، ولا بين أضراب زرارة وغيرهم ممّن لا يكون من أهل الذكر وإنّما يروي ما سمعه أو رآه، فافهم. (1)
من أدّلة القائلين بحجية خبر الواحد: آية الإذن
يلاحظ عليه: أنّ الرجوع إلى زرارة حسب مفاد الآية لأجل ما استحصله من الآراء والنظريات من القرآن والسنّة فصار الرجوع إليه رجوعاً إلى أهل الذكر، وأمّا الرجوع إلى زرارة في مجرّد المسموعات والمبصرات المجرّدة عن التحليل، فالآية لا تشمله، فكيف يلحق به كلّ راو ليس له شأن إلاّ النقل والضبط.
والحاصل: أنّ هنا أُموراً ثلاثة: 1. الرجوع إلى زرارة، فيما إذا استحصل رأي الإمام، 2.الرجوع إليه في نقل الرواية عن الإمام بلفظه، 3. الرجوع إلى الغير إذا نقل كلام الإمام، فالآية تصدق على الصورة الأُولى دون الأخيرتين.
فالأَولى أن يجاب بما ذكرناه في آية النفر: من أنّه إذا كان نقل زرارة لكلام الإمام مع إعمال النظر والفكر حجّة، فالعرف يساعد على إلغاء الخصوصية، والقول بحجّية مجرّد روايته، إذ الأساس هو كلام المعصوم، وفهمه طريق إلى فهم مقاصد الإمام، فإذا استغنى المنقول إليه عن الجهة الثانية لكونه مجتهداً، غير مقلّد، فلا وجه لعدم حجّية مجرد نقله فعل الإمام وقوله.
إلى هنا تبيّن عدم ورود هذه الإشكالات الثلاثة على الاستدلال بالآية ثم هنا إشكالان قويّان على الاستدلال نذكرهما تالياً.

1 . كفاية الأُصول: 2 / 96.

283

4. وجوب السؤال لا يلازم وجوب القبول

إنّ المستدلّ تطرّق إلى حجّية جواب المجيب بأنّه لو وجب السؤال ولم يجب القبول يكون السؤال لغواً. مع أنّه ليس كذلك لما عرفت في آية الكتمان من أنّ وجوب إظهار الشهادة لا يلازم وجوب القبول، كما لا يلزم من عدم قبولها اللغوية، وفي المقام نقول: يجب عليه السؤال إلى أن يحصل له العلم، فكلّ جواب يشكل شيئاً من الظن حتى ينتهي السائل إلى العلم. أو إلى أن يضمّ إليه شخص آخر فيشكّل البينة.

5. الآية ليست بصدد البيان

إنّ الآية بصدد بيان قاعدة كلّية ربما تكون أمراً فطرياً، وهو أنّه يجب على الجاهل أن يرجع إلى العالم، وأمّا ما هو شرط قبول قوله فهل يكفي الواحد، أو يشترط التعدّد، أو إفادته العلم؟ فليس بصدد بيانه، والشاهد على ذلك أنّه لم يذكر شرط الوثاقة في المجيب الذي هو من أوضح شرائط القبول. وهذا الإشكال هو المهمّ في أغلب الآيات الّتي استدلّ بها على حجّية الخبر الواحد.
***

الآية الخامسة: آية الأُذن

قال سبحانه: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(1).

1 . التوبة: 61.

284
من أدلّة القائلين بحجية خبر الواحد: آية الأُذن
يقع الكلام في تفسير الآية أوّلاً، وكيفية الاستدلال ثانياً، والإشكالات المتوجّهة إليها ثالثاً، وإليك البيان:

1. تفسير الآية:

توضيح الآية رهن توضيح أُمور ستة:
1. إنّ الضمير في قوله (وَمِنْهُمُ) يرجع إلى المنافقين، وسبقته ضمائر أُخرى كلّها ترجع إلى المنافقين، نظير:
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي)(1).
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا)(2).
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُن )(2).
2. الأُذن جارحة السمع المعروفة، وقد أُطلقت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)كناية عن أنّه يصغي إلى كلّ ما قيل له ويستمع إلى كلّ ما يذكر له فهو أُذن.
3. قوله: (أُذُنُ خَيْر لَكُمْ)(4): ربما يفسّر بأنّه سمّاع يسمع ما فيه خيركم، أي الوحي، وعلى هذا فالمسموع خير، لكن يبعده أنّه لو كان هذا هوالمراد لما كانت حاجة إلى قوله: (لَكُمْ)لأنّ الوحي خير لعامّة الناس فلا يكون للتخصيص وجه.
والأَولى أن يفسّر ويقال: إنّه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، أي أُذن خير، وإنّ نفس استماعه لعامّة الأخبار خير لكم، فربّ مخبر يخبر عن اقتراف الكبائر وآخر يكذبها والنبيُّ يستمع الجميع ولا يكذب أحداً ويحفظ

1 . التوبة: 49. 2 . التوبة: 58.
2 . التوبة: 61. 4 . التوبة: 61.

285
ماء وجه الجميع، وهذا النوع من الأُذن فيه خير للمجتمع.
4. قوله: (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)، الباء في الأوّل للتعدية، كقوله سبحانه: (كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ )(1). وأمّا اللام في الثاني فيحتمل أن يكون كذلك، مثل قوله: (فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ)(2). وقوله: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ)(3). لكن الظاهر أنّها ليست للتعدية، وإلاّ لما كان وجه للعدول من الباء إلى اللام، بل للانتفاع، أي يصدقهم لكون التصديق لصالحهم.
والمراد من المؤمنين هو المجتمع الّذي فيه المؤمن والمنافق والجامع بينهما ادّعاء الإيمان، ولكن المراد من قوله: (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) هو المؤمنون حقّاً.
و. ثم إنّ المراد من التصديق لصالح المجتمع هو تصديق الخبر حسب اعتقاده وأنّه غير كاذب في نظره لا تصديق الخبر وأنّه مطابق للواقع.
وبعبارة أُخرى: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يحترم الكلّ فيما يدعونه ويصدّقهم بما أنّهم مخبرون، لا أنّه يصدق أخبارهم ويفرضها عين الواقع، إذ عندئذ يكون لصالح البعض دون الكل; ويؤيد ذلك ما ورد في شأن نزول الآية من أنّ عبدالله بن نفيل المنافق، كان يقعد لرسول الله فيسمع كلامه وينقله، ولمّا أطلع الله النبي على عمله دعاه رسول الله فأخبره، فحلف أنّه لم يفعل، فقال رسول الله: قد قبلت منك فلا تفعل، فرجع إلى أصحابه فقال: إنّ محمداً أُذن أخبره الله أنّي أنمّ عليه وأنقل أخباره، فقبله، وأخبرته أنّي لم أقل ولم أفعل فقبله; فنزلت الآية.(2)
هذا هو تفسير الآية.

1 . التوبة: 19. 2 . العنكبوت: 26. 3 . يونس: 83 .
2 . تفسير القمي: 1 / 300، بتلخيص.

286

2. في كيفية الاستدلال

فقد نقله الشيخ بأنّه سبحانه مدح رسوله بتصديقه للمؤمنين، بل قرنه بالتصديق بالله جلّ ذكره، فإذا كان التصديق حسناً يكون واجباً. ويزيد في تقريب الاستدلال وضوحاً ما رواه في «الكافي»: أنّه كان لإسماعيل بن أبي عبدالله (عليه السلام)دنانير وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن، فقال له أبو عبدالله (عليه السلام): «يابني أما بلغك أنّه يشرب الخمر؟» قال: سمعت الناس يقولون. فقال: «يابني إنّ الله عزوجل يقول: (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)يقول: يصدق الله ويصدق للمؤمنين، فإذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم ولا تأمن من شارب الخمر».(1)

3. ما ورد على الاستدلال من الإشكال

قد أُورد على الاستدلال بالآية على حجّية الخبر الواحد ببعض الوجوه، والمهم أنّ التصديق الوارد في الآية غير ما هو المطلوب في باب حجّية خبر الواحد، فإنّ التصديق في الآية عبارة عن تصديق المخبر حسب اعتقاده ولكن المطلوب في باب حجّية خبر الواحد هو تصديق الخبر وأنّه مطابقٌ للواقع، وبين التصديقين بعد المشرقين.
الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالسنّة
وإن شئت قلت: إنّ التصديق الوارد في الآية تصديق أخلاقي والمطلوب في حجّية خبر الواحد هو التصديق العملي نظير التصديق في إجراء أصالة الصحّة في فعل الغير.

1 . الفرائد: 1 / 291 ـ 292. وراجع الرواية في تفسير البرهان: 2 / 138 ـ 139; الوسائل: 13، الباب 6 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث 1.

287
وأمّا قضية إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام)، فالاستدلال بها غير ناجح من وجهين:
أوّلاً: أنّ الإمام عمل بتصديق المؤمنين لا الخبر الواحد، يظهر ذلك من قول ابنه: «سمعت الناس يقولون» وأين هو من تصديق الخبر الواحد؟!
ثانياً: أنّ الإمام أمره بالتصديق بمعنى الأخذ بالاحتياط لا فرض الخبر صادقاً في الواقع بشهادة أنّه لو كان مبسوط اليد لما أجرى عليه الحدّ الشرعي.
إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات وحان وقت دراسة الروايات الّتي استدلّ بها على حجّية خبر الواحد.

2. الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالسنّة

قد يحتجّ على حجّية السنّة المحكية بالخبر الواحد بالسنّة، وصحّة الاحتجاج رهن كون ما يحتج به خبراً متواتراً ليكون دليلاً قطعياً على حجّية الخبر الواحد المفيد للظن، ولا يكفي الآحاد منها حتّى لو كانت مستفيضة.
وقد جمع الشيخ الحر العاملي ما ورد في هذا المجال في كتاب القضاء خصوصاً في الباب الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر من أبواب صفات القاضي، وهي على طوائف خمس حسبما قسّمها الشيخ الأنصاري في «الفرائد».(1)
ونحن نذكر شيئاً من كلّ طائفة ولكن نخالفه في كيفية السرد، وعلى كلِّ تقدير يقع الكلام في مقامات:
الأوّل: عرض الروايات.

1 . الفرائد: 1 / 291.

288
الثاني: كيفية الاستدلال.
الثالث: تحليل الإشكالات.
وإليك دراسة الجميع.

المقام الأوّل: عرض الروايات، وفيه طوائف من الروايات:

الطائفة الأُولى: الروايات الإرجاعية إلى الرواة بذكر أوصافهم

قد وردت روايات حثّ فيها أئمة أهل البيت(عليهم السلام)شيعتهم على الرجوع إلى رجال لهم صفات وسمات، نظير:
1. ما في مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال: «ينظران مَن كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً».(1)
2. ما ورد في التوقيع الشريف: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله ».(2)
3. ما ورد أيضاً ـ في التوقيع الشريف ـ: «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا ونحملهم إيّاه إليهم».(3)
4. ما كتبه أبو الحسن (عليه السلام)إلى علي بن سويد السائي: «أمّا ما ذكرت يا علي ممّن تأخذ معالم دينك، لا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا» (4).

1 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.
3 . الوسائل: 18، الباب 11، من أبواب صفات القاضي، الحديث 40.
4 . الوسائل: 18، الباب 11، من أبواب صفات القاضي، الحديث 42.

289
5. ما رواه حذيفة بن منصور عن أبي عبدالله (عليه السلام): «اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر رواياتهم عنّا».(1)
6. ما كتبه أبو الحسن الثالث (عليه السلام)إلى أحمد بن ماهويه حيث كتب السائل إليه: عمّن آخذ معالم ديني؟ وكتب أخوه أيضاً بذلك. فكتب الإمام: «فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبنا وكلّ كثير القدم في أمرنا».(2)
واعلم أنّ الأوصاف الواردة في هذه الروايات مختلفة فالبعض منها يدلّ على كون الراوي فاضلاً مجتهداً كما في رواية عمر بن حنظلة، والبعض الآخر اكتفى بكونه شيعياً، وبين الموضوعين بون بعيد. وسيوافيك الكلام في الأخذ بما هو المتيقّن.

الطائفة الثانية: الإرجاع إلى آحاد الرواة بذكر أسمائهم

قد كان الإرجاع في الطائفة الأُولى إلى الصفات والأوصاف، وفي هذه الطائفة أرجع أئمة أهل البيت(عليهم السلام)إلى شخصيات بارزة نذكر أسماءهم.
1. العمري، عثمان بن سعيد.
2. ابنه محمد بن عثمان بن سعيد.
3. أبان بن تغلب.
4. أبان بن عثمان.
5. زرارة بن أعين.

1 . الوسائل: 18، الباب 11، من أبواب صفات القاضي، الحديث 37.
2 . الوسائل: 18، الباب 11، من أبواب صفات القاضي، الحديث 45.

290
6. زكريا بن آدم القمي.
7. يونس بن عبدالرحمن.
8. أبو بصير.
9. محمد بن مسلم. (1) إلى غير ذلك من الروايات الّتي ترجع الشيعة إلى أشخاص بارزين معروفين بالأمانة والوثاقة والعلم والفقاهة، ولو كان الميزان في وجوب الأخذ بالخبر، بلوغ الراوي مكانة هؤلاء الأفذاد، لقلّت مصاديقه.

الطائفة الثالثة: الأخبار العلاجية

إنّ الأخبار العلاجية على قسمين: قسم يأمر بالأخذ بذي المزية من الخبرين، وقسم يأمر بالتخيير.
أمّا الأوّل: فتارة يأمر بأخذ أعدل الراويين وأفقهما وأصدقهما في الحديث وأورعهما (2); وأُخرى يأمر بالأخذ بموافق الكتاب (3).
وثالثةً: يأمر بأخذ ما خالف العامّة (4)، إلى غير ذلك من المرجّحات.
وأمّا القسم الثاني: فيأمر بالتخيير ويقول: فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت.(5)

1 . انظر الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 8،16، 17، 19، 27، 33، 15، 23.
2 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
3 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21 و 29.
4 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29.
5 . الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 40، 41.

291

الطائفة الرابعة: ما يدلّ على تصديق كتب الأصحاب

قد وردت روايات حول ما ألّفه الأصحاب تتضمّن تقديرها وتحسينها، ووصفها بالنور، نذكر منها ما يلي:
1. روى أحمد بن أبي خلف قال: كنت مريضاً فدخل عليّ أبو جعفر (عليه السلام)يعودني عند مرضي، فإذا عند رأسي كتاب يوم وليلة، فجعل يتصفّحه ورقة ورقة حتّى أتى عليه من أوّله إلى آخره وجعل يقول: «رحم الله يونس، رحم الله يونس، رحم الله يونس».(1)
2. روى داود بن القاسم الجعفري قال: أدخلت كتاب يوم وليلة الّذي ألّفه يونس بن عبدالرحمن على أبي الحسن العسكري (عليه السلام)، فنظر فيه وتصفّحه كلّه، ثم قال: «هذا ديني ودين أبائي كلّه، وهو الحق كلّه».(2)
3. روى بورق البوشجاني قال: خرجت إلى سرمن رأى ومعي كتاب يوم وليلة، فدخلت على أبي محمد (عليه السلام)وأريته ذلك الكتاب وقلت له: إن رأيت أن تنظر فيه، وتصفّحه ورقة ورقة فقال: «هذا صحيح ينبغي أن تعمل به».(3)
4. روى حامد بن محمد، عن الملقّب بقوراء ـ في حديث ـ أنّه دخل على أبي محمد (عليه السلام)، فلمّا أراد أن يخرج سقط منه كتاب في حضنه ملفوف في رداء، فتناوله أبو محمد (عليه السلام)ونظر فيه، وكان الكتاب من تصنيف الفضل، فترحّم عليه وذكر أنّه قال: «أغبط أهل خراسان لمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم».(4)

1 . الوسائل: 18، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 74.
2 . الوسائل: 18، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 75.
3 . الوسائل: 18، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث76.
4 . الوسائل: 18، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 77.

292
5. سئل عن كتب ابن فضّال فقال: خذوا بما رووا، وذروا ما رأو.(1)
6. ذكر النجاشي أنّ كتاب عبيد الله بن علي الحلبي عرض على الصادق(عليه السلام) فصحّحه واستحسنه.(2)

الطائفة الخامسة: ما ورد في ذمّ الكذّابين

قد روى الفريقان في أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «أيّها الناس قد كثرت عليّ الكذّابة، فمن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار».(3)
وقال الصادق (عليه السلام): «لعن الله المغيرة بن سعيد أنّه كان يكذب على أبي فأذاقه الله حر النار».(3)
وقال الصادق (عليه السلام): «إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا، فيُسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس»(4).
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على ذمّ الكذّابين من وضّاع الحديث(5).
إلى هنا تمّ عرض الروايات.

المقام الثاني: كيفية الاستدلال

إنّ من لاحظ تلك الروايات الهائلة يستكشف أنّ حجّية الخبر الواحد

1 . الوسائل: 18، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 78.
2 . رجال النجاشي: رقم 610. 3 . الكافي: 1 / 62; وبحار الأنوار: 2 / 225.
3 . رجال الكشي: 195.
4 . رجال الكشي: 257.
5 . لاحظ رجال الكشي: برقم 194 ـ 198 و 246 ـ 260.

293
كان أمراً مسلّماً عند الناس وعند أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ولولا ذلك لما كان وجه لصدور هذه الروايات.
بيانه: أنّه لو كانت الحجّة هو خبر المتواتر فما معنى إرجاع الشيعة إلى الرواة وأوصافهم أو إلى الرواة وأشخاصهم، كما أنّه لم يكن أي وجه لعلاج الخبرين الواحدين بعد عدم كونهما حجّة، كما أنّه لم يكن وجه لتقدير المؤلّفين وكتبهم، ولم يكن وجه لذمّ الكذّابين بعد عدم كون الخبر الواحد حجةً، لأنّ رواية الوضّاع لا تتجاوز عن كونه خبراً واحداً. والناس لا يقيمون له قيمة وكل ذلك يكشف عن كون الكبرى عند السائلين والمخاطبين أمراً مسلّماً، فحاول الإمام بيان الصغرى وتبيين الثقات، لأنّ المشكل كان يكمن في التعرّف على الصغرى لا الكبرى.

المقام الثالث: الإشكال على الاستدلال

وقد أُوردت على الاستدلال بهذه الروايات إشكالات أهمها اثنان، هما:
1. أنّ هذه الأخبار ليست متواترة، لأنّها تنتهي إلى أصحاب الكتب الأربعة وقليل من الآخرين، وشرط التواتر بلوغ الخبر في كلّ طبقة من الطبقات حدّ التواتر، وليس الأمر كذلك فإنّها في نهاية المطاف تنتهي إلى أربعة أو خمسة إشخاص.
يلاحظ عليه: أنّ المراد من التواتر هو التواتر الإجمالي بمعنى العلم بصدور بعض من هذه الأحاديث المختلفة، لا التواتر اللفظي المصطلح بمعنى إخبار جماعة عن شيء يفيد بنفسه القطع لصدقه.
2. أنّ هذه الأخبار مختلفة المضمون فبعضها يدلّ على كفاية كون

294
الراوي شيعياً.(1) والبعض الآخر يدلّ على كونه ثقة (2)، وبعضها الثالث يدلّ على شرطية كونه فقيهاً (3)، فمع هذا الاختلاف كيف يمكن الأخذ بهذه الأحاديث؟!
الجواب: لو وجد بين هذه الروايات ما يكون السند جامعاً لهذه الصفات لكن يكون مفاده حجّية مطلق الثقة يتعدّى منه إلى المطلوب. ومن حسن الحظ أنّ صحيحة أحمد بن إسحاق بين تلك الأخبار جامعة لهذه الصفات فيؤخذ بمضمونها مهما كان; روى الكليني عن محمد بن عبدالله الحميري، ومحمد بن يحيى جميعاً، عن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته وقلت: من أُعامل؟ (وعمّن) آخذ؟ وقول من أقبل؟ فقال: «العمري ثقتي، فما أدّى إليك عني فعنّي يؤدي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنّه الثقة المأمون».
قال: وسألت أبا محمد (عليه السلام)عن مثل ذلك فقال: «العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي، فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فأسمع لهما وأطعهما، فإنّهما الثقتان المأمونان».(4) والسند صحيح والرواة فقهاء فهماء وفي الطليعة من مشايخ الحديث وأعلامه.
وأمّا المضمون فقد علّل حجّية قول العمري بأنّه «الثقة المأمون» والعلّة تعمّم كما أنّها تخصّص فدلّ على حجّية قول الثقة، سواء أكان فقيهاً أم لا.
الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالإجماع
فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ هذه الروايات الهائلة أجمعت على حجّية

1 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42 .
2 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 33 و40.
3 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
4 . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

295
رواية شيعي، فقيه ثقة، ورواية أحمد بن إسحاق من مصاديق هذه الضابطة، ولمّا أخذنا بروايته كان مضمونها حجّية قول مطلق الثقة.
ومع ذلك فالذي جاء في صحيح أحمد بن إسحاق ليس بصدد تأسيس الحجّية، بل الظاهر أنّه بصدد إمضاء ما بيد العقلاء وسيرتهم من حجّية قول الثقة، فما اشتهر بين الألسن من أنّ الشارع جعل الحجّية أو الطريقية للخبر الواحد أو تمّمّ كشفه، فالجميع ليس له رصيد علمي فليس ما بأيدينا من الجعل والتتميم أثر، بل كلّ ما درسنا من الروايات كأنّه إمضاء للسيرة العقلائية في مجال الخبر الثقة أو إرشاد إليها.

3. الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالإجماع

قد استدلّوا على حجّية الخبر الواحد بالإجماع القولي تارة، والعملي أُخرى.
أما الأوّل: فيبيّن بوجهين:
1. تتبع فتاوى الأصحاب على الحجّية من زماننا إلى زمان الشيخ الطوسي فيكون الإجماع محصّلاً. فيكشف رضاه(عليه السلام) بذلك ويقطع به لبعد اجتماعهم على الأمر الباطل.
2. تتبّع الإجماعات المنقولة على الحجّية فيحتجّ بالإجماع المنقول.
وأورد على كلا التقريرين باختلاف معاقد الإجماعات في الحجّية. ذهب بعضهم إلى حجّية قول العدل، وآخر إلى حجّية قول الثقة، وثالثة إلى حجّية ما في الأُصول الأربعمائة إلى غير ذلك من التفاصيل.
فالأولى أن يورد عليه بأنّ هذه الإجماعات إجماعات مدركية، فقد اعتمد

296
المجمعون على ما مضى من الأدلّة، ومعه لا يعتدّ بالإجماع إذا كان المدرك غير واف بالمقصود، ومعه لا حاجة إلى الاحتجاج به.
وأمّا الثاني: أي الاحتجاج بالإجماع العملي، وهو سيرة العلماء، بل كافّة المسلمين على العمل بالخبر الواحد في أُمورهم الشرعية.
يلاحظ عليه: بما ذكره المحقّق الخراساني من أنّه لم يحرز كون اتّفاقهم على العمل بما هم مسلمون بل عملوا عليه بما هم عقلاء، ولذلك يعملون به في غير الأُمور الشرعية أيضاً، وعلى ذلك فلا يكون دليلاً مستقلاً، بل يرجع إلى الاستدلال الآتي.
الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالسيرة العقلائية

4. الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالسيرة العقلائية

إنّك إذا تصفّحت حال العقلاء في حياتهم الدنيوية، تقف على أنّهم مطبقون على العمل بقول الثقة في جميع الأزمان والأدوار وفي تمام الأقطار والأمصار، ويتّضح ذلك بملاحظة أمرين:
الأوّل: أنّ تحصيل العلم القطعي عن طريق الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن أمر صعب، خصوصاً بالنسبة إلى مَن يسكن البوادي والقرى مع قلّة المواصلات والوسائل الإعلامية.
الثاني: أنّ القلب يسكن إلى قول الثقة ويطمئن به ويخرج عن التزلزل، ولأجل ذلك يُعدّ عند العرف علماً لا ظناً، خصوصاً إذا كان عدلاً، ذا ملكة رادعة عن الاقتحام في الكذب.
ولو كانت السيرة أمراً غير مرضي للشارع، كان عليه الردع عن ذلك كما ردع عن العمل بقول الفاسق.

297
مع أنّك إذا سبرت حياة الأُمم في العصور السابقة، تقف على أنّ سيرتهم جرت على العمل بالخبر الواحد، خصوصاً بين أهل القرى والبوادي التي لا يتوفر فيها الأخبار المتواترة ولا المحفوفة بالقرائن، وأنّ عمل المسلمين بخبر الثقة لم يكن إلاّ استلهاماً من السيرة العقلائية التي ارتكزت في نفوسهم.
والحاصل: أنّه لو كان العمل بأخبار الثقات أمراً مرفوضاً عند الشرع، لكان هناك الردع القارع والطرد الصارم حتى ينتبه الغافل ويفهم الجاهل.
ولأجل ذلك نرى أنّه وردت الأخبار المتضافرة حول ردّ القياس، والرجوع إلى قضاة الجور، وتقبّل الولاية من الجائر ردّاً لما جرت عليه سيرة العامّة من العمل بالقياس، والرجوع إلى قضاة الجور، وتقبّل الولاية من الجائرين، وهذه الأُمور أقلّ ابتلاء ـ بمراتب ـ عن العمل بالخبر الواحد مع أنّه ورد فيها الردع الواضح دون المقام، وعلى ضوء هذا، فالسيرة العقلائية في مورد العمل بخبر الثقة حجّة ما لم يردع عنها.

السيرة والآيات الناهية عن الظن

لا شكّ أنّ الاحتجاج بالسيرة فرع عدم الردع عنها شأن كلّ سيرة يستدلّ بها على حكم شرعي وربما يتصوّر أنّ الآيات الماضية والروايات المانعة عن اتّباع غير العلم رادعة عنها، وناهيك قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(1)، وقوله تعالى: (وَإِنّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(2).
والجواب: أنّ الظن الوارد في الآية وحتّى «غير العلم» في قوله: (مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)غير الظن الموجود في خبر الثقة وبينهما من النسب الأربع هو

1 . الإسراء:36. 2. النجم:28.

298
التباين، وذلك لأنّ الآيات الناهية ناظرة إلى الوهم والخيال والخرص والتخمين بشهادة تسميتهم الملائكة أُنثى فقد وصفه سبحانه وتعالى بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)(1).
وقوله: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ)(2).
وقد تكرّر وصفهم بالخرص في غير واحد من الآيات (2)، فبناء على هذا فالآيات لا تشمل الظن المستفاد من قول الثقة الّذي يبلغ مرحلة الاطمئنان ويسكن إليه القلب، وخبر الثقة خارج عنها خروجاً موضوعيّاً.
هذا هو الجواب الحقيقي عن الإشكال.
ثم إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن الإشكال بوجوه ثلاثة:
1. أنّها وردت إرشاداً إلى عدم كفاية الظن في أُصول الدين.
2. المتيقّن منها، ما لم يقم على اعتباره حجّة.
3. كونها رادعة، مستلزمة للدور.
بيان الدور أنّ الرادعية تتوقّف على عدم كون السيرة مخصّصة أو مقيّدة للآيات الناهية وإلاّ فلا تكون رادعة، وعدم كونها مخصّصة أو غير مقيّدة فرع كونها بعمومها أو إطلاقها رادعة للسيرة فيلزم توقّف كونها رادعة على نفسها.
يلاحظ عليه: بأنّ الحقّ في الجواب ما تقدّم من أنّ الظن أو غير العلم فيها بمعنى الوهم والخرص والتخمين ولا علاقة لها بقول الثقة الذي يعتمد في نقل الوقائع على السمع والبصر، وإلاّ فلو قلنا الظن الوارد في الآيات على نحو حتى

1 . النجم: 27 ـ 28. 2. الأنعام: 148.
2 . لاحظ الأنعام: 116; يونس: 66; الزخرف: 20.

299
يشمل نفس الظن الموجود في الخبر الواحد، كما هو اللائح من كلامه فيرد على ما ذكر من الأجوبة وجهان:
الأوّل: أنّ الآيات بعمومها حجّة قطعية في نفي حجّية الخبر الواحد، والسيرة في مورد خبر الثقة حجّة مشكوكة فكيف تعارض الحجّة القطعية؟ أمّا أنّ الآيات حجّة قطعية فلحجّية ظهور العام في تمام أفراده ما لم يدلّ دليل قطعي على التخصيص; وأمّا كون السيرة حجّة مشكوكة، لأنّها لا يحتجّ بها إلاّ إذا ثبت الإمضاء ولو بالسكوت، والمفروض عدم إحرازه، لاحتمال كون الآيات الناهية رادعة وحجّة في قبالها، فيكون مرجع الكلام إلى الشك في تخصيص الآيات بالسيرة، ومن المعلوم أنّ المرجع عندئذ هو العام حتّى يثبت الخلاف.
الثاني: أنّ رادعية الآيات ـ وإن شئت قلت: الاحتجاج بالآيات ـ متوقّف على عدم ثبوت تخصيصها بالسيرة، وهو أمر متحقّق بالفعل، إذ لم يثبت بعدُ كون السيرة مخصّصة، فيكفي الاحتجاج بعدم الثبوت.
نعم لو قلنا بأنّ الاحتجاج بالآيات متوقّف على عدم كون السيرة في الواقع مخصّصاً وهو بعد غير حاصل ولا متحقّق، ويتوقّف عدم كونها مخصّصاً على صحّة الاحتجاج ورادعية الآيات، لزم الدور.
ثمّ إنّ الفرق بين الإشكالين واضح لمن تدبّر، فإنّ الأوّل يركّز على أنّ عموم الآية حجّة قطعية، والسيرة حجّة مشكوكة لأنّ حجّيتها مشروطة بالإمضاء ولو بالسكوت، فلم يثبت لاحتمال كون الآيات رادعة.
وأمّا الإشكال الثاني فيركّز على أنّ الاحتجاج بالآيات لا يتوقّف على إحراز عدم كونها مخصّصة بالسيرة واقعاً حتى يقال: إنّه غير محرز، بل يكفي عدم ثبوت تخصيصها بالسيرة، وهو (أي عدم الثبوت) محرز بالفعل.

300

ما هو الموضوع للحجّية؟

هل الموضوع للحجّية عند العقلاء هو خبر الثقة، سواء أفاد الوثوق أم لا؟ أو الموضوع الخبر الموثوق الصدور، وأنّ العمل بخبر الثقة لكونه مفيداً للوثوق بالصدور؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ التعبّد بخبر الثقة على وجه الإطلاق بعيد عن سيرة العقلاء فيتعيّن العمل به عند إفادة الوثوق، فيكون تمام الموضوع هو الوثوق، فيصير الموضوع: الخبر الموثوق الصدور، وإن لم يكن الراوي عدلاً.
وعلى ذلك فالأقسام الأربعة للخبر عند إفادة الوثوق حجّة من غير فرق بين الصحيح والموثّق والحسن والضعيف بمعنى المهمل أو المجهول.
وقد عُرِّف الصحيحُ بما اتّصل سنده إلى المعصوم، بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات.
كما عُرِّف الموثّقُ بما اتّصل سنده إلى المعصوم بنقل الثقة، لكن مع دخول غير الإمامي في سنده كالفطحي والواقفي.
وعُرِّف الحسنُ بما اتّصل سنده إلى المعصوم بإمامي ممدوح.
الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالدليل العقلي
وعُرِّف الضعيف بما لا يوجد فيه أحد شرائط الأقسام الثلاثة، وهو على قسمين:
تارة يكون الراوي مهملاً، أي يكون معنوناً في الرجال لكن لم يذكر في حقّه شيء من المدح والذم.
وأُخرى مجهولاً غير معروف بين الرجاليين، بل حكموا عليه بالجهالة.
هذا هو المختار في باب حجّية الخبر الواحد، وعليه الشيخ الأنصاري حيث قال: والإنصاف أنّ الدالّ منها لم يدلّ إلاّ على وجوب العمل بما يفيد الوثوق والاطمئنان بمؤدّاه، وبهذا فسّر الصحيح في مصطلح القدماء. والمعيار

301
فيه أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيد بحيث لا يعتني به (الاحتمال) العقلاء ولا يكون عندهم موجباً للتحيّر والتردد.(1)

5. الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالدليل العقلي

قد عرفت مدى تمامية الآيات والروايات، والإجماع أعمّ من القولي والعملي، والسيرة العقلائية، على حجّية الخبر الواحد، وندرس الآن ما استدلّ به ـ من دليل عقلي ـ على حجيّة الخبر الواحد، وقد قرّر بوجوه ثلاثة:
التقرير الأوّل: لا شك للمتتبّع في أحوال الرواة المذكورة في تراجمهم في كون أكثر الأخبار بل جلّها ـ إلاّ ما شذّ وندر ـ صادرة عن الأئمة(عليهم السلام)، وهذا يظهر بعد التأمّل في كيفية ورودها إلينا، وكيفية اهتمام أرباب الكتب من المشايخ الثلاثة ومن تقدّمهم، في تنقيح ما أودعوه في كتبهم.
ثم إنّ هذا العلم الإجمالي إنّما هو متعلّق بالأخبار المخالفة لأصل البراءة المجرّدة عن القرينة، فيجب بحكم العقل العمل بكلّ خبر مظنون الصدور، لأنّ تحصيل الواقع إذا لم يمكن على وجه العلم (بأن يعمل بالخبر المظنون والمشكوك والموهوم) تعيّن المصير إلى الظن في تعيّن ما صدر.(2)
ثم إنّ الشيخ أورد على هذا التقرير الّذي قرّره هو نفسه إشكالات ثلاثة، والمحقّق الخراساني ردّ الإشكال الأوّل عند كيفية تقرير الدليل من دون إشارة إلى الإشكال، ولم يتعرّض للثاني، وتلقّى الإشكال الثالث بالقبول.
وأورد الشيخ على الأوّل: أنّ العلم الإجمالي ليس مختصّاً بالأخبار، بل نعلم بصدور أحكام كثيرة عن الأئمة(عليهم السلام)، فاللازم أوّلاً الاحتياط، ومع تعذّره

1 . الفرائد: 1 / 366. قبل دراسة دليل الانسداد. 2 . الفرائد: 1 / 356 ـ 357، بتلخيص.

302
أو تعسّره أو قيام الدليل على عدم وجوبه يرجع إلى ما أفاد الظن بصدور الحكم الشرعي التكليفي عن الحجة (عليه السلام)، سواء كان المفيد للظن خبراً أو شهرة أو غيرهما، فهذا الدليل لا يفيد حجّية خصوص الخبر، وإنّما يفيد حجّية كلّ ما ظن منه بصدور الحكم عن الحجّة وإن لم يكن خبراً.(1)
ثم إنّ المحقّق الخراساني دفع هذا الإشكال بأنّ هنا علماً إجمالياً كبيراً، وهو وجود التكاليف في مطلق الأمارات من غير فرق بين الخبر وغيره، وعلماً إجمالياً صغيراً وهو ثبوت التكاليف بين خصوص الروايات على نحو لو فصلنا الأخبار عن سائر الأمارات لما بقي العلم بوجود التكاليف في بقية الأمارات، وذلك لكثرة الأخبار المتضمّنة للتكاليف الّتي تناهز خمسين ألف رواية. فالعلم الإجمالي الكبير الشامل للخبر وغيره بالتكاليف، ينحلّ بالعلم الإجمالي الصغير في خصوص الأخبار بالتكاليف فصحّ استدلال المستدلّ.
وبالجملة فالعلم بوجود التكاليف بين مطلق الأمارات وإن كان موجوداً، لكن العلم بتلك الأحكام عن طريق الأخبار يوجب انحلال العلم الإجمالي إلى: علم تفصيلي بوجود التكاليف في الأخبار، وشك بدوي في وجود التكاليف في غير الأخبار، أعني: سائر الأمارات من الشهرة الفتوائية والإجماع المنقول.
وإذا أردت التوضيح فتدبّر في المثال التالي:
لو علمنا بوجود عشرة شياه مغصوبة في قطيع الغنم المؤلّف من بيض وسود، ثم حصل علم إجمالي آخر بوجود عشرة شياه مغصوبة في خصوص الغنم البيض، وحينئذ هنا حالتان:

1 . الفرائد: 1 / 357 ـ 358.

303
إمّا أن نعلم بأنّ الشياه المغصوبة في البيض غير الشياه المغصوبة في قطيع الغنم، فعندئذ يجب الاجتناب عن مجموع القطيع عامّة. ولا ينحل العلم الإجمالي الأوّل بالتالي.
وإمّا أن نحتمل أنّ العشرة المغصوبة في البيض هي نفس العشرة المغصوبة في مجموع القطيع، فعندئذ ينحل العلم الإجمالي الكبير الموجود في قطيع الغنم بيضها وسودها بالعلم الإجمالي الصغير بوجود عشرة مغصوبة في البيض، واحتمال الاتّحاد يكفي في الانحلال ولا يشترط العلم بالاتّحاد.
ونظيره المقام فالعلم بوجود التكاليف في مطلق الأمارات علم إجمالي كبير ينحل بالعلم بالتكاليف في الأخبار على نحو لو فصلنا الأخبار عن العلم الأوّل لصار احتمال التكليف في سائر الأمارات احتمالاً مجرداً لا مقروناً بالعلم، إذ يحتمل أنّ التكاليف الموجودة في بقية الأمارات نفس التكاليف الواردة في الأخبار، وهذا المقدار يكفي في الانحلال.
الإشكال الثاني: لم يتعرّض له المحقّق الخراساني ونحن نقتفيه.
وأمّا الإشكال الثالث: فقد تلقّاه بالقبول، وحاصله: أنّ المدعى شيء، وما هو نتيجة الدليل شيء آخر، إذ المقصود في المقام هو إثبات حجّية الخبر الواحد بما هو أمارة لا وجوب العمل بالأخبار من باب الاحتياط كما هو نتيجة هذا الدليل وتظهر الثمرة بين القولين (العمل بالخبر بما هو أمارة والعمل به من باب الاحتياط) في الأُمور التالية.
1. لو كان الخبر الواحد بما هو هو حجّة يكون أمارة، والأمارة حجّة في لوازمها العقلية والعادية وبالتالي تترتّب عليها أحكامها الشرعية، بخلاف ما لو كان الأخذ بها من باب الاحتياط فيكون أصلاً ومثبتات الأُصول ليست بحجّة.
2. لو كان الخبر الواحد حجّة تصحّ نسبة مضمونه إلى الشارع لقوله: «ما

304
أدّيا عنّي فعنّي يؤديّان» ولا يكون تشريعاً، بخلاف ما لو كان أصلاً فلا تصحّ نسبة مضمونه إليه.
3. لو كان الخبر الواحد حجّة يكون مقدّماً على الأُصول اللفظية كالعموم والإطلاق فيخصّص العموم ويقيّد الإطلاق به،بخلاف ما لو كان الأخذ به من باب الاحتياط فلا يقدّم الأصل العملي على الأصل اللفظي.
4. لو كان الخبر الواحد حجّة يقدّم على الأُصول العملية مطلقاً نافية كانت أو مثبتة، بخلاف ما لو كان أصلاً فيقدّم على الأصل النافي للتكليف لكونه على خلاف الاحتياط ولا يقدّم على الأصل المثبت للتكليف، إذا كان مفاده مثبتاً للتكليف والخبر نافياً له، لأنّ الأخذ بالثاني من باب الاحتياط والمفروض كونه على خلاف الاحتياط.
***
التقرير الثاني: إجراء دليل الانسداد في خصوص الأجزاء والشرائط للعبادات والمعاملات استدلّ الفاضل التوني على حجّية الخبر الموجود في الكتب الأربعة مع عمل جمع به من غير رد ظاهر وحاصله: أنّا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة لاسيّما بالأُصول الضرورية، كالصلاة والزكاة والصوم والحج والمتاجر والأنكحة ونحوها، مع أنّ جلّ أجزائها وشرائطها وموانعها إنّما يثبت بالخبر الواحد الموجود في الكتب الأربعة مع عمل جمع به من غير رد ظاهر، بحيث نقطع بخروج حقائق هذه الأُمور عن كونها هذه الأُمور عند ترك العمل بالخبر الواحد، ومن أنكر فإنّما ينكر باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان.(1)
وأورد عليه الشيخ بما هذا حاصله: أنّ العلم الإجمالي حاصل بوجود

1 . الوافية: 159.

305
الأجزاء والشرائط بين جميع الأخبار لاخصوص الأخبار المشروطة بما ذكره، فاللازم إمّا الاحتياط إن لم يستلزم الحرج، والعمل بكلّ ما دلّ على جزئية شيء أو شرطيته; سواء أكان مظنون الصدور أو مشكوكه أو موهومه، وإمّا العمل بكلّ خبر ظُنّ صدوره ممّا دل على الجزئية والشرطية لا حجّية كلّ خبر موجود في الكتب الأربعة.(1)
وأورد عليه المحقّق الخراساني بنفس ما مرّ في التقرير الأوّل فقال: العلم الإجمالي حاصل بين جميع الأخبار إلاّ أنّ العلم بوجود الأخبار الصادرة عنهم(عليهم السلام)بقدر الكفاية بين تلك الطائفة (الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة) أو العلم باعتبار تلك الطائفة كذلك بينها، يوجب انحلال ذاك العلم، وصيرورة غيره خارجاً عن طرف العلم.
وحاصله: أنّه لا تصل النوبة إلى الاحتياط لا في الكلّ ولا في البعض (العمل بكلّ خبر ظن صدوره) بل ينحل العلم الإجمالي بطائفتين:
أ. معلومة الصدور.
ب. معلومة الاعتبار.
ومع وجود هاتين الطائفتين يكون احتمال التكليف في ناحية الأجزاء والشرائط في غير هاتين الطائفتين محتمل، فلا يترتّب على هذا التقرير، الاحتياط التام ولا التبعيض فيه.
ثم احتمل عدم الانحلال وأمر بالتأمّل.
أقول: ولعلّ وجه التأمّل وجود الفرق بين المقام والتقرير الأوّل، لأنّ الانحلال في التقرير الأوّل كان قائماً بالأخذ بعامّة الأخباروترك العمل بسائر

1 . الفرائد: 1 / 361.

306
الأمارات كالإجماع المنقول والشهرات، وأمّا المقام فالمدّعى انحلال العلم الإجمالي بالأجزاء والشرائط بالرجوع إلى خصوص الكتب الأربعة ورفض سبعين كتاباً، أدخلها الحر العاملي في الوسائل، فالانحلال في الأوّل لأجل سعة عامّة الأخبار لايستلزم الانحلال في الثاني لمحدودية محتوى الكتب الأربعة حيث لا يستغني الفقيه بالرجوع إلى الكتب الأربعة عن الرجوع إلى غيرها.
ثم أورد المحقّق الخراساني على هذا التقرير نفس الإشكال الثالث على ما مرّ في التقرير الأوّل، وهو أنّ المدّعى إثبات الحجّية للخبر وإثبات كونه أمارة حتّى تترتّب عليه آثارها الأربعة الماضية.
وأمّا هذا الدليل فمقتضاه وجوب العمل به من باب الاحتياط في التعرّف على الأجزاء والشرائط وأين هو من الحجّية؟! وقد عرفت الآثار الأربعة للحجّية عند تقرير الإشكال على الأوّل فلا نعيد.
التقرير الثالث: ما أفاده بعض المحقّقين ولخّصه الشيخ الأعظم، ولكن التلخيص إيجاز مخل، وما قرّره المؤلّف في حاشيته إطناب ممل، ولا يقف الإنسان على مرامه إلاّ بأن يرجع إلى نفس الكتاب، وإليك إيضاحه:
قد فرّع المؤلّف في التنبيه الأوّل من تنبيهات دليل الانسداد على المقدّمات الخمس لدليل الانسداد، أنّ مقتضاها على تقدير سلامتها هو حجّية الظن بالطريق لا حجّية الظن بالواقع، والمراد بالظن بالطريق، الظن بأنّ القرعة حجّة والخبر الواحد حجّة، ولا يكفي الظن بالواقع إذا لم يكن هناك ظن بالحجيّة، كالظن بالحكم الواقعي عن طريق القياس والاستحسان، أو الظنّ بالحكم المخزون عندهم الّذي لم يصل إلينا.(1)

1 . لاحظ الكفاية: 2 / 25 «هل قضية المقدّمات على تقدير سلامتها هي حجّية الظن بالواقع أو بالطريق أو بهما؟».

307
فهو(قدس سره) قد أقام أدلّة ثمانية على اعتبار الظن بالطريق، وقد نقل الشيخ الأنصاري الوجه السادس، ونحن نذكر نصّ كلام ذلك المحقّق، قال:
السادس: إنّه قد دلّت الأخبار القطعية والإجماع المعلوم من الشيعة على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنّة، بل ذلك ممّا اتّفقت عليه الأُمّة.
وحينئذ إن أمكن حصول العلم بالحكم الواقعي من الرجوع إليهما في الغالب، تعيّن الرجوع على الوجه المذكور، وإن لم يحصل ذلك وكان هناك طريق معتبر في كيفية الرجوع إليهما(كالخبر الصحيح والموثّق مثلاً) تعيّن الأخذ به وكان بمنزلة الوجه الأوّل وإن انسد سبيل العلم(1)، وكان هناك طريق ظنّي (كالخبر الحسن والضعيف) في كيفية الرجوع إليهما لزم الانتقال إليه والأخذ بمقتضاه وحيث لا ترجيح لبعض الظنون المتعلّقة بذلك على بعض يكون مطلق الظن المتعلّق بهما حجّة.(2)
فإن قلت: كيف يكون هذا التقرير دليلاً على حجّية الخبر الواحد، مع أنّ نتيجته هو حجّية مطلق الظن؟
قلت: لأنّ الضرورة قامت على لزوم الرجوع إلى السنّة والأخذ بالخبر الواحد أخذ بالسنّة دون سائر الأمارات كالإجماع المنقول والشهرة.
أضف إلى ذلك: أنّه ربّما يحصل الظن بالحكم ولكن لا يظن بصدوره عن الحجّة، إذ ربّ حكم واقعي لم يصدر عنهم وبقي مخزوناً عندهم لمصلحة من المصالح، فلا يكون مطلق الظنّ مجرداً عن الظن بالطريق حجّة.
هذا توضيح لمرامه.

1 . هذا الشق الثالث موضع المناقشة للمحقّق الخراساني كما سيوافيك.
2 . هداية المسترشدين: 391.

308
وقد أورد عليه الشيخ إشكالات لا يهمّنا نقلها، وإنّما نكتفي بما ذكره المحقّق الخراساني وحاصله:
وبما أنّ كلام المحقّق الخراساني لا يخلو عن إجمال نأتي بملخّص مراده بعبارة واضحة، حاصله: أنّ لازم تدرّجه هو الاحتياط في الدرجة الثالثة لأنّه(قدس سره)ذكر صوراً ثلاثاً:
1. أمكن حصول العلم بالحكم الواقعي، فيتعيّن العمل به.
2. لم يحصل العلم ولكن كان في المورد طريق معتبر في كيفية الرجوع إلى الكتاب والسنّة، مثلاً كالخبر الصحيح، فتعيّن الرجوع إليه.
3. إن انسدّ كلا الطريقين فقال: يرجع إلى الطريق مظنون الاعتبار، وبما أنّه لا ترجيح لبعض الظنون، يكون مطلق الظن حجّة.
فهنا ناقش المحقّق الخراساني بأنّ مقتضى القاعدة في الشق الثالث هو الاحتياط على نحو لا يلزم العسر، وأين هذا من الرجوع إلى ما ظُنّ اعتباره; لأنّ الامتثال العلمي تفصيلاً أو إجمالاً (الاحتياط) مقدّم على الاكتفاء بالرجوع إلى ما ظُنّ اعتباره.

309

الحجج الشرعيّة

6

العرف

أربعة أسماء تدور على ألسن الفقهاء، وهي: العرف، والسيرة، والعادة، وبناء العقلاء، والجميع يهدف إلى معنى واحد، يستخدمها القضاة في فصل الخصومات، كما يعتمد عليها الفقهاء في بعض الموارد الّتي ستمر عليك، والهدف من عقد هذا البحث تبيين مكانة العرف وأنّه هل هو من منابع الاستنباط حتّى يستنبط الفقيه منه حكماً شرعياً أو لا؟ وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم تمهيداً، له دخل في إيضاح المقام:
1. تعريفه: العرف عبارة عن كلّ ما اعتاده الناس وساروا عليه من فعل أو قول.
والفرق بينه وبين الإجماع هو أنّ متعلّق الثاني عبارة عن المسائل الولائية كالخلافة أو الفقهية، بخلاف العرف فالمتعلّق فيه عبارة عمّا تعارف بين الناس، وإن لم تكن له صلة بإحدى المسألتين; أضف إلى ذلك: أنّه يشترط في الإجماع الاتّفاق، بخلاف العرف فأنّه يكفي فيه الأكثرية الساحقة.
2. انقسام العرف إلى عامّ وخاصّ: ينقسم العرف إلى عرف عام يشترك فيه أغلب الناس أو جميعهم على اختلاف بيئاتهم وظروفهم، كرجوع الجاهل إلى العالم; وعرف خاصّ يختصّ ببيئة خاصّة ويسمّى بالرسوم المحلية، وينقسم أيضاً إلى عرف عملي كبيع المعاطاة في أغلب البيوع، وقولي كلفظ الولد حيث إنّه في عرف العرب هو الولد الذكر ولا يشمل الأُنثى، فلو وقف

310
رجل ضيعة للولد تختص بالذكر، خلافاً لمصطلح القرآن حيث يُطلقه على الصنفين، قال سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(1).
3. تقسيم العرف إلى صحيح وفاسد: إذا لم يكن العرف منافياً للكتاب والسنّة فهو صحيح، كتعجيل بعض المهر وتأجيل البعض الآخر، وإذا كان مخالفاً لهما كالعقود الربويّة واختلاط النساء بالرجال في مجالس اللهو فهو عرف فاسد.
وعلى كلّ تقدير فسواء أكان العرف حجّة أو لا، فالمطلوب من العرف حجّيته في مورد لم يكن هناك حكم شرعي، وإلاّ فلا يحتجّ به على حكم.
والغاية من الدراسة في المقام تحليل كونه ظناً خاصّاً يستنبط منه الحكم الشرعي في منطقة الفراغ أو لا.
فإليك بيان الموارد الّتي يمكن أن يكون العرف مرجعاً فيها ولا تتجاوز عن ستة:

1. الرجوع إلى العرف في معاني الألفاظ

لا شك أنّ أهل اللغة هم المرجع في بيان مفاهيم الألفاظ ومعانيها، ولا يختصّ ذلك بلغة دون لغة. وقد تحمّل أصحاب المعاجم عبء العيش بين أهل اللغة في البوادي والحواضر، فدوّنوا ما سمعوه منهم في معاجمهم، كالخليل بن أحمد صاحب كتاب «العين» (المتوفّى 170 هـ)، والجوهري صاحب كتاب «صحاح اللغة» (المتوفّى 399 هـ) وغيرهما من أصحاب المعاجم.

1 . النساء: 11.

311
وقد مرّ أنّ التبادر عند أهل اللسان حجّة على كونه هو الموضوع له.

2. الرجوع إلى العرف في تحديد المعاني

ربّما يكون المعنى واضحاً، ولكن الحدود غير معلومة فيرجع إلى العرف في تحديدها، وهذا كمفاهيم البيع والعقد والإجارة وغيرها حيث يشك في جزئية شيء أو شرطيته لها، كما إذا شك في شرطية العربية في الإيجاب والقبول أو تقديم الإيجاب، أو التنجيز في صدق هذه المفاهيم، فإذا رجعنا إلى العرف وثبت أنّ صدق هذه المفاهيم غير مشروط بهذه القيود والشروط يُحكم بصحّة البيع بغير العربية والعقد المتأخّر إيجابه، أو كون إيجابه معلّقاً، وهذه هي سيرة الفقهاء حيث يتمسّكون بإطلاق قوله: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(1)، وعموم قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(2) عند الشك في الجزئية والشرطية، فإذا كان صدق هذه المفاهيم غير مقيّد بهذه الشروط عند العرف فيؤخذ بإطلاقها ويحكم بصحّة البيع فيها، وما هذا إلاّ لأنّ الموضوع في الآيات الكريمة هو البيع والعقد العرفيان ـ لا الشرعيان ـ غاية الأمر أنّ المعنى العرفي مرآة وطريق إلى المعنى الشرعي، إلاّ إذا قام الدليل على الخلاف، كما في بيع الخمر والخنزير أو بيع الغرر، ولولا كون الموضوع ما يصدق عليه البيع أو العقد عرفاً لكان التمسّك بالآيات عند الشك في الشرطية والجزئية، تمسّكاً بالعام في الشبهات المصداقية، وما ذكرناه هو توضيح ما أفاده الشيخ في آخر تعريف البيع. نظير ما لو افترضنا الإجمال في مفهوم الغبن أو العيب في المبيع فالمرجع هو العرف; ونظيره الغناء فكلّ ما سُمّي غناءً فهو حرام، سواء اشتمل على الترجيع أو الطرب أو لا.

1 . البقرة: 275. 2. المائدة: 1.

312

3. الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق

ربّما يكون المفهوم وحدوده معلوماً لكن يشك الإنسان في كون شيء مصداقاً للمفهوم المعلوم أو لا، كالمعدن فإنّ له أقساماً بعضها قطعي وبعضها مشكوك الدخول فيه كالطين الأحمر.
وكالحرز حيث اتّفق الفقهاء على أنّ الإنسان البالغ العاقل والمختار إذا سرق من حرز ربع دينار فصاعداً أو ما قيمته كذلك، تقطع يده إنّما الكلام في بعض مصاديق الحرز، فلا شك أنّ الصندوق حرز الدراهم والثياب، والاصطبل حرز الدابة، لكن ربّما يشك في صدقه في غير هذين الموردين، كما إذا جعل الدراهم والثياب في غرفة مقفلة فهل يصدق عليه الحرز أو لا؟ فالمرجع في ذلك هو العرف، وهو لا يرى فرقاً بينهما في الصدق.
نعم المرجع هو العرف الدقيق لا العرف المتسامح، فلو باع مائة كيلو حنطة فسلم 500,99 كيلوغراماً فالعرف المتسامح يراه مائة كيلو بخلاف العرف الدقيق، ومنه يعلم حكم الكر والفرسخ وعامّة المقادير والأوزان فلا يتسامح فيها حتّى بمقدار طفيف، لأنّ المفروض أنّ الشارع حدّدها والعرف الدقيق حدّدها أيضاً بحدّ خاص، فإذا فقد الحدّ لا يصدق المحدود.

4. كشف الملازمة بين حكمين شرعيّين

إذا كان بين الحكم الشرعي المنطوق، والحكم الشرعي الآخر غير المنطوق، ملازمة عادية بحيث ينتقل العرف من الحكم الأوّل إلى الحكم الثاني وإن لم يكن الثاني ملفوظاً، فهذه الملازمة حجّة لدى الفقيه وتعدّ من المداليل، وهذا كما في الموارد التالية:
1. إذا قال الشارع يطهر بدن الميت بعد إجراء الأغسال الثلاثة، ولكن

313
سكت عن طهارة يد الغاسل والخشب الّذي أُجري عليه الغسل وسائر الأدوات، لكن العرف يرى ملازمةً بين طهارة الميت وطهارة الأُمور الماضية، إذ كيف يمكن أن يكون بدن الميت طاهراً ويد الغاسل نجسة.
2. إذا دلّ الدليل على طهارة الخمر إذا انقلب إلى الخل وسكت عن طهارة الإناء، فالعرف يرى بين الطهارتين ملازمة.
3. إذا دلّ الدليل الشرعي على طهارة العصير العنبي بعد التثليث وسكت عن طهارة الإناء والأدوات الّتي استخدمها الطباخ، فالعرف يرى الملازمة بين الطهارتين. وهذا ما يُعبّر عنه في الفقه بالتبعيّة.

5. استخدام الأعراف في كشف مقاصد المتكلّم

إنّ لكلّ قوم وبلد أعرافاً خاصّة يتعاملون في إطارها ويتّفقون على ضوئها في كافّة العقود والإيقاعات، فهذه الأعراف تشكّل قرينة حالية لحلّ كثير من الإجماعات المتوهّمة في أقوالهم وأفعالهم، ولنقدّم نماذج منها:
1. إذا باع دابة ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع ليس هو اللغة، بل ما هو المتبادر في عرف المتعاقدين وهو الفرس.
2. إذا باع اللحم ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع هو المتبادر في عرف المتبايعين، وهو اللحم الأحمر دون اللحم الأبيض كلحم السمك.
3. إذا وصّى بشيء لولده، فالمرجع في تفسير الولد هو العرف، ولا يطلق فيه إلاّ على الذكر لا الأُنثى خلافاً للفقه والكتاب العزيز، قال سبحانه: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن).(1)

1 . النساء:11.

314
4. إذا اختلفت البلدان في بيع شيء بالكيل أو الوزن أو بالعد، فالمتبع هو العرف الرائج في بلد البيع.
قال المحقّق الأردبيلي: كلّما لم يثبت فيه الكيل ولا الوزن ولا عدمهما في عهده (صلى الله عليه وآله وسلم)فحكمه حكم البلدان، فإن اتّفق البلدان فالحكم واضح، وإن اختلفت ففي بلد الكيل أو الوزن يكون ربوياً تحرم الزيادة وفي غيره لا يكون ربوياً فيجوز التفاضل، والظاهر أنّ الحكم للبلد لا لأهله وإن كان في بلد غيره.(1)
5. إذا اختلف الزوجان في أداء المهر، فالمرجع هو العرف الخاص، فلو جرت العادة على تقديم المهر أو جزء منه قبل الزفاف ولكن ادّعت الزوجة أنّها لم تأخذه، وادّعى الزوج أنّه دفعه إليها، فللحاكم أن يحكم على وفق العرف الدارج في البلد.
وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) فيما إذا ماتت الزوجة واختلف الزوج مع ورثة الزوجة كالأب والأُم في متاع البيت، فادّعى الزوج أنّه له وقالت الورثة إنّه للزوجة، فجعل الإمام المتاع لها وقال للسائل: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين، فقال: «لو سألت من بين لابتيها ـ يعني الجبلين ونحن يومئذ بمكة ـ لأخبروك انّ الجهاز والمتاع يهدى علانية، من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي التي جاءت به وهذا المدّعي، فإن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البيّنة».(2)
6. إذا اختلف البائع والمشتري في دخول توابع المبيع في البيع فيما إذا لم يصرّحا به، كما إذا اختلفا في دخول اللجام والسرج في المبيع، فإذا جرى

1 . مجمع الفائدة والبرهان:8/477، كتاب المتاجر، مبحث الربا.
2 . الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

315
العرف على دخولهما في المبيع وإن لم يذكر يكون قرينة على أنّ المبيع هو المتبوع والتابع، ولذلك قالوا: إنّ ما يتعارفه الناس في قول أو فعل عليه يسير نظام حياتهم وحاجاتهم، فإذا قالوا أو كتبوا فإنّما يعنون المعنى المتعارف لهم، وإذا عملوا فإنّما يعملون على وفق ما يتعارفونه واعتادوه، وإذا سكتوا عن التصريح بشيء فهو اكتفاء بما يقتضي به عرفهم، ولهذا قال الفقهاء: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.

6. كون العرف منبعاً لاستنباط الحكم الشرعي

ما سبق من الموارد الخمسة يحتجّ بالعرف في تشخيص الصغرى ويتبعه الحكم الشرعي إلى الكبرى ولم يختلف فيها اثنان، إنّما المهم كونه من منابع الاستنباط أي يُكتشف به الحكم الشرعي كالإجماع وغيره; وهذا هو الّذي يصرّ عليه أهل السنّة فيعدّونه من منابع الاستنباط. غير أنّ الحق كون العرف كاشفاً عن الحكم الشرعي دون أن يكون من منابع الاستنباط، وقد تقدّم مثل ذلك في الإجماع وأنّه ليس من منابع الاستنباط بل كاشفاً عن السنّة، فهكذا العرف أو سيرة العقلاء يكشف عن الحكم الشرعي بشرطين:
1. اتّصال السيرة إلى أعصارهم وكونها بمرأى ومسمع منهم.
2. عدم ردعهم عنها بقول وفعل.
فنحن نوافق أهل السنّة في أصل الاحتجاج بالعرف والسيرة لكن نخالفهم في أنّ مرجع العرف عندنا إلى السنّة حيث يكشف عنها دون أن يكون دليلاًمستقلاً، ولذلك أفتى الفقهاء بالجواز في الموارد التالية لوجود السيرة المتصلة بعصر المعصومين من دون ردع:
1. العقود المعاطاتية في البيع والإجارة والرهن وغيرها، فهي حجّة على

316
مَن يشترط العقد اللفظي في صحّة المعاملات المزبورة.
2. وقف الأشجار والأبنية منفكّة عن وقف العقار، فالسيرة حجّة عند الشكّ في صحّة هذا النوع من الوقوف.
3. دخول الحمّام من دون تقدير مدّة المكث فيه ومقدار المياه الّتي يصرفها.
4. استقلال الحافلة بأُجرة معيّنة من دون أن يعيّن حدّ المسافة.
5. بيع الصبي وشراؤه في المحقّرات، دون الجلائل. مع أنّ الثالث والرابع غرريّان، والخامس، ينافيه ظاهراً، قول علي (عليه السلام): «عمد الصبي خطأ».(1) أو قول الإمام الصادق (عليه السلام): «عمد الصبي وخطئه واحد».(2)
وبما ذكرنا يعلم أنّ السير الحادثة بين المسلمين ـ بعد رحيل الرسول ـ لا يصحّ الاحتجاج بها وإن راجت بينهم كالأمثلة التالية:
1. عقد التأمين وهو عقد رائج بين العقلاء عليه يدور رحى الحياة في العصر الحاضر فموافقة العرف لا يكون دليلاً على كونه مشروعاً بل هو بحاجة إلى دليل آخر عليه.
2. عقد حقّ الامتياز قد شاع بين الناس شراء الامتياز الكهرباء والهاتف والماء وغير ذلك ممّا يعدّ من متطلّبات الحياة العصرية فدفع خصوص المال بغية شرائها وراء ما يدفع في مقابل الانتفاع بها، وحيث إنّ هذه السيرة حدثت ولم تكن في عصر المعصومين فلا يعد موافقة العرف له دليلاً على جوازه.
3. بيع السرقفلية قد شاع بين الناس أنّ المستأجر إذا استأجر مكاناً

1 و 2. الوسائل: 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 3، 2، بناء على عدم اختصاص الحديثين، بباب الديات.

317
وسكن فيه فيصبح له حق الأولوية وربما يأخذ شيئاً باسم السرقفلية حين التخلية.
4. عقود الشركات التجارية الرائجة في عصرنا ولكلّ منها تعريف يخصّها ولم يكن له أثر في عصر الوحي، فتصويب كلّ هذه العقود بحاجة ماسّة إلى دليل آخر وراء العرف، فإن دلّ عليه دليل شرعي يؤخذ به وإلاّ فلا تصحّ بالعرف.
إلى هنا تمّ الكلام في الظن الخاصّ الّذي لكلّ ظن دليل مستقل، وحان وقت البحث في حجّية مطلق الظن، أي ليس لظن بأي صورة كان إلاّ دليل واحد هو دليل الإنسداد.

في حجّية مطلق الظن

استدلّ على حجّية مطلق الظن بوجوه أربعة:

الأوّل: الظن بالحكم ظن بالضرر

إنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبي والتحريمي، مظنّة الضرر، هذا هو الصغرى; ودفع الضرر المظنون لازم، وهذا هو الكبرى.
أمّا الصغرى فقد فُسِّر الضرر تارة بالعقوبة الأُخروية، وأُخرى بالمفسدة الدنيوية، فقيل: إنّ الظن بوجوب شيء أو حرمته يلازم الظن بالعقوبة أو الظن بالمفسدة الدنيوية عند المخالفة بناءً على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.
أمّا الكبرى أي دفع الضرر المظنون فهو واضح لو قلنا بالتحسين والتقبيح العقليّين، فإنّ العقل يقبّح ارتكاب ما فيه الضرر المظنون، وأمّا إذا قلنا بعدم

318
استقلال العقل بالتحسين والتقبيح فمع ذلك يستقل العقل في هذا المورد بلزوم الدفع، سواء أكان مظنوناً أو محتملاً، هذا هو الاستدلال.
وأمّا الجواب فقد ناقش القدماء في الكبرى، والمتأخّرون في الصغرى، أمّا الفريق الأوّل فتارة قالوا:(1) إنّ دفع الضرر المظنون احتياط مستحبٌ، وأُخرى قالوا بأنّ وجوب الدفع يختصّ بالمضار الدنيوية لا الأُخروية. وثالثة بالنقض وهو النهي عن خبر الفاسق والقياس، مع كونهما مفيدين للظن بالضرر.
وأنت ترى أنّ الأجوبة الثلاثة أجوبة ضعيفة، ولذلك عدل المتأخّرون عن منع الكبرى إلى منع الصغرى، وأنّ الظن بالوجوب أو الحرمة لا يلازمان الظن بالضرر، سواء أفسّر بالعقوبة أم بالمفسدة الدنيوية، وإليك توضيح الجواب. إنّ في المقام صورتين:
الأُولى: أن يكون المراد من الضرر، العقوبة الأُخروية.
الثانية: أن يكون المراد منه المفاسد الدنيوية.
لو افترضنا أنّ المراد من الضرر، هو العقوبة الأُخروية، فهنا قاعدتان:
الأُولى: قبح العقاب بلا بيان.
الثانية: لزوم دفع الضرر المحتمل (العقوبة الأُخروية)، فلو وقفنا على حدود القاعدتين لظهر منع الصغرى في المقام فنقول:
أمّا الأُولى: فموردها الشبهة البدوية يعني فيما إذا لم يكن في المورد بيان واصل، وعندئذ لا ملازمة بين الظن بالحكم والظن بالعقوبة، لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، حتّى ولو كان هنا ظن بالحكم، وإنّما الملازمة بين الحكم الواصل إلى المكلّف والعقوبة، ولا يعني بالواصل إلاّ العلم أو الحجّة الشرعية،

1 . نقل هذه الأجوبة الثلاثة الشيخ في فرائده، والأوّل للحاجبي، والثاني للشيخ الطوسي.

319
والمفروض انتفاؤهما لعدم العلم بحجّية الظن.
هذا كلّه حول القاعدة الأُولى، وأمّا القاعدة الثانية، أعني: وجوب دفع الضرر المظنون (العقوبة) فإنّما تختص بما أُحرِزت العقوبة بقيام الحجّة الشرعية، فاحتمال العقاب منجز فضلاً عن الظن بالعقاب.
أمّا الظن كما إذا علم أنّ أحد الإنائين خمر ففي شرب أحدهما مظنة العقاب.
وأمّا الاحتمال فكما إذا كانت الأطراف واسعة مع عدم خروجها عن الانحصار، كما في الخمر الموجود بين أقداح عشرة، ففي هذين الموردين يجب الاجتناب لتمامية الحجّة على المكلّف، فظهر ممّا ذكرنا أنّ مورد القاعدة الأُولى غير مورد القاعدة الثانية، فمورد الأُولى هو الشبهة البدوية، ومورد الثانية هو الشبهة المحصورة، وكلامنا في المقام إنّما هو في الصورة الأُولى.
أمّا الصورة الثانية ـ أعني: ما إذا أُريد المفاسد الدنيوية ـ: فقد أجاب عنه العلمان الأنصاري والخراساني قدس سرهما بجوابين:
1. أنّ الأحكام وإن كانت تابعة لمصالح ومفاسد في المتعلّق، لكنّها تابعة للنوعية منهما لا للشخصية، وليس كلّ مفسدة نوعية فيها ضرر شخصي، بل ربّما يكون في ارتكابها نفع شخصي كتحريم الربا، وليس كلّ مصلحة نوعية، فيها نفع شخصي بل ربّما يكون فيها الضرر الشخصي كالإنفاق.
2. أنّها مبنية على أنّ الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في المتعلّق ولكن ربّما تكون تابعة لمصالح ومفاسد في نفس الأحكام.
يلاحظ على الجواب الأوّل: بأنّ التفكيك بين الضرر الشخصي، والضرر النوعي، أمر غير صحيح، والقول بوجود النفع الشخصي في الضرر النوعي

320
كالربا، رؤية عاجلة، ولكنّه في الحقيقة سيعود إلى الشخص أيضاً آجلاً، يقول سبحانه: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )(1) حيث جاء بعد الأمر بالإنفاق، قوله: (وَلاَ تُلْقُوا...)مشعراً بأنّ في منع الإنفاق، هلاكاً لأصحاب الثروة والنعمة حيث يثور العادم على الواجد ثورة عارمة تقضي على حياة الواجد.
ويلاحظ على الجواب الثاني: بأنّ تبعية الأحكام لمصالح ومفاسد في نفس الأحكام أمر غير صحيح، وإلاّ لم يلزم امتثالها لحصول الملاك بنفس الأمر.
نعم القول بوجود الملاك في نفس الأحكام إنّما يصحّ في الأوامر الامتحانية دون الحقيقية.
والأَولى أن يجاب أنّ المفسدة الدنيوية على قسمين:
الأوّل: إذا كان الاحتمال ضعيفاً ولكن المحتمل ذو أهمية، كما إذا احتمل واحداً بالمائة أنّه لو دخّن قرب مكان البنزين لاشتعل المخزن وانفجر، فيحكم العقل بأهمية المحتمل بالاجتناب وإن كان الاحتمال ضعيفاً.
الثاني: ما إذا كان الاحتمال قوياً ولكن المحتمل ضعيفاً من حيث الأهمية، كما إذا ظن أنّ في تناول المشروبات الغازية ضرراً على المعدة فلا يعتد بالاحتمال ويشرب.
وعلى ذلك فيجب النظر في الضرر المظنون الدنيوي الحاصل من الظن بالحكم فيفصل بين القسمين.
وهناك جواب آخر للشيخ الأنصاري وحاصله: أنّ الضرر وإن كان مظنوناً، إلاّ أنّ حكم الشارع قطعاً أو ظناً بالرجوع في مورد الظن إلى البراءة

1 . البقرة: 195.

321
والاستصحاب وترخيصه لترك مراعاة الظن، أوجب القطع أو الظن بتدارك ذلك الضرر المظنون.(1)
***
ثم إنّ القائلين بحجّية الظن المطلق، أقاموا عليها دلائل أربعة قد مضى الأوّل منها، وأمّا الثاني والثالث فليسا بدليلين مستقلين، بل يرجعان لبّاً إلى الدليل الرابع، أعني: دليل الانسداد، وقد بسطنا القول فيه وتوابعه في الدورات السابقة، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى التقريرين: المحصول والإرشاد.
وبما أنّ المحقّقين من المتأخّرين أبطلوا دليل الانسداد فاللازم الصفح عنه، والاشتغال بما هو الألزم، فإنّ كثرة العطل في أيامنا الدراسيّة يبعثنا إلى دراسة الأهمّ فالأهم، فلذلك نبتدئ ببحث البراءة والاشتغال بإذن الله سبحانه.
وأمّا البحث عن حجّية الظن في أُصول الدين ومعانيها فهو مسألة كلامية، فلذلك طوينا الكلام عنه وإن بسطنا البحث ـ فيما تركناه هنا ـ في الدورات السابقة.

1 . الفرائد: 1 / 376.

322
 
المقاصد الشرعية العامّة
قبل الخوض في البحث نقدّم أُموراً:

1. أفعاله سبحانه تكويناً وتشريعاً معلّلة بالغايات

إنّ الرأي السائد لدى الأشاعرة، هو أنّ أفعال الله سبحانه لا تكون معلّلة بالأغراض والمقاصد، مستدلّين بأنّه لو كان فعله خاضعاً للغرض لكان ناقصاً في ذاته، مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من عدمه وهو معنى الكمال.(1)
ولكنّهم خلطوا بين الغرض العائد إلى الفاعل، والغرض المترتّب على الفعل، ـ وإن كان المستفيد غيره سبحانه ـ فالاستكمال لازم الصورة الأُولى دون الثانية، والقائل بكون أفعاله معلّلة بالأغراض والدواعي، يعني بها الصورة الثانية دون الأُولى، وتبعية الفعل للغرض بالمعنى الأوّل ينافي كونه غنياً في ذاته وصفاته وأفعاله، ولكنّها بالمعنى الثاني توجب خروج فعله عن كونه عبثاً ولغواً، وكونه سبحانه عابثاً ولاغياً، فالجمع بين كونه غنياً غير محتاج إلى شيء، وكونه حكيماً منزّهاً عن العبث واللغو، يتحقّق باشتمال أفعاله على حِكَم ومصالح ترجع إلى العباد لا إلى وجوده وذاته، كما لا يخفى.
إنّ القرآن الكريم يُجلّ أن تكون أفعاله الكونية عبثاً بلا غرض، وسُدىً بلا غاية، لأنّ العبث يضادّ كونه حكيماً يضع الأشياء مواضعها.
قال سبحانه:

1. المواقف:231.

323
1. (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ)(1).
2. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ).(2)
3. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)(3).
4. (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ).(4) إلى غير ذلك من الآيات التي تَنفي العبث عن فعله سبحانه، وتصرّح باقترانه بالحكمة والغرض، ومع هذه التصريحات القاطعة للعذر، كيف يتفلسف الأشعري بما ذكره من الدليل العقلي وينفي كلّ غرض وغاية عن فعله، ويعرّف فعله سبحانه على خلاف الحكمة، مع أنّ من صفاته كونه حكيماً؟!
وكما أنّ أفعاله الكونية مقرونة بالغرض، فكذا تشريعاته في عامّة المجالات تابعة لأغراض تحقّق مصالح للناس عاجلاً وآجلاً.
وسيوافيك نصوص الذكر الحكيم وما رُوي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)في هذا الصدد.

2. الشيعة الإمامية ومقاصد الشريعة

إنّ الشيعة الإمامية عن بكرة أبيهم أكّدوا على أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمقاصد والأغراض، فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمفسدة في اقترافه، وقد تحقّق عندهم إنّ للتشريع الإسلامي نظاماً لا تعتريه الفوضى.

1. المؤمنون:115.
2. الدخان:38.
3. ص:27.
4. الذاريات:56.

324
وهذا الأصل وإن خالف فيه بعض الأُمّة(الأشاعرة)، غير أنّ نظرهم محجوج بكتاب الله وسنّة نبيّه ونصوص خلفائه. وإليك البيان:
المراد من الأغراض والدواعي، ما يترتّب على تشريع الحكم من مصالح اجتماعية أو فردية، أو دفع مفاسد كذلك، مثلاً(أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) لما في إباحته من منافع، (وَحَرَّمَ الرِّبَا) لما في تحريمه من درء مفاسد لا تخفى.
ومن قرأ القرآن بإمعان ودقّة، وتدبّر في آيات التشريع والأحكام، يقف بوضوح على أنّه سبحانه تارة يصرّح بعلل التشريع ودوافعه، وأُخرى يشير إليها بأروع الإشارات، ونحن نذكر من كلّ قسم شيئاً.

3. التصريح بالعلل

قد وردت في الذكر الحكيم آيات تتضمّن تشريع الأحكام مقرونة بذكر عللها والمصالح التي تترتّب عليها، أو المفاسد التي تُدرأ بها، نظير:
1.(إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).(1)
فالآيتان تشتملان على علل تشريع حرمة الخمر والميسر وما عطف عليهما من الأنصاب والأزلام، إمّا بالإشارة إليها كقوله: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) و «رجاء الفلاح» وإمّا بالتصريح بها كما في الآية الثانية بأنّ مزاولتهما تورث العداء والبغضاء وتصد عن ذكر الله.
2. (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى

1. المائدة:90ـ 91.

325
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).(1)
جعل الفيء لله وللرسول ولمن عطف عليهما، لئلاّ يتم تداول الثروة دائماً بين الأغنياء.
3. (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم...).(2)
فقد نهى سبحانه عن سبّ آلهة المشركين، لأنّه ينتهي إلى سبّ الله سبحانه.
4. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).(3)
أمر تبارك وتعالى بغسل الوجوه والأيدي ومسح الرؤوس والأرجل لمن كان واجداً للماء، كما أمر لفاقده بالتيمّم بمسح الوجوه والأيدي بما يعلق بها من الغبار، ثمّ علّل سبحانه الأمر بالطهارة الأعم من المائية والترابية بأنّه لغاية تطهيركم لا لإيجاد الحرج عليكم.

1. الحشر:7.
2. الأنعام:108.
3. المائدة:6.

326
5. (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(1)
أمر سبحانه بالقصاص وقتل النفس بالنفس لما فيه حياة للمجتمع.
6. أنّه سبحانه بعد ما قصّ نبأ ابني آدم وأنّ أحد الأخوين قتل الآخر قال: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).(2)
فجعل وقوع تلك الحادثة الفجيعة سبباً لكتابته سبحانه على بني إسرائيل: أنّه من قتل نفساً ـ بغير حقّ ـ فكأنّما قتل الناس جميعاً، فالحكم المكتوب على بني إسرائيل نابع عن قصّة نبأ ابني آدم.
7. (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً).(3)
كان الحكم السائد في الجاهلية تحريم تزوّج الرجال بأزواج أدعيائهم، وحينما طلّق زيدٌ (الذي تبنّاه رسول الله في الجاهلية) امرأته زينب بنت عمة النبي(صلى الله عليه وآله)، أمر سبحانه نبيّه الكريم أن يتزوجها بهدف إماتة تلك السنّة الجاهلية، وبذلك جسّد(صلى الله عليه وآله) قوله سبحانه: (لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ).
8. (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ).(4)
فقد علّل سبحانه الإذن بقتال الظالمين بقوله(بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) فالآية

1. البقرة:179.
2. المائدة:32.
3. الأحزاب:37.
4. الحج:39ـ 40.

327
صريحة في أنّ المظلوم مأذون في قتال الظالم مادام كونه مظلوماً والآخر ظالماً.
9. (وَأَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(1)، فلكونها ناهية عنهما صارت سبباً للأمر بإقامتها.
10. (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ). (2)
وقد أمر سبحانه بلزوم التأهّب واتّخاذ العدّة للقتال، وذلك لغاية إرهاب عدو الله وعدو المسلمين من غير فرق بين معلوم العداء وغيره.
هذه نماذج من آيات التشريع التي صرّح الذكر الحكيم بعللها، وإليك نماذج من القسم الآخر.

4. الإلماع إلى علل التشريع دون التصريح

هناك آيات في الذكر الحكيم تشير إلى علل الأحكام لا بصورة واضحة، بل بالكناية والإشارة يقف عليها مَن تدبّر الذكر الحكيم، وإليك نماذج من هذا القسم:
1. (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(3)، فالآية مشتملة على التعليل الصريح مثل قوله: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا)وقوله:(نَكَالاً مِنَ اللهِ)، وعلى الإشارة إليه حيث علّق لزوم القطع على عنواني السارق والسارقة مشيراً إلى أنّ علّة القطع هو السرقة، وقد اشتهر قولهم:

1. العنكبوت:45.
2. الأنفال:60.
3. المائدة:38.

328
«تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّية».
2. (الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).(1)
فالآية مشتملة على الإشارة بالتعليل وهو تعليق الحكم على عنوان الزانية والزاني.
3. (فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَوةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا).(2)
ذكر سبحانه في هذه الآية صلاة الخوف وبيّن كيفيتها، ولمّا كان هناك سؤال وهو أنّه سبحانه إذا كان بصدد التخفيف عن العباد، فلماذا لم يأمر بتأخير الصلاة حتى يستقر المسافر في بلده؟ فأجاب سبحانه عن ذلك بقوله: (إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)، أي أنّ الصلاة قد شرّعت مؤقتةً بأوقات لابدّ من أدائها فيها بقدر الإمكان.
4. (فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا).(3)
ففي الآية إلماع إلى علّة تحريم الطيبات على اليهود وهو ظلمهم وصدّهم عن سبيل الله.
5. (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ

1. النور:2.
2. النساء:103.
3. النساء:160.

329
إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).(1)
فقد أشار سبحانه إلى علّة تشريع الحكم وإيجاب غضّ البصر وحفظ الفروج بقوله: (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ).
6. (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).(2)
فقد علّل سبحانه لزوم السؤال من وراء الحجاب بأنّه مورث لطهارة قلوب السائل والمسؤول.
7. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).(3)
ترى أنّه سبحانه يشير إلى علّة التشريع في الآية بقوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ)، وفي الآية الثانية:(هُوَ أَزْكَى لَكُمْ).
8. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(4)، فالغاية من كتابة الصيام على عامّة الأُمم والمسلمين، هو رجاء الاتّقاء عن المعاصي ولك أن تجعل بعض ما ذكر من قبيل التصريح لا الإلماع والإشارة.

1 . النور:30.
2 . الأحزاب:53.
3 . النور:27ـ 28.
4 . البقرة:183.

330

5. الاستدلال بالروايات

1. قال الإمام علي(عليه السلام): «فرض الله تعالى الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً عن الكبر، والزكاة تسبيباً للرزق، والصيام ابتلاءً لإخلاص المحقّ، والحجّ تقوية للدين، والجهاد عزّاً للإسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للعوام، والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء، وصلة الأرحام منماةً للعدد، والقصاص حقناً للدماء، وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم، وترك شرب الخمر تحصيناً للعقل، ومجانبة السرقة إيجاباً للعفّة، وترك الزنا تحقيقاً للنسب، وترك اللّواط تكثيراً للنسل، والشهادات استظهاراً على المجاحدات، وترك الكذب تشريفاً للصدق، والسلم أماناً من المخاوف، والإمامة نظاماً للأُمّة، والطاعة تعظيماً للسلطان».(1)
2. وقال علي(عليه السلام): «قال الله عزّ وجلّ من فوق عرشه: يا عبادي أطيعوني فيما أمرتكم، ولا تُعلّموني بما يصلحكم، فإنّي أعلم به ولا أبخل عليكم بصالحكم».(2)
3. وقال أيضاً، حول فريضة الصلاة والزكاة:«ومن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات، ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات، تسكيناً لأطرافهم، وتخشيعاً لأبصارهم، وتذليلاً لنفوسهم، وتخفيفاً لقلوبهم، وإذهاباً للخيلاء عنهم، لما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعاً، والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغراً، ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذلّلاً.(2)
4. قالت فاطمة الزهراء(عليها السلام) سيدة النساء في خطبتها المعروفة بعد رحيل

1 . نهج البلاغة، قسم الحكم:252. 2 . عدة الداعي:31.
2 . نهج البلاغة، الخطبة:192، تصحيح صبحي الصالح.

331
أبيها:«لله فيكم عهد قدّمه إليكم، وبقيّة استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللاّمع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبط به أشياعه، قائد إلى الرضوان أتباعه، مؤدّ إلى النجاة استماعه، به تنال حجج الله المنوّرة، وعزائمه المفسّرة، ومحارمه المحذرة، وبيّناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة.
فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماءً في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحجّ تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام ]وذلاًّ لأهل الكفر والنفاق[، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللّعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية فاتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله فيما أمركم به و]ما [نهاكم عنه، فإنّه إنّما يخشى الله من عباده العلماء.(1)
5. وهذا باقر الأُمّة وإمامها يقول: «إنّ مدمن الخمر كعابد وثن، ويورثه الارتعاش، ويهدم مروته ويحمله على التجسّر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا».(2)

1 . الاحتجاج:1/258ـ259.
2 . بحار الأنوار:65/164، الحديث2.

332
6. روى جميل بن دراج، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه سأله عن شيء من الحلال والحرام؟ فقال:«إنّه لم يجعل شيء إلاّ لشيء».(1)
قال العلاّمة المجلسي معلّقاً على الحديث: أي لم يشرّع الله تعالى حكماً من الأحكام إلاّ لحكمة من الحكم، ولم يحلّل الحلال إلاّ لحسنه، ولم يحرّم الحرام إلاّ لقبحه، لا كما تقوله الأشاعرة من نفي الغرض وإنكار الحسن والقبح العقليّين; ويمكن أن يعمّ بحيث يشمل الخلق والتقدير أيضاً، فإنّه تعالى لم يخلق شيئاً أيضاً إلاّ لحكمة كاملة وعلّة باعثة.
7. عن هشام بن الحكم، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن علّة الصيام؟ قال: «العلّة في الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك أنّ الغني لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير، لأنّ الغني كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عزّ وجلّ أن يسوّي بين خلقه وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم ليحسن على الضعيف ويطعم الجائع».(2)
8. روى محمد بن سنان قال: سمعت علي بن موسى بن جعفر(عليهم السلام)يقول: «حرّم الله الخمر لما فيها من الفساد ومن تغييرها عقول شاربيها، وحملها إيّاهم على إنكار الله عزّ وجلّ، والفرية عليه وعلى رسله، وسائر ما يكون منهم من الفساد والقتل، والقذف، والزنا، وقلّة الاحتجاز من شيء من الحرام، فبذلك قضينا على كلّ مسكر من الأشربة أنّه حرام محرّم، لأنّه يأتي من عاقبتها ما يأتي من عاقبة الخمر; فليجتنب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتولاّنا وينتحل مودّتنا كلّ شراب مسكر فإنّه لا عصمة بيننا وبين شاربيها».(3)

1 . بحار الأنوار:6/110.
2 . فضائل الأشهر الثلاثة:102.
3 . بحار الأنوار:6/107.

333
9. وقد قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا(عليه السلام):«إنّ الله تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد».(1)
10. وقال(عليه السلام) في الدم: «إنّه يسيء الخلق، ويورث القسوة للقلب، وقلّة الرأفة والرحمة، ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده».(2)
11. وقال الرضا(عليه السلام):«إنّا وجدنا كلّ ما أحلّ الله تبارك وتعالى ففيه صلاح العباد وبقاؤهم، ولهم إليه الحاجة التي لا يستغنون عنها; ووجدنا المحرم من الأشياء، لا حاجة للعباد إليه، ووجدناه مفسداً داعياً إلى الفناء والهلاك».(3)
12. وقال الرضا(عليه السلام):«إنّما أُمروا بالصلاة، لأنّ في الصلاة الإقرار بالربوبية، وهو صلاح عام، لأنّ فيه خلع الأنداد والقيام بين يدي الجبار».(4)
إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة عن أئمّة الدين.
***

1 . مستدرك الوسائل:3/71.
2 . الاختصاص:103; لاحظ البحار:64/164، قسم الهامش.
3 . معادن الحكمة:2/151.
4 . وسائل الشيعة:3/5.

334

ثمرة التعرّف على المقاصد

تظهر ثمرة التعرّف على مقاصد الشرع وأغراضه في مقامين:
1. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر، كتقديم حفظ الدين على حفظ النفس، وهكذا، كما سيوافيك بيانه.
2. كون التعرّف على المقاصد، من مصادر التشريع بحيث يستكشف الحكم الشرعي من العلم بالغرض. وإليك دراسة مقامين:

المقام الأوّل: تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأجل التعرّف على المقاصد

إذا كان هناك تعارض بين حفظ الحكم الضروري والحكم الحاجي فلا شكّ في تقديم الأوّل على الثاني.
كما إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الحاجي والحكم التحسيني يقدّم الأوّل على الثاني وهكذا. ومثله ما إذا وقع التزاحم بين الأُمور الضرورية الخمسة وهي: 1. الدين، 2. النفس، 3. العقل، 4. النسل أو العرض، 5. المال. فيقدّم حفظ الأوّل على الثاني وهكذا في سائر الموارد، وإليك الأمثلة:

التزاحم بين الضروريات

قد عرفت أنّ الدين هو الضروري الأوّل الّذي تليه النفس، فإذا دار الأمر بين الأمرين فحفظ الدين هو الأهمّ، ولذلك وجب الجهاد بالنفس حفظاً للدين وإن كان فيه تضحية بالنفس.
كما أنّه إذا دار الأمر بين حفظ النفس والعقل، فحظ النفس أهمّ من حفظ العقل، فلو أُصيب بمرض لا يعالج إلاّ بشرب الخمر، يجب عليه شربه حفظاً

335
للنفس وإن كان فيه إزالة للعقل بشكل مؤقّت.
ولو دار الأمر بين الاعتداء على العرض وقتل النفس فيجوز له الاعتداء لحفظ النفس، كما أنّه لو دار الأمر بين حفظ العرض والاعتداء على مال الغير يجب الثاني حفظاً للعرض.
نعم ما ذكرناه هو الضابطة الغالبة، ولكن ربما ينعكس الحكم، فلو أكره عالم مُطاع على شرب الخمر على رؤوس الأشهاد وهُدّد بالقتل على تركه فلا يجوز له شربه، لأنّ في ذلك زعزعة لإيمان الناس وهدماً لعقيدتهم.
وبذلك يعلم أنّه إذا كان هناك تزاحم بين الضروري والحاجي (عدم الحرج)، يقدّم الأوّل على الثاني، فلو كان في إتيان الواجبات كلفة ومشقّة فيقدّم الأوّل وتتحمّل المشقّة، وإلاّ لزم ترك الفرائض والنوافل بحجّة أنّ فيها مشقّة وقد تقدّم أنّ عدم الحرج من الحاجيات ولا يتحمّل إلاّ إذا دار الأمر بينه وبين الامتثال لأحكام الدين.
ثمّ إنّه إذا دار الأمر بين الحاجي والأمر التحسيني فيقدّم الأوّل، ولذلك اغتفرت الجهالة في المزارعة والمساقاة لحاجة الناس إليهما وإن كان فيها ترك التحسينات. هذه هي النتائج المترتّبة على التعرّف لمقاصد الشريعة وقد عرفت أنّها ثمرات غالبية، وربما يطرأ على المورد عنوان آخر يوجب قلب الحكم.

التعرّف على الأهم عن طريق آخر غير التعرّف على المقاصد

إنّ التعرف على مقاصد الشريعة هو أحد الطرق لتقديم أحد المتزاحمَيْن على الآخر، وهناك طريق آخر سلكه أصحابنا لا بأس بذكره لإيقاف الآخرين عليه:
إنّ الأُصوليّين من الإمامية فتحوا باباً باسم التعارض والتزاحم، وبيان

336
الفرق بينهما، ومرجّحات كلّ منهما قالوا:
إذا كان التنافي في مقام الجعل والإنشاء على وجه لا يمكن للحكيم إنشاء حكمين عن جدّ لموضوع واحد، فهو المسمّى بالمتعارضين، كما إذا أنشأ وقال: ثمن العذرة سحت، وقال: لا بأس ببيع العذرة.
وأمّا لو كان التنافي راجعاً إلى مقام الامتثال مع كمال الملائمة في مقام الإنشاء والجعل فهو المسمّى بالمتزاحمين كما إذا أمر المولى بإنقاذ الغريق، ففوجئ بغريقين وليس له قدرة إلاّ بإنقاذ أحد ما، فالدليلان متلائمان في مقام الجعل، متزاحمان في مقام الامتثال.
وقد ذكر الأُصوليّون لتقدّم أحد الدليلين على الآخر، عدّة مرجّحات نشير إليها على وجه الإيجاز فإنّ التزاحم ينقسم إلى الأقسام التالية:
1. ما يكون التزاحم لأجل كون مخالفة أحد الحكمين مقدّمة لامتثال الآخر، كما إذا توقّف إنقاذ الغريق على التصرّف في أرض الغير.
2. ما يكون منشأ التزاحم وقوع التضاد بين متعلّقين من باب التصادف لا دائماً، كما إذا زاحمت إزالة النجاسة عن المسجد، إقامةَ الصلاة فيه.
3. ما يكون أحد المتعلّقين مترتّباً في الوجوب على الآخر، كالقيام في الركعة الأُولى والثانية مع عدم قدرته عليه إلاّ في ركعة واحدة، أو كالقيام في الصلاتين:الظهر والعصر، مع عدم استطاعته إلاّ على القيام في واحدة منهما.
ومثله إذا دار أمره بين الصلاة قائماً في مخبأ بلا ركوع وسجود، أو الصلاةَ معهما من دون قيام في مخبأ آخر.
إذا عرفت ذلك فلنذكر مرجّحات باب التزاحم التي هي وسيلة التعرّف على الأهم.

337

1. تقديم ما لا بدل له على ماله بدل

إذا كان هناك واجبان لأحدهما بدل شرعاً، دون الآخر، فالعقل يحكم بتقديم الثاني على الأوّل، جمعاً بين الامتثالين، كالتزاحم الموجود بين رعاية الوقت وتحصيل الطهارة الحدثية بالماء، فبما أنّ الوقت فاقد للبدل، بخلاف الطهارة الحدثية، فتُقدّم مصلحة الوقت على مصلحة الطهارة الحدثية بالماء، فيتيمّم بدلاً عن الطهارة المائية ويصلّي في الوقت.

2. تقديم المضيّق على الموسّع

إذا كان هناك تزاحم بين المضيّق الذي لا يرضى المولى بتأخيره، والموسّع الذي لا يفوت بالاشتغال بالواجب المضيّق، إلاّ فضيلة الوقت، فالعقل يحكم بتقديم الأوّل على الثاني، ولذلك يجب امتثال إزالة النجاسة أوّلاً ثمّ القيام بالصلاة.

3. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأهميته

إذا دار الأمر بين ترك الأهم والمهم، كإنقاذ الغريق والتصرّف في مال الغير، فالعقل يحكم بتقديم الأهم على المهم، وهذه من القضايا التي قياساتها معها.

4. سبق امتثال أحد الحكمين زماناً

إذا كان أحد الواجبين متقدّماً في مقام الامتثال على الآخر زماناً، كما إذا وجب صوم يوم الخميس والجمعة، ولا يقدر إلاّ على صيام يوم واحد، أو إذا وجبت عليه صلاتان ولا يتمكّن إلاّ من الإتيان بواحدة منهما قائماً، أو وجبت

338
صلاة واحدة ولا يتمكّن إلاّ من القيام بركعة واحدة، ففي جميع هذه الصور يستقلُّ العقل بتقديم ما يجب امتثاله سابقاً على الآخر، حتى يكون في ترك الواجب في الزمان الثاني معذوراً، إلاّ إذا كان الواجب المتأخّر أهمّ في نظر المولى فيجب صرف القدرة في الثاني، وهو خارج عن الفرض.
وبعبارة أُخرى: لو صام يوم الخميس، أو صلّى الظهر قائماً، فقد ترك صوم يوم الجمعة والقيام في صلاة العصر عن عذر وحجّة بخلاف ما لو أفطر يوم الخميس وصلّى الظهر جالساً فقد ترك الواجب بلا عذر.

5. تقديم الواجب المطلق على المشروط

إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور مرقد الإمام الحسين(عليه السلام) في كلّ يوم عرفة، ثمّ حصلت له الاستطاعة فيقدّم الحج على زيارة الحسين(عليه السلام)، لأنّه إذا قال القائل: لله عليَّ أن أزور الإمام الحسين(عليه السلام)في كلّ يوم عرفة، إمّا أن لا يكون له إطلاق بالنسبة إلى عام حصول الاستطاعة للحج، أو يكون.
فعلى الأوّل ـ عدم الإطلاق لدليل النذر ـ يكون الحجّ مقدّماً، إذ لا يكون عندئذ إلاّ واجب واحد.
وعلى الثاني، بما أنّ الإطلاق مستلزم لترك الواجب ـ أعني: الحجّ ـ يكون إطلاق النذر ـ لا نفسه ـ باطلاً، نظير ما إذا نذر شخص أن يقرأ القرآن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإنّه في حدّ نفسه راجح، لكنّه بما أنّه مستلزم لتفويت الواجب ـ وهي صلاة الصبح ـ فلا ينعقد، وهذا هو المراد من قولنا تقديم الوجب المطلق (الحج) على الواجب المشروط (زيارة الحسين) حيث إنّها مشروطة بعدم كونها مفوّتة للواجب.
وبذلك يعلم، أنّ علاج المتزاحمين مبني على التعرّف على الأهم

339
والمهمّ، كما في هذه الوجوه الستة، وهذا مسلك سلكه أصحابنا الأُصوليّون وراء التعرّف على مقاصد الشريعة.

التزاحم بين الضررين

التزاحم بين الضررين من أوضح مصاديق باب التزاحم فللعقل في تقديم أحد الضررين على الآخر دور واضح، وبما أنّ الرسالة لا تتّسع لذكر صورها مع أدلّتها، فلنذكر رؤوس المسائل ونترك التفصيل إلى محلّه:
1. إضرار الغير لدفع الضرر عن النفس، كما إذا كان الضرر متوجّهاً إليه، فهل يجوز دفع الضرر عن نفسه، بتوجيهه إلى الغير؟
2. إذا كان الضرر متوجّهاً إلى الغير، فهل يجب دفع الضرر عن الغير بتحمّله عنه؟
هذا كلّه إذا كان هناك ضرر واحد ودار الأمر بين توجيهه إلى النفس أو الغير.
3. أمّا إذا كان هنا ضرران، كما إذا أدخلت الدابة التي ترعى في الصحراء رأسها في قدر الشخص الآخر، ودار الأمر بين ذبحه وكسر القدر، ولهذا النوع صور مذكورة في محلّها.
4. إذا استلزم تصرّف المالك تضرّر الجار.
إلى غير ذلك من الصور التي لا تحلّ عقدتها إلاّ بتمييز الأهمّ من المهمّ، وله طرق مذكورة في كتاب «قاعدة لا ضرر».(1)

1 . انظر كتاب «نيل الوطر في قاعدة لا ضرر»:(ص 115ـ 135).

340

المقام الثاني: استكشاف الحكم من التعرّف على مقاصد الشريعة

هذه هي الثمرة الثانية للبحث عن مقاصد الشريعة، وهي المزلقة الكبرى للفقيه، لأنّ ما دلّ من الآيات والروايات ومعاقد الإجماعات، على كون الشيء هو مقصد الشارع وغرضه على قسمين:
الأوّل: أن يكون الغاية المصطادة من المصادر علّة للحكم وسبباً تامّاً، فلا شكّ أنّه يمكن استكشاف الحكم المعلوم من العلم بالمقاصد، وذلك كثبوت الخيار في موارد ليس لها دليل شرعي خاصّ، لأنّا نعلم أنّ دفع الضرر في المعاملات هو المقصد الأسنى للشارع، فلو اشتمل العقد على الغبن، أو كان المبيع معيباً ولم يكن هناك دليل على الخيار، يمكننا استكشاف الخيار عن طريق التعرّف على مقاصد الشريعة، ولذلك قال الفقهاء بالخيار وإن لم يكن هناك دليل خاص.
الثاني: أن يكون حكمة للحكم بمعنى اشتماله عليها في أغلب الموارد، دون جميعها، وذلك كالإنجاب وتكثير النسل في النكاح فإنّه حكمة وليس بعلّة، ولذلك يصحّ النكاح في الموارد التالية:
1. زواج العقيم بالمرأة الولود.
2. زواج المرأة العقيم بالرجل المنجب.
3. نكاح اليائسة.
4. نكاح الصغيرة.
5. نكاح الشاب من الشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.
وبذلك يعلم ضعف ما ذكره الدكتور الدريني حول بطلان المتعة قال: شرع النكاح في الإسلام لمقاصد أساسية قد نصّ عليها القرآن الكريم صراحة

341
ترجع كلّها إلى تكوين الأُسرة الفاضلة التي تشكّل النواة الأُولى للمجتمع الإسلامي بخصائصه الذاتية من العفّة والطهر والولاية والنصرة والتكافل الاجتماعي، ثمّ يقول: إنّ الله إذ يربط الزواج بغريزة الجنس لم يكن ليقصد مجرّد قضاء الشهوة، بل قصد أن يكون على النحو الذي يحقّق ذلك المقصد بخصائصه من تكوين الأُسرة التي شرع أحكامها التفصيلية في القرآن الكريم.
وعلى هذا فإنّ الاستمتاع مجرّداً عن الإنجاب وبناء الأُسرة يحبط مقصد الشارع من أصل تشريع النكاح.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ الأُستاذ خلط بين العلّة في التشريع ومناطه وبين حكمته، فإنّ العلّة عبارة عمّا يدور الحكم مدارها، بحيث يحدث الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها، وهذا بخلاف الحكمة، فربما يكون الحكم أوسع منها، وإليك توضيح الأمرين:
إذا قال الشارع: اجتنب المسكر، فالسكر علّة وجوب الاجتناب بحجّة تعليق الحكم على ذلك العنوان، فمادام المائع مسكراً له حكمه فإذا انقلب إلى الخلّ يرتفع.
وأمّا إذا قال:(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...).(2)
فالتربّص ـ لأجل تبيّن وضع الرحم، وهل هي تحمل ولداً أو لا؟ ـ حكمة الحكم لا علّته، ولأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منه بشهادة أنّه يجب التربّص على مَن نعلم بعدم وجود حمل في رحمها.

1 . الأصل في الأشياء الحلية... ولكن المتعة حرام، قسم المقدّمة.
2 . البقرة:228.

342
وحصيلة الكلام: إنّ دراسة مقاصد الشريعة ـ التي غابت في حقب من الزمان، ثمّ عادت إلى الساحة في القرن الرابع عشر وقام المحقّقون حولها بالتأليف والدراسة ـ أمرٌ مفيد في التعرّف على الأهمّ والمهمّ، حيث إنّ التعرّف على الأغراض والغايات يوجب المعرفة بما هو الأهمّ عند الشارع وغيره.
وأمّا التعرّف عليها لتكون ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي فهو رهن الحكم بأنّ ما استكشفناه من التدبّر في الآيات والروايات ومعاقد الإجماعات أنّها علّة تامّة للتشريع بحيث لا ينفك عن المعلول، وأنّى لنا تحصيل ذلك اليقين، مع كثرة وجود الحكم عند ذكر الغايات والأغراض؟!

343
المقصد الثامن:(1)
في الأُصول العملية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. وبما أنّا جعلنا البحث عن حجّية العقل، مقصداً مستقلاً، تجاوز عدد المقاصد عندنا عمّا في الكفاية، فهذا المقصد الثامن، هو المقصد السابع في «الكفاية». فلاحظ.

344

345
من الأُصول العملية: أصالة البراءة

الأصل الأوّل:

أصالة البراءة

وقبل الشروع في المقصود نقدّم أُموراً:
الأوّل: عرف علم الأُصول بأنّه عبارة عن القواعد الّتي تستنبط بها الأحكام الشرعية، أو ما ينتهي إليه المجتهد عند اليأس عن الدليل.
وقد كان البحث في المقاصد السابقة بحثاً عن الشق الأوّل للتعريف، أي القواعد الّتي تستنبط بها الأحكام، وأمّا البحث في الأُصول العملية فهو بحث عن الشق الثاني للتعريف، أعني قوله: «أو ما ينتهي إليه المجتهد عند اليأس عن الدليل». فلا يستنبط بها إلاّ الوظيفة الفعلية لدى الشك.
ثم إنّ المستنبَط بالدليل الاجتهادي يسمّى حكماً واقعياً، لأنّ الواقع يكشف عنه إمّا كشفاً تامّاً كما في صورة العلم به، أو كشفاً غير تام لكن تعبّدنا الشارع به، على أنّه كاشف تام وقال: «ما أدّيا عني فعنّي يؤدّيان» وأمّا المستكشف بالأُصول العملية فيسمّى حكماً ظاهرياً لعدم كشفه عن الواقع بل كشفه عن الوظيفة الفعليّة، ويسمّى القسم الأوّل بالدليل الاجتهادي والثاني بالدليل الفقاهي.
وبذلك يظهر أنّ ما ذكره الشيخ من كون مفاد الأمارات حكماً ظاهرياً ليس بتام، كيف والأمارات إنّما اعتبرت بما أنّها طرق إلى الواقع عنه، وكاشفة ولذلك أفتوا بعدم الإجزاء عند انكشاف الخلاف، فكيف يكون مفادها أحكاماً ظاهرية؟! بل هي طرق إلى الحكم الواقعي وقد أمضاها الشارع بهذا الوصف.

346
الثاني: أنّ الموضوع في الأُصول العملية هو الشك في الحكم الواقعي، سواء أكان الحكم كلّياً أو جزئياً، فخرج الشك في عدد الركعات مثل قوله: «إذا شككت فابن على الأكثر»، فالحكم المذكور حكم واقعي لا ظاهري. لعدم تعلّق الشكّ بالحكم الواقعي وإنّما تعلّق بعمله.
ثم إنّ متعلّق الشك تارة يكون الحكم الكلّي كالشكّ في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وأُخرى الحكم الجزئي كالشكّ في حكم المائع بين أيدينا المردّد بين كونه خلاًّ أو خمراً، فالشك في الأوّل يسمّى بالشبهة الحكمية، والثاني يسمّى بالشبهة الموضوعية.
الثالث: الأُصول المقررة لوظيفة الجاهل على قسمين:
قسم يختصّ لبيان وظيفة الجاهل بالموضوعات الخارجية كما هو الحال في الأُصول التالية:
1. أصالة الصحّة في فعل الغير.
2. أصالة الصحّة في فعل النفس المعبّر عنها بقاعدة التجاوز.
3. الإقراع عند التخاصم.
وقسم يعمّ الموضوعات الخارجية والأحكام الكلّية، وعمدتها الأُصول العملية الأربعة: الاستصحاب والاشتغال والبراءة والتخيير.
فإن قلت: إنّ هنا أُصولاً تجري في الموضوعات والأحكام معاً كأصالة الطهارة، فلماذا لم تذكر في عداد الأُصول العملية.
قلت: وجهه أنّها قاعدة فقهية كقاعدة كلّ شيء حلال، وليست قاعدة أُصولية. وقد ذكرنا ما هو الميزان للقاعدة الفقهية في صدر الكتاب.
واعتذر المحقّق الخراساني عن عدم عدّها من الأُصول العملية

347
باختصاصها بباب الشك في الطهارة، ولا تعمّ سائر الأبواب.
يلاحظ عليه: بأنّه لو كان وجه الخروج الاختصاص، يجب خروج قسم من مسائل علم الأُصول كالبحث عن دلالة النهي على الفساد في المعاملات والعبادات حيث لا يعمّ غير هذين البابين.

الرابع: بيان مجاري الأُصول

إنّ حصر الأُصول العملية في الأربعة حصر استقرائي، إذ لم يجد الفقيه أصلاً غيرها، وأمّا حصر مجاريها في الأربعة فهو حصر عقلي دائر بين النفي والإثبات.
وقد اضطربت كلمات الشيخ في تقرير مجاري الأُصول، فقد قرّره في مبحث القطع بوجهين مختلفين، أحدهما في المتن والآخر في الهامش، ولكنّه جاء في مبحث البراءة والاشتغال بتقرير ثالث هو أفضل من التقريرين السابقين، وذلك بالبيان التالي:
1. أنّه (قدس سره)جعل دوران الأمر بين المحذورين تارةً من أقسام الشك في التكليف، وأُخرى من أقسام الشك في المكلّف به، بخلافه في المقام حيث جعله مجرى مستقلاً.
2. جعل الشك في التكليف، مجرى للبراءة مطلقاً مع أنّه ربما يجب الاحتياط في بعض موارده، كما هو الحال في الشك قبل الفحص.
3. جعل الشك في المكلّف به، مجرى للاحتياط وفسّره في مكان آخر بالعلم بنوع التكليف كالعلم بوجوب إحدى الصلاتين: الظهر أو الجمعة. مع أنّه ربّما يجب الاحتياط، وإن كان نوع التكليف مجهولاً إذا كان جنسه معلوماً كما إذا علم بوجوب شيء أو حرمة شيء آخر، فالنوع مجهول وجنس التكليف

348
معلوم، فيجب الاحتياط بفعل الأوّل وترك الثاني.
أصالة البراءة
ولأجل الاحتراز عن الإشكالات الثلاثة قام الشيخ ببيان ثالث خال عن هذه الأُمور فقال: إنّ حكم الشك إمّا أن يكون ملحوظاً فيه اليقين السابق عليه، أو أن لا يكون، سواء لم يكن يقين سابق عليه أو كان ولم يلحظ.
والأوّل مورد الاستصحاب، والثاني إمّا أن يكون الاحتياط (خصوص الموافقة القطعية) فيه ممكناً أو لا؟ والثاني مورد التخيير، والأوّل إمّا أن يدلّ دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول، وإمّا أن لا يدل. والأوّل مورد الاحتياط، والثاني مورد البراءة.(1)
والنكات الموجودة في التعريف عبارة عن الأُمور التالية:
1. أنّ وجود الحالة السابقة لا يكفي في جريان الاستصحاب، بل يشترط معه كونها ملحوظة فخرج الشك في المقتضي واختصّت الحجّية بالشك في الرافع. وهذا القيد لوحظ في التعابير الثلاثة.
2. أنّ دوران الأمر بين المحذورين مجرى التخيير وهو خارج عن الشك في التكليف، والشك في المكلّف به.
إنّ جريان البراءة والاحتياط لا يدور حول الشك في التكليف، ولا الشك في المكلّف به، بل الميزان هووجود دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول، وعدمه، ففي ظرف وجود الدليل على العقوبة يكون مجرى للاحتياط، وفي عدمه يكون مجرى للبراءة.
وعلى هذا فالموردان التاليان مجرى للاشتغال والاحتياط:

1 . فرائد الأُصول: 192، طبعة رحمة الله. وما بيّنه في هذا المقام من جلائل أفكاره، تعلم قيمته بقياسه على البيانين اللّذين أتى بهما في أوّل رسالة القطع.

349
أ. إذا كان الشك في التكليف قبل الفحص.
ب. إذا علم بجنس التكليف أي الإلزام ولم يعلم نوعه وكان المحتمل متعدّداً. كما إذا دار أمر التكليف بين وجوب شيء وحرمة شيء آخر فمع أنّه من مقولة الشكّ في التكليف يجب الاحتياط فيه بخلاف لو كان المحتمل أمراً واحداً كما إذا دار أمر من واحد بين الحرمة والوجوب فهو مجرى التخيير.
وممّا ذكرنا يعلم أنّ هذا التعريف أفضل من السابقين.
الخامس: أنّ الشيخ الأنصاري خصّ الموضع الأوّل بالشك في التكليف، والموضع الثاني بالشك في المكلّف به.
أمّا الموضع الأوّل: فجعل مسائله اثنتي عشرة مسألة، وذلك بضرب عدد الشبهات في عدد منابعها. فقال: إنّ الشبهة تارة تكون تحريمية، وأُخرى وجوبية، وثالثة مشتبهة بينهما، وأمّا منابعها فهي إمّا فقدان النص أو إجماله أو تعارض النصّين، أو خلط الأُمور الخارجية،(1) فما أفاده السيد الخوئي من أنّ الشيخ قسّم الشك في التكليف الّذي هو مجرى للبراءة على أقسام ثمانية، غير موافق لتصريح الشيخ.
ويا ليت الشيخ يسلك هذا المسلك الّذي نسبه إليه السيّد الخوئي ويخرج دوران الأمر بين المحذورين عن حيطة الشك في التكليف، والشك في المكلّف به، فعندئذ ينحصر عدد الشبهات في اثنين: وجوبية، أو تحريمية ومنابعها أربعة فتكون الأقسام ثمانية.
وبعبارة أُخرى: كان على الشيخ إخراج دوران الأمر بين المحذورين عن الموضع الأوّل خصوصاً على التعريف الأوّل والثالث حيث جعله في مقابل

1 . الفرائد: 2 / 18 ـ 19.

350
الأمرين: الشك في التكليف، والشك في المكلّف به، ولأجل هذا الخلط لا تجد باباً مستقلاًّ للتخيّر في «الفرائد».
وأمّا ما هو الوجه لتفصيل المسائل في «الفرائد» ودراسة كلّ مسألة من هذه المسائل برأسها فيمكن أن يكون أحد وجهين أو كليهما:
أ. اختصاص النزاع بين الأُصولي والأخباري بالشبهة التحريمية دون الوجوبية، وخصوص الحكمية من التحريمية لا الموضوعية منها، فحاول أن يصرّح بموضع النزاع.
ب. اختصاص بعض أدلّة البراءة بالشبهة التحريمية مثل قوله: «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي».
نعم حاول المحقّق الخراساني أن يلخّص الأُصول فجمع الجميع في مقام واحد، وهو من لم تقم عنده حجّة على الوجوب أو الحرمة، وكان عدم نهوض الحجّة لأجل فقدان النص أو إجماله أو تعارضه أو خلط الأُمور الخارجية.
ولكلّ من السلوكين وجه (وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى)(1).
السادس: أخرج المحقّق الخراساني صورة تعارض النصّين عن مجرى البراءة، وذلك لقيام الحجّة على لزوم تقديم ذات الترجيح على غيره، والتخيير عند عدمه، فلا مجال لأصالة البراءة وغيرها لمكان النصّ فيهما.(2) نعم على القول بالتوقّف وعند عدم المرجّح تجري البراءة.
أقول: ما ذكره صحيح فيما إذا كان التعارض بين الدليلين الظنّيين، ولكنّه غير تام في الموردين التاليين:

1 . النساء: 95. 2 . كفاية الأُصول:2/167.

351
1. إذا كان التعارض بين دليلين قطعيّين، نظير قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج)(1)فإنّ مقتضى ظاهر الآية أنّ عدّة المتوفّى عنها زوجها حول كامل بناء على أنّ الآية ناظرة إلى عدّة الوفاة بقرينة تعريف الحول باللام مشيرةً إلى الحول الّذي كانت الزوجة تعتد فيه إلى ختامه في الجاهليّة.
روى محمد بن مسلم قال: جاءت امرأة إلى أبي عبدالله (عليه السلام)تستفتيه في المبيت في غير بيتها وقد مات زوجها؟ فقال: «إنّ أهل الجاهلية كان إذا مات زوج المرأة أحدت عليه امرأته اثني عشر شهراً; فلمّا بعث الله محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)رحم ضعفهن، فجعل عدتهن أربعة أشهر وعشراً، وأنتن لا تصبرن على هذا»!(2)
لكن مقتضى قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْرًا)(3). وانّ عدتها أربعة أشهر وعشراً.
فإن قلنا: بالنسخ، وإنّ الآية الثانية ناسخة للأُولى، أو قلنا بأنّ الآية الأُولى غير ناظرة إلى العدّة بل إلى التمتع من البيت مقدار حول فهو، وإلاّ يقع التعارض في أذهاننا (لا في الواقع) فتصل النوبة في مقام العمل إلى البراءة حيث يؤخذ بالمتيقّن (أربعة أشهر وعشراً) وتجري البراءة في الزائد عنها.
2. إذا كان بين الدليلين عموم وخصوص من وجه، كما إذا قال: أكرم العلماء، وقال: لا يجب أكرام الفسّاق، فيتعارضان في العالم الفاسق، وليسا الدليلان من مصاديق الأخبار العلاجية، لأنّها ناظرة إلى الأخذ بأحد الخبرين تماماً، وترك الآخر كذلك، هذا ممّا لا يمكن في المقام، إذ لا تعارض في

1 . البقرة: 240. 2 . نور الثقلين: 1 / 191، الحديث 895. 3 . البقرة: 234.

352
موردي الافتراق فتصل النوبة إلى العمل بالأصل، وهو إجراء البراءة عن أكرام العالم الفاسق.
السابع: أنّ في الكتب الأُصولية للقدماء مسألة باسم «هل الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة» (1).
والجواب: أنّ المسألتين مختلفتان موضوعاً، فالمسألة الأُولى ناظرةٌ إلى وظيفة العبد فيما أنعم سبحانه به عليه من النعم فهل له أن يتصرف فيه كيف شاء قبل إذنه، أو ليس له التصرف إلاّ بعد الإذن؟ فيكون مصبّ البحث حكم الأشياء قبل نزول الشرائع وبعثة الأنبياء، فمن قائل بالحظر حتّى يأتي الإذن من الأنبياء، ومن قائل بالإباحة وأنّ للعبد أن يتصرّف، إلاّ أن يأتي المنع من جانبهم.
وأمّا المسألة الثانية فموضوعها هو الشك في الحكم الشرعي، بعد نزول الشرائع وبعثة الأنبياء وأنّ الحكم المشرّع هل هو الحرمة أو غيرها؟ فبين المسألة بون بعيد.
ويمكن للقائل بالحظر في المسألة الأُولى أن يختار البراءة في المسألة الثانية، كما يمكن للقائل بالإباحة أن يختار الاحتياط فيها.
الثامن: أنّ النزاع بين الأُصولي والأخباري صغرويٌ، فالطائفتان على أنّ العقاب فرع البيان، لكن الأخباري يدّعي ورود البيان بالعنوان الثانوي، أعني: أخبار الاحتياط، والأُصولي يفسّر أخبار الاحتياط، إمّا بحملها على صورة وجود العلم الإجمالي أو بنحو آخر.
الاستدلالّ على البراءة بالكتاب العزيز عند عدم قيام الحجّة على التكليف
وفي الختام أنّ العلمين الجليلين: الأنصاري والخراساني طرحا هنا مسألة نسبة الأمارات إلى الأُصول، وهل الأُولى واردة على الأُصول أو حاكمة

1 . لاحظ: التذكرة بأُصول الفقه للشيخ المفيد: 43; والذريعة: 2 / 808; والعدة: 3 / 741.

353
عليها؟ ولكن الأفضل البحث عن المصطلحات الأربعة ـ التخصّص، والورود، والحكومة، والتخصيص ـ في فصل التعادل والتراجيح، كما فعلا كذلك أيضاً.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ القائلين بالبراءة عند عدم قيام الحجّة على التكليف استدلّوا بالأدلّة الأربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل، فلنقدّم الاستدلال بالكتاب.
 
الاستدلالّ على البراءة بالكتاب العزيز
عند عدم قيام الحجّة على التكليف
استدلّ القائلون بالبراءة بآيات من الذكر الحكيم.

الآية الأُولى: التعذيب فرع البيان

تضافرت الآيات على أنّ التعذيب فرع البيان كالآيات التالية:
1. قال سبحانه: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(1).
2. قال عز من قائل: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)(2).
3. وقال عز اسمه: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ)(3).

1 . الإسراء: 15.
2 . طه: 134.
3 . الشعراء: 208 ـ 209.

354
4. وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)(1).
ويدلّ على المقصود أيضاً آيات أُخرى بهذا المضمون.
إنّ الاستدلال بالآيتين الأُولتين مبني على تسليم أمرين:
الأوّل: إذا دخل حرف النفي على فعل «كان» فتارة يراد به نفي الإمكان، كقوله سبحانه: (وَ مَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً )(2).
وأُخرى نفي الشأن، كقوله سبحانه: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(3).
والمراد بالإيمان في الآية، الصلوات الّتي صلّوها إلى القبلة الأُولى ثم أُمِر المسلمون بالتوجّه إلى الكعبة المعظّمة، فظنّ بعض الناس فساد صلواتهم الماضية، فنزلت الآية لتدلّ على أنّه ليس من شأنه سبحانه إضاعة أعمال المؤمنين.
الثاني: أنّ بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كناية عن إتمام الحجّة على الناس وليس لها موضوعية، وبما أنّ الرسول أفضل واسطة للبيان أُنيط التعذيب في الآية به، وإلاّ فالموضوع هو إتمام الحجّة، سواء أكان بالرسول أم بالإمام أم بوسائط أُخرى.
وعلى ضوء ذلك فلا يصحّ العقاب في الصور الأربعة التالية:
1. إذا لم يُبعث الرسول بتاتاً.
2. إذا بُعث ولكن لم يوفّق لبيان الأحكام أبداً.

1 . القصص: 59.
2 . آل عمران: 145.
3 . آل عمران: 143.

355
3. أو وفّق لبيان البعض دون البعض.
4. أو وفّق للجميع لكن حالت الموانع بينه وبين الناس.
فليس من شأنه سبحانه العقاب لاشتراك الجميع في عدم تمامية الحجّة.
والمكلّف الشاك في حرمة شيء من مصاديق القسم الأخير، فإذا لم تتم الحجّة لا بالعنوان الأوّلي ولا بالعنوان الثانوي فالآية تنفي تعذيب ذلك الشخص.
ويؤيّد ما ذكرناه من أنّ الرسول كناية عن إتمام الحجّة أنّه سبحانه علّق العذاب في سورة الشعراء على وجود المنذر وقال: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنْذِرُونَ)(1)، بل يظهر ممّا ورد في سورة طه أنّ قبح التعذيب قبل إتمام الحجّة أمر فطري يدركه كل إنسان مؤمن أو مجرم، وقد تقدّم قوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزَى)(2).
إذا عرفت ذلك: فهلمّ معي إلى دراسة ما أورده المشايخ من إشكالات على الاستدلال بهذه الآية وهي أربعة:
1. ظاهرها الإخبار بوقوع التعذيب سابقاً بعد البعث ويختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع في الأُمم السابقة.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره لا يتجاوز عن كونه مورد الآية والمورد ليس بمخصّص، والمفهوم منها أمر أعمّ، وهو أنّ سنن الله سبحانه في تعذيب الأُمم العصاة هو إتمام الحجّة قبل التعذيب من غير فرق بين الدنيا والآخرة.

1 . الشعراء: 208.
2 . طه: 134.

356
والعجب من السيّد الطباطبائي حيث قال: وليس الآية مسوقة لإمضاء حكم العقل لقبح العقاب بلا بيان، بل هي تكشف عن اقتضاء العناية الإلهية أن لا يعذب قوماً بعذاب الاستئصال إلاّ بعد أن يبعث إليهم رسولاً، فيؤكّد لهم الحجّة ويقرعهم بالبيان بعد البيان.(1)
ما ذكره لا يعدو عن كونه مورد الآية ولكن المفهوم من الآية أوسع من ذلك وهو أنّ النكاية والتعذيب بأيّ شكل كان، فرع البيان، وأنّ مقتضى أمره سبحانه وحكمته ورأفته بالعباد ـ وبما أنّ رحمته سبقت غضبه ـ أن لا يؤنّب عبداً على فعل، قبل بيان حكمه وطلبه.
أضف إلى ذلك: أنّه إذا كان العذاب الدنيوي بصورة الاستئصال، متوقّفاً على البيان والحجّة، فالعذاب الأُخروي والنار الّتي سجّرها الجبار أولى بذلك .(2)
2. أنّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب قبل إتمام الحجّة كما هو الحال في الأُمم السابقة، فلا دلالة لها على حكم مشتبه الحكم حيث هو مشتبه الحكم، فهي أجنبية عمّا نحن فيه.(3)
وحاصل الإشكال: أنّ الآية ناظرة إلى الأحكام الأوّلية الّتي تُبيّن بواسطة الرسول فلا تعذيب فيها قبل البيان، ولكن الكلام في حكم مشتبه الحكم من حيث هو مشتبه الحكم، فالآية ساكتة عنه.
يلاحظ عليه: أنّ الآية علّقت العذاب بالبيان، وعلى هذا لا فرق بين

1 . تفسير الميزان: 12 / 58.
2 . اقتباس من قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام)في كلام مع أخيه عقيل. لاحظ نهج البلاغة: الخطبة 224. قال (عليه السلام): «سَجَّرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! ».
3 . فوائد الأُصول: 3 / 333.

357
الحكم الأوّلي والحكم الثانوي المترتّب