welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : رسائل فقهیة- ج 7*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهیة- ج 7

صفحه1

   

   رسائل فقهية

7


صفحه2


صفحه3

رسائل فقهية

تبحث في مسائل فقهية مختلفة ومستحدثة على ضوء الكتاب العزيز والسنة النبوية ومصادر التشريع عند الفريقين

وفي آخر هذا الجزء فهرس

موضوعي للأجزاء السبعة

تأليف

الفقيه

جعفر السبحاني

الجزء السابع


صفحه4

السبحاني التبريزي، جعفر، 1347 ق . ـ

      رسائل فقهية / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1431 ق . = 1389 .

      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 306 - 5 (دوره)

ISBN 978 - 964 - 357 - 456 - 7 (ج. 7)

      كتابنامه به صورت زير نويس.

      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .

      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 15. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.

5ر 2س/ 5/183 BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … رسائل فقهية

الجزء:    …السابع

المؤلف:   … الفقيه جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1431 هـ . ق

عدد النسخ :   … 1500 نسخة

المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

القطع:   … وزيري

عدد الصفحات:   … 808 صفحة

التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه5
بسم الله الرحمن الرحيم


صفحه6


صفحه7
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي أوضح سُبل دينه ومعالم شريعته، وأكمل نعمته، حمداً لا يحصيه إلاّ هو. والصلاة والسلام على أفضل بريته وخاتم رسله، وعلى خلفائه أئمة الهدى ومصابيح الدجى الّذين طهرهم الله من الرجس تطهيراً.

أمّا بعد; فقد بعث سبحانه نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)خاتماً للنبوة، وأنزل كتابه خاتماً للكتب، وشريعته خاتمة للشرائع. بعثه ببراهين جليّة ودلائل مشرقة، تجذب القلوب وتنير البصائر.

ومن أبهر دلائله وأظهر معاجزه هو أنّه سبحانه بعثه بدين أكملَ أُصوله وفروعه، وبيّن ما يحتاج إليه الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية، على نحو أغناه عن الرجوع إلى القوانين الوضعية الّتي هي وليدة العقول الناقصة غير العارفة بما فيه مصالح الإنسان ومفاسده.

إنّ علماء الإسلام وإن أشبعوا الكلام في معاجزه وكراماته، إلاّ أنّهم لم يركّزوا على تلك المعجزة العلمية الّتي لا يقوم بالأقل منها إلاّ لجان من ذوي الاختصاصات المختلفة في شتى الحقول، مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بمفرده وبلا استعانة بغيره، ولا بدراسة عند أحد، أتى بشريعة شاملة، جامعة لغرر الأحكام في جميع الأبواب، وما هذا إلاّ لأنّه اختاره الله سبحانه لوحيه وخصّه بهذه العطيّة فأوحى إليه ما يسدّ حاجة الإنسان في دنياه وأُخراه.

وقد أصبح علم الفقه منذ رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من أبرز ما يهتم به المحدّثون والفقهاء، فألفوا في ذلك مختصرات وكتباً وموسوعات حفلت بذكر أسمائها المعاجم والفهارس .


صفحه8

ومن دواعي الخير وأسباب التوفيق أن أعاننا الله سبحانه لدراسة أكثر الكتب الفقهية وتقريرها وتأليفها ونشرها.

وقد تصدّت اللجنة العلمية للتأليف في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ـ المؤلّفة من المحقّقين الأفاضل:

1. السيد عبد الكريم الموسوي.

2. محمد عبد الكريم بيت الشيخ.

3. الشيخ محمد چياد الكناني ـ لجمع وتنظيم هذه الرسائل في سبعة أجزاء، تحتوي على 122 رسالة، كلّ جزء يحتوي على رسائل متنوعة من أبواب الفقه، كما قاموا بتصحيحها وتنقيحها وإظهارها بهذه الحلّة الزاهية، فلا يسعني في هذه الخلاصة إلاّ تقديم خالص الشكر وكمال الامتنان للمحقّقين الكرام لما بذلوه من جهود مضنية لإظهار الكتاب بثوب جديد جميل .

ويحتوي هذا الجزء ـ السابع والأخير ـ على فهرس موضوعي للأجزاء السبعة مرتّب حسب الكتب الفقهية من كتاب الاجتهاد والتقليد إلى كتاب القصاص والديات; وذلك إتماماً للفائدة، وتسهيلاً للقرّاء الكرام في العثور على ضالّتهم من الرسائل بسرعة ودقّة ويسر.

نحمد الله تعالى ونشكره على هذه النعمة الّتي أنعمها على عبده الفقير. ونسأل القرّاء الأعزّاء أن لا ينسونا من صالح دعواتهم.

والحمدلله رب العالمين

جعفر السبحاني

قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

غرّة شعبان المكرم 1431 هـ . ق


صفحه9

الرسالة الثالثة بعد المائة

في مفهوم العدالة


صفحه10


صفحه11

إنّ العدالة من مقولة الملكة، أي ملكة الاجتناب عن الأُمور الثلاثة:

1. الكبائر.

2. منافيات المروة.

3. الإصرار على الصغائر.

والطريق إلى معرفة وجودها هو حسن الظاهر الكاشف ظناً عن تلك الملكة، والمراد من حسن الظاهر هو تجلّي ظهور حسن أفعاله عند المعاشرة.

في تحقيق مفهوم العدالة

اختلفت كلمات الفقهاء في تعريفها، ونذكر منها المهمّ:

العدالة: الملكة الباعثة على إتيان الواجبات، وترك المحرّمات.

العدالة: ترك المعاصي.

العدالة: ترك الكبائر.

فلو أُريد من المحرّمات في التعريف الأوّل، الكبائر، يكون الأوّل أخصّ مورداً من الثاني، لأنّه لا يشمل الصغائر، ويكون مساوياً للتعريف الثالث.

ويظهر من الشيخ في «المبسوط» أنّ الأصل في كلّ مسلم، هو العدالة،


صفحه12

مالم يظهر منه الفسق، وقال في «الخلاف»: إذا شهد عند الحاكم شاهدان يُعرف إسلامهما، ولا يعرف فيهما جَرح، حُكم بشهادتهما، ولا يقف على البحث إلاّ أن يَجرح المحكومُ عليه فيهما، بأن يقول: هما فاسقان، فحينئذ يجب عليه البحث.

وقال أبو يوسف، ومحمد والشافعي: لا يجوز له أن يحكم حتّى يبحث عنهما، فإذا عَرَفهما عدلين حكم، وإلاّ توقّف في جميع الأشياء، ولم يخصّوا به شيئاً دون شيء.

واستدلّ الشيخ على مدّعاه بإجماع الفرقة، وأخبارهم، وقال: وأيضاً الأصل في الإسلام العدالة، والفسق طار عليه يحتاج إلى دليل، وأيضاً نحن نعلم أنّه ما كان البحث في أيّام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا أيام الصحابة، ولا أيّام التابعين، وإنّما هو شيء أحدثه شريك بن عبدالله القاضي، فلو كان شرطاً ما أجمع أهل الأعصار على تركه .(1)

ولو صحّ ما ذكره الشيخ، لكان البحث عن معنى العدالة أمراً غير لازم، لأنّ كلّ مسلم محكوم بالعدل مالم يظهر منه الفسق، ولكنّه رأي اختصّ بالشيخ ، وأمّا الآخرون فالجميع على لزوم البحث عن عدالة الرجل وفسقه، وعلى هذا يجب أن نحدّد معنى العدالة.

والمهم في المقام، هو استخراج معنى العدالة من الروايات، وقد استند غير واحد من الأصحاب إلى معتبرة ابن أبي يعفور، الّتي نقلها الصدوق، والشيخ. وإليك ما نقله الأوّل:


1 . الخلاف: 6 / 217، المسألة العاشرة.


صفحه13

عن عبدالله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام):

بم تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين، حتّى تُقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال (عليه السلام):

1. أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكفّ البطن والفرج واليد واللسان .

2. ويُعرفَ باجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف، وغير ذلك.

3. والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه، حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه، وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ، وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاّهم إلاّ من علّة.

فإذا كان كذلك لازماً لمصلاّه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلّته، قالوا: ما رأينا منه إلاّ خيراً، مواظباً على الصلوات، متعاهداً لأوقاتها في مصلاه، فإنّ ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين.... (1)

ورواها الشيخ الطوسي في «تهذيب الأحكام» مع زيادة (2).

والاستدلال بالحديث رهن إثبات صحّة سنده وإتقان دلالته، أمّا السند فلم يستشكل فيه أحد إلاّ صاحب «مفتاح الكرامة»، وذلك لأن الصدوق نقله


1 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 2 .


صفحه14

عن شيخه أحمد بن محمد بن يحيى، وهو لم يوثّق .

أقول: أمّا قوله: نقله عن أحمد بن محمد بن يحيى، فصحيح، لأنّه قال في المشيخة: وما كان فيه عن عبدالله بن أبي يعفور، فقد رويته عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار (رضي الله عنه)، عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبدالله بن أبي يعفور.

نعم، أحمد بن محمد بن يحيى لم يرد له توثيق في الأُصول الرجالية، أمّا النجاشي فلم يذكره لأجل عدم وجود كتاب له، وهو يذكر في رجاله من له كتاب أو أصل; وأمّا الشيخ فذكره في كتاب رجاله، ولم يذكر فيه جرحاً أو تعديلاً، وأمّا الفهرست فلم يذكره فيه لأنّ غرض الشيخ فيه نفس غرض النجاشي في رجاله، لكن يُشار إلى أن الصدوق ترضّى عليه، وروى عنه التلعكبري، والحسين بن عبيد الله الغضائري، وأبو الحسين بن أبي جيد القمي.(1)

وأمّا الشيخ فرواه بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى (الأشعري صاحب النوادر)، عن محمد بن موسى، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن علي بن عقبة، عن موسى بن أكيل النميري، عن ابن أبي يعفور.

وأمّا سند الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى، فقد قال في المشيخة: وما ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري، فقد أخبرني به الشيخ أبو عبدالله ] المفيد [، والحسين بن عبيد الله ]الغضائري[،


1 . رجال الطوسي: 410 برقم 5955 .


صفحه15

وأحمد بن عُبدون ] ابن الحاشر [، كلّهم عن أبي جعفر محمد بن الحسين بن علي بن سفيان ]البزوفري [، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى.

والسند لا بأس به .

توضيح الدلالة

المعتبرة تشتمل على فقرات خمس، يجب إمعان النظر فيها، حتّى تتّضح دلالتها على ما هو المقصود، وإليك تلك الفقرات :

1. «بم تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين».

2. «أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكف البطن والفرج واليد واللسان».

3. «ويعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار».

4. «والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه».

5. «ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن».

أمّا الفقرة الأُولى: فالظاهر أنّ قول الراوي: «بمَ تعرف عدالة الرجل بين المسلمين؟» ظاهر في أنّ السؤال عن تعلّم الطريق إلى معرفة عدالة الرجل بعد فهم مفهومها، وكأنّ معنى العدالة كان واضحاً عند السائل، ولكنّه حاول أن يتعرف على الطريق إلى تمييز العادل عن غيره.

هذا هو المتبادر من السؤال، لكن الفقرة الثانية والثالثة على خلاف هذا الظهور المتبادر، لأن الإمام (عليه السلام)فيهما بصدد بيان مفهوم العدالة وما يقصد منها، والدليل على ذلك أمران:


صفحه16

الأول: أن الإمام (عليه السلام)عبّر في الفقرة الثانية بقوله: «أن تعرفوه بالستر والعفاف»، مستعملاً لفظ المعرفة.

وفي الثالثة بقوله: « ويُعرفَ باجتناب الكبائر» ، مستعملاً نفس
اللفظ.

وفي الفقرة الرابعة عبّر بقوله: «والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه»، مستخدماً لفظ الدلالة.

فالاختلاف في التعبير أفضل دليل على أنّ الإمام (عليه السلام)في الثانية والثالثة بصدد بيان مفهوم العدالة وما يقصد منها، ولكنّه في الفقرة الرابعة بصدد بيان الطريق إليها وتمييز العادل عن غيره، ولذلك استخدم في الثانية والثالثة لفظ: تعرفوه أو يُعرف، وفي الرابعة كلمة الدلالة، فتكون الثانية والثالثة معرّفتين للعدالة بشرط أن يُقرأ فعل «يُعرف» بصيغة المجهول.

الثاني: أنّ كلاًّ من الستر والعفاف ملكة، فالمراد من الستر والعفاف هو الحياء .

إذا علمت ذلك فلنرجع إلى توضيح الفقرة الثانية والثالثة، فنقول: قوله: «أن تعرفوه بالستر والعفاف» فالستر فيها بمعنى الحياء، وفي اللسان: رجل مستور، وستير أي عفيف، ويقال: ما لفلان ستر ولا حجر، فالستر: الحياء، والحجر: العقل.

وأمّا العفاف، فالعفّة، الكفّ عمّا لا يحلّ ويجمل، يقال: عفّ عن المحارم والأطماع الدنيّة، ويقول سبحانه: (وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ


صفحه17

نِكَاحًا )(1) أي يكفّ الذين لا يجدون نكاحاً أنفسهم.

فهذه الفقرة ربّما تكون مشيرة إلى القبائح العقلية والأعمال الدنيّة الّتي يستنكرها العرف والمجتمع البشري، ولذلك عطف على الستر والعفاف كفّ البطن والفرج واليد واللسان... وهذا الجزء من المعرف يهدف إلى ترك القبائح والأفعال الدنية عند الناس، فإنّ من لا يهمه إلاّ البطن والفرج منبوذ عند الناس، كما أنّ المتطاول على أموال الناس باليد أو أعراضهم بلسانه لا مكانة له عندهم أيضاً .

كما أنّ الفقرة الثالثة، أعني: «ويعرف باجتناب الكبائر الّتي وعد الله عليها النار» تشير إلى اجتنابه المحرّمات الشرعية.

وعلى هذا فالعادل مَنْ يكون ذو مروءة لا يرتكب ما لا يجمله الناس ولا يحمدوه، كما هو يجتنب المحرّمات الشرعية (الكبائر). كلّ ذلك عن ملكة راسخة في النفس تصدّه عن الأمرين، واحتمال كون المراد مجرد الاجتناب دون أن يكون مستنداً إلى الحالة النفسانيّة، لا يناسب مطاوي الحديث .

وبذلك يُعلم أنّ الفقرتين الثانية والثالثة معاً، حدّ وتعريفٌ للعدالة في الشرع.

ولمّا كان إحراز تلك الهيئة الراسخة في النفس أمراً مشكلاً، مع الحاجة الشديدة إليها في المرافعات والصلوات، عاد الإمام لبيان ما جعله الشارع


1 . النور: 33 .


صفحه18

أمارة وطريقاً لها أوّلاً، ويكون جواباً لسؤال الراوي ثانياً فذكر له طريقاً مؤلفاً من أمرين:

1. أن يكون ساتراً لجميع عيوبه.

2. يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ وحفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم إلاّ من علّة.

ثم إنّ هنا سؤالاً: لماذا جعل الطريق متعدّداً أو جعل الطريق الواحد مؤلّفاً من أمرين؟

والجواب أنّ المحرّمات على قسمين:

أ. أُمور وجودية، كالكذب والنميمة والربا حيث يكفي في وصف الرجل بتركها بعدم مشاهدتها في حياة الرجل، وهذا ما أشار إليه في الطريق الأوّل وقال: أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته.

فهذا النوع من المعاصي لا يُعلم تحلّي الرجل بتركه إلاّ بعدم صدورها عنه بين الناس، هذا من جانب ومن جانب آخر يحرم تفتيش عثرات الرجل، فيكفي في سلب هذه المعاصي عن الرجل كونه ساتراً لعيوبه.

ب. أُمور عدمية كترك الصلاة، فلا يعلم تحلّي الرجل بالمحافظة عليها إلاّ بحضوره في جماعة المسلمين، ولأجل ذلك جعل هنا طريقين للعدالة، ولكل كشف خاص به .

فإن قلت: إنّ الزكاة والحج أيضاً من القسم الثاني، فلماذا لم يذكرهما؟


صفحه19

قلت: أمّا الزكاة فلأنّ الحاكم لا يتركه فيأخذ منه الزكاة فيعلم حال الرجل منه; وأمّا الحج فليس واجباً مطلقاً على كلّ الناس، بل يجب على المستطيع، ولأجل ذلك لم يذكره في هذا ا لطريق.

هذه هي الموثقة وهذا سندها وهذه دلالتها، فقد ظهر أنّ الرواية في الفقرتين: الثانية والثالثة بصدد بيان واقع العدالة، كما أنّها في الفقرة الرابعة والخامسة لبيان الطريق، وأنّ حقيقة العدالة عبارة عن ملكة نفسانية تتقوّم بالستر والعفاف وامتلاك البطن والفرج واليد واللسان وتبعث الإنسان إلى اجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار.

وبما أنّ التعرف على ملكة العدالة بهذا المعنى من الأُمور المشكلة مع حاجة الناس إلى معرفة العادل في مرافعاتهم وصلواتهم وفي الأنكحة والطلاق وثبوت الهلال وغيره، أوضح الإمام (عليه السلام)الطريق السهل إلى معرفتها حتّى يكون مقياساً لتمييز العادل عن غيره، وهو كونه ساتراً لجميع عيوبه أوّلاً، وحاضراً في جماعات المسلمين ثانياً.

وما أسهل تحصيل هذين الطريقين إلى معرفة العادل، فتكون النتيجة أنّ العدالة ملكة نفسانية يصعب على الإنسان اقتراف المعاصي والمحرمات، لا أنّه يمتنع صدورها، بل يصعب ويعسر على نحو لو عصى لوجد في نفسه انزعاجاً وضيق صدر، يتعقّبه الندم على العمل.

وبعبارة أُخرى: ليس العادل من لا يعصي وإلاّ لانحصرت العدالة بالأنبياء والأولياء، بل مَن يأتي أحياناً بالمعصية فيجد في نفسه حالة خاصة لا يرضى بها باطناً.


صفحه20

وأمّا الطريق إلى معرفة العدالة فهو أمر سهل مرجعه إلى حسن الظاهر الكاشف عن تلك الملكة، وإنّما يقف الإنسان عليه إذا عاشره وصاحبه مدة قليلة، فكيف إذا عاشره مدة مديدة؟!

فما ربّما يقال من أن جعل تفسير العدالة بالملكة يعرقل عجلة القضاء ويوجب تعطيل المحاكم والمرافعات، وغير ذلك، فليس بتام، لما عرفت من أنّ الشارع حدّد طريق المعرفة بشكل واضح.

نعم أنّ صاحب الجواهر أتعب نفسه في نقد هذه النظرية وبسط الكلام، وأكثر ما ذكره غير تام بالنظر إلى ما ذكرنا. فما هو المنقول عن العلاّمة والشهيدين من تفسير العدالة بالملكة وأنّ حسن الظاهر كاشف عنه، هو المتعيّن .

فقد خرجنا بالنتيجة التالية: أنّ العدالة ملكة نفسانية تقوم بالستر والعفاف وامتلاك البطن والفرج واليد واللسان عن الخروج عن حدّ الاعتدال، كما أنّها تقوم بالاجتناب عن الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار .

ولا يصل الإنسان إلى هذا المقام إلاّ إذا كان فيه ملكة تصدّه عن القبائح العقلية والشرعية.

والتعبير بالكف والاجتناب دليل على أنّ ابتعاد الإنسان عن القبائح والمعاصي لا لعدم القدرة على الاقتراف أو لعدم وصول اليد إليها، بل لوجود ملكه تصدّه عن القبيح والحرام رغم كونه قادراً على اقتراف هذه الأعمال لكنه يكون في منأى عنها .


صفحه21

الروايات الموضحّة لمعنى العدالة

إنّ معتبرة ابن أبي يعفور ليست هي الوحيدة في هذا المضمار بل ورد في روايات أُخرى توضيح لمعنى العدالة، وإليك بعض ما ورد:

1. روى سماعة بن مهران، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مَن عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، وواعدهم فلم يُخلفهم; كان ممّن حرمت غيبته، وكملت مرؤته، وظهر عدله، ووجبت أُخوّته» (1) .

2. ما رواه أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن الرضا (عليه السلام)، عن علي (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مرؤته، وظهرت عدالته، ووجبت أُخوته، وحرمت غيبته».(2)

3. ما رواه عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ثلاث مَنْ كُنّ فيه أوجبت له أربعاً على الناس: مَن إذا حدّثهم لم يكذبهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم، وإذا خالطهم لم يظلمهم; وجب أن يُظهروا في الناس عدالته، وتظهر فيهم مروءته، وأن تحرم عليهم غيبته، وأن تجب عليهم اخوته» .(3)


1 . الوسائل: ج 5، الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 9 .

2 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 15 .

3 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 16 .


صفحه22

ما هو مفاد هذه الروايات؟

إنّ الروايات المتقدّمة بصدد بيان الطريق إلى تحلّي الرجل بوصف العدالة وليست بصدد بيان مفهومها وواقعها، ومرجعها إلى ما عرفته من موثقة ابن أبي يعفور، وذلك لأنّ الإنسان إذا وقف على أنّ الرجل لا يكذب ولا يخلف ولا يظلم، فيكون هذا دليلاً على تحلّي الرجل بمبدأ خاص يسوقه إلى هذا الأمر، وإلاّ لما كانت حياته على وتيرة واحدة بل يظلم تارة ولا يظلم أُخرى، وهكذا سائر الأفعال .

وبعبارة أُخرى: أنّ حسن الظاهر في المعاشرة المتحقّق بترك الظلم والكذب والخلف، طريق إلى تحلّي الرجل بمبدأ نفساني يسوقه إلى هذا العمل على وتيرة واحدة.

***

بقي هنا أمران وهو أنّ صاحب العروة اعتبر في العدالة وراء ملكة الاجتناب عن الكبائر أمرين آخرين، وهما:

ترك منافيات المروءة، وترك الإصرار على الصغائر.

وإليك دراسة كلا الأمرين:

الأوّل: اعتبار ترك منافيات المروءة

إنّ غير واحد من الفقهاء اعتبروا في العدالة ترك منافيات المروءة; وحكى في الجواهر (1) عن مجمع البرهان أنّه احتمل الإجماع على اعتبارها


1 . الجواهر: 16 / 301 .


صفحه23

في غير مستحق الزكاة والخمس، وظاهر المفاتيح أنّ المشهور جعلها جزءاً في مفهوم العدالة.

واستدلّ السيد العاملي (1) على اعتبارها بالرواية التالية:

عن سماعة بن مهران، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «مَنْ عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، وواعدهم فلم يُخلفهم ; كان ممّن حرمت غيبته، وكملت مرؤته، وظهر عدله، ووجبت أُخوته» .(2)

ورواه أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن الرضا (عليه السلام)، عن علي (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).(3)

والمروءة في اللغة هي كمال الرجولية الّذي يعبر عنها باللغة الفارسية بـ «مردانگى». فالمراد من قولهم: ترك ما ينافي المروءة، أي ترك الأشياء المنكرة عرفاً بحيث يكون الإتيان بها مورثاً للشك في كشف حسن الظاهر على الملكة، ويمثلون بلبس الفقيه لباس الجندي من غير داع، أو الأكل في الطريق، أو غير ذلك من الأُمور المستنكرة عرفاً.

لكن الأُمور المستنكرة عرفاً تختلف حسب بيئة وبيئة، فركوب الحمار العاري وإرداف شخص خلفه، أو الأكل ماشياً إلى الصلاة أمر مستقبح عرفاً مع أنّه لم يكن مستقبحاً في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)والوصي (عليه السلام). حيث ورد أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يركب الحمار العاري (4)، وأنّه كان يأكل ماشياً (5) .


1 . مفتاح الكرامة: 5 / 1049 .

2 . الوسائل: ج 5، الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 15. ولاحظ الحديث 16 .

4 . بحار الأنوار: 16 / 285 .   5 . بحار الأنوار: 18 / 617. ط . القديمة، كتاب الصلاة.


صفحه24

وعلى هذا يجب تحديد منافيات المروءة بشكل آخر، وهو أن يدلّ الفعل على نقصان في العقل أو قلّة مبالاة أو حياء، أو غير ذلك من الأُمور الّتي ربّما تورث الشك في أنّ حسن الظاهر هل يكشف عن ملكة راسخة أو لا؟

وبعبارة أُخرى: إذا كانت العدالة هي الاستواء والاستقامة في الحياة فلا ريب أنّ الرجل إذا كان لا يبالي بشيء من الأشياء المنكرة عرفاً يكشف عن عدم الاستواء أو الاستقامة، وقد مرّ أنّ هذا يختلف حسب اختلاف الثقافات.

الثاني: ترك الإصرار على الصغائر

يظهر من غير واحد من الفقهاء أنّ فعل الصغيرة غالباً مضرّ بالعدالة، وقد نقله في «مفتاح الكرامة» عن التحرير والإرشاد والقواعد، ونقل تقسيمه عن مجمع البرهان إلى: فعلي، وحكمي. فالفعلي هو الدوام على نوع واحد من الصغائر بلا توبة أو الأكثار من جنسها بلاتوبة، والحكمي هو العزم على فعل تلك الصغيرة بعد الفراغ منها، قال في الذخيرة: هذا ممّا ارتضاه جماعة من المتأخّرين .(1)

أقول: لم يرد في معتبرة ابن أبي يعفور ذكر عن الصغيرة فضلاً عن مدخلية ترك الإصرار في العدالة، وهذا يمكن أن يكون على أحد وجهين:

1. إن الذنوب كلّها كبائر وليس هناك ذنب صغير، وإنّما يوصف بالكبر والصغر بالنسبة إلى ما فوقه وما دونه.


1 . مفتاح الكرامة: 5 / 1050 .


صفحه25

وبعبارة أُخرى: إنّ تقسيم المعاصي إلى صغيرة وكبيرة وإدخال جمع تحت عنوان الكبيرة بحيث لا يوصف بالصغر وإدخال جمع في الصغيرة بحيث لا يوصف بالكبر، أمر غير صحيح، بل الجميع داخل تحت خيمة واحدة، وإنّما يوصف بالكبر والصغر بالنسبة إلى ما فوقه وإلى ما تحته، ولذلك لم يذكره الإمام (عليه السلام)في المعتبرة.

2. تقسيم المعاصي إلى قسمين وأنّ بينها حاجزاً لا يختلط أحدهما بالآخر وإنّما ترك الإمام (عليه السلام)ذكره، لأنّ الصغيرة بلا إصرار لا تخل بالعدالة ومع الإصرار من دون تخلل التوبة، كبيرة داخلة تحت قوله (عليه السلام): «ويعرف باجتناب الكبائر» .

وقد روى عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ».(1)

***


1 . الوسائل: ج 11، الباب 48 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3.


صفحه26


صفحه27

الرسالة الرابعة بعد المائة

في تحديد المعصية الكبيرة


صفحه28


صفحه29

اختلفت كلمات الفقهاء في تقسيم المعاصي إلى الكبيرة والصغيرة، وهل المعاصي تنقسم إلى هذين القسمين بالذات لا بالنسبة والإضافة، أو أن التقسيم إنّما هو إضافي لا واقعي؟

أقول: يظهر من الذكر الحكيم انقسام المعاصي بالذات إلى قسمين، يقول سبحانه: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا)(1) .

فإنّ ظاهر الآية أنّ اجتناب الكبائر مكفّر للسيئات، وبما أنّه يجب أن يكون المكفِّر غير المكفَّر عنه، فيكون المراد من السيئة هو الصغيرة، وما ربّما يقال:من أنّ معنى الآية: أن تجتنبوا كبائر ما نهيتم وتركتموه في المستقبل كفّرنا عنكم ما كان من ارتكابها فيما سلف،(2) على خلاف ظاهر الآية، فإنّ ظاهرها أنّها تخبر عن المستقبل، في المكفِّر، والسيئة المكفَّر عنها.

يقول سبحانه: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَ الْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى )(3) .

فالآية المباركة تصف المحسنين بأنّهم هم الذين يجتنبون كبائر الإثم


1 . النساء: 31.   2 . مجمع البيان: 2 / 38 .   3 . النجم: 32.


صفحه30

والفواحش إلاّ اللمم، فالفواحش جمع فاحشة وهي أقبح الذنوب وأفحشها، واستثنى اللمم، فلعل معناه هو صغار الذنوب كالنظر .(1)

وإنّما سمّيت الصغيرة باللمم، لأنّ اللمم عبارة عن فعل الإنسان شيئاً في حين لا تكون له عادة.

فإنكار التقسيم إلى الكبيرة والصغيرة لا ينسجم مع ظاهر الآيتين، خصوصاً مع الروايات الّتي وردت في تعداد الكبائر، كما سيوافيك بيانه.

وأمّا الأصحاب فالظاهر من الشيخ في «المبسوط» هو التقسيم الحقيقي حيث قال: فإن ارتكب شيئاً من الكبائر، وهي: الشرك والقتل والزنا واللواط والغصب والسرقة وشرب الخمر والقذف وما أشبه ذلك، فإذا فعل واحدة من هذه الأشياء سقطت شهادته، فأمّا إن كان مجتنباً للكبائر مواقعاً للصغائر فإنّه يعتبر الأغلب من حاله، فإن كان الأغلب من حاله مجانبة المعاصي وكان يواقع ذلك نادراً، قبلت شهادته; وإن كان الأغلب مواقعته للمعاصي واجتنابه لذلك نادراً لم تقبل شهادته، وإنّما اعتبرنا الأغلب في الصغائر لأنّا لو قلنا أنّه لا تقبل شهادة منْ أوقع اليسير من الصغائر، أدّى ذلك إلى أن لا تقبل شهادة أحد، لأنّه لا أحد ينفك من مواقعة بعض المعاصي.(2)

ولكنّه في تفسير «التبيان» أنكر التقسيم وقال: والمعاصي وإن كانت كلّها عندنا كبائر من حيث كانت معصية لله تعالى، فإنّا نقول: إنّ بعضها أكبر من بعض، ففيها إذن كبير بالإضافة إلى ما هو أصغر منه .(3)

ويظهر من الطبرسي موافقة هذا القول، حيث قال: كلّ ما نهى الله عنه فهو كبيرة، عن ابن عباس. وإلى هذا ذهب أصحابنا فإنّهم قالوا: المعاصي


1 . مجمع البيان: 9 / 371 .   2 . المبسوط: 8 / 217 .   3 . التبيان: 5 / 182 .


صفحه31

كلّها كبيرة من حيث كانت قبائح، لكن بعضها أكبر من بعض، وليست في الذنوب صغيرة، وإنّما يكون صغيراً بالإضافة إلى ما هو أكبر منه ويستحق العقاب عليه أكثر .(1)

وبه قال أيضاً ابن إدريس في «السرائر» فإنّه بعد ما نقل كلام الشيخ في «المبسوط»، قال: وهذا القول لم يذهب إليه (رحمه الله)، إلاّ في هذا الكتاب، أعني: «المبسوط»، ولا ذهب إليه أحد من أصحابنا، لأنّه لا صغائر عندنا في المعاصي إلاّ بالإضافة إلى غيرها، وما خرّجه واستدلّ به من أنّه يؤدي ذلك إلى أن لا تقبل شهادة أحد، لأنّه لا أحد ينفك من مواقعة بعض المعاصي، فغير واضح، لأنّه قادر على التوبة من ذلك الصغير، فإذا تاب قبلت شهادته. وليست التوبة ممّا يتعذر على إنسان، ولا شك أنّ هذا القول تخريج لبعض المخالفين، فاختاره الشيخ هنا، ونصره، وأورده على جهته، ولم يقل عنه شيئاً، لأنّ هذا عادته في كثير ممّا يورده في هذا الكتاب .(2)

هذا والمتأخّرون قاطبة على أنّ المعصية نوعان، صغيرة وكبيرة وليست كلّ معصية كبيرة ففي «مجمع البرهان» تارة نسبه إلى المشهور، وأُخرى إلى أكثر العلماء، وثالثة إلى العلماء، وفي «مصابيح الظلام» أنّه المشهور المعروف ولهم على ذلك أدلّة متضافرة من الكتاب والسنّة .(3)

وتظهر الثمرة بين القولين: فعلى القول بأنّ الذنوب كلّها كبائر وإنّما توصف بالصغر والكبر بالإضافة والنسبة، تزول العدالة بكلّ معصية، من غير فرق بين معصية ومعصية.


1 . مجمع البيان: 3 / 38 .   2 . السرائر: 2 / 118 .   3 . مفتاح الكرامة: 5 / 1053 .


صفحه32

وأمّا على القول الآخر لا تزول العدالة بالصغيرة إلاّ إذا أصرّ عليها.

ويرد على القول الثاني (نسبية الكبيرة والصغيرة) أنّه يلزم أن تكون الكبيرة والصغيرة منحصرتين في فردين: فأكبر الكبائر كالشرك كبيرة، وأصغر الصغائر مثلاً كالنظر، صغيرة، إذ ليس للأوّل فوق ولا للثاني أدون منه، فيكون ما بين الحدّين ما لا يمكن وصفه بالكبر والصغر إلاّ بالإضافة، وهي كماترى فإنّ الروايات تؤكّد على كون سبع من الذنوب أو أكثر من الكبائر، وظاهرها أنّ الوصف حقيقي لا إضافي.

عدد الكبائر

أمّا عدد الكبائر فقد اختلفت كلمتهم في ذلك، فبعضهم على أنّها سبع، وآخرون على أنّها عشر، وجماعة على أنّها عشرون، وجماعة رابعة على أنّها أربع وثلاثون، ذكر تفصيلها السيد جواد العاملي في «مفتاح الكرامة».(1)

كما أنّهم اختلفوا في وصف الكبيرة، وإليك بيانها:

1. ما توعّد الله عليه بالنار بخصوصه.

2. ما أوجب الله عليه النار.

3. كلّ ذنب توعد الله عليه العقاب في الكتاب العزيز.

4. كل ذنب رتّب عليه الشارع حدّاً، أو صرح فيه بالوعيد.

5. كلّ معصية تؤذن بقلّة اكتراث فاعليها بالدين.

6. كلّ ذنب علمت حرمته بدليل قاطع.

7. كلّ ما توعّد عليه توعّداً شديداً في الكتاب والسنّة .(2)


1 . مفتاح الكرامة: 5 / 1055 .   2 . مفتاح الكرامة: 5 / 1054 .


صفحه33

وقد عقد الشيخ الحر العاملي في كتاب الجهاد من «الوسائل» باباً لتعيين الكبائر الّتي يجب اجتنابها، ونقل فيه ما يناهز الـ 37 حديثاً، وفيها الاختلاف الشديد في عدد الكبائر.

ولا محيص في مقام الجمع بين الأخبار من القول بأنّ الكبائر تختلف شدة وضعفاً، فالرواية الّتي اقتصرت على سبع، ذكرت الأفحش منها، وهكذا بالنسبة إلى سائر الروايات. ولنتبرك هنا بذكر رواية رواها الإمام الجواد أبو جعفر الثاني (عليه السلام)، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر قال: «دخل عمرو بن عبيد(1) على أبي عبدالله (عليه السلام)، فلمّا سلم وجلس تلا هذه الآية: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَ الْفَوَاحِشَ) ثم أمسك. فقال له أبو عبدالله (عليه السلام): ما أسكتك؟ قال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله عزّوجلّ، فقال: نعم يا عمرو أكبر الكبائر الإشراك بالله يقول الله: (مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)(2)، وبعده الإياس من روح الله لأنّ الله عزّوجلّ يقول: (لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)(3)، ثمّ الأمن من مكر الله لأنّ الله عزّوجل يقول: (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)(4)، ومنها عقوق الوالدين لأنّ الله سبحانه جعل العاق جبّاراً شقيّاً، وقتل النفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ لأنّ الله عزّوجل يقول: (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)(5) إلى آخر الآية، وقذف المحصنة لأنّ الله عزّوجلّ يقول: (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ
)(6)، وأكل مال اليتيم لأنّ الله عزّوجلّ يقول: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ


1 . من كبار المعتزلة والشخصية الثانية بعد واصل بن عطاء، توفّي عام 143 هـ .

2 . المائدة:72.      3. يوسف:87 .      4. الأعراف:99.      5 . النساء:93.   6. النور: 23.


صفحه34

نَارًا وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)(1)، والفرار من الزحف لأنّ الله عزّوجلّ يقول: (وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ)(2)، وأكل الربا لأنّ الله عزّوجلّ يقول: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ )(3)، والسحر لأنّ الله عزّوجل يقول: (وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق)(4)، والزنا لأنّ الله عزّوجلّ يقول: (وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)(5)، واليمين الغموس الفاجرة لأن الله عزّوجلّ يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَ أَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ )(6)، والغلول لأن الله عزّوجلّ يقول: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(7)، ومنع الزكاة المفروضة لأنّ الله
عزّوجلّ يقول: (فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَ جُنوبُهُم وَ ظُهُورُهُمْ)(8)، وشهادة الزور وكتمان الشهادة لأنّ الله عزّوجلّ يقول: (وَ مَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)(9)، وشرب الخمر لأنّ الله عزّوجلّ نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان، وترك الصلاة متعمداً أو شيئاً ممّا فرض الله عزّوجلّ لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: من ترك الصلاة متعمّداً فقد برئ من ذمّة الله وذمّة رسوله، ونقض العهد وقطيعة الرحم لأنّ الله عزّوجلّ يقول: (لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)(10)، قال: فخرج عمرو وله صراخ من بكائه وهو يقول: هلك من قال برأيه، ونازعكم في الفضل والعلم».(11)


1 . النساء: 10 .      2 . الأنفال: 16.      3 . البقرة: 275 .   4 . البقرة: 102 .

5. الفرقان:68ـ69.   6. آل عمران:77.      7. آل عمران:161.   8 . التوبة:35.   9. البقرة:283.

10 . الرعد: 25.   11 . الوسائل: ج 11، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 2 .


صفحه35

الرسالة الخامسة بعد المائة

في الترك


صفحه36


صفحه37

اتّفق الفقهاء على أنّ السنّة المطهّرة من مصادر التشريع ومبادئه، وقد فسّروها بقول الرسول أو الإمام المعصوم وفعله وتقريره.

أمّا الأوّلان فحجّيتهما من لوازم عصمته في مجال التبليغ والسلوك، وأمّا الثالث فلو صدر فعل من صحابي بمرأى ومسمع منه ولم ينه عنه، فهذا يلازم كون هذا الفعل سائغاً لا حراماً، وإلاّ لما سكت عنه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بل يزجره وينهاه .

هذا كلّه يرجع إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا الصحابي فليس قوله ولا فعله ولا تقريره من السنّة، ما لم يُعلم نسبته إلى المعصوم، وذلك لافتراض أنّه غير معصوم، فربّما يخطئ ولا يصيب. مضافاً إلى أنّه لا يوحى إليه من الله، ولا فرق بينه وبين سائر الناس من هذه الجهة.

يقول الشوكاني: والحق أنّ قول الصحابي ليس بحجّة، فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّ نبينا محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)وليس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابة ومَنْ بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة، فمن قال إنّه تقوم الحجة في دين الله بغيرهما فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر الله به .(1)


1 . إرشاد الفحول: 214 .


صفحه38

وما ربّما يقال من أنّ الصحابة هم الذين عاصروا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ونقلوا أقواله وأفعاله وكانوا أعرف الناس بأسرار التشريع الإسلامي ومصادره وموارده، فمن اتّبعهم من الذين قال الله فيهم: (وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان)(1)،(2) غير تام، لأن ما ذكره من أنّهم أعرف بأسرار التشريع لا يلازم كون فتاواهم أو منقولاتهم هي ممّا وصلهم أو سمعوه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ من المحتمل أنّهم اجتهدوا فيما أفتوا به بوصف أنّهم أعرف بأسرار التشريع. وفتوى المجتهد حجّة على نفسه لا على غيره.

أضف إلى ذلك: أنّ المقصود هو الاتّباع على النمط الحسن، وهو بعدُ غير ثابت، لاحتمال كون ما رواه الصحابي رأيه، لا قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فلا يُعدّ اتّباعه للمجتهد اتّباعاً حسناً.

هذا كلّه حول السنّة وقد عرفت معناه، ثم إنّه يقع الكلام فيما ظهر أخيراً من الاحتجاج بترك الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)أمراً ما، على لزوم اتّباع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في الترك. ولو صحّ ذلك لصارت مصاديق السنّة أربعة:

1. القول.

2. الفعل.

3. الإقرار.

4. الترك.


1 . التوبة: 100 .

2 . مصادر التشريع الإسلامي للدكتور شعبان محمد إسماعيل: 269 .


صفحه39

وهذا من عجائب القول الذي ظهر بعد أربعة عشر قرناً، ولم ينبس به أحد من القدماء، من غير فرق بين فقيه مذهب وفقيه مذهب آخر، وعلى هذا فهو يُعدّ بدعة ظاهرة في مجال التشريع ومورثاً للجدال والنقاش في حياة المسلمين، ولأجل إيضاح المقام نبحث في موضعين:

الأوّل: الترك في الأُمور العاديّة.

الثاني: الترك في العبادات والقربيات.

أمّا الأُمور العاديّة: فهي عبارة عن الأُمور الّتي يمارسها الناس في حياتهم الفردية والاجتماعية، وهي بين سائغ ومحظور. فما حرّمه التشريع فهو حرام إلى يوم القيامة لخلود الشريعة الإسلامية ، وذلك كالخمر والميسر والرشوة والقتل إلى غيرها من كبائر المعاصي وصغائرها.

وأمّا السائغ منها فهو كالسابق حلال إلى يوم القيامة لا يحرّمه شيء إلاّ بعنوان طارئ، ككونه ضارّاً أو غير ذلك.

ثم إنّ الأُمور العاديّة لا تبقى على حالها الأوّل، بل أنّها تتكامل وتتطور حسب تكامل حياة البشر وفقاً للتقدّم الحضاري، وهذا واضح للعيان في لباس الإنسان ومسكنه وراحلته .

فقد تطوّرت وتكاملت هذه الأُمور من الحالة العادية إلى ما نشاهده الآن.

إنّ السلف الصالح والخلف من بعدهم لم يجمدوا في حياتهم الاجتماعية على النمط الّذي كانوا يعيشون عليه في عصر صدر الإسلام، بل


صفحه40

أخذوا من الحلال حلوه، ومن الجائز صفوته، دون أن يعترض عليهم أحدٌ، ويتّهمهم بالأخذ بمحدثات الأُمور وكلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وذلك لافتراض أنّ هذه الأُمور سائغة وجائزة ومن الطيبات الّتي أحل الله سبحانه لعباده، من غير فرق بين صورتها الأُولى وصورتها الثانية والثالثة .

وذلك لوجهين:

1. أنّ طبيعة الإنسان المتحضّر هي التدرّج في الحضارة والترقّي في مدارجها، وهذا أمر طبيعي فطري لا يمكن إيقافه والمنع عنه، لأنّه يضاد الفطرة الّتي نشأ عليها الإنسان منذ أن وطأت قدماه هذا الكوكب.

وعلى فرض إمكان الإيقاف وتحريم التطور كان على الشارع إيضاح ذلك والدعوة إلى الجمود وإيقاف الحياة على ما كانت عليه.

2. إذا كان لهذه الأُمور العاديّة دليلٌ في التشريع الإسلامي ومسوّغ له فالتطورات صور طارئة عليه، فما لم يكن فيها عنصر محرّم أو ملازم للمحرّم فهو حلال بلا شك استناداً إلى أصالة الحلية في الأُمور العادية ما لم يدلّ دليل على حرمته.

ذكر بعض المؤرّخين أنّ أوّل تطوّر ظهر في حياة المسلمين هو دخول المناخل، ولم يكن لهم عهدٌ بها، وهي من أدوات التنعم والترفّه في المأكل ممّا لم يكن يعرفه العرب ولا المسلمون من قبل، وقد نظروا إلى أنّ المسألة هي من الأعراف المرسلة عن قيود الاتّباع وعدمه، وهي من مصاديق قوله


صفحه41

سبحانه: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)(1) .

وكانت للمكيّين أعراف وعادات نشأوا عليها، فلمّا هاجروا إلى المدينة فوجئوا بعادات أُخرى غير ما مارسوه في بلادهم ممّا يتعلق بالمسكن والملبس والمأكل، فاقتبسوا من هذه الأعراف أفضلها وأكملها، ولم يدر بخلد أحد أنّها من محدثات الأُمور.(2)

كل ذلك يدلّ على أنّ ما يرجع إلى العادات المحلّلة بالكتاب والسنّة مطلق مرسل لا يحدد بحدّ وإن تطورت وتكاملت، إلاّ إذا انطبق عليه عنوان محرّم أو كان ملازماً لأمر محرّم.

إنّ المسلمين فتحوا البلاد وأشاعوا التوحيد بين الأُمم المتحضّرة، وقد كانت لهم أعراف في حياتهم الاجتماعية وآلات وأدوات في التعليم والتعلّم أو فتح البلاد وغزوها، فاستقبلوها برحابة صدر وتعلموها واستخدموها في حياتهم غيرما كان منها محرماً بالذات.

أين الأزقة الضيّقة في مكّة المكرّمة والمدينة المنورة من الشوارع الواسعة في عواصم العراق والشام؟!

أين أكواخ الفلاحين في الجزيرة العربية من القصور المشيدّة بعد قرن في نفس الجزيرة، ثم أين جشوبة العيش في صحاري الحجاز من العيش الرغيد في البلاد المفتوحة؟!


1 . الأعراف: 32 .

2 . السلفية مرحلة مباركة لا مذهب إسلامي: 46 .


صفحه42

كل ذلك حصل بمرأى ومسمع من الصحابة والتابعين والفقهاء ولم يقل أحدٌ بحرمته رغم كونه من الأُمور المحدثة.

وعلى ذلك جرت حياة المسلمين عبر قرون إلى أن انتهى الأمر إلى ركوب السيارات والطائرات واستخدام الإذاعات المسموعة والمرئية ووسائل الإعلام الأُخرى.

وهاهم ينشئون مشاريع تجارية وثقافية لم يكن لها نظير في القرون السالفة، كل ذلك شريطة أن لا يكون حراماً بالذات أو مقروناً به.

حكم العباديات والقربيات

أمّا العباديات والقربيات فهي من صميم الدين وجوهره، ولا يجوز التصرف فيها بزيادة ونقيصة حيث إنّ ذلك يُعد بدعة ومن محدثات الأُمور في صميم الدين الّتي وضعها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «وإياكم ومحدثات الأُمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» .(1)

وهذا ما آمن به عامة المسلمين أخذاً بقوله سبحانه: (ءأللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ )(2) .

وقال: (إِنَّمَا يَفْتَري الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَ أُولَئِك هُمُ الْكَاذِبُونَ)(3).


1 . مسند أحمد: 4 / 126 ; سنن الدارمي: 1 / 45 .

2 . يونس: 59 .

3 . النحل: 105 .


صفحه43

إلى غير ذلك من الآيات والروايات الّتي تحرم التصرف في صميم الدين بنقص أو زيادة.

إنّ لازم الإيمان بالله سبحانه ورسوله هو التسليم في مقابل الشريعة الّتي جاءنا بها من عند الله، قال سبحانه: (فَلاَ وَ رَبِّك لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيًما)(1).

إنّ التصرف في التشريع الإسلامي بتحليل الحرام أو تحريم الحلال أو زيادة شيء في العبادات أو النقص من الواجبات يُعدّ تقدماً على الله ورسوله، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(2).

هذا كلّه ممّا لا سترة عليه، فإنّ حرمة البدعة ثابتة عقلاً وشرعاً.

إنّما الكلام فيما إذا كان أمر ديني أو قربي مشروع بنص الكتاب والسنّة، ولكن لم يرد في الأثر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مارسه، فهل يكون ترك الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لهذا العمل دليلاً على لزوم اتّباعه في ذلك وبالتالي يصبح هذا الشيء أمراً محرّماً لازم الاجتناب؟ هذا ما سندرسه تالياً.

إنّ السنّة عبارة عن قول النبي وفعله وتقريره ـ كما عرفت ـ ولم يقل أحد أنّ ترك الرسول لأمر قربي دليل على حرمته، فإدخال الترك في مصادر التشريع بدعة حصلت في هذا العصر.

وذلك لأنّ الترك أمر لبّيّ لا يمكن الوقوف على بواعثه ودوافعه، فلعل


1 . النساء: 65 .   2 . الحجرات: 1 .


صفحه44

الظروف لم تسمح له (صلى الله عليه وآله وسلم)بممارسته بعد أن لم يكن أمراً واجباً معيّناً وإنّما أخذ من الواجب أحد أعدال التخيير أو ترك المستحب لبعض الدوافع، وعلى ذلك فلا يحتج بالترك المجهول دافعه وعلّته بعد وجود الدليل على جواز الشيء وقربيته.

والّذي يرشدنا إلى ذلك أنّه حصلت بين المسلمين أُمور قربية لم يمارسها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بل ولا كثير من أصحابه. وإليك نماذج منها:

1. تنقيط القرآن وإعرابه

إنّ القرآن الكريم في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن منقّطاً ولا معرباً ولا مكتوباً على الصحف.

روى المؤرّخون أنّ أوّل من نقّط القرآن هو أبو الأسود الدؤلي .

قال يحيى بن أبي كثير: كان القرآن مجرداً في المصاحف، فأوّل ما أحدثوا فيه النقط على الباء والتاء والثاء وقالوا: لا بأس به هو نور به، ثم أحدثوا نقطاً عند منتهى الآية، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم .(1)

كما أنّ أوّل من أمر بالتعشير هو المأمون العباسي، وأوّل من أدخل الحركات الإعرابية في المصحف هو أحمد بن خليل الفراهيدي.

2. التطوّر في بناء المساجد

بعد أن هاجر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يثرب، فإنّ أوّل عمل قام به هو بناء


1 . الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 1 / 63 .


صفحه45

مسجد للصلاة فيه، وقد بناه باللبن وسقفه من الحصر والبواري، وترك أرضه متربة يسجدون على التراب وكان المسجد طول حياته الشريفة على هذه الشاكلة، وبعد رحلته(صلى الله عليه وآله وسلم)ضاق المسجد بالمسلمين فقاموا بتوسيعه وبنائه بالحجارة والجصّ، وكلّما اتّسعت رقعة الدولة الإسلامية زاد التطوّر في بناء المسجد الحرام والمسجد النبوي، إلى أن وصل الأمر في العصر الراهن إلى ما يراه كل من يقصد الحرمين الشريفين، فهما كوكبان لامعان في قلب العالم الإسلامي، مشيّدان على أحدث طراز وبأحسن المواد الإنشائية، ومزدانان بأحدث الفنون والزخارف الرائعة .

وعمارة المسجد من الأُمور القربية، قال تعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَ فِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَ آتَى الزَّكَاةَ وَ لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُولَئِك أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)(1).

3. المناظرة مع أصحاب المقالات

اتّسعت رقعة الإسلام ودخلت في حظيرته أُمم مختلفة الثقافة فأثاروا ـ وهم في لباس الإسلام ـ شبهات وإشكالات تمسّ صميم العقيدة من التوحيد وعصمة الأنبياء وغيرها ممّا ورد في الكتب الكلامية، فقام المسلمون وفي مقدّمتهم الإمام علي (عليه السلام)وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)بالمناظرة والاحتجاج عليهم بالبرهان الثابت والدليل القاطع، واحتجاجاتهم مبثوثة في


1 . التوبة: 17 و 18 .


صفحه46

كتب التاريخ والحديث والعقائد، نذكر أُنموذجاً واحداً منها.

من كلام للإمام علي (عليه السلام)للسائل الشامي لمّا سأَله: أَكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله و قدر؟ بعد كلام طويل هذا مختاره :

وَيْحَكَ! لَعَلَّك ظَنَنْتَ قَضَاءً لاَزِماً، وَقَدَراً حَاتِماً! وَلَوْ كَانَ ذلِك كَذلِك لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ. إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً، وَكَلَّفَ يَسِيراً، وَلَمْ يُكَلِّفْ عَسِيراً، وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً; وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَهاً، وَلَمْ يُرْسِلِ الاَْنْبِيَاءَ لَعِباً، وَلَمْ يُنْزِلِ الْكِتَابَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً، ولاَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا: (ذلِك ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَارِ)(1).(2)

نعم ناظر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وجادل أهل الكتاب لكن بصورة قراءة الآيات الواردة في حقّهم، ولم يرد في المأثور أنّه اجتمع للمناظرة مع أصحاب الأهواء والمقالات، غير أن القرآن أمرنا بالجدال بالتي هي أحسن، وقال: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)(3) .

4. كتابة الحديث

اتّفقت السلفية على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن كتابة الحديث، ورووا في


1 . ص: 27.

2 . نهج البلاغة: 4 / 18، برقم 78 .

3 . النحل: 125.


صفحه47

ذلك روايات مبسوطة في الصحيحين والسنن، حتى أنّ بعض الخلفاء أحرق ما كتبه بعض الصحابة من سنن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وصارت كتابة الحديث أمراً متروكاً معرضاً عنه. وأمّا ما هوالباعث إلى ترك كتابة الحديث خلال أكثر من قرن فهذا ما لا نخوض فيه، إنّما نتحدث في انقلاب الحال في عهد عمر ابن عبدالعزيز، الّذي كتب إلى أبي بكر بن حزم عالم المدينة: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ أحاديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً .(1)

أفيمكن لأحد أن يمنع عن كتابة الحديث وضبطه وتسجيله ونشره على النحو المعهود، بحجة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يأمر بكتابته أو أنّ الصحابة لم يمارسوا كتابته.

5. النبي وحج التمتع

إنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)اعتمر عدّة مرات وحجّ مرة واحدة وهي حجة الوداع، وكان حجّه حج قران لأنّه ساق الهدي، وكلّ من ساق الهدي يكون حجّه حج قران، ولذلك لم يتحلّل بعد العمرة، حتى أنّ علياً لما أَهلّ بتهليل النبي صار حجّه أيضاً حج قران.

إنّ حج التمتّع ممّا أطبق المسلمون على تشريعه، وهم بين مَن يفضّل التمتّع على القسمين الآخرين: القران والإفراد، ومَنْ يعكس، وعلى كل


1 . صحيح البخاري: 1 / 27 .


صفحه48

تقدير فلو كان ترك النبي دليلاً على الحرمة أو كراهة الفعل فهل كان لمسلم أن يتفوّه بكراهة حج التمتع مع أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أمر المسلمين في حجّة الوداع بأن يتحلّلوا ثم يهلّوا للحج حتى يكون حجّهم حج التمتع.

6. صلاة التراويح

إنّ التهجّد في ليالي شهر رمضان سنّة مؤكدة وقد جاء فيه في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): «والتهجّد فيها ـ يعني: ليالي شهر رمضان ـ بنوافلها من أفضل القربات».

أخرج البخاري عن أبي هريرة أنّه قال: سمعت رسول الله أنّه يقول: «... من قامه (يعني شهر رمضان) إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه».(1)

إلاّ أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)حثّ على أنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة، وإنّ للمرء أن يجعل للبيت نصيباً من الصلاة.

أخرج مسلم عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول اللّه حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي فيها، قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلّون بصلاته، قال: ثمّ جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عنهم، قال: فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مغضباً، فقال لهم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «مازال بكم صنيعكم حتّى ظننت أنّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإنّ خير صلاة المرء


1 . صحيح البخاري: 3 / 44، باب فضل من قام رمضان.


صفحه49

في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة».(1)

هذه هي صلاة النبي وصلاة أصحابه في حياته وأنّه لم يصلّ معهم إلاّ صلوات معدودة، فأين ما قام به النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من أداء صلاة أو صلاتين من صلاة التراويح الّتي تقام في الحرمين الشريفين وفي عامة المساجد بالنحو المعلوم حيث يختم القرآن الكريم خلال هذه الليالي في ستمائة ركعة أو أزيد.

قال الجزيري: روى الشيخان أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)خرج من جوف الليل ليالي من رمضان، وهي ثلاث متفرقة: ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين، وصلّى في المسجد، وصلّى الناس بصلاته فيها، وكان يصلّي بهم ثماني ركعات ويكملون باقيها في بيوتهم فكان يسمع لهم أزيز، كأزيز النحل.

قال: ومن هذا يتبين أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)سنّ لهم التراويح والجماعة فيها، ولكن لم يصلّ بينهم عشرين ركعة كما جرى عليه من عهد الصحابة ومن بعدهم إلى الآن.(2)

كل ذلك يدلّ على أنّ ترك الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لايدل على التحريم أو التشريع، إلاّ إذا كان في الشرع دليل على الجواز أو الاستحباب، وعلى ذلك جرى السلف والخلف .

فالقول بأنّ الترك دليل على عدم الجواز ، من محدثات الأُمور.


1 . صحيح مسلم: 2/188، باب استحباب صلاة النافلة في بيته و جوازها في المسجد.

2 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/251.


صفحه50

7. ترك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)استلام الحجر بيده

اتّفق الفقهاء على استحباب استلام الحجر الأسود وتقبيله، وعليه جرت سيرة المسلمين عبر قرون في الحج والعمرة، إلاّ أنّ الروايات قد تضافرت على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يستلم الحجر بيده في حجة الوداع وإنّما استلمه بمحجن معه وقبّل رأس المحجن (وهو العصا)، ولم يحج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)طيلة رسالته إلاّ مرة واحدة وهي حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة، نعم اعتمر ثلاث أعمار.

هذا ومسلم يروي في صحيحه عن جابر بن عبدالله أنّه قال: طاف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالبيت في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه، لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه.

وروى أيضاً عن أبي الطفيل أنّه قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجنه ويقبّل المحجن .(1)

ولو صحّ ما روي عن عمر بن الخطاب أنّه قال عند استلامه الحجر: «إنّك لاتضر ولا تنفع ولولا أنّي رأيت رسول الله قبّلك لما قبّلتك»، فمحمول على تقبيله بواسطة المحجن، أو على تقبيله في أعماره لا في حجّه.

وعلى أي حال لم يقبّل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الحجر، فهل يصحّ لمتفقّه ـ فضلاً عن الفقيه ـ أن يفتي بترك الاستلام باليد وتقبيله، بحجّة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ترك الاستلام.


1 . صحيح مسلم: 4 / 67 ـ 68 ; مسند أحمد: 5 / 474 ; سنن ابن ماجة: 2 / 982 ـ 983 .


صفحه51

وما ذكرناه نماذج ممّا ثبت فيها ترك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أمراً مندوباً ولكن المسلمون قد مارسوه.

وأظن ـ وظن الألمعي صواب ـ إنّ وراء الكواليس شيء، وأنّ الغاية من تلك الأُحدوثة الّتي هي بدعة في عالم الفتوى، أمران:

1. إدّعاء أنّ الاحتفال بمولد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بدعة بحجة أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يحتفل بذلك، ولا الصحابة بعده. مع أنّا قد أثبتنا في مقال خاص (1) أنّ الاحتفال مؤيد بالكتاب والسنّة وإجماع المسلمين عبر قرون، وأنّ الاحتفال من مظاهر الحب والمودّة للرسول الكريم، كما أنّ في ذلك إعلاء لذكره(صلى الله عليه وآله وسلم)انطلاقاً من قوله سبحانه: ( وَ رَفَعْنَا لَك ذِكْرَكَ)(2) .

إلى غير ذلك من الأدلة الّتي سقناها على استحباب الاحتفال، بما أنّ له أصلاً قرآنياً وحديثياً.

2. إمحاء آثار الرسالة الّتي بقيت بعد هدم كثير منها بمعول الجهل بأحكام الإسلام وسننه ، فقد هدموا كثيراً من قبور أئمة أهل البيت: وصحابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كما دمروا الآثار الباقية من عهد الصحابة كبيت مضيّف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعض المساجد الّتي صلى فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو صحابته وأنصاره، وذلك بحجّة أنّ الرسول لم يذهب إلى زيارة هذه القبور والآثار.

ومن الواضح أنّ لهدم الآثار والمعالم التاريخية الإسلامية ـ لا سيّما في مهد الإسلام، مكة والمدينة ـ نتائج ومضاعفات كبيرة وخطيرة على الأجيال


1 . راجع الرسالة رقم 124 من هذا الجزء.

2 . الشّرح: 4 .


صفحه52

اللاحقة، الّتي سوف تأتي ولا تجد أثراً لوقائع التاريخ الإسلامي، وسوف يتسرب الشك إلى نفوسهم بأنّ الإسلام قضية مفتعلة وفكرة مبتدعة ليس لها واقع ولا جذور تاريخية، كما هو الحال في قضية السيد المسيح (عليه السلام)في نظر الكثير من الغربيين فنراهم ينظرون إليها وكأنّها قضية أُسطورية حاكتها أيدي البابوات والقساوسة، والّذي شجع على هذه العقيدة عدم وجود آثار ملموسة تدلّ على أصالة هذه القضية ووجودها التاريخي.

أرجو من الله سبحانه أن يلمّ الشعث ويرأب الصدع ويجمع كلمة المسلمين، حتى يكون الجميع يداً واحدة في مقابل الأعداء .


صفحه53

 

الرسالة السادسة بعد المائة

في

اللباس المشكوك


صفحه54


صفحه55
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .

أمّا بعد; فهذه رسالة وجيزة وضعتها في بيان حكم اللباس المشكوك جوازاً ومنعاً، أرجو من الله سبحانه أن تكون مصباحاً للمرتادين ومفيدة للطالبين.

فأقول: يشترط في لباس المصلي شروطٌ نذكر منها ما يلي:

1. الطهارة، فلا تجوز الصلاة بالثوب النجس وجلد الميتة حتّى وإن كان من حيوان مأكول اللحم كالمعز والغنم وغيرهما.

2. عدم كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، سواء أكان مذكّى أم غير مذكّى.

والفرق بين المسألتين واضح فالأُولى منهما تركز على شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة، والأُخرى ـ حسب ظاهر الأدلّة على ما يأتي ـ تركّز على مانعية ما لا يؤكل لحمه من غير فرق بين جلده وصوفه وشعره ووبره، وإن كان طاهراً بالتذكية.


صفحه56

إذا علمت ذلك فالبحث يقع في الفرد المشتبه من الشرطين، وبعبارة أُخرى في الشبهة المصداقية منهما .

أمّا الأُولى: فلو شككنا في جلد المعز أنّه مذكّى أو غير مذكّى، فلا تجوزالصلاة فيه لاستصحاب عدم التذكية بلا كلام فيه .

وأمّا الثانية: فلو شككنا في شعر أو صوف أو في لباس نحتمل أن يكون خليطاً من أجزاء ما لا يؤكل لحمه فهل تجوز الصلاة فيه أو لا؟ وهذه هي المسألة الّتي نحن بصدد بيانها.

وليست المسألة من الفقه المنصوص، إذ لم ترد في أحاديث الأئمة ولا في المتون الفقهية المنتزعة من الأحاديث وإنّما هي مسألة فرعية استخرج فقهاؤنا حكمها من الأدلّة.

وقد كثر الابتلاء بها من منتصف القرن الثالث عشر لكثرة استيراد المنسوجات الغربية من قبل البلاد الإسلامية، ممّا يعمل من الصوف والوبر والشعر كالماهوت وغيره ممّا يلبسه الرجال والنساء، مع عدم علمهم بحاله، وقد عكف علماؤنا على دراسة هذه المسألة من منتصف القرن الثالث عشر إلى يومنا هذا، وقد ألّفوا فيها رسائل كثيرة خصوصاً بعدما درّسها الميرزا الشيرازي (1230 ـ 1312 هـ)، فأخذ تلامذته هذه المسألة بالبحث والدراسة، وإليك أسماء بعض الرسائل الّتي حضرتني:

1. إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: تأليف المحقّق محمد حسن الآشتياني (المتوفّى 1319 هـ).


صفحه57

2. الذهب المسكوك في اللباس المشكوك: تأليف المحقّق ميرزا علي الإيرواني (1301 ـ 1352 هـ) .

3. رسالة في اللباس المشكوك: للمحقّق ميرزا حسين النائيني (1274 ـ 1355 هـ)، طبع في ملحقات منية الطالب لتلميذه الشيخ موسى الخوانساري (قدس سره) .

4. إزاحة الالتباس عن حكم المشكوك من اللباس: تأليف الفقيه الحفيظ، أبو الحسن الأنكجي (1282 ـ 1357 هـ) .

5. الطريق المسلوك في حكم اللباس المشكوك: تقرير بحث سيد مشايخنا المحقّق البروجردي (1292 ـ 1380 هـ) بقلم الفاضل المعاصر أحمد الصابري حفظه الله.

6. رسالة في اللباس المشكوك: تأليف المحقّق السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره)(1317 ـ 1413 هـ) .

هذا بعض ما وقفت عليه من الرسائل، وهناك رسائل أُخرى أُلّفت في الموضوع ذكرها شيخنا المجيز في ذريعته فلاحظ.

مضافاً إلى ما حقّقه المتأخّرون حول المسألة في كتاب الصلاة عند البحث عن أحكام لباس المصلي كالنجفي في جواهره، وآقا رضا الهمداني في مصباح الفقيه، إلى غير ذلك من المحقّقين العظام شكر الله مساعيهم.

وما هذا إلاّ لأنّ كثرة الابتلاء دفعهم إلى دراسة المسألة، فنقول: يقع الكلام في فصول:


صفحه58

الفصل الأوّل:

في أُمور تمهيدية

قبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً لها علاقة بالمسألة:

1. أوّل مَن عَنون المسألة

إن أوّل من عَنوّن هذه المسألة هو المحقّق (في بحث السهو)، حيث قال: الثالث: إذا لم يعلم أنّه من جنس ما يصلى فيه وصلى، أعاد (1)، ثم العلاّمة في «المنتهى» في البحث الثاني فيما تجوز الصلاة فيه من اللباس، قال : فروع: الثالث: لو شك في الشعر، أو الصوف، أو الوبر أنّه هل ممّا يؤكل لحمه أو لا؟ لم تجز الصلاة فيه، لأنّها مشروطة بستر العورة بما يؤكل لحمه وهو غير متحقّق، والشك في الشرط يستلزم الشك في المشروط .(2)

ولا يخفى ما فيه: أنّه خص البحث بستر العورة مع أنّ الموضوع أعم منه، فإنّ الموضوع هو ثوب المصلي ولباسه، وإن لم يكن ساتراً لعورته، بل الموضوع أوسع من ثوب المصلي أيضاً، حيث يشمل شعر غير المأكول إذا حمله.(3)


1 . شرائع الإسلام: 1 / 114 .

2 . منتهى المطلب: 4 / 236، وقد نقل غير واحد من الأعلام عبارة العلاّمة هذه ولكن نقلاً بالمعنى لا بالنص، ونحن نقلناها بنصّها.

3 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .


صفحه59

ثانياً: ما ذكره إنّما يتم لو كان ستر العورة مشروطاً باتخاذه ممّا يؤكل لحمه مع أنّه يمكن أن يكون الساتر غير متخذ من الحيوان أصلاً كالقطن والكتان، اللهم إلاّ أن يريد بأن الشرط مختص بما إذا كان الساتر متخذاً من الحيوان لا من غيره.

ثالثاً: ظاهر كلامه أن كون الساتر مأخوذاً ممّا يؤكل، شرط في جواز الصلاة معه، مع أنّ هنا احتمالاً آخر أقوى منه وأوفق بالروايات، وهو كون الساتر من غير المأكول مانعاً من صحة الصلاة وجوازها، وهو الظاهر من الروايات الآتية خصوصاً موثقة أبي بكير على ما يأتي.

نعم كون غير المأكول مانعاً لا يكون مبرّراً لإيقاع الصلاة فيه مالم يحرز عدمه ، بأمارة أو أصل، فلا فرق في كون مأكول اللحم شرطاً، أو كون غير مأكول اللحم مانعاً، فكل يحتاج إلى الإحراز.

وقال في الجواهر بعدما نقل كلام العلاّمة: ونحوه ما في التحرير والقواعد والشرائع (في بحث السهو)، والبيان والهلالية وفوائد الشرائع والميسية والمسالك (على ما حكي عن البعض مع زيادة الجلد في بعض والعظم في الآخر)، لكن في البيان: «إلاّ أن تقوم قرينة قوية» (1).

وهذه العبارة تدل على أنّ الرأي السائد إلى القرن العاشر هو المنع.

نعم ذهب المحقّق الأردبيلي وصاحب المدارك والمحدث البحراني وغيرهم إلى الجواز .


1 . الجواهر: 8 / 80 .


صفحه60

قال الأردبيلي: ثم الظاهر من كلام القوم أنّ كل ما لم يُعلم أنّه مأكول اللحم لا تجوز الصلاة في شيء منه حتّى العظم الّذي يكون عروة للسكين، والمرمى، فالمشكوك والمجهول لا تجوز الصلاة فيه، ثم أشكل عليهم وقال بجواز الصلاة فيه بوجوه مختلفة:

1. الأصل.

2. إطلاق الأمر.

3. الشهرة في العمل.

4. الآيات الدالة على تحليل ما خُلق، وتحليل الزينة، وتحليل اللباس، وحصر المحرّمات، وكذا: الاخبار مثل الأخبار الصحيحة في أنّ كل ما اشتبه بالحرام فهو حلال، والسعة وعدم الحرج، ] فالجميع [دلّ على الجواز مالم يُعلم أنّه ممّا لا يؤكل.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما استدلّ به من الآيات من تحليل كل ما خُلق على صحة الصلاة فيها ليس بصحيح جدّاً، إذ الاستدلال بما دل من الآيات على حلية كل ما خُلق، أو تحليل الزينة واللباس، مخصّص بما دل على عدم جواز الانتفاع بما لا يؤكل في الصلاة، وعندئذ يكون التمسّك بالآيات في المورد من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.

وعلى أي تقدير فالمحقّق الأردبيلي أوّل من خالف الرأي السائد وأفتى بالجواز، واستدلّ عليه بالتفصيل.

وتلاه تلميذه صاحب المدارك، حيث إنّه بعدما نقل كلام العلاّمة في


1 . مجمع الفائدة: 2 / 95. ما بين المعقوفتين أضفناه لتستقيم العبارة.


صفحه61

«المنتهى» قال: ويمكن أن يقال إنّ الشرط ستر العورة، والنهي إنّما تعلّق بالصلاة في غير المأكول، فلا يثبت إلاّ مع العلم بكون الساتر كذلك، وتؤيده صحيحة عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «كل شيء يكون فيه حرام وحلال فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام بعينه» ولا ريب أنّ الأحوط التنزه عنه.(1)

وجاء بعده المحدّث البحراني، فبعدما نقل عبارة العلاّمة في «المنتهى»، قال:

والمنع عن ذلك موقوف على معلومية كونه ممّا لا يؤكل لحمه، فما لم يعلم كونه كذلك فليس بداخل تحت تلك الأخبار فيبقى على أصل الصحة، وتعضده الأخبار الصحيحة الصريحة في «أنّ كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه». والمراد بالحل ما هو أعم من حل الأكل وهو حل الانتفاع.

نعم ما ذكره هو الأحوط كما لا يخفى .(2)

فأقصى ما عند صاحبي المدارك والحدائق من الدليل ـ مضافاً إلى أصالة الحلّية ـ هو اختصاص المنع بالفرد المعلوم كونه ممّا لا يؤكل ولا يعم المجهول والمشكوك.

وتبعهما صاحب المستند قال: ويؤيّده بل يدلّ عليه عمل الناس، بل إجماع المسلمين، حيث إنّه لم يعلم كون أكثر الثياب ـ المعمولة من الصوف


1 . المدارك : 3 / 167 .

2 . الحدائق الناضرة: 7 / 86 .


صفحه62

والوبر والشعر من الفراء والسقرلاب، وما عمل لغمد السيف والسكين ـ ممّا يؤكل جزماً، ومع ذلك يلبسها ويصاحبها الناس من العوام والخواص في جميع الأمصار والأعصار ويصلّون فيه من غير تشكيك أو إنكار، بل لولاه لزم العسر والحرج في الأكثر.

وتدلّ عليه أيضاً الأخبار المصرّحة بأنّ كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام بعينه.(1)

وما استدل به من السيرة على الانتفاع مالم يعلم أنّه ممّا لا يؤكل أو لزوم العسر والحرج، لا بأس بهما، وسيوافيك الكلام فيهما في خاتمة الأدّلة.

ومن هنا يعلم أنّ القول في الجواز كان قولاً شاذاً إلى عصر الميرزا الشيرازي كما صرّح بذلك المحقّق النائيني ، وقال: إنّ أصحابنا قد اختلفوا في جواز الصلاة فيما يشكّ أنّه من أجزاء غير المأكول على أقوال أربعة، فالمحكيّ عن المشهور عدم الجواز مطلقاً، بل في المدارك أنّه المقطوع به بين الأصحاب، وذهب جمع من محقّقي المتأخّرين إلى الجواز كذلك لكنّه كان يعدّ من الشواذ، إلى أن بنى عليه سيّدنا الأُستاذ الأكبر نورّ الله ضريحه وأفتى به فخرج عن الشذوذ بذلك بل انعكس الأمر.(2)

2. الأقوال في المسألة

إنّ الأقوال في المسألة لا تتجاوز الأربعة:

1. عدم الجواز وهو المحكي عن المشهور إلى عصر المحقّق


1 . مستند الشيعة: 4 / 317 .   2 . منية الطالب: 228 .


صفحه63

الأردبيلي. وفي المدارك بأنّه مجمع عليه بين الأصحاب.(1)

2. الجواز، وقد بدأ الإفتاء به من عصرالأردبيلي إلى يومنا هذا.

3. التفصيل بين نفس اللباس وما عليه من الفضلات والشعرات الملقاة والمحمول، فلا يجوز في الأوّل دون الثاني.

4. التفصيل بين ما إذا علم أنّه من أجزاء الحيوان وشك في مأكوليته وعدمها، وبين ما إذا لم يُعلم ذلك بل احتمل أنّ يكون الثوب نباتياً مأخوذاً من القطن والكتان، فلا يجوز في الأوّل دون الثاني.

وربّما يستظهر قول خامس (2) وهو المنع إذا قلنا بشرطية غير المأكول في الساتر أو الثوب وبين مانعية كونه من غير المأكول، فلا يجوز على الأوّل لوجوب إحراز الشرط كسائر الشروط كالطهارة النفسانية، حتّى الطهارة الخبثية حيث يجب إحرازها ولو بالأصل، ويجوز على الثاني أخذاً بأصالة العدم.

ولكن هذا التفصيل ليس قولاً خامساً بل هو مبنى القولين في المسألة حيث إنّ الشرط أمر وجوديّ لا حالة سابقة له، بخلاف ما إذا كان وجود الشيء مانعاً، إذ يمكن احراز عدمه بالأصل.

وبالجملة الشرط أمر وجودي فاقد للحالة السابقة، وأمّا عدم المانع فله حالة سابقة قابل للإحراز بالأصل.


1 . المدارك : 3 / 157.

2 . كما في رسالة إزاحة الالتباس للمحقّق الأنگجي: 4 .


صفحه64

3. ما هو المقصود من المنع والجواز ؟

المقصود من المنع والجواز هو المعنى الوضعي منهما بمعنى عدم صحة الصلاة أو صحتها، لا التكليفي، إذ ليس الصلاة في غير المأكول أمراً حراماً إلاّ أن يرجع إلى التشريع، وينطبق على عمله عنوانه.

4. الموارد المشتبهة

إنّ الشكّ في كون شيء من غير أجزاء المأكول يتصور على أقسام ثلاثة:

1. أن يتردد أخذه من حيوان غير مأكول أو من غير الحيوان كالقطن أو الكتان.

2. أو أن نقطع بكونه مأخوذاً من حيوان لكن تردد الحيوان بين حيوانين أحدهما المعيّن حلال اللحم كالغنم والآخر حرامه كالثعلب، فشك في المأخوذ منه، وتكون الشبهة موضوعيّة.

3. أن نقطع بكونه مأخوذاً من حيوان معيّن كالأرنب لكن شُك في كونه مأكول اللحم أو غيره، فتكون الشبهة حكمية .

والظاهر خروج هذه الصورة عن محط النزاع عند الأُصوليين وذلك لوجود الأصل الحاكم، لأنّ الشك في صحة الصلاة في اجزائه مسبب عن الشك في حلية لحمه وحرمته، فعلى القول بالحلية في الشبهات الحكمية يرتفع الشك لحكومة الأصل السببي على الأصل المسببي.


صفحه65

ثم إنّ عنوان المسألة وإن كان يعرب عن اختصاص البحث بما شُك في كونه مأخوذاً من حيوان مأكول أو غير مأكول، إلاّ أن ملاك البحث يعم كل الموانع وإن لم يكن له صلة بالأكل وعدمها، وذلك كالذهب والحرير بالنسبة للرجل، فلو شُك في كون ثوبه خليطاً من الذهب، أو الحرير يكون البحث هنا كالبحث في المشتبه من الحيوان.

5. كون غير المأكول مانعاً يتصوّر على وجوه

إنّ الظاهر من الروايات هو كون غير المأكول مانعاً ومخلاًّ، ولكن المانعية تتصور على وجوه ثلاثة:

1. أن تكون صفة للمصلي، بمعنى أنّ كون المصلّي لابساً لأجزاء غير المأكول، مانع عن انطباق عنوان الصلاة على المأتي به.

2. أن تكون وصفاً للباس، بمعنى أن كون اللباس مأخوذاً ممّا لا يؤكل مانع عن انطباق عنوان الصلاة على المأتي به.

3. أن تكون من أوصاف الصلاة، بمعنى أنّ وقوع الصلاة فيما لا يؤكل لحمه، مانع عن انطباق عنوان الصلاة عليه .

وبعبارة أُخرى: أنّ مركز القيد يحتمل أن يكون هو المصلّي أو ما يصلّى فيه (اللباس) أو الصلاة؟

فعلى الأوّل: يعتبر أن لا يكون المصلّي لابساً ما لا يؤكل.

وعلى الثاني: يعتبر أن لا يكون لباس المصلّي من جنس ما لا يؤكل .


صفحه66

وعلى الثالث: يعتبر أن لا تقع الصلاة في ما لا يؤكل لحمه. والكل محتمل .

ويُستظهر من بعض الروايات أنّه قيد المصلي، أعني قوله: لا تصل في جلد ما لا يشرب لبنه ولا يؤكل لحمه، كما يستظهر من بعض آخر أنّه قيد الصلاة فعن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه لأنّ أكثرها مسوخ».

ثم إنّه ربّما يتصور أنّه لا يصح أن يكون قيداً للباس المصلي سواء أخذ شرطاً، أو مانعاً، وذلك لأن شرط المأمور به ] أو مانعه [ لا يمكن إلاّ أن يكون فعلاً اختيارياً، وحيث إنّ اتّصاف اللباس بكونه من المأكول أو عدم كونه من غير المأكول لا يعقل التكليف به وجوداً وعدماً، فلا معنى لكونه قيداً في المأمور به.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الأمر في الأُمور الاعتبارية سهل، وذلك لأنّ كون الحلية شرطاً للباس أو كون غير المأكول مانعاً، نظير كون القبلة، شرطاً للصلاة وهي أمر خارج عن الاختيار ولكن الّذي يصحّحه ـ والحالة هذه ـ هو أنّ المراد لزوم التوجه إليها عند الصلاة فصار هذا مصحّحاً لكونها بنفسها شرطاً، وهكذا المقام فإنّ المراد لزوم إتيان الصلاة في المأكول، أو تنزيهها عن غير المأكول، فصار هذا مصحّحاً، لكون المأكول أو غير المأكول شرطاً أو مانعاً للباس. والّذي يوضح ذلك اتفاق الفقهاء على كون الحرير مانعاً،


1 . رسالة في اللباس المشكوك للسيد الخوئي (قدس سره): 29.


صفحه67

على وجه يكون مركز الموصوف بالمانعية هو اللباس .

وبالجملة: الاعتبار خفيف المؤونة، ويكفي في صحة جعل الأمر الخارج عن الاختيار شرطاً أو مانعاً، ترتّب الأثر عليه بنحو من الأنحاء، وقد عرفت الأثر .

ثم إنّ القائل استدرك في ذيل كلامه وقال: نعم يصح أن يقال: يشترط في الصلاة أن لا يكون اللباس من غير المأكول، لكنّه لا بمعنى أخذه في المأمور، بل بمعنى دوران الصحة مداره ولو من جهة تقيّد الصلاة بأن لا تقع فيه.

وسيوافيك الكلام في هذه الاقسام ثبوتاً، وما هو المتبادر من الروايات إثباتاً عند البحث في جريان الاستصحاب في المقام.

6. وضع الألفاظ للمصاديق الواقعية

لو قلنا بأنّ هنا واضعاً وضع الألفاظ، فالظاهر أنّ الموضوع له هي المعاني الواقعية أو المصاديق الحقيقية، سواء أتعلّق بها العلم أم لا، فالماء والتراب موضوعان للمصداق الواقعي للطبيعة منهما، لا المقيّد بكونه معلوماً للمتكلم، فإن أخذ العلم في الموضوع له كأخذ الإرادة فيه، يوجب عدم انطباق اللفظ على الواقع، لأنّ جزء الموضوع له (العلم) عندئذ أمر ذهني، فقولنا: الخمر حرام، فالموضوع له هو الخمر الواقعي، سواء علم به الإنسان أم لا.

نعم لا يحتج المولى على العبد إلاّ إذا ثبتت الصغرى عنده بدليل قطعي


صفحه68

أو بأمارة، أو بأصل معتبر فما تقدّم في كلام صاحب «المدارك» وغيره، يجب أن يحمل على هذا بمعنى أنّ الاحتجاج فرع العلم بالصغرى لا ماهو الظاهر من كلامهم من كون الموضوع له المصاديق المعلومة.

7. الفرق بين الشرط والمانع

إنّ الفرق بين الشرط والمانع هو أنّ الشرط إمّا متمم لفاعلية الفاعل أو لقابلية القابل، فيجب أن يكون أمراً وجودياً مؤثراً في أحد الطرفين.

وأمّا المانع فهو عبارة عن كون وجود الشيء مزاحماً للشيء، أي مانعاً من تحقّقه، فما ربّما يقال: إن المانع عبارة عن أخذ عدمه في المأمور به فمحمول على التسامح، فإنّ العدم أنزل من أن يكون مأخوذاً في المأمور به. حسب تعبير المحقّق السبزواري:

كذاك في الأعدام لا عليّة *** وإن بها فاهوا فتقريبية

فقولهم: عدم الرطوبة شرط في الإحراق، مرجعه إلى أنّ الرطوبة مانعة عنه... ومثله المقام: فلو قلنا بأنّ كون مأكول اللحم شرطاً في الساتر ولو في بعض الموارد، وهو إذا كان الساتر مأخوذاً من الحيوان، فهو متمم لقابلية الصلاة للعروج إلى الله سبحانه.

وإن قلنا: إنّ كونه مأخوذاً من غير المأكول مانعاً، يعني أنّ كونه غير مأكول مانع لتحقّق عنوان الصلاة وسبب لمنقصتها.


صفحه69

8 . اتّفاقهم على البراءة في الشبهة الموضوعية دون المقام

اتّفق الأُصوليون على إجراء البراءة في الشبهة الموضوعية التحريمية والوجوبية، فلو شك في كون مائع خمراً لا يجب الاجتناب عنه .

ومع ذلك كله فقد اختلفوا في اللباس المشكوك مع أنّه من الشبهات الموضوعية للحكم الشرعي، فقوله (عليه السلام): «لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه» ضابطة كليّة، فلوشك في كون الوبر مأخوذاً ممّا يؤكل أو ممّا لا يؤكل، فمقتضى الضابطة جريان البراءة، ولا فرق بين الموردين، غير أنّ الأوّل شبهة موضوعية للحكم التكليفي، والثاني شبهة موضوعية للحكم الوضعي، مع أنّا نرى اختلافهم في هذا الباب.

ثم إنّ المحقّق الإيرواني حاول أن يحلّ الشبهة وقال: إنّ القدر المسلّم من الاتفاق على البراءة والجواز في الشبهات المصداقية التحريمية، هو ما إذا توجّه التكليف إلى أفراد الطبيعة حيث ينحل الخطاب إلى خطابات، والتكليف إلى تكاليف كخطاب لا تشرب الخمر، فإنّه ينحل إلى تكاليف بحسب تعدّد أفراد الخمر. وأمّا إذا كان التكليف وحدانياً متوجهاً إلى الطبيعة غير منحل إلى تكاليف فربما يمنع من جريان البراءة في الشبهات المصداقية في مثل هذا التكليف ويكون حاله حال التكليف الواحد المتعلّق بمجموع الأفراد من حيث المجموع، فالقول بالبراءة في الشبهة المصداقية الّتي تعلّق التكليف فيها بالطبيعة غير المنحلة، مبنيٌّ على القول بالبراءة في الأقل والأكثر الّذي كان التكليف فيه متعلقاً بالمجموع من حيث المجموع. وعلى هذا البيان الّذي بيّناه، يرجع النزاع في المقام إلى البحث عن أن تعلّق


صفحه70

التكليف التبعيّ هل هو بطبيعة ما لا يؤكل لحمه غير المنحلة إلى الأفراد حتّى يكون الحكم فيه هو الاحتياط، أو بأفراد ما لا يؤكل لحمه حتّى يكون الحكم هو البراءة ؟(1)

وإلى ما نقلناه عن المحقّق الإيرواني أشار السيد الخوئي (رحمه الله)حيث قال: إنّ ذهاب المشهور في محل البحث إلى عدم الجواز مع اتفاقهم على جريان البراءة فيما تردد أمره بين الأقل والأكثر واتفاقهم على البراءة في الشبهات الموضوعية التحريمية لعله من جهة أنّهم يرون النهي الغيري المستفاد منه المانعية نهياً واحداً متعلّقاً بالطبيعة ولا ينحل إلى نواهي عديدة حسب تعدد الأفراد فيكون العلم بتعلق النهي بالطبيعة موجباً لتنجزه على المكلف ولو مع الشك في فردية شيء لها، وذلك للعلم بفعلية التكليف والقدرة على امتثاله، وهذا بخلاف النواهي النفسيّة المنحلّة إلى النواهي الكثيرة حسب كثرة الأفراد الخارجية، فإذا شك في فردية شيء لموضوعاتها فلا مناص عن الرجوع إلى البراءة.

وهذا الوجه وإن لم يكن تامّاً عندنا إلاّ أنّه يندفع به تعجب شيخنا الأُستاذ العلاّمة (قدس سره)من ذهاب المشهور إلى البراءة في المقامين وإلى عدم الجواز في المقام.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التفريق ممّا لا تساعده روايات الباب، إذ أيّ فرق بين قوله: لا تشرب الخمر، حيث إنّ التكليف يتعدد حسب تعدد


1 . رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك: 7 .

2 . رسالة في اللباس المشكوك: 7 ـ 8 .


صفحه71

الخمر، وبين قوله في المقام: «إنّ الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلي في غيره ممّا أحل الله أكله» (1)، ونظيره قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام): «يا علي لا تصل في جلد ما لا يشرب لبنه ولا يؤكل لحمه» .(2)والكلّ ظاهر في تعلّق التكليف بكل فرد من أفراد الطبيعة لا بالمجموع من حيث المجموع.

والأَولى أن يقال في وجه التفريق : إنّ الشك في الشبهات الموضوعية شك بدوي حيث يشك في تعلّق الحكم بالمائع الموجود أمامه ; وأمّا المقام فله جهتان: فمن جهة أنّه شك في التكليف أي تعلق النهي الغيري بالثوب الّذي لَبسه ومن جهة أُخرى شك في المكلّف به، وهو أنّ ما أتى به من الصلاة بهذا الثوب هل هو مصداق للواجب أو لا؟ ومع الشك في الامتثال يجب تجديده على وجه يقطع به.

وإن شئت قلت: إنّ للثوب المشكوك جهتين والجهة الأُولى أي تعلق النهي الغيري به غير مطروح، إذ لا يترتّب عليه العقاب وإنّما الجهة الّتي صارت محوراً للبحث والنقاش هو أنّ كون الصلاة فيه من قبيل الشك في المكلف به، وأنّه هل هي مصداق للمأمور بها أو لا؟ ولهذا ذهبوا إلى الاحتياط مُصفحين عن الجهة الأُولى ومُقبلين على الجهة الثانية، وعندئذ يكون المقامان من قبيل الأمرين المختلفين، حيث إنّ الشك في أنّ هذا


1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 6 .


صفحه72

المائع خمر أو لا؟ شك بدوي تجري فيه البراءة، ولكن الشك في أنّ الصلاة مع الثوب المشكوك مصداق للمكلف به أو لا، شك في المكلف به، فلا ملازمة بين القول في البراءة في الأولى والقول بها في الثانية.

9. هل يختص بما يحرم حسب عناوينه الذاتّية أو يعم العرضيّة؟

هل المراد من الحرمة في قولهم: يحرم أكله هو الحرمة الذاتية، أو تعمّ الحرمة العرضية لجلل أو وطء إنسان أو شرب لبن الخنزيرة؟ وجهان ، والروايات منصرفة عن الشق الثاني.

نعم لا يشمل قطعاً ما يحرم لكونه مال الغير أو لوجود الضرر في لُبسه.

وبعبارة أُخرى: المتبادر من الروايات ـ كما سيوافيك ـ ما يحرم أكله حسب العناوين الأوّلية وحسب طبع الحيوانات، لا المحرّم بحسب العناوين العارضة.

ويدل على ذلك: أنّه لو قلنا بشرطية الحلّية، فالمراد بها ما يكون حلالاً بالذات لا الحلال بالعرض، ولذلك لو اضطرّ إلى أكل ما حرمه الله، يجوز له الأكل ولا تجوز له الصلاة في أجزاء ما اضطرّ إلى أكل لحمه. وبالجملة: المراد ما يحرم حرمة دائمية لا تزول، وحرمة أكل الجلاّل أو ما شرب لبن الخنزيرة ليس أمراً ثابتاً، بل يزول بالاستبراء الخاصّ المذكور في محله، نعم الموطوء ليس كذلك بل حرمته ثابتة.

ثم إنّه ربّما يجعل المقام من قبيل قاعدة المقتضي والمانع، الّتي أسّسها العلاّمة الطهراني (قدس سره)، وقد بالغ في هذه القاعدة حتّى طبّق روايات


صفحه73

الاستصحاب على تلك القاعدة، والمراد من القاعدة هو أنّه إذا تمّ المقتضي وشكّ في المانع فيؤخذ بالمقتضي ويدفع المانع بالأصل، فإذا رمى بالسهم حيواناً على نحو لولا المانع لقتله فيقال: المقتضي موجود، والمانع مدفوع بالأصل، وعلى هذا فيكون إحراز الجزء والشرط من قبيل المقتضي، والشك في المانع من تلك المقولة.

يلاحظ عليه أوّلاً: لا دليل على حجية قاعدة المقتضي والمانع، وأنّ روايات الاستصحاب لا تنطبق على تلك القاعدة، وقد حرّر ذلك في محلّه.

وثانياً: أنّ التمسّك بالقاعدة مختصّ بما إذا كان الشيء على نمط واحد وهو ما أُحرز المقتضي بتمامه من الأجزاء والشرائط وبقي الشك في المانع مع أنّ البحث في المقام أوسع، إذ لا يختصّ البحث بما أُحرز المركّب المأمور به بتمام أجزائه وشروطه وتمحّض الشك في المانع، بل يمكن أن يتعلّق الشك بالجزء والشرط وراء تعلّقه بالمانع أيضاً بحيث يكون في المورد شكّان: أحدهما تعلق بالجزء أو الشرط، والآخر بالمانع .

10. ملاك حرمة الأكل

الّذي يستفاد من روايات الباب أنّ الميزان في حرمة الأكل هوكون الحيوان من أحد القسمين التاليين:

1. أن يكون من المسوخ.

2. أن يكون من السباع.

فيدلّ على الأوّل مرفوعة محمد بن إسماعيل عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال:


صفحه74

«لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه، لأنّ أكثرها مسوخ ».(1)

ويدلّ على الثاني ما رواه علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبدالله وأبا الحسن (عليهما السلام)عن لباس الفراء والصلاة فيها؟ فقال: «لا تصلّ فيها إلاّ في ما كان منه ذكيّاً»، قال: قلت: أو ليس الذكي ممّا ذكّي بالحديد؟ قال: «بلى، إذا كان ممّا يؤكل لحمه»، قلت: وما لا يؤكل لحمه من غير الغنم؟ قال: «لا بأس بالسنجاب فإنّه دابّة لا تأكل اللحم، وليس هو ممّا نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ نهى عن كل ذي ناب ومخلب ».(2)

11. هل الحلّية شرط أو الحرمة مانعة؟

هل أنّ حلّية الأكل فيما إذا كان لباس المصلّي متّخذاً من الحيوان، شرط، أو أنّ حرمة الأكل مانعة عن صحّة الصلاة؟

قد عرفت أنّه لا يمكن جعل حلّية الأكل شرطاً مطلقاً، لإمكان أن لا يكون لباس المصلي متّخذاً من الحيوان، فلابد من تخصيص الشرطية بما إذا كان لباسه متّخذاً من الحيوان، وجهان الأقوى بل المتعيّن هو الثاني.

ويدلّ على ما ذكرنا روايات الباب فهي ظاهرة في مانعية حرمة الأكل; وأوضح الروايات وأتقنها موثقة ابن بُكير قال: سأل زرارة أبا عبدالله (عليه السلام)عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر؟ فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله فالصلاة


1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7 .

2 . الوسائل: ج 3، الباب 3 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3 .


صفحه75

في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحلّ الله أكله ـ ثم قال: ـ يا زرارة، هذا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فاحفظ ذلك يا زرارة، فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكلّ شيء منه جائز إذا علمت أنّه ذكي قد ذكّاه الذبح، وإن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله، فالصلاة في كلّ شيء منه فاسد، ذكّاه الذبح أو لم يذكّه ».(1)

وتشهد على كون الحرمة مانعاً، الجملتان التاليتان:

1. إنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله، فالصلاة في وبره وشعره و.... فاسد.

2. وإن كان غير ذلك ممّا نهيت عن أكله وحرم عليك أكله، فالصلاة في كلّ شيء منه فاسد.

فإنّ وصف الصلاة فيما لا يؤكل لحمه بالفساد دليل على أنّ حرمة الأكل تمنع عن انطباق عنوان الصلاة عليه .

فإن قلت: إنّ قوله في نفس الموثّقة: «لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلي في غيره ممّا أحلّ الله أكله» يشير إلى الشرطية، حيث يقول : «حتّى يصلّي في غيره».

قلت: إنّ هذه الجملة ليست مستقلة وإنّما هي تابعة لقوله المتقدّم: «فالصلاة في كل شيء منه فاسد» فكأنّه قال: إذا كانت الصلاة فيما يحرم أكله


1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .


صفحه76

فاسدة، وهو يريد أن يصلّي في الثوب المتّخذ من الحيوان فعليه أن يصلّي في أجزاء ما يؤكل لحمه.

وعلى ما ذكرنا فإنّ المعتمد هو الفقرة الأُولى وهو كاف، وأمّا الثانية فكأنّها إرشاد للمصلّي إلى ما تصحّ الصلاة فيه إذا حاول أن يصلّي في المتّخذ من الحيوان .

وإليك روايات أُخرى تؤيد ما ذكرناه:

1. رواية إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إليه: يسقط على ثوبي الوبر والشعر ممّا لا يؤكل لحمه من غير تقيّة ولا ضرورة، فكتب: «لا تجوز الصلاة فيه ».(1)

2. ما رواه الحسن بن علي الوشّاء قال: كان أبو عبدالله (عليه السلام)يكره الصلاة في وبر كلّ شيء لا يؤكل لحمه .(2)

إلى غير ذلك من الروايات الّتي مرّ بعضها، فلا محيص من الأخذ بالمانعية وطرد احتمال الشرطية.

فإن قلت: لا مانع من الأخذ بهما أي القول بشرطية حلّية الأكل ومانعية الحرمة، جمعاً بين الروايات.

قلت: إنّ أحد الجعلين مغن عن الجعل الآخر فلا معنى للجعلين، وذلك لأنّ جعل الشرطية لأحد الضدين ككونه مأكول اللحم يغني عن أخذ


1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 4 .

2 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 5 .


صفحه77

عدم الضد الآخر ككونه غير مأكول اللحم فيه .

وبعبارة أُخرى: كيف يمكن البعث نحو عدم الضد، مع البعث إلى وجود ضده فإنّه من اللغو الواضح، أضف إلى ذلك: أنّ امتناع المعلول لأجل فقد الشرط مقدّم على امتناعه من جهةِ المانع، فبطلان الصلاة عندئذ يكون مستنداً إلى عدم الشرط لا إلى وجود المانع .

وبعبارة أُخرى: أنّ الشرط إما متمم لفاعلية الفاعل أو لقابلية القابل فيكون جزءاً للمقتضي، فإذا كان المقتضي ناقصاً فعدم المعلول يستند إليه لا إلى وجود المانع.

ثم إنّ المحقّق الإيرواني أطال الكلام في المقام بطرح إشكالات متعدّدة، وقد أجاب عنها السيد الخوئي في رسالته، ولا ملزم لنا لنقل كلام العلمين والقضاء بينهما (1).

12. ما هو الأصل في المسألة؟

إذا تردّد الأمر بين كون المجعول هو شرطية الحلّية، أو كونه مانعية غير المأكول، فليس هنا أصل يثبت أحد الجعلين المختلفين في الأثر، وليست المانعية والشرطية من قبيل الأقل والأكثر، حتّى ينفى الثاني بالأصل، بل هنا من قبيل المتباينين، وإن كانت المانعية أقل كلفة من الشرطية.

وأمّا الكلام في الأصل العملي فهل هو الاحتياط كما هو المحكي عن


1 . لاحظ: رسالة الذهب المسكوك: 20 ـ 23، ورسالة في اللباس المشكوك: 11 ـ 16 .


صفحه78

الوحيد البهبهاني وصاحب الجواهر والشيخ محمد حسن المامقاني، بحجة ثبوت التكليف بأصل العبادة وبشرائطها وموانعها فيلزم الامتثال والخروج عن عهدته، إلاّ أن يكون هناك أصل موضوعي، كأصالة الطهارة فيما لو شك في نجاسة البلل الواقع على ثوبه، فإنّ مقتضى الأصل الأوّلي هو الاحتياط، غير أنّ أصالة الطهارة أصل موضوعي حاكم على أصالة الاشتغال. أو أنّ المرجع هو البراءة من أوّل الأمر تمسّكاً بأدلّتها وأدلّة الإباحة ـ كما سيوافيك شرحه ـ ، أو التفصيل بين كون الشرط هوالحلية ـ فالأصل هو الاحتياط ـ وبين ما يكون الحرمة مانعاً والأصل هو البراءة، كما عليه السيد المحقّق الانگجي (1).

إذا عرفت ما مهّدناه من المقدّمات فلندخل في صلب الموضوع.


1 . إزاحة الالتباس: 4 .


صفحه79

الفصل الثاني

في مقتضى الأدلة الاجتهادية

إنّ التمسّك بالأدلة الاجتهادية لدى الشك في وجود الشرط أو المانع يتوقّف على ثبوت عموم أو إطلاقات فيها، ولا أظن أن يعثر الفقيه عليهما فيها، أمّا الأوامر المتعلّقة بإقامة الصلاة، فما أكثر وجودها في الكتاب العزيز فإنّما هي بصدد تشريع الصلاة أو تأكيد وجوبها ولا إطلاق لها بالنسبة إلى غيره .

وأمّا أوامر الستر فالجميع غير متعرّض لهذا الجانب ; نظير ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل قُطع عليه، أو غرق متاعه، فبقي عرياناً وحضرت الصلاة، كيف يصلي؟ قال: «إن أصاب حشيشاً يستر به عورته، أتمّ صلاته بالركوع والسجود، وإن لم يصب شيئاً يستر به عورته، أومأ وهو قائم» (1).

ومثله ما رواه زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل خرج من سفينة عرياناً أو سُلب ثيابه ولم يجد شيئاً يصلّي فيه؟ فقال: «يصلي إيماءً، وإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها، وإن كان رجلاً وضع يده على سوأته،


1 . الوسائل: ج 3، الباب 50 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .


صفحه80

ثم يجلسان فيومئان إيماءً ولا يسجدان ولا يركعان، فيبدو ما خلفهما ».(1)

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الساتر وكيفياته إنّما هي في مقام بيان أصل وجوب الستر وما يجب أن يُستر، ولا صلة لها بالمشكوك من الساتر.

فظهر إنّ هذا النوع من الأدلّة لا يثبت شيئاً من القولين، نعم هناك وجوه تستخدم في إثبات صحّة الصلاة في المشكوك، نظير:

1. ادّعاء كون الألفاظ موضوعة للمصاديق المعلومة لا المجهولة ولاالمشكوكة، فعندئذ فالمانع هو غير المأكول إذا عُلم لا ما إذا شُك .

أقول: إنّ هذا الوجه لا يليق أن يُسطّر، فإنّ الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية الّتي ربّما يتعلق بها العلم تارة، والشك أُخرى، والجهل ثالثة.

2. إنكار الإطلاق فيما دلّ على عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل بادّعاء وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب المانع من انعقاد الإطلاق وهو الفرد المعلوم ممّا لا يؤكل لحمه.

يلاحظ عليه: لو كان هذا سبباً لعدم انعقاد الإطلاق لصار سبباً لعدم وجود الاطلاق في الأدلّة، في باب من الأبواب، فيكون النجس هو البول المعلوم وهكذا، وهذا ما لا يقول به فقيه.

3. أنّ المانعية منتزعة عن النهي عن الصلاة في غير المأكول، فتكون


1 . الوسائل: ج 3، الباب 50 من أبواب لباس المصلي، الحديث 6 .


صفحه81

فعليتهما تابعة لفعليته، وبما أنّ النهي لا يكون فعلياً مع الجهل، فتكون المانعية أيضاً مثله .

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ النواهي الغيرية ليست من مقولة التكليف حتّى تختص فعليته بالعالم، بل الجميع إرشاد إلى المانعية والشرطية، وعندئذ لا وجه للاختصاص بالعالم .

وثانياً: أنّ الجهل مانع عن التنجّز، لا عن الفعلية، كما بيّن في محله، فمعناها أنّ المولى لم يرفع اليد عن شرط المأمور به أو مانعه، ولازمه عدم الإجزاء .

وثالثاً: أنّ الشرطية والمانعية منتزعان من الأمر الفعلي المتعلّق بالكل المقيّد بالشرط أو عدم المانع، وبما أنّ المنشأ يعمّ كلا الصنفين: العالم والجاهل، فهكذا المنتزع.

4. أنّ الروايات الدالّة على جواز الصلاة في الخز تدلّ على جوازها في كلّ ما كان يطلق عليه الخز في ذلك الزمان، ومن المعلوم ندرة العلم بخلوص الخز، وعدم احتمال غشّه بوبر الأرنب وغيره، إذ تخصيصها بخصوص العلم بالخلوص يوجب حمل الدليل على الفرد النادر، ويتعدّى إلى سائر الموارد بعدم القول بالفصل.

يلاحظ عليه: أنّه لا نسلّم أنّ ما يدلّ على جواز الصلاة في الخز يعم ما لو احتمل عدمُ خلوصه واختلاَطه بوبر الأرنب والثعلب، وذلك لأنّ الدليل دلّ على الجواز في الخز الخالص كما دلّ الدليل على المنع في غير الخالص، وعند الشك في الخلوص وعدمه يرجع الشك إلى دخول


صفحه82

الموضوع تحت أحد الدليلين، فيكون شبهة مصداقية لأحدهما، ومعه كيف يمكن إقامة الصلاة فيه ؟

وبذلك تقف على أنّه ليس لنا دليل اجتهادي تحلّ به المشكلة وإنّما المهمّ هو البحث عن مقتضى الأُصول العملية.


صفحه83

الفصل الثالث:

في مقتضى الأُصول العملية

إذا قصرت اليد عن الدليل الاجتهادي فلا ملجأ إلاّ الرجوع إلى الأُصول العملية.

احتجّ المجوّزون بأُصول مختلفة نذكرها تباعاً:


صفحه84

 

1

التمسّك بالبراءة العقلية والنقلية

وقد قرّره المحقّق الأنگجي بالبيان التالي قال: إنّ مقتضى الأصل الثابت بالأدلّة العقلية والنقلية هو البراءة وعدم وجوب الاحتياط بالاجتناب عمّا يُشك كونه من هذا القبيل، فقال في توضيح ذلك: أنّه لا إشكال في أنّ الأصل المزبور كما أنّه مؤمّن عن العقاب في الشبهات الحكمية كذلك مُؤمِّن عنه في الشبهات الموضوعية، وكما أنّه مُؤمِّن عن العقاب المترتّب على نفس الشيء المشكوك فيما إذا شُك في وجوبه أو حرمته النفسيين كذلك مؤمّن عن العقاب الّذي يكون ذلك منشأ له، ولذلك حكمنا وحكموا بجريان الأصل المزبور عند الشك في الشرطية والجزئية والمانعية مع كونها من قبيل الواجبات الغيرية الّتي لا يترتّب العقاب عليها بنفسها.

إذا تقرّر ذلك فنقول: إذا شككنا في كون شيء من مصاديق ما علم كونه مانعاً، كما لو شككنا في لباس خاص أنّه من الحرير أو من غيره ممّا يجوز لبسه في الصلاة فنقول: النهي الغيري غير معلوم لنا، فنحن في سعة عن العقاب الناشيء عن تركه من أجل كونه مفضياً إلى ترك الصلاة المطلوبة في نفس الأمر، لأنّ الناس «في سعة ممّا لم يعلموا» وكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة.. وعدّ منها: ما لا يعلمون»، ولحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان إذ الشارع لم يبين لنا حكم الموضوع المشكوك كونه من مصاديق ما عُلم كونه


صفحه85

مانعاً، نظير ما يحكم به من قبح العقاب على شرب المائع المشكوكة خمريته على تقدير كونه خمراً، فلا يتوهّم أنّ نهي الشارع عن الصلاة في الحرير يكفي في كونه بياناً رافعاً لحكم العقل عند الشك في أفراده الخارجية، لأنّ النهي المزبور إنّما يصلح بياناً بالنسبة إلى الأفراد المعلومة دون المشكوكة، كما أنّ النهي الوارد عن شرب الخمر كذلك .

والسّر في ذلك أنّ الألفاظ وإن كانت موضوعة للمعاني الواقعية، إلاّ أنّ طريق الامتثال موكول إلى العقل، وهو يحكم بأنّه لا يتنجز تكليف علينا إلاّ بالعلم، فحيث لم يتحقّق العلم لم يتحقّق تنجّز التكليف، فلا يثبت اشتغال الذمة إلاّ بالنسبة إلى المعلوم.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ البراءة العقلية الّتي تدور حول قبح العقاب بلا بيان أو البراءة الشرعية كقوله: «رفع عن أُمّتي تسعة...»، ناظرة إلى التكاليف الّتي يترتّب عليها العقاب، فالشبهات الحكمية التحريمية ممّا يترتّب عليها العقاب إذا صادف الواقع لولا المؤمّن، كما أنّ الشبهات التحريمية الموضوعية كذلك، فمصبّ هذه الأدلّة هو رفع التكاليف الّتي في وضعها كلفة وفي رفعها منّة، وليس هو إلاّ الأحكام أو الموضوعات الّتي يعاقب المكلّف على فعلها لولا المؤمّن.

وأين هذا من الشك في شيء أنّه متخذ ممّا لا يؤكل؟ إذ ليس في فعله ولا في تركه عقاب سوى أنّه إذا لم يترك لا تقبل صلاته، فالعقاب على ترك الصلاة لا على الصلاة فيما لا يؤكل لحمه.


1 . إزاحة الالتباس عن حكم المشكوك من اللباس: 6 ـ7 .


صفحه86

وبعبارة أُخرى: هذه النواهي في مورد المانعية نواه إرشادية إلى مانعيّة غير المذكى أو غير المأكول من قبول الصلاة أو من انطباق عنوان الصلاة، فلو ارتكب أو لم يرتكب لا يعاقب عليه بشيء، فلو كان هناك عقاب فإنّما هو لأجل ترك ذيها، مثلاً لو صلّى في لباس نجس فلا يعاقب على الصلاة في لباس نجس، بل يعاقب على أنّه لم يأت بالمأمور به على ما هو عليه.

فأدلّة البراءة العقلية والنقلية كلّها منصبّة على ما في فعله عقاب وتحذير بالنسبة إلى المكلّف، وأمّا إذا كان فعله مفضيّاً إلى ترك الصلاة المطلوبة فالعقاب على المفضى إليه لا على المفضيّ.

فإنّ قلت: لو صحّ ما ذكر، لما صحّ إجراء البراءة عند الشك في الشرطية والجزئية، لأنّ وجوبهما وجوب غيري والوجوب الغيري لا يترتّب عليه العقاب مع أنّ المشهور هو جريان البراءة النقلية، بل العقلية عند الشك فيهما.

قلت: إنّ الجزء والشرط واجبان بنفس الوجوب المتعلّق بالعنوان، لا بوجوب غيري، فعنوان الصلاة عبارة عن نفس الأجزاء والشرائط، فإذا تعلّق الوجوب بنفس العنوان يكون كلّ جزء وشرط واجباً بنفس الوجوب النفسي لا بوجوب غيري، ولذلك قلنا: إنّه لو أمر المولى عبده ببناء المسجد فاشتغل العبد ببنائه، فكلّ ما يقوم به من عمل فإنّما يمتثل الأمر النفسي لا الأمر الغيري وإن كان امتثاله رهن مضي زمان .

وعلى ذلك فالجزء المحتمل أو الشرط المحتمل على فرض جزئيتهما وشرطيتهما واجبان بنفس الوجوب النفسي، وكأنّ الأمر ينبسط


صفحه87

على الأجزاء، ومن المعلوم أنّ محتمل الجزئية على فرض وجوبه يكون وجوبه نفسياً مترتّباً عليه العقاب.

فعلى ما ذكرنا فدليل البراءة وإن كان يشمل مشكوك الجزئية والشرطية والمانعية من الأحكام الوضعية، لكن الشمول باعتبار رجوع الشك فيها، إلى الشك في الحكم النفسي الّذي يترتّب عليه العقاب.

فظهر بذلك أوّلاً أنّ أدلّة البراءة نقليّها وعقليّها ناظرة إلى التكاليف الابتدائية الّتي يحتمل العقاب عليها لا ما لا يترتّب عليه العقاب وإن كان مفضياً إلى ما فيه العقاب .

وثانياً وجود الفرق بين المقام والشك في الجزئية والشرطية على ما عرفت، فإنّ الوجوب المحتمل هناك نفسيّ، وأمّا المقام فهو غيريّ بحكم العقل.

ويلاحظ عليه ثانياً: إنّ ما ذكره من أنّ طريق الامتثال موكول إلى العقل فهو يحكم بأنّه لا يتنجز تكليف إلاّ بالعلم، فلا يثبت اشتغال الذمة إلاّ بالنسبة إلى المعلوم، أمر صحيح لكن مورده التكاليف الابتدائية الّتي يترتب عليها العقاب كالشبهات التحريمية والشبهات الموضوعية كذلك، وأما إذا شُك في كون شيء مصداقاً لما لا يؤكل فليس هناك تكليف منجّز يترتب عليه العقاب .

وأمّا التكليف المترتّب عليه العقاب فهو الأمر بالصلاة، فيجب عليه إحرازها جامعة للشرائط ونافية للموانع إمّا بدليل اجتهادي أو بأصل عملي، ولا تنفع القائل أدلّة البراءة.

***


صفحه88

ثم إنّ للمحقّق الآشتياني كلاماً في المقام ربّما يؤيّد ما اخترناه، قال: إنّ مصب الأصل يحتمل أحد أُمور ثلاثة:

1. إجراؤه في لبس الثوب المردّد مع قطع النظر عن الصلاة ومن حيثُ هو هو .

2. إجراؤه فيه في الصلاة.

3. إجراؤه في الصلاة فيه .

أمّا الأوّل فيتوجّه عليه أنّ المفروض جواز لبس غير المأكول إذا كان ذكياً، فلا شكّ في المعلوم فضلاً عن المشكوك حتّى يرجع إلى أصل البراءة أو الحلّية.

وأمّا الثاني فيتوجّه عليه أنّ حرمة لبس غير المأكول في الصلاة إنّما هي من جهة إبطالها لها، وإلاّ فليس له حرمة ذاتية في خصوص هذه الحالة.

وأمّا الثالث فيتوجه عليه أنّ حرمة الصلاة في غير المأكول إنّما هي من جهة كونها فاقدة للشرط فالحرمة تشريعية محضة لا معنى للرجوع إلى أصالة البراءة والحلية بالنسبة إليها .

وبالجملة ليس في المقام نهي مشكوك يرجع فيه إلى الأصل، بل الشك إنّما هو في وجود المأمور به في الخارج بعد الفراغ عن كيفيته وحقيقته، فهل ترى من نفسك الرجوع إلى البراءة إذا شك في إتيان الصلاة في الوقت، فحديث أصل البراءة أو الحلية أجنبي في المقام .(1)


1 . إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: 45 ـ 47 .


صفحه89

 

2

التمسّك بأصالة الحلّية

روى الصدوق في الفقيه بسند صحيح عن عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه»(1) .

كيفية الاستدلال

إذا شككنا في أنّ الحيوان الّذي أُخذ منه الشعر أو الصوف ممّا يؤكل لحمه أو لا؟ فالرواية حاكمة على حلّية أكله، فإذا ثبتت حلّية أكله، ترتّبت عليه صحّة الصلاة في شعره ووبره وكلّ شيء منه.

وأورد عليه المحقّق النائيني وسيد مشايخنا البروجردي (رحمه الله)بأنّ التمسّك إنّما يصحّ في صورة دون أُخرى. وقد سبقهما المحقّق الآشتياني كما سيوافيك.

أمّا الأُولى: ففيما إذا شككنا في حلّية وحرمة لحم الحيوان الّذي نعرف


1 . الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. وقد أوضحنا حال سند الحديث ونظيره ممّا روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)وغيره في محاضراتنا الأُصولية، لاحظ: إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول: 3 / 381 ـ 384 .


صفحه90

نوعه وصنفه كالأرنب، فيصح التمسّك بالصحيحة لإثبات حلّية أكله بعد إحراز تذكيته، فنقول: الحيوان الّذي أُخذ منه الصوف والشعر أو الوبر والجلد محكوم بالحلّية، فإذا حل الأكل ثبت جواز الصلاة فيه.

وأمّا الثانية: ففيما جُهل وتردد أخذه من حيوان، مثلاً علمنا أنّ صنفاً من الحيوان حلال أكله كالغنم وصنفاً آخر حرام أكله كالذئب والثعلب وشككنا في المصدر الّذي أخذ منه، فهل أخذ من الغنم أو من الثعلب؟ ففي هذا المورد لا تجري أصالة الحلية، (1) وذلك لأنّه ليس هناك لحم يشك في حلّيته وحرمته، بل الشك راجع إلى أخذ الصوف من معلوم الحرمة أو الحلّية، نعم الحيوان الانتزاعي وهو ما أخذ منه هذا الصوف وإن لم تعلم حرمته ولا حلّيته إلاّ أنّه ليس له وجود في الخارج ولا يترتّب عليه أثر شرعي، وما هو موجود منه وموضوع للأثر إمّا معلوم الحرمة أو معلوم الحلّية.

وقد سبق العلمين، في هذا الإشكال المحقّق الآشتياني حيث قال : إذا فرضنا الشك في أنّه الجنس الّذي يحمل من بلاد الكفر ويسمّى بالماهوت مثلاً، هل يعمل من صوف الكلب مثلاً أو وبره، أو من صوف الغنم ووبره، أو من وبر الأرانب أو الغنم مثلاً، وهكذا فأين حيوان مردد بين ما يؤكل لحمه ويحرم حتّى يصير مجرى لأصالة الحلية وأصالة عدم أخذه من غير المأكول.(2)

وأورد عليه السيد الخوئي بأنّ معلومية حلّية أحد الحيوانين في نفسه،


1 . رسالة في اللباس المشكوك: 37; الطريق المسلوك في حكم اللباس المشكوك: 41 ـ 42 .

2 . إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: 48 .


صفحه91

وحرمة الآخر كذلك، لا ينافي الشك الفعلي في حرمة ما أخذ منه هذا الصوف المبتلى به مثلاً، ومن الضروري أنّ معنون هذا العنوان موجود خارجي يشكّ في حلّيته وحرمته فعلاً، وإن كان معلوم الحرمة أو الحلية سابقاً بعنوان آخر .(1)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره من العنوان ـ أعني: حرمة ما أخذ منه الصوف المبتلى به ـ عنوان انتزاعي مقرون بالتردّد ما دام لم يُطبق على الخارج، وأمّا معه، فلا تردّد، ومثل هذا النوع من التردّد ليس موضوعاً للأصل، فإذا فرضنا إناءً معيناً طاهراً وآخر مثله نجساً، فإذا أخذ غرفة من أحد الإنائين. ولم يعلم المأخوذ منه، فهل يحكم على الماء المأخوذ بالطهارة بحكم الأصل، أو أنّ مثل هذا التردّد الذهني ليس موضوعاً لأصل الطهارة، لأنّه إذا رجع إلى الخارج، فلا تردد ولا شك .

ثم إنّه يظهر من العلمين الجليلين (المحقّق الإيرواني وسيد مشايخنا البروجردي) في المقام بطلان التمسّك بأصالة الحلّية في المقام بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّ ما ذكره إنّما يتم لو كانت حلّية الأكل موضوعاً لجواز الصلاة وحرمة الأكل موضوعاً لعدم الجواز، مع أنّ الأوّلين حكمان عرضيان مترتّبان على العنوان الواقعي للحيوان، أعني: الغنم والبقر والإبل، فالجميع موضوع لحلية الأكل وجواز الصلاة، لا أنّ الثانية موضوعة للثالث.

ونظيره حرمة الأكل وحرمة الصلاة فيه فهما حكمان عرضيان مترتّبان على العنوان الواقعي باسم الثعلب والأسد، لا أنّ الثانية موضوعة للثالث.


1 . رسالة في اللباس المشكوك: 37 .


صفحه92

ويدلّ على ذلك غالب الروايات الواردة في المقام:

1. رواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام)في كتابه إلى المأمون، قال: «ولا يصلّى في جلود السباع».(1)

2. رواية إسماعيل بن سعد بن الأحوص، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)عن الصلاة في جلود السباع؟ فقال: «لاتصلّ فيها».(2)

3. رواية سماعة، قال سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن جلود السباع؟ فقال: «اركبوها ولا تلبسوا شيئاً منها تصلّون فيه».(3)

4. رواية أحمد بن إسحاق الأبهري، قال: كتبت إليه: جعلت فداك، عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الأرانب فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة ولاتقيّة؟ فكتب (عليه السلام): «لا تجوز الصلاة فيها».(4)

5. مرفوعة محمد بن إسماعيل، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «لا تجوز الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه، لأنّ أكثرها مسوخ ».(5)

نعم ورد في بعض الروايات ما يشعر بالتفرّع، نظير ما في موثقة زرارة الّتي جاء فيها: «فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز ـ إلى أن قال ـ : وإن كان غير ذلك ممّا قد


1 . الوسائل: ج 3، الباب 6 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج 3، الباب 6 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 3، الباب 5 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3 و 4 و 6.

4 . الوسائل: ج 3، الباب 7 من أبواب لباس المصلي، الحديث 5 .

5 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7 .


صفحه93

نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد».(1)

ونظيره في الإشعار وصية الرسول لعلي (عليه السلام): «يا علي لا تصلّ في جلد ما لا يشرب لبنه ويؤكل لحمه».(2)

ولكن الظاهر من الروايات المتقدّمة أنّ العناوين الواقعية والموضوعات الخارجية ككون الحيوان سبعاً أو ميتة أو ممسوخاً هي المانع لحرمة الصلاة، لا حرمة اللحم.

ومن المعلوم أنّ أصالة الحلّية أصل حكمي لا تثبت الموضوع، وإنّ اللحم مأخوذ من الغنم لا من الثعلب.

واستظهر المحقّق الخوئي كون الموضوع هو حرمة الأكل وقال: التحقيق ان يقال: إنّه إن اقتصرنا في بطلان الصلاة في غير المأكول بخصوص السباع كما هو صريح رواية علي بن حمزة المتقدّمة، فلا مناص من القول بكون المانعية ثابتة للعنوان الذاتي وهووقوع الصلاة في أجزاء السباع، وأمّا إذا تعدّينا إلى غيرها ـ بحمل الرواية على التقية ونحوها ـ فلا موجب لرفع اليد عن ظواهر الأدلّة في أخذ حرمة الأكل في موضوع عدم الجواز، فإنّ الحمل على المعرفية وعدم كون العنوان المأخوذ في الموضوع، موضوعاً خلاف الظاهر.(3)


1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

2 . الطريق المسلوك في حكم اللباس المشكوك: 43 ـ 45 ; والذهب المسكوك في اللباس المشكوك: 35 .

3 . رسالة في اللباس المشكوك: 19 .


صفحه94

أقول: إنّ العناوين الواردة عبارة عن:

1. جلود السباع، كما في رواية إسماعيل بن سعد.

2. كلّ ذي ناب ومخلب، كما في رواية علي بن حمزة.

3. أكثرها مسوخ، كما في مرفوعة محمد بن إسماعيل .

وهل يمكن حمل الجميع على التقية ونحوها، واختلافها في السعة والضيق لا يضر بالأخذ؟

الوجه الثاني: لو فرضنا أنّ الموضوع لجواز الصلاة هي حلّية الأكل، لكن المتبادر من الروايات، هو الحلّية الواقعية، لا الحلّية الظاهرية، حتّى تصح الصلاة في جلد الأرنب إذا اضطر إليه الإنسان في عام المجاعة.

وتدل على ذلك نصوص الباب.، ويكفي في ذلك موثقة زرارة وما في وصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام).(1)

يلاحظ عليه: أنّه لو افترضنا أنّ الموضوع في سياق الدليل هو الحلّية المنصرفة إلى الواقعية، لكن إذا حكم الشارع بحلية المشكوك، يكون الأصل حاكماً لموضوع الدليل الاجتهادي وموسّعاً له. نظيره: إذا قال الشارع صل في الطاهر، المنصرف إلى الطهارة الواقعية، فإذا شككنا في طهارة ثوب وحكم الشارع بطهارته في هذه الحالة، تجوز فيه الصلاة، حيث إنّ الأصل يكون حاكماً لموضوع الدليل الاجتهادي .

***


1 . انظر: الطريق المسلوك في حكم اللباس المشكوك: 44 ـ 45 وهذا الإشكال من السيد البروجردي (قدس سره).


صفحه95

 

3

الاستدلال بأصالة الطهارة

ربّما يتمسّك بأصالة الطهارة، فيما إذا دار أمر الصوف بين كونه من الغنم أو الخنزير، فإذا أجرى الأصل وثبتت طهارته وجازت فيه الصلاة يثبت الحكم في غير هذا المورد بعدم القول بالفصل .

يلاحظ عليه: بأن أصالة الطهارة تطرد الشك النابع من كونه طاهراً أو نجساً، وأمّا الشّك النابع من كونه مأكول اللحم أو محرمه، فلا يطرده ولا تجوز الصلاة حتّى في مثل المورد، فضلاً عن التجاوز إلى غيره .


صفحه96

 

4

الاستدلال بعدم الحرمة الثابت قبل الشرع

ربّما يستدلّ بعدم الحرمة الثابت قبل الشرع فيثبت منه عدم كون الحيوان المشكوك فيه ممّا حرم الله أكله، فتجوز الصلاة في أجزائه .

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ مورد الشبهة غالباً هو المشتبه موضوعاً لا حكماً، وقلّما يتفق أن تكون الشبهة حكمية لا موضوعية .

وثانياً: ما مرّ من أن الموضوع لجواز الصلاة وعدمه، هو العناوين الواقعية من الغنم والثعلب مثلاً، واستصحاب الحلية الثابتة قبل الشرع لا يثبت ما هو الموضوع واقعاً.

إلى هنا تم التمسّك بالأُصول الحكمية وقد عرفت عدم نجاحها، بقي الكلام في دراسة الأصل الموضوعي في المقام، وهذا هو الّذي ندرسه تالياً.


صفحه97

 

5

الاستدلال بالأصل الموضوعي

التمسّك بالاستصحاب الموضوعي أحد أدلّة المجوّزين ولعلّه أحسنها وأفضلها، ويمكن أن يقرّر بوجوه ثلاثة حسب ما مرّ من احتمالات ثلاثة من كون غير المأكول إمّا قيداً للمصلي أو للباسه أو للصلاة، فيقرر الجميع على النحو الآتي:

1. المعتبر في الصلاة أن لا يستصحب المصلّي وقت ما يصلي شيئاً ممّا لا يؤكل لحمه، بحيث يكون عدم الاقتران وصفاً معتبراً في المصلي، فعندئذ يمكن أن يقال: إنّ المصلّي قبل تلبسه بالمشكوك لم يكن مستصحباً لغير المأكول، فتستصحب حالته السابقة ويترتب عليها أثرها وهو جواز الدخول في الصلاة .

2. يشترط فيما يلبسه المصلّي أن لا يكون من غير المأكول ولا مصاحباً له، فإذا شُك فيما عليه من الثوب من الشعرات الملقاة أو الرطوبات المشتبهة فيستصحب عدمه.

وهذا النوع من الاستصحاب إنّما ينفع فيما إذا تلطّخ لباس المصلّي بشيء أو أُلقي عليه (في أثناء الصلاة) شيء يشك في أنّه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، ولا يفيد فيما إذا كان نفسُ الثوب مشتبهَ الحال.


صفحه98

3. يعتبر في صحة الصلاة وقوعها مجردة عن الموانع، الّتي منها وقوع الصلاة فيما لا يؤكل لحمه. وسيوافيك كيفية جريان الاستصحاب فيه تالياً.

ثم الظاهر صحّة الاستصحاب في الصورتين الأُوليين، نعم أورد على الثالثة سيد مشايخنا البروجردي بعدم الحالة السابقة فيها، فإنّ الصلاة إمّا وقعت من الأوّل في غير المأكول أو لا، ولم يكن زمان تحقّقت فيه الصلاة فكانت مجردة عن غير المأكول حتّى تستصحب.

ثم إنّه (قدس سره)أورد على نفسه بأنّه يمكن تصوير الحالة السابقة حتّى في القسم الثالث لكن في أثناء الصلاة لا في أوّلها، مثلاً نفترض أنّ المصلّي أوقع صلاته مجرّدة عما لا يؤكل لكن أُلقي عليه شيء في أثناء الصلاة، وشك في أنّه ممّا لا يؤكل فيقال: إنّ الصلاة كانت مجردة عما لا يؤكل والأصل بقاؤها على ما كانت .

ثم أجاب عن ذلك بأنّ الصلاة إمّا عبارة عن الأجزاء المتباينة والأُمور المتشتتة من التكبير والركوع والسجود الّتي توجد وتنعدم، وإمّا عبارة عن التوجّه الخاص إلى الله خاشعاً متذللاً بهيئة مخصوصة.

أمّا الشق الأوّل فلكل جزء وجود مستقل له حكم خاص لا يسري حكمه إلى غيره ولا يمكن استصحاب عدم وقوع الركوع فيما لا يؤكل وتسريته إلى السجود لعدم بقاء الموضوع، وهكذا سائر الأجزاء.

وأمّا الشق الثاني ـ أعني: كون الصلاة عبارة عن التوجّه الخاص إلى الله ـ فهو باق إلى آخر الصلاة فجريان الاستصحاب في مورد الشك وإن كان قريباً لأجل أنّ الصلاة على هذا الفرض، أمر وحداني يراه العرف واحداً،


صفحه99

ولكن للإشكال فيه أيضاً مجال بدعوى أنّ التوجّه إلى الله في حال الركوع مثلاً الّذي نشك في وقوعه في غير المأكول، غير التوجّه الخاص المتحقّق في حال القراءة الّذي نقطع بعدم وقوعه فيه، وغير الّذي تحقّق في ضمن تكبيرة الافتتاح، فليتأمل .(1)

وحصيلة كلامه: أنّ المتيقّن في كلا القسمين غير المشكوك.

أقول: الظاهر صحة جريان الاستصحاب في كلا الشقّين، أمّا الشق الأوّل فلأنّ وحدة الأمر تقتضي وحدة المتعلّق، إذ لا يمكن أن تتعلّق الإرادة الواحدة بأُمور متشتتة إلاّ إذا لوحظت كشيء واحد ولو اعتباراً، ونظيره الصلاة فإنّ الأمر الواحد الّذي تعلّق بالصلاة كاشف عن وجود وحدة في جانب المتعلّق بحيث يجعل الأجزاء المتشتتة شيئاً واحداً وإن كان متصرماً حسب أجزاء الزمان، وهذا هو ملاك جريان الاستصحاب في الزمان والزمانيات.

مثلاً إذا شُك في أنّ عين الماء قد انقطع جريانها فالاستصحاب يقضي ببقائه وإن كان كل قطعة من الماء غير القطعة الأُخرى، وهكذا الكلام في تكلّم المتكلم إذا شك في بقائه فيستصحب رغم أن الكلام أمر متدرج متصرم فيستصحب بقاؤه.

ونظيرها الشك في قذف الدم من الرحم فيستصحب نفس الجريان إذا شك في الانقطاع.

وعلى ضوء ما ذكرنا فالأمر تعلق بشيء واحد وهو الهيئة الصلاتية الّتي


1 . الطريق المسلوك في حكم اللباس المشكوك: 39.


صفحه100

تفنى فيها هذه الأجزاء والشرائط بشكل تكون الهيئة الصلاتية ملحوظة بلحاظ استقلالي والأجزاء ملحوظة بلحاظ تبعي، فعلى هذا فلو كان غير المأكول وصفاً للصلاة يمكن استصحاب بقاء الصلاة على تلك الحالة بشرط أن يكون الشك طارئاً في أثناء الصلاة لا في أوّلها.

وأمّا الشق الثاني فهو كون الصلاة عبارة عن التوجّه الخاص وهو أمر وحداني باق إلى آخرها، وما أفاد من أنّ التوجّه إلى الله في حال الركوع الّذي نشك في وقوع غير المأكول في تلك الحالة غير التوجّه الخاص في حال القراءة الّذي نقطع بعدم وقوعه فيه، غير تام، لما عرفت من أنّ وحدة الأمر أو وحدة الإرادة فرع وحدة المتعلّق والمراد، فيجب أن يكون التوجّه المستمر ملحوظاً بنحو تفنى فيه الأجزاء والشرائط الّتي تقارنه، ولذلك توصف الصلاة بالأثناء، وما هذا إلاّ لأنّ لها بقاء عرفياً كسائر الزمانيات.

***

كلام للمحقّق الهمداني

ثم إنّ للمحقّق الهمداني كلاماً في المقام لا بأس بنقله وتحليله، قال: لو استفيد من أخبار المنع أنّ المعتبر في الصلاة هو أن لا يستصحب المصلّي وقتَ ما يصلّي شيئاً ممّا لا يؤكل لحمه، بحيث يكون عدم الاستصحاب صفة معتبرة في المصلّي، يمكن إحرازه بالأصل، فإنّ المصلّي قبل تلبّسه بالمشكوك لم يكن مستصحباً لغير المأكول فيستصحب حالته السابقة الّتي أثرها جواز الدخول في الصلاة .


صفحه101

كما أنّه لو استفيد من الأدلّة اعتباره صفة في لباس المصلّي بأن يكون مفادها أنّه يشترط فيما يلبسه المصلّي أن لا يكون من غير المأكول ولا مصاحباً لغير المأكول، جرى الأصل بالنسبة إلى ما على الثوب من الشعرات الملقاة أو الرطوبات المشتبهة لا بالنسبة إلى أصله لو كان من حيث هو مشتبه الحال .

ثم أورد عليه وقال: إنّ المتبادر من الأدلّة إنّما هو اعتباره في الصلاة فانّ المتبادر من المنع عن الصلاة في غير المأكول هو المنع عن إيقاع الصلاة فيه لا عن استصحابه حال الصلاة أو عن مصاحبته للباس فهي بمقتضى ظواهر الأدلّة من قيود نفس الصلاة لا المصلّي أو لباسه كي يمكن إحرازه بالأصل في صورة الشكّ، ولا أقلّ من إجمال الأدلّة وعدم ظهورها في كونه قيداً للمصلّي أو لباسه حتّى يدّعى إمكان إحرازه بالأصل ومجرّد احتماله غير مُجد في مقام الإطاعة كما هوواضح .

ثم أجاب عن الإشكال وقال: إنّه مبني على اعتبار عدم استصحاب غير المأكول قيداً إمّا للصلاة أو للمصلّي أو لما يصلّي فيه، وهو عبارة أُخرى عن الاشتراط، فهذا التفصيل إنّما يتجه على تقدير استفادة الشرطية من الأخبار الناهية عن الصلاة في غير المأكول .

وأمّا إذا قلنا بأنّ مفادها ليس إلاّ مانعية لبس غير المأكول أو مطلق التلبّس به عن صحّة الصلاة، فلا مجال لهذا الكلام فإنّ عدم استصحاب غير المأكول على هذا التقدير لم يؤخذ قيداً في شيء من المذكورات، إذ لا أثر لعدم المانع من حيث هو فإنّ المانع ما كان وجوده مؤثراً في البطلان لا عدمه


صفحه102

دخيلاً في الصحّة، فتسمية عدم المانع شرطاً مسامحة، كيف وقد جعلوه قسيماً للشرط. فالمعتبر في الصلاة أن لا يوجد المانع عنها حين فعلها، فعدم وجود المانع حال فعل الصلاة هو المعتبر في صحتها وهو موافق للأصل لا أن اتّصافها بوجوده، مانع لكي يقال إن هذا ممّا ليس له حالة سابقة حتّى تستصحب .(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الأمر بالمركّب فرعُ أن يكون بين أجزائه وحدة تضم الأجزاء بعضها إلى بعض، فالمراد بالوحدة هي الوحدة بالمعنى الحرفي المندك في الأجزاء حتّى تجعل الكثيرات شيئاً واحداً قابلا لتعلّق أمر واحد، وعلى ضوء ذلك فلا يصح أن يقال: إنّ الموضوع هو اللباس وعدم المأكولية على نحو يفقد الأوّل الصلة بالثاني أو بالعكس، بل يجب أن يكون بين الجزأين صلة وارتباطاً تجعلهما شيئاً واحداً، ومن المعلوم أنّ المركّب بهذا المعنى لا سابقة له .

وكأنّ المحقّق الهمداني زعم أنّ الموضوع هو اللبس منفكاً عن غير المأكول وبالعكس، ولعل كلامه (قدس سره)صار سبباً لتقرير الاستصحاب على نحو العدم الأزلي الّذي يكون فيه القيد العدمي منعزلاً عن الوصفية والصلة بالجزء الأوّل، وهذا هو الّذي سلكه السيد الخوئي في المقام، وإليك تقريره .

تقرير الاستصحاب بوجه آخر

ما عرفت من التقريرات الثلاثة للاستصحاب هو المعروف بين


1 . مصباح الفقيه: 127، الطبعة الحجرية.


صفحه103

القائلين بالصحّة، والجميع جدير بالاعتماد يستحسنه الذوق الفقهي، ويعدّه العرف من مصاديق قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك».

وهناك تقرير آخر للاستصحاب يعبر عنه باستصحاب العدم الأزلي .

وفيه آراء وأقوال :

1. كونه حجّة مطلقاً، وهو خيرة المحقّق الخراساني في الكفاية عند الشك في قرشية المرأة، وتبعه كذلك السيد الخوئي في رسالته في اللباس المشكوك وتعليقاته على أجود التقريرات.

2. عدم الحجّية مطلقاً، وهو خيرة سيد مشايخنا البروجردي في درسه الشريف وتبعه السيد الأُستاذ (قدس سره).

3. التفريق بين القيد المقسم كتقسيم المرأة إلى القرشية وغير القرشية فلا يجري فيه، والقيد المقارن كما إذا قال: أكرم العالم عند مجيء زيد، فإنّ مجيء زيد قائم به لا بموضوع الحكم، أعني: العالم، ولأجل ذلك يعد الكل من المفارقات، ويجري فيه .

وتظهر حقيقة الحال إذا درسنا القول الأوّل على ضوء ما أفاده السيد الخوئي في رسالته وتعليقاته، وقد أوضح مختاره بأُمور والمهم أمران :

الأوّل: إذا كان عدم الوصف مأخوذاً فيما يترتب عليه الحكم بنحو النعتية فلا مجال لجريان الاستصحاب وإحراز الموضوع بضم الوجدان إلى الأصل، إلاّ فيما كان العدم بوصف النعتية مسبوقاً باليقين، فإذا فرضنا أنّ موضوع الحكم هي المرأة غير القرشية وشك في امرأة أنّها قرشية أو غيرها


صفحه104

فلا يجدي استصحاب عدم تحقّق وصف القرشية، وهذا بخلاف ما إذا أخذ عدم الوصف في الموضوع بنحو العدم المحمولي، فإنّه يصح حينئذ استصحاب عدمه وضمه إلى الوجدان في ترتب الأثر على المركب منها.(1)

الثاني: أنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، فإذا أخذ في الموضوع المركّب منه ومن معروضه فلا بد وأن يكون ناعتياً وأمّا عدم العرض فهو وان كان بعدمه لموضوعه بمعنى أنّ العرض إذا لم يتحقّق لا تتحقّق النسبة الثبوتية والناعتية الإيجابية قهراً، إلاّ أنّه لا يلزم أن يكون نعتاً بأن يلاحظ النسبة بينه وبين الذات كما في طرف الوجود، فعدم قيام زيد إنّما هو بعدم نسبته إلى زيد لا بانتساب العدم إليه ضرورة أنّ ما يكون متقوماً بالمحل ومحتاجاً إليه هو وجود العرض لا عدمه، فالربط مأخوذ في طرف الوجود لا العدم فإنّ العدم يكون بعدم النسبة، بل بعدم الموضوع أيضاً .

ومن هنا يظهر أنّ أخذ عدم العرض في الموضوع ليس على حد أخذ وجوده فيه من لزوم كونه رابطياً، بل لا معنى لارتباط العدم بشيء إلاّ بأخذ خصوصية فيه ملازمة لعدم العرض، وإلاّ فلا معنى لانتساب العدم وارتباطه فإنّهما من شؤون الوجود .(2)

إذا عرفت ذلك فنقول: إذا استثنيت القرشية من المرأة أو غير المأكول من الصوف، فغاية ما هناك تضييق إطلاق الدليل بالقياس إلى حال عدم الوصف المزبور، وأمّا اعتبار النسبة بين الذات والعدم فهو خارج عن مدلول


1 . رسالة في اللباس المشكوك: 52 .

2 . رسالة في اللباس المشكوك: 56 ـ 57 .


صفحه105

الدليل، وعلى هذا إذا فرضت ذات المرأة أو الصوف موجودة في الخارج وشك في تحقّق اتصافها بالقرشية أو بكونها من غير المأكول فمقتضى الأصل عدم تحقّقه، فيثبت الموضوع المركب من وجود الذات وعدم اتّصافه بالوصف .(1)

هذا خلاصة ما فصّله في الرسالة .

ولكنّه أوضح مرامه في تقريراته، فمن أراد فليرجع إليها.(2)

أقول: إنّ مرجع ما ذكره هو تركّب الموضوع من أمر وجودي محرز بالوجدان وهو المرأة، وأمر عدمي يحرز بالأصل دون أن يكون بينهما صلة بجعل الثاني وصفاً أو قيداً للأوّل، وكأنّ الموضوع في لسان الشرع كالآتي في لساننا :

«1. المرأة .

2. لم تكن قرشية .

تحيض إلى خمسين» ومن المعلوم أنّ الأمرين الأوّلين مالم يكن بينهما اتّصال، لا يصلحان أن يقعا موضوعاً لأمر واحد ضرورة أنّ وحدة الحكم كاشفة عن وحدة الموضوع، فلابدّ أن يكون في الموضوع وحدة آلية تجعل الشيئين الأجنبيين أمراً واحداً، وعندئذ ترجع السالبة المحصّلة إلى موجبة سالبة المحمول. فيكون الموضوع : المرأة التي هي لم تكن قرشية،


1 . رسالة في اللباس المشكوك: 58 ـ 59 .

2 . المحاضرات: 5 / 332 ـ 336.


صفحه106

تحيض إلى خمسين، ومن الواضح أنّها تفقد الحالة السابقة.

ونظيره المقام فإنّ الموضوع هو الصوف إذا لم يكن لغير المأكول تجوز الصلاة فيه، ومن المعلوم أنّه يفقد الحالة السابقة.

ثم إنّ ما ذكره في مورد المرأة المشتبهة مقتبس ممّا ذكره المحقّق الخراساني في كفايته حيث قال فيها: إنّ النص ورد على أنّ المرأة ترى الحمرة إلى خمسين إلاّ القرشية، فالمخصص متصل لكنه بصورة الاستثناء فليس له دور إلاّ إخراج القرشية من دون تقييد موضوع العام بقيد، غاية الأمر يجب أن يحرز عدم عنوان المخصص، ويكفي في ذلك استصحاب عدم القرشية للمرأة المرددة، فيكون المورد من الموارد الّتي تثبت أحد الجزأين بالوجدان والآخر بالأصل. ومثله ما إذا كان المخصص منفصلاً كما إذا قال: المرأة ترى الحمرة إلى خمسين عاماً ثم ذكر بعد فترة: القرشية ترى الدم إلى ستين. (1)

وبذلك تبيّن أنّ نظريته مبنيّة على أمرين:

الأوّل: أنّ التخصيص المتصل بصورة الوصف أو بصورة القضية الموجبة المعدولة يُنوع العام ويجعل الموضوع مركباً من جزأين، ومن المعلوم أنّه لا يمكن إثبات القيد الوجودي بالأمر العدمي.

الثاني: أنّه إذا كان المخصص متصلاً بصورة الاستثناء أو منفصلاً لا يضفي للعام تنويعاً ولا يوجب تركّب الموضوع، بل العام باق على عمومه


1 . كفاية الأُصول: 223، بتصرف منّا.


صفحه107

غاية الأمر يجب أن لا يصدق عليه عنوان المخصص، فعندئذ يكفي استصحاب عدم قرشية المرأة بعدم تحقّق الانتساب بينها وبين قريش فيكون باقياً تحت العام محكوماً بحكمه.

وحصيلة الكلام: أنّه إذا كان العام معنوناً بقيد وجودي لا يمكن استصحابه، وأمّا إذا كان معنوناً بقيد عدمي فيجري فيه الاستصحاب. هذا خلاصة مرامه.

أقول: يقع الكلام تارة في مقام الثبوت، وأُخرى في مقام الإثبات .

أمّا الأوّل: فمن الواضح أنّه لا يمكن أن يبقى الموضوع بعد التخصيص على سعته وشموله، وإلاّ يلزم أن يكون وجود التخصيص وعدمه سيان .

وبعبارة أُخرى: أنّ الإرادة الاستعمالية وإن كانت باقية على سعتها ولا يمس التخصيص بكرامتها، إلاّ أنّ الإرادة الجدية تتضيق وتنحسر عن السعة والشمول فلابد أن يكون الموضوع بعد التخصيص غيره قبله فيمكن تصويره عندئذ بإحدى الصور الثلاث:

1. الموجبة المعدولة: نحو المرأة غير القرشية ترى الدم إلى خمسين .

2. الموجبة السالبة المحمولة: نحو قولنا المرأة الّتي هي ليست قرشية ترى الدم إلى خمسين.

3. السالبة المحصّلة: نحو إذا لم تكن المرأة قرشية ترى الدم إلى خمسين.

فلو كان الباقي تحت العام هو القسمان الأوّلان فلا سابقة لهما،


صفحه108

لافتراض أنّ الموضوع موجبة معدولة أو موجبة سالبة المحمول. نعم لو كان الواقع تحت العام هو القسم الثالث لكان لجريان الاستصحاب وجه.

هذا كلّه في مقام الثبوت .

وأمّا الثاني (الأثبات): فالظاهر أنّ الباقي تحت العام بعد التخصيص هو أحد القسمين الأوّلين لا الثالث، وذلك لأنّ الحكم الوارد في القضية حكم إيجابي (ترى الدم...) ومن المعلوم أنّ القضية الموجبة لا تصدق إلاّ بوجود الموضوع فيجب أن يكون الموضوع هو المرأة المحقّقة الموجودة في الخارج عبر الزمان .

وأمّا السالبة فيمتنع أن تقع موضوعاً للرؤية، فلو قيل: إذا لم تكن المرأة قرشية، ترى الدم إلى خمسين فقد جُمع فيه بين نقيضين، لأنّ الموضوع بما أنّه قضية سالبة محصّلة يصدق مع عدم الوجود، ولكن المحمول (ترى) بما أنّه حكم إيجابي لا تصدق إلاّ مع وجود الموضوع فلا يمكن أن يكون الباقي تحت العام هو السالبة المحصّلة .

أضف إلى ذلك: أنّا نفترض أنّ الباقي تحت العام هو السالبة المحصلة ولكن القضية المتيقنة تغايرالقضية المشكوكة، فإنّ المتيقّنة منها هي السالبة الصادقة بانتفاء الموضوع، أي لم تكن المرأة موجودة فلم تكن قرشية، والمشكوكة هي القضية السالبة، الصادقة، بانتفاء المحمول مع وجود الموضوع، ومن المعلوم أنّ إسراء الحكم من القضية الأُولى إلى القضية الثانية إسراء للحكم من موضوع إلى موضوع آخر.

***


صفحه109

هذا كلّه حول القرشية وأمّا المقام فالمتبادر من الروايات التالية أنّ الموضوع لجواز الصلاة هو الموجبة المعدولة.

روى حسن بن علي الوشاء قال: كان أبو عبدالله (عليه السلام)يكره الصلاة، في وبر كل شيء لا يؤكل لحمه .(1) فالمتبادر من الحديث ـ بعد حمل الكراهة على الحرمة ـ هو حرمة الصلاة في وبر كل شيء لا يؤكل فالموضوع ـ حسب كون القضية موجبة معدولة ـ هو الصلاة في وبر حيوان لا يؤكل لحمه.

وما رواه إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إليه يسقط على ثوبي الوبر والشعر ممّا لا يؤكل لحمه من غير تقية ولا ضرورة، فكتب: لا تجوز الصلاة فيه. (2) فالمتبادر من الحديث هو انّه تحرم الصلاة في وبر وشعر ما لا يؤكل لحمه، فالموضوع إذاً هو الموجبة المعدولة أي وبر وشعر غير المأكول، فإذا كان الموضوع نحو الموجبة المعدولة فلا سابقة للموضوع حتّى يستصحب .

وكأنّ السيد الخوئي زعم أنّ الموضوع عبارة عن الوبر والشعر
في حال كونه ممّا لا يؤكل لحمه على نحو القضية الحينيّة بحيث لا
يكون الجزء الثاني عنواناً مقسماً ولا نعتاً بل كان من المقارنات، ومن المعلوم أنّ مثل هذا لا يتعلّق به الحكم الإيجابي أوّلاً، ولا تتعلّق به الإرادة الواحدة ثانياً، كما لا يتعلّق به الحكم الإنشائي، لأنّ المتشتتات المتفرقة ما لم


1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 5.

2 . الوسائل: ج 3، باب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 4 .


صفحه110

يكن بينها وحدة وانضمام لا تقع في أُفق الإرادة الواحدة والحكم الإنشائي كذلك.

***

6. السيرة العملية على إقامة الصلاة في المشكوك من الثوب.

7. لزوم العسر والحرج لولا الجواز.

8 . مقتضى إطلاق بعض الروايات عدم العبرة باحتمال كون الثوب ممّا لا يؤكل

كلّ ذلك انطلاقاً ممّا ذكره صاحب المستند، وقد مر كلامه ونعيده هنا. قال: ويؤيده بل يدل عليه عمل الناس، بل إجماع المسلمين، حيث إنّه لم يعلم كون أكثر الثياب ـ المعمولة من الصوف والوبر والشعر من الفراء والسقرلاب، وما عمل لغمد السيف والسكين ـ ممّا يؤكل جزماً ومع ذلك يلبسها ويصاحبها الناس من العوام والخواص في جميع الأمصار والأعصار ويصلّون فيه من غير تشكيك أو إنكار .

بل لولاه لزم العسر والحرج في الأكثر .(1) وسيوافيك كلامه في الأمر الثالث فانتظر.

نقد السيرة من المحقّق الآشتياني

إنّ المحقّق الاشتياني أورد على الاحتجاج بالسيرة بوجهين :


1 . مستند الشيعة: 4 / 317 .


صفحه111

1. المنع من أصل وجود السيرة المنتهية إلى زمان الأئمة(عليهم السلام)حيث إنّ وجود نوع هذه الألبسة في الأعصار السابقة غير معلوم، بل معلوم العدم في بلاد الإسلام .

2. لو افترضنا وجود السيرة فلعلّ وجهها غفلتهم عن هذا اللباس كما هو الغالب أو علمهم أو أطمئنانهم بكونها من المأكول وإلاّ كيف يُظن بأعاظم علماء الشيعة الذين هم أساس الشريعة أن يعملوا على خلاف آرائهم وكذا مقلّديهم من أهل الديانة والورع، بل قد عرفت من المدارك كون المنع ممّا قطع به الأصحاب .

مع أنّ المستدل ادّعى في كلامه عمل الخواص والعوام في كل عصر وزمان على لُبس الأثواب المشكوكة، فلابد من أن يحمل على تقديره تصديق أصل العمل، على ما ذكرنا في وجهه وهو أنّه لا تنافي أصلاً بين كون الفتوى عندهم عدم صحة الصلاة مع الشك في حال اللباس، وعدم حصول الشك لهم فيما يلبسونه من جهة غفلتهم أو علمهم بكونها من المأكول مع حملها من بلاد الكفر كما هو الشأن في زماننا بالنسبة إلى كثير ممّن يتداول لبس الألبسة المذكورة فإنّه يدّعي علْمَه بكونها من المأكول من جهة السؤال عمّن شاهد. وبالجملة هذا الوجه للعمل في كمال القرب .(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ من سبر الأخبار الواردة في بيان ما يجوز الصلاة فيه من اللباس (2) وما لا يجوز، يقف على وجود ألبسة متّخذة من جلود غير


1 . إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: 63 ـ 64 .

2 . يلاحظ : الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 2 ـ 10 .


صفحه112

المأكول وأوبارها ونحوهما من سائر أجزائها في زمان المعصومين(عليهم السلام)كما يقف على وجود ألبسة متّخذة من جلود المأكول وسائر أجزائها، فمن المعلوم أيضاً عدم تحقّق العلم بالنسبة إلى أغلب الناس في أعصارهم على حقيقة الألبسة وماهيّاتها. (1)

ولأجل أن لا يخلو كلام المُورد عن الشاهد، نذكر نموذجاً من الروايات:

روى بشير بن بشار قال: سألته عن الصلاة في الفنك والفراء والسنجاب والسمور الّتي تصاد ببلاد الشرك أو بلاد الإسلام أن أُصلّي فيه لغير تقية؟ فقال: «صلّي في السنجاب والحواصل الخوارزمية، ولا تصلّي في الثعالب ولا السمور ».(2)

فالمجتلب من بلاد الكفر كما يحتمل أن يكون غير مذكّى يحتمل أن يكون مذكّى لكن مأخوذاً ممّا لا يؤكل لحمه فلا يمكن نفي الشك في الثاني مع التصديق بوجود الشك في الأوّل .

ثم إنّ ما ذكره من لزوم التنافي بين السيرة على الجواز والإفتاء على المنع غير تام جداً، لما عرفت من أنّ المسألة غير معنونة في كلماتهم، وانّ أوّل من عنون هو المحقّق ثم العلاّمة، ولم يدل دليل على ذهاب القدماء قبل المحقّق إلى المنع، بل يحتمل أن تكون الفتوى بين القدماء على الجواز مطابقةً للسيرة.


1 . ازاحة الألتباس عن حكم المشكوك من اللباس: 32 .

2 . الوسائل: ج 3، الباب 3 من أبواب لباس المصلي، الحديث 4 .


صفحه113

نقد الاستدلال بالحرج للآشتياني

ثم إنّ المحقّق الآشتياني أورد على الاستدلال بأدلّة الحرج بما هذا لفظه : استدلّ غير واحد منهم على الجواز بلزوم الحرج الشديد من الاحتياط وترك اللبس رأساً أو النزع حال الصلاة مع كثرة التداول وشدة الابتلاء في هذه الأزمنة .

ثم أورد على الاستدلال بالمنع من لزوم الحرج من ترك لبس الثوب المشتبه، إذ توهّم لزومه إنّما هو من جهة الابتلاء باللّبس في هذه الأزمنة، وهذا الابتلاء كماترى إنّما هو باختيار المكلّف فلو بنى على ترك اللبس أو النزع حال الصلاة فأي حرج يلزم عليه، فإنّ أهالي الأعصار السابقة كانوا مستريحين عن لبس هذه الألبسة ولم يقعوا في حيص وبيص، فلو تبعهم أهالي سائر الأعصار لم يلزم عليهم نقص أصلاً، لا في دينهم ولا في دنياهم.(1)

أقول: الظاهر أنّ المحقّق الآشتياني نظر إلى الحياة البسيطة في بعض الأعصار وزعم أنّه لا يتوجّه الحرج إذا تُرِك الُلبس حال الصلاة أو نزع المشكوك، ولكنّه لو نظر إلى أعصارنا يقف على وجود الألبسة المشتبه في أسواق المسلمين من غير فرق بين المجلوب من بلاد الكفر أو الإسلام وهذا ما أوضحه المحقّق الأنگجي في رسالته وقال: إنّ الظاهر بل المتيقن اشتباه الحال في غالب الألبسة بالنسبة إلى أغلب المكلّفين في جميع الأزمنة من غير فرق بين زمان الشارع وزماننا هذا، ولو وجب الاجتناب عنها ونزعها


1 . إزاحة الشكوك عن أحكام اللباس المشكوك: 47 .


صفحه114

حال الصلاة للزم العسر الشديد والحرج الأكيد بالنسبة إلى أغلب المكلّفين، وليست اشتباه الحال في الألبسة مختصّاً بما يعمل في بلاد الكفر كالماهوت ونحوه حتّى يدّعى عدم وجود مثل هذا النوع في الأزمنة السابقة، إذ الاشتباه كما أنّه قد يقع في الألبسة المعمولة في بلاد الكفر كذلك يقع في المعمولة منها في بلاد الإسلام خصوصاً بلد المخالفين القائلين بجواز لبس جلود الثعالب والأرانب ونحوها، بل مطلق الجلود حتّى جلد الكلب ونحوه في الصلاة لا أقل من تحقّق احتمال المزج والتخليط، فإذا كثرت الثياب المعمولة من الصوف والشعر والوبر، فمن أين للمكلف العلم بأنها ممّا يؤكل لحمه صرفاً ولم يختلط بما كان ممّا لا يؤكل لحمه .(1)

فإن قلت: اتفقت كلمتهم بمنع لبس ما كان من الحرير مع احتمال مزج غيره فليكن المقام من هذا القبيل .

قلت: الفرق بين المقامين واضح، لأنّ الصلاة في الحرير علة تامة لفساد الصلاة فيه، والشك في المزج شك في وجود المانع، فيؤخذ بمقتضى العلة التامة كما هو الحال في نظرائه مثلاً إذا شك في جواز بيع الوقف، أو جواز النظر إلى المرأة المرددة بين الاجنبية وغيرها، أو بيع مال الصبي المردد بين كونه لصالح الصبي أو لا، ففي عامة الموارد لا تجري أصالة الصحة بل يحكم بالفساد حتّى يعلم بالخلاف، لأنّ العلم بنفس الموضوعات، علة تامة للفساد، فيؤخذ بها إلى أن يعلم خلافه.

وأمّا المقام فليس لبس الثوب المتخذ من الصوف علةً تامةً للفساد،


1 . إزاحة الالتباس عن حكم المشكوك من اللباس: 34 ـ 35 .


صفحه115

لأنّ لبس الثوب أمر مشترك بين الصحة والفساد. فلا يوجب العلم به، علماً بالفساد.

إلى هنا اتّضح أنّ السيرة المستمرة بين المسلمين ولزوم الحرج عند ترك اللبس من الأدلة المفيدة للاطمئنان بالحكم بالجواز .

نعم بقي إشكال للتمسّك بدليل الحرج نشير إليه تالياً.

كلام ثالث للمحقّق الآشتياني

إنّ المحقّق الآشتياني أورد على التمسّك بدليل الحرج إشكالاً ثانياً، وهو انّه لا ينبغي الإشكال في أنّ الحكم المنفيّ بأدلّة نفي العسر والحرج، يمنع لزوم الحرج بحسب الموارد الشخصية في حقّ أشخاص المكلّفين وحالاتهم الجزئية، فلو فرض لزوم الحرج من الالتزام بحكم حسبَ دليله في حق مكلّف دون غيره فلا يقتضي دليل نفيه نفيه عمّن لا حرج في حقّه أصلاً، كما أنّه لو لزم من ثبوته في بعض حالات المكلّف دون بعضها لم يحكم بنفي الحكم بالنسبة إلى الحالتين، وهذا معنى اعتبار الحرج الشخصي في كلماتهم في قبال الحرج النوعي والغالبي.

ومن هنا استشكلنا في التمسّك بدليل نفي الحرج في الشبهة غير المحصورة للحكم بعدم وجوب الاحتياط فيها على الإطلاق مع عدم لزومه إلاّ في الجملة.

كما استشكلنا في التمسّك به للحكم بعدم وجوب الاحتياط عند انسداد باب العلم في غالب الأحكام بالنسبة إلى جميع محتملات التكليف مع عدم لزومه إلاّ في الجملة، حسب ما حرّرنا القول فيه في محلّه تبعاً


صفحه116

لشيخنا الأُستاذ العلاّمة (قدس سره)، وهذا الّذي ذكرنا جار في كلّ مورد جعل لزوم العسر فيه علّة لرفع الحكم عنه.(1)

وأجاب عنه المحقّق الأنگجي بأنّ مرادهم بلزوم الحرج، لزوم الحرج النوعي من جعل هذا التكليف ابتداءً، ولا ريب في أنّ المدار في نفي التكاليف الابتدائية وعدم جعلها، على الحرج النوعي بمعنى كون الحرج الغالبي حكمة لعدم جعل الشارع تلك الأحكام الحرجية، إذ من المعلوم أنّ نظر الشارع في الأحكام الشرعية إثباتاً أو نفياً إلى نوع المكلفين دون اشخاصهم.(2)

توضيحه: أنّه لو ثبت أصل التكليف كإيجاب الوضوء أو الغسل عند الصلاة يتحدّد الحكم الشرعي بعدم الحرج شخصياً، ففي الهواء البارد لو كان التوضّؤ بالماء البارد حرجياً لشخص دون شخص يختار كلّ مكلّف ما هو المقدور له بلا حرج، ولمّا كان التوضّؤ للأوّل منهما حرجيّاً، يعدل إلى البدل له فيتيمّم دون الثاني لعدم كونه حرجيّاً له، وأمّا إذا لم يثبت الحكم الشرعي كما هو الحال في المقام ـ أعني : لزوم الاجتناب عن غير المأكول في حال الصلاة عند الشك ـ فليس هناك حكم شرعي قطعي حتّى يتحدّد في مقام التطبيق في الحرج الشخصي، بل الكلام في نفس ثبوت الحكم وتشريعه، ففي هذه الصورة يصحّ نفي هذا الحكم المشكوك بالحرج النوعي.

***


1 . إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: 39 ـ 40 .

2 . إزاحة الالتباس عن حكم المشكوك من اللباس: 36 .


صفحه117

9. الاستدلال على الجواز بإطلاق بعض الروايات

1. كما استدلّ القائل بالمنع بما في موثقة ابن بكير من: «أنّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله، فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلي في غيره ممّا أحل الله أكله». (1) فإنّ إطلاق الحديث يعم المعلوم والمشكوك إذا كان في الواقع من إجزاء ما لا يؤكل.

ولمّا استدلّ القائل بإطلاق هذا الحديث، أجاب عنه صاحب المستند وحاصله: أنّ إطلاق هذه الرواية يعارض إطلاق سائر الروايات، فيتساقط الإطلاقان في المجمع، فيرجع إلى الأصل لا إلى الإطلاق وإن كانت النتيجة واحدة، وإليك نصه: إنّ الأخبار المصرّحة بجواز الصلاة في الجلود الّتي تشترى من سوق المسلمين (2)، وفيما يصنع في بلد كان غالب أهله من المسلمين من غير مسألة (3) تعارض الموثقة، وتعارضها بالعموم من وجه، والأصل مع الجواز كما عليه جماعة ممّن تأخّر منهم الأردبيلي وصاحب المدارك والخوانساري والمجلسي ووالدي العلاّمة(رحمه الله). (4)

توضيح التعارض هو أنّ مقتضى دليل المنع عدم جواز الصلاة فيما لا يؤكل لحمه مطلقاً، سواء أكان مأخوذاً من سوق المسلمين أو ممّا صنع في بلادهم أو لم يكن كذلك .


1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 3، الباب 55 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3 .

3 . الوسائل:ج3، الباب 55 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3.   4. المستند:4/316ـ317.


صفحه118

ومقتضى الطائفة الثانية هو جواز الصلاة في الجلود الّتي تشترى من سوق المسلمين أو فيما يصنع في بلدهم، سواء أكان من غير المأكول في الواقع أو من الميتة أو لم يكن منهما فيتعارضان في غير المأكول واقعاً إذا كان مأخوذاً من سوق المسلمين أو معمولاً في بلدهم مع عدم علم المكلف بحاله (فيتعارضان في المجمع) فيرجع فيه إلى أصالة الجواز .(1)

وأورد عليه المحقّق الآشتياني بأنّه لا ريب ولا إشكال في اختصاص ما جُعِلَ يد المسلم وسوق الإسلام دليلاً عند الشك في الأخبار، في الشك بالتذكية لحماً وجلداً، فلا تعلّق بالشك في مفروض البحث، فإنّه من حيث الشك في حلية ما أُخذ منه الجلد أو الصوف أو الوبر المعمول منها اللباس وإن علم بجريان التذكية الشرعية عليه فلا مغني للتشبث بالأخبار المذكورة في مفروض المقام كما صنعه بعض أفاضل من قارب عصرنا.(2)

أقول: ما ذكره وإن كان هو الظاهر من قسم من روايات الباب إلاّ أنّ قسماً منها لا يخلو من إطلاق يعم كلتا الحالتين: الشك في التذكية وعدمها، والشك في كونه مأكولاً وعدمه، فكأنّ سوقَ المسلمين أمارة على التذكية أوّلاً وكونه مأكولاً ثانياً. وإليك ما يمكن أن يكون ناظراً إلى المقام أيضاً :

1. ما رواه المعلى بن خنيس قال: سمعت الصادق (عليه السلام)يقول: «لا بأس بالصلاة في الثياب الّتي تعملها المجوس والنصارى واليهود». (3) ومقتضى


1 . إزاحة الالتباس عن حكم المشكوك من اللباس: 37 .

2 . إزاحة الشكوك في أحكام اللباس المشكوك: 35 ـ 36 .

3 . الوسائل: ج 2، الباب 73 من أبواب النجاسات، الحديث 2 .


صفحه119

إطلاق الحديث عدم العبرة باحتمال كون الثوب من غير المأكول. لأنّهم لا يفرقون بين المأكول وغير المأكول كما لا يفرقون بين المذكى وغيره .

2. ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبّة فرا، لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلّي فيها؟ فقال: «نعم ليس عليكم المسألة، انّ أبا جعفر (عليه السلام)كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إن الدين أوسع من ذلك». (1)

والعبرة بالتعليل الوارد فيه فإنّ الاجتناب عمّا يشك أنّه من غير المأكول إذا كان مأخوذاً من سوق المسلمين ينافي أوسعية الدين، فلازمها هو عدم الاجتناب عن المشكوك مطلقاً، سواء أشك في تذكيته أو مأكوليته.

3. ما رواه محمد بن الحسين الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الفرو يُشترى من السوق؟ فقال: «إذا كان مضموناً فلا بأس». (2) ولعلّ المراد بالمضمون ضمان البائع بالتذكية وإخباره عنها عن علم، وهذا الشرط مستحب إذا اشترى من سوق المسلمين.

ومع ذلك كله ففي النفس من الاستدلال بالروايات شيءٌ وهو أنّ سوق المسلمين إنّما يكون أمارة على التذكية لاتّفاقهم على نجاسة الميتة، وأمّا كونه أمارة على أنّه أخذ من المأكول فبعيد جداً، لأنّ الأغلبية في ذلك العصر كانت يشكّلها أهل السنّة والجماعة وهم لا يرون فرقاً بين المأكول وغير المأكول في جواز الانتفاع بهما في الصلاة وغيرها.


1 . الوسائل: ج 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 3 .

2 . الوسائل: ج 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 10 .


صفحه120

نعم في بعض الروايات فسر الذكي بالمأكول، روى علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)وأبا الحسن (عليه السلام)عن لباس الفراء والصلاة فيها؟ فقال: «لا تصل فيها إلاّ في ما كان منه ذكياً» قال. قلت: أو ليس الذكي ممّا ذكي بالحديد؟ قال: «بلى إذا كان ممّا يؤكل لحمه» (1)، فلو صحّ هذا الحديث سنداً أمكن أن يكون قرينة على شمول أكثر روايات الباب للمشكوك من جهة جواز الأكل، حيث إنّ الذكي عبارة عن خصوص تذكية ما يؤكل لحمه .

***

إلى هنا تبيّن أنّ القائلين بالجواز استدلّوا على مختارهم بالوجوه التالية:

1. أصالة البراءة.

2. أصالة الحلّية.

3. أصالة الطهارة.

4. استصحاب عدم الحرمة قبل الشرع.

5. الاستدلال بالأصل الموضوعي، وقد قرر بوجوه مختلفة.

6. السيرة العملية على إقامة الصلاة في المشكوك من الثوب .

7. لزوم العسر والحرج لولا الجواز.

8. إطلاق بعض الروايات على القول بشمولها للمشكوك في المقام .

ولعل المجموع من حيث المجموع يشرف الفقيه على أنّ القول بالجواز أظهر من القول بالمنع والاحتياط .


1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 2 .


صفحه121

 

خاتمة فيها مسائل

الأُولى: لو صلى في ثوب مشكوك وقلنا بجواز الدخول في الصلاة والحالة هذه ثم ظهر كونه مأخوذاً من غير المأكول فالصلاة صحيحة وذلك بوجهين:

الأوّل: إذا دلّت الأدلّة السابقة على جواز الدخول في الصلاة مع الشك، فهو يكشف عن أنّ المانع هو المعلوم لا ذات غير المأكول واقعاً فتكون الصلاة جامعة لعدم المانع، ومعها يسقط الأمر لانطباق عنوان الصلاة المأمور به على ما أتى، وقد قام الإجماع على عدم وجوب صلاتين لشخص واحد في زمان واحد.

وعلى ضوء ذلك قلنا بالإجزاء فيما إذا صلّى في ثوب مشكوك الطهارة والنجاسة المحكوم بالطهارة ظاهراً وإن بان كونه نجساً في الواقع، وذلك لأنّ قاعدة الطهارة صارت حاكمة على دليل الشرط ـ أعني: قوله مثلاً: صلِّ في طاهر ـ لأنّ قاعدة الطهارة صارت سبباً لسعة الشرط (الطهارة) وأنّه عبارة عن الأعم من الطهارة الواقعية أو الظاهرية.

الثاني: ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبدالله قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال: «إن كان لم يعلم فلا يعيد ».(1)


1 . الوسائل: ج 2، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 5 .


صفحه122

فإذا صحّت صلاته في جزء نجس من غير المأكول، فلتكن صحيحة فيما إذا صلّى في جزء منه وهو طاهر.

ولعلّ العلاّمة المجلسي اعتمد على هذه الرواية وغيرها وأفتى بالصحّة فيما إذا صلّى بغير المأكول جهلاً أو نسياناً قال :

ثم اعلم أنّ الظاهر من الأدلّة أنّ الجاهل والناسي في سائر الشروط حكمهما عدم الإعادة في الوقت وخارجه كالمصلّي في الميتة أو الحرير أو الجلد أو جلد ما لا يؤكل لحمه أو الساجد على النجس، أو ما لا يصح السجود عليه، أو المصلي مكشوف العورة، وغير ذلك إلاّ في استقبال القبلة(1).

الثانية: لو غفل عن حال ثوبه ودخل في الصلاة والتفت في الأثناء إلى أنّه ممّا لا يؤكل لحمه فإن تمكّن من نزع الثوب أو طرح المحمول من دون أي عمل ينافي الصلاة فليعمل كذلك.

ولو لم يتمكن إلاّ بقطع الصلاة أو إيجاد المنافي فإن كان الوقت وسيعاً فليفعل، وأمّا لو ضاق الوقت فالظاهر إتمام الصلاة وإعادتها خارج الوقت.

الثالثة: لو كان له ثوبان فعلم بكون أحدهما من المأكول والآخر من غيره ولم يكن له ثوب ثالث غير مشتبه، يصلّي في كليهما تحصيلاً للبراءة اليقينية، وليست الصلاة في غير المأكول حراماً بالذات بخلاف المغصوب، فلو دار الأمر في ثوب مردد بين كونه المغصوب أو الآخر فلا يجوز له


1 . بحار الأنوار: 83 / 273 ، باب حكم الناسي .


صفحه123

الصلاة في كلا الثوبين، تحصيلاً للبراءة اليقينية.

الرابعة: لا إشكال في أنّ إخبار الفقيه عن الموضوع الخارجي كإخباره مثلاً بأنّ اللباس الفلاني من المأكول من باب الشهادة ـ لا من باب الإفتاء ـ فيجب اجتماع شروط الشهادة في المورد من تعدّد الشاهد وكون علمه مستنداً إلى الحس.

نظير ذلك ما لو أخبر الفقيه بأنّ الصدف نبات بحري فهو من باب الشهادة لا الإفتاء.

الخامسة: لا فرق في بطلان الصلاة فيما لا يؤكل، بين الساتر وغيره كما في موثقة ابن أبي بكير: «إن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد»، (1) فإطلاق الرواية يعم الساتر وغيره ما دام يصدق على غير الساتر أنّه صلّى في وبر ما لايؤكل وشعره وجلده وبوله وروثه.

السادسة: لو وقف في أثناء الصلاة على كون الثوب الساتر ممّا لا يؤكل لحمه ولم يبق من الوقت إلاّ مقدار أربع ركعات فلو أتّم الصلاة والحال هذه تقع الصلاة كلها في الوقت، وأمّا لو قطع وتستر بساتر غيره أو نزع ما لا يجوز الصلاة فيه وحصّل ساتراً غيره فأراد الصلاة فلا يدرك من الوقت إلاّ ركعةً فما هي الوظيفة؟

فهل يقدّم الأوّل نظراً إلى أهمية الوقت في نظر الشارع، أو يقدّم الثاني


1 . الوسائل: ج 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 1 .


صفحه124

لأنّ من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت جميعاً مع كون الساتر مباحاً؟ وجهان. والأقوى هو الأوّل.

نظير هذه المسألة ما لو دار الأمر بين تحصيل الساتر ولا يدرك من الوقت إلاّ ركعة واحدة، وبين الصلاة عرياناً مع إدراك الوقت جميعاً.

ومثل هاتين المسألتين ما لو دار الأمر بين الصلاة في الوقت مع فقد بعض الشروط وتحصيل جميع الشروط مع إدراك ركعة، فهل يقدّم الوقت مع فقد سائر الشروط، أو يقدّم سائر الشروط مع إدراك الوقت ركعة؟

الظاهر أنّ قاعدة «من أدرك» منصرفة عن هذه المواقع وإنّما هي ناظرة إلى مَنْ طرأت له هذه الحالة، وأمّا من يريد بقطع الصلاة إيجاد تلك الحالة بنفسه فالقاعدة لا تشمله .

***


صفحه125

الرسالة السابعة بعد المائة

رسالة إلى الدكتور عبدالوهاب

إبراهيم أبوسليمان في رؤية الهلال


صفحه126


صفحه127

فضيلة الأُستاذ الفذ الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان

دامت معاليه، وتواترت بيض أياديه

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

وصلتني ـ وصلكم اللّه ـ رسالتكم القيّمة حول إثبات رؤية الهلال ووقفت على ما فيها من جلائل الحقائق وأبهى النظريات، وأعجبني ما أبديتم من الرأي حول علم الفلك في العصر الحديث وقلتم: «بأنّه بلغ من الدقة حدّاً لم يبلغه في العصور السابقة، واكتشف من العوالم الكونية ما لم تعرفه الإنسانية في الماضي، ولذا فإنّه من المفترض أن يستفيد منه المسلمون مما يعينهم في أُمور دينهم ودنياهم».

وداعيكم يؤيد هذه النظرية تماماً، وأنّ ما ورد من النهي عن التنجيم منصرف إلى القواعد الظنية غير المفيدة للعلم خصوصاً فيما يرجع إلى تَنبُّئِهم عن المغيّبات من وقوع الحرب والصلح والغلاء والسيول وموت الفجأة وغير ذلك.

ويترتّب على هذا الأساس أنّه لو اتّفق المنجّمون على عدم إمكان رؤية الهلال لا يعتد بشهادة نفر أو نفرين بل أكثر وتُحمل شهادتهم على خطأ الباصرة وتوهم الرؤية، وهنا حديث روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)ننقله في المقام ربما يؤيد ذلك الموقف.


صفحه128

قال الراوي قلت له : كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: «إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلا تؤدّوا بالتظنّي، وليست رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علّة أقلّ من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر».(1)

وهذا يدفعنا إلى الاحتياط التام في إثبات الهلال خصوصاً إذا كانت السماء صحوة ولم يكن فيها علة فلا يجوز للحاكم أن يحكم بدخول الشهر بشهادة أفراد قليلين، إذ لو كانوا صادقين فربما تكون شهادتهم مستندة إلى خطأ الباصرة. حيث إنّ المشاهد من شدّة رغبته إلى رؤية الهلال ربما يتخيل أنّه رآه، كما يرى العطشان السراب ماءً.

فعلى هذا يُحتج باتّفاق الفلكيين على عدم إمكان الرؤية على ضد مَن يدّعي الرؤية عندما تكون الرؤية حسب القواعد العلمية القطعية غير ممكنة.

نعم لايحتج بقولهم في ثبوت الهلال وأنّ الليلة أوّل الشهر، لأنّ الصوم والإفطار معلّقان على الرؤية، لا على العلم بوجود الهلال في السماء، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وروي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام): «صم للرؤية وأفطر للرؤية»، فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ قول الفلكيين حجّة في مورد دون مورد.


1. الوسائل: ج 4، الباب11 من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث10.


صفحه129

1. حجة فيما إذا اتفقوا على عدم إمكان الرؤية وعدم تولّد القمر لأجل عدم ابتعاده عن ضوء الشمس بمقدار يخرجه عن تحت شعاعها، ولو ادّعيت الرؤية فلا يعتدّ بها.

2. وليس بحجّة إذا ادّعوا إمكان الرؤية وخروجه عن تحت الشعاع ولكن لم تمكن رؤيته، مع تصدّي جماعة لاستهلال الهلال.

***

ثمّ هل الحجّة الرؤية المباشرة بالعين المجردة، أو أعمّ منها ومن الرؤية بمساعدة الأجهزة المقرّبة؟

وبعبارة أُخرى: هل الحجة الرؤية بالعين غير المسلحة أو أعم منها ومن الرؤية بالعين المسلّحة؟

يظهر من سماحتكم انّ الحجّة هي الأعم كما قلتم في ص 19 : المراد بالرؤية، الرؤية المباشرة بالعين المجردة أو بمساعدة الأجهزة المقرّبة، والمكبّرة كالنظارات والنواظير وأجهزة المراصد، لانّ الرؤية من خلال هذه الوسائل رؤية حقيقية، فتدخل في الرؤية في الأحاديث.(1)

وهناك أسئلة تطرح لعل عند سماحة الشيخ أجوبة شافية لها:


1. الرسالة:19.


صفحه130

1. التخيير بين الأقل والأكثر أمر لغو

إنّ لازم هذا القول هو التخيير بين الأقل والأكثر وهو أمر لغو.

توضيحه: إنّ التخيير بين الأقل والأكثر في عالم التشريع غير صحيح، لكون مثل هذا التشريع لغواً لا يصدر من الحكيم فلو قال: اغسل ثوبك من البول ، تكفيك مرة، ثم قال: اغسل ثوبك من البول تكفيك ثلاث مرات، فلا يصحّ أن يجعل الشارع المرة الأُولى مطهّرة وفي الوقت نفسه أن يجعل الثلاثة مطهرة أيضاً، لأنّ الثوب بالغسلة الأُولى صار طاهراً وليس نجساً حتى يطهر بثلاث مرات. نعم يمكن استحباب الغسل ثلاثاً، لابتغاء تأكيد النظافة، ولكن لا يمكن أن تُعدّ المرات الثلاث مطهرة بمعنى أنّ الثوب كان قبله نجساً وصار طاهراً بثلاث دفعات.

وهذه هي القاعدة الأُصولية، فنسأل عن قولكم: «الرؤية المباشرة بالعين المجردة أو بمساعدة الأجهزة»، فهل الشارع جعل كل واحد من السببين موجباً للصوم والإفطار أو جعل واحداً منهما؟

لا سبيل إلى الثاني حسب نظركم، فتعيّن الأوّل فنقول: كيف يكون كلٌّ موجباً للصوم والإفطار مع أنّ الرؤية بمساعدة الأجهزة متقدّمة يوماً ـ على الأقل ـ على الرؤية المجرّدة، فلا يبقى مجال للسبب الثاني. وعلى ضوء ذلك لا يمكن أن يجعل الشارع كلا السببين حجّة مع لغوية إحدى الحجّتين لتأخّر الثانية زماناً عن الحجّة الأُخرى دائماً.

ويمكن أن يقال: إنّ اللغوية ترتفع بأحد وجهين:


صفحه131

1. أنّ الرؤية المباشرة بالعين المجردة للمناطق المتخلّفة، والرؤية بمساعدة الأجهزة للمناطق المتحضّرة.

2. أنّ العبرة بالسبب الأوّل راجعة للقرون السابقة، ولكنّ الاعتبار بالسبب الثاني للعصر الحاضر.

وأنت خبير بأنّ كلاًّ من الوجهين لا يمكن أن ينسب إلى الشرع المقدس الذي يعم حكمه على الجميع بشكل واحد وعلى البشرية في عامة القرون بنظر واحد.

وهذا الوجه ـ أي امتناع التخيير بين الأقل والأكثر ـ يصد الفقيه عن الاعتماد بالرؤية بمساعدة الأجهزة.

2. استلزام ذلك فقهاً جديداً

أ. اتفق الفقهاء أنّه إذا نوى المكلّف السفر لا يجوز له أن يقصر الصلاة حتى يغيب عنه البنيان ويخفى عنه أذان مصره، أو جدران بلده.(1)

ومن المعلوم أنّ خفاء البنيان بالعين المجرّدة يحصل بابتعاد المسافر مسافة ثلاثة كيلومترات تقريباً، وأمّا بمساعدة الأجهزة ربما لا يخفى حتى مسافة 20كيلومتراً، فعلى القول باعتبار الرؤية بالأجهزة المساعدة يجب أن لا يفطر ولا يقصّر حتى وإن بلغ 20كيلومتراً، وهو كما ترى.

وهنا تأتي أيضاً لغوية التقدير بالأقل(3كيلومترات) إذا كان


1. الخلاف للشيخ الطوسي:1/572، رقم المسألة:324، ونسبه في الهامش إلى الأُمّ:1/180، واللباب:1/107، والمجموع:4/349، وبداية المجتهد:1/163.


صفحه132

الملاك(20كيلومتراً) حسب الفرض.

ب. الأبقار الحلوبة ذات الإنتاج الغزير ربما يرى في حليبها أجزاء صغيرة من الدم القليل فيما لو نظر إليها بواسطة المجهر(الميكروسكوب)، فلو قلنا بحجية معطيات هذه الأجهزة يجب الحكم عليه بالنجاسة، للدم المرئي بالأجهزة، وهو كماترى، لأنّ الميزان هو الرؤية العادية لا الرؤية بالأجهزة .

ج. الرجل الذي أجرى عملية جراحية لعلاج غدة البروستات، ربما يخرج مع البول بعض المني الذي لا يشاهد بالعين المجردة، وإنّما يرى بواسطة التحاليل أو أجهزة المختبرات، فهل يحكم على هذا الرجل بالجنابة لأنّ الميزان هو خروج المني وقد تحقّق ذلك؟

د. لون الدم طاهر باتفاق الفقهاء بحجة أنّه ليس دماً عرفاً، ولكنه حسب التحاليل والنظر الدقيق فهو دم ضعيف.

هذه الأمثلة ونظائرها تصد الفقيه من الإفتاء بمعطيات هذه الأجهزة، وإلا لاحتجنا إلى تأسيس فقه جديد.

3. الإفطار في شهر رمضان والصيام في العيد

لو كانت الرؤية بالأجهزة المساعدة حجة في إثبات أوّل الشهر يكون معنى ذلك أنّ الملاك واقعاً في دخول الشهر تولّد القمر في السماء وابتعاده عن الشمس بدرجة خاصّة يتمكن الإنسان من رؤيته بالجهاز المساعد.

بناءً على ذلك فأوّل الشهر هو وجود القمر في السماء بالنحو الماضي،


صفحه133

أي لو نُظر إلى السماء لرؤي.

فيترتب على ذلك الأمر التالي الذي لا يمكن الالتزام به وهو أنّ المسلمين طيلة أربعة عشر قرناً أفطروا في أوّل شهر رمضان بحجة أنّهم لم يروا الهلال بالعين المجردة مع أنّه كان في الواقع أول الشهر وصاموا في يوم العيد بحجة أنّهم لم يروا الهلال في السماء بعيونهم مع أنّه كان أوّل الشهر في الواقع.

ونتيجة ذلك هو أنّهم أفطروا في شهر رمضان عن عذر وصاموا أوّل شوال عن عذر أيضاً، فهل يمكن لمتفقّه ـ فضلاً عن الفقيه ـ أن يلتزم بذلك ويقول: إنّ إفطارهم وصيامهم كان على خلاف الواقع ولكنّهم كانوا معذورين؟!

فهل يمكن نسبة هذا الحكم إلى النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)والصحابة والتابعين؟!

فاللازم على فقهاء مكة المكرمة المشرفين على مناسك الحج وأعماله:

1. تحري الدقة في ثبوت الهلال إذا كان الميزان هو العين المجردة، وأن لا يعتمدوا على شهادة فرد أو فردين، بل يجمعوا الكثير من الشهود من مناطق مختلفة، لأنّ فتواهم صارت ملاكاً لعمل ملايين المسلمين، الذين يتربصون أعواماً عديدة حتى يحجّوا.

2. وإذا اعتمدوا على الرؤية بواسطة الأجهزة فلا يفرضوا آراءهم على


صفحه134

غيرهم من المسلمين الذين يتبنّون رأياً آخر، كلّ ذلك مشروط بحفظ النظام والهدوء خلال أداء مراسم الحج.

***

شيخنا العزيز!

ورسالتنا هذه مرفقة بهدية نورانية وتراثاً ربانياً«الصحيفة السجادية» وهي مشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب، وهي من مطبوعات أحد دور النشر في العربية السعودية.

وفيها تجدون أنّ الإمام زين العابدين(عليه السلام)قد علّم الإنسان المؤمن آداب خطابه مع رب العالمين.

وممارسة هذه الأدعية والتدبر في مضامينها تعرج بروح الإنسان إلى المقامات العلوية، وربما تبلغ بالإنسان درجة يصدق عليه قول الإمام علي (عليه السلام): «قد أحيا عقله، وأمات نفسه، حتى دق جليلُه، ولطف غليظُه، وبرق له لامع، كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه، في قرار الأمن والراحة».(1)

وفي الختام ندعو لكم بدوام الصحة والعافية وطول العمر في خدمة الدين الحنيف ببيانكم وخطابكم وبنانكم ويراعكم بتوفيق من الباري تعالى.

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته


1. نهج البلاغة، الخطبة رقم 215.


صفحه135

الرسالة الثامنة بعد المائة

في الفقير والمسكين


صفحه136


صفحه137

إنّ أصناف المستحقّين للزكاة ثمانية تبعاً لقوله سبحانه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(1)وبعض الروايات. ففي مرسلة حمّاد بن عيسى، عن العبد الصالح(عليه السلام): « لا يقسم بينهم بالسوية على ثمانية حتى يعطي أهل كلّ سهم ثمناً» . (2) وعليها الأصحاب في كتبهم إلاّ المحقّق في « الشرائع » حيث قال : « أصناف المستحقّين للزكاة سبعة » يعدّ المساكين والفقراء صنفاً واحداً وعرّفهما بقوله : « وهم الذين تقصر أموالهم من مؤونة سنتهم » . (3) ونقله الطبرسي عن الجبّائي وصاحبي أبي حنيفة . (4) والمعروف عدم ترادفهما واختلافهما مفهوماً ومصداقاً - كما سيوافيك - .

وتظهر ثمرة النزاع في الموارد التالية :

أ . إذا قيل بوجوب البسط أو استحبابه، فعلى القول باختلافهما مفهوماً ومصداقاً، فيبسط على ثمانية أصناف; بخلاف القول الآخر، فيبسط وجوبا أو استحباباً على سبعة أصناف .

ب : إذا نذر للفقير أو المسكين فعلى القول بالاختلاف، يلزم صرف ما نذره في مورده، دون القول بالوحدة فيصرف في مطلق المحتاج .


1 . التوبة: 60.    2. الوسائل : ج 6، الباب 28 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

3 . الجواهر : 15 / 266.    4 . مجمع البيان : 3 / 41.


صفحه138

ج : في مورد كفّارة الإفطار للمطيق قال سبحانه : ( وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين) (1)، وكفارة الظهار : (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)(2)، وكفّارة اليمين (فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ )(3) .

أمّا الفرق بينهما فيمكن استظهاره من المصادر التالية :

1 . الذكر الحكيم .

2 . الروايات .

3 . قول أهل اللغة .

فإليك دراسة الكلّ .

الرجوع إلى الذكر الحكيم

أمّا الأوّل فقد ورد لفظ المسكين مفرداً وجمعاً مرفوعاً ومنصوباً في القرآن الكريم ثلاثاً وعشرين مرة، كما ورد لفظ الفقير كذلك ثلاث عشرة مرّة، والإمعان في الآيات يوضح بأنّ المسكين يتميّز عن الفقير بأحد الأمرين:

1. كونه أسوأ حالاً من الفقير، يقول سبحانه : (يَتِيماً ذا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَة )(4) أي يتيماً ذا قربى من قرابة النسب والرحم، أو مسكيناً قد لصق بالتراب من شدّة فقره وضرّه، فوصف المسكين به دون الفقير .

وأمّا الفقير فيستعمل في مقابل الغني حيث يقول سبحانه : (لَقَدْ سَمِعَ


1 . البقرة : 184.      2 . المجادلة : 4.      3 . المائدة : 89.    4. البلد : 15 ـ 16.


صفحه139

اَللّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قالُوا إِنَّ اَللّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ )(1)، و (يا أَيُّهَا اَلنّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَراءُ إِلَى اَللّهِ وَ اَللّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ )(2) والمعلوم أنّ لسلب الغنى مراتب كثيرة، وليس كلّ من ليس بغني مسكيناً ذليلاً لاصقاً بالتراب، بخلاف المسكين .

2 . كون المسكين من يسأل الناس دون الفقير، ويدلّ عليه قوله سبحانه : (لِلْفُقَراءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ)ـ إلى أن يقول -(لا يَسْئَلُونَ اَلنّاسَ إِلْحافاً)(3) أي لا يسألون الناس أصلاً كما في « المجمع » (4) بخلاف المسكين فهو من يسأل الناس، قال سبحانه : (فَانْطَلَقُوا وَ هُمْ يَتَخافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا اَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ)(5) فدخول المسكين آية السؤال .

هذا ما يستفاد من الذكر الحكيم .

وأمّا الروايات فإليك نقلها .

الرجوع إلى الروايات

والذي استظهرناه من الآيات هو المستفاد من الروايات وانّ الفقير يفارق المسكين بالوجهين المذكورين، وقد ورد في ذلك صحيحة وخبران.

أمّا الأولى، فقد روى محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام) أنّه سأله عن الفقير والمسكين، فقال : « الفقير الذي لا يسأل، والمسكين - الذي هو أجهد منه - الذي يسأل » . (6)

وأمّا الآخران، فهو خبر أبي بصير - يعني : ليث بن البختري - قال :


1 . آل عمران : 181.    2 . فاطر : 15 .   3 . البقرة : 273.

4 . مجمع البيان: 1 ـ 2 / 666 .   5 . القلم : 23 ـ 24.

6 . الوسائل : ج 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .


صفحه140

قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): قول اللّه عزّ وجلّ : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ)قال : « الفقير : الذي لا يسأل الناس، والمسكين أجهد منه، والبائس أجهدهم » . (1)

وخبر علي بن إبراهيم في تفسيره، قال : (لِلْفُقَراءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي اَلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ اَلْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ اَلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ اَلنّاسَ إِلْحافاً )(2) . والمساكين هم أهل الزمانات، قد دخل فيهم الرجال والنساء والصبيان . (3)

ووصفنا الثاني بالخبر، لوقوع عبد اللّه بن يحيى في السند، وهو مهمل في الرجال وليس مجهولاً، وليس المراد منه عبد اللّه بن يحيى الكاهلي، لأنّه من أصحاب الصادق والكاظم(عليهما السلام)، ومن البعيد أن يروي من هو في طبقة أصحاب الإمام الجواد(عليه السلام)عمّن هو من أصحاب الصادق والكاظم(عليهما السلام).

والعجب من بعض المعاصرين حيث وصف الخبر بالصحّة! !

وأمّا وصف الثالث بكونه خبراً، فلعدم العبرة بتفسير علي بن إبراهيم، وقد حقّقناه في كتابنا « كلّيات في علم الرجال » .

وأمّا الزمانات فهو من « زمن » الذي دام مرضه . قال الفيوميّ : زمن الشخص زمناً زمانة وهو مرض يدوم زماناً طويلاً، والقوم زمنى مثل مرضى.(4)


1 . الوسائل : ج 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

2 . البقرة: 273 .

3 . الوسائل : ج 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .

4 . المصباح المنير : 1/310، مادة « الزمان » .


صفحه141

والمستفاد من مجموع الروايات كون الفرق بينهما بالسؤال وعدمه، وكثرة الجهد وقلّته .

وهل السؤال في هذه الروايات عن مطلق الفقير والمسكين، أو عنهما بوصف ورودهما في آية الزكاة؟ والظاهر هو الأوّل، والشاهد عليه أمران :

1 . ورود البائس في خبر أبي بصير .

2 . تفسير الإمام لقوله سبحانه : (لِلْفُقَراءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ) (1) .

وهذان دليلان على أنّ المسؤول عنه هو مطلق الفقير والمسكين .

نعم يمكن أن يقال : المراد هو تفسير الفقير والمسكين الوارد في الشريعة المقدسة - أعني : الكتاب والسنّة - لا عن معنييهما اللغويّين .

الرجوع إلى كلمات اللغويّين

اختلفت كلمات اللغويّين في الفرق بينهما إلى قولين، نقلهما ابن منظور في« لسان العرب » ، قال : قال ابن السكّيت : الفقير الذي له بلغة من العيش، قال الراعي يمدح عبد الملك بن مروان ويشكو إليه سعاته :

أمّا الفقير الذي كانت حلوبته *** وفق العيال فلم يترك له سبد

الحلوبة عبارة عن الإبل أو الغنم التي تعطي حليباً .

قال الفيّومي في مصباحه : « وناقة حلوب وزان رسول، أي ذات لبن


1 . البقرة: 273.


صفحه142

يحلب، فإن جعلتها اسماً أتيت بالهاء، فقلت : هذه حلوبة فلان مثل الركوب والركوبة . (1)

ترى أنّ الشاعر يفسّر الفقير بمن يساوي حليبه حاجة عياله فلا يترك له شيئاً .

وقال : والمسكين الذي لا شيء له .

وقال يونس : الفقير أحسن حالاً من المسكين، قال : وقلت لأعرابي مرّة :

أفقير أنت؟ قال : لا واللّه بل مسكين . فالمسكين أسوأ حالاً من الفقير .

وفي مقابل هذا القول قول آخر، روي عن الأصمعي وهو أنّ المسكين أحسن حالاً من الفقير .

والدليل عليه أنّ اللّه تعالى سمّى من له الفلك مسكيناً، وقال عزّ وجلّ : (أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ)(2) وهي تساوي جملة .

قال : والذي احتجّ به يونس من أنّه قال لأعرابي : أفقير أنت؟ فقال : لا واللّه بل مسكين، يجوز أن يكون أراد : لا واللّه بل أنا أحسن حالاً من الفقير .

والبيت الذي احتجّ به ليس فيه حجّة . (3)

ولا يخفى ضعف حجّة الثاني .

أمّا أوّلاً فلأنّ وصف أصحاب السفينة بالمساكين الذي يساوي الأذلاّء،


1 . المصباح المنير : 1/178، مادة « حلب » .

2 . الكهف : 79.    3 . لسان العرب : 5/60، مادة « فقر » .


صفحه143

فلأجل ذلّتهم أمام الملك الجائر فصاروا أذلاّء من هذه الجهة لا من جانب المال، كما هو الحال في وصف اليهود بالمسكنة .

قال سبحانه : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ )(1) فكان وصف شخص بالمسكين بأحد الملاكين : المال، أو الذلّة والخضوع . والملاك في الآية هو الثاني .

وأمّا تفسير قول الأعرابي، فهو تفسير خاطئ، فإنّ القسم دليل على العكس، إذ لو كان المراد ما ادّعاه الأصمعي لاستغنى عن القسم، لأنّه عندئذ لم يدع شيئاً فوق الفقر حتى يحلف عليه وإنّما يحسن الحلف إذا ادّعى أمراً فوق الفقر وهو انّه لا يملك شيئاً أبداً .

ومع ذلك كلّه فبين أصحابنا من يرجّح القول الثاني، قال الشيخ في «الخلاف » : الفقير أسوأ حالاً من المسكين، لأنّ الفقير هو الذي لا شيء له، أو معه شيء يسير يعتدّ به; والمسكين الذي له شيء فوق ذلك، غير انّه لا يكفيه لحاجته ومؤنته . وبما قلناه قال الشافعي، وجماعة من أهل اللغة .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : المسكين أسوأ حالاً من الفقير، فالمسكين عنده على صفة الفقير عندنا . والفقير على صفة المسكين، وبهذا قال الفرّاء، وجماعة من أهل اللغة .

دليلنا : قوله تعالى : (أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ)فسمّاهم مساكين مع أنّهم يملكون سفينة بحرية، وذلك يدلّ على ما قلناه،


1 . البقرة : 61.


صفحه144

ولأنّ اللّه تعالى بدأ في آية الصدقة بالفقراء، ومن شأن العرب أن يبتدئ بالأهم . (1)

إشكال وإجابة

أمّا الإشكال فلو صحّ ما ذكر من الفرق من أنّ المسكين أشدّ حالاً يكون بينهما من النسب هو التباين، فيجب أن نقتصر في كفّارة اليمين والظهار والصوم بمن لا يملك شيئاً، مع أنّ أحداً من الفقهاء لم يشترطه حيث إنّهم أفتوا بكفاية مطلق الفقر .

وأمّا الإجابة عنه فبوجهين :

الأوّل : اختصاص التفريق بما ذكر بآية الزكاة، حيث ورد فيه الفقير، مقترناً بالمساكين، فقالوا : إنّ الفرق بينهما هو كون الثاني أجهد من الأوّل والثاني يسأل دون الأوّل، وأمّا كونهما كذلك في عامّة الموارد من الآيات والروايات فلا . وهذا هو الظاهر من المحقّق الخوئي .

قال : لا ينبغي التأمّل في عدم كونه(عليه السلام)بصدد بيان المفهوم من اللفظ لغة أو عرفاً ليكون منافياً مع ما قدّمناه، بل لم نعهد حتّى رواية واحدة تكون واردة لبيان شرح اللفظ وبيان مفهومه اللغوي أو العرفي، لخروج ذلك كلّه عن شأنه ومنصبه الساميين . فالصحيحة واردة لا محالة لبيان المراد من هاتين الكلمتين الواقعتين في الآية المباركة - أعني قوله تعالى : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ)ـ فهي تفسير للآية لا بيان لمفهوم اللفظ بما


1 . الخلاف : 4/229، كتاب الصدقات، المسألة 10.


صفحه145

هو، ولا ضير في ذلك، فيلتزم بأنّ مصرف الزكاة هو مطلق من لا مال له سأل أم لم يسأل، فأريد من المسكين الأوّل ومن الفقير الثاني . (1)

يلاحظ عليه : بأنّه كيف تكون الروايات واردة لبيان المراد من هذين اللفظين في خصوص آية الصدقات، مع أنّ خبر أبي بصير يفسّر - مضافاً إلى الفقير والمسكين - البائس الذي ورد في سورة الحجّ(وَأَطْعِمُوا اَلْبائِسَ اَلْفَقِيرَ)(2) .

كما أنّ خبر تفسير القمي يفسّر قوله سبحانه : (لِلْفُقَراءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ . . . )(3) .

الثاني : انّ الفقير يفارق المسكين إذا اجتمعا في كلام واحد كما في آية الصدقات، وأمّا إذا ما تفرّقا فلم يرد في الكلام إلاّ واحد منهما ـ كما في آيات الكفّارات ـ فيراد منه كلا المعنيين، فهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا تفرّقا اجتمعا، كالظرف والجار والمجرور، فإذا اجتمعا يراد من الظرف غير الجارّ والمجرور، وإذا تفرّقا يطلق الظرف على الجار والمجرور أيضاً .

وعلى هذا فالمراد من المساكين في آية الكفّارات هو كلا المعنيين، ولعلّ هذا الجواب أوضح .

تعريف الفقير الشرعي

اختلفت كلمتهم في تفسير الفقير، إلى أقوال :


1 . المستند في شرح العروة : 24 / 3 ـ 4.

2 . الحج : 28.    3 . البقرة : 273.


صفحه146

الأوّل : ما هو المشهور بين المتأخّرين وهو الذي ذكره صاحب العروة، وانّ المراد به من لا يملك مؤونة السنة له ولعياله والغني الشرعي بخلافه، فبذلك أصبح الفقير ممّا له حقيقة شرعية - مضافاً إلى اللغويّة -.

فمن كان عنده ضيعة أو عقار أو مواش أو نحو ذلك تقوم بكفايته وكفاية عياله في طول السنة لا يجوز له أخذ الزكاة، ونسب ذلك القول في «الجواهر » إلى المشهور بين المتأخّرين من الأصحاب، وانّ عليه عامّتهم ما عدا النادر الذي لا يعبأ بخلافه، بل نسبه غير واحد إلى الشهرة من غير تقييد، وعن آخر نسبته إلى محقّقي المذهب، وحكاه في « المعتبر » عن الشيخ في باب قسم الصدقات . (1)

ولعلّ إلى هذا القول يشير الشيخ في خلافه، بقوله : الاستغناء بالكسب يقوم مقام الاستغناء بالمال في حرمان الصدقة، فإذا كان رجل جلد مكتسب يكسب ما يحتاج إليه لنفقته ونفقة عياله حرمت عليه الصدقة . وبه قال الشافعي، وفي الصحابة : عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وفي الفقهاء : أبو ثور وإسحاق . (2)

وقد فهم ابن إدريس هذا المعنى من عبارة « الخلاف » أيضاً حيث قال: وقال بعضهم : لا أقدّره بقدر، بل إذا ملك من الأموال ما يكون قدر كفايته لمؤونة طول سنته على الاقتصاد فإنّه يحرم عليه أخذ الزكاة، سواء


1 . الجواهر : 15 / 304.

2 . الخلاف : 4/230، كتاب الصدقات، المسألة 11 . ولا حظ أيضاً المسألة 24 فإنّ كلامه فيها أبسط.


صفحه147

كانت نصاباً أو أقلّ من نصاب أو أكثر من النصاب، فإن لم يكن بقدر كفاية سنته فلا يحرم عليه أخذ الزكاة . قال : وهذا هو الصحيح، وإليه ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل الخلاف . (1)

وعلى هذا فإنّ عبارة الشيخ في « الخلاف » وإن لم يرد فيها لفظ السنة ولكنّه منصرف إليها .

الثاني : الفقير من لا يملك نصاباً من النصب، وعلى هذا فالصدقة لا تحرم على المكتسب وإنّما تحرم على من يملك نصاباً من المال الذي تجب فيه الزكاة، أو قدر النصاب من المال الذي لا تجب فيه الزكاة، وهو خيرة أبي حنيفة وأصحابه .

وعلى هذا إذا ملك نصاباً من الذهب وهو عشرون ديناراً حرم عليه أخذ الزكاة. (2)

الثالث : انّ الفقير من لا يملك قوته وقوت عياله طيلة حياته لا خصوص السنة الواحدة، فيعتبر في الغني القدرة على ما يكفيه دائماً .

وقد نسب إلى الشيخ في « المبسوط » حيث قال : الغني الذي يحرم عليه أخذ الصدقة باعتبار الفقر هو أن يكون قادراً على كفايته وكفاية من تلزمه كفايته على الدوام، فإن كان مكتفياً بصنعة وكانت صنعته تردّ عليه كفايته وكفاية من تلزمه نفقته حرمت عليه، وإن كانت لا تردّ عليه حلّ له ذلك. (3)


1 . السرائر : 1 / 462.    2 . الخلاف : 2/230; مختلف الشيعة : 3 / 215.

3 . المبسوط : 1 / 256.


صفحه148

ثمّ إنّ ابن إدريس حمل الدوام هنا على مؤونة السنة . فهذه هي الأقوال المعروفة، وإليك دراستها واحداً بعد الآخر .

أدلّة القول الأوّل

استدلّ على قول المشهور بروايات أربع وربما أيّدت بروايتين أُخريين :

الأُولى : صحيحة أبي بصير حيث قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول : «يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره » قلت : فإنّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة؟ قال : « زكاته صدقة على عياله، ولا يأخذها إلاّ أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفذها في أقلّ من سنة فهذا يأخذها، ولا تحلّ الزكاة لمن كان محترفاً وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة » . (1)

أمّا فقه الحديث فنوضحه ببيان أُمور :

1. هل المراد من الزكاة في قوله : « فإنّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة » هو زكاة النقدين أو زكاة التجارة؟ الظاهر من الراوي أنّه حمله على زكاة النقدين، ولأجل ذلك تعجّب من أخذ الزكاة، لأنّه إنّما يجب عليه الزكاة إذا حال عليه الحول، وحيلولة الحول مع بقاء المبلغ المزبور آية الغنى، فكيف يجوز له أخذ الزكاة؟

والظاهر أنّ الإمام وافقه في ذلك، ولكن دفع تعجبه بأنّه ينفد ذلك المبلغ في أقل من سنة ولذلك يأخذ الزكاة، فالإمام والراوي متوافقان على


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .


صفحه149

كون المبلغ مورداً لزكاة النقدين، لكن الراوي يحمله على حيلولة الحول دون الإمام .

2 . ظاهر الرواية إنّ المحترف لا تحلّ عليه الزكاة إذا كان عنده ما تجب فيه الزكاة، وهو بظاهره غير تام، لأنّ المحترف إذا لم يف ما يكسبه لمؤونة سنته يجوز له أخذ الزكاة، سواء أكان عنده ما تجب فيه الزكاة أم لا مع أنّ الرواية خصّت الجواز بما إذا لم يكن عنده ما تجب فيه الزكاة، فما وجهه؟

والجواب : أنّ للمحترف أُموراً ضرورية وأُخرى كمالية، فربّما لا تفي أجرة المحترف إلاّ بسدّ حاجة الأُمور الضرورية دون الكمالية، ولذلك قيّد الإمام (عليه السلام)حرمة الأخذ بما إذا كان عنده ما تجب فيه الزكاة حتّى يسد حاجة أُموره الكمالية، فمجرّد احتراف الإنسان لا يحرّم عليه الزكاة .

3 . الظاهر أنّ قوله : « لا يأخذ الزكاة » في ذيل الحديث زائد وغير موجود في طبعات « الكافي » وإنّما هو موجود في نسخة « الوسائل » .

إذا عرفت هذه الأُمور، فظاهر الرواية أنّه إذا كان ما يكسبه الإنسان غير واف بمؤونة سنته يجوز له أخذ الزكاة، ولذلك جوّز الإمام لصاحب السبعمائة أخذ الزكاة لأنّها تنفد في أقلّ من سنة .

الثانية : صحيحة معاوية بن وهب، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها، أيكبّ فيأكلها ولا يأخذ الزكاة، أو يأخذ الزكاة؟ قال : « لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ويأخذ البقية من الزكاة ويتصرّف بهذه لا ينفقها».(1)


1 . الوسائل : ج 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .


صفحه150

الضمير في قوله : « بل ينظر إلى فضلها » يرجع إلى الدراهم، والمراد من الفضل ما يستحصلها بهذه الدراهم من طريق الكسب .

قوله : « ويأخذ البقية من الزكاة » أي بقية السنة .

فتفيد الرواية أنّ من لا يملك مؤونة سنته فعلاً أو قوة يحلّ له إكمال مؤونته من الزكاة .

قوله : « ويتصرف بهذه ولا ينفقها » يريد أنّه لا ينفق رأس ماله في النفقة، بل يكتسبها ويأخذ البقية من الزكاة .

الثالثة : موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « قد تحلّ الزكاة لصاحب السبعمائة وتحرم على صاحب الخمسين درهماً » فقلت له : وكيف يكون هذا؟ قال : « إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفه فليعف عنها نفسه وليأخذها لعياله، وأمّا صاحب الخمسين فإنّه تحرم عليه إذا كان وحده وهو محترف يعمل بها وهو يصيب منها ما يكفيه إن شاء اللّه » . (1)

والرواية وإن كانت خالية عن لفظ السنة لكن الكفاية وعدم الكفاية ينصرف إلى كفاية مؤونة السنة، لأنّ المؤن تحاسب حسب السنوات كما هو الرائج بين الفلاّحين، ويوضح ذلك روايته الأُخرى .

الرابعة : موثّقته الأُخرى، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال : « نعم، إلاّ أن تكون داره دار غلة فخرج


1 . الوسائل : ج 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .


صفحه151

له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه وعياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، فإن كانت غلّتها تكفيهم فلا » . (1)

قوله : « الغلّة » الدخل من كراء دار وفائدة أرض وغيره، والرواية وإن كانت خالية عن لفظ السنة ولكن يستفاد منها بشهادة قوله : « إلاّ أن تكون داره دار غلّة » ، إذ المراد بدار الغلّة ما هو المعدّ للانتفاع بالإيجار وغيره في مقابل المسكن الذي لا يؤجر، ومن المعلوم استقرار السيرة على إيجار الدار سنوياً لا أسبوعياً ولا شهرياً، فالتعبير بالغلّة كأنّه تعبير آخر عن الانتفاع سنة، مضافاً إلى قوله : « ما يكفيه لنفسه ولعياله » حيث إنّ الكفاية وعدمها عرفاً منصرفة إلى الكفاية في سنة .

هذه الروايات بين صحيحة وموثّقة كافية في المقام، وهناك روايتان دونهما في الحجّية .

الخامسة : خبر علي بن إسماعيل الدغشي، قال : سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن السائل وعنده قوت يوم، أيحلّ له أن يسأل؟ وإن أُعطي شيئاً من قبل أن يسأل يحلّ له أن يقبله؟ قال : « يأخذ وعنده قوت شهر ما يكفيه لسنته من الزكاة، لأنّها إنّما هي من سنة إلى سنة » . (2)

السادسة : مرسلة « المقنعة » عن يونس بن عمّار قال : سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول : « تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، وتجب الفطرة على


1 . الوسائل : ج 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

2 . الوسائل : ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .


صفحه152

من عنده قوت السنة، وهي سنّة مؤكّدة على من قبل الزكاة لفقره، وفضيلة لمن قبل الفطرة لمسكنته، دون السنّة المؤكدة والفريضة » . (1)

إلى هنا تمّ ما دلّ على القول الأوّل، فلنذكر حجّة القول الثاني .

أدلّة القول الثاني

قد عرفت أنّ من الأصحاب من يقول بأنّ الغني هو من يملك أحد النصب التي فيها الزكاة، فقد استدلّ عليه بوجوه :

الأوّل : ما ورد من طرقنا عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال : « إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم » . (2)

وفي حديث آخر : « إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به » . (3)

ورواه البيهقي في سننه وفيه : « فاعلمهم - يا معاذ - إنّ اللّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم » . (4)

فالواجد لأحد النصب غنيّ حسب هذه الروايات، والغنيّ يحرم عليه أخذ الصدقة، فينتج : الواجد لأحد النصب يحرم عليه أخذ الصدقة .

يلاحظ عليه : أوّلاً : بأنّه لا ملازمة بين صدق الغنى وحرمة أخذ الزكاة بشهادة أمرين :


1 . الوسائل : ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 10 .

2 . الوسائل : ج 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2.

3 . الوسائل : ج 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3.

4 . سنن البيهقي : 4 / 96.


صفحه153

1 . انّ المقترض إذا حال الحول تجب عليه زكاة الدرهم والدينار اللّذين اقترضهما مع أنّه ربما يكون فقيراً مديوناً يجوز عليه أخذ الزكاة لأداء دينه .

2 . العامل يأخذ الزكاة وفي الوقت نفسه ربّما تجب عليه الزكاة إذا ملك النصاب .

وثانياً : أنّ الغناء الموجب للزكاة غير الغناء المانع عنه، لا بمعنى أنّ للغناء معنيين مختلفين حتّى يكون اللفظ مشتركاً لفظياً، بل بمعنى أنّ للغناء معنى واحداً مقولاً بالتشكيك، فمرتبة منه موجبة للزكاة ومرتبة أُخرى مانعة عنه، فالموجب من يملك أحد النصب، والمانع من يملك مؤونة السنة لنفسه ولعياله .

الثاني : ما في صحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): « لا تحلّ لمن عنده أربعون درهماً يحول عليها الحول عنده أن يأخذها، وإن أخذها أخذها حراماً» . (1)

وجه الدلالة : أنّ « أربعون درهماً » هو النصاب الثاني للدرهم ( بعد كون النصاب الأوّل هو مائتا درهم) فمن ملكه حرمت عليه الزكاة .

يلاحظ عليه : أنّ قوله : « أربعون درهماً يحول عليها الحول » كناية عن الغنى، أي من فاض من مؤونته في سنة أربعون درهماً، فمثل هذا كان مالكاً لمؤونة السنة وأزيد - أعني : أربعون درهماً - حيث لم يصرفه بل ادّخره،


1 . الوسائل : ج 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .


صفحه154

وليس المراد من لا يملك في مجموع السنة إلاّ أربعين درهماً كما هو نظر المستدل .

الثالث : ما في خبر أبي بصير : « لا تحلّ الزكاة لمن كان محترفاً وعنده ما تجب فيه الزكاة » . (1)

يلاحظ عليه : أنّ المراد بالمحترف الذي يملك مؤونة السنة مع شيء زائد ـ وهو ما تجب فيه الزكاة من النصب ـ تحرم عليه الزكاة لا أنّ من لا يملك إلاّ أحد النصب فقط تحرم عليه الزكاة، فقد تبيّن من ذلك أنّه لا دليل على القول الثاني .

وأمّا القول الثالث - أعني : من يملك مؤونة عمره ومؤونة من يعينهم - فقد عرفت أنّه لا قائل به، وأنّ عبارة الشيخ محمولة على السنة .

مَن كان عنده ضيعة أو عقار تقوم غلّتها بكفايته

والمسألة واضحة، لعدم صدق حدّ الفقير عليه، مضافاً إلى ما في موثّقة سماعة قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال : «نعم، إلاّ أن تكون داره، دار غلّة فخرج له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه وعياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، فإن كانت غلّتها تكفيهم فلا » . (2)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .


صفحه155

ومورد الرواية وإن كان الدار ولكن بعد إلغاء الخصوصية يكون الميزان أنّ ما يستحصله ـ بأي نحو كان ـ كافياً له ولعياله .

وربّما تتوهّم المعارضة بين مفاد موثّقة سماعة وما رواه الصدوق بإسناده إلى أبي بصير، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل له ثمانمائة درهم وهو رجل خفاف، وله عيال كثير، أله أن يأخذ من الزكاة؟ فقال : « يا أبا محمّد، أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله، ويفضل؟ » ، قال : نعم، قال : «كم يفضل؟ » قال : لا أدري .

قال : « إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة، وإن كان أقلّ من نصف القوت أخذ الزكاة » . (1)

فإنّ ظاهر الحديث إنّ الربح إذا كان وافياً بالقوت فهو لا يمنع من أخذ الزكاة إلاّ إذا كان مشتملاً على زيادة بمقدار نصف القوت، فيقع التعارض بينها وبين موثّقة سماعة التي اكتفى في المنع عن أخذ الزكاة بكفاية غلّة الدار بما يحتاج إليه .

ويمكن الجواب - مضافاً إلى أنّ في طريق الصدوق إلى أبي بصير علي بن حمزة البطائني - أنّه لا تعارض بينهما لا لأجل انصراف « القوت » إلى الأكل والشرب كما قيل (2)، وذلك لأنّ القوت كناية عن المأكل والملبس والمسكن، فيدخل فيه وراء الشرب والأكل ما يحتاج إليه الإنسان من الملابس والسكن .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .

2 . مستند العروة الوثقى : 24 / 15.


صفحه156

بل لأجل أنّ القوت حتى بالمعنى الذي ذكرناه لا يسدّ حاجة الإنسان أحياناً، إذ ربّما يحتاج إلى بذل أموال في معالجة مرضه أو مرض عياله أو في الترفيه أو غير ذلك من الكماليات المناسبة لشخصية الإنسان، فلعلّ اشتراط الفضل - وراء ما يقوت - لأجل وجود فضل يرفع به تلك الحاجات، وعلى ذلك لو افترضنا عدم الحاجة إلى هذه الحاجات الكمالية لكفى في منع الزكاة كون الربح وافياً بالقوت .

مَن كان له رأس مال يقوم ربحه بمؤونته

لو كان عنده رأس مال يقوم ربحه بمؤونته لا يجوز له أخذ الزكاة، وذلك لعدم صدق الفقير عليه .

مَن كان له من النقد والجنس ما يكفيه وعياله سنة واحدة

إذا كان له من النقد أو الجنس ما يكفيه وعياله وإن كان سنة واحدة، فلا يجوز له أخذه، وذلك لعدم صدق الفقير عليه .

مَن كان له من النقد والجنس أقلّ من مقدار كفاية سنته

إذا كان عنده بمقدار الكفاية لكن نقص عنه بعد صرف بعضه في أثناء السنة يجوز له الأخذ ولا يلزم الصبر إلى آخر السنة حتى يتم ما عنده لانقلاب الموضوع وتبدّل الغني بالفقير بعد الصرف المزبور .


صفحه157

مَن كان ذا صنعة أو كسب يحصل منها مقدار مؤونته

إذا كان الرجل ذا صنعة أو كسب يحصل منها مقدار مؤونته تحرم عليه الزكاة، لعدم صدق الفقير عليه حيث افترضنا أنّه شاغل بحرفته وكسبه، ويكفي ما يحصل منهما بمؤونته، مضافاً إلى ما ورد من حرمة الزكاة على المحترف .

ففي صحيحة زرارة بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال : سمعته يقول : «إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف، ولا لذي مرّة سوي، قوي، فتنزّهوا عنها » . (1)

وفي رواية أُخرى عنه، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال : « قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مرة سويّ، ولا لمحترف، ولا لقوي » ، قلنا : ما معنى هذا؟ قال : « لا يحلّ له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها».(2)

والحكم واضح لا غبار عليه .

حكم المحترف أو الكاسب إذا ترك الحرفة والكسب تكاسلاً

تلك الصورة ولكنّه لا يشتغل تكاسلاً فهو محترف وكاسب بالقوة لا بالفعل، فهل تحلّ له الزكاة نظراً إلى حاجته الفعلية أو لا، لأجل تمكّنه من تحصيل ما يكفي لمؤونة نفسه وعياله؟

ومحلّ النزاع فيما إذا كان وقت الاكتساب باقياً لا ما إذا كان الوقت


1 . الوسائل : ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.

2 . الوسائل : ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8.


صفحه158

زائلاً، لأجل كون العمل محدّداً بوقت خاص وخرج الوقت لأجل تكاسله، ويظهر من غير واحد من الأصحاب عدم الجواز .

قال الشيخ في « النهاية » : ولا يجوز أن يعطي الزكاة لمحترف يقدر على اكتساب ما يقوم بأوده وأود عياله . (1)

وقال في « الغنية » : وأن لا يكون ممّن يمكنه الاكتساب لما يكفيه . (2)

وقال ابن إدريس في « السرائر » : وأن لا يقدر على اكتساب الحلال بقدر ما يقوم بأوده وسدّ خلّته . (3)

وقال المحقّق في « الشرائع » : فمن يقدر على اكتساب ما يموّن نفسه وعياله لا يحلّ له أخذها، لأنّه كالغني، وكذا ذو الصنعة . (4)

وقال العلاّمة في « القواعد » : ويمنع القادر على تكسب المؤونة بصنعة أو غيرها . (5)

ويدلّ عليه ما سبق من الروايات من أنّ الصدقة لا تحل لمحترف ولا لذي مرة سويّ .

والمرّة قوة الخلق وشدّته .

نعم ربّما يتصوّر التعارض بينه وبين سائر الروايات :

1 . روى الصدوق في « الفقيه » مرسلاً، قيل للصادق(عليه السلام): إنّ الناس يروون عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال : إنّ الصدقة لا تحلّ لغني ولا لذي مرّة


1 . النهاية : 187 . الأود : الكدّ والتعب.    2 . الغنية : 1 / 124.

3 . السرائر : 1 / 459.    4 . الشرائع : 1 / 159.

5 . القواعد : 1 / 348.


صفحه159

سويّ؟ فقال : « قد قال : لغني، ولم يقل : لذي مرّة سويّ » . (1)

2 . ما رواه أيضاً مرسلاً في « معاني الأخبار » عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال : «قد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الصدقة لا تحلّ لغنيّ، ولم يقل : ولا لذي مرّة سوي » . (2)

يلاحظ عليه: أوّلاً : أنّ ما رواه الصدوق مرسل لا يعادل المسند وإن كانت مراسيله يعتمد عليها خصوصاً إذا قال : قال الصادق(عليه السلام)، ولكن إذا لم يكن مبتلى بالمعارض .

وثانياً : نفترض أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال : لا تحلّ لغني ولم يقل « لذي مرّة سوي » ولكن عدم قوله به لا يوجب جواز الأخذ لدخوله في الغني، فلعلّ رسول اللّه اكتفى بجملة تامة - أعني : « لا تحلّ لغني » - كما في المرسل الثاني وهو يشمل الغني بالفعل والغني بالقوة القريبة إلى الفعل .

لو كان ربح رأس ماله لا يقوم بمؤونته

للمسألة صورتان :

1 . لو كان ربح رأس ماله لا يقوم بمؤونته ولكن لو صرف عينه تكفيه سنة، وهكذا لو كان صاحب صنعة أو ضيعة لا يكفيه الحاصل منهما لكن لو باع آلات الصنعة أو رقبة الضيعة يقوم ثمنهما بمؤونته .

2 . تلك الصورة ولكن رأس المال وحده يكفي أقلّ من مؤونة سنته،


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5.

2 . الوسائل : ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 9.


صفحه160

وهكذا ثمن الآلات أو ثمن الضيعة لا يقوم بمؤونة سنته .

فيقع الكلام في أنّه هل يجب عليه صرف رأس المال في المؤونة؟ وهل يجب بيع الآلات ورقبة الضيعة وصرف ثمنها في مؤونته أو لا يجب، بل يبقى الكلّ على حاله ويأخذ بقية المؤونة من الزكاة؟

والفرق بين الصورتين واضح حيث يشتركان في جميع القيود غير أنّ ما يملك، يكفيه مؤونة سنة في الصورة الأُولى دون الأُخرى .

ثمّ إنّ السبب لعنوان هذه المسألة هو انّهم عرّفوا الغني بمن يملك مؤونة سنته، فعندئذ يكون المالك في الصورة الأُولى غنيّاً لافتراض كفاية ما يملك لمؤونة السنة، وعلى ذلك فلا يجوز له أخذ الزكاة بل يجب صرف ما يملك في مؤونته مع أنّ الأصحاب ذهبوا إلى خلاف ذلك، قال الشيخ في «المبسوط » :

والغناء الذي يجوز معه أخذ الصدقة أن يكون قادراً على كفايته وكفاية من يلزم كفايته على الدوام .

فإن كان مكتفياً بصنعة وكانت صنعته تردّ عليه كفايته وكفاية من تلزمه ونفقته حرمت عليه، وإن كانت لا تردّ عليه، حلّ له ذلك; وهكذا حكم العقار، وإن كان من أهل البضائع احتاج أن يكون معه بضاعة ترد عليه حقّ كفايته، فإن نقصت عن ذلك، حلّت له الصدقة . (1)

ونقل صاحب الحدائق عن المحقّق في « النافع » والعلاّمة وغيرهم


1 . المبسوط : 1/256، وفي المصدر « أهل الصنائع » ، والصحيح ما أثبتناه.


صفحه161

جواز تناول الزكاة لمن كان له مال يتعيش به أو ضيعة أو دار يستغلّها إذا كانت الغلّة والنماء يعجز عن كفايته، وإن كان بحيث يكفيه رأس المال وثمن الضيعة أو الدار لكفاية سنته فإنّه لا يكلّف بالإنفاق من رأس ماله ولا بيع ضيعته وداره، بل يأخذ التتمة من الزكاة . (1)

والظاهر عدم التعارض بين تعريف الغني وجواز تناول هؤلاء من الزكاة تتمة، وذلك لأنّ المراد من قولهم الغني من يملك مؤونة السنة له ولعياله، هو الملك الذي من شأنه أن يصرف في المؤونة لا من شأنه أن يبقى ويتعيّش بنمائه وريعه .

فعلى ذلك فرأس المال أو آلات الصنعة ورقبة الضيعة خارجة عن التعريف، إذ ليس من شأنها صرفها في المؤونة، والروايات تؤيّد موقف المشهور وأنّه لا يجب على هؤلاء صرف رأس المال أو بيع الآلات والضيعة للصرف في المؤونة، بل يجوز لهم صرف الحاصل منها في المؤونة وأخذ الزكاة للتتميم .

ما ورد في رأس المال والأدوات والضيعة

وتدلّ على حكم رأس المال، صحيحة معاوية بن وهب، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها، أيكبّ فيأكلها ولا يأخذ الزكاة، أو يأخذ الزكاة؟ قال : « لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من


1 . الحدائق : 12 / 157.


صفحه162

عياله ويأخذ البقية من الزكاة، ويتصرّف بهذه لا ينفقها » . (1)

والرواية تعمّ الصورتين، بل هي ظاهرة في الصورة الأُولى، فإنّ أربعمائة درهم في العصور السابقة كانت تكفي للأُسر الثرية فضلاً عن غيرها.

على أنّ ترك الاستفصال كاف للاحتجاج بها على كلتا الصورتين، فما عن السيد الحكيم في « المستمسك » من أنّ القدر المتيقّن صورة عدم كفاية رأس المال فلا تشمل صورة كفاية رأس المال وحده في مؤونة السنة، غير ظاهر . (2)

وذلك لأنّ قوله : « بل ينظر إلى فضلها » دليل على أنّ الميزان هو كفاية ما يفضل على أربعمائة درهم التي هي رأس المال وعدمها، فإن كان الفضل كافياً تحرم عليه الزكاة وإلاّ فلا، سواء أكان رأس المال كافياً أم لا .

ويدلّ على حكم آلات الكسب التي هي قريبة من آلات الصنعة، خبر إسماعيل بن عبد العزيز، عن أبيه قال : دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبد اللّه (عليه السلام)فقال له أبو بصير : إنّ لنا صديقاً - إلى أن قال : - وله دار تسوى أربعة آلاف درهم، وله جارية، وله غلام يستقي على الجمل كلّ يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل، وله عيال أله أن يأخذ من الزكاة؟ قال : « نعم » ، قال : وله هذه العروض؟ فقال : « يا أبا محمد، فتأمرني أن آمره ببيع داره وهي عزّه ومسقط رأسه؟ أو ببيع خادمه الذي يقيه الحر والبرد


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

2 . المستمسك : 9 / 216.


صفحه163

ويصون وجهه ووجه عياله؟ ! أو آمره أن يبيع غلامه وجمله وهو معيشته وقوته؟ ! بل يأخذ الزكاة فهي له حلال، ولا يبيع داره ولا غلامه ولا جمله».(1)

ثمّ إنّ قوله : « أو آمره أن يبيع غلامه وجمله وهو معيشته وقوته » يختصّ بما إذا كان بيعها أو بيع شيء منها يوجب نقصاً في الربح أو النماء، وأمّا إذا كان بيع قسم منها غير مؤثر في نقص الربح والنماء يجب عليه بيعه وصرفه في مؤونته .

وتدلّ على حكم العقار موثّقة سماعة، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال : « نعم، إلاّ أن تكون داره دار غلّة فخرج له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه وعياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، فإن كانت غلّتها تكفيهم فلا » . (2)

في إعطاء الفقير أكثر من مؤونة سنته

لا شكّ أنّ الفقير أحد الأصناف الثمانية وقد اختلفوا في مقدار ما يعطى له من حيث القلّة والكثرة، أمّا الكلام في جانب الكثرة، فللأصحاب هنا أقوال ثلاثة :


1 . الوسائل : ج 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .


صفحه164

القول الأوّل : لا يتقدّر بقدر وهو المنقول عن المشهور

قال المحقّق : قيل يعطى ما يتمّم كفايته، وليس ذلك شرطاً . (1)

وقال العلاّمة في « المنتهى » : الثالث : يجوز أن يعطى الفقير ما يغنيه وما يزيد على غناه . وهو قول علمائنا أجمع، وبه قال أصحاب الرأي، وقال الثوري ومالك والشافعي وأبو ثور : يعطى قدر ما يغنيه من غير زيادة، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، وفي الأُخرى لا يجوز أن يدفع إليه قدر غناه بل دونه . (2)

وقال في موضع آخر : السابع : لو كان معه ما يقصر عن مؤونته وقوته وقوت عياله حولاً جاز له أخذ الزكاة، لأنّه محتاج ولا يتقدّر بقدر، وقيل : إنّه لا يؤخذ زائداً عن تتمة المؤونة حولاً وليس بالوجه . (3)

وقال في « التذكرة » : لو قصر التكسّب عن مؤونته ومؤونة عياله جاز أن يأخذ الزكاة إجماعاً، واختلف علماؤنا، فقال بعضهم : يأخذ قدر التتمة لا أزيد، لأنّه حينئذ يصير غنياً فتحرم عليه الزيادة .

وقال آخرون : يجوز أن يأخذ أزيد . وهو الأقوى، كما يجوز دفع ما يزيد على الغنى إلى الفقير دفعة، والغنى إنّما يحصل بالدفع . (4)


1 . الجواهر : 15/315، قسم المتن.

2 . المنتهى : 8 / 400، تحقيق قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1324 هـ . وقد أشار العلاّمة إلى أقوال الآخرين وانّها ثلاثة فلاحظ .

3 . المنتهى : 8 / 335 .

4 . التذكرة : 5 / 276.


صفحه165

الثاني : أنّه لا يأخذ أزيد من مؤونة سنة . وقد حكاه المحقّق والعلاّمة في كتابيهما كما عرفت .

الثالث : ما اختاره صاحب العروة أنّه يجوز أن يعطى الفقير أزيد من مقدار مؤونة سنته دفعة، وأمّا لو أعطاه دفعات فلا يجوز بعد أن حصلت عنده مؤونة السنة أن يعطى شيئاً ولو قليلاً ما دام كذلك .

ثمّ إنّ الظاهر أنّ محط البحث هو الأعمّ من ذي الكسب القاصر والفقير المطلق، وقد نقل في « الحدائق » عن بعضهم إنّ الخلاف في جانب الكثرة في الكسب القاصر، وأمّا غيره فلا خلاف في أنّه يجوز أن يعطى أكثر من سنة. (1)

ثمّ إنّ ما ورد في كلماتهم من عدم التقدير، ردّ لما عليه فقهاء أهل السنّة حيث قدّره بعضهم بمقدار معيّن لا جامع ولا مانع، وعلى كلّ تقدير فلهم أقوال ثلاثة :

أ : قال ابن قدامة : يجوز أن يعطي له إذا لم يخرجه إلى الغنى المانع من أخذ الزكاة، وهذا هو ظاهر الخرقي في رسالته .

ب : وقال ابن قدامة : يجوز أن يدفع إليه ما يغنيه من غير زيادة، ثمّ أوّل كلام الخرقي .

ج : وقال أصحاب الرأي، يعطى ألفاً أو أكثر إذا كان محتاجاً إليه ويكره أن يزداد عن المائتين . (2)


1 . الحدائق : 12 / 160.    2 . المغني : 2 / 530.


صفحه166

نعم انّ الغني عند أصحابنا غيره عندهم، فإنّ الغني عندنا من يملك مؤونة سنته ومؤونة عياله، وأمّا عندهم ففيه اختلاف نقله ابن قدامة في «المغني » ، وقال : اختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها، ونقل عن أحمد فيه روايتان :

أظهرهما : ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب، والرواية الثانية أنّ الغنى ما تحصل به الكفاية .

وقال الحسن وأبو عبيد : الغنى ملك أوقية وهي أربعون درهماً .

وقال أصحاب الرأي : الغنى الموجب للزكاة هو المانع من أخذها، وهو : ملك نصاب تجب فيه الزكاة من الأثمان . (1)

إذا عرفت ذلك فقد استدلّ على قول المشهور بروايات تدلّ على جواز الإعطاء لحد الغنى، والمراد من الغنى هو الغنى العرفي لا الغنى الشرعي الذي يراد من ملك مؤونة سنته، نظير :

1 . صحيحة سعيد بن غزوان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « تعطيه من الزكاة حتى تغنيه » . (2)

2 . وفي رواية أُخرى له أيضاً : « اعطه من الزكاة حتى تغنيه » وهما رواية واحدة . (3)

3 . ما رواه إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن(عليه السلام)، قال : قلت له : أعطي


1 . المغني : 2 / 524.

2 . الوسائل : ج 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .


صفحه167

الرجل من الزكاة ثمانين درهما؟ قال : « نعم وزده » قلت : أعطيه مائة؟ قال : «نعم، وأغنه إن قدرت أن تغنيه » . (1)

4 . ما رواه عمار بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)انّه سئل : كم يعطى الرجل من الزكاة؟ قال أبو جعفر : « إذا أعطيت فأغنه » . (2)

5 . ما رواه إسحاق بن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أعطي الرجل من الزكاة مائة درهم؟ قال : « نعم » ، قلت : مائتين؟ قال : « نعم » ، قلت : ثلاثمائة؟ قال : «نعم » ، قلت : أربعمائة؟ قال : « نعم » ، قلت : خمسمائة؟ قال: « نعم حتى تغنيه ».(3)

6 . ما رواه المفيد في « المقنعة » عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه قال : « إذا أعطيت الفقير فأغنه » . (4)

وقد جعلت الغاية في هذه الروايات هو حصول غناه المنصرف إلى الغنى العرفي .

وهناك لون آخر من الاستدلال، وهو انّ الإمام سمح في بعض الروايات بأن يعطى الفقير ألف درهم أو عشرة آلاف، ومن المعلوم أنّ هذا المقدار من الدراهم فوق مؤونة سنة لمتوسطي الحال; ففي خبر زياد بن مروان، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال : « أعطه ألف درهم » . (5)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 11 .

5 . الوسائل : ج 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 .


صفحه168

وفي خبر بشر بن بشار، قال : قلت للرجل - يعني أبا الحسن(عليه السلام)-: ما حدّ المؤمن الذي يعطى الزكاة؟ قال : « يعطى المؤمن ثلاثة آلاف، ثمّ قال : أو عشرة آلاف، ويعطى الفاجر بقدر، لأنّ المؤمن ينفقها في طاعة اللّه والفاجر في معصية اللّه». (1)

وربّما يؤيد ذلك بما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه قال : « إنّ اللّه نظر في أموال الأغنياء ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به، ولو لم يكفهم لزادهم، بلى فليعطه ما يأكل ويشرب ويكتسي ويتزوّج ويتصدّق ويحج».(2)

غير أنّ التأييد لا يخلو من نظر، لأنّ الحجّ والتصدّق المتعارفين يعدّان من المؤونة في باب الزكاة والخمس فلا يدلّ جوازهما على المدّعى .

والحقّ أنّ دلالة الروايات على المدّعى أمر لا ينكر، غير أنّ هنا نكتة وهي أنّ المراد من الغنى وإن كان هو الغنى العرفي وهو أوسع دائرة ممّن يملك قوت سنته، لكن لا بدّ أن يراعى أحوال الناس وما هم عليه من الرفعة والضعة، فمن كان من أهل البيوتات الرفيعة يختلف حاله مع من لم يكن كذلك، فيعطى لكلّ حسب شأنه ومكانته الاجتماعية، فلا يلزم من القول بجواز الإعطاء للفقير إلى حدّ الغنى حرمان سائر الفقراء والأصناف كما ربّما يتوهم .

ثمّ إنّ لفيفاً من المشايخ خالف القول المشهور كالسيد الحكيم،


1 . الوسائل : ج 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 41 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .


صفحه169

والسيد الشاهرودي والسيد الخوئي - قدس اللّه أسرارهم - وما هذا إلاّ لحمل الغنى في الروايات، على ما يقابل الفقر الذي من أجله كان مصرفاً للزكاة، فبقرينة المقابلة يراد به ما يخرجه من تلك المصرفية، فيكون المقصود هو الغنى الشرعي المفسّر في تلك الأدلّة بمن يملك مؤونة السنة دون الغنى العرفي لكي يجوز الإعطاء أكثر من مؤونة سنة . (1)

يلاحظ عليه : أنّ الحمل المزبور يتوقّف على ثبوت الحقيقة الشرعية للفظ الغنى في عصر صدور الروايات على نحو جاز للإمام أن يستعمله في المعنى المنقول إليه بلا قرينة، وأنّى لنا إثبات ذلك، ويؤيّد ما ذكرنا أنّ ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)إنّما هو ما رواه الإمام عن أبيه أبي جعفر الباقر(عليه السلام)حيث قال : « إذا أعطيت فاغنه » .

وأمّا استلزامه حرمان الآخرين من الفقراء، فقد عرفت أنّ المراد، هو الدفع حسب مكانته الاجتماعية .

القول الثاني: عدم جواز الإعطاء أكثر من مؤونة السنة

أمّا القول الثاني وهو عدم جواز الإعطاء لأزيد من مؤونة السنة فقد وصفه المحدّث البحراني بقوله : فلم أقف له على حجّة، وقال الشهيد في «البيان » - وهو ممّن اختار هذا القول بالنسبة إلى من قصر كسبه عن مؤونة سنته -: وأمّا ما ورد في الحديث من الإغناء بالصدقة فمحمول على غير المكتسب . (2)


1 . مستمسك العروة الوثقى : 9/222; المستند في شرح العروة : 24 / 21.

2 . الحدائق الناضرة : 12 / 161.


صفحه170

ومع ذلك كلّه فقد استدلّ بالروايات التي ليست صريحة في المقصود وإنّما تثبت جواز الإعطاء لمقدار ما يكفيه من مؤونة سنته ولا يدلّ على عدم جواز الزيادة، وإليك ما ورد في ذلك :

1 . صحيحة معاوية بن وهب، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم، أو أربعمائة درهم وله عيال، وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها، أيكبّ فيأكلها ولا يأخذ الزكاة، أو يأخذ الزكاة؟ قال : « لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله، ويأخذ البقية من الزكاة، ويتصرّف بهذه لا ينفقها» . (1)

وجه الاستدلال : أنّ الإمام خصّص الأخذ بالبقية، فهو يكشف عن عدم كونه مرخصاً في الأخذ إلاّ بمقدار الحاجة وبما يكون مكمّلاً .

يلاحظ على الاستدلال : أوّلاً : بوروده في الكسب القاصر، فلا يصلح للاستدلال للفقير الذي لا يملك شيئاً، فالمناسب لهذا المورد، هو الأخذ بمقدار الحاجة .

وثانياً : أنّ الرواية وردت مجرى العادة، حيث إنّه يعطى الفقير ما يكفيه مؤونة سنته، وأمّا إعطاء ما يزيد عليها فهو أمر نادر فلا يدلّ على حرمة الزائد على المؤونة .

2 . موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه قال في حديث : « إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفه فليعف عنها نفسه


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 . والضمير في فضلها يعود إلى ثلاثمائة درهم، والمراد : الربح الحاصل منها .


صفحه171

وليأخذها لعياله وأمّا صاحب الخمسين فإنّه يحرم عليه إذا كان وحده وهو محترف يعمل بها وهو يصيب منها ما يكفيه إن شاء اللّه » . (1)

وجه الاستدلال : بأنّ تخصيص الأخذ بكونه للعيال بعد الأمر بعفّة النفس دالّ على المطلوب .

يلاحظ عليه : - مضافاً إلى وروده في الكسب القاصر بقرينة المقابلة مع صاحب الخمسين المفروض كونه محترفاً به - بأنّه على خلاف المطلوب أدلّ، لاتّفاقهم على جواز أخذه لنفسه أيضاً، لعدم الفرق بين تعفّفه منها وأكل غيره منها أو العكس، لأنّ المؤونة تقسم على الربح الحاصل من السبعمائة والزكاة المأخوذة غير أنّه يتعفّف لها تنزيهاً لا تحريماً .

وأمّا تحريمها على صاحب الخمسين فلافتراض أنّه محترف يصيب منها ما يكفيه .

3 . موثّقة هارون بن حمزة عنه(عليه السلام)فيمن له بضاعة لا يكفيه ربحها، قال (عليه السلام): «فلينظر ما يستفضل منها فليأكله هو ومن يسعه ذلك، وليأخذ لمن لم يسعه من عياله». (2)

وجه الاستدلال : أنّه يأكل ممّا يفضل من الربح ومن يسعه، وأمّا من لم يسعه فيأخذ من الزكاة، فخصّ الأخذ بمن لم يسعه لا من وسعه .

يلاحظ عليه : - مضافاً إلى ورودها في الكسب القاصر -: أنّها واردة فيما هو الغالب من إعطاء ما يكفيه مؤونة سنته ففي مثله يقول الإمام يأخذ


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .


صفحه172

من الزكاة لمن لم يسعه، وأمّا الفرد النادر، فهو إغناء الفقير مرة واحدة إغناء عرفياً، فليست الرواية ناظرة إليه .

4 . خبر الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)، أنّ عليّاً (عليه السلام)كان يقول : « يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كلّ ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف، فأمّا الفقراء فلا يزاد أحدهم على خمسين درهماً، ولا يعطى أحد له خمسون درهماً أو عدلها من الذهب » . (1)

يلاحظ عليه : - مضافاً إلى أنّه يمكن أن يكون حكماً في واقعة، كما هو الحال في بعض الأحكام المروية عن الإمام علي(عليه السلام)- أنّه موافق لفتوى أحمد، قال ابن قدامة : اختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها، ونقل عن أحمد فيه روايتان : أظهرهما أنّه ملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب.(2)

5 . صحيحة أبي بصير قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّ شيخاً من أصحابنا يقال له عمر، سأل عيسى بن أعين وهو محتاج فقال له عيسى بن أعين (3) أما إنّ عندي من الزكاة ولكن لا أعطيك منها، فقال له : ولم؟ فقال : لأني رأيتك اشتريت لحماً وتمراً، فقال : إنّما ربحت درهماً فاشتريت بدانقين لحماً وبدانقين تمراً، ثمّ رجعت بدانقين لحاجة .

قال : فوضع أبو عبد اللّه(عليه السلام)يده على جبهته ساعة، ثمّ رفع رأسه، ثمّ


1 . الوسائل: ج 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث10.

2 . المغني : 2 / 530.

3 . وثّقه النجاشي، وقال الطوسي : له كتاب، وله ثلاث روايات في الكتب الأربعة، يروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).


صفحه173

قال : « إنّ اللّه نظر في أموال الأغنياء، ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به، ولو لم يكفهم لزادهم، بلى فليعطه ما يأكل ويشرب ويكتسي ويتزوّج ويتصدّق ويحجّ » . (1)

وجه الدلالة : أنّه اقتصر - وهو في مقام البيان والتحديد - على ما يحتاج إليه نوع الإنسان من مؤن السنة من الأخذ بالحدّ الوسط - وهي المصاريف المشار إليها أخيراً - فلا تلزم المداقة بحيث يتخيّل أنّ الدرهم المشتمل على ستة دوانيق مانع عن الأخذ .

ولو صحّ الاستدلال بها، لصحّ الاستدلال بما دلّ من جواز الإعطاء من السنة إلى السنة .

يلاحظ عليه : أنّ تجويز ذلك الحدّ من التوسعة الذي هو في مقابل الضيق الذي توهّمه عيسى بن أعين، لا يدلّ على انحصار التوسعة بهذا الحد، وقد عرفت أنّ هذه الروايات ناظرة إلى الفرد الشائع من إغناء الفقير سنة واحدة، ولا يدلّ على عدم جواز غيره على وجه يخرج اسمه من ديوان الفقراء المستحقّين للزكاة ببذل مال، يستغلّه في معيشته ويغنيه عن السؤال وأخذ الزكاة .

ثمّ إنّ صاحب هذا القول أيّد مقاله بوجهين :

1 . لو فرضنا أنّ مؤونته السنوية مائة دينار فدفع إليه مائتين دفعة واحدة فقد ارتفع فقرة بأحد المائتين، ومعه لا مسوّغ لأخذ المائة الأُخرى لزوال فقره مقارناً لنفس هذا الإنسان فلم يكن فقيراً عند تسلّمه .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 41 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .


صفحه174

يلاحظ عليه : بأنّ الاستدلال يناسب التدريج في التمليك لا الدفعة، فليس هنا تمليكان حتّى يستغني بأحدهما عن الآخر .

2 . أنّ الزكاة إنّما شرّعت لعلاج مشكلة الفقر ودفعه عن المجتمع كما أُشير إليه في النصوص المزبورة، ومن البيّن أنّ دفع زكوات البلد التي ربما تبلغ الألوف أو الملايين لفقير واحد - ولو دفعة واحدة - وجعله من أكبر الأثرياء مع إبقاء سائر الفقراء على حالهم لا يجامع مع تلك الحكمة بل يضادها وينافيها كما لا يخفى .

يلاحظ عليه : بما عرفت من أنّ المراد من الغنى هو إغناؤه حسب مكانته الاجتماعية، فلا بدّ من الاقتصار على ما يناسب حاله وجرت عليه سيرة أبناء نوعه في تملك ما يزيد على مؤونة سنته .

القول الثالث: لا يجوز الإعطاء على دفعات

وأمّا القول الثالث : - أعني : إعطاء الفقير على دفعات من الزكاة - فقد ظهر وجهه ممّا ذكرنا، فيجوز دفعة دون التدريج، لما عرفت من الدليل .

ومع ذلك فالقول الثاني هو الأحوط وإن كان الأقوى هو الأوّل فلا يترك مهما أمكن .

في بعض ما يدخل في المؤونة

في المسألة فروع :

1 . ما يحتاج إليه الإنسان في حياته كالدار والخادم وفرس الركوب لا يمنع من أخذ الزكاة .


صفحه175

2 . لو كان فاقداً لها يجوز أخذ الزكاة لشرائها .

3 . لو كان عنده من المذكورات زائداً على مقدار الحاجة، يمنع عن أخذ الزكاة إذا كانت قيمته تكفيه حولاً، وهذا القيد معتبر في عامّة الفروع التالية .

4 . لو كان عنده دار تزيد عن حاجته وأمكنه بيع المقدار الزائد، يمنع من أخذ الزكاة .

5 . إذا كانت له دار تندفع حاجته بأقلّ منها قيمة، فالأحوط عدم أخذ الزكاة، وكذا في العبد والجارية .

وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر :

أمّا الأوّل : فقد تعلّقت مشيئته سبحانه على حفظ كرامة الفقراء وحفظ مستوى معيشتهم وسدّ خلّتهم على النحو المتعارف فلهم حق العيش كسائر الناس، فلذلك لا تمنع دار السكنى والخادم وفرس الركوب المحتاج إليه حسب حاله من إعطاء الزكاة وأخذه، فإنّ الجميع من مصاديق الحاجة وهي لا تختص بالأكل والشرب، بل تعمّ كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في حياته حسب شأنه، فلذلك لا تكون الدار وأمثالها مانعة من أخذ الزكاة .

قال العلاّمة : يجوز دفع الزكاة إلى صاحب دار السكنى، وعبد الخدمة، وفرس الركوب، وثياب التجمل، ولا نعلم فيه خلافاً، لإمساس الحاجة إلى هذه الأشياء، وعدم الخروج بها عن حدّ الفقر إلى الغنى .

ولأنّ سماعة سأل الصادق(عليه السلام)عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال : « نعم إلاّ أن تكون داره دار غلّة فيخرج له من غلّتها دراهم ما


صفحه176

يكفيه لنفسه وعياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، وإن كانت غلّتها تكفيهم فلا » (1) . (2)

وقد تضافرت الروايات على هذا المضمون ففي مرسلة عمر بن أُذينة، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهما سُئلا عن الرجل له دار وخادم أو عبد أيقبل الزكاة؟ قالا : «نعم، إنّ الدار والخادم ليس بمال ». (3)

والمراد أنّهما ليسا بمال يباع ويصرف أو يتّجر بهما، بل يبقيان لينتفع بهما المالك .

وفي رواية سعيد بن يسار، قال : سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول : « تحلّ الزكاة لصاحب الدار والخادم، لأنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام)لم يكن يرى الدار والخادم شيئاً » . (4)

ونظيره رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام). (5)

وأمّا الثاني : أعني أنّه لو كان فاقداً لها جاز أخذ الزكاة لشرائها فوجهه واضح، لأنّها من الحاجات الّتي شرّعت الزكاة لرفعها .

وأمّا الثالث : لو كان عنده من هذه المذكورات ( الفرس والخادم ودار السكنى) أزيد من مقدار حاجته نظير ما إذا كان عنده دورات من كتاب


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

2 . التذكرة : 5/275، المسألة 188.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .

5 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .


صفحه177

الجواهر ولا يحتاج إلاّ إلى دورة واحدة، أو كانت عنده مفروشات متعدّدة، خارجة عن إطار الحاجة فتمنع من أخذ الزكاة . لأنّه يملك مؤونة سنته أو شيئاً منها فلا يجوز له أخذ الزكاة لها أو له .

وأمّا الرابع : إذا كان عنده دار تزيد عن حاجته وأمكنه بيع المقدار الزائد عن حاجته فتمنع من أخذ الزكاة، هذا فيما إذا كان الزائد داراً مستقلة أو طابقاً مستقلاً ولا شكّ أنّها تمنع، وأمّا إذا كان محتاجاً إلى الإفراز، كما إذا كان عنده دار ذات غرف ستة يمكن تبديلها إلى دارين من خلال إحداث جدار، ففي كونه مانعاً عن أخذ الزكاة وجهان، أقواهما العدم، كيف وقد ورد في الروايات : « من سعادة الرجل سعة داره» ؟ وللفقير أن يعيش كسائر الناس ولم يكلّف بالعيش على الحدّ الأقلّ، إلاّ أن يكون إبقاء الدار بهذه الصورة أمراً على خلاف المتعارف بحيث يذمّه العقلاء على إبقاء الدار بهذه الصورة، ويعدّ إسرافاً .

وأمّا الخامس : كما إذا كانت له دار تندفع حاجته بأقلّ منها، قيمة . فاحتاط صاحب العروة ببيعها وشراء الأدون، وعطف على الدار، العبد والجارية والفرس .

والفرق بين الفرع الرابع والخامس هو أنّ الزيادة في الرابع عينية وهنا حكمية، فهل يجب الإبدال أو لا؟ فيه وجهان، قال العلاّمة : فروع :

1 . لو كانت دار السكنى تزيد عنه وفي بعضها كفاية له، ففي منعه بسبب الزيادة إذا كانت قيمتها تكفيه حولاً، إشكال .

2 . لو كانت حاجته تندفع بأقلّ منها، قيمة لم يكلّف ببيعها وشراء


صفحه178

الأدون، وكذا في العبد والفرس . (1)

وأولى بالعدم هذه الصورة، لأنّ بناء الشارع في باب الزكاة على اليسر دون العسر .

اللّهمّ إلاّ أن يعدّ إبقاء الدار في بعض الظروف عملاً غير عقلائي، كما إذا أنشئت بنايات تجارية أحاطت بداره على نحو تشترى منه بأضعاف قيمتها، فإنّ إبقاء الدار في هذه الظروف يعدّ إسرافاً . (2) ويمنع من أخذ الزكاة وعليه بيع الدار وابتياع دار أُخرى مناسبة لشأنه وصرف باقي الثمن في مؤونته .

في القدرة على التكسّب غير اللائق بشأنه

في المسألة فرعان :

الأوّل : إذا كان التكسّب غير لائق بشأنه كالاحتطاب والاحتشاش وتنظيف المرافق الصحّية.

الثاني : إذا كان التكسّب عسراً ومشقة .

أمّا الأوّل فيكفي في ذلك قول الإمام في رواية أبي بصير : « يا أبا محمد! فتأمرني أن آمره ببيع داره وهي عزّه ومسقط رأسه، أو ببيع خادمه الذي هو يقيه الحر والبرد ويصون وجهه ووجه عياله » . (3)


1 . التذكرة : 5 / 275.

2 . وفي موثّقة سماعة : في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .


صفحه179

فإذا كان صون وجهه ووجه عياله أمراً مطلوباً فكيف يؤمر بالتكسب بشيء على جانب النقيض من ذلك؟ !

نعم، ربما يعدّ شغل على خلاف الشأن في ظرف ودونه في ظرف آخر .

وربّما يتصوّر أنّ هذه الشؤون العرفية من الأُمور الموهومة بشهادة أنّ النبي والأئمّة(عليهم السلام)من الشرفاء، ولكن كانوا يعملون بأيديهم في أراضيهم (1)والظاهر أنّهم (عليهم السلام)كانوا يعملون لأنفسهم، ولا يعدّ العمل للنفس في الدار والبساتين والمزارع عملاً على خلاف الشأن، بخلاف العمل للغير، وقد قلنا في كتاب المضاربة : إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن أجيراً لخديجة بل مضارباً لها.(2)

على أنّ كون العمل على وفاق الشأن أو خلافه من الأُمور الاعتبارية التي تتغيّر حسب تغيّر الظروف .

وأمّا الثاني فلحكومة أدلّة العسر والحرج على لزوم الكسب .

إذا كان صاحب حرفة وصنعة لا يمكنه الاشتغال بها

ووجهه واضح لصدق الفقير عليه وعدم التمكّن من الاشتغال إمّا لعدم المقتضي كفقد الآلات، فعندئذ يجوز له أخذ الزكاة; أو لعدم من ينتفع به، كما إذا كان له مهنة قد هجرت مع تقدّم الزمان .


1 . لاحظ الوسائل : ج 12، الباب 9 وما بعده من أبواب مقدّمات التجارة.

2 . نظام المضاربة : 4، ولا حظ السيرة النبوية : 1 / 199.


صفحه180

ويحتمل الاقتصار على أخذها لتحصيل الآلات .

إذا لم يكن له حرفة لكن يمكنه التعلّم

الميزان في جواز الأخذ وعدمه هو ما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال : قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): « لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مرّة سوي، ولا لمحترف، ولا لقوي » فقلنا : ما معنى هذا؟ قال : « لا يحلّ له أن يأخذ وهو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها » . (1)

فالموضوع لحرمة الأخذ هو القادر على كفّ نفسه عن أكل الزكاة، فلو كان المحترف شاغلاً أو غير شاغل تكاسلاً فيحرم عليه الأخذ لقدرته على كفّ نفسه عن الزكاة .

وأمّا إذا لم يكن محترفاً لا بالفعل ولا بالقوة بل يتمكن أن يتعلّم، فلو أمكنه التعلّم كسائر الناس الذين يتعلّمون الحرف يحرم عليه أخذ الزكاة . لصدق قوله : «يقدر على أن يكفّ نفسه » على مثله .

نعم مادام مشتغلاً بالتعلّم لا مانع من أخذها، وأمّا إذا ترك التعلم بتاتاً وهو قادر عليه كسائر الناس فيحرم عليه الأخذ . وهو أشبه بالمحترف المتكاسل الذي تقدّمت حرمة الزكاة عليه .

وأمّا إذا كان التعلّم أمراً شاقاً عليه كما إذا كبر أو كانت حرفته حرفة شاقة، فالظاهر انصراف الدليل عنه .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8.


صفحه181

مَن لا يتمكّن من التكسّب طول السنة إلاّ في مدّة محدودة

وهذا كمن شغله الحملدارية أو التطويف في أيّام الحجّ فتركه تكاسلاً، فلم يقدر على التكسّب بسوء الاختيار ولكنّه لا يخرجه عن كونه فقيراً يجوز له أخذ الزكاة، وإن عصى في عمله لوجوب حفظ النفس والإنفاق على العيال. إذا انحصر سبب الحفظ والإنفاق على العيال في التكسّب دونما إذا تمكّن المكلّف من حفظها والإنفاق عليها من طرق أُخرى كالاستقراض ونحوه فلا يكون بترك التكسّب عاصياً.

في حكم طالب العلم مع القدرة على التكسّب

حاصل كلامه تقسيم العلوم إلى ثلاثة : واجب عيناً أو كفاية، مستحب، ومباح . يجوز أخذ الزكاة في تحصيل الأوّلين إذا كان التحصيل مانعاً من الكسب، دون الثالث .

وعليه العلاّمة في « المنتهى » بشرط تفسير « المأمور به » في كلامه بالأعمّ من الواجب والمستحب، قال : ولو كان التكسّب يمنعه من التفقّه، فالوجه عندي جواز أخذها، لأنّه مأمور بالتفقّه في الدين إذا كان من أهله . (1)

وقال في « التحرير » : لو كان ذا كسب يكفيه، حرم عليه أخذها، ولو كان كسبه يمنعه عن التفقّه في الدين، فالأقرب عندي جواز أخذها . (2)

ومنع الشيخ الأنصاري فيما إذا كان طلب العلم مستحباً بوجهين :


1 . المنتهى : 1 / 519.    2 . تحرير الأحكام : 1/403، رقم المسألة 1367.


صفحه182

1 . ولو كان طلب العلم ممّا يستحبّ في حقّ الطالب، فالظاهر أنّه لا يسوغ ترك التكسّب كما في سائر المستحبات، لصدق الغنى والمحترف والقادر على ما يكفّ به نفسه عن الزكاة .

2 . الإذن في طلب العلم، بل الأمر الاستحبابي لا يوجب الإذن في ترك التكسّب، بل طلب ترك التكسّب المستلزم لجواز أخذ الزكاة - كما زعمه بعض مشايخنا المعاصرين (1) ـ لا وجه له; إذ بعد عمومات تحريم الزكاة على القادر على التكسّب، يصير الكسب واجباً لأجل حفظ نفسه وعياله، فلا يزاحمه استحباب ذلك، لأنّ المستحب لا يزاحم الواجب إجماعاً . (2)

يلاحظ على الأوّل: بأنّ المراد من القدرة في صحيح زرارة : « لا يحلّ له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها » (3) هو القدرة العرفية لا العقلية، وإلاّ يلزم حرمة أخذها لمن ملك الدار والغلام والجارية وفرس الركوب والألبسة للتجمّل، فإذا كان الميزان هو القدرة العرفية، فلا تصدق إلاّ على القادر الفارغ، وأمّا الشاغل بعلم ينتفع به المجتمع في عاجله وآجله، ممّا استحب تعلّمه أو أبيح كالنجوم والرياضيات والآداب فلا يصدق - والحال هذه - قوله : أن يكفّ نفسه عنها .

مثلا لو وقف نفسه لخدمة المساجد والمعابد، وسائر الأُمور الاجتماعية كالتمريض جاز له أخذ الزكاة، فقوله : « وهو يقدر على أن يكف نفسه عنها » ناظر إلى إخراج المتكاسل البطّال الذي يأكل ويشرب ويمشي


1 . مستند الشيعة : 2 / 45.    2 . كتاب الزكاة، للشيخ الأنصاري : 271.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8.


صفحه183

في الأسواق والشوارع، دون أن يشتغل بشيء يعود نفعه إلى نفسه أو المجتمع . فعلى ذلك فكلّ عمل أو علم مباح ينتفع به المجتمع، يجوز الاشتغال به، والتعيش بالزكاة من غير فرق، بين علم دون علم مادام الشرع لا يخالفه ويستحسنه العقلاء وينتفع به المجتمع .

وعلى الوجه الثاني : أنّ التكسّب ليس بواجب، إذا أمكن له حفظ نفسه وعياله بطرق مختلفة من الاستدانة أو الاستعطاء من الأصدقاء والأقارب أو الالتقاط من حشيش الأرض أو ببيع داره وغيرها، نعم لو انحصر الطريق بالاكتساب لوجب مقدّمة لحفظ النفس والإنفاق على الأهل الواجبين .

وبما ذكرنا يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الخوئي حيث خصّ الجواز بالواجب العيني، وقال : أمّا في فرض الوجوب العيني فالأمر كما ذكر، إذ الوجوب الشرعي يجعله عاجزاً عن الاكتساب فلا قدرة له عليه شرعاً، ولا فرق في العجز المحقّق بين التكويني والتشريعي .

وأمّا في فرض الوجوب الكفائي فحيث لا إلزام عليه بشخصه لفرض وجود من به الكفاية، فهو متمكّن من الكسب شرعاً وعقلاً وذو مرّة سويّ، ومجرد الوجوب الكفائي لا يستوجب العجز .

ولم يرد دليل في إخراج طلبة العلم عمّا دلّ على منع الزكاة عن ذي مرّة سوي، ومنه يظهر الحال في طلب العلم المستحب فضلاً عن المباح لوحدة المناط بل بطريق أولى . (1)


1 . مستند العروة : كتاب الزكاة : 2 / 32.


صفحه184

لما عرفت من أنّ المراد من القادر، هو القدرة العرفية، لا العقلية، والشاغل بالعلوم النافعة والناجعة ليس قادراً على أن يكفّ نفسه .

نعم لو اشتغل بعلم لا ينتفع به إلاّ نفسه وإن كان مباحاً ولا يعود نفعه إلى المجتمع، فهو خارج عن محطّ البحث .

هذا كلّه إذا أُريد الإعطاء من باب الفقر، وأمّا إذا أُريد الإعطاء من باب «سبيل اللّه » فلا شكّ فيما إذا كان العمل راجحاً مفيداً للمجتمع الإسلامي .

والعجب أنّ صاحب العروة أخرج الرياضيات والعلوم الأدبية عن كونها علوماً مستحبة، مع أنّها علوم نافعة تدور عليها رحى الحضارة الإنسانية .

فتلخّص ممّا ذكرنا : أنّ الإنسان ما دام يشتغل بعلم نافع للمجتمع، يجوز له أخذ الزكاة من غير فرق بين الواجب العيني والكفائي والمستحب والمباح .

لو شك أنّ ما بيده كاف لمؤونة سنته

تارة يكون الحال السابق هو كفاية ما بيده لمؤونة سنته، ولكن طرأ الشكّ لأجل طروء الغلاء أو كثرة العيال، أو غير ذلك، فيعمل بمقتضى الاستصحاب، فيحرم عليه الأخذ .

وأُخرى يكون الحال السابق عدم كفايته وإنّما يحتمل الكفاية لأجل تنزّل الأسعار، أو خروج بعض الأفراد عن عيلولته أو تملّك ما لم يكن مالكاً له، من طريق الوراثة إلى غير ذلك، فيعمل وفق الاستصحاب .


صفحه185

والتمسّك بالاستصحاب في المقام فرع حجّيته في الشك في المقتضي الذي هو كذلك في المقام، وهو الحقّ كما أوضحنا حاله في محلّه .

في مدّعي الفقر

لمدّعي الفقر حالات أربع :

أ : يعلم صدق كلامه أو كذبه .

ب : يجهل حاله مع سبق فقره .

ج : يُجهل حاله مع سبق الغنى .

د : تجهل حالته السابقة .

لا كلام إذا علم صدقه أو كذبه، كما لا كلام فيما إذا جهل الأمران وكانت الحالة السابقة هي الفقر، فمع الصدق يعطى ومع الكذب يمنع، ومع الجهل بصدق كلامه يعطى، إذا كانت الحالة السابقة هي الفقر .

إنّما الكلام في الحالتين الأخيرتين - أعني : سبق الغنى أو الجهل بالحالة السابقة - فذهب صاحب العروة إلى عدم جواز الإعطاء إلاّ مع الظن بالصدق، ولعلّ مراده من الظن الوثوق، لوضوح انّ الظنّ ليس بحجّة ما لم يدلّ على حجّيته دليل .

والمسألة معنونة منذ عصر الشيخ الطوسي إلى يومنا هذا .

قال الشيخ : إذا طلب من ظاهره القوة والفقر ولا يعلم أنّه قادر على التكسّب أعطي من الزكاة بلا يمين، وللشافعي فيه قولان أحدهما : مثل ما قلناه .


صفحه186

والثاني : أنّه يطالب بالبيّنة على ذلك . (1)

وقد خصّ الكلام بمجهول الحال من غير فصل بين كون الحالة السابقة معلومة بالفقر أو الغنى أو مجهولة، فحكم في الجميع بجواز الإعطاء بلا يمين .

وقال المحقّق في « الشرائع » : ولو ادّعى الفقر فإن عرف صدقه أو كذبه عومل بما عرف منه، وإن جهل الأمران أعطي من غير يمين، سواء كان قوياً أو ضعيفاً، وكذا لو كان له أصل مال، وقيل بل يحلف على تلفه . (2)

فقد حكم بجواز الإعطاء عند الجهل بصدقه أو كذبه وإن كانت الحالة السابقة هي الغنى حيث قال : وكذا لو كان له أصل مال .

وقال العلاّمة في « المنتهى » : إذا ادّعى شخص الفقر فإن عرف كذبه منع، وإن عرف صدقه أعطي، وإن لم تعلم حاله قبلت دعواه ولم يكلف بيّنة ولا يميناً، لأنّه يدّعي الأصل وهو عدم المال، والأصل عدالة المسلم فكان قوله مقبولاً، أمّا لو عرف أنّ له مالاً وادّعى تلفه، قال الشيخ : تكلّف بيّنة على التلف (3)، لأنّ الأصل بقاء المال، والأقرب انّه لا يكلّف بيّنة عملاً بعدالته.(4)

وقال في « المختلف » : لو ادّعى الفقر ولم يعلم كذبه أعطي من غير يمين، سواء علم صدقه أو جهل الأمران، وسواء كان قوياً أو ضعيفاً، وسواء كان له أصل مال أو لا، وقيل : يحلف على تلفه .


1 . الخلاف : 4/231، كتاب الصدقات، المسألة 12 .

2 . الشرائع : 1 / 160.

3 . كلامه في « الخلاف » لا يوافق هذا المنقول، ولعلّه ذكره في سائر كتبه.

4 . المنتهى : 8 / 384 .


صفحه187

لنا : الأصل عدالة المسلم وعدم إقدامه على الكذب، والظاهر صدقه، وقد أمرنا بالأخذ بالظاهر . ولأنّه لو وجب اليمين هنا لوجب في صورة العاجز إذا لم يعرف له أصل مال، والتالي باطل بالإجماع فكذا المقدّم .

بيان الشرطية : أنّ المقتضي لإيجاب اليمين هنا تجويز الكذب في إخباره بفقره، وهو ثابت في صورة النزاع . احتجّ المخالف بأنّ الأصل بقاء المال، فلا بدّ من اليمين . والجواب : المنع من الملازمة، فإنّ عدالة المسلم كافية . (1)

وظاهره هو الحكم بجواز الإعطاء في عامّة الصور إلاّ إذا علم كذبه، فلو علم صدقه أو جهل واقع كلامه يعطى، سواء أكانت الحالة السابقة هي الفقر أو الغنى أو جهلت الحالة السابقة .

وهناك قول بأنّه لو كانت الحالة السابقة هي الغنى يؤمر بالحلف أو بالبيّنة .

ثمّ إنّ أوّل من ناقش في نظرية المشهور هو سيد المدارك (2) فناقش أدلّة المتقدّمين في جواز الإعطاء .

وقال المحدّث البحراني : قد صرّح الأصحاب بأنّ من ادّعى الفقر إن عرف صدقه أو كذبه عومل به، وهو ممّا لا إشكال فيه، وإن جهل حاله فالمشهور بل ظاهرهم الاتّفاق عليه، أنّه يصدّق في دعواه ولا يكلّف يميناً ولا بيّنة كما يظهر من «المعتبر» و« المنتهى » وغيرهما .

وربّما علّل بعضهم قبول قوله في الصورة المذكورة بأنّه مسلم ادّعى


1 . المختلف : 3 / 222.    2 . المدارك : 5 / 202.


صفحه188

أمراً ممكناً، ولم يظهر ما ينافي دعواه فكان قوله مقبولاً، كما في « المعتبر » ; وربما علّل بأنّه ادّعى ما يوافق الأصل وهو عدم المال وأنّ الأصل عدالة المسلم، فكان قوله مقبولاً كما في « المنتهى » . (1)

وأمّا الأقوال فالمحصّل من كلماتهم ممّا سردنا وما لم نسرده ثلاثة :

1 . قبول قوله مطلقاً ما لم يظهر كذبه. وهو المنقول عن المشهور .

2 . عدم قبول قوله مطلقاً إلاّ إذا كانت الحالة السابقة الفقر . وهو مختار صاحب العروة.

3 . قبول قوله إلاّ إذا كان له أصل مال - أي إذا كانت الحالة السابقة هي الغنى - فلا يقبل إلاّ بالبيّنة. وهو المنقول عن الشيخ الطوسي .

وهو الظاهر من المحقّق الخوئي حيث قال : يقبل قوله إذا كانت الحالة السابقة هي الفقر أو جهلت، وعدم القبول في غيرهما، أي إذا كانت الحالة السابقة هي الغنى .

وقد ذكر الشيخ الأنصاري وجوهاً لقول المشهور تبلغ اثني عشر وجهاً وناقش في كثير منها، وقال : وفي أكثر هذه الوجوه نظر.(2) بل أكثرها واهية، وإليك دراسة حكم الصورتين :

إذا كانت الحالة السابقة هي الغنى

والقول الحاسم أن يقال : هو أنّه إذا كانت الحالة السابقة هي الغنى يستصحب كونه غنياً، ويكون الاستصحاب منقّحاً لمرفوع دليل اجتهادي،


1 . الحدائق : 12 / 162.    2 . كتاب الزكاة : 277، المسألة 33.


صفحه189

أعني : « لا يحلّ له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكفّ نفسه منها » ، ومع هذا الدليل المؤلّف من أصل منقّح الموضوع، ودليل اجتهادي مبيّن للحكم لا تصل النوبة إلى الوجوه التي نقلها صاحب الجواهر والشيخ وغيرهما من أصالة الصحة في دعوى المسلم، أو أنّ مطالبة البيّنة واليمين إذلال للمؤمن منهي عنه، أو لعموم ما دلّ على وجوب تصديق المؤمن، أو للزوم الحرج أو غير ذلك ممّا ذكروه، فإنّ هذه الوجوه لا تقاوم الدليل الاجتهادي الحاكم بعدم جواز الإعطاء، فإنّها أشبه بالأُصول التي يرجع إليها عند فقد الدليل الاجتهادي، فلا ترفع اليد عن الاستصحاب الموضوعي باليمين على الفقر، إلاّ إذا قامت البيّنة عليه . نعم المهم فيما إذا جهلت الحالة السابقة، فهل يجوز الإعطاء أو لا؟

فيما إذا جهلت الحالة السابقة

فربما يقال بسماع قوله، نظراً إلى أنّ الفقر مرجعه إلى عدم الغنى، وهذا العدم متحقّق سابقاً بالإضافة إلى كلّ إنسان، ولا أقلّ من حين الولادة فإنّه يولد ولا مال له - إلاّ شاذاً - ويطرؤه الغنى بعد ذلك بالكسب أو الإرث، فالغنى أمر حادث مسبوق بالعدم دائماً، فيستصحب، فسماع دعوى الفقر في هذه الصورة مستند إلى الاستصحاب ولا خصوصية للدعوى، ولعلّ السيرة العملية القائمة على السماع في هذا الفرض مستندة لدى التحليل إلى الاستصحاب المزبور، وإلاّ فمن المستبعد جدّاً قيام سيرة تعبّديّة كاشفة عن رأي المعصوم (عليه السلام)كما لا يخفى . (1)


1 . المستند في شرح العروة الوثقى : 2 / 35.


صفحه190

يلاحظ عليه : أنّ المستصحب لو كان هو الفقر المقرون مع الولادة فهو مشكوك ليس بمقطوع وربما يتولّد الإنسان وهو ثريّ ذو مال وراثة من أبيه وأمّه وغيرهما، فيكون المستصحب شبهة مصداقية للاستصحاب .

وإن أُريد الفقر المقرون مع عدم وجوده حيث لم يكن موجوداً فلم يكن عينيّاً، لعدم الموضوع فالأصل مثبت لعدم وحدة القضية المتيقّنة، مع القضية المشكوكة، فإنّ المتيقّنة من القضيتين هو العلم بالفقر، مع عدم الموضوع، والمشكوكة هو إبقاء الفقر، مع وجود الموضوع وأيّ أصل مثبت أوضح من هذا، حيث إنّ العقل يحكم بأنّ بقاء الفقر، مع انقلاب الموضوع لابد وأن يكون في ضمن وجود الموضوع .

والموضوع في لسان الأدلّة، هو الفقير، أي من لا يملك مؤونة سنته ومؤونة عياله، وأين هذا ممّن لا يملك لعدم وجوده؟ ! قال سبحانه:(إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ وَ اَلْعامِلِينَ عَلَيْها . . . ) (1) والموضوع في الجميع: الإنسان الموجود والموصوف بصفات خاصّة .

هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّه يجب على مالك الزكاة أن يدفع الزكاة إلى الفقير الواقعي الذي ثبت فقره بالعلم أو بحجّة شرعية، فلو قامت هناك حجّة على فقره يعطى، وإلاّ فيمنع .

فنخرج بهذه النتيجة :

1 . إذا كانت الحالة السابقة هي الغنى، لا يعطى عملاً بالاستصحاب .


1 . التوبة : 60.


صفحه191

2 . إذا كانت الحالة السابقة مجهولة يمنع لعدم إحراز الموضوع، إلاّ إذا قامت البيّنة على الفقر، أو حصل الوثوق الذي هو علم عرفيّ، وأمّا كفاية الظن كما عليه صاحب العروة فلا يكفي، لعدم حجّيته إلاّ ما خرج بالدليل .

دراسة الوجوه المجوّزة للإعطاء

وهناك أُمور استند إليها أكثر المتأخّرين في إثبات الموضوع - أعني : كون المدّعي فقيراً - ونحن نستعرضها على وجه الإيجاز :

1 . أصالة الصحة في دعوى المسلم .

يلاحظ عليه : أنّها لا تثبت لوازمه، وغاية ما يترتّب عليه أنّه صادق في دعواه، فما للصدق - لو كان - من أثر شرعي يترتّب عليه، وأمّا إثبات الموضوع ( الفقر) والتكليف لصاحب المال فهي قاصرة عنه .

2 . مطالبة البيّنة أو اليمين إذلال للمؤمن .

يلاحظ عليه : أنّه إذا كانت إقامة البيّنة أمراً سهلاً، فأيّ إذلال في ذلك، وقد راجت في عصورنا مؤسسات خيرية تتبنّى سدّ خلّة الفقراء بعد التحقيق والفحص .

وأمّا اليمين فلا موضوع له، لأنّ مورده هو المخاصمة وحسم الدعوى، والمورد خارج عنه .

3 . إنّه ادّعى استحقاق شيء لا ينكره عليه غيره، فيشبه مسألة الكيس المحكوم بأنّه لمن ادّعاه، فقد ورد في خبر منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : قلت: عشرة كانوا جلوساً وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل


صفحه192

بعضهم بعضاً ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلّهم : لا، وقال واحد منهم : هو لي، فلمن هو؟ قال : «للّذي ادّعاه». (1)

يلاحظ عليه : إنّما يصدق إذا ادّعى استحقاق شيء ليس عليه أي يد، لا يد مالكة ولا يد أمانة، فيدفع إليه كما في مسألة الكيس، بخلاف المقام فإنّ على الزكاة يد المالك وهو يد أمانة يجب أن يوصله المالك إلى صاحبه .

4 . لعموم ما دلّ على تصديق المؤمن الوارد في تفسير قوله تعالى : (يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)(2) .

وقد ورد في الحديث انّ أبا عبد اللّه(عليه السلام)نهى ابنه إسماعيل عن دفع الدنانير إلى رجل مشهور أنّه يشرب الخمر، فقال إسماعيل : يا أبت إنّي لم أره يشرب الخمر، إنّما سمعت الناس يقولون . فقال : « يا بني إنّ اللّه يقول في كتابه : (يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)» .

ومثله حديث آخر يقرب مضمونه من ذلك . (3)

يلاحظ عليه : بأنّ المراد من التصديق هو الأخذ بالاحتياط لا التصديق العملي بشهادة أنّ الإمام أبا الحسن(عليه السلام)يأمر محمد بن فضيل بتصديق الأصرح وتكذيب القسامة، فلو كان المراد هو التصديق العملي لزم ترجيح المرجوح على الراجح، وهذا دليل على أنّ المراد هو التصديق الأخلاقي لا


1 . الوسائل: ج 18، الباب 17 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 .

2 . التوبة : 61.

3 . البرهان : 2/138، تفسير الآية 61 من سورة التوبة، الحديث 1 و 2; تفسير العياشي : 2/95، الحديث 83 .


صفحه193

العملي . قال الإمام الكاظم(عليه السلام): « يا محمد كذّب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة، وقال لك قولاً، فصدّقه وكذّبهم».(1)

5. ولتعذر إقامة البيّنة عليه، فيشمله ما يستفاد منه سماع دعوى يتعذّر إقامة البيّنة عليها، كما يرشد إليه قول الإمام الرضا (عليه السلام)في المرأة المدّعية لكونها بلا زوج : «أرأيت لو سألها البيّنة، كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج » . (2)

ولكنّه مخصّص بما ورد في بعض النصوص انّه يقبل قولها إذا كانت ثقة; ففي صحيحة حمّاد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل طلّق امرأته ثلاثاً فبانت منه، فأراد مراجعتها، فقال لها : إنّي أُريد مراجعتك فتزوّجي زوجاً غيري، فقالت له : قد تزوّجت زوجاً غيرك وحلّلت لك نفسي، أيصدق قولها ويراجعها؟ وكيف يصنع؟ قال : « إذا كانت المرأة ثقة صدّقت في قولها » . (3)

ومع غض النظر، فقياس المقام بالأُمور الراجعة إلى المرأة ممّا لا يعلم إلاّ من جانبها، قياس مع الفارق يعلم بالتأمّل .

6 . لزوم الحرج لو كلّف الفقير بإقامة البيّنة .

يلاحظ عليه : - مضافا إلى أنّه ممنوع، إذ في إمكان مدّعي الفقر أن يطلع أقوامه أو جيرانه أو أصدقاءه على حاله - أنّه يتحدّد جواز الإعطاء عندئذ بلزوم الحرج الشخصي لا النوعي مع أنّ المنقول عن المشهور غير ذلك .


1 . الوسائل: ج 8، الباب 157 من أبواب العشرة، الحديث 4 .

2 . الوسائل: ج 14، الباب 10 من أبواب نكاح المتعة، الحديث 5 .

3 . الوسائل: ج 15، الباب 11 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1 .


صفحه194

7 . ما ذكره صاحب الحدائق ووصفه بأنّه أمتن الوجوه وأظهرها وأوجهها، قال: لا يخفى على من تأمّل الأخبار الواردة بالبيّنة واليمين في أبواب الدعاوي أنّه لا عموم فيها فضلاً عن الخصوص على وجه يشمل مثل ما نحن فيه، فإنّ موردهما إنّما هو ما إذا كانت الدعوى بين اثنين : مدّع ومنكر، ولا دلالة فيها على من ادّعى شيئاً وليس له من يقابله وينكر دعواه بأنّه يكلّف البيّنة أو اليمين، وفي الأخبار الكثيرة : «البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر » . (1)

يلاحظ عليه : أنّ اختصاص اليمين بما ذكره وإن كان غير بعيد لكن اختصاص البيّنة بالدعاوي غير تام، كيف وقد ورد في موثّقة مسعدة ما يستفاد منه عمومية حجّيتها في غير مورد المخاصمة، قال (عليه السلام)بعد ذكر أمثلة : «. . . أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك والأشياء كلّها على هذا حتى تستبين لك أو تقوم به البيّنة».(2)

8 . أصالة العدالة في المسلم، فإنّ الأصل في كلّ مسلم هو أن يكون عادلاً .

يلاحظ عليه : أنّه مبنيّ على ما ذكره الشيخ في « الخلاف » بأنّ الإسلام أو الإيمان مع عدم ظهور الفسق، عدالة بحيث يساوي الإسلام والإيمان مع العدالة بشرط عدم ظهور الفسق، وهو غير تام، لظهور أنّ العدالة غير الإيمان والإسلام، وعلى ذلك جرت سيرة الفقهاء في مبحث عدالة القاضي والشاهد


1 . الحدائق الناضرة : 12 / 165.

2 . الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 .


صفحه195

وغير ذلك، فشرطوا وراء الإسلام والإيمان، العدالة . وفي رواية عمر بن حنظلة عند تعارض الحكمين: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما . (1) فلو كانت العدالة نفس الإسلام والإيمان فما معنى التفضيل؟ كما أنّ الظاهر من رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)(2): أنّ العدالة ملكة تصدّ الإنسان عن ارتكاب الكبيرة ».

وقد حقّقنا الموضوع في كتاب « نظام القضاء والشهادة » عند البحث عن عدالة القاضي والشاهد .

9 . ما ورد فيمن نذر جارية للكعبة; ففي رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال : سألته عن رجل جعل جاريته هدياً للكعبة؟ فقال : « مر منادياً يقوم على الحجر فينادي : ألا من قصرت به نفقته، أو قطع به، أو نفد طعامه فليأت فلان بن فلان، ومره أن يعطي أوّلاً فأوّلاً حتى ينفد ثمن الجارية » . (3)

يلاحظ عليه : أنّه يحتمل أن يكون من مختصات نذر الكعبة والهدية إليها، فلا يكون دليلاً على سماع دعوى الفقر في سائر المقامات .

10 . ما تضافر من الروايات على سيرة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)من استماع دعوى مدّعي الفقر، وهي كثيرة نكتفي منها بالأقل :

ما ورد في خبر العزرمي من أنّه جاء رجل إلى الحسن والحسين(عليهما السلام)


1 . الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3 .

2 . الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 1 .

3. الوسائل: ج 9، الباب 22 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث 1 .


صفحه196

وهما جالسان على الصفا فسألهما، فقالا : « إنّ الصدقة لا تحلّ إلاّ في دين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، ففيك شيء من هذا؟ » قال : نعم، فأعطياه . (1)

وما في مصحّح عامر بن جذاعة قال : جاء رجل إلى أبي عبد اللّه(عليه السلام)فقال له : يا أبا عبد اللّه، قرض إلى ميسرة، فقال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): « إلى غلّة تدرك؟ » ، فقال الرجل : لا واللّه، قال : « فإلى تجارة تؤوب؟ » قال : لا واللّه .

قال : « فإلى عقدة تباع؟ » فقال : لا واللّه، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): « فأنت ممّن جعل اللّه له في أموالنا حقّاً » ثمّ دعا بكيس فيه دراهم . (2)

يلاحظ عليه : أنّ القرائن تدلّ على أنّه حصل للإمام الاطمئنان بفقر السائل، فلذلك قال : « فأنت ممّن جعل اللّه له في أموالنا حقّاً » ، فلا يكون دليلاً على الآخرين .

وبالجملة هذه الوجوه غير ناهضة لإثبات قاعدة كلّية على خلاف ما ثبت من الكتاب والسنّة .

لو كان له دين على الفقير

في المسألة فروع ثلاثة :

1 . جواز احتساب الدين زكاة، من غير فرق بين كون المديون حيّاً أو ميّتاً .


1 . الوسائل: ج 9، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 . المدقع : الفقر الملصق بالتراب، كناية عن الذلّة .

2 . الوسائل: ج 9، الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1 .


صفحه197

2 . إذا كان المديون ميّتاً يشترط أن لا تفي تركته بدينه .

3 . إذا امتنعت الورثة عن أداء الدين يجوز الاحتساب وإن كانت تركته وافية بالدين .

وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر، وإن كان الأنسب البحث فيها عند البحث في الغارمين .

إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع الثلاثة :

1 . احتساب الدين زكاة حيّاً كان الغارم أو ميّتاً

إنّ الغارمين أحد المصارف الثمانية للزكاة، فلو قلنا بأنّ الفقير والمسكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم يتملّكون الزكاة بشهادة لفظة «لام » في المعطوف والمعطوف عليه، لكن الرقاب والغارمين بشهادة دخول كلمة « في » عليهما لا يتملّكون، بل الزكاة تصرف في مصالحهم، قال سبحانه : (وَفِي اَلرِّقابِ وَاَلْغارِمِينَ) .

ثمّ الصرف في المصالح كما يتحقّق بالأداء يتحقّق بالاحتساب، وقد عرفت أنّ المزكّي يقوّم الزكاة، فعندئذ تعود نفس القيمة زكاة .

ثمّ إنّ المزكّي تارة يكون صاحب الدين وأُخرى غيره، فلو دفع القيمة إلى صاحب الدين من جانب المديون فقد قضى دينه، فيصدق قوله سبحانه في (اَلْغارِمِينَ).

هذا إذا كان المزكّي غير صاحب الدين، وأمّا إذا كان هو صاحب الدين فبما أنّ القيمة مقبوضة للغارم، فبالاحتساب تبرأ ذمّة المزكّي كما تبرأ ذمّة


صفحه198

الغارم، فيصدق أيضاً وفي (اَلْغارِمِينَ) .

والحاصل : إنّ القضاء عن الغارم أو الاحتساب عليه كلاهما صرف للزكاة في طريق إفراغ ذمّة الغارم، ولكن يختلف حسب اختلاف صاحب الدين، فلو كان المزكّي وصاحب الدين مختلفين فالصرف بالقضاء، ولو كان واحداً فالصرف بالاحتساب، فنفس الآية كافية في تجويز الاحتساب من دون حاجة إلى دليل آخر وإن ورد في المقام روايات .

ثمّ الغارم تارة يكون حيّاً وأُخرى ميّتاً ويجوز الاحتساب في كلا الموردين .

أمّا الاحتساب على الغارم الحي، فيكفي في ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال : سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام)عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة، هل لي أن أدعه فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال : « نعم » . (1)

2 . وخبر عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث أنّ عثمان بن عمران قال له : إنّي رجل موسر ويجيئني الرجل ويسألني الشيء وليس هو إبّان زكاتي؟ فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): « القرض عندنا بثمانية عشر، والصدقة بعشرة، وماذا عليك إذا كنت كما تقول موسرا أعطيته، فإذا كان إبّان زكاتك احتسبت بها من الزكاة، يا عثمان لا تردّه فإنّ ردّه عند اللّه عظيم » . (2)

لكن ورد في بعض الروايات التفصيل بين تمكّن الفقير من أداء الدين


1 . الوسائل: ج 6، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .


صفحه199

ولو ببيع بعض المستثنيات، ومن لا يقدر حتى على هذا النحو، فيحتسب في الأوّل ويعطى في الثاني .

روى سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة؟ فقال :

« إن كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دين من عرض من دار، أو متاع من متاع البيت، أو يعالج عملاً يتقلّب فيها بوجهه، فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دينه، فلا بأس أن يقاصّه بما أراد أن يعطيه من الزكاة، أو يحتسب بها .

فإن لم يكن عند الفقير وفاء ولا يرجو أن يأخذ منه شيئاً فيعطيه من زكاته ولا يقاصّه شيء من الزكاة » . (1)

ولكن التفصيل محمول على الاستحباب لكي لا يحرم المسكين البائس من إعطاء الزكاة، وإلاّ فيجوز الاحتساب في هذه الصورة أيضاً، لعدم وجوب دفع الزكاة إلى الشخص المعيّن .

هذا كلّه حول الاحتساب على الحي، وأمّا الاحتساب على الميّت ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال : سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن رجل عارف، فاضل توفّي وترك عليه ديناً قد ابتلي به، لم يكن بمفسد ولا بمسرف ولا معروف بالمسألة، هل يقضى عنه من الزكاة : الألف والألفان؟ قال : «نعم». (2)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .


صفحه200

ومورد الرواية هو قضاء الدين عن الميت، وهذا إنّما يصدق إذا كان المزكّي غير صاحب الدين، غير أنّ العرف يساعد على إلغاء الخصوصية، لأنّ الغاية هو إبراء ذمّة الغارم، فكما يحصل الإبراء بالقضاء فكذلك يحصل بالاحتساب إذا كان المزكّي هو صاحب الدين .

ويؤيّده روايات أُخرى :

1 . خبر إبراهيم بن السندي، عن يونس بن عمّار، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول : « قرض المؤمن غنيمة وتعجيل أجر، إن أيسر قضاك، وإن مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة » . (1)

2 . خبر هيثم الصيرفي وغيره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « القرض الواحد بثمانية عشر، وإن مات احتسب بها من الزكاة » . (2)

إكمال

وليعلم أنّ صاحب العروة اكتفى فيما إذا كان المزكّي هو الدائن بصورة واحدة وهو الاحتساب، وقال : لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة، مع أنّه ذكر في مبحث الغارمين قسماً آخر حيث قال : لو كان دين الغارم لمن عليه الزكاة جاز له احتسابه عليه زكاة، بل يجوز أن يحتسب ما عنده من الزكاة وفاء للدين ويأخذها مقاصة . (3) وعندئذ يقع الكلام في معنى التقاص، وسيوافيك توضيحه .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8.

3 . لاحظ كتابنا «الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء»: 2 / 157، المسألة 24 من الغارمين.


صفحه201

إلى هنا تبيّنت أُمور ثلاثة :

1 . قضاء الدين بالزكاة، وذلك إذا كان المزكّي غير الدائن .

2 . احتساب الدين زكاة، وذلك إذا كان المزكّي والدائن واحداً .

3 . احتساب ما عنده من الزكاة وفاء للدين أخذها مقاصة .

وسوف يوافيك توضيح القسم الثالث في الغارمين .

2 . اشتراط عدم وفاء التركة بالدين في الميّت

هذا هو الفرع الثاني وحاصله : إنّه يشترط في الاحتساب على الميّت عدم وفاء تركته بدينه وإلاّ لا يجوز، وقد أفتى به الشيخ في « المبسوط » ، والعلاّمة في «التحرير » خلافاً له في « المختلف » ، قال في « المبسوط » :

وسواء أكان الميت الذي يقضى عنه - إذا لم يخلّف شيئاً - كان ممّن يجب عليه نفقته في حياته أو لم يكن . (1)

والشيخ وإن كان بصدد نفي التفصيل بين كون الغارم واجب النفقة على المزكّي أو لا، ولكنّه يذكر القيد ( إذا لم يخلّف شيئاً) كأنّه أمر مسلم في جواز القضاء .

وقال العلاّمة في « التحرير » : والظاهر أنّ جواز المقاصّة إنّما مع قصور التركة.(2)

ولكنّه ذهب في « المختلف » إلى عدم الاشتراط، قال : قال ابن


1 . المبسوط : 1 / 252.

2 . تحرير الأحكام : 1/408، رقم المسألة139 .


صفحه202

الجنيد : لا بأس أيضاً أن يحتسب المزكّي بما كان أقرضه الميّت من ماله من الزكاة إذا عجز الميّت عن أداء ذلك . والأقرب عندي عدم الاشتراط . لنا : عموم الأمر بجواز احتساب الدين على الميّت من الزكاة، ولأنّه بموته انتقلت التركة إلى ورثته فصار في الحقيقة عاجزاً . (1)

والحقّ ما ذكره في « التحرير » وذلك لوجهين :

الأوّل : أنّ التركة لا تنتقل إلى الورثة إلاّ (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِها أَوْ دَيْن) ، فمقدار الدين باق على ملك الميّت فيملكه الغارمون، تملّكاً بلا منازع .

الثاني : أنّ عنوان الغارم غير عنوان الفقير، فدفع الزكاة إلى الفقير يشترط فيه عجزه عن مؤونة سنته، وأمّا الغارم فلا يشترط فيه الفقر بهذا المعنى وإنّما يشترط فيه العجز عن أداء الدين، ولأجل ذلك يعرّفه المحقّق في الشرائع بقوله : « الغارمون هم الذين علتهم الديون في غير معصية » فإذا كان قادراً على أداء الدين فكيف يدفع إليهم الزكاة أو يقضى عنهم أو يحتسب عليهم وهم غير عاجزين عن القيام بأداء الدين؟ !

ويدلّ على ذلك وراء الآية صحيحة زرارة، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل حلّت عليه الزكاة ومات أبوه وعليه دين، أيؤدّي زكاته في دين أبيه وللابن مال كثير؟ فقال(عليه السلام): « إن كان أبوه أورثه مالاً ثمّ ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته، وإن لم يكن أورثه مالاً لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دين أبيه، فإذا أدّاها من


1 . المختلف : 3 / 212.


صفحه203

دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه » . (1)

ومورد الصحيحة هو الأب الذي هو واجب النفقة، ولكنّه لا يوجب تخصيص الحكم بمورده، إذ ليس أداء الدين من النفقة الواجبة على الولد .

وأمّا القول الآخر فقد استدلّ عليه العلاّمة بوجهين قاصرين :

أ : عموم الأمر بجواز احتساب الدين على الميّت من الزكاة .

يلاحظ عليه : بما عرفت من أنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّية، وإنّ صرف الزكاة في سبيل الغارمين لأجل عجزهم عن الأداء .

ب : انتقال التركة للورثة فصار في الحقيقة عاجزاً .

يلاحظ عليه : أنّه على خلاف ظاهر الآية وانّه ينتقل إليهم ما سوى ما وصّى به وما يقضى به الدين، أضف إلى ذلك صحيحة زرارة وهو يكفي في تقييد المطلقات، ولو قلنا بظاهر كلام العلاّمة فلا بدّ من القول بجواز صرف الزكاة في ديون الأثرياء الذين ماتوا وتركوا ثروة طائلة .

3 . إمكان استيفاء الدين من التركة

هذا هو الفرع الثالث وانّ التركة إنّما تمنع من صرف الزكاة في الدين إذا أمكن استيفاؤه منها، وأمّا إذا لم يمكن الاستيفاء منها لامتناع الورثة لعدم إمكان إثبات الدين مع كونه كذلك في الواقع، فقد استظهر اليزدي الجواز وفاقا للشهيدين .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 18 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .


صفحه204

قال الشهيد : نعم لو أتلف الوارث المال وتعذّر الاقتضاء لم يبعد جواز الاحتساب والقضاء . (1)

وقال في « المسالك » : نعم لو لم يعلم الوارث بالدين ولم يمكن للمدين إثباته شرعاً أو أتلف الوارث التركة وتعذّر الاقتضاء منه، جاز الاحتساب على الميّت قضاء ومقاصة . (2)

وقال في « الجواهر » : لا يبعد جواز الاحتساب مطلقاً إذا تعذر الاستيفاء من التركة إمّا لعدم إمكان إثباته أو لغير ذلك كما صرّح به في المسالك، وكذا الروضة اقتصاراً في تقييد المطلق على محل اليقين . (3)

فإن قلت : إنّ مقتضى إطلاق صحيحة زرارة هو عدم الجواز حيث قال: « إن كان أبوه أورثه مالاً ثمّ ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث » (4) والمفروض أنّه ترك مالاً، فالمقتضي من جانب الميّت تام والمانع من جانب الورثة .

قلت : الصحيحة منصرفة إلى ما إذا أمكن الاستيفاء، ولذلك قال : « لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه » فهو ظاهر في أنّ الورثة على أهبة الوفاء غير أنّهم لم يعلموا به، فلا يعمّ صورة الامتناع . وبذلك يظهر أنّ مراده من « محلّ اليقين » هو انصرافها إلى ما إذا أمكن الاستيفاء .

والذي يقرّب ذلك أنّه لو كان الحي مالكاً لما يتمكّن به من أداء دينه غير أنّه صودرت أمواله من قبل الظالم، فيجوز صرف الزكاة في أداء دينه، فإذا كان الحي كذلك فالميّت أولى به .


1 . البيان : 195.    2 . المسالك: 1 / 418.    3 . الجواهر : 15 / 366.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 18 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .


صفحه205

هل يجب إعلام الفقير أنّ المعطى زكاة؟

في المسألة فروع أربعة:

1 . لا يجب إعلام الفقير بأنّ المدفوع له زكاة .

2 . إذا كان ممّن يترفّع، يستحب دفعها له على وجه الصلة ظاهراً والزكاة واقعاً .

3 . إذا اقتضت المصلحة يجوز التصريح بأنّه ليس بزكاة كذباً .

4 . إذا قصد القابض عنواناً آخر غير الزكاة .

وإليك دراسة الفروع واحدا تلو الآخر .

1 . عدم وجوب إعلام الفقير

اتّفق الفقهاء على عدم وجوب الإعلام للفقير بأنّ المدفوع زكاة، قال الشيخ الطوسي : فإن عرفت من يستحق الزكاة وهو يستحيي من التعرّض لذلك ولا يؤثر أن تعرفه، جاز لك أن تعطيه الزكاة وإن لم تعرّفه أنّه منها، وقد أجزأت عنك . (1)

وقال المحقّق : لا يجب إعلام الفقير أنّ المدفوع إليه زكاة . (2)

وقال العلاّمة في « التذكرة » : ولا يجب إعلام المدفوع إليه أنّ هذا زكاة. (3)


1 . النهاية : 188.    2 . الجواهر : 15/324، قسم المتن.

3 . التذكرة : 5/287، المسألة 203، كتاب الزكاة.


صفحه206

ويدلّ على الجواز إطلاقات الأمر بأداء الزكاة من غير تقييد بإعلام المدفوع بأنّه زكاة، ويكفي في الامتثال قصد الدافع عنوان الزكاة، وأمّا إعلام المدفوع إليه بالعنوان أو لزوم أخذه به فلم يدلّ عليها دليل .

وتدلّ عليه أيضاً صحيحة أبي بصير، قال : قلت لأبي جعفر(عليه السلام): الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ من الزكاة ]أ [فأعطيه من الزكاة ولا أُسمّي له أنّها من الزكاة؟ فقال : « أعطه ولا تسمّ له ولا تذلّ المؤمن » . (1)

والشاهد في قوله : « أعطه ولا تسمّ له » وكون المورد من يستحيي من أخذ الزكاة، لا يكون دليلاً على اختصاصه به، بل هو الداعي لأجل عدم إعلام الموضوع، إذ لو لم يكن كذلك فلا داعي لكتمان الموضوع، ومن المعلوم أنّ الداعي لا يكون قيداً للحكم، فيجوز عدم إعلامه مطلقاً، سواء كان مستحيياً من أخذها أم لا .

وليس في السند سوى سهل بن زياد، والأمر فيه سهل، ورواه الشيخ عن الكليني بنفس هذا السند .

نعم رواه الصدوق باسناده عن عاصم بن حميد وسنده إليه صحيح .

والعجب من المحدّث البحراني حيث زعم أنّ الرواية حسنة لأجل إبراهيم بن هاشم مع أنّه ليس في السند منه عين ولا أثر . (2)

وأمّا أبو بصير فهو ثقة من غير فرق بين الأسدي وغيره .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 58 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

2 . الحدائق : 12 / 171.


صفحه207

2 . استحباب دفع الزكاة على وجه الصلة ظاهراً

يظهر من العلاّمة الحلّي أنّ الاستحباب موضع وفاق، قال : فلو استحيا الفقير من أخذها علانية استحبّ إيصالها إليه على وجه الهدية، ولا يعلم أنّها زكاة، لما في الإعلام من إذلال المؤمن والاحتقار به - ثمّ ذكر بعد رواية أبي بصير : - ولا نعلم في ذلك خلافاً . (1)

ولعلّ قوله : « ولا نعلم في ذلك خلافاً » يرجع إلى ما ذكره من استحباب الإيصال على وجه الهدية .

وقال المحدّث البحراني : قد صرّح الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - من غير خلاف يعرف بأنّه لو كان الفقير ممّن يستحيي من قبول الزكاة جاز دفعه إليه على وجه الصلة . ثمّ استدلّ برواية أبي بصير الماضية . (2)

يلاحظ عليه : أنّ رواية أبي بصير إنّما تدلّ على الفرع الأوّل وهو عدم لزوم الإعلام، وأمّا استحباب الدفع إليه على وجه الصلة فهو خارج عن مدلول الرواية .

وعندئذ يقع الكلام في أمرين :

الأوّل : استحباب الإعطاء بهذا العنوان

الثاني : إجزاء الإعطاء على وجه الصلة .

أمّا الأوّل : فلا يستفاد من رواية أبي بصير سوى النهي عن التسمية


1 . التذكرة : 5 / 287.

2 . الحدائق : 12 / 171.


صفحه208

وكراهته، وأمّا استحباب الإعطاء بعنوان آخر فلا يدلّ عليه .

وأمّا الثاني : فالظاهر هو الإجزاء، لأنّ الواجب هو إيصال حقّ الفقير إليه وجعله تحت يده وتملّكه له، والمفروض أنّه حصل ذلك، واستدلّ على ذلك بما في رواية سماعة قال : إذا أخذ الرجل الزكاة فهي كماله يصنع بها ما يشاء، قال : « إنّ اللّه فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلاّ بأدائها وهي الزكاة، فإذا وصلت إلى الفقير فهي بمنزلة ماله يصنع بها ما يشاء». (1)

يلاحظ عليه : أنّ الرواية بصدد بيان أنّ الفقير له التقلّب في الزكاة كيف ما شاء، وأمّا كفاية مطلق الوصول إليه ولو بعنوان الصلة فليست الرواية بصدد بيانها فلا بدّ من التماس دليل آخر .

ويمكن الاستدلال عليه بجواز إعطاء الزكاة للأيتام الصغار مع أنّهم لا يعرفون الموضوع، ففي الصحيح عن أبي بصير، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يموت ويترك العيال أيعطون من الزكاة؟ قال :

« نعم حتى ينشأوا ويبلغوا ويسألوا من أين كانوا يعيشون إذا قطع ذلك عنهم».

فقلت : إنّهم لا يعرفون؟ قال : « يحفظ فيهم ميّتهم ويحبّب إليهم دين أبيهم فلا يلبثون أن يهتموا بدين أبيهم، فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم » . (2)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 41 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1; ولاحظ الحديث 2 و 3.


صفحه209

وهذه الروايات تدلّ على أنّ إبراء الذمّة يحصل بوصول المال إلى الفقير وتملّكه، غاية الأمر يكون قصد الهدية من جانب المعطي في الظاهر أمراً زائداً غير مخلّ بالإجزاء وإنّما أُريد به حفظ كرامة الفقير مع كون الجدّ على خلاف الظاهر .

وربما يتصوّر وجود المعارضة بين رواية أبي بصير الماضية وصحيحة محمد بن مسلم، قال : قلت لأبي جعفر(عليه السلام): الرجل يكون محتاجاً فيبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها على وجه الصدقة يأخذه من ذلك ذمام واستحياء وانقباض، فنعطيها إيّاه على غير ذلك الوجه وهي منّا صدقة؟

فقال : « لا، إذا كانت زكاة فله أن يقبلها، فإن لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تعطها إيّاه » . (1)

يلاحظ عليه : أنّ الحديثين مختلفان موضوعاً، فالأوّل ناظر إلى عدم وجوب إعلام الموضوع للفقير، والحديث الثاني ناظر إلى المنع عن دفع الزكاة بعنوان الصلة لمن يتأبّى عن أخذ الزكاة، فلا وحدة في الموضوع حتى يتعارضان، نعم ظاهره النهي عن دفع الزكاة بعنوان الهديّة إذا كان الفقير من يأخذه انقباض إذا عرف أنّ المدفوع زكاة، وعلى ذلك يجب دراسة الحديث وفهم معناه مع قطع النظر عن المعارضة التي عرفت انتفاءها، فنقول :

إنّ بعث الزكاة بعنوان الهبة إلى الفقير يتصوّر على وجوه ثلاثة :

الأوّل : أن يدفعها بقصد الزكاة تحت عنوان الصلة والهدية ويأخذها القابض على وجه الزكاة، وهذا لا إشكال فيه، وفي استحبابها من جهة


1 . الوسائل: ج 6، الباب 58 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .


صفحه210

استحياء الفقير المتجمّل من أن يطّلع عليه أحد، لكونه ممّن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف، ما عرفت من عدم الدليل عليه، وهذا الوجه خارج عن مصبّ الرواية .

الثاني : الوجه نفسه ولكن يأخذه القابض بالعنوان الذي دفع إليه ظاهراً، ولكن لا يمتنع عنها إذا اطّلع على كونها زكاة، فلا إشكال في الإجزاء كما سيوافيك في الفرع الرابع .

الثالث : ذلك الوجه ولكن يمتنع عنها إذا اطّلع على كونها زكاة، وهذا الوجه هو مصبّ الرواية، والإمام ينهى عن ذلك، ولعلّ النهي إرشادي للحيلولة دون لغوية العمل، لأنّه إذا بعثها بعنوان الهدية ووقف هو من خلال القرائن على أنّها زكاة، يردّها على الدافع أو يتأذّى من عمل الدافع وليس النهي تحريمياً أو تنزيهياً . وعلى ضوء هذا لو بعث إليه زكاته وقبل زعماً منه أنّها صلة، يكون مبرئ للذمّة، لما عرفت من أنّ النهي إرشاديّ .

ثمّ إنّ الأصحاب مالوا يميناً وشمالاً في تفسير الرواية .

قال المحدث البحراني : إنّ الحديث غير معمول به على ظاهره ولا قائل به، بل الأخبار وكلام الأصحاب على خلافه، فلا يلتفت إليه في مقابلة ما ذكرنا . (1)

وقال في « الجواهر » بعد ذكر الرواية : لم نجد عاملاً به على ظاهره، وإن كان قد يظهر من « الدروس » نوع توقّف في الحكم من جهته . (2)


1 . الحدائق : 12 / 172.    2 . الجواهر : 15 / 325.


صفحه211

وقد عرفت أنّ النهي إرشادي، والغاية صيانة العمل عن اللغوية وليس نهياً تحريمياً أو تنزيهياً .

3 . إذا اقتضت المصلحة يجوز التصريح بأنّه ليس بزكاة كذباً

إنّ الكذب من الكبائر الموبقة، لا يسوّغه إلاّ إذا كانت هناك مصلحة أقوى من مفسدة الكذب، وإلاّ فيحرم، وإحراز تلك المصلحة مشكل جدّا إلاّ في موارد نادرة .

4 . إذا قصد القابض عنواناً آخر غير الزكاة

يظهر من السيد اليزدي أنّه لا يقول بالإجزاء إذا قصد القابض عنواناً غير الزكاة، ولعلّه اعتمد في ذلك على صحيحة محمد بن مسلم حيث شرط عدم قصد القابض لعنوان آخر .

ولكنّه غير تامّ، لما عرفت من أنّ النهي في الصحيحة إرشادي وليس تحريمياً أو تنزيهياً .

والظاهر الإجزاء وإن قصد القابض غير عنوان الزكاة، لأنّ العبرة بقصد الدافع لا بقصد القابض، والمفروض أنّه دفعه بعنوان الزكاة .

لو انكشف غنى القابض للزكاة

في المسألة فروع ثلاثة:

1 . لو تبيّن كون القابض غنياً وكانت العين باقية .

2 . تلك الصورة ولكن كانت العين تالفة، وكان القابض عالماً


صفحه212

بالموضوع وإنّها زكاة . سواء أكان عالماً بالحكم ( حرمة الزكاة على الغني) أم لا .

3 . إذا كان القابض جاهلاً بالموضوع وإنّها زكاة فله شقوق :

أ : كانت العين باقية ولكن تعذّر الارتجاع .

ب : لو تلفت العين بلا ضمان كما إذا تلفت بآفة سماوية .

ج : تلفت مع الضمان ولم يتمكّن الدافع من أخذ العوض، فعلى من الضمان؟

وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر في ضوء القواعد العامة ثمّ دراسة ما ورد في المقام من الروايات :

1 . لو تبيّن غنى القابض وكانت العين باقية

لو دفع الزكاة إلى من يعتقد بأنّه فقير ثمّ بان كون القابض غنياً وكانت العين باقية، يسترجع العين سواء أكان القابض عالماً أم جاهلاً، دفعها بعنوان الزكاة أم لا، وذلك لأنّ العين لا تخلو إمّا ملك للدافع أو للفقير، فلو كانت ملكاً للدافع يجوز الارتجاع، ولو كانت ملكاً للفقير يجب، كما لو عزل الزكاة وأفرزها من ماله فقد تعيّن أنّها للفقير فيجب ارتجاعها .

نعم لو دفعها بلا إفراز، فربّما يقال بأنّه لا يتعيّن للزكاة نظراً إلى أنّ الموضوع لا يتشخّص في الزكاة إلاّ بقبض الفقير الواقعي المنفي حسب الفرض، فهو أولى بماله وباق تحت سلطنته، فله الإبقاء كما له الإرجاع . (1)


1 . حكاه المحقّق الخوئي عن مصباح الفقيه ولم نعثر عليه فيه، لاحظ ج 13 ص 521 ـ 526 .


صفحه213

يلاحظ عليه : أنّ كلّ دفع مشتمل على العزل قبله ولو آناً ما دائماً، فيتعيّن كونه ملكاً للفقير ويكفي ذلك في تعيّنه له سواء أقبضه أم لا، قبضه الفقير الواقعي أم لم يقبضه .

والحاصل : أنّه إذا دفع عيناً معيّنة بعنوان الزكاة فتحصّل العزل قبل الإقباض وهذا يكفي، ولذلك أطلق السيد اليزدي وقال : ارتجعها .

والمفروض أنّه ليس له الولاية على تبديل العين بعين أُخرى .

2 . إذا تلفت العين وكان القابض عالماً بالموضوع

إذا دفع الزكاة باعتقاد أنّ القابض فقير وكان القابض عالماً بأنّها زكاة، سواء أكان عالماً بحرمة الزكاة على الغني أم لا فأتلف أو تلفت العين عنده، فالقابض ضامن لعموم : « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » و المفروض أنّ يده ليست يداً أمينة، إذ ليست أهلاً لأخذ الزكاة .

3 . لو كان القابض جاهلاً بالموضوع

لو أخذ الزكاة وهو غني ولكنّه جاهل بأنّ المأخوذ زكاة، بل أخذه بما أنّه هدية، فلا ضمان عليه، لأنّه مغرور من جانب الدافع، والمغرور يرجع إلى الغار .

إنّما الكلام في تكليف الدافع فهنا شقوق :

أ : لو كانت العين باقية وتعذّر الارتجاع .

ب : لو تلفت العين بلا ضمان، كما إذا تلفت بحادثة سماوية .


صفحه214

ج : لو تلفت مع الضمان، كما إذا أتلفه الغير عمداً أو سهواً ولكن لم يتمكّن الدافع من أخذ العوض .

ففي هذه الشقوق الثلاثة ينصبّ الكلام على ضمان الدافع دون القابض لمعلومية حكمه من حيث عدم الضمان لكونه مغروراً، ولأجل ذلك نركّز الكلام على ضمان الدافع دون القابض، لما عرفت من عدم ضمانه، ونذكر ما هو مقتضى القواعد أوّلاً، ثمّ ندرس الروايات الواردة في المقام ثانياً.

ضمان الدافع في الصور الثلاث على ضوء القواعد

اختلفت كلمتهم في ضمان الدافع على أقوال ثلاثة :

1 . القول بعدم الضمان

ذهب الشيخ في « المبسوط » والمحقّق في « الشرائع » إلى عدم ضمان الدافع.

قال في « المبسوط » : وإذا تولّى الرجل إخراج صدقته بنفسه فدفعها إلى من ظاهره الفقر، ثمّ بان أنّه غني، فلا ضمان عليه أيضاً، لأنّه لا دليل عليه.(1)

وقال في « الشرائع » : ولو دفعها على أنّه فقير فبان غنياً، ارتجعت مع التمكّن، وإن تعذر كانت ثابتة في ذمّة الآخذ ولم يلزم الدافع ضمانها، سواء كان الدافع، المالك أو الإمام أو الساعي . (2)


1 . المبسوط : 1 / 261.    2 . الشرائع : 1 / 160.


صفحه215

2 . القول بالضمان

ذهب المفيد وتلميذه الحلبي إلى القول بالضمان، قال في « المقنعة » : ومن أعطى موسراً شيئاً من الزكاة وهو يرى أنّه معسر ثمّ تبيّن بعد ذلك يساره، فعليه الإعادة ولم يُجزه ما سلف من الزكاة . (1)

وقال في « الكافي في الفقه » : فإن أخرجها إلى من يظن به تكامل صفات مستحقّها، ثمّ انكشف له كونه مختل الشروط، رجع عليه بها، فإن تعذر ذلك فكان المنكشف هو الغنى وجب إعادتها ثانية . (2)

3 . سقوطه مع الاجتهاد وثبوته مع عدمه

ذهب العلاّمة في « المنتهى » إلى التفصيل، قال : الأقرب سقوط الضمان مع الاجتهاد وثبوته مع عدمه . لنا : إنّه أمين، في يده مال لغيره فيجب عليه الاجتهاد والاستظهار في دفعها إلى مالكها . (3)

هذه هي الأقوال، والأولى دراسة دليل القائل بالضمان، إذ بسقوط أدلّته يتعيّن القول الأوّل، وأمّا التفصيل بين الاجتهاد وعدمه فقد اعتمد فيه على صحيحة حريز (4)، وسيأتي الكلام فيها عند البحث في مقتضى الروايات، فانتظر .


1 . المقنعة : 259.

2 . الكافي : 173.

3 . المنتهى : 1/527، الطبعة الحجرية.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .


صفحه216

أدلّة القول بالضمان

استدلّ الشيخ الأنصاري بوجوه، وقال : الأقوى هو عدم الإجزاء، وفاقاً للمحكيّ عن المفيد والحلبي وذلك :

أ . لأصالة اشتغال الذمّة .

ب . عموم ما دلّ على أنّها كالدين .

ج . عدم الإجزاء مقتضى قاعدة الشركة في العين .

د . وضع الزكاة في غير موضعها بمنزلة العدم .

هـ . ما دلّ على وجوب إعادة المخالف زكاته معلّلاً بأنّه لم يضعها في موضعها.

و. مرسلة الحسين بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في الرجل يعطي زكاة ماله رجلاً وهو يرى أنّه معسر فوجده موسراً؟ قال : « لا يجزئ عنه ». (1)

لكن الجميع لا يخلو من ضعف .

أمّا الأوّل - أعني : أصالة الاشتغال -: فهي غير واضحة، لأنّه إن أُريد منه الاشتغال بالأداء فهو فرع بقاء موضوعه، والمفروض أنّه ليس بمتناول المالك، وإن أُريد اشتغال ذمّته بأداء الزكاة فقد ثبت أنّها تتعلّق بالعين لا بالذمّة .

وأمّا الثاني - أعني : كونها كالدين -: فوجه الشبه هو لزوم إخراجه من


1 . كتاب الزكاة : 288 ـ 289.


صفحه217

التركة، كقوله سبحانه : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِها أَوْ دَيْن)(1) فالزكاة أيضاً مثله، لا أنّ الزكاة دين على الذمّة .

وأمّا الثالث - أعني : قاعدة الشركة -: فهي إنّما تمنع إذا لم يكن للشريك حقّ الإفراز، والمفروض خلاف ذلك، إذ للمالك ولاية الإخراج والأداء .

وأمّا الرابع - أعني : كون الموضوع في غير موضعه بمنزلة العدم ـ فهو ليس قاعدة كلّية، وإنّما هو يتمّ إذا لم يكن هناك دليل على الإجزاء، كما سيوافيك .

وأمّا الخامس : ـ أعني مرسلة الحسين بن عثمان ـ فسيوافيك الكلام عنها عند البحث عن مقتضى الروايات .

دليل القول بالإجزاء

الظاهر عدم ضمان الدافع في الصور الثلاث إذا سلك مسلك العقلاء في صرف ما لديهم من الأموال العامّة من الموقوفات والمنذورات وأموال الصغار والقصّر .

إذ لا شكّ أنّ المالك له الولاية في الإفراز كما له الولاية في الأداء، وبما أنّه مأمور بأداء الزكاة إلى الفقير الواقعي، كان عليه أن يتفحّص عن الموضوع كسائر الموضوعات التي تتعلّق بها الأحكام والأغراض، فلو تفحّص عن الموضوع حسب الموازين العقلائية واعتقد بأنّ المدفوع إليه واجد للملاك


1 . النساء : 11.


صفحه218

فدفع الزكاة، ثمّ بان خلافه يجزي قطعاً ، وذلك لوجود الملازمة بين أمر الشارع بالدفع، والإجزاء عند ظهور الخلاف .

توضيحه : إنّ الشارع أعطى له الولاية في الإفراز وصرفها في مواضعها فهو مخاطب بكلا الأمرين : فإذا افترضنا أنّه جدّ واجتهد حسب الموازين العقلائية ووقف على أنّ المورد فقير، فهذه الصغرى إذا انضمت إلى الكبرى الماضية ينتج أنّ الشارع يخاطبه خطاباً بالأداء، ومن المعلوم وجود الملازمة العرفية بين الخطاب بالأداء والاجتزاء عند ظهور الخلاف نظير الملازمة في باب العمل بالأمارات والإجزاء عند التخلّف حيث قلنا : إنّ لسان الأمارات وإن كان لسان الكشف والطريقية لكن الظاهر من ملاحظة إمضاء الشارع العمل بها، هو الملازمة بين الأمر بالعمل بها وإجزائها في مقام العمل، نظير ذلك إذا أمر المولى عبده بأن يهيّئ له دواء وأمره بأن يسأل صيدلياً له خبروية بنوعية أجزائه وكمّيته وكيفية تركيبه، فاتّبع العبد إرشاد الصيدلي ثمّ بان خطأه، فإنّ العرف يعدّون العبد ممتثلاً وعمله مسقطاً للتكليف، إلاّ أن يأمره المولى مجدّداً ونظيره المقام، فإنّ إعطاء الولاية للمالك وأمره بالأداء وإمضاء تشخيصه الموضوع ( الفقير) كلّه يلازم الإجزاء ويثبت بأنّ الشارع اكتفى في امتثال أوامره بما يؤيّده الوثوق، فأوجبت المصلحة التسهيلية رفع اليد عن الحكم الواقعي عند موارد التخلّف .

نعم إذا كان الدافع مفرطاً في المقدّمات ومقصّراً في تشخيص الفقير فهو ضامن، لأنّ الأمر بالإفراز والأداء محدّد بعدم التفريط في تشخيص الموضوع وصرفها فيه .


صفحه219

ويؤيّد ما ذكرنا ما رواه زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه قال : « إن اجتهد فقد برئ، وإن قصّر في الاجتهاد في الطلب فلا » . (1)

وبما ذكرنا يظهر ضعف ما استند إليه بعض المعاصرين في القول بالضمان حيث قال : « إنّ الظاهر من الأدلّة كون الأحكام ثابتة للموضوعات الواقعية بواقعيتها والطرق العقلائية طرق محضة، فيكون المعيار هو المطابقة وعدمها » ، وذلك لما عرفت من وجود الملازمة العرفيّة بين إمضاء العمل بالوثوق أو الأمارة وإجزائه عند التخلّف، ولذلك قلنا في محلّه بالإجزاء عند تخلّف الأُصول والأمارات من غير فرق بين تعلّقها بالأجزاء والشرائط أو بأصل التكليف .

وهناك بيان آخر ذكره المحقّق الخوئي في إثبات الإجزاء حيث قال :

إنّ الدافع، المكلّف بأداء الزكاة له الولاية على تطبيقها حيثما شاء كما تقدّم، فهو إذن ولي على المال، ولا ينبغي التأمّل في أنّ الولي الغير المقصّر في أداء وظيفته أمين لا يضمن بشيء، كما هو الحال في الأولياء على الأيتام والصغار والمجانين والقاصرين والغائبين، أو على الأوقاف، وكذا الحاكم الشرعي أو المأذون من قبله في تصدّي تقسيم الزكوات - مثلاً - وإيصالها إلى محالّها، فإنّ أحداً من هؤلاء لا يضمنون لو انكشف الخلاف بعد بذل جهدهم، فلو قامت البيّنة - مثلاً - لدى الحاكم الشرعي على فقر زيد فدفع إليه الزكاة ثمّ انكشف غناه، أو باع الولي مال اليتيم معتقداً بحسب الموازين غبطته وصلاحه وبعد يوم ارتفعت القيمة السوقية ارتفاعاً فاحشاً، لم يكن


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.


صفحه220

ضامناً يقيناً، وإلاّ لما استقرّ حجر على حجر، ولما قام للمسلمين سوق كما لا يخفى .

وعلى الجملة : فالدافع ولي، والولي القائم بوظيفته لا ضمان عليه، فينتج بعد ضم الصغرى إلى الكبرى عدم ضمان الدافع في المقام . (1)

والفرق بين البيانين واضح، فالأوّل يعتمد على الملازمة بين الأمر بالعمل وإجزائه عند التخلّف، والثاني يعتمد على أنّ المالك أمين ولا ضمان على الأمين .

هذا كلّه على ضوء القواعد .

حكم المسألة على ضوء الروايات

وأمّا الروايات فهي بين قاصرة سنداً أو قاصرة دلالة .

أمّا الأُولى فهي صحيحة ابن أبي عمير، عن الحسين بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل يعطي زكاة ماله رجلاً وهو يرى أنّه معسر فوجده موسراً؟ قال : « لا يجزئ عنه » . (2)

ومقتضى هذه الرواية هو عدم الإجزاء .

يلاحظ عليه : أنّها مرسلة لا يحتجّ بها، وإنّما يحتجّ بمراسيل ابن أبي عمير لأنّه لا يروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة، لا بمرسلة الحسين بن عثمان وإن روى عنه ابن أبي عمير، لأنّ روايته عنه دليل وثاقة المرويّ عنه، لا حجّية


1 . مستند العروة الوثقى : 2 / 49.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .


صفحه221

مراسيله أيضاً، خصوصاً أنّها على خلاف القواعد، ومثله يحتاج إلى رواية صحيحة متكاملة الجوانب، واحتمال أنّ المرسل هو نفس ابن أبي عمير غير ظاهر .

وأمّا الثانية فهي صحيحة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في حديث :

1 . قال : قلت له : رجل عارف أدّى زكاته إلى غير أهلها زماناً، هل عليه أن يؤدّيها ثانية إلى أهلها إذا علمهم؟ قال : « نعم » .

2 . قال : قلت : فإن لم يعرف لها أهلاً فلم يؤدّها، أو لم يعلم أنّها عليه، فعلم بعد ذلك؟ قال : « يؤدّيها إلى أهلها لما مضى » .

3 . قال : قلت له : فإنّه لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل، وقد كان طلب واجتهد ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع؟ قال : « ليس عليه أن يؤدّيها مرّة أخرى » . (1)

ففي الرواية أسئلة ثلاثة ندرسها .

أمّا السؤال الثاني، فلا صلة له بما نحن فيه حيث سئل عمّن لم يعرف أهل الزكاة فأمسك عن الأداء، أو زعم عدم وجوبها عليه، ثمّ علم بوجوبها عليه، فأجاب الإمام(عليه السلام)بأنّه يؤدّيها إلى أهلها .

بقي الكلام في السؤالين : الأوّل والثالث، فأجاب الإمام(عليه السلام)عن الأوّل بالضمان مطلقاً، وعن الثالث بالتفصيل بين الجّد والاجتهاد وعدمه .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .


صفحه222

ولأجل إيضاح الحال ندرسهما كالتالي .

أمّا الأوّل فحاصله : أنّه دفع زكاته إلى غير أهلها، والمراد من غير الأهل، هو غير العارف، لا الفقير بقرينة صدر الحديث « رجل عارف أدّى زكاته إلى غير أهلها».

فهل أدّى زكاته إلى غير العارف علماً بالموضوع ( المصداق) والحكم؟

أو أدّى، جهلاً بالموضوع دون الحكم؟

أو أدّى جهلاً بالحكم دون الموضوع؟

لا سبيل إلى الاحتمال الأوّل، لأنّ الشيعي العارف بالموضوع والحكم لا يدفع زكاته لمن يعلم أنّه ليس أهلاً لها . والظاهر هو الاحتمال الثاني، أي كان عارفاً بالحكم دون المصداق ثمّ عرفهم بقرينة قوله : « إذا علمهم » ، أي إذا عرف أهل المعرفة أو عرف أنّ القابضين ليسوا بأهل المعرفة، ويستعمل العلم بمعنى العرفان ويتعدّى إلى مفعول واحد، يقول ابن مالك :

لعلم عرفان وظن تهمة *** تعدية لواحد ملتزمة

وحمل السؤال على الاحتمال الثالث - أي صورة الجهل بالحكم فقط دون المصداق - بعيد جدّاً لا قرينة عليه، وإلاّ كان عليه أن يقول : « أن يؤدّيها ثانية إلى أهلها إذا علم » لا إذا علمهم .

فإذا كان ظاهراً في الاحتمال الثاني - أعني : ما كان عالماً بالحكم دون المصداق - فلو قلنا بإلغاء الخصوصية بين الشروط - الفقر والمعرفة - يكون الصدر دليلاً على القول بالضمان في المقام أيضاً، وأمّا إذا لم نقل


صفحه223

بذلك، لاحتمال وجود خصوصية في شرط « المعرفة » - ولذلك يقضي المخالف زكاته إذا استبصر - فلا، وينحصر الحكم بالضمان بما إذا جهل أهل المعرفة ( لا ما جهل كون القابض فقيراً) ، ودفعها إلى غيرهم فيؤدّيها ثانياً .

وأمّا الثالث، ففيه احتمالان :

أ . أنّ مورده هو نفس مورد السؤال الأوّل حيث أدّى زكاته - عالماً بالحكم، جاهلاً بالمصداق - إلى غير أهل المعرفة، لكن بعد الجد والاجتهاد، ثمّ تبيّن الخلاف، فحكم الإمام أنّه ليس عليه أن يؤدّيها مرّة أُخرى. وعندئذ يستدلّ على الإجزاء في المقام بالفحوى والأولوية، فإذا كان في مثله مجزياً، يكون في المقام أولى بالإجزاء، ويكون شاهداً للمسألة ومؤيّداً لمفاد القاعدة .

ولكن الذي يبعّد ذلك أنّه يصف عمله بالسوء، وليس فيه أيّ سوء في هذه الحالة .

ب . أنّ مورده هو العالم بالحكم والموضوع وقد جدّ واجتهد ولم يعثر على الأهل، فدفع زكاته إلى المستضعفين من غير أهل المعرفة .

ولعلّ هذا هو الظاهر لأجل وقوعه بعد السؤال الثاني، فكأنّ لثاني الأسئلة صورتين :

الأُولى : إذا عرف الحكم والموضوع - ولم يجد الأهل - فأمسك عن الدفع، وهذا هو السؤال الثاني .


صفحه224

الثانية : إذا عرف الحكم والمصداق فلم يمسك فصرفها في غير الأهل - مع العلم بالحكم والموضوع ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع - إذا كان واجبه الإمساك، لا التقسيم بين غير أهل المعرفة وإن لم يجد أهلاً .

ففي هذه الصورة حكم الإمام بالإجزاء إذا جد واجتهد ولم يجد أهلاً فدفعها إلى المستضعفين من غير أهل المعرفة، وعندئذ لا صلة له بالموضوع، لأنّ البحث فيما لو جهل الموضوع ( زعم الغني فقيراً) والمفروض في هذا الفرض، العلم بالحكم والموضوع - لكن - بعد الفحص .

على كلّ تقدير فالحديث بما فيه من الإجمال غير قابل للاحتجاج .

إذا كان الدافع هو المجتهد أو المأذون

إذا كان الدافع هو المجتهد أو المأذون منه، لا ضمان عليه ولا على المالك الدافع إليه، قال الشيخ في « المبسوط » :

إذا دفع الإمام الصدقة الواجبة إلى من ظاهره الفقر ثمّ بان بأنّه كان غنياً في تلك الحال، فلا ضمان عليه، لأنّه أمين وما تعدّى، ولا طريق له إلى الباطن . (1)

وقال العلاّمة في « المنتهى » : ولو دفع الإمام أو نائبه إلى من يظنه فقيراً فبان غنياً لم يضمن الدافع ولا المالك بلا خلاف . أمّا المالك فلأنّه أدّى الواجب وهو الدفع إلى الإمام فيخرج عن العهدة، وأمّا الدافع فلأنّه نائب عن


1 . المبسوط : 1 / 260.


صفحه225

الفقراء وأمين لهم لم يوجد منه تفريط من جهة فلا يضمن، ولأنّه فعل المأمور به، لأنّ الواجب الدفع إلى من يظهر منه الفقر، إذ الاطّلاع على الباطن متعذّر فيخرج عن العهدة، ولا نعلم فيه خلافاً . (1)

الظاهر أنّ الملاك في عدم الضمان هو ما ذكرنا من اكتفاء الشارع في نيل أغراضه بما يوافق الأساليب العقلائية، فإن وافق الواقع فهو، وإلاّ اقتصر بما وافق، وقد أيّده المحقّق الهمداني ببيان آخر وقال : إنّ يده يد أمانة وإحسان، فلا يتعقّبه ضمان ما لم يكن هناك تعدّ أو تفريط، وقد رخّص الشارع في دفعها إلى من ثبت لديه فقره بدليل ظاهري وقد عمل على وفق تكليفه . (2)

ولو صحّ ما ذكره فليصحّ في حقّ المالك أيضاً إذا دفع فبان خطأه إذا لم يكن هناك تقصير وتعدّ .

والإمام والمجتهد والمأذون والمالك في هذا المقام على حدّ سواء، وإن كان للإمام والمجتهد مقامات ومناصب أُخرى .

لو دفع الزكاة إلى الغني عامداً أو جاهلاً

في المسألة فرعان :

1 . إذا دفع الزكاة إلى غنيّ مع العلم بغناه لكن جاهلاً بحرمة دفع الزكاة إليه أو مع العلم بها أيضاً .


1 . المنتهى : 1 / 527.

2 . مصباح الفقيه : 13 / 523.


صفحه226

2 . لو دفع الزكاة إلى شخص بزعم أنّه مسلم، عادل غير واجب النفقة أو غير هاشمي ثمّ بان خلافه .

والفرق بين الفرع الأوّل وما سبق في البحث المتقدّم هو أنّ دفع الزكاة هناك كان بزعم الفقر، وأمّا المقام فدفعها هنا مع العلم بغناه سواء كان مع العلم بالحرمة أو مع الجهل .

وأمّا الفرع الثاني فهو نفس البحث السابق غير أنّ الشرط المفقود هناك هو الفقر، وأمّا المقام فهو الإسلام والعدالة أو كونه غير واجب النفقة أو غير هاشمي، فنقول :

أمّا الفرع الأوّل فلا شكّ أنّ الدافع ضامن، لأنّه أعمل ولايته فيما ليس له ولاية حيث دفع الزكاة إلى الغني مع العلم بغناه، فلأجل ذلك لو كانت العين باقية تسترجع، ولو كانت تالفة يسترجع عوضها إذا كان المدفوع إليه عالماً بأنّه زكاة، ومع عدم الإمكان يؤدّي الزكاة مرة أُخرى .

وأمّا الفرع الثاني فحاصل الكلام فيه ما ذكرناه في نظيره، وهو :

إنّ للمالك الولاية في الإفراز والصرف وقد منحها له الشارع وسمح إعمالها على الأساليب العقلائية، فلو جدّ واجتهد على نحو ثبت له الوثوق بأنّ المدفوع إليه مسلم أو عادل أو غير واجب النفقة أو غير هاشمي ثمّ بان خلافه فقد عمل بوظيفته حسب ما سمح به الشارع، وهذا بخلاف ما لو فرّط ودفع الزكاة بلا تحقيق ولا تفحّص فقد اتخذ في إعمال الولاية غير الأسلوب العقلائي فيكون ضامناً .


صفحه227

الضابطة أنّه إذا تبع المالك الأسلوب العقلائي في إعمال الولاية ثمّ بان الخلاف لا يكون ضامناً من غير فرق بين شرط وشرط .

فإن قلت : إذا كان كتاب زيد عند رجل أمانة فأدّاه إلى عمرو اشتباهاً ولو بحجّة شرعية ثمّ بان الاشتباه، فإنّ الظاهر ثبوت الضمان لو تلف الكتاب أو يمكن إرجاعه .

قلت : ما ذكره صحيح فيما إذا كانت العين ملكاً شخصياً ولم يكن للرجل ولاية، وأمّا الأموال العامّة كالصدقات والنذور والأخماس والزكوات فهي أموال عامّة لا يملكها شخص، والفقيه والمالك ممّن له الولاية في تقسيمها وإيصالها إلى أصحابها، فإعطاء الولاية، ثمّ الإذن في إعمالها حسب الأساليب العقلائية يلازم شرعاً مع عدم الضمان، وأين هذا من الكتاب الذي يتملّكه إنسان خاص ويكون أمانة عند شخص ولم تكن له ولاية في الإيصال .

ثمّ إنّه يظهر من غير واحد من الفقهاء عدم الفرق بين الشروط المتخلّفة، قال في « المبسوط » بعد ذكر الفقر والغنى : وإذا دفعها إلى من ظاهره الإسلام، ثمّ بان أنّه كان كافراً، أو إلى من ظاهره الحرية فبان أنّه كان عبداً، أو إلى من ظاهره العدالة ثمّ بان أنّه كان فاسقاً، أو بان أنّه من ذوي القربى، كان الحكم فيه مثل ما قلناه في المسألة الأُولى . (1)

وفي « الشرائع » أيضاً بعد ما حكم بعدم الضمان في مسألة الفقر


1 . المبسوط : 1 / 261 .


صفحه228

والغنى قال : وكذا لو بان أنّ المدفوع إليه كافر، أو فاسق، أو ممّن تجب نفقته، أو هاشمي وكان الدافع من غير قبيله . (1)

لو دفع الزكاة باعتقاد معيّن فبان خلافه

هذه المسألة هي المسألة المعنونة في باب الجماعة .

قال السيد اليزدي في كتاب الصلاة : إذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان عمراً وكان عادلاً ففي المسألة صورتان :

إحداهما : أن يكون قصده الاقتداء بزيد وتخيّل أنّ الحاضر هو زيد، ففي هذه الصورة تبطل جماعته وصلاته أيضاً إن خالفت صلاة المنفرد .

الثانية : أن يكون قصده الاقتداء بهذا الحاضر ولكن تخيّل أنّه زيد فبان عمراً، وفي هذه الصورة الأقوى صحّة جماعته وصلاته، فالمناط ما قصده لا ما تخيّله من باب الاشتباه في التطبيق .

والفرق بين الصورتين واضح .

ففي الصورة الأُولى يريد الاقتداء بزيد على نحو لو علم أنّ الإمام الحاضر غيره لا يقتدي به ولا يدخل في الجماعة، ففي هذه الصورة تبطل جماعته لعدم النيّة، لأنّه اقتدى بنية أنّ الإمام زيد، وقد بان خلافه، وتكون صلاته صلاة منفرد، فإذا كانت جامعة لشرائط المنفرد تصحّ وإلاّ فلا، كما إذا زاد ركناً، فهو مغتفر في الجماعة دون الانفراد .


1 . الشرائع : 1 / 160 .


صفحه229

وفي الصورة الثانية أنّه يريد الاقتداء بالإمام الحاضر لعلمه بأنّه لا يمارس الجماعة في هذا المسجد إلاّ الإمام العادل، ولكن تخيّل أنّه صديقه زيد ثمّ بان عمرو على نحو لو علم بأنّ الإمام هو عمرو لدخل في الجماعة أيضاً، ففي هذا تصحّ جماعته وصلاته، لأنّ الملاك هو قصده والمفروض أنّه قصد الاقتداء بالإمام الحاضر ثمّ طبق الإمام الحاضر على زيد في مرحلة سابقة . وعلى ضوء هذا التخلّف في الصورة الأُولى من باب تخلّف القيد، فالذي نوى الاقتداء به لم يكن إماماً، ومن كان إماماً لم يقتد به .

وأمّا الصورة الثانية فالذي اقتدى به جدّاً هو الإمام الحاضر وهو لم يتخلّف والذي تخلف هو تطبيق الحاضر على صديقه، الذي يقال له من قبيل اختلاف الداعي .

وعلى ضوء هذه المسألة يظهر حكم المقام أيضاً، فلو فرضنا أنّ العدالة ليست شرطاً في الفقير بل هي شرط كمال كالعلم في المثال الثاني ولكنّه يريد أن يدفع زكاته إلى الأفضل من أصناف الفقير - أعني : العادل والعالم - أو يريد أن يدفع لمن فيه ملاك خاص كالرحم، فهناك يأتي القسمان السابقان.

فتارة يريد أن يملّك العادل والعالم والرحم ما في يده من الزكاة، ويتصوّر أنّ المدفوع إليه عادل أو عالم أو زيد الذي هو من أرحامه فيتبيّن خلافه، ففي هذا المقام لا يجزي، بل يجب استرجاع العين إذا كانت باقية .

وأُخرى يريد أن يدفع الزكاة إلى المستحق كائناً من كان ولكن تخيّل انّ المدفوع إليه عادل وعالم .


صفحه230

أمّا الأوّل فلا يجزي، وذلك لأنّ الإجزاء فرع دخول الزكاة في ملك الفقير، والمفروض أنّه لم يدخل لعدم النيّة، لافتراض أنّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد .

وبعبارة أُخرى : أنّ التمليك كان مقيّداً بقيد غير حاصل ومع فقده فالتمليك غير متحقّق .

وأمّا الثاني فالمفروض أنّه ملّك الزكاة للفقير تمليك بلا قيد غاية الأمر كان هناك وراء التمليك داع للعمل قد تخلّف وهو أمر زائد على التمليك المطلق ولا يوجب تخلّفه خللاً في النيّة .

ثمّ إنّ سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي أفتى بالصحّة في الأوّلين مطلقاً وفصّل في المورد الثالث، ولعلّه لأجل عدم تصوير القسمين في الأوّلين - أعني : العادل والعالم - ولذلك يقول السيد الشاهرودي في تعليقته بأنّ تصوير القسمين في المثالين مشكل .


صفحه231

الرسالة التاسعة بعد المائة

فيما يستحب فيه الزكاة


صفحه232


صفحه233

تستحب الزكاة في الأُمور التالية:

الأوّل: مال التجارة: وهو المال الّذي تملّكه الشخص وأعدّه للتجارة والاكتساب به، سواء كان الانتقال إليه بعقد المعاوضة، أو بمثل الهبة أو الصلح المجّاني أو الإرث على الأقوى، واعتبر بعضهم كون الانتقال إليه بعنوان المعاوضة، وسواء كان قصد الاكتساب به من حين الانتقال إليه أو بعده، وإن اعتبر بعضهم الأوّل، فالأقوى أنّه مطلق المال الّذي أعدّ للتجارة، فمن حين قصد الإعداد يدخل في هذا العنوان، ولو كان قصده حين التملّك بالمعاوضة أو بغيرها الاقتناء والأخذ للقنية، ولا فرق فيه بين أن يكون ممّا تتعلّق به الزكاة الماليّة وجوباً أو استحباباً، وبين غيره كالتجارة بالخضروات مثلاً; ولا بين أن يكون من الأعيان أو المنافع، كما لو استأجر داراً بنيّة التجارة.

ويشترط فيه أُمور:

الأوّل: بلوغه حدّ نصاب أحد النقدين فلا زكاة فيما لا يبلغه، والظاهر أنّه كالنقدين في النصاب الثاني أيضاً.

الثاني: مضيّ الحول عليه من حين قصد التكسّب.

الثالث: بقاء قصد الاكتساب طول الحول، فلو عدل عنه ونوى به القنية في الأثناء لم يلحقه الحكم، وإن عاد إلى قصد الاكتساب اعتبر ابتداء الحول من حينه.


صفحه234

الرابع: بقاء رأس المال بعينه طول الحول.

الخامس: أن يطلب برأس المال أو بزيادة طول الحول، فلو كان رأس ماله مائة دينار مثلاً، فصار يطلب بنقيصة في أثناء السنة ولو حبّة من قيراط يوماً منها سقطت الزكاة.

والمراد برأس المال الثمن المقابل للمتاع، وقدر الزكاة فيه ربع العشر كما في النقدين، والأقوى تعلّقها بالعين كما في الزكاة الواجبة، وإذا كان المتاع عروضاً فيكفي في الزكاة بلوغ النصاب بأحد النقدين دون الآخر .

في أحكام مال التجارة

1. إذا كان مال التجارة من النصب الّتي تجب فيها الزكاة مثل أربعين شاة أو ثلاثين بقرة أو عشرين ديناراً أو نحو ذلك، فإن اجتمعت شرائط كلتيهما، وجب إخراج الواجبة، وسقطت زكاة التجارة; وإن اجتمعت شرائط إحداهما فقط، ثبتت ما اجتمعت شرائطها دون الأخرى .

2 . إذا كان مال التجارة أربعين غنماً سائمة فعاوضها في أثناء الحول بأربعين غنماً سائمة سقط كلتا الزكاتين، بمعنى أنّه انقطع حول كلتيهما لاشتراط بقاء عين النصاب طول الحول، فلابدّ أن يبتدأ الحول من حين تملّك الثانية.

3 . إذا ظهر في مال المضاربة ربح كانت زكاة رأس المال مع بلوغه النصاب على ربّ المال، ويضمّ إليه حصّته من الربح، ويستحبّ زكاته أيضاً إذا بلغ النصاب وتمّ حوله، بل لا يبعد كفاية مضيّ حول الأصل، وليس في


صفحه235

حصّة العامل من الربح زكاة إلاّ إذا بلغ النصاب مع اجتماع الشرائط لكن ليس له التأدية من العين إلاّ بإذن المالك أو بعد القسمة .

4 . الزكاة الواجبة مقدّمة على الدين، سواء كان مطالباً به أو لا، ما دامت عينها موجودة، بل لا يصحّ وفاؤه بها بدفع تمام النصاب، نعم مع تلفها وصيرورتها في الذمّة حالها حال سائر الديون; وأمّا زكاة التجارة فالدين المطالب به مقدّم عليها، حيث إنّها مستحبّة، سواء قلنا بتعلّقها بالعين أو بالقيمة; وأمّا مع عدم المطالبة فيجوز تقديمها على القولين أيضاً، بل مع المطالبة أيضاً إذا أدّاها صحّت وأجزأت، وإن كان آثماً من حيث ترك الواجب.

5 . إذا كان مال التجارة أحد النصب الماليّة واختلف مبدأ حولهما، فإن تقدّم حول الماليّة سقطت الزكاة للتجارة، وإن انعكس فإن أعطى زكاة التجارة قبل حلول حول الماليّة سقطت، وإلاّ كان كما لو حال الحولان معاً في سقوط مال التجارة .

6 . لو كان رأس المال أقلّ من النصاب ثمّ بلغه في أثناء الحول استأنف الحول عند بلوغه .

7 . إذا كان له تجارتان ولكلّ منهما رأس مال، فلكلّ منهما شروطه وحكمه، فإن حصلت في إحداهما دون الأخرى استحبّت فيها فقط، ولا يجبر خسران إحداهما بربح الأخرى.


صفحه236

الثاني: كلّ ما يكال أو يوزن ممّا أنبتته الأرض عدا الغلاّت الأربعة

كلّ ما يكال أو يوزن ممّا أنبتته الأرض عدا الغلاّت الأربع فإنّها واجبة فيها، وعدا الخضر، كالبقل والفواكه والباذنجان والخيار والبطّيخ ونحوها، ففي صحيحة زرارة: «عفا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن الخضر، قلت: وما الخضر؟ قال (عليه السلام): كلّ شيء لا يكون له بقاء، البقل والبطّيخ والفواكه وشبه ذلك، ممّا يكون سريع الفساد».(1)

وحكم ما يخرج من الأرض ممّا يستحبّ فيه الزكاة حكم الغلاّت الأربع في قدر النصاب وقدر ما يخرج منها، وفي السقي والزرع ونحو ذلك.

الثالث: الخيل الإناث

بشرط أن تكون سائمة، ويحول عليها الحول. ولا بأس بكونها عوامل، ففي العتاق منها - وهي الّتي تولّدت من عربيّين- كلّ سنة ديناران، هما مثقال ونصف صيرفيّ. وفي البراذين كلّ سنة دينار، ثلاثة أرباع المثقال الصيرفيّ. والظاهر ثبوتها حتّى مع الاشتراك، فلو ملك اثنان فرساً تثبت الزكاة بينهما .

الرابع: حاصل العقار المتّخذ للنماء

من البساتين والدكاكين والمساكن والحمّامات والخانات ونحوها، والظاهر اشتراط النصاب والحول، والقدر المخرج ربع العشر مثل النقدين .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9.


صفحه237

الخامس: الحليّ

وزكاته إعارته لمؤمن .

السادس: المال الغائب أو المدفون

المال الغائب أو المدفون الّذي لا يتمكّن من التصرّف فيه إذا حال عليه حولان أو أحوال، فتستحبّ زكاته لسنة واحدة بعد التمكّن .

السابع: لو تصرف في النصاب بقصد الفرار من الزكاة

إذا تصرّف في النصاب بالمعاوضة في أثناء الحول بقصد الفرار من الزكاة فإنّه يستحبّ إخراج زكاته بعد الحول.


صفحه238


صفحه239

الرسالة العاشرة بعد المائة

الغناء والموسيقى *

في الكتاب والسنّة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* . تم تحرير هذه المقالة بتاريخ 4 ذي القعدة الحرام 1429 هـ .


صفحه240


صفحه241

من المسائل التي خالف فيها الدكتور القرضاوي ما هو المشهور بين فقهاء الأُمّة هي مسألة الغناء والموسيقى حيث قال: ومن اللهو الذي تستريح إليه النفوس، وتطرب له القلوب، وتنعم به الآذان: الغناء... وقد أباحه الاسلام ما لم يشتمل على فحش أو خنا أو تحريض على إثم ولا بأس بأن تصحبه الموسيقى غير المثيرة.

ويستحب في المناسبات السارّة، إشاعة للسرور، وترويحاً للنفوس وذلك كأيام العيد والعرس وقدوم الغائب، وفي وقت الوليمة، والعقيقة، وعند ولادة المولود .(1)

وقال في طبعة أُخرى لكتابه هذا ما نصه: والذي أراه أن الغناء في ذاته لا حرج فيه وهو داخل في جملة الطيبات التي أباحها الإسلام، وأنّ الإثم إنّما هو فيما يشتمل عليه أو يقترن به، من العوارض التي تنقله من دائرة الحل إلى الحرمة، أو الكراهة التحريمية .

وقال الدكتور في كتاب آخر له: يجب على الفقيه الذي يبحث في القضية أن يراعي هذه الآفاق كلها، ولايركز نظره على جانب واحد، وفئة واحدة، ناسياً أن إفريقيا كلها لا تستغني عن الغناء وتوابعه، وأن أوروبا كلها، بل الغرب كله يعتبرون الموسيقى ـ وخصوصاً بعض أنواع منها ـ وسيلة للسمو بالروح والوجدان .(2)


1 . الحلال والحرام في الإسلام: 280 .

2 . فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة: 7، ط. القاهرة، 2004 م .


صفحه242

ثمّ إنّه يقول في موضع آخر : نحن اليوم نريد أن نعرض الإسلام على العالم، وأنْ تبلغ دعوته إلى الأُممّ كافة. ومنها أُمم وشعوب ترى الغناء والموسيقى والرقص والطرب جزءاً لا يتجزأ من حياتها، لا تعيش بدونه، ولا تهنأ لها حياة إذا حُرمت منه. فكيف نرغّبهم في الإسلام ونحن نحرّم عليهم الغناء والموسيقى، ونتوعدهم بالرصاص المذاب يصبُّ في آذانهم يوم القيامة، وبغيره من ألوان العذاب المهين، في حين أنّهم يعتبرون الموسيقى غذاء الروح.(1)

وقد استدل الشيخ على فتواه بروايات تشهد متون كلها أوجلّها على أنّها مكذوبة على نبيّ العظمة والقداسة ، وسوف نرجع لمناقشتها، والكلام مركز الآن فيما وجّه به حلية الغناء والموسيقى في كتابه الثاني حيث جعل ترغيب غير المسلمين بالإسلام سبباً لتحليل الغناء والموسيقى فقال: فكيف نرغبّهم بالإسلام ونحن نحرّم عليهم الغناء والموسيقى ؟

فلو كان هذا السبب للإفتاء بالحلية فليكن أيضاً سبباً في حلية الخمر، والرقص بأنواعه حيث إنّهم يعتبرونهما من ضروريات الحياة، حتى أنّ الطبقة التي تسمّى بالآباء الروحانيين تنظر إلى الخمر بهذه النظرة.

وإنّي لمّا قرأت هذه الفتوى للشيخ القرضاوي خطر ببالي ما رواه ابن الأثير في ترجمة تميم بن جراشة حيث قال: قدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط، فقال: اكتبوا ما بدا لكم ثم آتوني به، فسألناه في كتابه أن يُحلّ لنا الربا والزنا، فأبى عليٌّ (رضي الله


1 . نفس المصدر: 148.


صفحه243

عنه) أن يكتب لنا، فسألناه خالد بن سعيد بن العاص فقال له عليّ: تدري ما تكتب؟ قال: أكتب ما قالوا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أولى بأمره، فذهبنا بالكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال للقارئ: «اقرأ» فلمّا انتهى إلى الربا قال: ضع يدي عليها في الكتاب، فوضع يده فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)(1)، ثم محاها، وألقيت: علينا السكينة فما راجعناه، فلما بلغ الزنا وضع يده عليها وقال: (وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً )(2)، ثم محاه وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا.(3)

حرمة الغناء في الكتاب والسنّة وأقوال الفقهاء

أقول: إنّ الغناء ممّا اتّفق أغلب فقهاء الإسلام وعلى رأسهم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على حرمته مطلقاً.

1. روى علي بن جعفر، عن أخيه الإمام الكاظم موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يتعمد الغناء، يجلس إليه؟ قال: «لا» .(4)

2. وفي موثقة عبدالله بن أعين، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الغناء وقلت: إنَّهم يزعمون أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رخَّص في أن يقال: جئناكم، جئناكم، حيُّونا، حيُّونا جئناكم؟ فقال: «كذبوا، إن الله عزوجل يقول: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ


1 . البقرة: 278 .   2 . الإسراء: 32 .   3 . أُسد الغابة: 1 / 216 .

4 . وسائل الشيعة: ج 12، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 32 .


صفحه244

فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)(1).

ـ ثم قال: ـ ويل لفلان ممّا يصف». رجل لم يحضر المجلس.(2)

إلى غير ذلك من الروايات التي نقلها صاحب الوسائل في موسوعته الحديثية وهي تناهز ثلاثين رواية.

وأمّا حكمه عند فقهاء السنة فقد ذهب عبدالله بن مسعود إلى تحريمه، وتابعه على ذلك جمهور علماء أهل العراق، منهم: إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، وحماد بن أبي سليمان، وسفيان الثوري، والحسن البصري، والحنفية، وبعض الحنابلة.

وذهب الشافعية، والمالكية، وبعض الحنابلة إلى أنّه مكروه، فإن كان سماعه من امرأة أجنبية فهو أشد كراهة، وعلل المالكية الكراهة بأنّ سماعه مخلّ بالمروءة، وعلّلها الشافعية بقولهم: لما فيه من اللهو. وعلّلها الإمام أحمد بقوله: لا يعجبني الغناء لأنّه ينبت النفاق في القلب.(3) ولعل الكراهة في كلامهم كراهة تحريمية لا تنزيهيّة.

هذه بعض الأقوال في المسألة والمهم ما جاء في الشريعة المقدّسة من المأثورات، وإليك ما دل على تحريم الغناء:

1. حديث ابن أبي أُمامة، قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تبيعوا القينات ولا تشروهن ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، وفي مثل


1 . الأنبياء: 16 ـ 18 .

2 . وسائل الشيعة: ج 12، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 15 .

3 . انظر الموسوعة الفقهية الكويتية: 4 / 91، مادة: استماع، وقد ذكرت فيها المصادر بالتفصيل.


صفحه245

هذا أُنزلت هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَ يَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )(1).

أخرجه من المحدثين: أحمد والترمذي وابن ماجة وابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم.(2)

وذكره عدد من المفسرين كالطبري والشوكاني وغيرهما عند تفسير هم لهذه الآية.(3)

وإطلاق الحديث يعم كلّ أقسام الغناء، سواء أكان مضمونه مثيراً للفتنة أو كان غير ذلك.

2. قال سبحانه: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَ لاَ تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ )(4).

روي عن ابن عباس، أنّه قال: هو الغناء بلغة حِمْيَر، يقال: سمّد لنا، أي: غنّ لنا، ويقال للقينة: أسمدينا أي: ألهينا بالغناء.(5)

3. روى ابن أبي الدنيا وابن مردويه: «ما رفع أحدٌ صوته بغناء إلاّ بعث الله تعالى إليه شيطانين يجلسان على منكبيه، يضربان بأعقابهما


1 . لقمان: 6 .

2 . انظر: مسند أحمد: 5 / 252 ; سنن الترمذي: 3 / 579، برقم 1282 ; سنن ابن ماجة: 2 / 733 برقم 2168 ; مصنف ابن أبي شيبة: 6 / 309 برقم 1171 ; السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 14 .

3 . راجع التفاسير المختلفة حول هذه الآية.

4 . النجم: 59 ـ 61.

5 . جامع البيان للطبري: 2 / 82; الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 17 / 80 ; ولاحظ سائر التفاسير في تفسير هذه الآية.


صفحه246

على صدره حتى يمسك».(1)

هذا بعض ما أُثر عن النبي حول الغناء ولو نقلنا جميع ما ورد عنه  (صلى الله عليه وآله وسلم)لربّما ناهز عدده إلى 17 حديثاً، ونعتقد أنّ في ما ذكرنا كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.

حرمة المعازف في السنّة

هذا كله حول الغناء، وأمّا المعازف فيكفي فيها :

أوّلاً: ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، قال: حدّثني أبوعامر أو أبو مالك الأشعري، واللهِ ما كَذَبني، سَمِعَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «ليكونن مِنْ أُمَّتي أقوامٌ يستحلون الحِرَ، والحرير، والخمْرَ، والمعازف، ولينزلن أقوامٌ إلى جنب علم تَروحُ عليهم سارحة لهم فيأتيهم رجل لحاجة، فيقولون ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله فيضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» .(2)

لا أظن أن أحداً يشك في دلالة الحديث، وهو صريح في تحريم المعازف وهي آلات الموسيقى، وذلك لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر أنّه سيكون مَن أُمّته من يستحل ما حرّم الله عليهم من الحِرَ (الفرج) ـ وهو كناية عن الزنا ـ والحرير، والخمر والمعازف، والأخير هو آلات الملاهي كالدف والعود والطبل والمزمار.


1 . الجامع لأحكام القرآن: 14 / 37 ; إرشاد الساري: 13 / 351 ; الدر المنثور: 6 / 506 .

2 . صحيح البخاري: برقم 5268 ; فتح الباري: 10 / 55; المجموع للنووي: 20/ 241 .


صفحه247

ثانياً: ما أخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إن الله حَرَّم عليكم الخمر، والميسر، والكوبة»، وقال: «كُلُّ مسكر حرام» (1).

أمّا سند الحديث فقد صحّحه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مسند أحمد في موضعين (2) ، والشيخ الألباني في كتابه تحريم آلات الطرب .(3)

وأمّا الدلالة: فالكوبة هي الطبل، فقد نقل ذلك ابن منظور في لسان العرب عن ابن الأعرابي، وابن دريد في الجمهرة في اللغة، والجوهري في الصحاح في اللغة، وابن فارس في مقاييس اللغة، وابن سيدة في المخصص في اللغة.(3)

ثالثاً: روى الطبراني باسناده عن عامر بن سعد البجلي قال: دخلت على أبي مسعود وأُبيّ بن كعب، وثابت بن زياد، وجَواري يضربن بدُفٍّ لهُنّ ويغنّين، فقلت: اتُقِرّون بذا، وأنتم أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: «إنّه قد رَخَّص لنا في العرس، والبُكاء على الميّت في غير نوح».(4)

والتعبير بالترخيص في الموضعين خير شاهد على أنّ الأصل هو الحرمة في عامة الأحوال والأشخاص، غير أنّه خرج ما خرج.

ولعل فيما ذكرنا من الأدلّة كفاية لمن يطلب الحق ليتبعه.


1 . مسند أحمد: 1 / 274 و 289 و 350 و 2 / 158، 165، 171، و 3 / 422 .

2 . انظر: مسند أحمد: 4 / 58 و 218.   3 . تحريم آلات الطرب: 56.

3 . راجع في ذلك المعاجم اللغوية، مادة «كوب».

4 . المعجم الكبير: 17 / 247 .


صفحه248

دليل القائل بالجواز

استدلّ القائل بجواز الغناء والموسيقى بروايات في متونها من الإشكال والهوان ما يغني الفقيه عن الفحص في صحة سندها، وإليك نماذج منها:

1. أخرج الترمذي في سننه عن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جالساً فسمعنا لغطاً وصوت صبيان، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا حبشية تزفن ـ أي ترقص ـ والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعتِ؟ أما شبعتِ؟ فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر فارفضّ الناس عنها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي لأنظر إلى شياطين الجنّ والإنس قد فرّوامن عمر، قالت: فرجعتُ .(1)

أقول: إنّ هذا الحديث مهما كان سنده صحيحاً، فلا يصح متنه ومضمونه، فالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)أجلّ وأعلى من أن ينظر إلى هذه المناظر، وأن يدعو عائشة لذلك، وهناك كلمة للعلاّمة الأميني حول هذه الرواية، يقول: إنّ ماتحرّوه من إثبات فضيلة للخليفة الثاني يجلب الفضائح إلى ساحة النبوّة ـ تقدّست عنها ـ فأي نبي هذا يروقه النظر إلى الراقصات والاستماع لأهازيجهنّوشهود المعازف، ولا يقنعه ذلك كله حتّى يُطلع عليها حليلته عائشة، والناس ينظرون إليهما من كثب، وهو يقول لها: شبعت؟ شبعت؟ وهي تقول: لا، لعرفان منزلتها عنده، ولا تزعه أُبهة النبوّة


1 . سنن الترمذي: 5 / 621، برقم 3691 ; مصابيح السنة: 4 / 159، برقم 4737 ; مشكاة المصابيح: 3 / 343، برقم 1049 ; الرياض النضرة: 2 / 255 .


صفحه249

عن أن يقف مع الصبيان للتطلّع على مشاهد اللهو شأن الذُنابى والأوباش وأهل الخلاعة والمجون، وقد جاءت شريعته المقدّسة بتحريم كل ذلك بالكتاب والسنة الشريفة.(1)

2. عن بُريدة : خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في بعض مغازيه، فلمّا انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله إنّي كنت نذرت إن ردّك الله صالحاً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنّى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن كنتِ نذرتِ فاضربي وإلاّ فلا. فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدفّ تحت إستها ثمّ قعدت عليه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إنّي كنت جالساً وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثمّ دخل عليّ وهي تضرب، ثمّ دخل عثمان وهي تضرب، فلمّا دخلتَ أنت يا عمر ألقت الدفّ !

وفي لفظ أحمد: إن الشيطان ليفرق منك يا عمر .(2)

أقول: والحديث لا يحتج به لوجوه:

أوّلاً: قد نقله أحمد بن حنبل في مسنده بصور مختلفة فتارة نقل دف الجارية على رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقط، دون أن يذكر شيئاً من دخول أبي بكر وعمر وعثمان عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)(3)، وأُخرى دف الجارية مع دخول أبي بكر ثم عمر دون أن يذكر دخول علي وعثمان .(4)


1 . الغدير: 8 / 99 .

2 . مسند أحمد: 6 / 485، برقم 22480 ; سنن الترمذي: 5 / 620، برقم 3690، وغيرها.

3 . مسند أحمد: 5 / 356 .   4 . مسند أحمد: 5 / 353 .


صفحه250

ثانياً: اتّفق الفقهاء على لزوم كون المنذور أمراً راجحاً لا محرماً ولا مكروهاً فلا ينعقد النذر إذا كان المنذور مكروهاً فضلاً عن كونه حراماً.

والضرب بالدف إمّا مكروه أو حرام، فكيف أجازها النبي الضرب بالدفِّ عند رأسه؟! وقد أخرج أحمد عن أبي أمامة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «قال تبيت طائفة من أُمّتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثمّ يصبحون قردة وخنازير ، فيُبعث على أحياء من احيائهم ريح فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم باستحلالهم الخمور وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات». (1)

على أنّ الظاهر من الحديث أنّ الضرب بالدفّ كان أمراً قبيحاً، ولذلك لمّا دخل عمر ألقت الجارية الدفَّ تحت إستها ثمّ قعدت عليه لتخفيه عن عمر، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أولى بأن ينهاها عن ذلك الأمر القبيح ولا يسمح لها بالدفِّ على رأسه.

ثمّ إنّ ظاهر الرواية أنّ عثمان دخل وهي تضرب وجلس دون أن تمسك الجارية، وهي تخالف ما رواه ابن أبي أوفى، قال: استأذن أبو بكر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وجارية تضرب الدف فدخل، ثمّ استأذن عمر فدخل، ثمّ استأذن عثمان فأمسكت، قال: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ عثمان رجل حييّ.(2)

وثالثاً: إن قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر» صريح بأنّه فعل الشيطان، وتفضيل لعمر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومَن حضره.


1 . مسند أحمد: 5/259; صحيح مسلم : 7/185، باب فضل الصحابة، أخرجه عن أبي هريرة.

2 . مسند أحمد: 4/353.


صفحه251

3. روى أبو نصر الطوسي في اللمع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دخل بيت عائشة فوجد فيه جاريتين تغنيان وتضربان بالدف، فلم ينههما عن ذلك، وقال عمر بن الخطاب حين غضب: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعهما يا عمر فإنّ لكل قوم عيداً ».(1)

يلاحظ على الرواية: أنّ الظاهر من كلام عمر أنّ الدف من مزمار الشيطان، فيكون استعماله أمراً حراماً ومع ذلك كيف رضي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بوجوده في بيته بحجة أن لكل قوم عيداً، مع أنّ عيد المسلمين معروف ومحدّد، واحتمال أن يكون ذلك اليوم يوم عيد أمر بعيد؟! وعلى كل تقدير فلو استثني فإنّما استثني في العيد لا مطلقاً.

وأظن أنّ الراوي كان بصدد بيان فضائل الخليفة الثاني، غافلاً عن أنّ مثل هذه الروايات لا تنسجم مع قداسة ساحة النبوة وعظمتها.

ولهذا النوع من الروايات نظائر كثيرة، منها:

أخرج أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة، بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بحرابهم، دخل عمر فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعهم يا عمر».(2)

ولعل فيما ذكرنا حول هذا الموضوع غنى وكفاية لمن طلب الحقّ ليتّبعه.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات


1 . اللمع: 345، برقم 153 .   2 . مسند أحمد: 2 / 594، برقم 8019 .


صفحه252


صفحه253

الرسالة الحادية عشرة بعد المائة

كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه

فهو من مال بائعه


صفحه254


صفحه255

قبل الشروع في دراسة هذه القاعدة وما حولها من البحوث والفروع نشير إلى نكتة، وهي:

إنّ تحمّل البائع خسارة المبيع قبل القبض على خلاف القواعد الفقهية، وإن كان موافقاً لسيرة العقلاء، والدليل على كونه خلاف القواعد ما يلي:

ذهب المشهور إلى أنّ العقد سبب تام لحصول الملكية لا يتوقّف على القبض، فالمشتري بالعقد يملك المبيع وهكذا البائع يملك الثمن، فإذا تلف المبيع، ولو قبل القبض فقد تلف ما ملكه المشتري بالعقد، فجعل الضمان على البائع دون المبتاع حينئذ يكون على خلاف القاعدة الفقهية، بل مقتضاها كون التلف من المشتري. لأنّ التالف ملكه، والمفروض أنّ التلف ليس مستنداً إلى البائع بل إلى سبب طبيعي.

وإلى ما ذكرنا يشير السيد العاملي بقوله: فكان ذلك(دليل القاعدة) مخرجاً عن حكم القاعدة الأُخرى القائلة بحصول الملك بمجرد العقد، المستلزمة لكون التلف من المشتري، فينبغي أن يندفع الإشكال عن المقدّس الأردبيلي ومن تبعه، لأنّه قداستشكله هنا وأعاده في باب القبض.(1)


1 . مفتاح الكرامة:10/1025.


صفحه256

نعم القبض في بيع الصرف والسلم من أجزاء السبب المملِّك، بمعنى أنّه لولا القبض لما حصل التمليك والتملّك، فلو تلف المبيع قبل القبض، فقد تلف مال البائع لعدم انتقال المثمن إلى المشتري قبل القبض.

وبما أنّ القبض في غير الصرف والسلم، ليس مملّكاً، فمقتضى القاعدة كون التلف من مال المشتري، غير أنّ سيرة العقلاء على خلافها والقاعدة وردت على وفقها، فلندرس أدلّتها، وهي تتلخّص في أُمور:

الأوّل: الروايات

الرواية الأُولى

روى عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله(عليه السلام)في رجل اشترى متاعاً من آخر وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه وقال: آتيك غداً إن شاء الله، فسُرِق المتاع، من مال من يكون؟

قال(عليه السلام): «من مال صاحب المتاع الّذي هو في بيته حتّى يُقبض ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه ]البائع[ حتّى يردّ ماله إليه».(1)

ولا خفاء في دلالة الرواية على المقصود، إنّما الكلام في سندها وقد ورد فيه محمد بن عبدالله بن هلال ولم يرد فيه توثيق، لكن المشايخ يروون عنه; نظراء: محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والحسين بن عبيد، ومحمد بن أحمد بن يحيى صاحب النوادر، وغيرهم.


1 . الوسائل: ج12، الباب10 من أبواب الخيار، الحديث1. والمراد من المال هو الثمن.


صفحه257

وأمّا عقبة بن خالد فهو الّذي روى أقضية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الصادق(عليه السلام)وهو ممدوح، وعلى هذا فالسند لا بأس به.

الرواية الثانية

النبوي الّذى رواه صاحب المستدرك:«كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه».(1)

الرواية الثالثة

ما رواه بريد بن معاوية، عن أبي عبد الله(عليه السلام)في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طُنّ قصباً في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة والأنبار فيه ثلاثون ألف طُن، فقال البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طُن، فقال المشتري: قد قبلت واشتريت ورضيت، فأعطاه من ثمنه ألف درهم، ووكّل المشتري من يقبضه، فأصبحوا وقد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون ألف طن وبقي عشرة آلاف طن، فقال: «العشرة آلاف طن الّتي بقيت هي للمشتري، والعشرون الّتي احترقت من مال البائع».(2)

ودلالة الرواية على المقصود واضحة حيث إنّ التلف مع كون المبيع على نحو الكلي في المعيّن، لا في ذمّة البائع، حُسبَ على البائع لكونه قبل القبض.


1 . مستدرك الوسائل: ج13، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 13، الباب19 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث1.


صفحه258

الرواية الرابعة

ما رواه ابن الحجاج الكرخي، عن أبي عبد الله(عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: «كل طعام اشتريته في بيدر أو طسّوج فأتى الله عليه فليس للمشتري إلاّ رأس ماله، ومن اشترى من طعام موصوف ولم يسمّ فيه قرية ولا موضعاً فعلى صاحبه أن يؤدّيه».(1)

والرواية الأخيرة تفصل بين العين الشخصية والمبيع الكلي في الذمة، فعلى الأوّل لو تلفت العين تبطل المعاملة بشهادة أنّه يأخذ رأس ماله، وعلى الثاني يجب على البائع أن يحصّل المبيع ويسلّمه إلى المشتري وإن حدث ما حدث في مزرعته.

وهذه الروايات بأجمعها تصلح لتكون دليلاً على القاعدة، وسيوافيك المراد من قوله:«فهو من مال بائعه».

واستدلّ المحقّق السبزواري على القاعدة في مورد خيار التأخير أعني إذا تلف المبيع بعد الثلاثة وقبل الثلاثة بصحيحة علي بن يقطين أنّه سأل أبا الحسن(عليه السلام)عن الرجل يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن؟ قال: «فإنّ الأجل بينهما ثلاثة أيّام، فإن قبض بيعه وإلاّ فلا بيع بينهما».(2)

ثمّ إنّه نقل عن المفيد والمرتضى وسلاّر ومن تبعهم أنّهم ذهبوا إلى أن


1 . الوسائل: ج 13، الباب13 من أبواب السلف، الحديث2. الطسّوج كتنّور: الناحية، لاحظ مجمع البحرين.

2 . الوسائل: ج 12، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث3.


صفحه259

تلف المبيع من المشتري نظراً إلى ثبوت الناقل عن غير خيار.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية لا تدلّ على المطلوب، إذ ليس فيها عن التلف أثر، وإنّما الكلام في تأخير الثمن وأنّ المشتري لو أخّر أزيد من ثلاثة فالبيع ينفسخ.

نعم ما نقله عن المفيد وتلميذيه هو الذي نقله أيضاً عنهما في «مفتاح الكرامة» وقال: والمخالف، المفيد والسيدان ومن تبعهم في خصوص خيار التأخير.(2) أي إذا أخّر المشتري تسليم الثمن ومضت ثلاثة أيام فصار البائع ذا خيار، دون المشتري ففي هذه الصورة قالوا بانّ التلف من المشتري لا مطلقاً.

الثاني: الإجماع

حكى الإجماع على مفاد القاعدة غير واحد من الأصحاب: قال العلاّمة في «التذكرة»:ولا خلاف عندنا في أنّ الضمان على البائع قبل القبض مطلقاً، فلو تلف حينئذ، انفسخ العقد وسقط الثمن ـ و به قال الشافعي وأحمد في رواية، وهو محكي عن الشعبي وربيعة ـ لأنّه قبض مستحق بالعقد، فإذا تعذّر، انفسخ البيع، كما لو تفرقا قبل القبض في الصرف.

وقال أبو حنيفة: كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع إلاّ العقار.


1 . كفاية الأحكام:1/468.

2 . مفتاح الكرامة:10/1025.


صفحه260

وقال مالك: إذا هلك المبيع قبل القبض، لا يبطل البيع، ويكون من ضمان المشتري، إلاّ أن يطالبه به فلا يسلمه ]البائع[، فيجب عليه ]البائع [قيمته للمشتري ـ و به قال أحمد وإسحاق ـ لقوله(عليه السلام): «الخراج بالضمان» ونماؤه للمشتري فضمانه عليه، ولأنّه من ضمانه بعد القبض فكذا قبله كالميراث.(1)

أقول: سيوافيك الكلام في نماء المبيع التالف، فانتظر.

وقال العاملي بعد قول العلاّمة «وإذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه»: إجماعاً كما في السرائر، وكشف الرموز، وجامع المقاصد، والروضة، ويتناوله إجماع الغنية بإطلاقه، كما تسمع ففي التذكرة في باب القبض: لا خلاف عندنا في أنّ الضمان على البائع قبل القبض مطلقاً، فلو تلف حينئذ انفسخ العقد وسقط الثمن.

وفي الكفاية أنّه لا يعرف فيه خلافاً ـ إلى أن قال: ـ مضافاً إلى ما ذكروه في باب الثمار فيما إذا تلفت الثمرة المبتاعة فإنّهم حكموا من غير خلاف ولا تأمّل بأنّ تلفها قبل القبض من البائع.(2)

ولعلّ هذه الكلمات كافية في إثبات الاتفاق في المقام.

نعم يحتمل أن يكون إجماعهم مستنداً إلى الروايات الّتي تقدّمت قبل ذلك فيكون الإجماع مدركياً لا تعبدياً.


1 . تذكرة الفقهاء:10/112ـ113.

2 . مفتاح الكرامة:10/1024ـ 1025.


صفحه261

الثالث: سيرة العقلاء

جرت سيرة العقلاء في المقام على انفساخ العقد وارتفاع التعهد من الطرفين، وذلك لأنّ العقد وإن تمّ والمشتري وإن ملك المبيع لكن لمّا كان البيع مقدّمة للتسليم والإقباض وكانت الغاية القصوى من التعهّد هو انتفاع المشتري من المبيع، فإذا امتنع ما هو المقصود الأقصى لما كان هناك أي تكليف على أحد الطرفين.

أمّا البائع فإنّ التخلّف منه يرجع إلى سبب خارج عن مقدرته، وأمّا المشتري فإنّما تعهد في مقابل تسلّم المبيع والانتفاع به والمفروض أنّه لم يتحقّق، فإذا غلب التقدير على تدبير العباد فلا يكون لكلّ مسؤولية أمام الآخر، ومعنى ذلك فرض العقد كأن لم يكن والإنفساخ من الأصل أو من حين التلف على ما سيأتي. لا أنّه يكون العقد بحاله، غاية الأمر يجب على البائع، تسليم مثله أو قيمته وأخذ الثمن المسمّى من المشتري لأنّه يخالف رواية ابن الحجاج الكرخي إذ فيها: «فليس للمشتري إلاّ رأس ماله»، كما مرّ.

يقول المحقق السبزواري: ولعلّ المراد أنّه ينفسخ العقد بتلفه من حينه ويرجع الثمن إلى ملك المشتري وليس للمشتري مطالبة المثل أو القيمة ورواية علي بن عقبة لا يخلو عن اشعار به (1)، و سيوافيك نقد ما يخالف هذا القول عند تفسير قوله: «فهو من مال بائعه».

وفيما ذكرنا من الأدلّة الثلاثة غنى وكفاية.

ثم انّه يقع الكلام في أُمور ندرسها تالياً.


1 . كفاية الأحكام:1/473 طبعة النشر الإسلامي.


صفحه262

 

الكلام في أُمور

1. شمول القاعدة للثمن

وهل القاعدة تختص بتلف المبيع أو تعمّ تلف الثمن أيضاً عند المشتري قبل قبضه؟ الظاهر هو الثاني لما ذكرنا من أنّ الغاية من البيع عند العقلاء هي المعاوضة وانتفاع كلّ بما في يد الآخر من المتاع والثمن، فإذا امتنعت المعاوضة تسقط المسؤولية، فلا يكون للمشتري مسؤولية أمام البائع كما هو المفروض في العكس.

نعم ربّما يقال بشمول القاعدة للثمن أيضاً بلفظها، لأنّ المبيع يطلق ويراد به الأعمّ.(1) ولكنّه لو صحّ فإنّما هو من باب المجاز ولا يصار إليه إلاّ بدليل، والأَولى في التعميم لما ذكرنا من الدليل الثالث.

2. ما هو المراد من التلف؟

ثمّ إنّ المراد من التلف خروج العين المبتاعة عن حيّز الانتفاع جزءاً أو كلاً، سواء بقيت العين كالأعيان المسروقة، أو لم تبق، كما إذا تلفت بالحرق. ولا فرق أيضاً بين تلف العين أو تلف الصفات كالفواكه الفاسدة، وذلك لما عرفت من أنّ القاعدة ليست قاعدة تعبدية وإنّما هي قاعدة عقلائية أمضاها


1 . الجواهر:23/85.


صفحه263

الشارع، وبما أنّ الغاية من البيع هو انتفاع الطرفين من العوضين، فإذا امتنع الانتفاع لم يحصل ما هو الغرض فلا محيص عن انحلال العقد، وعلى هذا فلا فرق بين تلف العين أو تلف الصفات الدخيلة في الغرض.

بل يمكن أن يقال شمول القاعدة لما يجب إتلافه شرعاً، كما إذا باع عبداً جنى قبل القبض أو ارتد كذلك، وبذلك يعلم أنّ تفسير صاحب الجواهر التلف بآفة سماوية تفسير بالفرد الغالب.(1)

3. لو امتنع المشتري عن القبض

إذا كان البائع مستعداً للإقباض ولكن امتنع المشتري عن القبض، فهل التلف من مال البائع أيضاً أو لا؟

ففي الجواهر أنّ الظاهر كونه من مال المشتري إذا كان عدم القبض لامتناع منه، بلا خلاف أجده فيه لانصراف القاعدة إلى غير هذه الصورة.

بل قد يقال بذلك أيضاً إذا كان التأخير بالتماس منه بعد العرض عليه والتمكين منه وفاقاً لجماعة، إمّا لأنّ مثله يسمّى قبضاً، أو لأنّ المراد من النبوي غيره.(2)

أقول: أمّا الشق الثاني ـ أعني: إذا كان التأخير بالتماس منه ـ فالضمان فيه على البائع، لأنّه مورد رواية عقبة بن خالد.(3)

نعم الروايات منصرفة عن الشق الأوّل وهو امتناع المشتري لصدق القبض عندئذ لأنّه عبارة عن رفع الموانع عن استيلاء المشتري على المتاع


1 . الجواهر:23/83.   2 . الجواهر:23/83.

3 . الوسائل: ج 12، الباب10 من أبواب الخيار، الحديث1.


صفحه264

وهو حاصل، ولولا النص لقلنا بخروج البائع عن الضمان في صورة الالتماس أيضاً.

4. إذا تلف المبيع بالمشتري أو الأجنبي أو البائع

الظاهر من التلف في الروايات هو التلف بآفة داخليّة، أو خارجية عن حيطة المتبايعين; فيقع الكلام فيما إذا تلف بفعل المشتري تسببياً أو مباشرة، أو البائع كذلك، أو الأجنبي.

أمّا الأوّل فلا شكّ أنّ إتلافه يعدّ قبضاً من غير فرق بين التسبب والمباشرة.

وأمّا إذا تلف بفعل البائع فيرجع المشتري إليه بالمثل أو القيمة، ولا وجه لانحلال العقد.

وهذا بخلاف ما لو أتلفه الأجنبي ففيه احتمالات:

1. إذا تلف بفعل الأجنبي لا يضمنه البائع ويرجع المشتري على الأجنبي بالمثل أو القيمة.

2. يتخيّر المشتري بين ذلك والفسخ والرجوع بالثمن. وهذا ما نسبه صاحب الجواهر إلى المشهور.(1)

3. رجوع البائع إلى الأجنبي للأخذ بالمثل أو القيمة، وعندئذ يكون المشتري مخيراً بين قبول البدل، أو فسخ العقد والرجوع بالثمن.


1 . الجواهر:23/83.


صفحه265

4. انحلال العقد وانفساخه ورجوع المشتري إلى الثمن فقط، والبائع إلى الأجنبي لعدم إمكان التقابض، ولعلّ الأخير هو الأقوى.

5. ما هو المراد من قوله:«من مال بائعه»؟

إنّ الظاهر من العبارة وقوع التلف في ملك البائع، حيث فرض أنّه من ماله مع أنّ المفروض أنّه حين التلف كان ملكاً للمشتري، فوقوع التلف في مال البائع يلازم القول بأنّه ينفسخ العقد قبل التلف ويدخل المبيع في ملك البائع فيقع التلف في ملكه فيصدق عليه أنّه من مال البائع ويعبّر عنه بالضمان المعاملىّ.

فعلى هذا لابد من الالتزام بأمرين:

أ. تقدير كونه ملكاً له قبل التلف.

ب. انحلال العقد وانفساخه.

والأمران مفهومان من قوله: «من مال بائعه»، إذ لا يمكن أن يكون الشيء الواحد بتمامه مالاً لشخصين، فإذا صار مالاً للبائع فلابدّ أن ينحل العقد وتخرج العين من ملك المشتري وتدخل في ملك البائع فيصدق أنّه من مال البائع.

وهذا النوع من التقدير غير عزيز في الفقه نظير:

1. إذا قال: «اعتق عبدك عنّي» فمعناه تمليك العبد للقائل ثم عتقه عنه.

2. إذا قال: «الق متاعك في البحر» فبما أنّ الإتلاف في المورد يتحقّق


صفحه266

بفعل المالك، فضمان الغير ـ أعني: الآمر ـ يتوقّف تمليكه إيّاه ثم إتلافه بأمره.

3. إذا اشترى أحد العمودين فقد ورد في الرواية أنّهم إذا ملكوا عتقوا والرواية تؤيد الملكية التقديرية ثم العتق، وعلى كلّ تقدير فالمتبادر من الرواية ما ذكرنا.

4. إذا قتل المورث، يقدر دخول الدية في ملك الميت ثم تورث .

وربّما يحتمل أن يكون قوله:«فهو من مال بائعه» كناية عن كون الخسارة والغرامة عليه من دون أن ينحل العقد وينفسخ ويخرج المبيع من ملك المشتري، وعلى ذلك يجب على البائع دفع الخسارة والغرامة بالمثل أو القيمة، وهذا ما يعبّر عنه بالضمان الواقعي.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه مخالف لقوله: «فهو من مال بائعه»، ولو صحّ ما ذكر يجب أن يقول: فهو على بائعه.

وثانياً: أنّه مخالف لرواية ابن الحجّاج الكرخي حيث قال: فليس للمشتري إلاّ رأس ماله.(1) وقد مرّ الكلام فيه وعرفت كلام المحقق السبزواري في المقام.

6. حكم النماء بعد العقد وقبل التلف

لو كان للمبيع نماءٌ منفصل كالعين والنتاج فتلف المبيع قبل قبضه


1 . الوسائل: ج 13، الباب13 من أبواب السلف، الحديث2.


صفحه267

وبقي النتاج، المشهور أنّه للمشتري، لأنّه نماء ملكه، والمفروض أنّ الفسخ من حين الفسخ لا من حين العقد. وبعبارة أخرى: النماء حصل في ملك المشتري والفرع تابع للأصل فمن ملك الأصل ملك فرعه، والمفروض تأخّر الانفساخ عن وجود النماء.

أقول: المسألة مبنية على أنّ انحلال العقد من حين التلف أو من زمان العقد.

فلو قلنا بالأوّل فالنماء للمشتري لأنّه حصل في ملك المشتري، والفرع تابع للأصل، فلو خرج عن ملكه ودخل في ملك البائع فلا تبطل الملكية السابقة.

ولو قلنا بالثاني فهو للبائع والعرف يساعده حيث يعدّ تملّك المشتري للنماء أكل المال بالباطل بعدما رجع المشتري إلى تمام ثمنه بل يراه مخالفاً للعدل والإنصاف، خصوصاً إذا كان النتاج كثيراً والبائع بعدُ لم يَقبض الثمن أو قبض وكانت المدة قليلة، وعندئذ فلا مناص من القول بالانحلال من رأس لا من زمان التلف، فالقول بكون النماء للبائع هو الأقوى.

فإن قلت: إذا كان الانحلال من حين العقد فما معنى كون المبيع داخلاً في ملك البائع قبل التلف؟

قلت: لا منافاة بين الأمرين، حيث إنّ كون التلف من مال البائع فرع كونه ملكاً له فيفرض كونه ملكه قبل التلف، فإذا قلنا بانحلال العقد من رأسه فهو يلازم كون المبيع حين الانحلال، ملك البائع.


صفحه268

7. شمول القاعدة لسائر العقود المعاوضية

هل القاعدة تختص بالبيع، أو تعمّ سائر العقود المعاوضية أيضاً كالإجارة والصلح بالعوض والهبة المعوّضة إلى غير ذلك من العقود الّتي يكون الغرض الأقصى منها التقابض والانتفاع؟

أمّا النصوص فلا يستفاد منها شمول القاعدة لغير البيع غير أنّك عرفت أنّ القاعدة، ليست قاعدة تعبدية تمنع عن الخروج عن إطار النص، وإنّما هي قاعدة عقلائية مطابقة لقضاء العرف في ذلك المجال.

وعلى هذا فلا مانع من شمولها لكلّ عقد معاوضي، مثلاً إذا
احترق البيت الّذي آجره أو عطبت الدابة المستأجرة قبل القبض، ينحلّ العقد لعدم إمكان العمل بما تعهّد، ومنه يعلم حال الصلح بالعوض والهبة المعوضة.

وبالجملة كلّما امتنع العمل بالمسؤولية فالعرف يقضي بانحلال العقد لعدم إمكان العمل خصوصاً إذا امتنع بآفة سماوية حيث يتلقّى أنّ التقدير كان على خلاف التدبير.

8 . شمول القاعدة لتلف البعض

إذا وقع التلف على بعض المبيع، كما إذا باع طناً من الحنطة وتلف النصف منها، أو باع فرسين وعطب أحدهما، أو باع نعلين وضاع أحدهما.

فقال العلاّمة: احتراق السقف أو تلف بعض الأبنية كتلف عبد من


صفحه269

عبدين، لأنّه يمكن إفراده في البيع بتقدير الاتصال والانفصال بخلاف يد العبد فهو أصحّ وجهي الشافعية، والآخر أنّه كسقوط يد العبد.(1)

أقول: المسألة مبنية على تعدّد المطلوب وأنّ الباقي مطلوب، والهالك مطلوب آخر أو وحدته، بحيث لو هلك بعض الأجزاء لما رغب الطرف بالباقي لعدم الانتفاع المطلوب بالباقي أو قلّته.

وعلى هذا فلو تلف نصف طن من الحنطة فيمكن القول ببقاء العقد لا انحلاله، غاية الأمر للمشتري الخيار لتبعّض الصفقة، بخلاف ما إذا سرق إحدى النعلين، فالغاية المطلوبة صارت غير ميسّرة والتقابض غير ممكن، فلا محيص إلاّ عن انحلال العقد.

وأمّا النصوص فلا يعلم منها حكم الجزء الهالك كما لا يعلم من معقد الإجماع، فلا محيص من عرض المورد على العرف وتحكيمه فيه.

9. شمول القاعدة للوصف المفقود

لو تلف وصف المبيع، سواء أكان المفقود وصف كمال أو وصف صحة، ففيه وجهان:

1. عدم انحلال العقد لإمكان التقابض والعمل بالتعهد فيكون العقد باقياً بحاله غير أنّ المشتري عندئذ مخيّر بين فسخ العقد وأخذ الأرش عند فقد وصف الصحة، وله خصوص الردّ عند فقدان وصف الكمال، كما هو الحال في العيب الموجود قبل العقد إذا كان المشتري جاهلاً بالعيب حيث


1 . التذكرة:1/119.


صفحه270

إنّه مخير بين الرد والأرش عند فقد وصف الصحة، وله خصوص الرد عند فقد وصف الكمال.

2. شمول القاعدة للمورد لا بالنصوص الواردة،بل بمناطها وهو أنّ الغاية القصوى للمتعاقدين هو المبيع الموصوف أو المرئي، والمفروض أنّه عرض التلف لبعض صفاته وامتنع العمل بما تعهد به البائع بكماله، فينحل العقد من حين التلف أو من حين العقد، ومقتضى القواعد عند المشهور هو الوجه الأوّل لكن يحتمل إلحاق الجميع بالقاعدة بالملاك الّذي عرفت.

10. إبراء المشتري البائع عن ضمان المبيع

هل يجوز للمشتري أن يبرئ البائع عن ضمان المبيع، أو يبرئ البائع المشتري عن ضمان الثمن، أو لا؟

قال العلاّمة في التذكرة: لو أبرأ المشتري البائع من ضمان المبيع لم يبرأ، وحكم العقد لا يتغير. وبه قال الشافعي.(1)

أقول: المسألة مبنية على أنّ ضمان البائع حكم شرعي فلا يسقط باسقاط المشتري، أو هو حق للمشتري فله أن يسقط حقّه.

وربّما يقرر وجه جواز الاسقاط بأنّ انحلال العقد ورجوع العوض الموجود ـ بعد تلف العوض الآخر ـ إلى مالكه قبل العقد أمر قهري وليس من فعل أحد المتعاقدين حتّى يكون من قبيل الخيار الّذي هو حق حل


1 . التذكرة:10/113.


صفحه271

العقد وإبرامه كي يكون قابلاً للإسقاط كسائر الحقوق القابلة للإسقاط.

يلاحظ عليه: أنّ الانحلال أمر قهري عند التلف، ولكن المفروض أنّ إسقاط الضمان إنّما هو قبل التلف، ومن المعلوم أنّ انحلال العقد إنّما هو لأجل عدم تمكّن البائع للوفاء بما تعهّد في حق المشتري، فإذا أسقط المشتري حقّه قبل عروض التلف فلا يبقى موضوع لانحلال العقد حتى يقال: إنّه أمر قهري وليس من قبيل الخيار.

وبعبارة أُخرى: أنّه لا يسقط خياره حتى يقال: إنّه أمر قهري، لا يقبل الاسقاط، بل يسقط ما يكون منشأ لهذا الأمر القهري غير القابل الإسقاط، فلاحظ.


صفحه272


صفحه273

الرسالة الثانية عشرة بعد المائة

التلف في زمن الخيار

ممّن لا خيار له


صفحه274


صفحه275

قد اشتهر بين الفقهاء أنّ التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له. وإيضاح مفاد القاعدة ودليلها والفروع المترتّبة عليها رهن البحث في موارد:

1. كلمات العلماء في القاعدة

قال المحقّق: إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه، وإن تلف بعد قبضه وبعد انقضاء الخيار فهو من مال المشتري.

وإن كان ] بعد القبض [ في زمان الخيار من غير تفريط وكان الخيار للبائع فالتلف من المشتري، وإن كان الخيار للمشتري فالتلف من البائع .(1)

وقال العلاّمة في «القواعد»: وإن تلف بعد قبضه وانقضاء الخيار فهو من مال المشتري، وإن كان في مدّة الخيار من غير تفريط، فمن المشتري إن كان الخيار للبائع أو لهما أو لأجنبي، وإن كان للمشتري خاصّة فمن البائع.(2)

وقال في «التحرير»: إذا تلف المبيع في زمن الخيار قبل القبض، انفسخ البيع، وكان من ضمان البائع; وإن كان بعد القبض، والخيار للبائع فالتلف من المشتري، وإن كان للمشتري فالتلف من البائع، ولو كان مشتركاً فالتلف من المشتري.(3)


1 . شرائع الإسلام: 2 / 23 ـ 24 .

2 . قواعد الأحكام: 2 / 69، في أحكام الخيار.

3 . تحرير الأحكام: 2 / 296 .


صفحه276

وقال السيد العاملي: إذا تلف المبيع بعد قبضه وقبل انقضاء الخيار، بل في مدّته وزمنه; فقد حكم المصنّف هنا وفي «التذكرة» والمحقّق الثاني والفاضل الميسيّ أنّه يكون من المشتري إن كان الخيار للبائع أو لهما أو لأجنبيّ، وأنّه إن كان للمشتري خاصّة فمن البائع.

وهو ـ فيما عدا الأجنبيّ وما عدا ما إذا كان الخيار لهما على ما ستعرف الحال فيه ـ موافق لما في «السرائر» و «جامع الشرائع» لابن سعيد و «الإرشاد» و «شرحه» لولده و «مجمع البرهان» من أنّ التلف إن كان في مدّة الخيار فهو ممّن لا خيار له.

وهو معنى ما في «الشرائع» و «التحرير» و «التذكرة» و «المسالك» و «المفاتيح» من أنّه إن كان الخيار للبائع فالتلف من المشتري، وإن كان للمشتري فالتلف من البائع.

ولا أجد في شيء من ذلك خلافاً.(1)

وهذه الكلمات تعرب عن أنّ مصبّ القاعدة إنّما هو بعد القبض، وأنّها تمنع عن سعة في الأُمور الأربعة من جهة المبيع حيواناً كان أو غيره ; من جهة الخيار، خيار حيوان كان أو غيره; من ناحية سبب التلف، بسبب داخلي كان أو خارجي; من جهة ذي الخيار، مشترياً كان أو بائعاً. وإثبات قاعدة بهذه السعة رهن أدلّة قاطعة، فإلى المستقبل .


1 . مفتاح الكرامة: 3 / 1028. وسيوافيك أنّ مورد القاعدة نصاً واعتباراً فيما إذا كان البيع لازماً من جانب البائع، وجائزاً من جانب المشتري، وأمّا العكس فخارج عن مصب القاعدة وموردها، فما ذكره العلاّمة في القواعد والتحرير والعاملي في مفتاحه من تصوير كون العقد جائزاً من جانب البائع ولازماً من المشتري، لا صلة له بمورد القاعدة، فانتظر.


صفحه277

2. هل كون التلف ممّن لا خيار له، موافق للقاعدة ؟

وربّما يقال باختصاص القاعدة ببيع الحيوان أوّلاً، واختصاص الخيار بخيار الحيوان ثانياً الّذي حدّده الشرع بثلاثة أيام، واختصاص التلف بالتلف بآفة داخلية كالمرض، وعندئذ تكون القاعدة من فروع القاعدة السابقة، أعني: «كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» .

توضيح ذلك: أنّ الحيوان يفترق عن سائر الموجودات فهو في معرض الأمراض والعيوب، وربّما يغيب المرض عن عين المشتري ويظهر بعد مضي أيام، ولأجل ذلك جعل الشارع للمشتري خيار ثلاثة أيام لكي تُعلم صحته وبراءته من العيب .

فإذا تلف في زمن الخيار فقد تلف بعيب داخلي كان غائباً عن عين المشتري، ومن المعلوم أنّ البائع لا يخرج عن الضمان إلاّ بإقباض حيوان صحيح، وتلفه في أيام الخيار أوضح دليل على أنّه لم يُقبض بما تعهد به. فهو وإن أقبض حيواناً ولكن المبيع هو الحيوان الصحيح، فيكون التلف في ضمن الثلاثة كتلف شيء لم يقبض.

ويدلّ على ذلك (قبض المعيب بمنزلة عدمه) أنّ المشهور يتعاملون مع الصحّة والعيب معاملة الأجزاء، فكما أنّ تخلّف الجزء يورث الخيار والأرش، فهكذا تخلّف وصف الصحة يوجب كون المشتري مخيراً بين الأرش والخيار، وليس أخذ الأرش عند فقد الصحة عقوبة مالية بل هو استرداد للثمن بنسبة العيب الّذي هو بمثابة النقصان، فعندما لم يخرج البائع


صفحه278

عن ضمان تمام الثمن بتسليم المعيب فلم يُقبض ما تعهد به تمام القبض، فلو تلف بآفة داخلية، فقد تلف قبل القبض .(1)

أقول: ما ذكره متين إذا ثبت اختصاص القاعدة ببيع الحيوان أو خياره وتلفه بآفة داخلية، فيكون التلف بعد القبض في الأيام الثلاثة كالتلف قبل القبض كما عرفت أنّ القبض الناقص (المعيب) كلا قبض، وعندئذ لا تكون قاعدة مستقلة. وتكون القاعدة ـ بحكم اتحادها مع القاعدة السابقة ـ موافقة للقاعدة بالمعنى الّذي تقدم في القاعدة الأُولى، نعم إنّما تكون موافقة للقاعدة إذا كانت محدّدة بالأُمور الثلاثة، كون المبيع حيواناً، والخيار خيار حيوان، والتلف بآفة داخلية.

وربّما يتصور أنّ القاعدة بسعتها (من جانبين: الخيار غير المختص بخيار الحيوان، وسبب التلف الشامل بسبب داخلي أو خارجي) موافقة للقواعد (على خلاف ما قررناه إذ أنكرنا سعتها) بأنّ ملكية ذي الخيار لما دخل في ملكه بسبب المعاملة، متزلزلة، وخروج ما خرج متزلزل متوقّف على بقاء ما دخل في ملكه، فإذا وقع عليه التلف قهراً تنفسخ المعاملة ولا يبقى مورد للتأمل والنظر حتّى يختار الفسخ أو الإبرام، فحكمة جعل الخيار في الحيوان ثلاثة أيّام، أو جعل الخيار والشرط من نفس المتعاقدين يقتضي أن يكون الضمان ـ أي المسمّى ـ ينتقل ثانياً ممّن ليس له الخيار إلى الّذي له الخيار.(2)


1 . الفوائد لآية الله ميرزا صادق التبريزي: 72 ـ 74 .

2 . القواعد الفقهية: 2 / 134. وقد وصفه القائل بأنّه استحسان ومعه كيف يمكن الاعتماد عليه؟!


صفحه279

يلاحظ عليه: بأنّ مجرد كون المشتري ذا خيار لغاية التروّي في المبيع لا يكون دليلاً على ضمان البائع إلاّ في صورة واحدة، وهو ما إذا كان التلف لعامل داخلي كان موجوداً قبل القبض، وإلاّ فالقول بسعة القاعدة في مورد المبيع أوّلاً وسعة الخيار الشامل لخيار الحيوان وغيره ثانياً، وتعميم استناد التلف إلى عامل داخلي وخارجي ثالثاً، لا يكون سبباً لضمان المقابل.

3. دراسة الروايات الواردة:

1. ما رواه عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل اشترى أمة بشرط من رجل يوماً أو يومين، فماتت عنده وقد قطع الثمن، على مَن يكون الضمان؟! فقال: «ليس على الّذي اشترى ضمان حتّى يمضي شرطه» .(1)

ودلالة الحديث على أنّ تلف الأمة في أيّام الخيار على البائع الّذي لا خيار له، واضحة، غير أنّ الكلام في سعة القاعدة.

وذلك لأنّ المبيع أمة، وللمشتري فيها خيار ثلاثة أيّام اشترط أم لم يشترط، والظاهر أنّ المشتري غفل عن الخيار المجعول شرعاً، ولذلك شَرط على البائع يوماً أو يومين.

إنّما الكلام في قوله (عليه السلام): «ليس على الّذي اشترى ضمانٌ حتّى يمضي شرطه». فهل المراد من مضيّ الشرط هو مضي يوم أو يومين، أو المراد


1 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 1. قوله «قُد قطع الثمن»: أي منع الثمن ولم يدفعه إليه .


صفحه280

الخيار المجعول شرعاً؟ وربّما يطلق الشرط ويراد منه الخيار كما يأتي في صحيحه ابن سنان، فلعلّ الإمام حكم بالضمان لأجل الخيار المجعول شرعاً لا لما اشترطه المشتري على البائع من خيار يوم أو يومين حتّى تكون الرواية دليلاً على شمول القاعدة لخيار الشرط، ومع هذا الاحتمال لا يمكن الحكم بسعة القاعدة وعمومها لغير خيار الحيوان.

ويؤيد ما ذكرنا الرواية التالية حيث إنّ الإمام (عليه السلام)قال: «على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري» فركّز الإمام على مضي ثلاثة أيّام لا على ما اشترط من يوم أو يومين، فيكون السبب هو خيار الحيوان لا مطلق الخيار .

2. صحيحة عبدالله بن سنان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الرجل يشتري الدابة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث، على مَن ضمان ذلك؟ فقال: «على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري (شرط له البائع أم لم يشترط على رواية التهذيب)(1)». وإن كان بينهما شرط أياماً معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع.(2) ثم إنّ قوله: «أو يحدث فيه» ربّما يمنع عن جعل القاعدة من مصاديق التلف قبل القبض لفرض حدوث الحدث، ولكنّه لا يضر بما هو المقصود من اختصاص القاعدة بالحيوان وخياره، فلاحظ.


1 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2. والمجموع حديث واحد لكن صدره في الباب 5 وذيله في الباب 8 .


صفحه281

4. اختصاص الروايتين بخيار الحيوان

ودلالة الروايتين على أنّ تلف الدابة أو العبد في أيّام الخيار من البائع واضحة، لكن الكلام في سعة القاعدة حيث إنّ المبيع فيها هو الدابة أو العبد وللمشتري فيهما خيار ثلاثة أيّام، وهو وإن شرط الخيار يوماً أو يومين لكن الإمام (عليه السلام)أعرض عن شرطه، وحكم بأنّ التلف على البائع ضمن ثلاثة أيّام لا أنّه ذو خيار في ضمن يوم أو يومين .

وهذا ربما يكون قرينة على أنّ التلف من البائع لأجل خيار الحيوان لا لخيار الشرط بقرينة أنّ الإمام (عليه السلام)قال: «حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري».

ويؤيد ذلك أنّ الصدوق رواه مرسلاً إلاّ أنّه قال: «لا ضمان على المبتاع حتّى ينقضي الشرط ويصير البيع له»(1) وأراد من الشرط خيار الحيوان لا الشرط المجعول من جانب المشتري، بقرينة قوله: «حتّى يصير البيع له» ولا يصير المبيع له إلاّ بعد مضي ثلاثة أيّام لا بعد مضى يوم أو يومين.

وبهذا يتّضح ما ذكرناه في الحديث السابق (حديث عبدالرحمن بن أبي عبدالله) فإنّ حكم الإمام بضمان البائع كان مبنياً على كون المشتري ذا خيار شرعي في مورد الحيوان، والتجاوز عن المورد (كون المبيع حيواناً والخيار خيار حيوان والمشتري هو صاحب الخيار) يحتاج إلى دليل قاطع.

وبالجملة استفادة العموم من الروايتين أمرٌ غير تام، أي عموم الرواية


1 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، في ذيل الحديث 2 .


صفحه282

لمطلق المبيع، سواء أكان حيواناً أو لا، عمومها لمطلق الخيار، سواء أكان خيارَ حيوان أو خيار شرط، وعمومها لمطلق ذي الخيار، سواء كان المشتري أو البائع، بل اللازم الاقتصار على مورد النص إلاّ أن يدلّ دليل آخر على السعة والشمول .

5. الاستدلال على سعة القاعدة بوجهين:

1. إنّ قوله في صحيحة ابن سنان: «حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري» مفيد للعلّية، وعلى ذلك يكون معنى الحديث أنّ كلّ مَن لم يستقرّ عليه المال لكونه ذا خيار، ويقدر أن يسلب ملكيته عن نفسه فتلف ماله على غيره، أي بالتلف تنفسخ المعاملة ويدخل التالف قبل التلف آناً ما في ملك من لا خيار له ثم يتلف من ماله ، وعلى هذا فلا فرق بين الخيار الثابت للبائع أو المشتري، ولا بين خيار الحيوان والشرط وغيرهما من خيار المجلس وخيار تخلّف الشروط الضمنية.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر أنّ لفظة «حتّى» للغاية لا للعلّية، والشاهد على قوله: «على من ضمان ذلك» فقال على البائع حتّى ينقضي الشرط، أي الضمان عليه مستمر إلى انقضاء الشرط ، وقوله: «ويصير المبيع للمشتري» تأكيد له ولا يصير له إلاّ إذا انقضى الخيار بتمامه» .

فبذلك يظهر أنّ استظهار عموم الرواية لخيار الشرط غير صحيح وإن تلقّاه الشيخ الأعظم كونه مورد إجماع إذ قال: إنّ الخيار إذا كان للمشتري


1 . منية الطالب: 2 / 177. حيث نقل الإشكال ثم ردّ عليه .


صفحه283

فقط من جهة الحيوان فلا إشكال ولا خلاف في كون المبيع في ضمان البائع. وكذلك الخيار الثابت له من جهة الشرط بلا خلاف في ذلك.

2. قوله (عليه السلام)في ذيل صحيحة ابن سنان: «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع».

ولو كان للمشتري فقط خيار المجلس دون البائع فظاهر قوله: «حتّى ينقضي شرطه ويصير المبيع للمشتري» كذلك بناءً على أنّ المناط انقضاء الشرط الّذي تقدم أنّه يطلق على خيار المجلس في الأخبار .

بل ظاهره أنّ المناط في رفع ضمان البائع صيرورة المبيع للمشتري واختصاصه به بحيث لا يقدر على سلبه عن نفسه (وعلى هذا تشمل الرواية عامّة الخيارات) وإلى هذا المناط ينظر تعليل هذا الحكم في «السرائر» حيث قال:

فكل من كان له خيار، فالمتاع يهلك من مال من ليس له خيار، لأنّه قد استقر عليه العقد والّذي له الخيار ما استقر عليه العقد ولزم، فإن كان الخيار للبائع دون المشتري وكان المتاع قد قبضه المشتري وهلك في يده، كان هلاكه من مال المشتري دون البائع، لأنّ العقد مستقر على المشتري لازم له.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ مقتضى الجمود على ما في صدر الرواية هو حمل الشرط على أحد الوقتين (اليوم أو اليومين) اللّذين جعل المشتري الخيار


1 . المتاجر: 6 / 175 ـ 176، الطبعة الحديثة.


صفحه284

لنفسه فيهما لا الحمل على خيار المجلس، ومجرد استعمال الشرط في خيار المجلس نادراً (1) لا يكون دليلاً على حمل الرواية عليه، بل المراد من الشرط هوخيار الحيوان بشهادة تحديده بثلاثة أيّام .

وثانياً: أنّ ما في ذيل الرواية ـ أعني: قوله: «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة» ـ فالظاهر منه أيضاً هو الأيّام الثلاثة في بيع الحيوان، خصوصاً أنّ كون المبيع هو الحيوان وتصريحه بثلاثة أيّام في صدر الرواية يمنع عن انعقاد الإطلاق لذيل الرواية، أعني: قوله «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة»، التمسك بالإطلاق إنّما يصح إذا لم يكن مكتنفاً ممّا يصلح للقرينية، وصدر الرواية صالح لصرف الذيل عن الإطلاق، ولا أقل تصبح الرواية مجملة لا تصلح للاستدلال.

وثالثاً: أنّ ما نقله عن صاحب السرائر فالدليل فيه هو نفس المدّعى، لأنّ تزلزل البيع من جانب أحد الطرفين واستقراره من الجانب الآخر لا يكون دليلاً على سوق التلف إلى من لا خيار له بعد ما تلف تحت يده وقبضه، ومجرد أنّ مَن له الخيار له التروّي والتأمّل في الأخذ والرد لا يكن دليلاً على تحمّل الآخر غرر المبيع بعد القبض، اللّهم إلاّ إذا كان المبيع حيواناً وتلف في ثلاثة أيّام وكشف التلف عن وجود مرض فيه كان مخفياً عن المشتري، فعندئذ يصح أن يحتج على البائع بأنّه لم يقبض ما تعهد به.

***


1 . قلنا: نادراً لاعتراف محقّق المتاجر بأنّه لم يعثر على ذلك صريحاً.


صفحه285

إلى هنا ظهر أنّ كلاًّ من الوجهين لا ينهض لإثبات السعة، فلندرس ما بقي من الروايات.

3. ما رواه عبدالله بن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جعفر بن محمد (عليه السلام)قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في رجل اشترى عبداً بشرط ثلاثة أيّام فمات العبد في الشرط، قال: يستحلف بالله ما رضيه، ثم هو بريء من الضمان».(1)

والمبيع في الرواية هو الحيوان ويكون الخيار هو خياره لا مطلق الخيار، وقوله: «بشرط ثلاثة أيّام» يمكن أن يكون إشارة إلى الثلاثة المعروفة في بيع الحيوان، ولعلّ الخيار في هذه الأيام كان سائداً أيضاً في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وما بعده، فلا يدلّ على عموم الحكم وشموله لمطلق المبيع والخيار والتلف .

والظاهر أنّ الاستحلاف بالله بعدم رضاه، كناية عن عدم إسقاطه خيار الحيوان.

4. ما رواه الحسن بن علي بن رباط، عمّن رواه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيّام فهو من مال البائع» (2).

يلاحظ عليه: بمثل ما تقدّم من عدم دلالته على القاعدة بسعتها في الجهات الأربع: مبيعاً، خياراً، سبباً، ومتعاقداً.


1 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 5 .


صفحه286

6. حصيلة الكلام في الروايات

هذا مجموع ما يمكن الاستدلال به على عموم القاعدة، وقد عرفت قصورها في إثبات سعة القاعدة، مضافاً إلى أنّه لو كان الحكم على سعته في الموارد الأربعة: المبيع، الخيار، وسبب التلف، والمتعاقد يلزم أن يرد في الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ما يصرّح بذلك، وأمّا ما مضى من الروايات فهي أقصر من أن تثبت سعة القاعدة مع احتفاف الكل بالقرائن الّتي تؤيد اختصاص الحكم بتلف الحيوان بعد قبضه في ثلاثة أيّام.

وربّما يستدل بالروايتين التاليتين.

5. ما رواه إسحاق بن عمار قال: حدّثني من سمع أبا عبدالله (عليه السلام)وسأله رجل وأنا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى أخيه فقال: أبيعك داري هذه وتكون لك أحب إليّ من أن تكون لغيرك، على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد عليّ؟ فقال: «لا بأس بهذا، إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه»، قلت: فإنّها كانت فيها غلّة كثيرة فأخذ الغلّة، لمن تكون الغلّة؟ فقال: «الغلّة للمشتري، ألا ترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله».(1)

6. وما رواه معاوية بن ميسرة قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد الله (عليه السلام)عن رجل باع داراً له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الّذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط إنّك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله، قال: «له شرطه». قال له أبو الجارود: فإنّ ذلك الرجل قد أصاب


1 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1.


صفحه287

في ذلك المال في ثلاث سنين، قال: «هو ماله»، وقال أبو عبدالله (عليه السلام): «أرايت لو أنّ الدار احترقت من مال مَنْ كانت؟ تكون الدار دار المشتري ».(1)

وجه الدلالة في الروايتين هو أنّ الإمام قد حكم بأنّه لو تلفت الدار لكان من مال المشتري الّذي لا خيار له دون البائع الّذي هو ذو خيار، فتدلاّن على مفاد القاعدة، أعني: تلف المبيع (الدار) في زمن الخيار، من (المشتري) الّذي لا خيار له .

ونقل السيد العاملي عن «مجمع البرهان» أنّه قال: إنّ دليل المسألة بفروعها غير ظاهر، وفي الكفاية لا أعرف في المسألة مستنداً سوى الروايات الخمس (2)، فينبغي إناطة الحكم بها .

وأراد بالروايات الخمس: رواية إسحاق بن عمار الواردة في خيار الشرط الدالة على أنّ التلف من المشتري بعد القبض حيث إنّه لا خيار له، ورواية معاوية بن ميسرة الّتي هي مثل رواية إسحاق، والروايات ] الأربع [الواردة في خيار الحيوان المتضمّنة أنّ التلف من البائع حتّى ينقضي شرط المشتري وخياره، وقد بينّا الحال فيها فيما مرّ .(3)

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الإمام يؤكّد على أنّ الخراج للمشتري، مستدلاًّ بأنّه لو تلف لكان من ماله، فإذا كانت الحال كذلك فالخراج أولى أن


1 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 3. ولعلّ المراد من الحاضر: الشاهد الّذي يكتب لهما ويمنعهما عن الإنكار والحصر بمعنى الحبس، وفي بعض النسخ الحاضر، ولعلّ المراد ما يكتب من المحضر بين الطرفين .

2 . الأولى أن يقول: الستّ كما عرفت منّا.

3 . مفتاح الكرامة: 10 / 1031 .


صفحه288

يكون له لا لغيره من دون نظر إلى أن البائع ذو خيار أو لا.

وبعبارة أُخرى: أنّ حال البائع سواء أكان ذا خيار أو لا ليست مؤثراً في حكم الإمام (عليه السلام)بالضمان، وإنّما المؤثر هو أنّه كل مَن التلف من ماله، فأولى أن يكون الخراج له .

ولو استدل بالروايتين على القاعدة المعروفة «الخراج بالضمان» بالمعنى الصحيح عندنا ـ لا عند غيرنا ـ لكان أولى .

وبما ذكرنا يظهر ضعف ما أفاده الشيخ الأعظم حيث قال: ومن هنا يعلم أنّه يمكن بناءً على فهم هذا المناط، طرد الحكم في كلّ خيار، فتثبت القاعدة المعروفة: من «أنّ التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له» من غير فرق بين أقسام الخيار ولا بين الثمن والمثمن، كما يظهر من كلمات غير واحد من الأصحاب، بل نسبه جماعة إلى إطلاق الأصحاب .(1)

أقول: أقصى ما يمكن أن يقال: إنهّ لو تمّت القاعدة في غير خيار الحيوان فإنّما تتم في شرط الخيار إذا كان المبيع حيواناً وتلف بعد الثلاثة، لأنّ التلف في الثلاثة من مال البائع للنصوص المتضافرة ولا حاجة في كون التلف من مال البائع فيها للشرط لوجود خيار الحيوان وإنّما الحاجة لها بعد انقضاء الثلاثة. والدليل على هذا هو ذيل صحيحة ابن سنان، أعني قوله: «وإن كان بينهما شرط أياماً معدودة» بناء على حمل الشرط على شرط الخيار لكن في مورد الحيوان كلّ ذلك على تأمّل، وعليه سيدنا الأُستاذ (قدس سره)كما سيوافيك كلامه.


1 . المتاجر: 6 / 176 .


صفحه289

وممّا يدلّ على أنّ القاعدة لا تشمل خيار الغبن والعيب وتخلّف الشرط وتدليس المشتري وتبعّض الصفقة، أنّ المتبادر من قوله: «ويصير المبيع للمشتري» هو المتزلزل من أوّل الأمر، ولا يشمل المتزلزل المسبوق باللزوم بأن يكون المبيع في ضمان المشتري بعد القبض ثم يرجع ـ بعد عروض التزلزل ـ إلى ضمان البائع .

اللّهم إلاّ إذا قيل بوجود الخيار من أوّل الأمر وظهوره بظهور سببه وهوالغبن والعيب.

وإلى بعض (1) ما ذكرنا يشير الشيخ الأعظم بقوله: إنّ ظاهر الرواية استمرار الضمان الثابت قبل القبض إلى أن يصير المبيع لازماً على المشتري، وهذا مختص بالبيع المتزلزل من أوّل الأمر، فلا يشمل المتزلزل المسبوق باللزوم، بأن يكون المبيع في ضمان المشتري بعد القبض ثم يرجع بعد عروض التزلزل إلى ضمان البائع، فاتّضح بذلك أنّ الصحيحة مختصّة بالخيارات الثلاثة، على تأمّل في خيار المجلس .(2)

فإن قلت: لو قلنا بأنّ المبيع في زمن الخيار لا يخرج عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري، بل هو باق على ملك الأوّل، فإذا تلف فقد تلف في ملكه، وعلى ذلك يمكن توسيع القاعدة لعامة الخيارات متمسكاً بأنّ المبيع ملك للبائع، فإذا تلف فقد تلف في ملكه .


1 . إنّما قلنا البعض، لأجل عدم شمول الرواية عندنا لخيار المجلس وإن قال به الشيخ الأعظم (قدس سره)، على تأمّل.

2 . المتاجر: 6 / 181 .


صفحه290

قلت: إنّ لازم ذلك (عدم مالكية ذي الخيار لما انتقل إليه من المبيع ومالكية من ليس له الخيار لما انتقل إليه من الثمن) اجتماع العوضين عند شخص واحد فالبائع يملك المبيع لوجود الخيار فيه من دون أن ينتقل إلى المشتري، ويملك الثمن لعدم وجود الخيار فيه، وهو كما ترى.

7. فذلكة

إنّ الفقيه إذا تجرد عمّا ذكره الأصحاب حول هذه القاعدة وأمعن النظر في دليلها يذعن بأنّه لا سعة للقاعدة، وأنّ موردها تلف الحيوان ـ بعد قبض البائع للمشتري ـ في الأيام الثلاثة، وأقصى ما يمكن أن يقال: شمولها لشرط الخيار بعد ثلاثة أيّام إذا تلف فيها، لقوله في صحيحة ابن سنان: وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع»، (1) ولا يعمّ غير هذين الموردين، وإنّ ما اُستدلّ به على سعة الحكم لا يتجاوز حد الإشعار ولا يمكن الاعتماد عليه، لكون الحكم على خلاف القاعدة .

ومن حُسنِ الحظ أنّ سيدنا الأُستاذ (قدس سره)ممّن ذهب إلى اختصاص هذا الحكم بخيار الحيوان وشرط الخيار إذا كان مورد الشرط بيع الحيوان.(2)

قال (قدس سره): والإنصاف أنّ التعدّي عن مورد الرواية إلى غيره، غير وجيه، فإلحاق خيار المجلس به في غير محلّه، ومجرد إطلاق الشرط عليه، لا


1 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2 .

2 . وقد تقدّم منا ذلك عند قولنا: «أقصى ما يمكن أن يقال» لاحظ ص 288 .


صفحه291

يوجب بـ «التعدّي»، بعدما كان المراد بـ «الشرط» في الروايات هو خيار الحيوان .

بل في التعدّي إلى خيار الشرط في غير الحيوان أيضاً كلام بعد ما كانت الروايات مختصّة بالحيوان .

ولم يكن له مستند إلاّ ذيل صحيحة ابن سنان على رواية «التهذيب» وهو قوله (عليه السلام): «حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام، ويصير المبيع للمشتري، شرط له البائع أم لم يشترط».(1)

قال: «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة، فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط، فهو من مال البائع»(2) بدعوى: أنّ الشرط بينهما أيّاماً معدودة، شامل للزائد على ثلاثة أيّام، ويعم ما إذا كان في بيع غير الحيوان إذا كان الشرط للمشتري بقرينة قوله: «من مال بائعه» .

إذ يمكن أن يقال: إنّ صدر الرواية وجميع فقراتها إلى قوله هذا، مخصوص بالحيوان، وهو قرينة على أنّ المراد من الذيل أيضاً، الشرط في الحيوان، وإنّما ذكر ذلك لبيان عدم الاختصاص فيه بالثلاثة ; وذلك لخصوصية فيه أوّلاً، ولظهوره في الاختصاص بخيار المشتري الّذي مرّ حكمه في ثلاثة أيّام ثانياً، وإلاّ فلو كان الحكم لخيار الشرط مطلقاً، لم يكن وجه لاختصاصه بالمشتري; ضرورة عدم الفرق في شرط الخيار بينه وبين البائع، فالإطلاق فيها محلّ إشكال.


1 . لاحظ الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2 و 3 .

2 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2 والروايتان في الحقيقة رواية واحدة، وقد حصل التعدد لأجل التقطيع.


صفحه292

نعم، لا إشكال في استفادة أمر زائد منها بالنظر إلى الذيل، وهو الشرط الزائد على ثلاثة أيّام.

والإنصاف: أنّ دعوى اختصاص الروايات جميعاً بالشرط في الحيوان، غير مجازفة.

ولو سلّم إلحاق الشرط مطلقاً بالحيوان، فلا ينبغي التأمّل في عدم إلحاق خيار المجلس، فضلاً عن سائر الخيارات; لفقد الدليل بعد كون الحكم على خلاف القواعد.(1)

نعم قال صاحب الجواهر باختصاص الحكم بخيار الحيوان والشرط، لكن عمّم متعلّق الشرط، ولم يفرّق بين كونه حيواناً أو داراً .(2)

كما عمّم الشيخ الأعظم وقال بجريان القاعدة في خيار المجلس، وأبعد الأقوال القول بجريانها في الخيارات الزمانية وغيرها، وهو خيرة السيد الطباطبائي في تعليقته .(3)

وأقصى ما عند الأخير من الدليل التمسّك بقوله: «حتّى يصير المبيع للمشتري»، وقد عرفت ضعف الاستدلال.

وبذلك ظهر أنّ أقوال القائلين بسعة القاعدة، أربعة:

1. يشمل شرط الخيار بشرط كون المبيع حيواناً.


1 . كتاب البيع: 5 / 463 .

2 . الجواهر: 23 / 296 ، كتاب البيع. وبهذا ظهر الفرق بين القولين بعد اشتراكهما في شمول الرواية لشرط الخيار لكن الأُستاذ خصّه بالحيوان، وعمّمه صاحب الجواهر إليه وإلى غيره .

3 . تعليقة السيد الطباطبائي: 169، مبحث الخيارات .


صفحه293

2. يعمّ الحيوان وغيره.

3. يشمل خيار المجلس.

4. يعمّ عامّة الخيارات.

8 . عدم شمول القاعدة للثمن

إذا باع البائع وجعل لنفسه خياراً في عدّة أيّام وقبض الثمن وتلف عنده، فهل يكون التلف من مال من لا خيار له حتّى لو كان المبيع حيواناً؟

تظهر الحال فيه ممّا قدّمناه حيث قلنا بوجود القصور في دلالة الروايات على سعة الحكم، وإنّها مختصة بتلف المبيع إذا كان حيواناً ولا تشمل الثمن .

قال السيد العاملي: وأمّا إذا تلف الثمن بعد قبضه والخيار للبائع فهذا محل إشكال ; لأنّ الأصل بمعنى القاعدة يقضي بأنّ التلف من البائع لا من المشتري، ولم يتعرض أحد لحال هذا الفرع أصلاً، والمقدّس الأردبيلي إنّما تعرض لحال الثمن قبل القبض، والأخبار إنّما وردت في المبيع، وخبر عقبة(1) وإن كان يشم منه التعميم إلاّ أنّه صريح في ما قبل القبض .(2)

واستدلّ الشيخ الأعظم على عموم القاعدة بوجهين:

1. عمومية المناط وهو كون العقد خيارياً من جانب ولازماً من جانب آخر.


1 . الوسائل: ج 12، الباب 10 من أبواب الخيار، الحديث 1 .

2 . مفتاح الكرامة: 10 / 1032 .


صفحه294

2. استصحاب ضمان المشتري الثابت له قبل القبض.

وكلا الوجهين غير تامّين:

أمّا الأوّل، فلأنّ الأخذ بالمناط، إنّما يصح إذا كان قطعياً لا ظنياً كما في المقام، خصوصاً إنّ الحكم في المبيع على خلاف القاعدة وخلاف السيرة المألوفة بين العقلاء.

وأمّا الثاني، فهو أشبه بإسراء حكم من موضوع (ضمان المشتري قبل إقباضه نظير ضمان البائع للمبيع قبل إقباضه) إلى موضوع آخر (وهو ضمانه للثمن بعد إقباضه للبائع نظير ضمان البائع للمبيع بعد إقباضه للمشتري)، فإنّ الضمان بعد الإقباض موضوع جديد لا يصح إسراء حكم ما قبل القبض إلى ما بعده، إلاّ إذا دل عليه دليل كما في مورد المبيع إذا كان حيواناً.

9 . هل الحكم مختصّ بالمبيع المعيّن أو يعمّ الكلي؟

الإمعان في الروايات يعطي أنّ الضمان من خصائص كون المبيع حيواناً على المختار، أو من خصائص كون البيع قطعياً من جانب البائع وخيارياً من جانب المشتري على القول الآخر، فعلى هذا فلا فرق بين تلف المبيع المعيّن أو الكلي إذا أقبضه بتسليم فرد منه .

فإنّ المبيع وإن كان كلّياً لكنّه يكون معيّناً بتسليم فرد منه، فلا فرق بين كونه معيّناً من أوّل الأمر، أو صار معيّناً بتسليم فرد منه والخروج عمّا تعهد.

لكنّ الشيخ وتبعه المحقّق الخوئي خصّا الحكم بالمبيع الشخصي، واستدلاّ عليه بالوجه التالي:


صفحه295

إنّ الموضوع هو تلف المبيع الّذي يستلزم انفساخ العقد، وهذا إنّما يتصوّر إذا كان المبيع شخصياً، وأمّا الكلّي فالفرد المقبوض إذا تلف فليس هو من مقولة تلف المبيع، بل من مصاديق تلف مصداق منه، والموضوع في الروايات هو تلف المبيع. ولأجل ذلك يفارق ظهور العيب في الشخصية حكماً مع ظهوره في الفرد المقبوض بما أنّه مصداق للكلي، ففي الأوّل يكون مخيّراً بين الفسخ والإمضاء مع الأرش أو لا معه، دون الثاني، بل على البائع أن يبدّله بفرد آخر ولا ينفسخ العقد.(1)

يلاحظ عليه: أنّها دقّة عقلية لا يلتفت إليها العرف، فإنّ المبيع الكلّي إذا انطبق على الفرد يصدق عليه أنّه المبيع فتشمله الروايات، كقوله (عليه السلام): «لا ضمان على المبتاع حتّى ينقضي الشرط ويصير المبيع له»(2)، وتصوّر أنّ في الصدق تأوّلاً وتجوّزاً وإن كان صحيحاً، لكنّه لا يلتفت إليه إلاّ الفقيه الدقيق لا العرف المخاطب بالروايات، والّذي يؤيد ذلك أنّ العناوين مرايا إلى الخارج وليس ابتياع الكلي إلاّ لغاية تجسيده بدفع الفرد منه .

وبعبارة أُخرى: إذا سلم فرداً من الكلّي فقد خرج عن المسؤولية ولولا خيار الحيوان، لكان العقد لازماً إلاّ أنّه صار سبباً لتزلزل العقد كالعين الشخصية .

ثم إنّ الشيخ استدلّ بوجه آخر لا يخلو عن تعقيد، وقد أوضحناه مع ما فيه من النظر في كتابنا «المختار في أحكام الخيار».(3)


1 . مصباح الفقاهة: 7 / 530 .

2 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار في ذيل الحديث 2 .

3 . لاحظ : المختار في أحكام الخيار: 626 ـ 627 .


صفحه296

10 . هل الضمان معاملي أو واقعي؟

إذا افترضنا أنّ الحيوان المبيع تلف بعد قبضه في الأيام الثلاثة فصار التلف ممّن لا خيار له أي من البائع فالخسارة متوجهة إلى البائع، وعندئذ يقع الكلام في وظيفته أمام المشتري الّذي دفع الثمن وخرج المبيع عن ملكه فهنا احتمالان:

1. أن يكون ضامناً للمسمّى، أي بدفع الثمن بعد خروج المبيع عن ملك المشتري ودخوله في ملك البائع حين كونه مالكاً للثمن أيضاً، فبما أنّ الجمع بين العوض والمعوض غير معقول فيجب عليه دفع المسمّى .

2. أن يكون ضامناً بالمثل أو القيمة بمعنى أنّه إذا تلف المبيع في ملك البائع فالعقد باق على حاله فيجب عليه تدارك الخسارة بالمثل أو القيمة. فعلى الأوّل الضمان معاملي، وعلى الثاني واقعي، ولكلّ من الاحتمالين قائل.

أمّا الأوّل: فهو خيرة الشيخ وغيره، حيث قال: المراد بضمان «من لا خيار له» لما انتقل إلى غيره، هو بقاء الضمان الثابت قبل قبضه وانفساخ العقد آناً ما قبل التلف، (ودخول المبيع في ملك البائع) وهو الظاهر من قول الشهيد (قدس سره)في الدروس حيث قال: «وبالقبض ينتقل الضمان إلى القابض مالم يكن له خيار».(1)

إنّ مفهوم كلامه أنّه مع خيار القابض لا ينتقل الضمان إليه، بل يبقى


1 . الدروس: 3 / 210 .


صفحه297

على ضمان ناقله (البائع) الثابت قبل القبض، وقد عرفت أنّ معنى الضمان قبل القبض هو تقدير انفساخ العقد وتلفه في ملك ناقله.(1)

ثم إنّ الإصرار على دخول المبيع في ملك البائع ووقوع التلف في ملكه، لأجل تصحيح كون التلف عليه، وذلك لأنّ المفروض أنّ المبيع انتقل إلى المشتري وهو ملك له ومع ذلك فالتلف يحسب على البائع، وهذان لا يجتمعان إلاّ بالفرض المذكور ودخول المبيع في ملك البائع قبل التلف .

وأمّا الثاني: فهو خيرة العلاّمة في «التذكرة». قال: لو تلف المبيع بآفة سماوية في زمن الخيار، فإن كان قبل القبض، انفسخ البيع قطعاً، وإن كان بعده، لم يبطل خيار المشتري ولا البائع، وتجب القيمة على ما تقدّم. (2)

وهناك احتمال ثالث يتّحد في النتيجة مع الأوّل ويخلو عن التكلّف الموجود فيه، وهو القول بالبطلان مع التلف وفرض المعاملة كأن لم تكن، ولازم ذلك رجوع الموجود (الثمن) من العوضين إلى مالكه، وأمّا المثمن فلأجل كونه تالفاً حين البطلان، لا يحكم عليه بالرجوع إلى مالكه، غاية الأمر لا يكون المشتري ضامناً. وهذا وإن لم يذكره الشيخ، ولكنّه أظهر عند العرف من الأوّل، وفي هذا الفرض يكون الضمان معاملياً أيضاً من دون حاجة إلى الحكم بدخول المبيع في ملك البائع .

إنّما الكلام في تعيين أحد الاحتمالين الأوّلين، وربّما يستظهر المعنى الأوّل بما يلي :


1 . المتاجر: 6 / 186 .

2 . تذكرة الفقهاء: 11 / 166 .


صفحه298

1. ما ورد في ذيل صحيحة عبدالله بن سنان حيث قال: «وإن كان بينهما شرطٌ أيّاماً معدودة، فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع» (1).

2. النبوي الوارد في القاعدة الأُولى، أعني: «كل مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه».(2)

وجه الاستظهار: أنّ التلف لا يكون من مال البائع ـ بعد كونه ملك المشتري ـ إلاّ بانفساخ العقد آناً ما قبل التلف حتّى يعود المبيع إلى ملك البائع ويقع التلف في ملكه ويعود الثمن إلى ملك المشتري.

3. قوله في القاعدة الثانية: «على من ضمان ذلك؟ فقال: على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري».(3)

وجه الاستظهار: أنّه لمّا كانت مالكية المشتري المبيع متزلزلة في زمن الخيار، فلا يملك المشتري على وجه الاستقرار إلاّ بعد مضيّ الخيار، فإذا تلف قبل مضيّه يخرج من ملك المشتري بحكم أنّ ملكيّته كانت متزلزلة ويدخل في ملك البائع آناً ما وينفسخ فيه .

4. ما في مرسلة الحسن بن علي بن رباط، عمّن رواه، عن أبي عبدالله (عليه السلام): «إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيّام فهو من مال البائع»(4).


1 . الوسائل: ج 12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2.

2 . مستدرك الوسائل: ج 13، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2.

4 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 5 .


صفحه299

وفي هذه الروايات الأربع الّتي وردت: الرواية الأُولى والثالثة والرابعة حول هذه القاعدة (التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له )، والرواية الثانية حول القاعدة الأُولى (كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه)، وبما أنّ القاعدتين متقاربتان وقد عرفت أنّ القاعدة الثانية عندنا من شقوق القاعدة الأُولى إلاّ في موردين كما سيوافيك، وليس لنا قاعدة سوى الأُولى، فيكون مال الجميع واحداً.

والّذي يؤكد المختار (كون الضمان بالمسمّى لا بالمثل والقيمة) هو ما نقلناه عن آية الله ميرزا صادق التبريزي (قدس سره) حيث اختار أنّ القاعدة مختصّة بالحيوان وهي من الموجودات الّتي لا تعلم صحّتها أو مرضها إلاّ بمرور الزمان، فتلفه بآفة سماوية بين الثلاثة يكشف عن كون المبيع معيباً من أوّل الأمر، وبما أنّ العقد وقع على المبيع بوصف أنّه صحيح فلا يكون المقبوض قبضاً شرعيّاً، بل قبض مالم يقع العقد عليه فيكون كالتلف قبل القبض.

نعم ما ذكره يتم لو كانت القاعدة مختصة بالحيوان وخياره فقط، وأمّا لو قلنا بشمولها العيب الحادث في الثلاثة، أو لعمومها لشرط الخيار وإن كان أكثر من ثلاثة، فلابد من تصحيح القاعدة بالقول بما ذكره الشيخ أو ما ذكرناه.

11. لو أتلفه المشتري

ولو أتلفه المشتري في أيّام الخيار قال العلاّمة: استقرّ الثمن عليه، فإن أتلفه في يد البائع وجعلنا إتلافه قبضاً، فهو كما لو تلف في يده(1).


1 . تذكرة الفقهاء: 11 / 168، المسألة 335 .


صفحه300

والظاهر صحة ما ذكره في جانب المشتري، لأنّه أتلف ماله من دون أن يستند التلف إلى البائع أو الآفة السماوية، فالعقد يكون لازماً من غير فرق بين إتلافه تحت يده أو تحت يد البائع.

ولو أتلفه الأجنبي، قال العلاّمة: لم ينفسخ البيع ولا يبطل الخيار لأصالتهما .(1)

إنّ كلامه مشتمل على أمرين :

1. عدم انفساخ العقد .

2. عدم بطلان الخيار .

أمّا الأوّل ـ أعني: عدم انفساخ البيع ـ فهو صحيح، لأنّ حكم المبيع هنا (الحيوان) كسائر الموارد، فقد أتلف الأجنبي ملك المشتري فيرجع إليه بالمثل أو القيمة من دون أن تكون هنا مسؤولية للبائع، لأنّه خرج عن المسؤولية.

وأمّا الثاني: أي عدم بطلان الخيار، فمعناه أنّ المشتري يفسخ العقد ويرجع بالثمن إلى البائع، وبالتالي يرجع البائع إلى الأجنبي ، فهو إنّما يتمّ إذا كان مصبّ الخيار هو العقد دون العين، والغالب في بيع الحيوان ـ لو لم يكن الكل ـ كون المصب هو المبيع الخارجي، فإذا بطلت العين بطل الخيار القائم بها.

على أنّ فسخ المشتري للعقد ثم الرجوع بالمسمّى إلى البائع ورجوع البائع إلى الأجنبي أمر لا يوافقه الذوق الفقهي ، لأنّ للبائع أن يحتج بأنّه خرج


1 . المصدر السابق .


صفحه301

عمّا عليه من المسؤوليّة، فلا معنى للرجوع إلى الثمن وإرجاع البائع إلى الأجنبي الّذي ربّما لا يتمكّن من أخذ المثل أو القيمة منه .

***

إلى هنا تمّ الكلام حول القاعدتين المعروفتين. فقد عرفت أنّ الثانية (التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له) من فروع القاعدة الأُولى (كلّ مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه) ، وليس شيئاً مستقلاً، على قول المحقّق التبريزي، إلاّ أن يقال بشمولها للعيب الحادث في الثلاثة أو لشرط الخيار، مع كون المبيع حيواناً، وقد عرفت حالهما.

في تعارض القاعدتين (1)

ربّما يتصوّر وجود التعارض بين القاعدتين، وهذا فيما إذا وقع التلف قبل قبض المشتري المبيع، وكان للبائع الخيار دون المشتري، ونبيّن ذلك ضمن مثالين:

1. إذا كان المبيع غير الحيوان وكان الخيار للبائع، فتلف قبل القبض، فبما أنّ التلف قبل القبض، فالمورد داخل تحت القاعدة الأُولى ، والتلف على البائع; وبما أنّ التلف وقع في زمان خيار البائع ولزوم البيع على المشتري، فالمورد داخل تحت القاعدة الثانية والتلف ممّن لا خيار له أي المشتري.

2. إذا كان المبيع حيواناً وقد أسقط المشتري خيار الحيوان، وكان


1 . أي القاعدة الّتي تمثّلها هذه الرسالة مع القاعدة الّتي تمثلّها الرسالة السابقة.


صفحه302

للبائع شرط الخيار أو خيار تأخير الثمن أزيد من ثلاثة ، فتلف قبل القبض، فبما أنّ التلف قبل القبض، فالمورد داخل في القاعدة الأُولى والتلف على البائع، وبما أنّ التلف وقع وللبائع خيار دون المشتري، فالمورد داخل في القاعدة الثانية والضمان على المشتري.

الجواب: أمّا المثال الأوّل فقد عرفت أنّ القاعدة مختصّة بالحيوان فإذا كان المبيع غير الحيوان فهو خارج عن مصبّ القاعدة.

وأمّا المثال الثاني، فنحن وإن عمّمنا الخيار الوارد في الرواية، لشرط الخيار، لكن بشرط أن يكون ذو الخيار هو المشتري، والمفروض أنّ شرط الخيار في المثال للبائع.

وحصيلة الكلام: أن المثال الأوّل أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، فإنّ موضوع القاعدة هو الحيوان. وأمّا المثال الثاني فالمبيع وإن كان حيواناً لكن الخيار للبائع، مع أن القدر المتيقّن من الرواية كون الخيار للمشتري لقوله (عليه السلام) : «وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع» فذيل الحديث: «قبل أن يمضي الشرط» دليل على اختصاص شرط الخيار الوارد في قوله: «شرط أيّاماً» للمشتري لا للبائع.

ثمّ إن السيد الفقيه الطباطبائي نقل عن المحقّق الأردبيلي مورد التعارض، وهو ما إذا كان خيار الشرط للبائع فقط، وتلف في يد البائع قبل القبض، وقال في حلّ التعارض ما هذا لفظه:

والأقوى ترجيح قاعدة التلف قبل القبض، وذلك لقوة دليلها على


صفحه303

دليل هذه القاعدة من حيث تعميمها لمثل هذه الصورة ، وذلك لأنّ المدرك لها (القاعدة الثانية) إن كان هو قاعدة «كون التلف من المالك» حيث إنّ المبيع في خيار التأخير للمشتري(1) والخيار مختص بالبائع، فكون التلف على المشتري بمقتضى قاعدة الملكية، وكذا كون التلف في خيار الشرط ] للبائع [ في الصورة الّتي فرضناها، على المشتري من جهة أنّه مالك، فلا شك أنّ قاعدة التلف قبل القبض أخصّ من قاعدة كون الضمان على المالك ومقدّمة عليها.

وإن كان المدرك لها الأخبار الخاصة المتقدّمة فموردها ضمان البائع للمبيع لا المشتري له، فلا يستفاد منها هذا العموم إلاّ من جهة فهم المناط من قوله (عليه السلام): «ويصير المبيع للمشتري» وأنّ المناط في عدم الضمان هو التزلزل، فيعم ما إذا كان البيع متزلزلاً من جانب البائع إمّا لخيار تأخير الثمن، أو شرط الخيار ، ومن المعلوم أنّ قاعدة التلف قبل القبض المستفادة من النص الخاص وهي رواية عقبة بن خالد أقوى من ظهور هذه الفقرة في التعميم على فرض تسليمه، فلا ينبغي التأمّل في تقديمها.(2)

وملخّص كلامه: أنّ السبب لجعل المشتري ضامناً في هذه الموارد أحد وجهين:

1. بما أنّ المشتري مالك للمبيع فيكون التلف عليه .

يلاحظ عليه: أنّ القاعدة الأُولى أخصّ من ضمان المالك، فالمالك


1 . أي ملك للمشتري.

2 . تعليقة السيد الطباطبائي: 169، قسم الخيارات.


صفحه304

ضامن إلاّ إذا كان التلف قبل القبض .

2. الاعتماد على الأخبار الخاصة الّتي مضت في صدر الرسالة.

يلاحظ أنّ موردها ضمان البائع وكونه ذا خيار لا المشتري فلا يستفاد منه العموم. اللّهم إلاّ من جهة فهم المناط من قوله: «ويصير المبيع للمشتري» وأنّ المناط في عدم تحمّل الخسارة كون الشخص ذا خيار، فيعم البائع إذا كان ذا خيار.

يلاحظ عليه: أنّ القاعدة الأُولى أقوى ظهوراً من هذه الفقرة الّتي صارت أساساً لفهم المناط وتعميم الحكم للبائع.

***


صفحه305

الرسالة الثالثة عشرة بعد المائة

في الاحتكار


صفحه306


صفحه307

تحقيق الموضوع بعامة جوانبه رهن البحث في أُمور، حسبَ ما ذكره الشيخ الأنصاري:

1. الاحتكار لغة واصطلاحاً.

2. هل الاحتكار يختصّ بالطعام أو يعمّ غيره؟

3. حكم الاحتكار .

4. مدة الاحتكار في الخصب والقحط.

5. هل يختص الاحتكار بتحصيل الطعام بالاشتراء، أو يعم غيره كالزرع والحصاد والإحراز؟

6. أقسام حبس الطعام حسب الغاية.

7. إجبار المحتكر على البيع.

8. التسعير.

هذه هي رؤوس الأُمور الّتي طرحها الشيخ في المقام، ونحن نسير على منهجه.


صفحه308

الأوّل: الاحتكار لغة واصطلاحاً

قال الجوهري في «الصحاح»: احتكار الطعام: جَمْعُه وحَبْسُه، يتربّص به الغلاء، وهو الحُكْرة بالضم.

وقال ابن الأثير في «النهاية»: «مَن احتكر طعاماً فهو كذا» أي اشتراه وحبسه ليقلّ فيغلو، والحُكر والحُكرة الاسم منه.

وقال ابن منظور في «لسان العرب»: الحكر ادّخار الطعام للتربّص، وصاحبه محتكر. ]وعن[ ابن سيدة: الاحتكار جمع الطعام ونحوه ممّا يؤكل واحتباسه، انتظار وقت الغلاء به .(1)

والظاهر أنّ ما هو المفهوم منه في اللغة هو نفس المصطلح عند الفقهاء، وليس عندهم اصطلاح خاص، إلاّ في بعض القيود.

الثاني: هل يختص الاحتكار بالطعام أو يعمّ غيره؟

إنّ الروايات الواردة على طائفتين:

الأُولى: ما يظهر منها الحصر في أُمور خاصّة يعبّر عنها بالطعام، وهي: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسمن، وربّما أُضيف إليها الملح. وإليك ما ورد في المقام من الروايات:

1. روى الكليني عن غياث، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ليس الحكرة إلاّ في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن». وليس فيه ذكر عن الزيت .


1 . انظر الصحاح والنهاية ولسان العرب: مادة «حكر».


صفحه309

ورواه الصدوق إلاّ أنّه قال: والزبيب والسمن والزيت (1).

وغياث بن إبراهيم وإن كان غير إمامي لكن وثّقه النجاشي وقال: غياث بن إبراهيم التميمي الأسدي، بصري سكن الكوفة، ثقة.(2) له قرابة مائة وإحدى وثمانين رواية عن أبي عبدالله (عليه السلام).

2. روى الصدوق في «الخصال» بسنده عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن آبائه(عليهم السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «الحُكرة في ستة أشياء، في: الحنطة، والشعير، والتمر، والزيت، والسمن، والزبيب» .(3)

وسند الرواية قوي، وأمّا حمزة بن محمد العلوي فهو من مشايخ الصدوق يروي عنه ويترضّى عليه.

3. ما رواه عبدالله بن جعفر الحميري في «قرب الاسناد» بسنده عن أبي البختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام): «أنّ علياً (عليه السلام)كان ينهى عن الحكرة في الأمصار فقال: ليس الحكرة إلاّ في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن» .(4) والرواية ضعيفة بأبي البختري فقد وصف بالكذب.

وقد ترك فيها ذكر الزيت .

4. روي في «دعائم الإسلام» عن علي (عليه السلام): «ليس الحكرة إلاّ في الحنطة والشعير والزبيب والزيت والتمر»(5). وقد ترك فيها ذكر السمن.


1 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 4.

2 . رجال النجاشي برقم 831.

3 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 10 .

4 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 7.

5 . مستدرك الوسائل: 2، الباب 21 من أبواب آداب التجارة، الحديث 5.


صفحه310

5. ونقل أيضاً عن طب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: الاحتكار في عشرة والمحتكر ملعون ; البُر، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة، والسمن، والعسل، والجبن، والجوز، والزيت. (1) وقد جاء فيها مالم يأت فيما تقدم.

وهذه الروايات تخصّ الاحتكار بهذه الأُمور.

الثانية: ما ليست ظاهرة في الحصر ولكنّها اتخذت الطعام موضوعاً لبيان أحكام الاحتكار، نظير:

6. ما رواه الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سئل عن الحُكرة؟ قال: «الحُكرة أن تشتري طعاماً وليس في المصر غيره فتحتكره. فإن كان في المصر طعام أو متاع غيره فلا بأس أن تلتمس بسلعتك الفضل» (2).

نعم عطف «أو متاع» أو قوله: «بسلعتك» ربما يضعف الاستدلال على الحصر بالطعام، فلاحظ.

7. ما رواه الحلبي أيضاً عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام ويتربّص به هل يصلح ذلك؟ قال: «إن كان الطعام كثيراً يسع الناس فلا بأس به، وإن كان الطعام قليلاً لا يسع الناس فإنّه يُكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام» .(3)

8. ما رواه أبو مريم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما رجل اشترى طعاماً فكبسه أربعين صباحاً يريد به غلاء المسلمين، ثم باعه


1 . مستدرك الوسائل: 2، الباب 21 من أبواب آداب التجارة، الحديث 8 .

2 . الوسائل: ج 12، الباب 28 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2 .


صفحه311

فتصدّق بثمنه لم يكن كفّارة لما صنع» .(1)

إلى غير ذلك من الروايات الّتي ليست ظاهرة في حصر الاحتكار في الطعام ولكنّها اتّخذت الطعام موضوعاً للبحث، فربّما تكون مشيرة إلى أنّ أحكام الاحتكار تدور مدار الطعام.

هذا ما يمكن الاستدلال به على الحصر، وبه قال العلاّمة في التذكرة، قال: وتحريم الاحتكار مختص بالأقوات، ومنها التمر والزبيب ولا يعم جميع الأطعمة. قاله الشافعي. (2) وقال في الجواهر: إنّه المشهور فيما بينهم بل عن جماعة الإجماع عليه.(3) ولكن يمكن توجيهها بوجهين :

الأوّل: أنّ اختلاف الروايات في عد الأُمور المحصورة ـ حيث إنّ بعضها يشتمل على الزيت دون البعض الآخر(4)، كما أنّ بعضها خال عن ذكر السمن(5) ـ يورث الظن بأنّ المتكلّم كان بصدد بيان ما كانت الحاجة ماسّة إليه في تلك العصور، وأمّا الأُمور الخارجة عن إطارها فهي بينما كانت متوفرة طوال السنين أو لم تكن أمراً ضرورياً حتّى تكون مطمحاً لاحتكار المحتكرين .

وبعبارة أُخرى: كانت الحياة يوم صدور الروايات بسيطة وكانت النفوس قانعة بها، ولم تكن يوم ذاك مشكلة باسم الدواء والملبس


1 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 6.وأبو مريم هو عبد الغفّار بن القاسم الثقة، وكلّما أُطلق في الروايات، يحمل عليه، وله بهذا العنوان 94رواية، وبعنوان أبي مريم الأنصاري 40 رواية في الكتب الأربعة.

2 . تذكرة الفقهاء: 12 / 167.                           3 . الجواهر:22/481.

4 . كما في الرواية الأُولى.   5 . كما في رواية دعائم الإسلام.


صفحه312

والمسكن وما يضاهيها، ولذلك جاء الحصر في الأُمور المذكورة.

وغير خفي على العاقل النابه أنّ حاجة الإنسان إلى غير الطعام في عصورنا ليست بأقل من حاجته إلى الطعام بأقسامه المذكورة في الروايات، ولذلك لا يمكن القول بأنّ الروايات وردت على وزان القضايا الحقيقية الّتي تشمل الأجيال الآتية الّتي تغيّر فيها وجه الحياة وكثرت حاجات الإنسان .

وقد تنبّه إلى ذلك الفقيه التقي الشيخ مرتضى الحائري (قدس سره)فقال بعد ما استدل على عدم الحصر بنفي الضرر والحرج وعموم النهي عن الاحتكار مثل قوله: «المحتكر ملعون» وما في ذيل الحلبي: «ويترك الناس بلا طعام»، قال: لا يعارض ذلك كلّه ما تقدّم من الموثّق وغيره، الحاكم بعدم الحُكرة إلاّ في أُمور مخصـوصة منطـوقاً ومفهـوماً، لأنّه إمّا محمول على القضية الخارجية لا الحقيقية المعتبرة في كل زمان ومكان، وذلك بالمناسبة بين الحكم والموضوع المغروسة في الأذهان، ويؤيده الاختلاف الموجود بين الأخبار في دخول الزيت وعدمه .

وإمّا محمول على ما يحكم به الحاكم في كل زمان، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد رأى مصلحة المسلمين في زمانه أن يجعل الحكرة في الزيت أيضاً(كما في رواية الخصال)، وعلي (عليه السلام)قد رأى(1) عدم الحاجة إلى الزيت قال:«إنّه ليس من الحكرة إلاّ في...».(2)


1 . كما في رواية قرب الاسناد.

2 . ابتغاء الفضيلة: 1 / 196، والكتاب شرح لكتاب «وسيلة النجاة» للسيد الفقيه الاصفهاني (قدس سره)، ثمّ إنّ الشارح كان أُسوة للأخلاق والفضائل، راغباً عن الدنيا وزبرجها قانعاً بالحياة البسيطة، طيّب الله رمسه وقدّس الله سرّه.


صفحه313

إنّ قوله: وإمّا محمول على ما يحكم به الحاكم، إشارة إلى طريق آخر ربّما يقول به كل من يَحصر الاحتكار بالأُمور المذكورة، فلنفرض أنّه شاع مرض في بلد ومسّت الحاجة إلى التداوي بدواء خاصّ وإلاّ لعم البلاء والدمار أكثر الناس، ففي هذه الظروف للحاكم الشرعي إجبار المحتكر على بيع الدواء لحماية الوضع الصحّي وحفظ الحياة .

وبذلك يظهر أنّ النزاع في الاختصاص وعدمه قليل الجدوى، فإنّ القائل بالانحصار يقول بتعميم حكم الاحتكار بحكم الحاكم الشرعي إلى كلّ أمر ضروري في حياة الإنسان .

الثاني: أنّ في نفس الروايات ما يشير إلى ملاك الحكم ففي صحيح الحلبي: «فإنّه يكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام»، فإنّ في هذا التعليل إشارة إلى ملاك الحكم وهو وجود الضيق في عيش الناس باحتكار المحتكر. فلو صار احتكار الدواء والأواني سبباً للضيق، فالشارع لا يرضى أن يترك الناس وهم يفقدون ضروريات الحياة، ولذلك ألحق الشيخ (1) وابن حمزة (2) والعلاّمة (3) والشهيدان((4)) الملحَ بالمنصوص.

وقال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «المحتكر آثم، عاص».

وقال: «كل حكرة تضرّ بالناس وتغلي السعر عليهم فلا خير فيها».(5)

ولعلّ في قوله (عليه السلام):«كل حكرة تضر» إشارة إلى الميزان وهو الإضرار


1 . المبسوط: 2 / 195.   2 . الوسيلة: 260 .   3 . تذكرة الفقهاء: 12 / 166.

4 . الدروس: 3 / 209، ط. مجمع البحوث الإسلامية ; مسالك الأفهام: 3 / 192 .

5 . مستدرك الوسائل: ج 13، الباب21 من أبواب التجارة، الحديث4 و5.


صفحه314

بالناس وإن لم يكن من الطعام وأشباهه.

كيف وأحكام الشرع تابعة للمصالح والمفاسد في حياة الإنسان الدنيوية والأُخروية. هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ أحكام الشريعة الإسلامية أحكام أبدية شُرّعت لإدارة المجتمع عبر القرون إلى قيام يوم القيامة، فهل يمكن تجويز احتكار المحتكر ما تمسّ الحاجة إليه إذا كانت خارجة عن الأُمور المذكورة؟ إذ معنى ذلك أنّ أحكام الإسلام تابعة لملاكات غيبية لا يقف عليها حتّى الأوحدي من الناس، ولو صحّ ذلك في الأُمور العبادية ـ كما هو كذلك ـ ولكنّه غير صحيح في المعاملات والمسائل العرفية.

وقد أشار إلى بعض ما ذكرنا صاحب الجواهر في كلامه، لكنّه مع القول بكراهة الاحتكار، ذهب إلى حرمته بقصد الإضرار أو حصول الغلاء، وبذلك صار النزاع قليل الجدوى، وإليك كلامه:

بل هو كذلك في كل حبس لكل ما تحتاجه النفوس المحترمة ويضطرّون إليه ولامندوحة لهم عنه من مأكول أو مشروب أو ملبوس أو غيرها، من غير تقييد بزمان دون زمان، ولا أعيان دون أعيان، ولا انتقال بعقد، ولا تحديد بحدّ، بعد فرض حصول الاضطرار. بل الظاهر تسعيره حينئذ بما يكون مقدوراً للطالبين إذا تجاوز الحدّ في الثمن. بل لا يبعد حرمة قصد الاضطرار بحصول الغلاء ولو مع عدم حاجة الناس ووفور الأشياء. بل قد يقال بالتحريم بمجرد قصد الغلاء وحُبّه وإن لم يقصد الإضرار. ويمكن تنزيل القول بالتحريم على بعض ذلك.(1)


1 . الجواهر: 22 / 481 .


صفحه315

وقال أيضاً :

ولو اعتاد الناس طعاماً في أيام القحط مبتدعاً جرى فيه الحكم لو بُني فيه على العلة. وفي الأخبار ما ينادي بأنّ المدار على الاحتياج، وهو مؤيد للتنزيل على المثال، وإن كان فيه ما لا يخفى(1).

نرى أنّ الزيت ممّا عدّ من الأُمور المحصورة، ومثله الزبيب مع أنّ حاجة الناس إلى اللحم والذرة والدواء ليست بأقل من حاجتهم إليهما، أفيصح القول بأنّه لا يجوز احتكار الزيت والزبيب ولكن يجوز احتكار الدواء والذرة واللحم وغير ذلك، أو احتكار الرز الّذي هو الطعام الغالب في بعض البلاد؟!

ولذلك لم يستبعد فقيه الطائفة السيد أبوالحسن الإصفهاني التعميم وقال: الاحتكار وهو حبس الطعام يتربّص به الغلاء، حرام مع ضرورة المسلمين وحاجتهم وعدم وجود مَن يبذلهم قدر كفايتهم ـ إلى أن قال: ـ وإنّما يتحقّق الاحتكار بحبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والدهن والملح على الأحوط لو لم يكن أقوى، بل لا يبعد تحقّقه في كل ما يحتاج إليه عامة أهالي البلد من الأطعمة كالأرز والذرة بالنسبة إلى بعض البلاد.(2)

وهناك وجه آخر لحصر الاحتكار في الأُمور المذكورة احتمله بعض المعاصرين، وهو أنّ فتوى المالكية وأبي يوسف من الحنفية على التعميم، لم تكن فتوى قد حدثت يومذاك، بل كانت لها جذور قبلها، ومن المحتمل أنّ الحكام الظلمة ربّما كانوا يتّخذون هذه الفتوى ذريعة للظلم ومصادرة


1 . الجواهر: 22 / 483 .   2 . وسيلة النجاة: 2 / 10 ـ 11 .


صفحه316

الأموال وبيعها حسب ما شاءوا، ولأجل أن يقف أئمة أهل البيت(عليهم السلام)بوجه هذا الظلم حصروا الاحتكار بالأُمور المذكورة في الروايات، وربّما استندوا إلى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أوّلاً أو إلى فعل علي (عليه السلام)ثانياً.

ففي رواية السكوني عن جعفر بن محمد(عليهما السلام)، عن آبائه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «الحكرة في ستة أشياء : في الحنطة، والشعير، والتمر، والزيت، والسمن، والزبيب».(1)

وفي رواية أبي البختري عن جعفر بن محمد، عن آبائه(عليهم السلام): «إنّ علياً (عليه السلام)كان ينهى عن الحكرة في الأمصار. فقال: ليس الحكرة إلاّ في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن» .(2)

وعلى ضوء ما ذكرنا فالأقوى هو التعميم .

الثالث: حكم الاحتكار تحريماً وكراهة

هل الاحتكار حرام أو مكروه؟

اختلفت كلمات أصحابنا في حكم الاحتكار فمن قائل بالتحريم، كالصدوق (3) ، وابن إدريس (4) ، والقاضي (5) ، والعلاّمة (6) ، وفخر المحقّقين (7) ، والشهيد (8) ، والمحقّق الثاني (9) ، والشهيد الثاني (10).


1 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 10.

2 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 7 .

3 . المقنع:372.      4.السرائر:2/118.      5. المهذب:1/346.   6. التذكرة:12/165.

7. الإيضاح: 2 / 409.   8 . الدروس: 3 / 180 .   9 . جامع المقاصد: 4 / 40.

10 . الروضة البهية: 3 / 218.


صفحه317

إلى آخر قائل بالكراهة، كالشيخ (1)، والمفيد (2)، والحلبي (3)، والمحقّق(2)، والعلاّمة (5).

هذا ما لدى أصحابنا وأمّا فقهاء السنة فقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: اختلفت عبارات الفقهاء في التعبير عن هذا الحظر، وجمهور الفقهاء صرّحوا بالحرمة مستدلّين بقوله تعالى: (وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَاد بِظُلْم)(6) فقد فهم منها صاحب «الاختيار» أنّه أصل في إفادة التحريم، وقد روي عن يعلى بن أُمية أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه»، واستدل الكاساني على ذلك بحديث: «المحتكر ملعون»... إلى أن قال: لكن أكثر فقهاء الحنفية وبعض الشافعية عبّروا عنه بالكراهة إذا كان يضر بالناس. وتصريح الحنفية بالكراهة على سبيل الإطلاق، ينصرف إلى الكراهة التحريمية.(7)

ويظهر من هذه الكلمات أنّ المسألة مورد اختلاف.

استدلّ القائل بالكراهة ـ مضافاً إلى قاعدة تسلّط الناس على أموالهم ـ بصحيحة الحلبي حيث جاء فيها: «إن كان الطعام كثيراً يسع الناس، فلا بأس به، وإن كان الطعام قليلاً لا يسع الناس فإنّه يُكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام» (8) .

وأجاب عنه الشيخ بأنّ المراد من «لا بأس» في الشرطية الأُولى نفي


1 . المبسوط: 2 / 195 .   2 . المقنعة: 616 .   3 . الكافي في الفقه: 283 .

4 . شرائع الإسلام: 2 / 21 .   5 . مختلف الشيعة: 5 / 38 .   6 . الحج: 25 .

7 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 2 / 90 ـ 91 .

8 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2.


صفحه318

التحريم لا الكراهة، لأنّ الكراهة ثابتة في هذه الصورة أيضاً، فيكون المراد من الشرطية الثانية هو التحريم.

أضف إلى ذلك: أنّ الكراهة في كلامهم تستعمل في الحرمة أيضاً، قال سبحانه: (وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيَانَ )(1).

وقوله سبحانه بعد ذكر قسم من المحرّمات كالزنا وقتل الأولاد وأكل مال اليتيم: (كُلُّ ذَلِك كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّك مَكْرُوهًا )(2).

ويدلّ على التحريم لسان أكثر الروايات منها:

1. رواية أبي مريم الأنصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما رجل اشترى طعاماً فحبسه أربعين صباحاً يريد به الغلاء للمسلمين، ثم باعه وتصدّق بثمنه لم تكن كفّارةً لما صنع»(3).

2. ما رواه السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «الحكرة في الخصب أربعون يوماً، وفي الشدة والبلاء ثلاثة أيام، فما زاد على الأربعين يوماً في الخصب فصاحبه ملعون، وما زاد على ثلاثة أيام في العُسرة فصاحبه ملعون» (4).

ولعلّ التحديد بالثلاثة، والأربعين. من خصائص عصر الإمام(عليه السلام)حيث كانت الوسائل بطيئة وربما يتضرر الناس إذا زاد الاحتكار على الحدّين، كما سيوافيك عن الشهيد فانتظر.


1 . الحجرات: 7 .   2 . الإسراء: 38 .

3 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 6 .

4 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1 .


صفحه319

3. ما أرسله الشيخ ورّام عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن جبرئيل (عليه السلام): «اطلعت على النار فرأيت في جهنم وادياً فقلت: يا مالك لمن هذا؟ قال: لثلاثة; المحتكرين، والمدمنين للخمر، والقوّادين» (1).

وأنت إذا تتبعت لسان الروايات في الاحتكار في كتب الفريقين تذعن بأنّ الاحتكار ـ بمعنى جعل الناس في الضيق والشدة لأجل ارتفاع الثمن ـ لا يمكن أن يكون جائزاً، فمثلاً إذا كان الناس يتضوّرون جوعاً، فهل يجوز للمحتكر إقفال مخزنه انتظاراً للفضل؟!

أضف إلى ذلك: أنّ تجويز إجبار المحتكر على البيع لا يناسب الكراهة المصطلحة.

وبذلك يظهر أنّ ما أفاده صاحب الجواهر في تحديد موضوع الحكم بأنّه فيما إذا لم يحدث ضيقاً، لأجل تأييد القول بالكراهة كأنّه ليس في محله، قال: وموضوع البحث حبس الطعام انتظاراً لعلو السعر، على حسب غيره من أجناس التجارة لا مع قصد الإضرار بالمسلمين، ولو بشراء جميع الطعام فيسعره عليهم بما يشاء، أو لأجل صيرورة الغلاء بالناس بسبب ما يفعله، أو لإطباق المعظم على الاحتكار على وجه يحصل الغلاء، والإضرار على وجه ينافي سياسة الناس، ولذا أمر أمير المؤمنين (عليه السلام)الأشتر بما سمعت(2)، أو لغير ذلك من المقاصد الّتي لا مدخلية لها فيما نحن فيه ممّا هو معلوم الحرمة لأمر خارجي .(3)


1 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 11 .

2 . في كتاب علي (عليه السلام)إلى مالك الأشتر: «فامنع من الاحتكار، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)منع منه». نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 53 .

3 . الجواهر: 22 / 481 .


صفحه320

أقول: الظاهر أنّ ما ذكره من أنّ المراد هو ما لم يحدث ضيقاً على الناس، خارج عن محط البحث بل محلّه ما أوجب ضيقاً، وبالتالي إضراراً على الناس، كما هو الظاهر في الروايات السابقة كصحيحة الحلبي الماضية، وهذا هو الّذي أفتى فيه بالحرمة فيكون هو من القائلين بها ولو بعنوان آخر، فقد عرفت فيما سبق في تعريف الاحتكار دخول الضيق في مفهومه.

الرابع: حدّ الاحتكار زماناً

هل للاحتكار حدٌ من حيث الزمان؟

يظهر من بعض الروايات أنّ للاحتكار حدّاً زمانيّاً وهو ثلاثة أيام في الغلاء; وأربعون يوماً في الخصب.

قال الشيخ: وحدّ الاحتكار في الغلاء وقلّة الأطعمة ثلاثة أيّام، وفي الرخص وحال السعة أربعون يوماً،(1) ووافقه ابن حمزة (2)، والشهيد (3)، وذهب المفيد إلى تحديده بـ «حاجة الناس» (4).

ويؤيد القول الأوّل ما رواه السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام):«إنّ الحكرة في الخصب أربعون يوماً وفي الغلاء والشدّة ثلاثة أيام، فما زاد على الأربعين يوماً في الخصب فصاحبه ملعون، وما زاد في العسرة على ثلاثة أيام فصاحبه ملعون».(5)

والظاهر أنّ الرواية محمولة على الظروف السائدة آنذاك، قال الشهيد


1 . النهاية: 374 .      2 . الوسيلة: 260 .      3 . الدروس: 3 / 180 .   4. المقنعة: 616 .

5 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1 .


صفحه321

في الروضة: ولا يتقيّد بثلاثة أيام في الغلاء وبأربعين في الرخص، وما روي من التحديد بذلك محمول على حصول الحاجة في ذلك الوقت لأنّه مظنتها.(1)

الخامس: حصر الاحتكار في الشراء

هل يشترط في الاحتكار اشتراء ما احتكره، فلو ورث شيئاً، أو ادّخر من غلّته شيئاً لم يكن محتكراً؟ أو أنّه لا يختص الاحتكار بصورة الاشتراء؟

ظاهر صحيحة الحلبي هو الأوّل، فقد روى عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سئل عن الحكرة؟ قال: «إنّما الحكرة أن تشتري طعاماً وليس في المصر طعام أو متاع غيره، فلا بأس أن تلتمس بسلعتك الفضل» .(2)

ولكن الظاهر هو التعميم، لوجوه:

الأوّل: أنّ هذا القيد جاء في إحدى الصحيحتين، دون الصحيحة الأُخرى (3).

الثاني: أنّ قوله (عليه السلام): «فإن كان في المصر طعام» فهو يفسر الحصر، في قوله: «إنّما الحكرة أن تشتري طعاماً»، فيكون الميزان هو وجود الطعام في المصر وعدمه، سواء كان مستنداً إلى الشراء أو إلى غيره.

الثالث: الأخذ بالملاك والمناط الّذي استفدناه من الروايات السابقة.


1 . الروضة البهية: 3 / 299 .

2 . الوسائل: ج 12، الباب 28 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 12، الباب 27 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2 .


صفحه322

وإلى هذا الوجه يشير الشيخ بقوله: ويؤيّد التعميم تعليل الحكم في بعض الأخبار بـ «أن يترك الناس ليس لهم طعام» وعليه لا فرق بين أن يكون ذلك من زرع أو من ميراث، أو يكون موهوباً له أو كان قد اشتراه لحاجة فانقضت الحاجة وبقي الطعام لا يحتاج إليه المالك وحبسه متربصاً للغلاء.(1)

نعم ورد الاشتراء في رواية أبي مريم، والقيد وارد مورد الغالب، لأنّ الاحتكار يعدّ من عمل التجّار، وهؤلاء يحصلون على الطعام من طريق الاشتراء غالباً، وليس لهم عمل سوى الشراء والبيع، لا الزراعة والفلاحة.(2)

السادس: الغاية من الاستبقاء

ذكر الشيخ (قدس سره)أقساماً لحبس الطعام والغايات المختلفة منه، ثم ترك بيان أحكامه، من الحرمة والكراهة والإباحة للقارئ، ولكن الظاهر أنّ الشرط للاحتكار هو الحبس لطلب الفضل، وعلى ذلك تشهد كلمات الأصحاب والروايات.

قال المحقّق: بشرط أن يستبقيها للزيادة في الثمن (3).

وجاء في القواعد: بشرطين الاستبقاء للزيادة، وتعذر غيره (4) .

يقول صاحب الجواهر: لا إشكال نصاً وفتوى، بل ولا خلاف كذلك


1 . المتاجر: 217 .

2 . الوسائل: ج 12، الباب27 من أبواب تحريم الاحتكار، الحديث6.

3 . شرائع الإسلام: 2 / 21 .

4 . القواعد:2/11، ط. مؤسسة النشر الإسلامي.


صفحه323

في أنّ الاحتكار يكره أو يحرم «بشرط أن يستبقيها للزيادة في الثمن» فلو استبقاها لحاجة إليها للبذر أو نحوه، لم يكن به بأس، بل الظاهر عدم كونه احتكاراً كما دلّ عليه النص والفتوى .(1)

وتؤيده الرواية، ففي صحيحة الحلبي: «فلا بأس أن تلتمس بسلعتك الفضل».(2)

وروى الحاكم في مستدركه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «من احتكر يريد أن يتغالى بها على المسلمين فهو خاطئ».(3)

السابع: إجبار المحتكر على البيع

إذا ثبت أنّ الرجل محتكر والناس في ضيق وشدة، يأمره الحاكم بالبيع إذا لم يقم بوظيفته قبل حكمه، وهذا هو المُسلَّم بين الفقهاء.

قال المفيد: وللسلطان أن يكره المحتكر على إخراج غلّته وبيعها في أسواق المسلمين إذا كانت للناس حاجة ظاهرة إليها.(4)

وقال الشيخ: ومتى ضاق على الناس الطعام ولم يوجد إلاّ عند من احتكره كان على السلطان أن يجبره على بيعه ويكرهه عليه .(5)

إلى غير ذلك من الكلمات.

قال الشيخ الأعظم: الظاهر عدم الخلاف ـ كما قيل ـ في إجبار المحتكر


1 . الجواهر: 22 / 483 .

2 . الوسائل: ج 12، الباب 28 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1 .

3 . مستدرك الحاكم: 2 / 12، كتاب البيوع.

4 . المقنعة: 96 .   5 . النهاية: 374 .


صفحه324

على البيع حتّى على القول بالكراهة، بل عن المهذب البارع الإجماع، وعن التنقيح كما في الحدائق عدم الخلاف فيه. وهو الدليل المخرج عن قاعدة عدم الإجبار لغير الواجب، ولذا ذكرنا أنّ ظاهر أدلّة الإجبار تدلّ على التحريم، لأنّ إلزام غير اللازم خلاف القاعدة .(1)

الثامن: في جواز التسعير وعدمه

اختلفت كلمات الفقهاء في التسعير، فمن قائل بعدم الجواز، كالشيخ في كتابيه (2)، إلى آخر قائل بالجواز كالمفيد في المقنعة (3)، وابن حمزة إذا تشدّد (4) .

والظاهر من الأخبار هو المنع.

روى الكليني عن حذيفة بن منصور، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «نفد الطعام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله قد نفد الطعام ولم يبق منه شيء إلاّ عند فلان، فمره ببيعه.

قال: فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: يا فلان إنّ المسلمين ذكروا أنّ الطعام قد نفد إلاّ شيء عندك فأخرجه وبعه كيف شئت ولا تحبسه» .(5)

والرواية تدلّ على إيجاب البيع عليه وأنّ السعر بيده حيث قال: «وبعه كيف شئت».


1 . المتاجر: 213 .

2 . النهاية: 374 ; المبسوط: 2 / 195 .

3 . المقنعة: 96 .   4 . الوسيلة: 260.

5 . الوسائل: ج 12، الباب 29 من أبواب آداب التجارة، الحديث 1 .


صفحه325

وقد عقد صاحب الوسائل باباً تحت عنوان: «إنّ المحتكر إذا أُلزم بالبيع لا يجوز أن يُسعّر عليه» ونقل فيه حوالي تسع روايات.(1)

غير أنّ المتيقّن من الروايات ما إذا باع بثمن غير مجحف، وأمّا إذا أراد أن يبيع بثمن مجحف ينتهي إلى حرمان أكثر الناس فيجبر بالبيع بالسعر غير المجحف .

يقول المحقّق: ولا يسعّر عليه، وقيل: يسعّر، والأوّل أظهر .(2)

قال صاحب المسالك في شرح العبارة: «الأظهر» أظهر إلاّ مع الإجحاف وإلاّ لانتفت فائدة الإجبار، إذ يجوز أن يطلب في ماله ما لا يقدر على بذله، أو يضر بحال الناس والغرض دفع الضرر.(3)

وحكى الشيخ الأنصاري عن جماعة منهم العلاّمة وولده والشهيد أنّه يُسعّر عليه بالثمن لنفي الضرر.

وعن الميسي والشهيد الثاني أنّه يؤمر بالنزول من دون تسعير، جمعاً بين النهي عن التسعير والجبر بنفي الإضرار .(4)

ولعلّ الأخير أظهر وإلاّ فيسعّر عليه .


1 . يلاحظ : الوسائل: ج 12، الباب30 من أبواب آداب التجارة.

2 . شرائع الإسلام:2/21.

3 . مسالك الأفهام: 3 / 193 .

4 . المتاجر: 213 .


صفحه326


صفحه327

 

الرسالة الرابعة عشرة بعد المائة

فيما لو دفع إنسان

إلى غيره مالاً ليقسمه


صفحه328


صفحه329

إذا دفع إنسان إلى غيره مالاً ليصرفه في قبيل، يكون المدفوع إليه (وهو المأمور) منهم، ولم يحصل للمدفوع إليه ولاية على ذلك المال، كما للإمام أو رد المظالم المدفوع إلى الحاكم.

أقول: الغاية من البحث هو كشف دلالة اللفظ على جواز الأخذ للمدفوع إليه، أو كشف رضاه بالأخذ وإن لم يكن اللفظ كاشفاً عنه، فلو ثبت أحد الأمرين فهو، وإلاّ فالأصل المنع لحرمة التصرّف في مال الغير إلاّ بإذن من المالك أو الشارع.

وقد اختلفت كلمة الأصحاب في جواز الأخذ وعدمه إلى أقوال:

1. يحرم مطلقاً.

2. يجوز بشرط عدم الزيادة على غيره.

3. التفصيل بين قوله: «ضعه فيهم» أو ما أدّى معناه، وقوله: «إدفعه إليهم» فيجوز في الأوّل دون الثاني.

4. التفصيل بين قوله: «هو للفقراء» وقوله: «أعطه للفقراء» فيجوز في الأوّل دون الثاني إذا علم فقره، وإن لم يعلم جاز .

وتحقيق الموضوع يتوقف على البحث في مقامين:


صفحه330

الأوّل: مقتضى القاعدة.

الثاني: مقتضى الروايات الواردة في الموضوع.

فلنأخذ كل مقام بالدراسة على الترتيب.

المقام الأوّل: أعني مقتضى القاعدة، فللمسألة صور:

الأُولى: إذا دلّت القرينة على عدم جواز رضاه بالأخذ منه، كما لو عيّن له منه مقداراً قبل الدفع أو بعده، وهذا قرينة على أنّ سهمه من المال ما دفعه حالياً وليس له الأخذ وراء ذلك.

الصورة الثانية: إذا دلّت القرينة ـ حالية أو مقالية ـ على جواز أخذه منه مقداراً سواء أكان مساوياً لما يدفع إلى غيره أو ناقصاً أو أزيد، فلا إشكال في الجواز حينئذ.

نعم هناك إشكال آخر وهو أنّه إذا كان معتقد صاحب المال في حق المأمور مخالفاً لمعتقد نفسه، مثلاً: عيّن صاحب المال مقداراً للمجتهدين ومقداراً للمشتغلين واعتقد أنّ المأمور مشتغل لا مجتهد، ولكنّه في اعتقاده، مجتهد لا مشتغل، فهل المتّبع عقيدة صاحب المال أو عقيدة المأمور؟ وجهان مبنيان على أنّ عنوان الاجتهاد مثلاً أُخذ موضوعاً للحكم كأن يقول: إدفع إلى كل مجتهد كذا ومشتغل كذا، وخذ أنت ما يخصّك، فالمتّبع عقيدة المأمور، لأنّ الموضوع هو الواقع وعقيدة المأمور هي المطابقة للواقع حسب الفرض، دون عقيدة صاحب المال.

وأمّا إذا أُخذ العنوانان على وجه الداعي، بأن كان عنوان الصنف داعياً


صفحه331

إلى تعيين ذلك المقدار والموضوع هو الأفراد الخارجية، كان اعتقاد صاحب المال هو المتّبع، وذلك لأنّ الداعي إنّما يتفرّع على الاعتقاد لا على الواقع.

الصورة الثالثة: إذا لم تقم قرينة على أحد الأمرين فالمتّبع هو أصالة الحرمة في الأموال.

هذا هو مقتضى القاعدة. وأمّا ما هو مقتضى الروايات فهذا ما سيوافيك تالياً.

المقام الثاني: وهو دراسة الروايات الواردة في المقام :

احتجّ القائل بالتحريم بصحيحة ابن الحجّاج قال: سألته (عليه السلام)عن رجل أعطاه رجل مالاً ليقسّمه في محاويج أو في مساكين وهو محتاج، أيأخذ منه لنفسه ولا يُعلمه؟ قال: «لا يأخذ منه شيئاً حتّى يأذن له صاحبه ».(1)

والرواية مضمرة، ونقل الشيخ أنّ العلاّمة أسنده في التحرير إلى مولانا الصادق (عليه السلام)، ولو سلمت عن المعارض فالإضمار غير مضر لجلالة عبد الرحمن بن الحجاج عن الرجوع إلى غير الإمام (عليه السلام).

ثم إنّ القائل بالتحريم أيده أيضاً بأمرين:

أ. ظهور اللفظ في مغايرة المأمور بالدفع، للمدفوع إليهم.

ب. ما قاله الفقهاء في مَنْ وكّلته امرأة في أن يزوجها من شخص فزوجها من نفسه، أو وكّله شخصٌ في شراء شيء فأعطاه من عنده.


1 . الوسائل: ج 12، الباب 84 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3 .


صفحه332

هذا والرواية لا تخلو عن روايات معارضة:

1. صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج ـ نفسه ـ قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن الرجل يعطي الرجلّ الدراهم يُقسِّمها ويضعها في مواضعها، وهو ممّن تحلُّ له الصدقة. قال: «لا بأس أنْ يأخذ لنفسه كما يعطي غيره»، قال: «ولا يجوز له أن يأخذ إذا أمره أن يضعها في مواضع مسمّاة إلاّ بإذنه».(1)

التفريق بين الصدقات الشرعية والأموال الشخصية

ويمكن الجمع بين الروايتين مع كونهما منقولتين عن شخص واحد بحمل قوله:«لا بأس أن يأخذ لنفسه» على الصدقات الشرعية التي لا مدخلية لنظر الدافع في كيفية التقسيم، و حمل قوله: «ولا يجوز له أن يأخذ إذا أمره أن يضعها في مواضع مسماة إلاّ بإذنه» على الأموال الشخصية إذا تُصدّق بها، ومن المعلوم أنّ نظره متّبع في مورد التقسيم.

هذا وإنّ ابن الحجّاج لا يسأل الإمام عن موضوع واحد مرّتين، فهما رواية واحدة يفسر بعضها بعضاً، والظاهر أنّ الرواية الأُولى نُقلت بشكل ناقص.

ويؤيد كل ما ذكرنا أنّ ما دلّ على جواز الأخذ، وارد في الأموال النوعية نظير الروايتين التاليتين.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 40 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3 .


صفحه333

2. ما رواه الحسين بن عثمان، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)في رجل أُعطي مالاً يفرّقه في مَنْ يحلّ له، أله أنْ يأخذ منه شيئاً لنفسه وإن لم يسمّ له؟ قال: «يأخذ منه لنفسه مثل ما يُعطي غيره ».(1)

3. ما رواه سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الرجل يؤتى الزكاة فيقسّمها في أصحابه أيأخذ منها شيئاً؟ قال: «نعم» .(2)

وما ذكرناه من الجمع هو الظاهر من الروايات، وقد عرفت أنّ الروايتين: المانعة والمجوّزة هما رواية واحدة، فيصلح أن تكون الرواية المجوّزة قرينة على المراد من المانعة.

ثم إنّ الأصحاب ذكروا في المقام وجهين آخرين للجمع بين المجوّزة والمانعة نلمح إليهما:

الأوّل: الحمل على الكراهة

ذهـب المحقّـق الإصفهـاني إلى حمـل النهـي على الكراهـة، بأنّ قـوله (عليه السلام)في الرواية الأُولى: «لا يأخذ شيئاً حتّى يأذن له صاحبه» ظاهـر في عـدم الجواز .

وقوله: «لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يُعطي غيره» في الرواية الثانية صريح في الجواز، فمقتضى الجمع العرفي، حمل المانعة على الكراهة (3).


1 . الوسائل: ج 6، الباب 40 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 40 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1 .

3 . تعليقة المحقّق الإصفهاني: 3 / 417 .


صفحه334

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر من الجمع بعيد عن ظاهر الرواية المانعة حيث قال في الرواية الأُولى: «لا يأخذ منه شيئاً حتّى يأذن له صاحبه»، فهو ناظر إلى القاعدة المعروفة: «لا يحل مال امرئ إلاّ بطيب نفسه أو بإذنه».

الثاني: حمل المانعة على تعيين المواضع

إنّ الرواية المانعة ناظرة إلى ما إذا عيّن المالك مواضع خاصّة للتقسيم ، فعلى هذا، لا يجوز أن يأخذ المأمور لنفسه، إذ ليس هو من تلك المواضع، وأمّا المجوّزة، فتحمل على ما إذا لم يعيّن مواضع خاصّة.

يلاحظ على هذا الجمع، أنّه جمع بلا شاهد، فإنّ المراد من قوله في الرواية الأُولى: «ليقسّمه في محاويج أو في مساكين» من أقسام ما إذا لم يعيّن مواضع خاصّة مع أنّه منع من الأخذ، وقوله: «في محاويج أو مساكين» فإنّما هو للإشارة إلى المواضع العامّة، دون أن يخصّ شيئاً لفرد أو طائفة.

فالأولى، الجمع على النحو الّذي تقدم .

***


صفحه335

الرسالة الخامسة عشرة بعد المائة

حكم الشركات الهرمية


صفحه336


صفحه337

ظهر في السنيين الأخيرة في العالم عامّة وفي بلادنا خاصّة نوع من الشركات الهرمية استطاعت أن تجذب إليها عدداً من المشتركين والزبائن، ما هو الموقف الشرعي من هذه الشركات، وهل تصح المعاملة معها؟

الجواب

البحث عن هكذا نوع من الشركات وبيان الموقف الشرعي منها يتطلب أمرين:

الأوّل: بيان ماهية تلك الشركات وتوضيح حقيقتها.

الثاني: بيان الحكم الشرعي من هذه الشركات.

الأوّل: بيان ماهية الشركات الهرمية

من الصور الرائجة لتلك الشركات أن تشكّل شركة تحمل اسماً معيّناً ولنفترض «شركة الشمس» تشترط للاشتراك في عضويتها أن يملأ المشترك قسيمة اشتراك محددة السعر ولنفترض أنّه ألف دينار، ثم يدرج في نفس القسيمة أسماء خمسة أشخاص بصورة مرتبة، مثلاً:

1. زيد. 2. عمرو. 3. بكر. 4. عدي. 5. خالد.

شريطة أن يقترن اسم الشخص الأوّل مع رقم حسابه المصرفي.


صفحه338

ثم بعد شراء القسيمة لابدّ من القيام بثلاثة خطوات:

الأُولى: يضع «الألف دينار» في الحساب المصرفي للشخص الأوّل.

الثانية: يضع مبلغا آخر ولنفترض ألف دينار في حساب الشركة التي تدير هذه العملية.

الثالثة: ثم يرسل جميع وثائقه الرسمية عن طريق البريد إلى عنوان الشركة الّتي أصبح عضواً فيها.

ثم يبقى منتظراً لرد الشركة عليه.

بعد ذلك يأتي جواب الشركة يحمل إليه أربع أوراق (قسائم اشتراك) تحمل أسماء الأشخاص الخمسة الذين ذكرهم باستثناء الاسم الأوّل ولكن يحتل اسمه المرتبة الخامسة من التسلسل، وبطبيعة الحال أنّ الأسماء الأربعة الأُخرى سيتقدم كلّ منها مرتبة واحدة، يعني أنّ الثاني في القائمة السابقة يكون الأوّل وهكذا.

بعد وصول هذه الأوراق يسعى العضو لبيعها على من يرغب في الاشتراك، أي يبحث عن أربعة من الزبائن الجدد، فإذا تمكّن من ذلك حينئذ على كل واحد من هؤلاء الأربعة أن يقوم بنفس الخطوات الّتي قام بها هو سابقاً، يعني شراء كل قسيمة بألف دينار من العضو الأوّل (وحينئذ سوف يؤمن ما بذله العضو الأوّل من المال حين الاشتراك، بل قد يربح مقداراً من المال).

ثم يقوم كل واحد من هؤلاء الأربعة بوضع مبلغ من المال (ولنفرض


صفحه339

ألف دينار) في الحساب المصرفي للشخص الأوّل في القائمة ومثله في حساب الشركة المشرفة; ثم إرسال الوثائق عن طريق البريد إلى عنوان الشركة، وهذا يعني أنّ كل واحد من الأربعة قد أنفق ما يزيد عن ثلاثة آلاف دينار وعليهم الانتظار حتى يأتي جواب الشركة.

بعد ذلك يأتي جواب الشركة حاملاً لكلّ واحد منهم مرسولة فيها أربع قسائم اشتراك جديدة، في كل منها يحمل اسم العضو الثاني، التسلسل الخامس واسم العضو الأوّل التسلسل الرابع، وحينئذ على كل واحد من هؤلاء الأربعة الذين يقعون في عرض واحد بيعها على أربعة من الزبائن الجدد، وعلى المشتري الجديد دفع مبلغين آخرين بالإضافة إلى سعر القسيمة، المبلغ الأوّل يدفعه إلى صاحب التسلسل الأوّل في القائمة ومبلغ آخر يدفعه للشركة المشرفة على العملية، ثم يقوم بإرسال الوثائق إلى عنوان الشركة ويبقى منتظراً لرد الشركة عليه.

من هنا نرى أنّ عدد الزبائن الذين جذبوا بواسطة العضو الأوّل أربعة والذين جذبوا بواسطة الرديف الثاني ستة عشر عضواً.

ثم يجب على هؤلاء الستة عشر- بعد تحقّق عضويتهم في الشركة ـ القيام بنفس الخطوات السابقة يعني القيام بعد شراء قسيمة الاشتراك بقيمة ألف دينار بعملين: الأوّل: وضع ألف دينار في حساب الشخص صاحب التسلسل الأوّل في القسيمة، وألف دينار في حساب الشركة، ثم إرسال الوثائق إلى عنوان الشركة وانتظار الرد منها.

بعد ذلك يأتي الرد من الشركة حاملاً 64 قسيمة لكلّ واحد منهم أربعة


صفحه340

ليجلبوا للشركة 64 زبوناً (عضواً) جديداً، وعلى كل واحد من هؤلاء الأربعة والستين أن يقوم بعملين بالإضافة إلى شراء القسيمة ثم إرسال الوثائق إلى الشركة لينتظر الجواب، وبهذا يرتفع عدد الأعضاء من 64 إلى 256 عضواً.

فاذا تمكّن الأربعة والستون من بيع 256 قسيمة فحينئذ ترسل الشركة لكل واحد منهم أربع قسائم، وبالتبع تتكرر الخطوات السابقة نفسها من قبل الأعضاء الجدد فإذا تمكنوا من بيع الأربع قسائم الّتي أُرسلت لهم سوف يصل الرقم إلى (1024) حاصل ضرب 256 × 4 وفي النهاية: ينزل اسم العضو الأوّل ـ بالتدريج ـ من الرديف الخامس ويقع في الرديف الأوّل ويأخذ من كل واحد من الأعضاء المشتركين ألف دينار بلا عوض وتصير النتيجة تملك (1024000 دينار) حاصل ضرب 1000 دينار × 1024 عضواً من دون أن يخسر ديناراً واحداً، بل كل ما صرفه في بدء الأمر يُؤمّن من خلال بيع القسائم الأربعة الأُولى فقط، و بالنتيجة سوف يمتلك هذا الرقم الضخم.

وهكذا كلما تواصل الاشتراك يملك العضو الثاني المبلغ بعد العضو الأوّل، وهكذا سائر الأعضاء كالعضو الأوّل يملكون المال من دون أن يبذلوا شيئاً قبال ذلك.

هذه حقيقة وماهية تلك الشركات الّتي ملأ اسمها الدنيا، وما هي إلاّ حيلة يرمي من ورائها الطامعون والمحتالون واللاهثون وراء الثراء وتكديس المال، الهيمنة على أموال الشعوب الفقيرة. وبقطع النظر عن الأدلّة الشرعية المحرّمة لهذه الشركات، فإنّا سنكشف من خلال الأرقام الحسابية عن تلك الأرقام النجومية.


صفحه341

إنّما يمتلك العضو الأوّل المال إذا بلغ عدد الأعضاء المشتركين 1024، لكن الأعضاء الأربعة الذين يقعون في الرديف الثاني إنّما يملكون المال إذا بلغ عدد الأعضاء 4096 حاصل ضرب الرقم (1024) في (4)، وهكذا أعضاء الرديف الثالث الذين يقعون في مرتبة واحدة وعددهم (16 عضواً) إنّما يمكنهم تملّك المال إذا بلغ عدد الأعضاء المشتركين (16386) حاصل ضرب (4096) في الرقم (4)، وهكذا أعضاء الرديف الرابع (64 عضواً) يملكون المال إذا بلغ عدد الأعضاء 65536 حاصل ضرب السابق في (4)، أمّا أعضاء الرديف الخامس (256) فيملكون المال إذا بلغ عدد الأعضاء (262144) حاصل ضرب الرقم السابق في (4).

ولو رجعنا إلى حساب الاحتمالات هنا نرى أنّ احتمال حصولهم على المبلغ المذكور يقترب من الصفر إن لم يكن صفراً!! فكيف يمكن لهذه الشركة أن تؤمّن لجميع الأعضاء ذلك المبلغ والحال أنّ احتمال تحقّقه للعضو الأوّل بعيد جداً؟!

ولهذا وصفت هذه الشركات بالأُسطورة الّتي لا يمكنها أن تكسب ثقة الناس واطمئنانهم بصورة منطقية إلاّ إذا استطاعت أن تخدع الأعضاء الأوائل بالاشتراك فيها من دون إجراء أي عملية حسابية والركون إلى الوعود الكاذبة الّتي تؤملهم بها.

إلى هنا اتّضح لنا حقيقة ماهية الشركات الهرمية.

الثاني: بيان الحكم الشرعي من هذه الشركات

قد استدل على مشروعية هذه الشركات بما يلي:


صفحه342

1. العمل والانتاج هو أساس الاقتصاد الإسلامي

إنّ الاقتصاد الإسلامي يقوم على ركيزتي العمل والانتاج لا الحظ والنصيب; وقد روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «ملعون من ألقى كلّه على الناس».

والمستفاد من الأحاديث الإسلامية أنّ الإنتاج هو أساس الحياة الإسلامية، فعن أبي عمرو الشيباني قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام)وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ يعمل في حائط له والعرق يتصاب منه على ظهره فقلت: جعلت فداك أعطني أكفك. فقال: «إنّي أحب أن يتأذّى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة».

كذلك ورد في الأحاديث الإسلامية أنّ الزارعين هم كنوز الله في الأرض، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «الزارعون كنوز الله في أرضه».

وفي عهد الإمام أمير المؤمنين لمالك الأشتر (رضي الله عنه) ركّز الإمام على أهمية الصناع وأوصاه بهم قائلاً:

«فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ »(1).

وقد ذمّت الشريعة الإسلامية الغرّاء حالة التواكل والكسل وعدم استغلال الطاقات الّتي منحها الله تعالى للإنسان، نكتفي هنا برواية واحدة عن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) والّتي جاء فيها:

«إنّ الله ليبغض العبد النوّام، وإنّ الله ليبغض العبد الفارغ».


1 . نهج البلاغة، الكتاب رقم: 53 .


صفحه343

انطلاقاً من ذلك لو أنّ هذا النوع من الشركات شاع في وسط المجتمع الإسلامي لتحوّل المجتمع إلى مجموعة من الأفراد البطّالين الذين لا يعتمدون إلاّ على الحظ والنصيب واللعب ولتعطّلت جميع النشاطات الاقتصادية كالزراعة والصناعة وتجمّدت حالات الإبداع والابتكارات العلمية.

ومع هذا المحذور كيف يمكن التوفيق بين هكذا اقتصاد والاقتصاد الإسلامي. وسنشير في نهاية البحث إلى أنّ عملية الاعتماد على الحظ والنصيب كانت شائعة في أوساط المجتمع الجاهلي، وقد أشار إليها القرآن الكريم تحت عنوان «الأزلام».

2. التجارة تدار وفقاً للأساليب العقلائية المتعارفة

إنّ الاقتصاد الإسلامي يقوم على أساس كون التجارة تدار وفقاً للأسباب والأساليب المتعارفة والعقلائية الرائجة بين العقلاء، وحرمة أي نوع من الربح القائم على الأُمور الواهية والباطلة، قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ )(1) .

وظاهر الآية المباركة أنّ تملّك أموال الآخرين لابدّ أن يكون عن طريق التجارة وإلاّ فهو من مصاديق آكل المال بالباطل المنهي عنه.


1 . النساء: 29 .


صفحه344

قد يقال: إنّ الهبة من أسباب التمليك الشرعية وإنّ الهدية مملكة؟ قلنا: إنّ الهبة ليست من مقولة التجارة، بل هي نوع تكريم واحترام للأقارب والأصدقاء، والحال أنّ الشركات الهرمية ـ مع هذه الشمولية والسعة ـ صبغت نفسها بصبغة تجارية ووعدت الناس بأن تجعل منهم أثرياء من خلال هذا الطريق.

3. المعاملة غررية

نقل المحدّثون عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه نهى عن كلّ معاملة غررية «نهى النبي عن بيع الغرر» والغرر لغة بمعنى الخطر; وإذا فسر بالجهل فإنّما يعود ذلك لكون الجهل يؤدي إلى الخطر. وأي معاملة أخطر من الدخول في معاملة لا يكون احتمال الوصول فيها إلى الهدف العالي (1024000 دينار) إلاّ احتمالاً ضعيفاً جداً أي نسبة الواحد إلى الآلاف.

4. حكم القمار

إنّ روح هذه المعاملة نوع من القمار والمقامرة، ففي الحقيقة أنّ الإنسان يبذل مقداراً من المال على أمل الحصول على مبالغ طائلة. والعجيب أنّ هذا النوع من المقامرة موجود في العصر الجاهلي يعبر عنه بـ «الأزلام»، وقد أشار القران الكريم الى ذلك في قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ


صفحه345

الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ )(1).

وحينما أشار القرآن الكريم في الآية الثالثة من سورة المائدة إلى المحرمات عدّ منها: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ)(2)، ومعناه طلب قسم الأرزاق بالقداح الّتي كانوا يتفاءلون بها، وأن الأزلام عشرة، سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها .

فالّتي لها أنصباء: الفذ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلى. فالفذ له سهم، والتوأم سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستة أسهم، والمعلى له سبعة أسهم .

والّتي لا أنصباء لها: السفيح، والمنيح، والوغد. وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزئونه أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، وثمن الجزور على مَن تخرج له الّتي لا أنصباء لها وهو القمار فحرّمه الله تعالى. وقد حرّم الإسلام هذه اللحوم لا لأنّها محرّمة ذاتاً، بل للقمار والقمارية الّتي سببت تمليكها، وواضح أنّ تحريم القمار في قوله: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ)لا يختص باللحوم، بل تعمّ الحرمة كلّ شيء جرى فيه القمار، وقد اجتمع كل الضرر والنشاطات الاجتماعية غير المدروسة والخرافية فيه.


1 . المائدة: 90 ـ 91 .

2 . المائدة: 3 .


صفحه346

5. الشركات الهرمية تؤدّي إلى النزاع والتناحر في المجتمع

أشار القرآن الكريم إلى أنّ إحدى علل تحريم الخمر والقمار كونهما يؤدّيان إلى وقوع العداوة والبغضاء في الوسط الاجتماعي ممّا يخلق حالة من التشاحن والصراع في وسط المجتمع، ومن هنا نرى اليوم أنّ الكثير من المرافعات في المحاكم موضوعها مخالفات الشركات الهرمية الّتي استطاعت أن تستغفل الكثير من الناس وتزيّن لهم الأُمور وتوعدهم بسراب يحسبه الظمآن ماء.

6. وحدة الحقيقة وتعدد الأساليب

تعدّد أساليب جلب الزبائن حيث تغيّرت الطريقة اليوم إلى أُسلوب بيع الألماس، فمن يشتري ألماسة ثم يعرّف أربعة من المشترين يعطى كذا وكذا من المال، والحقيقة أنّ تغيير الأُسلوب لا يغير من الواقع شيئاً، بل هو ذريعة واحتيال ليس إلاّ، لأنّ ماهية الشركة هي نفس الماهية إذ الهدف جلب الزبائن مع انتظار ما وعدت به الشركة من الربح اعتماداً على الحظ والنصيب.

ولكن تبقى الحقيقة واحدة حتى مع تغيير الأُسلوب.

7. الجذور الأجنبية

إنّ الكثير من الشركات الّتي في ظاهرها إيرانية الانتساب ويديرها شخصيات تحمل صبغة دينية ويخدعون الناس من هذا الطريق حيث


صفحه347

يتصورون إنّها شركات إيرانية ودينية صرفة، وهي في الواقع يقف وراءها شركات أجنبية ومافيات خارجية يسعون من وراء ذلك ابتلاع ثروات الشعب ونقلها إلى خارج البلاد ليبقى الشعب يعيش حالة الفقر والعوز والحاجة.

8 . انهيار اقتصاد البلدان الّتي أجازت عمل تلك الشركات

قد جربت بعض البلدان هذا النوع من الشركات إلاّ أنّها لم تحصد إلاّ الخيبة والخسران. فعلى سبيل المثال نرى ألبانيا أجازت عمل تلك الشركات فلم تمر إلاّ فترة يسيرة حتى واجهت ثورة شعبية حيث أحسّ الشعب بأنّ اقتصاد البلاد يسير في منحدر خطير ممّا أدّى إلى تشكيل حكومة جديدة استطاعت إلغاء القوانين والتراخيص الّتي سمحت للشركات المذكورة بالعمل.

انطلاقاً من كل ما ذكرنا لا يجوز للإنسان المسلم أن يلطّخ يديه ويلوث نفسه بمثل هذه الأعمال الّتي تؤدي إلى خراب دنياه وضياع آخرته.


صفحه348


صفحه349

الرسالة السادسة عشرة بعد المائة

في

الشركات الحديثة

يقسّم البحث في موضوع الشركات الحديثة إلى تمهيد وفصول هي:

الفصل الأوّل: مشروعية شركة الأشخاص الحديثة

الفصل الثاني: مشروعية شركة الأموال

الفصل الثالث: الشخصية المعنوية والشركة التجارية

الفصل الرابع: الشركات الحديثة والفرائض المالية


صفحه350


صفحه351

تمهيد:

قسّم فقهاء الإسلام الشركة إلى أربعة أقسام: شركة العنان، الأعمال، الوجوه، المفاوضة. واتّفقوا على صحّة الأُولى واختلفوا في الثلاث الباقية، وإن كان المشهور بين الإمامية هو البطلان فيها.

إلاّ أنّ النهضة الصناعية الحديثة تسبّبت في إيجاد أنواع أُخرى من الشركات وبأسماء مختلفة، وقد راجت تلك الشركات في بلادنا الإسلامية، فتجب على الفقيه دراسة أحكامها، من دون خضوع للوضع الراهن من الرواج، فنقول:

وقبل الخوض في المقصود علينا أن نعرف هيكلية البحث، وذلك يتم في ضمن أُمور تمهيدية:

الأوّل: المسائل المطروحة للدراسة

البحث في الشركات الحديثة تارة يختص بجوهرها (وهو الذي نطرحه في المقام)، وأُخرى يتعلّق بالأُمور الجانبية (النظام الإداري أو ما يفرضه القانون عند الانحلال) وهذا موكول لوقت آخر.

أمّا ما يرتبط بصميم الموضوع فهو عبارة عمّا يلي:

1. مشروعية عقد الشركات الحديثة وعدم مخالفتها للقواعد العامّة، المستنبطة من الكتاب والسنّة وما اتّفق عليه الفقهاء.


صفحه352

2. عقد الشركات الحديثة مبني على صحّة الشخصية المعنوية لها، وأنّ للشخصية المعنوية من الأحكام ما للشخص باستثناء ما يرجع إلى الشخص بما هو إنسان، كأحكام الأُسرة والولاية والحكومة.

3. إذا ربحت الشخصية المعنوية بعد إخراج المؤن فهل يتعلّق الخمس والزكاة بالأرباح أو لا؟ وذلك لأجل توهّم عدم تعلّقهما بها لأجل أنّ الفريضة قد تعلّقت بالمكلّف، قال سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)(1)، والشركة المعنوية ليست مكلّفاً وليس لها هذا الوصف من صفات الإنسان .

هذه الأُمور الثلاثة الّتي يجب البحث فيها حتى تكون نواة للبحث الوسيع. ويأتي البحث فيها في المستقبل ضمن فصول ثلاثة.

نعم هناك أمران مطروحان في كلّ كتاب أُلّف حول الشركات الحديثة، نظير: النظام الإداري الذي يفرضه القانون على تلك الشركات، والذي يختلف باختلاف الدول والبلدان، أو ما يفرضه القانون عليها عند انحلالها.

فهذان الأمران خارجان عن مجال البحث، إذ ليس لإدارة الشركات نظام موحّد بين البلدان حتى نطرحه على طاولة البحث.

فالقوانين التجارية السائدة في إيران تغاير ما هو سائد في مصر أو العراق أو غيرها من البلدان.

فلا يمكن للفقيه أن يعقد بحثاً لكلّ بلد بلد .


1 . التوبة: 103 .


صفحه353

الثاني: تقسيم الشركات إلى مدنية وتجارية

المعروف هو تقسيم الشركة إلى مدنية وإلى تجارية، ولكلّ تعريف خاص.

ولكنّ السنهوري ذكر لمطلق الشركة تعريفاً واحداً ، وقال:

الشركة عقد بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كُلٌّ منهم في مشروع ماليّ بتقديم حصة من مال أو عمل لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو خسارة .(1)

ومع ذلك اعترف بوجود الفرق بين الشركتين، وقال:

فإنّ الشركة المدنية لا تدخل في أعمال التجارة، بل تقوم بالأعمال المتعلّقة بالعقارات والزراعة والأراضي والأعمال الفنية كبناء الدور وبيعها واستغلالها.

وأمّا الأعمال الأُخرى نظير الاستيراد والتصدير والنقل البري والبحري فهي تقع ضمن إطار عمل الشركة التجارية.

وبما أنّ ماهية الشركتين تختلف، لذلك تختلف آثارهما، وأهمها الأُمور التالية:

1. في الشركة المدنية، الشريك مسؤول عن ديون الشركة، حتى في ماله الخاص .

وأمّا في الشركة التجارية فتارة: يكون مسؤولاً في ماله الخاص


1 . الوسيط في شرح القانون المدني: 5 / 218 .


صفحه354

بالتضامن، وأُخرى: يكون مسؤولاً في حدود الأسهم الّتي يحملها (كما هو الحال في شركة التوصية).

2. موت الشريك أو الحجر عليه أو إعساره أو إفلاسه أو انسحابه من الشركة المدنية، يقضيها، ولا يقع ذلك غالباً في الشركة التجارية.

3. الشركة المدنية تخضع للقضاء المدني، والشركة التجارية تخضع للقضاء التجاري.

4. يجوز إشهار إفلاس الشركة التجارية وتصفيتها تصفية قضائية، ولا يجوز ذلك في الشركة المدنية، وإذا كانت الشركة الواحدة تباشر أعمالاً، بعضها مدني وبعضها تجاري، اتخذت صفتها تبعاً للأعمال الغالبة.(1)

ما ذكرُه من الخصوصيات أُمور وضعيّة يمكن التخلّف عنها في بدء الأمر، وأمّا إذا اتّفقوا عليها عند العقد فلا محيص عن اتّباعها أخذاً بوجوب الوفاء بالعقود .

وغير خفي على النابه أنّ التفريق بين الشركتين وتسميتها بالتجاري والمدني مجرد اصطلاح، وإلاّ فالجميع داخل في العقود ولكلّ من الآثار ما لسائر العقودمن الشروط واللزوم والخيار.

وبعبارة أُخرى: كلاهما عقد وإنّما يختلفان في المتعلّق فهذه تمارس الاستيراد والتصدير فيسمى بالعقد التجاري، وتلك تمارس الأعمال المتعلّقة بالعقارات فتسمّى بالعقد المدني.


1 . الوسيط في شرح القانون المدني: 5 / 234 هامش الصفحة، بتلخيص.


صفحه355

الثالث: تعريف الشركة التجارية

الشركة التجارية عقد بين شخصين أو أكثر، وفي الوقت نفسه لها شخصية معنوية.

والتعريف الأسدّ، ما يكون جامعاً لكلتا الخصوصيتين:

وإليك بعض التعاريف :

1. الشركة عقد بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كلٌّ منهم في مشروع مالي بتقديم حصة من مال أو عمل لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو خسارة .(1)

2. مؤسسة تنشأ من شخصين أو أكثر للقيام بأعمال تجارية مع التزام المتعاقدين بأن يقدّم كلّ منهما حصته من نقود أو عروض أو عمل للمؤسسة، لاقتسام ما قد ينشأ من أعمالها من المنافع أو الأضرار.

فالأوّل منهما يركز على الجانب العقدي، والثاني يركز على كونها ذات شخصية معنوية لدولة أو مؤسسة، وفي التعريف التالي إشارة إلى كلا الأمرين.

الشركة التجارية: عقد بمقتضاه يحصل اتفاق من جانب شخصين أو أكثر لإيجاد رأس مال مستقل، وتخصيص ذلك لمؤسسة (2) قد أُسست لغرض خاص، لاقتسام ما قد ينشأ من أعمالها من المنافع والأضرار.


1 . الوسيط: 5 / 218 .

2 . إشارة إلى كون الشركة ذات شخصية معنوية.


صفحه356

الرابع: تقسيم الشركات التجارية إلى شركات الأشخاص وشركات الأموال

الشركات التجارية على قسمين:

1. شركات الأشخاص.

2. شركات الأموال.

أمّا الأُولى: فهي الّتي تتكون بالنظر للاعتبار الشخصي للشركاء من حيث هويتهم وجنسيتهم وملاءتهم وصفاتهم ومؤهلاتهم، ونظراً لأهمية الاعتبار الشخصي في شركات الأشخاص لا يسوغ التفرّغ من حصته إلى الغير دون موافقة الآخرين، ولذلك يؤدي أيُّ تغيير في شخصية أحد الشركاء أو أهليته أو ملاءته إلى تعديل الشركة أو حلّها، ويكون جميع الشركاء أو بعضهم ملتزمين بجميع التزامات الشركة حتى في أموالهم الخاصة، ويسمّى الأوّل (ضمان جميعهم) بشركة التضامن، والآخر (ضمان البعض) بشركة التوصية،(1) وسيوافيك تعريفهما وحدودهما.

أمّا الثانية ـ أي شركة الأموال ـ فهي الّتي تستمد اعتمادها المالي من موجوداتها لا من شخصية الشركاء وملاءتهم، ولا يكون كلّ شريك فيها مسؤولاً إلاّ في حدود الأسهم والحصص الّتي يملكها،(2) ويسوغ التفرّغ من حصته إلى الغير من دون إذن من سائر الشركاء.


1 . الشركات التجارية للدكتور جاك يوسف حكيم: 42 ـ 43. ومثلها، الشركة المدنيّة حيث إنّ الشريك مسؤول عن ديون الشركة حتّى في ماله الخاص، فتذكر.

2 . نفس المصدر.


صفحه357

الخامس: الشخصية المعنوية أساس الشركة التجارية

ثم إنّ عامّة هذه الشركات الحديثة خصوصاً شركة الأموال تدور على تصويب الشخصية المعنوية للشركات بمعنى أنّ للشركة ـ مع قطع النظر عن المدير أو المديرين وأصحاب الأسهم والحقوق ـ شخصية معنوية هي الّتي تملك الأموال المقدّمة من قبل الشركاء ولها ذمّة كالأشخاص الحقيقيين.

وبعبارة أُخرى: حقيقة هذه الشركات تقوم بالاعتراف الرسمي على عنوان الشركة الّذي يسجل في الدوائر المختصة بتسجيل الشركات، فهي الّتي تملك الأموال وتكون رابحة أو خاسرة، دائنة ومدينة.

ولا يعدّ أصحاب الأموال إلاّ أصحاب الحقوق في الشركة دون أن يكونوا مالكين لما قدموه من الأموال ما دامت الشركة باقية.

نعم عند انحلال الشركة ترجع الأموال إلى أصحابها بحسب نسبة أسهمهم.

وبما أنّ العنوان المسجّل هو المالك فهي الّتي تقيم الدعوى في المحاكم، وتخضع لما يقضي به القضاء، من دون تردد.

فكما أنّ الإنسان الحقيقي كزيد يملك ويهب ويربح ويخسر، فهكذا الشركة ذات الشخصية المعنوية في اعتبار العقلاء لها واقعية في عالم الاعتبار اعترفت بها الحكومات والعقلاء فما دامت الشركة باقية تكون هي المرجع في كلّ الأحكام.

فإذا أُقيمت دعوى من الشركة على أحد أو أُقيمت ضد الشركة،


صفحه358

فالمحامي يكون وكيلاً عن الشركة يدافع عنها لا عن الأشخاص الحقيقيين الذين أسّسوا هذه الشركة.

فلو اعترف الفقيه بصحّة هذا الأمر الاعتباري الحديث لناسب البحث في ماهيّة هذا النوع من الشركات بما له من الحدود والقيود من جانب الدولة أو الدول الخارجية.

وبما أنّا سنبحث عن حقيقة الشخصية المعنوية في المستقبل (1)نطوي الكلام في المقام .

إذا عرفت ما ذكرنا من التمهيدات فلندرس الفصول الأربعة الّتي مرّ عليك ذكرها في أوّل البحث .


1 . سيأتي الكلام فيها في الفصل الثالث.


صفحه359

      الفصل الأوّل:

شركة الأشخاص الحديثة

إنّ شركة الأشخاص تنقسم إلى الأقسام التالية:

1. شركة التضامن

2. شركة التوصية البسيطة

3. شركة التوصية بالأسهم

4. شركة المحاصّة

ولنأخذ كلاًّ بالدراسة واحداً تلو الآخر.


صفحه360

قد عرفت أنّ الشركة التجاريّة تنقسم إلى شركة الأشخاص وشركة الأموال، والمقصود في المقام هو القسم الأوّل، وإليك أصنافه .

شركة الأشخاص

إنّ لشركة الأشخاص أقساماً ندرسها واحداً تلو الآخر .

1. شركة التضامن ومشروعيتها

شركة التضامن: هي الشركة الّتي يعقدها شخصان أو أكثر بقصد الاتّجار، ويكون جميع الشركاء ملزمين بالتضامن بجميع التزامات الشركة حتى في أموالهم الخاصة. وحصص الشركاء غير قابلة للتداول والبيع إلاّ برضا الجميع. (1)

وتسميتها بالتضامن واضح، لضمان عامة الشركاء للخسارة الواردة عليها، فلو أفلست الشركة يلزم الشركاء أداء ديون الشركة من سائر أموالهم، حتى الأموال الخارجة عن حدود الشركة .

وأمّا تسميتها بشركة الأشخاص؟ فلأنّهم هم الذين يتعاملون مع الناس، والناس يعرفونهم ويعتمدون على وجاهتهم وملاءتهم، وهذا النوع من الشركة أشبه بشركة الوجوه من هذه الناحية.


1 . الوسيط في شرح القانون المدني لعبدالرزاق السنهوري المصري: 5 / 234 برقم 166 .


صفحه361

هذه هي ماهية الشركة وهنا إشكالان :

الأوّل: أنّ الضمان في المقام من مقولة ضمان ما لم يجب .

الثاني: أنّ منع التداول مخالف لكون المالك مختاراً في التصرّف في ملكه، ومخالفاً لكون صاحب المال، ذا سلطنة فيه .

وإليك دراسة الإشكالين .

الإشكال الأوّل: الضمان في المقام من مقولة ضمان ما لم يجب

أمّا الأشكال الأوّل: فحاصل الجواب عنه هو صحة ضمان مالم يجب أوّلاً، وأنّ المراد من الضمان في المقام، غير الضمان المصطلح في كتاب الضمان .

توضيحه: إنّ الضمان عبارة عن انتقال ما في ذمّة شخص إلى ذمّة شخص آخر، حسب ما عرّفه الإمامية، أو عبارة عن ضم ذمّة إلى ذمّة أُخرى، كما عليه فقهاء السنّة، وعلى كلّ تقدير فالضمان رهن وجود ذمة مشغولة، فما لم تكن هناك ذمة موصوفة بالاشتغال فلا يتحقّق الضمان، ولذلك قالوا ببطلان ضمان ما لم يجب أي ما لم يثبت.

وشركة التضامن من تلك المقولة الممنوعة حيث إنّ الشركاء يلتزمون عند تأسيس الشركة بضمان جميع التزامات الشركة مع أنّ ذمّة الشركة بعدُ لم تصر مشغولة بشيء حتى يضمن هؤلاء، فكيف يصح ضمانهم مع عدم وجود الدين والمطالبة ؟

هذا هو الإشكال في هذا النوع من الشركة، وما هو مثلها.


صفحه362

فنقول: إنّ عدم صحّة ضمان مالم يجب هو المشهور بين فقهائنا منذ عصر الشيخ في مبسوطه إلى عصرنا هذا، ولنذكر بعض الكلمات:

قال الشيخ: ولا يصح ضمان ما لم يجب، سواء أكان معلوماً أم مجهولاً، فالمجهول الّذي ليس بواجب مثل أن يقول: ضمنت لك ما تُعامِلُ فلاناً آخر ما تقرضه أو تداينه، فهذا لا يصح لأنّه مجهول، ولأنّه غير واجب في الحال، والمجهول الّذي هو واجب ـ يريد ما هو ثابت ـ مثل أن يقول: أنا ضامن لما يقضي لك به القاضي على فلان أو ما يشهد لك به البيّنة من المال عليه، أو ما يكون مثبتاً في دفترك فهذا لا يصح، لأنّه مجهول وإن كان واجباً في الحال.

وقال قوم: يصح أن يضمن ما تقوم به البيّنة دون ما يخرج به في دفتر الحساب. ولست أعرف به نصّاً، والمعلوم الّذي لا يجب (لا يثبت) مثل أن يقول: أنا ضامن لما تقرضه لفلان من درهم إلى عشرة، فهذا لا يصحّ، لأنّه غير واجب .(1)

فالضمان الممنوع في كلام الشيخ هنا على أقسام ثلاثة: مجهول غير ثابت، ومجهول ثابت، ومعلوم غير ثابت .

وقال في موضع آخر: والّذي يقتضيه مذهبنا أنّه لا يجوز ضمان نفقة الزوجة، لأنّ النفقة لا تجب عندنا بالعقد وإنّما تجب نفقة يوم بيوم... إلى أن قال: لو قال واحد منهم لبعض أرباب الأموال: ألق متاعك في البحر ليخف عنّا ما نحن فيه، فقبل منه، فلا ضمان على من سأله.(2)


1 . المبسوط: 2 / 335 .   2 . المبسوط: 4 / 305 .


صفحه363

وقال في «الخلاف»: لا يصحّ ضمان المجهول، سواء أكان واجباً أو غير واجب، ولا يصح ضمان ما لم يجب سواء أكان معلوماً أو مجهولاً. وبه قال الشافعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والليث بن سعد وأحمد بن حنبل .

وقال أبو حنيفة ومالك: يصحّ ضمان ذلك .

دليلنا: ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه نهى عن الغرر، وضمان المجهول غرر، لأنّه لا يدري كم قدراً من المال عليه .(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الدليل ـ لو تمّ ـ فإنّما يدلّ على عدم صحّة ضمان المجهول لا ضمان ما لم يثبت في الذمّة، إذا كان معلوماً، مضافاً إلى أنّ المنصوص هو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن بيع الغرر لا عن نفس الغرر.

هذه الكلمات من الشيخ صارت منهجاً للآخرين فذهب كلّ من تأخّر عنه إلى بطلان ضمان ما لم يثبت في الذمة، لاحظ المصادر الفقهية المذكورة في الهامش .(2)

أقول: إنّ اتّفاقهم أو اشتهار البطلان بينهم مبني على أنّ الضمان ـ سواء أُخذ من «ضَمِنَ» بمعنى نقل ما بذمّة إلى ذمّة أُخرى، أم أُخذ من «ضمّ» بمعنى ضمّ ذمّة إلى ذمّة، والأوّل هو المشهور بين الإمامية، وأمّا الثاني فهو


1 . الخلاف: 3 / 319، كتاب الضمان، المسألة 13. والممنوع في الخلاف أقسام أربعة خلافاً للمبسوط حيث ذكر فيه أصنافاً ثلاثة.

2 . السرائر: 2 / 72 ـ 73 ; شرائع الإسلام: 2 / 359 وج 4 / 1028 ; تحرير الأحكام: 2 / 572 ; تذكرة الفقهاء: 14 / 313 ; إيضاح الفوائد: 2 / 89 ; جامع المقاصد: 5 / 321 ; وغيرها.


صفحه364

المعروف بين فقهاء أهل السنّة ـ فرع اشتغال الذمّة، من غير فرق بين النقل والضمّ. وأمّا إذا لم يثبت شيء في الذمّة فلا يعقل الضمان بهذا المعنى.

هذا هو مبنى أقوالهم وأساس كلامهم.

ومع اتّفاقهم على عدم صحّة ضمان مالم يثبت، فقد أفتوا بصحّته في مواضع مختلفة واكتفوا فيه بوجود المقتضي وإن لم يكن ثابتاً بالفعل، وإليك بعض الموارد الّتي تناهز العشرة:

1. ضمان الدرك

يجوز عندهم بلا خلاف ضمان درك الثمن للمشتري إذا ظهر كون المبيع مستحقّاً للغير أو ظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحّته، إذا كان ذلك بعد قبض الثمن ـ كما قيّد به الأكثر ـ أو مطلقاً ـ كما قيّد آخر ـ (1). هذا كلّه في ضمان الثمن إذا احتمل كون المثمن مستحقّاً للغير .

وهناك نوع آخر من ضمان الدرك، وهو درك ما يحدثه المشتري في الأرض من بناء أو غرس إذا بانت الأرض مستحقة للغير، يقول الشهيد الثاني: ولو ضمن للمشتري ضامن عن البائع درك ما يحدثه المشتري في الأرض من بناء أو غرس على تقدير ظهورها مستحقة لغير البائع وقلعه لها أو أخذه أُجرة الأرض فالأقوى جوازه لوجود سبب الضمان حالة العقد وهو كون الأرض مستحقة للغير .(2)


1 . الروضة البهية: 4 / 124 .

2 . مسالك الأفهام: 9 / 359، وانظر: شرائع الإسلام: 2 / 359 .


صفحه365

2. الضمان بالأمر بالإتلاف

يظهر من غير واحد صحّة الضمان فيما إذا قال: «ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه» حذراً من غرق السفينة.

قال المحقّق: ولو قال ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، ضمن دفعاً لضرورة الخوف، ولو لم يكن خوف فقال: ألقه وعليّ ضمانه، ففي الضمان تردد، أقربه أنّه لا يضمن .(1)

3. ضمان مال الجُعالة

قال العلاّمة: إن ضمن مال الجُعالة قبل الشروع في العمل لم يصح الضمان، لأنّه ضمان ما لم يجب، إذ العقد غير لازم والمال الثابت بالعقد غير ثابت في الذمة فكيف يلزم فرعه؟ وإن ضمن بعد الفراغ من العمل واستحقاقه للمال صحّ ضمانه قطعاً، لأنّه ضمان ما قد ثبت وجوبه ; وإن ضمن بعد الشروع في العمل وقبل إتمامه، فالأقرب جواز الضمان لوجود سبب الوجوب، وانتهاء الأمر فيه إلى اللزوم، كالثمن في مدة الخيار، وهو أحد قولي الشافعي .(2)

4. ضمان نفقة الزوجة

قال السيد الطباطبائي اليزدي: يجوز ضمان النفقة الماضية للزوجة


1 . شرائع الإسلام: 4 / 258، في تزاحم الموجبات، كتاب الديات.

2 . تذكرة الفقهاء: 14 / 317 .


صفحه366

لأنّها دين على الزوج، وكذا نفقة اليوم الحاضر لها إذا كانت ممكّنة في صبيحته، لوجوبها عليه حينئذ، وإن لم تكن مستقرة لاحتمال نشوزها في أثناء النهار، بناءً على سقوطها بذلك.

وأمّا النفقة المستقبلة فلا يجوز ضمانها عندهم، لأنّه من ضمان مالم يجب، ولكن لا يبعد صحّته، لكفاية وجود المقتضي وهو الزوجية.(1)

5. ضمان الجريرة

إذا قال أحد الرجلين للآخر: عاقدتك على أن تنصرني وتمنع عني وتعقل عنّي وترثني، وقال الآخر: قبلت، كفى ذلك في لزوم العقل، أي تحمّل الدية عن الآخر، وصار ضمان الجريرة مبدأً للإرث.

قال المحقّق: ومن توالى وركن إلى أحد برضاه فاتّخذه وليّاً يعقله ويضمن حدثه ويكون ولاؤه له، صحّ ذلك ويثبت به الميراث .(2)

6. ضمان العين المستأجرة

قال السيد الطباطبائي اليزدي: ولو شرط الموجر على المستأجر ضمان العين المستأجرة مع عدم التعدّي والتفريط، فالمشهور عدم الصحّة، لكن الأقوى صحّته، وأولى بالصحّة إذا اشترط عليه أداء مقدار مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيّب لا بعنوان الضمان .(3)


1 . العروة الوثقى: 5 / 427 ـ 428 .

2 . جواهر الكلام: 39 / 254 ـ 255 ; شرائع الإسلام: 4 / 39، الميراث بالولاء.

3 . العروة الوثقى: 2 / 600 كتاب الإجارة، الفصل الرابع.


صفحه367

7. ضمان العارية

قال السيد الاصفهاني: العارية أمانة بيد المستعير لا يضمنها لو تلفت إلاّ بالتعدّي أو التفريط. نعم لو شرط الضمان ضمنها وإن لم يكن تعدٍّ ولا تفريط.(1)

8 . براءة الطبيب من الضمان

قال السيد الأُستاذ: الظاهر براءة الطبيب ونحوه، من البيطار والختّان، بالإبراء قبل العلاج، والظاهر اعتبار إبراء المريض إذا كان بالغاً عاقلاً فيما لا ينتهي إلى القتل، والولي فيما ينتهي إليه ، وصاحب المال في البيطار، والولي في القاصر، ولا يبعد كفاية إبراء المريض الكامل العقل حتى فيما ينتهي إلى القتل، والأحوط الاستبراء منهما.(2)

والشاهد في أنّ الإبراء كالضمان فرع ثبوت الشيء، فما لم يكن الشيء ثابتاً لا معنى للتبري عنه بالفعل، فإذا جاز الإبراء لأجل وجود المقتضي كالطبابة والختان فيجوز الضمان أيضاً عند وجود المقتضي .

9. ضمان الصنجة (3)

يقول العاملي: قد جوّزوا ضمان أشياء كثيرة ليست ثابتة في الذمة،


1 . وسيلة النجاة: كتاب العارية; تحرير الوسيلة: 1 / 594، المسألة 12، كتاب العارية.

2 . تحرير الوسيلة: 2 / 561، المسألة رقم 6 في موجبات الضمان.

3 . الصنجة ما يوزن به كالأوقية والرطل وهي معربة «سنگ» بالفارسية .


صفحه368

كضمان الأعيان المضمونة وضمان العهدة (ضمان الثمن) ونقصان الصنجة وغير ذلك، فهي إمّا مستثناة أو الشرط أغلبي.(1)

10. ضمان المقبوض بالعقد الفاسد

قال السيد الطباطبائي اليزدي: اختلفوا في جواز ضمان الأعيان المغصوبة والمقبوضة بالعقد الفاسد ونحوهما على قولين ذهب إلى كلّ منهما جماعة، والأقوى الجواز، سواء كان المراد ضمانها بمعنى التزام ردّها عيناً ومثلها أو قيمتها على فرض التلف، أو كان المراد ضمانها بمعنى التزام مثلها أو قيمتها إذا تلفت، وذلك لعموم قوله: «الزعيم غارم»، والعمومات العامّة مثل قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .

ودعوى أنّه على التقدير الأوّل يكون من ضمان العين بمعنى الالتزام بردّها مع أنّ الضمان نقل الحق من ذمّة إلى أُخرى، وأيضاً لا إشكال في أنّ الغاصب أيضاً مكلّف بالرد، فيكون من ضم ذمّة إلى أُخرى، وليس ذلك من مذهبنا.

وعلى الثاني: يكون من ضمان ما لم يجب، كما أنّه على الأوّل أيضاً كذلك بالنسبة إلى ردّ المثل أو القيمة عند التلف من قبيل ضمان ما لم يجب. لا بالنسبة إلى ردّ العين لثبوت الضمان بوضع اليد على العين المغصوبة أو المضمونة فهو من قبيل ضمان ما يجب.

مدفوعة بأنّه لا مانع منه بعد شمول العمومات، غاية الأمر أنّه ليس من


1 . مستمسك العروة الوثقى: 13 / 264 نقلاً عن مفتاح الكرامة.


صفحه369

الضمان المصطلح، وكونه من ضمان ما لم يجب لا يضر بعد ثبوت المقتضي، ولا دليل على عدم صحة ضمان ما لم يجب من نصّ أو إجماع، وإن اشتهر في الألسن، بل في جملة من الموارد حكموا بصحّته... .(1)

الضمان في المقبوض بالعقد الفاسد تأكيد لضمان العقد

لاشك أنّ البائع ضامن المبيع إذا بان مستحقاً للغير، وهكذا المشتري سواء أضمن أم لم يضمن، إذ بنفس العقد ضمن المبيع، أي أن يدفع إليه المبيع بوصف أنّه ملكه حتى يتملّكه الآخر، فلو فُرض أنّه ضمن المبيع أو الخسارة بعقد مستقل بعد البيع أو في ضمن البيع فيكون بمنزلة التأكيد للضمان السابق .

يقول السيد الطباطبائي: ولو ضمنه البائع (ضمان ما يحدثه المشتري من بناء أو غرس..)، قيل: لا يصح أيضاً كالأجنبي وثبوته بحكم الشرع لا يقتضي صحّة عقد الضمان المشروط بتحقّق الحق حال الضمان، وقيل بالصحة لأنّه لازم بنفس العقد فلا مانع من ضمانه لما مرّ من كفاية تحقق السبب، فيكون حينئذ للضمان سببان، نفس العقد والضمان بعقده، ويظهر الثمرة فيما لو أسقط المشتري عنه حق الضمان الثابت بالعقد فإنّه يبقى الضمان العقدي، كما إذا كان لشخص خياران بسببين، فأسقط أحدهما.(2)

***


1 . العروة الوثقى: 2 / 776، كتاب الضمان، المسألة 38 .

2 . العروة الوثقى: 2 / 778، كتاب الضمان، المسألة 41 .


صفحه370

وقد ظهر ممّا ذكرنا أنّه إذا كان في المورد مقتض للضمان صحّ الضمان، وإن لم يكن المضمون به ثابتاً في الذمة.

ومن حسن الحظ أنّ المقتضي في المقام موجود وهو العقود الّتي تمارسها الشركة مع الآخرين، ولمّا كانت التجارة مظنة الخسارة أو افلاس الشركة يضمن الشركاء ديونها بادائها من خارج أموالهم.

وإن شئت قلت: إنّ الضمان المصطلح عبارة عن نقل ذمة إلى ذمة، أو ضمها إليها وكلا الأمرين فرع الاشتغال، وأمّا المقام فالضمان فيه خارج عن المعنى المصطلح بل هو عبارة عن تعهد الشخص أو الاشخاص ذي السهام والحقوق ـ في ضمن عقد تجاري ـ الخسارة المحتملة العارضة (بالإفلاس وغيره) إلى من كان يتعامل مع الشركة، فيضمنها وإن لم يكن هناك اشتغال بالفعل ولكن الموضوع في مظان الضرر والخسارة.

وعلى ذلك جرت شركات التأمين المعروفة في هذا العصر فصاحب المال يعطي الشركة مالاً في قبال أن تضمن، أو في قبال أن تنشئ الضمان، فتنشئ الضمان ويلزمها ذلك، وهذا أمر صحيح لعموم الوفاء بالعهد.

والعجب أنّ بعض من عاصرناه يصحّح عقد التأمين وفي الوقت نفسه يقول بعدم صحّة ضمان ما لم يثبت في الذمّة.

إلى هنا تمت دراسة الإشكال الأوّل حول مفاد الضمان في المقام، بقي الكلام في دراسة الإشكال الثاني: أعني مشكل عدم التبادل .


صفحه371

الإشكال الثاني: منع التبادل متأخّر للمالكية والسلطنة

إنّ الّذي تميّزت به هذه الشركة عن سابقتها، هو وجود منع التداول في هذا النوع من الشركة، وهو يخالف أمرين:

الأوّل: مقتضى المالكية للسهم

فإنّ كلّ سهيم يملك ما قدّمه للشركة للاسترباح ولم يخرج بعدُ عن ملكيته، غاية الأمر صار الملك المفروز ملكاً مشاعاً وهو بعد في حيازته، ومن آثار الملكية التصرف فيما يملك بالبيع والانتقال، والمفروض أنّه ممنوع من التداول، فيكون المنع مخالفاً لمقتضى المالكية.

والجواب: أنّ المراد من المنافاة ما يكون الجمع بين المشروط والشرط أمراً متناقضاً عند العرف، كما إذا باع وشرط عدم الثمن، أو آجر وشرط عدم الأُجرة، أو تزوّج وشرطت الزوجة عدم الاستمتاع مطلقاً، فهذا النوع من الشرط والمشروط لا يجتمعان عرفاً ويعدّان متناقضين ويوجب عدم صدق البيع والإجارة والتزويج.

لكن المقام ليس كذلك فالجمع بين كون الشريك مالكاً وكونه مستفيداً من توابعه وأرباحه وبين عدم تمكّنه ـ في مدة معلومة ـ من نقله إلى الغير لا يعدّ أمراً غريباً وجمعاً بين المتناقضين، وأقصى ما يقال: إنّ المالك رضي بتحديد آثار المالكية ما دامت الشركة باقيةً ولم يصل أجلها.


صفحه372

الثاني: مقتضى سلطنة الناس على أموالهم

إنّ اشتراط عدم التداول يخالف مقتضى سلطنة الناس على أموالهم فقد سُلِبت عن السهيم سلطنة التداول بالبيع والهبة.

والجواب نفس ما سبق في مورد مقتضى المالكية، إذ فرق بين سلب السلطنة على وجه الإطلاق وبين تحديدها مؤقتاً ما دامت الشركة باقية لم يصل أجلها. فالأوّل ينافي أصل السلطنة دون الثاني، فإنّه تحديد لإطلاقها لاسلب لإصلها .

ويؤيد ما ذكرنا ـ أعني: تحديد السلطنة لا ينافي أصلها ـ مشروعية المحدودية في السلطنة في الملك المشاع في مورد الشفعة، فإنّ الشريك يريد بيع سهمه من أخيه وحميمه، ومع ذلك فإن باع منهما فالشريك الآخر أولى من أخذه بنفس الثمن، وقد شرع حق الشفعة لمصلحة الشريك لئلاّ يدخل في الملك المشاع من لا ينسجم معه .

2. شركة التوصية البسيطة

وهي الشركة الّتي تعقد بين شريك واحد أو أكثر يكونون مسؤولين بالتضامن كما في القسم السابق، وبين شريك واحد أو أكثر يكونون أصحاب حصص مالية وخارجين عن الإدارة ولا يكونون مسؤولين إلاّ في حدود حصصهم من رأس المال ويسمّون موصين (1). والركن الجوهري


1 . الوسيط في شرح القانون المدني : 5 / 235، برقم 166. بخلاف القسم الثاني فيسمّونَ «مساهمين».


صفحه373

لهذا النوع من الشركة عبارة عن الأُمور التالية:

1. إنّ هذه الشركة مركّبة من شركة أشخاص بالنسبة إلى الشركاء المتضامنين، وشركة أموال بالنسبة إلى الشركاء الموصين.

2. إنّ الشركاء المتضامنين لهم مسؤولية كبرى حيث يكونون مسؤولين عن التزامات الشركة برأس مالهم فيها وما يمتلكون خارجها، بخلاف الشركاء الموصين فمسؤوليتهم ـ عند الخسارة ـ محدودة بحدود حصصهم من رأس المال فلا يضمنون عن التزاماتها إلاّ بمقدار رأس مالهم فيها.

3. إنّ إدارة الشركة بيد الشركاء المتضامنين فالبيع والشراء وعامّة شؤون التجارة بأيديهم. بخلاف الشركاء الموصين فليس لهم شأن إلاّ المشاركة في الربح والخسارة حسب حصصهم في رأس المال .

هذه هي حقيقة شركة التوصية البسيطة. إنّما الكلام في مدى انسجامها مع الفقه الإسلامي، وهذا ما سندرسه تالياً.

شركة التوصية البسيطة والفقه الإسلامي

يقع البحث في شركة التوصية البسيطة من منظار الفقه الإسلامي من جهات:

الأُولى: أنّ لهذه الشركة شخصية معنوية فهي الضامنة في الحقيقة عن التزامات الشركة، ومع ذلك نرى أنّ فيها قسمين آخرين من الضمان، فالشركاء المتضامنون لهم مسؤولية وضمان عن التزامات الشركة بكافة ما


صفحه374

يمتلكون، وفي الوقت نفسه للشركاء الموصين ضمان أيضاً حسب حصصهم في رأس المال.

فاجتمعت هنا ضمانات ثلاثة :

الشركة تتحمل الأُولى منها، والمتضامنون الثانية، والموصون الثالثة، وهنا يكمن الإشكال، والجواب أنّه لا تمنع عنه قواعد الشرع، لأنّ الضمان هنا ليس من قبيل نقل ذمّة إلى ذمّة، وإنّما هو من قبيل ضمّ ذمّة إلى ذمّة عند المباشرة بالتجارة فللدائن أن يرجع إلى أيّ واحد منها.

الثانية: أنّ في شركة التوصية نوعين من الضمان:

فالشركاء المتضامنون يضمنون بكل ما يمتلكون، ولكن أصحاب الحصص يضمنون في حدود حصصهم في رأس المال، وهو في الحقيقة مركّب من ضمان تضامنيّ يضمن بكلّ ما يمتلك، وضمان محدود يشبه بالشركة ذات المسؤولية المحدودة الّتي هي من أقسام شركة الأموال.

وبما أنّك ستعرف صحّة هذا النوع من الشركة، فلا مانع من اجتماع نوعين من الضمان، نظير ما أن يضمن أحدٌ عن كلّ الدين لزيد والآخر أن يضمن نصفه، بشرط أن يكون الضمان من قبيل ضمّ الذمّة إلى الذمّة لا نقلها.

الثالثة: اختلاف الشركاء في الإدارة، فالشركاء المتضامنون لهم حق الإدارة دون الشركاء الموصين، ولا يعدّ مثل ذلك خلاف مقتضى الشركة، لأنّ معنى انحصار الإدارة بالشركاء المتضامنين هو أنّ الشركاء الموصين يسلّمون حق الإدارة إلى الطائفة الأُولى (أو يوكّلونهم) لأنّهم أبصر، أو أنّ


صفحه375

مسؤوليتهم أكبر، أو غير ذلك من الأسباب الّتي تسبّب انحصار الإدارة بيد المتضامنين دون الموصين.

وربّما تسمح قوانين الشركة للموصين أن يشاركوا في انتخاب المدير العام التنفيذي، أو أن يشاركوا في هيئة الإدارة أو هيئة الرقابة أو غير ذلك ممّا يسبّب وجود العلائق بين الشركة والموصين.

نعم: نقل عن بعض فقهاء الشافعية أنّه إذا شُرط على بعض الشركاء بعدم التصرف تكون الشركة فاسدة.

يلاحظ عليه: بأنّ التصرف في الشركة مرتبط بالكفاءة فربّما لا يكون لبعض الشركاء هذه المزية، وبالتالي يجعلون مسؤولية التصرف على عاتق الأكفّاء من أصحاب الشركة.

ويمكن الاستئناس لهذا من شركة المضاربة، فالمضاربة شركة بين اثنين: أحدها مالك المال ; والآخر مباشر العمل، ولا يملك شيئاً من رأس المال ولكن يباشر التصرف في جميع هذه الأموال فقط، ولا يجوز للمالك التدخل في عمله.

وعلى كلّ تقدير، فهذا النوع من الشركة ينسجم مع القواعد العامّة للإسلام في التجارة.

3. شركة التوصية بالأسهم

وهي الشركة الّتي تتكون من شركاء متضامنين يكونون مسؤولين في ممتلكاتهم الخاصّة عن أي دين على الشركة وشركاء مساهمين مسؤولين


صفحه376

بنسبة حصصهم في رأس المال، ويقسّم رأس المال إلى أسهم قابلة للتداول ذات قيمة متساوية.(1)

وهذا النوع من الشركة يتركّب من طائفتين من الشركاء المتضامنين بكلّ ممتلكاتهم وشركاء مساهمين مسؤولين بنسبة حصتهم في رأس المال.

ولكنّها تفارق الشركة السابقة في أمرين:

1. أنّ الشركاء الموصين يشاركون بدفع الأموال والنقود إلى الشركة، ولكنّهم في نوع التوصية يشترون الأسهم الّتي لكلّ سهم قيمة متساوية مع غيره.

2. أنّ الشركاء الموصين ممنوعون من تداول ما يملكونه من الشركة بخلاف هذا النوع فإنّ السهام قابلة للتداول.

شركة التوصية بالأسهم والفقه الإسلامي

الظاهر أنّ هذا النوع من الشركة لا يخالف الضوابط الفقهية، لما عرفت من أنّ هذه الشركة تشارك النوع السابق في كثير من الجهات، وقد عرفت عدم مخالفتها للقواعد العامّة للتجارة في الإسلام .

4. شركة المحاصّة

وهي شركة تعقد بين شخصين أو أكثر على أن تكون الشركة مقصورة على العلاقة بين الشركاء فلا تسري في حق الغير ولا يتم تسجيل اتّفاقية


1 . الوسيط في شرح القانون المدني: 5 / 235، برقم 166 .


صفحه377

شركة المحاصّة في السجّل التجاري ولا يتم إشهارها ويجب أن يدير أحد الشركاء العمل باسم خاص، ولايكون للشركة اسم تجاري أو عنوان أو ذمّة ماليّة غير ذمّة الشركاء، وتقسّم الأرباح والخسائر الّتي تنشأ من أعمالهم بين الشركاء حسب الشروط المتفق عليها في عقد الشركة، سواء حصلت تلك الأرباح أو الخسائر من قبلهم منفردين أو مجتمعين.

وليس لشركة المحاصّة شخصية معنوية ولا تكون للغير رابطة قانونية في أعمال الشركة إلاّ مع الشريك أو الشركاء الذين تعاقد معهم، فمن عقد من الشركاء المحاصّين عقداً مع الغير يكون مسؤولاً عنه وحده .

نعم إذا تعاملت الشركة مع الغير بهذه الصفة (صفة الشركة) يجوز للغير أن يمسك بعقد الشركة كشخصية اعتبارية.

ووجه ذلك هو أنّ هذه الشركة شركة مؤقتة بين بعض الأفراد لإنجاز عملية معينة وبعد انتهائها تنتهي الشركة ويقسمون الأرباح والخسائر حسب العقد المحرر بينهم .

وتظهر شركة المحاصّة في صور كثيرة مثل شراء المحصولات الموسمية وبيعها وشراء المنقولات والبضائع وبيعها، وتتكون هذه الشركات ـ شركات المحاصّة ـ غالباً للقيام بعمليات مؤقتة ولفترة قصيرة، ولأجل ذلك لا تسجل في السجل التجاري ولا تشهر.


صفحه378

شركة المحاصّة والفقه الإسلامي

إنّ شركة المحاصّة كسائر الشركات في أنّها عقد شرعي له من الأحكام ما لسائر العقود والشروط واللزوم والخيار إلى غير ذلك، وكون الشركة مؤقتة موسمية لا يؤثر في أحكامها وعقدها كسائر العقود الشرعية.

إلى هنا تمّ الكلام في شركة الأشخاص، ودونك البحث عن أهمّ شركات الأموال .


صفحه379

      الفصل الثاني

في شركات الأموال

إنّ شركة الأموال تنقسم إلى الأقسام التالية:

1. شركة المساهمة العامّة والفقه الإسلامي.

2. شركة المساهمة الخاصّة والفقه الإسلامي.

3. الشركة ذات المسؤولية المحدودة والفقه الإسلامي.


صفحه380

قد مرّ أنّ الشركات التجارية تنقسم إلى شركة الأشخاص وقد مرّت بعامّة أقسامها، وشركة الأموال وهي الّتي تستمد ـ باعتمادها على المال ـ من موجوداتها لا من شخصية الشركاء وملاءتهم، ولا يكون كلّ شريك فيها مسؤولاً إلاّ في حدود الأسهم والحصص الّتي يملكها.

ولها أقسامٌ ندرسها واحداً بعد الآخر .

1. شركة المساهمة العامّة

يقع الكلام في شركة المساهمة العامّة في أُمور:

أ. تعريفها.

ب. شروط صحّتها.

جـ . خصائصها ومواصفاتها.

وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر:


صفحه381

 

أ. تعريف شركة المساهمة العامّة

شركة المساهمة أهم شركات الأموال ، فالمؤسسون يضمنون قسماً من رأس المال، كما أنّ المساهمين يضمنون القسم الآخر باشتراء سهامها، والغاية من تأسيسها هو جمع الأموال الموجودة عند الأشخاص ثم الاتّجار بها، فهي في الحقيقة وسيلة لاستثمار الأموال الضئيلة بالاتّجار بها.

ولذلك يقسم مالها إلى أسهم متساوية القيمة، ويكون لكل شريك عدد من هذه الأسهم، ويتفاوت الشركاء تفاوتاً كبيراً في عدد الأسهم الّتي يملكونها، ولا يكون كل شريك مسؤولاً إلاّ في حدود الأسهم الّتي يملكها.(1)

وبذلك ظهر وجه تسمية الشركة بالمساهمة العامة لعدم اختصاص رأس المال بالمؤسسين وإنّما يتعلّق بهم شيء من رأس المال نظير (20 %) وأمّا الباقي فهو للمساهمين.

وقد وضع القانون قيوداً كثيرة على تأسيس شركات المساهمة قصد بها حماية المساهمين وحماية المتعاملين مع هذه الشركات، وأهمّ هذه القيود ما يلي:

1. لا يجوز الترخيص في إنشاء مساهمة إلاّ إذا كان من الأعضاء


1 . الوسيط في شرح القانون المدني: 5 / 235 برقم 166، بتصرف منّا. نعم هنا سؤال وهوكيف لا يكون ضامناً إلاّ في حدود الأسهم، مع اليسار والتمكّن من أداء ديون الشركة ممّا يملكه خارج الأسهم. وسيوافيك جوابه بعد الفراغ من أقسام شركة الأموال.


صفحه382

المؤسّسين سبعة على الأقل.(1)

2. يجب أن يكون رأس مال الشركة (2) كافياً لتحقيق غرضها، ولا تؤسّس الشركة إلاّ إذا كان رأس مالها مكتتباً بالكامل، وقام كلّ مكتتب بأداء الربع على الأقل من القيمة الاسمية (الأصلية) للأسهم الّتي اكتتب فيها.(3)

3. يقسّم رأس مال الشركة إلى أسهم متساوية.

ثمّ إنّ هذه القيود تختلف حسب قانون كلّ بلد، ولذلك تركنا ما ذكره السنهوري من الخصوصيات للقانون المصري.

هذا ما يرجع إلى التعريف.

ب. شروط الصحة

إنّ شروط صحّتها ـ حسب القانون ـ تختلف حسب اختلاف البلاد، والّذي يمكن أن يكون متفقاً عليه عند الأكثر عبارة عمّا يلي:


1 . العدد المذكور اعتبره القانون لمصالح المساهمين، وليس بمعتبر شرعاً.

2 . أُريد من رأس مال الشركة، المجموع ممّا ضمنه المؤسّسون، والمساهمون .

3 . وهذا يختلف حسب قانون التجارة في البلاد، ففي بلادنا يجب تضمين 20 % لرأس المال من جانب المؤسّسين والباقي الآخر من المساهمين، ولا يكفي ذلك إلاّ إذا دفع المؤسّسون 35 % لما ضمنوا إلى المصرف وتسجيله برقم الحساب التابع للشركة.


صفحه383

1. الأهلية

يشترط في صحّة الشركة أن يكون الشريك أهلاً لإبرام عقد الشركة، فالصبي غير المميّز وعديم التمييز بوجه عام كالمجنون والمعتوه ليسوا أهلاً لأن يكونوا شركاء، ويكون عقد الشركة في هذه الحالة باطلاً. ولكن يجوز للوليّ أو الوصيّ أو القيّم أن يشارك بمال محجور، ويكون ذلك من قبيل استثمار هذا المال.

وأمّا البالغ فيجب أن يكون قد بلغ سنّ الرشد، فيصبح أهلاً للالتزام في ماله، فمتى بلغ الشخص سنّ الرشد كان أهلاً لعقد الشركة.

ويجوز للبالغ الشريك التوكيل في إبرام عقد الشركة، ولابدّ أن تكون الوكالة خاصّة .

2. الرضا بالشركة غير مشوب

يشترط أن يكون الشريك راضياً بالشركة دون أن يشوبه غلط تدليس أو إكراه، وإلاّ يكون عقد الشركة قابلاً للإبطال لمصلحة الشريك الّذي شاب رضاه عيب، وله بعد الوقوف على التدليس أو رفع الإكراه أن يجيز العقد وفقاً للقواعد المقرّرة في إجازة العقود القابلة للإبطال.(1)


1 . الوسيط للسنهوري: 5 / 251 ـ 252 .


صفحه384

3. المساهمة بحصة مالية

إنّ كلّ شريك يجب أن يساهم بحصة في رأس مال الشركة ; وإنّ هذه الحصة قد تكون نقوداً، أو أوراقاً مالية، أو منقولات، أو عقارات أو حق انتفاع، أو ديناً في ذمّة الغير، أو اسماً تجارياً، أو شهادة اختراع، أو عملاً لواحد من الشركاء أو أكثر، أو غير ذلك يصلح أن يكون محلاًّ للالتزام.(1)

ولكنّ في جعل الدين في ذمّة الغير سهماً، موضع اختلاف عند الفقهاء، وإن كان الأقوى عندنا صحّة جعله سهماً. ونظير الدين، جعل العمل سهماً للشركة فقد منعه الفقهاء. ومرّ تحقيق الكلام فيه .

4. الربح والخسارة بنسبة الحصّة

طبيعة الشركة تقتضي أن يكون نصيب كلّ شريك في الربح والخسارة بنسبة حصّة في رأس المال، فإذا لم يعيّن عقد الشركة نصيب كلّ من الشركاء في الأرباح والخسائر، كان نصيب كلّ منهم في ذلك بنسبة حصّته في رأس المال.(2)

إلى هنا تمّ ما ذكروه من شروط الصحّة، ويضاف إلى ما ذكروه كلّ ما يشترط شرعاً في صحّة كلّ عقد بين المتعاقدين.


1 . نفس المصدر: 5 / 257 .

2 . نفس المصدر: 5 / 285 ـ 286 .


صفحه385

ج. خصائصها ومواصفاتها

1. تمثّل شركة المساهمة، الأُنموذج لشركات الأموال فإنّها تقوم على أُمور ثلاثة :

أ. على حجم رأس مال .

ب. على السمعة المالية .

جـ . على قيمة الأسهم في تداولها في أسواق المال حيث يتراجع ـ عدا مرحلة التأسيس ـ الاعتبار الشخصي، فيختفي دور الأشخاص .

وبذلك تتجسّد فكرة الشخصية المعنوية المستقلة بوضوح، فيظهر كيان اقتصادي خارج الأشخاص، ولا تتدخل أموال هذا الكيان مع أموال الأشخاص المكوّنين له .

2. لا يظهر اسم الشركاء في اسم الشركة لعددهم الكبير، ولغياب الاعتبار الشخصي، ولذلك يكون للشركة اسم مبتكر إضافة إلى دلالته على نشاط الشركة.

3. ربما تُشبه شركة المساهمة بالدولة، فكما أنّ الدولة مركّبة من سلطات ثلاث: التقنينية، التنفيذية، القضائية، فهكذا شركة المساهمة تتألف من هيئات لكلّ شأن خاص، وهي:

أ. الهيئة العامّة ـ الّتي هي بمنزلة السلطة التقنينية ـ وهي الّتي تضع الخطوط الرئيسية لنشاط الشركة.(1)


1 . وهي حسب مصطلحنا الجمعية العامة.


صفحه386

ب. مجلس الإدارة وهو بمثابة السلطة التنفيذية، يقوم بتنفيذ قرارات الهيئة العامة ويُسأل أمامه.(1)

ج. الرقابة المالية الّتي هي بمثابة السلطة القضائية.

نعم ربّما تتشكّل شركة المساهمة العامّة ولا يكون لهذه الأُمور الثلاثة وجود متميز، إذ ربّما يتداخل البعض في البعض، وربّما يكون أعضاء مجلس الإدارة من كبار المساهمين وهم في ذات الوقت أعضاء الهيئة العامّة.

4. ومن أبرز خصائص شركة المساهمة، المسؤولية المحدودة للمساهمين في ديون الشركة، فلا يسأل المساهم إلاّ بمقدار قيمة الأسهم الّتي اكتتب بها، فإن كانت قيمتها مدفوعة بالكامل فلا يسأل بأكثر منها.

نعم يكون الضمان بحدود رأس المال في بداية نشاط الشركة أمّا بعد ذلك فتسأل بكل موجوداتها.

أمّا إذا كانت بعض الأقساط غير مدفوعة فيسأل بمقدار غير المدفوع من قيمتها.

5. يقسم رأس المال في شركة المساهمة إلى أجزاء صغيرة تسمّى الأسهم وهي قابلة للتداول، وهذه الخاصّية والخاصّية المتقدّمة (المسؤولية المحدودة) هي الّتي تشجّع الأفراد على المشاركة في هذه الشركات، حيث إنّ المسؤولية محدودة أوّلاً، وللشريك أن يتخلّى عنها في أي وقت شاء ببيع سهمه للغير ثانياً، ولذلك تسمّى الشركة المفتوحة، إذ يستطيع كلّ شريك أن


1 . وهي حسب مصطلحنا هيئة الإدارة.


صفحه387

يدخل فيها أيّ فرد كان وتنتهي شراكته بالتخلّي عن الأسهم في سوق الأموال.

شركة المساهمة العامّة والفقه الإسلامي

إنّ شركة المساهمة العامّة لها شخصية معنوية وهي الّتي تملك جميع الأسهم وتكون هي الدائنة والمديونة.

وعند ذلك يطرح هذا السؤال: أنّ المالك أحد اثنين:

1. الشخصية المعنوية هي المالكة للأسهم وجميع الأموال والعقارات والأجهزة والمصانع، عند ذلك فلماذا تقسّم الأرباح على أصحاب الأسهم، فإنّ السهام قد خرجت عن ملك أصحابها ودخلت في ملكية الشخصية المعنوية؟ ولا يمكن لشيء واحد مالكان .

2. إن المالك نفس الأشخاص، وعندئذ تخرج عن شركة الأموال إلى شركة الأشخاص والمفروض خلافه .

وهذا هو الّذي يجب أن يُجاب عنه على وجه ينطبق مع الشريعة الإسلامية .

والّذي يمكن أن يقال: إنّ الصحيح هو الشق الأوّل، وأنّ أصحاب الأسهم يُملّكون ما بأيديهم من النقود والعقار للشركة المعنوية، فتكون الشركة ذات الشخصية المعنوية هي المالكية ولكن بشرطين :

الأوّل: إذا ربحت الشركة أن يكون لكلّ سهم من الربح حسب الحصص.


صفحه388

الثاني: إذا انحلّت الشركة ترجع أموالها إلى مَن قدّم الأموال إليها.

ولو صحّ ذلك الجواب يكون المعنى أنّ التمليك يكون تمليكاً مؤقتاً، ما دامت الشركة قائمة، ولكن يشترط على المالك الثاني (الشركة ذات الشخصية المعنوية) أنّه لو ربح يكون لكل سهم من الربح حسب الحصص يتعلّق به الربح حسب حصّته.

وبما أنّ التمليك معلّق على بقاء الشركة، فإذا انحلّت الشركة وتحقّق الشرط يرجع الملك إلى المالك الأوّل.

2. شركة المساهمة الخاصّة

عرّفت بأنّها الشركة الّتي يُقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية القيمة قابلة للتداول، ويكون لكلّ شريك عدد من هذه الأسهم، ولا يكون كلّ شريك مسؤولاً إلاّ في حدود الأسهم الّتي تملكها،(1) وتؤسّس بواسطة عدد لا يقل عن ثلاثة أشخاص ولا يسمح للجمهور باكتتاب الأسهم،(2) ورأس مالها لابدّ أن لا يقل عن المبلغ المحدّد في القانون يدفعه المؤسّسون بالكامل.

أقول: لا فرق بين المساهمة العامّة والخاصّة إلاّ في جواز الاكتتاب، فإنّه يسمح في الأُولى الاكتتاب ودعوة الجمهور للمشاركة فيها دون الثانية،


1 . يطرح في المقام نفس الإشكال المطروح في المساهمة العامة، أعني: مشكلة عدم الضمان مع اليسار.

2 . ولذلك وصفت بالمساهمة الخاصّة مقابلة للمساهمة العامة الّتي يُسمح فيها اكتتاب الأسهم. وهذا أحد الفوارق بين الشركتين: العامة والخاصّة.


صفحه389

والكلام في كونه على وفق الشريعة وعدمه، نفس الكلام في المساهمة العامّة.

3. الشركة ذات المسؤولية المحدودة

الشركة المحدودة عبارة عمّا تكون المسؤولية فيها محدودة بمقدار رأس المال الموجود عندهم فيقال: إنّه شركة محدودة برأس مالهم وليس لهم ضمان زائد عن رأس المال الموجود لديهم.

ويشترط أن تكون الأموال الّتي تشكل رأس مال الشركة، مؤدّاة سواء أكانت من الأموال النقدية، أم كانت من العروض.

ولابد أن يكون رأس المال المؤدّى معيّناً، مثلاً: بأن يكون المقدار المعيّن نقداً والمقدار الآخر عروضاً.

وتكون الشركة محدودة بسندات خاصة. ويعيّن من بين أصحاب الأموال مدير أو مدراء للقيام بأعمال الشركة، فهم المسؤولون فيها في قبال المشتري.

إنّ هذا النوع من الشركة يشارك شركة المساهمة العامة من جهة محدودة المسؤولية بمقدار أموالها ولكن يفارقها من وجهين:

الأوّل: أنّ للأشخاص دوراً في تأسيس الشركة وإدارتها بخلاف شركة المساهمة العامة، إذ فيها يختفي دور الأشخاص ويكون الاعتبار بأموال الشركة، وذلك لأنّه إنّما يقوم بهذا النوع من الشركة جماعة بينهم صداقة وخلة وبما أنّ لشركة المساهمة العامة قيوداً وشروطاً اعتبرها القانون، وربما


صفحه390

يصعب تحلّي الشركة بها، فهؤلاء بوصف أنّهم أصدقاء يرغبون عنها ويرجّحون تشكيل هذا النوع من الشركة الّتي هي حرّة من أكثر الشروط والقيود وبين المؤسسين تفاهم في أُمور الشركة.

الثاني: أنّ شركة المساهمة العامة ذات أسهم قابلة للتداول على ما مرّ لاختفاء الأشخاص فيها وصيرورة الأمر إلى أموال الشركة، بخلاف المقام فإنّ رأس المال لا يقسّم إلى أسهم، وليس للشريك بيع ما يملك به من رأس المال من الغير إلاّ برضا الكل، أو برضا ثلاثة أرباع من أصحاب الشركة على الأقل.

فلو تضرّرت الشركة فهنا صور:

1. لو كان هناك قصور من ناحية الشركاء بحيث كان الواجب عليهم أن يقوموا بأُمور ولكن قصّروا في وظائفهم فتضررت الشركة، فيكون المسؤول هم الشركاء الذين أوجدوا هذا الضرر.

2. إذا كان المدير أو المدراء قد اشتروا شيئاً أعقب الضرر لهذه الشركة وكان الشراء حينئذ لو خُلّي وطبعه موجباً لانتفاع الشركة، لكن الحوادث الخارجة عن اختيار المدير كنزول السوق أو لكثرة الاستيراد، أوجب تضرر الشركة، فالمسؤول أيضاً هم الشركاء، لأنّ المدير أمين قام بوظيفته.

3. لو كان هناك تفريط من المدير واشترى مع العلم بأنّ الشراء يوجب الضرر، وكانت القرائن تؤيده، كان هو المسؤول عن الضرر الوارد.

وفي جميع الصور إذا لم يكن رأس المال وافياً لأداء الديون يقتصر


صفحه391

بالموجود من رأس المال، وليس للديّان طرح الدعوى بالنسبة إلى بقية ديونهم.

هذه هي ماهية الشركة المحدودة.

إنّما الكلام في انطباقها على الشريعة الإسلامية .

عدم الضمان مع اليسار

وربّما يستشكل بأنّه إذا خسرت الشركة وكانت مدينة للناس وقد قصر رأس المال عن أداء الديون ولهم أموال خارج الشركة فكيف لا يضمنون للديّان مع أنّهم غير معسرين، بل واجدين لما يؤدّي ديونهم؟

وهذا الإشكال، لا يختصّ بهذا القسم، بل يأتي في القسمين المتقدّمين: المساهمة العامّة والمساهمة الخاصّة، كما مرّت الإشارة إليه في الهامش مرة بعد أُخرى، ويمكن الإجابة عنه بوجهين:

1. أنّ هذه الشركة ليست شركة الأشخاص بل هي شركة الأموال، وبما أنّ للشركة شخصية معنوية معتبرة فهي الّتي تتعامل وتتّجر وتربح أو تخسر، فإذا خسرت الشركة تكون هي المسؤولة أمام الديّان، والمفروض قصور رأس المال عن أداء تمام الديون، وإنّما تقدر على أداء بعضها.

وبعبارة أُخرى: إذا كان طرف المعاملة مع الناس هو الأشخاص كان عليهم أن يؤدّوا ديونهم من مال خارج عن رأس مال الشركة، لأنّهم هم المسؤولون أمام الناس.

وأمّا إذا كان طرف المعاملة هي نفس الشركة المعنوية المعروفة بشعار


صفحه392

الشركة المحدودة فيكون الضمان متعلّقاً بها، لا يتعدى إلى سائر أموال المشاركين.

2. أنّ الشركة لمّا تأسّست ووضعت لنفسها قوانين وضوابط وسجّلتها في الدوائر المختصة بتسجيل الشركات، فعندما تبدأ بالتعامل مع الناس فكأنّها تعقد معهم عقداً بهذه الشروط، فالمحدودية في الضمان هي شرط في كلّ عقد تعقده الشركة في معاملاتها، ولمّا كان الشرط أمراً لا يخالف الكتاب والسنّة ولا مقتضى العقد، يكون نافذاً، وليس مقروناً بأي جهالة ولا إبهام ولا غرر.


صفحه393

      الفصل الثالث

الشخصية المعنوية

الشخصية المعنوية في الشريعة الإسلامية

أسئلة وأجوبة:

1. خلو التشريع عن اعتبار الشخصية المعنوية

2. لم يحرز كونها عقداً شرعيّاً

3. الموارد المعدودة لا تصلح لانتزاع الضابطة

4. مورد الأمثلة هو الأموال العامّة

نتائج الشخصية المعنوية:

الأُولى: الذمّة المستقلة

الثانية: أموال الشركة ضمان لدائنها

الثالثة: لا تقع المقاصّة بين دين شخصي على الشريك ودين الشركة

الرابعة: إفلاس الشركاء لا يسري إلى الشركة وبالعكس

الخامسة: حق التقاضي

السادسة: موطن الشركة وجنسيتها

السابعة: للشركة التجارية جنسية

الثامنة: الأهلية


صفحه394

الشخصية المعنوية والشركة التجارية

البحث عن اعتبار الشخصية المعنوية للشركة التجارية، هو الموضوع الثالث الّذي أشرنا إليه في صدر التمهيد فنقول:

مكانة الشخصية المعنوية هي مكانة الشخص الحقيقي في جميع الأحكام إلاّ ما يرتبط بحقوق الأُسرة أو السياسة. فكما أنّ الشخص الحقيقي كزيد يملك ويتملّك، يبيع ويشتري، ويكون دائناً ومديناً، فهكذا يكون للشخص الاعتباري للشركة، هذه الشؤون في عالم الاعتبار ، وبما أنّ الأمر الاعتباري سهل المؤونة فلا مانع من أن يحلّ العنوانُ محل الفرد، والشخصيةُ مكان الشخص في كلّ الشؤون إلاّ ما يتصور فيها من أوصاف الشخص الحقيقي.

إنّ الشخصيّة المعنوية للشركة التجارية محلّ اتفاق بين أهل التقنين في الغرب فاتّفقوا على أنّه إذا تضافرت أركان الشركة وانعقدت الشركة صحيحة كانت نفس الشركة شخصاً معنوياً بمجرد تكوينها، وإن اختلفوا في وجود الشخصية المعنوية للشركات المدنية كما تقدم، ولكنّها ظاهرة جديدة في الفقه الإسلامي .


صفحه395

الشخصية المعنوية في الشريعة الإسلامية

وإذا أردنا أن نقف على موقف الشريعة من الشخصية المعنوية يمكننا الاستئناس بفهمها ممّا جاء في الشرع وصار موضوعاً للأحكام دون أن يكون شخصاً، نظير :

1. بيت مال المسلمين، فإنّ بيت المال يكون مالكاً دائناً ومديناً حسب ما يمثّل إدارته الحاكم الشرعي، فيصبح بيت المال شخصية معنوية لها من الأحكام ما للشخص، غير ما يرتبط بالصفة الإنسانية للإنسان.

2. الأراضي المفتوحة عنوة: وهي عنوان اعتباري، لها من الأحكام ما للمالك الحقيقي في غيرها، فالمالك لهذه الأراضي هو عنوان «المسلمين» من عصر الفتح إلى يوم القيامة، لا تباع ولا توهب ولكن تقبل من الآخرين للخراج .

عن محمد الحلبي قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد...».(1)

3. الإمامة، في الفقه الشيعي لها شخصية معنوية تملك الأخماس وغيرها لإدارة الأُمور المهمّة في المجتمع الإسلامي ، والظاهر من بعض الروايات أنّ الأخماس ملك لمقام الإمامة والإمام هو المدير لها، ففي رواية عن أبي علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء


1 . وسائل الشيعة: ج 16، الباب 18 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 .


صفحه396

فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي(عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه».(1)

4. عنوان الفقراء والمساكين، بالنسبة إلى الزكاة، فإنّ الزكاة ملك للعناوين الثمانية الواردة في الآية المباركة، ولا يملك الفقير شيئاً من الزكاة إشاعة وغيرها من سائر الصدقات إلاّ بالإقباض، وما هذا إلاّ لأنّ المالك هو العنوان، والمصاديق مصارف لها.

5. الموقوف عليهم، فإنّ الوقف ملك للموقوف عليهم بما لهم من استمرار عبر القرون والأعصار، ولذلك لا يباع ولا يوهب حتى يستمرّ الوقف حسب نيّة الواقف عبر الأزمان، وليس الموقوف ملكاً للفرد الموجود من الموقوف عليهم، وإلاّ لانتقل إلى الوارث، وإنّما هو ملك للعنوان ينتفع به مصاديقه واحداً تلو الآخر.

6. الكعبة المشرّفة، تتملّك الهدايا وما عليها من الثياب والزينة .

7. المسجد، عنوان اعتباري يتملّك ماله من الفرش والأواني والكتب وغيرها.

إلى غير ذلك ممّا يوجد في الفقه الإسلامي ممّا يمكن الاستئناس به بفهم الشخصية المعنوية، الّتي يتبناه الغرب وإن كانت موجودة في الفقه الإسلامي، بصورة أُخرى .


1 . وسائل الشيعة: ج 9، الباب 2 من أبواب الأنفال وما يختصّ بالإمام، الحديث 6 .


صفحه397

نعم ربّما يختلج بالبال بعض الأسئلة حول الشخصية المعنوية فتلزم الإجابة عنها .

السؤال الأوّل: خلوّ التشريع عن اعتبار الشخصية المعنوية

إنّ الشخصية المعنوية لم تكن معهودة في عصر الرسالة ولا في عصور أحد الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، حتى يكون السكوت عنها تقريراً لجوازها.

الجواب: لا يضرّ خلو التشريع الإسلامي عن التصريح بصحة الشخصية المعنوية لما قلنا في محله من عدم صحة انحصار المعاملات الصحيحة بالموجودة في عصر التشريع أو عصر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، بل يكفي في مشروعية كل معاملة دخولها تحت العمومات الواردة في الكتاب والسنّة، مثل قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم»، وبما أنّ الشخصية المعنوية ـ حسب الفرض ـ خالية عن أي عنصر منهي عنه كالربا والغرر والمخالفة لمقتضى العقد، يكفي ذلك في كونها من مصاديق العمومات الواردة على نحو القضايا الحقيقية. أضف إلى ذلك ما ذكر من العناوين السبعة الّتي وردت في الشريعة .

السؤال الثاني: لم يحرز كونها عقداً شرعيّاً

إنّ الموضوع هو العقود الشرعية الصحيحة الّتي نعلم بكونها عقداً عند الشرع والشخصية المعنوية بعد مورد شك في كونها مطهرة للعقد الشرعي


صفحه398

بعد فالتمسّك بالعموم في المقام لإثبات مشروعية هذه النوع من الشركات أشبه بالتمسّك بالعام في الشبهة المصداقية له.

الجواب: إنّ الموضوع هو العقد الصحيح عرفاً، لا العقد الصحيح شرعاً، وإلاّ امتنع التمسّك بالعمومات عند الشك في صحّة عقد عند الشك في الشرائط والأجزاء، مع أنّ الفقهاء اتّفقوا على التمسّك بها لأجل رفع الشك في الشرطية والجزئية . غاية الأمر أنّ العقد الصحيح عرفاً طريق ومرآة للعقد الصحيح شرعاً إلاّ إذا دلّ الدليل على خطأ الطريق وعدم التطابق بين الاعتبارين ، كبيع الخمر والخنزير والكلب أو البيع الربوي أو الغرري، فإنّها عقود عرفية صحيحة لكن الشرع حرّمها وأخرجها عن الاعتبار في محيط الشرع، فما لم يدل دليل على خروج شيء عن تحت العمومات، فالعمومات كافية في إثبات المشروعية له.

وهاهنا نكتة، وهي: أنّ الإمعان فيما أشرنا إليه من الآيات يثبت أنّ مناط وجوب الوفاء هو كون الشيء عقداً وعهداً أو كون المعاملة عن تراض وطيب النفس، أو أنّه التزام مؤمن لمؤمن آخر، فهذا هو المناط للوفاء بها. والجميع موجود في الشخصية المعنوية، غاية الأمر أخرج الشارع من هذه الضابطة ما كان غررياً أو ربوياً أو كان المبيع غير مملوك، وأمثال ذلك.

السؤال الثالث: الموارد المعدودة لا تصلح لانتزاع الضابطة

الموارد الّتي أُشير إليها، موارد محدودة، فكيف يمكن انتزاع ضابطة كلية وهي مشروعية الشخصية المعنوية في عامة المجالات بشرط أن لا


صفحه399

يكون فيها عنصر محرم؟!

الجواب: ما ذكرنا ليس من قبيل القياس، بل التوسعة من منظار آخر وهو أنّ باب المعاملات يغاير باب التعبديات. فالتعبديات ممّا أقفل الشارع بابها بوجه العباد، فلا يجوز لهم التدخل فيها من دون إذن خاص.

وأمّا المعاملات فهي أُمور عرفية ابتكرها الناس قبل البعثة النبوية وأقرّها الشارع لهم، غاية الأمر أضاف ـ تارة ـ إليها قيوداً وشروطاً لمصالح كامنة فيها، وردّ ـ أُخرى ـ ما اشتملت على المحرمّات.

وقد مرّ أنّ ما هو السبب لتصحيح الشخصية المعنوية دخولها تحت العمومات والإطلاقات وأنّ الملاك للصحة كون المورد عقداً عرفياً خالياً عن المحرّمات .

السؤال الرابع: مورد الأمثلة هو الأموال العامّة

ما ذكرته من الأمثلة الّتي اعترف فيها الشرع بالشخصية الحقوقية يجمعها عنوان خاص، وهو كونها من قبيل الأموال العامة دون أن تكون أموالاً لأشخاص معينين، فالتعدي عنها إلى غير الصدقات وإلى غير الأموال العامّة أمر غير صحيح.

نعم يمكن إلحاق المؤسسات الخيرية والخدمات ذات النفع العام بما ذكرنا من الأمثلة لافتراض أنّ التأسيس كان لغاية التعاون على البر والتقوى.

الجواب : الفرق غير فارق لما عرفت من أنّ الباعث لوجوب العمل بالالتزام ليس كون الشيء ممّا ينتفع به عامة الناس بل كون المورد عقداً


صفحه400

والتزاماً عرفيّاً وتجارة عن تراض مجرّداً عن المحرمات الّتي جعلها الشارع حدّاً للحلال والحرام.

***

ربّما يستدل على صحّة الشخصية المعنوية بما رواه الفريقان في الكتب الفقهية من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الناس مسلّطون على أموالهم».

قيل: ومقتضى التسلّط على المال جواز تمليك المال لما يعتبره العقلاء مالكاً، سواء أكان هو الشخص أو الشخصية .

يلاحظ عليه: بأنّ الحديث ـ على فرض ثبوته ـ ليس بمشرّع، فلا يمكن التمسّك به في مورد نشك في مشروعيته، فلو شككنا في مشروعية عقد من العقود فلا يبرّره تسلّط الناس على أموالهم. وإنّما يتمسّك به في مورد ثبتت المشروعية له، فيكون الناس مختارين في كيفية صرف أموالهم فيها بأي نحو شاءوا، وهذا أمر واضح لمن تدبّر في كلمات الشيخ الأنصاري وغيره حول الحديث .

وربّما يستدل على بطلان الشخصية المعنوية بأصالة عدم ترتّب الأثر على العقد المذكور وعدم انتقال الثمن من المشتري إلى الشركة وبالعكس.

والإجابة عنه واضحة بأنّه أصل عملي محكوم بالعمومات الواردة في الكتاب والسنة، فهي أدلة اجتهادية، والأصل المذكور دليل فقاهي لا موضع له مع وجود الدليل الاجتهادي.


صفحه401

نتائج الشخصية المعنويّة

ثم إنّ الحقوقيين بعد اعتبارهم للشركة، شخصية معنوية ـ كنفس الشخص ـ ، ذكروا لها نتائج نذكر المهم منها:

الأُولى: الذمّة المستقلة

إنّ للشركة ذمّة مالية مستقلة عن الذمّة المالية للشركاء، ولذلك لا يعتبر المال المملوك للشركة ـ رأس المال ونماؤه ـ ملكاً مشاعاً بين الشركاء، بل هو ملك للشركة ذاتها، لأنّها أصبحت شخصاً معنوياً.

وما ذلك إلاّ لأنّ الشركة شخص قانوني لا يمكن أن تفي بالتزامها وتقوم بنشاطاتها من دون أن يكون لها ذمّة مالية، ولذلك تُعدّ أموال الشركة ملكاً للشركة ولا تعدّ مالاً مشاعاً للشركاء، لأنّ ما يدفعه كلّ شريك من الحصص، يصبح ملكاً للشركة وليس للشركاء إلاّ حق احتماليٌّ في الأرباح وحصة منها تناسب ما قدّمه عند تصفية الشركة، نعم إذا انحلّت الشركة تصبح أموالها ملكاً مشاعاً بين الشركاء كلّ يأخذ حصّته.

الثانية: أموال الشركة ضمان لدائنها

لدائن الشركة حق مباشر على مال الشركة فلهم استيفاء ديونهم دون أن يزاحمهم فيه الدائنون الشخصيون للشركاء.

مثلاً إذا كانت الشركة مدينة لشخص لأجل الاستقراض أو شراء شيء نسية، فله أن يرجع إلى الشركة لاستيفاء دينه، وفي الوقت نفسه إذا كان فرد


صفحه402

من أعضاء الشركة مديناً لشخص لأجل شراء شيء لنفسه لا للشركة فليس للدائن الثاني أن يزاحم الدائن الأوّل، بل له أن يرجع إلى شخص المدين، إذا كان له مال خارج الشركة.

الثالثة: لا تقع المقاصّة بين دين شخصي على الشريك ودين للشركة

فإذا كان للشخص دين شخصي على الشريك وفي الوقت نفسه كان الشخص الدائن مديناً للشركة، لا يجوز أن يتمسّك بالمقاصّة بين الدين الّذي له على الشريك والدين الّذي عليه للشركة، بأن يجعل طلبه من الشريك عوضاً عن دينه للشركة وتتحقق البراءة بالتهاتر، ذلك لأنّه دائن على الشريك ومدين للشركة، فهو في الحقيقة دائن على شخص ومدين لشخص آخر.

الرابعة: إفلاس الشركاء لا يسري إلى الشركة وبالعكس

إفلاس الشركاء لا يسري إلى الشركة، وهكذا إفلاس الشركة إلى إفلاس الشركاء، لأنّ لكلّ منهما شخصيّته، وأمواله المستقلة، فعند إفلاس الشركة لا يمتدّ الإفلاس إلى الشركاء، لأنّ مسؤولية هؤلاء عن ديون الشركة محدودة بمقدار المساهمة برأس المال.

الخامسة: حق التقاضي

للشركة التجارية الّتي تمثّل الشخصية المعنوية حق التقاضي باعتبارها


صفحه403

شخصاً معنوياً فترفع الدعاوي على الغير، بل على الشركاء كما تُرفع عليها الدعاوي من الغير أو من الشركاء، ويمثّلها في الدعاوي الّتي ترفع منها أو عليها نائبها (وكيل الشركة) وذلك دون حاجة إلى إدخال الشركاء كلّهم أو بعضهم في الدعوى، إذ المفروض أنّ شخصية الشركة متميّزة عن شخصية الشركاء فيها.

السادسة: موطن الشركة وجنسيتها

للشركة التجارية ككلّ شخص معنوي موطن، وهو المكان الّذي يوجد فيه مقرّها الرئيسي أو مركز إدارتها ويسمّى عادة بمقرّ الشركة.

السابعة: للشركة التجارية جنسيّة

للشركة التجارية جنسية لا ترتبط بجنسيّة الشركاء وتكون جنسيّتها عادة هي جنسية الدولة الّتي اتّخذت فيها مركز إدارتها الرئيسي، ويترتّب على ذلك أنّ الشركات الّتي أُسست في الخارج واتّخذت مركز إدارتها في إقليم دولة أجنبيّة تعتبر شركات أجنبيّة، وبالتالي يسري على نظامها القانوني، قانونُ الدولة الّتي تنتمي إليها بجنسيّتها.

الثامنة: الأهلية

المراد من الأهلية هو قابليّة الشخصية المعنوية كنفس القابلية الموجودة في الشخص، فكما أنّه تضرب عليه الضرائب والحقوق، فهكذا


صفحه404

الشركة تضرب عليها الضرائب والحقوق، وكما أنّ الشخص الحقيقي له أهلية البيع والشراء والإجارة والرهن والهبة والاتّهاب، فهكذا لها هذه الأنشطة.

وحصيلة الكلام: أنّه يعامل معها بنفس المعاملة للشخص الحقيقي، ولا بأس بأن يشبه الشخصية المعنوية عند ولادتها بولادة شخص، فكما أنّ للشخص هذه الأُمور التالية:

1. الاسم.

2. الجنسية.

3. الموطن.

4. الذمّة الماليّة المستقلة.

5. الأهلية.

فهكذا للشركة هذه الأُمور الخمسة الّتي عرفتها في ثنايا البحث.(1)

***

بقي الكلام في تعلّق الخمس والزكاة بالشخصية المعنوية حسب معايير الفقه الإسلامي.


1 . وقد جرينا في تقرير هذه الأُمور حسب ما قرّره الحقوقي المصري السنهوري في كتابه: «الوسيط في شرح القانون المدني»: 5 / 290 ـ 297 .


صفحه405

      الفصل الرابع

الشركات الحديثة والفرائض المالية

1. تعلّق الخمس بأرباح التجارات

2. تعلّق الزكاة بمحاصيل الشركات الزراعية


صفحه406

إذا ثبتت مشروعية الشركات الحديثة وأنّها من مصاديق قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، يقع الكلام في كيفية تعلّق الفرائض المالية بأرباحها.

فلنقدّم البحث في أرباح التجارات الّتي هي موضوع للخمس، ثم نتبعه بالبحث عن تعلّق الزكاة بمحاصيل الشركات الزراعية.

1. تعلّق الخمس بأرباح التجارات

اتّفقت كلمة فقهاء الإمامية على تعلّق الخمس بكل ما يفضل عن مؤونة الإنسان ومؤونة عياله لسنة كاملة، لكن يقع الكلام في المقام في كيفية تعلّقه بالأرباح، وذلك لما مرّ من أنّ رأس المال في الشركة ملك للشخصية المعنوية وقد أخرجه المالك عن سلطنته وملّكه للشركة، فصارت الشركة هي المالك لا الشخص، وعندئذ يقع الكلام في وجوب إخراج الخمس على الشركة، مع أنّه من وظائف الإنسان، وقد مرّ أنّ الشخصية المعنوية تشارك الشخص إلاّ فيما يرجع إلى الصفة الإنسانية، والخمس ممّا يتعلّق بالمكلّفين والشخصية ليس لها هذا الشأن (التكليف).


صفحه407

فقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لوفد عبد القيس: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وهل تدرون ما الإيمان بالله: شهادة أن لا آله إلاّ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم ».(1)

والشخصية المعنوية ليست مكلّفة بشيء من هذه الأُمور الّتي منها إعطاء الخمس .

ونظيره معتبرة سماعة قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن الخمس؟ فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير». (2) ومن المعلوم أنّ الشخصية المعنوية ليست من مصاديق الناس.

وهكذا سائر ما ورد من الروايات حول وجوب الخمس في كلّ ما أفاد.

ويجاب عن الإشكال بما قدّ مرّ من أنّ كلّ شريك عندما يملّك حصته للشركة لا يملّكها لها على وجه الإطلاق، بل يملّكها بشرطين:

أ. أن تكون له حصة بالأرباح حسب حصّته .

ب. إذا انحلّت الشركة ترجع حصته إليه .

فعلى ضوء هذا فالأرباح عند رأس السنة تخرج عن ملك الشركة وتدخل في ملك المشاركين.

بل يمكن أن يقال بدخول الأرباح في ملكهم منذ ظهورها فيها،


1 . صحيح البخاري: 9 / 160، باب والله خلقكم وما تعملون، من كتاب التوحيد.

2 . الوسائل : ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6 .


صفحه408

وعندئذ ينطبق عليه عنوان الناس والمكلّف وغيرها، فيجب على الأرباح ـ بعد وضع المؤن ـ الخمس، بلا إشكال.

ولو افترضنا أنّ الشركاء حاولوا رفع سقف رأس المال، بجعل الأرباح جزءاً منه، فهذا يحتاج إلى تمليك ثان حتى تُملّك الأرباحُ للشركة، وعندئذ يجب عليه التخميس لدخول الأرباح في ملك الشركاء قبل تمليكها للشخصية المعنوية للاستثمار.

هذا ما يتعلّق بالخمس وأمّا الزكاة فهذا ما نبحثه تالياً.

2. تعلّق الزكاة بمحاصيل الشركات الزراعية

ذهب الفقهاء إلى أنّ في الحنطة والشعير عند انعقاد حبّهما الزكاة، وفي ثمر النخل حين اصفراره أو إحمراره، وفي ثمر الكرم عند انعقاده حُصْرماً .

نعم تجب الزكاة في الحنطة والشعير على مَنْ كان مالكاً عند انعقاد الحب، وفي ثمر النخل على من كان مالكاً حين الاصفرار أو الإحمرار، وفي ثمر الكرم على من كان مالكه عند انعقاده حُصرماً.

وهنا قول آخر: تجب الزكاة على من كان مالكاً عند صدق الحنطة والشعير والتمر، والعنب في الزبيب.

ومن المعلوم أنّ المالك في هذه الحالات هو الشخصية المعنوية، وليست بمكلفة، وقد مرّ أنّها تفقد ما يثبت للإنسان بوصف كونه إنساناً، فتكون النتيجة عدم وجوب الزكاة على محاصيل الشركات الزراعية وإن بلغت آلاف الأطنان.


صفحه409

الجواب: أنّه لا إشكال في عدم الوجوب إذا بلغ مجموع المحاصيل حدّ النصاب، ولكن لم يصل نصيب كلّ واحد من الشركاء حدّه. وقد ورد في صحيح محمد بن قيس قوله (عليه السلام): «ولا يفرّق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق»(1)، والشاهد في قوله: «ولا يجمع بين متفرّق»، لو أُريد من التفرّق، التفرّق في الملك بتعدّد المالكين، فلا يجمع بين أنصبهم وإن كانوا في مكان واحد .

إنّما الكلام إذا بلغ نصيب كلّ واحد حدّ النصاب، بعد التوزيع، فالظاهر وجوب الزكاة عندئذ، لأنّ مالكية الشخصية المعنوية تعبير آخر عن مالكية الشركاء، فإنّ العنوان في المقام يلازم المعنون.

توضيحه: أنّ العناوين بالنسبة إلى المعنون على قسمين:

الأوّل: تارة لا يكون الحكم على العنوان حكماً على المعنون، لعدم الملازمة كمالكية الدولة ومالكية السلطات الثلاث المتمثّلة فيها الدولة. فلا يلزم من مالكيتها مالكية رؤوساء هذه السلطات الذين يمثّلون الدولة، أو مع الوزراء الذين يصبحون عماداً للدولة.

الثاني: ما يكون الحكم على العنوان مرآةً للحكم على المعنون، وذلك لعدم كون المعنون منحازاً عن العنوان كانحيازه في القسم الأوّل. فإذا انعقدت الحبّة أو صدق عنوان الحنطة والشعير، في ملك الشخصية المعنوية كأنّها انعقدت في ملك الشركاء.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 .


صفحه410

ويؤيد ذلك أمران:

الأوّل: أنّ الشركة والشركاء في نظر العرف في عرض واحد، لا أنّ الثانية في طول الأُولى، وهذا يكفي في إيجاب الزكاة على الشخصية المعنوية.

الثاني: الأخذ بالملاك، فإنّ إيجاب الفريضة المالية في الغلاّت الأربع لغاية سد حاجة الفقراء والمساكين، فلا فرق بين كون المالك عند انعقاد الحبة هو الشخصية المعنوية أو الشركاء، وإلاّ لزم جواز الفرار عن الفرائض المالية بإنشاء الشركات الزراعية.

هذا ما سنحت به الفرصة لدراسة أحكام الشركات الحديثة، وأمّا دراسة أحكام النظام الإداري الّذي يفقد الإطار الموحّد في كافة البلدان، أو دراسة القوانين المصوبة عند انحلال الشركات، فالجميع خارج عن الغرض المنشود، لاختلاف القوانين في الموردين حسب آراء الحقوقيين في أكثر البلاد الغربية والشرقية.


صفحه411

الرسالة السابعة عشرة بعد المائة

التأمين

في

الشريعة الإسلامية الغرّاء


صفحه412


صفحه413
بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:

الإنسان رهن نكبات ونوائب لا تنتهي ما دام يعيش في هذه الدار الّتي أوّلها عَناء وآخرُها فناء، فالمخاطر تَحدقُ به من كلّ جانب، تُصيبه وهو في بيته، وتُرهقه وهو في مقر عمله، وتناله وهو يستقل الطائرة أو السيارة أو يخوض البحر بسفينته.

والإنسان قد يُرزأ في نفسه أو في صحّته أو في عضو من أعضائه، أو في مقتنياته، ولكي تُجبر خسارته ويُخفِّف من وطأة المصيبة عليه أو على أُسرته، لم يزل نراه يتمسّك بأُمور مختلفة لكي يقلّل الأضرار المتوجّهة إليه، وقد كان لكل زمن نوع خاص من التأمين.

فللتأمين جذور قديمة في حياة الإنسان في القرون الغابرة ولكن بأشكال مختلفة، منها:

1. ضمان الجريرة أو ضمان الولاء

إنّ ضمان الولاء كان رائجاً في المجتمع العربي قبل الإسلام، فإذا خاطب أحدٌ شخصاً، وقال: عاقدتُك على أن تنصرني وتمنع عني وتعقل


صفحه414

عني وترثني، فقال الآخر: قبلتُ، فقد تحقّق العقد وصار القابل ضامناً لعقله ودينه في مقابل أنّه يرثه. فكان هذا نوعاً من التعاون حيث إنّ المخاطب يضمن ديته فتخفف مصيبته في مقابل أنّه يرثه بعد موته.

2. ضمان العاقلة

إنّ القتل إن كان عمداً وجبت الدية على الجاني في ماله.

وأمّا دية الخطأ المحض فهي على العاقلة والمراد بها العصبة. وبما أنّ العصبة لا تنحصر بفرد واحد، بل تتشكّل من جماعة كبيرة فتقسَّمُ الديةُ عليهم، وبذلك يحصل التخفيف على الخاطئ.

3. التعاون العشائري

إذا جنى أحد أفراد العشيرة على شخص آخر من عشيرة أُخرى، فالرائج بين العشائر هو المشاركة في دفع الدية.

كلّ ذلك كان رائجاً في المجتمعات السابقة تقليلاً للخسائر وتسهيلاً للأمر على الفاعل.

ولمّا كانت الحياة مقرونة بالمصائب والمخاطر، التجأ الإنسان في المجتمعات السابقة إلى هذه الأنماط من التأمين لتخفيف الوطأة عليه.

وهناك نوع رابع جوّزه الفقهاء في كتبهم ويسمّونه بضمان الدرك، ويراد به أنّ المشتري ربّما يتخيّل أنّ المبيع مستحق للغير، وليس البائع مالكاً، فعندئذ يشتري المبيع ولكن يطلب الضمان وأنّه إذا بان مستحقاً للغير


صفحه415

يضمن عن البائع شخص آخر .

ونظيره في جانب البائع فربّما يحتمل أن يكون الثمن مستحقاً للغير، فلا يبيع إلاّ بوجود ضامن يضمن له الثمن.

هذه الأُمور الجزئية كانت سائدة بين الناس، غير أنّ اتّساع التجارة البرية والبحرية صار سبباً لإنشاء الشركات لتأمين البضائع المستوردة أو المصدّرة.

انتشار التأمين

قد ذكر الدكتور عبدالرزاق أحمد السنهوري تاريخ انتشار التأمين على وجه الإجمال، ونحن نذكره باختصار.

يقول: ظهرت الحاجة إلى التأمين أوّل ما ظهرت في أُوربا في أواخر القرون الوسطى، فبدأ التأمين البحري في الانتشار منذ أواخر القرن الرابع عشر مع انتشار التجارة البحرية بين مدن إيطاليا والبلاد الواقعة في حوض البحر الأبيض المتوسط. وكان التأمين آنذاك مقصوراً على البضائع الّتي تنقلها السفن ولم يمتد إلى التأمين على حياة البحّارة والرُّكّاب. فالتأمين البحري كان أوّل أنواع التأمين في الظهور، وأعقبه بعد مدّة طويلة، التأمين البري، إذ بدأ ظهور هذا التأمين في انجلترا في خلال القرن السابع عشر، وأوّل صورة ظهرت منه كانت صورة التأمين من الحريق، وانتشر التأمين من الحريق في خلال القرن الثامن عشر في كثير من البلاد، خاصة في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية .


صفحه416

ثم ظهرت صور جديدة للتأمين أهمها: التأمين من المسؤولية وكان التأمين من الحريق قبل ذلك يشمل التأمين من مسؤولية المستأجر عن الحريق، ومسؤولية الجار عن الحريق، وكذلك ظهر ـ بانتشار الصناعة والآلات الميكانيكية وتعرض العمال لمخاطرها ـ التأمين في حوادث العمل.

أمّا التأمين على الحياة فقد تأخّر في الظهور إلى اقتراب القرن التاسع عشر.

وظهرت صور جديدة للتأمين في غضون القرن العشرين، وإليك رؤوسها:

1. التأمين من السرقة .

2. التأمين من تلف المزروعات والآلات الميكانيكية.

3. التأمين من موت المواشي.

4. تأمين العمال من إصابات العمل .

5. تأمين العمال من المرض والعجز والشيخوخة.

6. التأمين من حوادث السيارات.

7. التأمين من أخطار الحروب.

8. التأمين من حوادث النقل الجوي والبحري.

9. التأمين من المسؤولية عن مزاولة المهنة (مسؤولية الطبيب والجراح) .


صفحه417

10. التأمين من استهلاك السندات، وتأمين الدين.(1)

وكلّما اتّسع نطاق المسؤولية واشتدّت الحاجّة إلى التأمين ظهرت صور متنوعة من التأمينات الاجتماعية . كلّ ذلك لأجل أنّ التأمين يقلّل ضرر الإنسان حيث يمتلك رصيداً لمستقبله ومستقبل أُسرته، فيندفع إلى السباحة في تيار الحياة بعزم قوي وهمّة عالية وهو مرتاح النفس مطمئن البال .

***


1 . الوسيط للسنهوري: 7 / 1096 ـ 1097 .


صفحه418

 

1

تعريف التأمين

من خلال قراءة آراء المجيزين والمانعين للتأمين ـ على ما سيوافيك ـ قد لا توجد حاجة إلى ذكر تعريف خاص للتأمين، خصوصاً أنّ للتأمين أقساماً كثيرة، فالتعريف بشكل جامع للأقسام ومانع للأغيار، أمر مشكل، ومع ذلك كلّه نذكر بعض ما ذُكر من التعاريف:

1. التأمين: عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدّي إلى المؤمَّن له، أو إلى المستفيد الّذي اشترط التأمين لصالحه، مبلغاً من المال أو إيراداً مرتباً أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقّق الخطر المبيّن بالعقد، وذلك في نظير(مقابل) قسط أو أية دفعة مالية أُخرى يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن .(1)

افرض إنّ شخصاً يتعرض لخطر في شخصه ـ كما في التأمين على الحياة ـ أو في ماله ـ كما في التأمين من الحريق أو التأمين من المسؤولية ـ فيعمد إلى تأمين نفسه من هذا الخطر بأن يتعاقد مع شركة تأمين يؤدي لها أقساطاً دورية في نظير (مقابل) أن يتقاضى منها مبلغاً من المال عند تحقّق الخطر، وقد سُميّ هذا الشخص المؤمَّن له، ويجوز أن يشترط دفع المال


1 . الوسيط للسنهوري: 7 / 1084 .


صفحه419

عند تحقّق الخطر لشخص آخر غيره، ففي التأمين على الحياة مثلاً قد يشترط المؤمَّن له دفع مبلغ التأمين لزوجته أو لأولاده فيسمّى هذا الشخص الآخر المستفيد.

2. التأمين: عقد واقع بين المؤمّن والمستأمن (المؤمِّن له) بأن يلتزم المؤمّن جبر خسارة كذائية إذا وردت على المستأمن في مقابل أن يدفع المؤمن له مبلغاً أو يتعهد بدفع مبلغ يتّفق عليه الطرفان.(1)

3. عُرّف التأمين في قانون التأمين الإيراني بما هذا ترجمته:

إنّ عقد التأمين عقد بموجبه يتعهد أحد الطرفين بأن يدفع لآخر مقداراً معيّناً من المال أو يعوّضه خسارة كذائية عند وقوع حادث أو لحوق ضرر بالمؤمَّن له، في مقابل أن يدفع الآخر مبلغاً يتفقان عليه في العقد.

ويقال للمتعهد: (المؤمِّن)، ولطرف التعهد: (المؤمن له أو المستأمن)، ولما يدفعه المؤمّن: (حق التأمين)، ولما يكون مؤمّناً عليه: (موضوع التأمين).

سواء أقلنا بأنّ التأمين عقد من العقود أو أنّه داخل في الهبة المعوَّضة أو من مقولة الصلح والضمان فليس ما جاء في عهد الإمام علي (عليه السلام)إلى واليه مالك الأشتر، من عقد التأمين بل هو مساعدة من الدولة إلى الضعفاء. وذلك لأنّ التأمين عقد بين المؤمِّن والمستأمن على اتّفاق مالي بينهما، فالمؤمِّن يتحمّل الخسارة في مقابل الرواتب الّتي يدفعها المؤمَّن له، إليه وهذا القيد


1 . تحرير الوسيلة: 2 / 547، المسائل المستجدة، المسألة 1 .


صفحه420

ليس موجوداً في الموردين المذكورين .

فقد جاء في هذا العهد قوله (عليه السلام): «وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ»(1).

ومثله ما روي عنه(عليه السلام)أنّه مرّ عليه شيخ مكفوف كبير، يسأل، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال»(2).

***


1 . نهج البلاغة، عهد الإمام إلى مالك الأشتر: 438 .

2 . الوسائل : ج 11، الباب 19 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1 .


صفحه421

قوام التأمين بأُمور أربعة

قد تلخّص من هذه التعاريف أنّ قوام التأمين بمايلي:

1. أنّه عقد يتم بتراضي الطرفين، ولا يتوقف انعقاده على شكل معيّن.

2. أنّه عقد معاوضة، يقوم على أنّ المستأمن يدفع أقساط التأمين، فيتملّكه المؤمِّن في مقابل قبول المسؤولية عند طروء الحادث، ويتفرّع عليه أنّ العلاقة بين الطرفين ليست قائمة على أساس التبرّع.

3. أنّه عقد مُلزِم للطرفين بعد إتمام الإجراءات المطلوبة، بحيث لا يحق لأحدهما الانفكاك عمّا التزم به.

4. أنّه عقد زمني يكون الزمن عنصراً أساسياً فيه، حيث يلتزم المؤمِّن تحمُّل الأخطار المؤمَّن منها لمدة محدّدة ابتداءً من تاريخ محدّد .

ما نقلناه من التعاريف إنّما ينسجم مع القول بكون عقد التأمين عقداً مستقلاً، لا صلة له بسائر العقود، وأمّا من يدخل عقد التأمين في الهبة المعوّضة أو يراه ضماناً أو صلحاً فيختلف تعريفه مع ما ذكرنا من التعاريف.

وبما أنّ المختار عندنا أنّه عقد مستقل فلا حاجة إلى تعريفه بصورة الهبة المعوّضة أو الضمان أو الصلح .


صفحه422

 

2

تقسيم التأمين

يقسّم التأمين إلى: تأمين تعاوني وتأمين تجاريّ ثابت، وإليك بيان كلّ منهما:

التأمين التعاوني

وهو أن يتفق عدة أشخاص على أن يدفع كلّ واحد منهم مبلغاً معيّناً لتعويض الأضرار الّتي قد تصيب أحدهم إذا تحقّق خطر معيّن.

والتأمين بهذا المعنى أشبه بصندوق تعاوني يؤسّسه عدد من أصحاب الخير، فيخصّون جزءاً من أموالهم بهذا الصندوق لإغاثة المستغيثين، أو لجبر الخسارة الّتي تصيب أفراد هذه الجمعية فقط .

فلا شكّ أنّه من مصاديق قوله سبحانه: (وَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)(1)، ولكنّه قليل التطبيق في وقتنا الحاضر، ولا يوجد مثل هذا الصندوق إلاّ بين العوائل الكبيرة أو بعض العشائر، ولا يكفي لمهمة التأمين


1 . المائدة: 2 .


صفحه423

في التجارة البحرية أو الجوية أو البرية، أو في جبر الخسائر الّتي تسببها الزلازل والحروب والفتن، ولذلك لجأ الناس إلى تأسيس تأمين آخر، وهو التالي.

التأمين التجاريّ

فهو أن يلتزم المؤمَّن له بدفع قسط محدّد إلى المؤمِّن، وهو شركة التأمين المكونة من أفراد مساهمين، يتعهد (أي المؤمِّن) بمقتضاه دفع مبلغ معيّن عند تحقق خطر معيّن. وهو النوع السائد الآن. ويدفع العوض إمّا إلى مستفيد معيّن أو إلى شخص المؤمَّن له أو إلى ورثته، وهذا هو الّذي نخصصه بالدراسة المفصّلة .

***

وهناك تقسيم آخر وهو تقسيمه إلى: التأمين على الأشخاص، والتأمين من الأضرار.

أمّا النوع الأوّل: فالمراد به التأمين من الأخطار الّتي تهدد الشخص في حياته أو في سلامة أعضائه أو صحّته أو قدرته على العمل، وبعبارة أُخرى: يكون الخطر المؤمن منه يتعلّق بحياة الإنسان أو صحّته وسلامته .(1)

وله أنواع:


1 . الوسيط: 7 / 1373 .


صفحه424

1. التأمين من الإصابات

وهو عقد يلتزم بمقتضاه المؤمِّن في مقابل أقساط التأمين أن يدفع للمؤمَّن له أو للمستفيد ـ إذا لحقته إصابة بدنية ـ مصروفات العلاج والأدوية كلّها أو بعضها.

2. التأمين من المرض

وهو أن يلتزم المؤمَّن بدفع مبلغ معيّن للمؤمَّن له في حالة ما إذا مرض ـ أثناء مدة التأمين ـ وأن يرد عليه مصروفات العلاج والأدوية كلّها أو بعضها حسب الاتفاق. والخطر المؤمن منه قد يشمل جميع الأمراض، وقد يقتصر على الأمراض الجسمية، أو على العمليات الجراحية، أو بعض الأمراض دون البعض الآخر.

3. التأمين على الحياة

وهو عقد يلتزم بمقتضاه المؤمِّن بأن يدفع لطالب التأمين أو لشخص ثالث مبلغاً من المال عند موت المؤمَّن له أو عند بقائه حيّاً مدة معيّنة. وللتأمين على الحياة صور كثيرة تزداد يوماً بعد يوم، نذكر منها على وجه الإيجاز:

1. التأمين لحالة الوفاة.

2. التأمين لحالة البقاء (أي بقاء المؤمَّن له على حياته حيّاً).

3. التأمين المختلط (بين الحالتين السابقتين).


صفحه425

4. التأمين الاجتماعي أو التأمين على الموظفين والعمال.

والتأمين على الحياة قد يكون على حياة الشخص نفسه وقد يكون على حياة الغير، وفي الحالة الثانية تشترط موافقة المؤمَّن له قبل إبرام العقد.(1)

وأمّا النوع الثاني: في هذا التقسيم وهو التأمين من الأضرار ويكون فيه الخطر المؤمّن منه أمراً يتعلق بمال المؤمَّن له لا بشخصه، وله أنواع كثيرة، منها: التأمين البحري، والتأمين البري، والتأمين الجوي، والتأمين على الأشياء، والتأمين على المسؤولية .(2)


1 . التأمين الإسلامي: 83 ـ 91.

2 . الوسيط: 7 / 1522; التأمين الإسلامي: 79 و 92 وما بعدها.


صفحه426

 

3

دراسة التأمين بما هو هو

وعلى النحو المتعارف بين الناس

اللازم على الفقيه في عامة المسائل الفقهية والمستجدة خاصة دراسة المسألة بما هي هي لا بملابساتها ومقارنتها أوّلاً، وبالنحو المتعارف بين الناس ثانياً.

أمّا الأوّل: فدراسة المسألة بما هي هي فلأجل أنّ بيان الحكم فرع تحليل الموضوع، فالذي يتحمّل الحكم جوازاً ومنعاً هو نفسه. وأمّا أنّ القائمين بمثل هذه المسائل ربّما يرتكبون أُموراً محرّمة في طريق المسألة أو بعدها، فهي خارجة عن مسؤولية الفقيه.

فلو كان التأمين بما هو هو عقداً مقبولاً عقلاً وشرعاً، ولكن افترضنا أنّ شركات التأمين تستثمر الأموال المتجمعة عندها عن طريق الأقساط بالإقراض الربوي أو سائر المعاملات غير المشروعة، فهذا لا يكون دليلاً على عدم مشروعية التأمين بما هو هو، وهذا هو ما ركّزنا عليه بأنّ الموضوع للجواز والمنع هو ذات المسألة وموضوعها مجرداً عما ربّما يلحقها من المحذور جراء ممارسات القائمين بشأن هذه الشركات .


صفحه427

وأمّا الثاني: فهو أنّ كثيراً من المحلّلين يُدخلون عقد التأمين تحت عنوان المضاربة الشرعية أو الجعالة أو الصلح أو غير ذلك، ممّا ليس منه أثر بين الناس، لا في فكر المؤمِّن ولا في تفكّر المؤمَّن له فهذا النوع من التحليل ليس بصحيح ، لأنّ العقود تابعة للقصود، فإذا قصد المتعاقدان ما هو المفهوم الرائج فلا ينفعه إدخال التأمين تحت سائر العقود المشروعة. وسيوافيك أنّ قسماً من الفقهاء ـ سنّة وشيعة ـ حاولوا تصحيح التأمين ببعض هذه الطرق.


صفحه428

 

4

التأمين وآراء الفقهاء فيه

إنّ التجارة البرية والبحرية كانت أمراً رائجاً في المجتمعات المتحضرة، وكانت لقريش رحلتان شتاءً إلى اليمن وصيفاً إلى الشام، وطبيعة الحال تقتضي أن يكون للتاجر العالق قلبه بماله، فكرة لتضمين ماله في الطرق وصيانته من تطاول اللصوص والسرقة. وقد عرفت مبدأ فكرة التأمين في الغرب، وأنّها بدأت تنمو وتنتشر في البلاد الغربية من القرن الثاني عشر، إنّما الكلام في تبيين مبدأ الفكرة بين المسلمين، فربّما يقال أنّ أوّل من أفتى بحكم التأمين هو العلاّمة أحمد بن يحيى المرتضى الفقيه الزيدي (764 ـ 840 هـ) مؤلف كتاب «البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار»، فقد قال في كتابه هذا: إنّ ضمان ما يسرق أو يغرق باطل .(1)

فإنّ عبارته تنطبق على التأمين البحري وضمان السرقة في مقابل شيء، هي نفس التأمين.

أقول: ما ذكره وإن كان ينطبق على التأمين ولكنّه فرع من مسألة كلية مطروحة في الفقه وهي ضمان الأعيان الخارجية، وأنّه هل يصح أو لا؟ فإنّ القائل بالمنع يخصّ الضمان بضمان ما في الذمّة ويمنع عن ضمان الأمر الخارجي عنها.


1 . البحر الزخار : 144 .


صفحه429

وللمسألة جذور في الفقه الإسلامي .

قال المحقّق: وفي ضمان الأعيان المضمونة، كالغصب، والمقبوض بالبيع الفاسد، تردّد، والأشبه الجواز .(1)

وقد بسط الكلام فيه صاحب الجواهر عند شرحه لعبارة المحقّق هذه.(2)

ولعلّ عبارة الفقيه الزيدي ناظرة إلى تلك المسألة، لا إلى التأمين ومع ذلك يمكن أن تكون ناظرة إلى مسألتنا. وعلى كل تقدير فلمسألة التأمين جذور في الفقه الإسلامي، ولنذكر أقوال الفقهاء الذين درسوا هذه المسألة بشكل واضح، وهم:

1. العلاّمة ابن عابدين(3) فقد عقد في حاشيته المعروفة بـ «رد المحتار على الدر المختار»: فصلاً باسم: استئمان الكافر وقال: وفيما قررنا يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا، وهو أنّه جرت العادّة أنّ التجار إذا استأجروا مركباً من حربي يدفعون له أُجرته ويدفعون أيضاً مالاً معلوماً لرجل حربي مقيم في بلاده، يسمّى ذلك المال «سوكرة» على أنّه مهما هلك من المال الّذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غير ذلك، فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم وله وكيل عنه ] كافر [مستأمن في دارنا يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان، يقبض من التجار مال


1 . شرائع الإسلام: 2 / 109، كتاب الضمان، في الحق المضمون.

2 . جواهر الكلام : 26 / 140 .

3 . هو محمد أمين بن عمر بن عبدالعزيز عابدين الدمشقي، الفقيه الحنفي المتوفّى عام 1250 هـ .


صفحه430

السوكرة، وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدّي ذلك المستأمن (الكافر) للتجار بدله تماماً.

قال: والّذي يظهر لي أنّه لا يحلّ للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله، لأنّ هذا التزام ما لا يلزم (أي ضمان ما لم يجب). (1)

ثم أورد على نفسه وقال:

فإن قلت: إنّ المودع إذا أخذ أُجرة على الوديعة يضمنها إذا هلكت .

فأجاب: أنّ مسألتنا ليست من هذا القبيل، لأنّ المال ليس في يد صاحب السوكرة بل في يد صاحب المركب، وإن كان صاحب السوكرة هو صاحب المركب يكون أجيراً مشتركاً قد أخذ أُجرة على الحفظ وعلى الحمل وكلّ من المودع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت والغرق ونحو ذلك .(2)


1 . قد مرّ منّا في كتاب الشركة أنّ الضمان بمعنى قبول المسؤوليّة، وجبر الخسارة عند التلف أمر معقول ومشروع اذاكان مورد الضمان مظنة للتلف وطروء الخسارة، والضمان بهذا المعنى لا صلة له بالضمان المصطلح، سواء أفسر بنقل الذمة إلى ذمّة أو ضمّها إلى أُخرى، فلاحظ.

2 . حاصل كلامه: وجود الفرق بين الودعي والمؤمِّن حيث إنّ المال يقع في يد الودعي دون المقام، إذ هو في يد صاحب المركب، ولو افترض وحدة المؤمِّن وصاحب المركب، فلا يصح الضمان فيما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت والغرق من غير فرق في ذلك بين المؤمِّن والودعي ولعل وجه عدم الصحة، كونهما من قضاء الله الّذي لا يبدلّ ولا يغير فكيف يضمن عنه.

      يلاحظ عليه: أنّ ضمان ما لا يمكن الاحتراز عنه ليس بمعنى المقابلة مع قضاء الله سبحانه، بل بمعنى جبر الخسارة الواردة على صاحب المتاع من هذه الناحية، ولا فرق في الضمان بهذا المعنى، بين سرقة المال، وغرق المركب.


صفحه431

فإن قلت: سيأتي قبيل باب كفالة الرجلين ] إذا [ قال لآخر: اسلك هذا الطريق فإنّه آمن، فسلك وأخذ ماله، لم يضمن ; ولو قال: إن كان مخوفاً وأُخذ مالك فأنا ضامن، ضمن. وعلّله الشارح هناك بأنّه ضمن الغارّ صفة السلامة للمغرور نصاً. انتهى. أي بخلاف الأُولى فإنّه لم ينص على الضمان بقوله: فأنا ضامن. وفي جامع الفصولين: الأصل أنّ المغرور إنّما يرجع على الغارّ لو حصل الغرور في ضمن المعاوضة أو ضمن الغارّ صفة السلامة للمغرور فصار كقول الطحان لرب البرّ: إجعله في الدلو فجعله فيه فذهب من النقب إلى الماء وكان الطحان عالماً به، يضمن إذ غرّه في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة. انتهى.

قلت: لابدّ في مسألة التغرير من أن يكون الغارّ عالماً بالخطر كما تدلّ عليه مسألة الطحان المذكورة، وأن يكون المغرور غير عالم، إذ لا شكّ أنّ ربّ البُرّ لو كان عالماً بنقب الدلو يكون هو المضيّع لماله باختياره، ولفظ المغرور ينبئ عن ذلك لغة، لما في القاموس: غرّه غرّاً وغروراً فهو مغرور وغرير: خدعه وأطمعه بالباطل فاغترّ هو. انتهى. ولا يخفى أنّ صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار ولا يعلم بحصول الغرق، هل يكون أم لا، وأمّا الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار، لأنّهم لا يعطون مال السوكرة إلاّ عند شدّة الخوف طمعاً في أخذ بدل الهالك، فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل أيضاً .(1)


1 . حاصل السؤال: أنّ هنا صوراً ثلاثاً: 1. إذا قال اسلك هذا الطريق فإنّه آمن.

2. إذا قال إسلك إن أخذ مالك فأنا ضامن.

3. قال الطحان لصاحب البرّ: اجعله في الدلو وفيه ثقب يعلم به الطحان دون صاحب البُرّ، فلا يضمن في الأوّل، ويضمن في الثاني والثالث .

وحاصل ما أجاب: وجود الفرق بين الطحان والمقام لوجود التغرير فيه دون صاحب السوكرة، لأنّه لم يقصد تغرير التجار ولا يعلم بحصول الغرق، وأمّا الخطر من اللصوص والقطاع فصاحب السوكرة والتجار في العلم وعدمه سيّان.


صفحه432

نعم قد يكون للتاجر شريك حربيّ في بلاد الحرب فيعقد شريكه هذا العقد مع صاحب السوكرة في بلادهم ويأخذ منه بدل الهالك ويرسله إلى التاجر، فالظاهر أنّ هذا يحل للتاجر أخذه، لأنّ العقد الفاسد (1) جرى بين حربيين في بلاد الحرب، وقد وصل إليه مالهم برضاهم، فلا مانع من أخذه .

وقد يكون التاجر في بلادهم فيعقد معهم هناك ويقبض البدل في بلادنا، أو بالعكس. ولاشكّ أنّه في الأُولى إن حصل بينهما خصام في بلادنا لا يقضي للتاجر بالبدل، وإن لم يحصل خصام ودفع له البدل وكيله المستأمن هنا يحل له أخذه، لأنّ العقد الّذي صدر في بلادهم لا حكم له فيكون قد أخذ مال حربي برضاه.

وأمّا في صورة العكس بأن كان العقد في بلادنا والقبض في بلادهم، فالظاهر أنّه لا يحلّ أخذه ولو برضا الحربيّ لابتنائه على العقد الفاسد الصادر في بلاد الإسلام، فيعتبر حكمه هذا ما ظهر لي في تحرير هذه المسألة فاغتنمه فإنّك لا تجده في غير هذا الكتاب .(2)


1 . يريد بالعقد الفاسد، عقد التأمين فإذا كان الأخذ مبنياً على العقد الفاسد لا يحلّ الأخذ من غير فرق بين صدور العقد في بلاد الإسلام أو في بلاد الكفر، ولذلك حكم بالفساد في كلتا الصورتين.

2 . ردّ المحتار على الدر المختار: 3 / 249 ـ 250 .


صفحه433

2. مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده ففي شهر صفر سنة 1321 هـ ، سئل عن التأمين بالنحو التالي:

رجل يُريد أن يتعاقد مع جماعة على أن يدفع لهم مالاً من ماله الخاص على أقساط معيّنة ليعملوا فيها بالتجارة، واشترط عليهم أنّه إذا قام بما ذُكر وانتهى زمن الاتفاق المعيّن بانتهاء الأقساط المعيّنة وكانوا قد عملوا في ذلك المال وكان حيّاً، أخذ ما يكون له من المال مع ما يخصّه من الأرباح; وإذا مات في أثناء تلك المدّة يكون لورثته، أو لمن له حق الولاية في ماله أن يأخذ المبلغ، فهل يكون مثل هذا التعاقد ـ الّذي يكون مفيداً لأربابه، بما ينتجه لهم من الربح ـ جائز شرعاً؟ نرجو التكرّم بالإفادة.

فأجاب الشيخ بقوله: لو صدر مثل هذا التعاقد بين ذلك الرجل، وهؤلاء الجماعة، على الصفة المذكورة، كان ذلك جائزاً شرعاً، ويجوز لذلك الرجل ـ بعد انتهاء الأقساط، والعمل في المال وحصول الربح ـ أن يأخذ ـ لو كان حيّاً ـ ما يكون له من المال، مع ما خصّه من الربح، وكذا يجوز لمن يوجد بعد موته، من ورثته أو من له ولاية التصرّف في ماله بعد موته أن يأخذ ما يكون له من المال، مع ما أنتجه من الربح، والله أعلم .(1)

يلاحظ عليه: أنّ السائل سأل عن شيء أشبه بالمضاربة،(2) أو نفسها والشيخ أجاب طبقاً للسؤال، ولا صلة للسؤال والجواب بالتأمين.

والفرق بين التأمين والمضاربة واضح، لأنّ المال في المضاربة ملك


1 . التأمين الإسلامي للدكتور علي محي الدين القره داغي:149.

2 . لأنّ الغالب أو الأغلب في المضاربة دفع المال من المالك مرّة واحدة لا أقساطاً، والمفروض في كلام السائل هو الثاني.


صفحه434

المضارب ولا يخرج عن ملكه، بخلاف الأقساط الّتي يدفعها المستأمِن فهي تدخل في ملك المؤمِّن غاية الأمر يلتزم بجبر الخطر إذا توجّه إلى نفس المستأمن وماله.

وبذلك يُعلم أنّ ما نقل عن الشيخ عبدالوهاب خلاّف من أن أقرب العقود إلى التأمين هو عقد المضاربة، ليس بتام.

أضف إلى ذلك: أنّه لو افترضنا أنّ «المؤمَّن له » أعطى قسطاً واحداً أو أقساطاً قليلة ثم مات، يجب على شركة التأمين أن تدفع إلى ورثته أضعاف ما دفعه المؤمَّن له عبر سنوات حسب ما اتفقوا عليه ، وأين هذا من المضاربة الّتي لا تملِّك المضارب سوى رأس ماله وربحه عند انتهاء أجل المضاربة؟!

3. الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في وقته حيث قال في رسالته المسمّاة: (أحكام السوكورتاه) الّتي طبعت عام 1906 م: إنّ عقد التأمين فاسد وإنّ سبب فساده يعود إلى الضرر والخطر.

4. فقهاء المجلس الأعلى للأوقاف المصري حيث عرضت هذه المسألة على أعضاء المجلس من كبار العلماء، وهم بين حنفي ومالكي، وقد اجتمع رأيهم على أنّ الشركة المؤمِّنة تقع تحت حكم (أَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)(1).(2)


1 . النساء: 161.

2 . التأمين الإسلامي للدكتور علي محيي الدين القره داغي نقلاً عن الشيخ محمد أحمد فرج السنهوري المنشورة في بحوث اقتصادية وتشريعية للمؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية العالمية عام 1992 م .


صفحه435

5. الشيخ أبو زهرة، وقد أفتى بالتحريم، وقال في كلام مفصّل ما حاصله: إنّ المذاهب الإسلامية القائمة لا يوجد فيها من العقود الّتي تجيزها ما يتشابه مع عقد التأمين، أيّاً ما كان نوعه، وأنّ قاعدة الأصل في العقود والشروط الإباحة لا تكفي لإباحة التأمين لاشتماله على أُمور غير جائزة، وهي:

أ. الغرر والقمار.

ب. عقد لا محلّ له .

ج. التزام ما لا يلزم أو ضمان ما لم يجب .

وليس فيه تبرع واضح، بل هو في نظر أهله قائم على المعاوضة ولا مساواة فيه فأحد طرفيه مغبون لا محالة، وأنّه لا توجد حاجة ولا ضرورة تدعو إلى التأمين مع قيام الأسباب المحرمة، مع إمكان دفع الحاجة بما ليس محرّماً. وإلى أنّ الربا يلازم التأمين على النفس ومن وسائل الاستغلال عند الشركات، الإقراض بفائدة وليس عملها من باب المضاربة (1).(2)


1 . التأمين الإسلامي للدكتور علي محيي الدين القره داغي نقلاً عن الشيخ محمد أحمد فرج السنهوري المنشورة في بحوث اقتصادية وتشريعية للمؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية العالمية عام 1992 م .

2 . استدلّ الكاتب على البطلان بوجوه:

1. أحد الطرفين مغبون. 2. لا ضرورة تدعو إلى التأمين. 3. الربا يلازم التأمين على النفس. 4. شركات التأمين يقرضون المال بفائدة.

يلاحظ على الأوّل: أنّ صاحب المال ليس بمغبون مطلقاً، أمّا عند حدوث الحادثة فواضح إذ تكون الخسارة من جانب المؤمَّن له في مقابل مبلغ يسير، وأمّا عند عدمها فيكفي تحصيل الطمأنينة وسكون النفس في مقابل دفع مال رخيص، ولايعد هذا النوع من المبادلة من قبل صاحب المال، غبناً، وأمّا المؤمِّن فلأنّه يقدم على ذلك عن علم واطّلاع وهو يعلم أنّه لو غرق المال أو سرق لوجب عليه إعطاء مال عظيم، ومع ذلك كيف يطلق عليه أنّه مغبون والّذي يبعثه على عقد التأمين هو أنّه لو خسر في مورد لربح في موارد كثيرة، وهذا هو الداعي لإنشاء مؤسسة التأمين وتضمين الأموال في البرّ والبحر .

وأمّا الثاني: فضعفه ظاهر فإنّ الحياة في زماننا هذا لا تطيب بدون التأمين خصوصاً بين العمال والموظفين.

وأمّا الثالث: فكون التأمين على النفس يلازم الربا لا يدل على بطلان التأمين مطلقاً في غير مورد النفس، وستوافيك دراسة هذا الإشكال في المستقبل.

وأمّا الرابع: وهو استثمار التأمين بالأقساط المأخوذة وإقراضها بفائدة فقد مر أنّ المحرمات الجانبية لا توجب بطلان نفس المعاملة بما هي هي كما مرّ.


صفحه436

6. الفقيه المعاصر الدكتور وهبة الزحيلي، وقد ناقش هذه المسألة في كتابه «الفقه الإسلامي وأدلّته»، فقال: والحقيقة أنّ عقد التأمين من عقود الغرر ـ العقود الاحتمالية المترددة بين وجود المعقود عليه وعدمه ـ وقد نهى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيع الغرر، ويقاس عليه عقود المعاوضات المالية فيؤثر الغرر فيها كما يؤثر في عقد البيع .

وعقد التأمين مع الشركات من عقود المعاوضات المالية، فيؤثر فيه الغرر، كما يؤثر في سائر عقود المعاوضات المالية. وقد وضعه رجال القانون تحت عنوان «عقود الغرر»، لأنّ التأمين لا يكون إلاّ من حادث مستقبل غير محقّق الوقوع، أو غير معروف وقوعه، فالغرر عنصر لازم لعقد التأمين.

والغرر في التأمين كثير، لا يسير، ولا متوسط، لأنّ من أركان التأمين: «الخطر» والخطر هو حادث محتمل لا يتوقف على إرادة المتعاقدين.

ثم إنّه ردّ من يصحّح التأمين بوجود الحاجة العامة، قائلاً: بأنّ معنى


صفحه437

كون الحاجّة عامة أن تكون هي متعيّنة في قضائها حيث تُسد جميع الطرق المشروعة للوصول إلى الغرض، سوى ذلك العقد الّذي فيه الغرر، ثم قال: وبناءً عليه لا يحل لتاجر وغيره من المستأمنين أخذ بدل الهالك من مال السوكرة; لأنّه مال لا يلزم من التزم به، ولأن اشتراط الضمان على الأمين باطل.(1)

وحاصل كلامه: أنّه من العقود الغررية، وسيوافيك الكلام فيه في الفصل السادس تحت عنوان «شبهات وإيضاحات»: 1. التأمين والنهي عن بيع الغرر؟

7. الدكتور علي محيي الدين القره داغي رئيس قسم الفقه والأُصول بجامعة قطر، فقد ألّف كتاباً موسّعاً باسم: التأمين الإسلامي: دراسة فقهية تأصيلية مقارنة بالتأمين التجاري مع التطبيقات العملية.

وقد نقل أدلّة القائلين بالصحّة كما نقل أدلّة القائلين بالخلاف، ووافق ـ نهاية ـ المانعين وحرمة التأمين التجاري دون التأمين التعاوني بشرط أن يكون خالياً من الربا ومن أيّة مخالفة شرعية أُخرى. ثم إنّه عقد فصلاً للتأمين الإسلامي الّذي يقوم على مبدأ التعاون والتبرع وليس شيئاً مستقلاً وراء التأمين التعاوني(2) بالشرط المذكور، وإن أسهب الكلام فيه.

وقد أتحفنا المؤلف ـ زيد عزه ـ بكتابه هذا وهو أحد مصادرنا في نقل آراء وأقوال فقهاء السنة في مجال التأمين.


1 . الفقه الإسلامي وأدلته: 4 / 444 ـ 445، ط . دار الفكر .

2 . وقد مرّ الكلام فيه فلاحظ.


صفحه438

هذه آراء سبعة من فقهاء السنّة، وقد استمرت دراستهم للمسألة بعدها في المؤتمرات فالأكثر على التحريم والأقل على التحليل، أو التفريق بين التأمين التجاري فيحرم والتحريم التعاوني، فيجوز.

وأمّا علماء الشيعة فسنذكر منهم ما يلي:

8. السيد الفقيه الطباطبائي اليزدي (1247 ـ 1337 هـ) فهو أوّل من تعرض للمسألة في مجموعة له حول المسائل الفقهية الّتي أُلّفت بصورة السؤال والجواب.

فجاء في سؤال برقم 312: في أُناس يمضون إلى الهند ويشترون أجناساً وبها أُناس يضمنون لهم سلامة أموالهم إلى أوطانهم بأُجرة معلومة مثلاً من المائة لهم اثنان أو ثلاثة، فإن أصاب أموالهم تلف يُسلّمون لهم قيمة الأموال، هل يجوز هذا العمل؟

وهل فيه ترك الاتّكال على الله، والاعتماد على المخلوق لحفظ المال؟ أفدنا ممّا علمك الله ولك الأجر، والعمل المذكور باصطلاحهم يسمّونه «بيمه» .(1)

فأجاب: المعاملة المذكورة ليست شرعية وإذا أُريد تطبيقها على الوجه الشرعي له أن يصالح ماله لصاحب البيمة بالقيمة المعيّنة، ويشترط عليه أن يكون له خيار الفسخ إذا أعطى مثلاً مائة درهم إلى زمان معيّن،


1 . سؤال وجواب: 188، مسائل البيع. الطبعة الحديثة، وفي الطبعة الأُولى على ما ببالي مكان «بيمه» سوكرة.


صفحه439

وحينئذ فإن تلف المال فله القيمة ] أخذاً بالضابطة: كلّ بيع قد تلف في زمن الخيار فهو ممّن لا خيار له، وهو المؤمِّن[ وإن سلم يُسلّم إليه مائة درهم ويفسخ المعاملة.

هذا ويجوز أن يتصرّف في المال الّذي يأخذه من صاحب البيمة، على فرض التلف، من جهة رضاه بذلك ولو مع فساد المعاملة، كما أنّه أيضاً يعطيه المائة درهم برضاه ولو مع فساد المعاملة في صورة السلامة.

هذا ولو كان صاحب البيمة من الكفّار الحربيين فالأمر سهل، لأنّ ماله فيء للمسلمين ولو كانت المعاملة فاسدة .

هذا وما ذكره من الوجوه الثلاثة لا بأس بها لو أُريد تصحيح التأمين ولو على غير النحو الرائج، ولكن السائد بين الناس غير ما ذكره .

أمّا الوجه الأوّل: بداهة أنّ صاحب المال لا يبيع ماله بشرط الخيار في مقابل القيمة الواقعية للمتاع. كما أنّه لا يعطي مائة درهم بعنوان الفسخ للمعاملة إذا وصل المتاع إلى صاحبه سالماً.

وأمّا الوجه الثاني: وهو رضاية الطرفين بالتصرف في المال مطلقاً، سواء أكانت المعاملة صحيحة أم فاسدة، فلو صحّ ما ذكره يلزم تأسيس فقه جديد، يلزم تصحيح كلّ تصرف في العوضين إذا كانت المعاملة باطلة إذا رضى كلّ بالتصرف فيما دفعه مطلقاً، سواء أكانت المعاملة شرعية أم لا.

وأمّا الوجه الثالث: فلا بأس به فيما إذا كانت شركة التأمين متعلّقة للكافر الحربي، وأين هذا من شركات التأمين الموجودة في البلاد الإسلامية.


صفحه440

أضف إلى ما ذكر: أنّ كون تلف المال من المؤمِّن تمسّكاً بقولهم: «التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له» غير تام، لأنّ القاعدة مختصّة بما إذا كان المبيع حيواناً، لا مطلقاً، سواء أكان الخيار للمشتري فتكون نفس قاعدة أُخرى: صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام، أم للبائع كما إذا كان الحيوان ثمناً وكان له الخيار في العقد، وليست للقاعدة سعة لعامة الموارد، وقد حقّقنا المسألة في رسالة خاصة.

9. الفقيه المحقّق الأُستاذ الشيخ حسين الحلّي (1)، فقد ألقى محاضرات علمية (عام 1383 هـ) حول التأمين وقررها تلميذه الجليل الشهيد السيد عز الدين بحر العلوم (قدس سره)ونشرها ضمن بحوث فقهية، وحاصل ما أفاد يأتي في كلمتين:

الأُولى: أنّ المعاملة التأمينية قابلة للاندراج في باب الضمان يجري عليها ما يجري على الضمان من أحكام، إلاّ أنّه صدّه عن الإفتاء بذلك شبهة أنّ الضمان لا يكون إلاّ على ما في الذمم وليس منها ضمان الأعيان الخارجية (الأمتعة الّتي تحملها السفن أو الطائرات من مكان إلى آخر).

الثانية: عرضها على القواعد العامة وحاصل ما أفاد هو إمكان اعتبار هذه المعاملة عقداً مستقلاً مؤلفاً من إيجاب وقبول، كما هو الحال في باقي المعاملات الإنشائية، فتكون حينئذ مشمولة للعمومات القاضية بالوفاء بالعقد، كقوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، أو قوله عزوجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ


1 . وقد حضرنا بحوثه عند إقامتنا في النجف الأشرف عام 1370 هـ ، كان رحمه الله: محقّقاً، مدقّقاً متواضعاً، زاهداً، مجمعاً للفضائل والكمالات .


صفحه441

تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْب