welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : رسائل فقهیة- ج 6*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهیة- ج 6

صفحه1

   

   رسائل فقهية

6


صفحه2

السبحاني التبريزي، جعفر 1347 ـ

      رسائل فقهية / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1431 ق . = 1388 .

      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 306 - 5 (دوره)

ISBN 978 - 964 - 357 - 430 - 7 (ج. 6)

      كتابنامه به صورت زير نويس.

      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .

      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 15. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.

5ر 2س/ 5/183 BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … رسائل فقهية

الجزء:    …السادس

المؤلف:   … الفقيه جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1431 هـ . ق

عدد النسخ :   … 1500 نسخة

المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

القطع:   … وزيري

عدد الصفحات:   … 792 صفحة

التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه3

رسائل فقهية

تبحث في مسائل فقهية مختلفة ومستحدثة على ضوء الكتاب العزيز والسنة النبوية ومصادر التشريع عند الفريقين

الفقيه

جعفر السبحاني

الجزء السادس


صفحه4


صفحه5
بسم الله الرحمن الرحيم


صفحه6


صفحه7
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

أما بعد: فمرّة أُخرى نقدم لطلاب الفقه وروّاد الحقيقة الجزءَ السادس من موسوعتنا (رسائل فقهية)، آملين من الله سبحانه أن ينفعهم بها ويزيدهم بصيرة في الأحكام الشرعية والقوانين الإلهية، الّتي أنزلها سبحانه لضمان سعادة الدارين، ويتسلّحوا بها في مواجهة القوانين الوضعية والثقافية الغربية.

وليبلّغوا المغترّين بالتقدّم الصناعي أنّ السعادة تَكْمُن في اتباع المنهج الإلهي لا غير، إذ أن خالق الإنسان أعرف بمصالحه ومفاسده من غيره، قال سبحانه: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )(1) .

نعم إنّ ما جاء في هذه الأجزاء الستة رسائل متفرقة غير مرتبة على المنهج الموجود في الكتب الفقهية، غير أنّا سنسدُ هذا الفراغ في آخر الجزء السابع وذلك بترتيب فهرس موضوعي لما ورد في هذه الموسوعة، ليسهل على القارئ الوصول إلى ما يبتغيه، من أبواب الفقه.


1 . الملك: 14 .


صفحه8

والحمد لله الّذي تتم بنعمته الصالحات

والسلام على رسول الله وآله الأطهار

 

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

28 من ذي الحجة الحرام 1430 هـ . ق


صفحه9

   

الرسالة التسعون

الوصول إلى حدّ الترخّص


صفحه10


صفحه11

اتّفقت كلمة الفقهاء ـ إلاّ من شذّ ـ على أنّه لا يجوز القصر إلاّ بعد الضرب في الأرض والشروع في السفر تبعاً، لقوله سبحانه: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تقصرُوا مِنَ الصَّلاة)(1) .

نعم نقل عن عطاء أنّه قال: إذا نوى السفر جاز له القصر وإن لم يفارق موضعه.(2)

ونقل العلاّمة في المختلف عن عليّ بن بابويه أنّه قال: «و إذا خرجتَ من منزلك فقصّر إلى أن تعود إليه».(3) والقولان شاذان وإن كان على مضمون الأخير رواية.(4)

أمّا ما هو حدّ الترخّص الذي يجوز القصر عند الوصول إليه فقال أهل السنّة: إنّ الحدّ مفارقة البنيان، قال الشيخ: إذا فارق بنيان البلد جاز له القصر، وبه قال جميع الفقهاء.(5) ويكفي في تحقّقه، التجاوز عن البلد بأقدام يسيرة والمعروف عند أصحابنا، هو خفاء الأذان والجدران كما سيوافيك نصوصهم، وبذلك يعلم أنّ ما ذكره الشيخ في الخلاف في مورد من أنّه: «إذا نوى السفر


1 . النساء: 101 .      2 . الخلاف:1/573، المسألة 324.   3 . مختلف الشيعة:3/110.

4 . الوسائل: ج 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث9. والرواية مرسلة.

5 . الخلاف:1/573، المسألة 325.


صفحه12

لا يجوز أن يقصر حتى يغيب عنه البنيان، ويخفى عنه أذان مصره، أو جدران بلده. وبه قال جميع الفقهاء»(1). يحتاج إلى توضيح، فإن أراد بـ «غيبة البنيان»، خفاؤها فينطبق على فتوى الأصحاب ولكن لا يصحّ قوله: «و به قال جميع الفقهاء» لأنّه كلّما أطلقه أراد به فقهاء العامة لا الخاصّة; وإن أراد به مفارقة البنيان، فهو ينطبق على فتوى العامة لكنّهم يقتصرون بمجرّد المفارقة، ولا يرون لزوم خفاء الأذان والجدران إلاّ أن يريد ـ على خلاف الغالب ـ من قوله: «جميع الفقهاء»فقهاء الفريقين، ويكون الحدّ الأوّل لفقهائهم، والخفاءان لفقهائنا. ولقد أحسن العلاّمة في التعبير عن المذاهب في التذكرة فقال معبراًعن رأي الطائفتين: «إنّما يباح القصر في الصلاة والصوم إذا توارى عنه جدران البلد أو خفى عنه أذانه ـ إلى أن قال: ـ وقال الشافعي: لا يجوز القصر حتى يفارقَ البلد الذي هو فيه ومنازله، ولم يشترط خفاء الجدران والأذان. وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق، لأنّ بنيان بلده يقطع استدامةَ سفره فكذا يمنع الابتداء.(2) إذا عرفت ما ذكرنا فلنذكر شيئاً من نصوص الأصحاب:

1. قال ابن أبي عقيل: على من سافر عند آل الرسول (عليهم السلام)إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره وغاب عنه صوت الأذان أن يصلّي صلاة السفر ركعتين.(3)


1 . الخلاف: 1 / 573، المسألة 324 .

2 . التذكرة:4/378.

3 . مختلف الشيعة:3/109ـ110.


صفحه13

2. وقال الصدوق: ويجب التقصير على الرجل إذا توارى من البيوت.(1)

3. وقال المفيد: فلا يجوز له فعل التقصير في الصلاة والإفطار حتى يغيب عنه أذان مصره على ما جاء به الآثار.(2)

4. وقال السيد المرتضى: ابتداء وجوبه (أي التقصير للمسافر) من حيث يغيب عنه أذان مصره وتتوارى عنه أبيات مدينته.(3)

5. وقال الشيخ في النهاية: ولا يجوز التقصير للمسافر إلاّ إذا توارى عنه جدران بلده وخفى عليه أذان مصره.(4)

6. وقال سلاّر: ابتداء وجوب التقصير من حيث يغيب عنه أذان مصره.(5)

7. وقال ابن البراج: ومن سافر سفراً يلزمه فيه التقصير فلا يجوز له ذلك حتى يخفى عليه أذان مصره أو يتوارى عليه جدران مدينته.(6)

8. وقال ابن إدريس: وابتداء وجوب التقصير على المسافر من حيث يغيب عنه أذان مصره المتوسط أو يتوارى عنه جدران مدينته. والاعتماد عندي على الأذان المتوسط دون الجدران.(7)

9. وقال المحقّق: لا يجوز للمسافر التقصير حتى يتوارى جدران البلد


1 . المقنع: 125 .   2. المقنعة:350.   3 . رسائل المرتضى:3/47، رسالة جمل العلم والعمل.

4 . النهاية:123.   5 . المراسم:75.   6 . المهذب:1/106.

7 . السرائر:1/331.


صفحه14

الذي يخرج منه أو يخفى عليه الأذان.(1)

10. وقال ابن سعيد: ويتم المسافر ما إذا سمع أذان مصره أو كان في بنيانه وإن طال ويقصر إذا غاب عنه الأذان، فإذا قدم من سفره فمثل ذلك.(2)

هذه كلمات فقهائنا من القرن الرابع إلى القرن السابع وهم:

بين مقتصر على خفاء الأذان فقط كابن أبي عقيل، والمفيد، وسلاّر، وابن إدريس، وابن سعيد.

إلى مشترط خفاء الأمرين معاً كالمرتضى، والشيخ.

إلى ثالث قائل بكفاية خفاء أحد الأمرين كالمحقّق في الشرائع.

إلى رابع، قائل بشرطية خفاء المسافر عن البيوت. فتلزم دراسة الروايات، وهي لا تتجاوز عن ثلاث، وغيرها إمّا مؤوّلة أو محمولة على التقية.

1. صحيح محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد السفر فيخرج، متى يقصّر؟ قال: « إذا توارى من البيوت».(3)

و ظاهر الحديث شرطية خفاء المسافر عن البيوت وأهلها، لا العكس كما هو الوارد في كلمات الأصحاب.

2. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن التقصير؟ قال: «إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم، وإذا كنت


1 . الشرائع:1/102.   2 . الجامع للشرائع:92.

3 . الوسائل: ج 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


صفحه15

في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصّر، وإذا قدمتَ من سفرك فمثل ذلك».(1) والوارد فيه هو خفاء الأذان فقط من دون إيعاز إلى خفاء الجدران.

3. صحيح حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا سُمِعَ الأذان أتم المسافر».(2) ومفهومه: أنّه إذا لم يسمع فلا يتم.

فالأُولى تركز على خفاء المسافر عن البيوت، والأخيرتان تركزان على خفاء الأذان، فليس هنا دليل على شرطية خفاء الجدران، ولو اقتصرنا بظاهر النصوص تكون النسبة بين الضابطتين، هو التساوي غالباً، فلو كان الحد، هو خفاء المسافر، فهو بما أنّه جسم صغير، يغيب عن أبصار أهل البيوت بأدنى ابتعاد يقارن خفاؤه خفاء الأذان، وهذا بخلاف ما لو قلنا بشرطية خفاء الجدران عن عيون المسافر، فإنّ الجدران لأجل كبرها وارتفاعها، لا تغيب عن العيون عند خفاء الأذان، بل يخفى الأذان، من دون أن تتوارى الجدران.

و بما أنّ النص هو تواري المسافر عن أهل البيوت، فيقارن خفاؤه خفاءَ الأذان.

و تكون النسبة بين الضابطتين هي التساوي ولو كان هناك تخلّف فهو نادر سيوافيك حكمه.

نعم يقع الكلام في سبب عدول الأصحاب عن لفظ النص إلى غيره، فيمكن أن يقال: إنّ الموضوع الواقعي لوجوب التقصير هو الابتعاد الخاص


1 . الوسائل: ج 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.


صفحه16

عن البلد، الذي ينطبق عليه خفاء المسافر عن أهل البيوت وخفاء الأذان للمسافر ولما كان الوقوف على خفائه عن أهل البلد، أمراً متعذراً عدلوا إلى خفاء البيوت عليه، ليسهل للمسافر اختباره ويقف من خفائها على خفائه على أهل البيوت حيث إنّ خفاء البيوت على المسافر يلازم خفاؤه عليهم.

وهناك وجه آخر ذكره سيدنا المحقّق البروجردي، وهو أنّ المراد من البيوت هو البيوت الرائجة في عصر صدور الرواية من بيوت الأعراب وخيمهم التي لم يكن ارتفاعها أزيد من ارتفاع قامة الإنسان بكثير، فيلازم خفاؤها المسبب عن البعد، مع تواري المسافر عنها إذ المؤثر في سرعة الخفاء وبطئه هو طول الارتفاع وقصره، ولا دخالة لعرض الشيء في ذلك كما لا يخفى. (1)

غير أنّ المهم ثبوت كون البيوت في عصر صدور الروايات كان على طول قامة الإنسان أو أرفع بقليل، مع أنّ وضع الأبنية في البلاد كان غير وضعها في القرى وضفاف الأنهار والشطوط، ومعنى كلامه أنّه لم يكن يوم ذاك بيت له طابقان أو طوابق إلاّ نادراً وهو كما ترى.

وهناك وجه ثالث وهو أنّ الميزان هو تواري الجدران، ولعلّ الأصحاب وقفوا على نصّ خاص يدلّ عليه ووصل إليهم ولم يصل إلينا ولكن الميزان هو خفاء صور البيوت لا أشباحها، ومن المعلوم أنّ الأُولى تخفى بالابتعاد اليسير، بخلاف الأشباح فإنّها ترى من بعيد، وعند ذاك تتفق الأمارات الثلاث وتتطابق:


1 . البدر الزاهر:301، الطبعة الحديثة.


صفحه17

1. خفاء الأذان.

2. تواريه عن البيوت.

3. تواري الجدران عن المسافر. و هذا الوجه هو أمتن الوجوه.

ثمّ إنّ القوم لما جعلوا المقياس، خفاء الجدران والبيوت، دون خفاء المسافر على أهل البيوت جعلوا المقام من باب الشرطيتين المتعارضتين حيث إنّ مفاد قوله: «إذا خفي الجدران فقصّر» هو عدم التقصير إذا لم يخف الجدران سواء أخفي الأذان أم لا، كما أنّ مفهوم قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر» هو عدم التقصير إذا لم يخف الأذان سواء أخفي الجدران أم لا، فيقع التعارض بين مفهوم كلّ مع منطوق الآخر، ورفع المعارضة يحصل بأحد الأمرين:

1. رفع اليد، عن الانحصار، مع الاعتراف بكون كل واحد علّة تامة وذلك يحصل بتقييد مفهوم كل بمنطوق الآخر، لقوة دلالته فتكون النتيجة، هو أنّه إذا لم يخف الجدرانُ فلا تقصِّر إلاّ إذا خفي الأذان، وإذا لم يخف الأذان فلا تقصر إلاّإذا خفيت الجدران، ومعنى ذلك، هو كفاية أحدهما.

فمن ذهب من الأصحاب إلى كفاية أحد الخفاءين لعلّه اعتمد على هذا الوجه.

2. رفع اليد، عن العلّية التامة، وجعل كلّ من الخفاءين، جزء العلة، وذلك يحصل بتقييد منطوق كلّ بمنطوق الآخر، فيكون المعنى هو إذا خفي الجدران والأذان فقصر، ولعلّ من اشترط الأمرين اختار هذا الوجه.


صفحه18

والتصرف على الوجه الثاني وإن كان يرفع المعارضة إلاّ أنّه لا موجبَ له لعدم التعارض بين المنطوقين، إذ لا ينافي ثبوتُ التقصير، عند خفاء الجدران، ثبوتَه عند خفاء الأذان، فلا جرم ينحصر رفع المعارضة بالوجه الأوّل فيكون خفاءُ أحدهما كافياً في ثبوت القصر.

وقد ذكر الأُصوليّون في باب المفاهيم وجوهاً خمسة لرفع التعارض، وأوضحنا حالها في محاضراتنا الأُصولية.

والتعارض ثمّ العلاج مبنيان على ورود خفاء الجدران على المسافر في النصوص، فلو كانت النسبة بين خفاء الأذان وتواري المسافر، وبين خفاء الجدران عموماً وخصوصاً مطلقاً يلزم لغوية الضابطة الثالثة، ولو كانت عموماً وخصوصاً من وجه يلزم التعارض في مورد الافتراق، ولكن الظاهر أنّ الأمارات الثلاث مطابقة إذا أُريد من خفاء الجدران على المسافر، خفاء صورها لا أشباحها، وأُريد من خفاء الأذان خفاء صوت الأذان لا خفاء فصوله مع سماع صوته.

ثمّ على القول بالتعارض لابدّ من رفعه بشكل آخر وهو الأخذ بكفاية خفاء الأذان وذلك لوجهين:

1. شهرته بين أصحاب الأئمّة: كما في رواية إسحاق بن عمّار حيث يذكر للإمام ويقول: أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه.(1)


1 . الوسائل: ج 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.


صفحه19

2. أنّ مقتضى عمومات الباب هو لزوم التقصير عند صدق السفر والضرب في الأرض ويتحقّق ذلك بترك البلد، وإن لم يخف الأذان أو المسافر عن أهل البيوت، فلو خفي الأذان ولم يتوار المسافر عن البيوت أو لم تتوار الجدران، فمقتضى إطلاقات العمومات في المقدار المتخلّل بين الخفاءين هو التقصير لدوران المخصص بين الأقل والأكثر، فيؤخذ بالمتيقّن. أمّا استصحاب التمام، فهو محكوم بالدليل الاجتهادي.

هذا من غير فرق بين القول بأنّ الشرط هو خفاء المسافر، أو خفاء الجدران ففي المقدار المتخلّل يرجع إلى عمومات التقصير.

في علاج بعض الروايات الواردة في المقام

الروايات الواردة في المقام على قسمين: قسم منها يحكي فعل المعصوم وربما يتراءى أنّه مخالف للمختار، وقسم يدلّ بظاهره على كفاية الخروج عن المنزل.

القسم الأوّل: وفيه روايات إليك بيانها :

1. صحيح عمرو بن سعيد المدائني الثقة، قال: كتب إليه جعفر بن محمد (أحمد) يسأله عن السفر في كم التقصير؟ فكتب(عليه السلام)بخطه وأنا أعرفه: «قد كان أمير المؤمنين(عليه السلام)إذا سافر أو خرج في سفر قصّر في فرسخ».(1)

يمكن أن يقال: ليست الرواية صريحة في كون حدّ الترخص هو الفرسخ، وإنّما الإمام أخّره إلى ذلك الوقت وإن كان جائزاً قبله.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.


صفحه20

2. خبر أبي سعيد الخدري قال: كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إذا سافر فرسخاً قصّـر الصلاة.(1)

والعمل لا يدل على انحصار الترخّص في الفرسخ، وإنّما اختار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)هذا الفرد.

3. خبر غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه (عليه السلام)أنّه كان يقصر الصلاة حين يخرج من الكوفة في أوّل صلاة تحضره.(2)

فإنّ قوله: «حين يخرج» قابل للحمل على خفاء الأذان وتواري المسافر.

4.خبر أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه (عليه السلام): «أنّ عليّاً كان إذا خرج مسافراً لم يقصّر من الصلاة حتى يخرج من احتلام البيوت، وإذا رجع لم يتم الصلاة حتى يدخل احتلام البيوت».(3)

وما في نسخة «قرب الاسناد» أو الوسائل من الضبط بالاحتلام غلط، ولعلّ الصحيح: الأعلام، أو الأحلام، قال في القاموس: الأحلام: « الأجسام بلا واحد»، وفي هامش الوسائل من طبعة آل البيت ما يقضي العجب، قال في الهامش: الحُلْم بالضم الرؤيا «و نسبه إلى القاموس المحيط» مع أنّه لا يناسب مورد الحديث، قال في القاموس: وحلم به وعنه: رأى له رؤيا أو رآه في النوم، فكان عليه أن يرجع إلى ذيل كلامه فقد فسره بما نقلناه عنه.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4 .

2 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.


صفحه21

وعلّق صاحب البحار بعد نقل الحديث قائلاً: ولا أعرف لاحتلام البيوت معنىً مناسباً في المقام، إلاّ أن يكون كناية عن غيبة شبحها، فإنها بمنزلة الخيال، والمنام، أو يكون بالجيم بمعنى القطع. (1)

وعلى كلّ تقدير فالرواية حاكية لفعل قابل للحمل على ما هو المعروف في حدّ الترخص فالخروج من أجسام البيوت، قابل للانطباق على المورد الذي يخفى فيه الأذان وغيره.

هذا كلّه حول الروايات الحاكية للفعل، وبما أنّها لا لسان لها، تخضع للحمل على ما يطابق فتوى المشهور.

القسم الثاني: تُوجد هنا روايات تدل على كفاية الخروج من البيت وهو الذي أفتى به علي ابن بابويه قال: إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه.

وإليك هذه الروايات:

5. مرسلة حماد، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يخرج مسافراً قال: «يقصر إذا خرج من البيوت».(2)

6. مرسلة الصدوق قال: روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال: «إذا خرجت من منزلك فقصّر إلى أن تعود إليه».(3)

7. رواية علي بن يقطين، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)في الرجل يسافر


1 . راجع البحار: 86 / 29.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث9.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث5.


صفحه22

في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال: «إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر، أفطر إذا خرج من منزله».(1)

و الروايتان الأُولتان، مرسلتان لا يحتج بهما، والثالثة محمولة على التقية، خصوصاً أنّ المخاطب كان مبتلى بها. أضف إليه أنّ الخارج من البيوت، غير الخارج عن البلد، لا يطلق عليه مسافر، لأنّه من السفر وهو البروز والخروج من البلد.

وهنا احتمال آخر، وهو أنّ الخروج من البيوت كناية عن الخروج عن البلد، وهو ينطبق على فتوى الشافعي وغيره.

***

الكلام في الإياب

قد تعرفت على حكم الذهاب، وانّ الأمارات الثلاث متطابقة ولو كان هناك تعارض، فالمحكَّم هو خفاء الأذان.

وأمّا الإياب فهناك أقوال:

1. المشهور انّ حكم الإياب حكم الذهاب، فلو قلنا هناك بشرطية الخفاءين أو بكفاية واحد منهما نقول بمثله في الإياب، فالراجع من سفره يقصر إلى تلك النقطة.

2. ما ذهب إليه الشيخ علي بن بابويه وابن الجنيد والمرتضى من القول


1 . الوسائل: ج 7 ، الباب 5 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 10.


صفحه23

بالتقصير إلى المنزل. وهو خيرة صاحب الحدائق من المتأخّرين.

3. ما يظهر من المحقّق فقد اكتفى في الذهاب بأحد الأمرين، وقال في الإياب بخفاء الأذان. وهو خيرة المدارك.

أمّا الأوّل فيدل عليه صحيح ابن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن التقصير؟ قال: «إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم، وإذا كنت في الموضع لا تسمع فيه الأذان فقصّر، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك».(1) فانّه صريح في أنّ الإياب كالذهاب.

ويؤيّده إطلاق صحيح البرقي عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا سمع الأذان أتم المسافر».(2) أي ذهاباً وإياباً.

هذا واستدلّ صاحب الحدائق بروايات:

1. مرسلة حمّاد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «المسافر يقصر حتى يدخل المصر».(3)

والرواية مرسلة رواها صاحب الوسائل عن المحاسن، ولكن سقطت الواسطة بين حماد والإمام عن نسخة الوسائل قال في الحدائق: وروى البرقي في المحاسن في الصحيح عن حمّاد بن عثمان عن رجل عن أبي عبد الله.(4)فلا يحتج به في مقابل الصحيح.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 6من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3 .

2 . الوسائل: ج 5، الباب 6من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7 .

3 . الوسائل: ج 5، الباب 6من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8 .

4 . الحدائق: 11/411.


صفحه24

2. صحيح العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «لا يزال المسافر مقصّراً حتى يدخل بيته».(1)

3. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إنّ أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم أتموا، وإذا لم يدخلوا منازلهم يقصروا».(2)

4. صحيح إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم(عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يكون مسافراً، ثمّ يدخل ويقدّم ويدخل بيوت الكوفة أيتم الصلاة أم يكون مقصّراً حتى يدخل أهله؟ قال: «بل يكون مقصراً حتى يدخل أهله».(3)

ويلاحظ على ثاني الأحاديث أنّه أيّ خصوصية لأهل مكة؟ وحمل التمام على إقامة الصلاة في مسجد الحرام، ينافي قوله: «و دخلوا منازلهم أتموا الصلاة».

ثمّ إنّ لأصحابنا حول هذه الروايات محاولات مختلفة، فذهب العلاّمة إلى تأويلها بأنّ المراد الوصول إلى الموضع الذي يسمع الأذان ويرى الجدران، فإن وصل إلى هذا الموضع يخرج عن حكم المسافر فيكون بمنزلة من يصل إلى منزله.(4)

يلاحظ عليه: أنّه يخالف صريح بعضها كصحيح العيص بأنّ المعيار، الدخول إلى البيت.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4 .

2 . الوسائل: ج 5، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

4 . المختلف: 3/112.


صفحه25

وحكى في الحدائق: إنّ صاحب المدارك ومثله الفاضل الخراساني التجأوا في الجمع بين هذه الأخبار، وبين عجز صحيحة ابن سنان إلى القول بالتخيير، بمعنى أنّه بعد وصوله إلى محل الترخص من سماع الأذان الذي هو مورد الرواية، فإنّه يتخير بين القصر والإتمام إلى أن يدخل منزله.(1)

يلاحظ عليه: أنّه فرع كون الروايات متعادلة من حيث جهة الحجّية، لأنّها متروكة غير معمولة فلا يحتج بها في مقابل المشهور منها، على أنّ الحكم، بالقصر في نفس البلد حتى يدخل بيته لا يخلو من غرابة مع كونه غير مسافر ولا ضارب في الأرض.

***

إذا كان البلد في مكان مرتفع

إذا كان البلد في مكان مرتفع بحيث يُرى من بعيد، أو كان في مكان منخفض يخفى بيسير، يقدّر في الموضع المستوي، إذ لو كان المقياس في أمثال المورد هو خفاء البلد، يلزم إقامة الصلاة تماماً حتى بعد قطع أربعة فراسخ، أو تقصير الصلاة بالبعد عن البلد بمقدار عدة أمتار، فلا محيص عن تقدير البلد في الموضع المستوي. و يؤيد ذلك أنّ المواراة طريق إلى قدر من الابتعاد، وليست لها موضوعية، ولأجل ذلك يقدر البلد في مكان غير مرتفع ولا منخفض حتى يتعيّن البعد المعين.


1 . الحدائق:11/413ـ414.


صفحه26

قيام الخيام مكان البيوت

إذا لم يكن هناك بيوت ولا جدران يعتبر التقدير، كما إذا افترضنا كون البيوت تحت الأرض كالمخابئ، نعم في بيوت الأعراب تقوم الخيام مكان البيوت، إذ ليس للبيوت خصوصية، وبه يعلم حال الأذان فإذا لم يكن هناك أذان فيقدر.

ما هو الميزان في خفاء الأذان؟

إذا كان سماع الأذان شرطاً للتمام، كما في مرسلة حماد بن عثمان: «إذا سمع الأذان أتمّ المسافر»(1) وكان خفاؤه شرطاً للتقصير، كما هو الظاهر من صحيح عبد اللّه بن سنان: «إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصّر».(2) فما هو المقصود من سماعه وخفائه؟

يقع الكلام أوّلاً: في أنّه هل للأذان خصوصية، ولا تقوم مقامه قراءة القرآن أو الشعر بصوت عال أو لا؟ الظاهر هو الثاني، لمساعدة فهم العرف، من أنّ خفاءه كناية عن الابتعاد الخاص، فلو كان المؤذن يقرأ آيات من القرآن، أو أشعاراً قبل الأذان، بنفس الصوت الذي يُؤذن، فيكون سماعه وخفاؤه مؤثراً في الإتمام والقصر.

وثانياً: هل الموضوع سماع نفس الصوت وإن لم يتميز كونه أذاناً أو قرآناً أو شعراً، أو هو لكن مع تميز كونه أذاناً، أو قرآناً أو شعراً، وإن لم تتميز


1 . الوسائل: ج 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7 .

2 . الوسائل: ج 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.


صفحه27

فصوله أو آياته أو أبياته، أو هو مع تميز فصوله وجمله وكلماته، احتمالات؟ والظاهر عدم كفاية الأوّل، لعدم صدق سماع الأذان، بمجرّد سماع الصوت المشترك، وصدق سماعه إذا تميز الصوت عن غيره، وإن لم يميز فصوله، واحتمال شرطية تميز فصوله، ضعيف جدّاً، وعليه السيد المحقق البروجردي في تعليقته على العروة، حيث قال: لا يخلو من قوّة مع تميّز كونه أذاناً. وعلى كلّ تقدير لا عبرة بسماع صوت الأذان إذا كان خارجاً عمّا هو المتعارف في العلو أو الانخفاض حملاً للروايات على ما هو الغالب المعروف.

هل المناط أذان آخر البلد؟

قال السيد الطباطبائي: لو كانت البلدة متسعة فالمدار على أذان آخر البلد في ناحية المسافر. وأمّا إذا كانت صغيرة أو متوسطة فالمدار على أذان البلد وإن كان في وسط البلد على مأذنة مرتفعة.

أقول: ما ذكره السيد الطباطبائي في البلد المتسع صحيح إذ لو كان الميزان فيه هو أذان البلد لا آخر البلد، يلزم على المسافر التقصير ولو في داخل البلد، بخفائه قبل أن يترك البلد، وهو كما ترى.

نعم لو كانت المحلات منفصلة على نحو يعد كلّ محلّة مكاناً، فلكلّ محلّة حكم نفسها.

أمّا البلد الصغير والمتوسط فالظاهر من السيد الطباطبائي وغيره أنّ المعيار أذان البلد ومعنى ذلك أنّه لو خفي أذان البلد، ولو سمع أذان آخر البلد


صفحه28

أنّه يقصر، مع أنّه يصدق عليه أنّه إذا سمع الأذان أتم المسافر.

والظاهر، هو أذان آخر البلد مطلقاً فلوكانت فيه مأذنة مرتفعة فالظاهر أنّ الميزان سماع أذانه وخفاؤه لا أذان البلد، وقد عرفت أنّ خفاء الأذان طريق إلى الابتعاد على قدر معين، فلو كان المدار في البلد الصغير والمتوسط على أذان البلد، وفي الكبير على أذان آخر البلد يلزم الاختلال في البعد المقدّر، والتفصيل بحمل الأذان في الأوّلين على الوسط وفي المتسع على آخره يحتاج إلى قرينة.

في اعتبار حدّ الترخص في محلّ الإقامة وعدمه

لا شكّ في اعتبار حدّ الترخص في الوطن خروجاً ودخولاً وعدم اعتباره في بعض الموارد التي حكم على المسافر بالتمام لفقدان بعض الشرائط، كما إذا ذهب لطلب الغريم بدون قصد المسافة ثمّ في أثناء الطريق قصد المسافة، أو إذا كان السفر حراماً، فعدل في الأثناء إلى الطاعة، أو إذا كان السفر لهوياً، فعدل في الأثناء إلى غيره.

وبالجملة ليست في المقام ضابطة على أنّ كلّ من حكم عليه بالتمام لا يقصر إلاّ بعد الوصول إلى حدّ الترخّص، حتى يؤخذ بها إلاّ إذا دلّ الدليل على التخصيص كما في تلك الموارد. نعم دلّ على شرطيته في الوطن وأمّا غيره، فمبني على استظهار الشمول للمقيم الخارج عن محلّ الإقامة.

وعلى كلّ تقدير فيقع الكلام في حكم الخروج من محلها تارة والدخول فيها أُخرى، وأمّا إذا أقام في محلّ ثلاثين يوماً، فالكلام فيه منحصر


صفحه29

في الخروج إذ لا يتصور للدخول معنى فيه صحيح كما لا يخفى.

أمّا الخروج في الإقامة، فاللازم دراسة الروايات واستظهار سعة مفادها وضيقه فيمكن استظهار السعة من الروايات التالية:

1. محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد السفر متى يقصر؟ قال: «إذا توارى من البيوت». (1) ولكنّه ظاهر في السفر الابتدائي فيختص بالخروج عن البلد.

2. مرسلة حماد بن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا سمع الأذان أتم المسافر». (2) ورواه في الوسائل مسنداً بحذف «رجل».(3)والحديث مرسل كما مرّ لا يحتج به مضافاً إلى ظهوره في السفر الابتدائي، فيختص بالخروج عن البلد.

3. صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم، وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك».(4)

والحديث ظاهر في السفر الابتدائي بل صريح فيه بقرينة الذيل: «فإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك».

4. صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصلاة، وهو بمنزلة أهل مكة، فإذا خرج إلى منى وجب


1 . الوسائل: ج5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1 .

2 . المحاسن: 2 / 371 برقم 127 .

3 . الوسائل: ج5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7 .

4 . الوسائل: ج5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.


صفحه30

عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة وعليه إتمام الصلاة، إذا رجع إلى منى حتى ينفر».(1)

وجه الاستدلال هو أنّه نزّل المقيم منزلة المتوطّن.

يلاحظ عليه: بأنّ وجه التنزيل إنّما هو أظهر أحكامه وهو إتمام الصلاة، لا رعاية حدّ الترخص، أضف إلى أنّ الحديث متروك لوجهين:

أ. قوله: «فإذا زار البيت وأتم الصلاة» لماذا يتمّ؟! بعد إنشاء السفرمن محلّ الإقامة، اللّهمّ إلاّ أن يحمل على الصلاة في المسجد الحرام فإنّه يجوز للمسافر فيه الإتمام.

ب. «وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر» لماذا بعد إنشاء السفر من مكة إلى منى، إلى عرفات، إلى المشعر، فمنى، ثمّ إلى مكّة للطواف والسعي ثمّ إلى منى للمبيت.

هذا كلّه في الخروج، وأمّا الدخول فليس له دليل إلاّذيل صحيحة ابن سنان وقد عرفت ظهوره في السفر الابتدائي.

ثمّ إنّ السيد المحقّق الخوئي(قدس سره)فصّل بين كون الإقامة قاطعة لموضوع السفر أو قاطعة لحكمه فقال: لو بنينا على أنّ قصد الإقامة قاطع لموضوع السفر وموجب للخروج عن عنوان المسافر عرفاً، بحيث لا يعمه دليل التقصير في حدّ نفسه، لخروجه عنه بالتخصص، لا للتخصيص صحّ حينئذ ما نسب إلى الأكثر من الإلحاق بالوطن لاندراجه في صحيحة محمد بن مسلم:


1 . الوسائل: ج5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.


صفحه31

الرجل يريد السفر متى يقصر؟ قال: «إذا توارى من البيوت» وأمّا إذا بنينا على عدم خروج المقيم من موضوع المسافر وانّ الحكم بوجوب التمام عليه تخصيص في أدلّة القصر لا تخصص، فهو مسافر يجب عليه التمام، كالمسافر في صيد اللهو، أو السفر الحرام، فحينئذ يطالب بالدليل على اعتبار حدّ الترخص في حقّه بعد أن كان مقتضى الإطلاق وجوب القصر لكلّ مسافر، والتقصير بمجرد الخروج من محل الإقامة ولو بخطوة أو خطوتين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ مفهوم كون الإقامة قاطعة لموضوع السفر، خروجه عن كونه مسافراً عرفاً فيكون الحكم عليه بالتمام، بالنسبة إلى أدلّة القصر تخصصاً لا تخصيصاً.

ولكن هذا لا يكفي إلاّ إذا ثبت أنّ كلّ من لم يكن مسافراً، لا يُقصِّر مالم يصل إلى حدّ الترخص، مع أنّ الثابت بمقتضى الروايات السابقة أنّ المتوطّن إذا خرج عن وطنه، لا يقصر إلاّ إذا وصل حدّ الترخّص، وليس كلّ من لم يكن مسافراً فهو متوطّن.

وبالجملة مقتضى عموم المنزلة هو خروجه عن عنوان المسافر لا دخوله في عنوان المتوطّن، وما دلّ على لزوم رعاية حدّ الترخص، إنّما دلّ في حقّ المتوطّن وإن لم يرد عنوانه فيه، لكنّه ظاهر فيه ولم يدل شيء على حكم أوسع منه وان غير المسافر مطلقاً تجب عليه رعاية حدّ الترخص.


1 . المستند:8/214.


صفحه32

وعلى ضوء ما ذكرنا لم نعثر على دليل صالح للزوم اعتبار حدّ الترخص للخروج أو الدخول في مورد الإقامة.

اللهمّ إلاّإذا كان العرف مساعداً لإلغاء الخصوصية وانّ الروايات تستهدف تحديد حدّ الترخص لكلّ من يجب عليه التمام ـ إلاّ ما خرج بالدليل ـ بلا خصوصية للوطن عرفاً.

و مع ذلك فلا يترك الاحتياط فإذا ترك البيت فلا يصلّ حتى يصل إلى حدّ الترخص، كما أنّه إذا أراد الدخول فليؤخر الصلاة إلى المنزل. هذا كلّه حول الخروج والدخول عن محلّ الإقامة.

وأمّا المقيم متردّداً ثلاثين يوماً في مكان، فلو قلنا فيه برعاية حدّ الترخص، فإنّما نقول به عند الخروج لا في حال الدخول، لعدم تصوّر صحيح له، إذ كيف يتصوّر دخول الرجل في مكان يعلم أنّه يقيم فيه ثلاثين يوماً متردداً، فإنّه أشبه بتناقض الصدر مع الذيل، فالتردد لا يجتمع مع العلم بالإقامة ثلاثين. نعم يتصور ذلك في الخروج ولا دليل صالح إلاّصحيح إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن أهل مكة إذا زاروا، عليهم إتمام الصلاة؟ قال: «نعم والمقيم بمكة إلى شهر بمنزلتهم».(1) فإنّ تنزيل المقيم ثلاثين متردداً، منزلة أهل مكة ربما يعطي كونه مثلهم في جميع الأحكام حتى رعاية حدّ الترخص لو لم نقل بأنّ التنزيل لأجل أظهر الأحكام لا كلّها، والأظهر هو فرض الإتمام له، لا كلّ الأحكام.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.


صفحه33

لو شكّ في البلوغ إلى حدّ الترخص

لو شكّ في البلوغ إلى حدّ الترخّص بنى على عدمه، فيبقى على التمام في الذهاب، وعلى القصر في الإياب عملاً بالاستصحاب في كلّ مورد.

نعم لو صلّى الصلاة الثانية في نفس المكان الذي صلّى فيه الصلاة الأُولى يعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين، لأنّه إمّا من الأمكنة التي لا يُسمع فيها الأذانُ فالأُولى باطلة، أو ممّا يسمع فالثانية غير صحيحة.

فلو قلنا: إنّ الموضوع هو الترخص المحرز، على وجه يكون العلم مأخوذاً في الموضوع على وجه الوصفية دون الطريقية، كما ربما يُستظهر.(1)ويؤيّد برواية زرارة: «في أنّ من أتم في موضع القصر، فقد أتى بوظيفته».(2)فقد أتى بالواقع إذ لا واقع إلاّ ما أحرز.

أمّا إذا شكّ في أنّ الموضوع هو الحدّ الواقعي أو الحدّ المحرز، فإذا دار أمر العلم بين كونه مأخوذاً على وجه الطريقية أو الوصفية، فقد أفاد بعضهم بأنّ مقتضاه عدم تأثير العلم الإجمالي، إذ لا يعلم إجمالاً بمخالفة إحدى الصلاتين لأنّه أتى بما هو وظيفته ويشك في وجوب إعادة إحداهما.

يلاحظ عليه: بأنّ مقتضى قاعدة الاشتغال قبل إقامة الصلاة هو تنجز العلم الإجمالي ولزوم الخروج عن عهدة التكليف بنحو اليقين إلاّ إذا دلّ الدليل على الإجزاء، وانّ العلم مأخوذ بنحو الوصفية.


1 . السيد الاصفهاني على ما في تقريرات بعض تلاميذه:193.

2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17من أبواب صلاة المسافر، الحديث4 ، و هو منقول بالمعنى.


صفحه34

ولكن الظاهر أنّ العلم طريقي، وعلى ذلك فلا شكّ في تنجيز العلم الإجمالي في المقام ولأجل الفرار عنه، لو صلّى في الإياب في مكان آخر متقدم على المكان الذي صلّى فيه ذهاباً لا يتولد هناك علم إجمالي. نعم يبقى الكلام فيما إذا اتحد مكان الصلاتين عرفاً، فنقول للمسألة صور:

1. إذا شكّ في الذهاب وصلّى تماماً عملاً بالاستصحاب وهو يعلم أنّه سيبتلى بنفس هذا الشك في الإياب ويصلّي قصراً بمقتضى الاستصحاب، فيعلم بفساد إحدى الصلاتين، فبما أنّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين التدريجيات والدفعيات، فلا محيص له عن أحد أمرين، إمّا الجمع ذهاباً وإياباً، أو تقديم الصلاة الثانية على ذلك المكان، أو تأخيرها عنه على وجه يجزم بأنّه لم يدخل حدّ الترخص أو تجاوز عنه إلى جانب البلد.

2. إذا شكّ في الذهاب وصلّى الظهر فيه تماماً واتّفق أنّه صلّى في ذلك المكان في الإياب من دون سبق علم وصلّى العصر قصراً فله صورتان:

الأُولى: أن يكون الوقت باقياً، كما إذا صلّى الظهر ذهاباً والعصر إياباً، فالاستصحابان متعارضان ومتساقطان فلا محيص عن التمسّك بقاعدة الاشتغال، فيعيد الظهرَ قصراً، والعصرَ تماماً.

ومع ذلك يمكن تصحيح صلاة الظهر بوجهين تاليين، وإن كان الأوّل غير تام:

1. إجراء قاعدة التجاوز فيها، فإنّ مرجع الشك في أنّ هذا المحل مصداق لحدّ الترخص أو لا، إلى أنّ الصلاة واجدة للشرط كالشكّ في دخول وقت صلاة الظهر.


صفحه35

إلاّ أن يقال بعدم شمول الضابطة، للمورد لأنّه لم يكن في حالة العمل أذكر من حالة الشكّ، بل هو في كليهما شاك في كونه مصداقاً لحدّ الترخص أو ليس بمصداق.

2. انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي بفقدان ما صلّى عصراً قصراً شرطَ الصحة، لأنّه لو كان المكان المشكوك حدّ الترخص للقصر، فصلاة الظهر فاسدة، ويترتب عليه بطلان صلاة العصر قصراً، لأنّ صحّة العصر مشروط بترتبها على الظهر الصحيح والمفروض بطلان صلاة الظهر، ولو كان الموضع حدّ الترخص للتمام، فصلاة العصر فاسدة بنفسها، لأنّه صلاّها قصراً، وعلى كلّ تقدير فصلاة العصر باطلة.

الثانية: إذا خرج وقت الصلاة الأُولى، كما إذا صلّى الظهرين ذهاباً وصلاة العشاء إياباً، فالانحلال المذكور في الصورة الأُولى غير متصور في المقام لعدم شرطية ترتّب العشاء على الظهرين، فيبقى العلم الإجمالي على حاله.

ربما يقال بانحلال العلم الإجمالي وذلك للعلم بصحّة الظهرين تماماً على كلّ تقدير، سواء أكان ذلك الموضع حدّاً للترخص أم لا، أمّا الثاني فواضح فإنّ وظيفته هو الإتمام والمفروض انّه أتم، وأمّا الأوّل فلعموم ما دلّ على صحّة صلاة من أتم موضعَ القصر لعذر من الأعذار من جهل بالحكم أو موضوعه (1)، نظير من أتم بزعم أنّ المسافة لا تبلغ الثمانية ثمّ بان الخلاف،


1 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1. ولا إطلاق في سائر روايات الباب، فلاحظ.


صفحه36

وعلى ذلك فصحّة الظهرين تكون محرزة، ومعه لا حاجة للاستصحاب فيه بعد العلم التفصيلي بصحّة التمام، فيبقى الاستصحاب بلحاظ الإياب سليماًعن المعارض فيصلي العشاء قصراً ولا يحدث من ذلك العلم الإجمالي، ببطلان التمام أو القصر لصحّة الأوّل على كلّ تقدير.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الظاهر ممّا دلّ على «صحّة من أتم مكان القصر عن جهل» هوالجهل بالحكم لا بالموضوع ولا خصوصياته بشهادة أنّه جعل المعيار للصحة والبطلان هو قراءة آية التقصير وتفسيرها وعدمها. وسيوافيك بيانه في محلّه.

وثانياً: كيف يمكن الاستغناء عن الاستصحاب في الظهرين، مع أنّ الحكم بالإتمام مبني عليه ولولاه لما حكمنا عليه بالإتمام، غاية الأمر يكون طرف المعارضة هو الاستصحاب الجاري لدى الإتيان بالظهرين، مع الاستصحاب الجاري عند الإتيان بالعشائين؟

هذا ولا يمكـن أيضـاً تصحيح الظهرين لا بقاعدة التجاوز، ولا بقاعدة الحيلولة، أمّا الثانية فلاختصاص دليلها بما إذا شكّ في أصل الإتيان لا في صحّة المأتي به، وأمّا الأُولى فلأنّ استواء الحالتين في الأذكرية، وهذا هو الوجه في عدم جريان قاعدة التجاوز لا لاختصاص القاعدة باحتمال الخلل المستند إلى الفعل الاختياري المفقود في المقام، كما عليه السيد المحقّق الخوئي (1) لشمول القاعدة لكلّ شك يرجع إلى قيام المكلّف بالوظيفة،


1 . المستند:8/223.


صفحه37

ولأجل ذلك لو صلّى إلى جهة، ثمّ شكّ في أنّه هل أحرزت جهة القبلة أو لا؟ فيحمل على الصحيح.

وبذلك اتّضح أنّه لا مجال للأُمور الثلاثة، في جانب الظهرين:

1. الانحلال، 2. قاعدة التجاوز، 3. قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت، فيصل الأمر إلى الأُصول العملية وهو البراءة في الظهرين والاشتغال في العشاء.

أمّا الأُولى فلأنّ القضاء إنّما هو بأمر جديد، تعلّق بأمر وجودي وهو الفوت في صحيحة زرارة قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر قال: «يقضي ما فاته كما فاته»(1)، وهو غير محرز وجداناً لاحتمال صحّة الصلاة السابقة، ولا تعبداً، لأنّه أمر وجودي لا يثبت باستصحاب عدم الإتيان بالواجب، فيكون الأمر بالقضاء مشكوكاً فيه فيرجع فيه إلى البراءة، وأمّا العشاء فالمحكَّم فيه هو قاعدة الاشتغال فيجمع بين القصر والإتمام تحصيلاً للمؤمِّن.

لو صلّى قبل حدّ الترخص فوصل في الأثناء إليه

إذا كان في السفينة أو القطار فشرع في الصلاة بناء على صحّة الصلاة في حال السير قبل حدّ الترخص بنيّة التمام ثمّ في الأثناء وصل إليه، فللمسألة صور:


1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1.


صفحه38

1. وصل إليه ولم يدخل في قيام الركعة الثالثة.

2. وصل إليه وقد دخل فيه.

3. وصل إليه وقد دخل في ركوع الركعة الثالثة.

أمّا الأُولى فلانقلاب الموضوع حيث كان حاضراً فصار مسافراً، وبما أنّ الأمر لم يسقط، والفريضة بعدُ لم يأت بها المكلف، فيأتي بها حسبَ ما تقتضيه وظيفته الفعلية بالنسبة إلى كيفيّة العمل من قصر أو إتمام فيشبه المقام بمن كان حاضراً أوّل الوقت وصار مسافراً حين الإتيان فيأتي بالصلاة قصراً.

فإن قلت: إنّه قصد الأمر بالإتمام، فكيف يصحّ قصراً مع أنّه لم يقصد أمره، فيكون من باب ما قصد لم يقع، وما وقع لم يقصد؟

قلت: ما ذكر مبني على تعدّد الأمر وأنّ الأمر المتوجه إلى الحاضر، غير الأمر المتوجه إلى المسافر، مع أنّ الظاهر من الآية أنّ الأمر واحد، وإنّما الاختلاف في الكيفية أي في الطول والقصر، كصلاة المُصحِّ والمريض، قال سبحانه: (لا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقصروا مِنَ الصَّلوة)(1)، أي أن تقصروا نفس الصلاة المأمور بها في الحضر، فالمأمور به واحد، غير أنّه تختلف كيفيته طولاً وقصراً.

ويؤيد ذلك ما دلّ من الدليل على أنّ المسافر إذا نوى الإقامة في أثناء الصلاة وجب عليه الإتمام.(2) وهذا دليل على أنّ نيّة القصر لا تضر، وليس


1 . النساء: 101 .

2 . الوسائل: ج 5، الباب 20 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1و2.


صفحه39

القصر ولا التمام من العناوين القصدية، بل يحصل المأمور به بنفس الإتيان بالصلاة قصراً أو تماماً إذا وافق الواجبَ في حقّه، بخلاف عنواني الظهر أو العصر، بل الأداء والقضاء، إذ الجميع من العناوين القصدية التي لا تصح الصلاة إلاّ بقصدها، ولذلك يجب العدول من العصر إلى الظهر إذا ذكر أنّه لم يأت بالظهر، وتبطل صلاة العصر إذا أتى بها في الوقت المختص بالظهر، كلّ ذلك دليل على أنّ الصلاتين تتميزان بقصد واحد من العنوانين.

وعلى ضوء ذلك، فالمصلّي وإن قصد نية التمام، لكنّه غير مخلّ، وإنّما يجب عليه أن يراعي ما وظيفته حينَ ما توصف الصلاة بأحد الوصفين من القصر والإتمام فلو كان حين التشهد، في موضع يسمع فيه الأذان فيتم وإلاّفيقصر.

نعم استشكل سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في شمول قوله من صحيحة عبد اللّه بن سنان: «و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصّـر»(1) لمثل المقام مدّعياً بأنّ المتبادر ثبوت القصر لمن وقع جميعُ صلاته في الموضع الذي لا يسمع فيه الأذان لا من وقع جميع صلاته ما عدا السلام مثلاً فيما صلى دون حدّ الترخص إلى أن وصل إليه....(2)

يلاحظ عليه: بأنّ الكلام وارد مورد الغالب، فلا يزاحم سعة الحكم للمقام، أضف إليه أنّه لا قصور في إطلاق قوله في جواب من سأله عن زمان التقصير (متى يقصّـر) فقال: «إذا توارى من البيوت».(3)


1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3 .

2 . البدر الزاهر:317.   3 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


صفحه40

و ممّا ذكر يعلم حكم الصورة الثانية، أعني: إذا وصل إلى حدّ الترخص وقد دخل في قيام الركعة الثالثة لما مرّمن انقلاب الموضوع وصيرورة الواجب في حقّه هو القصر، ولأجل ذلك يهدم القيام، فيتمها قصراً فتكون الزيادة، كالزيادة السهوية.

هذا وانّ الظاهر من العلاّمة في «التذكرة» هو التمام قال: ولو أحرم في السفينة مثل أن تسير وهو في الحضر ثمّ سارت حتى خفي الأذان والجدران لم يجز له القصر لأنّه دخل في الصلاة على التمام.(1)

والظاهر أنّ مراده في قوله: «على التمام» هو نية التمام، لا وقوع جميع صلاته في الحضر، لأنّ الظرف متعلّق بقوله: «دخل» والمتبادر من عبارته أنّ القصر والتمام عنده من العناوين القصدية.

وأمّا الصورة الثالثة: إن دخل حدّ الترخص بعدما دخل في ركوع الركعة الثالثة، فذهب السيد الطباطبائي وتبعه المحقّق البروجردي إلى وجوب الإتمام، ثمّ إعادتها قصراً.

وقال السيد الحكيم ببطلان ما في يده من الصلاة وإعادتها قصراً.

لا إشكال أنّه لا يصح له القصر لاستلزامه زيادة الركن، إنّما الكلام في تصحيحها تماماً ومعه لا وجه للاحتياط وإلاّ فلا مناص من ضمّ القصر إليه.

أمّا التصحيح وهو مبني على شمول قوله (عليه السلام): «الصلاة على ما افتتحت عليه» لمثل المقام مع أنّ المتيقن منه هو الساهي الذي عدل من نية الأداء إلى


1 . التذكرة:4/382.


صفحه41

القضاء أو من الفريضة إلى النافلة ففي مثله يقال: « الصلاة على ما افتتحت عليه»، وأين هو من مقامنا الخالي عن أيّ سهو، سوى تبدّل الموضوع ولعلّ الاحتياط في مورده.

هذا كلّه في الذهاب وأمّا الإياب فكما إذا شرع في الصلاة في حال العود قبل الوصول إلى حدّ ترخص القصر، ثمّ وصل في الأثناء إليه. وليس له إلاّ صورة واحدة وهي الوصول إليه قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة، فاختار السيد الطباطبائي وجوب الإتمام، ثمّ احتاط استحباباً بإتمامها قصراً، ثمّ إعادتها تماماً.

يلاحظ عليه: أنّه إذا صحت الصلاة عنده تماماً كما هو ظاهر كلامه، فالحكم بإتمامها قصراً إبطال لها وهو على خلاف الاحتياط، ولو حاول الاحتياط كان عليه أن يقول: أتمها تماماً، ثمّ أعادها قصراً وتماماً أيضاً.

والظاهر صحّة الصلاة تماماً، لانقلاب الموضوع وأنّ الميزان في القصر والإتمام كونه في حال التشهد حاضراً أو مسافراً، والمفروض أنّه حاضر، ووظيفته الإتمام.

إذا اعتقد الوصول إلى الحد وصلّى وبان الخلاف

إذا اعتقد الوصولَ إلى الحدّ وصلّى وبان الخلاف، فللمسألة من حيث كونه ذاهباً أو جائياً، وكونه معتقداً للوصول إلى حدّ القصر والتمام صور أربع:

1. إذا اعتقد في الذهاب الوصولَ إلى حدّ القصر، فصلّى، ثمّ بان أنّه لم يصل إليه.


صفحه42

2. إذا اعتقد في الإياب أنّه وصل إلى حدّ التمام، فصلّـى تماماً، ثمّ بان أنّه لم يصل إليه.

3. إذا اعتقد في الذهاب أنّه لم يصل إلى حدّ الترخص للقصر، فصلّى تماماً، ثمّ بان خلافه.

4. إذا اعتقد في الذهاب أنّه لم يصل إلى حدّ التمام، فصلّى قصراً، ثمّ بان خلافه.

وإليك بيان أحكام الصور:

أمّا الصورة الأُولى: فقال السيد الطباطبائي: وجبت الإعادة أو القضاء تماماً، ووجهه واضح، لأنّ ما دلّ على معذورية الجاهل بالحكم في باب القصر والإتمام، فإنّما دلّ في مورد الجهل بالحكم دون الموضوع (و سيوافيك الكلام في الجهل بالموضوع في محلّه) على أنّه من المحتمل اختصاص النصّ بمن أتم في موضع القصر، لا من قصّر في موضع الإتمام كما هو المفروض في المقام، ثمّ إنّ الحكم بالتمام إعادة وقضاءً مبني على توقفه في ذلك المقام إلى خروج الوقت، وأمّا إذا سار ووصل إلى حدّ القصر، والوقت باق فإن انكشف الخلاف في الوقت يعيدها قصراً، وإن لم يُعد أو انكشف في خارجه يقضيها قصراً، لأنّ إعادة الصلاة من حيث القصر والتمام تابع للوقت الذي يعيدها فيه المفروض أنّه مسافر في حال إعادة الصلاة الباطلة، كما أنّ قضاءها تابع لما فاتته في آخر الوقت والمفروض أنّها فاتته وهو مسافر، فعلى كلا التقديرين يعيد ويقضي قصراً.


صفحه43

والحاصل: أنّه يعيد حسب حاله في الإعادة من السفر والحضر، وتقضى حسب ما فاتته في آخر الوقت قصراً أو تماماً.

الصورة الثانية: لو صلّى في العود تماماً باعتقاد الوصول إلى حدّ الترخص للتمام فبان عدمه، قال السيد الطباطبائي: وجبت الإعادة أو القضاء قصراً.

وكلامه مبني ـ كما عرفت ـ على توقّفه في ذلك المكان وانكشاف الخلاف في الوقت، فيعيدها قصّـراً، لأنّه في حال الإعادة مسافر، كما أنّه يقضيها كذلك لأنّ الصلاة فاتته وهو مسافر، وأمّا لو سار ووصل إلى حدّ التمام وانكشف الخلاف، فيعيدها تماماً، لأنّه حاضر وقت الإعادة ويقضيها كذلك لأنّ الصلاة فاتته وهو حاضر آخر الوقت.

الصورة الثالثة: إذا اعتقد في الذهاب عدم الوصول إلى حدّ القصر فصلّى تماماً، ثمّ بان أنّه وصل إليه، يعيدها قصراً، لأنّه في حال الإعادة مسافر ويقضيها قصراً، لأنّه فاتته وهو مسافر، سواء توقف في ذلك المكان، أو سافر، إذ هو في كلتا الحالتين مسافر.

الصورة الرابعة: إذا اعتقد في الإياب أنّه لم يصل إلى حدّ التمام، فصلّى قصراً، ثمّ بان خلافه وانّه دخل إلى حدّه، يعيدها تماماً ويقضيها تماماً من غير فرق بين كونه متوقفاً فيه أو جائياً إلى جانب البلد.

وبذلك تقف على صحّة كلام السيد بشرط أن يفسّـر كلامه على نحو ما ذكرناه.


صفحه44

ثمّ إنّ القول بالإعادة والقضاء في جميع الصور إنّما يتم على أحد القولين إمّا القول بتعدّد الأمر، أو لوحدته، ولكن مع القول بعدم الإجزاء في امتثال كيفية المأمور بالاستصحاب، وإلاّفلو قلنا بوحدة الأمر ـ كما هـو المسلم ـ وانّ الأمر بامتثال أمر المولى على النحو الذي أمر به من العمل من الأمارة والأُصول يدل عرفاً على كونه مكتفياً في أغراضه بما أدّى إليه الدليل، فالإجزاء في جميع الصور لا يخلو من قوة .

إذا وصل إلى حدّ الترخّص ثمّ وصل إلى ما دونه

إذا سافر من وطنه، وجاوز حدّ الترخّص، ثمّ وصل في أثناء الطريق إلى ما دونه، أي إلى نقطة يسمع فيها أذان البلد، إمّا لاعوجاج الطريق، أو لأمر آخر من قضاء حاجة ونحوها، وهنا صور:

1. إذا سافر من وطنه وجاز عن الحدّ ثمّ وصل إلى ما دونه.

2. إذا سافر من محلّ الإقامة وجاز عن الحدّ، ثمّ وصل إلى ما دونه.

أمّا الصورة الأُولى فيقع الكلام فيها في أُمور:

أ. حكم الصلاة إذا أراد أن يصلّي فيما دون الحد.

ب. حكم الصلاة إذا صلّى بعدما جاوز الحدّ ثمّ وصل إلى ما دونه.

ج. ما هو المبدأ لاحتساب المسافة إذا رجع إلى ما دون حدّ
الترخّص؟

أمّا الأوّل: فهو كما قال السيد الطباطبائي: فمادام هناك يجب عليه


صفحه45

التمام، عملاً بإطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان: «إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم».(1)

وأمّا الثاني: أعني حكم الصلاة إذا جاوز الحدّ ولم يصل إلى مادونه، فهل هو يقصر مطلقاً، أو فيما إذا لم يعلم برجوعه إلى ما دون المسافة؟ والثاني هو المتيقن من صحيح زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت، وقد خرج من القرية على فرسخين، فصلّوا وانصرف بعضهم في حاجة فلم يُقضَ له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال: « تمّت صلاته ولا يعيد».(2)

و قد مضى الكلام فيه، وقلنا بأنّ ما ورد في خبر سليمان بن حفص المروزي(3) من الأمر بالإعادة محمول على الاستحباب، وصحّة القصر في المقام أولى من صحّته إذا بدا له في أصل السفر، وأمّا كونه هو المتيقن، فلأنّ الصحيح منصرف عمّا إذاكان عالماً بأنّه يرجع إلى دون الحدّ، إمّا لأجل الاستطراق، لكون الطريق معوجاً; أو لقضاء الحاجة، وسيوافيك تفصيل آخر فيمن يعلم أنّه يرجع فانتظر.

وأمّا الثالث: فهو عبارة عن تعيين مبدأ الاحتساب للمسافة، إذا دخل ما دون الحدّ، فهل يجب أن يكون بين هذا المحل والمقصد مسافة بأن يكون الباقي مسافة مع قطع النظر، عمّا قطع من البلد إلى ذاك المحل، أو يكفي كون


1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 23 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.


صفحه46

المجموع مسافة ولو بضمّ ما قطع؟ الظاهر هو الثاني، وذلك لأنّ مبدأ الاحتساب كما مرّ إنّما هو آخر البلد، لا بالتجاوز عن حدّ الترخص وإن كان التقصير منوطاً به لكن الاحتساب شيء، وجواز التقصير شيء آخر. وعلى ذلك فلا وجه لإلغاء البعد المتخلّل بين البلد والمحل الذي رجع إليه.

بل يمكن التفصيل بين كون الرجوع إلى ذلك، نتيجة طبيعية لطيّ الطريق كما إذا كان الطريق جبلياً، فيصعد نحوه ثمّ ينزل ويصل إلى ما دون حدّ الترخص، أو أراد العبور من إحدى الضفّتين للنهر الكبير إلى الضفّة الأُخرى فسار على إحداهما على وجه تجاوز حد الترخص ثمّ عبر عن الجسر، ونزل الضفّة الأُخرى وعاد ووصل إلى ما دون الترخّص، ففي مثل ذلك يحسب الجميع مسافة حتى الذهاب والرجوع إلى ما دون الترخّص، وبين كون الرجوع لأجل قضاء حاجة في ذلك المحل، فإنّ الرجوع لتلك الغاية يكون على الخط المستقيم، فلا وجه لمحاسبة مثل هذا الذهاب والإياب ولا يعد جزءاً للسفر.

ومنه يعلم، صحة القصر في ما إذا صلّى فوق حدّ الترخّص مع العلم بأنّه سوف يصل إلى مادون الحد لأجل اعوجاج الطريق أو وجود المانع، إذ لا وجه لانصراف صحيحة زرارة عن مثله، نعم لو صلّى، مع العلم بأنّه يرجع إلى دون الترخّص، لقضاء حاجة، فالأحوط وجوب الإعادة تماماً في ما أعاد دون الترخّص، وقصراً في ما أعاد فوقه.

وأمّا الصورة الثانية: أي إذا سافر من محل الإقامة وجاز عن الحدّ ثمّ وصل إلى ما دونه أو رجع في الأثناء لقضاء حاجة، فالظاهر أنّه يقصر، لأنّ


صفحه47

اعتبار التجاوز عن حدّ الترخص لو قلنا في الخروج عن محلّ الإقامة فإنّما يعتبر في السفر الأوّل لا مطلقاً، ولذلك لو سار إلى نهاية المسافة ثمّ رجع إلى محلّ الإقامة، يقصر قطعاً فضلاً عن الوصول إلى ما دون حدّ الترخّص الذي هو بين محلها وحدّ الترخّص.

في المسافة الدورية حول البلد

ذكرنا في كتابنا «ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر» وفي بيان حكم المسافة المستديرة على البلد(1) وأنّها تارة تلاصق نقطة منها البلد، فتكون المسافة المستديرة مع البلد شبه الدائرتين المتلاصقتين; وأُخرى تكون مستديرة على البلد، فلا شكّ أنّ أدلّة القصر تشمل الصورة الأُولى وقد تقدّم الكلام فيها، إنّما الكلام في دخول الثانية تحت الإطلاقات، والظاهر أنّ المدار هو السير ثمانية فراسخ، سواء كان إمتدادياً أو مستديراً، سواء ابتعد عن البلد بالمسافة الشرعية أو لا، فإنّ القصر هدية من اللّه للمسافر المتعب من غير مدخلية لكون السير امتدادياً، أو تلفيقياً، أو مستديراً.

نعم يقع الكلام في صورها:

1. أن يكون تمام الدور دون الترخّص.

2. أن يكون تمام الدور فوق حدّ الترخّص بعد الخروج عن البلد.

3. أن يكون بعضه دون حدّ الترخّص ولكن كان السابق قبل الوصول


1 . راجع : «ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر»: 62 .


صفحه48

إلى دونه مسافة، وكان الباقي بعد الخروج عمّا دونه أيضاً مسافة.

4. أن يكون بعضه دون حدّ الترخّص، ولكن كان واحد من السابق أو الباقي مسافة.

5. أن يكون المجموع مسافة ولم يكن واحد من السابق والباقي مسافة.

لا إشكال في لزوم الإتمام في الأُولى، والقصر في الثانية، وفي كلّ من السابق والباقي في الثالثة لافتراض أنّ كلاً منهما مسافة ولا يُخلّ الوصول إلى ما دون الترخّص، لكون كلّ منهما مسافة، وخصوص ما كان مسافة من الصورة الرابعة.

بقي الكلام فيما إذا لم يكن مسافة شرعية من إحدى الصورتين للرابعة ونفس الصورة الخامسة.

وقد عرفت الحقّ انّ الوصول إلى ما دون الترخّص لأجل الاستطراق، لا يخرجه عن كونه مسافراً ويؤيّده أنّه لا يلزم أن يكون جميع المسافة فوق الحد، لما عرفت من أنّ مبدأ المسافة آخر البلد، والمسافة الواقعة بينه وبين حدّ الترخّص جزء من المسافة الشرعية وهي واقعة دون حدّ الترخّص، فيكون جميع الصور إلاّ الأُولى يقصر فيها. واللّه العالم.


صفحه49

الرسالة الحادية والتسعون

في مَن وردت الرخصة في إفطارهم


صفحه50


صفحه51

وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص بل قد يجب عليهم، وهم:

الأوّل والثاني: الشيخ والشيخة إذا تعذّر عليهما الصوم

تتضمن المسألة فروعاً:

1. هل الإفطار لهما رخصة أو عزيمة؟

2. وجوب التكفير في صورتي التعذّر والمشقة.

3. كفاية المد و الأفضل المدّان، كما أنّ الأفضل أن يكون من حنطة.

4. وجوب القضاء إذا تمكن بعد ذلك.

ولنتاول كلّ واحد بالبحث.

1. هل الإفطار عزيمة أو رخصة ؟

هل يتخيّر معها المكلّف بين الإفطار والفدية، أو الصوم؟ محل الكلام فيما إذا كان الصوم أمراً شاقّاً عليهما لا متعذراً على نحو يكونان عاجزين عنه،


صفحه52

إذ لا كلام في هذه الصورة في تعيّن الفدية للعجز عن الصوم. لو قلنا بها فيها، كما سيوافيك:

إنّ دراسة الآيات الواردة حول الصوم في سورة البقرة تثبت أنّ الإفطار عزيمة لا رخصة، ومجموعها لا يتجاوز عن ثلاث آيات:

1. قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(1)

2.(أَيّاماً مَعْدُودات فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَإِنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون) .(2)

3. (شَهْرُ رَمضانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآن هُدًى لِلنّاسِ وَبَيِّنات مِنَ الهُدى وَالْفُرقان فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَرَ يُريدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلتُكَبِّروا اللّهَ عَلى ما هَداكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(3)

فلنشرح هذه الآيات واحدة تلو الأُخرى.

أمّا الآية الأُولى، فجاءت تخاطب المؤمنين وتفرض عليهم وجوب الصوم (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام) ، و تصرّح بأنّه ليس أمراً بديعاً، بل كان مكتوباً على الأُمم السابقة(كَما كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )، وتُبيّن أنّ الغاية من هذه الفريضة هي التحلّي بالتقوى.


1 . البقرة:183.   2 . البقرة:184.   3 . البقرة: 185 .


صفحه53

وأمّا الآية الثانية، فتتشكل من أربع فقرات بعد بيان أنّ الواجب لا يتجاوز عن كونه أيّاماً معدودات.

الأُولى: ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر ) .

الثانية: ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَة طَعام مِسْكِين) .

الثالثة: ( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ) .

الرابعة: (وَإِنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون) .

وجاءت الفقرات الثلاث الأُول بصيغة الغائب بخلاف الأخيرة فجاءت بصيغة الخطاب.

فالفقرة الأُولى تصرح بأنّ الواجب على الصنفين هو الصيام في أيّام أُخر، وكأنّه لم يُكتب عليهم الصيام في شهر رمضان، بل كتب في تلك الأيّام، كما هو صريح قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر) .

وعلى ذلك فالمكلّف يُصنَّف إلى حاضر ومسافر ومريض، فالحاضر وظيفته الصوم في شهر رمضان، والآخران واجبهما الصيام في أيام أُخر.

نعم ربّما يقدّر بعد قوله: (فمن كان مريضاً أو على سفر) لفظة «فافطر»(1) إشعاراً بأنّه يمكن للمسافر الصوم في شهر رمضان، لكن لو أفطر وجب عليه القضاء في أيام أُخر.

ولكن التقدير على خلاف الظاهر أوّلاً، وإنّما لتصحيح فتوى أهل السنة


1 . تفسير الجلالين في تفسير الآية وغيره من سائر التفاسير.


صفحه54

ثانياً حيث يجوّزون الصوم للمسافر في شهر رمضان ، بل الحقّ انّ المتبادر هو أنّ المفروض من أوّل الأمر هو الصوم في أيّام أُخر.

وأمّا الفقرة الثانية، فهي أيضاً جاءت بصيغة الغائب تفرض على الذين يطيقون الصوم فدية طعام مسكين، فيقع الكلام في مفاد هذه الفقرة.

فقوله تعالى:(يطيقونه) بمعنى من يقدر على الصوم بجهد ومشقة وببذل جميع طاقاته، وليس بمعنى الاستطاعة والقدرة كما ربما يتوهم.

قال ابن منظور: الطوق، الطاقة، أي أقصى غايته، و هو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقة منه.(1)

وفي النهاية عند تفسير شعر عامر بن فهيرة:

كل امرئ مجاهد بطوقه *** والثور يحمي أنفه بروقه

قال: أي أقصى غايته، و هو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقة منه.(2)

ومن هنا يعلم أنّ تفسير تلك الفقرة بغير هذا الوجه على خلاف الظاهر، حيث فسّرت بوجوه غير تامّة، نذكر منها اثنين:

الأوّل: أنّه سبحانه خيّر المطيقين من الناس كلّهم بين أن يصوموا ولا يكفِّروا وبين أن يفطروا ويكفِّروا عن كلّ يوم بإطعام مسكين، لأنّهم كانوا لم يتعودوا الصوم، ثمّ نسخ ذلك بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ) .


1 . لسان العرب: 8/225، مادة «طوق».   2 . النهاية: 3/144، مادة «طوق».


صفحه55

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ تفسير (يطيقون) بالمستطيعين والقادرين على الصوم خلاف ظاهر اللغة كما عرفت. وإن وافقهم الطبرسي في تفسيره، حيث قال: أطاقه: إذا قوي عليه، فلو صحّ هذا الاستعمال فهو استعمال غير ذائع، وإنّما الشائع هو ما ذكرنا أي من يقدر لكن ببذل جهد ومشقة كبيرة يلحقه في نظر العرف بالعاجز و إن لم يكن عاجزاً عقلاً.

وثانياً: أنّ هذا التفسير أشبه بالتفسير بالرأي، فلا يصحّ الاعتماد عليه إلاّ إذا وجد عليه شاهد من الكتاب والسنّة. ولم نعثر على دليل يؤيد ذلك.

وثالثاً: أنّ الناظر في الآيات يقف على أنّها كسبيكة واحدة نزلت مرة واحدة لغايات تشريعية من دون أن يكون هناك ناسخ و منسوخ، أو تناف ومخالفة، ولازم القول بالنسخ وجود فاصل زماني بين المنسوخ والناسخ و هو ينافي ظهور الآيات بنزولها دفعة واحدة.

رابعاً: لو كانت هذه الفقرة ناظرة إلى عامة المسلمين القادرين، لما كان هناك وجه للعدول عن الخطاب إلى الغيبة حيث نرى أنّه سبحانه عندما يحكم على المؤمنين قاطبة يخاطبهم بقوله: (يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصيام)، فلو كان هذا الحكم في هذه الفقرة حكماً شمولياً لكلّ المستطيعين، لكان الأولى صياغة الحكم في قالب الخطاب، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ تلك الفقرة ترجع إلى صنف خاص وهم المتحمّلون للصوم بجهد ومشقة، فيكون هذا الصنف كالمسافر و المريض، صنفاً خاصاً يصلح لبيان الحكم في صيغة الغائب.

الثاني: أنّ تلك الفقرة ناظرة إلى الذين أفطروا بلا عذر ثمّ عجزوا،


صفحه56

ويؤيد ذلك رواية شاذة مرسلة.

روى ابن بكير عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في قول اللّه عزّ وجلّ: (وَعَلى الّذينَ يُطِيقُونهُ فِدْية طَعامُ مِسْكِين) قال: «الذين كانوا يطيقون الصوم وأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك، فعليهم لكلّ يوم مد».(1)

وهذا التفسير يشاطر التفسير السابق في كونه خلاف ظاهر الآية، لحاجتها إلى تقدير «افطروا».

فالتفسير الصحيح هو ما قدّمناه، و يؤيده روايات عديدة، منها :

1. صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، و يتصدق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمد».(2)

2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان؟ قال: «يتصدق كلّ يوم بما يجزي من طعام مسكين».(3)

وبذلك تبيّن أنّ ظاهر الآية هو العزيمة حيث إنّ ظاهرها أنّ المكتوب على المطيقين هو الفدية لا غير، نظير ما ذكرنا في المريض و المسافر.

وأمّا الروايات فأكثرها أو جميعها بصدد بيان الفدية، وليست بصدد بيان كونها عزيمة أو رخصة. ومع ذلك تصحّ استفادة العزيمة وتعيّن الدية بالبيان


1 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5. ولاحظ الأحاديث :2، 3، 4، 7، 8، 9، 10، 11، 12من ذلك الباب.


صفحه57

التالي: انّ قوله : «يتصدّق كلّ يوم بما يجزي من طعام مسكين» في صحيحة ابن سنان، أو قوله: «ويتصدق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمُدّ من طعام» في صحيح محمد بن مسلم، ظاهر في كون التصدّق واجباً تعيينياً لا تخييرياً، إذ لو كان كذلك كان عليه أن يأتي بالعِدْل الآخر، فالسكوت مع كونه في مقام البيان آية كونه تعيينياً مع أنّه لم يرد في رواية ضعيفة فضلاً عن غيرها أنّه مخيّر بين الأمرين.

وبذلك لا يمكن الاعتماد على ظهور قوله في الرواية الأُولى: «لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان»، لأنّه ورد في محل توهم الحظر، فالهدف رفع ذلك التوهّم، أي لا يحرم الإفطار، وأمّا كونه واجباً أو رخصة فخارج عن مصب الكلام.

نعم ذهب جماعة منهم المحدّث البحراني وصاحب العروة إلى التخيير، قال في الحدائق: إنّ المراد من الآية هو من أمكنه الصوم بمشقة، فإنّه قد جوّز له الإفطار والفدية. (1) وقد عرفت مدلول الآية.

وأمّا الفقرة الثالثة، أي قوله: (وَمَنْ تَطوّع خيراً فَهُو خَيْرٌ لَهُ)، فهو بمعنى أنّ من زاد في الفدية فهو خير له، فلو زاد في الإطعام على مسكين واحد أو أطعم المسكين الواحد أكثر من الواجب فهو خير، والتطوع من الطوع بمعنى الانقياد، و المقصود من قوله : «خيراً» ما يقارب معنى المال، مثل قوله سبحانه: (إِنْ تَرَكَ خَيراً الوَصيَّة للوالِدين والأَقْرَبين بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلى المُتَّقين) .(2)


1 . الحدائق: 13/421.   2 . البقرة:180.


صفحه58

ومن غريب القول تفسير تلك الفقرة بالصوم، وهو كما ترى لا صلة لها به.

وأمّا الفقرة الرابعة، أعني قوله: (وان تَصُومُوا خَيراً لَكُمْ)، فقد وقعت ذريعة لطائفتين:

الأُولى: من قال بأنّ الإفطار رخصة للمطيق.

الثانية: من قال بأنّ الإفطار رخصة للمسافر.

ولكن الإمعان فيها يثبت أنّها تتعلّق بالآية الأُولى، أعني قوله سبحانه: (يا أيّها الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام) ، والشاهد على ذلك ورودهما بصيغة الخطاب في كلا المقامين. فالفقرة ناظرة إلى أنّ التشريع الماضي بعامة خصوصياته خير لكم أيّها المؤمنون، فلو قلنا بأنّ الحاضر يصوم، والمريض والمسافر يصومان في أيّام أُخر، والمطيق ليس عليه صوم كلّ هذا من أجل خيركم وسعادتكم.

فلو كانت الفقرة الرابعة راجعة إلى المطيق أو المسافر والمريض، لكان الأنسب أن ترد الفقرة بصيغة الغائب، والحال أنّها جاءت بصيغة الخطاب مشعرة بأنّها تخاطب عامة المسلمين لا صنفاً خاصاً.

هذا كلّه حول الآية الثانية، وأمّا الآية الثالثة فتتشكّل من الفقرات التالية:

أ. (شهر رمضان الّذي أُنزل فيه القرآن هدى للنّاس وبيّنات من الهدى وَالفُرقان) تريد الآية بيان تخصيص تلك الأيام بفريضة الصوم، وانّه شهر نزل فيه القرآن الذي فيه هدى للناس وآيات بيّنات واضحات فيها من الهداية والفرقان بين الحقّ والباطل.


صفحه59

ب. (فَمَن شَهد مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْعَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر) أعاد سبحانه ذكر ما سبقه في الآية الثانية ردّاً على المتزمّتين الذين يظنون أنّ الإفطار غير جائز بحال، ولقد صدّق الخَبَرَ الخُبْرُ.

روى مسلم عن جابر بن عبد اللّه، أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان ، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام ؟ فقال: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة».(1)

ج. (يُرِيدُ اللّه بِكُمُ اليُسْر وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْر) ، وهو بيان لحكمة رفع الصيام عن الأصناف الثلاثة الذين أُمروا بالإفطار، وتلك الحكمة طلب يسر الحياة لهم و دفع العسر عنهم من غير فرق بين المريض و المسافر و من يشقّ عليه الصيام.

وربما يستظهر منه بأنّ الإفطار رخصة حتى قال بعض المفسرين الشيعة بأنّه لولا الروايات الصحيحة عن أهل البيت (عليهم السلام)عن جدّهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لجزمنا بأنّ الإفطار في السفر رخصة لا عزيمة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الإرادة في الآية إرادة تشريعية، ومعنى ذلك أنّ المشروع هو الميسور لا المعسور، ومعه كيف يكون الصوم المعسور مشروعاً؟ كيف، و قد قال سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبيكُمْ إِبْراهيمَ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمينَ مِنْ قَبْل) (3) ، فالمجعول هو الحكم الذي


1 . شرح صحيح مسلم للنووي: 7/232.      2 . الكافي:1/285.   3 . الحج:78.


صفحه60

ليس فيه حرج و ما على خلافه فليس بمجعول أي بمشروع.

د . (وَلِتُكْملُوا العِدَّة) ، وهي راجعة إلى لزوم القضاء للمريض والمسافر، أي أنّ الموضوع منهما هو حكم الصيام في شهر رمضان، وأمّا القضاء بعدد الأيام المعدودات فلا وقد عرفت معنى القضاء في المقام.

هـ . (وَلِتُكَبِّروا اللّه عَلى ما هَداكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون)، الفقرة غاية لوجوب عقد الصيام، واللّه سبحانه يطلب من عباده تكبيره في مقابل هدايتهم حتى يكونوا شاكرين لنعمه.

تمّ الكلام في الفرع الأوّل.

2. وجوب الفدية وعمومه للعاجز والمطيق

اتّفقت كلمتهم على وجوب الفدية، إلاّ ما يحكى عن أبي الصلاح حيث اختار القول بالاستحباب، وعليه فلا يجب عليه الفدية كما لا يجب عليه الصوم.(1) وهو قول شاذّ، مخالف لصريح الآية من جعل الفدية على ذمة المطيقين حيث يقول: (وَعَلى الّذين يطيقونه فدية طعام مسكين)حيث تحكي عن ثبوتها عليهم، وما ربّما يستدل على قوله برواية إبراهيم الكوفي، فسيوافيك توضيحها عن قريب.

ثمّ اختلفوا ـ بعد ما اتفقوا على وجوب الفدية ـ في وجوبها على خصوص المطيق، أو عمومها له و للعاجز. الأشهر هو الثاني.

ذهب ابن أبي عقيل، و ابن الجنيد، وابن بابويه في رسالته، والصدوق


1 . عبارته في الكافي: 182 هكذا.


صفحه61

في المقنع، و الشيخ في النهاية والمبسوط والاقتصاد، وابن البراج، خلافاً للمفيد والسيد المرتضى وأبي الصلاح و سلاّر و ابن إدريس، و العلاّمة في مختلفه.(1)

وقد استدلّ على القول بالاختصاص بوجوه:

1.مقتضى الأصل هو البراءة وعدم الوجوب، وعلى القائل به إقامة الدليل عليه.

2. أنّ الكفّارة إمّا بدل عن واجب، أو مسقطة لذنب صدر عن المكلف، وكلاهما منفيان.(2)

يلاحظ عليه: أنّ سبب إيجابها أعم منهما، إذ يمكن أن يكون سببها هو فوت المصلحة منهما، فتتدارك بالفدية.

3. قوله سبحانه (وَعَلى الّذين يُطيقُونه فدية طعام مسكين) ، حيث دلّ بمفهومه على سقوط الفدية عن العاجز الذي لا يطيقه أصلاً.

يلاحظ عليه : أنّ المفهوم في الآية أشبه بمفهوم اللقب، فإنّ جعل الوجوب على المطيق لا يكون دليلاً على عدم وجوبه للعاجز.

والمهم في الاستدلال هو أصل البراءة كما مرّ.

وأمّا القول بالوجوب، فليس له دليل سوى توهّم وجود إطلاقات تعم كلا الصنفين، وهو موضع تأمّل، فإنّ العناوين الواردة فيها لا تتجاوز عمّا يلي:


1 . لاحظ الأقوال في المختلف:3/542.   2 . المختلف:3/543.


صفحه62

1. «الشيخ الكبير» كما في حديثي محمد بن مسلم،(1) وحديث رفاعة.(2)

2. «الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم »كما في حديث عبدالملك بن عتبة(3) الهاشمي. والظاهر أنّ الضعف قيد لكليهما لا لخصوص العجوز، بقرينة صحيح ابن سنان، عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان، (4) و صحيح الحلبي.(5)

3. «الشيخ الكبير الذي لا يستطيع أو لا يقدر» كما في مرسلة العياشي، (6) ومعتبر أبي بصير،(7) و خبره الآخر،(8) ولا يبعد أن يكون المراد من القسم الثالث هو غير القادر عرفاً لا عقلاً، فيتحد مع القسم الثاني، إذ من البعيد أن يركز الحديث على العاجز، دون المطيق بجهد ومشقة، فتعيّن أن يكون المراد هو المطيق بمشقة، ولا جامع بين العاجز والقادر ليستعمل فيه.

وبذينك القسمين يقيد القسم الأوّل الذي كان الموضوع فيه هو الشيخ الكبير بوجه مطلق.

بقي الكلام في رواية إبراهيم الكرخي الذي رواها الشيخ في التهذيب


1 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 3 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4 .

4 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5 .

5 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9.

6 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7 .

7 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 11 .

8 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 12.


صفحه63

عن سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن خالد الطيالسي ، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه ولا يمكنه الركوع والسجود؟ فقال: «ليؤم برأسه إيماء » ـ إلى أن قال: ـ قلت: فالصيام؟ قال: «إذا كان في ذلك الحد، فقد وضع اللّه عنه، فإن كانت له مقدرة فصدقة مدّ عن طعام بدل كلّ يوم أحب إلي، وإن لم تكن له يسار ذلك فلا شيء عليه».(1)

أمّا السند، ففيه الطيالسي التميمي; فقد عنونه النجاشي في رجاله، والشيخ أيضاً في رجاله من أصحاب الكاظم و لم يوثقاه. (2)

وأمّا إبراهيم الكرخي، فهو ثقة عندنا، لكونه من مشايخ ابن أبي عمير وصفوان ، له روايات في الكتب الأربعة.

وأمّا المتن فالرواية ظاهرة في العاجز دون المطيق، بقرينة قوله: «ولا يمكنه الركوع والسجود»، فلا مانع من الالتزام باستحباب الفدية في حقّه إذا كان له يسار، ولعله لأجل إدراك فضيلة شهر رمضان.

وبذلك يعلم أنّ الاستدلال بها على استحباب الفدية على المطيق في غير محله، لأنّ الموضوع هو العاجز، لا المطيق.

نعم لو قلنا بأنّ المراد هو المطيق بقرينة قوله «لضعفه»، فلا محيص من حمل «افعل» التفضيل على معنى لا ينافي الوجوب، مثل قول يوسف:


1 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث10.

2 . رجال النجاشي: برقم 911; رجال الشيخ برقم 26.


صفحه64

(رَبّ السجن أحبّ إليّ مِمّا يدعونني إليه).(1)

أي السجن محبوب دون الآخر، ومثله المقام وهو أنّ الفدية محبوبة دون تركها.

3. الواجب مدّ لا مدّان

المشهور أنّ الواجب هو مدّ من طعام، ذهب إليه ابن عقيل و ابن الجنيد وابنا بابويه و السيد المرتضى وسلاّر وابن إدريس. خلافاً للشيخ في المبسوط وابن البراج في المهذب، والطبرسي في المجمع، حيث قالوا بأنّ الواجب مدّان، فإن لم يتمكّن فمدّ واحد.(2)

ولكن الأقوى هو القول الأوّل، وذلك لأنّه سبحانه يقول (فدية طعام مسكين)، والفدية بمعنى البدل و العوض، وقوله (طعام مسكين)عطف تفسير لها، و المراد قدر ما يأكله في موعد، بل يوم واحد، وهو يعادل مدّاً في أغلب الأفراد.

وأمّا الروايات، فهي على أصناف ثلاثة:

أ: ما يُفسِّر قوله سبحانه: (طعام مسكين) بمدّ، كما هو الحال في مرسلة ابن بكير و المروي عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى.(3)

ب: ما يدل على وجوب مدّ واحد، وعليه أكثر روايات الباب.(4)


1 . يوسف:33.   2 . المختلف:3/545; مجمع البيان:1/274.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6، 12.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 4، 6، 10.


صفحه65

ج: ما يدل على وجوب مدّين من طعام، و هو المروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)بطريق محمد بن مسلم.(1)

وقد روى محمد بن مسلم مدّاً واحداً عن أبي جعفر (عليه السلام)كما مرّ، و على ذلك لا يمكن توحيد الروايتين، بزعم أنّ الخطأ نشأ من جانب الرواة، لأنّه إنّما يتم إذا روى عن إمام واحد، ولكنّه نقله عن إمامين، فلا محيص من حمل المدّين على الاستحباب; وأمّا حمل المدّ الواحد على العاجز عن المدين، فهو جمع تبرّعي.

جنس الطعام

لقد ورد في القرآن قوله سبحانه: ( طعام مسكين)، وقد ذكرنا(2) أنّ الطعام ما يُتغذى به من الحنطة وغيره، وهو في العرف اسم لما يؤكل كالشراب لما يُشرب، ومقتضى الإطلاق كفاية كلّ ما يؤكل عادة غداءً و عشاءً.

نعم ورد التقييد بالحنطة في رواية عبد الملك بن عتبة الهاشمي، وقد مرّ أنّه لم يوثق.

4. وجوب القضاء إذا تمكّن

هل يجب القضاء لو تمكّنا من القضاء قبل حلول رمضان الآتي؟ ادّعى العلاّمة في «المختلف» الإجماع على عدم الوجوب.(3)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

2 . لاحظ كتابنا: الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء: الجزء الأوّل، الفصل السادس، المسألة 24.

3 . المختلف:3/545.


صفحه66

ومع ذلك يقول المحقّق في «الشرائع»: ثمّ إن أمكن القضاء وجب. وعلّله في الجواهر بعموم من فاتته فريضة.(1)

يلاحظ عليه: عدم صدق الفوت وجوباً وملاكاً.

أمّا الأوّل فلما عرفت من عدم وجوبه عليه بل الواجب هو الفدية، وأمّا الملاك فلأنّه يُتدارك أو يحتمل تداركه بالفدية.

أضف إلى ذلك: أنّه يمكن استفادة عدم الوجوب من الوجهين التاليين:

أ: التصريح بعدم القضاء في صحيحة محمد بن مسلم.(2)

ب: أنّه ورد في صحيحة الحلبي و ابن سنان أنّ الفدية تجزي عن الصوم.

ففي صحيحة الحلبي يتصدق بما يجزي عنه (أي عن الصوم) طعام مسكين لكلّ يوم(3)، فقوله: (طعام مسكين) فاعل الفعل يجزي، فكأنّ الفدية تقوم مقام الصوم.

ومثلها صحيحة عبداللّه بن سنان، قال: يتصدّق كلّ يوم بما يجزي ]عنه[ من طعام مسكين.(4)

فقوله : «من طعام مسكين» بيان لفاعل الفعل، و الظاهر سقوط كلمة «عنه»، وظاهر الروايتين كفاية الفدية عن الصوم، فلا يبقى مجال للقضاء.


1 . الجواهر:17/147.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9 .

4 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.


صفحه67

الثالث: مَن به داء العطاش

إنّ مَن به داء العطش أي ذو العطاش (بضم العين)، وهو داء لا يروى صاحبه، محكوم بأحكام أربعة:

أ: يفطر في صورتي العجز والمشقة.

ب: يتصدّق بمدّ والأحوط مدّان.

ج: وجوب القضاء عند التمكّن.

د: الأحوط الاقتصار في الشرب على قدر الضرورة.

أمّا الأوّل، فالعاجز خارج عن محطّ البحث لعدم القدرة كخروجه عن قوله: (وَعَلى الّذينَ يُطيقُونهُ فِدية طَعام مِسْكِين)، فالأولى التركيز على صورة المشقة، وجواز إفطاره مورد اتفاق، لقوله سبحانه:(لا يُكَلّفُ اللّه نَفْساً إِلاّوُسعَها)(1)، وقوله سبحانه:(ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبيكُمْ إِبْراهيم هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلمين مِنْ قَبْل).(2)

من غير فرق بين من يرجى برؤه و بين من لا يرجى، لأنّ الملاك هو المشقة وبرؤه وعدم برئه في المستقبل غير دخيل في الحكم.

أمّا الثاني، أي وجوب الكفّارة، فقد اتّفقت كلمتهم على وجوبها فيمن لا يرجى بُرؤه، ولم يخالف فيه أحد إلاّ ما نقل عن سلاّر.

نعم إنّما الاختلاف فيمن يرجى برؤه ويتوقع زواله.


1 . البقرة:287.   2 . الحج:78.


صفحه68

فمن قائل بأنّه داخل في قوله سبحانه: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْعَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر ) فحكم عليه بوجوب القضاء دون الفدية، كما هو حال كلّ مريض. و هو خيرة المفيد والسيد المرتضى وابن إدريس والعلاّمة في المختلف.(1)

إلى آخر قال بأنّه داخل في قوله: (وَعَلى الّذينَ يُطيقُونهُ) فحكم عليه بالفدية، وأمّا القضاء فسيوافيك.

والحقّ هو القول الثاني، وذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: أنّ المراد من المريض المحكوم بالإفطار، من يضرّه الصوم فيوجب طولَ برئه أو شدّة مرضه، والصوم بالنسبة إلى داء العطاش ليس كذلك وإنّما هو يوجب المشقة عليه، لأنّه يسكن بشرب الماء، والصوم يخالفه، فلذلك يكون خارجاً عن عنوان المريض.

نعم لو قال الطبيب بأنّ الصوم يضرّ بهذا الداء، فهو موضوع جديد يحكم عليه بما حكم على المريض، ولكنّه نادر أو غير واقع.

الوجه الثاني: أنّ الظاهر من الروايات أنّ من به داء العطاش غير المريض.

1. صحيحة محمد بن مسلم عند تفسير قوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سَتّينَ مِسْكيناً) (أي في الظهار) قال: من مرض أو عطاش.(2)


1 . مختلف الشيعة:3/547 ـ 548.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.


صفحه69

2. خبر داود بن فرقد، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): فيمن ترك صوم ثلاثة أيّام في كلّ شهر، فقال: «إن كان من مرض فإذا برئ فليقضه، وإن كان من كبر أو عطش فبدل كلّ يوم مدّ».(1)

3. وخبره الآخر عن أخيه وفيه: «إن كان من مرض فإذا قوي فليصمه، وإن كان من كبر أو عطش فبدل كلّ يوم مدّ».(2)

وأمّا الثالث، أي وجوب القضاء عند التمكن، فقد ظهر عدم وجوبه وإن ذهب صاحب العروة إلى وجوبه، وقد مضى أنّ من قال به فقد جعله من أقسام المريض، وأمّا من جعله من أقسام غير المطيق فقد جعل الواجب عليه الفدية دون القضاء، وعلى أيّ تقدير فقد جاء التصريح بعدم القضاء في ذي العطاش في صحيح محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)، يقول: «الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان ويتصدّقا كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمد من طعام ولا قضاء عليهما».(3)

وأمّا الرابع وهو الاقتصار في الشرب بقدر الضرورة، فلم نجد له دليلاً صالحاً، نعم يكره التملّي من الشراب والغذاء، وهو غير الاقتصار بقدر الضرورة، وما استدل به عليه غير ظاهر.

1. روى عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في الرجل يصيبه العطاش حتى


1 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 11 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 8 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث1.


صفحه70

يخاف على نفسه ؟ قال: «يشرب بقدر ما يمسك رمقه، ولا يشرب حتى يروى».(1)

2. وما رواه المفضل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّ لنا فتيات وشباناً لا يقدرون على الصيام من شدّة ما يصيبهم من العطش، قال: «فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم وما يحذرون».(2)

وجه عدم الدلالة واضح، فإنّ الحديثين ناظران إلى من يصيبه العطش لأجل حرارة الجو وغيره فرخّص في الشرب بمقدار الضرورة ، وهو غير من به داء العطش طول العمر، فلا يمكن الاحتجاج بها عليه.

وبعبارة أُخرى: أنّ من أصابه العطش يبقى على صومه إلاّ بمقدار الضرورة، بخلاف من به داء العطاش فهو يفطر.

نعم لا يتملّى كسائر من رُخِّص لهم بالإفطار.

الرابع: الحامل المقرب الّتي يضرّها الصوم

الحامل المقرب التي يضرّ الصوم بأحدهما حكم عليها بالأحكام الأربعة:

الإفطار أوّلاً، و القضاء ثانياً، والتصدّق من مالها ثالثاً، بمقدار المدّ أو المدّين رابعاً. والظاهر من صاحب العروة كغيره أنّها عنوان مستقل غير داخل


1 . الوسائل: ج 7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.


صفحه71

«فيما لا يطيقون»، وإلاّ يكفي التصدّق ولا يجب القضاء، ولا في عنوان المريض وإلاّ يلزم القضاء فقط دون التصدّق، فإيجابهما معاً يكشف عن كونه عنواناً مستقلاً عند صاحب العروة وغيره ممن وافقه في القضاء والتصدّق.

أمّا الأوّل، أي الإفطار فموضع وفاق في كلتا الصورتين، فإذا أضرّ الصوم بالأُمّ يكفي في جواز الإفطار ما دلّ على أنّ الصوم المضرّ للصائم يفطر، وقد قلنا في محلّه: إنّ الموضوع إضرار الصوم بالصائم لا المريض، سواء أكان مريضاً أو لا، فالصوم المضر موجب لجواز الإفطار، وأمّا إذا أضرّ بالحمل فتفطر لتقديم الأهم على المهم من حفظ النفس المحترمة. فعلى ذلك لو لم يكن للمسألة أصل تكفي القواعد العامّة في إثبات جواز الإفطار، مضافاً إلى وجود النص.

وأمّا الثاني، أي وجوب القضاء، فلم يعرف فيه خلاف سوى ما نقل عن ابن بابويه، و سوى ما نقله العلاّمة في «المنتهى»(1) عن سلاّر.

قال ابن بابويه: المرأة الحامل... فعليهم جميعاً الإفطار والتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام و ليس عليهم قضاء.(2)

قال العلاّمة: و هذا الكلام يشعر بسقوط القضاء في حقّ الحامل والمرضع، والمشهور بين علمائنا وجوب القضاء عليهم.(3)

ويدلّ على وجوب القضاء صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: « الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن


1 . المنتهى: 2 / 619، الطبعة الحجرية.      2 . المقنع: 194 .   3 . مختلف الشيعة: 3 / 549 .


صفحه72

تفطرا في شهر رمضان، لأنّهما لا تطيقان الصوم، وعليهما أن تتصدق كلّ واحد منهما في كلّ يوم تفطر فيه بمدّ من طعام، وعليهما قضاء كلّ يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد».(1)

ولعل ابن بابويه اعتمد في نفي القضاء على قوله: «لا تطيقان الصوم» في نفس الرواية، فأدخله في (وعلى الّذين يطيقونه)، ولكنّه إشعار لا يقابل مع التصريح الوارد فيها على القضاء.

ثمّ إنّه ربّما يستدل على عدم وجوب القضاء بصحيحة عبداللّه بن مسكان، عن محمد بن جعفر، قال: قلت لأبي الحسن(عليه السلام): إنّ امرأتي جعلت على نفسها صوم شهرين، فوضعت ولدها وأدركها الحبل فلم تقو على الصوم؟قال: «فلتصدّق مكان يوم بمدّ على مسكين».(2)

وجه الدلالة: عدم تعرضه للقضاء، ولكنّه غير تام، إذ غايته الإشعار و هو لا يعادل التصريحَ الوارد في صحيحة محمد بن مسلم السابقة، مضافاً إلى ورودها في مورد النذر، فلا يقاس عليه شهر رمضان، هذا كلّه حول الدلالة. وأمّا السند فطريق الصدوق إلى ابن مسكان و إن كان صحيحاً، لكن محمد بن جعفر الذي يروي عنه عدّة، مثل ابن مسكان و إبراهيم بن هاشم و أبي العباس الكوفي مجهول لم يُعرف، فلا يصلح للاستدلال.

وأمّا الثالث، أي وجوب التصدّق فهو محل وفاق فيما إذا أضرّ بالولد، وأمّا إذا أضرّ بنفس الحامل فهو محل خلاف.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.


صفحه73

قال العلاّمة في «المنتهى»: الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وعليهما القضاء، وهو قول فقهاء الإسلام و لا كفّارة عليهما; ولو خافتا على الولد من الصوم فلهما الإفطار أيضاً، وهو قول علماء الإسلام، و يجب عليهما القضاء إجماعاً، إلاّ من سلاّر من علمائنا، ويجب عليهما التصدّق في كلّ يوم بمدّ من طعام، ذهب إليه علماؤنا.

ويظهر من الشهيد في «الدروس» أنّ التفصيل هو مذهب الأصحاب، وهو خيرة المحقق الثاني في حاشية الإرشاد، حتى أنّ المتقدمين كالشيخ المفيد في «المقنعة» والطوسي في «المبسوط» وابن إدريس في «السرائر » ذكروا خصوص الخوف على الولد فأوجبوا الإفطار والقضاء والفدية في ذلك، وأمّا الخوف على أنفسهما فلم يذكروا حكمه، وجعلوه من قبيل سائر الأمراض، فاستندوا في حكمه إلى عموم أخبار المرض من وجوب الإفطار والقضاء خاصة.(1)

ولكن ذهب المحقّق في «الشرائع» و«المعتبر» إلى القضاء والفدية معاً، وعليه صاحب العروة، والدليل على وجوب الفدية إطلاق صحيح محمد بن مسلم الماضي.

وربما يقال بانصراف الصحيح إلى ما إذا أضرّ الصوم بالحمل بقرينة تقييد الحامل بالمقرب، والمرضعة القليلة اللبن وكلاهما مظنة الضرر به لا بنفسها. وإلاّ لكان التقييد بهما لغواً.(2)


1 . لاحظ في الوقوف على مصادر هذه الأقوال: الحدائق الناضرة: 13/427ـ 428.

2 . مستند العروة:2/56.


صفحه74

يلاحظ عليه: من أين نعلم أنّ صوم المقرب يضرّ بالولد، لا بالأُمّ؟ فإنّ هذه الحالة من أخطر الحالات على الأُمّ والولد معاً، لا الولد وحده. نعم لوحصل الوثوق من قول الطبيب وغيره أنّ الصوم يضرّ بالأُمّ، سواء أكانت حاملاً أم لا على نحو لا يكون للحمل أيّ تأثير في طروء الضرر، فلا مانع من إلحاقها بالمريض والحكم بالقضاء وحده كما يأتي في المرضعة القليلة اللبن.

فإن قلت: إنّ النسبة بين الآية المباركة وصحيح الحلبي، عموم وخصوص من وجه، فإنّها تشمل ما يضرّ به الصوم حاملاً كانت أو حائلاً، بخلاف الصحيح فإنّه مختص بالحامل، لكنّه أعم من أن يضرّ بالأُمّ أو الولد، فتصدق الآية في مورد غير الحامل، دون الصحيح، كما أنّه يصدق فيما أضرّ بالولد وحده، دون الأُمّ في الآية، ويجتمعان في الحامل الّتي يضر الصوم بها دون الولد، فمقتضى الآية هو كفاية القضاء، لكن مقتضى الصحيح ضم الفدية إليه فيتساقطان ويرجع في مورد الاجتماع إلى أصل البراءة.

يلاحظ عليه: أنّ مقتضى القاعدة هو تقدّم صراحة النصّ في لزوم الفدية على ظهور الآية في عدم وجوبها من خلال سكوتها فيها، وعلى ذلك فالأحوط لو لم يكن الأقوى ضمّ الكفارة إذا كان يضرّ بالأُم وحدها.

وأمّا الرابع، أعني: مقدار الفدية من مالها فهو المدّ، كما في الصحيح، ولا وجه لاحتمال المدّين لتصريح الصحيح بأنّ الواجب هو المدّ، نعم جاء المدّان في الشيخ والشيخة في بعض الروايات، و قد عرفت أنّه محمول على الاستحباب .

ثمّ إنّ الظاهر أنّها تخرج المدّ من مالها لا من مال زوجها وانّها ليست


صفحه75

من النفقة و هو بعدُ موضع نظر، لأنّ الكفّارة إحدى حاجاتها الضرورية كالدواء، مضافاً إلى أنّ الزوج أيضاً دخيل في لزومها عليها و كون الواجب هو بذل المسكن والمطعم و الملبس، محمول على الغالب، إذ لا تنحصر نفقاتها الضرورية أو ما تناسب حالها بها كما لا يخفى. وقد أوضحنا حالها في كتاب النفقات من النكاح.(1)

الخامس: المرضعة القليلة اللبن

حكم المرضعة القليلة اللبن حكم الحامل في كلتا الصورتين، أي سواء أضرّ الصوم بها أو بولدها، في أنّها تفطر أوّلاً، و تقضي ثانياً، وتكفّر من مالها ثالثاً، من غير فرق بين كون الولد لها أو متبرعة برضاعه أو مستأجرة، والدليل الوحيد هو إطلاق الصحيح المتقدّم الذي يعمّ الأصناف الثلاثة.

وربما يقال بانصراف الصحيح بقرينة «القليلة اللبن» إلى ما إذا أضرّ بالولد من خلال قلّة اللبن، ضرورة عدم الفرق في الخوف على النفس بين كونها قليلة اللبن أو كثيرته، مرضعة كانت أو غير مرضعة، فإنّ الخوف المزبور متى عرض ولأيّ شخص تحقّق، فهو داخل في عنوان المريض، و محكوم بالإفطار والقضاء دون الفداء.(2)

قلت: مرّ الكلام فيه في أنّه لو ثبت أنّ الصوم يضرّ بالأُم مطلقاً، مرضعة كانت أو لا، قليلة اللبن كانت أو لا، فهي خارجة عن النص، و أمّا إذا كان لهذه الحالة أي كونها مرضعة، تأثير في إضرار الصوم بها دون ما إذا لم يكن كذلك


1 . النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 2 / 362 .   2 . مستند العروة: 2 / 58.


صفحه76

فهو داخل تحت الصحيح. إنّما الكلام في اختصاص الحكم بصورة عدم وجود المندوحة من مرضعة أُخرى أو الانتفاع من حليب الدواب أو الحليب المجفف.

يظهر اشتراط عدم المندوحة من الشهيدين في الدروس والروضة.

قال الأوّل: لا فرق بين المستأجرة والمتبرعة إلاّ أن يقوم غيرها مقامها، ـ ثمّ قال: ـ لو قام غير الأُم مقامها، روعي صلاح الطفل، ... ثمّ بالأجنبية فالأقرب عدم جواز إفطارها، هذا مع التبرع أو تساوي الأُجرتين، ولو طلبت الأجنبية زيادة لم يجب تسليمه إليها وجاز الإفطار. وقال ثاني الشهيدين : لو قام غيرها مقامها متبرعاً أو أخذ مثلها أو أنقص امتنع الإفطار.(1)

واستدلّ على ذلك مضافاً إلى وجوب المقدمة التي لا تقتضي ضرراً أو قبحاً، بمكاتبة علي بن مهزيار التي رواها صاحب الوسائل عن ابن إدريس في «مستطرفات السرائر» نقلاً عن كتاب «مسائل الرجال» رواية أحمد بن محمد بن الجوهري وعبد اللّه بن جعفر الحميري جميعاً ، عن علي بن مهزيار، قال : كتبت إليه ـ يعني: علي بن محمد(عليه السلام)ـ أسأله عن امرأة ترضع ولدها وغير ولدها في شهر رمضان فيشتدَّ عليها الصوم وهي ترضع حتى يُغشى عليها، ولا تقدر على الصيام، أترضع و تفطر وتقضي صيامها إذا أمكنها، أو تدع الرضاع وتصوم، فإن كانت ممّن لا يمكنها اتّخاذ من يرضع ولدها فكيف تـصنع؟!

فكتب: «إن كانت ممن يمكنها اتخاذ ظئر استرضعت لولدها وأتمت


1 . الدروس:1/292; الروضة البهية:2/130.


صفحه77

صيامها، وإن كان ذلك لا يمكنها أفطرت وأرضعت ولدها وقضت صيامها متى ما أمكنها».(1)

والحديث ـ لو صحّ ـ دليل على شرطية عدم المندوحة، و في الوقت نفسه دليل على سقوط الكفّارة فيما إذا أضرّ الصوم بالأُمّ ، كما أشرنا إليه في مورده.

لا غبار على دلالة الرواية للتفصيل إنّما الكلام في سندها، فإنّها أخذت من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا أبي الحسن علي الهادي ـ سلام اللّه عليه ـ والأجوبة عن ذلك. وقد روى تلك الأسئلة والأجوبة عن أصحابه (عليه السلام)اثنان:

1.أحمد بن محمد بن عبيد اللّه بن الحسن بن عياش الجوهري الذي عرّفه النجاشي بقوله: رأيت هذا الشيخ و كان صديقاً لي ولوالدي، وسمعت منه شيئاً كثيراً، ورأيت شيوخنا يضعّفونه، فلم أرو عنه وتجنّبته، مات 401 هـ .(2)

2. عبد اللّه بن جعفر الذي يصفه النجاشي بقوله : شيخ القميين ووجههم، قدم الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين، صنف كتباً كثيرة.(3)

قال الشيخ الطوسي: ثقة، له كتب. وذكره أيضاً في رجال الإمام الرضا والهادي (عليهما السلام).


1 . الوسائل: ج 7، الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

2 . رجال النجاشي:1/225، برقم 205.

3 . رجال النجاشي: 2/18 برقم 571.


صفحه78

وبما أنّ الإمام الرضا(عليه السلام)توفّي عام 203 هـ ، فيكون من المعمّرين، لأنّه قدم الكوفة كما عرفت سنة نيف وتسعين ومائتين.

وبذلك يعلم أنّ الراويين غير معاصرين لطول الفاصل الزماني، والأوّل لم يوثّق بخلاف الثاني.

ثمّ إنّهما رويا في ذلك الكتاب أجوبة الإمام الهادي(عليه السلام)وجواباته لكتب أصحابه، وممّن سأله أو كتب إليه:

1. أيوب بن نوح.

2. أحمد بن محمد.

3. علي بن الريان.

4. داود الصرمي.

5. بشر بن البشار.

6. علي بن مهزيار.

7. محمد بن علي بن عيسى.

إلى غيرهم ممّن نقلوا الأسئلة والأجوبة مباشرة أو بتوسيط رجال آخرين.(1)

هذا هو حال الكتاب، ومع ذلك ففي الاحتجاج به إشكال.

أوّلاً: الظاهر أنّه لم يكن لابن إدريس سند إلى تلك المجموعة وإنّما نقل عنها بالوجادة، إذ لو كان له سند لذكره.


1 . لاحظ كتاب السرائر:3/281 للاطّلاع على خصوصيات هؤلاء.


صفحه79

وثانياً: لم يعلم أنّ المكاتبة هل نقلها كلاهما أو نقلها واحد منهما؟ وإن كان الظاهر ممّا ذكره ابن إدريس في مقدمة كتابه انّها من رواياتهما.

مضافاً إلى أنّ إلزام الأُم بإرضاع ولدها بلبن الدواب أو الحليب المجفّف أمر حرجيّ على الأُمّ لا تطيبه نفسها، إذ كيف تترك لبن ثديها وترضعه بلبن غيرها؟!

ولو عملنا بالرواية فلابدّ من حمل المتبرعة على مَنْ وجب عليها الإرضاع عيناً، للانحصار، وإلاّ فلا يجوز لها الإفطار مع قيام أُمّ الولد أو غيرها بالإرضاع .


صفحه80


صفحه81

الرسالة الثانية والتسعون

شرطية العمد و الاختيار

في بطلان الصوم


صفحه82


صفحه83

في هذه المسألة فروع أربعة:

1. يعتبر في غير البقاء على الجنابة ـ على التفصيل المذكورـ العمد والاختيار في الإفطار، فلو صدر بدونهما سواء صدر بلا قصد إلى فعل المبطل، كما إذا قاء بلا اختيار، أو احتلم، أو سبق ماء المضمضة، أو صدر مع القصد إليه، لكن ناسياً صومه.

2. لا فرق في ذلك الحكم بين أقسام الصوم من الواجب المعيّـن والموسع والمندوب.

3. لا فرق في البطلان بين الجاهل بالحكم ـ تقصيراً أو قصوراً ـ والعالم.

4. لا فرق بين المكره وغيره، إلاّ إذا لم يصدق العمد كما إذا وُجر في حلقه.

وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.

أمّا الأوّل: أي إذا صدر عنه الفعل بلا قصد. فيدلّ على عدم كونه مفطراً، الأُمور التالية:

1. تقييد القيء بالعمد مثل قوله: «إن ذرعه من غير أن يتقيّأ»و« أو تقيأ من غير عمد».(1)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2 وغيرهما.


صفحه84

2. ما جاء في تعليل عدم مفطرية الاحتلام من أنّ «النكاح فعله، والاحتلام مفعول به».(1)

3. ما ورد في سبق ماء المضمضة أنّه : «إن تمضمض في وقت فريضة فدخل الماء حلقه فليس عليه شيء، وقد تمّ صومه».(2)

4. ما دلّ على أنّه لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال.(3)وهو ظاهر في الاجتناب عن اختيار.

5. ما دلّ على صحّة صوم الناسي، مع كونه متعمداً وقاصداً إلى ذات الفعل. ففيما لا قصد فيه إلى الفعل يكون صحيحاً بطريق أولى.

والمجموع يشرف الفقيه على القطع بالحكم مضافاً إلى كونه أمراً متسالماً عليه.

وأمّا إذا قصد الفعل، ولكن نسي كونه صائماً، فيدلّ عليه ما مضى في محله من صحّة صوم الناسي إذا تناول المفطر أو جامع ناسياً(4) و في بعضها: «إنّما هو شيء رزقه اللّه فليتم صومه، أو شيء أطعمه اللّه إياه».

وربّما يستدل بما دلّ على القضاء في مَن أفطر متعمداً. وقد استشكل عليه: بأنّ القيد ورد في أربعة مواضع(5) في سؤال الرواة، ومورد واحد في


1 . الوسائل: ج 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، جميع أحاديثه.

5 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 4، 13.


صفحه85

جواب الإمام(1). فالأوّل: لا يحتج به، لأنّ اختصاص سؤاله بالعمد لا يدل على اختصاص الجواب به. وأمّا الثاني: فقد جاء في الجواب : «من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً فعليه عتق رقبة مؤمنة ويصوم يوماً بدل يوم» فالجزاء فيها مجموع الحكمين: القضاء والكفّارة، فلا تدل على تقييد القضاء به.

يلاحظ عليه: أنّ ورود القيد في كلام الرواة غير مرة يدل على وجود ارتكاز عندهم على صحّة صوم غير العامد، وإلاّ فلا معنى لوروده مرة بعد أُخرى، مضافاً إلى عدم تعرض الإمام إلى سعة الحكم وانّ العمد لا مدخلية له في الحكم.

أمّا الثاني: أي عدم الفرق بين أقسام الصوم، فيدل عليه إطلاق رواية الحلبي،(2) وعمار بن موسى،(3) و الزهري،(4) ومحمد بن قيس،(5) و عمار الساباطي،(6) وخصوص رواية أبي بصير في النافلة،(7) والتعميم في مرسلة الفقيه،(8) مضافاً إلى الاتّفاق المحكي وعدم الخلاف.

أمّا الثالث: أي عدم الفرق بين العالم والجاهل مقصراً أو قاصراً، فهذا ما سنطرحه تالياً.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2 .

4 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7 .

5 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9 .

6 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11 .

7 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 10 .

8 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.


صفحه86

عموم الحكم للعالم والجاهل

قد تقدمت شرطية العمد والاختيار في مفطرية الأُمور الماضية، بقي الكلام في شرطية العلم بالحكم وعدمها، فالمشهور على عدم اشتراطه، وانّ العالم والجاهل في الوضع والتكليف سيّان، واستدلوا على ذلك بالأُمور التالية:

1. عموم أدلّة المفطرات وشمولها للعالم والجاهل.

2. أنّ تخصيص الأحكام بالعالم، أمر مشكل حتى قيل إنّه يستلزم الدور.

يلاحظ عليه: أنّه غير صحيح، لإمكان تخصيصه به بدليل ثان غير الدليل الأوّل المتضمن لتشريع الحكم.

3. أنّ تعلّق العلم والجهل بالأحكام، دليل ارتكازي على عمومه لهما، وإلاّ يكون التقسيم غير صحيح.

ثمّ إنّ البحث في المقام، يرجع إلى الجاهل المقصر التارك للفحص، وأمّا القائم بالفحص وعدم العثور على دليل ومع استقلال عقله بالبراءة أو حكم الشرع عليه بالرفع فهو خارج عن مصبِّ الحكم داخل في مبحث الإجزاء والتعبد بالأحكام الظاهرية.

نعم خرج عن تحت القاعدة الموارد التالية:

1. من جهر في موضع المخافتة وخافت في موضع الجهر.


صفحه87

2. من أتم في موضع القصر، ولا عكس.

3. من تزوّج في العدة بلا دخول وكان جاهلاً بالتحريم.(1)

وأمّا ما عدا ذلك، فالجاهل والعالم سيّان عملاً بالإطلاقات إلاّ ما خرج بالدليل.

وذهب صاحب الحدائق في المقام (وتبعه السيد الحكيم في خصوص الجاهل المقصر غير المردّد) إلى اختصاص البطلان بالعالم بالحكم مستدلّين بالروايتين التاليتين:

1.موثقة زرارة وأبي بصير قالا جميعاً: سألنا أبا جعفر (عليه السلام)عن رجل أتى أهله في شهر رمضان و أتى أهله وهو محرم وهو لا يرى إلاّ أنّ ذلك حلال له؟ قال: «ليس عليه شيء».(2)

وجه الاستدلال: أنّ بين مفاد الإطلاقات والموثقة عموماً وخصوصاً من وجه; فالأُولى عامة من حيث شمولها العالم والجاهل، وخاصة باختصاصها بالقضاء; والثانية عامة لشمول النفي، القضاء والكفارة، وخاصة باختصاصها بالجاهل، فيتعارضان في الجاهل في مورد القضاء ويتساقطان، ويكون المرجع الأصل العملي، وهو البراءة من وجوبه.

وأُجيب عن الاستدلال: بأنّ المنفيّ في ظرف الجهل إنّما هو الأثر المترتّب على الفعل وأنّه ليس عليه شيء من ناحية الفعل الصادر عن جهل لا


1 . دلت عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، راجع الوسائل: ج 14، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 12.


صفحه88

ما يترتب على الترك، ومن المعلوم أنّ الأثر المترتّب على الفعل، أعني: الإفطار، إنّما هو الكفّارة فقط، فهي المنفي; وأمّا القضاء، فليس هو من آثار الفعل، وإنّما هو من آثار ترك الصوم، وعدم الإتيان به في ظرفه على وجهه، فهو أثر للعدم لا للوجود.

نعم لأجل الملازمة بين الأمرين، أعني : الإفطار وترك الصوم، صحّ اسناد أثر أحدهما إلى الآخر مجازاً وبنحو من العناية فيقال: الإفطار موجب للقضاء مع أنّ الموجب لازمه وهو ترك الصوم.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره دقة فلسفية لا يلتفت إليه العرف، ولذلك نرى أنّ القضاء في بعض الروايات، رتب على نفس الإفطار، بدون تجوّز وعناية.(2)

والأولى أن يقال: إنّ المدّعى صحيح، ولكن وجه اختصاص الموثقة بالكفّارة هو انّ المرتكز في ذهن الرواة في هذه الموارد، هو ترتّب الكفّارة وعدمها، (لا القضاء) وكأنّ القضاء كان أمراً مسلّماً، ويدل على ذلك رواية الصدوق عن أبي جعفر(عليه السلام): «انّ رجلاً أتى النبي فقال: هلكت وأهلكت فقال: ما أهلكك؟ فقال: أتيت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم فقال النبي: اعتق رقبة».(3)

وبما أنّ السؤال كان عن كيفية الخروج عن المهلكة أشار النبي إلى


1 . مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم:1/254.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.


صفحه89

الكفارة دون القضاء وكأنّه كان أمراً مسلماً، وعليه فالرواية ناظرة لمثل هذه الحادثة.

2. ما رواه عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: جاء رجل يلبِّي حتى دخل المسجد وهو يلبّي وعليه قميصه، فوثب إليه ناس من أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: شُقَّ قميصك وأخرجه من رجليك، فإنّ عليك بدنة وعليك الحجّ من قابل، وحجّك فاسد. فطلع أبو عبد اللّه (عليه السلام)على باب المسجد فكبّر واستقبل الكعبة، فدنا الرجل من أبي عبد اللّه (عليه السلام)وهو ينتف شعره ويضرب وجهه، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «اسكن يا عبد اللّه» فلمّا كلّمه ـ وكان الرجل أعجمياً ـ فقال: ما تقول؟ قال: كنت رجلاً أعمل بيدي، فاجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم أسأل أحداً عن شيء، فأفتوني هؤلاء أن أشقّ قميصي وأنزعه من قبل رجلي وانّ حجّي فاسد وانّ عليّ بدنة فقال له: «متى لبست قميصك أبعد ما لبيّت أم قبل؟» قال: قبل أن أُلبّي، قال: «فاخرجه من رأسك، فانّه ليس عليك بدنة وليس عليك حجّ من قابل . أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه. طف بالبيت سبعاً وصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)واسع بين الصفا والمروة، وقصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهلّ بالحج، واصنع كما يصنع الناس».(1)

يلاحظ عليه: أنّ لُبس ثوبي الإحرام واجب ولكن لا يبطل الإحرام بتركه، وفي المدارك: ولو أخل باللُّبس ابتداءً، فقد ذكر جمع من الأصحاب أنّه


1 . الوسائل: ج 10، الباب 45 من أبواب تروك الإحرام من كتاب الحج، الحديث 3.


صفحه90

لا يبطل إحرامه وإن أثم، وهوحسن، لإطلاق ما دلّ على حصول الإحرام بالنية والتلبية.(1)

وعلى فرض شرطية الثوب في صحّة الإحرام، فالرجل قد كان واجداً لهذا الشرط، وإن كان مقروناً بالمانع وهو لبس المخيط تحته، فعلى هذا فلم يفته شيء من الفريضة، أمّا الإحرام فقد أحرم، وأمّا سائر الأعمال فقد أمر الإمام بالإتيان بها ولم يفته شيء، ولذلك أمر الإمام بالاستمرار على العمل.

فقوله: «أي رجل ركب أمراً لجهالة فلا شيء عليه»، يريدمثل هذا الرجل الذي لم يفته من الفريضة شيء، غير أنّه يحتمل لزوم الكفّارة عليه فنفاها الإمام بحجّة أنّها للعالم لا للجاهل، وليس لقوله: «أي رجل ركب...» مطلق الجاهل الذي ترك الفريضة وأبطلها، كما لا يخفى.

وأمّا الفرع الرابع فهو ما يلي ضمن أمرين:

1. لا فرق بين المكره وغيره

لو أُكره على الإفطار فأفطر مباشرة فراراً عن الضرر المترتب على ترك ما أُكره عليه، بطل صومه، وذلك لإطلاق أدلّة المفطرات، ولا وجه لانصرافها عن الإفطار عن إكراه بعد كونه فعلاً اختيارياً وإن لم يكن بطيب النفس عليه.

ويؤيده ما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)بطرق متعددة: «إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد اللّه».(2)


1 . الجواهر: 18/234.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.


صفحه91

يلاحظ عليه: بما ذكرنا سابقاً من نظائر المقام، وهو أنّه إذا قلنا بالإجزاء في مورد امتثال أمر المولى بالأمر الظاهري أو الواقعي الثانوي، كالتقية والإكراه والإضطرار، أو أصل البراءة عند الجهل، يكون الإجزاء موافقاً للقاعدة، فإذا أفطر في جزء من الزمان وأمسك الباقي، يكون أشبه بمن ترك جزء الصلاة، جهلاً أو نسياناً أو اضطراراً وقد امتثل أمر المولى في عامة الزمان، إلاّ في جزء خاص، فإذا كان الإفطار مرفوعاً، وكان الإفطار كلا إفطار، صحّ صومه، ولولا ظهور الاتفاق على القضاء وما عرفت من المرسلة لكان القول بعدم القضاء أوجه.

والظاهر من الشيخ الطوسي صحّة الصوم وعدم وجوب القضاء والكفّارة قال: مَن أُكره على الإفطار لم يُفطِر، ولم يلزمه شيء، سواء كان إكراه قهر، أو إكراه على أن يفعل باختياره.

وقال الشافعي: إن أُكره إكراه قهر مثل أن يصبّ الماء في حلقه لم يفطر، وإن أُكره حتى أكل بنفسه فعلى قولين.

ثمّ استدل بحديث الرفع.(1)

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي استقرب البطلان بالبيان التالي: إنّ الأمر بالصوم قد تعلّق بمجموع التروك من أوّل الفجر إلى الغروب، وليس كلّ واحد من هذه التروك متعلّقاً لأمر استقلالي، بل الجميع تابع للأمر النفسي الوجداني المتعلّق بالمركب، فإذا تعلّق الإكراه بواحد من تلك الأجزاء، فمعنى رفع الأمر


1 . الخلاف: 2/195، كتاب الصوم، المسألة 46.


صفحه92

به، رفع الأمر النفسي المتعلّق بالمجموع المركب، لعدم تمكنه حينئذ من امتثال الأمر بالاجتناب عن مجموع هذه الأُمور، فإذا سقط ذلك الأمر، بحديث الرفع، فتعلّق الأمر حينئذ بغيره يحتاج إلى الدليل.(1)

ومن المعلوم أنّ حديث الرفع شأنه الرفع لا الوضع. فهو لا يتكفّل لنفي المفطرية عن الفعل الصادر عن إكراه ليُنتج كون الباقي مأموراً به ومجزياً.

يلاحظ عليه: أنّه ليس للأوامر الضمنية واقعية سوى انبساط الأمر الوحداني على الأجزاء من خلال تعلّقه بالعنوان الذي هونفس الأجزاء في ثوب الوحدة، كما أنّ الأجزاء عبارة عن نفس العنوان في مرآة الكثرة. وعلى ذلك فليس تعلّق الأمر النفسي بكلّ جزء رهن تعلّقه بالجزء الآخر وإلاّ يكون من قبيل الواجب بشرط شيء، وهو خلاف المفروض، بل الواجب كلّ جزء من الأجزاء في حال وجوب الجزء الآخر.

فلو دلّ الدليل على سقوط الأمر عن جزء خاص، فلا يكون دليلاً على سقوطه عن الجزء الآخر.

ويظهر ذلك بما ذكرناه في محلّه من أنّ دعوة الأمر إلى كلّ جزء بنفس دعوته إلى الكل، لا بدعوة خاصة وانّ الإتيان بكلّ جزء، امتثال للأمر النفسي، لا للأمر الضمني الموهوم، وبما أنّ ماهية المأمور به أمر تدريجي، يكون امتثاله أيضاً تدريجياً.


1 . مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم:1/258.


صفحه93

2. الإيجار في حلقه

لو أُجِر في حلقه من غير مباشرة لم يبطل لعدم صدق الإفطار عن اختيار.

إذا أكل ناسياً فظنّ فساد صومه فأفطر

قال الشيخ: إذا أكل ناسياً فاعتقد أنّه أفطر، فجامع، وجب عليه الكفّارة.

وقال الشافعي في الأُمّ : لا كفّارة عليه.

دليلنا : انّه وطء في صوم صحيح في شهر رمضان يجب أن تلزمه الكفّارة لدخوله تحت عموم الأخبار الواردة في هذا المعنى.(1)

أقول: المسألة مزيجة من النسيان والجهل، وقد تقدم أنّ الإفطار في صورة النسيان، لا يبطل كما أنّه في صورة الجهل بالحكم يبطل، فيقع الكلام فيما إذا اجتمع النسيان مع الجهل، كما إذا أكل ناسياً، فظن فساد صومه ـ جهلاً ـ فأفطر عامداً. فهو ملحق بالجاهل، لأنّ الإفطار الأوّل وإن كان مستنداً إلى النسيان، لكنّ الثاني مستند إلى الجهل بالحكم حيث زعم فساد صومه، فأفطر مع أنّ صومه كان صحيحاً وكان عليه الإمساك إلى الليل، فيشمله حكم الجاهل من لزوم القضاء.

نعم هنا فرق بين المقام وما تقدم من الجاهل بالحكم، حيث إنّ الثاني يعتقد بكونه صائماً ويجهل بكون الارتماس مثلاً مفطّراً، بخلاف المقام


1 . الخلاف:2/190، كتاب الصوم، المسألة 39.


صفحه94

حيث يعتقد فيه بأنّه غير صائم، ويعلم أنّ ما يتناوله ـ لو كان صائماً ـ مفطر.

ولكن هذا المقدار من التفاوت لا يؤثر في الحكم، فكلّ واحد تناول المفطر بزعم أنّه حلال، غير أنّ المبدأ لارتكابه يكون تارة الجهل بكونه مفطراً، وأُخرى الجهل بحكم صومه الذي أفطره نسياناً، فمقتضى إطلاقات أدلة المفطرات هو بطلان صومه وعليه القضاء.

ثمّ إنّ السيد الحكيم (قدس سره)حاول إبداء الفرق بين الصورتين، وقال بأنّه لو قلنا بدخول الصورة الأُولى تحت موثقة زرارة أو صحيحة عبد الصمد، فلا وجه لإدخال الثانية تحتهما، وحاول السيد الخوئي مساواتهما أمامهما وانّ الفرق غير فارق.

ونحن في غنى عن الأمرين لما عرفت من أنّهما غير ناظرين إلى سقوط القضاء عن الجاهل بالحكم، بل تدلاّن على نفي الكفّارة عنه.

ثمّ إنّ لفظة «فظن» بمعنى الاطمئنان والعلم العرفي، وإن شئت قلت: بمعنى «اعتقد»، و إلاّ فلو كان بمعنى الظن المقابل لليقين يكون البطلان واضحاً غير محتاج إلى البحث لصدق التعمد بخلاف صورة القطع، إذ يكون للبحث فيه مجال.

الإفطار تقية خوفاً من الظالم

التقيّة من ظالم في شهر رمضان يتصور على وجهين:

1. التقيّة في كيفية الصيام بإتيان ما لا يرونه مفطراً كالإفطار قبل ذهاب


صفحه95

الحمرة و الارتماس في الماء، كلّ ذلك تقية.

2. التقية في ترك الصوم كالإفطار يوم العيد.

هل يبطل الصوم في كلتا الصورتين اعتماداً على أدلّة القضاء، أو يصحّ مطلقاً اعتماداً على نصوص مشروعية التقية، أو يفصّل بينهما بالصحّة في الأُولى والبطلان في الثانية، كما هو المحكيّ عن «نجاة العباد» من الإجزاء إذا تناول ما ليس مفطراً عندهم، أو أفطر قبل الغروب تقية، ووجوب القضاء فيما لو أفطر بما هو مفطر عندهم، وجوه ثلاثة:

والمهم دراسة أدلّة التقية، ومقدار دلالتها على الإجزاء.

وحاصل الفرق: أنّه لو صام على طريقتهم كما إذا اجتنب عن الأكل والشرب والجماع ولم يجتنب عن الارتماس، فهو جدير بالبحث، وأنّ أدلّة التقية هل تتكفل بإضفاء الصحّة على العمل؟ وأمّا لو أفطر بشيء اتّفق الفريقان على كونه مفطِّراً كالأكل في آخر شهر رمضان وقد حكم حاكم الجور بكونه يوم الفطر وكانت المخالفة مظنة الضرر، فلا موضوع للبحث عن الإجزاء، لأنّه لم يصم ولم يأت بعمل عبادي، حتى يقوم الناقص مكان الكامل، نظير ما إذا لم يصلّ تقية من الكافر.

أقول: قد تقدّم الكلام في المكره من أنّه إذا صام طول النهار وأُكره على الأكل في فترة منه، فقد قلنا بقيام العمل الناقص مكان الكامل، وليس هذا مثل ما إذا لم يأت بعمل بتاتاً وفي المقام، لو أفطر بمقدار ارتفعت به التقية، وصام إلى الليل، فيقع البحث في إقامة العمل الناقص مكان الكامل.


صفحه96

وعلى كلّ تقدير فسواء أكان البحث مركزاً على القسم الأوّل أو عامّاً يعم القسمين، يقع الكلام في مفاد أحاديث التقية.

أمّا صحّة العمل الجاري على وفق التقية، كما إذا فقد الشرط أو الجزء واقترن بالمانع، فتدل عليه الروايات في الأبواب التالية، ونقتصر في كلّ باب برواية واحدة.

1. وجوب غسل الرجلين تقية

عن داود بن زربي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الوضوء؟ فقال لي: «توضأ ثلاثاً، ثلاثاً»، قال: ثمّ قال لي : «أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟» قلت: بلى، قال: فكنت يوماً أتوضأ في دار المهدي، فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به، فقال:كذب من زعم أنّك فلاني وأنت تتوضأ هذا الوضوء قال: فقلت: لهذا واللّه أمرني.(1)

2. جواز الصلاة خلف المخالف تقية

روى حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال: «من صلّى معهم في الصفّ الأوّل، كان كمن صلّـى خلف رسول اللّه في الصفّ الأوّل».(2)

روى عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت :إنّي أدخل المسجد


1 . الوسائل: ج 1، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث 1. و لاحظ الحديث 2و3و 4.

2 . الوسائل: ج5، الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. ولاحظ: الحديث: 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10.


صفحه97

وقد صلّيت، فأُصلّي معهم فلا احتسب بتلك الصلاة؟ قال: «لا بأس، وأمّا أنا فأُصلّي معهم وأُريهم أنّي أسجد وما أسجد».(1)

عن سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: «إن كان إماماً عدلاً فليصلّ أُخرى، وينصرف، ويجعلهما تطوّعاً، وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل، فليبن على صلاته كما هو، ويصلّي ركعةً أُخرى ويجلس قدرَ ما يقول: أشهد أن لاإله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، ثمّ ليتمّ صلاته معه على ما استطاع، فإنّ التقية واسعة».(2)

3. الاتّباع في الفطر والأضحى

روى أبو الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)انّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، فلمّـا دخلت على أبي جعفر(عليه السلام)وكان بعض أصحابنا يضحِّي فقال: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحِّي الناس، والصوم يوم يصوم الناس».(3)

نعم القدر المتيقن من الرواية هو عدم تبيين الخلاف بقرينة قوله: إنّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، ولا يعمّ العلم بالخلاف، لكن في سائر الروايات وما يأتي غنى وكفاية.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 8 وغيره.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 7 ، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7.


صفحه98

هذا بعض ما ورد من الروايات الواردة في أبواب خاصة.

ثمّ إنّ هنا روايات، يستفاد منها مضيّ كلّ عمل أتى به المكلّف عن تقية:

1. روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه يقول: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم، فقد أحلّه اللّه له». (1) والسند ينتهي إلى الأكابر من أصحاب الإمام أبي جعفر(عليه السلام)، كإسماعيل بن جابر الجعفي الذي وثّقه الشيخ والعلاّمة، ومعمر بن يحيى بن سالم ـ كما في نسخة الوسائل، أو ابن سام كما في نسخة رجال النجاشي، أومسافر كما في رجال ابن داود و قال: كذا رأيته بخط الشيخ أبي جعفر(رحمه الله)عرّفه النجاشي بقوله: كوفي عربي، صميم، ثقة متقدم ـ ومحمد بن مسلم وزرارة .

والمراد من قوله: «أحلّه اللّه» هو الحلية الوضعية مثل قوله سبحانه: (إِنَّما الْبَيعُ مِثْل الرِّبا وَأَحلَّ اللّهُ البيعَ وحرّمَ الرِّبا).(2) فإذا كان نافذاً، وضعاً يكون حلالاً شرعاً ومعنى تنفيذه انّه يترتب عليه آثار الصحة وسقوط القضاء والإعادة.

وليس المراد مجرّد الحلية التكليفية فقط، إذ لم تكن الحلية به بهذا المعنى أمراً خفياً على شيعتهم إذا عملوا بالتقية وأعادوا العمل في الوقت أو خارجه، وإنّما الخفي هو قيام ذلك العمل الموافق لمذهب المخالف، مكانَ العمل الموافق للمذهب الحقّ.


1 . الوسائل: ج 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 2.

2 . البقرة:275.


صفحه99

وقد روى الكليني عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام): « التقية في كلّ ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به».(1)

وروى البرقي في المحاسن عن معمر(2) بن يحيى بن سالم، عن أبي جعفر (عليه السلام): «التقية في كلّ ضرورة».(3) والمجموع رواية واحدة لاتحاد المروي عنه راوياً وإماماً، وقد نقلت الأخيرتان غير كاملتين وإذا دار الأمر بين النقيصة والزيادة السهويين، فالنقيصة أولى، لكثرة النقيصة السهوية وندرة الزيادة كذلك.

2. روى الكليني بسند صحيح عن هارون بن مسلم السرمن رائي الثقة، عن مسعدة بن صدقة ـ الزيدي البتريّ الذي يقول في حقّه العلاّمة المامقاني: والإنصاف انّ الرجل ثقة ـ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث طويل: «فكلّ شيء يعمل المؤمن ، بينهم لمكان التقية مما لا يؤدّي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز».(4)

وطريق الاستدلال واحد.

ثمّ إنّ هناك طريقاً آخر لإثبات إجزاء العمل الصادر عن تقية، وهو أنّ الروايات الكثيرة الهائلة الباعثة إلى العمل بالتقية في كلّ شؤون الدين على نحو يقول الإمام: «لا دين لمن لا تقية له» .(5) تدل بالملازمة العادية على أنّ


1 . الوسائل: ج 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1 .

2 . وفي الوسائل المطبوع عمر مكان معمر وهو تصحيف.

3 . الوسائل: ج 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 8 .

4 . الوسائل: ج 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 6.

5 . الوسائل: ج 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.


صفحه100

الشارع اكتفى في امتثال أوامره ونواهيه في ظروف الاضطرار والخوف على النفس والعرض والمال، بأداء العمل على النهج المألوف بين أهل الخلاف، إذ لو كان العمل غير مجز كان عليه التصريح بلزوم الإعادة والقضاء ولو مرّة واحدة مع أنّك لا تجد بين هذه الروايات الكثيرة التي يبلغ عددها إلى أربع وخمسين رواية(1) ما يدلّ على لزوم الإعادة والقضاء، وقد قلنا في مبحث الإجزاء من علم الأُصول أنّ في الأمر بالعمل بالأمارة في الأجزاء والشرائط والموانع، دلالة واضحة على أنّ الشارع اكتفى في امتثال سننه وفرائضه ومكروهاته ومحظوراته على ما يصل إلى المكلّف من خلال الأمارة وسائر الحجج الشرعية، والقول بعدم الإجزاء في مورد التقية مطلقاً أو الاقتصار في القول بالاجتزاء بباب الطهارة والصلاة ، كما عليه السيد المحقّق الخوئي في مستند العروة، كأنّه في غير محلّه.

ثمّ إنّ السيد الحكيم (قدس سره)استدل برواية لا دلالة لها على الإجزاء قال: ظاهر جملة من النصوص الواردة في الأمر بالتقية: صحّة العمل الجاري على طبق التقية وإن وجد مانعاً أو فقد شرطاً أو جزءاً، مثل المصحح عن أبي عمر الأعجمي: قال لي أبو عبد اللّه(عليه السلام): «يا أبا عمر أنّ تسعة أعشار الدين التقية. ولا دين لمن لا تقية له. والتقية في كلّ شيء، إلاّ في النبيذ، والمسح على الخفين».(2) فإنّ استثناء المسح على الخفين يقتضي شمول المستثنى منه


1 . جامع أحاديث الشيعة: ج 14، الباب 1 من أبواب وجوب التقية، ولاحظ سائر الأبواب.

2 . الوسائل: ج 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 3; والباب 25 من هذه الأبواب، الحديث 3.


صفحه101

للحكم الوضعي، ومصحّح زرارة: «قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال (عليه السلام): «ثلاثة لا أتّقي فيهن أحداً: شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحجّ»(1).(2)

وأورد عليه السيد الخوئي (قدس سره)بأنّ الرواية قاصرة الدلالة، فإنّ الاستثناء في قوله: «التقية في كلّ شيء إلا...» استثناء عما ثبت، والذي ثبت، هو الوجوب بقرينة: «انّ من لا تقية له لا دين له» ويكون معنى الرواية أنّ التقية واجبة إلاّ في هذه الثلاثة، وأين هذا من الدلالة على الإجزاء؟!(3)

والظاهر أنّ الرواية قاصرة الدلالة من جهة أُخرى، وهي أنّها بصدد حدّ التقيّة في الإفتاء، وأنّه يجب الإفتاء بالتقية في عامة المسائل إلاّ في هذه المسائل الثلاث، ولذلك قال الإمام (عليه السلام)في الرواية الثانية: «ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً» وليست في مقام بيان حدّ التقية في العمل في مقام العمل، ولعلّ عدم اتّقائه فيها في مقام الإفتاء هو كونها من المسائل المختلف فيها وليس للمخالفين فيها رأي واحد.

وبذلك تُعلم صحّة العمل الجاري على وجه التقية من غير فرق بين الأجزاء والشرائط، وغيرهما كما إذا أفطر يوم فطرهم عن تقية وأمسك عنه إلى المغرب، فهو محكوم بالصحّة والإجزاء، لأنّ الصوم عمل مستمر من الفجر إلى المغرب وقد ابتلى بالتقية في جزء من النهار واقتصر بالمقدار الذي


1 . الوسائل: ج 11، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 5.

2 . مستمسك العروة الوثقى:8/320.

3 . مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 1/265.


صفحه102

يرتفع به التقية، ولكنّه صام تمام النهار فهو من مصاديق قوله: كلّما اضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له وأباحه إيّاه.

وأمّا ما ورد من قوله: «إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا يعبد اللّه».(1) فقد تقدّم أنّه ورد في رواية واحدة وهي مرسلة لا يحتجّ بها ولم يرد في سائر الروايات.

إذا غلب على الصائم العطش

في المسألة فروع:

1. إذا غلب على الصائم العطشُ بحيث خاف من الهلاك، فيجوز له أن يشرب، بل يجب للزوم صيانة النفس عن الهلاك، ولعلّ التعبير بالجواز، لدفع توهم الحظر، ومثله إذا كان حرجاً أو خاف ضرراً فيجوز الشرب لدليل نفي الحرج، والضرر على القول بأنّ المراد منهما عدم جعل حكم ضرري أوحرجيّ، كما هو الظاهر في الثاني دون الأوّل.

2. يقتصر على مقدار الضرورة، لأنّها تتقدّر بقدرها، وهو مقتضى موثقة عمار،(2) وخبر المفضّل.(3)

ففي الأوّل في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه؟ قال (عليه السلام): «يشرب بقدر ما يُمسِك رمقَه، ولا يشرب حتى يروي». وفي نسخة الوسائل:


1 . الوسائل: ج 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 5.

2 . الوسائل: ج7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.


صفحه103

«العطاش» ولكنّه تصحيف، سواء أكان بكسر الفاء فهو جمع العطشان، ولا يصحّ اسناد الإصابة إليه، أو بضمها فهو داء يصيب الإنسان فيشرب الماء ولا يروي والمفروض أنّه يروي، وهذا يكشف عن كون النسخة غلطاً، والصحيح : العطش كما في التهذيب،(1) وعليه عنوان الباب في الوسائل.

3. يفسد صومه بذلك قيل لاستعمال المفطِّر اختياراً وأدلّة رفع الاضطرار لا تدل على صحة الصوم، لأنّها إنّما ترفع الحكم التكليفي، فغايته جواز الشرب الذي كان محرماً في نفسه، وأمّا صحّة الصوم ليجزي بالإمساك عن الباقي، فلا دليل عليها.

يلاحظ عليه بأمرين:

أ. الملازمة العرفية بين تجويز الإفطار بمقدار الضرورة، وصحّة صومه وقد مرّ نظيره.

ب. أنّ الصحّة مقتضى إطلاق دليل الفريضة، حيث ينطبق عليه عنوان الصوم، نظير الإفطار عن نسيان أو تقيّة كما مرّ، ويؤيّد ذلك سكوت الإمام عن القضاء، واحتمال أنّ سكوته لأجل كون المخاطب عارفاً به، أوّلاً، لأنّه لم يكن في مقام البيان، كما ترى.

4. يجب عليه الإمساك بقية النهار: تدلّ عليه الموثقة الماضية، ومن المعلوم عدم الفرق بين النهي عن الارتواء وسائر المفطرات، وقد مرّ الإمساك


1 . التهذيب: 4/240، باب العاجز عن الصيام، الحديث 9.


صفحه104

التأدبي في مَن أفطر يوم الشك من رمضان ثمّ تبين أنّه من رمضان.

5. هل يختص الإمساك بشهر رمضان كما هو المتبادر من الموثقة، أو يعمّ الواجب المعيّن؟ فعلى ما سلكناه من الصحّة لا كلام في وجوب الإمساك في الصيام المعيّن، وعلى القول ببطلانه فلا دليل على وجوبه في غير رمضان، لأنّ الموثقة وخبر مفضل منصرفة إلى شهر رمضان، بشهادة أنّه يقول: إنّ لنا فتيات وشبّان لا يقدرون على الصيام. ومثله الموثقة، فهي إمّا منصرفة، أو مهملة من هذه الجهة، فلا يمكن التمسك بإطلاقها.

عدم جواز الذهاب إلى مكان يضطر فيه إلى الإفطار

لا يجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم أنّه يُكْره على الإفطار بإيعاد فيختار الإفطار دفعاً للضرر، لصدق الاختيار والإفطار عن عمد، لما عرفت من أنّ الفعل الصادر عن إكراه من مصاديق الاختيار.

ومثله ما لو اضطر إلى الإفطار، مثلاً يعلم أنّه إن يذهب إلى مكان يغلب عليه العطش على نحو لو لم يشرب الماء لهلك.

بل يمكن أن يقال: إنّه بمجرد القصد إلى الذهاب يبطل صومه، لكونه ناوياً للقاطع، هذا ممّا لا سترة عليه.

إنّما الكلام فيما إذا ذهب إلى مكان يعلم أنّه يضطر إلى الإفطار بنحو الإيجار، فلا شكّ أنّه لو ذهب وأُوجر، يكون صومه باطلاً، لأنّ الايجار وإن كان فعلاً غير اختياري لكنّه بالنسبة إلى مقدّماته اختياري بوسعه أن لا يذهب.


صفحه105

هل يبطل صومه هذا بمجرّد القصد إلى ذلك، أو لا؟ مال السيد الحكيم إلى الوجه الثاني، قائلاً بأنّه غير مفطِّر نظير الاحتلام، لأنّه مفعول به، فالعمد إليه ليس عمداً إلى المفطِّر حتى يكون حراماً، فالعمد إليه بالذهاب ليس عمداً إلى الحرام كما إذا علم أنّه إذا نام يحتلم، أو إذا أكل في الليل شيئاً احتلم.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: لا نسلّم أنّ الإيجار على وجه الإطلاق غير مفطر وإنّما هو كذلك إذا لم يكن اختيارياً ولو باختيار ما ينتهي إليه من المقدمة، وأمّا معه فهو فعل اختياري تسبيبيّ ومفطِّر قطعاً.

وثانياً: وجود الفرق بين الاحتلام والإيجار، بأنّ الاحتلام ليس من المفطرات، وإنّما المفطر هو الجماع، أو الاستمناء أو البقاء على الجنابة، فلا يكون شرب الدواء حراماً وإن انتهى إلى الاحتلام، وهذا بخلاف الأكل والشرب فإنّهما من المفطرات إذا صدرا عن اختيار، ومناطه كون الفعل أعمّ من أن يكون بنفسه أو مقدّماته اختيارياً.


1 . المستمسك: 8/325.


صفحه106


صفحه107

   

الرسالة الثالثة والتسعون

في شرائط وجوب الزكاة


صفحه108


صفحه109

يشترط في وجوب الزكاة أُمور:

الأوّل: البلوغ

اتّفقت كلمة الأصحاب على عدم وجوب الزكاة لغير البالغ في النقدين، وإنّما الخلاف بينهم في الغلات والأنعام على تفصيل سيوافيك.

وأمّا أهل السنّة فالمشهور بينهم هو أنّ مال الصبي مثل مال البالغ تجب فيه الزكاة. وهو المروي عن مالك، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأحمد، والشافعي، وعدّة من الصحابة والتابعين; غير أنّ الأوزاعي والثوري قالا بأنّه تجب الزكاة في ماله ولكن لا يجب الإخراج، بل تحصى حتى إذا بلغ، عرّفوه مبلغ ذلك فيُخرجه بنفسه، وبه قال عبد اللّه بن مسعود، (وبه قال ابن حمزة من أصحابنا كما سيوافيك).

نعم ذهب ابن شبرمة وأبو حنيفة وأصحابه إلى عدم الوجوب من دون تفصيل.(1)

وأمّا أصحابنا فاختلفوا إلى أقوال:

1. عدم تعلّق الزكاة بمال الصبي. و به قال ابن أبي عقيل، وابن الجنيد، والسيد المرتضى في الجمل. وسلاّر، و ابن إدريس.


1 . الخلاف:2/40، كتاب الزكاة، المسألة 42.


صفحه110

2. عدم تعلّقها به إلاّ في الغلاّت والمواشي. وبه قال الشيخان، و أبو الصلاح، وابن البراج. ونقله السيّد في الناصريات عن أكثر أصحابنا.

3. تلزم الزكاة في ماله، ولا يجب أداؤها. وهو ظاهر ابن حمزة في وسيلته قال: ومن لا تجب عليه وتلزم في ماله وهو الصبي.(1)

4. ليس في مال اليتيم زكاة إلاّ أن يتّجر به، فإن اتّجر به ففيه زكاة والربح لليتيم.(2)

أقول: المراد من «اليتيم» في الروايات هو غير البالغ، سواء أمات أبوه أم لا. و لندرس أدلّة الأقوال:

دليل القول بعدم التعلّق

استدلّ على القول الأوّل بوجوه:

1. قوله سبحانه:(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً تُطهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها)(3)، فإنّ الخطاب للمكلّفين بقرينة عدّ الزكاة تطهيراً لذنوبهم، وما ربّما يقال من أنّ الخطاب ـ حسب السياق ـ للمنافقين بقرينة قوله سبحانه : (وَآخَرونَ اعْتَرفُوا بِذُنُوبِهِم خَلَطُوا عَملاً صالِحاً وآخَر سيِّئاً عسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم)(4)، ليس بتام، فإنّ المورد غير مخصّص، والحكم لمطلق المكلّفين على غرار قوله:(فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ).(5) وهو خطاب للمؤمنين.


1. الوسيلة:121.   2 . مختلف الشيعة: 3 / 151 ـ 152.   3 . التوبة: 103.

4 . التوبة: 102.   5 . المجادلة: 12.


صفحه111

نعم يرد عليه أنّه يثبت وجوب الصدقة على المكلّف، ولا يدلّ على عدم وجوبها على غير البالغ، بل هو ساكت عنه، ولو تمّ دليل المخالف على وجوبها على غير البالغ في مورد الغلات و المواشي لا يكون مزاحماً له، لكون الحكمين مثبتين.

2. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يحتلم ...».(1)وإطلاق الحديث يقتضي رفع مطلق القلم من غير فرق بين قلم التكليف أو الوضع، وكون المرفوع في حقّ النائم هو قلم التكليف لا الوضع لا يكون قرينة على الانصراف إلى التكليف، لأنّ المرفوع في المجنون هو مطلقه. نعم منصرف الحديث إلى ما إذا لم يكن الرفع موجباً لتضرر الآخرين، وإلاّ فالحديث منصرف عنه، ولذلك يتعلّق الضمان بمال الصبي، في قيم المتلفات وأُروش الجنايات. ويمكن أن يقال: إنّ رفع وجوبها على خلاف الامتنان بالنسبة إلى الفقراء كما في صحيح ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ اللّه عزّوجلّ جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم، ولولا ذلك لزادهم».(2)

ولأجل ذلك فالمهم في المقام هو الروايات المتضافرة التي تتجاوز العشر وفيها الصحاح، وقد عمل بها كثير من الفقهاء، وقد تضافر عنهم قولهم: «ليس على اليتيم زكاة» ، أو: «ليس في مال اليتيم زكاة».

1. صحيحة الحلبي،عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: في مال اليتيم


1 . الوسائل: ج 1، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9.


صفحه112

عليه زكاة؟ فقال: «إذا كان موضوعاً فليس عليه زكاة، فإذا عملت فأنت له ضامن والربح لليتيم».(1)

وقوله: «موضوعاً» بمعنى الثابت في مقابل ما يُتّجر به.

2. صحيحة أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «ليس على مال اليتيم زكاة، وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه فيما بقي حتى يُدرك، فإذا أدرك فإنّما عليه زكاة واحدة، ثمّ كان عليه مثل ما على غيره من الناس».(2)

قوله: «فليس عليه لما مضى زكاة» ردّ لما روي عن الأوزاعي والثوري حيث قالا بالتعلّق ولكن يخرج عند البلوغ.

ثمّ إنّ قوله: «ليس على مال اليتيم زكاة» ورد في غير واحد من الأحاديث ربّما تبلغ ثمانية، وإليك بيانه.

3. صحيحة محمد بن القاسم بن الفضيل قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام)أسأله عن الوصي أيزكّي زكاة الفطر عن اليتامى إذاكان لهم مال؟ قال (عليه السلام): «لا زكاة على يتيم». (3) ومورد السؤال هو زكاة الفطرة لكن العبرة بعموم الجواب.

4. ما رواه البزنطي في جامعه عن عاصم بن حُميد، عن أبي بصير


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4 .


صفحه113

المرادي، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «ليس على مال اليتيم زكاة».(1)

5. صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) : قال: سألته عن مال اليتيم؟ فقال: «ليس فيه زكاة».(2)

6. صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: «ليس في مال اليتيم زكاة».(3)

7. خبر (4) مروان بن مسلم، عن أبي الحسن، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم: ليس عليه زكاة».(5)

8. خبر أحمد بن عمر بن أبي شعبة، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سئل عن مال اليتيم، فقال: «لا زكاة عليه إلاّ أن يعمل به».(6)

9. خبر العلاء قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: «لا».(7)

إلى غير ذلك من الروايات التي تفيد القطع بصدور مضمونها من الإمام.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 8 .

4 . لوقوع علي بن يعقوب الهاشمي في سنده ولم يوثق.

5 . الوسائل: ج 6، الباب1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث9 .

6 . الوسائل: ج 6، الباب1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث10 .

7 . الوسائل: ج 6، الباب1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 12.


صفحه114

فإن قلت: إنّ النسبة بين هذا «ليس في مال اليتيم زكاة» وما دلّ على وجوب الزكاة بصورة الحكم الوضعي في كلّ من الأنعام، والغلات والنقدين عموم من وجه، ففي الأنعام نظير قوله: «في كلّ أربعين شاة، شاة»(1)، و في الغلاّت: «في الزكاة ما كان يعالج بالرشاء والدوالي والنضح ففيه نصف العشر، وإن كان يسقى من غير علاج بنهر أو عين أو بعل أو سماء ففيه العشر كاملاً» (2)، وفي زكاة النقدين في الذهب في كلّ عشرين ديناراً نصف دينار(3); فإذا قيس قوله: «ليس في مال اليتيم» إلى كلّ واحد من هذه الأدلّة المتعرّضة للحكم الوضعي الشامل للبالغ وغيره تكون النسبة عموماً من وجه، حيث إنّ الأوّل (ليس في مال اليتيم زكاة) عامّ يعمّ مورد كلّ واحد وغيره، وخاص باليتيم، كما أنّ كلّ واحد منها عامّ يعمّ البالغ وغيره وخاص بمورده فيتعارضان.

قلت: أوّلاً : إنّ ما دلّ على وجوب الزكاة في الأنعام والغلات والنقدين بمنزلة دليل واحد وُزّع على الأبواب المختلفة، فعندئذ تنقلب النسبة إلى الخصوص المطلق. فكأنّه قال: «في الغلات والأنعام والنقدين زكاة بشرائطها» وعندئذ يصبح قوله: «ليس على مال اليتيم زكاة» مخصصاً له.

ثانياً: سلّمنا لكن قوله: «ليس على مال اليتيم زكاة» حاكم لكونه متعرّضاً لما لم يتعرّض له دليل المحكوم، من كون اليتم مانعاً من تعلّقها بماله.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب زكاة الغلات، الحديث 5.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3.


صفحه115

وبعبارة أُخرى: ما دلّ على وجوب الزكاة في الأُمور الثلاثة مقتض، واليتم مانع عنه.

ثالثاً: سلّمنا أنّ النسبة عموم من وجه، فيعامل معهما معاملة المتعارضين فيتساقطان ويرجع إلى الأصل وهو عدم وجوب الزكاة على اليتيم.

دليل القول بتعلّقها بغلاّت اليتيم ومواشيه

أوجب الشيخان وأبو الصلاح وابن البراج الزكاة في غلاّت الأطفال والمجانين ومواشيهم(1)، واستدلّوا بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم أنّهما قالا: ليس على مال اليتيم من الدين والمال الصامت شيء، فأمّا الغلات فعليها الصدقة واجبة.(2)

والوارد فيها وإن كان الغلات، لكن المواشي، تلحق بها لعدم القول بالفصل، إذ ليس هنا من يقول بوجوبها في الأُولى دون الثانية.

ومقتضى القاعدة تخصيص ما تضافر من أنّه «ليس على مال اليتيم زكاة»، بالصحيحة لكن المشهور من المتأخرين توقّفوا عن التخصيص، وذلك لوجوه:

1. موثّقة (3) أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سمعه يقول: «ليس في


1 . مختلف الشيعة:3/156.

2 . الوسائل: ج 6 ، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

3 . لأجل علي بن الحسن بن فضّال في السند، والعباس الوارد في السند هو العباس بن معروف الثقة.


صفحه116

مال اليتيم زكاة، وليس عليه صلاة، وليس على جميع غلاّته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة، وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة، وكان عليه مثل ما على غيره من الناس»(1).

وهي تنفي الزكاة في نفس ما تثبته الصحيحة، والسند لا غبار عليه، غير أنّ الأُولى صحيحة وهذه موثقة، وقد عمل الأصحاب بأحاديث أبناء فضّال، وإن كانوا فطحيّين.

2. احتمال صدور صحيح زرارة تقيّة، لذهاب جمهور فقهاء السنة إلى الوجوب غير أبي حنيفة.

ويؤيّد ذلك خبر أبي الحسن (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم: ليس عليه زكاة».(3)

3. حمل قوله: «واجبة» على مطلق الثبوت بأنّ الوجوب بمعنى الثبوت الأعم من الوجوب والاستحباب.

ثمّ إنّ الشيخ لمّا عمل برواية زرارة، حاول الجمع بينها و بين رواية أبي


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11.

2 . المردّد بين الإصفهاني والأنباري، وكلاهما يرويان عن أبي عبد اللّه ولم يرد في حقّهما توثيق، ويحتمل أن يكون المراد أبو الحسن الليثي لما في الفهرست من أنّ لأبي الحسن الليثي كتاباً يروي عنه هارون بن مسلم; وعلى هذا، ففي السند تصحيف حيث بُدّل هارون بـ «مروان». وسيأتي نظيره في باب عدم الزكاة على الحليّ، واللّه العالم.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 9.


صفحه117

بصير بحمل الثانية على نفي الوجوب في جميع الغلات فلا ينافي ثبوتها في بعض الأربع.

يلاحظ عليه: أنّ غير اليتيم أيضاً كذلك، حيث لا زكاة عليه في جميع الغلات وإنّما هي في بعض الأربع، فما هو الوجه لتخصيص اليتيم به؟!

وربما تضعَّف رواية أبي بصير بأنّ الشيخ أخذها من كتاب علي بن الحسن بن فضّال، وفي سنده إليه في المشيخة: «ابن عبدون (المتوفّى 423هـ) سماعاً، وإجازة عن علي بن محمد بن الزبير (المتوفّى348هـ) عن علي بن الحسن بن فضال» ولم يرد توثيق في حقّهما.

يلاحظ عليه: أنّ الأوّل من مشايخ النجاشي حيث قال في حقّه: أبو عبد اللّه شيخنا المعروف بابن عبدون،له كتب.(1)

وقال الشيخ: أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر، أجاز لنا بجميع ما رواه، مات سنة 423 هـ .(2) ومشايخ الإجازة في غنى عن الوثاقة، والنجاشي لا يروي إلاّعن ثقة.

نعم لم يرد في حقّ الثاني إلاّ قول النجاشي في ترجمة ابن عبدون: وكان قد لقي علي بن محمد القرشي المعروف بابن الزبير، وكان علوّاً في الوقت.(3) وربما استظهر من قوله: «كان علواً في الوقت» وثاقته وجلالته، لكن الظاهر أنّ المراد هو العلو في الاسناد، حيث إنّه يروي عن علي بن


1 . رجال النجاشي: 1/ 228، برقم 209.

2 . رجال الطوسي: 413، برقم 5988.

3 . رجال النجاشي:1/228 برقم 209.


صفحه118

الحسن بن فضّال الذي كان شيخ العياشي، وليس هذا دليلاً على وثاقته.

ولو افترضنا عدم صحّة الاحتجاج برواية أبي بصير، لكن رواية زرارة لا تقاوم الإطلاقات المتضافرة، لأنّ تخصيص مثلها بخبر الواحد أمر مشكل، وـ لذلك ـ استشكلنا في حقّ المارّة لمخالفته الإطلاقات المتضافرة في أنّه لا يحلّ مال امرئ إلاّ بطيب نفسه .

فالحقّ ما عليه المشهور من عدم تعلّقها بمال اليتيم مطلقاً.

في اعتبار ابتداء الحول

يقع الكلام في مقامين:

1. فيما يعتبر في تعلّق الزكاة به، مرور الحول كالنقدين والأنعام.

2. فيما لا يعتبر فيه سوى كونه بالغاً حين انعقاد الحب وصدق الاسم كالغلاّت الأربع.

المقام الأوّل: ما يعتبر فيه الحول

فلا شكّ في عدم تعلّق الزكاة إذا ملك وكان تمام الحول غير بالغ، لقوله: «ليس على مال اليتيم زكاة» ، إنّما الكلام إذا ملك سنة وبلغ في أثناء السنة كأوّل النصف الثاني من السنة، فهل يتعلّق به الزكاة ، أو لا؟

وبعبارة أُخرى: هل الملفّق ممّا قبل البلوغ وبعده، موضوع أيضاً أو لا؟ فيه وجوه:


صفحه119

1. عدم الاحتساب، وإنّ مبدأ السنة هو مبدأ البلوغ.

2. الاحتساب، فلو ملك بدء السنة و بلغ أثناءها حسب ما قبله أيضاً، ويكون المبدأ للسنة مبدأ مالكيته.

3. التفصيل بين البلوغ قبل الشهر الثاني عشر، فيحسب، وإلاّ فلا، لأنّ الحول في الزكاة يتحقّق بحلول الشهر الثاني عشر.

أمّا الأوّل، فهو المعروف بين المتأخّرين، وقد استدلّ له بوجهين:

1. انّ المتبادر من قولهم: «ليس على مال اليتيم زكاة» أنّ البلوغ جزء الموضوع، لا شرط الحكم، فكأنّه قال: المالك البالغ إذا حال عليه الحول، يزكّي ماله،والمفروض عدمه، لأنّه حال عليه الحول دون أن يكون الموضوع بجزئيه محقّقاً، فليس عليه شيء.

وهذا نظير قوله (عليه السلام): «لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك».(1) ومعنى ذلك انّ الموضوع للزكاة هو المال الحاضر، الواقع تحت سلطة المالك، وأمّا غيره فليس موضوعاً له.

وذهب المحقّق السبزواري في كتابيه: «الذخيرة» و «كفاية الأحكام» إلى كفاية البلوغ في أثناء السنة حيث قال: إذ المستفاد من الأدلّة، عدم وجوب الزكاة على الصبي ما لم يبلغ، وهو غير مستلزم لعدم الوجوب حين البلوغ بسبب الحول السابق بعضه عليه، إذ لا يستفاد من أدلّة اشتراط الحول، كونه ] جميع الحول [ في زمان التكليف.(2)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

2 . الذخيرة، كتاب الزكاة، ص 4 و المطبوع غير مرقم.


صفحه120

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من قوله: «ليس على مال اليتيم زكاة» هو خروجه عن كونه موضوعاً لوجوب الزكاة وتعلّقه، فيصير الموضوع بحكم عدم الواسطة اليتيم و البالغ، هو مال المالك البالغ، وعليه يجب مرور سنة على الموضوع، والحول الملفّق من الزمانين ليس مصداقاً له، فإذا كان في النصف الأوّل من السنة غير بالغ، فقد حالت شهور على المال لا السنة الكاملة.

وربّما يستدلّ على عدم الاحتساب بما رواه الشيخ عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سمعه يقول: «ليس في مال اليتيم زكاة، وليس عليه صلاة، وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة، وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة، وكان عليه مثل ما على غيره من الناس».(1)

وجه الاستدلال: أنّ قوله : «وإن بلغ اليتيم» جملة شرطية، وقوله: «فليس عليه لما مضى» جزاء الشرط، والمراد من الموصول «الزمان» قليله أو كثيره فيشمل السنة وبعضها، فلو كان يتيماً كلّها أو بعضها، فليس عليه في تلك البرهة زكاة، فلو ضم ذلك البعض إلى البعض الذي بلغ فيه لكان مخالفاً لإطلاق الرواية.

يلاحظ عليه: أنّ مورد الرواية لا يحتمل ذلك المعنى لورودها في الغلات التي لا يعتبر فيها شيء سوى كون المالك بالغاً حين انعقاد الحب


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة ، الحديث 11. ورواه الكليني عن أبي بصير بمتن يختلف مع ما نقله الشيخ.


صفحه121

وصدق الاسم، ففي مثله، لا تتعلّق الزكاة إلاّ إذا كان المالك بالغاً أوان تعلّقها وهو انعقاد الحبّة وصدق الاسم، وأمّا ما يعتبر فيه حيلولة الحول منذ كونه مالكاً فهل يعتبر فيه البلوغ في تمام السنة، أو يكفي التلفيق؟ فلا دلالة للحديث على واحد من الأمرين.

ثمّ إنّ المحقّق الهمداني(1) ذكر في تفسير الحديث وجوهاً أربعة وزاد بعض المعاصرين وجهاً خامساً، أوجد تعقيداً في تفسيره، ولكن الظاهر أنّ المراد من الموصول هو الزمان، ولكنّه خاص بما لا يعتبر فيه السنة كما لا يخفى.

المقام الثاني: ما لا يعتبر فيه الحول

أمّا ما لا يعتبر فيه الحول من الغلاّت الأربع فالمناط البلوغ وقت التعلّق، وهو انعقاد الحب وصدق الاسم، وما في متن العروة بأنّ المناط هو البلوغ قبل وقت التعلّق مبنيّ على اعتباره شرطاً فيعتبر تحقّقه قبله، و أمّا على القول بأنَّ اليتم مانع فيكفي عدمه حين انعقاد الحبّ.

الشرط الثاني: العقل

الأقوال في المجنون بين الأصحاب نفسها في الصبي وقد عطف الشيخ المجنونَ على الصبي، ثمّ ذكر الأقوال التي تعرّفت عليها في مورد اليتيم فلا نعيد.


1 . مصباح الفقيه:13/14.


صفحه122

وهكذا الأمر عند السنّة فالمجنون والصبي عندهم سواسية، قال الخرقي: الصبي والمجنون يُخرج عنهما وليّهما. ثمّ نقل وجوب الإخراج عن عدّة من الصحابة والتابعين.

نعم نقل عن الحسن البصري وسعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير وأبي وائل والنخعي وأبي حنيفة أنّه لا تجب الزكاة في أموالهما، كما حكي عن ابن مسعود والثوري والأوزاعي أنّه: «تجب الزكاة ولا تُخرج حتى يبلغ الصبي ويفيق المعتوه».(1)

هذه هي الأقوال والمشهور بين الإمامية خصوصاً المتأخّرين عدم وجوب شيء على المجنون، سواء أكان ممّا تعتبر فيه السنة أم لا. ويدلّ عليه أُمور:

الأوّل: انصراف أدلّة التشريع تكليفاً ووضعاً عن المجنون فهو بالحيوان أقرب منه إلى الإنسان.

الثاني: إطلاق حديث رفع القلم، فالمجنون حسب هذا الإطلاق لم يكتب عليه شيء من التكليف والوضع وتخصيص الرفع بالإثم على خلاف الإطلاق.

وأمّا ضمان أُروش الجنايات وقيم المطلقات فهو لأجل أنّ الحديث حديث امتنان ولا امتنان، في رفع الضمان في هذه الموارد، وأمّا غيرهما وما أشبههما فالقلم مرفوع على الإطلاق.


1 . المغني: 2/519.


صفحه123

الثالث: اشتراك المجنون مع الصبي في غالب الأحكام، ولكن في «الجواهر»عدم دليل معتدّ به على هذه التسوية إلاّ مصادرات لا ينبغي للفقيه الركون إليها.(1)

ويمكن أن يقال: إنّ ملاك الاستدلال في المقام هو قياس الأولوية، فإذا كان وجوب الزكاة مرفوعاً عن الشاب المراهق فأولى أن يكون مرفوعاً عن المجنون.

الرابع: ما يظهر من السيد الخوئي من أنّه سبحانه خاطب العقل بقوله: «إيّاك أُثيب وإيّاك أُعاقب»(2) ولكن في صحّة الاستدلال نظر ظاهر، لأنّ العقل جُعل ملاك المثوبة والعقوبة لا ملاك التكليف الوضعي، أي تعلّق الحقّ بالمال الزكوي كتعلّق نفقة الأقارب والزوجات وأُروش الجنايات وقيم المطلقات بماله.

الخامس: صحيحة عبدالرحمن بن حجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): امرأة من أهلنا مختلطة ، أعليها زكاة؟ فقال: «إن كان عمل به فعليها زكاة، وإن لم يعمل به فلا».(3) وموضع الاستشهاد هو الشق الثاني.

السادس: معتبرة موسى بن بكر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن امرأة مصابة ولها مال في يد أخيها، هل عليه زكاة؟ قال: «إن كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة».(4) وموضع الاستشهاد هو مفهوم القضية الشرطية.


1 . الجواهر:15/28.

2 . الوسائل: ج 1، الباب 3 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث2; و لاحظ روايات الباب.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث2.


صفحه124

وسند الحديث لا غبار عليه، وقد روي بطريقين في أحدهما سهل بن زياد، و قد قيل فيه: « الأمر في سهل سهل»، وفي الثاني «محمد بن الفضيل» والمراد منه محمد بن الفضيل بن كثير الأزدي الكوفي الصيرفي الذي عدّه المفيد في الرسالة العددية من الفقهاء والرؤساء الأعلام الذين يؤخذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام ولا يطعن عليهم بشيء.

وقال الأردبيلي في جامعه: إنّ المراد من محمد بن الفضيل عند الإطلاق هو محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة، واحتمله التفريشي في رجاله.

وعلى كلّ تقدير فالسند لا غبار عليه.

ومنصرف الروايتين وإن كان هو النقدين لكن القيد المفهوم(النقدان) من الرواية ليس احترازياً، بل لأجل أنّ الاتّجار يتحقّق به غالباً فكان الموضوع مال المجنون على وجه الإطلاق. فيعمّ النقدين والغلاّت والمواشي، لأنّ عدم الاتّجار أعمّ من عدم القابليّة فيشمل الجميع.

وعلى ضوء هذه الأدلّة فالموضوع للوجوب هو البالغ العاقل الذي حال الحول على ملكه في مورد النقدين، وكونه كذلك عند انعقاد الحبّة والتسمية في غيرهما.


صفحه125

حكم الجنون الآني

لا فرق في خروج المجنون عن الموضوع للوجوب إطباقياً كان أو إدوارياً، وذلك لصدق المجنون، إنّما الكلام في الجنون الآني كما إذا جنّ دقيقة أو خمس دقائق ثمّ أفاق، فهل يضر بوجوب الزكاة أو لا؟

مال صاحب العروة إلى عدم كونه مخلاً به، قائلاً بأنّه يصدق أنّه كان عاقلاً طول السنة أو عاقلاً حين انعقاد الحبة وصحة التسمية.

لكنّ المتأخّرين من المحقّقين لم يرتضوا هذا الرأي، وذلك لأنّ الميزان هو الدقة العرفية في مقابل الدقة الفلسفية لا المسامحة العرفية، فلا مجال للثاني في الفقه البتة.

فإذا كان كذلك فلا شكّ أنّه لا يصدق عليه أنّه كان عاقلاً طول السنة، ومثل هذا عامة التحديدات الشرعية، مثل عدّة الوفاة والمسافة الشرعية والكر وأيّام الاعتكاف وأقل الحيض، فالميزان في الجميع هو الدقة العرفية; فلو تزوجت قبل انقضاء العدة ولو بساعة، أو غمس يده النجسة في الماء الكر الذي ينقص عنه بغرفة، لحرمت الزوجة أبداً وصار الماء القليل نجساً.

والحاصل: أنّ الميزان هو صدق الموضوع المحدّد على المورد بدقّة على المستوى العرفي.

نعم ربّما تقوم القرينة على أنّ المراد غير المصداق الدقيق، وهذا كما إذا باع كرّاً من حنطة، فلو دفع بالخليط من تراب غير المنفك عنه في الخارج فقد وفى بعقده وعهده، وذلك لأنّه قلّما يتفق أن تخلص الحنطة من التراب.


صفحه126

فتلخص من ذلك أنّ الميزان هو تطبيق المفهوم على المورد بدقة عرفية إلاّ إذا قام الدليل على التوسعة في مقام التطبيق كما مثلنا.

الشرط الثالث: الحرية

فلا زكاة على العبد وإن قلنا بملكه من غير فرق بين القن والمدبّر وأُمّ الولد والمكاتب المشروط والمطلق الذي لم يؤد شيئاً من مال الكتابة، وأمّا المبعّض فيجب عليه إذا بلغ ما يتوزع على بعضه الحر النصاب.

إنّ عدم الابتلاء بموضوع المسألة يغنينا عن إفاضة الكلام فيه، فلنعطف عنانه إلى ما هو اللازم.

الشرط الرابع: المالكية

لا شكّ أنّ الزكاة ضريبة على مال المالك مضافاً إلى قوله سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقة)(1)، وقولهم (عليهم السلام): «إنّما الزكاة على صاحب المال»، وقوله (عليه السلام): «لا تجب عليه الزكاة إلاّفي ماله» إلى غير ذلك من الأحاديث.(2)

والمتبادر من الآية والروايات هو الملكية الشخصية، وأمّا الملكية العامّة فهي على أقسام:

أ: إذا تمّ تأسيس شركة مساهمة على نحو يكون المالك هو عنوان الشركة تديرها هيئة من ذوي السهام أو من غيرهم، فلا شكّ أنّه تجب الزكاة


1 . التوبة : 103.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1، 2، 3.


صفحه127

حينئذ. لأنّ الملكية وإن كانت بالجهة لكنّها عنوان رسمي وقانوني، والمالك الحقيقي هو مُلاّك السهام. وهذا ما يفهم من الأدلّة بإلغاء الخصوصية.

ب: إذا كانت الملكية العامة وقفاً على جهة خاصة كعلماء البلد أو ساداتهم فبلغ نصيب كلّ واحد حدّ النصاب، فهل تجب الزكاة على كلّ واحد؟

الظاهر عدم تعلّق الزكاة، لأنّه يتعلّق على من يكون مالكاً حين انعقاد الحبة وصدق التسمية، والمفروض أنّ النصاب في هذه الحالة لم يكن ملكاً شخصياً لأحد وإنّما يصير ملكاً شخصياً بعد القبض، وهو لا يفيد، لأنّ الملكية حصلت بعد تعلّق الزكاة.

والعجب من السيد المحقّق الخوئي حيث يقول بوجوب الزكاة في هذا المورد(الوقف) بعد القبض، وإليك نصّ عبارته: وعلى الجملة فمثل هذه الأوقاف التي هي وقف على الجهات العامة بنحو الصرف أو ملكية العنوان لا زكاة فيها إذا لم يقبضها شخص معين. نعم بعد القبض و حصول الملكية للشخص ـ على القول بأنّ الوقف تمليك ـ وجبت الزكاة حينه.(1)

ثمّ إنّه أفتى في مقام آخر بخلاف ما ذكره هنا، حيث قال: أمّا الوقف فلا تجب الزكاة فيه لقصور الملك من الأوّل، فإنّ الوقف وإن تضمّن التمليك على الصحيح إلاّ أنّه نوع ملكية محدودة مقصورة من جهة الانتفاع وليس للموقوف عليه السلطنة على العين من حيث البيع أو الهبة أو الرهن ونحو


1 . مستند العروة الوثقى، كتاب الزكاة:1/36.


صفحه128

ذلك ممّا يتمتع الملاّك بأملاكهم. فأدلّة الزكاة منصرفة عن مثل هذه الملكية.(1)

وعلى كلّ تقدير فبما أنّ هذا الشرط من الشروط الواضحة فلابدّ أن يكون ذكره لغرض آخر، وهو إخراج الموارد الثلاثة التي ذكرها صاحب العروة في كلامه كما سيوافيك.

ثمّ إنّ المحقّق الحلي ذكر هذا الشرط بقوله: والملك شرط في الأجناس كلّها ولابدّ أن يكون تاماً.

وقد اختلف الشرّاح في تفسير هذا القيد، والظاهر أنّ نظر المحقّق إلى إخراج العين المرهونة لأجل تعلّق حقّ الغير به، أوالوقف الخاص لأجل تعلّق البطون اللاحقة به. و سيوافيك الكلام فيهما في الشرط الخامس.

وأمّا صاحب العروة فقد ذكر هذا الشرط لأجل إخراج الصور الثلاث:

1. الموهوب قبل القبض.

2. الموصى به قبل القبول.

3. القرض قبل القبض.

أمّا الأوّل، أعني: الموهوب قبل القبض، فلا تجب الزكاة على الموهوب له، لأنّ القبض جزء السبب المملك فلا ملكية للمتهب قبله، فكيف تجب عليه الزكاة ولا يصدق أنّه ماله؟ فالقبض إمّا ناقل أو كاشف ولكن كشفاً حكمياً بمعنى عدم حصول الملكية إلاّعند الإجازة ولكن يترتّب


1 . مستند العروة الوثقى، كتاب الزكاة: 1/43ـ44.


صفحه129

على ما مضى أثر مالكية الموهوب له، وترتيب الأثر غير كونه مالكاً والزكاة على المالك.

وعلى ما ذكرنا تقف على أحكام الفروع التالية:

1. إذا وهب لشخص أحد النقدين البالغين حدّ النصاب ولم يُقبض لم يجر الحول على الموهوب له إلاّ بعد القبض.

2. إذا حال الحول بعد العقد وقبل القبض وجبت الزكاة على الواهب، لأنّه حال الحول في ملكه لما عرفت من أنّ القبض مملّك أو كاشف كشفاً حكمياً .

3.لو مات الواهب قبل القبض انتقل إلى وارثه دون الموهوب له فلا تجب الزكاة عليه، بل تجب على وارث الواهب إن كان واجداً للشرائط، وإلاّ فلا تجب عليهما.

4. لو فرضنا أنّ شخصين ملك كلّ منهما كمية من الدنانير غير بالغة حدّ النصاب فوهباه من زيد ولم يقبض، فإنّه لا تجب الزكاة على الموهوب له لعدم القبض، ولا على الواهب لعدم بلوغ حصة كلّ منهما النصاب على الفرض، وسيوافيك أنّ النصاب معتبر في ملك كلّ شريك على حدة.

هذا هو المعروف بين الأصحاب وربما احتمل كون القبض كاشفاً حقيقياً عن الملكية من حين العقد أو شرطاً للزوم العقد، فعندئذ تختلف أحكام الفروض السابقة لكن الاحتمالين الأخيرين ضعيفان، والتفصيل موكول إلى محلّه.


صفحه130

وأمّا الثاني، أي الموصى به قبل القبول، فلا تجب الزكاة فيه إلاّ إذا حال الحول بعد قبول الموصى له مال الوصية، لأنّ القبول شرط مالكيته.

ثمّ إنّ السيد الطباطبائي ذكر وراء القبول قبض الموصى له أيضاً مع أنّه لا يشترط فيه القبض وإنّما يشترط القبول فقط، ولعلّه أراد من القبض القبول الفعلي.

هذا كلّه بناء على أنّ الوصية التمليكية من قبيل العقود، فالإيجاب من الموصي قبل الوفاة، والقبول من الموصى له بعد وفاته، وهذا هو المشهور.

قال السيد الطباطبائي في كتاب الوصية: أمّا التمليكية فالمشهور على أنّه يعتبر فيها القبول جزءاً وعليه تكون من العقود أو شرطاً على وجه الكشف أو النقل فيكون من الإيقاعات.(1) ولكنّه احتمل قوياً عدم اعتبار القبول فيها بل يكون الرد مانعاً وعليه تكون من الإيقاع الصريح.

وما احتمله صاحب العروة أخيراً هو الأقوى، فإنّه كيف يمكن أن يكون من العقود مع وجود الفصل الطويل بين إنشاء التمليك وقبوله الذي ربما يبلغ الفصل عشرة أعوام ولا يجوز مثل ذلك في حال الحياة.

وعلى ذلك فالزكاة على الموهوب له ويجري الحول من حين تمليكه. اللّهمّ إلاّ أن يكون غير متمكن من التصرف فعندئذ يفتقد الشرط الخامس.

وممّا يؤيد عدم الحاجة إلى القبول ما ورد في الروايات من أنّه إذا مات الموصى له قبل القبول يعطى لورثته.(2) وهذا يدل على أنّ الوصية التمليكية


1 . العروة الوثقى: 2 / 877 ، كتاب الوصية.

2 . الوسائل: ج 13، الباب 30 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1 و 2.


صفحه131

يكفي فيها التمليك، غاية الأمر أنّ للموصى له حقّ الرد، فما ورد في الرواية على وفق القاعدة بخلاف الهبة، فلو مات الموهوب له قبل القبول يرد الموهوب إلى الواهب كما مرّ.

وأمّا الثالث، أي القرض قبل القبض، فلا تتعلّق الزكاة بالمقترض إلاّ بعده، ويدلّ عليه لفيف من الروايات:

1.صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل دفع إلى رجل مالاً قرضاً، على مَن زكاته، على المقرض أو المقترض؟ قال: «لا، بل زكاتها ـ إن كانت موضوعة عنده حولاً ـ على المقترض».(1)

2. صحيحة يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يقرض المال للرجل السنة والسنتين والثلاث أو ما شاء اللّه ،على مَن الزكاة، على المقرض أو المستقرض؟ فقال: «على المستقرض، لأنّ له نفعه وعليه زكاته».(2)

هذا كلّه إذا كان النصاب باقياً، وأمّا إذا صرفه أو اشترى به ما لا يتعلق به الزكاة فحكمه واضح .

الشرط الخامس: تمام التمكّن من التصرف في المال

المراد التمكّن طول السنة لا خصوص آخرالحول، لأنّ التمكّن منه فيه شرط لوجوب الأداء. ثمّ إنّ صاحب العروة رتّب عليه موارد سبعة يكون عدم


1 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.


صفحه132

التمكّن في أربعة منها، تكوينياً، كالغائب الذي لم يكن المال في يده، ولا في يد وكيله، والمسروق والمجحود (بالدال المهملة) غصباً أو اشتباهاً، والمدفون في مكان منسي; وفي ثلاثة منها، يكون عدم التمكّن تشريعياً: كالعين المرهونة إذا جعلها المرتهن بعد الرهن عند الراهن، والموقوفة ـ بناء على أنّ العين الموقوفة ملك للموقوف عليهم ـ و منذور التصدّق من النقدين أو الأنعام . فلو رهن أثناء السنة أو وقف أو نذر كذلك لا تجب الزكاة لعدم التمكّن شرعاً من التصرف وإن كان متمكناً خارجاً.

فلو صحّ كون الموضوع هو عدم التمكّن تكويناً أو تشريعاً، كان لما ذكر وجه، وإلاّ فلو كان الموضوع عدم التمكّن من التصرّف تكويناً كما إذا كان خارجاً عن يده وسلطته كما في الموارد الأربعة، فيختص عدم الوجوب بها، وأمّا الموارد الثلاثة فيبحث فيها على ضوء القواعد.

فيجب علينا دراسة كلمات العلماء أوّلاً، ولسان الروايات ثانياً.

أمّا كلمات العلماء

1. قال الشيخ: من كان له مال دراهم أو دنانير فغُصبت أو سرقت أو جحدت، أو غرقت أو دفنها في موضع ثمّ نسيها وحال عليه الحول، فلا خلاف أنّه لا يجب عليه الزكاة منها، لكن في وجوب الزكاة فيه خلاف فعندنا لا تجب فيه الزكاة ;وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وهو قول الشافعي في القديم; وقال في الجديد: تجب الزكاة فيه. و به قال زفر.(1)


1 . الخلاف: 2/30، كتاب الزكاة، المسألة 30.


صفحه133

2. وقال في المقنعة: ولا زكاة على مال غائب عن صاحبه إذا عدم التمكّن من التصرف فيه والوصول إليه.(1)

3. وقال في النهاية: ولا زكاة على مال غائب إلاّ إذا كان صاحبه متمكّناً منه أيّ وقت شاء، فإن كان متمكّناً منه لزمته الزكاة... ومن ورث مالاً ولا يصل إليه إلاّبعد أن يحول عليه حول أو أحوال فليس عليه زكاة إلاّ أن يصل إليه ويحول عليه حول.(2)

4. وقال في المهذب: من ورث مالاً ، ولم يصل إليه ولا يتمكّن من التصرف فيه إلاّ بعد الحول لم يلزمه زكاته في ذلك الحول.(3)

5. وقال في الغنية: وأمّا شرائط وجوبها في الذهب والفضة: فالبلوغ، وكمال العقل، وبلوغ النصاب، والملك له، والتصرّف فيه بالقبض أو الإذن، وحؤول الحول عليه وهو كامل في الملك.(4)

6. وقال في السرائر: ولا زكاة على مال غائب إلاّ إذا كان متمكّناً منه أي وقت شاء بحيث متى مارامه قبضه، فإن كان متمكّناً منه لزمته الزكاة، وقد ورد في الروايات: إذا غاب عنه سنين ولم يكن متمكّناً منه فيها ثمّ حصل عنده يخرج منه زكاة سنة واحدة وذلك على طريق الاستحباب دون الفرض والإيجاب.(5)


1 . المقنعة: 239، باب زكاة الغائب.   2 . النهاية: 175، باب ما تجب فيه الزكاة.

3 . المهذب: 1/160، باب زكاة الذهب.

4 . الغنية:2/118، الفصل الأوّل. تحقيق ونشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

5 . السرائر: 1/443 باب ما تجب فيه الزكاة.


صفحه134

7. وقال في إصباح الشيعة: ومن كان عنده نصاب فغصب منه أو غاب أو ضلّ ولا يتمكّن منه ثم عاد إليه في أثناء الحول، استأنف به الحول غير معتد بما سبق.(1)

8. وقال في الشرائع: والتمكّن من التصرّف في النصاب معتبر في الأجناس كلّها.(2)

9. وقال في الجامع للشرائع: ومن خلّف ذهباً أو فضة نفقة لعياله وهو حاضر فعليه الزكاة، وإن كان غائباً بحيث لا يتمكّن منه فلا زكاة عليه.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات الظاهرة في كون الشرط هو التمكّن الخارجي ، مقابل العاجز عنه تكويناً، لا الممنوع شرعاً.

وبذلك يعلم أنّ ادّعاء الإجماع على عنوان مطلق التمكّن عقلاً أو شرعاً، غيرتام بعد ظهور كلمات القدماء في قسم واحد منه.

وأمّا النصوص، فهي لا تتجاوز عن هذا الحدّ، نذكر منها المهم:

1. صحيح العلاء بن رزين، عن سَدير بن حكم الصيرفي (الذي قد روى الكشي في مدحه وقدحه روايات ، غير أنّ في نقل الأجلاء عنه دلالة على وثاقته، حيث نقل عنه: ابن مسكان، وفضالة بن أيوب، والحسن بن محبوب) قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به


1 . إصباح الشيعة: 114، الفصل الثالث.

2 . الجواهر:15/ 48، قسم المتن.

3 . الجامع للشرائع: 124.


صفحه135

فدفنه في موضع، فلمّا حال عليه الحول، ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الذي ظن أنّ المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثمّ إنّه احتفر الموضع الذي في جوانبه كلّها، فوقع على المال بعينه كيف يزكّيه؟ قال: «يزكّيه بسنة واحدة، لأنّه كان غائباً عنه وإن كان احتبسه».(1)

وما دلّ على تزكيته لسنة واحدة محمول على الاستحباب لما سيوافيك في زكاة العين المدفونة أو الغائبة .(2)

2. موثّقة إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام)عن الرجل يكون له الولد، فيغيب بعض ولده فلا يدري أين هو، ومات الرجل كيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟ قال: «يعزل حتى يجيء»، قلت: فعلى ماله زكاة؟ قال: «لا حتى يجيء» قلت : فإذا هو جاء أيزكّيه؟ قال: «لا حتى يحول عليه الحول في يده».

ورواها أيضاً يونس، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)فهما رواية واحدة (3) تدلان على عدم وجوب التزكية مطلقاً حتى لسنة واحدة فتكون قرينة على حمل الأوّل على الاستحباب.

3. صحيح رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين ثمّ يأتيه فلا يردّ (4) رأس المال كم يزكّيه؟ قال:


1 . الوسائل: ج 6، الباب5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 .

2 . راجع ص 204 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3.

4 . أن يخسر في تجارته ولا يردّ رأس المال.


صفحه136

«سنة واحدة».(1) و الذيل محمول على الاستحباب جمعاً بين ما دلّ على وجوب شيء وما دلّ من الزكاة لسنة واحدة كما سيوافيك في زكاة العين المدفونة أو الغائبة.

4. معتبرة (2) عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل أخذ مال امرأته فلم تقدر عليه، أعليها زكاة؟ قال: «إنّما هو على الذي منعها».(3)

إنّ إيجاب الزكاة على الآخذ قرينة على أنّه أخذه قرضاً مع اجتماع سائر الشرائط.

5. صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك».(4)

6. موثّقة عبد اللّه بن بكير، عمّن رواه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه؟ قال: «فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لسنة لعام واحد، فإن كان يدعه متعمّداً وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين».(5)

7. صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام):


1 . الوسائل: ج 6، الباب5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث4.

2 . السند لا غبار عليه وأمّا علي بن سندي فنقل الكشي عن نصر بن الصباح انّه وثقه وروى عنه محمد بن أحمد بن يحيى في نوادره و لم يستثنه ابن الوليد، له 84 رواية في الكتب الأربعة.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

5 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.


صفحه137

الرجل يكون له الوديعة والدين فلا يصل إليهما ثمّ يأخذهما متى يجب عليه الزكاة؟ قال: «إذا أخذهما ثمّ يحول عليه الحول، يزكّي».(1)

8. ما في «قرب الاسناد» عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «كان أبي يقول: إنّما الزكاة في الذهب إذا قرّ في يدك».(2)

9. موثّقة إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يشتري الوصيفة (3) يثبتها عنده لتزيد و هو يريد بيعها أعلى ثمنها زكاة ؟ قال: «لا حتى يبيعها»، قلت: فإن باعها أيزكّي ثمنها؟ قال: «لا،حتى يحول عليه الحول وهو في يده».(4)

10. ما دلّ على عدم الزكاة فيما تركه لأهله نفقة و غاب عنهم.(5)

هذا مجموع ما وقفنا عليه من الروايات وتجمعها المحاور التالية:

1. المال المدفون المجهول مكانه، الحديث 1.

2. مال الوارث الغائب، الحديث 2.

3. المال الغائب عن الإنسان، سائر الروايات.

والجميع ظاهر فيما إذا كان هناك بين المالك والمال، مانع خارجي يمنعه عن إعمال السلطة، وأين هو من المال الذي هو تحت يده لكن يمنعه


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 10.

3 . الوصيفة مؤنث الوصيف، وهو الغلام دون المراهق.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 4.

5 . الوسائل: ج 6، الباب 17 من أبوا ب زكاة النقدين.


صفحه138

عن التصرّف حكم الشرع، كما في مورد الرهن والوقف، ومنذور التصدّق؟!

فلو قلنا بفهم العرف عدم الخصوصية ولو بمناسبة الحكم والموضوع فهو، وإلاّ يختص عدم الوجوب بالعجز الخارجي، ولابدّ عندئذ من عرض ما لم يتمكّن من التصرّف لأجل المنع الشرعي، على سائر القواعد، فنقول:

1. العين المرهونة

هل تتعلّق الزكاة بالعين المرهونة إذا حال الحول مطلقاً أو لا؟ أو يفصّل بين التمكّن من الفك وعدمه فتتعلّق في الأوّل دون الثاني؟ فالكلّ محتمل .

قال الشيخ: ومتى رهن قبل أن تجب فيه الزكاة، ثمّ حال الحول وهو رهن وجبت الزكاة وإن كان رهناً. لأنّ ملكه حاصل ثمّ ينظر فيه، فإن كان للراهن مال سواه، كان إخراج الزكاة فيه; وإن كان معسراً ، فقد تعلّق بالمال حق المساكين يؤخذ منه،لأنّ حقّ المرتهن في الذمّة بدلالة انّه إن هلك المال، رجع على الراهن بماله ثمّ يليه حقّ الرهن الذي هو رهن به.(1) و هو صريح في وجوب تعلّقها مطلقاً، لكن قوله : بأنّ حق المرتهن في الذمة، غير تام بل حقّه محصور في العين المرهونة مادام موجوداً، نعم لو هلك يرجع إلى ذمة الراهن لا أنّ حقه من أوّل الأمر على ذمة الراهن.

ولكنّه (قدس سره)أفتى في «الخلاف» بعدم التعلّق مطلقاً قال: إذا كان له ألف فاستقرض ألفاً غيرها، ورهن هذه عند المقرض، فإنّه يلزمه زكاة الألف التي


1 . المبسوط:1/208.


صفحه139

في يده إذا حال عليه الحول دون الألف التي هي رهن.(1)

والظاهر عدم تعلّقها لما عرفت في الشرط من انصراف الأدلّة إلى الملكية التامة، وهي في المقام ناقصة، لتعلّق حقّ الغير به على نحو لو لم يف دينه فللمرتهن بيعه واستيفاء حقّه، وقد قلنا فيما سبق من أنّ قيد التمامية في عبارة الشرائع، ناظر إلى إخراج العين المرهونة وإن أبيت فالأحوط التفصيل بين التمكّن من الفك وغيره.

2. العين الموقوفة

هل العين الموقوفة ملك للّه سبحانه أو للواقف، أو للموقوف عليهم، أو ليس ملكاً بل فكّ ملك؟

لا سبيل إلى الأوّل، لأنّه إن أُريد منه القسم التكويني، فليس هذا من خصوصيات الوقف، فهو سبحانه مالك الملك والملكوت بما أنّه خالق لما سواه. وكون الوقف للّه، بمعنى كون الغاية منه التقرّب إلى اللّه سبحانه لا أنّه ملك للّه تعالى.

ومثله الثاني، لأنّ الغاية من الوقف، إخراج العين الموقوفة عن سلطانه وحوزة سلطنته، فكيف تبقى على ملكه، ثمّ إنّه كيف يملك وهو رميم في التراب، ليس منه عين ولا أثر مع بقاء العين الموقوفة عبر القرون؟!

ويليه في الضعف، الرابع، لأنّ لازمه جواز استيلاء كلّ فرد عليها، من غير فرق بين الموقوف عليه وغيره. فتعيّن الثالث، وهو الذي اختاره المحقّق


1 . الخلاف:2/110، كتاب الزكاة، المسألة129.


صفحه140

في «الشرائع» حيث قال: الوقف ينتقل إلى ملك الموقوف عليه، لأنّ فائدة الملك موجودة فيه، والمنع من البيع لا ينافيه كما في أُم الولد وقد يصح بيعه على وجه.(1)

وعلى ذلك فلو تعلّقت الزكاة بنفس الرقبة الموقوفة، كما إذا وقف على أولاده أربعين شاة للانتفاع بنمائها، فلا تتعلّق بها الزكاة، لأنّ الغاية من الوقف هو ما جاء في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم): «حبس الأصل و سبل الثمرة» والتحبيس ينافي التصرّف فيه.

وأمّا إذا تعلّقت بنمائها، كما إذا وقف بستاناً مع نخيلاته فلا وجه لعدم تعلّقها إذا بلغ نصاب كلّ واحد من الموقوف عليهم حدّ النصاب، وقد صرّح بما ذكرناه الشيخ في «المبسوط» في الأنعام والغلاّت فقال: وإن وقف على إنسان أربعين شاة وحال عليها الحول لا تجب فيه الزكاة، لأنّها غير مملوكة والزكاة تتبع الملك فإن ولدت وحال على الأولاد الحول وكانت نصاباً وجب فيها الزكاة إذا كان الواقف شرط انّ جميع ما يكون منها للموقوف عليه; و إن ذكر أنّ الغنم وما يتوالد منها وقف فإنّما لهم منافعها من اللبن والصوف، لا تجب عليهم الزكاة، لما قلنا من عدم الملك.(2)

وقال ـ قبل ذلك ـ : إذا كان وقف على إنسان واحد أو جماعة ضيعة فدخل منها الغلّة وبلغت نصاباً، فإن كان لواحد (وبلغ النصاب) تجب فيه الزكاة، وإن كان لجماعة وبلغ نصيب كلّ واحد النصاب كان عليهم الزكاة ـ إلى


1 . الشرائع: 2/450، كتاب الوقف، النظر الثالث.

2 . المبسوط: 1/205، والأولى أن يقول بعدم تمامية الملك.


صفحه141

أن قال: ـ و إنّما أوجبنا الزكاة لأنّهم يملكون الغلّة و إن كان الوقف غير مملوك.(1) وسيأتي الكلام في الوقف لاحقاً.(2)

3. منذور التصدّق

سيأتي البحث عنه لاحقاً.(3)

ثمّ إنّ المدار في التمكّن هو العرف، لأنّه المخاطب إنّما الكلام إذا شكّ فيه فهل يصحّ التمسّك عند الشكّ بإطلاق ما دلّ على وجوب الزكاة أو لا؟ وعلى فرض عدم الصحة فما هو المرجع؟

فنقول: قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الموضوع للتعلّق وعدمه هو التمكّن من إعمال السلطة والتصرّف في المال وعدمه دون الغيبة والحضور، وذلك لأنّه ربما يكون غائباً ولكن يتعلّق بماله الزكاة، كما إذا أمكن إعمال السلطة عن طريق الهاتف وغيره، وربّما يكون المال حاضراً في يده ولكن يعجز عن التصرّف في ماله خوفاً من الظالم، فيكون التمكّن وعدمه ملاكاً للحكم.

وعلى ذلك فلو شكّ في التمكّن وعدمه فهل المرجع إطلاقات أدلّة الزكاة أو الأُصول العملية؟ الأقوى هو الثاني، وذلك لأنّ الشبهة شبهة موضوعية وفيها لا يصح التمسك لا بالمخصِّص ولا بالمقيِّد، ولا بالعام والإطلاق.


1 . المبسوط: 1/205.

2 . راجع ص 168 .

3 . راجع ص 190 .


صفحه142

أمّا عدم جواز التمسّك بالمخصّص والمقيِّد، أعني: عدم وجوب الزكاة في المال الذي لا يتمكّن المالك من التصرّف فيه، فلأنّ المورد يكون شبهة مصداقية للدليل ولا يتمسّك به في مورد الشكّ، فلو شككنا أنّ زيداً العالم عادل أو فاسق لا يمكن التمسك بالمخصص : لا تكرم العالم الفاسق.

وأمّا عدم جواز التمسّك بإطلاقات أدلّة الزكاة وعموماتها، فلما قرّر في محلّه من أنّ المخصّص إذا كان منفصلاً وإن كان لا يزاحم ظهور عموم العام لكنّه يزاحم حجّية عموم العموم في مورد عنوانه، فيسقط عموم العام عن الحجية في المقام فتكون النتيجة في مورد البحث هي سقوط العام والمخصص عن الحجّية.

وإن شئت قلت: الموضوع لوجوب الزكاة مركّب من عنوانين: المال الزكوي، المتمكن منه.

والقيد الأوّل وإن كان محرزاً لافتراض أنّ المال زكوي، لكن القيد الثاني غير محرز، فلا مناص من الرجوع إلى الأُصول العملية، فلو كانت للمال حالة سابقة يعمل بها، لتقدّم الاستصحاب على سائر الأُصول، وإلاّ فالمرجع هو البراءة.

وبذلك يعلم أنّه مع عدم العلم بالحالة السابقة فالأولى الإخراج لا أنّه الأحوط، كما ذهب إليه صاحب العروة.

هذا وللمسألة ذيل يأتي في مسألة حكم المتمكّن من تخليص المغصوب (1)، فانتظر.


1 . راجع ص 169 .


صفحه143

الشرط السادس: اعتبار النصاب

النصاب هو القدر المعتبر في تعلّق الزكاة، وفسّر في اللغة بالأصل، والمرجع ، أوّل كلّ شيء، مقبض السكين(1)، و يظهر من المنجد أنّه كلمة دخيلة، والظاهر أنّه من النصب بمعنى العلامة، وكأنّ وصول الشيء للمقدار المعلوم علامة تعلّقها به، ثمّ إنّ شرطيّة النصاب من ضروريات الفقه و في «الجواهر» إجماعاً بل ضرورة المذهب إن لم يكن الدين.(2) وفي الأخير تأمل واضح.

استحباب إخراج الزكاة من غلات غير البالغ

أفتى السيد الطباطبائي تبعاً لغيره باستحباب إخراج الزكاة من غلات غير البالغ دون النقدين، ولكن في إخراجها من مواشيه إشكال. قد تقدّم الكلام في ذلك عند البحث في الشرط الأوّل، أعني: البلوغ وانّ الشيخين وأبا الصلاح وابن البراج أوجبوا الزكاة في غلات غير البالغ ومواشيه دون النقدين.

أمّا النقدان فلم يقل بوجوب الزكاة فيهما أحد منّا، ولم يرد به نص; وأمّا الآخران، فقد ورد النصّ في الغلات، دون المواشي، وإلحاق الثاني بالأوّل لا يخلو من إشكال.

وأمّا الغلات، ففي صحيح زرارة ومحمد بن مسلم ـ على نقل الشيخ ـ


1 . المصباح المنير: مادة «نصب».   2 . الجواهر: 15/76.


صفحه144

عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليه السلام)«فأمّا الغلاّت فعليها الصدقة واجبة».(1)

نعم ربّما ينافيه صحيح أبي بصير: «وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلّة زكاة».(2)

وقد اختلفت كلمتهم في علاج التعارض إلى وجوه:

1. الجمع الدلالي: وأنّ المراد من قوله: «واجبة»هو «ثابتة» وهي أعمّ من الوجوب والاستحباب ، وحمل الرواية الثانية على نفي الوجوب فلا تعارض بينهما. وقد اختار هذا كلّ من قال باستحباب الإخراج.

2. حمل صحيحة زرارة على التقية، لما عرفت من اتّفاقهم على وجوبها في أمواله إلاّ أبا حنيفة، وهو خيرة صاحب الوسائل.

يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ الرجوع إلى المرجّحات فرع عدم إمكان الجمع العرفي، وإلاّفيقدم الجمع على الطرح لأجل التقية، وعليه جرى الأصحاب.

وثانياً: أنّ التفصيل بين الغلات وغيرها ليس مذهب أحد من العامّة وقد عرفت مذاهبهم عند البحث في شرطية البلوغ.

3. أنّ الحديثين من أقسام المتعارضين، وذلك لأنّ صحيح زرارة تضمن ثبوت الزكاة في غلاّت اليتيم، وصحيح أبي بصير يدلّ على عدم ثبوتها فيها حيث يقول: «ليس على غلاّته زكاة» فيكونان من قبيل المتعارضين، فإن أمكن الترجيح بواحد من المرجحات، وإلاّفيتعارضان


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11.


صفحه145

ويتساقطان فيرجع إلى إطلاقات الباب، أعني: «ليس على مال اليتيم زكاة» وبذلك يشكل إثبات استحباب الإخراج.

وهناك وجه رابع وهو أنّ الإمام (عليه السلام)في صحيح زرارة ليس بصدد بيان الحكم الشرعي، بل بصدد بيان ما كان يسود في أعصارهم حيث إنّ الحكام كانوا يطلبون الزكاة من أصحاب الأموال، التي كانت بمرأى ومسمع منهم، أعني: الغلاّت والمواشي، دون النقدين لإمكان إخفائهما، ففي هذه الظروف قال (عليه السلام): «ليس على مال اليتيم من الدين والمال الصامت شيء، فأمّا الغلات فعليها الصدقة» ثابتة مطلقاً رضي صاحب المال أم لا.

فتكون النتيجة عدم استحباب الإخراج مطلقاً على الوجوه الثلاثة الأخيرة، وعلى فرض ثبوته، فالحكم بالاستحباب بملاك الطفل، وبما أنّه غير مكلّف خوطب الولي بالإخراج وأُسند الاستحباب إليه. وسيأتي الكلام في أنّه إذا لم يؤدّ الولي فيؤدّيه إذا بلغ، وما هذا إلاّ لأنّه المخاطب حقيقة.

ثمّ إنّ الوارد في لسان الروايات هو اليتيم، لكن لا خصوصية لليتيم، بل الموضوع غير البالغ وإن لم يكن يتيماً، ويشهد على ذلك صحيحة يونس بن يعقوب الماضية.(1)

إذا اتّجر الولي بمال اليتيم

و للفرع صور:

1. إذا اتّجر بمال اليتيم له وكان الاتّجار سائغاً.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.


صفحه146

2. إذا اتّجر بمال اليتيم لنفسه، كما إذا استقرض الولي من ماله و كان جائزاً لكونه مليّاً.

3. إذا اتّجر بمال اليتيم وكان الاتّجار غير سائغ وكان الاتّجار لليتيم.

4. تلك الصورة وكان الاتّجار لنفسه.

أمّا الصورة الأُولى: فالقول باستحباب الإخراج هو المشهور والقول بالوجوب قول نادر، وعليه الشيخ المفيد في مقنعته قال: لا زكاة عند آل الرسول (عليهم السلام)في صامت أموال الأطفال والمجانين من الدراهم والدنانير إلاّ أن يتّجر الولي لهم أو القيّم عليهم بها، فإن اتّجر بها وحرّكها وجب عليه إخراج الزكاة منها.(1)

ولمّا كان القول بالوجوب بعيداً قال الشيخ في شرحه على المقنعة: مراد الشيخ المفيد (رحمه الله) بالوجوب هنا الاستحباب دون الفرض الذي يستحقّ بتركه العقاب.(2)

وجه البعد أنّه إذا كان إخراج الزكاة للبالغ في مورد التجارة أمراً مندوباً، فمن البعيد أن يكون إخراجه لغير البالغ واجباً.

نعم يمكن أن يقال: إنّ الشيخ اعتمد في الإفتاء بالوجوب على روايات الباب الظاهرة في الوجوب كصحيح محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: «لا، إلاّ أن يتّجر به ويعمل به».(3)


1 . المقنعة:238.

2 . تهذيب الأحكام:4/27 في ذيل الحديث 64.

3 . الوسائل : ج 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.


صفحه147

وخبر محمد بن الفضيل، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)عن صبية صغار، لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم هل يجب على مالهم زكاة؟ فقال: «لا يجب في مالهم زكاة حتى يعمل به، فإذا عمل به وجبت الزكاة، فأمّا إذا كان موقوفاً فلا زكاة عليه».(1)

ووصفه بالخبر لأجل محمد بن الفضيل، لتردّده بين محمد بن الفضيل بن كثير الأزدي الكوفي الصيرفي الذي ضعّفه الشيخ ولم يوثّقة النجاشي، وبين محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة، قال النجاشي: ثقة هو وأبوه وعمه العلاء وجدّه الفضيل، روى عن الرضا (عليه السلام)، له كتاب.(2)

وظهور هذه الروايات محمول على الاستحباب المؤكّد لإعراض المشهور عن ظهوره على أنّه لو كان الإخراج واجباً لاشتهر وبان.

وأمّا الصورة الثانية: إذا اتّجر الولي بمال اليتيم لكن لنفسه لا لليتيم بأن استقرض ماله وكان الاستقراض جائزاً أو ذات مصلحة، فالزكاة على المقترض لكون التجارة له.

و يدلّ عليه صحيح أبي العطارد الحنّاط، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «مال اليتيم يكون عندي فأتّجر به؟ فقال: «إذا حرّكته فعليك زكاته»، قال: قلت: فإنّي أُحرّكه ثمانية أشهر وأَدعه أربعة أشهر، قال: «عليك زكاته».(3)

فبما أنّ الزكاة على التاجر فهي تعرب عن اتّجاره لنفسه تجارة سائغة


1 . الوسائل : ج 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4.

2 . رجال النجاشي: 2 / 264 برقم 974 .

3 . الوسائل : ج 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3.


صفحه148

كالاستقراض من مال اليتيم وإلاّفلو كانت التجارة غير سائغة لما وجبت الزكاة على التاجر.

قال الأردبيلي: يجوز للوليّ تملّك المال بالقرض ونحوه إذا كان ملياً والتجارة به وكان الربح له والزكاة عليه ومال الطفل عليه.

وقالوا: إنّما يشترط الملاءة ـ يعني: وجود المال للولي بقدر ما أخذ من مال الطفل ـ بعد مستثنيات الدين حتى قوت اليوم والليلة إذا لم يكن أباً ولا جدّاً (بأن كان وصياً من قبلهما أو قبل أحدهما).(1)

ويدلّ على شرطية الملاءة في صحّة الاستقراض معتبر منصور الصيقل، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن مال اليتيم يعمل به؟ قال: فقال: «إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال، وإن كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن للمال».(2)

والحديث يدلّ على اشتراط الملاءة في صحة الاستقراض، ولذلك لو عمل به وليس له مال فالربح للغلام والتاجر ضامن .

الصورة الثالثة: إذا اتّـجر بمال اليتيم له وكان الاتّجار غير سائغ لعدم كونه ولياً فربح، فتكون التجارة فضولية تحتاج إلى إجازة الولي، فلو أجاز لما فيه مصلحة اليتيم يكون الربح لليتيم والزكاة عليه.

و يدلّ عليه صحيح زرارة وبكير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ليس على


1 . مجمع الفائدة والبرهان:4/13 ثمّ استشكل في اشتراط الملاءة بأنّه غير مفيد في موارد.

2 . الوسائل : ج 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7 .


صفحه149

مال اليتيم زكاة إلاّ أن يتّجر به ، فإن اتّجر به ففيه الزكاة، والربح لليتيم، وعلى التاجر ضمان المال».(1)

فالحكم بكون الربح لليتيم والزكاة عليه، مع ضمان التاجر محمول على كون التجارة غير سائغة، وإلاّ فلا وجه للضمان.

ثمّ إنّ الظاهر من المحقّق الخوئي عدم الحاجة إلى إجازة الولي، لصدورها من الولي الأصلي وهو الشارع بمقتضى الروايات الواردة في المقام المتضمنة أنّ الربح لليتيم والخسران على المتّجِرَ التي تدلّ بالالتزام على صحّة المعاملة المساوقة لحصول الإجازة كما لا يخفى فتشمله حينئذ إطلاقات استحباب الزكاة في مال اليتيم.

ولكنّه مبني على كون الحديث بصدد بيان تلك الناحية أيضاً، وإلاّ فسكوت الحديث عن شرطية إجازة الولي لا يدلّ على عدمها.

قال المحقّق الأردبيلي: ولو لم يكن ولياً واتّجر بعين مال الطفل، فالظاهر أنّها باطلة أو موقوفة على إذن الولي أو الطفل بعد صلاحيته لذلك لو جاز الفضولي فيه، ويكون ضامناً، ولا زكاة على أحد.(2)

الصورة الرابعة: إذا اتّجر بمال اليتيم لنفسه مع كون التجارة غير سائغة فلا شكّ أنّ التجارة فضولية ووقوعها لليتيم بحاجة إلى إجازة الولي، فحكم هذه الصورة حكم الصورة السابقة فالربح لليتيم والزكاة عليه، والضمان على


1 . الوسائل : ج 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 8 .

2 . مجمع الفائدة والبرهان: 4/15.


صفحه150

التاجر، ولا يمكن أن يحكم مضافاً إلى الضمان بإخراج الزكاة; كيف وفي موثّقة سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يكون عنده مال اليتيم فيتّجر به، أيضمنه؟ قال: «نعم»، قلت: فعليه زكاة؟ فقال: «لا، لعمري، لا أجمع عليه خصلتين: الضمان والزكاة».(1)

ثمّ إنّ ما ذكرنا من الأحكام فيما إذا اتّجر بمال اليتيم بأن جعل الثمن نفس مال اليتيم; وأمّا إذا اتّجر بثمن في الذمة ثمّ دفع في مقام أداء الدين مال اليتيم، فتقع المعاملة للتاجر ويكون الربح له والزكاة عليه ويصير ضامناً لمال اليتيم.

وما ذكرنا من التفصيل خاص بالصورة الرابعة، وأمّا الصورة الثالثة فبما أنّه اتّجر لليتيم فلا يتفاوت كون الثمن شخصياً أو في الذمة.

وإلى ما ذكرنا يشير المحقّق الأردبيلي بقوله: ولو اتّجر لنفسه في الذمّة يكون الربح له وعليه الزكاة ويكون ضامناً لمال اليتيم.(2)

إلى هنا تمّ حكم الصور الأربع، وربّما نسب إلى الأردبيلي نفي الاستحباب في الصورتين الأخيرتين، قائلاً: بأنّ المتيقّن أو الظاهر من الأدلّة أن تكون التجارة بمال اليتيم لليتيم نفسه، و أمّا إذا لم تكن له وإن رجعت النتيجة إليه فأدلّة الاستحباب منصرفة عنه، فإذاً إخراج الزكاة يحتاج إلى الدليل ولا دليل على الاستحباب.(3)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5.

2 . مجمع الفائدة والبرهان:4/15.

3 . مستند العروة الوثقى: 9/65.


صفحه151

وقد أشار إليه الأردبيلي في كلامه السابق.

ولكن الظاهر بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع هو تعلّق الزكاة بالربح المتعلّق باليتيم بعقد صحيح حدوثاً أو بقاءً.

عدم دخول الحمل في موضوع الحكم

هل الحمل محكوم بنفس الحكم الموجود في غير البالغ؟ قال صاحب العروة بعدم دخوله ولا يستحب إخراج زكاة غلاته ومال تجارته.

والدليل هو انصراف العنوان عنه، فإنّ العناوين الواردة لا تتجاوز عن عنوان اليتيم ، صبية صغار، وهما لا يصلحان للحمل، فالمرجع هو أصل البراءة.

المتولّي لإخراج الزكاة

إنّ المتولّي لإخراج الزكاة في مال اليتيم هو الولي كما هو المتولّي لسائر أعماله، ومع غيبته فالحاكم الشرعي. وفي «مجمع الفائدة» انّ المتولّي للإخراج هو الولي، وعلى تقدير عدم حضوره يمكن التوقّف حتى يوجد أو يبلغ فيقضي، ويحتمل جواز الأخذ لآحاد العدول والمستحقين.(1)

ولا يخفى تقدّم الرجوع إلى الحاكم الشرعي على الرجوع إلى آحاد العدول. ولو تعدّد الولي جاز لكلّ واحد منهم ذلك، كما في الجدّ والأب،


1 . مجمع الفائدة والبرهان:4/12.


صفحه152

نظير ذلك نكاح الجد والأب فينفذ المتقدّم منهما .

ولو تشاحّا في الإخراج وعدمه، ليس للآخر أن يمنع المخرج.

إذا لم يؤدّ الولي

إذا لم يؤدّ الولي إلى أن بلغ المولّى عليه فالظاهر ثبوت الاستحباب بالنسبة إليه. وذلك لأنّ المحكوم بأداء الزكاة واقعاً هو الطفل، وبما انّه لا يمكن له القيام بالمباشرة يقوم الولي بالعمل من جانبه، فعدم تأدية الولي لا يوجب سقوط الحكم الشرعي كما هو واضح.

في إخراج زكاة مال التجارة للمجنون

يقع الكلام في المجنون في موردين:

1. تعلّق الزكاة بغلاته ومواشيه دون النقدين إذا كانا صامتين، لماعرفت من ثبوته في الصبي، لاشتراكهما في كثير من الأحكام.

يلاحظ عليه أوّلاً: عدم ثبوتها في المقيس عليه، فإنّ ما يدلّ على الثبوت كصحيح زرارة، معارض بصحيح أبي بصير الدالّ على عدم الثبوت، وعندئذ يسقطان ويرجع إلى البراءة. وقد تقدّم الكلام في الجمع بين الروايتين.

وثانياً: لو ثبت في المقيس عليه فلا دليل على ثبوتها في المقيس إلاّ القياس المردود.

2. تعلّق الزكاة بتجارة المجنون كالصبي وهو ثابت، وقد عقد صاحب الوسائل لذلك باب ذكر فيه روايتين:


صفحه153

صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): امرأة من أهلنا مختلطة أعليها زكاة؟ فقال: «إن كان عمل به فعليها زكاة، وإن لم يعمل به فلا».(1)

وخبر (2) موسى بن بكر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن امرأة مصابة
ولها مال في يد أخيها، هل عليه زكاة؟ قال: «إن كان أخوها يتّجر به فعليه زكاة».(3)

ثمّ إنّ ظاهر الحديثين، هو الوجوب نظير ما مرّ من الصبي، لكن يحمل على الاستحباب للإجماع أوّلاً، وبُعد كونه واجباً على المجنون، ومستحبّاً على البالغ. والظاهر انّ الزكاة تتعلّق بماله وأمّا خطاب الولي بالأداء، فلأنّه الفرد الصالح للتصرّف في أمواله، فإذا لم يؤدّ، يستحبّ للمجنون عندما أفاق، أداؤها.

في وجوب الزكاة على المغمى عليه

لا خلاف في وجوب الزكاة على النائم والسكران، فلا يلحقان بالمجنون، إنّما الكلام في المغمى عليه والأدلّة من الجانبين غير مقنعة.

استدلّ العلاّمة على عدم التعلّق بأنّه تكليف وليس المغمى عليه من أهله.(4)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.

2 . لوقوع محمد بن الفضيل في سنده، وهو مختلف فيه.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

4 . التذكرة:5/16.


صفحه154

يلاحظ عليه: إن أراد من التكليف، الحكم التكليفي الذي يعبّر عنه بخطاب التكليف، فهو أمر مشترك بين النائم والساهي والسكران، والمغمى عليه، وإن أراد الحكم الوضعي فليس الإغماء، كالنوم مانعاً عن تعلّقها بماله كما هو مفهوم الوضع.

ويمكن الاستدلال أيضاً بما رواه موسى بن بكر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يُغمى عليه يوماً أو يومين أو الثلاثة أو الأربعة، أو أكثر من ذلك؟ قال: «ألا أُخبرك بما يجمع لك هذه الأشياء، كلّ ما غلب اللّه عليه من أمر فاللّه أولى بالعذر».(1)

يلاحظ عليه: أنّ المتيقن منه ما إذا استغرق العذر تمام الوقت المكلَّف فيه بأداء الواجب، كما إذا أُغمي عليه حين التعلّق وبقى على تلك الحالة حتى مات، وأمّا إذا أفاق بينهما، فيجب الأداء كما إذا أفاق قبل الغروب، فتجب الصلاة عليه، هذا كلّه في الغلاّت، وأمّا ما اعتبر فيه العام كالنقدين والمواشي فالقدر المتيقن من كونه مانعاً أن يكون مغمى عليه تمام العام، لا بعضه.

وربما يستدلّ على التعلّق تارة بإطلاق قوله: «فيما سقته السماء العشر».

يلاحظ عليه: أنّه بصدد بيان ما يجب، وليس بصدد بيان مَن يجب عليه الأداء حتى يتمسّك بإطلاقه.

وأُخرى بوجود الفرق بين المغمى عليه والمجنون، بأنّ الثاني من قبيل فقد المقتضي والملاك، بخلاف الأوّل فالملاك فيه موجود، فإذا ارتفع المانع يخاطب بالأداء.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 3 من أبواب صلاة القضاء، الحديث 8.


صفحه155

يلاحظ عليه: أنّه رجم بالغيب، فمن أين نعلم بوجود المقتضي فيه دون المجنون؟!

وبذلك ظهر أنّ الأدلّة من الطرفين غير مقنعة، فالمرجع هو الأصل، أعني: البراءة.

الشك في سبق البلوغ والتعلّق بصورهما المختلفة

و قبل الخوض في تفاصيل المسألة نذكر صورها بصورة موجزة، وأساس التقسيم هو أنّ الشكّ تارة يتعلّق بوجود الشيء عند العلم بالحادث الآخر، وأُخرى بسبقه عليه أو تأخره عنه.

1. إذا علم بالبلوغ، وشكّ في هذه الحالة، في انعقاد الحبة وعدمه الذي يعبّر عنه بالشكّ في التعلّق، وفي هذا القسم تعلّق الشكّ بأصل وجود الحادث.

2. إذا علم بالبلوغ وتاريخه، وشكّ في سبق انعقاد الحبة عليه، أو تأخّره عنه.

وفي هذين القسمين، علم وجود البلوغ وتاريخه، وجهل الآخر، أعني: التعلّق، وجوداً أو تقدّماً وتأخّراً.

ولو انعكس الأمر، بأن علم انعقاد الحبة (التعلّق) وشك في وجود البلوغ حين التعلّق أو تقدّمه أو تأخّره، فيتولّد قسمان آخران، أعني:

3. لو علم بالتعلّق، وفي هذه الحالة شك في أصل البلوغ وتحقّقه.


صفحه156

4. لو علم بالتعلّق وتاريخه، وشكّ في تقدّم البلوغ عليه أو تأخّره عنه.

5. إذا جهل تاريخ كلا الحادثتين.

هذه صور خمس، تحصل من مقارنة البلوغ الذي هو أحد الشرائط العامة، مع التعلّق الذي هو عبارة عن انعقاد الحبة في مورد الغلات .

ولك أن تلاحظ العقل الذي هو أيضاً من الشرائط العامة، مع التعلّق غير أنّ البلوغ إذا شكّ فيه يكون مسبوقاً بالعدم; بخلاف العقل، فتارة يشك فيه عند التعلّق ويكون مسبوقاً بالجنون، وأُخرى يشك فيه عند التعلّق ويكون مسبوقاً بالعقل، وثالثة تجهل الحالة السابقة عند التعلّق وأنّها الجنون أو العقل. وإليك البيان:

6. إذا كان مسبوقاً بالجنون وشكّ في طروء العقل حين العلم بالتعلّق . ومثله ما إذا شك في تقدّمه على التعلّق وتأخّره عنه. ولأجل وضوح حالهما وحكمهما جعلنا الشك في الوجود و السبق صورة واحدة.

7. وإن كان مسبوقاً بالعقل: فتارة يكون طروء الجنون مجهول التاريخ، والتعلّق معلومه، وأُخرى على العكس. ففي الأوّل يكون المورد، مجرى لاستصحاب العقل، وفي الآخر مجرى لاستصحاب عدم التعلّق، وتختلف النتيجة بالوجوب في الأوّل وعدمه في الثاني.

8. يكون مسبوقاً بالعقل، ولكن يكون طروء الجنون والتعلّق مجهول التاريخ.

9. يعلم بطروء الحالتين، مع الجهل بالحالة السابقة وانّها الجنون أو لا.


صفحه157

فناهزت الصور إلى تسع (1)، وإليك تفاصيلها:

الصورة الأُولى : أعني: إذا شكّ ـ حين العلم بالبلوغ ـ في انعقاد الحبة، أو في: احمرار التمر أو اصفراره.

أمّا البلوغ فبما أنّه معلوم التاريخ لا يجري الأصل فيه، لأنّ الاستصحاب عبارة عن إطالة عمر المتيقن في عمود الزمان، وبما أنّه معلوم التاريخ وأنّه حدث يوم الخميس، لا سترة في الواقع حتى يزيله الأصل. وتصور أنّه بالقياس إلى الحادث الآخر من حيث التقدّم والتأخّر عنه، مشكوك فيه بالوجدان، غير مفيد إذ ليس كلّ شك موضوعاً لحفظ اليقين وعدم نقضه. بل الشكّ الذي يحوم حول الشيء ويجعله مغموراً ومخفياً في نظر الإنسان من حيث قصر عمره أو طوله، والمفروض أنّ معلوم التاريخ ليس فيه أي خفاء وكونه بالقياس إلى الحادث الآخر مشكوكاً فيه، لا يُضفي للشيء بالذات، خفاءً وستراً حتى يزيله الاستصحاب.

والحاصل: أنّ الاستصحاب شُرّع لأجل رفع الإبهام عن واقع الشيء، والمعلوم تاريخه لا إبهام فيه في واقع وجوده.

فالمجرى للاستصحاب هو مجهول التاريخ، أعني : انعقاد الحبة الذي نعبّر عنه بالتعلّق على ذلك فلو قلنا بحجيّة أصل خاص باسم «أصالة تأخّر الحادث» برأسه من دون إرجاعه إلى أُصول أُخرى، يجب إخراج الزكاة لثبوت الموضوع، أعني: كون التعلّق بعد البلوغ، لكن المحقّقين من عصر الشيخ الأعظم (قدس سره)رفضوا هذا الأصل وأنّه ليس عليه دليل، فينحصر الأصل في


1 . راجع العروة الوثقى: 2 / 266، في شرائط وجوب الزكاة، المسألة 5 .


صفحه158

الاستصحاب وهو عدم حدوث التعلّق إلى وقت البلوغ، فلو كان له أثر يترتب عليه وإلاّ فهو لا يثبت كون التعلّق بعد البلوغ أو حينه خلافاً لصاحب العروة ، فإذا كان الأصل مثبتاً، يكون المرجع البراءة وإنّما احتاط صاحب العروة خروجاً عن شبهة حجّية أصالة تأخر الحادث.

الصورة الثانية: إذا علم وقت البلوغ وشكّ في تقدّم التعلّق عليه أو تأخّره عنه فالكلام فيها نفس الكلام في الصورة الأُولى، فصاحب العروة احتاط فيها أيضاً لأجل الخروج عن شبهة حجّية أصالة تأخّر الحادث، ولكن الحقّ عدم حجّيته; وأمّا الأصل الآخر، فقد عرفت أنّه لا يثبت التقارن ولا التأخّر.

الصورة الثالثة: عكس الصورة الأُولى، يشك ـ حين العلم بالتعلّق ـ في البلوغ و عدمه ،و قد أفتى السيد الطباطبائي بعدم الوجوب جازماً، و ذلك لأنّه لا موجب للاحتياط على كلّ تقدير، إذ لو قلنا بحجية أصالة تأخّر الحادث، فلازمه، تأخّر البلوغ من التعلّق ويكون دليلاً على عدم الوجوب، خلافاً للصورتين الماضيتين، والمفروض أنّ الشرط تقدّم عليه، أو تقارنهما.

وأمّا الأصل الآخر، وهو أصالة عدم حدوث البلوغ إلى وقت التعلّق، فيكفي في نفي موضوع الوجوب، ومعه لا حاجة إلى التمسّك بالأصل الحكمي، أعني: أصالة عدم الوجوب. وبالجملة لا وجه للاحتياط هنا.

الصورة الرابعة: عكس الصورة الثانية ،علم التعلّق وشكّ في تقدّم البلوغ عليه أو تأخّره عنه، فالكلام فيها نفس الكلام في الثالثة، وهو أنّه لا وجه للاحتياط.


صفحه159

وربما يقال: لا يصحّ التمسّك بالاستصحاب لإثبات عدم البلوغ حال الشك في البلوغ في كلتا الصورتين، لعدم إحراز حجّية الاستصحاب في حقّه، نعم لو شكّ بعد القطع بالعقل والبلوغ في حصولهما حال التعلّق أمكن التمسّك به إن كان له أثر.

وكذا يجوز لغيره استصحاب عدم البلوغ بالنسبة إليه إن كان له أثر.

الظاهر أنّ مراد السيد الطباطبائي هو ما ذكره في ذيل كلامه من أنّ المجتهد ينوبه في استخراج ما هو الحجّة في حقّه كسائر الموارد بالنسبة إلى البالغين حيث إنّ جريان الأصل مشروط بشروط لا يتمكّن العامي من تحصيلها فينوبه المجتهد. ويستخرج الحكم الشرعي المشترك بين الجميع في هذه الواقعة.

الصورة الخامسة: أعني: ما لو علم بالبلوغ والتعلّق وشكّ في المتقدّم منهما والمتأخّر لأجل الجهل بالتاريخين، فأصالة تأخّر الحادث ـ لو قلنا بها ـ متعارضة كما أنّ الاستصحاب في كلّ من الجانبين متعارض ، فلم يحرز موضوع الوجوب ومعه لا حاجة إلى البراءة.

فتلخّص ممّا ذكرنا: عدم وجوب الإخراج في جميع الصور الخمس. وأنّه لا وجه للاحتياط في الصورتين الأُوليين.

الصورة السادسة: إذا شكّ في وجود العقل حين التعلّق وكانت الحالة السابقة الجنون حيث ولد ونشأ مجنوناً وإن صار بعده عاقلاً ولكن لا يدري هل طرأ العقل حين التعلّق أو لا، ومثله ما إذا شكّ في سبقه على التعلّق أو


صفحه160

تأخّره عنه، فهناك جنون واحد، وعقل كذلك، لكن شكّ في وجوده حين التعلّق أو في تقدّمه وتأخّره عنه، فالصورتان محكومتان بحكم واحد، وهو جريان الأصل في جانب المجهول وهو الجنون والحكم ببقائه إلى زمان التعلّق، وهو كاف في نفي الوجوب بنفي موضوعه، ولمّا كانت الصورتان متحدتان دليلاً و حكماً جعلناهما صورة واحدة تبعاً لصاحب العروة. وشُبّه المقام بالشك في البلوغ مع العلم بزمان التعلّق حيث إنّ استصحاب الجنون، نظير استصحاب عدم البلوغ كاف في نفي الوجوب بنفي موضوع الوجوب.

الصورة السابعة: تلك الصورة ولكن كانت الحالة السابقة هو العقل، فنشأ عاقلاً ثمّ طرأ عليه الجنون وشكّ في وجوده حين التعلّق، أو شكّ في سبقه عليه أو تأخّره عنه. فقد فصّل السيد الطباطبائي بين كون التعلّق معلوم التاريخ والجنون مجهوله، فيستصحب بقاء العقل إلى زمان التعلّق ويحرز موضوع الوجوب; وبين العكس، أي كون التعلّق مجهوله، والجنون معلومه وشك في سبق التعلّق أو تأخره، فالأصل عدمه، لأصالة بقاء عدم التعلّق إلى زمان الجنون، فيكفي في رفع الوجوب، عدم ثبوت موضوعه، وهو التعلّق في زمان العقل. هذا.

وأورد عليه السيد الخوئي(قدس سره)بعدم الفرق بين القسمين وأنّه تجب الزكاة فيهما قائلاً: بل مقتضى الأصل هو الوجوب فإنّ استصحاب بقاء العقل إلى زمان التعلّق (القسم الأوّل) يترتب عليه وجوب الإخراج، وأمّا استصحاب عدم التعلّق إلى زمان الجنون (القسم الثاني)، فلا يترتب عليه كون المال حال التعلق مال المجنون، وما لم يثبت ذلك يجب الإخراج، لأنّ الخارج عن دليل


صفحه161

وجوب الزكاة، هو ما كان مال المجنون.(1)

وحاصل كلامه: أنّ الأصل الجاري في كلا القسمين، هو استصحاب بقاء العقل إلى زمان التعلّق، وذلك لأنّ استصحاب بقاء العقل إلى زمان التعلق، يثبت موضوع الوجوب فيتعلّق به من غير فرق بين كون التعلّق، معلوم التاريخ، والعقل مجهوله أو العكس، بناء منه على جريانه في المعلوم تاريخه.

وأمّا الأصل الآخر، أعني : استصحاب عدم التعلّق إلى زمان الجنون، فلا يثبت موضوع عدم الوجوب وهو كون المال مال المجنون، لأنّه بالنسبة إليه مثبت.

يلاحظ عليه: أنّه لم يرد في النصّ كون الخارج من الوجوب «هو مال المجنون»، وإنّما فهم من سكوت الإمام(عليه السلام)عنه، وعن عنايته ببيان حكم ماله عند التجارة (2)، وعلى ذلك فبما أنّه لا واسطة بين العقل والجنون فلو كان الخارج مال المجنون، كان الباقي مال العاقل، فلو كان استصحاب عدم التعلّق، لا يثبت كون المال، مال المجنون; فهكذا استصحاب بقاء العقل لا يثبت كون المال، مال العاقل. فلاحظ.

الصورة الثامنة: تلك الصورة يكون الفرد مسبوقاً بالعقل ولكن جهل تاريخ الحالتين: الجنون والتعلّق: فإنّ الأصلين: أصالة عدم التعلّق إلى زمان


1 . العروة الوثقى: 2 / 266، شرائط وجوب الزكاة، المسألة 5، تعليقة السيد الخوئي في الهامش برقم 6 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1، 2.


صفحه162

الجنون، وأصالة عدم الجنون إلى زمان التعلّق، متعارضان متساقطان، فلم يثبت موضوع الوجوب وهو كاف في نفيها.

وعلى ما ذكره السيد الخوئي، يجري أحد الأصلين: أصالة عدم الجنون إلى زمان التعلّق، فيجب عليه الزكاة; دون الآخر: أصالة عدم التعلّق إلى زمان الجنون، إذ لا يترتّب عليه كون المال حال التعلّق مال المجنون . وقد عرفت نظرنا في كلامه.

الصورة التاسعة: إذا جهل التاريخان، مع الجهل بالحالة السابقة، فالأُصول متعارضة، ويكون المرجع هو أصل البراءة عن الوجوب.

هذا كما إذا علم وقت التعلّق وانّه يوم الخميس وعلم بتوارد الجنون والعقل عليه في نفس الأُسبوع، وشكّ في المتقدّم والمتأخّر، فأصالة بقاء العقل إلى زمان التعلّق معارض ببقاء الجنون فيتعارضان ويتساقطان على القول بالجريان والتساقط وإن كان الحقّ عدم جريانهما فلا تصل النوبة إلى التعارض والتساقط، لانصراف أدلّة الأُصول عن أطراف العلم الإجمالي.

وأمّا من ملك شيئاً في فترة من الزمان، وشكّ بعدها أنّه هل كان عاقلاً فيها أو مجنوناً؟ فالأصل هو السلامة وأنّه كان عاقلاً.

ثبوت الخيار لا يمنع عن تعلّق الزكاة

ذكر الفقهاء في أحكام الخيار مسألتين:

1. هل المبيع ينتقل إلى المشتري بالعقد، أو به وبانقضاء الخيار معاً؟ فيه أقوال ثلاثة:


صفحه163

القول الأوّل: العقد هو السبب التام للانتقال من دون توقّف على انقضاء الخيار.

القول الثاني: التوقّف على انقضاء الخيار، وهو المحكي عن ابن الجنيد والشيخ الطوسي، وربّما ينسب إلى ابن سعيد لكن كلامه في الجامع يشهد على خلاف ذلك.(1)

القول الثالث: التفصيل بين خيار المشتري وحده وغيره، فيخرج عن ملك البائع في الأوّل دون غيره، والأوّل هو المشهور وتشهد عليه سيرة العقلاء وعمومات الكتاب والروايات الصحيحة.(2)

2. هل يجوز لغير ذي الخيار التصرّف فيما انتقل إليه تصرّفاً متلفاً أو ناقلاً أو لا؟ فيه أقوال:

أ. الجواز مطلقاً.

ب. عدم الجواز كذلك.

ج. الفرق بين الخيار الأصلي كخيار المجلس والحيوان، والخيار المجعول كخيار الشرط. فيجوز في الأوّل دون الثاني. حيث إنّ المتبادر من الثاني، هو الالتزام بإبقاء العين إلى انقضاء مدّته.

د. الفرق بين ما يكون ثابتاً بالفعل وما يكون ثابتاً فيما بعد، فلا يجوز في الأوّل ويجوز في الثاني، مثل خيار التأخير والرؤية والغبن.


1 . الجامع للشرائع:248.

2 . لاحظ المختار في أحكام الخيار:603ـ 610.


صفحه164

والمشهور هو القول الأوّل وانّه يجوز له التصرّف المانع عن استرداد العين عند الفسخ، ومبنى ذلك تعلّق الخيار بالعقد لا بالعين فلذي الخيار حل العقد. وبعد حلّه فإن كان باقياً في ملك المشتري فيأخذه، وإلاّ ـ كما إذا صار معدوماً أو منتقلاً إلى الغير ـ يأخذ المثل أو القيمة.

نعم لو قلنا بأنّ لذي الخيار ـ وراء حل العقد ـ حقّاً في العين أيضاً فلا يجوز للآخر التصرف.

فإن قلت: إنّ الخيار حقّ يتعلّق بالعقد، المتعلّق بالعوضين من حيث إرجاعهما بحل العقد إلى ملكهما السابق، فالحقّ في النتيجة متعلّق بالعين التي انتقلت منه إلى صاحبه، فلا يجوز أن يتصرّف فيها بما يبطل ذلك الحقّ بإتلافها أو نقلها إلى شخص آخر، وجواز الفسخ مع التلف بالرجوع إلى البدل، لا يوجب جواز الإتلاف، لأنّ الحقّ متعلّق بالعين وإن كان ينتقل إلى بدلها لو تلفت كلّها أو بعضها كما في العين المرهونة.

قلت: الإجابة عنه واضحة بملاحظة ما ذكره الشيخ بقوله : إنّ الثابت من خيار الفسخ بعد ملاحظة جواز التفاسخ في حال تلف العينين، هي سلطنة ذي الخيار على فسخ العقد المتمكّن في حالتي وجود العين وفقدها، فلا دلالة في مجرّد ثبوت الخيار على حكم التلف جوازاً ومنعاً فالمرجع فيه أدلّة سلطنة الناس على أموالهم.

إلى أن قال : فالحاصل أنّ عموم «الناس مسلّطون على أموالهم » لم يعلم تقييده بحق يحدث لذي الخيار يزاحم به سلطنة المالك فالجواز لا


صفحه165

يخلو عن قوة في الخيارات الأصلية، فأمّا الخيارات المجعولة بالشرط فالظاهر من اشتراطها إرادة إبقاء الملك ليستردّه عند الفسخ، بل الحكمة في أصل الخيار هو إبقاء السلطنة على استرداد العين، إلاّ أنّها في الخيار المجعول علّة للجعل، ولا ينافي ذلك بقاء الخيار مع تلف العين.(1)

إذا علمت ذلك فبما أنّ الحقّ عدم توقّف الملك على انقضاء الخيار وأنّ المشتري له حقّ التصرّف في العين وإن كان للبائع الخيار ، ذهب المشهور إلى أنّ ثبوت الخيار للبائع ونحوه لا يمنع من تعلّق الزكاة إذا كان في تمام الحول ولا يعتبر ابتداء الحول من حين انقضاء زمان الخيار، لما عرفت من أنّ الملكية تامة وله التصرّف فيما ملك، وعلى ذلك فلو اشترى نصاباً من الغنم أو الإبل مثلاً وكان للبائع الخيار، يحسب الحول من حين العقد لا من حين انقضائه .

فإن قلت: ما الفرق بين الخيار وحق الرهن حيث إنّ الخيار غير مانع عن تعلّق الزكاة، وبين كون العين رهناً عند آخر حيث لا يجوز التصرّف في العين المرتهنة لكونها متعلّقة لحقّ الغير كالمقام؟

قلت: الفرق واضح، لأنّ الحقّ في المقام متعلّق بالعقد لا بالعين، بخلاف العين المرهونة، فإنّ حقّ المرتهن متعلّق بالعين وله بيعها عند امتناع الراهن من أداء الدين.

ثمّ إنّ هذا كلّه في مطلق الخيار سواء كان أصلياً كخيار المجلس


1 . المتاجر، أحكام الخيارات:295ـ 296.


صفحه166

والحيوان والغبن والتدليس، أو جعلياً كخيار الشرط من غير تقييد بردّ الثمن، وأمّا الخيار المشروط برد الثمن الذي يعبر عنه ببيع الخيار في فقه الإمامية وبيع الوفاء في فقه أهل السنّة فهو قسم من خيار الشرط، وقد استثناه لفيف من المحقّقين من الحكم فإنّ مثل هذا البيع مشروط بحسب الارتكاز بالتحفّظ على العين وعدم التصرّف فيها ليتمكّن ذو الخيار من استردادها خلال تلك المدة المضروبة، فعندئذ لا يكون للمشتري ملكية تامة صالحة للتصرف.

ومن مصالح تشريع هذا النوع من البيع صدّ الناس عن أكل الربا، حيث إنّه ربما تمسّ الحاجة إلى النقود ولا تتحصل إلاّ بالربا، فيبيع داره بإرادة جدية بثمنه الواقعي أو أقلّ منه كما هو الغالب حتى ينتفع هو بثمنها، والمشتري بالمبيع بالإسكان والإيجار، ولكنّه ربما لا يريد أن يقطع علقته تماماً عن المبيع، لأنّه ربما يحتاج إليه في المستقبل خصوصاً مع شيوع أزمة السكن فيشترط على المشتري أنّ له استرجاع المثمن برد الثمن في مدة مضبوطة، وهذا ما يسمّيه فقهاء أهل السنّة ببيع الوفاء ولهم فيه دويّ.

ثمّ إنّ الفرق بين هذا الخيار وبين مطلق خيار الشرط هو:

1. اشتراط ردّ الثمن في الفسخ في المقام دون خيار الشرط.

2. أنّ التصرّف في الثمن في غيره موجب لانتفاء الخيار بخلاف هذا القسم، لأنّه شُرّع لانتفاع البائع بالثمن والمشتري بالمبيع فلو سقط به لزمت لغوية المعاملة.


صفحه167

ثمّ ربما يقال بأنّ المنع من التصرّف في الخيار المشروط بردّ الثمن حكم تكليفي لا يستوجب قصراً في الملك ولا نقصاً في الوضع والسيطرة على العين بل غايته العصيان لو خالف لا البطلان، والشرط الارتكازي المزبور المتعلّق بالمحافظة على العين لا يتضمن إلاّ الحكم التكليفي بوجوب الإبقاء وإلاّ فالعين تحت يد المشتري وفي قبضته وتصرفه فإنّها ملكه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المقام أشبه بتعلّق حق المرتهن بالعين المرهونة، فالعين متعلق لحقّ البائع في المقام مع كونه ملكاً للمشتري.

وإن أبيت إلاّ عن عدم تعلّق حقّ البائع بالعين فنقول: كونه ممنوعاً شرعاً وقانوناً من التصرّف يورث نقصاً في المالكية وإن كان العين ملكه، فليس المشتري مبسوط اليد قانوناً في التصرّف في العين.

حكم الأعيان الزكوية المشتركة

إذا كانت الأعيان الزكويّة مشتركة بين اثنين أو أزيد يعتبر بلوغ النصاب في حصّة كلّ واحد، فلا تجب في النصاب الواحد إذا كان مشتركاً.

وإجمال الكلام فيه: أنّ المتبادر من قوله سبحانه : (خذ من أموالهم صدقة ) هو انحلال الحكم حسب آحاد المكلفين، فإذا قورن هذا الخطاب بما دلّ على شرطية النصاب تستنتج منه شرطية بلوغ النصاب في حصة كلّ


1 . مستند العروة الوثقى: 1/81 ، كتاب الزكاة.


صفحه168

واحد من الشركاء مضافاً إلى ما ورد في غير مورد ما يؤيد ذلك.

روى زرارة، عن أبي جعفر في حديث... قلت له: مائتي درهم بين خمس أُناس أو عشرة، حال عليها الحول وهي عندهم، أ يجب عليهم زكاتها؟ قال: «لا هي بمنزلة تلك ـ يعني: جوابه في الحرث ـ ليس عليهم شيء حتى يتمّ لكلّ إنسان منهم مائتا درهم» قلت: وكذلك في الشاة والإبل والبقر والذهب والفضة وجميع الأموال؟ قال: «نعم».(1)

هل تجب الزكاة في العين الموقوفة؟

وجهه: أنّ من شرائط الزكاة كون العين الزكوية ملكاً يتمكّن المالك من التصرّف فيه تمام التصرّف و العين الموقوفة إذا افترضنا كونها ملكاً للموقوف عليه لا يجوز التصرّف فيه تكليفاً ووضعاً فليس للموقوف عليه سلطنة فيها بالتصرّف والإتلاف.

هذا من غير فرق بين كون الوقف عاماً أو خاصاً لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «حبِّس الأصل وسبِّل الثمرة» إنّما الكلام في النماء; فقد فصّل السيد الطباطبائي بين نماء الوقف العام فلا تجب، ونماء الوقف الخاص فتجب على كلّ من بلغت حصته حدّ النصاب.

وجهه: أنّ النماء في الأوّل ملك للجهة الكلية كالفقراء والعلماء، وإنّما يملكه الفرد من هذا العنوان بالقبض، سواء انحصر الكلي في فرد أو لا،


1 . الوسائل : ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 2.


صفحه169

والزكاة على من كان مالكاً حين التعلّق لا بعده. والمفروض أنّ القبض بعده.

وأمّا الوقف الخاص فيملكه الموقوف عليه من حين ظهور النماء الذي يلازم انعقاد الحبة فيجب عليه الزكاة.

اللّهمّ إلاّ إذا وقفه على نحو المصرفية لا الملكية بأن ينتفع الموقوف عليه في حاجاته من دون أن يملك شيئاً من النماء فالحكم بالزكاة عليه غير صحيح.

حكم المتمكّن من تخليص المغصوب

قد تقدّم في الشرط الخامس أنّ الموضوع للتعلّق هو التمكّن من إعمال السلطنة والتصرّف في المال عرفاً دون الغيبة والحضور، إذ ربما يكون المال غائباً ولكن يتمكّن من التصرّف فيه بسهولة عن طريق وكيله بالأمر به عن طريق المكاتبة أو الهاتف، وربما يكون حاضراً لكن لا يتمكّن من التصرّف فيه خوفاً من الظالم إذا حذّره منه.

و على هذا فالموضوع لوجوب الزكاة ما يكون المال تحت سلطته بالفعل لا بالقوة.

وهو الظاهر من صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك».(1)فمعناه أن يكون تحت سيطرته وسلطته بالفعل، نظير قوله سبحانه: (قُلْ لِمَنْ


1 . الوسائل : ج 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.


صفحه170

في أَيديكُمْ مِنَ الأَسرى إِنْ يَعْلم اللّهُ في قُلُوبِكُمْ خَيراً يُؤْتِكُمْ خَيراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ ...).(1)

لكن الظاهر من موثقة عبد اللّه بن بكير كون الموضوع أعمّ من السلطنة الفعلية أو القريبة منها . روى ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال: في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه قال: «فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، فإن كان يدعه متعمداً، وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ من السنين».(2)

أمّا السند فلا غبار عليه، نعم في بعض النسخ كالاستبصار : عبد اللّه بن بكير عمّن رواه، فيكون مرسلاً، والظاهر أنّه تصحيف، وذلك :

أوّلاً: أنّ المذكور في الوافي(3) روايته عن زرارة.

وثانياً: أنّ عبد اللّه بن بكير يروي كثيراً عن عمّه «زرارة» وربما يبلغ ثلاثة وسبعين مورداً.

وهذا قرينة على أنّ اللفظ مصحف «عن عمّه زرارة»، ولعلّ التشابه الخطّي صار سبباً لهذا التصحيف، وعلى ذلك.

أمّا الدلالة فيدلّ على أنّ الموضوع ما يكون تحت سلطته بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل.

وذلك لأنّ المفروض في الرواية صورتان:


1 . الأنفال: 70.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

3 . الوافي:10/114برقم 9257.


صفحه171

الأُولى: في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه، فقال: فلا زكاة عليه.

الثانية: في رجل يدع ماله عمداً فهو مع كونه غائباً عنه قادر على أخذه، وكأنّه يريد بالترك الفرار عن الفريضة، فأجاب بقوله : «فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ من السنين».

وعلى ذلك، يكفي وجود السلطة الفعلية أو القوة القريبة منها.

وعلى ضوء ما ذكرنا يعلم أحكام ما ورد من حيث التعلّق وعدمه.

1. إذا تمكّن من تخليص المغصوب أو المسروق أو المجحود بالاستعانة بالغير أو البينة أو نحو ذلك بسهولة فقال السيد الطباطبائي: فالأحوط إخراج زكاتها، ولعلّ وجهه وجود السلطة القريبة من الفعل منه.

لكن الأقوى عدم التعلّق; فإنّ الاستعانة بالغير أو بإقامة البيّنة، تحصيل للقدرة، ومعه لا يصدق على العين أنّها في متناول المالك وتحت يده، إذ غاية ما يمكن أن يقال وجوب الزكاة فيما لا يتوقف على مؤونة بحيث يراه العرف مقتدراً ومسلّطاً على ماله.

2. تمكّن من أخذه سرقة لكن من دون مشقة ولا مهانة ولا بأس به.

3. أمكن تخليصه ببعضه، بإيهاب بعض ماله للظالم حتى يردّ عليه البعض مع انحصار طريق التخلّص بذلك أبداً لكن الأقوى عدم الوجوب وانصراف ما دلّ على شرطية المتمكن عن هذه الصورة.

4. في المرهون إن أمكن فكّه بسهولة، والأقوى أيضاً عدم التعلّق،


صفحه172

لانصراف أدلّة التمكّن عمّا إذا كان المالك معذوراً شرعاً في عدم استعادة ماله إلى سلطته، فعدم الوجوب في جميع هذه الصور لا يخلو من قوة، إلاّ السرقة بلا مشقة ولا مهانة.

إذا أمكنه استيفاء الدين ولم يفعل

الفرق بين هذه المسألة والمسألة التالية: «زكاة القرض على المقترض بعد قبضه» واضح، فإنّ الدين في المقام عبارة عن المال الكلّي في ذمّة المديون على نحو لو أدّى، تعلَّق به الزكاة مع اجتماع الشرائط كالنقدين والأنعام سواء كان استيلاء المديون عليه عن طريق الاستقراض والتصرّف فيما استقرض بالإتلاف أو النقل، أو عن طريق اشتراء شيء نسيئة وجعل الثمن من قبيل النقدين في ذمّته.

وهذا بخلاف القرض في المسألة التالية، فالكلام فيها فيما إذا كان عين ما استقرضه من الدينار أو الدرهم باقياً عند المستقرض على نحو حال عليه الحول وهو عنده وهو مالكه.

ولذلك عبر المحقّق عن المسألة الأُولى بالدين وعن الثانية «بالقرض حتى يرجع إلى صاحبه» مشعراً ببقاء العين المستقرضة في الثاني. قال: ولا تجب الزكاة في القرض حتى يرجع إلى صاحبه ولا على الدين.(1)

وعلى أي تقدير ففي المسألة أقوال:

1. لا زكاة على الدين مطلقاً، لا على الدائن ولا على المدين. وهو خيرة


1 . الجواهر: 15/57ـ 58 قسم المتن.


صفحه173

ابن إدريس في السرائر(1)، والعلاّمة في المختلف(2)، ووصفه في الجواهر: بالشهرة العظيمة بل عليه إجماع المتأخّرين.(3)

2. لا زكاة على الدين إلاّ إذا كان تأخّره من جهة صاحبه. وهو قول المفيد في المقنعة(4)، والشيخ في الخلاف.(5)

3. الزكاة على المديون. وهذا هو الظاهر من النهاية قال: وإن أداره (القرض) في تجارة كان عليه مثل ما لو كان المال له ملكاً، وتسقط زكاته عن القارض.(6)

4. الزكاة على المستدين (بمعنى الدائن) إلاّ إذا ضمن المدِين وعندئذ لم يكن للمستدين شيء. و هو قول ابن البرّاج.(7)

وأمّا السنّة فقال أبو حنيفة والشافعي في القديم: لا زكاة في الدين، ولم يفصِّلا; و قال الشافعي في عامّة كتبه : إنّ فيه الزكاة.(8)

ويدلّ على القول الأوّل ـ مضافاً إلى ما مرّ في ضمن الشرط
الخامس من أنّه لا زكاة فيما ليس في يده أو ليس عنده ـ طوائف ثلاث من الروايات:


1 . السرائر:1/444.   2 . المختلف: 3/161.

3 . الجواهر: 15/59.   4 . المقنعة: 239.

5 . الخلاف: 2 / 80 ، كتاب الزكاة، المسألة 96.

6 . النهاية: 312، كتاب الدين.

7 . المختلف: 3/161.

8 . الخلاف: 2 / 80 ، كتاب الزكاة، المسألة 96.


صفحه174

الأُولى: ما يدلّ على عدم الزكاة في الدين من دون تقييد بشيء، نظير:

1. صحيح عبد اللّه بن سنان: «لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك».(1)

2. موثّق الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له : ليس في الدين زكاة؟ قال: «لا».(2)

والحديثان وإن وردا مطلقين لكن منصرفهما ما يأتي في الطائفة الثانية وهو «ما لم يقبض».

الثانية: ما يدلّ على عدم الزكاة ما لم يقبض فإذا قبض، فهل تتعلّق الزكاة حين القبض أو بعد حيلولة الحول، الظاهر هو الثاني، كما هو صريح لفيف من الروايات و ما دلّ على الأوّل يحمل على الاستحباب، نظير:

3. موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الدين عليه زكاة؟ قال: «لا حتى يقبضه» قلت: فإذا قبضه أيزكّيه؟ قال: «لا حتى يحول عليه الحول في يده».(3)

4. موثّقة سماعة قال: سألته عن الرجل يكون له الدين على الناس تجب فيه الزكاة؟ قال: «ليس عليه فيه زكاة حتى يقبضه، فإذا قبضه فعليه الزكاة، وإن هو طال حبسه على الناس حتى يمرَّ لذلك سنون فليس عليه زكاة،


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3 .


صفحه175

حتى يخرج، فإذا هو خرج زكّاه لعامه ذلك».(1) ولعلّ المراد العام المتحقّق بعد القبض.

5. صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل يكون نصف ماله عيناً، ونصفه ديناً فتحلّ عليه الزكاة؟ قال: «يزكّي العين، ويدع الدين»، قلت: فإنّه اقتضاه بعد ستة أشهر، قال: «يزكّيه حين اقتضاه»(2)والاقتضاء طلب الدين وأخذه.

والحكم بالتزكية حين الاقتضاء قبل مرور عام عليه، محمول على الاستحباب، ويؤيد ذلك ذيل الحديث الذي أورده صاحب الوسائل في الباب 49 من أبواب المستحقين، الحديث 4.

الثالثة: ما يدلّ على عدم وجوبه وإن تساهل من أخذه وكان التأخير من جانب صاحبه.

6. روى علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: «ليس على الدين زكاة إلاّ أن يشاء ربّ الدين أن يزكّيه».(3) وإطلاقه يعمّ صورة التساهل.

7. وروى عنه (عليه السلام)أيضاً، قال: سألته عن الدين يكون على القوم المياسير إذا شاء، قبَضَه صاحبه، هل عليه زكاة؟ قال: «لا، حتى يقبضه ويحول عليه الحول».(4)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 9 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 14 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 15 .


صفحه176

وهذه الطوائف الثلاث تؤكد على عدم الوجوب عند التساهل بإطلاقها أو بتصريحها على ما إذا تساهل صاحب المال في أخذه وقبضه.

استدلّ للقول الثاني، أعني: عدم الوجوب إلاّ إذا كان هناك تأخير من صاحب المال بروايات:

1. خبر عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «ليس في الدين زكاة إلاّ أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخّره، فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه».(1)

وعمر بن يزيد مشترك بين بيّاع السابري الثقة الجليل، وظبيان الصيقل الذي له كتاب ولم يرد في حقّه توثيق، فلا يحتج بالخبر، لكن احتمل السيد الخوئي(قدس سره)أنّه كلّما ذكر عمر بن يزيد فالمراد منه بيّاع السابُري ولم يذكر لمختاره دليلاً مقنعاً.

2. خبر عبد العزيز، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يكون له الدين أيزكّيه؟ قال: «كلّ دين يدعه هو إذا أراد أخذه، فعليه زكاته، وما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة».(2)

والمراد من «عبد العزيز» هو عبد العزيز العبدي الذي هو من رجال الإمام الصادق (عليه السلام)ولكن لم يوثّق; ومن المحتمل تطرّق التصحيف إلى السند بتبديل «بن» إلى «عن» والصحيح ميسرة بن عبد العزيز الذي وثّقه الكشّي، ويؤيّد ذلك أنّ ميسرة من رجال الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام)وتوفّي في عصر


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5 .


صفحه177

الإمام الصادق (عليه السلام)، فمن البعيد أن يروي عن «عبد العزيز العبدي» المتأخّر عنه زماناً وإن كان شيئاً قليلاً، فتأمّل.

3. خبر الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في الرجل ينسئ أو يعير فلا يزال ماله ديناً كيف يصنع في زكاته؟ قال: «يزكّيه».(1)

نعم ظاهر هذه الرواية وجوب إخراج الزكاة حتى من الدين المؤجل أو الحال ولكن لم يقبض ولم يتساهل، ولكن يحمل بشهادة الروايات السابقة على ما لم يقبض ولكن تساهل في قبضه.

ومقتضى القاعدة هو الجمع بين ما دلّ على عدم وجوب الزكاة ما لم يقبض سواء تساهل صاحب الدين أو لا، وبين ما دلّ على وجوب الزكاة فيما إذا تساهل وذلك بحمل المطلق (ما دلّ على القول الأوّل بالطوائف الثلاث من الروايات) على المقيد، ومع ذلك كلّه فالمشهور بين المتأخّرين هو عدم الزكاة ما لم يقبض، وذلك:

أوّلاً: عدم نقاوة سند ما دلّ على القول الثاني.

وثانياً: احتمال ورودها استحباباً لا وجوباً.

وثالثاً: احتمال ورودها تقية لما عرفت من أنّ الشافعي ذهب في عامّة كتبه إلى أنّ فيه الزكاة. والشافعي وإن كان متأخراً عصراً عن عصر صدور الروايات، لكن كان لفتاواه جذور في كلام من تقدّم عليه من التابعين وغيرهم.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 11.


صفحه178

ورابعاً: حملها على زكاة التجارة.

وخامساً: معارضتها لما في خبر الحميري(1)، خصوصاً الثاني منه حيث ورد في المياسير.

وسادساً: بُعْد تقييد المطلقات المتضافرة، فإنّ تقييد المطلق بالمقيد المنفصل عنه وإن كان أمراً دارجاً لكنّ وُرود المطلقات بصورة التضافر من دون قيد ربما يورث الاطمئنان بكون الموضوع مطلقاً غير مقيد، ولذلك قلنا في محله أنّه لا يمكن تقييد المطلقات المتضافرة بخبر الواحد والمفروض ورود المطلقات من دون تقييد بعدم التساهل في الأخذ في المقام.

وأمّا القولان الأخيران ـ أعني: قول الشيخ في النهاية من أنّ الزكاة على المديون، أو قول ابن البراج من أنّ الزكاة على الدائن إلاّ إذا ضمن المديون ـ فلم نجد شيئاً صالحاً للأوّل منهما و أمّا الثاني منهما(الرابع) هو نفس القول الثاني بإضافة سقوطه عن ذمّة الدائن إذا ضمن المديون، فالقول الأوّل هو المشهور المنصور.

ويؤيّد موقف المشهور أُمور:

1. ما دلّ من الأخبار على وجوب الزكاة إذا حال عليه الحول، ففي صحيحة الفضلاء زرارة بن أعين و محمد بن مسلم و أبي بصير و بريد العجلي والفضيل بن يسار، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام)قالا: «وكلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شيء عليه فيه، فإذا حال عليه الحول وجب عليه».(2)


1 . برقم7 من الطائفة الثالثة.   2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.


صفحه179

ومن الواضح ظهور حيلولة الحول في العين الشخصية لا في الكلّي المضمون في الذمة المعدوم ظاهراً وواقعاً، فلا يطلق عليه حيلولة الحول أوّلاً ولا كونه عند المالك ثانياً.

2. ما في الجواهر من أنّه لو كان الدين حيواناً فأولى بعدم الوجوب لعدم صدق السوم ـ ثمّ قال: ـ و لعلّه لذا صرّح بنفيها في محكي المبسوط الذي قد سمعت القول منه في الوجوب في كتاب الخلاف.

3. المراد من الدين في المقام، هو الدين الحالّ الذي يجوز للدائن مطالبته، ويتمكّن من الوصول إليه لا الدين المؤجّل الذي لا يجوز للدائن مطالبته، فضلاً عن تمكّنه من التحصيل.

وعلى ضوء ذلك فلو تعلّقت الزكاة بالدين الحالّ، المتمكّن من تحصيله، لم يبق فرق بين العين والدين، لما عرفت من أنّه إذا تمكّن من تخليص المغصوب بسهولة،(1) يجب إخراج زكاته، فيكون التركيز في الروايات على الدين أمراً لغواً مع أنّ الظاهر منها، انّ للدين مدخلية في الحكم، قال: «ليس على الدين زكاة» أو «يُزكّي العين ويدع الدين».

فلو قدمنا الروايات المثبتة للزكاة على النافية يلزم ذلك المحذور، بخلاف العكس إذ لم يلزم منه إلاّ حمل المثبتة على الاستحباب وهو أمر رائج.

ثمّ إنّ هناك سؤالاً يطرح نفسه، وهو أنّه ما الفرق بين هذا المقام الذي


1 . راجع ص 169 .


صفحه180

ذهب المشهور إلى عدم وجوب التزكية وإن سهل أخذه من المديون وبين المغصوب الذي يمكن استيفاؤه واسترداده بسهولة حيث قيل فيه بوجوب الزكاة؟

هذا هو السؤال، وقد أجاب عنه صاحب العروة بقوله: الفرق بينه و بين ما ذكر من المغصوب، هو أنّ الملكية حاصلة في المغصوب ونحوه، بخلاف الدين فإنّه لا يدخل في ملكه إلاّ بعد قبضه.

وأورد عليه السيد الخوئي بقوله: ولكن الفرق كما ترى بل لا يرجع إلى محصل، لحصول الملك في كلتا المسألتين غايته أنّ المملوك هنا شخصي وفي المسألة الآتية كلّي في ذمّة الغير، ومجرّد ذلك لا يستوجب الاختلاف في الحكم ما لم يقم برهان على اعتبار الملك الشخصي في تعلّق الزكاة، فكما أنّ المملوك الكلّي يتعلّق به الخمس مثل ما لو كان له مال في ذمة الغير فاتّجر وربح فإنّه يجب تخميسه بلا إشكال فهلاّ تكون الزكاة أيضاً كذلك.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر من الأدلّة أنّ الزكاة تتعلّق بالعين الخارجية لا بالكلّي في الذمة وهكذا الخمس يتعلّق بالعين الخارجية لا بالكلّي في الذمم، وأمّا ما مثّل به من تعلّق الخمس بالعكس في الذمم إذا اتّجر وربح ففيه أنّ الخمس لا يجب ما لم يقبض. وقد أوضحنا حاله في كتاب الخمس، فما ذكره صاحب العروة فارق صحيح بين البابين على مبناه.

نعم على ما اخترناه لا يجب الخمس في كلا الموردين كما مرّ.


1 . مستند العروة الوثقى:1/87.


صفحه181

ثمّ إنّه لو قلنا باختصاص الزكاة بالنقدين: الذهب والفضة المسكوكين فقط، و لا تعمّ الأوراق الرائجة، تكون المسألة في أعصارنا فاقدة للموضوع; لعدم وجودهما أوّلاً، وعلى فرض وجودهما، ليسا رائجين، بحيث يقعان ثمناً للمبيع، كما لا يخفى.

وأمّا الأنعام الثلاثة، فقدعرفت فقد الشرط ـ أعني: السوم في الصحراء ـ إذ لا يوصف ما في الذمّة بها.

نعم لو قلنا بإلغاء الخصوصية وانّها تتعلّق بالأوراق الرائجة كالريال والدولار، تكون للمسألة ثمرة فلاحظ.

زكاة القرض على المقترض بعد قرضه

الكلام فيما إذا استقرض أحد الأعيان الزكوية وبقيت عنده حتى حال عليه الحول وكان بالغاً حدّ النصاب، وأمّا إذا استقرض وتصرّف فيه قبل حيلولة الحول فلا زكاة فيه لا على المستقرض، ولا على القارض ـ عند حلول الأجل ـ لما عرفت من عدم تعلّق الزكاة على الدين الحالّ إلاّ إذا قبض.

و المسألة مورد اتفاق، قال الشيخ في الخلاف:

لا خلاف بين الطائفة أنّ زكاة القرض على المستقرض دون القارض.(1)

قال العلاّمة: ولا زكاة على المقرض مطلقاً أمّا المستقرض فإن ترك


1 . الخلاف:2/111، كتاب الزكاة، المسألة 129.


صفحه182

المال بعينه حولاً وجبت الزكاة عليه وإلاّ فلا. وهو اختيار ابن أبي عقيل، والشيخ في النهاية في باب الزكاة والخلاف، والمفيد في المقنعة، والشيخ علي بن بابويه في الرسالة، وابن إدريس.(1)

وفي الجواهر بلا خلاف كما عن الخلاف والسرائر وغيرهما، بل
في التنقيح هو مذهب الأصحاب مشعراً بالإجماع عليه، ولعلّه كذلك
بشهادة التتبع وكلمات الأصحاب، فإنّي لا أجد فيها خلافاً في ذلك كالنصوص.(2)

والاتّفاق مستند إلى النصوص المتضافرة، ففي صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل دفع إلى رجل مالاً قرضاً على مَن زكاته، على المقرِض أو على المقترض؟ قال: «لا، بل زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولاً على المقترض» قال: قلت: فليس على المقرض زكاتها؟ قال: «لا يُزكى المال من وجهين في عام واحد، وليس على الدافع شيء لأنّه ليس في يده شيء إنّما المال في يد الآخر، فمن كان المال في يده زكّاه».(3)

وحاصل التعليل: أنّ الزكاة تتعلّق بمال المالك والعين الزكوية ملك للمقترض فعليه زكاته.

وفي صحيح يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يقرض المال للرجل السنة والسنتين والثلاث أو ما شاء اللّه على مَن الزكاة؟


1 . المختلف:3/163.

2 . الجواهر: 15/ 57.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.


صفحه183

على المقرض أو على المستقرض؟ فقال: «على المستقرض، لأنّ له نفعه وعليه زكاته».(1)

إنّما الكلام في الفروع الواردة في المسألة وهي عبارة عن:

1. هل يصحّ أن يؤدّي المقرض الزكاة عنه تبرعاً؟

2. هل يصح تبرّع الأجنبي أيضاً؟

3. هل يلزم الاستئذان من المقترض في التبرع عنه؟

4. هل يصحّ أن يشترط المقترض الزكاة على المقرض؟

5. هل تبرأ ذمته بنفس الاشتراط أو يتوقّف على أداء المقرِض؟ وإليك الكلام في هذه الفروع واحداً تلو الآخر.

الأوّل: تبرّع المقرض عن المقترض

الكلام فيه يقع في موضعين:

أحدهما: مقتضى القاعدة الأُولى.

الثاني: مقتضى النصّ.

أمّا الموضع الأوّل، فإنّ مقتضى القاعدة الأُولى هو لزوم المباشرة في الأعمال العبادية فإنّ سقوط العبادة بفعل الغير يحتاج إلى دليل، بل ربما يمكن أن يقال: إنّ مقتضى التكليف هو المباشرة عبادياً كان أو توصلياً إلاّ إذا عُلم كفاية النيابة أو حصول المقصود بفعل غير المكلّف.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 5. ولاحظ الحديث 7.


صفحه184

هذا مقتضى القاعدة الأُولى وأمّا مقتضى النصّ فقد دلّ الدليل على كفاية أداء المقرض عن المقترض، روي عن منصور بن حازم بسند صحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل استقرض مالاً، فحال عليه الحول وهو عنده، قال: «إن كان الذي أقرضه يؤدّي زكاته فلا زكاة عليه، وإن كان لا يؤدّي أدّى المستقرض».(1)

وإلزام المستقرض على أداء الزكاة ـ إذا لم يؤدّ المقرض ـ دليل على توجّه الخطاب إليه، غير أنّه إذا قام المقرض بالأداء تبرعاً، يسقط عنه وإلاّ يتعيّن عليه. وقد فسّر العلاّمة الحديث في «المختلف» بذلك، فقال: إنّا نقول بموجب الحديث فإنّ المقرض لو تبرّع بالأداء سقط عن المستقرض.(2)

ويحتمل وروده في مورد اشتراط المستقرض الزكاة على المقرض، لكن مجرّد الشرط لا يُبرئ ذمّة المكلّف الأصيل (المستقرض) إذا أدّى وإلاّ يتعين عليه الأداء. وصحّة الاشتراط دليل على كونه قابلاً للنيابة، فيدلّ ضمناً على صحّة التبرع.

وعلى كلّ تقدير فسواء أكان مورد الحديث هوالتبرّع أو الاشتراط؟ فالحديث كاف في سقوط الزكاة بفعل الغير.

ثمّ إنّ العلاّمة استدلّ في «المنتهى» على جواز تبرّع المقرض بما ورد من جواز التبرّع بالدين فقال: لو أدّى القارض الزكاة عن المقترض برأت


1 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2.

2 . المختلف: 3/164.


صفحه185

ذمته، لأنّه بمنزلة قضاء الدين عنه.(1) ثمّ ذكر الصحيح مؤيداً للحكم.

وقد أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّه قياس مع الفارق من ناحيتين:

إحداهما : من ناحية المالك، فإنّه في الدين شخص معين وهو الدائن فيجري فيه التبرّع بمقتضى القاعدة، إذ للمالك إسقاط حقّه ابتداءً بلا عوض بإبراء ونحوه، فمع العوض الذي يتسلّمه من المتبرّع بطريق أولى فيجوز الدفع إليه تفريغاً لذمّة المديون وتبرأ ذمته بطبيعة الحال.

وأمّا المقام فالمالك كلّي الفقير لا شخص معين، ولذلك ليس لأحد من الفقراء إبراء من عليه الزكاة وإسقاط الحقّ عنه لعدم كونه مالكاً كي يسوغ له ذلك، ولأجله لا أثر للتبرّع (يريد الإبراء) من الفقير في حصول البراءة لمن اشتغلت ذمّته بالزكاة.

الثانية: من ناحية المملوك فإنّه في الدين كلّي في الذّمّة قابل للانطباق على كلّ ما كان مصداقاً له ولو كان حادثاً من التبرع، وهذا بخلاف الزكاة فإنّها متعلّقة بالعين الزكوية على الخلاف في كيفية التعلّق من كونها بنحوالإشاعة أو الكلّي في المعين أو الشركة في المالية ،وعلى أي حال فمتعلّق الحقّ هي تلك العين الخارجية فلابدّ و أن يدفع النصاب منها.

نعم قام الدليل الخارجي على أنّ من عليه الزكاة يجوز له دفع مقدار النصاب من ماله الآخر ولا يلزمه الدفع من نفس العين ولم يقم مثل هذا الدليل بالنسبة إلى شخص آخر ليسوغ التبرع منه بماله حتى ولو كان ماله من


1 . المنتهى: 1/477، الطبعة الحجرية.


صفحه186

الأعيان الزكوية، فالاجتزاء بدفعه بدلاً عمّا تعلّقت به الزكاة على خلاف مقتضى القاعدة. فاتّضح أنّه لا وجه لإلحاق الزكاة بالدين في صحّة التبرع بعد وجود الفرق بينهما من هاتين الناحيتين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ كلاً من الوجهين غير مؤثر في نفي جواز التبرّع.

أمّا الوجه الأوّل فحاصله: أنّ للمالك إسقاط دينه ابتداءً بلا عوض، فمع العوض بطريق أولى، بخلاف الزكاة إذ ليس للفقير إبراء من عليه الزكاة .

يلاحظ عليه: أنّه لا ملازمة بين جواز إبراء المالك، وجواز تبرّع الأجنبي، حتى يستدلّ بجواز الإبراء في الدين على صحّة التبرّع وبعدمه في مورد الزكاة على عدم صحّة التبرّع.

وذلك لأنّ في إبراء الفقير ذمّة المالك، ضرر على أصحاب الزكاة فلا يجوز له ذلك، بخلاف قبول الزكاة من المقرض تبرعاً من ناحية المالك، ففيه تمويل للفقير، لا سلب حقّ له.

وأمّا الثاني، فلأنّ قيام الدليل على أنّه يجوز للمالك تبديل العين الزكوية بثمنها، دليل عرفاً على أنّ الغرض المنشود من تشريع الزكاة، هو تمويل الفقير من هذا الطريق من غير فرق بين قيام المالك بذلك مباشرة، أو قيام الآخر عنه نيابة، فاعمال التعبّد بأنّه لا يكفي الثاني وتجب مباشرة المالك مبني على أنّه يشترط المباشرة في التكاليف، وقد عدلنا عنه بصحيحة منصور بن حازم، فلاحظ.


1 . مستند العروة :1/99ـ 100، كتاب الزكاة.


صفحه187

الثاني: تبرع الأجنبي

هل يختص التبرّع بالمقرض أو يصحّ من الأجنبي؟ الظاهر عدم الفرق بين المقرض وغيره لانقطاع صلة المال عن المالك، فالمالك والأجنبي سواسية، ومن قال بجواز تبرّع المقرض فعليه القول بجواز التبرّع هنا.

الثالث: لزوم الاستئذان من المقترض عند التبرّع عنه

مقتضى إطلاق صحيحة منصور بن حازم عدم لزوم الاستئذان، حيث قال: « إن كان الذي أقرضه يؤدّي زكاته فلا زكاة عليه».(1) إلاّ أن تحمل الرواية على صورة الاشتراط فيكون الإذن متحقّقاً.

ويمكن الاستدلال على عدم لزوم الاستئذان بما ورد من شرعية العبادات التي يقوم بها الإنسان عن الوالدين.

روى الكليني عن محمد بن مروان، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين، يصلّي عنهما، ويتصدّق عنهما ويحجّ عنهما ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع، لهما، وله مثل ذلك، فيزيده اللّه عزّوجلّ ببره وصلته خيراً كثيراً».(2)

نعم لو كان تبرّع الأجنبي عن المقترض إهانة له أو سبباً لإيذائه فلا يجوز .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث2.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1.


صفحه188

الرابع : اشتراط المقترض الزكاة على المقرض

هل يجوز أن يشترط المقترض الزكاة على المقرض؟ فينقسم إلى قسمين:

الأوّل: أن يقصد توجّه خطاب الزكاة إليه.

الثاني: أن يقصد قيام المقرض بأداء الزكاة عنه.

أمّا الأوّل فهو باطل لوجهين:

أ . أنّه على خلاف الكتاب والسنّة، لأنّ الزكاة حسب ما مرّ من الروايات على المقترض، فكيف يشترط توجهه ابتداءً إلى المقرض؟

و ربّما يقال: إنّ هذا النوع من الشرط ليس شرطاً مخالفاً للكتاب والسنّة، لأنّ الشرط المخالف عبارة عمّا إذا كان الفعل في حدّ نفسه ـ لولا الشرط ـ ممّا يمكن أن يصدر عن المشروط عليه وأن يفعله وأن لا يفعله، فيحكم بوجوب صدوره منه مع الشرط إلاّ إذا تعلّق بفعل حرام أو ترك واجب ممّا خالف الكتاب والسنّة، مثل أن يشترط أن لا يصلّي صلاة الفجر أو يفطر شهر رمضان أو يشرب الخمر، وهذا غير منطبق على المقام لوضوح أنّ تعلّق الوجوب وتوجيه الخطاب بالزكاة فعل من أفعال الشارع وخارج عن قدرة المشروط عليه واختياره بالكلية فلا يمكن صدوره من هذا الشخص بتاتاً كي يكون موافقاً للكتاب والسنّة ومخالفاً أُخرى. فعدم نفوذ هذا الشرط لكونه خارجاً عن الاختيار.(1)


1 . مستند العروة الوثقى: 1/103، كتاب الزكاة.


صفحه189

يلاحظ عليه: أنّه لا مانع أن يكون باطلاً من كلتا الجهتين ولا يشترط في الشرط المخالف أن يكون فعلاً من أفعال البائع أو المشتري. كيف، وقد عدّ في غير واحد من الروايات جعل الولاء لغير من أعتق من الشروط المخالفة لقضاء اللّه وحُكْمه، وذلك عندما اشترطت عائشة أن يكون ولاء بريرة لها لا لمعتِقِها فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ ردّاً لشرطها ـ : «قضاء اللّه أحق، وشرط اللّه أوثق، وإنّما الولاء لمن أعتق».(1)

وقد ورد في غير واحد من الروايات، انّ جعل الطلاق بيد المرأة من الشروط المخالفة للكتاب والسنّة.(2) والمراد أن يكون لها هذا الحقّ شرعاً وقانوناً.

وأمّا القسم الثاني ـ أعني: اشتراط النيابة عنه ـ ، فالظاهر الصحة لعموم «المؤمنون عند شروطهم»، ولم يخالف إلاّ العلاّمة في «المختلف»: قال الشيخ في باب القرض من النهاية: وتسقط زكاته عن القارض إلاّ أن يشترط المستقرض عليه أن يزكّيه عنه فحينئذ تجب الزكاة على القارض دون المستقرض.(3)

وأورد عليه العلاّمة وقال: إنّه ملك المستقرض فالزكاة عليه والشرط غير لازم، لأنّه اشتراط للعبادة على غير من وجبت عليه وأنّه باطل، كما لو شرط غير الزكاة من العبادات.


1 . صحيح البخاري: 3/192، باب الشروط في الولاء، الحديث 1.

2 . لاحظ الوسائل: ج 15، الباب 41 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 5; و الباب 13 من تلك الأبواب، الحديث 2.

3 . النهاية: 312 ، كتاب الديون، باب القرض وأحكامه.


صفحه190

ويظهر من العلاّمة في «المنتهى» أنّ للشيخ قولاً آخر وهو عدم الجواز، قال العلاّمة: الرابع: قال الشيخ: لو اشترط المقترض الزكاة على القارض فليس بوجه، والأقرب وجوب الزكاة على المقترض شرط أو أطلق.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الدليل على الصحّة هو عموم قوله : «المؤمنون عند شروطهم» بعد ما تبيّن قبوله للنيابة.

الخامس: عدم براءة ذمّته بنفس الاشتراط

ثمّ إنّ الاشتراط لا يوجب انتقال الزكاة من ذمّة المقترض إلى ذمّة القارض، فلو أدّى عن جانبه سقط وإلاّيبقى على ذمّة المقترض. وذلك لأنّ المكلّف الواقعي بالأداء هو المقترض، فهو في ذمّته إلى أن يحصل الأداء، فإذا خالف المقرِض، بقيت الزكاة على ذمّته وليس الاشتراط بنفسه ناقلاً الزكاة من ذمّته إلى ذمّة المقرِض.

إذا نذر التصدّق بالعين الزكويّة

في المسألة فروع

1. إذا نذر أن يتصدّق بالعين الزكوية، قبل حلول الحول ـ قبل تعلّق الزكاة ـ من دون أن يحدِّد الوفاء بالنذر بوقت خاص ولا مشروطاً بحدوث شيء ـ كبرء المريض المعلوم ـ و بعبارة أُخرى: لم يكن في المقام إلاّ النذر قبل الحول.


1 . المنتهى: 1/477، الطبعة الحجرية.


صفحه191

2. تلك الصورة لكن نذر بعد حلول الحول وتعلّق الزكاة ، فلم يكن في المقام لا توقيت ولا تعليق إلاّ النذر بعد تعلّق الزكاة. والناذر، ينذر في جميع الصور قبل حلول الحول، إلاّفي هذه الصورة، فإنّما ينذر، بعد تعلّق الزكاة بالمال الزكوي، فليُحفظ ذلك يفيدك في الإحاطة بالصور على وجه صحيح.

وهاتان الصورتان راجعتان إلى صورة النذر المطلق غير المؤقّت والمعلّق; وأمّا الصورة المؤقّتة غير المعلّقة فلها صور أربع، فالنذر في الجميع قبل حلول الحول; لكن التوقيت أي العمل بالنذر تارة يكون ظرفُه، قبل الحول، وأُخرى بعده مع تقدّم النذر على الحول. وإليك صوره:

3. إذا نذر التصدّق قبل الحول، وكان الوفاء مؤقتاً بما قبل الحول و فرضنا أنّه وفى بنذره قبله.

4. تلك الصورة أي نذر قبل الحول و كان الوفاء مؤقّتاً بما قبله، ولكن لم يف بنذره، وقلنا بوجوب القضاء وانّ عدم الإتيان بالمنذور المؤقّت في وقته، لا يكون سبباً لسقوط التكليف.

5. تلك الصورة وقلنا بسقوط التكليف بالقضاء.

وهذه الصور الثلاث راجعة إلى توقيت الوفاء بالنذر بما قبل الحول، على وجه يكون النذر فعلياً، والوفاء استقبالياً محدَّداً بما قبل الحول.

6. إذا نذر قبل الحول ولكن جعل الوفاء بالتصدّق بما بعد الحول فالنذر فعليّ والوفاء به استقبالي محدّد بما بعد الحول.


صفحه192

هذه الصور الأربع راجعـة إلى النذر الفعلي المؤقّت وفـاءً، وأمّا المعلّق فصوره ثلاث:

7. إذا نذر قبل الحول، معلِّقاً على حصول شيء وحصل المعلّق عليه قبله.

8. تلك الصورة وحصل المعلّق عليه بعد الحول.

9. تلك الصورة وحصل المعلّق عليه مقارناً لتمام الحول.

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفاصيل الصور فنقول:

أمّا الصورة الأُولى فقال صاحب العروة: إنّه لا تجب الزكاة فيها وإن لم تخرج عن ملكه بذلك ـ و علّله ـ بعدم التمكّن من التصرّف فيها، سواء تعلّق بتمام النصاب أو بعضه .

إنّ تحقيق ما ذكره يتوقّف على تحليل معنى النذر، فنقول هنا احتمالات:

الأوّل: أنّ النذر تمليك العمل المنذور للّه سبحانه حيث إنّ اللام في قوله «للّه» لام التمليك، فإذا قال: «للّه عليّ أن أتصدّق ذلك النصاب للفقراء» فقد ملّك عملَ التصدق به للّه سبحانه، فيكون العمل من الناذر مملوكاً للّه سبحانه وعهدة الناذر (عليّ) ظرف له ، والظرف (للّه)خبر مقدّم، والفعل(أن أتصدّق) مؤوّل بالمصدر مبتدأ له، كأنّه يقول: للّه عليّ التصدّق به، فكأنّه يُنشئ ملكية العمل للّه، فإذا صار العمل ملكاً للّه، يكون النصاب موضوع حقّ له سبحانه.


صفحه193

يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّ تمليك العمل بما هوهو أمر غير متعارف بين العقلاء وإنّما يتعلّق التمليك عندهم بالأعيان، أو بالأعمال القائمة بها كتمليك الأجير عمله للموجرـ : أنّ ما ذكره غير متبادر من الجملة، ولا هو مقصود الناذر، إذ لا معنى لأن يملِّك العبدُ، عملَه الضئيل لمالكَ الملك والملكوت.

نعم يصحّ للّه سبحانه أن يخبر عن مالكيته للخمس ويقول: (وَاعْلَمُوا أنّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَإنَّ للّه ِخُمُسَهُ)(1)، أو يطلب القرض من عباده ويقول (مَنْ ذَا الَّذي يُقرضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ) (2)، تلطّفاً لدعوة العباد إلى فعله، وتأكيداً للجزاء عليه، وأين هو من أن يُملِّك العبد خالقه الذي يملكه وما ملك؟! وإن كنت في شك فاسأل الناذرين العرب الأقحاح عن معنى الجملة المذكورة.

الثاني: أنّ مفهومه تعجيز الناذر نفسه من التصرّف فيه بالإتلاف والبيع وغيرهما التي كانت سائغة له قبل النذر.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره غير متبادر من الصيغة، والتعجيز من أحكام النذر ولوازمه، فإنّ حبس شيء في مورد يمنع بطبعه عن استعماله في مورد آخر.

الثالث: نوع عقد واتّفاق من العبد مع اللّه سبحانه على أن يفعل كذا.

يلاحظ عليه: أنّ العقد والاتّفاق من الطرفين يتوقّف على إيجاب من


1 . الأنفال: 41.   2 . الحديد: 11.


صفحه194

أحد الطرفين وقبول من الطرف الآخر على أنّ المناسب لهذا المعنى ، هو استخدام لفظ عاهدت اللّه، لا «للّه علي».

الرابع: هو أنّ النذر، هو التزام الإنسان بعمل قاصداً به كسب رضاه وقربه فهو يلتزم أن يعمل كذا، لأجله، فإذا كان النذر جامعاً للشرائط وراجحاً في نفسه أمضاه سبحانه، ويجب عليه الوفاء، وهذا هو المتبادر من قول امرأة عمران حيث قالت: (رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْني مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنّك أَنْت السَّمِيعُ العَليم)(1)، أي أوجبت لك بأن اجعل ما في بطني خادماً للبيعة.

وممّا يدلّ على أنّ النذر ليس تمليكاً للّه، إنّه لو كان كذلك، لما كان لقوله: «محرّراً» وجه، وإنّما يتناسب ذلك مع كونه التزاماً نفسياً، غير أنّ متعلّقه يختلف وهو في الآية كونه محرّراً.

إذا عرفت ذلك يظهر وجه ما أفاده صاحب العروة حيث إنّ مثل هذا النذر وإن لم يُخرج المنذور (النصاب) عن ملك المالك، لكنّه يمنع عن تعلّق الزكاة لعدم التمكّن من التصرّف فيه من البيع ولا الإتلاف ولا غير ذلك، وقد عرفت أنّ من شرائط تعلّق الزكاة تمكّن المالك من التصرّف، إلاّعلى قول من خصّ التمكّن، بالتمكّن التكويني بأن كانت العين تحت يده، وقد عرفت أنّ المنع التشريعي مثله، لأنّه يوجب انصراف دليل الزكاة عن مورده .

هذا من غير فرق بين تعلّق النذر بتمام النصاب أو بعضه. أمّا الأوّل فيمنع عن تعلّقه بتاتاً، وأمّا الثاني فإنّما يمنع إذا كان الباقي غير بالغ حدّ


1 . آل عمران: 35.


صفحه195

النصاب بعد الوفاء، وأمّا لو بلغ إلى حده ـ حتى بعد الوفاء ـ تتعلّق الزكاة بالباقي إذ ليس ممنوع التصرّف فيه.

الصورة الثانية: لو نذر ـ بعد تعلّق الزكاة بالنصاب بحولان الحول ـ أن يتصدّق به; فقد أفتى صاحب العروة بأنّ النذر اللاحق، لا يؤثر في رفع وجوب الزكاة بعد تعلّقه، بمال جامع للشرائط، فعليه إخراج زكاتها أوّلاً، ثمّ الوفاء بالنذر .

أقول: إنّ ما ذكره واضح في موردين:

1. إذا نذر بعد حيلولة الحول، التصدّق بما عدا مقدار الزكاة.

2. إذا نذر بعد الحيلولة، النصابَ بلا استثناء لكن كان القدر المتيقّن من نيّته، هو العمل به بعد الزكاة على نحو لو كان ملتفتاً بأن نذر الجميع، يستعقب إخراج الزكاة من مال آخر، لما نذر.

إنّما الكلام في غير هاتين الصورتين، فربما يحتمل أنّه يجب عليه الجمع بين إخراج الزكاة من غير العين والوفاء بالنذر بعامّتها. فإنّ علمه بالحكم الشرعي بأنّه لا يصحّ الوفاء بالنذر بالمال الزكوي، ربما يشكّل قرينة على التزامه بإخراج الزكاة من غيرها والوفاء بالنذر بالنصاب. وعلى كلّ تقدير فالمعتبر هو إحراز قصد الناذر، وإلاّ فيؤدّي الزكاة من العين ثمّ يفي بما بقي.

أقسام المؤقّت

إلى هنا تمّ قسم المطلق، غير المؤقّت وغير المعلّق، وإليك أقسام


صفحه196

المؤقّت، والمراد منه كون الوفاء بالنذر مؤقّتاً لا نفس النذر.

الصورة الثالثة: إذا نذر قبل الحول و كان الوفاء مؤقّتاً بما قبله و وفى بالنذر فلا تجب الزكاة، إذ لم يبق بعد ذلك موضوع للزكاة.

الصورة الرابعة: إذا نذر قبل الحول وكان الوفاء مؤقّتاً بما قبل الحول لكنّه عصى ولم يف بنذره وكان النصاب باقياً بحاله وقلنا بوجوب القضاء، وانّ وجوب الوفاء بالنذر المؤقّت لا يسقط بالمخالفة ، لم تجب الزكاة وذلك لانقطاع الحول بالعصيان، أو انقطاعه بالنذر وبحكم الشارع بالوفاء به قبل الحول، حيث إنّه لم يكن متمكّناً من التصرّف طول الحول لأجل النذر.

نعم لو قلنا بأنّ المخل هو المنع التكويني لا التشريعي وجبت الزكاة، لكنّك عرفت أنّ المنع التشريعي كالمنع التكويني، أضف إلى ذلك: أنّه يمكن أن يقال: إنّه ليس من مصاديق غير المتمكّن بل خطاب الشارع بالوفاء بالنذر قبل الحول و بعده يشكّل قرينة على انصراف وجوب الزكاة عن هذه الصورة.

الصورة الخامسة: تلك الصورة ولكن قلنا بعدم وجوب القضاء إذا فات وقت الوفاء، فقد عطف السيد الطباطبائي هذه الصورة إلى ما قبلها، وذلك لانقطاع الحول بخطاب الشارع بالوفاء بالنذر قبل المخالفة.

وقد عرفت عند البحث في الشرط الخامس أنّ المراد من التمكّن هو التمكّن طول السنة، ويكفي في انقطاع الحول، إيجاب الوفاء بالنذر قبل حولان الحول أداءً وإن لم يكن إيجاب، قضاءً ، لعدم القضاء في عصيان النذر المؤقّت.


صفحه197

الصورة السادسة: إذا نذر قبله مؤقّتاً الوفاء به بعد الحول فحكمه حكم النذر المطلق، لأنّ العبرة بتقدّم الوجوب على تعلّق الزكاة فيصدق أنّه غير متمكّن من التصرّف بالإعدام والبيع، فيشكّل أيضاً قرينة على انصراف دليل وجوبها عن هذه الصورة، فإنّ الإيجاب في المقام أشبه بالواجب المعلّق فالوجوب فعلي والواجب استقبالي.

أقسام المعلّق

إن نذر معلّقاً على شرط فله أقسام ثلاثة، تشكّل الصور الثلاث الباقية، وإليك تفاصيلها.

الصورة السابعة: إذا نذر قبل الحول وعلّقه على شرط وحصل الشرط قبل الحول، كان حكمها حكم النذر المطلق، فإنّ المشروط بعد حصول شرطه كالمطلق، وكأنّه لم يعلّق على شيء، لأنّه بإيجاب الوفاء عليه بعد حصول المعلّق عليه، صار ممنوع التصرّف شرعاً، ومع هذا الوصف لا يؤثر حولان الحول في وجوب الزكاة إلاّ أن يُمنع تأثير المنع الشرعي في المقام واقتصر بما إذا لم يتمكّن عقلاً ولا عرفاً.

الصورة الثامنة: إذا نذر قبل الحول معلّقاً على برء مريضه ولكن حصل المعلّق عليه، بعد الحول; فقد أفتى السيد الطباطبائي بوجوب الزكاة، لأنّه وجبت الزكاة جامعة للشرائط ولم يكن هناك أي منع شرعي من التصرّف قبل حصول المعلّق عليه.

غير أنّ كثيراً من المعلّقين على العروة اختاروا عدم وجوبها قائلين بأنّ


صفحه198

إنشاء النذر قبل الحول ـ و إن لم يحصل المعلّق عليه ـ سلب عنه التمكّن من التصرّف، قال المحقّق الخوئي: الظاهر عدم الفرق بين حصول المعلّق عليه قبل الحول أو بعده في المانعية عن تعلّق الزكاة، فلو بنينا على أنّ الحكم التكليفي، أعني: وجوب الصرف في الصدقة، يمنع عن تعلّق الزكاة لم يفرق فيه بين الصورتين .(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على كون الوجوب فعلياً قبل حصول المعلّق عليه، و عندئذ تكون العين المنذورة طرفاً للحق ولا يتمكّن من التصرّف، وأمّا لو قلنا بأنّ الوجوب إنشائي، إذ لا بعث ولا إلزام بالوجدان، قبل حصول المعلّق عليه.(2) والغاية من جعل الحكم الإنشائي هو صيرورته فعلياً في ظرف وجود المعلّق عليه، وربما لا يتمكّن الإنسان من الإنشاء في هذا الظرف، و لعلّ القائلين بوجوب الوفاء بالنذر خلطوا بين المؤقّت و المعلّق، فإنّ الوجوب في الأوّل فعلي، دون المقام، وما ذكره المحقّق الخوئي من أنّ المعلّق هو الوفاء بالنذر دون الوجوب، أمر غير ظاهر. بل الظاهر أنّ المعلّق عليه هو المنشأ أي وجوب الصرف.

وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ المعلّق عليه لو كان فعلاً اختيارياً للناذر، أو غير اختياري ولكن يعلم تحقّقه في ظرفه ففي هاتين الصورتين يجب الوفاء بالنذر، لأنّه نظر العرف محكوم بحفظ المال وعدم التصرّف فيه إلى ظرف المعلّق عليه.


1 . مستند العروة الوثقى:1/111.

2 . لاحظ المحصول:1/512تجد فيه تحقيق المسألة.


صفحه199

الصورة التاسعة: إذا حصل المعلّق عليه مقارناً لتمام الحول فقد ذكر السيد الطباطبائي فيها وجوهاً: وجوب الزكاة ، وجوب الوفاء بالنذر، التخيير بين تقديم أيّهما شاء من الزكاة والصدقة، والقرعة. وكان عليه أن يضيف احتمالاً خامساً وهو الجمع بين الأمرين بأداء الزكاة من غير العين.

أمّا الأوّل فلأنّه كان متمكّناً من التصرّف في العين عبْـر السنة، إلاّ في وقت قصير تقارن انقضاء السنة مع حصول المعلّق عليه، وهو لأجل قلّته يتسامح فيه العرف ويعدّه متمكّناً من التصرّف طول السنة.

يلاحظ عليه: أنّ التسامح إنّما يصحّ فيما إذا لم يكن هناك تحديد من الشارع، وأمّا إذا كان هناك تحديد منه فلا وجه للمسامحة وعدّ ما ليس مصداقاً للتمكّن مصداقاً له.

وأمّا الوجه الثاني فلما مرّ في الصورة الثامنة من أكثر المعلّقين من أنّ تقدّم الوجوب يمنع عن تعلّق الوجوب بالعين.

يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ الوجوب إنّما يمنع عنه إذا كان فعلياً، لا إنشائياً، فإنّ وجوب الوفاء بالنذر والتعهّد مشروط بحصول المعلّق عليه والمفروض عدمه.

وأمّا التخيير فلأنّ المقام من قبيل المتزاحمين حيث إنّ العمل بكلّ من الواجبين أمر غير ممكن فيتخير. وليس المقام من قبيل التخيير بين الخبرين المتعارضين، لأنّه فيما إذا كان بين الخبرين من النسب، التباين لا العموم من وجه كما في المقام حيث إنّ بين دليلي إيجاب الزكاة وإيجاب الوفاء بالنذر عموم من وجه.


صفحه200

وربما يقال بخروج المقام عن المتزاحمين، فإنّ جريان أحد الدليلين يرفع موضوع الدليل الآخر فلا طريق إلى إحراز الملاكين.

يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد من رفع الموضوع وجود التنافي بين العمل بكلا الدليلين فهو من مقوّمات التزاحم، وإن أُريد وجود التنافي بين الوجوبين حيث إيجاب كلّ يوجب عدم بقاء الموضوع للدليل الآخر، فهو غير لازم لإمكان أداء الزكاة من غير العين.

وأمّا القرعة فموردها هو الشبهات الموضوعية لا الحكمية كما في المقام.

وأمّا الجمع بأداء الزكاة من غير العين والعمل بالنذر بدفع العين فلم نجد له دليلاً صالحاً، مضافاً إلى استلزامه الضرر على المالك.

ولعلّ التخيير أوجه الوجوه، واللّه العالم.

استطاعة الحج بالنصاب

صور المسألة ثلاث:

1. إذا تمّ الحول قبل التمكّن من الذهاب.

2. إذا تمكّن من الذهاب، قبل تمامية الحول.

3. إذا تقارن التمكّن منه مع زمان حلول الحول.

والمراد من التمكّن من الذهاب هو سير القافلة وخروج الرفقة، وفي العصر الحاضر صدور الجواز وتأشيرة الدخول وسماح الدولة بالخروج من


صفحه201

البلد مع القوافل المشخّصة. وإليك تفاصيلها:

الصورة الأُولى: إذا تمّ الحول قبل سير القافلة وخروج الرفقة،
تجب الزكاة لاجتماع شرائط الوجوب والتمكّن من التصرّف في العين بعد السنة، لافتراض أنّه تمّ الحول قبل أن يجب الحجّ لعدم تحقّق شرطه وهو التمكّن من السفر، ولا يجب الحجّ، لانتفاء الاستطاعة لعدم التمكن من السفر.

هذا على القول بأنّ وجوب الحجّ يتوقّف ـ مضافاً إلى الزاد والراحلة وتخلية السرب ـ على التمكّن من السفر; وأمّا على القول بكفاية الثلاثة الأُول وإن لم يتمكّن من السفر فيكون ممنوعاً من التصرّف لوجوب حفظ المال للحج للعلم بتمكّنه في المستقبل، فيجب الحجّ دون الزكاة، لكن المشهور انّ التمكّن من السفر جزء الاستطاعة ومن مقوماتها، فلا يعد مستطيعاً إلاّ به، وهو يختلف حسب اختلاف الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد، وعلى ذلك فإن أخرج الزكاة وبقيت الاستطاعة وجب الحجّ وإلاّفلا.

الصورة الثانية: إذا تمكّن من الذهاب قبل تمامية الحول، قال السيد الطباطبائي: وجب الحجّ وسقط وجوب الزكاة.

أمّا الأوّل: لتحقّق شرطه وهو الاستطاعة بأجزائها الأربعة : الزاد، والراحلة، وتخلية السرب، والتمكّن من السفر.

وأمّا الثاني: فلفقد موضوعه، أي المال المتمكن من التصرّف فيه عقلاً وشرعاً بعد وجوب حفظه للحج.


صفحه202

هذا إذا خرج إلى الحجّ ثمّ حال الحول، وأمّا إذا تمكّن وكان الفاصل الزماني بين التمكّن وتمامية الحول، قليلاً، فلو بدّل العين الزكوية قبل حيلولة الحول، وجب الحجّ وسقط وجوب الزكاة، وأمّا لو ترك التبديل وحال الحول فهل يجب الحجّ؟ أو تجب الزكاة؟ يظهر من غير واحد من المعلّقين، منهم: السيد البروجردي، وجوب الزكاة مطلقاً.

قال العلاّمة في القواعد: لو استطاع بالنصاب وجب الحجّ ثمّ مضى الحول على النصاب، فالأقرب عدم منع الحجّ من الزكاة.(1)

وقال في الجواهر: لو استطاع الحجّ بالنصاب وكان مضي الحول متأخراً عن أشهر الحجّ وجب الحجّ بلا إشكال، فلو عصى ولم يحجّ حتى الحول وجبت الزكاة واستقر الحجّ في ذمّته وإن ذهبت الاستطاعة بتقصيره.(2)

وهناك من فصّل بين توقّف الحجّ على صرف عين المال، فلا تجب الزكاة، وإن حال الحول، سواء حجّ أم لا، لأنّه إذا وجب الحجّ، وجب حفظ المال مقدّمة له وحرم التصرّف فيه فينتفي شرط وجوب الزكاة بعد حولان الحول، لأنّ وجوب الدفع مشروط بالتمكّن من التصرف، المنتفي بوجوب الحجّ المقتضي لحفظ المال عن التلف.

وبين ما لا يتوقّف على صرف عينه، فإن بدّل العين الزكوية بغيرها فهو وإلاّ فإن بقيت بحالها وحال الحول عليها وجبت الزكاة، وحينئذ إذا كان وجوبها موجباً لثلم الاستطاعة سقط وجوب الحجّ.(3)


1 . إيضاح القواعد: 1/170 قسم المتن. ولاحظ التذكرة :5/26.

2 . الجواهر:15/47.   3 . المستمسك:9/44ـ 45.


صفحه203

وحاصله: أنّه إذا كان الحجّ غير متوقف على صرف عين المال كان في وسع المكلّف الجمع بين الحجّ وعدم تعلّق الزكاة، بأحد الوجهين:

1. أن يحجّ قبل حولان الحول.

2. إذا أخّر إلى أن حال الحول، لكن كان في وسعه قبل الحول أن يبدّل العين الزكوية بغيرها ممّا لا تتعلّق به الزكاة. فإنّ في التبديل جمعاً بين حفظ المال للحج، والصد عن تعلّق الزكاة لأجل التبديل، فإذا قصّر، تجب عليه الزكاة لاستجماع شرائطها، فيسقط وجوب الحجّ:

« وربما يحتمل وجوب الزكاة والحجّ معاً. أمّا الزكاة فلما مرّ; وأمّا الحجّ فلأنّ فوات الاستطاعة يكون مستنداً إلى تقصيره من عدم التبديل، وإذا استند فوات الاستطاعة إلى تقصير المكلّف استقر عليه الحجّ ووجب ولو متسكعاً».(1)

يلاحظ عليه: أنّ إيجاب الزكاة في المقام غفلة عمّا هو الشرط لوجوبها، فإنّ الشرط ليس التمكّن من مطلق التصرّف ولو بالتبديل، بل الشرط كما
مرّ تمام التمكّن من التصرّف بالإتلاف والهبة والبيع وهو غير موجود
في المقام لوجوب حفظ مالية المال للحجّ ولو بالتبديل ومعه كيف تجب الزكاة؟

الصورة الثالثة: إذا تقارن خروج القافلة مع تمام الحول، قال السيد الطباطبائي: وجبت الزكاة لتعلّقها بالعين بخلاف الحجّ.


1 . المستمسك:9/44ـ 45.


صفحه204

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا يتم فيما إذا توقّف الحجّ على صرف خصوص العين الزكوية كما هو الحال في النقدين في العصور السابقة.

وثانياً: أنّ تعلّقها بالعين إنّما يفيد إذا لم يكن ممنوع التصرّف فيها والمفروض انّه بالاستطاعة صار ممنوع التصرّف للزوم حفظ الاستطاعة، وما يقال من أنّ الممنوعية في جزء يسير لا يضر في صدق التمكّن قد عرفت ما فيه.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ وجوب الحجّ فرع إحراز كون المال مختصاً بالمالك، حتى تصدق الاستطاعة وهو بعدُ غير محرز لاحتمال وجوب الزكاة، وأمّا الزكاة فهي تتعلّق بالعين من غير إناطة بشيء فتأمّل.

في زكاة العين المدفونة أو الغائبة أو مجهولة المكان

لا خلاف في أصل الحكم، قال الشيخ في النهاية : فإن لم يكن متمكّناً وغاب عنه سنين ثمّ حصل عنده يُخرج زكاتَه سنة واحدة.(1)

وقد مضى كلامه في الخلاف(2) في الشرط الخامس .

وقال في الشرائع: فإن مضى عليه سنون و عاد زكّاه لسنة استحباباً.(3)

وقال في المنتهى: إذا عاد المغصوب أو الضالّ إلى ربه استحب له أن


1 . النهاية: 175، باب ما تجب فيه الزكاة.

2 . الخلاف: 2 / 30 ، كتاب الزكاة، المسألة 30.

3 . الجواهر:15/57، قسم المتن.


صفحه205

يزكّيه بسنة واحدة. ذهب إليه علماؤنا. وقال مالك: يجب.(1)

وقد مرّ في الشرط الخامس ما يدل على وجوب الزكاة في مثل المورد، وعليه فلو دلّ دليل على الزكاة يحمل على الاستحباب كما في الروايات التالية:

1. موثّقة ابن بكير، عمّن رواه، وعن زرارة ـ وقد مرّ أنّ الثاني أقرب ـ عن أبي عبداللّه (عليه السلام)أنّه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه، قال: «فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكّاه لعام واحد».(2)

2. صحيح رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين ثمّ يأتيه فلا يردّ رأس المال، كم يزكّيه؟ قال: «سنة واحدة».(3)

3. حسنة سدير الصيرفي قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام)ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع، فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الذي ظن أنّ المال فيه مدفون فلم يصبه؟ فمكث بعد ذلك ثلاث سنين ثمّ إنّه احتفر الموضع الذي من جوانبه كلّه فوقع على المال بعينه، كيف يزكّيه؟ قال: «يزكّيه لسنة واحدة لأنّه كان غائباً عنه وإن كان احتبسه».(4)


1 . المنتهى: 1/475 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 7.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.


صفحه206

فيحمل الجميع على الاستحباب جمعاً بينها و بين ما دلّ على أنّه لا زكاة فيه، وقد مرّ في الشرط الخامس.

ومع ذلك كلّه ففي الروايات احتمال آخر وهو لزوم أداء الزكاة، بعد مرور سنة من وقت التمكّن،ولا يلزم منه إيضاح الواضح، لأنّه بصدد نفي ماعليه «مالك» وأمثاله من وجوب الزكاة على السنوات الماضية، ولذلك أكّد على سنة واحدة بعد التمكّن لأجل الردّ على القائل بوجوبها فوراً لما مضى من السنين.

إنّما الكلام في موردين:

الأوّل: هل الحكم مختص بالمال الغائب الوارد في روايتي زرارة ورفاعة والمال الضالّ الوارد في رواية سدير، أو يعم كلّ ما لم يتمكّن منه فيعم المغصوب؟ الظاهر هو الثاني لإلغاء الخصوصية، ويؤيّده التعليل الوارد في حسنة سدير «لأنّه كان غائباً عنه». وليس المراد من الغيبة عدم الحضور، بل الحيلولة بينه و بين ماله.

الثاني : هل الحكم مختص بما إذا لم يتمكّن ثلاث سنين فما فوق ـ كما في حسنة سديرـ أو يعم الأقلّ والوارد في النصوص بين ثلاث سنين وخمس سنين و سنتين، والاختلاف يعرب عن عدم خصوصية للكثرة وإنّما ذكر من باب التأكيد على عدم الزكاة للسنوات الماضية، وعلى ذلك يكفي عدم التمكّن سنة واحدة كما عليه صاحب العروة حيث قال: بل يقوى استحبابها بمضي سنة واحدة أيضاً.


صفحه207

إذا لم يتمكن من التصرّف بعد تعلّق الزكاة

لا شكّ انّ التمكّن من التصرّف الإتلافي أو الانتقالي أو ما أشبههما عبر السنة شرط لتعلّق الزكاة على ماله. كما مرّ في الشرط الخامس. وهناك شرط سادس وهو التمكّن من الأداء ـ و هو وراء الشرط الخامس ـ لكن الكلام في أنّه هل هو أيضاً شرط التعلّق والوجوب على نحو لو تمت السنة جامعة للشرائط، لكن لم يتمكّن من الأداء للمستحقّ، لا تتعلق بماله الزكاة، أو أنّه شرط الضمان بعد التعلّق مطلقاً تمكّن من الأداء أو لا، فالظاهر من المحقّق في «الشرائع» والعلاّمة في «المنتهى»، كون التمكّن من الأداء شرط الضمان، لا التعلّق والوجوب.

قال المحقّق: وإمكان أداء الواجب معتبر في الضمان لا في الوجوب.(1)

وقال العلاّمة: وليس التمكّن من الأداء شرط في الوجوب (التعلّق). ذهب إليه علماؤنا أجمع ، و به قال أبوحنيفة، وقال مالك: التمكّن شرط فيه، وللشافعي قولان. لنا: قوله: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، فجعل حولان الحول غاية للوجوب (وقد حصلت الغاية وإن لم يتمكّن من الأداء).(2)

وممّا ذكرنا يظهر أنّ الأولى التعبير عن المسألة، بما عبّر به المحقّق وابن


1 . الجواهر:15/51، قسم المتن.

2 . المنتهى:1/490.


صفحه208

أُخته، دون ما في المتن، وكان على السيد الطباطبائي أن يقول: «إذا عرض عدم التمكّن من الأداء بعد تعلّق الزكاة (كما في الغلات) أو بعد مضي الحول متمكّناً فقد استقرّ الوجوب (التعلّق...).

وذلك لأنّ عدم التمكّن من الأداء، أعم مطلقاً من عدم التمكّن من التصرف، فتارة يجتمعان، كما إذا غُصب أو سرق بعد حولان الحول، وأُخرى يتمكّن من التصرّف من البيع والهبة، لكن لا يتمكّن من الأداء لعدم وجود المستحق، أو منع الجائر من العمل بالشريعة فالملاك في المقام عدم التمكّن من الأداء، سواء أوافق مع عدم التمكّن من التصرّف أو فارق.

والدليل على ذلك ، مضافاً إلى النبوي: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» عدم الدليل على كون الوجوب والتعلّق مشروطاً بإمكان الأداء، وراء اشتراطه بإمكان التصرّف عبر السنة.

فإن قلت: كيف تجب الزكاة عليه، بعد مضي الحول متمكّناً مع أنّه غير متمكّن من الامتثال، أعني: الأداء؟

قلت: الوجوب في المقام، وجوب وضعي بمعنى تعلّق الزكاة بماله، وشركة المستحق معه في المال بنحو من الأنحاء هو غير متوقّف على إمكان الأداء.

فإذا وجبت عليه الزكاة بمضي السنة متمكّناً ، فلو عرض عدم التمكّن من الأداء بالمعنى الأعم، يدخل تحت قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» فيكون ضامناً عند التفريط دون غيره.


صفحه209

لكن الظاهر من بعض الروايات أنّ دائرة الضمان أوسع من التفريط، فلو أخّر في الأداء من دون تفريط، كما إذا أخّر ـ مع وجود المستحق ـ للدفع إلى الأفضل والآكد، ضمن.

ففي صحيح محمد بن مسلم: «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها».(1)

وفي صحيح زرارة : «إن عرف لها أهلاً فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها».(2)

وجوب الزكاة على الكافر

في المسألة فروع:

1. يجب إخراج الزكاة على الكافر.

2. لا تصح مادام كافراً.

3. للإمام أو نائبه أخذ الزكاة منه قهراً.

4. إذا أتلف الكافر الزكاة فهو لها ضامن.

وكان عليه تذييلها بفرع خامس وهو أنّه إذا أسلم الكافر ـ بعد ما وجبت عليه الزكاة ـ سقطت عنه وإن كانت العين موجودة. وإليك دراستها تفصيلاً:


1 . الوسائل: ج 6، الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 2.


صفحه210

الفرع الأوّل: يجب إخراج الزكاة على الكافر

هل الإسلام شرط في التكليف أو لا؟ ذهب المشهور إلى أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع كما أنّهم مكلّفون بالأُصول.

قال العلاّمة في «المنتهى»: الكفّار مخاطبون بفروع العبادات في الأمر والنهي معاً، خلافاً للحنفية مطلقاً ولبعض الناس في الأوامر.(1)

وقال ابن قدامة: فأمّا الكافر فلا خلاف في أنّه لا زكاة عليه.(2)

وخالفهم من الأُصوليّين المحقّق الأردبيلي، وصاحب الذخيرة، وسيد المدارك كما سيوافيك نقله; و من المحدّثين : الأمين الاسترابادي(3)، والمحدّث الكاشاني(4)، وصاحب الحدائق(5)، ووافق هؤلاء من المتأخّرين ـ على ما حكي ـ : الشيخ محمد هادي الطهراني، والمحقّق الخوئي في شرح العروة.(6)

وقد استدلّ على مختار المشهور بالأدلّة الأربعة:

الاستدلال بعموم الآيات

1. أنّ الاستدلال بعموم الآيات على وجوه تعلّق الخطاب بعنوان الناس مكان تعلّقه بعنوان المسلمين أو المؤمنين، كاشف عن كون الموضوع هو


1 . منتهى المطلب:2/188.   2 . المغني: 2/519.

3 . الفوائد المدنية:226.   4 . الوافي: 2/82، باب معرفة العباد.

5 . الحدائق: 3/39.         6 . مستند العروة الوثقى:1/124، كتاب الزكاة.


صفحه211

الأعم، قال سبحانه: (وَللّهِ عَلى النّاس حِجُّ البَيت)(1)، وقوله: (يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة)(2)، إلى غير ذلك من عموم الآيات.

2. قال سبحانه: (ما سَلَكَكُمْ في سَقَر * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكين * وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضينَ * وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّين) (3)، فإنّ تكذيبهم بيوم الدين دليل على أنّ المراد من المجرمين هم الكفّار. وقد علّل سلوكهم في سقر بترك الصلاة.

3. قال سبحانه: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى * وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَولّى)(4). فإنّ التنديد بترك الصدقة والصلاة دليلُ وجوبهما عليهم.

4. قال سبحانه: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكين * الَّذينَ لا يؤتُون الزَّكاة وَهُمْ بِالآخرة هُمْ كافِرون).(5)

وقد أورد على الاستدلال ببعض هذه الآيات بأنّ المراد من قوله: (لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّين)أي أنّا لو آمنّا وصرنا مكلّفين بالصلاة وصلّينا لنجونا ولكن لم نك من المصلّين لعدم كوننا من المسلمين.

وكذا قوله تعالى: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى) لا يدلّ على التكليف بالصلاة في حال عدم التصديق، بل مثل هذه العبارة يقال في المرتب، فإنّه إذا قيل لزيد: «أضف عمراً» فإذا أضفته أعطه درهماً، فإنّ وجوب الإعطاء مشروط


1 . آل عمران: 97.                  2 . النساء: 1.

3 . المدثّر: 42 ـ 46.   4 . القيامة: 31 ـ 32.

5 . فصّلت: 6 ـ 7.


صفحه212

بالضيافة، فإذاترك زيد كليهما يقال: لا أضاف ولا أعطى ولا يلزم وجوب كلّ منهما مطلقاً.(1)

وإلى ذلك الجواب يشير السيد الخوئي بقوله: لا دلالة في الآيتين على تكليف الكفّار بالفروع، لجواز كون المراد من عدم الكون من المصلّين ومطعمي المسكين، الإشارة إلى عدم اختيار الإسلام والتكذيب بيوم الدين كما في ذيل الآية الأُولى، وكذا يراد من عدم إيتاء الزكاة تركها بترك الإسلام والكفر بالآخرة كما في ذيل الآية المباركة، فلا تدلّ على تعلّق العقاب بترك هذه الفروع بأنفسها.(2)

يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد ما ذكره القائل يجب تقديم تكذيب يوم الدين على ترك الصلاة، مع أنّا نرى أنّه سبحانه ذكر كلّ واحد من المحرمات بواو العطف وذكر التكذيب بيوم القيامة في آخر الآيات، فقال: (لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكين * وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضين * وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوم الدِّين * حَتّى أَتانا اليَقين) .(3)

كما أنّه سبحانه يقول: (فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلّى * وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى)ولو كان المراد ما ذكره القائل لكان الأنسب أن يقول: كذّب و تولّى فلا صدّق ولا صلّى. كلّ ذلك يدلّ على أنّ الجواب على خلاف المتبادر من الآيات، خصوصاً قوله: (ما سَلَككم في سقر) حيث يعلّل وجه سلوكهم في سقر،


1 . العناوين:2/716، العنوان 91.

2 . مستند العروة الوثقى: 1/125.

3 . المدّثّر: 43 ـ 47.


صفحه213

بقوله: (لم نك من المصلّين) أي ترك الصلاة وغيرها جرّنا إلى الدخول في سقر.

الاستدلال بالروايات

استدلّ للقول بعمومية التكليف بروايات:

1. ما رواه صفـوان وأحمـد بن محمـد بن أبي نصر قـالا: ذكرنـا له الكوفة ومـا وضع عليها من الخراج وما سار فيها أهل بيته، فقـال: «من أسلم طوعاً تركت أرضه في يده».

إلى أن قال: «وما أُخذ بالسيف فذلك إلى الإمام يقبّله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بخيبر...، وعلى المتقبلين سوى قبالة الأرض، العشر ونصف العشر في حصصهم» الحديث.(1)

وجه الدلالة: أنّ النبي وضع على المتقبلين من يهود خيبر سوى الخراج، العُشر أو نصفه الذي هو الزكاة.

ومع ذلك كلّه فهناك احتمال يسقطه عن الدلالة، وذلك لاحتمال أن يكون وجوب العشر بمقتضى الشرط في ضمن العقد الواقع على قبالة الأرض وهو أجنبي عن تعلّق الزكاة عليهم ابتداءً الذي هو محلّ الكلام.

2. ما رواه علي بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الدين الذي افترض اللّه عزّوجلّ على العباد مالا يسعهم جهله، ولا يقبل فيهم غيره، ما هو؟


1 . الوسائل : ج 10، كتاب الجهاد، الباب 72 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث 1.


صفحه214

فقال: «شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، وصوم شهر رمضان، والولاية».(1)

فأي تصريح أصرح من قوله: «افترض اللّه عزّوجلّ على العباد».

3. روى سليمان بن خالد، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن الفرائض التي فرض اللّه على العباد، ما هي؟ فقال: « شهادة أن لاإله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه، وإقام الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصيام شهر رمضان، والولاية، فمن أقامهنّ وسدّد وقارب، واجتنب كلّ مسكر، دخل الجنة».(2)

الاستدلال بالعقل

إنّ العقل يستقل بحسن العدل وقبح الكذب إلى غير ذلك من المستقلات العقلية الكاشفة عن حكم الشرع، والموضوع لحكم العقل هو الإنسان المختار وهو يعم المسلم والكافر، فكيف يمكن لنا تخصيص الأحكام الشرعية المستكشفة عن طريق العقل، بالمسلم وإخراج الكافر مع أنّ الموضوع عند العقل والشرع مطلق الفاعل المختار؟!


1 . الوسائل: ج 1، الباب 1 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.

2 . الوسائل: ج 1، الباب 1 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 17.


صفحه215

الاستدلال بالإجماع

قد ادّعى غير واحد من علمائنا الاتّفاق على عمومية الحكم للكافر والمؤمن. وقد مرّ كلام العلاّمة في «المنتهى».

يقول صاحب الجواهر عند قول المحقّق: «والكافر تجب عليه الزكاة» بلا خلاف معتد به فيه بيننا، لأنّه من الفروع التي قد حكي الإجماع في كتب الفروع والأُصول على خطابه بها للعموم وغيره.(1)

وقد عرفت مخالفة الأمين الاسترابادي والمحدّث الكاشاني وصاحب الحدائق أيضاً .

أدلّة القائلين بالاختصاص

استدلّ القائل باختصاص التكاليف بغير الكفّار بوجوه:

الأوّل: الاستدلال بالكتاب

قال سبحانه: (الزّاني لا يَنْكِحُ إِلاّ زانيةً أَوْ مُشركَةً وَالزَّاِنيةُ لا يَنكِحُها إِلاّ زان أَو مُشْرِكٌ وَحُرِّم ذلِكَ عَلى المُؤْمِنينَ). (2)

وجه الاستدلال: أنّ المراد بالنكاح ليس هو العقد قطعاً لعدم جوازه بين المسلمة والمشرك، أو المسلم والمشركة باتّفاق المسلمين قاطبة، بل المراد


1 . الجواهر:15/61ـ62.

2 . النور : 3.


صفحه216

الوطء الخارجي فتشير الآية إلى ما هو المتعارف خارجاً بمقتضى قانون السنخية من أنّ الزاني لا يجد من يزني بها إلاّ زانية مثله أو مشركة، فإنّ الطيور على أشكالها تقع، والجنس إلى الجنس يميل، وإلاّ فالمؤمنة لا تطاوعه على ذلك أبداً، وكذا الحال في الزانية، ثمّ قال تعالى: (وَحُرّم ذلك عَلى المؤمنين)فخصّ سبحانه حرمة الزنا بالمؤمن دون الكافر.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: لو صحّ تفسير الصدر بما ذكره من التعارف الخارجي، فليكن الذيل أيضاً على هذا المنوال، وهو أنّ المؤمن حسَب إيمانه وميله الباطني يجتنب عن الزانية والمشركة، وعندئذ لا تبقى دلالة على اختصاص التحريم بالمؤمنين. إذ ليس المراد من التحريم، التكليف الشرعي.

وثانياً: أنّ ما ذكره من الدليل إنّما يتم لو قلنا بمفهوم اللّقب وهو كما ترى، إذ لا مفهوم للّقب.

وثالثاً: أنّ تفسير الآية يتوقّف على بيان المراد من الزاني والزانية اللّذين تبنّت الآية بيان حكمهما، فنقول:

المراد منهما هو المتلبس بالمبدأ (الزنا) وجُلد، ولكن لم تظهر منهما التوبة.

وأمّا كون الموضوع هو المجلود، فلورود الآية بعد بيان حدّ الزاني والزانية، قال سبحانه قبل تلك الآية: (الزّانِيةُ والزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِد مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَة...) .(2)


1 . مستند العروة الوثقى:1/125ـ 126.         2 . النور: 2.


صفحه217

أمّا كون الموضوع مقيداً بعدم التوبة، فلوضوح انّ التائب من ذنبه كمن لا ذنب له، فمن البعيد أن يصفها القرآن بالزنا فإنّه يبعد من أدب القرآن ودأبه في التائب .

إذا علمت ذلك فالظاهر أنّها لبيان الحكم الشرعي، و انّ الزاني المجلود، غير التائب يحرم عليه أن ينكح أيّ امرأة سوى الزانية أو المشركة، كما أنّ الزانية بالوصف السابق يحرم نكاحها على أي إنسان، إلاّ إذا كان العاقد زانياً أو مشركاً.

وهذا هو المفهوم من الآية ويؤيّده ما روي من شأن نزولها .

قال الطبرسي في شأن نزول الآية : المراد بالنكاح العقد ونزلت الآية على السبب، وهو انّ رجلاً من المسلمين استأذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أن يتزوّج «أم مهزول» وهي امرأة كانت تسافح ولها راية على بابها تعرف بها، فنزلت الآية وهو مروي عن عبد اللّه بن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة والزهري.

وعن أبي جعفر (عليه السلام)وأبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّهما قالا: « هم رجال ونساء كانوا على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)مشهورين بالزنا، فنهى اللّه عن أُولئك الرجال والنساء والناس على تلك المنزلة، فمن شهر بشيء من ذلك وأُقيم عليه الحدّ فلا تزوّجوه حتّى تعرف توبته».(1)

نعم لازم مفاد الآية جواز النكاح بين المسلم الزاني، والزانية المسلمة والمشركة، أو بين المسلمة الزانية، والزاني المسلم والمشرك، ولكن الجواز


1 . مجمع البيان:4/125.


صفحه218

منسوخ بقوله سبحانه: (وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ... ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكينَ حَتّى يُؤْمِنُوا).(1)

هذا هو الصدر، و أمّا الذيل فهو صريح في تحريم تلك الأنكحة على الطاهرين من الأُمّة. فلا يجوز للمسلم الطاهر أن ينكح الزانيةَ والمشركةَ، كما لا يجوز للمسلمة الطاهرة أن تنكح الزاني والمشرك; فالموضوع في الذيل ليس مطلق المؤمن، بل القسم الخاص من المؤمنين والمؤمنات.

وممّا ذكرنا يعلم وجه تخصيص الحكم بالمؤمنين، لعدم إمكان جعل الحكم المشترك بين المؤمن والمشرك، وذلك لدخول الكافر بل المؤمن المجلود غير التائب في الصدر، والكلام في اشتراك المسلم والمؤمن في الأحكام في موارد يصلح جعل الحكم للمؤمن والكافر كما لا يخفى.

الثاني: الاستدلال ببعض الروايات

1. ما رواه الكليني في «الكافي» من الأخبار الدالّة على توقّف التكليف على الإقرار والتصديق بالشهادتين، فقد روي في الصحيح عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟

فقال: «إنّ اللّه بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الناس أجمعين رسولاً وحجة للّه على خلقه في أرضه، فمن آمن باللّه وبمحمد رسول اللّه واتّبعه وصدّقه، فإنّ


1 . البقرة: 221.


صفحه219

معرفة الإمام منّا واجبة عليه; ومن لم يؤمن باللّه وبرسوله ولم يتّبعه ولم يصدّقه ويعرف حقهما، فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن باللّه ورسوله ويعرف حقهما؟!».

وجه الاستدلال: فإنّه متى لم تجب معرفة الإمام قبل الإيمان باللّه ورسوله، فبطريق أولى معرفة سائر الفروع التي هي متلقاة من الإمام، وقد ذكر المحدّث الكاشاني بعد نقل الحديث : «انّ فيه دلالة على أنّ الكفّار ليسوا مكلّفين بشرائع الإسلام كما هو الحق خلافاً لما اشتهر بين متأخّري أصحابنا».(1)

وقد سبقه في الاستدلال: الأمين الاسترابادي في فوائده حيث قال: إنّ حكمة اللّه تعالى اقتضت أن يكون تعلّق التكاليف بالناس على التدريج بأن يكلّفوا أوّلاً بالإقرار بالشهادتين، ثمّ بعد حدوث الإقرار عنهم يُكلّفون بسائر ما جاء به النبي، ثمّ ذكر الرواية.(2)

وإلى ذلك يشير المحقّق الخوئي يقول: مضافاً إلى ورود رواية معتبرة عن «الكافي» تضمّنت أنّ الكافر يؤمر أوّلاً بالإسلام ثمّ بعده بالولاية، فإذا لم يكن مكلّفاً حال كفره بالولاية التي هي أعظم الفروع وأهمها، وإنّما يؤمر بها بعد اختيار الإسلام، فما ظنّك بسائر الأحكام.(3)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد بيان الترتيب الطبيعي للمعرفة وهو تقدّم


1 . الوافي: 2/82، ولاحظ الحدائق: 3/40.   2 . الفوائد المدنية:226.

3 . مستند العروة الوثقى:1/126.


صفحه220

معرفة اللّه والرسول على معرفة الإمام، كتقدّم معرفة اللّه على معرفة الرسول لا أنّ معرفة المتأخّر مشروطة بحصول معرفة المتقدّم، فكم فرق بين القول بالترتيب الطبيعي بين المعارف، وبين القول بأنّ المعرفة المتأخّرة حسب الطبع مشروطة بحصول المعرفة المتقدّمة، وإلى ما ذكرنا من الجواب يشير صاحب العناوين ويقول:

بل المراد منه الترتيب في المطلوب بمعنى كون معرفة اللّه والرسول مطلوبة قبل معرفة الإمام، لا أنّ معرفة الإمام (عليه السلام)طلبها مشروط بحصول معرفتهما.(1)

2. ما رواه صاحب الاحتجاج عن أمير المؤمنين في حديث الزنديق الذي جاء إليه مستدلاً بآي من القرآن قد اشتبهت عليه، حيث قال (عليه السلام): «فكان أوّل ما قيّدهم به الإقرار بالوحدانية والربوبية والشهادة أن لا إله إلاّ اللّه، فلمّا أقرّوا بذلك تلاه بالإقرار لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالنبوة والشهادة بالرسالة، فلمّا انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثمّ الحج».(2)

يلاحظ عليه: بأنّ المراد هو الإشارة إلى تدريجية التشريع وانّه فرض أوّلاً كذا وثانياً كذا، لا مشروطية التشريع الثاني بالأوّل.

على أنّ الحديث مرسل لا يحتج به في مثل هذه المسألة.


1 . العناوين:2/719.

2 . الاحتجاج: 1/601، ط الأوقاف والشؤون الخيرية.


صفحه221

الثالث: الاستدلال بالسيرة

وذلك ببيانين:

1. احتج في الحدائق وقال: إنّه لم يعلم منه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه أمر أحداً منهم بالغسل من الجنابة بعد الإسلام مع أنّه قلّما ينفك أحد منهم من الجنابة في تلك الأزمنة المتطاولة، ولو أمر بذلك لنقل وصار معلوماً كغيره; وأمّا ما رواه في «المنتهى» عن قيس بن عاصم وأسيد بن حصين ممّا يدلّ على أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالغسل لمن أراد الدخول في الإسلام فخبر عامي لا ينهض حجة.(1)

يلاحظ عليه: بما ذكره صاحب العناوين بأنّ الظاهر أنّ الاغتسال بعد الإسلام كان من الأُمور المعتادة الواضحة كما يكشف عنه طريقتنا في زماننا هذا.

مضافاً إلى كفاية الأمر العام في ذلك فلا يحتاج إلى الأمر بالخصوص.(2)

2. ما ذكره المحقّق الخوئي متمسكاً بالتاريخ وهو أنّه لم ينقل في التاريخ رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أحد المعصومين (عليهم السلام)المبسوطة أيديهم جباية الزكوات من الكفّار ومطالبتهم إيّاها،ولو كان لبان ونقل إلينا بطبيعة الحال، بل كانوا يُقرّون على مذاهبهم كما يقرّون على سائر أموالهم وإن لم يكن مالاً بنظر الإسلام ، كثمن الخمر والخنزير وما يكسبون من الربا والقمار


1 . الحدائق: 3/420.   2 . العناوين: 2/720.


صفحه222

وما يرثونه على خلاف قانون الإسلام ممّا يثبت في أديانهم، ونحو ذلك ممّا لا يخفى.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح في الكافر الذمّي دون الحربي، فقد جرت السيرة على أنّ حُكّام الإسلام كانوا مكتفين بما ضرب عليهم في عقد الذمة لا غير، وذلك لأنّ مفاد عقد الذمة أنّه لا يؤخذ منهم سوى ما ذكر في الجزية، فللحكام ضرب الجزية عليهم مع العشر أو نصف العشر، كما فعل النبي بمتقبلي أراضي خيبر على ما مرّ.(2) وله أن يقتصر بغير ذلك، وبما أنّ الكفّار الذين كانوا تحت سلطة المسلمين كانوا من أهل الذمة لم يؤخذ منهم سوى ما عقد، ويدلّ على ذلك بعض الروايات:

منها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألته عن أهل الذمة ماذا عليهم ممّا يُحقنون به دماءهم وأموالهم؟ قال: «الخراج وإن أخذ من رؤوسهم الجزية، فلا سبيل على أرضهم، وإن أخذ من أرضهم فلا سبيل على رؤوسهم».(3)

ومنها: صحيحة أُخرى له عن أبي جعفر (عليه السلام)في أهل الجزية يؤخذ من أموالهم ومواشيهم شيء سوى الجزية، قال: «لا».(4)

ولعلّ هذا هو الوجه لعدم إرسال الجابي إلى مزارعهم ومرابطهم لأخذ


1 . مستند العروة الوثقى: 1/127.

2 . الوسائل: ج 10، الباب 72 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث1.

3 . الوسائل: ج 11، الباب 68 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2 .

4 . الوسائل: ج 11، الباب 68 من أبواب جهاد العدو، الحديث 3. وفي الباب ما يدل على ذلك سوى ما ذكرنا.


صفحه223

الزكاة، لأنّ عقد الذمة كان بمعنى أنّه ليس عليهم ضريبة سوى الجزية، فأخذ الزكاة من النقود والأنعام والغلاّت يخالف العقد إلاّ إذا جعل الزكاة جزءاً من الجزية كما مرّ.

الرابع: الاستدلال بالعقل

وذلك لوجهين:

1. لو وجبت الصلاة لكانت إمّا حال الكفر أو بعده. والأوّل باطل لامتناعه، والثاني باطل للإجماع على سقوط القضاء لما فات حالة الكفر، ولأنّه لو كان واجباً لوجب القضاء كالمسلم، والجامع تدارك المصلحة المتعلّقة بتلك العبادات.(1)

وإلى هذا الاستدلال يشير صاحب العناوين بقوله:

لا يمكن صدور العمل من الكافر على وجه يوافق الأمر أصلاً، بل إمّا الشرط (الإسلام) منتف وإمّا الأمر (القضاء) منتف، فلا معنى لقولنا الكافر مكلّف بالفروع.(2)

نجيب عن الأوّل بأنّ امتثال الفروع أمر مقدور، بمقدورية مقدّمتها وهو الإسلام، ويكفي في الأمر مع العلم بعدم قيام المكلّف به، ترتّب الأثر عليه ، وهو ترتّب العقاب.

ونجيب عن الثاني بالفرق بين المسلم الذي فاتت منه الصلاة، وبين


1. المنتهى:2/189، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.   2. العناوين:2/717، العنوان91.


صفحه224

الكافر، وذلك لأنّ أمر الأوّل بالقضاء لا يوجب التنفير بخلاف الكافر فإنّ أمره بالقضاء يوجب ابتعاده وعدم إيمانه.

2. الاستدلال باستهجان الخطاب عرفاً، إذ يقبح تكليف من لا يعتقد بالأُصول، بالفروع، فخطاب الكافر المنكر للّه أو رسالة الرسول بالصلاة وغيره والزكاة يعد أمراً قبيحاً عند العقلاء.

لا أقول إنّه تكليف بغير المقدور، لما عرفت من أنّ المقدور بالواسطة مقدور، وإنّما ادّعي عدم حسن الخطاب.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ القبيح على فرض التسليم، هو الحكم التكليفي، وأمّا الحكم الوضعي كالجنابة وشركة الفقراء في أموالهم إلى غير ذلك من الأحكام الوضعية التي لا تختص بالمسلم كالغرامات والضمانات والعقود والإيقاعات والأسباب الفعلية من حيازة وإحياء موات فليس بقبيح.

وثانياً: إنّما يقبح خطاب الكافر بالخصوص، وأمّا إذا جعل الحكم على عنوان يعم المسلم والكافر ويشملهما بما انّه إنسان أو ناس فلا قبح، فعندئذ تتم الحجة على كلّ من صدق عليه عنوان الناس وغيره، وإلاّ فلو قلنا بقبح الخطاب يلزم قبح خطاب العاصي أيضاً، لأنّا نعلم أنّه لا ينبعث ولا ينزجر من الحكم ومع ذلك فالحكم يعم المطيع والعاصي.

إلى هنا تمّ ما يمكن أن يستدلّ به لهذا القول، وقد علمت أنّ الحقّ هو عمومية الأحكام التكليفية والوضعية للمؤمن والكافر. وإليك دراسة الفروع الثلاثة الباقية.


صفحه225

الفرع الثاني: عدم الصحة عند الأداء

هذا هو الفرع الثاني الذي عبر عنه السيد الطباطبائي بقوله: « ولكن لا تصحّ منه إذا أدّاه» وهو أيضاً نفس تعبير الشرائع.(1)

وليس المراد من الصحّة مطابقة المأتي به للمأمور به لإمكان تحصيله للكافر حتى قصد القربة إذا كان مؤمناً باللّه سبحانه فيدفع الزكاة إلى الفقير تقرباً إلى اللّه تعالى، وإنّما المراد من الصحّة هو القبول، ويدلّ على ذلك أُمور:

قوله سبحانه: (وما مَنَعَهُمْ أنْ تُقْبَلَ نَفقاتُهُمْ إلاّ أنّهُمْ كَفَرُوا باللّهِ وبِرَسُولِهِ ولاَ يَأتُونَ الصَّلاةَ إلاّ وَهُمْ كُسَالى وَلا يُنْفِقُونَ إلاّ وَهُمْ كارِهُونَ).(2)

فإذا كان قبول العبادة مشروطاً بالولاية كما تضافرت عليه الروايات(3)، فأولى أن يكون مشروطاً بالإيمان والإسلام.

الفرع الثالث: للإمام أخذ الزكاة قهراً

وقد أشار إليه السيد الطباطبائي بقوله: نعم للإمام أو نائبه أخذها منه قهراً.(4)

إذا كان وجوب الزكاة مزيجاً من الحكم الوضعيّ والتكليفي، فبما أنّ الفقراء شركاء المالك في ماله بنحو من الأنحاء فهو حكم وضعي، وبما أنّه


1 . المسالك:1/362، قسم المتن.   2 . التوبة : 54.

3 . الوسائل: ج 1، الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات.

4 . العروة الوثقى: 2 / 272، شرائط وجوب الزكاة، المسألة 16 .


صفحه226

يجب عليه إخراجه للّه سبحانه فهو حكم تكليفي، والحاكم واقف على أنّ الكافر لا يمتثل الحكم التكليفي فعليه أن يستوفي حق الفقراء من ماله ويدفعه إليهم عملاً بالحسبة، كما هو الحال في المسلم الممتنع فإنّ الحاكم يأخذ منه قهراً، وسيوافيك في ختام كتاب الزكاة ضمن المسائل المتفرقة أنّه يجوز للحاكم أخذ الزكاة من الممتنع كرهاً ويكون هو المتولّي للنية.(1)

قال الشهيد الثاني عند قول المحقّق: «فإذا تلفت لا يجب عليه (الكافر) ضمانها و إن أهمل»: لا تظهر فائدته مع إسلامه لما عرفت من أنّه تسقط عنه و إن بقي المال، بل إنّما تظهر فائدة التلف فيما لو أراد الإمام أو الساعي أخذ الزكاة منه قهراً، فإنّه يشترط فيه بقاء النصاب، فلو وجده قد أتلفه لم يضمنه الزكاة وإن كان بتفريطه، ولو تلف بعضه سقط منها بحسابه وإن وجده تاماً أخذها كما يأخذ من المسلم الممتنع من أدائه، ويتولّى النية عند أخذها منه ودفعها إلى المستحق.(2)

والعبارة صريحة في أنّ للفقيه أخذها منه قهراً، وأمّا عدم ضمانه عند التلف فلعلّ وجهه ما يلي:

إنّ دليل الضمان هو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، فالمحكوم بالضمان من يتمكّن من الأداء فإذا لم يتمكّن منه فلا يحكم عليه بالضمان.

يلاحظ عليه: بما مرّ من أنّه متمكّن من الأداء بالإسلام والإيمان فلا


1 . العروة الوثقى: 2 / 351، كتاب الزكاة، ختام فيه مسائل متفرقة، المسألة السابعة والثلاثون.

2 . المسالك:1/363.


صفحه227

محذور في الحكم عليه بالضمان عند التلف إذا كان فيه تفريط.

الفرع الرابع: ضمانها عند الإتلاف

وقد أشار السيد الطباطبائي إلى هذا الفرع بقوله: «ولو كان قد أتلفها، فله أخذ عوضها منه»(1)، وقد تبيّن وجهه ممّا ذكرنا فإنّ دليل الضمان يعمّ التلف والإتلاف، فإذا كان ضامناً عند التلف ففي صورة الإتلاف بطريق أولى، ولعلّ من قال بعدم الضمان فدليله هو نفس الدليل في التلف وهو عدم التمكّن من الأداء، وقد عرفت تمكّنه منه.

فقد تبيّن ممّا ذكرنا الأُمور التالية:

1. أنّ الكافر محكوم بالفروع كما هو محكوم بالأُصول.

2. أنّ الكافر محكوم بأداء الزكاة كالمسلم.

3. إذا كان الكافر ذمّياً ولم يذكر في عقد الذمّة العشر ولا نصفه ولا مضاعفه (الخمس) كما في بعض الروايات (2) لا يجب عليه أداء الزكاة.

4. الكافر الحربي تؤخذ منه الزكاة قهراً.


1 . العروة الوثقى: 2 / 272، شرائط وجوب الزكاة، المسألة 16 .

2 . منها: رواية ابن مسلم، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أرأيت ما يأخذ هؤلاء من هذا الخمس من أرض الجزية ويأخذ من الدهاقين جزية رؤوسهم أما عليهم في ذلك شيء موظف؟ فقال: كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم، وليس للإمام أكثر من الجزية إن شاء الإمام وضع ذلك على رؤوسهم وليس على أموالهم شيء، وإن شاء فعلى أموالهم وليس على رؤوسهم شيء. (الوسائل : ج 11، الباب 68 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2). فإنّ المراد من الخمس هو ضعف العشر الذي هو من مقادير الزكاة.


صفحه228

5. كلّ من وجب عليه أداء الزكاة فهو ضامن عند التلف والإتلاف من غير فرق بين المسلم والكافر.

في سقوط الزكاة عن الكافر بعد إسلامه

نصّ على السقوط جماعة من أصحابنا، قال الشيخ الطوسي:

قسم منهم إذا لم يُخرجوا ما يجب عليهم من الزكاة، كان ثابتاً في ذمَّتهم، وهم جميع من كان على ظاهر الإسلام; والباقون هم الذين متى لم يُخرجوا ما يجب عليهم من الزكاة، لم يَلْزمهم قضاؤُه وهم جميع من خالف الإسلام، فإنّ الزكاة وإن كانت واجبة عليهم بشرط الإسلام ولم يخرجوها لكفرهم، فمتى أسلموا لم يلزمهم إعادتها.(1)

وقال أيضاً في «المبسوط»: فأمّا شرائط الضمان فاثنان: الإسلام، وإمكان الأداء. لأنّ الكافر وإن وجبت عليه الزكاة لكونه مخاطباً بالعبادات، فلا يلزمه ضمانها إذا أسلم.(2)

وقد خصّ في « الشرائع» السقوط بما إذا تلفت وقال: فإذا تلفت لا يجب عليه ضمانها وإن أهمل.(3)

قد ادّعى غير واحد الإجماعَ على السقوط مطلقاً سواء أتلفت أم لا، قال المحقّق الأردبيلي: فلو كان المسلم متمكّناً من الأداء بمعنى أنّ المستحق موجود وليس هنا شيء يمنع الإعطاء شرعاً، فما أعطى، استقر الضمان في


1 . النهاية:174، باب وجوب الزكاة ومعرفة من تجب عليه.

2 . المبسوط:1/150.   3 . الجواهر:15/63، قسم المتن.


صفحه229

ذمّته ولزمه الأداء مطلقاً، بقي المال أو تلف.

أمّا لو كان صاحب المال كافراً وجبت عليه على ما هو رأي الأصحاب، فلو أسلم لم يضمن، يعني: يسقط عنه الزكاة، كأنّه للإجماع والنص، مثل «الإسلام يجبّ ما قبله».

وكذا لو تلفت مع عدم الإمكان كعدم المستحق، ولو تلف البعض فمثل الكلّ كما مرّ.(1)

وقال صاحب الجواهر: وتسقط عنه بالإسلام، كما نصّ عليه غير واحد، بل لم نجد فيه خلافاً ولا توقّفاً قبل الأردبيلي والخراساني وسيد المدارك، بل ليس في كلام الأوّل على ما قيل سوى قوله: كان ذلك للإجماع والنص مثل: «الإسلام يجبّ ما قبله»، و هو خال عن التوقّف فضلاً عن الخلاف، فانحصر ذلك فيهما.(2)

وقال العاملي في «مفتاح الكرامة»: نص عليه المفيد في كتاب «الإشراف» والشيخ وابن إدريس وكذا ابن حمزة وسائر المتأخّرين، وما وجدنا مَن خالف أو توقّف قبل صاحب المدارك وصاحب الذخيرة ـ إلى أن قال: ـ بل في «المعتبر» و«التذكرة» و«كشف الالتباس» و«المسالك» إنّها تسقط عنه بالإسلام وإن كان النصاب موجوداً، وهو قضية كلام الدروس فيما سيأتي.(3)


1 . مجمع الفائدة والبرهان:4/26.   2 . الجواهر:15/61.

3 . مفتاح الكرامة:2/30، كتاب الزكاة، ط مصر.


صفحه230

وقد استدلّوا على السقوط بوجوه:

الأوّل: قوله سبحانه: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنْتَهُوا يُغفَر لَهُم ما قَدْ سَلف وإن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنّةُ الأَوّلِين).(1)

بتقريب أنّه سبحانه أمر نبيَّه بدعائهم إلى التوبة والإيمان وقال: قل يا محمد للذين كفروا إن ينتهوا ويتوبوا عمّا هم عليه من الشرك ويمتنعوا منه، يغفر لهم ما قد سلف و مضى من ذنوبهم.

ولكنّ هنا وجهاً آخر للآية ولعلّه أظهر من الأوّل، وهو إن ينتهوا عن المحاربة إلى الموادعة يغفر لهم ما قد سلف من المعاقبة، وإن يعودوا إلى القتال فقد مضت سنة اللّه في آبائكم وعادته في نصر المؤمنين وكبت أعداء الدين والأسر والاسترقاق.(2)

ويفسر العلاّمة الطباطبائي الآية على هذا النحو و يقول: قل لهم أن ينتهوا عن المحادة للّه ولرسوله يغفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا إلى مثل ما عملوا فقد علموا بما جرى على سابقتهم.(3)

وعلى ذلك فليست الآية بمعنى رجوع الكافر إلى الإسلام حتى تغفر ذنوبه أو تسقط ما وجب عليه من الأحكام، بل هي بمعنى الانتهاء عن المحادة والمحاربة واللجوء إلى الصلح، ويؤيده انّه سبحانه يقول بعد تلك


1 . الأنفال: 38.

2 . مجمع البيان:2/542، ط صيدا.

3 . الميزان: 9/74.


صفحه231

الآية: (وقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) .(1)

فإنّ المراد من قوله: (فإن انتهوا) هو الانتهاء عن المقاتلة لا الورود إلى حظيرة الإسلام.

الثاني: الحديث المعروف بحديث «الجب» أعني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يجبّ ما قبله».

والجَبّ ـ بفتح العين ـ مصدر جبّه: قطعه وغلبه.

وقد ورد الحديث بلفظه ومضمونه في مواضع مختلفة يورث الاطمئنان بصدوره بلفظه أو بمعناه إذ من البعيد التواطؤ على الكذب مع وروده في مجالات مختلفة، نذكر منها ما يلي:

1. أخرج مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص، قال: فلمّـا جعل اللّه الإسلام في قلبي أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقلت: أبسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي قال: «مالكَ يا عمرو؟»، قال: قلت: أردت أن اشترط قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله».(2)

2. روى أحمد بن حنبل عن أبي شماسة، قال: إنّ عمرو بن العاص قال: لمّا ألقى اللّه عزّ وجلّ في قلبي الإسلام ، قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليبايعني فبسط


1 . الأنفال:39.

2 . صحيح مسلم:1/78، باب أنّ الإسلام يهدم ما قبله.


صفحه232

يده إليّ، فقلت: لا أُبايعك يا رسول اللّه حتى تغفر لي ما تقدّم من ذنبي، قال: فقال لي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا عمرو أما علمت أنّ الهجرة تجبّ ما قبلها من الذنوب، يا عمرو أما علمت أنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله من الذنوب».(1)

3. وروي أيضاً أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: « إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإنّ الهجرة تجبّ ما كان قبلها».(2)

4. وروى ابن الأثير: قال: وروى محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جدّه، كنت جالساً مع رسول اللّه منصرفاً من الجعرّانة، فأطلع هبّار بن الأسود أتى من باب رسول اللّه ـ إلى أن قال : ـ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «فقد عفوت عنك، وقد أحسن اللّه إليك حيث هداك اللّه إلى الإسلام، والإسلام يجبّ ما قبله».(3)

5. وروى ابن شهر آشوب في مناقبه، قال: جاء رجل إلى عمر، فقال: إنّي طلقت امرأتي في الشرك تطليقة وفي الإسلام تطليقتين، فما ترى؟ فسكت عمر، فقال له الرجل: ما تقول؟ قال: كما أنت حتى يجيء علي بن أبي طالب، فجاء علي (عليه السلام)فقال: قصّ عليه قصتك، فقصّ عليه القصة، فقال علي (عليه السلام): «هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة».(4)

6. روى الحلبي في سيرته: انّ عثمان شفّع في أخيه ابن أبي سرح،


1 . مسند أحمد بن حنبل:4/205.

2 . مسند أحمد بن حنبل:4/199.

3 . أُسد الغابة:5/53.

4 . مناقب ابن شهر آشوب:2/364، فصل في ذكر قضاياه (عليه السلام)في عهد عمر.


صفحه233

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما بايعته وأمّنته؟»، قال: بلى ولكن يذكر ما جرى منه معك من القبيح ويستحيي.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام يجبّ ما قبله».(1)

7. وروى أيضاً في حوادث غزوة وادي القرى: أنّ خالد بن الوليد وعمرو بن العاص و عثمان بن طلحة جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مسلمين، وطلبوا منه أن يغفر اللّه لهم، فقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الإسلام يجبّ ما قبله».(2)

8. روى الشيخ عن جعفر بن رزق اللّه، قال: قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة وأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا و كذا، فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام)وسؤاله عن ذلك، فلمّا قدم الكتاب كتب أبو الحسن (عليه السلام): «يُضرب حتى يموت»، فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين سله عن هذا فإنّه شيء لم ينطق به كتاب ولم تجئ به السنّة، فكتب: أنّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا: لم تجئ به سنّة ولم ينطق به كتاب، فبيّن لنا بما أوجبت عليه الضرب حتى يموت؟

فكتب: بسم اللّه الرحمن الرّحيم، (فلَمّا رَأوْا بَأسَنا قَالُوا آمنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيْمانُهُمْ لَمّا رَأوْا بَأسَنا سُنّةَ اللّهِ الّتِي


1 . السيرة الحلبية:3/778 في غزوة وادي القرى، ط دار المعرفة.

2 . السيرة الحلبية:3/778 في غزوة وادى القرى، ط دار المعرفة.


صفحه234

قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنُالِكَ الكافِرُونَ)(1)، قال: فأمر به المتوكل فضرب حتى مات.(2)

ويظهر من الرواية أنّ «حديث الجبّ» كان أمراً مسلّماً في عصر الإمام الهادي (عليه السلام).

9. نقل ابن أبي الحديد أنّ المغيرة بن شعبة، وفد مع جماعة من بني مالك على المقوقس ملك مصر، فلمّا رجعوا قتلهم المغيرة في الطريق، وفرّ إلى المدينة مسلماً، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أمّا إسلامك فقد قبلته، ولا نأخذ من أموالهم شيئاً ولا نخمّسها لأنّ هذا غَدْر، والغدر لا خير فيه» فأخذني ما قرب وما بعُد فقلت: يا رسول اللّه إنّما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثمّ أسلمتُ حين دخلتُ إليك الساعة، فقال (عليه السلام): «الإسلام يجبّ ما قبله».(3)

10. وقال ابن الأثير في «النهاية» في مادة «جبب» ومنه الحديث: إنّ الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها، أي يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب. (4)

وعبارته صريحة في أنّ ما ذكره من التفسير من عند نفسه، فما في مجمع البحرين في تلك المادة في الحديث «الإسلام يجبّ ما قبله» و«التوبة


1 . غافر: 84 ـ 85.

2 . الوسائل: ج 18، الباب 36 من أبواب حد الزنا، الحديث2.

3 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 20 / 9 ـ10 في شرح الكلمة 413 من كلمات الإمام علي (عليه السلام).

4 . النهاية: مادة «جبّ».


صفحه235

تجبّ ما قبلها من الكفر والمعاصي والذنوب» خلط منه بين الحديث وتفسيره بشهادة أنّ ابن الأثير ذكره بصورة التفسير و قال: «أي».

هذه مصادر عشرة جاء فيها ذكر الحديث، والمتتبع يجده في غير تلك المواضع أيضاً، ولعلّ هذا المقدار منه يثبت تضافره وصدوره في غير واحد من الموارد.

إنّما الكلام في مدلول الحديث.

مدلول الحديث

إنّ في الحديث في بدء الأمر احتمالات ثلاثة:

الأوّل: أنّ الإسلامَ يمحو الكفر.

الثاني: أنّ الإسلام يرفع آثار الكفر.

الثالث: أنّ الإسلام يرفع كلّ ما صدر من الكافر من الخطيئات، من ترك الواجبات واقتراف المحرمات، وبالتالي يرفع ما يتبعها من التعزير والحدّ، والقضاء والضمان، والحاصل يفرض كأنّه لم يصدر منه الخطيئة.

فالاحتمال الأوّل كأنّه توضيح للواضح، ونظيره الاحتمال الثاني فإنّ الحكم ينتفي بانتفاء موضوعه; فلو قلنا بنجاسة بدن الكافر، فإذا أسلم تنتفي النجاسة لانتفاء الموضوع، وهذا أمر كالبديهي، فتعيّن الثالث، والمراد انّ العقوبات الثابتة في الإسلام لمن ارتكب الحرام أو ترك الواجب مسلماً كان أو كافراً إذا أسلم ترتفع وتنتفي، والإسلام يقطع بين الحالتين ويرفع تلك العقوبات.


صفحه236

ويؤيد ذلك موارد الروايات التي مرّت، ففي الحديث الثاني، قال عمرو بن العاص للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا أُبايعك يا رسول اللّه حتى تغفر لي ما تقدّم من ذنبي...

وفي الحديث الرابع ارتكب هبّار جريمة وهو أنّه عرض لزينب بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في نفر من سفهاء قريش حين أرسلها زوجها أبو العاص إلى المدينة، فأهوى إليها هبّار و ضرب هودجها ونخس الراحلة وكانت حاملاً فأسقطت، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن لقيتم هبّاراً هذا فأحرقوه بالنار ثمّ اقتلوه، فإنّه لا يعذب بالنار إلاّ رب النار».(1)

كما أنّ الحرمة الأبدية بعد طلقات ثلاث، عقوبة من الشارع على الزوج، لأنّه يهتك حرمة الزوجة ،وهو جريمة، فإذا أسلم ارتفعت تلك العقوبة، كما في الحديث الخامس.

كما أنّ المغيرة بن شعبة ارتكب جريمة لا تغتفر بقتله رفقة سفره من دون جرم، ولذا أسماه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالغدر وهو محرم، ولو ارتكبها المسلم لعوقب، فإذا كان الفاعل كافراً وأسلم رفعت تلك الجريمة. إلى غير ذلك من الموارد.

وربما يقال بأنّ المكاتبة (8) صريحة في عدم اعتناء الإمام بمضمون حديث الجب وإنّما هو أمر معروف ولم يثبت عندنا، والمسألة التي تضمّنتها الرواية محرّرة في الفقه، وقد أفتى الأصحاب بعدم سقوط الحد عن الزاني،


1 . أُسد الغابة:5/53.


صفحه237

سواء أسلم قبل صدور الحكم من الحاكم أم بعده.(1)

يلاحظ عليه : بأنّ عدم عمل الإمام بحديث الجبّ في المقام لم
يكن لأجل عدم حجّية القاعدة، بل لأجل عدم كون المسألة من مصاديقها، لأنّ المراد من الإسلام الذي يجبّ ما قبله هو الإسلام النابع من صميم
الإرادة والاختيار لا النابع من الخوف و الفرار من الحد كما في المقام،
حيث إنّ النصراني لمّا رأى انّه يجرى عليه الحد أسلم لإسقاط الحدّ، فيكون إسلامه إسلاماً غير نابع من صميم الذات، بل للفرار من الحد، وهو لا يجبّ ما قبله.

وعلى ذلك فكلّ ما صدر منه من الخطيئات بين ترك الفريضة أو اقتراف الجريمة، يُفرض كأنّه لم يصدر عنه، وبالتالي العقوبات المترتبة على الفاعل المختار ومنه الكافر إذا أسلم فتسقط، ومنه يعلم عدم سقوط الأُمور التالية:

1. أحكام الأحداث والنجاسات: فإنّ إمكانها ليست من قبيل العقوبات، بل أحكام نابعة من صميمها تابعة لمصالح ومفاسد في مكامنها.

2. العقود والإيقاعات والديون ونحوها ممّا لا يرتفع بالإسلام فلو
أعتق الكافر عبداً بقي على حريته بعد إسلامه، ولو استدان مالاً بقي على ذمته بعد الإسلام، فإنّ هذه الالتزامات العقلائية التي أمضاها الشارع أيضاً ليست عقوبة.


1 . مستند العروة:1/135، كتاب الزكاة.


صفحه238

كما أنّه لو باع خمراً أو اشتراه، أو باع ربوياً، أو مجهولاً، فبما أنّ هذه المعاملات تستعقب عقوبة إسلامية أقلّها بطلان تصرفاتهم ترتفع بالإسلام، خصوصاً بالنظر إلى ما ورد في مورد الربا (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ ما سَلَفَ)(1)، وقوله في مورد الجمع بين الأُختين: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاّما قَدْ سَلَفَ) .(2)

بقي الكلام في الزكاة فلو لم يؤدّ الزكاة حتى تلفت أو أتلفها، فقد ترك الواجب الذي يستعقب ضماناً; فإذا أسلم يفرض كأنّه لم يصدر منه الخلاف، وبالتالي يرتفع الضمان.

ولذلك قلنا بالضمان عند التلف والإتلاف مالم يسلم.

نعم، لو أسلم والنصاب موجود فلا وجه لسقوط الزكاة، فإنّ إيجابها لم يكن عقوبة حتى تسقط وإنّما كان حكماً شرعياً وتعاوناً اجتماعياً أوجبها سبحانه على كلّ فاعل مختار، فلا وجه لسقوطها بعد الإسلام، كما لا وجه لخروج حولان الحول في زمان الكفر أو الإسلام عن التأثير.

وبذلك يظهر أنّ قول السيد الطباطبائي: «سقطت عنه وإن كانت العين موجودةً» غير تام.

هذا بعض ما يمكن أن يقال في القاعدة والتفصيل موكول إلى محلّه.


1 . البقرة: 275.

2 . النساء: 23.


صفحه239

حكم شراء تمام النصاب من الكافر

والحكم على وفق القاعدة فإنّ الزكاة حقّ ثابت في العين بنحو من الأنحاء، فلا وجه لسقوطها بانتقالها من الكافر إلى المسلم.

وإنّما قيّده بتمام النصاب، لأجل أنّ تعلّق الزكاة بالنصاب من قبيل الكلّي في المعين، فلو بقي عند البائع مقدار يفي بالواجب، فلا شيء على المشتري أخذاً بحكم الكلّي من المعين، نعم لو قلنا بأنّ تعلّق الزكاة بالنصاب من قبيل الإشاعة، وأنّ أصحاب الزكاة شركاء في كلّ جزء من النصاب، فلا يكون هناك فرق بين شراء تمام النصاب أو بعض منه غاية الأمر يجب على المشتري حسب ما اشتراه.

وتؤيد ذلك صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل لم يزكّ إبله أو شاته عامين فباعها، على مَن اشتراها أن يزكّيها لما مضى؟ قال: «نعم، تؤخذ منه زكاتها ويُتَّبعُ بها البائع أو يؤدِّي زكاتها البائع».(1)

نعم، ورد في باب الخمس بأنّ انتقال ما فيه الخمس ممّن لا يعتقد وجوبه لا يؤثر في وجوب الخمس على الآخذ لأحاديث التحليل، وأمّا في باب الزكاة فلم يرد فيه شيء.

نعم أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن يخرج الزكاة من غنائم الكفّار بعد جمعها،


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.


صفحه240

ويحتمل أن يكون ذلك لأجل عدم إحراز شروط وجوبها من حولان الحول وبلوغ نصيب كلّ فرد حدّ النصاب، أو كان لأجل الولاية التشريعية في صرف الزكاة أيضاً في مصارف الغنائم.

وعلى كلّ تقدير لا يجوز لنا أن نرفض القاعدة المذكورة بفعل لم يُعلم وجهه.


صفحه241

الرسالة الرابعة التسعون

زكاة الفطرة


صفحه242


صفحه243

قبل الدخول في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

1. الفطرة واجبة إجماعاً من المسلمين

اتّفقت الإمامية على أنّ الفطرة واجبة كوجوب الزكاة بلا خلاف عندهم، وأمّا السنّة فقد اختلفوا إلى أقوال أربعة:

1. واجبة كوجوب الزكاة، قال ابن قدامة في شرحه على متن الخرقي: إنّ زكاة الفطرة تجب على كلّ مسلم مع الصغير والكبير والذكورية والأُنوثية في قول أهل العلم عامّة.(1)

2. ذهب أبو حنيفة إلى أنّها واجبة وليست بفرض .(2) والفرق بين الواجب والفرض أنّه حيث يخصّ الفرض بما ثبت بدليل مقطوع به، والواجب بدليل مظنون.

3. وقال بعض أصحاب مالك: هي سنّة مؤكّدة .(3) والفرق بينها وبين الندب هو أنّه يخصّ السنّة بما إذا استمر عمل النبي، والمندوب بما إذا لم يكن كذلك.


1 . المغني: 2 / 646 .   2 . المبسوط: 3 / 101.

3 . بداية المجتهد: 3 / 131 .


صفحه244

4. أنّ زكاة الفطرة منسوخة بالزكاة.(1)

وعلى كلّ تقدير فممّن نقل الإجماع ـ مضافاً إلى ما سمعته من ابن قدامة ـ العلاّمة الحلّي في «التذكرة» و «المنتهى».

قال في «التذكرة»: زكاة الفطرة واجبة بإجماع العلماء. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ صدقة الفطر فرض، وقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم.(2)

وقال في «المنتهى»: قد أجمع العلماء كافّة على وجوب الفطرة إلاّ ما نقل عن داود وبعض أصحاب مالك من أنّها سنّة، واختلفوا هل هي فرض أم لا؟ فقال الموجبون: إنّها فرض، إلاّ أبا حنيفة فإنّه جعلها واجبة غير فرض. ويدلّ على الوجوب: النص والإجماع قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) قال علماء أهل البيت: المراد زكاة الفطرة، ومثله سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز.(3)

وتدلّ صحيحة هشام على أنّ الفطرة فرضت قبل الزكاة حيث روى عن الصادق (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: «نزلت الزكاة وليس للناس أموال وإن كانت الفطرة».(4)

ولو صحّ الحديث، يجب تفسير ما نزل من الآيات حول الزكاة قبل العمرة بزكاة الفطرة وهو بعيد، لأنّ اهتمام الذكر الحكيم بإيتاء الزكاة كاهتمامه


1 . المصدر نفسه .   2 . التذكرة: 5 / 365 .   3 . المنتهى: 1 / 531 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .


صفحه245

بإقامة الصلاة، والفطرة لا تستحق ذلك الاهتمام الهائل لقلّتها، ولعلّ للرواية معنى آخر.

2. أنّها تدفع الموت

روى الصدوق عن إسحاق بن عمّار، عن معتّب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «اذهب فأعط عن عيالنا...» .(1) والمراد كونه مقتضياً لدفع الموت، لا علّة تامّة، نظير سائر الصدقات.

3. أنّها من تمام الصوم وكماله

روى الصدوق بسند صحيح عن أبي بصير وزرارة جميعاً قالا: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «إنّ من تمام الصوم، إعطاء الزكاة...» .(2) والمراد من الزكاة فيه هو الفطرة .

بقرينة أنّ: «من صام ولم يؤدّ الزكاة فلا صوم له».

4. المراد من قوله: «تزكّى» هو إخراج الفطرة

دلّ غير واحد من الروايات على أنّ المراد من التزكية في قوله سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) هو إخراج الفطرة.

قال العروسي في «نور الثقلين»: روى الصدوق في «من لا يحضره


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب الفطرة، الحديث 5 .


صفحه246

الفقيه»: وسئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) قال: «من أخرج الفطرة». قيل له: (وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) قال: «خرج إلى الجبّانة فصلّى».(1)

5. معنى الفطرة

احتمل صاحب العروة أن تكون الفطرة بمعنى الخلقة، فزكاة الفطرة زكاة البدن، أو بمعنى الدين أي زكاة الإسلام والدين، أو بمعنى الإفطار لكون وجوبها يوم الفطر. وقد ذكر المعاني الثلاثة في «الحدائق» كما ذكر مؤيّداً لكلّ من المعنيين الأوّلين.(2)

6. فهرس المسائل وفصولها

إنّ البحث عن الفطرة وأحكامها يكون ضمن فصول خمسة، وإليك عناوينها:

الفصل الأوّل: في شرائط وجوبها.

الفصل الثاني: في مَن تجب عنه.

الفصل الثالث: في جنسها وقدرها.

الفصل الرابع: في وقت وجوبها.

الفصل الخامس: في مصرفها.

وإليك دراسة هذه الفصول واحداً تلو الآخر.


1 . نور الثقلين: 5 / 556، الحديث 19 .   2 . الحدائق: 12 / 257 .


صفحه247

الفصل الأوّل

في شرائط وجوبها

الأوّل: التكليف

هنا فرعان:

1. لا يجب على الصبي والمجنون وإن كانا موسرين.

2. لا يجب عليهما بالنسبة إلى عيالهما.

فلندرس الفرعين واحداً بعد الآخر.

أمّا عدم وجوبها على الصبيوالمجنون فمورد اتّفاق بين الأصحاب، كما أنّ المشهور عند الآخرين هو الوجوب.

قال المحقّق في «المعتبر»: تجب الفطرة على البالغ العاقل الحرّ. أمّا اشتراط البلوغ فعليه علماؤنا أجمع. وبه قال محمد بن الحسن، وقال الباقون: تجب في مال اليتيم ويخرجها عنه الولي.(1)

قال العلاّمة في «التذكرة»: البلوغ شرط في الوجوب، فلا تجب على الصبي قبل بلوغه، موسراً كان أو معسراً، سواء كان له أب أو لا، وإن وجبت


1 . المعتبر: 2 / 593 .


صفحه248

على الأب عنه عند علمائنا أجمع، وبه قال محمد بن الحسن.

وقال الحسن والشعبي: صدقة الفطر على من صام من الأحرار والرقيق.

إلى أن قال: وأطبق باقي الجمهور على وجوب الزكاة في ماله ويُخرج عنه الولي; لعموم قوله: «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كلّ حرّ وعبد، ذكر وأُنثى. ثمّ ردّه بأنّ لفظ «الناس» منصرف إلى المكلّفين، لقوله سبحانه: (وَ للهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) .(1)

وقال في «المنتهى»: ولا يجب إلاّ على المكلّفين ويسقط عن الصغير والمجنون، ذهب إليه علمائنا أجمع. وبه قال الحسن البصري والشعبي ومحمد بن الحسن الشيباني، وأطبق الجمهور على وجوبها على اليتيم ويخرج عنه الولي.(2)

وقال ابن قدامة في «المغني»: إنّ زكاة الفطرة تجب على كلّ مسلم تلزمه مؤونة نفسه، صغيراً كان أو كبيراً، حرّاً أو عبداً، ذكراً أو أُنثى لقول ابن عمر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كلّ حرّ وعبد، ذكر أو أُنثى من المسلمين. وهذا قول عامّة أهل العلم وتجب على اليتيم ويُخرج عنه وليّه من ماله، لانعلم أحداً خالف فيه إلاّ محمد بن الحسن قال: ليس في مال الصغير صدقة. وقال


1 . التذكرة: 5 / 366، المسألة 274 .   2 . المنتهى: 1 / 531 .


صفحه249

الحسن: صدقة الفطر على من صام من الأحرار وعلى الرقيق، وعموم حديث ابن عمر يقتضي وجوبها على اليتيم والصغير مطلقاً، ولأنّه مسلم فوجبت فطرته كما لو كان له أب.(1)

وقد تعرفت على ضعف دليله الأوّل، أعني: التمسّك بإطلاق لفظ الناس.

وأمّا دليله الثاني من أنّه مسلم تجب فطرته فمثل الأوّل، لأنّ الكلام في وجوبه على كلّ مسلم ومحكوم بالإسلام هو غير ثابت، لاحتمال شرطية البلوغ; وأمّا فرضها على أبيه عندما كان له أب، فلا يكون دليلاً على وجوبها عليه في ماله.

دليل شرطية البلوغ

ويدلّ على شرطية البلوغ أُمور:

1. أنّ إيجاب زكاة الفطرة على الصبي لا يخلو من وجهين: إمّا أن يكون على نحو التكليف، أو على نحو الوضع.

أمّا الأوّل فالمفروض أنّه غير مكلّف وغير مخاطب بشيء، وخطاب الولي من جانبه يحتاج إلى دليل.

وأمّا الثاني فمبني على أن تكون الفطرة ثابتة في ذمّته كالغرامات، لكنّه فرع وجود الدليل على اعتبار الفطرة في ذمّة الصغير.


1 . المغني: 2 / 646 .


صفحه250

والظاهر من الدليل أنّه حكم تكليفي، كما هوالمتبادر من قول الإمام الصادق (عليه السلام) لمعتّب: «اذهب فأعط عن عيالنا الفطرة وعن الرقيق أجمعهم، ولاتدع منهم أحداً».(1)

2. حديث رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يفيق، وعن النائم حتّى يستيقظ.(2)

فإنّ مقتضى إطلاق الحديث هو رفع القلم مطلقاً تكليفاً كان أو وضعاً، إلاّ ما إذا كان على خلاف الامتنان، كإتلاف مال الغيرأو التعزيرات الّتي فيها المنّة عليه وعلى الآخرين.

وربّما يحتمل اختصاص الحديث بالحدود بمعنى سقوط الحدود عن الثلاثة، وهو تخصيص بلا دليل، والاحتجاج به على سقوط الحدّ عن المجنون في نفس الرواية لا يكون دليلاً على التخصيص.

3. مارواه الشيخ في «التهذيب».

روى الشيخ عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن القاسم بن فضيل البصري، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أسأله عن الوصي يزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال فكتب (عليه السلام): «لا زكاة على مال اليتيم».(3)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5 .

2 . الوسائل: ج 1، الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث 11 .

3 . التهذيب: 1 / 40، باب زكاة أموال الأطفال والمجانين، الحديث 15.


صفحه251

وروى الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن القاسم بن الفضيل، قال: كتبت إلى أبي الحسن أسأله عن الوصي أيزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال؟ قال: فكتب (عليه السلام): «لا زكاة على يتيم».(1)

فالرواية على كلا السندين صحيحة.

ورواه في «الوسائل» عن «الكافي» بالسند المزبور.(2) فقد أخذه صاحب الوسائل من «الكافي» عن المصدر المذكور.

وأمّا الصدوق فقد رواه، بقوله: وكتب محمد بن القاسم بن فضيل البصري إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن الوصي يزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال؟ فكتب (عليه السلام): «لا زكاة على يتيم» .(3)

وسند الصدوق إلى محمد بن القاسم قابل للاعتماد، لأنّ الحسين بن إبراهيم الملقّب بـ «المؤدّب»، «المكتّب»، «الكاتب» الذي وقع في مشيخة الفقيه هو من مشايخ الصدوق ترضّى عليه في جميع الموارد، وهذا المقدار يكفي في الاعتماد، وما نقلناه عن المصادر الثلاثة كلّها على لفظ واحد ولا يشتمل على شيء آخر.

هذا كلّه حول الفرع الأوّل، وإليك الكلام في الفرع الثاني.


1 . الكافي: 3 / 541، باب زكاة مال اليتيم، رقم 8 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 4 .

3 . الفقيه: 2 / 115، الباب 59 باب الفطرة، الحديث 5 .


صفحه252

سقوطها عن عياله

كان الكلام في الفرع السابق سقوط الفطرة عن الصبي، وأمّا سقوطها عن عياله فيدلّ عليه إطلاق الصحيح السابق، وللأولوية، فإذا لم يجب عليه زكاة نفسه فأولى أن لا يجب على من يعوله.

نعم ورد في ذيل الحديث السابق على حسب نقل «الكافي» في مكان آخر ما يدلّ على وجوبها عليه لمن يعوله، والسند كالتالي: محمد بن الحسين، عن محمد بن القاسم بن الفضيل البصري، عن أبي الحسن قال: كتبت إليه: الوصي يزكّي عن اليتامى زكاة الفطرة إذا كان لهم مال؟ فكتب: «لا زكاة على يتيم».

وعن مملوك يموت مولاه وهو عنه غائب في بلد آخر وفي يده مال لمولاه ويحضر الفطر، أيزكّي عن نفسه من مال مولاه وقد صار لليتامى؟، قال: «نعم».(1)

والرواية مع هذا الذيل تختص بالكافي وليس في «التهذيب»، مع أنّ الكليني ـ كما مرّ ـ رواه في باب زكاة مال اليتيم بلا هذا الذيل، والسند المشتمل على الذيل لا يخلو عن إرسال، لأنّ الكليني لا يروي عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (المتوفّى عام 262 هـ) بلا واسطة، وإنّما يروي عنه بواسطة محمد بن يحيى، كما هو الحال في باب زكاة مال اليتيم. وعندئذ فلو قلنا بوحدة الرواية وانّ الكليني حذف الذيل في باب زكاة مال اليتيم، لعدم


1 . الكافي: 4 / 172، باب الفطرة، الحديث 13 .


صفحه253

الحاجة إليه فتكون الرواية مسندة، وقد سقط محمد بن يحيى عن أوّل السند.

وأمّا لو قلنا بأنّهما روايتان، والرواية الثانية المشتملة على الذيل رواية مستقلة، فيشكل الإفتاء على ضوئها للإرسال في صدر السند.

ويشهد على التعدّد أنّ الصدوق نقل الحديثين بصورة روايتين مستقلّتين .

فروى المضمون الأؤّل في باب الفطرة رقم 5، وروى نفس الذيل في ذلك الباب برقم 13 .

وأمّا صاحب الوسائل (1) فرواها عن «الفقيه» وقال: ورواه الكليني وحملها على موت المولى بعد الهلال.

وعندئذ تكون الرواية حسب نقل الكليني مرسلة، ولكنّها حسب ما نقله الصدوق معتبرة; لما قلنا من أنّ الحسين بن إبراهيم من مشايخ الصدوق، وقد قلنا: إنّ الرواية معتبرة، ومع ذلك كلّه فالإفتاء على مضمونها غير خال عن الإشكال، لمخالفته للأُصول أوّلاً، ولإعراض الأصحاب عنه ثانياً. قال في «الجواهر»: بل قد يقوى سقوطها عنهما بالنسبة إلى من يعولون به أيضاً لذلك لا أنفسهما خاصة، وذيل المكاتبة المزبورة مع مخالفته لما دلّ على عدم جواز التصرّف لغير الولي لم أجد عاملاً به، فلا يصلح دليلاً لما خالف الأُصول .(2)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 .

2 . الجواهر: 15 / 485 .


صفحه254

الثاني: عدم الإغماء

فلا تجب على من أهلّ شوال عليه وهو مغمى عليه.

وقد أفتى بذلك المحقّق في «الشرائع»(1) والعلاّمة في «التذكرة» (2)، لكن مجرّداً عن الدليل.

وقال في «المدارك»: إنّه مقطوع به في كلام الأصحاب، ذكره العلاّمة وغيره مجرّداً عن الدليل، وهو مشكل على إطلاقه. نعم، لو كان الإغماء مستوعباً لوقت الوجوب اتّجه ذلك.(3)

والمسألة غير منصوصة، ولذلك خلت عبارة «المقنعة» و «النهاية» عن هذا الشرط.

قال في الأوّل: وزكاة الفطرة واجبة على كلّ حر بالغ.(4)

وقال في «النهاية»: الفطرة واجبة على كلّ حر بالغ مالك لما تجب عليه فيه زكاة المال.(5)

ولم يذكره المحقّق في «المعتبر» (6) مع أنّ كتابه ليس مقتصراً على الفقه المنصوص، فلابدّ من الرجوع إلى القواعد.

الظاهر أنّ هناك فرقاً بين الجنون والإغماء، فالإغماء نوع مرض يطرأ على الإنسان، وهو حالة متوسطة بين الجنون والنوم .

يقول الجرجاني: النوم حالة طبيعية تتعطّل معها القوى، مع سلامتها،


1 . الشرائع: 1 / 171 .   2 . التذكرة: 5 / 368 .   3 . المدارك: 5 / 308 .

4 . المقنعة: 247 .   5 . النهاية: 189 .   6 . المعتبر: 2 / 593 .


صفحه255

فبينه وبين الإغماء اشتراك في تعطّل القوى، واختلاف في أنّ الإغماء من المرض والنوم مع السلامة.(1)

وعلى ذلك فالإغماء مرض يزيل القوى ويستر العقل، بخلاف الجنون فهو إزالة للعقل.

وقال السيد الطباطبائي في باب من تجب عليه الزكاة: الأظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه في أثناء الحول وكذا السكران، فالإغماء والسكر لا يقطعان الحول فيما يعتبر فيه. ولا ينافيان الوجوب إلاّ عرضاً حال التعلّق في الغلاّت.(2)

والظاهر من الأصحاب عطف الإغماء على الجنون في غير واحد من الأبواب:

1. سقوط قضاء الصلاة مع الإغماء المستوعب للوقت

قال المحقّق: أمّا السبب فمنه ما يسقط معه القضاء وهو سبعة: الصغر والجنون والإغماء على الأطهر.

وفي «الجواهر»: الأشهر كما في الروضة، بل هو المشهور نقلاً وتحصيلاً .(3)


1 . التعريفات للجرجاني، مادة «نام».

2 . العروة الوثقى: 2 / 265، كتاب الزكاة، شرائط وجوب الزكاة.

3 . الجواهر: 13 / 4 .


صفحه256

2. عدم صحّة صوم المغمى عليه

يقول المحقّق: ولا يصحّ صوم المجنون ولا المغمى عليه.

وأضاف في «الجواهر»: وغيره ممّن فقد العقل الّذي هو شرط في التكليف المعتبر في صحّة العبادة، ضرورة كونه حينئذ كالمجنون، وإلى ذلك أشار في محكي المنتهى في الاستدلال على ذلك بأنّه بزوال عقله سقط التكليف عنه وجوباً وندباً، فلا يصحّ منه الصوم مع سقوطه .(1)

3. بطلان وكالة المغمى عليه

يقول المحقّق: كذا تبطل بالجنون والإغماء من كلّ واحد منهما.

وأضاف صاحب الجواهر قوله: بلا خلاف أجده، بل في المسالك موضع وفاق، ولعلّه العمدة في ذلك.(2)

4. عدم وجوب الزكاة على المغمى عليه

قال العلاّمة: وتجب الزكاة على النائم والساهي والمغفل دون المغمى عليه، لأنّه تكليف وليس من أهله.(3)

وربّما يظهر من الأصحاب في موارد أُخرى خلاف ذلك.

1. قال المحقّق في شرائط تعلّق الزكاة: وقيل: «حكم المجنون حكم الطفل». ولم يذكر المغمى عليه.


1 . الجواهر: 16 / 328 .   2 . الجواهر: 27 / 362 .   3 . التذكرة: 5 / 16 .


صفحه257

2. حكى في «الجواهر» عن «المدارك»: وانّ في الفرق بين النوم والإغماء نظراً.(1)

3. أضاف صاحب الجواهر وقال: والظاهر مساواة الإغماء للنوم، لأنّا لم نجد خلافاً من غيره في الأوّل .(2)

إذا عرفت ذلك، فالحقّ هو عدم الوجوب، لما عرفت من أنّ وجوب زكاة الفطرة حكم تكليفي وهو فرع صلاحية المكلّف للخطاب، وإخراج الولي عنه يحتاج إلى دليل، وهذا بخلاف زكاة المال إذ يمكن أن يقال انّه من قبيل الوضع كما هو الظاهر من قوله: في أربعين شاة، شاة، وإن قوّينا عدم الوجوب في محلّه.(3)

وبذلك يعلم أنّ العبرة هو وقت الوجوب وهو وقت رؤية الهلال، فلو زال الإغماء قبل الزوال فالأصل البراءة من الوجوب، والله العالم.

الثالث: الحرية

هنا فروع ثلاثة:

1. حكم وجوب زكاة الفطرة على العبد.

2. حكم العبد المكاتب.

3. المكاتب الّذي تحرر منه شيء.


1 . الجواهر: 15 / 29 .   2 . الجواهر: 15 / 29 .

3 . راجع الجزء الأوّل من كتابنا الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 53 .


صفحه258

وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

1. هل تجب زكاة الفطرة على العبد أو لا؟

المشهور بين الفقهاء هو عدم الوجوب من غير فرق بين الشيعة والسنّة.

قال الشيخ: العبد لا تجب عليه الفطرة، وإنّما يجب على مولاه أن يخرجها عنه. وبه قال جميع الفقهاء.

وقال داود: تجب على العبد، ويلزم المولى إطلاقه، ليكتسب ويخرجها عن نفسه.

استدلّ الشيخ بأنّه لا تجب الفطرة إلاّ على من يملك نصاباً تجب في مثله الزكاة، والعبد لا يملك شيئاً فلا تجب عليه الفطرة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ العبد يملك وإنّما يُمنع من التصرف بلا إذن مولاه، وقد مرّ سابقاً.

والظاهر أنّ المسألة مورد اتّفاق، قال في «الحدائق»: ولا أعلم فيه مخالفاً سوى الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» بالنسبة إلى المكاتب. وسيوافيك الكلام فيه.

واعلم أنّ مصبّ البحث في وجوب زكاة الفطرة على العبد وعدمه فيما إذا لم يكن عيالاً على مولاه، وإلاّ فلا شكّ في عدم وجوبها عليه، بل على مولاه كسائر من يعول من زوجة وولد وخادم.


1 . الخلاف: 2 / 130، كتاب الزكاة، المسألة 158 .


صفحه259

وبذلك يعلم أنّ الاستدلال في المقام ـ على عدم الوجوب على العبد ـ بما دلّ على أنّ زكاة العبد على مولاه، في غير محله، فإنّ مصب تلك الروايات فيما إذا كان العبد عيالاً على المولى وهو خارج عن البحث، وعلى ذلك الاستدلال بالرواية التالية ونظائرها خروج عن مصبّ البحث.

1. صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)عن رجل يُنفق على رجل ليس من عياله إلاّ أنّه يتكلّف له نفقته وكسوته أتكون عليه فطرته؟ فقال: «لا، إنّما تكون فطرته على عياله صدقة دونه، وقال: العيال: الولد والمملوك والزوجة وأُمّ الولد».(1)

2. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «تصدّق عن جميع من تعول من حرّ أو عبد أو صغير أو كبير من أدرك منهم الصلاة».

قال في «الوسائل»: المراد صلاة العيد.(2)

أمّا عدم صحّة الاستدلال، فلأنّ مصبّ السؤال والجواب في هذه الروايات هو وجوبه على المولى من حيث العيلولة ووجوب الإنفاق، كسائر تلك الأفراد المعدودة معه، كما نصّ به في «الحدائق». (3) والكلام في وجوب الفطرة على العبد من حيث العبودية لا من حيث العيلولة، وهذه الروايات ليست ناظرة لما نحن فيه.

والأولى أن يستدلّ بانصراف الأدلّة عن العبد، إمّا لعدم كونه مالكاً، لكن عرفت ضعفه، أو لكونه محجور التصرّف، والأدّلة الدالّة على وجوب الفطرة


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

2 . المصدر نفسه، الحديث 6 .   3 . الحدائق: 12 / 260 .


صفحه260

على كلّ مكلّف ناظرة إلى مَن يتمكّن من التصرّف. فلا تجب على العبد المالك غير المتمكّن.

2. العبد المكاتب

مقتضى انصراف الأدّلة عن غير المتمكّن من التصرف في ماله، عدم الفرق بين المكاتب وغيره، لكن ظاهر الصدوق في «الفقيه» (1) أنّ فطرة المكاتب على نفسه، مستدلاً بالصحيح عن علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى (عليه السلام) عن المكاتب هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه؟ وتجوز شهادته؟ قال: «الفطرة عليه ولا تجوز شهادته».(2)

أقول: لو كان قوله: «لا تجوز شهادته» إخباراً فهو معرض فيه، لكن يحتمل أن يكون إنشاء بصورة الاستفهام الإنكاري، أي كيف تجب عليه الفطرة ولا تجوز شهادته؟!

وعلى كلّ تقدير فالرواية دالّة على كون فطرة المكاتب، عليه.

نعم تعارضه روايتان قاصرتان.

1. خبر حمّاد بن عيسى، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه، ورقيق امرأته، وعبده النصراني والمجوسي، وما أغلق عليه بابه».(3)


1 . الفقيه: 2 / 117، رقم 502 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 17 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 13 .


صفحه261

والرواية قاصرة سنداً لكون علي بن الحسين بن الحسن الضرير الراوي عن حماد، مهملاً في الرجال لم يرد في حقّه توثيق.

وأمّا دلالة، فلظهور الرواية فيما إذا كان المكاتب عيالاً على المولى بقرينة ذكره مع رقيق المرأة والعبد النصراني والمجوسي وما أغلق عليه بابه.

2. مرفوعة محمد بن أحمد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه، ورقيق امرأته، وعبده النصراني والمجوسي، وما أغلق عليه بابه».(1)

والرواية قاصرة سنداً للرفع، ودلالة لظهورها فيما إذا كان المكاتب عيالاً على المولى.

3. حكم المكاتب المتحرّر منه شيء

هذا فيما إذا كان قنّاً لم يتحرّر منه شيء، وأمّا إذا تحرّر منه شيء ففيه احتمالات:

1. لا تجب عليه الفطرة إذا تحرّر منه شيء، وتجب على سيده بمقدار ما بقي منه. وهو خيرة الشيخ في الخلاف.(2)

2. لا تجب الفطرة عليه ولا على سيّده. وهو خيرة الشافعي على ما في «الخلاف».


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 9 .

2 . الخلاف: 2 / 130، المسألة 158 من كتاب الزكاة.


صفحه262

3. وجبت عليه وعلى المولى بالنسبة. وهو خيرة صاحب العروة، وهو ظاهر المحقّق حسب ما أوضحه صاحب الجواهر.(1)

4. وجوبها على العبد فقط. وهذا هو الأقوى، وذلك لأنّ مصب البحث هو إذا لم يكن عيالاً على المولى وإلاّ تكون فطرته عليه بلا كلام.

وبذلك يظهر أنّه لا وجه للقول الأوّل، أعني: وجوب الزكاة على مولاه بمقدار ما بقي منه، كما لا وجه للثالث، أعني: وجوبها عليهما بالنسبة.

نعم إذا ملك من التصرف في ماله ولو لأجل تحرير البعض، كان مقتضى القاعدة هو وجوبها عليه، ومقتضى ذلك عدم صحّة الوجه الثاني أيضاً، أعني: عدم الوجوب مطلقاً.

وبذلك ظهرت قوة الوجه الرابع.

أضف إلى ذلك: أنّ مقتضى الصحيح السابق وجوبها عليه، لأنّه إذا وجبت الزكاة عليه عندما لم يتحرّر منه، يكون وجوبها عليه عند تحرّر شيء أولى منه.

الرابع: الغنى

يقع الكلام في هذه المسألة في أُمور:

1. اشتراط الغنى.

2. ما هو حدّ الغنى ؟


1 . الجواهر: 15 / 487 .


صفحه263

3. هل الدين مانع عن صدق الغنى؟

4. إخراج الفطرة لمن ملك عين أحد النصب.

5. إخراج الفطرة لمن زاد على مؤونة يومه وليله، صاع.

وإليك دراسة هذه الأُمور واحداً بعد الآخر.

1. اشتراط الغنى

إنّ المشهور عند الأصحاب هو اشتراط الغنى وعدم وجوبه على الفقير، وسيوافيك المراد من الغنى في الفرع الثاني.

1. قال المفيد: زكاة الفطرة واجبة على كلّ حرّ بالغ، كامل بشرط وجود الطول لها.(1)

2. وقال المحقّق: ولا تجب على الفقير، وهو مذهب علمائنا، ونعني به من يستحقّ أخذ الزكاة. (2)

3. وقال في «الشرائع»: الثالث: الغنى، فلا تجب على الفقير، وجعل ضابط الفقر من لا يملك قوت سنة له ولعياله، وقال: وهو الأشبه.(3)

وقال العلاّمة: يشترط فيه الغنى، فلا يجب على الفقير، ولا يكفي في وجوبها القدرة عليها عند أكثر علمائنا.(4)

وقال في «المختلف»: المشهور أنّ الفطرة لا تجب على الفقير، ذهب إليه أكثر علمائنا.


1 . المقنعة: 247 .      2 . المعتبر: 2 / 593 .      3 . الشرائع: 1 / 171 .   4 . التذكرة: 5 / 369 .


صفحه264

ولم ينقل الخلاف إلاّ عن قليل، قال الشيخ في «المبسوط»: إنّ في أصحابنا من قال: تجب الفطرة على الفقير، والصحيح انّه مستحب .(1)

ونقل المحقّق الخلافَ عن ابن الجنيد وأنّه قال: تجب على من فضل من مؤونته ومؤونة عياله ليوم وليلة، صاع.(2)

ونقل العلاّمة عنه أيضاً أنّه قال: زكاة الفطرة على الغني... وعلى الفقير إذا تصدّق عليه بما يتجاوز قوت يومه أن يخرج ذلك عنه إلى غيره.(3)

هذا ما لدى الشيعة وأمّا لدى السنّة فالظاهر اشتراط الغنى عند الحنفية.

قال القرطبي: وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تجب على من تجوز له الصدقة، لأنّه لا يجتمع أن تجوز له وأن تجب عليه، وذلك بيّن .(4)

وقال العلاّمة بعد بيان اشتراط الغنى عند أصحابنا: وبه قال أصحاب الرأي; لقوله(عليه السلام): «لا صدقة إلاّ عن ظهر غنى» والفقير لا غنى له، فلا تجب عليه.(5)

وأمّا غير الحنفية فالظاهر منهم كفاية مالكية صاع زائد على مؤونة يومه وليله، قال الخرقي في متن المغني: ويلزمه أن يخرج عن نفسه وعن عياله إذا كان عنده فضل عن قوت يومه وليلته.(6)

وقال الشافعي: إذا فضل صاع عن قوته وقوت عياله ومن يموّنه يوماً


1 . المبسوط: 1 / 241 .   2 . المعتبر: 2 / 593 .   3 . المختلف: 3 / 261 .

4 . بداية المجتهد: 3 / 133 .   5 . التذكرة: 5 / 369، المسألة 278 .   6 . المغني: 2 / 670 .


صفحه265

وليلة وجب ذلك عليه. وبه قال أبو هريرة، وعطاء والزهري ومالك، وذهب إليه كثير من أصحابنا.(1)

ويدلّ على المشهور المختار روايات:

1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل يأخذ من الزكاة، عليه صدقة الفطرة؟ قال: «لا» .(2)

وفي «المدارك» بعد نقل الحديث: والمراد بأخذ الزكاة أخذها من حيث الفقر والمسكنة، لأنّه المتبادر.(3) لا أخذها من باب العاملين، أو سبيل الله كالإحجاج وغيره.

2. صحيحة صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمّار الفطحي قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): على الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟ قال: «ليس عليه فطرة».(4)

3. صحيحة أبان بن عثمان، عن يزيد بن فرقد النهدي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل يقبل الزكاة، هل عليه صدقة الفطرة؟ قال: «لا» .(5)

إلى غير ذلك من الروايات الّتي نقلها في «الوسائل» في الباب الثاني من أبواب زكاة الفطرة، وبإزائها روايات نشير إلى المهم منها:


1 . الخلاف: 2 / 147، كتاب الزكاة، المسألة 183 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

3 . المدارك: 5 / 311 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 6 .

5 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.


صفحه266

1. ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أعلى مَنْ قَبِلَ الزكاةَ زكاة؟ فقال: «أمّا من قبل زكاة المال فإنّ عليه زكاة الفطرة».(1)

وحمله الشيخ على الاستحباب، وحمله صاحب الوسائل على حصول الغنى بعد قبول زكاة المال.

وقال في «المدارك» الرواية ضعيفة لوجود إسماعيل بن سهل الدهقان في طريقه، قال النجاشي: ضعّفه أصحابنا، فتكون الرواية ضعيفة.(2)

أقول: رواه الشيخ بسند آخر وليس في طريقه، إسماعيل بن سهل، والمتعيّن هوالحمل على الاستحباب.

2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن زرارة قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الفقير الّذي يُتصدق عليه هل عليه صدقة الفطرة؟ فقال: «نعم يعطي ممّا يتصدّق به عليه» .(3) والحديث محمول على الاستحباب.

إلى هنا تمّ ما يرجع إلى الفرع الأوّل من اشتراط الغنى في وجوب زكاة الفطرة، إنّما الكلام في تحديد الغنى والفقر.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 10 .

2 . المدارك: 5 /313.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 .


صفحه267

2. ما هو حدّ الغنى ؟

المشهور عند الأصحاب أنّ الغني هو من يملك قوت سنة له ولعياله فعلاً أو قوة، ويقابله الفقير وهو من لا يملك ذلك، غير أنّ الظاهر من جماعة من الأصحاب تفسير الغنى في المقام بمن يملك أحد النُّصُب الزكوية أو قيمتها، نذكر منهم ما يلي:

1. قال الشيخ في «النهاية»: الفطرة واجبة على كلّ حرّ بالغ مالك لما تجب عليه فيه زكاة المال.(1)

2. وقال في «الخلاف»: تجب زكاة الفطرة على من ملك نصاباً تجب فيه الزكاة أو قيمة نصاب. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.(2)

3. قال في «المبسوط»: لا تجب الفطرة إلاّ على من ملك نصاباً من الأموال الزكوية، والفقير لا تجب عليه وإنّما يستحبّ له ذلك.(3)

4. وقال ابن حمزة: إنّما تجب على من فيه أربعة أوصاف:.... اليسار بكونه مالك النصاب، ممّا تجب فيه الزكاة.(4)

وعلى ذلك من ملك أحد النُّصب الزكوية ـ وإن لم يملك قوت سنته، بالفعل أو بالقوة ـ تجب عليه زكاة الفطرة، فلو فسّر الغنى والفقر بما جاء فيها،


1 . النهاية: 189 .

2 . الخلاف: 2 / 146، كتاب الزكاة، المسألة 183.

3 . المبسوط: 1 / 240 .

4 . الوسيلة: 130 .


صفحه268

لما كانت الروايات منافية لهذا القول، إذ يكون معنى الفقير والمحتاج هو غير المالك لأحد النصب.

واستدلّ لهذا القول بوجهين:

1. في قول الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الله عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به» .(1) بادّعاء ظهور الرواية في دوران الغنى مدار ملك النصاب، ولكنّه مرفوض، لأنّها بصدد بيان وجوب الزكاة على الأغنياء لا بصدد تفسير الغنى بمن يملك أحد النصب الزكوية.

2. ما نقله المحقّق عن أبي حنيفة أنّ زكاة المال تجب عليه، ولا تجب إلاّ على الغني، فيلزمه الفطرة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ للغنى عرضاً عريضاً فمرتبة منه، تجب عليه الزكاة، ولا يحرم أخذها، ومرتبة منه، تجب عليه الزكاة ويحرم أخذها، فلا وجه لتفسيره بحد واحد.

وللمحقّق في المقام ردّ على تلك النظرية قال: وما ذكره الشيخ لا أعرف به حجة ولا قائلاً من قدماء الأصحاب، وبعض المتأخّرين ادّعى عليه الإجماع، وخصّ الوجوب بمن معه أحد النصب الزكاتية ومنع القيمة، وادّعى اتّفاق الإمامية على قوله، ولا ريب أنّه وهم. ولو احتجّ بأنّ مع ملك النصاب تجب الزكاة بالإجماع منعنا ذلك فإنّ من مَلك النصاب ولا يكفيه لمؤونة


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3 .

2 . المعتبر: 2 / 594 .


صفحه269

عياله، يجوز له أن يأخذ الزكاة، وإذا أخذ الزكاة لم تجب عليه الفطرة، لرواية الحلبي وغيرها.(1)

3. هل الدين مانع عن التعلّق؟

قد تقدّم أنّ الغارم أحد المصارف، وهوالعاجز عن أداء دينه، سواء أكان فقيراً بالنسبة إلى المؤونة أو غنياً، وذلك لجعله قسيماً للفقير والمسكين، لا قسماً لهما; وعلى ذلك فلو كان غنياً بالنسبة إلى المؤونة قادراً على دفع صاع لنفسه ولمن يعوله لم يمنعه الدين عن وجوب الدفع، لما عرفت من أنّ الفطرة للغنى، والمفروض أنّه غني ـ حسب ما عُرِّف الغنى ـ فلا يكون الدين مانعاً من وجوبه.

نعم لو كان الدين مطالباً ودار الأمر بين أداء الدين أو الفطرة، قدّم الأوّل، لأنّ أداء الدين من المؤونة ومع كونه مطالباً فهو ليس بغنيّ فلا يتعلّق به الوجوب، ولم أعثر على هذا التفصيل في كلمات المعلّقين على العروة ولا في غيرهم، ولكنّه موجود في متن المقنع قال: «ولا يمنع الدين وجوب الفطرة إلاّ أن يكون مطالباً به» وعلّل عدم المنع في شرحه الكبير بكلام لا يتفق مع أُصولنا في وجوب الفطرة على الفقير.(2) وقد عرفت وجه عدم المنع عند عدم المطالبة، والمنع معها.


1 . المعتبر: 2 / 595 .

2 . الشرح الكبير، ذيل المغني: 2 / 657 .


صفحه270

4. إخراجه إذا كان مالكاً لأحد النصب

قد احتاط صاحب العروة فيما إذا كان مالكاً بعين أحد النُّصُب الزكوية أو قيمتها وإن لم يكفه لقوت سنته، وذلك لما تقدّم من الشيخ في تفسير الغني بمالك أحد النصب، لا المالك لقوت سنته، وقد عرفت ضعفه.

5. إذا زاد صاع على مؤونة يوم

والاحتياط في هذا الموضع كالاحتياط فيما سبق لأجل الخروج عن مخالفة ابن الجنيد، حيث أفتى بوجوبها إذا ملك صاعاً زائداً على مؤونة يومه وليلته وفاقاً لغيرنا وليس له دليل.

***

هل تجب زكاة الفطرة إذا لم يكن مقدارها زائداً على المؤونة؟

هل يشترط ملك الصاع أو مقدار الفطرة زيادة على ملك مؤونة السنة فعلاً أو قوة في وجوب الفطرة، أو لا؟ فيه خلاف.

يظهر من غير واحد اعتباره، نذكر منهم ما يلي:

1. قال المحقّق: فالذي يجيء عليه، وجوبها على من كان كسبه أو صنعته تقوم بأوده وأود عياله مستمراً وزيادة صاع.(1)

2. قال العلاّمة في تعريف الغنى: الغنى الموجب للفطرة من ملك قوت


1 . المعتبر: 1 / 594 .


صفحه271

سنته له ولعياله، أو يكون ذا كسب، أو صنعة يقوم بأوده وأود عياله سنة وزيادة مقدار الزكاة.(1)

3. ويقرب ما ذكره في «التحرير».(2)

4. وقال الشهيد: وتجب على المكتسب قوت سنته، إذا فضل عنه صاع.(3)

5. وقال أيضاً في «البيان»: ولو كان له كسب يقوم به فهو غني، فيجب عليه إن فضل معه ما يخرجه .(4)

وهناك من ينفي اعتبار ذلك نذكر منهم ما يلي:

6. قال الشهيد الثاني: ولا يشترط أن يفضل عن قوت سنته أصواع بعدد من يخرج عنه مع احتماله .(5)

7. وقال صاحب المدارك: ومقتضى ذلك (6) أنّه لا يعتبر ملك مقدار زكاة الفطرة زيادة على قوت السنة، وبه قطع الشارح .(7) ومراده من الشارح هو جده صاحب المسالك لكنّه (قدس سره) لم يقطع بل رجح، لمكان قوله: «مع احتمال».

8. وقال صاحب الجواهر: فمقتضى إطلاق النص والفتوى ومعقد الإجماع، عدم اشتراط ملك الصاع أو مقدار الفطرة زيادة على ملك مؤونة السنة فعلاً أو قوّة في وجوب الفطرة لإطلاق الأدلّة.(8)


1 . المنتهى: 1 / 532.   2 . التحرير: 1 / 420 .   3 . الدروس: 1 / 248.

4 . البيان: 206 .      5 . المسالك: 1 / 444 .   6. تفسير الغني بمن يملك قوت سنته...

7 . المدارك: 5 / 313 .   8 . الجواهر: 15 / 492 .


صفحه272

أمّا إطلاق النص الّذي تمسّك به صاحب الجواهر فهو ظاهر ما رواه الشيخ المفيد في «المقنعة» عن يونس بن عمّار قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة».(1) ونظيرها غيرها ممّا هو ظاهر في عدم الاعتبار.

ولا دليل للقول الأوّل إلاّ ما ذكره صاحب الحدائق: إذا لم يكن مالكاً للصاع أو لمقدار الفطرة يصير فقيراً بإخراج زكاة الفطرة لقصور قوت السنة بذلك فيلزم أن يكون فقيراً يجوز له أخذ الزكاة، فلا معنى لوجوبها عليه ثمّ جواز أخذه لها بخلاف ما إذا اشترط ملك مقدار زكاة الفطرة زيادة على قوت السنة.(2)

يلاحظ عليه: أنّه لا مانع من وجوب الزكاة عليه، مع جواز أخذه الزكاة، كما إذا ملك إحدى الغلاّت مع عدم كفايته لمؤونة سنته، إذ يجب عليه إخراج الزكاة، مع جواز أخذها أيضاً من محلّ آخر، وليكن المقام نظيره.

وما ربما يقال من أنّ الوجوب لو ثبت انقلب الغني فقيراً فينتفي الموضوع ويلزم من الوجوب عدمه، فغير تام، لأنّ الموضوع لوجوب الفطرة من يملك المؤونة، مع قطع النظر عن تعلّق الزكاة، لا معه والمفروض أنّه غنيّ بهذا المعنى، قبل التعلّق وبعده.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 11 .

2 . الحدائق: 12 / 265 .


صفحه273

وجوب زكاة الفطرة على الكافر

هنا فروع:

1. تجب الفطرة على ا لكافر كالمسلم، لكن لا يصحّ أداؤها منه. وقد مرّ الكلام فيه في كتابنا «الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء»، فلاحظ (1).

2. إذا أسلم الكافر بعد الهلال سقط عنه; لحديث الجبّ المعروف، وصحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال (عليه السلام): «لا قد خرج الشهر»، وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال (عليه السلام): «لا» .(2)

وأمّا ما ربّما يقال من أنّ إيجاب الفطرة على الكافر مشكل، لأنّه في حال كفره لا تصحّ وإذا أسلم بعد الهلال سقط عنه للإجماع وحديث الجبّ، فما فائدة هذا الإيجاب؟ فقد مرّت الإجابة عنه بأنّه يكفي في صحّة الخطاب أنّه لو أسلم لكفي الخطاب الأوّل، إذ الموضوع للوجوب الإنسان العاقل البالغ المتمكّن وهو محفوظ في كلتا الحالتين، غاية الأمر أنّ الكفر مانع عن القبول وإذا أسلم يرتفع المانع دون أن يتبدّل الموضوع إلى موضوع آخر، فلا يكون الخطاب الأوّل لغواً.

على أنّ هنا فائدة أُخرى وهي ولاية الحاكم على أخذها منه في حال


1 . الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 1 / 105 و 119 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.


صفحه274

كفره كما هو الحال في زكاة المال. اللّهمّ إلاّ أن يكون هناك اتفاق بين الحاكم والذمّيّ على عدم وجوب شيء سوى الجزية.

في نية القربة

زكاة المال والبدن فريضة مالية وفي الوقت نفسه عمل قربي يُرجى به رضا الرب ونيل الثواب، فلا يُثاب الإنسان بعمله هذا إلاّ أن يقصد به وجه الله سبحانه، وهذا أمر متّفق عليه، وهل هو شرط لصحّة العمل أيضاً ـ وراء كونه شرطاً لترتّب الثواب ـ؟ وجهان:

المشهور أنّه شرط الصحّة أيضاً، ويحتمل أن يكون شرطاً لترتّب الثواب فقط، وقد مرّ الكلام فيه.

وأمّا عدم صحّته من الكافر فلا يدلّ على كونه شرط الصحّة، بشهادة أنّ الكافر لو قصد بعمله رضا الرب، كما إذا كان كتابياً معتقداً بالأعمال القربية فلا يصحّ منه أيضاً، بل عدم الصحّة لأجل أنّ الكفر مانع.

في استحباب إخراج زكاة الفطرة للفقير

الغاية من عقد هذه المسألة هي تصحيح إخراج الفطرة لمن لا يملك إلاّ صاعاً واحداً وله عيال، وهذا النوع من الاحتيال من خصائص الفقه الإمامي لم نجد به نصاً في غير هذا الفقه .

قال الشيخ في «النهاية»: ومن لا يملك ما يجب عليه فيه الزكاة، يُستحبّ له أن يخرج زكاة الفطرة أيضاً عن نفسه وعن جميع من يعوله، فإن


صفحه275

كان ممّن يحلّ له أخذ الفطرة، أخَذَها ثم أخرجها عن نفسه وعن عياله، فإن كان به إليها حاجة فليُدر ذلك على من يعوله حتّى ينتهي إلى آخرهم، ثمّ يخرج رأساً واحداً إلى غيرهم، وقد أجزأ عنهم كلّهم.(1)

وقال المحقّق: ويُستحبّ للفقير إخراجها، وأقلّ ذلك أن يدير صاعاً على عياله ثمّ يتصدّق به.(2)

وقال العلاّمة في «التذكرة»: يستحبّ للفقير إخراجها عن نفسه وعياله ولو استحقّ أخْذَها، أخَذَها ودفعها مستحبّاً، ولو ضاق عليه أدار صاعاً على عياله ثمّ تصدّق به على الغير; للرواية.(3)

وقال الشهيد في «الدروس»: ويستحبّ للفقير إخراجها ولو بصاع، يديره على عياله بنية الفطرة من كلّ واحد، ثمّ يتصدّق به على غيرهم.(4)

وقال في «البيان»: ولو أدار الفقير صاعاً بنية الإخراج على عياله ثمّ تصدّق به الآخر منهم على أجنبي تأدّى الاستحباب.(5)

ولعلّ هذا المقدار يكفي في إثبات كون الاستحباب أمراً مفتى به، إنّما الكلام في دليله وكيفية إخراجه.

فاعلم أنّ المفهوم من كلمات الأعلام أنّ الإخراج يتصوّر على أنحاء ثلاثة:

الأوّل: أن يتصدّق الّذي يملك الصاع كالوالد، إلى زوجته، فإذا ملكتْ


1 . النهاية: 190 .   2 . الشرائع: 1 / 171 .   3 . التذكرة: 5 / 371 .

4 . الدروس: 1 / 250 .   5 . البيان: 209 .


صفحه276

ما أخذتْ، تُخرجها فطرة عن نفسها وتدفعها إلى أحد أولادها، فإذا تملّكها القابض يخرجها فطرة ويدفعها إلى الآخر ولو بمباشرة الوليّ، وهكذا حتى يتم الدور ; فعندئذ فالفرد الأخير يخرجها فطرة ويدفعها إلى المستحق الأجنبي.

الثاني: أن يدور الأمر كذلك غير أنّ الفرد الأخير يدفع ما أخذه إلى من تصدّق به أوّلاً.

الثالث: نفس الصورة غير أنّه يدفعه إلى أحد أعضاء الأُسرة غير الفرد الأوّل.

هذه هي الصور المتصوّرة في المقام، إنّما الكلام في تعيين ما هو المستفاد من الرواية.

ففي موثّقة إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): الرجل لا يكون عنده شيء من الفطرة إلاّ ما يؤدّي عن نفسه وَحْدها، أيعطيه غريباً عنها أو يأكل هو وعياله؟

قال: «يعطي بعض عياله، ثمّ يعطي الآخر عن نفسه، يتردّدونها فيكون عنهم جميعاً فطرة واحدة».(1)

فلابدّ من إمعان النظر في تعبير الرواية.

فهناك احتمالات:

1. يتصدّق به في آخر الأمر على أجنبي، وهذا هو الّذي نصّ به الشهيد


1 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.


صفحه277

في «البيان» كما عرفت.(1) وهو المتبادر من عبارة المحقّق في «الشرائع» كما سيوافيك.

وردّ عليه في «المدارك» بأنّه لا يطابق معنى الإدارة الّتي ذكرها هو وغيره.(2)

فإنّ مقتضى الإدارة أن ينتهي الأمر إلى من بُدئ به، وإخراجه إلى الأجنبي نقض للتدوير.

والّذي يسهل الخطب أنّه لم يرد لفظ الإدارة في النص وإنّما الوارد «التردّد» كما مرّ، وقد اعترف به أيضاً في «المدارك».

2. يدفع إلى المتصدّق الأوّل، وهذا هو خيرة «المدارك» جموداً على لفظ الإدارة، وقد عرفت عدم ظهور النصّ فيه وقد اعترف به أيضاً .

3. يدفع إلى أحد أعضاء الأُسرة، وهذا ممّا لا شاهد عليه.

وكيف كان فالظاهر من قوله: «فتكون عنهم جميعاً فطرة واحدة»، هو الوجه الأوّل، إذ الفطرة الواحدة عن الجميع لا يكون إلاّ بالدفع بعد انتهاء الدور إلى الأجنبي وإلاّ لم يخرج عنهم وعاد إليهم، وما ذكرناه هو الظاهر من عبارة المحقّق أيضاً حيث قال: «ويستحبّ للفقير إخراجها، وأقلّ ذلك أن يدير صاعاً على عياله ثمّ يتصدّق به»، فإنّ المتبادر من قوله: «يتصدّق به» أي إلى خارج العائلة.

وبذلك يعلم أنّ ما ذكره الشهيد الثاني أوّلاً في تفسير عبارة المحقّق هو


1 . البيان: 209.   2 . المدارك: 5 / 315 .


صفحه278

المتّبع دون ما ذكره ثانياً حيث قال: معنى الإدارة أن يأخذ صاعاً ويدفعه إلى أحد عياله المكلّفين ناوياً به عن نفسه، ثمّ يدفعه الآخذ عن نفسه إلى الآخر وهكذا، ثمّ يدفعه الأخير إلى المستحقّ الأجنبي.

ولو دفعه إلى أحدهم جاز أيضاً، بل هو الظاهر من الإدارة.(1)

فما ذكره صاحب العروة (2) من أنّ الدفع إلى الأجنبي هو الأولى، والأحوط هو الأقوى.

إذا كان في العائلة صغير أو مجنون

إذا كانت العائلة الفقيرة لا تملك إلاّ صاعاً واحداً ويريد الولي إخراجَ الفطرة عن الجميع بصاع واحد، يظهر هنا إشكال، وهو أنّه إذا دفع الفطرة إلى الصغير أو المجنون فملكاها فكيف يسوغ للولي أن يخرجها عنهما فطرة مع عدم وجوبها عليهما، فإنّ مثل هذا يعدّ تصرّفاً في مال القاصر مع عدم وجود الغبطة؟ هذا هو الإشكال، وقد حاول صاحب العروة حلّه بوجهين:

الأوّل: ما أشار إليه بقوله: أن يتولّى الوليّ له، الأخذَ له والإعطاءَ عنه.

وبعبارة أُخرى: أن يأخذ الولي للصغير ويعطي عنه، وهذا الوجه بظاهره تقرير للإشكال، فإنّ الكلام في تصرّف الولي في مال الصغير الّذي ملكه فطرة، بإخراجه عنه من باب الفطرة مع عدم وجوبه عليه.

وقد أجاب عنه الشهيد الأوّل في «المسالك» بما حاصله:


1 . مسالك الأفهام: 1 / 45 .   2 . العروة الوثقى: 2 / 354، زكاة الفطرة، المسألة 4 .


صفحه279

إنّ الإشكال اجتهاد في مقابل النصّ، فإنّ النصّ قد جوز تصرّف الولي فيما ملكه الطفل أو المجنون بعنوان الفطرة بالإخراج عن ملكهما تزكية عنهما، حيث قال: ولا يشكل إخراج ما صار ملكاً له بعد النصّ، وثبوت مثله في الزكاة المالية.(1)

وأوضحه المحقّق الخوئي بقوله: إنّ الغالب في العوائل تشكيلها من الصغار، بل لعلّ عددهم يكون في الأغلب أكثر من الكبار، فإذا كان هذا أمراً عادياً والإمام (عليه السلام) في مقام بيان طريق يوصل إلى الإعطاء عن الجميع فنفس هذا إجازة من صاحب الشرع والمولى الحقيقي في الأخذ للصغير والإعطاء عنه، إذ فرض أنّ العيال بأجمعهم كبار نادر الوجود قليل الاتّفاق، فنفس هذه الرواية وافية بالإذن والإجازة، والتشكيك في إطلاقها ممّا لا ينبغي الإصغاء إليه .(2)

وقد أجاب عنه في «الجواهر» بوجه آخر: بأنّ غير المكلّف إنّما ملكه على هذا الوجه، أي على أن يخرج عنه صدقة.(3)

وصحّة الجواب مبنيّة على صحّة هذا النوع من الاشتراط في التمليك أو نيّته، وهو يحتاج إلى التأمّل، والأولى التمسّك بالنصّ، وقد أشار هو (قدس سره) إلى هذا الجواب بقوله: إنّه اجتهاد في مقابل النصّ والفتوى.

الثاني: ما أشار إليه (السيد الطباطبائي) بقوله: أن يتملّك الولي لنفسه ثمّ يؤدّي عنهما.


1 . المسالك: 1 / 445 .   2 . مستند العروة الوثقى: 24 / 386 .   3 . الجواهر: 15 / 493.


صفحه280

وتوضيحه: أن يعطي الزوج فطرته لزوجته، ثمّ الزوجة بعد تملّكها تدفعها إلى الزوج بعنوان الفطرة عن نفسها، فيملكها الزوج ثانياً ثمّ يدفعها عن الصغير الأوّل إلى الزوجة فتتملّكها الزوجة فتملّكها الزوجَ ثانياً، ثمّ هو يدفعها فطرة عن الصغير الثاني إلى زوجته أيضاً، فتتملّك هي وتملّكها زوجها ثالثاً، فيكون الزوج مالكاً لها، وهكذا حتى يتم الإخراج عن الجميع بهذا النحو.

نعم يرد على هذا الاحتيال: أنّ ما تدفعه الزوجة إلى الزوج في المرتبة الأُولى وإن كان فطرة، لكنّها في الدرجة الثانية ليست فطرة لافتراض إخراج فطرة نفسها في الدفعة الأُولى، فلا محيص أن يكون دفعها إلى الزوج هبة وتبرعاً ليقوم بهذا على إخراج الفطرة عن الأوّلاد الصغار، وهذا خلاف ظاهر النص من التردّد بين أفراد العائلة بعنوان الفطرة لا بعنوان آخر .

ولمّا كان الوجهان غير مرضيّين عند صاحب المدارك خصّ الأمر بكبار العائلة لا بصغارها، وقال: إنّ الحديث قاصر عن إفادة ذلك، بل ظاهره اختصاص الحكم بالمكلّفين، والأصحّ اختصاص الحكم بهم لانتفاء ما يدلّ على تكليف ولي الطفل بذلك.(1)

وتبعه السيد الحكيم في شرحه، وقال: وبذلك تظهر قوّة ما في «المدارك» من أنّ الأصحّ اختصاص الحكم بالمكلّفين.(2)


1 . المدارك: 5 / 315 .

2 . المستمسك: 9 / 394 .


صفحه281

ما هو المدار في وجوب زكاة الفطرة؟

قد تعرفت على شرائط الوجوب الأربعة: 1. التكليف، 2. عدم الإغماء، 3. الحرية، 4. الغنى. فمن أدرك غروب ليلة العيد جامعاً للشرائط فيجب عليه الفطرة على النحو الّذي سيأتي تفصيله في المسائل القادمة، وعلى ضوء ذلك فمن فقد عامّة الشرائط أو واحداً منها غروب ليلة العيد وإن كان واجداً لها قبل الغروب أو بعده إلى زوال يوم العيد فلا تجب عليه الفطرة، هذا هو المدّعى. وقبل أن نبحث في الروايات نذكر بعض الكلمات:

قال الشيخ في «النهاية»: وإن رزق ولداً في شهر رمضان، وجب عليه أيضاً أن يُخرج عنه، فإن ولد المولود ليلة الفطر أو يوم العيد قبل صلاة العيد، لم يجب عليه إخراج الفطرة عنه فرضاً واجباً. ويستحبّ له أن يُخرج ندباً واستحباباً.

وكذلك من أسلم ليلة الفطر قبل الصلاة، يُستحبّ له أن يُخرج زكاة الفطرة، وليس ذلك بفرض. فإن كان إسلامه قبل ذلك، وجب عليه إخراج الفطرة.(1)

2. وقال في «المبسوط»: إذا أسلم قبل هلال شوال بلحظة لزمه الفطرة، وإن أسلم بعد الاستهلال لا يلزمه وجوباً، وإنّما يستحبّ له أن يصلّي صلاة العيد .(2)

3. وقال ابن حمزة في «الوسيلة»: ويستحبّ إخراج الفطرة عن المولود


1 . النهاية: 189 ـ 190 .   2 . المبسوط: 1 / 241 .


صفحه282

بعد استهلال شوال إلى وقت صلاة العيد، وروي إلى وقت الزوال.(1)

4. وقال المحقّق: من بلغ قبل الهلال أو أسلم أو زال جنونه أو ملك ما يصير به غنياً، وجبت عليه. ولو كان بعد ذلك ما لم يُصلّ العيد استحبّت. وكذا التفصيل لو ملك مملوكاً، أو وُلد له.(2)

5. وقال الشهيد في «الدروس»: تجب زكاة الفطرة عند هلال شوال على البالغ العاقل الحرّ غير المغمى عليه، المالك أحد نصب الزكاة أو قوت سنته على الأقوى.(3)

6. قال المحدّث البحراني: الظاهر أنّه لا خلاف في أنّ من بلغ قبل الهلال أو أسلم أو زال جنونه أو ملك ما يحصل به الغنى، فإنّه تجب عليه زكاة الفطرة ; وكذا من ولد له مولود أو ملك مملوكاً، أمّا لو كان بعد ذلك فإنّه لا تجب وإن استحب له الإخراج إلى الزوال .(4)

ومقتضى أكثر العبارات هو كون الملاك للوجوب هو اجتماع الشرائط قبل هلال شوال أو عنده، خلافاً للسيد الطباطبائي حيث جعل الملاك الاجتماع حين الغروب.

هذا ما لدى الشيعة، وأمّا السنّة فلم نجد عبارة في مورد الضابطة، لكن يمكن استفادتها من تحديد وقت الوجوب، حيث إنّ طبع الأمر يقتضي لزوم اجتماع الشرائط في وقت الوجوب.


1 . الوسيلة: 132.   2 . الشرائع: 1 / 172 .

3 . الدروس: 1 / 248 .   4 . الحدائق: 12 / 277 .


صفحه283

قال ابن قدامة: فأمّا وقت الوجوب فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فإنّها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان، فمن تزوّج أو ملك عبداً أو ولد له ولد أو أسلم قبل غروب الشمس فعليه الفطرة، وإن كان بعد الغروب لم تلزمه، ولو كان حين الوجوب معسراً ثمّ أيسر في ليلته تلك أو في يومه لم يجب عليه شيء، ولو كان في وقت الوجوب موسراً ثمّ أعسر لم تسقط عنه اعتباراً بحالة الوجوب، ومن مات بعد غروب الشمس ليلة الفطر فعليه صدقة الفطر. نصّ عليه أحمد .

وبما ذكرنا في وقت الوجوب قال الثوري وإسحاق ومالك في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه.

وقال الليث وأبو ثور وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد، وهو رواية عن مالك، لأنّها قربة تتعلّق بالعيد، فلم يتقدّم وجوبها يوم العيد، وهو رواية عن مالك كالأضحية.(1)

وما ذكره ابن قدامة هو رأي الحنابلة، وأمّا غيرهم فقد اختلفوا في وقت الوجوب، وأشار إلى تفصيله ابن رشد في «بداية المجتهد» حيث قال:

اختلفوا في تحديد الوقت: فقال مالك في رواية ابن القاسم عنه: تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر.

وروى عنه أشهب: أنّها تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان. وبالأوّل قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي.


1 . المغني: 2 / 666 ـ 667 .


صفحه284

وسبب اختلافهم: هل هي عبادة متعلّقة بيوم العيد؟ أو بخروج شهر رمضان؟ لأنّ ليلة العيد ليست من شهر رمضان.

وفائدة هذا الاختلاف في المولود يولد قبل الفجر من يوم العيد، وبعد مغيب الشمس، هل تجب عليه أم لا تجب؟(1)

الاستدلال على الرأي المشهور

قد استدلّ على مقالة المشهور برواية معاوية بن عمّار، الّتي رواها الصدوق بسند ضعيف فيه علي بن أبي حمزة ; ورواها الشيخ بسند صحيح، والظاهر أنّها رواية واحدة رويت بسندين وليست بروايتين، كما هو ظاهر أكثر من استدلّ بها، إذ من البعيد أن يسأل معاوية بن عمّار، عن موضوع واحد، مرّتين.

روى الصدوق عنه، عن أبي عبدالله (عليه السلام): في المولود يولد ليلة الفطر، واليهودي والنصراني يَسْلم ليلة الفطر؟ قال: «ليس عليهم فطرة، وليست الفطرة إلاّ على من أدرك الشهر».(2)

وروى الشيخ باسناد صحيح عن معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبدلله (عليه السلام) عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: «لا، قد خرج الشهر»، وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: «لا». ورواه الكليني أيضاً بسند صحيح.(3)


1 . بداية المجتهد: 3 / 140 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.


صفحه285

والحديث يدلّ على لزوم اجتماع خصوص الشرطين الحياة والإسلام في جزء من شهر رمضان حتى يصدق عليه أنّه أدرك الشهر، ولم يخرج الشهر مع أنّ المدّعى هو اجتماع عامّة الشرائط حتى البلوغ والغنى وعدم الإغماء، حين الغروب أو قبل الغروب فإن أمكن إلغاء الخصوصية يحمل عليها الشرائط الباقية، وإلاّ فهناك احتمالان:

1. ما ذكره المحقّق الخوئي من كفاية حصول الشرائط بعد الغروب بحلول الليل، بل إلى ما قبل صلاة العيد، عملاً بالإطلاقات فيما عدا شرط الحياة والإسلام، فإنّ اللازم حصولهما لدى الغروب بل قبله ولو بجزء يسير بمقدار إدراك الشهر على ما نطقت به صحيحة معاوية بن عمّار.(1)

2. إجراء البراءة عن وجوب الفطرة في غير ما اتّفق عليه المشهور، بحجّة أنّ الإطلاقات ليست بصدد بيان وقت هذه الشروط.

نعمّ أنّ مفاد الصحيح لا ينطبق على مقالة المشهور، فإنّ الميزان عندهم اجتماع الشرائط حين الغروب، ولكن الصحيح يجعل الشرط إدراك الشهر ولو إدراك جزء منه، فعليه يجب أن يعبّر عن الشرائط بحصولها قبل الغروب على نحو يصدق عليه أنّه أدرك الشهر.

استحباب الإخراج لو كان بعد الغروب

لو كان اجتماع الشرائط بعد الغروب فقد ورد به الرواية الظاهرة في الوجوب.


1 . مستند العروة: 24 / 390 .


صفحه286

روى الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عمّا يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة؟ قال: «تصدّق عن جميع من تعول من حرّ أو عبد أو صغير أو كبير من أدرك منهم الصلاة».(1)

والمراد من الصلاة، صلاة العيد كما فسّرها الشيخ الحر العاملي.

وفي مرسلة الشيخ قال: قد روي أنّه «إن ولد له قبل الزوال يخرج عنه الفطرة، وكذلك من أسلم قبل الزوال».(2)

وقد فصّل ابن بابويه في «المقنع» بين الولادة قبل الزوال، فيدفع عنه الفطرة; وبعد الزوال، فلا فطرة عليه. ومثله الإسلام .

وحمله في «المدارك» على الاستحباب بقرينة كلامه في «الفقيه» .(3)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 6.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 .

3 . المدارك: 5 / 322 .


صفحه287

الفصل الثاني

في مَن تجب عنه

في مَن يجب الإخراج عنه

كان الكلام في السابق في مَن تجب عليه زكاة الفطرة، والكلام فعلاً في مَن يجب أن يخرج عنه، وإليك بعض الكلمات:

1. قال المفيد: يخرجها عن نفسه، وعن جميع من يعول: من ذكر وأُنثى، وحر وعبد، وعن جميع رقيقه من المسلمين، وأهل الذمة في كلّ حول مرّة.(1)

2. وقال الشيخ: ويلزمه أن يخرج عنه ـ عن نفسه ـ وعن جميع من يعوله من ولد ووالد وزوجة ومملوك ومملوكة، مسلماً كان أو ذمّيّاً، صغيراً كان أو كبيراً.(2)

3. وقال ابن حمزة: خمسة أصناف: نفسه، وجميع عيال من تجب عليه الفطرة من الوالدين وإن علوا، والولد وإن سفلوا، والزوجة والمماليك وخادمة الزوج، ومملوكه إذا عالهما.(3)


1 . المقنعة: 248.   2 . النهاية: 189 .   3 . الوسيلة: 131.


صفحه288

4. وقال في «الغنية»: تجب فيه الزكاة عنه، وعن كلّ من يعول من ذكر وأُنثى.(1)

5. وقال المحقّق: ومع الشروط يخرجها عن نفسه، وعن جميع من يعوله، فرضاً أو نفلاً، من زوجة وولد وما شاكلهما، وضيف وما شابهه.(2)

6. قال في «المنتهى»: ويجب أن يخرج الفطرة عن نفسه ومن يعوله أي يموّنه، ذهب إليه علماؤنا أجمع وهو قول أكثر أهل العلم.(3)

7. وقال في «المدارك» بعد نقل كلام الشرائع: هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب .(4)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي تتضمّن عنوان العيلولة وبيان بعض المصاديق.

هذا ما لدى الشيعة، وأمّا السنّة فيظهر من «المنتهى» أنّ الموضوع عندهم هو العيلولة إلاّ أبا حنيفة فإنّه اعتبر الولاية، قال: العيلولة قول أكثر أهل العلم إلاّ أبا حنيفة فإنّه اعتبر الولاية الكاملة، فمن لا ولاية له عليه، لا تجب عليه فطرته، فلم يوجب على الأب فطرة ابنه البالغ وإن وجبت عليه نفقته، وكذا لم يوجب على الابن فطرة أبيه وإن وجب عليه نفقته اعتباراً بالولاية.(5)

ويظهر من «التذكرة» أنّ الميزان هو العيلولة الواجبة عندهم فلا يعمّ العيلولة المستحبة، قال في «التذكرة»: لا فرق بين أن تكون العيلولة واجبة أو


1 . الغنية: 2 / 127 .   2 . الشرائع: 1 / 172 .   3 . المنتهى: 1 / 533 .

4 . المدارك: 5 / 315 .   5 . المنتهى: 1 / 533 .


صفحه289

تبرعاً، مثل أن يضمّ أجنبياً أو يتيماً أو ضيفاً ويهلّ الهلال وهو في عياله، عند علمائنا أجمع ـ إلى أن قال: ـ وقال باقي الجمهور: لا تجب، بل تستحب ; لأنّ مؤونته ليست واجبة، فلا تلزمه الفطرة عنه، كما لو لم يَعُله.(1)

الموضوع لوجوب الفطرة في رواياتنا هو العيلولة لا كونه عيالاً للشخص حتّى لا يشمل العيلولة المؤقتة، ويكفي كونه ممّن يعوله ولو في مدّة مؤقتة، ويظهر ذلك من الروايات الواردة في المقام.

1. صحيحة عمر بن يزيد، قال: سألت أباعبدالله (عليه السلام)عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطر، يؤدي عنه الفطرة؟ فقال: «نعم، الفطرة واجبة، على كلّ من يعول من ذكر أو أُنثى، صغير أو كبير، حرّ أو مملوك».(2)

فقد جعل الموضوع كلّ من يعول دون خصوص العيال.

2. وروى الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عمّا يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة، قال: «تصدّق عن جميع من تعول من حرّ أو عبد أو صغير أو كبير من أدرك منهم الصلاة».(3)

3. روى الكليني بسند صحيح عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)


1 . التذكرة: 5 / 376 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 6 .


صفحه290

قال: «كل من ضممت إلى عيالك من حرّ أو عبد أو مملوك، فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه».(1)

4. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام)في خطبة العيد يوم الفطر: «أدّوا فطرتكم فإنّها سنّة نبيّكم، وفريضة واجبة من ربّكم، فليؤدّها كلّ امرئ منكم عن عياله كلّهم، ذكرهم وأُنثاهم، وصغيرهم وكبيرهم، وحرّهم ومملوكهم، عن كلّ إنسان منهم صاعاً من تمر، أو صاعاً من بر، أو صاعاً من شعير».(2)

5. وفي صحيح الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «صدقة الفطرة على كلّ رأس من أهلك».(3)

6. وفي خبر حماد بن عيسى، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتَبه، ورقيق امرأته، وعبده النصراني والمجوسي، وما أغلق عليه بابه».(4)

إلى غير ذلك من الروايات.

والعناوين الواردة فيها عبارة عن الأُمور التالية، والجميع يشكل موضوعاً واحداً، وهو العيلولة.

1. «على كلّ من يعول» (الحديث الأوّل).

2. «عن جميع من تعول» (الحديث الثاني).


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 8 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 7 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 10 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 13.


صفحه291

3. «كل من ضممت إلى عيالك» (الحديث الثالث).

4. «فليؤدّها كلّ امرئ منكم عن عياله كلّهم» (الحديث الرابع).

5. «على كل رأس من أهلك» (الحديث الخامس).

6. «ما أغلق عليه بابه» (الحديث السادس) .

هذه هي العناوين العامّة، وأمّا العناوين الخاصة فهي كالتالي:

مكاتبه، رقيق امرأته، أو مملوك، وقد ورد في غير واحد من الروايات عنوان الولد والزوجة وأُمّ الولد وغيرها.

والجميع يشير إلى عنوان العيلولة.

وهل يختص بالعيلولة السائغة، أم تعمّ المحرّمة كالمحبوس عنده ظلماً؟ مقتضى الإطلاق هو الثاني، ولعلّ إلى الثاني يشير إليه قوله: «وما أغلق عليه بابه» .

في وجوب إخراج زكاة الفطرة عن الضيف

اتّفقت كلمتهم على وجوب الإخراج عن الضيف على وجه الإجمال، ولكن اختلفوا في حدّ الاستضافة إلى أقوال ذكرها العلاّمة في «المختلف» وإليك بيانها:

1. من أضاف غيره طول شهر رمضان يجب عليه إخراج الفطرة عنه.(1)

2. من أضاف إنساناً طول شهر رمضان وتكفّل بعيلولته لزمته فطرته.(2)


1 . الانتصار: 88 .   2 . الخلاف: 2 / 133 .


صفحه292

3. من أضاف مسلماً طول شهر رمضان أو في النصف الأخير منه .(1)

4. كل ضيف أفطر عنده شهر رمضان.(2)

5. كلّ ضيف يفطر معه في شهر رمضان .(3)

وعلى القولين الأخيرين يكفي كونه ضيفاً ليلة واحدة، ولمّا كان مقتضى ذلك كفاية استضافة ليلة واحدة ولو في أثناء شهر رمضان فهو ممّا لم يقل به أحد، بادر ابن إدريس وأضاف شرطاً آخر وقال: فأمّا إذا أفطر عنده ثمانية وعشرين يوماً ثمّ انقطع باقي الشهر فلا فطرة على مضيِّفه فإن لم يفطر عنده إلاّ في محاق الشهر وآخره بحيث يتناوله اسم ضيف فإنّه يجب عليه إخراج الفطرة عنه، ولو كان إفطاره في الليلتين الأخيرتين فحسب.(4)

هذه هي كلمات فقهائنا وأمّا النصّ فهي صحيحة عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطر، يؤدّي عنه الفطرة؟ فقال: «نعم، الفطرة واجبة على كلّ من يعول من ذكر أو أُنثى، صغير أو كبير، حرّ أو مملوك».(5)

فهل الموضوع هو الضيف أو الموضوع هو كونه ممّن يعال؟ استظهر صاحب الجواهر كفاية صدق الضيف، واستدلّ على ذلك بأنّ إجابة حكم


1 . المقنعة: 265 .

2 . الوسيلة: 131 .

3 . المهذب لابن البراج: 1 / 147 .

4 . السرائر: 1 / 466 .

5 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.


صفحه293

الضيف تمّ بقوله: «نعم» وما أتى بعده من قوله: «الفطرة واجبة على كلّ من يعول» جملة مستقلة لا صلة لها بالضيف.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف الظاهر، فإنّ السؤال لمّا كان عن الضيف أجاب الإمام بكلمة «نعم» حتّى يكون جواباً إجمالياً، ثمّ أشار إلى الضابطة الكلية الّتي يدخل فيها الضيف.

وبذلك يعلم أنّ الضيافة بعنوانها ليست موضوعاً، وإنّما الموضوع هو العيلولة.

وعلى ذلك فإذا كان الميزان هو العيلولة، فلا تجب الفطرة على ربّ البيت في الموارد التالية:

1. إذا نوى الضيف الأكل من متاعه لا من طعام المنزل، فلا يعدّ ضيفاً ولا ممّن يعوله صاحب البيت.

2. لو أعطى المال لشخص أو أباح له التصرّف في ماله بمقدار نفقته، فلا يصدق كونه عيالاً للمعطي.

وإلى ذلك يشير صحيح ابن الحجاج قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله إلاّ أنّه يتكلّف له نفقته وكسوته، أتكون عليه فطرته؟ قال (عليه السلام): «لا، إنّما تكون فطرته على عياله صدقة، دونه».(2)


1 . الجواهر: 15 / 497 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.


صفحه294

3. من دعي لمأدبة عشاء أو للإفطار في الوليمة، سواء حضر قبل الغروب أو حينه أو بعده، إذ لا يصدق عليه أنّه يعوله، فإنّ العيلولة تتوقّف على بذل الطعام والشراب وما يحتاج إليه مدة مديدة يصدق أنّ نفقته عليه.

وبذلك يعلم صحّة ما ذكره السيد الطباطبائي من لزوم صدق العيلولة عليه عند دخول ليلة الفطر بأن يكون بانياً على البقاء عنده مدّة ولو كانت قصيرة، وأمّا من يرتحل بعد ما أفطر، فلا يعد ممّن يعوله.

الضيف النازل بعد دخول الليلة

ذهب المشهور إلى أنّ الضيف النازل بعد دخول الليلة لا تجب عنه الزكاة، لعدم صدق كونه ضيفاً أو عيلولة بعد الغروب على القول بكون الموضوع هو اجتماع الشرائط عند الغروب.

وأمّا على القول بعدم لزوم اجتماع الشرائط عند الغروب ولا قبله، بل يكفي صدقه ولو قبل صلاة العيد، فعندئذ لو نزل الضيف بعد الغروب أو تزوّج بعد الغروب وجاء بها إلى البيت يجب عليه زكاتهما، وقد عرفت أنّ الأقوى هو القول الأوّل.

ثمّ إنّ السيد الحكيم (قدس سره) أفاض الكلام في مفهوم الضيف وشرائط صدقه من عنوان التابعية والمتبوعية وغير ذلك، وقد عرفت أنّ الموضوع هو العيلولة والضيف لا موضوعية له.


صفحه295

إذا ولد له ولد أو تزوّج امرأة قبل غروب ليلة الفطر

هذه المسألة من فروع الضابطة الكليّة الّتي مضى البحث عنها، فإذا كان الموضوع استجماع الشرائط قبل هلال شوال أو قبل انقضاء شهر رمضان ; فكلّ ولد ،ولد، أو مملوك مُلك، أو امراة تزوجت في هذه الظروف، وجبت الفطرة عنه إذا كانوا عيالاً للرجل ; وأمّا إذا تحقّق واحد منها بعد غروب الشمس أو بعد رؤية الهلال أو مضي رمضان، فلاتجب.

هذا على مبنى المشهور، وأمّا على مسلك من فرق بين الشرائط فأفتى بلزوم استجماع بعض الشرائط كالحياة والإسلام قبل الهلال دون عامّتها، فيكفي عندئذ استجماع الباقي قبل صلاة العيد، أو قبل الزوال، ولكنّه رأي شاذ، والمشهور كما سبق لزوم اجتماع الشرائط عند الغروب حسب تعبيرهم، أو قبل الهلال حسب تعبير الآخرين، أو قبل انقضاء شهر رمضان حسب تعبير الروايات.

وعلى فتوى المشهور فلو تولد أو ملك أو تزوّج بعد الغروب أو بعد الهلال، فيستحب إخراج الزكاة، ويدلّ عليها رواية محمد بن مسلم (1)ومرسلة الشيخ .(2)

مَن وجبت فطرته على غيره سقطت عن نفسه وإن كان غنياً

في المسألة فروع:


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 6 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 .


صفحه296

1. إذا وجبت فطرته على غيره سقطت بإخراجه .

2. لو كان عيالاً لشخص ثمّ صار عيالاً لغيره وقت الخطاب يسقط بإخراجه .

3. لو وجبت فطرته على غيره ولم يخرج عنه عصياناً أو نسياناً فهل تجب على نفسه؟

4. إذا كان المعيل فقيراً والمعال غنياً فهل تجب على المعال؟

5. تلك الصورة ولكن تكلّف المعيل الفقير بالإخراج فهل هو يكفي؟

وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.

الأوّل: إخراج المعيل يسقط عن العيال

إذا وجبت فطرته على غيره فأخرج فطرته فيسقط عنه، وذلك لظهور الروايات في أنّها تتعلّق بالمعيل أوّلاً، وبالذات فهو يقوم بواجبه مباشرة دون نيابة عن غيره، خصوصاً إذا كان في العيال غير مكلّف كالصغير والصبي، وبما أنّ لسان الروايات في عامّة الموارد واحد، فيكون الوجوب متوجّهاً إلى المعيل أصالة لا نيابة عن عياله، وإليك العناوين الدالّة عليه .

1. تصدّق عن جميع من تعول من حرّ أو عبد...

2. كلّ من ضممت إلى عيالك من حرّ أو مملوك، فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه.


صفحه297

3. يؤدّي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه ورقيق امرأته.(1)

إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في أنّ هنا وجوباً واحداً تعلّق بالمعيل وجوباً عينيّاً، فلو قام بواجبه لم يبق هناك موضوع للامتثال ثانياً.

نعم نسب إلى ابن إدريس القول بوجوبها على الضيف والمضيف، نسبه إليه الشهيد في «البيان» وقال: ولم نعثر عليه في «السرائر» مع الفحص في مظانّه.(2)

الثاني: إذا صار عيالاً لغيره

لو كان عيالاً لشخص في شهر رمضان ولكنّه عند وقت اجتماع الشرائط صار عيالاً لغيره تكون فطرته على الغير وتسقط بسقوطه، لأنّ الحكم تابع لوجود الموضوع، فلو كان الوضع السابق مستمراً كانت الفطرة على الأوّل، ولمّا انقطع وصار عيالاً لشخص آخر، يتبع الحكم موضوعه الثاني.

الثالث: لو لم يخرج عنه عصياناً أو نسياناً

إذا كانت فطرته على الغير بمعنى أنّه كانت مكتوبة عليه من أوّل الأمر ولكنّه بخل بماله ولم يخرج عصياناً، أو نسي الفطرة حكماً أو موضوعاً، أو جهل بهما فزعم أنّ العيد هو اليوم الآتي، إلى غير ذلك من أسباب الجهل،


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 6، 8، 13.

2 . البيان: 209 ; السرائر: 1 / 566 .


صفحه298

فيقع الكلام في وجوبها على العيال إذا كان متمكّناً من الإخراج، فقد أفتى السيد الطباطبائي بالسقوط مطلقاً، غير أنّه احتاط احتياطاً استحبابياً بالإخراج عن نفسه، واحتاط السيد الحكيم بعدم الترك; وفصّل السيد الخوئي بين الترك لعصيان فلا يجب على العيال الغني، والترك لنسيان فيجب عليه.

هذه هي الأقوال الموجودة في المسألة فنقول: هل المرجع في المقام هو عموم العام، أو إطلاق المخصّص؟ وعلى ذلك يجب علينا معرفة العام، والمخصص.

أمّا العام فهو ما يدلّ على أنّه يجب على كلّ مكلّف مسلم، حر، غني، مدرك أن يخرج زكاة بدنه نظير قول الإمام علي (عليه السلام) في خطبة العيد يوم الفطر: «أدّوا فطرتكم فإنّها سنّة نبيّكم، وفريضة واجبة من ربّكم، فليؤدّها كلّ امرئ منكم عن عياله كلّهم».(1)

وفي رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن فطرة شهر رمضان، على كلّ إنسان هي، أو على من صام وعرف الصلاة ؟(2)

فالمكلّف الحرّ الغني المدرك مكتوب عليه الفطرة بلا شكّ، وهذا هو مقتضى القاعدة الأُولى.

ما يدلّ على خروج طائفة عن تلك الضابطة، وهي من كان عيالاً للغير،


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 7 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 14.


صفحه299

فالواجب عندئذ على المعيل دون العيال، فكأنّ الوجوب كتب على عاتق الغير لا على عاتق العيال.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام فيما إذا عصى الغير بواجبه فلا دليل على وجوبه على العيال وإن كان متمكّناً على وجه لو انفرد لوجبت الفطرة عليه، لما عرفت من أنّ الروايات ظاهرة في كون الوجوب عند العيلولة مكتوباً على المعيل رأساً لا أنّه يقوم عن جانب العيال نيابة. فإنّ عصيان المكلّف لواجبه لا يثبت تكليفاً على الغير وإن كان بين الشخصين صلة ورابطة العيلولة، ومع ذلك كلّه فقد احتمل في «المسالك» وجوبه على العيال حيث قال:

لا فرق بين علمه بإخراج من وجبت عليه وعدمه مع احتمال الوجوب عليه لو علم بعدم إخراج المكلّف بها.(1)

والحاصل: أنّ المرجع في المقام هو إطلاق المخصّص لا عموم العام.

نعم يمكن توجيه وجوبه على العيال بوجهين:

1. أنّ الوجوب كان مكتوباً على العيال غير أنّ المعيل ينوب عنهم في أداء الفريضة، فإذا تخلّف النائب بقي وجوبه على العيال بحاله.

يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ بعض العيال كالصبي والمجنون غير مكلّفين، أضف إلى ذلك أنّ النيابة خلاف ظاهر الأدلّة .

2. أنّ الجمع بين دليل وجوب الفطرة على المعيل ودليل وجوب الفطرة على العيال الجامع للشرائط بضميمة ما يستفاد: من أنّ لكلّ إنسان


1 . المسالك: 1 / 447 .


صفحه300

فطرة واحدة، أن يكون الوجوب عليهما من قبيل الوجوب الكفائي الّذي تحقّق في محلّه أنّ الواجب فيه واحد، والواجب عليه متعدّد، إذ لا مانع من اشتغال ذمم متعدّدة بواجب واحد، لأنّ الوجود الذمّي اعتباري، ولامانع من أن يكون للواحد وجودات متعدّدة اعتبارية.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الحمل على الوجوب الكفائي خلاف ظاهر الروايات، فإنّ الأصل في الأمر كونه عينياً لا كفائياً، تعيينياً لا تخييرياً، نفسياً لا غيرياً.

فظهر ممّا ذكرنا عدم الوجوب على العيال مطلقاً، سواء أخرج المعيل أم لا.

بقي الكلام في التفصيل بين العصيان والنسيان الّذي ذهب إليه السيد الخوئي، وحاصل ما أفاد على وجه التفصيل هو: أنّ الفطرة مجرّد حقّ إلهي والمجعول في موردها حكم تكليفي محض من غير أن يتضمّن الوضع بوجه ومن غير أن تكون الذمّة مشغولة بشيء ولا مدينة للفقراء، فبما أنّ هذا التكليف مرفوع حتّى واقعاً كما هوالمفروض فلم يكن ثمة وجوب في حق المعيل، كي يكون مسقطاً عن المعال عنه ومخصّصاً لعموم وجوب الفطرة على كلّ مكلّف. إذن فتبقى العمومات الشاملة للمعال عنه كسائر آحاد المكلّفين على حالها، لسلامتها عندئذ عن المخصّص فيحكم بمقتضاها بوجوب الفطرة عليهم.(2)

يلاحظ عليه: أنّ مقتضى القاعدة هو سقوطه عن العيال حتّى في صورة


1 . المستمسك: 9 / 400 .   2 . مستند العروة الوثقى: 24 / 402 .


صفحه301

النسيان، وذلك لأنّ الخارج عن تحت القاعدة الأُولى هو العيال وأنّ فطرته على معيله، فمقتضى إطلاق المخصّص هو سقوطه عن ذمّته، بل عدم ثبوته في حقّه من أوّل الأمر، فإخراج صورة النسيان عن تحت المخصّص وإرجاعه إلى العموم يحتاج إلى دليل مع إنّ خروجه وبقاءه تحت المخصّص لا يستلزم تخصيصاً زائداً للعام.

والحاصل: انّا نشك في خروج صورة النسيان عن تحت المخصص ومقتضى إطلاقه شموله له، وما أفاده من عدم تعلّق التكليف بالناسي حتّى في صقع الواقع فغير تام، لأنّ الناسي كالجاهل مكلّف غير أنّ النسيان عذر لا أنّه غير مكلّف، وإلاّ يلزم عدم شمول الأحكام لعامّة الأصناف.

الرابع: إذا كان المعيل فقيراً دون من يعوله

إذا كان المعيل فقيراً دون من يعوله فهل يسقط عنهما، أو يجب على الثاني إذا كان قادراً، فقد أفتى صاحب العروة بوجوبها على نفسه وجعلها الأقوى، وذلك لأنّ المتيقّن من خروج المعيل عن القاعدة الأُولى هو المعيل الغني القادر على إخراج النفقة، وأمّا المعيل المعسر فلم يكتب عليه لا فطرة نفسه ولا فطرة من يعوله بمشقة وعسر. فالمرجع هو العمومات من وجوب الفطرة على كلّ مكلّف حرّ غني.

الخامس: لو تكلّف المعيل الفقير بالإخراج

قد عرفت أنّ الفطرة واجبة على المعيل الغني دون الفقير، فلو تكفّل


صفحه302

المعيل الفقير بالإخراج فهل يسقط الواجب عن عياله الغني؟ الظاهر لا، لأنّ الخارج عن العمومات هو المعيل القادر على دفع الفطرة، وأمّا المعيل الفقير فلم يكتب عليه فطرة عياله، فيكون المرجع هو القاعدة الأُولى.

وقد ذكر الشهيد لعدم الإجزاء وجهاً آخر، فقال: لو تبرع المعسر بإخراجها عن الضيف مستحباً لم يجز، وقد احتمل العلاّمة في «المختلف» الإجزاءَ، لأنّ هذه زكاة الضيف وقد ندب الشرع إليها. وقال: ولمانع أن يمنع الندب في هذا وإنّما المنصوص استحباب إخراجها للفقير عن عياله ونفسه، والمفهوم من عياله، الفقر. (1) يريد أنّ المستحبّ إخراج المعيل الفقير عن عياله الفقير ولا يعمّ العيالُ الغنيّ.

في وجوب إخراج الفطرة عن الزوجة

هل وجوب الفطرة يدور مدار العيلولة، أو الزوجية والمملوكية مع وجوب الإنفاق، أو نفس العنوانين وإن لم تجب نفقتهما على الزوج والمالك؟ في المسألة فروع:

1. فطرة الزوجة والمملوك عند العيلولة.

2. فطرتهما إذا وجبت نفقتهما على الزوج والمالك مع عدم العيلولة.

3. فطرتهما مع عدم وجوب الإنفاق والعيلولة.

الأوّل: تجب الفطرة عن الزوجة لملاك العيلولة، ولأجل ذلك لا فرق


1 . البيان: 209 .


صفحه303

في الزوجة بين كونها دائمة أو منقطعة، واجبة النفقة أو لا، لنشوز أو لصغر، وكذا المملوك وإن لم تجب نفقته على المالك.

الثاني: إذا كانت الزوجة واجبة النفقة ولكن لم يُعلها الزوج ولا غيره، فهل تجب عليها الفطرة؟

يظهر من المحقّق الميلُ إلى كون فطرتها على زوجها، قال: الزوجة والمملوك تجب الزكاة عنهما ولو لم يكونا في عياله إذا لم يعلهما غيره.

قيل: لا تجب إلاّ مع العيلولة وفيه تردد.

قال الشهيد الثاني في شرح عبارة المحقّق: منشؤه هو الشكّ في كون السبب هو العيلولة أو الزوجية والمملوكية، وظاهر النصوص هو الثاني فيجب عنهما وإن لم يعلهما غيره.(1)

وكان الأولى بالشهيد أن يقول: هل السبب هو العيلولة أو وجوب الإنفاق مكان الزوجية والمملوكية؟

قال المحدّث البحراني: المشهور فطرتها على الزوج، لأنّها تابعة لوجوب النفقة، ثمّ قال: وإنّ النصوص صريحة في إناطة الوجوب بالعيلولة زوجة كانت أو غيرها من تلك الأفراد المعدودة في الأخبار.(2)

وقد اختار صاحب العروة عدم الوجوب عليه أخذاً بالملاك وهو العيلولة، فلمّا انتفى انتفى ما يترتّب عليه.

لكنّه قال: الأحوط الإخراج خصوصاً مع وجوب نفقتهم عليه.


1 . المسالك: 1 / 446 ـ 447 .   2 . الحدائق: 12 / 268 ـ 269 .


صفحه304

أقول: ما اختاره المحقّق مبني على أن يكون المراد من العيلولة هو وجوب الإنفاق، سواء أنفق أم لم ينفق، فبما أنّ الزوجة ممّن يجب عليه أن ينفق عليها فتجب فطرتها عليه.

وإن أبيت إلاّ على دوران وجوب الفطرة مدار العيلولة، فالأولى التفريق بين ترك الإنفاق عن طوع ورغبة وتركه عن عصيان، إذ القول بسقوط وجوب الفطرة لأجل عصيانه بعدم الإنفاق، أمر غريب.

الثالث: إذا كانت الزوجة غير واجبة الإنفاق لنشوز أو لصغر مانع عن الاستمتاع مع عدم العيلولة، فهل تجب فطرتها على الزوج أو لا؟ ومثلها العبد إذا خرج عن الطاعة؟ ففيه خلاف بين المشهور وابن إدريس، فالمشهور سقوط وجوب الفطرة، لفقدان الملاك أي العيلولة أو وجوب الإنفاق حسب الملاك عند المحقّق.

نعم ذهب ابن إدريس إلى أنّ للزوجية والمملوكية موضوعية في الحكم، بخلاف الولد والوالد فإنّ الملاك فيهما العيلولة.

قال في «السرائر»: يجب إخراج الفطرة عن عبده، سواء كان آبقاً أو غير آبق، لعموم أقوال أصحابنا وإجماعهم على وجوب الفطرة عن العبيد; وكذلك يجب إخراج الفطرة عن الزوجات، سواء كنّ نواشز أو لم يكنّ، وجبت النفقة عليهنّ أم لم تجب، دخل بهن أو لم يدخل، دائمات أو منقطعات ; للإجماع والعموم من غير تفصيل من أحد من أصحابنا.(1)


1 . السرائر: 1 / 466 .


صفحه305

أقول: قد استدلّ ابن إدريس بوجهين:

1. الإجماع.

2. العموم.

أمّا الإجماع فغير ثابت، بل الثابت خلافه. قال المحقّق: قال بعض المتأخّرين: الزوجية سبب لإيجاب الفطرة لا باعتبار وجوب مؤونتها، ثمّ تخرج فقال: يخرج عن الناشز والصغيرة الّتي لا يمكن الاستمتاع بها، ولم يُبد حجة عدا دعوى الإجماع من الإمامية على ذلك. وما عرفنا أحداً من فقهاء الإسلام فضلاً عن الإمامية أوجب الفطرة على الزوجة من حيث هي زوجة، بل ليس تجب الفطرة إلاّ عن من تجب مؤونته أو يتبرع بها عليه، فدعواه إذاً غريبة عن الفتوى والأخبار، وهو جيد.(1)

وأمّا العموم فيلاحظ على ما ذكره ابن إدريس: أنّه ليس فيما استدلّ به من العمومات ما يشير إلى أنّ الملاك عنوان الزوجية والمملوكية، بل تضافرت العمومات على أنّ الإيجاب باعتبار العيلولة كما مرّ.

نعم يمكن الاستدلال على موضوعية الزوجية والمملوكية بروايتين إحداهما صحيحة دون الأُخرى.

1. صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله إلاّ أنّه يتكلّف له نفقتَه وكسوتَه، أتكون عليه فطرته؟ قال: «لا، إنّما يكون فطرته على عياله صدقة دونه، وقال:


1 . المعتبر: 2 / 601 .


صفحه306

العيال: الولد والمملوك والزوجة وأُمّ الولد».(1)

2. ما رواه إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الفطرة ـ إلى أن قال: ـ وقال: «الواجب عليك أن تعطي عن نفسك وأبيك وأُمّك وولدك وامرأتك وخادمك».(2)

فإنّ ظاهر الروايتين أنّ المرأة بعنوانها موضوع لوجوب الإخراج عنها وهكذا المملوك.

يلاحظ عليه: أنّه لو دلّ على ذلك لدلّ في الوالد والولد أيضاً ، فيجب على كلّ، إخراجُ زكاة الآخر عنه مطلقاً مع أنّه لم يقل به أحد، إذ لا تجب فطرة الولد ولا الوالد على الآخر إلاّ عند العيلولة.

أضف إلى ذلك: أنّ الرواية بصدد بيان مصاديق من يعوله الإنسان في حياته، وليس منه من تكلّف له، من دون الإشارة إلى موضوعية هذه العناوين على وجه الإطلاق.

فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا تجب فطرة الزوجة على الزوج إلاّ عند العيلولة، إلاّ فيما إذا كان عدم الإنفاق عن عصيان فإنّ القول بالسقوط مشكل كما مرّ.

في سقوط الفطرة عن الولي وعن الصغير والمجنون

لو أنفق الولي على الصغير أو المجنون من مالهما سقطت الفطرة عنه وعنهما.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4 .


صفحه307

أمّا السقوط عن الولي فلعدم كونهما عيالاً له، وأمّا السقوط عنهما فلأجل عدم وجوب الفطرة عليهما، لما مرّ من اشتراط البلوغ والعقل.

وبذلك يعلم أنّ التعبير بالسقوط غير صحيح، إذ لم تكن فطرتهما واجبة حتّى تسقط بإنفاق الولي.

جواز التوكيل في دفع الزكاة إلى الفقير

يجوز التوكيل في دفع الزكاة إلى الفقير من مال الموكّل ويتولّى الوكيل النيّة، والأحوط نيّة الموكّل أيضاً على حسب ما مرّ في زكاة المال. ويجوز توكيله في الإيصال ويكون المتولّي حينئذ هو نفسه، ويجوز الإذن في الدفع عنه أيضاً لا بعنوان الوكالة، وحكمه حكمها، بل يجوز توكيله أو إذنه في الدفع من ماله بقصد الرجوع عليه بالمثل أو القيمة، كما يجوز التبرع به من ماله بإذنه أو لا بإذنه وإن كان الأحوط عدم الاكتفاء في هذا وسابقه.

وقد تقدّم الكلام في هذه المسألة في زكاة المال، وقلنا: إنّ الوكيل تارة يكون وكيلاً في الإخراج وأُخرى في الإيصال، وذكرنا حكم كلّ واحد بالنسبة إلى نيّة القربة فيما مضى، فلاحظ.

مَن وجبت عليه فطرة غيره لا يجزئه إخراج الغير عن نفسه

قد تقدّم أنّ زكاة الفطرة عبادة مالية والأمر فيها متوجّه للمُعيل فهو المسؤول عن تلك الفريضة، فلو قام بها الغير فلا يجزيه إخراج ذلك الغير، فهو كمن صلّى صلاة الغير وصام صومه وهو بعد حي.


صفحه308

واستثنى صاحب العروة صورة واحدة، وهي: لو قصد التبرّع بها عن الغير، فأفتى بالإجزاء على الأقوى وإن كان الأحوط العدم، وهو بعد غير خال عن الإشكال، لما عرفت من أنّ الخطاب العبادي المالي متوجّه للمُعيل فكيف يتقرّب به غيره؟

فإن قلت: إنّ من موارد صرف الزكاة هو أداء دين الغارم، فقد مضى أنّه يجوز لمالك الزكاة أداء دين الغير تبرعاً فليكن المقام مثله.

قلت: إنّ القياس مع الفارق فإنّ الواجب على المَدين إفراغ ذمّته مطلقاً من دون اعتبار نيّة القربة، فإذا تبرع به الغير فرغت ذمّته، وهذا بخلاف المقام فإنّ الواجب على المعيل هو أداء زكاة الغير متقرباً إلى الله سبحانه، وفي مثله لا يحصل الفراغ بأداء الغير حتّى لو نوى القربة، لأنّ الواجب هو نيّة القربة للمالك.

في حرمة فطرة غير الهاشمي على الهاشمي

تحرم فطرة غير الهاشمي على الهاشمي، وذلك لدخولها تحت عنوان الصدقة، فقد ورد في غير واحد من الروايات حرمة الصدقة على أبناء عبد المطلب.

وفي رواية عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لا تحلّ الصدقة لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم» .(1) فلا قصور في الروايات في شمولها لزكاة المال وزكاة الفطرة، فإنّ الجميع من أقسام الصدقة.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3.


صفحه309

ويشهد على ما ذكرنا التعبير بالزكاة المفروضة الّتي تشمل كلتا الزكاتين; ففي رواية زيد الشحام، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن الصدقة الّتي حرمت عليهم؟ فقال: «هي الزكاة المفروضة، ولم يحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض». (1)

نعم رواه في «الجواهر» بالنحو التالي: سألته عن الصدقة الّتي حرمت عليهم؟ فقال: هي الصدقة المفروضة المطهرة للمال.(2)

وليس لقوله: «المطهرة للمال» في «الوسائل» عين ولا أثر.

بقي الكلام فيما هو الموضوع في المقام، فهل الاعتبار في جواز دفع الزكاة للسيد بالمعيل أو المعال؟ فلو كان المعيل سيداً دون المعال فيجوز على الأوّل دون الثاني، ولو كان بالعكس انعكس.

والّذي تقتضيه القاعدة هو أنّ الموضوع هو المعيل، لأنّه المخاطب بالأداء وإن كان يدفع الزكاة عن المعال، فتكون العبرة بحال المعطي لا المعطى عنه.

نعم ذهب صاحب الحدائق بأنّ العبرة بحال المُعال عنه وقال: لأنّه هو الّذي تضاف إليه الزكاة، فيقال: فطرة فلان وإن وجب إخراجها عنه على غيره، لمكان العيلولة وأُضيفت إليه أيضاً من هذه الجهة، وإلاّ فهي أوّلاً وبالذات إنّما تضاف إلى المعال.

وممّا يؤيد ما قلناه قول الصادق (عليه السلام) لمعتَب: «اذهب فأعط عن عيالنا


1 . الوسائل: ج 6، الباب 32 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 4.

2 . الجواهر: 15 / 412 .


صفحه310

الفطرة وأعط عن الرقيق بأجمعهم، ولا تَدَع منهم أحداً، فإنّك إن تركت منهم إنساناً تخوفت عليه الفوت» .(1) فإنّه ظاهر كماترى في كون الزكاة الواجب عليه إخراجها إنّما هي زكاة الغير وفطرته وهم عياله، وإنّما وجبت عليه من حيث العيلولة، فهي منسوبة إليهم ومتعلّقة بهم، ولهذا خاف عليهم الفوت مع عدم إخراجها عنهم.

ثمّ استشهد (قدس سره) بروايات أُضيف فيها الفطرة إلى المعال، ففي صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: بعثت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بدراهم لي ولغيري وكتبت إليه أُخبره أنّها من فطرة العيال، فكتب بخطه: «قبضت وقبلت».(2)

إلى أن قال: وممّا يؤيد ما قلناه ما ورد من العلة في تحريم الزكاة على بني هاشم من أنّ الزكاة أوساخ الناس إشارة إلى قوله عزّوجل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهَا)(3) فكأنّها مثل الماء الّذي يغسل به الثوب الوسخ فينتقل الوسخ إلى الماء، وهذا المعنى إنّما يناسب المعال من جهة حديث معتب الدال على أنّ من لم يخرج عنه الزكاة يخاف عليه الموت، فهي في قوة المطهرة له والدافعة للبلاء عنه ولا مدخل للمعيل في ذلك.(4)

وقد كان لكلام صاحب الحدائق تأثير في نفس السيد الحكيم حيث


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

3 . التوبة: 103 .   4 . الحدائق الناضرة: 12 / 317 ـ 318 .


صفحه311

قال في آخر كلامه: إلاّ أن يقال التعليل: بأنّ الزكاة أوساخ أيدي الناس يناسب كون المدار على المعال به، لأنّها فداء عنه لا عن المعيل.(1)

ويمكن أن يقال: إنّ للزكاة إضافة إلى من وجب عليه كالمعيل وهو المخاطب، كما أنّه له إضافة إلى من يخرج عنه كالصبي والمجنون، والمعال عنه كما أنّ لها ـ في زكاة المال ـ إضافة إلى الجنس الّذي تخرج زكاته ويقال: زكاة الحنطة أو زكاة الإبل والنقدين.

فهذه الأُمور الثلاثة ممّا لا إشكال فيها إلاّ أنّ الكلام فيما هو الملاك لتمييز زكاة الهاشمي عن غيرها، فبما أنّ المخاطب في عامّة الموارد هو المعيل فهو المسؤول عن أداء هذه الزكاة، يتبادر إلى الذهن بأنّه الملاك، وهذا لا ينافي أن ينتفع بفعل المعيل الصبي والمجنون وسائر المكلّفين، لأنّه يدفع الزكاة بغية دفع البلاء عنهم .

وبعبارة أُخرى: فالميزان هو مالك الزكاة، فهو إن كان هاشمياً يجوز أن يدفع إلى الهاشمي لا ما إذا كان المالك غير هاشمي والمعال هاشمياً. وعلى الرغم من ذلك فالأحوط عدم الدفع إلى الهاشمي إلاّ إذا كان كلّ من المعيل والمعال هاشمياً.

في حكم الغائب

لا فرق في العيال بين أن يكون حاضراً عنده ـ وفي منزله أو منزل آخر ـ


1 . المستمسك: 9 / 405 .


صفحه312

أو غائباً عنه، فلو كان له مملوك في بلد آخر لكنّه ينفق على نفسه من مال المولى يجب عليه زكاته، وكذا لو كانت له زوجة أو ولد كذلك، كما أنّه إذا سافر عن عياله وترك عندهم ما ينفقون به على أنفسهم يجب عليه زكاتهم. نعم لو كان الغائب في نفقة غيره لم يكن عليه، سواء كان الغير موسراً ومؤدياً أو لا، وإن كان الأحوط في الزوجة والمملوك إخراجه عنهما مع فقر العائل أو عدم أدائه. وكذا لا تجب عليه إذا لم يكونوا في عياله ولا في عيال غيره، ولكن الأحوط في المملوك والزوجة ما ذكرنا من الإخراج عنهما حينئذ أيضاً.

وهذا مطابق للقاعدة، لأنّ الملاك هو العيلولة وهي محفوظة في جميع الموارد.

مضافاً إلى ورود نصّ خاص وهو صحيح جميل بن درّاج، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يعطي الرجل عن عياله وهم غيّب عنه، ويأمرهم فيعطون عنه وهو غائب عنهم».(1)

والغائب عن عياله الذين في نفقته يجوز أن يخرج عنهم، بل يجب إلاّ إذا وكّلهم أن يخرجوا من ماله الّذي تركه عندهم، أو أذن لهم في التبرّع عنه.

وهذا مطابق للقاعدة لما مرّ من أنّه يجوز التوكيل في الزكاة إخراجاً وإيصالاً بشرط الوثوق على أنّهم يؤدّون عنه وإلاّ فمجرّد التوكيل لا ينفع.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 19 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .


صفحه313

في فطرة المملوك المشترك بين مالكين

هنا فروع ندرسها واحداً بعد الآخر:

اذاكان العبد مشتركاً وكان في عيال المالكَين فله صور:

أ. إذا كان الشريكان موسرين.

ب. إذا كان أحدهما موسراً دون الآخر.

ج. إذا كانا معسرين.

وإليك التفصيل:

الأُولى: إذا كان المملوك مشتركاً بين مالكين موسرين وكان في عيالهما معاً، تكون زكاته عليهما بالنسبة تمسّكاً بإطلاق قوله: «الفطرة واجبة على كلّ من يعول».(1) فبما أنّ كلاًّ من المالكين مخاطب بإخراج الفطرة عنه لملاك العيلولة، هذا من جانب، ومن جانب آخر، لا يخرج عن المعال أزيد من فطرة واحدة، تكون النتيجة: أنّ الفطرة عليهما بالتقسيط، وإلاّ فالأمر يدور بين إخراج كلّ فطرة مستقلة وهي خلاف ما اتّفقوا عليه، من عدم وجوب أزيد من فطرة واحدة، أو عدم إخراجهما أصلاً، وهو خلاف الإطلاق، أو إخراج واحد، دون الآخر، وهو ترجيح بلا مرجّح.

فالتقسيط موافق للقاعدة ولا نحتاج معها إلى دليل آخر وربّما يؤيّد بمكاتبة محمد بن القاسم بن الفضيل البصري أنّه كتب إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن المملوك يموت عنه مولاه وهو عنه غائب في بلدة


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 .


صفحه314

أُخرى وفي يده مال لمولاه وتحضره الفطرة أيزكِّي عن نفسه من مال مولاه وقد صار لليتامي؟ قال: «نعم» .(1) وإنّما يصحّ التأييد إذا حمل الحديث على موت المولى قبل الهلال، ليكون العبد مِلْكاً مشتركاً لليتامى عند الهلال، فيكون المخرج من المال المشترك بينهم; وأمّا إذا حمل على موت المولى بعد الهلال، يكون العبد ملكاً طلقاً للمولى عند الهلال لا مشتركاً بين اليتامى.

وربما يقال بعدم الوجوب إذا لم يكمل لكلّ شريك رأس ولو مع الشركة مستدلاًّ بخبر زرارة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت: عبد بين قوم عليهم فيه زكاة الفطرة؟ قال: «إذا كان لكلّ إنسان رأس فعليه أن يؤدّي عنه فطرته، وإذا كان عدّة العبيد وعدّة الموالي سواء وكانوا جميعاً فيهم سواء أدّوا زكاتهم لكلّ واحد منهم على قدر حصّته، وإن كان لكلّ إنسان معهم أقلّ من رأس فلا شيء عليهم».(2)

يلاحظ عليه: أنّ السند لا يحتجّ به، فقد ورد فيه منصور بن العباس الّذي قال في حقّه النجاشي: أبو الحسين الرازي، سكن بغداد ومات بها، كان مضطرب الأمر، له كتاب نوادر كبير. نعم وثّقه السيد الخوئي في المعجم لوروده في أسانيد كامل الزيارات، والعجب أنّه ضعّفه في محاضراته كما سيوافيك نصّه.

كما ورد فيه، إسماعيل بن سهل الّذي عرّفه النجاشي بقوله: الدهقان الكاتب، ضعّفه أصحابنا، له كتاب.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 18 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .


صفحه315

وقال الطوسي: روى عن أبي جعفر، وروى عنه في كامل الزيارات 30 مورداً.

ومع الوصف فقد ضعّفه السيد الخوئي في محاضراته قال: مضافاً إلى اشتمال السند على عدّة من الضعفاء والمجاهيل، كسهل بن زياد ومنصور بن العباس وإسماعيل بن سهل.(1)

وكان عليه أن يصفهم جميعاً بالضعف دون الجهل، فإنّ المجهول عبارة عمّن حكم عليه أهل الرجال بالجهالة وعدم المعرفة، وهؤلاء ليسوا كذلك.

الثانية: إذا كان العبد مشتركاً بين مالكين: أحدهما موسر والآخر معسر وكان في عيالهما، تسقط عن المعسر لفقدان الشرط ـ أعني: الغنى ـ دون الآخر، وتبقى حصة الآخر، ضرورة أنّ تكليف كلّ بإعطاء حصته ليس منوطاً بتكليف الآخر، حتّى يسقط بسقوط أحدهما فعندئذ يقوم بواجبه.

الثالثة: تلك الصورة مع إعسارهما فتسقط عنهما، لفقدان شرط التعلّق.

هذا كلّه إذا كان العبد المشترك في عيالهما، وأمّا إذا كان في عيال أحدهما دون الآخر، فالصور المتصوّرة وإن كانت كثيرة لكن المهم، هو كون المعيل موسراً أو معسراً، سواء كان الآخر (غير المعيل) موسراً أو غير موسر لسقوط زكاة الفطرة عنه بعدم العيلولة، وإليك الكلام فيهما.

الرابعة: إذا كان العبد المشترك عيالاً لأحدهما دون الآخر وكان المعيل


1 . مستند العروة الوثقى: 24 / 412 .


صفحه316

موسراً، وجبت عليه زكاة الفطرة تماماً مع يساره، وكونه مشتركاً لا يضرّ ما دام هو معيلاً له دون الآخر، فيصبح العبد كالخادم الحرّ الّذي يعوله ربّ البيت.

الخامسة: إذا كان العبد المشترك عيالاً لأحدهما دون الآخر، وكان المعيل معسراً، سقط عنه لإعساره وعن الآخر لعدم العيلولة، من غير فرق بين كون الآخر موسراً أو معسراً.

السادسة: إذا لم يكن العبد المشترك في عيال الشريكين سقطت عنهما.

نعم الاحتياط في هذه الصورة وما قبلها هو إخراج الزكاة لمن كان موسراً .

ثمّ إنّ ما ذكرناه من أمر التقسيط مبني على أنّ المناط هو العيلولة المشتركة بينهما، وإن كان وقت الغروب في نوبة أحدهما فإنّ الفطرة بحكم العيلولة المشتركة، عليهما بالنسبة، وأمّا لو كان المناط صدق العيلولة في زمان الوجوب لا مطلقاً فالعبد في صورة المهاياة (1) عيال لمن يقع في نوبته ولا عبرة بالعيلولة المشتركة، لكن الظاهر هو الأوّل وقياسه على الضيف قياس مع الفارق، إذ لا يتصوّر فيه العيلولة المشتركة، إذ هو عيال للمضيف في فترة خاصة، بخلاف العبد المشترك.

السابعة: لا شكّ أنّه يعتبر اتّحاد المخرج عندما كان المعيل واحداً لظهور قول أبي الحسن الرضا (عليه السلام): «تعطى من الحنطة صاع، ومن الشعير


1 . المراد من المهاياة هو توافق الشريكين في كيفية تقسيم خدمة العبد بأن يكون يوم عند شريك، ويوم آخر عند شريك آخر، أو أكثر.


صفحه317

صاع، ومن الأقط صاع» .(1) في أنّ الواجب صاع من أحد هذه العناوين، فالملفّق منهما، صاع ولكن ليس صاعاً من أحدها، إنّما الكلام فيما إذا كان المعيل متعدّداً فهل يجزي الملفّق من الشريكين، أو يجب أن يكون المخرج من جنس واحد؟ الأحوط هو الثاني والأقوى هو الأوّل، لأنّ الواجب على كلّ واحد، نصف صاع من أحد هذه العناوين، فإذا أخرج فقد أدّى واجبه، وإلزام الآخر، على أن يُخرج من هذا الجنس يحتاج إلى الدليل، ويؤيّده أنّه لو أخرج أحدهما دون الآخر، سقط عنه التكليف بإخراج نصف صاع من جنس واحد. ويمكن أن يقال: يجب عليهما التعاون في إخراج صاع من أحد الأجناس، فيلزم عليهما الاتّفاق على أحدها، نظير ما إذا وجب على شخصين إنقاذ غريق واحد، فيجب عليهما التعاون في كيفية الإنقاذ.

إذا كان شخص في عيال اثنين معاً

إذا كان شخص في عيال اثنين بأن عالاه معاً، فهنا صورتان:

أ. أن يكونا موسرين فيجب عليهما بالنسبة.

ب. أن يكون أحدهما موسراً دون الآخر فيجب على الموسر في حصته، فإذا شارك في أداء الفطرة فهل يشترط الاتفاق في جنس المخرج أو لا؟ مضى الكلام في ذلك في المسألة السابقة.

ثمّ إنّه ربما يتصوّر سقوط الفطرة عنهما، ولا وجه له إلاّ دعوى ظهور الأدلّة في العيلولة المختصة.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 .


صفحه318

وربّما يقال بالوجوب عليهما كفاية، وقد مرّ ضعفه لظهور الأمر في العيني دون الكفائي، بقي الكلام في قول السيد الطباطبائي: «فالحال كما مرّ في المملوك بين شريكين إلاّ في مسألة الاحتياط المذكور فيه» فما هو المراد من الاحتياط في المقام؟

والظاهر عدم الموضوع لهذا الكلام في المقام، فإنّ صاحب العروة احتاط في المسألة السابقة في موردين:

1. إذا عال العبدَ أحدُ المالكين وهو معسر. فذكر صاحب العروة أنّ الأحوط إخراج المالك الآخر إذا كان موسراً وإن لم يكن معيلاً، لاحتمال كفاية مجرد الملكية في وجوب الإخراج دون العيلولة، وهذا الاحتمال منتف في المقام لعدم الملكية، بل الملاك هو العيلولة، فإذا عال أحد الشريكين وهو معسر، فيسقط عن كلا الشريكين معاً; أمّا المعيل المعسر فلأجل عدم الغنى، وأمّا الآخر فلعدم العيلولة فلا وجه للاحتياط.

2. ما إذا لم يكن في عيال واحد منهما فذكر أنّ الأحوط حينئذ إخراج المالك مع يساره لاحتمال كون الملاك هو الملكية، وهذا الاحتياط غير جار في المقام، لأنّه إذا لم يكن الشخص في عيال واحد منهما لا يكون هناك أيُّ موضوع للفطرة، على أنّه خلاف فرض المسألة، لأنّه فيما إذا كان شخص في عيال اثنين.

و لعلّ هذه الجملة صدرت سهواً كما احتمله المحقّق الخوئي (قدس سره).


صفحه319

في فطرة الرضيع

إذا كان الملاك في وجوب الإخراج هو العيلولة، فلا فرق بين الذكر والأُنثى، والصغير والكبير، والرضيع وغيره.

وفي رواية إبراهيم بن محمد الهمداني أنّ أبا الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) كتب إليه ـ في حديث ـ: «الفطرة عليك وعلى الناس كلّهم ومن تعول، ذكراً كان أو أُنثى، صغيراً أو كبيراً، حرّاً أو عبداً، فطيماً أو رضيعاً، تدفعه وزناً ستة أرطال برطل المدينة، والرطل مائة وخمسة وتسعون درهماً، يكون الفطرة ألفاً ومائة وسبعين درهماً».(1)

وعلى ضوء ذلك فالرضيع إمّا يتغذّى بالحليب الجاف فهو عيال لمن ينفق غذاءه والغالب هو الأب، وإن كان يتغذّى بالإرضاع فهو عيال من ينفق على مرضعته، سواء كانت المرضعة أُمّاً له أو أجنبية.

وأمّا الجنين فإنّما يجب إذا تولّد قبل هلال شوال، ولو تولّد بعده يستحبّ الإخراج عنه.

روى الصدوق عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المولود يولد ليلة الفطر واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر؟قال: «ليس عليهم فطرة، وليس الفطرة إلاّ على من أدرك الشهر».(2)

وأمّا الاستحباب إذا ولد قبل الزوال فلمرسلة الشيخ، قال: وقد روي أنّه


1 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 و2 .


صفحه320

إن ولد له قبل الزوال تخرج عنه الفطرة. (1)

هل يشترط الإنفاق من المال الحلال؟

الظاهر عدم اشتراط كون الإنفاق من المال الحلال، فلو أنفق على عياله من المال الحرام ـ من غصب أو نحوه ـ وجب عليه زكاتهم.

وجهه: أنّ الموضوع لوجوب الإخراج هو العيلولة، وهي صادقة في كلتا الصورتين، وعلى ذلك فيجب على الظالم إخراج الفطرة عن عائلته وإن كان الإنفاق عليهم من الحرام.

نعم يجب أن تكون الفطرة من المال الحلال ليكون جائز التصرّف للفقير.

عدم اشتراط صرف عين ما يعطى للنفقة أو قيمته

الملاك في وجوب إخراج زكاة الفطرة هو العيلولة وكون المعال تحت تكفّل المعيل ورعايته، وعلى ضوء ذلك فلا فرق بين الصور الثلاث التالية:

أ.إذا صرف المعال نفس ما أنفقه المعيل من الحبوب واللحوم والأدهان وغيرها من الحاجات.

ب.إذا دفع المعيل قيمة الحاجات المذكورة واشترى المعال بها ما يحتاج إليه.


1 . الوسائل:ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 .


صفحه321

ج. إذا دفع المعيل قيمة الحاجات المذكورة ولكن المعال لم يصرف ما أخذه في حاجاته، بل ادّخره وصرف غيره مكانها، فيصدق في الجميع أنّ القابض معال للدافع.

لو ملّك شخصاً مالاً وهو أنفقه على نفسه

إذا لم يكن الشخص تحت تكفّل الإنسان ورعايته، ولكنّه ربّما يهب أو يهدي إليه مالاً بمقدار مؤونة سنته فلا يعد مثله عيالاً للمنفق.

وهذا بخلاف ما لو كان الشخص عيالاً على المنفق خارجاً وتحت تكفّله فيهدي له بين الفينة والأُخرى شيئاً يكفي مؤونة شهره أو سنته أو أكثر، فهو عيال على المنفق.

والحاصل: أنّ الميزان في وصف الشخص بالعيال هو العرف، ففيما إذا أصبح الشخص خارجاً عن دائرة العائلة غير أنّ المعيل ربما ينفق عليه شيئاً بعد شيء، فهذا لا يعدّ عيالاً، إذ لا مسؤولية له بالنسبة إليه لا شرعاً ولا عرفاً، وهذا بخلاف ما لو تكفّل شخصاً أو تعهد قضاء حوائج عائلة، فالإعطاء لهم هبة أو صلحاً أو هدية أو غير ذلك يجعلهم عيالاً عليه.

لو استأجر شخصاً واشترط أن تكون نفقته عليه

إذا استأجر الموجر شخصاً، فتارة يشترط الأجير أن يدفع له وراء الأُجرة مقداراً ينفقه في حاجاته على نحو يكون الشرط جزءاً من الأُجرة، وأُخرى يستأجره الموجر بأُجرة ويشترط الأجير أن تكون نفقته عليه، سواء


صفحه322

أنفق نفس ما يحتاج إليه، أو قيمته، فيعد الأجير عيالاً على الموجر، فيجب عليه إخراج النفقة.

والفرق بين الصورتين واضح، فإنّ دفع مقدار النفقة جزء من الأُجرة في الصورة الأُولى لأجل أنّ الأجير لا يرضى بالدينار حتّى يضم إليه شيئاً ينفقه في حاجاته اليومية; بخلاف الصورة الثانية فإنّ الأجير يدخل في دائرة العيال، فتارة ينفق عليه نفس ما يحتاج إليه، وأُخرى قيمته.

إذا نزل عليه نازل قهراً ومن غير رضاه

في هذه المسألة فروعاً ثلاثة كلّها صور مختلفة للعيلولة غير الاختيارية.

أ.إذا نزل عليه نازل قهراً ومن غير رضاه، وحلّ ضيفاً عنده مدة.

ب. عال شخصاً بالإكراه والجبر.

ج. العامل الذي يرسله الظالم لأخذ مال منه فينزل عنده مدة ظلماً وهو مجبور في طعامه وشرابه.

فلا يجب إخراج الفطرة في الصور الثلاث، لظهور الأدلّة أو انصرافها إلى العيلولة الاختيارية وأن يكون تكفّله عن رضاً واختيار.

ففي صحيحة عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «نعم، الفطرة واجبة على كلّ من يعول».(1)

وفي صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّ من


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1.


صفحه323

ضممت إلى عيالك من حرّ أو مملوك، فعليك أن تؤدّي الفطرة عنه».(1)

ولو افترضنا إطلاق الأدلّة وشمولها للإعالة القهرية وغير الاختيارية، فحديث رفع الإكراه كاف في رفع وجوب الفطرة في هذه الصورة.

توضيحه:

إنّ الإنفاق على وجه الإطلاق صار موضوعاً لوجوب إخراج الفطرة عن المنفق عليه، من غير فرق بين حالتي الرضا والإكراه، فيصح رفع وجوب إخراج الفطرة عند الإكراه بقوله: رفع عن أُمّتي ما استكرهوا عليه. وهذا نظير الإفطار الذي وقع موضوعاً للكفّارة، فلو كان لدليل الكفّارة إطلاق بالنسبة إلى حالتي الرضا والإكراه، فيكفي في رفع الوجوب حديث الرفع.

فإن قلت: إنّ الموضوع لوجوب الإخراج هو العيلولة لا الإنفاق بعنوان التكفّل والرعاية.

قلت: العيلولة عبارة أُخرى عن قيام الرجل بتكفّل شخص آخر لإنجاز حاجاته في شهر أو سنة أو أكثر، فلا فرق بين التعبير بالعيلولة أو الإنفاق.

وبذلك يعلم عدم تمامية ما أفاده المحقّق الخوئي (قدس سره) حيث منع جريان حديث الرفع في المقام، وأفاد في وجهه ما هذا حاصله:

إنّ مفاد الحديث رفع الحكم المتعلّق بالفعل أو المترتّب عليه، أي كلّ فعل كان متعلّقاً أو موضوعاً لحكم شرعي فهو مرفوع في عالم التشريع إذا صدر عن الإكراه أو الاضطرار ونحوهما، وأمّا الآثار غير المترتّبة على فعل


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 8 .


صفحه324

المكلّف، بل على أمر آخر جامع بينه وبين غيره، وقد يجتمع معه ـ كالنجاسة المترتّبة على الملاقاة التي قد تستند إلى الفعل الاختياري، وقد لا تستند ـ فهي غير مرفوعة بالحديث بوجه. ومقامنا من هذا القبيل، فإنّ الفطرة مترتّبة على عنوان العيلولة التي قد تكون اختيارية وقد لا تكون ـ مع الغض عمّا مرّ من انصراف النصوص إلى الأوّل ـ فإنّ الموضوع كون شخص عيالاً للآخر الذي هو عنوان جامع بين الأمرين، ومثله لا يرتفع بالحديث لاختصاصه بالأحكام المتعلّقة أو المترتّبة على الفعل الاختياري كما عرفت.

وممّا يؤكد ذلك أنّا لو فرضنا أنّ العيلولة كانت اضطرارية فألجأته الضرورة الملحّة على اتّخاذ العيال، أفهل يحتمل حينئذ أن لا تجب فطرته عليه لحديث رفع الاضطرار؟فيقال بأنّ العيلولة الاضطرارية كالإكراهية مرفوعة بالحديث، والسر ما عرفت من اختصاص الحديث بما يتعلّق أو يترتّب على الفعل الاختياري دون غيره. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المقامين من واد واحد، فكما أنّ الإفطار فعل اختياري يعرضه طيب النفس تارة والإكراه أُخرى، فهكذا العيلولة بمعنى التكفّل لقضاء حوائج شخص آخر فيعرضه طيب النفس تارة والإكراه أُخرى، والتعبير في الروايات«بمن يعول»عبارة أُخرى عمّا ذكرنا.

وثانياً: أنّ عدم الرفع في صورة الاضطرار لكون الرفع هناك على خلاف الامتنان، فلو اضطر الشخص لمعالجة طفله أن يبيع حاجات البيت،


1 . مستند العروة الوثقى: 24 / 421 .


صفحه325

فالمعاملة صحيحة لازمة غير مرفوعة، لأنّ الرفع فيه على خلاف الامتنان، فهكذا المقام فإنّ الاضطرار الملحّ على اتّخاذ العيال يكون نابعاً عن عامل عاطفي يدفعه إلى أخذ الشخص عيالاً على نفسه ككونه ولد صديقه أو جاره أو غير ذلك، فرفع العيلولة يخالف الامتنان في المقام فلا يعمّه.

إذا مات قبل الغروب من ليلة الفطر

هنا فرعان:

1.إذا مات الرجل قبل الغروب، فلا يجب إخراج الفطرة من تركته، لعدم إدراكه زمان الوجوب، وهو كونه حيّاً عاقلاً متمكّناً عند رؤية الهلال.

2.إذا مات بعد الغروب أو بعد رؤية الهلال، فأفتى السيد الطباطبائي بوجوب إخراجه من تركته عنه وعن عياله، وإن كان عليه دين وضاقت التركة قسّمت عليها بالنسبة.

قال المحقّق في«الشرائع»: لو مات المولى وعليه دين، فإن كان بعد الهلال، وجبت زكاة مملوكه في ماله. وإن ضاقت التركة قسّمت على الدين والفطرة بالحصص. وإن مات قبل الهلال لم تجب على أحد إلاّ بتقدير أن يعوله.(1)

ويظهر من «الجواهر»ارتضاؤه حيث يصف الحكم الأوّل(قسّمت على الدين والفطرة بالحصص)بقوله: على نحو الديون بلا خلاف ولا إشكال، ولا


1 . الشرائع: 1 / 172 .


صفحه326

فرق بين المملوك وغيره في ذلك وإنّما خصّه السيد الطباطبائي بالذكر تنبيهاً على عدم تعلّقها برقبته. (1)

ولكن المسألة مبنية على أنّ تعلّق زكاة الفطرة على الإنسان كتعلّقها بالمال غير أنّ ظرف أحدهما الذمّة والآخر النصاب.

فإذا مات بعد تعلّق الوجوب ينتقل الدين إلى تركته فيساوى مع سائر الديون ويقتسمون التركة بالنسبة، ولكن هناك احتمال آخر أشار إليه المحقّق الخوئي (قدس سره) بأنّ الفطرة من قبيل التكليف المحض كالصلاة، والمشهور أنّ الواجبات الإلهية لا تخرج من أصل المال ماعدا الحجّ للنص، وممّا يرشد إلى ذلك أنّه لو لم يخرج الفطرة إلى أن مضى وقتها كما بعد الزوال أو غير ذلك، فالمشهور أنّها تسقط حينئذ.(2)

وقد مرّ بيان ذلك في البحوث السابقة، فلاحظ.

المطلّقة الرجعية فطرتها على زوجها دون البائن

إنّ الرجعية لمّا كانت زوجة أو بمنزلة الزوجة ينفق عليها ما دامت في العدة، فإذا انقضت العدة فقد بانت منه، فتكون عيالاً على الزوج فيجب إخراج فطرتها عنها; بخلاف البائن، فإنّ العلقة منقطعة فلا ينفق عليها شيئا،إلاّ إذا كانت حاملاً فينفق عليها لأجل الحمل، فتخرج عن العيلولة إلاّ في صورة الحمل، حيث إنّ الإنفاق ولو لأجل الحمل يجعل المرأة البائنة عيالاً عليه.


1 . الجواهر: 15 / 512 ـ 513 .

2 . مستند العروة: 24 / 422 .


صفحه327

وبذلك يعلم أنّ الحكم غالبي والموضوع العيلولة، فلو كان الطلاق رجعياً وانتفت العيلولة لأجل نشوزها المستمر أو لغير ذلك أو كانت بائنة ولكن كانت في دائرة العيلولة، يخرج عنها، وعلى ذلك فلا فرق بين الرجعية والبائن مع العيلولة وعدمها كما لا يخفى.

إذا كان غائباً عن عياله وشك في حياتهم

إنّ وجوب الفطرة مترتّب على الموضوع المركّب:أحدهما:كون المعال حياً، والآخر: كونه عيالاً عليه. فلو أحرز الجزآن بالعلم الوجداني، أو أحدهما بالعلم الوجداني والآخر بالتعبّد، أو كلاهما به يترتّب الأثر. مثلاً: إذا كانت المرأة وكيلة في طلاق نفسها على النحو البائن، فشك في أنّها هل طلّقها أو لا مع العلم بحياته؟ففي المقام الحياة محرزة بالوجدان وإنّما الشكّ في الجزء الآخر وهو كونها في عياله أو لا، فيستصحب ويقال:كانت المرأة سابقاً عيالاً عليه والأصل بقاؤها على ما كانت.


صفحه328

الفصل الثالث

في جنسها وقدرها

هذا الفصل منعقد لبيان جنس الفطرة أوّلاً، وقدرها ثانياً. ولنقدّم الكلام في الأوّل ثمّ الثاني فنقول:

«القوت» في اللغة ما يأكله الإنسان ويقتاته، سواء اقتصر عليه كما في الحنطة والأرز، أم لا كما في الجبن واللبن والزبيب، فالمعيار هو ما يأكله غالب الناس في غالب الأوقات.

نعم لأصحابنا أقوال نذكرها تباعاً.

1. الاقتصار على الأجناس الأربعة

ذهب ابن بابويه في رسالته وولده الصدوق في مقنعه وهدايته وابن أبي عقيل إلى أنّ: صدقة الفطرة صاع من حنطة، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو صاع من زبيب.(1)

2. الاقتصار على الأجناس الخمسة

اقتصر صاحب المدارك على الأجناس الخمسة، وهي الأربعة


1 . المختلف: 3 / 281 .


صفحه329

المذكورة مضافاً إلى الأقط وهو الجبن، وإنّما اقتصر عليه لصحّة أسانيد ما دلّ على الخمسة، ولو كان الملاك هو صحة الأسانيد فعليه أن يضيف على الخمسة اللبن، لوروده في رواية صحيحة; وهي ما رواه الشيخ عن زرارة وعبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الفطرة على كلّ قوم ممّا يغذّون عيالهم من لبن أو زبيب أو غيره». (1)

قال صاحب الحدائق: وكان على سيد المدارك أن يضيف إلى الأجناس الخمسة، الذرة أيضاً، لورودها في رواية صحيحة، وهي ما رواه الشيخ عن أبي عبد الرحمن الحذّاء ـ وهو أيوب بن عطية ـ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أنّه ذكر صدقة الفطرة،إلى أن قال: «أو صاع من شعير أو صاع من ذرة»(2).(3)

يلاحظ عليه: ما ذكره صاحب الحدائق: أنّ الرواية ضعيفة، لأنّ المكنّى بـ «أبي عبد الرحمن الحذّاء»شخصان:

1.أيّوب بن عطية، قال النجاشي:أيوب بن عطية، أبو عبد الرحمن الحذّاء، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).(4)

2.أبو عبد الرحمن الحسن الحذّاء، وهو مجهول، لم يعنون في الرجال. والمراد به في المقام هو الثاني بشهادة أنّ الصدوق رواها في «العلل» عن الحسن الحذّاء مصرّحاً باسمه. (5)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 10 .

3 . الحدائق: 12 / 281 ـ 282 .   4 . رجال النجاشي:1/256 برقم 253 .

5 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، ذيل الحديث 10 .


صفحه330

وعلى أي تقدير فالاقتصار على الأربعة أو الخمسة أو الستة ليس قولاً تاماً، لما سيوافيك من الأدلّة على خلافها.

3. الاقتصار على الأجناس السبعة

يظهر من كلمات لفيف من أصحابنا منهم الشيخ في كتاب«الخلاف» و«المبسوط»، الاقتصار على الأجناس السبعة:

أ. قال في«الخلاف»: يجوز إخراج صاع من الأجناس السبعة: التمر، أو الزبيب، أو الحنطة، أو الشعير، أو الأرز، أو الأقط، أو اللبن.ثمّ استدلّ على لزوم الاقتصار على السبعة بأنّه لا خلاف فيها أنّها تجزئ، وما عداها ليس على جوازها دليل.(1)

ب. قال في«المبسوط»: والفطرة تجب صاع وزنه تسعة أرطال بالعراقي وستة أرطال بالمدني من التمر أو الزبيب أو الحنطة أو الشعير أو الأرز أو الأقط أو اللبن. (2)

ج. وقال المفيد في«المقنعة»: وهي فضلة أقوات الأمصار على اختلاف أقواتهم في النوع من: التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، والأرز، والأقط، واللبن، فيخرج كلّ مصر فطرتهم من قوتهم.(3)

د. وقال ابن زهرة: ومقدار الواجب صاع من كلّ رأس من فضلة ما


1 . الخلاف:2/150، كتاب الزكاة، المسألة 188 .

2 . المبسوط: 1 / 241 .   3 . المقنعة: 249 ـ 250 .


صفحه331

يقتات به الإنسان، سواء كان حنطة أو شعيراً أو تمراً أو زبيباً أو ذرّة أو أرزاً أو أقطاً أو غيرها.(1)

ولو لا قوله: «أو غيرها» لعدّ من القائلين بالاقتصار على السبعة.

هـ . قال الكيدري: يخرج من الفطرة: التمر، أو الزبيب، أو الحنطة، أو الشعير، أو الأرز، أو الأقط، أو اللبن أيّها شاء. (2)

ويمكن أن يقال:إنّ اقتصارهم على السبعة من باب المثال، وإلاّ فالميزان عندهم هو القوت الغالب، وكأنّ القوت الغالب يومذاك كان هذه الأجناس السبعة، ولذلك ترى أنّ الشيخ في«المبسوط»بعد عدّ السبعة يقول:إنّ أفضله أقوات البلد، الغالب على قوتهم. (3)

4. القوت الغالب

يظهر من كلمات غير واحد من الأصحاب أنّه لا خصوصية في جنس دون جنس، والميزان ما هو غالب ما يتغذّى به الناس، وإليك بعض كلماتهم:

أ. قال ابن الجنيد: ويخرجها من وجبت عليه من أغلب الأشياء على قوته من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو سلت ـ نوع من الشعير ـ أو ذرة. قال العلاّمة بعد نقل هذا الكلام من ابن الجنيد: وبه قال أبو الصلاح، وهو الأقرب. (4)


1. الغنية: 2/127.                  2. إصباح الشيعة: 125.

3 . المبسوط:1/241.   4. المختلف:3/282.


صفحه332

ب. قال المحقّق: والضابط إخراج ما كان قوتاً غالباً، كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والأرز والأقط واللبن، وهو مذهب علمائنا. (1)

ج. وقال العلاّمة: الجنس في الفطرة ما كان غالباً، كالحنطة...(2)

وقد عبر بنفس هذا اللفظ في «تحرير الأحكام».(3)

هذه كلمات أصحابنا وأمّا فقهاء السنّة، فالظاهر من ابن رشد أنّهم على قولين:

أ. قوم ذهبوا إلى أنّها تجب إمّا من البرّ أو التمر أو الشعير أو الزبيب أو الأقط، وأنّ ذلك على التخيير.

ب. وقوم ذهبوا إلى أنّ الواجب عليه هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلّف إذا لم يقدر على قوت البلد.(4)

وقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية تفاصيل المذاهب. (5)

هذه هي كلمات العلماء وفقهاء الإسلام، وأمّا الروايات فهي على أصناف، ويمكن إرجاع الجميع إلى صنفين:

1. الضابطة في الإخراج هو ما يقتاته المزكّي أو أهل بلده فيجب أن يخرج من هذا النوع.

2. الواجب الإخراج من أجناس خاصة دون أن تكون هي ضابطة، وهو على طوائف، وإليك نقل روايات كلا الصنفين.


1 . المعتبر:2/ 605 .         2. التذكرة: 5/308 .   3 . لاحظ تحرير الأحكام: 1 / 425 .

4 . بداية المجتهد: 1 / 136 .   5 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 23 / 344 .


صفحه333

الصنف الأوّل: ما يقتاته المزكّي

والروايات الدالة على ذلك لا تتجاوز عن ثلاث:

1.صحيحة يونس، عن زرارة وابن مسكان جميعاً، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «الفطرة على كلّ قوم ممّا يغذون عيالهم من لبن أو زبيب أو غيره». (1)

2. مرسلة يونس، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك هل على أهل البوادي، الفطرة؟قال: «الفطرة على كلّ من اقتات قوتاً، فعليه أن يؤدّي من ذلك القوت». (2)

ويحتمل اتّحاد الحديثين بحذف ما صدّر به الحديث الثاني من الأوّل، فيكون المرسل عنه في كلا الحديثين هو زرارة،إذ من البعيد أن يروي يونس متناً واحداً تارة عن زرارة وابن مسكان وآخر عن غيرهما.

3.ما يذكر القوت الغالب لكلّ قطر، وهو مكاتبة إبراهيم بن محمد حيث كتب إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) يسأله عن ذلك، فكتب: «إنّ الفطرة صاع من قوت بلدك، على أهل مكة واليمن والطائف وأطراف الشام واليمامة والبحرين والعراقين وفارس والأهواز وكرمان تمر، وعلى أهل أوساط الشام زبيب، وعلى أهل الجزيرة والموصل والجبال كلّها برّ أو شعير، وعلى أهل طبرستان الأرز، وعلى أهل خراسان البرّ»الحديث.(3) فإنّ


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.


صفحه334

الاختلاف في الجنس لأجل اختلاف الأقطار فيما يقتات به، فمن لاحظ هذه الروايات الثلاث يستنبط منها الضابطة الكلّية، وهي القوت الغالب لكلّ بلد.

الصنف الثاني: ما يقتصر على ذكر أجناس خاصة

وهذا الصنف يتشعب إلى طوائف:

الطائفة الأولى: الحنطة والشعير والتمر والزبيب

وهذه الطائفة تقتصر على الأجناس الأربعة، وقد وردت بأسانيد صحيحة، وإليك الإشارة إلى الأحاديث الصحيحة الخالية عن أي شذوذ:

1. رواية سعد بن سعد الأشعري، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).(1)

2. رواية ياسر القمّي، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام). (2)

3. رواية فضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) في كتابه للمأمون. (3)

4. رواية الأعمش، عن جعفر بن محمد (عليه السلام).(4)

الطائفة الثانية: التمر والزبيب والشعير والأقط

قد وردت هذه الأجناس الأربعة في صحيحة عبد اللّه بن ميمون.(5)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 18 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 20 .

5 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 11 .


صفحه335

الطائفة الثالثة: التمر والزبيب والشعير

وقد ورد جواز الإخراج من هذه الأجناس الثلاثة في روايتين:

1. رواية معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). (1)

2. رواية سلمة بن أبي حفص، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). (2)

الطائفة الرابعة: الحنطة والتمر والزبيب

وقد جاء ذكر الأجناس الثلاثة في رواية صفوان الجمّال. (3)

الطائفة الخامسة: التمر والزبيب والشعير والذرة

وقد جاء ذكر الأجناس الأربعة بالنحو المذكور في رواية الحذّاء. (4)

الطائفة السادسة: الحنطة والشعير والأقط

وقد جاء ذكر الثلاثة بالنحو المذكور في رواية عبد اللّه بن المغيرة، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام). (5)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 8 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 9 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 10 .

5 . الوسائل:ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 .


صفحه336

الطائفة السابعة: الحنطة والشعير

وقد ورد الجنسان في رواية محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). (1)

الطائفة الثامنة: التمر والبر

وقد ورد الجنسان المذكوران في رواية جعفر بن معروف، وقد عطف عليهما قوله: «وغيره».(2)

الطائفة التاسعة: الأقط

وقد جاء ذكر خصوص الأقط في رواية معاوية بن عمّار فخصّه بأصحاب الإبل والغنم والبقر.(3)

هذه هي أصناف الروايات وطوائفها وفي الحقيقة ترجع إلى صنفين كاملين، الأوّل ما يذكر الضابطة، والثاني ما يذكر مصاديق لها مع الاختلاف في بيان المصاديق.

إذا عرفت ذلك فنقول: يقع الكلام في موردين:

الأوّل: في رفع التعارض بين الطوائف التسع من الصنف الثاني، حيث إنّها بين مقتصر على جنس واحد أو جنسين أو ثلاثة أو أربعة مع اختلافها في نفس الأجناس.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 13 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 .


صفحه337

والظاهر أنّه لا تعارض بينها، لأنّ الإمام في الجميع بصدد بيان ما يجزئ في مقام الإخراج لا في مقام بيان لزوم الحصر والاقتصار على ما ورد في كل رواية.

والذي يبيّن ذلك أنّه لو كان الواجب هو الإخراج من الأربعة المعروفة في لسان الفتاوى التي هي الطائفة الأُولى من الصنف الثاني، يجب أن تكون مجتمعة في رواية واحدة مع أنّه لم ترد رواية بهذا المضمون، وإنّما اتّفقت كلمتهم على إجزائها لأجل صحة أسانيد ما دلّ على وجوب الإخراج منها.

ولأجل ذلك أضاف صاحب المدارك إلى الأربعة الأقط لصحّة سنده، ونحن أيضاً أضفنا إليها اللبن لصحّة سند ما دلّ على الاجتزاء به.

فإن قلت: جاءت الأربعة المذكورة مجتمعة في رواية سعد بن سعد الأشعري حيث قال: سألته(الرضا (عليه السلام))عن الفطرة كم يدفع عن كلّ رأس من الحنطة والشعير والتمر والزبيب؟قال: «صاع بصاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)».(1)

قلت: قد جاء ذكرها مجتمعة في كلام الراوي لا في كلام الإمام، نعم طرحها من قبل الراوي يدلّ على أنّ الإخراج منها كان أمراً مسلّماً بين الأصحاب في عصر أبي الحسن الرضا (عليه السلام).

فإن قلت: ربما يستشم من بعض أحاديث الصنف الثاني الحصر، فقد جاء في رواية ياسر القميّ عن الرضا (عليه السلام) قوله: «الفطرة صاع من حنطة، وصاع من شعير، وصاع من تمر، وصاع من زبيب، وإنّما خفّف الحنطة معاوية».(2)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5 .


صفحه338

قلت: إنّ الحديث بصدد بيان الكمية وإنّه يجب أن لا تنقص الفطرة عن الصاع لا بصدد الحصر على الأجناس الأربعة، بشهادة تكرار لفظة«صاع»عند ذكر كلّ جنس ليلفت الراوي إلى أنّ الواجب هو الصاع، وإنّما جاء النقص في زمن معاوية حيث خفف الأمر في الحنطة وقال بمساواة نصف صاع من الحنطة صاعاً من الشعير.

ويظهر من رواية معاوية بن وهب أنّ البدعة ظهرت في عصر عثمان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في الفطرة: «جرت السنّة بصاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو صاع من شعير، فلمّا كان زمن عثمان وكثرت الحنطة قوّمه الناس، فقال: نصف صاع من بر بصاع من شعير». (1)

إلى هنا تبيّن أنّه لا تعارض بين الطوائف التسع حيث إنّ الجميع محمول على بيان المثال من دون الدلالة على الاقتصار على ما جاء فيها.

بقي الكلام في رفع التعارض بين هذه الطوائف وما ورد في الصنف الأوّل الدالّ على أنّ الضابطة هي القوت الغالب، فإنّ النسبة بين الصنفين عموم وخصوص من وجه، وذلك لدلالة الطوائف التسع أو خصوص ما صحّ سندها على إجزاء ما ذكر من الأجناس، سواء أكان من القوت الغالب أم لا، ودلالة أحاديث الصنف الأوّل على لزوم كون الفطرة من القوت الغالب، سواء أكان من هذه الأجناس أم لا، فيقع التعارض في موردين:

أ.إذا كان المخرج من هذه الأجناس ولم يكن قوتاً غالباً كالتمر في


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 8 .


صفحه339

البلاد الباردة والزبيب في البلاد الحارة، فلا يجزي على القول بالضابطة ويجزئ على غيرها.

ب.إذا كان المخرج قوتاً غالباً ولم يكن من هذه الأجناس كالأرز في طبرستان، فتجزي على الضابطة ولا تجزي على غيرها.

وأمّا كيفية الجمع فهناك آراء:

1.ما اختاره المحقّق النراقي من الأخذ بالإطلاقين في كلا الجانبين، ومقتضاه هو التخيير في موضع التعارض، فيتخيّر المكلف بين إخراج أحد الأجناس الخمسة وإن لم تكن قوتاً غالباً كالتمر في البلاد الباردة، وإخراج قوته الغالب.(1)

يلاحظ عليه: أنّه كيف يمكن الأخذ بكلا الإطلاقين مع صلاحية كلّ لتقييد الآخر؟!فالأخذ بإطلاق الضابطة يلازم كفاية الإخراج من الأرز في طبرستان مع أنّ إطلاق القسم الآخر ينفيه، لأنّه ليس من الأُمور الخمسة أو الستة أو السبعة، كما أنّ الأخذ بإطلاق ما دلّ على إجزاء الأجناس الخمسة يستلزم كفاية التمر في البلاد الباردة مع أنّ الضابطة تنفي الإجزاء ومعه كيف يمكن القول بالتمر؟!

نعم لو قلنا بأنّ ما دلّ على التخيير في باب الخبرين المتعارضين يعمّ تعارض التباين وتعارض العموم والخصوص من وجه، كان لما ذكره من التخيير وجه، لكنّه غير ثابت فإنّ التخيير راجع إلى التعارض على نحو


1 . مستند الشيعة: 9 / 408 .


صفحه340

التباين، وأمّا التعارض على نحو العموم والخصوص من وجه فهو خارج عن مصب الروايات العلاجية للخبرين المتعارضين، وقد أوضحنا برهانه في محلّه.

2.ما احتمله بعضهم من تقييد إطلاق كل بالآخر، فتكون النتيجة هو كفاية الأجناس الخمسة بشرط أن يكون القوت الغالب، وكفاية القوت الغالب بشرط أن يكون من هذه الأجناس.

يلاحظ عليه: أنّ مفاد ذلك عدم كفاية الأرز في بلاد طبرستان، لأنّه وإن كان قوتاً غالباً لكنّه خارج من تلك الأجناس، وهو كما ترى لا يلتزم به الفقيه مع وروده في الرواية عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام).

3.إنكار الإطلاق في روايات الصنف الثاني وحمل الجميع على المثال وإراءة نماذج من القوت الغالب، وعلى ذلك تكون الضابطة هي المحور في الباب، فلو صار التمر والزبيب في بعض البلاد قوتاً غير غالب فلا يجزي.

وهذا هو الأوفق، لقوة دلالة الضابطة، وكون المتبادر من الروايات هو المثال لا الانحصار، والإشكال مبني على دلالة رواية الصنف الثاني على الحصر، وأمّا لو أنكرنا ذلك فلا موضوع للإشكال حتّى يجاب عنه بالجوابين السابقين.


صفحه341

إكمال

ربّما يتوهّم التعارض بين صحيحة زرارة وابن مسكان الدالّة على أنّ الميزان في الفطرة ما يغذّي به المزكّي عياله، وبين مكاتبة إبراهيم بن محمد الهمداني الدالّة على أنّ الميزان هو ما يقوته أهل كلّ بلد أو كلّ قطر، ولذلك صار الإمام بصدد بيان ما هو القوت الغالب في أقطار مختلفة.

والجواب هو أنّ ما يقوته المزكّي طريق إلى ما يقوته أهل البلد،إذ قلّما يتّفق أن تتخلّف أُسرة في مأكلها وملبسها عمّا هو الرائج في البلد، وعلى ذلك فالميزان هو القوت الغالب على البلد.

فإذا كان هو الميزان فلا فرق بين هذه الأجناس ما صحّ سندها كالأجناس الأربعة بإضافة الأقط واللبن، وما لم يصحّ، لأنّ مستند الاجتزاء بالقوت الغالب هو صحيحة زرارة وابن مسكان لا الروايات الخاصة الواردة في كلّ جنس.

الاحوط الاقتصار على: الحنطة والشعير والتمر والزبيب

وجه الاحتياط هو التسالم على إجزائها، لأنّ من اقتصر على الخمسة كصاحب المدارك، أو على السبعة كالشيخ في «الخلاف» و «المبسوط» وغيره، ذكر الأربعة الأُولى في ضمنها.

مضافاً إلى وجود القول بالاقتصار عليها من الصدوق وأبيه.

ولكن القول بكون الأربعة هو الموافق للاحتياط مطلقاً، غير تام، وإنّما


صفحه342

يكون موافقا معه إذا كان القوت الغالب كالبرّ، وإلاّ فلو خرج عن كونه قوتاً غالباً مع وروده في ضمن الأجناس السبعة، فالأحوط العدول عنه إلى القوت الغالب.

في كفاية الدقيق والخبز والماش والعدس في جنس الفطرة

وجه الكفاية دخول الجميع في القوت الغالب الذي هو الميزان للاجتزاء مضافاً إلى خبر الفضلاء(حمّاد وبريد ومحمد بن مسلم)عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليه السلام) قالوا: سألناهما عن زكاة الفطرة؟، قالا: «صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو نصف ذلك كلّه حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلت، عن الصغير والكبير، والذكر والأُنثى، والبالغ، ومن تعول في ذلك سواء». (1)

نعم، الاجتزاء بالنصف في الحنطة والدقيق وغيرهما صدر تقية، وقد مرّ أنّ التنصيف حدث في زمن عثمان، وروّجه معاوية في عصره بعدما اندرس في عصر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

ثمّ إنّ الإخراج من الدقيق على وجهين:

الأوّل: إذا كان نفس الدقيق صاعاً فالإخراج عندئذ بلا إشكال،إذ احتمال أن تكون للصورة النوعية للحنطة مدخلية في الفريضة بعيد عن الأذهان، بل هو أنفع بحال الفقراء.

الثاني: إذا طحن صاعاً كاملاً من حنطة فصار دقيقه أقل من صاع


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 17 .


صفحه343

فأخرجه بعنوان الفطرة، فمقتضى القاعدة عدم الاجتزاء، لكونه أقل من صاع والواجب هو الصاع.

اللّهم إلاّ أن يكون المخرج بعنوان الفطرة هو صاع من حنطة وقام بطحنه لينتفع به الفقراء، غير أنّ الظاهر من صحيحة عمر بن يزيد أنّه يجوز إعطاء الدقيق الأقل من صاع لأجل الطحن بعنوان الفطرة من غير حاجة إلى الاحتيال بجعل الفطرة صاعاً من حنطة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)نعطي الفطرة دقيقاً مكان الحنطة؟ قال: «لا بأس يكون أجر طحنه بقدر ما بين الحنطة والدقيق». (1)

هذا كلّه حول الدقيق، وأمّا الخبز فيتصوّر على صور:

1.إذا كان أصله صاعاً من دقيق فعجنه وطبخه.

2.إذا كان أصله صاعاً من حنطة فطحنه وعجنه وطبخه.

3.إذا كان الأصل أقلّ من صاع من حنطة ولكن الخبز بلغ صاعاً.

فتجزئ الصورتان الأُوليان حسب ما عرفت في الدقيق دون الثالثة، لظهور الروايات في لزوم كون الأصل صاعا والمفروض في المقام خلافه.

اللّهمّ إلاّ أن يخرج الخبز بعنوان القيمة لو قلنا بجواز الإخراج من غير النقدين.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5 .


صفحه344

في أفضلية إخراج التمر ثم الزبيب ثم القوت الغالب

عدّ صاحب العروة التمر أفضل الأجناس ثمّ الزبيب ثمّ القوت الغالب، وما ذكره (قدس سره) من الترتيب موافق لما ذكره المحقّق في«الشرائع»، قال: والأفضل إخراج التمر، ثمّ الزبيب، ويليه أن يخرج كلّ إنسان ما يغلب على قوته. (1)

لكن الأفضل عند الشيخ الطوسي هو ما كان غالباً على قوت البلد، متمسّكاً بمكاتبة إبراهيم بن محمد الهمداني في تصنيف أهل الأمصار إلى أصناف، كلّ يخرج قوت بلده، وذلك يدلّ على أنّ المراعى غالب قوت أهل البلد. (2)

ووافقه المحقّق في «المعتبر» حيث قال: وأفضل هذه الأجناس التمر وبعده الزبيب، وقيل: بعد التمر، البرّ، وقال آخرون:أعلاها قيمة، وقال آخرون: ما يغلب على قوت البلد، ولعلّ هذا أجود لرواية العسكري المتضمّنة لتمييز الفطرة وما يستحبّ أن يخرجه أهل كلّ إقليم.(3) وذيل تلك العبارة يدلّ على عدوله عمّا ذكره في«الشرائع».

وعلى كلّ تقدير فالذي يمكن أن يستدلّ به على قول الشيخ في«الخلاف» والمحقّق في «المعتبر» ما دلّ من الروايات على أنّ الفطرة ممّا يغذّون عيالهم (4) كما في صحيحة زرارة وابن مسكان، أو أنّها ممّا اقتات


1 . الشرائع: 1 / 174 .   2 . الخلاف:2/150، كتاب الزكاة، المسألة 189 .

3 . المعتبر: 2 / 606 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .


صفحه345

قوتاً (1)، أو قوت البلد كما في مكاتبة إبراهيم بن محمد.(2)

فعلى ضوء هذه الروايات فالإخراج من القوت الغالب هو في المرتبة الأُولى، فكيف يمكن جعله في المرتبة الثالثة كما جعله صاحب العروة تبعاً للشرائع؟!

والعجب أنّ صاحب الحدائق أصرّ على أفضلية التمر ونقل عن بعضهم إضافة الزبيب إلى التمر، فقال:لا معدّل بعد هذه الأخبار عن القول الأوّل، وأمّا من ذهب إلى القوت الغالب فالظاهر أنّه اعتمد على رواية الهمداني ويونس وابن مسكان، والجمع بين الأخبار يقتضي حمل ما اشتملت عليه هذه الروايات من القوت الذي يقتاتون به، على المرتبة الثانية في الفضل بعد التمر كما دلّت عليه عبارة الشرائع المتقدّمة. (3)

أقول: ما ذكره من الحمل تبرعي لا شاهد له، وقد تقدّم أنّ ما يغذّي به الإنسان عياله، يلازم غالباً القوت الغالب، فالروايات الثلاث ناظرة إلى أمر واحد وهو القوت الغالب للبلد، فلو تعبّدنا بالترتيب الثلاثي كما يصرّ عليه صاحب الحدائق يلزم تقديم التمر والزبيب على سائر الأجناس حتّى ولو لم يكونا من القوت الغالب، كالتمر في البلاد الباردة والزبيب في نجد وحواليه وهو كما ترى.

والحقّ أن يقال: إنّ الواجب هو القوت الغالب ويرجّح التمر والزبيب


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 .

3 . الحدائق: 12 / 288 .


صفحه346

على سائر الأجناس في الأقطار التي يكونان فيها من القوت الغالب، وإلاّ فلا يجزءان فضلاً عن كونهما أفضل من سائر الأجناس.

اللّهم إلاّ أن يكون الإخراج بعنوان القيمة لا الأصل، وفيه بحث سيوافيك، وحاصله: أنّ القيمة يجب أن تكون من غير الأُصول، فانتظر.

عدم إجزاء المعيب ولا غير المصفّى في الفطرة

هنا فرعان:

الأوّل: عدم إجزاء المعيب عن الصحيح.

الثاني: عدم إجزاء غير المصفّى.

قال الشهيد:لا يجزئ المعيب ولا غير المصفّى إلاّ بالقيمة. (1)

واستدلّ في«الجواهر»على عدم إجزاء الأوّل بانسباق الصحيح وعلى الثاني (أي الممزوج بما لا يتسامح فيه)بفقد الاسم المتوقّف عليه الامتثال، أو المنساق منه عند الإطلاق خصوصاً مع ملاحظة عدم إجزاء ذات العوار والمريضة من الزكاة المالية وإن كان هو من القوت الغالب.

أقول: لو كان العيب بمثابة يسقطه عن الانتفاع به في التغذّي إلاّ للطيور والدواجن فهو غير مجزئ قطعاً، وأمّا إذا لم يكن بهذه المثابة على نحو يغذّي به الإنسان عياله فالظاهر كفايته للإطلاق، ولعلّ ما في«المستمسك»من التأمّل في الانسباق راجع إلى هذا القسم. (2)


1 . الدروس: 1 / 251 .   2 . المستمسك 9 / 418 .


صفحه347

وأمّا غير المصنَّف فلو كان الخليط خارجاً عن المتعارف كالتبن الكثير أو الغبار الوافر لكن بلغ خالصه بعد التصفية صاعاً فيجزئ قطعاً وإلاّ فلا، لأنّ الواجب هو صاع من حنطة والمفروض أنّه أقلّ منه.

نعم المزيج القليل الذي يتعارف وجوده في الأجناس لا يمنع من الاجتزاء.

في إجزاء إخراج قيمة أحد الأجناس المذكورة في الدراهم والدنانير

إخراج القيمة من أحد هذه الأجناس ممّا اتّفقت عليه كلمة الأصحاب، وإليك شيئاً من نصوصهم:

قال الشيخ: يجوز إخراج القيمة في الزكاة كلّها، وفي الفطرة أي شيء كانت القيمة، وتكون القيمة على وجه البدل لا على أنّها أصل. (1)

وقال المحقّق: ومن غير ذلك (الأجناس) يخرج بالقيمة السوقية. (2)

وقال العلاّمة: ويجوز إخراج القيمة، وهو قول علمائنا أجمع. وبه قال أبو حنيفة والثوري والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، ومنع الشافعي ومالك وأحمد. (3)

وذكر مثل تلك العبارة في «التذكرة» وأضاف: لأنّ معاذاً طلب من أهل اليمن العرض، وكان عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة. (4)


1 . الخلاف:2/50، كتاب الزكاة، المسألة 59 .                      2. الشرائع: 1/174.

3 . المنتهى:1/538 .   4 . التذكرة: 5 / 386 .


صفحه348

إلى غير ذلك من الكلمات المتضافرة على جواز دفع القيمة مكان الأصل، ويدلّ على ذلك صحاح الروايات:

1.صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: بعثت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بدراهم لي ولغيري وكتبت إليه أخبره أنّها من فطرة العيال، فكتب بخطه: «قبضت». (1)

2.صحيحة عمر بن يزيد قال: سألته(أبا عبد اللّه (عليه السلام)): يعطي الرجل الفطرة دراهم ثمن التمر والحنطة يكون أنفع لأهل بيت المؤمن، قال: «لا بأس». (2)

إنّما الكلام في كفاية غير الأثمان الرائجة من الألبسة والأواني وغيرهما إذا أخرجها قيمة للأجناس المفروضة المنصوص عليها، فقد اختلفت كلمة الأصحاب في الجواز وعدمه.

قال الشيخ في«المبسوط»: يجوز إخراج القيمة عن أحد الأجناس التي قدّمناها، سواء كان الثمن سلعة أو حبّاً أو خبزاً أو ثياباً أو دراهم أو شيئاً له ثمن بقيمة الوقت. (3)

ووافقه العلاّمة في «المختلف» واستدلّ على الجواز بوجهين:

1. عموم الأمر بجواز إخراج القيمة من غير تعيين، كما في موثّقة


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.

3 . المبسوط: 1 / 242 .


صفحه349

إسحاق بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا بأس بالقيمة في الفطرة».

2. أنّ المطلوب ليس هو الصاع من أحد الأجناس بعينه، وإلاّ لما جاز التخطّي إلى القيمة، بل المطلوب، المالية المشتملة على هذا القدر، وهو ثابت في كلّ قيمة. (1)

يلاحظ على الأوّل: بانصراف القيمة إلى الأثمان الرائجة، والعملة المتداولة.

ويلاحظ على الثاني: بأنّه أشبه بالأخذ بالمناط من غير وروده في الشرع، ولذلك خالفه المحقّق الأردبيلي فخصّ الجواز بالنقدين. (2)

ويؤيّد ذلك أنّ الوارد في الروايات هو ألفاظ«الدرهم» و«الفضة» و «الورق» و «القيمة» والجميع منصرف إلى الأثمان الرائجة دون الأعيان التي لا تقع ثمناً إلاّ في ظروف خاصة، أعني: الأمكنة والبلاد التي يندر فيها تداول العملة.

فإن قلت: إذا كان سائر الأجناس أنفع بحال الفقير دخل تحت قوله: «نعم، إنّ ذلك أنفع له، يشتري ما يريد». (3)

قلت: المراد من هذه العبارة هو سعة القدرة الشرائية بقرينة قوله: «يشتري ما يريد» وهي غير موجودة في الأجناس.


1 . المختلف: 3 / 292 .

2 . مجمع الفائدة والبرهان: 4 / 259 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث6 .


صفحه350

وربّما يستدلّ على عدم جواز الإخراج من الأجناس بغير النقدين بما رواه سليمان بن جعفر المروزي قال: سمعته يقول:إن لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة، والصدقة بصاع من تمر، أو قيمته في تلك البلاد دراهم. (1)

يلاحظ على التأييد بأنّ القيد وارد مورد الغالب، ولو كان له مفهوم لزم عدم كفاية الإخراج بالدينار أو سائر العملات الرائجة.

عدم إجزاء نصف صاع من الجنس الجيد

اتّفقت كلمتهم على أنّه لا يجزئ نصف صاع من الحنطة إذا كانت الحنطة هو الأصل في الإخراج، وقد تقدّم أنّ الاجتزاء بالأقل من بدع عثمان،إنّما الكلام إذا كان الإخراج بعنوان القيمة فجوّزه صاحب العروة، وإليك بعض الكلمات:

قال العلاّمة في«التذكرة»:إجزاء أقلّ من صاع من جنس أعلى إذا ساوى صاعا من أدون، كنصف صاع من حنطة يساوي صاع شعير، لأنّ القيمة لا تخصّ عيناً، ولأنّ في بعض الروايات: «صاع أو نصف صاع حنطة» وإنّما يحمل على ما اخترناه. (2)

وقال في«المختلف»: لو كان قيمة صاع الشعير بقدر قيمة نصف صاع من حنطة أو زبيب أو غيرهما من الأجناس فأراد إخراج نصف صاع الحنطة


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث7 .

2 . التذكرة: 5 / 390 .


صفحه351

عن صاع الشعير أجزأه إذا قصد إخراج القيمة، ولو لم يقصد إخراج القيمة لم يجزئه أقلّ من صاع حنطة. (1)

هذا وخالفه بعض من تأخّر عنه، كالشهيد في «البيان»، وسيد المدارك في «المدارك»، وصاحب الجواهر في كتابه.

قال الشهيد: وظاهر الشيخ أنّه يجزئ نصف صاع حنطة عن صاع شعير وغيره، بالقيمة، ونصره في«المختلف»، والأقرب أنّ الأُصول لا تكون قيمة.(2)

وقال في«المدارك»: الأصح عدم الإجزاء كما اختاره في«البيان»، لأنّ هذه الأُصول لا تكون قيمة. (3)

وقال في«الجواهر»: لظهور كون قيمة الأُصول من غيرها، خصوصاً وليس في الأدلّة التخيير بين الصاع من كلّ نوع وقيمته حتّى يدّعى ظهوره في تناول القيمة للنوع الآخر، وإنّما الموجود فيها ما عرفت ممّا هو ظاهر فيما ذكرنا. (4)

وحاصل ما استدلّ به الشهيد وتبعه غيره: أنّ المتبادر من الإخراج بالقيمة هو كونها وراء هذه الأُصول بمعنى أنّ المكلّف مخيّر بين هذه الأُصول وقيمتها التي تعدّ شيئاً وراءها، لا أنّه يجوز دفع الأُصول تارة بنحو الأصل وأُخرى بعنوان القيمة.


1 . المختلف: 3 / 293 .          2 . البيان: 212 .

3 . المدارك: 5 / 337 .   4 . الجواهر: 15 / 520 .


صفحه352

أضف إلى ذلك: أنّ المورد ممّا أنكره الإمام في غير واحد من الروايات.(1)

كيف وقد أفتى عثمان وبعده معاوية بجواز دفع نصف صاع من الحنطة إذا كانت قيمته تساوي قيمة صاع من شعير؟!فقد زيّفه الإمام على وجه الإطلاق، من غير فرق بين كون المعطى أصلاً أو قيمة.

والحاصل: أنّ تبرير جواز المحظور بالقيمة يعد تلاعباً بالنصّ.

الاستدلال على جواز الإخراج بنصف الصاع

وربّما يستدلّ على الجواز بروايتين:

الأُولى: ما روي عن الفضلاء ـ بسند ضعيف ـ عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) قالا: «أو نصف صاع ذلك كلّه حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلت». (2)

يلاحظ عليه: أنّها رواية متروكة أعرض عنها الأصحاب ولم يعمل بها الموافق والمخالف، لأنّه جوّز في مورد الحنطة فقط لا في غيرها من الدقيق والسويق والذرة والسلت.

الثانية: ما روي بسند صحيح عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): نعطي الفطرة دقيقاً مكان الحنطة؟ قال: «لا بأس، يكون


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5، 8، 9 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 17 .


صفحه353

أجر طحنه بقدر ما بين الحنطة والدقيق». (1)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال إنّما يتمّ إذا كان المخرج هو الدقيق بعنوان القيمة فهو أقلّ من صاع لكن يساوي قيمته قيمة صاع من حنطة، ولكنّ الظاهر أنّ المخرج هو الحنطة وكان صاعاً تامّاً، وإنّما قام بطحنه ليسهل الانتفاع به للفقراء.

وعلى فرض ظهور الرواية في أنّ المخرج بعنوان الفطرة هو الدقيق لا أصله (الحنطة)، فعندئذ تكون الرواية على خلاف القاعدة فيقتصر على موردها.

عدم إجزاء الصاع الملّفق من جنسين

قال الشيخ في «المبسوط»: لا يجوز أن يخرج صاعاً واحداً من جنسين، لأنّه يخالف الخبر. (2)

وقال قطب الدين الكيدري: لا يجوز إخراج صاع واحد من جنسين،إلاّ على جهة القيمة. (3)

وقال العلاّمة في «المختلف»: والأقرب عندي جواز ذلك أصلاً وقيمة، واستدلّ على مقاله بوجوه مخدوشة مبنية على تنقيح المناط مكان الرجوع إلى ظواهر النصوص، وإليك الإشارة إليها وما فيها:

1. أنّ المطلوب شرعاً إخراج صاع القوتي وليس تعيّن الأجناس معتبراً


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.

2 . المبسوط: 1 / 241 .   3 . إصباح الشيعة: 125 .


صفحه354

في نظر الشارع، وإلاّ لما جاز التخيير فيه، وهو ثابت في الجنسين. (1)

يلاحظ عليه: أنّه اجتهاد في مقابل النصّ، فإنّ الفريضة حسب الروايات هي صاع من حنطة أو صاع من شعير والملفق من الجنسين ليس واحداً منهما.

2. يجوز إخراج الأصواع المختلفة من الشخص الواحد، فكذا الصاع الواحد. (2)

يلاحظ عليه: أنّه قياس مع الفارق، لأنّه يصدق على الأوّل أنّه أخرج لهذا الفرد من العائلة صاعاً من حنطة ولذلك صاعاً من شعير وهكذا، بخلاف المقام فإنّه لا يصدق عليه أنّه أخرج له صاعاً من جنس واحد.

إلى غير ذلك من الوجوه الضعيفة، فالأقوى عدم جواز الإخراج من جنسين، لعدم صدق عنوان الواجب، أي صاع من حنطة عليه.

فإن قلت: يصدق على المخرج من جنسين أنّه ممّا يغذون به عيالهم، (3) أو ما غلب قوتهم، (4) أو اقتات قوتاً.(5)

قلت: إنّ الإمام ليس بصدد بيان كون المخرج من جنس أو جنسين حتّى يتمسك بإطلاقه بل بصدد بيان أنّ المخرج يجب أن يكون من القوت الغالب دون النادر، وأين هذا من الإخراج من جنسين؟!

فإن قلت: قد مرّ فيما إذا كان العبد مشتركاً بين مالكين أنّه يجوز للمالك الآخر أن يختار غير ما اختاره المالك الأوّل فإذا دفع المالك الأوّل نصف


1 . المختلف: 3 / 294 .   2 . المختلف: 3 / 294 .   3 ـ 5 . تقدّم تخريجها.


صفحه355

صاع من الحنطة فللآخر أن يدفع نصف صاع من الشعير، فما هو الفرق بينه وبين المقام؟

قلت: الفرق بينهما واضح، لأنّ المكلّف في المقام واحد، وهو مخاطب بقوله: صاع من حنطة أو صاع من شعير، فيجب عليه الإخراج من جنس واحد حتّى يصدق أنّه أخرج صاعاً من حنطة، بخلاف المقيس عليه فإنّ المخاطب فيها متعدّد، فلكلّ أن يأخذ بأحدهما، فتكون النتيجة جواز الإخراج من جنسين.

وأمّا الإخراج بعنوان القيمة فقد اختاره المحقّق الخوئي تبعاً للكيدري مع أنّه منع الإخراج من الأُصول بعنوان القيمة ولكنّه تبع الجواهر في المقام. وقد فرّق في المقام بين السابق واللاحق بما هذا حاصل كلامه:

إنّ المركب من الجنسين بما هو مركب لا يندرج لا في صاع من هذا الجنس ولا في صاع من الجنس الآخر، فهو بما هو كذلك لا يعدّ من جنس الفطرة وإن كان أبعاضه يعد من أجزائها. وعليه فلا مانع من احتسابه بعنوان القيمة، وبذلك يفترق عن المسألة السابقة التي تقدّم المنع فيها. (1)

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الروايات أنّ جنس الفطرة شيء والقيمة شيء آخر، فعلى هذا يجب أن تكون القيمة شيئاً مغايراً مع جنس الفطرة، وعندئذ لا فرق بين إخراج نصف صاع من الحنطة الأجود بعنوان القيمة وإخراج صاع مركب من الحنطة والشعير بعنوانها، فالعرف لا يفرّق بين


1 . مستند العروة: 24 / 448 .


صفحه356

الأمرين ويرى ما أخرج بعنوان القيمة في كلا المقامين جنس الفطرة مع أنّ متلقّى العرف مغايرة القيمة مع جنس الفطرة كلاًّ أو جزءاً.

المدار قيمة وقت الإخراج لا وقت الوجوب

الغرض من عقد هذه المسألة بيان أمرين:

الأوّل: أنّه لا تقدير في القيمة بل تتبع السعر الرائج في كلّ صقع وزمان، وأمّا ما في بعض الروايات، كموثّقة إسحاق (1) من تقديرها بالدرهم فمحمول على كون قيمة صاع من حنطة مثلاً يومذاك، درهماً.

الثاني: أنّ المعتبر في تعيين القيمة من حيث الزمان هو وقت الإخراج لا وقت الوجوب، كما أنّ المعتبر من حيث المكان هو قيمة بلد الإخراج لا وطنه ولا بلد الجنس الذي يملكه، وذلك لأنّ الذمّة إلى وقت الإخراج مشغولة بنفس الجنس لا قيمته ـ كما هو الحال في المثليات ـ ولا تفرغ الذمة منه إلاّ بإخراج قيمتها فما لم يخرج فهو مسؤول عن نفس الجنس، فإذا حاول إفراغ الذمّة بالقيمة يتعيّن طبعاً قيمة زمان الإخراج ومكانه، لأنّ تعيين غيرهما يحتاج إلى دليل.

فإن قلت: إنّ صاحب العروة ذهب في المسألة السادسة من مسائل الشرط الأوّل من شرائط زكاة الأنعام إلى التفصيل بين العين التالفة فالملاك قيمة بلد الإخراج، والموجودة فالمدار هو قيمة البلد الذي فيه الجنس


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 11 .


صفحه357

والمال، ولكنّه اختار في المقام مكان الإخراج مطلقاً، فما هو الفرق بين المسألتين؟

قلت: الفرق واضح، لأنّ زكاة المال متعلّقة بالعين لا بالذمّة، فيحتمل فيها التفصيل المذكور في كلام السيد الطباطبائي في محله وإن لم نرتضه كما مرّ، بخلاف المقام فإنّ الزكاة تتعلّق بالذمّة، فلا معنى لملاحظة مكان المال والجنس الذي يملكه، بل عامّة الأمكنة، سواء أكان له فيها مال وجنس أو لا، بالنسبة إلى المزكّي سواء.

عدم اشتراط اتحاد الجنس في إخراج زكاة الفطرة

هنا فرعان:

1.إذا أخرج الفطرة عن نفسه وغيره لا تشترط وحدة المخرج عنهما، فيمكن أن يخرج عن نفسه من الحنطة وعن عياله من الشعير، أو بالعكس.

2.إذا أخرج الفطرة عن عياله لا يشترط وحدة المخرج عنهم، فيجوز أن يخرج عن بعضهم من الحنطة وعن الآخر من الشعير.

والدليل على الفرعين واضح، لأنّ وجوب كلّ فرد ـ من غير فرق بين نفسه وعياله وبين العيال بين فرد وآخر ـ وجوب استقلالي، فهو في كلّ مورد مخير بين الأجناس كما أنّه مخيّر بينها وبين القيمة، والمسألة من الوضوح بمكان، ولذلك طرحها العلاّمة في «المختلف» وأرسلها إرسالاً مسلّماً. (1)


1 . المختلف: 3 / 294 .


صفحه358

تمّ الكلام في الجنس المخرج، بقي الكلام في المقدار المخرج، وهذا هو الذي نتناوله بالبحث.

في المقدار الواجب

المشهور أنّ القدر الواجب هو الصاع في غير اللبن، وقد ادّعى الإجماع عليه غير واحد من الأصحاب.

1. قال المحدّث الكاشاني: قدرها صاع بالإجماع والصحاح المستفيضة، وما دلّ منها على نصف صاع من الحنطة فمحمول على التقية.(1)

2. قال المحدّث البحراني: الظاهر أنّه لا خلاف بين أصحابنا ـ رضوان اللّه عليهم ـ في أنّ القدر الواجب عن زكاة الفطرة، صاع.(2)

3. وقال صاحب الرياض: وأمّا قدرها فهي من جميع الأجناس صاع، وهو تسعة أرطال بالعراقي بإجماعنا الظاهر المصرّح به في عبائر جماعة. (3)

4. وقال النراقي: القدر الواجب في الأجناس المذكورة في زكاة الفطرة صاع بالإجماع المحقّق والمحكي في كلام الجماعة.(4)

5. وقال في «الجواهر»بعد كلام المحقّق«الفطرة من جميع الأقوات صاع»: بلا خلاف أجده. (5)


1 . مفاتيح الشرائع: 1 / 218 .   2 . الحدائق: 12 / 292 .   3 . الرياض: 5 / 216 .

4 . مستند الشيعة: 9 / 416 .   5 . جواهر الكلام: 15 / 522 .


صفحه359

والظاهر أنّ اتّفاقهم على الصاع نتيجة تضافر الروايات عليه، فربّما يناهز عددها إلى سبع عشرة، ست منها صحاح، والباقي دون الصحاح ولكن يعضد بعضها بعضاً.

وأمّا السنّة ففي «بداية المجتهد»: اتّفق العلماء على أنّه لا يؤدّي في زكاة الفطرة من التمر والشعير أقلّ من صاع، لثبوت ذلك في حديث ابن عمر، واختلفوا في قدر ما يؤدّي من القمح، فقال مالك والشافعي:لا يجزئ منه أقلّ من صاع، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجزئ من البرّ نصف صاع.

والسبب في اختلافهم تعارض الآثار، وذلك أنّه جاء في حديث أبي سعيد الخدري أنّه قال: «كنّا نخرج زكاة الفطر في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب; ]وذلك بصاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) [وظاهره أنّه أراد بالطعام القمح.

وروى الزهري أيضاً عن ابن أبي صعير، عن أبيه أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «اخرجوا في صدقة الفطر صاعاً من بر بين اثنين، أو صاعاً من شعير، أو تمر عن كلّ واحد». (1)

إذا عرفت ذلك فلنقتصر على الصحاح الست المبثوثة في الباب الخامس والسادس من أبواب زكاة الفطرة من «الوسائل»:

1.صحيحة صفوان الجمال قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفطرة؟ فقال: «على الصغير والكبير والحر والعبد، عن كلّ إنسان منهم صاع من


1 . بداية المجتهد:3/137. ولاحظ المغني: 2 / 648 .


صفحه360

حنطة، أو صاع من تمر، أو صاع من زبيب». (1)

2.صحيحة عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه (عليهما السلام) قال: «زكاة الفطرة صاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو صاع من شعير، أو صاع من أقط». (2)

3.صحيحة سعد بن سعد الأشعري، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)قال: سألته عن الفطرة كم يدفع عن كلّ رأس من الحنطة والشعير والتمر والزبيب؟ قال: «صاع بصاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)». (3)

4.صحيحة محمد بن عيسى وفيها: عليك أن تخرج عن نفسك صاعاً بصاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن عيالك.(4)

5.صحيحة معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في الفطرة: «جرت السنّة بصاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو صاع من شعير، فلمّا كان زمن عثمان وكثرت الحنطة، قوّمه الناس، فقال: نصف صاع من برّ بصاع من شعير». (5)

6.صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صدقة الفطرة؟ فقال: «على كلّ من يعول الرجل، على الحرّ والعبد، والصغير والكبير، صاع من


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 11 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 6.

5 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 8.


صفحه361

تمر، أو نصف صاع من بر، والصاع أربعة أمداد». (1)

هذه هي الصحاح الست، وأمّا غيرها فلنقتصر على الإشارة إلى مواضعها في الهامش. (2)

وأمّا ما يتضمن الاجتزاء بنصف صاع فهو على قسمين:

1. ما يتضمن الاجتزاء بنصف صاع في جنس واحد وهي الحنطة أو البر.

2. ما يضم إلى الحنطة، الشعير أو سائر الأجناس.

فمن الأوّل صحيحة الحلبي وفيه: صاع من تمر أو نصف صاع من برّ.(3)

وصحيحة منصور بن حازم وفيه: صاع من تمر، أو نصف صاع من حنطة. (4)

فهذا القسم محمول على التقية، لما ورد في غير واحد من الروايات


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 12.

2 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3،4،5،7،9،10، وذيل الحديث 12; والسند فيها ينتهي إلى عبد اللّه بن المغيرة وجعفر بن معروف وياسر القميّ وإبراهيم بن يحيى وسلمة والحذّاء وابن سنان; ولاحظ أيضاً الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 7 للمروزي، والباب 8 من هذه الأبواب، الحديث 2 للهمداني; والباب العاشر من هذه الأبواب، الحديث 3 لمنصور بن حازم، والحديث 6 من نفس الباب لزيد الشحّام .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 12 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 15 .


صفحه362

من أنّ الاجتزاء بالنصف إحدوثة حدثت في عهد عثمان ثمّ اندرست ثمّ أعادها معاوية. (1)

ولهذا نرى أنّ الإمام يصر على صاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقول: «صاعاً بصاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)».(2) فكأنّ الإمام التجأ إلى حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليجعله واجهة لرد حجّة الخصم.

وأمّا ما يضم إلى الحنطة، الشعير أو سائر الأجناس فقد أعرض عنها الأصحاب مع كثرتها.سواء أصحّ حملها على التقية أم لا، لعدم القائل بالنصف من المخالف في غير الحنطة. (3)

إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية وهي: أنّ الواجب هو الصاع من عامّة الأجناس دون فرق بين الحنطة وغيرها من سائر الأجناس.

القدر الواجب في اللبن

اختلفت كلمة الأصحاب في مقدار الواجب عند الإخراج من اللبن، المشهور أنّه أيضاً صاع، قال العلاّمة في «المختلف»: قال المفيد: الواجب صاع عن كلّ رأس من جميع الأجناس ولم يفصّل، وكذا قال ابن الجنيد والسيد المرتضى في الجمل والانتصار والمسائل المصرية، وسلاّر، وابن البراج، وأبو الصلاح، وابن زهرة، وهو قول الشيخ في الخلاف. (4)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5، 7، 8، 9، 10 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1، 6 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 11، 13، 14، 17، 19، 22، 23.

4 . المختلف: 3 / 287 .


صفحه363

قال الشيخ في «الخلاف»: زكاة الفطرة صاع من أي جنس يجوز إخراجه. (1)

وأمّا القائل بالتفصيل بين اللبن وسائر الأجناس فعدّة من مشايخ الشيعة، نذكر منهم ما يلي:

1. قال الشيخ في «النهاية»: الواجب صاع من الأجناس، وأمّا اللبن فمن يريد إخراجه أجزأه أربعة أرطال بالمدني أو ستة بالعراقي. (2)

2. وقال في «المبسوط»: الفطرة صاع واللبن يجزئ منه أربعة أرطال بالمدني. (3)

3. وقال ابن حمزة: الواجب صاع قدره تسعة أرطال بالعراقي،إلاّ اللبن فإنّه تجب فيه ستة أرطال. (4)

4. وقال ابن إدريس: الواجب صاع عن كلّ رأس قدره تسعة أرطال بالبغدادي وستة بالمدني،إلاّ اللبن فيجزئ منه ستة أرطال بالبغدادي وأربعة بالمدني. (5)

5. وقال المحقّق: الفطرة من جميع الأقوات المذكورة صاع. والصاع أربعة أمداد، فهي تسعة أرطال بالعراقي، ومن اللبن أربعة أرطال، وفسّره قوم بالمدني. (6)

6. وقال العلاّمة: ويجزئ من اللبن أربعة أرطال بالمدني، هي ستة


1 . الخلاف:2/148، كتاب الزكاة، المسألة 187 .

2 . النهاية: 191 .   3 . المبسوط: 1 / 241 .   4 . الوسيلة: 131 .

5 . السرائر: 1 / 499 .   6 . الشرائع: 1 / 174 .


صفحه364

بالعراقي، لخلوصه من الغش وعدم احتياجه إلى مؤونة.(1)

وعلى ضوء ذلك فالأقوال في اللبن اثنان أو ثلاثة:

أ.صاع كسائر الأجناس.

ب.أربعة أرطال بالمدني وستة بالعراقي.

ج.أربعة أرطال بالعراقي يوهمه كلام المحقّق حيث نسب كونه بالمدني إلى قوم.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام في موردين:

1. ما هو الدليل على الاستثناء في اللبن؟

2. بيان نسبة أربعة أرطال إلى الصاع.

المورد الأوّل: ما هو الدليل على الاستثناء في اللبن؟

استدلّ على الاستثناء بروايتين، إحداهما مرفوعة والأُخرى معرض عنها.

أمّا المرفوعة فهي ما رفعه إبراهيم بن هاشم إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل في البادية لا يمكنه الفطرة؟قال: «يتصدّق بأربعة أرطال من لبن».

وبنفس هذا اللفظ مرفوعة القاسم بن حسن. (2)


1 . التذكرة: 5 / 389 .   2 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 .


صفحه365

يلاحظ عليه: أنّ الرواية ضعيفة لا يحتج بها أوّلاً، والأرطال مطلقة ثانياً، والاجتزاء بها يختصّ بمن لا يمكنه الفطرة فيجزئه أقلّ من صاع من اللبن، وأين هو من إجزائه في حقّ المتمكّن من الصاع؟

وأمّا المعرض عنها فهي مكاتبة محمد بن الريان قال:كتبت إلى الرجل أسأله عن الفطرة وزكاتها كم تؤدى؟فكتب:أربعة أرطال بالمدني. (1)

والرواية مع صحّة سندها غير مختصّة باللبن، بل تعمّ سائر الأجناس فتكون معرضة عنها، وقد حاول الشيخ تصحيح الرواية وقال:إنّ هذا الخبر يحتمل وجهين:

أحدهما: أنّه أراد أربعة أمداد فبدّله الراوي بالأرطال، وثانيهما:أراد أربعة أرطال من اللبن والأقط. (2)

والتفسير الأوّل حدس لا دليل عليه، والثاني حمل بلا شاهد، ولكن حملها على صورة عدم التمكّن من الصاع أولى لشهادة الخبر السابق عليه، فلا مانع من الإفتاء بالاستحباب في حقّ غير المتمكّن.

ثمّ كيف يجب في اللبن المكثف(كالأقط)أربعة أمداد التي يساوي تسعة أرطال وفي غيره أربعة أرطال مع أنّ مقتضى الحكمة كون اللبن ـ لا أقلّ ـ مثل المكثف لا أقل منه.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.

2 . التهذيب: 4 / 84 .


صفحه366

المورد الثاني: نسبة أربعة أرطال إلى الصاع

قد عرفت أنّ الصاع عبارة عن تسعة أرطال بالرطل العراقي، وستة أرطال بالرطل المدني، فالرطل المدني يعادل رطلاً ونصفاً بالعراقي، فلو قلنا بحجّية الروايتين، فإن كان المراد من أربعة أرطال هو الرطل المدني فهو يساوي 2 كيلو غرام، لأنّ كلّ رطل مدني يساوي نصف كيلو أو(500)غرام، ولو أخرجا بالرطل العراقي فبما أنّ ثلاثة أرطال يساوي كيلو غرام، فأربعة أرطال يساوي 31 1 كيلو غرام.

ما هو مقدار الصاع بالوزن المتعارف في الوقت الحاضر؟

الصاع أربعة أمداد، وهي تسعة أرطال بالعراقيّ، فهو ستّمائة وأربعة عشر مثقالاً وربع مثقال بالمثقال الصيرفيّ، فيكون بحسب حقّة النجف ـ الّتي هي تسعمائة مثقال وثلاثة وثلاثون مثقالاً وثلث مثقال ـ نصف حقّة ونصف وقيّة وأحد وثلاثون مثقالا إلاّ مقدار حمصتين وبحسب حقّة الإسلامبول ـ وهي مائتان وثمانون مثقالاً ـ حقّتان وثلاثة أرباع الوقيّة ومثقال وثلاثة أرباع المثقال، وبحسب المنّ الشاهي ـ وهو ألف ومائتان وثمانون مثقالاً ـ نصف منّ إلاّ خمسة وعشرون مثقالاً وثلاثة أرباع المثقال.

والمثقال الشرعي يساوي أربعة غرامات وستة أعشار الغرام (6 / 4 غم).

وقد بحثنا عن هذا الموضوع بشكل مفصّل في كتابنا الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء، فلاحظ .(1)


1 . لاحظ الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 1 / 283 ـ 290 و 343 ـ 345 .


صفحه367

الفصل الرابع

في وقت وجوبها

هنا جهات من البحث:

الأُولى: مبدأ وجوبها، بمعنى أنّ من لم يدركه جامعاً للشرائط السابقة لا تجب عليه.

الثانية: سعة وجوبها ومنتهى وقتها، بمعنى أنّه لا يجوز له التأخير عنه في مقام الامتثال.

الثالثة: جواز تقديمها على وقتها(دخول ليلة العيد مثلاً) كإخراجها في شهر رمضان. (1) والمراد من الإخراج هو دفعها إلى الفقير وصرفها إلى المستحقّ وليس المراد منه العزل. وإليك البحث في هذه الجهات واحدة بعد الأُخرى.

الجهة الأُولى: في مبدأ وقت وجوبها

اختلفت كلمة الأصحاب في تحديد مبدأ وجوبها إلى أقوال ثلاثة:

1.تجب بغروب شمس آخر يوم من شهر رمضان جامعاً للشرائط.


1 . وتأتي الجهة الثالثة ضمن المسألة 1، فلاحظ .


صفحه368

تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر جامعاً للشرائط.

3.تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر بشرط أن يكون جامعاً للشرائط عند غروب ليلة العيد. والأخير قول جديد وهو خيرة النراقي حيث حاول الجمع بين القولين ودليليهما، فجعل المبدأ هو طلوع الفجر بشرط أن يكون حائزاً للشرائط في غروب ليلة العيد. (1)

وعلى كلّ تقدير فتظهر الثمرة في موارد:

أ.لو مات بعد غروب ليلة العيد جامعاً للشرائط، يجب الإخراج من تركته على القول الأوّل دون الثاني، بناء على أنّ الفطرة كزكاة المال حقّ مالي متعلّق بالذمّة.

ب.إذا كان غروب ليلة العيد غنياً فليس له تقويت أمواله قبل طلوع الفجر، لتنجز الوجوب; بخلاف الثاني، فلا يجب عليه حفظ القدرة قبل الوجوب، أي قبل طلوع الفجر.

ج.لو بلغ الصبي أو تحرر العبد أو زال الجنون أو عال شخصاً أو صار غنياً بعد الغروب أثناء الليل، فتجب الفطرة على القول الثاني دون الأوّل.

وأمّا الأقوال فالظاهر من الشيخ الطوسي هو القول الأوّل، قال: وقت وجوب هذه الزكاة إذا طلع هلال شوال وآخره عند صلاة العيد. (2)

وأمّا نسبة هذا القول إلى«النهاية» و«الخلاف» و«المبسوط»فغير


1 . مستند الشيعة: 9 / 422 .

2 . الجمل والعقود:292; الاقتصاد: 284 .


صفحه369

صحيح، لأنّه فيها بصدد بيان وقت الإخراج لا بصدد بيان مبدأ الوجوب.

قال في «النهاية»: الوقت الذي يجب فيه إخراج الفطرة يوم الفطر قبل صلاة العيد، ولو أنّ إنساناً أخرجها قبل يوم العيد بيوم أو يومين أو من أوّل الشهر إلى آخره، لم يكن به بأس، غير أنّ الأفضل ما قدّمناه.(1)

وقال في «الخلاف»: وقت إخراج الفطرة يوم العيد قبل صلاة العيد، فإن أخرجها بعد صلاة العيد كانت صدقة. (2)

وقال في «المبسوط»: والوقت الذي يجب فيه إخراج الفطرة قبل صلاة العيد، فإن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين أو من أوّل الشهر إلى آخره كان جائزاً. (3)

وقال ابن حمزة:إذا طلع هلال شوال إلى أن يتضيّق وقت صلاة العيد.(4)

وقال المحقّق: تجب الفطرة بغروب شمس آخر يوم من شهر رمضان. وقال ابن الجنيد وجماعة من الأصحاب: تجب بطلوع الفجر يوم العيد. (5)

وقال في «الشرائع»: وتجب بهلال شوال. (6)

وقال العلاّمة في «التذكرة»: تجب الفطرة بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان.(7)


1 . النهاية: 191 .

2 . الخلاف:2/155، كتاب الزكاة، المسألة 198 .

3 . المبسوط: 1 / 242 .   4 . الوسيلة: 131.   5 . المعتبر: 2 / 611 .

6 . الشرائع: 1 / 175 .         7 . التذكرة:5/391، المسألة 296 .


صفحه370

هذا وقد ذهب إلى القول الآخر جماعة من أصحابنا نسبه في «المختلف» إلى ابن الجنيد والمفيد في «المقنعة» والسيد المرتضى وأبي الصلاح وابن البراج وسلار وابن زهرة. (1)

هذا كلّه عند الأصحاب.

وأمّا فقهاء السنّة:

فيقول ابن رشد: وأمّا متى يجب إخراج زكاة الفطرة؟ فإنّهم اتّفقوا على أنّها تجب في آخر رمضان، لحديث ابن عمر: «فرض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) زكاة الفطر من رمضان».

واختلفوا في وقت تحديد زكاة الفطر، فقال مالك في رواية ابن القاسم عنه:

تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر.

وروى عنه أشهب أنّها تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان.

وبالأوّل قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي. (2)

ونقل العلاّمة في «التذكرة»أقوالهم بالنحو التالي: تجب الفطرة بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان ـ وبه قال الشافعي في الجديد، وأحمد وإسحاق والثوري ومالك في إحدى الروايتين ـ لقوله (عليه السلام): «فرض زكاة الفطر طهرة للصائم» ولا يصدق عليه يوم العيد اسم الصوم. (3)

وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ للقول الأوّل بروايتين:


1 . المختلف: 3 / 297 ـ 298 .   2 . بداية المجتهد: 3 / 140 .   3 . التذكرة: 5 / 391.


صفحه371

1.ما رواه الصدوق عن علي بن أبي حمزة، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المولود يولد ليلة الفطر واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر؟ قال:

«ليس عليهم فطرة، ليس الفطرة إلاّ على من أدرك الشهر». (1)

وقد أورد عليها بأنّ السند ضعيف بعلي بن أبي حمزة; وأمّا الدلالة فأقلّ ما يستفاد منها انّ الإدراك شرط للوجوب، وأمّا أنّه المبدأ فلا يمكن أن يكون مبدأ الوجوب هو الطلوع بشرط إدراك الغروب كما عرفت من صاحب مستند الشيعة.

يلاحظ عليه: أنّ التفكيك وإن كان صحيحاً عقلاً، لكنّه خلاف المتبادر عرفاً في نظائر المقام، فإذا قيل: «لا صلاة لمن لم يبلغ»يفهم منه عرفاً أنّ مبدأ الوجوب هو البلوغ.

2.صحيحة معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟قال: «لا، قد خرج الشهر».

وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر، عليه فطرة؟قال: «لا». (2)

وأُورد عليها بمثل ما أورد على الأُولى من أنّها بصدد بيان نفي الوجوب لمن لم يدرك الشهر وأنّه يجب لمن أدركه، وأمّا أنّ إدراك الشهر مبدأ الوجوب فلا تدلّ عليه.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 .


صفحه372

يلاحظ عليه: بما تقدّم حول الإشكال على الرواية الأُولى من أنّ التفكيك بين الأمرين صحيح عقلاً لا عرفاً، لأنّ المتبادر عند العرف من أمثال هذه التعابير هو أنّ إدراك الشهر مبدأ الوجوب وحمل الروايتين على أنّهما بصدد بيان شرط الوجوب لا مبدأه مبني على أنّ السؤال عن الشرط لا المبدأ ولا عن كليهما، وهو خلاف الظاهر، فإنّ المتبادر من الرواية أنّ السائل بصدد التعرف على الموضوع كلّه لا على خصوص شرطه فقط.

وإذا أُضيف إلى الحديثين ذهاب جلّ الفقهاء إلى أنّ مبدأه غروب ليلة العيد، يكون القول الأوّل أوثق وأكثر اطمئناناً من الثاني. واختاره الشيخ في كتبه كما مرّ، وتبعه ابن حمزة في «الوسيلة» (1)، والحلي في «السرائر» (2)، والمحقّق في «المعتبر»(3)، والعلاّمة في «المنتهى» (4)، ومعظم المتأخّرين.(5)

ثمّ لو قلنا بتمامية دلالة الحديثين فلا تصل النوبة إلى استصحاب عدم تعلّق الوجوب إلى طلوع الفجر، والعجب أنّ السيد الخوئي أطنب الكلام في تثبيت الاستصحاب في المقام مع أنّه من الاستصحابات الحكمية التي لا يقول هو بحجيتها. (6)


1 . الوسيلة: 131 .

2 . السرائر: 1 / 469 .

3 . المعتبر: 2 / 611 .

4 . المنتهى: 1 / 539 .

5 . الجواهر: 15 / 527 .

6 . مستند العروة: 24 / 464 .


صفحه373

الاستدلال للقول الثاني

استدلّ للقول الثاني بصحيح العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفطرة، متى هي؟فقال: «قبل الصلاة يوم الفطر»، قلت: فإن بقي منه شيء بعد الصلاة؟قال: «لا بأس نحن نعطي عيالنا منه ثمّ يبقى فنقسّمه».(1)

يلاحظ عليه:أوّلا: أنّ السؤال إنّما هو عن وقت أداء الفطرة، فأجاب الإمام (عليه السلام) بأنّه قبل الصلاة يوم الفطر، وعندئذ فكيف يستنبط منه أنّ مبدأ الوجوب هو قبل الصلاة أو طلوع الفجر من يوم العيد؟ ويشهد على ذلك قوله:

«نحن نعطي عيالنا منه»،إذ ليس المراد هو الإعطاء لغاية الصرف، لأنّه لا يجوز صرف الفطرة في العيال فضلاً عن صرف الإمام فطرته فيهم، بل الإعطاء من باب الأمانة لتبقى عندهم حتّى تقسم في الوقت المناسب.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الرواية بصدد بيان وقت الإخراج والأداء والدفع إلى الفقراء لا بصدد بيان وقت الوجوب ومبدئه.

وثانيا: لا دلالة لها على التوقيت بطلوع الفجر وإن حاول المحقّق النراقي (2) أن يطبق الرواية على هذا القول ببيان غير تام،إذ كيف يمكن أن يستدلّ بقوله:


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.

2 . مستند الشيعة: 9 / 421 .


صفحه374

«قبل الصلاة يوم الفطر»على أوّل الفجر.

ونظير الصحيحة في عدم الدلالة خبر إبراهيم بن ميمون قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «الفطرة إن أُعطيت قبل أن تخرج إلى العيد فهي فطرة، وإن كانت بعد ما يخرج إلى العيد فهي صدقة».(1) وذلك لأنّ الحديث بصدد بيان وقت الإخراج والدفع إلى الفقير وأنّه يحسب فطرة إذا أخرج قبل الصلاة وصدقة إذا أخرج بعدها، وأين هي من الدلالة على أنّ مبدأ الوجوب هو طلوع الفجر؟!

وبالجملة لم نجد دليلاً صالحاً على هذا القول، أي كون المبدأ طلوع الفجر.

وأمّا دليل القول الثالث الذي هو خيرة النراقي في «مستند الشيعة»فقد اتّضح بما ذكرنا حيث زعم تمامية دلالة صحيحة العيص على أنّ المبدأ طلوع الفجر، وعندئذ حمل رواية معاوية بن عمّار الدالّة على أنّ المبدأ هو غروب ليلة العيد، على أنّ الإدراك جامعاً للشرائط شرط من الشرائط على نحو الشرط المتقدّم. فالوجوب متأخّر والشرط متقدّم، وقد عرفت ضعف كلا الادّعاءين.

إلى هنا تمّ بيان مبدأ الوجوب، وقد عرفت أنّ الأقوى هو غروب ليلة الفطر، بقي الكلام في بيان منتهى الوجوب وأمده على نحو لو أخرج الفطرة بعده يكون قضاء أو غير واجب على الاختلاف الآتي، وإليك تبيينه.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 .


صفحه375

الجهة الثانية: في منتهى وجوبها

لمّا كان إخراج الفطرة واجباً موسّعاً لكن مؤقّتاً، فهنا أقوال ثلاثة:

أ.يمتد الوجوب إلى إقامة صلاة العيد.

ب.يمتد إلى الزوال.

ج.يمتد إلى غروب يوم العيد.

وإليك دراسة الأقوال واحداً تلو الآخر:

1. امتداده إلى إقامة الصلاة

والمعروف بين القدماء هو القول الأوّل عدا ابن الجنيد والسيد المرتضى منهم، ومن المتأخّرين العلاّمة في «المختلف»(1) وإليك بعض كلماتهم:

1. قال الصدوق: وهي زكاة إلى أن تصلّي العيد، فإن أخرجتها بعد صلاة العيد، فهي صدقة. (2)

2. قال المفيد: وقت وجوبها يوم العيد بعد الفجر منه قبل صلاة العيد.(3)

3. قال السيد المرتضى: وقت وجوب هذه الصدقة طلوع الفجر من يوم الفطر قبل صلاة العيد، وقد روي أنّه في سعة من أن يخرجها إلى زوال


1 . المختلف، 3 / 299 .   2 . المقنع: 67 .   3 . المقنعة: 249 .


صفحه376

الشمس من يوم الفطر.(1) والظاهر أنّ مختاره هو ما جاء في صدر كلامه.

4. وقال الشيخ: الوقت الذي يجب فيه إخراج الفطرة، يوم الفطر قبل صلاة العيد. (2)

5. وقال أبو الصلاح: فإن أخّرها إلى بعد الصلاة كان قاضياً. (3)

6. وقال سلاّر: وأمّا وقت هذه الزكاة فهو عيد الفطر من بعد الفجر إلى صلاة العيد. (4)

وقال ابن البراج: ويتضيّق الوجوب كلّما قرب وقت صلاة العيد. (5)

واستدلّ لهذا القول بوجوه:

1.خبر إبراهيم بن منصور، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «الفطرة إن أُعطيت قبل أن تخرج إلى العيد فهي فطرة، وإن كانت بعد ما يخرج إلى العيد فهي صدقة». (6)

والخروج إلى العيد كناية عن إقامة صلاته، وعلى هذا فالإخراج قبل الصلاة يحسب فطرة وبعدها صدقة مندوبة، وهو يلازم امتداد وقت الفطرة إلى إقامة الصلاة.

2.صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال:


1 . جمل العلم والعمل: 80 .   2 . النهاية: 191 .   3 . الكافي في الفقه: 169 .

4 . المراسم: 136 .

5 . المهذب: 1 / 176 .

6 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.


صفحه377

«وإعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل، وبعد الصلاة صدقة». (1)

ولا يخفى عدم الانسجام بين الصدر والذيل، فإنّ مقتضى صيغة«أفعل» بقاء الوقت إلى ما بعد الصلاة، غير أنّ الإخراج قبلها أكثر فضيلة، كما أنّ مقتضى عدّها بعد الصلاة صدقة مندوبة، انتهاء وقتها بإقامة الصلاة وإلاّ لم تنقلب الفطرة إلى الصدقة، بل تبقى على ما كانت عليها.

وبما أنّ ظهور الذيل كونها صدقة أقوى من ظهور«أفعل»في بقاء الوقت، يقدّم الثاني على الأوّل وتكون صيغة: «أفعل»مجردة عن التفضيل، مثل قوله سبحانه: (رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)(2)، وقوله: (قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اَلْخُلْدِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ)(3)، ومن المعلوم أنّه لا خير في مقابل الجنة الذي هو الجحيم.

3.صحيح الفضلاء، عنهما (عليهما السلام)أنّهما قالا: «على الرجل أن يعطي عن كلّ من يعول من حرّ وعبد، وصغير وكبير، يعطي يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل، وهو في سعة أن يعطيها من أوّل يوم يدخل من شهر رمضان إلى آخره».(4)

إنّ الضمير في قوله: «فهو أفضل»يرجع إلى الإعطاء قبل الصلاة فهو أفضل من الإعطاء قبل ذلك اليوم بقرينة قوله: «وهو في سعة من أن يعطيها


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1.

2 . يوسف: 33 .

3 . الفرقان: 15 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4 .


صفحه378

من أوّل يوم يدخل من شهر رمضان»فيكون مضمون الرواية التأكيد على كون الإخراج قبل الصلاة أو قبل عدّة أيام.

4.ما رواه السيد ابن طاووس قال: روينا باسنادنا إلى الصادق (عليه السلام) قال:

«ينبغي أن يؤدّي الفطرة قبل أن يخرج الناس إلى الجبّانة، فإن أدّاها بعد ما يرجع فإنّما هو صدقة وليست فطرة». (1) الجبّانة بالتشديد هي الصحراء وتطلق على المقبرة أيضاً، ولكن المراد هنا هو الأوّل، لأنّ صلاة العيد يؤتى بها في الصحراء.

5.ما رواه العياشي عن سالم بن مكرم الجمال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:

«أعط الفطرة قبل الصلاة ـ إلى أن قال: ـ وإن لم يعطها حتى ينصرف من صلاته فلا يعد له فطرة». (2)

6.مفهوم موثّقة إسحاق بن عمّار وغيره قال: سألته عن الفطرة؟فقال: «إذا عزلتها فلا يضرّك متى أعطيتها، قبل الصلاة أو بعد الصلاة».(3)

فإنّ مفهوم وجود السعة عند العزل هو عدمها عند عدم العزل.

وما ذكرنا من الروايات يشرف الفقيه على القول بانتهاء الوقت بصلاة العيد، فإنّ بعضها وإن كان ضعيفاً سنداً ولكن يشدّ بعضها بعضاً.

إلى هنا تمّ الاستدلال على القول الأوّل، وإليك الكلام في القول الثاني.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 7 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 8 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4.


صفحه379

2. امتداد الوقت إلى الزوال

قد ذهب لفيف من الفقهاء إلى امتداد وقته إلى الزوال، نذكر منهم ما يلي:

1. قال ابن الجنيد:أوّل وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر وآخره زوال الشمس منه، والأفضل في تأديتها من بين طلوع الفجر إلى أن يخرج الإنسان إلى صلاة العيد، وهو في سعة أن يخرجها إلى زوال الشمس. (1)

2. وقال المرتضى في ذيل كلامه السابق: وروي أنّه في سعة من أن يخرجها إلى زوال الشمس من يوم الفطر.(2) وقد مرّ أنّ المختار عنده غير هذا.

3. وقال العلاّمة في «المختلف»:إنّ هذا القول هو الأقرب، واستدلّ عليه بقوله:إنّها تجب قبل صلاة العيد، ووقت صلاة العيد ممتد إلى الزوال فيمتد الإخراج إلى ذلك الوقت. (3)

4. وقال الشهيد: ولا يجوز تأخيرها عن الزوال إلاّ لعذر فيأثم بدونه.(4)

استدلّ على هذا القول بوجوه:

أ.ما نقلناه عن العلاّمة الحليّ في «المختلف»، ولا يخفى ضعفه، فإنّ لازم كلامه خروج وقتها بالصلاة مهما صلّى، لا امتداد وقتها إلى الزوال وإن


1 . المختلف: 3 / 298 .   2 . جمل العلم والعمل: 80 .   3 . المختلف: 3 / 299 .

4 . البيان: 210 .


صفحه380

صلّى، والكلام في المقام في مَن صلى صلاة العيد، وأمّا من لم يصلّ فسيأتي الكلام فيه.

ب. صحيح العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفطرة متى هي؟فقال: «قبل الصلاة يوم الفطر». (1)

وجه الاستدلال: هو حمل لفظ الصلاة على وقت الصلاة، فكأنّه قال:إذا كان قبل وقت الصلاة. (2)

يلاحظ عليه: أنّه تأويل بلا شاهد، مضافاً إلى أنّه لا يجري في الروايات الدالّة على أنّ الميزان هو كون الإخراج قبل الصلاة وبعده.

ج.ما رواه السيد في «الإقبال» نقلاً من كتاب عبد اللّه بن حمّاد الأنصاري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أدّ الفطرة عن كلّ حرّ ومملوك، فإن لم تفعل خفت عليك الفوت»، قلت: وما الفوت؟قال: «الموت». قلت:أقبل الصلاة أو بعدها؟

قال: «إن أخرجتها قبل الظهر فهي فطرة، وإن أخرجتها بعد الظهر فهي صدقة، ولا تجزيك».

قلت: فأُصلّي الفجر وأعزلها فيمكث يوما أو بعض يوم آخر ثمّ أتصدّق بها؟ قال: «لا بأس، هي فطرة إذا أخرجتها قبل الصلاة»، قال: وقال: هي واجبة على كلّ مسلم محتاج أو موسر يقدر على فطرة». (3)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5.

2 . المختلف: 3 / 299 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 16 .


صفحه381

يلاحظ عليه: أنّ الحديث لا يمكن الاحتجاج به، لوجود الاختلاف بين صدره وذيله، حيث إنّ الصدر يدلّ على أنّ الميزان هو الإخراج قبل الظهر وبعده، ولكن الذيل يدلّ على أنّ الميزان هو الإخراج قبل الصلاة وبعدها، ولأجل وجود التهافت احتمل صاحب الحدائق أنّ لفظ «الظهر» في الصدر وقع سهواً من الراوي أو غلطاً من الناسخ، والصحيح هو الصلاة. (1)

فاتّضح بذلك عدم قيام دليل صالح على القول الثاني، فلندرس القول الثالث.

3. امتداده إلى آخر اليوم

ومن الفقهاء من ذهب إلى امتداده إلى آخر يوم العيد، منهم العلاّمة في «المنتهى»حيث قال: والأقرب عندي جواز تأخيرها عن الصلاة وتحريم التأخير عن يوم العيد، وقد استدلّ له بوجهين:

1.ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفطرة متى هي؟ قال: «قبل الصلاة يوم الفطر» قلت: فإن بقي منه شيء بعد الصلاة؟ فقال: «لا بأس نحن نعطي عيالنا منه ثمّ يبقى فنقسّمه».(2)

حيث إنّ ذيل الحديث يدلّ على جواز تأخيرها عن الصلاة، بناء على أنّ المراد من الإعطاء للعيال هو دفعها إليهم للصرف في حاجاتهم.

يلاحظ عليه: أنّ هذا الاحتمال باطل قطعاً، فإنّ عيال الإمام يعطى عنهم


1 . الحدائق: 12 / 304 .   2 . المنتهى: 1 / 541 .


صفحه382

الفطرة ولا يعطى لهم الفطرة، فكيف تحمل الفقرة على ذلك الاحتمال؟! وعلى ذلك لا محيص من تفسير الرواية بأحد وجهين:

أ.ما ذكره صاحب الوسائل حيث قال: المراد بإعطاء العيال هو عزل الفطرة عنهم قبل الصلاة.

ب.إعطاء الفطرة المعزولة لهم ليبقى عندهم أمانة لغاية الإيصال إلى المستحق.

2.صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث ـ : «وإعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل، وبعد الصلاة صدقة». (1)

يلاحظ عليه: أنّ صيغة: «أفعل»خالية عن فعل التفضيل بقرينة قوله:

«بعد الصلاة صدقة».

حكم من لم يصلّ صلاة العيد

قد عرفت امتداد وقت الوجوب إلى وقت الصلاة لمن صلاّها، بقي الكلام في مَن لم يصل، فربّما يتصوّر بقاء وقتها إلى الزوال لما رواه السيد في «الإقبال» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إن أخرجتها قبل الظهر فهي فطرة، وإن أخرجتها بعد الظهر فهي صدقة». (2)

يلاحظ عليه: بضعف السند أوّلاً، إذ لم يعلم سند السيد ابن طاووس


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 16 .


صفحه383

إلى كتاب عبد اللّه بن حماد الأنصاري; والتناقض في مضمونه ثانياً، كما مرّ عند الاحتجاج به على القول الثاني.

حكم من خرج الوقت ولم يخرجها

إذا خرج الوقت ولم يخرجها، سواء أكان الوقت هو الصلاة أو الزوال أو الغروب، فهنا صورتان:

الأُولى: إذا عزل الفطرة قبل الصلاة فلا خلاف بين الأصحاب في أنّه متى عزل الفطرة وعيّنها في مال مخصوص قبل الصلاة فإنّه يجوز إخراجها متى شاء وإن خرج الوقت، فتكون أمانة في يد المخرج كسائر الأمانات، حيث إنّ المكلّف يكون كالولي عن المستحق فيقوم قبضه واستيلاؤه مقام قبض المستحق واستيلائه، ولذا ينوي التقرب بالعزل المزبور. (1)

وقد تضافرت الفتاوى كالروايات على مشروعيته وأرسلوه إرسال المسلّم.

وستوافيك الفتاوى والنصوص في الجهة الثالثة.

الثانية: إذا خرج الوقت ولم يعزلها فهل تسقط تماماً أو لا؟ وعلى الثاني تعطى أداء، أو تعطى قضاء، أو تعطى من غير تعرض للأداء والقضاء؟أقوال:

وإليك دراسة الأقوال :


1 . الجواهر: 15 / 534 .


صفحه384

الأوّل: سقوط الفطرة

ذهب ابنا بابويه، والمفيد، وأبو الصلاح، وابن البراج، وابن زهرة، والمحقّق في «الشرائع» إلى سقوط الفطرة أساساً، ولا تؤدّى لا قضاء ـ كما نسب إلى المشهور ـ ولا أداء ـ كما هو خيرة ابن إدريس ـ ودونك نصوص القائلين بالسقوط:

1. قال الصدوق: وإن أخرجها بعد الصلاة صدقة. (1)

2. وقال المفيد: ومن أخّرها إلى بعد الصلاة فقد فاته الوقت وخرجت عن كونها زكاة الفرض إلى الصدقة والتطوّع. (2)

3. وقال ابن البراج: فإن أخرجها بعد هذه الصلاة لم تكن واجبة، وجرت مجرى الصدقة المتطوّع بها. (3)

4. وقال المحقّق: وإن لم يكن عزلها قيل: سقطت، وقيل: يأتي بها قضاء، وقيل: أداء. والأوّل أشبه. (4)

استدلّ لهذا القول بما يلي:

1.ما رواه أهل السنّة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّ اللّه عزّ وجلّ فرض زكاة الفطرة طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.(5)


1 . المقنع: 212 .   2 . المقنعة: 249 .   3 . المهذب: 1 / 176 .

4 . الشرائع:1/175. ولاحظ المعتبر:2/614، ومختصر النافع: 62 .

5 . سنن ابن ماجه:1/585، برقم 1827 .


صفحه385

2. ما رواه إبراهيم بن منصور، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «الفطرة إن أُعطيت قبل أن يخرج إلى العيد فهي فطرة، وإن كانت بعد ما يخرج إلى العيد فهي صدقة». (1)

3. أنّ زكاة الفطرة عبادة مؤقّتة فات وقتها فيتوقّف وجوب قضائها على دليل من خارج، ولم يثبت.

أقول: لا حاجة إلى الدليل الثالث، بل لا موضوع له، لأنّ موضوعه الشك في السقوط وعدمه، ومع قيام الدليل الاجتهادي ـ أعني: الروايتين ـ على السقوط، لا شك حتّى يرجع إلى تلك القاعدة.

كما أنّه لا وجه للإشكال على الرجوع إلى القاعدة بأنّ البقاء مقتضى الاستصحاب بناء على جريانه في الأحكام الشرعية الكلّية، لما عرفت من أنّه لا شكّ حتّى يرجع إلى القاعدة، أو يستشكل عليها بالاستصحاب.

فالاستدلال على البقاء بالقاعدة أو الإشكال عليه بالاستصحاب فاقد للموضوع.

إلى هنا تمّ القول الأوّل، وإليك دراسة القول الثاني.

الثاني: وجوب الإخراج قضاء

ذهب العلاّمة في «المختلف» (2) والشهيد في «الدروس» (3) إلى وجوب الإخراج قضاء. وقد استدلّ عليه بوجهين:


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.

2 . المختلف: 3 / 304 .   3 . الدروس: 1 / 250 .


صفحه386

1. أنّ المقتضي للوجوب تام والمانع لا يصلح للمانعية.

أمّا وجوب المقتضي فالدليل عليه العموم الدالّ على وجوب إخراج الفطرة عن كلّ رأس بصاع; وأمّا عدم المانع فلأنّه ليس إلاّ خروج وقت الأداء، لكنّه لا يصلح للمعارضة،إذ خروج الوقت لا يسقط الحقّ، كالدين وزكاة المال والخمس وغيرها.

يلاحظ على الاستدلال: أنّه مبني على أن يكون في مورد الفطرة ـ وراء التكليف بالإخراج ـ اشتغال الذمّة بمقدار الفطرة على وجه الدين، فعندئذ لا يزاحم خروج الوقت ثبوته في الذمّة.

وأمّا لو أنكرنا ذلك كما هو اللائح من الأدلّة وقلنا بأنّه ليس في المقام إلاّ حكم تكليفي مؤقت دون أن تشتغل الذمة بشيء، فخروج الوقت يوجب انتفاء الحكم التكليفي بانقضاء وقته.

اللّهمّ إلاّ أن يتمسّك بالاستصحاب، وهو غير هذا الدليل.

2.ما رواه زرارة في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أخرج فطرته فعزلها حتّى يجد لها أهلاً، فقال: «إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ، وإلاّ فهو ضامن لها حتى يؤدّيها إلى أربابها». (1)

وجه الاستدلال: أنّ المراد من الإخراج في قوله: «إذا أخرجها»هو العزل، وعلى ضوء ذلك يكون مع قوله: «وإلاّ»هو إن لم يعزلها فهو لها ضامن حتّى يؤدّي إلى أربابها.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2.


صفحه387

يلاحظ عليه: أنّ ما استدلّ به مبني على تفسير الرواية بالنحو الذي ذكره المستدلّ، لكنّه خلاف الظاهر،إذ الموضوع المسؤول عنه في كلا الشقين هو الزكاة المعزولة ولا بحث في غيرها، كما هو ظاهر لمن تأمّل في الرواية، وعلى هذا يتغيّر معنى الرواية ويكون المراد من قوله: «إذا أخرجها» ومقابله، هو صرفها في الفقراء وأداؤها إلى أهلها وعدم صرفها فيهم، فلا ضمان في الأوّل، لأنّ المفروض أنّه صرفها في الفقراء; بخلاف الصورة الثانية فيضمنها حتّى يؤدّيها إلى أربابها، فالمراد من الضمان هو كونه مكلّفاً ومسؤولاً عن الإيصال إلى أهلها لا كونها مضمونة بالمثل أو القيمة.

الثالث: الإخراج أداء

ذهب ابن إدريس إلى لزوم إخراجها أداء، قائلاً: بأنّ الزكاة المالية والرأسية تجب بدخول وقتها، وإذا دخل وجب الأداء ولا يزال الإنسان مؤدياً لها، لأنّ بعد دخول وقتها هو وقت الأداء في جميعه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ وجوب إخراج الفطرة وجوب مؤقّت محدّد من كلا الجانبين، فإذا خرج الوقت ينتفي كون إخراجها أداء، بل لو كان دليل على القضاء يصبح قضاء.

فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه لا دليل على وجوب الإخراج بعد خروج الوقت، فالسقوط أوفق بالقواعد.

نعم الاحتياط بإخراجها بلا تعرض للأداء والقضاء حسن .


1 . السرائر: 1 / 470 .


صفحه388

الجهة الثالثة: في تقديمها على وقتها

هل يجوز تقديم زكاة الفطرة على وقتها في شهر رمضان؟فيه خلاف بعد الاتّفاق على أمرين:

أ. لا يجوز تقديمها على شهر رمضان وإخراجها بعنوان الفطرة.

ب. يجوز تقديمها بعنوان القرض ثمّ احتساب الدين فطرة عند وجوبها، بشرط بقاء المقترض واجداً لشرط أخذ الزكاة عند الاحتساب.

إنّما الكلام في تقديمها في شهر رمضان على وقت الوجوب، وإخراجها فطرة ودفعها إلى المستحقّ قبل غروب شمس يوم العيد.

نسب الجواز إلى المشهور، فنذكر منهم ما يلي:

1. قال الشيخ في «النهاية»: ولو أنّ إنساناً أخرجها قبل يوم العيد بيوم أو يومين أو من أوّل الشهر إلى آخره لم يكن به بأس.(1)

2. وقال في «المبسوط»: فإن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين أو من أوّل الشهر إلى آخره كان جائزاً، غير أنّ الأفضل ما قدمناه.(2)

3. وقال في «الخلاف»: وقت إخراج الفطرة يوم العيد قبل صلاة العيد، فإن أخرجها بعد صلاة العيد كانت صدقة، فإن أخرجها من أوّل الشهر كان جائزاً.(3)


1 . النهاية: 191 .   2 . المبسوط: 1 / 242 .

3 . الخلاف:2/155، كتاب الزكاة، المسألة 198 .


صفحه389

4. وقال ابن البراج: وقد ورد جواز تقديم إخراجها في شهر رمضان، والأفضل إخراجها في الوقت المضروب لوجوبها.(1)

5. وقال ابن حمزة: ويجوز تعجيلها من أوّل شهر رمضان. (2)

6. وقال ابن سعيد: ويجوز تعجيل الفطرة من أوّل الشهر. (3)

7. وقال المحقّق في «المعتبر»: ويجوز تقديمها من أوّل الشهر. وبه قال الشافعي، لأنّ سبب الصدقة الصوم، والفطر عنه، فجاز التقديم لوجود أحد السببين، كتقديم زكاة المال بعد كمال النصاب وقبل الحول. (4)

وقال العلاّمة في «التذكرة»: «يجوز تقديم الفطرة من أوّل رمضان ـ لا عليه ـ عند أكثر علمائنا. وبه قال الشافعي، لأنّ سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحدهما جاز تعجيلها، كزكاة المال بعد ملك النصاب. (5)

ولأجل هذه الأقوال نسب الشهيد الجواز إلى المشهور في «الدروس».(6)

والعجب أنّ صاحب المدارك نسب المنع إلى المشهور. (7)

نعم اختار المحقّق في «الشرائع»عدم الجواز. (8)

وقال ابن قدامة: يجوز تقديم الفطرة قبل العيد بيومين لا يجوز أكثر من


1 . المهذب: 1 / 176 .   2 . الوسيلة: 131 .   3 . الجامع للشرائع: 139 .

4 . المعتبر: 2 / 613 .   5 . التذكرة: 5 / 397 .   6 . الدروس: 1 / 250 .

7 . المدارك: 5 / 345 .

8 . الشرائع: 1 / 175 .


صفحه390

ذلك، وقال ابن عمر:كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين، وقال بعض أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر.

وقال أبو حنيفة: ويجوز تعجيلها من أوّل الحول.

وقال الشافعي: ويجوز من أوّل شهر رمضان، لأنّ سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها كزكاة المال بعد ملك النصاب. (1)

وبالرغم من ذهاب المشهور من علمائنا إلى الجواز فإنّ مقتضى القاعدة هو عدم الجواز، فإنّ إيجاب الفطرة في أوّل شهر رمضان قبل حصول شرط الوجوب ـ أعني: رؤية الهلال ـ على خلاف القاعدة وخلاف ما ارتكز عليه العرف، وتصحيح الجواز عن طريق الشرط المتأخّر وإن كان أمراً ممكناً لكنّه يحتاج إلى دليل.

ويمكن أن يستأنس للمنع بما ورد في تقديم زكاة المال على وقت وجوبها، فقد تضافر المنع عليه وشبّهه الإمام بالصلاة قبل الوقت. (2)

فلم يبق في المقام ما يمكن أن يستدلّ به على الجواز إلاّ صحيحة الفضلاء لكن ذيلها مشتمل على جواز إخراج نصف صاع من الحنطة مكان صاع من الشعير.

عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّهما قالا: على الرجل أن يعطي عن


1 . المغني: 2 / 668 .

2 . لاحظ الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء (للمؤلّف): 2 / 428 المسألة 4 من الفصل التاسع .


صفحه391

كلّ من يعول من حر وعبد، وصغير وكبير، يعطي يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل، وهو في سعة أن يعطيها من أوّل يوم يدخل من شهر رمضان.(1)

نعم حملها المانعون على القرض، ولكنّه ليس بتام، لأنّ الإقراض غير محدّد بشهر رمضان، بل يجوز قبله، والأولى أن يقال:إنّ اشتمال الصحيح على الحكم الشاذّ، وإنّ حكم زكاة الفطرة كحكم زكاة المال يصدّان الفقيه عن الإفتاء على وفقها.

في جواز عزلها من مال مخصوص

في المسألة فروع خمسة هي:

1. جواز عزل زكاة الفطرة في مال مخصوص من الجنس والنقد.

2. النيّة حين العزل والدفع.

3. عزل أقلّ من صاع.

4. عزلها في مال أزيد من الفطرة بحيث يكون المعزول مشتركاً بينه وبين الزكاة.

5. عزلها في مال مشترك بينه وبين غيره.

وإليك دراسة هذه الفروع واحداً تلو الآخر:


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4; ونقل الذيل في الباب 6، الحديث 14 .


صفحه392

1. عزلها في مال مخصوص

لقد تضافرت الروايات كالفتاوى على مشروعية العزل وأرسلوه إرسال المسلّم.

قال الشيخ في «المبسوط»: فإذا كان يوم الفطر أخرجها وسلّمها إلى مستحقّها، فإن لم يجد له مستحقّاً عزلها من ماله، ثمّ يسلّمها بعد الصلاة أو من غد يومه إلى مستحقّها، فإن وجد لها أهلاً وأخّرها كان ضامناً، وإن لم يجد لها أهلاً وعزلها لم يكن عليه ضمان.(1)

وقال المحقّق: فإن خرج وقت الصلاة وقد عزلها، أخرجها واجباً بنية الأداء.(2)

وقال في «المعتبر»: فإن كان عزلها أخرجها مع الإمكان. (3)

وقال العلاّمة: يجوز العزل كزكاة المال، فإذا عزلها ولم يخرجها مع القدرة ضمن، وإن لم يتمكّن فلا ضمان. (4)

وقال في «المنتهى»: يصحّ العزل إذا عزلها المالك كزكاة المال. (5)

وقال في «المدارك»: المراد بالعزل: تعيينها في مال بقدرها، وإطلاق عبارات الأصحاب تقتضي جوازه مع وجود المستحق وعدمه.(6)

وقال في «الحدائق»: الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب ـ رضوان اللّه


1 . المبسوط: 1 / 242 .   2 . الشرائع: 1 / 175 .   3 . المعتبر: 2 / 613 .

4 . التذكرة: 5 / 397 .   5 . المنتهى: 1 / 541 .   6 . المدارك: 5 / 349 .


صفحه393

عليهم ـ في أنّه متى عزل الفطرة، أي عيّنها في مال مخصوص قبل الصلاة، فإنّه يجوز إخراجها حينئذ بعد ذلك وإن خرج وقتها. (1)

إلى غير ذلك من الكلمات المتضافرة.

وأمّا الروايات فهي أيضاً متضافرة نكتفي منها بما يلي:

1.ما رواه الصدوق عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الفطرة؟ قال: «إذا عزلتها فلا يضرك متى أعطيتها، قبل الصلاة أو بعدها». (2)

2. ما رواه الشيخ عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «في الفطرة إذا عزلتها وأنت تطلب بها الموضع أو تنتظر بها رجلاً فلا بأس به». (3)

3. ورواية سليمان بن حفص المروزي قال: سمعته يقول:إن لم تجد من تضع الفطرة فيه، فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة.(4)

4. وفي الصحيح عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أخرج فطرته فعزلها حتّى يجد لها أهلاً؟ فقال: «إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ، وإلاّ فهو ضامن لها حتّى يؤدّيها إلى أربابها». (5)

ثمّ إنّ ظهور الروايات في العزل من الجنس لا يعمّ العزل من القيمة،


1 . الحدائق: 12 / 307 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 4 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 5 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1 .

5 . الوسائل: ج 6، الباب 13 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 .


صفحه394

ولكن العزل منها تابع لحكم الفطرة بما هي فطرة، فإذا جاز دفعها من القيمة جاز عزلها منها أيضاً.

هذا وانّ المهم هو عزل المالية المشتركة بين الجنس والقيمة، وهو حاصل في تلك الصورتين.

2. النية حين العزل والدفع

إذا كان العزل بمعنى تعيين الزكاة في مال مخصوص فيحتاج إلى النية لتعيين ما عزل في الفطرة، وهو يحصل بالنية حين العزل، والأحوط بقاؤها إلى حين الدفع أو تجديد النية حينه.

3. عزل أقل من صاع

هل يجوز عزل الأقل من صاع أو لا؟

قال في «المسالك»: ولو عزل أقلّ منها، اختص الحكم به. (1)

ويستأنس للجواز بوجهين:

أ. ولاية المالك على التعيين التي لا فرق فيها بين الكلّ والجزء.

ب. المراد من عزل الفطرة عزل الجنس الصادق على الجزء والكلّ.(2)وقد تأمّل في الوجهين، ولعلّ وجه التأمّل في الأوّل أنّ للمالك الولاية في


1 . المسالك: 1 / 452 .

2 . المستمسك: 9 / 433 .


صفحه395

تعيين ما يصدق عليه أنّه فطرة، أي الصاع من بين الأصوعة الكثيرة، لا تعيين ما لا يصدق عليه الفطرة كنصف صاع.

وعلى الثاني المتبادر من الروايات تعيين الفطرة التي ليست بأقلّ من صاع والأقل من صاع ليس فطرة.

وأمّا الولاية على القدر المشترك بين الكلّ والجزء فلم تثبت.

4. عزلها في مال أزيد من الفطرة بحيث يكون المعزول مشتركاً بينه وبين الزكاة

لو عزل صاعين على أن يكون أحدهما فطرة دون الآخر على وجه الإشاعة، أو عزل صاعين مشتركين بينه وبين شخص آخر.

قال في «المسالك»: ومن تحقّق العزل مع زيادته عنها احتمال، ويضعف بتحقّق الشركة وانّ ذلك يوجب عزلها في جميع ماله، وهو غير المعروف من العزل.

وأورد عليه في «الجواهر»بأنّ المدار هو صدق العزل عرفاً، ولا ريب في عدم صدقه في جميع المال.(1)

أقول: لعلّ كلمة العزل لا تساعد الشركة، بل تطلب لنفسها تعين الفطرة في مال مخصوص، ومع الشركة لا تعيين، فالأحوط تركه.

5. وممّا تقدّم يعلم حكم عزلها في المال المشترك بينه وبين غيره، فلا نعيد.


1 . الجواهر: 15 / 535 .


صفحه396

إذا عزلها وأخّر دفعها إلى المستحقّ

إذا عزل الزكاة وتلفت، فإن تمكّن من الدفع إلى المستحق وأخّر وتلف فهو ضامن، وإلاّ فليس ضامناً.

والروايات المفصّلة بين التمكّن وعدم التمكّن في الضمان ناظرة إلى زكاة المال ففي صحيح محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل بعث بزكاة ماله لتقسّم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسم؟فقال: «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن». وبهذا المضمون رواية زرارة. (1)فلو قلنا بإلغاء الخصوصية وانّ الحكم راجع إلى طبيعة الزكاة، يكون للتفصيل في المقام وجه، وإلاّ فيكون المرجع هو القواعد العامّة، وهو أنّ المالك يضمن عند التعدّي والتفريط دون غيرهما، وتظهر الثمرة أنّه إذا أخّر الدفع لغاية عقلائية كدفعها لمن فيه مرجح كالرحم والجار وغيرهما وتلف فلا يضمن على القاعدة، لعدم التعدّي والتفريط، بخلاف ما إذا قلنا بالملاك السابق وهو تأخير الدفع مع وجود المستحق.

والظاهر أنّ التفكيك بين الزكاتين مع دخولهما تحت عنوان الصدقات أمر بعيد، فما ذكره صاحب العروة (2) هو الأقوى، إلاّ إذا دلّ الدليل على تفريق البابين، كما في بعض المسائل الآتية، وهذا هو الظاهر من كثير من الأصحاب ودونك كلماتهم:


1 . الوسائل:6، الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 1 و 2 .

2 . العروة الوثقى: 2 / 363، كتاب الزكاة، فصل في وقت وجوبها، المسألة 3 .


صفحه397

قال الشيخ في «المبسوط»: فإن وجد لها(الفطرة) أهلاً وأخّر كان ضامناً، وإن لم يجد لها أهلاً وعزلها لم يكن عليه ضمان.(1)

وقال ابن حمزة في «الوسيلة»: فإن لم يجد المستحق وعزل عن ماله وتلف لم يضمن. (2) فإنّ مفهومه هو الضمان عند التمكّن من المستحق.

وقال ابن إدريس: فإن لم يجد لها مستحقاً عزلها من ماله ثمّ سلمها إليه إذا وجده، فإن وجد لها أهلاً وأخّرها وهلكت كان ضامناً إلى أن يسلّمها إلى أربابها، فإن لم يجد لها أهلاً وأخرجها من ماله لم يكن عليه ضمان.(3)

وقال ابن سعيد في جامعه: فإن لم يحضر مستحقّها، عزلها وانتظر المستحقّ، فإن تلفت بغير تفريط فلا ضمان عليه. (4)

وقال المحقّق: وإذا أخّر دفعها بعد العزل مع الإمكان، كان ضامناً، وإن كان لا معه لم يضمن. (5)

وستوافيك كلمة ابن البراج في المسألة الثانية التي نزّل فيها عزل الفطرة ونقلها منزلة زكاة الأموال في العزل والنقل.

كلّ ذلك يورث الاطمئنان بأنّ الزكاتين تندرجان تحت باب واحد، إلاّ إذا دلّ الدليل على الفرق، كما في الإعطاء للمستضعف فإنّه يجوز في المقام دون زكاة الأموال على ما مرّ.


1 . المبسوط: 1 / 242 .   2 . الوسيلة: 131 .   3 . السرائر: 1 / 470 .

4 . الجامع للشرائع: 139 .

5 . الشرائع: 1 / 175 .


صفحه398

هل يجوز نقلها بعد العزل إلى بلد آخر؟

هذا هو المورد الثاني من الموارد التي عطف الأصحاب فيها زكاة الرؤوس على زكاة الأموال فقالوا بجواز النقل مع الضمان إذا كان هناك مستحق، وإليك بعض الكلمات:

1. قال الشيخ: ولا يجوز حمل الفطرة من بلد إلى بلد آخر إلاّ مع الضمان. (1)

وقال ابن البراج: والحكم في حملها من بلد إلى آخر كالحكم فيما ذكرنا في زكاة الأموال، وكذلك الحكم في عزلها.(2)

هذا ويظهر من الشيخ في «النهاية» عدم الجواز إذا كان هناك مستحق.

3. قال الشيخ: لا يجوز حمل الفطرة من بلد إلى بلد، وإن لم يوجد لها مستحق من أهل المعرفة جاز أن تعطى المستضعفين من غيرهم. (3)

4. وقال المحقّق في «المعتبر»: ولو قال الصدقة لا تحمل إلى غير بلدها وإنّما تحمل الجزية، قلنا: ولعلّه لم يجد هناك مستحقاً فجاز حملها لذلك. (4)والعبارة تحكي عن عدم الجواز إذا كان هناك مستحق.

5. وقال في «الشرائع»: ويجوز الحمل مع عدم المستحق، ومفهومه عدم الجواز مع وجوده. (5)


1 . المبسوط: 1 / 242 .   2 . المهذب: 1 / 175 .   3 . النهاية: 192 .

4 . المعتبر: 2 / 609 .

5 . الشرائع: 1 / 175 .


صفحه399

6. وقال العلاّمة: ويجوز نقلها إلى غير البلد مع عدم المستحق فيه لا مع وجوده فيه. (1)

وعلى الرغم من ذلك يمكن التوفيق بين هذه الكلمات من تفسير عدم الجواز بالحكم الوضعي وهو الضمان لو تلف وإن كان بعيداً عن ظاهرها.

هذه هي كلمات الأصحاب، وقد عرفت أنّ المتبادر من الروايات أنّ الحكم لطبيعة الزكاة وأنّ المورد غير مخصّص من دون فرق بين زكاة وزكاة.

نعم بقيت روايتان إحداهما موثّقة والأُخرى صحيحة.

أمّا الأُولى فهي موثّقة الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، وجاء فيها: «ولا تنقل من أرض إلى أرض، وقال: الإمام يضعها حيث يشاء ويصنع فيها ما رأى». (2)

وأمّا الأُخرى فهي رواية علي بن بلال وجاء فيها: «ولا يوجّه ذلك إلى بلدة أُخرى وإن لم يجد موافقاً». (3)

والحديثان وإن كانا ظاهرين في الحرمة، إلاّ أنّ القائلين بجواز النقل حملوهما على الكراهة، ويمكن أن يقال: إنّ النهي كان نهياً مؤقتاً، لأجل وجود المفسدة في نقل الزكاة من بلد إلى بلد مع وجود الفقراء في جيران الرجل.


1 . التذكرة: 5 / 397 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3.

3 . المصدر نفسه، الحديث 4.


صفحه400

ويؤيّد ذلك رواية إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن صدقة الفطرة أعطيها غير أهل ولايتي من فقراء جيراني؟قال: «نعم الجيران أحقّ بها لمكان الشهرة». (1)

فإنّ جيران الرجل كانوا من غير أهل الولاية وكانوا يتوقّعون وصول الزكاة إليهم، فنقلها إلى مكان آخر يثير الشكوك واشتهار الرجل بهذا الأمر المورث لمشاكل عديدة.

وممّا يؤيّد كون النهي للكراهة أو لوجود مفسدة مؤقتة في النقل، هو جواز نقل زكاة الفطرة إلى الإمام، فقد بعث محمد بن إسماعيل بن بزيع زكاته إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فكتب الإمام بخطه: «قبضت».(2)

في أفضلية أداء زكاة الفطرة في بلد التكليف

هنا فرعان:

الأوّل: الأفضل أداؤها في بلد التكليف بها وإن كان ماله في بلد
آخر، ويدلّ عليه ما عرفت من موثّقة الفضيل وصحيحة علي بن بلال الماضيتين.

الثاني: إذا كان بلد التكليف مغايراً لبلد المال لكن عين الفطرة في ذلك المال، فلو نقلها عن ذلك البلد إلى بلد التكليف أو بلد آخر، فحكمه حكم


1 . المصدر نفسه، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 1; ولاحظ الحديث 2 .


صفحه401

مطلق النقل من عدم الضمان إذا لم يتمكّن من دفعه إلى المستحق وضمانها مع وجود المستحق في بلد المال.

إذا عزلها في مال معين لا يجوز له تبديلها

إذا عزلها في مال معين فليس له التبديل، لأنّ الفطرة تعيّنت فيه، وليس له الولاية على التبديل وإن كان له الولاية على العزل.

نعم إذا اقتضت مصلحة الفقير التبديل، فيقوم به بإذن الحاكم، وإلاّ فبإذن عدول المؤمنين.


صفحه402

الفصل الخامس

في مصرفها

هنا فروع ثلاثة:

الأوّل: مصرف زكاة الفطرة، هو مصرف زكاة المال.

الثاني: يستثنى من هذه القاعدة أنّه يجوز إعطاء الفطرة للمستضعفين من أهل الخلاف عند عدم وجود المؤمن دون زكاة المال. والأحوط الاقتصار