welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : مشكاة المصابيح في شرح آية النور*
تألیف :الحكيم المتأله محمد مؤمن بن أبي محمد المياموي*

مشكاة المصابيح في شرح آية النور

1

2

3
مشكاة المصابيح

4
 

5
مشكاة المصابيح
 
في شرح آية النور
 
تأليف
الحكيم المتأله
محمد مؤمن بن أبي محمد المياموي
(المتوفّى1306هـ.)
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

6
الميامي البسطامي، محمد مؤمن بن ابي محمد، 1260 ـ 1306 ق .
مشكاة المصابيح / تأليف محمد مؤمن بن أبي محمد المياموي البسطامي; تقديم واشراف العلاّمة جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1432 ق. = 1389 .
74 ص 8 ـ 462 ـ 357 ـ 964 ـ 978 ISBN
1. تفسير (سورة النور) . الف. السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق. المشرف. ب. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ج. العنوان.
5م9م/55/102 BP 18/297
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء
?7745457 ـ 2925152
البريد الإلكترونيimamsadiq@gmail.com :
العنوان في شبكة المعلومات www.imamsadeq.org :
اسم الكتاب: مشكاة المصابيح
المؤلف : محمد مؤمن الميامي البسطامي
تقديم وإشراف: آية الله جعفر السبحاني
تحقيق: اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الطبعة : الأُولى
تاريخ الطبع: 1389 هـ ش / 1432 هـ
المطبعة : مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
عدد النسخ: 1000 نسخة
القطع : رقعي

7

مقدّمة المشرف

آية النور في الذكر الحكيم
دلّت غير واحدة من الآيات على أنّ القرآن مشتمل على الأمثال، وأنّه سبحانه ضرب بها مثلاً للناس للتفكير والعبرة، قال سبحانه: (لَوْ أنْزَلْنا هذا الْقُرآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون).(1)
وقد أفرد الكثير من المحققين كتاباً في أمثال القرآن ذكرنا تفصيلها في كتابنا «الأمثال في القرآن الكريم».(2) وقد ناهز عددها إلى أربعة عشر كتاباً مضافاً إلى ما صدر منّا في دراسة مبسوطة عام 1420هـ .
ومن الأمثال الدارجة ما ورد في سورة النور وهو قوله سبحانه: (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاة فِيها مِصْبَاحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجَاجَة الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوكَبٌ دُرّىٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرة مُباركة زَيْتُونَة لا شَرْقِية وَلا غَرْبِية يَكادُ زَيْتُها يُضيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُور يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ

1. الحشر:21.
2.الأمثال في القرآن الكريم، 26.

8
لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم).(1)
وقد اختلف المفسّرون في تفسير هذه الآية إلى أقوال ربما ناهز عددها العشرة، وقد ذكرناها على وجه الإيجاز في كتابنا «الأمثال في القرآن الكريم»، والحقيقة أنّ هـذه الأقوال ليست أقـوالاً مختلفة، وإنّما هي تطبيقات للمثل على مـوارده، فتطبيق المثـل على الموارد ليس من مقولة الخلاف، بل من مقولة بسط التفسير وتحليله.
وممّن بذل جهده في تفسير الآية وأناط وأفاد الشيخ العلاّمة الفاضل المتكلّم البارع الشيخ محمد مؤمن الميامي البسطامي(نحو 1260ـ 1306هـ) فقد جدّ واجتهد في تفسير الآية واستشهد بأقوال المحقّقين.
ألفه عام 1299 هـ وأهداه إلى عالم كبير كانت له الرئاسة التامة في منطقة آذربايجان، أعني العلاّمة الحجة ميرزا جواد المعروف بالمجتهد(المتوفّى: 1313هـ)، وقد كان للمهدى إليه دور كبير في ترويج فتوى المجدد الشيرازي حول تحريم التنباكو.(2)
وها نحن ننشر هذا الكتاب تقييماً لجهود المؤلف الذي مضى على تأليفة قرابة 132سنة، وإليك ترجمة المؤلف حسب ما وقفنا عليه.

1.النور: 35.
2. اقرأ حياة الميرزا جواد المجتهد في شهداء الفضيلة:383ـ 386، و مفاخر آذربايجان:1/184ـ191.

9

ترجمة المؤلف

هو محمد مؤمن بن أبي محمد الميامي البسطامي، ولد في قرية «ميامي» من قرى بسطام نحو سنة 1260هـ.
درس لمدة أربع عشرة سنة في سبزوار ومشهد الرضا(عليه السلام)، فكان في المشهد لمدة تسع سنوات مقيماً في المدرسة الباقرية، دخلها في الحادي والعشرين من ربيع الأوّل سنة 1290هـ ، وأقام بها حتى اليوم التاسع من شوال سنة 1300هـ ، وهو تاريخ تأليف كتابه: «عقائد الناصرية»، وألّف أيضاً كتباً أُخرى.
يبدو من مجموع ما كتبه في ترجمة نفسه أنّه كان يعيش في منتهى العسر والفقر، ولم يتزوّج لحين تأليف الكتاب المذكور للفقر الشديد الذي كان يعانيه.
ذكره محمد حسن خان اعتماد السلطنة في «المآثر والآثار» قائلاً: ملا محمد مؤمن بن ملا أبو محمد الملقّب بشيخ الإسلام، كان من علماء خراسان، سكن ميامي، وكان له مقاماً سامياً في المعقول والمنقول.(1)
كان أديباً شاعراً يجمع أطراف العلم والفضل.
تأليفاته ومصنّفاته
له مصنّفات كثيرة في علوم شتّى، منها:
1. «عقائد الناصرية»: فارسي في الكلام.كتبه باسم ناصر الدين

1. المآثر والآثار:1/230.

10
شاه القاجار بمناسبة زيارة الشاه لمشهد الرضا(عليه السلام).
2. «كفاية المؤمنين لدفع المخالفين»: وهو حاشية على شرح القوشجي على التجريد.
3. «نتائج الحكمة وينابيع الرحمة».
4. «منتخب الحساب»: وهو حاشية على خلاصة الحساب للشيخ البهائي.
5. «أوصاف الأشراف».
6. «خواص الخواص».
7. «الدرة البهية»: وهي منظومة في المنطق.
8. تعليقة على حاشية المولى عبد الله.
9. الرد على الشيخية.
10. الرسالة الأخلاقية: رسالة فارسية تشتمل على مسائل متفرّقة أخلاقية، غير مرتّبة على الأبواب والفصول إلاّ فصل في أواسط الكتاب يشتمل على الكلم القصار الأخلاقية مرتّبة على الحروف الهجائية. ألّفها باسم والي خراسان محمد تقي ميرزا ركن الدولة أخ السلطان ناصر الدين شاه. توجد نسخة بخط المؤلّف في مكتبة (الملك)، وعلى النسخة تقريظ الشيخ محمد تقي الأردكاني الصغير (المتوفّى حدود 1329هـ) وصف المؤلّف فيها بصاحب التصانيف الكثيرة.(1)
11. «مشكاة المصابيح»: في تفسير آية النور، وهي هذه

1. الذريعة: 7/55 برقم 294، و ج11/45ـ46برقم276.

11
الرسالة الّتي يزّفها الطبع للقرّاء الكرام، رتّبها على مقدّمة وعشرة مصابيح، أودع فيها مباحث حكمية وكلامية، ألّفها باسم الحاج ميرزا جواد آقا المجتهد التبريزي(المتوفّى 1313هـ)، وفرغ منها في شهر رمضان سنة 1299هـ .(1) وتوجد عندنا نسخة بخط المؤلّف وكانت أساس عملنا هذا.

وفاته

توفّي في الخامس عشر من محرم الحرام سنة 1306هـ في قصبة ميامي.(2)
النسخة المعتمدة
اعتمدت اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في عملية التحقيق على النسخة الخطيّة المكتوبة بخط المؤلّف والمحفوظة في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) قسم المخطوطات، برقم 46، وتمّ الانتهاء من كتابتها في شهر رمضان من سنة 1299هـ ، على صفحتها الأُولى تملّكنا لهذه النسخة النفيسة بتاريخ 17رمضان 1366هـ في تبريز، ويوجد ختم بيضوي للمؤلف عليه نقش خاتمه: (المؤمن في الدارين) في الصفحة الأُولى

1. الذريعة:21/61 برقم 3956.
2. المآثر والآثار: 1/230; تراجم الرجال للسيد الحسيني:1/334ـ 335، نشر مكتبة المرعشي، قم ـ 1414هـ .

12
والأخيرة من النسخة، وكذلك يوجد ختم آخر باسمه (محمد مؤمن) في الصفحة الأخيرة. والنسخة تقع في 32صفحة، كلّ صفحة تتكون من 15سطراً، ذات أبعاد 18×11سم.

منهج التحقيق

1. بعد تهيئة النسخة ومقابلتها، قمنا بتقويم نصّ الكتاب وضبطه وتنقيحه.
2. إعراب الآيات القرآنية وتخريجها.
3. تخريج الأحاديث والروايات.
4. تخريج أقوال العلماء واستعراض آرائهم.
5. كتابة بعض التعاليق الضرورية وشرح بعض المفردات الغامضة.
هذا وفي الختام نشكر اللجنة العلمية للتحقيق في مؤسستنا على تحقيقها هذا السفر القيّم وإخراجه بهذه الحلّة القشيبة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
1 ـ ذوالقعدة الحرام ـ 1431هـ

13
صورة الصفحة الأُولى من نسخة المؤلّف المحفوظة
في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

14
صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المؤلّف المحفوظة
في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

15
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أحمدك يا نور النّور، احتجبت دون خلقك، فلا يدرك نورك نور، يا نور النور، قد استنار بنورك أهل السماوات، واستضاء بنورك أهل الأرض، يا نور كلّ نور حامد(1) لنورك كل نور، صلّ على أنوارك المقدّسة، ولا سيّما النور القاهر الصادر الأوّل الباهر وآله السابقون(2) اللاحقون مادامت السماوات والأرضون.
وبعد فيقول المفتاق إلى رحمة المهيمن الصمد الغني العلاّم، محمد مؤمن بن أبي محمد المياموي من قرى بسطام: كثيراً ما كان يعجبني أن أشرح آية النور، على ما تيسّر لي من كلمات المفسّرين وأقوال الحكماء الإلهيين، وممّا خطر بخاطري القاصر، وفكري الفاتر(3) في مفرداتها مع ضيق باعي، وقصر ذراعي، وتشتت أحوالي، وتفاقم أحزاني، خصوصاً في ذلك الزمان، رفعها الله عنّي وعن جميع الأخوان، بحق صاحب الزمان عليه صلوات الله

1. هذه الخطبة مقتبسةٌ من الأدعية النبويّة ويجوز أن يقرأ خامد ـ بالخاء المعجمة ـ كما في نسخة: «خامد بنورك» فيكون الباء بدلاً من اللاّم(منه).
2. أي هم السابقون ووجه القطع التأكيد.(منه)
3.فتر: ضعُفَ. المنجد مادة «فتر»; ونهاية ابن الأثير، ج3، ص 408، باب الفاء مع التاء، طبع المكتبة العلمية، بيروت.

16
الرحمن.
فجاء بحمد الله مشكاة لمصابيح الأنوار، مشرق على رياض الأزهار، لامع على الحياض والأنهار، لم يسمع بمثله قريحة في الأدوار، ولا عيب فيه غير أنّه عزيز الوجود، عزيز المعنى، قليل الحجم، وإلى الله أتضرّع أن ينفع به الّذين هم للحق طالبون، وعن طريق العناد ناكبون.
في بيان معاني مفردات الآية
ونسمّيه بـ«مشكاة المصابيح»، مرتّب على مقدّمة ومصابيح، وجعلته تحفة للسدة السنية، والحضرة العلّية ـ أعني: سدة مولانا الأكرم وسيّدنا الأعظم، شمس سماء الأعالي، قمر فلك المعالي، الثمرة اليانعة من نخيل المكرمات، والدوحة النابعة في بستان المسألات، ذو النفس الأبيّة، والشمائل الأدبية، بيضاء الأيمان والدين، بهاء الإسلام والمسلمين، أبي الأيتام والمساكين، مظهر العدل والإحسان، مروّج شريعة الرسول المنان، مشوق أهل العلم في الزمان، الملجأ والمطاع في إيران، زائر سلطان خراسان، قدوة فقهاء العرب والعجم، زبدة علماء الترك والديلم، حجة الإسلام وقبلة الأنام، جامع المعقول والمنقول، حاوي الفروع والأُصول، طائف بيت الله الحرام، زائر المشعر والمقام، فخر من حج واعتمر، ولبّى وسعد وكبّر ـ الحاج ميرزا جواد آقا التبريزي، أدام الله أظلاله العالي على رؤوس الأداني والأعالي، ما دامت الأيّام واللّيالي، اللّهم أعزه وأنصاره وضاعف اقتداره وزد ترويجه.

17
من قال آمين أبقى الله مهجته *** فان هذا دعاء يشمل البشرا

أمّا المقدمة: ففي بيان معاني مفرداتها

قال الله تبارك وتعالى:(اللهُ نُورُ السَّمواتِ وَالأرْض مَثَلُ نُورهِ كَمِشْكوة فِيها مِصْباحٌ المِصْباح فِي زُجاجَة الزُّجاجَة كَأنّها كَوكَبٌ دُرّي يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبارَكة زَيْتُونة لا شَرقِيَة وَلا غَرْبِيَة يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُور يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ الله الأمْثال لِلنّاسِ وَالله بِكُلِّ شَىْء عَلِيم).(1)

في بيان الأقوال في اشتقاق لفظ الجلالة وعدمه

أقول: في اشتقاق لفظ الجلالة وعدمه أقوال:
فالمختار عند جماعة من النحاة، كالخليل(2) وأتباعه، وعند أكثر الأُصوليين والفقهاء، إنّ لفظ الجلالة اسم علم ليس بمشتق واستدلوا بوجوه ضعيفة:
أحدها: أنّه لو كان مشتقاً لكان معناه معنى كليّاً لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه، وحينئذ لا يكون قولنا: لا إله إلاّ الله موجباً للتوحيد المحض، ولا الكافر يدخل به في الإسلام، كما يقول: لا إله إلاّ الرحيم أو الملك بالإتّفاق.

1. النور:35.
2. العين، ج4، ص 90ـ 91، باب (إلهَ).

18
ويرد عليه: أنّه يجوز أن يكون أصله الوصفية إلاّ أنّه نقل إلى العلمية.
والثاني: أنّ الترتيب العقلي يقتضي ذكر الذات ثم تعقيبه بذكر الصفات نحو زيد الفقيه الأُصولي النحوي، ثم إنّا نقول الله الرحمن الرحيم ولا نقول بالعكس، فنصفه ولا نصف به، فدلّ ذلك على أنّ الله اسم علم.
ويرد عليه: أنّ هذا لا يستلزم العلمية لجواز كونه اسم جنس أو صفة غالبة تقوم مقام العلم في كثير من الأحكام(1).
وسائر الوجوه يطلب من مظانّه. وعن سيبويه: انّه مشتقٌ، وأصله إله دخلت عليه الألف واللام فبقى الإله، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللاّم، وسقطت فبقى الله، فأُسكنت اللام الأُولى، وأُدغمت وفخم تعظيماً، لكنّه ترفق مع كسرة ما قبله.
وقيل: اشتقاقه من إله بالفتح الهة، أي عبد عبادة وانّه اسم جنس، يقال على كل معبود، ثم غلب على المعبود بالحق، وأمّا الله بحذف الهمزة فمختص بالمعبود الحق، ولم يطلق على غيره، ولأجل ذلك ذهب من ذهب إلى علميته.
وقيل: اشتقاقه من الهت إلى فلان، أي سكنت فإنّ النفوس لا تسكن إلاّ إليه، والعقول لا تقف إلاّ لديه، لأنّه غاية الحركات

1. شرح أُصول الكافي لملا صدرا، ص 236 في شرح حديث 2 من كتاب التوحيد، باب المعبود.

19
ومنتهى الأشواق والطلبات، كما برهن عليه في الحكمة الإلهية; ولأنّ الكمال محبوب لذاته، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.
وقيل: مَن أله في الشيء إذا تحير فيه، لأنّ العقل وقف بين الإقدام على إثبات ذاته نظراً إلى وجود مصنوعاته، والتكذيب لنفسه لتعالي ذاته عن ضبط وهمه ودركه.
وقيل: من الوله وهو ذهاب العقل.
وقيـل: مـن لاه بمعنـى ارتفـع، وهـو تعـالى مـرتفـع عـن شـوب مشـابهـة الممكنات، متعال عن وصمة(1) مناسبة المحدثات.
وقيل: من لاه يلوه، إذا احتجب، لأنّه بكنه صمديته محتجب عن العقول، فإنّه إنّما يستدلّ على كون الشعاع مستفاداً من الشمس بدورانها معها وجوداً وعدماً وطلوعاً وأُفولاً وشروقاً وغروباً، ولو كانت الشمس ثابتة في كبد السماء لما حصل اطمئنان بكون الشعاع مستفاداً منها، ولما كان ذاته تعالى باقياً على حاله، والممكنات على نظامها تابعة له باقية ببقائه، والمهيات معدومة بأنفسها، والأعيان مظلمة الذوات بذواتها، إلاّ أنّها مرائي للحقيقة الأول، ومجالي لظهور نوره، فاختفى الحق بالخلق، وظهر الخلق

1. الوصم: الفترة والكسل والتواني. نهاية ابن الأثير، ج5، ص 194، باب الواو مع الصاد، المكتبة العلمية، بيروت; المنجد حرف الواو: الوصم: العيب والعار والفترة في الجسد.

20
بنور الحق، فلا سبب لاحتجاب نوره، إلاّ كمال ظهوره، فالحق محتجب والخلق حجاب.
وقيل: من أله الفصيل إذا ولع بأُمّه، لأنّ العباد يتضرعون إليه في البليات، (وَإذا مَسَّ الناس ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبينَ إلَيْهِ).(1)
وقيـل: مـن ألـه الـرجل يـألـه، إذا فـزع مـن أمر نزل به فالهه أي أجره، والمجير لكل الخلائق من كل المضاد، هو الله ولا يجار عليه.

في بيان القول المختار في اشتقاقه وعلميته

وأقرب الوجوه المذكورة في اشتقاق هذا اللفظ المبارك أنّه مشتق من أله بالفتح الهة أي عبد عبادة. والمؤيد لذلك ما في الكافي باسناده عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد الله(عليه السلام) عن أسماء الله واشتقاقها، الله ممّا هو مشتق؟ فقال:«يا هشام: الله مشتق من إله، والإله يقتضي مألوهاً، والاسم غير المسمّى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد». الحديث.(2)
ثمّ الأصح أنّ الله اسم علم للذات المقدسة الجامعة لجميع

1. سورة الروم، آية33.
2. أُصول الكافي، ج1، ص 87 ، كتاب التوحيد، باب المعبود، حديث2.

21
الصفات العلياء والأسماء الحسنى، وبالجملة: المستجمعة لجميع صفات الكمالات.

في الاستدلال على علميته

والدليل على ذلك من وجوه:
منها: أنّه يوصف ولا يوصف به.
ومنها: أنّه لابدّ له من اسم يجري عليه صفاته ولا يصلح له ممّا يطلق عليه سواه، أي لفظ الجلالة.
ومنها: أنّه لو كان وصفاً كما قال به البيضاوي، لم يكن قول لا إله إلاّ الله توحيداً مثل لا إله إلاّ الرحمن فإنّه لا يمنع الشركة، وأيضاً على تقدير كونه وصفاً يصير المستثنى عين المستثنى منه، إذ الله أصله الإله على مامر وصرح به البيضاوي(1) وغيره أيضاً، حذفت الهمزة وعوّض عنها اللاّم والإله هو المعبود بالحق، فيصير المعنى: لا معبود بالحق إلاّ المعبود، وهذا خال عن الفائدة، إذ المستثنى عين المستثنى منه وهو غير جائز عند أهل اللسان.
في ردّ استدلال من قال بعدم علميته
وما مرّ من جواز أن يكون أصله الوصفية إلاّ أنّه نقل إلى العلمية مردود: بأنّ الأصل عدم النقل، ومقابل الأصح قول

1. تفسير البيضاوي،ج1، ص 160 في تفسير بسم الله... .

22
البيضاوي في تفسيره حيث قال: إنّه علم لمفهوم كلي هو المعبود بالحق، اشتهر استعماله في الجزئي لأنّ ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر غير معقول للبشر فلا يمكن أن يدلّ عليه بلفظ.(1)
والجواب عنه، بأنّ هذا إنّما يدلّ على أن لا يكون علماً واضعه البشر، لم لا يجوز أن يكون علماً واضعه هو الله تعالى، على أنّا نقول لم لا يجوز أن يتصوّره الواضع بوجه كلّي يعلم من البرهان انحصاره في الشخص المتجمع لجميع صفات الكمالات، المبدأ لكل ما سواه ثم وضعه له.
واستدلّ غير البيضاوي(2) أيضاً على عدم كونه علماً بأنّه لو كان علماً لكان ذكر الأحد في (قُل هُو الله أحد)بلا فائدة، إذ الذات المشخّص واحد بلا شبهة.

في بيان الفرق بين الواحد والأحد

ونردّ عليه، بالفرق بين الواحد والأحد، إذ الواحد هو الذات مع اعتبار كثرة الصفات، والأحد هو الذات وحدها بلا اعتبار كثرة فيها.
وبوجه آخر: أنّ الأحد لا ينقسم بوجه، وما هو مقابل المتعدّد هو الواحد لا الأحد، ولو فرض عدم الفرق بينهما لقلنا: إنّ ذكر

1. تفسير البيضاوي، ج1، ص 17، مؤسسة شعبان للنشر والتوزيع بيروت، وبهامشه حاشية الخطيب الكازروني.
2. مرآة العقول، للمجلسي، ج1، ص 304.

23
الأحد تأكيد ومبالغة للتوحيد، لنهاية الاهتمام برد القول بالاشتراك، وعدم توهّم حمل اللفظ على المعنى الكلي وإن كان مجازاً.
وحاصل الردّ: أنّ الأحد هو الذات وحدها بلا اعتبار كثرة فيها، أي الحقيقة المحضة، أي الوجود من حيث هو وجود، وبحت وجود بلا قيد عموم وخصوص، وشرط عروض ولا عروض، والواحد هو الذات مع الصفة، فعبّر عن الحقيقة المحضة غير المعلومة بكنهها بهو، وابدل عنها الذات مع جميع الصفات دلالة على أنّها عين الذات وحدها في الحقيقة، وأخبر عنها بالأحدية، ليدلّ على أنّ الكثرة الاعتبارية ليست بشيء في الحقيقة، وما أبطلت أحديته وما أثرت في وحدته، بل الحضرة الواحدية هي بعينها الحضرة الأحدية بحسب الحقيقة، كتوهّم القطرات في البحر مثلاً، واغتنم ذلك وكن من الشاكرين.
ومن أدلّة المانعين: أنّه لما كانت الإشارة ممتنعة في حقّه تعالى كان العلم له ممتنعاً.
ومنها: أنّ العلم للتمييز ولا مشاركة بينه وبين غيره بوجه، فلا حاجة إلى العلم.
وأُجيب عن الوجهين: بأنّ وضع العلم لتعيين الذات المتعينة ولا حاجة فيه إلى الإشارة الحسية، وبأنّه لا يتوقّف على حصول الشركة.

24

في بيان حديث من عبد الاسم دون المعنى فقد كفر

ومعنى قول الإمام في الحديث المذكور «مَن عبد الاسم دون المعنى»(1) أي من عبد مفهوم اللقب ومعنى المشتق دون الهوية الإلهية والذات الأحدية فقد كفر، لأنّه عبد الشيء الّذي لا وجود له، إذ المفهوم الكلّي لا يوجد نفسه إلاّ في الوهم، والله منزّه عن أن يكون مفهوماً كلياً، وقوله: «ومن عبد الاسم والمعنى»، أي عبد مدلول اللفظ الكلّي وعبد الذات الحقيقية جميعاً، فقد أشرك، إذ عبد اثنين وضم مع المعبود الحقيقي غيره في العبادة.
وقوله(عليه السلام): «ومَن عبد المعنى» أي الحقيقة الإلهية بإيقاع الأسماء عليه بمعانيها ومدلولاتها الكلية، وهو المراد بقوله(عليه السلام) في حديث آخر قبل ذلك: ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه كما في قوله تعالى:(وَهُوَ السَّميعُ الْعَليم)(2)،(وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيم)(3)، وغير ذلك من صفاته التي وصف بها نفسه.(4)
ولا شك أنّها معان مختلفة ومفهومات متكثّرة لكنّها مع اختلافها وكثرتها ممّا يصدق على ذات واحد أحد ليس فيه شوب

1. الكافي، ج1، ص 87 ، باب المعبود،حديث2.
2.سورة العنكبوت، آية5.
3. سورة الحديد، آية1.
4. راجع سورة الرروم، آية54.

25
كثرة بوجه من الوجوه أصلاً، لأنّه محض حقيقة الوجود والوجود الصرف الّذي لا أتمّ منه.
ولهذه الصفات ليست ممّا يقتضي وجودها في شيء كثرة لا في الذات ولا في الجهات.

في دفع شبهة من قال: إنّ الحقيقة الإلهية غير مدركة فمن أين يعرف اتّصافها بالصفات؟

فإن قلت: إذا استحال حصول الحقيقة الإلهية، والهوية الأحدية الوجودية في شيء من المدارك والعقول، فمن أين يعرف اتّصافه بهذه الصفات، وكيف يحكم عليه بصدق مدلولات لهذه الأسماء؟
فالجواب بأنّ البرهان العقلي يؤدّي بنا إلى أن نعتقد أنّ سلسلة افتقار الممكنات ينتهي إلى مبدأ موجود بذاته بلا سبب، وأنّه أحدىّ الذات بلا تركيب بوجه، وكونه تام الحقيقة بلا نقص وقصور، وأنّه صرف الحقيقة التي لا أتمّ منه، وأنّ له من كل ما هو كمال الموجود بما هو موجود غاياتها ونهاياتها، وحيث لا مخرج عن النقيضين فله من كل صفة كمالية ونعت وجودي أشرفها وأتمّها وأرفعها، فله الأسماء الحسنى، والصفات العظمى، والأمثال العلياء، وبالجملة ليس من شرط الحكم على أمر بمحمولات عقلية وأوصاف كلية، أن يوجد ذات الموضوع في العقل، ويتصوّر ويتمثّل فيه بالكنه، بل يكفي لذلك تصور مفهوم عنواني، يجعل

26
عنواناً لقصد حملي يجزم العقل بسراية الحكم الموقع على العنوان إلى ما يطابقه في الواقع، وإن لم يدرك العقل كنهه. كذا حقّقه صدر المتألهين.(1)

في جواب إشكال أوردوا على الحديث المذكور

وهاهنا بحث لفظي، وهو أنّه قال في الشق الأوّل:«فقد كفر ولم يعبد شيئاً»، وفي الشق الثاني:«فقد أشرك وعبد اثنين».
فيرد عليه: أنّ عبادة الاسم إن لم يكن عبادة فكيف وقع الإشراك في الثاني؟ وإن كان عبادة فكيف حكم في الأوّل بأنّه لم يعبد شيئاً؟
والجـواب: أنّ المـراد فـي الأوّل أنّـه مَـن عبـد الاسـم لـم يعبـد شيئـاً محقّقـاً فـي الـواقـع، بـل أمـراً وهميّـاً، لأنّ المـراد مـن الاسـم هـو المفهـوم الـذهنـي الّـذي لا ثبـوت لـه فـي العيـن، ففـي عبـادة الاسـم وجـدت العبـادة لغيـر معبـود مـوجـود، وفـي عبـادة الاسـم والمعنـى وجـدت العبادتان إحداهما لشيء والأُخرى لغير شيء.
ففي الشق الثاني وقع الاشتراك في نفس العبادة، والوجه الآخر: أنّ مَن عبد الاسم مجرداً أو مع المعنى فليس يعبد شيئاً محقّقاً. لكنّه زعم العابد أنّه عبد أمراً محقّقاً، فوقع في الشق الثاني

1. مفاتيح الغيب:162.

27
الاشتراك في العبادة والمعبود جميعاً على اعتقاده وزعمه، فيكون كافراً.

في بيان عينية صفاته تعالى شأنه

وفي المقام تحقيق، وهو: أنّ الحق الأوّل تعالى ذاته نفس الوجود الصرف بلا مهية أُخرى، فجميع مفهومات الأسماء والصفات خارجة عنه فصدقها وحملها عليه ليس كصدق الذاتيات على المهية، إذ لا مهية له كلية، ولا كصدق العرضيات إذ لا قيام لأفرادها بذاته تعالى، ولكن ذاته تعالى بذاته الأحدية البسيطة ممّا ينتزع منه هذه المفهومات وتحمل عليه.
فالمفهومات كثيرة والجميع غيره، والذات وجود واحد بسيط بنفسه موجود، فالكلّ بحسب المفهوم غيره، وخارج عنه، وبحسب المصداق عينه، ومن هذه الجهة يشبه حملها عليه حمل الذاتيات، وليس بذاك إذ لا مهية له.
ولذلك قال(عليه السلام) في آخر ذلك الحديث: «إنّ لله تسعة وتسعين اسماً» فلو كان الاسم عين المسمّى، لكان كلّ اسم إلهاً! أي لو كان مفهوم كل اسم عين الذات الأحدية المسمّاة به، لكان كل مفهوم إلهاً آخر، ولكان في الوجود تسعة وتسعون إلهاً!! تعالى القيوم عن ذلك علوّاً كبيراً.
ومن ذلك التحقيق ظهر معنى عينية الصفات على مذهب

28
الإمامية، وقد برهنّاه أيضاً ببراهين أُخرى في كتابنا الكبير المسمّى بـ«كفاية المؤمنين لدفع المخالفين».(1)

في بيان معنى النور

ثمّ النور هو الظاهر بذاته والمظهر لغيره، وقيل الضياء أقوى منه وأتم، ولذلك أُضيف للشمس في قوله:(جَعَلَ الشَّمْس ضياء والقَمَرَ نُوراً)(2)، وقد يفرق بينهما بأنّ الضياء ضوء ذاتي والنور ضوء عارضي.
والحقّ ما حقّقه بعض المحقّقين: من أنّ النور هو الظاهر بذاته المظهر لغيره، وهو القدر المشترك بين جميع مراتبه، من الضوء وضوء الضوء، والظل وظل الظل في كلّ بحسبه.
وهذا المعنى حق حقيقة الوجود إذ كما أنّها الموجودة بذاتها وبها توجد الماهيات المعدومة بذواتها، بل لا موجودة ولا معدومة، كذلك تلك الحقيقة ظاهرة بذاتها مظهرة لغيرها من الأعيان والماهيات المظلمة بذواتها، بل لا مظلمة ولا نورية، فمراتب الوجود من الحقائق والرقائق والأرواح والأشباح والأشعة والأظلة، كلّها أنوار لتحقّق هذا المعنى فيها، حتى في الأشباح المادية وأظلال الأظلال السفلية. إذ كما أنّ شعاع الشعاع الذي

1. راجع: تراجم الرجال للحسيني، ج1، ص 335.
2. سورة يونس، آية5.

29
يدخل من البيت الأوّل إلى البيت الثاني بل إلى الثالث وهكذا بالغاً ما بلغ، نور ظاهر بالذات مظهر للغير، وإن كان بنحو الضعف في الصفتين.
كذلك الوجودات المادية المعدودة عند الإشراقيين من الغواسق(1) والظلمات، كلّها أنوار لكونها ظاهرة بذواتها بما هي وجودات مظهرة لمهياتها، بل نفس المادة التي هي أظلم الظلمات وأوحش الموحشات المعبر عنها عند الأقدمين بالظلمة والهادية، نور، وكيف لا وهي أحد من أنواع الخمسة الجوهرية، والجوهر من أقسام الموجود، والوجود نور.
إن قلت: كيف تكون جوهراً وقد تقرر عندهم أنّها نوع بسيط واستعداد محض والاستعداد عرض.
قلت: كما أنّ العلم له مراتب: مرتبة منه كيف نفساني، ومرتبة منه جوهر مفارق برزخي كعلم النفس بذاتها، ومرتبة منه جوهر مفارق محض كعلم العقل بذاته، ومرتبة منه واجب الوجود، كعلم الواجب تعالى بذاته وبغيره، فانظر إلى حقيقة واحدة وسعة مراتبها وقصيا منازلها في جانبي العلو والدنو; كذلك الاستعداد والقوة، فمرتبة منه عرض كالكيفيات الاستعدادية، ومرتبة منه استعداد بسيط متجوهر وقوة محضة جوهرية.

1. غواسق: يقال غسق يغسق غسوقاً فهو غاسق إذا أظلم وأغسق مثله. نهاية ابن الأثير، ج3، ص 366.

30
وهذا معنى قولهم الهيولى جوهر مستعد جنسه مضمن في فصله، وفصله مضمن في جنسه.
إن قلت: قد اشتهر عنهم أنّ قسط الهيولى من الوجود قوة الوجود، فكيف قلتم: إنّها موجودة وقوة الشيء ليس بشيء؟
قلت: قوة الوجود ليس لوجود، أي ليس بفعل، وأمّا الوجود الذي يشمل القوة والفعل فكلاّ، وهو الوجود الذي يقابل العدم، لا الذي بمعنى الفعل، فقوة الوجود في ذاتها وبالنسبة إلى العدم المطلق وجود، وذات حظ من الوجود المطلق ليست مقابلة له، وإن قابلت الوجود الخاص الفعلي.
كما أنّ ظل النور الحسي ليس بنور، أي ليس بشعاع مقابل ومواجه للنيّر، وإن كان نوراً في ذاته، وبالنسبة إلى الظلمة الصرفة، وذا حظ من النور المطلق، بمعنى الظاهر بذاته المظهر لغيره، حتى عكس العكس، وعكس عكس العكس، وهكذا من اللواتي في حكم المقابل للنيّر وليس مقابلاً للنور المطلق، وإن قابل النور الخاص، بمعنى الشعاع المقابل للنير فالهيولى نور، وإن كان في غاية الضعف، والصورة الامتدادية الإطلاقية نور فوق نور، وهكذا الصور الطبيعية والصور الشخصية والنفوس والعقول، كلّها أنوار بعضها فوق بعض، والله بكلّ شيء محيط. انتهى.(1)

1. شرح الأسماء الحسنى، ج1، ص166ـ 167.

31

تحقيق عرفاني

روي عن بعض أهل المعرفة: أنّ أوّل ما يبدو في قلب العارف ممّن يريد الله سعادته نور، ثم يصير ذلك النور ضياء، ثم يصير شعاعاً، ثم يصير نجوماً، ثم يصير قمراً، ثم يصير شمساً، فإذا ظهر النور في القلب بردت الدنيا في قلبه بما فيها، فإذا صار ضياء تركها وفارقها، فإذا صار شعاعاً انقطع منها وزهد فيها، فإذا صار نجوماً فارق الدنيا ولذّاتها ومحبوباتها، فإذا صار قمراً زهد في الآخرة وما فيها، فإذا صار شمساً لا يرى الدنيا وما فيها، ولا الآخرة وما فيها ولا يعرف إلاّ ربه، فيكون جسده نوراً وقلبه نوراً وكلامه نوراً، وأمّا المحرومون من هذه الأنوار، فهم الّذين أشار الله إليهم بقوله:(الّذِينَ كانَتْ أعيُنُهُمْ فِي غِطاء عَن ذِكْرِي)(1). انتهى.(2)

في معنى السماوات

ثم السماوات: جمع السماء وتجمع على اسميته أيضاً، وهي تُذكّر و تؤنِّث، قال الله تعالى:(السّماء منفطر)(3).
وعن ابن الأنباري: إنّ التذكير قليل وهو على معنى السقف، والنسبة إلى السماء سمائي بالهمزة على لفظها، وسماوي بالواو

1. سورة الكهف، آية101.
2. راجع تفسير صدرالمتألهين; تفسير خواجه عبدالله الأنصاري.
3. سورة المزمّل، آية 18.

32
اعتباراً بالأصل.(1)
والمـراد بالسمـاوات فـي الآية: الأفـلاك، والكليـة منهـا كمـا في التجـريـد تسعـة: واحـد غيـر مكـوكب محيط بالجميـع، وتحتـه الفلك الثوابت، ثم أفلاك الكواكب السبعة السيارة، ويشمل على أفلاك تداوير وخارجة المراكز، والمجموع أربعة وعشرون، ويشتمل على سبعة سيارة وألف ونيف وعشرين كوكباً ثوابت، والكلّ بسائط خالية عن الكيفيات الفعلية والانفعالية ولوازمها شفافة.

في معنى الأرض

ثمّ الأرض ـ وهي مؤنثة ـ :اسم جنس(2) يفرق بينه وبين واحده بالتاء، والجمع أرضات.
وفي الصحاح: وزعم أبو الخطاب أنّهم يقولون أرض وآراض كما قالوا أهل وآهال، والأراضي أيضاً على غير قياس كأنّهم جمعوا أرضاء، وتجمع أيضاً على أرضين بفتحتين. وهي باردة يابسة ساكنة في الوسط، شفافة.(3)

1. نقله عنه الطريحي في مجمع البحرين، ج2، ص 429، مادة «سمو».
2. لسان العرب، ج7، ص 111، مادة «أرض».
3. الصحاح، ج3، ص 1063، مادة «أرض».

33

في بيان أنّ الأرض شفّافة

وما قيل: من أنّ الحكم بشفوف الأرض يوجب الحكم بأن لا يقع خسوف أصلاً، إذ لو كان ينفذ شعاع الشمس في الأرض فأي شيء يحجب نورها عن القمر.
فمردود بما نقل عن الشيخ الرّئيس: من أنّه لو كان لنا سبيل إلى مصادفة الأرض الخالصة، لكنّا نجدها خالية عن الألوان وكنّا نجدها شفافة. انتهى.
فكون الطبقة المحيطة بالمركز لا ينافي انخساف القمر أصلاً لكون الطبقتين الأخيرتين المحيطتين بهذه الطبقة، كثيفتين، و ما يدلّ على كون هذه الطبقة شفافة،ما يحكى عن بعض الأعاظم: انّه حفر له قناة فخرج من البئر ما يحسّ بثقله وصلابته من غير أن يحس بالبصر.
ثمّ إنّ لها ثلاث طبقات:
الأُولى: الأرض المخالطة بغيرها التي يتولد فيها الجبال والمعادن، وكثير من النباتات والحيوانات.
الثانية: الطبقة الطينية.
الثالثة: الأرض الصرفة المحيطة بالمركز.
وهي أي الأرض طالبة للسفل على الإطلاق تامة الكروية(1)

1. (شكل الأرض الحقيقي) الأرض كروية ولكن ليست تامة التكور، بل هي من جهة خط الاستواء أكثر انتفاخاً منها من جهة القطبين. وقد قاس العلماء محيط الأرض من خط الاستواء ومحيطها من جهة القطبين فوجدوا انّ تلك الدائرة من جهة خط الاستواء تزيد عن نظيرتها من جهة القطبين بنحو سبعين كيلومتراً. دائرة المعارف لفريد وجدي، ج1، ص 184ـ 185.

34
حساً، مغمورة(1) أكثر مواضعها في الماء على المشهور.
والحق أنّ القدر المكشوف منها ليس منحصراً في ربعها كما اشتهر فى الألسن وكتب الهيويين لما وجده بعض الدول الخارجة من القرى الّتي تسمّى بنيك الدنيا.
ثمّ المثل بمعنى الشبه والجمع أمثال، وبمعنى الصفة أيضاً، وهو المراد هاهنا، أي صفة نوره العجيبة كصفة مشكاة.
وعن الفراء: المشكاة كوة غير نافذة يوضع فيها المصباح، وقيل: إنّها رومية معربة.
وقال الزجاج: يجوز أن تكون عربية، لأنّ في الكلام مثل لفظها شكوة وهي قربة صغيرة، فعلى هذا تكون مفعلة منها.
والمصباح: السراج الضخم، قيل: وأصله من البياض. والأصبح: الأبيض.
ثم الكوكب جسم كروي مصمت نوري.
والدري ـ بضم الدال ـ : الثاقب المضيء الشديدة الإنارة نسب إلى الدرّ لبياضه وإن كان أكثر ضوءاً منه.

1. الغمر ـ بفتح الغين وسكون الميم ـ: الكثير، أي يغمر من دخله ويغطيه. نهاية ابن الأثير، ج 3، ص 383، مادة «غمر».

35

المصباح الأوّل: فيما قاله الطبرسي في تفسير آية النور

في ما قاله شيخنا الطبرسي(رحمه الله):(اللهُ نور السموات والأرض)الآية، اختلف في معناه على وجوه:
أحدها: الله هادي أهل السماوات والأرض، إلى ما فيه مصالحهم. عن ابن عباس.
والثانى: الله منوّر السماوات والأرض بالشمس والقمر والنجوم. عن الحسن وأبي العالية والضحّاك.
والثالث: مزيّن السماوات بالملائكة ومزيّن الأرض بالأنبياء والعلماء. عن أُبي بن كعب، وإنّما ورد النور في صفة الله تعالى، لأنّ كلّ نفع وإحسان وإنعام منه، وهذا كما يقال: فلان رحمة وفلان عذاب إذا كثر فعل ذلك منه.
وعلى هذا قول الشاعر:
ألم تر أنا نور قوم وإنّما *** يبين في الظلماء للناس نورها
وإنّما المعنى: إنّا نسعى فيما ينفعهم ومنّا خيرهم.(1)

في بيان معنى مثل نوره

ثم قال: في بيان (مَثَلُ نُورِه): فيه وجوه:
أحدها: أنّ المعنى مثل نور الله الذي هدى به المؤمنين، وهو الإيمان في قلوبهم. عن أُبي بن كعب، والضحاك. وكان أُبي يقرأ:

1. تفسير مجمع البيان، جزء7ـ8 ، ص 143.

36
مثل نور من آمن به.
والثاني: مثل نوره الذي هو القرآن في القلب. عن ابن عباس، والحسن، وزيد بن أسلم.
والثالث: أنّه عنى بالنور محمّداً(صلى الله عليه وآله)، وأضاف إلى نفسه تشريفاً له. عن كعب، وسعيد بن جبير. فالمعنى مثل محمّد رسول الله(صلى الله عليه وآله).
الرابع: أنّ نوره سبحانه الأدلّة الدالة على توحيده وعدله التي هي في الظهور والوضوح مثل النور. عن أبي مسلم.
والخامس: أنّ النور هنا الطاعة، أي: مثل طاعة الله في قلب المؤمن. عن ابن عباس في رواية أُخرى.
ثمّ قال بعد كلام طويل: واختلف في هذا المشبه والمشبه به على أقوال:
أحدها: أنّه مثل ضربه الله لنبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله)، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح فيه النبوّة. لا شرقية ولا غربية، أي لا يهودية ولا نصرانية. توقد من شجرة مباركة، يعني شجرة النبوة، وهي إبراهيم. يكاد نور محمد(صلى الله عليه وآله) يبين للناس ولو لم يتكلم به، كما أنّ ذلك الزيت يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، أي تصبه النار. عن كعب وجماعة من المفسرين.(1)
وقد قيل أيضاً: إنّ المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل،

1.نفس المصدر، ص 143.

37
والمصباح محمّد(صلى الله عليه وآله)، كما سمّي سراجاً في موضع آخر(1).
(من شجرة مباركة) يعني: إبراهيم، لأنّ أكثر الأنبياء من صلبه.
لا شرقية ولا غربية: لا نصرانية ولا يهودية، لأنّ النصارى تصلّي إلى المشرق، واليهود تصلّي إلى المغرب.
يكاد زيتها يضيء: أي تكاد محاسن محمّد(صلى الله عليه وآله) تظهر قبل أن يوحى إليه.
نور على نور: أي نبي من نسل نبي. عن محمد بن كعب.
وقيل: إنّ المشكاة عبد المطلب، والزجاجة عبد الله، والمصباح هو النبي(صلى الله عليه وآله)، لا شرقية ولا غربية بل مكية، لأنّ مكة وسط الدُّنيا. عن الضحاك.
وروي عن الرضا(عليه السلام) أنّه قال: «نحن المشكاة فيها المصباح محمّد يهدي الله لولايتنا من أحبّ».(2)
وفي كتاب «التوحيد» لأبي جعفر بن بابويه رحمه الله تعالى بالأسناد عن عيسى بن راشد، عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) في قوله: (كمشكوة فيها مصباح): قال:نور العلم في صدر النبي(صلى الله عليه وآله)المصباح في زجاجة، الزّجاجة صدر علي(عليه السلام)، صار علم النبي إلى صدر علي، علم النبي عليّاً يوقد من شجرة مباركة نور العلم، لا شرقية ولا غربية لا يهودية ولا نصرانية، يكاد زيتها يضيء، ولو لم

1. نفس المصدر.
2.نفس المصدر.

38
تمسسه نار، قال: يكاد العالم من آل محمّد(صلى الله عليه وآله) يتكلّم بالعلم قبل أن يسأل، نور على نور أي إمام مؤيد بنور العلم والحكمة في أثر إمام من آل محمد(صلى الله عليه وآله)، وذلك من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة. فهولاء الأوصياء الّذين جعلهم الله خلفاء في أرضه، وحججه على خلقه، لا تخلو الأرض في كلّ عصر من واحد منهم. إلى آخر ما قال(1).
ثم قال الشيخ: وتحقيق هذه الجملة يقتضي أنّ الشجرة المباركة المذكورة في الآية هي دوحة التقى والرضوان، وعترة الهدى والإيمان، شجرة أصلها النبوة، وفرعها الإمامة، وأغصانها التنزيل، وأوراقها التأويل، وخدمها جبرئيل وميكائيل.(2)
وثانيها: أنّه مثل ضربه الله للمؤمن، والمشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح الإيمان، والقرآن في قلبه، يوقد من شجرة مباركة هي الإخلاص لله وحده لا شريك له، فهي خضراء ناعمة كشجرة التف بها الشجر، فلا يصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك المؤمن قد احترز من أن يصيبه شيء من الفتر فهو بين أربع خلال: إن أُعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس، كالرجل الحي يمشي بين القبور، نور على نور، كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى الجنة نور يوم

1. التوحيد للصدوق، ص 158، حديث4.
2.مجمع البيان، جزء7ـ8 ، ص 143 ومابعدها.

39
القيامة. عن أبي بن كعب.
وثالثها: أنّه مثل القرآن في قلب المؤمن فكما أنّ هذا المصباح يستضاء به، وهو كما هو لا ينقص، فكذلك القرآن يهتدى به ويعمل به، فالمصباح هو القرآن والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي، يكاد زيتها يضيء، يكاد حجج القرآن تتضح وإن لم تقرأ.
وقيل: يكاد حجج الله على خلقه تضيء لمن تفكّر فيها وتدبّرها، ولو لم ينزل القرآن، نور على نور، يعني أنّ القرآن نور مع سائر الأدلّة قبله، فازدادوا به نوراً على نور. عن الحسن وابن زيد.
وعلى هذا فيجوز أن يكون المراد ترتّب الأدلّة، فإنّ الدلائل يترتّب بعضها على بعض ولا يكاد العاقل يستفيد منها، إلاّ بمراعاة الترتيب، فمن ذهب عن الترتيب فقد ذهب عن طريق الاستفادة وقال مجاهد: ضوء نور السراج على ضوء نور الزيت على ضوء الزجاجة.(1)

المصباح الثاني: في تفسيرها كما في الصافي

في ما قاله الفيض(2) في تفسير هذه الآية: (الله نور السموات والأرض) الآية: أي الظاهر بنفسه، المظهر لهما بما فيهما.

1. مجمع البيان، ج7ـ8 ، ص 142ـ143.
2. التفسير الصافي، ج3، ص 434ـ 436.

40
وفي «التوحيد» عن الرضا(عليه السلام) «لهاد لأهل السماوات وهاد لأهل الأرض».
قال: وفي رواية البرقي: هدى مَن في السماوات وهدى من في الأرض.(1)
ثم قال في «التوحيد» عن الصادق(عليه السلام):«هو مثل ضربه الله تعالى لنا».(2)
وعنه(عليه السلام)(الله نور السموات والأرض) قال: كذلك الله عزّ وجلّ. (مثل نوره)، قال: محمد. (كمشكوة)، قال: صدر محمد. (فيها مصباح)، قال: فيه نور العلم، يعني النبوّة. (المصباح في زجاجة)، قال: علم رسول الله صدر إلى قلب علي(عليه السلام):(الزجاجة كأنّها) قال: كأنّه (كوكب درّي يوقد من شجرة مباركة زيتونة). (لا شرقية ولا غربية)، قال: ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، لا يهودي ولا نصراني. (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار)، قال: يكاد العلم يخرج من فم العالم من آل محمّد من قبل أن ينطق به، (نور على نورٌ) قال: الإمام في أثر الإمام.(3) وفي معناه أخبار أُخر.(4)
وفي «الكافي» عن الباقر(عليه السلام) في حديث يقول: أنا هاد

1. التوحيد، ص 155، الحديث 1، الباب15 في تفسير قوله:(الله نور السماوات...).
2. المصدر نفسه، ص 157، الحديث2.
3. التوحيد، ص 157، الحديث3.
4. راجع التوحيد، ص 158، الحديث 4و 5.

41
السماوات والأرض، مثل العلم الذي أعطيته، وهو نور الذي يهتدي به، مثل المشكاة فيها المصباح، فالمشكاة قلب محمد(صلى الله عليه وآله)والمصباح نوره الذي فيه العلم، وقوله: المصباح في زجاجة يقول: إنّي أُريد أن أقبضك فاجعل الذي عندك عند الوصي كما يجعل المصباح في الزجاجة، كأنّها كوكب دريٌّ، فأعلمهم فضل الوصي. يوقد من شجرة مباركة، فأصل الشجرة المباركة إبراهيم، وهو قول الله عزّوجلّ (رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الْبَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)(1)، وهو قول الله:(إنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِين* ذُرِيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).(2) (لا شرقية ولا غربية)، يقول: لستم بيهود فتصلّوا قبل المغرب، ولا نصارى فتصلّوا قبل المشرق، وأنتم على ملة إبراهيم، وقد قال الله عزّ وجلّ: (ما كانَ إبراهيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرانِيّاً وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كانَ مِنَ الْمُشْرِكين)(3). وقوله:(يكاد زيتها يضيء)يقول: مثل أولادكم الّذين يولدون منكم مثل الزيت الذى يعصر من الزيتون... يكادون أن يتكلموا بالنبوّة ولو لم ينزل عليهم ملك».(4)

1. سورة هود، آية73.
2. سورة آل عمران، آية 32ـ 33.
3. سورة آل عمران، آية67.
4. الكافي(الروضة)، ج8 ، ص 379، حديث 574.

42
والقمي(1) عن الصادق(عليه السلام)، عن أبيه في هذه الآية: (الله نور السموات والأرض)قال: بدأ بنور نفسه (مثل نوره) مثل هداه في قلب المؤمن، (كمشكاة فيها مصباح)، المشكاة جوف المؤمن،والقنديل قلبه، والمصباح النور الّذي جعله الله فيه، (توقد من شجرة مباركة)، قال: الشجرة المؤمن. (زيتونة لا شرقية ولا غربية) قال: على سواء الجبل لا غربية أي لا شرق لها، ولا شرقية أي لا غرب لها، إذا طلعت الشمس طلعت عليها،وإذا غربت غربت عليها،((يكاد زيتها) يعني)(2) يكاد النور الّذي جعله الله في قلبه (يضيء) وإن لم يتكلم، (نور على نور) فريضة على فريضة وسنة على سنة، (يهدي الله لنوره من يشاء)، قال: يهدي الله لفرائضه وسننه من يشاء، (ويضرب الله الأمثال للناس)، قال: فهذا مثل ضربه الله للمؤمن، قال: فالمؤمن ينقلب في خمسة من النور: مدخله نور ومخرجه نور وعلمه نور وكلامه نور ومصيره يوم القيامة إلى الجنة نور. قال الراوي: قلت لجعفر(عليه السلام): إنّهم يقولون مثل نور الرب، قال سبحان الله ليس لله مثل أما قال: (فلا تضربوا لله الأمثال).(3)

1. تفسير القمّيّ، ج2، ص 103.
2. من المصدر.
3. سورة النحل، آية74.

43

المصباح الثالث: فيما قاله البيضاوي

في ما قاله البيضاوي في تفسير هذه الآية، (الله نور السماوات والأرض)، الآية النور: في الأصل كيفية تدركها الباصرة أوّلاً وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيّرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلاّ بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم بمعنى ذو كرم، أو على تجوّز، إمّا بمعنى منوّر السماوات والأرض وقد قرئ به فإنّه تعالى نوّرهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار، أو بالملائكة والأنبياء، أو مدبرهما من قولهم للرئيس الفائق في التدبير نور القوم لأنّهم يهتدون به في الأُمور، أو موجدهما فإنّ النور ظاهر بذاته مظهر لغيره، وأصل الظهور هو الوجود، كما أنّ أصل الخفاء هو العدم، والله سبحانه موجود بذاته موجد لماعداه، إلى أن قال: وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه:
الأوّل: أنّه تمثيل للهدى الذي دلّ عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة، أو تشبيه للهدى من حيث إنّه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح، وإنّما ولي الكاف المشكاة لاشتمالها عليه، وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس، أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها، ويؤيده قراءة أُبيّ: مثل نور المؤمن، أو تمثيل ما منح الله

44
به عباده من القوى الدّراكة الخمس المترتبة، التي ينوط بها المعاش والمعاد، وهي الحساسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس، والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت، والعقلية التي يدرك الحقائق الكلية، والمفكّـرة وهـي التـي تؤلّـف المعقـولات ليستنتج منهـا علـم مـا لم يعلم، والقـوة القدسيـة التـي تتجلـى فيهـا لـوائح الغيب، وأسـرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء والمعيّنة بقوله تعالى:(ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا)، بالأشياء الخمسة المذكـورة في الآية، وهي المشكاة والزّجاجة والمصباح والشجرة والـزيت، فإنّ الحساسة كالمشكاة، لأنّ محلها كالكوى ووجهها إلى الظاهر لا يدرك ماوراءها واضاءتها بالمعقولات لا بالذات.
والخيـاليـة: كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها للأنـوار العقلية وإنارتها بما تشتمل عليها(1) من المعقولات.
والعاقلة: كالمصباح لإضاءتها بالإدراكات الكلّية والمعارف الإلهية.
والمفكرة: كالشجرة المباركة لتأديها إلى ثمرات لا نهاية لها.
الزيتونة: المثمرة للزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون

1. في المصدر: عليه.

45
شرقية ولا غربية لتجردها عن اللواحق الجسمية، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة في القبيلين منتفعة من الجانبين، والقوة القدسية كالزيت فإنّها لصفائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكّر ولا تعليم، أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك، فإنّها في بدء أمرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكاة، ثم تنتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات، بحيث تتمكن من تحصيل النظريات، فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للأنوار، وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة، وإن كان بالحدس فكالزيت، وإن كان بقوة قدسية فكالّذي يكاد زيتها يضيء، لأنّها تكاد تعلم، ولو لم تتصل بملك الوحي والإلهام الذي مثله النار من حيث إنّ العقول يشتعل عنها، ثم إذا حصلت لها العلوم بحيث تتمكن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح، فإذا استحضرتها كانت نوراً على نور.(1)
المصباح الرابع: فيما روي عن الكافي في تفسير هذه الآية وتأويلها    ففيه باسناده عن صالح بن سهل الهمداني قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام)في قول الله عزّوجلّ:(الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح)الحسن(عليه السلام)(المصباح في زجاجة)

1. تفسير البيضاوي، الجزء الرابع، ص 80ـ81.

46
الحسين(عليه السلام) (الزجاجة كأنّها كوكب درّي)فاطمة(عليها السلام)كوكب درّي بين نساء أهل الدنيا، (يوقد من شجرة مباركة) إبراهيم على نبيّنا وآله وعليه السلام، (زيتونة لا شرقية ولا غربية)، لا يهودية ولا نصرانية، (يكاد زيتها يضيء)، يكاد العلم ينفجر منها،(ولو لم تمسسه نار نور على نور)، إمام منها بعد إمام، (يهدي الله لنوره من يشاء): يهدي الله، للأئمة من يشاء، (ويضرب الله الأمثال). الحديث.(1)
وفي غير الكافي: روي عن النبي(صلى الله عليه وآله) في قول الله عز وجل: (الله نور السموات والأرض)، أنّه قال: يا علي النور: اسمي، والمشكاة: أنت، والمصباح: الحسن والحسين، (والزجاجة): علي بن الحسين، (كأنّها كوكب دري): محمد بن علي، (توقد من شجرة): جعفر بن محمد، (مباركة): موسى بن جعفر، (زيتونة)علي بن موسى، (لا شرقية): محمّد بن علي، (ولا غربية): علي بن محمد، (يكاد زيتها):الحسن بن علي، (يضيء): القائم المهدي صلوات الله عليهم أجمعين.(2)

1. الكافي، ج1، ص 195، الحديث5.
2. إثبات الهداة، ج1، ص 668، الحديث 887; المناقب لابن شهر آشوب، ج1، ص 280.

47

المصباح الخامس: في ما قاله محيي الدين في تفسيره

في ما قاله محيي الدين بن عربي في تفسير هذه الآية:(الله نور السموات والأرض)، الآية: النور هو الذي يظهر بذاته وتظهر الأشياء به، وهو مطلقاً: اسم من أسماء الله تعالى باعتبار شدة ظهوره، وظهور الأشياء به كما قيل:
خفي لأفراط الظهور تعرضت *** لإدراكه أبصار قوم أخافش(1)
وحظ العيون الرزق من نور وجهه *** كشدة حظ العيون العوامش(2)
ولمّا وجد بوجوده، وظهر بظهوره، كان نور السماوات والأرض، أي مظهر سماوات الأرواح وأرض الأجساد، وهو الوجود المطلق الذي وجد به ما وجد من الموجودات والإضاءة.
مثل نوره: صفة وجوده وظهوره في العالمين بظهورها به، كمثل مشكاة فيها مصباح، وهي إشارة إلى الجسد لظلمته في نفسه، وتنوّره بنور الروح الّذي أُشير إليه بالمصباح، وتشبكه بشباك الحواس، وتلألؤ النور من خلالها كحال المشكاة مع المصباح.

1. الأخافش: جمع الأخفش من الخفش وهو الّذي يبصر الشيء بالليل ولا يبصره بالنهار(منه).
2. العوامش: العمش بالتحريك في العين ضعف الرؤية مع سيلان وسعها في أكثر أوقاتها.(منه)

48
والزجاجة إشارة إلى القلب المتنوّر بالروح المنور لما عداه بالإشراق عليه، تنوّر القنديل كله بالشعلة وتنويره لغيره، وشبه الزجاجة بالكوكب الدري لبساطتها وفرط نوريتها وعلو مكانها وكثـرة شعـاعهـا كمـا هـو الحـال في القلب، والشجـرة التـي تـوقد منها هذه الزجاجة هي النفس القدسية المزكاة الصافية شبهت بها لتشعّب فروعها وتفنّن قواها، نابتة من أرض الجسد ومتعالية أغصانها في فضاء القلب إلى سماء الروح وصفت بالبركة لكثرة فوائدها ومنافعها من ثمرات الأخلاق والأعمال والمدركات، وشدة نمائها بالترقّي في الكمالات وحصول سعادة الدارين، وكمال العالمين بها، وتوقّف ظهور الأنوار والأسرار والمعارف والحقائق والمقامات والمكاسب والأحوال والمواهب عليها.
المصباح السادس: في بيان ما قاله الشيخ الرئيس في هذه الآية
وخصّت بالزيتونة لكون مدركاتها جزئية مقارنة لنوء(1)اللواحق الماديّة كالزيتون، فإنّه ليس كلّه لبّاً، ولوفور قلّة استعدادها للاشتعال والاستضاءة بنور نار العقل الفعال، الواصل إليها بواسطة الروح والقلب، كوفور الدهنية القابلة لاشتعال الزيتون، ومعنى

1. النوء: قال في مجمع البحرين في قوله تعالى: (ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة)أي تنهض بها. وفي المنجد: نوأ أي نهض بجهد ومشقة. وقال في النهاية لابن الأثير ج 5 ص122ـ123: وفي حديث الّذي قتل تسعاً وتسعين نفساً(فناء بصدره) أي نهض. ويحتمل أنّها بمعنى نأى أي بعد. وجيء بمعان أُخر منها سقوط النجم في المغرب وطلوعه، وبمعنى النبات والبقل أيضاً.

49
كونها (لا شرقية ولا غربية)أنّها متوسطة بين غرب عالم الأجساد، الذي هو موضع غروب النور الإلهي وتستره بالحجاب الظلماني، وبين شرق عالم الأرواح الذي هو موضع طلوع النور وبروزه عن الحجاب النوراني لكونها ألطف وأنور من الجسد وأكثف من الروح.
يكاد: زيت استعدادها من النور القدسي الفطري الكامن فيها، يضيء بالخروج إلى الفعل والوصول إلى الكمال بنفسه، فتشرق ولو لم تمسسه نار، العقل الفعال، ولم يتصل به نور روح القدس، لقوة استعداده وفرط صفائه، نور على نور، أي: هذا المشرق بالإضاءة من الكمال الحاصل نور زائد على نور الاستعداد الثابت المشرق في الأصل، كأنّه نور متضاعف. يهدي الله لنوره الظاهر بذاته المظهر لغيره بالتوفيق والهداية، من يشاء من أهل العناية ليفوز بالسعادة والله بكلّ شيء عليم، يعلم الأمثال وتطبيقها، ويكشف لأوليائه تحقيقها.(1)

المصباح السادس: في بيان ما قاله الشيخ الرئيس في هذه الآية

في بيان ما قاله الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في تطبيق المراتب مع الآية، (آية النور) ومن قواها: يعني النفس، ما لها

1. تفسير القرآن الكريم لمحيي الدين ابن العربي، ج2، ص 139ـ 141.

50
بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها عقلاً بالفعل، فأُولاها: قوة استعدادية لها نحو المعقولات، وقد يسمّيها قوم عقلاً هيولانياً، وهي المشكاة، وتتلوها قوة أُخرى تحصل لها عند حصول المعقولات الأُولى فيتهيّأ بها لاكتساب الثواني، إمّا بالفكرة، وهي الشجرة الزيتونة إن كانت ضعفى، أو بالحدس، فهي زيت أيضاً، إن كانت أقوى من ذلك فتسمى عقلاً بالملكة. وهي الزّجاجة، والشريفة البالغة منها قوة قدسية، يكاد زيتها يضيء. ثم يحصل لها بعد ذلك قوة وكمال. أمّا الكمال: فأن يحصل لها المعقولات بالفعل مشاهدة متمثّلة في الذهن، وهو نور على نور، وأمّا القوة: فأن يكون لها أن يحصل المعقول المكتسب المفروغ منه كالمشاهد متى شاءت من غير افتقار إلى اكتساب، وهو المصباح. وهذا الكمال يسمّى عقلاً مستفاداً، وهذه القوة تسمّى عقلاً بالفعل، والذي يخرج من الملكة إلى الفعل التام ومن الهيولاني أيضاً إلى الملكة فهو العقل الفعّال، وهو النّار.(1)

المصباح السابع: في بيان ما قاله نصير الملّة والدين الطوسي

في بيان ما قاله أُستاد البشر، العقل الحادي عشر، سلطان الحكماء، الحكيم القدوسي نصير الملة والدّين الطوسي(قدس سره) في شرح كلام الشيخ في هذه الآية الشريفة، حيث قال: هذه إشارة إلى

1. الإشارات والتنبيهات، ج2، ص 353ـ 354، نشر البلاغة، قم ـ 1375هـ. ش.

51
قوى النفس النظرية بحسب مراتبها في الاستكمال، وتلك المراتب تنقسم إلى ما يكون باعتبار كونها كاملة بالقوة، وإلى ما يكون باعتبار كونها كاملة بالفعل، والقوّة مختلفة أيضاً بحسب الشدّة والضعف، فمبدؤها كما يكون للطفل من قوة الكتابة، ووسطها كما يكون للأُمّي المستعد المتعلّم(1)، ومنتهاها كما يكون للقادر على الكتابة الّذي لا يكتب وله أن يكتب متى شاء، فقوة النفس المناسبة للمرتبة الأُولى تسمّى عقلاً هيولانياً تشبيهاً إيّاها حينئذ بالهيولى الأُولى الخالية في نفسها عن جميع الصور المستعدة لقبولها، وهي حاصلة لجميع أشخاص النوع في مبادئ فطرتهم.
وقوتها المناسبة للمرتبة المتوسطة تسمّى عقلاً بالملكة، وهي ما يكون عند حصول المعقولات الأُول(2) التي هي العلوم الأوّلية بحسب الاستعداد لتحصيل المعقولات الثانية الّتي هي العلوم المكتسبة.
ومراتب الناس تختلف في تحصيلها، فمنهم من يحصّلها بشوق ما لنفسه إليها يبعثها على حركة فكرية شاقّة في طلب تلك المعقولات، وهو من أصحاب الفكرة. ومنهم من يظفر بها من غير حركة، إمّا مع شوق أو لا مع شوق، وهو من أصحاب الحدس. ويتكثّر مراتب الصنفين. وصاحب المرتبة الأخيرة ذو قوّة قدسية

1. في المصدر: للتعلّم.
2. في المصدر الأُولى: البلاغة، قم ـ 1375هـ. ش.

52
سيجيء إثباتها.
وأمّا قوّتها المناسبة للمرتبة الأخيرة، فتسمّى عقلاً بالفعل، وهي ما يكون عند الاقتدار على استحضار المعقولات الثانية بالفعل متى شاء، بعد الاكتساب بالفكر أو الحدس، وهذه قوة للنفس. وحضور تلك المعقولات بالفعل كمال لها، وهو المسمّى بالعقل المستفاد، لأنّها مستفادة من عقل فعّال في نفوس الناس يخرجها من درجة العقل الهيولاني إلى درجة العقل المستفاد، فإنّ كلّ ما يخرج من قوة إلى فعل فإنّما يخرجها غيرها، وقياس عقول الناس في استفادة المعقولات إلى العقل الفعّال قياس أبصار الحيوانات في مشاهدة الألوان إلى الشمس.
وفي بعض نسخ الكتاب ـ يعني: كتاب الشيخ ـ توجد هكذا: وإن كانت أقوى من ذلك فتسمّى عقلاً بالملكة مع الواو العاطفة.
والفاضل الشارح لذلك ـ يعني: الفخر الرازي ـ جعل العقل بالملكة مرتبة بعد الفكر والحدس وقبل القوة القدسية. وذلك سهو منه شهد به سائر كتب الشيخ وغيره، ومنشأ هذا السهو هو وجود الواو المذكورة الفاصلة بين قوله أو بالحدس فهو زيت أيضاً، وبين قوله: إن كانت أقوى فهي زائدة ألحقها الناسخون خطأً، والتقدير اتصال الكلامين، وليس قوله فتسمّى عقلاً بالملكة جواباً لقوله: إن كانت أقوى، بل عطفاً على قوله فتهيّأ بها لاكتساب الثواني، لأنّ المسمّى هو العقل المتوسط بين الهيولاني والذي بالفعل.

53
وإذا تقرر هذا فنقول: لمّا كانت الإشارة المترتّبة في التمثيل المورد في التنزيل لنور الله تعالى وهو قوله عزّ وجلّ:(الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنّها كوكب درّي توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكلّ شيء عليم) مطابقة لهذه المراتب، وقد قيل في الخبر: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»(1)، فقد فسر الشيخ تلك الإشارات بهذه المراتب.
فكانت المشكاة شبيهة بالعقل الهيولاني لكونها مظلمة في ذاتها، قابلة للنور لا على التساوي، لاختلاف السطوح والثقب فيها.
والزّجاجة بالعقل بالملكة، لأنّها شفافة في نفسها قابلة للنور أتم قبول.
والشجرة الزيتونة بالفكر لكونها مستعدة لأن تصير قابلة للنور بذاتها، لكن بعد حركة كثيرة وتعب، والزيت بالحدس لكونه أقرب إلى ذلك من الزيتونة.
والـذي يكـاد زيتهـا يضـيء ولـو لـم تمسسـه نـار بـالقـوة القـدسية، لأنّهـا تكـاد تعقـل بالفعـل، ولـو لـم يكن شـيء

1. مصباح الشريعة، ص 13; أمالي المرتضى، ج1، ص 198; بحار الأنوار، ج2، ص 32، حديث 22; كلّها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله).

54
يخـرجهـا مـن القـوة إلـى الفعـل.
ونور على نور، بالعقل المستفاد، فإنّ الصور المعقولة نور، والنفس القابلة لها نور آخر، والمصباح بالعقل، لأنّه نيّر بذاته، من غير احتياج إلى نور يكتسبه، والنار بالعقل الفعّال، لأنّ المصابيح تشتعل منها.
قال الفاضل الشارح: وإنّما قدم العقل المستفاد على العقل بالفعل، لأنّ ملكة الكتابة لا تحصل إلاّ بعد حصولها بالفعل، فالعقل المستفاد متقدم في الوجود على حصول القوّة المسمّاة بالعقل بالفعل.
واعلم أنّ ذلك وإن كان بحسب الوجود كما ذكره الفاضل الشارح، لكن العقل المستفاد هو الغاية القصوى، وهو الرئيس المطلق الذي يخدمه ما يتقدّمه من القوى الإنسانية والحيوانية والنباتية.(1)

المصباح الثامن: في ما قاله صاحب المحاكمات في هذه الآية

في بيان ما قاله صاحب المحاكمات في المحاكمة بين سلطان الحكماء والفخر الرازي في شرح كلام الشيخ في تطبيق هذه الآية الشريفة لتلك المراتب حيث قال: مرتبة النفس من بداية الاستكمال إلى نهايته، إمّا استعداد الكمال، أو نفس الكمال;

1. شرح الإشارات(المطبوع مع الإشارات والتنبيهات)، ج2، ص 354ـ 358.

55
واستعداد الكمال، إمّا استعداد أضعف، أو استعداد متوسط، أو استعداد قوي.
أمّا الاستعداد الضعيف فهو استعداد المعقولات الأُولى كاستعداد الطفل للكتابة، وهو العقل الهيولاني.
وأمّا الاستعداد المتوسط فهو استعداد المعقولات الثانية بعد حصول المعقولات الأُولى كاستعداد الأُمّيّ لتعلّم(1) الكتابة، وهو العقل بالملكة، وحصول المعقولات الثانية، إمّا بحركة من الذهن وهو حصول بالفكر، أو لا بحركة الذهن وهو حصول بالحدس، والمراد بالاكتساب هاهنا تحصيل المعقولات الثانية من المعقولات الأُولى، أعم من أن يكون بالفكر أو بالحدس، وإلاّ لم يصح(2) قسمته إليهما.
فإن قلت: الحصر باطل بطريق التعلّم فإنّ الحصول ليس حصولاً بالحدس، وهو ظاهر وإلاّ لم يحتمل الخطأ، ولا بالفكر لأنّ إفادة المعلم المقدمات(3) المرتبة كإفاضة العقل الفعّال إيّاها فإن لم يكن هناك حركة من الذهن لم يكن أيضاً ثمة حركة.
فالجواب أنّ المعلم لا يلقي المقدّمات دفعة، بل مقدّمة مقدمة، والمتعلّم لا يتعقل إلاّ باختيار فهو يلاحظ المقدّمات

1. في المصدر: لتعليم.
2. في المصدر: يمكن.
3. في المصدر: المبادئ.

56
ويرتّبها في ذهنه ترتيباً اختيارياً، بخلاف المستفيض من العقل الفعّال، وهو بين لا سترة به، نعم ليس هاهنا إلاّ الحركة الثانية فإن جعلناها كما عرفه المتأخّرون بالترتيب فلا بحث، وإلاّ فلا أقل من أن يجعل في عداده.
وأمّا الاستعداد القوي فهو استعداد المعقولات الثانية بعد حصولها كاستعداد القادر على الكتابة وهو العقل بالفعل، وأمّا الكمال فهو حصول المعقولات الثانية وهو العقل المستفاد، فالإمام(1) لمّا رأى في نسخه واو العطف قال: إنّ قوة الاكتساب تختلف قوة وضعفاً، فإن كانت ضعيفة فهي الفكر، وإن كانت قوية فهي الحدس، وإن كانت أقوى من ذلك فهي العقل بالملكة، وإن كانت في غاية القوة فهي القوة القدسية. وذلك سهو والشيخ قد حمل المفردات المذكورة في التنزيل على هذه المراتب، لكن لتلك المفردات ترتيب فيه، حيث جعل الزجاجة في المشكاة والمصباح في الزجاجة، فلابد من بيان تطبيق هذا الترتيب على ترتيب المراتب ولم يلم به الشارحون. فنقول:
قد تقرر أنّ هناك استعدادين: استعداد اكتساب واستعداد استحضار وحضور المعقولات، ولا شك أنّ استعداد الاكتساب بحسب الاستعداد المحض، واستعداد الاستحضار بحسب استعداد الاكتساب.

1. الإمام الفخر الرازي.

57
فتكون الزجاجة وهي عبارة عن العقل بالملكة إنّما هي في المشكاة وهي العقل الهيولاني، والمصباح وهو العقل بالفعل في الزجاجة الّتي هي العقل بالملكة، لأنّه إنّما يحصل باعتباره، وحصول العقل بالملكة أو لا، والعقل بالملكة إنّما يخرج من القوّة إلى الفعل بالفكر أو الحدس، والشجرة الزيتونة إشارة إلى الفكر، والزيت في قوله: زيتها إشارة إلى الحدس، وقوله: يكاد يضيء إشارة إلى القوة القدسية.
فإن قلت: هذه الإشارات ليست منطبقة على ما في الآية، لأنّه يصف شجرة تلك الصفات جميعها صفتها، فكيف يكون إشارات إلى أُمور متبائنة، وبيانه: أنّه يصف شجرة بأنّ لها زيتاً يكاد يضيء، ولو لم تمسسه نار، فلو كانت الزيت عبارة عن الحدس ويكاد يضيء عبارة عن القوة القدسية، يلزمه وصف الفكر بالحدس والقوة القدسية، وأنّها أُمور متبائنة لا يجوز وصف أحدها بالآخر، فنقول:
الشجرة الزيتونة شيء واحد فإذا ترقت في أطوارها جعل لها زيت، وإذا ترقّى الزيت وصفا كاد يضيء، فكذلك الاكتساب إنّما هو بقوة نفسانية، وهي الفكر ما دامت ضعيفةٌ ثم إذا قويت كانت حدساً، فإذا بلغ إلى غاية الشرف صار قوة قدسية.
فهذه الأُمور وإن كانت متبائنة بحسب الاعتبار، إلاّ أنّها ترجع إلى شيء واحد، كالشجرة الزيتونة. وأمّا قوله: لا شرقية ولا غربية

58
فهو تنبيه على أنّها ليست من عالم الحس، وإلاّ لكانت إمّا شرقية أو غربية. وأمّا نور على نور فهو العقل المستفاد فقد مثل نوره تعالى بالعقل المستفاد وهو كمال النفس الإنسانية في القوة النظرية، تحقيقاً لاستلزامه معرفة النفس معرفة الرب عَلَتْ كلمتُه.(1)
المصباح التاسع: في ما قاله الحكيم السبزواري

المصباح التاسع: في ما قاله الحكيم السبزواري

في ما قاله الحكيم المتألّه المحقّق السبزواري(قدس سره) في منظومته وشرح أسماء الله تعالى فقال في المنظومة:
للنفس قوتان عقل نظري *** وعملي أن تشأ فعبّر
علاّمةٌ عمّالةٌ فالمُبتدا *** لأربع مراتب قد صعدا
بحسب الكمال واستعداد *** ذي الضعف والتوسيط واشتداد
كقوة الطفل ومن ترَعرَعا *** لصنعة وماهر ما صَنَعا
فما هو استعداد الاوّلى *** سُمّي بالعقل الهيولاني

1. شرح شرح الإشارات لقطب الدين الرازي(المطبوع في حاشية الإشارات والتنبيهات)، ج2، ص 354ـ 356.

59
وعقلٌ استعداد كسب المدركة *** من اوّليات له بالملكة
بالفعل ذو استعداد الاستحضار *** للنظريات بلا أنظار
والعقل حيث انعدم استعداد *** واستحضر العلوم مستفاد
والأوّل المشكاة والثاني علم *** زجاجة والثالث المصباح سم
لرابع نورٌ على نور سما *** والزيت أيضاً قوة الحدس أعلما(1)
في الفرق بين الفكر والحدس
والفرق بين الفكر والحدس، أنّ الفكر حركة من المطالب إلى المبادئ،ومن المبادئ إلى المطالب، والحدس ظفر بالحدود الوسطى دفعة عند الالتفات إلى المطالب وتمثّل للمطالب في الذهن مع الحدود الوسطى كذلك. يعني: دفعة من غير الحركتين المذكورتين، سواء كان مع شوق أو لم يكن; ثم إنّ للحدس مراتب والبالغة منها إلى غاية الشرف قوة قدسية كما قال:
كمال حدس قوة قدسية *** يكاد زيتها يضيء مأتية

1. شرح منظومة السبزواري، 305ـ307.

60
أقول: المأتية صفة للقوة يعني أنّ قوله تعالى:
(يكاذ زيتها يضيء) آيتها وهي مأتية.
شجرة زيتونة افكار *** لعقل فعال يعزى نار
أقول: وإنّما شبّه شجرة الزيتونة بالفكر (لشباهة الفكر الصحيح بكثرة فروعه ونتائجه المتوصل بها إلى نور اليقين الدائم بالشجرة المباركة الكثيرة الخيرات المتوصل بها إلى النور الحسي).(1)
والشطر الأخير من هذا البيت إشارة إلى قوله تعالى:(ولو لم تمسسه نار)كما في قوله تعالى: (فآنَسَ مِن جانِب الطُّورِ ناراً)(2)، والطور في التأويل مرتبة السرّ من القلب، ثم بعد تنزيل التمثيل على نوره تعالى في الأنفس والإنسان الصغير، أشار(3) إلى تنزيله على نوره تعالى في الآفاق، والإنسان الكبير من الأنوار الأسفهبدية والقاهرة، ونور الأنوار بقوله:
أو جسم كل نفس كلّ عقل كل *** وهو عليها ذاك الأربع يدلّ
أقول: مراده بالأربع: المشكاة والزجاجة والمصباح ونور على نور، وعلى هذا قال:
فعالم الأسماء روح الشجرة *** كما به أُوّل أيضاً سدرة(4)

1. أي الهوية الصرفة.
2. سورة القصص، آية 29.
3. في المصدر: أشرنا.
4. شرح المنظومة، ص 308.

61
أقول: يعني أنّ عالم الأسماء باطن الشجرة (لكثرة فروع مفاهيم الأسماء بحيث قيل فيها جاءت الكثرة كم شئت، فمنها يوقد الأنوار الثلاثة التي دونها كما أوّل شجرة سدرة المنتهى أيضاً بعالم الأسماء، والسدرة هي البرزخية الكبرى)(1) كما قالوا، ثم قال: وفي قوله تعالى: (لا شرقية ولا غربية)، إشارة إلى أنّها ليست من عالم الحس، وإلاّ لكانت إمّا شرقية أو غربية، وكذا في قوله تعالى: (ويضرب الله الأمثال للناس) دلالة على أنّ المراد بهذه العبارات هذه الاستعارات، فقوله تعالى:(لا شرقية ولا غربية) إشارة إلى الخلو عن الجربزة والبلاهة على الأوّل يعني التنزيل الأوّل (وإلى أنّه لا وحدة صرفة ولا كثرة محضة، أو إلى أنّه لا هو ولا غيره على الثاني) أي التنزيل الثاني.(2)
وقال ذلك الحكيم أيضاً في شرح أسماء الله تعالى في شرح يا نور النور.(3)
(الله نور السماوات والأرض مثل نوره)(الآية) والمهيات التي قد مر أنّها غواسق بذواتها هي بما هي مفاهيم وعلوم وعنها خبر وأثر وجودات خاصة بالحمل الشائع، والوجود نور.
وببيان آخر: المهية بما هي فانية في الوجود بناءً على أصالته

1. شرح المنظومة، ص 308.
2. شرح المنظومة، ص 308.
3. شرح الأسماء الحسنى، ص 166ـ 169.

62
واعتباريتها، وأنّ تركيبها مع الوجود كتركيب لا متحصل ومتحصل وفان ومفنى فيه، ومعنى حرفي واسمي لا خبر عنها ولا أثر، وبما هي ملحوظة بالذات بالوجود ومعروضة أو عارضة بالوجود للوجود فهي نور، والوجود نور على نور فثبت بجميع ما ذكر أنّه تعالى نور النور.
وأيضاً الوجود المطلق والحق الإضافي، والإضافة الإشراقية والظل الممدود نور، والوجود الحق نور النور.
وأيضاً الحكماء الإشراقيون يسمّونه تعالى بالنور الغني، ونور الأنوار والعقول بالأنوار القاهرة الأعلين والأدنين من الطبقة الطولية المترتبة، والطبقة العرضية المتكافئة، والنفوس بالأنوار الأسفهبدية الفلكية والأرضية والأنوار الحسية بالأنوار العرضية، فهو تعالى نور النور القاهر، ونور النور المدبر، ونور النور العرضي المستمر وغير المستمر، ثم كيف لا تكون هذه الأنوار الحسية عرضية مجازية بالنسبة، وما ذكر قبلها ذاتية حقيقية، وبالأنوار الحسية لا يظهر إلاّ المبصرات، وبنور النفس الذي هو دون نور العقل تظهر هي والمحسوسات الأُخر والمتخيّلات والموهومات والمعقولات، فبالعلم الذي هو نور من النفس يظهر حقائق الأشياء كلاًّ وطرّاً، حدودها ورسومها ومائيتها الشارحة والحقيقة، وهليتها البسيطة والمركبة، ولميتها الثبوتية والإثباتية، وغير ذلك من المطالب إن كان فهو نور حقيقة، لأنّه ظاهر بذاته مظهر لغيره، الذي هو الحقائق

63
المذكورة، ولظهوره وإظهاره مراتب، ففي مرتبة ظل، وفي مرتبة ضوء، وفي مرتبة نار، وفي مرتبة نجم، وفي مرتبة قمر، وفي مرتبة شمس.
وسنذكر تلك المراتب مبيّناً معناها: وإذا علمت هذا في النفس فاجعله مقياساً لمعرفة نور العقل، ثم اجعلهما مرقاة وذريعة لمعرفة نور سماوات الأرواح وأراضي الأشباح، وأدر التفاوت بين نوره تعالى وأنوارهما كالتفاوت بين علمه تعالى وعلومهما، فكم من فرق بين العلم الحصولي والعلم الحضوري وظهورهما وإظهارهما، ثم كم من فرق بين العلم الحضوري، الذي هو عين وجود الشيء لا مهيته وسيأتى بيانه.
والحضوري الذي هو عين وجود الشيء ومهيته وبين الذي هو مستفاد من الغير والذي هو مفيد، وبين الذي هو مشاه والذي هو غير مشاه، وبين الذي هو غير متناه عدة ومدة، والذي هو غير متناه عدة ومدة وشدة، وأعرف شدة النورية الوجوبية بالشدة الكيفية في النور الشمسي، حيث إنّ الكواكب التي لا تعد ولا تحصى تنير العالم إلى حد، والشمس إذا طلعت تنيره إلى حد، لا نسبة بين الإنارتين بوجه، بل ولو انضاف إليها إنارة القمر، بل ولو أُضيفت إليها إضاءة سرج غير معدودة وتشعيل مشاعل ممدودة لم تبلغ هذه الزيادات الكمية إلى حد يداني تلك الزيادة الكيفية فضلاً عن أن يكافيها.

64
فإذا كان هذا وهو من سكان عالم الحس المعدود عند أهل الإشراق من الغواسق والظلمات وليس نوراً لنفسه لاحتجابه بالمادة والمكان والزمان وغيرهما من لواحق المادة فضلاً عن المهية الإمكانية هكذا.
فما ظنك بالنور الذي هو نور لنفسه غير محتجب بالمهية والمادة ولواحقها وهو بسيط الحقيقة، ومع بساطته كل الأنوار بنحو أعلى وأشد في مقام الكثرة في الوحدة، وفي مقام الوحدة في الكثرة، ملأ نوره الإضافي أعماق كل شيء. ونعم ما قيل:
با سيف قاضب همسرى *** مخراق(1) لاعب كى كند
ذكر كدو باشد سفه *** در عرصه سرو چمن
والحاصل: أنّ العالم كمشكاة امتلأت نوراً وضياء وحسناً وبهاءً وشروقاً وسناءً كما في آية النور، لكن لا كمشكاة عالم الحس، حيث إنّ لها حقيقة ومع كونها حقيقة هي غير حقيقة النور، فإنّ المشكاة للنور الحقيقي صنفان: صنف: هي القوابل التعلمية من المهيات الإمكانية، وصنف: هي القوابل الخارجية من المواد الجسمانية، والمهية (كسَراب بِقيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمآنُ مَاءً)(2) لا حقيقة لها، بل متحدة مع الوجود الذي هو النور الحقيقي، والمادة أيضاً متحدة بالصورة غير مبائنة عنها في الوضع، وهكذا في المادة

1. المخراق ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضاً.
2. سورة النور، آية39; مجمع البيان، ج4، ص 146.

65
الثانية والثالثة وغيرها، لا حقيقة لها إلاّ بنحو الإبهام، تركيبها تركيب لا متحصل، ومتحصل وبلحاظ أخذهما بشرط لا، وهو المناسب لجعلهما مشكاة تكونان من حقيقة النور كما مرّ، فالعالم يعني ما سوى الله كمشكاة من سنخ النور امتلأت بالنور. انتهى. (1)
ولنرجع إلى ما وعدناك قوله: ففي مرتبة ظل الخ. قال في الحاشية: ففي مرتبة ظل: هو العلم في مرتبة العقل بالقوة، والضوء هو العلم في مرتبة العقل بالملكة، والنار في مرتبة العقل بالفعل، والنجم في مرتبة العقل المستفاد، والقمر في مرتبة الاتّصال بالعقل الفعّال، والشمس في مرتبة الاتحاد معه.(2)
وقوله: لا مهية الخ. قال في الحاشية: كما في العلم الحضوري الّذي للنفس بالنفس في أوّل الأمر، والّذي يليه يعني الحضوري الّذي هو عين وجود الشيء ومهيته، كما في علمها بذاتها حال كونها عقلاً بالفعل، فإنّ لعلمها الحضوري بذاتها مراتب في الإجمال والتفصيل، إذ علمها بذاتها في رضاعتها(3) بدئاً حضوري، وفي بلوغ أشدها أمّيا(4) حضوري وفي بلوغ أشد عقلها المستفاد أيضاً حضوري وبينها تفاوت شتى، ثم العلم المستفاد عن الغير علم الممكن والمفيد علم الواجب، وكذا الغير المتناهي الشدّي

1. شرح الأسماء الحسنى:1/116ـ169.
2. شرح الأسماء الحسنى:1/168، الحاشية.
3. أي طفولتها.
4. أمّياً: لم يتعلّم شيئاً.

66
وقس الباقي.(1)
وقال أيضاً في شرح يا منور النور: أي معطي النور للنور، وهذا وإن كان جعلاً تركيبياً إلاّ أنّه بالعرض فإنّه تعالى لمّا جعل النور جعلاً بسيطاً بالذات جعل النور نوراً بالعرض، إذ لو لم يجعل النور لم يكن النور نوراً، إذ السلب يصدق بانتفاء الموضوع، ونظير هذا الاسم ما ورد في الحديث (هو الّذي أين الأين فلا أين له وكيف الكيف فلا كيف له)(2) ويمكن أن يجعل المعنى هنا أوجد الأين والكيف ولا يجوز فيما نحن فيه، إذ يصير معناه ومعنى خالق النور واحداً، ويمكن أن يكون في هذا الاسم الشريف تلويح إلى معنى آية:(اللهُ نور السماوات والأرض)، على ما ذكره بعض المفسرين حيث: فسر النور بالمنور، ولعله ورد عن بعض الأئمّة(عليهم السلام)، والداعي إلى هذا التفسير إمّا أنّه فهم من النور النور العرضي الحسي وأنّه تعالى منزّه عن الجوهرية فضلاً عن العرضية فحمل هذا ذلك البعض من المفسرين على أنّ حمل الآية على أنّ الله تعالى معطي ذلك النور العرضي للسماوات والأرض لا أنّه عين ذلك النور، فهذا فهم ظاهري عامي وأي داع على هذا الحمل، ومعلوم أنّه لم يرتق فهمه من هذا النور الحسي إلى نور النفس والعقل، فكيف إلى

1. شرح الأسماء الحسنى:1/168، الحاشية.
2. أُصول الكافي، ج1، ص 78، كتاب التوحيد، باب 1، حديث3 و ص 88 باب الكون والمكان، حديث2.

67
نور الباري تعالى، وأمّا أنّه فهم أنّ النور ما هو الظاهر بذاته المظهر لغيره وهو حق حقيقة الوجود، التي تنوّرت بها السماوات العلى التي هي مهيّات المجردات، والأرضين السفلى التي هي مهيات الماديات، لكن يقول لو حملت الآية على هذا لزم وحدة الوجود كما قال القائل بالوحدة: إنّ نور السماوات والأرض وجودهما، وقد حمل على لفظ الجلالة، ومفاد الحمل هو الاتحاد في الوجود، وجعل النور بمعنى المنوّر خلاف الأصل ووحدة الوجود عنده باطلة، فلا جرم دعاه هذا على ارتكاب خلاف الأصل.(1)
قوله: ووحدة الوجود الخ، الواو حالية متعلقة بقوله لزم وحدة الوجود فيكون بمنزلة قولنا واللازم باطل فالملزوم مثله. (2)
قوله: كما قال القائل بالوحدة قال في الحاشية: وجه استدلاله أنّ النور العرضي والحسي لا يليق بجنابه تعالى، فبقى النور الحقيقي وهو الوجود، لكن لا الوجود العام البديهي، بل ما به يحاذيه في الخارج، فإنّه عنوان لحقيقة بسيطة مبسوطة نورية، فالوجود الحقيقي هوهو.(3)
أقول: الوجود الحقيقي ساقط الإضافة عن مهيّات السماوات والأرض هوهو، لا وجودات السماوات والأرض، فحيث هو موجود لا اسم ولا رسم ولا نعت ولا صفة، وكمال الإخلاص نفي

1. شرح الأسماء الحسنى، ج1، ص 169، في شرح يا منور النور.
2 و3 . شرح الأسماء الحسنى:1/169، الحاشية.

68
الصفات، ولذلك الحكيم كلام طويل في المقام فمن شاء الاطّلاع عليه فليرجع إليه.

المصباح العاشر: في بيان التطبيق الذي قلناه

وهو أنّ مراتب العقل أي التعقّل للنفس الناطقة الإنسانية أربع:
الأُولى: العقل الهيولاني: وهو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات، وهو قوة محضة خالية عن الفعل كالأطفال، فإنّ لهم في حالة الطفولية وابتداء الخلقة استعداداً محضاً ليس معه إدراك،وليس هذا الاستعداد حاصلاً لسائر الحيوانات، وإنّما نسب إلى الهيولى، لأنّ النفس في هذه المرتبة تشبه الهيولى الأُولى، الخالية في حد ذاتها عن الصور كلها.
الثانية: العقل بالملكة: وهو العلم بالضروريات واستعداد النفس بذلك لاستعداد النظريات.
الثالثة: العقل بالفعل: وهو ملكة استنباط النظريات من الضروريات، أي صيرورة الشخص بحيث متى شاء استحضر الضروريات ولاحظها استنتج منها النظريات.
الرابعة: العقل المستفاد: وهو أن يحضر عنده النظريات الّتي أدركها بحيث لا يغيب عنه وقد ظهر من ذلك التقرير: أنّ هاهنا استعداداً، واستعداد اكتساب، واستعداد استحضار، وحضور معقولات. ولا ريب أنّ استعداد الاكتساب بحسب الاستعداد

69
المحض، واستعداد الاستحضار بحسب استعداد الاكتساب، كما مرّ، فيكون الزجاجة: وهي عبارة عن العقل بالملكة إنّما هي في المشكاة، وهي العقل الهيولاني. والمصباح: وهو العقل بالفعل في الزجاجة التي هي العقل بالملكة، لأنّه إنّما يحصل باعتباره، وحصول العقل بالملكة أو لا، والعقل بالملكة إنّما يخرج من القوة إلى الفعل بالفكر أو الحدس. والشجرة الزيتونة: إشارة إلى الفكر، والزيت في قوله:زيتها إشارة إلى الحدس وقوله: يكاد يضيء إشارة إلى القوة القدسية. وقوله: لا شرقية ولا غربية إشارة إلى أنّها ليست من عالم الحس، وإلاّ لكانت إمّا شرقية أو غربية. وأمّا نور على نور: فهو العقل المستفاد، فقد مثل نوره تعالى بالعقل المستفاد، وهو كمال النفس الإنسانية في القوة النظرية، تحقيقاً لاستلزام معرفة النفس معرفة الرّب جلّت آياته.
وقد ذكرنا في كتابنا الكبير المسمى بـ«كفاية المؤمنين» ورسالتنا المسمّاة بـ«نتائج الحكمة»: أنّ الشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل وهما يتعاضدان بل يتحدان، ولكون الشرع عقلاً من خارج سلب الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن«نحو (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)(1)» ولكون العقل شرعاً من داخل قال الله تعالى في صفة العقل: (فِطْرَةَ اللهِ التِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أكْثَرَ

1. سورة البقرة، آية 171.

70
الناسِ لا يَعْلَمُون).(1)
فسمّى العقل ديناً ولكونهما متحدين قال: نور على نور أي نور العقل ونور الشرع. ثم قال: (يهدي الله لنوره من يشاء)فجعلهما نوراً واحداً، فالعقل إذا فقد الشرع عجز عن أكثر الأُمور، كما عجز العين عند فقد النور. وقد قلنا أيضاً: إنّ العقل كالسراج، والشرع كالزيت، الذي يمده، فما لم يكن زيت لم يشعل السراج و ما لم يكن سراج، لم يضئ الزيت، وعلى هذا نبه بقوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره) إلى قوله:(نور على نور).
وليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في ذلك الكتاب، فدونك كتاباً عالي الأساليب، شامخ التراكيب، منطوياً في مضامينه مطالب عالية، أثمانها غالية، وما أدارك ماهية، جنة عالية، ليس لها ثانية، فيها أنهار جارية، وجوار ساقية، بالغنج ماشية، وأزهار ذوات روائح ذكية ذاكية، أطيب من المسك والعنبر والغالية، فاشية على الحاضرة والبادية، لا يخفى شذاها، إلاّ على الخياشيم الجاسية، والقلوب القاسية، والصدور الغليلة القالية.
آن كس كه ز شهر آشنايى است *** داند كه متاع ما كجايى است
لعمرك وأنّه لقسم لو تعلمون عظيم. هذا بحر مملو بنفائس الفرائد، وكنز مشحون بجواهر الفوائد، قلّما تيسر لأحد الوقوف

1. سورة الروم، آية 30.

71
عليها إلاّ أوحدي من أفاضل الحكماء، أو ألمعي من أماجد العلماء، بل تفردت بأُمور شريفة عالية خلت عن مثلها زبر الأولين،ومَن طالعها بصدق علم أنّي من الصادقين، اللّهمّ إنّي إن افتخرت فيما أنعمت عليّ فقد أمرت:(وأمّا بنعمةِ رَبِّكَ فَحَدِّث) (1)، وإن استغفرت فيما أسرفت على نفسي فقد قلت: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً).(2)
فالحمد لله ]الذي[ نوّر بصيرتنا في معرفة الدّين، وشرح صدورنا بنور اليقين، وأطلعنا على مشاهد شريفة إلهية، وشواهد لطيفة قرآنية وقواعد محكمة ربّانية، اللّهم احفظنا عن العثرة والزلل، وسدّدنا للصواب في العلم والعمل، اللّهم كما وفّقتنا للاختتام فاجعل خاتمة كتاب وجودنا الخير والسلام، إنّك أنت المجمل المنعام، وصلّى الله على محمد و آله الذين لفسطاط الوجود قوام، وكتاب الكون بدو وختام.
تمّ بيدي الجانية، وأنا المصنّف لذلك محمد مؤمن بن أبي محمد في شهر رمضان من شهور 1299.

1. سورة الضحى، آية11.
2. سورة النساء، آية 110.

72
Website Security Test