welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : المبسوط في أُصول الفقه/ج2-مصححه*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المبسوط في أُصول الفقه/ج2-مصححه

1
   
    المبسوط في أُصول الفقه / ج 2
2

2

3
الطبعة الثانية (مصححة ومنقحة)

4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ   
      المبسوط في أُصول الفقه / تأليف جعفر السبحاني ] ويرايش 2 [ . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1388 .
      4ج .    ISBN: 978 - 964 - 357 - 313 - 3(4VOLSET)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 528 - 1(VOL.2)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه بصورت زيرنويس.
چاپ دوم; 1392.
      1 . أصول فقه شيعه ـ ـ قرن 15. الف. مؤسسه إمام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
2م 2س/ 8/159 BP    312 / 297
1392
اسم الكتاب:    المبسوط في أُصول الفقه
الجزء:    الثاني
المؤلف:    الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:    الثانية (مصححة ومنقحة) ـ 1434 هـ . ق
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد الصفحات:   584
التنضيد والإخراج الفني:    …مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر:797   تسلسل الطبعة الأُولى:408
مركز التوزيع
قم المقدسة ـ ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

5

6

7
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير رسله وأشرف أنبيائه محمد وعلى أهل بيته الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
أمّا بعد:
فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا الموسوم بـ «المبسوط في أُصول الفقه» وهو يتضمّن ما بقي من مباحث الألفاظ إلى نهاية المطلق والمقيّد.
ويمتاز هذا الجزء كسابقه بطرح المسائل الأُصولية بأوضح العبارات وأبينها، وفي الوقت نفسه يحتفظ بنصوص الأعلام عند نقل آرائهم وأفكارهم.
وننوه إلى أنّ ما في هذه الطبعة هو الذي يعبر عن آرائنا الأُصولية.
نرجو الله سبحانه أن ينتفع به روّاد العلم وطلاب الحقيقة .
والحمد لله رب العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدسة

8
 

9
 
 
الفصل الخامس(1)

اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده

قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

1. المسألة أُصولية

البحث عن الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدّه الخاص مسألة أُصولية، مثلاً لو ثبت أنّ الأمر بالإزالة يقتضي النهي عن الصلاة تكون الصلاة منهياً عنها، ومن المعلوم أنّ النهي يوجب الفساد بخلاف ما لو لم نقل بالاقتضاء فتكون الصلاة صحيحة.

2. المسألة عقلية أو لفظية

يمكن عقد المسألة عقلية بأن يقال: إنّ البحث في وجود الملازمة بين الإرادتين، وبالتالي بين الأمر والنهي. كما يمكن عقدها لفظية بأن يكون مصب البحث دلالة الأمر بواحدة من الدلالات الثلاث على النهي عن الضد.
ومن هنا يُعلم أنّ عقد المسألة عقلية لا يجتمع مع تفسير الاقتضاء في عنوان

1 . كان الفصل الأوّل حول مادة الأمر، والثاني في صيغة الأمر، والثالث في الإجزاء، والرابع في وجوب المقدّمة، وهذا هو الفصل الخامس من فصول المقصد الأوّل في الأوامر حول اقتضاء الأمر بالشيء، النهي عن الضدّ.

10
البحث بالدلالة اللفظية، إلاّ أن تُعد الدلالة الالتزامية من الدلالات العقلية.

3. تفسير الضد العام والخاص

قد يطلق الضد ويراد به ترك الشيء وهو أمر عدمي ويُسمّى بالضد العام فيقال: هل هناك ملازمة بين الأمر بالصلاة والنهي عن تركها؟
وقد يطلق ويراد به الضد الخاص وهو أمر وجودي مضاد للمأمور به، كالصلاة بالنسبة للإزالة، فيقال: هل الأمر بالإزالة مقتض للنهي عن الصلاة أو لا؟
وكلّما أُطلق الضد يراد به الضد الخاص، إلاّ إذا قامت قرينة على خلافه.
واعلم أنّ محاور هذا الفصل ثلاثة:
الأوّل: حكم الضد العام من حيث كونه منهيّاً عنه أو لا.
الثاني: حكم الضد الخاص كذلك.
الثالث: الثمرات الفقهية للمسألة.
ونقدّم البحث عن الضد العام لكون النهي عن الضد العام من مقدّمات إثبات النهي عن الضد الخاص كما سيأتي، خلافاً لصاحب الكفاية حيث قدّم البحث عن الضدّ الخاص وأخّر دراسة الضد العام، حيث طرحه في الأمر الثالث، ولا يخفى أنّ التقديم أولى لما ذكر.

11
 
المحور الأوّل:

حكم الضد العام

هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضد العام أو لا؟
إنّ القائل بالاقتضاء لا يخلو من القول عن أحد أمرين، إمّا أن يكون بالدلالة العقلية، أو بالدلالة اللفظية; وعلى الثانية إمّا أن يكون الاقتضاء بالدلالة المطابقية، أو التضمنية، أو الالتزامية.
فتكون الصور أربع.
الأُولى: أنّ الدلالة عقلية، وأنّ هناك ملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضده العام، بحيث تظهر في لوح النفس إرادتان تتعلّق إحداهما بايجاد الشيء والأُخرى بالزجر عن تركه.
ومن المعلوم عدمها، إذ ليس في لوح النفس إلاّ إرادة واحدة، فتارة تتجلّى بصورة البعث إلى الشيء، وأُخرى تتجلّى بصورة الزجر عن ترك المأمور به الّذي يكون مساوياً لطلب ترك ترك المأمور به .

الثانية: أنّ الدلالة لفظية، وهي على وجوه ثلاثة

الأوّل: الاقتضاء بالدلالة المطابقية

ويقرّر بما يلي:
إذا أمر المولى بالصلاة في المسجد فضدّه العام هو ترك الصلاة. هذا من جانب.

12
ومن جانب آخر: أنّ مفاد النهي في عامّة الموارد عبارة عن طلب الترك.
ومن جانب ثالث: لو تعلّق النهي بترك الصلاة يكون مفادُه: لا تترك الصلاة، وهو نفس الأمر بالصلاة.
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ افترض أُموراً ثلاثة ولم يُقم البرهان عليها، ونحن نفترض صحّتها، لكن أقصى ما يفيده كلامه هو «أنّ طلب ترك ترك الصلاة» عبارة أُخرى عن الأمر (بالصلاة) أمّا أنّ الأمر بالشيء يتولّد منه ذلك النهي الكذائي فلم يقم عليه البرهان. فلو قلنا: بأنّ الإنسان والبشر مترادفان، فلو تعلّق الأمر بإكرام الإنسان فهل يتعلّق أمرٌ آخر بتكريم البشر، أو أنّ هنا أمراً واحداً يصحّ نسبته إليهما؟
أضف إلى ذلك: أنّه كيف يدلّ قوله: «صلّ» على النهي عن ترك الصلاة، مع أنّ الأمر مركّب من هيئة ومادة، والهيئة تدلّ على البعث إلى الشيء، والمادة تدلّ على الطبيعة، فكيف تدلّ على النهي عن ضد الشيء أي نقيضه؟!

الثاني: الاقتضاء بالدلالة التضمنية

ويقرر بما يلي: أنّ مفاد الأمر بالشيء طلبه مع المنع عن تركه، بحيث يكون المنع عن الترك جزء مفاد الأمر .
يلاحظ عليه: بأنّ الأمر مركّب من الهيئة والمادة، والهيئة تدلّ على البعث والمادة على الطبيعة، فأين الدالّ على المنع من الترك؟!

الثالث: الاقتضاء بالدلالة الالتزامية

إنّ الاقتضاء بالدلالة الالتزامية إمّا أن تكون بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ بأن يكون نفس تصوّر الوجوب كافياً في تصوّر المنع عن الترك.

13
وإمّا أن تكون بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعم بأن يكون تصوّر الطرفين والنسبة كافياً في التصديق بالاقتضاء والدلالة.
أمّا الأوّل: فواضح الانتفاء، إذ كيف يمكن ادّعاء الدلالة الالتزامية بهذا النحو مع أنّ الإنسان كثيراً ما يأمر بالشيء وهو غافل عن تركه، فضلاً عن النهي عن تركه.
وأمّا الثاني: فلو افترضنا وجود ذلك النهي بعد تصوّر الأُمور الثلاثة، فهو إمّا لغو، أو غير باعث على النحو الّذي ذكرنا في وجوب المقدّمة، إذ لو كان مطيعاً للواجب فلا حاجة إلى النهي عن الترك، وإن كان عاصياً للواجب فلا يكون النهي عن الترك داعياً وباعثاً. لعدم ترتّب العقاب عليه.
هذا كلّه إذا قلنا بالدلالة اللفظية، وأمّا إذا قلنا بالدلالة العقلية فادّعاء الملازمة بين الإرادتين معناه ظهور إرادتين مستقلتين في لوح النفس; إرادة متعلّقة بفعل الصلاة، وإرادة أُخرى متعلّقة بترك ترك الصلاة. ومن المعلوم وجداناً عدم وجودهما في نفس الآمر.
إلى هنا تبيّن أنّه لا وجه لادّعاء الاستلزام بين الأمر بالشيء والنهي عن ضده (بمعنى نقيضه) بوجه من الوجوه .
فإن قيل: ما فائدة هذا البحث مع أنّه ليس للمطيع إلاّ أجر واحد وليس للعاصي إلاّ عقوبة واحدة؟
قلنا: تظهر الثمرة في المحور الثاني، فإنّ النهي عن الضدّ العام من مقدّمات تعلّق النهي بالضدّ الخاصّ، كما سيأتي.

14
 

المحور الثاني:

حكم الضد الخاص

إذا أمر المولى بالشيء المضيّق وقته كإزالة النجاسة من المسجد فهل يقتضي النهي عن ضدّه الخاص أي الصلاة؟ ونحوه لو أمر بأداء الدين العاجل فهل يلازم النهي عن الصلاة؟ وقد تطرق القوم القائلون بالاقتضاء إلى دراسة المسألة من وجهين:
الأوّل: أنّ ترك الضد مقدّمة لفعل الضد، وهذا ما نسمّيه بمسلك المقدّمية.
الثاني: وجود الملازمة بين الأمر بالأهم والنهي عن المهم، وهذا ما نسمّيه بمسلك الملازمة.

المسلك الأوّل: مسلك المقدّمية

يبتني المسلك الأوّل على مقدّمات أربع:
1. إنّ ترك الضد مقدّمة لفعل الضد الأهم.
2. مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.
3. إنّ الأمر المقدّمي بالشيء (أي الأمر بترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضده العام ـ لما مرّ في المحور الأوّل ـ والمراد نقيضه، وترك الصلاة نقيضه فعل الصلاة .
4. إنّ النهي عن العبادة يوجب الفساد، فلزم بطلان الصلاة.

15
لكنّ عامّة المقدّمات غير ثابتة والبرهان عقيم، وإليك دراسة الأُمور بعامّتها.
استدلّ القائل على أنّ ترك الضد مقدّمة لفعل الضد بأنّ الصلاة مانعة عن الإزالة وعدم المانع من أجزاء العلّة وجزء العلّة ككلّ أجزائها مقدّمة محكومة بالوجوب.
ثم إنّ القوم ناقشوا في خصوص المورد وقالوا بأنّ ترك الضد ليس مقدّمة، بعد تسليم الكبرى، وهو أنّ عدم المانع من أجزاء العلّة ويصلح لأن يكون مقدّمة، غير أنّ المورد ليس من صغريات هذه الكبرى.

المقدّمة الأُولى: ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ الأهم، ومناقشتها

ولكن الأولى المناقشة في الكبرى، وهو أنّ عدم المانع مطلقاً ـ سواء أكان من قبيل هذا المورد، أو مورد آخر كعدم الرطوبة الّذي يُعدّ مقدّمة لإحراق النار القطن المحاذي لها ـ لا يصلح للمقدّمية، وذلك بالبيان التالي:
إنّ الأصل في الخارج هو الوجود، والعدم ليس له أيّ أصالة فيه وإنّما هو مفهوم ذهني يصنعه الذهن بتعمّل، مثلاً أنّ الإنسان إذا دخل القاعة أملاً برؤية زيد ولم يره فيها، فهو في الواقع لم ير شيئاً ولم يجد فيها شيئاً لا أنّه يرى عدمه فيها، لكن الذهن بالتعمّل يصنع من هذا مفهوماً ذهنياً باسم العدم مع خلو صفحة الوجود عنه.
وعلى ضوء ذلك فلا معنى لجعل عدم المانع من أجزاء العلّة، إذ ليس له شأن التأثير أو التأثر ولا الموقوف ولا الموقوف عليه.
نعم لمّا كان وجود المانع مزاحماً لوجود الممنوع عُبِّر عن هذا التزاحم بأنّ عدم المانع شرط لوجود الممنوع، وكم فرق بين القول بأنّ المانع مزاحم، والقول بأنّ عدمه شرط.
وبعبارة أُخرى: أنّ رطوبة الحطب أو القطن مانعة من تأثير المقتضي ـ أي

16
النار ـ فيهما لا أنّ عدم الرطوبة شرط. فالأحكام كلّها للوجودات (الرطوبة مانعة) وينسب إلى الإعدام (عدم الرطوبة شرط) بالعرض والمجاز، وإلى ذلك يشير المحقّق السبزواري في منظومته وشرحه لها ما هذا لفظه:
لا ميـز فـي الاعـدام من حيـث العـدم *** وهو لها إذاً بوهم يرتسم
كذاك في الاعدام لا علية *** وإن بها فاهوا فتقريبية
فلو قالوا: عدم العلّة علّة لعدم المعلول، فهو على سبيل التقريب، فإنّ الحكم بالعلّية عليه، بتشابه الملكات، فإذا قيل: عدم الغيم علّة لعدم المطر، فهو باعتبار أنّ الغيم علّة للمطر، فبالحقيقة قيل: لم تتحقّق العلّية الّتي كانت بين الوجودين، وهذا كما تجري أحكام الموجبات على السوالب في القضايا، فيقال: حملية موجبة، وحملية سالبة، مع أنّ الثانية سلب الحمل، لا حمل السلب. (1)
وعلى ضوء هذا يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الاصفهاني حيث رأى أنّ لإعدام الملكات واقعية لكونها أمراً منتزعاً من الخارج فقال:
الاستعدادات والقابليات وأعدام الملكات كلّها، لا مطابَق لها في الخارج، بل شؤون وحيثيات انتزاعية لأُمور موجودة، فعدم البياض في الموضوع ـ الّذي هو من أعدام الملكات كقابلية الموضوع ـ من الحيثيات الانتزاعية منه «فكون الموضوع بحيث لا بياض له» هو بحيث يكون قابلاً لعروض السواد فمتمّم القابلية كنفس القابلية حيثية انتزاعية.(2)
وجه الضعف: أنّ ما ذكره في الاستعداد والقابلية وحتّى الإضافة صحيح فإنّ القابلية في النواة والنطفة أمر تكويني موجود فيها دون الحجر، وهكذا الإضافة كالأُبوّة والبنوّة، فإنّهما تنتزعان من حيثية وجودية من تخلّق الابن من ماء الأب،

1 . شرح المنظومة، قسم الحكمة: 47، نشر دار العلم.
2 . نهاية الدراية: 1 / 220 .

17
فلكلّ، واقعية بواقعية مبدأ انتزاعهما، وأمّا الاعدام فليس لها واقعية سوى واقعية ملكاتها، فالواقعية في عدم البياض هي لنفس البياض لا لعدمه، وفي عدم البصر لنفس البصر لا للعدم.
وما أفاده من أنّ متمّم القابلية كنفس القابلية مشيراً إلى أنّ «عدم المانع» متمّم للقابلية ضعيف جداً، فإنّ قابلية الجسم لقبول البياض لها واقعية لا نقص فيها، وأمّا عدم قبوله له مع وجود السواد، فليس لأجل نقص في القابلية، بل لوجود التزاحم بين الوجودين، فعُبِّر عن التمانع بأنّ عدم المانع شرط.
وعلى ما ذكرنا فالأولى رفض الكبرى على وجه الإطلاق لا قبولها والمناقشة في الصغرى.
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيد العلاّمة الطباطبائي (قدس سره)حيث قال: ربما يضاف العدم إلى الوجود، فيحصل له حظ من الوجود، ويتبعه نوع من التمايز، كعدم البصر الّذي هو العمى المتميز عن عدم السمع الّذي هو الصمم، وكعدم زيد وعدم عمر المتميز أحدهما عن الآخر.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ التميّز الذهني، غير كون العدم ذا حظ من الوجود في الخارج، فكلّ ما ذكره صحيح في الذهن لا في الخارج، والكلام إنّما هو في الثاني دون الأوّل، والتميز نوع ارتباط ذهني بين الأمرين الوجوديين فإنّ العدم في عدم البصر، عند التصوّر عدم بالحمل الأوّلي، لكنّه موجود في الذهن بالحمل الشايع الصناعي .

مناقشة المحقّق الخراساني

هذا ما عندنا، لكن القوم ناقشوا في خصوص المورد، وقد ناقشها المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة:

1 . نهاية الحكمة: 19 .

18

الأوّل: المعاندة بين الوجودين غير المانعية

إنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين لا تقتضي إلاّ عدم اجتماعهما في التحقّق، وحيث لا منافاة أصلاً بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر وبديله، بل بينهما كمال الملائمة، كان أحد العينين مع نقيض الآخر في مرتبة واحدة دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر .(1)
توضيح ذلك: أنّ المانع يستعمل في موردين :
1. ما يكون الشيء بوجوده مانعاً عن تأثير المقتضي كالرطوبة حيث إنّها تمنع من تأثير النار في القطن، وهذا هو الّذي يُعدّ من أجزاء العلّة ويوصف بالتقدّم على الشيء تقدّم أجزاء العلّة على المعلول.
2. ما يكون الشيء بوجوده معانداً للشيء الآخر، ويزاحمه في وجوده، وهذا هو المقصود في المقام، فإنّ الصلاة غير مؤثرة في المقتضي بل هي بوجودها تعاند الإزالة، لأنّ قدرة الإنسان محدودة لا تتمكّن من إيجاد فعلين في عرض واحد، فعدم المانع لهذا المعنى ليس جزء العلّة.
والإشكال نشأ من استعمال لفظ المانع في موردين.
وما ذكرنا من التوضيح هو الّذي أشار إليه المحقّق الخراساني فيما بعد وقال: والمانع الّذي يكون موقوفاً عليه الوجود هوما كان ينافي ويزاحم المقتضي في تأثيره لا ما يعاند الشيء ويزاحمه في وجوده. (2)
إلى هنا تمت المناقشة الأُولى.

الثاني: قياس الضدين بالنقيضين

لا شك أنّ البياض نقيض اللاّبياض وبالعكس ولم يقل أحد بأنّ وجود

1 . كفاية الأُصول: 1 / 207 .   2 . كفاية الأُصول: 1 / 207 .

19
البياض متوقّف على رفع اللاّبياض، فإذا كان الحال في النقيضين كذلك فليكن كذلك في الضدّين.
فلا يكون ترك السواد مقدّمة لتحقّق البياض، أو ترك الصلاة مقدّمة للإزالة.
وإلى هذه المناقشة أشار المحقّق الخراساني بقوله: فكما أنّ قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر، كذلك في المتضادين.(1)

الثالث: استلزام الدور

لو توقّفت الإزالة على ترك الصلاة لزم توقّف ترك الصلاة على وجود الإزالة، والملاك في الطرفين واحد وهو أنّ كلّ واحد مانع عن الآخر، وإلى هذا الإشكال أشار المحقّق الخراساني وقال: كيف ولو اقتضى التضاد توقّف وجود الشيء على عدم ضدّه توقّف الشيء على عدم مانعه لاقتضى توقّف عدم الضد على وجود الشيء توقّف عدم الشيء على مانعه بداهة ثبوت المانعية في الطرفين وكون المطاردة من الجانبين وهو دور واضح .(2)
ثم إنّ المحقّق الخوانساري أجاب عن هذا الدور بأنّ الدور عبارة عن توقّف كلّ من الطرفين فعلاً على الآخر، وأمّا إذا كان التوقّف من أحد الجانبين فعلياً ومن الجانب الآخر شأنياً فلا يلزم الدور لاختلاف الموقوف والموقوف عليه، للزوم وحدة الموقوف عليه وجوداً وصفة في كلا الطرفين.
وأمّا تطبيقه على المورد فإنّ توقّف الإزالة على ترك الصلاة فعلي لوضوح أن توقّف وجود المعلول على جميع أجزاء علّته ومنها عدم المانع، لأنّ للجميع دخلاً

1 . كفاية الأُصول: 1 / 207 .
2 . كفاية الأُصول: 1 / 207 .

20
فعلاً في تحقّقه ووجوده في الخارج.
وأمّا كون التوقّف في جانب ترك الضد وعدمه شأني، فلأنّ عدمه يستند إلى عدم المقتضي للوجود (الإرادة) لا إلى وجود المانع، نعم بعد تحقّق المقتضي مع الشرائط يكون توقّفه عليه فعلياً.
ثم إنّ المحقّق الخوانساري ذكر في ذيل جوابه إشكالاً وجواباً أتى به المحقّق الخراساني بصورة (إن قُلتَ، قُلت:) ونحن لا نتعرض إلى هذا الإشكال والجواب، وإنّما نركّز على نقد ما أفاده المحقّق الخوانساري، وحاصله:
 
نقد كلام المحقّق الخوانساري
إنّ ملاك بطلان الدور هو استلزامه تقدّم الشيء على نفسه، فكلّ شيء استلزم ذلك فهو محال، سواء أكان دوراً أم غيره. وما أفاده المحقّق الخوانساري وإن ارتفع به الدور لاختلاف الطرفين في الفعلية والشأنية ولكن مفسدة الدور بعدُ موجودة; وذلك لأنّ مقتضى توقّف الإزالة على ترك الصلاة فعلاً، يلزم كون ترك الصلاة متقدّماً رتبة على الإزالة.
ولازم كون ترك الصلاة متوقّفاً على الإزالة ولو شأناً كونه متأخّراً عن الإزالة. فيلزم كون شيء واحد متقدّماً ومتأخّراً.
إلى هنا تمّ الكلام في بيان المقدّمة الأُولى، وإليك الكلام في المقدّمات الثلاث الباقية.
المقدّمة الثانية: أنّ مقدّمة الواجب واجبة، فيكون ترك الصلاة واجباً .
يلاحظ عليها بما مرّ مفصّلاً من عدم وجوب مقدّمة الواجب .
المقدّمة الثالثة: أنّ الأمر بالشيء (ترك الصلاة) بحكم المقدّمية يستلزم النهي عن ضده العام أي الصلاة، فتكون الصلاة منهياً عنها ويترتّب على هذه المقدّمات

21
فساد الصلاة، لما تقرّر في محله أنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد.
يلاحظ عليه: بما مرّ من عدم اقتضاء الأمر بالشيء، النهي عن ضده العام الّذي هو النقيض. فالبرهان بأجزائه الثلاثة غير صحيح .
المقدّمة الرابعة: أنّ النهي عن العبادة يستلزم الفساد.
أقول: سيأتي الكلام فيها، في باب النواهي، فانتظر.
إكمال
قد عرفت أنّ عدم الضد ليس مقدّمة لفعل الضد الآخر، وأنّ العدم أنزل من أن يكون موقوفاً أو موقوفاً عليه، لكن المحقّق الخوانساري ذهب إلى التفصيل بين الضد الموجود والضدّ المعدوم، فذهب إلى توقّف الضد على ارتفاع الضد الموجود، لوضوح أنّه إذا كان المحل أسود توقّف عروض البياض على ارتفاع السواد، دونما إذا لم يكن أسود .
وأيّده المحقّق النائيني بقوله: إنّ المحل إذا كان مشغولاً بأحد الضدين، فلا يكون قابلاً لعروض الضدّ الآخر إلاّ بعد انعدامه، ويكون وجوده موقوفاً على عدم الضد الموجود، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن شيء منهما موجوداً وكان المحل خالياً عن كلّ منهما، فإنّ قابليته لعروض كلّ منهما فعلية فإذا وجد المقتضي لأحدهما، فلا محالة يكون موجوداً من دون أن يكون لعدم الآخر دخل في وجوده .(1)
يلاحظ على أصل الاستدلال بأنّ عروض البياض على الجسم الأسود وإن كان رهن ارتفاع السواد فيه، لكن ليس هذا بمعنى كون عدم الضد مقدّمة لوجود الضد الآخر، بل لأجل وجود التمانع والتعاند، فإنّ الضدين لا يجتمعان، فلو كان الجسم أسود يستحيل عروض البياض عليه ما دام كونه أسود، وذلك لأجل التضاد

1 . أجود التقريرات: 1 / 259 .

22
بين العينين (السواد والبياض)، فإذا ارتفع السواد يعرض البياض لا بملاك كون عدم السواد مقدّمة، بل لأجل ارتفاع التضاد والتمانع .
ويرد على ما أيّد به المحقّق النائيني، بأنّ القابلية تامّة في الجسم لعامّة الحالات، سواء أكان مشغولاً بأحد اللونين أم لا، وأمّا كون عروض البياض مشروطاً بعدم السواد فهو وإن كان صحيحاً لكنّه لا لأجل تتميم القابلية، بل لأجل وجود التضاد بين العارضين.

شبهة الكعبي في نفي المباح

اشتهر القول بنفي المباح (عن عبدالله بن أحمد المعروف بالكعبي أحد علماء المعتزلة) باسم شبهة الكعبي، وقد بحث فيها الأُصوليون منهم صاحب المعالم في مبحث الضد، وحاصل دليله: أنّه إذا كان الكذب حراماً وجب تركه، بناءً على أنّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بضده العام، فإذا قال: لا تكذب، فهو أمر بترك الضد (ترك الكذب)، ومعلوم أنّ ترك الضد يتوقّف على فعل من الأفعال الاختيارية الوجودية، لاستحالة خلو المكلّف عن فعل من الأفعال الاختيارية، وحينئذ يصبح كلّ فعل اختياري مقدّمة للترك الواجب، فينتفي المباح.
يلاحظ عليه: بعد تسليم الأمر الأوّل ـ وهو أنّ النهي عن الشيء يقتضي الأمر بضده العام ـ أعني: ترك الكذب، لكن لا نسلّم أنّ ترك الكذب متوقّف على فعل مباح; وذلك لأنّ ترك الحرام تارة يكون مستنداً إلى فقدان المقتضي الّذي يعبّر عنه بالصارف، فالإنسان المؤمن لا يكذب لا لكونه مشغولاً بالأكلّ والشرب، بل لكونه خائفاً من عقابه سبحانه، فادّعاء انتفاء المباح بحجة أنّه مقدّمة لترك الحرام ليس أمراً كليّاً; وأُخرى يكون ترك الحرام مستنداً إلى وجود المقتضي لشيء آخر كالأكلّ والشرب، وبالتالي يُترك الحرام من دون أن يكون المباح مقدّمة.

23

المسلك الثاني: مسلك الملازمة

قد عرفت أنّ القائل بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص قد استدلّ بوجهين:
أحدهما: مسلك المقدّمية، وقد مضى.
والثاني: مسلك الملازمة، وهو أنّ ترك الإزالة المحرّم ملازم لفعل الصلاة، والمتلازمان متكافئان في الحكم، فلو كان ترك الإزالة حراماً تكون الصلاة مثله .
أمّا الصغرى ـ أعني: حرمة ترك الإزالة ـ فلما مرّ من أنّ الأمر بالشيء مقتض للنهي عن ضده العام، ويكون معنى قوله: أزل النجاسة، أي لا تترك الإزالة. فإذاً يصبح ترك الإزالة حراماً، وهو ملازم مع فعل الضد.
وأمّا الكبرى ـ أعني: وحدة حكم المتلازمين ـ وهو أنّ الصلاة لو لم تكن محرمة تكون جائزة الفعل لعدم خلو واقعة عن حكم، وعندئذ إن بقي الآخر على حرمته لزم التكليف بالمحال، وإلاّ خرج الحرام المطلق عن كونه حراماً مطلقاً.
ويلاحظ على الصغرى بما عرفت من أنّ الأمر بالشيء لايقتضي النهي عن ضده العام، لما عرفت من أنّ المكلّف إما أن يكون متهيّئاً لامتثال الأمر فيكون النهي عن تركه لغواً لا حاجة إليه، أو لا يكون فعندئذ لا يكون النهي عن الضد مؤثراً في دعوة المكلّف إلى امتثال الأمر بالواجب الامتثال.
ويلاحظ على الكبرى بما مرّ منا في نقض دليل أبي الحسين البصري عند بيان مقدّمة الواجب، وهو: أنّ الصلاة وإن لم تكن محرمة بل جائزة، لكن الّذي يوجب التكليف بالمحال هو كون الصلاة واجبة فعلاً وترك الإزالة حراماً، وأمّا إذا كان أحدهما جائزاً والآخر واجباً فلا يلزم التكليف بالمحال لاستقلال العقل بوجوب ترك الحرام وإن كان ملازمه جائزاً.

24
 

المحور الثالث:

في الثمرة الفقهية

إنّ ثمرة البحث هو تعلّق النهي بالعبادة الموسّعة عند الأمر بالواجب المضيّق، وهذا هو الّذي نهدف إليه بقولنا: الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاص، فتكون النتيجة في هذه المسألة صغرى لمسألة أُخرى تأتي في مبحث النواهي وهو أنّ النهي عن العبادة موجب للفساد، ولا يشترط أن تكون المسألة بنفسها واقعة في طريق الاستنباط، بل يكفي وقوعه في طريق الاستنباط ولو بمعونة مسألة أُخرى.
ثم إنّ القوم أشكلوا على هذه الثمرة بوجهين:
الأوّل: أنّ هذا النهي نهي غيري لا يكشف عن مبغوضية العبادة، لأنّ النهي عنه لأجل كونه وسيلة للحرام، ولولاها لما كان حراماً بل ربما يكون محبوباً، وعندئذ يكون دليلاً على بطلانها، من غير فرق بين كون النهي مستفاداً من مسلك المقدّمية أو مسلك الملازمة، فالنهي الكاشف عن البطلان عبارة عن النهي النفسي بمعنى كون الشيء مبغوضاً في ذاته كالصوم في العيدين والصلاة في أيام العادة.
الثاني: ما ذكره بهاء الدين العاملي من أنّ بطلان الصلاة لا يتوقّف على تعلّق النهي بها، بل يكفي سقوط الأمر بها بعد الأمر بالإزالة، وهو أمر متّفق عليه، فكون الصلاة غير مأمور بها يكفي في فسادها.

25
ثم إنّ القوم حاولوا تصحيح الصلاة ـ مع عدم الأمر بها ـ بوجوه ثلاثة:
الأوّل: كفاية وجود الملاك في صحّة العبادة ولا يلزم قصد الأمر. وهذا ما أجاب به المحقّق الخراساني.
الثاني: كفاية قصد الأمر المتعلّق بالطبيعة وإن كان الفرد المزاحمُ فاقداً للأمر. وهو المستفاد من كلمات المحقّق الثاني.
الثالث: تصحيح الأمر بالصلاة عن طريق الترتّب.
وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.

الأوّل: كفاية وجود الملاك في صحّة العبادة

المعروف عند الفقهاء أنّ صحّة العبادة فرع وجود الأمر وقصده، غير أنّ المحقّق الخراساني أبدع رأياً خاصّاً وهو أنّ صحّة العبادة رهن أحد الأمرين:
أ. تعلّق الأمر بها وقصده في مقام الامتثال.
ب. وجود الملاك والرجحان الذاتي في العبادة وإتيانها بهذا القصد .
وقد رتّب على ذلك أنّ الفرد المهم وإن سقط أمره لكن الملاك بعد باق، إذ غاية ما أوجبه الابتلاء سقوط أمره لا زوال ملاكه ورجحانه .
قال الخراساني (قدس سره): إنّ المزاحمة على هذا لا يوجب إلاّ ارتفاع الأمر المتعلّق به فعلاً مع بقائه على ما هو عليه من ملاكه من المصلحة كما هو مذهب العدلية، أو غيرها أي شيء كان كما هو مذهب الأشاعرة، وعدم حدوث ما يوجب مبغوضيته وخروجه عن قابلية التقرّب به .(1)
فإن قلت: العلم باشتمال الفعل على الملاك فرع تعلّق الأمر والمفروض

1 . كفاية الأُصول: 1 / 212 .

26
سقوطه فمن أين عُلم أنّ الفعل مشتمل على الملاك ؟
قلت: ما ذكر صحيح في المتعارضين لا المتزاحمين، فإنّ العلم بالملاك موجود في كليهما غاية الأمر صار التزاحم سبباً لتقديم أحدهما على الآخر لا سلب ملاكه ورجحانه الذاتي.

الثاني: ما يستنبط من كلام المحقّق الكركي

إذا بنينا على عدم تعلّق النهي بالضد كما هو مفروض الإشكال فغايته أنّه يوجب سقوط الأمر بالطبيعة المتحقّقة في الفرد المزاحم لا سقوط الأمر عن الطبيعة بوجودها السعيّ، بل الأمر بها باق لعدم اختصاص تحقّق الطبيعة بالفرد المزاحم .
وعلى ضوء هذا فنقول: إنّ الفرد المزاحم وإن لم يكن من مصاديق الطبيعة المأمور بها ولكنّه من مصاديق مطلق الطبيعة، وملاك الامتثال إنّما هو انطباق عنوان الطبيعة على الفرد الخارجي لا كون الفرد الخارجي بشخصه مأموراً به فهو مصداق الطبيعة وإن لم يكن مصداق الطبيعة المأمور بها.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الأمر المتعلّق بالطبيعة يتصوّر على ثلاثة أقسام:
1. أن يكون وجوب الصلاة إنشائياً ما دام لم يمتثل الأهم .
2. أن يكون وجوبها فعلياً والواجب استقباليّاً، والمراد من الاستقبالي تعيّن الإتيان بالمهم بعد الإتيان بالأهم.
3. أن يكون الوجوب والواجب فعليين.
أمّا الأوّل: فلا يمكن التقرّب به لعدم خروجه عن حدّ الإنشاء ولم يصل إلى

1 . لاحظ جامع المقاصد: 5 / 12. وأوضحه المحقّق الخراساني في الكفاية بعد الفراغ عن مسألة الترتّب. لاحظ : الكفاية: 1 / 219 .

27
حدّ الفعلية الّتي هي مرحلة تعلّق الإرادة الجدّية .
أمّا الثاني: فالمفروض أنّه بصدد إتيان المهم في زمن امتثال الأهم، ومن جانب أنّ الأمر بالطبيعة مقيّد بالزمان المتأخّر عن امتثال الأهم وهو بعدُ لم يأت به. فينتج أنّه ليس هنا أمر بالطبيعة حتى يقصده .
أمّا الثالث: فهو يستلزم أن يكون كلّ من الوجوب والواجب فعليّين، وهو يستلزم الأمر بالضدين لافتراض أنّ الأمر بالإزالة كالأمر بالصلاة فعلي.
ثم إنّ جمعاً من المتأخّرين حاولوا تصحيح الأمر بالضد (الصلاة) على وجه الترتّب وبذلك أثبتوا صحّة الصلاة ردّاً على شيخنا بهاء الدين العاملي القائل بفساد الصلاة لأجل عدم تعلّق الأمر بها، كما أجابوا بذلك عن الإشكال المتوجّه إلى المحقّق الثاني من أنّ تعلّق الأمرين الفعليين بالإزالة، والصلاة يستلزم طلب ضدّين.
وبالجملة فرضية الترتّب لو صحّت، تُنتَجْ أمرين:
1. صحّة الصلاة.
2. عدم استلزام تعلّق الأمر الفعلي بالصلاة، الأمرَ بالضدين.

الثالث: الأمر بالمهمّ على وجه الترتّب

إنّ الترتّب من المسائل الشائكة الّتي تضاربت فيها الأقوال بين ادّعاء الاستحالة وادّعاء الإمكان، فلإيضاح الموضوع يجب تقديم أُمور ، وهي:

الأوّل: التفريق بين التعارض والتزاحم

إنّ مورد الترتّب من مصاديق التزاحم لا من موارد التعارض فلابد من توضيح المراد منهما في المقام، فنقول:

28
التعارض والتزاحم يجمعهما وجود التنافي بين الدليلين ويختلفان في مصبِّه.
أمّا التعارض فمصب التنافي فيه هو مقام الجعل والإنشاء، ولذلك عُرّف التعارض بأنّه عبارة عن تنافي مدلولي الدليلين في مقام الجعل والإنشاء، سواء لم يوجد تناف في مقام الامتثال، كما إذا ورد: يجب الدعاء عند رؤية الهلال وورد يستحب الدعاء عند رؤية الهلال; أم وجد التنافي كما إذا ورد دليل على حرمة شيء وورد دليل آخر على وجوبه.
وبعبارة أُخرى: إذا كان هناك تكاذب بين مدلولي الدليلين في مقام الإنشاء فصار كلّ يكذب الآخر على نحو يستحيل تعلّق الإرادة الجدية من المقنّن الحكيم بهما، يَكون المورد من التعارض.
وأمّا التزاحم فهو عبارة عن وجود التنافي بين الحكمين في مقام الامتثال مع كمال الملائمة في مقام الجعل والتشريع غير أنّ عجز المكلّف وقصور قدرته سبَّب التنافي بين الحكمين في مقام الامتثال على وجه لو كان للمكلّف قدرة غيبية لامتثال كلا الحكمين لما كان هناك تناف أصلاً لا في مقام الجعل ولا في مقام الامتثال.
مثلاً إذا أنشأ المولى وجوب تطهير المسجد فوراً كما أنشأ وجوب الصلاة عند الزوال، نرى أنّ الإنشائين في كمال الملائمة لاختلاف الموضوع والمحمول في القضيتين وإنّما يحدث التنافي إذا ابتلى المكلّف بهما في أوّل الزوال ودلّ الدليل على كون الأوّل مضيقاً والثاني موسعاً، فعند ذلك يجب رفع اليد عن أحد الأمرين أو إطلاقه، فالقائل ببطلان الترتّب يرفع اليد عن أصل الأمر، والقائل بصحّته يرفع اليد عن إطلاقه.
ثم إنّ للمحقّق الخراساني تفسيراً آخر للتزاحم سنتناول بيانه في مبحث اجتماع الأمر والنهي.

29

الثاني: مرجّحات التعارض والتزاحم

إذا كان التعارض راجعاً إلى وجود التنافي في مقام الجعل والإنشاء فالمرجّحات الّتي تُرجّح صدق أحد الجعلين على الآخر تكون سماعيّة متوقّفة على ورودها في الشرع، وذلك لأنّه لا سبيل للعقل للتعرف على أقربية أحد الجعلين على الآخر. وسيوافيك بيان مرجّحات التعارض في المقصد الثامن .
وأمّا مرجّحات باب التزاحم فبما أنّ التنافي خارج عن مصب التشريع ولا صلة له بالشارع، بل يرجع إلى قصور قدرة المكلّف في مقام الامتثال فللعقل سبيل إلى تقديم أحد الأمرين على الآخر إمّا ترجيحاً بالذات أو ترجيحاً بالعرض، وإليك بيان الترجيحات:
1. تقديم الأهم بالذات على المهم، كترجيح إنقاذ المسلم على الكافر والذمّي. وهذا هو الترجيح بالذات.
2. تقديم المضيّق على الموسّع وإن كان الموسّع أهم كتقديم تطهير المسجد على الصلاة فيه مع كون الثاني أهم، ولكن ضيق وقت الأوّل وسعة وقت الثاني سبّب تقدّمه على الآخر.
3. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل كما إذا كان عنده ماء يكفيه أحد الأمرين: تطهير الثوب للصلاة أو استعماله في الوضوء، فيقدم الأوّل، إذ ليس له بدل بخلاف الثاني فإنّ للوضوء بدلاً وهو التيمم.
4. تقديم ما هو السابق من الحكمين امتثالاً على المتأخّر كذلك، كما إذا دار أمره بين إقامة الصلاة قائماً والركوع والسجود مومياً، أو صرف القدرة في الركوع والسجود اختياراً وإقامة الصلاة جالساً، فيجب تقديم الأوّل، لأنّ امتثال الأمر بالقيام متقدّم زماناً على امتثال الأمر بالركوع والسجود اختياراً. إذ بصرف القدرة في الأوّل يصبح معذوراً عن الثاني دون العكس.

30
5. تقديم الواجب المطلق على المشروط، كما إذا كان عنده مال ودار أمره بين صرفه في الإنفاق الواجب كالإنفاق على الأولاد والوالدين ومن تحت تكفّله وبين صرفه في الحج، فيقدّم الأوّل على الثاني.

الثالث: في تعريف الترتّب

إنّ الترتّب عبارة عن تعلّق أمر فعلي بواجب أهم على وجه الإطلاق بلا تقييد بشيء وتعلّق أمرفعلي آخر بضدّه المهم مشروطاً بعصيان ذلك الأمر المتعلّق بالأهم على نحو الشرط المتأخّر أو بالعزم على عصيانه، وتظهر حقيقة الترتّب في المثالين التاليين:
أ. إذا كان الواجبان مضيّقين، كما إذا قال المولى: انقذ ولدي فإن عصيت فأنقذ الأجنبي.
ب. إذا كان أحد الواجبين مضيّقاً والآخر موسّعاً، كما إذا قال: أزل النجاسة فإن عصيت فصلِّ.
فعلى كلا التقديرين يكون أحد الأمرين مطلقاً والآخر مشروطاً بالعصيان.

الرابع: صحّة الترتّب وعدمها بحث عقلي

البحث عن صحّة الترتّب وعدمها بحث عقلي لا دخالة للّفظ فيه وذكره في أبواب مباحث الألفاظ كذكر أحكام الملازمات في باب الأوامر مع أنّ البحث فيها عن الملازمة العقلية.

الخامس: إمكان الترتّب دليل على وقوعه

إنّ مسألة الترتّب من المسائل الّتي يكفي في إثبات وقوعها إمكانُها، خلافاً للأُمور التكوينية فإنّ إمكان الشيء لا يكفي في وقوعه «كالعنقاء». وذلك لأنّ شيخنا بهاء الدين العاملي قال: «بأنّ الأمر بالشيء يكفي في سقوط الأمر بضدِّه، إذ

31
لولاه لزم طلب الضدين»، فرفع الغائلة عنده رهن سقوط الأمر من أساسه.
ولكن القائل بالترتّب يقول بأنّ رفع الغائلة لا يتوقّف على سقوط الأمر من رأسه بل يكفي فيه تقييد إطلاقه بالعصيان، فإذا دار الأمر بين سقوط الأمر أو تقييد إطلاقه، فالثاني هو المقدّم، لأنّ المحظورات تتقدّر بقدرها، فمع إمكان حفظ الأمر وتقييد إطلاقه لا تصل النوبة إلى سقوط الأمر بتاتاً.

السادس: أنّ سقوط الأمر رهن أحد أُمور:

1. الامتثال .
2. ارتفاع الموضوع، كما إذا جاء السيل وأخذ الجنازة قبل التغسيل والتكفين.
3. العصيان، كما لو ترك الصلاة حتّى مضى الوقت فالأمر يسقط لكن لا بمعنى سقوط المؤاخذة، بل سقوط فعل الصلاة أداءً. وأمّا القضاء فهو رهن أمر جديد وربما لا يوجد.

السابع: أقسام شرط الأمر بالمهمّ

إنّ شرط الأمر بالمهم أحد أمرين: إمّا العصيان وإمّا نيّته، وكلّ على أقسام ثلاثة، متقدّم على الأمر بالمهم، ومقارن له، ومتأخّر عنه. فصارت الأقسام ستة. وقد ذكر المحقّق الخراساني من العصيان قسماً واحداً ومن عزمه قسمين، المتقدّم والمقارن. فيقع الكلام في وجه التبعيض.

حكم العصيان الخارجي المتقدّم

إنّ وجه التبعيض يَكْمُن في انطباق تعريف الترتّب على بعضه دون بعض، فإنّه عبارة عن توجّه أمرين فعليين لمكلّف واحد في وقت واحد وله قدرة واحدة ـ لا يتمكّن من صرفها فيهما ـ أحدهما مطلق والآخر مشروط، وإليك البيان.
إذا كان الشرط لفعلية الأمر بالمهم هو عصيان الأمر بالأهم عصياناً متقدّماً كما

32
إذا كان الأمر بالأهمّ فورياً آنياً، كالغرق والحرق ولا يدوم إلى آخر وقت الامتثال بالمهم، فلا شكّ أن الأمر بالأهم يسقط ويكون الوقت مختصّاً بامتثال المهم إلى آخره، ومثل هذا خارج عن الترتّب إذ لا يجتمع الأمران في زمان واحد، بخلاف ما إذا كان امتثال الأهم تدريجياً مثل المهم، كإزالة النجاسة عن المسجد فيكون الشرط هو عصيانه في جميع أزمنة امتثال المهم، وهذا لا يتحقق إلاّ إذا كان الشرط لفعلية الأمر بالمهم، هو العصيان المتأخّر، وهو تصور المولى أن العبد ربّما يعصي الأمر بالأهم إلى آخر الوقت، ولكنّه بعد لم يعص لبقاء الوقت، فعند ذلك يأمر بأمرين أحدهما مطلق والآخر مشروط .
وهذا هو الذي يجب أن يقع مورداً للنزاع حيث إنّ الأمرين فعليان غاية الأمر يقع البحث في أنّ نتيجة ذينك الفعلين هل هي الأمر بالجمع بين الضدّين أو لا؟
فتلخّص من ذلك أنّ شرطية العصيان بالنحو المتقدّم يخرج المورد عن الترتّب، وبنحو الشرط المتأخّر يدخله في تعريفه.
ثم إنّ هنا سؤالاً وهو: كيف يكون العصيان شرطاً لفعلية الأمر بالمهم، ولا يكون سبباً لسقوط الأمر بالأهم؟
والجواب: أنّ العصيان المسقط للأمر بالأهم هو العصيان المتقدّم على فعلية الأمر بالمهم بالمعنى الذي عرفت، والمفروض أنّه ليس بشرط، وأمّا ما هو الشرط لفعلية الأمر بالمهم فهو فرض الموتى عصيان العبد في مجموع الوقت وانّه لا يصرف القدرة في تطهير المسجد، والمفروض أنّ الشرط بهذا المعنى موجود في ذهن المولى، موجب لفعلية الأمر بالمهم لكنه غير مسقط للأمر بالاهم وبذلك ظهر أنّه لا بأس بكون العصيان المأخوذ في الأمر بالمهم غير مسقط للأمر بالأهم وفي الوقت نفسه كافياً في فعلية الأمر بالمهم.

حكم العصيان الخارجي المقارن

وبما ذكرنا يُعلم حكم العصيان الخارجي المقارن، إذ أنّه يوجب سقوط الأمر بالأهم لتحقق العصيان على نحو لا يتمكن المكلّف من امتثاله في طول الوقت

33
الذي يسع لامتثال الأمر بالمهم فعند ذلك يخرج المورد عن الترتّب، ولذلك خصّ صاحب الكفاية شرطية العصيان الخارجي بالمتأخّر الذي يسع الوقت لامتثال كلا الأمرين دون أن ينتهي الأمر إلى امتثال أمر واحد وهو المهم.

حكم نيّة العصيان

قد عرفت حكم العصيان الواقعي وأنّ شرطيته تختص بما إذا أُخذ متأخّراً، وأمانيّة عصيان الأمر بالمهم، فقد فرّق المحقّق الخراساني بين المتقدّم والمقارن وبين المتأخّر، فجعل الأولين صالحين لأخذهما شرطاً للأمر بالمهم دون نيّة عصيان الأمر بالأهم متأخرة، ولم يظهر لي ما هو وجه الفرق، فإن نيّة العصيان سواء أُخذت متقدّمة أو مقارنة أو متأخرة، لا تسبب سقوط الأمر بالأهم، حتّى يخرج المورد عن دائرة الترتّب، ولعلّه كان عنده وجه خفي علينا.
إذا عرفت ذلك فأعلم أنّ القائل بإمكان الترتّب قرّره بالوجه التالي:

التقريب الأوّل للترتّب

لا مانع عقلاً من تعلّق الأمر بالضدين على النحو المذكور، أي بأن يكون الأمر بالأهم مطلقاً والأمر بغيره معلّقاً على عصيان ذلك الأمر (على نحو الشرط المتأخّر) أو البناء والعزم عليه، بل هو واقع كثيراً عرفاً .(1)
وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ ملاك الامتناع في الأمرين المطلقين موجود في المقام أيضاً، فإنّ ملاك الامتناع في الأوّل استلزامهما طلب الضدين، وهذا أيضاً موجود في المقام، لافتراض أنّ الأمر بالمهم فعلي في ظرف فعلية الأمر

1 . كفاية الأُصول: 1 / 213 .

34
بالأهم. وإلاّ لخرج المورد عن الترتّب، ولازم ذلك توجّه أمرين فعليّين وهو نفس طلب الضدين.
وبعبارة أُخرى: أنّ في مرتبة الأمر بالأهم لا توجد دعوة للأمر بالمهم ولكن في مرتبة الأمر بالمهم توجد دعوة للأمر بالأهم أيضاً لعدم سقوطه بعدُ. وهذا هو الإشكال الّذي أثاره المحقّق الخراساني ومن تبعه على إمكان الترتّب.

تحليل نظرية المحقّق الخراساني

إنّ هنا مسألتين:
الأُولى: طلب الضدين.
الثانية: طلب الجمع بين الضدين.
وملاك الاستحالة في الأمرين العرضيين هو الثاني، كما إذا قال: أزل النجاسة، وصلّ، في وقت واحد فهو يأمر بشيئين من دون اشتراط أحدهما بشيء.
ولازم ذلك طلب الجمع بين الضدين، لأنّ الطلب في كلّ منهما غير مشروط، وما هو كذلك تكون نتيجتُه طلبَ الجمع بين فعلين متضادين. لأنّ إطلاق كلّ من الدليلين يشمل وجود الآخر.
وأمّا إذا كان أحد الأمرين مطلقاً والآخر مشروطاً بعزم ترك الأوّل فهو وإن كان يطلب الضدين لأجل أنّ الأمر بالأهم، بعدُ لم يسقط، والأمر بالمهم فعليٌ، ولكن النتيجة هي طلب الضدين لاطلب الجمع بين الضدين، ويشهد على ذلك أُمور:
1. إنّ فعلية الأمر بالمهم في ظرف فعلية الأمر بالأهم، لا يعنى بها إلاّ دعوة الأمر بالمهم إلى متعلّقه وهو أمر ممكن لا الجمع بينه وبين متعلّق الأمر بالأهم.
2. لو اشتغل بالأمر بالأهم وأعرض عن المهم فلا يؤاخذ بشيء ويُثاب ولا يعاقب .

35
3. أنّ المولى الواقف على حال العبد يرى أنّه فاقد للورع الّذي يدفع به إلى امتثال الأهم ويرى أنّ الساحة فارغة عن امتثال الأهم فعند ذلك يغتنم الفرصة ويأمره بالمهم ـ مع بقاء الأمر بالأهم على فعليته ـ لئلا تفوت الفرصة ولا يؤديَ أيّاً من الواجبين.
وبذلك يعلم أنّ الأُمور التالية ليست بمانعة عن إمكان الترتّب:
1. اجتماع أمرين فعليين.
2. كون الأمر بالأهم في رتبة الأمر بالمهم.
3. استلزام اجتماعهما في مرتبة الأمر بالمهم (طلب الضدين).
نعم لو كانت النتيجة هي طلب (الجمع بين الضدين) فهو محال، ولكنّه يترتّب على أمرين فعليّين مطلقين، لاما إذا كان الثاني مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل على نحو الشرط المتأخّر.
هذا هو مفتاح الترتّب إمكاناً وامتناعاً.
ثم إنّ المحقّق الخراساني لمّا اختار امتناع الترتّب أثار عدة أسئلة من جانب القائلين بالترتّب ثم أجاب عنها، وبعض هذه الأسئلة، لا يليق أن يُثار من جانب القائلين بصحّته، ولكن المحقّق الخراساني أثارها على لسانهم.

السؤال الأوّل:

لا دليل على امتناع طلب الضدين إذا كان بسوء الاختيار حيث يَعْصي فيما بعدُ بالاختيار، فلولاه لما كان متوجّهاً إليه إلاّ الطلب بالأهم، ولا دليل على امتناع طلب الضدّين إذا كان بسوء الاختيار.
وأجاب عنه بقوله: استحالة طلب الضدين ليست إلاّ لأجل استحالة طلب المحال، واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليته لا تختصّ بحال دون حال وإلاّ لصحّ فيما علّق على أمر اختياري في عرض واحد بلا حاجة في

36
تصحيحه إلى الترتّب، مع أنّه محال بلا ريب ولا إشكال.(1)

تحليل مناقشة المحقّق الخراساني

لو كان السائل يسلّم أنّ الترتّب يستلزم المحال غير أنّ قصور المكلّف صار سبباً لطلب المحال منه لكان للسؤال والجواب مجال، إذ لا فرق في استحالة طلب المحال بين كون السبب هو الآمر مع الالتفات إلى عجز المكلّف، أو المأمور، وأمّا إذا كان الترتّب غير مستلزم للمحال لما قلنا من أنّه مستلزم لطلب الضدين لا طلب الجمع بينهما، فالأوّل جائز والثاني محال، فالسؤال والجواب ساقطان كما هو واضح. والقائل بجواز الترتّب لا يسلّم استلزامَه للمحال، حتّى يقول بكون المكلّف هو السبب للمحذور.
السؤال الثاني:
إنّ قياس المقام بالأمرين العرضيين قياس مع الفارق، فإنّ كلاًّ من الأمرين العرضيين يطارد الآخر، فإذا قال: أزل النجاسة، وفي الوقت نفسه قال: صلّ، فكلّ يدعو إلى بذل القدرة في متعلّقه، وعندئذ تظهر المطاردة لوحدة القدرة وكثرة المقدور، بخلاف الأمرين الطوليين، أي إذا كان الأمر الثاني مقيّداً بعصيان الأمر الأوّل، فإنّ الأمر المتعلّق بالمهم لا يطرد الأمر المتعلّق بالأهم، وذلك لأنّ دعوة الأمر المتعلّق بالمهم إلى امتثاله في ظرف عدم الإتيان بالأهم، فلا يكاد يريد غير الأهم على تقدير إتيانه وإطاعة أمره.
وبعبارة أُخرى: لو كانت دعوة الأمر المتعلّق بالمهم شاملة لصورة إطاعة الأمر بالأهم يلزم المطاردة، وأمّا لو اختصّت دعوته بصورة عدم امتثاله فلا يكون هناك مطاردة.

1 . الكفاية: 1 / 217 .

37
وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بوجوه:
الأوّل: أنّ الأمر بالمهم يطارد الأمر بالأهم، وذلك لأنّه ليس للمطاردة معنى سوى كون الأمرين فعليين، والمفروض أنّ الأمر بالمهم فعلي كالأمر بالأهم.
الثاني: لو افترضنا أنّ الأمر بالمهم لا يطارد الأمر بالأهم في ظرف الامتثال لكنّه يطارده على تقدير عدم الإتيان به، فعندما ينوي عصيان الأمر به، يجتمع هناك أمران فعليان كلّ يطارد الآخر.
الثالث: يكفي وجود المطاردة من جانب واحد، وهو أنّ الأمر بالأهم يطارد الأمر بالمهم، وهذا كاف في الامتناع ولا يلزم العكس.

تحليل مناقشة المحقّق الخراساني

أمّـا الـوجـه الأوّل فقـد عـرفت أنّ نتيجـة اجتمـاع أمـرين فعليين أحدهما مطلق والآخر مشروط هو طلب الضدين لا طلب الجمع بينهما، والمحـال هو الثاني لا الأوّل.
وأمّا الوجه الثاني وهو وجود المطاردة من الطرفين عند عدم الإتيان بالأهم فجوابه أنّ الأمر بالمهم حينئذ يتضمّن أمرين:
1. أنّه يدعو إلى امتثال متعلّقه، وهذا هو الّذي دفع المحقّق الخراساني إلى القول بالمطاردة من الجانبين لكنّه غفل عن الأمر الثاني وهو:
2. أنّ الأمر بالمهم مع كونه فعلياً هو ذو مرونة ولينة حيث إنّه مع الدعوة إلى نفسه، يتحمّل ترك امتثاله والاشتغال بالأهم، وهذا هو الّذي يزيل المطاردة والمنازعة بين الأمرين، فالأهم أمر تام لا يخضع لشيء ولا يرضى إلاّ بامتثال نفسه، وأمّا الأمر الثاني فهو وإن كان يدعو إلى امتثال متعلّقه لكنّه يخضع لأن يُتَرك لغاية امتثال الأمر بالأهم.

38
وأمّا الوجه الثالث فقد قلنا: إنّ وجود الأمر بالأهم في مرتبة المهم لا ينتج إلاّ وجود أمرين فعليين لا مطلقين، بل مطلق ومشروط ومثله لا يستلزم المحال.
ونزيد المقام توضيحاً: أنّ مركز المطاردة الّتي يدّعيها المحقّق الخراساني لا يخلو عن مواضع ثلاثة:
أ. مقام الجعل والتشريع.
ب. مقام الفعلية.
ج. مقام الامتثال.
أمّا الأوّل فقد عرفت أنّ المورد من قبيل المتزاحمين، والمتزاحمان متلائمان في مقام الجعل ولا تكاذب بينهما في تلك المرتبة، فلا إشكال في جعل الإيجاب على إزالة النجاسة والصلاة، وغيرهما من عشرات الموضوعات.
وأمّا الثاني ـ أي المطاردة في مرحلة الفعلية ـ فلاشكّ أنّ كلاًّ يدعو إلى إنجاز متعلّقه لكن دعوة الأمر بالأهم دعوة مطلقة لا يتنازل عنها أبداً، وأمّا الأمر بالمهم فهي دعوة مشروطة لا يتنازل عنها إلاّ إذا حاول أن يمتثل الأمر بالأهم، وهذا يرفع النزاع والمطاردة بين الأمرين.
وإن شئت قلت: إنّ كلّ أمر يدعو إلى إنجاز متعلّقه ولا يبعث إلاّ إلى إتيانه بمفرده، لا إلى الجمع بين المتعلّقين. وبكلمة حاسمة: إنّ فعلية كلا الأمرين بمعنى دعوة كلّ إلى متعلّقه، لا الدعوة إلى الجمع بين المتعلّقين، فإذا كان كذلك فالمكلّف في مقام الامتثال له المندوحة عن تبعات الأمرين، إمّا أساساً وبتاتاً كما إذا اشتغل بالأهم، أو نسبياً إذا اشتغل بالمهم، فلا يعاقب إمّا مطلقاً، أو يعاقب بعصيان أمر واحد.
وأمّا الثالث فمن حسن الحظ ليس هناك أي مطاردة، وذلك لأنّ البعث مطلقاً لأمر واحد، وذلك لأنّ المكلّف لا يخلو إمّا أن يكون راغباً في امتثال الأمر بالأهم فيترك الأمر بالمهم ولو عكس عُكس.

39

السؤال الثالث:

وهو: كيف تنكرون الترتّب مع أنّه واقع في العرف كثيراً؟
وقد أجاب المحقّق الخراساني عن ذلك بوجهين:
1. إنّه إنّما يأمر بالمهم بعد التجاوز عن الأمر بالأهم.
2. إنّ الأمر بالمهم إرشاد إلى محبوبيته وبقائه على ما هو عليه من المصلحة، على وجه لو أتى به (لأجل الملاك) يستحقّ المثوبة.

تحليل المناقشة:

ماذا يريد من قوله: إنّه يأمر بالمهم بعد التجاوز عن الأمر بالأهم؟ فهل يريد كون الأمر بالأهم منسوخاً والمفروض خلافه، ولأجل ذلك لو رجع إلى امتثال الأمر بالأهم صار ممتثلاً؟
وإن أراد أنّه يطلبه عند يأسه عن امتثال الأمر بالأهم دون سقوطه فهو نفس الترتّب.
وأمّا التوجيه الثاني فهو على خلاف الظاهر، إذ لا يتميّز الأمران بشيء إلاّ أنّ الأوّل مطلق والثاني مشروط، مع كون كليهما مولويّين. فكيف يوصف الأوّل بالمولوية دون الثاني؟!

الاستدلال على بطلان الترتّب بطريق الإن

كان الاستدلال السابق من المحقّق الخراساني على بطلان الترتّب استدلالاً لميّاً، وهو أنّ نتيجة الترتّب هو اجتماع أمرين فعليين والّذي يترتّب عليه طلب الضدين، ولكن هنا استدلالاً آخر وهو إبطال الترتّب بطريق الإن، والمراد الفساد المترتّب على صحّة الترتّب، وهو تعدّد العقابين إذا ترك الأهم والمهم، مع وحدة

40
القدرة وهو شيء لا يقبله العقل، وهذا هو الإشكال الّذي أورده المحقّق الخراساني على أُستاذه السيد الشيرازي الّذي كان يقول بالترتّب.
أقول: إنّ في وحدة العقاب وتعدّده مسلكين:
الأوّل: أنّ وحدته وتعدّده تابع لوحدة القدرة وتعدّدها، فلو كانت القدرة واحدة والتكليف متعدّداً لما كان عليه إلاّ عقاب واحد، لاستقلال العقل بقبح تعدّده مع القدرة الواحدة، ولذلك يتعدّد العقاب إذا تعدّدت القدرة وإن كان التكليفان في زمان واحد كالصلاة والصوم.
الثاني: أنّ تعدّد العقاب ووحدته تابع لتعدّد التكليف ووحدته، وذلك لأنّ المفروض تعلّق أمرين مستقلين بشيئين كلّ واحد منهما ممكن ومقدور للمكلّف من غير فرق بين المتماثلين وبين الأهم والمهم.
فإن قلت: كيف يصحّ تعدّد العقاب مع تعدّد التكليف إذا كانت القدرة واحدة لا تكفي لامتثال واحد منهما ؟
قلت: إنّ وحدة القدرة تجتمع مع تعدّد العقاب ولا ينافي ذلك عدلَه سبحانه، لأنّه كان في وسع العبد ـ مع تعدّد التكليف ووحدة القدرة ـ الاجتنابُ عن مخالفة التكليفين عن عذر، وذلك ببذل قدرته في إنقاذ واحد، والاعتذار عن ترك الأمر الآخر بالعجز، ومع أنّ هذا الباب كان مفتوحاً أمامه، فقد ترك إنقاذ الغريقين بلا عذر، فللمولى أن يؤاخذه ويقول:
لِمَ تركت إنقاذ زيد بلا عذر؟
لِمَ ترك إنقاذ أخيه كذلك ؟
التقريب الثاني لتصحيح الترتّب   
فصار العبد التارك لكلا الأمرين مصدراً لمخالفة أمرين بلا عذر، فيستحقّ عقابين.

41
وبعبارة أُخرى: أنّه يجب على العبد إمّا الامتثال وإمّا الاعتذار، فلو بذل قدرته في واحد يصحّ له الاعتذار عن عدم امتثال الآخر، وأمّا إذا ترك الجميع فليس له ما يصرف عنه العقاب، إذ لا امتثال ولا اعتذار.
هذا إذا كان الواجبان متساويين، وأمّا مع عدم التساوي فإن اشتغل بالأهم، يكون معذوراً في ترك المهم، وإن اشتغل بالمهمّ، فيثاب به ولكن لا عذر له في ترك الأهم فيعاقب عقاباً واحداً .
إلى هنا تمّ التقريب الّذي أورده الخراساني وناقشه مع تعليقاتنا على مناقشاته.

تقريب آخر لامتناع الترتّب

إنّ شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري (قدس سره)قد ذكر وجهاً آخر لامتناع الترتّب، ثم نقده ونحن نذكر وجه الامتناع فقط مجرداً عن مناقشاته. فنقول:
إنّ هناك مقدّمتين اتّفقت كلمة العلماء عليهما :
1ـ إنّ الضدّين ممّا لا يمكن إيجادهما في زمان واحد عقلاً.
2ـ لا يصحّ جعلهما في زمان واحد متعلّقين للطلب المطلق، لأنّه تكليف بما لا يطاق.
وهاتان المقدّمتان ممّا لا يقبلان الإنكار.
إنّما الشأن بيان أنّ تعلّق الطلبين بالضدّين في زمان واحد ولو على نحو الترتّب يرجع إلى الطلب المطلق بهذا، والطلب المطلق بذاك في زمان واحد.
بيانه: أنّ الأمر بإيجاد الضدّ، مع الأمر بإيجاد ضدّه الآخر، لا يخلو من أنّه إمّا أمر بإيجاده مطلقاً في زمان الأمر بضدّه كذلك، وإمّا أمر بإيجاده مشروطاً بترك الآخر، أمّا الأوّل فلا يلتزم به كلّ من أحال التكليف بما لا يطاق، والثاني على قسمين إمّا أن

42
يكون الشرط في ناحية الأمر المشروط هو الترك الخارجي للأهمّ، أو كون المكلّف بحيث يترك في علم اللّه.
أمّا الأوّل، فهو خارج عن الترتّب لأنّه مبني على تحقّق الأمرين في زمان واحد.
وأمّا الأخير، فلازمه القول بإطلاق الأمر المتعلّق بالمهم، في ظرف تحقّق شرطه. والمفروض وجود الأمر بالأهم أيضاً، لأنّه مطلق. ففي زمان تحقّق شرط المهم، يجتمع الأمران المتعلّقان بالضدّين، وكلّ واحد منهما مطلق. أمّا الأمر المتعلّق بالأهم، فواضح. وأمّا الأمر المتعلّق بالمهم، فلأنّ الأمر المشروط يصير بعد تحقّق شرطه مطلقاً.
يلاحظ عليه:
أوّلاً: نحن نختار الشق الأخير وهو أنّ الشرط هو تصوّر العصيان من جانب المولى أو علم المولى بعصيان العبد أو ما أشبه ذلك ولكن انقلاب القضية المشروطة إلى قضية مطلقة ممنوع، وذلك لما مرّ في محلّه من أنّ القيود بحسب نفس الأمر على قسمين:
التقريب الثاني لتصحيح الترتّب   
1. قسم يرجع إلى المادّة والمتعلّق، بحيث لا يعقل إرجاعه إلى الحكم والإرادة، كما إذا تعلّق بالصلاة في المسجد غرض مطلق، فالوجوب المطلق توجّه إلى الصلاة في المسجد، فيجب على العبد بناء المسجد والصلاة فيه.
2. قسم يرجع إلى الوجوب والحكم، ولا يعقل عكسه، كما إذا لم يتعلّق بإكرام الضيف غرض معتدّ به، بل ربّما يبغض الضيف، فضلاً عن إكرامه، إلاّ أنّه إذا حلّ عنده ونزل في بيته يتعلّق به الغرض، ويحكم على عبيده بأن يكرمونه إذا نزل.
فالقيد ـ حينئذ ـ قيد لنفس التكليف، لا يعقل إرجاعه إلى المادّة، لأنّه يستلزم

43
أن يتعلّق بإكرامه إرادة مطلقة، فيجب عليهم تحصيل الضيف وإنزال الضيف في بيته.
ثانياً: سلّمنا انقلاب الواجب المشروط إلى الواجب المطلق ولكن فرق بين الأمرين العرضيين حيث لا مندوحة له فيهما وبين الأمرين الطوليين الذي فيه مندوحة عن ترتّب العقاب مطلقاً لو صرف قدرته في امتثال الأمر بالأهم، أو عن تعدّده إذا اشتغل بالأمر بالمهم .
وهذا النوع من التكليف وإن كان مطلقاً لكن لا يزاحم الأمر بالإزالة على وجه الإطلاق.

التقريب الثاني (1) لتصحيح الترتّب

نقل المحقّق الاصفهاني تقريباً عن بعض الأُصوليّين هذه خلاصته:
إنّ اقتضاء كلّ أمر لإطاعة نفسه، في رتبة سابقة على إطاعته، كيف لا وهي مرتبة تأثيره وأثره، ومن البديهي أنّ كلّ علّة منعزلة في مرتبة أثرها عن التأثير وإنّما اقتضاؤها، في مرتبة ذاتها المقدّمة على تأثيرها وأثرها، ولازم ذلك كون عصيان المكلّف ـ وهو نقيض طاعته ـ أيضاً في مرتبة متأخّرة عن الأمر واقتضائه.
وعليه فإذا أُنيط أمر بعصيان مثل هذا الأمر، فلا شبهة أنّ هذه الإناطة تُخرج الأمرين عن المزاحمة في التأثير، إذ في رتبة تأثير الأمر بالأهم، لا وجود للأمر بالمهم، وفي رتبة وجود الأمر بالمهم لا يكون اقتضاء للأمر الأهم. فلا مطاردة بين الأمرين، بل كلّ يؤثر في رتبة نفسه على وجه لا يوجب تحيّر المكلّف في امتثال كلّ منهما ولا يقتضي كلّ من الأمرين إلقاء المكلّف فيما لا يطاق، بل كلّ يقتضي

1 . مرّ التقريب الأوّل في كلام صاحب الكفاية على وجه الإيجاز.

44
موضوعاً لا يقتضيه غيره .(1)
وتوضيح مرامه يبتني على بيان مقدّمتين :
الأُولى: أنّ اقتضاء الأمر إلى الإطاعة في درجة (أ) والطاعة بما أنّها معلولة لاقتضاء الأمر في درجة (ب) وبما أنّ العصيان مع الطاعة في درجة واحدة يكون العصيان واقعاً في رتبة (ب) .
الثانية: أنّ العصيان لمّا كان مأخوذاً في موضوع الأمر بالمهم يقع اقتضاء الأمر بالمهم ودعوته إلى إطاعة نفسه في درجة (ب) فيكون اقتضاؤه ودعوته متأخّراً عن اقتضاء الأمر بالأهم.
إذا عرفت هاتين المقدّمتين فنقول: إنّه لا منافاة بين الاقتضاءَين والدعوتين فحيثما يكون للأمر بالأهم اقتضاء فلا يوجد هناك أي اقتضاء للأمر بالمهم لتأخّر رتبته. كما أنّه في رتبة وجود اقتضاء للأمر بالمهم لا يوجد اقتضاءٌ للأمر بالأهم لتقدّم رتبته، فليس هناك أي تناف بين الاقتضاءين.
يلاحظ عليه:
   
أوّلاً: أنّ القول بتأخّر العصيان عن اقتضاء الأمر الأوّل مبني على قانون المساواة حيث إنّ العصيان في رتبة الطاعة، والطاعة متأخّرة عن اقتضاء الأمر، فعصيانه أيضاً متأخّر عنه، ولكن القانون إنّما يجري في المسائل الهندسية والأُمور الزمانية، فلو كان زيد مساوياً لعمرو في السنّ وكان عمر مساوياً فيه مع بكر يستنتج أنّ زيداً مساو مع بكر في السنّ.
وأمّا المسائل العقلية فلا يجري فيها هذا القانون إلاّ إذا كان في المساوي أيضاً نفس الملاك في المساوي الآخر، وليس المقام كذلك لأنّ تأخّر الطاعة بملاك

1 . نهاية الدراية: 1 / 233 .

45
المعلولية، وليس العصيان معلولاً للأمر لأنّ كلّ أمر يدعو إلى طاعة نفسه لا إلى عصيانه.
وثانياً: أنّ رفع التنافي بالرتبة العقلية لا يرفع الإشكال في المعيّة الزمانية، وذلك لأنّ الزمان الّذي يكون الأمر بالأهم فيه فعلياً يكون الأمر بالمهم فيه فعلياً كذلك، فيترتّب عليه اجتماع أمرين فعليين الّذي نتيجته طلب الضدين.
وكلّ مَن حاول رفع التنافي بالرتب العقلية قد غفل عن واقع المحذور عند القائلين بامتناع الترتّب، وهو التنافي بين الأمرين في زمان الفعلية.

التقريب الثالث لتصحيح الترتّب

وهو ما نقله المحقّق الاصفهاني أيضاً وحاصله: أنّ مرجع إطلاق الإمر بالأهم إلى سدّ باب عدمه من جميع الجهات حتّى العدم الآتي من قبل الأمر بالمهم، فهو بإطلاقه يدعو إلى حفظه مطلقاً.
وأمّا الأمر بالمهم فلمّا كان مترتّباً على عدم الأهم وتركه، فإطلاقه يقتضي سد باب عدمه من كلّ الجهات إلاّ من ناحية الإتيان بالأهم.
وإن شئت قلت: إنّ الأمر بالمهم يقتضي سدّ باب عدمه في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق، ولا منافاة بين قيام المولى بسدّ باب عدم الأهم مطلقاً، وسدّ باب عدم المهم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق، فالأمر بالمهم وإن كان فعليّاً لكنّه حيث تعلّق بسدِّ باب عدم المهم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق، فلا محالة لا محركيّة للأمر بالمهم نحو طرد عدم المهم إلاّ في ظرف انفتاح باب عدم الأهم من باب الاتفاق .(1)

1 . نهاية الدراية: 1 / 235 .

46
توضيحه: أنّ لكلّ شيء أعداماً من جانب فقد المقتضي أوّلاً وفقد الشرط ثانياً، ووجود المانع ثالثاً، والأمر بالأهم يقتضي سدّ كلّ عدم يتطرّق إليه من أي جهة كانت، حتّى من جانب وجود المانع.
وأمّـا الأمـر بالمهـم فهـو يقتضـي سـدّ باب عدمـه من جـانب المقتضـي (كإرادة المصلّي)، ومن جانب الشرط (كالطهارة)، ومن جانب المانع (كالاشتغال بعمل آخر غير الإزالة). وأمّا من جانب الإزالة فلا يقتضي سدّ عدمـه إذا تطرّق إليه العدم بالاشتغال بالأهمّ، اللهم إلاّ في ظرف انفتاح باب عدم الأهـم بشكلّ اتّفاقي، فيبعث إلى متعلّقه، وعندئذ يرتفع التنافي بين الأمرين، لأنّ الأمـر بالأهم يقتضي سدّ باب الأعدام مطلقاً والآخر يقتضي سدّ باب العدم في ظرف انفتاح باب عدم الأهم بشكلّ اتّفاقي.
يلاحظ عليه: أنّ التنافي أيضاً باق فيما إذا تطرّق العدم على الأهم من باب الاتّفاق، فيقع السؤال حينئذ: هل الأمر بالأهم عندئذ ساقط أو لا؟ والأوّل خلاف المفروض، والثاني يستلزم المطاردة حيث إنّ كلّ أمر يطلب حفظ متعلّقه وسدّ تطرّق العدم إليه بحكم أنّهما أمران فعليان .
وبالجملة هذه المحاولات لا تحلّ مشكلة القائل بامتناع الترتّب، وهو طلب الضدين، ولو في فترة خاصة وهي زمان انفتاح باب العدم من باب الاتفاق.

التقريب الرابع لتصحيح الترتب

وفي المقام تقريب رابع لسيد مشايخنا المحقّق البروجردي (رحمه الله)، وإليك مجمل ما أفاد: إنّه لا إشكال في أنّ التكليف بالمحال، بنفسه محال، فإنّ التكليف الحقيقي إنّما يصدر من المولى بداعي انبعاث المكلّف وتحرّكه نحو العمل، فإذا كان نفس المكلّف به محالاً، كالجمع بين السواد والبياض، أو الصعود إلى السماء

47
بلا وسيلة، فلا محالة لا تنقدح الإرادة في نفسه جدّاً، وإن تكلّم به فإنّما يتكلّم به لدواع أُخر.
ومثله إذا كان هناك تكليف وكان كلّ واحد منهما أمراً ممكناً، والزمان لا يتّسع إلاّ لواحد منهما. فهذا أيضاً لا يصدر من المولى، لا لأنّ المكلّف به أمر محال، لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد منهما أمر ممكن، وليس الجمع هو المأمور به حتّى يكون الامتناع لأجل طلب الجمع، بل من جهة تزاحمهما في مقام التأثير وإيجاد الداعي، فإنّ كلّ واحد من الضدّين، وإن كان ـ بحياله ـ أمراً ممكناً، لكن لمّا كان قيامه بهذا الواجب وذاك الواجب في زمان لا يسع إلاّ واحداً منهما، أمراً غير ممكن، كان صدور الطلب من المولى بهذا النحو، أمراً محالاً بعد التفاته إلى الحال.
وأمّا إذا فرض البعثان غير متزاحمين في مقام التأثير، بل كان تأثير أحدهما عند عدم تأثير الآخر وخلوّ الظرف من المزاحم، فلا محالة ينقدح في نفس المولى طلب آخر يتعلّق بالضدّ، إذ الفعل مقدور للمكلّف، والأمر الأوّل غير باعث ولا داع، والزمان خال عن الفعل بحيث لولم يشغله المهمّ، لكان الزمان فارغاً عن الفعل مطلقاً، فأيّ مانع من طلب المهم عند عدم تأثير الأهم وعدم باعثيته؟
وقد أحسن (قدس سره)في تحقيق الموضوع خصوصاً إذا أُضيف إليه ما تقدّم من أنّ مصب التنافي أحد الأُمور الثلاثة:
1. مقام الجعل والإنشاء.
2. مقام الفعلية والدعوة .
3. مقام الامتثال.
أمّا الأوّل، فلا منافاة بين الأمرين لكون المقام من قبيل المتزاحمين لا المتعارضين .
وأمّا الثاني فكذلك، لأنّ فعلية الأمر الثاني لا تزاحم فعلية الأمر الأوّل، لأنّ

48
الأوّل مطلق والثاني مشروط.
وأمّا الثالث، فعدم المطاردة واضح، لأنّ الأمر الثاني إنّما يؤثر إذا لم يكن هناك تأثير للأمر الأوّل.

التقريب الخامس لتصحيح الترتّب

ذكر المحقّق العراقي تقريباً خامساً حاصله: أنّ المكلّف إذا واجه تكليفين متساويين في المصلحة يحكم عقله بالتخيير، فكيف حاله إذا كان أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً فأولى أن يكون ذلك أمراً ممكناً. وإليك ملخّص عبارته:
إنّه لا إشكال في حكم العقل بالتخيير في صورة تساوي الفعلين في المصلحة، وليس مرجع التخيير إلى اشتراط وجوب كلّ واحد بعصيان الآخر، إذ لازمه تأخّر رتبة كلّ واحد من الأمرين عن الآخر، ولا إلى اشتراط كلّ أمر بعدم وجود غيره، إذ لازمه أن لا يقتضي كلّ أمر إيجاد مقتضاه حال وجود الآخر، بل مرجعه إلى أنّ الطلب في ظرف المزاحمة يقتضي سدّ جميع أبواب العدم إلاّ العدم الطارئ من إتيان ضدّه.
فحينئذ لنا أن نقول: إذا صحّ الطلب بالنحو المزبور إذ لم يكن بينهما مطاردة لنقص من الطرفين فهما كذلك لم يكن بينهما مطاردة لو فرض نقص الطلب من طرف واحد .(1)

1 . مقالات الأُصول: 1 / 342 .

49

الثمرات الفقهية للترتّب

تترتّب على صحّة الترتّب أحكام فقهية ربّما أفتى بها الفقهاء، وإليك بعضها:
1. إذا رأى نجاسة في المسجد وقد دخل وقت الصلاة فلا شك أنّه تجب المبادرة إلى إزالتها قبل الصلاة إذا كان الوقت وسيعاً، ولو ترك الإزالة مع سعة الوقت واشتغل بالصلاة عصى، لترك الأهم فيحكم على الصلاة بالصحّة على الترتّب .(1)
2. إذا كان ثوب المكلّف نجساً وليس له ثوب غيره، وكان محدثاً وكان الماء الّذي عنده لا يفي إلاّ برفع أحدهما، فلا شك أنّه يجب عليه استعماله في تطهير الثوب، إذ لا عوض له، وأمّا الحدث فينتقل إلى البدل (التيمم) فإذا عصى وقدّم رفع الحدث على تطهير الثوب فصحّة الوضوء مبنية على توجّه الأمر برفع الحدث عند العزم على عصيان الأمر بالأهم .(2)
3. إذا ضاق الوقت عن الوضوء والاغتسال لإقامة الصلاة ومع ذلك خالف فتوضّأ أو اغتسل، فصحّتهما مبنية على مسألة الترتّب كأنّه قيل: تيمّم للصلاة فإن عصيت فاغتسل أو توضّأ.(3)
4. إذا كان الوقت وسيعاً للوضوء والصلاة وكان وضوء الزوجة مفوتاً لحقّ الزوج ومع ذلك توضّأت، فصحّة وضوئها مبنية على صحّة الترتّب.(4)
5. لو توقّف حفظ النفس المحترمة على ترك الصلاة أو قطعها، فلو عصى

1 . العروة الوثقى: كتاب الطهارة، في النجاسات، فصل يشترط في صحّة الصلاة إزالة النجاسة، المسألة 4 .
2 . العروة الوثقى: كتاب الطهارة، فصل في التيمّم ومسوّغاته ، ذيل المسألة 22 .
3 . العروة الوثقى: كتاب الطهارة، فصل في التيمّم ومسوغاته، المسألة 22.
4 . العروة الوثقى: كتاب الطهارة، فصل في التيمّم ومسوّغاته، المسألة 29 .

50
واشتغل بالصلاة أو استمر فيها، فالصحّة مبنية على مسألة الترتّب .(1)
6. إذا كان المكلّف في حال الصلاة فسلّم عليه شخص وجب عليه ردّ السلام، ولو عصى واستمر في الصلاة فصحّتها مبنية على صحّة الأمر على وجه الترتّب .
7. لو شرع المكلّف بالصلاة اليومية مع سعة وقتها ثم ظهر له ضيق وقت صلاة الآيات يجب عليه قطعها والاشتغال بصلاة الآيات، فإن لم يقطعها واشتغل باليومية، فالصحّة مبنية على القول بالترتّب .(2)
8. إذا وجب السفر في شهر رمضان لأجل الحج، فلو عصى ولم يسافر وجب عليه الصوم، وكأنّ الشارع يقول: سافر وأفطر وقصّر، وإن عصيت: فصم وأتمم.
9. إذا زاحم الصوم حفظ النفس المحترمة الّتي يهتم بها الشرع أكثر من الصوم ومع ذلك صام، فالصحّة مبنية على القول بالترتّب .(3)
10. إذا كان اعتكاف الزوجة منافياً لحقّ الزوج، فلو خالفت واعتكفت وصامت، فصحّة هذه العبادة رهن صحّة الترتّب .(4)
هذه نماذج من الفروع، وقد بسطنا الكلام فيها في الدورات المتقدّمة.

1 . العروة الوثقى: كتاب الصلاة، فصل لا يجوز قطع صلاة الفريضة اختياراً، المسألة 4 .
2 . العروة الوثقى: كتاب الصلاة، فصل في صلاة الآيات، المسألة 12 .
3 . العروة الوثقى: كتاب الصوم، فصل في شرائط الصوم في ذيل قوله الشرط السادس.
4 . العروة الوثقى: كتاب الاعتكاف فصل في شروطه، السابع.

51
 
الفصل السادس:

في جواز الأمر

مع العلم بانتفاء شرطه

اختلفت كلمتهم في ما هو المراد من عنوان المسألة، وهذا من الغرائب حيث يكون عنوان المسألة مبهماً؟!
وجه الإبهام وجود الاختلاف في مرجع الضمير في قوله «شرطه» فهنا وجوه:
الأوّل: أنّ الضمير في قوله: «شرطه» يرجع إلى الأمر، والمراد من شرط الأمر، ما يعدّ من علل وجوده وهو يدور بين كونه شرطاً للجاعل وقائماً به كتصوّر المأمور به، والتصديق بفائدته، ثم الشوق إليه، ثمّ إرادته وطلبه، أو شرطاً للمكلَّف سواء كان عقلياً، كالعلم والقدرة، أو شرعيّاً، كالبلوغ والاستطاعة.
وعلى هذا يكون المراد من الجواز هو الإمكان الوقوعي، ومن المعلوم، عدم جوازه، لأنّ صدور الأمر الجدّي من الآمر، مع وجود الخلل في مبادئ وجوده، معناه تحقّق المعلول بلا علّته التامّة، وهذا لا يليق أن يطرح على بساط البحث، ويبحث عنه المفكّرون.
الثاني: أنّ الضمير يرجع إلى الأمر لكن يراد من المرجع نفس الأمر ومن الضمير الراجع إليه بعض مراتبه على نحو الاستخدام بأن يقال: هل يجوز أمر الآمر

52
مع علمه بانتفاء شرط التنجّز، وهذا هو خيرة المحقّق الخراساني إذ قال: إنّ أمر الآمر يجوز إنشاؤه مع علمه بانتفاء شرط بلوغه مرتبة فعلية. وبعبارة أُخرى: النزاع في جواز إنشائه مع العلم بعدم بلوغه إلى المرتبة الفعلية لعدم شرطها.(1)
والأولى أن يقول: شرط مرتبة التنجّز، لينطبق على المثال المعروف من أمر الخليل بذبح إسماعيل مع عدم شرط التنجّز، فإنّ شرط الفعلية هو البيان والاعلام، وقد تحقّق بتحقّق شرطه والذي لم يتحقّق هو شرط التنجّز.
وهناك احتمال ثالث وهو جواز الأمر مع انتفاء شرط المأمور به، كما إذا أمر بالصلاة مع الطهارة وهو يعلم عدم تمكّن المكلّف منها، وهذا هو خيرة سيدنا الأُستاذ، لكنّه لا ينطبق على المثال الذي طرحه كلّ من النافي والمثبت وهو أمر الخليل (عليه السلام)بذبح إسماعيل (عليه السلام)مع عدم شرط الفعلية أو التنجّز.
فالأوضح من الاحتمالات هو الثاني لا الأوّل ولا الثالث.

ثمرة البحث

تظهر الثمرة في لزوم الكفّارة على مَن أفطر يوماً من شهر رمضان مع فقد شرط المأمور به في الواقع، دون أن يكون المكلّف عالماً به، كما إذا أفطر ثمّ بدا له السفر قبل الظهر أو مات أو مرض كذلك، فعلى القول بصحّة التكليف تجب عليه الكفّارة بخلاف القول بعدم صحّته، لفقدان الشرط.
يلاحظ على الثمرة: أنّ الظاهر لزوم الكفّارة مطلقاً، إذ ليست الكفّارة دائرة مدار وجوب الصوم وعدمه واقعاً حتّى يقال بأنّ المكلّف لم يكن مكلّفاً بالصوم لفقدان الشرط في الواقع ، بل تدور على الإفطار بلا عذر والمفروض أنّه أفطر بلا عذر ثمّ طرأ عليه العذر.

1 . كفاية الأُصول: 221 .

53
 
 
الفصل السابع:

هل الأوامر والنواهي

تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد ؟
وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: ليس النزاع في الدلالة اللفظية

عنوان البحث يعرب عن اختصاصه بالأوامر والنواهي ولكن نطاق البحث أوسع منهما، فالنزاع في الحقيقة يرجع إلى متعلّقات الأحكام المتوجّهة إلى المكلّفين، سواء أكانت بواسطة الأمر والنهي أو الجملة الخبرية أو غيرهما. كما أنّ النزاع ليس لفظياً وإلاّ لما طال البحث، لأنّ هيئة الأمر والنهي تدلاّن على البعث والزجر، والمادة تدلّ على نفس الطبيعة والماهية. فلو كان النزاع في الدلالة اللفظية يلزم اتّفاق الأُصوليّين في مسألة متعلّق الأحكام وأنّها لا تتعلّق إلاّ بالطبيعة، لاتّفاق علماء الأدب على أنّ المصدر المجرّد عن اللام والتنوين يدلّ على نفس الحدث .

الثاني: ليس النزاع مبنياً على بعض المسائل الفلسفية

ربّما يتصوّر أنّ النزاع مبني على مسألتين فلسفيتين هما:
هل الأوامر والنواهي تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟   
أ. هل الأصيل وما هو منشأ الأثر هو الوجود أو الماهية؟

54
ب. هل الموجود في الخارج هو الطبيعي أو فرده؟
فيتصوّر أنّه لو قلنا بأصالة الماهية وكون الطبيعي موجوداً في الخارج يكون متعلّق الأحكام هو الطبيعة، وأمّا لو قلنا بأنّ الأصيل هو الوجود أو أنّ الموجود في الخارج هو فرد الطبيعي، فمتعلّق الأحكام هو الأفراد.
يلاحظ عليه: أنّ النزاع إنّما هو في متعلّق إرادة الآمر، من غير فرق بين الأمر الشرعي أو العرفي ، وابتناء هذه المسألة على النظريات الدقيقة في الفلسفة الإسلامية في غير مورده، وإن كان المحقّق الاصفهاني (قدس سره)قد أطنب الكلام في ذلك.

الثالث: ما هو المراد من الطبيعة ؟

إنّ لفظ الطبيعة يستعمل في موردين:
أ. الماهية الحقيقية الّتي لو وجدت في الخارج لكانت من إحدى الحقائق الكونية وداخلة تحت مقولة واحدة كالإنسان الّذي هو من مقولة الجوهر، وهكذا سائر الجواهر والأعراض التسعة، فالجميع طبائع كونية داخلة تحت مقولة واحدة.
ب. العنوان المنتزع من حقائق متعدّدة داخلة تحت مقولات مختلفة، كالصلاة الّتي هي ليست داخلة تحت مقولة من المقولات، بل هي عنوان منتزع من حقائق متباينة كالقراءة الّتي هي من مقولة الفعل، والجهر والمخافتة اللّذين هما من مقولة الكيف، والركوع والسجود اللّذين هما من مقولة الوضع، ولأجل ذلك توصف الصلاة، بالماهية المخترعة وهي في الحقيقة عنوان منتزع من ماهيات وحقائق متباينة.

الرابع: ما هو المراد من الأفراد؟

يطلق الفرد ويراد به ما هو المصطلح عند المنطقيين كما ربما يطلق ويراد به ما

55
هو المصطلح عند الأُصوليّين.
أمّا الأوّل فيراد به المصاديق الخارجية للطبيعة كزيد وعمرو وبكر، ومن المعلوم أنّ الفرد بهذا المعنى لا يمكن أن يتعلّق به التكليف، لأنّه قبل الوجود معدوم لا يصلح للتعلّق وبعد الوجود فهو ظرف السقوط لا العروض والكلام في موضوع العروض، وأمّا الثاني فيراد به الضمائم الكلية الملازمة للطبيعة، أو المقترنة بها.
مثلاً التوضّؤ بالماء لا ينفك عن كونه حاراً أو بارداً أو فاتراً، فيقع الكلام في تعلّق الطبيعة منضمّة إلى إحدى الضمائم، وهذا هو الذي يصلح لأن يقع مورد النزاع، وتظهر الثمرة أنّه لو نوى القربة بالتوضّؤ بأصل دون مقارناته كالحرارة أو البرودة في الشتاء والصيف، فعلى القول بتعلّق الأمر بنفس الطبيعة. يكفي قصد القربة في الإتيان بها، وأمّا لو قلنا بأنّه يتعلق بالأفراد أي الضمائم والمشخّصات فيبطل الوضوء لافتراض عدم قصد القربة في الضمائم.

دليل القول المختار

إنّ الأمر يتعلّق بنفس الطبيعة لا بالضمائم والجهات المشخّصة، وذلك أنّ البعث لا يتعلّق إلاّ بما هو دخيل في غرض المولى، ولا يتعلّق بما ليس له دخل فيه، ومن المعلوم أنّ المؤمِّن لغرض المولى هو نفس الطبيعة مع قطع النظر عن الضمائم والمشخّصات الفردية، بحيث لو أمكن أن توجد الطبيعة مجرّدة عن الضمائم والمشخّصات لكان صالحاً للامتثال غير أنّ الطبيعة لا تتحقّق في الخارج بلا ضمائم.

دليل القول الآخر

استدلّ القائل بتعلّق الأمر بالأفراد بأُمور فلسفية غير مفيدة في المقام، وهي:

56
1. أنّ الطبيعة ليست موجودة في الخارج وإنّما الموجود هو الفرد، فكيف يكون ما ليس موجوداً في الخارج متعلّقاً للأمر؟!
يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ غفل عن معنى قولهم: «الحقّ أنّ الطبيعي موجود بوجود أفراده»، إذ ليس معناه « الطبيعة غير موجودة والموجود هو الفرد»، بل المقصود هو نفي الاثنينية وأنّ وجود الطبيعة نفس وجود الفرد، فالفرد بوجوده محقّق لوجود الطبيعة أيضاً لا أنّ للطبيعة وجوداً وراء وجود فردها.
وبعبارة أُخرى: أنّ الطبيعة ذات وحدة نوعية ومثلها تتكثّر بتكثّر الأفراد، فإذا كان في البيت عشرة أفراد من طبيعي الإنسان فقد تحقّق الطبيعي ضمن نفس عدد الأفراد مستقلاًّ، بمعنى أنّ كلاًّ منهم إنسان تام .
2. قد اشتهر بين الفلاسفة أنّ الطبيعة بما هي هي ليست إلاّ هي، فهي لا موجودة ولا معدومة ولا مطلوبة ولا مبغوضة، فإذا كان هذا مقام الطبيعة وشأنها فكيف تكون متعلّقة للأمر وموضوعة للبعث؟!
يلاحظ عليه: بأنّ المستدل خلط بين الحمل الأوّلي والحمل الشائع الصناعي، والمقصود أنّ ماهية الإنسان وغيره عند التحديد خالية عن كلّ تحصّل وكلّ قيد، فليس فيها سوى نفس الماهية، أعني: الحيوان الناطق، فليس هناك وجود وإلاّ يلزم أن تكون واجبة الوجود، إذ أخذ الوجود في مقام الحدّ ليس له معنى سوى ذلك. كما ليس هناك عدم وإلاّ يلزم أن تكون ممتنعة الوجود، لأنّ أخذ العدم في مقام الحدّ يوجب كون الشيء ممتنعه .
ومع ذلك كلّه ففي مقام الحمل الشائع الصناعي تكون الماهية إمّا موجودة أو معدومة ومطلوبة ومبغوضة .
3. أنّ الطبيعي الصرف لا يقضي حاجة الإنسان وإنّما القاضي لها هو وجوده الخارجي. ومعه كيف يكون الطبيعي الصرف متعلّقاً للبعث والزجر؟!

57
يلاحظ عليه: بأنّ المستدلّ خلط بين متعلّقي البعث وما هو غاية البعث المفهومة من القرينة، فالبعث يتعلّق بالطبيعي الصرف من كلّ قيد، ولكن الغاية من البعث إليه هو إيجادها، فإذا قال: إسقني، فقد بعثه إلى السقي من دون تجاوز الطلب عن السقي إلى شيء آخر لكن الغاية هو إيجادها.
4. أنّ المتلازمين يجب أن يكونا متّحدين في الحكم، فإذا تعلّق البعث بالطبيعة يجب أن يتعلّق بلوازمها وضمائمها.
يلاحظ عليه: بما مرّ في مبحث وجوب المقدّمة من أنّ المتلازمين يجب أن يكونا غير متضادين في الحكم كأن يكون أحدهما واجباً والآخر محرماً أمّا اتحادهما في الحكم فلا يجب، مثلاً: إذا وجب استقبال القبلة لا يمكن أن يكون استدبار الجدي حراماً، لاستلزامه التكليف بغير المقدور. وأمّا لزوم وجوب استدبار الجدي فلا ملزم له.

ثمرة البحث

تظهر ثمرة البحث في موارد نشير إلى اثنين منها:
الأوّل: ما مرّ ـ أعني: إذا توضّأ في الصيف بماء بارد وقصد القربة في أصل الوضوء لا في الضمائم ـ فلو قلنا بتعلّق الأمر بالطبائع يكفي وجود القربة في أصل التوضّؤ بالماء، وأمّا لو قلنا بتعلّقها ـ مضافاً إلى الطبائع ـ بالأفراد أي اللوازم والمقارنات يبطل الوضوء لعدم القربة فيها، بل الغاية منها هي التبرّد .
الثاني: إذا صلّى في دار مغصوبة، فعلى القول بتعلّق الأحكام بالطبائع يصحّ القول بصحّة الصلاة فيها، لأنّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي، حيث إنّ الأمر تعلّق بنفس الصلاة. وأمّا الأمكنة المباحة أو المغصوبة فهي خارجة عن متعلّق الأمر. نعم الأمكنة من ضمائم طبيعة الصلاة حيث إنّها لا تنفك عن المكان .

58
وأمّا على القول بتعلّق الأحكام بالأفراد ـ أي الطبائع منضمّة إلى الضمائم واللوازم كالأمكنة ـ فعندئذ يكون المكان سواء أكان مباحاً أم مغصوباً متعلّقاً للأمر وفي الوقت نفسه متعلّقاً بالنهي أيضاً إذا كان مغصوباً.
ومن المعلوم أنّه تكليف بغير المقدور، وبذلك يُعلم أنّ القول بجواز اجتماع الأمر والنهي مبني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع وأمّا القول بالامتناع فهو مبني على تعلّق الأحكام بالأفراد أي الضمائم والملازمات ـ لا الأفراد بمعنى المصاديق ـ لما عرفت من أنّها ظرف السقوط، لا ظرف ثبوت الأمر وتعلّقه.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ النزاع في اجتماع الأمر والنهي ليس كبروياً لوضوح عدم جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، بل النزاع صغروي بمعنى هل يلزم اجتماعهما في شيء واحد أو لا يلزم؟ والقائل بتعلّق الأمر بالطبائع يقول بعدم الاجتماع، والقائل بتعلّق الأحكام بالأفراد يقول إنّ الضميمة ـ أعني المكان ـ متعلّق للنهي لكونه غصباً، وللأمر لكونه من المشخّصات. فيلزم أن يكون شيء واحد متعلّقاً للأمر والنهي.

59
 
 
الفصل الثامن:

بقاء الجواز عند نسخ الوجوب

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أمراً هو:
اختلفت كلمتهم في وجود النسخ في القرآن الكريم، فمن قائل مُفرط أنكر النسخ فيه بتاتاً، إلى قائل مفرّط زعم تطرّق النسخ إلى عدد كبير من الآيات القرآنية. والقول الأمثل هو الوسط.
أمّا الأوّل: أي إنكار وقوع النسخ في القرآن فقول غريب، كما سيوافيك بعض الآيات الّتي نسخها نفس القرآن الكريم.
وأمّا الثاني: أي القول بتطرّق النسخ إلى قسم كبير من آيات القرآن الكريم فالبحث البليغ حول الآيات الّتي ادّعي نسخُها يثبت أنّ قسماً منها من باب التخصيص والتقييد، فزعم القائل أنّه نسخ .
والحقّ أنّ النسخ القرآن الكريم لا يتجاوز عن بضع آيات، ونحن نشير إلى موردين:
   
الآية الأُولى: قوله سبحانه: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ)(1) .

1 . البقرة: 187 .

60
فقوله: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ) دليل على أنّ مباشرة النساء كانت محرمة على أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكنّهم كانوا يختانون أنفسهم بمباشرة النساء في ليالي شهر رمضان، فرفع التكليف ونسخ، غير أنّ الآية الناسخة وردت في القرآن، وأمّا الحكم المنسوخ فهو مفهوم من قوله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)فقد كانت مباشرة النساء حراماً في الأُمم السابقة فتكون كذلك في الأُمّة اللاحقة، اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ وجه التشبيه هو أصل كتابة الصوم لا في غيرها من الخصوصيات. وعندئذ يكون المنسوخ وارد في السنّة.
الآية الثانية: قوله سبحانه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(1).
قال الطبرسي: ومعنى الآية إذا ساررتم الرسول فقدّموا قبل أن تسارّوه صدقة، وأراد بذلك تعظيم النبيّ وأن يكون ذلك سبباً لأن يتصدّقوا، فيؤُجروا وتخفيفاً عنه. قال المفسّرون: ولمّا نُهوا عن المناجاة حتّى يتصدّقوا ضنّ كثير من الناس فكفُّوا عن المسألة فلم يناجه أحد إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السلام). قال مجاهد: وما كان إلاّ ساعة، وقال مقاتل بن حيان: كان ذلك ليالي عشراً ثم نسخت بالآية التالية قال سبحانه: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ أَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(2) .
(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات)، أي أخفتم الفاقة يا أهل الميسرة وبخلتم بالصدقة بين يدي نجواكم، وهذا توبيخ لهم على ترك الصدقة إشفاقاً من العيلة.(2)

1 . المجادلة: 12 .   2 . المجادلة: 13 .
2 . مجمع البيان: 9 / 419، في تفسير آية النجوي.

61
(فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ أَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
هاتان الآيتان الّتي ثبت فيهما النسخ على نحو يكون الناسخ والمنسوخ كلاهما في القرآن الكريم، وأمّا النسخ في غير هذه الآيات فيحتاج إلى دراسة خاصّة. إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى المسألة الأُصولية وهو :
إذا وجب الشيء ثم نُسخ فهل يبقى الجواز بعد نسخ الوجوب أو لا ؟
فالكلام يقع في موضعين:
الأوّل: في إمكان بقاء الجواز.
الثاني: في وجود الدلالة على الجواز .
وإليك الكلام في كلا الموضعين .

الموضع الأوّل: في إمكان بقاء الجواز

لا شكّ أنّ الجواز سواء أكان بالمعنى الأعم الذي هو الجامع بين الأحكام الأربعة: الوجوب، الاستحباب، الكراهة، الإباحة بالمعنى الأخصّ، أو الجواز بالمعنى الأخصّ الذي يساوي الإباحة بمعنى اقتضاء الموضوع تساوي الطرفين في المصلحة وعدمها، أمر اعتباري ممكن، فادّعاء الاستحالة في هذه الأُمور الاعتبارية أمر غير صحيح وقد قلنا في محلّه إنّ الاستحالة والامتناع من آثار الأُمور التكوينية لا الاعتبارية .
نعم ربّما يستدلّ على الامتناع بأنّ الجواز جنس متقوّم بالفصل، فإذا زال الفصل ذهب الجنس.
يلاحظ عليه: أنّ الدليل مختصّ بالأُمور التكوينية، فذهاب الناطق يلازم ذهاب الحيوان الموجود فيه، وأمّا الأُمور الاعتبارية فلا مانع من اعتبار الشارع بقاء الجواز بعد النسخ.

62

الموضع الثاني: في وجود الدلالة على الجواز

قد عرفت أنّ إمكان بقاء الجواز أمر لا ينكر إنّما الكلام وجود الدليل على بقائها، فقد استدلّ له بوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ المتيقّن من دليل الناسخ هو رفع خصوص الإلزام، وأمّا ما عداه فيؤخذ من دليل المنسوخ.
يلاحظ عليه: أنّ الدليل مبني على أنّ الوجوب أمر مركب من أُمور ثلاثة: جواز الفعل، مع رجحانه، مع المنع من الترك، فالقدر المتيقّن ارتفاع الجزء الأوّل وبقاء الآخرين، ولكن المبنى ممنوع، إذ ليس للوجوب إلاّ معنى واحد وظهور فارد، وهو البعث إلى الشيء مؤكّداً، وعند ذلك لا معنى لارتفاع شيء مع بقاء شيئين، وإنّما يدور الأمر بين الوجود والعدم لا بين وجود شيء وعدم وجود شيء آخر.
هذا من غير فرق بين ا لقول بأنّ المنشأ هو الوجوب ـ كما هو المشهور ـ أو المنشأ هو البعث، لأنّ كليهما أمران بسيطان لهما ظهور واحد لا ظهوران.
الثاني: أنّ المقام نظير ما لو دلّ دليل على وجوب شيء ودلّ دليل آخر على عدم وجوبه، كما إذا قال: أكرم زيداً، ثم قال: لا بأس بترك إكرامه. فيقدّم الأظهر ـ أعني: الثاني على الأوّل ـ وتكون النتيجة بقاء الجواز والرجحان.
يلاحظ عليه: بأنّ قياس المقام بالدليلين المتعارضين قياس مع الفارق ، لأنّ استكشاف الجواز هنا إنّما هو لاتّفاق الدليلين عليه، وذلك لأجل تحكيم الأظهر (لا بأس بترك إكرامه). على الظاهر (أكرم زيداً)، وأمّا المقام فليس من هذا القبيل، بل هو من قبيل نفي الدليل الأوّل بالدليل الثاني.
الثالث: استصحاب بقاء الجواز، إذ كان متيقّناً عندما كان واجباً فيشك في ارتفاعه بعد ارتفاع الوجوب ويحكم بالبقاء.
يلاحظ عليه: أوّلاً: يشترط في المستصحب أن يكون حكماً شرعياً أو

63
موضوعاً لحكم شرعي، والجواز في المقام ليس حكماً مجعولاً، بل جامع انتزاعي للأحكام الأربعة: الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة.
وثانياً: أنّ الاستصحاب في المقام أشبه بالقسم الثالث من استصحاب الكلّي، لأنّ الجواز الموجود في ضمن الوجوب مرتفع قطعاً; وإنّما الكلام في بقائه في ضمن فرد آخر كالاستحباب، وقد حقّق في محلّه عدم حجّية هذا النوع من الاستصحاب، لأنّ المتيقّن غير المشكوك.

64
 
 
الفصل التاسع

الواجب التخييري

عُرّف الواجب التعييني بما لا بدل له، ولا يسقط بإتيان شيء آخر، بخلاف التخييري، فهو الواجب الّذي له بدل ويسقط بإتيان بدله، وقد ورد في الشرع كخصال كفّارة الصوم، وغيرها، وبما أنّ الواجب في المقام أمرٌ غير معيّن، ويجوز ترك كلّ واحد عند الإتيان بالآخر لوجود التزاحم بين الملاكات، وإذا ترك الكلّ لا يعاقب إلاّ بعقاب واحد، أثارت هذه الأُمور الثلاثة حول الواجب التخييري شبهات، وهي:

1. الإرادة لا تتعلّق بالأمر المردّد

إذا كان الواجب في الوجوب التخييري واحداً منها، فكيف تتعلّق به الإرادة مع أنّ تشخّصها يتمّ بالمراد، فإذا كان المتعلّق مردّداً فتفقد الإرادة تشخّصها وبالتالي وجودها، ولا تفترق في ذلك الإرادة الآمرية عن الإرادة الفاعلية، فإذا كان هذا موقف الإرادة فليكن هذا موقف البعث أيضاً .

2. كيف يكون واجباً ويجوز تركه؟

هذا هو الإشكال الثاني، فإنّ كلّ واحد من أطراف الواجب التخييري يجوز تركه إلى بدل، وهذا ينافي وجوب الشيء .

65

3. وحدة العقاب مع كثرة الواجب

وهو الإشكال الثالث حيث إنّه إذا ترك الكلّ يُعاقب بعقاب واحد مع كون الواجب متعدّداً.
فلندرس هذه الإشكالات واحدة تلو الآخر. في ظل بيان النظريات حول واقع الواجب التخييري فإنّ أصحاب النظريات بصدد التخلّص منها، صريحاً أو تلويحاً.

1. نظرية المحقّق الخراساني

قسم (قدس سره)الواجب التخييري إلى قسمين:
1. تخيير عقلي .
2. تخيير شرعي.
قال: إن كان الأمر بأحد الشيئين بملاك أنّ هناك غرضاً واحداً يقوم به كلّ واحد منهما بحيث إذا أتى بأحدهما حصل به تمام الغرض، ولذا يسقط به الأمر، كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما وكان التخيير بينهما عقلياً .
كما إذا قال: أضئ الغرفة والمكلّف مخيّر بين وسائل الإضاءة من المصباح أو إشعال النار، فالواجب في الواقع هو الجامع، أعني: إنارة الغرفة الّتي تتحقّق بواحد منهما.
ثم إنّه (قدس سره)علّل ذلك بقاعدة فلسفية لا صلة لها بما قصده، ولذا تركنا الخوض فيها.
وأمّا إذا تعلّق الغرض بأحد الشيئين لكن بملاك أنّ في كلّ واحد منهما غرضاً خاصاً لا يكاد يحصل مع حصول الغرض بالآخر لوجود التزاحم بين الملاكات، كان كلّ واحد واجباً بنحو من الوجوب، تستكشف عنه تبعاته، وهي:

66
1. عدم جواز تركه إلاّ إلى الآخر.
2. ترتّب الثواب على فعل الواحد منهما.
3. ترتّب العقاب على تركهما .(1)
هذا هو ما ورد في «الكفاية»، وأمّا أنّه كيف تخلّص من الإشكالات الثلاثة خصوصاً الإشكال الأوّل، فيمكن أن يكون كالآتي.
أمّا الإشكال الأوّل: أعني: الإرادة لا تتعلّق بالأمر المردّد ـ فقد تخلّص منه بتقسيم الواجب التخييري إلى عقلي وشرعي.
أمّا التخيير العقلي، فلأنّ الواجب هو الجهة الجامعة الّتي تؤمّن غرض المولى، فالواجب واحد والإرادة مثله، تعلّقت بالجامع الذي هو أمر معيّن لا مردّد.
وأمّا التخيير الشرعي فله أن يتخلّص منه بالنحو التالي: بأنّه إذا كانت الأغراض متعدّدة كان الوجوب متعدّداً، وبالتالي كانت الإرادة أيضاً متعدّدة، وكلّ إرادة متعلّقة بموضوع خاص وهو محصل لغرض خاص، وبالجملة فقد أمر المولى بكلّ واحد ولكن إذ أتى بواحد منها لم يتمكّن من الآخرين للتزاحم بين الملاكات. وما ذكرناه من وجه التخلّص وإن لم يصرّح به لكن يمكن أن يحمل كلامه عليه.
وأمّا الإشكال الثاني ـ أعني: كون الشيء واجباً مع جواز تركه بالإتيان بالآخر ـ فقد تخلّص منه بأنّ هذا خصيصة هذا النوع من الوجوب حيث قال: كان كلّ واحد واجباً بنحو من الوجوب تستكشف عنه تبعاته .
فإنّ الوجوب على قسمين: تارة يكون الإتيان بأحد الفعلين لا يجزي عن الفعل الآخر كالصلاة في رمضان والصوم فيه.
وأُخرى يكون على نحو لو أتى بواحد ممّا تعلّق به الوجوب يغني عن إتيان

1 . كفاية الأُصول: 1 / 225 ـ 226 .

67
الآخر، وذلك نتيجة تزاحم الأغراض وعدم اجتماعها .
وأمّا الإشكال الثالث، أعني: وحدة العقاب عند ترك الجميع، وذلك لأنّ تعدّد العقاب لأحد أمرين: إمّا لأجل تفويت المصلحتين الملزمتين، أو لأجل مخالفة التكليفين الفعليين.
أمّا الأوّل فالمفروض وجود التزاحم بين الغرضين ولا يستطيع العبد إلاّ استيفاء غرض واحد، وأمّا الثاني فلأنّ تعدّد العقاب عند تعدّد الحكمين إنّما يصحّ إذا لم يكتف المولى في مقام الامتثال بواحد منهما.
هذا هو بيان نظرية المحقّق الخراساني وبيان كيفية تخلّصه عن الإشكالات الثلاثة.

نقد النظرية

يرد على هذه النظرية:
أوّلاً: أنّه (قدس سره)اتّخذ قوله: «كلّ واحد واجب بنحو من الوجوب»، ذريعة للفرار عن بيان حقيقة الواجب التخييري، فإنّ المترقّب منه أن يبيّن ما هي حقيقته لا أن يقتصر بقوله «بنحو من الوجوب»، وليس هذا هو الموضع الوحيد الّذي تخلّص به بهذا النحو، فقد قام بمثله في تعريف الوضع حيث قال: هو «نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما». مع أنّ المنشود هو بيان حقيقة هذا الربط والاختصاص، ولكنّه سكت عنه.
ثانياً: أنّ قوله: «في كلّ واحد منهما غرض لا يكاد يحصل مع حصول الغرض في إتيان الآخر » أمر مشكل، إذ أي تزاحم بين ملاكات الأُمور الثلاثة مع عدم التزاحم فيما لو أفطر صومه بالحرام، إذ يجب عليه كفّارة الجمع، والظاهر أنّ التخيير لأجل التسهيل على العباد ورفع الحرج عنهم لا التزاحم بين الملاكات.

68
ثم إنّ المحقّق النائيني وتبعه تلميذه السيد الخوئي قاما بتفسير نظرية المحقّق الخراساني بإرجاعها إلى قضيتين مشروطتين، بمعنى أنّ كلّ واحدة من الخصلتين واجبة مشروطة بترك الآخر.
فحقيقة الواجب التخييري عبارة عن كون وجوب كلّ واحد مشروطاً بترك الآخر.
وقد أوردوا على هذا التفسير بأنّ لازمه تعدّد العقاب عند تركهما معاً، لأنّهما صارا واجبين مطلقين لتحقّق شرط كلّ منهما وهو تركهما .
يلاحظ على التفسير بأنّه ليس في كلام المحقّق الخراساني ما يدلّ على أنّه يفسّر الواجب التخييري بواجبين مشروطين، بل قد عرفت أنّه أجمل كلامه في تفسير الواجب التخييري وأحال معرفة حقيقته إلى آثاره .
ويلاحظ على الإشكال بأنّ انقلاب ا لواجب المشروط إلى الواجب المطلق عند حصول شرطه أوّل الكلام، فإنّ بعض الشروط يرجع إلى الوجوب والإرادة فيكون الوجوب أو الإرادة معلّقين على الشرط إلى أن يحصل الامتثال، فكيف ينقلب المشروط إلى مطلق؟!

2. نظرية المحقّق الاصفهاني

ذهب المحقّق الاصفهاني إلى وجوب كلّ منهما تعييناً ولكن يسقط بإتيان عدله ، وقال: يمكن أن يفرض غرضان، لكلّ منهما اقتضاء إيجاب محصّله، إلاّ أنّ مصلحة الإرفاق والتسهيل تقتضي الترخيص في ترك أحدهما، فيوجب كليهما لما في كلّ منهما من الغرض الملزم في نفسه، ويرخّص في ترك كلّ منهما إلى بدل، فيكون الإيجاب التخييري، شرعاً، محضاً من دون لزوم الإرجاع إلى الجامع.(1)

1 . نهاية الدراية: 1 / 254 .

69
ولخّص النظرية تلميذه المحقّق الخوئي وقال: أن يكون كلّ واحد منهما واجباً تعيينياً ويكون الإتيان بواحد منهما في الخارج موجباً لسقوط الآخر أيضاً بحكم المولى إرفاقاً وتسهيلاً على المكلّفين .(1)
أقول: نظرية المحقّق الاصفهاني تختلف مع نظرية الأُستاذ في وجهين:
أوّلاً: أنّ الأُستاذ لم يبيّن حقيقة الوجوب التخييري وإنّما تخلّص منه بقوله: نحو من الوجوب، إلاّ أنّ التلميذ يصرّح بأنّ كلاًّ من الطرفين واجب تعييني، حيث قال: فيوجب كليهما لما في كلّ منهما من الغرض الملزم في نفسه.
وثانياً: أنّ الأُستاذ علّل عدم إيجاب الجمع بوجود التزاحم في الملاكات، ولكن التلميذ علّله بالتسهيل والإرفاق .

3. ما هو المختار في الوجوب التخييري؟

ما نتلوه قريب ممّا اختاره المحقّق الاصفهاني وهو تعلّق الوجوب بكلّ واحد من الأطراف، غير أنّا نختلف معه في وحدة الغرض وتعدّده، فقد قال (قدس سره)بتعدّد الغرض ولكن الظاهر هو وحدة الغرض الّذي يحصل بكلّ واحد واحد من الأطراف، وليس بينهما جامع أصيل، ولنأت بمثالين:
أ. إذا تخلّف السائق عن مراعاة قوانين المرور، فيمكن للحاكم تأديبه بأحد أمرين:
1. الحكم عليه بتأدية غرامة نقدية.
2. الحكم عليه بزجّه في السجن.
ب. مَن أفطر في شهر رمضان متعمّداً فللمولى أن يوبّخ المكلّف بأحد الأُمور

1 . تعاليق الأجود: 1 / 182 .

70
الثلاثة المعروفة بخصال الكفّارة.
إلى غير ذلك من الأمثلة.
فبما أنّ إيجاب واحد معيّن خال عن الوجه، لأنّ كلاًّ منهما محصِّل للغرض، فعندئذ يخاطب الجميع بإيجاب كلّ واحد واحد عليهم تعييناً لكن يقتصر بواحد منهما في مقام الامتثال لأجل وحدة الغرض. الّذي يحصله كلّ واحد من أطراف الواجب .
وبعبارة أُخرى: الوجوب التخييري كالوجوب التعييني، ولكن يفارقه باكتفاء المولى بالإتيان بأحد الأطراف فيه دون الواجب التعييني ويعود وجهه إلى وحدة الغرض في المقام وتعدّده في الثاني.
وإن شئت قلت: إنّ الاكتفاء بأحد الأطراف لا لأجل التزاحم بين الملاكات كما عليه المحقّق الخراساني ولا التسهيل والإرفاق كما في كلام المحقّق الاصفهاني بل لأجل حصول الغرض بواحد منهما.
فإن قلت: إنّ ما ذكرته يرجع إلى التخيير العقلي حيث إنّ الملاك هناك واحد ويحصل الملاك متعدّد، مع أنّ البحث في التخيير الشرعي.
قلت: فرق بين التخيير العقلي والمقام، فإنّ التكليف في الأوّل يتعلّق بالجامع في لسان المولى فيقول: أضئ الغرفة، والمكلّف مخيّر بين وسائل الإضاءة من المصباح أو إشعال النار، وأمّا المقام فالتكليف في لسان الشارع يتعلّق بنفس الأمرين أو الثلاثة، فيقول: اعتق رقبة، أو صم ستين يوماً، أو أطعم ستين مسكيناً.
نعم فيما إذا وجب الجمع بين الخصال فالغرض هنا متعدّد لا يحصل إلاّ بإتيان الجميع.
فإن قلت: فعلى هذا يكون الواجب هو الغرض الواحد والأمر بالاثنين إرشاداً إلى ما هو الواجب حقيقة .

71
قلت: لو صحّ ما ذُكر يجب أن تكون جميع الأحكام إرشاداً إلى ملاكاتها، ولذلك قالوا: الأحكام الشرعية ألطاف في الأحكام العقلية، ونحن تابعون للسان الدليل وهو ظاهر في الأمر المولوي لا الإرشادي .
وبذلك تستطيع أن تذب عن الإشكالات الثلاثة :
أمّا الأوّل: وهو الإرادة كالبعث تعلّقت بأمر معيّن، وذلك لتعدّد الإرادة بتعدّد المراد.
وأمّا الثاني: أي جواز الاكتفاء بأحد الأطراف فإنّه مقتضى وحدة الغرض.
وأمّا الثالث: أي وحدة العقاب عند ترك الجميع، فلأجل أن تعدّد العقاب رهن أحد أمرين وكلاهما منتفيان.
كون الغرض متعدّداً والمفروض في المقام خلافه.
مخالفة الخطابين الفعليين المطلقين، لكنّه فيما إذا لم يقتصر المولى في مقام الامتثال على واحد منهما.
وإن شئت قلت: إنّ التكليف لا يمكن أن يكون أوسع من الملاك، والمفروض أنّه غرض واحد يحصل بكلّ من أطراف التخيير. والعطف بـ «أو» تصريحاً أو تلميحاً يدلّ على سقوط التكليف إذا أتى بالآخر.
إلى هنا تبيّنت النظريات الثلاث المتقاربة:
1. نظرية المحقّق الخراساني.
2. نظرية تلميذ الاصفهاني.
3. المختار عندنا.
فهلمّ معي ندرس النظرية الرابعة والخامسة.

72

4. نظرية المحقّق النائيني

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ الواجب هو العنوان المردّد، أعني: أحد الفعلين أو أحد الأفعال قائلاً: بأنّ الخصوصيات المعتبرة في الإرادة (الفاعلية) على قسمين، فتارة تعتبر فيها لا لخصوصية كونها تكوينية بل لكونها إرادة، فهذا النوع من الخصوصية معتبرة في التشريعية أيضاً، وأُخرى يكون اعتبارها فيها لأجل كونها تكوينية فلا يعمّ التشريعية قطعاً.
وعلى ضوء هذا لا مانع من تعلّق الإرادة التشريعية بالأمر الكلّي بين الفردين بخلاف الإرادة التكوينية (الفاعلية) فإنّها لكونها علّة لإيجاد المراد لا تتعلّق إلاّ بالشخص لامتناع إيجاد الكلّي في الخارج إلاّ في ضمن فرده.
ثم قال: إنّ امتناع تعلّق الإرادة التكوينية بالمردّد وماله بدل، من لوازمها خاصّة ولا يعم التشريعية، فإنّ الغرض المترتّب على كلّ من الفعلين، إذا كان أمراً واحداً، كما هو ظاهر العطف بكلمة «أو» سواء كان عطف جملة على جملة كما هو الغالب أو عطف مفرد على مفرد، أنّه حسب مقام الإثبات الموافق لمقام الثبوت، يدلّ على أنّ هناك غرضاً واحداً يترتّب على واحد من الفعلين على البدل، فلابدّ وأن يكون طلب المولى بأحدهما على البدل أيضاً، لعدم الترجيح بينهما.
والحاصل: أنّ امتناع تعلّق الإرادة بالمهم والمردّد من خصائص الإرادة التكوينية لكونها علّة للمراد، ولا معنى لتعلّق العلّة بالكلّي بخلاف الإرادة التشريعية .(1)
أقول: قد تخلّص المحقّق النائيني عن الإشكالات الثلاثة:
أمّا تعلّق الإرادة بالفرد المردّد مفهوماً فغير جائز في الإرادة الفاعلية وجائز في الإرادة الآمرية.

1 . أجود التقريرات: 1 / 183 ; فوائد الأُصول: 1 / 235 .

73
وأمّا ترك أحد الأطراف عند الإتيان بالآخر، وذلك لازم كون الواجب أحد الأفعال لا جميعها.
وأمّا الإشكال الثالث، فلأنّ وحدة العقاب لأجل وحدة الواجب المتحقّق بإنجاز واحد منها.
ولكن يرد على تلك النظرية أنّها لم تتحفّظ على ظواهر النصوص فإنّ ظاهرها على أنّ الواجب هو نفس تلك العناوين لا العنوان المنتزع عنها باسم أحدهما، فإنّ العنوان المنتزع أمر عقلي ينتزعه من تعلّق الحكم بالعناوين الأصلية على وجه التخيير، وإن كنت في شك فلاحظ الآيتين التاليتين:
قال سبحانه: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة)(1).
فالمتبادر من الآية أنّ الواجب هو نفس العناوين لا عنوان أحدها، ومثلها الآيات التالية، قال سبحانه: (فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَ مَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة * يَتِيًما ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة)(2).
فإنّ المتبادر من هذه الآيات أنّ الواجب هو كلاًّ من الفك والإطعام في يوم ذي مسغبة لا عنوان أحدهما.

5. نظرية بعض القدماء

حكى المحقّق الشيخ حسن صاحب المعالم عن بعض القدماء بأنّ الواجب هو الواحد المعيّن الّذي يعلم الله أنّ العبد يختاره.

1 . المائدة: 89 .
2 . البلد: 11 ـ 16 .

74
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ لازم ذلك عدم الاشتراك في التكليف، وأنّ تكليف من يختار العتق هو العتق وتكليف من يختار الصوم هو الصوم، وهذا ممّا اتّفق العلماء على بطلانه.
وثانياً: أنّ لازم ذلك عدم العقاب على مَن ترك التكليف رأساً، لأنّ الواجب هو ما يختاره العبد في علم الله، فإذا لم يختر واحداً منهما كشف عن عدم موضوع للتكليف في علم الله ومع فقد الموضوع لا عقاب.
***

75
 

إكمال

التخيير بين الأقل والأكثر

لاشك في جواز التخيير بين الأُمور المتباينة كخصال الكفّارة، إنّما الكلام في جوازه بين الأقل والأكثر كتخيير المصلّي بين تسبيحة أو ثلاث تسبيحات.
وجه الإشكال: أنّه إذا كان كلّ من الأقل والأكثر موصوفاً بالوجوب، فإذا أتى بالأقل سقط الأمر ولم تصل النوبة إلى الامتثال بالأكثر لسقوط الأمر بإتيان الأقل.
ومع ذلك كلّه فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى تصحيح التخيير بينهما بجعل التخيير على قسمين ; جائز وغير جائز.
فلو كان الغرض مترتّباً على ذات الأقل ولو في ضمن الأكثر لامتنع التخيير بين الأقل والأكثر، لأنّ الأقلّ حاصل مطلقاً قبل حصول الأكثر وكان الزائد على الأقل زائداً على الواجب.
وأمّا إذا ترتّب الغرض لا على مطلق الأقل ولو في ضمن الأكثر، بل على خصوص الأقل الّذي لم يكن معه الأكثر، فعندئذ يحصل الامتثال بكلا الطرفين.
أمّا الأقل الّذي لم يكن معه الأكثر فهو أحد الواجبين، وأمّا الأكثر الّذي في ضمنه الأقل فالغرض قائم بالأكثر لا بالأقل الّذي في ضمنه لما عرفت من أنّ الأقل

76
إنّما يحصِّل الغرض إذا انقطع عن الأكثر وصار فرداً مستقلاً، وأمّا إذا انضمّ إليه شيء فلا يكون مصداقاً للواجب.
ويمكن تصويره بالمثال التالي:
إذا أمر المولى برسم خط طولي إمّا متراً أو مترين، فلو كان الغرض حاصلاً بمطلق الأقل، سواء كان الأقل منفكّاً عن الأكثر أو في ضمن الأكثر ففي مثله لا يصح التخيير، لأنّه إذا أتى بالأكثر فبالأقل الموجود في ضمنه يحصل الامتثال ويكون الزائد أمراً زائداً على الواجب.
وأمّا إذا ترتّب الغرض على الأقل التام المنفصل عن الأكثر، أو نفس الأكثر دون الأقل الّذي في ضمنه، فعندئذ يصحّ الأمر بترسيم أحد الخطين، فالمكلّف إمّا يأتي بالواجب الأقل أو يأتي بالواجب الأكثر وليس في ضمن الأكثر إلاّ ذات الأقل لا الأقل الواجب.
ثم إنّه (قدس سره)أورد على نفسه ما هذا توضيحه:
إنّ التصوّر المذكور يتمّ في مثل الخط الّذي له حالتان:
الأُولى: أن يُرسم منفصلاً عن الأكثر كمائة سنتمتر.
الثانية: أن يُرسم متّصلاً بالأكثر، كما إذا رسم خطاً طوله 150 سنتيمتراً ففي مثله يجوز التخيير بين الأقل (100 سنتيمتر مستقلاً) والأكثر (150 سنتيمتراً) .
وأمّا الأقل الّذي ليس له إلاّ حالة واحدة وهي وجوده مستقلاً عن الأكثر دائماً كتسبيحة واحدة ففي مثله لا يصلح التخيير بين الأقل والأكثر، لأنّ الإتيان بالأقل موجب لسقوط الأكثر.
ثم أجاب عن هذا الإشكال بتصوير التخيير فيه بالنحو التالي:
وهو أنّ الغرض إنّما يترتّب على الأقل بشرط عدم الانضمام فإذا وُجد لا بهذه

77
الحالة فقد وجد الأقل لا وحده بل في ضمن الأكثر فلا يترتب عليه الغرض، فالتسبيحة الواحدة إنّما تؤمِّن الغرض إذا لم تُضف إليها تسبيحة أُخرى، وإلاّ فلو زيدت عليها أُخرى لما قام بها الغرض ولما صدق عليها «الأقل».
يلاحظ عليه: بأنّ هذا التصوير مع طوله لا يُسمن ولا يُغني من جوع، لأنّ البحث في التخيير بين ذات الأقل وذات الأكثر وما ذكره من المحاولة تخيير بين المتباينين وإن كان العرف يتصوّره تخييراً بين الأقل والأكثر، إذ على ما فرضه يكون الموضوع أحد الأمرين:
أ. الأقل بشرط لا، أي الخط الّذي بلغ طوله متراً بشرط أن لا يضمّ إليه الأكثر.
ب. الأكثر بشرط شيء، أي ذات الأقل الّذي يضاف إليه مقدار آخر، ففي مثله يكون التخيير بين الأقل بشرط لا والأكثر بشرط شيء وهو خارج عن الموضوع.
نعم يصدق عليه عرفاً التخيير بين الأقل والأكثر.
والحقّ أنّ التخيير بين ذات الأقل وذات الأكثر غير ممكن، لأنّه لو صحّ، يجب أن يصح في جميع أقسامه مع أنّ من أقسامه هو الأقل في ضمن الأكثر، فإذا حاول الإتيان بالثاني فيسقط الأمر بالأوّل قبل إنهاء العمل.

78
 
 
الفصل العاشر

الواجب الكفائي

وقبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:
1. لا شك في وجود الواجب الكفائي بين العقلاء وفي الشريعة الإسلامية حيث يأمر الوالد الأولاد بتنظيف البيت أو شراء اللحم أو غير ذلك، فعليهم أن يقوموا إمّا بتقسيم العمل بينهم أو بقيام واحد منهم بجميع هذه الأعمال فيسقط عن ذمّة الآخرين.
ونظيره ما في الشريعة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو قام واحد من المسلمين به لسقط عن الجميع.
2. أنّ تقسيم الواجب إلى التعييني والتخييري تقسيم له بالنسبة إلى المكلّف به، وأمّا تقسيمه إلى الواجب العيني والكفائي فتقسيم باعتبار المكلَّف.
توضيحه: أنّ التكليف من المفاهيم ذات الإضافة فله إضافة إلى المكلِّف وهو الله سبحانه، وله إضافة إلى المكلَّف به (أعني: الصلاة مثلاً) وإلى المكلَّف، فباعتبار كون المكلَّف به واحداً أو متعدّداً على وجه التخيير ينقسم إلى التعييني أو التخييري.
وباعتبار كون امتثال بعض المكلّفين مسقطاً عن الآخرين أو غير مسقط

79
ينقسم الواجب إلى الكفائي والعيني.
وإن شئت قلت: إمّا أن يكون لصدور الفعل من كلّ مكلّف دخل في حصول الغرض أو لا، بل يحصل الغرض بصدور الفعل من مكلّف واحد، فالأوّل هو الواجب العيني والثاني هو الواجب الكفائي.
وإن شئت فعبّر بعبارة ثالثة: أنّ المكلّف في الواجب العيني آحاد المكلّفين بصورة العام الاستغراقي، وفي الواجب الكفائي صرف المكلّف على نحو العام البدلي.
3. قد تبيّن ممّا ذكرنا تعريف الواجب الكفائي وهو أنّه عبارة عن الواجب الّذي لو أتى به واحدٌ من المكلّفين لسقط عن الباقي وإن تركه الجميع لعوقبوا، وعندئذ تتوجّه إليه الإشكالات التالية:
أ. إنّ الإرادة في الكفائي تعلّقت بواحد من المكلّفين مع أنّ الإرادة لا تتعلّق إلاّ بفرد معيّن .
ب. كيف يكون الجميع مكلّفاً مع سقوط التكليف عنهم بفعل واحد منهم ؟
ج. إذا كان المكلّف واحداً منهم، فكيف يعاقب الجميع بترك الواحد؟!
وأمّا كيفية الذب عنها فتُعلم ببيان النظريات.

النظرية الأُولى: تعلّق التكليف بعموم المكلّفين

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الواجب الكفائي سنخ من الوجوب وله تعلّق بكلّ واحد، بحيث لو أخلّ الكلّ بامتثاله لعوقبوا على مخالفته جميعاً، وإن أتى به بعضهم لسقط عنهم، وذلك لأنّه قضية ما إذا كان هناك غرض واحد يحصل بفعل واحد صادر عن الكلّ أو البعض .(1)

1 . كفاية الأُصول: 1 / 229 .

80
ولقد استخدم (قدس سره)هنا نفس التعبير الّذي تقدّم منه في الواجب التخييري وقال: إنّ الواجب الكفائي سنخ من الوجوب، ولكنّه أصاب الحقّ في تفسير الواجب الكفائي بقوله: وله تعلّق بكلّ واحد بحيث لو أخلّ بامتثاله الكلّ لعوقبوا. وهذا البيان كاف في تفسير الواجب الكفائي.
ووجهه: أنّه إذا كان للمولى غرض واحد يفي به كلّ من خصال الكفّارة فإيجاب واحد منها ترجيح بلا مرجح ولذلك يوجب الجميع، ويشير بعطف كلّ واحد على الآخر بـ «أو» على أنّ كلّ واحد واف بالغرض، فيسقط الأمر بإتيانه، أو كان له غرض واحد يحصل بإتيان فرد من المكلّفين فيكون إيجابه على فرد معيّن بلا جهة، فيصحّ دعوة الجميع إلى الفعل على النحو الكفائي.
والواجب التخييري يشارك الواجب الكفائي في وحدة الغرض لكنّه في الأوّل قائم بالمكلّف به وفي ا لثاني قائم بالمكلّف .
وبعبارة أُخرى: تارة يكون الغرض متعدّداً ويتوقّف حصوله على قيام كلّ واحد من المكلّفين بالواجب كالصلوات اليومية، فلا يسقط تكليف مكلّف بفعل مكلّف آخر.
وأُخرى يكون الغرض واحداً يحصل بقيام واحد منهم.
ومقتضى هذا سقوط الواجب بفعل أحد المكلّفين ومعاقبة الجميع حين تركهم. وبذلك يُعلم أنّ الواجب الكفائي يتميّز عن العيني بأمرين:
الأوّل: تعدّد الغرض في العيني ووحدته في الكفائي.
الثاني: مدخلية قيام مكلّف خاص بالمأمور به في تحصيل الغرض في العيني دون الكفائي، بل يكفي صدور الفعل عن أي واحد من المكلّفين .

81

أسئلة وأجوبة

السؤال الأوّل: إذا كان الغرض واحداً حاصلاً بإنجاز واحد من المكلّفين فلماذا وجّه التكليف إلى عامّتهم؟
الجواب: أنّ الغرض واحد يحصل بفعل واحد منهم لكن عدم تخصيصه بمكلّف خاص لأجل رعاية أمرين:
أ. ما تقدّم من عدم مدخلية صدور الفعل عن مكلَّف خاص، فلذلك لم يوجهه إلى واحد معيّن، بل إلى الجميع.
ب. أنّ توجيه التكليف إلى الجميع بهذا النحو يؤمِّن غرض المولى في الإتيان به، إذ لو وجّهه إلى فئة خاصّة ربما يتساهلون في القيام بواجبهم لعذر أو لغير عذر، بخلاف ما لو جعل التكليف في ذمّة الجميع وحذّرهم من مخالفته، فعندئذ لقام الأمثل فالأمثل بامتثال التكليف قطعاً. وبذلك يتبيّن دفع الإشكالات الثلاثة:
أمّا الأوّل: فلأنّ الإرادة والوجوب لم يتعلّق بالفرد المردّد بل عامّة المكلّفين فتكون الإرادة متعدّدة بتعدّد المراد.
وأمّا الثاني: أي سقوط الواجب بفعل البعض فلحصول الغرض بفعل واحد منهم.
وأمّا الثالث: أي معاقبة الجميع بتركهم لكون الخطاب متوجّهاً إلى الجميع لا إلى فرد واحد.
وبذلك يفترق عن الواجب التخييري حيث إنّ الخطاب فيه لشخص واحد، بخلاف المقام.
السؤال الثاني: إذا كان الوجوب في الواجب الكفائي متوجّهاً إلى عامّة المكلّفين فلماذا جعل الله سبحانه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على

82
عاتق طائفة من الأُمّة لا على جميع الأفراد ، قال سبحانه: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1)؟
الجواب: أوّلاً: يحتمل أن تكون لفظة «من» نشأوية لا تبعيضية، مثل قول القائل: وليكن منك لي صديق، أي: كن صديقاً لي، وفي الآية يكون المراد كونوا أُمّةً يدعون إلى الخير.
ثانياً: نفترض أنّ «من» تبعيضية، لكنّها ناظرة إلى حال الامتثال وتجسيد الواجب المتوجّه إلى الكلّ بمعنى أنّه يجب على الكلّ ولكن قيام البعض بالواجب يكفي عن الآخرين بشهادة أنّ بعض الآيات يدلّ على وجوبه على الكلّ، نحو قوله تعالى: (وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(2)، ووجه الجمع بين الطائفتين هو ما ذكرنا من التفريق بين مرحلة تعلّق الوجوب ومرحلة الامتثال.
ثالثاً: أنّ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب متعدّدة، ففي بعضها يجب على الكلّ القيام بها، كالإنكار بالقلب واللسان وإظهار الاشمئزاز بالوجه، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أمرنا رسول الله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة».(3)
غير أنّ بعض المراتب لا يقوم به إلاّ طائفة خاصة كأصحاب القدرة والسلطة، كإجراء الحدود فإنّه من فروع الأمر بالمعروف لكنّه وظيفة الحاكم لا الإنسان العادي. روى مسعدة بن صدقة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: وسُئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أواجب على الأُمّة جميعاً؟ فقال: «لا»، فقيل له: لِمَ؟ قال: «إنّما هو على القوي المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على

1 . آل عمران: 104 .
2 . التوبة: 71 .
3 . الوسائل: 11، الباب 6 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 1 .

83
الضعيف الّذي لا يهتدي سبيلاً إلى أيّ من أيّ، يقول من الحقّ إلى الباطل، والدليل على ذلك كتاب الله عزوجلّ (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ).(1)
السؤال الثالث: كيف يتعلّق الوجوب بعامّة المكلّفين مع أنّ الواجب الكفائي على أقسام:
1. ما لا يقبل التعدّد وما لا يمكن امتثاله إلاّ مرة واحدة كقتل ساب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
2. ما يقبل التكثّر، ولكن الفرد الثاني مبغوض ممنوع كمواراة الميّت.
3. ما يقبل التكثّر وليس الفرد الثاني مبغوضاً، ولكنّه ليس مطلوباً أيضاً كتكفين الميّت ثانياً.
4. ما يقبل التكثّر ويكون مطلوباً كالصلاة على الميّت.
أمّا الشق الأوّل فيمتنع بعث عامة المكلّفين إليه، لأنّه فرع إمكان التكثّر، وأمّا الثاني والثالث اللّذان يقبلان التكثّر لكن الفرد الثاني إمّا مبغوض أو غير مطلوب، فبعث عامة المكلّفين إليه الملازم للتكثّر إمّا نقض للغرض أو بعث إلى ما ليس بمطلوب.
وأمّا الرابع فإمكان بعث الجميع إليه، وإن كان لا يُنكر، إلاّ أنّ لازمه هو لزوم اجتماعهم في إيجاد صرف الوجود، على نحو لو لم يحضر، عُدّ المتخلّف عاصياً لترك الأمر المطلق .(2)
الجواب: أنّ دعوة عامّة المكلّفين إلى إيجاد الطبيعة في الواجب الكفائي ليس كدعوتهم إلى إيجادها في الواجب العيني بأن يقوم كلّ مكلّف في زمان واحد بإيجاد الطبيعة حتّى يواجه الإشكال في الأمثلة المذكورة، بل أنّ دعوتهم إلى إيجاد

1 . الوسائل: 11، الباب 2 من أبواب الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 1 .
2 . تهذيب الأُصول: 1 / 366 ـ 367 .

84
الطبيعة على نحو البدلية، بمعنى سوق الجميع إلى جانب التكليف ولكن إذا قام أحد المكلّفين به سقط عن الآخرين.
وإن شئت قلت: إنّ السبب لدعوة الكلّ إلى أمر واحد، هو إمكان قيام كلّ واحد منهم بالمأمور به، ولكنّ هذا الإمكان يستمرّ إلى أن يقوم واحد منهم به، فعندئذ يزول الإمكان في أكثر الموارد. وقد مرّ وجه تكليف الجميع مع سقوطه بفعل البعض، أعني:
1. عدم قيام الغرض بقيام مكلّف خاص.
2. التحفّظ على الغرض، إذ إنّ احتمال التسامح وترك الامتثال أمر محتمل في فرد منهم لا في جميعهم .
وبهذا تبيّن عدم منافاة توجّه التكليف إلى الجميع مع عدم كونه قابلاً للتكرار، أو كان قابلاً ولكن كان التكرار مبغوضاً، أو غير مطلوب، ولذلك لا مانع من التكرار في الصورة الرابعة، أعني: ما يقبل التكثّر ويكون مطلوباً.

النظرية الثانية: تعلّق التكليف بمجموع المكلّفين

إنّ التكليف يتعلّق بمجموع المكلّفين من حيث المجموع، فالمكلّف هو مجموع الأشخاص على نحو العام المجموعي، غاية الأمر أنّه يتحقّق فعل المجموع بفعل واحد منهم وتركه بترك المجموع، وهذا هو ما نُسب في حاشية القوانين إلى قطب الدين الشيرازي.
وعندي توضيح لهذه النظرية الّتي ربّما تنسجم مع النظريات الموجودة في وجود المجتمع وحياته وما عليه وما له، وحاصله: أنّ التكاليف على قسمين:
قسم منها يتعلّق بذوات الأفراد، فكلّ فرد محكوم بحكم خاص غير حكم الفرد الآخر.

85
وقسم آخر يتعلّق بالأُمّة والمجتمع، فالمولى يطلب من المجتمع إقامة النظام وجهاد العدو وتجهيز الميت والقضاء بين الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و...
فإذا كان المسؤول هو المجتمع فيجب عليه تنظيم الأُمور من خلال تقسيم الوظائف فيما بينهم.
وهذه النظرية تختلف عن النظرية الأُولى فإنّها تجعل التكاليف كلّها (سواء كانت عينية أو كفائية) على عاتق الأفراد بخلاف ما في المقام فهي تفرق بين العينية فتجعلها على عاتق الأفراد، والكفائية الّتي تجعلها على عاتق المجتمع الّذي يعبر عنه القرآن بـ «الأُمّة» .
وهذا يدلّ على أنّ للأُمّة والمجتمع واقعية كما يقول الحقوقيون، بل يظهر من القرآن الكريم أنّ للمجتمع حياةً وموتاً وسعادة وشقاء إلى غير ذلك من القوانين والسنن، قال تعالى: (وَلِكلّ أُمَّة أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(1)، وقال عزوجل: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكلّ أُمَّة عَمَلَهُمْ)(2)، إلى غير ذلك من الآيات الّتي تثبت للمجتمع أحكاماً خاصة به.
والإمعان في الآيات القرآنية ربما يثبت كون هذه النظرية موافقة للذكر الحكيم، فترى أنّه سبحانه يخاطب الأُمّة ويقول: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(3)، كما أنّه سبحانه يعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من وظائف الأُمّة القادرة لا الفرد القادر، قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ وَ أَمَرُوا

1 . الأعراف: 34 .
2 . الأنعام: 108 .
3 . آل عمران: 110 .

86
بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ للهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(1) .
فجعل سبحانه إقامة الصلاة وما يليها من واجبات في ذمّة الأُمّة المتمكّنة، وهذا هو واقع الواجبات الكفائية.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالواجبات الكفائية هي الفرائض المتوجهة إلى الأُمّة والمجتمع، وعلى ذلك فواجب المجتمع القيام بواجبه، أعني: تقسيم الوظائف وتنظيمها على نحو لا تبقى فريضة إلاّ وتمتثل، فلو لم يقم المجتمع بواجبه كان الجميع عاصياً ومسؤولاً.(2)

النظرية الثالثة: تعلّق التكليف بواحد من المكلّفين

وهذه النظرية تؤكّد على أنّ التكليف على ذمّة واحد من المكلّفين لا بعينه، نظير الواجب التخييري، غير أنّ الواحد لا بعينه في الواجب التخييري في ناحية متعلّق التكليف، وفي الكفائي في جانب موضوعه، وهذا واقع في العرف كما إذا أمر الوالد أولاده، بقوله: فليقم واحد منكم بالعمل الفلاني .(3)
واختارها السيد الأُستاذ لكن بتفصيل خاص، وهو أنّ المكلّف أحد المكلّفين بشرط لا في الثلاثة الأُولى، أعني: ما لايقبل التكثّر، أو يقبل لكن يكون مبغوضاً أو غير مطلوب، أو أحد المكلّفين لا بشرط في الصورة الرابعة، أعني: ما يقبل التكثّر ويكون مطلوباً .(4)
يلاحظ عليه: أنّه مخالف لظاهر الأدلّة في الواجب الكفائي،ترى أنّه يخاطب

1 . الحج: 41 .
2 . لاحظ مفاهيم القرآن: 2 / 200 ـ 201 .
3 . تعليقة العلامة الطباطبائي على الكفاية: 137; المحاضرات: 4 / 53 .
4 . تهذيب الأُصول: 1 / 367 .

87
الكلّ بالتكليف لا واحداً من المكلّفين، ولعل الّذي دعا إلى اختيار النظرية هو كفاية قيام واحد منهم بالتكليف في سقوطه عن الآخرين، فصار ذلك سبباً لتفسيره بهذا النهج.

النظرية الرابعة: تعلّق التكليف بفرد معيّن عند الله سبحانه

وتتلخّص في أنّ الوجوب قد تعلّق بفرد معيّن عند الله سبحانه، فإن قام بالفريضة فهو، وإلاّ يسقط عنه بفعل غيره.
وهذه النظرية من أضعف النظريات، إذ ما هو السبب لتعلّق التكليف بشخص معيّن عند الله دون إعلامه، مضافاً إلى أنّها خلاف ظاهر الأدلّة.

ثمرات البحث:

هناك ثمرات تترتّب على هذه النظريات، بعضها فقهية وبعضها الآخر كلامية، وهي:

الثمرة الأُولى:

لو نذر شخص أن يعطي عشرة رجال كلّ واحد درهماً إذا أتى كلّ واحد منهم بواجب، وافترضنا أنّ الكلّ قاموا بالصلاة على الميّت دفعة واحدة، فهل يجزي في الوفاء بالنذر دفع درهم لكلّ واحد منهم، أو لا ؟
والجواب يختلف حسب المباني.
أمّا على النظرية الأُولى فقد امتثل نذره، لأنّ المفروض أنّ الوجوب تعلّق بآحاد المكلّفين فكلّ واحد من هؤلاء العشرة كان مخاطباً بتجهيز الميّت والصلاة عليه، وقد أتى الكلّ بواجبه.

88
نعم لو سبق واحدٌ منهم إلى هذا العمل لسقط عن الآخرين، ولكن المفروض أنّه لم يسبق وصلّى الكلّ على الميّت دفعة واحدة.
وأمّا على النظرية الثانية وهي تعلّق التكليف بالمجموع فمشكلّ إلاّ أن يرجع مغزاه إلى تكليف كلّ واحد من آحاد المكلّفين، وقد مرّ إرجاعها إلى ما ذكره الحقوقيون من أنّ للمجتمع واقعته وراء الفرد فإنّ النتيجة تكون نفسها مع النظرية الأُولى.
ومثلها النظرية الثالثة والرابعة فإنّ الوجوب تعلّق بفرد من آحاد المكلّفين لا كلّ فرد، سواء كان على وجه عدم التعيين ـ كما عليه النظرية الثالثة ـ أو على وجه الفرد المعيّن عند الله تعالى، كما في النظرية الرابعة.

الثمرة الثانية:

جواز قصد الأمر لكلّ واحد من المكلّفين إذا كان المتعلّق قابلاً للتكرار ومطلوباً غير مبغوض، كتحصيل علوم الدين بقيام عدة بتلك الفريضة، فيجوز على الكلّ قصد الأمر وفقاً للنظرية الأُولى دون سائر النظريات.

الثمرة الثالثة:

إذا كـان رجلان متيمّميـن، فوجـدا مـاءً لا يكفي إلاّ لوضـوء واحـد منهمـا، فهـل يبطل تيمّـم كلٍّ منهمـا؟ أو لا يبطل تيمّم واحـد منهما؟ أو يبطل واحد منهما على البدل؟
وقد اختار المحقّق النائيني الوجه الأوّل، قائلاً: بأنّ بطلان التيمّم مترتّب على وجدان الماء المحقّق في ظرف القدرة على الحيازة فيبطل التيمّمان معاً.

89
أقول: إنّ المتبادر من قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)(1) هو الوجدان العرفي المقرون بالتمكّن من استعماله بلا نزاع، وعلى ذلك يختلف حكم الصور :
1. إذا تسابقوا عليه فسبق واحد منهما لحيازته بطل تيمّمه خاصّة، لأنّه وجد الماء عرفاً وصار متمكّناً من استعماله بلا نزاع، دون الآخر فإنّه وإن وجد الماء ولكنّه كان غير متمكّن من استعماله.
2. تلك الصورة ولكن كان المسبوق قادراً على التغلّب فتسامح، ففي تعليقة السيد الحكيم بطل تيمّمه أيضاً، والحقّ صحّته لما عرفت من أنّ المراد هو التمكّن العرفي بلا مغالبة ومصارعة، والمفروض هنا عدمه.
3. إذا وجدا ماءً مع الانصراف عن الحيازة فهل يبطل تيمّم الكلّ لتحقّق شرط البطلان في كلّ واحد لصدق وجدان الماء والتمكّن منه بلا نزاع، لأنّ المفروض انصرافهما عن حيازته، أو لا يبطل؟

1 . النساء: 43 .

90
 
 
الفصل الحادي عشر

تقسيم الواجب إلى المطلق والمؤقّت

قُسمّ الواجب إلى المطلق والمؤقت، والمطلق إلى فوري وغير فوري، والمؤقت إلى موسّع ومضيّق. وإليك بيان كلا التقسيمين .
لا شك أنّ الإنسان في هذا العالم موجود مادي لا ينفك عمله عن الزمان، بل يكون فعله مولِّداً للزمان على ما بُيّن في محلّه من أنّ الزمان من نتائج الحركة.
وإن شئت قلت: إنّ الحركة كالعملة لها وجهان. فبما هي عبارة عن خروج الشيء عن القوة إلى الفعلية يسمّى حركة، وبما أنّ الخروج أمر تدريجي لا دفعي فسيلان الخروج تسمّى زماناً فهنا شيء واحد، يحلّل إلى أمرين.
ومع ذلك كلّه أنّ الزمان الّذي لا محيص عنه في فعل الإنسان قد يكون دخيلاً في الواجب، وأُخرى يكون غير دخيل بل يكون ظرفاً، وهذا هو ملاك تقسيم الواجب إلى المطلق والمؤقّت.
ثم إنّ المطلق بالمعنى الّذي عرفت تارة يكون واجباً فورياً لا يجوز تأخيره كصلاة الآيات بعد وقوع الزلزال، وأُخرى يكون المكلّف في سعة كقضاء الفوائت الّتي يجوز تأخير قضائها، وهذا هو الملاك لتقسيم المطلق إلى فوري وغير فوري.
وأمّا المؤقّت الّذي يكون للزمان فيه دور قد يكون مضيقاً، ويكون وقت

91
الوجوب متساوياً مع وقت الواجب كصوم شهر رمضان، وأُخرى موسّعاً أي يكون وقت الوجوب أوسع من وقت الواجب كالصلوات اليومية بالنسبة إلى أوقاتها، فلو كان الزمان بمقدار الفعل لا أزيد ولا أنقص يسمّى مؤقتاً مضيقاً، وإن كان الزمان أوسع من الفعل يسمّى مؤقتاً موسّعاً، وأمّا العكس، بأن يكون الزمان أضيق من الفعل فهذا أمر غير مقدور لا يتعلّق به الأمر.
ولو افترضنا أنّه أخّر الموسّع إلى أن ضاق الوقت فلا يخرج عن كونه موسّعاً بالذات، ولو وُصف بالمضيّق فإنّما هو مضيّق بالعرض.
وقد أشكلّ على الواجب الموسع بأنّه كيف يكون واجباً مع جواز تركه في بعض الأوقات.
والجواب عنه واضح، لأنّ الواجب عبارة عمّا لا يجوز تركه بتاتاً، وأمّا تركه في وقت خاص فلا يضرّ بالوجوب ، والموسّع من قبيل القسم الأوّل، أي لا يجوز تركه في مجموع الوقت وإن جاز تركه في بعضه.
وبعبـارة أُخـرى إنّ الـواجـب مالا يمكن تركه من رأس، لا مالا يمكن ترك بعض أفراده العرضية أو الطولية. وإن شئت قلت: الـواجب هـو الطبيعة الواقعة بين الحدّين، وهو غير متروك، والمتروك إنّما هو بعض مصاديقها، وهـو لم يقع تحت دائرة الطلب.
أُشكلّ على الواجب المضيّق بأنّه لا يتصوّر أن يكون وقت الوجوب مساوياً لوقت الواجب; لأنّ الإتيان به يجب أن يكون متأخّراً عن البعث، شأن تأخّر الانبعاث عن البعث، والمعلول عن العلّة، ولازمه أوسعية زمان الوجوب عن زمان الواجب المتّحد مع زمان الانبعاث.

92
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يلزم تقدّم البعث على الانبعاث وبالتالي أوسعية زمان الوجوب على الواجب إذا كان تقدّم العلّة تقدّماً زمانياً، لا رُتبيّاً، وإلاّ فيكون البعث والانبعاث في زمان واحد، ولا يكون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب.
وعلى ذلك فالذي يجب على المولى هو تقديم بيان الوجوب والبعث، لا تقديم نفسهما على الواجب والانبعاث من غير فرق بين كون الوجوب شخصياً أو قانونياً، والقضية شخصية أو حقيقية فالذي يجب تقدّمه زماناً، هو بيان البعث لا تقديم نفسه، حتى يلزم كون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب.
إذا عرفت ذلك فلندخل في مسألة مهمة وهي:

هل القضاء تابع للأداء أو بأمر جديد؟

هذه مسألة أُصولية يعبر عنها تارة بما ذُكر، وأُخرى بأنّ القضاء هل هو بالأمر الأوّل أو بأمر جديد؟
وحاصل المسألة: أنّه إذا فات الواجب على المكلّف فهل الأمر الأوّل يبعثه إلى إتيان الفعل في خارج الوقت أيضاً، أو يكون هو ساكتاً غير باعث إلى شيء، في خارجه والقضاء رهن أمر آخر يبعثه على إتيانه خارج الوقت كأن يقول: اقض ما فات؟ وجهان.
فمن قائل بأنّ الأمر الأوّل كاف في البعث إلى القضاء، إلى قائل آخر بسقوط الأمر الأوّل بفوات الوقت. فالقضاء رهن أمر جديد.
فيقع الكلام في مقامين:
1. مقام الثبوت، أي إمكان ثبوت القضاء بالأمر الأوّل وعدمه.
2. مقام الإثبات، أي وجود الدليل على القضاء بالأمر الأوّل في صورة الإمكان.

93
أمّا المقام الأوّل: فالإمكان والامتناع يدوران على تعدّد المطلوب ووحدته، فلو قلنا بأنّ الفعل كالصلاة مطلوبة والإتيان بها في الوقت مطلوب آخر، فإذا زال المطلوب الثاني بفوات الوقت يبقى المطلوب الأوّل في ذمّة الإنسان، فحينئذ يكفي الأمر الأوّل في ثبوت القضاء من دون حاجة إلى أمر آخر.
وأمّا لو قلنا بوحدة المطلوب وأنّه ليس للآمر إلاّ مطلوب واحد وهو الصلاة في الوقت ولو فرض فوتها في الوقت لما دلّ الدليل على كون الفعل مطلوباً للمولى. فعندئذ فالقضاء رهن أمر ثان.
وأمّا المقام الثاني: أي إثبات أحد الأمرين (تعدّد المطلوب ووحدته) من لسان الدليل، فمصبّ البحث فيما إذا كان الدليل على شرطية الوقت غير الدليل الدال على مطلوبية الفعل، وأمّا لو كان دليل الأمرين واحداً فلا شكّ أنّ القضاء بدليل آخر; وذلك لأنّ الدليل يدعو إلى الكل، ودعوته إلى كلّ جزء بنفس دعوته إلى الكلّ فإذا سقطت دعوته إلى الكلّ لأجل خروج الوقت ـ سقطت دعوته إلى سائر الأجزاء، وعلى ذلك فلابد أن يركّز البحث على ما إذا كان دليل التوقيت منفصلاً عن دليل الواجب، فها هنا صور أربع:
1. أن يكون لكلّ من دليلي الواجب والتوقيت إطلاق.
2. أن يكون كلّ من الدليلين مهملاً.
3. أن يكون لدليل الواجب إطلاق دون دليل التوقيت.
4. عكس الصورة السابقة.
وإليك دراسة هذه الصور.
وإنّما تتصوّر هذه الصور كما مرّ إذا كان كلّ من دليلي الواجب والتوقيت منفصلين، ومعنى الإطلاق في دليل الواجب هو أن يكون المتكلّم في مقام البيان ولم يخصّه بزمان خاص، كأن يقول: صل، فيعم الوقت وخارجه، كما أنّ المراد من

94
الإطلاق في دليل التوقيت أن يكون المتكلّم في مقام البيان وأكّد على الوقت مطلقاً، سواء تمكّن المكلّف من رعايته أم لا، فتكون النتيجة عند فوات الوقت هو سقوط الوجوب كما هو الحال في كلّ ركن فات المكلّف من إتيانه.
إذا عرفت ذلك ففي الصورة الأُولى يُقدّم إطلاق دليل التوقيت على إطلاق دليل الواجب لأظهريته، ويكون الوقت دخيلاً في أصل المصلحة لا في كمالها فيسقط القضاء.
كما أنّ المرجع في الثانية هو الأُصول العملية لفقدان الدليل الاجتهادي، وسيوافيك ما هو المرجع من الأُصول.
وفي الصورة الثالثة يؤخذ بإطلاق دليل الواجب ويثبت تعدّد المطلوب ويجب القضاء بنفس الأمر الأوّل.
وفي الرابعة يكون الأمر على العكس، إذ إطلاق القيد يثبت كون الوقت دخيلاً في أصل المطلوب لا في تماميته، وبعبارة أُخرى: دخيلاً في اشتمال الواجب على المصلحة على وجه لولاه لخلى الواجب عن المصلحة، وعندئذ لا يجب القضاء، والظاهر أنّ محط النزاع هو الثاني لا الأوّل ولا الأخيران.
فتلخّص سقوط القضاء في الصورة الأُولى والرابعة لدلالة دليل التقييد على ركنية الزمان، وثبوت القضاء في الصورة الثالثة، وكفاية الأمر الأوّل، وأمّا الصورة الثانية فالمرجع هو الأُصول العملية.

ما هو الأصل العملي عند الشك في وجوب القضاء؟

إذا كان دليل الواجب ودليل التوقيت مهملاً بالنسبة إلى خارج الوقت فما هو المرجع عند الشك ؟
أقول: المرجع هو أصالة البراءة وعدم وجوبها في خارج الوقت لا استصحاب

95
وجوب الموقت بعد انقضاء الوقت، وذلك لعدم جريان الاستصحاب في المقام لعدم اتحاد القضيتين في مثل غسل الجمعة إذا فات وقتها، وذلك لأنّ الوقت إمّا قيد للموضوع (الغُسل) أو للمحمول (الوجوب)، وعلى كلا الفرضين فإبقاء الحكم بعد خروج الوقت قضية أُخرى غير القضية المتيقّنة.(1)

ثمرات القولين

تظهر الثمرة في موارد نذكر منها ما يلي:
1. إذا لم يخرج الفطرة في وقتها المحدّد أو تساهل في الإتيان بصلاة الخسوف والكسوف حتّى انجلى النيّران، فوجوب القضاء وعدمه مبنيّ على القواعد المذكورة في الصور الأربع، وإلاّ فالأصل البراءة إلاّ إذا دلّ الدليل على وجوب القضاء .
2. إذا توضّأ في الظلمة بمايع مردّد بين كونه ماء مطلقاً أو مضافاً فشك في صحّة العمل بعد خروج الوقت.
3. إذا صلّى إلى جهة وشك بعد خروج الوقت في أنّه هل صلّى إلى القبلة أو لا؟
4. إذا توضّأ أو اغتسل والخاتم على أصبعه مع العلم بعدم تحريكه وقت العمل فشكّ بعد خروج الوقت في جريان الماء تحت الخاتم وعدمه.
وهذه الفروع الثلاثة الأخيرة يجمعها الشك في صحّة العمل لأجل الشك في الشرائط، بخلاف الفرع الأوّل فإنّه لم يمتثل أصلاً. وعلى كلّ تقدير تظهر الثمرة بين القولين في هذه الفروع الأربعة، فلو قلنا بأنّ القضاء تابع للأمر الأوّل، يجب القضاء في الجميع بخلاف ما لو قلنا بأنّه تابع للأمر الجديد، فلا يجب.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 230، بتوضيح منّا.

96
وبعبارة أُخرى: لو قلنا بأنّ القضاء بالأمر الأوّل فالفوت في الصورة الأُولى قطعي وفي الصور الثلاث الأخيرة، وإن لم يكن قطعيّاً لكن مرجع الشكّ، إلى الشكّ في الامتثال أو الشكّ في السقوط، ومن المعلوم وجوب الاحتياط في هذه المرحلة.
نعم لو قلنا بعدم كفاية الأمر الأوّل في وجوب القضاء خارج الوقت فلا يجب القضاء، لأنّه لو علم قطعاً بعدم الامتثال في الوقت لا يجب عليه القضاء خارج الوقت، كما في الصورة الأُولى، فكيف إذا شك في تحقّق الامتثال بالعمل المشكوك فلا يجب القضاء بطريق أولى.
فإن قلت: لماذا لا يجري في الأمثلة الثلاثة الأخيرة على القول الأوّل حكم الشك بعد خروج الوقت، فمن المعلوم أنّ الشك بعد خروجه لا يعتدّ به فلتكن هذه الصور الثلاث من مصاديق هذا الأصل.
قلت: القاعدة المزبورة تختصّ بالشك في أصل الإتيان لا الشك في صحّة العمل المأتيّ به، فإنّ المرجع في الشك في الصحّة بعد خروج الوقت إنّما هو قاعدة الفراغ.
فإن قلت: فلتكن هذه الصور الثلاث من مصاديق الشك بعد الفراغ، وعليه فالوضوء في الصورة الأُولى والثالثة محكوم بالصحّة كما أنّ الصلاة في الصورة الثانية كذلك.
قلت: نعم إذا كان الشك في صحّة العمل فالمرجع هو قاعدة الفراغ، سواء أكان الشك داخل الوقت أم خارجه، غير أنّ القاعدة لا تجري في هذه الأمثلة، وذلك لأنّ القاعدة إنّما تجري إذا لم يكن حال العمل وحال الشك من حيث التذكر وعدمه سيّان، وأمّا المقام فالمكلّف بالنسبة إلى التذكّر وعدمه حين العمل وبعده، على وجه سواء، بمعنى أنّه لو سأله أحد حين التوضّؤ عن إطلاق الماء

97
وإضافته، لشكّ فيه كنفس الشك بعد العمل، أو سأله حين التوضّؤ عن جريان الماء تحت الخاتم وعدمه لشك فيه مثل الشك بعد العمل، ففي هذه الحالة الّتي تكون الحالتان من حيث التذكّر وعدمه سيّان لا تجري قاعدة الفراغ، أخذاً بقوله (عليه السلام): «لأنّه حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك» حيث يظهر منه لزوم اختلاف الحالتين في التذكّر وعدمه.

98
 
الأمر بالأمر بفعل هل هو أمر بنفس الفعل؟   
 
الفصل الثاني عشر

الأمر بالأمر بفعل

هل هو أمر بنفس الفعل؟

إذا أمر المولى فرداً، ليأمر فرداً آخر بإنجاز فعل، فهل الأمر الصادر من المولى أمر بذلك الفعل أيضاً أو لا؟ وإليك بعض الأمثلة:
1. إذا أمر المولى سبحانه نبيّه بأن يأمر الأُمّة بغضّ الأبصار عن النساء الأجنبيّات وقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ )(1) هل ينحصر أمره سبحانه في الأمر بالنبي فقط، أو يسري أمره إلى نفس الفعل، أعني: غضّ البصر؟
2. إذا أمر سبحانه أولياء الصبيان بأمرهم بالصلاة، فهل يتلخّص أمر الشارع في الأمر بالأولياء فقط أو يسري أمره إلى نفس الفعل أي الصلاة أيضاً، فعندئذ تصبح صلاتهم شرعية ؟
3. إذا أمر الوالدُ الولدَ الأكبر، بأمر الولد الأصغر ببيع الدار، فهل يكون الأصغر مأموراً من جانب الوالد أيضاً، أو لا؟ فلو باع الدار قبل أمر الولد الأكبر يكون بيعه

1 . النور: 30 .

99
صحيحاً لازماً أو لا؟
إنّ للمسألة صوراً يختلف حكمها حسب اختلاف واقعها:
الأوّل: إذا تعلّق غرض المولى بنفس الفعل وكان أمر المأمور الأوّل طريقاً للوصول إليه على نحو لو كان المأمور الثاني حاضراً لديه لأمره أيضاً مباشرة .
الثاني: أن يتعلّق الغرض بنفس الفعل، لكن ـ بعد أمر المأمور الأوّل ـ فيكون كلا الشيئين متعلّقين للغرض.
الثالث: إذا كانت المصلحة قائمة بمجرد أمر المأمور الأوّل للمأمور الثاني بلا تعلّق الغرض بإنجاز الفعل، كما إذا شاع أنّ المأمور الثاني غير مطيع لأمر المولى فيأمر أحد ملازميه لأن يأمر الثاني بإنجاز عمل كإحضار الماء من دون حاجة إلى الماء حتّى يستدلّ بذلك على خلاف ما شاع.
ففي الصورة الأُولى يكون الأمر بالأمر أمراً بنفس الفعل، وذلك لطريقية أمر المأمور الأوّل، دون الصورة الثانية، لأنّ الغرض قائم بأمر المأمور الأوّل للثاني; وأمّا الصورة الثالثة، فلأنّ العمل ليس مطلوباً ومرغوباً، وإنّما المصلحة تَكْمُن في نفس الأمر.

ثمرات المسألة

الثمرة الأُولى: ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)«إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين».(1)
فالحديث يدلّ على أنّ الشارع أمر الأولياء بأن يأمروا صبيانهم بالصلاة، فهل

1 . الوسائل:3، الباب3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث5.

100
يدلّ هذا على أنّ صلاة الصبيان صلاة مأمور بها من جانب الشارع، لغرض أنّ الأمر بالأمر بالفعل أمر بنفس ذلك الفعل .
والظاهر كونه كذلك، لأنّ المورد داخل في الصورة الأُولى وهو أنّ أمر المأمور الأوّل طريقيّ إلى قيام الصبي بالصلاة من دون مدخلية لأمر الاولياء، غاية الأمر أنّ غيبة الصبيان عن الإمام صار سبباً لأمر الأولياء بالأمر بها، ويترتّب على ذلك شرعية عبادات الصبيّ، وأنّه يمكن الاكتفاء بها في قضاء صلوات الميّت وصيامه.
نعم لإثبات شرعية عبادات الصبيّ طريق آخر غير هذا الطريق، وهو التمسّك بالروايات الواردة في صوم الصبيّ الّتي رواها الحرّ العاملي في كتاب الصوم .(1)
وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا المسمّى بـ «أحكام الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء» وتلخّص ممّا ذكرنا أنّ لإثبات شرعية عبادات الصبيّ طريقين:
1. التمسّك بهذه القاعدة الأُصولية: «أنّ الأمر بالأمر بفعل أمر بنفس ذلك الفعل».
2. دراسة الروايات الواردة في أبواب من يصحّ منه الصوم .
وربّما يتصوّر أنّ هنا طريقاً ثالثاً وهو التمسّك بالأصل المتّفق عليه، أعني: رفع القلم عن الصبيّ، وهذا هو الّذي سلكه السيد الحكيم في المستمسك وتعليقته على الكفاية، فاستدلّ على شرعية عبادات الصبيّ بالعمومات الواردة في الكتاب والسنّة الشاملة للبالغ والصبي. غاية الأمر أنّ مفاد حديث الرفع (رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتّى يحتلم) رفع الإلزام لا أصل الحكم ولا أصل المحبوبية، لأنّه حديث امتنان ولا امتنان في رفع الحكم غير الإلزامي، فتكون عباداته شرعية.(2)

1 . الوسائل: 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 إلى 14 .
2 . مستمسك العروة الوثقى: 4 / 424، المسألة 2 ; حقائق الأُصول: 1 / 342 .

101
يلاحظ عليه بأمرين:
1. إنّ القول بشمول الخطاب، أو العمومات لكلّ مميّز ـ سواء أكان بالغاً شرعياً أم لا ـ خرق للسنّة السائدة بين الأُمم والعقلاء، فإنّ مصبّ القوانين بين العقلاء في عامّة الحضارات هم البالغون لا غيره وإن كانوا مختلفين في حدّ البلوغ ولم يثبت أنّ للشارع طريقة خاصّة تخالف طريقتهم.
وبعبارة أُخرى: إنّ تعيين نصاب خاصّ لشمول القانون في المجتمعات الإنسانية ـ بلا فرق بين الدينية وغيرها ـ قرينة على أنّ التشريع الإسلامي كسائر التشريعات، رهن الوصول إلى ذلك النصاب غير أنّ الشارع قد حدّد النصاب ولم يفوّضه إلى العرف والعقلاء، ولكنّه لايكون مانعاً عن انصراف العمومات والخطابات إلى من بلغ ذلك النصاب.
فإن قلت: إذا لم يكن غير البالغ مشمولاً للحكم، فما معنى الرفع، فإنّ الرفع فرع الثبوت.
قلت: يكفي في استعمال الرفع اقتضاء الإيجاب واستعداد الصبي المميز غير البالغ للحكم، ولا يتوقّف صدقه على ثبوت الحكم.
2. إنّ المنشأ هو البعث نحو المطلوب، وهو أمر بسيط دائر أمره بين الوجود والعدم، وليس أمراً مركباً من أصل الحكم والإلزام حتّى يرتفع الثاني ويبقى الأوّل.

الثمرة الثانية

لو أمر الوالد ولده الأكبر بأمره للولد الأصغر ببيع الدار، فاطّلع الولد الأصغر على أمر الوالد قبل أمر الولد الأكبر فباعه، فلو قلنا بأنّ الأمر بالأمر بالفعل، أمر بنفس الفعل، فالمعاملة تقع صحيحة لكونها مأذوناً بها من جانب الوالد، بخلاف ما لو قلنا بمدخلية توسّط أمر الولد الأكبر، فعندئذ يقع البيع فضولياً.

102
 
   
 
الفصل الثالث عشر:

الأمر بعد الأمر هل هو تأكيد أو تأسيس؟

إذا أمر المولى بشيء ثم أمر به ثانياً، فهل هو تأكيد للأمر الأوّل، أو أيجاب ثان غير الإيجاب الأوّل ويعبّر عنه بالتأسيس؟ هنا صور:
1. إذا قُيّد الأمرُ الثاني بشيء يدلّ على التعدّد، كما إذا قال: صلّ، ثم قال: صلّ صلاة أُخرى.
2. إذا كان السبب الأوّل غيره في الثاني، كما إذا قال: إن ظاهرت فاعتق، وإن أفطرت عمداً فاعتق.
3. إذا كان أحد الأمرين خالياً عن ذكر السبب والآخر محفوفاً بذكر السبب فقط، كما إذا قال: توضّأ، ثم قال: إذا بُلت فتوضّأ.
4. إذا كان كلّ من الأمرين خالياً من ذكر السبب.
لا إشكال أنّ الأمر الثاني في الصورة الأُولى يحمل على التأسيس أي تعدّد الوجوب، والواجب، لمكان قيد «أُخرى»; وأمّا الصورة الثانية فيحمل على التأسيس بمعنى تعدّد الوجوب، وأمّا تعدّد الواجب ـ أي العتق وعدمه ـ فهو مبني على ما سيأتي في باب المفاهيم، وأنّه هل يمكن امتثال وجوبين بفعل واحد أو لا؟
وأمّا الصورتان الباقيتان فإطلاق المادة وعدم تقييدها بقيد «أُخرى» يقتضي

103
الحمل على التأكيد لامتناع تعلّق الوجوبين الكاشف عن الإرادتين، بشيء واحد، لأنّ تشخّص الإرادة في لوح النفس بالمراد فلا يعقل التعدّد فيها مع وحدة المشخِّص، هذا حول المادة، وأمّا الهيئة فربّما يقال بأنّها ظاهرة في التأسيس أي تعدّد الوجوبين .
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تعدّد الوجوب لا يلازم التأسيس إذ يحتمل أن يكون من باب التأكيد .
وثانياً: افترضنا أنّه يدلّ على التأسيس، لكن يكون حكم الصورتين الأخيرتين كحكم الصورة الثانية فيقع الكلام في أنّ تعدّد الوجوب هل يقتض تعدّد الامتثال أو يكفي امتثال واحد. وبعبارة أُخرى: هل تعدّد الأسباب يقتضي تعدّد المسببات أو لا؟ وسيوافيك الكلام فيه في باب المفاهيم فانتظر.
تمّ الكلام في المقصد الأوّل، أي الأوامر،
وحان حين البحث في المقصد الثاني، أعني: النواهي.

104
 

105
 
 
المقصد الثاني:
في النواهي
وفيه فصول:
الفصل الأوّل: في مادة النهي وصيغته
الفصل الثاني: في اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين
الفصل الثالث: في كشف النهي عن الفساد وعدمه
   وفيه مقامان:
الأوّل: كشف النهي في باب العبادات عن الفساد
الثاني: كشف النهي في باب المعاملات عن الفساد

106
 

107
 

الفصل الأوّل

في مادة النهي وصيغته

إنّ مقتضى عطف النواهي على الأوامر البحث عن مادة النهي أوّلاً وصيغته ثانياً، نظير ما بحثناه في الأوامر من حيث مادة الأمر وصيغته، إلاّ أنّ المحقّق الخراساني أسقط البحث عن مادة النهي كما ترك التعرض لأكثر المسائل المترتبة على صيغة النهي كدلالتها على الحرمة وعدمها، واشتراط العلو أو الاستعلاء وعدمهما، وظهورها في النفسي العيني التعييني وعدمه، ودلالتها على المرّة والتكرار أو على الفور والتراخي وعدمها، اعتماداً على ما ذكره في باب الأوامر، واقتصر في المقام على الأُمور التالية:
1. أنّ مفاد هيئة النهي هو الطلب.
2. أنّ متعلّق الطلب، هوالترك لا الكف عن الفعل.
3. أنّ النهي لا يدل على الدوام، غير أنّ العقل يحكم بأنّ الطبيعة لاتنعدم إلاّ بانعدام جميع أفرادها.
4. إذا خالف النهي فهل يدلّ على إرادة ترك المتعلّق ثانياً أو لا؟
وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر.

108

1. ما هو مفاد هيئة النهي؟

اشتهر بين الأُصوليّين بأنّ هيئتي الأمر والنهي وضعتا للطلب، غاية الأمر تختلفان في المتعلّق، فمتعلّق إحداهما الوجود، ومتعلّق الأُخرى العدم.
إلاّ أنّ الظاهر أنّ هيئة الأمر وضعت للبعث وهيئة الآخر وضعت للزجر، فالصيغة تقوم مقام البعث والزجر بالفعل.
فالإنسان يبعث تارة غلامه بحركة اليد والرأس وأُخرى يزجره كذلك، فقامت الصيغة مقام البعث والزجر بالفعل.

2. متعلّق الطلب

المشهور أنّ متعلّق الأمر هو الوجود ومتعلّق النهي هو العدم، وربّما يبدل العدم بالترك، ولكن المتبادر غير ذلك فالمتعلّق في كليهما هو الطبيعة، غاية الأمر بالبعث إليها تارة والزجر عنها أُخرى، وليس هناك شيء يدلّ على الوجود أو العدم.
نعم لازم البعث هو الإيجاد كما أنّ لازم الزجر هو الترك ولكن كون الشيء لازماً غير كونه داخلاً في الموضوع له.

3. عدم دلالته على الدوام

هل النهيُ عن شيء يقتضي ترك جميع أفراده أو يكفي ترك واحد منها؟ وبعبارة أُخرى: هل الامتثال يحصل بترك واحد منها أو لا يحصل إلاّ بترك جميعها، وهذا ما عبّر عنه المحقّق الخراساني بقوله: إنّ صيغة النهي لا تدلّ على الدوام والتكرار .
نعم قضيتها تختلف عقلاً، ضرورة أنّ إيجاد الطبيعة يكون بفرد واحد ولكن

109
عدمها لا يكون إلاّ بعدم الجميع .
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره خلاف التحقيق، فإنّ الطبيعة تتكثّر حسب طبيعة الأفراد، وأنّ نسبة الطبيعة إلى الأفراد نسبة الآباء إلى الأبناء لا نسبة الأب الواحد إليهم، فكما أنّ الطبيعة تتعدّد بتعدّد الأفراد كذلك يتعدّد عددها بتعدّد الأفراد، فلو كان أمام الإنسان وعاءان من الخمر فترك كلّ واحد منهما فقد ترك مصداقين من الطبيعة لا طبيعة واحدة.
نعم هذا ما ذكرنا حسب إدراك العقل، وأمّا العرف فلا تكون الطبيعة معدومة عندهم إلاّ بانعدام جميع الأفراد، وذلك لمناسبات مغروسة في ذهن المكلف من أنّ النهي عن شرب الخمر لغاية المفسدة الملزمة في كلّ فرد فلا يتحقّق الغرض الغائي إلاّ بالاجتناب عن جميع الأفراد.

4. إذا خالف النهي

الفرق بين هذا البحث وما سبق واضح، فالأوّل يركّز على أنّ الامتثال هل يحصل بترك واحد من أفراد المنهي عنه أو لا يحصل إلاّ بترك جميع أفراده؟
وأمّا الثاني، فهو يركّز على أنّه لو عصى نهي المولى فهل يسقط النهي عن سائر أفراده أو لا؟ كما إذا أُمر بالإمساك من الفجر إلى الغروب، فعصى في أوّل النهار، فيقع الكلام: في أنّه إذا خالف النهي، فهل يدلّ على لزوم تركه ثانياً أو لا؟ والظاهر عدم الدلالة لسقوط النهي بالعصيان، ولزوم امتثاله ثانياً يتوقّف على الدليل، بل إطلاق المتعلّق يدلّ على العدم، وإلاّ لكان على المولى أن يقيّد ويقول: وإن عصيت فلا تفعل أيضاً .

110
 
في اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد باعتبار عنوانين   

الفصل الثاني

في اجتماع الأمر والنهي

في شيء واحد باعتبار عنوانين

قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: الفرق بين الاجتماع الآمري والاجتماع المأموري

إنّ الأمر والنهي من المفاهيم ذات الإضافة فإنّ للأمر إضافة إلى الآمر وإضافة إلى المأمور به وإضافة إلى المأمور، كما أنّ النهي له إضافة إلى الناهي أوّلاً وإلى المنهي عنه ثانياً وإلى الشخص المنهي ثالثاً .
ثم إنّ الأُصوليّين قسّموا اجتماع الأمر والنهي إلى قسمين : آمري، ومأموري.
أمّا الاجتماع الآمري: فهو ما اتّحد الآمر والمأمور والناهي والمنهي في زمان واحد وكان بين المأمور به والمنهي عنه من النسب الأربع، التساوي، كأن يقول: أُخرج من البيت في ساعة خاصة ولا تخرج منه في نفس الساعة. ومن المعلوم أنّ الجامع بين الأمر والنهي هو نفس الآمر وهو تكليف محال، كما هو أيضاً تكليف بالمحال.

111
أمّا الأوّل، فلامتناع ظهور إرادتين جدّيّتين في النفس الإنسانية كلّ يغاير الآخر فيريد جدّاً الخروج، وعدمه أيضاً كذلك .
وأمّا الثاني، فواضح أيضاً لقصور قدرة المكلّف عن الامتثال ; والفرق بين المحالين واضح فملاك الامتناع يرجع في الأوّل إلى نفس المولى، أي يمتنع الجمع بين الإرادتين المتنافيتين في لوح النفس. كما أنّ ملاك الامتناع في الثاني يرجع إلى قصور قدرة المكلّف. ففي المثال المذكور اجتمع المحالان وإن كان التعليل بالثاني بعد كون نفس التكليف محالاً غير صحيح. وربّما يكون التكليف ممكناً والامتثال محالاً، كما إذا حاول إنقاذ غريقين مع أنّ صرف القدرة في أحدهما يعوقه عن صرفها في الثاني.
هذا كلّه حول الاجتماع الآمري.
وأمّا الاجتماع المأموري: فهو ما إذا أمر المولى بشيء ونهى عن الآخر وكان بين متعلّقي الأمر والنهي من النسب عموم وخصوص من وجه .
وقد جمع المكلّف بينهما في مورد دون الآمر، كما إذا قال: صلّ ولا تغصب، وجمع المكلّف بينهما وصلّى في الدار المغصوبة.
وهناك نوع آخر من الاجتماع لا صلة له بهذا المبحث وهو أن تكون النسبة بين المتعلّقين هي التباين، وقد جمع المكلّف بينهما كما إذا أمر بالصلاة ونهى عن النظر إلى الأجنبية فصلى ناظراً إليها، فالصلاة قائمة بالجوارح والنظر بالعين فالجمع صوري لا حقيقي.

الثاني: هل النزاع صغروي أو كبروي؟

هل النزاع صغروي بمعنى هل أنّ هناك اجتماعاً أو لا؟ أو أنّه كبروي بمعنى أنّ الاجتماع مسلم والكلام في جوازه وعدمه؟

112
فالمحقّق الخراساني على الأوّل، بل كلّ مَن اعتمد في إثبات الجواز على العنوان التالي فهو قائل بأنّ النزاع صغروي، أعني قولهم: هل تعدّد العنوان يوجب تعدّداً في المعنون أو لا؟ فالقائل بالاجتماع على الأوّل والقائل بالامتناع على الثاني. هذا حسب العنوان وأمّا الاستدلال فكلّ من ركّز على أحد الأمرين التاليين فهو ممّن تلقّى أنّ النزاع صغروي، وهي عبارة عن:
1. أنّ متعلّق الأحكام هو الخارج لا الطبائع والمفاهيم الكلية، وأنّ الخارج أمر واحد لا تعدّد فيه ولا اثنينية، كما عليه الخراساني.
2. أنّ الخارج مركّب من شيئين: الصلاة والغصب، ففيه التعدّد، كما عليه المحقّق النائيني.
فكلّ مَنْ دخل في المسألة من أحد هذين الطريقين، سواء أكان امتناعياً أو اجتماعياً فهو قد جعل النزاع صغروياً، فالمحقّق الخراساني قائل بالامتناع، والمحقّق النائيني قائل بالاجتماع، إلاّ أنّ الّذي يجمعهما هو القول بأنّ متعلق الأوامر هو الخارج، إلاّ أنّ الأوّل يوحّد الخارج والثاني يثنّيه ويُكثّره .
وأمّا من جعل متعلّق الأحكام هو الطبائع مجرداً عن الوجود والعدم وجعل محل النزاع في جواز تعلّق الأمر والنهي بعنوانين متّحدين في الخارج، وعدمه، فقد جعل النزاع كبروياً قال بجواز الاجتماع، لأنّ المتعلّقين مختلفان، أو بالامتناع بحجّة وحدة المصداق في مقام الامتثال .
والأَولى أن يقال: إنّ جوهر البحث يرجع إلى ما يلي:
أنّه إذا ورد دليلان مطلقان، كما إذا قال: صلّ، وقال أيضاً: لا تغصب. لا كلام في لزوم العمل بكلّ واحد منهما في مورد افتراقهما، إنّما الكلام في مورد اجتماعهما.
فالقائل بالاجتماع يقول نأخذ بكلا الدليلين من دون تقييد أحدهما بالآخر، فلو صلّى في الدار المغصوبة فقد امتثل أحد الدليلين وعصى الدليل الآخر.

113
والقائل بالامتناع يقول: يجب أن يقيّد أحد الخطابين بالآخر، والتقييد تابع لما هو الأقوى ملاكاً للدليلين فلو كان النهي أقوى ملاكاً يجب تقييد الأمر بالصلاة بعدم الغصب، فيقال: صلّ في غير المغصوب، ولو كان الأمر أقوى ملاكاً يقيد إطلاق النهي فيقال: لا تغصب في غير حال الصلاة.
هذه هي روح النزاع في المسألة.

الثالث: ما هو المراد من العنوان؟

العنوان المعروف للمسألة هو قولهم: هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في واحد أو لا؟ فوقع الكلام في تعيين المراد من الواحد في التعريف، فذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المراد منه هو الأعم، سواء أكان واحداً شخصياً أم واحداً نوعياً أم واحداً جنسياً.
فالأوّل كالصلاة في الدار المغصوبة الّتي هي واحد شخصي ذو عنوانين .
والثاني كالصلاة في المغصوب فهو واحد نوعي.
والثالث كالحركة المعنونة بالصلاتية والغصبية.
فخرج ما لا اجتماع فيه كالأمر بالسجود لله والسجود للصنم .
والأولى أن يقال: إنّ المراد من الواحد هو الواحد الشخصي الّذي ينطبق عليه عنوانان، فوقع الكلام في اجتماعهما والحال كذلك.
فمن نظر إلى أنّ المتعلّق هو الخارج ولا كثرة فيه فقد صار امتناعياً، وأمّا من قال: إنّ المتعلّق هو الخارج ولكن فيه الكثرة أو قال بتعلّق الأحكام بالمفاهيم الكلية فقد صار اجتماعياً.

114

الرابع: ما هو الفرق بين المسألتين؟

عنون الأُصوليون المسألتين التاليتين:
1. هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد باعتبار عنوانين أو لا؟
2. هل تعلّق النهي بالعبادة يدلّ على الفساد أو لا؟
فوقع الكلام فيما هو المائز بين المسألتين، وهناك أقوال:

الأوّل: التمييز بالغرض

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ تمايز العلوم والمسائل بالأغراض، فلو كان هناك مسألة واحدة وترتّب عليها غرضان، تُعد مسألتين.
أمّا الغرض في المقام فيتلخّص في أنّ تعدّد العنوان في الواحد يوجب تعدّد متعلّق الأمر والنهي أو لا يوجبه؟ فعلى الأوّل تكون النتيجة هي جواز الاجتماع، وعلى الثاني تكون النتيجة عدم الجواز، وأمّا الغرض في المسألة الثانية فيتلخّص في أنّ النهي المتعلّق بالعبادة قطعاً هل يوجب الفساد أو لا؟
وإن شئت قلت: إنّ البحث في المسألة الأُولى صغروي، وهو هل النهي المتعلّق بالغصب يسري إلى الصلاة ويتعلّق بها أيضاً أو لا؟ ولكن الكلام في المسألة الثانية إنّما هو بعد ثبوت الصغرى بمعنى تعلّق النهي بالعبادة كبروي، وإنّما الكلام في حكمها.
وبما أنّ الامتناعي القائل بالسراية يأخذ بأحد الحكمين فإن قدّم الأمر فهو، وصار النهي إنشائياً. وإن قدّم الغصب فقد وجد صغرى للمسألة الثانية، حيث سرى النهي من الغصب إلى الصلاة أيضاً فصارت منهياً عنها .
وعندئذ يبحث عن بطلان الصلاة وعدمه.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه سيوافيك أنّ المسألتين يختلفان جوهراً وذاتاً ومع

115
الاختلاف الجوهري فلا وجه للتمييز بالأغراض .
وثانياً: أنّ ما ذكره مبني على أنّ النزاع في المسألة صغروي وأنّ النهي هل يسري إلى متعلّق الأمر أو لا؟ ولكنّك قد عرفت أنّه من المحتمل أن يكون النزاع كبروياً، فكأنّ الاجتماع مسلّم وإنّما الكلام في جوازه وعدمه.

الثاني: تمايز المسألتين جوهراً

الفرق بين المسألتين جوهري وذاتي، وذلك لأنّ الموضوع والمحمول في المسألة الأُولى هو جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد باعتبار عنوانين، وفي المسألة الثانية هو ملازمة النهي عن العبادة للفساد، سواء كان النهي مستفاداً من الدليل اللفظي أو الدليل اللبّي كالإجماع.
فإذا كان التمايز جوهرياً فلا حاجة للتمييز بالغرض، كما لا حاجة للتمييز بالوجه التالي.

الثالث: البحث هنا عقلي

ربّما يقال في التميّز بين المسألتين أنّ النزاع في المقام عقلي وفي المسألة الآتية لفظي حيث إنّ الكلام في دلالة النهي على الفساد.
يلاحظ عليه: أنّ ملاك النزاع في المسألة التالية أعمّ من اللفظي والعقلي، كما إذا كان دليل الحرمة هو العقل أو الإجماع.

الأمر الخامس: المسألة أُصولية

المشهور أنّ هذه المسألة مسألة أُصولية لوجود ملاكها فيها، وهو صحّة وقوع نتيجتها كبرى للاستنباط، فعلى القول بجواز الاجتماع، أو على القول بالامتناع مع

116
تقديم جانب الأمر، تصحُّ الصلاة .
وأمّا على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي، فتبطل الصلاة.
هذا ولو قلنا بأنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه، فالمسألة أُصولية أيضاً لما عرفت من أنّ البحث عن العوارض التحليلية بحث عن عوارض الموضوع، والمراد من العوارض التحليلية هو تعيّنات الموضوع وتشخّصاته.
فإنّ الفقيه عالم بوجود الحجّة بينه وبين ربّه ولكن لا يعلمها على وجه التحديد، فالبحث في علم الأُصول بحث عن تعيّن الحجّة بخبر الواحد ونظائره، ومثله المقام فالكلام في تشخيص ما هوالحجّة عند اجتماع الأمر والنهي، فهل هناك حجّتان أو حجّة واحدة؟ وعلى الثاني فهل هي الأمر بالصلاة أو النهي عن الغصب؟

من مبادئ الأحكام

وربّما يقال: إنّ المسألة من مبادئ الأحكام .
أقول: إنّ مبادئ الأحكام من مصطلحات القدماء في خصوص علم الفقه ويراد بها البحث عن ماهية الأحكام الخمسة وملازماتها كالبحث في أنّ الوجوب والاستحباب بسيطان أو مركبان، والبحث عن اقتضاء وجوب الشيء وجوبَ مقدّمته أو حرمتِه حرمتَها، وكأنّ البحث في المقام يعود إلى استلزام وجوب الشيء عدم حرمتِه أو بالعكس فيما إذا تصادف العنوانان في مورد واحد. فلو كان علم الفقه باحثاً عن عوارض فعل المكلّف الّتي هي الأحكام الخمسة فالمبادئ الأحكامية تبحث عن حالات تلك العوارض الّتي تعرض فعل المكلّف.
يلاحظ عليه: أنّ الميزان في جعل المسألة من علم دون علم هو نفس عنوانها، والعنوان الموجود هو جواز الاجتماع وعدمه لا مطاردة الوجوب الحرمة أو

117
بالعكس فإنّه تحريف لعنوان المسألة.
وهناك آراء أُخرى للمسألة أوضحناها في دوراتنا الأُصولية المتقدّمة، فلاحظ.(1)

الأمر السادس: عموم النزاع لأقسام الأمر والنهي

الظاهر عموم النزاع لعامة أقسام الأمر والنهي، من غير فرق بين النفسي والعيني والتعييني، ومقابلاتها ـ أعني: الغيري والكفائي والتخييري ـ وذلك لوجود ملاك البحث في عامّة الأقسام.
فالقائل بالامتناع يستدلّ بأنّ تعدّد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون، ولا يخصّ هذا الاستدلال بالأقسام الثلاثة الأُولى، بل يعمّ الأقسام الثلاثة الأُخرى أيضاً .
كما أنّ القائل بالاجتماع ـ إمّا لأجل أن تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون، أو لأجل أنّ الأحكام تتعلّق بالطبائع لا بالخارج ـ لا يفرق بين النفسي والغيري، وهكذا سائر الأقسام، فلا فرق بين أقسام الأمر والنهي، ولإيضاح الحال نأتي بمثالين:
1. إذا أمر المولى بالصلاة والصوم تخييراً، ونهى عن التصرّف في الدار ومجالسة الأشرار كذلك، فالامتثال في جانب الأمر يحصل بإتيان واحدة منهما لكن المخالفة في جانب النهي تتوقّف على مخالفتهما معاً، وعلى ذلك لو صلّى في نفس الدار مع مجالسة الأشرار، يقع الكلام في صحّة الصلاة والحال هذه وعدمها.
نعم لو صلّى فيها مع عدم مجالستهم، أو صلّى في غيرها مع مجالستهم، أو صام فيها بلا مجالسة، أو صام مع المجالسة لكن في غيرها، فقد أتى بالواجب دون

1 . ربما يقال إنّها مسألة كلامية، أو من المبادئ التصديقية لعلم الأُصول أو مسألة فقهية.

118
الحرام، لما عرفت من أنّ الحرام هو الجمع لا الواحد منهما.
2. إذا أمر بالوضوء أو الغسل أو التيمّم للصلاة ونهى عن التصرّف في دار معيّنة، فتوضّأ أو اغتسل أو تيمّم فيها يقع الكلام فيه كما في غيرها والأمر بها غيري ولكن النهي نفسي.

الأمر السابع: في لزوم أخذ عنوان المندوحة (1) في النزاع وعدمه

هل يلزم أخذ المندوحة في عنوان النزاع، أو لا، أو فيه تفصيل بين مقام الاستدلال والبرهنة وبين مقام التكليف؟
الحقّ هو الثالث بالبيان التالي: لأنّه لا مدخلية لها في برهان المسألة، وهو عبارة عن الأدلّة التالية:
1. تعدّد العنوان هل يوجب تعدّد المعنون أو لا ؟
2. تركيب المقولات تركيب اتحادي أو تركيب انضمامي؟
ومن المعلوم أنّ الإذعان بأحد طرفي العنوان لا يتوقّف على وجود المندوحة، وحيث إنّ القائل بالامتناع يقول بأنّ تعدّد العنوان لا يوجب تعدّد المعنون أو أنّ التركيب بين المقولات اتحادي لا انضمامي. والقائل بالاجتماع يقول بالعكس أي أنّ تعدّده يوجب تعدّد المعنون أو ان التركيب انضمامي، فالإذعان بأحد الجانبين لا يتوقّف على عدم المندوحة وعدمه.
نعم لا محيص عن وجود المندوحة في مقام الامتثال على كلا القولين:
أ. إذا قلنا بجواز الاجتماع وأنّ الأمر والنهي فعليان يجب امتثالهما، فهذا النوع

1 . المندوحة والمنتدح: السّعة والفسحة. يقال: «لك عن هذا الأمر مندوحة أو منتدح» أي يمكنك تركه والميل عنه. ومنه المثل: «انّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب». ويقال: «لك منتدح في البلاد» أي مذهب واسع عريض. المنجد: مادة «ندح».

119
من التكليف الجامع بين الأمر والنهي فرع المندوحة وإقامة الصلاة في المكان المباح.
ب. إذا قلنا بالامتناع وقدمنا النهي وأخرنا الأمر فالنهي عن الغصب فرع إمكان اجتنابه، وهو متوقّف على وجود المندوحة.
وبذلك يظهر ضعف سائر الأقوال فلا نطيل الكلام بذكرها.

الأمر الثامن: صحّة النزاع على كلا الرأيين في متعلّق الأحكام

قد سبق أنّ في متعلّق الأحكام رأيين:
أ. تعلّقها بالطبائع والمفاهيم المجرّدة عن كلّ قيد.
ب. تعلّقها بالأفراد.
واعلم أنّ في تفسير الفرد اصطلاحين:
أحدهما: مصطلح المنطقيّين وهو الجزئي الخارجي الّذي يمتنع صدق مفهومه على كثيرين كزيد وعمرو. والصلاة الّتي أقامها الإنسان، فإنّ الجميع فرد في مصطلح المنطقيّين.
ثانيهما: مصطلح الأُصوليين وهو الطبيعة مع ملازماتها ومقارناتها الكلية ; والمراد من الملازمات ما لا يفارقها كالتأيّن بأين، والتحيّن بزمان، ويراد بالمقارن ما يصاحبها تارة ويفارقها أُخرى، كالغصب بالنسبة إلى الصلاة.
ويعبر عن ملازمات الطبيعة ومقارناتها بالمشخّصات الفردية.
ثم إنّ على القول بجريان النزاع على كلا المذهبين، أو مذهب واحد أقوال ثلاثة:
1. انّ النزاع مبني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، وأمّا على القول بتعلّقها

120
بالأفراد فيتعيّن الامتناع.
2. أنّ القول بالجواز مبني على القول بتعلّقها بالطبائع، والقول بالامتناع مبني على القول بتعلّقها بالأفراد.
3. غير أنّ المحقّق الخراساني اختار مذهباً ثالثاً وهو أنّ القول بتعلّقها بالطبائع لا يلازم القول بالجواز، ولا القول بتعلّقها بالأفراد يلازم القول بالامتناع. وقال في ذلك الصدد: إنّ تعدّد العنوان لو كان مجدياً فيجدي على كلا المذهبين (تعلّق الأحكام بالفرد أو الطبائع) وإن لم يكن يجدي فلا يجدي على كلا المذهبين أيضاً، وذلك بالبيان التالي:
إنّ تعدّد العنوان إن كان يجدي بحيث لا يضر معه الاتحاد حسب الوجود والإيجاد لكان يجدي ولو على القول بالأفراد، فإنّ الوجود الخارجي الموجه بوجهين يكون فرداً لكلّ من الطبيعتين فيكون مجمعاً لفردين موجودين بوجود واحد.
وكما لا تضر وحدة الوجود بتعدّد الطبيعتين كذلك لا تضر بكون المجمع اثنين بما هو مصداق وفرد لكلّ من الطبيعتين، وإلاّ لما كان يجدي أصلاً حتّى على القول بالطبائع، لوحدة الطبيعتين وجوداً واتحادهما خارجاً .(1)
أقول: التوهّم باطل من أساسه، فإنّه مبنيٌّ على تفسير الفرد في المقام بالفرد المنطقي الذي هو عبارة عن الجزئي الخارجي الذي لا ينطبق على كثيرين، وعلى هذا التفسير الخاطئ في تفسير الفرد توهم أنّ كلاًّ من الجواز والامتناع يبتني على القول بتعلّقها بالطبائع، وأمّا على القول بتعلّقها بالأفراد فالمسألة ذات قول واحد وهو الامتناع أو أنّ القول بالجواز مبني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، والقول بالامتناع مبني على تعلّقها بالأفراد.

1 . نهاية الأُصول: 1 / 240 .

121
ولكن الفرد بهذا المعنى، يستحيل، لأن تتعلّق به الأحكام، لأنّ الفرد قبل وجوده الخارجي، ليس إلاّ فرداً بالحمل الأوّلي، وبعد وجوده، يكون فرداً بالحمل الشائع لكنّه في هذا الظرف، آية سقوط الأمر لا تعلّقه.
إذا عرفت هذا، فلو قلنا بتعلّق الأحكام بالطبائع يصحّ القول بجواز الاجتماع، وأمّا لو قلنا بتعلّقها بالأفراد وأُريد بها لوازم الطبيعة كالزمان والمكان أو بمقارناتها كالغصب بالنسبة إلى الصلاة، أو الصلاة بالنسبة إلى الغصب، فيشكلّ القول بالجواز، إذ يلزم أن تكون الصلاة متعلّقة بالنهي، والغصب متعلّقاً بالأمر، ولذلك يصحّ القول بالتفريق بين القول بالطبائع والقول بالأفراد، ومجرد كون اللوازم والمقارنات مفاهيم كليّة، لا يكون مسوّغاً لجواز الاجتماع، لأنّ المفروض أنّ عنوان الصلاة إذا صار مشخّصاً للغصب، يكون متعلّقاً للنهي، كأنّه يقول: لا تغصب في حال الصلاة، كما أنّ عنوان الغصب إذا صار مشخِّصاً للصلاة يكون متعلّقاً للأمر، كأنّه يقول: صلّ ولو كان المكان مغصوباً.
ولعلّ القائل بالفصل بين القولين نظر إلى ذلك .
والّذي يسهل الخطب هو أنّ المشخّصات الفردية غير داخلة في متعلّق الأوامر، لأنّ المولى الحكيم لا يأخذ من متعلّق الحكم إلاّ ما هو دخيل في غرضه، والدخيل فيه، هو نفس الطبيعة، لا ملازماتها ولامقارناتها على نحو لو أمكن إيجادها مجرّداً عنها، يعد ممتثلاً.

الأمر التاسع: الفرق بين المبحثين

فتح الأُصوليّون في مبحث التعادل والترجيح باباً للتعارض بصورة العموم والخصوص من وجه، كما إذا قال: أكرم العالم، وقال: لا تكرم الفاسق، فاجتمع العنوانان في العالم الفاسق، فهل المورد من موارد الجمع العرفي أو من باب

122
الرجوع إلى المرجّحات؟
ثم نرى أنّهم طرحوا هذه المسألة في مبحث النواهي بصورة أُخرى، وهو أنّه إذا أمر المولى بماهية ونهى عن الأُخرى وكان بين المتعلّقين عموم وخصوص من وجه فهل يجوز اجتماع الأمر والنهي أو لا؟ كما في قول المولى: صل ولا تغصب. فعندئذ يطرح السؤال التالي: ما الفرق بين المبحثين؟
فكأنَّ الأمر الثامن الّذي عقده المحقّق الخراساني في الكفاية لغرض بيان التفريق بين المسألتين وإن لم يكن صريحاً فيما ذكرنا .
وحاصل ما أفاد: أنّ المناط في جعل المورد من هذا الباب ما إذا كان المناط موجوداً في مورد التصادق والاجتماع، كأن تكون الصلاة مشتملة على المصلحة والغصب على المفسدة. فعلى القول بجواز الاجتماع يكون الحكمان فعليين والمورد محكوماً بهما.
وعلى القول بالامتناع فإن كان أحدهما أقوى ملاكاً يؤخذ به، ولو كانا متساويين يؤخذ بحكم آخر .
وأمّا إذا لم يكن المناط موجوداً في كلا المتعلّقين أو في واحد منهما فلا .
ففي الأوّل يكون محكوماً بحكم آخر، وفي الثاني يكون محكوماً بحكم ما فيه المناط.
ثم إنّه رتّب على ذلك أنّه إذا كان المناط موجوداً في كلّ من الدليلين فهو من باب التزاحم بين المقتضيين، وأمّا إذا لم يكن في المورد مناط أصلاً أو لم يكن في واحد منهما فيدخل في باب التعارض فيرجّح أحد الدليلين على الآخر إن كان هناك مرجّح، أو يتخيّر.
ثم خرج بالنتيجة التالية: أنّ مرجّحات باب التزاحم غير مرجّحات باب التعارض فمرجّحات الأوّل عبارة عن الإقوائية في المناط، ومرجّحات الثاني

123
عبارة عن المرجّحات الواردة في الروايات كصفات الراوي ومضمون الرواية.
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ الفرق بين التزاحم والتعارض يرجع إلى مقامي الجعل والامتثال، فالمتعارضان عبارة عن الدليلين اللّذين يمتنع صدورهما عن مشرع حكيم ويقع التكاذب بينهما فلا يمكن للشارع الحكيم أن يشرّع حلية شيء وحرمته، وهذا بخلاف المتزاحمين فليس فيهما أي تكاذب ومنافاة في مقام الجعل، بل بينهما، كمال الملاءمة كما إذا قال: انقذ الغريق. فواجه المكلّف غريقين في ضفّتي النهر فلو صرف قدرته في إنقاذ الأوّل يفوته إنقاذ الآخر وبالعكس، فليس هناك أي تكاذب في مقام الإنشاء. وإنّما المنافاة في مقام الامتثال.
وبذلك يُعلم أنّ تفسير التزاحم بأمرين مشتملين على الملاك والمصلحة تفسير باللازم، لأنّ عدم المنافاة بين الجعلين يلازم اشتمال مورد كلّ من التكليفين على المصلحة، ويعلم ذلك من المثال المعروف في باب الترتّب من ابتلاء الموسع بالأمر بالمضيّق فهما متزاحمان لعدم المنافاة بينهما في مقام الجعل، وأمّا التدافع فإنّما يرجع إلى مقام الامتثال ولو من جانب واحد.
وثانياً: أنّ المتبادر من كلامه (قدس سره)أنّ مورد الاجتماع ـ على القول به ـ من مقولة التزاحم ، مع أنّه ليس كذلك فالقائل بالاجتماع لا يرى أي تعارض ولا تزاحم بين الدليلين، وإنّما التزاحم على القول بالامتناع.

الأمر العاشر: في ثمرات القولين

ذكر المحقّق الخراساني في المقام خمس صور حسب القولين، وإليك الإشارة إلى عناوينها:
1. إذا قلنا بجواز الاجتماع .
2. إذا قلنا بالامتناع مع تقديم الأمر.

124
3. إذا قلنا بالامتناع مع تقديم النهي والالتفات إلى الحرمة.
4. إذا قلنا بالامتناع مع تقديم النهي، مع الجهل بالحرمة تقصيراً ونسيانها كذلك.
5. إذا قلنا بالامتناع مع تقديم النهي مع الجهل بالحرمة جهلاً عن قصور.
وإليك دراسة هذه الصور.
الصورة الأُولى: إذا قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي، فهل الصلاة محكومة بالصحّة أو لا؟
الظاهر الصحّة حسب القواعد، لأنّه يأتي بالمجمع بداعي الأمر، وإن كان عمله معصية أيضاً، لأنّ الاعتبار إنّما هو بالأمر غير الساقط. وهذه الثمرة هي الثمرة المعروفة، حيث إنّ القائل بالاجتماع يقول بصحّة الصلاة مطلقاً، وأمّا القائل بالامتناع فإنّما يقول بالصحّة إذا قدّم الأمر دون العكس، وإلاّ فالصلاة تكون محكومة بالبطلان.
ولكن استشكلّ في الصحّة على القول بالاجتماع العلمان الجليلان المحقّق البروجردي والمحقّق النائيني (قُدّس سرهما).
أمّا الأوّل، فقد اعتمد على أنّ العمل غير قابل للتقرّب، ومتعلّق كلّ من الأمر والنهي وإن كان متغايراً لكنّهما موجودين بوجود واحد، فهو موجود غير محبوب بل مبغوض فكيف يتقرّب إلى المولى بأمر مبغوض ؟
يلاحظ عليه: أنّ القرب والبعد من الأُمور العقلائية فإذا كان العمل مزيجاً بالحب والبغض فلا مانع أن يتقرّب بحيثية دون حيثية، نظير ما إذا أطعم اليتيم في الدار المغصوبة، فهو يتقرّب من جهة الإطعام دون الجهة الأُخرى.
والّذي يرشدك إلى هذا أنّ العقل والفطرة السليمة يفرّقان بين العملين التاليين:

125
أ. يغصب دار زيد ويطعم فيها ابنه.
ب. يغصب دار زيد ويضرب فيها ابنه.
وأمّا الثاني ـ أعني: المحقّق النائيني ـ فحاصل كلامه: أنّ الصلاة في الدار المغصوبة ليست مصداقاً للمكلّف به كما أنّها ليست واجدة للملاك .
أمّا الأوّل فلأنّ منشأ اعتبار القدرة نفس التكليف لا حكم العقل، لأنّ الأمر هو جعل داع للمكلّف نحو المكلّف به ولا يصحّ جعله داعياً إلاّ إلى ما وقع في إطار قدرة المكلّف، فيكون متعلّق التكليف هو الحصة المقدورة عقلاً، غير الممنوعة شرعاً، فتخرج الحصة المحرمة من تحت الأمر، وعلى ضوء ذلك فالصلاة لما كانت ملازمة للمحرم فلا تكون مصداقاً للأمر ولا تكون مأموراً بها، ولا يمكن الحكم بالصحّة لأجل الأمر.
وأمّا الثاني ـ أي عدم تصحيحها بالملاك ـ فلأنّه إنّما يصحّ التقرب به إذا لم يكن ملازماً بالقبح الفاعلي وإلاّ فلا يكون صالحاً للتقرب، والصلاة والغصب وإن كانا غير متحدين إلاّ أنّهما موجودان بإيجاد واحد، فلا محالة يكون موجدهما مرتكباً للقبيح بنفس الإيجاد ويستحيل أن يكون الفعل الصادر منه مقرّباً .(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المعروف بين المتكلّمين ـ بل العقلاء عامّة ـ أنّ القدرة من شرائط التكليف والحاكم بهذا هو العقل الحصيف، وعلى ذلك فمتعلّق الأمر هو ذات الطبيعة المعراة عن كلّ قيد حتّى القدرة، غير أنّ العقل يحدّده بالقدرة والاستطاعة، وما ذكره (قدس سره)من أنّ منشأ اعتبار القدرة نفس التكليف قائلاً: (بأنّ الأمر جَعْلُ داع للمكلف نحو العمل، ولا يصلح جعله داعياً إلاّ إلى ما وقع في إطار قدرة المكلّف) فهو عبارة أُخرى عن حكم العقل بشرطية القدرة في التكليف.
وثانياً: إذا كان المتعلّق هي الطبيعة المقدورة غير الممنوعة فهذا يورث خروج

1 . المحاضرات: 4 / 216، 217، 219 .

126
المورد عن محل البحث، إذ أنّ الكلام فيما إذا كان المصداق الخارجي مصداقاً لمتعلّقي الأمر والنهي.
وثالثاً: إنّما ذكره من كون المجمع فاقداً للملاك بحجّة أنّ موجب الصلاة والغصب مرتكب للقبح بنفس هذا الإيجاد ويستحيل أن يكون العمل الصادر منه مقرباً، مبني على سراية القبح الفاعلي إلى الفعل، وهو بعدُ غير ثابت، فإنّ الصلاة في الدار المغصوبة نفس الصلاة في غير المغصوبة وكون الفاعل مرتكباً للقبيح مقارناً للصلاة ـ كما هو المفروض ـ لا يجعل الصلاة فعلاً قبيحاً.
الصورة الثانية: القول بالامتناع وتقديم جانب الأمر، وإلى هذه الصورة أشار بقوله: «وكذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الأمر إلاّ أنّه لا معصية عليه، والفرق بين الصورتين هو وجود المعصية في الأُولى دون الثانية، لكون النهي حكماً اقتضائيّاً لا فعليّاً» وذلك لأنّ القائل بالامتناع يحمل أحد الحكمين على الاقتضائي والآخر على الفعلي، وظاهر العبارة صحّة العمل عبادياً كان أم توصلياً.
لكن الموافقة معه مطلقاً مشكلة، لأنّ الأخذ بالأمر لأجل كونه أقوى ملاكاً من الحرام مختص بالصورتين التاليتين:
1. إذا لم يتمكّن من الصلاة إلاّ في المكان المغصوب.
2. إذا تمكّن من الصلاة في المكان المباح لكن دار الأمر بين فوت الواجب ـ لأجل ضيق الوقت ـ وارتكاب الحرام فيقدّم الأمر.
وأمّا إذا كان الوقت وسيعاً، وكان هناك مندوحة، فيؤخذ بالنهي دون الأمر لإمكان الجمع بين الامتثالين.
الصورة الثالثة: إذا قلنا بالامتناع مع تقديم النهي لكونه أقوى ملاكاً مع الالتفات والعلم بالحرمة، وإلى هذه الصورة أشار في الكفاية بقوله: «وأمّا عليه (الامتناع) وترجيح جانب النهي فيسقط به الأمر به مطلقاً في غير العبادات لحصول الغرض

127
الموجب له، وأمّا فيها فلا مع الالتفات إلى الحرمة» وما ذكره هو المتعيّن ووجهه واضح، لأنّ الصحّة رهن أحد الأمرين: إمّا الأمر أو الملاك، وكلاهما مفقودان .
أمّا الأوّل، فلأنّ المفروض هو تقديم النهي دون الأمر. وأمّا الملاك، فلأنّ المفروض مانعيّة المغصوبية عن التقرّب به، بل لا نعلم بوجود الملاك فيه، لأنّ الكاشف عنه هو الأمر، والمفروض سقوطه.
نعم لا كلام في الصحّة وسقوط الأمر إذا كان المأمور به توصليّاً.
الصورة الرابعة: إذا قلنا بالامتناع مع تقديم جانب النهي لكن المكلّف غير ملتفت إلى الحرمة تقصيراً أو نسياناً، وإلى هذه الصورة أشار في «الكفاية» بقوله: أو بدونه (الالتفات) تقصيراً فإنّه وإن كان متمكّناً مع عدم الالتفات من قصد القربة وقد قصدها إلاّ أنّه مع التقصير لا يصلح لأن يتقرّب به أصلاً، فلا يقع مقرباً وبدونه لا يكاد يحصل به الغرض الموجب للأمر بالإعادة.
وحاصله: أنّه يتمكّن من قصد القربة، لكن العمل غير صالح لأن يتقرب به، ونزيد بياناً بأنّ الصحّة رهن أحد أمرين: الأمر والمفروض كونه اقتضائياً، والملاك وهو بعد غير معلوم، لأنّ الكاشف عنه هو الأمر والمفروض كونه إنشائياً، ولأجل ذلك قال الفقهاء بأنّ المقصّر والناسي خارجان عن قاعدة «لا تعاد» كما هما خارجان أيضاً عن حديث الرفع.
الصورة الخامسة: تلك الصورة مع الجهل بالحرمة قصوراً.
إذا قلنا بالامتناع وقدّمنا النهي، ولكن كان المصلّي جاهلاً بالحرمة حكماً أو موضوعاً عن قصور، فقد نسب إلى المشهور صحّة الصلاة في الدار المغصوبة إذا كان الجهل عن قصور، والظاهر أنّ قولهم لها لأجل قولهم بجواز الاجتماع، وسيوافيك أنّ القول المشهور بين الإمامية من عصر الفضل بن شاذان (المتوفّى 260 هـ) إلى الأعصار المتأخّرة كالمحقّق الأردبيلي وتلميذيه هو القول بجواز

128
الاجتماع، غير أنّ المحقّق الخراساني لمّا قال بالامتناع حاول أن يصحّح فتوى المشهور بالصحّة على مختاره، وحاصل ما أفاده من الفرق بين الجهل عن تقصير والجهل عن قصور يتلخّص في النقاط التالية:
1. أنّ صحّة العبادة رهن أمرين:
ألف: قصد القربة.
ب. كون المأتي به صالحاً لأن يتقرّب به.
والأوّل مشترك بين الجاهلين فيقصدان القربة، لكن الثاني كون المأتي به صالحاً للتقرّب غير متحقّق في المقصّر، لأنّ الجاهل لمّا كان كالعامد، يعد عمله تمرّداً وعصياناً للمولى والمفروض أنّ الحكم بالحرمة فعلي، لا اقتضائي، ولكنّه متحقّق في القاصر، لعدم كون العمل مصداقاً للتمرد والطغيان، فيصلح لأن يكون مسقطاً للأمر، وإلى ما ذكرنا أشار بقوله: وأمّا إذا لم يلتفت إليها قصوراً وقد قصد القربة فالأمر يسقط لقصد التقرّب بما يصلح أن يتقرّب به لاشتماله على المصلحة مع صدوره حسناً لأجل الجهل بحرمته قصوراً.
في اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد   
2. أنّ سقـوط الأمـر لأجل حصـول الغـرض من الأمر، وليس لأجل الامتثال، لافتراض تقديم النهي على الأمر، وذلك (تقـديم النهـي) لأنّ الأحكام الشـرعية تابعـة للجهات الواقعية في المصالح والمفاسد، لا للجهات المؤثرة فيها فعلاً، والمفروض أنّ مصلحة النهي ـ وإن لم يكن واصلاً ـ هو الأقوى، فيكون العمل محكوماً بالحرمة لا بالوجوب، ولأجل ذلك قلنا إنّه لا يصدق الامتثال، نعم يسقط الأمر لأجل حصول الغرض. وإلى ما ذكرنا أشار بقوله: فيحصل به الغرض من الأمر فيسقط به قطعاً وإن لم يكن امتثالاً بناء على تبعية الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح والمفاسد.
3. لو قلنا بأنّ الأحكام الشرعية تابعة للجهات الواصلة، وأنّه لا أثر للملاك

129
الواقعي، بل التأثير في التقديم والتأخير هو الملاك الواصل ـ وهو ما كان ملتفتاً إليه ـ ينقلب حكم الواقعة من النهي إلى الوجوب فيكون المورد، امتثالاً للأمر المقدّم، دون النهي، لكن الفرض غير ثابت عند الإمامية لاستلزامه نوعاً من التصويب وأن يكون حكم الله تابعاً لعلم المكلّف.
وإلى ما ذكرنا أُشير بقوله: لا لما هو المؤثر منها فعلاً للحسن أو القبح لكونهما تابعين لما علم منهما ـ كما حقّق في محلّه ـ .
4. يمكن أن يقال بحصول الامتثال في المقام حتّى بناءً على تبعية الأحكام للملاكات الواقعية من المصالح والمفاسد، لا للجهات المؤثرة فيها فعلاً، وذلك لأنّ العقل لا يرى فرقاً بين هذا الفرد والفرد الآخر في الوفاء بالغرض من الأمر بالطبيعة، وإلى ذلك أشار في «الكفاية» بقوله: مع أنّه يمكن أن يقال بحصول الامتثال مع ذلك ـ كون المؤثر هو الجهات الواقعية لا الواصلة ـ بأنّ العقل لا يرى تفاوتاً بينه وبين سائر الأفراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها وإن لم تعمّه بما هي مأمور بها، لكنّه لوجود المانع لا لعدم المقتضي، فيكون المورد أشبه بما مرّ في الواجب الموسع المبتلى بواجب مضيق فيأتي بالموسع دونه، فإنّ الفرد الموسع وإن كان فاقداً للأمر، لكنّه لا لفقد المقتضي، بل لأجل وجود المانع، فيأتي به بنيّة الأمر المتعلّق بالطبيعة بما هي هي لا بما هي مأمور بها.
5. ثمّ رتّب على ما ذكر بأنّه لو كان دليلا الحرمة والوجوب من قبيل المتعارضين وقُدّم دليل الحرمة، فلا يكون مجال للصحّة، لفقدان الملاك حتّى في الجهل عن قصور، بخلاف ما إذا كانا من باب الاجتماع وقيل بالامتناع وتقديم جانب الحرمة، فيمكن الحكم بالصحّة في موارد الجهل والنسيان عن قصور لوجود الملاك وحصول الغرض كما في الفروض الثلاثة الأُولى وإمكان إتيانه بالأمر المتعلّق بالطبيعة كما في الفرض الرابع.

130
   
 
دليل القائلين بالامتناع
استدلّ القائلون بالامتناع بوجوه أتقنها وأوجزها ما أفاده المحقّق الخراساني بترتيب مقدّمات أربع، وإليك الإشارة إلى عناوينها:
أ. الأحكام الخمسة يضاد بعضها بعضاً، والمتضادان لا يجتمعان .
ب. الأحكام تتعلّق بالمصاديق والأفعال الخارجية لا بالعناوين الكلية.
ج. أنّ تعدّد العنوان كالغصب والصلاة لا يوجب تعدّداً في المعنون.
د. ليس للوجود الواحد إلاّ ماهية واحدة.
والمهم منها هو المقدّمتان الأُولى والثانية، وأمّا الثالثة ـ أعني: كون تعدّد العنوان موجباً لتعدّد المعنون وعدمه ـ فلا تفيد في المقام، لأنّ النزاع هناك مختص بالعناوين الحقيقية التكوينية كالجنس والفصل والمادة والصورة، فقد اختلف الحكماء في أنّ التركيب بينهما اتّحادي أو انضمامي، فعلى الأوّل يكون تحصل أحدهما غيرَ تحصّل الآخر، وعلى الثاني هناك تحصّل واحد وهو تحصّل الفصل أو الصورة. وكلّ يتضمّن كمال الجنس والمادّة وأمّا الغصب والصلاة فكلاهما من العناوين الانتزاعية لا الحقيقية، فإنّ الصلاة منتزعة من أُمور مختلفة الأجناس كالكيف، أعني: الجهر والمخافتة في القراءة، والوضع المتمثّل في الركوع والسجود، والفعل المتحقّق في الهوي والقيام، ومثل ذلك لا يكون أمراً واحداً حقيقياً لامتناع دخول شيء واحد تحت أجناس عالية متباينة، ولذلك لا مناص من القول بأنّ الصلاة عنوان منتزع من هذه الكثرات .
وأمّا الغصب فهو عنوان انتزاعي من استيلاء الأجنبي على ملك الغير، سواء

131
أكان بالكون فيه كالسكن في بيت الغير أم بالحيلولة بينه وبين المالك وإن لم يتصرف.
كما أنّ المقدّمة الرابعة لا صلة لها بالبحث، لأنّ البحث في أنّ للوجود الواحد ماهية واحدة لا غير يختص بالماهيات المتأصلة، وأين هو من العناوين الانتزاعية؟!
فلنرجع إلى تحليل المقدّمة الأُولى.

المقدّمة الأُولى وتحليلها

قال المحقّق الخراساني في إثباتها ما هذا لفظه: إنّ الأحكام الخمسة متضادة في مقام فعليتها وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث نحو واحد في زمان، والزجر عنه في ذاك الزمان، فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في واحد لا تكون من باب التكليف بالمحال، بل من جهة أنّه بنفسه محال، فلا يجوز عند من يجوّز التكليف بغير المقدور أيضاً .(1)
أقول: القول بتضاد الأحكام وإن كان معروفاً بين الطلاب لكنّه من باب الخلط بين الأحكام ومبادئها، فالتضاد ـ بمعنى المنافاة وعدم إمكان الجمع ـ صحيح في المبادئ، لأنّ الأمر بمعنى البعث نابع عن الإرادة الجديّة بالنسبة إلى الفعل، والنهي بمعنى الزجر ناشئ عن الكراهة الجدية بالنسبة إلى الفعل، ويمتنع أن تتعلّق الإرادة والكراهة بشيء واحد في زمان واحد.
وأمّا نفس الأحكام وهو البعث الاعتباري والزجر كذلك لا يوصفان بالتضاد، لأنّ الأُمور الاعتبارية أنزل من أن توصف بما هو من أحكام الأُمور التكوينية الحقيقية، لأنّ التضاد عرف بالنحو التالي:

1 . كفاية الأُصول: 1 / 249 .

132
1. أمران وجوديان (خرج المتناقضان والعدم والملكة) .
2. لا يستلزم تصوّر أحدهما تصوّر الآخر (خرج المتضايفان كالأُبوة والبنوة).
3. يتعاقبان على موضوع واحد (خرج ما يجتمع من الأعراض كالحلاوة والحمرة).
4. داخلان تحت جنس قريب (خرج المتماثلان لأنّهما داخلان تحت نوع واحد وإن كانا لا يجتمعان).
5. بينهما غاية الخلاف (خرجت القتمة والحمرة).
فأين هذا التعريف من البعث والزجر الإنشائيين اللّذين يُنشآن تارة باللفظ (كقوله أفعل أو لا تفعل) وتارة بإشارة اليد أو الرأس؟! ومن المعلوم أنّ الأُمور الاعتبارية لا تخضع للسنن الكونية، والحقّ كما قلنا ـ أنّ المستدلّ بالتضاد خلط بين وجود المنافاة في المبادئ ووجودها في الأحكام.

المقدّمة الثانية وتحليلها

القول بتعلّق الأحكام بالمصاديق والأفعال الخارجية هو روح البرهان، وقد قرّره المحقّق بقوله: إنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف وما هو في الخارج يصدر عنه، وهو فاعله وجاعله، لا ما هو اسمه وهو واضح، ولاما هو عنوانه ممّا قد انتزع عنه، وإنّما يؤخذ في متعلّق الأحكام آلة للحاظ متعلّقاتها والإشارة إليها بمقدار الغرض منها والحاجة إليها، لا بما هو هو وبنفسه وعلى استقلاله وحياله .(1)
ثم استنتج ممّا ذكره ما هذا لفظه: إنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً وذاتاً كان تعلّق الأمر والنهي به محالاً، ولو كان تعلّقهما به بعنوانين، وذلك لما عرفت من

1 . كفاية الأُصول: 1 / 249 .

133
كون فعل المكلّف بحقيقته وواقعيته الصادرة عنه، متعلّقاً للأحكام، لا بعناوينه الطارئة عليه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ هنا احتمالات ثلاثة:
1. إن إراد أنّ الأمر والنهي تعلّقا بإيجاد الطبيعة فهو ـ أيضاً ـ صحيح، ولكن لا ينتج ما أراد لأنّ متعلّق الأمر هو إيجاد طبيعة كالصلاة، والنهي هو الزجر عن إيجاد طبيعة أُخرى كالغصب، فيكون المتعلّقان مختلفين.
2. وإن أراد أنّ الأمر والنهي تعلّقا بالطبيعة المعراة عن كلّ شيء لغاية الإيجاد فهذا هو الأصحّ، ولكن لا ينتج أيضاً ما يتبنّاه لاختلاف متعلّقي الأمر والنهي أيضاً .
والفرق بين الاحتمالين: الأوّل والثاني واضح، فالمتعلّق في الأوّل هو إيجاد الطبيعة بعثاً وزجراً، وفي الثاني نفس الطبيعة غاية الأمر الإيجاد وتركه غايتان للبعث والزجر.
3. وإن أراد أنّ المصاديق الخارجية والّتي تصدر من الإنسان هي متعلّق الحكم من البعث والزجر، فهو غير صحيح، وذلك لأنّها إمّا متعلّقات قبل الإيجاد أو متعلّقات بعد الإيجاد، أمّا الأوّل فكيف تقع متعلّقاً وهي غير موجودة، وأمّا الثاني فتعلّق البعث والزجر بها يكون أشبه بتحصيل الحاصل.
والأحكام ـ كما سيوافيك ـ تتعلّق بنفس الطبائع بمعنى أنّ القوة المقننة تنظر إلى واقع الحياة عن طريق العناوين والمفاهيم الكلّية وتبعث إليها لغاية الإيجاد أو الترك، فيكون متعلّق كلّ من الأمر والنهي مفهوماً فاقداً لكلّ شيء إلاّ نفسه، فعندئذ ترتفع المطاردة في مقام التشريع، لأنّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي.
وأمّا المطاردة في مقام الامتثال. فسيوافيك توضيحها عند ذكر أدلّة المجوزين.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 251 ـ 252 .

134
 
أدلّة القائلين بجواز الاجتماع
استدلّ القائلون بالجواز بوجوه سبعة، وقد تطرّقوا إلى إثبات الجواز من خلال مسلكين مختلفين:
1. فمنهم مَن تطرّق إلى المسألة من خلال اختلاف متعلّقي الأمر والنهي في مقام التعلّق، وأنّ متعلّق الأمر طبيعة الصلاة، ومتعلّق النهي طبيعة الغصب، ولا تكاذب ولا نزاع بينهما في مقام الجعل؟
2. ومنهم مَن تطرّق إلى المسألة من خلال أنّ المصداق الخارجي متكثّر ليس بواحد، فمتعلّق الأمر في الخارج غير متعلّق النهي فيه. وإليك دراستهما.

التقريب الأوّل للجواز

إنّ مجموع التقاريب يدور على أحد محورين في الخارج:
أ. اختلاف المتعلّق في مقام الجعل وأنّ المتعلّق هو الطبائع.
ب. تعدّد الخارج وتكثّره وأنّ ما تعلّق به الأمر في الخارج، غير ما تعلّق به النهي.
فلنقدّم المسلك الأوّل الّذي عليه المحقّق البروجردي والسيد الإمام الخميني، فقد أتيا بتقريب دفعا به المحاذير المتوهمة على القول بالاجتماع في المراحل الثلاث:
1. مرحلة التشريع.
2. مرحلة المبادئ والملاكات.

135
3. مرحلة الامتثال.
وإيضاح النظرية يبتني على مقدّمات نشير إليها:

1. عدم المحذور في مقام الجعل

أمّا عدم المحذور في مقام الجعل والتشريع فلعدم التكاذب بين الحكمين، إذ لا مزاحمة بين إيجاب الصلاة وتحريم الغصب لاختلاف المتعلّقين بالذات، وتصادقهما في مورد، لا يضرّ بصحّة التشريع وحفظ الإطلاقين في مورده، لأنّ الواجب هو الحيثية الصلائية، والمحرم هو الحيثية الغصبية، ولا مانع من أن يكون شيء واحد مصداقاً للواجب والحرام بحيثيتين مختلفتين .
فإن قلت: كيف لا يكون محذورٌ في مقام الجعل مع أنّ مقتضى الإطلاق اللحاظي، لحاظ المولى كلاًّ من الصلاة والغصب مع مقارناتها، بمعنى أنّ الصلاة واجبة سواء أكانت في مكان مغصوب أو مباح، فعندئذ يلزم اتحاد متعلّق الأمر والنهي.
قلت: إنّ الإطلاق ليس إلاّ رفضُ القيود، لا الجمع بين القيود. ومعنى الإطلاق كون الطبيعة بنفسها، بلا مدخلية قيد، متعلّقة للحكم، وتمام الموضوع له، لا مدخلية جميع القيود في الحكم سواء أكانت ملازمة أم مقارنة.
وإن شئت قلت: ليس معنى الإطلاق هو كون الشيء بتمام حالاته ولواحقه موضوعاً للحكم، حتّى يكون معنى قوله: «إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة» هو وجوب عتق الرقبة عادلة كانت أم فاسقة، عالمة كانت أم جاهلة، بحيث يكون لكلّ واحد مدخلية في الحكم بل معناه كون الموضوع هو الرقبة لا غير من دون مدخلية أيّ قيد فيه، لا مدخليّة جميع القيود تخييراً. فعندئذ فالحيثية الغصبية حالة من حالات الصلاة لا أنّها قيد من قيودها، فكيف يسري حكمها إليه؟

136
فان قلت: إنّ لازم الإطلاق الذاتي على القول بالاجتماع هو الأمر بالمحال وذلك لسريان الحكم إلى جميع حالات الطبيعة قهراً، فإنّ مقتضى كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم، هو كونها موضوعاً حتى عند التصادق في الخارج مع الغصب. فعندئذ نسأل القائل بالاجتماع. أفهل تنقدح في نفس الإرادة بالنسبة إلى طبيعة الصلاة والبعث إليها في هذه الحالة، أو لا؟ والثاني خلاف إطلاق المادّة وعلى الأوّل، يلزم التكليف بالمحال لأنّ الصلاة كما هي مأمور بها في هذه الحال، فالغصب أيضاً منهيّ عنه كذلك فكيف تنقدح الإرادة في نفسه بطبيعة لا تنفك عن المغصوب وجوداً ولو في مورد خاص.
وبعبارة أُخرى: كما أنّ المتلازمين لا يمكن أن يكونا مختلفي الحكم ومتضادّيه كالأربعة والزوجية فلا يصحّ أن يأمر بإيجاد الأربعة وينهي عن الزوجية، فكذلك الطبيعتان المتصادقتان على مورد، فلا يمكن أن تكون الطبيعة مأموراً بها، إذا كانت توأمة مع طبيعة مبغوضة، والملاك في المقامين أمر واحد وهو الاجتماع سواء كان دائماً كما في المتلازمين، أو في مورد كما في المقام، فعنذئذ يجب انسحاب أحد الحكمين عن صورة التصادق، وإلاّ يلزم التكليف بالمحال.
قلت: معنى الإطلاق الذاتي للمادة هو كون الصلاة مأموراً بها حتى في زمان التصادق لكن المأمور به هو نفس الحيثية الصلاتية، الحاملة للمصلحة، المحبوبة للمولى وهي المتعلّقة للإرادة كما أنّ المنهي عنه، والحامل للمفسدة، المبغوض للمولى هو الحيثية الغصبية وما توهم من استلزام وجوبها التكليف بالمحال ناشئ من التسوية بين الملازم والمقارن، وما ذكر من لزوم عدم المخالفة في الحكم إنّما يختصّ بالملازم، فلا يمكن أن يجب إيجاد الأربعة، ويحرم إيجاد الزوجية، وهذا بخلاف المقارن الذي يمكن للمكلّف، التفريق بين الواجب والحرام وعلى ضوء ذلك فلا مانع من إيجاب الصلاة، التوأمة مع الغصب، مع تحريم مقارنها ولا يلزم أي محذور حتى التكليف بالمحال إذ من وسع المكلّف، أن يأتي بالمأمور به في

137
المكان غير المغصوب، لكنّه لو أتى بها في المكان المغصوب، فقد أتى بالواجب، والحرام ولكلّ حكمه ولو كان الواجب توصلياً يسقط، ولو كان تعبديّاً يتوقّف على تمشّي قصد القربة.

2. عدم المحذور في مبادئ الأحكام وملاكاتها

ربّما يقال: إنّ الحب والبغض من مبادئ الأحكام كما أنّ المصلحة والمفسدة من ملاكات الأحكام، فلو قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي يلزم أن يكون شيء واحد محبوباً ومبغوضاً وذا مصلحة ومفسدة وهو عين القول باجتماع الضدين.
يلاحظ عليه: بأنّ الإشكال مبني على أنّ الحب والبغض، أشبه بالكيفيات الجسمانية، قائمان بالشيء مع أنّهما من الكيفيات النفسانية، لكلّ منهما ملاك، فلا مانع من أن يكون شيء واحد محبوباً بملاك ومبغوضاً بملاك آخر، كإطعام اليتيم من المال الحلال في الدار المغصوبة محبوب، وفي نفس الوقت فإنجاز هذا العمل فيها مبغوض، لأنّه تصرّف في الغصب.
ومثله الإرادة والكراهة فهما من الأُمور النفسانية قائمتان في النفس ولا بأس أن يكون شيء واحد مراداً من حيثية ومكروهاً من حيثية أُخرى، والإشكال مبني على قيام الحب والبغض أو الكراهة والإرادة بالصلاة الخارجية، والجميع متضادان، فكيف يوصف بها الشيء الواحد؟! وقد عرفت أنّ الواقع خلافه .
وأمّا المصلحة والمفسدة فهما من مبادئ الأحكام وليسا من الأعراض القائمة بالشيء كالبياض والسواد حتّى يمتنع اجتماعهما، بل المصالح والمفاسد ترجع إلى حياة الشخص الفردية أو الاجتماعية، فلا مانع أن يكون شيء واحد مفيداً لحال الفرد من جهة، ومضراً له من جهة أُخرى، كالدواء الخاص الّذي ينفع المريض في مرضه، ولكن يورث مرضاً آخر... ومثله الصلاة فالمصلحة قائمة بها

138
حيث إنّها معراج المؤمن وقربه من الله تعالى وابتهال إليه، كلّ ذلك يؤثر في صلاح المصلّي وفي الوقت نفسه لا تخلو عن المفسدة، لأنّ الغصب استيلاء على مال الغير، وهذا يُسبّب الفوضى وانحلال النظام وانتشار العداء في المجتمع .

3. عدم المحذور في مقام الامتثال

هذه المرحلة هي المرحلة الثالثة من المراحل الثلاث والمخالف يعتمد على هذا (المحذور) أكثر من غيره، وحاصل الإشكال: أنّه يلزم التكليف بالمحال على كلا القولين.
فلو قلنا بتعلّق الأحكام بالمصاديق الخارجية يلزم أن يكون شيء واحد مبعوثاً إليه ومنهياً عنه لكون المصداق الخارجي متعلّقاً للأمر والنهي.
ولو قلنا بتعلّق الأحكام بالطبائع فكذلك، لأنّ المولى وإن لم يلاحظ عند الأمر بالصلاة اقترانها بالغصب حتّى يكون الإطلاق لحاظياً إلاّ أنّ في المقام إطلاقاً ذاتياً يستلزم كون شيء واحد واجباً وحراماً; وذلك لأنّه بمعنى حضور الحكم عند حضور الموضوع، وكأنّ الحكم كلازم الماهية لا ينفك عن الموضوع، فعندئذ نسأل القائل بالاجتماع: إذا حاول المكلّف إيجاد الصلاة في الدار المغصوبة، فهل الحضور مختص بأحد الحكمين وهو نفس القول بالامتناع أو يعم الحضور لكلا الحكمين ونتيجة ذلك اجتماع البعث والزجر بالنسبة إلى شيء واحد، وليس هذا إلاّ التكليف بالمحال.
هذا هو الإشكال المهم فلو أُتيح للقائل بالاجتماع حلّ هذا الإشكال فقد حاز القدح المعلّى، ونقول في دفع الإشكال:
قلت: فرق بين اللوازم غير المنفكّة والأُمور المقارنة، أمّا الأوّل فلا يمكن أن يكون اللازم محكوماً بحكم يضاد حكم الملازَم كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة،

139
ويكون إيجاد الأربعة واجباً وإيجاد الزوجية محرماً، وأقصى ما يمكن أن يقال لا يجب أن يكون محكوماً بحكم الملازم، بل يمكن أن يكون مباحاً أو غير محكوم بحكم. نعم لا يمكن أن يكون محكوماً بحكم يضاد حكم الملازم.
وأمّا الثاني ـ أي المقارن ـ فلا مانع من أن يكون محكوماً بحكم يضاد حكم المقارن، وذلك لإمكان تفكيكه عن المأمور به فلا يلزم من إيجاب الشيء وتحريم المقارن، التكليف بالمحال .
وعلى ضوء ذلك فالصلاة في الدار المغصوبة واجبة والتصرف في الدار المغصوبة حرام، وفي وسع المكلّف التفريق بينهما، بأن يصلّي في المسجد.
وبعبارة أُخرى: لو كانت الصلاة في الدار المغصوبة واجباً تعيينيّاً لكان للإشكال مجال، لكن الصلاة فيها أحد المصاديق الواجبة الّتي يتخيّر المكلّف بينها عقلاً، ولمّا كان هذا المصداق مقروناً بالمحذور فعلى المكلّف العدول عنه إلى الفرد الخالي منه.
والحاصل: أنّ المولى لو أمر بالصلاة في الدار المغصوبة على وجه التعيين يكون التأكيد على حفظ الإطلاقين موجباً للتكليف بالمحال، ولكنّه لمّا أمر بها على النحو الكلّي مخيّراً المكلّف بين مصاديقه، وكانت المصاديق بين مجرّد عن المحذور، ومقرون به، فعلى العبد أن يختار الأوّل دون الثاني.
فإن قلت: قد سبق في بعض المقدّمات أنّه لا يعتبر قيد المندوحة فيما هو المهم في المقام، أعني: أنّ تعدّد العنوان، هل يوجب تعدّد المعنون أو لا؟
قلت: نعم لا تأثير لقيد المندوحة في المسألة العقلية، أعني: كون تعدّد العنوان موجباً لتعدّد المعنون أو لا.
وبعبارة أُخرى: قيد المندوحة غير مؤثر في مسألة «كون المتعلّق واحداً أو كثيراً»، وأمّا في رفع غائلة التكليف بالمحال فقيد المندوحة معتبر قطعاً، وقد مرّ

140
الكلام فيه تفصيلاً وصرّح به المحقّق الخراساني في الأمر السادس فلاحظ.
فإن قلت: قد سبق أنّ سوء الاختيار لا يكون مجوّزاً للتكليف بالمحال، وأنّ من ألقى نفسه من شاهق، وهو في أثناء السقوط، لا يكون مكلّفاً بصيانة النفس، لعدم التمكّن منه وإن كان بسوء الاختيار، وقد مرّ أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، عقاباً وملاكاً، لا خطاباً وحكماً.
قلت: ما ذكرته صحيح لكنّ المقام ليس من صغريات تلك القاعدة حتّى لا يصح خطابه، بل هو في كلّ آن من الآنات قادر على ترك الغصب، والإتيان بها في مكان مباح، فهو أشبه بمن ألقى نفسه من شاهق، لكنّه مزوّد بجهاز صناعي لو أعمله لهبط إلى الأرض بهدوء، فعندئذ لا يسقط النهي لا ملاكاً ولا عقاباً، ولا خطاباً ولا حكما.
فإن قلت: قد سبق في باب الترتّب أنّه لا يجوز خطاب المكلّف بأمرين متزاحمين من دون تقييد أحدهما بترك الآخر، كأن يقول: انقذ هذا الغريق، وانقذ ذاك الغريق، مع عدم استطاعته إلاّ إنقاذ أحد الغريقين، وما ذاك إلاّ لكونه تكليفاً بالمحال، وإن كان في وسع المكلّف تعذير نفسه بالاشتغال بإنقاذ أحدهما، وإن ترتّب عليه غرقُ الآخر، فمجرد التعذير لا يسوّغ التكليف بالمحال، والمقام أشبه بذلك حيث إنّه مخاطب بخطابين غير قابلين للامتثال معاً، لكن باب التعذير واسع، بأن يصلّي في مكان مباح، فكما أنّ انفتاح باب العذر غير مسوّغ لخطابين مطلقين، فهكذا المقام.
قلت: الفرق بين المقامين واضح، لأنّ المكلّف هنا غير قادر على امتثال التكليفين، كإنقاذ كلا الغريقين، بل له قدرة واحدة يستلزم صرفها في إنقاذ أحدهما العجزَ عن إنقاذ الآخر، بخلاف المقام إذ في وسعه امتثال كلا التكليفين بالصلاة في المسجد.

141
فإن قلت: إنّ وزان الإرادة الآمرية كوزان الإرادة الفاعلية. فكما لا ينقدح في ذهن الفاعل، إرادتان متضادتان، بأن يريد إيجاد الشيء في وقت، وتركه وعدمه في نفس ذلك الوقت، فهكذا لا ينقدح في ذهن الآمر إرادتان متضادتان فيطلب الشيء (الصلاة التوأمة مع الغصب في وقت) وتركه في نفس ذلك الوقت .
قلت: إنّ قياس الإرادة الآمرية بالإرادة الفاعلية قياس مع الفارق، فإنّ الثانية علّة لصدور الفعل وسبب لوقوعه بحيث لا يتخلّل بين الإرادة الجدّية وبين وقوع الفعل شيء آخر، فلذلك لا يمكن أن تجتمع إرادتان متنافيتان في لوح النفس بالنسبة إلى شيء واحد.
وهذا بخلاف الإرادة الآمرية فإنّها أشبه بجعل الداعي في نفس المكلّف بالنسبة إلى عملين. ولا يلزم من جعلهما التكليفَ بما لا يطاق، بل في وسعه أن يفرّق أحدهما عن الآخر، وأمّا إذا جمع باختياره ، يكون مطيعاً من جهة وعاصياً من جهة أُخرى.
أقول: هذا التقريب من أفضل التقاريب لبيان جواز اجتماع الأمر والنهي، وهو تقريب جامع، ناظر إلى رفع التنافي في المراحل الثلاث (مرحلة الجعل، مبادئ الأحكام والملاكات، مرحلة الامتثال).
نعم يبقى هناك إشكال وهو ما أثاره السيد البروجردي وهو عدم تمشّي قصد القربة من المصلّي في الدار المغصوبة، وقد عرفت إمكان تمشّيه من جهة فلا نعيد ذكره .

التقريب الثاني للجواز

هذا التقريب هو الّذي ذكره المحقّق النائيني(رحمه الله) وهو يتطرّق إلى القول بالجواز من خلال أنّ متعلّق التكليف هو الخارج والكثرة سائدة عليه، وأنّ متعلّق الأمر في

142
الخارج غيره في النهي.
وإليك تقريره على وجه التلخيص، وهو مبني على أُصول مسلّمة عنده هي:
1. أنّ تركيب المادة والصورة في الخارج تركيب انضمامي، لا اتحادي، بمعنى أنّ تركيب النفس مع البدن تركيب فيه الكثرة، فحيثية البدن في الخارج غير حيثية النفس بل هما منضمّتان، ومثله تركيب الصورة والهيولى كما في الماء والنار; وما ذكره خيرة المحقّق السبزواري في منظومته.(1)
2. أنّ الصلاة من مقولة الوضع، وعُرّف الوضع بأنّه هيئة حاصلة للشيء من نسبة أجزاء الشيء بعضها إلى البعض، والمجموع إلى الخارج (أي الخارج عن ذلك الشيء) كالقيام والقعود، والاستلقاء والانبطاح وغيرها، فالقيام مثلاً عبارة عن الهيئة الحاصلة من نسبة بعض أعضاء البدن إلى بعض كالرأس إلى الأعلى والأقدام إلى أسفل، والمجموع إلى الخارج ككونه مستقبلاً للقبلة ومستدبراً للجدي.
فعلى هذا فالصلاة مؤلّفة من قيام وركوع وسجود وجلوس في التشهّد، كلّها من مقولة الوضع، وأمّا الهويّ إلى الركوع والسجود فإن قلنا بخروجها عن ماهية الصلاة فهو، وإلاّ فما هو جزء للصلاة عبارة عن الأوضاع المتلاحقة والمتلاصقة، فإنّ الهويّ لا ينفك من الأوضاع المتبادلة، فإذا شرع في الانحناء للركوع أو

1 . وأمّا كون تركيبهما اتّحادياً وتوحّدهما في الخارج فهو قول السيد السناد، يقول الحكيم السبزواري:
إن بقول السيد السناد *** تركيب عينية اتحادي
لكن قول الحكما العظام *** من قبله التركيب الإنضمامي
ونقول في ايضاح ذلك: إنّ المادة إذا وقعت في مدارج الكمال فهي في كلّ مدرج تتّحد مع الصورة المناسبة لها، فالمادة النباتية تتّحد مع الصورة النباتية، وهكذا الحيوان في كلّ نوع يتّحد مع صورته، كما أنّ المادة إذا وصلت في سيرها إلى حدّ الإنسان تتحد المادة مع الصورة الإنسانية، ولا يكون هناك كثرة بينهما، خلافاً للقول بالانضمام، والحركة الجوهرية تؤيد القول بالاتحاد لا القول بالانضمام.

143
السجود إلى الأرض يتبدّل الوضع السابق إلى وضع لاحقّ ويستمر التبدّل إلى أن يصل إلى حدّ الركوع أو السجود.
كما أنّ الغصب من مقولة الأين، وعرّف الأين بأنّه هيئة حاصلة من كون الشيء في المكان وليس مجرد نسبة الشيء إلى المكان، بل الهيئة الحاصلة من كون المكين فيه، فالصلاة في الدار المغصوبة لا تنفك عن كون الإنسان فيها، فتحصل هيئة خاصة باسم الغصب.
إلى هنا تبيّن أنّ الصلاة لا تجتمع مع الغصب في حال من الأحوال، لأنّ الأُولى من مقولة الوضع، والثاني من مقولة الأين، والوضع والأين من الأجناس العالية الّتي لا جنس فوقها وهي متباينات بالذات غير مجتمعات كذلك.
وعلى ضوء ذلك فالحركة في الدار المغصوبة ينطبق عليها الوضع والأين، فهي مع الوضع وضع ومع الأين أين، وبما أنّهما من الأجناس المتباينة لا محيص إلاّ أن يقال: إنّ الصلاة مغايرة بالحقيقة والهوية مع الغصب، وبالتالي الحركة الصلائية مغايرة مع الحركة الغصبية، بعين مغايرة الصلاة والغصب، ويكون في المجمع حركتان: حركة صلائية، وحركة غصبيّة، وليس المراد من الحركة رفع اليد ووضع اليد وحركة الرأس والرجل ووضعهما، فإنّ ذلك لا دخل له في المقام حتّى يبحث عن أنّها واحدة أو متعدّدة، بل المراد من الحركة: الحركة الصلائية، والحركة الغصبيّة، وهما متعدّدتان لا محالة.
هذه هي عصارة البرهان أخذناها من كلا التقريرين، أعني: «فوائد الأُصول» للشيخ محمد علي الكاظمي و «أجود التقريرات» للسيد الخوئي.
يلاحظ على الاستدلال بأُمور:
الأوّل: أنّ التأكيد على أنّ تركيب العنوانين تركيب انضمامي لا اتّحادي يدلّ على أنّ الأحكام الشرعية تتعلّق بالمصاديق الخارجية عنده، وبذلك حاول أن

144
يثبت أنّ الخارج متعدّد وليس بواحد، ولكنّك قد عرفت أنّ الإرادة المولوية تتعلّق بالعناوين الكليّة من دون لحاظها بالوجود والعدم ويكون البعث إليها لأجل الإيجاد.
الثاني: أنّ حديث تركيب المادة والصورة على نحو الاتّحاد أو الانضمام مختصّ بالحقائق التكوينية، كالهيولى والصورة، والجنس والمادة، ولا صلة له بالعناوين الانتزاعية، فإنّ الصلاة ليست عنواناً حقيقياً منطبقاً على مصاديق متّحدة الحقيقة، وإنّما هي عنوان انتزاعي من أُمور تقع تحت مقولات متنوّعة وأجناس متباينة، فالصلاة تشتمل على الأذكار، وهي بما أنّها مشتملة على الجهر والإخفات من مقولة الكيف، وعلى القيام والركوع والسجود فهي من مقولة الوضع، وعلى الهوي، فإن قلنا بأنّ الواجب هي الهيئة الركوعية والسجودية وأنّ الهوي مقدّمة فهي من مقولة الوضع، وإن قلنا: إنّ الواجب هو الفعل الصادر من المكلّف، فيكون الهُويّ حركة في الوضع إلى أن ننتهي بترك الأوضاع المتلاحقة إلى حدّ الركوع والسجود.
وعلى ضوء ذلك تكون الصلاة أمراً انتزاعياً باعتبار إطلاقها على ما يشتمل على أزيد من مقولة; وأمّا الغصب فهو أيضاً أمر انتزاعي بشهادة أنّه ينتزع من أمرين مختلفين في الماهية.
1. قد ينتزع من التصرّف في مال الغير كلبس ثوبه.
2. قد ينتزع من الاستيلاء على مال الغير بلا تصرف فيه، كما إذا منع المالك من التصرّف في ماله.
فمثل هذا المفهوم لا يكون داخلاً تحت مقولة من المقولات الحقيقية، وعلى ذلك فالعنوانان; الصلاة والغصب، ليسا من الماهيات المتأصّلة حتّى ينطبق عليهما ضابطة التركيب بأنّهما اتّحاديان أو انضماميّان، فتطبيق القاعدة على المورد أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

145
الثـالث: أنّ القـول بتعـدّد الحـركة وأنّ الحـركة الصلائية غيـر الحـركة الغصبيـة يخالف الحس والوجدان، إذ لاتصدر عن المصلّي إلاّ حركة واحدة، وعلى فرض صـدور حركتين فالحـركة الثانيـة أيضاً بما أنّها تصرف في مال الغير توصف بالغصب أيضاً .
وفي النهاية لنا كلمة أُخرى: أنّ استنباط الحكم الشرعي من هذه القواعد الفلسفية المبنية على قواعد نظرية غير واضحة أمر لا يمكن التعويل عليه، وما دل على رجوع الجاهل إلى العالم لا يشمل مثل هذا النوع من العلم المستفاد من مقدّمات غامضة.
إلى هنا تمّ عرض أدلّة القائل بالامتناع والقائل بالاجتماع، وقد ذكرنا للقول بالامتناع تقريباً واحداً، وللقول بالاجتماع تقريبين، إلاّ أنّه توجد تقريبات أُخرى للقول بالاجتماع، ولكن فيما ذكرنا غنى وكفاية، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى محاضراتنا في هذا الموضع في الدورات السابقة .

تقسيم العبادات المكروهة

نعم بقي هنا دليل آخر للقول بجواز الاجتماع وهو تعلّق النهي بالعبادات الّتي تعلّق بها الأمر، وهي على أقسام ثلاثة:
الأوّل: ما تعلّق به النهي بعنوانه وذاته، ولا بدل له كصوم يوم عاشوراء أو النوافل المبتدئة في بعض الأوقات.
الثاني: ما تعلّق به النهي كذلك، ويكون له بدل كالنهي عن الصلاة في الحمّام، فالامتناعي والاجتماعي أمام هذين القسمين سواء، فيجب عليهما التمحّل للاجتماع; أمّا الامتناعي فواضح، وأمّا الاجتماعي فإنّه يجوز عنده الاجتماع إذا كان متعلّق النهي غير متعلّق الأمر كالأمر بالصلاة والنهي عن الغصب، وكان الاجتماع

146
اتفاقيّاً، لا في مثل المقام، فإنّ متعلّق الأمر والنهي واحد دائماً.
وإن شئت قلت: إنّ النزاع وتجويز الاجتماع فيما إذا كان بين المتعلّقين من النسب عموم وخصوص من وجه، لا المطلق، كما في الموردين: صم ولا تصم يوم عاشوراء، أو صل ولا تصل في الحمام، مضافاً إلى أنّ النزاع فيما إذا كان في المورد مندوحة وهو غير موجود في القسم الأوّل كالنهي عن صوم عاشوراء.
الثالث: ما تعلّق به النهي لا بذاته، بل بما هو مجامع معه وجوداً أو ملازم له خارجاً كالصلاة في مواضع التهمة بناءً على أنّ النهي عنها لأجل اتّحادها مع الكون في مواضعها.
وهذا هو الذي يجب على الامتناعي الإجابة عنه دون الاجتماعي فإنّه من أدلّة جواز الاجتماع.

دراسة اجتماع الأمر والنهي في القسم الأوّل

أمّا القسم الأوّل فقد أجاب عنه صاحب الكفاية بوجوه ثلاثة ; أفضلها الثالث.
وحاصله: أنّ الأمر المولوي الاستحبابي تعلّق بالصوم وأمّا النهي ـ وهو وإن تعلّق بالصوم أيضاً ـ لكنّه ليس مولوياً بل إرشاد إلى أنّ الترك أرجح من الفعل وأكثر ثواباً. والّذي يمتنع الجمع بينهما هوتعلّق الأمر والنهي المولويين بشيء واحد، وأمّا إذا كان أحدهما مولوياً والآخر إرشادياً فلا مانع منه.
وأمّا أنّ كون الترك أرجح، فلأنّ فيه إظهار مخالفة لبني أُميّة حيث كانوا يصومون يوم عاشوراء فرحاً وسروراً وشكراً لله.
وعلى ذلك فالكراهة هنا ليست بمعنى الكراهة المصطلحة، وهو اشتمال المتعلّق على منقصة، بل بمعنى الإرشاد إلى الأكثر ثواباً وهو الترك، وأقل ثواباً وهو الصوم.

147
هذا هو الجواب الثالث للمحقّق الخراساني وهوقابل للمذاكرة، وأمّا الجوابان الآخران فلا يخلوان من ضعف. فلاحظ الكفاية.
ويمكن أن يقال: إنّ المقام من قبيل اجتماع الأمر والنهي، وذلك لأنّ هنا أمراً ونهياً والأمر تعلّق بالصوم والنهي تعلّق بالتشبه ببني أُمية، لا بنفس الصوم، ولمّا كان في صيام يوم عاشوراء نوع تشبّه ببني أُميّة، كان مقتضى النهي عن التشبّه هو ترك صيامه، وهذا هو الّذي يستفاد من الروايات، وإليك التوضيح :
إنّ السابر في الروايات الّتي جمعها الحر العاملي في الباب 21 من أبواب الصوم المندوب يجد أنّ يوم عاشوراء يوم حزن ومصيبة لآل البيت وشيعتهم، ويوم فرح وسرور لأعدائهم، وقد صام ذلك اليوم آل زياد وآل مروان شُكراً وفرحاً، فمن صام ذلك اليوم يقع في زمرة من يصومونه شكراً للمصيبة.
سُئل الإمام أبو عبدالله (عليه السلام)عن صوم يوم عاشوراء فأجاب (عليه السلام): «ذلك يوم قتل فيه الحسين، فإن كنت شامتاً فصم ـ ثمّ قال: ـ إنّ آل أُميّة نذروا نذراً إنْ قُتل الحسين أن يتّخذوا ذلك اليوم عيداً لهم، يصومون فيه شكراً ويفرّحون أولادهم، فصارت في آل أبي سفيان سنّة إلى اليوم، فلذلك يصومونه ويدخلون على أهاليهم وعيالاتهم الفرح ذلك اليوم ـ ثم قال: ـ الصوم لا يكون للمصيبة ولا يكون إلاّ شكراً للسلامة، وإنّ الحسين (عليه السلام)أُصيب يوم عاشوراء فإن كنت فيمن أُصيب به فلا تصم، وإن كنت شامتاً ممّن سرّه سلامة بني أُميّة فصم شكراً لله تعالى » .(1)
فعلى هذا فالأمر تعلّق بنفس الصوم والنهي تعلّق بالتشبه ببني أُميّة، وصار صوم يوم عاشوراء مجمعاً للأمر والنهي، والمفروض أنّ بين الصوم والتشبّه عموماً وخصوصاً من وجه، ولمّا كان الصوم في ذلك اليوم محقّقاً للتشبّه، تعلّق النهي بالصوم أيضاً مجازاً.

1 . الوسائل: 7، الباب 21 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 7 .

148
وأمّا القسم الثاني، أعني: ما تعلّق به النهي ويكون له بدل كالنهي عن الصلاة في الحمام.
فالجواب: أنّه لا شاهد فيه على جواز الاجتماع بعد كون النهي إرشاداً إلى أفضل الأفراد وأرجحها وهوالصلاة في غير الحمام.
وهذا الجواب لا يأتي في القسم الأوّل لعدم وجود بدل له.
وأمّا القسم الثالث، أعني: ما تعلّق النهي بأمر خارج ملازم للصلاة، كالصلاة في مواضع التهمة فإنّ الحضور فيها مكروه، فتكون الصلاة فيها مكروهة أيضاً .
والجواب: أنّ المقام من قبيل إقامة الصلاة في الدار المغصوبة، فكما أنّ النهي هناك تعلّق بالغصب وبالعرض والمجاز تعلّق بالصلاة فهكذا المقام، فالنهي تعلّق بالحضور في مواضع التهمة وهو متّحد مع الصلاة، فهذا المورد من شواهد جواز الاجتماع، ومعه لا حاجة إلى ا لجوابين اللّذين ذكرهما المحقّق الخراساني، لما ذكرنا من أنّ المورد من قبيل اجتماع الأمر والنهي. وأمّا الجوابان فهما:
1. التصرّف في متعلّق النهي فيكون النهي عن العبادة مجازاً.
2. التصرّف في مولوية النهي وحمله على الإرشاد إلى غيره من الأفراد المجرّدة عن العنوان(1)، لما عرفت من أنّ القائل بالاجتماع لا حاجة له إلى التأويل.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّه لا دلالة في القسم الأوّل (على تقرير المحقّق الخراساني دون تقريرنا، إذ عليه دلالة) كما لا دلالة في الثاني على جواز الاجتماع لكون النهي في الثاني إرشاداً إلى أفضل الأفراد.
وأمّا الثالث ففيه دلالة على جواز الاجتماع.
إلى هنا تمّ عرض دلائل القائلين بجواز الاجتماع وامتناعه، وقد عرفت أنّ الحقّ هو جواز الاجتماع.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 259 .

149
 
 
تنبيهات
   1

في حكم الاضطرار إلى الحرام

إنّ لارتكاب الحرام صوراً:
الأُولى: إذا كان المكلّف متمكّناً من امتثال الواجب في غير المكان المغصوب ولكنّه أتى به فيه عن اختيار، وهذا هو الّذي مضى البحث عنه في الفصل الماضي. وقد مرّ أنّ روح البحث بين الاجتماعي والامتناعي هو أنّ الأوّل يأخذ بكلا الإطلاقين، ولا يرى بينهما تزاحماً، والآخر يرى أنّ بينهما تزاحماً فيقيّد أحد الإطلاقين بما هو الأقوى ملاكاً.
الثانية: إذا اضطر إلى ارتكاب الحرام لكن لا بسوء الاختيار، كما إذا كان محبوساً في الدار المغصوبة، فهو مضطرّ دخولاً وبقاءً، وخروجاً لو أُطلق سراحُه.
الثالثة: إذا اضطر إلى ارتكاب الحرام لكن بسوء اختياره، كما إذا دخل أرض الغير للتنزّه وأراد الخروج، فهو غير مضطرّ دخولاً وبقاءً، ولكنّه إذا أراد التخلّص من الحرام فهو مضطر للتصرّف في أرض الغير بالخروج، لكن الاضطرار طارئ عليه بسوء الاختيار، فلندرس هاتين الصورتين تباعاً.

150

الاضطرار إلى ارتكاب الحرام من غير اختيار

إذا حبسه الظالم في مكان مغصوب فيقع الكلام في مقامين:
1. حكم التصرّف فيه .
2. حكم الصلاة فيه .
أما الأوّل: لاشكّ في عدم حرمة التصرّف فيه لأنّه صار مضطراً بلا اختيار وهو رافع للحرمة التكليفية دخولاً وبقاءً وخروجاً، أخذاً بقوله سبحانه: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)(1) .
فالآية تدلّ على أنّ الأحكام الشرعية محدّدة بالقدرة والوسع، فإذا كانت فوق القدرة فالحكم مرتفع.
ويدلّ عليه حديث الرفع المروي في الخصال بسند صحيح عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة; الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه...» .(2)
أمّا المقام الثاني ـ أعني: حكم الصلاة فيه ـ فلو قلنا بجواز الاجتماع في الصورة الأُولى، أعني: إذا صلّى في الدار المغصوبة عن اختيار وقلنا بصحّة الصلاة، تكون الصلاة صحيحة أيضاً بطريق أولى لفعلية النهي هناك وعدمها في المقام.
ولو قلنا بالامتناع يدخل الموضوع في التزاحم فلو قدّمنا ملاك الأمر عند التزاحم تكون الصلاة صحيحة.
ولو قدّمنا ملاك النهي فالتحقيق أيضاً صحّة صلاته، وذلك لأنّ تقديم النهي عند التزاحم ليس بمعنى فقدان ملاك الأمر وعدم المصلحة، بل لأجل أقوائية ملاك

1 . البقرة: 186 .
2 . الخصال: 2 / 417 ، باب التسعة، الحديث 9 .

151
الحرمة وغلبته على الوجوب; وهي غير موجودة في المقام; لأنّ الإقوائية إنّما هي فيما إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار، إذ عندئذ يصدر عنه الفعل مغضوباً للمولى.
ولكن المفروض أنّ الاضطرار لم يكن بسوء الاختيار بل فُرضَ عليه ارتكاب المحرم من جانب القوي القاهر، فعندئذ ينقلب الأمر فيكون ملاك الأمر باقياً مؤثراً فيكون صحيحاً والنهيُ إنشائياً، وإن لم يكن أمر وذلك لافتراض تقديم النهي على الأمر.
وبذلك يُعلم عدم ورود ما أفاده سيد مشايخنا المحقّق البروجردي حيث قال: إنّ المانع عن تحقّق الوجوب ليس هو الحرمة الفعلية حتّى يصير ارتفاعها سبباً لتحقّقه، بل المانع من تحقّقه وتأثير ملاكه فيه هو أقوائية ملاك الحرمة (أعني: المفسدة الداعية إلى جعلها) من ملاك الوجوب (أعني: المصلحة الباعثة نحو الإيجاب)، فما دامت المفسدة باقية على قوتها لا مجال لتأثير ملاك الوجوب، وإن كان هنا مانع عن فعلية الحرمة أيضاً .(1)
يلاحظ عليه: أنّ الإشكال إنّما هو في الصغرى وهو وجود مفسدة أقوى من مصلحة الواجب عند الاضطرار; وذلك لأنّ استقلال العقل بقبح التصرف في مال الغير محدّد بصورة الاختيار، والمفروض أنّه مضطر بل فرض عليه التصرف في مال الغير فلا يكون عمله قبيحاً عند العقل، كما أنّ عمله يكون فاقداً للمفسدة الاجتماعية. فوجود الملاك للحرمة محل ترديد وشك فضلاً عن القول بأقوائيته، وعند ذلك يحكم بصحّة الصلاة لوجود الملاك وإن كان الأمر غير موجود .
والظاهر صحّة عامّة عباداته إلاّ ما كان له بدل، كما إذا دار الأمر بين الوضوء بماء مغصوب أو التيمّم بالتراب فيتعيّن التيمم.

1 . نهاية الأُصول: 244، الطبعة الأُولى; لمحات الأُصول: 239.

152
حكم الاضطرار بسوء الاختيار تكليفاً
إذا توسّط المكلّف أرضاً مغصوبة بسوء الاختيار، كأن دخل حديقة الغير للتنزّه ثم حاول أن يخرج، فما حكم الخروج تكليفاً ووضعاً بعد حرمة الدخول والبقاء؟
أمّا الدخول والبقاء فلا يحتاجان إلى البحث لوضوح حرمتهما، إنّما الكلام في حكم الخروج تكليفاً ووضعاً.
وقد اختلفت كلمات الأُصوليين بل المتكلّمين في المقام، وربّما ناهز عددها إلى ستة، وسوف نأتي على ذكر ما له أهميّة خاصة.

الأوّل: أنّ الخروج منهي عنه بالنهي الفعلي

ذهب السيد المحقّق البروجردي إلى أنّ الخروج حرام وليس بواجب، أمّا أنّه حرام فلأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه أو مع نهيه، ولا فرق بين التصرّف الدخولي والخروجي في نظر العقل فإنّ الجميع يُعدّ تصرّفاً في مال الغير.(1)
يلاحظ عليه: أنّ تحريم الخروج في حال التوسط في الأرض المغصوبة ـ ولو بسوء الاختيار ـ يستلزم التكليف بالمحال، لأنّ امتثال حرمة الخروج رهن البقاء فيها والمفروض أنّه أيضاً حرام.
هذا من غير فرق بين كون الخروج منهياً عنه بالدليل العام ـ أعني: حرمة التصرّف في مال الغير ـ أو منهياً عنه بالدليل الخاص، فإذا كان الخروج حراماً وامتثاله يتحقّق بالبقاء، والمفروض أنّ البقاء بما أنّه أيضاً تصرّف عدواني حرام أيضاً، فلازم الجمع بين التكليفين هو التكليف بالمحال.
فإن قلت: يجوز التكليف بالمحال إذا كان المكلّف هو السبب لتوجّه هذا

1 . لمحات الأُصول: 244 .

153
النوع من التكليف عليه وقد قيل: «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» .
قلت: إنّ الغرض من جعل التكليف هو إيجاد الداعي في نفس المكلّف للامتثال، فإذا كان الامتثال أمراً محالاً ومقتضياً للجمع بين النقيضين، لا تنقدح الإرادة الجدّية في نفس المولى بتحريم الخروج مع تعلّق الإرادة الجدّية بحرمة البقاء.
وأمّا القاعدة، فمفادها: أنّه لا ينافي الاختيار «ملاكاً وعقوبة» لا «خطاباً وتكليفاً»، فيسقط الخطاب والتكليف عندئذ وإن كان الملاك موجوداً والعقوبة ثابتة، إذ كان في وسعه، أن لا يدخل الأرض المغصوبة ولا يواجه هذا المأزق.

الثاني: الخروج واجب شرعاً

ذهب الشيخ الأنصاري والمحقّق النائيني إلى أنّ الخروج واجب شرعاً وليس وراء الوجوب حكم سواه، واستدلّوا عليه بوجوه نذكر منها ما هو المهمّ:
1. إنّ الخروج مقدّمة لترك البقاء الواجب الأهم ومقدّمة الواجب واجبة فيكون واجباً لا منهياً عنه.
يلاحظ عليه: بأنّ الحكم الشرعي في المقام هو حرمة الغصب وانّ التصرف في مال الغير حرام، وأمّا وجوب ترك البقاء فهو حكم انتزاعي ينتزعه العقل من حرمة التصرف في مال الغير ويرى أنّ في ترك البقاء تخلصّاً عن الحرّام وليس حكماً شرعياً حتى تجب مقدّمته.
نعم لو قلنا بأنّه إذا حرم الشيء ـ البقاء ـ وجب ضده العام ـ أعني: تركه ـ يكون وجوبه حكماً شرعياً مستكشفاً بالعقل. ويترتّب عليه وجوب مقدمته ـ أعني: الخروج ـ ولكن المبنى غير صحيح .
2. إنّ التصرّف في أرض الغير حرام دخولاً وبقاءً، وأمّا التصرف الخروجي

154
فليس بحرام، أمّا قبل الدخول فلعدم التمكّن منه، وأمّا بعده فلكونه مضطراً إليه، لأنّه سبب للتخلّص، فحاله حال من يشرب الخمر للتخلّص من الوقوع في التهلكة.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بالنقض بالبقاء، فإنّه غير مقدور قبل الدخول مع أنّه حرام .
وثانياً: بالحل، إذ أنّ التصرف الخروجي مقدور، غاية الأمر أنّه مقدور بالواسطة فتركه بترك الدخول، والمقدور بالواسطة مقدور أيضاً .
أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال مبني على أنّ كلاًّ من الدخول والبقاء والخروج متعلّقات للحرمة بعناوينها، وعندئذ يوجه استدلال الشيخ بأنّه كيف يكون الخروج حراماً مع أنّه غير مقدور.
ولكن الحقّ أنّ هناك حكماً واحداً متعلّقاً بموضوع واحد وهو حرمة التصرف في مال الغير إذا كان بسوء الاختيار، فكلّ من الدخول والبقاء والخروج حرام لأجل أنّها من مصاديق التصرّف في مال الغير لا بما أنّه دخول أو بقاء أو خروج، وعندئذ يسقط البرهان، لأنّه مبني على تعلّق الحرمة بالخروج بما هو هو، ولذلك عاد أمره في الاستدلال بين كونه غير مقدور إذا كان قبل الدخول أو مضطراً إليه إذا كان بعده.
وأمّا على ما ذكرنا فليس الخروج متعلّقاً للحكم بما هو هو حتّى ينتهي أمره إلى بين الأمرين، وإنّما الموضوع للحكم هو حرمة التصرّف.

الثالث: إنّ الخروج واجب عقلاً لدفع أشدّ المحذورين بأخفّهما

إنّ الخروج واجب عقلاً وليس محكوماً بحكم شرعي بالفعل، نعم هو منهي عنه بالنهي السابق الساقط بالاضطرار، وهذا هو خيرة المحقّق الخراساني فنظريته مؤلّفة من أُمور:

155
1. الخروج واجب بالوجوب العقلي.
2. أنّه ليس واجباً بالوجوب الشرعي.
3. أنّه منهي عنه بالنهي السابق الساقط.
4. أنّ أثر النهي ـ وهو العقاب ـ باق.
وإليك دراسة الأُمور الأربعة.
أمّا الأوّل: فواضح وغني عن البيان لحكم العقل بلزوم التخلّص من أشد المحذورين بارتكاب أقلّهما.
وأمّا الثاني: أي ليس محكوماً بوجوب شرعي، لما مرّ من أنّ وجوبه لأجل كونه مقدمةً لترك البقاء الواجب شرعاً، وقد عرفت أنّ وجوب ترك البقاء حكم انتزاعي منتزع من حرمة التصرف في مال الغير، فإذا لم يكن ذو المقدّمة واجباً شرعاً فكيف تكون مقدّمته واجبة؟!
وأمّا الثالث: أي كون النهي السابق ساقطاً. فلأجل عدم إمكان امتثاله بعد التوسط، فقوله: لا تغصب، وإن كان قبل الدخول يعمّ الدخول والبقاء والخروج، لأنّ الجميع من مصاديق الغصب، لكنّه بعد الدخول ولو بسوء الاختيار لا يتمكّن المكلّف من امتثال قوله: «لا تغصب» المتمثّل في البقاء والخروج.
وأمّا الرابع: ـ أعني: جريان حكم المعصية عليه وكونه معاقباً ـ فوجهه أيضاً واضح حيث إنّ القدرة في ظرف من الظروف ـ أعني: قبل الدخول ـ تصحّح العقوبة على التصرّف الخروجي وإن لم يكن في ظرف العمل قادراً، وقد اشتهر قولهم: الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ملاكاً وعقاباً.
فظهر من هذا البحث أنّ خيرة المحقّق الخراساني أقوى وأظهر ، بقيت هنا أقوال أُخرى تطلب من محالها.

156

حكم الاضطرار بسوء الاختيار وضعاً

إذا صلّى حال الخروج صلاة جامعة لسائر الشرائط فربّما يقال بالصحّة عند ضيق الوقت والبطلان عند سعته، ولكنّه لا ينطبق على القواعد، إذ لو قلنا بجواز الاجتماع فيصحّ مطلقاً، أو قلنا بالامتناع ولكن قدّمنا الأمر فمقتضى القاعدة أيضاً هوالصحّة مطلقاً، ولو قدّمنا النهي فاللازم هو البطلان من غير فرق بين سعة الوقت وضيقه، ولذلك لابدّ من دراسة الصور حتّى يتّضح حال هذا التفصيل.
1. إذا كان الوقوع فيها لا بسوء الاختيار فالصلاة فيها صحيحة مطلقاً من غير فرق بين القول بالاجتماع والامتناع، أمّا الأوّل فواضح، وأمّا على الثاني فلأجل سقوط النهي لأجل الاضطرار.
2. إذا كان الوقوع بسوء الاختيار، فعلى القول بالاجتماع تصحّ الصلاة مطلقاً.
3. ولو قلنا بالامتناع فلو قلنا بمقالة الشيخ من أنّ الخروج واجب وليس بحرام فلا يجري عليه حكم المعصية فتكون الصلاة صحيحة .
4. وإذا قلنا بالامتناع وقلنا بغلبة ملاك الأمر (الصلاة) على النهي (الغصب) فتصحّ الصلاة أيضاً .
والمحقّق الخراساني خصّ تقديم ملاك الأمر على النهي بصورة ضيق الوقت، وأمّا الصلاة فيها مع سعة الوقت فقال: إنّ الصحّة وعدمها مبنيان على عدم اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه واقتضائه، فإنّ الصلاة في الدار المغصوبة وإن كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة إلاّ أنّه لا شبهة في أنّ الصلاة في غيرها تضادّها، فيكون الخالي من المفسدة أهم من الواجد لها، وعندئذ يتوجه الأمر إلى الأهم (الفاقد للمفسدة) ويترشّح منه النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة فتكون الصلاة في الأرض المغصوبة منهياً عنها عند العقل بالأمر بالصلاة في الموضع الخالي من المفسدة.

157
وبهذا صحّح المحقّق الخراساني التفصيل بين ضيق الوقت فتجزي وسعته فلا تجزي.
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الأهم والمهم في باب التزاحم هو الأقوى ملاكاً والأضعف ملاكاً، كما في إنقاذ النبي والوصي، فإنّ النبي أشرف من الوصي فأولى أن يُنقذ; وأمّا إذا تساوى الفرضان في الملاك غير أنّ أحدهما اشتمل على مفسدة دون الآخر، فهذا لا يجعل الفاقد أهم والمشتمل غير أهم ـ كما هو الحال في المقام ـ فإنّ الصلاة في الأرض المغصوبة والأرض المباحة لا يختلفان ملاكاً وكلا الفرضين مشتمل على الملاك المساوي فلا أهم ولا مهم حتّى يستلزم الأمر بالأهم النهي عن المهم. وخلوّ أحدهما عن المفسدة واشتمال الآخر عليها، لا يجعل الأوّل أهم ملاكاً والآخر مهمّاً.
وبعبارة أُخرى: المراد من الأهم هو الأكمل ملاكاً والمهم هو الأنقص ملاكاً، ومن المعلوم أنّ الصلاة في الأرض المباحة والمغصوبة لا يختلفان في الملاك وإنّما يختلفان في شيء خارج عن الملاك، فليس هنا أهم يترشح منه النهي عن المهم.
ويمكن أن يقال: إنّ التفصيل المذكور راجع إلى صورة خامسة لم يذكرها المحقّق الخراساني وهي:
5. إذا قلنا بالامتناع بتقديم ملاك النهي فالصلاة باطلة في سعة الوقت لتقدّم النهي على الأمر، وأمّا في ضيقه فالنهي يكون إنشائياً لا فعلياً، لقوله: (لا تسقط الصلاة بحال) فيقدّم على حرمة التصرّف في مال الغير لقوة لسان دليل الأمر، وهذا بخلاف سعة الوقت حيث تكون التصرّفات المتحدة مع الصلاة أمراً مبغوضاً ومنهياً عنه فلا أمر مع وجود النهي.

158

حكم الخروج إذا تاب بعد الدخول

لو تاب العبد ـ بعد الدخول ـ وحاول أن يخرج من أقرب الطرق للتخلّص من المعصية لا للتنزّه كالدخول، فقد ذهب السيد البروجردي إلى عدم كونه منهياً عنه وصادراً عن معصية، وذلك لأنّه إذا تاب عن تصرّفاته السابقة تكون تصرّفاته اللاحقة الاضطرارية بعد التوبة، تصرّفات غير مسبوقة بالمعصية المؤثرة، فيصير حاله بالنسبة إلى التصرّفات الخروجية لأجل التخلّص كمن اضطر إلى الدخول فاختار الخروج ـ بعد رفع الاضطرار ـ للتخلّص من البقاء المحرّم.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتصوّر فيما إذا عصى الله في حقوقه، دونما إذا عصاه في حقوق الناس، وأمّا إذا عصاهم وتجاوز على حقوقهم، فلا تكفي التوبة والندامة ما لم يُحصِّل رضاهم، ومع تحصيله لا يبقى موضوع للبحث.

159
 

التنبيه الثاني

المرجّحات النوعية لتقديم النهي على الأمر

عقد صاحب الكفاية هذا التنبيه لبيان أُمور ثلاثة، والمهم منها هو الثالث إذ تقدّم الأمران الأوّلان منه فيما سبق، ولكن نقتفيه في الجميع على وجه الايجاز.

1. باب الاجتماع من باب التزاحم على القول بالامتناع

لو قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين فالمورد ليس من باب التزاحم ولا التعارض إذ ـ على هذا القول ـ يجوز إعمال كلا الدليلين ويكون المقام أشبه بمن صلّى ونظر إلى الأجنبية أثناء صلاته، فيحكم عليه بالثواب والعقاب، وامتثال أحد الحكمين وعصيان الآخر.
وأمّا لو قلنا بالامتناع وأنّه لا يجوز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين، يكون المقام من باب التزاحم، إذ التنافي عندئذ في مقام الامتثال لا من باب التعارض حتى يكون التكاذب في مقام الجعل، كي لا يخفى، وعندئذ يجب إعمال الدليل الذي يكون أقوى ملاكاً والصفح عن الدليل الآخر الأضعف ملاكاً، وسيوافيك بيان يكشف به قوّة الملاك أو ضعفه.

160

2. تقديم أحد الدليلين ليس من باب التخصيص

لا يخفى أنّ القائل بالاجتماع لا يقدّم أحد الدليلين على الآخر وإنّما يعمل بهما، وأمّا القائل بالامتناع فإنّه يقدم أحدهما على الآخر، مثلاً يقدّم: «لا تغصب» على: «صلّ» لكن ذلك ليس من باب تخصيص أحد الدليلين بالآخر، حتى يكون مورد التخصيص فاقداً للملاك، بل هو من باب تقديم أحد المقتضيين على الآخر، وتقديم الحكم الفعلي على الإنشائي.
ويترتّب على ذلك أنّه لو منع مانع عن تأثير المقتضي كما في مورد الاضطرار إلى ارتكاب الحرام، أو مانع عن فعليته كما في مورد الجهل بالغصب، ينقلب الأمر، فيكون النهي إنشائياً والأمر فعلياً ولذلك يجوز أكلّ الميتة عند توقّف الحياة على أكلها، أو يحكم بصحّة الصلاة عند الجهل بالموضوع.

3. المرجّحات النوعية لتقديم النهي

اعلم أنّ البحث عن المرجّحات في باب التزاحم بحث واسع يطرح في باب التعادل والترجيح، وأمّا المقام فالبحث في مورد خاص من التزاحم وهو إذا حصل التزاحم بين النهي والأمر فما هو الترجيح ؟
وقد ذكر المحقّق الخراساني عدّة مرجّحات:
أ. تقديم الأقوى سنداً على الأضعف سنداً بزعم أنّ قوّة السند تكشف عن اهتمام الشارع بالمضمون، وهذا منه عجيب لأنّ قوة الكشف لا تدلّ على قوة المنكشف، وكان عليه أن يقتصر بقوة الدلالة ـ كما هو الحال في الأمر الثاني ـ .
ب. تقديم الأقوى دلالة على الأضعف كذلك، وعلى هذا يجب تقديم النهي على الأمر، لأنّ دلالة النهي على وجه الشمول، ودلالة الأمر على وجه البدل، فامتثال النهي رهن ترك جميع الأفراد، وامتثال الأمر يتحقّق بإيجاد فرد واحد،

161
فعلى هذا فقول: «لا تغصب» يقدّم على قوله: «صلّ».
يلاحظ عليه: أنّ الملاك في التقديم كون أحد المدلولين وضعياً والآخر إطلاقياً من غير فرق بين الشمول والبدل، فلو كان الشمول مدلول الإطلاق والبدل مدلول الوضع يقدّم الثاني على الأوّل.
وأمّا تقديم الشمول على البدل في المثال التالي أعني: «لا تكرم الفسّاق» و «أكرم عالماً» فلأجل أنّ الشمول مستفاد من الوضع والبدل من الإطلاق، فلذلك يقدّم وإلاّ فلو كان الأمر على العكس أو كان كلٌّ من الدليلين بالإطلاق فيقدّم البدل على الشمول أو يتوقّف .
ومن حسن الحظ أنّ دلالة النهي على الشمول من باب الإطلاق، كما أنّ دلالة الأمر على البدل من باب الإطلاق أيضاً فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر.
ج. دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، وهذا الاستدلال معروف بين علماء أهل السنّة وحاصل الدليل مؤلّف من صغرى وكبرى.
أمّـا الصغـرى فالأمـر مشتمـل على المصلحة دون المفسدة والنهي على العكس، وأمّا الكبرى فهو أن دفع المفسـدة المحتملة أولى من جلب المصلحة المحتملة.
يلاحظ على الصغرى بأنّ ترك الأمر أيضاً مشتمل على المفسدة كما في ترك الجهاد وأداء الزكاة، ففي الأوّل مظنّة تعرّض الدين للخطر، وفي الثاني اتّساع دائرة الفتنة وفقدان التوازن المالي في المجتمع.
وأمّا الكبرى فهي أيضاً ليست بكلّية، إذ ربّما تُقدم حيازة المصلحة على المفسدة، كما إذا دار الأمر بين الجهاد واجتياز الأرض المغصوبة، فيقدّم الأوّل على الثاني، أو إذا دار الأمر بين حفظ الحياة وأكلّ الميتة، إلى غير ذلك من الموارد التي يقدّم فيها جلب المصلحة على دفع المفسدة .

162
وبذلك يظهر أنّ القاعدة ظنية لا قطعية فلا يحتجّ بها في علم الأُصول .
د. الاستقراء على تقدّم النهي.
استدلّ القائل بتقديم جانب الحرمة بأنّ الاستقراء يشهد على أنّ الشارع قدّم جانب الحرمة على الوجوب فيما إذا دار الأمر بين المحذورين، وأشار إلى موردين:
1. أيام الاستظهار ـ بعد تمام العادة وقبل العشرة ـ حيث أمر الشارع المرأة بترك العبادة مع أنّ الأمر يدور بين الحرمة والوجوب .
2. إذا كان الإنسان محدثاً، وابتلى بإنائين مشتبهين فقد أُمر بإهراقهما والعدول إلى التيمّم، مع دوران الأمر بين وجوب الوضوء مقدّمة للصلاة وحرمة التوضّؤ بالماء النجس.
يلاحظ على أصل الاستدلال بأنّ الاستقراء عبارة عن تصفّح الجزئيات حتّى ينتقل الباحث منه إلى الحكم الكلّي انتقالاً ظنياً أو قطعياً حسب مقدار التتبّع أو التفحّص، وأمّا تصفّح مورد أو موردين فلا يفيد الظن فكيف بالقطع؟!
هذا ما يرجع إلى أصل الاستدلال. وإليك مناقشة الموردين:
وأمّا المورد الأوّل (وهو الاستظهار) فلأنّ ترجيح جانب الحرمة لأجل الدليل لا لغلبة جانب الحرمة على جانب الوجوب، والدليل عليه أحد الأمرين التاليين :
1. إمّا استصحاب الحيض.
2. قاعدة الإمكان، وانّ كلّ دم أمكن أن يكون حيضاً فهو حيض.
وأمّا المورد الثاني ـ أعني: ترك الإنائين وإهراقهما واللجوء إلى التيمّم فإنّما هولأجل عدم الابتلاء بالنجاسة، وذلك لأنّه إذا دار الأمر بين النجاسة الخبثية وتحصيل الطهارة الحدثية على فرض حصولها وكما سيأتي في بعض صوره ـ

163
على تأمّل منّا ـ يُقدّم تحصيل الطهارة الخبثية على الطهارة الحدثية، مثلاً إذا كان محدثاً وكان بدنه أو ثوبه الساتر أيضاً نجساً والماء الّذي عنده لايكفي إلاّ لواحد منهما فإنّه يقدّم تطهير البدن أو الثوب على الوضوء أو الغسل، وذلك لأنّ للطهارة من الحدث بدلاً وهو التيمّم، دون الأُخرى أي الطهارة من الخبث فلا بدل لها.
فتبيّن أنّ التقديم لأجل أولوية حفظ أو تحصيل أحد الطهورين على الآخر، ولا صلة له بأقوائية دفع المفسدة على جلب المنفعة.

دراسة أقسام الوضوء بمائين مشتبهين

قلنا: إنّ الأمر بالإهراق لأجل المحافظة على طهارة الأعضاء، ولو غضّ النظر عنه فلو توضّأ بهما احتياطاً فلا إشكال، لأنّ الأمر بالإهراق لأجل المحافظة على طهارة الأعضاء .
إذا عرفت ذلك فهنا صور ثلاث ـ كما في الكفاية ـ وسنركّز على حكم الأعضاء من حيث الطهارة والنجاسة، لا من جهة رفع الحدث وعدمه. وقد خرج صاحب الكفاية إلى الحكم بنجاسة الأعضاء في الصورتين الأُوليين، وبالطهارة في الصورة الثالثة لأجل تعارض العلمين الإجماليين، فالمرجع عندئذ هو قاعدة الطهارة، وسيوافيك أنّ الصورة الثالثة كالصورتين الأُوليين في الحكم بنجاسة الأعضاء.
1. إذا توضّأ بكلا المائين من دون أن يتخلّل بين الوضوءين تطهير الأعضاء بالماء الثاني. فعند صب الماء الثاني على الوجه يقطع بنجاسته واقعاً تفصيلاً، إمّا لأجل استعمال الماء الأوّل وعدم استعمال مطهّر بعده، أو باستعمال الماء الثاني.
2. لو طهّر بالثاني مواضع الملاقاة بالأوّل، كما إذا توضّأ أوّلاً بأحدهما ثم غسل مواضع الوضوء بالماء الثاني ثم توضّأ بالماء الباقي في الإناء الثاني، فعندئذ يحصل

164
العلم بالنجاسة الظاهرية بحكم الاستصحاب، وذلك لأنّه عند تطهير الأعضاء بالماء الثاني وصبّ الماء عليها قبل انفصال الغسالة الّذي هو شرط التطهير بالماء القليل، يحصل له العلم التفصيلي بالنجاسة إما لأجل استعمال الماء الثاني أو الأوّل، واستعمال الماء الثاني إذا كان طاهراً إنّما يطهر بعد انفصال الغسالة، فقبل الانفصال يقطع بنجاسة العضو المغسول بالمائين وبعد الانفصال يطرأ الشك في بقاء النجاسة، لأنّه كما يحتمل أن يكون النجس هو الماء الأوّل يحتمل أن يكون النجس هوالماء الثاني فيستصحب، فيكون محلّ الوضوء محكوماً بالنجاسة الظاهرية لأجل الاستصحاب.
3. تلك الصورة ولكن كان أحد الإنائين المشتبهين كُرّاً بأن علم نجاسة أحدهما إمّا القليل أو الماء البالغ كرّاً (نظير ما إذا كان قليلاً ونجساً وتمم بماء قليل كرّاً، أو كان نجساً بأحد الأوصاف الثلاثة ثم ارتفع الوصف أعني الريح أو اللون أو الطعم) فتوضّأ بالقليل أوّلاً ثم طهّر مواضع الوضوء بالكر.
وهذه الصورة عند المحقّق الخراساني تختلف عن الصورة الثانية إذ لا يقطع عند ملاقاة الكرّ بنجاسة البدن ـ كما في الصورة الثانية ـ وذلك لاحتمال كون النجس هو الماء الأوّل والطاهر هو الماء الكر الذي يطهر المواضع بمجرد الملاقاة من دون حاجة إلى انفصال الغسالة أو التعدّد كي يقطع بالنجاسة قبل الانفصال حتى يستصحب كما في الثانية، بل يقطع بالطهارة بمجرد الإصابة ثم يطرأ الشك لاحتمال كون النجس هو الماء الكُر، فيستصحب الطهارة.
فإن قلت: ما ذكرت من اليقين بالطهارة عند الإصابة، وطروء الشك بعد الإصابة، فيحكم بالاستصحاب، لكن ماذا نفعل بالعلم الإجمالي بنجاسة الأعضاء إمّا بالماء الأوّل أو بالماء الثاني، وهذا الإشكال هو الذي أشار إليه في الكفاية بقوله: وإن علم بنجاسة الأعضاء حين ملاقاة الماء الأوّل أو ا لثاني إجمالاً.

165
قلت: أجاب عنه (قدس سره)بقوله: لا مجال لاستصحاب النجاسة لأجل هذا العلم الاجمالي لأنّه معارض بعلم إجمالي آخر وهو طهارة الأعضاء حين ملاقاة الماء الأوّل أو بعد تطهير المواضع بالثاني ومع التعارض يسقط كلا الاستصحابين من النجاسة والطهارة عن الاعتبار ويرجع إلى قاعدة الطهارة.
هذا إيضاح ما في الكفاية وقد عرفت أنّ محصّله نجاسة الأعضاء في الصورتين الأُوليين وطهارتها في الصورة الثالثة.

ما هو المختار عندنا؟

المختار عندنا أنّ حكم الصورة الثالثة كالصورتين الماضيتين، فالأعضاء محكومة بالنجاسة استصحاباً وإن لم نعلم وقت التنجّس بالدقّة، وذلك:
لأنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون كلّ من الطرفين محدثاً للتكليف ومؤثّراً له، فلو كان أحد الطرفين مؤثّراً دون الآخر فلايكون العلم الإجمالي منعقداً، مثلاً إذا كان متطهّراً وعلم إجمالاً أنّه إمّا نام، أو استلقى، فمثل هذا لا ينجز ،إذ لا يترتّب على بعض الأطراف أثر شرعي.
ومثلـه المقام فلو فرضنا أنّ الحالة السابقة هي طهارة الأعضاء ـ كما هو المفروض ـ ثم استعمـل كلاًّ من المائين المشتبـه فيهـا الطاهـر بالنجس على النحو الثالث ، فاستعمال الماء الطاهر على النحو المذكور مؤثر على احتمـال وغيـر مؤثر على احتمال آخر، لأنّه لو استعمله أوّلاً لا يؤثر في طهارة الأعضاء لحصولهـا قبلـه. نعم لو استعمله ثانياً يترتّب عليه الأثر، لأنّه يزيل النجاسة الطارئة من استعمـال الماء الثاني «النجس».
بخلاف استعمال الماء النجس فإنّه مؤثر قطعاً على كلّ حال فلو استعمله أوّلاً فإنّه ينجس الأعضاء، ولو استعمله ثانياً ينجس الأعضاء أيضاً بعد بقاء طهارتها

166
باستعمال الماء الأوّل.
ففي مثل ذلك يكون العلم باستعمال الماء الطاهر غير مؤثّر، وأمّا استعمال الماء النجس فهو مؤثر على جميع الأحوال فيؤخذ بمضمونه، وبذلك ينحلّ العلم الإجمالي باستعمال مائين أحدُهما طاهر والآخر نجس، إذ العلم باستعمال الأوّل فاقد للأثر القطعي بخلاف الثاني.
وبذلك يُعلم أنّه يلزم الأخذ بضدّ الحالة السابقة في عامّة الموارد كما هو الحال إذا كانت الحالة السابقة للأعضاء هي النجاسة، فعندئذ ينقلب الحكم ويكون الماء الطاهر مطهّراً على كلّ حال والماء النجس غير مؤثر إذا استعمل قبل الماء الطاهر لافتراض أنّ الأعضاء نجسة، نعم مؤثر في رفع الطهارة إذا استعمل بعد الماء الطاهر.

حكم الحادثين المتعاقبين

وبما ذكرنا تقف على ضابطة كلّية في الحادثين ا لمتعاقبين في جميع أبواب الفقه، مثلاً إذا كانت الحالة السابقة معلومة وطرأ حادثان فيؤخذ بضد الحالة السابقة نظير المثال التالي:
إذا علمنا بطهارة الماء في الإناء ثم علمنا بطروء الطهارة والنجاسة عليه وشككنا في المتقدّم والمتأخّر، فيؤخذ بضد الطهارة السابقة فيحكم عليه بالنجاسة.
وذلك لأنّ طروء الطهارة مؤثر إذا كان متأخّراً لا متقدّماً، بخلاف طروء النجاسة فإنّه مؤثر سواء تقدّم أم تأخّر.
ومنه يُعلم حكم عكس المثال السابق، فلو كان الماء نجساً وطرأت عليه الطهارة والنجاسة وشك في المتقدّم والمتأخّر، فطروء النجاسة مؤثر إذا كان

167
متأخّراً دونما إذا كان متقدّماً، إذ لا يزيد على نجاسة الماء شيئاً. بخلاف طروء الطهارة فهو مؤثّر مطلقاً تقدّم أو تأخّر.
ومنه يُعلم حكم المثال الثالث إذا كان متطهّراً من الحدث أو محدثاً وعلم بطروء حالتين كالنوم والوضوء وشك في المتقدّم والمتأخّر، فالحكم في الجميع الأخذ بضدّ الحالة السابقة.
 
التنبيه الثالث: إذا كان متعلّقا الأمر والنهي متغايرين
إذا كان بين متعلّقي الأمر والنهي عموم وخصوص من وجه وكان المتعلّقان متغايرين وجوداً كالصلاة والغصب فلاشكّ أنّه داخل في المقام، وأمّا إذا كان متعلّقهما واحداً بالذات كالإكرام لكن مختلفاً بالإضافة كإكرام العالم والفاسق، فهل هو داخل في المقام أو لا ؟
والظاهر أنّه لا فرق بين المقامين حسب أدلّة الطرفين .
ولكن الغالب على القسم الثاني كونه من مقولة المتعارضين ووجود الملاك في أحد الحكمين دون الآخر، ولذلك ذكروا هذا النوع من الأمرين في باب التعارض لا في باب التزاحم.

168
 

الفصل الثالث

في كشف النهي عن الفساد

فيه مقامان: النهي عن العبادات، والنهي عن المعاملات .

المقام الأوّل: النهي عن العبادات. ونذكر أُموراً:

الأوّل: اختلفت كلماتهم في عنوان الفصل فتارة يقولون:
هل النهي عن الشيء يقتضي فساده أو لا؟ وأُخرى بأنّ النهي هل يدلّ على الفساد أو لا؟ وثالثة هل النهي يكشف عن الفساد أو لا؟
والمراد من الجميع أمر واحد، غير أنّ الثاني لا يشمل ما إذا كان دليل النهي لبيّاً كالإجماع والسيرة، إذ لا لفظ فيه حتّى يدل، ولعل التعبير الثالث هو الأفضل.
الثاني: الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة واضح جدّاً، وقد ذكرنا تفصيله في المسألة السابقة .
وحاصل الكلام: أنّ الفرق بين المسألتين جوهري وذاتي، وذلك لأنّ الموضوع والمحمول في المسألة الأُولى هو جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد باعتبار عنوانين، وفي المسألة الثانية هو ملازمة النهي عن العبادة للفساد،

169
سواء كان النهي مستفاداً من الدليل اللفظي أم الدليل اللبّي كالإجماع.
الثالث: البحث في المسألة السابقة عقلـي محض كمـا يُعلـم مـن براهيـن المجـوّزين والمانعين، وأمّا في المقام فقد ذهب الشيخ الأنصاري (1) والمحقّق النائيني (2) إلى أنّ البحث في المقام أيضاً عقلي، ولكن المتبادر من المحقّق الخراسـاني الميل إلى أنّ البحث لفظي أيضاً حيث قال لا يخفى أنّ عدّ هذه المسألة من مباحث الألفاظ لأجل قول بدلالته على الفساد في المعاملات مع إنكار الملازمة بينه وبين الحرمة .(3)
توضيحه: أنّ إنكار الملازمة دليل على نفي كون المسألة عقلية فانحصر الدليل على دلالته على الفساد (باللفظ). والأولى أن يُقال: إنّ وصف البحث بأحد العنوانين تابع لكيفية البرهنة، فإن تطرقنا إلى المسألة من خلال الملازمة فالمسألة عقلية، وإن تطرّقنا إليها من خلال دلالة اللفظ على المبغوضية وبالتالي على الفساد، فالبحث لفظي.
الرابع: لاشكّ أنّ المسألة أُصولية، لأنّ نتيجة البحث تقع كبرى للاستنباط، فلو خرجنا في دراساتنا على دلالة النهي على الفساد أو الملازمة بين الحرمة والفساد أو بين النهي والفساد تكون العبادات والمعاملات المنهي عنها فاسدة لا يترتّب عليها الأثر المقصود، فعليك بالتدبّر في النواهي الواردة في العبارات التالية:
1. لا تصل في وبر ما لا يؤكلّ لحمه.
2. لا تبع ما ليس عندك.
3. لا تبع ما لا تملك.

1 . مطارح الأنظار: 1 / 161 .
2 . فوائد الأُصول: 1 / 455 .
3 . كفاية الأُصول: 1 / 283 .

170
وقلنا بأحد الأُمور الثلاثة تكون النتيجة فساد الصلاة والبيع فلا يكون البيع سبباً لخروج المبيع عن ملك البائع ودخوله في ملك المشتري والثمن على العكس. وهكذا الصلاة.
الخامس: أنّ للنهي أقساماً إنّما الكلام في ورود الجميع أو بعضه مورد النزاع، والأقسام كالتالي:
1. النهي التحريمي والتنزيهي.
2. النهي النفسي والغيري.
فذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الجميع داخل في محط النزاع إمّا عنواناً أو ملاكاً لو لم يدخل في عنوان البحث، وذهب المحقّق النائيني إلى اختصاص النزاع بالنهي التحريمي دون التنزيهي، وبالنفسي دون الغيري، ولم يذكر شيئاً حول الأصلي والتبعي.
أمّا الأوّل: فذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ النهي التحريمي داخل في عنوان البحث، وأمّا النهي التنزيهي ـ كالعبادة عند مطلع الشمس ومغربها ـ فغير داخل في عنوان البحث لانصرافه إلى التحريمي، ولكنّه داخل فيه ملاكاً، إذ الميزان للنزاع كشف النهي عن عدم المطلوبية، وهو مشترك بين التحريمي والتنزيهي.
يلاحظ عليه: أنّه لا وجه للانصراف، لأنّه إمّا لأجل كثرة الاستعمال أو لكثرة الوجود، واستعماله في الكراهة ووجود النهي التنزيهي ليسا بأقل من استعماله في التحريمي، ولا من وجوده.
وأمّا الثاني والثالث: أعني النهي النفسي والغيري، فلاشكّ أنّ الأوّل داخل في عنوان البحث، وأمّا الغيري كالنهي عن الصلاة عند الابتلاء بالإزالة، فهو على قسمين:
1. غيري أصلي.

171
2. غيري تبعي.
فقد فصّل المحقّق الخراساني فجعل الأوّل داخلاً في عنوان البحث، والثاني خارجاً عنه داخلاً فيه بالملاك.
توضيحه: أنّه لو قلنا بأنّ الملاك في تقسيم الأمر إلى الأصلي والتبعي إنّما هو مقام الإثبات والدلالة، بمعنى أنّه إذا كان الوجوب مفهوماً بخطاب مستقل فالواجب أصلي، وإن كان مفهوماً بتبع خطاب آخر فالواجب تبعي، فلو قلنا بهذا التفسير، فكلا القسمين من الغيري داخل في العنوان لوجود النهي المدلول عليه تارة بالدلالة المطابقية وأُخرى بالدلالة الالتزامية.
وأمّـا لـو قلنا بـأنّ ملاك التقسيم هـو الثبـوت، كما هـو مبنـى المحقّـق الخـراساني وهو أنّه لو كان الشيء متعلّقاً بالإرادة على وجه الاستقلال عند الالتفات إليه بما هـو عليه فهـو أصلي، وإن كان متعلّقـاً بها تبعـاً لإرادة غيره من دون التفات إليه فهو تبعي.
فلو قلنا بهذا التفسير فالغيريّ الأصلي يدخل في عنوان البحث دون الغيري التبعي، لأنّ تعلّق الإرادة الاستقلالية مع الالتفات إلى الموضوع لا ينفك عن الخطاب، فيدخل في العنوان بخلاف الغيري التبعي المفروض عدم الالتفات إليه، فلا يقع مورداً للخطاب ولا يكون مدلولاً بإحدى الدلالات الثلاث، لأنّ المفروض عدم الالتفات فلا يشمله عنوان البحث وإن كان داخلاً ملاكاً.
والحاصل: أنّ فرض الالتفات إلى الموضوع وعدم الالتفات إليه صار سبباً لتعلّق الخطاب بأحدهما دون الآخر، فلذلك يدخل الغيري الأصلي في عنوان البحث لوجود الدليل اللفظي، بخلاف الغيري التبعي فيدخل ملاكاً لعدم وجود الدليل اللفظي.

172
ثم إنّ المحقّق القمّي أخرج الواجب الغيري بكلا قسميه: الأصلي والتبعي عن عنوان البحث قائلاً بأنّ الكلام في الملازمة بين العقوبة والفساد، والواجب الغيري فاقد للعقوبة فلا يدخل في عنوان البحث، وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ ملاك البحث وجود الملازمة بين الحرمة والفساد، لا الملازمة بين العقوبة والفساد، والشاهد على ذلك أنّهم جعلوا ثمرة النزاع في أنّ الأمر بالشيء (كإزالة النجاسة عن المسجد) هل يقتضي النهي عن ضدّه (كالصلاة)، فساد الصلاة على القول بالاقتضاء مع أنّ الأمر الغيري في المقام لا تترتّب عليه العقوبة.
بقي الكلام في الأقسام التالية:
1. النهي الإرشادي إلى الفساد.
2. النهي التشريعي والبدعي.
3. النهي التخييري.
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ النهي الإرشادي لكونه إرشاداً للفساد غير داخل في عنوان البحث، لوضوح الحكم حيث لا يتردّد أحد في فساد العبادة والمعاملة، كما في قول القائل: لا تصل في وبر ما لا يؤكلّ لحمه، أو قوله: لا تبع ما ليس عندك.
وأمّا الثاني: أعني النهي التشريعي فمفاده هو النهي عن الاعتقاد بكون شيء مأموراً به بالخصوص، كما إذا صلّى في مكان خاص زاعماً تعلّق أمر خاص به، مع إطلاق الأمر فصار عمله بدعة وتشريعاً، فالظاهر أنّه ـ أيضاً ـ داخل في محل النزاع خلافاً لبعض المحقّقين (1) قائلاً: بأنّ مفاد النهي التشريعي هو الفساد فلا يتصوّر فيه النزاع .
يلاحظ عليه: أنّ مفاد النهي التشريعي هو حرمة العمل دون الفساد وليس

1 . الشيخ علي القوجاني مقرّر بحث المحقّق الخراساني.

173
الفساد من اللوازم الواضحة للعمل المنهي عنه.
وأمّا الثالث: أي النهي التعييني والتخييري كما إذا قال: لا تصل في الدار المغصوبة أو لا تجالس الفسّاق، فصلى فيها مع مجالستهم، فالظاهر دخول القسمين في محلّ النزاع، لكن المحرّم في الأوّل نفس العمل وفي الثاني الجمع بين العملين.

السادس: في تعريف العبادة والمعاملة

إذا كان موضوع البحث هو تعلّق النهي بالعبادة والمعاملة يجب علينا تعريفهما منطقياً، نقل المحقّق الخراساني للعبادة تعاريف:
1. ما أمر به لأجل التعبّد به.
2. ما تتوقّف صحّته على النيّة.
3. ما لا يُعلم انحصار المصلحة فيها في شيء.
وقد ناقش فيه صاحب الكفاية بوجهين:
1. أنّ العبادة بهذا ا لمعنى لا يمكن أن يتعلّق بها النهي.
2. أنّها غير جامعة ولا مانعة، كما في المطولات(1) ثم اعتذر عن الإشكال الثاني بأنّها ليست تعاريف حقيقية.
ثم إنّه عرّف العبادة قائلاً: إنّ العبادة على قسمين:
أ. ما يكون بنفسه وبعنوانه عبادة له تعالى موجباً بذاته للتقرّب من حضرته لولا حرمته كالسجود والخضوع والخشوع وتسبيحه وتقديسه.
ب. ما لو تعلّق الأمر به كان أمره عبادياً لا يكاد يسقط إلاّ إذا أتى به بنحو قربي

1 . الفصول وتقريرات الشيخ .

174
كسائر أمثاله نحو صوم العيدين والصلاة في أيّام العادة .(1)
يلاحظ على القسم الأوّل: أنّ السجود ليس عبادة ذاتية وإلاّ لما أمر سبحانه الملائكة بالسجود لآدم قال سبحانه: (وَ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ)(2)، ولمّا سجد يعقوب وزوجته وأبناؤه ليوسف قال سبحانه: (وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)(3).
وأمّا التسبيح والتنزيه فليسا على إطلاقهما عبادة، فالثناء على المولى والمعلّم وتنزيههما عن المعاصي والمعايب لا يُعدّ عبادة .
وأمّا القسم الثاني: أي لو تعلّق به الأمر كان أمره عبادياً لا يكاد يسقط... الخ، لا بأس به في حدّ علم الأُصول .
هذا، وأمّا العبادة الواردة في الكتاب والسنّة فقد استوفينا تعريفها في مؤلّفاتنا الكلامية.
هذا كلّه حول العبادة وأمّا المعاملة فقد ذكر المحقّق الخراساني أنّ المراد من المعاملة ما كان قابلاً للاتّصاف بالصحّة والفساد، فخرج أمران:
1. ما لا يوصف بها أصلاً كشرب الماء.
2. ما لا ينفك أثره عنه كالإتلاف والتسلّط باليد.
أقول: الأَولى أن يقال أنّ في المعاملة مصطلحين:
1. المعاملة بالمعنى الأخصّ، وهو المشتمل على العقد المتضمّن للتمليك والتملّك.
2. المعاملة بالمعنى الأعم، وهي ما لا تتوقّف صحّته على نيّة القربة، ويشمل العقد والإيقاع وغيرهما.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 286 .
2 . البقرة: 34 .
3 . يوسف: 100 .

175
ثم إنّ المحقّق الخراساني طرح معنى الصحّة والفساد وكرّر هنا ما ذكره في مبحث (الصحيح والأعم) حرفاً بحرف، وبما أنّا استوفينا الكلام فيه هناك، نحيل القارئ الكريم إلى ذلك المبحث.(1)
نعم بقي الكلام في أنّ الصحّة والفساد مجعولان أو منتزعان، وهذا ما نذكره في الأمر التالي:

السابع: هل الصحّة والفساد مجعولان أو لا؟

هل الصحّة والفساد مجعولان مطلقاً، أو غير مجعولين كذلك، أو يفصل بين المعاملات والعبادات، بكون الصحّة مجعولة في الأُولى دون الثانية، أو التفصيل بين الصحّة الظاهرية فمجعولة دون الواقعية، فاللازم البحث في مقامين:

الأوّل: الصحّة في العبادات

ذهب الشيخ الأنصاري (رحمه الله) إلى أنّ الصحّة والفساد أمران اعتباريان ينتزعان من ملاحظة العقل انطباق المأتيّ به مع المأمور به، من غير فرق بين العبادات والمعاملات ومن غير فرق بين تفسير الصحّة بما عند المتكلمين أو بما عند الفقهاء، ولكن يظهر من المحقّق الخراساني التفصيل الثلاثي الآتي:
لو فُسّرت الصحّة والفساد وفق مسلك المتكلّمين (مطابقة المأتيّ به للشريعة) فهما وصفان اعتباريان منتزعان من المطابقة وعدمها.
ولو فُسّرتا وفقَ مسلك الفقهاء (ما كان مسقطاً للإعادة والقضاء) فهما حكمان عقليان حيث يستقل العقل بسقوط الإعادة والقضاء جزماً .
نعم الصحّة في امتثال الأمر الاضطراري مجعولة، وهي ما إذا لم يكن المأتي به

1 . يراجع المبسوط في أُصول الفقه: 1 / 171 .

176
وافياً لمصلحة الواقع وكانت المصلحة الفائتة لازمة الاستيفاء، فلو كان الاستيفاء حرجياً يكون السقوط مجعولاً بحكم الشرع، أعني: «رفع عن أُمّتي... ما اضطروا إليه».(1)
فالصحّة عنده تارة أمر انتزاعي، وأُخرى حكم العقل، وثالثة أمر مجهول.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الجمع ـ في تفسير الصحّة على مسلك المتكلّمين ـ بين الاعتباري والانتزاعي جمع بين أمرين مختلفين.
فإنّ الانتزاعيات من مراتب التكوين حيث إنّ الموجودات الخارجة عن الأذهان إمّا جواهر أو أعراض أو انتزاعيات، والمراد بالثالث اشتمال الخارج على حيثية وجودية مصحّحة لانتزاع هذا المفهوم كالأُبوّة والبنوّة الناشئة من تخلّق الابن من ماء الأب وهو أمر واقعي، وهذا بخلاف الأمر الاعتباري فإنّه أمر ذهني لا صلة له بالخارج، وإنّما هو تصوير ذهني لترتّب الأثر كاعتبار زيد زوجاً لهند، وتنزيلهما كالزوجين التكوينيين.
ولا يترتّب الأثر على الاعتبار إلاّ بإنشاء الزوجية ومثل الزوجية، الرئاسة فهي عبارة عن تنزيل رئيس الإدارة منزلة الرأس في كون التدبير موكولاً إليه فمثل هذا الاعتبار نوع تصوير الذهن من الخارج ليترتّب الأثر عليه بعد الإنشاء، ولا واقعية لها في الخارج.
وثانياً: أنّ الصحّة وفق مسلك المتكلّمين ليست من الأُمور الانتزاعية ولا الاعتبارية، بل الصحّة هناك أمر واقعي يدركه العقل كسائر الواقعيات كما يدرك تطابق الخطين أو النعلين، فهي من المدركات العقلية.
نعم ما ذكره في مورد تفسير الصحّة وفق نظر الفقهاء من أنّها من المستقلاّت العقلية فهو صحيح، وبذلك ظهر أنّ الصحّة على تفسير المتكلّمين من المدركات

1 . كفاية الأُصول: 1 / 289 .

177
العقلية المجرّدة عن الحكم وعلى تفسير الفقهاء من المستقلاّت العقلية ذات الأحكام.
وثالثاً: أنّ المجعول في امتثال الأمر الاضطراري هو رفع اليد عن جزئية الجزء، وشرطية الشرط فيكون المأمور به هو الأجزاء الباقية الخالية فيتبعهُ جعل الصحّة بالعرض، فالصحّة مجعولة بالتبع.

الثاني: الصحّة في المعاملات

ذكر المحقّق الخراساني في المقام أمرين:
1. أنّ الصحّة في المعاملات مجعولة، حيث إنّ ترتّب الأثر على معاملة إنّما هو بجعل الشارع وترتيبه عليها ولو إمضاءً، ضرورة أنّه لولا جعله لما كان يترتّب عليه، أثرٌ لأصالة الفساد.
2. نعم صحّة كلّ معاملة شخصية وفسادها ليس إلاّ لأجل انطباقها على ما هو المجعول سبباً وعدمه كما هو الحال في التكليفية من الأحكام، فاتّصاف المأتي به بالوجوب أو الحرمة ليس إلاّ انطباق ما هو الواجب عليه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ متعلّق الجعل في المعاملات هو الحلية والجواز، أو وجوب الوفاء بالعقد، ولذلك يقال: لا دور للشارع في مجال المعاملات إلاّ أنّه أمضى المعاملات الرائجة وأحلّها كما قال تعالى: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(2)، أو قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلح جائز بين المسلمين»، أو رفضها كما قال: «لا بيع إلاّ في ملك» .
ومن الواضح أنّ الصحّة تلازم الحلّية التكليفية أو الوضعية بمعنى المضيّ، فتكون مجعولة بالعرض ومثلها الفساد يكون ملازماً للرفض فيكون مجعولاً بالعرض.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 290 .   2 . البقرة: 275 .

178

الثامن: ما هو الأصل المعوّل عليه عند الشك؟

المراد من الأصل هو القاعدة الأوّلية والمراد بها أحد الأُصول العملية، وإنّما تصل النوبة إلى هذا البحث إذا قصرت اليد عن الدليل الاجتهادي ولم يثبت أحـد طرفي المسألة، أي اقتضـاء النهـي الفسـاد وعدمـه، وإلاّ فلو ثبت في المستقبل أحـد الأمرين فلا تبقـى حاجـة لهـذا الأصـل، فنقـول: إنّ البحث قد يكون في المسألة الأُصولية، وقد يكون في مسألة فرعية جزئية، فلنذكر البحث عن الأوّل قبل الثاني.

ما هو الأصل في المسألة الأُصولية عند الشك؟

قد عرفت أنّ المسألة الأُصولية في المقام عبارة عن وجود الملازمة بين النهي والفساد، فلو شككنا في الملازمة وعدمها فلا يجري الأصل لوجهين:
1. إذ لاحالة سابقة لأحد الطرفين ; أو ليس للملازمة ولا عدمها، حالة سابقة حتى تستصحب بل لا شك في البقاء إذا ثبت الأصل، فلو كانت هناك ملازمة لكانت باقية قطعاً، ولو لم تكن ملازمة كانت كذلك.
فتلخّص أنّه إذا كان النزاع عقلياً فليس هاهنا قضية متيقّنة أوّلاً، وعلى فرض وجودها ليس هاهنا قضية مشكوكة ثانياً.
2. أنّه يشترط في الاستصحاب كون المستصحب إما حكماً شرعياً، أو موضوعاً لحكم شرعي، والملازمة تفقد هذا الشرط.
هذا إذا كانت المسألة أُصولية عقلية، وأمّا إذا افترضنا أنّ المسألة أُصولية لفظية فيقع البحث في دلالة النهي على الفساد، فربّما يتوهّم هنا وجود الأصل عن طريق استصحاب العدم الأزلي، حيث لم يكن هناك واضع ولا وضع ولا نهي فلم تكن هناك دلالة على الفساد، ولكن بعدما وجد الواضع والوضع والنهي نشك في

179
انقلاب هذا العدم إلى الوجود، فالأصل بقاؤه على ما كان عليه، كما في استصحاب عدم القرشية للمرأة المشكوكة في أنّها قرشية أو لا .
يلاحظ عليه: بأنّ استصحاب العدم الأزلي لا يسمن ولا يغني من جوع، وذلك:
أوّلاً: أنّ عدم ترتيب الأثر على مثل هذا العدم لا يُعدّ عند العرف نقضاً لليقين بالشك، فلو لم نقل بعدم دلالة النهي على الفساد، أو لم نقل بكون المرأة قرشية، لا يتّهم الإنسان بأنّه نقض يقينه بالشك، وإنّما يتهم بكونه توقّف في المسألة.
ثانياً: أنّه يشترط في الاستصحاب وحدة القضية المتيقّنة مع القضية المشكوكة والمقام يفتقد لهذا الشرط، لأنّ القضية المتيقّنة هي القضية السالبة بانتفاء الموضوع حيث قلنا لم يكن وضع ولا واضع ولا نهي.
وأمّا القضية المشكوكة فقد وجد الواضع والوضع وصار النهي موضوعاً لمعنى، غير أنّا نشك في سعة ما وضع له وضيقه، وأنّ الفساد هل هو جزء للموضوع له أو لا؟ فاستصحاب القضية الأُولى وإثبات القضية الثانية من أوضح الأُصول المثبتة.
وإن شئت قلت: إنّ القضية المتيقّنة هي القضية السالبة بانتفاء الموضوع، والقضية المشكوكة هي السالبة بانتفاء المحمول على فرض وجود الموضوع.

الشكّ في المسألة الفرعية

إذا كان الشكّ في المسألة الفرعية في باب المعاملات بأن شكّ في صحّة البيع وقت النداء، فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الأصل هو الفساد، لأنّ مقتضى صحّة البيع مثلاً انتقال المبيع من ملك البائع إلى ملك المشتري والثمن على العكس، والأصل عدم حصول النقل والانتقال وهو نفس الفساد.

180
هذا في المعاملات، وأمّا في العبادات فقد أفاد المحقّق الخراساني بأنّ الأصل هو الفساد، لأنّ تعلّق النهي مانع عن تعلّق الأمر لامتناع اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد، فصوم يوم الفطر إذا كان منهيّاً عنه يمتنع أن يتعلّق به الأمر.
ويمكن أن يقرر الأصل في العبادات بشكلّ آخر وهو: أنّ الشكّ في الصحّة يلازم الشك في حصول البراءة اليقينية، ومعه تجب الإعادة، وهذا التقرير أوضح ممّا أفاده المحقّق الخراساني; فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الشك في صحّة المعاملة يلازم الفساد لأصالة عدم انتقال المبيع من البائع إلى المشتري وعدم انتقال الثمن من المشتري إلى البائع.
وأمّا العبادات فالشكّ في الصحّة يلازم الشكّ في البراءة اليقينية.
ثم إنّ للأعلام الثلاثة: النائيني، والحائري، والاصفهاني كلاماً في المقام أوضحنا حاله في الدورات السابقة، فلاحظ (1) .

التاسع: أقسام تعلّق النهي بالعبادة

إنّ النهي عن العبادة على أقسام:
تارة يتعلّق النهي بنفس العبادة، كما إذا قال (عليه السلام): «دعي الصلاة أيّام أقرائك».(2)
وأُخرى يتعلّق النهي بذات العبادة لكن بواسطة النهي عن وصفه كصوم الوصال في قوله (عليه السلام): «لا وصال في الصيام».(3)
وثالثة يتعلّق النهي بجزء العبادة أو شرطها أو وصفها الملازم لها أو وصفها غير الملازم لها، أو بالعبادة عرضاً بواسطة تعلّق النهي بأحد هذه الأُمور.

1 . إرشاد العقول: 2 / 306 ـ 308 .
2 . الوسائل:2، الباب 7 من أبواب الحيض، الحديث 2.
3 . الوسائل:7، الباب 29 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 3.

181
هذه أقسام ثلاثة ولنقدّم البحث عن القسم الثالث حسب ترتيب (كفاية الأُصول).

1. إذا تعلّق النهي بالجزء

إذا تعلّق النهي بالجزء كالنهي عن قراءة إحدى سور العزائم في الصلاة فهل يلازم الفساد إذا قرأها؟
قال المحقّق الخراساني: إنّ النهي يوجب بطلان الجزء، لكن بطلانه لا يوجب بطلان العبادة، إلاّ في صورتين:
أ. إذا اقتصر في مقام الامتثال بالجزء المنهي عنه لا مع الإتيان بغيره ممّا لم يتعلّق به النهي.
ب. إذا استلزم الإتيان بجزء آخر محذوراً كفوت الموالاة.
فإن قلت: لو أتى بسورة أُخرى، يلزم القران.
قلت: إنّ الجمع بين السورتين مكروه عند المشهور، «والمحذور» في عبارة الكفاية محمول على فوت الموالاة بالقران بين السورتين وقد نُهي عنه.
روى الصدوق عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «لا قران بين السورتين في ركعة واحدة» .(1)
ثم إنّه أُشكلّ على القول بصحّة الصلاة بوجوه نذكرها تالياً:
1. إن قلت: إنّ النهي عن الجزء يوجب تقييد العبادة بما عدا ذلك الجزء وتكون النسبة إليه «بشرط لا»، واعتبار العبادة «بشرط لا» با لنسبة إليه يقتضي فساد العبادة المشتملة على ذلك الجزء، لعدم كون الواجد من أفراد المأمور به .

1 . الوسائل: 4، الباب 4 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث 1 .

182
قلت: حرمة جزء العبادة يقتضي فساد ذلك الجزء وأنّ وجوده كالعدم، وأمّا اعتبار العبادة بالنسبة إليه بشرط لا فلا تقتضيه، فإذا أتى بغير المنهيّ عنه وصارت العبادة جامعة للشرائط فلا وجه لبطلانها.
2. إن قلت: إذا تداركه بجزء آخر حتّى في غير السورة يُعدّ الأوّل زيادة في الفريضة فتبطل الصلاة بسبب الزيادة العمدية المعتبر عدمها في صحّتها، ولا يعتبر في تحقّق الزيادة قصد الجزئية إذا كان المأتي به من جنس أجزاء العمل. نعم يعتبر قصد الجزئية في صدقها إذا كان المأتي به من غير جنسه .(1)
قلت: هنا فرق بين كون شيء جزءاً تكوينياً وكونه جزءاً اعتبارياً، فلو زاد في المركّب الخارجي شيئاً عن سهو صدق أنّه زاد فيه سواء أقصد الجزئية أم لا. وأمّا المركّب الاعتباري الّذي هو في الحقيقة أُمور مختلفة متفرقة من مقولات متشتّتة يجمعها عنوان اعتباري آخر ـ كالصلاة ـ ففي مثلها تكون جزئية الشيء رهن القصد والاعتبار فلا يصدق أنّه زاد في صلاته إلاّ إذا أتى بالجزء بما أنّه جزء منه، والمفروض خلافه. نعم لو أتى بالجزء المنهي بما أنّه جزء للصلاة يكون مبطلاً بلا شك .
3. إن قلت: تعدّ قراءة السورة المنهية تكلّماً في الصلاة فتعمّه مطلق أحكام التكلّم من غير تقييد بكلام الآدمي، والقدر الخارج عن هذا الإطلاق هو التكلّم بالقرآن والذكر الجائزين ويبقى الذكر والقرآن المنهي عنهما داخلين تحت الإطلاق.(2)
قلت: المحرم هو التكلّم بكلام الآدمي لا مطلق التكلّم حتّى يعمّ القرآن والذكر المحرّمين، ويدلّ على ذلك لسان الروايات; روى أبو بصير عن الإمام الصادق(عليه السلام)

1 . أجود التقريرات: 1 / 397 ; فوائد الأُصول: 1 / 465 .
2 . نفس المصدر السابق.

183
قال: «إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة».(1)
أضف إلى ذلك: أنّ تعليل بطلان الصلاة بهذين يخرج المسألة عن الأُصولية إلى المسألة الفقهية، واللازم في هذا المقام التركيز على دلالة النهي على الفساد أو لا، وأمّا تعليله بكونه زيادة في المكتوبة أو تكلّماً في الصلاة فهو يناسب المسألة الفقهية.

2. إذا تعلّق النهي بالشرط

إذا تعلّق النهي بالشرط ـ كالستر بالحرير ـ فهل يوجب فساد العبادة أو لا؟
ذهب المحقّق الخراساني إلى التفصيل بين أن يكون الشرط عبادة كالطهارات الثلاث فإنّ فسادها يوجب فساد المشروط، وما لا يكون عبادة كالستر فإنّ فساده لا يوجب فساده، لعدم كونه عبادة فيكفي الشرط المحرّم إذا كان توصّليّاً .
أقول: ما ذكره في الشرط العبادي صحيح لا ريب فيه، وأمّا ما ذكره في الشرط غير العبادي بأنّه لا يوجب فساد نفس الشرط، فساد العبادة المشروطة به، فهو موضع تأمّل، بل يجب فيه التفصيل.
فالأوّل كغسل الثوب النجس بالماء المغصوب والصلاة فيه بعد جفافه، فإنّ طهارة الثوب شرط لصحّة الصلاة، سواء أحصّلها بماء مباح أم بماء مغصوب.
والثاني كالستر بالحرير، فالظاهر أنّ النهي عن الشرط يوجب بطلان العبادة.
توضيح ذلك أنّ هنا أُموراً ثلاثة:
أ. الصلاة وهي المشروط.
ب. ذات الستر، أي المنسوج من الحرير.

1 . الوسائل: 4، الباب 25 من أبواب القواطع في الصلاة، الحديث 1 و 2 و 4 .

184
ج. التستر بالحرير، للرجال.
فالنهي لم يتعلّق لا بالأوّل ولا بالثاني، بل تعلّق بالثالث الّذي هو شرط لصحّة الصلاة، فإذا كان التستر متعلّقاً للنهي يمتنع أن يكون متعلّقاً للأمر لعدم صحّة اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوان واحد.
فإن قلت: ما الفرق بين الجزء والشرط؟ حيث إنّ بطلان الجزء بما هو هو لا يوجب بطلان الكلّ (العبادة) كما مرّ، بخلاف الشرط فإنّ مبغوضية الشرط ـ أي حرمة التستر ـ يوجب بطلان العبادة ؟
قلت: الفرق بينهما واضح، لأنّ الجزء المحرم قابل للتدارك، أي الإتيان بالجزء مكان الجزء السابق المأتي به، بخلاف الشرط كالتستر فإنّه لا يمكن تبديل المحرم بالمباح، إذ لازمه وقوع الصلاة في جزء من الزمان بلا ستر.
هذا ما ذكرناه في الدورات السابقة والظاهر أنّ المورد داخل في باب اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوانين، وذلك لأنّ الأمر تعلّق بستر العورتين والنهي تعلّق بلبس الحرير مطلقاً، والنسبة بينهما عموم وخصوص من وجه، فتارة يصلّي بالساتر غير الحرير، وأُخرى يلبس الحرير في غير حالة الصلاة، وثالثة يجمع بينهما.

3. إذا تعلّق النهي بالوصف اللازم

إذا تعلّق النهي بالوصف اللازم كالجهر بالقراءة في الصلوات النهارية، فهل يدلّ على فساد القراءة أو لا؟
والمراد من الوصف اللازم أن لا يكون للموصوف وجود مغاير للوصف حيث إنّ الجهر من كيفيات القراءة وخصوصياتها.
فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ النهي عن الوصف اللازم مساوقٌ للنهي

185
عن موصوفه فيكون النهي عن الجهر في القراءة ـ مثلاً ـ مساوقاً للنهي عن نفس القراءة، لاستحالة كون القراءة الّتي يجهر بها، مأموراً بها مع كون الجهر بها منهياً عنه فعلاً كما لا يخفى.(1)
وبعبارة أُخرى: أنّ النسبة بين الأمر والنهي عموم وخصوص مطلق، لأنّ الأمر تعلّق بالقراءة، والنهي تعلّق بالجهر بها، فيكون من قبيل صلّ، ولا تصل في الحمام، فيكون متعلّق الأمر جزءاً لمتعلّق النهي فيوجب الفساد.
أضف إلى ذلك: أنّه يمكن أن يقال بالبطلان لا بالتقرير الّذي مرّ بل بعدم تمشّي قصد القربة عند الامتثال، كما هو الحال في كلّ مورد يكون من مصاديق اجتماع الأمر والنهي، كما سيأتي في القسم التالي.

4. إذا تعلّق النهي بالوصف غير اللازم (المفارق)

إذا تعلّق النهي بالوصف المفارق ـ كالغصب بالنسبة إلى الصلاة ـ حيث إنّ الصلاة عبارة عن الأذكار والأفعال، والغصب عبارة عن الاستيلاء على مال الغير، وهما في الخارج حقيقتان مختلفتان، بخلاف الجهر بالنسبة إلى القراءة إذ ليس له وجود مغاير مع القراءة، فالصحّة مبنية على جواز اجتماع الأمر والنهي، والفساد مبني على تقديم النهي على الأمر. نعم يمكن القول بالفساد حتّى على القول بجواز الاجتماع لأجل عدم تمشّي قصد القربة عند الامتثال.

5. إذا تعلّق النهي بالعبادة لأجل أحد هذه النواهي

إذا تعلّق النهي بالجزء أو الشرط أو الوصف فربّما ينسب النهي إلى نفس العبادة، فهل يوجب البطلان أو لا؟

1 . كفاية الأُصول: 1 / 393.

186
الظاهر التفريق بين كون النهي عن الجزء مثلاً واسطة في الثبوت أو واسطة في العروض، والفرق بين الواسطتين واضح .
فلو كان النهي عن الجزء واسطة في الثبوت، أي علّة لتعلّق النهي بنفس العبادة أيضاً واتّصافها بالحرمة واقعاً، كما تكون النار واسطة في الثبوت لاتّصاف الماء بالحرارة حقيقة، فهذا القسم يدخل في القسم الأوّل الّذي سنبحث عنه، أي ما لو تعلّق النهي بنفس العبادة.
وأمّا إذا كان النهي عن الجزء مثلاً واسطة في العروض بمعنى أن يكون الاتّصاف مجازياً لا حقيقياً، كوساطة الماء لعروض الجريان على الميزاب أيضاً، فلا يزيد حكم هذا النهي عن حكم الواسطة، فلو كان النهي عن الواسطة مضراً فيكون هذا مثلها، أو كان غير مضر فكذلك.
فإن قلت: لماذا خصّصت هذا القسم (النهي عن الجزء والشرط و...) بالعبادات مع إمكان جريان هذا التقسيم في المعاملات أيضاً، فيتعلّق النهي هناك بجزء المعاملة أو شرطها؟
قلت: لو قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات أسماء للأسباب المركّبة كان لهذا التقسيم مجالٌ في المعاملات، وأمّا لو قلنا بأنّها أسماء للمسبّبات، أي ما هو الحاصل من العقد فلا موضوع لهذا التقسيم.
إلى هنا تمّ الكلام في القسم الثالث فلنعد إلى بيان القسم الأوّل ثم الثاني.

القسم الأوّل: تعلّق النهي بالعبادة

ذكر المحقّق الخراساني لهذا القسم مورداً واحداً وهو تعلّق النهي المولوي الذاتي بالعبادة مع أنّه في عالم التصوير على أقسام ثلاثة كما سيوافيك .

187

1. النهي التحريمي المولوي الذاتي

إذا تعلّق النهي التحريمي المولوي الذاتي بالعبادة ; كصلاة الحائض في قوله (عليه السلام): «دعي الصلاة أيّام أقرائك»، (1) وصوم يوم الفطر في الحديث الشريف: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن صيام ستة أيام: يوم الفطر، ويوم النحر....(2)
أو تعلّق بذات العبادة ولكن بواسطة النهي عن وصفها، كصوم الوصال في قوله(عليه السلام): «لا وصال في الصوم» (3)، فهل يدل النهي على الفساد أو لا؟
ذهب المحقّق الخراساني إلى الدلالة بالبيان التالي:
إنّ الصحّة إمّا بمعنى مطابقة الأمر للشريعة كما عليه المتكلّمون، أو بمعنى سقوط الإعادة والقضاء.
فعلى الأوّل الصحّة فرع الأمر، ومع النهي عن ذات الشيء لا يتعلّق به الأمر.
وعلى الثاني فسقوط القضاء والإعادة فرع تمشّي قصد القربة، ومع الحرمة الذاتية كيف يتمشّى قصدها؟(4)
والّذي يسهّل الخطب عدم وجود مثل ذلك النهي في الشريعة المقدّسة، لأنّ معنى تعلّق النهي الذاتي بالشيء هو اشتماله على مفسدة ذاتية، وأن يكون العمل خبيثاً في حدّ نفسه، فمثل هذا لا يتصوّر في العبادة، لا في العبادة الفعلية ولا في العبادة الشأنية، أي ما لو تعلّق به الأمر لكان عبادة .
وإن شئت قلت: إنّ النهي في هذه الموارد ليس نهياً ذاتياً، كالنهي عن الخمر والقمار، كما يدّعيه المحقّق الخراساني، ولا نهياً تشريعياً كما ادّعاه بعضهم، بل

1 . مسند أحمد: 6 / 42 و 262 وفي المصدر «حيضك».
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الصوم المحرم، الحديث 4 .
3 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب الصوم المحرم، الحديث 1 .
4 . كفاية الأُصول: 1 / 294، بتصرّف في العبارة.

188
النهي في هذه الموارد إرشادي إلى فساد العبادة وعدم تحقّقها، والّذي يدلّ على ذلك أنّه إذا كان العنوان موضوعاً لحكم وكان الموضوع مركّباً من أجزاء وشرائط وله موانع، غير أنّ المأمور جاهل بتركيب العنوان وأجزائه وشرائطه وموانعه، فعندئذ كلّما يصدر من الآمر أمر أو نهي فكلّها تحمل على الإرشاد إلى أجزاء الموضوع وشرائطه وموانعه، فإذا قيل: «دعي الصلاة أيام أقرائك» فهو إرشاد إلى أنّ الحيض مانع عن صحّة الصلاة فلا يحصل ما هو المطلوب.
وبذلك يعلم أنّ ما استشكلّ به المحقّق الخراساني ثم أجاب عنه أمر غير لازم، لما عرفت من انتفاء الموضوع وهو تعلّق الحرمة الذاتية بالعبادة.

2. النهي المولوي التشريعي

إذا أوجب الإنسان على نفسه فعلاً لم يوجبه الشرع، أو ترك فعلاً لم يحرّمه، يكون الفعل والترك حراماً تشريعياً لا ذاتياً، فالفعل والترك ربّما لا يكون واجباً ولا حراماً بالذات، لكن ادّعاء تعلّق الأمر أو النهي به شرعاً، يصيِّره حراماً تشريعياً، ويحكم عليه بالفساد، لوجهين:
1. أنّ الصحّة رهن الأمر، فالمفروض أنّه لا أمر له ـ وإلاّ لم يكن حراماً تشريعاً ـ أو رهن الملاك والمفروض عدم العلم به، لأنّ الكاشف عنه هو الأمر والمفروض عدمه.
2. أنّه إفتراء على الله سبحانه، كما قال: (قُلْ ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(1)، ولعلّ منه النهي عن إقامة صلاة النوافل في ليالي رمضان جماعة.
ثمّ أشار في «الكفاية» إلى قسم من النهي وأسماه بالعرضي، وهو النهي المتولّد من الأمر بالشيء المقتضي للنهي عن ضده (الصلاة) عرضاً، فهذا النهي بما أنّه

1 . يونس: 59 .

189
عرضي، لا يوجب الفساد، إذ ليس هنا إلاّ واجب واحد، وهو الإزالة، ونسبة النهي إلى ضده ـ أعني: الصلاة ـ نسبة مجازية.

3. النهي الإرشادي

قد عرفت أنّه إذا أمر المولى بعنوان طريق لإحراز المصالح، فالأوامر والنواهي المبيّنة، لأجزائه وشرائطه وموانعه، فهي أوامر ونواه إرشادية إلى بيان الأجزاء والشرائط والموانع، وربّما يكون المرشد إليه هو الكراهة كما في النهي عن الصلاة في الحمام، أو في البيت وهو جار للمسجد، فإنّ المتبادر ـ بعد الإجماع على الصحّة ـ هو الإرشاد إلى الكراهة.
وربّما يكون النهي المتعلّق بالعنوان، إرشاداً إلى كونه فاسداً كما في النهي عن صوم العيدين، وصلاة الحائض كما مرّ.
وعلى هذا فليس في العبادات إلاّ قسم واحد وهو النهي الإرشادي إلى الكراهة أو الحرمة أو الفساد، مضافاً إلى إمكان قسم آخر وهو النهي التشريعي كما في النهي عن إتيان النوافل جماعة في ليالي شهر رمضان.

190
 
 
المقام الثاني

دلالة النهي عن الفساد في المعاملات

قد عرفت أنّ النهي في العبادات ليس له إلاّ قسم واحد وهو الإرشاد إلى الفساد، وإنْ احتملنا أنّ له قسماً آخر وهو النهي المولوي التشريعي. وأمّا النهي في المعاملات فقد ذكر المحقّق الخراساني له أقساماً خمسة:
1. إذا تعلّق النهي بنفس المعاملة بما هو فعل مباشري كالعقد وقت الشراء.
2. إذا تعلّق النهي بالمسبّب بما هو فعل تسبيبي للمكلّف كالنهي عن بيع المصحف من الكافر، فإنّ المنهي عنه مالكية الكافر للمصحف.
3. إذا تعلّق النهي بالتسبب بها إليه وإن لم يكن السبب ولا المسبب بما هو فعل من الأفعال بحرام، وهذا كالتسبب إلى الطلاق بقوله: أنت خليّة. أو التسبب إلى مفارقة الزوجة كقوله: ظهرك كظهر أُمّي.
4. أن يتعلّق النهي بالأثر المترتّب على المسبّب، كما إذا تعلّق النهي بالتصرّف في الثمن أو المثمن، كما إذا قيل ثمن الخمر سحت .
5. ما يكون ظاهراً في (الإرشاد) إلى الفساد، كالنهي عن غسل الثوب النجس بماء مضاف.
6. إذا ورد نهي ولم يعلم أنّه من أي قسم من الأقسام.

191
أمّا القسم الأوّل: فمجال المناقشة في وجود الصغرى وتمامية الكبرى، واسع، أمّا المناقشة في الصغرى فيمكن أن يقال: إن النهي في قوله تعالى: (وَذَرُوا الْبَيْعَ)تأكيد لقوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ)(1) وليس هناك أمر ونهي، بل ليس هنا إلاّ أمر واحد، ولذلك الأَولى التمثيل بإجراء المحرم العقد لغيره.
وأمّا تمامية الكبرى فلأنّ مبغوضية العقد لا تكشف عن مبغوضية المُنشأ، فالبيع عند النداء لمّا كان يعيق الإنسان عن ذكر الله صار مبغوضاً، وأمّا أنّ المنشأ فاسد وأنّ البيع غير واقع فلا يدل عليه.
وأمّا القسم الثاني: فالظاهر من المحقّق الخراساني عدم الملازمة بين مبغوضية المضمون والفساد، بشرط أن لا يكون النهي إرشاداً إلى الفساد أو لم يكن لسانه لسان تقييد العمومات والمطلقات، كما في قوله سبحانه: ( وَ لاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ)(2) والظاهر إفادته الفساد، لأنّ مبغوضية المنشأ وصحّته أمران غير قابلين للجمع، فلو فرضنا أنّ المولى يبغض المنشأ ويطلب عدمه، وفي الوقت نفسه يصوّبه ويعترف بكونه أمراً قانونياً، فهذان الأمران متضادان، حيث إنّ الأمر الثاني يكون نقضاً لما هو المقصود من الأمر الأوّل.
ثم إنّ للمحقّق النائيني كلاماً في الدلالة على الفساد أوضحنا حاله في الدورات السابقة فلاحظ. والأولى الاستدلال على الفساد بما ذكرنا من أنّ المبغوضية مع الاعتراف بالصحّة يُعد نقضاً لغرض المشرّع.
وأمّا القسم الثالث: أعني: أن يتعلّق النهي بالتسبّب كتملّك الزيادة عن طريق البيع الربوي والتوصّل إلى الحيازة بالآلة المغصوبة، أو التسبّب إلى الطلاق الرجعي بقوله: «أنت خلية»، وإن لم يكن السبب بما هو ولا المسبب بما هو هو، بحرام،

1 . الجمعة: 9 .
2 . النساء: 22 .

192
وقد ذهب المحقّق الخراساني إلى عدم الدلالة على الفساد.
ولعلّه هو الصواب; والفرق بين القسم الثاني والثالث واضح، لأنّ المنشأ في القسم الثاني مبغوض جدّاً بخلاف المقام فإنّه غير مبغوض وإن كان التسبب مبغوضاً كإنشاء الطلاق: بـ «أنت خليّة».
وأمّا القسم الرابع: فدلالته على الفساد أوضح، لأنّ النهي عن أكلّ الثمن والتصرّف فيه يدلّ على أنّ البائع لم يتملّك الثمن، وهو عبارة أُخرى عن الفساد، وان شئت قلت: إنّ صحّة المعاملة عبارة أُخرى عن تصرّف كلّ من البائع والمشتري فيما انتقل إليه، فإذا كان التصرّف حراماً فيكشف عن بقائهما في ملك المتبايعين، وهو عبارة أُخرى عن الفساد.
وأمّا القسم الخامس: أعني ما إذا كان ظاهراً في الإرشاد إلى الفساد، فلاشكّ في دلالته عليه.
وهناك قسم آخر: في عالم الإثبات وإن كان ثبوتاً لا يتجاوز عن أحد الأقسام الخمسة وهو أنّه لو ورد النهي، ولم يعلم أنّه من أيّ الأقسام الأربعة، فإذا قيل: «لا تبع ماليس عندك» فلم يعلم أنّه نهي عن السبب أو المسبّب أو التسبّب أو الأثر المترتّب على البيع، فالظاهر وفاقاً لجمع من الأجلّة هو الحمل على القسم الرابع.
أمّا عدم تعلّقه بالأسباب فلأنّها ملحوظةٌ بالتبع، غير مطلوبة بالذات، ومثله لا يتعلّق به النهي إلاّ نادراً، وأمّا المسبّبات، فإنّها أُمور عقلائيّة غير مطلوبة إلاّ بآثارها، وأمّا التسبّب فالنهي عنه قليل، وإنّما المطلوب بالذات في المعاملات هو التصرّف والتقلّب في المثمن بأيّ نحو شاء، فإذا صارت الآثار مسلوبة فكأنّه لم تتحقّق المعاملة، وبالجملة إنّ ذهن العقلاء في هذه النواهي لا يتوجّه إلاّ إلى القسم الرابع.
ومع ذلك ففي هذا التقرير نظر، لأنّه استظهار ظنيّ لا ينعقد به للكلام ظهور،

193
والحقّ أن يقال: إن كان للنهي أعني قوله: «لا تبع ما ليس عندك» ظهور فهو، وإلاّ يكون مجملاً فالمرجع الأصل، ومقتضاه هو الفساد، إذ الأصل عدم انتقال الثمن والمثمن من ملك المتبايعين.

إكمال

ربّما يستدلّ على الملازمة الشرعية بين النهي المولوي التحريمي، والفساد بصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده، فقال: «ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما»، قلت: ـ أصلحك الله ـ إنّ الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما، يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد ولا تُحِلُّ إجازة السيّد له، فقال أبو جعفر (عليه السلام):«إنّه لم يعص الله، وإنّما عصى سيّده، فإذا أجاز فهو له جائز».(1)
وجه الاستدلال: أنّ ظاهر قوله: «إنّه لم يعص الله» أنّه لو كان هنا عصيان بالنسبة إليه تعالى كان فاسداً، والمراد من العصيان هو العصيان التكليفي بقرينة العصيان في جانب المولى حيث إنّه عصى مولاه تكليفاً، وبما أنّه لم يكن في مورد تزويج العبد عصيان له سبحانه، صحّ .
أقول: الاستدلال بالحديث مبني على تفسير العصيان في الرواية بالعصيان التكليفي، أي ما يستلزم العقوبة والمؤاخذة في الآخرة، وعندئذ يدلّ على أنّ كلّ مخالفة شرعية للحكم التحريمي في مورد المعاملات، توجب الفساد ويثبت مقصود المستدلّ; لكن المراد من العصيان في الرواية هو العصيان الوضعي، أي ليس المورد ممّا حرّمه الله وضعاً، ومن المعلوم أنّ التحريم الوضعي يلازم الفساد.
والدليل على ذلك أنّ الإمام أبا جعفر (عليه السلام)فسّره في رواية أُخرى بالعصيان

1 . الوسائل: 14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1 .

194
الوضعي أي ما يكون نكاحه على خلاف الشريعة والقانون الإلهي. روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن رجل تزوّج عبدُه امرأة بغير إذنه فدخل بها ثمّ اطلع على ذلك مولاه، قال: «ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما...» فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): فإنّ أصل النكاح كان عاصياً، فقال أبو جعفر(عليه السلام): «إنّما أتى شيئاً حلالاً وليس بعاص لله وإنّما عصى سيده ولم يعص الله إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم الله عليه من نكاح في عدّة وأشباهه».(1)
نرى أنّ الإمام (عليه السلام)يفسر العصيان ـ المنفي في المقام ـ بما حرّم الله عليه من النكاح في العدّة، فتكون النتيجة: أنّه يقصد من العصيان الملازم للفساد هذا النوع من العصيان، أي ما لم يشرّعه الله سبحانه لا مطلق العصيان ولو كان تكليفياً.
وبذلك يعلم أنّ المراد من العصيان في جانب المولى أيضاً عصيان وضعي وهو عدم الحركة على وفق العبودية وزيّ الرقّية، فإنّ مقتضاها أن تكون حركته وسكونه بإذن السيد، فلو تزوّج بلا إذنه فقد خرج عن زيّ الرقّية.

تذنيب: في ملازمة النهي للصحّة

إنّ الأُصوليين ركّزوا على دلالة النهي على الفساد وعدم دلالته، ولكن الظاهر من أبي حنيفة وتلميذه أنّ النهي يدلّ على الصحّة، وهذا من غريب الدواعي حيث جعلا ما من شأنه أن يدلّ على الفساد دليلاً على الصحّة وقد ذُكر له بيانان:

الأوّل: المقصود من دلالة النهي على الصحّة هو الدلالة الالتزامية

بمعنى أنّ قول الشارع لا تصم يوم النحر، أو قوله للحائض: «دعي الصلاة، أيّام أقرائك» يلازم صحّة المنهي عنه، وذلك لأنّ لفظي الصوم والصلاة وضعا

1 . الوسائل: 14، الباب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2 .

195
للقسم الصحيح منهما، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
وبعبارة أُخرى: أنّ المراد من الصوم والصلاة إمّا المعاني اللغوية ـ أعني: الإمساك والدعاء ـ أو الحقائق الشرعية; والأوّلان ليسا بمحرّمين، فثبت أنّ الحرام هو القسم الحقيقي منهما. وهذا هو المراد من قولهما من كشف النهي عن صحّة المنهي عنه.
وحاصل الاستدلال: أنّ النهي يتعلّق بالصوم الشرعي، والصوم الشرعي هو الصوم الصحيح، وهكذا الصلاة .
يلاحظ عليه: بما مرّ في البحث عن وضع الألفاظ للصحيح أو الأعم، أنّه لو قلنا بوضعها للصحيح يراد به تام الأجزاء فقط، وأمّا الشرائط أو عدم المانع أو القاطع فالجميع خارج عن الموضوع له، وعلى هذا فالمنهي عنه هو الصحيح النسبي لا الصحيح المطلق الذي يوجب سقوط القضاء والإعادة.
وبعبارة أُخرى: إنّ القول بكون الموضوع له هو الصحيح والأصل في الاستعمال الحقيقة، لا يثبت سوى كون المنهيّ عنه هو الصلاة تامّة الأجزاء، ومن المعلوم أنّها لا تلازم الصحّة التي لو أُتي بها تكون مبرئة الذمّة، إذ ليس للصلاة تامّة الأجزاء هذا الشأن.

الثاني: الحرمة الذاتية لا تتعلّق بالفاسد

هذا هو البيان الثاني لإثبات أنّ النهي يلازم الصحّة، يقول: إنّ النهي عن شيء كالأمر إنّما يصحّ بعد كون المتعلّق مقدوراً، ومن المعلوم أنّ النهي لا يتعلّق بالعبادة الفاسدة، إذ لا حرمة لها فلابدّ أن يكون متعلّق النهي هو الصحيح ولو بعد النهي، فلو اقتضى النهي الفساد يلزم أن يتعلّق النهي بشيء غير مقدور.
وبعبارة أُخرى: لو كان النهي سبباً للفساد لزم أن يكون النهي سالباً للقدرة،

196
والتكليف الّذي يجعل المكلّف عاجزاً عن الارتكاب، يكون لغواً.
يلاحظ عليه: بأنّ الاستدلال مبني على أنّ المراد من الصلاة والصوم هو العبادة الفعلية المساوقة للصحّة، بل المراد ـ كما مرّ ـ هو العبادة الشأنية أي ما لو كان مأموراً به كان الأمر به أمر عبادة لا يسقط إلاّ بقصد القربة. ومن المعلوم أنّ العبادة بهذا المعنى لا تساوق الصحّة الفعلية. ولا يمكن أن تكشف عن العبادة الفعلية أي ما تعلّق به الأمر، إذ لازم ذلك اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بعنوان واحد.
ثم إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن استدلال أبي حنيفة في مورد المعاملات بجواب آخر، وحاصله: الفرق بين النهي المتعلّق بالسبب والنهي المتعلّق بالمسبب أو التسبب، وأنّ النهي لا يكشف عن الصحّة في الأوّل لأنّه مقدور بخلاف الثاني، فإنّه يكشف عن مقدوريته ولا يكاد يقدر عليهما إلاّ فيما كانت المعاملة مؤثرةً صحيحة.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ المعاملات من الأُمور الإمضائية، وليست هي كالعبادات حتّى تكون تأسيسية، وعلى ضوء ذلك فألفاظ المعاملات أسماء للصحيح العرفي وهو أعمّ من الصحيح الشرعي، فأقصى ما يدلّ عليه النهي هو صحّة المتعلّق عرفاً لا شرعاً، مع أنّ المدّعى هو دلالة النهي على كون المنهي عنه صحيحاً شرعاً.
إلى هنا تمّت مباحث النهي عن العبادات والمعاملات، وبقيت هنا ثمرات تعرّضنا لذكرها في الدورات السابقة، فلتطلب من محالّها.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 299 ـ 300 .

197
المقصد الثالث:
في المفاهيم
      أُمور تمهيدية
      الفصل الأوّل: في مفهوم الشرط وفيه تنبيهات
      الفصل الثاني: في مفهوم الوصف
      الفصل الثالث: في مفهوم الغاية
      الفصل الرابع: في مفهوم الحصر
      الفصل الخامس: في مفهوم اللقب
      الفصل السادس: في مفهوم العدد
***
و قبل الدخول في صلب المقصود نقدّم أُموراً:

198
 

199
 

الأوّل: المنطوق والمفهوم من أوصاف المدلول

يوصف كلّ من المدلول والدلالة، بالمنطوق والمفهوم، فيقال: مدلول منطوقي، ومدلول مفهومي، كما يقال: دلالة منطوقية، ودلالة مفهومية. والظاهر أنّهما من أوصاف المدلول أوّلاً وبالذات، لأنّ المدلول إمّا يَنتقل إليه المخاطب من منطوق المتكلم أو ينتقل إليه لا من منطوقه وحاقّه، بل من الخصوصيات التي احتفَّ بها الكلام، فيوصف الأوّل بالمدلول المنطوقي والثاني بالمدلول المفهومي. وإذا صار المدلول منطوقيّاً أو مفهومياً يصح وصف الدلالة بهما، فصار هذا سبباً لتقسيم الدلالة إليهما أيضاً، بالعرض والمجاز.
نعم ربما توجد أُمورٌ لا تكون من صفات المدلول بما هو مدلول بل من صفات ذات المعنى لا المدلول إذا لم تقع في إطار الدلالة كما هو الحال في وصف الإنسان بالكلية، والشخص الخارجي بالجزئية فالإنسان مثلاً، كلي وزيد جزئي كلّ بما هو هو عند التصوّر وإن لم يدلّ عليه اللفظ.
ثمّ إنّ المراد من المفهوم هنا مطلق ما يفهم لا المفهوم المصطلح في هذا المقصد الذي نحن بسبب بيانه، في هذا الفصل فتذكر.

الثاني: حصر المداليل في المنطوق والمفهوم

إذا كان المراد من المنطوق ما نطق به المتكلّم، ومن المفهوم ما فهم من كلامه ـ وإن لم ينطق به عرفاً ـ فعامّة المداليل حتّى دلالة المفردات على نحو المطابقة أو

200
التضمّن أو الالتزام تدخل تحت المنطوق أو المفهوم.
نعم لو خصّصنا المدلول بالمدلول الجُملي، تخرج دلالة المفردات عن تحت الضابطة، وأمّا إذا عمّمناه إلى الجملي والإفرادي، أو التصديقي أو التصوّري، تدخل عامة المداليل تحت أحد الأُمور التالية:

اللازم البيّن وغير البيّن

في المنطوق والمفهوم   
إنّ العرض اللازم ينقسم إلى اللازم البيّن واللازم غير البيّن; والأوّل ينقسم إلى البيّن بالمعنى الأخص، والبيّن بالمعنى الأعم، فتصير الأقسام ثلاثة:
أمّا الأوّل: فهو ما يكون تصوّر الموضوع كافياً في الانتقال إلى اللازم كالعمى بالنسبة إلى البصر. وهذا ما يعبّر عنه بالدلالة الالتزامية، فالمنطقي على أنّها دلالة لفظية وضعية وعلماء البيان على أنّها دلالة عقلية .
وأمّا الثاني: فهو ما يكون تصوّر الموضوع غير كاف في الانتقال إلى اللازم، بل يحتاج إلى تصوّر الطرفين ولحاظ النسبة ثم الجزم باللزوم، وهذا نظير تصوّر زيد وأجداده القريبين، فلا يُنتقل إلى لازم القضية من كونهم أربعة أو زوجاً إلاّ بعد تصوّر الطرفين ولحاظ النسبة. كالزوجية بالنسبة إلى الأجداد القريبة فإنّ الإنسان لا ينتقل من مجرد تصوّر الموضوع (كزيد) إلى الأجداد القريبة، ثم إلى لازمها، أعني: كونها أربعة.
وأمّا الثالث: وهو ما يحتاج وراء تصوّر الأُمور الثلاثة إلى إقامة البرهان على الملازمة، وهذا كالحدوث بالنسبة إلى العالم الذي يحتاج الجزم بالنسبة، إلى البرهان، نظير قولنا: العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ اللوازم في هذه الموارد الثلاثة كلّها من المداليل المفهومية، لأنّها تفهم من الكلام دون أن ينطق بها المتكلّم.

201

الدلالات السياقية

وهي على ثلاثة أقسام:
1. المدلول عليه بدلالة الاقتضاء.
2. المدلول عليه بدلالة التنبيه.
3. المدلول عليه بدلالة الإشارة.
قال المحقّق القميّ(1): والمدلول عليه بدلالة الإشارة، إمّا أن يكون الدلالة مقصودة للمتكلّم أو لا، فأمّا الأوّل فهو على قسمين:
الأوّل: ما يتوقّف صدق الكلام عليه كقوله(صلى الله عليه وآله): «رفع عن أُمّتي تسع: الخطأ والنسيان... »، فإنّ المراد رفع المؤاخذة عنهم، وإلاّ لكذب. أو صحّته عقلاً كقوله تعالى:(وَاسأل القَرية) فلو لم يقدّر الأهل لما صحّ الكلام عقلاً ـ على ما هو المشهور ـ أو شرعاً كقول القائل: اعتق عبدك عني على ألف، أي ملكه لي على ألف، إذ لا يصحّ العتق شرعاً إلاّ في ملك، وهذا يُسمّى مدلولاً بدلالة الاقتضاء.
الثاني: ما لا يتوقّف صدق الكلام ولا صحّته على المدلول ـ أعني: العلّية في المقام ـ ولكن كان مقترناً بشيء لو لم يكن ذلك الشيء علّة له لبعد الاقتران فيفهم منه التعليل فالمدلول هو علية ذلك الشيء لحكم الشارع، مثل قوله(صلى الله عليه وآله): «كفّر» بعد قول الأعرابي: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان. فيعلم من ذلك أنّ الوقاع علّة لوجوب الكفّارة عليه، وهذا يُسمّى مدلولاً بدلالة التنبيه.
وأمّا الثانيـ و هو أن تكون الدلالة غير مقصودة للمتكلّم ـ مثل قوله تعالى:(وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً).(2)

1 . القوانين: 168، ط . الحجرية.
2 . الأحقاف: 15.

202
وقال تعالى: (وَالوالِداتُ يُرضِعْنَ أولادهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَين)(1)، فإذا كانت مدة الرضاع حولين كاملين يفهم من ضمّ الآيتين كون أقل الحمل ستة أشهر، وإن لم يكن مقصوداً للمتكلّم، وهذا ما يسمّى مدلولاً بدلالة الإشارة.
وعلى كلّ تقدير فالدلالات السياقية الثلاث هي من المداليل المفهومية.
وليعلم أنّ المراد من المفهوم هنا ـ كما مرّ ـ المعنى الوسيع أي ما يفهم وإن لم ينطق به، فيعم المفهوم المصطلح (الانتفاء عند الانتفاء) كما يعمّ غيره.

الأمر الثالث: تعريف المفهوم المصطلح

عرّف ابن الحاجب (المتوفّى 642 هـ) المفهوم بما دلّ عليه اللفظ في غير محلّ النطق، والمنطوق ما دلّ عليه اللفظ في محلّ النطق.(2)
ولمّا كان التعريف غير خال عن الإبهام فقد أوضحه العضدي في شرحه على المختصر وقال:
في المفهوم المصطلح   
إنّ المراد من الموصول(ما) هو الحكم، فهو إن كان محمولاً على موضوع مذكور فهو منطوق، وإن كان محمولاً على موضوع غير مذكور فهو مفهوم.
ثمّ قال: إنّ قوله: «في محلّ النطق» إشارة إلى المنطوق بما أنّ الموضوع مذكور فيه، كما أنّ قوله: «لا في محلّ النطق» إشارة إلى المفهوم لعدم ذكر الموضوع في محلّه.(3)
يلاحظ عليه: الظاهر أنّ ابن الحاجب بصدد تعريف المفهوم المصطلح في علم الأُصول، لا المفهوم بالمعنى الأعم، مثلاً أنّ المدلول بالدلالة الالتزامية كالبصر

1 . البقرة: 233.
2 . منتهى الوصول والأمل المعروف بمختصر ابن الحاجب: 147.
3 . مطارح الأنظار:172، حجرية، نقله عن العضدي.

203
بالنسبة إلى العمى مفهوم في مقابل المنطوق لكن في إطار مصطلح عام، لا المفهوم المصطلح في علم الأُصول الذي يراد به الثبوت عند الثبوت والانتفاء عند الانتفاء.
فعلى ضوء ذلك فالتعريف غير تام، لأنّ الموضوع في المنطوق والمفهوم واحد مذكور وإنّما الاختلاف مثلاً في وجود الشرط وعدمه، فإذا قال: زيد ـ إن سلّم ـ أكرمه، فمفهومه زيد ـ إن لم يسلم ـ لا تكرمه، فالموضوع واحد والاختلاف في وجود الشرط وعدمه الموجب لاختلاف الجزاء إيجاباً في المنطوق وسلباً في المفهوم، وكأنّه جعل الشرط جزء الموضوع، فصار المنطوق زيد المسلّم أكرمه، وزيد غير المسلّم لا تكرمه.
ثمّ إنّ السيد المحقّق البروجردي(رحمه الله) فسّر كلام ابن الحاجب بشكلّ آخر، فراجعه.(1)
ولما كان تعريف ابن الحاجب للمفهوم غير تام، عرّفه المحقّق الخراساني بالنحو التالي وقال: إنّه حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أُريد من اللفظ بتلك الخصوصية، فالمفهوم حكم غير مذكور، لا أنّه حكم لغير مذكور.(2)
ولقد أحسن (قدس سره) في كلامه حيث قال: المفهوم حكم غير مذكور، وأمّا الموضوع فهو مذكور في كلّ من المنطوق والمفهوم.
ثمّ إنّ المراد من الحكم غير المذكور هو اختلاف الحكم في المفهوم والمنطوق بالسلب والإيجاب ـ في المفهوم المخالف ـ فلو كان المنطوق موجباً يكون المفهوم سالباً وبالعكس.
نعم: يرد على المحقّق الخراساني أنّ الظاهر من قوله «خصوصية المعنى» هو

1 . نهاية الأُصول: 1/263.
2 . كفاية الأُصول:1/301.

204
أنّ هناك معنى وهناك خصوصية، والظاهر أنّ مراده من المعنى مثلاً في القضية الشرطية هو العلية، ومن الخصوصية الانحصار، فعندئذ يترتّب عليها ارتفاع الحكم بارتفاع العلّة.
يلاحظ عليه: الظاهر أنّ الخصوصية جزء المعنى وليست زائدة عليه، فإنّ الكلام يدلّ عليهما معاً، اللّهم إلاّ أن تكون الإضافة بمعنى «في» أي خصوصية في المعنى.

تعريف المفهوم بوجه أوضح

ويمكن أن يعرف المفهوم بنحو أوضح وهو: حكم إنشائي أو إخباري لازم للمعنى المراد من اللفظ.

الرابع: مسلك القدماء في استفادة المفهوم

مسلك القدماء في استفادة المفهوم   
ذهب السيد البروجردي إلى أنّ مسلك القدماء في استفادة المفهوم يختلف مع مسلك المتأخّرين، فإنّ دلالة الخصوصية الموجودة في القضايا، من الشرط أو الوصف أو الغاية أو نحوها ليست دلالة لفظية بل هي من باب بناء العقلاء على حمل الفعل الصادر عن الغير، على كونه صادراً لغاية وكون الغاية المنظورة من القيد هو دخالتها في المطلوب، فإذا قال المولى: إن جاءك زيد فأكرمه، حَكَمَ العقلاء بمدخلية مجيء زيد في وجوب إكرامه، قائلاً بأنّه لولا دخله فيه لما ذكره المتكلّم، فاستفادة المفهوم ليست مبنية على الدلالة اللفظية على الانتفاء عند الانتفاء، بل مبنية على أنّ الأصل في فعل الإنسان أن لا يكون لاغياً بل يكون كلّ فعل منه ومنه الإتيان بالقيد، صادراً لغايته الطبيعية وهي دخله في الحكم.
وأمّا مسلك المتأخّرين فهو مبني على دلالة الجملة ـ وضعاً أو إطلاقاً ـ على كون الشرط أو الوصف علة منحصرة للحكم، فيرتفع بارتفاعه، وعلى ذلك يكون

205
البحث عند القدماء عقلياً وعند المتأخّرين لفظياً.(1)
أقول: ما ذكره(قدس سره) من مسلك القدماء لم أقف عليه صريحاً في كتبهم إلاّ في الذريعة للشريف المرتضى، قال: استدلّ المخالف(2) لنا في هذه المسألة بأشياء، منها:
1. أنّ تعليق الحكم بالوصف لو لم يدلّ على انتفائه إذا انتفت الصفة لم يكن لتعليقه بالسوم، معنى وكان عبثاً.
ومع ذلك استدلّ بأُمور ترجع إلى التبادر أو قياس الوصف بالاستثناء أو قياسه بالشرط.
2. انّ تعليق الحكم بالسوم يجري مجرى الاستثناء من الغنم، ويقوم مقام قوله: «ليس في الغنم إلاّ السائمة، الزكاة» فكما أنّه لو قال ذلك لوجب أن تكون الجملة المستثنى منها بخلاف الاستثناء، فكذلك تعليق الحكم بصفة.
3. أنّ تعليق الحكم بالشرط لمّا دلّ على انتفائه بانتفاء الشرط، فكذلك الصفة، والجامع بينهما أنّ كلّ واحد منهما كالآخر في التخصيص، لأنّه لا فرق بين أن يقول: في سائمة الغنم الزكاة، وبين أن يقول: فيما إذا كانت سائمة الزكاة.
4. ما روي عن عمر بن الخطاب أنّ يعلى بن منبه سأله، فقال له: ما بالنا نقصر، وقد أُمنّا؟ فقال له: عجبتُ ممّا عجبتَ منه، فسألت عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» فتعجبهما من ذلك يدلّ على أنّهما فهما من تعلّق القصر بالخوف، أنّ حال الأمن بخلافه.(3)
هذا هو كلام السيد المرتضى وهو من أعيان الأصوليّين الشيعة وقد تُوفّي عام

1 . نهاية الأُصول: 1 / 265.
2 . يريد به القائل بالمفهوم.
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 1/402ـ403.

206
436هـ ، وهنا نصّ آخر من أبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري وهو من أعيان المعتزلة حيث استدلّ على وجود المفهوم في القضايا الشرطية بقوله: إنّ قول القائل لغيره: اُدخل الدار إن دخل عمرو، معناه أنّ الشرط في دخولك هو «دخول عمرو»، لأنّ لفظة إن موضوعة للشرط، فلو قال له: شرط دخولك الدار دخول عمرو، علمنا أنّه لم يوجب عليه دخول الدار مع عدم دخول عمرو.(1)
ترى أنّه يستدلّ بالتبادر كما استدلّ أيضاً بما رواه المرتضى عن عمر بن الخطاب في مسألة قصر الصلاة عند الأمن.
ثمّ إنّ إسحاق بن إبراهيم الشيرازي (المتوفّى 476هـ) مؤلّف «التبصرة في أُصول الفقه»، استدلّ بفهم ابن عباس حيث خالف الصحابة في توريث الأُخت مع البنت، واحتجّ بقوله تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)، وهذا تعلّق بدليل الخطاب. وأنّه لما ثبت ميراث الأُخت عند عدم الولد، دلّ على أنّها عند وجوده لا تستحقّه. وهو من فصحاء الصحابة وعلمائهم، ولم ينكر أحد استدلاله، فدلّ على أنّ ذلك مقتضى اللغة.(2)
في مفهوم الموافقة   
وهذه النصوص تدلّ على أنّ الاستدلال بالوجه الأوّل وهو صون فعل المتكلّم عن اللغو هو أحد الوجوه ولم يكن وجهاً منحصراً.

الخامس: النزاع صغروي لا كبروي

إنّ النزاع على مسلك المتأخّرين صغروي، ومرجعه وجود الدلالة بالوضع أو الإطلاق على كون الشرط أو الوصف علة منحصرة، فلو ثبتت الدلالة تكون حجّة بلا كلام.

1 . المعتمد:1/142.
2 . التبصرة في أُصول الفقه: 219.

207
وأمّا على مسلك القدماء ـ لو صحّ وجود مسلك خاص لهم ـ فيمكن أن يكون أيضاً صغروياً وهو النزاع في تفسير مقدار المدخلية في الحكم، فهل المدخلية على نحو يرتفع بارتفاعه سنخ الحكم أو يرتفع بارتفاعه شخص الحكم؟ مثلاً إذا قال الإمام: الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجسه شيء، فهل مدخلية الكرّية على نحو يدور سنخ الحكم أو ليس كذلك وإنّما يرتفع شخص الحكم، دون سنخه لإمكان إقامة علّة قيد آخر مكانه ككونه جارياً، أوكون السماء ماطرة عند ورود النجاسة بماء المطر إذا كان قليلاً ؟ فالنزاع في مقدار المدخلية، فلو ثبت مقدارها فبناء العقلاء حجّة لكونه بمرأى ومسمع من الشارع.

السادس: في مفهوم الموافقة

ينقسم المفهوم إلى مفهوم مخالف ومفهوم موافق، فلو كانت القضيتان مختلفتين في الكيف فالمفهوم مخالف، فإذا قال: إن سلّم زيد أكرمه، فمفهومه: إن لم يسلّم فلا تكرمه. وأمّا إذا كانتا متوافقتين في الكيف فالمفهوم موافق، مثل قوله: (فلا تقُل لَهما أُفّ) أي فلا تضربهما بطريق أولى.

السابع: في الشرط المحقّق للموضوع

يشترط في دلالة الجملة على المفهوم اشتمالها على أُمور ثلاثة:
1. الموضوع.
2. الفعل.
3. الجزاء.
فيحكم على الموضوع بالجزاء عند الشرط.
وأمّا إذا كانت في الظاهر مشتملة على ثلاثة أُمور، ولكن كان الموضوع في

208
الواقع نفس الشرط فيكون الشرط محقّقاً والجملة فاقدة للمفهوم، نظير:
الولد ـ إن رزقته ـ فاختنه.
فإنّ رزق الولد ليس سواه، فتكون الجملة فاقدة للمفهوم.
وسيأتي النزاع في قوله سبحانه: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا )(1)، فهل المجيء محقّق للموضوع أو لا؟
إذا علمت هذا يقع الكلام في موارد ضمن فصول:

1 . الحجرات: 6 .

209
 
   

الفصل الأوّل

مفهوم الشرط

هل الجملة الشرطية تدلّ على الثبوت عند الثبوت والانتفاء عند الانتفاء، أو لا؟
واستفادة المفهوم مبنية على تسليم أُمور ثلاثة:
أ. وجود الملازمة بين وجود الشرط والجزاء، فخرج ما إذا كانت القضية اتّفاقية، كما إذا قال: خرجت فإذا زيد بالباب، فإنّ المفاجئة بوجود زيد لدى الخروج قضية اتفاقية وليس بينهما ملازمة.
ب. أن يكون التلازم من باب الترتّب بأن يكون الشرط علّة للجزاء، فخرج ما إذا كان هناك تلازم دون أن يكون ترتّب عليّ، كقولك: كلّما قصر النهار طال الليل، وكلّما طال النهار قصر الليل.
فالملازمة بينهما موجودة، ولكن ليس المقدم علّة للتالي، بل كلاهما معلولان لشيء ثالث.
ج. كون الترتّب بنحو العلّة المنحصرة وعدم وجود علّة أُخرى تقوم مقام العلّة المنتفية.
والأمران الأوّلان مسلّمان في القضايا الشرطية، وإنّما الكلام في الأمر الثالث،

210
وهذا هو الذي يستدلّ عليه بوجوه نقلها المحقّق الخراساني وناقشها:

الأوّل: التبادر

إنّ التبادر آية الوضع، والجملة الشرطية موضوعة للسبب المنحصر بحكم كونه المتبادر منها.
يلاحظ عليه بوجهين:
1. أنّ لازم ذلك أنّها لو استعملت في غيره لزم أن يكون مجازاً، مع أنّه خلاف الوجدان.
هذا هو قول الإمام (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء» استعمل في غير السبب المنحصر، لأنّ الكرّية ليست سبباً منحصراً لعدم الانفعال، بشهادة أنّ الماء القليل الجاري إذا كان نابعاً لا ينجسه شيء، ومثله ماء المطر إذا وردت عليه النجاسة وكان قليلاً والسماء ممطرة بعد، أفيصح القول بأنّ الجملة الشرطية في كلامه (عليه السلام)استعملت في غير معناها الحقيقي.
2. أنّ لازم ذلك ألاّ يصحَّ للمتهم أن يقول بعد الإقرار بأنّ كلامي فاقد للمفهوم.

الثاني: الانصراف

وحاصل هذا الوجه: أنّ المطلق ينصرف إلى أكمل أفراده، والعلّة المنحصرة أكمل من العلّة غير المنحصرة.
وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين: أحدهما صغروي، والآخر كبروي.
أمّا الأوّل: فلمنع كون العلّة المنحصرة أكمل في العلّية من غيرها، فإنّ وجود النائب وعدمه لا يؤثر في العلّية.

211
أمّا الثاني: فلو افترض أنّ المنحصرة أكمل أفراد العلّة، فلا وجه للانصراف، لأنّه رهن أحد أمرين: إمّا كثرة الاستعمال وإمّا كثرة الوجود، وكلاهما منتفيان في العلّة المنحصرة.

الثالث: التمسّك بالإطلاق بتقارير ثلاثة:

قد تمسّك القائلون بالمفهوم بالإطلاق، ومعقده تارة هو مفاد هيئة الجملة الشرطيّة، وأُخرى نفس الشرط (سلّم)، وقد قرر الثاني بوجهين فصار مجموع التقريرات ثلاثة، فعلى القارئ الكريم أن يميز بينها لئلاّ تختلط عليه، ولحفظ التسلسل في بيان الوجوه نرتّبها حسب ما سبق من التسلسل ونحن بصدد توضيح الوجوه الثلاثة للإطلاق وتبيين مناقشات المحقّق الخراساني فقط وإن كان في بعض مناقشاته نظر فنقول:

التقرير الأوّل: إطلاق هيئة الجملة الشرطية

إنّ هيئة الجملة الشرطية موضوعة للزوم الترتّبي، أو العلاقة اللزومية المستفادة من الجملة الشرطية إلاّ أنّ له فردين:
1. اللزوم الترتّبي بنحو الانحصار.
2. اللزوم الترتّبي لا بنحو الانحصار.
ومن المعلوم أنّ المتكلّم لم يستعمل الهيئة في الجامع ـ أعني: اللزوم الترتّبي بما هوهو ـ بل أراد منه أحد الفردين، فمقتضى مقدّمات الحكمة حملها على الفرد الذي لا يحتاج إلى بيان زائد ـ أعني: اللزوم الترتّبي ـ بنحو الانحصار، لا على الفرد الآخر ـ أي اللزوم الترتّبي ـ لا بنحوه، إذ لو أراد الثاني لقيّده.
ثمّ إنّ المستدلّ قاس المقام بما إذا دار أمر الوجوب بين النفسي والغيري

212
وقال: إنّ مقتضى الإطلاق حمل الوجوب على النفسي لعدم حاجته إلى قيد زائد وراء الوجوب، وأمّا الوجوب الغيري فهو بحاجة إلى شيء آخر، أي يجب عليك هذا إذا وجب الغير قبله، فمقتضى مقدّمات الحكمة حمله على ما يكون الإطلاق كافياً لبيانه دون الفرد الذي يحتاج إلى قيد آخر.
ثم أجاب عنه بوجهين:
1. أنّ مفاد الهيئات معان حرفية، وما كان كذلك لا يقع معقداً للإطلاق.
2. الفرق بين الوجوب النفسي والغيري، والعلّة المنحصرة وغيرها، وذلك لأنّ الواجب النفسي هو الواجب على كلّ حال بخلاف الغيري فإنّه واجب على تقدير دون تقدير، فالأوّل غني عن البيان دون الثاني، وهذا بخلاف اللزوم والترتّب بنحو العليّة، فإن كلّ واحد من أنحاء اللزوم (من الانحصار وغيره) يحتاج إلى بيان.

التقرير الثاني: إطلاق فعل الشرط

هذا هو التقرير الثاني للإطلاق، والفرق بين التقريرين واضح فإنّ معقد الإطلاق في الأوّل هو مفاد هيئة الجملة الشرطية، بخلاف هذا التقرير فإنّ معقده فعل الشرط، أعني قوله: سلّم، في قولنا: إن سلّم زيد فأكرمه.
وحاصل هذا التقرير: أنّه لو لم يكن منحصراً لزم تقييد تأثيره بما إذا لم يقارنه أو لم يسبقه شرط آخر، ضرورة أنّه لو قارنه أو سبقه شرط آخر لما أثّر وحده كما في عاصمية الكر فإنّه إنّما يؤثر إذا لم يكن الماء نابعاً عن مبدأ، وإلاّ فلا يكون مؤثراً، مع أنّ قضية إطلاقه أنّه مؤثر مطلقاً، قارنه شيء أم لم يقارنه، سبقه شيء أم لم يسبقه.(1)

1 . كفاية الأُصول: 1/306.

213
وأجاب عنه بأنّه لا تكاد تنكر الدلالة على المفهوم مع إطلاقه كذلك، إلاّ أنّه من المعلوم ندرة تحقّقه لو لم نقل بعدم إتفاقه.

التقرير الثالث للإطلاق

التمسّك بإطلاق الشرط، بتقريب أنّ مقتضى إطلاقه انحصاره كما أنّ مقتضى إطلاق الأمر كون الوجوب تعييناً لا تخييرياً.
أقول: هذا التقرير ليس تقريراً جديداً وإنّما أخذ من الأوّل شيئاً ومن الثاني شيئاً آخر ولفّقهما وصار بصورة تقريب ثالث للإطلاق المفيد للانحصار، فقد أخذ من الثاني كون معقد الإطلاق هو الفعل لا مفاد هيئة الجملة الشرطية، كما أخذ من التقرير الأوّل التشبيه، غاية الأمر شبّه المقام بتردّد صيغة الأمر بين التعييني والتخييري، وقد شبّهه في التقريب الأوّل بتردّد الصيغة بين النفسي والغيري.
ثم أورد عليه المحقّق الخراساني بوجود الفرق بين الوجوب والشرط فإنّ واقع الوجوب التعييني غير واقع الوجوب التخييري، فالأوّل عبارة عن الوجوب الذي ليس له عدل كما إذا قال: إن أفطرت صم ستين يوماً; والثاني عبارة عن الوجوب الذي له عدل، كما إذا قال: إذا أفطرت صم ستين يوماً أو أطعم ستين مسكيناً، فلو كان المتكلّم في مقام إفادة الوجوب التخييري ولم يذكر العدل فقد قصّر في بيان المقصود، وبما أنّ المولى حكيم يستكشف من عدم ذكر العدل أنّه واجب تعييني.
وهذا بخلاف الشرط فإنّ تأثيره في المشروط سواء أكان شرطاً منحصراً أو غير منحصر على نمط واحد، فلو لم يذكر العدل وكان له في الواقع عدل لما قصّر في بيان مقصوده.
هذه عصارة التقريبات الثلاثة، والذي يمكن أن يقال في نقد هذه الإطلاقات:

214
إنّ الإطلاق عبارة عن أحد أمرين:
الأوّل: أن يكون ما وقع تحت دائرة الحكم تمام الموضوع لا بعض الموضوع كما في قولنا: إن ظاهرت اعتق رقبة، فتكون الرقبة تمام الموضوع لوجوب العتق، فلو كان هناك قيد آخر كالمؤمنة كان على المتكلّم أن يذكره ولو سكت، دلّ الكلام على عدم مدخليته في الموضوع.
الثاني: أن يكون السبب،السبب المنحصر ولا يخلفه شيء آخر، مثلاً إذا قال: «الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شيء»، فلو كان في مقام بيان ما هو السبب لعدم الانفعال ومع ذلك ذكر الكرية وسكت عن سائر الأسباب المتصوّرة، نستكشف منه أنّه علة منحصرة ولا يخلفه شيء، ومع ذلك لو دلّ دليل آخر على أنّ مادة البئر عاصمة عن انفعال ماء البئر، أو أنّ اتّصال الماء الجاري القليل بمنبعه عاصم عن انفعال الماء بالنجاسة، نقيد بهما المفهوم المستفاد من الدليل السابق حيث إنّ مفهومه أنّ الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شيء فيقال إلاّ ماء المطر، أو الماء الجاري المتصل بمنبعه.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الغالب على المتكلّم كونه في مقام البيان من الجهة الأُولى، أي كونه سبباً ناقصاً أو سبباً تامّاً. وأمّا كونه سبباً منحصراً لا يخلفه شيء، فهذا فرد نادر قلّما يتّفق في الكلام.
وعلى ضوء ما ذكرنا فتبطل التقريبات الثلاثة للإطلاق، لأنّها مبنية على أنّ المتكلّم في مقام البيان من الجهة الثانية، ولا شك أنّه لو كان كذلك لدلّت الجملة على المفهوم، وبذلك يُعلم أنّ اللازم التركيز على هذه الجهة دون المناقشة في التشبيه،وأنّ المقام كدوران الأمر بين الواجب النفسي أو الغيري، أو أنّه مثل الواجب التعييني أو التخييري، فإنّ دراسة الموضوع في التشبيه والمناقشة إبعاد للمسألة عن حقيقتها ومورث للتشويش.

215
إلى هنا تبيّن عدم كفاية التقريبات الثلاثة في إثبات المفهوم.

الوجه الرابع: تقرير للسيد البروجردي

ذكر السيد المحقّق البروجردي في درسه الشريف الذي كنّا نحضره تقريراً آخر وحاصله:أنّ مقتضى الترتّب العلّي على المقدّم، أن يكون المقدّم بعنوانه الخاص علّة، وهو محفوظ عندما كانت العلّة منحصرة، ولو لم يكن كذلك لزم استناد الثاني إلى الجامع بينها لامتناع استناد الواحد إلى الكثير، وهو خلاف ظاهر الترتّب على المقدّم بعنوانه.(1)
ثمّ إنّه(قدس سره) قال: قد عرضت هذا التقريب على شيخنا المحقّق الخراساني فأجاب عنه بما هذا مثاله:
إنّ المفهوم رهن الظهور العرفي، والظهور العرفي لا يثبت بهذه المسائل الفلسفية البعيدة عن الأذهان العرفية، وأنّى للعرف دراسة هذا الموضوع «أنّه لو كان للجزاء علل مختلفة يجب أن يستند إلى الجامع، وحيث إنّه خلاف ظاهر القضية فهو مستند إلى شخص الشرط، وتصير نتيجته أنّه علّة منحصرة».
ويرد على هذا التقرير مضافاً إلى ما ذكره شيخه الخراساني: أنّ الاستدلال بقاعدة لا يصدر الواحد إلاّ عن واحد، في غير محلّه فإنّ مصب القاعدة أصلاً وعكساً هو البسيط البحت الذي لا كثرة فيه، وهو ينحصر في الواجب عزّ وجل، وفي العقل الأوّل فقط، وأمّا غيره، فكثير إلى ما شاء الله.
وممّا يؤسف له أنّ المشايخ يستدلّون في الأُمور الاعتبارية بالقواعد الفلسفية مع أنّ محلّ الثانية هو التكوين، ومحلّ الأُولى هو الاعتبار.

1 . نهاية الدراية: 322.

216

الوجه الخامس: تقرير للمحقّق النائيني

ما ذكره المحقّق النائيني، وحاصله: أنّ الجزاء لو كان يتوقّف وجوده على الشرط كقولنا: «إن رزقت ولداً فاختنه» فهذا النوع من الجمل خال عن المفهوم، وأمّا إذا كان الجزاء غير متوقّف على وجود الشرط عقلاً فلا يكون الجزاء مقيّداً بوجود الشرط، فبما أنّ المتكلّم في مقام البيان وقد أتى بقيد واحد ولم يعطف عليه بشيء بمثل العطف بالواو أو بمثل العطف بأو، نستكشف أنّ الشرط تمام الموضوع للحكم وليس له جزء آخر، كما أنّه السبب الوحيد ولا يخلفه شيء آخر وإلاّ لكان عليه عطف شيء على الشرط، إمّا بمثل «الواو»، أو مثل «أو»(1).
يلاحظ عليه: أنّه ليس شيئاً جديداً وإنّما هو تقرير للإطلاق المنعقد في الشرط غاية الأمر بسط الإطلاق وأنّه يندفع به الجزء المشكوك أو السبب المستقل المشكوك، وقد عرفت أنّ الإطلاق يتكفّل الأوّل دون الثاني، إذ قلّما يتّفق لمتكلّم أن يكون في مقام البيان من هذه الجهة أيضاً.

الوجه السادس: نظرية المحقّق البروجردي

ثمّ إنّ المحقّق البروجردي فصّل في القضايا المشروطة بين كون سوقها لأجل إفادة كون المشروط علّة للجزاء، وسوقها لأجل إفادة أنّ الجزاء ثابت للمشروط بهذا الشرط، فالأوّل كقول الطبيب: إن شربت السقمونيا فيسهل الصفراء.
والثاني: كقوله(عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء»، فإن سيقت لإفادة العلّية فلا مفهوم لها، لأنّ المتكلّم لم يأت في كلامه بقيد زائد، بل أفاد أنّ السقمونيا مثلاً علّة لإسهال الصفراء، وبالجملة كلّما كان إتيان الشرط لإفادة علّيته للجزاء، ولا يكون فيه قيد زائد، لا يكون له مفهوم.

1 . أجود التقريرات: 1/418. بتلخيص وتصرّف.

217
وإن سيقت على النحو الثاني، يكون له مفهوم إن تمّ ما ذكرمن أنّ القيود الزائدة في الكلام تفيد دخالتها على نحو ينتفي الحكم عند انتفائها.
يلاحظ عليه: بما ذكرناه في نقد الإطلاقات، فإنّه مبني على أن يكون المتكلّم في مقام البيان من جهة وحدة السبب أو تعدّده وهو نادر جدّاً .
إلى هنا تمّ ما ذكره القوم من الأدلّة الدالّة على انحصار السبب، وأمّا ما هو المختار فنذكره بمايلي.

الوجه السابع: المختار لدينا

يمكن أن يقال بدلالة القضية الشرطية على المفهوم في موردين:
الأوّل: إذا كان الشرط من الأضداد التي لا ثالث لها، وبالتالي لا يكون للموضوع إلاّ حالتان لا غير، وإليك بعض الأمثلة:
1. السفر والحضر من الأوصاف التي تعرض للإنسان ولا ثالث لهما، إذ الإنسان الذي هو الموضوع إمّا حاضر أو مسافر، فإذا قال: إذا سافرت فقصّر أو إذا سافرت فأفطر، يفهم منه أنّ التقصير والإفطار، من أحكام المسافر دون الحاضر، فهو يتم ويصوم، والمراد من الحاضر، هو المتواجد في الوطن بما هوهو، مع قطع النظر عن العوارض ككونه مريضاً، أو شيخاً مطيقاً.
2. إنّ الاستطاعة والعجز من الأضداد التي لا ثالث لهما، ولأنّ الإنسان الذي هو الموضوع، إمّا مستطيع أو غير مستطيع، فإذا قال:«إن استطعت فحجّ» يدلّ بمفهومه على سلب الوجوب عن غيره. إذ لو كان الحكم ثابتاً عند وجود الشرط وعدمه، يكون التعليق لغواً، ولا يتصوّر فيه قيام سبب آخر مكان الشرط المنتفي، إذ المفروض أنّهما من الأضداد التي لا ثالث لهما.
3. إنّ الظلم والعدل من الأضداد التي لا ثالث لهما، فإذا قال: «ليس لعرق ظالم

218
حق»(1)، فالوصف يدلّ على أنّ عرق غير الظالم له حقّ، فلو كان الحكم عاماً، للظالم والعادل يلزم اللغوية، ولذلك فرّع الفقهاء على القول بالمفهوم في الحديث فروعاً:
1. ما لو زرع أو غرس المفلس في الأرض التي اشتراها ولم يدفع ثمنها، وأراد بائعها أخذها، فإنّه لا يقلع زرعه وغرسه مجاناً ولا بأرش، بل عليه إبقاؤه إلى أوان جذاذ الزرع، وفي الغرس يباع ويكون للمفلس بنسبة غرسه من الثمن.
2. لو انقضت مدّة الزراعة، والزرع باق. ولم يعلما تأخّره عن المدّة المشروطة وقت العقد، فإنّ الزرع حينئذ لا يقلع أيضاً، لأنّه ليس بظالم، نعم يجمع بين الحقّين بالأُجرة.
3. لو أخذ الشفيع الأرض بالشفعة بعد زرع المشتري. ونظائر ذلك كثيرة. وادّعى بعضهم الإجماع أيضاً على العمل بمفهوم الحديث هنا، وإن منع من العمل بمفهوم الوصف.(2)
الثاني: إذا كان المتكلّم بصدد بيان حكم الموضوع بعامة صوره، كما إذا سأل السائل وقال: ما هو العاصم للماء من النجاسة؟ فإذا تعلّق السؤال بنفس الماء الأعم من كونه ماء غدير أوماء بئر أو الجاري المتصل بالمبدأ، أو ماء المطر عند نزوله، فقال الإمام: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء» يُعلم أنّ العاصمية منحصرة بالكر، فلو دلّ دليل على عاصمية غيره لوجب تخصيص المفهوم بما دلّ على عاصمية غيره.
وممّا ذكرنا يعلم أنّ الاستدلال على نفي المفهوم بقوله: «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء». بحجّة أنّ الماء ربما يكون قليلاً ولا ينجسه شيء ـ كما مرّ ـ ليس

1 . صحيح البخاري: 3/140، كتاب المزارعة.
2 . تمهيد القواعد:112، القاعدة 25.

219
في محلّه، لأنّ الموضوع في الحديث هو ماء الغدير ـ مثلاً ـ لا مطلق الماء، فعن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) وسئل عن الماء تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب؟ قال: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسّه شيء».(1)
فعلى هذا، الموضوع هو الماء الراكد على سطح الأرض فخرج عنه ماء البئر وماء المطر ـ حين نزوله ـ و الماء الجاري، فالكبرى لا صلة لها بهذه الصور حتى يحتج بها على نفي المفهوم.

الإمام الصادق(عليه السلام) والاستدلال بالمفهوم

روي عن علي(عليه السلام) أنّه قال: «إذا شككت في حياة شاة، فرأيتها تطرف عينها، أو تحرك أُذنيها، أو تمصع بذنبها، فأذبحها فإنها لك حلال».(2)
وفي رواية أُخرى عن كتابه(عليه السلام): «إذا طرفت العين أو ركزت الرجل أو تحرك الذنب».(3)
ثمّ إنّ الإمام الصادق(عليه السلام) لما سُئل عن مثل هذه المسألة استدلّ بمفهوم كلام الإمام علي(عليه السلام).
روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الشاة تذبح فلا تتحرك ويهراق منها دم كثير عبيط؟ فقال: «لا تأكل، إنّ علياً(عليه السلام) كان يقول: إذا ركزت الرجل أو طرفت العين فكل».(4)
لا شك أنّ كلام علي (عليه السلام)يدلّ على الحلّية بالمنطوق وعلى الحرمة بالمفهوم،

1 . الوسائل : 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث1.
2 . الوسائل:16، الباب11 من أبواب الذبائح، الحديث5.
3 . الوسائل:16، الباب11 من أبواب الذبائح، الحديث6.
4 . الوسائل: 16، الباب12 من أبواب الذبائح، الحديث1.

220
فقد استدلّ الإمام الصادق(عليه السلام) بمفهوم كلامه.
ولعلّ الإمام (عليه السلام)كان في مقام بيان ما هو العلّة المنحصرة للتذكية، وقد مرّ لزوم الأخذ بالمفهوم في هذه الصورة، ولهذا يجب على الفقيه التأمّل في موارد الجمل الشرطية وأنّ المتكلّم هل هو بصدد بيان العلّة التامّة أو المنحصرة.
ثمّ إنّ نفاة المفهوم استدلّوا بوجوه ناقش فيها المحقّق الخراساني، ولا حاجة إلى التعرّض لها.
إنّ كثيراً من نفاة المفهوم في القضايا الشرطية، يحتجّون به في الفقه وهذا أمر عجيب.
وينبغي التنبيه على أُمور:

221
 
 
التنبيه الأوّل

المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم لا شخصه

المعروف أنّ المفهوم عبارة عن انتفاء سنخ الحكم الكلي، لا شخصه الجزئي.
ولإيضاح المقصود يبحث في مقامين:
الأوّل: أنّ القضايا المشتملة على المفهوم تشتمل على درجتين من الحكم:
1. سنخ الحكم.
2. شخص الحكم.
الثاني: أنّ المفهوم هو انتفاء السنخ لا انتفاء الشخص.
فلنأخذ كلّ واحد منها بالدراسة.
أمّا الأوّل: اشتمال القضية على سنخ الحكم وشخصه، فنوضحه بالمثال التالي:
إذا قلت: زيد ـ إن سلَّم ـ أكرمه، فهنا درجتان من الحكم :
أ. الوجوب المقيّد بالتسليم المتعلّق بالإكرام، وهو شخص الحكم.
ب. الوجوب المقيد بحالة أُخرى غير التسليم المتعلّق بالإكرام، وهو سنخ الحكم، ومثله قوله(عليه السلام):«الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجسه شيء».
ففيه ـ كالمثال السابق ـ درجتان:

222
1. إنشاء العاصمية للماء بقيد كونه كرّاً.
2. إنشاء العاصمية له غير مقيد بالكرّيّة، بل يعمّ سائر حالات الماء ككونه جارياً أو نابعاً، أو غير ذلك.
أمّا الثاني: أنّ المنتفي على القول بالمفهوم هو سنخ الحكم لا شخصه، لأنّ الثاني أي الوجوب المقيّد بالتسليم أو العاصمية المقيّدة بالكرّيّة يرتفع بارتفاع القيد، ضرورة انتفاء المعلول بارتفاع علّته، وإنّما الكلام هو ارتفاع مطلق الوجوب أو مطلق العاصمية بارتفاع التسليم أو الكرّيّة، فالقائل بالمفهوم يقول بانتفاء السنخ أيضاً، دون المنكر، فهو يقول: الانتفاء وعدم الانتفاء محتملان.
ومن هنا يُعلم أنّ ما ذكره الشهيد الثاني في «تمهيد القواعد» من أنّ انتفاء الحكم في الموارد التالية من باب المفهوم لا يخلو من نظر، حيث قال: لا إشكال في دلالتهما(الشرط والوصف على المفهوم) في مثل الوقف والوصايا والنذور، والأيمان،كما إذا قال: وقفت هذا على أولادي الفقراء، أو إن كانوا فقراء.(1)
وجه النظر: ما عرفت من أنّ موضع البحث في وجود المفهوم وعدمه في القضايا المشتملة على نوعين من الحكم، وأمّا إذا لم يكن للحكم إلاّ شخصه، فالانتفاء عند الانتفاء لا يسمّى مفهوماً، وأمّا كون الحكم في المقام شخصيّاً فاقداً للسنخ فلأجل أنّ المال الخارجي إذا صار وقفاً أو نذراً أووصية فقد صار ملكاً أو وقفاً لهؤلاء ولا يتصوّر فيه ملكية كلية للمال حتى يبحث عن ارتفاعها عند ارتفاع الفقر وعدمه، لأنّ المال الواحد لا يصلح أن يكون وقفاً إلاّ لواحد، وعندئذ يكون الانتفاء عن غير مورده (الأغنياء) عقلياً لا من باب المفهوم، حتّى يكون حكماً شرعيّاً بخلاف الوجوب فإن له درجتين: المعلّق بالشرط وغير المعلّق به، كما مرّ.

1 . تمهيد القواعد:110، القاعدة 25.

223

إشكال وإجابة

وحاصل الإشكال هو: أنّ القضايا الإنشائية بما أنّها معان حرفية، جزئية لا تشتمل على درجتين من الحكم (سنخه وشخصه)، بل ليس فيها إلاّ شخص الحكم، وذلك لأنّ الهيئة الإنشائية وضعت لإيجاد الوجوب المتعلّق بالإكرام، والإيجاد سواء أكان تكوينياً أم اعتبارياً مساوق للجزئية، نظير إيجاد النداء في قولنا: يا عبد الله، فلا يتصوّر فيه شخص النداء وسنخه، فلازم ذلك عدم استفادة المفهوم فيما إذا كان الجزاء جملة إنشائية.
وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ الأنصاري في تقريراته حيث قال: وقد يستشكلّ في المقام (مطلق القضايا الشرطية) نظراً إلى أنّ الشرط المذكور إنّما وقع شرطاً بالنسبة إلى الإنشاء الخاص، الحاصل بذلك الكلام دون غيره فأقصى ما تفيده الشرطية انتفاء ذلك، وأين ذلك من دلالته على نوع الوجوب؟!(1)
وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه ثلاثة:
الأوّل: ما أجاب به المحقّق الخراساني، وحاصله: اتّحاد المعاني الاسمية مع المعاني الحرفية في الموضوع له والمستعمل فيه، لكن يعرض عند الاستعمال الاستقلال والآلية للمضي، فيكون أحدهما اسمياً والآخر معنى حرفياً.
فعلى ضوء ما ذكره فلفظة الابتداء ولفظة «من» متحدان في المعنى لكن يعرض الاستقلال على الأوّل إذا قلنا: «الابتداء خير من الانتهاء»، وتعرض الآلية على الثاني إذا قلنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة».
ونظيره قولك: زيد ـ إن سلّم ـ أكرمه. فهيئة الجملة الإنشائية موضوعة ومستعملة في الوجوب (لا الوجوب المتدلّي والقائم بالغير) لكن يعرض عند

1 . مطارح الأنظار: 177.ولا يخفى أنّ عبارة الكفاية غير وافية لبيان الإشكال ولذلك لم نذكرها.

224
الاستعمال عليه التدلّي والتشخّص والجزئية التي تجعله معنى حرفياً.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا كان معنى الهيئة كليّاً (الوجوب) فيتصوّر فيه المعنى الشخصي والمعنى الكلّي، فاستفادة المفهوم باعتبار المعنى الثاني، فتكون الجملة الإخبارية كالجملة الإنشائية.
يلاحظ عليه: بأنّه مبني على مختاره من اتّحاد المعنيين في المرحلتين(الموضوع له والمستعمل فيه) واختلافهما في المرحلة الثالثة(مرحلة الاستعمال)، وقد حقّقنا في محلّه عدم صحّته، وذلك لأنّ الألفاظ وضعت لبيان الحقائق الخارجية لا الذهنية، ومن المعلوم أنّ الابتداء منه ابتداء اسمي والاستقلال من صميم ذاته، ومنه ابتداء حرفي يكون التدلّي والجزئية من صميم ذاته، كما مرّ من المثالين.
فإذا كان الخارج مشتملاً على نوعين من المعنى، فيجب أن تكون الألفاظ موضوعة لما عليه الخارج. فيكون مفاد الهيئة جزئياً كمفاد سائر الحروف. والمفروض في الإشكال أنّ الجزئية مانعة عن انعقاد الإطلاق.
الثاني: وهو ما ذكره الشيخ في (كتاب الطهارة) وحاصله:
إنّ ظاهر القضية وإن كان ترتّب بعث المولى على الشرط إلاّ أنّه ما لم تكن مناسبة بين الشرط ومادة الجزاء كان طلب إيجاد الجزاء عند وجود الشرط لغواً وجزافاً، فالبعث المترتّب يكشف عن كونهما بمنزلة المقتضي(بالكسر) والمقتضى، فيتوصّل في بيان ذلك الأمر، بالأمر بإيجاده عند ثبوته ويجعل بعثه عنواناً مبتدأ إلى ذلك، فحينئذ فالمترتّبان هو ذات الشرط ومطلق الجزاء الذي تعلّق به الحكم بلا خصوصية للحكم المنشأ، فيشبه الجمل الأخبارية في عموم الجمل.
وبعبارة أُخرى: إنّ الوجوب المتعلّق بالمادة وإن كان جزئياً لكن المتعلّق ـ أي

225
مادة الجزاء ـ أمر كلّي والقضية تحكي عن مناسبة بين الشرط (التسليم) والجزاء (الإكرام) فإذا تمّت دلالة القضية على انحصار العلّة دلّت على فقدان المقتضي للإكرام عند فقدان الشرط، وهو نفس القول بالمفهوم، لأنّ عدم المقتضي له يلازم عدم كونه مطلوباً لا بهذا الطلب المختص الجزئي ولا بطلب آخر، وهو المسمّى بسنخ الحكم.
الجواب الثالث: إنّ الوجوب المنشأ وإن كان جزئياً حسب المصداق (الفرد) لكنّه كلّي حسب الحال. مثلاً قولنا: أكرم زيداً، فالقول وإن كان جزئياً لكنّه على حسب الأحوال، أي سواء أكان فاسقاً أم عادلاً، جالساً أم قائماً، وهكذا سائر الأحوال.
ونظيره الوجوب المنشأ للهيئة الإنشائية وهو بما أنّه أمر إيجادي جزئي لا يصدق على غيره، ولكنّه حسب الأحوال واجد للسعة، وهو تعلّق الوجوب بالإكرام، في حال كونه مسلماً أو غير ذلك، عالماً أو فاسقاً.
فعندئذ يكون الوجوب باعتبار لحاظه ـ مع التسليم ـ شخص الحكم، وباعتبار لحاظه مجرداً عنه، سنخه.

226
 
 
التنبيه الثاني

إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء

إذا ورد قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر»، وورد أيضاً: «إذا خفي الجدران فقصّر»، فلو قلنا بخلو الجملة الشرطية عن المفهوم فلا تعارض بين الدليلين، فيؤخذ بظهور كلّ واحد منهما، فالمعنى كفاية خفاء أحدهما.
ولو قلنا بظهور الجملة الشرطية في المفهوم يقع التعارض بين مفهوم كلّ دليل، مع منطوق الآخر.
وذلك لأنّ مفهوم قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر»، أنّه إذا لم يخف الأذان فلا تقصّر الصلاة، سواء أخفيت الجدران أم لا، فهذا المفهوم يعارض منطوق القضية الثانية التي تحكم بوجوب القصر عند خفاء الجدران.
ومثل القضية الأُولى القضية الثانية «إذا خفيت الجدران فقصّر» فإنّ مفهومها أنّه إذا لم تخف الجدران فلا تقصّر، سواء أخفي الأذان أم لا، فيعارض مفهومها منطوقَ القضية الأُولى التي مفادها أنّه إذا خفي الأذان، فقصّر، فلابدّ من علاج التعارض بين القضيتين، وقد رفعه المحقّق الخراساني بوجوه خمسة; الأوّل والثالث مقبولان، والثاني بعيد، والرابع والخامس مردودان.
وسوف نذكر المقبول أوّلاً، ثم البعيد، وبعدهما المردود.
أمّا المقبول فوجهان:

227

الأوّل: تخصيص مفهوم كلّ بمنطوق الآخر

وحاصل هذا الوجه: إنّه يخصّص مفهوم كلّ بمنطوق الآخر، فإذا كان مفهوم قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر»، أنّه إذا لم يخف الأذان فلا تقصّر، فيخصّص النهي عن التقصير عند عدم خفاء الأذان بقوله: «إلاّ إذا خفيت الجدران»، ومثلها القضية الثانية، فمفهوم قوله: «إذا خفيت الجدران فقصر»، أنّه إذا لم تخف الجدران فلا تقصر، فيخصّص النهي عن التقصير عند عدم خفاء الجدران بقوله: «إلاّ إذا خفي الأذان»، فتكون النتيجة كفاية خفاء واحد من الأمرين، فكأنّه قال: إذا خفي الجدران أو الأذان فقصّر، فما في عبارة الكفاية من قوله: «عند انتفاء الشرطين»، بمعنى كفاية انتفاء واحد من الشرطين، وحاصل هذا الجمع هو: عطف الجملة الثانية على الأُولى بلفظة «أو» العاطفة.

الثاني: تقييد منطوق كلّ بالآخر

وحاصل هذا الوجه: أنّه يقيد إطلاق الشرط في كلّ من القضيتين بمنطوق الآخر، فيكون الشرط عندئذ هو خفاء الأمرين معاً، فتكون النتيجة بعد التقييد هو أنّه إذا خفيت الجدران والأذان فقصّر، خلافاً للتصرف الأوّل فإنّ النتيجة تكون: إذا خفي الأذان أو الجدران فقصّر.
وإن شئت قلت: إنّ ظاهر القضية الشرطية ـ على القول بالمفهوم ـ أنّ للشرط وصفين:
1. أنّه سبب تام لا ناقص.
2. أنّه سبب منحصر ليس له بديل.
فالتصرّف في مفهوم كلّ بمنطوق الآخر بمعنى سلب الانحصار عن كلّ مع حفظ سببية كلّ، للقصر، كما أنّ التصرّف في منطوق كلّ هو التصرّف في تمامية

228
السبب، وأنّ كلّ واحد ليس سبباً تاماً، بل سبب ناقص لا يتمّ إلاّ بضم جزء آخر إليه، وهذان الوجهان مقبولان، وأمّا أنّ الترجيح بأي واحد منهما فهو رهن قرينة خارجية.

نظرية المحقّق النائيني في الترجيح

يظهر من المحقّق النائيني(رحمه الله) أنّه ذهب إلى عدم ترجيح أحد التصرّفين على الآخر، فتصير القضيتان مجملتين، والمرجع عندئذ هو الأُصول العملية، قال: إنّ كلاًّ من القضيتين ظاهر في العلّة المنحصرة، ولكن تعدّدهما ينافي الانحصار، فلابدّ من أحد التصرّفين:
1. رفع اليد عن كونه علّة تامّة وجعله جزء العلّة، فيكون المجموع من الشرطين علّة تامة منحصرة ينتفي الجزاء عند انتفاء واحد منهما، فتكون القضيتان قضية واحدة، مثلاً يكون قوله: إذا خفي الأذان فقصّر وإذا خفيت الجدران فقصّر، بمنزلة قوله: إذا خفي الأذان والجدران فقصّر.
2. رفع اليد عن كونه علّة منحصرة مع بقائه على كونه علّة تامة، فيكون الشرط أحدهما تخييراً وتكون القضيتان بمنزلة قوله: إذا خفي الأذان أو خفي الجدران فقصّر، ويكفي حينئذ أحدهما في ترتّب الجزاء، وحينئذ لابدّ من رفع اليد عن أحد الظهورين: إمّا ظهور الشرط في كونه علّة تامّة، وإمّا ظهوره في كونه علّة منحصرة.
وحيث لم يكن أحد الظهورين أقوى من الظهور الآخر ولا أحدهما حاكماً على الآخر لأجل أنّ كلاًّ من الظهورين إنّما يكون بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، كان اللازم الجري على ما يقتضيه العلم الإجمالي من ورود التقييد على أحد

229
الإطلاقين.(1) فتصير الجملة مجملة.
يلاحظ عليه: بما ذكرنا في ردّ الوجوه التي استدلّ بها على وجود المفهوم في القضايا الشرطية، وقلنا بأنّ المتكلّم تارة يكون فى مقام بيان أجزاء الموضوع وأُخرى في مقام بيان ما يخلفه شيء آخر.
أمّا الأوّل فهو أمر ذائع كثير فإذا قال: اعتق رقبة، وشككنا في شرطية الإيمان، نتمسّك بالإطلاق.
وأمّا الثاني فهو نادر جدّاً إلاّ إذا أُحرز كونه في مقام بيان جميع الأسباب، كما إذا سئل عن كلّ ما يعصم الماء من الانفعال فأجاب بالكرّيّة، يفهم عدم وجود سبب يخلفه.
وعلى ضوء ذلك فظهور القضية في كون كلٍّ، سبباً تاماً أظهر من كون كلٍّ، سبباً منحصراً، فيحتفظ بالأظهر ويتصرّف في غيره.
ثمّ إنّه ربما يؤيد ما ذكرنا بوجهين غير صحيحين، وإن كان أصل المدّعى صحيحاً.
الأوّل: انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي، مثلاً نعلم إجمالاً بزوال أحد الأمرين: الانحصار، والاستقلال، فلو زال الانحصار بالمباشرة فهو، وإلاّ فلو زال الاستقلال والسببية التامة فقد زال الانحصار أيضاً تبعاً، فالعلم بزوال الانحصار حاصل مطلقاً وتفصيلاً، وإنّما الشك يكون في زوال الاستقلال فيؤخذ بالمتيقّن وتجري البراءة في المشكوك.(2)
يلاحظ عليه: بالإشكال المعروف في انحلال العلم الإجمالي في الأقل والأكثر الارتباطيين، وسيوافيك تفصيله عند البحث في الشك في المكلّف به. وحاصله:

1 . فوائد الأُصول للكاظمي:1/487ـ488.
2 . راجع: تهذيب الأُصول:1/434.

230
إنّ هذا النوع من الانحلال يلزم من وجوده عدمه.
ووجهه: أنّ العلم الإجمالي إذا كان في موضع العلّة، والانحلال إلى علم تفصيلي وشك بدوي في موضع المعلول، فلو قلنا بالانحلال يكون معنى ذلك هو الأخذ بالمعلول مع ارتفاع العلّة المولدة له.
وبعبارة أُخرى: الانحلال نتيجة ذلك العلم فكيف يكون نافياً له.
الثاني: أنّ رفع اليد عن الانحصار بتخصيص مفهوم إحدى القضيتين بمنطوق الأُخرى على ما مرّ غير تام; لأنّه يستحيل التصرّف في المفهوم نفسه، لأنّه مدلول تبعي ولازم عقلي للمنطوق، فلابدّ من رفع اليد عن ملزوم المفهوم بمقدار يرتفع به التعارض، ولا يكون ذلك إلاّ بتقييد المنطوق ورفع اليد عن انحصاره، دون كونه علّة تامّة، لعدم الحاجة إلى التصرّف في تمامية كلّ واحد من الشرطين بعد إلغاء الانحصار.(1)
يلاحظ عليه: كيف يقول باستحالة التصرّف في المفهوم بحجّة أنّه مدلول تبعي، ولازم عقلي للمنطوق، لأنّه إذا صار حجّة يكون كالمنطوق في قابلية التقييد. نعم صار المنطوق واسطة في الثبوت في ظهور هذه الحجّة وهذا لا يمنع من أن يقع المفهوم طرفاً للتعارض بينه وبين منطوق القضية الأُخرى. نعم المرجع في تقديم التصرّف الأوّل على الثاني هو ما ذكرنا.
إلى هنا تمّ الكلام حول الجمعين المقبولين وأظهرية أحدهما. بقي الكلام في الجمع الثالث الذي هو بعيد فنقول:

الثالث: رفع اليد عن المفهوم في كليهما

وحاصل هذا الوجه إخلاء القضيتين عن المفهوم، وقد جعله المحقّق

1 . أجود التقريرات: 1/424ـ425، قسم التعليقة.

231
الخراساني ثاني الوجوه، وقال: وإمّا برفع اليد عن المفهوم فيهما.(1)
فإذا كانت نتيجة هذا الجمع هي سلب المفهوم عن القضيتين وبمعنى أنّهما لا تدلاّن ـ وراء المنطوق ـ على شيء آخر، فلا موضوع للتعارض.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ هذا الجمع لا يُعدّ علاجاً للتعارض ، فإنّه مبني على وجود المفهوم، والعلاج يجب أن يكون على فرض المبنى، وإنكار المفهوم في كلا الطرفين ناف للمبنى.
ثانياً: أنّ مرجعه إلى الجمع الثاني في كلامنا إذ نتيجة سلب المفهوم كون كلّ سبباً تامّاً، كما مرّ.

الرابع: جعل الشرط هو القدر المشترك

وحاصل هذا الوجه، هو: جعل الشرط، القدر المشترك بين الخفاءين، فليس الميزان خفاء الأذان بما هوهو ولا خفاء الجدران كذلك، بل الميزان في وجوب القصر، هو البعد عن الوطن أو محلّ الإقامة بمقدار خاص يلازمه خفاء الأذان والجدران، فخفاؤهما أمارتان للموضوع، أي الابتعاد بمقدار خاص وطريقان إليه، وليس لهما موضوعية.
ثم استدلّ على ذلك بوجهين:
1. إنّ وحدة المعلول ـ أي وجوب القصر ـ كاشف عن وحدة العلّة، لامتناع صدور الواحد عن الكثير بما هو كثير من دون جامع بينهما، فهذه القاعدة تجرّ الباحث إلى القول بأنّ هنا علّة واحدة وهي البعد عن الوطن أو محلّ الإقامة للمعلول الواحد أي وجوب القصر.

1 . كفاية الأُصول: 1/313.

232
يلاحظ عليه:أنّ للقاعدة أصلاً وهو: أنّه لا يصدر من الواحد إلاّ الواحد، وعكساً وهو: لا يصدر الواحد إلاّ عن الواحد، ومورد الاستدلال هو العكس، وقد ثبت في محلّه أنّ مورده منحصر في المعلول البسيط البحت كالعقل الأوّل الذي لا يصدر إلاّ من الله البسيط، إذ لو صدر من اثنين يلزم التركيب في الصادر، لأنّ صدوره عن كلّ يستلزم وجود رابطة وحيثية وجودية بينه وبين كلّ علّة، فيلزم اجتماع حيثيتين فيه، باعتبار صدوره من علّتين، وهو خلف الفرض.
وأمّا الصادر في المقام فهو أمر اعتباري، أعني: وجوب القصر، خارج عن مصب القاعدة.
2. إنّ الشارع لم يجوز الإفطار والتقصير في البلد حفظاً لكرامة الصيام بين الحاضرين وكرامة الصلاة الرباعية بين الأهل والعيال، وإنّما جوزهما إذا ابتعد المسافر عن البلد على قدر، يلازمه خفاء الأذان والجدران.
يلاحظ عليه: كيف يكون خفاء الأذان والجدران أمارة على البعد المعيّن، مع أنّ الأذان يخفى قبل خفاء الجدران. نعم يمكن دفعه أنّ الأمارة هي تواري المسافر عن البيوت لا تواريها عن المسافر، كما في الحديث.(1) وعندئذ تتّحد الأمارتان زماناً، لأنّ تواري المسافر عن أهل البيوت يحصل متقارباً مع خفاء الأذان لصغر جسم المسافر، بخلاف البيوت فإنّها لكبرها لا تخفى إلاّ بعد طي مسافة كبيرة.

الخامس: رفع اليد عن مفهوم إحدى القضيتين

وحاصل هذا الوجه: أنّه ترفع اليد عن خصوص إحدى القضيتين ويؤخذ بمفهوم القضية الأُخرى. وهذا هو المنقول عن ابن إدريس فزعم أنّه يلغى مفهوم

1 . الوسائل:5، الباب6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.

233
قوله: إذا خفي الأذان فقصر، ويؤخذ بمفهوم القضية الأُخرى، فعندئذ يرتفع التعارض.
يلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: أنّه ترجيح بلا مرجّح.
الثاني: أنّ التعارض باق على حاله، وذلك لأنّ إخلاء إحدى القضيتين عن المفهوم يعالج التعارض في جانب مفهوم تلك القضية ولكنّه باق على حاله في الجانب الآخر، مثلاً إذا كان مفهوم قوله: «إذا خفيت الجدران فقصّر»، هو أنّه إذا لم تخف الجدران فلا تقصر، وإن خفي الأذان، فعنذئذ يقع التعارض بين هذا المفهوم ومنطوق القضية الأُولى الذي أُخلي من المفهوم، أعني: إذا خفي الأذان فقصر، فرفع التعارض منحصر إمّا في تقييد منطوق كلّ بمفهوم الآخر، أو تقييد منطوق كلّ بمنطوق الآخر، وأمّا رفع اليد عن مفهوم إحداهما فلا يرفع التعارض جذرياً.
***
وليعلم أنّه قد قام عدد من الفضلاء بتعيين الحدّ الذي يخفى فيه الأذان والجدران، فتوصلوا إلى أنّ الاختلاف بينهما مائة متر، حيث إنّ الأذان يخفى إذا بعد المسافر حوالي (1300) متر، وأمّا الجدران فتختفي بالابتعاد حوالي (1400) متر.
وقد بلغ عدد القائمين بهذه التجربة في مسافات وأمكنة مختلفة خمسة عشر باحثاً، في مركز معرفة الأحكام الشرعية، بتاريخ 27/3/1392هـ . ش.

234
 
 
التنبيه الثالث

تداخل الأسباب والمسببات

قبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: في عنوان المسألة

جعل المحقّق الخراساني عنوان هذه المسألة والمسألة السابقة واحداً وعبّر عنهما بقوله: إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء.
ومع ذلك عقد مسألتين وذلك لأجل اختلاف الغرض، فالجهة المبحوث عنها في التنبيه الثاني هو وجود التعارض بين مفهوم كلّ ومنطوق الآخر وكيفية رفعه، ولكن الجهة المبحوثة في التنبيه الثالث هو تعدّد الأسباب أو تداخلها، وعلى فرض التعدّد يقع الكلام في تعدّد المسبّبات أو تداخلها، وهذا هو الذي دفع بالأُصوليّين إلى عقد مسألتين مع اتّحادهما جوهراً، وسيوافيك ما هو المراد من التداخل وعدمه في الأسباب والمسبّبات.
أقول: الظاهر أنّ المسألتين مختلفتان جوهراً لا متحدتان ذاتاً ومختلفتان غرضاً، ويكفي في ذلك أنّ واقع المسألة في التنبيه الثاني وجود التعارض بين القضيتين ورفعه، كما أنّ واقع المسألة في التنبيه الثالث احتمال التداخل وعدمه في الأسباب والمسببات.

235
 
الثاني: ما هو المراد من التداخل؟
المراد من عدم التداخل في الأسباب هو أنّ كلّ سبب ـ كالنوم والبول ـ يؤثر في وجوب مستقل، فإذا بال ونام يتوجّه عليه وجوبان متعلّقان بالوضوء.
كما أنّ المراد من التداخل هو أنّ السببين إذا اجتمعا يؤثران في وجوب واحد، ويتولّد منهما حكم فارد. وبعبارة أُخرى: لو قلنا بأنّ الرجل إذا بال ونام يتوجّه عليه وجوبان، فهذا هو عدم التداخل في الأسباب، وإمّا إذا قلنا: يؤثران في وجوب واحد، فهذا هو المراد من التداخل.
وأمّا التداخل وعدمه في المسبّبات فلو قلنا بالتداخل في الأسباب، يعني أنّه لا يتوجّه إلى المكلّف إلاّ وجوب واحد، فلا موضوع للبحث في جانب المسبّبات.
وأمّا لو قلنا بتعدّد الوجوب فيقع الكلام في أنّه هل يكفي الإتيان بفرد واحد في امتثال الوجوبين أو لا؟ فالأوّل نفس القول بالتداخل في المسبّبات، والثاني هو القول بعدم التداخل فيها.

الثالث: إذا كان الجزاء قابلاً للتكرار

إنّ النزاع في التداخل وعدمه في المسبّبات فيما إذا كان الجزاء قابلاً للتكرار كالوضوء والغسل، دون ما لم يكن قابلاً له كالقتل فيما إذا زنى محصناً وارتدّ عن دينه، فيحكم عليه بالقتل وهو غير قابل للتكرار.

الرابع: اختلاف الشرط نوعاً أو اتّحاده

إنّ الشرط تارة يختلف ماهية و يتكثّر مصداقاً، كالنوم والبول بالنسبة إلى وجوب الوضوء والجنابة والحيض بالنسبة إلى وجوب الاغتسال، وأُخرى يتّحد

236
ماهية ويتعدّد مصداقاً، كما إذا نام مرتين أو بال كذلك، أو وطأ زوجته مرّتين ولم يغتسل بينهما.
وعلى كلّ تقدير فالنزاع في تداخل الأسباب يرجع إلى مقام الدلالة، وانّ كلّ قضية تدلّ على وجوب مستقل وعدمه، كما أنّ النزاع في ناحية المسببات يرجع إلى مقام الامتثال، وأنّ الإتيان بمصداق واحد هل يُجزي في امتثال الوجوبين وعدمه؟

الخامس: القضايا الخبرية بحكم الإنشائية

إنّ النزاع لا يختصّ بالقضايا الإنشائية بل يعمّ القضايا الخبرية، كما لو قال: الحائض تغتسل والجنب تغتسل، فصارت الحائض جنباً. فيقع النزاع في أنّ كلّ سبب يقتضي وجوباً خاصاً أو لا، ثم على الأوّل، يجزي الإتيان بمصداق واحد في امتثال الوجوبين أو لا؟

السادس: الأقوال في المسألة ثلاثة:

1. عدم التداخل مطلقاً. وهو المشهور، وهو خيرة الشيخ الأعظم(رحمه الله)والمحقّق الخراساني، إلاّ ما خرج بالدليل، كما في من بال ونام، حيث يكفي فيه وضوء واحد للنصّ والإجماع، بخلاف ما لو أفطر في الصوم الواجب، وظاهر، فقالا بتعدّد الوجوب.
حكم الأسباب من حيث التداخل وعدمه   
2. التداخل مطلقاً. وهو خيرة المحقّق الخوانساري والسيد البروجردي.
3. التفصيل بين اختلاف الشرطين ماهية واتّحادهما كذلك، وتعدّدهما مصداقاً، فذهب ابن إدريس إلى عدم التداخل في الأوّل والتداخل في الثاني، ولذلك أفتى بعدم تكرر الكفّارة لو تكرر وطء الحائض.

237
اذاعرفت ذلك فأعلم أنّ المحقّق الخراساني لم يحرّر المسألة في المقام تحريراً خالياً عن الخلط بين التداخل في الأسباب وعدمه،والتداخل في المسبّبات وعدمه، ولم يفصل بينهما بالعنوان. وأوجد ذلك تعقيداً في العبارة.
إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع ويقع البحث في موضعين:
***

الموضع الأوّل: حكم الأسباب من حيث التداخل وعدمه

قد عرفت أنّ المراد من التداخل بين الأسباب وعدمه فيها، هو إنشاء وجوبين بعد السببين أو إنشاء وجوب واحد، فيكون مرجع البحث إلى دلالة هيئة الجملة الشرطية على التعدّد وعدمه، كما أنّ النزاع في تداخل المسببات وعدمه هو كفاية الإتيان بمصداق واحد وعدمه.
إذا عرفت ذلك فلنذكر دليل القائل بعدم التداخل ثم دليل القائل به.

ظهور الجملة الشرطية في الحدوث عند الحدوث

استدلّ القائل بعدم التداخل في الأسباب بظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، وبتعبير آخر: الحدوث عند الحدوث، وبتعبير ثالث: أنّ ظاهر كلّ قضية شرطية أنّها علّة تامّة لحدوث الوجوب ، سواء أكان الشرط الآخر موجوداً أو لا. وعلى فرض الوجود سواء وجد معه أو قبله أو بعده. هذا دليل القائل بعدم التداخل. وأمّا دليل القائل بالتداخل فهو كما يلي:

238

إطلاق متعلّق الوجوب

إطلاق متعلّق الوجوب وهو «الوضوء» أو «الاغتسال» بمعنى كونه تمام الموضوع للحكم دون زيادة ونقيصة دليل القائل بالتداخل، لأنّ ظاهر إطلاق متعلّق الوجوب، أنّ الوضوء مثلاً هو تمام الموضوع، ومن المعلوم أنّ الطبيعة الواحدة لا يمكن أن تقع متعلّقاً لوجوبين، لاستلزامه إرادتين بشيء واحد، وهو محال.
فتلخص أنّ إطلاق الشرط وتأثيره في الحدوث عند الحدوث مطلقاً، هو دليل القائل بعدم التداخل; كما أنّ إطلاق الجزاء وأنّ الموضوع لكلا الوجوبين، هو الوضوء لا غير، هو دليل القائل بالتداخل، ولا يمكن الأخذ بكلا الظهورين ولابدّ من التصرّف في أحدهما.
ثمّ إنّ القائل بالتداخل أجاب عن دليل المخالف بوجهين:
1. منع ظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث، بل أنّه يدلّ على الثبوت عند الحدوث، أي ثبوت الوجوب أعمّ من كونه نفس الوجوب السابق أو الوجوب الجديد.
2. الالتزام بحدوث الأثر، إلاّ أنّ الوجوب الثاني تأكيد للوجوب الأوّل وليس وجوباً جديداً. والفرق بين الوجهين واضح فإنّ الوجه الأوّل يعتمد على نفي حدوث أي وجوب ثان، لكن الثاني يسلّم وجود الوجوب الثاني ولكن يمنع كونه تأسيسياً.
وأجاب القائل بعدم التداخل عن دليل المخالف بالوجه التالي: إنّا نسلّم أنّ مقتضى الإطلاق كون الوضوء تمام الموضوع، لكن ظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث يقتضي التصرّف في الجزاء بضم كلمة إليه وهو قولنا: وضوءاً آخر، وعندئذ يرتفع المحذور، أي تعلّق البعثين بشيء واحد.

239
وحصيلة الكلام: أنّ القائل بالتداخل يتصرّف في هيئة القضية الشرطية ويمنع عن دلالته على الحدوث عند الحدوث، كما أنّ القائل بعدم التداخل يتصرّف في مادة الجزاء ويقيدها بكلمة «آخر».

تقديم ظهور الجملة الشرطية على إطلاق مادة الجزاء

إلى هنا وقفنا على أدلّة الطرفين، إنّما الكلام في ترجيح أحد التصرّفين على الآخر.
وقد ذكروا لتقديم ظهور الجملة الشرطية على إطلاق مادة الجزاء وجوهاً أربعة، نقدّم ما هو الأقوى عندنا.

دليل القول بعدم التداخل في الأسباب

استدلّ على القول بعدم التداخل بوجوه نشير إليها فيما يلي:

الأوّل: العلل الشرعية في نظر العرف كالعلل التكوينية

فكما أنّ كلّ علّة تكوينية تؤثّر في معلول مستقل دون المعلول المشترك بينها وبين غيرها، فهكذا العلل الشرعية يؤثر كلّ منها في معلول خاص.
وبعبارة أُخرى: إنّ من مرتكزات العرف ـ حسب مشاهداته ـ هو أنّ الحرارة المتولدة من النار غيرها من الشمس، فهو بهذا الارتكاز إذا سمع القضيتين المعروفتين: إذا بُلْت فتوضّأ، وإذا نمت فتوضّأ، ينتقل ـ حسب ارتكازه ـ إلى أنّ لكلّ سبب شرعي وجوباً مستقلاً.
وليس هذا من باب قياس التشريع بالتكوين فإنّه غير تام ـ كما قلنا مراراً ـ بل أنّ ممارسة الإنسان للعلل التكوينية ومشاهدته تعدّد المعلول بتعدّد العلل، تدفعه إلى القول بأنّ لكلّ سبب شرعي مسبباً شرعياً مستقلاً، وكأنّ الممارسة الخارجية

240
توجد أرضية خاصة في ذهنه ويتبادر عند سماع القضيتين كون كلّ من السببين مؤثراً في معلول خاص.
ولعلّه إلى ما ذكرنا يشير المحقّق الإصفهاني في بيان وجه عدم التداخل بقوله: إنّ العرف إذا أُلقي إليه القضيّتان، فكأنّه يرى مقام الإثبات مقروناً بمقام الثبوت ويحكم بمقتضى تعدّد السبب بتعدّد الجزاء من غير التفات إلى أنّ مقتضى إطلاق المتعلّق خلافه، وهذا المقدار من الظهور كاف في المقام.(1)
وهذا هو الوجه عندنا للقول بعدم التداخل، بتقديم ظهور الصدر على إطلاق الذيل.
ثم إنّه قيل للتقديم وجوه أُخرى ندرسها تالياً.

الثاني: تقديم الدلالة اللفظية على الإطلاقية

قال المحقّق الخراساني(قدس سره): لا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء (الوجوب)، وظهور الإطلاق (في أنّ الوضوء تمام الموضوع) ضرورة أنّ ظهور الإطلاق يكون معلّقاً على عدم البيان وظهور القضية الشرطية صالح لأن يكون بياناً، فلا ظهور للجزاء مع ظهورها، فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلاً، بخلاف القول بالتداخل.(2)
توضيحه: أنّ دلالة القضية الشرطية على الحدوث عند الحدوث بالدلالة اللفظية الوضعية ودلالتها على مدلولها لا يتوقّف على شيء آخر غير نفسها، بخلاف دلالة الجزاء (فتوضّأ) على وحدة متعلّق الوجوبين فإنّه بالإطلاق وسكوت المتكلّم عن القيد مع كونه في مقام البيان، فدلالته على وحدة متعلّقهما

1 . نهاية الدراية:326.
2 . كفاية الأُصول:1/318.

241
معلّق على عدم البيان الدالّ على القيد، وظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث كاف لأن يكون بياناً، وأنّ متعلّق الوجوب في كلّ من القضيتين شيء غير الآخر، وأنّ المحكوم في كلّ فرد غير الآخر فعندئذ لا ينعقد الإطلاق في جانب الجزاء لوجود البيان، فلا يُعد تقديم ظهور الشرط على الجزاء تصرّفاً فيه، لعدم انعقاد الإطلاق.
يلاحظ عليه: أنّ المحقّق الخراساني أصاب في جهة، ولم يصب في جهة أُخرى.
أمّا الأُولى فقد أصاب في أنّ دلالة القضية الشرطية على الحدوث عند الحدوث دلالة لفظية وضعية لا تتوقّف دلالتها على شيء، ودلالتها على الموضوع له صارمة قاطعة.
وأمّا الثانية فهي أنّ حدوث الوجوب عند حدوث السبب مطلقاً، سواء تقدّمه سبب آخر أو قارنه أو تأخّر عنه فهي بالدلالة الإطلاقية، أي بسكوت المتكلّم عن تخصيص الحكم بحال دون حال ومعها تكون دلالتها على التأثير مطلقاً مثل دلالة الجزاء على أنّ الموضوع هو الوضوء من باب واحد، فلا يكون لأحد الإطلاقين مزية على الإطلاق الآخر.
وبعبارة أُخرى: أنّ إطلاق الشرط كما يصلح لأن يكون قرينة على تقييد متعلّق الجزاء، وأنّ المحكوم بالوجوب في السبب الثاني غير الأوّل، كذلك إطلاق الجزاء يصلح لأن يكون قرينة على أنّ الحدوث عند الحدوث إنّما هو فيما
إذا تفرّد الشرط لا ما إذا سبقه أو قارنه، فعندئذ يكون الوجوب الثاني مؤكّداً لا مؤسّساً.

242

الثالث: تقديم ذي الاقتضاء على اللا اقتضاء

ذهب المحقّق الإصفهاني إلى أنّ نسبة الصدر إلى الذيل نسبة الاقتضاء إلى فاقد الاقتضاء حيث إنّ متعلّق الجزاء نفس الماهية المهملة، والوحدة والتعدّد خارجان عنها، بخلاف أداة الشرط فإنّها ظاهرة في السببية المطلقة ولا تعارض بين المقتضي واللا اقتضاء.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره تعبير آخر عمّا ذكره أُستاذه المحقّق الخراساني، وذلك لأنّ كون الصدر ذا اقتضاء لأجل أنّ دلالته على الحدوث عند الحدوث بالوضع، وأمّا كون الذيل كلاّ اقتضاء فلأجل أنّ الدليل على أنّ الموضوع للوجوب هو الوضوء، بالإطلاق.
لكنّك عرفت أنّ مصبّ التعارض شيء آخر وهو أنّ دلالة الصدر على أنّ السببية حاصلة للنوم في جميع الأحوال سواء سبقه سبب آخر أو قارنه أو تأخّر عنه، إنّما هي بالإطلاق، كما أنّ دلالة الذيل على أنّ الموضوع هو الوضوء إنّما هي أيضاً بالإطلاق، وعند ذلك تكون الدلالتان متوازنتين إذ الجميع من مصاديق الإطلاق .

الرابع: انحلال القضية الشرطية

علّل المحقّق النائيني تقدّم ظهور القضية الشرطية على إطلاق الجزاء بطريق ثالث وقال: لا شبهة في أنّ القضية الشرطية، كالقضية الحقيقية، فكما أنّ قوله:«المستطيع يحجّ» عامّ لمن استطاع في كلّ وقت، فكذلك قوله: «إذا استطعت فحجّ» عامّ لمن استطاع في وقت، ولازم الانحلال أن يترتّب على كلّ شرط جزاء غير ما رتّب على الآخر، فيكون هذا قرينة للجزاء ويصير بمنزلة أن يقال: إذا بلت

243
فتوضّأ، وإذا بلت ثانياً فتوضّأ وضوءاً آخر.(1)
يلاحظ عليه: أنّ إرجاع القضية الشرطية إلى القضية الحقيقية لا يدفع الإشكال، إذ غاية ما يدلّ عليه الانحلال أنّه يترتّب على كلّ شرط جزاء غير ما رتّب على الآخر، وأمّا أنّه في كلّ حال كذلك أو يختصّ بما إذا لم يسبقه شرط آخر، فهذا ممّا لا تدلّ عليه القضية بدلالة لفظية وإنّما يدلّ عليه الإطلاق وسكوت المتكلّم عن التقييد فصارت الدلالتان من مقولة الإطلاق ولا ترجيح لإحداهما على الأُخرى.
وهناك إشكال آخر يتوجّه على الوجوه الثلاثة وهو: أنّ مفادها هو تقديم ظهور الجملة الشرطية على إطلاق الجزاء من باب أظهرية الصدر من الذيل أو حكومته عليه.
والمعلوم أنّ الحكومة قائمة باللسان ولا تتحقّق إلاّ في ضمن كلامين لا في كلام واحد، بل يُعدّ مثل هذا الكلام ـ لولا القرينة الخارجية ـ أمراً مجملاً، وقد قلنا نظير ذلك في تفسير آية النبأ حيث أُورد على الاستدلال بمفهوم الصدر بأنّه داخل في ذيل الآية وعموم التعليل، أعني قوله: (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة) حيث إنّ خبر العادل ظنّي غير علمي، وهو داخل في الجهالة.
وأُجيب عنه: بأنّ الصدر حاكم على الذيل، ومخرج إيّاه عن تحت الذيل.
هذا كلام القوم، وقد قلنا في محلّه بأنّ الجواب في غير محلّه، وذلك لأنّ الحكومة إنّما تتصوّر إذا كان الحاكم والمحكوم في كلامين منفصلين، لا في كلام واحد كما في قوله: «لا ضرر ولا ضرار»، بالنسبة إلى عامّة الأحكام الشرعية. وأمّا إذا كانا في كلام واحد فهذا يورث الإجمال فلابدّ في رفع الإجمال من سلوك طريق آخر، كما مرّ.

1 . فوائد الأُصول: 1/494.

244
إلى هنا تمّ الكلام حول تقديم ظهور القضية الشرطية على إطلاق الجزاء.

دليل القول بالتداخل في الأسباب

ذهب السيد البروجردي(قدس سره) إلى ترجيح ظهور الجزاء في الوحدة على ظهور الشرط في تعدّد الوجوب قائلاً: إذا قال المولى: إذا بلت فتوضّأ، وقال: إذا نمت فتوضّأ، فإمّا أن يكون متعلّق الوجوب نفس الحيثية المطلقة ـ أعني: طبيعة الوضوء ـ أو شيئاً وراء ذلك. فعلى الأوّل لا يصحّ تعلّق وجوبين على أمر واحد، وعلى الثاني فلابدّ أن يقال: إذا نمت فتوضّأ وإذا بلت فتوضّأ وضوءاً آخر، وهذا لا يصحّ من وجهين:
1. ربّما يكون البول متقدّماً، فعندئذ لا يصحّ أن يقال: إذا بلت فتوضّأ وضوءاً آخر.
2. إنّ هذا النوع من التقييد إنّما يصحّ إذا كان أحد الخطابين ناظراً إلى الآخر، لا فيما إذا لم يكن كذلك كما في المقام.(1) فلا مناص من تقديم ظهور الجزاء على ظهور الشرط.
يلاحظ على الأوّل: أنّ القيد لا ينحصر بلفظة «آخر» بل يمكن أن تقيّد الطبيعة بقيد آخر كأن يقال: إذا بلت فتوضّأ لأجل البول، وإذا نِمْت فتوضّأ وضوءاً لأجل النوم.
ويلاحظ على الثاني: بأنّ حكم المتفرّقات في كلام الأئمّة(عليهم السلام) ـ فضلاً عن الإمام الواحد ـ كحكم كلام واحد.
إلى هنا تبيّن أنّ الحقّ عدم التداخل في الأسباب.

1 . نهاية الأُصول: 1 / 278ـ279; لمحات الأُصول: 293.

245
بقيت هنا أُمور نشير إليها حتى نبلغ الموضع الثاني الذي يتعلّق بتداخل المسبّبات وعدمه.

الأوّل: التفصيل بين متّفق الجنس ومختلفه

قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة هو عدم التداخل في الأسباب، وأنّ لكلّ سبب حكماً ووجوباً، غير أنّ الفقيه المجدّد محمد بن إدريس الحلّي فصّل بين ما كان السبب من جنس واحد كتكرر وطء الحائض، وما كان من جنسين أو أجناس، كزيادة العمل والذكر في الصلاة، فاختار في الأوّل التداخل، وفي الثاني عدمه، وإليك نص كلامه:
قال: فإن سها المصلّي في صلاته بما يوجب سجدتي السهو مرّات كثيرة، في صلاة واحدة، أيجب عليه بكلّ مرّة سجدتا السهو، أو يكفي سجدتا السهو عن الجميع؟
قلنا: إن كانت المرات من جنس واحد، فمرّة واحدة تجب سجدتا السهو، مثلاً تكلم ساهياً في الركعة الأُولى، وكذلك في باقي الركعات، فإنّه لا يجب عليه تكرار السجدات، بل يجب عليه سجدتا السهو فحسب، لأنّه لا دليل عليه، وقولهم(عليهم السلام): «مَن تكلّم في صلاته ساهياً يجب عليه سجدتا السهو»(1)، وما قالوا دفعة واحدة أو دفعات.
فأمّا إذا اختلف الجنس، فالأولى عندي بل الواجب، الإتيان عن كلّ جنس بسجدتي السهو، لأنّه لا دليل على تداخل الأجناس، بل الواجب إعطاء كلّ جنس ما تناوله اللفظ، لأنّ هذا قد تكلّم مثلاً، وقام في حال القعود، وأخلّ بإحدى السجدتين، وشك بين الأربع والخمس، وأخلّ بالتشهّد الأوّل، ولم يذكره إلاّ بعد

1 . لاحظ : الوسائل، ج5، الباب4 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

246
الركوع في الثالثة، وقالوا(عليهم السلام): مَن فعل كذا، يجب عليه سجدتا السهو، ومَن فعل كذا في صلاته ساهياً يجب عليه سجدتا السهو; وهذا قد فعل الفعلين فيجب عليه امتثال الأمر، ولا دليل على تداخلهما، لأنّ الفرضين لا يتداخلان بلا خلاف من محقّق.(1)
وقد لخّص في «الكفاية» حاصل مرامه وهو: أنّه لا يصحّ التمسّك بعموم اللفظ فيما إذا كان السببان من جنس واحد لأنّه لم يوجد إلاّ سبب واحد، بخلاف ما إذا كانا من جنسين فإن كلاًّ منهما سبب مستقل فلا وجه لتداخلهما .(2)
يلاحظ عليه: بأنّ السبب في الصورة الأُولى سبب واحد جنساً، ولكنّه متعدّد شخصاً وفرداً، وإطلاق قوله: إذا بلت فتوضّأ، هو حدوث الوجوب عند كلّ مرّة، إذا بال مرّات.

الثاني: التفصيل بين كون الأسباب معرّفات أو مؤثّرات

قد بنى فخر المحقّقين المسألة على أنّ الأسباب الشرعية هل هي معرّفات، أو مؤثّرات؟ فعلى الأوّل الأصل التداخل، بخلافه على الثاني. وحكاه الشيخ الأنصاري عن المحقّق النراقي في عوائده(3)، وإليك نص كلامه:
قال في شرحه على القواعد: ذهب الشيخ في المبسوط إلى التداخل مطلقاً، وذهب ابن إدريس إلى التداخل في المتفق لا المختلف، والتحقيق أنّ هذا الخلاف يرجع إلى أنّ الأسباب الشرعية هل هي مؤثرات أو علامات؟ وقال أيضاً ـ في باب غسل الجنابة ـ : والأسباب الشرعية علامات فلا يستحيل تعدّدها.

1 . السرائر:1/258، باب أحكام السهو والشك في الصلاة.
2 . كفاية الأُصول: 1 / 319 .
3 . مطارح الأنظار: 180.

247
وحاصل كلامه: أنّه لو كان كلّ من البول والنوم موضوعاً للحكم وعلّة وسبباً له، فيطلب كلّ حكماً غير ما يطلبه الآخر.
وأمّا لو كان كلّ منها معرّفاً لما هو الموضوع واقعاً، فلا مانع من تعدّد المعرّف لموضوع واحد، وذلك كمبطلات الوضوء، فإنّ الظاهر أنّ الجميع حتى الريح كاشفة عن ظلمة نفسية بين الموضوع واقعاً والّتي يذهبها الوضوء.
يلاحظ عليه: أوّلاً: بعدم الملازمة بين كون الأسباب الشرعية معرّفات، وكونها معرّفات لشيء واحد، إذ من المحتمل أن يكون كلّ كاشفاً عن سبب مستقل فعندئذ يكون حكم المعرِّف حكم كونه مؤثراً.
وثانياً: أنّ الأسباب الشرعية على قسمين:
أ. ما يكون علّة للحكم الشرعي ودخيلاً في ترتّبه كما في قوله: (أقِمِ الصَّلاة لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً)(1).
ب. ما يكون معرّفاً للموضوع الشرعي، كزوال الحمرة المشرقية الذي هو الموضوع لوجوب صلاة المغرب، لأنّه اعتبر بما أنّه كاشف عن استتار القرص كاملاً.
ويدلّ عليه ما رواه بريد بن معاوية عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إذا غابت الحمرة من هذا الجانب ـ يعني: المشرق ـ فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها».(2)
كما أنّ الأسباب العرفية على قسمين، فمنها ما يكون سبباً كما في قوله: إذا طلعت الشمس كان النهار موجوداً.

1 . الإسراء: 78.
2 . الوسائل: ج 3، الباب15 من أبواب المواقيت، الحديث1.

248
ومنها ما يكون معرفاً كما في قوله: إذا كان النهار موجوداً كانت الشمس طالعة.
فليس هنا ضابطة واحدة لا في جانب الأسباب الشرعية ولا في جانب الأسباب العرفية.

الثالث: إذا شك في مقتضى الأدلّة الاجتهادية

إذا شك في مقتضى الأدلّة وأنّ مقتضاها تداخل الأسباب (وحدة الوجوب) وعدمه (كتعدّد الوجوب) فالأصل هو البراءة عن الوجوب الزائد.
وأمّا ما هو مقتضى الأصل في الموضع الثاني فسيوافيك في محلّه.

الرابع: إذا تكرّر الجزاء من دون ذكر سبب

إنّ محط البحث فيما إذا ذُكر السبب لكلّ جزاء كما مرّ، وأمّا لو تكرر أمر بعد أمر كما إذا قال:«صل» بعد قوله«صل»، من دون ذكر السبب فهو خارج عن محط البحث، وقد مر البحث عنه في آخر «الأوامر» وأنّه هل يحمل على التأكيد أو التأسيس؟ فلاحظ .

249
 
   
 
الموضع الثاني

في تداخل المسبّبات

قد مرّ أنّه لو قلنا بأنّ مفاد الجملة الشرطية هو الأعم من الحدوث والثبوت، فعندئذ لا يبقى مجال للبحث في الموضع الثاني، إذ لم يثبت تعدّد المسبب ـ أعني: الوجوب ـ حتى يبحث عن التداخل في مقام الامتثال، وأمّا لو قلنا بأنّ مفاده هو الحدوث عند الحدوث مطلقاً، سواء أسبقه سبب أم لا، فيقع الكلام في أنّ تعدد الوجوب هل يقتضي تعدد الواجب أو لا؟ وبعبارة أُخرى: يقع الكلام في كفاية الإتيان بفرد واحد مع تعدّد التكليف وعدم كفايته.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الكلام يقع تارة في مقام الثبوت أي إمكان الاكتفاء بواجب واحد ثبوتاً في مقام الامتثال وعدمه، وأُخرى في ما هو مقتضى الأدلّة إثباتاً بعد إمكانه ثبوتاً.

حكم التداخل وعدمه ثبوتاً

ذهب الشيخ الأعظم إلى عدم إمكان التداخل في ناحية المسببات ثبوتاً بمعنى أنّ الفرد الواحد لا يكفي في امتثال الأمرين، حيث قال: قد قررنا أنّ متعلّق التكاليف هو الفرد المغاير للفرد الواجب بالسبب الأوّل، ولا يعقل تداخل فردين من ماهية واحدة، بل لا يعقل ورود دليل على التداخل أيضاً على ذلك التقدير، إلاّ أن يكون ناسخاً لحكم السببية.

250
وحاصل كلامه: أنّه لو اقتصرنا في رفع غائلة اجتماع المثلين في ماهية واحدة كالوضوء بتقدير لفظة «آخر» وقلنا بأنّ مفاد الدليل الثاني هو: إذا بلت فتوضّأ وضوءاً آخر، لا يمكن القول بالتداخل ، لأنّ النسبة بين الدليلين عندئذ تكون هي التباين، لامتناع اجتماع فرد من الوضوء في مصداق واحد، نظير قولنا: أكرم إنساناً أسود، وأكرم إنساناً أبيض، فلا يمكن الامتثال إلاّ بإكرام فردين، لأنّ النسبة بين المفهومين هي التباين.
يلاحظ عليه: أنّ رفع غائلة اجتماع المثلين في ماهية واحدة لا ينحصر بتقدير لفظة «فرد آخر»، بل يمكن تقييد الوضوء الذي هو متعلّق للوجوب بشكلّ آخر، بأن يقال: إذا بلت فتوضّأ وضوءاً واجباً بسبب البول، أو: إذا نمت فتوضّأ وضوءاً واجباً بسبب النوم، وعندئذ تكون النسبة بين الجزأين هي العموم من وجه فربّما يجب الوضوء لأجل النوم دون البول، وربما يجب لأجل البول دون النوم، وثالثة يجب بكليهما وعندئذ يجتمع الوجوبان، ويصبح المقام كالمثال التالي: أكرم هاشمياً، وأكرم عالماً. إذ بين وجوب إكرام الهاشمي ووجوب إكرام العالم من النسبة هي العموم من وجه، كما هو واضح.
ومن هنا يظهر أنّ القول بالتداخل في ناحية المسببات مبني على وجود النسبة بين متعلّقي الوجوب بنحو العموم والخصوص من وجه، أو المطلق، دون التباين. ولقد أشار المحقّق الخراساني إلى ما ذكرنا من إمكان التداخل في المسببات وإن قلنا بعدمه في الأسباب بقوله: الذمّة وإن اشتغلت بتكاليف متعدّدة، حسب تعدّد الشرط (عدم التداخل في الأسباب) إلاّ أنّ الاجتزاء بواحد، لكونه مجمعاً لها كما قال: أكرم هاشمياً، وأضف عالماً، فأكرم العالم الهاشمي بالضيافة ضرورة أنّه بضيافته بداعي الأمرين يصدق أنّه امتثلهما ولا محالة يسقط بامتثاله وموافقته، وإن كان له امتثال كلّ منهما على حدة، كما إذا قال: أكرم الهاشمي بغير الضيافة، وأضاف العالم غير الهاشمي.

251
فظهر ممّا ذكرنا إمكان القول بالتداخل ثبوتاً، بقي الكلام في مقتضى الأدلّة إثباتاً.

مقتضى الأدلة اثباتاً

ذهب العلاّمة في «المختلف» بأنّ مقتضى الأدلّة هو عدم التداخل وقد استدلّ عليه بدليل قاصر حكاه الشيخ في «المطارح» وقال: إذا تعاقب السببان أو اقترنا فإمّا أن يقتضيا مسببين، أو مسبباً واحداً، أو لا يقتضيان شيئاً، أو يقتضي أحدهما شيئاً دون الآخر، والثلاثة الأخيرة باطلة، فتعيّن الأوّل وهو المطلوب، أمّا الملازمة فلانحصار الصور في المذكورات، وأمّا بطلان التوالي الثلاثة، فلما عرفت سابقاً من أنّ النزاع المذكور مبني على خلافه ]لأنّ المختار في الموضع الأوّل هو عدم التداخل[.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أن تعاقب سببين يقتضي مسبّبين، لا ينتج إلاّ إذا ضم إليه أمر آخر، وهو أنّ تعدّد الوجوب يقتضي تعدّد الامتثال، وهو غير ثابت.(1)
ثمّ إنّ المحقّق النائيني اختار ما اختاره الشيخ واستدلّ على عدم التداخل بطريق آخر وهو التمسّك بالأصل، وقال:الأصل عدم سقوط الواجبات المتعدّدة بفعل واحد ولو كان ذلك بقصد امتثال الجميع، إلاّ ما خرج بالدليل كسقوط أغسال متعدّدة بغسل الجنابة، إذا نوى سقوط الجميع به، ونظير ارتفاع أفراد الحدث الأصغر بوضوء واحد.
ثمّ إنّه استثنى ما إذا كانت النسبة بين الواجبين عموماً وخصوصاً من وجه كما في قولنا: أكرم هاشمياً وأكرم عالماً، إذ يكفي إكرام فرد ينطبق عليه متعلّق الأمرين.(2)

1 . وكأنّ عبارة العلامة ناظرة إلى صورة عدم التداخل في الأسباب.   2. أجود التقريرات:1/432.

252
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في مقتضي الأدلّة الاجتهادية لا الأُصول العملية، أضف إلى ذلك: أنّه ما الفرق بين المثال الذي ذكره والمثال الموجود في المقام، أعني: قول القائل: يجب عليك الوضوء الناشئ من جانب البول أو النوم، فعلى هذا فيجب التفصيل بين كون النسبة بين المتعلّقين هي التباين فلا يتداخل المسببان، كما إذا وجب إكرام الإنسان الأبيض والأسود، وبين ما إذا كانت النسبة بين المتعلّقين هي العموم من وجه فيتداخلان.
نعم هذه الضابطة ضابطة غالبية ربما يعدل عنها لأجل القرائن المشيرة إلى عدم التداخل، وإليك بعض الأمثلة:
1. إذا ورد النص على نزح سبع دلاء عند وقوع كلّ من الفأرة في البئر، وبول الصبي الذي لم يبلغ فوقع كلّ بعد الآخر، فلا يكفي نزح سبع دلاء مرّة واحدة، بل يلزم نزح سبع دلاء أُخرى أيضاً، وذلك لأنّ لوقوع كلّ منهما بعد الآخر تأثيراً خاصّاً في قذارة الماء، فلا يكفي نزح سبع دلاء مرّة واحدة، بل يجب التكرار.
2. إذا ظاهر وأفطر في شهر رمضان، فلا يكفي تحرير رقبة واحدة في مقام التكفير، وذلك لأنّ الغاية من إيجاب التكفير هو تأديب العاصي، وهو لا يحصل إلاّ بالتعدّد، ومنه يعلم حكم سائر الكفّارات.
3. إذا أتلف ثوبين من صنف واحد، فلا يجوز الاقتصار على دفع ثوب واحد، لأنّ الغاية من الضمان هو جبر الخسارة الواردة على الطرف، وهو رهن دفع ثوبين، ومنه يعلم حكم الغرامات والخسارات والديات غاية.
4. إذا نذر ذبح شاة لقضاء حاجة خاصة، ثم نذر شاة أيضاً لقضاء حاجة ثانية، فقُضيت له الحاجتان، فلا يكفي ذبح شاة واحدة، لأنّ لقضاء كلّ من النذرين شكراً خاصاً.
وبذلك يظهر حال الحدود والتعزيرات والديات، فالأصل فيهما التعدّد وإن كانت متماثلة.

253
 
الفروع المترتّبة على المسألة الأُصولية
نذكر في المقام بعض الفروع المترتّبة على هذه المسألة الأُصولية:
1. إذا وجبت عليه الزكاة فهل يجوز دفعها إلى واجب النفقة إذا كان فقيراً من جهة الإنفاق؟ قال فى «الجواهر»: لا يجوز لكونه ليس إيتاءً للزكاة، لأصالة عدم تداخل الأسباب.(1)
2. إذا اجتمع للمستحقّ سببان أو ما زاد، يستحقّ بها الزكاة، كالفقر، و«الكتابة» و «الغزو» جاز أن يعطى بحسب كلّ سبب نصيباً، لاندراجه حينئذ في الصنفين، مثلاً فيستحقّ بكلّ منها.(2)
3. إذا اجتمع سببان للخيار كالمجلس والعيب وخيار الحيوان، فلا يتداخل السببان وفائدته بقاء أحدهما مع سقوط الآخر.
4. لو تكرر منه وطء الحائض في وقت واحد كالثلث الأوّل، أو في وقتين، كما إذا كان الثاني في الثلث الثاني يقع الكلام في تكرر الكفّارات وعدمه.(3)
5. إذا تغيّر أحد أوصاف ماء البئر ومع ذلك وقع فيه من النجاسات ما له مقدّر، فهل يكفي نزح الجميع أو يجب معه نزح ما هو المقدّر؟ مبني على مسألة التداخل وعدمه.
6. إذا مات وهو جنب، فهل يكفي غسل واحد أو يجب الغسلان؟

1 . الجواهر: 15/ 401.
2 . الجواهر: 15 / 447.
3 . الجواهر: 3/236.

254
 
السالبة الكلّية ومفهومها
يشترط في المفهوم وجود أُمور:
1. وحدة القضيتين موضوعاً ومحمولاً وقيداً.
2. اختلاف القضيتين في الإيجاب والسلب.
3. كون القيد مذكوراً في المنطوق لا مفهوماً من السياق، مثلاً إذا قال:«إن جاء زيد يوم الجمعة راكباً فأكرمه»، يصير مفهومه:«إن لم يجئ زيد يوم الجمعة راكباً فلا تكرمه»... أنّ الشروط الثلاثة موجودة في القضيتين فالموضوع والمحمول والقيود متوفرة فيهما، كما أنّ القضيتين تختلفان في السلب والإيجاب.
وعلى ضوء ما ذكرنا يلزم بذل الجهد في كيفية أخذ المفهوم من قوله: إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء.
فيجب أن يكون المفهوم موضوعاً ومحمولاً وقيداً نفس المنطوق، ولا يكون بينهما اختلاف إلاّ في الكيف أي في السلب والإيجاب، فعلى هذا فمفهوم القضية المذكورة هو: إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجسه شيء. فيكون المفهوم موجبة جزئية وفقاً للضابطة التي ذكرناها، ولأجل ذلك ذهب المنطقيون إلى أنّ نقيض السالبة الكلية هو الموجبة الجزئية.
وما ذكرناه هو خيرة المحقّق الإصفهاني في حاشيته على المعالم، المسمّاة بـ«هداية المسترشدين في شرح معالم الدين».(1)
وهناك من ذهب إلى أنّ مفهوم القضية المذكورة هو الموجبة الكلية وأنّ

1 . هداية المسترشدين:291.

255
مفهومها عبارة: «إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجّسه كلّ شيء» و هو خيرة الشيخ الأنصاري في «مطارح الأنظار».(1)
وتظهر الثمرة في كون المفهوم دليلاً على انفعال الماء القليل ببعض النجاسات حسب نظرية صاحب الحاشية، وبكلّ النجاسات على نظرية الشيخ الأنصاري.
واستدلّ عليه بوجهين:
الأوّل: أنّ العموم لوحظ مرآة وآلة للحاظ الأفراد فكأنّه لم يُذكر في القضية إلاّ الأحكام الجزئية المتعلّقة بالأفراد، فيكون تعليق هذا الحكم المنحل إلى أحكام جزئية، منطبقة عليها، مخالفة معها في الإيجاب والسلب وهو أنّه إذا لم يكن قدر كرّ ينجسه هذا وهذا وذاك وهو الموجبة الكلّية.
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلاً: أنّ ما ذكره مبني على تصوّر كون القضية المحصورة حكماً على الأفراد تفصيلاً، بحيث تكون هناك أحكام عديدة حسب وجود الموضوعات جمعت في جملة واحدة، ولكنّه ليس كذلك، بل معناه هو الحكم على الأفراد بعنوان إجمالي مشير إليها، ولكن كون كلّ فرد موضوعاً لحكم خاص ليس بالدلالة اللفظية وإنّما هو بحكم العقل بتطبيق العنوان المأخوذ في القضية عليه، وإن كنت في ريب فلاحظ قولك: أكرم كلّ عالم، ترى فيه حكماً واحداً على عنوان واحد وهو كلّ عالم قابل للانطباق على الكثير، وبه يحتج المولى على العبد، لا أنّ هناك إنشاءات وأحكام حسب تعدّد الموضوع.
وبذلك ظهر عدم صحّة تفسير القضية بقولنا: لم ينجسه هذا ولا ذاك ولا ذلك،

1 . مطارح الأنظار:174.

256
مشيراً إلى النجاسات العشرة، بل هناك حكم واحد على عنوان شيء مبهم.
نعم أنّ عقل المكلّف ـ بعد سماعه القضية ـ ينتقل منها إلى أنّ البول لا ينجّس، والمنيّ لا يُنجّس وهكذا. فكم فرق بين كون القضايا مدلولاً عليها باللفظ وبين كونها منتقلاً إليها بالعقل.
ثانياً: أنّ المفهوم ينطبق على المنطوق مع حفظ الموضوع والمحمول والقيد; ثمّ إنّ القيد لو كان مذكوراً في المنطوق ينتقل إلى المفهوم أيضاً، فإذا قال: «إن جاء زيد أكرم كلّ من كان معه». فبما أنّ القيد أعني: «كلّ» مذكور في المنطوق يكون مذكوراً أيضاً في المفهوم، فيكون مفهوم القضية «إن لم يجئ زيد فلا تكرم كلّ من كان معه». فالاستغراق الموجود في المنطوق ينتقل إلى المفهوم أيضاً بحجّة أنّ القيد مذكور في المنطوق.
وأمّا إذا كان القيد في المنطوق مفهوماً من سياق الكلام أي وقوع النكرة في سياق النفي، كما في قول القائل: ما رأيت أحداً، فالاستغراق يستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي لا من اللفظ، فمثل هذا القيد لا ينتقل إلى النقيض، لأنّه مدلول خصوصية ـ كون النكرة في سياق النفي ـ موجودة في المنطوق دون النقيض فإنّ نقيضه: رأيت أحداً .
ومثله قوله: لم ينجسه شيء، فإنّ الكلية والاستغراق مفهوم من سياق الكلام، أي وقوع «شيء» في سياق النفي، وهذا القيد لا يمكن أن ينتقل إلى المفهوم لأنّ النكرة فيه وقعت في سياق الإيجاب، أعني قوله: «ينجسه شيء»، فالاستغراق في المنطوق لا يكون دليلاً على الاستغراق في المفهوم، فظهر ممّا ذكرنا أنّ الحقّ مع صاحب الحاشية.
الوجه الثاني: أنّ مناط اشتمال القضية على المفهوم هو كون الشرط علّة منحصرة للجزاء، فإذا كانت الكرّية هي العلّة الوحيدة للعاصمية فعندئذ ترتفع

257
العاصمية بارتفاع الكرّيّة، فلو لم ترتفع العاصمية في بعض الموارد مع ارتفاع الشرط المنحصر لزم الخلف، ويلزم أن يكون هناك عاصم آخر غير الكرّية.
وإلى هذا الوجه يشير شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري في «درره» بقوله: إنّه بعد فرض حصر العلّة في الكرّية يلزم أن لا يكون لبعض أفراد العام علّة أُخرى، إذ لو كان لبعض الأفراد علة أُخرى يتحصّل المجموع من علّتين وهذا خلف، ولازم ذلك في القضية المذكورة الإيجاب الكلّي في صورة عدم الكرّية.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الكرّية علّة منحصرة للحكم الوسيع والعاصمية العامة، وبارتفاعها يرتفع ذلك الحكم الوسيع قطعاً ولا ينافي ارتفاعها مع ثبوت الحكم في بعض الموارد بعدم انفعال الماء القليل ببعض النجاسات.
وإن شئت قلت: إنّ الكرّية علّة منحصرة للحكم المتعلّق بالجميع من حيث المجموع وبارتفاعها يرتفع ذلك الحكم، ولا ينافي ذلك إمكان استناد الحكم في بعض الأفراد إلى علّة أُخرى، بأن لا ينفعل الماء القليل بملاقاة الخمر فقط، فلا منافاة بانحصار عدم إنفعال الماء في دائرة وسيعة بالكرية مع عدم انفعاله أيضاً في دائرة خاصة عند ارتفاعها.
نعم بقيت هنا كلمة وهي عدم الثمرة لهذا النزاع لعدم القول بالتفصيل بين النجاسات فلو ثبت انفعال الماء القليل بالبعض، يثبت بالكلّ لعدم القول بالفصل فيها، فلا تترتب ثمرة على كون المفهوم موجبة جزئية أو موجبة كلّية.

1 . درر الأُصول:281.

258
 
 
الفصل الثاني

مفهوم الوصف

وقبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

الأوّل: في تعريف مفهوم الوصف

قد عُرِّف مفهوم الوصف بتعاريف نذكر منها ما يلي:
1. الخطاب الدالّ على حكم مرتبط باسم عام مقيّد بصفة خاصة، وهو خيرة الآمدي.
وأورد عليه الشيخ الأعظم بأنّه لا يشمل الوصف غيرَ المعتمد على موصوفه كقولنا:«أكرم عالماً»، إذ ليس فيه إلاّ شيء واحد دون أن يكون فيه اسم انضم إليه وصفه.
2. تعليق الحكم بالصفة حتّى يدلّ على انتفائه لدى انتفائها.
وأورد عليه الشيخ الأعظم بأنّ التعليق يناسب مفهوم الشرط لا مفهوم الوصف.
قلت: وفيه تأمّل واضح، لأنّ التعليق من العلقة وهي الرابطة، فهي موجودة في

259
القضايا الشرطية والحملية في كلّ بنحو.
3. إثبات الحكم لذات مأخوذة مع بعض صفاتها يدلّ على انتفاء ذلك الحكم عند انتفاء الصفة.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه يرد عليه ما أورده الشيخ على تعريف الآمدي من عدم شموله للوصف غير المعتمد على موصوفه، كما إذا قال:«أكرم عالماً» من غير فرق بين القول ببساطة المشتق وتركّبه.
أمّا على الأوّل (بساطة المشتق) فلا ذات مأخوذة مع بعض صفاتها، وأمّا على الثاني فالذات مأخوذة لبّاً لكنّها غير مذكورة، وظاهر التعريف كونها مذكورة.
اللّهمّ إلاّ أن يريد الشيخ من أخذ الذات، أعمَّ من الأخذ لفظاً أو تقديراً لدى التحليل.
4. كون الوصف موضوعاً أو جزء موضوع أو قيداً للحكم يدلّ على انتفاء الحكم عند انتفائه.
وعلى كلّ تقدير فحصيلة التعاريف عبارة عن دلالة الوصف على انتفاء الحكم عن موضوعه المحدّد بحدود وقيود .

الثاني: تحديد محلّ النزاع

خصّ المحقّق النائيني محلّ النزاع بالوصف المعتمد على الموصوف، واستدلّ على ذلك بوجهين:
1. لو كان غيره داخلاً في محلّ النزاع لدخلت الجوامد فيه أيضاً بداهة أنّه لا فرق بين الجامد وغير المعتمد من الوصف، إلاّ في أنّ المبدأ في الجامد جعلي

1 . مطارح الأنظار:187; ولاحظ القوانين:1/178.

260
وفي غير المعتمد غير جعلي. وهذا لا يكون فارقاً بينهما في الدلالة على المفهوم وعدمها.(1)
2. أنّ ذكر الموضوع بصورة الوصف غير المعتمد كالعالم لا يحتاج إلى نكتة غير إثبات الحكم له، لا إثباته له وانتفاءه عن غيره.(2)
يلاحظ على الأوّل: بوجود الفرق بين قولنا: إسق شجرة، وقولنا: إسق عالماً، فإنّ الأوّل لا ينحل إلى ذات ووصف، بخلاف الثاني فإنّه ينحل إلى ذات وعلم، فارتفاع الوصف والمبدأ الجعلي في الأوّل مساوق لارتفاع الذات، فإنّ رفع الشجرية رفع لتمام الموضوع، وهذا بخلاف الثاني حيث تبقى الذات مع ارتفاع الوصف كالإنسان غير العالم.
مضافاً إلى استدلال الفقهاء بآية النبأ على حجّية خبر الواحد تمسّكاً بمفهوم الوصف غير المعتمد على الموصوف، واستدلّ بعضهم بفهم أبي عبيدة(3) من حديث:«لىّ الواجد بالدين يُحلّ عرضه وعقوبته»(4)، أنّ لىّ غير الواجد لا يبيح، وهو أيضاً من قبيل الوصف غير المعتمد.
ويلاحظ على الثاني: بأنّ التعبير عن الموضوع بالوصف العنواني مع إمكان التعبير عنه بغيره يُشعر بمدخلية الوصف في ثبوت الحكم عند ثبوته وارتفاعه عند ارتفاعه، فإذا قال: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ)، مكان: إذا جاءكم إنسان بخبر، يفيد أنّ للفسق مدخلية في عدم القبول، وعندئذ يكون الإنسان تمام الموضوع، والفسق

1 . أجود التقريرات: 1/433.
2 . فوائد الأُصول:1/501.
3 . هو معمر بن مثنى المعروف بأبي عبيدة(المتوفّى عام 207هـ) أُستاذ أبي عبيد سلام بن قاسم مؤلّف كتاب الأموال (المتوفّى سنة 225هـ) وهو بصري لا كوفي، فما في القوانين من أنّه كوفي غير صحيح.
4 . الوسائل: ج 13، (كتاب الدين)، الباب8 ، الحديث4.

261
قيداً زائداً أتى به لنكتة.
والحاصل: أنّ المفهوم يدور حول وجود قيد زائد في الكلام، والقيد الزائد في المقام هو أخذ الفسق أو العلم في الموضوع مع إمكان أخذ الإنسان موضوعاً، لا الفاسق كما في الآية ولا العالم كما في المثال.

الثالث: أقسام الوصف

إنّ النسبة بين الوصف والموصوف لا تخلو عن وجوه أربعة:
1. أن تكون النسبة بينهما هي التساوي، كقولنا: الإنسان المتعجّب أكرمه.
2. أن يكون الوصف أعمّ مطلقاً من الموضوع، كالإنسان الماشي.
3. أن يكون الوصف أخصّ مطلقاً من الموضوع، كقولنا: الإنسان الكريم.
4. أن تكون النسبة بينهما أعمّ من وجه، كما في قولنا: «في الغنم السائمة زكاة».
ثمّ إنّ القسمين الأوّلين خارجان عن محط البحث، لأنّ الميزان في حجّية مفهوم الوصف، هو بقاء الموضوع وارتفاع الوصف، ففيما إذا كانت النسبة بينهما هو التساوي أو كان الوصف هو الأعم، ينتفي الموضوع بانتفاء الوصف إمّا لأجل التساوي أو لأجل كون الوصف أعمّ، وانتفاؤه يستلزم انتفاء الأخصّ، فلا يبقى مجال للبحث في انتفاء الحكم عن الموضوع عند انتفاء الوصف.
ولكن القسم الثالث داخل في محلّ النزاع قطعاً، فلو قال: أكرم إنساناً كريماً، فعلى القول بالمفهوم يكون مفهومه أنّه لا تكرم إنساناً لئيماً.
وأمّا القسم الرابع فله صورتان:
أ. أن يكون الافتراق من جانب الوصف مع بقاء الموضوع، كما إذا قال: «في

262
سائمة الغنم زكاة»، فيكون مفهومه: (في معلوفة الغنم ليست زكاة).
ب. أن يكون الافتراق من جانب الموضوع بأن يرتفع الغنم ويحلّ مكانه الإبل، وعندئذ يقع الكلام في أنّه هل يحتج بمفهوم قولنا: «في الغنم السائمة زكاة» على عدم الزكاة في الإبل المعلوفة أو لا؟ والظاهر هو الثاني ـ كما هو واضح ـ لعدم بقاء الموضوع، خلافاً لبعض الشافعيّة.

الرابع: ما هو المراد من الوصف؟

ليس المراد بالوصف في المقام النعت النحوي، بل مطلق القيد الوارد في الكلام ـ عدا الغاية ـ أعمّ من الوصف الأُصولي ـ أي المشتق ـ أو الوصف النحوي التابع لموصوفه، وعلى هذا يدخل فيه الحال والتمييز والظرف الحقيقي والحكمي والقيود الزمانية والمكانية. وأمّا اللقب فهو يختص بالاسم إذا وقع مسنداً إليه .
إذا عرفت هذه الأُمور فلندخل في أدلّة القائلين في حجّية مفهوم الوصف.

أدلّة القائلين بمفهوم الوصف

استدلّ القائلون بمفهوم الوصف بوجوه خمسة تمرّ عليك تباعاً، وقبل سرد الأدلّة نقدّم مقدّمة تفيد في تحليل حجج القائل بمفهوم الوصف، وهي:
لا شك أنّ وجود المفهوم يدور على وجود خصوصيّتين في الوصف:
أ. كونه علّة، بمعنى أنّ له مدخلية في الحكم وليس قيداً زائداً فإذا قال: أكرم الرجل العالم، فللعلم مدخلية في الحكم على نحو أنّه لو ارتفع لارتفع الحكم الشخصي أي الحكم المعلول لعلم الرجل.
ب. كونه علّة منحصرة بمعنى أنّه لا تنوبه علّة أُخرى.

263
ومن المعلوم وجود الفرق بين كون الوصف علّة تامّة وبين كونه علّة منحصرة، فعلى الأوّل يرتفع الحكم الشخصي بارتفاع الوصف دون الحكم الطبيعي والكلّي، وأمّا الثاني ـ أي كونه علة منحصرة ـ يرتفع بارتفاعه الحكم الشخصي والحكم الكلّي غير المقيّد بالوصف.
اذا عرفت ذلك تذعن بأنّ أكثر الأدلّة مدخولة لا تثبت إلاّ كون الوصف علّة تامّة للحكم، لا كونه علّة منحصرة، فلا يترتّب على انتفاء العلّة انتفاء طبيعي الحكم، بل أقصى ما يترتّب عليه ارتفاع شخص الحكم المعلّق على الوصف.
اذا عرفت هذه المقدّمة فلندرس الأدلّة:

1. التبادر

يتبادر من الهيئة الوصفية ثبوت الحكم عند ثبوت الوصف وانتفاؤه بانتفائه، وهو آية الوضع.
يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر هو انتفاء شخص الحكم لا طبيعي الحكم، فلا يثبت المفهوم ما لم يثبت كونه علّة منحصرة.

2. لزوم اللغوية

لو لم يكن للوصف مفهوم يلزم اللغو في كلام الحكيم، فلو لم يفد انتفاء الحكم عند انتفائه لعري الوصف عندئذ عن الفائدة، ويصبح الكلام مثل قولنا: الإنسان الأبيض لا يعلم الغيب، مع أنّ الحكم يعمّ مطلق الإنسان.
يلاحظ عليه: بمثل ما قلناه، من أنّه يكفي في رفع اللغوية كون الوصف علّة تامة للحكم يرتفع بارتفاعه الحكم الشخصي، ولكنّه لا يثبت وجود المفهوم، لأنّه فرع كون الوصف علّة منحصرة.

264
وأمّا أنّه خصّ الحكم بهذه العلّة دون علّة أُخرى فيمكن أن يكون الوجه كونه مورد السؤال، أو مورد ابتلاء المخاطب كما في قولك: ظلم الطفل اليتيم حرام، فإنّ الظلم حرام مطلقاً من غير فرق بين الطفل وغيره. وربّما يكون الوجه في التخصيص لدفع توهّم المخاطب، مثلاً قد كان العرب في الجاهلية يعتقدون بحلية قتل الأولاد لأجل الغلاء.
فجاء الوحي ردّاً عليهم بقوله: (وَ لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَق )(1)، مع أنّ قتل الأولاد حرام مطلقاً.
وبذلك يظهر الفرق بين المقام وقول القائل: الإنسان الأبيض لا يعلم الغيب، إذ ليس لبياض البشرة أيّ مدخلية في نفي علم الغيب.

3. الأصل في القيد الاحترازية

الأصل في القيد أن يكون احترازياً، ومعناه نفي الحكم بنفي القيد .
يلاحظ عليه: بأنّ القائل خلط بين القيد الاحترازي والقيد المفهومي، فالقيد الاحترازي لا يشير إلاّ إلى مدخلية القيد في الحكم، على وجه لو ارتفع القيد لارتفع خصوص الحكم المترتّب عليه، ولكنّه لا يلازم ارتفاع سنخ الحكم بل يمكن أن يبقى الحكم بنيابة علّة أُخرى مكان الأُولى.
بخلاف القيد المفهومي فإنّ معناه كونه علّة تامّة منحصرة بحيث يترتّب على ارتفاعه ارتفاع كلا الحكمين الشخصي والكلّي.
اذا عرفت ذلك فنقول: إنّ أقصى ما يدلّ عليه القيد هو كونه قيداً احترازياً بالمعنى المذكور، وأمّا الزائد عليه ـ أي انتفاء طبيعة الحكم بانتفائه ـ فلا يدلّ عليه .

1 . الأنعام: 151.

265

4. فهم أبي عبيدة وهو من أهل اللسان

إنّ أبا عبيدة فهم من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ليّ الواجد يحلّ عقوبته وعرضه» أنّ ليّ غير الواجد لا يحلّ عرضه.
يلاحظ عليه: أنّ هذا الاستدلال اعتمد عليه كلّ من قال بمفهوم الوصف مع أنّه من قبيل محقّق الموضوع فإنّ «اللّي» أو «المَطْل» لا يتحقق إلاّ بوجدان المال، فلو كان فقيراً لا يقال: إنّه يماطل في أداء دينه.

5. لو لم يكن للوصف مفهوم لما صحّ حمل المطلق على المقيّد:

إذا قال: إن أفطرت اعتق رقبة، ثم قال: إذا أفطرت اعتق رقبة مؤمنة. فيحمل المطلق على المقيّد، ولولا اشتمال الوصف على المفهوم (عدم إجزاء الرقبة الكافرة) لما كان هناك وجه للحمل.
يلاحظ عليه: بمثل ما قلناه في الحجج السابقة، فإنّ معنى حمل المطلق على المقيّد تخصيص الحكم بالموضوع المقيّد وقصره عليه، فكأنّ الحكم ورد من أوّل وروده مقيّداً. وأقصى ما يدلّ عليه تخصيص الحكم الشخصي بالموضوع المقيّد.
وأمّا دلالته على ارتفاع طبيعة الحكم عن الموضوع وعدم قيام وصف آخر، مكان ذلك الوصف فلا يدلّ عليه .
وشتان الفرق بين قصر الحكم على موضوع مقيّد والسكوت عن انتفائه عن غير مورده، وبين دلالة الشيء على قصر الحكم على المقيّد ودلالته على انتفائه عن غير مورده.
ومنه يظهر الحال في حمل العام على الخاص ودخالة الخاص في الحكم دون أن يدلّ على عدم نيابة قيد آخر مكانه.

266

6. ظهور الجملة في مدخلية الوصف بما هو هو لا بجامعه

استدلّ المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) في المقام بنفس الدليل الذي استدلّ به على وجود المفهوم في الجملة الشرطية، وقال: إنّ ظاهر القضية الوصفية يقتضي كون الحكم مستنداً إلى نفس العنوان الوصفي دون غيره، أعني: الجامع، فلو فرض كونه علّة منحصرة لزم الأخذ بالظهور، وإلاّ لزم استناد الحكم إلى الجامع بين هذا الوصف والوصف الآخر، وهو خلاف الظاهر.(1)
توضيح دليله: أنّه ثبت في الفلسفة الإسلامية أنّ المعلول الواحد لا يصدر إلاّ من الواحد، فلو رأينا أنّ معلولاً واحداً استند إلى الكثير كما في حرارة الماء إذا استند إلى النار تحت القدر وحرارة الشمس من فوقه فلابد (لصيانة القاعدة عن النقض) من القول بأنّ العلّة ليست خصوصَ كلّ منهما حتى تنتقض القاعدة، بل العلّة في الواقع الجامع بينهما وهو شيء واحد.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ مصب القاعدة هو المعلول الواحد البسيط البحت، الذي ليس فيه رائحة الكثرة، كالعقل الأوّل، وأمّا ما فيه رائحة الكثرة كالتركّب من الماهية والوجود أو الكثرة الحقيقية كحرارة الماء، فهو خارج عن مورد القاعدة، فإنّ حرارة الماء أمر كثير ولها درجات، فلا مانع من أن يستند قسم منها إلى الشمس والآخر إلى النار.
وثانياً: أنّ مصب القاعدة هو الحقائق الخارجية لا مثل الوجوب، إذ هو أمر إنشائي اعتباري، قائم بالذهن .
وثالثاً: أنّ الظهور المتبع هو الظهور المستند إلى التبادر عند العرف، لا الظهور المستخرج بفضل القواعد الفلسفية كما في المقام.

1 . نهاية الدراية: 1 / 330 .

267

تفصيل المحقّق النائيني

فصّل المحقّق النائيني (رحمه الله) بين كون الوصف قيداً للحكم فيدلّ على المفهوم، وبين كونه قيداً للموضوع فلا يدلّ على المفهوم، فمثلاً إذا قال: أكرم الرجل العالم، فتارة يكون العلم قيداً للوجوب، وبارتفاعه يرتفع الحكم، وأُخرى يكون قيداً للموضوع فغاية ما يدلّ عليه عندئذ أن الحكم ثابت للموضوع المقيّد، ومن المعلوم أنّ ثبوت شيء لشيء لا يستلزم نفيه عن غيره، وإلاّ لزم أن تكون كلّ القيود ذات مفهوم.
يلاحظ عليه: إنّا نفترض أنّ القيد قيد للحكم ولكن قد عرفت أنّ الحكم شخصي وسنخي، فارتفاع القيد يدلّ على ارتفاع شخص الحكم لا سنخه، إلاّ أن يكون المتكلّم في مقام بيان القيود التي لها مدخلية في ثبوت طبيعي الحكم، وهو قليل، وسيأتي نفس هذا التفصيل في مفهوم الغاية.

أدلّة القائل بعدم المفهوم

استدلّ القائل بعدم وجود مفهوم للوصف بوجهين:
الأوّل: لو دلّ لدلّ بإحدى الدلالات الثلاث، وكلّها منتفية، أمّا الدلالة المطابقية أو التضمّنية فظاهر، وإلاّ لكان منطوقاً لا مفهوماً. وأمّا الدلالة الالتزامية فهي فرع الملازمة بين المنطوق والمفهوم، ولم تثبت هذه الملازمة.
الثاني: الاستدلال ببعض الآيات التي لا يرتفع الحكم بارتفاع القيد كالآيتين التاليتين:
أ. قال تعالى: (وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)(1).

1 . النساء: 23 .

268
ب. قال تعالى: (وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)(1).
فإنّ كلاًّ من القيدين: (فِي حُجُورِكُمْ) و (إِنْ خِفْتُمْ) خال عن المفهوم، لحرمة الربائب مطلقاً سواء كن في الحجور أم لا، كما أنّ قصر الصلاة واجب سواء كان السفر مخيفاً أم لا.
يلاحظ عليه: بأنّ القيدين وردا مورد الغالب، ومن المعلوم أنّ مثل هذه القيود خالية عن المفهوم، لأنّ المرأة التي لها بنت من زوجها الأوّل لا تترك بنتها غالباً إذا تزوّجت ثانياً.
كما أنّ الأسفار في عصر صدر الإسلام كانت مقرونة بالأخطار غالباً، خصوصاً الأسفار الجهادية التي وردت الآية حولها.
***

1 . النساء: 101 .

269
 
 
الفصل الثالث

في مفهوم الغاية

إذا قال القائل: اغسل يدك إلى المرفق، فهناك أُمور ثلاثة:
الأوّل: المغيّى، وهو لحاظ اليد من أطراف الأصابع إلى المرفق.
الثاني: الغاية، وهو نفس المرفق.
الثالث: ما بعد الغاية، وهو من المرفق إلى المنكب. فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: هل تدلّ الغاية على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية، مثلاً تدلّ على عدم وجوب غسل ما بين المرفق والمنكب أو لا؟
الثاني: ما هو حكم نفس الغاية، فهل حكمها نفس حكم المغيّى في وجوب الغسل أو لا؟
وإليك الكلام في المقامين:

المقام الأوّل: هل للقضية المغيّاة دلالة على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية أو لا؟

هنا أقوال:
1. ذهب المشهور إلى الدلالة، وقالوا بأنّ دلالة القضية المغيّاة على المفهوم أوضح من دلالة القضية الشرطية عليه.
2. عدم الدلالة. وهو خيرة المرتضى في الذريعة، والشيخ في العدّة.

270
3. التفصيل بين كون الغاية قيداً للحكم فتدلّ على المفهوم وبين كونها قيداً للموضوع فلا تدلّ عليه، مثلاً لو قال: السير واجب من البصرة إلى الكوفة، فهو يدلّ على ارتفاع الوجوب إذا وصل الكوفة، بخلاف ما لو قال: السير من الكوفة إلى البصرة يجب، فلا دلالة على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية أي من الكوفة إلى النجف، حيث إنّ إثبات الحكم لموضوع محدّد، لا يدلّ على انتفائه عن موضوع آخر.
ثم إنّه ربّما يستدلّ لهذا التفصيل بالحديثين المعروفين:
أ. «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام».
ب. «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه نجس».
فالغاية (حتّى تعرف، وحتّى تعلم) حسب القواعد العربية قيد للحكم، أي كونه حلالاً أو طاهراً، فيدلّ على ارتفاع الحكم عند حصول الغاية (العلم والعرفان) فلا حليّة ولاطهارة بعد انكشاف الواقع.
يلاحظ على الاستدلال بالحديثين: أنّ القيد سواء أكان قيداً للحكم أم كان قيداً للموضوع يلازم ارتفاع الحكم الظاهري، لأنّ قوامه بالشك المقرون بالجهل، فإذا حصل العلم وعرف الإنسان الحرام والقذر فلا موضوع للحكم الظاهري، سواء أكان القيد قيداً للحكم أم قيداً للموضوع، وسواء أقلنا بالمفهوم أم لا؟ فالأولى التمثيل بتردّد القيد بين كونه قيداً للموضوع أو قيداً للحكم، بوجوب كون السفر سائغاً لا معصية، فهل هو قيد لوجوب القصر، فكأنّه قال: قطع المسافة الشرعية موجب للقصر إذا كان السفر سائغاً.
أو قيدٌ للموضوع ـ أي المسافة ـ فكأنّه قال: قطع المسافة الشرعية إذا كان السفر سائغاً موجب للقصر.
فالسيد الطباطبائي في عروته على الأوّل، والشيخ الأنصاري على الثاني;

271
وتظهر الثمرة فيما لو كان ابتداء سفره مباحاً، وقد قطع مسافة شرعية ثم قصد المعصية، فهل يجب عليه الإتمام فيما بعد، أو يقصر؟
فصاحب الجواهر والسيد الطباطبائي على الأوّل، لأنّ جواز السفر قيد للحكم، فإذا ارتفع القيد ارتفع الحكم.
وشيخنا الأنصاري على الثاني لاحتمال كون شرط الإباحة مقيّداً لإطلاق المسافة المأخوذة موضوعاً لوجوب القصر، فيكون المحصَّل أنّه لابدّ في التقصير من قصد السفر المباح ثمانية فراسخ، فإذا حصل ذلك للمكلّف وجب عليه التقصير إلى أن يخرج عن كونه مسافراً كما إذا دخل وطنه، لا مقيّدة للحكم بوجوب التقصير حتّى يكون المتحصّل أنّ كلّ مسافر يجب عليه التقصير في حال عدم كون سفره معصية حتّى يكون لازمه وجوب التمام في الفرض .(1)
وما ذكروه من الكبرى واضح ولاغبار عليه، إنّما الكلام في بيان الضابطة حتّى تتضح بها حال الصغريات، وعلى هذا يجب بيان أمرين:
الأوّل: هل هنا ضابطة لتمييز القيد المأخوذ في الموضوع عن القيد الراجع إلى الحكم.
الثاني: ما هو المتفاهم العرفي في الموارد التي قيد فيها الحكم بالغاية ؟
أمّا الأوّل: فقد حاول المحقّق الخوئي أن يضع ضابطة لتعيين أحد الأمرين.

الضابطة التي وضعها المحقّق الخوئي

ذكر المحقّق الخوئي (رحمه الله) ضابطة لتعيين رجوع القيد إلى الموضوع أو الحكم، فقال: هنا صورتان:
الأُولى: إذا كان الحكم المذكور في القضية مستفاداً من الهيئة، كان الكلام

1 . مستمسك العروة الوثقى: 8 / 53 ـ 54، المسألة 33 .

272
ظاهراً في رجوعه إلى متعلّق الحكم مثل قوله سبحانه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)(1)، فالغاية قيد للغسل المتعلّق للحكم، وذلك لأنّ الظاهر هو رجوع القيد في الكلام إلى المعنى الحدثي، فرجوعه إلى مفاد الهيئة خلاف الظاهر ] فالقضية عندئذ فاقدة للمفهوم [ .
الثانية: إذا كان الحكم مستفاداً من المادّة، فله قسمان:
أ. تارة يكون متعلّق الحكم الشرعي محذوفاً.
ب. وتارة أُخرى يكون المتعلّق مذكوراً.
أمّا الأوّل كقولك: يحرم الخمر إلى أن يضطرّ إليه المكلّف.
فإنّ متعلّق الحرمة ليس هو الخمر بل شربه وبيعه، فبما أنّ المتعلّق محذوف تكون الغاية قيداً للحكم، فالحكم مرفوع عند طروء الاضطرار.
وأمّا الثاني فكقولك: يجب الصيام إلى الليل، ففيه وجهان:
الأوّل: يحتمل أن تكون الغاية قيداً للحكم كما يحتمل أن تكون قيداً للمتعلّق، فعلى الأوّل فهو بمنزلة قوله: الصيام يجب إلى الليل.
وعلى الثاني فهو بمنزلة قوله: الصيام إلى الليل يجب (2) .
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ انتزاع الضابطة الكلية من الموارد القليلة أشبه بالاستقراء الناقص، وهو لا يفيد إلاّ الظن، مع أنّ المسألة الأُصولية لا تثبت إلاّ بالقطع واليقين.
وثانياً: أنّ رجوع القيد في الصورة الأُولى إلى غسل الأيدي لأجل قرينة خارجية، ولا مدخلية لكون الحكم مستفاداً من الهيئة، وذلك لظهور الآية على أنّها بصدد بيان حدّ المغسول.
أمّا القسم الأوّل من الصورة الثانية: فوجه رجوع القيد إلى الحكم ليس لأجل

1 . المائدة: 6 .
2 . لاحظ: أجود التقريرات: 1 / 437، قسم التعليقة ; المحاضرات: 5 / 137 ـ 139 .

273
حذف المتعلّق فيه بل لوجود قرينة خارجية على أنّ الاضطرار يرفع الحكم (الحرمة) ومنه يعلم عدم صحّة الاستدلال بالحديثين الماضيين (أعني: كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر، أو كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام)، فإنّ ارتفاع الحكم السابق (الطهارة والحلّية) لأجل امتناع بقائهما مع انكشاف الواقع وعُلِمَ أنّه قذر أو حرام، وإلاّ فهو والقسم الثاني من الصورة الثانية بالنسبة إلى الاحتمالين سواء.
ثمّ إنّ لشيخ مشايخنا العلاّمة الحائري تفصيلاً آخر وهو أنّه لو قلنا: إنّ مفاد الهيئة إنشاء حقيقة الطلب، لا الطلب الجزئي الخارجي، تكون الغاية في القضية غاية لحقيقة الطلب المتعلّق بالجلوس في قولنا: اجلس من الصبح إلى الزوال، ولازم ذلك ارتفاع حقيقة الطلب عن الجلوس عند وجودها.
نعم لو قلنا: إنّ مفاد الهيئة هو الطلب الجزئي، الخارجي فالغاية لا تدلّ على ارتفاع سنخ الوجوب بل لازم ذلك ارتفاع ذلك الطلب الجزئي ولا ينافي وجود جزئي آخر بعد الغاية وحيث إنّ التحقيق هو الأوّل تكون القضية ظاهرة في ارتفاع سنخ الحكم عن الجلوس في المثال.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً أنّ الظاهر أنّ مراده من إنشاء حقيقة الطلب هو الطلب الكلّي الذي يعبّر عنه بسنخ الحكم ويرد عليه حينئذ ما عرفت أنّ مفاد الهيئات، معاني إيجادية في عالم الاعتبار وهو يساوق الجزئية وهي مساوقة للوجود مع التشخّص، فلا معنى لإنشاء الوجوب الكلّي، لأنّ الإنشاء لا يجتمع مع الكلّية نعم لو فسّر (قدس سره)حقيقة الطلب وسنخ الحكم بما أوضحناه وهو إطلاق الحكم الجزئي وشموله لغير صورة القيد لا كونه كليّاً، كان له وجه.
وثانياً: أنّ ما أفاده من الضابطة مورد اتفاق وإنّما الكلام في الصغرى وأنّه كلّ

1 . درر الأُصول: 1 / 173 .

274
الغاية قيد لشخص الحكم أو لسنخه، وهو إحالة مجهول إلى مجهول مثله.

نظريتنا في الموضوع

قد خرجنا في الفصلين الأوّلين بعدم وجود المفهوم للقضية الشرطية ولا الوصفية وقلنا:وإنّ غاية ما يمكن القول به ارتفاع الحكم الشخصي لا الطبيعي والكلّي، لاحتمال قيام شرط أو وصف مكان الشرط والوصف الزائدين، اللّذين لم يذكرهما المتكلّم.
وأمّا المقام فالمتبادر هو تحديد الحكم بالغاية على نحو لو صرّح بعد ذلك ببقاء الحكم بعد الغاية لعُدّ كلامه بداءً .
انظر إلى المثال التالي: إذا قال المعمار للعامل: «احفر هذا المكان إلى النقطة الكذائية» التي عيّنها بالجص، فقام العامل بذلك، ثم جاء المالك وقال: «إحفر إلى النقطة الأُخرى» لعُدّ كلامه بداءً، ويقدّم هذا الكلام على ظهور الكلام المتقدم ويُعدّ عدولاً عمّا قاله في المرحلة الأُولى. فلو لم يكن لكلامه السابق مفهوم، لما عُدّ كلامه الثاني عدولاً وبداءً.
ويؤيّد ما ذكرنا الآيات التالية، قال تعالى:
1. (وَ لاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ )(1) .
2. (كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ)(2).
3. (وَ قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ)(2).
فإنّ لفظة «حتّى» في الآيات جارة تحدّد الوظيفة بأنّها بين هذا وهذا لا أزيد ولا أنقص.

1 . البقرة: 222 .   2 . البقرة: 187 .
2 . البقرة: 193 .

275
 
 
المقام الثاني:

في دخول الغاية في حكم المغيّى وعدمه

إنّ البحث عن خروج ما بعد الغاية عن تحت الحكم بحث مفهومي ـ كما مرّ ـ وأمّا البحث عن حكم نفس الغاية وأنّها هل هي محكومة بحكم المغيّى أو لا؟ فهو بحث منطوقي. مثلاً: يقع البحث في المرفق الوارد في قولنا: «اغسل يدك إلى المرفق»، الذي هو عبارة عن مكان رفق العظمين فهل هو داخل في حكم اليد فيجب غسله، أو لا؟
وفي قوله: «سرّ من البصرة إلى الكوفة» فهل يكفي الوصول إلى بوابة المدينة أو يجب دخولها والسير في قسم منها؟ أقوال:
1. الخروج مطلقاً. وهو خيرة المحقّق الخراساني، والسيد الأُستاذ (قدس سره).
2. الدخول مطلقاً.
3. التفصيل بين ما كان ما قبل الغاية وما بعدها متّحدين في الجنس فتدخل، وإلاّ فتخرج. مثال الأوّل قوله سبحانه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)(1)، ومثال الثاني قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(2).
4. التفصيل بين «حتى» و «إلى» بالدخول في الأوّل، كما في قولك: «جاء

1 . المائدة: 6 .   2 . البقرة: 187 .

276
الحجاج حتى المشاة»، و «مات الناس حتى الأنبياء» ; وعدم الدخول في الثاني.
5. عدم الدلالة على الدخول والخروج وإنّما تتبع في الحكم القرائن الدالّة على واحد منهما.
وقبل دراسة أدلّة الأقوال نذكر أمراً، وهو أنّ كلمة (حتى) تستعمل على ثلاثة أوجه:
1. حرف جر، كقوله سبحانه: (سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ )(1) .
2. حرف عطف، كقول أحدهم: «أكلت السمكة حتى رأسها».
3. حرف ابتداء، كقول الفرزدق:
فواعجباً حتى كليب تسبّني *** كأنّ أباها نهشل أو مجاشع(2)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ مورد البحث هو «حتى» الجارة، لا العاطفة ولا الابتدائية.

أدلّة الأقوال:

1. استدلّ للقول الأوّل بأنّ الغاية حدّ الشيء، وحدّ الشيء خارج عن الشيء، وهذا ما ذكره نجم الأئمة وتبعه المحقّق الخراساني.
2. واستدلّ للقول الثاني بأنّ الغاية بمعنى النهاية، وهي الأمر المنتزع من الجزء الأخير للشيء المفروض امتداده، كما أنّ الابتداء ينتزع من الجزء الأوّل للشيء، فإذا كانت الغاية نهاية الشيء فتكون داخلة فيه، وتشاركه في الحكم.
يلاحظ على الاستدلالين بأنّهما من قبيل إثبات الظهور بالدليل العقلي، وهو

1 . القدر: 5 .
2 . كليب رهط جرير، الذي هجاه الفرزدق بشعره كثيراً، وأمّا نهشل ومجاشع أبناء دارم رهط الفرزدق، فالشاعر يفتخر بآبائه .

277
غير مفيد، وإنّما يثبت الظهور بالتبادر ونظيره.
3. واستدلّ للقول الثالث (بأنّ المغيّى والغاية إذا كانا من جنس واحد تدخل، وإلاّ فلا تدخل) بالمثالين التاليين:
أ. بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف، فالطرفان داخلان في البيع.
ب. صوموا إلى الليل، فالليل خارج عن الحكم.
يلاحظ عليه: لعلّ دخول الغاية في حكم المغيّى فيما لو كانا من جنس واحد، هو أنّ عدم التمايز يسبّب الاحتياط، فيدخل شيء من الغاية في المغيّى كما هو حال المرفق بالنسبة إلى الوضوء.
4. واستدلّ للقول الرابع بقولهم: جاء الحجاج حتى المشاة .
يلاحظ عليه: بأنّ «حتى» هنا، عاطفة، والبحث منصّب فيما لو كانت جارّة.
5. القول الخامس، اختاره شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري (قدس سره)وقد توقّف في الحكم وقال:إنّ المرجع هو القرائن.
وهناك قول سادس يفصّل بين كون الغاية قيداً للفعل فيدخل، كقوله: «سر من البصرة إلى الكوفة»، بناءً على أنّ الغاية قيدٌ للسير، وبين كونها غاية للحكم مثل قولنا: صم من الفجر إلى الليل، فلا يدخل فإنّ المفروض أنّها (الغاية) موجبة لرفع الحكم فلا يمكن بعثه إلى الفعل المتخصّص بها.
يلاحظ عليه: بأنّه لو كانت الكوفة اسماً للبلدة المحصور بسورها وجدرانها، وفرضنا أنّ المكلّف سار من البصرة وانتهى إلى جدران الكوفة دون أن يدخل البلدة، يصدق عليه أنّه امتثل أمر مولاه، وعلى هذا فلا فرق بين كون الغاية غاية للفعل أو للحكم.

278

نظرنا في الموضوع

الظاهر أنّ الغاية غير داخلة في حكم المغيّى، ويدلّ عليه التبادر، ففي قوله تعالى: (سلام هي حتى مطلع الفجر) أو قول القائل: قرأت القرآن إلى سورة الإسراء، فالمتبادر خروج (مطلع الفجر) أو سورة الإسراء عن مصب الحكم السابق.

حكم الشك

إذا شككنا في أنّ الغاية داخلة في حكم المغيّى أو لا ; فما هو المرجع؟ هنا احتمالان:
الأوّل: الدخول لاستصحاب بقاء الحكم كوجوب الغسل إذا لم يغسل المرفق، وغسل ما قبله.
يلاحظ عليه: بأنّ استصحاب بقاء الوجوب إذا غسل اليد دون المرفق لا يثبت وجوب غسل المرفق إلاّ على القول بالأصل المثبت، وذلك لقضاء العقل بالملازمة بين بقاء الوجوب عند غسل ما عدا المرفق، ووجوب غسل المرفق، إذ لو لم يكن غسل المرفق واجباً لسقط الوجوب.
الثاني: إجراء البراءة الشرعية في غسل الغاية، لأنّه من قبيل الأقل والأكثر الارتباطيين، فالأقوى فيه جريان البراءة الشرعية دون العقلية، كما سيوافيك في محلّه.

279
 
في مفهوم الحصر   
 
الفصل الرابع

في مفهوم الحصر

المشهور أنّ أدوات الحصر عبارة عن الأُمور التالية:
1. «إلاّ» الاستثنائية.
2. إنّما.
3. بل الإضرابية.
4. تقديم ما حقّه التأخير.
5. تعريف المسند إليه باللام.
وإليك دراسة الكلّ تباعاً.

1. «إلاّ» الاستثنائية

ويقع البحث هنا من جهات:

الأُولى: الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي

إنّ لفظة «إلاّ» تستعمل على وجوه:
أ. أنّ تكون للاستثناء، نحو قوله تعالى: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً )(1) .

1 . البقرة: 249 .

280
ب. أن تكون صفة بمنزلة (غير) فيوصف بها مع تاليها إذا كان جمع منكّر أو شبهه، نحو قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)(1) .
ج. أن تكون عاطفة بمنزلة (الواو) في التشريك في اللفظ والمعنى، نحو قوله تعالى: (لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوء فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)(2).
د. أن تكون زائدة، وهي مختصة بالشعر.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح العنوان.
اتّفق الأُدباء على أنّ الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، ولم يخالف في ذلك إلاّ أبو حنيفة، واستدلّ بوجهين:
1. إنّ غاية ما يُستفاد من الاستثناء أنّ المستثنى غير داخل في الحكم الّذي نطق به المتكلّم، وأمّا حكمه واقعاً فيحتمل أن يكون محكوماً بحكم المستثنى منه أيضاً، أو يكون محكوماً بخلافه، وبالجملة أنَّ المتكلّم يريد بالاستثناء أن لا يخبر عنه بالحكم المذكور، وعدم إخباره عنه بذاك الحكم لا يثبت عدم كونه محكوماً به، بل يحتمل الأمرين .(3)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره خلاف ما هو المتبادر في عامّة الموارد وسائر اللغات.
2. ما احتجّ بمثل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلاّ بطهور»، بأنّه لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً يلزم تحقّق الصلاة بنفس الطهور وإن لم يكن معه سائر الشرائط.
يلاحظ عليه: أنّ ما استدلّ به ضعيف، فإنّ الباء في قوله: «بطهور» تشعر أنّ

1 . الأنبياء: 22.
2 . النمل: 10 ـ 11 .
3 . مطارح الأنظار: 187 .

281
المتكلّم فرض اجتماع سائر الشرائط وأنّه بصدد بيان أنّ هذه الأجزاء المفروضة الوجود لا تنفع إلاّ إذا كانت مقرونة بالطهور أو بفاتحة الكتاب.

الجهة الثانية: دلالتها على الحصر

إنّ لفظة «إلاّ» وحدها أو مقرونة بحرف النفي تدلّ على الحصر.(1) بمعنى حصر الخارج عن حكم المستثنى منه في المستثنى وأنّه لم يخرج منه سواه، وقد عبر عن هذا المعنى في الكفاية بقوله:
لا شبهة في دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم سلباً أو إيجاباً بالمستثنى منه ولا يعمّ المستثنى .(2)
وما ذكرناه في معنى الحصر أوضح .
ويدلّ على الحصر بالمعنى المختار أمران:

1. تبادر الحصر من الكتاب والسنّة

يتبادر الحصر من موارد استعمالاته في الكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فقوله سبحانه: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ تَوَاصَوْا بِالْحقّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(3).
فإنّ الغرض من الآية هو التنديد بسائر الطوائف الخارجة عن المستثنى، وأنّهم في خسر، ولولا إفادة الاستثناء الحصر واحتمال أن يكون الخارج من عموم

1 . قلنا ذلك لأنّ الظاهر من تلخيص المفتاح أنّ أداة الحصر هو النفي والاستثناء معاً حيث قال: في قولك: ما زيد إلاّ شاعر، إنّه من قبيل قصر الموصوف على الصفة إفراداً. المختصر: 82 .
2 . كفاية الأُصول: 1 / 326 .
3 . العصر: 1 ـ 3 .

282
قوله: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر)، غير تلك الطائفة ذات الصفات الأربع، أيضاً لما تم التنديد لأنّ كلّ طائفة تحتج بأنّها أيضاً خارجة عن تحت العموم، وهو خلاف الغرض المقصود.
وأمّا الاستدلال بالسنّة فكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود»(1).
فلو دلّ دليل على لزوم الإعادة بغير هذه الأُمور الخمسة لَعُدّ مخالفاً للحصر المستفاد من الذيل، فلو لم تكن «إلاّ» مفيدة للحصر لما كان هناك أية منافاة.

2. دلالة كلمة الإخلاص على الحصر

لاشكّ أنّ النبـي الخـاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)بعـث للتـوحيد ونفـي عامـة الآلهـة إلاّ الله سبحانه، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقبل توحيد مَن قال كلمة الإخلاص. فلو لم تكـن الكلمة مفيدة للحصر لما أفادت التوحيد، ونفي عامة الآلهة إلاّ إلوهيـة واحد منهم وهو الله جل شأنّه.
ثم إنّ في كلمة الإخلاص سؤالاً أو إشكالاً سيوافيك عن قريب.

الجهة الثالثة: دلالة الجملة على حكم المستثنى دلالة منطوقية أو مفهومية

إذا قلنا: أكرم العلماء إلاّ زيداً، فهنا أُمور ثلاثة:
1. حكم المستثنى منه: وجوب إكرام العلماء باستثناء زيد.
2. حكم المستثنى: عدم وجوب إكرام زيد.
3. حصر الخروج في المستثنى.(2)

1 . من لا يحضره الفقيه: 1 / 279، برقم 857 ; تهذيب الأحكام: 2 / 152، برقم 795 .
2 . وهذا ما سيأتي في الجهة الرابعة.

283
أمّا الأوّل فلا شك أنّ دلالة الجملة عليه منطوقية.
وأمّا الثاني أي استفادة حكم المستثنى، فهل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟
التحقيق: إنّ دلالته منطوقية، لأنّ هيئة الجملة الاسمية موضوعة لإفادة معنيين، ثبوت الحكم للمستثنى منه، ونفيه عن المستثنى فتكون دلالته على حكم المستثنى منطوقية.
وفصّل المحقّق الخراساني بين كون حكمه مستفاداً من لفظة «إلاّ» التي هي بمعنى «استثني»، فمنطوقية.
أو كونه لازم خصوصية الحكم في جانب المستثنى منه التي دلّت عليه الجملة الاستثنائية، فمفهومية .(1)
أقول: المراد من الخصوصية هو حصر «المجيء» في قوم غير زيد، فتكون الدلالة على عدم مجيء زيد دلالة مفهومية.
وعلى كلّ تقدير فالجهة الثالثة كالمتممة للجهة الأُولى .

الرابعة: الدلالة على الحصر دلالة مفهومية

الظاهر أنّ دلالة الجملة الاستثنائية على حصر الخروج في المستثنى، مفهومية. نعم يحتمل أن تكون منطوقية ولا تترتّب على ذلك ثمرة عملية.
نعم ربّما يقال بوجود الثمرة وهي أنّ الدلالة المنطوقية أقوى من المفهومية، فلو كانت هناك دلالة منطوقية تقدّم على المفهومية.
ولكن الضابطة ليست كلية، إذ ربّما تكون الدلالة المفهومية عند العرف أقوى من الدلالة المنطوقية.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 328 .

284
والجهة الرابعة كالمتممة للجهة الثانية.
تمّ الكلام في دلالة «إلاّ» الاستثنائية على الحصر.

فرعان مبنيان على إفادة «إلاّ» للحصر

1. لو حصل التغيير في الماء الكرّ أو الجاري في غير صفاته الثلاث كالحرارة والرقّة والخفّة، فهل ينجس أو لا؟
الظاهر هو الثاني للحصر المستفاد من الاستثناء بعد النفي، أعني قوله (عليه السلام): «خلق الله الماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه». (1)
2. لو ضمّ إلى نيّة التقرّب في الوضوء رياء، قال المرتضى بالصحّة مع عدم الثواب، والمشهور هو البطلان، لقوله سبحانه: (وَ مَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(2)، والمراد من «الدين» هو الطاعة، والحصر قاض بأنّ فاقدة الإخلاص لا أمر بها، فلا تكون صحيحة.(3)

بحث استطرادي حول كلمة الإخلاص

إنّ هنا سؤالاً طرح منذ قرون حول كلمة الإخلاص وهو أنّ «لا» النافية للجنس، هي من النواسخ، فتحتاج إلى اسم وخبر، كقولنا: لا رجل في الدار، وعندئذ يُسأل عمّا هو الخبر في كلمة الإخلاص؟ فالخبر أحد الأمرين:
1. ممكن.
2. موجود.

1 . الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، الحديث 9 .
2 . البينة: 5 .
3 . لاحظ : الجواهر: 2 / 96 ـ 97 .

285
فلو قلنا بالأوّل، يكون مفاد الجملة نفي إمكان أي آلهة إلاّ الله، فهو كلام متين من جهة نفي الإمكان عن سائر الآلهة، ولكنّه لا يخلو عن إشكال، وهو أنّ لازم ذلك الاعتراف بالإمكان في جانب المستثنى لا بالفعلية وأنّه سبحانه موجود فعلاً ، وهو خلاف المطلوب.
وأمّا لو قلنا بالثاني (موجود) يكون مفاد الجملة نفي وجود أي آلهة إلاّ الله، وإثبات الوجود لله سبحانه. كلام جيّد، ولكنّه لم ينف إمكان وجود آلهة أُخرى، وإنّما نفى وجودها.
وبالجملة لتقدير كلّ «ممكن» أو «موجود» جهة قوة وجهة ضعف، وقد أُجيب عن ذلك بوجوه نذكرها تباعاً.

1. إنّ لفظة «لا» اسمية غنية عن الخبر

ربّما يقال: إنّ الإشكال مبني على حاجة «لا» إلى الخبر، ولكن حاجتها إلى الخبر إنّما تتحقّق فيما لو كانت «لا» حرفاً، لا اسماً، وعندئذ تكون «لا» عدماً محمولياً، نظير قولنا: زيد معدوم، لا عدماً رابطياً نظير قولنا: زيد ليس بقائم. وعلى هذا فالمعنى الإله معدوم إلاّ الله.
فإن قلت: إنّ القضية لا تستغني عن الجهة، فإن كانت الجهة هي الإمكان يكون الاستثناء اعترافاً بإمكان المستثنى، وإن كانت «الفعلية» التي تساوق الموجود، كان نفياً لوجود الآلهة لا لإمكانها.
قلت: الجهة عبارة عن الضرورة فكأنّه يقول: الإله معدوم بالضرورة الاّ الله، فالنفي والإثبات كلاهما ضروريان فيكون نفي الإله على وجه الضرورة كما أنّ إثباته لله سبحانه كذلك.
وهذا الجواب لا بأس به، وله نظير في الذكر الحكيم كقوله سبحانه حاكياً عن

286
سحرة فرعون بعد أن آمنوا برب هارون وموسى وهددهم فرعون بالصلب، فأجابوا بقولهم: (لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ)(1).

2. الإله بمعنى واجب الوجود

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المراد من «الإله» هو واجب الوجود، ونفي ثبوته ووجوده في الخارج، وإثبات فرد منه ـ وهو «الله» ـ يدلّ بالملازمة البيّنة على امتناع تحقّقه في ضمن غيره تبارك وتعالى، ضرورة أنّه لو لم يكن ممتنعاً لوجد، لكونه من أفراد الواجب.(2)
يلاحظ عليه: أنّه مبني على أنّ «الإله» بمعنى واجب الوجود، ولم يذكره أهل اللغة في معاجمهم، نعم هو من لوازم وجود الإله الواقعي.

3. المقصود حصر العبادة في الله لا حصر وجود الإله فيه

إنّ العرب في الجاهلية كانوا موحّدين في الخالقية ولكن كانوا مشركين في العبادة، فكانوا يعبدون الأصنام بحجّة أنّها أشباه لعباد الله المكرمين حتّى يتقرّبوا بها إلى الله زلفى، فجاءت هذه الكلمة لردّ هذه العقيدة وأنّ العبادة كالخالقية مختصة بالله سبحانه فقط، وأنّه لا معبود إلاّ الله، فالكلمة سيقت لحصر العبادة فيه، لا لإثبات وجوده .
يلاحظ عليه: أنّ الإشكال باق على حاله، لكن بصورة أُخرى، وهو أنّ الخبر إمّا ممكن أو موجود. فعلى الأوّل: لم يعترف بكونه سبحانه معبوداً بالفعل، وعلى الثاني لم ينف إمكان معبودية غيره.

1 . الشعراء: 50 .
2 . كفاية الأُصول: 1 / 327 ـ 328 .

287

4. الهدف هو العقد السلبي

إنّ الغرض الأقصى من هذه الكلمة هوالعقد السلبي، أي سلب الإلوهية عن كلّ ما يتصوّر عمّا سوى الله سبحانه، وأمّا إثبات الإلوهية لله سبحانه فليس بمقصود لكونه أمراً مسلّماً، فيسقط الإشكال، ويكون الخبر المقدر هو: الممكن، ويكون مفاد الجملة نفي إمكان إلوهية غيره، وأمّا إلوهيته سبحانه إمكاناً أو فعلاً فليس بمقصود، لكونها أمراً مسلّماً إمكاناً وفعلاً .(1)

5. الهدف نفي الفعلية وإثباتها

يقع الكلام في إلوهية غيره في مقامين: تارة إمكان إلوهية غيره، فهذا ليس مطروحاً في المقام، وإنّما يطلب ثبوتاً ونفياً من آيات أُخرى كقوله سبحانه:
1. (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(2).
2. (وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إِذًا لَذَهَبَ كلّ إِلَه بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ)(3).
فهذه الآيات تثبت امتناع إلوهية غيره سبحانه ويلازم ذلك إمكان أُلوهيته سبحانه.
وأُخرى في فعلية إلوهيته ونفي الفعلية عن إلوهية غيره، وهذا هو المطلوب من الكلمة.
فمعنى الجملة: لا إله موجود إلاّ الله سبحانه.

1 . التعليقة على الكفاية للعلامة الطباطبائي: 159 .
2 . الأنبياء: 22.   3 . المؤمنون: 91 .

288
هذه أجوبة القوم، ولعلك تستطيع أن تميّز أقوى الأجوبة عن غيره .
تمّ الكلام في مفهوم الحصر المستفاد من لفظة «إلاّ»، وإليك الكلام في لفظة «إنّما».

2. «إنّما» من أدوات الحصر

الحصر على أقسام ثلاثة:
1. حصر إفراد.
2. حصر قلب.
3. حصر التعيين.
فلو كان المخاطب معتقداً بالمشاركة وأنت تريد قطعها، بوصف الحصر (القصر) بالإفراد، كما إذا اعتقد المخاطب أنّ زيداً كاتب وشاعر، فنقول: إنّما زيد كاتبٌ.
ولو كان المخاطب قائلاً عكس ماتقول: مثلاً يعتقد أنّ زيداً مريض، فتقول: إنّما زيد مصح. تريد أنّ الثابت ضد ما يعتقده المخاطب يوصف الحصر بالقلب.
ولو كان المخاطب مردّداً بين الأمرين تريد بكلمتك هذه رفع الترديد يوصف الحصر بالتعيين.
إذا عرفت ذلك فاعرف أنّهم استدلّوا على إفادة «إنّما» للحصر بوجوه مذكورة في مطارح الأنظار والكفاية ودرر الأُصول، ونحن نذكرها:
1. إنّ لفظة «إنّما» تتضمّن معنى ما وإلاّ بشهادة قول المفسّرين: في تفسير قوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ)أي ما حرّم عليكم إلاّ الميتة وما تلاها.

289
2. قول النحاة إنّ لفظة (إنّما) لإثبات ما يذكر بعدها ونفي ما سواه.
3. صحّة انفصال الضمير معه، كقولك: «إنّما يقوم أنا»، ولا وجه لظهور الضمير إلاّ إفادة الحصر.
4. تبادر الحصر منها في استعمالاتها والمراد التبادر عند أهل اللسان، ولا يضر عدم التبادر في عرفنا.
5. تصريح أهل اللغة بذلك كالأزهري وغيره.
والقول بعدم حجّية قول اللغوي من باب الظن الخاص، لا يضرنا، لأنّ المراد هو الفحص في كلماتهم حتّى يتبين بوضوح لنا ما هو الموضوع له وما اشتق منه من المعاني، وهذا أمر سهل لمن راجع المعاجم بدقة وكان له ذوق أدبي، وعندئذ يخرج عن حدّ الظن ويدخل دائرة العلم.
فالفقهاء والأُصوليون ربّما يصفون قول أهل اللغة بعدم الحجّية مع أنّ جميعهم يرجعون إلى معاجمهم في معاني الألفاظ والمفردات، وما هذا إلاّ لما ذكرنا.
هذه هي الأدلّة على إفادة «إنّما» الحصر، ولكن الأولى الاستدلال بدراسة الآيات التي وردت فيها لفظة «إنّما»، والظاهر الدلالة على الحصر دلالة منطوقية لا مفهومية ، وإليك بعض الآيات:
1. قال سبحانه: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَف أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ)(1).

1 . المائدة: 33.

290
2. قال سبحانه: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ )(1) .
3. قال سبحانه: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ)(2).
والحصر ظاهر وخاصة في الآية الثالثة.

دليل القائل بعدم الحصر

استدلّ القائل بعدم إفادة «إنّما» للحصر بما في قوله سبحانه: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَ لاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(3) .
قائلاً بأنّ الموحى به إلى النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)لا ينحصر بتوحيده سبحانه، بل أُوحي إليه أُمور كثيرة في العقائد والأحكام.
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلاً: أنّ الآية المذكورة تشتمل على لفظي «إنّما» و «أنّما» والكلام في الأُولى دون الثانية، والحصر في الأُولى حقيقي أي ليس النبي إلاّ بشراً لا ملكاً ولا غيره. وأمّا الثاني فخارج عن محط البحث.
ثانياً: لو فرضنا أنّ قوله: «أنّما إلهكم» من متمّمات الحصر الأوّل فنقول:إنّ الحصر فيه إضافي وليس بحقيقي، فليست الآية بصدد بيان أنّه لم يوح إليه حول رسالته إلاّ أمر واحد بل بصدد بيان أنّ الذي أوحى إليه في مجال معرفة الله أنّه

1 . البقرة: 173 .
2 . الممتحنة: 8 ـ 9 .
3 . الكهف: 110 .

291
واحد لا اثنان، كما عليه الثنوية، ولا ثلاثة كما عليه النصرانية.

إجابة عن إشكال

ذهب الرازي في تفسيره إلى عدم إفادة إنّما للحصر، وبذلك أجاب عن استدلال الشيعة على إمامة علي أمير المؤمنين (عليه السلام)بالآية التالية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَ هُمْ رَاكِعُونَ)(1).
واستدلّ على مدّعاه بأنّ الآيات الثلاث التالية، شبهت الحياة الدنيوية مقرونة «بـ» إنّما بأُمور مختلفة ، فلو كانت إنّما مفيدة للحصر لشبهتها بشيء واحد لا بأُمور ثلاثة، وإليك هذه الآيات :
1. قال سبحانه: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكلّ النَّاسُ وَ الأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ)(2).
2. قال سبحانه: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ)(3) .
3. قال سبحانه: (وَ مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)(4).
يلاحظ على الاستدلال ـ مضافاً إلى أنّ الآية الثالثة ليست فيها لفظة «إنّما» بل ما يقوم مقامها ـ أنّ التشبيهات الثلاثة متعدّدة ظاهراً واحدة لبّاً وواقعاً، والهدف هو

1 . المائدة: 55 .
2 . يونس: 24.
3 . محمد: 36 .
4 . الحديد: 20 .

292
الإيعاز بأنّ الحياة الدنيا حياة زائلة غير باقية فكما أنّ طراوة الأزهار والأشجار الخضراء تبقى شهرين أو ثلاثة، وربّما تواجه برداً قارصاً يزيل زينة الأرض من رأس، وأنّ اللهو واللعب يدوم ساعة أو ساعتين ثم تنقضي أيامه. ونظيرها متاع الغرور حيث يزول التمتع بزوال الغرور فهكذا الحياة الدنيا.
وحصيلة الكلام: أنّ نظر القرآن الكريم إلى الحياة الدنيا أنّها زائلة غير خالدة ولذا يقول: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مَا عِنْدَ اللهِ بَاق)(1).
ومن هذا القبيل تشبيه الحياة الدنيا ببيت العنكبوت.
يقول الشاعر:
إنّما الدنيا كبيـ *** ـت نسجته العنكبوت
فهي لا تقاوم الريح اللطيفة، ولا قطرة المطر الصغيرة، ولاالنار الخفيفة، وغير ذلك.

فرعان مبنيان على إفادة «إنّما» للحصر

1. يجب أن تُحنَّط مساجد الميّت السبعة بالحنوط، وهو الطيب المانع عن فساد البدن، وظاهر الأدلّة حصر الحنوط بالكافور لقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّما الحنوط الكافور». (2)
2. روى أبو بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إذا كنت إماماً فإنّما التسليم أن تسلّم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة».(3)

1 . النحل: 96 .
2 . الوسائل: 2، الباب 6 من أبواب التكفين، الحديث 7 .
3 . الوسائل: 4، الباب 2 من أبواب التسليم، الحديث 2 .

293

3. بل الإضرابية

يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: في مفاد «بل» .
الثاني: في دلالتها على الحصر.
أمّا الأوّل: فلاشكّ أنّ لفظة «بل» وضعت للإضراب والانتقال من معنى إلى آخر، أو من غرض إلى غرض، وهذه الحقيقة لا تنفك عن لفظة «بل» سواء أكانت حرف ابتداء كما إذا تلتها جملة كقوله سبحانه: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا )(1)، أم كانت عاطفة كما إذا تلاها مفرد.
ثم إنّ اللفظة تارة تنقل حكم الأوّل للثاني، وأُخرى ضده إليه .
أمّا الأوّل ففيما إذا تقدّمتها جملة خبرية إيجابية، أو جملة إنشائية كما إذا قال: قام زيد بل عمرو، أو قال: اضرب زيداً بل عمراً.
ففي كلا الموردين ينقل حكم الأوّل إلى الثاني، وإليه يشير ابن مالك في ألفيته ويقول:
وانقل بها للثاني حكم الأوّل *** في الخبر المثبت والأمر الجلي
وأُخرى ينقل ضدها كما إذا تقدّمها نفي أو نهي، فهي لتقرير ما قبلها على حالته مع جعل ضد ما سبق لما بعدها فقول القائل: ما قام زيد بل بكر، أو لا تضرب زيداً بل بكراً، بمعنى أنّه : قام بكر، واضرب بكراً.
وأمّا الثاني ـ أعني: دلالتها على الحصر ـ فقد ذكر المحقّق الخراساني لها أقساماً ثلاثة:
أ. ما كان لأجل أنّ المضرب عنه إنّما أُوتي به غفلة أو سبقه به لسانه فيضرب

1 . الأعلى: 15 ـ 16 .

294
بها عنه إلى ما قصد بيانه; فقوله: جاء زيد بل عمر، يريد أنّه إنّما أُوتي بلفظة زيد غفلة والصحيح مكانه، هو عمر، فلا يدلّ على الحصر.
ب. ما كان لأجل التأكيد فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة والتمهيد لذكر المضرب إليه فلا يدلّ على الحصر أيضاً، كقوله سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)(1).
ج. ما كان في مقام إبطال ما ذكر أوّلاً من دون أن يكون ذكره مرتبطاً بالغفلة أو بالتوطئة بل نقله عمداً ليبطله كقوله سبحانه: (وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ)(2).
قال المحقّق الخراساني: «يدلّ على الحصر» ولكن الحصر إضافي بمعنى أنّه ليس لهم فيما يرجع إلى الإلوهية والربوبية أمر سوى كونهم عباداً .
وهذا لا ينافي أن تكون لهم شؤون أُخرى، ككتابة الأعمال وقبض الأرواح.

4. من أدوات الحصر تقديم ما حقّه التأخير

اتّفق النحاة على أنّ تقديم ما حقّه التأخير كالمفعول يفيد الحصر، كقوله سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)(3)، هذا إذا لم تكن للتقديم علّة أُخرى.

5. اشتمال المسند إليه على اللاّم

ذكر المحقّق الخراساني في المقام ما حاصله: أنّ المسند إليه المحلّى باللام على أقسام:

1 . الأعلى: 14 ـ 16 .
2 . الأنبياء: 26 .
3 . الفاتحة: 5 .

295
أ. إذا كـانت اللام للجنس وكـان الحمـل شـائعاً صناعياً، كما إذا قيل: الضارب زيد. فقال: إنّه لا يفيد الحصر، لأنّ حمـل شـيء «زيد» على جنس ومـاهية «الضـارب» بملاك الاتحاد في الوجود لا يقتضي اختصاص تلك الماهية «الضارب» به وحصـرها عليه.(1)
ب. إذا كانت اللام للجنس وكان الحمل حملاً أوّلياً ذاتياً، فهو يفيد الحصر.
ج. إذا كانت اللام للجنس لكن أُخذ مدخول اللام بنحو الإرسال والإطلاق، مثل قوله تعالى: (الْحَمْدُ للهِ) فهو يفيد الحصر.
د. إذا كانت اللام للاستغراق فهي تفيد الحصر.
وإليك توضيح الأقسام الأربعة.

1. لام الجنس إذا كان الحمل شائعاً

إذا كانت اللام الداخلة على المسند إليه لام الجنس، وكان الحمل شائعاً صناعياً، أي اتّحاداً في الوجود واختلافاً في المفهوم، فلها أربع صور:
1. إذا كانت النسبة بين المسند إليه والمسند هي التساوي، نحو: الإنسان ضاحك.
2. إذا كان المسند إليه أخصّ من المحمول، نحو : الإنسان ماش.
3. إذا كان المسند إليه أعم من المحمول، كقوله: الأمير زيد .
4. إذا كانت النسبة بينهما عموماً وخصوصاً من وجه ، كما في قولك: الحمامة بيضاء.
فقد ذكر المحقّق الخراساني أنّه لا يفيد الحصر، مع أنّ الصحيح هو التفريق

1 . كفاية الأُصول: 1 / 329 .

296
بين القسمين الأوّلين، فيفيدا الحصر والقسمين الأخيرين فلا.
ولكن إفادة الحصر وعدمه لا صلة له باللام، بل أنّ الحصر وعدمه مقتضى طبيعة القضية.
مثلاً إذا كانت النسبة بينهما هي التساوي يفيد الحصر باعتبار تساوي الموضوع والمحمول، حيث إنّ الموضوع لا يشذ عن المحمول بحكم التساوي، أو كان الموضوع أخصّ من المحمول حيث إنّ الموضوع لا ينفك عن المحمول.
وهذا هو معنى حصر المسند إليه في المسند، بمعنى أنّه لا يشذ فرد منه عن المحمول.
بخلاف القسمين الثالث والرابع فالقضية فيهما لا تتضمّن الحصر بحكم طبيعتها، لأنّ المفروض أخصّية المحمول من الموضوع، أو أنّ النسبة بين الموضوع والمحمول العموم من وجه، إذ معنى ذلك أنّ الموضوع ربّما يفترق عن المحمول، فكيف يمكن حصر الموضوع في المحمول، بمعنى أنّه لا يشذ مصداق منه عن المحمول؟!

2. لام الجنس إذا كان الحمل أوّلياً

إذا كانت النسبة بين المسند إليه المحلّى باللام والمسند هي التساوي في المفهوم كقولنا: الإنسان حيوان ناطق فهو يفيد الحصر، لا لأجل اللام، بل لأجل التساوي بين المفهومين، بمعنى أنّ الموضوع لا ينفك عن المحمول مطلقاً.

3. لام الجنس إذا أُريد من المدخول الإطلاق

إذا دخلت اللام على كلمة أُريد منها الإطلاق والإرسال كما في قوله: (الْحَمْدُ للهِ) بناءً على أنّ المراد مطلق الحمد حتّى الحمد الموجّه إلى غيره سبحانه:

297
ووجهه: أنّ الملاكات التي تسبّب توجه الحمد إلى غيره كلّها ترجع إلى الله سبحانه، لأنّه مبدأ المحامد وأصلها، فكلّ ما للغير من كمال وجمال فهو منه سبحانه.(1)

4. «لام» الاستغراق

المراد من «لام» الاستغراق ما يدلّ على شمول المدخول لكلّ ما يصدق عليه، الّذي هو ملاك كونه عامّاً فهو يفيد الحصر كما في قوله: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر)(2)بمعنى أنّه لا يشذ عن الخسر فرد من أفراد المدخول أي الإنسان، إلاّ ما قام عليه الدليل، كما في قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا )(3).

بعض أدوات الحصر

قد عُدّ من أدوات الحصر توسّط ضمير الفصل بين المسند والمسند إليه نحو: زيد هو القائم، كما عُدّ منه تعريف المسند نحو: زيدٌ الأمير.
وما ذكرناه ضابطة غالبية، فعلى الفقيه الإمعان في القرائن التي تحيط بالكلام.

1 . قال العيني: قوله: (وله الحمد) أي: جميع حمد أهل السماوات والأرض وجميع أصناف المحامد التي بالأعيان والأعراض، بناء على أنّ الألف واللام لاستغراق الجنس عندنا، ولمّا كان الله مالك الملك كلّه استحقّ أن تكون جميع المحامد له دون غيره، فلا يجوز أن يحمد غيره، وأمّا قولهم: حمدت فلاناً على صنيعه كذا، أو حمدت الجوهرة على صفائها، فذاك حمد للخالق في الحقيقة، لأنّ حمد المخلوق على فعل أوصفة حمد للخالق في الحقية. لاحظ: عمدة القارئ: 6 / 134 .
2 . العصر: 2 .
3 . العصر: 3 .

298
 
   
 
الفصل الخامس:

مفهوم اللقب

قسّم الأُدباء الاسم إلى أقسام ثلاثة:
1. العلم ـ كمحمد.
2. الكنية ـ كأبي القاسم.
3. اللقب ـ كرسول الله.
فإذا قلت: صلّى الله على أبي القاسم محمد رسول الله، فقد جمعت فيه الأقسام الثلاثة: فاللقب في مصطلح النحاة قسم من الاسم يشار به إلى الذات، وأمّا المقام فيراد منه معنى أعم ممّا لدى النحاة أي كلّ اسم لا يكون قيداً زائداً في الكلام علماً كان أو اسم جنس، ولذلك فسّر بتعليق الحكم باسم جنس أو اسم علم، وعلى ذلك فيختص بما إذا كان مسنداً إليه .(1) وبذلك يتبيّن أن اللقب أضيق من الوصف كما مرّ .
فهل اللقب يفيد المفهوم أو لا؟ فهو مورد اختلاف.
فذهب قوم إلى عدم إفادته المفهوم، وأنّ قولنا: المسيح رسول الله، لا يُعدّ دليلاً على أنّ محمداً ليس رسول الله.

1 . لاحظ: حاشية السيد علي على القوانين: 1 / 191 .

299
فإذا قال: أكرم زيداً في الدار، فالتشريع محدّد بالإكرام في الدار ولا يدلّ على عدم وجوبه في غير الدار، لأنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه.
وأمّا عدم إجزاء الإكرام في غير الدار عن الإكرام في الدار، فليس لأجل كون القضية الأُولى ذات مفهوم، بل لأجل عدم امتثال المأمور به.
فهناك فرق بين الدلالة على العدم وبين عدم الإجزاء لأجل عدم الامتثال، فإذا قال: نذرت للفقراء أو وقفت عليهم أو أوصيت لهم ثمار هذا البستان، فلا يدلّ على نفي الحكم عن غير الفقراء، بل هو ساكت عنه.
نعم لو صرف ثماره على الأغنياء لا يجزي لا لأجل المفهوم، بل لأجل عدم الامتثال.
وعلى ضوء هذا ذهب الأُصوليون إلى أنّ القيود الموجودة في الكلام لها مدخلية في الحكم على نحو لولاها لما أمكن الحكم بالموضوع، ومع ذلك لا يدلّ على سلب الحكم عنه عند عدمه، وذلك لأنّ إثبات الشيء لا يدلّ على نفي ما عداه.
ومع ذلك فهذه الضابطة ضابطة غالبية وربّما تساعد القرائن على كون القضية ذات مفهوم.

فروع مبنية على مفهوم اللقب

1. يستدلّ على حرمة عمل الصور المجسّمة لذوات الأرواح بصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لا بأس بتماثيل الشجر».(1)
2. يستدلّ على اختصاص خيار الحيوان بالمشتري بصحيح الحلبي عن

1 . الوسائل: 12، الباب 94من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. لاحظ الجواهر:22/42.

300
الصادق(عليه السلام): «في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيّام للمشتري، و هو بالخيار فيها إن شرط أو لم يشترط».(1) فيدلّ على نفيه عن البائع بمفهوم اللقب.
3. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى أن يكفن الرجال في ثياب الحرير، فلو قلنا بالمفهوم لدلّ على جواز تكفين المرأة به.(2)
4. استدلّ على وجوب قراءة سورة كاملة بعد الحمد بصحيح ابن سنان: «يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها»، و مفهومه عدم جواز الاكتفاء بها لغيره.(3)

1 . الوسائل: 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 1.
2 . مستدرك الوسائل:2، الباب91 من أبواب الكفن، الحديث2. لاحظ الجواهر:4/170.
3 . الوسائل:4، الباب 2 من أبواب القراءة، الحديث 5. لاحظ الجواهر:9/334.

301
 
مفهوم العدد   
 
الفصل السادس

مفهوم العدد

إذا علّق الحكم على عدد خاص، فهل يدلّ على ارتفاع الحكم عند ارتفاعه أو لا؟ والتحقيق أنّه يدلّ عليه إذا أُخذ بشرط لا في جانبي الزيادة والنقيصة أو إحداهما.
توضيح ذلك: أنّ العدد المأخوذ موضوعاً للحكم يتصوّر على أقسام أربعة:
1. أن يؤخذ على نحو «لا بشرط» في كلا الطرفين، فلا تكون النقيصة ولا الزيادة مخلّة، وذلك كاستغفار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)سبعين مرة للمنافقين.
قال سبحانه: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(1).
فإنّ ذكر العدد كناية عن الكثرة، من دون أن يكون للسبعين ولا للزيادة عليه ولا للنقيصة عنه مدخلية.
2. أن يؤخذ «بشرط لا» في كلا الجانبين ـ الزيادة والنقيصة ـ كأعداد الفرائض وركعات الصلاة الواجبة.
3. أن يؤخذ «بشرط لا» في جانب النقيصة دون الزيادة، كما هو الحال في

1 . التوبة: 80 .

302
مسألة الكر، فإنّه عبارة عن ثلاثة أشبار ونصف طولاً وعرضاً وعمقاً، فلايكفي الناقص ولا يضر الزائد.
4. عكس الصورة الثالثة أي أن يؤخذ «بشرط لا» في جانب الزيادة دون النقيصة، كما هو الحال في أيّام العادة، فيحكم عليها بالحيض بعد التجاوز عن ثلاثة إلى العشرة، بشرط أن لا تتجاوز العشرة وإلاّ فيكون حيضها أيّام عادتها. ومع ذلك فلا يشترط أن تنقص عن العشرة إلى الثلاثة.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العدد إنّما يدلّ على المفهوم أي انتفاء الحكم عن غيره فيما لو أخذ بشرط لا مطلقاً أو في إحدى الجانبين (الصورة 2 و 3 و 4)، وأمّا لو أُخذ لا بشرط في كلا الجانبين فهو خال عن المفهوم. نعم لو أُخذ بشرط لا في جانب واحد فالمفهوم يتحقّق بالنسبة إلى ذلك الجانب، مثلاً لو أخذ «بشرط لا» في جانب النقيصة يكون المفهوم ارتفاع الحكم إذا نقص العدد لا ما إذا زاد.
وهكذا لو أخذ بشرط لا في جانب الزيادة يتحقّق المفهوم في ذلك الجانب فإذا زاد يرتفع الحكم، دونما لو نقص .
فعلى الفقيه إمعان النظر في استخراج وصف العدد من الأوصاف الأربعة. وإليك دراسة بعض الآيات.
1. قال سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَ الزَّاني فَاجْلِدُوا كلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)(1)، فالآية بصدد التحديد في كلا الجانبين.
2. قال سبحانه: ( وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَ لاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)(2).

1 . النور: 2 .
2 . النور: 3 .

303
فالثمانون أُخذ على وجه التحديد في كلا الجانبين. لكن الأربعة أُخذت على التحديد من جانب النقيصة لا من جانب الزيادة.
3. قال سبحانه: (الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَات بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)(1)، فقد أُخذ العدد «بشرط لا» في جانب النقيصة ولعلّه كذلك في جانب الزيادة .
4. قال سبحانه: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)(2).
والعدد مأخوذ بشرط لا في جانب النقيصة دون الزيادة.
فعلى الفقيه أن يمعن النظر في طبيعة القضايا حتّى يتبيّن له حال العدد:
1. فربّما يؤخذ «بشرط لا» في جانب الأقل، كما هوالحال في عدد الغسلات من البول والخنزير وعدد منزوحات البئر والنصاب في الزكاة والخمس، وعدد مَن تقوم به الجمعة والجماعة.
2. وربّما يؤخذ «بشرط لا» في جانب الزيادة، ككون ما تراه المرأة من الدم حيضاً في عشرة أيام بشرط أن لا تتجاوز.
إنّما الكلام فيما إذا لم يُعلم أحد الأمرين فالظاهر كونه في مقام التحديد زيادة ونقيصة.

فروع مبنية على مفهوم العدد

1. لا يفسد الصوم ما يصل إلى الجوف بغير الحلق من منافذ البدن المعلومة عمداً غير الحقنة بالمايع، لصدق اسم الصوم معه شرعاً، و حصر الباقر (عليه السلام) : «لا

1 . النور: 6 .
2 . البقرة: 282 .

304
يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب، والنساء، و الارتماس في الماء».(1)
2. هل يكفي الحجر الواحد إذا كان له أطراف ثلاثة؟ قيل لا، لورود النصّ على ثلاثة أحجار إلاّ أن يحمل على الغالب.(2)
3. هل تكره قراءة أزيد من سبع آيات على الجنب؟ قيل: نعم لمفهوم موثّقة سماعة، قال: سألته عن الجنب، هل يقرأ القرآن؟ قال: «ما بينه و بين سبع آيات».(3)
4. يسقط خيار الحيوان بانقضاء المدة وهي ثلاثة أيّام; قال بعض الأفاضل: بلياليها تحقيقاً، لأنّه الأصل في التحديد.(4)
5. يستحبّ أن يرغم الأنف في حال السجود ولا يجب، لمفهوم ما دلّ على أنّ السجود على سبعة أعظم أو أعضاء.(5)
6. لا تنعقد الجمعة بالأقلّ من خمسة لقوله (عليه السلام): «لا تكون الخطبة والجمعة وصلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط: الإمام و أربعة»(6)، فيكون مفهومه ـ لو قلنا بأنّ للعدد مفهوماً ـ انعقادها بالخمسة.
تمّ الكلام في المفاهيم

1 . الوسائل: 7، الباب1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1. لاحظ الجواهر:16/296.
2 . الوسائل:2، الباب9 من أبواب الخلوة، الحديث9. لاحظ الجواهر:2/35.
3 . الوسائل:2، الباب19 من أبواب الجنابة، الحديث9. لاحظ الجواهر:3/71.
4 . لاحظ الجواهر:23/30.
5 . الوسائل:4، الباب4 من أبواب السجود، الحديث 8 . لاحظ الجواهر:10/174.
6 . الوسائل: 5، الباب2 من أبواب صلاة الجمعة، الحديث2. لاحظ الجواهر:11/199.

305
المقصد الرابع:
في العام والخاص
أُمور تمهيدية
الفصل الأوّل: للعام صيغة تخصّه
الفصل الثاني: تخصيص العام ومسألة المجازية
الفصل الثالث: العام المخصص حجة في الباقي
الفصل الرابع: حجّية العام عند إجمال المخصّص مفهوماً
الفصل الخامس: حجّية العام عند إجمال المخصّص مصداقاً
الفصل السادس: إحراز ما بقي تحت العام بالأصل الموضوعي
الفصل السابع: إحراز الفرد المشتبه بالعنوان الثانوي
الفصل الثامن: لزوم الفحص عن المخصّص
الفصل التاسع: في الخطابات الشفاهية...
الفصل العاشر: تعقب الضمير العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده
الفصل الحادي عشر: تخصيص العام بالمفهوم
الفصل الثاني عشر: الاستثناء المتعقب للجمل
الفصل الثالث عشر: تخصيص الكتاب بالخبر الواحد
الفصل الرابع عشر: حالات العام والخاص، وفيه بحث حول النسخ والبداء

306
 

307
قبل الدخول في صلب الموضوع نقدم أُموراً:

الأوّل: الأُمور الاعتبارية والتعريف الحقيقي

لاشكّ أنّ علوم الآداب والفقه والأُصول علوم اعتبارية، وليست من العلوم الحقيقية التي تبحث في الكون وقوانينه وآثاره، فعندئذ يقع الكلام; هل التعاريف الواردة في كلمات القوم للأُمور الاعتبارية تعاريف حقيقية أو تعاريف لفظية؟
ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني، وعلّلها بوجهين:
1. أنّ المعنى المركوز من الأمر الاعتباريّ في الأذهان أوضح ممّا عرف به مفهوماً ومصداقاً، ولذا يجعل صدق ذاك المعنى على فرد وعدم صدقه، المقياسَ في الإشكال عليها بعدم الأطّراد أو الانعكاس، والتعريف لا بد أن يكون بالأجلى مع أنّ مصاديقه أجلى من التعريف .(1)
2. لم يتعلّق حكم شرعي بمفهوم العام حتى نبحث عن تعريفه. وهذا الوجه يختصّ بالمقام .
يلاحظ على الأوّل: أنّ الظاهر من العلماء أنّهم بصدد التعريف الحقيقي وآية ذلك نقد التعريف بعدم الجامعية والمانعية. ولو كانوا بصدد التعريف اللفظي لتركوا نقد التعاريف.
وكون بعض المصاديق أوضح ممّا جاء في التعريف لا يغني عن التعريف

1 . كفاية الأُصول: 1 / 331 .

308
لوجود الحاجة إليه في المصاديق الخفية، ولو كان وضوح بعض المصاديق داعياً للاستغناء عن التعريف لصار ذلك سبباً للاستغناء عنه في العلوم الحقيقية، فإنّ الصعيد والمفازة والمعدن من الأُمور الكونية وأنّ قسماً من مصاديقها أوضح ممّا ورد في تعريفها، ومع ذلك لم يكن ذلك داعياً للاستغناء عن التعريف.
ويلاحظ على الثاني: أنّ عدم ترتّب الثمرة لفهم مفهوم العام عن طريق التعريف لا يكون سبباً لترك تعريفه، لأنّ قسماً وافراً من المباحث الأُصولية لا تترتّب عليه ثمرة عملية، وإنّما يبحث لشحذ الذهن وبذر روح النقد والمناقشة في ذهن الطالب .
ويرد على كلام المحقّق الخراساني إشكال آخر حيث إنّه ساوى بين التعريف اللفظي وشرح الاسم، مع أنّهما متغايران كما أوضحنا حاله عند البحث في تقسيم الواجب إلى المطلق والمشروط في محاضراتنا.
في تعريف العام   
والذي يمكن أن يقال وجود الفرق بين الحقائق والاعتباريات بأنّ التعريف في الأُولى تعريف حقيقي ولكن التعريف في الثانية اعتباري .
وإن شئت قلت: التعريف الحقيقي منحصر في الجنس والفصل أو العرض وللجميع مأخذ في الخارج، كأخذ الحيوان من القدر المشترك بين أفراده، وهكذا الناطق ما يميّز النوع عن نوع آخر ومثله العرض، فيكون الجنس جنساً حقيقياً والفصل كذلك.
وأمّا الأُمور الاعتبارية فبما أنّها أُمور قائمة باعتبار المعتبر فلا يعامل مع العام معاملة الجنس، ولا مع الخاص معاملة الفصل .
نعم ما ذكرنا لا يمنع أن يكون التعريف في الأُمور الاعتبارية تعريفاً جامعاً للأفراد ومانعاً للاغيار، فكون التعريف اعتبارياً لا يلازم كون تعريفه غير جامع ولا

309
مانع ، فللمعتبر أن يعرّف ما اعتبره بشكلّ جامع ومانع، وتساهل القوم في التعاريف لا يمنع من إمكان الالتزام بالتعريف الجامع.

الثاني: تعريف العام

عرّف علماء الأُصول العامّ بوجوه نذكر بعضها:

1. شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ التعريف مبني على أنّ وصف اللفظ بالعموم إنّما هو باعتبار تعلّق الحكم به، وسيوافيك عدم صحّته، فإنّ للعموم في لغة العرب ألفاظاً خاصّة وضعت له، سواء أتعلّق به حكم أم لا.
وثانياً: أنّ التعريف يشمل المطلق فالحكم فيه شامل لجميع أفراد مدخوله، غاية الأمر على وجه البدل، كقوله: اعتق رقبة.

2. شمول مفهوم العام لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه (1)

فيشترط فيه أمران: الشمول لما تحته، والانطباق على ما يصلح، فخرجت العشرة بأنّها تشمل لما تحته من المعدودات لكن لا تنطبق على كلّ واحد.
يلاحظ عليه: بأنّه تنطبق على ما تحته بشكلّ آخر وهو انطباقها على كلّ عشرة عشرة.

3. شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه مفرده

وعلى ذلك فيشترط في العام أمران:
أ. شموله لكلّ فرد فرد من مصاديق العام.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 332.

310
ب. الانطباق على ما يشمل ولو بانطباق مفرده.
فاندفع الإشكال بوضع لفظ «المفهوم» مكان «الحكم» كما انّه خرجت العشرة عن التعريف فهي شاملة لكلّ فرد من أفراد العشرة، لكن لا تنطبق على كلّ فرد منها.(1)
فإن قلت:يخرج عن التعريف العام البدلي، إذ ليس هناك مفرد ينطبق على كلّ فرد فرد.
قلت: يكفي انطباق نفس العام، وإن لم يكن له مفرد سوى العام.

4. شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه نفسه (كالعام البدلي) أو مفرده (كالعام الاستغراقي)

فإن قلت: يخرج عن التعريف، العام المجموعي، فإنّه يشمل كلّ فرد فرد مع أنّه لا انطباق عليه، فصار كالعشرة حيث إنّها تشمل الأفراد التي تحتها ولكن لا تنطبق عليها.
انقسام العام إلى استغراقي ومجموعي وبدليّ   
قلت: الحقّ أنّ العام هو الاستغراقي والبدلي وأمّا العام المجموعي فهو خارج عن مصب التعريف ـ وإن عدّه المشهور من أقسام العام كما سيوافيك ـ وليس له في الكتاب والسنّة مثال.

الثالث: انقسام العام إلى استغراقي ومجموعي وبدليّ

الظاهر أنّ العام ينقسم إلى استغراقي ومجموعي وبدلي، وذلك بالملاك التالي:

1 . وقد عدّها المحقّق القمي من ألفاظ العموم لكن بملاك آخر، فلاحظ: القوانين: 1 / 192 .

311
1. إذا لوحظ كلّ واحد من أفراد العام مع قطع النظر عن تعلّق الحكم به ـ بحياله واستقلاله ـ في عرض واحد فالعام استغراقي.
2. إذا لوحظت الأفراد لا بحيالها بل بنعت الجمع، في عرض واحد فهو عام مجموعي.
3. إن لوحظ كلّ فرد من الأفراد بحياله لكن لا في عرض واحد، بل بصورة إمّا هذا أو ذاك أو ذلك، فيكون العام بدلياً.
فالعام الاستغراقي يتقوّم بقيدين:
أ. لحاظ كلّ واحد بحياله.
ب. لحاظ كلّ واحد في عرض واحد.
وأمّا العام المجموعي فهو يتقوّم بلحاظ المجموع دفعة واحدة في عرض واحد.
وأمّا العام البدلي فيتقوّم بلحاظ كلّ واحد واحد بحياله لكن لا في عرض واحد، بل في رتب متوالية، والّذي يعبّر عنه بالفرد المنتشر.
واللفظ الصالح للعام الاستغراقي هو «كل»، كقوله سبحانه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)(1).
واللفظ الصالح للعام المجموعي هو لفظ المجموع، أو الجمع .
واللفظ الصالح للعام البدلي هو لفظ (أي) كقوله سبحانه: (أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى)(2).

1 . النور: 2 .
2 . الإسراء: 110 .

312

نظرية المحقّق الخراساني في انقسام العام إلى أقسام ثلاثة

ذهـب المحقّـق الخـراسـاني إلـى أنّ انقسـام العـام إلـى الأقسـام الثلاثـة إنّمـا هو باختلاف كيفيـة تعلّق الأحكام بـه، وإلاّ فالعموم في الجميع بمعنى واحد وهو شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبـق عليه، غاية الأمر: أنّ تعلّق الحكم به، تارة بنحو يكون كلّ فرد موضوعاً على حدة للحكـم; وأُخرى بنحو يكون الجميع موضوعاً واحداً بحيث لو أخلّ بإكرام واحـد في «أكرم مجموع الفقهاء» مثلاً لما امتثل أصلاً، بخلاف الصورة الأُولى فإنّه أطاع وعصـى; وثالثة بنحو يكون كلّ واحد موضوعاً على البدل بحيث لو أكرم واحداً منهم لأطاع وامتثل .(1) وتبعه المحقّق النائيني.(2)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره غير تام من جهات ثلاث:
الجهة الأُولى ـ وهي مشكلة الرتبة ـ فإنّ الموضوع في رتبة سابقة على الحكم، والحكم متأخّر عنه رتبة وتصوّراً، فمن البعيد أن يكون الحكم المتأخّر سبباً لانقسام الموضوع إلى أقسام ثلاثة.
لا يقال: إنّ ما ذكره المحقّق الخراساني مستلزم للدور أيضاً، لأنّ الحكم متوقّف على الموضوع، ولو كان الموضوع في أوصافه متوقّفاً على الحكم لزم الدور.
لأنا نقول: الدور غير لازم لاختلاف الموقوف والموقوف عليه، لأنّ الحكم متوقّف على وجود الموضوع، ووجوده غير متوقّف على الحكم وإنّما المتوقّف هو أوصافه .
الجهة الثانية ـ وهي مشكلة الملاك ـ فإنّ انقسام الحكم إلى أقسام ثلاثة رهن

1 . كفاية الأُصول: 1 / 332 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 443.

313
وجود مصالح مختلفة في الموضوع، حيث إنّ المصلحة تارة تكون قائمة بكلّ فرد فرد، وأُخرى قائمة بإكرام المجموع، وثالثة قائمة بإكرام فرد من أفراد الموضوع على سبيل البدل.
فعندئذ يأمر بالإكرام حسب ما تحصل به المصلحة، فملاك الانقسام إلى الأقسام الثلاثة حاصل قبل تعلّق الحكم، فلابد أن يكون الانقسام باعتبار الموضوع الحامل للملاك، لا الحكم المتعلّق بحامل الملاك.
الجهة الثالثة ـ وهي مشكلة الوضع ـ فإنّ هدف الواضع تأمين غرض المتكلّم، فإذا كان الغرض على أقسام ثلاثة يجب أن يوضع لكلّ واحد من الأغراض لفظ خاص، ولا معنى لترك وضع اللفظ لما يؤمّن الغرض والاعتماد على كيفية تعلّق الحكم التي لا تعلم ـ عندنا ـ إلاّ من جانب الموضوع .
ولإيضاح المطلب نأتي بمثال:
إذا ابتلى الإنسان بالتدخين المضر الحرام، فحاول أن يهيّئ نفسه على تركه عن طريق النذر، وهو يتصوّر على أقسام ثلاثة:
1. أن ينذر على نحو العام الاستغراقي، أن ينذر ترك كلّ واحد من الأفراد بحياله واستقلاله على نحو يكون لكلّ فرد من أفراد العام طاعة وعصيان.
2. أن ينذر على نحو العام المجموعي، بأن يكون المجموع من حيث المجموع متعلّقاً للنذر، فتكون له طاعة واحد، وهو ترك المجموع، وعصيان واحد وهو الإخلال بالمجموع ولو بتدخين سيجارة واحدة.
3. أن ينذر على نحو العام البدلي، بأن ينذر ترك واحد لا بعينه من أفراد السجائر، فيجوز له التدخين إلى أن تبقى واحدة منها.

314

الرابع: البدلي من أقسام العام

الظاهر من الأُصوليّين أنّ العام ينقسم إلى أقسام ثلاثة، غير أنّ المحقّق النائيني (قدس سره)قال: إنّ في عدّ العام البدلي من أقسام العموم مسامحة واضحة، بداهة أنّ البدلية تنافي العموم، فإنّ متعلّق الحكم في العموم البدلي ليس إلاّ فرد واحد، أعني به: الفرد المنتشر، وهو ليس بعام. نعم البدلية عامّة فالعموم إنّما هو في البدلية لا في الحكم المتعلّق بالفرد على البدل .(1)
يلاحظ عليه: أنّه مبني على مختاره في تقسيم العام إلى الأقسام الثلاثة، وأنّ التقسيم بلحاظ اختلاف تعلّق الحكم بافراده ـ على ما مرّ ـ فلمّا تعلّق الحكم بفرد من الأفراد والذي سمّاه الفرد المنتشر، فلا يكون الحكم عامّاً.
وأمّا حسب مختارنا من أنّ التقسيم بلحاظ نفس الموضوع مع قطع النظر عن الحكم، فالبدلية تساوق العام حيث إنّ الموضوع موجود في كلّ واحد واحد من أفراد اللفظ، فالبدلية والعمومية متساوقان، وليسا متغايرين، كما زعم.
الفرق بين العام والمطلق   
وبعبارة أُخرى: اللفظ يشمل كلّ واحد واحد من أفراد العام، وإن كان الواجب فرداً واحداً، فإذا قال: أكرم أي فرد شئت من العلماء، فالموضوع قائم بكلّ واحد واحد، وإن كان الواجب فرداً واحداً.

الخامس: دوران الأمر بين القسمين

إذا دار أمر العام بين أحد الأقسام فهل هنا أصل يعيّن به أحدها؟
قال المحقّق النائيني: إنّ الأصل اللفظي الإطلاقي يقتضي الاستغراقية، لأنّ المجموعية تحتاج إلى عناية زائدة وهي لحاظ جميع الأفراد على وجه الاجتماع وجعلها موضوعاً واحداً.

1 . أجود التقريرات: 1 / 443 .

315
يلاحظ عليه: بأنّه يجب التفريق بين الصورتين التاليتين:
1. إذا صدرت من الإمام صيغة مردّدة بين كونه على نحو الوجوب الاستغراقي أو الوجوب المجموعي، ومن المعلوم أنّ الأمر حينئذ يدور بين المتباينين، لأنّ كيفية الامتثال في الأوّل تغاير كيفيته في الثاني، وهذا نظير العلم بوجوب الجمعة أو الظهر.
2. إذا كان الدليل لبيّاً كالإجماع والسيرة ودار أمر الواجب بين الوجوه الثلاثة، فيقع الكلام في مقتضى الأصل العملي وهل هو قاعدة الاشتغال أو أصل البراءة؟ مثلاً إذا شككنا في أنّ الواجب في كفّارة اليمين هو صيام ثلاثة أيام متوالية على حسب العام المجموعي، أو وجوب ثلاثة أيام وإن كانت غير متوالية على نحو العام الاستغراقي (1)، فالمرجع هو البراءة لرجوع الشك إلى شرطية التوالي والأصل عدمها.
وحصيلة الكلام: أنّه إذا كان مصب الشك في الكلفة الزائدة وهو الاتصال والتوالي تجري فيها البراءة .
نعم لو قلنا : بأنّ الاستغراق والمجموعية من كيفيات الحكم كقصد التقرّب، لا الموضوع، يعود الشك إلى الشك في الخروج عن الامتثال، وقد عرفت عدم تماميّة المبنى.

السادس: الفرق بين العام والمطلق

إنّ العام كما عرفت ينقسم إلى: شمولي ومجموعي وبدلي، والمطلق ينقسم إلى قسمين: شمولي وبدلي.
فقوله سبحانه: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)في الدلالة على السعة والشمول لكلّ أفراد

1 . لاحظ : المائدة: 89 .

316
البيع، نظير قول القائل: «أكرم العلماء» في الدلالة عليهما; كما أنّ قوله: «أعتق رقبة» في الدلالة على البدلية، نظير قوله: «اعتق أي رقبة» في الدلالة عليها، وعندئذ يقع الكلام في الفرق بينهما; وقيل في بيان الفرق وجهان:
1. أنّ دلالة العام على الشمول والبدلية دلالة لفظية وضعية، فالواضع وضع الجمع المحلّى باللام، أو لفظة (ال) لكلّ واحد من المعنيين.
وأمّا دلالة المطلق على الشمولية والبدلية دلالة عقلية بمعنى أنّ المتكلّم لمّا كان في مقام البيان وعلّق الحلية على طبيعة البيع فيستكشف أنّ البيع بطبيعته حلال، وهي موجودة في كلّ فرد فرد من غير فرق بين البيع بالصيغة وغيره، وبين النقد والنسية وهكذا.
ومثله قوله: «اعتق رقبة» حيث علّق الإيجاب على إيجاب الطبيعة، وهي موجودة في كلّ فرد من الأفراد. فبان الفرق بأنّ الدلالة في العام لفظية وفي المطلق عقلية.
2. ما ذكره المحقّق البروجردي وأوضحه سيدنا الأُستاذ (قدس سرهما) بأنّه لا صلة بين الإطلاق وبين الشمول والبدلية، فإنّ الإطلاق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم لا جزأه، بخلاف المقيّد فإنّ ما وقع تحته يُعد جزء الموضوع لا نفسه.
هذه هي حقيقة الإطلاق، وأمّا استفادة الشمولية أو البدلية فهما خارجتان عن حقيقة الإطلاق، بل الجميع يُعد من نتائجه إذا كان المتكلّم في مقام البيان، فتارة تكون النتيجة الشمول وأُخرى البدل، على ما مرّ.
ثم إنّا كنّا قد عقدنا أمراً سابعاً في الدورات السابقة، وأدرجنا ما فيه ضمن الأمر الثاني فلاحظ .
إذا عرفت هذا فلندخل في صلب الموضوع، ويقع الكلام في فصول:

317
 
للعام صيغة تخصّه   
 
الفصل الأوّل

للعام صيغة تخصّه

اختلفت كلمتهم في الصيغ المعروفة بصيغة العام إلى أقوال ثلاثة:
1. أنّها وضعت للعموم.
2. أنّها وضعت للخصوص.
3. أنّها مشتركة بين العموم والخصوص.
والمعروف هو الأوّل واستدلّ له بوجهين:
1. تبادر العموم من كلمة (كلّ) و (الجمع المحلّى باللام) وما يعادلهما في سائر اللغات.
2. إنّ الحاجة كما تمسّ لبيان الخصوص، تمسّ لبيان العموم أيضاً فلابدّ للواضع من وضع لفظ أو ألفاظ لبيانها. نعم ربّما يستعمل في الخصوص مجازاً وبالعناية، يقال: جاء العلماء أو حضر الصاغة، إذا جاء أعيانهم وأكابرهم ومن يعتدّ بهم، وذلك لا يصير دليلاً على كونها موضوعة للخصوص، ومع ذلك فهناك ألفاظ وضعت للخصوص كما سيوافيك.
واستدلّ للقول الثاني بوجهين:
1. أنّ إرادة الخصوص في مقام الاستعمال متيقّنة ولو في ضمن العام، بخلافه،

318
وجعل اللفظ حقيقة في المتيقّن أولى من جعله حقيقة في المشكوك.(1)
يلاحظ عليه: أنّ كون الخصوص متيقّناً في مقام الاستعمال لا يكون دليلاً على وضع اللفظ عليه، فلا يستدلّ بأحدهما على الآخر مع كون الوضع متقدّماً والاستعمال متأخّراً.
فإن قلت: لعلّ مراد القائل هو وجود الشك في وضع اللفظ للعموم أو للخصوص، فالثاني هو القدر المتيقّن في مقام الوضع.
قلت: مضافاً إلى أنّ هذا الاحتمال مخالف لصريح كلامه الّذي نقله الأعلام ـ على ما عرفت ـ فإنّه إنّما يتمّ لو وصل الكلام إلى الشك ولم يقم دليل على أحد الطرفين والمفروض وجود الدليل على العموم.
2. أنّ الخاص أكثر من العام حتّى اشتهر: «ما من عام إلاّ وقد خُصّ»، فلو كانت حقيقة في الخصوص لزم تقليل المجاز، بخلاف العكس .(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّه يشهد على ضد مقصود المستدلّ حيث يدلّ على أنّ الألفاظ وضعت للعموم وقد ورد عليها التخصيص كثيراً، فلو لم تكن حقيقة في العموم لما كان للتخصيص معنى.
وثانياً: أنّه مبني على أنّ التخصيص يستلزم المجازية، وسيوافيك خلاف ذلك في محلّه.
وأمّا القول الثالث: أي كونه مشتركاً بين العموم والخصوص فهو للسيد المرتضى حيث جعل الاستعمال دليلاً على الحقيقة، كما في صيغة الأمر; ولكنّ الاستعمال أعمّ من الوضع، كما حُقّق في محلّه.

1 . قوانين الأُصول: 1 / 193 ; الفصول: 161 .
2 . قوانين الأُصول: 1 / 196 .

319

ألفاظ العموم والخصوص

توجد في اللغة العربية ألفاظ تخصّ الخصوص نظير: البعض، القسم، الفئة، الطائفة، أو ما يقوم مقامها، هذا فيما لو أردنا بالخصوص ما يدلّ عليه بصورة اللفظ المفرد، وأمّا ما يدلّ عليه بصورة الجملة المركّبة فحدّث عنه ولا حرج، كما إذا قال: أكرم العالم العادل.
وأمّا ما يدلّ على العموم فقد ذكروا له أنواعاً نشير إليها:
1. وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي.
2. لفظة «كل» و «جميع» أو ما يعادلهما.
3. الجمع المحلّى باللام، كالعقود في قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1) .
4. المفرد المحلّى باللام، كقوله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر)(2).
ولندرس الجميع واحداً بعد الآخر.

الأوّل: النكرة في سياق النفي أو النهي

إنّ من أدوات العموم وقوع النكرة في حيّز النفي والنهي، ولإيضاح الأمر نذكر أمرين:
1. أنّ «لا» النافية للجنس غير «لا» المشبهة بـ «ليس» الناسخة، فإنّ الأُولى تنصب الاسم وترفع الخبر، يقول ابن مالك:
عمل «إن» اجعل لـ «لا» في النكرة *** مفردة جاءتك أو مكررة
فانصب مضافاً أو مضارعه *** وبعد ذاك الخبر اذكُر رافعه

1 . المائدة: 1 .
2 . العصر: 2.

320
وهي ـ كما قال ـ تعمل عمل «إنّ» فتنصب المبتدأ اسماً لها وترفع الخبر خبراً لها، ولا فرق في هذا العمل بين المفردة ـ وهي التي لم تتكرر ـ نحو: لا غلامَ رجل قائم، وبين المكررة نحو: لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
ولا يكون اسمها وخبرها إلاّ نكرة فلا تعمل في المعرفة. والاسم تارة يكون مضافاً كما مرّ، وأُخرى أو شبه مضاف نحو: لا خيراً من زيد راكب.
هذا كلّه حول «لا» النافية للجنس، وأمّا «لا» المشبهة بـ «ليس» فهي ترفع الاسم وتنصب الخبر، قال ابن مالك:
في النكرات اعملت كليس «لا» *** وقد تلى «لات» و «إن» ذا العملا
كقوله: لا رجلٌ أفضلَ منك. ومنه قوله:
تعزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقياً *** ولا وَزَرٌ ممّا قضى اللهُ واقيا
ترى أنّ «لا» في المثال والبيت عملت عمل ليس .(1)
2. نقل المحقّق القمي عن السكاكي أنّه نقل إجماع أهل العربية على أنّ المصادر الخالية من اللام والتنوين موضوعة للماهية لا بشرط شيء .(2)
توضيحه: أنّ المصدر إذا كان مقروناً بالتنوين يدلّ على الوحدة، وإذا كان مقروناً باللام فتارة يدلّ على الجنس، وأُخرى على العهد، فإذا جُرّد اللفظ عن كليهما دلّ على الماهية لا بشرط شيء.
إذا علمت هذين الأمرين فاعلم أنّ «لا» النافية بما أنّها تدخل الاسم المجرد عن اللام والتنوين تدل على نفي الماهية لا بشرط شيء، فتكون النتيجة هو الدلالة على العموم. ويشهد على ذلك أيضاً أمران :

1 . لاحظ في ذلك شرح ابن عقيل: 1 / 267 .
2 . القوانين: 1 / 202 .

321
الأوّل: التبادر، فإذا قلت: لا رجل في الدار، يستفاد منه عدم وجود إنسان مذكّر فيها، ولذلك لو قلت بعدها: بل رجلان، يُعدّ مستهجناً، بخلاف «لا» المشبهة بليس، حيث يصح أن تقول: لا رجلٌ عندك بل رجلان.
الثاني: ما ربّما يقال بأنّ الطبيعة توجد بفرد واحد وتنعدم بانعدام جميع الأفراد، فقوله: لا رجلَ في الدار، إنّما يصدق إذا لم يكن في الدار أي إنسان مذكر، وإلاّ لانتقض.
أقول: هذا الدليل غير صحيح عقلاً ـ وإن كان صحيحاً عرفاً ـ :
أمّا الأوّل: فلأنّ الطبيعي ـ كما حقّق في محلّه ـ يوجد بوجود فرد واحد، وينعدم أيضاً بانعدامه.
وذلك لأنّ الطبيعة تتكثّر بتكثّر الأفراد، فلو كان في البيت مثلاً مائة إنسان ففيه توجد مائة إنسان طبيعي وذلك مقتضى اللابشرطية، فهو مع الواحد واحد ومع الكثير كثير، وبذلك تتحقّق صحّة قولهم: الطبيعي يوجد بوجود فرد، وينعدم أيضاً بعدمه .
وأمّا الثاني: وهو أنّ القاعدة صحيحة في نظر العرف وذلك بقرينة خارجية، مثلاً: إذا قال لا تشرب الخمر، فإذا اجتنب عن شرب خمر خاص فقد ترك الطبيعة، ولكن إذا شرب خمراً آخر لا يصدق عليه أنّه ترك شرب الخمر عرفاً، وذلك لأنّ غرض المولى هو اجتناب العبد عن عامة المسكرات لا الاجتناب عن مسكر خاص، وهو رهن نفي الطبيعة.

استفادة العموم رهن مقدّمات الحكمة

يظهر من المحقّق الخراساني (رحمه الله) أنّ استفادة العموم رهن أخذ الطبيعة مرسلة لا مبهمة، قابلة للتقييد وإلاّ فسلبها لا يقتضي إلاّ استيعاب سلب ما أُريد منها يقيناً لا

322
استيعاب سلب ما يصلح انطباقها عليه من أفرادها.
أقول: ولعلّ مقصوده من لحاظ الطبيعة مرسلة لا مبهمة إجراء مقدّمات الحكمة في المقام، حتّى تتحقّق إرادة الطبيعة من اللفظ لا الطبيعة المقيّدة، وإلاّ لذكرها مقيّدة، مثلاً: لو أُريد من قوله: لا رجل في الدار، طبيعة الرجل مرسلة، فاللفظ مطابق لما هو المقصود. ولو أُريد الرجل العادل فاللفظ قاصر عن إفادة المراد، فبما أنّه في مقام البيان نستكشف أنّه أراد الطبيعة المطلقة.
يلاحظ عليه: أنّه مبني على مبنى المشهور من أنّه إذا أُريد من العام الخاص يستعمل العام من بدء الأمر في الخاص، مثلاً إذا قال: أكرم العلماء، وفرضنا أنّه أراد العدول منهم ـ بقرينة أنّه ذكر المخصّص بعد مضي زمان ـ فقد استعمل العام من بدء الأمر في الخاص، ولذلك يكون مجازاً.
هذا هو مبنى المشهور، وسيوافيك خلافه في الفصل القادم، وأنّ العام مطلقاً سواء أكان المخصّص متّصلاً أم منفصلاً يستعمل في نفس معنى العام، أي العلماء بما هم علماء لا العلماء العدول، وعلى ذلك فلا حاجة إلى إجراء مقدّمات الحكمة في استفادة العموم، ولا لحاظ الطبيعة مرسلة مطلقة غير مقيّدة.
نعم لو احتملنا مدخلية قيد في الموضوع وأنّ المولى لم يذكره فدفعه رهن مقدّمات الحكمة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: بأنّه لو احتملنا أنّ المولى أراد من العموم القسم الخاص فنفي هذا الاحتمال غني عن إجراء مقدّمات الحكمة، لما مرّ من أنّ العام ـ حتّى فيما إذا كانت الإرادة الجدية خلافه ـ يستعمل في نفس الموضوع له.
وأمّا إذا احتملنا مدخلية قيد لم يذكره المولى فهو مدفوع بمقدّمات الحكمة .

323

الثاني: لفظة «كل» أو ما يعادلها

المتبادر من لفظة كلّ أو ما يعادلها هوالاستيعاب أو العموم، غير أنّ سعة الدلالة تتبع سعة المدخول وضيقه، فهو على كلّ تقدير بصدد إفادة العموم، سواء أقال: أكرم كلّ عالم أو قال: أكرم كلّ عالم عادل، فإطلاق الموضوع وتقييده لا يضر بدلالة «كل» الموضوعة للشمول والاستيعاب، قال سبحانه: (وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكلّ نَبِىّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ مَا يَفْتَرُونَ)(1).
والكلام في الحاجة إلى مقدّمات الحكمة وعدمها هو نفس الكلام في قولنا: لا رجل في الدار، فاحتمال أنّ المتكلّم استعمل النبي وأراد أُولي العزم منهم، فهو احتمال ساقط، لأنّه لو أراد ذلك فلا يستعمل لفظ النبي في القسم الخاص، بل يستعمله في معناه ثم يشير إلى القيد بلفظ آخر.
نعم لو احتمل أنّ المتكلّم لم يذكر القيد اللازم في كلامه مع كونه في مقام البيان فيندفع بمقدّمات الحكمة، كما مرّ في القسم السابق.

الثالث: الجمع المحلّى باللام

وممّا عُدّ من ألفاظ العموم الجمع المحلّى باللام وقد اتّفق عليه الأُصوليون(2)، قال سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(2)، وقال سبحانه: (وَ قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً)(3)، وقال سبحانه: (وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(4); والدليل على أفادتها العموم هو التبادر وتؤيده الآيات الماضية، وكثرة استعماله في العموم في المحاورات كقول القائل: إن كنت

1 . الأنعام: 112 .   2 . القوانين: 1 / 179 .
2 . المائدة: 1 .
3 . التوبة: 36 .
4 . البقرة: 155 .

324
جاهلاً سل العلماء، وإن كنت مريضاً راجع الأطباء، وإن كنت غنياً واسِ الفقراء.
إنّما الكلام فيما هو الدال على العموم؟ فذهب سيدنا الأُستاذ (قدس سره)إلى أنّ الدال على العموم هو تعريف الجمع، ووجه دلالتها هو أنّ الجمع له عرض عريض، واللام وضعت لتعريفه، وما هو معيّن ومعرّف إنّما هو أقصى المراتب، وغيره لا تعيين فيه حتّى أدنى المراتب.(1)
وأمّا الحاجة إلى مقدّمات الحكمة وعدمها فحاله كحال الموردين السابقين من عدم الحاجة في صورة والحاجة إليها في صورة أُخرى.

الرابع: المفرد المحلّى باللام

وقد عُدّ من ألفاظ العموم المفرد المحلّى باللام، واعلم أنّ اللام على قسمين: اسم وحرف.
أمّا الأوّل: فهو من الموصولات الداخلة على اسم الفاعل والمفعول كقوله: الضارب زيد، والمضروب عمرو أي الّذي قام بالضرب هو زيد والّذي ضُرِب هو عمرو. وهذا النوع خارج عن محط البحث .
وأمّا الثاني ـ أعني: كونه حرّفاً ـ فهو على قسمين: عهدية وجنسية.
والمفيد للعموم هو لام الجنس، وهي على قسمين:
1. تعريف الجنس.
2. استغراق الأفراد.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ المشهور أنّ لام الجنس الداخلة على المفرد مفيدة للعموم.

1 . تهذيب الأُصول: 1 / 467 .

325
واستدلّ له بوجوه قاصرة:
1. وصفه بالجمع في المثل الدارج، أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض.
2. ورود الاستثناء عليه في قوله سبحانه: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ تَوَاصَوْا بِالْحقّ وَ تَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(1).
3. أنّ اللام للتعريف والمعرّف هو أقصى المراتب.
والحقّ أن يقال: إنّ لام الجنس ـ كما مرّ ـ على قسمين قسم لتعريف الجنس كقوله سبحانه: (وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كلّ شَيْء حَيّ)(2)، وقسم لاستغراق الأفراد كما في قوله: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر)والّذي يدلّ على العموم اللفظي هوما كان من قبيل القسم الثاني.
وأمّا القسم الأوّل: فاستفادة العموم منه مبنيّ على جريان مقدّمات الحكمة، وبذلك تظهر حقيقة العموم المستفاد من قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)، فلو كانت اللام فيه لتعريف الماهية فالعموم المستفاد إطلاقي ببيان أنّ الشارع في مقام التقنين للأُمّة فلو كان البيع على إطلاقه حلالاً فهو وألاّ لزم الإخلال بالمقصود.
وأمّا لو كانت اللام لاستغراق الأفراد، فالعموم المستفاد، لفظي غني عن الإطلاق.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ المفرد المعرّف باللام إذا كان للجنس ـ لا للعهد ـ يستفاد منه العموم على كلّ تقدير، سواء كان بالإطلاق أم بالدلالة اللفظية.

1 . العصر: 2 ـ 3 .
2 . الأنبياء: 30 .

326
 
   
 
الفصل الثاني

تخصيص العام والمجازية

اعلم أنّ في المقام موضوعين للدراسة:
1. تخصيص العام هل يوجب المجازية أو لا؟
2. هل العام بعد التخصيص حجّة في الباقي أو لا؟
وبما أنّ نتيجة البحث في الموضوع الأوّل هو الأساس في دراسة الموضوع الثاني جمع المحقّق الخراساني كلا البحثين في فصل واحد، ولكنّا نعقد لكلّ موضوع فصلاً خاصّاً.
فنقول: أمّا استلزام التخصيص مجازية العام ففيه أقوال ربّما يصل عددها إلى الثمانية(1) ـ والمعروف منها ـ هو الأقوال الثلاثة التالية:
1. حقيقة مطلقاً.
2. مجاز مطلقاً.
3. التخصيص بين المخصّص المنفصل فلا يوجب مجازيته على خلاف التخصيص بالمتّصل.
ولكن المختار عندنا هو القول الأوّل في مجالي المتصل والمنفصل.

1 . الفصول: 198 ـ 199 .

327

1. المخصّص المتّصل وتعدّد الدال والمدلول

إذا قال المتكلّم: أكرم العلماء إلاّ الفساق فالمتبادر أنّه استعمل كلّ كلمة في معناها الحقيقي فاستعمل الأمر في البعث والعلماء في عامّة العلماء، والاستثناء مع المستثنى في معناهما.
وعدم تعلّق إرادة المتكلّم حقيقة بإكرام الفساق لا يكون سبباً لاستعمال العلماء في غير معناه الحقيقي كالعلماء غير الفسّاق، مع إمكان استعمال كلّ كلمة في معناها حتّى العلماء في معناه الحقيقي أي كلّ عالم في البلد.
وبما أنّ إكرام الفسّاق ليس مطلوباً له في قرارة نفسه يشير إلى إخراجهم في ذيل الجملة بالاستثناء والمستثنى .
وعلى ضوء ذلك يكون المقام من قبيل تعدّد الدال والمدلول. فالأمر دلّ على البعث والعلماء دلّ على أنّ الموضوع قاطبتهم.
والاستثناء دلّ على إخراجهم عن الحكم لأجل كونه مبغوضاً أو غير محبوب لديه .
فتعدّد الدال والمدلول أغنانا عن استعمال اللفظ في غير معناه.
وما ذكرنا ـ بنفسه ـ جار في المطلق والمقيّد، فلو قال: اعتق رقبة مؤمنة، فالمطلق استعمل في مطلق الرقبة، ولكنّه أشار بلفظ آخر على كون المطلوب هو الرقبة المؤمنة.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالعمومات المخصصة والمطلقات المقيّدة إذا كان التخصيص والتقييد بلفظ متصل فهو لا يورث ـ ببركة تعدّد الدال والمدلول ـ استعمال العام أو المطلق من بدء الأمر في المخصّص والمقيّد.

328

2. المخصّص المنفصل والإرادة الاستعمالية

ما ذكر من البيان يرجع إلى المخصّص المتّصل، وأمّا المخصّص المنفصل فكما لو قال: أكرم العلماء، ثم قال بعد فترة: لا تكرم فسّاق العلماء، فيجري فيه ما ذكرنا في المخصّص المتصل لكن ببيان آخر حيث ركّزنا في البحث السابق على تعدّد الدال والمدلول، وهنا نركز على أمر آخر يتّحد معه روحاً ويختلف بياناً وهو وجود إرادتين: الاستعمالية والجدية، وذلك في ضمن أُمور:
1. الإرادة الاستعمالية عبارة عن إطلاق اللفظ لغاية إحضار المعنى في ذهن المخاطب، سواء أكان الداعي للاستعمال هو الهزل أو الاختبار، أو الجدّ، ففي جميع الموارد الثلاثة لا ينفك الاستعمال عن تلك الإرادة، إلاّ إذا كان نائماً أو مجنوناً أو مغمى عليه.
وأمّا الإرادة الجدية فهو كون المعنى مراداً له ومطلوباً من صميم القلب.
وعلى هذا فالإرادة الاستعمالية تارة ترافق الإرادة الجدية كما هو الحال في الأوامر الحقيقية، وأُخرى تنفك عنها كما في الهازل والمختبر، ففيهما إرادة استعمالية دون الجدية.
بل ربّما تتعلّق الإرادة الاستعمالية بشيء والجدية بشيء آخر، وهذا كما في الكنايات فقول القائل: زيد كثير الرماد، فالاستعمالية تعلّقت بكثرة الرماد وهو من نفايات البيت ، ولكن الإرادة الجدية تعلّقت ببيان كرمه.
2. نفترض أنّ المصلحة قائمة بإكرام العلماء غير الفسّاق وكانت هناك مصلحة لفصل المخصّص عن العام، فإذا قال: أكرم العلماء، فقد أحضر المعنى بعمومه في ذهن المخاطب، ولمّا كانت المصلحة قائمة بإكرام قسم خاص، قام ببيانه بعد فترة من الزمان فقال: لا تكرم فسّاق العلماء، فالدليل الثاني أوجد ضيقاً في الإرادة الجدية بشهادة أنّ إكرام الفسّاق مبغوض لديه، وأمّا الإرادة الاستعمالية

329
فهي باقية على إطلاقها وشمولها، لأنّ المطلوب يحصل بتخصيص الإرادة الجدية من دون لزوم دليل على تخصيص الإرادة الاستعمالية .
3. ثم إنّ الأصل هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية إلاّ إذا دلّ الدليل على خلاف التطابق، فما دام لم تكن هنا قرينة على الخلاف يحتجّ بالإرادة الإستعمالية على وجود الإرادة الجدّية في مورد الشكّ ولا يعتد باحتمال كون الاستعمال لغاية الهزل أو الاختبار أو غير ذلك .
4. أنّ ملاك الحقيقة والمجاز هو الإرادة الاستعمالية، والمفروض أنّ اللفظ مستعمل في نفس معناه اللغوي.
إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية وهي: أنّ تخصيص العام لا يوجب مجازية العام مطلقاً، سواء أكان التخصيص متّصلاً أم منفصلاً .

سؤال واجابة

يمكن أن يقال: لماذا يتكلّف المتكلّم فيستعمل العام في معناه اللغوي من دون تحديد، ثم يخصّص الإرادة الجدية بدليل ثان، أو ليس الأولى أن يجتمع الكلّ حين الاستعمال فما فائدة كون الإرادة الاستعمالية عامة وشاملة لجميع الأفراد؟
أمّا الجواب فهو أنّ الهدف من سعة دائرة الاستعمال هو صحّة التمسّك به في موارد الشك، فإذا ثبت خروج فسّاق من العلماء عن تحت العام وشككنا في خروج صنف آخر كالنحاة، فلو كان العام من أوّل الأمر مستعملاً في غير معناه الحقيقي لما صحّ التمسّك به في مورد النحاة، وذلك لأنّ المعنى المجازي مردّد بين معان كثيرة، كالعلماء غير النحاة والعلماء غير الصرفيّين، والعلماء غير الفقهاء. بخلاف ما إذا استعمل في معناه الحقيقي فيكون مورد الشك داخلاً فيه حين

330
الاستعمال فإذا شككنا في خروجه عن تحت العام بسبب الإرادة الجدية تمسّك بعموم الدليل استعمالاً بضميمة أصالة تطابق الإرادة الجدية مع الاستعمالية. إلاّ ما خرج بالدليل قطعاً.
وبعبارة أُخرى: استعمال العام في معناه الحقيقي مقتض واحتمال خروج النحاة عن تحته مندفع بعموم الدليل استعمالاً منضماً إلى أصالة تطابق الإرادتين إلاّ ما دلّ الدليل على خلافه.
وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده المحقّق الخراساني في مورد المخصّص المنفصل، فقال: فلأن إرادة الخصوص واقعاً لا تستلزم استعماله فيه، وكون الخاص قرينة عليه، بل من الممكن قطعاً استعماله معه في العموم، قاعدة .(1)
ومراده من لفظة «قاعدة» هو ضرب القاعدة لكي يتمسّك بها في الموارد المشكوكة.

هل التخصيص هادم للظهور أو للحجّية؟

إذا كان المخصّص متّصلاً فيكون هادماً لظهور العام في مورد التخصيص ، وإذا كان منفصلاً فهو هادم لحجّية العام في مورده لا ظهوره.
أمّا الأوّل: فلأنّ الظهور لا ينعقد إلاّ بعد فراغ المتكلّم عن كلامه فما دام مستمراً في تكلّمه فله أن يلحقّ بكلامه ما شاء من القيود فلا ينعقد الظهور إلاّ بعد الفراغ والسكوت، وعلى ذلك فلو قال: أكرم العلماء إلاّ الفساق، فالاستثناء يزاحم كون الجملة ظاهرة في العموم (أي مطلق العلماء)، وذلك لأنّه لم ينقطع نفسه إلاّ ضمّ إلى العلماء لفظة إلاّ الفسّاق، فيكون الكلام منعقداً في المعنى الخاص: «العلماء إلاّ الفساق»، وهذا بخلاف ما إذا كان المخصّص منفصلاً فيكون الكلام

1 . كفاية الأُصول: 1 / 336 .

331
ظاهراً في العموم بلا شك، غير أنّه لمّا جاء بالمخصّص فمقتضى الجمع بين الكلامين هو تخصيص حجّية العام في مورد المخصّص دون أن يهدم ظهوره، وهذا هو المراد من أنّ المخصّص المتصل يزاحم انعقاد الظهور للعام في العموم، وأمّا المخصّص المنفصل فلايزاحم ظهور العام لوجود الفاصل الزماني بينهما، وإنّما يزاحم حجّية العام في مورد الفسّاق لأقوائية المخصّص من العام.
وان شئت قلت: إنّ العام المخصّص بالمتصل ينعقد ظهوره من أوّل الأمر في الخصوص، أي العنوان المركّب «العلماء العدول» فلا تخصيص فيه حقيقة، وأمّا المنفصل، فلأجل انفصال المخصّص ينعقد ظهور الكلام في العموم، ومجيء المخصّص المنفصل لا يهدم ظهوره في العموم ـ لفرض انعقاد العموم ـ وإنّما يهدم حجّيته في مورد المخصّص فترفع اليد عن حجّية الظهور في مورده.

332
 
 
الفصل الثالث

العام المخصّص حجّة في الباقي

هل العام المخصّص حجّة في الباقي، سواء أكان متّصلاً كما إذا قال: أكرم العلماء العدول، أم منفصلاً كما إذا قال: أكرم العلماء، ثم قال بعد فترة قبل العمل بالعام: لا تكرم فسّاق العلماء، فإذا شكّ في خروج غير الفسّاق من العلماء، كخروج النحاة والصرفيين والعروضيين العدول، فهل يكون العام حجّة في حقّهم فيجب إكرامهم إن يعلم الخلاف؟ أو يتوقّف فيها ويكون المرجع، الأُصول العملية ـ إذا لم يكن دليل اجتهادي ـ غير العام؟
فيه خلاف والمشهور هو الحجّية، وربّما نسب إلى أهل السنّة عدم الحجّية، وربّما يفصل بين المتّصل والمنفصل بحجّيته في الأوّل دون الثاني .
ثم إنّ مبدأ الشكّ في كون مورد باقياًتحت العام أو خارجاً عنه في المقام هو احتمال التخصيص الزائد على ما علم قطعاً، وأمّا مبدأ الشكّ في بقائه تحت العام أو خروجه في الفصل الرابع هو إجمال المخصّص مفهوماً مردّداً بين الأقل والأكثر، كما أنّ أساس الشكّ في الخروج وعدمه في الفصل الخامس هو إجمال المخصّص لا مفهوماً ـ بل مصداقاً، كما سيأتي فهذه الفصول الثلاثة متقاربة المرمى والمقصد .
إذا علمت ذلك فنقول: لو شُكّ ـ وراء خروج الفاسق ـ في خروج النحوي

333
العادل أيضاً عن تحت العام، على نحو يكون فرض الخروج تخصيصاً ثانياً، فالحقّ حجّية العام في الباقي حتى يقوم دليل على خروج نوع منه، وذلك بناءً على ما حُقّق في الفصل السابق.
وحاصله مبني على أمرين:
الأوّل: أنّ التخصيص سواء أكان بالمتصل أم بالمنفصل لايوجب مجازية العام فلفظه في المتصل والمنفصل مستعمل في نفس معناه اللغوي، أي العلماء بما هم علماء، كلّ ذلك بالإرادة الاستعمالية.
الثاني: أنّ الأصل السائد بين العقلاء هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الجدية، فلو طلب المولى شيئاً من العبد فاحتمل العبد أنّه طلبه بالإرادة الاستعمالية دون الجدية، كان عليه ردّ هذا الشك في ظل الأصل المذكور، أي كون المراد استعمالاً مراداً جدّاً.
إذا علمت هذين الأمرين، يقع الكلام تارة في المخصّص المتّصل وأُخرى في المنفصل منه.
أمّا الأوّل: كما إذا قال: أكرم العالم العادل، فظهور العام في وجوب إكرام العالم العادل على وجه الإطلاق ممّا لا يمكن إنكاره، فإنّ المخصّص المتّصل وإن هدم ظهور العام في عمومه لكن انعقد له ظهور آخر في وجوب إكرام «كلّ عالم العادل» وهو حجّة في هذا العنوان مالم يقم الدليل على خلافه، فإذا شككنا في حكم النحوي العادل فهو داخل تحت العام حسب الظهور الثاني .
وأمّا الثاني ـ أعني: المخصّص المنفصل كما إذا قال بعد شهر: لا تكرم فسّاق العلماء ـ فقد مرّ أنّ المخصّص المنفصل لا يزاحم ظهور عموم العام، وإنّما يزاحم حجيته في مورد الخاص وعندئذ يكون ظهور العام حجّة في مورد الشكّ أخذاً بتطابق الارادتين ما لم يصدر من المولى دليل على الخلاف.

334
وبذلك ظهر أنّ العام مستعمل في معناه الحقيقي هو الأساس لحجّيته العام في الباقي، خصوصاً في المنفصل، وكان على المحقّق الخراساني التركيز على الجواب حسب مبناه، قبل البدء بذكر شبهات الخصم وأدلّته والأجوبة ومناقشاتها.

دليل القائل بعدم الحجّية في الباقي

استدلّ المخالف بعدم الحجّية بأنّ العام المخصّص مستعمل في غير ما وضع له، و بما أنّ للمعنى المجازي مراتب مختلفة حسب مراتب الخصوصيات، يكون تعيين الباقي (عامّة الأفراد سوى المخصّص) ترجيحاً بلا مرجّح.
وقد أُجيب عن الاستدلال ـ مع فرض صحّة المبنى أعني: مجازية العام ـ بوجهين نأتي بهما:
1. أنّ الباقي أقرب المجازاة، فإذا تعذّرت الحقيقة فأقرب المجازاة أولى.
يلاحظ عليه: بأنّ المراد من الأقربية هي الأقربية من حيث أُنس الذهن به لا الأقربية من حيث العدد والكثرة، فإذا قيل: رأيت أسداً في الحمام، وامتنعت الحقيقة ودار أمر اللفظ بين حمله على الرجل الشجاع أو الرجل الأبخر (الرجل الذي في فمه رائحة كريهة كما هو الحال كذلك في الأسد)، يحمل على الأوّل، لكثرة أُنس الذهن به في المحاورات دون الثاني، ولذلك يقول الشاعر:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة *** فتحاءُ تنِفرُ مِنْ صفير الصافرِ
2. ما ذكره الشيخ الأنصاري بعد تسليم مبنى المستدل، ـ التخصيص يوجب المجازية ـ وحاصله: أنّ دلالة العام على كلّ فرد من أفراده، غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده، ولو كانت دلالة مجازية، إذ هي بواسطة عدم شموله للأفراد المخصوصة لا بواسطة دخول غيرها في مدلوله، فالمقتضي للحمل على الباقي

335
موجود لما ذكر من أنّ دلالة العام على كلّ فرد غير منوطة بدلالته على فرد آخر. والمانع مفقود، لأنّ المانع في مثل العام إنّما هو يوجب صرف اللفظ عن مدلوله الخاص، والمفروض انتفاؤه بالنسبة إلى الباقي لاختصاص المخصّص بغيره، فلو شكّ فالأصل عدمه.
وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجهين:

1. حمله على الباقي ترجيح بلا مرجّح

إذا كان المفروض هو عدم استعمال العام في معناه الحقيقي من جانب، ومن جانب آخر أنّ المعاني المجازية متعدّدة وذات مراتب مختلفة، فحمله على أحد المعاني، دون الباقي ترجيح بلا مرجّح، مثلاً نفترض أنّ عدد العلماء غير الفسّاق كان تسعين رجلاً، وعددهم مع خروج النحاة أيضاً يبلغ الثمانين ،وعددهم مع خروج الصرفيين يبلغ سبعين رجلاً، فحمله على المعنى المجازي الأوّل ترجيح بلا مرجّح.

2. فقد المقتضي للحمل(1)

إنّ ظهور العام المخصّص في الباقي رهن وجود الدلالة وهي تتحقّق بأحد أمرين:
1. إمّا أن يكون موضوعاً للباقي.
2. أو تكون هناك قرينة عليه.
والفرض الأوّل منتف لفرض مجازيته، والفرض الثاني أيضاً مثله، إذ ليس هناك قرينة على أنّ المراد هو الباقي.

1 . أشار إليه في الكفاية بقوله: ولا مقتضي لظهوره فيه... الخ.

336
أضف إلى ذلك ما أفاده المحقّق الخراساني بأنّ دلالته على كلّ فرد في ضمن دلالته على العموم لا يوجب ظهوره في أنّ المراد تمام الباقي.(1)
ثم إنّ المحقّق النائيني اعترض على هذه الفقرة (لا يوجب ظهوره في أنّ المراد تمام الباقي) من كلام المحقّق الخراساني وقال: إنّ هناك دلالات عرضية فإذا سقطت إحداها عن الحجّية بقيت غيرها من الدلالة على حجيّتها ضرورة أنّه إذا لم تكن دلالة العام على ثبوت الحكم لفرد، دخيلة في دلالته على ثبوته لفرد آخر، لم يكن خروج فرد ما عن الحكم، منافياً لبقاء دلالته على حكم الفرد الآخر، فخروج بعض الأفراد إذا استلزم المجاز، لا يوجب ارتفاع دلالته على ثبوت الحكم لبقية الأفراد التي لايعمّها المخصِّص.(2)
يلاحظ عليه: بأنّه ماذا يريد من الدلالات العرضية؟ هل يريد منها، الدلالات العرضية المستلزمة للأوضاع المستقلّة كالمشترك اللفظي؟ فهو غير صحيح جدّاً ولا يلتزم به القائل، اذ ليس لفظ العام موضوعاً بأوضاع متعدّدة.
وإن أراد الدلالات العرضية الضمنية، في ضمن دلالة لفظ العام على الكل، ففيه: أنّه إذا سقطت الدلالة الثانية لأجل كون العام مستعملاً في غير معنى الكلّ حسب الفرض، تبطل الدلالات التبعية.
إلى هنا تبيّن أنّ الجوابين (أقربية الباقي، وتعدّد الدلالات) عن استدلال الخصم، غير ناهضين لقلعه. والجواب ما مرّ في صدر البحث من أنّ العام في كلتا الصورتين مستعملة في المعنى الموضوع له غاية الأمر، دلّ الدليل على خروج الفاسق من أفراد العام من الإرادة الجدية، وبقى الباقي ـ بحكم تطابق الإرادتين ـ ، تحت العام فيكون حجّة في المشكوك خروجه.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 338 .
2 . أجود التقريرات: 1 / 452 .

337
 
 
الفصل الرابع

في حجّية العام في مورد إجمال المخصّص مفهوماً

كان موضوع البحث في الفصل السابق; الشكّ في أصل التخصيص زائداً على ما علم، وقد عرفت أنّ العام حجّة في مورد الشكّ بلا فرق بين المتصل والمنفصل، وأمّا موضوع البحث في المقام فهو فيما إذا كان المخصّص مجملاً في مورد، فهل يكون ذلك مانعاً عن حجّية العام في نفس ذلك المورد أو لا؟
مثلاً إذا قال: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم فسّاق العلماء، وتردّد مفهوم الفسق بين مرتكب الكبيرة فقط، وبين أعمّ منه ومن مرتكب الصغيرة .
فلا شك أنّ العام حجّة في العالم العادل، وأنّ المخصّص حجّة في مرتكب الكبيرة، وليس حجّة في مرتكب الصغيرة، للشك في صدق الموضوع وأنّه فاسق أو لا.
إنّما الكلام في مورد رابع وهو أنّ المخصّص مع عدم حجّيته في مرتكب الصغيرة ـ هل يكون مانعاً من حجّية العام فيه أو لا ؟
فبذلك ظهر أنّ الموارد الثلاثة الأُول خارجة عن محط البحث ولا خلاف فيها، إنّما الكلام في المورد الرابع.
وأمّا صور المسألة إذا كان المخصّص لفظياً فهي أربع، لأنّ المخصّص إمّا

338
متصل أو منفصل، وإجمال المخصّص تارة يستند إلى دورانه بين الأقل والأكثر، وأُخرى بين المتباينين، وإليك رؤوس الصور على وجه التفصيل:
1. المخصّص المتّصل ودوران الأمر بين الأقل والأكثر.
2. المخصّص المنفصل ودوران الأمر بين الأقل والأكثر.
3. المخصّص المتّصل ودوران الأمر بين المتباينين.
4. المخصّص المنفصل ودوران الأمر بين المتباينين.
إذا وقفت على رؤوس الصور فلنذكر أحكامها.

1. المخصّص اللفظي المتّصل الدائر بين الأقل والأكثر

إذا كان المخصّص اللفظي متّصلاً بالعام، ودار مفهومه بين الأقل والأكثر، كما إذا قال: أكرم العلماء غير الفسّاق، يسري إجمال المخصّص إلى العام ولا يحتج بالعام في مورد مرتكب الصغيرة، واستدلّ عليه المحقّق الخراساني بقوله: فلعدم انعقاد الظهور للعام أصلاً، لاحتفاف الكلام بما يوجب احتماله لكلّ واحد من الأقل والأكثر .(1)
توضيحه: هو ما مرّ في الفصل الثاني من أنّ المخصّص المتّصل يهدم ظهور العام في العموم، فعند ذلك لا يبقى للفظ العام ظهور فيه حتّى يستدلّ به على مورد الشك، بل انعقد ظهوره من أوّل الأمر في الخاص (أي العلماء غير الفسّاق)، فالتمسّك به في مورد الصغيرة رهن إحراز أمرين:
أ. أن يكون عالماً وهو محرز.
ب. غير فاسق، وهو مشكوك.

1 . الكفاية: 1 / 329 .

339
إذ لو كان الفسق موضوعاً للكبيرة فهو غير فاسق، وأمّا لو كان موضوعاً للأعم فهو فاسق، وعندئذ لم يُحرز الجزء الثاني للموضوع.
وإن شئت قلت: إنّ المخصّص المتّصل يضيّق عنوان العام، ويجعله ظاهراً في العالم غير الفاسق، والتمسّك بمثل هذا الدليل فرع إحراز كلا الجزأين ولا يكفي إحراز الجزء الأوّل.

2. المخصّص اللفظي المنفصل الدائر بين الأقل والأكثر

إذا كان المخصّص اللفظي منفصلاً عن العام بحيث لا يزاحم ـ لأجل انفصاله ـ انعقاد ظهوره في العموم، وإنّما يزاحم حجّيته فيه ودار أمره بين الأقل والأكثر، كما إذا قال: أكرم العلماء. ثم قال بعد فترة: لا تكرم فسّاق العلماء، فهل يسري إجماله إلى العام أو لا؟
ذهب المحقّق الخراساني والسيد الأُستاذ (قدس سرهما) إلى عدم سرايته إلى العام، وأنّ العام يكون حجّة في مورد الشك كمرتكب الصغيرة، واستدلّ عليه المحقّق الخراساني بقوله: إنّ العام متّبع فيما لا يُتَّبع فيه الخاص، لوضوح أنّه حجّة فيه بلا مزاحم أصلاً، ضرورة أنّ الخاص إنّما يزاحمه فيما هو حجّة على خلافه، تحكيماً للنص أو الأظهر على الظاهر، لا فيما لا يكون كذلك.(1)
حاصله: انعقد ظهور العام في العموم وصار حجّة في مطلق العلماء عدولهم وفسّاقهم، ثم خرج منه مرتكب الكبيرة قطعاً وإنّما الشك في خروج مرتكب الصغيرة، وعندئذ يكون ظهور العام في العموم حجّة ما لم تقم حجّة أقوى منه على خلافه.
وربّما يؤيد بأنّ المخصّص المنفصل ليس حجّة في مورد الصغيرة، فكيف

1 . كفاية الأُصول: 1 / 339 .

340
يكون مانعاً عن حجّية العام فيه.
يلاحظ على الدليل: بأنّه لا شك في انعقاد ظهور العام في العموم لكن الظهور إنّما يُعدّ حجّة إذا كشف عن تعلّق الإرادة الجدّية به، ومن المعلوم أنّه يمكن إحراز تعلّقها بالعموم في الموردين التاليين:
أ. إذا ورد العام وشك في أصل التخصيص.
ب. إذا ورد العام وشك في التخصيص الزائد، كما إذا علمنا بخروج الفسّاق وشككنا في خروج النحاة.
ففي هذين الموردين يكون الأصل تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية.
وأمّا إذا كان التخصيص قطعياً وشك في سعة دائرته وضيقها ـ كما في المقام ـ فالظاهر أنّه لا يحتجّ بظهور العام ولا يكون ظهوره في العموم كاشفاً عن تعلّق الإرادة الجدية، وذلك لوجهين:
1. أنّ المفروض أنّه لا يلزم من دخول مرتكب الصغيرة في عنوان الفاسق وخروجه عن العام، إلاّ تخصيص واحد، لأنّ مرتكب الصغيرة ـ على فرض الخروج ـ خرج بعنوان الفاسق.
2. أنّ المخصّص المنفصل وإن لم يهدم ظهور العام في عمومه، ولكنّه جعله حجّة في غير عنوان الخاص، وعنوان العام وإن كان محرزاً لكنّ عدم عنوان الخاص ليس بمحرز لاحتمال كون مرتكب الصغيرة من مصاديق الفاسق، فلا ينطبق على المورد عنوان (العالم غير الفاسق)، وسيأتي نظير هذا البيان في مورد الشبهة المصداقية للمخصص.
ويلاحظ على التأييد بأنّه لا ملازمة بين عدم الحجّية وعدم المزاحمة فالمخصّص وإن لم يكن حجّة في مرتكب الصغيرة ـ للشك في صدق عنوانه ـ

341
ولكنّه بما أنّه يصلح للقرينية يكون مزاحماً لحجّية الظهور في مورده، فإنّ المخصّص المنفصل المردّد بين الأقل والأكثر يصير ـ كالقرينة المتّصلة بالكلام ـ مانعاً عن الحجّية، وإن لم يكن مانعاً عن انعقاد الظهور في العموم.

3. المخصّص اللفظي المتّصل الدائر أمره بين المتباينين

إذا دار أمر المخصّص اللفظي المتصل بين متباينين، كما إذا قال: أكرم العلماء إلاّ زيداً، وتردّد المستثنى بين شخصين: زيد بن عمرو، وزيد بن بكر. يسقط الاحتجاج بالعام في مورد كلّ من الشخصين لما مرّ من أنّ المخصّص المتصل يهدم ظهور العام في العموم وينعقد ظهوره في الخصوص، وعندئذ يجب ـ عند التمسّك بالعام في مورد ـ إحراز عنوانين; كونه عالماً وهو محرز، وكونه غير زيد، وهو غير محرز، لأنّ المخصّص مردّد بين شخصين، وكلّ منهما محتمل، فلا يحتجّ بالعام في مورد فرد دون فرد.

4. المخصّص اللفظي المنفصل المجمل الدائر أمره بين المتباينين

إذا كان المخصّص اللفظي المنفصل، المجمل مفهوماً، مردّداً بين المتباينين كالمثال السابق بشرط أن يكون المخصّص منفصلاً بأن يقول: أكرم العلماء ثم بعد مدة يقول: لا تكرم زيداً العالم، ودار أمره بين زيد بن عمرو وزيد بن بكر، وكلاهما عالم، فهل يجري إجمال المخصّص أو لا؟
ذهب المحقّق الخراساني إلى السراية حكماً، لا حقيقة.
أمّا الثاني فواضح لأنّ المفروض انفصال المخصّص عن العام .
وأمّا حكماً فلتعلّق العلم الإجمالي بسقوط العام عن الحجّية في حقّ أحدهما، ومعه كيف يمكن أن يكون العام حجّة في مورد واحد دون الآخر، أو كليهما.

342
بل المرجع عندئذ الأُصول العملية، فلو كان لسان المخصّص رفع الوجوب يجب إكرام كلا الرجلين، حتّى تحصل البراءة، وإن كان لسانه تحريم الإكرام يكون المورد من قبيل دوران الأمر بين المحذورين وحكمه التخيير أو القرعة.

المخصّص اللبّي

ينقسم المخصّص اللبّي إلى متّصل ومنفصل، والمراد من المتّصل هو العقل، ومن المنفصل مثل الإجماع، والظاهر عدم تصوّر الإجمال المفهومي في المخصّص اللبّي المتّصل; وذلك لأنّ العقل لا يتردّد في موضوع حكمه سعة وضيقاً، كما لا يتردّد بين كونه دائراً بين المتباينين، فاللبّي المتّصل بكلا شقيه غير متصوّر.
نعم يتصوّر القسمان في المخصّص اللبّي المنفصل كالإجماع، فقد يكون معقد الإجماع مردّداً بين الأقل والأكثر، وربّما يكون مردّداً بين المتباينين، فعلى ما سلكناه لا يحتج بالعام مع هذا المخصّص في هاتين الصورتين أيضاً، لما عرفت من أنّ الظهور لا يكون حجّة إلاّ إذا كشف عن الإرادة الجدية، وهنا تكون غير مستكشفة. لما عرفت من أنّ المخصّص المنفصل وإن كان لا يهدم ظهور العام لكنّه يجعله حجّة في غير عنوان الخاص، فالجزء الأوّل ـ وهو عنوان العام ـ محرز، لكنّ الجزء الثاني ـ أعني: غير عنوان الخاص ـ غير محرز.
نعم على ما سلكه المحقّق الخراساني يتمسّك في المنفصل دون المتّصل.

343
 
 
الفصل الخامس

حجّية العام عند إجمال المخصّص مصداقاً

كان البحث السابق مركّزاً على ما إذا كان المخصّص مجملاً مفهوماً، وأمّا المقام فالمخصّص واضح مفهوماً، لكنَّه مجمل مصداقاً، كما إذا قال: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم العالم الفاسق، فعرفنا أنّ زيداً عالم قطعاً ولكن نشك في أنّه فاسق أو لا، فبذلك تبيّن أنّ البحث مركّز على أنّ عنوان العام محرز وإنّما الكلام في إحراز عنوان الخاص، على ذلك فالبحث في جواز التمسّك بالعام يتحقّق بأمرين:
أ. اليقين بانطباق عنوان العام على المورد .
ب. الشك في عنوان الخاص.
فعنوان العام محرز دون عنوان الخاص .
وكان اللازم على المحقّق الخراساني أن يقسّم المخصّص اللفظي ـ في الشبهة المصداقية ـ إلى مخصّص متّصل، ومخصّص منفصل ثمّ إنّ الشبهة في كلّ من المتّصل والمنفصل تستند إلى دورانه تارة بين الأقل والأكثر، وأُخرى بين المتباينين فتصير الأقسام أربعة كالشبهة المفهومية، لكنّه (قدس سره)سلّم عدم جواز التمسّك في المتّصل مطلقاً، وفي المنفصل صورةَ دوران الأمر بين المتباينين وخصّ النزاع بصورة واحدة وهي صورة انفصال المخصّص، ودوران الإجمال بين الأقل والأكثر، ونحن أيضاً نقتفيه.

344
ثمّ إنّ المشهور بين القدماء هو جواز التمسّك كما سيوافيك كلامهم عند التطبيقات ووافقهم من المتأخّرين المحقّق علي النهاوندي (المتوفّى 1317 هـ) في كتابه «تشريح الأُصول» والمعروف بين المتأخّرين هو عدم الجواز، فلنذكر أدلّة المجوزين، وبدراستها تظهر حجّة المانعين من غير حاجة لعقد عنوان خاص لها، فاستدلّوا بوجوه:

الأوّل: اللاحجّة لا يزاحم الحجّة

إنّ الخاص إنّما يزاحم العام فيما كان حجّة كمعلوم الفسق، ولا يكون حجّة في ما شُكَّ أنّه من أفراده، فتكون النتيجة أنّ قوله: لا تكرم فسّاق العلماء، حجّة في معلوم الفسق، وليس حجّة في مشكوكه، وأمّا العام فهو حجّة في مطلق العالم سواء أكان معلوم العدالّة أو معلوم الفسق، أو مشكوكه، خرج عن تحته معلوم الفسق، وبقي الباقي تحته.
فإذن لايكون المخصّص الّذي ليس حجّة في مشكوك الفسق مزاحماً للعام الّذي هو حجّة في نفس المورد.
وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بقوله: إنّ الخاص وإن لم يكن دليلاً في الفرد المشتبه فعلاً، إلاّ أنّه يوجب اختصاص حجّية العام في غير عنوانه (الخاص) من الأفراد، فيكون أكرم العلماء دليلاً وحجّة في العالم غير الفاسق، فالمصداق المشتبه ـ وإن كان مصداقاً للعام بلا كلام ـ إلاّ أنّه لم يعلم أنّه من مصاديقه بما هو حجّة، لاختصاص حجّيته بغير الفاسق.
وبالجملة: العام المخصّص بالمنفصل وإن تمّ ظهوره في العموم، بخلاف المخصّص المتّصل، كما عرفت إلاّ أنّه حجّة في غير عنوان الخاص، فحينئذ يكون الفرد المشتبه غير معلوم الاندراج تحت إحدى الحجّتين فلابدّ من الرجوع إلى ما

345
هو الأصل في البين.(1)
حاصله: أنّ المخصّص وإن لم يهدم ظهور العام في العموم، ولكنّه هدم حجّيته فيه، فجعله حجّة في العالم غير الفاسق، وعلى ضوء ذلك فالصغرى لم تحرز في كلا الدليلين، أمّا المخصّص فواضح للشك في فسقه، وأمّا العام فالجزء الأوّل من الموضوع ـ أي العالم ـ وإن كان محرزاً لكن الجزء الثاني غير الفاسق بعد مشكوك فتكون نسبة المورد إلى كلا الدليلين على السواء.
وإن شئت قلت: إنّ الموضوع حسب الظهور وإن كان محرزاً لكن الموضوع بما أنّ العام حجّة فيه غير محرز، إذ ليس حجّة في مطلق العلماء بل العلماء غير الفسّاق.
وبعبارة ثالثة: أنّ الموضوع محرز حسب الإرادة الاستعمالية ولكنّه بالنسبة للإرادة الجدية غير محرز.
فإن قلت: ما ذكرت من الجواب من أنّ العام حجّة في العلماء غير الفسّاق خلط بين التخصيص والتقييد. فإنّ الأوّل لا يكون سبباً لتعنون العام بعنوان غير نفسه، بخلاف الثاني فإنّ المقيّد يسُبّب تبدّل الموضوع إلى موضوع آخر فلو كان الموضوع في المطلق نفس الرقبة وبعد التقييد يكون الموضوع الرقبة المؤمنة، وتكون النتيجة أنّ الجواب مبني على كون الدليل الثاني مقيّداً لا مخصصاً مع أنّ البحث في الثاني .
قلت: ما ذكر من الفرق بين التخصيص والتقييد يتم إذا كان الإخراج إفرادياً كأن يقول: أكرم العلماء، إلاّ زيداً وعمراً، وأمّا إذا كان الإخراج بملاك كالفسّاق فلا محالة يكون العام في مقام الحجّية معنوناً بغير عنوان الخاص، أي العلماء غير الفسّاق.

1 . كفاية الأُصول: 1 / 342 ـ 343 .

346

الثاني: التمسّك بالعموم الأحوالي

إنّ العام بعمومه الإفرادي يدلّ على وجوب كلّ فرد من العلماء كما أنّه بعمومه الأحوالي يدلّ على سراية الحكم إلى كلّ حال من أحوال الموضوع، وهي كونه عادلاً أو فاسقاً أو مشكوك العدالّة والفسق. والمخصّص دل على عدم وجوب إكرامه حالة كونه معلوم الفسق ، وبقي الباقي تحت العموم الأحوالي للدليل.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ العموم الأحوالي ـ حسب تفسير القائل ـ ليس إلاّ إطلاقاً أحوالياً، لا عموماً أحواليّاً فإنّ القول بشمول قولنا: «أكرم العالم» لمعلوم العدالّة ومعلوم الفسق ومشكوكه ليس إلاّ بالإطلاق، لا بالعموم، لأنّ دلالة الثاني دلالة لفظية ودلالة الجملة على وجوب إكرام العالم في الحالات الثلاث بالإطلاق وسكوت المتكلّم .
وثانياً: أنّ الإطلاق الأحوالي غير صحيح من رأس، وذلك لأنّ الإطلاق عبارة عن كون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع فقط ولا صلة له بشمول الحكم للأحوال الثلاثة للموضوع.
وإن شئت قلت: إنّ الإطلاق عبارة عن رفض القيود لا الجمع بين القيود، فتفسير الإطلاق الأحوالي بسراية الحكم إلى الأحوال الثلاثة ـ أي أكرمه ـ سواء أكان معلوم العدالّة أو الفسق أو مشكوكه، أشبه بالجمع بين القيود .
وثالثاً: أنّ الإطلاق الأحوالي فرع إحراز بقاء الفرد تحت العام، فإذا كان مشكوك البقاء فكيف يحتجّ بما هو متفرّع عليه بأن يقال: إنّ زيداً مثلاً كان واجب الإكرام في الحالات الثلاث خرج منها صورة العلم بالفسق وبقي الباقي تحته .
ورابعاً: أنّ الدليل الواحد كقوله: أكرم العلماء كيف يمكن أن يكون متكفّلاً لبيان حكم العلماء بما هم علماء ومتكفّلاً لبيان حكمهم بما هم مشكوكو الفسق،

347
فالدليل الواحد مثل ما سبق لا يتحمّل هذين المعنيين. نعم لو كان هنا دليلان يمكن القول فيه بذلك.

الثالث: استصحاب حكم العام

لو قال السيد: «أكرم العلماء»، وقطع العبد بوجوب إكرام زيد ثم طرأ عليه الشك بواسطة الإمعان في المخصّص وأنّه هل هو فاسق أو لا؟
فمقتضى الاستصحاب هو الحكم بوجوبه إلى أن يقوم الدليل على خلافه.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الكلام في التمسّك بالعموم لا في الاستصحاب .
وثانياً: أنّ المورد من مصاديق قاعدة اليقين، لا الاستصحاب، والفرق بينهما واضح، إذ اليقين بالنسبة إلى السابق محفوظ في الاستصحاب دون قاعدة اليقين حيث يسري الشك إلى الحالة السابقة.
والمقام من قبيل الثاني حيث إنّه بعد الإمعان في المخصّص يسري الشك إلى يقينه السابق وأنّه هل كان يقيناً أو أنّه جهلاً مركباً؟ وقد ثبت في محلّه أنّ قاعدة اليقين لا دليل على حجّيتها.

الرابع: التمسّك بقاعدة المقتضي والمانع

وهذا الدليل كالوجه السابق ذكره الشيخ في المطارح من قبل المجوّزين .(1)فقال: الظاهر من عنوان العام والمخصّص أن يكون الأوّل مقتضياً، والثاني مانعاً عن الحكم، ففي موارد الاشتباه يؤول الأمر إلى الشك في وجود المانع بعد إحراز المقتضي، والأصل عدمه، فلابدّ من الحكم بوجود المقتضي .(2)

1 . مطارح الأنظار: 197 .
2 . مطارح الأنظار: 197 .

348
يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على حجّية تلك القاعدة، وقد أوضحنا حالها في مبحث الاستصحاب كما سيوافيك إن شاء الله.
أضف إلى ذلك: أنّ المخصّص ربّما يرد بصورة بيان المقتضي، كما إذا قال: أكرم العلماء ثم قال: وليكونوا عدولاً، والشك في عدالّة واحد منها ليس شكاً في المانع بعد إحراز المقتضي، بل شك في جزء المقتضي.
***

المخصّص اللبّي والشك في الشبهة المصداقية

إنّ المخصّص ينقسم إلى: لفظي ولبّي. واللبي ينقسم إلى متصل، ومنفصل كحكم العقل، والمنفصل كالإجماع وسيرة المتشرّعة.
ثم إنّ المحقّق الخراساني مع أنّه صرح بعدم حجّية العام في الشبهة المصداقية للمخصّص اللفظي ذهب إلى حجّية العام في الشبهة المصداقية في قسم من المخصّص اللبّي. وقد مرّ أنّ البحث مركّز في دوران الأمر بين الأقل والأكثر .
وأفاد في المقام ما هذا لفظه: أنّ المخصّص اللبّي على قسمين:
الأوّل: ما يصح أن يتّكلّ عليه المتكلّم إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب فهو كالمتّصل حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعام إلاّ في الخصوص .
الثاني: ما إذا لم يكن كذلك فالظاهر فيه بقاء العام في المصداق المشتبه على حجّيته كظهوره فيه .
وحاصل كلامه يرجع إلى أُمور ثلاثة، أحدها ادّعاء والآخران دليلان له:
أمّا الأوّل: فهو وجود التفاوت بين المخصّصين اللفظيّ واللّبي، وهو أنّ المولى في المخصّص اللفظي المنفصل ألقى حجّتين، وصارت قضية تحكيم

349
الخاص على العام، أنّ العام لم يشمل الخاص (الفاسق) من رأس كما كان كذلك حقيقة فيما كان الخاص متّصلاً، بخلاف المقام فإنّ الحجّة الملقاة من قبل المولى ليست إلاّ أمراً واحداً، والقطع بعدم إرادة إكرام العدو لا يوجب انقطاع حجّيته إلاّ فيما قطع أنّه عدو له، لا فيما شُكّ فيه. إذ يُعمل فيه بعموم العام.
وأمّا الآخران فهما:
أ. ويدلّ على ذلك صحّة مؤاخذة المولى ـ لو لم يُكرم العبدُ أحداً من جيرانه لاحتمال عدوانه ـ وحسن عقوبته على مخالفته وعدم صحّة الاعتذار عنه بمجرد احتمال العداوة.
ب. يمكن أن يتمسّك بعموم العام إذا كان المخصّص لبّياً، وذلك لإحراز حال الفرد ويحكم له بأنّه ليس فرداً لما عُلم خروجه، مثلاً لو ورد جواز لعن بني أُمية قاطبة، هذا من جانب ومن جانب آخر حكم العقل بعدم جواز لعن الشخص المؤمن.
فإذا علمنا أنّ الرجل من بني أُمية ولكن شككنا في جواز لعنه لاحتمال كونه مؤمناً. فعندئذ يصح لنا إحراز حال هذا الفرد بالتمسّك بعموم قوله: «لعن الله بني أُمية قاطبة» فيحكم ببركة العموم وعدم ورود تخصيص عليه، أنّ الرجل المشكوك إيمانه ليس بمؤمن. وإلاّ لزم تخصيصه.
هذه خلاصة كلامه، وفي الجميع تأمل:
أمّا الأوّل: فلأنّ المخصّص اللبّي إذا كان أحد الحجج فيصير كالمخصّص اللفظي، فكما أنّ الثاني يجعل العام حجّة في غير عنوان الخاص، كذلك الأوّل، فكما يجب إحراز كونه عالماً غير فاسق في المخصّص اللفظي، كذلك يجب إحراز كون الجار ليس عدواً للمولى.
وبذلك يظهر أنّ المولى ألقى في كلّ من المقامين حجّتين، غاية الأمر أنّ

350
الحجّة الثانية في اللفظي بلسان المولى نفسه، وفي اللبّي بلسان العقل الّذي هو لسان المولى أيضاً بالتسبيب.
أمّا الثاني: فما ادّعاه من السيرة العقلائية غير محرز خصوصاً إذا كان تكريم العدو مبغوضاً للمولى، فدار أمر الإكرام بين المحذورين غاية الأمر أنّ العبد يتخيّر بين أحد الحكمين لا أنّه يتعيّن عليه الأخذ بالوجوب.
وأمّا الثالث: ففيه أن التمسّك بأصالة العموم وعدم ورود التخصيص عليه وإثبات أنّ الفرد المشكوك غير مؤمن وغير خيّر، يتوقّف على حجّية الأُصول اللفظية في مثبتاتها العقلية، فإنّ لازم بقاء العام في عمومه كون الفرد المشكوك خارجاً عن عنوان المخصّص.
أضف إلى ذلك: أنّه يصح إذا كان التخصيص أفرادياً، بحيث يلزم من عدم التمسّك بالعموم في مورد الشك، التخصيص الزائد، لا ما إذا كان التخصيص عنوانيّاً ، بحيث لا يلزم من عدم التمسّك بالعام في مورد الشك تخصيص آخر، وسيوافيك توضيحه في تفصيل الشيخ الأعظم.
إلى هنا ظهر أنّه لا يصحّ التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية للمخصّص.

تفاصيل ثلاثة

ثم إنّ المشهور بين المتأخّرين عدم جواز التمسّك بالعموم، غير أنّ هنا تفاصيل في المسألة نشير إليها:
الأوّل: ما أفاده الشيخ الأنصاري، وحاصل كلامه: أنّ التخصيص تارة يوجب تعدّد الموضوعين وتنويعهما كالعالم الفاسق، والعالم غير الفاسق، وأُخرى لا يوجب ذلك كما إذا لم يعتبر المتكلّم صفة في موضوع الحكم غير ما أخذه عنواناً في العام وإن علمنا بأنّه لو فرض بين أفراد العام من هو فاسق، لا يريد إكرامه (لكن

351
انطباق العنوان عليه ارتجالي وليس مِلاكاً للحكم)، فعلى الأوّل لا وجه لتحكيم العام، وأغلب ما يكون ذلك إنّما هو في التخصيصات اللفظية، وعلى الثاني يجب تحكيم العام وأغلب ما يكون إنّما هو في التخصيصات اللبية.(1)
وما ذكره الشيخ من التفصيل متين جدّاً، والسرّ هو ما ذكرنا من أنّ التوقّف عن التمسّك بالعام في القسم الأوّل لا يستلزم تخصيصاً زائداً، فسواء أصحّ التمسّك أم لا فلا يرد عليه إلاّ تخصيص واحد وهو خروج الفاسق، سواء أكان المشكوك من مصاديقه أو لا، بخلاف القسم الثاني فإنّ خروج كلّ فرد يُعدّ تخصيصاً، فعدم التمسّك بالعام في مورد فرد ـ نذعن أنّه من بني أُمية ولكن نشك في خروجه مستقلاً وعدمه ـ يستلزم تخصيصاً زائداً، ولكن هذا القسم عادم المصداق، إذ ليس ما بأيدينا ما يكون من قبيله.
الثاني: ما اختاره المحقّق النائيني وهو التفصيل في المخصّص اللبّي وجعله على قسمين .
وحاصل ما أفاده: أنّ المخصّص اللبّي على قسمين:
أوّلهما: ما يصلح لأن يؤخذ موضوعه في عنوان العام ويقع قيداً له كالعدالّة في قوله: «انظروا إلى رجل قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» حيث قام الإجماع على اعتبار العدالّة في الراوي. ففي مثله يكون المخصّص اللبّي كالمخصّص اللفظي ويصبح موضوع العام مركباً من قيدين ـ أعني: رجلاً عادلاً ـ فكما يجب إحراز الجزء الأوّل، يجب إحراز الجزء الثاني .
ثانيهما: ما لا يصلح أخذ ضدّ موضوع الخاصّ في عنوان العام، وهذا كقولنا: اللّهم العن بني أُميّة قاطبة، خرج منه المؤمن والخيّر، ومن المعلوم أنّه لا يمكن

1 . مطارح الأنظار: 198 .

352
أخذ «غير المؤمن» أو «غير الخيّر» في لسان العام، وذلك لأنّ حكم اللعن لايصلح أن يعمّ المؤمن أو الخيّر حتّى يصلح للتقييد، فللحكم ضيق ذاتي بغير المؤمن فكيف تتصوّر فيه السعة ثم التضييق. فإذا كان «غير المؤمن» ملاكاً لحكم العام غير مأخوذ في الموضوع يكون الموضوع في العام بسيطاً غير مقيد بشيء، والمفروض أنّ عنوان العام محرز وهو أنّ الرجل من بني أُميّة، وأمّا عنوان غير المؤمن فليس مأخوذاً في العام حتّى نتوقف عن العمل باعتبار عدم إحرازه.
وحاصله: أن الإرادة الاستعمالية مطلقة، والجدية غير قابلة للتقييد، فيؤخذ بالأُولى .
يلاحظ عليه: بما أوردناه على نظرية الشيخ الأنصاري، مضافاً إلى الإشكالات التي ذكرناها في الدورات السابقة فمن أراد فليرجع إلى «المحصول» أو إلى «إرشاد العقول»(1).
الثالث: وهو لا يرجع إلى خصوص المخصص اللبّي بل يعمّ مطلق المخصّص، وحاصله: التفصيل بين كون الفساد هو الأصل وعدمه، وهو الّذي اخترناه في سالف الزمان، وحاصله: أنّه إذا كان حكم العام حكماً طبيعياً للموضوع على نحو يكون الخارج عن تحته كالنادر ففي هذا المورد يتمسّك بالعموم حتّى في الشك في الشبهة المصداقية، وعليه جرت سيرة الفقهاء في تلك الموارد، وإليك بعض الأمثلة:
1. قال سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ )(2). فالآية عامّة بالنسبة إلى غير المماثل، أعني:

1 . لاحظ: المحصول في علم الأُصول : 2 / 495 ـ 496; وإرشاد العقول: 2 / 526 ـ 527 .
2 . النور: 30 .

353
النساء. لكنّ الآية خُصِّصت بالمحارم (1) وخرجن عن تحتها، كأنّه قال: غضّوا أبصاركم عن النساء إلاّ المحارم. فلو شاهد الإنسان امرأة وتردّد بين كونها من المحارم أو لا، يحرم عليه النظر إليها مع أنّه من الشبهة المصداقية للخاص، فإنّ أحد جزئي الموضوع محرز، ولكن الجزء الآخر ـ أعني: كونها غير محرم ـ لم يحرز، ومع ذلك يتمسّك بالعموم ويجب غض النظر.
2. قال سبحانه: (وَ لاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ )(2)فكأنّه سبحانه قال: يحرم على النساء إبداء الزينة إلاّ على المحارم من الرجال. فلو تردّد الرجل بين كونه محرماً أو غير محرم يحكم بحرمة الإبداء مع أنّ أحد جزئي الموضوع وهو الرجل محرز والجزء الآخر ـ أعني: غير المحرم ـ لم يحرز.
3. ورد النهي عن بيع الوقف وأنّه لا يباع ولا يرهن، لأنّ حقيقته حبس العين وتسبيل المنفعة، إلاّ في موارد محدّدة، فلو قام رجل ببيع الوقف واحتملنا كون المورد من الموارد التي يجوز فيها بيع الوقف، فلا يجوز الشراء منه ما لم يحرز المسوِّغ مع أنّه من قبيل التمسّك بالعام «لا يباع ولا يرهن»، مع الشك في مصداق المخصّص، أي جواز بيعه فيما إذا آل الوقف إلى الخراب.
4. أنّ الأصل في مال اليتيم هو حرمة التصرّف إلاّ إذا كان فيه غبطة اليتيم، قال سبحانه: (وَ لاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(3) .
فلو قام أحد ببيع مال اليتيم واحتملنا فيه غبطة اليتيم، يتمسّك فيه بالعام، أعني: حرمة الاقتراب، مع أنّه من موارد الشك في المخصّص، أعني: في وجود المجوز للبيع وهو الغبطة.

1 . النساء: 23 .
2 . النور: 31.
3 . الأنعام: 152 .

354
ولذلك نرى أنّ الشيخ في (فرائده) وهكذا في (المتاجر) يفرق بين المسألتين التاليتين:
أ. إذا صلّى رجل على الميّت وشككنا في صحّة صلاته أو فسادها، قال: بجريان أصل الصحّة.
ب. لو قام ببيع مال اليتيم أو الوقف، لا يحمل على الصحّة، إذا كان هناك شك في وجود المسوغ.
5. لو تلف مال الغير تحت يد الإنسان فالأصل فيه هو الضمان إلاّ إذا كانت اليد يد أمانة، فلو تلف مال وشك في كيفية اليد أنّها يد أمانة أو لا، فالأصل فيه الضمان، ولأجل ذلك حكم الفقهاء في مثل المورد بالضمان، على الرغم من أنّ المورد من قبيل الشبهة المصداقية، لقوله: على اليد ما أخذت حتّى تؤدي.
6. الأصل في اللحوم البحرية هي الحرمة إلاّ السمك ذوات الفلس، فلو شُكّ في نوع سمك في أنّه من ذوات الفلس أو لا، فالأصل فيه الحرمة حتّى يثبت الخلاف، لنفس الوجه الّذي أوضحنا حاله في الأمثلة السابقة.

355
 
 
الفصل السادس

إحراز ما بقي تحت العام بالأصل الموضوعي

قد عرفت أنّ الدليل الاجتهادي ـ أعني: العام ـ لا ينهض بالحجّية عند الشك في مصداق المخصّص، فلابد من الرجوع إلى الأُصول العملية، فهل هنا أصل يرفع الشكّ عن الفرد المشكوك؟ فنقول: لو كان زيد العالم مستصحب العدالّة أو الفسق، يحكم ببقائه على ما كان عليه فبالاستصحاب يحرز أنّه باق تحت العام أو خارج عنه وداخل تحت الخاص، إنّما الكلام إذا لم تكن هناك حالة سابقة فهل يوجد أصل موضوعي ينقّح حال المشكوك؟
ذهب المحقّق الخراساني إلى وجود الأصل المحرز في بعض الصور، وإليك بيان الصور التي أشار إليها المحقّق الخراساني صريحاً أو كناية، وهي:
1. أن يكون وصفاً متّصلاً، كما إذا قال: أكرم العلماء العدول .
2. أن يكون وصفاً متّصلاً لكن بصورة المعدولة، كما إذا قال: أكرم العلماء غير الفسّاق.
3. أن يكون المخصّص متّصلاً على نحو الاستثناء كما إذا قال: أكرم العلماء إلاّ الفسّاق.
4. أن يكون المخصّص منفصلاً كما إذا قال: أكرم العلماء، ثم قال بعد فترة: لا تكرم فسّاق العلماء.

356
فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ الأصل المحرز ينقح حال الموضوع المشتبه في الصورتين الأخيرتين دون الأُوليين.
أمّا عدم جريانه في الأُوليين فلأنّ كلاًّ من عنواني «العدول» أو «غير الفسّاق» من العناوين المنوّعة التي تقسّم الموضوع إلى علماء عدول وغير عدول، أو فسّاق وغير فسّاق. واستصحاب العنوان العدمي ـ أعني: عدم كونه فاسقاً ـ لا يثبت العنوان الوجودي، أعني: كونه عادلاً أو غير فاسق.
وإن شئت قلت: الجزء الأوّل من الدليل وهو العلماء وإن كان محرزاً بالوجدان لكن الجزء الثاني (أعني: العدول، أو غير الفسّاق) غير محرز، ولا يمكن القول بإحرازه بالأصل العدمي، لأنّ استصحاب الأصل العدمي ـ أعني: عدم الفسق ـ يلازم عقلاً العنوان الوجودي من غير فرق بين كون العنوان هو «العدول» أو «غير الفسّاق»، لأنّ العنوان الوجودي ليس من آثار العنوان العدمي.
وأمّا جريانه في القسمين الأخيرين فلأجل أنّ الاستثناء يخرج المخصّص عن تحت العام من دون أن ينوع العام إلى قسمين كعالم فاسق وغير فاسق، مثله المخصّص المنفصل، فإنّه لأجل الانفصال لا يعطي للعام عنواناً كالعدول أو غير الفسّاق وإنّما شأنه إخراج الفاسق من دون أن يتصرّف في عنوان العام، وعلى ذلك فيكفي في إحراز الموضوع أمران:
1. كون الفرد المشكوك عالماً، وهو محرز بالوجدان.
2. عدم صدق عنوان المخصّص عليه، لأنّ المخصّص جعل العام حجّة في غير عنوان الخاص، وقد أُحرز عدم صدقه عليه بالأصل، وهو محرز بالأصل.
ثمّ إنّه (قدس سره)طبق القاعدة على فرع فقهي وهو أنّه ورد النص على أنّ المرأة ترى الحمرة إلى خمسين إلاّ القرشية.
فالنصّ من قبيل القسم الأوّل وهو أنّ التخصيص بالاستثناء، وقد مرّ أن

357
التخصيص بالاستثناء لا ينوّع العام، ولا يعطي له عنواناً خاصّاً بل يبقى العام بعمومه تحت الحكم، فعلى هذا فلو شُكّ بين كون المرأة ممّن بقيت تحت العام أو خرجت عنه فيقال:
إنّ القرشية والنبطية من عوارض الوجود، لأنّها عبارة عن تولّد الإنسان من نطفة منتسبة إلى إحدى القبيلتين، وليستا من عوارض الماهية، وعلى ذلك نشير إلى ماهية المرأة المردّدة بين كونها قرشية أو غيرها، المجرّدة عن كلّ واحدة منهما وتقول:
هذه المرأة لم تكن قرشية قبل وجودها، فيستصحب عدمها، ويحكم عليها ببقائها تحت العام.
يقول المحقّق الخراساني: المرأة التي لا يكون بينها وبين قريش انتساب، باقية تحت ما دلّ على أنّ المرأة إنّما ترى الحمرة إلى خمسين، والخارج عن تحته هي المرأة الموصوفة بالقرشية، فموضوع المخصّص غير محرز وموضوع العام محرز.
ومثله ما إذا كان المخصّص منفصلاً كما إذا قال: المرأة ترى الحمرة إلى خمسين عاماً، ثم ذكر بعد فترة زمنية: القرشية ترى الدم إلى ستين .
إلى هنا تم بيان نظرية المحقّق الخراساني.

مناقشة نظرية الخراساني (رحمه الله)

يرد عليه أُمور:
الأوّل: أنّ الظاهر من كلامه أنّ التخصيص بالاستثناء أو بالمخصّص المنفصل لا يؤثر في موضوع العام، وكأنّ التخصيص بهما أشبه بموت الأفراد، فكما هو لا يؤثر في عنوان العام فهكذا التخصيص بهما، ولكنّه ضعيف جدّاً لوجود الفرق بين

358
موت الأفراد والإخراج بالاستثناء أو المخصّص المنفصل، وذلك لأنّ التخصيص وإن كان غير مؤثر في الإرادة الاستعمالية ولكنّه يحدث ضيقاً في موضوع الإرادة الجدّية، فيستحيل أن يكون الموضوع هو المرأة بما هي هي، بل لابد من تصويره بأحد الوجوه الثلاثة التالية:
1. أن يكون الموضوع لرؤية الدم قضية موجبة معدولة، مثل قوله: المرأة غير القرشية ترى الدم إلى خمسين.
2. أن يكون الموضوع لقوله:ترى الدم، قضية موجبة لكن سالبة المحمول، كما إذا قال: المرأة التي هي ليست قرشية، ترى الدم إلى خمسين.
3. أن يكون الموضوع قضية سالبة محصّلة، كما إذا قال: إذا لم تكن المرأة قرشية ترى الدم إلى خمسين.
فلو صـحّ ما ذكـره من استصحاب العدم الأزلي، فإنّما يصحّ في الصورة الثالثة دون الأُوليين، وذلك لأنّ الموضوع فيهما أمر وجودي، واستصحاب العدم الأزلي ـ أعني: عدم انتساب المرأة إلى قريش ـ لا يثبت العنوان الوجودي، كما هو محقّق في محلّه.
نعم لا مانع من إجرائه في الصورة الثالثة، إذ ليس الموضوع أمراً وجودياً .
وعلى هذا فاللازم على المحقّق الخراساني التفصيل بين الصور.
الثاني: أنّ الصورة الثالثة يعني السالبة المحصّلة لا تصلح لأن تقع موضوعاً لقوله: «ترى الحمرة» أو «ترى الحيض» وذلك لأنّه يشترط في صدق القضايا الموجبة، وجود الموضوع، قال التفتازاني: ولابدّ في الموجبة من وجود الموضوع، إمّا محقّقاً وهي الخارجية أو مقدراً فالحقيقية، أو ذهناً فالذهنية، (1) ومن

1 . تهذيب المنطق مع تعليقات المحقّق اليزدي: 58.

359
المعلوم أنّ السالبة المحصّلة تصدق مع عدم الموضوع فكيف يمكن أن تقع موضوعاً لحكم لا يصدق إلاّ مع وجود الموضوع؟
وبعبارة أُخرى: أنّ رؤية الدم أو التحيّض من آثار المرأة الموجودة لا مطلق المرأة ولو لم تكن موجودة، ولذلك لا مناص من القول بكون المأخوذ في موضوع القضية هو الموجبة المعدولة (المرأة غير القرشية) أو الموجبة السالبة المحمول (المرأة التي هي لم تكن قرشية).
ثالثاً: نفترض أنّ الباقي تحت العام هو السالبة المحصّلة ولكن القضية المتيقّنة تُغاير القضية المشكوكة، فإنّ المتيقّنة منها هي السالبة الصادقة بانتفاء الموضوع، أي لم تكن موجودة فلم تكن قرشية، والمشكوكة هي القضية السالبة، الصادقة بانتفاء المحمول مع وجود الموضوع، ومن المعلوم أنّ إسراء الحكم من القضية الأُولى إلى القضية الثانية إسراء للحكم من موضوع إلى موضوع آخر.
رابعاً: أنّ استصحاب العدم الأزلي ليس مصداقاً عرفياً للاستصحاب، فلو ترك الإنسان العمل به لا يتّهم بأنّه نقض يقينه بالشكّ وظواهر الكلام حجّة في المصاديق العرفية لا المصاديق العقلية الدقيقة كما في المقام.
خامساً: أنّ التفريق بين الوصف والاستثناء قائلاً بأنّ الأوّل ينوِّع دون الثاني تفريق بلا وجه، لأنّ العرف لا يفرّق بين قولنا: أكرم العلماء غير الفسّاق، وقولنا: أكرم العلماء إلاّ الفسّاق، والتفريق بينهما بكون المخصّص وصفاً في الأوّل ومنوِّعاً للموضوع إلى فاسق وغير فاسق دون الثاني، فإنّ دوره الإخراج لا التنويع، بعيد عن الأذهان العرفية.
***

360

التفصيل بين القيد المقسم والمقارن

إنّ المحقّق النائيني لمّا لم يرتضِ ما أفاده المحقّق الخراساني (قدس سره) حول استصحاب العدم الأزلي حاول أن يصحّح التمسّك به بالتفصيل بين القيد المقسّم والقيد المقارن، وأنّ الاستصحاب الأزلي لا يجري في الأوّل ويجري في الثاني، وإيضاح مقصوده رهن بيان أمرين:

الأوّل: ما هو المراد من القيد المقسّم والمقارن؟

إذا كان القيد قائماً بالموضوع يكون مقسّماً له إلى قسمين: إمّا حسب الذات كالإنسان الناطق، أو حسب الوصف كما في تقسيم المرأة إلى قرشية وغير قرشية أو نبطية وغير نبطية.
وهذا ما يسمّى بالقيد المقسّم.
وأمّا إذا كان القيد جوهراً قائماً بنفسه كوجود زيد في الخارج، أو عرضاً قائماً بموضوع آخر لا بموضوع العام كمجيء زيد الّذي هو قائم بزيد لا بالعالم، فهذا ما يسمّى بالقيد المقارن.
وعلى ضوء هذا إذا قال: أكرم العالم عند وجود زيد، أو عند مجيء زيد، فكلّ من وجود زيد أو مجيئه قيد ولكنّهما غير قائمين بالعالم وإنّما هما من مقارناته الاتّفاقية أو الدائمية، نظير هذا إذا قيل: خرج الأمير وصهل فرسه.
وإنّما سمّي هذا القيد مقارناً لا مقسماً فلأجل أنّه غير قائم بالعالم حتّى يقسمه إلى قسمين، بل هو إمّا مستقلٌ في الوجود كقوله زيد، أو قائم بموضوع آخر كالمجيء بالنسبة إلى زيد.

361

الثاني: جريان الأصل في المقارن دون المقسّم

وحاصل ما أفاده: أنّ القيد لو كان وصفاً للموضوع قائماً به قياماً ذاتياً كالقرشية أو عرضياً كالفسق يكون الموضوع موصوفاً بالقيد وجوداً وعدماً، يقال: المرأة القرشية ترى الدم إلى ستين، والمرأة غير القرشية ترى الدم إلى خمسين، ومن المعلوم أنّ موضوع القضية فاقد للحالة السابقة، لأنّ المرأة منذ تولّدها توصف بأحد الوصفين (قرشية) أو (غير قرشية) فهي تصير مشكوكة من أوّل الأمر ولا يكون هناك قضية متيقّنة وقضية مشكوكة، بل هي مشكوكة من أوّل الأمر.
فإن قلت: إنّ استصحاب عدم القرشية على نحو العدم النعتي ـ كأن يقال: المرأة غير القرشية ـ فهو فاقد للحالة السابقة، وأمّا العدم المحمولي الّذي يقع فيه العدم محمولاً كما يقال: القرشية معدومة فلا مانع من جريانه فيستصحب عدمها من دون أن يكون مضافاً إلى مرأة معيّنة.
قلت: إذا كان الموضوع هو العدم النعتي، نظير قولنا: المرأة الموصوفة بعدم القرشية تحيض أوترى الدم لا يثبته العدم المحمولي، أي عدم القرشية مطلقاً من دون إضافته إلى مرأة معيّنة.
هذا كلّه حول القيد المقسّم، وأمّا القيد المقارن فقد عرفت أنّه إمّا قائم بنفسه أو قائم بموضوع آخر، فليس هو وصفاً للموضوع بل مقارن له وإنّما اتّفق اجتماعهما في لسان الدليل، أو في عمود الزمان، وعندئذ يكفي إحراز أحد الجزأَين بالوجدان والآخر بالأصل، نظير المال الّذي تلف عند شخص، فادّعى صاحب المال أنّه كان غاصباً وأنّه استولى على ماله عدواناً فعليه الضمان. وادّعى من تلف بيده المال أنّ يده كانت يد أمانية. فعندئذ يحكم بالضمان، وذلك لأنّ موضوع الضمان مركّب من أمرين:
أ. الاستيلاء .

362
ب. عدم الإذن.
والأوّل محرز بالوجدان والآخر بالأصل، وليس الموضوع الاستيلاء الموصوف بعدم الإذن، لما عرفت أنّ إذن المالك وعدم إذنه ليس قائماً بالاستيلاء، بل قائماً بنفس المالك. وإنّما اجتمعا في عمود الزمان اتفاقاً. (1)
يلاحظ عليه: أنّ تقسيم القيد إلى مقسم ومقارن، وإن كان صحيحاً في نفسه لكنّه لا يؤثر في المقام، بل الحكم (عدم جريان الاستصحاب) فيهما سواء، وذلك لأنّ وحدة الإرادة تلازم وحدة المراد، فإذا كان المراد متعدّداً تتعدّد الإرادة حسب تعدّده، ويتبعه الحكم، فإنّ وحدة الحكم المنبعث من وحدة الإرادة يكشف عن وحدة الموضوع فما لم يكن بين الجزأين صلة ووحدة اعتبارية، لما صحّ جعل المتفرّقين موضوعاً لحكم واحد، فعلى ضوء ما ذكرنا فالموضوع للضمان هو الاستيلاء الموصوف بعدم الإذن لا شيئان دون أن تربطهما وحدة حرفية، وعند ذلك يتوجّه إليه إشكال عدم وجود القضية المتيقّنة في المقام، وذلك لأنّ استيلاء الرجل من أوّل الأمر مشكوك لا أنّه متيقّن في فترة من الزمان ومشكوك بعدها.
وأمّا ذهاب المشهور إلى الضمان في هذه المسألة فليس دليلاً على قولهم بجريان استصحاب العدم الأزلي في المقام، بل الإفتاء كان إمّا لأجل وجود النص كما كان عليه المحقّق البروجردي في درسه الشريف وفي تعليقته على العروة، أو لأجل العمل بالأصل الأوّلي في الأموال. وهو الحرمة حتى يثبت خلافها.

حجّية أصل العدم الأزلي ببيان آخر

إنّ المحقّق الخوئي (رحمه الله) لم يرتض التفصيل الذي قال به شيخه النائيني وحاول أن يدعم ما ذهب إليه المحقّق الخراساني من حجّية أصل العدم الأزلي مطلقاً من

1 . أجود التقريرات: 1 / 468; المحاضرات: 5 / 332 .

363
غير فرق بين القيد المقسّم والقيد المقارن، وحاصل ما أفاده مبني على أمرين:
الأمر الأوّل: أنّ وجود العرض بذاته محتاج إلى وجود الموضوع ولذلك عُرّف بأنّه: ماهية تامّة قائمة بموضوعها في الخارج.
وأمّا عدم العرض فليس له هذا الشأن فهو غير محتاج إلى وجود الموضوع، وعلى ضوء ذلك فالعدالّة بما أنّها عرض نفساني فهي قائمة بموضوعها، وأمّا عدمها فهي غير قائمة بموضوعها. يصدق مع عدم الموضوع ولذلك لو وجد زيد فصار غير عادل فنفس العدم الأزلي مستمرّ إلى ذلك الوقت.
ومنه يظهر حال القرشية فهي رهن وجود المرأة، وأمّا عدمها فهو غني عن الموضوع. فلو أُشير إلى ماهية المرأة وقيل إنّها لم تكن قرشية قبل أن تتولّد، فهذا العدم باق على حاله بعد الولادة.
الأمر الثاني: إذا ورد أنّ المرأة تحيض إلى خمسين إلاّ القرشية; فها هنا قضيتان: