welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الوضوء علي ضوء الكتاب والسنّة*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الوضوء علي ضوء الكتاب والسنّة

الوضوء
على
ضوء الكتاب والسنّة

دراسة مبسطة في دلالة آية الوضوء على ضوء الكتاب والسنّة

تأليف

الشيخ جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(2)



(3)

الوضوء
على ضوء الكتاب والسنّة


(4)

بسم الله الرحمن الرحيم

( يأيّهَا الَّذينَ ءَامَنُوَاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبّا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنتُم مَرضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أو جَآءَ أحدٌ منّكم من الغَآئط أو لَمَستُمُ النّسآءَ فلم تَجِدُوا مآءً فتيمموا صعيداً طيبَا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منّهُ ما يريد اللهُ ليجعل عليكُم من حرج ولكن يُريدُ ليطهركم وليتمَّ نعمته عليكم لعلكم تشكرون) .

(سورة المائدة ـ الآية 6)


(5)

الاحتكام إلى الكتاب
فيما اختلفت فيه الاَُمّة

سبحانك اللّهمَّ ما أبلغ كلامك، وأفصح بيانك، قد أوضحت الفريضة، وبيّنت الوظيفة فيما يجب على المسلم فعلُه قبل الصلاة، فقلت:

(يَــأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ)

ثم قلت مبّيناً لكيفيّة الوظيفة وأنّها أمران:

أ ـ (فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)

ب ـ (وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن)

سبحانك ما تركت إجمالاً في كلامك، ولا إبهاماً في بيانك؛ فأوصدت باب الخلاف، وسددت باب الاعتساف بتوضيح الفريضة، وبيانها.

سبحانك ان كان كتابك العزيز هو المهيمن على الكتب السماوية كما قلت: (وَ أنزَلْنا إلَيْكَ الكتابَ بالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَينَ يَدَيهِ مِنَ الكِتـابِ وَمُهَيمِنــاً عَلَيهِ) (المائدة ـ 48) فهو مهيمن ـ بالقطع واليقين ـ على المأثورات التي بأيدينا التي نقلها الرواة عن النبيّ الاَكرم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهي بين آمرة بغسل الاَرجل وأُخرى آمرة بمسحها.

فماذا نفعل مع هذه المأثورات المتناقضة المرويّة عمّن لا ينطق إلاّ عن الوحي، ولا يناقض نفسه في كلامه؟

سبحانك لا محيص لنا إلاّ الاَخذ بما نادى به كتابك العزيز، وقرآنك المجيد وبيّنه في جملتين ترجعان إلى أنّ الفريضة تتألف من:

غسلتين ومسحتين لا غير ؟

(أَفَغيرَ اللّهِ أبتَغِي حَكَماً وهُوَ الَّذِي أنزلَ إليكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلاً)

(الاَنعام ـ 114)



(6)

الاِهداء:

إلى كل من يسعى لخدمة الاِسلام المحمدي الاَصيل.

إلى كل من يسعى لكلمة التوحيد و توحيد الكلمـة.

إلى كل من يسعى لتبيين ما جاء في الذكر الحكيــم.

إلى كل من يسعى لرص الصفوف.

إلى كل هوَلاء أتقدم بإهداء رسالتي هذه.

كما أتقدم بإهدائها إلى مجمع الفقه الاِسلامي في «جدة» الذي يتبنّى في هذه الاَيام فتح باب الاجتهاد بعد انغلاقه، آملاً أن ينظروا فيها بعين الانصاف فإن وقعت موقع القبول فالحقّ أولى بالاتباع وإلاّ فليبدوا بآرائهم ـ مشكورين ـ حول ما جاء فيهـا من الاَدلة على ما أثبتناه في هذه الرسالة، فإنّ الحقيقة ـ كما قيل ـ بنت البحث.

ونحن بحمد اللّه لسنا مختلفين في الكتاب والسنّة فلو كان هناك اختلاف فإنّما هو في الفهم والاقتباس منهما.

الموَلف



(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي فضّل مداد العلماء على دماء الشهداء، وجعل أجنحة الملائكة مواطىَ أقدامهم، والصلاة والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه وعلى آله الطيبين الطاهرين، أئمّة دينه، وعيبة علمه، وحفظة سننه.

أما بعد:

فقد وافتني رسالة من بعض الاِخوة في السودان يستفسرون فيها عمّـا كتبه الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في مجلة «الفيصل» السعودية حول المسح والغسل للاَرجل في الوضوء وهو يناصر في مقاله ـ بالطبع ـ غسل الاَرجل لا مسحها، وقد حاول التدليل على ذلك من خلال نقض ما استندت إليه الاِماميّة من حجج مأخوذة من الآية نفسها لا من الاَحاديث والآثار .

ثم أردف كلامه بأنّ بعض الاِخوة الشيعة من القطر السوداني الشقيق، أصرّوا عليه بغية مراسلتي في هذا الشأن، لرفع الشكوك التي تساورهم حيال هذه المسألة، وإزاحة الستار عن وجه الحقيقة.

وهذا الحافز قد دفعني إلى تأليف هذه الرسالة وإن كنت قد كتبت في سالف الزمان مقالاً حول الوضوء في كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنّة».


(8)

غير أَنّي بسطت الكلام في هذه الرسالة وركّزت البحث على مفاد الآية وأَنّها آية واضحة في مدلولها لا تحتاج في تبيينها إلى حديث أو أثر إلاّ ما كانت الآية ساكتة عنه.

أرجو من اللّه سبحانه أن تكون خالصة لوجهه الكريم وأن ينتفع بها الاِخوة الكرام.

قم المقدسة ـ موَسسة الاِمام الصادق (عليه السلام)
جعفر السبحاني                
26|رجب الاَصب| 1417          



(9)

المدخل:

آية الوضوء محكمة وليست مجملة

اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم على أنّ الصلاة لا تصح إلاّ بطهور . والمراد من الطهور هو المزيل للخبث (النجاسة) والحدث، والمزيل له هو الوضوء والتيمم والغسل، وهل التيمم رافع للحدث موَقتاً ما دام المتيمم غير واجد للماء؟ أو مبيح للدخول في الصلاة وكل عمل عبادي مشروط بالطهارة؟ فيه قولان.

وعلى كل تقدير فالتكليف بتحصيل الطهارة منّة منه سبحانه على عباده لمثول العبد بين يدي الرب بنظافة ظاهرية تكون مقدمة لتزكية السرائر.

وقد بيّـن سبحانه سر التكليف بتحصيل الطهور قبل الصلاة بقوله تعالى: (ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِن حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم) (المائدة ـ 6).

وقال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «بني الدين على النظافة».

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «مفتاح الصلاة الطهور».

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الطهور نصف الاِيمان».

وقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «افتتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم».

وروي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا صلاة إلاّ بطهور».

وقال الصادق عليه السّلام: «الوضوء شطر الاِيمان» (1)


1 . الوسائل: ج1، الباب الاَوّل من أبواب الوضوء.


(10)

فإذا كان الوضوء بهذه الاَهميّة كما نطق به الكتاب والسنّة، فمن الواجب الوقوف على أجزائه وشرائطه ونواقضه ومبطلاته، وقد تكفّلت الكتب الفقهيّة بيان هذه المهمّة، ولكن نختار للبحث في المقام تبيين ما اختلفت فيه كلمة الاَُمّة، وهو حكم الاَرجل من حيث المسح والغسل. ونرجو من اللّه سبحانه أن تكون الغاية من دراستنا هذه فهم الواقع بعيداً عن الهوى والعصبيّة والتحيّز إلى رأي دون رأي.

الوضوء عبادة كسائر العبادات يُتَوَخّى منها التقرب إلى اللّه سبحانه ونيل رضاه، فيشترط في صحّتها: الاِخلاص والابتعاد عن الرياء، فهي نور لنور آخر، أعني: الصلاة، التي هي قرّة عين الموَمن.

بيّن سبحانه الوضوء في الكتاب بقوله: (يا أيُّها الذِينَ آمنُوا إذا قُمْتُم إلى الصلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُوَوسِكُم وأرْجُلَكُم إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كُنتُمْ جُنباً فاطَّهّرُوا وإنْ كُنتُم مَرضَى أو على سَفَرٍ أوْ جاءَ أحدٌ ِمنُكم مِنَ الغائطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُم وأيْدِيكُم مِنْهُ ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِن حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وُلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرون) (المائدة ـ 6).

الآية تشكّل إحدى آيات الاَحكام التي تستنبط منها الاَحكام الشرعية العمليّة الراجعة إلى تنظيم أفعال المكلّفين فيما يرتبط بشوَون حياتهم الدينيّة والدنيويّة.

وهذا القسم من الآيات يتمتع بوضوح التعبير، ونصوع الدلالة، فإنّ المخاطب فيها هي الجماهير الموَمنة التي ترغب في تطبيق سلوكها العملي وفقاً لها، وبذلك تفترق عن الآيات المتعلّقة بدقائق التوحيد ورقائق المعارف العقليّة التي تشدّ إليها أنظار المفكّرين المتضلّعين خاصة فيما يرتبط بمسائل المبدأ والمعاد.


(11)

والاِنسان إذا تأمّل في هذه الآية ونظائرها من الآيات التي تتكفّل بيان وظيفة المسلم، كالقيام إلى الصلاة في أوقات خمسة، يجدها محكمة التعبير، ناصعة البيان، واضحة الدلالة، تخاطب الموَمنين كافّة لترسم لهم وظيفتهم عند القيام إلى الصلاة.

والخطاب ـ كما عرفت ـ يجب أن يكون بعيداً عن الغموض والتعقيد، وعن التقديم والتأخير ، وعن تقدير جملة أو كلمة حتى تقف على مضمونها عامّة المسلمين على اختلاف مستوياتهم من غير فرق بين عالم بالقواعد العربية أو لا .

فمن حاول تفسير الآية على غير هذا النمط فقد غفل عن مكانة الآية ومنزلتها، كما أنّ من حاول تفسيرها على ضوء الفتاوى الفقهيّة لاَئمّة الفقه فقد دخل من غير بابها.

نزل الروح الاَمين بهذه الآية على قلب سيد المرسلين، فتلاها على الموَمنين وفهموا واجبهم تجاهها بوضوح دون تردّد و دون أن يشوبها أي إبهام أو غموض، وإنّما دبّ الغموض فيها في عصر تضارب الآراء وظهور الاجتهادات.

إنّ المسلمين في الصدر الاَوّل تعلّموا القرآن من أفواه القرّاء، وكانت المصاحف قليلة النسخ لا يصل إليها إلاّ النفر اليسير ، وإنّما انتشر نسخ القرآن في الحواضر الاِسلامية في العقد الثالث من القرن الاَوّل، وكانت المصاحف يومذاك مع قلّتها غير منقّطة، ولا معربة، وانّما نقّطت وأُعربت بعد منتصف القرن الاَوّل.

بيد أنّ القرآن في الصدر الاَوّل كان محفوظاً في صدور الرجال ومأموناً عليه من الخطأ واللحن بسبب أنّ العرب كانت تقروَه صحيحاً حسب سليقتها الفطريّة التي كانت محفوظة لحدّ ذاك الوقت، أضف إلى ذلك شدّة عنايتهم بالاَخذ والتلقّي عن مشايخ كانوا قريبي العهد بعصر النبوة، فقد توفّرت الدواعي على حفظه وضبطه صحيحاً حينذاك.


(12)

أمّا بعد منتصف القرن الاَوّل حيث كثر الدخلاء وهم أجانب عن اللغة، فإنّ السليقة كانت تعوزهم، فكانوا بأمسّ الحاجة إلى وضع علامات ودلالات توَمّن عليهم الخطأ واللّحن وذلك مما دعا أبا الاَسود الدوَلي وتلميذيه: يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم إلى وضع نقاط وعلامات على الحروف (1)

يظهر من الروايات الكثيرة أَنّ الاختلاف في كيفيّة الوضوء ظهر في عصر الخليفة عثمان.

روى مسلم عن حمران مولى عثمان، قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضّأ، ثم قال: إنّ ناساً يتحدّثون عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أحاديث لا أدري ما هي؟! ألا إنّي رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضّأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضّأ هكذا، غفر له ما تقدّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة. (2) وتوَيد ذلك كثرة الروايات البيانيّة لوضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - المرويّة عن عثمان، وقد ذكر قسماً منها مسلم في صحيحه (3)

وهناك روايات بيانيّة أُخرى عن لسان عثمان لم يذكرها مسلم وإِنّما ذكرها غيره تشير إلى ظهور الاختلاف في كيفيّة وضوء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في عصره.

وأمّا مصدر الخلاف وسببه فهو اختلافهم في كيفيّة وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فسيوافيك أَنّ لفيفاً من الصحابة نقلوا وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأَنّه مسح رجليه مكان غسلهما، كما أنّ لفيفاً آخر نقلوا انّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - غسل رجليه، وقد نُقلت عن عثمان كلتا الكيفيتين.


1.محمد هادي معرفة: التمهيد في علوم القرآن: 1|309 ـ 310، نقل بتصرّف.
2. صحيح مسلم، بشرح النووي: 3|112.
3. نفس المصدر: 3|102 ـ 117.


(13)

ومن زعم أنّ مصدر الخلاف في ذلك العصر هو اختلاف القراءة فقد أخطأ لما ستعرف من أَنّ العربي الصميم لا يرضى بغير عطف الاَرجل على الروَوس سواء أقرأه بالنصب أم بالجر، وأمّا عطفه على الاَيدي فلا يخطر بباله حتى يكون مصدراً للخلاف.

فعلى من يبتغي تفسير الآية وفهم مدلولها، أن يجعل نفسه كأنّه الحاضر في عصر نزول الآية ويسمع كلام اللّه من فم الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو أصحابه، فعندئذٍ ما فهمه حجّة بينه وبين ربّه، وليس له عند ذاك، الركون إلى الاحتمالات والوجوه المختلفة التي ظهرت بعد ذلك العصر.

* * *

إنّ هذه الرسالة وإن كرّست البحث في حكم الاَرجل من حيث المسح أو الغسل، ولكن لما كان الاختلاف في فهم الآية لا يقتصر على هذا المورد بل يعم كيفية غسل الاَيدي أيضاً، استدعت الحاجة إلى البحث في الثاني أيضاً على وجه موجز ، وتأتي هذه الدراسة ضمن فصول.

(قَدْ جَـآءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ)

(المائدة : 15)



(14)


(15)

الفصل الاَوّل:

آية الوضوء وكيفية غسل الاَيدي

إنّ آية الوضوء نزلت لتعليم الاَُمّة كيفية الوضوء والتيمّم، والمخاطب بها جميع المسلمين عبْـر القرون إلى يوم القيامة ، ومثلها يجب أن تكون واضحة المعالم، مبيّنة المراد، حتى ينتفع بها القريب والبعيد والصحابي وغيره .

فالآية جديرة بالبحث من جانبين:

الاَوّل: مسألة كيفية غسل اليدين، وأنّه هل يجب الغسل من أعلى إلى أسفل أو بالعكس؟

الثاني: حكم الاَرجل من حيث المسح أو الغسل.

فلنشرع في البحث في الجانب الاَوّل.

قال سبحانه: (يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ) (المائدة ـ 6).

اختلف الفقهاء في كيفية غسل اليدين، فأئمّة أهل البيت وشيعتهم، على أنّ الابتداء بالمرفقين إلى أطراف الاَصابع وانّ هذه هي السنّة، وحجتهم على ذلك هو ظاهر الآية المتبادر عند العرف، فإنّ المتبادر في نظائر هذه التراكيب هو الابتداء


(16)

من أعلى إلى أسفل، فمثلاً إذا قال الطبيب للمريض: اغسل رجلك بالماء الفاتر إلى الركبة، يتبع المريض ما هو المتداول في غسل الرجل عند العرف، وهو الغسل من أعلى إلى أسفل. أو إذا قال صاحب الدار للصبّاغ، أصبغ جدران هذه الغرفة إلى السقف، فيتبع الصبّاغ ما هو المألوف في صبغ الجدران من الاَعلى إلى الاَسفل ولا يدور بخلده، أو بخلد المريض من أنّ مالك الدار أو الطبيب استخدم لفظة «إلى» لبيان انتهاء غاية الصبغ والغسل عند السقف والرجل بل لتحديد المقدار اللازم لهما .

وأمّا كيفية الغسل فمتروك إلى ما هو المتّبع والمتداول في العرف، وهو ـ بلا ريب ـ يتبع الاَسهل فالاَسهل، وهو الابتداء من فوق إلى تحت، وما هذا إلاّ لاَنّ المتكلّم بصدد تحديد العضو المغسول، وهو اليد مع قطع النظر عن كيفية الغسل من حيث الابتداء والانتهاء ، فإذا كان هذا هو المفهوم، فليكن الاَمر كذلك في الآية المذكورة من دون أن نتكلّف بشيء من الوجوه التي يذكرها المفسرون في تأييد أحد المذهبين.

نعم، إنّ أساس الاختلاف في الابتداء بالمرفقين إلى أُصول الاَصابع أو بالعكس عندهم إنّما هو في تعيين متعلّق «إلى» في الآية الكريمة، فهل هو قيد «للاَيدي» أي المغسول، أو قيد للفعل أعني: «واغسلوا» ؟

فعلى الاَوّل تكون الآية بمنزلة قولنا: «الاَيدي إلى المرافق» يجب غسلها، وإنّما جاء بالقيد لاَنّ اليد مشترك تطلق على أُصول الاَصابع والزند والمرفق إلى المنكب، ولما كان المغسول محدداً إلى المرافق قُيّدت اليد بقوله «إلى المرافق»، ليفهم أنّ المغسول هو هذا المقدار المحدد من اليد ولولا اشتراك اليد بين المراتب المختلفة


(17)

وانّ المغسول بعض المراتب لما جاءت بلفظة «إلى» فالاِتيان بها لاَجل تحديد المقدار المغسول من اليد.

وعلى الثاني، أي إذا قلنا بكونه قيداً للاَمر بالاغتسال، فربّما يوحي إلى ضرورة الابتداء من أُصول الاَصابع إلى المرفقين، فكأنّه سبحانه قال: «الاَيدي» اغسلوها إلى المرافق.

ولكن لا يخفى ما في هذا الاِيحاء من غموض، لما عرفت من أنّ المتّبع في نظائر هذه الاَمثلة ما هو المتعارف وهو الابتداء من الاَعلى إلى الاَسفل.

أضف إلى ذلك: أنّه لو سلمنا أن حرف الجر قيد للفعل، لا نسلم أنّه بمعنى «إلى» الذي هو لانتهاء الغاية، بل يحتمل أن يكون بمعنى «مع» أي الاَيدي اغسلوها مع المرافق، وليس هذا بعزيز في القرآن والاَدب العربي.

يقول سبحانه: (ولا تأكُلوا أَمْوالَهُمْ إلى أَمْوالِكُمْ) (النساء ـ 2).

وقال سبحانه ـ حاكياً عن المسيح ـ: (فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُم الكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصَاري إلى اللّهِ) (آل عمران ـ 52) أي مع اللّه.

وقوله سبحانه: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ) (هود ـ 52) أي مع قوتكم.

ويقال في العرف: ولى فلان الكوفة إلى البصرة، أي مع البصرة، وليس في هذه الموارد من الغاية أثر.

وقال النابغة الذبياني:

ولا تتركني بالوعيد كأنني إلى      الناس مطليّ به القار أجرب

أراد مع الناس أو عند الناس.


(18)

وقال ذو الرمة:

بها كل خوار إلى كل صولة      ورفعي المدا عار الترائب

وقال امروَ القيس:

له كفل كالدعص لبّده الندى      إلى حارك مثل الغبيط المذأبِّ

أراد مع حارك (1)

وعلى ضوء ذلك فليست «إلى» لبيان الغاية، بل لبيان الجزء الواجب من المغسول سواء أكان الغسل من الاَعلى أو من الاَسفل.

هذا والدليل القاطع على لزوم الابتداء من الاَعلى إلى الاَسفل هو لزوم اتّباع ما هو المألوف في أمثال المورد كما سلف.

وقد نقل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنحو التالي:

أخرج الشيخ الطوسي بسنده عن بكير وزرارة بن أعين، أنّهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فدعا بطست أو بتَوْر (2) فيه ماء، فغسل كفّيه، ثمّ غمس كفّه اليمنى في التور فغسل وجهه بها، واستعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه، ثم غمس كفّه اليسرى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الاَصابع لا يردّ الماء إلى المرفقين، ثم غمس كفَّه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكفِّ لا يردُّ الماء إلى المرفق كما صنع باليمنى، ثمَّ مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفّيه ولم يجدد ماء. (3)


1 . رسائل الشريف المرتضى: الرسالة الموصلية الثالثة: 213 ـ 214.
2. التَوْر : اناء صغير .
3. تهذيب الاَحكام: 1|59 برقم 158.


(19)

الفصل الثاني:

آية الوضوء وحكم الاَرجل

إنّ الآية الكريمة لو عُرضت على عربيّ بعيد عن الاَجواء الفقهيّة، وعن اختلاف المسلمين في كيفيّة الوضوء وطُلِب منه تبيين ما فهمه لقال بوضوح: إنّ الوضوء: غسلتان ومسحتان، دون أن يتردّد في أنّ الاَرجل هل هي معطوفة على الروَوس أو معطوفة على الوجوه، فهو يدرك بأنّها تتضمّن جملتين صُرِّحَ فيهما بحكمين:

بُدىَ في الجملة الاَُولى:(فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلى المَرافِق) بغسل الوجوه، ثم عطفت الاَيدي عليها، فوجب لها من الحكم مثل حكم الوجوه لاَجل العطف.

ثم بُدىَ في الجملة الثانية:(وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم وأرْجُلَكُم إلى الكَعْبَيْنِ) بمسح الروَوس، ثم عطفت الاَرجل عليها، فوجب أن يكون لها من الحكم مثل حكم الروَوس لاَجل العطف، والواو تدل على مشاركة ما بعدها لما قبلها في الحكم.

والتفكيك بين حكم الروَوس وحكم الاَرجل، لا يحتمله عربي صميم بل يراه مخالفاً لظهور الآية.


(20)

فلو سئل عن كيفية الوضوء الواردة في الآية لصرّح أنّ هناك أعضاء يجب غسلها وهي: الوجوه والاَيدي، وأعضاءً يجب مسحها وهي: الروَوس والاَرجل، ولو أُلفت نظره إلى القواعد العربيّة تجده لا يتردّد في أنّ الاَرجل معطوفة على الروَوس، ولو سُئل عن عطفه إلى الاَبعد ـ أي الوجوه ـ لاستغرب وتعجّب.

فإن كنت في شك ممّا ذكرناه، فاعرض الآية على عربيّ أو خبير بالقواعد العربيّة، فستجده يذهب إلى ما ذكرنا ولا حاجة بعد ذلك إلى استعراض أدلّة الطرفين في مسح الرجلين أو غسلهما، وإلاّ فالحلّ الوحيد هو دراسة الآية على ضوء القواعد والذوق السليم والسنّة الصحيحة.

إنّ القول بمسح الرجلين أو غسلهما يرجع إلى تعيين ما هو العامل فيهما، فإنّ في الآية عاملين، وإن شئت قلت: فعلين كلّ يصلح في بدء النظر لاَن يكون عاملاً فيهما، إِنّمـا الكلام في تعيين ما هو العامل حسب ما يستسيغه الذوق العربي.

والعاملان هما:

فاغسلوا:

وامسحوا:

فلو قلنا:إنّ العامل هو الاَوّل يجب غسلهما، كما لو قلنا بأنّ العامل هو الثاني يجب مسحهما.

فملاك القولين عبارة عن كون المعطوف عليه هو الوجوه أو الروَوس، فعلى الاَوّل: حكمهما الغسل، وعلى الثاني: المسح.

ولا شك أَنّ الاِمعان في الآية ـ مع قطع النظر عن كلّ رأي مسبق وفعل رائج بين المسلمين ـ يثبت أَنّ العامل هو الفعل الثاني، أي: (فامسحوا) دون


(21)

الاَوّل البعيد.

وإن شئت قلت: إنّه معطوف على القريب أي الروَوس لا على البعيد، أعني: «وجوهكم» أو «أيديكم»، فاستوضح ذلك بالمثال التالي:

لو سمعنا قائلاً يقول: أحبّ زيداً وعمراً ومررت بخالد وبكر من دون أن يُعْربَ «بكر» بالنصب والجر نحكم بأنّ «بكر» معطوف على «خالد» والعامل فيه الفعل الثاني وليس معطوفاً على «عمرو» حتى يكون العامل فيه هو الفعل الاَوّل.

وقد ذكر علماء العربيّة أنّ العطف من حقّه أن يكون على الاَقرب دون الاَبعد، وهذا هو الاَصل، والعدول عنه يحتاج إلى قرينة موجودة في الكلام، وإلاّ ربّما يوجب اللّبس وصرف اللفظ عن المراد، فلنفرض أنّ رئيساً قال لخادمه: أكرم زيداً وعمراً واضرب بكراً وخالداً، فهو يميز بين الجملتين ويرى أنّ «عمراً» عطف على «زيداً»، و «خالداً» عطف على «بكراً» ولا يدور بخلده خلاف ذلك.

فإذا كانت الحال كذلك ولم يجز الخروج عن القواعد في الاَمثلة العرفيّة، فأولى أن يكون كلام ربّ العزة على ذلك النمط.

فلماذا نتردّد في تعيين العامل، أو تعيين المعطوف عليه، أو نقضي على الخلاف بإخراجه من تحت العامل الثاني وإدخاله تحت العامل الاَوّل، أو عطفه على الاَيدي دون الروَوس.

وليس المثال منحصراً بما ذكرنا بل بإمكانك الاِدلاء بأمثلة مختلفة شريطة أن تكون مشابهة لما في الآية .

وان أردتَ توضيح الكلام، نقول: إنّ في لفظ: (أرجلكم) قراءتين:

قراءة بالخفض، وقراءة بالنصب، وعلى كلا التقديرين يجب المسح دون الغسل.


(22)

أمّا الاَوّل، فقد قرأ بها: ابن كثير، وأبو عمرو ، وحمزة، وأبو بكر، عن عاصم، وقرأ الباقون بالنصب.

فالقائل بالمسح، يفسّـر كلتا القراءتين على ضوء القواعد العربيّة بلا شذوذ، ويقول: إنّ أرجلكم معطوفة على الروَوس، فجرّها لعطفها على ظاهر الروَوس، ونصبها لعطفها على محلّ الروَوس، لاَنّها مفعول لقوله: (وامسحوا) فكما أَنّ العطف على اللفظ جائز، فكذا على المحلّ، قال سبحانه: (أنَّ اللّهَ بريءٌ من المشركينَ ورسولُهُ) (التوبة ـ 3) فإنّ قوله: (ورسوله) بالضم عطف على محل اسم انّ، أعني: لفظ الجلالة، لكونه مبتدأ، وقد ملاَت مسألة العطف على المحل كتب الاَعاريب. (1) نظير قول القائل:

معاوي إنّنا بشر فاسجـح      فلسنا بالجبـال ولا الحديدا

وأمّا القائل بالغسل، فلا يستطيع أن يفسّـر الآية على ضوء القواعد، لاَنّه يفسّـر قراءة النصب بأنّها معطوفة على الوجوه، في الجملة المتقدمة، ويفسر قراءة الخفض بالجر بالجوار. وكلا الوجهين غير صحيحين.

أمّا الاَوّل: فلاَنّه يستلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية، وهي: (وامسحوا برءُوسكم) مع أنّه لا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمفرد، فضلاً عن جملة أجنبية. ولم يسمع في كلام العرب الفصيح قائلاً يقول: ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً بعطف «عمراً» على «زيداً».

وأمّا الثاني: فهو يقول: بأنّه مجرور لاَجل الجوار، أي لوقوعه في جنب الروَوس المجرورة، نظير قول القائل: «جحر ضب خرب» فان «خرب» خبر «لجحر»


1 . ابن هشام: مغني اللبيب: الباب الرابع مبحث العطف، قال: الثاني: العطف على المحل ... ثم ذكر شروطه.


(23)

فيجب أن يكون مرفوعاً لكنّه صار مجروراً لاَجل الجوار.

لكنّه غير صحيح لاتّفاق أهل العربية على أنّ الاِعراب بالمجاوَرة شاذّ نادر ، وما هذا سبيله لا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة يلجأ إليها.

قال الزجّاج: أمّا الخفض على الجوار فلا يكون في كلمات اللّه. (1) أضف إلى ذلك، أَنّه لو صحّ الجر بالمجاورة، فإِنّما يصح إذا لم يكن معها حرف عطف كما في الكلام السابق، دون المقام، فقد تصدّر قوله ( أرجلكم) بحرف العطف.

وممّن نصّ على ذلك من أعلام السنّة «علاء الدين علي بن محمّد البغدادي» في تفسيره المسمّى بـ «الخازن» قال: وأمّا من جعل كسر اللام في (الاَرجل) على مجاورة اللفظ دون الحكم. واستدل بقولهم: «جحر ضب خرب»، وقال: الخرب نعت للجحر لا للضب، وانّما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس بجيد [لوجهين]:

1ـ لاَنّ الكسر على المجاورة إنّما يحمل لاَجل الضرورة في الشعر، أو يصار إليه حيث يحصل الاَمن من الالتباس، لاَنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب، بل للجحر.

2ـ ولاَنّ الكسر بالجـوار انّما يكون بدون حرف العطـف، أمّا مـع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب. (2) وحاصل الوجه الاَوّل: انّه لو صحّ تفسير العطف بالجوار، فإِنّما يصح إذا لم يولّد الشبهة، ولا يوجب اللبس، كما في قوله: «جحر ضب خرب» إذ من المعلوم أنّ خرباً صفة للجحر، دون الضّبّ، بخلاف المقام، فإنّ قراءة الاَرجل بالجر ،


1 . معاني القرآن وإعرابه: 2|153.
2. تفسير الخازن: 2|16.


(24)

توجب كونه ممسوحاً لا مغسولاً، إذ المتبادر منه أنّه معطوف على الروَوس دون غيره، مع أنّ المقصود حسب فرض الفارض غيره.

وأمّا الوجه الثاني فظاهر غنيّ عن البيان.

وقد خرجنا بهذه النتيجة: أَنّ كلتا القراءتين منطبقتان على القول بالمسح، وغير منطبقتين على القول بالغسل.

فالكتاب العزيز يدعم ـ بلا مرية ـ القول بالمسح، ومن أراد إخضاع الكتاب للقول بالغسل، فقد فسّـره برأيه، وجعل مذهبه دليلاً على تفسير الآية، وحملها على أمرين غير صحيحين:

أ ـ الفصـل بين المعطوف والمعطـوف عليه بجملة أجنبية، وهو موجب للالتباس إذا قرىَ بالنصب.

ب ـ الجر بالجوار، ولكنه لا يليق بكلام رب العزة إذا قرىَ بالخفض.

وبما أنّ أكثر القائلين بالغسل اعتمدوا في تفسير قراءة الخفض على العطف بالجوار خصصنا البحث التالي له .

بحث حول الخفض بالجوار :

إنّ الخفض بالجوار أمر اختلفت فيه كلمة النحاة، فمنهم من أنكره مطلقاً، أو في خصوص القرآن الكريم، قال الزجّاج: وقال بعض أهل اللغة: إنّ قوله: (وأرجلكم) جر على الجوار فأ ضاف، أمّا الخفض بالجوار فلا يكون في كلمات اللّه. (1)

استدلّ القائلون بجواز الجر بالجوار بقول العرب: «جحر ضب خرب».


1 . معاني القرآن وإعرابه: 2|153.


(25)

فظاهر الكلام أنّ «خرب» صفة «ضب»، ومن المعلوم أنّه صفة «جحر» ولكنّه تبع في الاِعراب جاره أعني «ضبٍّ».

ثم إنّـهم استشهدوا بأبيات للشعراء منها:

قول أمرىَ القيس:

كأنّ ثبيراً في عرانـين وَبْلِه      كبير أُناس في بجاد مزمل

فإنّ مقتضى القياس رفع «مزمل» لاَنّه وصف «كبير أُناس» وإنّما انخفض لاَجل الجوار .

أقول: أمّا المثل فلاَنّه لم يثبت متواتراً أنّ العرب تخفض «خرب» وان اشتهر في الاَلسن ولعلهم يقرأونه بالرفع خبراً لـ «جحر».

و لو ثبتت قراءة الجرّ لكن لا يمكن تفسير القرآن الكريم بهذا المثل الذي لم تثبت كيفية جرّه بنقل متواتر .

قال ابن هشام: أنكر السيرافي وابن جنّي الخفض على الجوار وتأوّلا قولهم «خَرِبٍ» بالجر على أنّه صفة لضب.

ثم قال السيرافي: الاَصل خربٍ الجُحْر منه، بتنوين خربٍ ورفع الجحر، ثم حذف الضمير للعلم به، وحُوِّل الاسنادُ إلى ضمير الضب، وخفض الجحرُ ـ كما تقول «مررت برجلٍ حسنِ الوجه» بالاِضافة، والاَصلُ حسنٍ الوجهُ منه ـ ثم أُتى بضمير الجُحر مكانه لتقدم ذكره فاستتر .

وقال ابن جنّي: الاَصل خربٍ جحره، ثم أنيب المضاف إليه عن المضاف فارتفع واستتر . (1)


1 . مغني اللبيب: 896، الباب الثامن، القاعدة الثانية.


(26)

وأمّا الثاني: فلاَنّ جر قوله «مزملاً» للاِطلاق، فإنّ القافية ـ في قصيدة امرىَ القيس اللامية المعروفة بالجلجلية في جميع الاَبيات ـ مجرورة فلم يكن له بد من الجر حفظاً للروي، وهذا مطلع قصيدته المعروفة حيث يقول:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ      بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ

إلى أن يقول:

وتيماء لم يترك بها جذع نخلة      ولا أطماً إلاّ مشيداً بجندل

كأنّ ثبيراً في عرانين وبله      ............       

ثم إنّ الذين حاولوا إخضاع القرآن لمذهبهم، استدلّوا على الخفض بالجوار ببعض الاَبيات إلاّ أنّ تلك المحاولة تبدو عقيمة لاَنّه لم تثبت القراءة فيها حسب ما يدَّعون، وعلى فرض الثبوت لم يدل دليل على أنّ الخفض للجوار أو للضرورة، وعلى فرض القبول لم يثبت إلاّ في الوصف والبدل لا في المعطوف كما في الآية وسيوافيك تفصيله، فالاَولى الاِعراض عنها وصب الاهتمام على ما استشهدوا به من الآيات.

استشهادات أُخرى على الجر بالجوار :

واستشهد القائلون بالغسل للجر بالجوار بآيات:

1. قوله سبحانه: (عذاب يوم محيط) (هود ـ 84).

بخفض محيط مع أنّه نعت للعذاب.


(27)

2. وقوله تعالى: (عذاب يوم أليم) (هود ـ 26).

أنّ الاَليم صفة للعذاب وقد خفض للمجاورة .

3. وقوله تعالى: (بل هو قـرآن مجيـد في لوح محفـوظ) (الـبــروج: 21ـ22).

على قراءة من قرأ بخفض محفوظ فقد جُرّ لاَجل المجاورة .

يلاحظ عليه: أنّ لفظة (محيط) صفة ليوم لا لعذاب، فإنّ قوله (محيط)؛ كقوله: (عظيم) وصفان ليوم، بشهادة قوله سبحانه: (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) (مريم ـ 37) وقوله سبحانه: (إلا يظن هوَلاء أنّهم مبعوثون ليوم عظيم) (المطففين : 4 ـ 5).

وبذلك يظهر أنّ لفظة (محيط) في الآية ونظائرها وصف ليوم لا لعذاب .

وأمّا الآية الثانية فلا دليل على أنّ (أليم) صفة (لعذاب)، بل لقوله (يوم) ، نظير قولك: نهارك صائم وجدّه جده، كما ذكره الزمخشري في الكشاف.

وأمّا الآية الثالثة فقد قرأ نافع بالرفع وصفاً لقرآن، والباقون بالجر ، ولكن الجر لا للجوار بل لاَجل كونه وصفاً للوح، وقد كثر على ألسنتهم اللوح المحفوظ.

فالقرآن محفوظ واللوح الذي فيه القرآن أيضاً محفوظ، فلا دليل على أنّ اللفظ (محفوظ) وصف للقرآن بل وصف للّوح الذي هو وعاء القرآن .


(28)

شرط الجر بالجوار :

لو افترضنا صحة الجر بالجوار فليست الصحّة على إطلاقها ،وإنّما هي مشروطة بشرطين:

الشرط الاَوّل: انّ الجر بالجوار إنّما يصح إذا لم يكن موجباً للّبس وكان المتكلم والمخاطب في أمن من الالتباس، كما في المثل: «جحر ضب خرب» إذ من الواضح أنّ «خرب» صفة «جحر» لا «ضب».

وكما في شعر أمرىَ القيس الماضي، فإنّ «مزمل» بمعنى الملفف بالثياب صفة «كبير أُناس» وليس صفة «بجاد» وهو كساء، والجمع البجد، كأنّه قال: كبير أُناس مزمل في كساء مخطط، بخلاف الآية فإنّ جرها بالجوار يورث الالتباس لاَنّ الاَرجل كما يمكن أن تكون مغسولة يمكن أن تكون ممسوحة، فجرها بالجوار يجعلها في ذهن المخاطب ممسوحة وليست هناك أي قرينة على أنّها مغسولة .

وهناك من يدّعي وجود قرينة على رفع اللبس، وهو أنّ التحديد إلى الكعبين علامة الغسل وقد اعتمد على هذا الوجه كثير من المفسرين.

قال ابن الجوزي في وجه غسل الرجلين: إنّ حد الكعبين دليل على أنّ الغسل ينتهي إليهما ويدل على وجوب الغسل التحديد بالكعبين كما جاء في تحديد اليد (إلى المرفقين) ولم يجىَ في شيء من المسح تحديد (1)

يلاحظ عليه: أنّ كلاً من المغسول والممسوح جاء في الآية محدّداً وغير محدّد، فالوجوه في الآية تغسل ولم تحدّد، والاَيدي تغسل وقد حدّدت إلى المرافق، فيعلم من ذلك أنّ الغسل تارة يكون محدّداً وأُخرى غير محدّد فلا التحديد دليل على


1 . ابن الجوزي: زاد المسير في علم التفسير: 2|178.


(29)

وجوب الغسل ولا عدم التحديد دليل على وجوب المسح.

وهكذا الحال في الممسوح فيمكن أن يكون محدّداً إلى الكعبين وغير محدّد كما في الرأس، فجعل التحديد علامة للغسل أشبه بجعل الاَعم دليلاً على الاَخص. وما ذكره من «أنّه لم يجىَ في شيء من المسح تحديد» أوّل الكلام وهو من قبيل أخذ المدعى في الدليل.

ولو قلنا بهذه الاستحسانات، فالذوق الاَدبي يقتضي أن تكون الاَرجل ممسوحة لا مغسولة، قال المرتضى: إنّ الآية تضمّنت ذكر عضو مغسول غير محدود وهو الوجه وعطف عليه مغسول محدود وهما اليدان، ثم استُوَنف ذكر عضو ممسوح غير محدود وهو الرأس فيجب أن تكون الاَرجل ممسوحة وهي محدودة ومعطوفة عليه دون غيره لتتقابل الجملتان في عطف مغسول محدود على مغسول غير محدود، وفي عطف ممسوح محدود على ممسوح غير محدود.(1)

الشرط الثاني: أن يكون خالياً من حرف العطف، فإنّ من جوز ذلك فإنّما يجوز مع هذا الشرط وكل ما استشهد به على الاِعراب بالمجاورة فلا حرف فيه حائل بين هذا وذاك.

قال ابن هشام ـ بعد ما نقل الجر بالجوار في الآية ـ : والذي عليه المحقّقون أنّ خفض الجوار يكون في النعت قليلاً كما في قول الشاعر :

كأنّ ثَبيراً في عرانين وَبْلِــه      كَبيرُ أُنـاسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ

فإنّ «مزمل» وصف لقوله كبير أُناس.


1 . الانتصار: 24.


(30)

وفي التوكيد نادراً كقوله:

يا صاح بلغ ذوي الزوجات كُلّهمُ      ان ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب

قال الفراء: أنشدنيه أبو الجراح بخفض «كلهم» مع أنّه تأكيد لذوي.

ولا يكون في النسق لاَن العاطف يمنع من التجاور . (1) نعم حاول بعض أن يثبت خلاف ذلك وانّ العطف بالجار يجوز مع حرف العطف أيضاً، واستشهد على ذلك بقراءة أبي جعفر وحمزة والكسائي، في الآية التالية: (يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكوابٍ وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزفون * وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون * وحور عين * كأمثال اللوَلوَ المكنون * جزاءً بما كانوا يعملون) (الواقعة: 17 ـ 24).

فالقراءة المعروفة المتواترة التي عليها عامة المسلمين في جميع الاَجيال هي قراءة (وحور عين) بالرفع عطفاً على قوله: (ولدان مخلدون) والمعنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون وحور عين.

لكن في قراءة من ذكرنا أسماءهم هما مجروران، قالوا وليس الجر إلاّ لاَجل الجوار أي كونهما مجاورين لقوله: (بأكوابٍ وأباريق) .

وهذا ا لاستدلال لا يصمد أمام النقاش إذ هناك احتمالات أُخرى تحول دون الاَخذ ببناء قراءتهم على الخفض بالجوار .

أ. أنّه معطوف على جنات في الآية المتقدمة، أي في جنات النعيم، وفي معاشرة ومصاحبة حور عين .


1 . مغني اللبيب: 895، الباب الثامن، القاعدة الثانية.


(31)

ب . انّه مفعول لفعل محذوف أي جزيناهم بحور عين كأمثال اللوَلوَ المكنون جزاء بما كانوا يعملون، فحذف الفعل والجار لاَجل الاستغناء عنه بما بعده أي جزاء بما كانوا يفعلون.

ج . أنّه إذا قرىَ بالرفع فهو مبتدأ لخبر محذوف أي فيها حور عين، ولو قرىَ بالجر فقد حذف مضافه بمعنى ونساء حور عين فحذف الموصوف اختصاراً، وأُقيمت الصفة مقامه: فإنّ عين صفة لحور .

قال ابن هشام: وقيل العطف على «جنات»، وكأنّه قيل: المقربون في جنات وفاكهة ولحم طير وحورٍ (1)

فهذه هي الوجوه التي يمكن أن تذكر لهذه القراءة فإذا وجدنا أنّها لا تتلاءم مع الذوق السليم فنستكشف أنّ القراءة مختلقة وإنّ الرسول لم يقرأ إلاّ بقراءة واحدة وهي قراءة الرفع.

د. انّ الجر بالجوار كما يحكي عنه لفظ «الجوار» إنّما يتصور فيما إذا كانت الكلمتان متجاورتين فربّما يستحسن الذوق الوحدة في الاِعراب، كما في قول الشاعر :

لم يبق إلاّ أسير غير منفلت      وموثق في عقال الاَسر مكبول

حيث خفض «موثق» بالمجاورة للمنفلت وحقه الرفع عطفاً على «أسير»، وكما في قول الآخر:

فهل أنت ـ إن ماتت أتانك ـ راحل      إلى آل بسطام بن قيس فخاطب


1 . مغني اللبيب: 895، الباب الثامن، القاعدة الثانية.


(32)

فجر «فخاطب» للمجاورة وهو «قيس» وحقه الرفع عطفاً على «راحل».

فلو صلح العطف بالجوار في هذين البيتين واعتمدنا على النقل، فإنّما هو في إطار خاص وهو المجاورة، وأين هو من قوله سبحانه: (وحور عين) ، بالنسبة إلى قوله: (بأكواب وأباريق) حيث وقع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بثلاث آيات.

ومهما يكن من أمر فإنّ العطف بالجوار إمّا لضرورة في الشعر ، أو لاَجل استحسان الطبع المماثلة بين اللفظين المتجاورين المتقاربين وكل من الوجهين غير موجود في الآية .

وخلاصة القول: أوّلاً: لم يثبت الخفض بالجوار في الكلام الفصيح.

ثانياً: الخفض بالجوار ـ على فرض ثبوته ـ إنّما يتم في النعت والتوكيد لا في العطف .

ثالثاً: وعلى فرض ثبوته في العطف، فإنّما هو فيما إذا كان اللفظان متجاورين لا متباعدين كما في الآية.

كلمات أعلام السنّة حول الآية:

إنّ لفيفاً من علماء أهل السنّة فسّـروا الآية بما ذكرناه، وأثبتوا أنّ ظاهر الآية يدلّ على المسح دون الغسل، وإنّما رجعوا إلى الغسل ترجيحاً للسنّة على ظاهر الكتاب ونصّه. وسيوافيك أنّ الرواية إذا كانت معارضة للقرآن الكريم يضرب بها عرض الجدار، إذ نستكشف أنّها موضوعة، أو مدسوسة، أو موَوّلة فضلاً عمّـا إذا كانت نفس السنّة متضادّة كما في المقام؛ فإنّ السنّة وإن وردت في الغسل، لكنّها وردت في المسح أيضاً. وإليك عباراتهم:


(33)

1. كلمة لابن حزم (المتوفّـى 456 هـ) :

قال ابن حزم حول مسح الرجلين: «وأمّا قولنا في الرجلين فإنّ القرآن نزل بالمسح، قال اللّه تعالى: (وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم) وسواء قرىَ بخفض اللام أو بفتحها، هي على كل حال عطف على الروَوس، إمّا على اللفظ، وإمّا على الموضع، لا يجوز غير ذلك، لاَنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة. وهكذا جاء عن ابن عباس: نزل القرآن بالمسح، يعني في الرجلين في الوضوء».(1)

2. كلمة للاِمام البغوي (المتوفّـى 516 هـ):

قال الاِمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي: ومن قرأ بالخفض فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنّه يمسح على الرجلين، وروي عن ابن عباس أنّه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، ويروى ذلك عن عكرمة وقتادة.

وقال الشعبي: نزل جبرئيل بالمسح، وقال: ألا ترى: المتيمّم يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً . (2)

3. كلمة للرازي (المتوفّـى 606 هـ):

قال الرازي: «اختلف الناس في مسح الرجلين، وفي غسلهما، فنقل القفال في تفسيره، عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر: أنّ الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الاِمامية من الشيعة، وقال جمهور الفقهاء، والمفسرين: فرضهما الغسل. وقال داود الاصفهاني: يجب الجمع بينهما.


1 . المحلى: 2|56 برقم 200.
2. تفسير البغوي: 2|16.


(34)

وهو قول الناصر للحق، من أئمّة الزيدية. وقال الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخيّـر بين المسح والغسل.

حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين، المشهورتين في قوله: (وأرجلكم) فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه «بالجر»، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه «بالنصب»، فنقول:

أمّا القراءة بالجر فهي تقتضي كون الاَرجل معطوفة على الروَوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الاَرجل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذا كسر على الجوار كما في قوله: «جحر ضب خرب». وقوله: «كبير أناس في بجاد مزمل»؟

قلنا: هذا باطل من وجوه:

الاَوّل: أنّ الكسر على الجوار معدود من اللّحن الذي قد يتحمل لاَجل الضرورة في الشعر، وكلام اللّه يجب تنزيهه عنه.

و ثانيها: أنّ الكسر إِنّما يصار إليه حيث يحصل الاَمن من الالتباس، كما في قوله: «جحر ضب خرب»، فإنّ من المعلوم بالضرورة أَنّ «الخرب» لا يكون نعتاً «للضبّ» بل للجحر، وفي هذه الآية الاَمن من الالتباس غير حاصل.

وثالثها: أنّ الكسر بالجوار إِنّما يكون بدون حرف العطف، وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

وأمّا القراءة بالنصب فقالوا ـ أيضاً ـ: إنّها توجب المسح. وذلك لاَنّ قوله: (وامسحوا برءُوسكم) فروَوسكم في محل النصب، ولكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطف الاَرجل على الروَوس، جاز في الاَرجل، النصب عطفاً على محل الروَوس، والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور النحاة.


(35)

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله: (وأرجلكم) هو قوله: (وامسحوا) ويجوز أن يكون هو قوله: (فاغسلوا) لكنّ العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الاَقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله: (وأرجلكم) هو قوله: (وامسحوا) فثبت أنّ قراءة (وأرجلكم) بنصب اللام توجب المسح أيضاً، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح، ثم قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالاَخبار ، لاَنّها بأسرها من باب الآحاد، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز» (1)

4. كلمة للقرطبي (المتوفّـى 671 هـ):

وروي أنّ الحجاج خطب بالاَهواز فذكر الوضوء، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم، فإنّه ليس من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما .

فسمع ذلك أنس بن مالك، فقال: صدق اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم) قال: وكان إذا مسح رجليه بلّهما، وروي عن أنس أيضاً أنّه قال: نزل القرآن بالمسح، والسنّة بالغسل، وكان عكرمة يمسح رجليه، وقال: ليس في الرجلين غسل إنّما نزل فيهما المسح.

وقال عامر الشعبي: نزل جبرئيل بالمسح ألا ترى أنّ التيمم يمسح فيه ما كان غسلاً ويُلغى ما كان مسحاً.

وقال قتادة: افترض اللّه غسلتين ومسحتين. (2)


1 . التفسير الكبير: 11|161.
2 . الجامع لاَحكام القرآن: 6|92.


(36)

5. كلمة لاَبي حيان الاَندلسي (المتوفّـى 754 هـ):

قال أبو حيان الاَندلسي: ومن ذهب إلى قراءة النصب في (وأرجلكم) عطف على قوله فاغسلوا وجوهكم وأيديكم، وفصل بينهما بهذه الجملة التي هي قوله: (امسحوا برءُوسكم) فقوله بعيد لاَنّ فيه الفصل بين المتعاطفين بجملة انشائية، وقراءة (وأرجلكم) بالجر تأبى ذلك. (1)

6. كلمة للشيخ الحلبي (المتوفّـى 956 هـ):

قال الشيخ إبراهيم الحلبي عند تفسير الآية: «قرىَ في السبعة بالنصب والجر ، والمشهور انّ النصب بالعطف على وجوهكم، والجر على الجوار ؛ والصحيح أنّ الاَرجل معطوفة على الروَوس في القراءتين، ونصبها على المحل، وجرّها على اللفظ، وذلك لامتناع العطف على وجوهكم، للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية، هي (وامسحوا برءُوسكم) والاَصل أن لا يفصل بينهما بمفرد، فضلاً عن الجملة، ولم يسمع في الفصيح نحو «ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً» بعطف «عمراً» على «زيداً» وأمّا الجر على الجوار، فإنّما يكون على قلّة في النعت، كقول بعضهم: «هذا جحر ضب خرب»، أو في التأكيد، كقول الشاعر:

يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلّهم      أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب

بجر كلهم، على ما حكاه الفرّاء.

وأمّا في عطف النسق فلا يكون، لاَنّ العاطف يمنع المجاورة». (2)


1 . تفسير النهر الماد: 1|558.
2. غنية المتملّـي في شرح منية المصلي، المعروف بحلبي كبير: 16.


(37)

7. كلمة للشيخ علي بن برهان الدين الحلبي(975 ـ 1044 هـ):

ينقل علي بن برهان الدين الحلبي، أنّ جبرئيل عندما علّم الرسول الوضوء أمره بالمسح، يقول: إنّ جبرئيل أوّل ما جاء النبي بالوحي، توضّأ فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح رأسه ورجليه إلى الكعبين، وسجد سجدتين، ففعل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما يرى جبرئيل يفعله. وقال: وفي كلام الشيخ محيي الدين مسح الرجلين في الوضوء بظاهر الكتاب، وغسلهما بالسنّة المبينة للكتاب.(1)

وما ذكره أخيراً من كون السنّة مبّينة للكتاب، لا يعوّل عليه، إذ ليس الكتاب مجملاً مبهماً، حتى يحتاج إلى التوضيح من جانب المسح.

8. كلمة للشيخ السندي الحنفي (المتوفّـى 1138 هـ):

وقال أبو الحسن الاِمام محمد بن عبد الهادي المعروف بالسندي الحنفي في حاشيته على سنن ابن ماجة (بعد أن جزم بأنّ ظاهر القرآن هو المسح) ما هذا لفظه: «وإِنّما كان المسح هو ظاهر الكتاب، لاَنّ قراءة الجرّ ظاهرة فيه، وحمل قراءة النصب عليها، بجعل العطف على المحل، أقرب من حمل قراءة الجر على قراءة النصب، كما صرّح به النحاة (قال) لشذوذ الجوار واطراد العطف على المحل (قال) وأيضاً فيه خلوص عن الفصل بالاَجنبي بين المعطوف والمعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح». (2)

9. كلمة للاِمام محمد عبده (1266 ـ 1323 هـ):

وقال الاِمام عبده: «قال تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين) قرأ نافع وابن


1 . السيرة الحلبية: 1|28.
2. في تعليقته على ما جاء في غسل القدمين: 88 من الجزء الاَوّل من شرح سنن ابن ماجة.


(38)

عامر وحفص والكسائي ويعقوب (وأرجلكم) بالفتح، أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق من الجانبين؛ وقرأها الباقون ـ ابن كثير وحمزة وابن عمرو وعاصم ـ بالجرّ؛ والظاهر أنّه عطف على الرأس، أي وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين. ومن هنا اختلف المسلمون في غسل الرجلين ومسحهما؛ فالجماهير على أنّ الواجب هو الغسل وحده. والشيعة الاِمامية أنّه المسح. وقال داود بن علي والناصر للحق من الزيدية: يجب الجمع بينهما. ونقل عن الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: أنّ المكلّف مخيّـر بينهما. وستعلم أنّ مذهب ابن جرير الجمع.

أمّا القائلون بالجمع، فأرادوا العمل بالقراءتين معاً، للاحتياط، ولاَنّه المقدّم في التعارض إذا أمكن. وأمّا القائلون بالتخيير، فأجازوا الاَخذ بكلّ منهما على حدته. وأمّا القائلون بالمسح، فقد أخذوا بقراءة الجر، وأرجعوا قراءة النصب إليها. وذكر الرازي، عن القفال: أنّ هذا قول ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر». (1)

(إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبيّاً لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ)

(الزخرف: 3)


1 . تفسير المنار : 6|228.


(39)

الفصل الثالث:

اجتهادات تجاه النص

إنّ آفة الفقه هو التمسّك بالاعتباريات والوجوه الاستحسانية أمام النصّ، فإنّه يضاد مذهب التعبدية، فالمسلم يتعبّد بالنص وإن بلغ ما بلغ ولا يُقدِّم رأيه عليه وهو آية الاستسلام أمام اللّه ورسوله وكتابه وسنته. قال سبحانه: (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ واتَّقُواْ اللّهَ إنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات ـ 1).

فإنّ تقديم الوجوه الاستحسانية على النص تقدم على اللّه ورسوله ولهذا فقد نهت عنه الآية المباركة.

وقد وقف غير واحد من أئمّة التفسير، وغيرهم، على أنّ ظاهر الآية يدلّ على مسح الرجلين لا غسلهما، فافتعلوا أعذاراً لتثبيت رأيهم المسبق. وإنّما التجأوا إلى هذه الاجتهادات، لاَنّهم تبعوا أئمّتهم، بدل اتباعهم للقرآن الكريم، ولولا أنّهم نشأوا على هذه الفكرة منذ نعومة أظفارهم لما اختاروا هذه الاجتهادات حجّة بينهم وبين ربّهم، أمام الكتاب العزيز الحاكم على خلافها. وإليك بيانها:

1. اجتهاد الجصاص:

زعم أبو بكر الجصاص (المتوفّـى 370 هـ) انّ آية الوضوء مجملة فلابد من العمل بالاحتياط، وهو الغسل المشتمل على المسح أيضاً، بخلاف المسح فإنّه


(40)

خالٍ من الغسل.

قال: لا يختلف أهل اللغة أنّ كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفها على الرأس ويحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها على المغسول من الاَعضاء.

لاَنّ قوله: (وأرجلكم) بالنصب يجوز أن يكون مراده (فاغسلوا أرجلكم) ويحتمل أن يكون معطوفاً على الرأس فيراد بها المسح، وإن كانت منصوبة فيكون معطوفاً على المعنى لا على اللفظ لاَنّ الممسوح به (برءُوسكم) مفعول به، كقول الشاعر :

معاوي اننا بشر فاسجــح      فلسنا بالجبال ولا الحديدا

فَنُصِب الحديد وهو معطوف على الجبال بالمعنى.

ويحتمل قراءة الخفض أن تكون معطوفة على الرأس، فيراد به المسح ويحتمل عطفه على الغسل (وجوهكم) ويكون مخفوضاً بالمجاورة .

فثبت بما وصفنا احتمال كل واحدة من القراءتين للمسح والغسل، فلا يخلو حينئذ القول من أحد معان ثلاثة:

1. أمّا أن يقال أنّ المراد هما جميعاً مجموعان فيكون عليه أن يمسح ويغسل فيجمعهما .

2. أو أن يكون أحدهما على وجه التخيير يفعل المتوضّىَ أيّـهما شاء ويكون ما يفعله هو المفروض.

3. أو يكون المراد أحدهما بعينه لا على وجه التخيير .

وغير جائز أن يكونا هما جميعاً على وجه الجمع لاتفاق الجميع على خلافه،


(41)

ولا جائز أيضاً أن يكون المراد أحدهما على وجه التخيير إذ ليس في الآية ذكر التخيير ولا دلالة عليه وإذا انتفى التخيير والجمع لم يبق إلاّ أن يكون أحدهما لا على وجه التخيير فاحتجنا إلى طلب الدليل على المراد منهما، فالدليل على أنّ المراد الغسل دون المسح، اتفاق الجميع على أنّه إذا غسل فقد أدّى فرضه وأتى بالمراد وأنّه غير ملوم على ترك المسح فثبت أنّ المراد الغسل. (1) يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه سبحانه في هذه الآية بصدد بيان ما هو الواجب على المصلّـي عند القيام إلى الصلاة، فمقتضى المقام أن تكون الآية واضحة المعالم، مبينّة المراد، غير محتملة إلاّ لمعنى واحد والحكم على الآية بالاِجمال أمر لا يحتمله المقام وإنّما حداه إلى القول بالاِجمال إخضاع الآية لمذهبه وهو غسل الاَرجل، ولو نظر إلى الآية نظرة مجرّدة عن كل فكر مسبق لوقف على أنّها غير مجملة لا تحتمل إلاّ معنًى واحداً.

وثانياً: أنّ تفسير قراءة النصب بالعطف على المحل أمر رائج، وقد استشهد بالشعر وكان عليه أن يستشهد قبله بالقرآن الكريم (التوبة ـ 3) كما سيأتي، ولكن تفسير النصب بالعطف على وجوهكم تفسير خاطىَ إذ لازمه الفصل بين المتعاطفين بجملة أجنبية، وأين العطف على المحل من هذا الاِشكال .

والعجب من أبي البقاء (المتوفّـى 616 هـ) حيث ادّعى جواز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية، وقال: وذلك جائز في العربية بلا خلاف . (2) وما أبعد بينه وبين ما نقله أبو حيان في ذلك المجال كما سيوافيك.


1 . أحكام القرآن: 2|346.
2. التبيان في إعراب القرآن: 1|422.


(42)

ولم يذكر أي شاهد على قوله، وما اضطره إلى ذلك سوى محاولة فرض مذهبه على القرآن.

ولو سلّم جواز الفصل فهو يختص فيما إذا كان هناك أمن من الالتباس.

وثالثاً: أنّ تفسير قراءة الجر بالعطف على ظاهر (برءُوسكم) أمر لا سترة فيه، وأمّا تفسير قراءة الجر عن طريق العطف بالجوار أمر غير مقبول، لاَنّ العطف بالجوار أمر شاذ، ولو صح فإنّما هو فيما إذا لم يورث التباساً، والقول به في الآية يوجب الالتباس . والشاهد هو كلام الجصاص حيث تحيّـر في فهم ما هو المراد من الآية وما هذا إلاّ لاَجل تفسير الخفض بالجوار ، فلم يجد بدّاً من اللجوء الى الاحتياط والقول: بأنّ الغسل يشمل المسح أيضاً.

2. اجتهاد ابن حزم:

قال ابن حزم (المتوفّـى 456 هـ): وممّا نسخت فيه السنّةُ القرآنَ، قوله عزّ وجلّ: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فإنّ القراءة بخفض أرجلكم وفتحها كليهما لا يجوز إلاّ أن يكون معطوفاً على الروَوس في المسح ولابد، لاَنّه لا يجوز البتة أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بخبر غير الخبر عن المعطوف عليه، لاَنّه إشكال وتلبيس وإضلال لا بيان، لا تقول: ضربت محمداً وزيداً، ومررت بخالد وعمراً، وأنت تريد أنّك ضربت عمراً أصلاً، فلمّا جاءت السنّة بغسل الرجلين صح أنّ المسح منسوخ عنهما.

وهكذا عمل الصحابة (رض) فانّهم كانوا يمسحون على أرجلهم حتى قال عليه السّلام: ويل للاَعقاب والعراقيب من النار وكذلك قال ابن عباس: نزل القرآن بالمسح (1).


1 . ابن حزم الاَندلسي: الاَحكام: 1|510 .


(43)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ العمل بالسنّة تجاه القرآن الكريم وإن كان بزعم النسخ على خلاف ما أوصى به بعض الصحابة كعمر بن الخطاب حيث كتب إلى شريح بتقديم الكتاب ثم السنّة، وإليك نص كلامه:

«ان اقض بما في كتاب اللّه، فإن لم يكن في كتاب اللّه، فبما في سنّة رسول اللّه، فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه، فبما قضى به الصالحون» (1)

فقد أمر بتقديم الحكم بالكتاب على كلّ ما سواه، فإن لم يوجد في الكتاب ووجد في السنّة لم يلتفت إلى غيرها، وكلامه وإن كان وارداً في مورد القضاء، لكن المورد غير مخصص، بل المراد أَنّ مكانة القرآن أعلى من أن يعادلها شيء ويقدم عليها.

ثانياً: لو افترضنا صحّة نسخ الكتاب بالسنّة، فإنّما هو بالسنّة القطعية التي هي وحي في المعنى وإن لم يكن وحياً في اللفظ فانّها واجبة الاتباع كالقرآن الكريم: (وما أتاكُمُ الرسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (الحشر ـ 7).

قال الغزالي: يجوز نسخ القرآن بالسنّة والسنّة بالقرآن، لاَنّ الكل من عند اللّه عزّ وجلّ، فما المانع منه، ولم يعتبر التجانس مع أنّ العقل لا يمليه (2)

وكلامه هذا كما يعبر عنه قوله: لاَنّ الكل من عند اللّه عزّ وجلّ، انّما هو في السنّة القطعية التي لا غبار عليها، لا في مثل المقام الذي تضاربت فيه الروايات واختلفت الاَُمّة على قولين، ففي مثل ذلك تكون السنّة مظنونة الصدق محتملة الكذب على لسان رسول اللّه، فكيف يمكن أن تقدَّم على الدليل القطعي مثل القرآن الكريم؟!


1 . ابن القيم: أعلام الموقعين عن رب العالمين: 2|227.
2. الغزالي: المستصفى: 1|124.


(44)

ثالثاً: اتفقت الاَُمّة على أنّ سورة المائدة آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وانّها لم تنسَخْ آية منها، وستوافيك كلمات العلماء في ذلك المضمار، فكيف تكون آية الوضوء التي نزلت في آواخر عمره - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - منسوخة؟!

رابعاً: انّ ما زعمه ناسخاً من حديث «ويل للاَعقاب من النار» انّما ورد في غزوة من غزوات النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما نقله ابن حيان الاَندلسي في تفسيره(1)

ومن المعلوم أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لم يغز بعد تبوك التي غزاها في العام التاسع من الهجرة، وقد نزلت سورة المائدة في آواخر العام العاشر أو أوائل العام الحادي عشر، فكيف ينسخ القرآن المتأخر بالسنّة التي حدّث عنها النبي قبل نزول الآية.

فقد أخرج الطبراني في الاَوسط، عن ابن عباس أَنّه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر وسعد وعبد اللّه بن عمر، فقال عمر: سعد أفقه منك. فقال عمر: يا سعد إنّا لا ننكر أنّ رسول اللّه مسح (أي على القدمين) ولكن هل مسح منذ أُنزلت سورة المائدة فإنّها أحكمت كل شيء وكانت آخر سورة نزلت من القرآن إلاّ براءة (2).

فيظهر من هذا الخبر أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يمسح على القدمين باعتراف عمر ، ويظهر أيضاً أنّ سورة المائدة آخر السور نزولاً، وانّها محكمة لم تنسخ آياتها، وقد ذكرنا بأنّ الآية على قراءة الجر والنصب تدل على لزوم المسح للرجلين كالرأس.

دراسة مكانة سورة المائدة من بين السور :

إنّ سورة المائدة هي آخر سورة نزلت على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فقد أخرج أحمد وأبو


1 . تفسير البحر المحيط: 3|434.
2. الدر المنثور: 3|29.


(45)

عبيد في فضائله، والنحاس في ناسخه، والنسائي وابن المنذر والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن جبير بن نفير، قال: حججت، فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ قلت: نعم، فقالت: أما أنّها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه.

وأخرج أبو عبيد، عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس، قالا: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - المائدة من آخر القرآن تنزيلاً، فأحلّوا حلالها وحرّموا حرامها.

وأخرج الفريابي وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي ميسرة، قال: في المائدة ثماني عشرة فريضة ليس في سورة من القرآن غيرها، وليس فيها منسوخ، وعدّ منها قوله: (وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا).

وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، قال: لم ينسخ من المائدة شيء.

وأخرج عبد بن حميد قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا (1)

كلّ ذلك يدل على أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيجب العمل على وفقها وليس فيها أيّ نسخ.

وما ربّما يتصور أنّ عمل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ناسخ، لمفاد الآية، خطأ واضح تردّه هذه النصوص، ولو ثبت أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - غسل رجليه في فترة من الزمن، فالآية ناسخة له؛ ولعلّ الاختلاف بين المسلمين في حكم الاَرجل نشأ نتيجة ذلك، فكان النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ـ حسب هذا الاختلاف ـ يغسل رجليه، ورآه بعض الصحابة وحسبه حكماً ثابتاً وأصرّ عليه بعد نزول الآية الناسخة لما هو المفهوم من عمله.


1 . السيوطي، الدر المنثور: 3|3 ـ4.


(46)

أخرج ابن جرير ، عن أنس، قال: نزل القرآن بالمسح، والسنّة بالغسل وقال ابن عباس: أبى الناس إلاّ الغسل، ولا أجد في كتاب اللّه إلاّ المسح (1)

ويريد من السنّة عمل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قبل نزول القرآن، ومن المعلوم أنّ القرآن حاكم وناسخ.

وبهذا يمكن الجمع بين عمل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وبين ظهور الآية في المسح، وأَنّ الغسل كان قبل نزول الآية.

ونرى نظير ذلك في المسح على الخفين، فقد روى حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أنّه قال: سبق الكتاب الخفين.

وروى عكرمة عن ابن عباس، قال: سبق الكتاب الخفين. ومعنى ذلك انّه لو صدر عن النبي في فترة من عمره المسح على الخفين، فقد جاء الكتاب على خلافه فصار ناسخاً له حيث قال: (وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم) أي امسحوا على البشرة لا على النعل ولا على الخف ولا الجورب (2)

القرآن هو المهيمن:

إنّ القرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية وهو ميزان الحق والباطل، فما ورد في تلك الكتب يوَخذ به إذا وافق القرآن الكريم ولم يخالفه.

قال سبحانه: (وَأنزَلْنا إلَيْكَ الكتابَ بالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَينَ يَدَيهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيمِناً عَلَيهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِما أنزَلَ اللّهُ ولاَ تَتَّبِع أهواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقّ) (المائدة ـ 48).


1 . الدر المنثور: 3|29.
2. عبد اللّه بن أبي شيبة: المصنف: 1|213، باب من كان لا يرى المسح، الباب 217.


(47)

فإذا كان هذا موقف القرآن الكريم بالنسبة إلى الكتب السماوية، فأولى به أن يكون كذلك بالنسبة إلى السنن المأثورة عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فالكتاب مهيمن عليها فيوَخذ بالسنّة ما دامت غير مخالفة للكتاب (1) ولا يعني ذلك الاكتفاء بالكتاب وحذف السنّة من الشريعة فإِنّه من عقائد الزنادقة، بل السنّة حجة ثانية للمسلمين بعد الكتاب العزيز بشرط أن لا تضادّ السند القطعي عند المسلمين.

فإذا كان القرآن ناطقاً بالمسح على الاَرجل، فما قيمة السنّة الآمرة بغسلها، فلو أمكن الجمع بين القرآن والسنّة ـ على ما عرفت من كون القرآن ناسخاً لما كان رائجاً في فترة من الزمن ـ فهو المطلوب، وإلاّ فتضرب عرض الجدار.

3. اجتهاد الزمخشري:

إنّ الزمخشري (المتوفّـى 538 هـ) لما وقف على أَنّ قراءة الاَرجل بالجر تدل على المسح بوضوح أراد توجيهها وتأويلها، فقال: قرأ جماعة وأرجلكم بالنصب فدلّ على أنّ الاَرجل مغسولة، فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح. قلت: الاَرجل من بين الاَعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصبّ الماء عليها، فكان مظنّة للاِسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح ولكن ليُنبّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، وقيل: إلى الكعبين (2).

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ ما ذكره من الوجه إِّنما يصح إذا كانت النكتة مما تعيها عامة المخاطبين من الموَمنين، وأين هوَلاء من هذه النكتة التي ابتدعها الزمخشري


1 . قال النبي الاَكرم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إذا روي لكم عنّي حديث فأعرضوه على كتاب اللّه فإن وافقه فاقبلوه وإلاّ فردوه» لاحظ التفسير الكبير: 3|252، ط سنة 1308.
2. الكشاف: 1|326.


(48)

توجيهاً لمذهبه؟!

وبعبارة أُخرى: إِنّما يصح ما ذكره من النكتة إذا أمن من الالتباس لا في مثل المقام الذي لا يوَمن منه، وبالتالي يحمل ظاهر اللفظ على وجوب المسح غفلة عن النكتة البديعة للشيخ الزمخشري.

وثانياً: أنّ الاَيدي أيضاً مظنّة للاِسراف المذموم مثل الاَرجل، فلماذا لم ينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء فيها أيضاً؟!

كلّ ذلك يعرب عن أنّ هذه الوجوه توجيهات للمذهب الذي نشأوا وترعرعوا عليه، ولولا ذلك لم تدر بخلد أحد منهم واحد من تلك الوجوه.

4. اجتهاد الرازي:

إنّ الاِمام الرازي (المتوفّـى 606 هـ) لمّا وقف على دلالة الآية على المسح، أخذ يعتذر بقوله:

واعلم أنّه لا يمكن الجواب عن هذا إلاّ بوجهين:

1ـ انّ الاَخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح، ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب المصير إليه.

وعلى هذا الوجه يجب القطع بأنّ غسل الرجل يقوم مقام مسحها.

2ـ انّ فرض الرجلين محدود إلى الكعبين، والتحديد انّما جاء في الغسل دون المسح. (1)

وحاصل ما اعتذر عنه أمران:

ألف: الغسل يشتمل على المسح دون العكس.

ب : التحديد انّما جاء في الغسل دون المسح.


1 . تفسير الرازي: 11|162.


(49)

مناقشة اجتهاد الرازي:

أمّا الاَوّل فإنّ من لاحظ الآية يقف على أنّ هناك تكليفين مختلفين لا يتداخلان.

أحدهما: الغسل لا المسح.

ثانيهما: المسح لا الغسل.

وعلى ضوء ذلك يجب على المتوضىَ القيام بكلّ واحد منهما، دون أن يتداخلا. إنّما المهم هو الوقوف على معنى الغسل والمسح.

زعم الرازي: أنّ الغسل عبارة عن إسالة الماء على العضو، وأمّا المسح فهو عبارة عن إمرار اليد عليه، فإذا أسال الماء على العضو باليد فقد قام بكلا الاَمرين، فحينئذٍ يشتمل غسل الاَرجل على المسح.

لكن غاب عنه، أنّ ما ذكره إنّما يتم لو جاء المسح مجرداً عن ذكر الغسل، دون ما إذا جاءا متقابلين، وحكم على بعض الاَعضاء بالغسل، والبعض الآخر بالمسح، فإنّ مقتضى التقابل بين الغسل والمسح في الآية كونهما أمرين متبائنين لا يتداخلان، وليس هو إلاّ تفسير الغسل بإسالة الماء على العضو سواء كان باليد، أو بوضعها تحت المطر أو غيره؛ وأمّا المسح المتقابل غير المتداخل، فهو عبارة عن إمرار اليد على العضو بالماء المتبقّي في اليد عن غسل الاَيدي، لا على وجه الاِسالة، بل الامرار بنداوة اليد.

لا أقول إنّ المسح وضع لاِمرار اليد على العضو بالرطوبة المتبقية، بل هو موضوع لمطلق إمرار اليد، سواء كانت اليد جافّة أو متبلّلة، بشهادة قوله سبحانه: (فَطَفِقَ مَسْحَا بِالسُّوقِ والاَعْنَاقِ) (ص ـ 33)إذ أخذ سليمان يمسح بيده سوق الصافنات الجياد وأعناقهم، وقال سبحانه: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فامْسَحُوا بِوُجُوهِكُم وأيْدِيكُم مِنْه) (المائدة ـ 6).


(50)

ولكنه سبحانه إذا خاطب موَمناً بغسل وجهه ويديه، ثم بالمسح على الروَوس والاَرجل، يتبادر منه مسحه بالبلل الموجود في يديه، لا باليد الجافّة ولا بالماء الخارج عن الوضوء، فلا يكون الغسل مشتملاً على المسح الوارد في الآية، وإن كان مشتملاً على المسح المطلق بالمعنى اللغوي العام.

وإن شئت قلت: إنّ النسبة بين الغسل والمسح عموم وخصوص من وجه، فالاَوّل عبارة عن إسالة الماء على العضو سواء كان بإمرار اليد أم لا، والثاني عبارة عن إمرار اليد على العضو سواء كان هناك بلل عليها أم لا فيفترقان في موردين:

أ ـ إسالة الماء على العضو بلا إمرار لليد فيصدق الغسل دون المسح.

ب ـ إمرار اليد على العضو سواء كان مع بلل أم لا ، فيصدق المسح دون الآخر.

ويجتمعان فيما إذا كان هناك إسالة مع إمرار.

هذا إذا جرّد كلّ واحد منهما عن الآخر في مقام الاستعمال وأمّا إذا اجتمعا في كلام واحد، كما في المقام فلا يتبادر منهما إلاّ إسالة الماء في الاَوّل وإمرار اليد بالبلل المتبقي في الثاني.

والشاهد على أنّ المسح الوارد في الآية يقابل الغسل ويضادّه ولا يجتمع معه ـ مضافاً إلى التقابل الحاكي عن التخالف ـ تصريح عدّة من أعلام اللغة وإليك كلماتهم:

الغسل والمسح في المصطلح اللّغوي:

أمّا الغسل فقد عرّفه الراغب بقوله: غسلت الشيء غسلاً: أسلت عليه الماء فأزلت درنه، والغسل الاسم (1).

وقال الجزري: وفي الحديث: واغسلني بماء الثلج والبرد أي طهّرني من


1 .الراغب : المفردات : 361 ، مادة غسل.


(51)

الذنوب، والغسل الماء الذي يغتسل به (1)

وقال الفيومي: غسلته غسلاً من باب ضرب، والاسم الغُسل بالضم وهو الماء الذي يتطهّر به.

وقال ابن القوطية: الغسل تمام الطهارة (2)

وقال الطريحي: غسل الشيء: إزالة الوسخ ونحوه عنه بإجراء الماء عليه (3)

وقال أبو البقاء: الغسل ـ بالفتح ـ الاِسالة (4)

هذه النصوص وغيرها تدلّ على شرطية إسالة الماء في صدق الغسل، ولا أقل من وجود مائع يتحقّق به الغسل كماء الورد.

وأمّا شرطية الدلك في صدق الغسل فليس شرطاً ولم يقل أحد بالشرطية فإنّ مقوم الغسل هو سيلان الماء على الشيء الذي يراد غسله سواء كان هناك دلك أم لا.

وأمّا المسح فواقعه هو إمرار اليد على الممسوح جافّة كانت أو مبلّلة.

قال ابن منظور: فلان يتمسّح بثوبه، أي يمر بثوبه على الاَبدان فيتقرّب به إلى اللّه (5).

وقال الطريحي: المسح إمرار الشيء على الشيء، يقال: مسح برأسه وتمسّح بالاَحجار والاَرض (6)


1 . الجزري: النهاية: 3|367 ـ 368.
2. الفيومي: المصباح المنير: 2|447 ، مادة غسل.
3. الطريحي: مجمع البحرين: مادة غسل.
4. أبو البقاء: الكليات: 1|311.
5. ابن منظور: لسان العرب: مادة مسح.
6. الطريحي: مجمع البحرين: مادة مسح.


(52)

وقال الفيروزآبادي: ومنه الحديث: «وتمسّحوا بالاَرض فإنّها بكم برّة»، أراد به التيمّم (1).

وقال الجزري: وفي حديث ابن عباس: «إذا كان الغلام يتيماً فامسحوا رأسه من أعلاه إلى مقدّمه» (2)

وقال الجوهري: مسح برأسه وتمسّح بالاَرض، ومسح الاَرض مساحة أي ذرعها (3).

وقال الجرجاني: المسح هو إمرار اليد المبتلّة بلا تسييل (4)

وقال المطرزي: المسح: إمرار اليد على الشيء. يقال: مسح رأسه بالماء أو بالدهن (يمسحه مسحاً) (5)

وقال ابن جزي في تفسيره: المسح امرار اليدين بالبلل الذي يبقى من الماء والغسل امرار اليد بالماء، وعند الشافعي امرار الماء وان لم يكن باليد (6)

وقال القاسمي: المسح احساس المحل الماء بحيث لا يسيل (7)

نعم، ربّما يستعمل المسح في مورد الغسل بالقرينة كما إذا أُضيف إليه لفظة الماء، يقال: مسحت يدي بالماء إذا غسلتها وتمسّحت بالماء إذا اغتسلت، وأمّا إذا جرّد عن ذلك فيراد منه مجرّد الاِمرار ، من غير فرق بين أن تكون يده مبتلّة أو جافّة.


1 . الفيروزآبادي: القاموس المحيط: 1|95 ، مادة مسح.
2. الجزري: النهاية: 4|327.
3. الجوهري: الصحاح: 1|404.
4. الجرجاني: التعريفات: 272.
5. المطرزي: المغرب في ترتيب المعرب: 2|266.
6. تفسير ابن جزي: 149.
7. تفسير القاسمي: 6|102.


(53)

ولكن لما جاء المسح بالروَوس والاَرجل في الآية المباركة بعد غسل الوجه واليدين يكون ذلك قرينة على إمرار اليد عليها بالبلّة الموجودة فيها.

وبذلك ظهر أنّ الآية المباركة تحتوي على واجبين: أحدهما: الغسل، والآخر: المسح، وكلّ يغاير الآخر، فلا الغسل مشتمل على المسح ولا المسح على الغسل.

ومن حاول تفسير المسح في الآية بالغسل بحجّة انّ المسح يستعمل في الغسل فقد أخطأ، فلاَنّ المسح انّما يستعمل في الغسل إذا قيّد بلفظة الماء وإلاّ فلا يراد منه سوى الاِمرار. وبذلك يظهر الخلط في كلام ابن قتيبة، قال: كان رسول اللّه يتوضأ بمدّ، وكان يمسح بالماء يديه ورجليه وحولها غاسل، قال: ومنه قوله تعالى: (و امسحوا بروَوسكم وأرجلكم) والمراد بمسح الاَرجل غسلها. ويستدل بمسحه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - برأسه وغسله رجليه، بأنّ فعله مبيّـن وبأنّ المسح يستعمل في المعنيين المذكورين، إذ لو لم نقل بذلك لزم القول بأنّ فعله ناسخ للكتاب وهو ممتنع، وعلى هذا فالمسح مشترك بين معنيين، فإن جاز إطلاق اللفظة الواحدة وإرادة كلا معنييها كانت مشتركة أو حقيقة في أحدهما ومجازاً في الآخر كما هو قول الشافعي، فلا كلام. وإن قيل بالمنع فالعامل محذوف، فالتقدير وامسحوا بأرجلكم مع إرادة الغسل، وسُوِّغ حذفه لتقدّم لفظه وإرادة التخفيف (1)

يلاحظ عليه بوجهين:

الاَوّل: أنّ ابن قتيبة أراد تفسير الآية بفعله وعمل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبما أنّه كان يغسل رجليه فهو دليل على أنّ المراد من مسح الاَرجل هو الغسل، ولكنه غفل عن أنّ معنى ذلك أنّ الآية مع أنّها بصدد بيان وظيفة الموَمنين بمختلف طبقاتهم،


1 . الفيومي: المصباح المنير: 2|571 ـ 572، مادة مسح.


(54)

مجملة مردّدة بين أمرين، وفعله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - رافع لاجمالها، ولكن مكانة الآية ترد ذلك الزعم.

الثاني: أنّ ابن قتيبة تحيّـر بين أمرين، فمن جانب رأى أنّ الآية ظاهرة في مسح الاَرجل، ومن جانب آخر زعم صحّة الرواية وانّ رسول اللّه غسل رجليه، فاختار أنّ الاَثر مبيّن للآية، وإلاّ يلزم أن يكون عمله ناسخاً للكتاب، مع أنّ هناك طريقاً آخر للخلاص من هذا المأزق وهو الاَخذ بالكتاب الحجّة القطعيّة من اللّه سبحانه وتأويل الاَثر. وسيوافيك أنّ الروايات في فعله متعارضة، فكما ورد أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - غسل رجليه، ورد أيضاً أَنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مسحهما، فعند ذلك فالكتاب هو المهيمن على تعيين الصحيح من الزائغ، فيوَخذ بما وافق الكتاب ويضرب بالمخالف عرض الجدار ، لو لم يمكن تأويله.

وأمّا ما يلوكه بعض المتجرّئين من أنّ السنّة الصحيحة تنسخ الكتاب، فهو مما لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الكتاب قطعي السند، واضح الدلالة، لا يعادله شيء، فمن أراد نسخ الكتاب بالسنّة غير المتواترة فقد حطّ من مقامه وأنزله منزلة الاَدلّة الظنّية، مع أنّه المهيمن على الكتب السماوية قاطبة، فكيف بِهِ على الروايات المروية عبر الزمان؟!

وأمّا الاَمر الثاني: وهو أَنّ التحديد جاء في الغسل دون المسح، فهو دليل على أنّ الاَرجل بما اشتملت على التحديد إلى الكعبين مورد للغسل.

وهذا الدليل من الاِمام الرازي بعيد جداً، فإنّ الواجب في الوجه الوارد في الآية هو الغسل مع أنّه فاقد للتحديد، فليس التحديد دليلاً على الغسل، ولا عدمه دليلاً على المسح، وإِنّما الحجة دراسة الآية والاَخذ بظهورها.


(55)

5. اجتهاد ابن قدامة:

إنّ الاِمام موفق الدين ابن قدامـة (المتوفّـى 620 هـ) لمّا سلّم إنّ مقتضى عطف الاَرجل على الروَوس هو المسح، أخذ يتفلسف ويجتهد أمام الدليل الصارم، وقال: إنّ هناك فرقاً بين الرأس والرجل، ولاَجله لا يمكن أن يحكم عليها بحكم واحد، وهذه الوجوه عبارة:

1ـ انّ الممسوح في الرأس شعر يشق غسله والرجلان بخلاف ذلك فهما أشبه بالمغسولات.

2ـ انّهما محدودان بحد ينتهي إليه فأشبها باليدين.

3ـ انّهما معرّضتان للخبث لكونها يُوطّأ بها على الاَرض بخلاف الرأس (1)

يلاحظ عليه: أنّه اجتهاد مقابل النص وتفلسف في الاَحكام.

فأمّا الاَوّل: فأي شق في غسل الشعر إذا كان المغسول جزءاً منه فإنّه الواجب في المسح، فليكن كذلك عند الغسل.

وأمّا الثاني: فلاَنّ التمسك بالشَبه ضعيف جداً، إذ كم من متشابهين يختلفان في الحكم.

وأفسد منه هو الوجه الثالث فإنّ كون الرجلين معرّضتين للخبث لا يقتضي تعيّـن الغسل، فإنّ القائل بالمسح يقول بأنّه يجب أن تكون الرِجل طاهرة من الخبث ثم تمسح.

ولعمري إنّ هذه الوجوه تلاعب بالآية لغاية دعم المذهب، والجدير بالفقيه الواعي هو الاَخذ بالآية سواء أوافقت مذهب إمامه أم لا. ولصاحب المنار كلمة


1 . ابن قدامة: المغني: 1|124.


(56)

قيمة في حق هوَلاء الذين يقدِّمون فتاوى الاَئمّة على الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة يقول: إنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنة رسوله (1)

6. اجتهاد الخازن:

وقال علاء الدين علي بن محمد البغدادي الشهير بالخازن (المتوفّـى 725هـ):

وهل فرض الرجلين المسح أو الغسل، فروي عن ابن عباس أنّه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان؛ ويروى ذلك عن قتادة أيضاً، ويروى عن أنس، أنّه قال: نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل.

وعن عكرمة، قال: ليس الغسل في الرجلين، إنّما نزل فيهما المسح.

وعن الشعبي أنّه قال: إنّما هو المسح على الرجلين، ألا ترى أنّ ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمّم، وما كان عليه المسح أهمل.

إلى أن قال: أما قراءة النصب فالمعنى فيها ظاهر لاَنّه عطف على المغسول لوجوب غسل الرجلين على مذهب الجمهور ، ولا يقدح فيه قول من خالف.

وأمّا قراءة الكسر فقد اختلفوا في معناها والجواب عنها ، ثم ذكر وجهين:

1. قال أبو حاتم وابن الاَنباري: الكسر عطف على الممسوح غير أنّ المراد بالمسح في الاَرجل الغسل.

2. جعل كسر اللام في الاَرجل على مجاورة اللفظ دون الحكم، واستدل


1 . محمد رشيد رضا، المنار: 2|386.


(57)

بقولهم: «جحر ضب خرب» والخرب نعت للجحر لا للضب، وإنّما أخذ إعراب الضب للمجاورة.

ثم رد عليه بقوله: لاَنّ الكسر على المجاورة إنّما يحمل لاَجل الضرورة في الشعر أو يصار إليه حتى يحصل الاَمن من الالتباس، لاَنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر، ولاَنّ الكسر بالجوار إنّما يجوز بدون حرف العطف وأمّا معها فلم تتكلم به العرب. (1) يلاحظ على كلامه بأمرين:

1. أنّ تفسير قراءة النصب بالعطف على (وجوهكم) غير خال من التعسّف، لاستلزامه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية، وهو ممنوع، وكان عليه أن يفسرها بالعطف على محل (برءُوسكم) .

2. أنّ تفسير قراءة الخفض ـ مع القول بأنّها معطوفة على (برءُوسكم) ـ بأنّ المراد من المسح هو الغسل، يوجب كون اللفظين مترادفين، مع أنك عرفت أنّ المسح غير الغسل ويكفي في الاَوّل إمرار اليد المغسولة على الممسوح، وان لم يجرِ الماء بخلاف الثاني فيلزم فيه جريان الماء فكيف يكون المراد من المسح هو الغسل؟!

ولعمري إنّ هذا النوع من التفسير لعب بظواهر القرآن، وتقديم للمذهب على صريحه.


1 . تفسير الكشاف : 1|325 ـ 326.


(58)

7. اجتهاد ابن تيمية:

لمّا وقف ابن تيمية (المتوفّـى 728 هـ) على أنّ الخفض بالجر يستلزم العطف على الروَوس فيلزم حينئذٍ مسح الرجلين لا غسلهما، التجأ إلى تأويل النص، وقال:

«ومن قرأ بالخفض فليس معناه وامسحوا أرجلكم كما يظنه بعض الناس لاَوجه: أحدها: انّ الذين قرأوا ذلك من السلف، قالوا: عاد الاَمر إلى الغسل» (1)

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكره لزم القول بأنّ السلف تركوا القرآن وراء ظهورهم وأخذوا بما لا يوافق القرآن ولو كان رجوعهم لاَجل نسخ الكتاب فقد عرفت أنّ القرآن لا ينسخ بخبر الواحد. ولو سلّمنا جواز النسخ فسورة المائدة لم يُنْسَخْ منها شيءٌ.

ومن العجب انّ ابن تيميّة ناقض نفسه فقد ذكر في الوجه السابع ما هذا نصه: «إنّ التيمم جُعل بدلاً عن الوضوء عند الحاجة فحذف شطر أعضاء الوضوء وخف الشطر الثاني وذلك فإِنّه حذف ما كان ممسوحاً ومسح ما كان مغسولاً» (2)

فلو كان التيمّم على أساس حذف ما كان ممسوحاً فقد حذف حكم الاَرجل في التيمّم فلازم ذلك أن يكون حكمه هو المسح حتى يصح حذفه فلو كان حكمه هو الغسل لم يحذف.

8. اجتهاد أبي حيان:

وقال أبو حيان (المتوفّـى 754 هـ) في تفسيره (البحر المحيط) ما هذا


1 . ابن تيمية: التفسير الكبير: 4|48.
2. المصدر نفسه: 4|50.


(59)

ملخّصه: (وأرجلِكُم) قرأ ابن كثير وأبو عمر وحمزة وأبو بكر بالجرّ ، وهي قراءة أنس وعكرمة والشعبي وأبي جعفر الباقر ، وهو مذهب الاِمامية من الشيعة.

(ومقتضى تلك القراءة هو مسح الاَرجل) لكن من أوجب الغسل تأوّل أنّ الجرّ هو خفض على الجوار ، وهو تأويل ضعيف جداً، ولم يرد إلاّ في النعت حيث لا يلبس .

أو تأوّل على أنّ الاَرجل مجرورة بفعل محذوف يتعدّى بالباء أي «وافعلوا بأرجلكم الغسل» وحذف الفعل وحرف الجر. وهذا تأويل في غاية الضعف.

أو تأوّل على أنّ الاَرجل من بين الاَعضاء الثلاثة المغسولة مظنّة الاِسراف المذموم المنهي عنه فعطف على الرابع الممسوح، لا لتمسح ولكن لينبَّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها (1)

وقرأ نافع والكسائي وابن عامر وحفص (وأرجلكم) بالنصب، واختلفوا في تخريج هذه القراءة، فقيل هو معطوف على قوله وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين، وفيه الفصل بين المتعاطفين بجملة.

قال الاستاذ أبو الحسن بن عصفور في الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه: و أقبح ما يكون بالجمل، فدل قوله هذا على أنّه ينزّه كتاب اللّه عن هذا التخريج، وهذا تخريج من يرى أنّ فرض الرجلين هو الغسل وأمّا من يرى المسح فيجعله معطوفاً على موضع بروَوسكم ويجعل قراءة النصب كقراءة الجر دالة على المسح.

وقيل: إنّه مفعول لفعل محذوف قدّر في الآية، أي واغسلوا أرجلكم، نظير


1 . لا يخفى على القارىَ الكريم أنّ ما ذكره من الوجه تفلسف لتصحيح مذهبه لا يلتفت إليه جلّ من خوطب بالقرآن الكريم. وقد أخذه من الزمخشري.


(60)

قول الشاعر:

علفتها تبناً وماءً بارداً. (1)

يلاحظ عليه: أنّه أوَّل الجرّ بالعطف على اللفظ دون المشاركة في الحكم وهو تفلسف لا طائل تحته، وأمّا تأويل النصب بتقدير الفعل فيرد عليه بوجود الفارق بين الآية والمثال إذ القرينة العقلية دالة على حذف الفعل لاَنّ التبن يعلف به دون الماء وإنّما يسقى به، فكأنّه قال علفتها تبناً وسقيتها ماءً بارداً.

وأمّا الاَرجل فهي قابلة للمسح والغسل، فلا وجه لتقدير الفعل مع إمكان عطفه على الروَوس.

قال السيد المرتضى: إنّ جعل التأثير في الكلام القريب أولى من جعله للبعيد، فنصب الاَرجل عطفاً على الموضع أولى من عطفها على الاَيدي والوجوه، على أنّ الجملة الاَُولى المأمور فيها بالغسل قد نقضت وبطل حكمها باستئناف الجملة الثانية، ولا يجوز بعد انقطاع حكم الجملة الاَُولى أن يعطف على ما فيها، فإنّ ذلك يجري مجرى قولهم: ضربت زيداً وعمراً وأكرمت خالداً وبكراً، فإنّ رد بكر إلى خالد في الاِكرام هو الوجه في الكلام الذي لا يسوغ سواه ولا يجوز رده إلى الضرب الذي قد انقطع حكمه. (2)

9. اجتهاد البروسوي:

وقال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي (المتوفّـى 1137 هـ): وأرجلكم إلى الكعبين بالنصب عطفاً على وجوهكم، ويوَيده السنّة الشائعة وعمل الصحابة


1 . تفسير البحر المحيط: 3|437 ـ 438.
2. الانتصار : 23 .


(61)

وقول أكثر الاَئمّة والتحديد. إذ المسح لم يعهد محدوداً وإنّما جاء التحديد في المغسولات. (1)

أقول: وقد أيّد الغسل في كلامه هذا بالوجوه التالية:

أ . قراءة النصب. وقد عرفت أنّ قراءة النصب مشترك بين الغسل والمسح فكما يجوز عطفها على الوجوه (مع الاِغماض عمّـا فيه من تخلّل الجملة الاَجنبية بين المعطوف والمعطوف عليه) يجوز عطفها على محل (برءُوسكم).

ب. السنّة الشائعة. وستعرف اختلاف السنّة في مسألة المسح والغسل وترجيح ما يدل على المسح.

ج. عمل الصحابة. وسيوافيك أنّ عمل الصحابة لم يكن على وتيرة واحدة.

د. أنّ المسح لم يعهد محدوداً وإنّما جاء التحديد في المغسولات. وقد عرفت ما فيه، في كلام ابن الجوزي.

10. اجتهاد العجيلي الشافعي:

قال الشيخ سليمان بن عمـر العجيلـي الشافعي (المتوفّـى 1206 هـ) في الفتوحات الاِلهية:

أمّا قراءة الجر ففيها تخاريج.

أ. الخفض على الجوار ثم ردَّ أنّ التخريج عليه ضعيف، لاَنّ الخفض على الجوار إنّما ورد في النعت لا في العطف، وقد ورد في التوكيد قليلاً في ضرورة الشعر.


1 . روح البيان: 2|351.


(62)

ب. معطوف على روَوسكم لفظاً ومعنى ثم نسخ ذلك بوجوب الغسل وهو حكم باق.

ج. جرت للتنبيه على عدم الاِسراف في استعمال الماء فيها، لاَنّها مظنّة لصب الماء كثيراً فعطفت على الممسوح والمراد غسلها.

د. مجرور بفعل محذوف أي «وافعلوا بأرجلكم» غسلاً . (1)

أقول: لقد تكفّل القائل برد الوجه الاَوّل، وأمّا الثاني فيرده أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ولم يكن بعد نزولها أي نسخ.

وأمّا الثالث، فقد عرفت أنّه تفلسف من الزمخشري، ولا يخطر ببال المخاطبين بالقرآن.

وأمّا الرابع، فتقدير الفعل تخريج باطل لا يدل عليه أي قرينة من الآية.

كل هذه التخاريج دليل على أنّ الجر لا يمكن تفسيره إلاّ بالمسح.

وهناك تخريج آخر فاته ذكره وهو لما كانت الآية صريحة ـ حسب الذوق العربي ـ في المسح حاول ابن العربي في «القبس» تأويله بأنّه سبحانه أراد المسح على الخفين، وهذا هو الذي صحّحه ابن حزم في أحكامه(2)

ولما كان التأويل من الوهن بمكان علّق عليه الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في كتابه «الجواهر الحسان» ما هذا نصه:

وما رجّحه ابن العربي هنا مرجوح بل تكلف وتحميل للنص ما لا يحتمل، إذ لو كان الخف مقصوداً بالمسح، لما كان لذكر الكعبين حدّاً للمسح معنى، إذ ليس


1 . الفتوحات الاِلهية: 1|199.
2. الاَحكام: 2|572.


(63)

للخف كعبان ! فتعيّـن أنّ المسح مسح الرجل لا مسح الخف ـ وما ذهب إليه الاِمام ابن جرير الطبري من التخيير بين الغسل أو المسح ، يحدّ من شطط المذهبيين الذين يتركون قطعي الثبوت والدلالة إلى روايات أقصى ما تفيده الظن. (1)

11. اجتهاد الآلوسي:

وقد أوجب تطبيق الآية على المذهب وقوع الكثير من المفسرين في مأزق عجيب وهو جعل القراءتين المتواترين المتعارضتين كأنّهما آيتان متعارضتان.

يقول الآلوسي (المتوفّـى 1270 هـ): إنّ القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين بل بإطباق أهل الاِسلام كلّهم، ومن القواعد الاَُصولية عند الطائفتين أنّ القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في آية واحدة فلهما حكم آيتين، فلابدّ لنا أن نسعى ونجتهد في تطبيقهما أوّلاً، مهما أمكن لاَنّ الاَصل في الدلائل، الاِعمال دون الاِهمال كما تقرر عند أهل الاَُصول، ثم نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما، ثم إذا لم يتيسير لنا الترجيح بينهما نتركهما ونتوجه إلى الدلائل الاَُخر من السنّة. (2)

يلاحظ عليه: أنّ من الغرائب أن نجعل القراءتين متعارضتين ثم نسعى في رفع التعارض بأحد الطرق التالية:

أ. السعي والاجتهاد في التوفيق بينهما بحجة أنّ الاَصل في الدلائل الاِعمال.

ب. إذا لم يمكن التطبيق نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما.

ج. إذا لم يتيسر الترجيح بينهما نترك القراءتين ونتوجه إلى الدلائل الاَُخر من


1 . الجواهر الحسان: 1|417.
2. روح المعاني: 6|74.


(64)

السنّة.

فإنّ هذه المضاعفات رهن فرض المذهب على القرآن وتطبيقه عليه، وإلاّ فالقراءتان ليس فيهما أيُّ تعارض وتهافت وكلتاهما تهدفان إلى أمر واحد وهو مسح الرجلين، لاَنّ الرجلين على كلا القراءتين عطف على موضع واحد وهو روَوسكم إمّا عطفاً على المحل أو عطفاً على الظاهر.

وبذلك يعلم أنّ ما ذكره الآلوسي في الجمع بين المذهبين، شيء لا يعتمد عليه، حيث قال: لو فرض أنّ حكم اللّه تعالى المسح على ما يزعمه الاِمامية من الآية، فالغسل يكفي عنه، وان كان هو الغسل لا يكفي المسح عنه، فبالغسل يلزم الخروج عن العهدة بيقين دون المسح، وذلك لاَنّ الغسل محصِّل لمقصود المسح من دون وصول البلل وزيادة . (1)

يلاحظ عليه: أنّ المسح والغسل أمران متضادان، وقد سمعت عن غير واحد من العلماء التفريق بينهما، فإنّ المسح عبارة عن إمساس المحل الماء بحيث لا يسيل، أو هو عبارة عن البلل الذي يبقى من الماء، والغَسْل إمرار اليد بالماء، فلو كان المأمور به هو ما جاء في هذين التعريفين وهو الاِمساس بلا سيلان أو إمرار اليد بلا جريان فكيف يكفي عنه الغسل؟!

وإن شئت قلت: إنّ الغسل مشروط بشرط شيء (السيلان) والمسح مشروط بشرط لا (أي عدم السيلان) فلا يغني أحدهما عن الآخر ، ولو كان مغنياً لاقتصر سبحانه بلفظ الغسل في الجميع.

ولعمر القارىَ انّ هذه التشبّثات أشبه بتمسك الغريق بالطحلب، فالمفسّـر الواعي من يتجرّد عن كل رأي مسبق وينظر إلى القرآن نظرة موضوعية كي يأخذ


1 . روح المعاني: 6|78.


(65)

مذهبه من القرآن لا أن يفرض مذهبه على القرآن.

وأعجب من كل ذلك أنّ الآلوسي التزم بأنّه لا مانع من القول بإجمال الآية، فإنّها لم تنزل لبيان الوضوء وإنّما نزلت لبيان أحكام التيمم، حيث يقول: ولم تنزل الآية لتعليمهم بل سوقها لاِبدال التيمم من الوضوء والغسل، وذكر الوضوء قبل التيمم للتمهيد (1) انظر كيف أخرج الآية عن هدفها السامي من تعليم وظيفة المصلّـي وضوءاً وتيمّماً.

12. اجتهاد القاسمي:

قال جمال الدين القاسمي (1283 ـ 1332 هـ): لا يخفى أنّ ظاهر الآية صريح في أنّ الواجب المسح، كما قاله ابن عباس وغيره، وإيثار غسلهما في المأثور عنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إنّما هو للتزيد في الفرض والتوسع فيه حسب عادته - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فانّه سنّ في كل فرض سنناً تدعمه وتقويه في الصلاة والزكاة والصوم والحج، وكذا في الطهارات كما لا يخفى.

وممّا يدل على أنّ واجبها المسح تشريع المسح على الخفين والجوربين ولا سند له إلاّ هذه الآية، فإنّ كل سنّة أصلها في كتاب اللّه منطوقاً أو مفهوماً فاعرف ذلك واحتفظ به واللّه الهادي. (2)

أقول: إنّ القائل يعترف بأنّ صريح الآية هو المسح، أفيصح لنا العدول عن حكم متواتر قطعي بالروايات المتعارضة؟! فانّه روي عنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - المسح كما روي عنه الغسل، فهل هنا ملجأ بعد التعارض إلاّ الذكر الحكيم.


1 . روح المعاني: 6|75.
2. محاسن التأويل: 6|112.


(66)

13. اجتهاد صاحب المنار :

قال السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار (المتوفّـى 1354 هـ) إنّ فقهاء أهل السنّة فسّـروا الكعبين بالعظمين الناتئين من جانبي الساق، ومن يقول بالمسح يفسّـر الكعب بمفصل الساق والقدم.

وعلى الاَوّل: ففي كل رجل كعبان، وعلى الثاني: ففي كل رجل كعب واحد كالمرفق، فلو كان المراد هو الثاني كان اللازم أن يقال إلى الكعاب كقوله إلى المرافق، وبما انّه قال إلى الكعبين، يعلم أنّ المراد هو العظمان الناتئان في جانبي القدم (1).

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لا ملازمة بين تفسير الكعبين بالعظمين الناتئين والقول بالغسل، أو تفسيرهما بمفصل الساق والقدم والقول بالمسح، إذ من الممكن أن يقول القائل بالمسح بأنّه يجب مسح ظاهر القدم إلى العظمين الناتئين، كما انّ القائل بالغسل يمكن أن يقول بأنّ الواجب هو غسل الرجل إلى المفصل، فلا يكون تفسير الكعب بأي معنى قرينة على أحد القولين.

ومجرّد أنّ القائلين بالغسل يجعلون الغاية العظمين، والقائلين بالمسح يجعلون الغاية المفصل، لا يكون دليلاً على الملازمة، إذ يمكن أن يكون القائل صائباً في تفسير الكعبين وخاطئاً في مسألة المسح والغسل.

وثانياً: أنّ الظاهر عند أهل اللغة انّ الكعب هو مفصل القدم، وإطلاقه على الطرفين الناتئين نادر لا يحمل عليه الكتاب، ولذلك يقول الاَصمعي: الطرفان الناتئان يسميان المنجمين لا الكعبين. وإليك نص كلمات أهل اللغة:


1 . المنار: 6|234، وقد سبقه الرازي في تفسيره، وابن تيمية أيضاً في التفسير الكبير: 4|48 ـ 50، وكان على الاَُستاذ التنبيه على ذلك.


(67)

فهذا ابن منظور يفسّـر الكعب بقوله: كلّ مفصل للعظام، وبالعظم الناشز فوق قدمه الذي يقال له «مشط القدم وقبتها»، ثم يقول: وقيل الكعبان في الاِنسان العظمان الناشزان من جانبي القدم (1)

وقال الراغب: كعب الرجل العظم الذي عند ملتقى القدم والساق، وكل ما بين العقدتين من القصب والرمح يقال له كعب تشبيهاً بالكعب للفصل بين العقدتين، كمفصل الكعب بين الساق والقدم (2)

ترى أنّه لم يفسره إلاّ بالمفصل، ولم يفسره بالمنجمين الناتئين في جانبي الرجل.

وقال الزبيدي: الكعب العظم لكل ذي أربع، وهو كل مفصل للعظام، ومن الانسان ما أشرف فوق رسغه، عند قدمه، وكل شيء علا وارتفع فهو كعب (3)

فالرسغ في قوله «ما أشرف فوق رسغه» عبارة: عن عظم واقع بين مشط القدم والساق، فما ارتفع عليه هو الكعب ولا يريد المنجمين، لاَنّهما ليسا فوق الرسغ.

وقال الفيومي: الكعب عند ابن الاعرابي وجماعة هو المفصل بين الساق والقدم.

نعم نقل عن أبي عمرو بن العلاء والاَصمعي: انّه العظم الناشز في جانب (4) القدم عند ملتقى الساق والقدم، فيكون لكل قدم كعبان عن يمنتها وميسرتها (5)


1 . لسان العرب: مادة كعب.
2. الراغب الاصفهاني: المفردات: مادة كعب.
3. الزبيدي: تاج العروس: مادة كعب.
4. الصحيح: «جانبي».
5. الفيومي: المصباح المنير: مادة كعب.


(68)

وما نقله يخالف ما نقله الرازي عن الاَصمعي، أَنّه كان يقول: الكعب هو مفصل الساق والقدم، وهو قول محمد بن الحسن (ره) وكان الاَصمعي يختار هذا القول، ويقول: الطرفان الناتئان يسمّيان المنجمين (1)

وقال الفيروز آبادي: الكعب كل مفصل للعظام، والعظم الناشز فوق القدم، والناشزان في جانبيها (2)

تجد انّه يذكر الاَقوال الثلاثة ويذكر المفصل، وقبة القدم، قبل الثالث.

وأمّا الجزري: فقد ذكر كلا القولين: العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم من الجانبين، ثم قال: وذهب قوم إلى أنّهما العظمان اللّذان في ظهر القدم(3)

وقال ابن فارس: كعب الرجل وهو طرف الساق عند ملتقى القدم والساق(4)

وقال المطرزي: الكعب: العقدة بين الانبوبين في القصب (5)

وقال النسفي: الكعب: هو العظم المربع الذي عند معقد الشراك. والتكعب: التربع، وسمّيت الكعبة بها لتربعها (6)

إلى غير ذلك من كلمات أئمّة اللغة حيث ترى أنّ أكثرهم فسروه بالمفصل أو بقبّة القدم، وعلى ذلك فليس لنا العدول عمّـا اتفقوا عليه إلى ما اختلفوا فيه.


1 . الفخر الرازي: التفسير الكبير: 11|162.
2. الفيروزآبادي: القاموس المحيط: مادة كعب.
3. الجزري: النهاية: 4|178.
4. أحمد بن فارس بن زكريا: مجمل اللغة: 3|787.
5. المطرزي: المغرب في ترتيب المعرب: 2|222.
6. النسفي: طلبة الطلبة: 13.


(69)

وثالثاً: أنّ تثنية الكعبين لا تدلّ على أنّ المراد هما العظمان في جانبي الساق، وذلك لاَنّه لو كان المراد من الكعب هو المفصل فتكون التثنية باعتبار أَنّ لكل إنسان كعبين، ففي كلّ رِجْل كعب واحد فيكون فيهما كعبان، وعند ذلك لا تكون التثنية دليلاً على أنّ المراد هو العظمان في جانبي الساق.

ثم إنّ القائل لما تخيّل أَنّ المراد من الكعب هو العظم المستدير تحت عظم الساق، اعترض بأنّ العظم المستدير في المفصل شيء خفيّ لا يعرفه إلاّ المتخصّص بعلم التشريح، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان معلومان لكلّ واحد، ومناط التكليف يجب أن يكون أمراً ظاهراً لا أمراً خفياً.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من الكعب هو نفس مفصل الساق أو قبة القدم لا العظم المستدير المستتر تحته، وهما ظاهران لكلّ إنسان.

14. اجتهاد ابن عقيل الظاهري :

ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في مجلة «الفيصل» العدد 235 صفحة 48، أَنّ عطف الاَرجل بالنصب على الاَيدي جائز لاَُمور:

أوّلها: أنّ الفصل بين المتعاطفات جاء بجملة معترضة وهي المسح بالروَوس، والاعتراض بالجمل جائز.

ثانيها: أنّ هذا الاعتراض لم يأت عبثاً، بل اقتضته ضرورة ترتيب العمل في أعضاء الوضوء ومسح الروَوس قبل غسل الاَرجل.

ثالثها: أنّ الاعتراض بمسح الروَوس اعتراض يناسب أحكام الاَرجل بعض الاَحيان، لاَنّها تغسل تارة وتمسح أُخرى، ويمسح ما عليها ثالثة (1)


1 . ستوافيك الاَحكام الثلاثة عند نقد هذا الوجه (الثالث).


(70)

رابعها: أنّ قراءة النصب تحتمل العطف على الروَوس في المسح من ناحية الموضع لا اللفظ، فلما جاء البيان الشرعي القطعي أَنّ الاَرجل تغسل علم يقيناً أَنّ المراد، العطف على الاَيدي والوجوه في الغسل، فكان هذا بياناً يمنع من اللّبس الذي قد يحدثه الاعتراض بجملة.

يلاحظ على الاَوّل: لو سلم أَنّ الفصل بين المتعاطفات جائز، فإنّما هو إذا لم يُحدث اللّبس، خصوصاً أنّ الاَقرب (الروَوس) يمنع الاَبعد (الاَيدي)، وبالاَخصّ إذا كان هناك فصل بالفعل، حيث قال تعالى بعد بيان حكم الغسل: (وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن)، إذن لا يشكّ القارىَ في أنّها عطف على الاَقرب وهي الروَوس، فلو كان معطوفاً على الاَيدي عادت الآية على وجه يكون الظاهر غير مراد، والمراد غير ظاهر.

ويلاحظ على الثاني: أنّه يمكن الجمع بين بيان ترتيب العمل في أعضاء الوضوء وعدم إيقاع المخاطب في اللّبس بتكرار الفعل، بأن يقول: وامسحوا بروَوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، فلو كان المراد هو الغسل، فلماذا لم يجمع بين وضوح البيان وبيان الترتيب؟

ويلاحظ على الثالث: أنّ الكاتب حاول تفسير الآية، الواضحة الدلالة والناصعة البيان، بالفتاوى المتضاربة لا لشيء إلاّ لاَجل الموقف المسبق له في كيفيّة الوضوء، وجعل يفسّـرها بالفتاوى المختلفة حول الاَرجل، وهي الغسل تارة، والمسح أُخرى، والمسح على الخفين ثالثة، ومعنى ذلك أنّه تلقّى الآية مجملة، فعاد يطلب توضيحها بفتاوى أئمّة الفقه، وهذا بخس لحقّ الآية، وإليك ملخّص كلامه:

انّ للاَرجل أحكاماً ثلاثة:


(71)

أ ـ تغسل تارة ولا يجوز غير الغسل.

ب ـ يجوز الغسل والمسح كما في الوضوء بعد وضوء غسلها فيه ولم ينقض وضوءه الاَوّل بناقض.

ج ـ يمسح ما عليها كالخفين.

فبما لها من الاَحكام الثلاثة المختلفة، صارت الاَرجل موضوعاً متوسطاً بين الوجوه والاَيدي التي لا يعدل عن غسلها إلى غيره وبين الروَوس التي لا يعدل عن مسحها إلى غيره، فعند ذلك ناسب الاعتراض أي وقوع مسح الروَوس بينما يتعين غسله كالوجوه والاَيدي وما له حالات من الغسل والمسح ومسح ما عليها.

ولما كان مبنى التيمم على التخفيف فقد بقيت الاَعضاء الاَبلغ وهي الوجه واليدان يمسح عليها في التيمم، وسقطت الاَعضاء الاَخف وهي الرأس والرجلان.

يلاحظ عليه: أنّه تفسير للآية بالظنون والوجوه الاستحسانية التي كانت مغفولة عنها للمخاطبين عند نزول الآية، فإنّ هذه الاَحكام الثلاثة للاَرجل على فرض صحّتها لم تكن معلومة للمخاطبين بهذه الآية وما كانوا يعلمون من أحكام الاَرجل إلاّ ما جاء في الآية.

وأمّا الحكم الثاني والثالث فانّما وردا في كلام الصحابة بعد رحيل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

أمّا المسح في الوضوء بعد وضوء غسلها فيه ولم ينقض وضوءه الاَوّل بناقض فقد نقل عن علي عليه السّلاموغيره كما سيوافيك.

وأمّا المسح على الخفين فحدّث عنه ولا حرج فقد تضاربت فيه الاَقوال:


(72)

1ـ جائز على الاِطلاق.

2ـ يجوز في السفر دون الحضر.

3ـ عدم الجواز مطلقاً.

قال ابن رشد، بعد نقله هذه الاَقوال: والاَقاويل الثلاثة مرويّة عن الصدر الاَوّل، وعن مالك، والسبب في اختلافهم ما يظن من معارضة آية الوضوء الوارد فيها الاَمر بغسل الاَرجل، للآثار التي ورد فيها الاَمر بالمسح، مع تأخر آية الوضوء، وهذا الخلاف كان بين الصحابة في الصدر الاَوّل، فكان منهم من يرى أنّ آية الوضوء ناسخة لتلك الآثار ، وهو مذهب ابن عباس.

واحتجّ القائلون بجوازه، بما رواه مسلم، انّه كان يعجبهم حديث جرير، وذلك انّه روى أنّه رأى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يمسح على الخفّين، فقيل له: إنّما كان ذلك قبل نزول المائدة، فقال: ما أسلمت إلاّ بعد نزول المائدة (1)

وقال المتأخرون القائلون بجوازه: ليس بين الآية والآثار تعارض، لاَنّ الاَمر بالغسل انّما هو متوجه إلى من لا خفّ له، والرخصة انّما هي للابس الخف.

وأمّا من فرّق بين السفر والحضر ، فلاَنّ أكثر الآثار الصحاح الواردة في مسحه عليه السّلامانّما كانت في السفر (2).

على أنّ الدليل على جواز المسح على الخفين بعد نزول سورة المائدة هو حديث جرير، وما روي انّه أسلم بعد نزول المائدة متعارض بحضوره حجة الوداع.


1 . سيوافيك انّه أسلم قبل نزول سورة المائدة.
2. بداية المجتهد: 1|19.


(73)

ففي الصحيحين عنه أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال له: «استنصت الناس في حجة الوداع»، وجزم الواقدي بأنّه وفد على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في شهر رمضان سنة عشر وانّ بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وانّه وافى مع النبي حجة الوداع من عامه.

ويوَيد ذلك أنّ جريراً روى عن النبي أنّ رسول اللّه قال: إنّ أخاكم النجاشي قد مات، فهذا يدلّ على أنّ إسلام جرير كان قبل سنة عشر لاَنّ النجاشي مات قبل ذلك (1).

مع أنّ قسماً من آيات المائدة نزلت في حجة الوداع باتفاق العلماء، أعني: قوله سبحانه: (اليَوْمَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً فَمَنِ اضطُرَّ فِي مَخْمصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لاِثْمٍ فإنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم) (المائدة ـ 3).

روى الرازي: قال أصحاب الآثار: إنّه لما نزلت هذه الآية على النبي لم يعمّر بعد نزولها إلاّ أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً، ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا تبديل (2)

فالعقل السليم يدفعنا إلى القول بأنّ الآية واضحة الدلالة لا نحتاج في فهم مدلولها إلى وجوه استحسانية.

وأمّا الوجه الرابع الذي استند إليه الشيخ عبد الرحمن الظاهري فيرجع لبّه إلى أنّ الآية مجملة محتملة للوجهين حيث يحتمل عطفها على الاَيدي والوجوه فلازمه الغسل كما يحتمل أنّه عطف على الروَوس فلازمه المسح، فعند ذلك جاء البيان الشرعي القطعي فأثبت الاَوّل.


1 . الاصابة: 1|233 ـ 234.
2. الرازي: التفسير الكبير: 3|369.


(74)

يلاحظ عليه: بأنّ معنى ذلك كون الآية من المجملات مع أَنّها من أوضح المحكمات، وما حكم الكاتب على إجمالها إلاّ لِصيانة مذهبه الفقهي في حكم الاَرجل ولولا هذا الاَمر لتلقّى الآية واضحة الدلالة، ناصعة البيان.

(يَا اَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ اِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ)

(الحجرات ـ 1)



(75)

الفصل الرابع:

مسح الاَرجل في الاَحاديث

قد عرفت دلالة الكتاب على المسح، وأَنّ القول بدلالته على الغسل تحريف لظاهره وتفسير للآية بما هو خارج عنها، مع أنّها من محكمات الآيات، وقد نزلت لتعليم الوضوء لعامّة الناس، فيجب أن تكون واضحة الدلالة، مبيّنة المراد، غير محتاجة إلى ضمّ ضميمة، فمن أراد تفسير الآية بالاَُمور الخارجة عنها فكأنّه تلقّاها آية مجملة، أو متشابهة المراد، أو أنّها نزلت لا لبيان التكليف؛ ومن حسن الحظّ أَنّ هناك طائفة من الروايات توَيّد ظاهر الآية، وهي على قسمين:

أ ـ ما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بأسانيد.

ب ـ ما حكي عن الصحابة والتابعين حول مسح الاَرجل، وقد جرت سيرتهم على الاقتداء بالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قولاً وفعلاً وتقريراً، فلا تقصر حجيّةً عن الاَحاديث النبوية، ومع ذلك فقد أفرزناها عن الاَحاديث المروية عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

أ ـ ما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حول مسح الرجلين:

1ـ في مسنـد أحمـد بن حنبل: حدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنـا ابن الاَشجعي، حدثنا أبي، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد قال:


(76)

أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء فتمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ثلاثاً و مسح برأسه ورجليه ثلاثاً ثلاثاً. ثم قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا توضّأ، يا هوَلاء أكذلك؟ قالوا: نعم، لنفر من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عنده (1)

هذا الحديث صريح في أنّ عثمان بن عفان خليفة زمانه توضّأ ومسح رأسه ورجليه، وذكر أنّه رأى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضّأ كما توضأ هو، أي مسح رأسه ورجليه، وحيث إنّ الناس في عصره كانوا مختلفين في الوضوء، وفي حكم الرجلين، أراد عثمان بفعله وقوله أن يعرّف الناس أنّ مسح الرجلين في الوضوء جائز، أو لازم، لاَنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مسح رجليه في الوضوء وحيث كان خائفاً من تكذيب الناس له في فعله وقوله، استشهد بالصحابة الذين كانوا حاضرين عنده، وكانوا يشاركونه في ما ادّعاه من أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يفعله في وضوئه، فقالوا بأجمعهم: نعم، فصدّقوه فيما نسبه إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من مسح الرجلين أو في جميع أفعال الوضوء ومنها مسح الرجلين.

2ـ عن سنن ابن أبي شيبة، عن حمران، قال: دعا عثمـان بماء فتوضّأ ثم ضحك، ثم قال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ قالوا: يا أمير الموَمنين ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضّأ كما توضأت، فتمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه (2)

3ـ في مسند عبد اللّه بن زيد المازني انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضأ فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرتين ومسح رأسه ورجليه مرتين (3)


1 . مسند أحمد بن حنبل: 1|109، الحديث 489.
2. كنز العمال: 9|436، الحديث 26863.
3. كنز العمال: 9|451، الحديث 26922.


(77)

4ـ عن أبي مطر قال: بينما نحن جلوس مع علي في المسجد، جاء رجل إلى علي وقال: أرني وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء فغسل يديه ووجهه ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ومسح رأسه واحدة (ثم قال: يعني الاذنين خارجهما وباطنهما من الوجه) ورجليه إلى الكعبين، ولحيته تهطل على صدره، ثم حسا حسوة بعد الوضوء، ثم قال: أين السائل عن وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كذا كان وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - (1)

5ـ مسند تميم بن زيد المازني، عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضّأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه (قال في الاِصابة رجاله ثقات) (2)

6ـ حدّثنــا عبد اللّه، حدثني أبي حدثنا وكيع، حدثنا الاَعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب عليه السّلامقال: كنت أرى أنّ باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يمسح ظاهرهما (3).

7 ـ همام، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة قال: حدثنا علي بن يحيى ابن خلاد، عن أبيه، عن عمه وهو رفاعة بن رافع انّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّه لا يجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه عزّ وجلّ، ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين (4)


1 . كنز العمال: 9|448، الحديث 26908.
2. كنز العمال: 9|429، الحديث 26822، كذا نقله المتقي الهندي وفي الحديث اجمال ولعلّه نفس الحديث الثالث.
3. مسند أحمد بن حنبل: ج1، الحديث 739 ـ 919.
4. ابن ماجة: السنن: ج1، الحديث 460. النسائي: السنن: 2|226، باب الرخصة في ترك الذكر في السجود.


(78)

8 ـ ما روى عن عبد اللّه بن عمرو في الصحيحين، قال: تخلّف عنّا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للاَعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً (1).

والعجب أنّ القائلين بالغسل يستدلّون بهذه الرواية عليه، مع انّها على تعيّـن المسح أولى بالدلالة، فإنّها صريحة في أنّ الصحابة يومذاك كانوا يمسحون، ومن المستحيل جداً أن يخفى عليهم حكم الاَرجل، مع أنّ الوضوء كان مسألة ابتلائية لهم كل يوم، فهل يصح أن يجهلوا حكم مثل هذا؟!

وأمّا إنكار النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فهو لم ينكر المسح، بل أقرّهم عليه، وإِنّما أنكر عليهم قذارة أعقابهم، ولا غرو فإنّ فيهم أَعراباً حفاة جهلة بوّالين على أعقابهم، ولا سيما في السفر فتوعّدهم بالنار لئلاّ يَدْخُلُوا في الصلاة بتلك الاَعقاب المتنجسة.

وبذلك يعلم أنّ ما أطنب به ابن جرير الطبري لا طائل تحته حيث قال: الدليل على ذلك (الغسل) تضافر الاَخبار عن رسول اللّه انّه قال: «ويل للاَعقاب وبطون الاَقدام من النار» ولو كان مسح (2) بعض القدم مجزياً عن عمومها بذلك لما كان لها الويل بترك ما ترك مسحه منها بالماء بعد أن مسح بعضها لاَنَّ من أدّى فرضاً للّه عليه فيما لزمه غسله منها لم يستحقّ الويل، بل يجب أن يكون له الثواب الجزيل، فوجوب الويل لتارك غسل عقبه في وضوئه أوضح الدليل على وجوب فرض العموم بمسح جميع القدم بالماء وصحّة ما خالفه (3)

يلاحظ عليه: أنّ تفسير المسح فيها بغسل بعض القدم تصرف فيها بلا دليل والظاهر انّ المراد انّهم كانوا يمسحون عليها بنداوة الاَكف.


1 . صحيح البخاري: 1|23، كتاب العلم، باب من رفع صوته بالعلم، الحديث الاَوّل.
2. يريد من المسح: غسل بعض القدم، وهو تصرف في الرواية.
3. لاحظ المنار: 6|230 نقلاً عن ابن جرير.


(79)

وقد عرفت أنّ إنكار النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عليهم لاَجل قذارة أعقابهم و نجاستها فكانوا يتوضوَن مع وجود تلك القذارة، فنهاهم النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن الوضوء وهم على هذه الحال.

مضافاً إلى أنّ بعض الروايات السابقة تفسّـر إسباغ الوضوء بأُمور منها المسح على الرأس والرجلين .

روى رفاعة بن رافع أنّه كان جالساً عند النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال: إنّها لا تتمّ صلاة لاَحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه تعالى، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين.

9 ـ أخرج أحمد بن حنبل بسنده عن أبي مالك الاَشعري أنّه قال لقومه: اجتمعوا أصلّـي بكم صلاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فلما اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم صلّـى بهم، فكبّـر بهم اثنتين وعشرين تكبيرة (1)

10ـ حدثنا عبد اللّه، قال: حدثني أبي، قال: قرأت على عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن زيد المازني، قال: حدّثنا عبد اللّه بن يزيد بن عبد الرحمن المقوي، قال: حدثنا سعيد ـ يعني: ابن أيوب ـ قال: حدثني أبو الاَسود عن عباد بن تميم المازني عن أبيه أنّه قال: رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يتوضّأ ويمسح الماء على رجليه (2).

11ـ قال المتقي: حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه قال: أخبرني


1 . مسند أحمد بن حنبل: 5|342، المعجم الكبير للطبراني: 3|280 برقم 3412، والرواية تعرب عن وجود الخوف في اظهار الحقيقة وكأنّ من يغسل رجليه، فإِنّما يغسل تقية ومدارة وخوفاً من السلطة وغيرها.
2. مسند ابن ماجة: 1|الحديث 460. والمراد الماء الموجود في الكفّ .


(80)

أوس بن أبي أوس الثقفي أنّه رأى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أتى كظامة قوم بالطائف، فتوضأ ومسح على قدميه (1)

12ـ قال القرطبي: روى النسائي والدارقطني وعلي بن عبد العزيز عن رفاعة بن رافع قال: كنت جالساً عند رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إذ جاءه رجل فدخل المسجد فصلّـى، فلمّـا قضى الصلاة جاء فسلم على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى القوم، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : ارجع فصلِّ فإنّك لم تصل، وجعل الرجل يصلّـي، وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها، فلمّـا جاء فسلّم على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعلى القوم قال له النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : وعليك ارجع فصلِّ، فإنّك لم تصل.

قال همام: فلا ندري أمره بذلك مرتين أو ثلاثاً، فقال له الرجل: ما أدري ما عبت من صلاتي؟! فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إنّه لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبّـر اللّه تعالى ويثني عليه، ثم يقرأ أمّ القرآن وما أذن له فيه ويسر، ثم يكبّـر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله، ويسترخي ثم يقول: سمع اللّه لمن حمده، ويستوي قائماً حتى يقيم صلبه، ويأخذ كل عظم مأخذه، ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه، قال همام: وربّما قال جبهته من الاَرض حتى تطمئن مفاصله ويسترخي، ثم يكبر فيستوي قاعداً على مقعده ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ، ثم قال: لا تقم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك (2)


1 . تفسير الطبري: 6|86، المعجم الكبير: 1|221 برقم 603.
2. المستدرك للحاكم: 1|241، سنن النسائي: 2|226 باب الرخصة في ترك الذكر في السجود، الحديث 1، الدر المنثور: 3|27.


(81)

13ـ أخرج الطبراني في الاَوسط عن ابن عباس أنّه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر وسعد وعبد اللّه بن عمر فقال عمر بن الخطاب:سعد أفقه منك. فقال عمر: يا سعد إنّا لا ننكر أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مسح ـ أي على القدمين ـ ولكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة، فإِنّها أحكمت كل شيء، وكانت آخر سورة من القرآن إلاّ براءة (1)

14ـ قال جلال السيوطي ذكر عند قضية بعثة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حديثاً مفصّلاً نقلاً من سنن البيهقي وكتاب أبي نعيم، عن عروة بن الزبير أَنّ جبرئيل (عليه السلام) لمّا نزل على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في أوّل البعثة فتح بالاعجاز عيناً من ماء، فتوضأ ومحمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ينظر إليه، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين (قال:) ففعل النبي محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما رأى جبرئيل يفعل (2)

15ـ روى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أنّ أبا جبير قدم على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مع ابنته التي تزوّجها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فدعا رسول اللّه بوضوء، فغسل يديه فأنقاهما، ثم مضمض فاه واستنشق بماء، ثم غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ثلاثاً ثم مسح رأسه ورجليه (3)

إلى هنا تمّ ما عثرنا عليه من الروايات عن النبي الاَكرم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على وجه عابر، وهي دالة على أنّ الفريضة في الوضوء هي المسح.


1 . الدر المنثور: 3|29.
2. الخصائص الكبرى: 1|94 ، السيرة الحلبية: 1|290.
3. أُسد الغابة: 5|156.


(82)

ب ـ ما حكي عن الصحابة والتابعين حول مسح الاَرجل:

16ـ حدثنا عبد اللّه، حدثنا إسحاق، حدثنا سفيان قال: رأيت علياً عليه السّلام توضّأ فمسح ظهورهما (1)

17ـ روى المتقي الهندي عن مسند أحمد ومصنف البزاز ومسند أبي يعلى وحلية الاَولياء لاَبي نعيم والكلّ رووه بأسانيدهم عن حمران، انّه قال: رأيت عثمان دعا بماء غسل فغسل كفيه ثلاثاً، ومضمض و استنشق، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه (2)

18ـ قال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا موَمل، حدثنا حماد، حدثنا عاصم الاَحول، عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل، وهذا اسناد صحيح (3).

19ـ قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن قيس الخراساني، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان (4).

20ـ قـال ابن جرير: حدثني يعقوب، قـال: حدثنا ابن عليـة، قـال عبد اللّه العتكي، عن عكرمة، قال: ليس على الرجلين غسل، إِنّما نزل فيهما


1 . مسند أحمد بن حنبل، الحديث 1018.
2. كنز العمال: 5|106.
3 و 4. الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82، ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم: 2|27. وعلى ضوء ذلك قال العلاّمة بحر العلوم في منظومته الفقهية:
انّ الوضوء غسلتان عندنــا      ومسحتان والكتـــاب معنــا


(83)

المسح (1)

21ـ قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلامقال: امسح على رأسك وقدميك (2)

22ـ قال ابن جرير: حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية بن داود، عن الشعبي انّه قال: إنّما هو المسح على الرجلين ألا ترى أنّه ما كان عليه الغسل جعل عليه المسح، وما كان عليه المسح أهمل (3) يريد ما كان عليه الغسل في الوضوء جعل عليه المسح في التيمم وما كان عليه المسح في الوضوء أهمل في التيمم.

23ـ قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا داود، عن عامر الشعبي انّه قال: أمر أن يمسح في التيمم ما أُمر أن يغسل في الوضوء، وأُبطل ما أُمر أن يمسح في الوضوء الرأس والرجلان .(4)

24ـ قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، قال: أمر أن يمسح بالصعيد في التيمم ما أُمر أن يغسل بالماء، وأُهمل ما أُمر أن يمسح بالماء (5)

25ـ قال ابن جرير: حدثنا أبو بشير الواسطي إسحاق بن شاهين قال: حدثنا خالد بن عبد اللّه، عن يونس، قال: حدثني من صحب عكرمة إلى واسط، قال: فما رأيته غسل رجليه انّما يمسح عليهما حتى خرج منها .(6)

26ـ قال ابن جرير: حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله: (يا أيُّها الذِينَ آمنُوا إذا قُمْتُم إلى الصلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكْم وأيْدِيَكُمْ إلى المَراِفِق وامسَحُوا بِروَوسكُم وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْن) افتـرض اللّه غسلـتين ومسحتين (7).


1 . الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
2. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
3. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
4. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
5. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
6. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
7. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.


(84)

27ـ قال الحافظ ابن كثير: وقد روي عن طائفة من السلف القول بالمسح، فروى ابن جرير، عن حميد قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة إِنّ الحجّاج خطبنا بالاَهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم وأنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى: (وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم) .

قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّها.

قال ابن كثير: اسناده صحيح إليه (1)

28ـ قال ابن جرير: حدّثني أبو السائب، حدثنا : ابن إدريس، عن داود ابن أبي هند، عن الشعبي قال: نزل جبرئيل بالمسح، ثم قال الشعبي: ألا ترى أنّ التيمّم أن يمسح ما كان غسل، ويلغى ما كان مسحاً (2)

29ـ حدثنا ابن أبي زياد، حدثنا يزيد، أخبرنا إسماعيل قلت: لعامر (الشعبي) إنّ أناساً يقولون: إنّ جبرئيل نزل بغسل الرجلين، فقال: نزل جبرئيل بالمسح (3)

30ـ مسند علي، عن النزال بن سبرة انّه رأى علياً بال و دعا بماء فتوضأ، ثم مسح على نعليه وقدميه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه، ثم صلّـى (4)


1 . الطبري: جامع البيان: 6|82، القاسمي: محاسن التأويل: 6|111، ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم: 2|27.
2. ابن كثير الدمشقي: تفسير القرآن العظيم: 2|27، الطبري: جامع البيان: 6|82.
3. ابن كثير الدمشقي: تفسير القرآن العظيم: 2|25.
4. كنز العمال: 9|435، الحديث 26856.


(85)

31ـ في الكنز من سنن سعيد بن منصور، عن أبي ظبيان، قال: رأيت علياً وعليه إزار أصفر وخميصة وفي يده عنزة أتى حائط السجن فبال، ثم تنحّى فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه، ثم صلّـى (1)

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، فمن تفحّص المسانيد والصحاح ومجامع الآثار يقف على أكثر ممّا وقفنا عليه على وجه عابر.

التجاهل بروايات المسح:

قد تجاهل ابن كثير ومن تبعه روايات المسح وقال:

قد خالفت الروافض في ذلك (غسل الرجلين) بلا مستند، بل بجهل وضلالة، فالآية الكريمة دالّة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على وفق ما دلّت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كلّه وليس لهم دليل صحيح في نفس الاَمر (2)

وكأنّه لم يقف على تلك الاَحاديث الكثيرة حينما ادّعى التواتر، أو وقف عليها ولم يتأمّل فيها.

وقد تبعه الشيخ إسماعيل البروسوي قائلاً: ذهبت الروافض إلى أنّ الواجب في الرجلين المسح، ورووا في المسح خبراً ضعيفاً شاذّاً (3)

وكذلك ادّعى الآلوسي تشبّث الشيعة برواية واحدة حيث قال:


1 . كنز العمال: 5|126.
2. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 2|518 .
3. البروسوي، تفسير روح البيان: 2|351.


(86)

ولا حجّة لهم في دعوى المسح إلاّ بما روي عن علي ـ كرم اللّه تعالى وجهه ـ (انّه مسح وجهه ويديه، ومسح رأسه ورجليه، وشرب فضل طهوره قائماً) (1)

ولو كان البروسوي والآلوسي معذورين في هذا العزو وأنّه ليس لوجوب المسح أيّ دليل سوى رواية شاذّة، فليس هناك عذر لمن وقف على هذه الروايات الكثيرة التي تتجاوز الثلاثين، فلو لم نقل بأنّ المسح نقل بالتواتر فلابد أن نقول إنّه مستفيض.

أضف إلى ذلك أنّ الكتاب يدعمه، فلا سبيل لنا إلاّ الاَخذ بما يوافق الكتاب، وتأويل المخالف أي ما دلّ على الغسل بوجه وسيوافيك إن شاء اللّه .

(اِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرينَ)

(البقرة ـ 222)



1 . الآلوسي، روح المعاني: 6|87.


(87)

الفصل الخامس:

أسماء أعلام الصحابة والتابعين
القائلين بالمسح

قد تعرّفت على الروايات الدالّة على لزوم المسح في الوضوء، وقد رواها أعلام الصحابة والتابعين ونقلها أصحاب الصحاح والمسانيد.

ولاَجل إيقاف القارىَ على أسمائهم وشيء من مكانتهم في النقل نذكر أسماءهم مع الاِيعاز إلى ترجمتهم على وجه الاِيجاز مرفقةً برقم حديثهم. ليقف القارىَ على أنّ القائلين به هم جبهة الصحابة والتابعين وسنام الثقات:

1ـ الاِمام علي بن أبي طالب عليه السّلاموانّه عليه السّلامقال: لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، لكن رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مسح ظاهرهما. (انظر الحديث 6).

2ـ الاِمام الباقر عليه السّلاممحمد بن علي بن الحسين الاِمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الاَعلام، روى عن أبيه، وكان سيد بني هاشم في زمانه، اشتهر بالباقر من قولهم: بقر العلم، يعني: شقّه، فعَلِمَ أصله وخفيه(1).(انظر .


1 . تذكرة الحفاظ: 1|124، تهذيب التهذيب: 9|350، حلية الاَولياء: 3|180، شذرات الذهب: 1|149، الطبقات الكبرى لابن سعد: 1|149.


(88)

الحديث 21).

3ـ بسر بن سعيد، الاِمام القدوة المدني، مولى بني الحضرمي، حدّث عن عثمان بن عفان، وثّقه: يحيى بن معين والنسائي، قال محمد بن سعد: كان من العباد المنقطعين والزهاد، كثير الحديث (1) (انظر الحديث 1).

4ـ حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان: يروي عنه (انظر الحديث 2 ) وكان من أهل الوجاهة ذكره ابن حبان في الثقات (2)

5ـ عثمان بن عفان، وقد تقدم في الحديث (1 و 2) انّه كان يتوضأ ويمسح على رجليه ويقول: هذا وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

6ـ أبو مطر ذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه الحجاج بن أرطأة. (3)(انظر الحديث 4) .

7ـ عبد اللّه بن زيد المازني صاحب حديث الوضوء عن فضلاء الصحابة يعرف بابن أُم عمارة (4) ذكره ابن حبان في الثقات (5) (انظر الحديث 3).

8 ـ النزال بن سبرة الهلالي الكوفي، روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعلي عليه السّلام(انظر الحديث 30) وعثمان وأبي بكر وابن مسعود، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في الثقات (6)


1 . الذهبي: سير أعلام النبلاء: 4|594.
2. ابن حبان: الثقات: 4|179.
3. الثقات: 7|664.
4. سير أعلام النبلاء: 2|377.
5. الثقات: 3|223.
6. تهذيب التهذيب: 10|423؛ البخاري: التاريخ الكبير: 8|117.


(89)

9ـ عبد خير بن يزيد، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات التابعين و جزم بصحبته عبد الصمد بن سعيد الحمصي في كتاب الصحابة. (1) (انظر الحديث 6).

10ـ عباد بن تميم بن غزية الاَنصاري الخزرجي المازني: روى عن أبيه وعن عمه عبد اللّه بن زيد وعن عومير بن أشقر، وثّقه: العجلي والنسائي وغيرهما، وحديثه في الصحيحين (البخاري ومسلم) (2)وذكره ابن حبان في الثقات (3). (انظر الحديث 5 ، 10).

11ـ عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكان يسمّى البحر لسعة علمه، و يسمّى حبر الاَُمّة. وقال عبد اللّه بن عتبة: كان ابن عباس قد فاق الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وقال: ما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - منه، ولا أفقه في رأي عنه، ولا أعلم بتفسير القرآن منه (4). (انظر الحديث 31، 91).

12ـ أوس بن أبي أوس الثقفي: روى له أصحاب السنن الاَربعة، أحاديث صحيحة من رواية الشاميين عنه (5). (انظر الحديث 11).

13ـ الشعبي: عامر بن شراحيل بن عبد، هو الاِمام الحافظ الفقيه المتقي استاذ أبي حنيفة و شيخه. قال أحمد بن حنبل، والعجلي: مرسل الشعبي صحيح، لاَنّه لا يكاد يرسل إلاّ صحيحاً. و قال ابن عيينة: العلماء ثلاثة: ابن عباس في


1 . تهذيب التهذيب: 6|124.
2. الاصابة: 4|23.
3. الثقات: 5|141.
4. أُسد الغابة: 3|192 ـ 195.
5. الاصابة: 1|92.


(90)

زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه (1) (انظر الحديث 22، 32 ، 42، 82).

14ـ عكرمة: أبو عبد اللّه المدني مولى ابن عباس، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن، وكان جابر بن زيد يقول: عكرمة من أعلم الناس، روى له أصحاب السنن الاَربعة أحاديث صحيحة (2). (انظر الحديث 25، 20).

15ـ رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان أبو معاذ الزرقي، شهد بدراً. وروى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مات في أوّل خلافة معاوية. (3)ذكره ابن حبان في الثقات. (4) (انظر الحديث 7، 21).

16ـ عروة بن الزبير بن العوام القرشي أخو عبد اللّه بن الزبير، فقيه عالم، وكان من أفاضل أهل المدينة وعلمائهم، ذكره ابن حبان في الثقات (5) (انظر الحديث 14).

17ـ قتادة بن دعامة الحافظ العلامة أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير الاَكمه المفسر. قال أحمد بن حنبل: قتادة عالم بالتفسير وباختلاف العلماء، ووصفه بالحفظ ـ وأطنب في ذكره ـ وكان أحفظ أهل البصرة، مات بواسط


1 . تذكرة الحفّاظ: 1|79، تهذيب التهذيب: 5|65، حلية الاَولياء للاصبهاني: 4|310، شذرات الذهب: 1|126، طبقات الحفاظ: 43.
2. تهذيب التهذيب: 7|293، تذكرة الحفاظ: 1|95، تهذيب الاَسماء: 1|340.
3. تهذيب التهذيب: 3|281.
4. الثقات: 4|240.
5. الثقات: 5|194 ـ 195، تذكرة الحفّاظ: 1|92، تهذيب التهذيب: 7|180.


(91)

في الطاعون سنة 118هـ. (1)وذكره ابن حبان في الثقات (2). (انظر الحديث 62).

18ـ أنس بن مالك بن النضر خادم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، قدم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو ابن عشر سنين، وتوفي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو ابن عشرين سنة، انتقل إلى البصرة وتوفي بها عام 91 هـ (3) (انظر الحديث 81).

19ـ موسى بن أنس بن مالك قاضي البصرة، يروي عن أبيه، روى عنه مكحول وحميد الطويل (4). (انظر الحديث 72).

20ـ حصين بن جندب الكوفي الجنبي (أبو ظبيان الكوفي) يروي عن علي ابن أبي طالب وسلمان، روى عنه: إبراهيم والاَعمش، مات سنة 56 هـ، ذكره ابن حبان في الثقات (5) (انظر الحديث 13).

21ـ جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي، يروي عن: أبي ذر وأبي الدرداء، روى عنه أهل الشام، كنيته أبو عبد الرحمن، مات سنـة 80 هـ بالشام، ذكره ابن حبان في الثقات (6) (انظر الحديث 51).

22ـ إسماعيل بن أبي خالد البجلـي الاَحمسي أبو عبد اللّه الكوفي، قال


1 . تذكرة الحفّاظ: 1|122 ـ 124.
2. الثقات: 5|321، البداية والنهاية لابن كثير: 9|313، تهذيب الاَسماء: 2|57، تهذيب التهذيب: 8|337.
3. الثقات: 2|4، أُسد الغابة: 1|84، تذكرة الحفاظ: 1|44، شذرات الذهب: 1|100 .
4. الثقات: 5|401.
5. المصدر السابق: 4|156.
6. المصدر السابق: 4|111، تذكرة الحفاظ: 1|52، تهذيب التهذيب: 2|64، شذرات الذهب : 1|88.


(92)

العجلي: وكان رجلاً صالحاً ثقة ثبتاً وكان طحاناً. وقال مروان بن معاوية: كان إسماعيل يسمّى الميزان. مات سنة 146 هـ (1). (انظر الحديث 92).

23ـ تميم بن زيد المازني، أبو عباد الاَنصاري من بني النجّار، له صحبة، وحديثه عند ولده (2) (انظر الحديث 5، 01).

24ـ عطاء القداحي، يروي عن عبد اللّه بن عمر، و روى عنه: عروة بن قيس، والد يعلى بن عطاء، ذكره ابن حبان في الثقات (3) (انظر الحديث 11).

25ـ أبو مالك الاَشعري: الحارث بن الحارث الاَشعري الشامي الصحابي، روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعنه أبو سلام الاَسود. يكنى أبا مالك، طعن أبو مالك الاَشعري وأبو عبيدة بن الجراح في يوم واحد، وتوفي في خلافة عمر (4) (انظر الحديث 9).

وإن تعجب فاعجبْ لقول الشوكاني: لم يثبت من أحد من الصحابة خلاف ذلك (أي الغسل) إلاّ علي وابن عباس وأنس (5)

غير انّ اعتقاده بالغسل عاقه عن الفحص والتتبّع في السنن والمسانيد.

* * *


1 . تذكرة الحفاظ: 1|153، تهذيب التهذيب: 1|291، العبر: 1|203.
2. الثقات: 3|41.
3. الثقات: 5|202.
4. تهذيب التهذيب: 2|136 و 12|218.
5. الشوكاني: نيل الاَوطار: 1|163.


(93)

أسماء الاَعلام المرجحين لقراءة الخفض:

لم يكن القول بالمسح مختصاً بأعلام الصحابة والتابعين، بل هناك لفيف من القرّاء والعلماء قرأوا قوله سبحانه: (وأرجلكم إلى الكعبين) بالخفض (1) ومعنى ذلك كونها معطوفة على الروَوس، وبالتالي كونها ممسوحة لا مغسولة.

1ـ قال القرطبي: روى عاصم بن كليب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، أنّه قال: قرأ الحسن والحسين (عليهما السلام) عليّ (وأرجلكم) (مخفوضة اللام) (2)

2ـ قال الطبري: حدثني الحسين بن علي الصفدي، قال: حدثنا أبي، عن حفص العامري، عن عامر بن كليب، عن أبي عبد اللّه، قال: قرأ عليّ الحسن والحسين (عليهما السلام) آية الوضوء، فقرءا (وأرجلكم إلى الكعبين) (مخفوضة اللام) (3).

3ـ قال الطبري: حدثنا ابن حميد وابن وكيع، حدثنا جرير، عن الاَعمش، عن يحيى بن وثاب، عن علقمة، انّه قرأ (وأرجلكم) مخفوضة اللام (4)

4ـ قال ابـن كثير: روي عن ابن عمـر (5) وجابر بن زيد ومجاهد، مسـح الرجلين (6).


1 . وهناك من يريد التلاعب بكتاب اللّه فيحمل قراءة الخفض على أنّ الجر لاَجل الجوار كما في قوله: «جحر ضب خرب» فإنّ لفظة خرب خبر لجحر، فيلزم أن يكون مرفوعاً، ولكنّه قرىَ بالجر للجوار.ويلاحظ عليه: بما مرّ وهو أنّ الجر بالجوار أمر شاذّ لا يجوز الاعتماد عليه إلاّ في مقام الضرورة، وأين هذا من كلامه سبحانه. أضف إلى ذلك انّما يجوز لو لم يكن هناك التباس كما في الآية، لاَنّ المفروض أنّ الواجب هو الغسل والخفض يفيد المسح، وتفسير الخفض بالجوار أمر يغفل عنه عامة الناس.
2. القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 6|93.
3. الطبري: جامع البيان: 6|83.
4. الطبري: جامع البيان: 6|83 ؛ السيوطي: الدر المنثور: 3|28.
5. كذا في النسخة والصحيح «أبو عمرو» كما في تفسير الرازي: 11|161 و تفسير الآلوسي: 6|73.
6. ابن كثير : تفسير القرآن العظيم: 2|25.


(94)

5ـ قال الطبري: حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو الحسن العكلي، عن عبد الوارث، عن حميد، عن مجاهد، أنّه كان يقرأ (وأرجلكم) مخفوضة اللام (1)

6ـ قال الطبري: حدثنـا ابن وكيع، قـال: حدثنـا أبي، عن سلمة، عن الضحاك، انّه قرأ (وأرجلكم) بالكسر (2)

7ـ قال الخازن: قرأ ابن كثير وأبو عمـرو (3) وحمـزة وأبـو بكر، عن عاصـم (وأرجلكم) بكسر اللام، عطفاً على المسح (4)

وحكي الخفض ـ أيضاً ـ عن الحسن البصري والاَوزاعـي والثوري وابن جرير وأحمد بن حنبل والجبائي كما في كتاب الشوكاني وغيره.

هوَلاء أعلام الاَُمّة وأساطينها وفي مقدّمتهم الاِمامان الجليلان، سبطا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، والغنيان عن التعريف، ولكن نستعرض لمحة خاطفة من حياتهم بوجه موجز ليقف القارىَ عليها:

1ـ الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السّلام: سبط رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، السيد أبو محمد الحسن ابن أمير الموَمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب الهاشمي، العلوي، المدني (5) (انظر الفقرة 1 و 2).

2ـ الحسين الشهيد: الاِمام الشريف الكامل، سبط رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وريحانته في الدنيا ومحبوبه، أبو عبد اللّه الحسين ابن أمير الموَمنين أبي الحسن علي بن أبي


1 . الطبري: جامع البيان: 6|83.
2. الطبري: جامع البيان: 6|83.
3. في المصدر «ابن عمرو» والصحيح ما أثبتناه.
4. علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي: تفسير الخازن: 2|16.
5. سير أعلام النبلاء: 4|483، الطبقات الكبرى لابن سعد: 5|319، تاريخ الاِسلام: 3|356، العبر: 1|196، تهذيب التهذيب: 2|263، تاريخ ابن عساكر: 4|217.


(95)

طالب القرشي الهاشمي، حدّث عن جده وأبويه (1) (انظر الفقرة 1 و 2).

3ـ عاصم بن بهدلة: وهو ابن أبي النجود الاَسدي، روى عن أبي عبد الرحمن السلمي وقرأ عليه القراءات، وقال عبد اللّه بن أحمد عن أبيه: كان رجلاً صالحاً قارئاً للقرآن وأهل الكوفة يختارون قراءته وكان خيّراً ثقة، وقال العجلي: كان صاحب قراءة. (2)(انظر الفقرة 7).

4ـ عبد اللّه بن كثير الداري المكي: أبو معبد القارىَ مولى عمرو بن علقمة الكناني، وكان عطاراً بمكة، روى عن مجاهد وقرأ عليه القرآن، وقال ابن سعد: ثقة وله أحاديث صالحة، وقال ابن عيينة: لم يكن بمكة أقرأ منه (3) (انظر الفقـرة 7).

5ـ الضحاك أبو عاصم ابن مخلد الشيباني: الحافظ شيخ الاِسلام تلميذ الصادق عليه السّلام، قال ابن سعد في أحواله في الطبقات: وكان ثقة فقيهاً، مات بالبصرة سنة اثنتي عشرة ومائتين في خلافة عبد اللّه بن هارون (4) انظر الفقرة 6).

6ـ جابر بن زيد الاَزدي اليحمدي: أصله من الجوف ناحية بعمان، يروي عن: ابن عباس وابن عمر، وكان ابن عباس يقول: لو أنّ أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لاَوسعهم علماً عما في كتاب اللّه، وكان فقيهاً، مات سنة


1 . سير أعلام النبلاء: 3|280، التاريخ الكبير: 2|381، مروج الذهب: 3|248، أُسد الغابة: 2|18، العبر: 1|65، شذرات الذهب: 1|66، الاصابة: 1|332، تهذيب التهذيب: 2|345.
2. طبقات القراء: 1|348 برقم 1496، تهذيب التهذيب: 5|38.
3. طبقات القراء: 1|443 برقم 1852، تهذيب التهذيب: 5|367.
4. ابن سعد: الطبقات الكبرى: 7|295، تذكرة الحفاظ: 1|366.


(96)

93 هـ (1). (انظر الفقرة 4).

7ـ علقمة بن قيس بن عبد اللّه: فقيه العراق ولد في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمع من علي وابن مسعود وأبي الدرداء وعثمان، وجوّد القرآن على ابن مسعود وتفقّه به، وكان من أنبل أصحابه .

قال عبد الرحمن بن يزيد: قال ابن مسعود: ما أقرأ شيئاً، ولا أعلم شيئاً إلاّ وعلقمة يقروَه ويعلمه. وكان فقيهاً إماماً بارعاً طيب الصوت بالقرآن ثبتاً، مات سنة 62 هـ (2). (انظر الفقرة 3).

8 ـ مجاهد بن جبـر: أبو الحجـاج المكّي المخزومي مولى السائـب بن أبي السائب، عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرّة. قال قتادة: أعلم ممّن بقي بالتفسير مجاهد. (3)(انظر الفقرة 4 و 5).

9ـ أبو عبد الرحمن السلمي: عبد اللّه بن حبيب بن ربيعة أبو عبد الرحمن السلمي، مقرىَ الكوفة، ولد في حياة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ولاَبيه صحبة، إليه انتهت القراءة تجويداً وضبطاً، قال ابن مجاهد: أوّل من أقرأ الناس بالكوفة بالقراءة المجمع عليها أبو عبد الرحمن السلمي، ولا يزال يقرىَ الناس من زمن عثمان إلى أن توفي سنة أربع وسبعين. وكان ثقة كبير القدر (4) (انظر الفقرة 1).

10ـ أبو عمرو البصري: زبان بن العلاء بن عمار المازني البصري أحد القراء السبعة، وكان أعلم الناس بالقرآن والعربية مع الصدق والثقة والزهد، قال


1 . الثقات: 4|101.
2. تذكرة الحفاظ: 1|48.
3. طبقات الحفـاظ: 42، تذكرة الحفـاظ: 1|92، تهذيب التهذيب: 10|42، تهذيب الاَسماء: 2|83، الطبقات الكبرى لابن سعد: 5|343.
4. الجزري: طبقات القراء: 1|413 برقم 1755.


(97)

الاَصمعي : إنّي لم أر بعد أبي عمرو أعلم منه (1) (انظر الفقرة 7).

11ـ حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل: الاِمام الحبر أبو عمارة الكوفي التيمي الزيات أحد القراء السبعة، ولد سنة 80 هـ، وأدرك الصحابة بالسن، وإليه صارت الاِمامةفي القراءة بعد عاصم والاَعمش، وكان إماماً حجّة ثقة ثبتاً حافظاً للحديث عابداً خاشعاً زاهداً، وكان يجلب الزيت من العراق إلى حلوان، توفي سنة 156 هـ (2). (انظر الفقرة 7).

12ـ أبو بكر بن عياش الاَسدي الكوفي: الاِمام العلم راوي عاصم، ولد سنة خمس وتسعين، وعرض القرآن على عاصم ثلاث مرات، وكان إماماً كبيراً عالماً عاملاً، قال عنه أبو داود: كان ثقة، توفي في جمادى الاَُولى سنة 193هـ (3) (انظر الفقرة 4).

إلى هنا تمت ترجمة القراء وإليك الاشارة إلى ترجمة بعض العلماء المرجحين للخفض:

13ـ الحسن البصري: هو الحسن بن أبي الحسن يسار، مولى زيد بن ثابت الاَنصاري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وكان سيد أهل زمانه علماً وعملاً. قال معتمر بن سليمان، كان أبي يقول: الحسن شيخ أهل البصرة. وقال قتادة: كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام (4)

14ـ عبد الرحمان الاَوزاعي بن عمرو: إمام أهل الشام في وقته وقال ابن سعد: كان ثقة، مأموناً صدوقاً، فاضلاً، خيّراً، كثير الحديث والعلم والفقه، ولد


1 . طبقات القراء: 1|288 برقم 1283.
2. طبقات القراء: 1|261 برقم 1190.
3. طبقات القراء: 1|324 برقم 1321.
4. سير أعلام النبلاء: 4|563، الطبقات الكبرى لابن سعد: 7|156، تذكرة الحفاظ: 1|66، تاريخ الاِسلام: 4|98، وفيات الاَعيان: 2|69، شذرات الذهب: 1|136.


(98)

سنة ثمان وثمانين، ومات سنة سبع وخمسين ومائة (1)

15ـ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد اللّه الكوفي: أحد الاَئمّة الاَعلام، روى عن أبيه وجعفر الصادق وخلق. قال شعبة: سفيان أمير الموَمنين في الحديث. وقال ابن مهدي: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، وروى القراءة عن حمزة بن حبيب الزيات وعن عاصم والاَعمش، توفي بالبصرة سنة 161 هـ (2)

16ـ أحمد بن حنبل: أحد الاَئمّة الاَعلام طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحداً أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل (3)

17ـ أبو علي الجبائي: محمد بن عبد الوهـاب البصري، شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف، أخذ عن أبي يعقوب الشحام، ومات بالبصرة سنة 303هـ ، فخلفه ابنه العلاّمة أبو هاشم الجبائي، وكان أبو علي متوسعاً في العلم سيّال الذهن(4).

18ـ ابن جرير الطبري: ابن يزيد بن كثير الاِمام العلم المجتهد عالم العصر أبو جعفر الطبري صاحب التصانيف البديعة، ولد سنة 224 هـ ، وكان ثقة،


1 . تذكرة الحفاظ: 1|178، تهذيب التهذيب لابن حجر: 6|238، الطبقات الكبرى لابن سعد: ج 7 ق 2 ص 185، العبر: 1|227.
2. تذكرة الحفّاظ: 1|203، تهذيب التهذيب: 4|111، حلية الاَولياء: 6|356، شذرات الذهب: 1|250، طبقات القراء: 1|308 برقم 1357.
3. سير أعلام النبلاء: 11|177، الطبقـات الكبرى لابن سعد: 7|354، التاريخ الكبير: 2|5، حلية الاَولياء: 9|161، تاريخ بغداد: 4|412، شذرات الذهب: 2|96، العبر: 1|435.
4. سير أعلام النبلاء: 14|183، العـبر: 2|125، لسان الميزان: 5|271، شـذرات الذهب: 2|241، وفيات الاَعيان: 4|267.


(99)

صادقاً، حافظاً رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والاِجماع والاختلاف، علاّمة في التاريخ وأيام الناس، عارفاً بالقراءات وباللغة (1)

* * *

هذه كلمات المتقدمين من أعلام السنّة، ولعلّ هناك من يرجّح قراءة الخفض ولم نعثر عليه، وأمّا من المعاصرين ممن لهم مصنفات في إعراب القرآن كمحيي الدين الدرويش، فقد استظهر أَنّ (أرجلكم) عطف على الروَوس، وقال:

«والظاهر انّ (أرجلكم) عطف على (روَوسكم) أي وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين» (2)

(وَلكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)

(المائدة ـ 6)



1 . سير أعلام النبلاء: 14|267، طبقات القراء للجزري: 2|106، شذرات الذهب: 2|260، طبقات الحفاظ: 307، العبر: 2|146، تذكرة الحفّاظ: 2|710، تاريخ بغداد: 2|162.
2. محيي الدين الدرويش: اعراب القرآن: 2|419.


(100)


(101)

الفصل السادس:

تأمّلات واهية في أخبار المسح

إنّ لاَهل النظر والبحث من أهل السنّة القائلين بالغسل في الوضوء ـ أمام تلك الروايات المخالفة لمذهبهم ـ تأمّلات مختلفة نذكر المهمّ منها:

التأمّل الاَوّل: أَنّ روايات المسح ضعيفة، ونقل عن البخاري والشافعي أنّهما ضعّفاها باعتبار أنّ مخالفها أكثر وأثبت منها (1)

يلاحظ عليه: أنّه، كيف نضعِّف تلك الروايات المستفيضة؟! وإنّما الذي يخضع للنقاش والجرح هو الخبر الواحد، لا المستفيض ولا المتواتر.

مضافاً إلى أنّ في الروايات من يرويها البخاري، فما ظنّك برواية يرويها الاِمام البخاري؟! (لاحظ الرواية رقم 8).

التأمّل الثاني: إِنّ هذا كان في أوّل الاِسلام، ثم نسخ بأحاديث الغسل.

يلاحظ عليه: أنّ كثيراً من هذه الروايات رويت للاحتجاج على القائلين بالغسل، فهل يمكن غفلة الراوي عن هذا الاَمر؟!

وبتعبير أوضح: أنّ الصحابة والتابعين يروونها لغاية إثبات أنّ الفريضة في


1 . ابن القيم: في هامش مختصر سنن أبي داود: 1|96.


(102)

الوضوء هي المسح لا الغسل، فلو كانت الروايات ناظرة إلى العصر الاَوّل من البعثة، فهل يمكن أن يغفل عنها الصحابة الاَجلاّء والتابعون لهم بإحسان؟ وقد شارك في الروايات ثلّة من الصحابة والتابعين.

التأمّل الثالث: إنّ أحاديث المسح، انّما هي وضوء من لم يحدث، وقد اعتمد عليه ابن كثير في تفسيره . (1)وسار على ضوئه المتأخرون، كالآلوسي في روح المعاني. (2) وأخيراً الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري (3)

يلاحظ عليه: النقاط التالية:

1ـ أنّ لفيفاً من الروايات الدالّة على المسح وردت في وضوء المحدث، لا في الوضوء بعد الوضوء؛ فكيف يمكن حملها على وضوء من لم يحدث؟ كرواية النزال ابن سبرة، حيث يحكي وضوء عليّ بعد البول.

2ـ أنّ أكثر هذه الروايات الدالّـة على المسـح، تحكـي وضوء رسـول اللّه، والمتبادر منه هو وضووَه بعد الحدث، لا قبله. فحمل هذه الروايات الكثيرة، على الوضوء بعد الوضوء، تفسير بالرأي، حفظاً للمذهب وانتصاراً له.

3ـ لو سلّمنا أنّ ما ورد من الروايات في المسح على الرجلين، بأنّه وضـوء من لم يحدث، لكنّها لا تشير إلى أنّ المسح على الرجلين فقط وضوء من لم يحدث، وإِنّما تشير إلى أنّ الاكتفاء بكفّ من الماء في غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، وضوء من لم يحدث.


1 . ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 2|27.
2. الآلوسي: روح المعاني: 6|77.
3. مجلة الفيصل، العدد: 235 ص 48.


(103)

فكم فرق بين أن يرجع اسم الاِشارة إلى أنّ المسح على الرجلين هو وضوء من لم يحدث، وبين أن ترجع إلى مجموع ما ورد في الرواية من الغسل والمسح بكفّ من الماء؟! وإِن كنت في شكّ من ذلك فنتلو عليك نصوص تلك الروايات:

1ـ ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو علي الروزبادي، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محوية العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب أنّه صلّـى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضلته وهو قائم، ثم قال: إنّ ناساً يكرهون الشرب قائماً، وإنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صنع كما صنعت، وقال: وهذا وضوء من لم يحدث رواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه(1).

2ـ عن إبراهيم قال: كان علي إذا حضرت الصلاة دعا بماء، فأخذ كفّاً من ماء، فتمضمض منه واستنشق منه، ومسح بفضلة وجهه وذراعيه رأسه ورجليه، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث (2)

ترى أنّ الاِمام اكتفى في الوضوء بكف ماء وحفنة منه مع أنّه غير كاف في الوضوء الواجب باتفاق الاَُمّة، ولاَجل ذلك نبّه المخاطب بأنّه وضوء من لم يحدث، وإلا فعلى المحدّث أن يسبغ ماء الوضوء بأكف وحفنات، فمحور المذاكرة بين الاِمام ومخاطبه هو الاكتفاء بماء قليل لا المسح على الرجلين.

3ـ أخرج أحمد بسنده عن عبد اللّه، قال: حدثني أبو خيثمة، حدثنا إسحاق


1 . كنز العمال: ج9 الحديث 27030، مسند أحمد بن حنبل: الحديث 799.
2. كنز العمال: 9|456، الحديث 26949.


(104)

ابن إسماعيل، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن عبد الملك، عن النزال بن سبرة قال: صلّينا مع علي (رض) الظهر، فانطلق إلى مجلس له يجلسه في الرحبة، فقعد وقعدنا حوله، ثم حضرت العصر، فأتى بإناء فأخذ منه كفاً، فتمضمض واستنشق ومسح بوجهه وذراعيه ومسح برأسه ورجليه، ثم قال: إني رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فعل كما فعلت (1)

وعلى ذلك تحمل الرواية التالية:

4ـ عن عبد خير قال: رأيت علياً (رض) دعا بماء ليتوضّأ، فتمسح بها تمسحاً ومسح على ظهر قدميه، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث، ثم قال: لولا إني رأيت رسول اللّه مسح على ظهر قدميه رأيت أنّ بطونهما أحقّ، ثم شرب فضلة وضوئه وهو قائم (2)

فإنّ الظاهر أَنّ الاِمام قام بمجموع العمل بكف ماء واحد، ويحتمل اتحاد الحديث مع الحديث الاَوّل، فاسم الاِشارة في قوله: «هذا» ليس إشارة إلى مسح القدمين، بل إلى مجموع ما أتى به من الاَعمال من مسح الوجه والاَيدي وغيرهما بالماء، فإنّ الواجب فيهما الغسل، والاكتفاء بالمسح لخلوه من الحدث.

عثرة لا تقال:

قد عرفت أنّ مجموعة كبيرة من الروايات الدالّة على المسح رواها ابن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ، الغني عن الاِطراء والبيان، ولما كان ذلك الاَمر


1 . مسند أحمد بن حنبل: 1|256، الحديث 1370.
2. مسند أحمد بن حنبل: 1|187، الحديث 946.


(105)

ثقيلاً على من يرى الغسل في الوضوء عاد يتمحل لتكذيب تلك الروايات بأنّه لم ينقلها ابن جرير الطبري السنّي وانّما رواها ابن جرير الشيعي، وهي من غرائب الاَُمور كما سيوافيك، وممّن التجأ إلى هذا العذر ابن القيم قائلاً:

إنّ حكاية المسح عن ابن جرير غلط بيّـن، فهذه كتبه وتفسيره كلّها تكذّب هذا النقل عنه، وإِنّما دخلت الشبهة، لاَنّ ابن جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشيعة يوافقه في اسمه واسم أبيه، وقد رأيت له موَلفات في أُصول مذهب الشيعة وفروعهم (1)

وقد تبعه في هذه العثرة الآلوسي في تفسيره، قال: وقد نشر رواة الشيعة هذه الاَكاذيب المختلقة، ورواها بعض أهل السنّة ممن لم يميّز الصحيح والسقيم من الاَخبار بلا تحقّق ولا سند، واتسع الخرق على الراقع، ولعل محمد بن جرير القائل بالتخيير هو محمد بن جرير بن رستم الشيعي صاحب «الاِيضاح للمسترشد في الاِمامة»، لا أبو جعفر محمد بن جرير بن غالب الطبري الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنّة، والمذكور في تفسير هذا هو الغسل فقط لا المسح، ولا الجمع، ولا التخيير الذي نسبه الشيعة إليه (2)

وممن تنبّه إلى عثرة ابن قيم والآلوسي، صاحبُ المنار حيث أنّه بعد ما نقل عبارة الآلوسي أعقبـه بقوله: «إنّ في كلامـه ـ عفـا اللّه عنــه ـ تحاملاً على الشيعـة وتكذيباً لهم في نقل وجد مثله في كتب أهل السنّة. والظاهر أنّه لم يطّلع على تفسير ابن جرير الطبري» (3)


1 . ابن القيم: في هامش سنن أبي داود: 1|97 ـ 98.
2. الآلوسي: روح المعاني: 6|77.
3. المنار: 6|233.


(106)

أقول: قد نقل أيضاً غير واحد أنّ ابن جرير قال بالتخيير بين المسح والغسل، ولكن اللاّئح من عبارته هو الجمع بينهما، فمن أمعن النظر في تفسير ابن جرير يقف على أُمور ثلاثة:

الاَوّل: أنّه رجّح قراءة الجرّ على النصب وقال: وأعجب القراءتين إليَّ أن أقرأها قراءة من قرأ ذلك خفضاً، لما وصفت من جمع المسح المعنيين اللّذين وصفت، ولاَنّه بعد قوله: (وامسحوا بروَوسكم) فالعطف على الروَوس مع قربه منه أولى من العطف به على الاَيدي، وقد حيل بينه وبينها بقوله: (وامسحوا بروَوسكم) (1)..

الثاني: أنّه يروي روايات المسح بصدر رحب ولا يتضايق كما نقل روايات الغسل.

الثالث: أنّه قائل بالجمع بين المسح والغسل، ومراده منه ليس هو التوضوَ مرتين تارة بالغسل وأُخرى بالمسح بالنداوة المتبقّية على اليد، بل بغسلهما باليد ومسح الرجل بها، وإليك نص عبارته قال:

«والصواب من القول عندنا في ذلك أَنّ اللّه أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمّم، فإذا فعل ذلك بهما المتوضّـي كان مستحقّاً اسم ماسح غاسل، لاَنّ غسلهما، امرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء، ومسحهما إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليه، فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ماسح» (2)

والعجب عن عدّة من الباحثين حيث نسبوا إلى الطبري القول بالتخيير،


1 . الطبري: التفسير: 6|83.
2. الطبري: التفسير: 6|83.


(107)

منهم: نظام الدين النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن (1)والقرطبي (2) والشوكاني (3). والشعراني (4)

والعجب أيضاً انّ الآلوسي نسب إلى ابن جرير القول بالغسل فقط لا المسح ولا الجمع ولا التخيير (5)

(وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْياناً
لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمينَ)

(النحل ـ 89)



1 . النيسابوري: تفسير غرائب القرآن بهامش تفسير الطبري: 6|74 ونسبه إلى الحسن البصري أيضاً.
2. القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 6|92.
3. الشوكاني: نيل الاَوطار: 1|168.
4. ميزان الشعراني: 1|19، ط عام 1318 هـ.
5. الآلوسي: روح المعاني: 6|78.


(108)


(109)

الفصل السابع:

وضوء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
عن لسان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)

إنّ أئمّة أهل البيت هم المرجع الثاني للمسلمين بعد كتاب اللّه فيما اختلفوا فيه، فإنّهم حفظة سنن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعيبة علمه، فقد نصّ الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على ذلك في حديث الثقلين الذي اتّفق المسلمون على نقله وصحته وقال:

«إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه وعترتي» (1)


1 . حديث متّفق عليه رواه أصحاب الصحاح والمسانيد.ـ أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم وهو الحديث 873 من أحاديث كنز العمال: 1|173. ـ وأخرجه الاِمام أحمد من حديث زيد بن ثابت في الجزء الخامس من مسنده: 492. ـ وأخرجه الطبراني في الكبير عن زيد بن ثابت أيضاً وهو الحديث 873 من أحاديث الكنز: 1|173.ـ أخرجه الحاكم في الجزء الثالث من المستدرك: 148، ثم قال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين.ـ أخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك: 3|148. معترفاً بصحته على شرط الشيخين.ـ أخرجه الاِمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري في الجزء الثالث من مسنده: 394، الحديث 10747.ـ أخرجه ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن سعد عن أبي سعيد وهو الحديث 945 من أحاديث الكنز: 1|186. ـ أخرجه ابن حجر في أواخر الفصل 2 من الباب 9 من الصواعق المحرقة: 75.


(110)

فإذا كانت هذه مكانة أهل البيت، فلنرجع إليهم في كيفيّة وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فإنّهم ارتشفوا من عذب معين، وحفظوا سنةّ الرسول بنقل كابر عن كابر ، وإليك ما رووه:

1ـ عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد وأبي داود جميعاً، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلاميقول: إنّ أبي كان يقول: إنّ للوضوء حدّاً من تعدّاه لم يوَجر، وكان أبي يقول: إنّما يتلدّد، فقال له رجل: وما حدّه؟ قال: تغسل وجهك ويديك، وتمسح رأسك ورجليك (1)

2ـ علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ؟ فقلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء، ثم وضعه بين يديه، ثم حسر عن ذراعيه، ثم غمس فيه كفّه اليمنى، ثم قال: هكذا إذا كانت الكفّ طاهرة، ثم غرف فملاَها ماءً فوضعها على جبينه، ثم قال: «بسم اللّه» و سدله على أطراف لحيته، ثم أمرّ يده على وجهه وظاهر جبينه مرة واحدة، ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملاَها، ثم وضعه على مرفقه اليمنى وأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثم غرف بيمينه ملاَها، فوضعه على مرفقه اليسرى، وأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلّة يساره وبقية بلّة يمناه.

قال: وقال أبو جعفر عليه السّلام: إنّ اللّه وتر يحب الوتر، فقد يجزئك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك وما


1 . الكليني: الكافي: ج 3، كتاب الطهارة، باب مقدار الماء الذي يجزي للوضوء والغسل ومن تعدّى في الوضوء، الحديث3.


(111)

بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى، قال زرارة: قال أبو جعفر عليه السّلام: سأل رجل أمير الموَمنين (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فحكى له مثل ذلك (1)

3ـ علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة، عن زرارة وبكير أنّهما سألا أبا جعفر عليه السّلامعن وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فدعا بطست أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبّها على وجهه فغسل بها وجهه، ثم غمس كفّه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكفّ لا يردها إلى المرفق، ثم غمس كفّه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق وصنع بها مثل ما صنع باليمنى، ثم مسح رأسه وقدميه ببلل كفه، لم يحدث لهما ماءً جديداً، ثم قال: ولا يدخل أصابعه تحت الشراك، قال: ثم قال:إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول:

(يا أيُّها الذِينَ آمنُوا إذا قُمتُم إلى الصلاةِ فاغسِلُوا وجُوهَكُم وأيدِيَكُم) (2)

فليس له أن يدع شيئاً من يديه إلى المرفقين إلاّ غسله، لاَنّ اللّه يقول: (اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) ثم قال: (وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الاَصابع فقد أجزأه.

قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: ههنا، يعني: المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا ما هو؟

فقال: هذا من عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك.


1 . الكليني: الكافي: ج3، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، الحديث 4.
2. المائدة: 6.


(112)

فقلنا: أصلحك اللّه فالغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كلّه (1)

4ـ عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن داود بن النعمان، عن أبي أيوب، عن بكير بن أعين، عن أبي جعفر - عليه السّلام- قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فأخذ بكفّه اليمنى كفّاً من ماء فغسل به وجهه، ثم أخذ بيده اليسرى كفّاً من ماء فغسل به يده اليمنى، ثم أخذ بيده اليمنى كفّاً من ماء فغسل به يده اليسرى، ثم مسح بفضل يديه رأسه ورجليه (2)

(إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربِّه سبيلا)

(المزمل ـ 19)



1 . الكليني: الكافي: ج3، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، الحديث 5.
2. المصدر نفسه: الحديث 2.


(113)

الفصل الثامن:

نظرة عامّة في أخبار الغسل

قد تعرّفت على قضايا الكتاب، والسنّة النبويّة الصحيحة، في حكم الاَرجل، وأنّهما قد أطبقا على المسح، من غير مرية ولا شكّ، لكن بقي الكلام في المأثورات عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - التي تعرب عن كون حكمها هو الغسل، فلا محيص عن دراستها وتحليلها. فنقول: إنّها على قسمين:

أ ـ ما روي بسند صحيح، رواه الشيخان البخاري ومسلم.

ب ـ ما روي بسند ضعيف.

1ـ أخرج مسلم، عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد اللّه بن عمرو بن سرح، وحرملة بن يحيى التجيبي، قالا: أخبرنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أنّ عطاء بن يزيد الليثي أخبره، أنّ حمران مولى عثمان أخبره، أنّ عثمان بن عفان دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضّأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : من توضّأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع


(114)

ركعتين لا يحدث فيها نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه (1)

2ـ أخرج البخاري، عن موسى قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر ، عن يوسف بن ماهك، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: تخلّف النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عنّا في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته، ويل للاَعقاب من النار ، مرتين أو ثلاثاً (2)

3ـ أخرج مسلم،عن زهير بن حرب ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران مولى عثمان: أنّه رأى عثمان، دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرّات فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الاِناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات، ثم قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من توضّأ نحو وضوئي هذا، ثم صلّـى ركعتين، لا يحدث فيها نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه (3)

4ـ عن بشر بن المفضل، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يأتينا، فحدثتنا أنّه، قال: اسكبي لي وضوءاً ـ فذكرت وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ـ قالت فيه: فغسل كفّيه ثلاثاً، ووضأ وجهه ثلاثاً، ومضمض واستنشق مرة، ووضأ يديه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مرّتين، بدأ بموَخّر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما، ووضأ رجليه ثلاثاً


1 . صحيح مسلم: 3|107، كتاب الطهارة، الحديث برقم 226؛ أخرجه البخاري أيضاً بسنده: 1|51، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، سنن النسائي: 1|80، كتاب الطهارة، باب حدّ الغسل؛ جامع الاَُصول لابن الاَثير: 7|154؛ سنن الترمذي برقم 48، 49 في الطهارة؛ مجمع الزوائد: 1|229.
2. صحيح البخاري: 1|52، باب غسل الرجلين.
3. صحيح مسلم: 3|112، الحديث برقم 226، باب صفة الوضوء وكماله.


(115)

ثلاثاً (1).

5ـ حدثنا موسى قال: حدثنا وهيب، عن عمرو، عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد اللّه بن زيد عن وضوء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فدعا بتور من ماء، فتوضّأ لهم وضوء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثاً، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل به وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين (2).

إنّ هذه الروايات وان نقلت بسند صحيح، لكنّ الاختلاف والتهافت في المضمون مريب جداً ومسقط لها عن الحجّية، وكلّها تحكي وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إذ الاختلاف والتهافت فيها من جوانب أربعة:

1ـ الاختلاف في عدد غسل اليدين.

2ـ الاختلاف في مقدار المسح.

3ـ الاختلاف في كيفيّة المسح من جهةالتقديم والتأخير.

4ـ الاختلاف في عدد مسح الرأس.

وإليك البيان:

أمّا الاَوّل: ففي رواية حمران مولى عثمان أَنّه غسل يده اليمنى إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك . (انظر الحديث 1).

وفي رواية عبد اللّه بن زيد: ثم غسل يده مرتين إلى المرفقين. (انظر


1 . ابن الاَثير: جامع الاَصول: 7|164 برقم 5149، سنن الترمذي: 1|48 برقم 33 في الطهارة.
2. صحيح البخاري: 1|81 برقم 186.


(116)

الحديث5).

وأمّا الثاني: ففي رواية الصحابية الربيع بنت معوذ بن عفراء: بأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما. (انظر الحديث 4) مع أنّ المذكور في غير هذه الرواية أَنّه مسح رأسه دون أُذنيه ظهورهما وبطونهما. (انظر الحديث 5).

وأمّا الثالث: ففي رواية الصحابيّة أَنّه بدأ بموَخّر رأسه ثم بمقدّمه، ولكن في رواية عبد اللّه بن زيد: فمسح رأسه فأقبل بها وأدبر مرة واحدة . (انظر الحديث 5).

وأمّا الرابع: ففي رواية الصحابيّة أنّه مسح برأسه مرتين . (انظر الحديث 4) مع أنّ المذكور في غيرها أنّه مسح رأسه. الظاهر في كونه مرّة واحدة إذ لو كان متعدداً لم يغفل الراوي عن نقله.

فوجوه الاختلاف هذه تعرب عن اضطراب الحديث وعدم امكان الاَخذ به، وتصوّر أَنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضأ بكيفيّات مختلفة، وإنّ كلّ واحد يروي ما رآه من الكيفيّة بعيد جداً خاصّة وأَنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إِنّما يتوضّأ بأفضل الكيفيّات ما لم تكن هناك ضرورة على ترك الاَفضل.

وأمّا رواية عبد اللّه بن عمر فهي على الخلاف أدلّ، لاَنّها تعرب أَنّ عبد اللّه ابن عمر و رهطه كانوا يمسحون الاَرجل طيلة أعوام، ومن البعيد أن يكون مثله غافلاً عما هو الواجب.

فليس في الرواية إِذن أي دلالة على غسل الاَرجل، وإنّما توهم من توهم ذلك، لاَنّ البخاري ذكرها تحت عنوان باب غسل الرجلين، ومن المعلوم أنّ تبويب المحدّث وذكر الحديث تحت عنوان لا يثبت ظهوراً له فيه، فعلى المجتهد بذل


(117)

الجهد في فهم الرواية.

بقي الكلام في أنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لماذا دعا بالويل للاَعقاب من النار ؟ فيه وجوه واحتمالات أرجحها أَنّه كان قوم من طغام العرب يمشون حفاة ولا يبالون من تلبيس الاَرجل بأي نجاسة، وكانوا يتوضّوَون ويمسحون أرجلهم دون غسلها قبل الوضوء من آثار النجاسة، فتوعّدهم النبي بما قال.

على أنّ النبي من أفصح العرب وأفضل من نطق بالضاد، فلو أراد بكلمته هذه التنبيه على وجوب غسل الاَرجل لاَتى بكلمة واضحة الدلالة، ترشد المكلّف إلى وظيفته لا أن يتوصل بكلمة غامضة لاِفادة مراده، أعني قوله: «ويل للاَعقاب من النار».

وهذه هي حال الصحاح من الروايات، وإليك ما نقل في ذلك المجال من ضعافها، وحسبك ما نذكره فيما يلي:

1ـ عن ابن أبي مليكة قال: رأيت عثمان بن عفان يسأل عن الوضوء؟ فدعا بماء فأتي بميضاة، فأضفى على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً وغسل يده اليسرى ثلاثاً أدخل يده فأخذ ماءً فمسح برأسه وأُذنيه فغسل بطونهما وظهورهما مرّة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوضّأ (1)

وفي سنده ابن أبي مليكة، قال عنه البخاري وأحمد: منكر الحديث (2)وقال


1 . جامع الاَُصول: 7|155.
2. التاريخ الكبير: 5|260.


(118)

ابن سعد: له أحاديث (1) وقال ابن معين: ضعيف، وقال النسائي: متروك (2)

2ـ أخرج ابن ماجة بسنده عن هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمان بن ميسرة، عن المقدام بن معد يكرب أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضّأ فغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً (3)

وفي سنده عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، قال عنه ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير حريز بن عثمان (4)

3ـ أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أبو جعفر المدني، قال: سمعت ابن عثمان بن حنيف ـ يعني: عمارة ـ قال: حدثنا القيس، قال: إنّه كان مع النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في سفر فأُتي بماء فقال على يديه من الاِناء فغسلهما مرة، وغسل وجهه وذراعيه مرة مرة وغسل رجليه بيمينه كلتيهما (5).

وفي سنده عمارة بن عثمان بن حنيف وهو مجهول، فعن خزيمة بن ثابت أنّه لا يعرف (6).

4ـ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أَنّ رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه، كيف الطهور؟، فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه


1 . الطبقات الكبرى: 5|364.
2. الميزان: 2|550.
3. سنن ابن ماجة: 1|156، الحديث 457.
4. ميزان الاعتدال: 2|594، برقم 4986، الطبقات الكبرى لابن سعد: 7|457، الجرح والتعديل: 5|الترجمة 1362.
5. جامع الاَُصول: 7|165 برقم 5150، النسائي: السنن: 1|79 في الطهارة.
6. تهذيب الكمال: 21|254 برقم 4191، ميزان الاعتدال: 3|الترجمة 6032.


(119)

ومسح بإبهاميه على ظاهر أُذنيه، وبالسباحتين باطن أُذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم (1)

وفي سنده عمرو بن شعيب، قال عنه أحمد بن حنبل: له أشياء مناكير وإنّما نكتب حديثه نعتبر به فأمّا أن يكون حجة، فلا (2)

5ـ أخرج النسائي، أخبرنا محمّد بن آدم، عن ابن أبي زائدة، قال: حدثني أبي وغيره، عن أبي إسحاق، عن أبي حية الوادعي، قال: رأيت علياً توضأ فغسل كفّيه حتى أنقاهما، ثم تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً وغسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام، فأخذ فضل طهوره فشرب وهو قائم ثم قال: أحببت أن أُريكم كيف كان طهور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(3).

وهذا الحديث ساقط بسقوط سنده من عدة جهات:

الاَُولى: أنّ أباحيّة راوي هذا الحديث نكرة من أبهم النكرات، وقد أورده الذهبي في الكنى من ميزانه، فنصّ على أنّه لا يُعرف، ثم نقل عن ابن المديني وأبي الوليد الفرضي النصّ على أنّه مجهول، وقال أبو زرعة: لا يسمّى (4)

الثانية: أنّ هذا الحديث تفرّد به أبو إسحاق وقد شاخ ونسي واختلط، فتركه الناس ولم يروه عنه إلاّ أبو الاَحوص وزهير بن معاوية الجعفي، فعابهم الناس


1 . ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 7|161 برقم 5147، سنن أبي داود: برقم 122 في الطهارة.
2. سير أعلام النبلاء: 5|165، ميزان الاعتدال: 3|263، لسان الميزان: 7|325.
3. جامع الاَُصول لابن الاَثير: 7|153، سنن النسائي: 1|79، سنن الترمذي: 1|67 برقم 48، سنن ابن ماجة: 1|155 الحديث 456، مسند أحمد بن حنبل: 1|259، الحديث 1383.
4. ميزان الاعتدال: 4|519 برقم 10138، تهذيب الكمال: 33|269 برقم 7334.


(120)

بذلك، قال أبو زرعة: إنّه سمع من أبي اسحاق بعد الاختلاط .

(1)لپالثالثة: أنّ هذا الحديث يعارض الاَحاديث الثابتة عن أمير الموَمنين وعن أبنائه الميامين، أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، ويخالف كتاب اللّه، فليضرب به عرض الجدار.

6ـ عن عبد الرحمن بن عباد بن يحيى بن خلاد الزرقي، قال: دخلنا على عبد اللّه بن أُنيس، فقال: ألا أُريكم كيف توضّأ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وكيف صلّـى؟ قلنا: بلى.

فغسل يديه ثلاثاً ثلاثاً ومسح برأسه مقبلاً ومدبراً وأمس أذنيه وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم أخذ ثوباً فاشتمل به وصلّـى، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتوضّأ ويصلّـي. رواه الطبراني في الاَوسط (2)

وفي سنده عبد الرحمن بن عباد بن يحيى بن خلاد الزرقي، وهو مجهول لم أجد من ترجم له (3)

7ـ عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : أَنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - رأى رجلاً يصلّـي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يعيد الوضوء والصلاة (4)

وفي سنده بقية بن الوليد، وهو كثير التدليس عن الضعفاء، وقال عبد


1 . ميزان الاعتدال: 2|86، ترجمة زهير بن معاوية برقم 2921.
2. مجمع الزوائد: 1|233.
3. مجمع الزوائد: 1|233.
4. جامع الاَُصول لابن الاَثير: 7|168، سنن أبي داود، الحديث 175.


(121)

الحق: بقية لا يحتج به (1)

8ـ عن ابن عباس قال: دخلت على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو يتطهّر وبين يديه إناء قدر المدّ وإِن زاد فقلّما زاد، وإِن نقص فقلّما نقص، فغسل يديه وتمضمض واستنشق ثلاثاً ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً وخلّل لحيته، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وأُذنيه مرتين مرتين، وغسل رجليه حتى أنقاهما، فقلت: يا رسول اللّه هكذا التطهّر ؟ قال: هكذا أمرني ربي عزّ وجلّ (2)

وفي سنده نافع أبو هرمز، ضعّفه أحمد وجماعة، وكذّبه ابن معين، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة (3)

9ـ عن أبي النضر: أَنّ عثمان دعا بالوضوء وعنده الزبير وطلحة وعلي وسعد، فتوضّأ وهم ينظرون، فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم أفرغ على يمينه ثلاث مرات وعلى شماله ثلاث مرات، ومسح برأسه ورشّ على رجله اليمنى ثلاث مرات ثمّ غسلها، ثم رشّ على رجله اليسرى ثم غسلها ثلاث مرات، ثم قال للّذين حضروا: أُناشدكم اللّه عزّ وجلّ أتعلمون أَنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يتوضّأ كما توضّأت الآن؟ قالوا: نعم وذلك لشيء بلغه (4)

وفي سنده غسان ابن الربيع، ضعّفه الدارقطني، وقال عنه الذهبي: ليس بحجّة في الحديث (5)


1 . ميزان الاعتدال: 1|231 برقم 1250.
2. مجمع الزوائد: 1|232.
3. ميزان الاعتدال: 4|243 برقم 9000.
4. مجمع الزوائد: 1|229.
5. ميزان الاعتدال: 3|334 برقم 6659.


(122)

10ـ عن وائل بن حجر قال: حضرت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقد أتى بإناء فيه ماء، فأكفأ على يمينه ثلاثاً، غمس يمينه في الاِناء فأفاض بها على اليسرى ثلاثاً، ثم غمس اليمنى فحفن حفنة من ماء فتمضمض بها واستنشق واستنثر ثلاثاً، ثم أدخل كفّيه في الاِناء فحمل بهما ماءً فغسل وجهه ثلاثاً، ثم خلّل لحيته ومسح باطن أُذنيه وأدخل خنصره في داخل أُذنه ليبلغ الماء، ثم مسح رقبته وباطن لحيته من فضل ماء الوجه وغسل ذراعه اليمنى ثلاثاً حتى جاوز المرفق وغسل اليسرى مثل ذلك باليمنى حتى جاوز المرفق، ثم مسح على رأسه ثلاثاً ومسح ظاهر أُذنيه ومسح رقبته وباطن لحيته بفضل ماء الرأس، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً وخلّل أصابعها وجاوز بالماء الكعب ورفع في الساق الماء، ثم فعل في اليسرى مثل ذلك، ثم أخذ حفنة من الماء بيده اليمنى فوضعه على رأسه حتى انحدر من جوانب رأسه، وقال: هذا تمام الوضوء، فدخل محرابه، وصفّ الناس خلفه. رواه الطبراني في الكبير (1)

وفي سنده سعيد بن عبد الجبار، قال عنه محمد بن مخلد الرعيني: لا يعرف(2).

وفي سنده أيضاً محمد بن حجر، قال عنه الزهري: مجهول (3)

11 ـ عن أنس بن مالك عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: إذا توضّأ أحدكم فليمضمض ثلاثاً فإنّ الخطايا تخرج من وجهه ،ويغسل يديه ثلاثاً، ويمسح برأسه ثلاثاً، ثم يدخل يديه في أُذنيه، ثم يفرغ على رجليه ثلاثاً. رواه الطبراني في الاَوسط (4)..


1 . مجمع الزوائد: 1|232.
2. ميزان الاعتدال: 2|147 برقم 3224، تهذيب الكمال: 10|523 برقم 2307.
3. ميزان الاعتدال: 3|511 برقم 7360.
4. مجمع الزوائد: 1|233.


(123)

وفي سنده أبو موسى الحناط، وهو متروك (1)

12ـ محمّد بن جابر، عن عبد اللّه بن بدر قال: نزل القرآن بالمسح، فأمرنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بالغسل فغسلنا. رواه الطبراني في الكبير (2)

وفي سنده محمد بن جابر وهو ضعيف، كان أعمى واختلط عليه حديثه، وقال عنه عمرو بن علي: كثير الوهم، متروك الحديث، وقال البخاري: ليس بالقوي، يتكلّمون فيه، روى مناكير (3)

13ـ وعن ابن عباس: أَنّ أَعرابياً أتى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال: يا رسول اللّه كيف الوضوء؟ فدعا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بوضوء فغسل يده اليمنى ثلاثاً، ثم أدخل يده اليمنى في الاِناء، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ويديه ثلاثاً، ومسح برأسه وظاهر أُذنيه مع رأسه، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد فقد تعدّى وظلم. رواه الطبراني في الكبير (4)

وفي سنده سويد بن عبد العزيز ، قال عنه البخاري: في بعض حديثه نظر، وقال أحمد: ضعيف، متروك، وقال النسائي: ليس بثقة (5)

قد عرفت مكانة هذه الروايات من حيث ضعف رواتها وعدم وثاقتهم، ومع ذلك كلّه فلنا حول هذه الروايات صحيحها وضعيفها تأمّلات:

1ـ يكفي في عدم صحّة الاحتجاج أنّها مخالفة لكتاب اللّه سبحانه، ولا قيمة


1 . المصدر السابق.
2. مجمع الزوائد: 1|234.
3. تهذيب الكمال: 24|564 برقم 5110.
4. مجمـع الزوائـد: 1|231، المعجـم الكبير: 11|62، الحديث 11091 ونقله الاَخير بسنـده الكامـل.
5. ميزان الاعتدال: 2|251 برقم 3623.


(124)

لرواية مهما صحّ سندها إذا كانت معارضة للكتاب، ولا يمكن أن يقال أنّها ناسخة له، لما عرفت أنّ الكتاب لا ينسخ بالرواية خصوصاً الآحاد منها، مضافاً إلى أنّ سورة المائدة هي السورة الاَخيرة التي اتّفقت الاَُمّة على عدم نسخ شيء منها، فهل يمكن أن ينزل الوحي في أواخر عمر النبي بالمسح ثم ينسخه بالغسل؟!

على أنّ حبر الاَُمّة وعيبة الكتاب والسنّة: عبد اللّه بن عباس كان يحتجّ بالكتاب على المسح، ويقول: افترض اللّه غسلتين ومسحتين، ألا ترى أنّه ذكر التيمم وجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين؟!

وكان يقول: الوضوء غسلتان ومسحتان، ولمّا بلغه أنّ الربيع بنت معوذ بن عفراء الاَنصارية تزعم أنّ النبي توضّأ عندها فغسل رجليه، أتاها يسألها عن ذلك، وحين حدّثته به قال ـ غير مصدّق بل منكراً ومحتجاً ـ إنّ الناس أبوا إلاّ الغسل، ولا أجد في كتاب اللّه إلاّ المسح.

2ـ أنّها لو كانت حقّاً لاربت على التواتر ، لاَنّ الحاجة إلى معرفة طهارة الاَرجل في الوضوء حاجة عامّة لرجال الاَُمّة ونسائها، أحرارها ومماليكها، وهي حاجة ماسّة لهم في كلّ يوم وليلة، فلو كان هناك حكم غير المسح بين الحدّين حيث دلّ عليه الكتاب، لَعَلِمَهُ المكلّفون في عهد النبوة وبعده، وكان مسلّماً بينهم، ولتواترت أخباره عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في كل عصر ومصر، فلا يبقى مجال لاِنكاره ولا الريب فيه، ولمّا لم يكن الاَمر كذلك ظهر لنا الوهن المسقط لتلك الاَخبار عن درجة الاعتبار.


(125)

معالجة روايات الغسل:

قد عرفت دلالة القرآن الكريم على المسح وتضافر السنّة عليه، فيبقى السوَال عن كيفيّة معالجة الروايات الدالة على الغسل، فنقول هناك علاجان:

أ ـ نسخها بالقرآن:

إنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان في فترة من عمره الشريف يغسل رجليه بأمر من اللّه سبحانه، ولّعل الحديث المعروف: «ويل للاَعقاب من النار» ورد في تلك الفترة، ولكن لمّا نزل القرآن الكريم بالمسح نُسِخَت السنّة بالقرآن الكريم

وقد عرفت أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ولم ينسخ منها شيء.

ب ـ إشاعة الغسل بعد نزول القرآن من قبل السلطة:

لاشكّ أَنّ القرآن دعا للمسح، ولكن المصلحة لدى الخلفاء والحكام اقتضت الزام الناس على غسل الاَرجل بدل المسح لخبث باطن القدمين، وبما أنّ قسماً كبيراً منهم كانوا حفاة، فراق في أنفسهم تبديل المسح بالغسل، ويدلّ على ذلك بعض ما ورد في النصوص:

روى ابن جرير عن حميد، قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة أنّ الحجاج خطبنا بالاَهواز ونحن معه وذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم، وإِنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.


(126)

فقال أنس: صدق اللّه وكذب الحجّاج قال اللّه تعالى: (وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم) قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّها (1)

وممّا يعرب عن أنّ الدعاية الرسمية كانت توَيد الغسل، وتوَاخذ من يقول بالمسح، حتّى إِنّ القائلين به كانوا على حذر من إظهار عقيدتهم فلا يصرّحون بها إلاّ خفية، ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن أبي مالك الاَشعري أنّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّـي بكم صلاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فلمّا اجتمعوا، قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا ، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم صلّـى (2)

(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكيمٍ خَبيرٍ)

(هود ـ 1)



1 . الحافظ ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن: 2|27، الطبري: تفسير القرآن: 6|82.
2. مسند أحمد بن حنبل: 5|342، المعجم الكبير للطبراني: 3|280 برقم 3412.


(127)

خاتمة المطاف:

الآن حصحص الحق

لقد بانت الحقيقة وظهرت بأجلى مظاهرها وذلك بالاَُمور التالية:

1ـ تصريح الكتاب بمسح الاَرجل وأنّ غسلها لا يوافق القرآن الكريم.

2ـ إِنّ هناك لفيفـاً من أعلام الصحابة وسنامها الذين هم عيبة السنّة وحفظة الآثار كانوا يمسحون ويُنكرون الغسل أشدّ الاِنكار، وقد وقفت على رواياتهم الكثيرة الناهزة حدّ التضافر.

3ـ انّ أئمّة أهل البيت، وفيهم: الاِمامان الباقر والصادق (عليهما السلام) بيّنوا وضوء رسول اللّه، وانّه كان يمسح الاَرجل بدل غسلها، وقد مرت كلماتهم.

4ـ إِنّ ما دلّ على غسل الاَرجل وإن كان فيه الصحيح، لكن فيه الضعيف أيضاً، بل الضعاف أكثر من الصحاح، فعلى الفقيه معالجة تعارض الروايات الدالّة على الغسل، بالكتاب أوّلاً وبالسنّة الدالة على المسح ثانياً.

5ـ إِنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هو الذي أمر المسلمين قاطبة بالاَخذ بأقوال العترة حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي» فالتمسّك بأقوالهم وأحاديثهم امتثال لقول الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو لا يصدر إلاّ عن الحق، فمن أخذ بالثقلين فقد تمسّك بما ينقذه من الضلالة، ومن أخذ بواحد منهما فقد خالف الرسول .

مضافاً إلى أنّ علياً ـ باب علم النبيّ ـ هو المعروف بالقول بالمسح، وقد قال الرازي في هذا الصدد: «ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى والدليل عليه قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : اللّهمّ أدر الحق مع علي حيث ما دار» .(1)


1 . الرازي: مفاتيح الغيب: 1|111.


(128)

6ـ إذا كان الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الاَحكام عن أدلّتها الشرعيّة فلماذا اختصّت هذه النعمة الكبرى بالاَئمّة الاَربعة دون سواهم، وكيف صار السلف أولى بها من الخلف؟!

هذا ونظيره يقتضي لزوم فتح باب الاجتهاد في أعصارنا هذه والاِمعان في عطاء الكتاب والسنّة في حكم هذه المسألة متجرداً عن قول الاَئمّة الاَربعة ونظرائهم.

إِنّ الاجتهاد رمز خلود الدين وصلاحيّته للظروف والبيئات وليس من البدع المحدثة بل كان مفتوحاً منذ زمن النبيّ وبعد وفاته - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقد أُغلق لاَمور سياسية عام 665 هـ .

قال المقريزي في بدء انحصار المذاهب في أربعة: «فاستمرت ولاية القضاة الاَربعة من سنة 556 هـ حتى لم يبق في مجموع أقطار الاِسلام مذهب يعرف من مذاهب الاِسلام غير هذه الاَربعة وعودي من تمذهب بغيرها، وانكر عليه ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلِّداً لاَحد هذه المذاهب وأفتى فقهاوَهم في هذه الاَمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم عداها، والعمل على هذا إلى اليوم (1)


وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين


1 . راجع الخطط المقريزية: 2|333 ـ 344.


(129)

فهرس المصادر والمراجع

بعد القرآن الكريم:

1ـ الاحكام في أُصول الأحكام: الحافظ أبو محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية ، سنة 1407 هـ.

2ـ أحكام القرآن: الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1400 هـ .

3ـ أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير: الشيخ عز الدين بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني (ت 630 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

4ـ الإصابة: ابن حجر: أحمد بن علي العسقلاني (ت 852 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

5ـ إعراب القرآن الكريم وبيانه: محيي الدين الدرويش، دار ابن كثير، سورية، سنة 1408 هـ .

6ـ أعلام الموقعين: الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية (ت751هـ)، دار الفكر، بيروت ، الطبعة الأُولى، سنة 1374 هـ.

7ـ بداية المجتهد: الإمام محمد بن رشد القرطبي (ت 595 هـ )، مطبعة دار المعرفة، بيروت، الطبعة السادسة، سنة 1403 هـ .

8ـ البداية والنهاية: أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت 774 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة 1407 هـ.

9ـ تاج العروس: السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي (ت 1205 هـ)، دار الهداية، بيروت، سنة 1385 هـ.

10ـ تاريخ ابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة اللّه بن عبد اللّه الشافعي الدمشقي،


(130)

المعروف بابن عساكر (ت 571 هـ)، مؤسسة المحمودي، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1400 هـ.

11ـ تاريخ بغداد: الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت.

12ـ التاريخ الكبير: الحافظ أبو عبد اللّه إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري (ت 256 هـ)، دار الفكر، بيروت، عام 1407 هـ.

13ـ تذكرة الحفّاظ: أبو عبد اللّه شمس الدين محمد الذهبي (ت 748 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

14ـ التعريفات: علي بن محمد بن علي الجرجاني (ت 816 هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1405 هـ.

15ـ تفسير البحر المحيط: محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي (ت 754 هـ)، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1403 هـ.

16ـ تفسير الخازن: علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الصوفي (ت 641 هـ)، المكتبة التجارية الكبرى، مصر.

17ـ تفسير الدر المنثـور: جلال الدين السيوطي (ت 911 هـ)، دار الفكر، بيروت، سنة 1403 هـ.

18ـ تفسير روح البيان: الشيخ إسماعيل حقي البروسوي (ت 1137 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة السابعة، سنة 1405 هـ.

19ـ تفسير روح المعاني: شهاب الدين السيد محمـود الآلوسي البغـدادي (ت 1270هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

20ـ تفسير القرآن العظيم: الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774 هـ) دار المعرفة، بيروت، سنة 1402 هـ.

21ـ تفسير القرطبي (جامع أحكام القرآن): محمد بن أحمد الأنصاري (ت 671 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت، سنة 1405 هـ.


(131)

22ـ التفسير الكبير: ابن تيمية (ت 728 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1408 هـ.

23ـ التفسير الكبير: الفخـر الـرازي، محمد بن عمـر الخطيـب (ت 606 هـ)، دار الكتب العلمية، طهران، الطبعة الثانية.

24ـ تفسير المنار: السيد محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ)، دار المنار، مصر، الطبعة الرابعة، سنة 1373 هـ.

25ـ التمهيد في علوم القرآن: محمد هادي معرفة، قم، ط سنة 1396 هـ.

26ـ تهذيب الأسماء: الحافظ أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي (ت 676 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.

27ـ تهذيب التهذيب: الحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، مجلس دائرة المعارف النظاميّة، حيدر آباد، الطبعة الأُولى، سنة 1327هـ.

28ـ تهذيب الكمال: للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي (ت 742هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1413 هـ.

29ـ الثقات: الحافظ محمد بن حبان بن أحمد البستي (ت 354 هـ)، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة الأُولى، سنة 1393 هـ.

30ـ جامع الأُصول: ابن الأثير الجزري، المبارك بن محمد (ت 606 هـ)، دار الفكر، بيروت، سنة 1403 هـ.

31ـ جامع البيان في تفسير القرآن: محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ)، دار المعرفة، بيروت.

32ـ الجرح والتعديل: أبو حاتم الرازي (ت 327 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، سنة 1371 هـ.

33ـ حلية الأولياء: الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه الاصبهاني (ت 430 هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، سنة 1407 هـ.


(132)

34ـ الخصائص الكبرى: أحمد بن شعبي بن علي بن بحر النسائي (ت 303 هـ)، طبعة حيدر آباد، سنة 1319 هـ .

35ـ سنن ابن ماجة: الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن يزيد القزويني (ت 275 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، سنة 1395 هـ.

36ـ سنن الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (ت 297 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

37ـ سنن النسائي: أحمد بن شعبي بن علي بن بحر النسائي (ت 303 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

38ـ سير أعـلام النبــلاء: الذهـبي: شمـس الدين محمـد بن أحمد (ت 748 هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة 1409 هـ.

39ـ السيرة الحلبية: الحلبي: برهان الدين علي بن إبراهيم (ت 1044هـ)، المكتبة الإسلامية، بيروت.

40ـ شذرات الذهب: أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي (ت 1089 هـ)، دار الفكر، بيروت.

41ـ شرح صحيح مسلم: الإمـام محيي الديـن أبو زكريـا يحيـى بن شــرف النووي الشافعي (ت 676 هـ)، دار القلم، بيروت.

42ـ الصحاح: إسماعيل بن حماد الجوهري (ت 393 هـ)، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، سنة 1407 هـ.

43ـ صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل البخــاري (ت 256 هـ)، دار الجيل، بيروت.

44ـ صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت 261 هـ)، مطبعة محمد علي صبيح، مصر.

45ـ طبقات الحفّاظ: الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة


(133)

1403 هـ.

46ـ الطبقات الكـبرى: محمد بن سعـد (ت 230 هـ)، دار صادر، بيروت، سنة 1380 هـ.

47ـ طلبة الطلبة: الشيخ نجم الدين بن حفص النسفي (ت 537 هـ)، دار القلم، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1406 هـ .

48ـ العبر: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1409 هـ.

49ـ غاية النهاية في طبقات القرّاء: شمس الدين محمد بن محمد بن الجزري (ت833 هـ)، دار الكـتـب العلميّـة، بيروت، الطبعـة الأُولى، سنــة 1352هـ.

50ـ غنية المتملي في شرح منية المصلي: الشيخ إبراهيم الحلبي، مطبعة سعادة لعارف أفندي، سنة 1325 هـ.

51ـ القاموس المحيط: مجد الدين الفيروزآبادي (ت 817 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1412 هـ.

52ـ الكافي: ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني (ت 329 هـ)، منشورات المكتبة الإسلاميّة، طهران، سنة 1387 هـ.

53ـ الكليات: أبو البقاء: أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ت 1094 هـ)، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1413 هـ.

54ـ كنز العمال: علي المتقي بن حسام الدين الهندي (ت 975 هـ)، مؤسّسة الرسالة، بيروت، الطبعة الخامسة، سنة 1405 هـ.

55ـ لسان العرب: ابن منظور (ت 711 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1408 هـ.

56ـ لسان الميزان: الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، منشورات مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت،


(134)

الطبعة الثالثة، سنة 1406 هـ.

57ـ مجمع البحرين: الشيخ فخر الدين الطريحي (ت 1085 هـ)، مؤسّسة النشر الإسلامي.

58ـ مجمع الزوائد: الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت 807 هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة 1402 هـ.

59ـ مجمل اللغة: أبو الحسين أحمد بن فـارس بن زكريـا (ت 395 هـ)، مؤسّسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1406 هـ .

60ـ المحلّـى: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حـزم (ت 456 هـ)، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت.

61ـ مختصر سنن أبي داود: الحافظ المنذري، دار المعرفة، بيروت.

62ـ مروج الذهب: المسعودي (ت 345 هـ)، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، سنة 1965 م.

63ـ المستدرك على الصحيحين: الحافظ أبو عبد اللّه الحاكم النيسابـوري (ت405هـ)، دار المعرفة، بيروت.

64ـ المستصفى من علم الأُصــول: أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي (ت505 هـ)، المطبعــة الأميريـة ببولاق مصر، الطبعة الأُولى، عام 1324هـ.

65ـ مسند أحمد بن حنبل: أبو عبـد اللّه الشيباني (ت 241 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1412 هـ.

66ـ المصباح المنير: أحمد بن محمد الفيومي (ت 770 هـ)، ط 1347.

67ـ المصنف: عبد اللّه بن محمـد بن أبي شيبـة الكوفـي العبسي (ت 235 هـ)، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1409 هـ .

68ـ معاني القرآن واعرابه: أبو إسحاق إبراهيم بن السّري الزجّاج (ت 311 هـ)، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1408 هـ.


(135)

69ـ المعجم الكبير: الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية ، سنة 1404 هـ.

70ـ المغرب في ترتيب المعرب: الإمام أبو الفتح ناصر الدين المطرزي، مكتبة أُسامة بن زيد، سوريا، الطبعة الأُولى، سنة 1399 هـ.

71ـ المغني: الإمام موفق الدين ابن قدامة (ت 620 هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الجديدة بالأوفست، سنة 1403 هـ.

72ـ مغني اللبيب: جمـال الديـن ابـن هشــام الأنصــاري (ت 761 هـ)، الطبعـة الخامسة، بيروت، سنة 1979 م.

73ـ المفردات في غريب القرآن: الراغب الاصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد (ت 502 هـ)، المكتبة المرتضويّة، طهران.

74ـ الميزان : السيـد عبد الوهـاب الشعـرانـي: (ت 973 هـ) مطبعــة التقـدّم العلمية، مصر، الطبعة الثانية، سنة 1329 هـ.

75ـ ميزان الاعتدال: محمد بن أحمد الذهبي (ت 748 هـ)، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1382 هـ.

76ـ النهاية: ابن الأثير: مبارك بن محمد الجزري (ت 606 هـ) منشورات اسماعيليان، قم، 1405 هـ .

77ـ نيل الأوطار: الشيخ الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت 1255 هـ)، دار الكتب العلميّة، بيروت.

78ـ وسائل الشيعة: الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104 هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، عام 1983 م.

79ـ وفيات الأعيان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (608 ـ 681هـ)، دار صادر، بيروت.

***

Website Security Test